Advertisement

مغامرات شِيرْلوك هولمز آرثر كونان دويل


مغامرات شِيرْلوك هولمز
آرثر كونان دويل
ترجمة أميرة علي عبد الصادق


جميع الحقوق محفوظة للناشر كلمات عربية للترجمة والنشر (شركة ذات مسئولية محدودة )
كلمات عربية للترجمة والنشر غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره وإنما يعبّر الكتاب عن آراء مؤلفه






فضيحة في بوهيميا

لم يكن على صديقي شِيرْلوك هولمز، إلا أن يقول : المرأة . فأفهم عمن يتحدث ، هي المرأة التي فاقته حيلةً ودهاءً. فأفهم عمن يتحدث. كان اسمها إيرين أدلر.
دعوني أقدم لكم نفسي : اسمي دكتور واطسون . تشاركنا أنا وهولمز السكن في بناية رقم 221 بشارع بيكر ، إلى أن تزوجت . وعشنا هناك صديقين أعواما ، كنت أساعده حينها في تحقيقاته .
وقد حولت فيما بعد الكثير من هذه المغامرات إلى قصص لقرائي .
في إحدى الليالي ، كنت أتجول في لندن ، ووجدت نفسي في شارع بيكر . كان ذلك يوم 20 مارس/آذار 1888 .
نظرت إلى أعلى ، فرأيت هولمز في نافذة الدور الثاني . تمكنت من رؤية جسده الطويل النحيل ، وهو يسير جيئة وذهابا . كان رأسه منخفضا ، لكنني تمكنت مع ذلك من رؤية أنفه ، الذي يشبه منقار الصقر ، وذقنه الحاد ، وكان يضع يديه خلف ظهره .
لقد كان صديقي القديم صعب المراس في العمل . لم أره منذ وقت طويل ، لذلك قرعت الجرس ودخلت .
نظر إليَّ هولمز بعينيه الحادتين الثاقبتين ، وألقى عليَّ التحية مبتسما .
بدا مسترخيا وجسده الطويل النحيل ممددا على أريكته القديمة المفضلة .
تملكني شعور بالراحة مجددا عندما تنفست هواء ردهته كريه الرائحة ، ذلك المكان الذي تدارسنا فيه تفاصيل العديد من القضايا معا .
بدأ شيرلوك الحديث قائلا : أرى يا واطسون أنك تستمتع بالزواج ، أعتقد أن وزنك قد زاد سبعة أرطال ونصف منذ أن التقيت بك آخر مرة ، وألاحظ كذلك أنك عدت إلى ممارسة مهنة الطب . يؤسفني أن الأمطار هطلت عليك مؤخرا ، وأن لديك خادما مهملا في المنزل
قلت له مندهشا : عزيزي هولمز ، لقد زاد وزني بالفعل سبعة أرطال منذ أن رأيتك آخر مرة . وهطلت عليّ أمطار غزيرة في الريف الخميس الماضي . وأنت محق كذلك في« اعتقادك أنني وزوجتي لسنا راضيين عن الخدم في المنزل .
لكن كيف علمت بكل ذلك حقا ؟
ضحك هولمز وقال : كنت متأكدا أنها سبعة أرطال ونصف . الأمر بسيط يا واطسون : يوحي حذاؤك بأنه كان مغطى بالوحل مؤخرا ، ويمكنني رؤية علامات الكشط التي تدل على أن شخصا مهملا نظف الحذاء . كما أنني أشم فيك رائحة معقم ضعيفة ، وأرى مسحوقا أسود على إصبعك لا يُستخدم سوى في علاج حالات العدوى ،
يوجد أيضا نتوء في معطفك حيث تحمل عادة سماعتك . ، تشير هذه الأدلة إلى أنك عدت لامتهان الطب من جديد .
فقلت له : يبدو الأمر بسيطا دائما للغاية عندما تشرحه يا هولمز . لكنني لا أفهم أبدا كيف تنتقل من النقطة أ إلى النقطة ب، بالرغم من أنني أرى كل ما تراه .
قال هولمز ، وهو يعطيني ورقة سميكة : أنت ترى ، لكنك لا تلاحظ . على سبيل المثال ماذا ترى في هذه الرسالة الموجزة ؟ اقرأها بصوت مرتفع يا صديقي .
فبدأت القراءة : سيأتي رجل طويل القامة يرتدي قناعا لزيارتك الليلة ، إنه يرغب في التحدث إليك . لقد ساعدت أشخاصا من أصول ملّكية من قبل ، لذا فأنا أعلم أن بإمكاني « . الوثوق بك .
لقد سمعنا بذلك من العديد من المصادر الموثوق بها .
سأل هولمز : ما الذي توصلت إليه من الرسالة يا واطسون ؟
فأجبته : إنها مكتوبة على ورق غالي الثمن ؛ فأيا كان من أرسلها ، فهو ليس فقيرا .
ورفعت الورقة إلى أعلى في الضوء ، وقلت وتوجد كذلك علامات على الورقة .
قال هولمز : تشير العلامات إلى الكثير ؛ فهي توضح اسم الشركة التي صنعت هذه « الورقة تحديدا . وقد توصلت إلى أنها تقع في مملكة بوهيميا .
وتابع حديثه قائلا : ليس هذا كل ما في الأمر . فالشخص الذي كتب هذه الرسالة ألماني . هل لاحظت الاستخدام الغريب للغة في الجملة الأخيرة بالرسالة .
ما كان ليكتب جملة كهذه شخص فرنسي أو روسي .
لا يمكن أن يكتبها سوى شخص يتحدث الألمانية . «… وإذا لم أكن مخطئا ، ها هو ذا قد أتى .
يأتي من الخارج صوت حوافر خيول وعجلات عربة . وبعد لحظات قرع شخص الجرس ، تلا ذلك صوت خافت لوقع أقدام على درجات السلم ، ونقر عال على الباب .
دخل رجل ضخم الردهة . كان مفتول العضلات وطوله يزيد عن ستة أقدام ، يرتدي معطفا فاخرا وعباءة لونها أزرق داكن .
كانت العباءة معقودة عند الرقبة بحجر كريم كبير الحجم .
وكان حذاؤه طويل الرقبة ومزودا بالفراء في أعلاه . أمسك بقبعة كبيرة في إحدى يديه ، في حين ضبط باليد الأخرى قناعا للعين كان يغطي الجزء العلوي من وجهه .
قال هولمز : رجاءً ، تفضل بالجلوس . هذا صديقي وزميلي ، دكتور واطسون . أي شيء « ستخبرني به ، يمكنك أن تقوله لرفيقي الجدير بالثقة .
قال الغريب : سيد هولمز ، أنا الكونت فون كرام ، أحد نبلاء بوهيميا . وأريد التحدث « معك بشأن أمر في غاية الأهمية ، وأود أن يكون ذلك على انفراد .
نهضت لأغادر ، لكن هولمز أمسك بذراعي ، وقال : إذا لم تتحدث إلى كلينا ، فلن « أستطيع مساعدتك .
أجاب الزائر : حسنا ، لكن يجب أن أبدأ بطلبي من كل منكما الحفاظ على هذه الأمور سرا مدة عامين ، وبعد ذلك لن يهم الأمر . لكن الآن يعتمد مصير أوروبا على التزامكما « الصمت أرجو معذرتي .
تعهدت أنا وهولمز بالحفاظ على الأمر سرا .
وأكمل زائرنا حديثه على ارتداء القناع ؛ والشخص الذي أرسلني يجب أن يبقى اسمه مجهولا ، حتى إنني لم « أخبركما باسمي الحقيقي .
قال هولمز : أعلم ذلك .
وواصل ذو القناع حديثه : يمكن أن تتسبب هذه الأحداث في فضيحة مروعة للعائلة « المالكة في بوهيميا .
أضاف هولمز : وأعلم ذلك أيضا . أكمل جلالتك ، رجاءً .
انزعج ضيفنا فجأة ، وأخذ يسير في الغرفة بعصبية ، ثم أمسك بالقناع ، ونزعه عن وجهه ، وألقاه على الأرض .
وصاح قائلا . لم يرسلني أحد أعضاء الأسرة المالكة . أنا الملك ذاته ! أنا فيلهلم جوتسريشسيجسموند فون أورمستين ، الدوق الأعظم لكاسيل-فيلستين ، ملك بوهيميا .
تبلغ مشكلتي من الخطورة ما يمنعني من المجازفة بإرسال أحد بدلا مني ، فلا أثق بأحد سواي في رواية قصتي لك .
قال هولمز : حسنا ، أخبرني بها رجاءً » .
- بدأ الأمر كله منذ خمسة أعوام . كنت أزور حينها وارسو ببولندا ، والتقيت هناك بامرأة اسمها إيرين أدلر ، ربما تكون قد سمعت عنها ؟
قال هولمز لي : عن الآنسة أدلر ، رجاء يا دكتور ، ماذا يوجد في الدليل ؟
احتفظ هولمز بكتاب كبير مليء بكل أشكال قصاصات الصحف والمعلومات التي تمكن من التوصل إليها . وكان يطلق على هذا الكتاب الدليل
أخذت الدليل من على الرف وأعطيته لهولمز . ،
قال هولمز : وعثرت على اسم إيرين أدلر ، لنرى ، لقد ولدت في ليفربول في عام 1858 . عملت مغنية بالأوبرا ، وغنت .مع أوبرا وارسو الملكي ، واعتزلت الغناء ، وتعيش في لندن .
ثم نظر إلى أعلى نحو الملك ،
قال ضيفنا الملكي : هذا صحيح يا سيد هولمز ، ووقعت في حب هذه المرأة في وارسو .، لكنني سأتزوج الآن من أخرى ، من أميرة نرويجية . وإذا اكتشفت عائلتها موضوع الآنسة أدلر ، فسيدمر ذلك كل شيء ! وهذه هي المشكلة ، فالآنسة أدلر لا تريدني أن أتزوج ، وتهدد بإرسال الخطابات الغرامية التي كنا نتبادلها إلى خطيبتي .
اقترح هولمز : يمكنك أن تقول إن الخطابات مزورة .
فقال الملك : لديها صورة محاطة بإطار لنا معا .
قال هولمز : يا إلهي ، هذه مشكلة . عليك أن تستردها ، حتى إن اضطررت إلى سرقتها .

قال هولمز : يا له من صباح مثير يا واطسون ! يمكنك أن تخمن من تنكري أنني قد زرت منزل الآنسة أدلر لأراقبها . لم يكن هناك أي شيء غير عادي بشأن نُزل بريوني ، لكنني لاحظت وجود غرفة جلوس كبيرة ذات نوافذ كبيرة للغاية بالدور الرئيسي .
وتحدثت أيضا مع العديد من الأفراد في الشارع ، وعلمت أن الآنسة أدلر تخرج كل يوم في الخامسة وتعود في السابعة .
وهناك أيضا سيد وسيم يزورها في كثير من الأحيان . يدعى هذا السيد جودفري نورتون ، ويبدو أنه محام .
هل هذا يعني أنه يعمل لحساب الآنسة أدلر ؟ هل هما أصدقاء ؟ ما العلاقة بينهما ؟ إذا كان يعمل لحسابها ، فربما تكون « الصورة معه .
أكمل هولمز حديثه : لم يمر وقت طويل حتى وصلت سيارة أجرة تجرها الخيول إلى نُزل بريوني ، ، كان السيد نورتون . اندفع مسرعا من السيارة إلى المنزل ، وبعد ذلك رأيته يسير جيئة وذهابا في غرفة الجلوس .
لم أر الآنسة أدلر ، لكنني أظن أنها كانت معه .
بعد نصف ساعة ، ظهر وهو يخرج مهرولا من المنزل . وقبل أن يعود داخل العربة الأجرة ، سمعته يطلب من السائق أن يسرع إلى كنيسة سانت مونيكا ،
ثم ذهب إلى هناك . وبينما كنت أتساءل عما سأفعله بعد ذلك ، وصلت عربة أخرى تجرها الخيول . كان دور الآنسة أدلر في الإسراع من المنزل . لم يسعني سوى إلقاء نظرة خاطفة عليها يا واطسون ، لكنها سيدة جميلة .
يمكنني أن أفهم سبب اتباع الملك لقلبه ، وليس لعقله .
صعدت الآنسة أدلر إلى العربة ، وطلبت من السائق أن يسرع إلى الكنيسة نفسها .
ناديت على عربة أجرة ، واتبعتها . وعند وصولي إلى سانت مونيكا ، كانا هناك بالفعل . دخلت بهدوء ، ورأيت الاثنين في مقدمة الكنيسة ، كانا يقفان مع القس .
حاولت الاقتراب متظاهرا أنني مجرد متجول دخل لتوه إلى المكان من الشارع .
فاجأني السيد نورتون بركضه نحوي ، وسحبه إياي إلى المذبح . قال إنهم بحاجة إلى شاهد ليكون الزفاف قانونيا .
وقبل أن أدرك ما يحدث ، كنت قد ساعدت الاثنين في أن يتزوجا ! وجها إلي الشكر ، وأعطياني بعض العملات المعدنية .
سمعت الآنسة أدلر وهي تخبر« . زوجها أنها ستعود إلى المنزل في السابعة كالمعتاد ،
ثم غادرا الكنيسة في عربتين مختلفتين .
فقلت له : يا له من صباح مثير بالفعل يا هولمز ! لكن ماذا سنفعل الآن ؟
أجاب هولمز : الآن يا واطسون أحتاج إلى مساعدتك . يجب أن نكون في نُزل بريوني السابعة هذا المساء عندما تعود الآنسة أدلر — أو بالأحرى السيدة أدلر — إلى المنزل .
لقد قمت بالترتيبات بالفعل لِيساعدنا آخرون هناك . سأدخل إلى المنزل ، ثم سيفتح أحدهم النافذة الموجودة في غرفة الجلوس . وعندما أشير إليك من الداخل ، عليك أن تلقي بهذه عبر النافذة .
أعطاني هولمز أنبوبا صغيرا ، وأوضح لي أنه قنبلة دخان .


وبعد ذلك ، ستصرخ بأعلى صوتك قائلا حريق .
» : وأكمل حديثه : وسينضم آخرون في الإنذار بالأمر . وأخيرا ، ستنتظرني في آخر الشارع .
قلت له : يمكنك الاعتماد علي يا هولمز .
تناولت أنا ورفيقي الغداء في هدوء ، ثم اختفى هولمز في غرفة نومه .
وعندما عاد ثانيةً كان متنكرا . ، هذه المرة كان يرتدي ملابس قس : قبعة سوداء وسروالا فضفاضا . لكن أبرز ما تغير فيه هو أسلوبه وتعبيره .
طالما اعتقدت أن هولمز باستطاعته أن يكون ممثلا عظيما ، وهذا دليل على ذلك .
تركنا شارع بيكر ، وكنا في نزل بريوني قبل السابعة . فاجأني وجود الكثير من الأشخاص في الشارع .
كانت هناك مجموعة من الرجال رثي الثياب يقفون في الزاوية . وكان هناك سيدان يتحدثان مع امرأة شابة ، في حين كان هناك العديد من الناس الذين يسيرون في الطريق .
قال هولمز : الآن ، وبعد أن تزوج الاثنان أصبحت الصورة أكثر أهمية . لا يريد الملك أن تراها خطيبته ، لكنني على يقين أن إيرين أدلر لن ترغب في أن يراها السيد نورتون أيضا . لكن يظل السؤال : أين الصورة ؟ فهي ليست صغيرة بما يكفي لتحملها معها .
- ربما تكون قد أعطتها للمصرفي أو المحامين اللذين تتعامل معهما .
- لكنني لا أظن أنها فعلت ذلك ؛ فقيمة الصورة أكبر من أن تأتمن أحدا آخر عليها . كما أنها ستود أن تكون تحت « . يدها في أية لحظة تحتاجها فيها ، لذلك لا بد أنها في المنزل .
قلت له : لكن رجال الملك فتشوا المنزل بالفعل .
فرد هولمز : لم يعرفوا أين يجب البحث .
سألته :كيف سيكون بحثك إذن مختلفا ؟
إنني لن أبحث عنها ، بل سأجعل المرأة تدلني على مكانها .
سألته :لكن ما الذي يمكن أن يجعلها تفعل ذلك يا هولمز ؟
توقفت عربة إيرين أدلر فجأة أمام المنزل . وأثناء خروجها من العربة ، اندفع رجلان لفتح باب العربة لها . وأخذا يتدافعان ويتجادلان ؛
وانضم آخرون إليهما ، وسرعان ما أصبحت المرأة وسط مشاجرة .
اندفع هولمز متنكرا لمساعدتها ، لكن عندما وصل إليها ، صرخ وسقط على الأرض بلا حراك ، والدم يسيل من وجهه .
وفر من كانوا يتشاجرون في الشارع . شقت إيرين أدلر طريقها وسط الحشد باتجاه المنزل ، وعندما أوشكت على الاختفاء بداخله ،
استدارت وسألت : هل السيد المسكين بخير ؟
أجاب واحد من الحشد : لا أعتقد ، يا له من أمر مخز ! لقد أنقذك من سرقة العصابة لمحفظتك وساعتك . هل يمكنك اصطحابه معك إلى الداخل حتى يستريح ؟
أجابت السيدة : بالطبع ، أحضروه إلى غرفة الجلوس ، وضعوه على الأريكة .
وقفت بالخارج ، وشاهدت هولمز وهو محمول إلى غرفة الجلوس . وبعد دقيقة واحدة ، رأيته يجلس ويتحرك نحو النافذة . فتحت إحدى الخادمات النافذة ، وتركت الغرفة . وبعد لحظات ، أشار إليَّ هولمز ، فألقيت سريعا بقنبلة الدخان داخل المنزل وصحت قائلا : حريق .
وفي خلال لحظات ، كان الناس من حولي يصيحون بالكلمة نفسها ، وتدافعت سحب الدخان من الغرفة ، ثم سمعت صوت هولمز وهو يصرخ بصوت يعلو فوق الضوضاء : « ! إنذار خاطئ » : .
وبعد اجتياز الأمر ، لحق بي صديقي بعد فترة قصيرة . سألته : هل الصورة معك ؟
أجاب هولمز : لا ، لكنني أعرف مكانها ، ونحن نسير في طريقنا بتمهل نحو المنزل لقد أرشدتْني ، كما توقعت ، إلى المكان الذي تخفيها فيه بالضبط .
دعني أوضح لك الأمر يا واطسون . أنت تعلم الآن أن الناس في الشارع كانوا يساعدوننا . لقد طلبت منهم افتعال شجار عند عودة السيدة إلى المنزل . وتظاهرت بالسقوط ، وافتعلت إصابة باستخدام بعض الطلاء الأحمر . كنت أشك في وجود الصورة بغرفة الجلوس . وعلمت أيضا ما سيحدث عند سماعها فستحاول إنقاذ أكثر ممتلكاتها قيمة ، ألا وهي الصورة لذلك ، عندما امتلأت الغرفة بالدخان ، أسرعت إلى خزانة سرية في جدار من الجدران ، وفتحتها وسحبت الصورة . وعندما صحت بأن الإنذار خاطئ ، أعادت الصورة إلى مكانها .
وفي الوقت نفسه لاحظت أنها لمحت قنبلة الدخان ، ثم اختفت .
كان بإمكاني أخذ الصورة « . في تلك اللحظة ، لكن دخل أحد الخدم إلى الغرفة ، وتحتَّم علي الفرار .
قلت له ونحن ندخل شارع بيكر : رائع يا هولمز . لكن ماذا سنفعل الآن ؟
فأجاب : سأبعث برسالة إلى الملك ، وأخبره بما توصلنا إليه . وسأطلب منه الانضمام إلينا صباح غد ، ثم نذهب لزيارة نُزل بريوني ثانية .
سيرشدنا أحدهم إلى غرفة الجلوس ، « وهناك سنستعيد الصورة .
وصلنا إلى باب البناية رقم 221 ب، وكنا على وشك الدخول عندما صاح أحدهم من الشارع المزدحم قائلا : طابت ليلتك يا سيد هولمز .
استدرت أنا وهولمز ، لكننا لم نتمكن من رؤية المتحدث .
قال هولمز ، وهو ينظر إلى الشارع :لقد سمعت هذا الصوت من قبل ، تُرى من ذلك الشخص ؟
وصل الملك في الصباح التالي . وفي طريقنا إلى نُزل بريوني في عربته ، أخبرناه بما حدث .
أوضح هولمز : لقد تزوجت إيرين أدلر .
فصاح الملك : تزوجت ! متى ؟ وممن ؟
أجاب هولمز : من محام إنجليزي يُدعى نورتون .
رد رفيقنا الملكي قائلا : من المؤكد أنها لا تحبه ؟.
قال هولمز : أتمنى لو أنها تحبه بالفعل ؛ فإذا كانت تحبه ، فهذا يعني أنها لا تحبك ، وإذا كانت لا تحبك ، فلن تزعجك على الأرجح ثانية وصلنا بعد وقت قصير إلى نُزل بريوني .
وعندما كنا نقترب من المنزل ، فتحت سيدة عجوز الباب الأمامي وألقت علينا التحية ، وقالت : السيد شِيرْلوك هولمز ، أليس كذلك ؟
كانت الحيرة تعبيرا لم أعتد رؤيته على وجهه .
بدا رفيقي حائرا وهو يقول : بلى ، أنا هولمز .
قالت السيدة : أبلغتني السيدة نورتون بحضورك . لقد غادرت إلى أوروبا هذا الصباح مع زوجها ، ولن تعود مطلقا إلى إنجلترا .
قال الملك متفجعا : والصورة ؟ والخطابات ؟ ضاع كل شيء .
دخلنا إلى المنزل وأسرعنا إلى غرفة الجلوس . ذهب هولمز إلى الخزانة السرية بالجدار قائلا : سنرى . وفتحها . مد يده إلى الداخل ، وسحب صورة وخطابا .
كانت الصورة لإيرين أدلر ، والخطاب موجه إلى شِيرْلوك هولمز .
مزق صديقي المظروف ليفتحه ، وقرأ الخطاب الموجود داخله :
عزيزي السيد هولمز : أهنئك على إتقانك لمهمتك ، كدت أن تخدعني تماما .
حذرني أحدهم أن الملك سيطلب مساعدتك ، لكن حتى مع هذا التحذير ، تمكنت من خداعي لأرشدك إلى مكان الصورة .
ولم أشك في أن الأمور تختلف عما تبدو عليه إلا بعد الإنذار .
أردت أن أتيقن أنه أنت ، فاتبعتك أنت ورفيقك إلى المنزل . ولكوني فنانة مسرحية ، فإنني أمتلك الملابس وأدوات التنكر الخاصة بي .
ارتديت ملابس صبي صغير السن ، وعندما وصلت إلى شارع بيكر ، تأكدت أنني أتعامل مع المخبر العظيم : شِيرْلوك هولمز . وكان تصرفا طائشا ، لكنني لم أتمكن من مقاومة رغبتي في أن ألقي عليك تحية المساء .
قررت أنا وزوجي الرحيل على الفور . وفيما يتعلق بالصورة ، فأخبر جلالته أنه لا داعي للخوف من أي شيء .
لقد أساء معاملتي ، لكنني أنا وزوجي يحب كل منا الآخر . ولن أستخدم الصورة ضده ، لكنني سأحتفظ بها لأحمي نفسي من أي شيء يمكن أن يفعله الملك . وربما يرغب في شيء يذكره بي ، لذلك أترك له هذه الصورة .
مع خالص تحياتي ،
إيرين أدلر .
صاح الملك : آه ، كم أتمنى لو كان بإمكاني الزواج منها . كم ستكون ملكة عظيمة ! ، سيد هولمز ، أنا مدين لك ، فلم يعد هناك ما أخافه بشأن الصورة . والآن ، أخبرني كيف « يمكنني مكافأتك ؟
قال هولمز :هناك شيء واحد تمتلكه جلالتك وأرغب في الحصول عليه .
فرد الملك : اطلب ما تشاء .
أجاب هولمز : هذه الصورة .
أخذ شيرلوك صورة إيرين أدلر وانحنى للملك ، ثم غادرنا نُزل بريوني . وطوال طريق عودتنا إلى المنزل ، كان هولمز هادئا على غير العادة .
لقد نجا الملك من فضيحة ، لكن امرأة متفردة اسمها إيرين أدلر . خدعته » صديقي .


