Advertisement

نصر لا لـزوم لـه - أنطون تشيخوف









نصر لا لـزوم لـه
قصة للفتيان


تأليــف : أنطون تشيخوف
ترجمة : عـدنـان جامـوس


منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب
وزارة الثقافة – دمشق 2009
العنوان الأصلي للكتاب :
A. ?. ?????
???????? ??????



قصص وروايات





تمهيد
أنطون تشيخوف (1860- 1904) كاتب روسي شهير من ألمع كتاب الأقصوصة والقصة في العالم. وقد اشتهر بين جمهور القراء بهذه الصفة بالذات, مع أنه برع أيضاً في كتابة القصة الطويلة والمسرحية والوصفية والأسخورة وسواها من فنون الكتابة الإبداعية.
وقد ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة, وصدر العديد من إبداعاته بالعربية بترجمات مختلفة تتفاوت في جودتها وقيمتها. ولكن لا تزال بعض هذه الأعمال غير مترجمة إلى العربية إما لأنها كُتبت في حقبة مبكرة من إبداع الكاتب قبل أن يصبح المبدعَ العملاقَ الذي نعهده في أعماله الناضجة, أو لأن المترجم لا يرى في هذه الأعمال السمات الطابعية التي تميز النص التشيخوفي من أي نص آخر بمجرد قراءة الأسطر الأولى. ولكن كاتباً يتسم بمثل هذه القدرة الفذة على تصوير الطباع البشرية, وبمثل هذا الإحساس المرهف المؤهل لالتقاط أعمق خلجات النفس الإنسانية وأدقها, ويتميز بموهبة نادرة في تقمص مختلف الشخصيات, والكشف عن الدوافع الحقيقية وراء تصرفاتها سواء أكانت مرئية أو مخفية, شعورية أو لا شعورية, وفي النفاذ إلى جوهر الظواهر الحياتية وتجسيدها بفنية عالية تجعل منها نماذج إبداعية فردية غير قابلة للتكرار, لَهُوَ كاتب يستحق منا أن نطّلع على كل ما أبدعه قلمه, ولا سيما تلك الأعمال التي تتميز بطابع خاص بالمقارنة مع آثاره الأخرى, لنرى مختلف أوجه موهبته التي تجعل من أي موضوع تتناوله موضوعاً جديراً بالاهتمام والتأمل.
والقصة التي نقدم ترجمتها إلى العربية أول مرة هي من هذا النوع الأخير بالذات. فنحن لم نعتد أن نقرأ لتشيخوف قصص مغامرات. بيد أن الأحداث هنا لا تقتصر على إثارة اهتمام القارئ بالحدث المفاجئ بحد ذاته, بل هي تعكس ظواهر اجتماعية ذات دلالة, وتتجلى من خلالها سمات طباع بشرية نموذجية وشخصيات من لحم ودم.
نُشرت القصة أول مرة في مجلة «المنبّه» في العام 1882, مسلسلة في عشرة أعداد, بإمضاء: أ- تشيخونته, وهو الاسم المستعار الأكثر شهرة بين الأسماء التي كان تشيخوف ينتحلها في أعماله المبكرة.
والنص العربي مترجم عن النص الروسي المنشور في المجلد الأول من أعمال تشيخوف الكاملة الصادرة في ثلاثين مجلداً (موسكو 1974).
ويحدثنا أ. ف. أمفيتياتروف عن منشأ فكرة «نصر لا لزوم له» في مذكراته فيقول: «راهن أنطون بافلوفتش تشيخوف مرة رئيس تحرير مجلة «المنبه» أ. د. كوريبين بحضوري على أنه سيكتب قصة تجعل جميع القراء يظنون أن كاتبها هو مافر إيوكاي, وربح الرهان, بالرغم من أنه لم يكن لديه أي تصور عن هنغاريا ولم يزرها قط. كانت موهبته الفتيّة تفور كالشمبانيا بالآلاف من شرر الحباب».
وكانت أعمال الأديب الهنغاري مافر إيوكاي (1825- 1904) الذي كان تشيخوف يقلده, كما هو مفروض, في قصة «نصر لا لزوم له» قد ظهرت مترجمة إلى اللغة الروسية في أواخر السبعينيات. ومن الأعمال الأولى التي نشرت له بالروسية: رواية «الإباء الألماني» وقد أُعلن عن ذلك في العام 1879 وسرعان ما ذاع اسم إيوكاي على نطاق واسع, وغدت رواياته وقصصه تنشر في المجلات «العائلية», وتصدر في طبعات مستقلة.
ولكن لا يمكننا أن نجد وجوه تماثل مباشرة بين «نصر لا لزوم له» والترجمات التي نشرتها المجلات الروسية لأعمال «إيوكاي» في بداية الثمانينيات. لذا فليس ثمة أساس للقول إن قصة تشيخوف «معارضة أدبية» أو, بالأحرى, تقليد, لأعمال «إيوكاي».
وقد كتب الباحث والناقد المعروف غ. أ. بيالي بهذا الصدد, مبيناً الفرق بين العالم الذي يصوره تشيخوف وعالم الكاتب المجري «إيوكاي»: «.... في قصة نصر لا لزوم له» يمثل أمامنا عالم آخر تماماً: أشخاص كبار, وأهواء كبيرة, وصدامات عنيفة, ونزاعات اجتماعية, حياة غنية بالأفعال والأحداث. إن العناصر الميلودرامية في تسلسل الأحداث وفي الأسلوب تحتشد بكثافةٍ تستدعي الافتراض تلقائياً بأن القصة تتصف بطابع المعارضة الأدبية. ولكن المعارضة هنا تفتقر إلى عنصر الكاريكاتور والتعمد والتشديد على نغمة التهكم. هنا لا وجود للمعارضة, بل ثمة أسلبةٌ معينة (...) (السرد بأسلوب يشبه أسلوب إيوكاي, بدون تعمد التقليد- المترجم), و الأهم من هذا كله هو أن القصة تتضمن تمجيداً للناس الأقوياء والطبائع النبيلة(1).
وقد لاقت قصة تشيخوف بشهادة المعاصرين نجاحاً كبيراً (2). ولعل اسم بطلة القصة «إيلكا», كان يتداعى في وعي القراء آنذاك مع اسم «العندليب المجري» المغنية: إيتيلكا غيرستير غارديني التي زارت موسكو زيارة فنية في العام 1882.
وقد وُضعت على أساس قصة «نصر لا لزوم له» عدة سيناريوهات سينمائية (لأفلام: «مهنة مغنية الشارع» «نصر لا لزوم له», «إيلكا» «نهاية آل فونيتش»).


الفصل الأول

كانت الشمس في منتصف طريقها إلى الغروب عندما انعطف تسفيبوش وإيلكا سوباتشيي زوبكي عن الطريق العام واتجها نحو بستان آل الكونت غولداوغين. الجو حار وخانق.
في حزيران يُعرفّك السهب المجري بنفسه. فالأرض تتشقق, والطريق يتحول إلى نهر يتماوج فيه بدل الماء غبار أشهب, والريح, إذا ما كانت ثمة ريح, تهب حارة لافحة. ويسود في الهواء سكون من الصباح إلى المساء. سكون يبعث الشعور بالوحشة في نفس المسافر. البساتين والكروم المجرية المترفة المشهورة في العالم كله هي وحدها التي لا تكمد, ولا تصفرّ, ولا تَيْبَس تحت أشعة الشمس السهبية الحارقة.
إن هذه البساتين والكروم التي نثرتها يد الإنسان المتمدن على جوانب الأنهار والجداول العديدة, تظل منذ إطلالة الربيع وحتى منتصف الخريف, تزهو بخضرتها, وتجذب إليها السابلة, وتغدو ملاذاً لكل كائن حي هارب من لهب الشمس, ففيها يسود الظل والبرودة والنسيم الرائع.
سار تسفيبوش وإيلكا في ممر مشجر طويل. وكان هذا الممر هو أقصر طريق بين خوخة البوابة التي تنفتح على السهب, وخوخة البوابة التي تفضي إلى بستان الكونت, وهو يشطر البستان إلى قسمين متساويين.
قال تسفيبوش وهو يحاول أن يمد بصره إلى نهاية الممر:
- إن هذا الممر يذكرني بالمسطرة التي كانوا في وقت ما يضربون بها والدك على يديه في المدرسة.
كانت نهاية الممر تتلاشى وتندمج بالمدى الأخضر البعيد. ولم تكن الشمس تنفذ إليه, فعرضه لم يكن يتجاوز المترين, والأشجار المصطفة على جانبيه كانت ترسل أغصانها لملاقاة بعضها بعضاً. كان أشبه بنفق أنشأته الطبيعة من أغصان الزيتون والبلوط والزيزفون والحور, حتى لكأن تسفيبوش وإيلكا قد دخلا إلى رواق مسقوف. كان تسفيبوش البدين القصير الساقين يسبح بعرقه, وقد تضرج وجهه حتى غدا كالشمندر المسلوق. وكان لا يفتأ يمسح ذقنه المبلل بطرف سترته القصيرة, وينفخ ويَصْفِر كدرّاسة بخارية سيئة التزييت. تمتم وهو يفك بأصابعه السمينة أزرار صداره وقميصه:
- هذه برودة ربانية, يا عصفورتي, أقسم بكمنجتي. ألا ترين أننا انتقلنا من الجحيم إلى الجنة.
لم يكن وجه إيلكا أقل شحوباً من شفتيها الورديتين, وكانت تلمع على جبينها العريض وقصبة أنفها قطرات من العرق.
كانت الفتاة المسكينة قد أُرهقت أشد الإرهاق, وتكاد لا تقف على قدميها, وكانت حِمالة القيثارة تضغط على كتفها, وطرفها الحاد يتململ فوق خاصرتها بفظاظة. بيد أن الفيء جعلها تبتسم وتزفر طويلاً عدة مرات. خلعت نعليها وسارت حافية, وراحت القدمان الحافيتان الصغيرتان الجميلتان تتنقلان فوق الرمل البارد بحبور.
- ألا نجلس؟ - اقترح تسفيبوش- الممر طويل كلسان العانس, إنه يمتد حوالي ثلاثة فراسخ()!
- لا, يا أبي! فإذا نحن جلسنا سيصعب علينا أن ننهض بعد ذلك. من الأحسن أن نصل إلى النهاية, وهناك سنستريح.
- هكذا إذاً.... اليوم, يا عصفورتي, عيد ميلادك, القدر سيهدي إليك شيئاً ما, فأية هدية تريدين؟
- أتمنى أن يهدي إلي القدر اليوم غداءً...
- هيه, يا لها من أمنية! ها- ها! لقد تمنيت الكثير! ألن يكون هذا دَسِماً, يا بنيّتي؟ ألا تريدين أيضاً أن تتعشّي؟
- منذ وقت طويل لم آكل أي شيء ساخن.. لا يمكنك أن تتصور يا بابا كيف نشف حلقي من الخبز الجاف والمارتديلا المدخّنة! لو عَرَضَ عليّ القدر اليوم أن أختار كهدية إما عشر سنوات تُضاف إلى حياتي أو طبقاً من المرق لاخترت الثاني دون تردد.
- ونِعمَ الاختيار! إن أسوأ مرق أفضل من حياتنا الغبية بأضعاف مضاعفة.
- كنت اخترت المرق واحتسيته بشهية وأية شهية! إنني أتضور جوعاً.
نظر تسفيبوش إلى إيلكا بتعاطف, وزفر مصدراً من بين شفتيه الغليظتين صوتاً صافراً. كان دائماً يصدر أصواتاً صافرة متقطعة عندما يَعرِض له ما يقلقه أو يحمله على التفكير العميق. صمت قليلاً, ثم تحول إلى إيلكا بحاجبيه الكثيفين المتهدلين اللذين تطل من خلفهما عيناه الباسمتان, وقال:
- ولكن انتظري, اصبري... لدي إحساس داخلي بأن الهدية التي سيقدمها إليك القدر اليوم ستكون جديرة باهتمامنا... هيء- هيء... لدي إحساس داخلي بأننا لا نتجرجر عبثاً إلى فِناء آل الكونت غولداوغين النبلاء! هيء- هيء... عندما سندخل الفناء ونبدأ العزف سيغمروننا بالمعدن المحتقر. سنحشو جيوبنا بالنقود. وسيقدمون لإيلكا الغداء... هيء- هيء... احلمي يا إيلكا! وما الذي لا يحدث في هذا العالم؟ لعل كل ما أقوله صحيح!
أصلحت إيلكا من وضع حِمالة القيثارة على كتفها, وشرعت تضحك. وتابع تسفيبوش: سيسمعنا الكونت نفسه, وفجأة, يا روحي, ستخطر في ذهنه فكرة, بأنه لا ينبغي طردنا من الفناء. وفجأة سيستمع غولداوغين إليك ويبتسم... وإذا كان مخموراً فإنه, أقسم لك بكمنجتي, سيلقي عند قدميك بقطعة نقد ذهبية! ذهبية! هيء- هيء- هيء.. وفجأة, لسعادة طالعنا, سيكون الآن جالساً إلى النافذة وهو مخمور جداً! عندئذٍ تيقني أن قطعة النقد الذهبية ستكون في حوزتك يا إيلكا! هؤ- هؤ هؤ...
تساءلت إيلكا:
- ولماذا يجب أن يكون مخموراً حتماً؟
- لأن المخمور أطيب وأذكى من الصاحي. المخمور يحب الموسيقا أكثر من الصاحي, آه, يا وتري العذب الصوت! لو لم يكن في هذا العالم سكارى, لما تقدم الفن كثيراً! ادْعي إذاً من أجل أن يكون الذين سيستمعون إلينا سكارى!
استغرقت إيلكا في التفكير. نعم إن تسفيبوش محق بعض الشيء! فحتى الآن كان معظم الذين يلقون إليها بالنقود من السكارى. لو لم يكن هناك سكارى لقُدّر عليها وأبيها أن يجوعا مرات أكثر بكثير. لقد قدر لهما أن يعزفا في أغلب الأحيان أمام الحانات والخمارات, لا أمام الأروقة النظيفة لسكان المدن الصاحين. وكان أكثر من يستمع إليهم رجالاً ذوي وجوه مترهلة وأنوف كبيرة حمراء, ويتفوهون بكلمات مفككة بذيئة. استغرقت إيلكا في التفكير بهذا الموضوع الكئيب, وأحست بالمرارة والأسى. لقد فهمت الآن لماذا يولون غناء أبيها الذي يشبه صوت التيس ويولون نكاته المبتذلة انتباهاً أكبر مما يولونه غناءها, ولماذا يطلبون منها في أغلب الأحيان أن تبدل غناءها رقصاً. ولم يكن يندر أن تُقطَع أغنيتُها في منتصفها وتُستبدل بها رقصة تافهة على عويل كمنجة أبيها. وليس من مستمع واحد حتى الآن أبدى اهتماماً بمعرفة الشخص الذي ألّف هذه الأغاني التي تغنيها بكل هذا الإحساس. كانت «أغنية الفرسان الثلاثة» تُسمع بالاهتمام نفسه الذي تُسمع به مقطوعة راقصة خالية من المحتوى.
- الصاحون يحتقروننا لأنهم ينظرون إلينا على أننا متسولون, أما السكارى فإنهم يسمحون لنا بالاقتراب منهم لأننا بموسيقانا نخفف قليلاً من صداعهم.
بهذه الكلمات أوصل تسفيبوش إيلكا المكتئبة إلى الشعور بالكرب. دهمتها رغبة في البكاء وفي أن تكسر عضواً من أعضائها... ولو أصابعها, مثلاً. ولكن الأصابع لا تنكسر مهما فتلتها وبرمتها, وكان عليها أن تكتفي بالدموع فقط. غمغم تسفيبوش: - تحياتي لمنزل آل الكونت غولداوغين المبجلين. ثم قال وقد شاهد باب الخوخة المنسوج من شريط دقيق والمحاط بنبات الجلبان المزهر:
- تحياتي! إنسان ليس له أسلاف يلج وَجْرَ أناس لهم أسلاف, أسلاف - أوغاد! واللاشيء أفضل من النذالة! في القرن السابع عشر تزوج الكونت كارل غولداوغين امرأة ليست من النبلاء, ومات من تبكيت الضمير, وظل أخوه موريتس شهراً كاملاً يرقص فرحاً عندما أذن له الأب المقدس بتطليق المرأة التي كان موريتس قد خطفها وأورثها السل. هل ترين, يا يمامتي, هذا البيت؟ لو أمكن لك أن تكشفي الستر عن تاريخ هذا البيت وتنظري فيه لصرخت: «إنسان سافل!» ولكنت أنت التي لا تعرفين أية كلمة فاحشة انهلت بالسباب كما لا يسب أحد... سوى الروس فقط! هل تذكرين يا عزيزتي الروس؟ كلمتهم لاذعة كبردهم. فليستقم دوزان آلاتنا!
ضبط تسفيبوش كمنجته, ومسحت إيلكا الغبار عن قيثارتها بمئزرها.
- أيها القدر, إننا نتحداك! التقطْ القفاز الذي لا وجود له.
شد تسفيبوش وإيلكا قامتيهما, وأظهرا السرور على وجهيهما, ودخلا بهمة إلى فناء الكونت. لم يكن الفناء خالياً بالرغم من فترة القيظ. ثمة أعمال كانت تجري فيه على قدم وساق. كان هناك نحو عشرين عاملاً بسترات زرقاء يفرشون الفناء بالإسفلت وقد غطاهم الغبار والسخام والعرق. وثمة دخان أشهب مزرق يتصاعد من ثلاثة مراجل.
اقترب تسفيبوش وإيلكا بحيوية من المنزل وشملا النوافذ بنظرهما, فشاهدا في أكبرها سحنة بشرية كبيرة... كانت السحنة مضرجة بالحمرة. فتمتم تسفيبوش: - الكونت! يبدو أنه هو! نبوءتي تتحقق! إنه مخمور... ابدئي!
ضربت إيلكا على أوتار قيثارتها, وخبط تسفيبوش بقدمه ورفع كمنجته إلى ذقنه. التفت العمال عند سماعهم صوت الموسيقا, وفتحت السحنة الحمراء التي عند النافذة عينيها وعبست وارتفعت إلى الأعلى. ولاح خلف السحنة الحمراء وجه أنثوي, ولاحت يدان... وانفتحت النافذة على مصراعيها, وتعالى صوت من النافذة يقول:
- ارجعا, ارجعا! هيا من الفناء! أنتما! أيها الموسيقيان, ليأخذكما الشيطان مع موسيقاكما!
أطلت السحنة الحمراء من النافذة وطفقت تلوح بيديها. وهتف صوت أنثوي: - اعزفا, اعزفا!
ترك العمال أعمالهم واقتربوا من العازفين وهم يحكّون أجسامهم ووقفوا في الأمام كي يتمكنوا من رؤية وجه إيلكا. غنّت إيلكا وأصابعها تتلاعب بالأوتار:
«في العالم بلدان كثيرة, رائعة ومنيرة كالشمس, وغنية. ولكن أحسنها هنغاريا ببساتينها ومراعيها ومناخها ونبيذها وثيرانها التي يبلغ طول قرونها مترين. إن إيلكا تحب هذه البلاد وتحب الناس الذين يسكنونها».
ابتسمت السحنة الحمراء وصوبت نظرتها الشهوانية نحو إيلكا. وتابعت إيلكا الغناء: «أناسها جيدون وسيمون شجعان, ولديهم زوجات حسناوات. ولا أحد يمكنه أن يغلبهم في ميدان الحرب ولا في ميدان الجدل الكلامي. الشعوب تحسدهم. وليس فيهم سوى عيب واحد: إنهم لا يعرفون الأغنية. أغنيتهم بائسة وتافهة. ليس فيها حماسة. ونغماتها تجعلك تشفق على هنغاريا...».
اقترب خادم يرتدي سترة قصيرة حمراء من إيلكا وصاح بصوت غليظ:
- السيد بيختيرشتاي, كبير وكلاء سعادته, يأمرك بأن تغني أغنية أكثر مرحاً!
انقطع صوت إيلكا. ولم يتسن للفتاة أن تعبر عن فكرتها حتى النهاية.
- أكثر مرحاً؟ هـ.. م... قل لسعادة السيد بيختيرشتاي إن رغبته ستنفذ بدقة! وعلى كل سيكون لي الشرف بأن أتفاهم معه بنفسي!
قال تسفيبوش هذا وخلع قبعته واقترب من النافذة الكبيرة ودق كعباً بكعب, وتساءل وهو يبتسم باحترام:
- أتأمرون بأن نغني شيئاً ما أكثر مرحاً؟
- نعم.
- أتأمرون بأن نغني أغنية دبلوماسية؟ من تأليفي أنا! إن هذه الأغنية تحل إحدى المسائل الأوربية الجوهرية ذات الأهمية الأولى. هل لكم شرف الانتماء إلى الأمة المجرية يا صاحب السناء؟
أطلقت السحنة الحمراء من فمها عموداً من دخان التبغ وهزت شفتيها بتلطف.
- أدعو السادة الوطنيين للاستماع! أيمكنني أن أعتمد على تواضعكم أيها السادة؟ أيوجد بينكم...
شمل تسفيبوش العمال بنظره, هز هؤلاء رؤوسهم واقتربوا أكثر وقد ثار فيهم الاهتمام.
شرع تسفيبوش يغني بصوته التيسي:
- ما هي النمسا؟ أيها السياسيون, يا أمراء الأرض, قولوا لي, ما هي النمسا؟ أليست « سَلَطَة خليطةً» يتأهب جيرانها النهمون لابتلاعها؟ نعم, وهم كانوا ابتلعوها لو لم يكن في هذه السَّلَطة راف ذهبي يمكن أن يختنقوا به. هذا الراف هو هنغاريا.
تمتم البدين: - مرحى, مرحى.
وتابع تسفيبوش غناءه: « النمسا طير ملون بمئة لون! ويتألف من مئة عضو. وله أرجل كثيرة, وأجنحة كثيرة, ومِعَدٌ كثيرة, ولكن الرأس واحد, وهذا الرأس هو هنغاريا. عندما يهاجم وحش طيراً, يبتلع كل أعضائه, ولكنه لا يستطيع قضم جمجمته! فالجمجمة متماسكة كالعاج».
- مرحى! مرحى!
«توجد لغة فرنسية, ولغة ألمانية, ولغة روسية, ولغة هنغارية. وجميع الحكماء يعجبون من غنى اللغة الهنغارية. اذهبوا من فضلكم إلى فيينا واسألوا: أين يعيش ذاك «الأبو الهول» الذي يتكلم النمساوية؟»
- مرحى! مرحى! هاك!
طارت من النافذة قطعة فضية كبيرة وهي تبرق, وتدحرجت وهي ترن نحو قدميّ تسفيبوش. وارتطمت قطعة أخرى مثلها بحذاء إيلكا. التقط تسفيبوش قطعة النقد وهتف:
- ألف شكر! سأذهب وأشرب في صحة نبالتكم! سوف أشرب, وقسماً بسحنتي السمينة, لن أتنفس في أثناء ذلك! في صحتكم سأشرب بالبلعومين: العادي والتنفسي! لن يكون لدي وقت للتنفس!
لوّح تسفيبوش بقبعته, وفي تلك اللحظة حدث في النافذة شيء غير متوقع. فقد تضرجت السـحنة الحمراء بلون قرمزي, وزعقت الفتاة, وانصفقت النافذة بغتة. تراجع العمال القهقرى وشدوا قاماتهم كالوتر. لوّح تسفيبوش بقبعته إلى الخلف وأحس بعائق ما وراءها. التفت وقعد القرفصاء. بالقرب منه كان ثمة حصان أدهم جميل يشب على خلفيتيه وقد أجفلته القبعة الجلفة, وعلى صهوته كانت تجلس الحسناء الفارعة الطول, الممشوقة القد, المشهورة في هنغاريا بأسرها, زوجة الكونت غولداوغين التي كانت تحمل قبل الزواج لقب البارونة فون غيلينشترال. أبصر تسفيبوش أمامه امرأة بارعة الحسن, تضج بالجمال والشباب والعزة و... الغضب. هدّأت المرأة الحصان, ولوحت بالسوط وهي ممتقعة ترتعش غضباً, والشرر يتطاير من عينيها: - وغد!
قالت همساً وكادت أن تسقط عن السرج عندما ترنح تسفيبوش مصعوقاً بالضربة, وسقط بجسمه الضخم المكتنز على الأرض وارتطم بقائمتي الأدهم الأماميتين. لم يكن بمقدوره أن يتفادى السقوط.
لقد أصابت الضربة صدغه وخده وشفته العليا, وقد ضربته الكونتيسة بكل ما لديها من قوة.
أما الوجه الأنثوي الآخر, وجه غريتخين «غوته»() وإيلكا الفتي الرائع المحفوف بهالة كثيفة من الشعر الأشقر فقد شوهه الغضب والشعور بيأس يتعذر التعبير عنه. فشحب واعوج وسرى التشنج في قسماته. كشرت إيلكا عن أسنانها البيضاء كما تفعل الكلاب, وخطت خطوة إلى الأمام, وإذ لم تجد حجراً على الأرض, قذفت الكونتيسة بقطعة النقد الفضية. لامست القطعة البرقع المتماوج مع الريح, وطارت صوب البيت. وران صمت غريب ثقيل. أخذت كل من الكونتيسة والرأس الأشقر تحدق إلى الأخرى. ودام الصمت دقيقة. ثم رفعت الكونتيسة السوط, ولكن عندما شاهدت أمامها وجهاً شاحباً تعساً مشوه الملامح أرخت يدها ببطء, وسارت بتؤدة نحو المنزل, وعندما وصلت إلى الرواق التفتت مرتين ثم صاحت:
- فليذهبا!
نهض تسفيبوش وتنفض من الغبار ودنا من إيلكا الواجمة وهو يبتسم من خلال الدم السائل على وجهه. قال لها:
- أتتعجبين يا صديقتي؟ هو- هو! هل ضربوا أباك؟ لا تعجبي! هذه ليست المرة الأولى, بل الحادية والأربعون! آن لنا أن نعتاد!
أمسكت إيلكا بيد أبيها وألقت بنفسها عليه وهي ترتعش بكل جسدها. قال تسفيبوش وهو يجهد في الحؤول دون تساقط قطرات الدم من وجهه على رأس إيلكا:
- أوه, ما أسعدني! ما أسعدني! كيف يمكنني أن أشكر صاحبة السناء! كمنجتي سليمة! لم أحطم كمنجتي!
أمسك تسفيبوش القيثارة بإحدى يديه, وطوّق كتفي إيلكا باليد الأخرى, وخطا بسرعة عائداً نحو الممر المشجر.



