Advertisement

هايدي

 هايدي



هايدي

تأليف
يوهانا شبيري

ترجمة
ندى أحمد قاسم
مراجعة
هبة عبد العزيز غانم


هايدي

Heidi

يوهانا شبيري

Johanna Spyri

الطبعة الأولى م
رقم إيداع
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
شبيري، يوهانا.
هايدي/تأليف يوهانا شبيري.
     تدمك:
     ?- القصص الإنجليزية
          أ- العنوان

???

رسم الغلاف: إيمان إبراهيم، تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Heidi
All rights reserved.


الفصل الأول
صُعُودُ الْجَبَلِ


«وَاصِلِي السَّيْرَ يَا هايدي!»
قَرَعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ أُذُنَيِ الطِّفْلَةِ ذَاتِ الْخَمْسِ سَنَوَاتٍ الْمُبَالِغَةِ فِي مَلْبَسِهَا، فأَوْمَأَتِ إِلَى خَالَتِهَا وَأَسْرَعَتْ مِنْ سَيْرِهَا. كَانَتِ الْأَثْوَابُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَرْتَدِيهَا — أَحَدَهَا فَوْقَ الْآخَرِ — وَالشَّالُ الصُّوفِيُّ الثَّقِيلُ الْمُلْتَفُّ حَوْلَهَا قَدْ تَسَبَّبَتْ فِي أَنْ تَسِيرَ سَيْرًا بَطِيئًا فِي ذَلِك الْيَوْمِ الْحَارِّ مِنْ شَهْرِ يُونْيُو.
سَأَلَتْهَا الْخَالَةُ ديتا: «هَلْ أَنْتِ مُتْعَبَةٌ؟»
رَدَّتِ الطِّفْلَةُ: «لَا، لَكِنَّنِي أَشْعُرُ بِالْحَرِّ.»
قَالَتِ الْمَرْأَةُ فِي صَوْتٍ مُبْتَهِجٍ: «سَنَصِلُ إِلَى الْقِمَّةِ عَمَّا قَرِيبٍ. يَجِبُ أَنْ تُوَاصِلِي الْجِدَّ فِي السَّيْرِ لِمَسَافَةٍ أَطْوَلَ قَلِيلًا وَأَنْ تَخْطِي خُطُوَاتٍ وَاسِعَةً قَوِيَّةً. سَنَصِلُ هُنَاكَ فِي غُضُونِ سَاعَةٍ مِنَ الْآنَ.»
بَدَا أَنَّ سَاعَاتٍ مَضَتْ مُنْذُ أَنْ غَادَرَتَا دورفلي وَبَدَأَتَا فِي الصُّعُودِ عَبْرَ مَمَرِّ الْمُشَاةِ. لَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ، لَمْ يَكُنْ مَضَى سِوَى سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. كَانَ هَذَا الْوَقْتُ كَافِيًا لِلْوُصُولِ بِهِمَا إِلَى قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ مُشَيَّدَةٍ عَلَى أَحَدِ جَوَانِبِ الْجَبَلِ. يَتَوَقَّفُ النَّاسُ عَادَةً فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لِالْتِمَاسِ الرَّاحَةِ وَزِيَارَةِ أَصْدِقَائِهِمْ وَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الْقِمَّةِ. لَكِنْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ تَتَوَقَّفِ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ وَالطِّفْلَةُ لِالْتِمَاسِ الرَّاحَةِ. فَقَدْ كَانَتِ الرِّحْلَةُ الَّتِي تَقُومَانِ بِهَا مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُمَا قَطْعُهَا بِزِيَارَاتٍ وُدِّيَّةٍ.
صَاحَتِ امْرَأَةٌ: «إِذَا كُنْتِ ذَاهِبَةً إِلَى أَعْلَى الْجَبَلِ، فَسَأَسِيرُ مَعَكِ يَا ديتا!»
لَوَّحَتْ ديتا وَأَوْمَأَتْ لِلْمَرْأَةِ، وَأَبْطَأَتْ مِنْ تَقَدُّمِهَا قَلِيلًا حَتَّى تَتَمَكَّنَ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ مِنَ اللِّحَاقِ بِهِمَا.
سَأَلَتْهَا الْمَرْأَةُ حِينَمَا رَأَتْ هايدي: «أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الطِّفْلَةُ الَّتِي تَرَكَتْهَا أُخْتُكِ؟»
أَجَابَتْ ديتا: «نَعَمْ، إِنَّنِي أَصْطَحِبُهَا لِكَيْ تَعِيشَ مَعَ جَدِّهَا.»
– «تَنْوِينَ تَرْكَ هَذِهِ الطِّفْلَةِ مَعَهُ؟ لَا بُدَّ أَنَّكِ جُنِنْتِ! كَيْفَ يُمْكِنُكِ فِعْلُ شَيْءٍ كَهَذَا؟ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ، لَنْ يَأْخُذَهَا مِنْكِ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ، وَلَسَوْفَ يَطْرُدُكُمَا فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي تَصِلَانِ فِيهَا إِلَيْهِ!»
أَجَابَتْ ديتا: «لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِك عَلَى الْأَرْجَحِ؛ فَهُوَ جَدُّهَا. وَقَدِ اعْتَنَيْتُ بِهَا مُنْذُ أَنْ مَاتَتْ أُمُّهَا عِنْدَمَا كَانَتِ الطِّفْلَةُ الْمِسْكِينَةُ ابْنَةَ عَامٍ وَاحِدٍ. لَكِنَّنِي الْآنَ تُصَادِفُنِي بَعْضُ الْفُرَصِ الْعَظِيمَةِ. أَخِيرًا سَيَكُونُ لَدَيَّ مَكَانٌ جَمِيلٌ أَعِيشُ وَأَعْمَلُ فِيهِ، إِنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَنْبَغِي فِيهِ أَنْ يُؤَدِّيَ جَدُّهَا وَاجِبَهُ.»
سَأَلَتْهَا الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ فِي تَعَجُّبٍ: «أَتَعْنِينَ أَنَّكِ سَتَتْرُكِينَ الطِّفْلَةَ بِبَسَاطَةٍ مَعَ جَدِّهَا وَتَرْحَلِينَ؟ يَصْعُبُ عَلَيَّ أَنْ أُصَدِّقَ أَنَّ بِمَقْدُورِكِ الْقِيَامَ بِشَيْءٍ كَهَذَا.»
سَأَلَتْهَا ديتا: «مَاذَا تَقْصِدِينَ؟ قَدْ أَدَّيْتُ وَاجِبِي مَعَ هايدي! مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيَّ فِعْلُهُ فِي رَأْيِكِ؟ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَصْحَبَهَا مَعِي!»
لَمْ تُعْطِهَا الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ إِجَابَةً؛ فَقَدْ ظَهَرَ الْمَنْزِلُ الَّذِي كَانَتْ تَنْوِي زِيَارَتَهُ أَمَامَهُمْ. تَذَكَّرَتْ ديتا ذَلِكَ الْكُوخَ، حَيْثُ تَعِيشُ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ مَعَ وَالِدَتِهَا وَابْنِهَا بيتر. كَانَ الْجَمِيعُ تَقْرِيبًا يَعْرِفُونَ الصَّبِيَّ ذَا الْأَحَدَ عَشَرَ عَامًا؛ فَقَدِ اعْتَادَ أَنْ يَنْزِلَ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى الْوَادِي لِجَلْبِ الْمَعْزِ ثُمَّ اقْتِيَادِهَا إِلَى أَعْلَى الْجَبَلِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا حَتَّى يَحِينَ وَقْتُ الْعَوْدَةِ إِلَى الْمَنْزِلِ لِقَضَاءِ اللَّيْلِ.
قَالَتْ لَهَا الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ أَثْنَاءَ دُخُولِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ لِتَزُورَ الْجَدَّةَ: «حَظًّا طَيِّبًا لَكِ!»
لَوَّحَتْ ديتا بِيَدِهَا وَرَاقَبَتِ السَّيِّدَةَ أَثْنَاءَ تَقَدُّمِهَا نَحْوَ الْكُوخِ الْبُنِّيِّ الصَّغِيرِ. لَمْ تَرْغَبْ فِي الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ صَدِيقَتَهَا قَدْ تَكُونُ مُحِقَّةً. وَقَضَتْ دَقِيقَةً لِتَسْوِيَةِ قُبَّعَتِهَا وَتَحَوَّلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْبَحْثِ عَنْ هايدي؛ إِذْ كَانَتْ بِحَاجَةٍ إِلَى اسْتِئْنَافِ رِحْلَتِهَا.
الفصل الثاني
مُقَابَلَةُ الْجَدِّ


كَانَتْ هايدي مُسْتَمْتِعَةً بِمُرَاقَبَةِ الْمَعْزِ وَالْوَلَدِ الَّذِي يَقُودُهَا. كَافَحَتْ حَتَّى تُجَارِيَهُ بَيْنَمَا يَقْفِزُ هُوَ مِنْ صَخْرَةٍ إِلَى أُخْرَى. كَانَتْ طَبَقَاتُ الْمَلَابِسِ الَّتِي تَرْتَدِيهَا تَمْنَعُهَا مِنْ الِاقْتِرَابِ بِمَا يَكْفِي حَتَّى تَتَحَدَّثَ إِلَيْهِ.
فَجْأَةً جَلَسَتْ هايدي عَلَى الْأَرْضِ. وَبَدَأَتْ فِي خَلْعِ حِذَائِهَا وَجَوَارِبِهَا بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ لِأَصَابِعِهَا الصَّغِيرَةِ أَنْ تَتَحَرَّكَ. عِنْدَمَا فَرَغَتْ مِنْ ذَلِكَ، خَلَعَتِ الشَّالَ الْأَحْمَرَ الْمَلْفُوفَ حَوْلَهَا وَأَلْقَتْهُ، ثُمَّ خَلَعَتْ مِعْطَفَهَا أَيْضًا. كَانَ يُوجَدُ مِعْطَفٌ آخَرُ لِتَخْلَعَهُ. كَانَتْ خَالَتُهَا قَدْ وَضَعَتْ مِعْطَفَ يَوْمِ الْأَحَدِ فَوْقَ مِعْطَفِهَا الْيَوْمِيِّ حَتَّى تُجَنِّبَهَا حَمْلَهُ. بِسُرْعَةِ الْبَرْقِ، كَانَتْ قَدْ خَلَعَتْ هَذَا أَيْضًا. وَقَفَتْ هايدي. كَانَتِ الْآنَ تَرْتَدِي قَمِيصَهَا التَّحْتِيَّ الَّذِي بَدَأَتْ بِهِ هَذَا الصَّبَاحَ. جَمَعَتْ كُلَّ مَلَابِسِهَا مَعًا فِي كَوْمَةٍ صَغِيرَةٍ مُرَتَّبَةٍ ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَقْفِزُ وَتَتَسَلَّقُ خَلْفَ بيتر وَالْمَعْزِ.
لَمْ يَكُنْ بيتر قَدْ لَاحَظَ الْفَتَاةَ. وَعِنْدَمَا رَآهَا تَظْهَرُ أَمَامَهُ فَجْأَةً فِي مَلَابِسِهَا الدَّاخِلِيَّةِ، ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ عَرِيضَةٌ. اسْتَجْوَبَتْهُ هايدي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بَدْءًا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ الْمَعْزُ إِلَى سُؤَالِهِ عَنْ عَدَدِهَا. كَانَتْ قَدِ اسْتَغْرَقَتْ فِي حَدِيثِهَا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَقِفُ فِيهِ ديتا.
– «هايدي، مَاذَا كُنْتِ تَفْعَلِينَ؟ مَا هَذَا الَّذِي فَعَلْتِهِ بِنَفْسِكِ؟! وَأَيْنَ مِعْطَفَاكِ وَالشَّالُ الْأَحْمَرُ؟ وَالْحِذَاءُ الْجَدِيدُ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ وَالْجَوَارِبُ الْجَدِيدَةُ الَّتِي صَنَعْتُهَا مِنْ أَجْلِكِ؟ لَقَدْ ضَاعَ كُلُّ شَيْءٍ! لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ! فِيمَ كُنْتِ تُفَكِّرِينَ يَا هايدي؟ أَيْنَ مَلَابِسُكِ كُلُّهَا؟»
أَشَارَتِ الطِّفْلَةُ بِهُدُوءٍ إِلَى بُقْعَةٍ فِي جَانِبِ الْجَبَلِ لِأَسْفَلَ وَأَجَابَتْ: «هُنَاكَ فِي الْأَسْفَلِ.» نَظَرَتْ ديتا إِلَى حَيْثُ يُشِيرُ إِصْبَعُهَا. لَمْ تَسْتَطِعْ سِوَى تَمْيِيزِ شَيْءٍ مَا مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ. كَانَ فَوْقَ الْكَوْمَةِ شَيْءٌ أَحْمَرُ، اسْتَنْتَجَتْ أنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّالَ.
قَالَتْ ديتا بِغَضَبٍ: «أَيَّتُهَا الطِّفْلَةُ الْفَاسِدَةُ! مَاذَا دَفَعَكِ لِلْقِيَامِ بِشَيْءٍ كَهَذَا؟ مَا الَّذِي جَعَلَكِ تَخْلَعِينَ مَلَابِسَكِ؟ مَاذَا تَعْنِينَ بِذَلِك؟»
قَالَتِ الطِّفْلَةُ: «لَا أُرِيدُ أَيَّ مَلَابِسَ.»
– «أَيَّتُهَا الطِّفْلَةُ الْأَنَانِيَّةُ! أَلَيْسَ لَدَيْكِ أَيُّ عَقْلٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ؟» كَانَتْ خَالَتُهَا غَاضِبَةً بِشِدَّةٍ. «مَنِ الَّذِي سَيَنْزِلُ كُلَّ هَذِهِ الْمَسَافَةِ لِأَسْفَلَ لِإِحْضَارِهَا؟ سَيَسْتَغْرِقُ السَّيْرُ لِأَسْفَلَ نِصْفَ سَاعَةٍ! اذْهَبْ أَنْتَ يَا بيتر وَأَحْضِرْهَا لِي بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُكَ. انْطَلِقِ الْآنَ!»
أَطَاعَ بيتر الْأَمْرَ مُكْمِلًا الْمَسَافَةَ فِي أَقَلَّ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّتْهُ ديتا مُمْكِنًا. أَعْطَتْهُ عُمْلَةً نَظِيرَ سُرْعَتِهِ. أَشْرَقَ وَجْهُ بيتر بِالسَّعَادَةِ وَهُوَ يَضَعُهَا فِي جَيْبِهِ.
تَبِعَ الصَّبِيُّ ديتا وَهايدي فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ صُعُودِهِمَا. وَبَعْدَ حَوَالَيْ سَاعَةٍ، وَصَلُوا إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ. كَانَ كُوخُ الْجَدِّ يَقَعُ عَلَى مُنْحَدَرٍ صَخْرِيٍّ حَيْثُ يُمْكِنُ لِكُلِّ شُعَاعٍ مِنَ الشَّمْسِ أَنْ يَلْمسَهُ. كَمَا كَانَ لَدَيْهِ رُؤْيَةٌ كَامِلَةٌ لِلْوَادِي أَسْفَلَ مِنْهُ. كَانَ مَكَانًا جَمِيلًا.
كَانَ يَجْلِسُ خَارِجَ الْكُوخِ رَجُلٌ عَجُوزٌ يُرَاقِبُ الْأَشْخَاصَ الثَّلَاثَةَ الْقَادِمِينَ نَحْوَهُ. انْتَظَرَ بِصَبْرٍ أَنْ يَتَحَدَّثُوا أَوَّلًا.
قَالَتْ هايدي: «مَسَاءُ الْخَيْرِ يَا جَدِّي.» لَمْ تَكُنِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ خَجُولَةً فِي كَلِمَاتِهَا.
سَأَلَ جَدُّهَا بِخُشُونَةٍ: «مَا مَعْنَى هَذَا؟» صَافَحَ الطِّفْلَةَ مُصَافَحَةً سَرِيعَةً وَنَظَرَ لَهَا مِنْ تَحْتِ حَاجِبَيْهِ الْكَثِيفَيْنِ.
حَدَّقَتْ هايدي فِي وَجْهِهِ. لَمْ تَسْتَطِعْ رَفْعَ نَظَرِهَا عَنْ وَجْهِهِ! كَانَ الْجَدُّ الَّذِي أَمَامَهَا لَدَيْهِ لِحْيَةٌ طَوِيلَةٌ وَحَاجِبَانِ كَثَّانِ مُتَّصِلَانِ فَوْقَ أَنْفِهِ، وَكَأَنَّهُمَا شُجَيْرَةٌ كَثِيفَةُ الْأَوْرَاقِ.
قَالَتْ ديتا عِنْدَمَا وَصَلَتْ هِيَ وَبيتر أَخِيرًا إِلَى الرَّجُلِ الْعَجُوزِ: «عِمْتَ صَبَاحًا. لَقَدْ أَحْضَرْتُ لَكَ طِفْلَةَ توبياس وَأديلهايد. لَعَلَّكَ لَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَيْهَا، فَأَنْتَ لَمْ تَرَهَا مُنْذُ أَنْ كَانَتْ رَضِيعَةً.»
سَأَلَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ: «وَمَا عَلَاقَتُهَا بِي؟ وَأَنْتَ يَا صَبِيُّ، اخْرُجْ مِنْ هُنَا أَنْتَ وَمَعْزُكَ! وَخُذْ مَعْزِي مَعَكَ!»
نَظْرَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَى الرَّجُلِ الْعَجُوزِ جَعَلَتْ بيتر يُطِيعُ فِي الْحَالِ. كَانَ مِنَ السَّهْلِ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ أَنَّ جَدَّ هايدي يُرِيدُهُ أَنْ يَخْتَفِيَ مِنْ أَمَامِهِ.
قَالَتْ ديتا: «الطِّفْلَةُ هُنَا لِتَبْقَى مَعَكَ، لَقَدْ قُمْتُ بِوَاجِبِي بِرِعَايَتِهَا خِلَالَ السَّنَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْمَاضِيَةِ. وَالْآنَ جَاءَ دَوْرُكَ.»
قَالَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ: «هَذَا كُلُّ شَيْءٍ؟» نَظَرَ لَهَا وَالشَّرَرُ يَتَطَايَرُ مِنْ عَيْنَيْهِ: «وَعِنْدَمَا تَبْدَأُ الطِّفْلَةُ فِي الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ بَعْدَ رَحِيلِكِ، كَمَا يَفْعَلُونَ عِنْدَمَا يَفْتَقِدُونَ مَنَازِلَهُمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، فَمَاذَا يُفْتَرَضُ أَنْ أَفْعَلَ مَعَهَا عِنْدَئِذٍ؟!»
زَمْجَرَتْ ديتا: «هَذِهِ مُشْكِلَتُكَ، لَقَدْ تَحَمَّلْتُهَا وَهِيَ رَضِيعَةٌ تَبْكِي عِنْدَمَا مَاتَتْ وَالِدَتُهَا. لَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ صَعْبًا بِمَا يَكْفِي أَنْ أَعْتَنِيَ بِأُمِّي وَبِنَفْسِي! الْآنَ لَدَيَّ الْفُرْصَةُ لِأَنْ أَخْرُجَ وَأَشْعُرَ بِاسْتِقْلَالِيَّتِي. لَا يُمْكِنُنِي تَفْوِيتُ تِلْكَ الْفُرْصَةِ. أَنْتَ أَقْرَبُ أَقَارِبِهَا. أَنْتَ الْمَسْئُولُ عَنْهَا الْآنَ. وَضَعْ فِي اعْتِبَارِكَ أَنَّكَ سَتَتَحَمَّلُ الْمَسْئُولِيَّةَ إِذَا حَدَثَ لِلْفَتَاةِ أَيُّ شَيْءٍ.»
لَمْ يُحِبَّ جَدُّ هايدي الطَّرِيقَةَ الَّتِي تَحَدَّثَتْ بِهَا ديتا مَعَهُ. وَكَانَتْ ديتا تَعْلَمُ أَنَّ تَرْكَ طِفْلَةٍ صَغِيرَةٍ كَهَذِهِ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ الْعَجُوزِ شَيْءٌ فَظِيعٌ. وَشَعَرَتْ بِالْخِزْيِ وَالْإِحْرَاجِ وَهُوَ يَطْرُدُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ.
فَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: «وَدَاعًا لَكَ إِذَنْ، وَلَكِ أَنْتِ أَيْضًا يَا هايدي.» اسْتَدَارَتْ سَرِيعًا ثُمَّ بَدَأَتْ فِي الْجَرْيِ نَحْوَ أَسْفَلِ الْجَبَلِ.
سَمِعَتْ ديتا صَيْحَاتِ الْجِيرَانِ الْوَاقِفِينَ أَمَامَ الْأَبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ الْمَفْتُوحَةِ وَهِيَ تَمُرُّ مِنْ أَمَامِهِمْ وَهُمْ يَسْأَلُونَهَا: «أَيْنَ الطِّفْلَةُ؟ أَيْنَ تَرَكْتِ الطِّفْلَةَ؟»
فَتَحَتَ فَمَهَا وَلَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعِ الرَّدَّ. لَقَدْ تَرَكَتْهَا وَحْدَهَا مَعَ رَجُلٍ عَجُوزٍ كَانَ الْجَمِيعُ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَطِيفًا بِمَا يَكْفِي. هَلْ سَتَتَوَقَّفُ صَيْحَاتُهُمْ عَنِ التَّرَدُّدِ فِي أُذُنَيْهَا أَبَدًا؟
الفصل الثالث
فِي الْبَيْتِ مَعَ الْجَدِّ


بِمُجَرَّدِ أَنِ اخْتَفَتْ ديتا، عَادَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ إِلَى مَقْعَدِهِ. حَدَّقَ فِي الْأَرْضِ دُونَ أَنْ يُصْدِرَ أَيَّ صَوْتٍ. كَانَتْ هايدي فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ تَسْتَمْتِعُ بِالنَّظَرِ حَوْلَ مَنْزِلِهَا الْجَدِيدِ. اسْتَكْشَفَتْ حَتَّى وَجَدَتْ حَظِيرَةً مَبْنِيَّةً فِي مُقَابِلِ الْكُوخِ. كَانَ هَذَا هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي تُحْفَظُ فِيهِ الْمَعْزُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ فَارِغًا. اسْتَمَرَّتْ هايدي فِي بَحْثِهَا وَوَصَلَتْ إِلَى أَشْجَارِ الصَّنَوْبَرِ خَلْفَ الْكُوخِ. اسْتَمَعَتْ إِلَى الرِّيَاحِ تُصَفِّرُ عَبْرَ الْفُرُوعِ ثُمَّ اتَّجَهَتْ عَائِدَةً إِلَى جَدِّهَا. وَقَفَتْ هايدي أَمَامَ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ وَلَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا سِوَى أَنْ أَخَذَتْ تُحَدِّقُ فِيهِ. رَفَعَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ.
سَأَلَهَا: «مَاذَا تُرِيدِينَ؟»
قَالَتْ هايدي: «أُرِيدُ أَنْ أَرَى الْمَنْزِلَ مِنَ الدَّاخِلِ.»
قَالَ جَدُّهَا: «هَلُمِّي إِذَنْ!» وَنَهَضَ وَمَشَى بِاتِّجَاهِ الْكُوخِ.
قَالَ لَهَا: «أَحْضِرِي صُرَّةَ مَلَابِسِكِ إِلَى الدَّاخِلِ مَعَكِ.»
وَبِسُرْعَةٍ أَجَابَتْهُ: «لَا أُرِيدُهَا بَعْدَ الْآنَ.»
اسْتَدَارَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا. وَقَدْ جَعَلَتْهُ رُؤْيَةُ عَيْنَيْهَا الدَّاكِنَتَيْنِ وَهُمَا تَبْرُقَانِ مِنَ الْإِثَارَةِ بِمَا سَوْفَ تَرَاهُ؛ يُفَكِّرُ فِي إِجَابَتِهِ.
وَأَخِيرًا سَأَلَهَا: «لِمَاذَا لَا تُرِيدِينَهَا بَعْدَ الْآنَ؟»
– «لِأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَرْكُضَ فِي الْأَرْجَاءِ كَالْمَعْزِ بِأَرْجُلِهَا الرَّفِيعَةِ الْخَفِيفَةِ.»
قَالَ جَدُّهَا: «حَسَنًا، يُمْكِنُكِ فِعْلُ ذَلِك إِذَا أَحْبَبْتِ، وَلَكِنْ أَحْضِرِيهَا إِلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ. سَنَضَعُهَا فِي الْخِزَانَةِ.»
فَعَلَتْ هايدي مَا طَلَبَهُ مِنْهَا. فَتَحَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ الْبَابَ وَدَخَلَتْ هايدي وَرَاءَهُ. وَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي غُرْفَةٍ ذَاتِ حَجْمٍ مُنَاسِبٍ، هَيْمَنَتْ عَلَى الطَّابِقِ الْأَوَّلِ مِنَ الْكُوخِ بِأَكْمَلِهِ. وَكَانَ فِرَاشُ الْجَدِّ قَابِعًا فِي رُكْنٍ. وَفِي الرُّكْنِ الْآخَرِ كَانَتْ هُنَاكَ مِدْفَأَةٌ وَغَلَّايَةٌ كَبِيرَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَوْقَهَا. فِي الْجَانِبِ الْبَعِيدِ، كَانَ يُوجَدُ بَابٌ كَبِيرٌ فِي الْحَائِطِ. كَانَتْ تِلْكَ هِيَ الْخِزَانَةُ. فَتَحَهَا الْجَدُّ. كَانَ يُوجَدُ بِدَاخِلِهَا مَلَابِسُهُ، وَفَنَاجِينُ، وَأَكْوَابٌ، وَأَطْبَاقٌ، وَلَحْمٌ مُدَخَّنٌ وَجُبْنٌ. رَكَضَتْ هايدي إِلَى الرَّفِّ وَدَفَعَتْ صُرَّةَ مَلَابِسِهَا بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُهَا. دَفَعَتْهَا بَعِيدًا خَلْفَ أَشْيَاءِ جَدِّهَا. أَرَادَتْ أَنْ تَضْمَنَ عَدَمَ الْعُثُورِ عَلَيْهَا. ثُمَّ نَظَرَتْ بِعِنَايَةٍ فِي أَرْجَاءِ الْغُرْفَةِ وَسَأَلَتْ: «أَيْنَ سَأَنَامُ يَا جَدِّي؟»
أَجَابَهَا قَائِلًا: «أَيْنَمَا تُحِبِّينَ.»
كَانَتْ هايدي مُبْتَهِجَةً وَبَدَأَتْ فَوْرًا فِي تَفَقُّدِ كُلِّ رُكْنٍ وَزَاوِيَةٍ. عَلَى الْحَائِطِ بِالْقُرْبِ مِنْ سَرِيرِ جَدِّهَا، رَأَتْ سُلَّمًا قَصِيرًا. تَسَلَّقَتْ إِلَى أَعْلَى وَوَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي مَخْزَنِ تِبْنٍ صَغِيرٍ. كَانَ هُنَاكَ كَوْمَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ التِّبْنِ الْجَدِيدِ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ. كَانَ هُنَاكَ أَيْضًا نَافِذَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ صَغِيرَةٌ فِي الْحَائِطِ.
صَاحَتْ: «سَأَنَامُ هُنَا فِي الْأَعْلَى يَا جَدِّي. الْمَكَانُ جَمِيلٌ هُنَا. اصْعَدْ لِتَرَى كَمْ هُوَ جَمِيلٌ!»
صَاحَ: «أُوه، أَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْهُ!»
صَاحَتْ مُجَدَّدًا: «سَأُرَتِّبُ فِرَاشِيَ الْآنَ. سَأَحْتَاجُ إِلَى مُلَاءَةٍ.»
قَالَ جَدُّهَا: «حَسَنًا.» وَذَهَبَ إِلَى الْخِزَانَةِ وَقَضَى بِضْعَ دَقَائِقَ يَبْحَثُ فِيهَا حَتَّى خَرَجَ بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ طَوِيلَةٍ خَشِنَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَصْلُحَ مُلَاءَةً.
عَمِلَ الِاثْنَانِ عَلَى تَشْكِيلِ التِّبْنِ عَلَى شَكْلِ فِرَاشٍ لِطِفْلٍ. ثُمَّ فَرَدَا قِطْعَةَ الْقُمَاشِ فَوْقَ التِّبْنِ وَدَسَّاهَا مِنَ الْجَوَانِبِ حَتَّى بَدَتْ مُرَتَّبَةً وَمُرِيحَةً.
قَالَتْ هايدي: «لَمْ يَبْقَ سِوَى الْغِطَاءِ.» وَابْتَسَمَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى مَكَانِهَا الْمُرِيحِ الْجَدِيدِ.
تَرَكَ جَدُّهَا الْمَخْزَنَ وَعَادَ بَعْدَ دَقِيقَةٍ وَمَعَهُ جِوَالٌ ضَخْمٌ وَسَمِيكٌ.
قَالَ: «هَذَا سَيَفِي بِالْغَرَضِ.»
عِنْدَمَا فَرَشَا الْجِوَالَ فَوْقَ الْفِرَاشِ بِعِنَايَةٍ، بَدَا دَافِئًا وَمُرِيحًا حَتَّى إِنَّ هايدي صَاحَتْ فَرَحًا.
– «يَبْدُو الْفِرَاشُ رَائِعًا! أَتَمَنَّى لَوْ كُنَّا بِاللَّيْلِ كَيْ أَدْخُلَ فِيهِ فَوْرًا.»
قَالَ جَدُّهَا: «أَعْتَقِدُ أنَّهُ يَجِبُ أَنْ نَأْكُلَ شَيْئًا أَوَّلًا، مَا رَأْيُكِ؟»
فِي خِضَمِّ إِثَارَةِ إِعْدَادِ الْفِرَاشِ، نَسِيَتْ هايدي كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ. وَلَكِنِ الْآنَ شَعَرَتْ أَنَّهَا جَائِعَةٌ جِدًّا.
عِنْدَمَا انْتَهَى الْغَدَاءُ، ذَهَبَ الْجَدُّ إِلَى الْخَارِجِ لِتَرْتِيبِ حَظِيرَةِ الْمَعْزِ. رَاقَبَتْهُ هايدي وَهُوَ يَكْنُسُهَا وَيَضَعُ قَشًّا جَدِيدًا لِتَنَامَ الْمَعْزُ عَلَيْهِ. لَعِبَتْ فِي حِضْنِ الْجَبَلِ بَيْنَمَا أَدَّى الرَّجُلُ الْعَجُوزُ أَعْمَالَهُ الْيَوْمِيَّةَ.
مَرَّ الْوَقْتُ حَتَّى الْمَسَاءِ بِسَعَادَةٍ. وَكَانَتْ هايدي تَقْفِزُ وَتَرْقُصُ حَوْلَ الْأَشْجَارِ الْعَالِيَةِ حَتَّى سَمِعَتْ صَفِيرًا عَالِيًا. رَاقَبَتْ هِيَ وَجَدُّهَا الْمَعْزَ وَهِيَ تَنْزِلُ وَثْبًا مِنْ قِمَمِ الْجَبَلِ. انْطَلَقَتْ هايدي إِلَى الْأَمَامِ لِتَحِيَّةِ كُلِّ أَصْدِقَائِهَا مِنَ الْمَعْزِ الَّتِي تَعَرَّفَتْ عَلَيْهَا هَذَا الصَّبَاحَ. وَرَكَضَ اثْنَانِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْجَمِيلَةِ النَّحِيلَةِ: وَاحِدٌ أَبْيَضُ وَوَاحِدٌ بُنِّيٌّ، إِلَى حَيْثُ يَقِفُ الْجَدُّ.
ضَحِكَتْ هايدي وَقَفَزَتْ فِي مَرَحٍ قَائِلَةً: «هَلْ هَذَانِ لَنَا يَا جَدِّي؟ هَلْ الِاثْنَانِ مِلْكُنَا؟»
أَجَابَ: «الْبَيْضَاءُ اسْمُهَا الْبَجَعَةُ الصَّغِيرَةُ وَالْبُنِّيُّ اسْمُهُ الدُّبُّ الصَّغِيرُ، وَالْآنَ سَاعِدِينِي فِي إِطْعَامِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الْجَائِعَةِ.»
سَاعَدَتْ هايدي فِي إِطْعَامِهَا وَإِدْخَالِهَا لِلنَّوْمِ. ثُمَّ أَنْهَتْ عَشَاءَهَا سَرِيعًا. كَانَتْ مُتَشَوِّقَةً لِتَجْرِبَةِ فِرَاشِهَا الْجَدِيدِ. سُرْعَانَ مَا كَانَتْ هايدي تَسْتَغْرِقُ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ هَادِئٍ. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الرِّيَاحِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَهُبُّ فِي الْخَارِجِ فَتَجْعَلُ أَلْوَاحَ الْكُوخِ الْخَشَبِيَّةَ تَئِنُّ وَتَصِرُّ غَضَبًا. وَمَنَعَتْ أَحْلَامُهَا الْأَصْوَاتَ الْمُخِيفَةَ لِانْكِسَارِ فُرُوعِ الْأَشْجَارِ مِنْ الِاقْتِرَابِ مِنْهَا.
فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ اسْتَيْقَظَ الْعَجُوزُ وَهَمَسَ لِنَفْسِهِ: «سَتَخَافُ الطِّفْلَةُ.» ارْتَقَى السُّلَّمَ إِلَى الْمَخْزَنِ وَوَقَفَ بِجَانِبِ فِرَاشِ هايدي.
وَعَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ الْخَافِتِ الْمُتَبَقِّي، اسْتَطَاعَ أَنْ يَرَى وَجْهَ الْفَتَاةِ النَّائِمَةِ. كَانَتْ تَسْتَلْقِي تَحْتَ الْغِطَاءِ السَّمِيكِ مُتَوَرِّدَةَ الْوَجْنَتَيْنِ، وَتُسْنِدُ رَأْسَهَا فِي سُكُونٍ عَلَى ذِرَاعِهَا الصَّغِيرَةِ الْمُمْتَلِئَةِ. فِي الْوَاقِعِ، كَانَتِ ابْتِسَامَةٌ صَغِيرَةٌ تَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي مُنْتَصَفِ حُلْمٍ جَمِيلٍ. وَقَفَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ يَتَأَمَّلُ الطِّفْلَةَ حَتَّى اخْتَفَى الْقَمَرُ خَلْفَ السَّحَابِ وَلَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَهَا.
الفصل الرابع
فِي الْخَارِجِ مَعَ الْمَعْزِ