رابطة ذوي الشعر الأحمر

عزمت في أحد أيام الخريف الباردة على زيارة صديقي شِيرْلوك هولمز .
كان السير ممتعا ، ووصلت سريعا إلى شارع بيكر . لكن هولمز كان لديه زائر بالفعل ، رجل ضخم البنيان كبير السن ، وشعره أحمر كالنار .
قال هولمز : وصلت في الوقت المناسب يا واطسون . أعتقد أنك ستجد قصة هذا السيد مشوقة للغاية . ويمكن أن تثبت هذه القصة ما كنت أخبرك به دائما ؛ وهو أن الحقيقة أغرب من الخيال ، وأن أبسط الجرائم تكون أكثرها تشويقا في بعض الأحيان .
هذا السيد جابيز ويلسون . وكان يخبرني ببعض الأحداث شديدة الغرابة .
قبل أن يبدأ الرجل ذو الشعر الأحمر في رواية قصته ، سحب جريدة من جيب معطفه . وأثناء تصفحه لها ، دققت النظر فيه . حاولت أن أخمن بعض الأمور عنه بالأسلوب الذي كان صديقي المخبر يتبعه دائما .
أنا أيضا لم ألاحظ أي ما كان بإمكان هولمز ملاحظة ما كنت أفعله ،
فنظر إليَّ وقال شيء يا واطسون ، فيما عدا بالطبع أن السيد ويلسون عامل ، وعضو في منظمة تُعرف « . بالماسونية ، وأنه زار الصين ، وكان يكتب كثيرا مؤخرا .
رفع السيد ويلسون نظره عن الجريدة بعينين متسعتين ، وقال : كيف لك أن تعرف ذلك يا سيد هولمز ؟ صحيح أنني عامل ، وعملت نجارا للسفن ، وما قلته غير ذلك صحيح أيضا .
أوضح هولمز قائلا : عضلات يدك اليمنى أكبر من اليسرى ، مما يشير إلى أنك استخدمت يديك في عملك . كما أنك تضع دبوسا يحمل رمز الماسونية . وألاحظ أيضا أن« طرف الكُم الأيمن لامع للغاية ومهترئ ، وهي علامة على أنك قضيت وقتا طويلا في الكتابة
يوجد أيضا وشم على هيئة سمكة على رسغك الأيمن .
وأكمل هولمز : لقد درست الوشوم ، وهذا الوشم لا يمكن رسمه سوى في الصين . وألاحظ كذلك عملة صينية تتدلى « من سلسلة ساعتك .
تدل هذه الأمور على أنك زرت تلك البلاد البعيدة .
طالما أدهشني سجل الحقائق المخزن في رأس هولمز . فهو قد لا يعلم أن الأرض تدور حول الشمس ، أو لا يمكنه ذكر اسم مؤلف كتاب شهير ، لكن بإمكانه إخبارك بالبلد الذييرجع إليه أصل وشم ما .
ويمكنه كذلك دراسة رماد السجائر المختلفة ، والتمييز بينها .
ضحك السيد ويلسون بصوت مرتفع ، وقال : لقد فهمت الآن يا سيد هولمز . ظننت « في بادئ الأمر أن ما فعلته شيء بارع ، لكن يبدو أنه لم يكن صعبا على الإطلاق .
وجه هولمز حديثه إليَّ وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه : ذكّرني يا واطسون ألا أوضح الأساليب التي أتبعها في المستقبل . والآن يا سيد ويلسون ، هل عثرت على الخبر في الجريدة التي كان إصدارها إلى شهرين ماضيين ؟
نعم ، ها هو ذا . من هنا بدأ الأمر كله ، »
، وأشار إلى إعلان صغير في الصفحة ، فقرأته : إلى رابطة ذوي الشعر الأحمر : بناءً على طلب الراحل هزكيا هوبكنز ، من لبنان ببنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية ، هناك وظيفة خالية لشخص ذي شعر أحمر ، يتمتع بسلامة العقل والبدن ، ويزيد عمره عن 21 عاما . سيحصل من ينجح من المتقدمين للوظيفة على راتب .
يرجى التقدم شخصيا يوم الاثنين ، الساعة الحادية عشرة ، لدانكان روس ، في 7 بوبز كورت ، شارع فلييت .
سألت : ماذا يعني ذلك ؟
قال ويلسون : حسنا يا سيد واطسون ، إنني أمتلك محل رهونات صغير أبيع وأشتري فيه السلع المستعملة من الناس . وبالكاد أكسب ما يكفيني من قوت يومي . وما كنت لأتمكن من دفع راتب لمساعدي لولا أن لديه الاستعداد للعمل مقابل نصف ما يجب أن أدفعه له ، ليتمكن فقط من تعلم المهنة .
اسمه فينسنت سبولدنج ، وهو عامل جيد . شكواي الوحيدة منه هو أنه يقضي الكثير ن الوقت في ممارسة هوايته ، وهي التصوير الفوتوغرافي .
فهو يلتقط الصور ، ثم يقضي ساعات طويلة في غرفته المظلمة الموجودة بقبو المحل .
هناك فتاة صغيرة أيضا في المحل تتولى أعمال الطهي والتنظيف . ولست متزوجا أو « . لدي عائلة . فلا يوجد هناك سوى ثلاثتنا ، نعيش معا في هدوء لكن منذ شهرين ، أراني سبولدنج الإعلان الذي قرأته لتوك . وقال إنه كان يود أن يكون ذا شعر أحمر لأنه سمع أن الوظيفة سهلة وراتبها جيد .
وأكمل قائلا : وأنه سمع أيضا أن هزكيا هوبكنز مليونير أمريكي . ويبدو أن هوبكنز كان ذا شعر أحمر ، وغريب الأطوار ؛ فأراد أن تذهب ثروته إلى أشخاص ذوي شعر أحمر ، لذلك عندما مات ، ترك أمواله لتصل إليهم بهذه الطريقة الغريبة .
وأوضح سبولدنج أن هوبكنز عاش في لندن منذ سنوات . ويبدو أنه أحب المكان ، لذلك ترك أمواله للرجال ذوي الشعر الأحمر من هذه المدينة .
وقال مساعدي إن العرض بدا مثاليا لي فأغلقنا المحل ، وذهبنا إلى مكتب الرابطة . وعندما وصلنا يا سيد هولمز ، وجدنا الشوارع مكتظة برجال ذوي شعر أحمر .
لم أكن أعلم أبدا أن عددنا كبير هكذا . وكان جميع هؤلاء الرجال يسعون إلى الفوز بالوظيفة .
لم أعتقد أن أمامي أية فرصة للفوز بالوظيفة ، لكن سبولدنج أخبرني أن الوظيفة لن تُمنح إلا لشخص ذي شعر أحمر متوهج اللون مثل شعري .
فتدافعنا عبر الحشد وصولا إلى باب المكتب ، وانتظرنا . ولم يمر وقت طويل حتى وصلنا إلى الداخل . وفي المكتب كان هناك رجل يجلس على مائدة وشعره يشبه شعري في درجة اللون الأحمر . تحدث مع كل رجل ، واحدا تلو الآخر . وطرح عليهم جميع الأسئلة ،
ثم أخبرهم أنهم غير ملائمين للوظيفة .
وأخيرا جاء دوري . بدا الاهتمام الشديد بي على الرجل من اللحظة الأولى ، حتى إنه طلب من الجميع الرحيل ، وأشاد بشعري .
وليتأكد من أنني الشخص المناسب للوظيفة ، أمسك بشعري بكلتا يديه وشدَّه ! وعندما صحت من الألم ، شرح لي أن عليه توخي الحذر . فكثير من الرجال ارتدوا شعرا مستعارا أو صبغوا شعرهم .
صافحني بعد ذلك ، وأخبرني أنني قد حصلت على الوظيفة ، وسار ناحية نافذة « المكتب ، وفتحها ، وصاح في الحشد قائلا إن الوظيفة قد شُغلت .
كان اسمه دانكان روس . وأخبرني أنني سأعمل من الساعة العاشرة صباحا حتى الثانية بعد الظهر .
وأوضحت له أن لدي محلا أديره ، لكن سبولدنج قال إنه سيسعده الاهتمام بالمحل نيابة عني .
أخبرني كذلك أن مهمتي ستتمثل في نسخ الموسوعة البريطانية ، على أن أبدأ العمل في اليوم التالي مباشرة ، وهكذا كنت هناك في اليوم التالي .
أردف ويلسون : والغريب في الأمر أن كل شيء سار » : وفقا للاتفاق .
كان السيد روس هناك ليساعدني في بدء العمل ، وبدأت في نسخ الموسوعة ، “A” بدءا من الحرف ، وكان السيد روس يتركني بمفردي في بعض الأحيان . وعاد في\الساعة الثانية ، وأخبرني أن عملي قد انتهى لذلك اليوم ، ودفع لي أَجري ، وذهبت إلى المنزل .
وهكذا يا سيد هولمز ، استمر الحال أسبوعا تلو الآخر : أنسخ الموسوعة في الفترة من العاشرة إلى الثانية . وكل سبت أحصل على راتبي .
وبعد فترة لم أعد أرى السيد روس كثيرا . واستمر الوضع كذلك ثمانية أسابيع .
كتبت عن الرماية والدروع والهندسة المعمارية
لكن اليوم انتهى كل شيء ، وكنت أتمنى أن أصل إلى الحرف “B” .
بدا السيد ويلسون منزعجا وهو يكمل قصته قائلا : ذهبت إلى المكتب هذا الصباح كالمعتاد ، لكن الباب كان مقفلا . وكانت هناك لافتة صغيرة معلقة على الباب ، لهولمز لافتة كُتب عليها : يمكنك أن تقرأها بنفسك . لم تعد هناك رابطة لذوي الشعر الأحمر .
9 أكتوبر/تشرين الأول 1890 .
قال هولمز : يا سيد ويلسون ، إن قضيتك شديدة الغرابة . رجاءً أكمل ، ماذا فعلت ؟
أجاب ويلسون : بعد ذلك سألت مالك العقار عما إذا كان يعلم أين ذهب السيد روس ، فأجاب : إنه لا يعرف أحدا بهذا الاسم .
لكنه قال إن الرجل ذا الشعر الأحمر ، الذي استأجر المكتب ، قد انتقل إلى مكتب جديد في 17 شارع كينج إدوارد .
ذهبت إلى ذلك العنوان يا سيد هولمز ، لكنه كان مصْنعا وليس مكتبا . فعدت إلى المنزل .
ورأى سبولدنج أنه ربما تصلني أخبار من الرابطة ، لكنني قررت المجيء إلى هنا ، « لعلك تستطيع مساعدتي .
قال هولمز : لقد كنت محقا في المجيء إلى هنا يا سيد ويلسون ، فهذه قضية فريدة من نوعها . وقد تكون أخطر مما تتخيل . أخبرني ما المدة التي كان مساعدك سبولدنج قد قضاها في العمل لديك عندما عرض عليك الإعلان ؟
فأجاب ويلسون : حوالي شهر .
وكيف عيَّنته لديك ؟
قال ويلسون : نشرت إعلانا في الجريدة ، وتقدم الكثير من الناس ، لكنني منحت « الوظيفة لسبولدنج لأنه كان لديه الاستعداد للعمل بنصف الأجر >
سأل هولمز : هل يمكنك أن تصفه لي ؟
- إنه صغير الحجم ، لكنه قوي البنية ، حليق الذقن والشارب ، وهناك علامة بيضاء على جبينه نتيجة لحمض تعرض له في حادث .
اعتدل هولمز في جلسته على الكرسي ، وقال : وأذناه ؟ هل هما مثقوبتان لتعلق بهما أقراط ؟
- في الواقع يا سيد هولمز إنهما مثقوبتان بالفعل » .
قال صديقي : لقد سمعت ما يكفي يا سيد ويلسون . اليوم هو السبت ، آمل أن « أتوصل إلى إجابة لما حدث بحلول يوم الاثنين .
بعد أن غادر جابيز ويلسون ، جلس هولمز على كرسيه ، وقال لي إنني مضطر أن أطلب منك عدم التحدث إلي مدة خمسين دقيقة .
وب ذلك أغلق عينيه ، وجلس « دون حركة حتى ظننت أن رفيقي قد غلبه النوم ، ثم فجأة هب من على كرسيه وسألني : هل يمكن لمرضاك الاستغناء عنك بضع ساعات يا واطسون .
فأجبته : نعم ، بالطبع .
قال لي : حسنا ، فلتأتِ معي .
وخرجنا من الباب .
لم يمر وقت طويل حتى كنت أنا وشِيرْلوك هولمز واقفين أمام محل ويلسون .
سار صديقي في الشارع الهادئ جيئة وذهابا ، متفحصا بعناية جميع المنازل . وتوقف ثانية أمام المحل . ونقر بعصاه على الرصيف بصوت عال . وأخيرا ذهب إلى باب المحل ونقر عليه .
فأجابه رجل صغير السن حليق الذقن والشارب .
قال هولمز : آسف على الإزعاج ، لكن هل يمكنك إخباري بكيفية الذهاب إلى ستراند ؟
- من هنا .
وصف الرجل لهولمز الاتجاهات ، ثم أغلق الباب .
استدار صديقي إلي وقال : إنني أعرف هذا الرجل يا واطسون . لا يضاهيه الكثيرون في الذكاء والجرأة ؛ هل لاحظت ركبتي سرواله ؟
فأجبته : لا ، ماذا لاحظت ؟
رد هولمز : ما توقعت رؤيته بالضبط .
أشرت إلى الأرض وسألته : لكن لماذا نقرت على الرصيف ؟
قبل أن أجيب عن أي أسئلة أخرى ، يجب علينا استكشافالمزيد .
اتبعت هولمز وهو « ينتقل عبر الزاوية إلى الشارع الموجود خلف محل السيد ويلسون .
كان طريقا مزدحما ومختنقا مروريا .
قال هولمز : هل ترى المباني هنا يا واطسون ؟ أحاول أن أتذكر شوارع لندن قدر الإمكان . هناك محل مورتيمر للتبغ ، ومحل جرائد ، ثم مصرف سيتي آند سوبربن ، ومطعم ، « ومحل عربات ماكفارلين .
استدار بعد ذلك ناحيتي ، وقال : أمر مثير للاهتمام للغاية ليس هناك شيء آخر نفعله هنا يا صديقي . ماذا عن قضاء فترة ما بعد الظهيرة في الاستمتاع بحفلة موسيقية في قاعة سانت جيمس ؟ إنها قريبة وسيكون الأمر تغييرا جيدا .
- لم يفاجئني اقتراحه ، فكنت أعلم أن هولمز يستمتع بالموسيقى . للغاية ، في واقع الأمر ، كان ماهرا جدا في العزف على الكمان ، وكان يعزف لي في كثير من الأحيان.
وأثناء مشاهدتي له وهو يستمْتع بالحفلة الموسيقية ، أخذت أفكر في حالاته المزاجية المختلفة .
ف عندما يكد في العمل على قضية ما ، يكون جادا وحازما وغير ودود . أما عندما كان يستمع إلى الموسيقى بعد ظهر ذلك اليوم ، فكان خاليا من الهموم وسعيدا وحالما ، كما لو لم يكن هناك ما يشغل باله .
لكنني أعلم أيضا أن حالاته المزاجية السعيدة تعني في أحيان كثيرة أنه توصل إلى حل لقضية ما .
لو كنتُ مجرما ، فلست موقنا أيا من حالات هولمز المزاجية يمكن أن أفُضل . خارج القاعة ،
وبعد أن استعاد هولمز نشاطه ، استدار ناحيتي وقال : أعتقد يا واطسون أنه قد حان الوقت لمنع جريمة خطيرة .
سأحتاج إلى مساعدتك الليلة . هل يمكنك إحضار مسدسك ومقابلتي في شارع بيكر الساعة العاشرة ؟ شكرا لك . والآن لديّ عمل يجب أن أقوم به .
وأثناء مشاهدتي لهولمز وهو يبتعد مسرعا ، بدأت أفكر في قضية رابطة ذوي الشعر الأحمر .
لقد سمعت كل ما سمعه رفيقي ، ورأيت كل ما رآه . لكن اكتشف شِيرْلوك هولمز أن جريمة خطيرة على وشك الحدوث ، لكنني لم أَكتشِفْها .
- إلى أين سنذهب الليلة ؟ وماذا سنفعل ؟ ما الجريمة التي ستُرتكب ؟ يجب أن أنتظر قبل أن أتوصل إلى إجابات عن هذه الأسئلة .
عندما وصلت إلى شارع بيكر تلك الليلة ، وجدت عربتين تجرهما الخيول خارج المبنى .
وفي الداخل ، كان هولمز برفقة ضابط شرطة ورجل آخر .
قال هولمز : أظن يا واطسون أنك تعرف السيد بيتر جونز من شرطة سكوتلاند وهذا السيد ميري ويزر ، مدير مصرف سيتي .
ثم قال وهو يشير إلى الرجل الآخر « يارد « آند سوبربن سينضم إلينا في المغامرة التي سنخوضها الليلة .
قال السيد ميري ويزر : أرجو ألا تكون مغامرتنا مجهودا لا طائل منه ؟
رد جونز : لا تقلق ، فإنني عملت مع السيد هولمز من قبل . وقد ساعد شرطة سكوتلاند يارد مرة أو مرتين في الماضي . ويمكن أن يصبح مخبرا جيدا في أحد الأيام .
قال هولمز مبتسما : أعدكما أن الليلة ستستحق العناء . فستعني مبلغا كبيرا من المال لك يا سيد ميري ويزر ؛ والقبض على شخص ظللت تطارده كثيرا من السنوات يا سيد جونز .
قال السيد جونز : هذا صحيح يا سيد ميري ويزر . وفقا لما أخبرني به السيد هولمز ، فإن المساعد الذي يعمل بالمحل ، ويطلق على نفسه اسم سبولدنج ، ليس سوى جون كلاي الذي تطارده منذ فترة طويلة .
- إنه قاتل ولص ؛ ما من مجرم في لندن أتمنى إلقاءه في السجن مثل هذا الرجل .
غادرنا نحن الأربعة الشقة ، واستقل السيد جونز والسيد ميري ويزر إحدى العربتين ، في حين ركبت أنا وهولمز العربة الأخرى . وصلنا سريعا إلى المصرف الذي رأيناه بعد ظهر ذلك اليوم .
أرشدنا السيد ميري ويزر إلى داخل المبنى ، واتبعناه عبر مجموعة من الأبواب والأروقة ، وهبطنا عددا من درجات السلم . وأخيرا دخلنا غرفة كبيرة مليئة بالصناديق .
أبدى هولمز ملاحظة قائلا : « تبدو هذه الغرفة كمأمن رائع من اللصوص إنها آمنة للغاية .
قال السيد ميري ويزر ، وهو ينقر بعصا المشي على الأرضية الحجرية : ما هذا ؟ تبدو الأرضية جوفاء
أمر هولمز غاضبا : رجاءً ، الهدوء ! وإلا سينفضح أمرنا جميعا .
أخرج صديقي عدسته المكبرة وجثا على ركبتيه . أخذ يتفحص الأرضية بعناية ، ثم وقف واستدار ناحيتي .
قال هولمز : أظن يا واطسون أنك قد توصلت الآن إلى أننا في قبو مصرف سيتي آند سوبربن . ما لا تعلمه هو أن هذا المصرف قد تلقى شحنة كبيرة من الذهب من مصرف فرنسا . والصناديق الموجودة في هذه الغرفة مليئة بالذهب . وللأسف ، لسنا وحدنا الذين « نعلم بهذا الأمر . ولذلك نحن هنا الليلة
والآن سننتظر . واستطرد قائلا : اختبئوا من فضلكم خلف هذه الصناديق . يجب أن نكون متأهبين لأي شيء . هل معك مسدسك يا واطسون ؟
رائع . إذا سمعت طلقا ناريا ، « فلا تتردد في إطلاق النار ردا عليه .
وضع هولمز غطاء المصباح عليه ، وساد الظلام الغرفة . انتظرنا في صمت ، وبدأت قدماي وذراعي تؤلمني وأنا منحن خلف أحد الصناديق .
انتظرنا أكثر من ساعة ، لكن بدا الأمر لي أطول من ذلك بكثير .
فجأة ، ظهرت شرارة ضوء خافتة تخرج من الأرضية ، وصارت تزيد في الحجم حتى تمكنا من ملاحظة أنه ضوء يشع من حفرة في الأرضية .
سحبت يد بشرية صخرة كبيرة جانبا ، ثم ظهر وجه رجل . دفع الرجل نفسه إلى الخارج واستدار ليساعد رجلا آخر ذا رأس مليء بالشعر شديد الحُمرة .
في تلك اللحظة ، هب شِيرْلوك هولمز من مكانه ، وأمسك بالرجل الأول . قفز الرجل ذو الشعر الأحمر في الحفرة ثانية ، ولم يتمكن جونز من الإمساك به .
أَخرج الرجل الأول مسدسًا ، لكن هولمز أوقعه من يده ، فسقط على الأرض محدثا صوتا عاليا .
قال هولمز بهدوء : لا فائدة يا جون كلاي . لقد أمسكنا بك .
رد جون كلاي بابتسامة عابسة : حسنا ، لكن شريكي تمكن من الفرار .
قال هولمز : على العكس ، فهناك ثلاثة رجال شرطة بالجانب الآخر من هذا النفق الذي حفرته . وأنا متأكد أنهم قد أمسكوا به الآن . هل تتكرم يا سيد جونز ، بتكبيل السيد كلاي بالأصفاد إذا لم يكن لديك مانع ؟
كما ستقول لي ،
قال كلاي : عليك أن تناديني بيا سيدي فمع كل هذا تجري في عروقي دماء ملكية .
قال جونز : حسنا ، إذن هل تتكرم يا سيدي بالصعود خلفي إلى أعلى . فهناك عربة « تنتظر جلالتك لتوصلك إلى مركز الشرطة .
وانحنى لثلاثتنا وبيتر جونز يأخذه بعيدا .
قال كلاي معتدا بنفسه : هذا أفضل .
بعد العودة إلى شارع بيكر ، أمدني هولمز بتفاصيل القضية : انظر يا واطسون إن السبب وراء رابطة ذوي الشعر الأحمر كان واضحا لي منذ البداية . فالرابطة ونسخ الموسوعة ما كانا سوى حُجة لإبعاد السيد ويلسون عن المحل بضع ساعات كل يوم . أولا ، حرص السيد كلاي على الحصول على وظيفة لدى السيد ويلسون بأن عرض عليه العمل لديه في مقابل نصف الأجر ،
ثم نشر هو وشريكه ذو الشعر الأحمر إعلانا في« الجريدة . وحرص كذلك السيد كلاي على أن يرى السيد ويلسون الإعلان ويتقدم للوظيفة .
سألته : لكن كيف توصلت إلى ما كانا يخططان له ؟
- كنت أعلم أنه ما من شيء ذي قيمة في المحل نفسه . فتذكرت قول السيد ويلسون » إن مساعده يقضي فترات طويلة من الوقت في القبو .
في الواقع ، لقد كان يقضي الكثير من الساعات يوميا هناك . فأصبح من الواضح لي أنه يحفر نفقا إلى مبنى آخر . وعندما خرج السيد كلاي ليفتح لنا الباب ، أثبتت لي ركبتا سرواله الممزقتان والمتسختان أنني كنت « محقا .
أكمل هولمز حديثه قائلا : يقع محل السيد ويلسون في شارع لا يوجد به سوى منازل . وكنت أعي أن كلاي لم يكن يحفر نفقا إلى أي من هذه المنازل . وعندما نقرت بعصا المشي أمام المحل ، كنت أتحقق من وجود نفق . وعندما لم أجده ، علمت أن النفق بالخلف .
وأصبح السؤال حينئذ هو أين يتجه كلاي في حفره ؟
عندما رأيت الشارع الموجود خلف المحل ، لاحظت مصرف سيتي آند سوبربن على الفور . كان على الجانب المقابل مباشرة للجزء الخلفي من محل السيد ويلسون .
وعلمت أن المصرف هو المستهدف من جهود السيد كلاي .
سألته : لكن كيف علمت أنهما سيتحركان الليلة .
أوضح هولمز : أغلق كلاي وشريكه مكتب رابطة ذوي الشعر الأحمر ، الأمر الذي أوضح لي أنهما لم يعودا بحاجة لابتعاد السيد ويلسون عن المحل ، أي أنهما قد انتهيا من حفر النفق .
رجحت بعد ذلك أنهما سينفذان مخططهما في أقرب وقت ممكن . وكنت موقنا أنهما سيتحركان الليلة ، فغدا الأحد ، وبذلك لن يلاحظ أحد السرقة حتى يفتح المصرف أبوابه صباح الثلاثاء .
عندئذ سيكون السيد كلاي وشريكه والذهب قد اختفوا تماما .
قلت معجبا بما قاله : أحسنت صنعا ، لقد كانت سلسلة طويلة من الأحداث بدءا من إعلان الجريدة وصولا إلى القبض على المجرمين الليلة .
وقد كشفت ببراعة عن كل حلقة تربط كل حدث بالآخر . يجب أن يشعر أهالي لندن بالامتنان لك يا هولمز .
قال هولمز ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة بسيطة : عزيزي واطسون ، إنني لا « أفعل ذلك من أجل الشكر ، بل التحدي هو الذي يعنيني


