Advertisement

التنبيه على الألفاظ في الغريبين


الكتاب: التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها وضبطها تصحيف وخطأ في تفسيرها ومعانيها وتحريف في كتاب الغريبين عن أبي عبيد أحمد بن محمد المؤدب الهروي
المؤلف: محمد بن ناصر بن محمد بن علي، أبو الفضل السلامي (المتوفى: 550هـ)
تحقيق ودراسة: حسين بن عبد العزيز بن عمر باناجه
الناشر: كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسّر
قال الشيخُ الإمامُ الحافظُ، أبو الفضلِ محمدُ بنُ ناصرٍ البغداديّ:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتَّقينَ، وصلَّى الله على سيِّدِ ولدِ آدمَ، محمدِ بنِ عبدِ اللهِ، النبيّ الأميّ عبدهِ ورسولهِ، وخيرتِه منْ خلقهِ، وعلى آله وسلّم تسليماً.
أمّا بعدُ فإنّ الشيخَ الحافظَ أبا محمَّدٍ الحسنَ بن أحمدَ السمرقنديّ نزيل (نَيسابورَ)، كتبَ إلينا على يدي الأميرِ الحافظِ أبي نصرِ بنِ ماكُولا، في سنةِ
(1/141)

ثمانٍ وستِّين وأربعمائةٍ بالإجازةِ عنهُ بجميعِ مسموعاتهِ ورواياتهِ منْ جميعِ العلومِ، وأذِنَ في الروايةِ على شَرْطِ الإجازةِ. فكان منْ جملةِ مسموعاتِه كتابُ الغريبين، تأليفُ أبي عبيدٍ أحمدَ بن محمدٍ الهرويّ المؤدّبِ، صاحبِ أبي منصورٍ الأزهريَّ - الهَروي مؤلف: تهذيبِ اللغةِ، رحمهم الله.
وأخبرنا بهِ عنِ الشيخِ أبي عثمانَ إسماعيلَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي أحمدَ بنِ إبراهيم الصابونّي عن مصنِّفه أبي عبيد.
ثم قدمَ علينا مدينةَ السلامِ الشيخ الحافظ أبو القاسم زاهرُ بنُ طاهرِ بنِ محمَّد
(1/142)

الشَّحامي المستملي النيسابوري بإجازة في سنة خمسٍ وعشرينَ وخمسمائة، فنزل في رِباط شيخِ الشيوخ أبي البركات إسماعيل بن أبي سعيد الصوفي، ثم انتقل منه إلى رباط الشيخ الإمام برهان الدين عليِّ بن الحسين الغَزْنوي بباب
(1/143)

الأزج على شط دجلة، فأكرمَ مثواهُ، وأحسنَ ضيافته، فحضرنا عندَه هناك لنسمعَ منه أحاديثَ كان قد خرَّجها عن شيوخهِ العوالي في أجزاء، فقرأناها عليه في الرِّباط، وسمعها برهان الدين معنا، فذكر لنا أنَّ الشيخَ أبا عمر
(1/144)

عبدَ الواحدِ بن أحمدَ بن القاسمِ المَليحيّ الهرويّ أجاز له رواية جميع مسموعاتهِ، ومن جملتها كتابُ أبي عبيد الهروي.
وسَمِعَه المليحيّ من أبي عُبَيدٍ، فحضر بعضُ طلبةِ الحديثِ ومعهُ من الأدباء الشيخُ
الأديبُ أبو محمَّد الخشّابي، فسألاه أن يسمعا منه الكتاب فأجابهما إلى ذلك، فقرأ الأديب أبو محمد على الشيخِ أبي القاسمِ الشّحاميّ كتاب أبي عبيد هذا، وكنت حاضراً أسمعُ القراءة عليه.
وأخبرنا أيضاً به إجازة عن أبي عثمان الصابونّي عن أبي عبيد، وأحضرتُ نسخةً بالكتاب مسموعة من أبي عُمَر المليحيّ وأبي عثمان الصابوني، والنسخة وقفٌ، فقرِئَ عليه منه إجازة عن الشيخينِ عن المصنّف في رباطِ الشَّيخ الإمامِ العالمِ برهانِ الدِّين عليّ بنِ الحسينِ الغزنويّ، أيَّده الله، وحضر قراءة
(1/145)

الكتاب فسمعه أجمعَ، وأحضرَ نسخةً له فعُورِض بها وقتَ القراءةِ، وكتبتُ فيها سماعَنا بخطي، فعثرت فيه على كلمات في أحاديث قد وقع في ألفاظها تغيير وتصحيفٌ، وقد فُسِّرتْ على التصحيف بما لا يوافقُ الحديثَ ولا معناه، وسمعتُ فيه تفسير آيات غير جائز ولا مسموع، وتأويلات بعيدة من المعاني المذكورةِ في كتبِ المعاني التي قالَتْها علماءُ العربيَّةِ ونَقَلةُ التَّفاسيرِ عن السّلفِ. ولا يليقُ ما ذكره بالقرآنِ والحديثِ، إذ القرآن لا يفسَّر بالرأي، وإنما يفسر بما نقل في السنة والأثر، ووافق لغة العرب. فأكثرتُ منْ ذلك تعجُّبي، إذ قال في ابتداء الكتاب: وليس لي فيه قولٌ إلاَّ أني جمعتُ فيه أقوالَ العلماءِ وألَّفت ذلك، ولم أرَ ما ذكره مما خالفَ فيه النَّقلَ والصوابَ مَسْطوراً في كتاب مفسّر غيره. فحضر عندي بعض أهلِ العِلمِ، وله فهمٌ بالتفسير والمعاني، فتفاوضنا ذكر ما وقع في الكتاب من الأغلاط والأوهام، فسأني أن
(1/146)

أفرد ذلك في جزء ليعرف، فاعتذرت إليه باشتغالي بقراءة الحديثِ والنَّسخِ وغير ذلك. ثم إنّه كرَّر عليّ السؤال، وهو ممَّن يوجبُ سؤالُه، فعلقت منه ما وقع فيه التَّصحيفِ في حالِ القراءةِ والسماعِ، ولم أتتبعِ الكتابَ بالنظرِ والاستقصاءِ، إذ فيه أشياءُ تحتاج إلى نظرٍ وتأمّلٍ وتدبّرٍ، فجرّدت منه الألفاظَ التي وقع فيها السَّهو والتّحريف، والغلَطُ والتَّصحيفُ، وإنْ كانَ الكتابُ المصنَّفُ لا يَعْرى مصنّفه من غلطٍ وسهوٍ.
وقد سبق العلماءُ إلى أخْذِ بعضِهم على بعضٍ فيما وقعَ منْهم في كتبهِم مِنْ سَهْوٍ وتصحيفٍ.
وقد صنَّفوا كتباً، فهذا أبو سعيدٍ عبدُ الله بنُ الوليدِ صَعُوْداءُ الكوفيُّ قد أخَذَ على أبي عُبَيدٍ القاسمِ بن سلاّم
(1/147)

البغداديّ ألفاظاً في غريب المصنَّف الذي صنّفه أبو عبيد وجعله كتاباً. وكذلك أبو محمَّد بنُ قتيبةَ الدينوريّ قد أخَذَ على أبي عبيدٍ في غريب الحديث ألفاظاً وسماه: غلط أبي عبيد في جزء كبير. وكذلك الزجاج أبو إسحق النَّحوي قد أخذَ على
(1/148)

ثَعْلب في كتاب الفصيح أوهاماً نحواً من عشرة أحرفٍ قد ذُكِرَت في جزءٍ وهو سماعنا وقد أخذَ أبو بكر بنُ الأنباري على أبي حاتم السجستاني في كتاب الوقف والابتداء، ورَدَّ عليه في مواضعَ كثيرة.
(1/149)

وكذلك ردَّ على أبي محمَّد ابن قتيبة في كتابه المسمَّى بـ المشكل في أكثره في الكتاب الذي صنَّفه ابن الأنباريّ وهو روايتنا.
وكذلك أبو محمد بن درستويه النحوي أيضاً قد رد على جماعة من العلماء، مثل قطرب وغيره. وكذلك أبو العبّاس المبرّد النحويّ قد رد على
(1/150)

سيبويه النحوي في كتابه، وصنّفَ فيه كتاباً. وكذلك غيُرهم من علماءِ اللُّغة قد أخذ بعضُهم على بعضٍ، وكذلك أصحاب الحديثِ الحُفَّاظ قد أخَذَ بعضُهم على بعضٍ، فهذا الخطيب الحافظ، أبو بكر صاحب تاريخِ بغدادَ قد صنّف كتاباً سمّاه الأوهام، وهو أربعة عشر جزءاً سماعنا، ذكر فيه ما وهم فيه الإمام أبو عبد الله مالكُ بن أنسٍ، وشعبة بن الحجاج والإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل وغيرهم، مثل البخاري ومسلم ومن يَجْري مجراهما. وكذلك الحافظ الأمير أبو نصر بنُ ماكولا ألّف كتاباً في أوهام الحفّاظ في كتب المؤتلف والمختلف في الأسماء، رد فيه على الشيخ أبي الحسن الدارقطنيّ، والشيخ أبي محمد عبد الغني بن سعيد المصري، والشيخ أبي
(1/151)

بكر الخطيب الحافظ أيضاً، والكتاب عشرة أجزاء بخطه، وهو روايتي عنه بالإجازة.
وقد وهم الأمير أبو نصر أيضاً في كتابه الذي سمّاه: الإكمال في المؤتلف والمختلف في مواضع كثيرة، وصحف بعض الأسماء التي تجمع وتذكر في كتاب مفرد إن شاء الله تعالى.
وقد جمع أبو الحسن الدارقطني، رحمه الله كتاباً في تصحيف العلماء والحفاظ نحو من عشر كراريس، وهو من سماعنا. وليس في ذلك عيب ولا نقص عليهم، إذ الإنسان قد جبل على الخطأ والنسيان، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما -: (إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه ينسى).
(1/152)

وأول من نسي أبونا آدم، عليه السلام.
(1/153)

وإنما تعد أغلاط العلماء وسقطات الفضلاء، فأما الجهَّال فلا يعبأ بهم وبقولهم. وإنما أخذ العلماء بعضهم على بعض فيما يقع سهواً أو خطأ، نصيحةً منهم للعلم وحِفْظه، ولئلا تكون خيانة منهم لطالب العلم، ولم يقصدوا بذلك عيب بعضهم لبعض إذ كان الله سبحانه قد برَّأهم من ذلك ونزّههم عنه.
وليس ذكرهم ذلك غيبة، وإن كان ذلك في المذكور، لا وإنما قصدهم النفع لحملة العلم، ولولا ذلك لما ذكرت مما عثرت عليه حرفاً. والفضل لمن سبق من أهل العلم وهم القدوة لمن جاء بعدهم، فبقولهم نهتدي، ولهديهم نقتفي، وبعملهم نقتدي، فرحمة الله عليهم ورضوانه، وجزاهم عنا أفضل الجزاءِ، وأعلى درجاتهم في الجنان، وجعلنا من العاملين بالعلم، والمتتبعين لأهله بفضله وكرمه، إنه سميع الدعاء، جزيلُ العطاء.
فممّا وقعَ تصحيفٌ في لفظة وخطأ في تفسيره، قال في باب الباء مع الشين: في الحديث: ما مِنْ رجلٍ له إبلٌ وبقرٌ لا يؤدِّي حقَّها إلا بُطِحَ لها يومَ القيامةِ بقاع قَرْقَرٍ، ثُمَّ جاءَت كأكثرِ ما كانتْ وأبْشَرِه، أي أحْسنه.
قلت: وهذا حديث رواه أبو هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو حديثٌ مشهور صحيحٌ معروفٌ.
(1/154)

وقد وقع في هذه اللفظة تصحيف، وهو قوله:
(وأبشره)، وإنما هو: (آشره) يعني: أنشطه، مأخوذ من الأَشَر، وهو النشاط والمرح، لا من البِشْر الذي هو الحسن. ولفظ الحديث: (كأغذِّ ما كانت وآشره) من قولهم: أغذ في السير، أي أسرع وجدّ، يعني أن الإبل التي لم تؤدَّ زكاتُها يبطَح لها صاحبها بأرض مستوية يوم القيامة فتطؤه بأخفافها، وتجيء كأغذِّ ما كانت وآشرِه، أي كأسرع ما تمشي وآشره، أي أنشطه ليكون أقوى لوطئها، لا أنَّ الإبل تكثر وتحسن، هذا لا معنى فيه لعذابه، وهو مبين في الحديث. وهذا الحديث فيما رواه أبو بكر بن المفيد، عن أحمد بن عبد الرحمن
(1/155)

السقطي، عن يزيد بن هارون.
وقد أخبرناهُ الشيخُ الصالحُ أبو الحسينِ، المبارك بن أبي القاسم
(1/156)

الحمّامي، قراءةً عليه من كتابه، قال: أنبا أبو القاسم عبد العزيز بن أحمد القرميسني، قراءةً عليه، قال: ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد
(1/157)

المفيد في شوال سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، قال: ثنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن السقطي، قال: حدثنا أبو خالدٍ يزيدُ بنُ هارون الواسطي قال: ثنا شعبة عن قتادةَ، عن أبي عُمَر الغدَّاني، عن أبي هريرة قال: مرّ به رجل من بني عامر فقيلَ لهُ: هذا مِنْ أكثرِ الناس مالاً. فدعاه أبو هريرة فسأله فقال: نعم لي مائة أَدماءُ، ومائةٌ حمراءُ، ولي كذا وكذا، فقال له أبو هريرة: إيَّاك وأخفافَ الإِبل وأظلافَ الغنم، فإني سمعت
(1/158)

رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: ما مِنْ رجلٍ له إبلٌ لا يؤدِّي حقَّها في نَجْدتها ورِسْلِها: عُسْرها ويُسْرها، إلاَّ برزَت له يومَ القيامةِ بقاعِ قَرْقَرٍ فجاءَت كأغذّ ما يكونُ وآشره وأسمنهِ أو أعظمه، تطؤه بأخْفافها، كلّما جازَتْ عليه أُخْراها أُعيدَت عليه أوُلاها حتى يُقْضَى بينَ النَّاسِ فيرى سبيله. وما مِنْ رجلٍ له بقرٌ لا يؤدِّي حقَّها في نَجْدتها ورِسْلها، قال رسولُ الله: ونجدتُها ورسلُها: عُسْرها ويُسْرها، إلاَّ برزَتْ له بقاعٍ قَرْقَرٍْ، فجاءته يومَ القيامةِ كأغذّ ما كانت، وآشرِه وأسمنه، أو أعظمه، تطؤُه بأظلافها في يومٍ كانَ مقدارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتى يقضى بين
الناسِ فيرى سبيله. وما مِنْ رجلٍ له غَنَمٌ لا يؤدي حقها في نجدتها ورسلها، قال النبي، صلى الله عليه وسلم، ونجدتُها ورِسْلُها: عُسْرها ويُسْرها، إلاَّ برزَتْ له يومَ القيامةِ بقاعٍ قَرْقَرٍ فجاءَتْه كأغذّ ما تكون وآشره وأسمنه، أو أعظمه تطؤه بأظلافها، وتنطحه
(1/159)

بقرونِها، كلَّما جازت عليه أُخْراها أُعيدَت عليه أوُلاها في يومٍ كانَ مقدارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتّى يقضى بين الناس فيَرى سبيلَه. قال الأعرابيّ: وما حقّها؟ قال: تَمْنَح الغزيرةَ وتعطي الكريمةَ، وتحمِل على الظهر، وتَسْقي اللبن.
(1/160)

وكذلكَ رواهُ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلَ، رحمه الله في مسند أبي هريرة الذي جمعه عن شيوخه، ورواه أيضاً في مسند جابرٍ نحوَه. ورواه أبو عبيد القاسمُ ابن سلاّم في كتابه، كتاب الأموال في أول كتابِ الزكاةِ في باب: ما جاء في التغليظ على مانعي الزكاة عن أبي هريرةَ نحوَه. وعن عبدِ الله بنِ مَسْعودٍ عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، وعن جابرِ بنِ عبدِ الله، رضي الله عنهما عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم نحو حديثِ أبي هريرة. ورواه أحمدُ أيضاً في مسندِ جابرِ نحوه، وكذلك غيرهما من أئمةِ الحديثِ، وكلّهم ذكروه: وآشره، بهمزةٍ ممدودة بعدَها شينٌ معجمةٌ من غيرِ باءٍ بينَهما، هذا هو المعروفُ.
(1/161)

فأمَّا ما ذكره مصنفُ الغريبِ أبو عبيد من قولِه: وأَبْشَرِه، بالباءِ والشينِ في هذا الحديثِ، فلم أرَهُ في كتابِ أحدٍ لا سمعناه إلا عنه في كتابه، ولعله اشتبه عليه حين نقله فزاد فيه الباء وفسّره، ولم يبلغْه الحديث ولا سمعَه، ولم يكن له أن يفسّر لفظَ حديثِ النبيِّ، صلى الله عليه وسلم على ظنِّه من غيرِ أنْ يأخذَه سَمَاعاً منْ ألفاظِ العلماءِ الذينِ عنوا بالحديث، وأحكموا نقله وصحّحوا لفظهُ ممن حفظوه عنه. وقد أخطأ في ذلك، عفَا الله عنّا وعنه برحمتِه.
(1/162)

وممّا وقعَ تصحيفٌ في لفظِه، وخطأٌ في تفسيِره، في بابِ الباء والقاف، قال في حديثِ عائشة، رضي الله عنها، في وصفِها لأبيها في خطبتِها: ما اختلفُوا في
بُقْطة، قالَ شَمِرٌ: هي البُقْعَةُ منْ بقاعِ الأرض.
تقول: ما اختلَفُوا في بقعةٍ من بقاعِ الأرضِ قالَ: ويقعُ قولُ عائشةَ على البُقْطَةِ منَ الناسِ وهي الفِرْقَةُ. هذا ما ذكَرَهُ في كتابِه عن شَمِر فيما حكاهُ عنهُ وحرّف ما ذكره شيخُهُ أبو مَنْصورٍ الأَزْهَريِّ.
فإنَّ أبَا مَنْصورٍ الأَزْهريّ ذكرَ في كتابِه تهذيب اللغة في حرف القاف: بُقْطَة قال شَمِر: قال بعضُ الرُّواةِ في حديثِ عائشة: فوالله ما اختلَفوا في بُقْطَةٍ إلاَّ طارَ أبي بحظّها. قالَ: والبُقْطة: من بقاعِ الأرضِ، تقولُ: ما اختلفوا في بقعةٍ من البقاع. يقال: أمسينا في بقعة معشبة، أي في رقعة من كلأ. قال: ويقعُ قولُ عائشة على البُقْطةِ منَ الناسِ وعلى البقعةِ منَ الأرضِ. والبُقْطَة منَ الناسِ: الفِرقة.
(1/163)

فهذا ما حكاهُ الأزهريّ عن شَمِر وما فسّره في قولِ هذا الراوي المجهول ولم يذكرهُ الأزهريّ على القَطْعِ على أنّه بُقْطَة - بالباءِ - وأنَّه لم يَرْوِ غيرَ ذلك، وإنّما استغراباً ممَّن ذكرَهُ فوجهُ خطأ أبي عُبَيد الهرويّ أنَّه لم يَحْكِهِ كما حَكَاهُ أستاذُهُ، وجعَلَه أصلاً في هذهِ الكلمةِ.
وقولُ شَمِر: قالَ بعضُ الرُّواةِ في حديثِ عائشةَ: ما اختلَفوا في بُقْطةٍ، ولا ذكرَهُ ولا نَسَبهُ ولا عرَّفه بشيءٍ فيعلم: أهوَ ثقةٌ فيما حَكَى، أمْ جاهلٌ بما روى؟.
فهو مجهولٌ لا تُقْبَل روايتُه، ولا يُحْتجُّ بها على ما رواه العلماءُ الثقاتُ، فإنّ علماءَ الرُّواة وفقهاءَهم إذا بَلَغَهم حديثٌ فيهِ حُكْمٌ عنِ النبيِّ، صلى الله عليه وسلم، وكان في إسناده رجلٌ مجهول لا يعرف أسقطوا الحديث ولم يَعْملوا به. هذا إجماعٌ منهُم على ذلك فكيف إذا روى رجلٌ مجهولٌ كلمةً وصحَّفَها مَنْ لا يَعْرِفُ الحديثَ، وخالف فيها ما رواهُ العلماءُ والأئمَّةُ الثِّقات، مثلُ الإمامِ أبي عبدِ الله أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ.
وأبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سلاَّم، والحارثِ بنِ أبي أسامة، وإبراهيمَ الحربيّ، وأبي بكْرٍ
الأنباريّ. وغيِرهم من الحُفَّاظ. ولا يتْرك قولُ هؤلاءِ السادةِ الأئمَّةِ العلماءِ العدولِ، ويُعْتَمدُ على روايةِ راوٍ مجهولٍ
(1/164)

غيرِ معروفٍ مقبولٍ، لا يُدْري: ثقةٌ هو أم ضعيفٌ جَهُولٌ؟ فلا يعولُ على روايته ولا يسمعُ منهُ ما يقول ُ.
وإنما ذكرَ الأزهريّ ما حكاه شَمِر غيرَ مُعْتَمدٍ على روايتِه، إذْ كانَ هوَ أَعْرف من شَمر بما نقلهُ الأئمَّةُ العدولُ، واعتمدَ على قولِهم وروايتهمْ دونَ روايةِ رجلٍ لا يُعرفُ جَهُول.
قلتُ: وهذا تصحيفٌ ممَّن نَقَلهُ، وتفسيرٌ خطأٌ ممّن ذَكَرهُ، لا يليقُ بمدحِ عائشةَ، رضي الله عنها لأبيها، رضي الله عنه. وأيّ مدحٍ له إذا اختلفَ الصحابةُ في بُقْعَة من بقاعِ الأرضِ؟ وإن كان قد حُكي أنَّ البقطةَ - بالباءِ - في كلام العربِ: البُقعةُ، فأيّ فائدةٍ تَخْتَصّ بمدحِ خيرِ الصَّحابةِ أبي بكرٍ الصديقِ؟. وإنّما هو نقطةٌ - بالنونِ - هكذا ذكرهُ أبو عبيد القاسمُ بنُ سلاَّمٍ في غريب الحديث، وأبو بكر ابن الأنباريّ النحوي.
وهكذا سمعناه في الحديث في مسند الحارث بن أبي أسامة التميمي عن شيوخه - بالنون -
(1/165)

في الجزء الحادي عشر والجزء الخامس عشر من أجزاء الراوي عنه، أبي بكر بن خلاد. وهو فيما أخبرنا الشيخ أبو المطهِّر، سعد بن عبد الله أبي الرجاء الأصبهاني، قدم علينا طالباً للحج، قراءة فأقرَّ به من كتابه، وأنا أسمع في شوَّال سنة تسعين وأربعمائة، قال: أنبأ الحافظ أبو نعيم، أحمد بن
(1/166)

عبد الله الأصبهاني، قراءة عليه بأصبهان. وقُرِئَ على الشيخ أبي بكرٍ أحمد بن عليّ الصوفيّ منْ أصلِ سماعِهِ
(1/167)

العتيق، وأنا أسمع فأقرَّ به في جُمَادى الأولى منْ سنةِ ستٍّ وتسعينَ، قال: أنبأ الحسينُ بن شجاع بنِ الحسنِ البزَّاز، قراءةً عليه، قالا: أنبأَ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ يوسفَ بنِ خلاّد العطارُ النصيبيّ قراءةً عليه، قال: حدّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، حدَّثنا أبو محمَّد التميميُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال:
أنبأَ عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله بنِ أبي سَلَمة عن عبدِ الواحدِ بنِ أبي عَوْن، عن القاسمِ بنِ
(1/168)

محمّدٍ، عن عائشةَ رضيَ الله عنها أنَّها كانتْ تقولُ: قُبِضَ رسولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فارتدَّتِ العربُ واشرأبّ النفاقُ بالمدينةِ، فلو نزَل بالجبال الراسياتِ ما نَزَل بأبي لهاضَها، فواللهِ ما اختلفوا في نُقْطة إلاّ طارَ أبي بحظّها وغَنَائها في الإسلام. وكانت تقولُ مع هذا: مَنْ رأى ابنَ الخطَّاب عرفَ أنّه خلقَ غَنَاءً للإسلامِ كان - والله - أحوزيّا، نسيج
(1/169)

وحدِه، قد أعدّ للأمورِ أقرانَها. وبالإسنادِ قال: ثنا الحارثُ، قال: ثنا يحيى بن أبي بكيرٍ، قال ثنا عبدُ العزيزِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الواحدِ بن أبي عونٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ قال: قالت عائشة، رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، اشرأبَّ النفاق بالمدينة، وارتدّت العربُ. فو الله ما اختلفوا في نقطةٍ إلاّ طارَ أبي بِحظِّها وغنائها في الإسلام. قال: وكانت تقول مع هذا الحديث: ومن رأى ابن الخطاب عَلِمَ أنَّه خُلِقَ غناءً للإسلامِ، وكان - والله - أحوزيّا، نسيج وحده، قد أعدّ للأمورِ أقرانها.
(1/170)

وبالإسناد قال: ثنا الحارث قال: ثنا أحمد بنُ يونس قالَ: ثنا عبدُ العزيز بنُ عبد الله بن أبي سَلمة، عن القاسمِ بن محمّدٍ، عن عائشةَ، قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فو الله لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، وذكر الحديث نحو حديث يزيد بن هارون، أنا اختصرته.
فهكذا سمعناه وحفظناه نُقْطة - بالنون - في مسند الحارث بن أبي أسامة وفي غيره، والحارث ثقة إمام ضابطٌ.
ومثله في كتاب الفضائل الذي جمعه أحمد بن حنبل، رحمه الله عن شيوخه، وهو عشرة أجزاءٍ سمعنا من الشيخ أبي الحسين الطيوري، عن أبي منصور السّواقِ، وأبي طاهر محمد بن عليٍّ
(1/171)

العلاّفِ، وغيرهما، عن أبي بكر بن مالكٍ القطيعيِّ،
عن عبد الله بنِ أحمد عن أبيهِ. ولم يحضرني الكتابُ فأخرِّجَ الحديث بالإسناد متَّصلاً، ثم إنّي خرّجت الحديث بإسناد بعد ذلكَ.
-
فأخبرنا المبارك بن أبي القاسم الصّيرفيِّ بقراءتي عليه
(1/172)

من أصلِ سماعهِ بخطِّ محمدِ بنِ الفراتِ وكان من الضابطينَ العلماءِ الأثباتِ، قال: أنبأ أبو طاهرٍ، محمد بنُ عليِّ بنِ العلاّفِ، قراءةً عليهِ قال: أنبأ أبو بكر بن مالك القطيعيِّ، قراءةً عليهِ قال: ثنا عبد الله ابن أحمدَ ابن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأ عبدُ العزيزِ ابن عبد الله بن أبي سلمةَ، عن عبد الواحد بن أبي عونٍ، عن القاسم بن محمدٍ عن عائشة أنَّها كانت تقول: قُبِضَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فارتدَّتِ العربُ، واشرأبَّ النفاقُ بالمدينةِ فلو نزل بالجبالِ الرواسي ما نزلَ بأبي لهاضها، فوالله ما اختلفوا في نقطةٍ إلاّ طارَ أبي بحظِّها وغَنَائها في الإسلام. وكانتْ تقول مع هذا: ومَنْ رأى عمرَبن الخطابِ عَرفَ أنه خُلِقَ غَنَاءً للإسلام، كان - والله - أحوزيّاً، نسيج وحدِهِ، أعدَّ للأمور أقرانها.
(1/173)