اسْتَيْقَظَتْ هايدي فِي الْيَوْمِ التَّالِي بِابْتِسَامَةٍ عَلَى وَجْهِهَا. كَانَتْ تَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ بَالِغَةٍ فِي بَيْتِهَا الْجَدِيدِ. تَذَكَّرَتْ كُلَّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي رَأَتْهَا فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ وَكَانَتْ مُتَحَمِّسَةً جِدًّا لِرُؤْيَتِهَا الْيَوْمَ مُجَدَّدًا. قَفَزَتْ مِنَ الْفِرَاشِ بِسُرْعَةٍ وَرَكَضَتْ إِلَى الْخَارِجِ بِسَعَادَةٍ لِسَمَاعِهَا صَوْتَ بيتر. بَيْنَمَا اغْتَسَلَتْ هايدي وَهَنْدَمَتْ نَفْسَهَا، جَهَّزَ لَهَا الْجَدُّ وَجْبَةً طَيِّبَةً. وَفِي خِلَالِ دَقَائِقَ كَانَتْ فِي الْخَارِجِ فِي حِضْنِ الْجَبَلِ مَعَ الْمَعْزِ.
قَالَ بيتر لِهايدي بِصَوْتٍ عَالٍ: «تَعَالَيْ هُنَا. لَقَدْ أَعْطَانِي جَدُّكِ أَوَامِرَ بِمُرَاقَبَتِكِ!»
أَطَاعَتْ هايدي مَا قَالَهُ الصَّبِيُّ وَتَبِعَتْهُ حَتَّى أَبْطَأَ السَّيْرَ لِيُرِيحَ الْمَعْزَ. تَفَقَّدَ بيتر قَطِيعَهُ ثُمَّ نَامَ عَلَى الْأَرْضِ الدَّافِئَةِ. وَجَلَسَتْ هايدي بِجَانِبِهِ. فَجْأَةً سَمِعَتْ صَرْخَةً مُدَوِّيَةً تَتَعَالَى مِنْ فَوْقِهَا. رَفَعَتْ هايدي عَيْنَيْهَا وَرَأَتْ طَائِرًا. كَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَيِّ طَائِرٍ رَأَتْهُ مِنْ قَبْلُ. كَانَ يَفْرِدُ جَنَاحَيْهِ الْكَبِيرَيْنِ وَيَدُورُ فِي حَلَقَاتٍ وَاسِعَةٍ.
«بيتر، بيتر، اسْتَيْقِظْ! انْظُرْ إِلَى الطَّائِرِ الْكَبِيرِ! انْظُرْ! انْظُرْ!» صَاحَتْ هايدي.
اسْتَيْقَظَ بيتر وَرَاقَبَا الطَّائِرَ مَعًا حَتَّى اخْتَفَى وَرَاءَ قِمَّةٍ مِنْ قِمَمِ الْجَبَلِ.
سَأَلَتْ هايدي: «إِلَى أَيْنَ ذَهَبَ؟»
قَالَ بيتر: «إِلَى عُشِّهِ.»
أَجَابَتْ هايدي بِفَرَحٍ: «هَيَّا نَذْهَبُ لِرُؤْيَتِهِ!»
قَالَ بيتر بِحَزْمٍ: «لَا! حَتَّى الْمَعْزُ لَا يُمْكِنُهَا التَّسَلُّقُ إِلَى هَذَا الِارْتِفَاعِ. ابْقَيْ هُنَا بَيْنَمَا أَذْهَبُ أَنَا لِإِحْضَارِ الْغَدَاءِ.»
قَطَّبَتْ هايدي جَبِينَهَا، وَلَكِنْ لِثَانِيَةٍ فَقَطْ. كَانَتِ الْمَعْزُ تَلْعَبُ حَوْلَهَا وَأَرَادَتْ أَنْ تَنْضَمَّ إِلَيْهَا.
قَالَتْ لِبيتر وَهُوَ يَضَعُ الْخُبْزَ وَالْجُبْنَ أَمَامَهَا: «أَخْبِرْنِي بِأَسْمَائِهَا.»
– «ذُو الْقُرُونِ الْكَبِيرَةِ هُوَ تورك. دَائِمًا يُرِيدُ نَطْحَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعْزِ. لِذَلِك تَجْرِي مُعْظَمُهَا عِنْدَمَا تَرَاهُ قَادِمًا. الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَبْقَى هِيَ جرينفينش. إِنَّهَا الْمَاعِزَةُ الصَّغِيرَةُ هُنَاكَ. إِنَّهَا شُجَاعَةٌ جِدًّا وَسَرِيعَةٌ حَتَّى إِنَّ تورك غَالِبًا لَا يَرَاهَا وَهِيَ قَادِمَةٌ.»
هَبَّ بيتر فَجْأَةً وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْهِ وَرَكَضَ خَلْفَ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَعْزِ. تَبِعَتْهُ هايدي بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُهَا. انْدَفَعَا وَسْطَ الْقَطِيعِ مُتَوَجِّهَيْنِ نَحْوَ جَانِبِ الْجَبَلِ.
فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَصَلَ فِيهِ بيتر إِلَى جَانِبِ الْجَبَلِ، كَانَتْ جرينفينش تَقْفِزُ فِي اتِّجَاهِ الْمُنْحَدَرِ الصَّخْرِيِّ. أَلْقَى بيتر بِنَفْسِهِ وَأَمْسَكَ أَحَدَ رِجْلَيْهَا الْخَلْفِيَّتَيْنِ. فُوجِئَتِ الْمَاعِزَةُ وَبَدَأَتْ تَثْغُو بِغَضَبٍ. وَحَاوَلَتْ أَنْ تَتَحَرَّرَ وَتَتَمَلَّصَ مِنْ يَدِهِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً حَتَّى إِنَّ بيتر اضْطُرَّ لِمُنَادَاةِ هايدي لِلْمُسَاعَدَةِ.
رَكَضَتْ هايدي مُتَّجِهَةً لِأَعْلَى عَلَى الْفَوْرِ. رَأَتِ الْخَطَرَ الْمُحْدِقَ بِكُلٍّ مِنْ بيتر وَالْمَاعِزَةِ، فَجَمَعَتْ بِسُرْعَةٍ بَعْضًا مِنْ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ حُلْوِ الرَّائِحَةِ، وَوَضَعَتْهَا أَمَامَ أَنْفِ جرينفينش وَقَالَتْ: «تَعَالَيْ يَا جرينفينش! يَجِبُ أَلَّا تَكُونِي مُشَاغِبَةً! انْظُرِي يُمْكِنُ أَنْ تَسْقُطِي فَتُكْسَرَ سَاقُكِ.»
اسْتَدَارَتِ الْمَاعِزَةُ الصَّغِيرَةُ وَبَدَأَتْ تَأْكُلُ الْأَوْرَاقَ مِنْ يَدِ هايدي. فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ وَقَفَ بيتر وَأَمْسَكَ بِجرينفينش مِنَ الطَّوْقِ حَوْلَ رَقَبَتِهَا. أَمْسَكَتْ هايدي بِالْجَانِبِ الْآخَرِ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ. وَقَادَا مَعًا الشَّاةَ الشَّارِدَةَ عَائِدَيْنِ إِلَى حَيْثُ كَانَ بَقِيَّةُ الْقَطِيعِ يَأْكُلُ بِسَلَامٍ.
الْآنَ وَقَدْ عَادُوا إِلَى الْأَمَانِ، لَمْ يُضَيِّعْ بيتر أَيَّ وَقْتٍ فِي تَوْبِيخِ الْمَاعِزَةِ. فَرَفَعَ عَصَاهُ وَهُوَ يَصِيحُ، عَازِمًا عَلَى إِعْطَائِهَا ضَرْبَةً قَوِيَّةً كَعِقَابٍ لَهَا. فَصَرَخَتْ هايدي: «لَا لَا، يَا بيتر. يَجِبُ أَلَّا تَضْرِبَهَا، انْظُرْ كَمْ هِيَ مَذْعُورَةٌ!»
زَمْجَرَ بيتر: «إِنَّهَا بِحَاجَةٍ لِذَلِك.» وَرَفَعَ عَصَاهُ مُجَدَّدًا. وَضَعَتْ هايدي نَفْسَهَا سَرِيعًا بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْمَاعِزَةِ، قَائِلَةً: «لَيْسَ لَدَيْكَ الْحَقُّ لِلَمْسِهَا. سَتُؤْذِيهَا. اتْرُكْهَا وَشَأْنَهَا!»
نَظَرَ بيتر بِدَهْشَةٍ إِلَى الْفَتَاةِ الصَّغِيرَةِ. فَكَّرَ كَمْ هِيَ طَيِّبَةٌ. أَعْطَتْهُ هايدي مُعْظَمَ غَدَائِهَا الْيَوْمَ، فَقَطْ لِأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّهُ يَبْدُو جَائِعًا. لَمْ يَقُمْ أَيُّ شَخْصٍ بِشَيْءٍ لَطِيفٍ كَهَذَا مِنْ أَجْلِهِ قَطُّ. وَالْآنَ تُرِيدُ إِعْفَاءَ هَذَا الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمُطِيعِ. أَنْزَلَ بيتر الْعَصَا.
وَقَالَ: «سَأَتْرُكُهَا تَذْهَبُ إِنْ أَعْطَيْتِنِي الْمَزِيدَ مِنْ جُبْنِكِ غَدًا.» كَانَ لَا يَزَالُ عَابِسًا بِسَبَبِ الْفَزَعِ الَّذِي سَبَّبَتْهُ الْمَاعِزَةُ لَهُ.
رَدَّتْ هايدي: «سَتَأْخُذُهُ كُلَّهُ، غَدًا وَكُلَّ يَوْمٍ. لَا أُرِيدُهُ. وَسَأُعْطِيكَ خُبْزًا أَيْضًا، قِطْعَةً كَبِيرَةً كَالَّتِي أَخَذْتَهَا الْيَوْمَ. وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَعِدَنِي بِأَنَّكَ لَنْ تَضْرِبَ جرينفينش أَوْ أَيًّا مِنَ الْمَعْزِ الْأُخْرَى أَبَدًا.»
قَالَ بيتر: «حَسَنٌ، اتَّفَقْنَا.» وَبَدَا أَنَّ الْفَتَى كَانَ يَعْتَزِمُ بِحَقٍّ الِالْتِزَامَ بِكَلِمَتِهِ.
الفصل الخامس
زِيَارَةُ الْجَدَّةِ


يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ كَانَتْ هايدي تَقْضِي وَقْتَهَا مَعَ بيتر. ذَهَبَا عَالِيًا إِلَى الْمُرُوجِ وَبَيْنَ الصُّخُورِ وَالْأَزْهَارِ. وَعِنْدَمَا أَصْبَحَ الْجَوُّ بَارِدًا فِي النِّهَايَةِ، وَطَلَبَ الْجَدُّ مِنْ هايدي أَنْ تَبْقَى بِالْمَنْزِلِ، شَعَرَ بيتر بِنَفْسِ التَّعَاسَةِ الَّتِي شَعَرَتْ بِهَا الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ. فَلَمْ يَفْتَقِدِ الطَّعَامَ الْإِضَافِيَّ أَثْنَاءَ الْغَدَاءِ فَحَسْبُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَدَيْهِ دَائِمًا مُشْكِلَاتٌ أَكْثَرُ مَعَ الْمَعْزِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. فَقَدْ بَدَا أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ تَتَصَرَّفُ عَلَى نَحْوٍ أَفْضَلَ فِي وُجُودِ هايدي اللَّطِيفَةِ لِإِرْشَادِهَا.
عِنْدَمَا أَصْبَحَ الْجَوُّ بَارِدًا جِدًّا، لَمْ يَعُدْ بيتر يَأْخُذُ الْمَعْزَ لِلْخَارِجِ. كَانَ ذَلِكَ هُوَ وَقْتُ ذَهَابِهِ إِلَى الْمَدْرَسَةِ. أَحَبَّتْ هايدي أَنْ تَسْأَلَهُ أَسْئِلَةً عَنْ دِرَاسَتِهِ، وَلَكِنَّ بيتر لَمْ يَكُنْ مُولَعًا بِإِجَابَةِ الْفَتَاةِ. فَقَدْ أَحَبَّ عَمَلَهُ كَرَاعٍ لِلْمَعْزِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ حُبِّهِ لِلْمَدْرَسَةِ. وَذَاتَ مَسَاءٍ، أَعْطَى هايدي رِسَالَةً بَدَلًا مِنَ الْإِجَابَةِ عَلَى أَسْئِلَتِهَا.
قَالَ الصَّبِيُّ: «أَرْسَلَتْ لَكِ جَدَّتِي رِسَالَةً وَقَالَتْ إِنَّهَا تَوَدُّ أَنْ تَأْتِي لِزِيَارَتِهَا.»
كَانَتْ فِكْرَةُ الذَّهَابِ لِزِيَارَةِ أَحَدٍ جَدِيدَةً تَمَامًا عَلَى هايدي. وَعَلَى مَدَارِ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ التَّالِيَةِ، أَزْعَجَتِ الْجَدَّ كَثِيرًا حَوْلَ الذَّهَابِ حَتَّى إِنَّهُ اسْتَسْلَمَ أَخِيرًا لِرَغْبَتِهَا.
قَامَ الْجَدُّ مِنْ عَلَى الطَّاوِلَةِ. وَصَعِدَ إِلَى مَخْزَنِ التِّبْنِ وَأَنْزَلَ الْجِوَالَ السَّمِيكَ لِيَلُفَّ الْفَتَاةَ الصَّغِيرَةَ بِهِ. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْحَظِيرَةِ وَخَرَجَ يَسْحَبُ مِزْلَجَةً كَبِيرَةً. بَعْدَ الصُّعُودِ إِلَى كُرْسِيِّ الْمِزْلَجَةِ، وَضَعَ الْفَتَاةَ الصَّغِيرَةَ فِي وَضْعٍ مُرِيحٍ فِي حِجْرِهِ. وَانْطَلَقَا كَطَائِرٍ يُحَلِّقُ بِرَشَاقَةٍ فِي الْهَوَاءِ. وَفِي غُضُونِ دَقَائِقَ كَانَا قَدْ تَوَقَّفَا أَمَامَ كُوخِ بيتر.
– «هَا قَدْ وَصَلْتِ الْآنَ. اذْهَبِي إِلَى الدَّاخِلِ. وَعِنْدَمَا يَبْدَأُ حُلُولُ الظَّلَامِ يَجِبُ أَنْ تَعُودِي إِلَى الْبَيْتِ فِي الْحَالِ.» ثُمَّ تَرَكَهَا وَصَعِدَ الْجَبَلَ، سَاحِبًا الْمِزْلَجَةَ خَلْفَهُ.
فَتَحَتْ هايدي بَابَ الْكُوخِ وَدَخَلَتْ إِلَى الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُظْلِمَةِ. كَانَ فِيهَا مِدْفَأَةٌ وَبَدَتْ كَالْمَطْبَخِ. وَفِي الرُّكْنِ، كَانَتْ تَجْلِسُ سَيِّدَةٌ عَجُوزٌ، مُنْحَنِيَةُ الظَّهْرِ مِنْ تَقَدُّمِ الْعُمْرِ. كَانَتْ تَغْزِلُ الصُّوفَ فَتُحَوِّلُهُ إِلَى خَيْطٍ بِاسْتِخْدَامِ مِغْزَلٍ كَبِيرٍ. سَارَتْ هايدي نَحْوَهَا.
قَالَتْ: «يَوْمٌ سَعِيدٌ يَا جَدَّتِي. لَقَدْ أَتَيْتُ أَخِيرًا. هَلْ ظَنَنْتِ أَنَّنِي لَنْ أَصِلَ إِلَى هُنَا أَبَدًا؟»
رَفَعَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ رَأْسَهَا وَتَحَسَّسَتْ طَرِيقَهَا إِلَى الْيَدِ الَّتِي مَدَّتْهَا الطِّفْلَةُ. «هَلْ أَنْتِ الطِّفْلَةُ الَّتِي تَعِيشُ عَلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ؟ هَلْ أَنْتِ هايدي؟»
أَجَابَتْ هايدي: «نَعَمْ، نَعَمْ. لَقَدْ نَزَلْتُ عَلَى الْمِزْلَجَةِ مَعَ جَدِّي.»
سَأَلَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ ابْنَتَهَا الَّتِي كَانَتْ تَخِيطُ شَيْئًا فِي رُكْنِ الْغُرْفَةِ: «هَلْ هَذَا مَعْقُولٌ؟ يَدَاكِ دَافِئَتَانِ جِدًّا! كَيْفَ تَبْدُو يَا بريجيتا؟»
قَالَتِ الْمَرْأَةُ الْأَصْغَرُ سِنًّا: «إِنَّهَا فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ جَمِيلَةٌ، مِثْلَمَا كَانَتْ أُمُّهَا. وَأَعْتَقِدُ أَنَّ جَدَّهَا يَعْتَنِي بِهَا! فَهِيَ تَبْدُو بِحَالٍ طَيِّبَةٍ جِدًّا!»
أَثْنَاءَ هَذَا الْوَقْتِ لَمْ تَكُنْ هايدي وَاقِفَةً فِي مَكَانِهَا. فَقَدْ كَانَتْ تَتَجَوَّلُ فِي الْغُرْفَةِ، وَتَنْظُرُ بِاهْتِمَامٍ إِلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ بِهَا. وَفَجْأَةً هَتَفَتْ: «جَدَّتِي، وَاحِدٌ مِنْ مَصَارِيعِ النَّوَافِذِ يَتَحَرَّكُ ذَهَابًا وَإِيَابًا مُحْدِثًا ضَوْضَاءَ. سَيَأْتِي جَدِّي وَيُصْلِحُهُ لَكِ. أَتَرَيْنَ كَيْفَ هُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي ضَجِيجِهِ؟»
قَالَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ: «طِفْلَتِي الْعَزِيزَةَ، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرَى وَلَكِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْمَعَ. يُوجَدُ عُيُوبٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ. فَكَثِيرًا مَا أَسْمَعُ لَهُ صَرِيرٌ وَخَشْخَشَةٌ حَتَّى إِنَّنِي أَرْقُدُ فِي فِرَاشِي لَيْلًا وَأَنَا مُسْتَيْقِظَةٌ أُفَكِّرُ فِي أَنَّ الْمَكَانَ كُلَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْهَارَ. ولَا يُوجَدُ مَنْ يُصْلِحُهُ لَنَا. بيتر لَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ.»
سَأَلَتْ هايدي: «لِمَاذَا لَا يُمْكِنُكِ رُؤْيَةُ مِصْرَاعِ النَّافِذَةِ؟»
– «هايدي، عَزِيزَتِي، لَا أَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ أَيِّ شَيْءٍ.»
– «وَلَكِنْ إِذَا أَخَذْتُكِ خَارِجًا فِي الثَّلْجِ، سَيَكُونُ هُنَاكَ ضَوْءٌ أَكْثَرُ. مُؤَكَّدٌ سَوْفَ تَرَيْنَهُ عِنْدَ ذَلِك.»
– «لَا يَا عَزِيزَتِي. إِنَّ الظَّلَامَ يُلَازِمُنِي دَائِمًا الْآنَ. سَوَاءٌ فِي الثَّلْجِ أَوْ فِي الشَّمْسِ، لَا يُمْكِنُ لِلضَّوْءِ مُسَاعَدَتِي.»
لَمْ تَكُنْ هايدي لِتَسْتَسْلِمَ، حَيْثُ قَالَتْ: «وَلَكِنْ فِي الصَّيْفِ يَا جَدَّتِي، عِنْدَمَا تَكُونُ الشَّمْسُ السَّاخِنَةُ سَاطِعَةً سَتَكُونُ الدُّنْيَا مُشْرِقَةً وَجَمِيلَةً أَمَامَكِ مُجَدَّدًا.»
– «أُوه، يَا طِفْلَتِي، لَنْ أَرَى أَشِعَّةَ الشَّمْسِ تَلْمَعُ فَوْقَ الْجِبَالِ وَلَا الزُّهُورَ الصَّفْرَاءَ أَبَدًا.»
عَلَى وَقْعِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، انْفَجَرَتْ هايدي فِي بُكَاءٍ عَالٍ. وَفِي حُزْنِهَا ظَلَّتْ تَقُولُ: «لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُضِيءَ الظَّلَامَ مِنْ أَجْلِكِ مُجَدَّدًا؟ لِمَاذَا لَا يُمْكِنُكِ الرُّؤْيَةُ؟»
حَاوَلَتِ الْجَدَّةُ أَنْ تُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِ الْفَتَاةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّهْلِ إِسْكَاتُهَا. لَمْ تَكُنْ هايدي كَثِيرَةَ الْبُكَاءِ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَبْكِي، كَانَ يَصْعُبُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ مِنْ حَالَةِ الْحُزْنِ الَّتِي انْتَابَتْهَا لِوَقْتٍ طَوِيلٍ.
وَأَخِيرًا قَالَتِ الْجَدَّةُ: «تَعَالَيْ إِلَى هُنَا يَا هايدي الْحَبِيبَةُ. أَخْبِرِينِي كَيْفَ حَالُ جَدِّكِ. أَخْبِرِينِي مَاذَا تَفْعَلِينَ هُنَاكَ فِي الْأَعْلَى. لَقَدْ عَرَفْتُهُ جَيِّدًا فِي الْأَيَّامِ الْخَوَالِي، وَلَكِنْ لَمْ أَسْمَعْ عَنْهُ شَيْئًا لِأَعْوَامٍ الْآنَ. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ أَسْمَعُهُ مِنْ بيتر الَّذِي لَا يُخْبِرُنِي بِالْكَثِيرِ أَبَدًا.»
جَلَبَ هَذَا فِكْرَةً جَدِيدَةً وَسَعِيدَةً لِهايدي، فَجَفَّفَتْ دُمُوعَهَا سَرِيعًا وَقَالَتْ: «انْتَظِرِي حَتَّى أُخْبِرَ جَدِّي بِكُلِّ شَيْءٍ. سَيُضِيءُ لَكِ الظَّلَامَ مَرَّةً أُخْرَى. أَنَا مُتَأَكِّدَةٌ. وَسَيُصْلِحُ لَكِ مَنْزِلَكِ أَيْضًا. سَيُصْلِحُ كُلَّ شَيْءٍ.»
كَانَتِ الْجَدَّةُ صَامِتَةً. بَدَأَتْ هايدي فِي سَرْدِ حَيَاتِهَا الْمَرِحَةِ مَعَ الْجَدِّ وَالْأَيَّامِ الَّتِي قَضَتْهَا عَلَى الْجَبَلِ مَعَ الْمَعْزِ. وَأَخْبَرَتِ الْجَدَّةَ عَنِ الرِّعَايَةِ الْمُمْتَازَةِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا لَهَا الْجَدُّ وَعَنْ كُلِّ الْأَشْغَالِ الْخَشَبِيَّةِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا حَوْلَ الْمَنْزِلِ.
اسْتَمَعَتِ الْجَدَّةُ بِاهْتِمَامٍ. بَدَتْ هِيَ وَابْنَتُهَا مُنْدَهِشَتَيْنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الرَّائِعَةِ الَّتِي كَانَتْ هايدي تَقُولُهَا عَنِ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ. تَحَدَّثَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ حَتَّى انْفَتَحَ الْبَابُ فَجْأَةً.
هَتَفَتْ عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّبِيَّ: «بيتر!»
كَانَتِ ابْتِسَامَةُ بيتر عَرِيضَةً، تَمَامًا مِثْلَ ابْتِسَامَةِ الْفَتَاةِ. ضَحِكَ وَهِيَ تَتَقَافَزُ حَوْلَهُ فِي مَرَحٍ.
قَالَتِ الْجَدَّةُ بِسُرْعَةٍ: «بيتر، كَيْفَ حَالُ الْقِرَاءَةِ مَعَكَ؟»
أَجَابَهَا بيتر: «كَمَا هِيَ.»
أَخْبَرَتِ الْجَدَّةُ هايدي قَائِلَةً: «كُنْتُ آمُلُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْآنَ. يُوجَدُ كِتَابُ تَرَانِيمَ قَدِيمٌ عَلَى الرَّفِّ، وَفِيهِ أَنَاشِيدُ جَمِيلَةٌ لَمْ أَسْمَعْهَا مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ. لَا أَسْتَطِيعُ تَذَكُّرَهَا لِأُعِيدَهَا عَلَى نَفْسِي. كُنْتُ آمُلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ بيتر قَرِيبًا مَا يَكْفِي لِيَقْرَأَ عَلَى مَسَامِعِي وَاحِدَةً مِنْهَا.»
أَرْدَفَتِ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ: «وَلَكِنِ انْتَظِرِي، كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَعُودِي إِلَى الْمَنْزِلِ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ؟ مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ فَتْرَةَ مَا بَعْدَ الظُّهْرِ لَمْ تَنْقَضِ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ!»
قَالَتْ هايدي بِحُزْنٍ: «وَلَكِنَّهَا انْقَضَتْ بِالْفِعْلِ. وَبَدَأَ الظَّلَامُ يَحِلُّ. لَقَدْ وَعَدْتُ جَدِّي أَنْ أَشْرَعَ فِي الْعَوْدَةِ عِنْدَ أُولَى عَلَامَاتِ اللَّيْلِ. يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ!»
ابْتَسَمَتْ هايدي لِبيتر وَالْتَقَطَتْ مِعْطَفَهَا. أَثَارَتِ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ جَلَبَةً حَوْلَ خُرُوجِ الطِّفْلَةِ فِي الْهَوَاءِ شَدِيدِ الْبُرُودَةِ. وَأَخِيرًا أَرْسَلَتْ بيتر مَعَهَا لِيَتَأَكَّدَ مِنْ وُصُولِهَا لِأَعْلَى الْجَبَلِ. وَلَمْ يَذْهَبَا بَعِيدًا حَتَّى قَابَلَهُمَا الْجَدُّ عَلَى الطَّرِيقِ.
بَدَأَتْ هايدي فَوْرًا فِي إِخْبَارِهِ عَنْ زِيَارَةِ مَا بَعْدَ الظُّهْرِ، قَائِلَةً: «جَدِّي، غَدًا يَجِبُ أَنْ نَأْخُذَ الْمِطْرَقَةَ وَالْمَسَامِيرَ الطَّوِيلَةَ. يَجِبُ أَنْ نُثَبِّتَ مِصْرَاعَ نَافِذَةِ جَدَّتِي وَنَقُومَ بِبَعْضِ الْأَعْمَالِ الْأُخْرَى. مَنْزِلُهَا مَلِيءٌ بِالصُّدُوعِ وَيُصْدِرُ أَصْوَاتَ صَرِيرٍ.»
سَأَلَهَا جَدُّهَا: «يَجِبُ عَلَيْنَا؟! مَنْ قَالَ لَكِ ذَلِك؟»
قَالَتْ هايدي: «لَمْ يَقُلْ لِي أَحَدٌ. وَلَكِنْ جَدَّتِي تَبْقَى مُسْتَيْقِظَةً فِي اللَّيْلِ وَتَرْتَجِفُ مِنَ الْخَوْفِ أَنْ يَنْهَارَ الْمَنْزِلُ فَوْقُ رُءُوسِهِمْ. كُلُّ شَيْءٍ أَصْبَحَ مُظْلِمًا الْآنَ بِالنِّسْبَةِ لِجَدَّتِي وَتَظُنُّ أنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُضِيئَهُ لَهَا مُجَدَّدًا. وَلَكِنَّنِي مُتَأَكِّدَةٌ أَنَّكَ سَتَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ يَا جَدِّي. فَكِّرْ كَمْ هُوَ مُرْعِبٌ بِالنِّسْبَةِ لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي الظَّلَامِ دَائِمًا وَأَنْ تَكُونَ خَائِفَةً مِمَّا قَدْ يَحْدُثُ. لَا يُوجَدُ أَحَدٌ آخَرُ لِمُسَاعَدَتِهَا. غَدًا يَجِبُ أَنْ نَذْهَبَ وَنُصْلِحَ لَهَا كُلَّ شَيْءٍ. سَنَفْعَلُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا جَدِّي؟»
كَانَتِ الطِّفْلَةُ مُتَشَبِّثَةً بِالرَّجُلِ الْعَجُوزِ وَتَنْظُرُ لَهُ بِثِقَةٍ شَدِيدَةٍ. نَظَرَ لهايدي لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ دُونَ أَنْ يَتَحَدَّثَ ثُمَّ قَالَ: «نَعَمْ يَا هايدي، سَنَفْعَلُ شَيْئًا لِإِيقَافِ الْخَشْخَشَةِ. عَلَى الْأَقَلِّ يُمْكِنُنَا فِعْلُ ذَلِك. سَنَذْهَبُ غَدًا.»
وَفَى الْجَدُّ بِوَعْدِهِ، فَفِي كُلِّ يَوْمٍ كَانَ يَذْهَبُ وَيُصْلِحُ شَيْئًا جَدِيدًا. وَهَكَذَا مَضَى الشِّتَاءُ. وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْحَيَاةِ الْكَئِيبَةِ، أَصْبَحَ يُوجَدُ شَيْءٌ فِي النِّهَايَةِ يَجْعَلُ الْجَدَّةَ تَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ. لَمْ تَعُدْ أَيَّامُهَا كَمَا كَانَتْ مَلِيئَةً بِالضَّجَرِ وَالظَّلَامِ، فَقَدْ أَصْبَحَتِ الْآنَ تَتَطَلَّعُ إِلَى زِيَارَاتِ هايدي.
الفصل السادس
زَائِرَانِ


إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ قَدْ مَرَّ سَرِيعًا، فَإِنَّ الصَّيْفَ قَدْ مَرَّ أَسْرَعَ. وَالْآنَ شِتَاءٌ آخَرُ كَانَ فِي طَرِيقِهِ لِلِانْقِضَاءِ. وَلَا تَزَالُ هايدي سَعِيدَةً كَمَا كَانَتْ يَوْمَ وُصُولِهَا. هِيَ الْآنَ فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهَا. تَعَلَّمَتِ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُفِيدَةِ مِنْ جَدِّهَا، فَأَصْبَحَتْ تَعْرِفُ كَيْفَ تَعْتَنِي بِالْمَعْزِ جَيِّدًا مِثْلُهَا مِثْلُ أَيِّ شَخْصٍ، وَلَكِنَّ الْأَطْفَالَ فِي سِنِّهَا مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَكُونُوا فِي الْمَدْرَسَةِ. كَانَ نَاظِرُ الْمَدْرَسَةِ مِنْ بَلْدَةِ دورفلي قَدْ كَتَبَ بِالْفِعْلِ لِجَدِّهَا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ مَرَّتَيْنِ. وَأَرْسَلَ الْعَجُوزُ رَدًّا فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُفِيدُ بِأَنَّهُ لَنْ يُلْحِقَ هايدي بِالْمَدْرَسَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ صَعِدَ الْقَسُّ الْجَبَلَ لِيَتَحَدَّثَ مَعَ الْجَدِّ عَنِ اخْتِيَارِهِ.
قَالَ الْقَسُّ: «كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الطِّفْلَةُ فِي الْمَدْرَسَةِ مُنْذُ عَامٍ مَضَى. إِنَّهَا لَيْسَتْ شَاةً وَلَا عُصْفُورَةً، إِنَّهَا طِفْلَةٌ. لَقَدْ حَانَ الْوَقْتُ لِكَيْ تَبْدَأَ دُرُوسَهَا. يَجِبُ أَنْ تَذْهَبَ الشِّتَاءَ الْقَادِمَ.»
زَمْجَرَ جَدُّ هايدي: «حَقًّا! هَلْ تُرِيدُ فِعْلًا أَنْ أُرْسِلَ طِفْلَةً صَغِيرَةً كَهَذِهِ لِأَمْيَالٍ أَسْفَلَ الْجَبَلِ وَسْطَ الْعَوَاصِفِ وَالثُّلُوجِ؟ هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَتْرُكَهَا تَعُودُ فِي اللَّيْلِ فِي الرِّيَاحِ الْعَاصِفَةِ؟ حَتَّى أَنَا يُمْكِنُ أَنْ أَكُونَ مُعَرَّضًا لِخَطَرِ أَنْ تَعْصِفَ بِيَ الرِّيحُ وَأُدْفَنَ فِي الثَّلْجِ!»
قَالَ الْقَسُّ بِلَهْجَةٍ وُدِّيَّةٍ: «أَنْتَ مُحِقٌّ فِعْلًا يَا جَارِي. أَتَّفِقُ مَعَكَ أنَّهُ سَيَكُونُ مُسْتَحِيلًا إِرْسَالُهَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ مِنْ هُنَا. وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ تُفَكِّرَ فِي الطِّفْلَةِ. لَقَدْ حَانَ الْوَقْتُ لِكَيْ تَنْزِلَ مِنْ عَلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ وَتَعِيشَ مَعَ غَيْرِكَ مِنَ النَّاسِ. إِنَّ الْعَيْشَ فِي الْأَعْلَى هُنَا خَطِيرٌ جِدًّا. لَنْ تَنْجُوَ هايدي إِذَا حَدَثَ لَكَ أَيُّ شَيْءٍ فِي شُهُورِ الشِّتَاءِ!»
– «دَعْنِي أُؤَكِّدْ لَكَ يَا سَيِّدِي أَنِّي أَعْتَنِي بِالطِّفْلَةِ جَيِّدًا. إِنَّهَا تَبْقَى دَافِئَةً هُنَا. مِدْفَأَتِي لَا تَنْطَفِئُ أَبَدًا. أَمَّا عَنْ ذَهَابِي لِلْعَيْشِ فِي الْبَلْدَةِ، فَالنَّاسُ هُنَاكَ تَكْرَهُنِي، وَأَنَا أَكْرَهُهُمْ. مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ نَبْقَى بَعِيدًا بَعْضِنَا عَنِ الْبَعْضِ.»
اعْتَرَضَ الْقَسُّ قَائِلًا: «لَا، لَيْسَ هَذَا هُوَ الْخِيَارُ الْأَفْضَلُ أَمَامَكَ. النَّاسُ هُنَاكَ لَا يَكْرَهُونَكَ مِثْلَمَا تَعْتَقِدُ. أَنْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ تَتَصَالَحَ مَعَ اللهِ وَتَنْتَقِلَ لِلْعَيْشِ مَعَنَا فِي سَفْحِ الْجَبَلِ. سَتَرَى كَيْفَ يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ سَعِيدًا.»
وَقَفَ الْقَسُّ وَرَفَعَ يَدَهُ قَائِلًا: «أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّكَ سَتَتَّخِذُ الْقَرَارَ السَّلِيمَ. أَعْلَمُ أنَّهُ فِي الْعَامِ الْقَادِمِ سَنَكُونُ جِيرَانًا مَرَّةً أُخْرَى. أَعْطِنِي يَدَكَ وَعِدْنِي بِذَلِكَ.»
أَعْطَى الْجَدُّ يَدَهُ لِلْقَسِّ وَأَجَابَ بِهُدُوءٍ: «أَعْلَمُ أَنَّكَ فَقَطْ تُفَكِّرُ فِي مَصْلَحَةِ الْبِنْتِ، وَلَكِنَّنِي أُخْبِرُكَ الْآنَ أَنَّنِي لَنْ أُرْسِلَهَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ وَلَنْ أَنْتَقِلَ إِلَى سَفْحِ الْجَبَلِ لِلْعَيْشِ وَسْطَ النَّاسِ.»
قَالَ الْقَسُّ: «إِذَنْ أَتَمَنَّى أَنْ يُسَاعِدَكَ الرَّبُّ!» وَاسْتَدَارَ بِحُزْنٍ وَتَرَكَ الْكُوخَ وَنَزَلَ إِلَى أَسْفَلِ الْجَبَلِ.
تَرَكَتْ زِيَارَةُ الْقَسِّ الْجَدَّ فِي مِزَاجٍ نَكِدٍ. وَعِنْدَمَا سَأَلَتْهُ هايدي عَنِ الذَّهَابِ لِزِيَارَةِ الْجَدَّةِ، قَالَ لَهَا: «لَيْسَ الْيَوْمَ.» ثُمَّ لَمْ يَتَحَدَّثْ لِبَقِيَّةِ الْيَوْمِ. فِي الصَّبَاحِ التَّالِي عِنْدَمَا سَأَلَتْ هايدي عَنِ الْجَدَّةِ مُجَدَّدًا، أَجَابَ: «سَنَرَى.» وَلَكِنْ حَتَّى قَبْلَ أَنْ يُزِيلُوا أَطْبَاقَ الْغَدَاءِ مِنْ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَصَلَ زَائِرٌ آخَرُ. هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَتِ الْخَالَةَ ديتا.
نَظَرَ الْجَدُّ إِلَى مَلَابِسِهَا الْفَاخِرَةِ دُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَةٍ. يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ تَعْبِيرَاتِ وَجْهِهَا أَنَّهَا فُوجِئَتْ بِمَظْهَرِ هايدي الْجَيِّدِ. كَانَتْ سَعِيدَةً وَتَتَلَقَّى رِعَايَةً جَيِّدَةً حَتَّى إِنَّ ديتا بِالْكَادِ تَعَرَّفَتْ عَلَيْهَا. لَقَدْ كَانَ تَرْكُ الطِّفْلَةِ مَعَ جَدِّهَا دَائِمًا يُقْلِقُ ديتا إِلَى حَدٍّ مَا؛ لِذَا كَانَتْ سَعِيدَةً أَنْ تَأْتِيَ لِلرَّجُلِ الْعَجُوزِ بِأَخْبَارِهَا الرَّائِعَةِ.
كَانَ ثَمَّةَ قَرِيبٌ غَنِيٌّ لِلْعَائِلَةِ الَّتِي تَعْمَلُ عِنْدَهَا لَدَيْهِ طِفْلَةٌ وَحِيدَةٌ. كَانَتِ الْفَتَاةُ فِي سِنِّ هايدي تَقْرِيبًا وَيَتَوَجَّبُ عَلَيْهَا اسْتَخْدَامُ كُرْسِيٍّ مُتَحَرِّكٍ لِلْحَرَكَةِ. وَكَانَتْ تَقْضِي مُعْظَمَ وَقْتِهَا وَحِيدَةً وَتَحْتَاجُ إِلَى شَخْصٍ مَا لِيَلْعَبَ مَعَهَا. تَحَدَّثَتْ ديتا إِلَى مُدَبِّرَةِ الْمَنْزِلِ عَنْ هايدي، وَوَافَقَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى اسْتِضَافَةِ الْفَتَاةِ الصَّغِيرَةِ. يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا رَائِعًا بِالنِّسْبَةِ لِهايدي! فَهِيَ سَتَعِيشُ فِي مَنْزِلٍ فَاخِرٍ وَسَيُكوُن لَدَيْهَا دَائِمًا مَنْ تَلْعَبُ مَعَهُ.
قَالَتْ ديتا: «وَمَنْ يَعْلَمُ، إِذَا حَدَثَ أَيُّ شَيْءٍ لِلْفَتَاةِ الصَّغِيرَةِ، يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هايدي مَحْظُوظَةً و…»
سَأَلَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ الزَّائِرَةَ: «هَلِ انْتَهَيْتِ مِمَّا جِئْتِ لِتَقُولِيهِ؟»
صَرَخَتْ ديتا وَلَوَّحَتْ بِيَدَيْهَا فِي الْهَوَاءِ: «أُفٍّ! أَيُّ شَخْصٍ آخَرَ سَيَكُونُ سَعِيدًا بِالْأَخْبَارِ الَّتِي جَلَبْتُهَا لَكَ!»
– «إِذَنْ يُمْكِنُكِ أَخْذُ أَخْبَارِكِ لِأَيِّ شَخْصٍ آخَرَ. لَا أُرِيدُ سَمَاعَهَا.»
قَفَزَتْ ديتا مِنْ مَقْعَدِهَا كَالصَّارُوخِ قَائِلَةً: «إِذَا كُنْتَ تَعْتَقِدُ أنَّهُ يُمْكِنُكَ إِبْقَاءُ ابْنَةِ أُخْتِي هُنَا فِي الْأَعْلَى دُونَ إِرْسَالِهَا إِلَى الْكَنِيسَةِ أَوِ الْمَدْرَسَةِ، فَأَنْتَ مُخْطِئٌ! أَنَا مَسْئُولَةٌ عَنْهَا! وَلَنْ أَسْتَسْلِمَ!»
صَرَخَ الْجَدُّ: «تَوَقَّفِي! ارْحَلِي فَوْرًا وَلَا تَدَعِينِي أَرَى وَجْهَكِ هُنَا مُجَدَّدًا أَبَدًا!» وَمَعَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَرَكَ الْكُوخَ.
صَرَخَتْ هايدي: «لَقَدْ أَغْضَبْتِ جَدِّي!» وَنَظَرَتْ لِديتا بِغَضَبٍ.
قَالَتِ الْمَرْأَةُ: «سَيَكُونُ بِخَيْرٍ. تَعَالَيِ الْآنَ، أَرِينِي أَيْنَ مَلَابِسُكِ.»
قَالَتْ هايدي: «لَنْ أَذْهَبَ مَعَكِ.»
قَالَتْ ديتا فِي دَهْشَةٍ: «هُرَاءٌ! أَنْتَ لَا تَفْهَمِينَ أَيَّ شَيْءٍ مِثْلُكِ مِثْلُ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ. سَتَحْصُلِينَ عَلَى أَشْيَاءَ لَمْ تَحْلُمِي بِهَا قَطُّ.» ذَهَبَتْ إِلَى الْخِزَانَةِ وَأَخْرَجَتْ مُتَعَلَّقَاتِ هايدي. ثُمَّ لَفَّتْهَا فِي حُزْمَةٍ وَأَعْطَتِ الْفَتَاةَ قُبَّعَةً: «تَعَالَيْ مَعِيَ الْآنَ. هَذِهِ الْقُبَّعَةُ رَثَّةٌ، وَلَكِنَّهَا سَتُؤَدِّي الْغَرَضَ الْآنَ. فَلْنَذْهَبْ.»
كَرَّرَتْ هايدي: «لَنْ أَذْهَبَ مَعَكِ.»
أَجَابَتْ ديتا: «لَا تَكُونِي غَبِيَّةً. عَلَى الْأَغْلَبِ لَقَدْ تَعَلَّمْتِ أَنْ تَكُونِي عَنِيدَةً مِنْ تِلْك الْمَعْزِ. اسْتَمِعِي لِي. لَقَدْ رَأَيْتِ كَمْ كَانَ جَدُّكِ غَاضِبًا. إِنَّهُ لَا يَرْغَبُ فِي رُؤْيَتِنَا مُجَدَّدًا أَبَدًا. إِنَّهُ يُرِيدُكِ أَنْ تَرْحَلِي مَعِي. لَا يَنْبَغِي أَنْ تُغْضِبِيهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك. بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي سَآخُذُكِ إِلَيْهِ رَائِعٌ جِدًّا. وَإِذَا لَمْ تُحِبِّي الْمَكَانَ هُنَاكَ، فَسَأُعِيدُكِ إِلَى هُنَا. سَيَكُونُ جَدُّكِ فِي مِزَاجٍ جَيِّدٍ فِي ذَلِك الْوَقْتِ.»
سَأَلَتْ هايدي: «هَلْ يُمْكِنُنَا الذَّهَابُ وَالْعَوْدَةُ اللَّيْلَةَ؟»
سَأَلَتْ ديتا: «عَمَّ تَتَحَدَّثِينَ؟ لَقَدْ أَخْبَرْتُكِ أَنَّنِي سَأُعِيدُكِ عِنْدَمَا تُرِيدِينَ. سَنَسِيرُ بِقَدْرِ مَا نَسْتَطِيعُ الْيَوْمَ. ثُمَّ نَسْتَقِلُّ الْقِطَارَ غَدًا. وَسَيُعِيدُكِ الْقِطَارُ مُجَدَّدًا عِنْدَمَا تُرِيدِينَ، بِسُرْعَةِ الرِّيَاحِ.»
كَانَتْ ديتا الْآنَ تَضَعُ صُرَّةَ مَلَابِسِ هايدي تَحْتَ ذِرَاعِهَا وَتُمْسِكُ الطِّفْلَةَ مِنْ يَدِهَا. وَسَارَتَا إِلَى أَسْفَلِ الْجَبَلِ مَعًا.
سَمِعَتْ هايدي صَوْتَ بيتر قَبْلَ أَنْ تَرَى الصَّبِيَّ. صَاحَ بِهَا: «إِلَى أَيْنَ أَنْتِ ذَاهِبَةٌ؟» بَدَأَ يَقْلَقُ عِنْدَمَا رَأَى الطِّفْلَةَ تَتَشَبَّثُ بِيَدِ الْمَرْأَةِ.
– «أَنَا ذَاهِبَةٌ فِي زِيَارَةٍ إِلَى فرانكفورت فَقَطْ. وَسَأَعُودُ.» أَبْطَأَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ عِنْدَمَا رَأَتْ كُوخَ الْجَدَّةِ.
قَالَتْ هايدي وَهِيَ تَنْظُرُ لِأَعْلَى لِلْمَرْأَةِ الَّتِي بِجَانِبِهَا: «أُوه، يَجِبُ أَنْ أَرْكُضَ لِأُخْبِرَ الْجَدَّةَ. سَتَكُونُ فِي انْتِظَارِي.»
– «لَا، لَا يُمْكِنُكِ التَّوَقُّفُ مِنْ أَجْلِ أَحَدٍ. عِنْدَمَا تَعُودِينَ يُمْكِنُكِ أَنْ تُحْضِرِي لَهَا هَدِيَّةً.»
كَانَتْ هايدي مُمَزَّقَةً مَا بَيْنَ السَّيْرِ لِأَسْفَلِ الْجَبَلِ وَبَيْنَ الرَّكْضِ إِلَى الْكُوخِ. تَوَقَّفَتْ عِنْدَمَا سَمِعَتْ نِدَاءَ الْجَدَّةِ وَفَكَّرَتْ فِي زِيَارَتِهَا لِدَقِيقَةٍ فَقَطْ. وَلَكِنَّ ديتا جَذَبَتْ يَدَهَا بِقُوَّةٍ حَتَّى إِنَّ الِاخْتِيَارَ كَانَ قَدِ اتُّخِذَ لَهَا.
الفصل السابع
عَائِلَةٌ جَدِيدَةٌ


كَانَتْ كلارا سيسمان مُسْتَلْقِيَةً عَلَى الْأَرِيكَةِ. كَانَتْ سِيقَانُهَا ضَعِيفَةً وَمِنَ الصَّعْبِ جِدًّا عَلَيْهَا أَنْ تَسِيرَ دُونَ مُسَاعَدَةٍ. كَانَتِ الْآنَ فِي غُرْفَةِ الْمَكْتَبِ، وَهِيَ الْغُرْفَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا الْعَائِلَةُ فِي الْمُعْتَادِ. كَانَ مِنَ السَّهْلِ مُلَاحَظَةُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْغُرْفَةُ الَّتِي تَتَلَقَّى فِيها كلارا دُرُوسَهَا أَيْضًا، حَيْثُ كَانَ ثَمَّةَ مَكْتَبَةٌ أَنِيقَةٌ ذَاتُ أَبْوَابٍ زُجَاجِيَّةٍ تَحْتَوِي عَلَى كُلِّ مَا قَدْ تَحْتَاجُهُ الْفَتَاةُ. وَمَعَ ذَلِك، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، كَانَتْ تَتَمَنَّى بِبَسَاطَةٍ أَنْ تَفْعَلَ أَيَّ شَيْءٍ، وَحِينَئِذٍ فَقَطْ سَمِعَتْ أَصْوَاتَ زُوَّارٍ عَلَى الْبَابِ.
كَانَ وَجْهُهَا الصَّغِيرُ رَفِيعًا وَشَاحِبًا. تَنَقَّلَتْ عَيْنَاهَا الزَّرْقَاوَانِ الْهَادِئَتَانِ مِنَ السَّاعَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالْغُرْفَةِ.
سَأَلَتْ كلارا بِهُدُوءٍ: «هَلْ هَؤُلَاءِ هُمْ يَا سَيِّدَةُ روتينماير؟» أَصْغَتْ لِلْأَصْوَاتِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْمَدْخَلِ الْأَمَامِيِّ.
كَانَتِ السَّيِّدَةُ الَّتِي تَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا تَجْلِسُ بِهُدُوءٍ إِلَى مِنْضَدَةٍ صَغِيرَةٍ. كَانَتْ مُدَبِّرَةُ الْمَنْزِلِ مَسْئُولَةً عَنْ رِعَايَةِ الْفَتَاةِ مُنْذُ وَفَاةِ أُمِّهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ، وَكَانَتْ هِيَ الَّتِي تَحَدَّثَتْ ديتا مَعَهَا عَنْ هايدي.
كَانَتْ كلارا عَلَى وَشْكِ أَنْ تَطْرَحَ سُؤَالَهَا مُجَدَّدًا عِنْدَمَا وَصَلَتْ ديتا وَهايدي عِنْدَ بَابِ الْمَكْتَبِ.
نَظَرَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير إِلَى هايدي لِبِضْعِ دَقَائِقَ، ثُمَّ سَأَلَتْهَا: «مَا اسْمُكِ؟»
قَالَتِ الصَّغِيرَةُ بِهُدُوءٍ: «هايدي.»
تَدَخَّلَتْ ديتا بِسُرْعَةٍ لِتَغْيِيرِ إِجَابَتِهَا. «اسْمُهَا التَّعْمِيدِيُّ هُوَ أديلهايد، مِثْلُ اسْمِ أُمِّهَا الْمُتَوَفَّاةِ.»
اقْتَرَبَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير خُطْوَةً مِنَ الطِّفْلَةِ وَقَالَتْ: «يَجِبُ أَنْ أُخْبِرَكِ يَا ديتا أَنَّنِي مُنْدَهِشَةٌ لِرُؤْيَةِ فَتَاةٍ صَغِيرَةٍ كَهَذِهِ. لَقَدْ أَخْبَرْتُكِ أَنِّي أُرِيدُ فَتَاةً فِي عُمْرِ كلارا. كلارا فِي الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ. فَكَمْ عُمْرُ أديلهايد؟»
أَجَابَتْ ديتا وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تُخْفِيَ الْحَقِيقَةَ: «لَقَدْ نَسِيتُ الْعَدَدَ. لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَقُولَ بِالضَّبْطِ، وَلَكِنْ أَظُنُّ أَنَّهَا فِي الْعَاشِرَةِ أَوْ مَا يَقْرُبُ ذَلِك.»
تَدَخَّلَتْ هايدي فِي النِّقَاشِ: «أَخْبَرَنِي جَدِّي أَنَّنِي فِي الثَّامِنَةِ.» لَكَزَتْهَا ديتا فِي ظَهْرِهَا بِإِصْبَعِهَا.
صَرَخَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير: «مَاذَا؟! فِي الثَّامِنَةِ فَقَطْ؟ أَصْغَرُ بِأَرْبَعِ سَنَوَاتٍ! مَا الْفَائِدَةُ الَّتِي سَتَجْلِبُهَا؟ لَقَدْ أَرَدْنَا شَخْصًا يُشَارِكُ كلارا فِي الدُّرُوسِ وَالْقِرَاءَةِ! مَاذَا قَرَأْتِ يَا صَغِيرَةُ؟»
قَالَتْ هايدي: «لَا شَيْءَ.»
– «مَاذَا؟»
قَالَتْ هايدي: «لَمْ أَتَعَلَّمِ الْقِرَاءَةَ قَطُّ.»
صَاحَتِ السَّيِّدَةُ الْأَكْبَرُ سِنًّا: «الرَّحْمَةَ! لَا تَعْرِفِينَ الْقِرَاءَةَ! ديتا، كَيْفَ تَجْلِبِينَ لِي طِفْلَةً مِثْلَ هَذِهِ؟ لَمْ تُخْبِرِينِي كَيْفَ هِيَ!»
أَجَابَتْ ديتا بِهُدُوءٍ: «مِنْ فَضْلِكِ، إِنَّهَا فَتَاةٌ لَطِيفَةٌ، إِنَّهَا تُمَثِّلُ تَمَامًا نَوْعَ الْمُرَافِقِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَ كلارا. يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ الْآنَ، وَلَكِنَّكِ سَتَرَيْنَ كَمْ سَتَنْسَجِمَانِ بِشِدَّةٍ.» خَرَجَتْ ديتا مِنَ الْغُرْفَةِ وَهِيَ تَنْحَنِي ثُمَّ رَكَضَتْ إِلَى الْأَسْفَلِ. وَقَفَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير لِلَحْظَةٍ لَا تَعْلَمُ مَاذَا تَفْعَلُ، ثُمَّ رَكَضَتْ عَلَى السُّلَّمِ خَلْفَ الْمَرْأَةِ. كَانَ لَدَيْهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ حَوْلَ الطِّفْلَةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَتْرُكَهَا تَرْحَلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
بَقِيَتْ هايدي بِجَانِبِ الْبَابِ. فَأَشَارَتْ لَهَا كلارا لِكَيْ تَأْتِيَ وَبَدَأَتَا فِي الْحَدِيثِ.
بَدَأَتْ كلارا مُتَسَائِلَةً: «هَلْ كَانَ لَدَيْكِ دَائِمًا هَذَا الشَّعْرُ الْقَصِيرُ الْمُجَعَّدُ؟»
قَالَتْ هايدي: «نَعَمْ، أَظُنُّ ذَلِك.»
اسْتَمَرَّتْ كلارا: «هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ بِالْقُدُومِ إِلَى هُنَا؟»
قَالَتْ هايدي: «لَا، وَلَكِنِّي سَأَذْهَبُ إِلَى الْمَنْزِلِ غَدًا. سَآخُذُ هَدِيَّةً لِلْجَدَّةِ. أَعْتَقِدُ أَنِّي سَآخُذُ لَهَا رَغِيفًا مِنَ الْخُبْزِ الْأَبْيَضِ. تَقُولُ ديتا إِنَّهَا سَتَكُونُ مُفَاجَأَةً لَطِيفَةً لَهَا.»
ضَحِكَتْ كلارا: «أَنْتِ طِفْلَةٌ مُضْحِكَةٌ. لَقَدْ أُرسِلْتِ إِلَى هُنَا لِتَعِيشِي مَعِي وَتُشَارِكِينِي فِي دُرُوسِي، وَالْآنَ أَكْتَشِفُ أَنَّكِ لَا تَعْرِفِينَ حَتَّى الْقِرَاءَةَ. سَنَسْتَمْتِعُ بِذَلِك! مُعَلِّمِي شَخْصٌ لَطِيفٌ. سَيُحِبُّ تَعْلِيمَكِ أَيْضًا.»
هَزَّتْ هايدي رَأْسَهَا وَبَدَأَتْ فِي قَوْلِ شَيْءٍ مَا، وَلَكِنَّ السَّيِّدَةَ روتينماير عَادَتْ إِلَى الْغُرْفَةِ. لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ اللِّحَاقِ بِديتا، وَالنَّظْرَةُ الَّتِي عَلَى وَجْهِهَا أَخْبَرَتْ هايدي وَكلارا أَنَّهَا لَا تَزَالُ غَاضِبَةً مِنَ الْأَمْرِ.
قَالَتْ: «لَقَدْ حَانَ وَقْتُ الْعَشَاءِ.» أَخَذَ سيباستيان — كَبِيرُ الْخَدَمِ — الْفَتَاتَيْنِ إِلَى الطَّاوِلَةِ. وَأَثْنَاءَ تَنَاوُلِهِمَا الطَّعَامَ، جَهَّزَتْ تينيت — الْخَادِمَةُ — غُرْفَةَ الضُّيُوفِ مِنْ أَجْلِ هايدي.
وَصَلَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير إِلَى الطَّاوِلَةِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِتَسْمَعَ هايدي فِي مُحَادَثَةٍ بَسِيطَةٍ مَعَ سيباستيان.
– «أديلهايد، يَجِبُ أَنْ تَفْهَمِي أنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ تَتَحَدَّثِي مَعَ الْخَدَمِ إِلَّا إِذَا كَانَ لَدَيْكِ أَمْرٌ لَهُمْ.» ثم أَمْسَكَتْ بِذَقْنِ الْفَتَاةِ وَأَدَارَتْهَا نَحْوَهَا بِقَسْوَةٍ مُضِيفَةً: «لَا تَجْعَلِينِي أَسْمَعُكِ تَتَحَدَّثِينَ إِلَى سيباستيان بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مُجَدَّدًا أَبَدًا!»
بَيْنَمَا اسْتَمَرَّتِ السَّيِّدَةُ روتينماير فِي إِلْقَاءِ قَائِمَةِ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَتَّبِعَهَا هايدي فِي الْمَنْزِلِ، بَدَأَتْ عَيْنَا الْفَتَاةِ الصَّغِيرَةِ تَنْغَلِقُ بِبُطْءٍ. فَقَدْ كَانَتْ مُسْتَيْقِظَةً مُنْذُ الْخَامِسَةِ صَبَاحًا وَقَامَتْ بِرِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ طَوَالَ الْيَوْمِ. مَالَتْ لِلْخَلْفِ فِي مَقْعَدِهَا وَسُرْعَانَ مَا اسْتَغْرَقَتْ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ.
عِنْدَمَا وَصَلَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير أَخِيرًا إِلَى نِهَايَةِ خِطَابِهَا، قَالَتْ: «الْآنَ تَذَكَّرِي مَا قُلْتُهُ يَا أديلهايد! هَلْ فَهِمْتِ كُلَّ شَيْءٍ؟»
قَالَتْ كلارا بِابْتِسَامَةٍ وَاسِعَةٍ عَلَى وَجْهِهَا: «هايدي نَائِمَةٌ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ.» فَلَا تَذْكُرُ أَنَّهَا اسْتَمْتَعَتْ بِوَقْتٍ طَيِّبٍ عَلَى الْعَشَاءِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ قَبْلُ.
الفصل الثامن
جَوْلَةٌ فِي الْبَلْدَةِ


عِنْدَمَا فَتَحَتْ هايدي عَيْنَيْهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَيْنَ هِيَ. وَعِنْدَمَا نَظَرَتْ حَوْلَهَا فِي الْغُرْفَةِ تَذَكَّرَتْ كُلَّ مَا حَدَثَ فِي الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ. فَقَفَزَتْ مِنْ عَلَى الْفِرَاشِ، وَارْتَدَتْ مَلَابِسَهَا وَرَكَضَتْ إِلَى النَّافِذَةِ. كَانَتْ هايدي مُتَشَوِّقَةً إِلَى رُؤْيَةِ السَّمَاءِ وَالْبَلَدِ فِي الْخَارِجِ، وَلَكِنَّ السَّتَائِرَ كَانَتْ ثَقِيلَةً جِدًّا فَلَمْ تَسْتَطِعْ تَنْحِيَتَهَا جَانِبًا. عِوَضًا عَنْ ذَلِك، زَحَفَتْ تَحْتَهَا لِتَصِلَ إِلَى النَّافِذَةِ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا وَصَلَتْ هُنَاكَ، اكْتَشَفَتْ أَنَّ الزُّجَاجَ عَالٍ جِدًّا. لَمْ تَسْتَطِعْ سِوَى أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا فَوْقَ حَافَّةِ النَّافِذَةِ لِتُلْقِيَ نَظْرَةً عَلَى الْخَارِجِ، وَلَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ رُؤْيَةِ مَا أَرَادَتْ. رَكَضَتْ مِنْ نَافِذَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَوَجَدَتْ نَفْسَ الْمُشْكِلَةِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَشَعَرَتْ كَعُصْفُورٍ مَحْبُوسٍ فِي قَفَصٍ.
فَجْأَةً، سَمِعَتْ هايدي شَخْصًا يُنَادِي: «الْفَطُورُ جَاهِزٌ!» تَرَكَتِ النَّافِذَةَ وَانْضَمَّتْ إِلَى كلارا فِي غُرْفَةِ الطَّعَامِ. تَنَاوَلَتْ هايدي طَعَامَهَا بِطَرِيقَةٍ مُمْتَازَةٍ. ثُمَّ عِنْدَمَا لَمْ تَكُنِ السَّيِّدَةُ روتينماير تَنْظُرُ، دَسَّتْ لُفَافَةَ الْخُبْزِ الْأَبْيَضِ فِي جَيْبِ مِئْزَرِهَا بِسُرْعَةٍ. عِنْدَمَا انْتَهَتِ الْوَجْبَةُ، رَكَضَتْ إِلَى الْأَعْلَى لِغُرْفَتِهَا وَوَضَعَتْهَا فِي الْخِزَانَةِ لِتَأْخُذَهَا لِلْجَدَّةِ. فَكَّرَتْ هايدي فِي الْيَوْمِ الَّذِي سَتَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ إِعْطَاءِ هَذَا الرَّغِيفِ اللَّذِيذِ لِلْجَدَّةِ. فِي الْوَقْتِ الرَّاهِنِ، سَتُحَاوِلُ هايدي أَنْ تَنْسَى الْأَفْكَارَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْجَدَّةِ، لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَفْعَلْ، فَسَتَجْعَلُهَا حَزِينَةً جِدًّا. بَعْدَ إِلْقَاءِ نَظْرَةٍ أَخِيرَةٍ عَلَى الرَّغِيفِ، أَغْلَقَتْ بَابَ الْخِزَانَةِ وَانْضَمَّتْ إِلَى كلارا فِي غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ.
بِمُجَرَّدِ أَنْ أَصْبَحَتِ الطِّفْلَتَانِ بِمُفْرَدِهِمَا، سَأَلَتْ هايدي كلارا عَنِ النَّوَافِذِ.
– «أُوه، يَجِبُ أَنْ تَفْتَحِي النَّوَافِذَ لِكَيْ تَنْظُرِي لِلْخَارِجِ. وَلَكِنْ يَصْعُبُ فَتْحُهَا. اطْلُبِي مِنْ سيباستيان أَنْ يَفْتَحَهَا لَكِ بَعْدَ دُرُوسِنَا.»
•••

