Advertisement

مغامرات روبين هود هاورد بيل

مغامرات روبين هود



مغامرات روبين هود

تأليف
هاورد بيل

ترجمة
فايقة جرجس حنا



مغامرات روبين هود

The Adventures of Robin Hood


هاورد بيل

Howard Pyle


الطبعة الثانية ????م
رقم إيداع ?????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ????????? فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org

بيل، هاورد
مغامرات روبين هود/هاورد بيل.
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

?- القصص الإنجليزية
أ- العنوان

???

رسم الغلاف: إيمان إبراهيم، تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.

Arabic Language Translation Copyright © 2011–2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
The Adventures of Robin Hood
All rights reserved.



تمهيد

روبين هود يصبح خارجًا عن القانون

منذ سنوات بعيدة، عاش في إنجلترا عندما كان يعتلي عرشها الملك الصالح هنري الثاني، رجلٌ ذائع الصيت خارج عن القانون، وكان يقطن غابة شيروود بالقرب من مدينة نوتينجهام، اسمه روبين هود.

الشاب القوي الذي يبلغ طوله ستة أذرع ذو العينين الزرقاوين اللامعتين لم يوجد من يرقى إلى مستواه في رشق السهام. ولم يوجد أصدقاء مثل الرجال الذين كانوا يجوبون الغابة بمعية روبين، يلعبون ألعاب الرماية ويصطادون الغزلان. وكان الناس في المدينة يحبون أن يتناقلوا القصة التي تحكي كيف أصبح روبين خارجًا عن القانون. وقد حدث الأمر كما يلي:

عندما كان روبين في الثامنة عشرة من عمره، عرض شريف نوتينجهام تقديم مكافأة لأمهر رامي سهام في الأرض، وكان روبين على يقين من أنه سيفوز، وعليه أخذ أفضل أقواسه وأفضل أسهمه وشق طريقه عبر غابة شيروود.

وكان الجو ربيعًا، والورود تفتّحت، والطيور تغرد على الأشجار مما أدخل البهجة إلى قلب روبين، فأخذ يصفر ويدندن أثناء ركضه في الغابة.

وفي ذلك الحين مرّ روبين بمجموعة من الرجال تحت شجرة بلوط قديمة، فحياه رجل ضخم يعصب إحدى عينيه قائلًا: «مرحبًا أيها الصبي الصغير! إلى أين تنوي الذهاب بلعبتك القوس وصغارك السهام؟»

استاء روبين لدى سماعه هذا وقال: «قوسي وسهامي جيدة جودة قوسك وسهامك، وأنا في طريقي إلى مدينة نوتينجهام حيث سأتبارى مع بقية الرجال الصالحين من أجل الفوز بجائزة رائعة.»

قال رجل آخر: «انظر ماذا يقول الصبي! يا ولد، أنت صغير على أن تنبت لك لحية، ومع ذلك تتباهى بالتنافس مع رجال أقوياء صالحين! أنت أضعف من أن تشد وتر القوس!»

حمى غضب روبين وقال: «انظر هنالك إلى قطيع الغزلان هذا، أراهنك بثلاثمائة جنيه على أنني أستطيع أن أردي أقوى هذه الظباء قتيلًا.»

قهقه الرجل المعصوب العين وقال: «وأنا أراهنك بثلاثمائة جنيه على أنك لن تصيب أي شيء.»

شد روبين وتر القوس ووضع طرف السهم على الوتر، وبعد أن سحب ريشة السهم حتى أذنه صوب السهم ورماه. طار السهم في الهواء صوب أقوى ظبي في القطيع الذي قفز لكن لم يستطع أن يتفادى السهم وسقط صريعًا على الأرض.

صاح روبين: «ما رأيك في هذه الرمية أيها الرفيق العزيز؟ أعرف بماذا راهنت، والآن أريد الثلاثمائة جنيه.»

زأر الرجل المعصوب العين المستشيط غضبًا: «لن أدفع لك شيئًا، واغرب عن وجهي قبل أن أبرحك ضربًا حتى لا تستطيع أن تمشي!»

صاح رجل آخر: «لقد قتلت أحد ظباء الملك! ولسوف يقطع رجاله أذنيك!»

صرخ رجل ثالث: «أمسكوه!»

فرد رابع: «لا، دعوه يذهب فهو صبي.»

لم ينبس روبين ببنت شفة، واستدار بعيدًا وبدأ يمشي.