كتبتُه من الأصل بخطِّ ابن الفرات، وقد ضبطه نُقْطة - بالنون - وهو ثقة ثبتٌ. وقد نقل نسخته من كتابِ ابن مالكٍ، وابن مالك كتبه من كتاب عبد الله بن أحمدَ، وعبد الله نقله من خطِّ أبيه، رحمهُ اللهُ، وكلُّهم ضبطهُ بالنونِ.
ومن سمعَ الحديثَ عرفَ أنَّهُ لم يُنقلْ فيه قطُّ بُقْطة - بالباء - وإنما هو نُقطةٌ - بالنون - والباء تصحيفٌ ممّن ذكرهُ. وتعني عائشة، رضي الله عنها بقولها: لم يختلفوا في نقطة إلاَّ طار أبي بحظِّها، أن أباها، رضي الله عنه، لم يختلف الصحابة والتابعون في أمرٍ من أمورِ الدينِ إلا كانَ الحقُّ فيما يقوله أبو بكر ويأمرُ بهِ، نحو ما اختلفوا في موت النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حتى قال عمرُ بن الخطّاب، رضي الله عنه، من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد مات
علوته بسيفي هذا، ووسوِسَ بعضُهم فسكتَ وعَقِرَ عليُّ بن أبي طالبٍ، رضي الله عنه، فلم ينطق بكلمةٍ.
وكذلك عثمان بن عفَّان وغيره من الصحابةِ، رضي الله عنهمْ، حتى جاءَ أبو بكرٍ رضي الله عنهُ وكان غائباً عند زوجته بالسُّنح - فدخلَ على النبيِّ، صلى الله عليه وسلم، وهو مسجّى بثوبٍ فكشفَ عن وجهه، وقبَّل بين عينيه، وقال: أمّا الموتة التي كتبها الله على خلقهِ فقد مُتَّها، وما كان الله يجمع عليكَ موتتين، يعني الصَّعْق والغشيَ، لأن جماعةً منهمْ عمر بن الخطاب قال: إنَّ
(1/177)

رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد غُشيَ عليه وصَعِق وسيرجعُ كما رجع موسى عليه السلامُ. ثمَّ خرجَ أبو بكرٍ، رضي الله عنه والناسُ عزونَ، وبعضهم مجتمع على عُمر، رضي الله عنهُ، وهو مصلِتٌ سيفَه، فقال له: يا عمر إنَّ رسول الله قد ماتَ.
وتلا عليه وعليهم: (ومَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) الآية. فألقى عمرُ من يدهِ السيفَ، ثم صارَ إلى قول أبي بكرٍ، واجتمعَ إليه الصحابة وقالوا: كأنَّأ لم نسمع هذهِ الآية قطُّ.
ثم اختلفوا في دفنه فقال كلُّ واحدٍ منهم قولاً، فقال أبو بكر: يدفنُ مكانَه الذي قُبضَ فيهِ، فإنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنَّ الله يقبضُ أرواحَ الأنبياءِ في خيرِ البقاعِ، فرجعو إلى قوله.
(1/178)

وكذلك لما اختلفوا في قتال مانعي الزكاة رجعوا إلى قوله وغير ذلك من الأمور. فأمّا ما ذكره من تفسير البُقطة - بالباء - أنها البقعةُ من الأرضِ، فقد ذكر ذلك عن بعض أهلِ اللغة، ولا معنى لقولِ عائشةَ، رضي الله عنها في مدحِ أبيها بذلك وإنما هو تصحيف من ناقله.
والمعروف والصحيحُ ما ذكرته أنّه نُقْطةٌ - بالنون - تعني الأمر والقضيّة، وما يتنازعونَ فيه من الاختلاف، هكذا ذكرهُ العلماءُ المحقِّقونَ. فأمَّا ما حكاه عن شَمِر
فغيرُ معروفٍ في تفسير هذه اللفظة، ولا أعلم أحداً ذَكَرَ هذا التفسيرَ الذي ذكرهُ. وكان يجبُ عليه أن ينظرَ في ذلك ويطالعَ كتبَ العلماءِ في غريبِ الحديثِ، لأنّه قالَ: مالي في الكتابِ شيء إلاّ جمعي لهُ من كتبِ العلماءِ، فيا عجباً أما نظرَ في غريب الحديث لأبي عبيد الذي هو الأصل في هذه الكتبِ؟ أو كتابِ إبراهيم الحربيِّ، أو أبي بكرٍ الأنباريِّ فكان ينقل هذه اللفظة على الصوابِ؟ لكنّه عجز عن ذلك فأخطأَ الصوابَ.
(1/183)

ومنْ ذلك ما ذكر في باب الخاء مع النون، قال: في الحديث: واللهِ ما كان سعدٌ ليُخَنِّي بابنه في شقَّة من تمر، أي ليسلمه ويخفرَ ذمّتهُ. وأصله من الخنا، وهو الفُحْشُ، من قولك: أخنى عليه الدهر، أي أهلكهُ.
قلت: في قوله: في شقَّةٍ من تمرٍ، بالشين المعجمة، هكذا وجدته في النُسَخِ مُعجماً بالشين المعجمةِ، وذلكَ تصحيفٌ من ناقلهِ. والصواب: في سِقَةٍ من تمرٍ، بالسِّين المعجمة وتخفيف القاف، وهو جمع القلة على وزن فِعْلة وهو في الحديث مصدرٌ سمِّيَ الأَوْساق به وأراد به القلة.
(1/184)

وهذا حديثٌ رواهُ جابرُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ السُّلمي، في ذكر سَريّة أبي عبيدةَ ابنِ الجرّاح، لمّا بعثَهُ رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم إلى سِيْفِ البحرِ ليلتقي عيرَ أبي سفيانَ بن حربٍ لمَّا توجَّه إلى الشامِ، وذلك قبل وقعة بدر، ليقطعوا عليه، وزوَّدهم النبيّ، عليه السلامُ جِراباً من تمرٍ، فكان أبو عبيدة، رضيَ اللهُ عنهُ يقسِّم على أصحابهِ في كلِّ يوم تمرةً فنفدَ التَّمرُ. وقد أقاموا أيّاماً كثيرةً، فصاروا يَخْبِطون الشَّجرَ بقسِّيهم وعصِيِّهم، ويأكلونَ الورقَ، فسمّوا جَيش الخَبَط.
حتّى ألقى لهم البحرُ دابةً عظيمةً يقالُ لها: العنبرُ، ميتةً فقالوا: كيف نأكُلُها: غُزاةٌ وجِياعٌ وفي سبيلِ الله؟! كلوا فأكَلُوا بضعةَ عَشر يوماً، وكانوا ثلاثمائة رجلٍ، وكانَ مَعَهمْ قيسُ بن سعدٍ بن عُبَادة بن دُلَيْم الأَنْصاريّ الخزرجي، وكان جواداً،
ولم يكنْ مَعَه مالٌ، فلمّا رأى ما لحقَ بالمسلمينَ من الجوعِ والجهدِ نادى: ألا مَنْ يبيعني جزائر بأوساقٍ من التمرِ أعطيه إيّاها بالمدينة؟.
فجاءه أعرابيٌّ فباعَهُ خمسَ جزائر بأوساقٍ من تمر يعطيه إيَّاها بالمدينة،
(1/185)

فقال له الأعرابيّ: أَشْهدْ لي على نَفْسكَ بذلك فأشهدَ له على نفسهِ جماعة من الصحابةِ الذينَ كانوا معهُ في الغَزَاةِ، منهم عمرُ بنُ الخطاب، فقال: ما كنتُ لأشهدَ على رجلٍ لا مالَ لهُ، يدّان في مالِ أبيه. فقالَ الأعرابيُّ: ما كانَ سعدٌ ليخنّي بابنهِ في سقةٍ من تمرٍٍ، وهو يطعمُ الناسَ الطعامَ، ويقري الضيفَ ويحمل النوائب. فذبحَ قيسٌ منها للمسلمين ثلاثَ جزائرَ، ثم منعه أميره أبو عبيدةَ عن نحرِ الباقيتين بإشارة عمر بن الخطاب على أبي عبيدة، وقال: هذا لا مالَ له، ولعلَّ أباه لا يقضي عنهُ، فيضيعُ مالُ الأعرابيِّ، فلأجل ذا منَعَهُ من نحرِ ما بقي.
وبلغ سَعْداً بالمدينةِ ما لحقَ المسلميَن في تلك الغزاةِ من الجوعِ والجهدِ، فقال: إن يكن ظنّي صادقاً فيسخَّر لهم قيسٌ. فلمّا قدم قيسٌ مع أبي عبيدةَ قال له أبوه سعد: يا قيس! ما فعلتَ فيما لحق المسلمين من الجهد؟. . . قال: نحرتُ. قال: أحسنتَ. قال: ثم ماذا فعلتَ؟ قال: نحرتُ. قال: أحسنتَ. قال: ثم ماذا فعلت؟ قال: نحرتُ قال: أحسنتَ، ثم قال: ماذا فعلتَ؟ قال: منعني أميري وقال: لا مال لكَ فأشهدَ له أبوه يومئذٍ حديقةً كثيرةَ النخلِ، ثم أعطى الأعرابيَّ ما كان له من
(1/186)

التمر وزادَهُ. فقال الأعرابيُّ: يا سعدُ مثلُ قيسٍ لا يضيَّعُ. قالَ: نَعَم، ولو بعته جزائرَ ليطعمها للمسليمنَ بجميعِ تمري لأعطيتك ذلكَ.
ولامَ سعدٌ أبا عبيدة وعمَر على ذلكَ، فقالا: خشينا ألا تقضي عنه، فقال: معاذَ الله أنا أعطي مالي الغرباء فأمنعه ولدي وما نفعني في الآخرة أجره؟، فاعتذرا إليه.
هكذا سمعناه في كتب المغازي عن ابن إسحاق، والواقدي، وعبد الرزاقِ، وغيرهم. وسمعناه في مسند أحمد بن حنبل. رحمه الله في مسند جابر بن عبد الله
الأنصاري. والحديث معروف مخرَّج في الصحيح، ولم أر في كتابٍ من هذه الكتب إلاَّ سِقةً، بالسين غير معجمةٍ، وهو مصدر وسقَ يسق سِقَةً، أي جمع وأصله وِسْقة على وزن فِعلة جمع القلّة، فسمّي بالمصدر الجمعُ.
وقد سمعناه أيضاً كذلك في فوائد أبي طالبٍ، محمد بن غيلانَ
(1/187)

البزَّاز عن أبي بكر الشّافعيّ بسينٍ غيرِ معجمةٍ. فإن كان هذا الذي وقع في الكتاب بالشين المعجمةِ من المصنف، فقد صحّف كما صحّف غيره، ولم يعرف الحديث بل نقله مصحّفاً. والعجب أيضاً ممن قُرِئ عليه هذا الكتاب من الأئمة الذين قد سمعوا الحديث كيف لم ينبِّهوا على هذهِ اللفظةِ المغيَّرةِ والمصحَّفة غفر الله لنَا ولهُم.
(1/188)

ومنْ ذلكَ ما ذكرَ في تفسيرِ قوله في الحديث: اتَّخذوا دين الله دَغَلاً،
أي يَخْدَعون الناس. وأصلُ الدَّغَل: الشجرُ الملتفُّ الذي يكمن فيه أهلُ الفسادِ. وقال الليث: أَدْغِلوا في التفسير، يقالُ أدغلتُ في هذا الأمر، إذا أدخلت فيه ما يخالفه.
قلت: وهذا ما ذكَرَه وسَها في قوله: أدْغِلوا في التفسير. وذلك خطأُ. وأي تفسيرٍ فسّروا أمراءُ بني مروانَ؟ وإنمَّا الصَّوابُ: أَدْغِلوا في الدِّين لا في التَّفسير، فإنْ كانَ قد حكاهُ عن الليثِ صحيحاً من قولِه: في التَّفسير فهو خطأٌ من الليثِ، وكان ينبغي لهُ أن ينبّه عليه ويذكره على الصوابِ. وإنْ لم
(1/189)

يكنْ ذلك من الليثِ فهو سهوٌ منه وغَفْلَةٌ، وإنما هو أدْغِلوا في الدين.
والحديثُ معروفٌ جاءَ في ولدِ الحكمِ بنِ أبي العاص بن أميةَ، والد مروان الذي ملكَ هو وولده من بعدِه، ولفظه: إذا بلغَ ولدُ الحكَمِ ثلاثين رجلاً اتّخذوا مالَ الله، دُوَ لا، ودين الله دَغَلاً، وعباد الله خَوَلاً.
(1/190)

ومن ذلكَ ما وقعَ تصحيفٌ في لفظهِ وخطأٌ في تفسيره ِ، قال في باب (الراء مع الهاء) في الحديث حسبُكُمْ من الرّهَقِ والجفاءِ ألاّ يُعْرفَ بيتُكَ، أراد النَّوكَ الحُمْقَ،
وألاَّ تدعوَ أحداً إلى طعامكَ.
قلت: هكذا ذكره وضبطهُ: لا يُعرفَ بيتكَ، أرادَ النَّوكَ، وهذا تصحيفٌ قبيحٌ من الغلمانِ المتعلِّمينَ، فكيفَ من العلماءِ الفاضلينَ؟ وتفسيرهُ خطاٌ فاحشٌ يدلُّ على أنَّ قائله لم يجالس العلماءَ والأدباءَ، ولا أئمةَ الحديثِ الحفَّاظَ الفضلاءَ، بل نقلَهُ منَ الكتبِ وصحَّفه تصحيف المعلِّمين المغفَّلينَ الأغبياء،
(1/194)

وإنَّما الصوابُ ما رواهُ الإمامُ أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مسنده، والإمام أبو عيسى الترمذيّ، رحمه الله في جامعهِ، بإسنادهما عن أبي هريرة أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج إلى السُّوقِ فاشترى سراويلَ منْ رجلٍ، وجاء إلى وزّانٍ يزن بالأجرِ فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: زِن وأرجِحْ، فسمعَ الوزّان كلاماً لم يعهدْ مثلَه، فسأل عنه الوزّانُ وقال: منْ ذا؟ فقالَ لهُ أبو هريرة حسبُكَ منَ الرَّهْقِ والجّفاءِ ألا تعرفَ نبيّكَ، لا ما صحّفَهُ هذا المصنّف مِنْ قولِه: لا يُعْرَف بيتك، وفسَّره بأعجبَ من تَصْحيفِه.
(1/195)

والحديثُ مشهورٌ منْ أهلِ الرِّوايةِ والدرايةِ، وقد سمعناه أيضاً من غيِر روايةِ أحمدَ والترمذيِّ، فيما رواهُ الشريفُ أبو عبدِ الله بنِ عبد الرحمن الحسنيّ الكوفيّ، فيما جاء في لبس السراويل، قرأت على الحافظ أبي الغنائم النَّرْسي من كتابهِ قال أنبأ محمّد بن عليِّ بن أبي الجرّاح، قال: ثنا الحسنُ بن الطيب
(1/196)

البلخيِّ، قال ثنا عليُّ بن محمد المَروزيِّ، قال: ثنا يوسف بن زيادٍ البصريّ، عن
(1/197)

عبد الرحمنِ بن أنْعُم، عن الأغرِّ أبيّ مسلمٍ، عن أبي هريرة، قال: دخلتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم السّوق، قال: فقعدَ إلى البزّازينَ واشترى سراويل بأربعة دراهمَ. وكان لأهلِ السوقِ رجلٌ يزن بينهم الدراهمَ، قال: فدُعي ليزن ثمن السراويلِ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: اتزن وأرجحْ، فقال الوزان: إنّ ذا القول ما سمعته من أحدٍ من الناسِ، فمن أنتَ؟ قال أبو هريرة: فقلت: حسْبُكَ من الرّهقِ والجفاء في دينك ألا تعرفَ نبيَّكَ.
(1/198)

قال الوزّان: هذا نبيُّ الله؟ فألقى الميزانَ ووثبَ فأخذَ بيدِ النبيِّ. صلى
الله عليه وسلم ليقبِّلها. قال: فجذبَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمو قال: مَهْ. إنما يفعلُ هذا الأعاجمَ بملوكها وإني لستُ بملكٍ، إنَّما أنا رجلٌ منكم. قال: ثمَّ جلسَ فاتَّزن الدَّراهمَ وأرجحَ كما أمرَهُ النبيُ، صلى الله عليه وسلم. فلما انصرَفْنا تناولتُ السراويل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحمله عنه، فمنَعَني وقال: صاحبُ الشيءِ أحقُّ بحملِه، إلاَّ أن يكونَ ضعيفاً يعجزُ عنهُ فيعينُه عليه أخوه المسلمُ. قلتُ يا رسولَ الله: وإنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار، وفي الحضرِ والسفرِ قال يوسف: وشككت في قوله: مع أهلي، إني أمرت بالستر فلم أجد ثوباً أستر من السراويل.
(1/199)

وهذا يدل على أنه كان صحفياً يأخذ العلم من الصحف لا من ألفاظ العلماء الذين عنوا بالحديث والأدب، بل شغله عن ذلك اشتغاله بكسب الورق والذهب، وإقباله على جمع ذلك بتعليم الصبيان والطلب.
ومن ذلك ما ذكره في باب: السين مع الكاف في ذكران السكينة أن محمد بن علي لما دفن ابن عباس خرج من قبره طائر قال: هذا علمه.
قلت: هكذا ذكر، وقد سَمِعَ شيئاً فلم يُتْقِنهُ، وحكاهُ وأخطأَ فيه ولم يحفظهُ،
(1/200)

وإنَّما المعروف المشهور والصحيح والمحفوظ أنَّ ابن عبَّاس، رضي الله عنهما، لمّا حمل ليدفَنَ جاء طائرٌ فدخلَ معه في قبره ولم يخرجْ، فقال محمّد بن عليّ - وهو ابن الحنفيّة -: هذا علمُه دَخَل معهُ.
وكان ابنُ الحنفيّة قد تولّى غسلَه وتكفينَه والصلاةَ عليهِ ودفنَهُ بالطائفِ، وكان أوصى إليه بذلك. هكذا ذكرَهُ الزُّبير بن بكار في كتابِ النَّسبِ. تأليفَه وهو سماعنا من جماعةٍ من الشيوخِ،
(1/201)

وكذلكَ ذكرَهُ غيْر الزبير منَ العُلَماء بالأخبارِ المؤرخينَ.
أخبرنا الشيخُ الثقةُ أبو الحسينِ، أحمدُ بنُ محمدِ بنِ النَّقور البزازّ، وكتبَ لنا بذلكَ خطَّه في سنةِ ثمانٍ وستين وأربعمائةٍ، وأخبرَنَا عنه إسماعيلُ بنُ أبي بكرٍ المقرئ ويحيى بنُ عبدِ الرحمنِ الأميِن المعدّل بقراءتي على كلِّ واحدٍ منهما، قال: ثنا
(1/202)

عيسى بن عليّ قال: ثنا أبو بكرٍ النيسابوريّ، قال: ثنا أحمد بن منصور بن راشدٍ، قال: ثنا عليّ بن الحسن قال: أنبأَ الحسيُن بنُ
(1/203)

واقدٍ قال: ثنا أبو الزُّبيرِ، قالَ: لمَّا مات عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما جاء طائرٌ من السماءِ أبيضُ فدخل في أكفانهِ.
وأنبأ أبو الحسين بالإسنادِ، قالَ: ثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قالَ: ثنا عليّ
(1/204)

قال: حدَّثنا أبو حَمْزة، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْر مثلَه، وزادَ فيهِ: فما رُئيَ خرجَ بعدهُ.
(1/205)

هذا هو المحفوظُ، فأمَّا ما ذَكَرَه فهوَ سَهْوٌ منهُ وتغييرٌ للروايةِ ومن ذلكَ ما ذكَرَهُ في هذا البابِ من ذكره السيّد، وقال: هو كقوله لسعدٍ حين قالَ: قوموا لسيِّدكم، أرادَ: أفضلِكُم رجلاً.

قلت: والمعروف أنه قال: قوموا إلى سيّدكم، قاله النبيّ عليه السلامَ لجماعةٍ من الأنصار، لمّا جاء سعدُ بن معاذ، رضي الله عنه، محمولاً على حمارٍ وهو جريحٌ أصابه سهمٌ يومَ الخندقِ ليحكمَ في بني قريظة لما نقضوا العهدَ، وكانوا حلفاءَه، فنزلوا على حُكمِه فيهم أن يقتلوا، وتُسبى نساؤهم وذريّتهُم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لقد حكمتَ فيهم حكمَ الملكِ. وقال لجماعةٍ من الأنصار كانوا في المسجد لمّا جاء سعدٌ قوموا إلى سيِّدكم، أي أنزلوه واحملوه، لا قوموا له من القيام، فإنّه منهيٌّ عنهُ. وإنما أرادَ بالسيِّد الرئيسِ والمتقدَّم عليهمْ، وإن كان غيره أفضل منهُ.
(1/207)

ومن ذلك ما وقع في لفظه تصحيفٌ وفسَّره على ذلك في باب السين مع الواو، قال: في الحديث لا يضرُّ المرأة ألاّ تنقُضَ شعرها إذا أصابَ الماءُ سُؤْرَ الرأسِ قالَ: يعني أَعلاه وكلّ شيءٍ مرتفعٌ فهو سُؤْرٌ، وفي رواية: شَوَى رَأْسِها وهو جمع شَوَاةٍ وهي جِلْدةُ الرَّأسِ.
قلت: والروايتان اللتان ذكرهما غير معروفتين في الحديث، وإنما المحفوظُ في
الحديثِ: شُؤُون رأسها، يعني أصول الشعرِ
(1/208)

وطرائق الرأس وهذا في اغتسال المرأة من الجنابة لا الحيْضِ، ليسَ عليها أن تنقضَ شعرها في غَسْل الجنابةِ إذا وصلَ الماءُ إلى أصولِ الشعرِ وشؤون الرأسِ، فليسَ عليها غير ذلك. ولم يرِد ما ذكرهُ منْ أَعْلى الرأسِ، فإنَّ المَرْأةَ إذا أفاضتْ عليها الماءَ لغسلِ الجنابة فأصابَ الماءُ أَعْلى الرأسِ والشعرِ ولم يصلِ الماءُ إلى أصولِ الشَّعرِ وشؤونِ الرأسِ لم تكْمُلْ طهارتُها، ولم يرتَفع حدثها حتّى تُروَّى أصول الشعر. وهذا يقبح بمثله ألا يعرف حكم الغسل منَ الجنابة الذي يعرفه النساءُ.
(1/209)

ومن ذلك ما وقعَ في لفظِه تغييرٌ في هذا البابِ أيضاً، قال: وفي الحديث رأى بعبدِ الرَّحمنِ وَضَراً فقال: مَهْيَم؟ قال: تزوّجتُ امرأةً من الأنصارِ، فقال: ما سُقْتَ منها؟، أي: أمهرت منها بدلَ بُضعِها، والعربُ تضع من موضع البدل، هكذا ذكره.
قلت: وهذا تعسّفٌ وتكلُّفٌ في التَّفسيرِ، وتغيير للفظِ الرسولِ الذي خلقه الله أَفْصَح الخلقِ وأكرمَهمْ صلى الله عليه وسلم، وهذا حديثُ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، ولفظُه: رأى بعبدِ الرَّحمنِ وَضَراً، يعني أثرَ الصُّفرة التي كانتِ العربُ يستعملونَها عند التزويجِ: إمَّا بخلوقٍ أو زَعْفرانٍ أو غير ذلك.
فقال: مَهْيم، قال: تزوجت امرأةً من الأنصارِ. قال ما سُقْتَ إليها؟ أي ما أعطيتَها من المهْر؟ قال: وزنَ نواةٍ
(1/210)

هذا لفظ الحديثِ، هكذا سمعناه في الصحيح وغيرهِ، وهكذا ذكره أبو عبيدٍ القاسم بن سلاّم البغداديّ في كتابه غريب الحديث وفسّره وهو معروفٌ لا أحتاجُ إلى ذكرِ ذلكَ لشهرَتِه عندَ أهلِ العلمِ فأمّا ما قالَه من تغييرِ اللفظِ وروايته لفظةً غير معروفةٍ في الحديثِ فتكلُّف ومخالفةٌ لحديثِ الرسول من غيرِ روايةٍ منه مسندةٍ بل من قبلِ رأيهِ ليخالف فيعرفَ، كما قيل في أمثال العوامِّ: خالفْ تعرفْ عفا الله عنّا وعنهُ.
وأمّا تفسيره ما ذكره من قوله: سُقْتَ منها؟، أي: أمهرت منها بدل بضعها، والعرب تضع من موضع البدل، فهو تفسير مختل اللفظ، أراد أن يقول: أمهرتَها فقال: أمهرتَ منها، فأتى باللفظ بعينه.
(1/211)

وقوله: والعرب تضع مِنْ موضعَ البدلِ، ولم يبيّن أيّ بدل هو، أراد أنْ يقولَ: تضع مِنْ موضعَ إلى، لأن حروفَ الصفاتِ يدخلُ بعضُها على بعضٍ، فيريدُ بقولهِ: سقتَ مِنْها أي إليها فقصر في العبارة، وغلبت عليه لغة العجم.
وفي رواية أخرى سقت فيها، أي إليها، وتقع في موضع إلى، فأمّا قوله منها فغيرُ معروفٍ.
(1/212)

ومن ذلك ما وقع في لفظِهِ تبديلٌ وخطأٌ وتغييرٌ، ذكرَ في بابِ الهمزةِ مع الزاي، في تفسيرِ الأَزْم، قال: وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: نظرتُ يومَ بدر إلى حَلْقةِ درعٍ قد نشبِت في جبينِ رسولِ الله، صلى الله عليه وسلم فانكبَبْتُ لأنْزَعَها، فأَقْسَم عليَّ أبو عبيدة فأزمَ بها.
قلتُ: قولُه: يومَ بدرٍ خطأٌ منَ الناقل، وإنمَّا كانَ هذا في يومِ أُحُد، لا يوم بدر، لأنَّه صلى الله عليه وسلم يومَ أُحُدٍ لبسَ لأمته وباشرَ القتالَ، لمَّا اختلطَ المسلمون واشتغلوا بأخذِ أموال المشركين، وكرَّ المشركون بعد انهزامِهِم، وصاحَ الشيطانُ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت ومعهُ جماعةٌ منَ الأَنْصارِ فقُتِلوا ضَرَبَهُ ابن قميئة أقمَأَهُ الله - على المغِفَرِ، فنَشَبَ حِلَقُ المِغْفَر في جبينِه ووجنته، صلى الله عليه وسلم
(1/213)

وذلك مشهورٌ في المغازي وغيِرها.
فأمَّا يومَ بدرٍ فإنه صلى الله عليه وسلم كانَ في العريش الذي عَمِلَ لهُ، يدعو الله تعالى ويناشدُه إنجازَ ما وعدَهُ منَ النَّصرِ، وكانَ أبو بكرٍ، رضيَ الله عنه قائماً معه في العريشِ يحفظهُ منَ العدوِّ، وجماعةٌ حواليهِ منَ الأنصارِ. ولم يباشِرْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ القتالَ. هذا مشهورٌ معروفٌ عندَ أهلِ العلمِ،
فإنْ كانَ سَهْوَاً منَ المصنّف فهوَ مَعْذورٌ، ولا يعذر من رواه عنه من أهل العلم الذين سمعوا السيرة فلم ينبّهوا عليه. وإنْ لم يكُنْ سَهْوَاً منه، وكانَ عَمْدَاً دلَّ على أنَّه لمْ يكُنْ ذا علمٍ بالسِّيرةِ والمَغازي فوقَع منهُ التغييرُ والخطأُ.
(1/214)

ومن ذلكَ ما ذكرَ في بابِ: الحاءِ مع الدال، ووقعَ فيهِ تغييرُ لفظِ، قالَ: وفي الحديثِ لا يحلُّ لأحدٍ أن يُحِدَّ، على مَيْتٍ أكثرَ منْ ثلاثةِ أيامٍ. وإنّما لفظُ الحديثِ: لا يحّل لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ تحدّ على مَيْتٍ أكثرَ منْ ثلاثةِ أيامٍ، إلاَّ على زوجٍ.
والحديثُ صحيحُ ولم يُسْمَع ما ذكره من قولِه: على أحدٍ في هذا الحديثِ، ولا تجوزُ هذه الرِّواية لأنَّ الإحدادَ تركُ المرأةِ المتوفَّى عَنْها زوجها الزينة واستعمال الطيبِ وغيرِه منَ الزَّعْفرانِ والورسِ وإذا رُويَ لأحد دخلَ فيهِ الرجالُ والنساءُ، ولا يجوزُ للرَّجلِ تَرْكُ الطيبِ والزينةِ إذا ماتَتْ زوجتُه أو قريبُه أو صديقُه. وإنَّما الإحدادُ للنساءِ اللاتي يموتُ أزواجهنَّ لا غيرُ ولا يحلُّ
(1/215)

للمرأةِ أنْ تحدَّ إلاّ على زوجٍ فقط، أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً، ولا تحدُّ على غيرِه من أقارِبها إلاَّ ثلاثةَ أيامٍ، هكذا قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

ومنْ ذلكَ ما وقعَ في استشهادِه تصحيفٌ في بيتِ شعرٍ ذَكَرَهُ في بابِ الهمزةِ مع اللامِ، قالَ: في الحديثِ ومَجامِرُهُمْ الأَلُوّة، قال الأصمعيَّ هوَ العودُ الذي يُتَبَخَّر بهِ، وأُراها كلمةً فارسيةً عُرِّبت. قالَ الأصمعيّ: وقالَ بعضُهم: لَوَّةٌ ولَيَّةٌ،
(1/216)

قالَ أبو عبيدٍ: فيها لغتان ألوَّة وأُلوَّة، بفتح الهمزةِ وضمِّها وتجمعُ الالوَّة ألاويّة، قال الشاعر:
. . . . . . . . . . ... بأعوادِ رَنْد أو ألاويَّةً شُهْرا
هكذا رواه: شُهْرا، بالهاء وصحَّفَ، والصَّوابُ: شُقْرا، بالقافِ لأنَّ العودَ لونُه أَشْقَرُ.
(1/217)

ومن ذلكَ ما ذَكَرَ في بابِ: الهمزة مع الجيم، ووقعَ فيهِ تبديلُ اللفظِ، قالَ: في الحديثِ مَنْ باتَ على إجَّارِ:
(1/218)

الإجّار: السَّطح الذي حواليه ما يردّ المُشْفي، وجَمْعُهُ أَجَاجير وأَجَاجِر، والإنجارُ لغةٌ فيهِ.
وجاءَ في المبعث فتلَقَّى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في السُّوقِ وعلى الأَجاجِير يعني السُّطوحَ.
قلتُ: قوله: في المَبْعَثِ، خطأٌ وتبديلٌ. وإنَّما هذا في حديثِ الهجرة لمّا قدمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، لا في المَبْعَثِ، لأنّ المَبْعَثَ كانَ بمكَّةَ قبلَ الهجرةِ بثلاثَ عشرة سنةً.
وقوله: السّوق أيضاً خطأٌ وتغييرٌ للفظِ الحديثِ، وإنَّما جاءَ: وتلقَّوهُ في الطُّرقِ وعلى الأَناجير. هكذا سمعناهُ في مسندِ أبي بكرٍ الصديقِ، رضيَ الله عنهُ، حديثُ الهجرةِ رواهُ البَراءُ بنُ عازبٍ عن أبيهِ أبي بكرٍ، وأخرجه البخاريّ في صحيحِه
(1/222)

ومنْ ذلكَ في بابِ: الراءِ مع الباءِ، قال: ومنهُ الحديثُ ألكَ عليَّ نِعمَةٌ تَرَبُّها؟. قلتُ: وهذا تغييرٌ للفظِ حديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وإنَّما لفظُ الحديثِ: أَلَهُ عندكَ نعمةٌ تربّها؟. وهو حديثُ أبي هريرةَ المرفوع في الذي زارَ أخاً له في الله فأرْصَدَ الله ملكاً على مَدْرَجَتِه، الحديث، وهو مشهور مخرَّج في الصحيحين.