الفصل الثاني

في اللحظة التي تبدو فيها للعيان نهاية الممر المشجر المؤدي إلى السهب ينبغي البدء بعدّ أشجار الزان على الجانب الأيسر. فبين الشجرتين الثامنة والتاسعة يمكن للعين الخبيرة أن تتبيّن آثار طريق كانت مطروقة في وقت ما, وهي الآن مهجورة. وهذه الطريق تتلوى كالأفعى حتى المصلى الذي يمكن العثور بقربه على ماء. كان تسفيبوش يعلم بوجود هذه الطريق. عدّ حتى الثمانية ثم انعطف إلى اليسار, وسارت إيلكا في أثره. كان عليهما أن يشقا طريقهما عبر دغل كثيف من الأرقطيون والقنب البري والشوكران والقراص. وكان القراص يلسع أيديهما وعنقيهما ووجهيهما بلا رحمة, ورائحة القنب والشوكران الثقيلة تكتم أنفاسهما. تغطت أكتاف تسفيبوش وإيلكا بنسيج العنكبوت الذي كانت تتسلقه وتتخبط فيه عنيكبات صغيرة وذباب كبير وجنادب. أما العناكب الكبيرة فقد كانت تقوم بـ salto mortale() غير مألوفة من فوق أكتافهما إلى العشب. لقد أقلق صاحبانا عابرا السبيل هذان راحة آلاف الأحياء هنا.
كان المصلى يقوم على مرجة مغطاة بأعشاب عالية تقع على مسافة ربع ساعة من الممر المشجر. وهو كنيسة صغيرة جداً ترتفع فوق العشب بتهيب, وقد تقشرت جدرانها ونبت عليها الطحلب والسرمق واللبلاب. وكان ينتصب على سطحها المخروطي الأملس المحمر من الشمس صليب برونزي عالٍ. وكان هذا الصليب بالذات يقوم مقام النجم الهادي لتسفيبوش.
- إذا كان الجدول قد جف- قال تسفيبوش- فإن هدية القدر ستكون أسوأ بكثير من الهدية التي قدمتها لنا صاحبة السناء. إن أمعائي جافة كالرَّق.
ولكن الجدول لم يكن جافاً. فعندما وصل تسفيبوش وإيلكا إلى المصلى وأزالا نسيج العنكبوت عن أكتافهما هبت عليهما رائحة النداوة, وتناهى إلى سمعهما صوت خرير. ابتسم تسفيبوش ابتسامة عريضة, وضع القيثارة والكمنجة على درج المصلى وأخذ يطوف حوله بسرعة راسماً بقدميه القصيرتين شكلاً كالحلزون. قال مقهقهاً:
- يخرّ... ولكن في أية جهة, أيتها الشياطين؟ أين أنت أيها الجدول؟ ومن أين الطريق إليك؟ آه, يا لهذه الذاكرة الحمقاء! لقد شربت منك مرتين أيها الجدول, ونسيت, أنا الجاحد, أين أنت؟ إنني أعرف في ذاتي الإنسان! فنحن(البشر) لا ننسى سوى من أحسن إلينا! آه, يا بشر! ها- ها...
كان بمقدور إيلكا التي تملك سمعاً أرهف أن تحدد الناحية التي يخرخر فيها الجدول لولا تلك الإهانة الفظيعة التي ألحقوها منذ قليل بأبيها الشيخ, المريض حسب اعتقادها. كانت تتبع خطوات أبيها آلياً دون أن ترى أو تسمع أو تفهم أي شيء. لم يكن يهمها الإعياء ولا العطش. فكل شيء قد تخلى عن مكانه للغضب الشديد العادل الذي استولى على نفس الشابة. كانت تسير وهي تنظر إلى الأرض وتعض شفتها العليا.
ظل تسفيبوش المصاب في إحدى أذنيه بالطرش يرسم الحلزون إلى أن وصل إلى مكان أصبحت الدمدمة الغاضبة تُسمع فيه بوضوح, وأخذت القدمان تحسان تحتهما بتراب رطب طري.
هتف: - الجدول يجب أن يكون تحت أشجار الزيزفون! ها هي إحدى الزيزفونات, ولكن أين الشجرتان الأخريان؟ لقد كانت ثلاثاً بالضبط عندما شربت الماء من هنا منذ عشر سنوات. لقد قطعوهما!يا للزيزفونتين المسكينتين! حتى هما احتاج أحد إليهما. وها هو ما نبحث عنه... احترامي! لنشرب يا إيلكا في صحتك!
ركع تسفيبوش على ركبتيه, وألقى بقبعته جانباً وألصق وجهه الملتهب بالسطح البارد المتلألئ... وركعت إيلكا آلياً على ركبة واحدة, وحذت حذو أبيها. كان تسفيبوش يشرب بفمه وعينيه, وينظر في الماء إلى سحنته المغطاة بالدم ويُعِدّ في ذهنه, وهو يرى إلى الكدمات والخدوش, تعليقاً ساخراً مناسباً, ولكن التعليق الساخر طار من رأسه وانسكب الماء راجعاً من فمه عندما رأى في مرآة الماء وجه إيلكا جانب وجهه. كف عن الشرب ورفع رأسه وقال عابساً:
- إيلكا! هل تسمعين يا فتاة؟ كفي عن التكشير! أنت لست كلباً! أنا لاأحب هذا! لا تكوني حمقاء!
رفعت إيلكا رأسها ومسحت جبينها براحتها الندية. أردف تسفيبوش: - أنا لا أحب هذا! أقلعي عن عادتك الغبية هذه, عادة التكشير من أي أمر تافه! كوني ذكية! علامَ الغضب؟ إنك شاحبة كالأموات وترتجفين! انتبهي, يا غبية, عندما ستموتين من الغيظ ستدرين! كفّي! ايه!...
- لا أستطيع... لا أحد يملك الحق في أن يضربك على وجهك يا بابا تسفيبوش. لا أحد.
- صحيح؟ ألم أكن أعرف هذا؟ إنني بدونك أعرفه! لا على الوجه, ولا على الظهر, ولا على البطن... ولكن ماذا تريدين؟
مسحت إيلكا جبهتها براحة يدها مرة أخرى وهمست:
- أريد أن لا يجرؤ أحد على ضربك. أريد... أريد أن أثأر منها.
أصدر تسفيبوش صوتاً صافراً, وانحنى إلى الماء وأخذ يغسل وجهه, ثم مسحه بكميه وقال:
- هذه سخافة, يا إيلكا! اشربي إذا كنت لم ترتوي بعد, وهيا بنا إلى آلتينا. كفانا لغواً بالحماقات!
رفع تسفيبوش إيلكا من يدها, واتجه صوب المصلى وهو يمسح على بطنه بيده. اقترح قائلاً:
- أحسن من أن نغضب, تعالي نتفرج على المصلى.
عندما اقتربا من المصلى اندفعت كثرة من العظاءات الخضراء والشهباء للاختباء في الشقوق أو تحت الأعشاب. كان باب المصلى ذو الكلاليب الصدئة موصداً إيصاداً محكماً بألواح من الخشب, وقد ثُبّت فوقه لوح خشبي أملس دقت فيه حروف نحاسية. كانت الحروف لاتينية طبعاً, وقد قرأ تسفيبوش ما يلي وترجمه لإيلكا: «فرانتسيسك غولداوغين- 1806. أيها العابر, صلِّ من أجل أن يحفظ الملائكة المقدسون روحه للجنة!». كان الزجاج في نافذتين من نوافذ المصلى مكسوراً, وشظاياه البارزة من الإطارين شبه المنخورين تشع بألوان قوس قزح. أما النافذة الثالثة فكانت مسدودة بحزمة من سنابل الشعير. وكانت النوافذ كلها مملكة للعنكبوت والغبار.
صاح تسفيبوش عبر النافذة:
- فرانتسيسك غولداوغين!
فرد الصدى: - غولداوغين!
قال تسفيبوش مخاطباً إيلكا:
- إن فرانتسيسك غولداوغين هو أخو جد الكونت الحالي. وقد قتله وصيفه العجوز في عام 1806 ثأراً لابنته في هذا المكان بالذات بينما كان عائداً من موعد. هكذا يقول بعضهم, بينما يقول آخرون إنه تقاتل مع ابن أخيه بسبب فتاة ما, وقُتل. وأياً كان الأمر فإن الوصيف قد شنق في هذا المكان. تقول وصية الرب: «لا تقتل», ولكنهم في بيوت غولداوغين وأحراجهم وبساتينهم لم يكونوا يعرفون الوصايا الإلهية. تطلعي يا إيلكا من النافذة... هل ترين القديس فرانتسيسك؟ وجهه أخضر مصفر.. إنه مخيف.. لقد خبت الصورة الآن, ولكنها كانت في وقت ما تبدو واضحة جداً, وكانت تثير الفزع في نفوس الأغبياء والنساء. وكان هذا الوجه يصبح مخيفاً بشكل خاص عندما يشعلون أمامه سراجاً أزرق, أذكره كما الآن... عندما كنت أنظر إليه كان الصقيع يدب في ظهري. وجوهر الأمر, يا ابنتي, في أن الفنان الذي رسم هذه الصورة هرب قبل أن يتم عمله, فلم يرسم العين اليسرى. لذا فإن العين اليمنى تبدو بارزة بكل هذه القوة وتخرز أعيننا التي تؤمن بالخرافات. كما أن الوجه لم يكتمل أيضاً. فلم يكن هناك سوى لون الخلفية, كما يقول الفنانون. وقد هرب الفنان لأنه وقع في غرام الكونتيسة. كان المغفل يرى فيها قلعة منيعة. أبله! لو أنه لمح لها مجرد تلميح لوجدها ترتمي بين ذراعيه. فالنساء دائماً رخوات. وهنّ لا يبتعدن عن الرجال عندما يتعلق الأمر بذاك الذي لا تنبغي لك معرفته, يا طهارتي!
سكت تسفيبوش وتطلع إلى إيلكا. لم تكن ابنته تصغي إليه, بل كانت تنظر إلى الأرض وتهمس بشيء ما وتحرك أصابعها وكأنها تناقش أمراً ما مع ذاتها. أصدر تسفيبوش صوتاً صافراً وطفق يفكر, ثم قال وقد زوى ما بين حاجبيه:
- اسمعي يا حميراء! أنا لا أحب هذا! مرة أخرى أراك تكشرين! هيا بنا نجلس!
جلس تسفيبوش وإيلكا على درجات المصلى الساخنة, ثم أردف تسفيبوش وهو يرنو إلى وجه ابنته الشاحب:
- أين هو عقلك يا بنية؟ لماذا لا تفكرين منطقياً؟ لا يمكن أن نصنع من الخشب فولاذاً ولا يمكن أن نصب من الخروق ناقوساً. والجرذ ليس بمقدوره أن يلد تمّة. ولا يجوز أن نتوقع من تلك المرأة المتحدرة من صنف معروف من البشر تصرفات ملائكية. إن أجدادها وآباءها ذئاب, فهل يمكنها أن تعصي قوانين الطبيعة فتولَد حملاً؟ هي أيضاً ذئبة! ذئبة من الرأس حتى القدم! ولأنها ذئبة لم تستطع أن تتصرف على نحو آخر... فما الذي تريدينه بعد؟ إن تعليم الذئاب أكل العشب ليس من شأننا... فكري منطقياً! لقد كان لقبها قبل الزواج البارونة غيلينشترال, فمن هم آل غيلينشترال هؤلاء؟ إنهم آل غولداوغين أنفسهم. فغيلينشترال الأول كان ابناً غير شرعي لآرتور غولداوغين. ولم ينل لقب البارونية, إبان حرب الثلاثين سنة, إلا بفضل قرابته من آل غولداوغين. وبعد ذلك أخذ آل غولداوغين يتزوجون من آل غيلينشترال, وهؤلاء يتزوجون من أولئك وهكذا دواليك... وأسفر ذلك عن تكوُّن عائلتين لا تختلف إحداهما عن الأخرى في شيء. فما الذي تريدنه بعد ذلك؟ لعلك تريدين أن يتقدم غيلينشترال ليقبِّلك عندما يكون غولداوغين آخذاً في ضربك؟ هـ م... لا, يا عزيزتي! لا يجوز لأحد أن يغضب من الذئاب لأن الطبيعة أعطتها أنياباً حادة سوى قليلي المعرفة أمثالك.
سكت تسفيبوش قليلاً وأردف:
- أمّا أنّ للطبيعة دوراً عظيماً هنا, فإن هذا يظهر جلياً من تاريخ آل غولداوغين. لقد ظهر غولداوغين الأول في نهاية الحملات الصليبية. وكانوا يدعونه السفاح ذا العينين الذهبيتين. شعر رأسه ولحيته كان أسود كالفحم, بينما حاجباه ورموشه شقر. وبفضل لعبة الطبيعة هذه لقبوه غولداوغين(). في عينيه الذهبيتين, كما يقول التاريخ, كان يشع, مع الذكاء الفذ, مزيج من مكر الوشق ومراوغته وظمأ النمر الجائع إلى الدم. لقد كان كلباً مسعوراً بأسوأ معاني هذه الكلمة. كان يعب الدم البشري بالسهولة نفسها التي نعب بها الماء, ويشتري الناس ويبيعهم بصفاقة يهوذا. إحراق قرية أهون عنده بكثير من تدخين سيكارة عندنا. كان يحرق ويرنو بإعجاب شديد إلى ألسنة اللهب. وعندما كان المنتصرون بقيادة غوتفريد بوليونسكي يصلون عند «تابوت الرب» للمرة الأولى, كان هو يخب بحصانه في أطراف أورشليم ويَنْظُم في رمحه رؤوس المسلمين. لم يخن نفسه حتى في هذه اللحظة العظيمة! يقول الأرشيف إن رغبته في الصلاة وقتئذ كانت عارمة إلاّ أن غريزة الكلب المسعور شدته إلى الجانب الآخر, إلى التخريب وسفك الدماء. إنه تشوه مخيف يا عزيزتي! ولا يجوز الظن أن الذهبي العينين كان هو المذنب في تشوهه هذا. فالإنسان لا يصل بنفسه إلى هذه القذارات الفظيعة, كما أنه لا يصل بتفكيره إلى خلق إصبع سادسة في اليد. الطبيعة هي المذنبة. هي التي أعطته دماغ ذئب. وقد خلفّ ذهبي العينين ابناً لا يختلف عن أبيه إلاّ بأن عينيه ليستا ذهبيتين...
أما التشوه الخُلُقي فقد انتقل إليه, ثم جاء الحفيد جامعاً بين العينين الذهبيتين والتشوه نفسه, وهكذا دواليك. الكونت الحالي ليس له عينان ذهبيتان, وقد مات في العام الماضي ابن له, صبي, عيناه ذهبيتان. وهكذا فإن العينين الذهبيتين تنتقلان من الجد إلى الحفيد, أما التشوه فيشمل الجميع. وكما ترين يا عزيزتي فإن من الصعب على آل غولداوغين التخلص من أدمغتهم الذئبية بقدر ما يصعب عليهم التخلص من العيون الذهبية. والآن احكمي يا عزيزتي هل كان بمقدور تلك الحسناء أن لا تجلدني بالسوط على شفتيّ؟ الطبيعة غلبت العقل, ولم يكن بإمكانها أن تتصرف إلاّ على هذا النحو!
صرخت إيلكا وهي تخبط الأرض بقدمها: - إنك تكذب في كل هذا يا أبي! إنك تكذب! فليس لشفتيك أية علاقة بتشوهها وطبيعتها! ليس لنا علاقة بهذا! إنك لا تقول كل هذا إلاّ لأن الغضب يضرّ بي, ولكنني سأريها! إنني لن... لن أغفر لها! فليعاقبني الرب إن أنا غفرت لها هذه الإهانة!
- لو أحد غيرك, لا أنت, أيها الحَمَل, يتشاجع هكذا! إن تشاجع الحمل أمام الذئب لا يعني سوى إضاعة الكلام عبثاً... من الأفضل أن نصمت!
نهضت إيلكا وألقت بحمالة القيثارة على كتفها وأشارت بذقنها إلى الطريق. تساءل الأب: - ألا تريدين أن تستريحي؟ لاذت إيلكا بالصمت. فنهض تسفيبوش ووضع الكمنجة تحت إبطه, وزحر, ومشى باتجاه الممر. كان معتاداً إطاعة إيلكا.
بعد ساعة كانا يسيران في الدرب المغبر الحار وهما يجرجران أرجلهما المتعبة بشق النفس. أمامهما, خلف خط الأحراج والبساتين المزرقة في الأفق كانت تلوح قباب النواقيس ومبنى البلدية في بلدة هنغارية صغيرة, وإلى اليسار كانت قرية آل غولداوغين الجميلة تزهو بمختلف الألوان.
- أين توجد محكمة؟ هنا أم هناك؟ - تساءلت إيلكا وهي تشير إلى البلدة ثم إلى القرية.
- محكمة؟ هـ..م... توجد محكمة في كل من البلدة والقرية. في البلدة, يا ذهبي, يحاكمون سكان البلدة, وفي القرية يحاكمون رعايا غولداوغين...
توقفت إيلكا وفكرت قليلاً, ثم مشت في الطريق المؤدية إلى القرية. تساءل تسفيبوش: - إلى أين؟ لِمَ اتجهت إلى هناك؟ ماذا ستفعلين هناك؟ فليحفظك الرب من الذهاب إلى أولئك الفلاحين!
- إنني, يا بابا تسفيبوش, ذاهبة إلى حيث «يحاكمون رعايا غولداوغين».
- ولم هذا؟ بحق الرب! أنت, يا روحي, مجنونة! في البلدة يمكننا أن نتغدّى ونشرب بيرة, أما هنا فما الذي سنفعله؟
- ما الذي سنفعله؟ أمر بسيط جداً! سنقاضي تلك الوغدة العديمة الضمير.
- أنت حمقاء, يا ابنتي! لقد فقدت عقلك! لقد أضعت كل قدرة على التفكير, يا حمامتي! أم لعلك تمزحين؟
- إنني لا أمزح يا أبي! بل أنا أعجب كيف أنك مع كل ما لديك من عزة نفس تستطيع أن تتخذ مثل هذا الموقف الفاتر من تلك الإهانة؟ اذهب إلى البلدة إذا كنت تريد! سأذهب بنفسي إلى المحكمة وأطالب بمعاقبتها!
نظر تسفيبوش في وجه إيلكا, وهز كتفيه وسار خلف ابنته العاصية وهو يدمدم, ويومئ بيديه, ويصدر أصواتاً صافرة.
- أنت حمقاء يا إيلكا- قال متنهداً وهما يجتازان جسراً مقاماً عبر نهر- حمقاء! لقبيني بالشيطان الأصلع إن لم تخرجي من هذه القرية خائبة! اعذريني يا ابنتي, ولكنك أنت اليوم, بشرفي, غبية كالقوبيون().
عبرا الجسر ودخلا القرية. كانت الشوارع خالية من أي إنسان. فالجميع كانوا مشغولين بالعمل في الحقول والبساتين. تجولا طويلاً في القرية وهما ينظران حواليهما إلى أن صادفا أخيراً عجوزاً ضئيلة متغضنة كقشرة بطيخة صفراء جافة. توجهت إليها إيلكا سائلة:
- اسمحي لي أن أسألك أين يقيم القاضي هنا؟
أجابت العجوز: - القاضي؟ عندنا, يا صبيّة, ثلاثة قضاة. أحدهم لم يعد يقضي من وقت طويل. إنه طريح الفراش منذ عشر سنوات بعد أن أقعده الفالج, والآخر لا يمارس العمل الآن, بل يعيش حياة الملاّكين, لقد تزوج امرأة غنية وأخذ بائنتها أطياناً- فماله وللقضاء؟ ثم إنه الآن عجوز... لقد تزوج منذ عشر سنوات, عندما توفي ابني الأكبر تغمده الرب برحمته...
- والثالث؟ أين يقيم الثالث؟
- الثالث؟ الثالث ما يزال يقضي... ولكنه أيضاً لم يعد يصلح لشيء... عجوز! يلزمه الآن ان ينام في قبره, لا أن يفصل في الخصومات.. إنه يقيم... هل تريان الرواق الأخضر؟ تريانه؟ هناك بالضبط هو يقيم...
شكر تسفيبوش وإيلكا العجوز واتجها نحو الرواق الأخضر. وجدا القاضي في البيت. كان يقف في فناء داره تحت شجرة توت قديمة مترامية الأغصان, ويسقط بِعصاً حبات التوت السوداء الناضجة. كانت شفتاه وذقنه مصبوغة باللون الليلكي والأزرق والقرمزي. وفمه ملآن. كان القاضي يمضغ بكسل يفوق كسل الثيران التي برمت بما تجتره.
خلع تسفيبوش قبعته وانحنى للقاضي وهو يقول:
- إنني أتجرأ على أن أزعج جنابكم الشريف بسؤال واحد وحيد:هل حضرتكم هو القاضي؟
شمل القاضي ضيفيه المتطفلين بنظره وابتلع ما يجتره وقال:
- أنا القاضي, ولكن حتى الغداء فقط.
- وهل تفضلتم بتناول الغداء؟
- أي نعم... إنني أتغدى في الثانية والنصف... يجب أن يكون هذا معروفاً لكما. في الأعياد أتغدى في الواحدة والنصف.
- البطنة تُذهب الفطنة(), يا صاحب الشرف! هيء- هيء- هيء. لقد تفضلتم بقول الحقيقة. ولكن, يا صاحب الشرف, لا توجد قاعدة دون استثناء!
- عندي توجد... أنا في هذه الحالة لا أعترف بالاستثناءات. إنني, يا صاح, لا أحاكم الناس إلاّ وأنا على الريق, عندما يكون استعدادي للتأثر بالعواطف في أدنى الدرجات. منذ عشر سنوات جربت المحاكمة بعد الغداء... فماذا حصل؟! هل تعرف ماذا حصل, يا صاح؟ لقد حكمت بعقاب أخفض بدرجة... وهذا ليس دائماً عدلاً! ولكن أنت سمين كبرميل يسع مئة سطل! أنت, كما يبدو, تأكل كثيراً؟ ألا تشعر بالحرّ من حمل كل هذا اللحم الزائد؟ مَنْ هذه البنت؟
- هذه ابنتي, يا صاحب الشرف... وهي بالذات صاحبة الالتماس لديك.
- هـ.. م... هكذا إذاً... اقتربي يا حسناء! ما هي حاجتك؟
اقتربت إيلكا من القاضي وقصت عليه بصوت مرتعش كل ما حدث في فناء الكونت غولداوغين. استمع القاضي إليها, ونظر إلى شفتيّ تسفيبوش, وابتسم وسأل:
- وماذا تريدين الآن يا حسناء؟
- أريد أن تنال تلك المرأة عقابها!
- هكذا إذاً... طيب.. بكل سرور! سنضعها في السجن فوراً... اسمع يا صاح - قال القاضي ملتفتاً إلى تسفيبوش - أين أنجبت هذه المليحة, أعلى القمر أم على الأرض؟
- على الأرض يا صاحب الشرف: على القمر, يا صاحب الشرف, لا يوجد نساء, ولذا فإن من المتعذر, كما أظن شرب كأس من الخمر في صحة نفساء هناك!
- بما أنها وُلدتْ على الأرض, لماذا إذاً لا تعرف أن... يا لكما من أحمقين, أيها السيدان! آه, أي أحمقين أنتما! إنكما أحمقان وغريبا الأطوار!
سألت إيلكا: - ولماذا؟
- على الأرجح لعدم وجود دماغ... إن آل غولداوغين يطعمونني ويسقونني, وتريدان مني أن أحاكمهم؟ ها.. ها.. ها. آل غولداوغين كونتات, وهي ابنة غجري, عازف كمان رديء يستحق الضرب لسوء عزفه! غريبا الأطوار حقاً! لا, أنتما لم تولدا على الأرض! ثم هل سترضى هي أن تتقاضى معك؟ إنها سترسم على مذكرة الحضور التي سأرسلها لها وجهاً ذا أنف كبير وتلقي بها تحت الطاولة! وأين شهودك؟ العمال؟ لا تأملي بهذا. إنهم ليسوا من أصحاب الملايين كي يتخلوا عن لقمة الخبز! ها... ها... ها... وجدتِ من تقاضي! غريبة الأطوار حقاً! لا, لا تتساخفي يا حسناء! شيء مهين, هذا صحيح... ولكن ماذا باليد؟ لا يمكنك تغيير الكون!
- وماذا علي أن أفعل إذاً؟
- اعطي أباك خرقة يضمد بها شفته, فالجرح يمكن أن يتقيح من الذباب... اشتري له ماء الرصاص. هذا فقط ما يمكنني أن أنصح به... هل أقدم لك نصيحة أخرى يا حسناء؟ على الرحب والسعة! تأبطي ذراع أبيك السمين وانصرفي... لا أطيق رؤية الحمقى! خلِّصا نفسيكما من حضور قاضٍ جائر, وأتيحا لي إمكانية عدم التحدث معكما.
- ولكن ماذا عليّ أن أفعل؟
تساءلت إيلكا ثانية وهي تلوي أصابعها.
- هـ .م.. هل تريدين نصيحة ثالثة؟ تفضلي! صيري كونتيسة مثلها, عندئذ سيكون لك كامل الحق في مقاضاتها.. كامل الحق! ها.. ها.. ها.. صيري كونتيسة! كلمة شرف! عندئذ ستقاضينها كما يطيب لك! لن يحول أحد أو شيء بينك وبين ذلك! على كل... وداعاً! لا وقت لدي. اتركاني! ما دمت لست كونتيسة يظل لي الحق في أن أطردك بلا مجاملة بعيداً عن معدتي المليئة ولساني الكسول! هيا يا صاح! لا تنس أن تشتري ماء الرصاص!
ازوَرّ القاضي عنهما وعاد إلى قطف ثماره. خرج تسفيبوش وإيلكا من الفناء وسارا صوب الجسر. كان تسفيبوش يرغب في البقاء للراحة في القرية, ولكنه لم يشأ معارضة إيلكا... راح يجرجر نفسه في إثرها وهو يلعن الجوع الذي يقرص معدته. كان الجوع يمنعه من التفكير... سأل:
- أ إلى البلدة يا ابنتي؟
لم تجب إيلكا. وعندما دخلا الغيضة العائدة لفلاحي آل غولداوغين, تساءل تسفيبوش:
- هل أنت غاضبة يا إيلكا؟ مالك لا تجيبين على سؤالي؟
بدل الجواب ترنحت إيلكا وأمسكت برأسها.
- ما بك يا ابنتي؟
توقفت الابنة وأدارت وجهها نحو أبيها. ثمة ابتسامة كريهة حاقدة كانت تشوه هذا الوجه. وكانت الأسنان بادية في تكشيرة كتكشيرة الكلاب.
- ما بك, بحق الرب؟
رفعت إيلكا يديها إلى الأعلى وألقت برأسها إلى الخلف, وفتحت فمها على سعته, ودوت في الغيضة صرخة حادة صادرة من الأعماق. وانهمرت دموع كبيرة من عيني ابنة الأب المهان الزرقاوين وسالت على خديها كجدولين... كانت إيلكا تنتحب وتقهقه.
- ما بك؟ أيجوز الغضب هكذا؟
شرع تسفيبوش يبكي, وراح يقبل ابنته.
- هل يجوز هكذا؟ اجلسي يا إيلكا! اجلسي كرمى للرب! ايه, هيا اجلسي!
وضع تسفيبوش يديه الكبيرتين العرقانتين على كتفيها المتواثبتين وضغط إلى الأسفل.
- اجلسي! هيا نجلس في الظل وستهدئين! تعالي إلى تحت هذه الصفصافة! ها هو الجدول! وحيثما يوجد الصفصاف, هناك بالذات يجب البحث عن الماء! لنجلس.
حمل تسفيبوش إيلكا حتى الصفصافة وثنى ركبتيها وأجلسها على العشب, بينما كان نحيبها يشتد ويشتد...
- كفى يا ابنتي! هل لنا الحق في أن نستاء هكذا من الإهانة؟ ثم ألا نهين نحن أحداً البتة؟ هل بإمكانك أن تضمني أن أباك لم يهن قط أحداً دون أن ينال جزاءه؟ بلى أَهَنْتُ! واليوم فقط لقيت جزائي.
دوّى صوت طلقة. وسقط طير من فوق الصفصافة وهو يتشبث بأغصانها ويحفّ ويصفق بجناحيه, ثم ارتمى على مئزر إيلكا. كان الطير أنثى عقاب فتية, وقد أصابتها خردقة في عينها بينما هشمت خردقة أخرى منقارها.
- انظري يا عزيزتي! لقد أهينت الطبيعة إهانة بالغة في شخص هذا الطير... هذه الإهانة أكبر من إهانتنا بكثير.. لكن الطبيعة تصبر... إنها لا تعاقِبُ, لا تنتقم...
طقطقت الشجيرات, ورأى تسفيبوش أمامه شخصاً فارعاً ممشوقاً على جانب عظيم من الوسامة, ذا لحية كثة عريضة, ووجه أسمر. كان يمسك بإحدى يديه بندقية صيد, وبالثانية قبعة قش عريضة الحافة. وقف الرجل كالمسمر عندما شاهد طريدته على ركبتي فتاة حلوة تنتحب. قال تسفيبوش (مستأنفاً حديثه):
- على كل لقد لقي هذا الرجل عقابه! وكان العقاب شديداً! إن آثامه لتشحب أمام القصاص الذي يلاقيه!
إيلكا, إنني أقدم لك الكونت فونيتش والبارون زاينيتس. أهلاً بالكونت والبارون! ما هو الأكثر فيك: الكونتية أم البارونية؟ في قامتك الخارقةِ الجمال هناك الكثير من هذه وتلك. ها هي طريدتك! ابنتي تقيم لها قداساً!
كان البارون أرتور فون زاينيتس لا يعدو الثمانية والعشرين من العمر, إلاّ أن مظهره يوحي بأنه تجاوز الثلاثين. وجهه لا يزال جميلاً ونضراً, ولكنكم ترون فيه عند العينين وفي زاويتي الفم تلك التغضنات التي تبدو على وجه من عاش حياته وعانى الكثير. لقد اجتاز الشبابُ, بإخفاقاته, وأفراحه وأتراحه, وقصفه ومجونه, هذا الوجهَ الأسمر الرائع, مخلفاً فيه أخدوداً. في العينين بطر وملل... والشفتان مضمومتان في ابتسامة مذعنة وهازئة في آن واحد, وقد غدت هي ابتسامته المألوفة... وللبارون فون زاينيتس شعر أسود طويل أجعد, يشبه شعر طالبة شابة لم تضفر ضفائر بعد. وهو نادراً ما يغتسل, لذا فإن شعره وعنقه قذران ويلمعان في الشمس. ملابسه متواضعة وبسيطة... بزته عادية وعديمة الشخصية بالمرة... ياقة قميصه القذر تنم على أن البارون لا يلتزم الموضة. فمثل هذه الياقة كانت دارجة منذ أربع سنوات. وربطة عنقه سوداء, رثة وشكلها كالشريطة, وعقدتها البشعة المربوطة على عجل منحرفة إلى جانب وتوشك على الانفكاك. أما سترته وصداره ففاخران. إنهما مغطيان بالبقع ولكنهما جديدان ومخيطان من قماش رمادي ثمين منسوج من أجود أوبار المعز. وبنطاله الحريري الرث الذي انقضى عهده منذ زمن بعيد يشد بإحكام على فخذيه البارزتي العضلات ويضيع بجمال أخاذ فوق الركبتين بين ثنايا جزمته العالية اللماعة, التي اعوج كعباها ومَحّا حتى منتصفيهما. وتستقر على صداره المصنوع من وبر المعزى سلسلة من معدن جديد عُلّقت بها ست ميداليات ذهبية للزينة, ولقلق ذهبي عيناه من الألماس وبندقية صغيرة صنعت بمهارة فائقة لها ماسورة ذهبية وأخمص من البلاتين. وقد نُقشت على هذا الأخمص العبارة الآتية: «إلى البارون أرتور فون زاينيتس من جمعية الصيادين الفايستافيين و السولينوغورسكيين». لا تسألوا البارون عن الساعة فالمعلق بنهاية السلسلة ليس ساعة, بل مفتاح وصفارة من القصدير.