مغامرة العقيق الأزرق

بعد يومين من عيد الميلاد ، قررت زيارة شِيرْلوك هولمز . أردت أن أهنئه بالعيد .
عندما وصلت إلى شارع بيكر ، وجدت صديقي مسترخيا على الأريكة ، وتتدلى بجانبه قبعة متسخة قديمة وممزقة على ظهر أحد الكراسي .
ورأيت عدسة مكبرة على مائدة بالقرب منه .
سألته : أظن أن هذه القبعة تتعلق بجريمة ما ?
فأجابني هولمز : لا يا عزيزي واطسون . إنها ليست جريمة ، بل واحدة من تلك الحوادث البسيطة والغريبة التي تحدث في مدينة كبيرة مثل لندن .
لقد حصلت على هذه القبعة صباح عيد الميلاد من ضابط شرطة يُدعى بيترسون . قال لي إنه كان يسير عائدا « إلى المنزل ليلة عيد الميلاد عندما رأى رجلا يرتدي هذه القبعة ويحمل إوزة على كتفه .
قلت له : لعشاء عيد الميلاد .
رد هولمز : بالتأكيد بالتأكيد يا واطسون . أوضح بيترسون بعد ذلك أن مجموعة من قُطاع الطرق ظهروا وبدءوا في مضايقة الرجل ، ثم دفعوه وأسقطوا قبعته . حاول الرجل الدفاع عن نفسه بالتلويح بعصاه ، فكسر نافذة أحد المتاجر بطريق الخطأ . حينئذ جرى بيترسون لمساعدة الغريب المسكين . وعندما رأت العصابة بيترسونمتقدما نحوهم ، فروا . لكن ضحيتهم فرت أيضا .
ظن العجوز بالتأكيد أن بيترسون سيقبض عليه لكسره النافذة . وهكذا ، أصبح الضابط وحده مع القبعة والإوزة .
كانت هناك ورقة مربوطة في الطائر ، وتحمل القبعة الحرفين الأولين من الاسم ه ب،
مكتوب عليها إلى السيدة هنري بيكر ، لكن هناك بالتأكيد المئات ممن يحملون هذا الاسم في لندن ، وسيكون من المستحيل . العثور على هنري بيكر المراد وإعادة القبعة والإوزة إليه
استطرد هولمز : بيترسون يعلم أنني أهتم بأبسط القضايا ، فأحضر إلي هذه المتعلقات . ونظرا لأنني لن أتمكن من الاحتفاظ بالإوزة إلى الأبد ، عاد بيترسون وأخذها ليعدها على العشاء الليلة .
وفي هذه الأثناء ، كنت أستكشف أمورا بشأن الرجل المجهول عن طريق دراسة هذه القبعة .
صحت مندهشا : لكن ما الذي يمكنك معرفته من فحص قبعة ؟
أجاب هولمز : أنت تعلم كيف أعمل يا واطسون . إليك عدستي المكبرة ، أخبرني ما الذي يمكنك استكشافه عن الغريب الذي نتحدث عنه ؟
أخذت القبعة وفحصتها . كانت قبعة سوداء عادية ، لكنها بُليت مع الزمن . بهت لون البطانة الحريرية الحمراء .
لاحظت بداخلها الحرفين الأولين من ، الاسم ه ب، هناك ثقوب في الحافة حيث يُستخدم رباط مرن لإحكام القبعة على رأس من يرتديها ، لكن الرباط ليس موجودا .
كانت القبعة مشققة ومغبرة ومليئة بالبقع المهترئة التي استخدم أحدهم الحبر لإخفائها .
قلت لصديقي وأنا أعطيه القبعة : لا يمكنني رؤية أي شيء .
- على العكس يا واطسون ، أنت ترى كل شيء ، لكنك لا تدرك معنى ما تراه .
فسألته : إذن ما الذي يمكنك إخباري به بشأن صاحب القبعة ؟
قال هولمز موضحا : منذ ثلاثة أعوام ، كان صاحب القبعة رجلا ثريا إلى حد ما . لكنه أصبح أكثر فقرا منذ ذلك الحين . كان شخصا دقيقا ، لكنه لم يعد كذلك .
شيء ما تسبب في هذه التغييرات ، ربما المقامرة . وربما يكون هذا هو السبب في أن زوجته لم تعد تحبه . بالرغم من كل ذلك ، لا يزال هذا الغريب يعنى بمظهره ، لكنه لا يخرج كثيرا . وهو شخص في منتصف العمر ، ولا يتمتع بصحة جيدة .
شعره رمادي اللون ، قصه خلال الأيام « القليلة الماضية ، ويضع عليه كريما . وعلى الأرجح أنه يستخدم الشموع لإنارة منزله .
قلت له : من المؤكد أنك تمزح يا هولمز .
- على الإطلاق يا عزيزي واطسون . كانت هذه القبعة مسايرة لأحدث خطوط الموضة منذ ثلاثة أعوام ، كما أنها غالية الثمن ، مما يعني أن الغريب كان لديه بالتأكيد ما يكفي من المال لشرائها حينئذ .
وقد علمت أنه لم يعد ثَريا كما كان من قبل لأنه لا يمكنه تحمل تكاليف شراء واحدة جديدة الآن ، على الرغم من أن قبعته أصبحت قديمة وبالية .
كما أنني علمت أنه كان دقيقا فيما مضى ، لأنه تكبد عناء تزويد القبعة برباط مرن ، انقطع على الأرجح ، ولم يستبدله لأنه لم يعد دقيقا كما كان
استكمل هولمز حديثه قائلا : أما عن اعتنائه بمظهره ، فيرجع إلى أنه يحاول إخفاء البقع المهترئة في القبعة بالحبر . انظر إلى البطانة وسترى آثار شعر صغيرة توضح سن صاحب القبعة ولون شعره . كما أنها تشير إلى أنه قد قص شعره مؤخرا . ويمكنك كذلك « شم رائحة كريم الشعر .
تابع هولمز : الغبار الموجود على القبعة ليس من النوع الذي يوجد خارج المنزل ، بل الذي يتجمع داخله . ويشير إلى أن الرجل يقضي وقتا أطول في المنزل مقارنة بأي مكان آخر .
كما أن علامات التعرق الموجودة داخل القبعة تشير إلى أن الرجل يعرق حتى أثناء « السير ، مما يعني أنه ليس لائقا بدنيا .
قاطعته قائلا : قلت أيضا إن زوجته لم تعد تحبه ؟
رد هولمز لم تُنظف هذه القبعة منذ أسابيع . مَن الزوجة المحبة التي تترك زوجها يغادر المنزل وقبعة مغبرة كهذه على رأسه ؟
قلت له : لكنه ربما يكون أعزب ؟
- لقد نسيت الملاحظة المرفقة بالإوزة ، المكتوب فيها إلى السيدة هنري بيكر .
-فهمت . لكن كيف لك أن تعرف أنه ينير منزله بالشموع وليس بالغاز ؟
أجاب هولمز : هناك الكثير من بقع الشمع على قبعته ، التي ما كنا لنراها لو كان ينير « منزله بالغاز .
في تلك اللحظة انفتح الباب فجأة ودخل ضابط الشرطة بيترسون مندفعا ، وصاح قائلا : سيد هولمز ! انظر ماذا وجدت زوجتي داخل الإوزة وهي تعد العشاء .
ومد بيترسون يده نحونا وبداخلها حجر كريم جميل أزرق اللون . كان أصغر قليلا من حبة الفول ، لكنه كان يلمع ويتلألأ كنجم أزرق براق .
صاح هولمز مندهشا : سيد بيترسون ! يمكنني التعرف على هذا الحجر ، إنه جوهرة العقيق الأزرق الثمينة التي تمتلكها كونتيسة موركار !!
سألته : هل تعني الجوهرة التي سُرقت ؟
و كانت إجابة هولمز : نعم يا واطسون . لقد فُقدت منذ خمسة أيام فقط ، في فندق كوزموبوليتان . وقد قرأت عن الموضوع في الجريدة
وقد ألقت الشرطة القبض على سباك يُدعى جون هورنر ، واتهمته بسرقة الجوهرة .
يبدو أن جيمس رايدر ، مدير الفندق ، قد ترك هورنر في غرفة الكونتيسة لإصلاح السباكة . وعندما عاد السيد رايدر ، كان السباك غير موجود والجوهرة قد اختفت .
وجاءت رواية كاثرين كوزاك ، خادمة الكونتيسة ، مطابقة لذلك . بدأت الشرطة جهودها على الفور ، وقبضت على هونر في تلك الليلة .
لم يعثروا على الجوهرة المفقودة ، ويصر السباك على أنه « بريء .
استكمل هولمز حديثه قائلا : إذن ، كيف وصلت الجوهرة من الكونتيسة إلينا ؟ نعلم أنها جاءت من الإوزة ، التي يمتلكها هنري بيكر . أعتقد أن أول خطوة هي أن نعثر على « . السيد بيكر ، ويمكننا فعل ذلك عن طريق وضع إعلان في الجريدة .
أخذ هولمز ورقة وقلما ، وتحدث أثناء كتابته قائلا : عُثر على إوزة وقبعة سوداء تخصان السيد هنري بيكر بإحدى نواصي شارع جوودج .
الرجاء الحضور إلى بناية رقم « 221 بشارع بيكر للحصول عليهما الساعة السادسة ونصف من مساء اليوم .
والآن يا سيد بيترسون ، هل تتكرم بفعل أمرين من أجْلي ؟
قال هولمز : لتأخذ هذا الإعلان وتضعه في جميع الصحف المسائية . ثانيا ، رجاءً أحضر لي إوزة أخرى للسيد بيكر .
عندما غادر بيترسون حمل هولمز الجوهرة في الضوء ، وقال يا واطسون منذ عشرين عاما فقط اُُكْتِشِفَ هذا الحجر . وقد عُثر عليه على ضفاف نهر أموي جنوب الصين .
ويحمل قيمة كبيرة لأن أغلب الأحجار المماثلة له تحمل لونا أحمر ياقوتيا ، وليس أزرق . وكما هي الحال مع جميع الأحجار الكريمة ، تترك هذه الجوهرة آثار جريمة في أي مكان توجد به .
وقعت بالفعل جريمتا قتل والعديد من السرقات بسببها حتى الآن . سأضعها في « مكان آمن ، وأخبر الكونتيسة أن حجرها الكريم معنا .
سألته : وماذا ستفعل بشأن جون هورنر السباك ؟ وهنري بيكر ؟
لا أعلم أي شيء عن هورنر يا صديقي ، ولا أعتقد أن السيد بيكر مُذْنب بأي شيء . لكننا سنتحقق من ذلك عندما يستجيب للإعلان الذي نشرناه .
أرجو أن تنضم إلي الليلة يا واطسون . فإن أسعدنا الحظ ، فسنتمكن من سؤاله عن طائره .
حضر هنري بيكر إلينا ذلك المساء بحثا عن إوزته الضائعة . كان رجلا ضخما ذا وجه عريض ولحية بنية اللون . أعطاني انطباعا أنه رجل مثقف ، لكن ملابسه الرثة أوضحت أنه مر بأوقات عصيبة .
بدأ هولمز الحديث قائلا : أتساءل لماذا لم تنشر إعلانا عن متعلقاتك المفقودة في الجريدة ؟
رد بيكر : حسنا يا سيد هولمز ، لم أعد أملك من المال ما كنت أملكه من قبل ، وكنت موقنا أن اللصوص هم من سرقوا الإوزة . فرأيت أن الدفع مقابل إعلان مضيعة للمال .
- إنني أتفهم . بالمناسبة يا سيد بيكر ، يؤسفني أننا قد أكلنا إوزتك ، قال صديقي «… كانت ستفسد لو انتظرنا طويلا .
تأوه زائرنا وبدت عليه خيبة أمل شديدة .
أشار هولمز إلى الطائر الموجود على الطاولة ، وقال : لكن لا تقلق ، لقد اشترينا لك واحدة أخرى . ولا يزال لدينا بالطبع ريش إوزتك وعظامها ، إذا كنت ترغب في الحصول «عليها .
ضحك السيد بيكر وهو يقول لِمَ قد أرغب في ذلك الآن ؟ كلا ، سوف آخذ هذه الإوزة فحسب ، وأمضي في سبيلي .
قال هولمز ، وهو ينظر إليّ رافعا حاجبيه : عظيم ! بالمناسبة يا سيد بيكر ، تُرى هل يمكنك إخباري من أين أتيت بطائرك اللذيذ ؟
فأنا أود أن أعلم أين يمكنني الحصول على «واحد مثله ؟
فقال : حسنا يا سيد هولمز . اعتاد بعضنا ارتياد حانة ألفا ، وأقام صاحب الحانة ما كان يُعرَف بنادي الإوز ، فَكُنّا جميعا ندفع كل أسبوع على مدار العام الماضي مبلغا صغيرا من المال ، حتى أصبح لدى كل منا ما يكفيه لشراء إوزة لعيد الميلاد .
وهكذا حصلت عليها ، والآن ، إن لم تمانعا ، سآخذ هذا الطائر واستمتع أخيرا بعشاء عيد ميلاد فاخر .
بعد أن تركنا الزائر ، اتبعت أنا وهولمز هذا الخيط ، فغادرنا قاطعين طرقات لندن الباردة وصولا إلى حانة ألفا . وهناك وجدنا طاولة هادئة ، وطلبنا من صاحب الحانة كأسين من نبيذ التفاح الساخن .
قال هولمز : أرجو أن يكون ما تقدمه من نبيذ جيدا مثل ما لديك من إوز ؟
قال صاحب الحانة وهو يصب المشروب الساخن : ما لديّ من إوز .
- نعم ، لقد كنت أتحدث لتوي مع السيد هنري بيكر بشأنه .
قال صاحب الحانة : آه ، حسنا ، أنا لا أملك هذا الإوز ، لقد حصلت عليه من رجل يُدعى بريكنبريدج بسوق كوفينت جاردن .
أنهيت أنا وهولمز مشروبنا ، وتوجهنا إلى سوق كوفينت جاردن . عثرنا على السيد بريكنبريدج ، وكان حينها يغلق لتوه الكشك الذي يبيع فيه سلعه .
قال هولمز لبريكنبريدج : أرى أن بضاعتك قد نفدت . يا للحظ السيئ ! هل يمكنك إخباري من أين تحصل على الطيور التي تبيعها ؟
فوجئنا بأن سؤال هولمز قد أغضب بائع الطيور ، فقال بصوت مرتفع : والآن يا سيد ، ما الذي ترمي إليه ؟ لست أول من يزعجني اليوم بشأن الإوز الذي أبيعه ، لم أسمع في حياتي قط جلبة كهذه تُثار حول طائر من أين جلبته ؟ ولمن بعته .
قال هولمز : آسف ، كل ما في الأمر أنني قد راهنت على أن هذا الإوز قد رُبي في الريف .
قال بريكنبريدج : حسنا ، لقد خسرت الرهان إذن ؛ لقد رُبي هذا الإوز في المدينة ، انظر إلى سجلي ، إنه يوضح ممن اشتريت الإوز ، ولمن بعته . وقد ربت سيدة تُدعى أوكشوت الطيور التي بعتها لحانة ألفا . ومذكور هنا أنها تعيش في شارع بريكستون بلندن .
تركت أنا وهولمز السيد بريكنبريدج ليستكمل إغلاق الكشك . وقفنا في الشارع نفكر فيما إذا كان سيجب علينا زيارة السيدة أوكشوت على الفور أَم الانتظار حتى الصباح .
سمعنا حينئذ صياحا . كان مصدره السيد بريكنبريدج . كان يصيح في وجه رجل صغير الحجم قائلا : توقفوا عن إزعاجي ! لقد نلت كفايتي من الأسئلة اليوم عن الإوز الذي أبيعه ! لتذهب وتسأل السيدة أوكشوت عن إوزها .
ثم استدار وابتعد ضاربا الأرض بقدميه في غضب .
توجه هولمز إلى الرجل صغير الحجم ، وقال له : عذرا ، اسمي شِيرْلوك هولمز ، وأعتقد أن بإمكاني أنا وصديقي مساعدتك . أرى أنك تبحث عن بعض الإوز . لقد باعته السيدة أوكشوت للسيد بريكنبريدج ، الذي باعه بدوره لحانة ألفا .
ومن الحانة انتقلت واحدة من « هذا الإوز للسيد هنري بيكر .
صاح الرجل : سيد هولمز ، لا يمكنك تخيل كم هو مهم أن أعثر على إوزتي .
قال هولمز : في هذه الحالة ، أرجو أن تحضر إلى مسكني حيث يمكننا التحدث يا سيد..
أجاب الغريب : اسمي جون روبنسون .
قال هولمز وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة : لا ، لا ، أنا أعني اسمك الحقيقي . أنا مصرّ على معرفته .
تورَّد وجه الغريب ، وبدا عليه الانزعاج ، وقال : حسنا ، اسمي الحقيقي هو جيمس رايدر مدير فندق كوزموبوليتان .
قال هولمز : هذا أفضل ، أفضل بكثير يا سيد رايدر ،
وفي مسكننا أخذت أنا وهولمز ورايدر ندفأ أنفسنا بجانب المدفأة .
بدأ هولمز الحديث،
قائلا : والآن يا سيد رايدر ، ترغب في معرفة مكان إوز السيدة أوكشوت ، أو بالأحرى ، إوزة « واحدة بعينها ، تلك الإوزة البيضاء ذات العلامة السوداء على ذنبها ؟
صاح جيمس رادير قائلا : نعم ، هل يمكنك إخباري أين ذهبت ؟
ومد هولمز يده : لقد أتت إلى هنا ، وكانت إوزة مميزة بحق . في الواقع ، لقد وضعت بيضة بعد أن ذُبحت . وكانت بيضة زرقاء صغيرة يفوق بريقها أية بيضة أخرى ،
عارضا على ضيفنا جوهرة العقيق الأزرق . حدق رايدر بها ، وهب من على كرسيه وقد شحب وجهه .
صاح هولمز معلنا : لقد قُضي الأمر يا رايدر . فأنا أعلم معظم ما حدث . وقد تحسن « الشرطة معاملتك إذا أخبرتنا الآن بما تعرفه .
بدا رايدر وكأنه سيُغشى عليه ، فساعدته في الاعتدال مرة أخرى على كرسيه ، وقال : : إنها كاثرين كوزاك ، خادمة الكونتيسة . هي من أخبرتني بشأن الجوهرة وقررت أن تسرقها .
قال هولمز : كنت تعلم أن جون هورنر ، السباك ، لديه مشكلات سابقة مع الشرطة ؛ فخططت لوجوده في غرفة الكونتيسة ، وعندما غادر سرقت الجوهرة ، « ثم اتصلت بالشرطة وأخبرتهم بأمر هورنر ، فألقوا القبض عليه .
قال رايدر متوسلا : لترحمني ، أرجوك يا سيد هولمز ! فلم أتورط من قبل في أية « مشكلات ، ولن أكرر فعلتي ثانية ! أرجوك .
قال هولمز : حقا يا سيد رايدر ، أتطلب العفو ؟ لكنك كنت على استعداد أن ترسل « السيد هورنر إلى السجن لجريمة ارتكبتها أنت . كفى ! لتخبرنا بِبَقية القصة .
تابع رايدر رواية ما حدث «: عند القبض على هورنر ، خشيت أن تستجوبني الشرطة ، وأن يفتشونني بحثا عن الجوهرة . فذهبت إلى منزل أختي « السيدة أوكشوت
رد هولمز نعم .
قال رايدر : ذهبت إلى هناك وفكرت فيما سأفعله بعد ذلك . تذكرت صديقا قديما كان قد قضى بعض الوقت في السجن . كنت أعلم أنه قد يساعدني في بيع الجوهرة ، فقررت أن أذهب إلى كيلبورن حيث يعيش .
لكن ظل القلق يساورني بشأن عثور الشرطة على الجوهرة معي .
كنت أجلس في الفناء الخلفي بمنزل أختي ، وكان مليئا بالإوز الذي تربيه . وهكذا جاءتني الفكرة .
وعدتني أختي بالحصول على أحد تلك الطيور هدية بمناسبة عيد الميلاد . فقررت أن أحشر جوهرة العقيق أسفل حلق الإوزة ، ثم آخذها معي . وإذا استوقفتني الشرطة ، فلن يخطر ببالهم أبدا فحص الإوزة .
أمسكت بأحد الطيور ، وكانت تلك الإوزة ذات العلامة السوداء على ذنبها . فتحت منقارها ، وحشرت الجوهرة أسفل حلقها .
خرجت أختي من المنزل ، وسألتني عما كنت أفعله .
وفي تلك اللحظة ، أفلتت الإوزة من بين يدي ، ورفرفت عائدة بين باقي الإوز . قلت « لها إنني سآخذ هدية عيد الميلاد ، فأمسكت بها وذبحتها . وذهبت إلى كيلبورن لك أن تتخيل فزعي عندما فتحت الطائر أمام صديقي ، ولم ،
تابع رايدر حديثه : أعثر على شيء . وقع خطأ جسيم ، فأسرعت عائدا إلى المدينة ، هرولت إلى منزل أختي ، واندفعت إلى الفناء الخلفي لأجد أن كل الطيور قد اختفت .
لقد أرسلتها إلى التاجر المدعو بريكنبريدج . سألتها عما إذا كانت هناك إوزة أخرى ذات علامة سوداء على ذنبها ، وجاءت إجابتها بالإيجاب .
لقد أخذت الإوزة الخطأ !
ركضت إلى سوق كوفينت جاردن بأقصى سرعة ، لكن لم يخبرني بريكنبريدج أين ذهبت إوزتي ؛ ولهذا السبب أنا هنا الآن ، لقد ارتكبت جريمة بشعة .
وأخذ رايدر يبكي بحرقة ، وهو يدس وجهه بين يديه .
ساد الصمت فترة طويلة ، وأخذ هولمز ينقر بأظافره على الطاولة ، ثم نهض وفتح الباب المطل على الشارع ، وقال : اخرج .
وفي لمح البصر ، اندفع رايدر مسرعا من الباب ، واختفى في ظلام الليل .
قال هولمز : ربما أكون بذلك أرتكب خطأ ، لكنني لا أظن أن السيد رايدر سيخرق القانون ثانية . كما أن هورنر سيُطلق سراحه ، وستعود جوهرة العقيق الأزرق إلى « صاحبتها ، وفي نهاية الأمر ، نكون قد أنقذنا الرجل من قضاء حياته في السجن .
واستكمل هولمز حديثه قائلا : وفي النهاية ، فقد تمكننا من فك لغز قضية غاية في الإثارة ، ويرجع الفضل في ذلك إلى هذا الرجل الأحمق … أليس كذلك يا عزيزي واطسون ؟