كان كل شيء سيسير على ما يرام لولا أن الرجل المعصوب العينين أمسك بسهم وصوبه باتجاه روبين وهمهم قائلًا: «سوف أحثه على الإسراع.» ثم أطلق السهم.

مرّ السهم على بعد بضع بوصات من رأس روبين الذي همّ سريعًا بالدفاع عن نفسه، وصوب اتجاه الرجل بالمثل.

صرخ روبين: «لقد نعتني بأنني لست برامي قوس! والآن لتقولها مرة أخرى!» طار السهم إلى قلب الرجل مباشرة فسقط صريعًا على الأرض.

ركض روبين عبر الغابة بأسرع ما يمكن وقد فارقته السعادة التي كانت تغمره قبلًا وأخذ يفكر في نفسه: «ليته لم يتفوه بكلمة معي، ليتني ما سرت عبر هذا الدرب أصلًا، سأحمل هذا الذنب بقية عمري!

وهكذا عاش روبين في الغابة باعتباره خارجًا عن القانون؛ فقد أمات رجل بيده واصطاد أحد ظباء الملك. وقد حلف شريف نوتينجهام أن يلقي القبض عليه.

بمرور الوقت التقى روبين رجالًا آخرين كانوا قد هربوا إلى الغابة؛ بعضهم كان قد اصطاد غزلانًا نظرًا لتضور أسرهم جوعًا؛ والبعض الآخر ممن جُردوا من أراضيهم وأموالهم بالاحتيال عليهم. جميعهم حُسبوا خارجين على القانون ظلمًا. وفي غضون عام، اختاروا هم وربين زعيمًا لهم. وقد أقسموا أن يحاربوا الأشرار، وقطعوا وعدًا بألا يلحقوا ضررًا بطفل أو امرأة.

وبعد وقت قليل وضع الناس ثقتهم في روبين وأتباعه، مادحين إياهم ومتناقلين فيما بينهم حكايات مغامراتهم في غابة شيروود، وظلوا يتحاكون بهذه الحكايات حتى يومنا هذا.



الجزء الأول

روبين هود يخدع شريف نوتينجهام



الفصل الأول

روبين هود يلتقي بذراعه الأيمن

في صبيحة أحد الأيام، نهض روبين هود من نومه منزعجًا، فهرع إلى جدول المياه حيث يستحم رجاله وقال لهم: «لم يكن لدينا أي مغامرات على مدار أسبوعين كاملين، سأذهب إلى الغابة في محاولة لإيجاد أي متعة، وإذا احتجتكم فسأنفخ في بوقي ثلاث مرات، وعندما تسمعون هذا الصوت تركضون إلى بأقصى سرعة لديكم.»

وعندما شرع روبين في بدء مغامرته كانت الطيور تتشدق بالأنغام على الأشجار. مرّ روبين بأصحاب محال تجارية في طريقهم إلى مدينة نوتينجهام، ثم التقى فتاتين حسنتي الصورة فوقف ليتسامر معهما، وبعدها واصل مسيرته فرأى فارسًا يرتدي درعًا لامعًا.

انتهى الدرب عند حافة النهر، وكان يعترض مجرى النهر جسر مشاة ضيق لا يسع سوى رجل واحد، وبينما خطا روبين على هذا الجسر، إذ به يرى رجلًا غريبًا طويل القامة على الجانب المقابل. صرخ روبين: «تنح جانبًا حتى أمر.»

صرخ الغريب بصوت أجش: «لا، بل تنح أنت جانبًا حتى أمر أنا؛ فأنا الأقوى.»

صرخ روبين: «سنتحقق من هذا الأمر. استمر في الوقوف مكانك وستجد سهمًا مغروسًا في ضلوعك.»

رد عليه الغريب: «سأضربك إذا لمست وتر هذا القوس!»

ضحك روبين وقال: «تنهق كالحمار، لكنني أستطيع أن أرميك بسهم يخترقك بالتمام قبل أن تستطيع أن ترفع هراوتك ....»

رد عليه الغريب سريعًا: «وأنت تنهق كالجبان، أنت تقف هناك ومعك قوس شديد، أما أنا فلا أملك شيئًا سوى عصا خشبية.»

– «لم يسبق وأن نعتني أحدهم بالجبان من قبل، سأقطع لنفسي عصا ولنرى من هو الرجل الأقوى.»

رد الغريب: «سأنتظرك على أحر من الجمر.» اتكأ الغريب على هراوته وأخذ يصفر في الوقت الذي اتجه فيه روبين إلى الغابة ليأتي بعصاه.