ومن ذلك في باب: الراءِ مع الكاف، قال: في حديثِ أبي بكر: ثمّ ركبتُ أنفي، أي ضَرَبْتُ.
قلتُ: وهذا تغييرٌ منهُ للفظِ الحديثِ، يدلّ على أنّه لم يسمعِ الحديثَ ولم يكتُبْه،
(1/223)

وإنّما هذا حديثُ المغيرةِ بنِ شُعبة الثقفي، رحمهُ الله، قال: كنتُ عندَ أبي بكرٍ خليفة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكانَ عندَه فرسٌ منْ خيلِ الصدقةِ أراد أنْ يحملَ عليهِ رجلاً منَ المسلمينَ ليقاتل عليه في سبيل الله، فقالَ لهُ رجلٌ عندَه من الأَنصارِ: احمِلْني على هذا الفرسِ - ولم يكن أهلاً لذلكَ. فأبى أبو بكرٍ ذلك وقال:
بل أَحْمِل عليه رجلاً يقاتلُ في سبيل الله. فقالَ له الرجل، لأنا أَفْرَس بالخيلِ منكَ ومنْ أبيكَ قال المُغيرةُ: فركَنْت أنفه بركبتي، أي ضربتُ أنفه، فسال مَنْخَراهُ دَمَاً، فقالَ أبو بكرٍ ما يزعُ السلطانُ أكثرُ ممَّا يزعُ القرآنُ، ولم يقُلْ للمغيرةِ شيئاً، إذ قدْ ذَبَّ عن سلطانِ الله، وعاقَبِ من أرادِ هوانَه.
والحديثُ مشهورٌ محفوظٌ لا يَخْفَى على من قَرَأ الحديثَ والسيرةَ. وقد أَخَبَرْناه الشيوخُ محمَّدُ بنُ الحسين، أبو بكر الفرضيِّ، ويحيى بنُ عبدِ الرحمنِ العَدْلُ،
(1/224)

وإسماعيلُ بنُ أحمدَ المقرئُ، بقراءَتي على كلِّ واحدٍ منْهم، قالوا: أَنْبَأ أبو الحسين بن أحمد بن محمد بن النّقور، قراءةً عليه، ولي منهُ إجازةٌ بجميعِ حديثِه، قالَ: أَنْبَأ أبو طاهرٍ محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمنِ المخلص قراءةً عليه، قال: أنبأ رضوانُ بنُ أحمدَ الصَّيدلانيُّ، قال: أنبأ أحمد بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارديّ قال أنبأ يونس بن
(1/225)

بُكَيْر، عن محمَّد بنِ إسحق، قال حدّثني يعقوبُ بنُ عُتْبة بن المغيرة بن الأَخْنَس، قال: قُدِّمْتْ على أبي بكرٍ أفراسٌ فحمل عليها رجالاً منَ المهاجرينَ وعندَهُ رجلٌ منَ الأَنْصارِ، فغَضِبَ الأَنْصاريّ فقامَ إلى أبي بكرٍ فأخذ بمنكبيه فهزّه هزاً شديداً وقال: حَمَلَتْهم وتركتني؟ فغضِبَ أبو بكرٍ فقالَ: ويلكَ أَرْسِلْني، فلما شقَّ على أبي بَكْرٍ قالَ: نَعَمْ حَمَلْتُ عَلَيْها من ركبِ الخيلِ قبلَ أن تنبتَ شِعْرَتُه.
(1/226)

فقامَ المغيرةُ بنُ شعبةَ إلى الأنْصاريّ فركَنَهُ برُكْبَتِه، فدقَّ أَنفَه فسالَ دَمَاً، فقيلَ لأبي بَكَرٍ: أقِدْ مِْنهُ. فقالَ: لا أُقيدُهُ - والله - منهُ، ولا أُنْعِمه عيناً. والله لئنْ كادَ أنْ يَقْتُلَني.
فهذا الحديثُ على وَجْههِ، فأمّا ماقالَه: ركبتُ أَنْفي بإضافتِه إلى نِفْسِه فخطاٌ وتغييرٌ لمعنى الحديثِ وفائدتِه. وأيضاً لا يجوزُ لأنّ أحداً لا يمكنُه أن يَضْرِبَ أنفَ نفسه بركبتِه وهو قائمٌ، هذا ما لا يقدِرُ أحدٌ أن يفعلَه بنفسه، فيصيرَ كَمَا قَرَأَ بعضُ المغفّلين: وابيضَّتْ عيناهُ منَ الكُحْل فقيلَ لَهُ: هذا لا عقلٌ، ولا قرآنٌ، وكذا هذا يصيرُ لا حديث ولا معنى ولا عقلٌ من قائِلِه. وما أظنُّه إلاَّ سَهَا فيه، وكذلكَ مَنْ
رَوَاه عَنْهُ والله أَعْلُم.
(1/227)

ومنْ ذلكَ أنَّه قالَ في بابِ: الراء مع الميم، قال: وفي حديث العبَّاس أنَّه مدحَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال في مدحَتِه: (. . . . . . ثمالُ اليَتَامى عِصْمَةٌ للأَرامِل).
قلت: وهذا خطأٌ منه، وإنَّما هذا في شعرِ أبي طالبٍ، عمِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مدَحَ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم في قصيدتِه اللاميّة ويردُّ فيها على قُرَيش. وهي مشهورةٌ معروفةٌ ذَكَرَها الزبيرُ بنُ بَكَّار في أول كتابِ النَّسَبِ وذكرها ابنُ إسحق في أوَّلِ كتابِ المغازي، رواية يونس بنِ بُكَيرٍ، والكتابان سماعُنا.
وأوَّلُ البيتِ الذي ذَكَر آخره:
وأبيضَ يُسْتَسْقى الغَمَامُ بوَجْهِهِ ... ثمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ للأرامِلِ
وأمّا العبَّاسُ عليه السَّلام فمدَحَهُ بأبياتٍ غَيْرِها. وأوّلُها:
من قبلُ طِبتَ في الظِّلال وفي ... مُسْتودعٍ حيثُ يْخَصُف الورقُ
(1/228)

وهي مشروحة في كتاب غريب الحديث لابن قتيبة.
ومن ذلك قال في باب: (الراء مع الواو) أن ابن عمر ركب ناقة فارهةً فمشت به مشياً جيداً فقال:

كأنّ راكبها غصنٌ بمروحةٍ ... إذا تدلَّت به أو شاربٌ ثمل
قلتُ: قولَه: ابن عمر خطأٌ، وإنّما هو عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه.
والحديثُ مشهورٌ معروفٌ. وقد ذكرَهُ ابنُ السكّيت استشهاداً على المَرْوحة بفتحِ الميمِ: الأرض الواسعة التي تتخرَّقها الرياحُ، ونسبه إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ، رضيَ الله عنهُ.
(1/229)

وأنّه قالَ متمثِّلاً لما ركبَ الناقةَ الفارهةَ.
لما ركبَ الناقةَ الفارهةَ. وقد روى ذلك عن أبي عمروِ بنِ العلاء، رحمهُ الله.
أخبرنا الشيخُ الإمامُ، أبو محمَّد جعفرُ بن أبي طالبِ القارئ بقراءَتي عليه في
(1/230)

كتابِ المُجَالَسة عن أحمدَ بنِ مروانَ المالكيِّ، قال: أنبأَ أبو القاسمِ، عبدُ العزيزِ بن الحسنِ بنِ الضرّابِ المصريّ، قال: أنبأ أبو الحسن بن إسماعيل، قال: أنبأَ أحمدُ بن مروانَ قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنَ إسحق قال: ثنا
(1/231)

إبراهيم بن الحجاج قال ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا أبو عمرو ابنُ العلاءِ، قال: حدَّثني رجلٌ من أهلِ صنعاءَ، قال: كان عمرُ بنُ الخطَّاب، رضيَ الله عنهُ، بين مكّةَ والمدينةِ على بعيرٍ حزنٍ، غليظٍ، وكأنَّ رجلاًَ رَثَى له فأَتَاه بناقةَ وطيئةٍ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ: إنّ بعيرَك حزنٌ فلو ركبتَ هذهَ فَرَكَبَها، فسارَتْ بِهِ ساعةً، ثمَّ قالَ:
كأنَّ راكبها غصنٌ بمروحةٍ ... إذا تدلَّت بهِ، أو شارب ثملُ
ثم أناخَ فنزَل وقال: دونَك ناقتكَ.
(1/232)

ومن ذلك أنَّه ذكر في أول حرف (السين مع الهمزة)، قال: فأخذَ جبريلُ عليه السلامُ، بحلْقي فَسَأَبَني، أي خنَقَني، في حديثِ المولدِ.
قلتُ: قوله: في حديثِ المولدِ خطأٌ منهُ وقلَّةُ عِلْمٍ بالسِّيرةِ، وإنَّما هذا في حديثِ المبعث لا المولد، لأنَّهُ في المَوْلِد ما كانَ مكلَّفاً، ما أمرَ بشيءٍ، وإنّما كان ذا في أوّلِ ما جاءَهُ جبريلُ، عليهِ السلام في ابتداءِ المَبْعَث، لمّا قالَ لهُ: اقرأ قالَ: ما أنا بقارئٍ، وهو في حديثِ عائشةَ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، رضيِ الله عنهما، وهما جميعاً مخرّجان في الصحيح مشهورانِ.
(1/233)

ومنْ ذلكَ أيضاً ما ذَكَرَهُ في هذا البابِ، قال: وفي حديث الاستسقاءِ. قالَ: رأيتُ العبّاس وقدْ طالَ عُمُرهُ وعيناهُ تنضمّان.
قلتُ: هكذا ذكره: عُمُره وتنضمّان. وهذا خطأٌ منه وتصحيفٌ، وقولُ منْ لم يخطر على سمعه سماع الأخبار والآثار، بل يأخُذُها من الصّحفِ وليسَ له بها علمٌ فيصحّفها ويغيرها ويزيل معناها.
والصَّوابُ فيما ذَكَرَهُ: رأيتُ العبّاسَ - يعني عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقدْ طالَ عُمَر - يعني ابنَ الخطّاب، رضي الله عنه - أي كانَ أَطْوَلَ منه، وكانَ العبّاس وعُمَر، رضوانُ الله عليهِما، منْ طِوالِ الرِّجالِ الذين كانوا في الجاهليّة يسمّون الرجل منهم: مقبّل الظعينةِ، يقول: يعنون أنّه يكون قائماً على قَدَمَيْه والمرأةُ في هَوْدَجِها، فلو أرادَ تقبيلَها لأمكَنَه ذلك بطولِه. وهم جماعةٌ معدودون يسمّون: مقبّلي الظّعُن، فيعني أنّ العبّاسَ رضيَ الله عنهُ طالَ عُمَر، أي فَضَلَ على طولهِ.
وقوله: وعيناه تنضمّان تصحيفٌ، والصَّوابُ: تنْضَخَان، يعني تجريانِ بالدموعِ وسبائبُهْ يعني ذوائبه تجولُ على صدرِه، وكانَ صاحبَ
(1/234)

جُمَّةٍ وشعر، وهذا حينَ استسقاءِ عمرَ بنِ الخطّابِ، رضيَ الله عنهُ، عامَ الرمادة للناسِ، وصعدَ بالعبّاسِ بن عبدِ المطّلبِ عليه السَّلامِ، المنبر يستشفعُ بهِ، وأمرَه أنْ يدْعوَ فرفَع العبّاسُ يَدَيْهِ وجَرَتْ دموْعُه، ثمَّ دَعَا فسُقي الناسُ.
وهو حديثٌ مشهورٌ معروفٌ مذكورٌ في فضائلِ العبّاس وعمر، رضوان الله عليهما، ذكره الزبير بن بكار في كتاب النسبِ وغيره، ورواه أحمد بن حنبل وغيره في فضائلِ العبّاسِ وهو سماعُنا.
(1/235)

ومن ذلك ما ذَكَرَهُ في باب. (السين مع النون)، قال: في حديث عبدِ الملكِ: إنَّك لسِنَّخفٌ، أي عظيمٌ طويلٌ، وهو السِّنخاف.
قلت: هكذا ذكره - بالسين المعجمة - وهو تصحيف منه. وقد عذرته في تصحيفه في ذلك ألفاظ الحديث، لأنه ليس من شغله ولا صناعته، وهذه لفظةٌ مذكورةٌ، في كتب اللغة مسطورة، لا خفاء بها على المبتدئين، فكيف خفيت عليه وهو يدّعي أنَّه من المحقّقين، الذين حفظوا علم اللغة وصاروا فيها أئمة منتهين؟.
والصواب في هذه الكلمة أنَّها بالشين معجمة. كذلك قرأته على شيخنا الشيخ
الأديب أبي زكريا، يحيى بن عليّ الخطيب
(1/236)

التبريزي الشيبانيّ اللغوي - وكان ضابطاً حافظاً للغة، متقناً - أخذها عن علماء العراق والشام، مثل أبي محمد الدهّان، وأبي القاسم الرقّيّ، وأبي
(1/237)

العلاء المعريّ، وأبي القاسم القصبانيّ، وابن برهان النحويين وغيرهم من العلماء في كتاب الألفاظ، ليعقوب بن السكّيت.
وقد أخبرنا به عن أبي
(1/238)

الحسين بن هلال بن المحسِّن الكاتبِ، عن أبي بكر أحمد بن محمدٍ الجرّاح، عن أبي بكر محمد بن القاسم الأنباريّ، عن أبيه عن عبد الله بن رستم، عن يعقوب بن السكّيتِ، قال:
(1/239)

الشنّخْفُ: الطويل من الرجال، بشين معجمة. وهكذا قرأه في كتاب: الغريب المصنّف عن أبي عبيد القاسم بن سلام على الأديب أبي زكريّا أيضاً بشين معجمةٍ، وأخبرني أنّه قرأه على أبي محمد الدهَّان اللغويِّ. وسمعه من أبي الحسين الكاتب عن ابن الجرّاحِ، عن ابن الأنباريِّ، عن أبيه عن الطّوسيّ.
وكذلك رأيته في غير هذين الكتابين شِنّخف، بشين معجمة. ولو لم يقيده في بابِ السِّينِ معَ النُّونِ لقلتُ: إنَّهُ تصحيفٌ ممَّن رواه عنه، فلمّا قيَّدَهُ في الباب دلَّ على ذلك أنّ التصحيفَ منهُ، عفا الله عنّا وعنه.
(1/240)

ومن ذلك ما ذكرَهُ في بابِ (الشين مع الجيم)، قال: ومنه حديثُ سعدٍ كانوا إذا أردوا أن يطعِموها شَجَروا فَاهَا.

قلتُ: والصوابُ: حديثُ أمِّ سعدٍ، يعني ابنَ أبي وقّاص، رضي الله عنهُ وكانت أمه لمّا أسلم بمكّة في أوّل الإسلام حلفت ألاّ تطعم طعاماً حتّى يعود إلى الكفرِ، فلمّا أرادوا أن يطعِمُوها شَجَروا فاها، ونَزَلَ فيه قَوْلِه تعالى: (وإنْ جاهَدَاك على أنْ تُشْرِكَ بي ما ليسَ لكَ بهِ علمٌ فلا تُطِعْهُما)، والحديثُ مخرّجٌ في الصحيحِ. ولعلَّه لمّا نقلَهُ في التصنيفِ سَقَطَ عليه في النَّقلِ أمّ فقالَ: حديث سعدٍ، ولفظُ الحديثِ يدلّ على سقوطِ ذِكْرِ أمّ لأنه قال: إذا أرادوا أنْ يُطْعِموها، فدلّ على أنّه في ذكرِ الأمِ،
وليس ذا ممّا يحذف منهُ ذكرُها لدلالةِ الحالِ عَلَيْها وإنْ لم يجرِ ذكرُها كقولِه تعالى: (حتّى توارَتْ بالحِجَابِ)، يعني الشمسَ، لدلالةِ الحالِ، فثبتَ ما ذكرتُه مِنْ تَرْكِه ذلكَ سَهْواً، ولقلّة عِلْمِه بالقصّة.
(1/241)

ومن ذلكَ قالَ في بابِ الشين مع الراء وفي الحديثِ أنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لخوّات بن جبير: ما فَعَل شِرادُكَ؟ يعرِّضُ بقصَّتِه المعروفة مع ذات النِّحْيَيْن.
قلت: هذا إقدامٌ منهُ وقلَّةُ مبالاةٍ بما يُنْسَبُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما لا يليقُ أنّ يضافَ إلى بعضِ صُلَحاءِ المسلمينَ أن يعرِّضَ بقصةٍ كانَتْ في الجاهليَّةِ قبلَ الإسلامِ، ويعيّر رجلاً منْ أهلِ بدر من الأنصارِ أمراً قدْ عَفَا الله تعالى عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم الإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه. ولقولِه صلى الله عليه وسلم اطّلع ربّكم على أهلِ بدرٍ فقالَ: اعمَلوا ماشئتُم فقد غفرتُ لكم.
(1/242)

فإنْ كانَ عَلِمَ ما عليه من الإِثْم في ذلك، ثمّ أقدَمَ عليهِ جَهْلاً بذلك منه، لقدْ أَقْدَمَ على أمرٍ عظيمٍ. وإنْ كانَ غفلةً منه وسَهْواً من غيرِ اعتقادٍ منهُ لذلكَ رجوتُ له إذا تابَ أن يُغفر له ذلك.
وإنَّما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لخوّاتٍ يوماً - ورآه واقفاً ينظر إلى نسوةٍ منَ الأَعْرابِ في بعض الطُّرُقاتِ، وكانَ العهدُ قريباً بالإسلامِ، وكانوا على عادَتِهم في حالِ العربِ ما لم يُنْهَوا عن أمرٍ من أمورِهم، وقبلَ نزولِ قولِه تعالى: (قلْ للمؤمنينَ يغضّوا من أبصارِهم ويحفظوا فروجهم)، فقال له النبي: ما هذا ياخوّات؟ قال: يا رسول الله بعيرٌ شردَ لي فأنا أتبعه وأسأل عنه. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رآه بعد ذلك فقال: ما فعَلَ شرادُك يا خوّات؟. فقال: ذهب يا رسول الله.
والحديثُ مشهورٌ، وهو في فوائدِ عبدِ الله بنِ مخلدٍ، وفيه قصةٌ مذكورةٌ فيه،
(1/243)

قال
خوّات: فكنتُ أَسْتَحي منْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، إذا لقيتُه وأتَوَارَى عنه. فدخَلَ يوماً المسجدَ وأنا أُصَلّي، فلمّا رأيتُه قمتُ في الصّلاة وأطلتُها، فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك منّي قعد وقال: لستُ بارحاً فإنْ شئت فَأَطِل وإنْ شئتَ فَأَوْجِز فلمّا رَأَيت ذلك أَوْجَزْتُ وسلّمت، ثم أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقعدتُ بينَ يديهِ مُطْرِقاً وسلَّمتُ عليه، فقالَ: ما أقامَكَ عنِ النِّساء؟ وما فعل شِرادُك؟. فقلتُ: يا رسولَ الله لا أعودُ واعتذرتُ. فقبلَ النبيُّ، صلى الله عليه وسلم عُذْري وهذا حديثُ خوّات بإسنادِه، خرّجته أدُلّ به على صحّةِ ما ذكرْتُه.
أخبَرنا أبو الحسين، أحمدُ بنُ محمَّد بنُ أحمد بن النّقور البزّاز، إجازةً تلفّظ ِبها، وكتبَ لنا خطّه بها. وأخبَرنا عنهُ أبو القاسم بنِ أبي بكرٍ المُقرئ، قراءةً عليه قالَ: أنبأ القاضي أبو محمّد عبدُ الله الأسدي الأَكْفانيّ قراءةً عليه في يومِ
(1/244)

الأَحد الثامنَ عشرَ من شهرِ ربيعٍ الأوّل من سنةِ خمسٍ وتسعينَ وثلاثمئةٍ، فأقرَّبه، قال: حدّثنا أبو عبدِ الله محمَّد ابنِ مخلدٍ العطار، قال ثنا أبو يحيى زكريّا بن يحيىبنِ الحارثِ بنِ مَيْمون البصريّ، شريك السرّي سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ عن أبيهِ قال: سمعتَ زيدَ بن أسلم
(1/245)

يُحدِّث أنّ خوّات بن جُبَيْر، قال: نزلتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مرَّ الظّهران. فخرجتُ من خِبَائي فإذا نسْوةٌ يتحدّثن، قال: فأعجبْنَني. قالَ: فَرَجَعْتُ فَأَخْرَجْتُ حلّةً من عَيبتي، فلبستُها ثم جلست إليهنّ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبّته، فقال: يا أبا عبد الله ما يجلسك إليهن، فقال: فبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله: جمل لي شرد، فأنا أبتغي له قيداً. قال: فمضى رسول الله فتبعته، قال: فألقى إليّ رداءه ودَخَلَ الأراك، فلَكَأَنِّي أَنْظُر إلى بياضِ قَدَمَيْه في خُضْرةِ الأَراكِ فقضى حاجَتَه وتَوَضّأ ثمّ جاءَ وقال: يا أبا عبدِ الله ما فعلَ شرادُ جملكَ؟ ثمَّ
ارتَحَلْنا فَجَعَلَ لا يلحقني في السَّيرِ إلاَّ قالَ: السَّلامُ عليكُم أبا عبدِ الله ما فعَل شِرادُ جملكَ؟. قال: فتعجّلْتُ إلى المدينةِ، فاجتنبت ساعةً المسجدَ ومجالسة رسول الله، فلمّا طال ذلك عليّ تحيَّنت ساعةَ خلوةِ المسجدِ فجَعَلْتُ أصلّي. فخرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من بعضِ حجره، قال: فجاءَ فصلّى ركْعَتَين خفيفَتَين، ثم جَلَس وطوّلتُ الصلاةَ رجاءَ أنْ يَذْهبَ ويدَعَني، فقال: طوِّل أبا عبدِ الله ما شئتَ فلستُ بقائمٍ حتّى تنصرفَ. فقلتُ: والله لأعتذرنّ إلى رسولِ الله، ولأبرّئن صدرَه. قالَ: فانصرفْتُ فقالَ: السلامُ عليكُم أبا عبدِ الله، ما فعلَ شرادُ الجملِ؟ فقلْتُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما شردَ ذلكَ الجملُ منذُ أسلَمْتُ.
(1/246)

فقالَ رَحِمَكَ الله مرَّتين أو ثلاثاً، ثمّ أَمْسَك عنِّي فلم يَعُد.
(1/247)

فهذا الحديث يدلّ على ما ذكرتُ في قوله: ما فعلَ شرادُكَ؟، لا ما قالَه المؤلفُ في معنى ذاتِ النّحْيَيْن فأَخْطَأَ الصواب. ولم يكن النبيّ، صلى الله عليه وسلم يلومُ رجلاً من أصحابِه في أمرٍ قدْ عفا الله عنه، وأذهبَهُ بالإسلامِ، كانَ في الجاهليّة. وإنّما عَتَبَ عليه في أمرٍ كانَ منهُ في الإسلام أقلع عنه، وتاب منه، ولأنّ قصَّةَ ذات النّحيين مشهورة عند أهل العربية، ولم يكن ثمّ شرادٌ. وإنّما تقعُ منْ هذا المصنِّف هذه السَّقطات لقلّة معرفته بالأخبارِ والآثارِ، وأنّه لمْ يعرِف إلاّ قصةَ ذاتِ النّحيين لأنّه قد عَرَفها من كتبِ اللغةِ، وضربتِ العربُ به المثل، فقالوا: أشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النِّحْيَيْنِ فَحَمَلَ فعلَ الجاهلية وما جرى فيها ممّا عفا الله عنه بالإسلامِ على الصّحابة، وأضافَ إلى رسولِ الله، صلى الله عليه وسلم، ما لا يليقُ بأخلاقهِ الشريفةِ، التي قال الله تعالى: (وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيمٍ).
(1/248)

وكان صلى الله عليه وسلم يكرَهُ أن يَلْقَى أحداً في وجْهِه بما يَكْرَه، هكذا روى أنسُ بنُ مالكٍ وغيره من الصحابة عنه، فكيف يجوز أو يحلّ لأحدٍ أن يقولَ: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرّضَ لرجلٍ من أصحابِه من أهلِ بدرٍ بفعلٍ كانَ منهُ قبلَ الإسلامِ في الجاهليّة؟ فلقد باءَ قائلُه بإثمٍ عظيمٍ، وخُسرانٍ مُبينٍ، إنْ لمْ يُعْفَ
عنه بتوبةٍ منه، وندمٍ على ما قالَه، واستغفارٍ في الحالِ، خوفاً من سوءِ المآلِ.
(1/249)

من ذلك أيضاً في هذا البابِ ما وقعَ فيهِ تغييرٌ، قال: في الحديث: لمّا غنّت المرأة حمزة:
ألا يا حمزُ ذا الشّرفِ النِّواء
قلت: هكذا أنشده: ذا الشُّرفِ، والصحيحُ والمعروف للشُّرفِ، باللام لأنّ القَيْنَة أَغْرَيْن حمزةَ بنَ عبدِ المطلب، رضي الله عنه بالشُّرفِ ولم تكنْ له، وإنّما كانت لعليّ ابن أبي طالب، ابن أخيه، رضي الله عنه،
(1/250)

وكان حمزة، رضي الله عنه مع جماعةٍ في بيتِ شربٍ قبل تحريمِ الخمرِ، وكانَ عليٌّ، رضيَ الله عنه قدْ أعدّ ناقَتَيْن عندَ بابِه، ومضى ليأتي بحبالٍ وغرائر ومعهُ صاحبٌ له ليجمعا من الإذْخِرِ وغيِره فيبيعه للصواغينَ منْ بني قَيْنُقَاع اليهود وكان حمزةُ، رضيَ الله عنه قد عَمِلَ فيه الشرابُ وثمل فغنّته القينة فقالت:
ألا يا حمزُ للشرفِ النّواءِ ... فهنَّ معقّلاتٌ بالفناءِ
ضع السّكّين في اللّبات منها ... وضرِّجْهنَّ حمزةُ بالدِّماء
وعجّل من أطايبها لشَرْبٍ ... طعاماً من قديدٍ أو شواءِ
الشّرف: المِسانّ من الإبلِ، والواحدة: شارفٌ، والنِّواءُ: السِّمانُ، والنِّيّ: الشَّحم، وقد نوتِ الناقةُ تَنوى نوايةً، إذا سمنتْ.
(1/251)