إن سلالة البارونات من آل زاينيتس لا تستطيع أن تباهي بعراقتها. فهي ترقى إلى العقد الأول من هذا القرن لا أبعد. ويحتفظ أرتور بـ «تاريخ البارونات فون زاينيتس» المدوّن في كراس صغير كان وضعه في وقت ما قس سويدي مثقف عابر, بتوصية من كارل, والد أرتور. وقد قبض القس الخدوم مبلغاً ضخماً, ولم يرأف وهو يضع شجرة عائلة البارونات الأكارم لا بالورق ولا بالحقيقة. فقد رقي بالشجرة إلى القرن الحادي عشر, وصدق الكثيرون, بالطبع, هذا الكراس, ولا سيما أولئك الذين لم تكن لديهم حاجة إلى التدقيق فيما يفعله القس. ولكن آل زاينيتس تضرجوا بحمرة الخجل من جراء كراسهم, عندما رغبت إحدى الجرائد المصورة الخدومة جداً في تقديم خدمة لهم فنشرت شعارهم وشجرة عائلتهم على نحو أقرب إلى الحقيقة من تلك التي دفعوا للقس الأموال لقاء وضعها. كان أول بارون من آل زاينيتس من فئة النبلاء البسطاء, وقد تزوج ابنة مصرفي كان يهودياً ثم تنصّر. كان هذا البارون شخصاً تافهاً من جميع النواحي, متذللاً, جائعاً على الدوام, يحب المال, أكثر من أي شيء في العالم. وكان يمكن أن يعيش حياته دون أن يراه أحد وأن ينمحي من ذاكرة الناس إلى الأبد لو لم يبتسم له الحظ بعطف وباستمرار... كان لزاينيتس الأول أخوان, أحدهما يسوعي, درس الفيزياء في إحدى الجامعات وشق طريقه إلى الكاردينالية بجهده الخاص, والآخر شاعر البلاط وصهر طبيب الملك. وبفضل حماية أخويه القوية, ونقود حميه المصرفي صاحب الصلات المالية الواسعة لم يكن من العسير على فون زاينيتس الحصول على وثيقة البارونية كما كان ذلك عسيراً على زاينيتس الأول الذي لفّق القس السويدي قصته. أما زاينيتس الثاني, جد أرتور فقد حارب تحت أسوار أوستيرليتس() ومات أستاذاً في الأكاديمية العسكرية. لقد كان زاينيتس هذا صورة عن عمه الكاردينال, وكان مثله إنساناً مَكْتَبيّاً أكثر منه عسكرياً أو ملاّك أراضٍ. أما والد أرتور فقد كان يشبه زاينيتس الأول, وهو أيضاً تافه, قميء المنظر, لا قيمة له. إنه ضحل الثقافة, محدود الذهن, ضعيف الجسم والخُلُق, وقد آلى على نفسه أن يبدد شذر مذر كل ما أنعم به الحظ المبتسم على جده وأبيه. بيد أن المهمة لم تكن سهلة. فبارونية آل زاينيتس تشغل مساحة ليست بالصغيرة. والخط الحديدي يجتازها في مكانين, وهي تُعَدّ بفضل بساتينها وكرومها وتربتها واحدة من أغنى الضياع وأفخمها. وكانت مزرعة تربية الخيول ومصنع الجوخ الموجودان فيها يدران على البارونات ألفين وخمسمئة فرنك يومياً, ولا حاجة إلى الحديث عن الباقي. إن تبديد مثل هذه الثروة ليس بالمهمة السهلة, ولكن كارل فون زاينيتس كان لديه مساعدون ممتازون. كان يساعده كل من الشهوانية, والعجز عن المحاكمة العقلية, والطيبة و... ابنه. ولم يكف حتى آخر أيامه عن الوقوع في غرام النساء. كان يغرم بتهور, بسعار, لا يتوقف أمام أية عقبات. وكانت النساء هي بند نفقاته الرئيس الذي لولاه ما استطاع على الأغلب, أن يبدد كل شيء. في وقت من الأوقات كان له عشيقة في فيينا. وكان يسافر إليها في القطار السريع مع جمهور غفير من الطفيليين الشهوانيين الذين لا يشربون سوى الشمبانيا. ومع كل قطار كان يرسل إليها هدايا تدهش بنفاستها وتتحدث ببلاغة فائقة عن جنون البارون. هدايا من مجوهرات العائلة, ومن الخيول الغالية والحوالات.... وكانت خادمة معشوقته في فيينا تتقاضى ألف فرنك شهرياً وتملك خيولها الخاصة لحالات الطوارئ. عند وصول القطار السريع وقبل مغادرته كانت تقام ولائم لوكولية(). وكان له في براغ عشيقة أخرى, وفي بودابست عشيقة ثالثة الخ... النساء كن يعبدنه, وكان السبب في ذلك يعود إلى كرمه, طبعاً, أكثر منه لأي شيء آخر. والنوادر الكثيرة التي لا تزال تروى حتى الآن عن كارل فون زاينيتس تبين أوضح تبيان طبيعة هذه العبادة. وسنروي لكم واحدة من هذه النوادر: ممثلة شابة تخرجت حديثاً من المعهد المسرحي كانت تمثل أول أدوارها في واحد من أفضل المسارح الألمانية (هي الآن ممثلة مشهورة جداً في دور الأمهات العجائز الدراميات والتراجيديات). آنذاك كانت فتية وجميلة وتمثل على نحو رائع. وكان المسرح يرتج من شدة التصفيق. بعد الفصل الأول قدموا لها أضمومة مزينة بقلادة ثمينة للغاية كانت تتحلى بها البارونة المرحومة فون زاينيتس أم كارل. وقد قدم البارون هذه القلادة لأنها كانت تقبع في جيبه الجانبي وتنخسه في خاصرته بنهاية ميداليتها الحادة. بعد الفصل الثاني توجه بعض ذوي المراتب العالية الذين كانوا موجودين في المسرح إلى ما وراء الكواليس ليعبروا للممثلة المبتدئة عن إعجابهم. وكان فون زاينيتس في جملتهم. كان يشعر وراء الكواليس كأنه في بيته. فبعد أن شرب في غرفة ملابس الفتى الأول كأساً من الشمبانيا توجه إلى غرفة ملابس النجمة الصاعدة. وجد باب الغرفة مقفلاً فأخذ يدق. فسأله ذوو المراتب العالية مذهولين: - ماذا تفعل!؟ ما هذا التمادي؟ هل نسيت أننا هنا لسنا في سيرك ولا في أو بيريت ولا في salon madame deleaux ! (صالون مدام ديلو!) إنك وقح جداً يا بارون!
- هل تظنون هذا؟ إنني فقط قليل الصبر.
- ولكنها ستخرج الآن! ألا يمكنك أن تصبر دقيقتين أو ثلاث دقائق؟
- لا أستطيع!
- ولكن هذا غير لائق! ربما كانت الآن ترتدي ملابسها.
- ربما - أجاب البارون القليل الصبر ودق الباب مرة ثانية. سُمع من الغرفة صوت أنثوي فتي يسأل: - من هناك؟
أجاب البارون: - أنا.
- من أنت؟
- أحد المعجبين بموهبتك. إنني, في الحقيقة, لا أفقه في موهبتك شيئاً ولكنهم يقولون لي إنك تمثلين بشكل رائع, وأنا اعتدت تصديق ما يقال لي. افتحي!
- شيء غريب... إنني في غرفة الملابس! والدخول إلى غرفة الملابس لا يجوز. أنت من تكون؟
- أنا البارون فون زاينيتس وأريدك في مسألة.
رد الصوت الصادر من الغرفة بنبرة أخفض وأقل جرأة:
- يسرني جداً, يا بارون... ولكنني لم ألبس بعد... انتظر خمس دقائق.
- لا وقت لدي للانتظار. سأغادر بعد دقيقتين. إما الآن, أو لن نلتقي أبداً.
- لا يجوز الدخول.
- هذا شأنك... وداعاً! يا للشيطان, من هذا الذي يشدني من كمي؟
تجمع قرب البارون جمهور المعجبين بالممثلة المبتدئة. وكان الجمهور ساخطاً للغاية على تصرف البارون الوقح وطلب منه الابتعاد عن الباب. وكان الذي شد البارون من كمّه هو خطيب الممثلة الموجود بين الجمهور. صرخ المعجبون:
- هلا تفضلت وابتعدت عن الباب!
فتساءل البارون: - وإذا لم أبتعد, ماذا سيحدث؟ ثم دق الباب لا بأصبعه بل بقبضته, وقال للممثلة عبر الباب المغلق:
- إنك يا mademoiselle (مدموزيل) على ما يبدو تريدين أن يثير هؤلاء السادة فضيحة حولي! افتحي! بعد دقيقة ونصف سأغادر. الآن أو لا وإلى الأبد! هل تشائين أن تتحدثي مع البارون زاينيتس الذي يريدك في مسألة؟
يبدو أن الممثلة المبتدئة كانت مترددة. فقد تساءلت:
- ما الذي تريده؟
- آه, يا للشيطان! ما الذي يمكن أن أريده؟ لا وقت لدي للحديث! إيه, إنني سأعد حتى الثلاثة, وإذا لم تفتحي عندما أقول «ثلاثة» فإنني سأذهب, ولن تريني بعدها أبداً... ولكن ما أكثر ما لديك من المعجبين. إنني ألاحظ هذا من القرصات التي أتلقاها منهم من الخلف والجانبين... ها أنا أبدأ: واحد, اثنان, إيه, إيه...
سُمع وقع خطوات خفيفة في الغرفة قرب الباب. قال البارون: - ثلاثة.
قرقع القفل, وانفتح الباب بهدوء, وخرجت من الغرفة خادمة حلوة تبتسم, وانسلّت من أمام وجه البارون. خطا البارون خطوة إلى الأمام ففغمته الروائح الناعمة التي تعبق بها الغرفة. كانت هي تقف قرب النافذة المعتمة وقد التفّت بشالها. وقربها كان يتمدد فستانها الذي كانت سترتديه... كان خداها حمراوين يتقدان بنار الخجل...
«يا الهي! ما أشد براءتها بعد!». فكر البارون, ثم انحنى وقال:
- أرجو المعذرة! إنني سأغادر بعد دقيقة ولذا...
رفعت الممثلة المبتدئة عينيها الطافحتين بحب الاستطلاع. إنها تراه أول مرة, بعد أن سمعت عنه الكثير, حتى عندما كانت ما تزال في معهد التمثيل. وكانت تعبده على السماع منذ مدة بعيدة. سألته بعد دقيقة من الصمت الثقيل:
- ما الذي تريده, يا بارون؟
- أرجو الصفح يا mademoiselle عن هذا الإلحاح, ولكن أنت, صدقاً, تعجبينني!
أطرقت الممثلة المبتدئة, وازداد خداها احمراراً. قالت:
- إنني لا أحب كلمات الإطراء!
- «يا لله ما أشد براءتها!» فكر البارون ثم قال:
- ما هو الأجر الذي عيّنه لك رؤساؤك؟
- لم يعينوه بعد, ولكنهم سيعينونه... كم - لا أعرف... أغلب الظن أنه لن يزيد في الفترة الأولى عن ألفي تالر...
- هـ.. م.. مبلغ جيد... في الفترة الأولى يكفي..
سكت البارون وطفق يتفرس الممثلة المبتدئة التي كانت على استعداد لأن تغور في باطن الأرض من الخجل وحرج الانتظار. قال فون زاينيتس بعد صمت قصير:
- إذا جئت إلي أعطيك مئة وخمسين ضعفاً.
نصر لا لزوم له – م4
وجنتا الممثلة الورديتان غدتا بيضاوين كقماش قميص البارون... زعقت, وضربت كفاً بكف وتهاوت في الحال على الكنبة المخملية كالمصعوقة بطلقة من مئة مدفع, وأصيبت بنوبة من الهستيريا, انحنى فون زاينيتس وخرج. وعندما دخلت الخادمة الغرفة كانت الممثلة المبتدئة تشهق باكية. شهقاتها كانت متقطعة, مختلطة بالضحكات. ذعرت الخادمة واندفعت من الغرفة راكضة, وبعد دقيقة توزع الممثلون جميعاً إلى زمر, وأخذت الزمر تتهامس وتنظر إلى باب الغرفة شزراً وهي لا تعرف ماذا تفعل: هل تبدي سخطها على تصرف البارون الوقح, أم تحسد الممثلة المنتحبة على السعادة؟ اقتحم خطيبها الغرفة كالمجنون, وارتمى على قدميها وراح يعول:
- لا تبكي يا حبيبتي! إنه سيدفع ثمن هذه الإهانة, ولكن... أنت... لماذا فتحت الباب لهذا الشيطان؟
وضعت الممثلة وجهها الباكي على صدر قميص خطيبها الأبيض, ووضعت يديها على كتفيه وهمست:
- آه يا جورج! ما أسعدني! ما أسعدنا أنا وأنت! لقد وعدني بمئة وخمسين ضعفاً, ونحن تعلمنا في معهد التمثيل أن البارون فون زاينيتس قادر على الإبرار بوعوده! من المؤسف فقط أنه ليس وسيماً! ولكن مئة وخمسين ضعفاً...
اذهب يا صديقي واطلب أن يعلنوا للجمهور أنني لا أستطيع متابعة التمثيل بسبب المرض!
في اليوم التالي استلمت الممثلة المبتدئة من «معبودها» فون زاينيتس أجر ثلاثة أشهر مقدماً...
إن هذه النادرة محتملة الوقوع, ولكن لا أدري إلى أي حد هي صحيحة.
وكان بند النفقات الثاني لدى البارون هو الورق. كان زاينيتس نادراً جداً ما يلعب, فاللعب يضجره, ولكن عندما كان يجلس للعب يخسر مبالغ ضخمة من الضجر. وقد جعله الضجر يخترع لعبة خاصة به, وهي لعبة في غاية البساطة, وتسمى «السود والحمر». كان زاينيتس يسأل مُلاعبه وهو يريه ظهر الورقة: - حمراء أم سوداء؟ إذا حزرت ربحت, وإذا لم تحزر أربح أنا.
ومن المشكوك فيه أن يكون زاينيتس قادراً على اختراع شيء ما أكثر ذكاء من هذه اللعبة. إلاّ أنه قدر على أن يخسر فيها خلال أمسيتين كونتية فونيتش التي كان جد أرتور قد اشتراها في وقت ما في غاليسيا. وكانت هذه الضيعة هي أولى خسائره المحسوسة.
أما خسارته الثانية فكانت زوجته البارونة فون زاينيتس التي قتلها بسلوكه. وكانت خسارته الثالثة ابنته المنافقة الحمقاء التي اضطر, من أجل إصلاح الأمور المختلة, إلى تزويجها مصرفياً يهودياً يتسلل إلى فئة النبلاء. أما بارونية زاينيتس فقد انتهت إلى أبأس مصير, إذ رُهنت لقاء مبلغ تافه عند الصهر المصرفي, الذي استبقاها لنفسه عندما طرحت في المزاد, وانتهى الأمر بكارل إلى إطلاق الرصاص على نفسه بطريقة غير موفقة (إذ استقرت الرصاصة في كتفه) ثم مات بين يدي ابنته والقساوسة, مخلفاً للمصرفي «لحالات الطوارئ» بضعة سندات بمبلغ لا يستهان به.
أما ابنه أرتور فقد أرسل بعد وفاة والدته, عندما بلغ الثانية عشرة من عمره, إلى فيينا, وأُلحق هناك بمدرسة داخلية. وعندما تخرج من المدرسة, حيث تعلم التحدث بثلاثة ألسن, انتسب إلى كلية اللغات في الجامعة, ولكن سرعان ما ترك اللغات والتحق بكلية الرياضيات. وقد حالفه الحظ في هذه الكلية وحاز على جائزة أفضل مؤلف طلابي في موضوع الحساب التفاضلي. وعندما أنهى كلية الرياضيات, عاد ثانية لدراسة العلوم اللغوية. وكان يمكن لهذا التجوال من مرفأ إلى مرفأ أن ينتهي إلى شيء ما حسن, لولا تلك الآلاف التي كان يتسلمها شهرياً من مكتب البريد أو من وكلاء أبيه. فقد أدارت الآلاف رأسه. وعندما سئم من تجميع المكتبة التي أنفق عليها مبالغ طائلة منذ انتسابه للجامعة, أضاع موطئ قدمه واقتفى خُطا أبيه. سافر إلى باريس, وأخذت آلاف الرسائل تطير من باريس إلى بارونية زاينيتس في طلب النقود. وبما أن كارل كان طيباً فإن أية رسالة لم تبق دون جواب, وكانت كل الأجوبة شيكات. ومن حسن حظ أرتور أن المبالغ المالية التي كانت تأتيه من الوطن أخذت تصغر وتصغر مع كل شهر, ثم أصبحت تصل باريس بتواتر أضعف فأضعف.. وراحت المئات تحل تدريجياً محل الآلاف. واستلم أرتور مع نعية أبيه ألف فرنك ورسالة من الصهر المصرفي يبلغه فيها أن الألف المرسل إليه هو كل ثروة البارون أرتور فون زاينيتس, وأن ليس له, أي لأرتور, ما يعوِّل عليه... قرأ أرتور الرسالة وتضرج بحمرة قانية.
أحس بخجل شديد عن نفسه وعن أبيه, واستغرق في تفكير جدي, فانتابه الخوف على مستقبله الذي شدّ ما كان يحبه ويحرص عليه عندما كان يجلس على مقعد الدراسة في الجامعة. مزق رسالة الصهر قطعاً صغيرة ولكم وجهه بقبضة يده بكل قوته... وأراد أن يلقي بالألف من النافذة, ولكن لم يفعل. وحسناً فعل. فقد نفعه هذا الألف في دفع نفقات السفر من باريس هرباً من الديون. كان مديناً لأصحاب الفنادق والمرابين و... يا للخزي الأكبر, للغانيات المستهترات... إذ أرغمته الظروف على أن يعيش أيامه الأخيرة في باريس على حسابهن. هرب إلى الوطن مرهقاً, تالفاً, فاسداً, لكن, لحسن الحظ, ليس حتى النهاية. لم تكن صحته قد تدهورت بعد, وهو لم يكن في يوم من الأيام نذلاً عن عمد. ومن حسن الحظ أن أرتور كان يتمتع بطبيعة مرنة. وقد انكب في فيينا على العلوم من جديد وبحماسة أكبر من السابق. ولكي يحصل على لقمة العيش ولا يتطفل على أقربائه طلباً للنقود, عمل مدرساً للجبر في إحدى الكليات العسكرية ومراسلاً لجريدتين باريسيتين كبيرتين. كما كان يكسب بعض المال من كتابة الشعر الذي ينشره في المجلات الفرنسية (كان كفريدريك الكبير لا يطيق اللغة الألمانية). وسارت الحياة هادئة, متواضعة, محتملة, على النقيض مما كانت عليه حياته الباريسية, ولكنها لم تبق هكذا طويلاً, فقد دب إليها الفساد في أكثر مراحلها إمتاعاً, وبالذات في ذاك العام الذهبي الذي أصبح فيه أرتور دكتوراً في الفلسفة وحائزاً على درجة الماجستير في الرياضيات. فقد مد القدر له قدمه معترضاً طريقه العريضة.
هو نفسه لم يلحظ كيف غرق في الديون. ومن كان من قبل غنياً ثم أصبح فيما بعد فقيراً يفهم ما معنى «لم يلحظ» هذه. ومما زاد الأمر سوءاً أن أرتور تزوج فتاة فقيرة حلوة من فئة النبلاء وقعت في حبه. تزوجها عن حب وبدافع الشفقة. وقد زاد الزواج من نفقاته, وبات عليه, أراد أم لم يرد, أن يتوجه إلى أخته. فكتب إليها رسالة يرجوها فيها أن تخبره عن المصير الذي آلت إليه ضيعة أمهما, وأن تخصص له بعضاً من عائداتها إذا لم تكن الضيعة قد بيعت لسداد الديون. كما رجا أخته عرضاً في سياق الرسالة أن ترسل له إلى فيينا مكتبته التي كانت قد أخذتها في وقت ما لتتولى حفظها. وقد جاءه الرد على الرسالة في برقية من صهره يطلب إليه فيها أن يأتي إلى زاينيتس فوراً. فسافر أرتور إلى هناك, وعندما دخل زاينيتس طلبوا منه أن يترجل ويسير على قدميه. قالوا له: - السيدة بيلتسير لا تحب قرقعة العجلات. كلفوا أنفسكم مشقة الوصول إلى المنزل سيراً على الأقدام.
استقبله في غرفة الضيافة صهره وأخته. كانت أخته جالسة على كنبة وهي تبكي. أما صهره فقد تشاغل عند دخوله بقراءة جريدة... قال لهما: - هذا أنا! ألم تعرفاني؟ فأجاب المصرفي: - نرى. فعلت حسناً بأنك أطعتنا وجئت... نحن مسروران جداً يا بارون بأنك لم تفقد بعد القدرة على الطاعة... كلمة «مطيع» تفوح منها رائحة العبودية بعض الشيء, ولكن اعذرني... الطاعة للسادة من أمثالك ضرورية...
قال البارون بذهول: - أنا لا أفهمك. مالك يا أختي, لم تبكين؟ أخوك أرتور جاء وأنت تبكين... أجيبي بشيء ما على تحيتي! كفى بكاء!
قال المصرفي: - إنها, أيها السيد الفاضل, قد بدأت البكاء فور إعلامنا أنك قادم... اجلس... ما زال لدى أختك.. والحمد لله, كنبات. أنت وأبوك لم تبددا كل شيء.. وهي, زوجتي, تبكي لأنها ما زالت تحبك..
فتح أرتور عينيه على سعتهما, ومرّ براحة يده على جبينه. لم يكن يفهم ما يقال. وأردف المصرفي دون أن يحوّل عينيه عن الجريدة:
- نعم, إنها لا تستطيع أن تقضي بهذه السرعة على تلك العاطفة التي ينبغي الاعتراف بأنها غير طبيعية, لأنها عملياً لم تعد أختك... هـ م... وأنت لست أخاً لها. إنها أسمى منك بما لا يقاس. وأنت أدنى من أن تكون أخاً لهذه المرأة... أيها السيد الفاضل! اشكر هذه المرأة! فلولاها لما كان لك أن تتجرأ على تخطي عتبة هذا البيت!
قال أرتور ممتقعاً: - اشرحي لي, يا أختي, ماذا يجب أن أفهم من كلمات زوجك... بيلتسير؟ إنني لا أفهم شيئاً على الإطلاق! ثم دموعك... إنني لا أفهم!
أبعدت زوجة المصرفي المنديل عن وجهها وهبت واقفة, وراحت تذرع غرفة الضيافة وهي تحف بثوبها الثقيل. وتساقطت من عينيها دموع كبيرة, حقيقية... صاحت بصوت كالعويل:
- ألا تفهم؟ افهم في النهاية أنك تقتلنا بسلوكك! خلاعتك تثير سخطنا! إنني ساخطة عليك كأخت وكمسيحية!
قال البارون:
- وضّحي يا أختي! إنني لا أفهم بالمرة ما الذي تريدين قوله؟
- اسكت! لا أريد سماع صوتك! أية قذارة تلك التي تزوجتها؟
وهنا تلقّف المصرفي الحديث وقال بصوتٍ عالٍ متهدج:
- نعم, يا بارون! بزواجك من هذه المرأة التافهة لطخت اسم البارونات فون زاينيتس, واسم أولئك الذين يعدون أنفسهم أقارب لهم!
صرّ ساعد الكنبة الذي كان البارون يستند إليه. فقد أخذ أرتور يرتعد من الغضب. التفت نحو أخته قائلاً:
- سيلفيا! أنا لم أقل لك كلمة واحدة عندما تزوجت الوغد بيلتسير. لقد احترمت إرادتك, أما أنت؟ إنك تسمحين لنفسك بتوجيه إهانات قاسية إلي بإيعاز من بيلتسير! لا تتمادي!
صرخ بيلتسير:
- أنا وغد؟ إنني أغفر لك هذه الكلمة يا بارون! أغفرها!
خبطت سيلفيا الأرض بقدمها وخطت خطوة باتجاه أخيها, وراحت تفح وهي تبتلع دموعها:
- إنني أعرف كل شيء عنك! كل شيء! لا يكفي أنك تزوجت قذارة سوقية, صعلوكة, فأنت, علاوة على ذلك ملحد. إنك لا تذهب إلى الكنيسة بالمرة! لقد نسيت ربك! نسيت أن روحك متأهبة في كل لحظة لمفارقة جسدك وتسليم نفسها للشيطان!
وصاح بيلتسير في أثناء ذلك:
- ليت الجميع كانوا أوغاداً مثلي أنا! أوه! إذاً لكانت الأرض غير الأرض, ولما كان على الأرض عندئذ أناس لا يقيمون وزناً لشيء: لا للاسم ولا للشرف.. ولما كانت هناك أولاء النساء السوقيات العاهرات اللواتي...
سكت بيلتسير بغتة. فقد نظر إلى وجه أرتور ودهمه الفزع وصرخت سيلفيا:
- حتى اللوثريون لا يتصرفون هكذا, كما تتصرف أنت. لقد استدعيناك لنُفهمك أنك سافل! يجب عليك أن تتوب! طلقها... وغيّر أسلوب حياتك! فوراً! أتسمع؟ أتفهم؟
قال أرتور بصوت مكتوم:
- ما دمتما تتمسكان بالتقاليد الفئوية اعلما إذاً أن البارون أرتور فون زاينيتس لا يليق به أن يدخل في أية مهاترات مع يهودي قادم من بولندا الروسية وزوجته! ولكن سأهبط إلى مستواكما وأطرح عليكما سؤالاً واحداً. سأطرحه وأذهب: ماذا تقولان لي فيما يخص ضيعة المرحومة أمي؟
أجاب بيلتسير:
- إنها ملك سيلفيا, ملكها وحدها فقط.
- بأي حق؟
- ألم تطّلع على وصية والدتك؟
- لماذا تكذب؟ ليس هناك أية وصية! إنني أعرف هذا!
- إنها موجودة!
- إذا كانت موجودة, فهي إذاً مزيفة! أين مكتبتي؟
- بيعت بالألف فرنك الذي أرسلناه لك إلى باريس...
- إنها تساوي لا ألف فرنك بل مئتي ألف فرنك!
هز بيلتسير كتفيه وتضاحك ساخراً:
- بالرغم من رغبتي الشديدة, لم أستطع أن أبيعها بسعر أعلى.
- من الذي اشتراها؟
- أنا, بوريس بيلتسير.
أحس أرتور بأنه يختنق. أمسك برأسه وخرج من الغرفة راكضاً. فصاحت سيلفيا في أثره:
- عد, يا أخي, عد!
لم يكن أرتور يريد العودة, ولكن لم يستطع, فقد كان ما يزال يحب أخته.
- تُبْ, يا أرتور! – قالت سيلفيا لأخيها العائد- تُبْ ما دام في الوقت متسع!
اندفع أرتور من غرفة الضيافة راكضاً, وبعد دقيقة انطلق نحو محطة القطار وهو يلهث ويرتجف من الغضب.
أغلق على نفسه باب القمرة في الدرجة الثانية, وتمدد على المقعد منكباً على وجهه, وظل على هذا الوضع حتى وصل إلى فيينا. وفي فيينا مد القدر أمامه قدمه الثانية. فعندما وصل إلى البيت لم يجد زوجته هناك. كانت زوجته التي يحبها بحرارة قد هربت في غيابه إلى عشيقها وتركت له رسالة ترجو فيها الصفح. وقد نزلت هذه الخيانة على رأس أرتور نزول الصاعقة.
بعد أسبوع عادت إليه زوجته مطرودة من عند عشيقها, لكي تتناول السم وتموت عند عتبة منزله... وعندما عاد أرتور من المقبرة بعد دفن زوجته استقبله الخادم برسالة من أخته سيلفيا تقول له فيها: «أخي العزيز! إننا نعرف كل شيء... الجناية التي ارتكبتها بالسر لتمحو عن وجه الأرض آثار الجريمة التي لطخت اسمنا بالعار تغضب الرب... نحن لم نطلب منك سوى التوبة, أما زوجتك فكان يمكن أن تعيش. موتها ليس له لزوم.كان ينبغي إبعادها فقط. ولكن لا تيأس. إننا نصلي من أجلك. وثِقْ بأن صلواتنا لن تذهب عبثاً. صلِّ أنت كذلك.
أختك سيلفيا».
مزق أرتور الرسالة مزقاً صغيرة, وراح يدوس بقدميه تلك المزق التي كتبتْ عليها اسمَ الرب يدٌ دنسة... ثم انفجر باكياً وسقط على الأرض فاقداً الوعي...
التعليم, والفلسفة, والرياضيات, والأشعار الفرنسية, كل هذا نبذه أرتور ونسيه. وعندما عاد إلى نفسه في نهاية المطاف, شرب حتى الثمالة, وتنكب بندقية بفوهتين, وطفق منذ يومه ذاك يتجول في أطراف زاينيتس وغولداوغين والقرى الأُخرى بصفته «زاينيتس المتوحش», ويعب في أثناء ذلك كميات أسطورية من الخمر, ويبيد الطرائد. بدأ يعيش حياة غريبة.. ولم يكن الناس يرونه إلا في الحانات والخمارات التي تزّين ببرقشتها العجيبة مفارق الطرق. كان يراه ويعرفه جميع مأموري الحراج ومعظم الرعاة.
لم يكن أحد يعرف أين يعيش, وبم يقتات. ولو لم يكن يتحدث بذكاء بالغ مع الناس الذين يلقاهم مصادفة لظنوه مجنوناً. لم يكونوا يعرفون كيف يفكرون فيه وأية فكرة يكوّ نونها عنه. سموه «زاينيتس المتوحش» والناسك الجوال, و«البارون أرتور التعس». وأخذت الصحافة السوقية تتحدث عنه, وعن دعوى ضخمة ينوي زاينيتس أن يرفعها ضد أسرة بيلتسير, وعن الأخت التي نهبت أخاها شرعياً. ثم راحت الصحف تنشر بدون أية مناسبة نوادر وروايات قصيرة من حياة أرتور فون زاينيتس وأبيه. حتى أن ثمة جريدة تافهة أبدت تأسفها على اختفاء سلالة زاينيتس.
كان أرتور يهيم أكثر ما يهيم في البساتين والغياض, فالطرائد هنا أكثر منها في الحقول أو قرب الأنهار. ولم يكن أصحاب البساتين يمنعونه من الصيد. لقد كانوا يكرهون أخته ويرون فيه عدو بيلتسير الألد. بل إن النساء كن يسررن لأن فون زاينيتس يزور بساتينهن وغياضهن. كن يقلن: - لا يجوز القول إنه ملك الغابة, لا! فهو أفتى من ذلك... الأصح أن يقال إنه ولي عهد الغابة!
كان ولي عهد الغابة عندما يقابل أحداً ينحني له عادة باحترام شديد. لكن عندما صادف تسفيبوش وإيلكا وقف جامداً. فقد أذهله, كفنان, جمال وواقعية المجموعة المؤلفة من تسفيبوش وإيلكا والقيثارة والكمنجة والطائر.
وعندما سمع صوت النحيب, عبس وسعل بغضب, وتساءل:
- لماذا هي تبكي؟
تضاحك تسفيبوش وهز كتفيه وهو يقول:
- أغلب الظن أنها تبكي لأنها امرأة. لو كانت رجلاً لما بكت.
- هل أنت الذي أزعلتها؟
- أنا, يا بارون! إنني أقر بذنبي...
نظر البارون بغضب إلى سحنة تسفيبوش السمينة المتلامعة, وضم قبضته اليمنى.
- بم أزعلتها أيها الحيوان العجوز؟
- أزعلتها, يا صاحب السناء, بأن لي وجهاً يمكن أن يجلد بالسوط دون أن يلقى المعتدي عقابه... إنها ابنتي, يا بارون, والناس المهذبون لا يسمحون لأنفسهم بشتم الآباء في حضور بناتهم...
- وبسبب ماذا أزعلتها أيها الخبيث؟ لا تبكي, يا فتاة! أنا الآن سأمتحن هذا الوغد! هل ضربتها, أم ماذا؟
- لقد حزرت يا بارون, ولكن جزئياً فقط... نعم, وقع ضرب, ولكن ليس عليها, ولست أنا من أوقعه... عطفك على ابنتي يؤثر فيّ, أيها الكونت! شكراً لك!
- مهرج! – قال البارون ونفض يده ممتعضاً وانحنى على إيلكا يسألها: - ما بك يا عزيزتي؟ ما الذي يبكيك؟ من أزعلك؟ قولي لي من أزعلك وأنا... سأزعله, وسأزعله بشدة!