قطع روبين عصا قوية من شجرة البلوط مستقيمة وخالية من العيوب. وفي الوقت الذي كان روبين يزيل فيه الأغصان والأوراق من العصا أخذ يتفرس في خصمه الذي كان أطول منه كثيرًا، إذ كان يبلغ طوله سبعة أقدام على الأقل. ومع أن روبين كان عريض المنكبين، كان الغريب أعرض منه بنحو عرض كفيّ يد.

وكان روبين لا يزال واثقًا من فوزه فصرخ قائلًا: «معي هراوتي الآن؛ هراوة قوية ومتينة. إذا كانت لديك الجرأة، فلاقني عند منتصف الجسر، وأول شخص يقع في الجدول هو الخاسر.»

أدار الغريب هراوته فوق رأسه في الهواء بسرعة كبيرة حتى إنها أصدرت صوت صفير، ثم قال: «لا أستطيع الانتظار.»

خطا روبين سريعًا على الجسر وهجم على خصمه، وتظاهر بأنه سيصوب ضربة نحو جسده لكنه سددها نحو رأسه، وكانت هذه الضربة من شأنها أن توقع الغريب في الماء لولا أنه صدها. رد الغريب الضربة لكن روبين صدها أيضًا، وبعد انقضاء ساعة من التناطح، كان كلاهما مصابًا بالكدمات والخدوش ومتوجعًا من الضرب.

أخيرًا ضرب روبين الغريب ضربة قوية في ضلوعه، فاختل توازنه لحظةً، ثم استعاد توازنه فأسدى ضربة قوية إلى رأس روبين فطنَّت أذنه على إثرها. حمي غضب روبين فهاجم الغريب، لكن الغريب تصدى للضربة ثم ضرب روبين مرة ثانية فوقع في الماء فصدر صوت قوي عن ارتطامه بالماء.


وعندئذ انفجر الغريب ضحكًا.

وأخذ روبين يضحك بالمثل وقال: «لم أجد في إنجلترا كلها رجلًا يحارب هكذا.»

أجابه الغريب: «وأنا لم أجد في إنجلترا كلها من هو أقوى منك.»

نفض روبين الماء عن بوقه ثم نفخ فيه ثلاث مرات، وفي ثوان معدودة سمع هو والغريب صوت وقع أقدام عبر الغابة. وصل ويل ستوتلي أولًا، وصرخ: «سيدي، أنت مبلل من أعلى الرأس وحتى أخمص القدمين!»

رد روبين: «لقد أوسعني هذا الرجل الضخم ضربًا وأوقعني في الماء.»

قال ويل: «إذن سيُبرح هو نفسه ضربًا وسيُغطس في الماء. أمسكوه يا رفاق!» وعلى الفور انقض عشرون رجلًا على الغريب الطويل القد.

صاح روبين: «لا، لا، توقفوا! إنه رجل صالح! رجل أمين! هل تقبل الانضمام إلى رجالي يا أخي العزيز؟ وستتقاضى أربعين جنيهًا في العام، وثلاث حلل من الصوف ذات اللون الأخضر الزيتي.»

أخذ الغريب يفكر ثم قال: «سأنضم إليكم في حالة واحدة؛ إذا كنت تتقن الرماية أفضل من المصارعة بالهراوة.»

طلب روبين من ويل أن يقطع قطعة لحاء أبيض من الشجر عرضها أربع بوصات ويثبتها في شجرة بلوط بعيدة، ثم قال للغريب: «إذا كنت تدعو نفسك رامي سهام، صوب على هذا الهدف.»

التقط الغريب سهمًا وقال: «إذا أخطأتُ الهدف، ففي وسعك أن تبرحني ضربًا بالقوس.»

رمى الغريب السهم الذي طار في خط مستقيم حتى أصاب الهدف في مركزه فقال: «أرني إذا كنت تستطيع أن تتفوق على هذا.»

رفع روبين قوسه وقال: «سنرى إذا كنت أستطيع أن أتفوق عليك،» ثم أطلق سهمه. انطلق السهم في خط مستقيم محدثًا صوت أزيز في الهواء وفلق سهم الغريب.

صاح الغريب في تعجب: «لم أر في حياتي كلها رمية كهذه!»

قال روبين: «إذن أهلًا بك في عصابتي. ما اسمك؟»

رد الغريب: «يطلق عليّ الرجال الصغير جون.»