فخرج حمزة إلى الناقتين فعقرهما واجتبَّ أسْنِمتهما، وبَقَر خواصرهما، ولم تكونا له فتضيفهما إليه، فتقول ألا يا حمزَ ذا الشُّرفِ. أي: صاحب، وإنّما كانتا لابن أخيه عليٍّ، رضي الله عنه. وإنّما أغرتهُ فعقرهما فقالتْ:
ألا يا حمزُ للشُّرفِ النِّواءِ
أي: عليكَ بهنَّ فانْحَرهنَّ، وأَطْعِم لحمهنَّ للشَّرْبِ، أي: الجماعةِ الذينَ كانوا مَعَه. هكذا سمعناهُ في مسندِ أميرِ المؤمنينَ عليّ بن أبي طالبٍ بجمعِ الإمامِ أبي عبد الله
الشيبانيّ. وفي مسندِه أيضاً الذي جمعَهُ أبو جعفر الحَضْرَميّ، مطيِّن الكوفيُّ،
(1/252)

والحديث صحيحٌ مشهورٌ معروفُ عندَ أهلِ العلمِ.
وقد أخبرنا بهِ في صحيحِ البخاريّ في كتابِ البُيوعِ، في بابِ بيع الحطب والكلأ، الشيخُ أبو الحسنِ عليّ بن الحسين بن أيوب، قال: أنبأ أبو عبدِ الله الخلال، قال: ثنا أبو عليّ الكشانيّ، قال: ثنا أبو عبد الله
(1/253)

الفِرَبْريّ، قال: ثنا أبو عبد الله البخاريّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى أنبأَ هشامُ أنَّ ابنَ جُرَيج أخبرَهُم، قال: أخبرني ابنُ شِهابٍ عن
(1/254)

عليٍّ ابنِ حُسَين بنِ عليٍّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، رضيَ الله عنه، قالَ: أَصَبْتُ شارِفاً معَ رسولِ الله، صلى الله عليه وسلم، في مَغْنَمِ يومِ بَدْرٍ قالَ: وأَعْطَاني رسولُ الله شارِفاً أخرى، فأنَخْتُهما يوماً عندَ باب رجلٍ من الأَنْصارِ، وأنا أريدُ أنْ أحملَ عليهِما إِذْخِراً لأبيعهُ ومعي صائغٌ منْ بَني قَينُقاع فأَسْتَعين به على وليمةِ فاطمةَ، وحمزةُ بنُ عبدِ المطلب يشربُ في ذلكَ البيتِ مَعَه قينةُ تغنيه فقالتْ:
ألا يا حمزُ للشُّرفِ النِّواء
فثار إليهما حمزةُ فجَبَّ أسنِمَتَهما، وبَقَرَ خَوَاصِرَهُما، ثم أَخَذَ من أَكَبادِهما. قلتُ لابنِ شهابٍ: ومنَ السَّنامِ؟ قال: قد جبَّ أسنمتَهما فذهبَ بِها. قال ابنُ شهابٍ قالَ عليٌّ: فنظرتُ إلى منظرٍ أَفْظَعَني، فأتيتُ نبيّ الله، وعندَه زيد بن حارثةَ فأخبرته الخروجَ فخرج ومعه زيد، فانطلقت معه فدخلَ على حمزَةَ، فتغيّظ عليهِ فَرَفَعَ بَصَرَهُ وقال: هل أنتُم إلا عبيدٌ لأبي؟ فرجعَ رسولُ الله يُقَهْقِرُ حتَّى خرجَ عنهم، وذلك قبلَ تحريمِ الخَمْرِ.
(1/255)

وأخْبَرنَاه عالياً أيضاً أبو الخيرِ بنُ أبي عِمْرانَ المَرْوزيّ في كتابه، قالَ: ثنا أبو الهيثم الكُشْمَيْهينيّ، قالَ ثنا الفِرَبْريّ، قالَ: ثنا البخاريّ فذَكَرَ مثلهُ.
(1/256)

وقد ذكرَهُ أيضاً أبو داود السجستانيّ في سُنَنِه، في كتاب قِسْم الفيء، وفيه قصّةٌ
قالَ عليٌّ رضي الله عنهُ: فلمّا رأيتُ ما فعلَ حمزةُ عَمِّي، رضي الله عنهُ، بالناقتين وذلك بعدَ مَوْقِعَةِ بدر العُظْمَى دَخَلَني من ذلك أمرٌ عظيمٌ ولم أَمْلِك عينيّ، ولم يكنْ لي سواهما وكنتُ أريدُ أن أستعينَ بما أبيعُه منَ الإذْخِر على وليمةِ فاطمةَ عليها السلام. فدخلت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فشكوت إليه ما فعل حمزة بناقتيّ، فقامَ رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، فانْتَعل، ثم أخَذ رداءَه وانطلقَ معي ليدخُلَ على عمّه حمزة، عليه السلام فيعاتبه على ذلك فظنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ حمزة صاحٍ. وكلّ ذلك قبلَ تحريمِ الخمرِ، قالَ عليٌّ: فدخلَ عليه رسولُ الله، عليه السَّلامُ وزيد بنُ حارثةَ مولاهُ وأنا معهُ، فعَذَلَهُ ولامَهُ وهو ثَمِلٌ منَ الشَّرابِ، فصعَّد النظرَ إليهِ ثم خَفَضَهُ، وقالَ: هل أنتم إلا عبيدُ أبي؟ فلمّا سَمِعَ منه ما قالَهُ رَجَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم القَهْقَرى وعَلِمَ أنَّه قد عَمِلَ فيه الشرابُ وهو ثَمِلٌ. فخَرَجَ وخَرَجْنا مَعَه ثم أَعْطَى عَليَّاً رضي الله عنهُ عوضَ النَّاقتين الشّارفَيْن. وإنّما بدَّل هذا المصنّفُ في تصنيفِه لأنّه أَخَذَ العلمَ من الصُّحفِ، لا منْ ألفاظِ الرجالِ العلماءِ، فإذا قالَ شيئاً منْ عندِه أَخْطَأ فيه.
(1/257)

ومنْ ذلكَ ما وقعَ في لفظِه اختلافٌ بينَ أهلِ العربيّة ورواةِ الحديثِ: ذكرَ في كتابِ (الشين مع الياء) في آخرِه، قال: في الحديثِ: هلْ لكَ مِنْ شاعةٍ؟ الشاعةُ: الزّوجةُ.
قلتُ: هكذا ذَكَرَه بالشِّينِ مُعْجمةً - وبالعين المهملةِ - وقال: في الحديثِ، ولا يَذْكُرُ أيّ حديثٍ هو فلا يعرِفه كلُّ أحدٍ فيظنُّ أنّه من كلامِ النبيّ عليه السلام ومن كلامِ الصحابة.
وهذه اللفظةُ في حديثِ عبدِ المطلبِ بن هاشمٍ، جدِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالها سيفُ ابنُ ذي يَزَن الحميريّ ملكُ اليمنِ لمّا وفَدَ عليه معَ جماعةٍ من قريْشٍ قبلَ أنْ يولدَ لعبد المطَّلب ولدٌ وكانَ سيف قد قرأ الكتب وجالس الأحبار
فجرى بينَه وبينَ عبدِ المطَّلبِ حديثٌ طويلٌ وقالَ له: تأذَنْ لي أن أنظرَ إلى بعضِ جسدكَ؟ فقال: نعم، ما لم يَكُنْ عورةً، فنظرَ في مَنْخَرَيه فقال: أَرى في أحَدِ مَنْخَرَيْك نبوّةً، وفي الآخرِ مُلْكاً، فهلْ لكَ مِنْ شاعةٍ؟ أي زوجةٍ، قال: لا قال:
(1/258)

فإذا قَدِمْت بلدكَ فتزوجْ.
(1/259)

هكذا قَرَأْنَاه على شيوخِنا الثقات في فوائدِ أبي بكرٍ الشافعيّ التي رواها عنه أبو طالبِ بنُ غَيْلان البزَّازُ شاغة. بشينٍ وغيٍن معجمتين. وهكذا وجدتُه بخطِّ الشيخِ الحافظِ أبي بكرٍ الخطيبِ البغداديِّ.
وكانَ قَدْ جَمع لأبي طالبِ بنِ غَيْلان الأمالي والمجالس التي سمِعَها من أبي بكرٍ الشافعيّ في سنة أربعٍ وخمسين وثلاثمئةٍ. ورتّبها وجَعَلها في أَحَدَ عَشَرَ جزءاً، وكان مُتْقِناً ضابِطَاً، وكذا أبو بكرٍ الشافعيِّ كان فَهْمَاً ضابِطَاً، وضبط هذه الكلمة بغين معجمة وكذلك شيوخِنا الذين قَرَأْنا عليهِم هذِه الفوائد. فلمّا رأيتُ في كتابِ الغريبين قد ذَكَرَ ذلك بالشين المُعْجَمَةِ شَكَكْتُ فيما ذَكَره ولم أتُرُك ما سمعتُه من شيوخنا ورأيته بخطّ الحفّاظ من علمائِنا. ثم إني راجعتُ الكتب المصنّفة في اللغة، فلم أجدْ هذه اللفظةَ إلاَّ في كتابِ تهذيبِ اللغة لأبي منصورٍ الأزهريّ، وهو الذي ينتمي إليه مؤلِّف الغريبين، أبو عبيدٍ فوجدتُه قد ذكر ذلك في كتاب (العين والشين)، قال: الشَّاعة: الزوجة. وكذلك وجدتُه في غريب الحديث عن إبراهيم الحربيّ. بالشين المُعْجَمة والعينِ المُهْمَلَة، فثبت ذلك عِندي. فرجعُتُ إلى قولِه، إذْ كان أَعْرَف باللُّغةِ
(1/261)

ممَّن قَرَأْنا عليه، ولم أغيِّره في سماعِنا عن الغَين المعجمة بل حكمتُ على أنّه خلافٌ بينَ رواةِ الحديثِ وأهلِ اللغة. والكلمةُ هي لغةٌ يمانيةٌ. وكنتُ قد أمليتُ على الشيخِ العالِم الإمام أبي بكر الجلميّ البلخيّ، لمّا ورد علينا مدينةَ السلامِ بعدَ عَوْدِهِ منَ الحجّ، وهو منْ أئمَّةِ خراسان - أمتعَ الله بهِ أهلَ العلمِ - أنّه قد صحّف فيها أبو عبيدٍ لما تكرّر من تصحيفِه لما اشتُهِرَ منْ ألفاظِ الحديثِ، فكيف منْ غرائبِ ألفاظِه؟ فلمّا وجدتُ الأزهريّ والحربيّ قد ذكراهُ كذلك
جَنَحْتُ ورجعتُ عنْ قولي في هذه الكلمةِ إذا رويت بالعين مهملة، أنّه تصحيفٌ، بل هو خلافٌ بين العلماءِ، فليُعْرَف ذلكَ، ولا يكتَبْ ذلكَ الذي قلت: إنّه تصحيفٌ.
وحديثُ سيفِ بنِ ذي يَزَن معَ عبدِ المطلب مشهورٌ، قد ذكرَهُ العلماءُ الذين جمعوا دلائلَ النبوّةِ، مثلُ أبي حفصِ بنِ شاهين، والبغداديّ وأبي نُعَيم
(1/262)

الحافظُ الأصبهاني، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم، وقد سمعتُه من طُرقٍ ولم أقدر على إخراجِه، لأنَّ كتبي لم تَكُنْ عِنْدي حين علّقت هذا بخطّي.
ومع هذا فلستُ أحتاج إلى ذِكْرِه. إذ قد ثَبَتَ عِنْدي قولُ مَنْ رَوَى هذه اللفظة بعينٍ مهملةٍ وكذلكَ مَنْ رَوَاها بإسنادهِ بغينٍ معجمةٍ فصارَتْ خِلافاً. كما رَوَى أبو بكرِ ابنُ الأنباريُّ في أسماءِ الشمسِ بوح، بالباءِ المُعْجَمَة من تحتِها بواحدةٍ، وبالحاءِ المهملةِ وأنكَرِ عليهِ ذلك جماعة من علماء وقته، مثل أبي عمر الزاهد اللغوي، وأبي بكرِ بنِ دريدٍ، وغيرِها. قالوا: هي: يَوحُ بالياءِ المُعْجَمَةِ باثنتين من تحتِها، والحاءِ المهملةِ، فلم يرجعِ ابنُ الأنباريِّ إلى قولهم، قال: هكذا سُمِعَتْ فصارَتْ خِلافاً بينَهم. والمحفوظُ يوح بالياء، لأنَّ الأكثرَ على ذلكَ، وكذا هي في الكتبِ بالياء.
(1/263)

ومن ذلكَ ما ذكرَهُ في باب (الصاد مع الراء)، قال: في الحديثِ: إنَّه قال لخَصْمَيْن تقّدما إليه: أخرجا ما تصرِّران.
قلت: قوله: في الحديث أنَّه قالَ لخَصْمَيْن تقدّما إليه خطأٌ وتغييرٌ منه للفظِ الحديثِ ومعناهُ وقولُه: في الحديثِ، ولا يعيّن هل هوَ منْ حديثِ النبيّ عليه السّلام، أو منْ حديثِ الصَّحابةِ أو التَّابعين فلا يَعرف ذلكَ منْ ليسَ هوَ من أهلِ العلمِ بالحديثِ، فهوَ سهوٌ منْهُ أو قلةُ معرفةٍ منه بالسُّنّة. وإنّما هذا حديثُ عبدِ المطّلب بن ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، والفضل بن العبّاس بن عبد المطلب، بعثهما أبوهما إلى رسول الله
(1/264)

صلى الله عليه وسلم ليسأَلاه أنْ يوليهما شيئاً منَ الأعمالِ، كما يولّي
غيرَهما فَلَم يَفْعَل. وحديثُهما مسندُ أهلِ المدينةِ منْ مسندِ أحمدِ بنِ حنبلٍ، وفي سننِ أبي داودَ السّجِستانيّ رحِمَهما الله - مبيّنٌ مشروحٌ في بابِ قِسْمَة الخِمْس وسهمِ ذوي القربى من كتابِ قِسْمَةِ الفيء، ولم يكنْ بينَهما خصومة ولا كانا خَصْمَيْن كما قالَ المؤَلِّفُ.
أخبرناه في كتابِ السننِ الشيخُ الحافظُ أبو محمدٍ، عبدُ الله بنُ أحمدُ بنِ عُمَرَ المقرئ بقراءتي عليه من أصْل سماعِه، قلتُ لهُ: حدّثكم الشيخُ الإمامُ الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بن علي الخطيب البغداديّ، قراءةً عليكًم من لفظِه بدمشق في سنةِ سبع وخمسين وأربعمئة،
(1/265)

وأخبركم الشيخ أبو عليٍّ بن أحمد التّستريّ قراءة عليه بالبصرةِ، قالَ: أنبأَ القاضي أبو عمرٍ الهاشميِّ، قالَ: ثنا أبو علي اللؤلؤيّ،
(1/266)

قالَ: ثنا أبو داود السّجِسْتانيّ قال: حدّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، قال: ثنا يونُس عن ابن شهابِ، قال أخبرَني عبدُ الله بنُ الحارثِ
(1/267)

بنِ نوفَلٍ الهاشميّ أنَّ عبدَ المطلبِ بن ربيعةَ بنَ الحارثِ أخبَرُه أنّ أباه ربيعةَ ابنَ الحارِثِ وعبّاسَ بنَ عبدِ المطّلبِ قالا لعبدِ المطّلبِ بنِ ربيعةَ والفضلِ بنِ عباسِ: ائتيا رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم فقولا له: يارسولَ الله، قد بَلَغْنا منَ السنِّ ما تَرَى، وأحببْنَا أنْ نتزوّجَ، وأنتَ رسولُ الله أبرُّ الناسِ وأْوصلُهم، وليسَ عندَ أَبَوَيْنا ما يَصْدُقانِ عنَّا فاستعملْنا يا رسولَ الله على الصَّدقاتِ، فلنؤدِّ إليكَ ما يؤدّي العمّال، ولنصبْ ما كانَ فيها منْ مرفَقْ. قال: فأتَى عليّ بنُ أبي طالبٍ ونحن على تلكَ الحالِ
(1/268)

فقالَ لَنَا: إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: لا والله لا نستَعْمِلُ أحداً منْكُم. على الصدقة فقالَ لهُ ربيعةُ: هذا منْ أَمْرِك، قدْ نلت صهرَ رسولِ الله، صلى الله عليه وسلم، فلمْ نَحْسُدكَ عليه، فأَلْقَى عليٌّ رداءَه ثم اضْطَجَعَ عليه فقالَ: ثنا أبو حسن القَرْمُ، والله لا أَريمُ حتى يرجعَ إليكُمَا ابناكُما بجوابِ ما بعثتما بهِ إلى النبيّ، صلى الله عليه وسلم. قال عبدُ المطّلب: فانطلقْتُ أنا والفضلُ حتىّ نوافقَ صلاةَ الظُّهرِ قدْ
قامتْ، فصلّينا معَ الناسِ، ثمّ أسرعتُ أنا والفضلُ إلى باب حجرةِ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذٍ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، فقمْنا بالباب حتى أتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بأذني وأذنِ الفَضلِ، ثم قال: أخْرِجا ما تصرِّران. ثم دخل فأذنَ لي وللفضل، فدخلنا فتواكلنا الكلامَ قليلاً، ثم كلّمته أو كلّمه الفضلُ.
(1/269)

وقد شكّ في ذلكَ عبدُ الله، قالَ: كلَّمه الذي أمرنا به أبونا فسكت رسولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، ثم رفعَ بصَرَهُ قِبَلَ سقفِ البيتِ حتّى طالَ علينا أنّه لا يرجعُ إلينا شيئاً، حتى رأيْنَا زينبَ تلمعُ من وراءِ الحجابِ بيدِها، تريدُ ألاّ تعجل، أو أنَّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم في أمرِنا، ثم خفضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسَهُ فقالَ لنا: إنَّ هذهِ الصدقةُ إنّما هي أوْساخُ الناسِ، وإنّها لا تَحِلّ لمحمّدٍ، ادعو لي نوفلَ بنَ الحارثِ،
(1/270)

فدُعي له نوفلُ بنَ الحارثِ، فقالَ يانوفلُ: أنْكِحْ عبدَ المطلب فأنكَحَني نوفلُ ثمَّ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ادعوا لي مَحمِيَة ابنَ جُزْءٍ، وهو رجلٌ من بني زبيد، كانَ رسولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم استعمله على الأخماسِ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لمَحْميَةُ: أنكحِ الفضلَ فأنكَحَهُ، ثمّ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: قمْ فأصْدِقْ عنهما من الخِمْس كذا وكذا، ولم يُسَمِّه لي عبد الله بنُ الحارث. فهذا الحديثُ مبيّنٌ ومشروحٌ، ولم يذكر فيهِ أنَّ خصمَيْنِ تقدَّما إليه كما ذكر المؤلفُ للغريبين وغيره لقلة معرفته بالحديثِ والآثارِ.
ومما وقع فيه سهوٌ وغلطٌ في تفسيره، قال في باب (الضاد مع الراء)، قال في قوله تعالى: (لعلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) أي يتذللون للهِ في دعائهم إياه، والدعاء تضرُّعٌ لأّن فيه تذللَ الراغبينَ - ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لولدَي جعفرِ: مالي أراكما ضَارعَيْنِ؟
(1/271)

وقال الحجاج لمسلمِ بنِ قتيبةَ: مالي أراكَ ضارعَ الجسمِ؟، هذا ما ذكره المصنِّفُ. قلت: قوله: ومنْهُ قولُ النبيِّ، عليهِ السلامُ لولدَيْ جعفرِ، خطأ منهُ لأنّهُ لم يعرف الحديثَ. وقوله: ولدَيْ جعفَرِ ولم يقل: من جَعْفَرُ فيعرف بقوله:
لولدَي جعفر.
(1/272)

وهو جعفر بن أبي طالبٍ، ذو الجناحينِ. وكان له ثلاثةُ أولادٍ من أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ الخَثْعميَّةِ ولدتْهُمْ في هجرتهم إلى أرضِ الحبشةِ. وأسماؤهم: عبد الله، وعَوْنُ، ومحمدٌ وكانوا صغاراً. والحديث أنَّ أسماء بنتَ عُمَيْسٍ دخلتْ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد قتل جعفر يومَ مؤتةَ ومعها أولادها منه، وكان قد لحقهم في أجسادِهِم ضعفٌ وهزالٌ فقال: مالي أرى بني أخي ضارِعَين؟ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنهم تُسْرع إليهِم العينُ ولم يقل النبيِّ لولدَي جعفرٍ، فإنهمْ كانوا صِغاراً لا يَعْرِفونَ ما يُخاطَبونَ بِهِ، وإنما قاله لأمهم أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ. وقول المصنِّف أيضاً: وقولُ الحجّاجِ لمسِلمِ بنِ قتيبةَ، فخطأ وسهوٌ مِنْهُ، فإنه قتيبةُ بنُ مسلمٍ الباهليّ، وكان أميرَ خراسانَ من قبل الحجّاجِ بنِ يوسفَ الثقفيِّ أمير العراقِ، فانقلب عليهِ فقالَ: مسلم بنُ قتيبةَ، فجعلَ الأبَ ابناً لقلةِ معرفتِهِ.
(1/273)

ومما غَلِطَ في تفسيرِهِ وحرَّفَ معناهُ وغيَّرهُ وأخطأَ في تأويلِهِ ما ذكرهُ في بابِ (الضادِ مع الحاء). قال: وفي الحديثِ ورسولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم في الضِّحِّ والريحِ، أرادَ كثْرةَ الخيلِ والجيشِ: يقالْ: جاءَ فلانٌ بالضّحِّ والريحِ، أي ما طلعتْ عليهِ الشمس، وهبَّتْ بهِ الريحُ، أي المالُ الكثيرُ.
قلتْ: وهذا تفسيرُ منْ لا يعرفُ الحديثَ ولا يعلمُ معناهُ، ولا يدري ما وجهُهُ ولا على أيِّ سببٍ ذُكِرَ. وإنّما الحديثُ أنَّ أبا خَيْثمة الأنصاريَّ السالميَّ كانَ قدْ تخلَّفَ عن رسولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوك من غيرِ عذرٍ مع منْ تخلّفَ منَ المنافقينَ وغيرِهِمْ، وكانتْ في حرٍّ شديدٍ فرجعَ أبو خيثمةَ يوماً إلى بيتِهِ وقدْ رشّتْ لهُ زوجتُهُ البيتَ وظلّلتهُ وهيأتْ لهُ طعاماً ليأكُلَ فقالَ: يكونُ رسولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم في الضّحِّ والريحِ، يعني في الشمسِ والحرِّ، وأكونُ أنا في الظلِّ، واللهِ لا دخلتُ البيتَ، ولا طعِمْتُ حتى أتهيَّأَ للخروجِ إلى رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، ثم إنه خرج قاصداً إلى النبيّ، صلى الله عليه وسلم حتى لحق به.
هكذا رواه ابن إسحق في المغازي، والواقدي أيضاً وغيرهما. . .
(1/274)

فأمّا ما قاله مؤلف الغريبين من أنَّ معنى الحديث كثرةُ الجيش والخيل، فذاك معروفٌ أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم كان في الجيش، لا معنى لما قاله، ولا فائدة فيما ذكره، إذ قد علم أن النبيّ عليه السلام كان في الجيش وكثرة العدد في تلك الغَزاة، وهي آخر الغزوات. وإنما تذكّر أبو خيثمة وفكّر كيف تخلّف عن النبيّ، عليه السلام في تلك الغزوات من غيرِ عذرٍو كان قد تهيّأ للغزو فندم على تأخره وتخلفه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في الشمس والحر، وكيف لم يشارك في الشّدة، فأقسم على ألا يدخل بيته، ولا يأكل طعامه، ولا يستظل من الشمس حتى يلحق برسول الله عليه السلامُ، ففعل رضي الله عنه. والعجب من هذا المؤلِّف أنّه قال في أوّل الكتاب: مالي فيه تفسيرٌ إلاّ أني قد ألّفته من كلام العلماء. وهذا التفسير من كلامه لا من كلام العلماءِ ولا أعلم أحداً من العلماءِ ذكر هذا التفسير في هذا الحديث سواه، فأخطأ فيما شرحه وغيّر معناه. فقد أخبرنا بحديث أبي خَيْثمة هذا في كتاب طبقات ابن سعد الكبير، الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، قراءة عليه
(1/275)

وأنا أسمع في الجزء الحادي عشر من كتاب الطبقات لابن سعد صاحب الواقدي، قال: أنبأ الشيخان أبو القاسم، عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصّيرفيّ، وأبو إسحق إبراهيم بن عمر ابن أحمد البرمكيّ، قراءة عليه
(1/276)

قالا: أنبأ أبو عمر محمد بن حيّويه الخزازّ، قراءةً عليهِ، قال: أنبأ أبو الحسن أحمد بن معروف الخشَّاب، قال: ثنا حسين بن فهمٍ، قال: ثنا محمد بن سعد، كاتب الواقدي، قال أبو خيثمة - واسمه مالك بن قيس بن ثعلبة بن العجلان بن زيد ين عنم بن سالم - شهد أُحُداً والمشاهد كلَّها، وتخلّف عن الخروج مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم إلى تبوك عشرة أيام، فدخل يوماً على امرأتين له في يومٍ حارٍّ،
(1/277)

فوجدهما في عريشين لهما قد رشَّت كل واحدةٍ منهما عريشها، وبرّدت له
ماءً، وهيّأت له طعاماً، فقال: سبحان الله، رسول الله، صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر في الضحِّ والريحِ والحرِّ، يحمل سلاحه على عنقه، وأبو خيثمة في ظلالٍ باردةٍ، وطعامٍ مهيّأ، وامرأتين حسناوين؟ ما هذا بالنَّصف، والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما، ولا أكلِّمكما حتى ألحق برسول اللهِ فخرج متَّى إذا دنا من رسول اللهِ. صلى الله عليه وسلم، وهو نازلٌ بتبوك قال الناس: هذا راكبٌ على الطريقِ، فقالَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كنْ أبا خيثمة، فقال الناس: هذا أبو خيثمة، وأناخَ راحلتهُ. ثم أقبل فسلَّم على النبيّ، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أولى لك يا أبا خيثمة، فأخبر رسول الله خبره، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له. فهذا الذي ذكره الرواةُ، ويبيّن معنى الحديث إذا عُرِفَ السبب الذي ورد فيهِ.
(1/278)

ومن ذلك أنّه ذكر في باب (الطاء مع اللام)، قال: وفي حديث عبد الله: إنّما ضنّوا عليك بالمطَلْفَحةِ، فكُلْ رغيفك، يقول: إذا بخلوا عليك - يعني الأمراء - بالرقاقة، يقال: طلْفحتُ وفَلْطَحْتُ بمعنى واحد.
قلت: وهذا أيضاً قد غيَّر فيه لفظ الحديث، وفسَّره على غير معناه، وأخطأ في تأويله لقلّة معرفتهِ بالأحاديث ومعانيها، والأسباب التي رويت فيها. فأمّا تغيير لفظ الحديثِ، فإنَّه روى وذكر في كتابه: إنّما ضَنُّوا عليكَ، هكذا في النُّسخ وذلك خطأ، ولم يجئِ الحديثُ على لفظِ الخبرِ وإنَّما جاءَ على لفظِ الشرطِ: إذا بخلوا عليك ولم يكن ذلك قدْ وقع بعد. وهذا في حديث عبد الله بن مسعودٍ، رضي الله عنهُ، وجرى في مجلسه ما قد ذكره النبيُّ، صلى الله عليه وسلم، مما يكون بعده من حال أمراء يكونونَ بعدَ الخلفاءِ، وشرطوا على العمَّال من قسمة الفيء وجباية الخراج، وتفريقه على المسلمين الذينَ هم أحقُّ بذلك ممَّن أستأثر به وصرفه في غير حقِّه، ومنع أربابه حقوقهم، وما يجري من الأمراء
(1/279)

الخونة الذي يمنعون المسلمين ما
فرضه الله عليهم، وما فرضه الخلفاء رضي الله عنهم من العطاءِ والصّدقاتِ والخراج والزكاةِ، وما يجري من الأمراء من منعْهم العطاءَ وما يظلمون. فقال عبد الله بنُ مسعودٍ، رضي الله عنه، ولم يكن أيّامه من ذلك شيءٌ، لأنّهُ مات قبل أمير المؤمنين، ذي النورين، عثمان رضي الله عنه، وقبل وقوع الفتن التي حدثتْ بعد قتلِ عثمان، رحمه الله،: إذا ضنّوا يعني: أمراء بعده عليك بالمفلطحة، يعني: الدراهم، لأنها تُضرب وتوسَّع ولم يقل مخبراً كما ذكر المصنِّف: إنّما ضنّوا عليك بالرقاقة، كما قال: ولم يرد بقوله: المفلطحة الرقاقة ولا الخبز المرقّق، هذا لا معنى له، ولا يجوز أن يحمل كلام السادة الصحابة على شيء لا معنى فيه ولا يليق بهم، وإنّما أراد عبد الله، رضي الله عنه، إذا بخل عليك الأمراء الذين يكونون بعدنا بالعطاء الذي تستحقُّه في بيت المال، واستأثروا به عليك وعلى غيركَ من المسلمين فالزم بيتكَ، وكُلْ رغيفك، ولا تقفْ على أبوابهم، ولا تخرج عليهم بالسيفِ، وأقبل على شأنكَ الذي يعنيك، ولا تشتغل بذمِّهم، فسيغنيك الله تعالى عنهم. ولم يكنِ العطاء رقاقاً ولا خبزاً كما ذكر المؤلف، وإنّما كان العطاء دراهم بيضا واسعة يضربها بنو مروان في أوّلِ ولايتهم، وهي المفلطحة التي عنى ابن مسعودٍ، رحمة الله عليهِ.
(1/280)

وعبد الملك أوّل من ضربَ الدراهم في الإسلام، وكتب عليها بالعربيّة. وكان المسلمون قبل ذلك يتعاملون بالدنانير والدراهم والفلوس التي كانت في الجاهلية من ضرب المشركين وأهل الكتاب.
وقد أخبرنا بحديث عبد الله بن مسعودٍ، رضي الله عنه، هذا الذي جاء فيه ذكر المفَلْطَحَة وفسِّرت بالدراهم الصِّحاح التي ذكرت، لا ما قال المؤلف أبو عبيد: إنها الرُّقاق. الشيخ أبو الحسين بن أبي القاسم الناقدُ، بقراءتي عليه في سنة أربعٍ وثمانين وأربعمئةٍ، قال: أنبأ القاسم الّلارجي الحافظ، قراءة عليه قال: أنبأ الحسين
بن محمد بن عُبيد العسكريّ الدقاق، قراءة عليه، قال: ثنا أبو جعفر
(1/281)

محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو داود عمر بن سعد الحفريُّ، قال: ثنا سفيان الثوريّ عن أبي
(1/282)

سنانٍ عن عبد الله بن أبي الهذيلِ، عن أبي العبيدينِ، قال: كان
(1/283)

يعني عبد الله بن مسعودٍ، رضي الله عنه يقول: إذا بخلوا عليك بالمفَلْطَحة يعني الدراهم الصحاح: كل رغيفك، وردِ النّهرَ، وأمسك عليك دينَك. فهذا الحديث، وقد جاء فيه التفسير كما قلت وشرحت لا كما قال المؤلف وأخطأ في تفسير المفَلْطَحة: الرّقاق والخبز، لقلّة علمه بالأحاديث، وغيّر لفظه: إذا بخلوا، فجعلها ضنّوا أتى بمعناه. وأبو العبيدين: اسمه معاوية بن سَبْرة بن حصين النميري، رحمه الله، قاله ابن حنبل، رحمه الله، في كتاب الأسماء والكنى، وهو سماعُنا.
(1/284)

وهذا من تفسيره لا من كلام غيره كما ذكر في أوّل الكتاب: إنّي جمعته من أقاويل العلماءِ.