مغامرة العِصابة المنقَّطة

همس هولمز ، وهو يقف بجواري : آسف لإيقاظك يا واطسون . لكن لدينا زائر ، هناك سيدة شابة في غرفة الجلوس ترغب في رؤيتنا . وأنا موقن أن الأمر هام لمجيئها في هذا الوقت . هل تود الانضمام إليَّ ؟
أجبته بنعاس : عزيزي هولمز ، لا يمكنني أن أفوت هذه الفرصة لأي سبب .
كنت أمكث مع هولمز في تلك الليلة ، نظرا لوجود زوجتي خارج المدينة . وقد كنت أستمتع دائما بمساعدة زميلي فيما يجريه من تحقيقات .
كانت مشاهدته وهو يجمع الأدلة ، ويستخدمها في حل الجرائم أمرا مذهلا .
ارتديت ملابسي سريعا ولحقت به في غرفة الجلوس .
رأينا امرأة ترتدي حجابا أسود تغطي به وجهها .
بدأ رفيقي الحديث قائلا : صباح الخير يا سيدتي . اسمي شِيرْلوك هولمز ، وهذا دكتور واطسون ، صديقي وشريكي . كيف يمكننا مساعدتك ؟
رفعت المرأة الحجاب من على وجهها ، وتمكننا من ملاحظة شحوبها وانزعاجها .
بدأت الحديث قائلة : إنني خائفة للغاية يا سيد هولمز .
قال هولمز محاولا طمأنتها : سنبذل أقصى جهدنا لمساعدتك . ألاحظ أنك قد سافرت إلى لندن بالقطار هذا الصباح ، وأنك قد وصلت إلى محطة القطار في عربة تجرها الخيول .
سألت ونظرة الدهشة ترتسم على وجهها : كيف عرفت ذلك ؟
أوضح هولمز : تظهر تذكرة العودة من ثنية قفازك ، كما أن الكُم الأيسر لمعطفك ملطخ بقطرات وحل حديثة ، وما كان ليتلطخ بها سوى عن طريق الجلوس بالجانب « الأيسر لعربة مفتوحة .
فردت : أنت محق . لقد سافرت كل هذه المسافة لأنني سأجن يا سيد هولمز . ليس « لدي من ألجأ إليه ، يجب أن تساعدني .
- رجاءً يا سيدتي ، أخبرينا بمشكلتك
استرخى هولمز على كرسيه ، وأغلق عينيه ، وأنصت ،
- أدُعى هيلين ستونر ، وأعيش مع زوج والدتي ، دكتور جريمسبي رويلوت . وهو آخر أفراد إحدى الأسر العريقة ، التي كانت تتمتع بالثراء في الماضي .
لكن مع مرور السنوات ، فقد الرويلوت ثروتهم ، وكل ما تبقى هو منزل العائلة : ستوك موران .
كان زوج والدتي يعيش في الهند منذ سنوات ، وكان طبيبا ناجحا هناك . وهناك التقى بوالدتي ، وتزوجها .
لم أكن قد تجاوزت حينها أنا وأختي التوءم ، جوليا ، الثانية من « العمر ،
تابعت قائلة : بدأت مشكلات زوج والدتي في الهند . ففي نوبة غضب ، تورط في عِراك ، وقتل أحد الأشخاص ، وقضى سنوات طوال في السجن .
وعند إطلاق سراحه ، انتقلنا إلى إنجلترا ، حيث عاد لمزاولة مهنة الطب ، لكنه صار شخصا مختلفا عندئذ .
بعد عودتنا بفترة قصيرة ، توفيت والدتي ، تاركة كل أموالها لزوجها ، على أن أحصل أنا وأختي على بعض منها ، لكن عندما نتزوج .
وبرحيل والدتي تركنا لندن وانتقلنا للعيش في قصر ستوك موران ،
ازداد انزعاج الآنسة ستونر وهي تستكمل قصتها . فقالت : أصبح زوج والدتي أكثر اضطرابا بعد ذلك . وازداد حدة في طباعه ، وألُقي القبض عليه لاحقا بتهمة الشجار .
أصبح الناس يخافونه ، واقتصر أصدقاؤه على مجموعة من المسافرين الفقراء الذين كانوا يجوبون الريف ، ويزورون في بعض الأحيان ستوك موران . وكان يسمح لهم في كثير من الأحيان بالتخييم في الغابة القريبة من المنزل .
أخذ سلوكه يزداد غرابة كل يوم . كان يحب الحيوانات البرية ، فجلب معه من الهند فهدا وقرد بابون ، وتركهما يركضان بجموح في الغابة المحيطة بمنزلنا .
صرت أنا وأختي جوليا تعيستين . ولم يعد هناك خدم يرغبون في البقاء معنا ، فتوليت أنا وهي الاهتمام بهذا المنزل الكبير بأنفسنا .
كان الأمر عسيرا علينا للغاية ، وكانت جوليا في الثلاثين من عمرها عندما توفيت ، لكنها بدت أكبر من ذلك بكثير .
سأل هولمز : هل توفيت أختك ؟
أجابت زائرتنا : نعم ، لقد توفيت منذ عامين . ووفاتها هذه هي الأمر الذي أود الحديث معك بشأنه . قبل هذا الحادث المؤسف مباشرة ، عُقدت خطبة جوليا ، ولم يعارض زوج « والدتي لكن قبل الزواج مباشرة ، حدث شيء مريع
عندما سمع هولمز ذلك ، فتح عينيه ، ونظر إلى زائرتنا ، وقال : لا تتجاهلي أي تفاصيل .
تابعت الآنسة ستونر حديثها : عشت أنا ، وزوج والدتي ، وأختي في جزء واحد فقط من هذا المنزل القديم . وكانت غرفة جوليا تقع بين غرفتي وغرفة زوج والدتي في الطابق الرئيسي . ليست هناك أبواب تصل بين الغرف مباشرة ، لكنها تشترك جميعا في الرواق ذاته . ونوافذ الغرف تطل على الفناء .
في تلك الليلة منذ عامين ، كان ثلاثتنا في غرفنا . وكنت لا أزال مستيقظة عندما أتت أختي إلى غرفتي . قالت إنها تشم دخان سجائر زوج والدتي ، الأمر الذي كان يزعجها . فجلسنا ، وتحدثنا عن زفافها حتى الساعة الحادية عشرة تقريبا . وحينئذ نهضت لتعود إلى غرفتها .
وعندما كانت جوليا تهم بالرحيل ، سألتني عما إذا كنت قد سمعت صوت صفير أثناء الليل . وأخبرتني أنها سمعت صوتا كهذا على مدار الليالي القليلة الماضية ، لكنها لم تعلم من أين أتت هذه الضوضاء .
قلت لها ربما يكون المصدر هو المسافرين الذين كانوا يخيمون بالقرب من المنزل . وقد كان نومي أعمق من نومها ، الأمر الذي يفسر عدم سماعي لأي شيء .
وبعد ذلك ألقت كلّ منا على الأخرى تحية المساء ، وعادت أختي إلى غرفتها وسمعتها وهي تغلق الباب بالقفل .
سأل هولمز : هل اعتدتما إغلاق بابيكما بالقفل ؟
أجابت آنسة ستونر : نعم ، كنا خائفتين من حيوانات زوج والدتنا البرية .
قال هولمز : تابعي .
فتابعت حديثها : حسنا ، لم أتمكن من النوم في تلك الليلة ، وظللت مستيقظة في السرير لساعات ، وفجأة سمعت جوليا تصرخ ، فقفزت من على سريري وركضت إلى الرواق .
في تلك اللحظة ، سمعت صوت صفير منخفضا ، تبعه صوت رنين عال . وفي الرواق ، شاهدت باب غرفة نوم جوليا وهو ينفتح ، وأختي الحبيبة تخطو خارج غرفتها ببطء .
رأيت الرعب في عينيها . بالكاد تمكنت من الوقوف ، وأخذت تتحرك وكأنها متألمة .
جريت نحوها وهي تقع على الأرض . وعندما كنت أحملها بين ذراعي ، مدت إحدى يديها ، وأشارت إلى غرفة صاحت قائلة : هيلين ! إنها العِصابة ! العِصابة المنقَّطة .
ناديت على زوج والدتنا . ، وظهر سريعا ، لكن لم يكن هناك ما يمكننا فعله .
وفي تلك الليلة ، ماتت جوليا .
سأل هولمز : وهل أنت متأكدة من سماعك للصفير وصوت الرنين المعدني ؟
أجابت الآنسة ستونر : أعتقد ذلك .
سأل هولمز : بالتأكيد فحص أحد الأطباء جثمان أختك ، فإلام توصل ؟
- كان على علم بحدة طباع زوج والدتنا يا سيد هولمز ، وكان حذرا للغاية ، لكنه لم يتوصل إلى ما قتل جوليا . لا يزال الأمر لغزا . فنحن نعلم أن جوليا قد أغلقت النوافذ وباب غرفة النوم بالأقفال ، وفتشنا الغرف بعناية ، لكن لم نتمكن من العثور على أي مداخل خفية . .
من المؤكد أن أختي كانت وحدها عندما لقيت حتفها . هذا إلى جانب عدم وجود أي علامات على جسمها .
سأل هولمز : ماذا عن إمكانية استخدام سُم ما ؟
أجابت :لم يجد الطبيب أثرا له ، وأعتقد أن أختي عندما ذكرت كلمة عصابة
كانت تعني عصابة من الناس كعصابة المسافرين .
تابعت الحديث ، وقد ارتسمت على وجهها نظرة خوف : كان ذلك منذ عامين ، وقد جئت لمقابلتك يا سيد هولمز ، لأن خطبتي قد عُقدت منذ شهر ولم يعارض زوج والدتي هذه المرة أيضا ، ومن المقرر أن أتزوج هذا الربيع لكن منذ يومين ، بدأ إجراء إصلاحات ببعض جدران المنزل . ونظرا لهذه الإصلاحات ، كان لزاما عليَّ الانتقال إلى غرفة نوم أختي .
وكما يمكن أن تتخيل لم أشعر بالراحة . وليلة أمس ، بينما كنت مستلقية على السرير ، سمعت صوتا مفاجئا ، كان صوت صفير منخفضا ! قفزت من على السرير ، وأضأت مصباحا . لم أر أي شيء ، لكنني كنت خائفة حتى إنني ارتديت ملابسي ، ولم أجرؤ على العودة إلى السرير .
وفي الصباح غادرت المنزل ، وأتيت إلى لندن لألتمس مساعدتك .
قال صديقي : أحسنت صنعا ! لكنك يا آنسة ستونر ، لم تخبريني بكل شيء عن زوج والدتك ؟
سأَلَتْ : ماذا تعني ؟
أمسك هولمز بيد الفتاة بين يديه ، ورفع معصمها . كانت هناك علامات على بشرتها وكأن يدا شديدة القوة قد أمسكت بها .
خفضت زائرتنا رأسها ، وقالت : يا سيد هولمز ليس أمامنا وقت لنضيعه ، إنه رجل مضطرب .
صمت صديقي ، وحدق في النار التي كانت تدفأ الغرفة ، وأخيرا قال : إذا أتينا إلى منزلك — يا آنسة ستونر — اليوم ، فهل سيمكننا تفقد الغرف دون أن يعلم زوج والدتك بالأمر ؟
فأجابت : نعم ، فهو يزور لندن اليوم ، ولن يكون في المنزل .
- حسنا ، سأستقل إذن أنا وواطسون القطار ، ونلقاك هناك بعد ظهر اليوم .
قالت : شكرا لك يا سيد هولمز . لقد بدأت أشعر بتحسن بالفعل . والآن ، إذا كان ذلك كل ما في الأمر ، فسوف أراك بعد ظهر اليوم .
أسدلت زائرتنا الحجاب على وجهها ورحلت .
قلت لهولمز : هذه قضية غريبة وخطيرة يا هولمز . فمن واقع كل ما سمعناه ، من المؤكد أن أخت الآنسة ستونر كانت بمفردها عندما قُتلت . لكن ما صوت الصفير ؟ وما معنى الكلمات الأخيرة للمتوفاة ؟
بدأ رفيقي حديثه قائلا : يبدو لي أن الأمر يتعلق بعِصابة المسافرين . كما أنه من الواضح أن دكتور رويلوت سيخسر أموالا إذا تزوجت ابنتا زوجته ، لذا فهو لا يرغب في ذلك . أما عن الرنين المعدني ، فربما يكون سببه المزلاج عند فتح النافذة .
قلت له : لكن إذا كان الأمر كذلك ، فكيف إذن قتل المسافرون الآنسة ستونر ؟ لا يبدو الأمر منطقيا ليَّ .
- أتفق معك يا واطسون ، ولذلك يجب علينا زيارة ستوك موران اليوم .
وفي تلك اللحظة ، فُتح الباب فجأة ، واندفع رجل ضخم إلى داخل الغرفة . نظر إليَّ وإلى هولمز ، وغضب شديد يرتسم على وجهه .
صاح قائلا : أيكما هولمز ؟
أجاب هولمز بهدوء : أنا هولمز ، من أنت ؟
صاح الرجل : أنا دكتور جريمسبي رويلوت . لقد علمت أن ابنة زوجتي كانت هنا ، ، وأنا أعلم أنك يا سيد شِيرْلوك هولمز شخص مثير للمتاعب . ماذا قالت لكما رجاءً ؟
ضحك هولمز ، وقال« : أغلق الباب وأنت تخرج من هنا يا دكتور رويلوت فالطقس بارد بالخارج .
-سأغادر عندما انتهي من أمرك . أنا رجل قوي يا سيد هولمز . من الأفضل ألا تتدخل في شئون الغير ، وإلا
وأمسك رويلوت بقضيب تذكية النار المعدني من المدفأة ، وحمله بين يديه ، وثناه وكأنه من المطاط . وألقى بهذه القطعة المعدنية في المدفأة ، ورمقنا بنظرة أخيرة ، ثم اندفع مغادرا المكان .
بدأ هولمز الحديث قائلا : حسنا يا واطسون . لقد ازداد التحقيق إثارة . كل ما أتمناه ألا تعني زيارة الدكتور لنا مزيدا من الخطر للآنسة ستونر .
أعتقد أننا يجب أن نتوجه إلى ستوك موران على الفور .
لنذهب إلى محطة القطار . وأعتقد يا واطسون ، أنه من الأفضل أن تحضر سلاحك ؛ فلا أود أن يفعل دكتور رويلوت بنا ما فعله بالقضيب المعدني .
استقللت أنا وهولمز القطار من لندن إلى مدينة ليزيرهيد . ومن هناك ركبنا عربة تجرها الخيول .
لكن قبل وصولنا إلى ستوك موران ، رأينا الآنسة ستونر تسير عبر أحد الحقول متجهة إلى الطريق .
لقد جاءت من منزلها المحفوف بالمخاطر للقائنا .
قالت لنا بعد أن رحلت العربة : أنا سعيدة للغاية لوجودكما هنا . لا يزال دكتور رويلوت في المدينة ، ولن يعود إلا بعد فترة .
قال هولمز : لقد سعدنا بمقابلة زوج والدتك ! لقد جاء لزيارتنا بعد أن غادرت .
صاحت خائفة : هل تعني أنه كان يتبعني ؟
أجاب هولمز : نعم ، يجب علينا توخي الحذر الشديد ، كما يجب أن نفحص الغرف فلا تزال لدينا الفرصة لذلك .
كان ستوك موران قصرا قديما رمادي اللون مشيدا من الحجارة . بدا أحد جانبي المنزل فارغا ، وكانت النوافذ الموجودة بذلك الجانب مكسورة ومغطاة بالألواح الخشبية .
أما الجانب الآخر ، فيبدو أنه كان يُعتنى به .
ويشير الدخان المتصاعد من المداخن إلى أن الأسرة كانت تعيش في هذا الجزء من المنزل .
قال هولمز ، وهو يشير إلى ثلاث نوافذ : أرى أن هذه هي نوافذ غرف النوم ، غرفة الدكتور ، ثم غرفة أختك ، ثم غرفتك ، أليس كذلك ؟
أجابت آنسة ستونر : بلى ، ويمكنك أن ترى أين كان يعمل العمال . ، لكنني لا أعتقد يا سيد هولمز أن هذه الأعمال كانت ضرورية . أظن أنها كانت وسيلة لجعلي أنام في غرفة نوم أختي .
قال رفيقي : هذا أمر مثير للغاية . رجاءً يا آنسة ستونر ، ادخلي غرفة نوم أختك ، وسأظل أنا وواطسون هنا بالخارج ، وتأكدي من قفل النافذة .
دخلت الفتاة ، وأخرج هولمز سكينا من جيبه ، وحاول فتح النافذة من الخارج .
وعندما لم يستطع ، استخدم عدسته المكبرة لفحص مفصلات النافذة وإطارها . وأخيرا قال : لا لا يمكن لأحد الدخول عبر هذه النوافذ .
لنستكمل يا واطسون بحثنا عن أدلة بالداخل .
انضممنا إلى الآنسة ستونر في غرفة أختها . جلس هولمز على أحد الكراسي ، ودرس بعناية كل شيء حوله .
كان هناك حبل معلق من السقف ، ويصل إلى السرير . كان كالحبال التي تُستخدم لرن جرس ما ، إشارة لاستدعاء الخدم.
وكان طويلا حتى إن طرفه وصل إلى الوسادة .
سأل هولمز : أين الجرس الذي يُرن باستخدام هذا الحبل ؟
أجابت آنسة ستونر : في غرفة مدبرة المنزل .
أبدى هولمز ملاحظة قائلا : يبدو جديدا ، هل طلبته أختك ؟
- لم يمض على وجوده سوى عامين ، لكن لا ، لم تطلبه أختي .
قال هولمز : أتساءل لم قد يحتاج المرء إلى حبل جرس كهذا هنا
ونهض من على الكرسي ، وأخرج عدسته المكبرة مرة أخرى ، وجثا على ركبتيه ويديه . وأخذ يزحف جيئة وذهابا على الأرضية بحثا عن أدلة ، ثم فحص الجدران بالطريقة ذاتها .
سار هولمز إلى السرير ، وفحص حبل الجرس . وأخيرا ، أمسك به وسحبه ، وقال : لماذا لا يعمل ؟ إنه معلق بخطاف في السقف ، الذي يتصل فيه حبل الجرس بالسقف ، ولا يرن أي جرس على الإطلاق ، هذا مثير للغاية .
وأشار إلى فتحة صغيرة بجوار المكان ثم سأل : كما أن فتحة التهوية الموجودة في السقف غريبة هل كانت فتحة التهوية موجودة هنا من قبل يا آنسة ستونر ؟
فأجابت : كلا ، لقد وُضعت في الوقت نفسه تقريبا الذي وُضع فيه حبل الجرس .
تفقدنا بعد ذلك غرفة نوم دكتور رويلوت . وفحص هولمز بعناية السرير ، ورفا للكتب ، وكرسيا بمسندين موجودا بجانب السرير ، وطاولة ، وخزانة معدنية كبيرة .
ولاحظ وجود طبق به لبن على الخزانة .
سأل هولمز : هل لدى دكتور رويلوت قطة ؟
أجابت آنسة ستونر : كلا .
انحنى صديقي بعد ذلك وفحص الكرسيالخشبي ، وقال أثناء نهوضه : نعم ، هكذا الأمر إذاً يا له من عالم لعين يا واطسون ! خاصة عندما يتحول رجل ذكي إلى مجرم ، لكن انتظرا ، ما هذا .
وأشار إلى حبل معقود على أحد أعمدة السرير
وما أن خرجنا حتى استدار هولمز إلى الفتاة ، وقال لها : لقد رأيت ما يكفي يا آنسة ستونر . لنترك هذه الغرف من المهم للغاية أن تفعلي كل ما أخبرك به ، فقد تتوقف حياتك على ذلك .
عندما يعود دكتور رويلوت ، يجب أن تبقي في غرفة أختك . وعندما تسمعين الليلة ما يدل على وجود زوج والدتك في غرفة نومه ، عليكِ أن تفتحي نافذتك ، وضعي مصباحا في مكان يمكن رؤيته من الخارج ، ثم غادري الغرفة بهدوء ، وعودي إلى غرفتك .
وتأكدي من إغلاق الباب بالقفل . سنراقبك أنا وواطسون ، وعندما نرى المصباح ، سندخل غرفة نوم أختك من النافذة ، ونقضي الليلة هناك .
قالت آنسة ستونر« : أعتقد يا سيد هولمز أنك تعلم من قتل أختي . عليك أن تخبرني ! ؟ هل ماتت من الخوف ؟
أجاب هولمز : لا ، لا أعتقد ذلك . لكن حتى أتأكد من الأمر ، هذا كل ما يمكنني إخبارك به .
- أنه لا يمكن تحريك السرير بعيدا عن حبل الجرس وفتحة التهوية . ؟
- نعم يا واطسون ، نحن نتعامل مع مجرم مخيف . وقد نقضي ليلة مرعبة .
أخذنا نراقب المنزل المظلم البعيد ساعات .
وأخيرا ظهر ضوء في إحدى النوافذ ، وكان إشارتنا .
تركنا النُزل وسرنا عبر الحقول . وفجأة ، بينما كنا نعبر المرج ، اندفع جسم داكن من بين الشجيرات ، وطارت قدما هذا الكائن وذراعاه بعنف وهو يهرب في الظلام .
قلت مرتاعا : يا إلهي ! ما هذا ؟
ضحك هولمز بهدوء ، وقال : هذه قضية غريبة بلا شك يا واطسون . كان ذلك قرد البابون الخاص بالدكتور . والآن لنتسلل سريعا من نافذة غرفة النوم قبل أن نرى الفهد أيضا .
زحفنا إلى الداخل عبر النافذة المفتوحة ، وأغلقناها بعد ذلك . وما إن دخلنا حتى همس إلي هولمز قائلا : لا تصدر أي صوت يا واطسون . سأجلس على السرير ، ولتجلس أنت على هذا الكرسي . وليكن السلاح في متناول يدك يجب أن نجلس في الظلام ، فنحن لا نرغب في أن يرى دكتور رويلوت
كان هولمز قد أحضر عصا معه ، فوضعها على السرير
وأطفأ المصباح ليسود الظلام المكان تماما .
مرت الساعات ونحن ننتظر في صمت . دوَّى صوت جرس كنيسة من بعيد ، وسمعنا كذلك صوت طائر ، ثم صوتا ما كان ليصدر إلا من قط بري كبير .
لقد كان الفهد يسير بجوار نافذة غرفة النوم . بعد فترة انتظار طويلة ، لمحت بصيص ضوء ضعيف من فتحة التهوية الموجودة فوق السرير . اختفى الضوء سريعا ، وتبعته رائحة زيت محترق . أضاء شخص ما مصباحا في الغرفة المجاورة ، ثم صدر صوت حركة تبعه صمت .
مرت نصف ساعة قبل أن أسمع أي شيء آخر . كان الصوت هذه المرة صوت فحيح منخفضا ، مثل البخار الصادر عن قدر به سائل يغلي .
هب هولمز فجأة من السرير ، وأشعل عود ثقاب ، وأمسك بعصاه ، ولوح بها تجاه حبل الجرس . في الوقت نفسه سمعت صوت صفير منخفضا .
صاح هولمز : هل رأيته يا واطسون ؟ هل رأيته ؟
كان رفيقي ينظر إلى أعلى تجاه فتحة التهوية . في تلك اللحظة هزت صرخة مدوية أرجاء ستوك موران . كانت صرخة ألم وخوف تحولت بعد ذلك إلى صيحة غضب .
وبينما كنا نحدق أنا وهولمز أحدنا في الآخر ، أخذت الصيحة تتلاشى حتى ساد الهدوء .
ركضنا في الرواق وصولا إلى غرفة نوم دكتور رويلوت .
طرق هولمز الباب بشدة ، لكن لم يُجب أحد ، ففتحنا الباب ودخلنا . كانت الغرفة مضاءة بمصباح ، ولاحظنا أن الخزانة مفتوحة . كان دكتور جريمسبي جالسا على الكرسي الخشبي الذي سبق أن فحصه هولمز ذلك اليوم ، وكان يرتدي رداء النوم وخُفين ، ويوجد حبل ملفوف فوق حِجره .
لم يحرك الدكتور ساكنا ، وكان رأسه متجها ناحية السقف ، وعيناه محدقتان بأعلى . وكانت هناك عِصابة صفراء غريبة ملفوفة حول رأسه بإحكام . وكانت تغطيها نقط بنية اللون .
همس هولمز قائلا : العِصابة ! عِصابة العين المنقطة .
عندما تقدمت خطوة للأمام ، بدأت العِصابة في التحرك ، ثم خرج رأس ثعبان وعنقه المنتفخ من بين شعر الدكتور .
صاح هولمز : إنها أفعى المستنقعات ! أكثر الأفاعي فتكا في الهند . لقد نال الدكتور جزاءه بالسلاح نفسه الذي كان يرتكب به جرائمه ؛ فمات ملدوغا
أخذ هولمز الحبل ولفه حول عنق الأفعى ، فأخافها ونقلها بحرص إلى داخل الخزانة
قال هولمز : ليس هناك ما يمكننا فعله » .
- لكننا يجب أن نُبعد الآنسة ستونر عن هذا المكان ، ونتصل بال شرطة
في اليوم التالي ، وأثناء عودتنا إلى لندن بالقطار ، أوضح لي هولمز حقائق القضية ،
فقال : في البداية يا واطسون ، لم أكن أسير في الطريق الصحيح . كنت أعلم أن أخت الآنسة ستونر قد استخدمت كلمة عصابة وعلمت كذلك بأمر المسافرين الذين يخيمون بالجوار ، فظننت أن حل اللغز يكمن في عِصابة المسافرين .
لكن عندما فتشنا الغرف ، أدركت أنه لم يدخل أحد إلى الغرفة المغلقة . كما لاحظت أيضا حبل الجرس ، وفتحة التهوية ، والسرير الذي لا يمكن تحريكه . وأصبح من الواضح أن الحبل كان وسيلة لإيصال السرير بفتحة التهوية . وعلى الفور ، فكرت في وجود أفعى في الأمر .
فإذا كان دكتور رويلوت لديه فهد وقرد بابون ، فيسهل عليه اقتناء أفعى . ونظرا لممارسته الطب في الهند ، فهو يعلم أيضا أن سم هذه الأفعى لا يمكن اكتشافه ، وأن لدغتها ليس لها أثر مرئي ،
تابع هولمز موضحا : عندما عُقدت خطبة ابنة زوجته جوليا ، لم يرغب في أن تحصل على المال . لذلك وضع حبل الجرس في غرفتها ، وزودها بفتحة التهوية . وبعدما وضع الاثنين في الغرفة ، انتظر حتى نامت ابنة زوجته . ومن خلال النظر إلى الكرسي الموجود في غرفته ، توصلت إلى أنه قد وقف عليه للوصول إلى فتحة التهوية . وتمثلت خطته في أن يضع الأفعى في فتحة التهوية بحيث يزحف هذا المخلوق الفتاك عبر الفتحة ، وينزل على الحبل ليصل إلى سرير الضحية . في بادئ الأمر لم تهاجم الأفعى جوليا ستونر ، لكن الدكتور دربها على العودة عند سماع صوت صفير . وهذا هو الصوت الذي سمعته جوليا .
كما أن اللبن ساعد في إغراء الأفعى بالعودة إلى غرفة رويلوت ، فكان يمسك بها باستخدام الحبل ويضعها في الخزانة .
أما صوت الرنين الذي سمعته الأختان ، فكان صوت غلق الخزانة . ولذلك أنصت في الليلة الماضية إلى أضعف صوت يمكن أن يصدر عن أفعى . وعندما سمعت الحفيف ، أشعلت عود ثقاب ، وهاجمت هذا الكائن ، فانزلق عائدا إلى غرفة دكتور رويلوت . لكنني ضربته بالعصا ، الأمر الذي أغضبه ، وعندما عاد إلى غرفة نوم الدكتور هاجمه .
تطلع شِيرْلوك هولمز خارج النافذة إلى منظر الريف الإنجليزي . كان من الصعب عليه تصور وقوع أحداث الليلة الماضية في مثل هذا المكان الهادئ .
قال هولمز : لقد قُتل القاتل … قُتل بسلاح الجريمة الغريب ذاته الذي ارتكب به جرائمه ..