مسح البارون بيده الكبيرة المسفوعة بالشمس شعر إيلكا, وومضت في عينيه نار خيِّرة:
- علينا, نحن الرجال, أن نذود عن النساء, لأن من واجب الأقوياء أن يدافعوا عن الضعفاء. فلماذا أنت تبكين؟
ركع فون زاينيتس على ركبتيه, وجلس بحذر قرب إيلكا وهو يتملى وجهها المغطى بأناملها الصغيرة المبتلة وشعرها المسدل. وشرع يتكلم بصوت لم يتكلم به منذ زمن طويل. وسمعت إيلكا صوتاً حنوناً صادراً من القلب مباشرة, صوتاً يمكن أن تثق به بجرأة...
- لماذا تبكين؟ اطلعيني على سبب حزنك! إن الذي يجلس الآن بجانبك ليس مهرجاً غبياً عجوزاً, بل رجل قوي. بإمكانك الاعتماد علي... إنني قوي وأستطيع أن أفعل أي شيء, ما الذي يبكيك؟ إيه؟
عندما يسألون الأطفال عن سبب بكائهم ينخرط هؤلاء في بكاء أشد, والشيء نفسه يحدث مع النساء. وقد طفقت إيلكا تبكي بشدة أكبر...
- من قوة بكائك يمكن الحكم بأن مصيبتك لا بد أن تكون كبيرة... ستحكين لي... آ؟ ستحكين؟ يمكنك أن تكوني صريحة معي. إنني لا أسألك بدافع الفضول. بل أريد أن أساعدك... بالشرف, يا فتاة!
انحنى أرتور وقبل إيلكا في مقدم رأسها.
- لن تبكي؟ نعم؟ إيه, هيا يا عزيزتي! لكي تخففي بعض مصابك ليس عليك سوى أن تفضي بكل ما عندك...
قال تسفيبوش:
- لا أظن أنها ستكف قريباً عن البكاء, أعصابها ضعيفة كخيطان ثوب لبسوه خمس سنين. لندعها يا بارون تَرْتَوِ من البكاء... هذا سيء يا إيلكا! ستذرفين دموعاً كثيرة, وسريعاً ستعطشين.
قال البارون:
- آه, نعم! يجب إعطاؤها ماء! الماء هنا, قريب...
وما لبث أن نهض واختفى خلف الأوراق الكثيفة, وراحت الفروع والأغصان تطقطق تحت وطأة جسمه الثقيل. قال تسفيبوش وهو يداري ضحكته:
- يا لهذا البارون! رقيق, مؤدب, لبق! ها- ها- ها! يمكن الظن بأنه في الواقع طيب إلى هذا الحد! صدقيه يا إيلكا, لكن قليلاً. إنه إنسان شهم, ولكن لا ينبغي للمرء أن يضع أصبعه في فمه, فهو سيقضم اليد حتى المرفق. لا تروي له الحادثة التي جرت عند آل غولداوغين. فهو من أقرباء هؤلاء القساة, وسيضحك عليك كأكثر الحمقاوات حمقاً. ألن تكفي عن البكاء؟
طقطقت الأغصان من جديد وظهر أرتور من خلف الأوراق حاملاً كأس صياد فضية مليئة بالماء.
- اشربي... ما اسمك؟ إيلكا؟ اشربي يا إيلكا!
ركع البارون على ركبتيه وأدنى الكأس الباردة من شفتي إيلكا. رفعت إيلكا يديها عن وجهها وشربت نصف الكأس, ثم تمتمت قائلة:
- ما أتعسني! آه ما أتعسني!
- أصدقك, أصدقك بحرارة!
قال البارون وهو يبلل صدغيها بالماء البارد:
- لو قلت إنك سعيدة لنعتّك, يا عزيزتي, بالكذابة. اشربي أكثر!
همست إيلكا: بحق الرب, أتوسل إليك, لا تشتم والدي! هو أيضاً تعيس جداً جداً!
- لن أشتمه... لقد شتمته من شدة حنقي. ظننت في البداية أنه قد أزعلك. إنني أسحب كلماتي الفاسدة. ولكنّه يبدي بروداً شديداً إزاء مصيبتك. وهذا لا يليق بأب محترم.
قال تسفيبوش ضاحكاً:
- لم يعد ناقصاً سوى أن تبلل لي أيضاً صدغيّ بالماء! لقد فارقت عادة البكاء منذ أن اعتدت تلقي العقاب بقضبان والدي. ولكن ما أشد رقتك اليوم يا بارون. إنني أرى فيك اليوم ذاك البارون أرتور فون زاينيتس الذي كسر منذ ست سنوات سنيّن من أسنان مسجل نقاط البلياردو في مطعم «الحصان الأسود» في براغ... هل تذكر يا صاحب السناء؟ إحدى السنّين تفضلت بكسرها بعصا البلياردو, والثانية بقبضة يدك...
تمتم فون زاينيتس:
- وأي شيء لم يكن يحدث منذ ست سنوات! حدث الكثير, وحدث ما ليس من اللائق ذكره الآن. هيا يا إيلكا! احكي! لقد هدأتِ الآن بعض الشيء, ولكي تعودي إلى نفسك نهائياً ما عليك سوى أن تفصحي عمّا بك... ايه؟ من الذي أساء إليك؟
- لم يسيئوا إليّ أنا, بل أساؤوا إلى والدي!
- هكذا إذاً! أنت إذاً تبكين من أجل والدك؟
- لقد أهانوه إهانة فظيعة! لو رأيت كيف أهانوه, المسكين, لارتعت!
- إذاً هذا هو الأمر! هـ..م.. يا لك من بُنَيّة طيبة! إن لك, يا صاح, ابنة طيبة! نادرة المثال! ولكن, على كل حال, اروي لي القصة... إنني سأدافع عنه أيضاً بالحماسة نفسها التي سأدافع بها عنك.
قال تسفيبوش:
- لا تدافع عني, أيها البارون!
- لماذا؟
- لأن هذا مستحيل... لقد كان لي الشرف بأن أنال لطمة من شخص ليس بصغير, بل من شخص كبير جداً. ليس هناك من قذيفة يمكنها أن تصل إليه! ثم لا داعي لهذا الدفاع! ابنتي تنقاد لنزوات مزاجها!
- ما هذه التفاهات! الأمور عندي سواء, أياً كان الذي أهانك! إن قذيفتي تصل إلى أي واحد إذا لزم الأمر... احكي يا إيلكا.. سأساعدك.
وبين الفواق والزفرات العميقة والتكرار المتواصل قصت إيلكا على أرتور فون زاينيتش قصة أساها. وعندما وصلت في قصتها إلى الكونتيسة غولداوغين وهي ترفع سوطها, قطب البارون حاجبيه وسأل:
- إذاً فهي امرأة؟
- نعم الكونتيسة غولداوغين..
- هـ..م... تابعي...
امتقع البارون بشدة وأخذ يحك جبهته.
- تابعي... تابعي... إني أستمع... إذاً امرأة ضربته؟ ليس رجلاً؟
- امرأة, أيها البارون!
- هـ..م ولماذا لا تتابعين؟
عندما روت إيلكا كيف وقع أبوها تحت قوائم الحصان وكيف تضرج بالدماء بعد ذلك, تطلع البارون إلى تسفيبوش وسأله:
- هل هي التي شقّت لك شفتك؟
- إيه! وهل يستأهل هذا الأمر الحديث عنه؟ تعالا, أيها السيدان, نتحدث في السياسة, هذا أحسن!
صرخ البارون وهو يضرب العشب بقبضته:
- إنني أسألك أيها الأحمق العجوز هل هي التي شقت لك شفتك أم لا؟ ابنته تتألم من أجله وهو يمزح! لا أحب المهرجين!
قالت إيلكا:
- هِيَ, هِيَ!
وبرر تسفيبوش:
- أُلبسُ «الأحمق العجوز» إهاباً فتياً وأعيده إلى صاحبه! إنني لا أمزح, بل أقول الحقيقة! السياسة أفضل بكثير من الأحاديث التي لا تجدي نفعاً البتة.
أومأت إيلكا بيديها مبيّنة كم من الدم تقريباً فقد والدها, وكيف كان يعرج عندما كان يجر نفسه نحو المصلى. وعندما تحدثت عن القاضي ونقلت حديثه كلمة كلمة تضاحك البارون باحتقار وبصق جانباً. وطارت البصقة مسافة أربعة أمتار. بربر قائلاً:
- بهائم! نعم, إنه على حق! هذا الخبيث على حق! لم يكن بمقدوره أن يفعل شيئاً. إن أريستيدس() آل غولداوغين هو عبد لهم, مثله كمثل ذلك الحصان الذي كاد يدوس هذا المهرج الشكسبيري, أباك!
أنهت إيلكا حديثها بقولها:
- إنني لا أشعر بمثل هذا القهر عندما يعتدي السكارى من العامة, أو رجال الشرطة على والدي بالضرب. الشرطة, أيها البارون, لا تسمح لنا بالعزف في المدن الكبيرة, ولكني أشعر بالقهر والأسى والإهانة عندما تقوم بذلك امرأة مثقفة نبيلة الحسب وذات وجه رقيق لطيف. أي حق لها في أن تنظر إلينا بمثل هذا التعالي وهذا الاحتقار؟ ليس لأحد الحق في أن ينظر إلينا هكذا!
رفعت إيلكا أناملها إلى وجهها وبكت...
- وهل سيمر الأمر هكذا دون أن تدفع الثمن؟ آه.. يا إلهي!! إذا بقيت هذه الإهانة دون عقاب فإنني سأموت.. سأموت! فليعزف أبي وحده عندئذ! وليبع عندئذ قيثارتي!
دفنت إيلكا وجهها في مئزرها وواصلت البكاء بصوت خافت. ونظر تسفيبوش إلى الأرض وأصدر أصواتاً صافرة, واستغرق البارون في التفكير ملياً ثم قال:
- إهانة شديدة. ولكن ينبغي في البداية أن يستوضح الإنسان الأمر, ثم بعد ذلك يعطي الوعود. لقد كذبت عليك يا عزيزتي. أنا لست بتلك القوة التي كنت أتبجج بها قبل ساعة, ولا أستطيع أن أفعل شيئاً من أجلك...
- لماذا؟
- لأنها امرأة... فهل يعقل أن أدعوها للمبارزة؟! الأمر سيء, يا عزيزتي, وينبغي الرضوخ...
- لا أستطيع أن أرضخ! من أين جئت بأنني أستطيع أن أرضخ؟
- عجزك يجبرك على أن ترضخي: أنت عاجزة لأنك ابنة عازف شحاذ, وأنا عاجز لأنها, فليأخذها الشيطان, امرأة....
- وماذا علي أن أفعل؟ - تساءلت إيلكا - لا تصدق أبي, بحق الرب, هو نفسه لن يحتمل هذه الإهانة أيضاً! إنه يتظاهر بالبرود, ولكنه في الحقيقة.... أنا سأذهب إلى بودابست أو إلى فيينا! سأجد محكمة.
- لن تجدي...
هبت إيلكا واقفة وأخذت تدور حول البارون وتسفيبوش. ثم صاحت:
- سأجد! ولكن, أيها البارون, أنت, في نهاية الأمر, إنسان نبيل وذكي وتعرف الجميع وكل النبلاء يعرفونك... لست شخصاً ما عادياً! فلماذا لا تكتب رسالة إلى أحد القضاة كي يحاكمها بموجب القوانين؟ لا يكلفك الأمر سوى أن تقول أو تكتب, وكل شيء سيُنفّذ!
قال تسفيبوش بلهجة موحية:
- كفاك يا إيلكا! السيد البارون يشعر بالملل من الاستماع إلى هرائك البحت هذا. إنك تسيئين استعمال انتباهه.
قال البارون:
- أنت يا إيلكا لا تفكرين هكذا إلاّ لأنك لا تعرفين الحياة. لقد أفصحت لي منذ قليل عن أنك تعيسة, في حين أن نظرتك إلى الحياة كأنها نظرة فتاة متنعمة لا تستطيع التمييز بين النحاس والحديد. كم عمرك؟ سبع عشرة؟ آن لك أن تفهمي الحياة يا حسناء! الحياة سخافة مقرفة, كريهة, لزجة, وهذر رخيص لا هدف له ولا تفسير له. إنها أدنى من أن تُشَبّه حتى بحفرة النفايات التي تحفر من أجل أن تُملأ بشتى القذارات. آن لك أن تعرفي الحياة, وما الذي تريدينه منها؟ هل تريدين منها أن تبتسم لك, وتنثر عليك الزهور والنقود؟ آ؟ هذا ما تريدينه؟
احمر فون زاينيتس وأدخل يده في جعبته الكبيرة.
- إذا كان الأمر هكذا, فإنك تريدين المستحيل! الحياة الممكنة على الأرض لا تُحتمل... فإذا كنت تريدين حياة لا تحتمل عيشي, وإذا كنت لا تريدين انصرفي إلى العالم الآخر. السم دائماً في خدمتك... أنت طفلة, هذا هو الأمر! أنت غبية.
ظهرت من الجعبة قارورة مجدولة, رفعها البارون إلى شفتيه وجرع منها بنهم عدة جرعات, ثم أردف:
- الحياة مقرفة! بشاعتها هي قانونها الثابت الدائم! وقد أُعطيها الإنسان عقاباً له على دناءته... يا حلوتي اللطيفة! ولو لم أكن أعي دناءتي بعمق لكنت توجهت إلى العالم الآخر من وقت طويل, فالرصاص كثير... إنني أقول لنفسي: تعذب يا أرتور! فأنت تستحق هذا العذاب! تلقّ يا أرتور نصيبك! وأنت يا فتاة, تعلمي التفلسف مع نفسك على هذا النحو... فالعيش يصبح أسهل مع هذه المقدرة...
جرع أرتور جرعتين أخريين.
- توجد في الكون قوة واحدة توفق بعض الشيء بين الإنسان وحياته. وهذه القوة, كما يقولون, من صنع الشيطان, ولكن... لتكن هكذا! إنها تقتلع الأشواك من نفسي... مؤقتاً طبعاً. وهذه القوة في قارورتي... اشربي يا إيلكا. اجرعي جرعة! هذه فودكا جيدة...
هزت إيلكا رأسها رافضةً, ورمق تسفيبوش القارورة, وتلمظ, وأرخى بصره باستحياء. تابع زاينيتس يقول:
- هيا.. هيا اشربي, أيتها المغفلة! ستخفف عنك.. خذي جربي!
وقال لها تسفيبوش ناصحاً:
- اشربي يا إيلكا.
تناولت إيلكا القارورة وشربت جرعة صغيرة وتغضن وجهها.
- والآن اشرب أنت- قال أرتور مخاطباً تسفيبوش- اشرب أنت يا فخذ الخنزير العجوز.
تهلل تسفيبوش وتمعج وجهه بابتسامة وكأنه شاهد صديقاً لم يره منذ زمن بعيد. تناول القارورة بكلتا يديه ورفعها بحركة احتفالية إلى شفتيه السمينتين. تجرع بحذر جرعتين أو ثلاثاً ثم وضع القارورة على العشب.
قال البارون:
- اشرب حتى القعر! لا تجامل. لدي قارورة أخرى.
نفّذ البدين الأمر في ثانية واحدة, وقال فون زاينيتس:
- أنا رأيتك من قبل, يا صاح, في مكان ما, في وقت ما. إن سحنتك تبدو لي مألوفة... أين رأيتك يا ترى؟
- أنا, يا بارون, مسجل نقاط البلياردو التعس الذي تفضل سناؤكم بكسر سنّيه في براغ.
- ربما, ربما...ايه... لقد كنتُ أستاذاً في هذه الأمور... آسف لأنني لا أستطيع أن أركبهما لك الآن.
سحب البارون من جعبته القارورة الثانية وصرّة ورقية تحتوي على فطائر وجبن ومارتديلا. قسم فون زاينيتس المارتديلا مناصفة, أعطى تسفيبوش نصفاً, ثم قسم النصف الثاني قسمين, قدم أحدهما لإيلكا وأبقى الآخر لنفسه, وقال:
- تفضلا, أيها السيدان! كُلا.. لا تجاملا, كلي يا فتاة! الجبن كله من نصيب معدتك. نحن لن نمسه.
لم يُحجْه تسفيبوش وإيلكا الجائعان إلى دعوتهما طويلاً. فقد انقّضا على الطعام بنهم الأطفال الجائعين, غير المهذبين, وبعد خمس دقائق أتيا على كل شيء ما عدا قطعة صغيرة من المارتديلا. وقد رأف تسفيبوش بهذه القطعة ليأكلها كمازة بعد الفودكا.
كان تأثير الفودكا في أرتور فورياً. فقد احمر وجهه وأشرق, وتراكضت عيناه كفأرين وقعا في مصيدة, وأخذتا تبرقان. مدّد قدميه على الأرض وتوسد قبضتيه وشرع يبتسم. أما تسفيبوش فإن الفودكا لم تؤثر فيه, وظل رأسه على الحالة التي كان عليها. بينما أشاعت الفودكا في نفس إيلكا الغم والضيق, فجلست وحدها منزوية, وأسلمت رأسها لراحتيها وطفقت تفكرّ. قال أرتور:
- اشرب أيها الشيخ! أن تكون ثملاً ومرحاً خير من أن تكون صاحياً وضجراً. الفودكا الجيدة هي خلاصنا... لولاها لهلك الإنسان! لنشرب نخب وجودها! لماذا كسرت لك أسنانك؟ ألا تذكر؟
- كيف لا أذكر؟ أذكر... كنتَ ثملاً بعض الشيء وطلبتَ مني أن ألتقط بفمي كرة البلياردو التي ستلقي بها إلي. وعندما لم أبد رغبة في تنفيذ أمرك, اتخذت أنت إجراءات صارمة...
بربر أرتور:
- حيوان!
- من؟
التفت أرتور بغتة نحو إيلكا وقال:
- اسمعي يا حسناء! لشدّ ما تذكرينني بفتاة كنت أحبها في طفولتي. هذه الفتاة لم تكن موجودة, لم يكن لها وجود في الواقع, لكن مربيتي كانت تحدثني عنها في كل مساء. لقد تصورتها آنذاك مثلك بالذات. وكانت هذه الفتاة, كما تقول مربيتي, تعيش في إحدى الممالك, في أحد البلدان, في زهرة خزامى كبيرة. كانت تجلس على مقدمة الزهرة وتتطلع من خلف الأوراق إلى عالم الله الواسع. وكانت مشاغلها متنوعة جداً. فقد كانت تعتني بالأزهار وتملأ القناني بالندى الذي تستعمله للاستحمام والشرب, وتغنّي الأغاني. نسيت أن أقول لك إن طول هذه الفتاة لم يكن يزيد على طول خنصرك. وكانت لا تأكل سوى العسل الذي يجلبه لها النحل. وترتدي أوراق أزهار الخشخاش الأرجوانية, وكان اختصاصها الطب: ترقي الأسنان, وتضمد الجراح وتصنع القطرات الخ... وقد أجرت عملية لجندب كُسرت قدمه في معركة مع عنكبوت, ببراعة ودراية يحسدها عليهما بيلروت() نفسه. واشتغالها بالطب لم يجعلها تعاف المهن الأخرى. فقد كانت تخيط الثياب للحشرات الفقيرة, وتصلح معاطف البلاط للزيزان الذهبية وترتق أدثرة الدعاسيق... كانت الحشرات تحترمها كأمها الرؤوم, وتحبها أكثر من أي كائن في الدنيا. وكيف لا وهي التي أنفقت كل ما تملك على الديدان الشحاذة التي تزحف إليها من جميع الجهات في طلب الصدقة, وفقدت صوتها من إلقاء المواعظ على الحشرات. كانت مواعظها قمة في فن الخطابة. وتقول مصادر موثوقة إن عشرة يعاسيب بكت من تقريع الضمير بعد أن سمعت موعظتها «عن الكسل» وانكبت على جمع العسل من الأزهار. كانت تزوج الفراشات, وتجعل جهازاتهن ثياباً من الموسلين في غاية الروعة. وتزوج الجداجد آمرة إياهم() بحزم وصرامة ألاّ يقلقوا زوجاتهم ليلاً بصريرهم. كانت أماً حقيقية. وقد جاءها مرة عنكب ذئبي ورجاها أن ترقي له أسنانه, وما كادت الفتاة تفعل حتى زال الورم من وجهه, فقال لها العنكب: «أنا لا أحبك, إنك لا تعجبينني, ولكنني أريد أن آخذ ضريبة من تلك الحشرات التي تداوينها, وتلبسينها, وتعلمينها القراءة... أنا بحاجة إلى نقود.. ألا تريدين؟ حسن إذاً! إذا لم تبلغيني موافقتك بعد ثلاثة أيام سأقتلك بهذه الأسنان نفسها. ثم كشر العنكب للفتاة عن أسنانه المخيفة وذهب إلى منزله. أخبرت الفتاة جميع أتباعها بتهديد العنكب, فاجتمع هؤلاء وزحفوا نحوها من جميع الجوانب, ووقفوا حولها في وضع دفاعي وجعلوا يصيحون:
- نموت ولا نسلمك!
جاء العنكب وسأل الفتاة:
- موافقة؟
- لست موافقة, لا تثر أيها العنكب المتاعب! انظركم لدي من المدافعين!
نظر العنكب فلم ير مدافعين, بل جبناء ممتقعين يرتعدون بكل جوارحهم. طفق يقهقه بصوت عالٍ, ثم ذبح الفتاة المسكينة بأسنانه الشنيعة على مرأى من عالم الحشرات بأسره. وبعد أن قتلها ذهب إلى بيته. صنعت النحلات من الشمع تابوتاً وسجّت الفتاة فيه... وحفرت النملات لها قبراً, وسارت البرغشات خلف النعش وهن يُغنّين ويعزفن بالأبواق ألحاناً رائعة. وألقى زيز ذهبي كلمة التأبين... وباختصار كانت مراسم الدفن فخمة, ولكن وليمة ما بعد الدفن كانت أفخم. أكلت الحشرات وشربت حتى الألم في البطون, ونامت بعد الوليمة ملء جفونها, ثم كلّفت أُمَّ أربع وأربعين جمعَ تبرعات لإقامة تمثال (للفقيدة) وطارت كل إلى بيتها.
سأل تسفيبوش:
- والنهاية؟
فتساءل البارون: وما الذي تريده بعد؟ هل تريد أن يضعوا العنكب في السجن؟ عبثاً تحلم! حاضنتي كانت مربية ممتازة, لم تكن تكذب عليّ حتى في الحكايات. لم تكن الفضيلة هي التي تنتصر عندها. فالعنكب ما زال حتى اليوم يجلس في جحره ويلتهم الصلصة من الذباب, بينما الحشرات النذلة مريضة وممزقة, ولعلها تتذكر وليمة الدفن اللذيذة أكثر مما تتذكر الفتاة. عليك الرحمة يا مربيتي! ما أحسن ما كنت تعرفين الطبيعة! لنشرب, أيها الشيخ! وأنت يا إيلكا؟ هل أعجبتك حكايتي؟ لا أدري لماذا تذكِّرينني كثيراً بتلك الفتاة؟ أسيأكلك أنت أيضاً العنكب الذئبي يا ترى؟ ها.. ها.. ها... ممكن جداً, ولم لا يأكلك إذا كان هذا ممكناً؟ الأسنان موجودة. فهيا.. كُلْ ... ولكنك لا تصغين إلي يا إيلكا! يبدو على وجهك كأننا لسنا موجودين هنا!
انتفضت إيلكا ونظرت إلى أرتور بعينين متوسلتين متسائلتين وهمست:
- لا أستطيع أن أنساها!
- ما زلت تفكرين في الشيء نفسه؟ ينبغي الرضوخ, أيتها الطفلة! إن نصائح القاضي الخبيث لم تزل محتفظة بكامل قوتها. وليس لذهنك أن يتفتق عما هو أفضل منها. اشتري لأبيك ماء الرصاص وصيري كونتيسة.
- أنت لا تكف عن المزاح! يا إلهي! كونتيسة... وهل هذا ممكن؟
- ممكن إذا استطعت أن تتزوجي أحد الكونتات, وغير ممكن إذا لم تستطيعي. ولكن أشك في أنك تستطيعين... بينما لو أضفنا إلى وجهك الصغير كمية من المعدن المحتقر, عندئذ لن يبقى هناك داع للشك, ولكنت أنا نفسي, تصوري هذا, تزوجتك. هل كنت تتزوجينني يا إيلكا؟
- أنت يا بارون؟ كنت تزوجتك... كنت تزوجت حتى باروناً...
- أنا كونت أيضاً... ها- ها- ها.. ألا أُقْدم على هذه الفعلة
يا ترى؟ مهلاً, مهلاً... ستكون فعلة مدهشة!
فكر البارون هنيهة ثم قال:
- لا... سيكون هذا شططاً... الأمر لا يستأهل. إنني أحب فتاة الخزامى. ولكن.. أواه! الزواج يجب أن يعود عليّ بما لا يقل عن مليون فرنك.
قال تسفيبوش الذي بدأت تفعل فيه الفودكا فعلها:
- ليس جميلاً أن يتزوج المرء المال, يا دكتور! زواج المال, يا دكتور, يعتبر تصرفاً دنيئاً.
- ما باليد حيلة! سأقدم على النذالة. أنا بحاجة إلى مليون مهما كلف الأمر. بهذا المليون... على كل لا ينبغي لك أن تعرف هذا... كنت أريتهم ما أفعل!
- أكنت تتزوج عجوزاً؟
- بل حتى شيطاناً... من أجل المليون أفعل أي شيء! المليون عتلة أقلب بها جهنم بشياطينها ونيرانها. إنني لا أتكلم على جهنم المقبلة, بل على تلك التي أنا الآن موجود فيها. إذا لم أرتكب نذالة فإنني بهذا سأتيح للآخرين إمكانية ارتكاب ألف نذالة.
التفت البارون إلى إيلكا قائلاً:
- لماذا لا تملكين مليوناً يا فتاة الخزامى؟ لو كان لديك مليون لكان عندي الآن زوجة حلوة, ولكنت أنت كونتيسة ونفّذتِ إحدى نصائح القاضي.
تنهدت إيلكا وقالت:
- أنت لا تكف عن المزاح!
- إنني لا أمزح على الإطلاق... هيا احصلي على مليون, جربي! سأجعل منك بارونة حتماً! هيا احصلي عليه!
اقترح تسفيبوش متسائلاً:
- ألا نشرب يا دكتور؟ لقد بدأ عنصر الخيال يتسلل إلى حديثنا... لندع الخيال وشأنه! فهل لأمثالنا أن يتحدثوا عن الملايين؟ أسهل علي أن أبتلع رأسي من أن أرى مليوناً في يوم من الأيام... دعونا من الكلام عن النقود إذاً! فالأحاديث تولّد الحسد.
- اسكت من فضلك! ولم لا نحلم ما دام ليس لدينا ما نفعله؟ إنني أكرر لك, يا فخذ الخنزير العجوز, لو كان لديك مليون لانتزعت منك الفتاة ووضعتها في زهرة خزامى... هل أنا سكران؟ حسن! إنها, أقسم بالرب, تعجبني! انظر هذا الأنف الذي لها! آخ يا للشيطان! احصلي يا إيلكا على مليون!
تساءلت إيلكا:
- وكيف أحصل على مليون؟
نصر لا لزوم له – م6
- آه, يا للسذاجة! يا للبساطة المقدسة(). كيف الحصول على مليون؟ يمكن الحصول عليه بأساليب شتى. والأساليب منها الصعبة ومنها السهلة. والصعبة منها تقتضي عملاً لا نهاية له, العمل الحر العاقل الذي يحرم صاحبه نوم الليل ويجعله مملاً ومريضاً. وبهذا الأسلوب لا يأتي المليون إلاّ في الشيخوخة, عندما يصبح الزواج أمراً لا جدوى منه. وأنت امرأة, لا تملكين الكفاية من العقل وتريدين الزواج, لذا فإن هذا الأسلوب لا يلائمك. أما الأسلوب الثاني, السهل من حيث الجوهر, والصعب من حيث العواقب, فيقتضي نسيان شيء يشوش على الجميع, وهو الضمير. اسلبي وانهبي. وكلما كنت أذكى وأقل حياء, اقتربت أكثر من موعد صيرورتك البارونة فون زاينيتس. والسلب والنهب ممكنان لا على الطرق فقط, إذ يمكنك أن تسلبي وتخنقي وأنت جالسة في غرفة مكتبك. ولكنني لا أوصيك بهذا الأسلوب. لأنه, إذا لم تكوني ذكية بما فيه الكفاية, يسفر عن عواقب وخيمة: ويمكن أن يودي بك إلى الهاوية. والأسلوب الثالث: أن ترثي ثروة... والرابع, ما هو الأسلوب الرابع؟ إنه أسلوب تتبعه النساء في أغلب الأحيان, ولا يهمله الرجال في كل الأحيان, أسلوب معرفة استخدام الشخص لجسده. فكلما كان جسد الشخص أجمل, أصبح أقرب إلى المليون. وهذا الأسلوب هو الأكثر ملاءمة لك يا إيلكا!
- بل الأقل - قال تسفيبوش - إنه لا يصلح! فلندعه وشأنه, يا بارون! فهذا الأسلوب الماجن تفوح منه رائحة الزفر, بينما إيلكا....
- صغيرة؟ لا بأس, دعها تعرف! فلماذا تخفي عنها ما ينبغي عليها الاحتراس منه؟ وعلى هذا فإنني أتابع... عليك يا إيلكا أن تتعلمي كيف تلبسين بذوق, وكيف تظهرين في الوقت المناسب ساقك الجميلة من تحت الثوب, وكيف تتدللين وتغنجين. لقاء كل قبلة ستأخذين على أقل تقدير() ألف فرنك... في وضعك الحالي لا أظنهم سيعطونك كثيراً, ولكن إذا ما جلست في مقصورة خاصة في المسرح أو في عربة فإن...
بربر تسفيبوش:
- إيه, إيه... كفى! الرب وحده يعلم بم تحشو رأس هذه البنت!... فلنترك هذا الحديث! أرجوك يا دكتور! سأغيرّ الحديث... ايوه... هل صحيح ما يقولونه عن أنك اعتنقت اللوثرية في الأسبوع الماضي؟
- صحيح... الأسلوب الأخير هو الأسهل, وليس هو الأبشع. اكتسبي يا إيلكا عادات المجتمع الراقي, تعلمي الثرثرة, وصدقيني سوف تحوزين مليوناً. إن هذا الأسلوب غالباً جداً ما يُتَّبع. ولو أن سبعة أثمان النساء كن جميلات ولهن في السوق ثمن, لاستخدمن هذا الأسلوب.. لو صادفتك منذ سبع أو ثمان سنوات لاشتريتك من كل بد.. أيتها المكّارة الحلوة.
قال تسفيبوش:
- على رسلك, يا بارون, كرمى للرب, على رسلك: لن نفلت الزمام للّسان! - وتطلع بخوف نحو ابنته.
كانت إيلكا جالسة تصغي إلى البارون بانتباه, دون أن يسبب لها حديثه في مضمونه وشكله أي حرج. قالت:
- إنني أفهم, ولكن هل بمقدورك حقاً أن تتزوج امرأة باعت نفسها؟
- بمقدوري. فأنا عندما أتزوج البائنة() أبيع نفسي كذلك! وهكذا دواليك... عندي إليك رجاء, يا إيلكا...
نهض البارون وأخرج من جيب صداره قطعة نقد ذهبية.
- خذي يا عزيزتي هذه النقود, وتصوّري في أول مدينة تصلين إليها. أتفهمين؟ ثم أرسلي لي صورتك.. إلى هذا العنوان...
ناول البارون إيلكا قطعة النقد الذهبية وبطاقة كتب عليها العنوان.
- لدي رغبة في أن أرى فتاة الخزامى كثيراً. أريد أن أحملها باستمرار في جيبي الجانبي... هل سترسلينها؟
-نعم.
- إذاً ممتاز. والآن, أيها الصديقان, وداعاً()! أريد أن أنام.
تمدد البارون على العشب وتوسد جعبة الصيد.
- وداعاً, سعدت جداً بالتعرف عليكما. سأنتظر الصورة, وسأتزوجك إذا حصلت على مليون...
نهض تسفيبوش وانحنى, وقال:
- شكراً لك, يا بارون, لقد أطعمتنا, فهلاّ سمحت لنا بأن نعزف لك لقاء هذا. النوم لذيذ جداً على أنغام موسيقانا المملة!
- اعملا معروفاً!
ضبط تسفيبوش كمانه وشرع يعزف لحناً من «بوكا تشيو»() بمرافقة قيثارة إيلكا.
هز البارون رأسه علامة الرضا وأغمض عينيه... وعندما فرغ الموسيقيان من العزف وهَمّا بمغادرته, فتح عينيه وصوب نظرته العكرة إلى إيلكا, وتمتم:
- هكذا.. هكذا... إنني أفهم. أهذه أنت يا إيلكا؟ هاك للذكرى!
فك البارون من سلسلته إحدى الحلي وقدمها لإيلكا, ثم سقط رأسه على الجعبة وغرق في لجة نوم عميق.