عِنْدَمَا انْتَهَتْ دُرُوسُهُمَا، كَانَ عَلَى كلارا أَنْ تَسْتَرِيحَ فِي فَتْرَةِ مَا بَعْدَ الظَّهِيرَةِ. كَانَ هَذَا وَقْتَ رَاحَةِ السَّيِّدَةِ روتينماير أَيْضًا؛ لِذَا كَانَتْ هايدي حُرَّةً لِتَفْعَلَ مَا تَشَاءُ. وَكَانَ أَوَّلُ مَا فَعَلَتْهُ هايدي هُوَ الْبَحْثُ عَنْ سيباستيان وَجَعْلُهُ يَفْتَحُ لَهَا نَافِذَةً.
صَعِدَتْ هايدي فَوْقَ مِسْنَدِ الْقَدَمَيْنِ. أَخِيرًا كَانَتْ سَتَرَى مَا كَانَتْ تَتُوقُ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا عِنْدَمَا نَظَرَتْ إِلَى الْخَارِجِ، وَجَدَتْ مَنْظَرًا مُخَيِّبًا لِلْآمَالِ.
قَالَتْ فِي حُزْنٍ: «مَاذَا؟! لَا يُوجَدُ شَيْءٌ فِي الْخَارِجِ سِوَى طُرُقٍ حَجَرِيَّةٍ. مَاذَا سَأَرَى إِذَا ذَهَبْتُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْمَنْزِلِ يَا سيباستيان؟»
قَالَ الرَّجُلُ: «نَفْسَ الشَّيْءِ.»
سَأَلَتْ هايدي: «وَلَكِنْ إِلَى أَيْنَ يُمْكِنُنِي الذَّهَابُ لِكَيْ أَرَى الْوَادِيَ كُلَّهُ؟»
– «يَجِبُ أَنْ تَصْعَدِي إِلَى قِمَّةِ بُرْجٍ عَالٍ، مِثْلِ ذَلِك الْبُرْجِ هُنَاكَ ذِي الْكُرَةِ الذَّهَبِيَّةِ فَوْقَهُ. مِنْ هُنَاكَ يُمْكِنُكِ رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ.»
نَزَلَتْ هايدي مِنْ عَلَى مِسْنَدِ الْقَدَمَيْنِ وَرَكَضَتْ إِلَى الشَّارِعِ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُهَا، وَلَكِنَّ الْأُمُورَ لَمْ تَكُنْ بِالسُّهُولَةِ الَّتِي اعْتَقَدَتْهَا. بَدَا الْبُرْجُ قَرِيبًا جِدًّا مِنَ النَّافِذَةِ. وَلَكِنِ الْآنَ لَمْ تَسْتَطِعْ حَتَّى أَنْ تُحَدِّدَ فِي أَيِّ اتِّجَاهٍ كَانَ. سَارَتْ بِبُطْءٍ عَبْرَ الطُّرُقَاتِ، تَمُرُّ بِجَانِبِ أَشْخَاصٍ يَبْدُونَ جَمِيعًا فِي عَجَلَةٍ لِلْوُصُولِ إِلَى مَكَانٍ مَا. فَجْأَةً رَأَتْ صَبِيًّا يَقِفُ بِالْقُرْبِ مِنْهَا. كَانَ يَحْمِلُ أُرْغُنًا يَدَوِيًّا عَلَى ظَهْرِهِ وَيَحْمِلُ سُلَحْفَاةً صَغِيرَةً فِي يَدِهِ. جَرَتْ هايدي نَحْوَهُ وَقَالَتْ: «أَيْنَ الْبُرْجُ ذُو الْكُرَةِ الذَّهَبِيَّةِ؟»
– «سَآخُذُكِ إِلَى هُنَاكِ نَظِيرَ أَرْبَعَةِ بِنْسَاتٍ.»
وَعَدَتْ هايدي أَنَّهَا سَتُحْضِرُ الْمَالَ مِنْ كلارا لَاحِقًا. بَدَا أَنَّ الصَّبِيَّ يَثِقُ بِهَا وَأَرَاهَا جَمِيعَ أَنْحَاءِ الْبَلْدَةِ. وَأَخِيرًا وَصَلَا إِلَى الْبُرْجِ. قَرَعَا جَرَسَ الِاسْتِدْعَاءِ وَظَهَرَ رَجُلٌ عَجُوزٌ فِي الْمَدْخَلِ. فِي الْبِدَايَةِ ظَنَّ أَنَّ هايدي صَغِيرَةٌ جِدًّا لِلِاهْتِمَامِ بِهَا، وَلَكِنَّ عَيْنَيِ الطِّفْلَةِ الْمُتَوَسِّلَتَيْنِ أَقْنَعَتَاهُ بِأَنْ يَأْخُذَهَا إِلَى أَعْلَى الْبُرْجِ. تَمَسَّكَتْ هايدي بِيَدِ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ وَصَعِدَتِ السَّلَالِمَ الْكَثِيرَةَ. وَعِنْدَمَا وَصَلَا لِلْقِمَّةِ، رَفَعَهَا الرَّجُلُ الْعَجُوزُ لِكَيْ تَسْتَطِيعَ النَّظَرَ إِلَى الْخَارِجِ عَبْرَ النَّافِذَةِ الْمَفْتُوحَةِ.
رَأَتْ هايدي تَحْتَهَا عَدَدًا هَائِلًا مِنَ الْأَسْقُفِ وَالْأَبْرَاجِ وَالْمَدَاخِنِ. سَحَبَتْ رَأْسَهَا لِلْخَلْفِ وَقَالَتْ فِي صَوْتٍ خَافِتٍ: «لَيْسَ هَذَا مَا كُنْتُ أَظُنُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ.»
أَنْزَلَ الرَّجُلُ هايدي لِلْأَرْضِ وَقَادَهَا عَبْرَ الدَّرَجِ الضَّيِّقِ إِلَى أَسْفَلَ. وَبَيْنَمَا كَانَا يَتَّجِهَانِ نَحْوَ غُرْفَةِ الْحَارِسِ، سَمِعَتْ هايدي مُوَاءً عَالِيًا.
تَوَقَّفَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ وَنَظَرَتْ حَوْلَهَا فِي هَذِهِ الْمِسَاحَةِ الصَّغِيرَةِ.
عِنْدَمَا رَأَى الْعَجُوزُ هايدي مُهْتَمَّةً بِهَذَا الشَّكْلِ، أَشَارَ لَهَا نَحْوَ سَلَّةٍ.
ظَلَّتْ تَقُولُ: «أُوه، كَمْ هِيَ لَطِيفَةٌ، يَا لَهَا مِنْ قِطَطٍ جَمِيلَةٍ!»
سَأَلَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ: «هَلْ تَوَدِّينَ الْحُصُولَ عَلَى وَاحِدَةٍ؟»
– «أَحْتَفِظُ بِهَا؟»
– «نَعَمْ، بِالطَّبْعِ. أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِذَا أَحْبَبْتِ. فِي الْحَقِيقَةِ، يُمْكِنُكِ أَخْذُهَا كُلِّهَا إِذَا أَرَدْتِ.»
ابْتَسَمَتْ هايدي وَهِيَ تُفَكِّرُ فِي السَّعَادَةِ الَّتِي سَتَجْلِبُهَا الْقِطَطُ لِكلارا: «هَلْ يُمْكِنُنِي أَخْذُ اثْنَيْنِ الْيَوْمَ وَالْبَاقِي لَاحِقًا؟»
رَدَّ الرَّجُلُ ضَاحِكًا: «بِالطَّبْعِ، بَلْ إِنِّي سَأُحْضِرُهَا لَكِ بِنَفْسِي!»
أَشَارَتْ هايدي إِلَى حَيْثُ تَعِيشُ. ثُمَّ قَضَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ دَقِيقَةً أَوْ أَكْثَرَ فِي اخْتِيَارِ الْقِطَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَتَذْهَبَانِ مَعَهَا. وَضَعَتْهُمَا فِي جُيُوبِهَا ثُمَّ رَكَضَتْ نَازِلَةً دَرَجَاتِ السُّلَّمِ الْمُتَبَقِّيَةَ لِتَصِلَ إِلَى الصَّبِيِّ الْمُنْتَظِرِ فِي الشَّارِعِ.
قَالَ الصَّبِيُّ: «أَرْبَعَةَ بِنْسَاتٍ لِأُعِيدَكِ؟»
أَوْمَأَتْ هايدي بِرَأْسِهَا وَتَبِعَتْهُ لِمَنْزِلِهَا. كَانَ سيباستيان يَنْتَظِرُ لَدَى الْبَابِ.
– «أَسْرِعِي! أَسْرِعِي يَا آنِسَتِيَ الصَّغيِرَةَ! اذْهَبِي فَوْرًا إِلَى غُرْفَةِ الطَّعَامِ. السَّيِّدَةُ روتينماير فِي انْتِظَارِكِ.»
انْطَلَقَتْ هايدي عَبْرَ الْبَابِ وَأَغْلَقَهُ سيباستيان خَلْفَهَا، تَارِكًا الصَّبِيَّ وَاقِفًا عَلَى الدَّرَجِ.
دَلَفَتْ هايدي إِلَى الْغُرْفَةِ وَاسْتَمَعَتْ إِلَى تَعْنِيفِ السَّيِّدَةِ روتينماير. وَعِنْدَمَا انْتَهَتْ مِنْ تَعْنِيفِهَا، سَأَلَتْ هايدي عَمَّا لَدَيْهَا لِتُدَافِعَ بِهِ عَنْ نَفْسِهَا.
«مِيَاوْ.» هَكَذَا جَاءَتِ الْإِجَابَةُ.
قَفَزَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ وَاقِفَةً فِي غَضَبٍ. «أديلهايد، مَاذَا قُلْتِ؟»
قَالَتْ هايدي: «لَمْ أَقُلْ …» لَكِنْ قَاطَعَهَا صَوْتُ الْمُوَاءِ، «مِيَاوْ! مِيَاوْ!»
كَانَ سيباستيان يَجِدُ صُعُوبَةً فِي كَتْمِ الضَّحِكِ وَكَادَ يُسْقِطُ الْأَطْبَاقَ. سَارَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير بِهُدُوءٍ إِلَى هايدي لِتَرَى مَا الَّذِي أَصْدَرَ هَذَا الصَّوْتَ.
صَاحَتْ ذُعْرًا: «قِطَطٌ صَغِيرَةٌ! سيباستيان! تينيت! أَخْرِجَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الصَّغِيرَةَ الْبَغِيضَةَ مِنْ هُنَا! خُذَاهَا بَعِيدًا!» وَبِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، اسْتَدَارَتْ وَذَهَبَتْ لِغُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ.
قَفَزَتْ هايدي وَاقِفَةً وَرَكَضَتْ إِلَى حَيْثُ جَلَسَتْ كلارا. أَخَذَتِ الْقِطَّتَيْنِ مِنْ جُيُوبِهَا وَوَضَعَتْهُمَا عَلَى حِجْرِ الْفَتَاةِ.
صَرَخَتْ كلارا مَرَحًا وَهِيَ تَضُمُّ الْقِطَّتَيْنِ الصَّغِيرَتَيْنِ إِلَى صَدْرِهَا: «هايدي، أَيْنَ وَجَدْتِ هَاتَيْنِ الصَّغِيرَتَيْنِ اللَّطِيفَتَيْنِ؟»
لَكِنَّ هايدي كَانَتْ مَشْغُولَةً فِي مُطَارَدَةِ الْقِطَّتَيْنِ الْمُنْدَفِعَتَيْنِ فَلَمْ تُجِبْ. غَطَّتْ ضَحِكَاتُهَا عَلَى أَوَامِرِ السَّيِّدَةِ روتينماير مِنَ الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ. إِلَّا أَنَّ كلارا سَمِعَتِ الصَّرْخَةَ الْمُسْتَاءَةَ الَّتِي تَعَالَتْ مِنَ الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ وَعَلِمَتْ أَنَّ السَّيِّدَةَ سَتَفْعَلُ مَا بِوُسْعِهَا لِتُخَلِّصَ الْمَنْزِلَ مِنْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ.
تَوَسَّلَتْ كلارا: «مِنْ فَضْلِكَ يَا سيباستيان جِدْ مَكَانًا لِتُخَبِّئَهُمَا مِنْ أَجْلِنَا. يَجِبُ أَنْ نَحْتَفِظَ بِهِمَا!» وَتَمَسَّكَتْ بِقِطَّةٍ بَيْضَاءَ صَغِيرَةٍ جَمِيلَةٍ ذَاتِ ذَيْلٍ أَسْوَدِ الطَّرَفِ.
أَجَابَ سيباستيان بِابْتِسَامَةٍ: «سَأَعْمَلُ عَلَى ذَلِك. سَأَضْعُهُمَا فِي مَكَانٍ لَا تَذْهَبُ لَهُ السَّيِّدَةُ عَلَى الْأَرْجَحِ.»
وَهَكَذَا ذَهَبَتْ هايدي وَكلارا إِلَى النَّوْمِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَهُمَا تَعْلَمَانِ أَنَّ الْقِطَطَ بِأَمَانٍ وَدِفْءٍ فِي فِرَاشٍ مُرِيحٍ.
الفصل التاسع
الْمَالُ وَالْقِطَطُ


فِي الْيَوْمِ التَّالِي عَادَ الصَّبِيُّ. قَرَعَ جَرَسَ الْبَابِ مِرَارًا وَتَكْرَارًا حَتَّى أَجَابَ سيباستيان.
سَأَلَ وَهُوَ يَفْتَحُ الْبَابَ بِعُنْفٍ: «مَا مَعْنَى هَذَا؟»
أَجَابَ الصَّبِيُّ: «أُرِيدُ أَنْ أَرَى كلارا.»
سَأَلَ سيباستيان بِخُشُونَةٍ: «مَاذَا تُرِيدُ مِنْهَا؟»
رَدَّ الصَّبِيُّ مُوَضِّحًا: «إِنَّهَا مَدِينَةٌ لِي بِثَمَانِيَةِ بِنْسَاتٍ.»
ضَحِكَ سيباستيان: «أَنْتَ مَجْنُونٌ!»
– «إِنَّهَا مَدِينَةٌ لِي بِأَرْبَعَةِ بِنْسَاتٍ لِدَلِّهَا عَلَى الطَّرِيقِ لِلْبُرْجِ وَأَرْبَعَةِ بِنْسَاتٍ لِدَلِّهَا عَلَى طَرِيقِ الْعَوْدَةِ.»
– «أَنْتَ تُرَدِّدُ الْأَكَاذِيبَ! الْآنِسَةُ الصَّغِيرَةُ لَا تَخْرُجُ أَبَدًا. إِنَّهَا حَتَّى لَا تَسْتَطِيعُ السَّيْرَ! دَعْنَا وَشَأْنَنَا!» وَحَاوَلَ سيباستيان إِغْلَاقَ الْبَابِ.
لَكِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّهْلِ إِخَافَةُ الصَّبِيِّ، فَبَقِيَ مَكَانَهُ وَقَالَ بِصَوْتٍ حَازِمٍ: «وَلَكِنِّي رَأَيْتُهَا فِي الشَّارِعِ. لَدَيْهَا شَعْرٌ أَسْوَدُ قَصِيرٌ وَمُجَعَّدٌ، وَعَيْنَانِ سَوْدَاوَانِ وَتَرْتَدِي رِدَاءً بُنِّيًّا. وَلَا تَتَحَدَّثُ بِنَفْسِ طَرِيقَتِنَا.»
– «أَهَا. لَقَدْ وَقَعَتِ الْآنِسَةُ الصَّغِيرَةُ فِي الْمَزِيدِ مِنَ الْمَتَاعِبِ.» هكذا فَكَّرَ سيباستيان، ضَاحِكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ.
ثُمَّ قَالَ لِلصَّبِيِّ: «تَعَالَ إِلَى الدَّاخِلِ.»
أَرْشَدَهُ سيباستيان فِي الطَّرِيقِ حَتَّى وَصَلَا إِلَى غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ، فَقَدَّمَ الصَّبِيَّ إِلَى الْفَتَاتَيْنِ وَالْمُعَلِّمِ. أَعْطَاهُمُ الصَّبِيُّ نِصْفَ ابْتِسَامَةٍ، ثُمَّ وَضَعَ سُلَحْفَاةً صَغِيرَةً كَانَ مُمْسِكًا بِهَا عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَهُ. أَثَارَ مَنْظَرُ هَذَا الْكَائِنِ الْغَرِيبِ ضَحِكَ الْفَتَاتَيْنِ.
اسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ ثَوَانِيَ قَلِيلَةً حَتَّى ظَهَرَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير عِنْدَ الْبَابِ. «تَوَقَّفَا!» صَاحَتْ مُحَاوِلَةً أَنْ تُسْكِتَ ضَحِكَاتِ الْفَتَاتَيْنِ.
خَفَضَتِ الْفَتَاتَانِ ضَحِكَاتِهِمَا، وَلَكِنَّ كلارا لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ كَتْمِ صَرَخَاتِ الْبَهْجَةِ. بَقِيَ سيباستيان فِي الْخَارِجِ، يَضْحَكُ بِشِدَّةٍ حَتَّى كَادَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُقُوفِ. كَانَتْ سُلَحْفَاةُ الصَّبِيِّ الْأَلِيفَةُ الَّتِي بَدَا أنَّهُ يَحْمِلُهَا مَعَهُ فِي أَيِّ مَكَانٍ، تَزْحَفُ نَحْوَ قَدَمَيِ السَّيِّدَةِ، فَقَفَزَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير فَوْقَ كُرْسِيٍّ وَبَدَأَتْ تَصْرُخُ.
أَمَرَتْ: «خُذُوهُمَا خَارِجًا، الصَّبِيَّ وَالْحَيَوَانَ! خُذُوهُمَا بَعِيدًا فَوْرًا!»
جَذَبَ سيباستيان الصَّبِيَّ بَعِيدًا، مُمْسِكًا بِسُلَحْفَاتِهِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْبَابِ. وَعِنْدَمَا وَصَلَا إِلَى الرُّوَاقِ، وَضَعَ شَيْئًا فِي يَدِ الصَّبِيِّ. وَقَالَ لَهُ وَهُوَ يُغْلِقُ الْبَابَ الْأَمَامِيَّ: «هَذَا هُوَ الْمَالُ مِنَ الْآنِسَةِ كلارا. أَنْفِقْهُ بِحِكْمَةٍ!»
بَعْدَ دَقَائِقَ قَاطَعَ سيباستان الدَّرْسَ مُجَدَّدًا. وَدَخَلَ إِلَى الْغُرْفَةِ وَقَالَ إِنَّ شَخْصًا مَا أَحْضَرَ سَلَّةً كَبِيرَةً يَجِبُ أَنْ تُسَلَّمَ إِلَى الْآنِسَةُ كلارا فَوْرًا.
قَالَتْ كلارا بِدَهْشَةٍ: «لِي أَنَا؟ أَحْضِرْهَا لِي مِنْ فَضْلِكَ!»
قَالَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير بِحَزْمٍ: «بَعْدَ دَرْسِكِ.»
– «أُوه، وَلَكِنْ لَنْ أَسْتَطِيعَ التَّرْكِيزَ فِي الدَّرْسِ. سَأَظَلُّ أُحْدِقُ بِالسَّلَّةِ مِثْلَمَا أَفْعَلُ الْآنَ.»
كَانَ غِطَاءُ السَّلَّةِ غَيْرَ مُحْكَمٍ. وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، خَرَجَتْ مِنَ السَّلَّةِ عِدَّةُ قِطَطٍ صَغِيرَةٍ تَتَعَثَّرُ عَلَى الْأَرْضِ وَتَتَسَابَقُ فِي الْغُرْفَةِ فِي كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ.
هَتَفَتْ كلارا: «أُوه، يَا لَهَا مِنْ كَائِنَاتٍ صَغِيرَةٍ لَطِيفَةٍ! انْظُرُوا كَمْ هِيَ جَمِيلَةٌ! انْظُرِي إِلَى هَذِهِ يَا هايدي. وَانْظُرِي إِلَى هَذِهِ!»
فِي فَرْحَتِهَا، طَارَدَتْ هايدي الْقِطَطَ الصَّغِيرَةَ مِنْ رُكْنٍ إِلَى آخَرَ فِي الْغُرْفَةِ. وَوَقَفَ الْمُعَلِّمُ بِجَانِبِ الطَّاوِلَةِ، لَا يَعْلَمُ مَاذَا يَفْعَلُ. وَكَانَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير مُسْتَاءَةً بِشِدَّةٍ حَتَّى إِنَّهَا لَمْ تَنْطِقْ بِبِنْتِ شَفَةٍ. رَاقَبَتْ بَيْنَمَا كَانَتِ الْقِطَطُ تَرْكُضُ حَوْلَ الْغُرْفَةِ وَتَجْعَلُ الْفَتَاتَيْنِ تَضْحَكَانِ بِلَا تَوَقُّفِ. أَخِيرًا وَجَدَتْ صَوْتَهَا وَبَدَأَتْ تَصْرُخُ مُسْتَدْعِيَةً سيباستيان وَتينيت. حَضَرَ الِاثْنَانِ بِسُرْعَةٍ. وَفِي غُضُونِ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ كَانَا قَدْ أَمْسَكَا الْقِطَطَ وَوَضَعَاهَا فِي السَّلَّةِ مَرَّةً أُخْرَى. وَحَمَلَاهَا بَعِيدًا لِوَضْعِهَا مَعَ الْقِطَطِ الْأُخْرَى. وَظَلَّتِ السَّيِّدَةُ روتينماير وَحْدَهَا مَعَ الْفَتَاتَيْنِ. وبَدَلًا مِنَ الصُّرَاخِ، أَعْطَتِ الْفَتَاتَيْنِ نَظْرَةً ذَاتَ مَعْنًى وَذَهَبَتْ.
بِحُلُولِ نِهَايَةِ فَتْرَةِ الظَّهِيرَةِ كَانَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ أَحْدَاثَ الْيَوْمِ الْجَامِحَةَ كَانَتْ بِسَبَبِ هايدي. لَقَدْ أَثَارَتْ هَذِهِ الْفَتَاةُ الْمَتَاعِبَ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى لِوُصُولِهَا. رُبَّمَا إِذَا تَمَكَّنَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير مِنْ جَعْلِهَا تَشْعُرُ أَنَّهَا غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيهَا فَسَتَتَوَسَّلُ لِكَيْ تَرْحَلَ.
– «أديلهايد، أَعْرِفُ عِقَابًا وَاحِدًا يُنَاسِبُ مَا فَعَلْتِهِ! أَنْتِ فَتَاةٌ سَيِّئَةٌ وَأُرِيدُكِ أَنْ تَتَعَلَّمِي أنَّهُ لَا يُمْكِنُكِ التَّصَرُّفُ كَالْحَيَوَانَاتِ حَوْلَنَا. رُبَّمَا سَتَتَعَلَّمِينَ دَرْسَكِ إِذَا وَضَعْتُكِ فِي قَبْوٍ مُظْلِمٍ مَعَ الْفِئْرَانِ وَالْخَنَافِسِ السَّوْدَاءِ.»
جَعَلَتِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ كلارا تَشْهَقُ: «أُوه، لَا يَا سَيِّدَةُ روتينماير. يَجِبُ أَنْ تَنْتَظِرِي حَتَّى يَأْتِيَ أَبِي. سَيَصِلُ إِلَى الْمَنْزِلِ قَرِيبًا. سَأُخْبِرُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُقَرِّرَ مَاذَا يَحْدُثُ مَعَ هايدي.»
لَمْ تَتَمَكَّنِ السَّيِّدَةُ روتينماير أَنْ تُعَارِضَ رَغْبَةَ الطِّفْلَةِ. «إِذَنْ سَنَنْتَظِرُ وَالِدَكِ يَا آنِسَةُ كلارا. وَلَكِنِّي سَأَتَحَدَّثُ مَعَهُ أَنَا أَيْضًا.»
مَرَّتِ الْأَيَّامُ الْقَلِيلَةُ التَّالِيَةُ دُونَ أَيِّ أَحْدَاثٍ مُهِمَّةٍ. وَغَدَتْ كلارا أَكْثَرَ مَرَحًا مُنْذُ انْتِقَالِ هايدي لِلْعَيْشِ مَعَهَا. لَقَدْ أَضَافَتِ الزَّائِرَةُ الصَّغِيرَةُ رُوحًا مَرِحَةً لِلدُّرُوسِ وَلِلرُّوتِينِ الْيَوْمِيِّ. وَكَانَتْ دَائِمًا تُحَاوِلُ التَّمَلُّصَ مِنْ عَمَلِهَا. كَانَتْ تَخْلِطُ بَيْنَ كُلِّ الْحُرُوفِ وَبَدَتْ غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى تَعَلُّمِهَا. حَاوَلَ الْمُعَلِّمُ لَفْتَ نَظَرِهَا إِلَى أَشْكَالِهَا الْمُخْتَلِفَةِ، وَحَاوَلَ حَتَّى أَنْ يَجْعَلَهَا تَرَى هَذَا الْحَرْفَ عَلَى شَكْلِ بُوقٍ صَغِيرٍ أَوْ ذَاكَ عَلَى شَكْلِ مِنْقَارِ طَائِرٍ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا إِلَّا لِيَزِيدَ حَمَاسَةَ هايدي فَتَقُولَ فَجْأَةً شَيْئًا سَاذَجًا مِثْلَ: «هَذِهِ حَمَامَةٌ! وَهَذِهِ مَاعِزَةٌ!» حَاوَلَ الْمُعَلِّمُ بِكُلِّ الطُّرُقِ أَنْ يَجْعَلَ هايدي تَتَذَكَّرُ الْحُرُوفَ وَلَكِنْ بَدَا أَنَّهُ مَا مِنْ طَرِيقَةٍ تَنْجَحُ مَعَهَا. وَأَخِيرًا قَرَّرَ أَنَّهَا رُبَّمَا تَكُونُ غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى تَعَلُّمِ الْحُرُوفِ الْأَبْجَدِيَّةِ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ كَانَتْ هايدي تَزْدَادُ قَلَقًا. فَقَدْ قَضَتْ أُسْبُوعًا فِي فرانكفورت وَالْآنَ تَقْضِي مُعْظَمَ وَقْتِهَا فِي تَخَيُّلِ الْجَبَلِ. قَرِيبًا سَتَتَحَوَّلُ أَوْرَاقُ الشَّجَرِ إِلَى اللَّوْنِ الْأَخْضَرِ وَسَتَلْمَعُ الزُّهُورُ الصَّفْرَاءُ فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ. فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَانَتْ هايدي تَشْعُرُ بِحَنِينٍ شَدِيدٍ إِلَى مَنْزِلِهَا حَتَّى إِنَّهَا لَا تَكَادُ تَتَحَمَّلُ الْوَضْعَ. وَأَخِيرًا فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ قَرَّرَتْ أَنَّهَا لَنْ تَتَحَمَّلَ الْمَزِيدَ. رَكَضَتْ إِلَى غُرْفَتِهَا وَجَمَعَتْ كُلَّ الْأَرْغِفَةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَفِظُ بِهَا مِنْ أَجْلِ الْجَدَّةِ. وَأَمْضَتْ عِدَّةَ دَقَائِقَ فِي الْبَحْثِ عَنْ قُبَّعَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ أَخِيرًا إِلَى الْأَسْفَلِ مِنْ غَيْرِهَا. عِنْدَمَا وَصَلَتْ إِلَى الْبَابِ الْأَمَامِيِّ، قَابَلَتِ السَّيِّدَةَ روتينماير وَهِيَ عَائِدَةٌ مِنْ نُزْهَةٍ عَلَى الْأَقْدَامِ.
– «إِلَى أَيْنَ أَنْتِ ذَاهِبَةٌ بِهَذِهِ الْمَلَابِسِ؟» سَأَلَتِ السَّيِّدَةُ وَقَدْ عَبَسَتْ عِنْدَ رُؤْيَةِ الشَّالِ الْأَحْمَرِ الرَّثِّ الَّذِي نَسِيَتْ أَنْ تَرْمِيَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَتْ قَائِلَةً: «أَنْتِ تَعْرِفِينَ أنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوحٍ لَكِ بِمُغَادَرَةِ الْمَنْزِلِ!»
قَالَتْ هايدي بِصَوتٍ خَافِتٍ: «أَنَا ذَاهِبَةٌ إِلَى الْمَنْزِلِ.»
– «ذَاهِبَةٌ إِلَى الْمَنْزِلِ! أَتُرِيدِينَ الذَّهَابَ إِلَى الْمَنْزِلِ؟ لَدَيْكِ هُنَا الْأَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. لِمَاذَا تُرِيدِينَ إِذَنِ الرَّحِيلَ؟ أَيَّتُهَا الطِّفْلَةُ النَّاكِرَةُ لِلْجَمِيلِ! مَا الَّذِي يَدْعُوكِ لِفِعْلِ هَذَا؟»
لَمْ يَسَعْ هايدي إِلَّا أَنْ تَرُدَّ عَلَى السَّيِّدَةِ: «أُرِيدُ الْعَوْدَةَ إِلَى الْمَنْزِلِ لِأَنَّ الْجَدَّةَ بِانْتِظَارِي. وَإِذَا بَقِيتُ أَكْثَرَ، سَتَتَعَرَّضُ جرينفينش لِلضَّرْبِ لِأَنِّي لَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ إِعْطَاءِ بيتر أَيَّ جُبْنٍ. وَلَنْ أَتَمَكَّنَ أَبَدًا مِنْ رُؤْيَةِ الْعُشِّ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ الطَّائِرُ الْكَبِيرُ عَلَى الصُّخُورِ فِي الْأَعْلَى و…»
صَاحَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير: «تَوَقَّفِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ!» ثُمَّ اسْتَدَارَتْ وَصَعِدَتْ عَلَى الدَّرَجِ. وَفِي الطَّرِيقِ صَادَفَتْ سيباستيان.
أمَرَتْهُ: «أَحْضِرْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَةَ الصَّغِيرَةَ الشَّقِيَّةَ لِلدَّاخِلِ فَوْرًا! إِنَّهَا تَتَفَوَّهُ بِحَمَاقَاتٍ! وَتَخَلَّصْ مِنْ ذَلِكَ الشَّالِ الْأَحْمَرِ!»
سَأَلَ سيباستيان وَهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى هايدي: «هَلْ وَقَعْتِ فِي الْمَتَاعِبِ مُجَدَّدًا؟»
طَأْطَأَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ رَأْسَهَا، وَبَدَأَتِ الدُّمُوعُ تَتَرَقْرَقُ فِي عَيْنَيْهَا، فقَالَ الرَّجُلُ: «لَا، لَا. لَا تَسْمَحِي لَهَا بِأَنْ تَجْعَلَكِ تَعِيسَةً. أَنْتِ لَمْ تَبْكِي مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْأُسْبُوعِ الَّذِي قَضَيْتِهِ هُنَا. مُعْظَمُ الْفَتَيَاتِ فِي سِنِّكِ كُنَّ سَيَبْكِينَ عَشْرَاتِ الْمَرَّاتِ. فَلْنُعِدْ أَشْيَاءَكِ وَنَذْهَبْ لِرُؤْيَةِ الْقِطَطِ الصَّغِيرَةِ.»
أَوْمَأَتْ هايدي بِرَأْسِهَا، وَلَكِنَّ سيباستيان كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا فِي قَلْبِ الْفَتَاةِ يَنْكَسِرُ. كَانَ ذَلِكَ وَاضِحًا عَلَى الْعَشَاءِ عِنْدَمَا لَمْ تَأْكُلْ أَيَّ طَعَامٍ وَفِي حُزْنِهَا الظَّاهِرِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي عِنْدَمَا بَدَأَتْ دُرُوسَهَا.
لَمْ تَهْتَمَّ السَّيِّدَةُ روتينماير بِتَغَيُّرِ مِزَاجِ الْفَتَاةِ. كَانَتْ قَلِقَةً فَقَطْ مِنْ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ فِي مَلَابِسِهَا الرَّثَّةِ أَوْ أَنْ تَبْدَأَ فِي التَّصَرُّفِ بِجُنُونٍ. لَقَدْ كَانَتْ وَظِيفَتُهَا أَنْ تَهْتَمَّ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
تَحَدَّثَتِ السَّيِّدَةُ مَعَ الْمُعَلِّمِ بِشَأْنِ هايدي، وَأَكَّدَ لَهَا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ دَاعٍ لِلْقَلَقِ. كَانَتِ الْفَتَاةُ غَرِيبَةً بَعْضَ الشَّيْءِ وَلَكِنْ مَعَ الْوَقْتِ سَتَكُونُ بِخَيْرٍ. إِنَّهَا فَقَطْ بِحَاجَةٍ لِقَضَاءِ الْمَزِيدِ مِنَ الْوَقْتِ بِجَانِبِ الآنِسَةِ كلارا وَلِلْحُصُولِ عَلَى تَعْلِيمٍ لَائِقٍ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَظْهَرِهَا، فَقَدْ كَانَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير تَعْلَمُ أَنَّ مِنْ وَاجِبِهَا أَنْ تُنَظِّفَ الْفَتَاةَ قَلِيلًا. مَعَ وُصُولِ السَّيِّدِ سيسمان إِلَى الْمَنْزِلِ فِي خِلَالِ يَوْمٍ أَوِ اثْنَيْنِ، سَيَتَوَقَّعُ أَنْ يَرَى الزَّائِرَةَ تَتَلَقَّى رِعَايَةً حَسَنَةً. وَالْمَلَابِسُ الْبَالِيَةُ الَّتِي تَرْتَدِيهَا بِبَسَاطَةٍ لَنْ تَنْفَعَ. كَانَتْ هايدي أَصْغَرَ مِنْ كلارا بِمَقَاسٍ أَوِ اثْنَيْنِ فَقَطْ. وَسَتُصْلِحُ السَّيِّدَةُ روتينماير بَعْضَ الْأَثْوَابِ الْفَاخِرَةِ الْخَاصَّةِ بِالْفَتَاةِ الْأَكْبَرِ سِنًّا لِتُنَاسِبَ هايدي. عِنْدَئِذٍ يُمْكِنُ إِلْقَاءُ الْفَسَاتِينِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا.
عِنْدَمَا سَمِعَتْ هايدي هَذِهِ الْخُطَطَ، بَدَأَ الْأَمَلُ فِي رَحِيلِهَا عَمَّا قَرِيبٍ يَتَلَاشَى، فَأَلْقَتْ بِنَفْسِهَا عَلَى أَرِيكَةِ كلارا وَانْخَرَطَتْ فِي الْبُكَاءِ. بَكَتْ حَتَّى جَفَّتْ دُمُوعُهَا. رُبَّمَا تَتَحَسَّنُ الْأَوْضَاعُ عِنْدَمَا يَصِلُ السَّيِّدُ سيسمان فِي الصَّبَاحِ. رُبَّمَا سَيَتَفَهَّمُ سَبَبَ رَغْبَتِهَا فِي الْعَوْدَةِ إِلَى الْمَنْزِلِ.
الفصل العاشر
جَدَّةٌ أُخْرَى