المترجم اليوناني

طوال سنوات معرفتي بشِيرْلوك هولمز ، لم يتحدث مطلقا عن أسرته . ربما لهذا السبب كنت أراه أحيانا رجلا بلا مشاعر .
كان الذكاء عنده أهم من مشاعر الصداقة والحب .
ومع عدم وجود أصدقاء أو أقرباء له ، كان أشبه بعقل دون قلب . لذلك اندهشت عندما بدأ يتحدث في أحد الأيام عن أخيه .
كان ذلك مساء أحد أيام فصل الصيف ، وأنا وهولمز ننال قسطا من الراحة بعد العشاء . انتقلنا في حديثنا من موضوع لآخر . وبصورة ما ، بدأنا التحدث عن العوامل التي تشكل شخصية المرء . وتساءلنا هل نرث الشخصية التي نصير عليها من والدينا ، كما يرث الابن مثلا عيني والده ، أو الابنة شعر والدتها ؛ أَم أن كل شيء يعتمد على كيفية تنشئتنا .
قلت له : حسنا يا هولمز ، يبدو لي أن والديك قد ربياك بأسلوب يصعب أن تكون معه « أي شيء آخر غير المحقق العظيم الذي أصبحت عليه .
رد هولمز : يحمل كلامك بعض الحقيقة يا واطسون ، لكنني أعتقد أنه من هذا المنطلق لا بد أن ينتشر الأمر بين أفراد العائلة . لتأخذ مثالا على ذلك أخي مايكروفت . بالرغم من أننا تربينا بالأسلوب ذاته ، فإنه يتمتع بمهارات تفوق مهاراتي بكثير ، أؤكد لك « ذلك .
سألته : إذن ، لماذا لم يشتهر مثلك ؟
-يتمتع مايكروفت بلا شك بقدرة أكبر على الملاحظة والاستدلال ، لكنه لا يهتم بالأمور الأخرى التي يستلزمها عملي . فهو لا يتمتع بالنشاط اللازم لجمع الأدلة أو ملاحقة المشتبه بهم . ولا يمكن أن يزعج نفسه بالتجول في الريف للتحقق من صحة أفكاره . لذلك ، يستخدم مايكروفت مهارته في التعامل مع الأرقام في تولي بعض المهام لحساب الحكومة .
إنه شخص روتيني يا واطسون ، ويفعل الأمور ذاتها كل يوم . في الواقع إذا كنت ترغب في لقائه ، فسيسعدني أن أعرّفك به . فهو يكون كل يوم في الوقت نفسه في نادي « ديوجينيز كلوب ، يمكننا الذهاب إلى هناك الآن .
قلت له بعد أن تركنا شارع بيكر : لم أسمع مطلقا عن نادي ديوجينيز كلوب .
رد هولمز : لم يسمع به كثيرون . أعضاؤه مجموعة غريبة من الناس ؛ فهم لا يذهبون إلى النادي للالتقاء بالأعضاء الآخرين . في الحقيقة هناك قاعدة تمنعهم من التحدث فيما بينهم . فيرتادون النادي للتمتع بالكراسي المريحة والصحف ، ولأنه أيضا أحد الأماكن « القليلة التي يمكن أن ينفردوا فيها بأنفسهم .
وصلنا سريعا إلى نادي ديوجينيز كلوب . وفي الداخل ألقيت نظرة على غرفة كبيرة ، ورأيت مجموعة من الرجال يجلسون على كراس بمساند ، ويقرءون الصحف .
لم يكونوا يتحدثون فيما بينهم . وقد أوضح هولمز أن هناك غرفة واحدة مسموح فيها بالتحدث .
تركني في هذا المكان ، وانتظرت في هدوء .
عاد صديقي سريعا ومعه رجل ضخم ممتلئ الجسم . كان ذلك أخاه الأكبر ، مايكروفت هولمز .
وقد عكس تعبير وجهه حضور الذهن ذاته الذي يظهر على هولمز .
قال مايكروفت : تسعدني مقابلتك يا دكتور واطسون . لقد اشتهر أخي بفضل ما تكتبه من قصص عما يخوضه من مغامرات . بالمناسبة يا شيرلوك ، لقد توقعت أن تتصل بي الأسبوع الماضي . ظننت أنك قد ترغب في معرفة أفكاري بشأن قضية مانور هاوس ، لقد كان آدامز ، أليس كذلك ؟
قال هولمز ، ونحن نهم بالجلوس : نعم ، كان آدامز .
قال مايكروفت ، وهو يلقي نظرة من النافذة على حركة المرور في الشارع : أتمنى أن يكون نادينا قد أعجبك يا دكتور واطسون ؟
ألقى هولمز نظرة خاطفة من النافذة ، وقال : إنه مكان رائع لملاحظة الناس . على سبيل «… المثال : الرجلان اللذان يسيران باتجاهنا ، لاعب البلياردو والرجل الآخر .نعم ، ما الذي تستنتجه عن الرجل الآخر ؟
وقف الرجلان خارج النافذة ليتحدثا .
أجاب مايكروفت كان بإمكاني رؤية علامات طباشير على سترة الرجل الأول . وكان من الواضح أن مصدر هذا الطباشير هو لعب البلياردو . أما الرجل الثاني ، فكان قصيرا ، ولون بشرته أسمر داكن نتيجة للتعرض للشمس .
كان يرتدي قبعة ويحمل عددا من الرُزم تحت ذراعه .
أبدى هولمز ملاحظة قائلا : أعتقد أنه جندي .
قال مايكروفت «: لقد ترك الجيش مؤخرا ، خدم في الهند .
أضاف هولمز : أظنه ضابط بسلاح المدفعية الملكي .وهو أرمل لكن لديه طفل يا عزيزي مايكروفت .
- طفلين يا عزيزي شيرلوك ، .
قلت ضاحكا : طفلين هذا كثير حقا .
رد هولمز : على الإطلاق يا واطسون .
- لتنظر فقط إلى كيف يقف ، وإلى ملابسه ، وكيف يسير . من السهل ملاحظة أن هذا الرجل كان عسكريا وأنه ضابط . وكما تعلم ، يخدم الكثير من جنودنا في الهند .
استكمل مايكروفت حديثه : وتشير سُمرة بشرته إلى أنه عاد مؤخرا من هذا البلد لا يزال يرتدي حذاءه العسكري طويل الرقبة ، مما « يشير إلى أنه لم يترك الجيش منذ فترة طويلة .
أضاف هولمز : وهو لا يسير مثل الجنود الذين سبق لي رؤيتهم في سلاح الفرسان ويمتطون الخيول . وهو أيضا ليس في سلاح المهندسين الملكي ، فوزنه الثقيل لا يتناسب مع العمل الذي يؤدونه . لكنه يُميل قبعته على أحد جانبي رأسه . يمكنك ملاحظة أن أحد « . جانبي جبينه أقل سُمرة من الآخر . الأمر الذي لا يعني سوى أنه في سلاح المدفعية .
قال مايكروفت : توضح ملابسه كذلك أنه في حالة حداد ، وفقد شخصا عزيزا عليه . وبما أنه يشتري هدايا أطفال ، فأعتقد أنه قد فقد زوجته . يحمل خشخيشة لطفل صغير ، وكتابا مصورا لطفل أكبر سنا .
أدركت حينها أن هولمز كان صادقا تماما عندما وصف لي أخاه في وقت مبكر من ذلك اليوم .
قال مايكروفت : بالمناسبة يا شيرلوك ، هل تهتم بمعرفة تفاصيل قضية طُلب مني التحقيق فيها ؟
أجاب هولمز : يسعدني ذلك يا أخي العزيز .
رن مايكروفت الجرس ، وكتب سريعا رسالة على ورقة ، ثم أعطاها للنادل .
أوضح مايكروفت الأمر قائلا : لقد طلبت من جاري الانضمام إلينا ، اسمه ميلاس ، « وهو يوناني .
لقد طلب مني التحقيق في أمر سأدعه يشرحه لكما .
بعد بضع دقائق ، انضم السيد ميلاس إلينا ، وأخبرنا بقصته : أعتقد أنكما قد عرفتما بالفعل أنني أكسب قوت يومي بالعمل مترجما يونانيا . على سبيل المثال : عندما يكون هناك نزلاء يونانيون لا يتحدثون الإنجليزية بالفنادق ، فإنهم يتصلون بي . وفي بعض الأحيان يكون الاتصال في أوقات غريبة لأساعد مسافرين وصلوا لتوهم إلى لندن .
لذلك فإنني لم أندهش عندما اتصل بي السيد لاتيمر منذ ليلتين . قال إن صديقا يونانيا له كان يزوره ، وإنه بحاجة لخدماتي .
بدا في عجلة من أمره ، ودفعني إلى الركوب سريعا في عربة تجرها الخيول .
لم نكن قد ابتعدنا كثيرا عندما فعل السيد لاتيمر أمرا شديد الغرابة ؛
لقد أَخرج عصا صغيرة من جيبه ، ووضعها على المقعد الموجود بجانبه ، ثم أغلق نوافذ العربة . واندهشت عندما رأيت النوافذ مغطاة بالورق ؛
فحجبت عني رؤية ما بِخارج العربة . أوضح لي بعد ذلك أنه لا يريدني أن أعلم إلى أين نحن ذاهبان .
كما أخبرني أنه يجبعلي عدم اللجوء إلى الشرطة ، وسأحصل على مكافأة مقابل ما تكبدته من عناء .
كان رجلا « ضخما ، ولم يكن هناك ما يمكنني فعله ،
تابع ميلاس قائلا : سرنا مدة ساعتين تقريبا حتى توقفت العربة . فتح السيد لاتيمر الباب وخرجت .
كنا عند منزل ذي بوابة مقوسة الشكل ، وعلى الجانبين يمتد فناء مليء بالحشائش والأشجار .
فيما عدا ذلك ، لم يكن لدي أية فكرة عن المكان الذي أنا فيه . وبالداخل تركني السيد لاتيمر مع رجل أكبر سنا ، قاسي الملامح ، ويرتدي نظارات .
حذرني هذا الرجل أيضا من مخالفة ما قيل لي ، وإن فعلت ، فسأتعرض للمشكلات .
وأوضح أن هناك رجلا يونانيا في المنزل ، وأنه يريدني أن أطرح أسئلة على هذا الرجل ، وأترجم إجاباته إلى اللغة الإنجليزية .
وأكد الرجل ذو النظارات على ضرورة عدم قول أي شيء آخر لذلك اليوناني .
اصطحبني إلى غرفة أخرى ، كانت كبيرة وضعيفة الإضاءة . وكان بإمكاني رؤية أثاث باهظ الثمن ، وشعرت بسجادة سميكة وفخمة تحت قدمي .
كانت هناك مجموعة من الدروع اليابانية بجوار المدفأة . في تلك اللحظة ، ظهر السيد لاتيمر ومعه اليوناني . وفزعت عندما رأيت وجهه الشاحب شحوب الموت .
بدا ضعيفا للغاية . وإلى جانب هذا المظهر السيئ الذي كان عليه ، صدمتني أكثر رؤية الضمادات التي تغطي وجهه . كما اختفى فمه خلف قطعة شريط كبيرة . دفع السيد لاتيمر الرجل ليجلسه على كرسي آخر .
طلب مني الرجل ذو النظارات بعد ذلك أن أطرح مجموعة من الأسئلة ، وأجاب « الرجل المُضمَّد على كل منها بالكتابة على ورقة .
بينما كنت أنا وهولمز ومايكروفت نستمع إليه تابع السيد ميلاس روايته الغريبة : كان السؤال الأول : هل ستوقع على الأوراق ؟ وكانت إجابته : أبدا ! ثم أضاف : إلا إذا شهدتُ » زواجها على يد قسيس يوناني أعرفه .
استمر ذلك فترة من الوقت ، ثم طرأت على ذهني فكرة . ما إن تأكدت من أن السيد لاتيمر والرجل الآخر لا يمكنهما التحدث باليونانية على الإطلاق ، حتى بدأت أضيف أسئلتي إلى أسئلتهما . وبهذه الطريقة تمكنت أنا والرجل اليوناني من التواصل معا دون أن يعلم الآخرون .
وصارت المحادثة على نحو شبيه بذلك :
- من أنت ؟
أنا غريب في لندن
-لا فائدة من المقاومة . .
- - لا يهمني .
- إذن ، فأنت تعلم ما سيحدث لك ؟
- افعل ما بدا لك . ، لن تكون أملاكها ملكا لك أبدا . .