رفع ويل عينيه نحو الرجل العملاق وبهت قائلًا: «الصغير جون؟» ثم ضحك واسترسل: «أظن أننا سندعوك جون الصغير.» وجعل روبين جون الصغير ذراعه الأيمن إذ لم يجد رجلًا أقوى أو أشجع منه.



الفصل الثاني

مباراة الرماية في مدينة نوتينجهام

كان شريف نوتينجهام يحاول الإيقاع بروبين هود، بيد أن روبين كان يجول بحرية عبر غابة شيروود، فكان الناس يسخرون من الشريف. وقد أقسم الشريف أن يعلق روبين هود في أعلى شجرة في نوتينجهام.

وكان الشريف يعلم أنه ما من أحد يستطيع السعي وراء روبين بمفرده، إذ كان هو نفسه يخشى غابة شيروود. وعندئذ قفزت إلى ذهنه فكرة؛ سينصب له فخًا، إذ يقيم الشريف مباراة في مدينة نوتينجهام ويعرض جائزة قيمة. قال الشريف في نفسه: «وعندما يأتي روبين هود ورجاله إلى المباراة، سيصبح في قبضتي.»

بعد قليل سمع روبين الأخبار فقال: «ما رأيكم يا رفاق، لقد أعلن شريف نوتينجهام عن مباراة رماية بمدينة نوتينجهام‏، وسيحوز أمهر الرماة سهمًا ذهبيًّا براقًا، أريد أن أفوز فالجائزة قيمة للغاية وسيسلمها شريفنا الحبيب بنفسه. استعدوا يا رفاق!»

وثب الشاب ديفيد الذي ينتمي إلى مدينة دونكاستر على قدميه وقال: «روبين، لقد جئت الآن من حانة بلو بور، ويقول الناس إن المباراة ما هي إلا فخٌ لك.»

لم يكن روبين يخشى الشريف فقال: «سنقابل الخداع بالخداع.» ثم أخبر رجاله بأن يتنكرون، فيرتدي البعض زيّ الرهبان، والبعض الآخر الملابس الرثة التي يرتديها الشحاذون، ويخبئ كل رجل فيهم سيفًا تحت ردائه. صرخ روبين: «ما رأيكم في خطتي أيها الرجال؟»

حضر كل شخص في نوتينجهام المباراة، وتجمع الرماة في خيمة بالقرب من ميدان الرماية، واتخذ الشريف وزوجته مقاعدهما فوقه، وعندئذ أُعلن عن بدء المباراة من خلال الأبواق الفضية.

مال الشريف إلى الأمام بحثًا عن روبين هود، ولم يكن الشريف قد رآه من قبل، لكنه كان على علم بأن روبين ورجاله يرتدون حللًا لونها أخضر زيتي، ولم يكن هناك من يرتدي اللون الأخضر الزيتي، فقال في نفسه: «لعله ما زال هنا، وقطعًا سيكون من بين الرماة العشرة الذين سيتأهلون للجولة الثانية، وفق ما أعرفه عنه.»

تبارى المتسابقون في الجولة الأولى، ولم يسبق أن رأى أي من قاطني نوتينجهام مثل هذا الرمي من قبل؛ إذ لم يخفق في إصابة الحلقة المركزية سوى ثلاثة أسهم فحسب. وعند الرمية الأخيرة، هتف الجمهور: «مرحى!»

ظل في ميدان الرماية الرجال العشرة الذين رموا أبرع الرميات، ستة منهم كانوا معروفين للجميع، واثنان من مقاطعة يوركشير، وغريب يرتدي حلة زرقاء ذكر أنه ينتمي إلى مدينة لندن، والرجل الأخير كانت كل ملابسه حمراء وكان يعصب عينه اليمنى.

بدأت الجولة الثانية، وساد الصمت بين الجمهور في الوقت الذي كان يصوب فيه كل الرماة، وعندما صوب الرجل الأخير، هتف الجمع مرة أخرى وأخذوا يصفقون.

والآن بقي في المباراة ثلاثة رجال، جيلبرت أوف ريد كاب، والثاني الغريب الذي كان يرتدي حلة قرمزية، والثالث آدم أوف ديل. هتف الجمهور: «يحيا جيلبرت أوف ريد كاب!» أو «يحيا آدم أوف ديل!» لكن لم يهتف أحد من أجل الغريب ذي الحلة القرمزية.