الفصل الثالث

عندما استيقظ فون زاينيتس كان المساء قد هبط. وكانت ذرا الأشجار والمباني الحجرية في البلدة الصغيرة القائمة فوق هضبة تغتسل بذهب الكوكب الغارب. كان هذا الذهب المشرب قليلاً بالأرجوان ينبثق من الشمس, وينفرش كالديباج باتجاه الشرق, مغطياً ثلث السماء. ولم تكن ثمة أية غيمة قرب الشمس أو تحتها, وكان هذا يَعِد بليلة رائعة. وبعيداً وراء الغابة كان ثمة راع عائداً يعزف على نايه. كان يعزف أغنية بسيطة ليس لها اسم: مجرد موسيقى تلقائية غير منتظمة. ولكن على أنغام هذه الموسيقى البسيطة كانت غابات كونتات غولداوغين كلها وكذلك الجودار والعشب والنهر تغرق كل مساء في نوم عميق.
شاهد أرتور على العشب بالقرب منه قارورتين مرميتين وصفحة الجريدة التي بقيت من صرة الطعام. أما الشيخ البدين والبنت الشقراء الحلوة فلم يكونا موجودين بقربه. تذكرهما, وتذكر حديثه معهما, وابتسم, بل ضحك عندما نظر إلى صدره ورأى وريقة مشبوكة بأحد أزراره. قرأ في الورقة الكلمات التالية المكتوبة بقلم رصاص:
«أيها البارون العزيز! أنت أول شخص يعاملنا بإنسانية. قبلك لم نكن نعرف المعاملة الإنسانية إلاّ بالسماع... ولذا فإنك أول إنسان لن أتذكره بمرارة, بل بتلذذ. لقد أثّر فينا اهتمامك حتى أعماق النفس. وداعاً! ليمنحك الرب السعادة! سأرسل لك الصورة.
خادمتك - إيلكا».
قال فون زاينيتس بصوت مسموع بعد أن قرأ مرة ثانية هذه الرسالة المكتوبة بخط أنثوي لطيف:
- ولا أية غلطة نحوية! شيء مدهش! مرحى إيلكا!
أخرج البارون من دفتر مذكراته قلماً قصديرياً صغيراً وكتب: «من فتاة الخزامى في 13 حزيران» ثم طوى الرسالة وخبأها في جيب دفتر المذكرات.
- فلنسر! حان وقت الغداء()!
تنكب البارون بندقيته وسار في الغابة متجهاً صوب البلدة التي أخذت تنحسر عنها غلالة الذهب بعد أن وشحتها بها الشمس برهة قصيرة.
كان عليه أن يسير في ممر طويل ضيق مفروش بالحصى, يمتد حتى البلدة تقريباً, ويتقاطع في منتصفه مع السكة الحديدية. وفي مكان غير بعيد عن نقطة التقاطع هذه كان يقوم بيت مأمور الحراج «بلا وخير».
عندما اقترب أرتور من نقطة التقاطع انعطف, ونزع قبعته, وانحنى: فعلى شرفة المنزل الصغير كانت مدام بلا وخير العجوز جالسة تطرز غطاء طاولة. كانت تجثم على رأسها الصغير قلنسوة كبيرة ذات شرائط جد عريضة, تطل من تحتها نظارة قديمة جداً من عهد الأجداد: وكانت النظارة تستقر على أنف طويل غليظ الأرنبة يشبه إبهام القدم… أجابت العجوز على انحناءة أرتور بابتسامة معسولة. قال البارون:
- مساء الخير يا فراو مارتا. أليس من رسائل لي؟
- بلى, ولكن واحدة فقط. وعليها شعار, يا بارون…
- هل العنوان مكتوب بخط بيلتسير؟
- نعم…
- إذاً إلقي بها في الموقد يا مارتا. إنني أعرف مضمونها. اليهودي يلعنني, بإملاء من أختي, لأنني اعتنقت اللوثرية… أعرف هذا بدون أن أقرأها. هل زوجك بصحة جيدة؟ وآمل أن الفريلين أماليا كذلك؟
- شكراً لك… علي إذاً أن أحرق الرسالة السادسة… عمل لا يسر جداً إذا كنت تعلم أنهم تعبوا في كتابة هذه الرسالة, وتأثروا. ما أقساك! إلى أين أنت ذاهب الآن؟
- أتغدى… في أي مكان…
- وعند أي شخص؟
- نعم…
تنهدت العجوز وهزت برأسها, وقالت:
- لو لم يكن زوجي بلا وخير شديد الحذر, لكنت قدمت لك الغداء. عندما يزورنا سادة من أصل نبيل ينتف زوجي شعر رأسه. يتردد علينا الجنرال فريختيلزاك, ولكنه مسن, ولا داعي للخوف منه... وزوجي بلا وخير لا يخاف منه… ولكنه يخاف منك أنت. فإذا تغديت عندنا سيقول الجيران إنك تتودد لابنتنا, وربك أعلم بما سيقولون. فالشخص الذي ينتمي إلى فئة النبلاء لا يأتي من أجل الزواج, بل يأتي… من المعروف لماذا… ولهذا بلا وخير يخاف… أما الجنرال فريختيلزاك فحالة مختلفة تماماً!
- لا تقلقي يا مارتا! سأتغدى في مكان آخر.
- ثم.. لأقل الحقيقة, الغداء عندنا اليوم غير مناسب بالمرة. مصيبة مع الخدم في هذه الأيام, لا تستطيع أن تفعل معهم شيئاً!
- وداعاً يا مارتا! تحياتي لأهل بيتك!
- وداعاً يا بارون!
انحنى البارون وسار نحو الممر. كانت ظلال المساء المعتمة قد استلقت على الأرض, وأمسى هواء الغابة ندياً. مرق من خلف أرتور بسرعةٍ وضجيجٍ قطارُ المصايف المسائي الذي ينقل المواطنين إلى مختلف الحقول والغابات… المساء يبدأ في الغابة قبل الحقل… ففي الحقل كان ما يزال بالإمكان إدخال الخيط في سم الإبرة… عندما خمدت ضجة قطار المصايف سمع زاينيتس خلفه وقع حوافر حصان, فالتفت وتوقف.
كانت تندفع نحوه فارسة تمتطي جواداً أدهم رائعاً. مرقت بالقرب منه ونظرت إليه, وما إن اجتازت بضعة أمتار حتى أوقفت الحصان, وسألت بصوت عالٍ:
- فون زاينيتس؟
- هو بعينه.
اقترب أرتور من الفارسة وانحنى . كانت الغابة قد أظلمت, ولكن ليس بالقدر الذي يحول دون رؤية مدى جمال الفارسة. من قوامها كله كان تشع بقوة عظمةٌ دوقيةٌ حقيقية.
لو كان تسفيبوش وإيلكا هنا لعرفا فيها تلك الفارسة نفسها التي سميناها مع تسفيبوش في الفصل الأول من قصتنا الكونتيسة غولداوغين, والتي كانت قبل الزواج تحمل لقب غيلينشترال. كانت تمسك بيدها السوط نفسه الذي شقّت به ظُهراً شفةَ تسفيبوش. قالت وهي تمد يدها لأرتور:
- لقد عرفتك من أول نظرة. إنك لم تتغير كثيراً... ولكن.. هل يمكن الحديث معك أم لا؟ رسالتك الأخيرة لي كانت مفعمة بالكراهية والسخط ومنتهى الاحتقار... فهل ما زلت تكرهني بشدة كالسابق؟
شد البارون على يدها الجميلة وقال مبتسماً:
- رسالتي إليك جريمة يمكن اغتفارها لي بالتقادم. لقد كتبتها منذ أربع سنوات, وعبرت فيها عن كرهي لك بسبب طمعك الذي منعك من أن تتزوجي الشخص المحبوب العاشق الذي حط به الزمان. ولكنني في الوقت الحاضر أبعد ما أكون عن الميل إلى الغضب منك بسبب طمعك. فأنا منذ ثلاث ساعات كنت أتحدث عن زواجي المقبل بالنقود... إنني ما زلت أعيش في هذا العالم ولم أرسل نفسي بعد إلى العالم الآخر لسبب واحد فقط هو أن لي في هذه الحياة هدفاً... وهدفي هو أن أتزوج مليوناً...
- هكذا إذاً! معنى ذلك أن قناعاتك قد تغيرت كثيراً خلال الأعوام الأربعة الأخيرة. ولكنني سعيدة... يا لهذا اللقاء المفاجئ! إنني مسرورة جداً يا بارون, أقسم بالرب مسرورة! شكراً لأننا على الأقل تلاقينا!
- لم أكن أتوقع بحال من الأحوال أن ألقاك في هذه الأماكن. كيف اتفق لك المرور من هنا؟
- أنا... ألا تعرف إذاً؟ أنا أقيم هنا... ومنذ وقت طويل...
- أنت يا بارونة؟ وكيف ذلك؟
- أنا الآن لست البارونة غيلينشترال, بل الكونتيسة فون غولداوغين. منذ سنتين تزوجت جارك, الكونت غولداوغين...
- لم أسمع بهذا... يا للأنباء الجديدة! الكونت.. إنني لا أعرفه... هل هو وسيم؟
- لا.
- غريب... أنت من هواة الرجال الوسيمين, حسبما أعهدك. وقد أحببتني لأنني, كما يقولون, كنت خارق الوسامة. وهل هو شاب, غني؟
- يناهز الأربعين... وهو غني جداً...
- وأنت سعيدة طبعاً؟
- لا, على الإطلاق. فأنا أيضاً تزوجت مليوناً. لقد بيّنتْ لي تجربة هاتين السنتين أنني ارتكبت غلطة شنيعة. السعادة ليست في المليون, كما تبيّن في الواقع... وكل ما أفعله الآن هو أنني أخترع طريقة للهرب من المليون!
ضحكت الكونتيسة وثبتت نظرها لبعض الوقت على السماء الآخذة في الإعتام, ثم أردفت بعد صمت قصير وهي تضحك:
- هذا يعني أننا تبادلنا الأدوار الآن يا بارون. فأنا الآن أكره ما كنت أحبه سابقاً, وأنت بالعكس... فما أغرب تبدل الأحوال في هذا العالم الممل!
- أنت تريدين أن تهربي من المليون من أجل السعادة, أما أنا فإنني أبحث عن المليون لا لكي أكتب اسمي في سجل السعداء... إن أهدافنا, كما ترين, مختلفة...
- أنت لا تعرف أي شيء على الإطلاق عن حياتي الجديدة؟
- على الإطلاق...
- معنى ذلك أن الأقاويل ليست قوية الانتشار.. إنني أدبر أمر الطلاق من زوجي...
- تدبير ظريف... وتعيشين الآن عنده؟
- أي نعم... أمر غريب بعض الشيء, هذا صحيح... ولكننا تفادياً للقيل والقال لن نفترق إلاّ عندما يصطبغ انفصالنا بالشمع الأحمر... سأطير من هنا طيراناً عندما أصبح حرة رسمياً... على كل هذا كله لا يهمك... لقد فرحت بلقائي أحد معارفي, بل... أصدقائي القدامى, إلى حد أنني مستعدة لأن أفشي بلا ضمير كل ما لدي من أسرار وغير أسرار... لنتحدث عنك أحسن... كيف تعيش؟
- كما ترين. أعيش حيثما اتفق...
- هل تركت العلوم؟ بالمرة؟
- تركتها, وفي الأغلب بالمرة...
- وهل ضمير العالِم مستريح؟
- ايه... لقد خسر العلم فيّ أكثر من الصفر بقليل... خسارة ليست فادحة...
رفعت الكونتيسة كتفيها وهزت برأسها وقالت:
- إنك, يا زاينيتس, تبرر موقفك كالتلاميذ... أكثر من الصفر بقليل... إن العلماء الشباب ليس لهم حاضر, بل لهم مستقبل. من يدري: ربما لو تابعت دراستك للعلوم.. لكنت أصبحت أكثر من الصفر بألف ضِعفٍ في مجال العلم.
قال زاينيتس ضاحكاً:
- إنك تعبرين بأسلوب خاطئ, فالصفر مضروباً بألف يساوي صفراً.
سألت الكونتيسة وكأنها لم تسمع ما قاله فون زاينيتس:
- هل أنت مفلس تماماً؟
- تماماً. هل تحملين معك نقوداً؟
- معي القليل. وما ذاك؟
- اعطني إياها.
أخرجت الكونتيسة من جيبها بسرعة محفظة صغيرة وقدمتها لأرتور, فأفرغ هذا النقود في راحته وأعاد المحفظة للكونتيسة قائلاً:
- شكراً(). آخذها ديناً, وسأعيدها في اليوم التالي للعرس. تتعجبين؟ ما أشد العجب في عينيك! إنني لا أطلب وآخذ فحسب, بل أتأسف كذلك لأن ما في محفظتك قليل إلى هذا الحد.
نظرت الكونتيسة في عينيه وفكرت: «إنه يكذب». ثم قالت:
- أنا لاأتعجب مطلقاً, فما وجه الغرابة أو العجب في أن أرتور فون زاينيتس يستدين بعض النقود من صديق؟ هذا أمر عادي, مألوف..
- ومن قال لك إنك صديق لي؟
- أنت غريب... وداعاً! الحديث معك صعب.
هزت الكونتيسة رأسها ورفعت السوط وانطلقت تخبّ في الممر.