ومن ذلك ما وقع في لفظهِ تصحيفٌ وتغييرٌ وفسَّره على ذلك فأزاله عن معناهُ، ذكر في باب (العين مع الباءِ)، قال: في الحديث: طرتَ بعبابها، وفزتُ بحبابها، عُباب الماء: أوله، وحبابه: معظمه، يقول: سبقت إلى جُمّة الإسلام فشربت صَفْوَه، يقول: أدركتَ أوائلَه وفضائلَه، هذا ما فسّره وذكره.
(1/285)

قلت: أمّا تفسيره للعُباب والحُباب، فهو صحيحٌ معروفٌ، إلا أنّ لفظ الحديث غير ذا، ولم يبين كلام مَنْ هو، ولا لمن قيل ذلك؟.
وهذا حديث أُسَيْد بن صفوان وهو من الصحابة، روى أنّ عليّ بن أبي طالب، عليه السلامُ، لمّا مات أبو بكر الصديقُ - رضي الله عنهما، دخل عليه وهو مسجَّى بثوبه، فقال كلاماً كثيراً من الثناء عليه
(1/286)

وتأبينه ومدحه مما هو فيه حتّى بكى وأبكى الحاضرين كلّهم، من جملة الكلام هذا الذي أورده المصنّف وصحّفه، وهو: طرتَ بَغَنائها - بالغين المعجمة وبالنون وبالياء المعجمة باثنتين، فزتَ
بحِيائِها - بكسر الحاء وبالياء المعجمة باثنتين بعد الألف. هكذا سمعناه في الكتاب الذي جمعه الحافظ أبو الحسن الدارقطني الإمام فيما قالت القرابةُ في الصَّحابةِ وما قالته الصحابة في القرابة. ورواه من طرقٍ عن المحامليّ وابن مَخْلد وغيرهما، وفي كلِّه بالغين المعجمة كما ذكرته. وكذلك ذكره في أوّل كتابه المؤتلف والمختلف، في باب أسَيْد
(1/287)

وأسِيد، وذكر أسيد بن صفوان له صحبة. روى حديث عليّ بن أبي طالبٍ في مدحِ أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما وساق الحديثَ.
وكذلك رواه أبو عبد الله بن بَطَّة، الفقيه الحنبليّ في كتابه، كتاب الإبانة وساقه من طرقٍ أيضاً. وذكره بالغين المعجمة كما ذكره الدارقطني أيضاً، والكتابان سماعنا.
وكذلك هو سماعنا في حديث أبي محمد ماسي البزّاز، من شيخنا أبي
(1/288)

الحسين الصيرفيّ، عن أبي الحسين الحرانيّ عنه، وكلّهم رووه بالغين المعجمة بغَنَائها، وفزتَ بحِيائها
(1/289)

ولم أسمع من أهل العلم ولا بلغتني هذه الرواية التي ذكرها المؤلف عن أحدٍ من الأئمةِ وأهل الحفظِ، فلا أدري كيف ذكر ذلك. بل لما صحّف بغَنَائها وجعله عُبَابها جعل مع الكلمة حَبابها ليزدوج الكلام له ويأتلف، وفسَّره على ذلك.
وقد جاء في حديث عائشة في مدحها لأبيها لمّا بلغها أنّ قوماً يذكرونه بما ليس فيه، رضي الله عنه، فخطبت خطبة وقالت فيها: ما اختلفوا في نقطة إلاَّ طار أبي بحظِّها وغَنَائها، وهو معنى قول علي رضي الله عنه: طرت بغَنَائها، وفزتَ بحِيائها.
(1/290)

وقد تقدم ذكر قول عائشة في باب (الباء مع القاف) في الكرّاسة الأولى، والحديث مشهور محفوظ. وقد فسّره أصحاب الغريب في كتبهم، ولم أخرجه برواياتي التي سمعتها من الشيوخ لئلا يطول هذا المختصر، ولأنّ الحديث معروف عند أهل العلم وأنا أذكره، إن شاء الله، في النسخة الأخرى التي أورد
منها كل حديث ذكر منه لفظة، وأبيّن ما قالته العلماء في تفسيره، لتعرف صحة ما ذكرت لك، وتقف على الصواب، والله المعين والموفّق.

وذكر في هذا الباب أيضاً، قال: وفي الحديث: مُرِي بنيكِ أنْ يَعْبطوا ضروعَ الغنم، أراد: لا يَعْبطوا، أي لا يعقروها فيدموها، كرهَ النَّهكَ، في الحلب والعبيطُ: الدمُ الطريّ، وهم يضمرون أنْ ويعملونها، أراد ألا يستقصوا حلبها حتى يخرج منها الدمُ.
(1/291)

قلت: هذا ما ذكره وتكلَّف في تفسيره، وتعنَّى في تأويلهِ، ولو كان يعرف الحديث كُفِيَ هذا العناء، ولم يحتج إلى التعسّف، لأنه قد غيَّر لفظ الحديث. والذي جاء في الحديث: مُرْي بنيكِ أنْ يقلِّموا أظافرهم أنْ يعْبطوا ضروعَ الغَنَم، أراد: لئلاّ يعْبطوا، ولم يردِ الاستقصاءَ في الحلب.
(1/292)

ولذلك جاء النَّهيُ عنه في حديث آخر بلفظٍ غير ذا في حديث ضرار بن الأزور، وقد حلب ناقةً واستقصى في حلبها، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: دعْ داعيَ اللبنِ، أراد صلى الله عليه وسلم: لا تنهك الضّرع بالحلب، فلا تدع فيه شيئاً من الدّرّ تستنزل بها الدّرّ لأن الناقة أو الشاة إذا حلبت، واستقصي عليها في الحلب أبطأ نزول اللبن إلى الخلف والضّرع، وإذا تركت فيه بقية من اللبن استنزل بها اللبن سريعاً إلى الضّرع. وقد أخبرنا بحديث ضرار بن الأزور، المبارك بن عبد الجبار إذناً، وعبد الله
(1/294)

بن علي الوكيل قراءة، قالا: أنبأ أبو محمد الجوهريّ، قال: ثنا محمّد بن المظفّر الحافظ، قال: أنبأ أحمد بن عليّ
(1/295)

بن عبد الرحيم البَرْقي، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير بن معاوية عن سليمان
(1/296)

الأعمش، عن يعقوب بن بحير، عن ضرار بن الأزور، قال: أُهديتُ لرسول الله، صلى الله عليه وسلم لِقْحة، فحلبتها له فلمّا أخذت لأجهدها، قال: لا تجهدْ دعْ داعيَ اللبنِ.
(1/297)

وإنّما أراد في هذا الحديث النّهي عن ترك تقليم الأظفار لئلا تطول فتصير بحيث تعبط ضروع الماشية كما يفعل أهل البادية
والأكراد وغيرهم ممن يعمل الأعمال. وقد كره صلى الله عليه وسلم طول الأظفار، ونهى أن تترك أكثر من أربعين يوماً لئلا تطول جداً ويجتمع تحتها الوسخ، فيمنع وصول الماء إلى البشرة في الوضوء، فلا تكمل الطهارة، وإذا لم تتم الطهارة، لم تصح الصلاة.
ومن ذلك ما ذكر في باب (العين مع الراء)، قال: في حديث حَاطب بن أبي بَلْتَعَةَ، قال: كنتُ عَريراً فيهم، أي دخيلاً غريباً ولم أكنْ من صميمهم. قلت: هكذا رواه: عَريراً - بالعين - المهملة مع الراء، وهذا غير معروف عند أهل الرواية، وهو تصحيفٌ ممّن نقله. وإنّما الذي
(1/300)

حفظناه في الحديث: كنت غريراً - بغينٍ معجمة - وفي الحديث تفسيره أي ملصقاً، لأنّ حاطبَ بن أبي بلتعة كان حليفاً لقريشٍ ولم يكن من أنفسهم.
وحديث حاطب هذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، في مسند جابر بن عبد الله الأنصاري الذي جمعه عن شيوخه، وهو مخرّج في الصحاح في التفسير لقوله تعالى: (يا أيّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخذوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أَوْلياء)، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أراد غزو قريش لمّا نقضوا العهد الذي كان بينه وبينهم، وأعانوا حلفاءهم بني كنانة على حلفائه خزاعة، وبيّتوهم بالليل، وقتلوا منهم جماعةً، فعزم رسول الله، صلى الله عليه وسلم على غزوهم، والخروج إليهم، فأسرَّ ذلك ولم يظهره إلا للخواصِّ من الصحابة، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يعلمهم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سائرٌ إليهم ليغزوهم، وأنفذ الكتاب مع امرأة وأعطاها جُعْلاً على ذلك، فأخذته وخبّأته في عِقاص شعرها وسارت، فأعلم الله النبيّ، صلى الله عليه وسلم، بذلك، فأمر النبيّ، صلى الله عليه وسلم، عليّاً والزبير، رضي الله عنهما، أن يركبا ويخرجا في طلبها، فأدركاها بروضة خاخٍ، ففتشا رحلها فلم يجدا معها شيئاً، وهمّا بالانصرافِ، فقال عليّ،
رضي الله عنها، للمرأة:
(1/301)

والله لتخرجنّ الكتاب أو لأجرّدنّك من ثيابكِ. فلمّا رأت الجِدَّ منهما حلّت شعرها، وأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذاه وانصرفا وجاءا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليّ عليهِ، فدعا حاطب بن أبي بلتعة فقال له: يا حاطب أنافقتَ أم رجعت عن الإسلام؟. فقال حاطب: والله يا رسول الله، ما نافقت ولا أردت بديني بدلاً منذ أسلمتُ، ولكن ما من أصحابك المهاجرين أحدٌ إلا وله عشيرة بمكة تحميهِ من الكفّار، ولم يكن لي أنا عشيرة تحميني، كنت غريراً فيهم، فأردت أن أتخذ عندهم بها يداً يحمون بها أهلي. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صدقَ حاطب. فكفّوا عنه. فقال عمر، رضي الله عنه،: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبيُّ، صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عمر، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وأنزل الله في شأنه سورة الممتحنة: (يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتّخذوا عَدُوِّي وعَدُوّكم أوْلياء تُلْقون إليهم بالمودّةِ وقَدْ كَفَروا بما جاءكم منَ الحقِّ) فهذا معنى الحديث ذكرته لتعرف القضيّة التي لأجلها قال: كنت غريراً فيهم.
والحديث في مسند أحمد بنِ حنبل في تفسيره مكتوب، أي ملصقاً وهو من قولهم: غري فلانٌ بالشيء إذا لزمه ولهجَ به ولم
(1/302)

يفارقْه، فهو غَرِيّ، وهو أصحّ من الرواية عَريراً. ومنه الغراء، وهو الذي يلصق به.
فأما قوله: عَريراً، بالعين المهملة في هذا الحديث فهو تصحيف لا أدري ممّن وقع من المؤلف أو من الناقل إليه ذلك؟ ولم نسمعه إلاّ بالغين المعجمة، والحديث صحيح مشهور عند أهل العلم.
وقد أخبرنا بحديث حاطب في كتاب الصحيح للبخاري: الشيخ أبو الحسن عليّ بن الحسين بن أيوب البزّاز، قراءة عليه من أصله، قال: أنبأ أبو عبد الله بن الحسين بن محمد بن الحسن الخلاّ ل، قراءة عليه فأقرّ به في سنة
(1/303)

خمس وعشرين
وأربعمئة، قال: أنبأ أبو علي إسماعيل بن محمد الحاجبي الكُشَانيّ قراءة عليه في سنة تسع وثمانين وثلاثمئة قال: أنبأ أبو عبد الله محمد بن يوسف الفِرَبْريّ، قال: ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: ثنا عليّ بن عبد الله، قال: ثنا سفيانُ، قال ثنا عمرو بن دينار سمعته منه مرتين قال: أخبرني حسن بن محمد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت علياً، رضي الله عنه، يقول: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنا والزبير والمقداد، قال انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ فإنّ بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها.
(1/304)

فانطلقنا تَعَادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجتهُ من عِقَاصها. وأتينا به رسول اللهِ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناسٍ من المشركين من أهل مكة يخبرهم أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: يا حاطبُ ما هذا قال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إني كنت امْرَأً ملصقاً في قريش ولم أكنْ من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات لهم بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كفراً ولا ارتداداً، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قدْ صدقكم. قال عمر: يا رسول الله دعْني أضربْ عنقَ هذا المنافقِ. قال: إنَّه شهدَ بدراً، وما يدريك لعلّ الله أنْ يكونَ قد اطَّلع على أهلِ بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم.
(1/305)

قال سفيان: وأيّ إسناد هذا؟ فهذا الحديث يبيّنَ لك أنّه كان حليفاً لقريش ولم يكن غريراً فيهم، لقوله: كنت امرَأً ملصَقاً، ولم يكن لي بمكة عشيرةٌ تحميني فأردتُ أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي. ولم أفعل ذلك كفراً ولا ارتداداً عن الإسلام، فبان بقوله: مُلصقاً أنه كان غريراً بغين معجمة،
وهو معنى ملصقاً لا عَريراً، كما ذكره المصنف، فثبت أنه صحّف الكلمة، ولم يعلم الحديث، ولا خفاء بذلك عند أهل العلم بالرواية والدراية،
(1/306)

وهكذا روى في الحديث غريراً، والصواب من جهة العربية غريّاً، ولكن هكذا نقلناه غريراً، واشتقاقه يدلّ على أنّه غريُّ. ومن ذلك قال في باب (العين مع الراء) في الحديث: اهتزَّ العرشُ لموتِ سعد قيل: أرادَ بالعرش الجنازة، وهي سريرُ المَيت، واهتزازه فَرَحُه بأنّه حُمِلَ عليه إلى مَدْفَنِهِ، وقيل؛ غير ذلك، والله أعلمَ بالتأويل، هذا ماذكره.
قلت: وهذا تأويل بعيدُ ولا يُحملُ كلام الرسول، صلى الله عليه وسلم، على مثل هذا التأويل البعيد. وقد جاء الحديثُ الصحيحُ: اهتز َّ عرش الرحمنُ لموت سعد بن معاذ، فلا يحتاج إلى هذا التأويل الضعيف.
(1/307)

وكان المنافقونَ قالوا في حقّ سعد بن معاذٍ رضي الله عنه، أنه خفَّ على السرير، فاهتزَّ السرير لخفته، لأنّه حكم في بني قريظةَ بما لا يستحقّونَه، وكذب المنافقون، فردَّ عليهم ذلك جابر بن عبد الله الأنصاري فقالَ: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقولَ: اهتَّز عرش الرحمن لموت سعدِ بن معاذٍ، رضيَ اللهُ عنه. فهذا الحديث يُبْطِلُ كلَّ تأويل تأولَه متأوِّلُ مِنَ الجهميةِ في نفيهم العرشَ، وأنَّ المراد به السريرُ الذي يُحْمل عليهِ الَميْتُ. وقد ذكره مؤلف هذا الكتاب، أبو عبيد أيضاً في باب (الهاء مع الزاي) على الصواب، فقال:
(1/308)

في الحديث اهتَّز العرش لموتِ سعدِ، فقال أهل العلم، معناه: ارتاح بروحهِ حينَ صعدوا به واستبشروا لكرامته على ربِّه، وكلّ من خفَّ لأمر وارتاحَ له فقد اهتزَّ لهُ، وأكثر أهل العلم على أنه عرشُ الرحمنِ تباركَ وتعالى. وقال الأزهري: أرادَ فَرَح أهل العرش بموتِهِ. وقال ابن قتيبةَ: أرادَ حَملةَ العرشِ استبشروا بروحِهِ.
قلت: ومن يذكر أنّ أكثر أهل العلم على أنّه عرش الرحمن، ما كان ينبغي له أن
يذكر هذا التأويل البعيد المعنى من الحديث هنا، فيشكك فيه من لا يعرف الحديث.
(1/309)

ومن ذلك قال في باب العين مع الصاد في خبر رواه عبد اللهِ بنُ نُفَيْعٍ في شأن صنم، قال: فجاء ثَعلبان فأكلا الجُبن والزُّبدَ، ثم عَصَلا على رأسِ الصنم، أيِ: بالا. هكذا ذكره في كتابه ثَعْلبانِ بلفظ التثنية.
قلت: وهذا قبيح من مثل هذا المصّنف مع علمهِ وفهمهِ ودرايتهِ، كيف ذهبَ عليه مِثلُ هذا حتَّى أخطأ في تفسيره، وصحّف في روايته؟!
وإنَّما الحديث أنَّ رجلاً كانَ يعبد صنماً في الجاهليةِ، قبل الإسلام، وكانَ يجيء باللبنِ والزُّبَد فيلقيه على رأس صَنَمهِ ويقول له: اطعَم. ففعل ذلكَ به يوماً، وقعد عنده لينظرَ مَنْ يأكلُ اللبنَ والزُّبَدَ، فجاء ثُعْلبان، وهو الذكر مِنَ الثعالبِ، اسم له معروفٌ عنَد العلماءِ، لا مثنّى كما ذكره، فأكلَ اللبنَ والزّبَدَ ثم عَصَلَ على رأس الصنمِ، فقامَ الرجلُ فضربَ الصنم فَكَسرهُ، ثم جاء إلى النبَّي، صلى الله عليه وسلم، فأخبر بذلك وأسلم، وقال فيه شعراً:
أربٌّ يبولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأسِهِ ... لقدْ ذَلَّ مَنْ بالتْ عَلَيهِ الثَعَالِبُ
هكذا رواه العلماءُ، والحديثُ مذكورٌ في الكتب المؤلَّفة على حروفِ المعجمِ في أسماءِ
(1/310)

الصحابةِ في معجم البَغَوِيِّ، وابن شاهينَ، وابن قانعٍ، وهو سماعنا.
والرجل هو راشدُ بن عبدِ ربهِ، أحد بني ظفرَ من سُلَيم. والصنم هو الذي يقال له: سَوَاع بالمَعْلاةِ من (رهاطَ)، كانت تدينُ له هُذَيل وبنو ظفر من سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية إلى سواع. قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر، فرأيت عنده ثعالب تأكل ما حوله وتلحس ما يلقى عليه من اللبن، فجاء ثعلبان منها فأكل ما يهدى له من اللبن ولحس ما عليه من الزبد، ثم عدا عليه ببوله، فلما رأى ذلك راشد قال:
أربٌ يبولُ الّثعلبانُ برأسهِ
وكان ذلكَ عندَ خروجِ النبيِّ، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، وقد تسامعتْ به العربُ، فخرجَ راشدٌ فأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة ومعه كلبٌ له اسمه راشدٌ وكانَ اسم راشد يومئذ ظالمٌ، فقال له النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، ما اسمكَ؟ فقالَ: ظالمٌ. قال: فما اسم كلبكَ؟ قال: راشد.
(1/311)

قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اسمك راشد، واسم كلبك ظالم، وضَحِكَ النبيَّ، ص، وأسلم راشد وبايعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأقام معه ثم طلبَ مِنْ رسول الله قطيعةً بـ رهاطَ فأقطعه رسول الله بالمعلاة من رهاط، شأو القوس ورميته بحجر، وأعطى النبيُّ راشداً إداوةً من ماء وتَفلَ فيها وقال: فرِّغها في أعلى القطيعة ولا تمنع الناسَ فضولَها. ففعل فجاء الماء عِيناً مُجِمَّةً إلى اليوم، وغرس عليها النخل وغدا راشدٌ على سواع فكسره.
والحديث مشروح طويل في كتاب دلائل النبوة لأبي نُعَيم الأصفهاني أيضاً. وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق فيها بين الذكر والأنثى، قالوا: الثُّعلُبان: ذكر الثعالب، والأفعوان: ذكر الأفاعي، والعُقْربانُ: ذكر العقارب. وأنشدوا في الثّعلُبانِ (البيت)، وفي العُقْرُبانُ:
عَقْرَبَةٌ يَكْومها عُقْربان
(1/312)

أي: الذكر منها، وهذا مشهور معروف في كتب الفروقِ التي صنّفها أهلُ العربية، مثل ابنِ السّكِّيت، وأبي حاتم، وابن قتيبة، وابن الأنباريِّ، وغيرهم، لا يخفى هذا على المتعلِّمين المبتدئين، فكيف على العلماء المبرزين؟!. وهذا يدل على أنَّه نقله من الصحف فأخطأ فيهِ ولم يحفظه من العلماء فيحكمه عنهم ويحكيه.

ومن ذلك أيضاً ذكر في هذا الباب، قال: في الحديث: خذ عِفَاصَها ووِكاءَها. قلت: هكذا رواه وقد غيَّر لفظَ الحديثِ ومعناهُ،
(1/313)

ولفظُ الحديث: احفظْ عفَاصَها ووعاءَها، يعني: اللُقَطَة، أي احفظ الوِعاءَ الذي كانتْ فيه وخَيْطَها، يعني العِفَاص
الذي شُدَّتْ به، لا خذْ عِفَاصها ووكاءَها، لأن الوكاءَ هو العفاصَ، وهو الخيط الذي تُشَدْ به الدراهم أو الدنانير. أمرَ النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، الذي يأخذ اللقطة بذلك، حتى إذا جاءَ صاحبُها، ذكر للواجد الوعاء، والعفاصَ وصفتها ليدفعها إليه، وقد سسها في نقله هذا الحرف وغيَّر لفظه.
(1/314)

ومن ذلك قال في باب (العين مع اللام): وفي حديثِ عائشةَ، رضيَ اللهُ عنها: ما آسى على شيء من أمره، تعني أخاها عبد الرحمنِ أنه لم يعالج ولم يدفن حين مات. قال شمر: معنى قولها: لم يعالج، أي لم يعالِجُ سكرةَ الموتِ فيكون كفارةَ لذنوبهِ، وذلك أنَّهُ فاجأه الموت.
قلت: هكذا رواه عن شمر يعالج، بكسر اللام، وذلك خطأ، وإنَّما هو: لم يعالَج، بفتح اللام، يعني أنَّه لم يمرَّض فيكونَ قد ناله من المرض ما يكون كفارة لذنوبه، ويذكِّره الموت فيوصي ويتسلى أهله عنه بمعالَجته في مرض. أخبرنا أبو الفضل الأمين، قراءةً عليه، قال: أنبأ عبيد الله بنُ أحمدَ بن عثمانَ الصيرفي، والحسن بن عليٍّ الجوهريّ، قال: أنبأ أبو عمر بن حيويه، قال: أنبأ أحمد بن معروف الخشَّاب، ثنا الحسين بن فهيم، ثنا محمد بن سعد
(1/315)

في كتاب (الطبقات)، قال: ثنا عبدُ الملكِ بن عمرو أبوعامر العَقديّ، ثنا نافع بُن عمرو عن أبي مُلَيكة أنّ
(1/316)

عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكر توفي بالحُبشيِّ على رأسِ أميال من مكة، فنقله ابنُ صفوانَ إلى مكَّةَ، فبلغ ذلك عائشةَ فقالت: ما آسى من أمرهِ إلاّ على خَصْلَتين، أنَّه لم يعالَجْ، وأنَّه لم يُدْفَن حيثُ ماتَ. قال نافعُ: وكانَ ماتَ فجأةً. هكذا رواه ابنُ سعدٍ يعالَج بفتح اللام، فأما قوله: يُعَالجُ سكرةَ الموتِ فخطأٌ منهُ أيضاً، فإنّ الذي يموتُ فجأةً يعالجُ سَكْرةَ الموتِ، إلاّ أنه أخفّ عليه من النّزع، ولأجلِ ذلك قال النبُّي، صلى الله عليه وسلم، في
(1/317)

موتِ الفجأةِ: هي راحةٌ للمؤمن، وأسفٌ على الكافر، ثمّ استعاذَ،
(1/318)

عليه السلام من موتِ الفجأةِ، لأنّ الإنسان يذهب بذنوبه ثمّ يمحّص عنه بمرضه
وما يقاسي من شدّة النّزع. وكان عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله عنه قد نامَ نَوماً فقبضَ في نومه في موضعٍ بطريق مكّة وهو صادرٌ من الحجّ إلى المدينة، فتأسفت عليه عائشة، رضيَ الله عنهما، كيف لم يَمرض فيعالج، فيكون أهون لحزنه عندها. وندمت حيث لم يدفن في الموضع الذي قبضت نفسه فيه ولم يُنقل إلى موضعٍ آخر فدُفنَ فيه، وهكذا الناس كلّهم إذا مرضوا عند أهاليهم ثمّ ماتوا في مرضهم كان أهون عليهم لحزنهم، وأقلّ جَزَعاً لمصابهم، وأسلى لهم،
(1/321)

ومن ابتُلِيَ بهذا عرف ذلك.
وقد جاء بيانُ ذلك عن النبي، صلى الله عليه وسلم في ذكر وفاته، أنبأ أحمد بن محمد البزاز، وأخبرنا عنه إسماعيل بن أحمد المقرئ، ويحيى بن عبد الرحمن الأمين، وغيرهما قال: أنبأ محمد بن عبد الرحمن، أنبأ أبو بكر سيف السجستاني، قال ثنا السّري وقد جاء بيانُ ذلك عن النبي، صلى الله عليه وسلم في ذكر وفاته، أنبأ أحمد بن محمد البزاز، وأخبرنا عنه إسماعيل بن أحمد المقرئ، ويحيى بن عبد الرحمن الأمين، وغيرهما قال: أنبأ محمد بن عبد الرحمن، أنبأ أبو بكر سيف السجستاني، قال ثنا السّري ابنُ يحيى السّرى، ثنا
(1/322)

شعيبُ بنُ إبراهيم التميمي ثنا سيفُ بنُ عمر التميمي، عن الوليد بن كعب عن أبيه، عن عليٍّ، عليه السلام، قال: هو أسلى لأهلي يمرضّوني وقد وقع أجرك على الله. فولّيت تمريضه ما دام الرجال يدخلون عليه، فإذا ارتفعوا خلّيته والنسوة.
(1/323)

وبه حدّثنا سيف بن مبشّر بن الفضيل، عن سالمٍ عن أبيه، قال: جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولّ الله ايذن لي لأمرضكَ وأكونَ الذي أقوم عليك. فقال: يا أبا بكر، إنْ أحمل أزواجي وبناتي وأهل بيتي علاجي ازدادت مصيبتي عليهم عِظماً، وقد وقع أجرك على الله.
(1/324)

ومن ذلكَ في بابِ العين والقاف، ذكر في تفسير قوله: له معقِّبات لا يخيب
قائلهنّ، قال أبو الهيثم سُمّيت معقّبات لأنها عادَت مرّةً بعدَ مرةٍ.
قلت: هكذا ذكره، جعل الفعل لـ المعقّبات، يعني التسبيحاتِ التي تُقال بعد الفراغ من الصلاة، وأمرَ النبّي عليه السلام بذلك، وليس للتسبيح فعلٌ،
(1/325)

وإنما الصوابُ أن يُقالَ: إنّهنّ أعدنَ مرةً بعدَ مرّة، لا أنّها عادت هي، وإنَّما أعادها المسبّح فهي عمل له، وهذا تجوُّزٌ منه في القول.