سَبَّبَ خَبَرُ عَوْدَةِ السَّيِّدِ سيسمان الْمُنْتَظَرَةِ اضْطِرَابًا فِي الْمَنْزِلِ. كَانَتْ كلارا بِالطَّبْعِ أَكْثَرَ حَمَاسَةً مِنْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ مُدَّةَ بَقَائِهِ سَتَكُونُ بِضْعَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ، فَقَدْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ وَالِدَهَا سَيَقْضِي كُلَّ دَقِيقَةٍ إِضَافِيَّةٍ لَدَيْهِ مَعَهَا. كَانَتْ مُتَشَوِّقَةً لِأَنْ يُقَابِلَ هايدي. وَكَانَتْ تَعْلَمُ أنَّهُ سَيَسْتَمْتِعُ بِشَخْصِيَّةِ الْفَتَاةِ مِثْلَهَا تَمَامًا.
كَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ فَعَلَهُ السَّيِّدُ سيسمان عِنْدَ وُصُولِهِ لِلْمَنْزِلِ هُوَ الْبَحْثُ عَنِ ابْنَتِهِ كلارا، وَكَانَتْ هِيَ وَهايدي فِي الْمَكْتَبِ. سَلَّمَ الْأَبُ عَلَى ابْنَتِهِ بِالْأَحْضَانِ وَالْقُبُلَاتِ. فَقَدْ كَانَ الِاثْنَانِ شَدِيدَيِ الِارْتِبَاطِ بَعْضِهِمَا بِبَعْضِ، ثُمَّ مَدَّ السَّيِّدُ سيسمان يَدَهُ إِلَى هايدي: «وَهِذِهِ هِيَ فَتَاتُنَا السِّوِيسْرِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. تَعَالَيْ وَصَافِحِينِي!»
أَعْطَتْهُ هايدي يَدَهَا وَابْتَسَمَتْ.
– «وَالْآنَ أَخْبِرِينِي، هَلْ أَنْتِ وَكلارا صَدِيقَتَانِ حَمِيمَتَانِ؟ أَمْ تَغْضَبَانِ وَتَبْكِيَانِ ثُمَّ تَتَصَالَحَانِ وَتَتَشَاجَرَانِ ثَانِيَةً فِي الْيَوْمِ التَّالِي؟»
أَجَابَتْ هايدي: «أُوه، لَا. كلارا طَيِّبَةٌ مَعِي دَائِمًا.»
قَالَتْ كلارا بِسُرْعَةٍ: «وَهايدي لَا تُحَاوِلُ الْمُجَادَلَةَ أَبَدًا.»
قَالَ السَّيِّدُ سيسمان وَهُوَ يَنْهَضُ مِنْ كُرْسِيِّهِ: «أَنَا سَعِيدٌ لِسَمَاعِ ذَلِك. أُرِيدُ غَدَائِيَ الْآنَ، فَأَنَا لَمْ آكُلْ طَوَالَ الْيَوْمِ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمَا بَعْدَهُ مُبَاشَرَةً! ورُبَّمَا أَمْنَحُكُمَا بَعْضَ الْهَدَايَا!»
•••

أُعْجِبَ السَّيِّد سيسمان بِهايدي جِدًّا، عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي وَصَفَتْ بِهَا السَّيِّدَةُ روتينماير الْأَيَّامَ الْعَدِيدَةَ السَّابِقَةَ. بَلْ إِنَّهُ أَخْبَرَ السَّيِّدَةَ أَنَّهُ يَنْوِي أَنْ يُبْقِيَ هايدي فِي الْجِوَارِ، فَلَدَيْهَا شَخْصِيَّةٌ مُبْهِجَةٌ وَهِيَ صَدِيقَةٌ رَائِعَةٌ لِابْنَتِهِ كلارا. كَمَا طَلَبَ مِنَ السَّيِّدَةِ روتينماير أَنْ تُعَامِلَ الطِّفْلَةَ بِلُطْفٍ وَأَلَّا تُعَاقِبَهَا عَلَى الْأَشْيَاءِ السَّخِيفَةِ الَّتِي تَحْدُثُ وَهِيَ فِي الْجِوَارِ. فَإِذَا وَجَدَتِ السَّيِّدَةُ صُعُوبَةً شَدِيدَةً فِي التَّعَامُلِ مَعَ هايدي، فَسَيُوَظِّفُ السَّيِّدُ سيسمان شَخْصًا آخَرَ لِمُسَاعَدَتِهَا. فِي الْوَاقِعِ، إِنَّ جَدَّةَ كلارا سَتَصِلُ فِي خِلَالِ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ لِقَضَاءِ إِجَازَةٍ طَوِيلَةٍ لَطِيفَةٍ. وَكَانَ مُتَأَكِّدًا أَنَّهَا سَتَكُونُ ذَاتَ نَفْعٍ هَائِلٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّعَامُلِ مَعَ الْفَتَاتَيْنِ.
بَقِيَ السَّيِّدُ سيسمان فِي الْمَنْزِلِ لِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَوَجَّبَ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إِلَى باريس. كَانَتْ كلارا حَزِينَةً، وَلَكِنْ مُتَحَمِّسَةً لِوُصُولِ الْجَدَّةِ. وَتَحَدَّثَتْ عَنْ جَدَّتِهَا كَثِيرًا حَتَّى نَادَتْهَا هايدي سَرِيعًا بِجَدَّتِي. وَقَدْ رَسَمَ هَذَا نَظْرَةً غَاضِبَةً عَلَى وَجْهِ السَّيِّدَةِ روتينماير.
– «يَجِبُ أَلَّا تُنَادِيهَا بِجَدَّتِي، هَلْ تَسْمَعِينَنِي؟ يَجِبُ أَنْ تُنَادِيهَا دَائِمًا بِسَيِّدَتِي.»
تَعَوَّدَتْ هايدي عَلَى نَظَرَاتِ السَّيِّدَةِ الْبَغِيضَةِ حَتَّى إِنَّهَا أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَقَطْ وَمَشَتْ. لَمْ يَعُدْ تَوْبِيخُ السَّيِّدَةِ روتينماير يُزْعِجُهَا.
بِحُلُولِ صَبَاحِ يَوْمِ وُصُولِ الْجَدَّةِ، كَانَتْ هايدي مُتَحَمِّسَةً لِوُصُولِهَا مِثْلُهَا مِثْلُ كلارا. وَصَرَخَتِ الْفَتَاتَانِ وَضَحِكَتَا عِنْدَمَا وَصَلَتِ الْعَرَبَةُ. دَفَعَ سيباستيان مَقْعَدَ كلارا الْمُتَحَرِّكَ إِلَى الْخَارِجِ لِتُقَابِلَ الْجَدَّةَ. وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، انْتَظَرَتْ هايدي حَتَّى تُسْتَدْعَى لِلنُّزُولِ مِنْ غُرْفَتِهَا. لَمْ تُضْطَرَّ لِلِانْتِظَارِ طَوِيلًا إِذْ سُرْعَانَ مَا أَطَلَّتْ تينيت بِرَأْسِهَا وَأَخْبَرَتْهَا أَنْ تَنْزِلَ إِلَى غُرْفَةِ الْمَكْتَبِ.
أَثْنَاءَ دُخُولِهَا إِلَى الْغُرْفَةِ، سَمِعَتْ هايدي صَوْتًا طَيِّبًا يَقُولُ: «هَا قَدْ جَاءَتِ الطِّفْلَةُ! تَعَالَيْ إِلَى هُنَا وَدَعِينِي أَنْظُرْ لَكِ!»
سَارَتْ هايدي إِلَى السَّيِّدَةِ وَقَالَتْ فِي صَوْتٍ عَذْبٍ: «مَسَاءُ الْخَيْرِ يَا سَيِّدَتِي السَّيِّدَةُ.»
قَالَتِ الْجَدَّةُ وَهِيَ تَضْحَكُ: «حَسَنًا! هَلْ هَذِهِ هِيَ طَرِيقَةُ كَلَامِهِمْ فِي الْجَبَلِ؟»
أَجَابَتْ هايدي: «لَا، لَقَدِ اعْتَقَدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ اسْمُكِ.»
– «لَا بَأْسَ يَا صَغِيرَتِي اللَّطِيفَةَ. عِنْدَمَا أَكُونُ مَعَ الْأَطْفَالِ، أَنَا دَائِمًا «جَدَّتِي». لَنْ تَنْسَيْ هَذَا الِاسْمَ، أَلَيْسَ كَذَلِك؟»
أَجَابَتْ هايدي: «أُوه، نَعَمْ، لَنْ أَنْسَاهُ.»
سَأَلَتِ الْجَدَّةُ: «وَمَا اسْمُكِ؟»
– «أَنَا دَائِمًا أُدْعَى بِهايدي، وَلَكِنْ هُنَا يَجِبُ أَنْ أُدْعَى أديلهايد.»
قَالَتِ الْجَدَّةُ: «إِذَا كُنْتِ دَائِمًا هايدي، إِذَنْ سَيَكُونُ اسْمُكِ هايدي.» أَزْعَجَ ذَلِك السَّيِّدَةَ روتينماير الَّتِي كَانَتْ قَدْ دَخَلَتِ الْغُرْفَةَ لِتَوِّهَا.
لِبَقِيَّةِ الْأُمْسِيَةِ، اهْتَمَّتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ بِالْفَتَاتَيْنِ اهْتِمَامًا شَدِيدًا. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، بَيْنَمَا كَانَتْ كلارا تَأْخُذُ اسْتِرَاحَةَ بَعْدِ الظُّهْرِ، أَمْضَتِ الْجَدَّةُ بَعْضَ الْوَقْتِ تَتَحَدَّثُ إِلَى هايدي. لَقَدْ أَخْبَرَتْهَا السَّيِّدَةُ روتينماير أَنَّ هايدي لَا يُمْكِنُهَا التَّعَلُّمُ مِثْلَ الْأَطْفَالِ الطَّبِيعِيِّينَ، حَتَّى إِنَّ الْمُعَلِّمَ فَشِلَ فِي تَعْلِيمِهَا الْحُرُوفَ الْأَبْجَدِيَّةَ.
قَالَتِ السَّيِّدَةُ لِهايدي: «انْظُرِي إِلَى هَذِهِ الْكُتُبِ.» وَأَعْطَتِ الْفَتَاةَ كَوْمَةً صَغِيرَةً مِنَ الْكُتُبِ الْمُلَوَّنَةِ.
فِي الْبِدَايَةِ، ابْتَسَمَتْ هايدي بِفَرَحٍ. وَلَكِنْ بَعْدَ ذَلِك فَتَحَتِ الْكِتَابَ الثَّانِي وَأَطْلَقَتْ صَرْخَةً. حَدَّقَتْ فِيهِ لِلَحْظَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ بَدَأَتِ الدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهَا. وَفِي النِّهَايَةِ انْفَجَرَتْ فِي الْبُكَاءِ.
نَظَرَتِ الْجَدَّةُ إِلَى الصُّورَةِ بِعِنَايَةٍ. كَانَتْ عِبَارَةً عَنْ مَرْعًى أَخْضَرَ مَمْلُوءٍ بِالْحَيَوَانَاتِ الصَّغِيرَةِ، بَعْضُهَا يَرْعَى وَالْبَعْضُ الْآخَرُ يَقْضِمُ مِنَ الشُّجَيْرَاتِ. وَفِي الْمُنْتَصَفِ كَانَ رَاعٍ يَنْظُرُ إِلَى قَطِيعِهِ السَّعِيدِ.
قَالَتْ: «لَا تَبْكِي يَا صَغِيرَتِي الْعَزِيزَةَ. سَأَقْرَأُ لَكِ الْقِصَّةَ لَاحِقًا. إِنَّهَا قِصَّةٌ مُبْهِجَةٌ حَقًّا. وَلَيْسَ بِهَا حُزْنٌ إِطْلَاقًا.»
مَرَّ بَعْضُ الْوَقْتِ حَتَّى تَمَكَّنَتْ هايدي مِنَ التَّحَكُّمِ فِي بُكَائِهَا. وَقَرَّرَتِ الْجَدَّةُ أَنْ تُغَيِّرَ مَوْضُوعَ حَدِيثِهِمَا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ صُورَةِ الْكِتَابِ.
– «كَيْفَ حَالُ دُرُوسِكِ يَا هايدي؟ هَلْ تَعَلَّمْتِ الْكَثِيرَ؟»
أَجَابَتْ هايدي: «مِنَ الْمُسْتَحِيلِ أَنْ أَتَعَلَّمَ شَيْئًا.»
سَأَلَتِ السَّيِّدَةُ: «لِمَاذَا؟»
أَجَابَتْ هايدي: «لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ صَعْبَةٌ جِدًّا عَلَيَّ.»
سَأَلَتِ السَّيِّدَةُ فِي دَهْشَةٍ: «مَنْ قَالَ لَكِ ذَلِك؟»
– «بيتر قَالَ لِي ذَلِك، وَهُوَ يَعْرِفُ بِالتَّأْكِيدِ. لَقَدْ حَاوَلَ وَحَاوَلَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّعَلُّمِ.»
– «أُوه يَا هايدي، يَجِبُ أَلَّا تُسَلِّمِي بِمَا يَقُولُهُ بيتر. يَجِبُ أَنْ تُقَرِّرِي بِنَفْسِكِ. أَنَا مُتَأَكِّدَةٌ أَنَّكِ سَتَنْجَحِينَ إِذَا حَاوَلْتِ بِأَفْضَلِ مَا يُمْكِنُكِ.»
هَزَّتْ هايدي رَأْسَهَا.
أَكْمَلَتِ الْجَدَّةُ: «اسْتَمِعِي لِمَا أَقُولُهُ. أَنْتِ لَمْ تَتَمَكَّنِي مِنْ تَعَلُّمِ الْحُرُوفِ الْأَبْجَدِيَّةِ لِأَنَّكِ صَدَّقْتِ مَا قَالَهُ بيتر. وَلَكِنِ الْآنَ يَجِبُ أَنْ تُصَدِّقِي مَا أَقُولُهُ. يُمْكِنُكِ تَعَلُّمُ الْقِرَاءَةِ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ جِدًّا. وَاسْتَمِعِي إِلَى هَذَا، هَلْ تَرَيْنَ صُورَةَ الرَّاعِي وَالْحَيَوَانَاتِ؟ سَتَحْصُلِينَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ لِنَفْسِكِ عِنْدَمَا تَسْتَطِيعِينَ قِرَاءَتَهُ. عِنْدَئِذٍ سَتَعْرِفِينَ الْقِصَّةَ وَسَتَرَيْنَ كَمْ هِيَ سَعِيدَةٌ. يُعْجِبُكِ هَذَا، أَلَيْسَ كَذَلِك؟»
اسْتَمَعَتْ هايدي بِحَمَاسٍ إِلَى كَلِمَاتِ الْجَدَّةِ. «أُوه، لَيْتَنِي أَسْتَطِيعُ الْقِرَاءَةَ الْآنَ!»
أَجَابَتِ الْجَدَّةُ: «لَنْ يَسْتَغْرِقَ التَّعَلُّمُ وَقْتًا طَوِيلًا، سَنَعْمَلُ مَعًا.»
بَعْدَ بِضْعَةِ أَسَابِيعَ جَاءَ الْمُعَلِّمُ إِلَى الْجَدَّةِ بِتَقْرِيرٍ جَيِّدٍ. قَالَ: «إِنَّهَا مُعْجِزَةٌ حَقًّا! هَذَا أَكْثَرُ مِمَّا تَمَنَّيْتُ. لَقَدْ تَعَلَّمَتِ الْآنِسَةُ الصَّغِيرَةُ الْقِرَاءَةَ!»
بَعْدَ مُغَادَرَةِ الْمُعَلِّمِ، ذَهَبَتِ الْجَدَّةُ لِتَبْحَثَ عَنْ هايدي. وَبِالتَّأْكِيدِ كَانَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ تَجْلِسُ بِجَانِبِ كلارا وَتَقْرَأُ لَهَا. وَفِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ، وَجَدَتْ هايدي الْكِتَابَ الْكَبِيرَ ذَا الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ عَلَى طَبَقِهَا فِي الْغَدَاءِ. عِنْدَمَا نَظَرَتْ إِلَى الْجَدَّةِ، قَالَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ: «نَعَمْ، إِنَّهُ لَكِ الْآنَ.»
سَأَلَتْ هايدي وَوَجْهُهَا يَحْمَرُّ فَرَحًا: «لِي لِكَيْ أَحْتَفِظَ بِهِ، حَتَّى عِنْدَمَا أَذْهَبُ إِلَى الْمَنْزِلِ؟»
قَالَتِ الْجَدَّةُ: «نَعَمْ، بِالطَّبْعِ. إِنَّهُ مِلْكُكِ لِلْأَبَدِ. غَدًا سَنَبْدَأُ فِي قِرَاءَتِهِ.»
•••

بَدَأَتْ دُرُوسُ هايدي تَتَحَسَّنُ، وَلَكِنْ كَانَ ذَلِك هُوَ التَّغْيِيرُ الْجَيِّدُ الْوَحِيدُ فِي الْفَتَاةِ الصَّغِيرَةِ. مُنْذُ أَنْ قَالَتْ لَهَا السَّيِّدَةُ روتينماير إِنَّهَا بَغِيضَةٌ لِأَنَّهَا تُرِيدُ الرَّحِيلَ، فَقَدَتْ هايدي حَيَوِيَّتَهَا. فَهِمَتْ أَخِيرًا أَنَّهَا لَنْ تَعُودَ إِلَى مَنْزِلِهَا فِي وَقْتٍ قَرِيبٍ، بَلْ إِنَّهَا رُبَّمَا لَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ أَبَدًا. وَلَكِنَّ مُشَارَكَةَ حُزْنِهَا مَعَ كلارا وَالْجَدَّةِ سَيَبْدُو نُكْرَانًا لِلْجَمِيلِ. وَهَكَذَا زَادَ شُعُورُهَا بِالْحُزْنِ حَتَّى أَثْقَلَ قَلْبَهَا الصَّغِيرَ فَأَصْبَحَتْ لَا تَسْتَطِيعُ الْأَكْلَ. كَانَتْ تَسْتَلْقِي مُسْتَيْقِظَةً فِي اللَّيْلِ لِسَاعَاتٍ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ تُصْبِحَ وَحْدَهَا، كَانَتْ صُورَةُ الْجَبَلِ بِزُهُورِهِ وَشَمْسِهِ الْمُشْرِقَةِ تَتَرَاءَى أَمَامَ عَيْنَيْهَا. وَعِنْدَمَا تَسْتَيْقِظُ فِي الصَّبَاحِ، كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّهَا قَدْ عَادَتْ إِلَى مَنْزِلِ جَدِّهَا وَمُسْتَعِدَّةٌ لِتَحِيَّةِ الْمَعْزِ فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ. أَقْلَقَتْ نَظَرَاتُهَا الْحَزِينَةُ الْجَدَّةَ.
قَالَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ: «أَخْبِرِينِي يَا هايدي، مَا الْأَمْرُ؟ هَلْ أَنْتِ وَاقِعَةٌ فِي مُشْكِلَةٍ؟»
كَانَتْ هايدي تَخْشَى أَنْ تُسِيءَ السَّيِّدَةُ الظَّنَّ بِهَا إِذَا أَخْبَرَتْهَا بِالْحَقِيقَةِ. وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تَكْرَهَهَا السَّيِّدَةُ؛ لِذَا قَالَتْ بِبَسَاطَةٍ: «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُخْبِرَكِ.»
– «إِذَنْ لَا بُدَّ أَنْ تَتَحَدَّثِي إِلَى اللهِ عَنِ الْأَمْرِ. إِذَا لَمْ تَسْتَطِيعِي إِخْبَارَ أَيِّ إِنْسَانٍ، فَأَخْبِرِي اللهَ بِمَشَاكِلِكِ. وَصَلِّي لَهُ لِكَيْ يُسَاعِدَكِ.»
أَجَابَتْ هايدي: «لَمْ أَعُدْ أُصَلِّي.»
– «لَا تَقُولِي لِي هَذَا يَا هايدي! لِمَاذَا تَوَقَّفْتِ عَنِ الصَّلَاةِ؟»
– «لَا فَائِدَةَ مِنْ ذَلِك! اللهُ لَا يَسْمَعُ. لَقَدْ صَلَّيْتُ مِنْ أَجْلِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ لِأَسَابِيعَ وَلَمْ يَفْعَلِ اللهُ مَا طَلَبْتُهُ.» ثُمَّ نَكَّسَتِ الْفَتَاةُ رَأْسَهَا.
– «أَنْتِ مُخْطِئَةٌ يَا هايدي. يَجِبُ أَلَّا تُفَكِّرِي فِيهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. اللهُ كَرِيمٌ مَعَنَا جَمِيعًا. إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا نَحْتَاجُهُ أَكْثَرَ مِنَّا. وَمُجَرَّدُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْأَفْضَلِ أَلَّا يُعْطِيَكِ مَا تُرِيدِينَهُ الْآنَ لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَكِ. سَتَحْصُلِينَ عَلَى مَا تَطْلُبِينَ وَلَكِنْ لَيْسَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ.»
قَالَتْ هايدي: «سَأَذْهَبُ الْآنَ وَأَطْلُبُ مِنَ اللهِ أَنْ يُسَامِحَنِي.»
– «اذْهَبِي يَا صَغِيرَةُ. سَيُسَاعِدُكِ وَيُعْطِيكِ كُلَّ مَا سَيَجْعَلُكِ سَعِيدَةً مَرَّةً أُخْرَى.»
رَكَضَتْ هايدي مِنْ غُرْفَةِ الْجَدَّةِ إِلَى غُرْفَتِهَا. وَجَلَسَتْ عَلَى مَقْعَدٍ صَغِيرٍ، وَضَمَّتْ يَدَيْهَا مَعًا ثُمَّ أَخْبَرَتِ اللهَ بِكُلِّ مَا يَجْلِبُ لَهَا الْحُزْنَ. تَوَسَّلَتْ لَهُ أَنْ يُسَاعِدَهَا وَيُرْجِعَهَا إِلَى جَدِّهَا. لَمْ تَكُنْ تَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُمْكِنُهَا التَّحَمُّلُ أَكْثَرَ. كَانَتْ تَفْتَقِدُ الْمَنْزِلَ بِشِدَّةٍ.
الفصل الحادي عشر
شَبَحٌ فِي الْمَنْزِلِ


أَخِيرًا جَاءَ يَوْمُ رَحِيلِ الْجَدَّةِ. كَانَ هذا وَقْتًا حَزِينًا بِالنِّسْبَةِ لِكلارا وَهايدي. مَضَتِ الْأَسَابِيعُ وَكَانَتِ الْبَهْجَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَعْرِفُهَا هايدي هِيَ الْكِتَابُ الَّذِي كَانَتْ تَقْرَأُهُ فِي غُرْفَتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. بَدَا أَنَّ آمَالَهَا فِي رُؤْيَةِ جَدِّهَا وَبَقِيَّةِ الْجَبَلِ قَدْ بَدَأَتْ تَتَبَدَّدُ قَلِيلًا كُلَّ يَوْمٍ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَ شَيءٌ غَرِيبٌ وَغَامِضٌ يَحْدُثُ فِي مَنْزِلِ آلِ سيسمان. كُلَّ صَبَاحٍ عِنْدَمَا يَنْزِلُ الْخَدَمُ كَانَوا يَجِدُونَ الْبَابَ الْأَمَامِيَّ مَفْتُوحًا عَلَى مِصْرَاعَيْهِ. لَمْ يَكُنْ أَيُّ أَحَدٍ فِي الْمَنْزِلِ يَعْلَمُ السَّبَبَ. فِي الْبِدَايَةِ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِصٌّ يَتَسَلَّلُ إِلَى الدَّاخِلِ وَلَكِنْ لَمْ يُفْقَدْ أَيُّ شَيْءٍ. كَانَ الْخَدَمُ يَتَأَكَّدُونَ مِنْ إِغْلَاقِ الْبَابِ مَرَّتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ. حَتَّى إِنَّ سيباستيان كَانَ يَضَعُ قَضِيبًا خَشَبِيًّا عَلَيْهِ لِمَزِيدٍ مِنَ التَّأْمِينِ، لَكِنْ ذَلِكَ لَمْ يُفْلِحْ أَيْضًا. وَفِي الصَّبَاحِ التَّالِي، يَكُونُ الْبَابُ مَفْتُوحًا كَالْعَادَةِ.
تَبَادَلَ الْخَدَمُ الْأَدْوَارَ لِحَلِّ اللُّغْزِ. لَكِنْ بَدَأَ الْكِبَارُ — وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ — يَفْقِدُونَ الْأَمَلَ وَالشَّجَاعَةَ. هَلْ كَانَ ثَمَّةَ غُرَبَاءُ يُحَاوِلُونَ التَّسَلُّلَ فِي اللَّيْلِ؟ هَلْ كَانَ ثَمَّةَ أَشْبَاحٌ أَوْ أَرْوَاحٌ أُخْرَى تَجُوبُ الْمَنْزِلَ؟ فِي النِّهَايَةِ، لَمْ تَعُدِ السَّيِّدَةُ روتينماير تَتَحَمَّلُ أَكْثَرَ وَقَرَّرَتْ أَنْ تَكْتُبَ خِطَابًا لِلسَّيِّدِ سيسمان. كَانَ الْخِطَابُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْأَشْيَاءِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْمَنْزِلِ وَيَشْرَحُ كَيْفَ أَنَّهَا هِيَ وَالْآخَرِينَ خَائِفُونَ. كَمَا قَالَتْ لَهُ إِنَّ كلارا كَانَتْ مُنْزَعِجَةً جِدًّا بِسَبَبِ الشَّبَحِ. وَلَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ كَانَتْ كلارا وَهايدي تَجِدَانِ قِصَّةَ الشَّبَحِ سَخِيفَةً جِدًّا.
نَجَحَ الْخِطَابُ فِي مهِمَّتِهِ، وَحَضَرَ السَّيِّدُ سيسمان إِلَى الْمَنْزِلِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. وَتَحَدَّثَ إِلَى الْفَتَاتَيْنِ وَإِلَى كُلِّ الْخَدَمِ فِي الْمَنْزِلِ. بَعْدَ ذَلِكَ، اتَّصَلَ بِصَدِيقِهِ الطَّبِيبِ.
قَالَ لِلرَّجُلِ عِنْدَمَا حَضَرَ: «لَا يُوجَدُ أَحَدٌ مَرِيضٌ بِالْمَنْزِلِ، هُنَاكَ مَا هُوَ أَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ يَا صَدِيقِي، لَدَيْنَا شَبَحٌ!»
ضَحِكَ الطَّبِيبُ بِصَوْتٍ عَالٍ.
أَكْمَلَ السَّيِّدُ سيسمان: «أَرَى أَنَّكَ تَشْعُرُ بِالسُّوءِ مِنْ أَجْلِنَا.»
– «حَقًّا يَا سيسمان، شَبَحٌ؟»
– «أَعْلَمُ، أَعْلَمُ. أَنَا نَفْسِي أَشُكُّ فِي هَذَا.» وَأَخْبَرَهُ السَّيِّدُ سيسمان أَنَّ الْبَابَ الْأَمَامِيَّ كَانَ يُفْتَحُ كُلَّ لَيْلَةٍ. فَإِمَّا أَنَّ أَحَدًا مَا يَقُومُ بِدُعَابَةٍ عَلَى الْخَدَمِ أَوْ أَنَّ هُنَاكَ لِصًّا حَقًّا.
وَأَخِيرًا وَافَقَ الطَّبِيبُ عَلَى الْمُسَاعَدَةِ. وَبِالْقُرْبِ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ جَلَسَ الرَّجُلَانِ فِي مَقْعَدَيْنِ وَثِيرَيْنِ وَبَدَآ فِي التَّحَدُّثِ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. وَضَحِكَا عَلَى الْحَدِيثِ عَنِ الشَّبَحِ وَثَرْثَرَا بِسَعَادَةٍ عَنِ الْأَيَّامِ الْخَوَالِي.
فَجْأَةً رَفَعَ الطَّبِيبُ إِصْبَعَهُ.
– «صَهٍ! سيسمان، هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟»
أَنْصَتَ الِاثْنَانِ. كَانَا مُتَأَكِّدَيْنِ أَنَّهُمَا سَمِعَا شَخْصًا مَا يُنْزِلُ الْقَضِيبَ الْخَشَبِيَّ مِنْ عَلَى الْبَابِ وَيَضَعُ الْمِفْتَاحَ فِي الْقُفْلِ. قَامَ السَّيِّدُ سيسمان بِبُطْءٍ.
صَاحَ الطَّبِيبُ وَهُوَ يَنْهَضُ: «مَنْ هُنَاكَ؟» وَتَقَدَّمَ الرَّجُلَانِ إِلَى الْأَمَامِ مُوَجِّهَيْنِ الْمِشْعَلَ صَوْبَهُ.
اسْتَدَارَ الْجَسَدُ الصَّغِيرُ الَّذِي رَأَيَاهُ وَأَطْلَقَ صَرْخَةً مُنْخَفِضَةً. هُنَاكَ كَانَتْ هايدي تَقِفُ فِي ثَوْبِ نَوْمِهَا الْأَبْيَضِ. كَانَتْ قَدَمَاهَا حَافِيَتَيْنِ وَعَيْنَاهَا تَائِهَتَيْنِ. كَانَتْ تَرْتَجِفُ مِنْ رَأْسِهَا حَتَّى أَخْمَصِ قَدَمَيْهَا كَوَرَقَةٍ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ. نَظَرَ الرَّجُلَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا فِي دَهْشَةٍ.
سَأَلَ السَّيِّدُ سيسمان: «يَا صَغِيرَةُ، مَاذَا تَحْتَاجِينَ؟ لِمَاذَا نَزَلْتِ إِلَى هُنَا؟»
كَانَ وَجْهُ هايدي شَاحِبًا مِنَ الْخَوْفِ وَبِالْكَادِ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْطِقَ بِصَوتٍ مَسْمُوعٍ: «لَا أَعْلَمُ.»
تَقَدَّمَ الطَّبِيبُ مِنَ الطِّفْلَةِ قَائِلًا: «هَذِهِ الطِّفْلَةُ مَرِيضَةٌ يَا صَدِيقِي. دَعْنِي آخُذْهَا إِلَى غُرْفَتِهَا.»
وَبِهَذَا أَنْزَلَ مِشْعَلَهُ، وَأَخَذَ يَدَ الطِّفْلَةِ وَقَادَهَا إِلَى أَعْلَى. «لَا تَخَافِي. كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ. لِنَذْهَبْ فِي هُدُوءٍ.»
عِنْدَمَا وَصَلَ الطَّبِيبُ إِلَى غُرْفَةِ هايدي، أَخَذَ هايدي بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ وَوَضَعَهَا فِي الْفِرَاشِ. وَغَطَّاهَا بِرِفْقٍ ثُمَّ جَلَسَ بِجَانِبِهَا لِيَنْتَظِرَ حَتَّى تَتَوَقَّفَ عَنْ الِارْتِجَافِ. ثُمَّ أَخَذَ يَدَهَا وَقَالَ فِي صَوْتٍ هَادِئٍ مُطَمْئِنٍ، «اهْدَئِي، اهْدَئِي، الْآنَ تَشْعُرِينَ بِتَحَسُّنٍ. أَخْبِرِينِي إِلَى أَيْنَ كُنْتِ تُحَاوِلِينَ الذَّهَابَ.»
قَالَتْ هايدي: «لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ الذَّهَابَ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنِّي ذَهَبْتُ إِلَى الْأَسْفَلِ، وَلَكِنْ فَجْأَةً وَجَدْتُ نَفْسِي هُنَاكَ.»
– «فَهِمْتُ. وَهَلْ كُنْتِ تَحْلُمِينَ؟»
– «نَعَمْ. أَحْلُمُ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَدَائِمًا حَوْلَ نَفْسِ الْأَشْيَاءِ. أَعْتَقِدُ أَنِّي قَدْ عُدْتُ مَعَ جَدِّي. وَأَسْمَعُ الرِّيَاحَ تَمُرُّ بِأَشْجَارِ التَّنُّوبِ فِي الْخَارِجِ وَأَرَى النُّجُومَ تَبْرُقُ بَرِيقًا لَامِعًا، فَأَفْتَحُ الْبَابَ بِسُرْعَةٍ وَأَجْرِي خَارِجَةً. كُلُّ شَيْءٍ جَمِيلٌ جِدًّا! وَلَكِنْ عِنْدَمَا أَسْتَيْقِظُ، أَجِدُنِي مَا زِلْتُ فِي فرانكفورت.» جَاهَدَتْ هايدي لِكَيْ تَمْنَعَ الشَّهَقَاتِ الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهَا تَخْنُقُهَا.
سَأَلَ الطَّبِيبُ: «هَلْ لَدَيْكِ أَلَمٌ فِي رَأْسِكِ أَوْ ظَهْرِكِ؟»
– «لَا، فَقَطِ أشعر وَكَأَنَّ هُنَاكَ صَخْرَةً كَبِيرَةً تَجْثِمُ فَوْقِي.»
عَبَسَ الطَّبِيبُ: «كَأَنَّكِ أَكَلْتِ شَيْئًا وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى مَعِدَتِكِ؟»
أَجَابَتْ هايدي: «لَا، لَيْسَ كَذَلِكَ. كَأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَبْكِيَ بِشِدَّةٍ.»
قَالَ الطَّبِيبُ: «أَفْهَمُ ذَلِك. هَلْ تَبْكِينَ كَثِيرًا؟»
قَالَتْ هايدي: «أُوه، لَا. قَالَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير إِنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوحٍ لِي بِالْبُكَاءِ.»
سَأَلَ الطَّبِيبُ: «إِذَنْ أَنْتِ تَكْتُمِينَ الْبُكَاءَ بَدَلًا مِنَ التَّنْفِيسِ عَنْهُ؟»
– «أَجَلْ.»
– «وَأَيْنَ كُنْتِ تَعِيشِينَ مَعَ جَدِّكِ؟»
– «أَعْلَى فِي الْجَبَلِ.»
سَأَلَ الرَّجُلُ: «أكان هَذَا مُمِلًّا وَمُضْجِرًا؟»
– «أُوه، لَا. لَقَدْ كَانَ جَمِيلًا.» لَمْ تَتَمَكَّنْ هايدي مِنَ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ. بَدَأَتِ الدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهَا بِسُرْعَةٍ وَانْخَرَطَتْ فِي نَوْبَةِ بُكَاءٍ عَنِيفَةٍ.
وَقَفَ الطَّبِيبُ وَأَرَاحَ رَأْسَهَا عَلَى الْوِسَادَةِ: «حَسَنًا، حَسَنًا. اسْتَمِرِّي فِي الْبُكَاءِ. سَيُفِيدُكِ، بَعْدَ ذَلِك نَامِي. سَيَكُونُ كُلُّ شَيْءٍ أَفْضَلَ غَدًا.»
تَرَكَ الْغُرْفَةَ وَنَزَلَ لِلْأَسْفَلِ إِلَى السَّيِّدِ سيسمان.
– «صَغِيرَتُكَ تَمْشِي وَهِيَ نَائِمَةٌ. هِيَ الشَّبَحُ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ الْأَمَامِيَّ وَأَرْعَبَ الْجَمِيعَ فِي مَنْزِلِكَ. الطِّفْلَةُ تَحِنُّ إِلَى مَنْزِلِهَا. يَجِبُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا فِي الْحَالِ. هُنَاكَ عِلَاجٌ وَاحِدٌ لِذَلِكَ. يَجِبُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْجَبَلِ. يَجِبُ أَنْ تَرْحَلَ الْفَتَاةُ مِنْ هُنَا غَدًا.»
وَقَفَ السَّيِّدُ سيسمان وَمَشَى عَبْرَ الْغُرْفَةِ ذَهَابًا وَإِيَابًا.
ثم هَتَفَ: «مَاذَا! الطِّفْلَةُ تَمْشِي وَهِيَ نَائِمَةٌ وَمَرِيضَةٌ؟ كُلُّ هَذَا حَدَثَ فِي مَنْزِلِي وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ؟ هَلْ تَعْنِي يَا دكتور أَنَّ الْفَتَاةَ جَاءَتْ إِلَى هُنَا سَعِيدَةً وَبِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ وَسَأُعِيدُهَا إِلَى جَدِّهَا فَتَاةً صَغِيرَةً بَائِسَةً وَمَرِيضَةً؟ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ! اجْعَلِ الْفَتَاةَ تَتَحَسَّنُ وَعِنْدَئِذٍ نُعِيدُهَا.»
رَدَّ الطَّبِيبُ: «سيسمان، فَكِّرْ فِيمَا تَقُولُهُ. لَا يُمْكِنُكَ مُعَالَجَةُ الْفَتَاةِ بِالدَّوَاءِ. هَذِهِ الطِّفْلَةُ قَوِيَّةٌ. فَلْو أَعَدْتَهَا فَوْرًا، يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَسَّنَ فِي هَوَاءِ الْجَبَلِ الْمُنْعِشِ، وَلَكِنْ إِنِ انْتَظَرْتَ، يُمْكِنُ أَلَّا تَتَحَسَّنَ أَبَدًا.»
وَقَفَ السَّيِّدُ سيسمان بِلَا حِرَاكٍ. كَلِمَاتُ الطَّبِيبِ كَانَتْ صَادِمَةً بَالنِّسْبَةِ لَهُ.
– «إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ يَا دكتور، إِذَنْ لَا يُوجَدُ سِوَى خِيَارٍ وَاحِدٍ. سَتَرْحَلُ الْفَتَاةُ غَدًا.» فَكَّرَ السَّيِّدُ سيسمان وَالطَّبِيبُ لِفَتْرَةٍ فِي مَا سَوْفَ يَفْعَلَانِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَرَحَلَ الطَّبِيبُ بَيْنَمَا كَانَ نُورُ الصَّبَاحِ يَتَسَلَّلُ إِلَى دَاخِلِ الْمَنْزِلِ. كَانَتْ خُطَطُ رِحْلَةِ عَوْدَةِ هايدي إِلَى وَطَنِهَا قَدْ وُضِعَتْ بِالْفِعْلِ.
الفصل الثاني عشر
الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَنْزِلِ


جَابَ السَّيِّدُ سيسمان أَرْجَاءِ الْمَنْزِلِ فِي سُرْعَةٍ؛ فَطَرَقَ الْأَبْوَابَ وَاسْتَدْعَى الْخَدَمَ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِهَا السَّاعَةَ الرَّابِعَةَ صَبَاحًا، كَانَ مِنَ السَّهْلِ فَهْمُ أَنَّهُ يُرِيدُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَنْزِلِ أَنْ يَسْتَيْقِظُوا.
اسْتَيْقَظَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير مِنْ نَوْمِهَا بِصَرْخَةِ خَوْفٍ. سَمِعَتِ السَّيِّدَ يُنَادِيهَا مُطَالِبًا إِيَّاهَا بِأَنْ تَرْتَدِيَ مَلَابِسَهَا وَتُلَاقِيَهُ فِي غُرْفَةِ الطَّعَامِ. اعْتَقَدَتْ أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّبَحِ الَّذِي كَانُوا جَمِيعًا قَلِقِينَ مِنْهُ. وَلَمْ تَكْتَشِفِ السَّيِّدَةُ السَّبَبَ وَرَاءَ هَذَا الِاجْتِمَاعِ إِلَّا بَعْدَ عِدَّةِ دَقَائِقَ.
قَالَ السَّيِّدُ سيسمان فِي مِزَاجٍ طَيِّبٍ: «نَحْنُ نُحَضِّرُ لِرِحْلَةٍ. جون، جَهِّزِ الْأَحْصِنَةَ وَالْعَرَبَةَ. تينيت، اذْهَبِي وَأَيْقِظِي هايدي وَأَلْبِسِيهَا مَلَابِسَهَا مِنْ أَجْلِ رِحْلَتِهَا. سيباستيان، أَسْرِعْ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي تَعْمَلُ فِيهِ ديتا وَأَحْضِرْهَا إِلَى هُنَا. سَيِّدَةُ روتينماير، أَحْضِرِي صُنْدُوقًا فَوْرًا، وَاحْزِمِي كُلَّ مَا يَخُصُّ الطِّفْلَةَ السِّوِيسْرِيَّةَ، وَأَضِيفِي بَعْضًا مِنْ أَغْرَاضِ كلارا أَيْضًا حَتَّى تَذْهَبَ الْفَتَاةُ إِلَى الْمَنْزِلِ بِمَلَابِسَ جَمِيلَةٍ. وَلَكِنِ افْعَلِي ذَلِك الْآنَ!»
وَقَفَتِ السَّيِّدَةُ روتينماير بِلَا حِرَاكٍ مُحَدِّقَةً إِلَى الْأَمَامِ. لَقَدْ تَوَقَّعَتْ قِصَّةً طَوِيلَةً عَنْ شَبَحٍ، كَانَتْ بِالتَّأْكِيدِ سَتَسْتَمْتِعُ بِهَا الْآنَ وَقَدْ جَاءَ الصَّبَاحُ. عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ، تَلَقَّتْ تِلْكَ التَّعْلِيمَاتِ الْغَرِيبَةَ. كَانَتْ لَا تَزَالُ شَارِدَةً عِنْدَمَا رَحَلَ السَّيِّدُ سيسمان لِيَرَى كلارا.
كَمَا تَوَقَّعَ، كَانَتِ الْفَتَاةُ الْمِسْكِينَةُ مُسْتَاءَةً جِدًّا مِنْ فِكْرَةِ رَحِيلِ صَدِيقَتِهَا. وَلَكِنْ وَهِيَ تَسْتَمِعُ إِلَى كَلِمَاتِ وَالِدِهَا، فَهِمَتْ كلارا أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا هُوَ فِي صَالِحِ هايدي.
– «مِنْ فَضْلِكَ يَا أَبِي، لَا تَتْرُكْهَا تَرْحَلُ حَتَّى أَحْزِمَ لَهَا بَعْضَ الْأَشْيَاءِ الْخَاصَّةِ فِي صُنْدُوقِهَا.»
ابْتَسَمَ وَالِدُ كلارا وَغَمَزَ لَهَا لِيُعْلِمَهَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ مِنْ ذَلِك. فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، جَاءَتْ ديتا وَأَخْبَرَهَا السَّيِّدُ سيسمان عَنْ هايدي. طَلَبَ مِنْ ديتا أَنْ تَأْخُذَ الْفَتَاةَ إِلَى جَدِّهَا. وَلَكِنَّ الشَّابَّةَ تَذَكَّرَتْ كَيْفَ أَلْقَاهَا الرَّجُلُ الْعَجُوزُ خَارِجَ مَنْزِلِهِ. لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ أَنْ تُوَاجِهَهُ مَرَّةً أُخْرَى! فَأَخْبَرَتِ السَّيِّدَ سيسمان أَنَّهَا مَشْغُولَةٌ جِدًّا فِي وَظِيفَتِهَا وَلَا تَسْتَطِيعُ الْمُغَادَرَةَ فِي الْوَقْتِ الْحَالِيِّ.
قَالَ السَّيِّدُ سيسمان إِنَّهُ يَتَفَهَّمُ. وَأَرْسَلَ ديتا فِي طَرِيقِهَا وَاسْتَدْعَى سيباستيان. هُوَ سَيُوَصِّلُ الْفَتَاةَ. أَعْطَاهُ السَّيِّدُ سيسمان رِسَالَةً إِلَى جَدِّ هايدي يَشْرَحُ فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَتْ هايدي تَقِفُ بِهُدُوءٍ عَلَى الْجَانِبِ. كَانَتْ تَرْتَدِي أَفْضَلَ مَلَابِسِهَا الْخَاصَّةِ بِيَوْمِ الْأَحَدِ وَتَنْتَظِرُ لِتَرَى مَاذَا يَحْدُثُ. كَانَتْ تينيت قَدْ أَيْقَظَتْهَا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَقُلْ لَهَا لِمَاذَا. عِنْدَمَا قَابَلَهَا السَّيِّدُ سيسمان عَلَى طَاوِلَةِ الْإِفْطَارِ، نَظَرَ إِلَى عَيْنَيْهَا بِحَمَاسٍ وَقَالَ: «مَا رَأْيُكِ فِي كُلِّ هَذَا يَا صَغِيرَتِي؟»
أَجَابَتْهُ هايدي بِنَظْرَةٍ حَائِرَةٍ.
ضَحِكَ السَّيِّدُ سيسمان وَقَالَ: «مَاذَا! أَنْتِ لَا تَعْلَمِينَ شَيْئًا عَنْهُ كَمَا أَرَى. أَنْتِ ذَاهِبَةٌ إِلَى مَنْزِلِكِ الْيَوْمَ. سَتَذْهَبِينَ فَوْرًا!»
هَمَسَتْ هايدي بِصَوْتٍ خَافِتٍ: «إِلَى الْمَنْزِلِ؟»
– «أَلَا تُرِيدِينَ مَعْرِفَةَ الْمَزِيدِ عَنْ ذَلِك؟»
هَتَفَتْ هايدي: «أُوه، بَلَى، بَلَى.» فِي الدَّقَائِقِ التَّالِيَةِ لَمْ تَكُنِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ تَعْلَمُ مَا إِذَا كَانَتْ مُسْتَيْقِظَةً أَمْ أَنَّهَا تَحْلُمُ. حَاوَلَتْ أَنْ تَسْتَمِعَ إِلَى السَّيِّدِ سيسمان وَلَكِنْ كُلُّ مَا كَانَتْ تَسْتَطِيعُ التَّفْكِيرَ فِيهِ هُوَ الْجَدَّةُ وَجَدُّهَا وَبيتر وَالْمَعْزُ وَالْجَبَلُ و…
طَلَبَتْ كلارا رُؤْيَةَ هايدي وَمَلَأَتْ صُنْدُوقَهَا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. كَانَ هُنَاكَ فَسَاتِينُ، وَمَآزِرُ، وَمَنَادِيلُ وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ.
وَأَضَافَتْ كلارا وَهِيَ تُمْسِكُ بِسَلَّةٍ: «وَانْظُرِي هُنَا.» نَظَرَتْ هايدي إِلَى دَاخِلِ السَّلَّةِ وَقَفَزَتْ مِنَ الْفَرْحَةِ. فِي الدَّاخِلِ كَانَ يُوجَدُ اثْنَا عَشَرَ رَغِيفًا مِنَ الْخُبْزِ الْأَبْيَضِ لِلْجَدَّةِ. وَفِي غَمْرَةِ السَّعَادَةِ نَسِيَتِ الْفَتَاتَانِ أنَّهُ حَانَ وَقْتُ فِرَاقِهِمَا. وَعِنْدَمَا صَاحَ أَحَدُهُمْ أَنَّ الْعَرَبَةَ جَاهِزَةٌ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ وَقْتٍ لِلْحُزْنِ.
رَكَضَتْ هايدي لِتُحْضِرَ كِتَابَهَا الْمُفَضَّلِ، الَّذِي أَعْطَتْهَا إِيَّاهُ الْجَدَّةُ. كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَحْزِمْهُ ضِمْنَ أَغْرَاضِهَا لِأَنَّهُ كَانَ تَحْتَ وِسَادَتِهَا. وَضَعَتِ الْكِتَابَ فِي السَّلَّةِ مَعَ الْخُبْزِ الْأَبْيَضِ. ثُمَّ فَتَحَتْ خِزَانَتَهَا لِتَبْحَثَ عَنْ كَنْزٍ آخَرَ لَنْ يُفَكِّرَ أَحَدٌ فِي حَزْمِهِ، الشَّالُ الْأَحْمَرُ الْقَدِيمُ الَّذِي أَحْضَرَتْهُ مَعَهَا. لَفَّتْهُ الْفَتَاةُ حَوْلَ قِطَّةٍ لُعْبَةٍ مَحْشُوَّةٍ صَنَعَتْهَا لَهَا كلارا وَوَضَعَتْهُ فَوْقَ السَّلَّةِ. ثُمَّ ارْتَدَتْ قُبَّعَتَهَا وَتَرَكَتِ الْغُرْفَةَ. وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَرْكَبُ الْعَرَبَةَ، قَدَّمَتْ لِكلارا أَطْيَبَ أُمْنِيَّاتِهَا وَشَكَرَتِ السَّيِّدَ سيسمان عَلَى لُطْفِهِ، كَمَا طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُوَصِّلَ شُكْرَهَا إِلَى الطَّبِيبِ. كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِتَذْهَبَ إِلَى الْمَنْزِلِ لَوْلَاهُ وَلَوْلَا وَعْدُهُ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ عَلَى مَا يُرَامُ غَدًا.
بَدَأَتِ الْعَرَبَةُ تَتَحَرَّكُ وَانْطَلَقَتْ هايدي فِي طَرِيقِهَا. تَمَسَّكَتِ بِسَلَّتِهَا جَيِّدًا عَلَى رِجْلِهَا. وَجَلَسَتْ لِسَاعَاتٍ عَدِيدَةٍ دُونَ حَرَكَةٍ كَالْفَأْرِ. كَانَتْ تَخْشَى أَنْ تَتَحَرَّكَ كَيْلَا تَسْتَيْقِظَ مِنَ الْحُلْمِ. لَمْ تَسْتَطِعْ تَصْدِيقَ أَنَّهَا أَخِيرًا مُتَّجِهَةٌ إِلَى الْمَنْزِلِ.
عِنْدَمَا انْتَهَوْا مِنْ رِحْلَةِ الْقِطَارِ، اسْتَأْجَرَ سيباستيان حِصَانًا وَعَرَبَةً لِيَأْخُذَ هايدي إِلَى أَبْعَدِ مَا يُمْكِنُ، ثم سَتُكْمِلُ هِيَ بَاقِيَ الرِّحْلَةِ سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ. طَمْأَنَتْهُ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ أَنَّهَا سَتَتَمَكَّنُ مِنْ إِيجَادِ طَرِيقِهَا صُعُودًا إِلَى الْجَبَلِ بِسُهُولَةٍ. وَسَيُحْضِرُ جَدُّهَا صُنْدُوقَهَا لَاحِقًا. أَخَذَهَا سيباستيان عَلَى انْفِرَادٍ وَأَعْطَاهَا الْخِطَابَ الْمُوَجَّهَ لِجَدِّهَا، كَمَا أَعْطَاهَا أَيْضًا لِفَافَةً صَغِيرَةً، قَالَ إِنَّهَا هَدِيَّةٌ مِنَ السَّيِّدِ سيسمان. وَضَعَتْ كِلَا الشَّيْئَيْنِ فِي السَّلَّةِ تَحْتَ أَرْغِفَةِ الْخُبْزِ الْأَبْيَضِ حَتَّى لَا تَفْقِدَهُمَا. وَلَوَّحَ سيباستيان وَهُوَ يَرَى الْفَتَاةَ الْمُبْتَسِمَةَ تَنْطَلِقُ بَعِيدًا.
عِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى الْقَرْيَةِ، قَفَزَتْ هايدي مِنَ الْعَرَبَةِ، وَقَالَتْ لِلسَّائِقِ إِنَّ جَدَّهَا سَيُرْسِلُ لِإِحْضَارِ الصُّنْدُوقِ وَبَدَأَتْ طَرِيقَهَا صُعُودًا إِلَى الْجَبَلِ.
بَدَا أَنَّ سَاعَاتٍ قَدْ مَرَّتْ، وَلَكِنْ أَخِيرًا لَمَحَتْ هايدي مَنْظَرَ مَنْزِلِ الْجَدَّةِ. وَبَدَأَ قَلْبُهَا يَخْفِقُ بِصَوْتٍ أَعْلَى وَأَخَذَتْ تَجْرِي أَسْرَعَ فَأَسْرَعَ. ارْتَجَفَتْ وَهِيَ تَمُدُّ يَدَهَا إِلَى الْبَابِ.
قَالَ صَوْتٌ مِنَ الدَّاخِلِ: «أُوه! يَا إِلَهِي! إِنَّهَا الطَّرِيقَةُ الَّتِي اعْتَادَتْ هايدي أَنْ تَرْكُضَ بِهَا إِلَى الدَّاخِلِ. كَمْ أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ هُنَا مَعِي مَرَّةً أُخْرَى.»
صَاحَتْ هايدي: «إِنَّهُ أَنَا يَا جَدَّتِي!» رَكَضَتْ وَأَلْقَتْ بِذِرَاعَيْهَا حَوْلَ السَّيِّدَةِ. سَالَتْ دُمُوعُ الْفَرْحَةِ عَلَى وَجْنَتَيِ السَّيِّدَةِ الْعَجُوزِ.
– «نَعَمْ، نَعَمْ، هَذَا هُوَ شَعْرُهَا وَصَوْتُهَا. شُكْرًا لَكَ يَا رَبِّ! لَقَدِ اسْتَجَبْتَ لِدَعَوَاتِي!» انْهَمَرَتْ دُمُوعُ الْفَرَحِ مِنَ الْعُيُونِ الْعَمْيَاءِ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى يَدِ هايدي: «هَلْ هَذِهِ أَنْتِ حَقًّا يَا هايدي؟ هَلْ عُدْتِ حَقًّا؟»
أَجَابَتْ هايدي: «نَعَمْ يَا جَدَّتِي. أَنَا هُنَا حَقًّا. لَا تَبْكِي. أَنَا هُنَا حَقًّا.» ثُمَّ ضَغَطَتِ الْفَتَاةُ بِيَدِ السَّيِّدَةِ الْعَجُوزِ عَلَى وَجْنَتَيْهَا. لَقَدْ كَانَ شُعُورًا افْتَقَدَتْهُ مِرَارًا وَتَكْرَارًا عَلَى مَدَارِ الشُّهُورِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ.
الفصل الثالث عشر
فِي الْمَنْزِلِ أَخِيرًا


أَمْضَتْ هايدي مَا يَكْفِي مِنَ الْوَقْتِ عِنْدَ الْجَدَّةِ لِتَتَأَكَّدَ أَنَّهَا بِخَيْرٍ وَلِتُعْطِيَهَا بَعْضًا مِنَ الْخُبْزِ الْأَبْيَضِ الَّذِي كَانَتْ تَحْمِلُهُ بِحِرْصٍ شَدِيدٍ.
قَالَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ وَهِيَ تَقْضِمُ رَغِيفًا: «لَمْ أَذُقْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك أَبَدًا. وَلَكِنَّ الْمُتْعَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ اسْتِعَادَتُكِ. احْتَضَنَتْ هايدي السَّيِّدَةَ الْعَجُوزُ حِضْنًا أَخِيرًا وَوَعَدَتْ أَنْ تَأْتِيَ لِزِيَارَتِهَا غَدًا. الْآنَ كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى الْمَنْزِلِ لِجَدِّهَا. لَمْ تَكُنِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ قَادِرَةً عَلَى تَحَمُّلِ فِكْرَةِ أَنْ تَكُونَ بِهَذَا الْقُرْبِ مِنْ جَدِّهَا دُونَ أَنْ تَرَاهُ.
صَعِدَتْ هايدي الْجَبَلَ بِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ حَتَّى إِنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى كُوخِ جَدِّهَا فِي غُضُونِ دَقَائِقَ. وَقَبْلَ أَنْ يَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِيَرَى الرَّجُلُ الْعَجُوزُ مَنِ الْقَادِمُ، أَسْرَعَتْ هايدي نَحْوَهُ، وَأَلْقَتْ بِسَلَّتِهَا وَلَفَّتْ ذِرَاعَيْهَا حَوْلَ عُنُقِهِ. وَظَلَّتْ تُرَدِّدُ: «جَدِّي، جَدِّي!»
لَمْ يَقُلِ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ شَيْئًا. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَعْوَامٍ كَانَتْ عَيْنَاهُ دَامِعَتَيْنِ وَكَانَ عَلَيْهِ مَسْحُهُمَا. فَكَّ ذِرَاعَيْ هايدي مِنْ حَوْلِ عُنُقِهِ وَأَجْلَسَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ. وَنَظَرَ لَهَا لِلَحْظَةٍ ثُمَّ قَالَ: «إِذَنْ لَقَدْ عُدْتِ إِلَيَّ يَا هايدي. هَلْ طَرَدُوكِ؟»
قَالَتْ هايدي: «أُوه، لَا يَا جَدِّي.»
قَضَتِ الدَّقَائِقَ التَّالِيَةَ تُخْبِرُهُ عَنْ كلارا وَالسَّيِّدِ سيسمان. ثُمَّ أَعْطَتْهُ الْخِطَابَ وَرَاقَبَتْهُ وَهُوَ يَقْرَؤُهُ.
– «لَقَدْ أَعْطَاكِ مَالًا كَافِيًا لِشِرَاءِ فِرَاشٍ وَمَلَابِسَ تَكْفِيكِ لِعِدَّةِ أَعْوَامٍ.»
– «لَا أَحْتَاجُهُ يَا جَدِّي. لَدَيَّ فِرَاشٌ بِالْفِعْلِ. وَوَضَعَتْ كلارا الْكَثِيرَ مِنَ الْمَلَابِسِ فِي صُنْدُوقِي. لَنْ أَحْتَاجَ لِلْمَزِيدِ أَبَدًا.»
قَالَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ: «ضَعِيهِ فِي الْخِزَانَةِ إِذَنْ. أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّكِ سَتُرِيدِينَهُ يَوْمًا مَا.»
فَجْأَةً، سَمِعَتْ هايدي صَوْتَ صَفِيرٍ حَادٍّ فِي الْخَارِجِ، فَوَثَبَتْ إِلَى الْخَارِجِ بِسُرْعَةِ الْبَرْقِ: «الْبَجَعَةُ الصَّغِيرَةُ! الدُّبُّ الصَّغِيرُ! هَلْ تَتَذَكَّرَانِنِي؟ مَرْحَبًا يَا بيتر!»
كَانَتْ هايدي فِي قِمَّةِ السَّعَادَةِ لِكَوْنِهَا بَيْنَ أَصْدِقَائِهَا الْقُدَامَى مُجَدَّدًا. كَانَ كُلُّ شَيْءٍ كَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ. اسْتَلْقَتْ هايدي هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِقَلْبٍ سَعِيدٍ. كَانَ نَوْمُهَا هَادِئًا كَمَا لَمْ يَكُنْ مُنْذُ شُهُورٍ. اسْتَيْقَظَ الْجَدُّ عَشْرَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَقَلِّ خِلَالَ اللَّيْلِ وَتَسَلَّقَ السُّلَّمَ لِيَرَى إِذَا كَانَتْ هايدي بِخَيْرٍ. وَلَكِنَّ هايدي لَمْ تَتَحَرَّكْ. لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا الْقَلَقُ حِيَالَ الْأَلَمِ فِي قَلْبِهَا. لَقَدْ سَمِعَتِ الرِّيَاحَ تَمُرُّ عَبْرَ أَشْجَارِ التَّنُّوبِ. لَقَدْ كَانَتْ فِي الْمَنْزِلِ عَلَى الْجَبَلِ مُجَدَّدًا.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي نَزَلَ الْجَدُّ إِلَى أَسْفَلِ الْجَبَلِ لِإِحْضَارِ صُنْدُوقِ هايدي. وَسَارَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ مَعَهُ حَتَّى كُوخِ الْجَدَّةِ ثُمَّ لَوَّحَتْ لَهُ وَانْطَلَقَتْ إِلَى الْبَابِ.
لَمْ تَكُنِ الْجَدَّةُ تَسْتَطِيعُ الِانْتِظَارَ حَتَّى تُخْبِرَ هايدي كَمِ اسْتَمْتَعَتْ بِرَغِيفِ الْخُبْزِ الْأَبْيَضِ وَكَمْ شَعَرَتْ بِالْقُوَّةِ بَعْدَ أَكْلِهِ. وَأَخْبَرَتْ وَالِدَةُ بيتر هايدي أَنَّ أُمَّهَا سَتَسْتَرْجِعُ بَعْضًا مِنْ صِحَّتِهَا بِالتَّأْكِيدِ إِذَا تَمَكَّنَتْ مِنَ الْأَكْلِ هَكَذَا لِمُدَّةِ أُسْبُوعٍ. وَلَكِنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تُبْقِيَ الْأَرْغِفَةَ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ؛ لِذَا أَكَلَتْ وَاحِدًا فَقَطْ حَتَّى الْآنَ.
فَجْأَةً ابْتَسَمَتْ هايدي وَهَتَفَتْ: «لَدَيَّ الْكَثِيرُ مِنَ الْمَالِ يَا جَدَّتِي. أَعْلَمُ مَاذَا سَأَفْعَلُ بِهِ! يَجِبُ أَنْ تَتَنَاوَلِي رَغِيفًا طَازَجًا مِنَ الْخُبْزِ الْأَبْيَضِ كُلَّ يَوْمٍ، وَرَغِيفَيْنِ يَوْمَ الْأَحَدِ. يُمْكِنُ أَنْ يُحْضِرَهَا لَكِ بيتر!»
أَجَابَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ: «لَا يُمْكِنُنِي تَرْكُكِ تَفْعَلِينَ ذَلِك. عَلَيْكِ إِعْطَاءُ الْمَالِ لِجَدِّكِ. وَهُوَ سَيُخْبِرُكِ كَيْفَ تُنْفِقِينَهُ.»
– «لَا، يَجِبُ أَنْ نَجْعَلَكِ قَوِيَّةً. سَنُحْضِرُ لَكِ هَذِهِ الْأَرْغِفَةَ! رُبَّمَا إِذَا أَصْبَحْتِ قَوِيَّةً سَيُضِيءُ كُلُّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ لَكِ مُجَدَّدًا. رُبَّمَا يَكُونُ هَذَا الظَّلَامُ لِأَنَّكِ ضَعِيفَةٌ.»
بَيْنَمَا كَانَتْ هايدي تَقْفِزُ فَرَحًا، لَاحَظَتْ كِتَابَ تَرَانِيمِ الْجَدَّةِ: «أُوه، يَا جَدَّتِي أَسْتَطِيعُ الْقِرَاءَةَ الْآنَ! دَعِينِي أَقْرَأْ لَكِ تَرْنِيمَةً.»
أَشْرَقَ وَجْهُ هايدي بِالسَّعَادَةِ حِينَمَا ظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ نَظْرَةٌ لَمْ تَرَهَا الْفَتَاةُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ عِنْدَمَا أَنْهَتْ هايدي الْقِرَاءَةَ: «لَقَدْ أَضَأْتِ قَلْبِي يَا طِفْلَتِي الْعَزِيزَةَ. اقْرَئِيهَا مُجَدَّدًا. مَرَّةً وَاحِدَةً بَعْدُ.»
الفصل الرابع عشر
أَجْرَاسُ يَوْمِ الْأَحَدِ