الفصل الرابع

عندما اجتازت الممر بكامله وخرجت إلى الحقول كانت الظلمة قد سادت... المدينة والجبال ما تزال تُرى, إلاّ أنها فقدت معالمها. وغدا الناس المتجولون والخيول كأشباح ليس لها أي شكل محدد. وأشعلت الأضواء في بعض الأماكن. توقفت الكونتيسة قرب خصّ مبني من القصب والقش في أحد بساتين الخضار التابعة لآل غولداوغين. فقد كان هؤلاء قد استأجروا منذ القدم جزءاً من أراضي المدينة لإقامة بساتينهم عليها. ولم يفعلوا ذلك سوى بدافع الغرور. وقد قال أحدهم يوماً: «كلما كانت حيازات الآخرين حول أرضي أقل, كان ذلك أدعى لأن أرفع رأسي عالياً».
قرب الخص كان يقف البستاني وابنه, وعندما شاهدا الكونتيسة تندفع نحوهما نزعا قبعتيهما. توجهت إليهما الكونتيسة قائلة:
- مرحباً يا فريتس الشيخ وفريتس الشاب! سعيدة جداً بأنني وجدتكما هنا. إذا قالوا لي يوماً بأنكما تسيئان القيام بواجباتكما, سيكون لدي ما يبرر عدم تصديقهم.
قال فريتش الشيخ وهو يشد قامته كالوتر:
- إننا دائماً على رأس عملنا, لا نبتعد خطوة عن البستان. ولكن يا صاحبة السناء, إذا لم تعجب سحنتي السيد الوكيل أو أعوانه لسبب ما فإنهم سيطردونني بدون علم سنائك. نحن أناس صغار, ومن المستبعد أن يزعج أحد سناءك من أجلنا.
- أهكذا تعتقد يا فريتس؟ لا, إنك تخطئ كثيراً. أنا أعرف جميع خدمنا, وصدّق أنني أستطيع تمييز الصالح من الطالح, وأعرف من سُرِّح من العمل. أعرف مثلاً أن فريتس الشيخ خادم مستقيم, وأن فريتس الشاب كسول, وأنه سرق في الشتاء قفازي الشمّاس وعصاه... لدي علم بكل شيء.
- لديك علم بأن قفازي الشمّاس المسكين وعصاه قد سرقت, وليس لديك علم...
سكت فريتس العجوز وتضاحك. فسألت الكونتيسة:
- ما الذي ليس لي به علم؟
- هل لسنائك علم بأن كلابَ وصيفِ سناءِ الكونت عضّضت ابنتي وزوجتي منذ ثلاثة أسابيع؟ ليس لسنائك علم بذلك, بالرغم من أن القرية كلها خرجت من جلدها كي تجعل هذا الأمر معلوماً. إن كلاب الوصيف لا تطيق رؤية الملابس البسيطة, وتمزق كل من يرتدي ثياب الفلاحين. وهذا يدخل السرور على قلب الوصيف. ولم لا! فالكلاب توقع المرأة على الأرض وتمزق ثيابها و.... يظهر جسدها عارياً يا صاحبة الثناء... والسيد الوصيف مغرم جداً بلحم النساء!
- حسن, حسن... وما الذي تريده؟ إنني لا أعرف هذا...
- زوجتي مريضة, وابنتي تخجل من الظهور في الشارع, لأن الرجال, بفضل الكلاب, شاهدوها بحلّة حواء.
- حسن, حسن... سأنظر في هذا. أريد أن أسألك عن أمر. ألم تشاهد اليوم في الطريق إلى المدينة عازفَيْن: شيخاً بديناً وفتاة يافعة تحمل قيثارة؟ ألم يمرا بالقرب من هنا؟
- لم أشاهدهما يا صاحبة الثناء! ربما مرّا, وربما لم يمرّا. أناس كثيرون يمرون. ولا يمكن أن نشاهد الجميع ونتذكرهم...
فكرت الكونتيسة وأنعمت النظر في المدى المعتم. ثم تساءلت وهي تشير بالسوط إلى شبحي شخصين يلوحان في العتمة البعيدة:
- أليس هذان إياهما؟
أجاب فريتس الشاب:
- هذان رجلان كلاهما.
فقالت الكونتيسة:
- من الجائز جداً أن يكونا قد توقفا في القرية للمبيت. وفي هذه الحالة سيمران من هنا غداً... فإذا رأيتماهما أرسلاهما إليّ على الفور.
قال فريتس الشيخ:
- سمعاً وطاعة. شيخ بدين وفتاة يافعة. مفهوم. وما حاجتك إليهما يا صاحبة السناء؟ لعلهما سرقا شيئاً؟
- ولماذا الظن بأنهما حتماً قد سرقا؟
- هكذا ببساطة, يا صاحبة السناء! ففي كونتية غولداوغين ليس لهم من شغل سوى التفتيش عن اللصوص. هذا هو الدارج الآن. وفي كونتية غولداوغين لا يسرق سوى الكبار, ويَعُدّون الجميع لصوصاً.
- هكذا إذاً! هـ.. م.. بإمكانك أن تبحث لنفسك غداً عن مكان آخر. لا أريد غداً أي فريتس في هذه الكونتية!
قالت الكونتيسة هذا ولوت عنان جوادها وعادت خبباً نحو الممر. قال فريتس الشاب:
- ما أجملها! ما أحلاها!
وقال فريتس الشيخ:
- نعم, جميلة جداً, ولكن ما لنا ولهذا الأمر؟
- حلوة إلى حد خارق! أقسم لك بالرب الحق يا أبي لست أنا من سرق قفازي القسيس وعصاه! أنا ما كنت لصاً قط! ولأُصَبْ بالعمى في هذه اللحظة إن كنت أكذب عليك. لقد افتروا عليّ دون أي سبب... وصدّقتْ هي هذه الفرية! أناس سفلة!
سكت فريتس الشاب قليلاً ثم أردف:
- لكنني لن أدع فرية هؤلاء السفلة تذهب هدراً! لن أدعهم يضحكون علينا عبثاً. سأسرق. فبينما كانت هي تتحدث إليك وأنا أنظر إلى وجهها الجميل عاهدت نفسي على السرقة.. وسأسرق! سأسرق من الكونت غولداوغين ما لا يستطيع أن يسرقه أي واحد من وكلائه. وسأفي بعهدي.
جلس فريتس الشاب واستغرق في التفكير. أحلام جديدة في غاية العذوبة, أحلام ليست فلاحية, بل بلزاكية() تملكت عقله وقلبه. وأشاد خياله الشاب المتّقد في بضع دقائق قصراً ضخماً في الهواء... وما كان يبدو له منذ ساعة جنونياً مستحيل التحقيق ويمكن طرده من رأسه فوراً, كشيء يشبه حكايات الأطفال, اتخذ الآن بغتة طابع المهمة التي برزت لديه رغبة حقيقية في القيام بها مهما كلفه الأمر. لقد انبثقت الحاجة بغتة إلى جعل القصر الهوائي أكثر متانة...
وعندما أحس فريتس الشاب بأن رأسه الملتهب بالأحلام قد أخذ يدور, هب واقفاً, ومسح عينيه بأصابعه وصاح أمام والده وهو يقهقه:
- سأسرق بالتأكيد! وليفتشوا عندئذ!
صادفت الكونتيسة وهي في طريقها إلى البيت البارون فون زاينيتس الذي كان ما يزال في طريقه إلى تناول الغداء. صاحت متسائلة:
- سنتقابل ثانية كما أظن؟
- إذا ما أردت فنعم.
- سنجد ما نتحدث عنه. في جو هذا الضجر الذي أكابده الآن أنت في نظري كنز. خطرت لي فكرة صغيرة: ألا تريد أن تحتفل معي بعيد ميلادك الذي يصادف يوم الخميس من الأسبوع التالي؟ هل ترى كيف أنني ما زلت أذكرك؟ لم أنس حتى يوم ميلادك... أتريد؟
- على الرحب...
لا بد لنا من أن نجتمع في مكان ما... اسمع... هل تعرف مكان «الوعل البرونزي»؟
- نعم.
- هناك لن يمنعنا أحد من استراجع ذكريات الماضي. ليكن موعدنا هناك الساعة السابعة مساءً.
- الخمر من عندي.
- ممتاز.adieu ()! على فكرة, أيها البارون, في المستقبل سنتحادث باللغة الفرنسية. لم أنس أنك لا تحب الألمانية. أما بخصوص «الدجّال» والناس الأذكياء ففكِّر. ِadiue.
ساطت الكونتيسة حصانها, وغابت بعد دقيقة في عتمة الغابة التي ما انفكت تزداد حلكة.
كانت البارونة تيريزا فون غيلينشترال هي «المخلوقة الطاهرة السامية» التي استراحت عليها عينا أرتور ومشاعره أول مرة بعد خيانة الباريسية المقرفة. ولم ينعطف أرتور ذاك الانعطاف البالغ الحدة من المجون إلى العمل بفضل احترام العلم فحسب: إذ إن البارونة ساعدت على هذا الانعطاف جلّ المساعدة. ولولاها لما تحقق ذاك التجدد الكامل.
عندما عاد أرتور من باريس إلى فيينا عاش في عزلة عن الناس, وكان في وحدته يحلم بالعمل الذي يجلب الطمأنينة, ويلعن هذا العالم وساكنيه, ويتحسر رغم إرادته على غانيات باريس. ولا أحد يعرف إلام كانت ستنتهي هذه الوحدة لو لم يتسن لأرتور أن يصبح, بعد قدومه بقليل, أحد الزوار الدائمين لبيت البارونات غيلينشترال. وكانت زيارة بيت غيلينشترال, في أثناء وجود أرتور في فيينا, متاحة لكل راغب. ولم يكن آل غيلينشترال في الحقيقة يدعون أحداً لزيارتهم, بل كان يزورهم كل من يحب التردد على بيوت عظماء هذا العالم بدون دعوة ما دامت الأبواب غير موصدة.
وفي السنوات الأخيرة بات هذا البيت يشبه إنساناً ورعاً أحس بدنو أجله فلم يعد يبالي بشيء وانغمس بكليته في المجون ليعيش ولو يوماً واحداً كما يعيش البشر.
وبعد أن أضنت الحياة الصاخبة البارونات غيلينشترال وأفلستهم, وأصبحوا يبحثون عن الخلاص فلا يجدونه واستولى عليهم إحساس مسبق بساعة الاحتضار لم يعودوا يبالون بشيء وفقدوا كل قدرة على الانتباه إلى أي شأن, وغدا كل شيء نسياً منسياً ما عدا النهاية الدانية المفزعة. ولكنهم نجحوا في إخماد فزعهم من الخاتمة الدانية بالخمر والحب والأحلام. كان آل غيلينشترال ما يزالون يحلمون بإمكانية الخلاص. وكانوا يعتقدون أن خلاصهم في يدي تيريزا التي تستطيع أن تتزوج شخصاً واسع الثراء, وتصلح بزواجها أحوال أسرتها السيئة. بيد أن هذا الأمل كان مجرد حلم. ذلك أن تيريزا كانت في خصام مع أبيها, وقد أقسمت على أنها عندما تتزوج شخصاً غنياً لن تعطي أهلها قرشاً واحداً.
نصر لا لزوم له – م6
نفض آل غيلينشترال أيديهم يأساً, وأخذوا يأكلون ما لم يؤكل بعد. ولم يكونوا يأكلون ببساطة, بل بضراوة وزهو, وبضجة وقرقعة, وكأنهم لم يأكلوا من قبل قط. أبوابهم كانت تنفتح من تلقاء ذاتها, وعبر هذه الأبواب كان يتدفق جمهور نصف جائع من ملتهمي الفتات. وكان هذا الجمهور يضم الأرستقراطيين المفلسين والكتاب والرسامين والفنانين والموسيقيين بحللهم الفاخرة ووجوههم الباهرة وروائحهم الناعمة وآلاتهم الرائعة ومَعِداتهم الجائعة. واستولت جموع الملتهمين بسرعة خاطفة على منزل البارونات, وإذا بآل غيلينشترال السائرين نحو الفقر والتائقين إلى الخلاص يجدون أنفسهم بغتة على قمة رعاية الفنون. ازدان بيتهم بالكواليس واللوحات والرسوم المائية النادرة. وكان الحي يضج في الأمسيات بأنغام السيمفونيات والقطع الموسيقية الحالمة وألحان الفالس والبولكا. وذاعت شهرة الأمسيات الموسيقية والأدبية التي كانوا فيها يعزفون ويقرؤون, وجذبت الشهرة كثرةً من الزوار من جميع فئات المجتمع. وكانت تيريزا الجميلة التي تخالها نحتت من المرمر تحضر جميع هذه الأمسيات والعروض, متنقلة بحلتها السوداء وسط جمهور الملتهمين المبرقش من فنان لآخر, باذلة قصارى جهدها للتخلص من سأمها الممض. وكان الناس الذين يتألف منهم الجمهور جدداً لم تعرفهم سابقاً, لذا فقد أخذوا يثيرون اهتمامها. وعكفت من الملل على دراستهم. كانت تتفرس الوجوه الباهرة وتستمع وتتكلم وتقرأ المخطوطات التي تقدم إليها, وقد انتهت بعد هذه الدراسة الطويلة إلى استنتاج واحد فقط, هو أن هناك بين هؤلاء الناس أشخاصاً مستقيمين, كما أن بينهم دجالين, وكان هذا الاستنتاج هو الحصيلة الوحيدة لدراستها. وبما أنها لم تكن تملك تحليلاً أكثر دقة, فقد عجزت عن أن تميز بين المستقيمين والدجالين. قربت منها بعضهم ولكن بين هؤلاء كان هناك كثير من الشخصيات المتألقة, كما كان هناك دجالون. وكان فون زاينيتس في عداد النخبة المختارة. والمصادفة وحدها هي التي قادته إلى بيت غيلينشترال أول مرة. فقد اصطحبه إلى هناك أحد أصحابه الكتاب ليريه ملهاة له كانت تعرض في مسرح البارونات. ولكنه بعد وقت قصير لم يعد يكتفي بالمسرحيات والأمسيات الأدبية, فأخذ يزور بيت غيلينشترال في النهار أيضاً. وما لبثت تيريزا التي كانت تقوم عادة بنزهات مسائية على جوادها بصحبة خادم خاص أن أصبحت تقوم بهذه النزهات بصحبة أرتور. وكان أرتور في كل مساء يحدثها بشغف عما فعله في نهاره, وماذا قرأ وماذا كتب. وبعد التقرير كان يأتي حتماً دور الأحلام والآمال والافتراضات. وكانت تيريزا تستمع إليه وتتحدث بدورها, فتنثال من فمها أسماء العلماء المشهورين الذين كانت تعرفهم.... بالسماع, من أرتور. وهكذا أصبحا صديقين. يقولون إن بين الصداقة والحب خطوة واحدة. ولكن أرتور لم يكن يفكر في الحب. كانت تكفيه فقط عشرة امرأة ذكية نضرة. ولم يبدأ بالحديث عن الحب إلاّ عندما اعترفت له تيريزا في أثناء نزهة مسائية بأنها تحبه... كانت هي المبادرة إلى الحديث عن الحب, وبعد هذا الاعتراف أقبلت أيام لا تأتي إلاّ مرة في العمر كما يقولون. لم يحدث لأرتور أن كان في يوم من الأيام سعيداً وراضياً عن حياته كما كان في تلك الأيام التي قضاها مع المرأة التي يحب. إلاّ أن هذه السعادة لم تدم طويلاً. وكانت تيريزا هي التي قوضتها. فعندما طلب أرتور من فتاته المحبوبة والمحبة لا شك أن تصبح زوجته, البارونة و «زوجة الدكتور» فون زاينيتس, أجابته بالرفض القاطع. كتبت له تقول: «لا أستطيع أن أتزوجك. فأنت فقير وأنا فقيرة. وقد نغّص الفقر عليّ نصف حياتي, فهل أُنغّص نصفها الثاني؟ أنت رجل, والرجال لا يدركون تماماً كل فظائع الفاقة كما تدركها النساء.المرأة المعدمة أتعس مخلوق في هذه الدنيا. لم يكن هناك داعٍ لحديثك عن الزواج... إذ إنك بهذا تدعو إلى مكاشفات لا يمكن أن تمر دون أن تخلّف أثراً في علاقاتنا الحالية. فلنوقف هذه المكاشفات العصيبة ولنعش كالسابق».
مزق أرتور الرسالة نُتَفاً وكتب رداً استنزل فيه صواعق السماء فوق رأس تيريزا. ثارت ثائرته وكتب «للمخلوقة السامية» رسالة مستفيضة لعن فيها «روح العصر» والتربية...
أما الرسائل المؤثرة التي أُرسلت له بعد ذلك لتبرير الرفض فلم تكن تُقرأ, بل كانت تُلقى في الموقد. وبلغت كراهية أرتور لتيريزا حداً جعل كل ما يذكِّره بها عديم القيمة في نظره. كره كل ما هو جليل وصارم وفخور, ومال بكل قلبه نحو كل ما هو ضئيل ومقهور وفقير...
تذكّر أرتور كل هذا وهو ذاهب إلى الغداء... رسالته عن «روح العصر» غدت مضحكة في نظره الآن, لكن كرهه القديم عاد وتحرك في نفسه. لم يكن قد تسنى له بعد نسيان هذا الكره.
في يوم الخميس, يوم عيد ميلاده, تذكر أرتور وعده لتيريزا بأن يتغدى معها, وتوجه قاصداً «الوعل البرونزي» كما كانوا يسمون فسحة صغيرة وسط الغابة اصطاد الملك فيها يوماً وعلاً صوفه بلون البرونز. ويقول آخرون إنه في وقت ما كان يوجد هنا تمثال «الصيد», وهو على شكل وعل مصبوب من البرونز يمثل «ديانا»(). ويقولون إن الملك الذي أمر بإقامة هذا التمثال كان يتسم بالعفة, ويتقزز من مرأى تماثيل النساء الكلاسيكيات.
عندما بلغ أرتور الفسحة وجد تيريزا قد سبقته. كانت تسير على العشب بتؤدة وهي تقطع بسوطها رؤوس الأزهار, بينما حصانها يرعى العشب بكسل وهو مربوط بشجرة منزوية. قالت الكونتيسة وهي تتقدم نحو أرتور:
- ما أحسن استقبالك لأصدقائك! وما أحسنك من مضيف! أنت تتنزه, وضيفتك تنتظرك منذ أكثر من نصف ساعة...
فقال أرتور مبرراً تأخره:
- ذهبت لإحضار الخمر. أرجوك الجلوس! ليست هذه أول مرة نجلس فيها على العشب معاً. أتذكرين الزمن الماضي؟
جلس أرتور والكونتيسة على العشب وطفقا يتذكران الماضي... كانا يتذكران دون أن يتطرقا إلى الحب أو القطيعة... دار الحديث حول حياتهما في فيينا, وبيت غيلينشترال, والفنانين والنزهات المسائية... كان البارون يتحدث ويشرب, أما الكونتيسة فقد امتنعت عن الشراب. شرب البارون زجاجة كاملة فسكر قليلاً وأخذ يقهقه ويلمز ويتهكم بلوذعية. تساءل عرضاً:
- بِمَ تقتاتين الآن؟
- بِمَ؟ هـ م... معروف بِمَ... آل غولداوغين ليسوا فقراء...
- أنت إذاً تأكلين وتشربين على مائدة الكونت؟
- لا أفهم, لِمَ هذه الأسئلة؟!
- لكنْ أجيبيني, أتوسل إليك يا تيريزا.. هل تأكلين وتشربين على مائدة الكونت؟
- أي نعم!
- غريب. أنت لا تطيقين الكونت, وفي الوقت نفسه تعيشين على مائدته... ها - ها - ها. ياللعجب! أية قواعد هذه, أيتها الشياطين؟ إن أصحابك الأذكياء يعتبرونني دجّالاً. فما هو رأيهم فيك أنت؟ ها - ها - ها.
قالت الكونتيسة بصرامة وقد تجهم وجهها:
- لا تشرب أكثر يا بارون. ستسكر وتبدأ بالتواقح. أنت تعرف أنني ما زلت بعد مضطرة بحكم الظروف إلى العيش عند غولداوغين.
- أية ظروف؟ الخوف من الألسنة الشريرة؟ أغنية قديمة! ثم قولي لي من فضلك يا كونتيسة كم سيترتب على الكونت أن يعطيك سنوياً بعد الطلاق؟
- لا شيء...
- لماذا لا تقولين الحقيقة؟ ولكن لا تغضبي... إنني أتكلم كصديق. لا تعبثي بالسوط هكذا, فهو لا ذنب له. هاه!
ضرب البارون جبينه براحته ونهض.
- مهلاً... كيف لم أنتبه إلى هذا من قبل؟
- ما الأمر؟
تراكضت عينا البارون متنقلة من وجه الكونتيسة إلى السوط ومن السوط إلى وجهها, ثم أخذ يتحرك بعصبية, ودمدم:
- كيف لم أتذكر هذا من قبل! إذاً أنت التي تفضلت باستضافة الشيخ البدين وفتاتي بنت الخزامى؟
فتحت الكونتيسة عينيها على سعتهما ورفعت كتفيها:
- الخزامى... البدين... بِمَ تتمتم يا فون زاينيتس؟ لقد أصبحت تَرْقي. لا لزوم للشرب!
- لا لزوم للضرب, يا سيدتي الكريمة! - شحب وجه البارون ولكم صدره بقبضته- لا لزوم للضرب, فليأخذك الشيطان أنت وعاداتك الارستقراطية! هل تسمعين؟
هبت الكونتيسة واقفة وقد اتسعت حدقتاها واتقدتا بالغضب.
- أنت تتمادى يا بارون! هل تتفضل وتستعيد شيطانك؟ إنني لا أفهمك!
- لن أتفضل! إلى الشيطان! ألا تفكرين أيضاً بإنكار تصرفك الدنيء؟
ازدادت عينا الكونتيسة اتساعاً. لم تكن تفهم.
- أي تصرف؟ وما الذي علي أن أنكره؟ إنني لا أفهمك يا بارون!
- ومن الذي ضرب عازف الكمان الشيخ على وجهه بهذا السوط نفسه في فناء الكونت غولداوغين؟ ومن الذي رماه تحت قوائم هذا الحصان بالذات؟ لقد ذكرا لي اسم الكونتيسة غولداوغين, وليس هناك سوى كونتيسة غولداوغين واحدة؟
تضرج وجه الكونتيسة بحمرة قانية كوهج الحريق انسفحت من الصدغين حتى القَبَّة الدانتيل. ارتبكت بشدة وأخذت تسعل, ثم تمتمت:
- إنني لا أفهمك, أي عازف كمان؟ ما هذا الذي... تهذر به؟ ثب إلى رشدك يا بارون!
- كفى! لِمَ الكذب؟ في الماضي كنت تجيدين الكذب, ولكن ليس من أجل تفاهات كهذه! ما سبب ضربك إياه؟
- من؟ عمّن تتحدث؟
كان صوت الكونتيسة خافتاً يرتعش, وكانت عيناها تتراكضان كفأرين وقعا في مصيدة. كانت تشعر بخجل شديد. أما البارون فقد تمدد ثانية على العشب في نصف اضطجاعة وجعل ينظر في عينيها الرائعتين بإصرار ويتضاحك بحقد وسكر. ثم سأل وشفتاه ترتعشان بابتسامة شريرة:
- لماذا ضربته؟ هل رأيت كيف كانت ابنته تبكي؟
- ابنة من؟ وضّح يا بارون!
- وكيف ترين! إنك تستطيعين إطلاق العنان ليديك البيضاوين ولسانك الطويل, ولكنك لا تستطيعين رؤية الدموع! إنها ما زالت حتى الآن تبكي... الفتاة الشقراء الحلوة حتى الآن تبكي... إنها ضعيفة, بائسة, لا تستطيع أن تثأر لأبيها من الكونتيسة. لقد جلست معهما ثلاث ساعات, وطوال هذه الساعات الثلاث لم تبعد يديها عن عينيها... يا للفتاة المسكينة! إنها لا تفارق مخيلتي بوجهها النبيل الباكي. آه أيها الشياطين القساة البطرون الذين لم تُضربوا ولم تُهانوا قط!
- وضّح يا بارون! من الذي ضربتُه؟
- آ, نعم! هل تظنين أنني لا أعرف من وجهك أين هي الهرة التي أكلت الفأرة؟ يا للخجل!
نهض البارون ومد يده نحو السوط قائلاً:
- أريني! فناولته الكونتيسة السوط بإذعان. كرر وهو يلوي السوط على شكل حلزون: - يا للخجل! ثم كسره إلى ثلاث قطع وقذف به جانباً.
بلغ الارتباك بالكونتيسة غايته. ضاعت منها الكلمات وهي تقف خجلى تسمع أول مرة في حياتها كلمة وقحة, تضرجت بالحمرة ولم تعد تعرف أين تواري وجهها ويديها عن عيني البارون اللتين تحاكمانها. وهنا حدثت حادثة صغيرة أخرجتها بعض الشيء من هذا الوضع الحرج. فبينما كان أرتور يكسر السوط ارتفع من خلف الأشجار وقع خطوات, ثم ما لبثت الكونتيسة أن شاهدت أمامها فريتس الشيخ وفريتس الشاب اللذين خرجا من خلف الأشجار وسارا عبر الفسحة وهما ينظران بفضول إلى الكونتيسة وأرتور. كان فريتس الشاب يسير في الأمام متنكباً قصبة صيد طويلة, ويتجرجر فريتس الشيخ خلفه, محركاً قدميه بصعوبة وحاملاً بيده اليمنى قطعة حبل تتدلى منها سمكة كراكي. توجهت الكونتيسة إلى فريتس الشاب متسائلة:
- لماذا لا ترتدي القفازين يا سيد فريتس؟
أرخى فريتس نظره وحرك شفتيه وهو يرمق الكونتيسة بطرف عينه.
- أين عصاك؟ لماذا لا تحمل العصا؟
امتقع فريتس الشاب وخطا مسرعاً صوب الأشجار. وهناك التفت مرة واحدة وتوارى. وتجرجر فريتس الشيخ في إثره صامتاً, دون أن ينظر إلى أحد. بادر البارون إلى القول بعد أن توارى الرجلان خلف الأشجار:
- اعذريني, إنني لا أقصد إهانتك... ولكن أقسم بشرفي, لو لم تكوني امرأة لكان بمقدوري أن أثأر لعازف الكمان... هذا مخجل يا تيريزا! لقد خجلت عنك أمام الفتاة!
نهض البارون واعتمر قبعته:
- إنك لا تجدين الكلمات لتبرير موقفك... وهذا رائع! فلم الكذب؟ إن تبريرك كذب.
قالت الكونتيسة:
- إنني ما زلت لا أفهمك يا بارون!
- صدقاً؟
- نعم... صدقاً...
- هـ م... وداعاً! عيناك الجميلتان مليئتان بالكذب! حمداً لله على أنك ما زلت قادرة على الاحمرار عندما تكذبين.
شد أرتور قامته وأومأ برأسه وسار عبر الفسحة نحو الممر الذي يخترق الغابة.
تغطى جبين الكونتيسة بالتغضنات. كانت تفكر بألم, وتنقب في ذهنها عن كلمات فلا تجد... استولت عليها رغبة طاغية في أن تبرر لأرتور تصرفها الذي كانت تخجل من الإقرار به. وبينما هي تفكر وتعض شفتيها الورديتين وتلوي أصابعها كان أرتور قد انعطف وسار خلف الأشجار. صاحت تيريزا:
- مهلاً يا بارون!
وبدلاً من الجواب لم تسمع الكونتيسة سوى وقع خطا أرتور المبتعدة.
- أيها البارون! - صاحت الكونتيسة ثانية, وارتجف صوتها خوفاً من أن يذهب دون رجعة. ولكن وقع الخطوات ما لبث أن تلاشى.
وقفت الكونتيسة قليلاً, ثم جلست على الأرض وهي غارقة في أفكارها. بجانبها كان ثمة زجاجتان فارغتان مرميتان على الأرض, وثالثة بقي فيها بعض الخمر تقف مائلة على وشك الوقوع. شربت تيريزا بقية الخمر في الزجاجة, ونهضت, ومشت صوب الحصان.
وعندما خرجت من الفسحة شاهدت على بعد خطوتين أو ثلاث من الأشجار المحيطة بالفسحة فارساً على صهوة جواده. وما إن شاهد الجواد الكونتيسة حتى أخذ يصهل بمرح. كان الفارس رجلاً في الخامسة والأربعين, طويلاً, نحيلاً, شاحباً, ذا لحية خفيفة.
- قفي!
قال الفارس بصوت خافت. وكان هذا الصوت الضعيف الذي لا يشبه صوت الرجال يدل على أنه صادر من صدر مريض.
- قفي! أريد أن أقول لك كلمتين! كلمتين فقط!
قالت الكونتيسة دون أن تلتفت:
- هل كنت تتجسس؟ تتلصص؟
- ولكنني أحبك! لا أستطيع العيش دقيقة واحدة بدون أن أراك. كلمتان فقط!!




الفصل الخامس

نظرت الكونتيسة إلى زوجها الكونت غولداوغين (كان الفارس هو زوجها), وتمهلت في السير وقالت:
- الطبيب منعك من العدو السريع. خفف سرعتك... ماذا تريد؟
- هما كلمتان فقط.
- ايه؟
- من هو؟
- البارون فون زاينيتس.
- فون زاينيتس؟ هو؟ إذاً هذا هو فون زاينيتس؟ هذا هو الشخص الذي كنتِ يوماً.... تحبينه؟
- ربما... نعم, إنه هو. وماذا بعد؟
- هـ م... ما زال وسيماً... لماذا سمحت له بأن يصرخ في وجهك؟ أي حق له في هذا؟
سكت الكونت قليلاً, وسعل, ثم تساءل:
- ألا يمكن يا ترى أن تعودي إلى حبه الآن؟ فالحب القديم يمكن أن يعود.
قالت الكونتيسة: اعطني سوطك!
أخذت السوط من زوجها وجذبت الزمام بشدة واندفعت تعدو في الممر. وجذب الكونت أيضاً زمام جواده بكل قوته فعدا الجواد وراح الكونت يهتز فوق السرج وهناً. دب الوهن في فخذيه, وتغضن وجهه من الألم, فأوقف الحصان, ثم عاد يسير الهوينى. وشيع زوجته ببصره, ثم أرخى رأسه على صدره واستغرق في التفكير.
بعد نحو ثلاثة أيام قابل أرتور تيريزا في مكان غير بعيد عن بيت بلاوخير مأمور الحراج. ولكنها لم تكن هذه المرة في زي الفرسان بل كانت تتنزه في ثوب فلاحي يبدو من مظهره أنه ليس أكثر من ثوب عادي خيط حديثاً ولكنه أغلى بكثير من زي الفرسان الحريري الأسود. وبدلاً من أجاصات العقيق المختلفة الألوان كانت تتدلى من عنقها أحجار الفيروز والزمرد والمرجان واللؤلؤ. وكان في كل يد من يديها سوار ثخين. وكان الثوب والسترة الهنغارية مخيطين من قماش ثمين. صاحت عند رؤيتها أرتور:
- يا بارون, دقيقة!
ثم قالت له عندما اقترب منها:
- إنك بكلماتك وذهابك, هل تذكر؟ قد طرحت علي مسألة, ولم أفهمك إلاّ بعد تأمل طويل. وأنا الآن أدرك أنك كنت تلمّح إلى ذاك الشيخ... الذي ضربتُه بالسوط! صحيح؟
- أي نعم... وأين هي المسألة؟
- إذاً فأنا أفهم الآن عمّن كنت تتحدث... وليس هناك لزوم لأن أبرر موقفي أمامك يا بارون, ولكن من أجل... من أجل إرضاء شعور العدالة المشترك بيننا... لقد ضربته لسبب. فمن جرائه ألقى بي الحصان عن السرج, وكدت أكسر ساقي. ثم إنه... سمح لنفسه بالضحك...
نظر أرتور إلى وجه الكونتيسة وقال وهو يضحك بمرح:
- كفى كذباً, يا صاحبة السناء! لماذا علينا أن يطعم أحدنا الآخر كذباً؟ أنا لست بحاجة إلى تبريراتك... ثم ما الهدف منها؟ إنني أرى للمرة الأولى في حياتي ساقيك الجميلتين, وهذا يكفيني تماماً... ساقاك فوق كل نقد! تعالي نتنزه. أرجو الصفح عن تلك الوقاحات التي ضَيَّفْتك بها قرب «الوعل البرونزي», فقد كنت سكران...
تنزه أرتور وتيريزا طويلاً, وتحادثا عن أمور جدّ عادية, ومزحا كثيراً وضحكا كثيراً... ولم يَرِدْ على الإطلاق ذكر الموسيقي الشيخ وابنته, ولا ذكر الناس الحكماء و «الدجال». ولم يوجه البارون أية وخزة... بل كان لطيفاً كعهده في السنوات الخوالي في فيينا وبيت غيلينشترال. وعندما أوصل أرتور تيريزا إلى عربتها الخفيفة الواقفة قرب منزل بلا وخير كانت العتمة قد سادت تماماً. سألت تيريزا وهي تجلس في العربة:
- هل ستعلمني الرمي؟
- بقدر ما تريدين...
- أرجوك يا بارون. إنني أشعر بملل فظيع. فإن أنت خففت من مللي ولو قليلاً تصنع معي معروفاً... صدقاً.. فلنتساعد.
شدت تيريزا على يد أرتور وانطلقت. وبعد أربعة أيام التقيا ثانية, وبعد نصف شهر لم يعد هناك يوم لا يلتقيان فيه. علّم البارون تيريزا الرمي, وصارت تيريزا تخرج للصيد كل مساء, بل وفي الصباح الباكر أحياناً. علاقاتهما كانت غير محددة بالمرة. إذ كان فون زاينيتس في صحوه يدهش تيريزا بلطفه... يتكلم بصوت خافت حنون, ويتحاشى على نحو واضح الكلمات القاسية, ويبتسم برقة, ويمد يده الكبيرة للمساعدة بتهذيب, ولا يتكلم كإنسان «متوحش» بل كسيد حقيقي مرافق لسيدة. أما وهو سكران فقد كان يدهشها بفظاظته ووقاحته وضحكاته الشريرة... كانت تيريزا تسمع منه وهو سكران أشياء لا يمكن تصورها... يسخر منها ويرسلها إلى جميع الشياطين ويقول لها إنه يحتقرها ويكرهها. قالت له مرة:- إنني أعذرك يا فون زاينيتس لسبب واحد فقط هو أنك سكران. فالمضطجعون والمجانين والسكارى لا يجوز ضربهم. فأجاب فون زاينيتس ضاحكاً:
- آ- آ- آ... هكذا! فلتعلمي إذاً أنني لا أقول لك الحقيقة إلاّ وأنا سكران. عندما أكون صاحياً أعاملك كفريسي() سافل. لا تصدقيني وأنا صاح!
- لا ينبغي لنا أن نتقابل...
- لماذا لا ينبغي؟ فلنتقابل! كلانا يشعر بالضجر... والوقت في المشاجرات والحروب يمر أسرع مما في زمن السلم. ها- ها. لقد فعل القدر حسناً إذ مرّر بيننا قطة سوداء, وزرع في كل منا عدم احترام فضائل الآخر. أنت لا تحترمينني لأنك تنظرين إلي على أنني دجال, وأنا لا أحترمك لأنني لا أرى فيك سوى قطعة من اللحم الأنثوي الشهي! ها- ها!
قدحت عينا تيريزا شرراً, وذهبت دون أن تنبس ببنت شفة. بعد هذا الحديث لم يرها أرتور أسبوعاً كاملاً. وفي اليوم الثامن لاقاها واعتذر لها.
لم تكن المرات التي يسكر فيها أرتور بالنادرة. لذا فقد كانت تيريزا غالباً ما تغادره مهانة. كانت تغادره وهي تقطع على نفسها عهداً بألاّ تقابله ثانية, ولكن...
انقضى الصيف وأقبل الخريف, وتناثرت الأوراق المصفرة التي عاشت عمرها القصير من الأشجار على الأرض الرطبة الباردة... وابتدأت الأمطار بالهطول. إن وحل الخريف ليس كوحل الصيف: فهو لا يجف, وإذا ما جف فإنه لا يجف في ساعات, بل في أيام وأسابيع... وأخذت تهب رياح تذكّر بالشتاء. واسودت الغابة من سوء الطقس واكفهرت, ولم تعد تغري أحداً بالتفيؤ تحت أوراقها.
استبدل فون زاينيتس بسترته المصنوعة من شعر الماعز معطفاً من الجوخ السميك المبطن بالقطن. وفقدت جزمته لمعانها وتغطت بالوحل. وظهرت على وجهه الشاحب حمرة من الريح المنعشة البليلة. أما علاقته بتيريزا فلم تتخذ بعد شكلاً محدداً. أحاديثهما لمّا تكن بعد قد انتهت, وكانت تيريزا تشعر أنها «لم تكمل حديثها» بعد, واستمرت في الذهاب إلى الغابة كالسابق.
كان ينبغي الهرب من برد الغابة ورطوبتها وأوحالها.. وقد قدّم لهما القدر الملاذ, فأخذا يلتقيان في المصلّى المنسي المغطى بالطحلب والقراص في حديقة آل غولداوغين. وكانت العينان المخيفتان في وجه القديس فرانتسيسك غير المكتمل يريان أرتور وتيريزا في كل مساء خريفي. كانا يجلسان على المقعد شبه المتعفن مستضيئين بالوميض الضعيف المنبعث من المصباح ويتحادثان. كان هو يأتي في العادة ثملاً فيجلس ويأخذ بالتثاؤب والإقذاع, وكانت هي تجلس شاحبة كالمرمر, مرفوعة الرأس, تستمع إليه بصبر بعد أن اعتادت لسانه, وتقذع بدورها. أما عندما يكون صاحياً فإن العناكب المعششة في زوايا المصلّى كانت تسمع قصصاً عن الماضي, عن السعادة التي لم ينقضِ عليها عهد بعيد, وكانت ترى امرأة سعيدة. كان يحب الحديث عن الماضي كالشيوخ. وكانت ترن في صوته نغمة عجائزية: لم يكن يتحسر على شيء, بل كان يقنع بمجرد الذكريات. أما هي, المفعمة بالقوة والشباب والرغبات, فقد كانت تتحسر على الماضي, وكان صوتها يرن بالأمل. إنها ما زالت تحب البارون فون زاينيتس حباً جارفاً...
في يوم من أسوأ الأيام الخريفية طقساً عرج أرتور على مدام بلاوخير لينتظر انقطاع المطر, فناولته هذه ظرفاً وهي تبتسم. فضّ الظرف وطفق يضحك كطفل أعطوه لعبة جديدة. كان الظرف يحتوي على صورة ورسالة. وهذه وتلك كانتا من إيلكا. نظر البارون إلى الصورة واتسعت عيناه من الدهشة. كانت الصورة لإيلكا, ولكن ليست إيلكا تلك التي رآها منذ بضعة أشهر- لا: لم يكن في الصورة حتى مجرد تلميح إلى ذلك الثوب البائس الذي بللته يوماً إيلكا المُهانة بدموعها الحارقة. ولم تكن تبدو في الصورة كذلك تلك الشريطة المخملية الرخيصة التي كانت تربط بها شعرها الأشقر. لقد شاهد أرتور في الصورة فتاة أرستقراطية ترتدي فستاناً عصرياً باذخاً, وتزين شعرها الذي صففته يد ماهرة بقبعة من القش تزينها بدورها زهور يمكن الحكم عليها, حسبما يظهر في الصورة, بأنها ليست من النوع الرخيص. الابتسامة على الوجه الجميل فخورة, متكبرة, ولكنها مصطنعة.
- حميقاء! - قال أرتور وهو يضحك ويقبل صورة إيلكا- حميقاء أنت! غراب بريش طاووس. ارتديت فستاناً غالياً وتنظرين نظرة المنتصرة! البسي هذا الفستان مدة أطول! وسنرى عندئذ أية أغنية ستغنين!
كانت الرسالة مكتوبة بخط إيلكا المعهود, وقد كتبت فيها: «عزيزي البارون! أُرسل لك الصورة وأعلمك أنني وأبي تسفيبوش سالمان معافيان. كما أعلمك أيضاً أنني سأحصل حتماً على المليون. وسأحصل عليه في وقت قريب جداً. إننا نعيش الآن حياة جيدة جداً. عندما نلتقي سأحدثك عما جرى لنا. إنك, على الأرجح, قد نسيتني.وأنا بهذه الرسالة أذكرك بنفسي وأرجوك ألاّ تنسى ما وعدتني به. إنني أحبك جداً. أنا هنا أرى الكثيرين من البارونات والكونتات ولكن أنت أفضل من الجميع. والدي يهدي إليك تحياته. اكتب لي إلى العنوان التالي(يتلو هذا عنوان طويل). اكتب لي: هل آمل أم لا؟
المخلصة إي.»
طلب البارون وهو يضحك ولا يحول نظره عن الصورة ورقة من مدام بلاوخير, وكتب عليها الآتي: «مرحباً إيلكا. شكراً. أنتظرك مع مليونك. لا ترتكبي حماقات. كوني ذكية ومعافاة. تحياتي لبدينك الشيخ الذي ضُرب مئة مرة. اعطيه من مليونك الضخم قطعتين أو ثلاثاً من النقود الذهبية ليشتري شراباً.
خطيبك- البارون فون زاينيتس».
أعطى مدام بلا وخير الرسالة لتوصلها إلى البريد وجلس إلى الطاولة وانهمك في رسم زهرة خزامى كبيرة على الصورة. كان القلم مبرياً من الطرفين, وكان أحد رأسيه أحمر والآخر أزرق, ولكن لا هذا اللون ولا ذاك قدر على التأثير في وجه الصورة الملمع. لم يفلح أرتور في وضع إيلكا داخل زهرة الخزامى, بالرغم من أنه ظل منهمكاً في الرسم حتى هبوط الظلام...