ومن ذلك في باب (العين والياء)، قال: وفي حديث عُمَر أنّه قال لرجلٍ لطَمَهُ عليٌّ لأنه كان ينظُر إلى حرَمِ المسلمين في الطوافِ فاستَعْدى عُمَرَ عليه فقالَ: ضَربَكَ بحقٍّ أصابته عينٌ من عيونِ الله.
قلت: هكذا ذكره في الكتاب أصابتهُ، بالهاء، وإنّما الصوابُ: أصابتكَ عينٌ، بكافِ المخاطبةِ، لأنَّه خطابٌ لحاضرٍ، يعني الرجلَ الذي شكا إلى عمرَ رضي الله عنهُ.
وجعل عمر، رضي الله عنه، عينَ عليٍّ رضي الله عنهُ، في منزلةِ عينٍ من الملائكةِ الحَفَظةِ، لأنَّه نظرَ بالحقِّ. فعاقبَ الرجلَ إذ أطاف النظر إلى ما لا يحلّ له في أشرفِ مكانٍ وأحرَمهِ، فكانَ بمنزلةِ ملكٍ عاقَب العاصيَ بإذنِ الله وأمرِه، ولأنّ أولياءَ الله تعالى ينظرون بنورِ الله تعالى.
ويُكشفُ لهم ما لا يُكشف لغيرِهم منَ الغَيْبِ، فلم يَقُل: لعليٍّ، رضي الله عنه، شيئاً وأنكرَ على الرجل فِعلَه
(1/326)

وقال له مُخاطباً: أصابَتْكَ عينٌ من عيونِ الله، وإنَّما سَهَا المصنّف في قولِه: أصابَتْهُ، بالهاء.

ومن ذلكَ قالَ في باب (الفاء والراء) والتمرُ يُقال ُ له: الفَرْضُ، وأنشد:
إذا أكلْتُ سَمَكاً وفَرضاً
قلتُ: وهذا سهوٌ منه وخطأٌ في التفسيِر، وإنما الصوابُ أنْ يُقالَ: والفَرْض نوعٌ أو صنفٌ من التَّمرِ، لا أن التمرَ كلّه يسمى فرضاً كما يقال: برنيّ، وطَبَرْزَذ، وأَزاذٌ، وغير ذلكَ منْ أنواعِه.
(1/327)

ومن ذلكَ ذكرَ في باب (الفاء والقاف) قال: وقالَ الوليدُ بن عبد الملك: أَفقر بعدَ مسلمة الصيدُ لمن رمى يقول: أمكنَ الرامي لمنْ أرادَ رميَ الإسلام بعدَه، وكانَ مسلمة صاحبَ مغازٍ وسدادِ ثَغْرٍ.
قلتُ: وقد أخطأَ في قولِه: الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ، لأنّ الوليدَ كانَ أخا مَسْلَمة، وكانَ قد ماتَ قبلَ مسلَمة بسنين كثيرةٍ في عَشْر المئة. توفي الوليد بن عبد الملك في النصف من جمادى الآخرة من سنة ست وتسعين بدمشق، وماتَ مَسْلَمة بعد العشرين ومئة في أيامِ أخيهِ هشامٍ، وإنمَّا هذا قولُ الوليدِ بنِ يزيدَ بنِ عبدِ الملك ابن أخي مسلمةَ، وكانَ قد وُلّيَ الأمرَ بعدَ هشامِ بنِ عبد الملكِ، وماتَ في أيامِ هشامٍ أخوهُ مسلمةُ، وهذا مذكورٌ في تاريخِ الخلفاءِ.
أخبرنا المباركُ بنُ أبي القاسمِ الصيرفيّ، قالَ: أنبأ الحسينُ بنُ جعفر السّلماسيّ، قال: أنبأ أبو طاهر المُخَلّص، قال: أنبأ أحمد بن سليمان
(1/328)

الطُّوسيّ، قال: ثنا الزبيرُ بنُ بكّارٍ في كتاب النّسَبِ. وأخبرنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ الفقيه، قال: أنبأ أبو جعفر محمد بن أحمد بن المُسلِمة، قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن الذهبيّ، قال: أنبأ أحمدُ
(1/329)

بنُ سليمان الطّوسي، ثنا الزبير، حدَّثني موسى بنُ زهيرِ بنِ مضرسٍ، عن أبيه، قال: رأيت هشامَ بنَ عبدِ الملكِ وأنا في عسكره يوم توفي: مَسْلَمةُ بنُ عبدِ الملكِ وهشام في شرطته، إذ طلعَ الوليدُ بنُ يزيدَ على الناسِ نشوانَ يجرّ مطرِفَ خزٍّ عليه، فوقف على هشام ثمّ قالَ يا أميرَ المؤمنينَ: إنّ عُقْبَى مَنْ بَقى، لَحوقُ مَنْ مَضى وقد أفقر بعد مسلمة الصيد لمن رمى واختل الشعر فوهى، وعلى أثر من سلف، ما يمضي من خلف، وَتَزَوَّدُوا فإن َّ خيرَ الزَّادِ التقوى، فلهي منه هشام فلم يحر له جواباً، ووجم الناس فلم يترهسم أحد بشيء، فقال الوليد:
أَهَنيْنَمةٌ حديث القَوْم أم ... هُمْ سُكُونٌ بعد ما مَتَع النهارُ؟
عزيزٌ كان بينهم نبيّا ... فقول القوم وحي لا يجار
كأنا بعد مسلمةَ المرجى ... شروب طوحت بهم عُقار
(1/330)

وذكر بقية الشعر، فهذا يدلك على أن القائل لذلك هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، إذ كان قد مات في سنة ست وتسعين قبل المئة، ومعنى قوله: فلم يترهسم أحد بشيء، أي لم يتكلم بشيء لا سراً ولا جهراً لعظم مصيبته ورزئه.
ومن ذلك ذكر في باب (الفاء مع الجيم)، قال: وفي الحديث: فتفاجَّت عليه، يعني الناقة فرجت رجليها.
قلت: قوله: يعني الناقة خطأ منه، والصواب الشاة شاة أم معبد، لما نزل الحديث: فتفاجَّت عليه، يعني الناقة فرّجت رجليها.
قلت: قوله: يعني الناقة خطأ منه، والصوابُ الشاةُ، شاةُ أمِّ معبدٍ، لمّا نزلَ عليها هو وأبو بكر الصدّيق، ومولاه عامرُ بنُ فهيرة لمّا هاجروا إلى المدينةِ وسألوها القِرى، ولم يكنْ عندَها شيءٌ إلا شاةٌ قد خلّفها الجَهْد عن الرعيِ، فدعا بها رسولُ الله، ليَحْتَلِبَها، فمسح بيده ضَرْعَها، وسمَّى الله، ودعا لها في شاتها، فتفاجَّتْ
(1/331)

عليه ودرَّتْ، واجترَّتْ،
(1/332)

وهو مذكورٌ في حديثِ أمِّ معبدٍ الخزاعيَّة، وهو مشهورٌ، وفيه صفةُ النبيِّ عليهِ السّلام.
ومن ذلك قالَ في بابِ (الفاءِ مع الدال)، قال: وفي الحديث: إذاً تفذع قريشٌ الرأسَ، أي تشدخُ.
قلتُ: وهذا تغييرٌ للفظِ الحديثِ، وهو حديثُ عِياض بنِ حِمار المُجاشعيّ، عن النبيّ عليه السّلام قالَ: قال الله تعالى: يا محمّدُ إنيِّ خَلقتُ عباديَ حُنَفاءَ أُحرِّق، فاجْتَالتهم الشياطينُ عنْ دينهم، الحديث، وفيه: وإنّ اللهَ تعالى أمرني أن أَحَرِّقَ قريشاً فقلتُ: يا ربِّ إذاً تشدخُ قريشٌ رأسي، حتّى تجعَلَهُ كالخُبْزةِ، فقال: اغزُهُم نُغَزِّك وابعثْ جيشاً، فبعثَ عشرة.
والحديثُ مشهورٌ معروفٌ انفردَ مسلم بنُ الحجّاج بإخراجِه في الصَّحيح، ورواهُ
أبو عيسى الترمذيّ
(1/333)

أيضاً وغيرِهما، ولفظ الحديثِ: تفدِّع رأسي، لا كما قال: الرأس، وقد روى في لفظ آخر: إذاً تشدَخُ قريشٌ رأسي.
(1/334)

ومن ذلك ما وقعَ فيه تغييرٌ أيضاً، قال في باب (الصاد والنون) وفي الحديث: العبّاس صِنْوي، أراد: أصلُه وأصْلُ أبي واحدٌ.
قلتُ: وإنّما المعروف في الحديث أنّه قال: العبّاس صِنوُ أبي، لا صِنْوي. وتفسيره يدلّك على ذلكَ، لأنه قال: أرادَ أصلُه وأصلُ أبي واحدٌ. وأظنّه سقَطَ عليه الألف من أبي فقالَ: صنوي. وقد ذكره بعد على الصواب فقال: عمّ الرجلِ صنوُ أبيهِ، ولم يقُلْ: صِنْوُه.
(1/335)

ومن ذلك ذكرَ في باب (الصاد مع الواو)، قالَ: في الحديث: التصويةُ خِلابةٌ، قال: التصويةُ والتصريةُ واحدٌ، وهو أن تصرّ الشاة بغير ياء.
والصواب: أن تصرّى، بإثبات الياء بعد الراء، من صرّيتُ الشاةَ إذا جمعت الشاة اللبن في ضرعها أياماً. فأما قوله: أن تُصَرَّ بغير ياءٍ، فمعناه أن تشدّ رأس ضرعها لئلاّ يُشَربَ منه اللبن. وإنما أراد النبي، عليه السلامُ المعنى الأولَ، وعليه وقعَ النهيُ. ومنه حديث: المَصَرَّاة،
(1/336)

ولم يُرِدْ أن يُصِرَّ ضَرعُ الشاةِ أو الناقةِ، فإنّ ذلك يجوزُ ولم يَنْهَ عنه، صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك ما ذكره في آخر بابِ (الصاد مع الياء) في تفسير قوله عليه السلامُ لما شاور أبا بكر في الأسرى يوم بدر فتكلّم أبو بكر فصافَ عنه، أي: عَدَلَ ومنهُ الحديثُ الآخر صاف أبو بكر عن أبي بُرْدة، بدال.
قلت: كذا وجدته في نسختين، عن أبي بُرْدَة، والصواب عن أبي بَرْزة الأسلميّ - بزاي وفتحِ الباء - وذلك أنَّ أبا بكرٍ، رضيَ الله عنهُ، لمّا صار الأمر إليه، كلّمه ذاتَ يومٍ بعضُ الأنصار بكلامٍ فيه غِلظة وجَفَاءٌ، فغضب أبو بكرٍ، فقال له أبو برزة: يا خليفةَ رسولِ الله: أضربُ عنقه؟ فتنحّى بذلك عن أبي بكرٍ الغضبُ
وسكتَ. قال أبو برزة: فجاءني أبو بكر مساءَ ذلكَ اليومَ، فقال: يا أبا برزَة ما كلمةٌ قلتها اليومَ لي لما غضب عليّ الأنصاريّ؟ فقال: قلت لك: أضرب عنقَه، وإن أمرتني الساعةَ فعلتُ. فقال أبو بكر: ما كانتْ لأحدٍ بعدَ النبيِّ عليهِ السلامُ.
(1/337)

فهو أبو بَرْزة، والحديث مخرّجٌ في الصحيحِ وهو معروفٌ.
(1/338)

وهو أبو بَرْزة، بالزاي وفتح الباء، لا أبو بُردة. وقد صحَّفَه المصنّفُ. واسمُ أبي برزة: نَضْلَة بنُ عبيدٍ، وأبو بُرْدة فجماعةٌ من الصحابةِ. والحديث عن أبي برزة لا غيرُ، كتبتُه في سنةِ سبعٍ وأربعينَ، وليسَ في الصحابة مِنْ كنيَته أبو بَرزةَ غيرُه. وأما أبو بُرْدة فهو هانئ بن نِيارٍ، خال البَراء بنِ عازبٍ من أهل بدر وأبو بُرْدة الحارث بنُ قيس الأشعريّ، أخو أبي موسى الأشعري، صحابيٌّ.
(1/340)

ومن ذلكَ ذكر في باب (القاف والراء) في تفسير قوله تعالى: (واسْجُدْ واقْتَرِبْ).
قيل: اسجد يا محمّد، واقترب يا أبا جهل، أي: إن اقتربت أُخِذْتَ، وهذا وعيد، وذلك أنّ أبا جهلٍ كانَ ينهاهُ عنِ السجودِ وهو قوله: (أرأيتَ الذي يَنْهَى عبْداً إذا صَلَّى) وقال: لأَطَأنَّ عنقَه، فلمّا دنا منه رأى فَحْلاً فاغراً فاهُ، فنكصَ راجعاً.
قلتُ: قوله: واقترب يا أبا جهل خطأ منه في تفسير القرآن ومعانيه، ما بلغني ذلك عن واحد من العلماء ولا عرفته عن صحابي ولا تابعي في الكتب التي قرأت وسمعت من تفسير القرآن ومعانيه، ولا يجوز أنْ يُفسَّر القرآن بالرأي. فقد روى ابنُ عبّاس عنِ النبيّ، صلى الله عليه وسلم أنّه قال: مَنْ قال في القرآن برأيه تبوّأ مقعده منَ النار.
(1/341)

وكانَ ينبغي له ان يذكر عمّن نقلَ هذا التفسير ومَن ذكرهُ إن لم يكن من قبله. وإنّما يقعُ مثلُ هذا في تفاسير الأعاجمِ القُصّاص، إذ ليسَ لهم معرفةٌ بالسُّنّةِ والآثارِ، وإنّما ينقلُ بعضُهم منْ كتبِ بعضٍ بغيرِ علمٍ.
والمعلومُ في تفسير هذه الآية والذي جاء في الآثار أن أبا جهل - لعنه الله قالَ: لئن رأيتَُ محمّداً ساجداً لأطأنَّ على رقبتِه. فأنزل الله تعالى: (كلاَّ لَئِنْ لم يَنتَْهِ)،
إلى قوله: (فَلْيَدْعُ نَاديَه، سندْعُ الزّبانيةَ)، فقال النبيّ، صلى الله عليه وسلم: والله لو دَنَا منّي لأخذته الزبانية عِيانا. وقوله تعالى: (واسجُد واقتربْ) إنما الخطاب للنبيّ، صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: (كَلاَّ، لا تُطِعْهُ واسجُد واقتربْ).
والكلامُ متّسق معطوف بعضُه على بعضٍ، أمرَ الله تعالى نبيّه، عليه السّلام، ألا يطيع أبا جهلٍ، لعنه الله، وليسجد وليقترب بطاعته لله تعالى ومخالفة عدوّه ويقوّي ذلك قولُه، صلى الله عليه وسلم: أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّهِ إذا سَجَدَ.
(1/343)

فأمَّا ما ذكرهُ منْ أنّ الخطابَ في قوله: (واقتربْ) لأبي جَهْلٍ، فلا أعلمُ أحداً منَ الأئمة المفسّرين ذكره، وإنَّما قالَ برأيِه فهوَ مردودٌ عليه.
أنبأنا أبو الحسين بن النقور بن البزّازِ إذْناً، وأخبرناه عنه محمدُ بنُ الحسن الفرضيّ، ويحيى بنَ عبد الرحمنِ العدل، قال: أنبأ أبو طاهر المخلّص، قال: ثنا رضوان بنُ أحمدَ قال: أنبأ أحمد بن عبد الجبار العُطارديّ، أنبأ يونس بنُ بُكيْرٍ عن عيسى بنِ عبدِ الله التميمي عن الربيع
(1/344)

بنِ أنسٍ البكريِّ، قال: كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يُصلّي فلمّا سجدَ جاءَ أبو جهلٍ ليطأَ عُنُقَه، فأنزل الله فيه: (أرأيت الذي يَنْهى، عبدأ إذا صلّى)؟ محمّد! (أرأيتَ إن كانَ على الهُدى)؟ محمّد (أو أَمَرَ بالتَّقوى)؟ محمّد! (أرأيتَ إنْ كذّب وتولّى)؟ أبو جهل (كَلا لَئِنْ لم يَنْتهِ)، أبو جهل (سَنَدْعُ الزبانية) قال بعضهم: (تسعةَ عَشَر): خَزَنة النار، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لئن عادَ لتأخُذَنّه الزبانيةُ، فانتهى فلم يعد.
(1/345)

أخبرنا أبو الحسين بنَ أبي القاسم الكَرْخيّ، قراءةً عليه من كتابِهِ مرتين، فأقرّ به في كتابه الجامع لأبي عيسى الترمذي، قال: أنبأ أبو يَعْلى أحمدُ بنُ عبدِ الواحدِ الحريريّ قراءةً عليه، قال: أنبأ أبو عليُّ الحسينُ بنُ محمّد المُروزيّ السّنجيّ، قال: ثنا أبو العباس محمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد بنِ
(1/346)

محبوبٍ قال: أنبأ أبو عيسى، محمد بن عيسى الترمذي وأخبرنا أبو العلاء الإسحاقي الهَرَويّ قَدم علينا بقراءتي
عليه، قال: أنبأَ القاضي أبو عامر محمودُ بنُ القاسم الأزدي، وأبو الظّفَرِ عبدُ الله
(1/347)

بن عطاء البَغَاورداني، قراءةً عليه، قالا أنبأ أبو محمّد بن عَبْد الجبّار بنِ محمّد الجرّاحي، قال: قال أبو العباس المَحْبوبيّ، قال: أنبأ أبو عيسى الترمذيّ قالَ: ثنا عبد بن حميد، قالَ: أنبأ عبد الرزاق بنُ مَعْمَر عن عبدِ الكريم
(1/348)

الجزريّ، عن عكرمة عن ابن عبّاس: (سندعُ الزبانيةَ)، قال: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمّداً يُصلّي لأطأنَّ عنقه. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لو فَعَلَ لأخَذَتهُ الملائكةُ عياناً. قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الفرضي بقراءتي عليه في كتاب التفسير عن مقاتل بن سليمان قال أنبأ أبو القاسم
(1/349)

المهرواني، قراءة عليه قال: أنبأ أبو أحمد الفَرْضيّ وأنبأ الأمين أبو الفضل بنُ خَيْرون وابنُ خالهِ أبو طاهر بنِ أبي عليّ الباقلاّني، قالا:
(1/350)

أنبأ أبو عليٍّ الحسنُ بن حمد بن إبراهيم بنِ شاذان، قراءةً عليه قالا: أنبأ أبو محمّد عبد الخالقِ بنُ الحسنِ بنِ أبي رويا السّقطي، حدّثنا عبدُ الله بنُ ثابت المُقرئ عن
(1/351)

أبيه، عن الهذيل بن حبيبٍ، عن مقاتلِ بنِ سليمانَ في تفسيرِ سورة (اقرأْ باسمِ ربّك)، قوله تعالى: (كلا لا تطعه)، يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم: لا تطعْ أبا جهل أن تترك الصلاةَ، و (اسجد)، يقول: صَلِّ واقتربْ إليه بالطاعةِ. فلمّا سمع أبو جهل ذِكْرَ الزبانيةِ خاف عدوّ الله وانصرفَ عنِ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، وقد كانَ همَّ به. فلمّا رجعَ قالوا لهُ: يا أبا الحكم أَخِفَتَه؟ قال: لا، ولكن خِفْتُ الزبانيةَ.
وأخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين، قراءة عليه من أصله في كتاب المعاني لأبي إسحق الزجاج النحوي فأقرّ به. قال: أنبأ القاضي
(1/352)

أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي المقرئ، قراءة عليه، قال: أنبأ أبو علي الفارسي النحوي، قال:
قال أبو إسحق في قوله تعالى في سورة العلق: (كلا لاتطعه)، أي: ليس الأمر على ما عليه أبو جهلٍ، لا تُطِعْه واسجُد، أي: وتقرّب إلى ربّك بالطاعة. فهذا ما بلغنا منْ أقوال العلماءِ والمفسّرين، لم يقلْ أحدٌ منهم: إن قوله: (واقتربْ) خطابٌ لأبي جهل كما قال صاحب الغريبين، ولم يُسْند ذلك إلى عالمٍ فينسبَ السهوُ إليه فثبتَ عندَنا أنّه منْ قوله فَرُدَّ عليه.
(1/353)

ومن ذلك ما وقعَ أيضاً من الخطأ في تفسيره، ما ذكره في باب (القاف مع الراء)، قال: وفي الحديث أنّه قالَ لأَنْجَشَةَ وهوَ يحدو بالنساءِ: رفقاً بالقوارير، شبّهَهُنَّ بها لضعفِ عزائِمِهنّ، والقواريرُ يُسرعُ إليها الكسرُ، وكانَ أنجشةُ يحدو بهنّ وينشدُ من القريضِ والرجزِ ما فيه تشبيبٌ، فلم يأمن أنْ يصيبهنّ أو يقعَ في قلوبهنّ حداؤه، فأُمرَ بالكف عن ذلك، وقيل: الغناء رقية الزنى.
قلت: هذا ما ذكره في كتابه، وهذا الذي ذكره من التفسير قول، صلى الله عليه وسلم رفقاً بالقوارير، يعني النساء، وهنّ أزواجه عليه السلام، ورضيَ الله عنهنّ، لا يجوز ولا يسوغُ أن يُحْمَل قولُه عليه السلام، على ذلك، إذ قد نزّه الله أزواج نبيّه، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك بقوله تعالى: (والطيّبات للطيّبين)، قوله: (يا نساءَ النبيّ لستنّ كأحدٍ منَ النساءِ)، وإنما أراد صلى الله عليه وسلم أنَّ الإبل إذا سمعتِ الحداءَ أَعْنَقتْ وأسرعتِ السّير، فربّما قَلِقَ وضينُ الهودج فوقعتْ إحداهنّ منَ البعيرِ لشدّةِ السيرِ فينكسرَ بعضُ أعضائها أو ينخلِعُ. فشبّههنّ بالقوارير لضعفهنّ، وأنّ الزجاج سريع الانكسار، ولم يرد عليهِ السلام ما ذكره المصنّف من ضعفِ العزائمِ، معاذ الله، مما ظنّ
(1/354)

فلقد أخطأ ظنُّه، وضعفَ عقله إذْ حمل كلامَ الرسولِ، عليه السلام على ما لا يجوز في الشرع، ولا يسوغُ في العقل. ومما يُقوّي ما ذكرتُه ويوضِّحه ما أخبرناهُ المباركُ بنُ عبدِ الجبّارِ المَرْوَزي، قراءةً عليه من كتابه، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ عليّ القرميسينيّ، قال: أنبأ محمّد بنُ أحمد
المفيد بـ جَرْجَرايا، قال: ثنا أحمدُ بنُ علي القَرْميسيني، قال: ثنا أحمد بن عبد الرحمن السقطيّ، قالَ: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أنبأ حمّادُ بنُ سلمة بن ثابتٍ عن أنس بنِ مالكٍ، قال: كان البراء جيدَ الحُدَاء وكانَ حاديَ الرجال، وكان أنجشةُ يحدو بالنساءِ، فحدا ذاتَ يومٍ فأعنقت الإبل، فقال النبيّ، صلى الله عليه وسلم، رويدكَ يا أنشجةُ، رويدك سَوْقك بالقوارير.
وأخبرنا ابنا العمّ، عبدُ الرحمن بنُ أحمدَ، وعبدُ القادرِ بنُ محمّد ابنا
(1/355)

عبد القادر بن محمّد اليوسفيّ، وهبةُ الله بنُ محمّد الكاتبُ، بقراءتي على كلِّ واحدٍ منهما منفرداً، قالوا: أنبأ أبو علي التميمي، قال: أنبأ أحمدُ بنُ جعفر القطيعيّ، ثنا عبدُ الله بن أحمدَ قال: حدثني أبي: ثنا ابن
(1/356)

عدي عن حُميد عن أنسٍ قال: كانَ رجلٌ يسوقُ بأمّهاتِ المؤمنينَ، يقالُ له أنجشةُ، فاشتدَّ في السياقة، فقالَ له رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم: يا أنجشةُ، رويدَك، سوقَك بالقوارير.
وأخبرنا أبو الحسين بن الحمّامي، قراءةً عليه، قال: أنبأ أبو الحسن بن الحمّامي، قراءةً عليه، قال: أنبأ أبو الحسن الحرّاني، قال: أنبأ أبو بكرٍ القطيعيّ، قالَ: ثنا عبدُ الله بن أحمد بنِ حنبلٍ، قال: ثنا أبي، ثنا حجّاجُ قالَ: حدثني شُعْبةُ عن ثابت البُنانِّي: عن أنس بن مالك أنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم
(1/357)

كانَ في سَيْرٍ وكانَ حادٍ يحدو بنسائه أو سائقُ، قال: وكانَ نساؤه يَتَقَدَّمْنَ بَين يَدَيْه فقالَ: يا أنجشةُ وَيحك أرفق بالقوارير.
فهذا الحديث يبيّن ما قلتُ منْ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، خشيَ على النساء أنْ يقَعْنَ منْ شدّة السّير من هوادجهنّ فتنكسر أعضاؤهنّ، وأمره أنْ يرفقَ بهنّ في السَّوقِ، وشبّههنَ لضعفهنّ بالقوارير مجازاً. ولم تكن الحُداة على عهدِ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، يحدونَ بالتشبيبِ كما ذكرَ هذا المؤلفُ، فقد حفظ ذلك ونُقلَ في مغازيه وحِجّه عليه السّلامُ، فمن ذلك ما ذكر أنّ عامرَ بنَ الأَكْوَع كانَ يحدو بهمْ
في طريق خيبَر، وقد أمره النبيّ عليه السلام بذلك في تلكَ الفترة فقال:
(1/358)

والله لولا الله ما اهتَدَيْنا ... ولا تَصَدّقنا ولا صَلَّيْنا
فَأَنْزِلَنْ سَكينةً علَيْنا ... وثَبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا
ومن ذلك قولُ عبد اللهِ بنِ رواحة في يوم فتح مكة، وقد حَدا بهم:
خَلّوا بني الكُفَّارِ عن سَبيله ... يا ربِّ إنّي مؤمنٌ بِقِيْلِهِ
نحنُ ضَرَبْناكُم على تَنْزيلِهِ ... ضَرْباً يُزيلُ الهامَ عنْ مُقيلِهِ
ويُذهلُ الخليلَ عن خَليلِهِ
(1/359)