قَالَتْ هايدي بَيْنَمَا كَانَتْ تَصْعَدُ هِيَ وَالرَّجُلُ الْعَجُوزُ الْجَبَلَ: «أُوه يَا جَدِّي. حَيَاتُنَا الْآنَ أَسْعَدُ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.» قَفَزَتْ إِلَى الْأَمَامِ وَهِيَ تُؤَرْجِحُ يَدَ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ. فَجْأَةً هَدَأَتْ هايدي وَقَالَتْ: «عِنْدَمَا كُنْتُ فِي فرانكفورت كُنْتُ أَدْعُو اللهَ لِكَيْ أَعُودَ إِلَى الْمَنْزِلِ عَلَى الْفَوْرِ. وَلَوْ أَنَّ اللهَ تَرَكَنِي أَعُودُ عَلَى الْفَوْرِ، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ سَيُصْبِحُ مُخْتَلِفًا. كُنْتُ سَأَحْصُلُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الْخُبْزِ لِلْجَدَّةِ وَمَا كُنْتُ تَمَكَّنْتُ مِنَ الْقِرَاءَةِ. لَقَدْ جَعَلَ اللهُ الْأَمْرَ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنْتُ سَأَتَخَيَّلُ أَبَدًا. لَقَدْ حَدَثَ الْأَمْرُ مِثْلَمَا قَالَتِ الْجَدَّةُ تَمَامًا. كَمْ أَنَا سَعِيدَةٌ أَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ يَحْدُثُ بِطَرِيقَتِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ. مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا، سَأُصَلِّي لِأَشْكُرَ اللهَ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِي. وَعِنْدَمَا لَا يَفْعَلُ مَا أَطْلُبُهُ، سَأَقُولُ لِنَفْسِي إِنَّ اللهَ لَدَيْهِ خُطَّةٌ أَفْضَلُ لِي. سَنُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا جَدِّي؟ لَا يَجِبُ أَنْ نَنْسَى اللهَ أَبَدًا مُجَدَّدًا وَإِلَّا سَيَنْسَانَا.»
قَالَ الْجَدُّ بِصَوْتٍ حَزِينٍ: «وَمَاذَا لَوْ نَسِينَاهُ بِالْفِعْلِ؟»
– «إِذَنْ سَيَئُولُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى الْأَسْوَأِ. وَسَيَتْرُكُنَا اللهُ نَذْهَبُ إِلَى حَيْثُ نَشَاءُ وَسَنُصْبِحُ فُقَرَاءَ وَتُعَسَاءَ. وَلَنْ يَشْعُرَ أَحَدٌ بِالسُّوءِ مِنْ أَجْلِنَا لِأَنَّنَا هَرَبْنَا مِنَ اللهِ وَهُوَ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يُسَاعِدَنَا.»
– «هَذِهِ حَقِيقَةٌ يَا هايدي. أَيْنَ تَعَلَّمْتِ ذَلِك؟»
– «مِنَ الْجَدَّةِ. لَقَدْ شَرَحَتِ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِي.»
سَارُوا لِفَتْرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَحَدَّثَ الْجَدُّ مُجَدَّدًا: «أَلَا يُمْكِنُنَا الْعَوْدَةُ مَرَّةً أُخْرَى يَا هايدي؟ إِذَا هَرَبْنَا مِنَ اللهِ، هَلْ يَنْسَانَا إِلَى الْأَبَدِ؟»
– «أُوه، لَا يَا جَدِّي، يُمْكِنُنَا الْعَوْدَةُ. أَخْبَرَتْنِي الْجَدَّةُ بِذَلِكَ. كَمَا قَرَأْتُ قِصَّةً فِي كِتَابِيَ الْجَمِيلِ. سَأَقْرَؤُهَا لَكَ عِنْدَمَا نَصِلُ إِلَى الْمَنْزِلِ.» بَدَتْ هايدي سَعِيدَةً بِنَفْسِهَا، وَظَلَّتْ تُغَنِّي وَتَقْفِزُ فِي بَاقِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَنْزِلِ. وَقَبْلَ مَوْعِدِ النَّوْمِ مُبَاشَرَةً، قَرَأَتِ الْقِصَّةَ لِلْجَدِّ.
أَخْبَرَتْهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي فِي الصُّورَةِ وَكَيْفَ كَانَ سَعِيدًا فِي الْمَنْزِلِ وَيَخْرُجُ إِلَى الْحُقُولِ مَعَ قَطِيعِ وَالِدِهِ. كَانَ يَرْتَدِي عَبَاءَةً جَيِّدَةً وَيَقِفُ مُسْتَنِدًا إِلَى عَصَا الرَّعْيِ يُرَاقِبُ غُرُوبَ الشَّمْسِ. وَفَجْأَةً أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ مَتَاعُهُ وَأَمْوَالُهُ الْخَاصَّةُ. وَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ سَيِّدَ نَفْسِهِ؛ وَلِذَا طَلَبَ مِنْ وَالِدِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَ الْمَالِ. وَتَرَكَ مَنْزِلَهُ وَسُرْعَانَ مَا خَسِرَ كُلَّ شَيْءٍ. وَفِي النِّهَايَةِ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَأَخْبَرَ وَالِدَهُ: «أَنَا لَا أَسْتَحِقُّكَ بَعْدَ الْآنَ.»
رَآهُ وَالِدُهُ فَجَرَى نَحْوَهُ وَقَبَّلَهُ. ثُمَّ أَخْبَرَ خَدَمَهُ أَنْ يُحْضِرُوا لَهُ أَفْضَلَ رِدَاءٍ، وَخَاتَمًا لِإِصْبَعِهِ، وَحِذَاءً لِقَدَمَيْهِ وَالْكَثِيرَ مِنَ الطَّعَامِ. وَقَالَ إِنَّ ابْنَهُ كَانَ مَيِّتًا وَالْآنَ عَادَ لِلْحَيَاةِ مَرَّةً أُخْرَى.
قَالَتْ هايدي: «أَلَيْسَتْ قِصَّةً جَمِيلَةً يَا جَدِّي؟»
أَجَابَ: «أَنْتِ عَلَى حَقٍّ يَا هايدي، إِنَّهَا قِصَّةٌ جَمِيلَةٌ.» وَلَكِنَّ الرَّجُلَ الْعَجُوزَ بَدَا جَادًّا جِدًّا حَتَّى إِنَّ هايدي نَفْسَهَا سَكَتَتْ.
•••

بَاكِرًا فِي الصَّبَاحِ التَّالِي وَقَفَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ أَمَامَ كُوخِهِ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ هَذَا الْجَمَالِ.
– «تَعَالَيْ يَا هايدي! لَقَدْ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ! ارْتَدِي أَفْضَلَ فَسَاتِينِكِ. سَنَذْهَبُ إِلَى الْكَنِيسَةِ الْيَوْمَ!»
كَانَ مَنْظَرُ الِاثْنَيْنِ لَافِتًا فِي الْكَنِيسَةِ. تَسَلَّلَا إِلَى الدَّاخِلِ بَعْدَ أَنْ بَدَأَتِ الْمُوسِيقَى. نَظَرَ الْعَدِيدُ مِنَ النَّاسِ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكُوا مَنْ كَانَا. وَلَكِنْ بِحُلُولِ نِهَايَةِ الْقُدَّاسِ كَانَ الْجَمِيعُ قَدْ شَاهَدَ هايدي وَجَدَّهَا.
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْقُدَّاسِ أَخَذَ الْجَدُّ هايدي مِنْ يَدِهَا وَاتَّجَهَ إِلَى مَنْزِلِ الْقَسِّ. وَوَقَفَ بَاقِي الْمُصَلِّينَ فِي مَجْمُوعَاتٍ صَغِيرَةٍ. كَانُوا جَمِيعًا يَتَهَامَسُونَ فِي شَأْنِ الرَّجُلِ وَكَمْ هُوَ لَطِيفٌ مَعَ هايدي. لَقَدْ أَخْبَرَ سَائِقُ الْعَرَبَةِ الْجَمِيعَ كَيْفَ تَرَكَتْ هايدي الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ لَدَيْهَا فِيهِ الْأَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَطْ لِتَكُونَ بِجَانِبِ جَدِّهَا. وَسُرْعَانَ مَا بَدَأَ الْجَمِيعُ يَشْعُرُونَ بِالْوُدِّ تِجَاهَ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ كَانَ الْجَدُّ قَدْ دَخَلَ بَيْتَ الْقَسِّ. تَصَافَحَا بِمَوَدَّةٍ. وَلَمَعَتْ عَيْنَا الْقَسِّ الطَّيِّبَتَانِ بِالْبَهْجَةِ.
بَدَأَ الْجَدُّ: «لَقَدْ جِئْتُ لِأَطْلُبَ السَّمَاحَ عَنِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي قُلْتُهَا لَكَ. لَقَدْ كُنْتَ مُحِقًّا. لَقَدْ حَانَ الْوَقْتُ لِنَقْلِ هايدي مِنَ الْجَبَلِ.»
قَالَ الْقَسُّ: «سَنُرَحِّبُ جَمِيعًا بِكُمَا كَجِيرَانٍ.» وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَدُّ مَعَ هايدي إِلَى الْخَارِجِ. بِالْكَادِ انْغَلَقَ الْبَابُ خَلْفَهُ حَتَّى تَقَدَّمَتِ الْمَجْمُوعَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْكَنِيسَةِ كُلِّهَا نَحْوَهُ لِتُقَابِلَهُ. كَانَ هُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْوُجُوهِ الْجَدِيدَةِ حَتَّى إِنَّ الْجَدَّ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ حَتَّى إِلَى مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ لِصُعُودِ الْجَبَلِ مَعَ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ. وَتَحَدَّثُوا عَنْ دَعْوَتِهِ إِلَى الْغَدَاءِ وَزِيَارَتِهِ قَرِيبًا.
لَمْ تَتَمَكَّنْ هايدي مِنْ تَصْدِيقِ النَّظْرَةِ الْعَطُوفِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى وَجْهِ جَدِّهَا: «تَبْدُو أَلْطَفَ الْيَوْمَ. لَمْ أَرَكَ هَكَذَا مِنْ قَبْلُ.»
فَقَالَ: «حَسَنًا يَا هايدي، أَنَا الْيَوْمَ أَسْعَدُ مِمَّا أَسْتَحِقُّ. أَسْعَدُ مِمَّا كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ مُمْكِنًا. مِنَ الْجَيِّدِ أَنْ أَكُونَ فِي سَلَامٍ مَعَ اللهِ وَمَعَ الْأَصْدِقَاءِ. كَانَ اللهُ كَرِيمًا مَعِي عِنْدَمَا أَرْسَلَكِ إِلَى كُوخِي.»
عِنْدَمَا وَصَلَا إِلَى كُوخِ الْجَدَّةِ، فَتَحَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ الْبَابَ وَدَخَلَ مَعَ هايدي، وَهُوَ يَقُولُ: «لَدَيْنَا الْمَزِيدُ مِنَ التَّصْلِيحَاتِ لِلْقِيَامِ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَأتِيَ الْخَرِيفُ.»
انْدَفَع بيتر عَبْرَ الْبَابِ وَقَطَعَ حَدِيثَهُمْ.
هَتَفَ: «هُنَاكَ خِطَابٌ هُنَا لهايدي!»
كَانَ هَذَا الْخِطَابُ مِنْ كلارا. كَانَ يَقُولُ إِنَّهَا وَالْجَدَّةُ تُرِيدَانِ زِيَارَةَ هايدي وَجَدِّهَا فِي الْخَرِيفِ الْقَادِمِ.
كَانَ هُنَاكَ الْكَثِيرُ لِلتَّفْكِيرِ فِيهِ الْآنَ: الزُّوَّارُ وَالِانْتِقَالُ إِلَى دورفلي وَالطَّرِيقَةُ الْمُمَيَّزَةُ الَّتِي بَدَا أَنَّ الْجَدَّ يَنْسَجِمُ بِهَا مَعَ الْآخَرِينَ. لَقَدْ تَغَيَّرَتِ الْحَيَاةُ بِالتَّأْكِيدِ عَلَى الْجَبَلِ، وَقَرِيبًا سَتَتَغَيَّرُ أَكْثَرَ.
الفصل الخامس عشر
زِيَارَةٌ أَخِيرًا


لِلْأَسَفِ، مَنَعَ ضَعْفُ الصِّحَّةِ كلارا مِنَ الْقِيَّامِ بِالرِّحْلَةِ إِلَى الْجَبَلِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ إِحْبَاطِهَا، حَاوَلَتْ أَنْ تَقُومَ بِثَانِي أَفْضَلِ شَيْءٍ. فَاتَّفَقَتْ هِيَ وَوَالِدُهَا عَلَى أَنَّ إِرْسَالَ الطَّبِيبِ فِي إِجَازَةٍ صَغِيرَةٍ لَنْ يُفِيدَ هايدي فَحَسْبُ وَلَكِنْ سَيُفِيدُ الطَّبِيبَ الْكَبِيرَ أَيْضًا. كَانَتْ زَوْجَةُ الرَّجُلِ الْمِسْكِينِ قَدْ تُوُفِّيَتْ مُنْذُ فَتْرَةٍ، كَمَا تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ مُؤَخَّرًا أَيْضًا. وَبِبَسَاطَةٍ لَمْ يَعُدِ الطَّبِيبُ هُوَ الشَّخْصُ نَفْسُهُ مُنْذُ ذَلِك الْحِينِ.
عِنْدَمَا سَأَلَ السَّيِّدُ سيسمان الطَّبِيبَ إِذَا كَانَ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إِلَى الْجِبَالِ، قَالَ الطَّبِيبُ إِنَّهُ سَيَكُونُ شَرَفًا لَهُ. سَيَأْخُذُ كُلَّ الْأَشْيَاءِ الرَّائِعَةِ الَّتِي حَزَمَتْهَا كلارا إِلَى أَصْدِقَائِهَا وَسَيَحْرِصُ عَلَى أَنْ تَصِلَ إِلَى الْجَمِيعِ سَالِمَةً. كَانَتْ كلارا قَدِ اخْتَارَتْ هَدَايَا لِلْجَدَّةِ وَلِلْجَدِّ وَحَتَّى لِبيتر.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ فِي مَنْزِلِ هايدي، كَانَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ تَسْتَيْقِظُ مُبَكِّرَةً كُلَّ صَبَاحٍ. وَتَرْتَدِي مَلَابِسَهَا بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ ثُمَّ تُسْرِعُ إِلَى الْخَارِجِ لِتَنْتَظِرَ. كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى أَبْعَدِ مَا يُمْكِنُهَا فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ. كَانَ هَذَا هُوَ رُوتِينُهَا كُلَّ صَبَاحٍ لِمُدَّةِ أُسْبُوعٍ الْآنَ. كَانَتْ تَنْتَظِرُ وُصُولَ كلارا وَالْجَدَّةِ فِي أَيِّ يَوْمٍ وَكَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعِدَّةً عِنْدَمَا تَصِلَانِ.
وَلَكِنْ عِوَضًا عَنْ كلارا سَمِعَتْ صَفِيرَ بيتر، وَسَأَلَهَا: «هَلْ يُمْكِنُكِ الْمَجِيءُ مَعِي لِلْخَارِجِ الْيَوْمَ؟»
أَخْبَرَتْ هايدي صَدِيقَهَا أَنَّهَا لَنْ تَسْتَطِيعَ، فَقَدْ كَانَتْ تَنْتَظِرُ ضُيُوفًا. فَأَصَابَ بيتر الْإِحْبَاطُ، وَلَكِنَّ هَذَا الصَّبَاحَ كَانَ الِانْتِظَارُ يَسْتَحِقُّ.
صَاحَتْ هايدي: «جَدِّي! جَدِّي! تَعَالَ، تَعَالَ! إِنَّهُمْ قَادِمُونَ! إِنَّهُمْ قَادِمُونَ وَالطَّبِيبُ أَمَامَهُمْ!»
انْدَفَعَتْ هايدي إِلَى الْأَمَامِ لِتَحِيَّةِ صَدِيقِهَا الْقَدِيمِ. مَدَّ الطَّبِيبُ يَدَيْهِ لِتَحِيَّتِهَا، وَعِنْدَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ، تَعَلَّقَتْ بِذِرَاعَيْهِ الْمَمْدُودَتَيْنِ. كَانَتِ الْفَرْحَةُ تَمْلَأُ قَلْبَهَا وَهِيَ تَقُولُ: «صَبَاحُ الْخَيْرِ يَا دكتور، وَشُكْرًا جَزِيلًا لَكَ.»
سَأَلَ الطَّبِيبُ مُبْتَسِمًا: «فَلْيُبَارِكْكِ اللهُ يَا صَغِيرَةُ! عَلَامَ تَشْكُرِينَنِي؟»
وَضَّحَتِ الطِّفْلَةُ: «لِإِرْسَالِي إِلَى الْمَنْزِلِ لِجَدِّي.»
أَشْرَقَ وَجْهُ الطَّبِيبِ وَكَأَنَّمَا تَخَلَّلَهُ شُعَاعٌ مِنَ الشَّمْسِ. لَقَدْ ظَنَّ أَنَّ الطِّفْلَةَ الصَّغِيرَةَ سَتَكُونُ قَدْ نَسِيَتْهُ بِمُرُورِ هَذَا الْوَقْتِ. وَلَكِنْ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ كَانَتْ عَيْنَاهَا تَرْقُصَانِ مِنَ الْفَرْحَةِ. وَكَانَتْ مُمْتَنَّةً أَيَّمَا امْتِنَانٍ وَمُتَعَلِّقَةً بِذِرَاعِ صَدِيقِهَا الْقَدِيمِ.
قَالَ الرَّجُلُ الْكَبِيرُ: «خُذِينِي إِلَى جَدِّكِ يَا صَغِيرَةُ.»
– «وَلَكِنْ أَيْنَ كلارا وَجَدَّتِي؟»
– «أَنَا آسِفٌ جِدًّا يَا هايدي، وَلَكِنِّي أَتَيْتُ وَحْدِي. كلارا كَانَتْ مَرِيضَةً جِدًّا وَلَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ السَّفَرِ، وَبَقِيَتِ الْجَدَّةُ مَعَهَا لِتَرْعَاهَا. وَلَكِنَّهُمَا سَتَأْتِيَانِ فِي الرَّبِيعِ الْقَادِمِ عِنْدَمَا يَكُونُ النَّهَارُ دَافِئًا وَطَوِيلًا مُجَدَّدًا.»
وَقَفَتْ هايدي سَاكِنَةً لِثَانِيَةٍ، لِتَسْمَحَ لِعَقْلِهَا بِاسْتِيعَابِ تِلْكَ الْأَنْبَاءِ الْحَزِينَةِ. ثُمَّ قَالَتْ: «تَعَالَ مَعِي يَا دكتور، لِنَجِدَ جَدِّي.»
أَصْبَحَ الرَّجُلَانِ أَصْدِقَاءَ عَلَى الْفَوْرِ. كَانَا يَتَشَارَكَانِ الْيَوْمَ عَلَى الْجَبَلِ، يُخَطِّطَانِ لِعُطْلَةِ الطَّبِيبِ فِي الْأَسَابِيعِ الْعَدِيدَةِ الْقَادِمَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَا يَجْلِسَانِ لِلْغَدَاءِ الْمُكَوَّنِ مِنَ الْحَلِيبِ وَالْجُبْنِ الْمُحَمَّصِ، رَأَيَا رَجُلًا آتِيًا مِنَ الطَّرِيقِ حَامِلًا لَفَّةً كَبِيرَةً عَلَى ظَهْرِهِ.
قَالَ الطَّبِيبُ وَهُوَ يَبْتَسِمُ لِهايدي: «آه، هَا قَدْ جَاءَ الطَّرْدُ الَّذِي أَرْسَلَتْهُ كلارا.»
لَمَعَتْ عَيْنَا الْفَتَاةِ.
قَالَ الطَّبِيبُ: «افْتَحِي كُنُوزَكِ يَا هايدي.» وَدَفَعَ الطَّرْدَ نَحْوَهَا.
وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى أَخْرَجَتْ هايدي الْأَشْيَاءَ الَّتِي حَزَمَتْهَا كلارا بِحِرْصٍ. كَعْكٌ وَشَالٌ لِلْجَدَّةِ، وَبَعْضُ الْأَدَوَاتِ الْجَدِيدَةِ لِلْجَدِّ، وَنَقَانِقُ لِبيتر، وَمَلَابِسُ لَهَا. الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي أَسْعَدَ هايدي أَكْثَرَ مِنَ الْهَدَايَا كَانَ رُؤْيَةُ السَّعَادَةِ عَلَى وَجْهِ الطِّبِيبِ. كَانَ حَقًّا مُسْتَمْتِعًا بِرُؤْيَةِ هايدي بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ وَسَعِيدَةً مُجَدَّدًا.
الفصل السادس عشر
بَيْتٌ آخَرُ جَدِيدٌ


كَانَتْ إِقَامَةُ الطَّبِيبِ مُمْتِعَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْجَمِيعِ. اسْتَمْتَعَ الْجَدُّ بِصُحْبَةِ رَجُلٍ كَبِيرٍ يَتَشَارَكُ مَعَهُ الْقَصَصَ وَيَقْضِي مَعَهُ الْوَقْتَ. وَفَرِحَتْ هايدي بِعَرْضِ كُلِّ رُكْنٍ فِي الْجَبَلِ عَلَى صَدِيقِهَا، فَقَدْ حَصَلَتْ أَخِيرًا عَلَى الْفُرْصَةِ لِإِثْبَاتِ الْجَمَالِ الَّذِي كَانَتْ فِي وَقْتٍ سَابِقٍ لَا تَمْلِكُ إِلَّا التَّحَدُّثَ عَنْهُ. وَالطَّبِيبُ … اسْتَمْتَعَ بِالْقُرْبِ مِنْ أَصْدِقَاءَ طَيِّبِينَ وَبِالْهَوَاءِ النَّقِيِّ وَحُرِّيَّةِ الْجَبَلِ. كَمَا أَنَّ الِابْتِعَادَ عَنِ الْمَدِينَةِ أَعْطَاهُ الْفُرْصَةَ لِنِسْيَانِ مَشَاكِلِهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَيَاةِ مُجَدَّدًا.
لِذَلِكَ كَانَ يَوْمُ رَحِيلِهِ فِي النِّهَايَةِ يَوْمًا حَزِينًا. تَأَلَّمَ قَلْبُ هايدي كَثِيرًا حَتَّى إِنَّهَا بَكَتْ وَطَلَبَتْ أَنْ تُرَافِقَهُ.
قَالَ الطَّبِيبُ بِلُطْفٍ: «لَا، لَا يَا طِفْلَتِي الْعَزِيزَةَ. يَجِبُ أَنْ تَبْقَيْ وَإِلَّا سَتَمْرَضِينَ مُجَدَّدًا. وَلَكِنْ إِذَا احْتَجْتُ يَوْمًا لِأَحَدٍ يَرْعَانِي، فَسَتَكُونِينَ أَوَّلَ شَخْصٍ أَتَّصِلُ بِهِ. هَلْ يُمْكِنُنِي فِعْلُ ذَلِك؟»
أَجَابَتْ هايدي: «نَعَمْ، سَآتِي فِي أَوَّلِ يَوْمٍ تُرْسِلُ فِي طَلَبِي. فَأَنَا أُحِبُّكَ مِثْلَمَا أُحِبُّ جَدِّي تَقْرِيبًا.»
وَهَكَذَا لَوَّحَ الطَّبِيبُ مُوَدِّعًا إِيَّاهُمْ وَشَرَعَ فِي طَرِيقِهِ. رَاقَبَتْهُ هايدي حَتَّى أَصْبَحَ نُقْطَةً صَغِيرَةً عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ. وَعِنْدَمَا اسْتَدَارَ الطَّبِيبُ لِيَرَى هايدي وَالْجَبَلَ الْمُشْمِسَ مَرَّةً أَخِيرَةً، قَالَ لِنَفْسِهِ: «مِنَ الْجَيِّدِ الْوُجُودُ فِي الْأَعْلَى هُنَاكَ … جَيِّدٌ لِلْجِسْمِ وَلِلرُّوحِ. يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يُصْبِحُ سَعِيدًا مَرَّةً أُخْرَى هُنَا.»
بَدَا أَنَّ بَاقِيَ الْخَرِيفِ يَمْضِي بَطِيئًا بِالنِّسْبَةِ لِهايدي، لِأَنَّهَا افْتَقَدَتْ صُحْبَةَ صَدِيقِهَا. وَلَكِنْ أَخِيرًا جَاءَ الثَّلْجُ الْجَدِيدُ إِلَى الْجَبَلِ. حَافَظَ الْجَدُّ عَلَى كَلِمَتِهِ وَنَقَلَ هايدي وَالْمَعْزَ إِلَى دورفلي. كَانَ ثَمَّةَ بِنَاءٌ قَدِيمٌ مَهْجُورٌ لِأَعْوَامٍ بِالْقُرْبِ مِنَ الْكَنِيسَةِ، فَعَمِلَ الْجَدُّ طَوَالَ شُهُورَ الْخَرِيفِ لِجَعْلِهِ سَلِيمًا وَمُتَمَاسِكًا.
كَانَتْ هايدي مُبْتَهِجَةً بِمَنْزِلِهَا الْجَدِيدِ. كَانَ الْعَيْشُ فِي دورفلي يَعْنِي أَنَّهَا سَتَتَمَكَّنُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الْمَدْرَسَةِ كُلَّ صَبَاحٍ وَبَعْدَ الظُّهْرِ. وَعَمِلَتْ جَاهِدَةً فِي الْمَدْرَسَةِ وَتَعَلَّمَتْ بِشَغَفٍ كُلَّ مَا دُرِّسَ لَهَا. كَانَتْ بِالْكَادِ تَرَى بيتر هُنَاكَ. قَالَ إِنَّ الثَّلْجَ كَثِيفٌ جِدًّا فِي الْجَبَلِ وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ. وَلَكِنَّهُ كَانَ دَائِمًا يَجِدُ طَرِيقَةً لِيَتَخَطَّى الثَّلْجَ لِيَزُورَ هايدي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَدْرَسَةِ.
كَانَتْ هايدي تُحِبُّ رُؤْيَةَ بيتر كُلَّ لَيْلَةٍ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ جَعَلَهَا تَشْتَاقُ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ لِلْجَدَّةِ. كُلَّ مَرَّةٍ تَطْلُبُ فِيهَا الذَّهَابَ لِلزِّيَارَةِ، يُخْبِرُهَا الْجَدُّ أَنَّ الثَّلْجَ كَثِيفٌ جِدًّا. وَلَمْ تَتَمَكَّنْ هايدي مِنْ زِيَارَةِ السَّيِّدَةِ الْعَجُوزِ إِلَّا بَعْدَ مُرُورِ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الشِّتَاءِ وَظُهُورِ الشَّمْسِ مُجَدَّدًا.
تَفَاجَأَتْ هايدي لِرُؤْيَتِهَا فِي الْفِرَاشِ وَلَيْسَ فِي رُكْنِهَا الْمُعْتَادِ مِنَ الْمَنْزِلِ.
سَأَلَتْ هايدي بِسُرْعَةٍ: «هَلْ أَنْتِ مَرِيضَةٌ يَا جَدَّتِي؟»
أَجَابَتِ السَّيِّدَةُ الْعَجُوزُ: «لَا، لَا يَا صَغِيرَةُ. إِنَّ الْبَرْدَ يُؤَثِّرُ عَلَيَّ فَقَطْ.»
– «إِذَنْ سَتَتَحَسَّنِينَ عِنْدَمَا يُصْبِحُ الْجَوُّ دَافِئًا مَرَّةً أُخْرَى؟»
قَالَتِ الْجَدَّةُ: «أَجَلْ. أُرِيدُ أَنْ أَعُودَ إِلَى الْغَزْلِ.»
قَرَأَتْ هايدي لِلسَّيِّدَةِ الْعَجُوزِ حَتَّى هُبُوطِ الظَّلَامِ. وَكَانَتْ تَرَى بِالْفِعْلِ الْهُدُوءَ وَالسَّكِينَةَ تَعْتَرِيَانِ وَجْهَ السَّيِّدَةِ الْعَجُوزِ بَيْنَمَا تَسْتَمِعُ إِلَى كَلِمَاتِ تَرَانِيمِهَا. كَمْ كَانَتِ الْآيَاتُ تُطَمْئِنُهَا! وَمَعَ ذَلِكَ، بَدَا أَنَّ وَقْتًا طَوِيلًا لَمْ يَمْضِ حَتَّى تَوَجَّبَ عَلَى بيتر أَنْ يَضَعَ الْفَتَاةَ عَلَى ظَهْرِ مِزْلَجَتِهِ لِتَعُودَ إِلَى مَنْزِلِهَا. انْدَفَعَ الِاثْنَانِ عَلَى جَانِبِ الْجَبَلِ كَعُصْفُورَيْنِ يُحَلِّقَانِ فِي الْهَوَاءِ.
عِنْدَمَا كَانَتْ هايدي مُسْتَلْقِيَةً فِي الْفِرَاشِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، خَطَرَتْ لَهَا فِكْرَةٌ كَادَتْ لَا تَتَحَمَّلُ الِانْتِظَارَ حَتَّى تَتَحَدَّثَ بِهَا مَعَ أَحَدٍ. وَلَكِنَّهَا لَمْ تُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا إِلَّا عِنْدَمَا جَاءَ بيتر فِي الْيَوْمِ التَّالِي.
قَالَتْ لِصَدِيقِهَا: «يَجِبُ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْقِرَاءَةَ يَا بيتر.»
قَالَ: «أَسْتَطِيعُ الْقِرَاءَةَ.»
– «أَجَلْ، وَلَكِنِّي أَعْنِي الْقِرَاءَةَ الْحَقِيقِيَّةَ حَتَّى تَسْتَطِيعَ أَنْ تَقْرَأَ لِلْجَدَّةِ. يَجِبُ أَنْ تَقْرَأَ لَهَا التَّرَانِيمَ.»
حَدَّقَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ فِي عَيْنَيِ الصَّبِيِّ وَقَالَتْ: «سَأُعَلِّمُكَ.»
فَتَسَاءَلَ: «وَلَكِنْ لِمَاذَا؟ يُمْكِنُكِ قِرَاءَتُهَا لَهَا فِي زِيَارَاتِكِ.»
– «إِنَّهَا بِحَاجَةٍ لِسَمَاعِهَا كُلَّ يَوْمٍ يَا بيتر. إِنَّهَا تَجْعَلُهَا تَشْعُرُ بِتَحَسُّنٍ كَبِيرٍ. هَذِهِ هَدِيَّةٌ يُمْكِنُكَ أَنْ تُعْطِيَهَا لَهَا. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ مَوْجُودَةً بِجَانِبِهَا مِثْلَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ.»
نَكَّسَ الصَّبِيُّ رَأْسَهُ وَكَأَنَّمَا يُفَكِّرُ فِي إِجَابَتِهِ.
قَالَ بيتر أَخِيرًا: «سَأَتَعَلَّمُ إِذَا اسْتَطَعْتِ تَعْلِيمِي.»
ارْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةٌ عَلَى وَجْهِ هايدي، كَانَتْ تَعْلَمُ فِي قَلْبِهَا أَنَّهُ سَيُبْلِي بَلَاءً حَسَنًا.
الفصل السابع عشر
أَخْبَارٌ مِنْ أَصْدِقَاءَ بَعِيدِينَ