- ولن تكون لك أيضا . -كم مضى على وجودك هنا ؟
- ثلاثة أسابيع .
- ماذا بك ؟- لم آكل منذ أيام .
-سوف نطلقسراحك إذا وقعت .
- لن أفعل أبدا .
أين نحن ؟
- لا أدري .
- لا تجني مما تفعله سوى إيذائها .
- دعني أتحدث إليها . .
- وقع ، ثم يمكنك رؤيتها .
- إذن ، فلن أراها ثانية أبدا .
- ما اسمك ؟
- كراتيدس .
من أين أتيت ؟
- أثينا .
في تلك اللحظة ، فُتح الباب ، ودخلت امرأة إلى الغرفة . كانت طويلة القامة ، وشعرها أسود ، وترتدي رداء أبيض فضفاضا .
دخلت لتسأل عن السيد لاتيمر ، لكنها عندما رأت الرجل المضمَّد على الكرسي ، هتفت باسمه قائلة : بول .
مزق كراتيدس الشريط الموجود على فمه ، ونادى عليها . كانت تُدعى صوفي .
اندفع ليعانقها ، لكن لاتيمر أمسك بالمرأة وجذبها بعيدا . وفعل الرجل الآخر الأمر نفسه مع كراتيدس . وعندما عاد الرجل ذو النظارات ، أعطاني بعض المال ، ثم حذرني ، وهو يضحك ضحكة مخيفة ، من التحدث مع أي أحد عن تلك الليلة .
عاد السيد لاتيمر ، واصطحبني إلى العربة . وسرنا مرة أخرى مدة ساعات ، والنوافذ مغلقة . وعندما توقفت العربة أخيرا ، خرجت منها ، ووجدتني في الريف .
وانطلقت العربة مسرعة ، تاركة إياي بمفردي . ومن هناك توجهت إلى أقرب بلدة ، وركبت أول قطار متجه إلى المدينة .
لا أدري أين كنت ، أو مع من كنت أتعامل . كل ما أعرفه هو أنني أريد مساعدة ذلك « الرجل المسكين . لقد أخبرت أخاك والشرطة بالأمر ، وأخبرك به الآن يا سيد شِيرْلوك هولمز .
سأل هولمز : وما الذي فعلته يا مايكروفت ؟
أعطانا الأخ الأكبر إحدى الصحف ، وأشار إلى إعلان نصه
: جائزة لأي شخص يدلي بمعلومات عن رجل يوناني يُدعى بول كراتيدس من أثينا ، أو امرأة يونانية اسمها صوفي . .
قال مايكروفت : نُشر هذا الإعلان في جميع الصحف اليومية ، لكن لم يتقدم أحد .
سأل صديقي : ماذا عن السفارة اليونانية ؟
و كانت الإجابة : لا شيء .
سأل هولمز : هل اتصلت بالشرطة في أثينا ؟
وجَّه مايكروفت حديثه إلي قائلا : لهذا السبب يتمتع شيرلوك بالشهرة ، أما أنا فلا . فهو يتسم بالنشاط في تقفي الآثار ، أما أنا فلا . إذا كنت تود التحقيق في الأمر يا شيرلوك ، «…
رد هولمز : سأحقق في هذه القضية ، وسأبقيك أنت والسيد ميلاس على اطلاع بكل ما هو جديد .
وفي هذه الأثناء ، لو كنت مكانك يا سيد ميلاس ، لتوخيت الحذر . فالسيد لاتيمر وصديقه يعلمان الآن أنك لم تبال بتحذيراتهما ، وربما تكون في خطر .
غادرت أنا وصديقي نادي ديوجينيز كلوب ، وتوجهنا إلى شارع بيكر .
توقفنا عند مكتب التلغراف حتى يبعث هولمز بعدد من الرسائل . بعد ذلك ، وأثناء المضي في طريقنا ، سألني هولمز عن رأيي في القضية .
قلت له : يبدو لي أن لاتيمر قد خطف المرأة اليونانية ، ربما من أثينا .
قال هولمز : أختلف معك يا واطسون . فلاتيمر لا يتحدث اليونانية على الإطلاق ، لذلك لا أظن أنه قد ذهب إلى هناك قط . من ناحية أخرى ، فإن السيدة تتحدث الإنجليزية . لذلك أعتقد أنها قد أتت إلى إنجلترا من قبل ، والتقت بلاتيمر في إحدى مرات زيارتها . وربما « تكون قد نشأت بينهما علاقة عاطفية .
فهي لم تعط لميلاس انطباعا بأنها كانت أسيرة
أكملت قائلا : أعتقد أنها شقيقة السيد كراتيدس . وأظن أنها تملك ثروة ما ، وجاء أخوها إلى إنجلترا لإنهاء علاقتها بلاتيمر . لكن لاتيمر والرجل الآخر ما كان ليردعهما أي شيء ، فأبقيا على كراتيدس سجينا لديهما . ولم تكتشف هي الأمر سوى عندما دخلت « عليهم صدفة . وبذلك فهي الآن سجينة لديهما أيضا .
صاح هولمز : رائع يا واطسون ! ويعتمد الأمر علينا في إنهاء هذه اللعبة . إن حالفنا الحظ ، فسنتلقى ردا على الإعلان المنشور في الصحيفة . ففي النهاية لم تكن صوفي مختبئة « من قبل ، وربما تعرف أناسا هنا ، ومن ثم فقد نتمكن من إيجادهم جميعا .
وصلنا إلى شارع بيكر ، وصعدنا السلم ، وفتحنا باب الشقة . واندهشنا لرؤية مايكروفت هولمز في انتظارنا . قال لنا : أدخلا ، أدخلا .
سأل هولمز أخاه : كيف وصلت إلى هنا ؟
أجاب مايكروفت : لقد سبقتكما باستقلال عربة . لقد تلقينا ردا على الإعلان ، وكان من السيد جيه دافينبورت . وهو يقول إنه يعرف الآنسة كراتيدس ، وإنها كانت تقيم في « مارتليز ، بباكنجهام .
قال هولمز : إذن ، هذا هو مكانهم جميعا . سنتصل بشرطة سكوتلانديارد في الحال ، « ونصطحب المفتش جريجسون معنا .
أضفت قائلا : من الحكمة إحضار السيد ميلاس أيضا ، فقد نحتاج إلى مترجم .
قال هولمز : نعم ، رائع يا واطسون . والآن ، لنبحث سريعا عن عربة .
بينما كنت أنا ومايكروفت ننزل السلم ، استدرت ورأيت هولمز يمد يده في أحد الأدراج ، ويسحب مسدسًا ، ويضعه في جيبه ليلحق بنا بعد ذلك في الشارع .
كان الظلام قد بدأ يخيم على الأرجاء عند وصولنا إلى منزل المترجم اليوناني . لكننا اكتشفنا أن السيد ميلاس غير موجود .
أوضحت صاحبة العقار الذي يقطنه أن رجلا قد حضر للقائه ، وغادرا معا في عربة .
وقالت إن الزائر كان رجلا قصير القامة ، يلبس نظارات ، وضحكته غريبة .
أسرعنا من هناك متجهين إلى شرطة سكوتلانديارد ، وانضم إلينا المفتش جريجسون ، وتوجهنا جميعا إلى محطة القطار .
وصلنا إلى باكنجهام في العاشرة والنصف ، واستقللنا عربة بقية الطريق .
كان مارتليز منزلا كبيرا وكئيبا يحيط به فناء كبير . كانت النوافذ مظلمة ، وبدا المكان فارغا .
- لقد غادروا . الآثار حديثة للغاية ، وقد خلفتها عربة مليئة بالمتاع والراكبين .
أبدى هولمز هذه الملاحظة ، وهو يتحقق من الطريق المؤدي إلى المنزل ،
لم يفتح أحد الباب عند طرقه ، ففتح هولمز إحدى النوافذ عنوة . وعندما دخلنا ، وجدنا أنفسنا في الغرفة الكبيرة التي وصفها ميلاس . وكانت مجموعة الدروع اليابانية بجانب المدفأة .
وبينما كنا ننظر حولنا ، سمعنا صوت تأوه منخفضا . كان يأتي من أعلى .
اندفعنا إلى الدور الثاني ، واتبعنا الصوت حتى وصلنا إلى الغرفة . كان الباب مغلقا من الخارج ، لكن المفتاح كان لا يزال في الباب .
فتح هولمز الباب ، ودخل الغرفة . وفي لمح البصر ، عاد إلى الرواق مرة أخرى ، وهو يسعل ويحكم قبضته على صدره .
نظرنا داخل الغرفة ، ورأينا مصباحا تضيئه شعلة زرقاء صغيرة
قال لاهثا : كان هذا المصباح مصدر انبعاث غاز سام .
وفي ضوئه الضعيف ، رأينا شخصين منهارين في أحد الأركان .
أخذ هولمز نفسا عميقا وعاد إلى داخل الغرفة . فتح إحدى النوافذ ، وأمسك بالمصباح ، وألقاه بالخارج . ورفعنا بعد ذلك الرجلين ، وسحبناهما إلى الرواق .
بدا الإرهاق على وجهيهما ، والجفاف على شفاههما من العطش .
كانت أيديهماوأقدامهما مكبلة . كان أحدهما المترجم اليوناني ، ميلاس . أما الآخر فكان وجهه شاحبا ومغطى بالضمادات . كان بالتأكيد بول كراتيدس .
لم نتمكن من إنقاذ السيد كراتيدس المسكين ، لكن ميلاس استرد عافيته خلال ساعة ، وشرح ما حدث .
كما توقعنا ، زار الرجل ذو النظارات المترجم اليوناني . وما كان أمام ميلاس سوى العودة إلى باكنجهام ، حيث أُجُْبِر على استجواب كراتيدس ثانية .
وما من شيء أقنع الأخ بالتنازل عن ثروة أخته . فُحبس الرجلان معا في الغرفة المهلكة ، بينما هرب لاتيمر وشريكه مصطحبين صوفي كراتيدس معهما .
لم نكشف أنا وهولمز الستار عن جميع تفاصيل القضية إلا لاحقا .
فتلقينا ردا على إعلان مايكروفت في الصحيفة من رجل كان يعرف الآنسة كراتيدس .
أخبرنا أنها تنحدر من أسرة يونانية ثرية ، وكانت في زيارة لإنجلترا عندما التقت بلاتيمر .
علم أصدقاء الآنسة كراتيدس أن نوايا ذلك الإنجليزي كانت سيئة ، وأرسلوا إلى أخيها يخبرونه بالأمر . لكن عندما وصل أخوها إلى إنجلترا ، اختطفه لاتيمر وشريكه .
لم تعلم الآنسة كراتيدس حتى أن أخاها كان موجودا في المنزل ذاته .
لذا رجحنا أن الغرض من الضمادات كان إخفاء أخيها خوفا من أن تلمحه مصادفة .
وكما علمنا ، لم ينجح الأمر .
بعد ذلك بشهور ، لاحظت أنا وهولمز قصة غريبة في الصحيفة .
كانت تشير تلك القصة إلى نهاية مأساوية لقيها الرجلان الإنجليزيان أثناء سفرهما إلى المجر بصحبة امرأة .
وتوصلت الشرطة إلى أن الرجلين قد تشاجرا ، وأثناء الشجار أصيب كلاهما بإصابات مميتة . وكان تعليق هولمز الوحيد هو أن الشرطة تكون مخطئة في بعض الأحيان ، وأنه موقن أن لدى الأخت قصة مختلفة ، قصة رأت فيها العدالة تتحقق أمام عينيها .