ومن ذلك قول ذي البِجَادَيْن وهوَ يَحْدو بهم أيضاً في غزوةٍ أخرى:
إليكَ تَغْدو قَلِقاً وَضِينُها ... مخالفاً دِينَ النَّصارى دينُها
مُعْتَرِضاً في بَطْنِها جَنينُها
(1/360)

في أشباهٍ لهذا كثيرة، ولم يكونوا يحدون بالتشبيب ولا بالنّسيبِ، ولا يُنْشِدون الشعرَ بألحانِ الغناءِ التي أَحْدَثَها المخَنَّثون، بل كان إنشادُهم للشعرِ كالنَّصبِ للركبانِ، ودعاء الرعيانِ، وطريقة العربِ العُرْبان، لا تخليعَ الشعر كفعلِ الفُسَّاقِ المجان، فكيف يظنّ أنَّ ذلك كان، على عهد النبيّ، عليه السّلام وصحابته الأعيان، الذين أثنى الله عليهم في القرآن، ونزّههم من كل دنَسٍ ولغوٍ وطُغيان، وكذلك أزواجه المطهّرات المبرآت منْ كل ِّ إفكٍ وبُهْتان؟ فكيف يجوز لمسلمٍ أنْ يظنّ بهنّ، رضوانُ الله عليهنَّ، أنَّهنَّ يَمِلْنَ إلى سماع الغناءِ والتشبيبِ بالنساءِ، وقد ميّزهنّ الله تعالى على سائر نساءِ العالمينَ بقوله تعالى: (يا نساءَ النبيّ لستُنَّ كأحدٍ من النِّساء) وقد كانَ فيهنَّ من تحفظُ الأشعارَ والقصائدَ الطوالَ، مثلَ عائشةَ وزينب وأمّ سلمةَ، رضي الله عنهنّ؟ قالت عائشةُ: كنتُ أنشدُ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، الشعرَ حتى يزبِّب شِدْقايَ. ولقد
(1/361)

أنشدته يوماً ألف بيتٍ للبيدِ بنِ ربيعةَ، ولم يغيّرهنَّ حفظ الشعر فكيف سماعه. فهذا خطأ ممّن يحمل قولَ النبيّ، عليه السّلام، على هذا
المعنى الركيكِ، ويقولً فيه: الغِناء رقيةُ الزِّنى. لو قيلَ هذا في حقِّ أزواجٍ المؤمنين كان قبيحاً لا يجوز أن ينطقَ به، ولا يعتقدُ في المحصناتِ المؤمناتِ أنّهنَّ إذا سمعْنَ الغناءَ كانَ داعياً لهنّ إلى الزّنى، فمُعتقدُ ذلك فيهنّ آثمٌ كاذبٌ يجبُ عليه في ذلك إن صرّح به الحدّ، فكيف في حقِّ أزواج النبيّ، صلى الله عليه وسلم ورضيَ عنهنّ، وهنّ المنزّهات الطاهراتُ المُبرآتُ منكل دنسٍ وعَيْب، وشَيْنٍ ورَيْب، إن اعتقدَ فيهنّ ذلك كان كافراً، لقوله تعالى: (يَعِظُكُمَ الله أنْ تعودوا لِمِثْله أبداً إن كُنْتُم مؤمنين) فهذا مِنَ المؤلّف مَحْمولٌ على السَّهوِ والغَفْلةِ. . . وإن قصد إلى هذا التفسير عمد منه. . . فسق وضل، وخسر وذل، عفا الله عنا وعنه.
(1/362)

ومن ذلك ما ذكرهُ أيضاً عُقَيْبَ هذا الخطأ قالَ: وفي الحديث: فإذا قرَّبت المهلَ منهُ سقطتْ قَرقَرَةُ وَجْهِه، أي جلدةُ وجهِهِ، والقَرْقَر: من لباسِ النساءِ، وشُبِّهتْ بشرةُ الوجهِ بها.
قلت: وهذا تصحيفٌ ممن نَقَلَه، وخطأ ممنّ فسَّره، وإنّما هو فَرْوةُ وَجْهِهِ، هذا هوَ المحفوظ في الحديث.
(1/363)

وهذا هو في حقِّ الكفّار في النارِ إذا استغاثوا أُغيثوا بماءٍ كالمُهل، إذا قُرِّبَ إلى أحدِهم ليشربَه سقطتْ فروةُ وَجْهِه فيه قبل أن يشربه. وقد ذكرهُ المؤلف على الصواب في باب (الفاءِ مع الراء). وقوله: القَرْقَرْ من لباسِ النساء فصيحٌ وهو القَرقَل والقَرْقر، باللامِ وبالراء جميعاً، وهو قميصٌ قصيرُ يبلغ الركبتين، لا كمِّين له تلبسه المرأة في بيتها إذا أرادت العمل والخدمة، فمن أين يشبه القميص الذي لا كمين له جلدة الوجه؟ هذا بعيدٌ، إنّما هو فَرْوةُ وجهه، أي: جِلدته.
(1/365)

وقوله: قُرِّبتِ المهلُ، بالتاء خطأ، وإنّما هو مذكر لا مؤنث. والصواب: قُرّب وقوله: شُبِّهتْ بشرةُ الوجهُ بها لحنٌ وخطأ أيضاً، لأن القَرقَر مذكّر لا مؤنّث، والصواب بهِ لا بها.
(1/366)

ومن ذلك ما وقعَ في لفظهِ في باب (القاف مع السين)، قال: ومنه الحديث ما
يسّرني دين الذي يأتي العِراق بدرهمِ قَسِيٍّ.
قلت: هكذا وجدته في النسخ العِراق، بالقاف، وهو تصحيفٌ، وهذا الحديث الذي ذكره هو منْ كلام عبدِ الله بنِ مسعودٍ، رضيَ الله عنه: ما يسّرني دينُ الذي يأتي العرّاف، بالفاء، يعني الكاهنَ والمِنجّم فيصدّقهما بما يقولان بدرهمٍ قسيٍّ.
وقد روى ابن مسعود عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أنه قالَ: مَن أتى كاهناً أو عرّافاً أو ساحراً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على مُحمّد، صلى الله عليه وسلم.
(1/367)

فأراد ابن مسعود، رضي الله عنه، أنَّ دينَ الذي يأتي العرَّاف وهو المنجّم والحَازي والذي يزعم أنّ الجنّ تُخْبره بما كان وهو كاذب في ذلك فيصدقه بما يقول، لا يساوي درهماً رَديّاً إذ قد خالفَ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، فيما نهى وحذر منه.
فأما روايته العراق، بالقاف، فلا يجوزُ لأن ابنَ مسعودٍ كان مقيماً بالعراقِ في أيام عمر وعثمان، رضوان الله عليهما، وكانَ على الكوفة يصلّي بهمْ ويعلّمهم القرآن والفقهَ. وقد دخلَ العراقَ جماعةُ من الصحابةِ في قتالِ الفرسِ، وبعدَ ذلك مع عليّ وطلحةَ والزبير وعائشة، رضيَ الله عنهم. وقد أقام سعدُ بنُ أبي وقّاص بعدَ فتحهِ مدائن كسرى شهراً حتّى اختطَّ الكوفةِ ومعه جماعةٌ من الصحابةِ، وكذلك بالبصرةِ، وهما العراقان، ومات بالمدائن سليمان وحذيفة وغيرُهما مِن الصحابة، رضوانُ الله عليهمْ، فكيفَ يُنسبُ هذا القول إلى الصحابة، وقد أقاموا بالبصرةِ والكوفة والمدائن والعراق كلِّه، وكانَ فيه جماعةٌ من التابعين والزهّاد والصُّلحاءِ. وإنما هذا تصحيفٌ وسهوٌ من ناقله لا معرفة له بالحديث.
وقد ذكر الحديث أبو عبيد القاسمُ بنُ سلاّم في كتابه غريب الحديث، في غريب حديث عبد الله بن مسعودٍ أنّه باعَ نِفاية بيتِ المالِ، وكانت زُيوفاً وقِسياناً بدونِ
(1/370)

وزنِها، فذكرَ ذلكَ لعمرَ فنهاهُ وأمرهُ أنْ يردّها. قال أبو عبيد: حدّثنا هُشَيْم قالَ: أنبأ
مُجالدٌ عن الشعبيِّ، عن
(1/371)

عبدِ الله قال الأصمعيّ: واحدُ القِسيانِ: قَسيّ، مُخَفَّفَةُ السينِ، مشدّدة الياءِ على مثالِ منفيّ. قال أبو عبيد: ومنه الحديثُ الآخرُ: ما يسرّني دينُ الذي يأتي العرّافَ
(1/372)

بدرهمٍ قسيٍّ، فهذا ما ذكره الإمام أبو عبيد في كتابه غريب الحديث. أخبرنا بهِ طِرادً بن محمّدٍ، وأحمدَ بنُ عليّ المقرئ، قالا: أنبأ أحمدُ بنُ
(1/373)

البادا قراءةً، أنبأ دعلج بن أحمد، قال: أنبأ علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أبو عبيد به.
(1/374)

ومن ذلك ما ذكره في باب (الفاءِ والكاف)، قال: وفي حديث ابنِ مسعودٍ: تركت فرسي كأنه يدور في فلك.
قلت: وإنما هذا في قول رجل جاء إلى عند ابن مسعود فشكا إليه أن فرسه أصابه رجل بعينه فاستدار فرسه كأنه فلك وسأله أن يرقيه له من العين، وهو معروف. وليس هذا بقول ابن مسعود، رضي الله عنه، وقد أخبرنا بحديثه في كتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلاّم أيضاً، رحمه الله، الشيخان أبو الفوارس الزينبي، وأبو بكر بن علي الصوفي قراءة على كل واحد منهما، قالا: أنبأ أبو الحسين بن البادا قراءة عليه، قال: أنبأ دعلج بن أحمد، قال: ثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أبو عبيد، قال:
(1/375)

ثنا يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي عن هلال بن بساف، عن عبد الله، يعني ابن مسعود، أن رجلاً أتى رجلاً وهو جالس عند عبد الله فقال: إني تركت فرسك يدور كأنه في فلك، فقال عبد الله للرجل اذهب فافعل به كذا وكذا.
(1/376)

قال أبو عبيد: وفي بعض أحاديث أنه قال له: إن فلاناً لقع فرسك، أي أصابه بعين. قال أبو عبيد: فشبه الفرس بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم، وهو الذي يقال له: القطب، شبّه بقطب الرحى فشبه الفرس في اضطرابه بذلك، وإنما كانت عين أصابته. فهذا ما ذكره أبو عبيد فدلّ على ما قلته.

ومن ذلك في باب (الفاء مع الواو)، قال: في حديث معاوية قال لدغفل: بم ضبطت ما أرى؟ قال: بمفاوضة العلماء. المفاوضةُ: المساواةُ، ومنه شركة المفاوضة.
(1/377)

قلتُ: وهذا التفسيرُ منهُ خَطأٌ، لأنَّ المفاوضةَ للعلماءِ ليست المساواةَ لهمْ وإنَّما المفاوضةُ هي: المخالطةُ والمذاكَرةُ والمباحثَة للعلم حتّى يصير عالماً. فأمّا المساواة فلا معنى في هذا، وإنما فاوضَ مَنْ هو أعلمُ منه فاستفادَ من علمهِ إلى علمهِ ما زادَ به على غيرهِ. والدليلُ على ذلكَ ما استشهد به المفسرّ مِنْ قولهمْ: شركةُ المفاوضةِ، إنَّما هي المخالطةُ بخلافِ شركة العِنَان.

ومن ذلك قالَ في باب (النون مع الفاء): في حديث آخر: من أشراط الساعة انتفاخُ الأهلة، هكذا ذكره بالخاءِ معجمةَ، وإنَّما هو انتفاخُ الأهِلة - بالجيم - والانتفاج - بالجيم - م كانَ خِلْقه، ومنه قولهم في وصف الفرس: مُنتَفِج الجَبينِ، كأنَ الأهِلةَ تَعْظُم ويزادُ في خلْقِها قبلَ قيامِ الساعةِ فيرى الهِلالُ في أول ليلةٍ فيقال: هو ابنُ ليلَتين لعظمه وكبره. وأمّا الانتفاخُ - بالخاء معجمة - فما كان عن علّة ومَرَض، والهلال لا علّة به ولا مرض.
سمعت شيخنا أبا زكريا اللغوي يحكي عن شيوخه الذينَ قرأ عليهم
(1/378)

العربية أنهم قالوا: الانتفاج - بالجيم - ما كان خلقة. والانتفاخ - بالخاء معجمة - ماكان عن علَّةٍ أو آفةٍ أو مرض، ومنه الحديث المذكور، رووا بالجيم كما ذكرت.
(1/379)

ومن ذلك قال في (القاف والباء) في حديث عطاء: يُكرَه أنْ يدخل المعتكف قبواً، قال عبد الرزاق: القبو: الطّاقُ.
قلت: قوله: المعتكف سهو منه وخطأ وتغيير منه، وإنما هو يُكْرَه للمحرم أنْ يدخلَ قبواً، لأنّ المحرم يكره له أن يستظلّ بشيءٍ من الشمس والحر. فأما المعتكف فلا يكره له يستظلّ مِنَ الشمس ويكون في المسجد تحتَ الظلالِ والسقوف والطاقات، لا خلافَ عند العلماء في ذلك، والدليل على أنّه يكره للمحرم أن يستظلّ. قولُ عبد
الله بنِ عمر وقد رأى رجلاً قد استظلّ من الشمس فقالَ له: اضحَ لمن أحرمتَ
(1/380)

له، أي ابرز إلى الضّحاء، يعني الشمس، وعن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الإمام في المحرم إذا استظلّ روايتان: هل يلزمه الفداء أم لا؟ فأمّا المعتَكفُ فلا خلافَ فيه بينَ الفقهاء أنّه يجوز له الاكتنان من الشمس والجلوسُ تحتَ الظلال والطاقات والقِباب التي تكونُ على مناراتِ الأذانِ في المساجدِ.

ومن ذلك قوله في باب: (القاف والدال) في الحديث: أنَّ روح القدس نفث في روعي، يعني جبريل عليه السلام. وقوله: (وأيَّدناهُ بروح
(1/381)

القدس)، خلق من طهارة.
قلت: كذا وجدتهُ في الكتاب وكذا قال. وقد سقط عليه في نقله منه شيء، ولا يستقيم الكلام إلا به، وإنما الصواب: (وأيّدناه بروح القُدُس)، يعني جبريل أيضاً عليه السلام، وسُمّي بروح القدس لأنه خلق من طهارة. فهذا تصحيح الكلام، فأمَّا ماوجدته في النسخ فما يستقيم الكلام لأنه محتاج إلى تمامٍ لتقع به الفائدة.

ومن ذلك أيضاً في الباب قالَ: في الحديثِ حتّى يضع فيها قَدمه. روي عن الحسن: حتى يجعل الله فيها الذينَ قدّمهم مِنْ شِرار خلقِه فهمْ قدمُ الله للنارِ كما أن المسلمين قدمٌ للجنّة.
قلت: وهذا تاويلٌ بعيدٌ لم يصحّ عن الحسن ولا عن أحدٍ من أئمة السّلف أنّهم تأوّلوا هذه اللفظة التي في الحديث الصحيح الثابت. وفي الحديث ما يُبطل هذا التأ ويلَ وهو قوله: لا يزالُ يلقى في
(1/383)

النارِ وتقولُ: هلْ مِنْ مزيد؟ حتى يضعَ قَدَمه فيها، فتقول: قطْ قَطْ. وقد روى: قَدي قَدي، وقَدْني وقَدْني، بزيادة نون، ومعناه كلّه: حَسبي حَسْبي ومعلوم أنه يُلقى فيها شرارُ الخلق الذين خُلِقوا لها أولاً فأولاً، ولا فائدةَ في قوله: معناه الذينَ قدََّمهم مِن شِرار خلقهِ، فلو أنَّ النارَ تكتفي بمَنْ قدَّمهم الله تعالى فيها من شِرار خلقه لما قالت له هل من مزيد؟ وإنما الحقُّ
والأَحوطُ في هذا مذهب أصحاب الحديث والسنّة والأثر أنْ يمرَّ الحديثُ على ما جاء وصحّ عن رسولِ الله، صلى الله عليه وسلم، إذ هو، عليه السلام، أعلم الخلق بالله تعالى.
وقد أخبر عنه تعالى أنه ما ينطق عن الهوى فلا يُعارض الحديثُ بالعقل، ولا يُحْملُ كلامُه على ما يعقل من الجارحة، تعالى الله عن ذلك، بل صفةُ الله تعالى لا يُعْقلُ معناها كسائر الصفات، لأن الرسول لم يفسّرها ولا أحدٌ منْ أصحابه وتابعيهم رضيَ الله عنهم، ولم يُنقَل عن أحدٍ من الأئمّة الذينَ يُفْتى اليومَ بأقوالهم أنّهم فسّروا ذلك، بل نقول: سَمعنا وصدّقْنا وآمنّا بكلِّ ما يصحّ عنِ الرسولِ، عليه السلامُ، ولا نتكلّفُ ما قَد كفينا ولا يسألنا ربّنا عن ذلك ويقول لنا: لم تبحثوا عن معناه كما بحث غيرنا وتعنّى فزلّ، وسلم أهل
(1/384)

الحديث إذ ردّوا العلم إلى الله وإلى رسوله، صلى الله عليه وسلم. والحديثُ مُجْمَع على صحته، مخرّج في الكتبِ الصّحاح فلا يُردّ بتأويلِ متأوّل لا علم له بذلك الحديث.
ومن ذلك ما ذكر في باب (القاف والعين)، قال: في الحديث: أنّ ابناً لبنت فلان احتُضِر فدخلَ النبيُّ، صلى الله عليه وسلم، فجيء بالصبي ونفسه تَقَعْقَعُ.
قلت: هكذا قالَ، وإنّما الحديث أن ابناً لزينب بنت النبيّ، صلى الله عليه وسلم، احتُضِرَ فأرسلت إلى النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أنِ ائتِنا. فأرسل إليها: أنِ: اصبري فإنّ لله ما أَخَذّ ولهُ ما أبْقى.

فأرسلتْ إليه تُقْسمُ عليه أنْ يُحضرَها، فجاءَ فأخذَ الصبيّ إلى حجرِه ونفسُهُ تَقَعْقَعُ، فدمعت عينه عليه السلامُ. فقيلَ له: يارسولَ الله: أتبكي وقد نُهيتَ عن البكاء؟ فقال: إنما نُهيتُ عنْ صوتين أحمقين فاجرِيْن، صوتٍ عند مُصيبةٍ، خمشِ الوجوهِ، وتخريقِ الثيابِ، ورفع الصوت بالنوحِ. وصوتٍ عندَ نِعْمةٍ، صوت مزمارٍ، ورفع صوتٍ بغناءٍ، وإنما البكاءُ رحمةٌ.
(1/385)

والحديثُ رواهُ أنس بنُ مالكٍ، وهو معروفٌ صحيحٌ أخرجهُ البخاريّ ومسلمٌ جميعاً، فصحّفَ، قوله: زينب وغيره وجعله لـ بنت، وزاد فيه (فلان) ليتمّ الكلامُ لقلّة معرفته بالحديثِ.
ومن ذلك ذكر في باب (الميم مع التاء)، قال: وفي الحديث أنّه أتي بسكرانَ فاَمَرَ بـ المنْتَحة فضُرب بها. قال أبو زيد: يقال للعصا مِنْتحة، ومِتْيحة، التاء ساكنة قبل الياء، ومنتحة، ثلاث لغات.
قلت: هكذا ذكر هذه الكلمة بالحاءِ المهملةِ وصحّف فيها. والصواب أنها بالخاءِ المًعجمةِ روى ذلك ثعلبٌ النحويّ فيما أخبر به
(1/387)

محمد بنُ إسحق البَاقرجيّ، وأحمدُ بنُ الحسَنِ الكرجيّ، ومحمّد بن سعيد الكاتب قراءةً على كلّ واحدٍ منهم، قال: أنبأ أبو عليّ الحسنُ بنُ
(1/388)

إبراهيمَ البزاز، قراءة قال أنبأ محمدُ بنُ الحسنِ ابن مقسم المقرئ، قال: قال لنا ثعلب: يقال: متِّيخة، بالخاء معجمة، والتاء بنقطتين من فوقها وبالتشديد. وفيها لغة مِتْيَخَة بالتخفيف، وهي العصا يُضربُ بها وما يقومُ مقامَها. وقد ذكرها أبو منصور الأزهري في كتاب تهذيب اللغة وشرحها شرحاً مبيناً وذكر فيها عدة لغات وكلها بالخاء معجمة. فلو كان هذا المؤلّف الذي ينتمي إلى الأزهري، نظرَ هذه الكلمة في كتابِ شيخِه لنقلها على الصواب، ولم يصحّفها تصحيف الصبيان في الكتّاب.
قرأت في كتاب التهذيب للأزهري، رحمه الله، في باب (الخاء والتاء) من المعتل، قال: روى ثعلب عن ابن نجدة، قال: قال أبو زيدٍ: يقال للعصا: المِتْيخة ساكنة التاء قبل الياء، وهي المِتْيخة أيضاً، الياء قبل التاء، والميم
(1/389)

مكسورة. والمتيخة، التاء مشددة قبل الياء والميم مكسورة.
وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أُتِيَ بسكرانَ، فأَمَرَ بالمِتْيخة. فضرب بها.
(1/390)

وقال الأزهري: وهذه كلّها أسماءٌ لجريدِ النخلِ وأصلِ العُرقوب. فمن قال:
مِتْيخة فهي من وتخَ يَتِخُ، ومن قال: مِتْيخة فهي من تاخَ يتيخُ، ومن قال: مِتِّيخة فهي من فِعّيلة من مَتَخَ. فهذا ما ذكره الأزهريّ وهو إمامٌ ثقةٌ وقد وافق ما سمعناه في أمالي ثعلب وهو المحفوظ. فأما ما ذكرهُ صاحبُ الغريبين فتصحيفٌ منهُ في نقله، وكذلك قوله: مِنْتخة، بالنون والحاء تصحيفٌ منه.

ومن ذلك قال في باب (الميم مع الراء) وفي حديث: إذا نزلَ سمعتِ الملائكةُ صوتَ مِرار السلسِلة على الصَّفاء المِرار: أصله الفَتْل، لأنه يُمرّ، أي يُفْتل. وإن روي: إمرار السلسلة فحسنٌ، يقال: أَمررتُ الشيء إذا جررتَه.
قلت: قوله: مِرار السّلسلة روايةُ غير محفوظةٍ ولا مشهورةٍ. وإنما الرواية الصحيحةُ المعروفة إمرار بألف يعني صوت جرّ السلسلة،
(1/391)

فأمَّا مِرار بغير ألفٍ فغيرُ معروفٍ ولا يليقُ بمعنى الحديث.

ومن ذلك قالَ في باب (الميم مع اللام) في حديث أبي هريرة: فكأنّما تُسِفُّهم المَلَّ، أي: فكأنّما تسفي في وجوهِهم المَلَّةَ، وهي التراب المَحْمي بالنارِ.
(1/392)

قلت: وهذا تفسير بعيد غير موافق لمعنى الحديث، وإنما تسفّهم من السفوف والملّ: الرماد الحار لا التراب، وقد ذكره بعد هذا الحديث وجعله حديثاً آخر، وفسّره على الصواب، وهو قال: يارسول الله، إنَّ لي قراباتٍ أَصِلهُم ويقطعونني، وأعطيهم فيكفرونني، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ قال عليه السلام إنّما تسفُّهم المَلَّ، قال: تُسِفُّهم من السَّفوف.
وقد أخبرنا بحديثِ أبي هريرةَ هذا في مسند الإمام أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، الشيخ: أبو الحسن الكَرَجيّ، قال: أنبأ أبو الحسين الحرّاني وأبو علي
(1/393)

بن المذهب. وأخبرنا علي بن محمد بنِ عليّ بنِ العلاّف، بقراءتي عليهِ قالَ: أنبأ أبو القاسم عبدُ الملك بنُ بُشران قراءة عليه، قال: أنبأ أحمد بن جَعْفر بن حمدان، قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي قال: ثنا جعفرٌ، ثنا شُعْبةٌ قال:
سمعتُ العَلاء ابنَ
(1/394)

عبد الرحمن يُحدّث عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله إنّ لي قرابةً أصِلُهمْ ويقطعوني، وأُحْسِنُ إليهم ويسيئون إليَّ، وأَحْلُمُ عَنْهُم ويجهلونَ عليَّ. قال: لئن كنتَ كما تقولُ فكأنَّما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزالُ مَعَكَ مِنَ الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك.
-
(1/395)

قلت: والحديثُ واحدٌ فجعلهُ حديثين، وقال فيه في الأول: كأنّما، وقال في الثاني: إنّما، والمحفوظ: كأنّما. وفسّره في الأوّل خطأ، قال: تُسفّهم أي فكأنّما تسْفي في وجوههم الملّة، وهي التراب الحارُّ فهذا خطأ. وفسَّرهُ في الثاني على الصواب تفسيراً جيّداً، فهذا يدلّ على أنّ التفسيرَ الأوّل منه فأَخْطَأ، والثانيَ منْ كلامِ غيرِه فأصابَ في ذكره، قالَ القتيبي: الملّ الجمر، ويُقال: الرماد الحارّ، فجعله في التفسير الأوّل الترابَ المحميّ بالنار، ولا يُسمّى الترابُ المَحميُّ
(1/396)

بالنارِ المَلَّ.
(1/397)

ومن ذلك ما وقع في تفسيره خطأٌ وتحريفٌ لمعناهُ، قالَ في أوّل (باب النون مع الهمزة) قوله تعالى (وهم يَنْهَون عنهُ وينأَوْنَ عنه)، أي: يَنْهَوْنَ الناسَ ويتباعدون عنهُ.
قلت: وهذا تفسيرٌ لم يَنقل عن أحدٍ ممّن ذُكِرَ عنهُ التفسيرُ منْ أهل العلمِ، ولا سمعناه إلاّ في كتابهِ، وهو غيرُ صحيحٍ، ولا يليقُ بمعنى الآية. فإنّ المفسّرين للقرآن مُجْمِعون على أنّ الآية نزلت في حقّ أبي طالبٍ، عم النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأنّه كان يَنْهى الكفارَ عن أذى النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ويصدّهم عن قتله ولا يؤمن هو بهِ ولا بما جاءَ به، فكانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، يُحبُّ أنْ يُسلم، ويعرضُ عليهِ من ذلك فيأبى لِما سبق لهُ من التقدير، ونزلت الآية فيه قوله تعالى: (إنك لا تَهدي مَنْ أحببت ولكنّ الله يَهْدي مَنْ يشاء) أخبرنا أبو الحسن بنُ أيوبَ، قال: أنبأ أبو عبد الله بنُ الخلاّل، قال: أخبرنا أبو علي الكُشاني، ثنا أبو
عبد الله الفِرْبريّ، ثنا أبو عبد الله البخاري، ثنا محمود، ثنا
(1/398)

عبدُ الرزاق، أنبأ مَعْمَرُ عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبيه أن أبا طالبٍ لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، فقال: أي عم قلْ: لا إله إلاّ الله، كلمة أحاجُّ لكَ بها عندَ الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أميّة: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبدِ المطّلب؟ فلم يزالا يكلّمانه حتّى قال آخرَ كلِّ شيءٍ، كلّمهم هو على ملّة عبد المطلب؟ فقال النبيّ، صلى الله عليه وسلم: لأستغفرنّ لهُ ما لم أُنْهَ عنه ونزلت: (ما كان للنبي والذينَ آمنوا معهُ أن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين)، الآية، ونزلت: (إنك لا تَهْدي مَنْ أَحببتَ).
وروى مسلم بن الحجاج في كتاب الصحيح بإسناده عن يحيى بن سعيد
(1/399)

عن أبي حازم الأشجعيّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لِعمِّه عند الموت: قل لا إله إلاّ الله أشهدُ لك بها يومَ القيامة، فأبى، قال: لولا أن تعيّرني قريشٌ، يقولون: حمَله على ذلك الجَزَع، لأقررتُ بها عينك، فأنزل الله تعالى: (إنك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنّ الله يهدي من يشاء) القصص. وكان أبو طالب في أوّل ما دعا النبيُّ إلى الله تعالى يَمْنَع قومَه من أن يصلَ
(1/400)