كَانَ شِتَاءً طَوِيلًا وَلَكِنْ أَخِيرًا جَاءَ شَهْرُ مَايُو. تَعَلَّمَ بيتر الْقِرَاءَةَ جَيِّدًا بِمُسَاعَدَةِ هايدي. وَصَارَتِ الْجَدَّةُ تَسْتَمْتِعُ بِسَمَاعِ تَرْنِيمَةٍ كُلَّ يَوْمٍ. شَعَرَ بيتر بِالرِّضَا عَنْ تَعَلُّمِهِ وَقَرَّرَ الذَّهَابَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ بِانْتِظَامٍ أَكْثَرَ. أَحْدَثَتْ هايدي فَرْقًا لِكُلٍّ مِنَ الْجَدَّةِ وَبيتر.
أَحْدَثَ نُورُ الشَّمْسِ فَرْقًا كَبِيرًا أَيْضًا. عِنْدَمَا ظَهَرَتْ أُولَى عَلَامَاتِ الرَّبِيعِ، انْتَقَلَ الْجَدُّ وَهايدي إِلَى الْجَبَلِ مَرَّةً أُخْرَى. بَدَأَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ وَجَدُّهَا الِاسْتِعْدَادَ لِزُوَّارِ الرَّبِيعِ مِنْ فَوْرِهِمَا. لَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى جَاءَ خِطَابُ كلارا.
كَانَتِ الزِّيَارَةُ تَبْعُدُ عَلَى الْأَقَلِّ سِتَّةَ أَسَابِيعَ، وَلَكِنَّ الزُّوَّارَ كَانُوا قَادِمِينَ! لَمْ تُطِقِ الْجَدَّةُ وَكلارا الِانْتِظَارَ.
مَرَّ الْوَقْتُ حَتَّى مَوْعِدِ زِيَارَةِ كلارا بِبُطْءٍ وَلَكِنَّهُ مَرَّ أَخِيرًا. ثُمَّ جَاءَ الْيَوْمُ عِنْدَمَا شُوهِدَ مَوْكِبٌ غَرِيبُ الشَّكْلِ يَشُقُّ طَرِيقَهُ صُعُودًا لِلْجَبَلِ. فِي الْأَمَامِ كَانَ رَجُلَانِ يَحْمِلَانِ كُرْسِيًّا. وَجَلَسَتْ فَتَاةٌ مَلْفُوفَةٌ بِالشِّيلَانِ عَلَى الْكُرْسِيِّ. وَخَلْفَهَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تَمْتَطِي حِصَانًا مَعَ دَلِيلٍ يَمْشِي بِجَانِبِهَا. بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ ثَمَّةَ مَقْعَدٌ يَدْفَعُهُ رَجُلٌ آخَرُ. وَأَخِيرًا كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَحْمِلُ لَفَّةً كَبِيرَةً مِنَ الشِّيلَانِ وَالْفَرْوِ حَتَّى إِنَّهَا كَانَتْ تَعْلُو رَأْسَهُ.
صَرَخَتْ هايدي: «هَا قَدْ جَاءُوا! هَا قَدْ جَاءُوا!» كَانَتْ تَقْفِزُ مِنَ الْفَرْحَةِ. فَقَدْ كَانَوا بِالْفِعْلِ الضُّيُوفَ مِنْ فرانكفورت.
وَصَلَتْ كلارا وَالْجَدَّةُ أَخِيرًا إِلَى الْكُوخِ وَتَعَرَّفَا إِلَى الْجَدِّ. بَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ تَصَرَّفَ الْأَرْبَعَةُ كَأَصْدِقَاءَ قُدَامَى. وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْجَدَّةُ وَالْجَدُّ يُجَهِّزَانِ الْحَلِيبَ وَالْجُبْنَ الْمُحَمَّصَ لِوَجْبَتِهِمْ، كَانَتْ هايدي تَدْفَعُ كُرْسِيَّ كلارا إِلَى كُلِّ بُقْعَةٍ وَصَفَتْهَا لَهَا مِنْ قَبْلُ. وَأَخِيرًا جَلَسَتِ الْمَجْمُوعَةُ لِلْغَدَاءِ.
سَأَلَتِ الْجَدَّةُ فِي دَهْشَةٍ: «هَلْ أَرَاكِ حَقًّا تَأْخُذِينَ قِطْعَةً أُخْرَى مِنَ الْجُبْنِ الْمُحَمَّصِ يَا كلارا؟»
– «أُوه، إِنَّ مَذَاقَهَ رَائِعٌ حَقًّا يَا جَدَّتِي، أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْأَطْبَاقِ الَّتِي نَتَنَاوَلُهَا فِي الْمَنْزِلِ.»
قَالَ الْجَدُّ: «إِنَّهُ هَوَاءُ الْجَبَلِ! يَبْدُو كُلُّ شَيْءٍ أَفْضَلَ هُنَا.»
بَعْدَ الْوَجْبَةِ، أَرَتْهُمَا هايدي الْكُوخَ مِنَ الدَّاخِلِ. وَادَّخَرَتْ غُرْفَتَهَا لِلْآخِرِ.
قَالَتِ الْجَدَّةُ: «إِنَّ الْمَكَانَ مُبْهِجٌ جِدًّا هُنَا يَا هايدي! فَيُمْكِنُكِ النَّظَرُ مُبَاشَرَةً إِلَى السَّمَاءِ مِنْ فِرَاشِكِ. وَتَسْمَعِينَ حَفِيفَ أَشْجَارِ التَّنُّوبِ فِي الْخَارِجِ، وَتَشُمِّينَ رَائِحَةً طَيِّبَةً جِدًّا حَوْلَكِ. لَمْ أَرَ أَبَدًا غُرْفَةَ نَوْمٍ جَمِيلَةً وَمُبْهِجَةً كَهَذِهِ.»
قَالَ الْجَدُّ: «لَقَدْ كُنْتُ أُفَكِّرُ، إِذَا كُنْتِ رَاغِبَةً، يُمْكِنُ لِكلارا أَنْ تَبْقَى فِي الْأَعْلَى هُنَا. أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّهَا سَتُصْبِحُ أَقْوَى وَسَنَعْتَنِي بِهَا جَيِّدًا.»
– «أَنْتَ طَيِّبٌ جِدًّا. أَشْكُرُكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِي.» أَخَذَتِ الْجَدَّةُ يَدَهُ وَصَافَحَتْهُ مُصَافَحَةً طَوِيلَةً مُمْتَنَّةً.
فِي نِصْفِ السَّاعَةِ التَّالِيَةِ كَانَتِ الْإِثَارَةُ تَعُمُّ الْمَكَانَ. عَمِلَتِ الْجَدَّةُ وَالْجَدُّ عَلَى تَجْهِيزِ كُلِّ شَيْءٍ. صَنَعَتِ الشِّيلَانُ وَالْبَطَاطِينُ الَّتِي أَحْضَرَهَا الزُّوَّارُ مَعَهُمْ غِطَاءً مِثَالِيًّا لِفِرَاشِ كلارا الْمَصْنُوعِ مِنَ التِّبْنِ. وَكَانَتْ كلارا وَهايدي مُتَحَمِّسَتَيْنِ جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّهُمَا لَمْ تَسْتَطِيعَا الْحَدِيثَ. ضَحِكَتَا وَرَاقَبَتَا الْجَدَّيْنِ وَهُمَا يَعْمَلَانِ بِعِنَايَةٍ شَدِيدَةٍ لِتَهْيِئَةِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى نَحْوٍ مُرْضٍ. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ كَانَتِ الْجَدَّةُ عَلَى حِصَانِهَا. لَوَّحَتْ مُوَدِّعَةً الْفَتَاتَيْنِ وَوَعَدَتْ بِرُؤْيَتِهِمَا قَرِيبًا.
هَذِهِ اللَّيْلَةَ بَيْنَمَا كَانَتْ كلارا مُسْتَلْقِيَةً فِي مَخْزَنِ التِّبْنِ، نَظَرَتْ عَبْرَ النَّافِذَةِ الْمُسْتَدِيرَةِ إِلَى النُّجُومِ اللَّامِعَةِ.
– «هايدي، يَبْدُو الْأَمْرُ بِالضَّبْطِ وَكَأَنَّنَا فِي عَرَبَةٍ عَالِيَةٍ وَنُوشِكُ عَلَى السَّيْرِ مُبَاشَرَةً نَحْوَ السَّمَاءِ.»
أَجَابَتْ هايدي: «النُّجُومُ تَلْمَعُ لِأَنَّهَا تَعِيشُ فَوْقًا فِي السَّمَاءِ وَسَعِيدَةٌ، ثُمَّ تُومِئُ لَنَا لِأَنَّهَا تُرِيدُ لَنَا السَّعَادَةَ أَيْضًا. أَتَعْلَمِينَ؟ إِنَّ اللهَ يُصْلِحُ كُلَّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ ثَمَّةَ دَاعٍ لِلْقَلَقِ. فَكُلُّ شَيْءٍ سَيَكُونُ عَلَى مَا يُرَامُ فِي النِّهَايَةِ.»
جَلَسَتِ الْفَتَاتَانِ، وَتَلَتَا صَلَوَاتِهِمَا ثُمَّ وَضَعَتَا رَأْسَيْهِمَا عَلَى الْفِرَاشِ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ. رَقَدَتْ كلارا مُسْتَيْقِظَةً لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، غَيْرَ مُصَدِّقَةٍ رَوْعَةَ هَذَا الْيَوْمِ. وَشَكَرَتِ اللهَ مِرَارًا لِجَعْلِ هَذَا الْيَوْمِ بِهَذَا الْجَمَالِ.
الفصل الثامن عشر
الْحَيَاةُ فِي مَنْزِلِ الْجَدِّ


فِي الْأَسَابِيعِ الثَّلَاثَةِ التَّالِيَةِ، كَانَتِ الْحَيَاةُ فَوْقَ الْجَبَلِ مُفْعَمَةً بِالْحَمَاسِ. تَشَارَكَتْ هايدي مَعَ كلارا كُلَّ شَيْءٍ.
قَالَتْ هايدي فِي صَبَاحِ أَحَدِ الْأَيَّامِ وَهُمَا تَسْتَلْقِيَانِ وَشُعَاعُ الشَّمْسِ الدَّافِئُ يَلْمِسُ أَيْدَيَهُمَا وَأَرْجُلَهُمَا: «الْآنَ تَرَيْنَ أَنَّ الْحَيَاةَ هُنَا بِالضَّبْطِ كَمَا وَصَفْتُهَا لَكُمْ. أَجَمْلُ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ أَنْ أَكُونَ هُنَا فِي الْأَعْلَى مَعَ جَدِّي.»
هَتَفَتْ كلارا بِسَعَادَةٍ: «أُوه يَا هايدي. لَوْ أَنِّي أَسْتَطِيعُ الْبَقَاءَ هُنَا فِي الْأَعْلَى مَعَكِ لِلْأَبَدِ!»
بَيْنَمَا تَلْعَبُ الْفَتَاتَانِ، قَامَ الْجَدُّ بِدَوْرِهِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ أَنَّ الزَّائِرَةَ تَتَلَقَّى عِنَايَةً جَيِّدَةً. بِمَا أَنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مَا لَدَيْهِمْ، أَعْطَاهَا فَقَطْ لَبَنَ الْبَجَعَةِ الصَّغِيرَةِ لِتَشْرَبَهُ. كما حَرَصَ عَلَى أَنْ تَحْصُلَ عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الطَّعَامِ وَالْهَوَاءِ النَّقِيِّ، كَمَا عَمِلَ عَلَى سَاقَيْهَا. كَانَ يَأْمُلُ أَنْ تَخْطُوَ يَوْمًا مَا.
سَأَلَ الْجَدُّ: «أَلَنْ تُحَاوِلَ الِابْنَةُ الصَّغِيرَةُ أَنْ تَقِفَ لِدَقِيقَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ؟» قَامَتْ كلارا بِالْمُحَاوَلَةِ لِإِرْضَائِهِ، وَلَكِنَّهَا تَمَسَّكَتْ بِهِ حَالَمَا لَمَسَتْ قَدَمَاهَا الْأَرْضَ. قَالَتْ إِنَّ الْأَمْرَ يُؤْلِمُهَا كَثِيرًا.
كَانَتِ الْبَهْجَةُ وَرُوحُ الْمُغَامَرَةِ تَغْمُرَانِ الْفَتَاتَيْنِ كُلَّ صَبَاحٍ. وَلَمْ يَمُرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى تَوَسَّلَتْ هايدي لِلْجَدِّ لِكَيْ يَأْخُذَهُمَا إِلَى الْخَارِجِ مَعَ الْمَعْزِ. وَأَخِيرًا وَافَقَ الْجَدُّ. وَفِي صَبَاحٍ مُشْرِقٍ جَمِيلٍ دَفَعَ كُرْسِيَّ كلارا خَارِجَ الْكُوخِ. ثُمَّ دَخَلَ لِيُنَادِيَ الْفَتَاتَيْنِ وَيُخْبِرَهُمَا كَمْ هُوَ شُرُوقٌ جَمِيلٌ الَّذِي تُفَوِّتَانِهِ.
وَصَلَ بيتر فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ. لَمْ تَتَجَمَّعِ الْمَعْزُ حَوْلَهُ كَعَادَتِهَا. بَدَا وَكَأَنَّهَا أَصْبَحَتْ لَا تُحِبُّهُ فِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ. لَقَدْ كَانَ غَاضِبًا وَأَنَانِيًّا مَعَهَا عَلَى مَدَارِ الْأَسَابِيعِ الْعَدِيدَةِ الْمَاضِيَةِ. وَلَمْ تَعْرِفِ الْمَعْزُ الْمِسْكِينَةُ أَنَّهَا لَيْسَتِ السَّبَبَ وَرَاءَ غَضَبِ بيتر، بَلْ كَانَتْ صَدِيقَةُ هايدي. فَبِسَبَبِ هَذِهِ الْفَتَاةِ الْمَشْلُولَةِ، امْتَنَعَتْ هايدي عَنِ الْخُرُوجِ مَعَ بيتر. لَقَدْ خَسِرَ صَدِيقَتَهُ. أَيَّامُهُ الْآنَ أَصْبَحَتْ طَوِيلَةً وَوَحِيدَةً، وَكَانَ كُلُّ ذَلِكَ خَطَأَ كلارا.
عِنْدَمَا رَأَى بيتر كُرْسِيَّهَا يَقْبَعُ هُنَاكَ، نَظَرَ إِلَيْهِ بِسُخْطٍ وَكَأَنَّهُ الْعَدُوُّ. ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَوْتٌ فِي أَيِّ مَكَانٍ وَلَا أَحَدَ يَرَاهُ. قَفَزَ الصَّبِيُّ لِلْأَمَامِ كَحَيَوَانٍ مُتَوَحِّشٍ. أَمْسَكَ بِالْكُرْسِيِّ وَدَفَعَهُ بِغَضَبٍ فِي اتِّجَاهِ الْمُنْحَدَرِ، فَانْدَفَعَ الْكُرْسِيُّ بِسُرْعَةٍ لِلْأَمَامِ وَاخْتَفَى عَنِ الْأَنْظَارِ.
طَارَتْ قِطَعٌ مِنَ الْكُرْسِيِّ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ. وَشَعَرَ بيتر بِسَعَادَةٍ وَهُوَ يَرَاهُ يَتَحَطَّمُ حَتَّى إِنَّهُ صَفَّقَ بِيَدَيْهِ وَقَفَزَ فَوْقَ الشُّجَيْرَاتِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى أَعْلَى التَّلَّةِ. لَمْ يَكْتَرِثْ أَنَّهُ رُبَّمَا يَقَعُ فِي الْمَتَاعِبِ بِسَبَبِ أَفْعَالِهِ. كُلُّ مَا كَانَ يَعْرِفُهُ أَنَّ صَدِيقَةَ هايدي لَنْ تَتَمَكَّنَ مِنَ التَّحَرُّكِ. وَسَيَكُونُ عَلَيْهَا الْآنَ الْعَوْدَةُ إِلَى مَنْزِلِهَا. وَعِنْدَ رَحِيلِ كلارا، سَتَكُونُ هايدي وَحِيدَةً وَبِالتَّأْكِيدِ سَتَخْرُجُ مَعَهُ مُجَدَّدًا.
وَلَكِنْ حَتَّى دُونَ الْكُرْسِيِّ، صَعِدَ الْجَدُّ وَالْفَتَاتَانِ لِأَعْلَى الْجَبَلِ؛ إِذْ حَمَلَ الْجَدُّ كلارا وَقَفَزَتْ هايدي بِجَانِبِهِمْ بِفَرَحٍ.
وَجَدَتِ الْمَجْمُوعَةُ بيتر فِي أَعْلَى الْجَبَلِ مَعَ بَقِيَّةِ الْمَعْزِ.
سَأَلَ الْجَدُّ: «لِمَاذَا لَمْ تَتَوَقَّفْ لِتَأْخُذَ مَعْزِي؟»
أَجَابَ بيتر: «لَقَدْ فَعَلْتُ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ.» غَضِبَ الْجَدُّ وَسَأَلَهُ عَنِ الْكُرْسِيِّ، وَلَكِنَّ بيتر قَالَ إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا.
حَرَصَ الْجَدُّ عَلَى أَنْ تَجْلِسَ كلارا مُرْتَاحَةً عَلَى شَالٍ ثُمَّ غَادَرَ لِيَقُومَ بِبَعْضِ الْأَعْمَالِ فِي الْمَنْزِلِ. جَلَسَتْ هايدي وَكلارا وَسْطَ الْبِرْسِيمِ، تَسْتَمْتِعَانِ بِالطَّقْسِ وَالْجَمَالِ الْمُحِيطِ بِهِمَا.
مَرَّتْ بِضْعُ سَاعَاتٍ، وَبَدَأَتْ هايدي تُفَكِّرُ أَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الْبَقَاءُ سَاكِنَةً لِلَحْظَةٍ أُخْرَى.
– «هَلْ سَتَعْتَقِدِينَ أَنِّي قَاسِيَةٌ يَا كلارا إِذَا تَرَكْتُكِ لِبِضْعِ دَقَائِقَ؟ أَوَدُّ أَنْ أَرَى كَيْفَ تَبْدُو الْأَزْهَارُ. أَوَدُّ أَنْ أَرْكُضَ لِهُنَاكَ وَأَعُودَ بِسُرْعَةٍ …»
ابْتَسَمَتْ لَهَا كلارا بِالْمُوَافَقَةِ وَرَكَضَتْ هايدي مُسْرِعَةً. كَانَ حَقْلُ الْأَزْهَارِ أَكْثَرَ جَمَالًا مِمَّا تَتَذَكَّرُ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ. اللَّوْنُ الْأَزْرَقُ الْغَامِقُ، وَرَائِحَةُ الْجَنَّةِ، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ رَائِعًا جِدًّا لِدَرَجَةٍ شَعَرَتْ مَعَهَا أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ عَلَيْهَا أَلَّا تُشَارِكَهُ.
صَاحَتْ هايدي لِكلارا: «أُوه، يَجِبُ أَنْ تَأْتِي! سَأَحْمِلُكِ!»
تَنَهَّدَتِ الْفَتَاةُ الْأُخْرَى: «هايدي، فِيمَ تُفَكِّرِينَ؟ أَنْتِ أَصْغَرُ مِنِّي! لَوْ أَنِّي فَقَطْ أَسْتَطِيعُ السَّيْرَ!»
نَظَرَتْ هايدي حَوْلَهَا وَكَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ فِكْرَةٍ.
نَادَتْ: «بيتر! بيتر!»
جَاءَ الصَّبِيُّ خَائفًا مِنْ أَنْ تَكُونَ صَدِيقَتُهُ الصَّغِيرَةُ قَدِ اكْتَشَفَتْ أَمْرَ الْكُرْسِيِّ، وَافَقَ عَلَى أَنْ يُسَاعِدَهَا فِي فِكْرَتِهَا.
بَدَأَتْ هايدي: «بيتر، ضَعْ يَدَكَ فِي شَكْلِ حَلْقَةٍ. الْآنَ، كلارا أَدْخِلِي ذِرَاعَكِ فِي ذِرَاعِهِ.» اسْتَمَرَّتْ هايدي فِي إِعْطَائِهِمَا التَّوْجِيهَاتِ. وَأَخِيرًا بَدَأَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي كَانَتْ عَادَةً مَا تَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ مُتَحَرِّكٍ تَمْشِي.
– «يُمْكِنُكِ السَّيْرُ الْآنَ يَا كلارا، يُمْكِنُكِ السَّيْرُ!»
كَانَتِ الْفَتَاتَانِ مُتَحَمِّسَتَيْنِ بِشِدَّةٍ حَتَّى إِنَّهُمَا اتَّفَقَتَا عَلَى التَّدَرُّبِ عَلَى السَّيْرِ كُلَّ يَوْمٍ. مَعَ كُلِّ يَوْمٍ كَانَ الْأَمْرُ يَزْدَادُ سُهُولَةً وَتَتَمَكَّنُ كلارا مِنَ الْمَشْيِ لِمَسَافَةٍ أَطْوَلَ. مَرَّ أُسْبُوعٌ آخَرُ وَأَخِيرًا جَاءَ الْيَوْمُ الَّذِي سَتَأْتِي فِيهِ الْجَدَّةُ لِأَعْلَى الْجَبَلِ مِنْ أَجْلِ زِيَارَةٍ ثَانِيَةٍ. وَكَانَ فِي انْتِظَارِ السَّيِّدَةِ الْعَجُوزِ مُفَاجَأَةٌ جَمِيلَةٌ. مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّهَا سَتَكُونُ سَعِيدَةً جِدًّا عِنْدَمَا تَرَى كلارا تَمْشِي لِلْمَرَّةِ الْأُولَى. خَطَّطَتِ الْفَتَاتَانِ لِأَنْ تَجْلِسَا عَلَى الْمَقْعَدِ خَارِجَ الْكُوخِ. سَتَنْتَظِرَانِ الْجَدَّةَ لِتَكُونَ قَرِيبَةً بِمَا يَكْفِي لِتَسْتَطِيعَا رُؤْيَةَ وَجْهِهَا ثُمَّ تُرِيَانِهَا مُفَاجَأَتَهُمَا.
الفصل التاسع عشر
الْوَدَاعَ حَتَّى نَلْتَقِيَ مُجَدَّدًا


قَالَتِ الْجَدَّةُ وَهِيَ تَقْتَرِبُ مِنَ الْكُوخِ: «هَلْ هَذِهِ أَنْتِ حَقًّا يَا طِفْلَتِي الْعَزِيزَةَ؟ لَقَدْ أَصْبَحَتْ وَجْنَتَاكِ مُمْتَلِئَتَيْنِ وَوَرْدِيَّتَيْنِ! هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ أَنْتِ حَقًّا يَا كلارا؟»
لَقَدْ رَكَضَتِ الْجَدَّةُ تَقْرِيبًا نَحْوَ الْفَتَاتَيْنِ الْجَالِسَتَيْنِ عَلَى الْمَقْعَدِ.
– «لِمَاذَا لَسْتِ عَلَى كُرْسِيِّكِ يَا كلارا؟ يُمْكِنُ أَنْ تَقَعِي مِنْ عَلَى ذَلِك …»
نَظَرَتْ هايدي وَكلارا إِلَى بَعْضِهِمَا الْبَعْضِ ثُمَّ وَقَفَتَا مِنْ عَلَى الْمَقْعَدِ. بَدَأَتِ الطِّفْلَتَانِ فِي السَّيْرِ نَحْوَ السَّيِّدَةِ الْمُنْدَهِشَةِ.
«كلارا! حَبِيبَتِي كلارا! أَنْتِ تَمْشِينَ!» جَرَتِ الْجَدَّةُ فِي اتِّجَاهِ الْفَتَاتَيْنِ وَهِيَ تَضْحَكُ وَتَبْكِي، عَانَقَتْ كلارا أَوَّلًا ثُمَّ هايدي. وَفَجْأَةً لَمَحَتِ الْجَدَّ يَقِفُ بِجَانِبِ الْكُرْسِيِّ. رَكَضَتْ نَحْوَهُ وَعَانَقَتِ الرَّجُلَ الْعَجُوزَ الْعَزِيزَ.
– «هُنَاكَ الْكَثِيرُ لِأَشْكُرَكَ عَلَيْهِ! كُلُّ هَذَا مِنْ فِعْلِكَ أَنْتَ! لَقَدْ حَدَثَ بِسَبَبِ عِنَايَتِكَ.»
أَضَافَ مُبْتَسِمًا: «وَشَمْسِ اللهِ الْمُشْرِقَةِ وَهَوَاءِ الْجَبَلِ.»
شَرَحَتْ كلارا كَيْفَ عَمِلَ الْجَدُّ مَعَهَا فِي الْأَسَابِيعِ السَّابِقَةِ. كَمَا وَصَفَتْ كَيْفَ قَضَتْ هايدي كُلَّ دَقِيقَةٍ مِنْ يَوْمِهَا تَبْحَثُ عَنْ أَشْيَاءَ تَفْعَلَانِهَا. كَانَتْ كلارا تَقْضِي أَسْعَدَ أَيَّامِ حَيَاتِهَا.
لَمْ تُصَدِّقِ الْجَدَّةُ التَّغَيُّرَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ. كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْهَا عِنْدَمَا رَأَوْا شَخْصًا يَصْعَدُ التَّلَّةَ. لَمْ تُمَيِّزْ كلارا مَنْ هُوَ حَتَّى اقْتَرَبَ.
صَاحَتْ وَهِيَ مُنْدَهِشَةٌ لِرُؤْيَتِهِ: «أَبِي!»
تَوَقَّفَ السَّيِّدُ سيسمان فَجْأَةً وَهُوَ يُحَدِّقُ إِلَى الطِّفْلَتَيْنِ أَمَامَهُ. فَجْأَةً امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ. كَمْ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ تَجَدَّدَتْ فِي قَلْبِهِ. فَقَدْ كَانَ يَرَى فِي وَجْهِ كلارا وَجْهَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا. لَطَالَمَا كَانَتْ كلارا نَحِيفَةً جِدًّا، وَلَكِنَّهَا الْآنَ بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ وَتَبْدُو تَمَامًا مِثْلَ أُمِّهَا. لَمْ يَعْرِفِ السَّيِّدُ سيسمان هَلْ هُوَ مُسْتَيْقِظٌ أَمْ أَنَّهُ يَحْلُمُ.
نَادَتْهُ كلارا: «أَلَا تَعْرِفُنِي يَا أَبِي؟ هَلْ تَغَيَّرْتُ كَثِيرًا مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ رَأَيْتَنِي؟» كَانَتْ تَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ بَالِغَةٍ.
رَكَضَ السَّيِّدُ سيسمان نَحْوَ طِفْلَتِهِ وَضَمَّهَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ.
– «نَعَمْ، لَقَدْ تَغَيَّرْتِ بِالْفِعْلِ! كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِك؟ هَلْ مَا أَرَاهُ حَقِيقِيٌّ؟» خَطَا الْأَبُ السَّعِيدُ خُطْوَةً إِلَى الْوَرَاءِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا مُجَدَّدًا. تَمَنَّى أَلَّا يَخْتَفِيَ مَنْظَرُهَا مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْهِ.
ظَلَّ يَقُولُ: «هَلْ أَنْتِ ابْنَتِي الصَّغِيرَةُ كلارا؟ حَقًّا أَنْتِ صَغِيرَتِي كلارا؟» جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْآنَ، مُتَشَوِّقَةً لِرُؤْيَةِ ابْنِهَا: «لَقَدْ فَاجَأْتَنَا بِمَجِيئِكَ إِلَى هُنَا، وَلَكِنْ أَظُنُّ أَنَّنَا أَعْطَيْنَاكَ مُفَاجَأَةً أَفْضَلَ.»
أَخْبَرَهُمُ السَّيِّدُ سيسمان أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَجِدَ أَنَّ وَالِدَتَهُ وَكلارا قَدْ رَحَلَتَا لِزِيَارَةِ الْجَبَلِ، فَظَنَّ أَنَّهَا سَتَكُونُ فِكْرَةً رَائِعَةً أَنْ يَنْضَمَّ لَهُمَا. قَابَلَ بيتر فِي طَرِيقِهِ، وَقَدْ أَحْضَرَهُ الصَّبِيُّ إِلَى أَعْلَى الْجَبَلِ. كَمْ كَانَ سَعِيدًا لِوُجُودِهِ هُنَاكَ. كَانَ هَذَا وَاحِدًا مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِ حَيَاتِهِ. فَقَدْ كَانَتْ فَتَاتُهُ الصَّغِيرَةُ تَمْشِي!
جَلَبَ مَا تَبَقَّى مِنْ فَتْرَةِ مَا بَعْدَ الظُّهْرِ سَعَادَةً غَامِرَةً لِلْجَمِيعِ. أَرَادَتْ كلارا وَعَائِلَتُهَا التَّعْبِيرَ عَنْ شُكْرِهِمْ عَلَى كُلِّ الطِّيبَةِ الَّتِي تَلَقَّوْهَا.
قَالَتِ الْجَدَّةُ: «بيتر، لَقَدْ شَارَكْنَاكَ فِي هايدي لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ.» كَانَ بيتر قَدْ شَعَرَ بِالْخَجَلِ فِي وَقْتٍ سَابِقٍ وَأَخْبَرَ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ بِأَمْرِ الْكُرْسِيِّ. وَعِنْدَمَا شَرَحَ كَمْ كَانَ يَشْعُرُ بِالْوَحْدَةِ، سَامَحَاهُ عَلَى الْفَوْرِ. فَرَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ لَمْ تَكُنْ لِتَحْدُثَ إِذَا ظَلَّ الْكُرْسِيُّ لَدَى كلارا.
قَالَتِ الْجَدَّةُ لِلصَّبِيِّ: «إِنَّكَ بِحَاجَةٍ لِشَيْءٍ لَطِيفٍ لِتَتَذَكَّرَنَا بِهِ. وَأَنَا أَعْرِفُ هَذَا الشَّيْءَ. سَنُخَصِّصُ لَكَ مَبْلَغًا مِنَ الْمَالَ لِتَصْرِفَهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ.»
سَأَلَ الصَّبِيُّ بِسُرْعَةٍ: «لِبَقِيَّةِ حَيَاتِي؟»
أَجَابَتِ الْجَدَّةُ: «أَجَلْ، لِبَقِيَّةِ حَيَاتِكَ.» أَوْمَأَ السَّيِّدُ سيسمان بِرَأْسِهِ تَعْبِيرًا عَنِ الْمُوَافَقَةِ وَصَافَحَ الصَّبِيَّ. رَكَضَ بيتر مُنْصَرِفًا وَهُوَ يَقْفِزُ فَرَحًا.
قَالَ السَّيِّدُ سيسمان لِلْجَدِّ: «وَالْآنَ يَا صَدِيقِيَ الْعَزِيزَ. لَقَدْ أَعْطَيْتَنَا هَدِيَّةً أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يُمْكِنُنَا رَدُّهُ. مِنَ الْمُؤَكَّدِ يُوجَدُ شَيْءٌ يُمْكِنُنَا فِعْلُهُ مِنْ أَجْلِكَ؟»
فَكَّرَ الْجَدُّ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ: «أَنَا أَتَقَدَّمُ فِي الْعُمُرِ. وَلَا بُدَّ أَنَّنِي سَأَرْحَلُ بَعْدَ وَقْتٍ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ. أَحْتَاجُ لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَى وُجُودِ مَنْ يَرْعَى هايدي بَعْدَ رَحِيلِي.»
أَجَابَ السَّيِّدُ سيسمان: «لَا تَجْعَلْ هَذَا يَشْغَلُ تَفْكِيرَكَ حَتَّى يَا صَدِيقِي. أَنَا أَعْتَبِرُ الطِّفْلَةَ كَطِفْلَتِي. لَنْ نَسْمَحَ بِأَنْ تَكُونَ تَحْتَ رِعَايَةِ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ.» ابْتَسَمَ الْجَدُّ ابْتِسَامَةَ عِرْفَانٍ بِالْجَمِيلِ.
سَأَلَتِ الْجَدَّةُ: «وَمَاذَا عَنْكِ يَا هايدي؟ هَلْ هُنَاكَ مَا تَتَمَنَّيْنَهُ؟»
فَكَّرَتْ هايدي لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِحَزْمٍ: «أَجَلْ، أُرِيدُ أَنْ يَتِمَّ إِرْسَالُ فِرَاشِي مِنْ فرانكفورت لِلْجَدَّةِ. بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَنْ تُضْطَرَّ أَنْ تُطَأْطِئَ رَأْسَهَا وَسَتَظَلُّ دَافِئَةً بِمَا يَكْفِي حَتَّى فِي أَكْثَرِ اللَّيَالِي بُرُودَةً.»
قَالَتِ الْجَدَّةُ وَهِيَ تُعَانِقُهَا: «كَمْ هُوَ جَمِيلٌ أَنَّكِ تُفَكِّرِينَ فِي الْآخَرِينَ! بِالطَّبْعِ يُمْكِنُنَا فِعْلُ ذَلِك. وَأُرِيدُ أَيْضًا أَنْ أُقَابِلَ هَذِهِ الْجَدَّةَ الرَّائِعَةَ.»
جَلَبَتْ زِيَارَةُ الْجَدَّةِ سَعَادَةً بَالِغَةً لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَتَخَيَّلُ هايدي. فَقَدْ كَانَتْ مَعْرِفَةُ أَنَّ هايدي لَنْ تَتْرُكَهَا مُجَدَّدًا وَحْدَهَا أَمْرًا رَائِعًا بِمَا يَكْفِي. أَمَّا مَعْرِفَةُ أَنَّ هايدي لَدَيْهَا أَصْدِقَاءُ يَكْتَرِثُونَ لِأَمْرِهَا بِحَقٍّ فَقَدْ جَلَبَتْ دِفْئًا لَا يَنْتَهِي لِقَلْبِهَا.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي كَانَ عَلَى كلارا أَنْ تُوَدِّعَ الْجَبَلَ الْجَمِيلَ. وَلَكِنَّ الصَّيْفَ سَيَأْتِي مُجَدَّدًا وَبِحُلُولِ ذَلِك سَتَكُونُ كلارا تَسِيرُ عَلَى نَحْوٍ أَفْضَلَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، وَسَتَكُونُ زِيَارَتُهَا الْقَادِمَةُ لِلْجَبَلِ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ.
رَكَضَتْ هايدي حَتَّى طَرَفِ الْمُنْحَدَرِ وَلَوَّحَتْ بِيَدِهَا لِكلارا حَتَّى اخْتَفَتْ آخِرُ لَمْحَةٍ مِنَ الْفَتَاةِ.
•••

وَصَلَ الْفِرَاشُ مِنْ فرانكفورت بَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ. وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ، نَامَتِ الْجَدَّةُ نَوْمًا هَنِيئًا. اسْتَمَرَّتْ فِي النَّوْمِ عَلَى الْفِرَاشِ وَغَدَتْ أَقْوَى مَعَ كُلِّ يَوْمٍ يَمُرُّ. جَلَسَ بيتر وَهايدي بِجَانِبِ الْجَدَّةِ وَأَخْبَرَاهَا قَصَصًا مِنْ قَصَصِ الصَّيْفِ. كَمَا وَصَفَا لَهَا جَمَالَ جَانِبِ الْجَبَلِ فِي الرَّبِيعِ، حَيْثُ لَا يُوجَدُ مَكَانٌ أَفْضَلُ مِنْهُ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ.
عَادَ الطَّبِيبُ إِلَى الْبَلْدَةِ، هَذِهِ الْمَرَّةَ لِلْبَقَاءِ. أَصْلَحَ مَنْزِلًا قَدِيمًا فِي دورفلي وَعَاشَ هُنَاكَ مَعَ هايدي وَالْجَدِّ. وَكَانَ فِي الْمَنْزِلِ حَظِيرَةٌ دَافِئَةٌ فِي الْخَلْفِ لِلْمَاعِزَيْنِ لِيَقْضِيَا شُهُورَ الشِّتَاءِ فِي رَاحَةٍ.
أَمَّا الْفَتَاةِ الَّتِي جَاءَتْ إِلَى الْجَبَلِ مُنْذُ عِدَّةِ أَعْوَامٍ، فَقَدْ أَقْسَمَتْ أَلَّا تَتْرُكَ جَمَالَهُ الرَّائِعَ أَبَدًا. كَانَ لَدَى هايدي كُلُّ السَّعَادَةِ الَّتِي تَحْتَاجُهَا هُنَاكَ عَلَى الْجَبَلِ. لَقَدْ أَعْطَاهَا الْجَدُّ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ مَنْزِلٍ عِنْدَمَا اسْتَضَافَهَا. لَقَدْ أَعْطَاهَا حَيَاةً مَلِيئَةً بِالْحُبِّ وَالدِّفْءِ وَالرِّعَايَةِ. وَكَانَتِ الْآنَ سَعَادَتُهَا فِي مُشَارَكَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَعَ الْآخَرِينَ. فَهِيَ تَعْلَمُ الْآنَ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِهَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ عَلَى مَا يُرَامُ فِي النِّهَايَةِ.