مغامرة تماثيل نابليون الستة

جلس المفتش لستراد من شرطة سكوتلانديارد هادئا .
كان كثيرا ما يزورنا أنا وشيرلوك هولمز عندما كنا نتشارك الغرف في شارع بيكر .
وكان هولمز تواقا دائما إلى معرفة ما كان يحدث في مقر قيادة الشرطة ، كما كان المفتش يرحب بأية مساعدة يمكن لهولمز تقديمها .
سأل هولمز : هل تعمل على أي شيء مثير للاهتمام ، أيها المفتش ؟
أجاب لستراد : - لا ، لا شيء يُذكر . حسنا ، ربما هناك شيء ما ، لكنه قد يثير اهتما دكتور واطسون أكثر منك . أقول ذلك لأنه يبدو أنني أتعامل مع إحدى صور الجنون ، فهل من سبب آخر قد يدفع أحدا لتكبد عناء تدمير تماثيل الإمبراطور الفرنسي نابليون ؟
واسترخى في جلسته على الكرسي .
قال هولمز ، محبطا : آه ، حقا ؟
سأل لستراد : هل من تفسير آخر لذلك ؟
- هذا الرجل يقتحم المنازل ، ولا يسرق أي شيء ، ثم يحطم تماثيل نابليون التي يجدها هناك .
قال هولمز ، وقد اعتدل ثانية في جلسته : أكمل ، رجاءً » .
أكمل لستراد حديثه قائلا : بدأ كل شيء منذ أربعة أيام . كان أول بلاغ من رجل يُدعى مورس هدسون . يمتلك السيد هدسون متجرا صغيرا في طريق كينينجتون حيث يبيع اللوحات والتماثيل الصغيرة . يبدو أنه ومساعده كانا في الجزء الخلفي من المتجر عندما سمعا صوتا عاليا لتحطم شيء ما .
اندفعا إلى الجزء الأمامي من المتجر لمعرفة ما حدث ، وعثرا على تمثال صغير من الجبس لنابليون على الأرض ، وقد تهشم .
لكن لم يكن « هناك أحد في المتجر .
سأل هولمز: هل كان تمثالا كاملا أم تمثالا نصفيا مكونا من رأس وكتفين ؟
أجاب المفتش : كان تمثالا نصفيا . خرج السيد هدسون بعد ذلك ، ورأى شهود العيان شخصا يجري من المحل ، لكنه كان قد ابتعد . لا تقدر القطعة بالكثير على الإطلاق ، « لذلك لم يلحق أي ضرر حقيقي بأحد لكن الليلة الماضية ، كان هناك بلاغ آخر .
تابع لستراد قائلا : يعيش دكتور بارنيكوت بالقرب من متجر السيد هدسون ، ويمتلك مجموعة كبيرة من الكتب واللوحات وقطع أخرى متعلقة بالإمبراطور الفرنسي .
لقد اشترى — في الواقع — تمثالين نصفيين لنابليون من متجر السيد هدسون ، ووضع واحدا في منزله ، والآخر في مكتبه في لوير بريكستون .
وقد اقتحم أحدهم هذا الصباح منزل دكتور بارنيكوت . الغريب في الأمر أنه لم يسرق « شيئا فيما عدا تمثال نابليون النصفي .
لقد أخذه إلى الفناء وحطمه
ازداد اهتمام هولمز ، وقال : تابع حديثك ، أيها المفتش .
قال لستراد : يزداد الأمر غرابة يا سادة . فبعد ظُهر هذا اليوم ، اكتشف دكتور « بارنيكوت أن شخصا اقتحم مكتبه ، وحطم تمثال نابليون الآخر .
قال هولمز : أخبرني أيها المفتش ، هل كان تمثالا نابليون ، اللذان يمتلكهما دكتور بارنيكوت ، مماثلين لتمثال السيد هدسون« ؟
أجاب هدسون : نعم يا سيد هولمز .
قال هولمز : إذن ، فالرجل الذي تبحث عنه ليس مدفوعا بكرهه لنابليون . ففي النهاية ، هناك الآلاف من تماثيل هذا الإمبراطور الفرنسي في لندن . يبدو أن هذا الرجل « يسعى وراء تماثيل متطابقة لنابليون أو ربما يعيش بالجوار ، وانتابته نوبات الجنون التي يعاني منها ، وتصادف عثوره على هذه التماثيل الثلاثة أولا .
قال لستراد مقترحا : ما رأيك يا دكتور واطسون من المحتمل . وربما يكون هو أو أحد أفراد عائلته قد أصيب أو لحقه أذى في الحرب الضارية ؟
أجبته : ويمكن أن يكون يلقي باللوم على نابليون على نحو غريب ،
قاطعني هولمز قائلا : لكن ما يثير اهتمامي هو أن الرجل أخذ تمثال نابليون الخاص بدكتور بارنيكوت إلى الخارج . من المجنون الذي قد يفكر في كسر تمثال نصفي في مكان لا يسبب فيه إزعاجا للأسرة ؟ ثم في مكتب الدكتور ، كسره في الداخل لأنه كان يعلم أنه ما « من أحد في الجوار يمكن إزعاجه .
قال هولمز مقطبا جبينه : لا ، نحن لا نتعامل مع حالة جنون يا سادة وأنا أحذركما من أن هذه الأحداث قد تبدو غير مؤذية وتافهة ، لكن لا يمكن القول إن توافه الأمور لا أهمية لها .
أتذْكُر يا واطسون قضية عائلة أبرينتي المثيرة ؟
بدأ كل شيء عندما لاحظت العمق الذي غاص إليه البقدونس في الزبد في يوم حار . لا ، ليس هناك شيء لا يحمل معنى . وسوف أقدر صنيعك أيها المفتش إذا « أبقيتني على اطلاع بما يستجد من أمور .
لم يمر وقت طويل حتى اتصل بنا لستراد ثانية ، فقد وصلتنا رسالة منه في الصباح التالي مباشرة ، يطلب منا الذهاب إلى منزل رقم 131 شارع بيت . فهرعت أنا وهولمز إلى هناك بأقصى سرعة ، ورأينا حشدا متجمعا أمام المنزل . وأثناء مرورنا بين المتفرجين ، كان من الواضح أن اللغز بات أكثر خطورة .
كان لستراد بالداخل ، فقال عندما رآنا : حسنا يا سيد هولمز . لقد تحول الأمر إلى جريمة قتل . هذا السيد هوراس هاركر ، مالك هذا المنزل ، ويعمل كذلك مراسلا صحفيا في إحدى الجرائد . « سيوضح لكما ما يعرفه .
كان هاركر يجلس مرتديا ملابس المنزل ، وتبدو على وجهه علامات الانزعاج الشديد .
قال هاركر : اعتدت طوال حياتي نقل أخبار أشخاص آخرين ، أما الآن ، فأغرب قصة شهدتها في حياتي تحدث في منزلي .
بحكم أنني صحفي ، أقوم بكتاباتي ليلا في أحيان كثيرة يا سيد هولمز . ولذا فإنني كنت أعمل الساعة الثالثة صباح اليوم في مكتبي بالطابق العلوي .
وحينها سمعت صوت شخص ما بالدور السفلي . أنْصت جيدا ، لكن ساد الصمت ثانية المنزل .
بعد ذلك بخمس دقائق ، سمعت صرخة مرعبة ، فأسرعت إلى الدور السفلي ، ووجدت النافذة مفتوحة .
لاحظت اختفاء تمثال نابليون النصفي من على الرف الموجود فوق المدفأة .
ليست لدي فكرة لماذا يمكن أن يأخذ لص هذه القطعة .
لقد اشتريتها منذ أربعة أشهر من هاردينج « برزرز بشارع هاي ستريت .
إنه مصنوع من الجبس ، ولا يساوي الكثير ،
أخذ هاركر نفسا عميقا وأكمل قائلا : ذهبت إلى الباب الأمامي ، وفتحته . وهناك عثرت على الرجل المقتول ممدا على درجات السلم الأمامية .
اتصلت بالشرطة التي وصلت « في الحال .
سأل هولمز : والرجل المقتول ؟ من هو ؟
أجاب لستراد : لا نعلم . لقد أبُعدت الجثة ، لكن يمكنني أن أقول لك إنه طويل القامة ، ذو بشرة سمراء ، وقوي للغاية ، سيئ الملبس ، ويبلغ من العمر حوالي ثلاثين عاما . وكان « هناك سكين بالقرب من الجثة ، وعثرنا على هذه الصورة الفوتوغرافية في جيبه .
كانت الصورة لرجل يبدو صارما ، وله حاجبان سميكان ، وذقن كبير .
سأل هولمز : وأين التمثال النصفي ؟
أجاب لستراد : في الحديقة الأمامية لمنزل قريب . يمكننا الذهاب إلى هناك الآن إذا أردتما ذلك >
تركنا السيد هاركر ، الذي قال إنه لا يزال ينبغي له أداء مهام وظيفته ، وتقديم تقرير عن حادث القتل إلى الجريدة التي يعمل بها .
سرنا في الشارع ، ووجدنا التمثال النصفي محطما على الحشائش .
التقط هولمز عددا من قطع الجبس ، وفحصها بعناية .
قال هولمز : حسنا ، نحن نعلم الآن أن الرجل الذي نبحث عنه قد أحضر التمثال النصفي إلى هذا الفناء لسبب ما . فهذا منزل خال ، ومن ثم فهو يعلم أنه لن يزعجه أحد فيه .
لكن هناك مبنى آخر خال أقرب إلى منزل السيد هاركر . لا بد أن الرجل المقصود قد حمل تمثال نابليون إلى هنا بسبب هذا المصباح الذي يضيء الشارع .
كان يرغب في « الخصوصية ،
قال لستراد : لكنه أراد أيضا أن يرى ما كان يفعله عند التفكير في الأمر ، نجد أن تمثالي السيد بارنيكوت قد حُطم كلاهما في مكان به إضاءة . لكن ما الذي يعنيه ذلك يا سيد هولمز ؟
أجاب صديقي : لست متأكدا أيها المفتش . هذا ما يجب علينا اكتشافه .
قال لستراد : يبدو ليّ أننا سنتوصل إلى إجابة عندما نعرف اسم الرجل المقتول .
قال هولمز : إذن ، سأدعك تتبع هذا الخيط . وفي هذه الأثناء سأبحث عن أجوبة في مكان آخر . بالمناسبة أيها المفتش ، عندما تتحدث مع السيد هاركر ، رجاءً أخبره أنني أعتقد أننا نتعامل مع شخص مجنون مدفوع في جرائمه بغضبه من نابليون . سيساعده ذلك في « كتابة مقاله .
سأل لستراد : لكنك في الحقيقة لست مقتنعا بذلك يا سيد هولمز ، أليس كذلك ؟
قال هولمز : ربما ، لكن قراء جريدة السيد هاركر سيجدون الأمر مثيرا . والآن لدينا عمل يجب أن نؤديه . أود الاحتفاظ بالصورة الفوتوغرافية التي عُثر عليها في جيب القتيل أيها المفتش . وإذا تمكنت من مقابلتي أنا وواطسون في شارع بيكر الساعة السادسة « الليلة ، يمكننا استكمال التحقيقات معا .
تركت أنا وهولمز شارع بِيت ، وتوجهنا إلى متجر السيد هدسون في طريق كينينجتون حيث حُطم أول تمثال لنابليون .
قال صاحب المتجر ردا على أحد أسئلتنا : نعم ، لقد بعت لدكتور بارنيكوت تمثالين نصفيين لنابليون . وقد اشتريت التماثيل الثلاثة من مصنع جيلدر وشركائه الكائن بشارع « تشرش حيث يصنعون التماثيل وغيرها من الأعمال الحجرية
قال هولمز : إذن ، فقد انتقلت تماثيل نابليون من مصنع جيلدر وشركائه إلى هذا المتجر ، ثم إلى منزل دكتور بارنيكوت .
ثم أظهر لهدسون الصورة الفوتوغرافية ، وقال له : هل تعرف هذا الرجل ؟
أجاب صاحب المتجر : نعم ، اسمه بيبو . كان يساعدني في المتجر فترة قصيرة ، لكنه ترك العمل الأسبوع الماضي ، ولم أره منذ ذلك الحين .
شكرنا السيد هدسون ، وغادرنا المتجر .
كانت نقطة توقفنا التالية هي مصنع جيلدر وشركائه . عندما وصلنا ، رأينا فناء مليئا بالتماثيل وقطع الأحجار . وبداخل المصنع كان هناك نحو خمسين رجلا يكدون في العمل .
وجدت أنا وهولمز المدير ، وسألناه عن تماثيل نابليون ، فأخبرنا أن التماثيل النصفية الثلاثة قد بيعت للسيد هدسون ، وكانت ضمن مجموعة مكونة من ست قطع . والقطع الثلاث الأخرى قد بيعت لهاردنج برزرز في شارع هاي .
شرح المدير كذلك كيفية صنع هذه التماثيل .
فقال إن الجبس يُصب في قالب فارغ كما يُصب الطمي في دلو . وما إن يجف الجبس حتى يُنزع القالب ليظهر التمثال النصفي النهائي .
أخبرنا المدير أن التماثيل النصفية التي نحقق بشأنها قد صُنعت في الغرفة التي كنا بداخلها ، ثم وُضعت في غرفة أخرى لتجف .
عندما أظهر هولمز الصورة الفوتوغرافية للمدير ، غضب المدير بشدة ، وصاح قائلا : إنه هو ! نعم ، أعرفه . اسمه بيبو . لقد كان يعمل هنا منذ سنة ، لكنه تورط في مشكلات مع الشرطة في أحد الأيام ، وطاردوه هنا حيث قبضوا عليه واعتقلوه .
ألُقي به في السجن« . لكنني لست متأكدا هل خرج الآن أَم لا . أعتقد أن ابن عمه يعمل هنا ، يمكننا أن نسأله .
صاح هولمز : لا ، لا ، لا تخبر ابن عمه بأي شيء . من المهم إبقاء الأمر سرا . لكن أيمكنك أن تخبرني متى بعت هذه التماثيل النصفية الستة ، ومتى ألقت الشرطة القبض على هذا الرجل ، بيبو ؟
نظر المدير في السجل ، وأخبرنا أن تماثيل نابليون الستة قد بيعت في الثالث من يونيو/حزيران العام الماضي . وقال إن الشرطة قد ألقت القبض على بيبو قبل ذلك مباشرة ، أي في نهاية مايو/أيار تقريبا .
ازدادت المطاردة إثارة . فنحن نعلم الآن أن الشرطة قد ألقت القبض على بيبو منذ أكثر من عام . وبعد ذلك بفترة قصيرة ، بيعت ثلاثة تماثيل للسيد هدسون ، ووصل اثنان منها إلى دكتور بارنيكوت . أما الثلاثة الأخرى ، فقد بيعت لمتجر آخر ، وهو هاردنج برزرز في شارع هاي ستريت .
ووصل أحدهم إلى هوارس هاركر . ونعلم كذلك أن بيبو قد أطُلق سراحه مؤخرا ، وذهب للعمل في متجر السيد هدسون .
كان من الواضح أن بيبو هو من يسعى وراء تماثيل نابليون .
بعد زيارتنا لمصنع جيلدر وشركائه ، تابعنا تعقب آثار تماثيل نابليون . وقادَنا التحقيق الذي أَجْريناه إلى متجر هاردنج برزرز .