الفصل السادس

أما إيلكا وأبوها فقد حدث لهما حادث فريد... بعد أسبوع من لقائهما مع البارون فون زاينيتس جلسا في ظهر يوم شديد القيظ تحت مظلة إحدى محطات السكة الحديدية. وبالرغم من الحر الشديد والجو الخانق فقد كان رصيف المحطة يغص بالناس. كان المصطافون والمصطافات والملاّكون وركاب القطار الواقف على الخط الجانبي يتسكعون على الرصيف جيئة وذهاباً ويملؤون سائر مرافق المحطة. وكان القطار الواقف على الخط الجانبي عسكرياً, والقطارات العسكرية تقف في المحطات ساعتين أو ثلاث ساعات... كانت صالة الدرجة الأولى ملأى بضباط يشربون, بينما كانت صالة الدرجة الثالثة تضج بموسيقا الأوركسترا العسكرية, وهذا ما جذب إلى المحطة كل هذا الجمهور الغفير.
جلس تسفيبوش وإيلكا على ترس قبان المحطة الضخم يستريحان ويتفرجان على الجمهور. تسفيبوش ينظر إلى الجنود الذين يحتسون البيرة وإيلكا تتفرس في الأزياء. وعلى مقربة منهما كان يتمشى ضباط سكارى وهم يتطلعون إلى إيلكا. لقد أعجبتهم البنت الحلوة.... في بداية الأمر كان يدور حولها صغار الضباط, ولكن بعد الشرب رأت إيلكا بجانبها الكبار أيضاً... وقبل نصف ساعة من مغادرة القطار اختلط كبار الضباط وصغارهم في حشد واحد وراحوا يتهامسون وهم يصوبون نحوها نظرات مخمورة.
قال تسفيبوش:
- إنهم يتحدثون عنك يا إيلكا. هيّا نعزف لهم لحناً ما. سيعطوننا نقوداً. لقد صمتت تلك الأوركسترا الشنيعة في الوقت المناسب.
نهض تسفيبوش وإيلكا وضبطا آلتيهما وأخذا يعزفان, وشرعت إيلكا تغني, فراح الضباط يبتسمون... كانت أغنية إيلكا تقول: ليس في هذا العالم أجمل أو أشجع من جنود النمسا, إنهم يستطيعون الاستيلاء على العالم في لحظات.
أخذ الضباط يتمتعون:
- رائع! منقطع النظير! لا تغنِّ أنت أيها الشيخ! إنك تشوش فقط بصوتك التيسي! منقطع النظير!
وصاح ضابط له شاربان كبيران أشيبان وهو يضرب بيده على سدارته:
- فكرة! أقسم بشرفي إنها لفكرة!
ثم التفت إلى رفاقه وراح يهمس لهم بشيء ما... فأخذ هؤلاء يهزون رؤوسهم موافقين. اقترب الضابط ذو الشاربين الأشيبين من إيلكا مترنحاً بعد أن ضمن موافقة رفاقه, وأمسك بيدها المسفوعة بالشمس وقال:
- اسمعي يا عصفورة! نريد أن نأخذك معنا في القطار... ستغنين وتعزفين لنا طوال الطريق. وسنعطيك لقاء هذا نقوداً كثيرة. موافقة؟
ودون انتظار الجواب جذبها الضابط من يدها وقادها نحو رفاقه. أخذ الضباط السكارى يقولون:
- نعم, نعم... سنعطيك نقوداً كثيرة... أي نعم...
تساءلت إيلكا:
- وإلى أين أنتم ذاهبون؟
- إلى البوسنة على ما يبدو... نحن أنفسنا لا نعرف بالضبط...
قال تسفيبوش مبتسماً:
- غير ممكن!
بيد أن الضباط لم يسمعوا ما قاله تسفيبوش... وانتحوا بإيلكا المبتسمة جانباً وراحوا يسوقون لها البراهين والتأكيدات... وأمسك أحدهم بذقنها...
كان تسفيبوش واثقاً بأن إيلكا لن توافق, فوقف جانباً وهو يبتسم. إيلكا لن توافق! دوماً كانت تجيب على مثل هذه العروض بالرفض. إنها فتاة عفيفة! ولكن كم كان ذعره وعجبه عظيمين عندما دلفت إيلكا إلى عربة الدرجة الأولى وهي تطلق ضحكات رنانة, دخلت العربة وأومأت لأبيها برأسها... فاندفع الأب نحوها. قالت له:
- إنني ذاهبة يا أبي! اجلس...
فقال لها تسفيبوش الممتقع وهو يتردد في دخول العربة الفاخرة:
- أنت مجنونة!
صاح به الضباط:
- ادخل!
فدخل العربة منحنياً وقد ألمّ به الارتباك, وراح يقنع إيلكا بالعدول عن قرارها. إلاّ أن الفتاة العنيدة كانت صعبة المراس. وشوشته قائلة:
- أريد الحصول على مليون. إن لم أحصل عليه متّ.
- لن تحصلي على مليون, أيتها المجنونة, بل ستفقدين شرفك! ستفقدين شرفك! هذا تهتك!
- لا تخف يا بابا تسفيبوش. لن يرى الرجال ولن يسمعوا مني شيئاً سوى الموسيقا... لقد قررت.
غادر القطار مكانه والشيخ ما انفك يقنعها ويرجوها ويتوسل إليها, حتى أنه بكى مرة. قالت له:
- هذا ممل يا أبي!
وانصرفت عنه إلى الضباط.
انزوى الأب الشاحب العرقان في أبعد زوايا العربة, وأغمض عينيه, وراح يتضرع إلى الله بشفتين وأصابع مرتعشة. لم يكن يرى في هذه الإيلكا المرحة التي تستمع لأحاديث الضباط المبتذلة ابنته إيلكا الوديعة التي غالباً ما تبكي. لم يكن يصدق عينيه وأذنيه... هؤلاء البنات الغبيات غامضات لا يمكن فهمهن!
أفردوا لإيلكا قمرة خاصة. وقدموا لها ولأبيها فطوراً فاخراً, ولكنهما لم يقرباه. وفي أقرب مدينة وصلها القطار ووقف فيها ساعتين طاف أحد الضباط على المخازن واشترى لإيلكا ثوباً جديداً وسواراً وحذاء...
وصاح الضباط عندما خرجت إيلكا من القمرة في حلتها الجديدة:
- في صحة ابنة الفوج! أُرا()!
شرب الضباط وطلبوا منها الغناء. فغنت إيلكا وظلت تغني حتى بلغ الفوج الحدود...
هكذا كانت الخطوة الأولى في مضمار الحياة الجديدة الذي كانت إيلكا الغبية تنتظر منه مليوناً. وكانت هذه الخطوة موفقة. فعندما هربت إيلكا مع أبيها من الفوج بعد شهر, كانت ترتدي ثوباً كلف الضباط ألفاً وخمسمئة فرنك. هربت في عربة الدرجة الأولى بصحبة خمس فتيات حديثات السن وعجوز ذات أنف كبير معقوف وألماني بدين له صلعة كبيرة. في الطريق وزّع الألماني بطاقات تعريف كُتب عليها: «يوسف كيلتر, متعهد أوركسترا وجوقة هنغارية في ترييسته». وكانت العجوز ذات الأنف المعقوف شريكته.




الفصل السابع

مرة أخرى هربت الفتاة العنيدة, وكانت هذه «المرة» هي الأخيرة... كانت ليلة نيسانية دافئة... وقد دقت الساعة الثانية عشرة منذ فترة طويلة, لكن العرض لم يكن قد انتهى بعد في مسرح مدام بلا نشار الصيفي. كانت المدموزيل تورييه, الأستاذة في السحر الأسود, تعرض ألعابها على الخشبة. أطلقت من حذاء نسائي سرباً من الحمام, وسحبت منه وسط تصفيق المتفرجين الهادر ثوباً نسائياً كبيراً... وعندما أنزلت الثوب على الأرض ثم رفعته خرج من تحته صبي صغير في زي الشيطان «ميفستوفل». كانت الألعاب كلها قديمة, ولكن يمكن للمرء أن يتفرج عليها «بالمناسبة», إذ لم يكن مسرح مدام بلا نشار يقدم عروضاً إلاّ لكي يحتفظ المطعم باسم «مسرح». فالرواد يأكلون ويشربون أكثر مما ينظرون إلى الخشبة. والموائد تُنصب بين الأعمدة وفي المقاصير. رواد الصف الأول يجلسون وظهورهم إلى الخشبة ليتفرجوا من خلال المناظير على الغانيات اللواتي يشغلن الصف الثاني بكامله. وجميع الرواد يحوصون أكثر مما يجلسون في أماكنهم... إنهم كثيرو الحركة, ولا يمكن لأي هسهسة أن توقفهم ولو للحظة... فهم يتنقلون من صالة المسرح إلى صالة المطعم, ومن المطعم إلى الحديقة... وكانت مدام بلانشار تحتفظ بخشبة العرض أيضاً من أجل أن تُريَ الرواد «الفنانات الجديدات». وكان من المفروض أن تغني هؤلاء «الجديدات» بعد ألعاب الآنسة تورييه. وريثما تنتهي الألعاب كان الرواد يشغلون أماكنهم, وينتظرون باضطراب, ويصفقون للساحرة, لأنهم لا يجدون ما يفعلونه. في إحدى المقصورات كانت تجلس مدام بلا نشار البدينة وهي تعبث بطاقة من الزهر وتبتسم. كانت تقنع «بعض الرواد» الذين كانوا يدورون حولها بأن «الجديدات» المنتظرات مثيرات للإعجاب... وكان زوجها البدين الذي يجلس قبالتها وجهاً لوجه() يطالع جريدة ويبتسم ويهز رأسه موافقاً. كان يتمتم:
- أوه.. نعم! ليس عن عبث تُكلِّفنا هذه الجوقة غالياً إلى هذا الحد! هناك ما يطيب لك سماعه, وهناك من يلذ لك النظر إليه...
توجه سيد مكتنز أشيب إلى بلانشار البدينة سائلاً:
- اسمعي, لماذا خلت إعلاناتكم اليوم من الأغاني الهنغارية؟
هزت مدام بلا نشار أصبعها مهددة السائل بغنج وقالت:
- أَعرفُ يا فيكونت لماذا أنت بحاجة إلى هذه الأغاني الهنغارية؟ إن التي تريد أن تراها مريضة اليوم ولا تستطيع الغناء....
فقال الفيكونت وهو يتنهد:
- مسكينة! ومم تشكو مدموزيل إيلكا؟
رفعت بلا نشار كتفيها وأجابت:
- لا أدري... إنما أية حلوة هي إيلكاي هذه! أنت الشخص المئة الذي سألني اليوم عنها خلال المساء. إنها مريضة, يا فيكونت! المرض لا يرحم حتى الحسناوات...
قال شاب يرتدي سترة فرقة الخيّالة ويقف في اللوج نفسه:
- إن حسناءنا الهنغارية تشكو من علة نبيلة جداً! فقد كانت أمس تقول لهذا المهرج «دي أومارين» إنها مريضة بالحنين إلى الوطن. أوه! انظر يا فيكونت سيزي! أية... أية... روعة!
وأشار الفارس لافتاً نظر الفيكونت سيزي إلى خشبة المسرح حيث كانت جوقة «الجديدات» تتخذ مكانها. تطلع سيزي لحظة إلى الخشبة, ثم حول بصره عنها وشرع يتحدث ثانية عن إيلكا مع بلانشار... وبعد ربع ساعة همس لها:- إنها تضحك! إنها غبية! أتعرفين ماذا تطلب من كل واحد مقابل لحظة حب؟ أتعرفين؟ مئة ألف فرنك! ها- ها- ها-! لنر أي مجنون سيعطيها هذا المبلغ! بمئة ألف يمكنني أن أمتلك عشراً مثلها. هـ..م... ابنة ابنة عمك يا مدام كانت أجمل منها بألف مرة, وقد كلفتني مئة ألف, ولكن طوال ثلاث سنوات! أمّا هذه؟ إنها فتاة نزوية المزاج! مئة ألف..! من شأنك يا مدام أن تشرحي لها أن هذا غباء فظيع من جانبها... إنها تمزح, ولكن... ليس دوماً يمكن المزاح.
- وما قول فتانا الوسيم ألفريد ديزيريه؟
تساءلت البدينة بلا نشار وهي تضحك ملتفتة إلى الفارس.
أجاب ديزيريه:
- البنت تستثيرنا, إنها تريد أن تبيع نفسها بثمن غال.. وهي سترهق أعصابنا وتأخذ بدل الألف ألفي فرنك. البنت تعرف أنه ما من شيء يوتّر هذه الأعصاب الخبيثة ويرهقها كالانتظار... أما المئة ألف فهي مزحة لطيفة.
تدخل في الحديث شخص رابع, ثم خامس, وما لبث اللوج كله أن أخذ يتحدث عن إيلكا. وكان في اللوج عشرة أشخاص.
وفي أثناء هذا الحديث كانت إيلكا تجلس في إحدى الغرف الصغيرة العديدة التي أقيمت خلف الكواليس. كل غرفة من هذه الغرف المشبعة بروائح العطور والبودرة ومصباح الغاز كانت تحمل ثلاث تسميات: غرفة الملابس, وغرفة الاستقبال وغرفة المدموزيل فلانة... وكانت غرفة إيلكا أحسنها. كانت إيلكا تجلس على مقعد مكسو بمخمل جديد يجرح العين بلونه القرمزي, وقد مدت تحت قدميها سجادة مزخرفة رائعة. وكانت الغرفة كلها مغمورة بنور وردي ينبعث من مصباح مظلل بعاكسة وردية.
أمام إيلكا كان يقف شاب وسيم أسود الشعر يناهز الخامسة والعشرين, يرتدي حلة سوداء نظيفة. كان هذا مراسل جريدة «الفيغارو()» اندريه دي أومارين, وهو بحكم وظيفته زائر دائم للأماكن الشبيهة بمسرح بلا نشار. بطاقته كانت تسمح له بالدخول مجاناً إلى جميع المحال المشابهة التي ترغب في أن ينشروا ريبورتاجات صغيرة عن الفضائح التي تجري فيها... فالفضيحة المنشورة في «الفيغارو» أفضل دعاية.
كان أندريه دي أومارين يقف أمام إيلكا وهو يعض شاربيه ولحيته ولا يحول بصره عن الفتاة الجميلة. وكانت إيلكا تقول بفرنسية مكسرة:
- لا, يا أندريه, لا أستطيع أن أكون لك... ولا بأي ثمن! لا تقسم, ولا تلاحقني, لا تتذلل... كل هذا لا يجدي!
- ولكن لماذا؟
- لماذا؟ ها- ها- ها! إنك ساذج يا أندريه... بما أن هناك رفضاً فهذا يعني أن هناك سبباً... أولاً: أنت فقير, وقد قلت لك ألف مرة أن ثمني مئة ألف... هل لديك مئة ألف؟
- في اللحظة الحاضرة ليس لدي ولا مئة فرنك... اسمعي يا إيلكا... واضح أنك تكذبين... فلماذا تفترين على نفسك هكذا؟
- وإذا كنت أحب شخصاً آخر؟
- وهل يعرف هذا الآخر أنك تحبينه؟ وهل هو يحبك؟
- يعرف ويحبني...
- هـ...م.. أي حيوان ينبغي أن يكون صاحبك هذا كي يسمح لك بالوصول إلى مسرح بلا نشار السمينة!
- إنه لا يعلم أنني في باريس. لا تشتم يا أندريه...
نهضت إيلكا وأخذت تذرع الغرفة. ثم قالت:
- لقد قلتَ يا أندريه أكثر من مرة أنك مستعد لفعل أي شيء من أجلي... قلت هذا؟ إذاً سأقول لك ماذا عليك أن تفعل... لا تدع أحداً من المعجبين يلاحقني... إنهم يحرمونني طعم الراحة... هم مئة وأنا واحدة. احكم بنفسك.. وعلي أن أصد كل واحد منهم.. فهل يسرّني أن أرى أناساً غاضبين بسبب صدّي لهم؟ دبّر الأمر من فضلك... لقد أضجَرَتْني بشكل فظيع كل هذه التوددات والتوسلات والمصارحات.
قال دي أومارين:
- سأتدبر الأمر بحيث لا يبقى من يضجرك سواي.. سواي؟
هزت إيلكا رأسها نفياً.
شحب أندريه وركع على ركبتيه وهو يتابع إيلكا ببصره, وقال بنبرة توسل:
- ولكنني أحبك, إنني أحبك يا إيلكا!
أطلقت إيلكا صرخة مباغتة. فالحلية المجوفة التي كانت تعبث بها انفتحت فجأة بشكل ما, بعد أن كانت مستعصية على الفتح بالرغم من كل الجهود التي بذلتها إيلكا سابقاً. لقد نسى فون زاينيتس أن يقول لها عندما أهدى إليها هذه الحلية أن لها قفلاً سرياً.
- وأخيراً!
صرخت إيلكا وتهلل وجهها بالفرح. لقد أصبح بمقدورها الآن أن تعرف ماذا يوجد في داخلها! لعل هذه القطعة الذهبية تزدان بصورته هو؟ قفزت نحو المصباح آملة بأن ترى ذاك الوجه النبيل ذا اللحية السوداء العريضة, ونظرت إلى داخل الحلية وشحب وجهها: فبدل الوجه الملتحي رأت وجهاً نسائياً صلفاً يبتسم ابتسامة تنضح بالعظمة. عرفت إيلكا هذا الوجه! وقرأت الكتابة المحفورة على الإطار الذهبي الذي أُدخلت فيه الصورة: «تيريزا غيلينشترال تحبك».
- إذاً هكذا!؟
اصطبغت إيلكا بالحمرة وألقت بالحلية جانباً.
- إذاً هكذا!؟ هي تحبه؟ هـ م... حسن...
ارتمت إيلكا على المقعد وهي ترتعش بعصبية, وتمتمت:
- أتجرؤ على أن تحبه؟ ولكن لا! أندريه! بحق الرب!
نهض المراسل, وربت على ركبتيه واقترب منها.
- اندريه... طيب, أنا سأحبك, على أن تنفذ لي طلباً واحداً.
- أي طلب تريدين! ألف طلب يا غاليتي!
- حتى الآن لم أكن أريد أن أفعل هذا, ولكن... أنا الآن مضطرة... إنني أختارك لتثأر لي... هل سبق لك أن زرت وطني ولو مرة؟
استندت إيلكا إلى كتف المراسل وراحت توشوشه بحرارة. همست طويلاً جداً في أذنه وهي تومئ بيديها. وسجل هو بعض الملاحظات في دفتره الصحفي. تساءلت:
- هل ستنفذ؟
- نعم... إنني الآن أكرهها, بعد الذي سمعته منك...
- سافر حالاً...
- وكيف ستعرفين إن كنت قد نفذت المهمة أم لا؟
- سأصدق كلمة الشرف التي ستقولها لي.
- وأنت يا إيلكا قولي لي بدورك كلمة شرف بأنك... لن تخدعيني.
فكرت إيلكا هنيهة. وكيف لا! فقد كان عليها أن تكذب بخسّة, وتكذب على إنسان مخلص, شريف... وللمرة الأولى في حياتها. قالت:
- كلمة شرف.
قبّل المراسل يدها وخرج. وبعد ساعة كان يجلس في عربة القطار, وفي اليوم التالي كان قد غادر فرنسا.
بعد أن ودعت إيلكا المراسل خرجت من غرفة الملابس إلى البهو الذي أقيمت فيه موائد صغيرة, وهي شاحبة مضطربة. نسيت أنهم أعلنوا عن مرضها هذا المساء, وأخذت تطوف بالغرف جميعاً. لم تكن تريد أن تفكر, ولكن أفكاراً فظيعة مقلقة كانت تتلاحق في رأسها الساخن واحدة بعد أخرى. كان التفكير بأن بارونها يحب أو كان يحب تلك المرأة يمزقها. وعندما دخلت صالة المسرح توجهت أنظار الجمهور نحوها ونحو لوج مدام بلا نشار التي كانت تؤكد للتو أن إيلكا مريضة وتلازم سريرها. وبغتة سمعت «الجديدات» اللواتي كنّ في هذه الأثناء يؤدين أدوارهن على الخشبة هسهسة وصفيراً وتصفيقاً فأخذن ينحنين... بيد أن الجمهور لم يكن يهتف ويصفق لهن, وراح الجمهور المهتاج يصيح:
- إلى الخشبة! الأغاني الهنغارية! هيا إلى الخشبة! إيلكا! برافو!
ابتسمت إيلكا وأشارت بيدها إلى حلقها وخرجت, تاركة مهمة التفاهم مع الجمهور المخدوع للبدينة بلا نشار. ذهبت إلى إحدى قاعات المطعم حيث كانت عادة تتعشى مع «الأصدقاء» وتبعها المعجبون بها على الأثر.
كان العشاء في هذه المرة خالياً من المرح. فإيلكا كانت صامتة ولم تأكل شيئاً. وبدلاً من الضحك المرح واللغة الفرنسية المكسرة لم يظفر «الأصدقاء» سوى بسماع زفرات عميقة. وكان سيزي, كبير مدبري ولائم العشاء, متجهماً كذلك. تمتم وهو يلتهم إيلكا بعينيه:
- ليأخذ الشيطان هذه البراءات بسحناتها البريئة.
أما ديزيريه فكان يأكل صامتاً. لقد أصبح الفارس التعس يفكر كثيراً في الآونة الأخيرة... فإيلكا تطلب مئة ألف, وهو لا يستطيع أن يعرض عليها حتى ألفين. منذ أيام مات أبوه, ووُضعت أملاكه تحت تصرف الدائنين. ولم يكن ديزيريه يعوّل على الحب المنزه عن الطمع: كان يعرف أنه ليس وسيماً, وأن هؤلاء الفتيات طماعات...
كان أدولف, ابن المصرفي باخ, الذي تعهد بأن يسقي الجميع شمبانيا على حسابه يجلس بجانب إيلكا ويتصرف بتبسّط. وكان يملك الحق في هذا بصفته أغنى الحاضرين... كان يشرب من كأس إيلكا ويوشوشها في أذنها وما شابه ذلك... وكان هذا التبسّط يزيد من الشعور بالوحشة لدى الحاضرين الذين كانوا لا يطيقون أدولف باخ بسبب ثرائه.
قرب النافذة, على بضع خطوات من مائدة الشراب هذه كان يجلس شيخان: أحدهما صاحب معمل من ليون اسمه مارك لوفرير, والآخر... إنكم لن تستطيعوا أن تميزوا فيه صاحبنا القديم, عازف الكمان تسفيبوش, مع أنه هو نفسه. لشد ما تغير. لقد نحل وشحب, ولم يعد جبينه يلمع من العرق. وبدا في عينيه اللا اكتراث, والإذعان للقدر. لم يعد تسفيبوش الشيخ يبالي بشيء... فقد شعر بأنه أضاع كل شيء عندما أضاع إيلكاه. ثيابه لم تعد رثة, فجسمه الذي يزداد نحولاً مع الزمن يكتسي الآن بقميص أبيض تزينه أزرار ذهبية, وبحلة سهرة سوداء. كان يتحادث مع لوفرير, وهو من أشد المعجبين بإيلكا, عن الأدب.
عندما دنت الساعة من الثالثة كان الجميع قد سكروا ما عدا تسفيبوش وابنته ولوفرير. وقد هز السكر بعض الشيء فرسان حفلات الشراب المكتئبين المتجهمين. وألهب الحب القانط رؤوسهم المخمورة. وانفلتت ألسنتهم من عقالها... في الساعة الرابعة ذهبت إيلكا إلى البيت بصحبة أبيها. وقبل مغادرتها حرص كل واحد على أن يقول لها على انفراد وهو يودعها بضع كلمات. كل واحد كان يقول لها: - أحبك, - وكل واحد كان يعدها بالجنة. وكانت هي تقول باختصار: - مئة ألف!..
في أيار, وفي أمسية من مثل هذه الأمسيات, وُجد أخيراً الشخص الذي أعطاها مئة ألف ووضع حداً لكل هذه المهزلة. وكان هذا الشخص هو الخيّال ديزيريه.
في الساعة الثالثة ليلاً, عندما كان الجميع قد سكروا, دخل الخيّال القاعة. كان شاحباً ومهتاجاً. اقترب من إيلكا دون أن يسلم على أحد, وأمسك بيدها وانتحى بها جانباً, وقال لها بصوت مكتوم:
- لقد أحضرتها... خذي.. هل تعرفين ما فعلت؟ لقد نهبت عمي... غداً سيقدمونني إلى المحكمة... خذي! أنا موافق!
انفلتت صيحة فرح من صدر إيلكا. لقد أصبح معها مئة ألف! وفي الوقت نفسه تغشى وجهها بشحوب الموتى: لقد آن أوان الدفع مقابل المئة ألف...
دنا أدولف باخ الذي كان يتابع حركات ديزيريه, من إيلكا, وعندما سمع كلمة «موافق» امتقع وجهه.
- وأنا موافق!
قال بعجلة ومد يده إلى جيبه – وأنا أعطيك مئة ألف.
ابتسم ديزيريه بسخرية. فلم يكن يرى الآن في الصبي باخ منافساً كفئاً له:
- أنا وافقت أولاً... وحبذا يا باخ أن تذهب الآن للنوم. حاضنتك تنتظرك.
- أنا لا أنام مع الحاضنات. إن وجهك يا ديزيريه لا يعجبني كثيراً. إنه يتشوّق إلى لطمة! أدفع مئة وعشرة آلاف!
- أدفع مئة وعشرين ألفاً!
لقد سرق ديزيريه من عمه مئة وعشرين ألفاً بالتمام. فجأة نهض سيزي المخمور الذي كان يلتهم إيلكا بعينيه كما يلتهم الثعبان الأرنب, واقترب من باخ وديزيريه. تمتم قائلاً: - أنتما... أنتما... توافقان؟ لقد جننتما! لقد جننتما أيها الصبيّان! مئة ألف! ها- ها- ها! عفواً يا آنسة(), ولكن مع ذلك... ألا توافقينني...
- أدفع مئة وعشرين! – كرر ديزيريه.
- أدفع مئة وعشرين! - قال الصبي باخ وأخذ يقهقه- أدفعها هذه اللحظة نقداً!
ترنح سيزي. لم يشأ أن يصدق أذنيه. هل يعقل أن يوجد مثل هذين الأحمقين اللذين يشتريان بمئة ألف امرأة كان يستطيع هو أن يشتريها في أي وقتٍ بخمسة آلاف؟ وهل يعقل أن يشتريها... أحد غيره؟ صاح قائلاً:
- هذا مستحيل!
وقال رجل رابع وهو يقترب منهم: - وأنا أيضاً أدفع مئة وعشرين!
كان هذا ملاّك أراضٍ من ضواحي مرسيليا, طويل القامة, ضخم الجثة, يدعى آركو, وهو شخص واسع الثراء, وإلقاؤه مئة ألف عند قدمي الفتاة لا يساوي لديه شيئاً. كان قد فقد منذ مدة زوجته وابنه الوحيد, وهو الآن يغرق حزنَه في الخمر والحب المشترى بالمال.
- وأنا أيضاً موافق! - قال الصربي بوتيتش الذي يدعى أنه سكرتير إحدى السفارات, ويبذر كل يوم مبلغاً كبيراً من المال.
أخذ سيزي يقلب صفحات مفكرته, ويسجل, ويحسب, وقلمه ينزلق على الورقة انزلاقاً.
- وما الداعي لهذا أيها السادة؟ هل النقود رخيصة لديكم إلى هذا الحد؟ ولماذا حتماً مئة وعشرين وليس مئة بالضبط؟ ثلاثين... ستمئة... لماذا ليس مئة بالضبط؟
صاح باخ وهو ينظر إلى منافسيه نظرة انتصار.
- مئة وخمسة وعشرين!
فصرخ سيزي: - موافق! موافق! وأنا أيضاً موافق, قلنا لك!
قالت إيلكا لباخ: - لا أريد زيادتك. الغ خمسة آلافك, أنا موافقة على المئة والعشرين... ولكن أيها السادة ليس من الجميع.. بل من واحد فقط, فمن هو بالذات؟.
قال الخيال: - أنا, فأنا الذي وافقت أولاً...
وراح الآخرون يقولون: - هذه تفاهات! مجرد تفاهات! أليس الأمر واحداً إن كنت الأول أو الثاني.
قالت إيلكا: هذه تفاهات فعلاً, ما هو الحل أيها السادة؟ كلكم تعجبونني بالقدر نفسه... كلكم لطفاء, مهذبون... وكلكم تحبونني بالقدر نفسه... فما الحل؟
- فلنلق قرعة!
اقترح شاب لم يشارك في المزايدة, وكان ينظر بحسد إلى المزايدين...
- حسن, لنلق قرعة, - وافقت إيلكا- هل أنتم موافقون أيها السادة؟
- موافقون! قال الجميع ما عدا الخياّل الذي كان يجلس على حافة النافذة ويقضم شفته السفلى الكبيرة دون شفقة.
- وهكذا أيها السادة سنكتب بطاقات... ومن تكن من نصيبه البطاقة التي عليها اسمي ينلني. اكتب البطاقات يا بابا تسفيبوش!
مد بابا تسفيبوش المطيع كعهده دائماً يده إلى جيب فراكه الجديد وأخرج ورقة, وقسمها إلى مربعات صغيرة وكتب على أحدها اسم إيلكا.
قالت الفتاة: - ضعوا, أيها السادة, النقود على الطاولة! البطاقات جاهزة!
فتساءل باخ: وكم على كل منا أن يضع؟ كم عددنا؟ ثمانية؟ مئة وعشرون مقسمة على ثمانية, الناتج.. الناتج...
قالت إيلكا:
- فليضع كل منكم مئة وعشرين ألفاً!
- كم؟
- مئة وعشرين ألفاً!
قال الصربي: - إنك لا تجيدين الحساب يا عزيزتي! أم أنك تمزحين؟
فقالت إيلكا:
- مئة وعشرون ألفاً... بخلاف ذلك لا أستطيع.
ابتعد الرجال عنها بصمت, وجلسوا إلى المائدة ساخطين. أخذ سيزي يشتم ويفتش عن قبعته. قال:
- هذا سيكون احتيالاً! هذا اسمه نصب! أتستغلين أن دمنا, نحن الأغبياء, الحمير السكارى, في حالة فوران؟!
وقال باخ:
- إنني لن أدفع سنتيماً() واحداً.
فقالت إيلكا:
نصر لا لزوم له – م10
- أنا لا أطالب. على كل آن أوان الذهاب إلى البيت... هل أنت جاهز يا بابا تسفيبوش؟ هيا بنا! احتفظ بالبطاقات للذكرى.
قال الرجال: - وداعاً! سافري إلى بلدك هنغاريا وابحثي لك هناك عن أغبياء يعطونك مليوناً! هل تريدين مليوناً؟ افهمي إذاً يا مغفلة أن بالمليون يمكن شراء باريس كلها! وداعاً!
بيد أن الشهوة القاهرة استوفت حقها... فعندما مدت إيلكا يدها الحارة لكل منهم, وتمكنت من أن تقول لكل منهم بضع كلمات دافئة عند الوداع, وغنت لهم الأغنية«الأخيرة» بلغت الشهوة أوجها...
في الساعة الخامسة سحب أول نادل صادفهم المربعات الورقية من قبعة باخ... وعندما أُخرجت جميع المربعات وفُتحت انطلق الضحك من صدور جميع الرجال. وكان هذا ضحك اليأس, ضحكاً من طيش القدر وجنونه.
فقد كانت البطاقة التي تحمل اسم «إيلكا» من نصيب صاحب المعمل الليوني العجوز مارك لو فرير, الذي وضع ألوفه المئة والعشرين «من باب المزاح» وكان بإمكانه الاكتفاء بمجرد قبلة!