أحدٌ منهم إلى أذيّة النبيّ عليه السّلام، وله شعرٌ كثيرٌ قاله يردُّ على قومه ما أرادوا بالنبيّ، عليه السّلام، منه قوله:
كذبتم، وبيت الله يُخْزى محمّدٌ ... ولمَّا نُطاعنْ دونَهُ ونناضل
فأنزل الله فيه: (وهم يَنْهَونَ عنهُ ويَنْأَوْنَ عنه) هذا هو المعروف في تفسير الآية، ذكره أهلُ التفسيرِ في كتبهم، وعلماءُ العربية في معاني القرآن المؤلّفة لهم.
أنبأنا أحمدُ بنُ محمّد بنِ النقور، وأخبرناهُ عنه جماعة، قالَ: أنبأ محمد بن عبدِ الرحمنِ، قال: حدّثنا رضوان بنُ أحمد، ثنا أحمد بنُ عبدِ الجبّار العُطارديّ قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْر، عن قَيْس بنِ
(1/401)

الربيعِ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: حدّثني مَنْ
سمع ابنَ عبّاس يقولُ في قوله تعالى: (وهُم ينهَوْنَ عنه ويَنْأَوْنَ عنه): نزلتْ في أبي
(1/402)

طالب كان ينهى عن أذى محمدٍ وينأى عمّا يجيء به أو يتبعه.
أخبرنا علي بن الحسين بن البزّاز، أنبأ الحسين بن محمّد الخلاّل، أنبأ إسماعيل
(1/403)

بن محمد الكشَانيّ، ثنا محمّد بن يوسفَ، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا مسدِّد، ثنا يحيى، عن سفيان، ثنا عبد الملك، ثنا عبدُ الله بن الحارث، ثنا العباس بن عبد المطلب، قال: قلتُ للنبيّ، صلى الله عليه وسلم: ما أغنيتَ عنْ عمّك، فإنّه كان يَحوطُك ويغضب لك؟ قالَ: هو في ضَحْضاح مِنْ نارٍ، ولولا أنا لكانَ في الدَّرْك الأَسفل منَ النارِ.
(1/404)

وما ذكره المؤلّف من قوله: ينْهونَ الناسَ عن متابعةِ الرسولِ، ويَتَباعدون عنه، فلا يليق بمعنى الآية، لأنّ كفّار قريشٍ كلَّهم كانوا يَنْهَونَ عنْ متابعةِ النبيّ، عليه السلامُ، ويتباعدون عن أذيّته، فهذا معلومٌ لا يحتاجُ إلى نص.
وإنّما الذي كانَ يمنعُ من أذاهُ ويحميهِ من كفّارِ قريشٍ، عَمَّه أبو طالبٍ، ومَنْ معهُ مِنْ بني هاشمٍ، غير أخيه أبي لهب، فإنّه كان يؤذي النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ويبلغُ منهُ كلّ مبلغٍ لهُ، ونعياً عليه، فأنزل الله فيه: (تبّت يدا أبي لهبٍ وتَبّ) لأنّه كانَ قالَ للنبيّ، صلى الله عليه وسلم، لمّا دعاهُ وجماعةَ بني هاشمٍ أطعمهم طعاماً، ثمّ دعاهم إلى الإسلام، فقال له: تبّاً لكَ ألهذا دَعَوْتَنا؟. فأنزل الله فيه (تبّت يدا أبي لهبٍ)، وأنزل في حقِّ أبي طالب ومن معه من بني أبيه الذين لم يسلموا وهم ينهون عنه وينأون عنه، فظنَّ المصنّف أنَّ المرادَ بذلكَ كفّار قريشٍ، فأخطأ ظنّه، وفسّر القرآن برأيهِ، والقرآن لا يُفسّر بالظنّ والرأي، وإنّما يفسّر بالنقل والسماعِ عنِ الصحابةِ الذينَ عرفوا في أي سبب نزلَ. فقد روى ابن عباس عن النبيّ، عليه السلام، أنّه
(1/405)

قال: مَنْ قال في القرآنِ فقدْ تبوّأ مقعده من النار.
(1/406)

ومن ذلك ما وقعَ في لفظه تغييرٌ في باب (النون مع الحاء) في الحديث: يا ليتني

غُوْدِرتُ معَ أصحابي نُحْصَ الجبل. كذا وجدته في النسخ أصحابي، بإثبات ياء الإضافة. وإنما جاء عنِ النبيِّ عليهِ السَّلامُ: يا ليتني غُودِرتُ معَ أصحابِ نُحْصِ الجبلِ،
(1/407)

بغير ياءٍ، بإضافةِ الأصحاب إلى النُّحْصِ، يعني قُتِلْتُ مع قتلى أُحُدٍ، وهم أصحابُ الجبلِ. والنُّحْص: أسفلُ الجبل.
هكذا روي في المغازي وغيرها، فأما قوله: أصحابي نُحْص الجبل، فلو كان المحفوظُ ذلك لكان بـ نُحْص الجبل، أو عندَ نحصِ الجبل، غير أنّا لم نسمعْهُ إلا بإضافةِ الصحاب إلى الجبل لم يجئ غيرُ ذلك، ولعلّ الكاتب سها في إثبات الياءِ، وبقي ذلك فلم يغيره، والله أعلم.

ومن ذلك ما وقعَ في لفظِه تصحيفٌ، قال في آخر بابِ (النونِ مع الصّاد) في حديث الخُدريّ، فقاتل اللحّام العدوي يومئذٍ وقد أقام على صلبه نصيلاً.
(1/408)

قلت: كذا قال: اللحام بلامَيْن فصحَّفه. وإنّما هو النحّام بالنون، واسمه نُعَيْم بنُ عبد الله بنِ أسعدَ بنِ عَوْف بنِ عُبيد بن عُوَيْج بن عدي بن كعب. . . وكان نُعَيْم قديمَ الإسلامِ، أسلمَ قبلَ عمر بن الخطّاب، ولكنّه أقامَ بمكّة حتّى قُبَيْلَ الفتحِ. وإنّما سُمِّيَ نُعَيمٌ النحّام، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: دخلتُ الجنّةَ فسمعتُ نحمةً من نُعَيْم، والنّحمةُ السّعلة، وقُتِلَ نُعَيْم بالشامِ شهيداً يوم أجنادين في خلافة عمر، رضيَ الله عنهما، والنحّامُ مشهورٌ معروفٌ في الصحابةِ، مذكورٌ في كتبِ التواريخِ المؤلفةِ في أسماءِ الصحابةِ والتابعين ومَنْ بعدَهم.
(1/409)

ومن ذلك ما وقع في لفظهِ تصحيفٌ، قالَ في بابِ (النونِ معَ العينِ)، في مقتل عثمان: لا يمنعنّك مكانُ ابن سلاّم أن تسبَّ نَعْثَلاً، قال أبو عبيد: قال ابن الكلبي: إنّما قال أعداء عثمان له نعثلاً لأنّهم شبّهوهُ برجلٍ من مضر كانَ طويلَ اللحيةِ.
قلتُ: هكذا رأيته في النسخ مُضَر بضادٍ معجَمة، مضبوطاً
(1/410)

تَقَعُ على كل ما يدبُّ. إلاّ أنّ العربَ قد فرّقت في كلامها بين الأشباه بالأسماء فلا تستعمل المجاز في
الأسماء عند الضرورة.

ومن ذلك ما وقع في لفظِه تغيير، ذكر في باب (النون مع الواو)، قال: في الحديث: أنّ رجلاً ربطَ الخيلَ فخراً ورياء أو نِواء لأهل الإسلام، أي معاداة لهم.
قلت: الصوابُ أنّ هذا هو من جملة حديثٍ رواه أبو هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أوله: الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجرٌ، فرجل اتخذها للغزو والجهادِ في سبيل الله. واما الذي هي له سترٌ، فرجلٌ اتخذها للنتاجِ والسّابياء والبيع. وأما الذي هي عليه وِزرٌ، فرجلٌ ربطها فخراً ورياء ونواء، لأهل الإسلام. الحديث، وهو مشهور معروف صحيح، قد أُخرجَ في الصحاح، فقول المؤلف: أنّ رجلاً ربطَ الخيلَ، فظنّ أنّه ابتداء حديثٍ فيها ولم يعلم أنّه بعضُ كلامٍ في الحديثِ لقلّة المعرفةِ منه بالحديثِ والآثار.
(1/411)

ومن ذلك ما وقع فيه تغيير، ذكر في باب (النون مع الهاء)، قال: ومنه حديث عائشة: فقادني وإني لأنهج، أي أربو أو أتنفّس.
قلت: وإنّما هو فقادتني، تعني أمها، أمّ رَوْمان لمّا أرادت أنْ تدخلها على النبيّ، عليه السّلام، قالت: فأخذتني من أرجوحة كنت عليها، فقادتني. وأنا أنهج، فسلمتني إلى نسوة من الأنصارفغسلنَ وجهي، وأصلحنَ شأني، ثمّ حمَلتْنّي إلى النبيّ، صلى الله عليه وسلم.
والحديث معروف صحيح، وليس لفظه قادني، تعني النبيّ، صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك ما وقع في تفسيره للقرآن خطأ، قال في باب (الواو مع الحاء) في صفاته: الواحدُ الأَحَد، ثم ذكر تفسيرهما، قال: الوحيد بنيَ على الوحدة والانفراد عن الصحاب، قال الله تعالى: (ذَرْني ومَنْ خلقْتُ وحيداً)، أي: لم يشركني في خلقه أحدٌ، ويكون وحيداً
(1/412)

صفة المخلوقين، أي: مَنْ خلقته وحده لا مال لهُ ولا ولد، ثم جعلت له مالاً وبنين.
قلت: قوله: لم يشركني في خلقه أحدٌ خطأ، لأنّ الله تعالى خلق الخلق كلّهم متوحّداً لا شريكَ له في ذلك، وليس خاصّاً للوليد بنِ المغيرة الذي نزلتْ في حقّه هذه الآيات والصحيحُ منَ التفسيرِ أنه نعت للوليد، أي خلقته وحيداً، وجعلته ذا مالٍ وبنين عشرةٍ حاضرينَ معهُ في البلدِ لا يغيبون عنه. فأما ما ذكره مِنْ أنّه صفةٌ لله تعالى في هذه الآية فغيرُ صحيحٍ ولا ثابتٍ في التفسيرِ.
(1/413)

قرأتُ في كتابِ أبي مسعود، إبراهيم ابن محمّد الدمشقيّ، أنبأ أبو عمرو بنُ حمْدانَ، ثنا الحسنُ بنُ سُفيان، قال: حدّثنا أبو بكر بنُ أبي شيْبةَ، ثنا ابنُ نُمَيْر،
(1/414)

ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بن مهاجر، قال: سمعتُ أبي يذكر عن مجاهد في قوله عزّ وجل: (ذَرْني ومَنْ خلقتُ وحيداً، وجعلتُ له مالاً ممدوداً وبنينَ شهوداً) قال: ذاك الوليد بن المغيرة المخزوميّ. والمال الممدود: ألف دينارٍ، والبنين الشهود. عشرة بنينَ. قال: فلمْ يزلْ يرى النقصانَ في ماله وولده حين تكلّم بما تكلّم به حتّى مات.
(1/415)

وبه حدّثنا أبو بكر، ثنا عبيدُ الله عنْ محمّد بنِ شريكٍ، عنْ ابن أبي نُجَيْح، عن مُجاهِد: (ذَرْني ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً)، قال: خلقته
(1/416)

وحده، ليس له مال ولا ولد، ثمّ بسطتُ عليه، وكلُّ إنسانٍ يخلُق وحدهُ، فهذا ما ذكر في التفسير عنْ مُجاهِدٍ، وهو أعرفُ بالتفسيرِ، لأنّه أخذَ عن ابنِ عبّاس.
(1/417)

ومن ذلك في باب (الواو مع الدال)، قال: في الحديث: لَيَنْتَهِيَنَّ الناسَ عنْ وَدْعِهم الجمعاتِ أو ليختمَنَّ على قلوبهم، وليكتبنّ من الغافلين عنْ تركِهم إيّاها.
قلت: كَذا روى: ليَنتَهينّ الناسُ، على الجمعِ اسم الجنس، وذلك خطأ. وليسَ كلّ الناس يتركونَ صلاةَ الجمعةِ وحضورها من غير عذر يمنعُ، معاذ الله أنْ يترك الناسُ كلّهم المسلمون صلاةَ الجمعةِ والجماعات. لوْ فعلوا لوجبَ على الإمام قتالهم ومنعهم منْ ذلك. وإنّما لفظ الحديث: ليَنتَهينّ أقوامٌ عن تركِهم الجُمُعات. هذا الذي جاء في الحديث بلفظِ الواحدِ على التنكير والتقليل، ليس كلّ المسلمينَ يفعلونَ ذلك،
إنّما يفعله ضعفاء الدين، فُسَّاقٌ او مبتدعون مُرَّاقٌ، لا يرون الصلاةَ في الجماعات إلا مع إمام معصوم على قولهم، ولا يُعْبأ بقولهِم ولا خلافهم، إذ هم مخالفون للإجماع، مُرّاق على الشرع.
أما قوله: عَنْ وَدْعهم، فهي لغة ضعيفة قلّما تستعمل في الحديث أو في الكلام، يَعُدّها علماء اللغة لحناً، وإنّما هي من قول بعض الرواة للحديث، لا من كلام النبيّ، عليه السلام، لأنّه كان، عليه السلام، يتكلّم بأفصح اللغات لا بأرداها، إذ هو مُنَزّه عن كلّ عَيْب،
(1/418)

فكان ينبغي للمصنّف أن يذكر ذلك، ولعلّه ما درى أنّها لحنٌ، أو سها فما أكثرَ سهوه.

ومن ذلك قال في باب (الواو مع اللام): في حديث عبد الله: إيّاك والمُناخُ على ظهرِ الطريق، فإنه منزل الوالجةِ، يعني السباعَ والحيَّات. سُمِّيَت والجةً لِوُلوجِها بالنّهارِ في الأوْلاجِ واستتارها بالليل في الأولاج، والولج: ما ولجت فيه من كهفٍ أو شعب.
(1/419)

قلت: وهذا التفسير فيه تخليطٌ وتصحيف، وقد انقلب عليه في النقل. وإنما أراد أن يقولَ: لِوُلوجِها بالنهارِ في الأوْلاجِ، وانتشارِها بالليل لا باستتارها، فإنّها تنتشر بالليل لا تستتر، فهذا تصحيفٌ. وقد انقلب عليه التفسير فلا أدري وقعَ ذلك منه أو ممن نَقَل من كتابِه.
ومن ذلكَ قالَ بعدَه في هذا الباب: وفي حديث مُسافعٍ: أنّ فُلانة قالت: أنا ولّدتُ عامّة أهلِ ديارنا، أي قَبلْتُ المولودَ.
قلت: قوله: أهل ديارنا خطأ، والصوابُ: أهل دارِنا، تعني القبيلة وهمْ يسمّون القبيلةَ والحيَّ النازلين
(1/420)

في مكانٍ: الدارَ. جاء في الحديث: أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم ببناء المساجدِ في الدّور، يعني قبائل العرب.
(1/421)

وقالَ عليه السّلام: خير دورِ الأنصارِ، يعني قبائل الأنصار، دارُ بَني عبد الأَشهل، الحديث.
ومن ذلك في الباب أيضاً، قال في الحديث: أوَلمْ ولو بِشاةٍ. الوليمةُ: الطعامُ الذي يُصْنَعُ عندَ العُرسِ، والنَّقيعةُ التي تُصْنَعُ عندَ الإملاك.
قلت: قوله: النقيعة التي تصنع عند الإملاك خطأ، ولا نعرفُ ذلك في اللغة. وإنّما النَّقيعةُ: الطعامُ الذي يصنعُ للقادمِ من السّفر، قال الشاعر:
. . . . . . . . . . ... ضربَ القُدارِ نقيعةَ القدّامِ
فالنقيعة: الطعام يُصنع للأمير والقادمين معهُ، هذا هو المعروف في كلامِ العربِ. فأمّا طعام الإملاكِ فهو الوليمة، وهي طعام العرسِ لا يُسمّى بغير ذلك.
(1/423)

وقد ذكر ذلك ابن السكيت وابن قتيبة في كتابيهما وفرّقوا بين ذكرِ الأطعمةِ يعْرف ذلكَ من قرأ إصلاح المنطق لابن السكيت، وأدب الكاتب لابن قتيبة، والعجب من هذا المُصَنِّفِ وهو أديب، كيفَ يَخْفى عليهِ مثل هذا؟
ومن ذلك في الباب أيضاً: في الحديث: نَهى أن يجلِسَ
(1/424)

الرجلُ على الولايا وهي البراذع.
قلت: هكذا روى في كتابه: جلس، وإنّما الحديث: نَهى أن يُصَلّى على الولايا وهي البراذع التي تُلقى على ظهور الإبل والدواب خشيةَ أنْ ينالَها دمٌ أو قَيح من عقور ظهرها. فأما الجلوس عليها فلا بأس بذلك. وهذا في حديث أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، كره أن يُصَلّى على البراذع التي تُلقى على ظهور الدواب.
ومن ذلك في باب (الهاء والباء): في الحديث: لقد رأيت أصحابَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يَهبون إليها كما يهبّون إلى المكتوبة، يعني الركعتين، قال النّضر: أي يَسْعونَ.
قلت: هكذا روى في كتابه ولم يزد فيه ولم يبيّن، أيّ الركعتين هما؟
(1/425)

وهذا حديث أنس ابن مالك قال: رأيت كبار أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يَهبّون إليهما، يعني الركعتين قبل المغرب، لقوله عليه السلام: صلّوا قبلَ المغربِ ركعتين
قال ذلك ثلاثاً، ثم قال: لِمَنْ شاء.
(1/426)

وروى هو في كتابه: يهبّون إليها يعني الصلاة.
يقومون فيصلّون لا يسعون، وأرادَ بالسعي: المضيّ من قوله تعالى: (فاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ)، أي امضوا. ولم يبيّن المصنّف ذلكَ في كتابِه، فإنّ معنى الهُبوبِ القيام، يقال: هبّ من نومه، أي: قام.

ومن ذلك في باب (الواو مع الهاء)، قال: في الحديث: قيل له كأنّك وَهمت ثمّ فسّر فقال: هوكقولهم: ذهبتُ وأنا أذهِب. وأصل ذهبت ذَهِبْتُ
(1/427)

فردّ إلى الفتحِ استثقالاً للكسر مع حروف الحلق.
قلت: وهذا خطأ وسهو منه في التصريف، أراد أن يقول: إن أصل أذهَبَ الماضي ذهَبَ فلا خلافَ فيه عند النحويّين أنه فَعَل، بفتح العين، ولم يسمع فيه فَعِل بكسر العين، فاشتبه عليه الماضي
(1/428)

بالمستقبل فأخطأ فيه.

ومن ذلك ما وقع فيه تبديلٌ وتغييرٌ في الحديث، ذكر في باب (الطاء مع الباء)، قال: في حديث عِمران بنِ حصين أنّ غلاماً له أَبَق، فقال: لأقطعنّ منه طابقاً إن قدرتُ عليه، أي عضواً.
قلت: كذا قال، وقد بدّل لفظ الحديث وغيّر معناه، فأخطأ فيه أن جَعل العلامَ لعمران بن حصين الخُزاعي، وهو صحابي سكن البصرة، وكان ذا كرامات وعبادات، فجعله هو الذي قال ذلك ونسبه إلى قلة العلم وفعل الجهّال، ولم يعلمْ حقيقة الحديث فزلّ في المقال.
(1/429)

وإنّما الحديثُ: أنّ رجلاً من أهل البصرةِ يُسمّى عمران البرجُميّ أبقَ غلامٌ فنذر إن قَدَر على الغلام أن يقطع منه طابقاً، فقدرَ عليه فأرسل ابنه هيّاجاً إلى عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ: ليستفتيه في ذلك، وتحرّج من المَثُلة لأنّ النبيّ قد نَهَى عنها فقال له عمران بنُ حُصَيْن: أبلغ أباك أنّ رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، كانَ يَنهى عن المَثَلة فليكفِّر عن يمينه ويتجاوز عن غلامِه. هذا هو الصحيح، لا أنّ عمران بن
حُصَيْن هو القائل، فاشتبه عليه الحديث الذي جاء فيه ذلك.
(1/430)

ذكره أحمد بن حنبل في مسنده، في مسند عمران بنِ حُصَيْن مِن مسند الصحابة البصريّين.
أخبرناه علي بن محمّد بن عليّ بن العلاّف المقرئ، بقراءتي عليه، قال: أنبأ أبو القاسم عبد الملك بنِ محمد بن بِشران الواعظ. قراءة عليه وأنا أسمع. وأخبرناه المبارك بنَ عبد الجبّار الصَّيْرفي، وأبو طالب عبد الرحمن بن أحمدَ وأبو القاسم بن أبي عبد الله بن أبي عبد الله الكاتب، قراءة على كل واحد منهم، قالوا: أنبأ أبو علي الحسنُ بن علي المذهب الواعظ، قراءة عليه، قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بنِ حمدان القطيعي، قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، قال: حدّثني بُهْز وعفان المعنّى
(1/431)

قالا: ثنا هُمام بنُ قُتادة، عن الحسن، قال عفّان: إن الحسن حدثَهم عن هيّاج بن عمران البرجمي أنّ غلاماً لأبيه أبقَ فجعل لِلَّه عزّ وجلّ عليه أن قَدُر عليه أن يَقْطَع يدَه. قال: فقَدر عليه، قال: فبعثني إلى عمران بن حُصين، قال: أَقْرِ أباك السلامَ وأخبره أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحثّ
(1/432)

في خطبته على الصدقة، ويَنْهي عن المَثُلة، فليُكَفِّر عن يمينه، ويتجاوز عن غلامه. قالَ: وبعثني إلى سَمرة، فقال: أَقر ِ أباكَ السّلامَ وأخبرْهُ أنّ رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحثّ في خطبته الصدقةِ، وينهى عن المَثُلة، فليكفّر عن يمينِه، ويتجاوز عن غُلامه.
وبالإسناد قالَ: حدّثني أبي قال: ثنا محمّد بن جعفر، قال: ثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن، أن هياج بنُ عمران أتى عمران بنَ حُصَيْن فقال: إن أبي نذَر لئِن قدرَ على غلامِه ليقطعنّ منه طابقاً، أو ليقطعنّ يده، قال: قل لأبيك يكفّر عن يمينه ولا يقطع منهُ طابقاً، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحثّ في خطبته على الصدقة، وينهى عن المَثُلة، ثم أتى سمرة بن جندبٍ
(1/433)

فقال له مثل ذلك.
ومن ذلك ما وقع في لفظه تغيير، ذكر في باب (الظاء مع اللام)، قال: في حديث

أمّ سَلمة أن أبا بكر وعمَر رضي الله عنهما ثَكَما الأرضَ فلم يظلماهُ، أي: لم يعدلا عنهُ.
(1/434)

كذا وقع في الكتاب: ثكما الأرض. وإنّما هو: ثكما الطريق. والدليل عليه قوله: فلم يعدلا عنه، ولم يقل: عنها، لأن الطريق تذكّر وتؤنّث، والأرض تؤنث، لا غير وأن المحفوظ في هذا الحديث: ثكما الطريق.
ومن ذلك، ذكر في باب (الكاف مع الخاء)، قال: في الحديث: أكلَ الحسنُ أو الحسين، رضيَ الله عنهما، تَمرة من تمر الصدقة، فقال النبيّ، صلى الله عليه وسلم كَخٍ كَخٍ، قال: هو زجر ورَدع.
قلت: قوله: أكل خطأ منه، وإنّما هو: أخذَ الحسن تمرةً من تَمرِ الصدقةِ فوضعها في فِيْهِ، فقال النبيّ، صلى الله عليه وسلم، كِخ كِخٍ، فألقاها مِنْ فِيْهِ.
(1/435)

كذا سمعناه في حديث الحسن، فلو أكلها لم يكن يقول لهُ: كخٍ، ليُلقيها. ومن ذلك ما ذكر في باب (الكاف مع الياء)، قال: في الحديث: فإذا قد متمّ فالكَيْسَ الكَيْسَ قال ابن الأعرابي: الكيس: الجِماع، والكيس: العقل، كأنه جعل طلب الولد عقلاً.
قلت: قوله: قدمتم تغييرٌ للفظِ الحديث، وإنما هو: فإذا قدمت. يقول النبيّ، صلى الله عليه وسلم، لجابر بن عبد الله الأنصاريّ، لأنّه قد أخبرَه في الطريق أنّه قد تزوّج والنبيّ عليه السلام، راجعٌ من غزوةٍ كان فيها. وقد وقف على جابرٍ جمَله فنخسه النبيّ، عليه السلام بعصا كانت معه، فسارَ حثيثاً يسبق الناس من شدّته فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم مُمازِحاً له: بِعْني جَمَلك يا جابر، فباعهُ إياهُ بأوقيّة على أن يركبه جابرُ إلى المدينة، وقال له: إذا قدمت يا جابرُ فالكَيْسَ الكَيْسَ يعني طلب الولد والجماع.
والحديث حديث جابر معروفٌ مشهور صحيح، وفيه ألفاظ غريبة. ولم يقل النبيّ، صلى الله عليه وسلم، لجميع مَن كانَ معهُ في الغزوة: فإذا قدمتّم فالكَيْسَ الكَيْسَ، ولم يأمرهم بذلك أجمعين،
(1/436)

وإنما قال لجابر ممازحاً له. وكان النبيّ عليه السلام،
يومَ أحد وقال له ذلكَ اليوم: أما علمت يا جابر أنّ الله تعالى أحيا أباك وكلّمه كِفاحاً، وقال له: تمنّ عليّ،
(1/437)

وجاء معهُ حتّى طافَ في نخلة، وقعَد على بيدرٍ من التمر مما كان يخصّ به جابراً إكراماً له ولأبيه، رضيَ الله عنهما.

ومْنْ ذلك ما وقعَ في تفسيرهِ خطأ، ذكر في باب (العين مع الزاي)، في قوله تعالى: (ليكُونُوا لَهُم عزّاً) أي أعواناً ومنعة، يعني أولاداً.
قلت: كذا وقع في الكتاب، يعني: أولاداً وهو خطأ والصواب: يعني الأنداد التي عبدوها من دون الله تعالى، الأولاد. وهو تغيير منه وسهو في النقل، فإن أوَّلَ الآية يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: (واتّخَذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَةً ليكُونُوا لَهُم عِزّاً).
ومن ذلك، ذكر في باب (الهاء مع الضاد)، قال: في الحديث: أنّ أصحابه كانوا في سَفر ولم بنتبهوا حتى طلعت الشمس والنبي، صلى الله عليه وسلم، نائم،
(1/439)

فقال: أَهْضِبوا، معناه: تكلّموا وامضوا في الحديث لكي ينتبه رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم.
(1/440)

قلت: هكذا رواه، ولم يبيّن مَنِ القائلُ: أهضبوا، فيظنُّ مَنْ لا يعرف الحديثَ أنّه النبيّ، صلى الله عليه وسلم، وقد كان نائماً. وإنّما الذي انتبه عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، فكبّر فانتبه المسلمون ولم يمكنهم أن ينبّهوا النبيّ، صلى الله عليه وسلم، خوفاً أن يكونَ في وَحْي. فقال عمر: اهضبوا، أراد: ارفعوا أصواتكم بالكلام والحديث لكي ينتبه النبيّ، صلى الله عليه وسلم.
ولولا سؤالك مراراً لما ذكرت هذه الألفاظ إضراباً عنها واختصاراً، وإنما ذكرتها لك تنبيهاً عليها وتذكاراً. والله ينفعنا وإياك بالعلم، ويجعله قربةَ إليه، إنه ولي التوفيق، والحمد لله حق حمده، وصلواته على سيّدنا محمد النبي، وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
كتبه الفقير إلى رحمة ربّه، الراجي غفران ذنبِه، أحمدُ بن عبد الخالقِ بنِ محمّد بن هبةِ الله بنِ أحمد بن أبي هشام القرشي الشافعيّ الدمشقيّ، غفرَ الله له ولمن بعده من المسلمين أجمعينَ آمين.
* * *
في آخر نسخة ك: تمّ نسخه على يد الحقير حامدِ بن الشيخِ أديبِ بنِ الشيخِ أرسلان الشهير لقباً بالتقيّ، الحُسَيْنيّ نسباً، الأثري مذهباً، في جمادى الثانية سنة ألف وثلاثمئة وسبع وعشرين عن نسخة قديمة في مكتبة الملك الظاهر الكائنة بدمشق الشام، حرسها الله وسائرَ بلادِ المسلمينَ من، بلغ مقابلة بقلم محمد صادق المالح.
(1/441)