قال السيد هاردنج : نعم ، لقد حصلنا على التماثيل النصفية من مصنع جيلدر وشركائه . وبيع أحدها للسيد هوراس هاركر ، بينما بيع الاثنان الآخران للسيد جوسيا « براون والسيد ساندفورد وأعطى للسيد هاردنج الصورة
قال هولمزالفوتوغرافية : حسنا ، وهل سبق لك رؤية هذا الرجل ؟
رد هاردنج قائلا : كلا ، لا يمكنني القول إنني قد رأيته من قبل .
قال هولمز : سؤال أخير : هل يمكن لأحد الاطلاع على سجلاتك ومعرفة إلى من بيعت « التماثيل النصفية ؟
أجاب هاردنج : أعتقد ذلك ، فأنا لا أحتفظ بسجلاتي في مكان مغلق بمفاتيح أو « أقفال .
حصلت أنا وهولمز على أجوبة لأسئلتنا ، وتوجهنا إلى المنزل لمقابلة لستراد .
وفي طريقنا إلى المنزل ، اشترينا إحدى الصحف ، وكان العنوان الرئيسي بها كان مقالا لهوراس هاركر جريمة قتل على يد مجنون
وداخل المقال كتب السيد هاركر أن الشرطة وشيرلوك هولمز يعتقدان أن هناك تفسيرا واحدا لجريمة القتل ، وهو أن شخصا مجنونا قد ارتكبها .
كان المفتش في شارع بيكر بالفعل عندما وصلنا ، وكان يومه مثمرا مثل يومنا .
قال لستراد : هذا صحيح يا سادة . فأنا أعرف اسم القتيل ، إذ يعرفه أحد الضباط بمقر الشرطة . اسمه بيترو فينوتشي ، وكان عضوا بإحدى العصابات الخطيرة الشهيرة .
أعتقد أن العصابة كانت تبحث عن الرجل الموجود في الصورة لسبب ما ، وكان فينوتشي « يحمل صورته لكي يعثر عليه ويقتله .
تابع لستراد حديثه قائلا : أعتقد أن فينوتشي اتبع ضحيته المقصودة ، ورآه وهو يدخل منزل هاركر ، ثم انتظر خارجه . وعندما خرج منه تعارك الاثنان .
لكن من لقى حتفه كان فينوتشي .
ثم قال وضحكة عريضة ترتسم على وجهه : ما رأيك في ذلك يا سيد هولمز ؟
صاح هولمز : رائع يا لستراد ! لكن ماذا عن التماثيل النصفية المحطمة ؟
سأل لستراد : هل لا تزال مهتما بالتماثيل النصفية ؟ إنني موقن تماما يا سيد هولمز ، أن كل ما أحتاجه هو استجواب أعضاء عصابة فينوتشي الآخرين ، وسوف يقودونني إلى « الرجل الموجود في الصورة الفوتوغرافية .
قال هولمز : أخالفك الرأي . فبدلا من مطاردة عصابة فينوتشي ، أعتقد أننا سنعثر على الرجل الذي نسعى وراءه في مكان آخر . لا يزال هناك تمثالان نصفيان متبقيين من المجموعة الأصلية المكونة من ستة تماثيل .
أحدهما بيع للسيد جوسيا براون ، والآخر للسيد ساندفورد .
سنعثر على رجُلنا في أحد منزلي هذين الرجلين .
قال هولمز : ونظرا لقرب منزل « السيد براون ، فأعتقد أن حظنا هناك سيكون أوفر رجاءً ، لتبق لتناول العشاء أيها المفتش . وبعد ذلك سنذهب جميعا لزيارة السيد براون .
هل تتكرم يا واطسون باستدعاء أحد سعاة البريد ؟ هناك خطاب مهم للغاية «… يجب أن أرسله .
غادرنا شارع بيكر في الساعة الحادية عشرة تلك الليلة ، ووصلنا سريعا إلى منزل جوسيا براون .
كان المنزل مظلما ، وكنت سعيدا بأن هولمز طلب مني إحضار سلاحي معي .
بدا أن الجميع قد خلدوا إلى النوم .
كان هناك مصباح واحد مضاء على باب جانبي ، ويلقي بدائرة من الضوء على ممشى الحديقة .
أما باقي الفناء ، فكان مظلما ، وانتظرنا بالخارج تحت ظل السياج .
لم نضطر إلى الانتظار طويلا . فبينما كنت أنا ورفيقي جاثمين في الظلام ، فتح أحدهم البوابة ، وأسرع في هدوء على طول طريق الحديقة ، ثم اختفى في ظلال المنزل . بعد مضي دقائق مابدا طويلة ، سمعنا صوت صرير منخفضا .
كان صوت نافذة تُفتح ، وبعد لحظات ، ومض ضوء مصباح داخل المنزل . لا بد أن الغريب قد عثر على ما كان يبحث عنه ، لأنه ظهر ثانية بالخارج على ممشى الحديقة .
وفي ظل الضوء الضعيف ، تمكنت من رؤية أنه كان يحمل شيئا تحت ذراعه .
جثا الرجل ، ووضع الشيء الذي كان يحمله على الأرض . وتبع ذلك صوت جبس يتحطم . في تلك اللحظة أسرع هولمز من بين الظلال ، وهاجم الغريب .
لحقت به أنا ولستراد ، وسرعان ما كان اللص مكبلا بالأصفاد .
أدرنا وجهه ناحية الضوء ، ورأينا أنه الرجل الموجود في الصورة .
راقبت أنا والمفتش الرجل الذي ألقينا القبض عليه بعناية .
في هذه الأثناء جثا هولمز على ممشى الحديقة . كان يفحص تمثال نابليون النصفي المحطم إلى مئات القطع .
أخذ يلتقط قطعة وراء الأخرى ، وحمل كلا منها في الضوء . في تلك اللحظة ، فُتح باب المنزل ، وظهر رجل . نظر هولمز إلى أعلى ، وقال : السيد جوسيا براون ، أليس كذلك ؟
أجاب الرجل : نعم ، لا بد أنك شِيرْلوك هولمز . لقد تلقيت رسالتك التي بعثتها مع ساعي البريد هذا المساء ، وفعلت ما طلبته مني بالضبط ؛ فأغلقت جميع الأبواب بالأقفال ، وأطفأت الأنوار ، وتأكدت من وجود أسرتي بالطابق العلوي . يسعدني أنك ألقيت القبض « على الرجل الذي كنت تسعى وراءه .
تقدم لستراد للأمام ، وقال : نعم ، والآن سآخذه إلى مركز الشرطة . أنا ممتن للغاية لك يا سيد هولمز ، لإنهاء هذه القضية .
قال هولمز : على العكس تماما يا لستراد ، فلم تُكتب النهاية بعد . إن تكرمت بزيارتي أنا ودكتور واطسون مساء غد في الساعة السادسة ، يمكن أن أوضح لك القصة كاملة .
عندما التقينا مساء اليوم التالي ، أخبرنا لستراد بما عرفه عن اللص .
كان يُدعى بيبو بالفعل ، وكان نحاتا ماهرا في الماضي ، لكنه اتجه إلى الجريمة في السنوات الأخيرة .
وقد صنع هذا الرجل ، الذي قبض عليه ، على الأرجح تماثيل نابليون الستة بنفسه أثناء عمله بمصنع جيلدر وشركاه . لكنه لم يوضح السبب وراء تحطيمه لها .
بدا على هولمز الملل ونفاد الصبر أثناء استماعه للمفتش ، ثم رن الجرس معلنا عن وصول زائر . سمحت صاحبة العقار ، السيدة هدسون ، للزائر بالدخول ، وانضم إلينا في الردهة .
كان رجلا عجوزا يعاني العديد من الحروق بجانب وجهه . وكان يحمل حقيبة كبيرة وضعها على الطاولة .
سأل الرجل : السيد شِيرْلوك هولمز ؟
أجاب هولمز : لا بد أنك السيد ساندفورد ؟
قال الزائر : نعم ، لقد تلقيت رسالتك ، وأتيت على الفور . لكنني لا أفهم كيف عرفت أنني أملك تمثالا نصفيا لنابليون ، ولا أفهم لماذا ترغب في شرائه مني ؟أنت تعلم بالتأكيد « أنني لم أدفع الكثير في مقابله ؟
قال هولمز : نعم ، سيد ساندفورد ، إنني أعلم . لكنني أرغب في امتلاكه والدفع في مقابله المبلغ الموضح في رسالتي .
هز الزائر كتفيه ، وفتح الحقيبة . أدخل يديه ، وأخرج تمثال نابليون النصفي السادس ، ووضعه على الطاولة .
وأخيرا ، رأينا التمثال الذي لم يسبق لنا رؤيته سوى محطما .
دفع هولمز للسيد ساندفورد المبلغ ، وشكره . وعندما غادر زائرنا المتحير ، راقبت أنا ولستراد هولمز مندهشين . فقد فرش قطعة قماش كبيرة على المائدة ، ووضع التمثال النصفي عليها . أخذ بعد ذلك قضيب تذكية النار المعدني من المدفأة ، وضرب التمثال فحطمه .
بعثر هولمز كومة القطع المتكسرة ، ثم التقط قطعة واحدة منها ، أمسك بها إلى أعلى ليراها ، وكان هناك جسم صغير دائري داكن اللون يبرز من الجبس الأبيض .
صاح هولمز قائلا : أيها السادة ، إليكما لؤلؤة البورجيا .
حدقنا أنا ولستراد كل منا في الآخر في صمت من شدة الذهول ، ثم أخذنا نصفق بقوة وكأننا قد شاهدنا أداء مسرحيا خلابا .
وتوردت وجنتا هولمز تعبيرا عن شعور نادرا ما كان يظهر عليه .
أوضح هولمز : هذه الجوهرة الثمينة ملك لأمير كولونا . سمعت عنها أول مرة منذ أكثر من عام ، عندما فُقدت من غرفة الأمير بفندق داكر . ولم يمكنني مساعدة الشرطة في البحث عن اللؤلؤة أو السارق . لكننا اشتبهنا في خادمة الأميرة ، وكانت امرأة تُدعى لوكريشيا فينوتشي . وأنا على يقين أن أخاها بيترو هو من قُتل في تلك الليلة ، ولن يدهشني الأمر إن عرفت أنها كانت تعرف صديقنا بيبو كذلك .
سألته« : لكن إذا كانت الخادمة هي من سرقت اللؤلؤة ، فكيف وصلت إلى هذا التمثال .
أجاب هولمز : لنتتبع ما حدث خطوة بخطوة ، بدءا من السرقة التي تمت منذ عام ، أخذت الخادمة اللؤلؤة ، وأعطتها لأخيها وبيبو للاحتفاظ بها وبيعها . بعد ذلك ، ولسبب ما ، لاحقت الشرطة بيبو . فأخذ اللؤلؤة معه ، وفر إلى مصنع جيلدر وشركائه . ومع اقتراب الشرطة ، رأى بيبو تماثيل نابليون الستة التي كانت تجف في المصنع . فأخذ واحدا منها ، وحفر حفرة صغيرة في الجبس اللين ، ووضع اللؤلؤة بداخلها ، ثم غطى ما فعله بمزيد من الجبس .
وألقت الشرطة القبض عليه ، واللؤلؤة مخبأة في مكان آمن .
عندما كان بيبو يقضي عامه في السجن ، بيعت التماثيل النصفية الستة .
فذهبت ثلاثة منها إلى متجر مورس هدسون ، فبيع اثنان لدكتور بارنيكوت . أما الثلاثة الأخرى ، فوصلت إلى متجر هاردنج برزرز حيث بيعت لهوراسهاركر ، وجوسيا براون ، والسيد ساندفورد .
أُطُْلِقَ بعد ذلك سراح صديقنا ، وكان ابن عمه لا يزال يعمل في مصنع جيلدر وشركاه ، وكان هو من اكتشف الأماكن التي وصلت إليها التماثيل .
تمكن بيبو من الحصول على وظيفة في متجر مورس هدسون ، وهناك حطم أول تمثال نصفي ليرى هل يحتوي على اللؤلؤة أم لا .
ولم تكن بداخله ، فعثر على تمثالي دكتور بارنيكوت ، وحطمهما أيضا . ولم يعثر على اللؤلؤة ، فاقتفى أثر تمثالي نابليون الآخرين وصولا إلى متجر هاردنجبرزرز ، وبحث في السجلات ليكتشف بيع أحد التمثالين النصفيين إلى هوراس هاركر ، والتقى في منزل السيد هاركر بشريكه القديم ، فينوتشي .
سأل المفتش : لكن لماذا قتل فينوتشي ؟ ولماذا كان مع فينوتشي صورة لبيبو ؟ فهو يعلم بالفعل شكله ؟
قال هولمز : لست متأكدا من سبب مقتل فينوتشي ؛ ربما سرق بيبو اللؤلؤة من فينوتشي ، وربما كانا شريكين ، لكن فينوتشي حمل الآخر مسئولية ضياع اللؤلؤة . أما بالنسبة للصورة الفوتوغرافية ، فمن المحتمل أن يكون فينوتشي قد استخدمها للبحث عن بيبو . فكان يريها للناس ويسألهم هل رأوا الرجل أَم لا .
تابع هولمز حديثه : ليس هذا مهما ، ما يهم أنني علمت أنه لن يتوقف حتى يعثر على اللؤلؤة . وقد جعلت السيد هاركر ينشر في تقريره الصحفي أننا نتعامل مع شخص مجنون ، واعتمدت على أن يقرأ بيبو الجريدة . وبهذه الطريقة ، سيعتقد أن بإمكانه السعي وراء التمثالين النصفيين الأخيرين بأمان .
كان منزل السيد براون الأقرب ، فبعثت إليه برسالة أخبرته فيها أن يطفئ جميع الأضواء ، ويحرص على تأمين الجميع في الطابق العلوي . وعندما توصلنا إلى الرجل الذي كنا نسعى وراءه ، ولم نعثر على اللؤلؤة ، علمت في الحال أن الكنز لا يمكن أن يوجد إلا في تمثال نابليون الأخير الذي يملكه السيد ساندفورد .
فبعثت إليه برسالة طالبا منه الحضور إلى شارع بيكر . والباقي تعلمانه ،
ختم هولمز حديثه قائلا وهكذا ، وصلت اللؤلؤة من فندق داكر إلى يدي .
صاح لستراد متعجبا : هذا مذهل يا سيد هولمز ، مذهل حقا ! لقد عملت معك في الكثير من القضايا من قبل ، لكنني لا أتذكر منها ما يجعلني فخورا بك أكثر من هذه المرة .
قال هولمز : .شكرا يا لستراد ، شكرا لك . إذا واجهت أية مشكلات بسيطة أخرى ، » : فأرجو أن تحيطني بها علما ؛ فسيسعدني توجيهك بنصيحة أو أكثر لحلها



تم ..



عن المؤلف
سير آرثر كونان دويل طبيب وروائي بريطاني وُلد عام 1859 في مدينة إدنبرة بإسكتلندا . اشتهر كونان دويل برواياته عن المحقق شِيرْلوك هولمز والتي تعد من أشهر ما كُتب في أدب الجريمة . تنوعت كتاباته ما بين الخيال العلمي ، والمسرحيات ، والكتابات الرومانسية ، والأشعار ، والأدب الواقعي ، والروايات التاريخية ، والكتابات الساخرة . درس الطب في جامعة إدنبرة ، وبدأ الكتابة أثناء دراسته حيث نُشرت أولى قصص ه قبل أن يتم عامه العشرين .