الفصل الثامن

كانت أمسية صقيعية من أمسيات كانون الأول. في السماء كانت تومض النجيمات الأولى, والقمر يسبح بارداً. وفي الهواء يخيم الهدوء, وليس ثمة حركة أو نأمة واحدة.
وكان أرتور فون زاينيتس يسير في الممر العريض عبر الغابة متوجهاً «لتناول الغداء», بعد أن ودع منذ نصف ساعة تيريزا غولداوغين في مصلى القديس فرانتسيسك على أن يتلاقيا في الغد. عرج كعادته على بيت مأمور الحراج سائلاً عن الرسائل, فأعطته بلا وخير ظرفين: أحدهما كبير جداً والآخر صغير جداً. وكان الصغير من إيلكا من باريس. دس زاينيتس هذه الرسالة في جيبه دون أن يقرأها. فقد كان يعرف ما تحتويه: «أحبك!», فليس بإمكان إيلكا أن تأتي بما هو أكثر جدة أو ذكاءً من هذا. وكان العنوان على الظرف الكبير مكتوباً بخط بيلتسير. ولو لم تقع عيناه على عبارة «أوراق ذات قيمة» مكتوبة في أعلى الظرف لد س هذه الرسالة أيضاً في جيبه. فكّر أرتور قليلاً وفض الظرف, فوجد فيه وصية أمه, فشرع يقرؤها. وكان كلما تقدم في قراءة هذه الورقة التي تحمل في أسفلها إمضاء يد عزيزة طالما هدهدت البارون ازدادت الدهشة وضوحاً على وجهه. لقد أوصت له الأم بكل شيء ولم توص لأخته بشيء... ولكن لِمَ أرسل له الزوجان بيلتسير بهذه الوصية؟ قال لنفسه: «أ- ها! لقد ندما! لو من زمان فعلا...»
لم تكن ضيعة الأم كبيرة. ولم تكن عائداتها تزيد على عشرة آلاف تالر في السنة. ولكن حتى هذا المبلغ كان يبهج أرتور. كان يسره أن ينتزع هذا المبلغ من بين مخالب الشحيح بيلتسير المستعد للإتيان بأية نذالة في سبيل تالرٍ واحد.
طلب أرتور ورقة من بلا وخير وجلس إلى الطاولة ليكتب رسالة لبيلتسير. كتب له أن الوصية قد وصلته, وحبذا لو يعرف مصير تلك النقود التي أَغَلَّتْها حتى الآن الضيعة التي أوصت له بها أمه؟ أعطى الرسالة لفراو بلاوخير التي أرسلتها في اليوم التالي إلى محطة البريد. وبعد أسبوع أتى الرد من بيلتسير. وكان رداً غريباً ومبهماً إلى حد ما, فقد كتب بيلتسير يقول: «أنا لا أعرف شيئاً, لا أعرف الوصية ولا النقود. دعنا وشأننا...»
- ما معنى هذا؟ - سأل أرتور نفسه بعد أن قرأ الرد- أمر غريب! أم أنه نادم على إرسال الوصية؟ هـ م... انتظرْ إذاً, ما دام الأمر هكذا!
في اليوم التالي بعد استلام الرد توجه أرتور إلى المدينة وقدم دعوى يطالب فيها بتنفيذ الوصية. وابتدأت المحاكمة.
أصبح أرتور يتردد على المدينة كثيراً. في البداية كان يذهب إلى المحكمة. وفيما بعد أصبح يذهب إلى محاميه. وكانت تيريزا غالباً ما تضطر إلى الجلوس وحدها في مصلى القديس فرانتسيسك, يعذبها الانتظار والضجر. كانت تجلس في المصلى وتنظر إلى عيني القديس فرانتسيسك المخيفتين وتصغي إلى ضجيج الريح. وأية سعادة كانت تشع من عينيها عندما كانت تميز وسط الضجيج في الخارج وقع أقدام البارون, وأي شحوب شديد كان يعلو وجهها عندما تخرج في آخر المساء من المصلى دون أن تقابله! كان لا يأتي إلى المصلى إلاّ للمناكدة والإقذاع والقهقهة... وكانت تيريزا تنتظر بفارغ الصبر مقدم الربيع, إذ يغدو بالإمكان الالتقاء ثانية في الهواء الطلق.إلاّ أن الربيع جلب لها معه التعاسة...
ففي ذات «ما بعد غداء» ربيعي هادئ دافئ, كانت تيريزا جالسة عند «الوعل البرونزي» تنتظر أرتور. كانت تجلس على عشب فتي نبت ليومه وتصغي إلى ضجة الجدول الذي يخرّ غير بعيد عنها.... بينما تبعث الشمس في كتفيها الجميلتين دفئاً لذيذاً.
كانت تفكر: «هل سيأتي أم لا؟» فأرتور قد انصرف كلياً إلى المحاكمة, وأصبح يزور«الوعل البرونزي» على مضض. ولكنه في «ما بعد الغداء» هذا جاء. وجاء ثملاً بعض الشيء كالعادة, وقد بدا عليه العبوس والانزعاج.
- هل أنت هنا؟ - سأل تيريزا التي ابتهجت لمرآه- احترامي! جيد أن لا يكون لدى الإنسان أي عمل! بالشرف, هذا جيد! فالمتبطلون يتنزهون دائماً ويجلسون على العشب الأخضر.
وما إن جلس بجانب تيريزا حتى أخذ يبصق جانباً بشراسة. تساءلت الكونتيسة.
- هل أنت غاضب؟
- من الزوجين بيلتسير النذلين. هل تعرفين ما فعلاه بي؟ الوصية التي أرسلاها لي زائفة, كالمرأة. إنها مزورة. وقد طالبت أنا بتنفيذها, وسيحاكمونني بتهمة التزوير.. لقد دبر لي الزوجان بيلتسير مكيدة خبيثة! إنهما يرفعان أكتافهما عندما يريان هذه الوصية, وينكرانها إنكاراً تاماً. هما اللذان زوّرا وأنا الذي سأُحاكَم! يا للشيطان! لقد أخذوا مني تعهداً بعدم السفر, وقريباً سيبدأ قاضي التحقيق بازعاجي. يا للعجب! ها- ها! البارون فون زاينيتس زوّر وصية! ليس سوى النصاب بيلتسير بقادر على اختراع شرك كهذا! إيه, وماذا عنك يا صاحبة السناء؟ لقد سمعت البارحة أنك طُلّقت من الكونت, وأن كل شيء بينكما قد انتهى. فمن أجل ماذا أنت تجلسين هنا؟ ولماذا لا تبتعدين عن زوجك, وعن الأماكن التي تذكرك بهذا الشخص الذي تكرهينه؟
قالت تيريزا:
- لا أريد أن أسافر من هنا.
- هـ م... هل لي أن أعرف لماذا؟
- ألا تعرف؟
- ومن أين لي أن أعرف؟
ران الصمت دقيقة. كان كلاهما يعرف لِمَ هي ما زالت هنا, ولماذا لم تغادر هذه الأماكن, ولكن أرتور كان يبغي تعذيبها...
- أنا... ألا تعلم؟ أنا أحبك.
قالت الكونتيسة ذلك وانسفحت الحمرة على وجهها الأبي الصارم...
- إنني أحبك يا أرتور... ولولا هذا الحب لكنت الآن بعيدة جداً عن «الوعل البرونزي».
رفعت الكونتيسة نظرها إلى وجه أرتور. وكان هذا الوجه المخمور الساخر يقول لها الحقيقة. والصمت يؤكد هذه الحقيقة ذاتها. إنه لا يحبها.
سألت بصوت خافت وهي تلوي أصابعها:
- لماذا إذاً كنت تأتي إلى هنا؟ لماذا لم تتركني منذ بداية هذه اللقاءات؟
قال أرتور:
- كنت تحسين بالضجر. وأنا لم أكف بعد عن كوني شهماً مع النساء وأفعل كل ما يرضي السيدات المحببات. ها- ها!
- ما أغبى هذا!
- آسف جداً لأنني لا أستطيع أن أقابل الحب بالحب. فأنا أحب أخرى.
دس أرتور يده في جيبه الجانبي وهو يضحك وأخرج منه صورة إيلكا وقربها من عيني تيريزا مباشرة.
- هذه هي محبوبتي, أعرفتها؟
- أهذه ابنة ذاك العجوز؟ ولكن ما الذي جعلها تلبس هكذا؟
- إنها تلبس بشكل لائق جداً... وجه فاتن!
- وأين هي الآن؟
لاذ أرتور بالصمت. لم يفلح في إحداث الأثر الذي كان يأمله. فالكونتيسة لم تمتقع ولم تحمر عند مرأى الصورة... بل تنهدت فقط و- يا للغرابة! - شعت عيناها بالطيبة لدى مرأى هذا الوجه الوسيم الذي يكاد يكون طفولياً.
قال أرتور:
- وداعاً!adieu! أنا ذاهب لقراءة القوانين. آه يا بيلتسير, يا بيلتسير! لو قلت في المحكمة إني استلمت هذه الوصية منه لضحكوا علي!
أدار أرتور ظهره لتيريزا وسار نحو وسط الغابة وهو يومئ بيديه.واتجهت تيريزا نحو حصانها الذي كان يرعى العشب الفتي جانباً بكسل. قالت وهي تنظر إلى جبهته:
- سنذهب, ولن نعود إلى هنا ثانية. إنهم لا يحبوننا. ولن نطلب منهم صدقة.
قفزت تيريزا إلى ظهر الحصان واندفعت تعدو به إلى طرف الغابة. وقد شعت عيناها بالحزم. وعندما عبرت باب الخوخة المؤدي إلى الممر المشجر الطويل الذي تحدثنا عنه في الفصل الأول من قصتنا سمعتْ خلفها وقع خطوات. التفتت فرأت شاباً لا تعرفه يركض وراء حصانها وهو يحمل بيده سوطاً. صاح لها بالفرنسية: - دقيقة!
أوقفت الكونتيسة الحصان وأومأت للشاب برأسها. قالت في سرها: «لا بد أنه صاحب حاجة».
اقترب المراسل دي أومارين منها مبتسماً متهللاً, ورفع السوط وهو يتملى جمالها, وقال:
- إنك قاسية بقدر ما أنت رائعة! لا ينبغي لشيء أن يبقى دون عقاب. تذكري الموسيقي العجوز وابنته!
وأحست الكونتيسة على وجهها بألم حارق... قالت:
- فليكن الأمر هكذا!
وجذبت عنان الحصان.
ظل دي أومارين طويلاً ينظر في إثر الكونتيسة الرائعة. شعر الفرنسي برغبة طاغية في أن يتكلم مع المرأة التي ضربها, والتي ردت على الضربة بعبارة: «فليكن الأمر هكذا», ولكنه ما إن توارت عن ناظريه حتى استدار على عقبيه وانطلق مسرعاً صوب محطة القطار. لقد نفذ المهمة الموكلة إليه وهو ذاهب الآن لنيل المكافأة...








الفصل التاسع

قالت فراو بلا وخير لأرتور ذات مساء عندما عرج للسؤال عن رسائل:
- هناك سيدة تبحث عنك! لقد تركت لك هذه البطاقة. وقرأ أرتور في البطاقة: «نزلت في فندق «المرساة الكبيرة» تعال بسرعة. إيلكا».
توجه أرتور إلى المدينة, وفي منتصف الليل تماماً قابل إيلكا. وما إن شاهدها حتى راح يقهقه. ما أشد أناقتها في هذه الملابس, وما أبعدها عن الشبه بتلك المغنية التي التقاها يوماً في الغابة غارقة في دموعها!
تساءل ضاحكاً:
- المليون موجود؟
- موجود. ها هو!
كف أرتور عن الضحك بغتة. فقد أُلقي أمامه على المنضدة مليون, مليون حقيقي. قال وهو لا يصدق عينيه:
- يا للشيطان! أنت, يا طفلتي, تحسبين بالفرنكات؟ لقد نسيتُ أن أقول لك أن تحسبي بالتالرات... ولكن لا بأس.... فهذه النقود جيدة أيضاً! من أين حصلت عليها؟
جلست إيلكا بجانبه وقصت عليه كل ما جرى معها بعد أن فارقته. تساءل أرتور:
- ايه؟ وما الذي فعلته بالشيخ؟
- خدرته بالمورفين وهربت في الليلة ذاتها دونما التفاتة.
- تصرف شريف! ها- ها- ها! في وقت آخر كنت ضربتك, أما الآن فلتصبحي البارونة فون زاينيتس! هاك يدي! وغداً سنذهب إلى العمدة!
في اليوم التالي ذهب فون زاينيتس وإيلكا إلى العمدة. وفي الساعة التاسعة والنصف من صباح الثاني من حزيران أصبحت إيلكا: البارونة فون زاينيتس.
وفي الساعة الثانية من اليوم نفسه جُرِّد أرتور فون زاينيتس من لقب البارونية. فقد قرر المحلفون تجريمه بتزوير الوصية... وظفر الزوجان بيلتسير بغايتهما.
في المحكمة شاهدت إيلكا الكونتيسة غولداوغين.كانت الكونتيسة تجلس على أحد المقاعد الخلفية في معزل عن الجمهور ولا تحول بصرها عن المتهم. وكان ينسدل من قبعتها السوداء نقاب قاتم, فهي على ما يبدو, تريد أن تخفي شخصيتها الحقيقية. ولم تعرفها إيلكا إلاّ من صوتها الرخيم عندما قالت تلك بصوت مرتفع بعد أن سمعت مرافعة المدعي العام «ما أغبى هذا!»
- «أي حق لها في أن تنظر إلى زوجي؟» - فكرت إيلكا وهي تشحب من الكراهية وتزهو في الوقت نفسه بانتصارها. لقد أصبحت الآن تثق بهذا النصر: فهي قد انتزعت من الكونتيسة رجلها الحبيب.
كان المتهم يتصرف في المحكمة على نحو غريب للغاية. كان ثملاً بعض الشيء, وكانت التهكمات اللاذعة المؤذية تنثال من لسانه انثيالاً. كان يصمت عندما ينبغي الكلام, ويتكلم عندما ينبغي الصمت, متجاهلاً القضاة والمحلفين. وبالرغم من أن المدعي العام كان زميله في الجامعة إلاّ أنه لم يرأف به في مرافعته. فقد كان ينقب بلا استحياء في ماضيه الذي يعرفه كزميل. وصف حياته الباريسية وإفلاسه, وحاجته إلى المال, والمشقة التي كان البارون فون زاينيتس يكابدها من جراء هذه الحاجة, واختتم مرافعته بأنشودة تقريظية مدح فيها السيدة بيلتسير التي ضحّت بمشاعر الحب الأخوي في سبيل العدالة والقصاص على الجنحة... قال:
-إنها تصرفت كمواطنة مثالية!
فقال أرتور: - اخجل يا هذا! سابقاً, عندما كنتَ في الجامعة تدخن سكائري لم تكن تحسن الكذب هكذا!
وكان هذا هو القول الوحيد الذي قاله بجدية وإخلاص, أما بقية أقواله فقد كانت تثير الضحك ورنين جرس رئيس المحكمة. وقد قابل الجمهور حكم التجريم بالتصفيق, إذ كان كله تقريباً من أتباع آل بيلتسير. أما الأشخاص المتعاطفون مع أرتور فلم يجدوا لهم مكاناً في المحكمة, لأن أنصار المصرفي قد شغلوا جميع الأمكنة منذ الصباح الباكر. استمع أرتور إلى الحكم برباطة جأش, وقال:
- إنني أعرف الطريق إلى الامبراطور, وعندما سأحتاج إلى البارونية من جديد, سأذهب إليه. وفيينا التي تعرفني ستضحك من هذا الحكم!
شعور مر, شعور بالخجل عن الناس, وبالاشمئزاز كان يملأ نفس الكونتيسة عندما غادرت قاعة المحكمة وجلست في عربتها. فقد اتهموا في حضورها إنساناً بريئاً بالاحتيال وحكموا عليه. ما أسهل أن تخدع هؤلاء المحلفين البدينين البسطاء, وما أقل ما يلزم للقضاء على إنسان!
- سأعيد إليه لقبه! – قررت غاضبة- لقد قال لهم إنه يعرف الطريق إلى فيينا ولكنه لن يسعى من أجل أمر تافه, حسب رأيه, كالصيت الحسن, فضلاً عن أنه كسول وقُعدة... أنا سأسعى من أجله...
ثم أضافت في ذهنها: «- سأقدم له صدقة, وسيكون عليه أن يقبلها رغم إرادته!».
في اليوم التالي ذهبت إلى نادي البلدة حيث كانت تقام حفلة خيرية وباعت هناك بطاقات. فقد وُضعت في الحديقة تحت مظلة من الأعلام والدوالي والأزهار الحية بضع طاولات نصبت عليها دواليب بطاقات اليانصيب... وجلست إلى هذه الطاولات لبيع البطاقات ثماني سيدات ارستقراطيات في غاية الجمال والأناقة. وكانت الكونتيسة غولداوغين أبرعهن في البيع. كانت تدير الدولاب دون توقف, وترد الباقي. وقد اشترى منها بيلتسير الذي حضر الحفلة ألفي بطاقة. سألته الكونتيسة وهي تتسلم منه النقود:
- كيف حال ابن حميك؟
فتنهد بيلتسير وهو يجيب:
- لقد حلت به, المسكين, مصيبتان: فقد تزوج و... لم يعد الآن باروناً...
- سمعت بهذا... وأين زوجته الآن؟
- إنها هنا. ألم تريها؟ شيء مضحك! ها- ها... إنها بارونة... ولو كانا تكللا بعد ساعات لكانت الآن المواطنة زاينيتس لا غير...
أخذت الكونتيسة تتفرس وجوه جميع المارين باحثة بعينيها عن إيلكا.
وكانت إيلكا في الحفلة: وقد مرت من جانب الكونتيسة برأس مرفوع عالياً وابتسامة فخورة متكبرة: ولكن الكونتيسة كانت مشغولة بالبيع فلم تلحظها. فمرت ثانية وهي محاطة بجمهور من الفضوليين الذين كانوا يحملقون في وجهها الجميل مباشرة. ألقت الكونتيسة عليها نظرة, ولكنها, على ما يبدو, لم تعرفها. وعندما مرت في المرة الثالثة تلاقت عيونهما. وسُرّت إيلكا سروراً عظيماً عندما ارتبكت الكونتيسة وارتعشت يداها فأفلتت منهما بعض قطع النقد المعدنية, وراحت هذه القطع تتدحرج على الأرض وهي ترن.
دنت إيلكا من طاولة الكونتيسة وأخذت منها بضع بطاقات وهي تنظر في وجهها مباشرة وقالت:
- أريد أن أتبرع للمدرسة بهذا الشيء الصغير, ودون أن تنتظر جواباً دست في يد الكونتيسة الرصيعة الذهبية. أخذت الكونتيسة الرصيعة المعروفة لديها, وفتحتها, وابتسمت. كان وجهها فيها مخدشاً بالدبوس. قالت وهي تعيد الرصيعة لإيلكا:
- توجهي بهذا الشيء إلى إدارة النادي, فمهمتنا هي بيع البطاقات فقط... ثم أضافت وهي تبتسم برقة:
- عفواً(), لا وقت لدي!
لم تكن إيلكا معتادة على مثل هذه الاشتباكات, وقد أربكتها ابتسامة الكونتيسة وبرودة أعصابها فابتعدت عن الطاولة باستحياء. ودهمها شعور بالغم والخجل: فالواقفون قرب طاولة الكونتيسة لاحظوا ارتباكها وتبادلوا النظرات وابتسموا. وقد وخزت هذه الابتسامات الحيرى المتسائلة قلب إيلكا بالذات.
- اسمحوا لي بالمرور.
قالت إيلكا للفتيان الذين كانوا يقفون أمامها كالجدار ويرمقونها بفضول.
ولسبب ما طفق هؤلاء الفتيان بغتة يضحكون. وارتفعت ضحكات مماثلة من الخلف. التفتت إيلكا فرأت وراءها حشداً مماثلاً من الشباب. كررت قائلة:
- اسمحوا لي بالمرور.
وارتفعت الضحكات من جديد, وارتطمت فلينة كبيرة من زجاجة بيرة بجبين إيلكا الوردي. كما أصابت فلينة أخرى كتفها اليمنى... صاح أحدهم:
- ها.. ها.. أُرا! البارونة فون زاينيتس, زوجة المحتال المجرد من لقبه!
وارتفعت أصوات استهجان. وأصابت الفلينتان الثالثة والرابعة وجهها في آن معاً. نظرت وهي تشعر بالمذلة والمهانة وتوشك أن تفقد الوعي إلى الكونتيسة, وخيّل إليها أنها تضحك... غامت عيناها, وانجذب رأسها الذي أصابه الدوار إلى الأسفل بشدة. صاحت:
- أرتور!
ولم يلب أحد النداء. فالبارون المجرد من لقبه كان بعيداً. كان يستلقي مخموراً تحت إحدى الشجيرات, غير بعيد عن منزل بلاوخير, يرى مليونه في الحلم...
دنت الكونتيسة من الفتاة المهانة التي لم تستطع عيناها الغائمتان تمييزها, وطوقت كتفيها وأخرجتها من وسط الجمع.
- اتركيني! أريد أن أقتلها!
صاحت إيلكا وفقدت الوعي.
وعندما أفاقت وجدت نفسها في غرفة صغيرة مكسوة بمخمل توتي اللون. كانت تستلقي على مقعد, وبجانبها تجلس فتاة بيدها قارورة صغيرة. تساءلت إيلكا:
- أين نحن؟
فأجابت الفتاة:
- في النادي يا سيدتي.
وأكدت أنغام المازور كا التي كانت تتناهى إلى مسامع إيلكا كلمات الفتاة. رفعت إيلكا رأسها المتثاقل, وفكرت قليلاً, وتذكرت كل ما حدث. قالت للفتاة:
- احضري لي كأساً صغيرة من الرينغين.
وما إن خرجت الفتاة حتى أخرجت إيلكا محفظة من جيبها, وتناولت منها قارورة صغيرة جداً تحتوي على مورفين. كان هذا المورفين هو الذي ضيفت منه لوفرير العجوز منذ مدة ليست طويلة, وهي الآن ستضيّف به نفسها لأنها تتأثر كل هذا التأثر يالإهانات التي يلحقها بها الناس... تناولت إيلكا كل ما كان في القارورة من مورفين, ثم انحنت على المخدة المخملية واستسلمت للتفكير, منتظرة قدوم النوم الأبدي. لم تكن تتأسف على هذه الحياة الباهتة, بل كانت تتأسف على تركها بابا تسفيبوش. عليه وحده فقط كانت تتأسف! أما أرتور الذي كان يحب الخمر أكثر من زوجته الشابة فلم تكن تتأسف عليه.
سمعت صوتاً رخيماً يسأل:
- كيف تشعرين الآن؟
وانحنت الكونتيسة, عدوتها اللدود, عليها. وشاهدت إيلكا أمام وجهها عينين براقتين, وبقعتين حمراوين على الوجنتين. وعندما لمحت خطاً أحمر لا يكاد يلحظ على الوجنة اليسرى همست:
دي أومارين!
قالت الكونتيسة:
-إن الذين أهانوك سيلقون عقابهم. لقد استأجرهم بيلتسير الذي يكره أرتور... سأعاقب بيلتسير الوغد هذا... إنني قوية... هل ما زلت غاضبة مني؟
أشاحت إيلكا بوجهها جانباً.
- هل ما زلت غاضبة يا إيلكا؟ ايه... سامحيني... أنا مذنبة... لقد أهنت أباك, وأهنتك... أقر بهذا وأرجو الصفح.
وأحست إيلكا بقبلة على رأسها.
- لقد بحثت عنك طويلاً... لم يقر لي قرار لا في الليل ولا في النهار بعد أن التقيت نظرتك في ذلك اليوم التعس... كانت عيناك تحرقانني في الحلم...
بغتة شرعت إيلكا تبكي, وهمست وهي تغفو على نغمات الصوت الحنون لمنافستها النادمة:
- إنني أموت.
- سامحيني يا إيلكا, كما سامحتك أنا...
مدت إيلكا يدها ولمست عنق الكونتيسة, فانحنت الكونتيسة عليها وقبلتها في شفتيها. همست إيلكا:
- إنني أموت. لقد تناولت مورف... على السجادة...
انحنت الكونتيسة وشاهدت القارورة على السجادة.. وأدركت كل شيء. بعد دقيقة عثروا في النادي على طبيب وأحضروه إلى إيلكا. وقد أفلح الطبيب, بفضل وجود القارورة, في إثبات واقعة التسمم فقط, ولكنه لم يفلح في إيقاف إيلكا الراقدة على قدميها...
وصل المراسل دي أومارين من هنغاريا إلى باريس في الليلة نفسها التي اقتُرع فيها على إيلكا. وعندما لم يعثر في غرفة المغنية سوى على لوفرير غارقاً في نوم عميق على الكنبة, اندفع راكضاً إلى باخ, وروى له هذا كل ما جرى في أثناء غيابه.
- لقد هربت! - جزم المراسل وعاد في اليوم التالي إلى هنغاريا آملاً في نيل مكافأته لقاء الخدمة التي أدّاها.
وفي هنغاريا علم بموت المرأة التي يحب. وكان نبأ موتها مكافأة قاسية له, أوقعته طريح الفراش. وسكن وهو يكابد الحمى في غابة آل غولداوغين, وطفق يجمع المعلومات من كل مكان, ثم كتب قصة عن إيلكا الحسناء. وفيما كنت ماراً في العام الماضي عبر غابة غولداوغين تعرفت بدي أومارين وقرأت قصته. وها نحن نقدم القصة إلى قرائنا مترجمة إلى اللغة الروسية.

«أ. تشيخونته»