رمى جيلبرت سهمه أولًا، فطار في خط مستقيم، ورُشق السهم على بعد عرض إصبع واحد من مركز الهدف. هتف الجمهور: «جيلبرت! جيلبرت!» صفق الشريف بيديه قائلًا: «رمية جيدة!»

وبعدئذ حان دور الغريب ذي الحلة القرمزية، فشد وتر قوسه للخلف وصوب سهمه سريعًا. انطلق السهم في الهواء وأصاب الهدف فكاد أن يكون سهمه أقرب إلى المركز من سهم جيلبرت.

فغر الشريف فاه في ذهول قائلًا: «أقسم أنها كانت رمية مذهلة!»

شد آدم قوسه بحذر، فأصاب سهمه الهدف بالقرب من سهم الغريب. صوب الرجال الثلاثة سهامهم من جديد، فكان سهم آدم هو الأبعد عن المركز، ومرة أخرى كانت رمية الغريب ذي الحلة القرمزية هي الأبرع.

أخذ كل من الرجال الثلاثة استراحة قصيرة، وعندئذ استعد جيلبرت للرمي مرة أخرى، فصوب سهمه بحذر الذي كاد أن يكون في المركز تمامًا.

هتف الشريف: «أحسنت يا جيلبرت! أثق أن الجائزة ستكون من نصيبك. والآن أيها الوغد ذي الملابس القرمزية الرثة، لترينا رمية أمهر.»

شد الغريب قوسه، وأمسك به لحظة، ثم أطلق سهمه فأصاب مركز الهدف بالضبط، بالقرب من سهم جيلبرت حتى إنه أصاب ريشة من طرف السهم. ذُهل الجميع ذهولًا تامًّا حتى إنه لم يستطع أي شخص أن ينبس ببنت شفة، وأخذ الجميع يحدق بعضهم في بعض في دهشة.

هز آدم رأسه ثم أرخي وتر قوسه وقال: «لقد رميت سهمي الأخير لهذا اليوم، وما من أحد يستطيع أن يرمي رمية أبرع من تلك التي رماها هذا الغريب ذو الزيّ الأحمر.»

أسرع شريف نوتينجهام‏ بالسهم الذهبي وقال: «تفضل يا رفيقي العزيز، لقد حصلت على جائزتك بإنصاف. ما اسمك؟»

أجاب الغريب ذو الزيّ القرمزي: «يناديني الناس باسم جوك أوف تيفيتودال.»

قال الشريف: «أقسم أنك أبرع بطل رماية رأيته في حياتي كلها، وأنا على يقين من أنك أبرع من هذا الجبان الذي يُدعى روبين هود الذي لم يجرؤ على أن يأتي إلى هنا اليوم. اسمح لي أن أتشرف باستضافتك؟»

أجاب الغريب: «لا، لن أسمح لك، لن يتسلط عليّ أي رجل في إنجلترا بأكملها.»

صرخ الشريف الحانق: «اغرب عن وجهي الآن! سأوسعك ضربًا.» ثم استدار الشريف سريعًا وسار بشموخ بعيدًا عنه.

تجمع الرجال في هذه الليلة في الغابة لعمل وليمة رائعة في الغابة، ونزع روبين عنه سترته القرمزية وعصابة العين وقال: «إنني في حيرة من أمري ولا أعرف ماذا أفعل. لقد قال الشريف عني إنني جبان؛ كيف أعرفه من الذي فاز بالسهم الذهبي؟»

رد جون الصغير: «لا تقلق يا سيدي؛ سأبعث أنا وويل ستوتلي برسالة إلى الشريف.»

وفي اليوم التالي، وبينما كان الشريف يتناول العشاء بمعية زوجته، إذ بخادم يندفع نحو غرفة الطعام ويحمل في يده سهمًا، مربوط عند رأسه رسالة ملفوفة. فتح الشريف الرسالة وقرأ الآتي:

لتحل بركة السماء على الشريف اليوم

هكذا يهتف الجميع في شيروود

لقد منحت جائزتك

إلى روبين هود.


قبض الشريف يده بشدة وصرخ: «من أين جاءت هذه الرسالة؟»

تلعثم الخادم في رعدة قائلًا: «م-م-من النافذة، سيادتك.»

زأر الشريف: «سأعلق هذا الوغد الصعلوك على أطول شجرة في شيروود.»



الفصل الثالث

نجاة ويل ستوتلي

حمي غضب شريف نوتينجهام في الأيام التالية؛ إذ كان واثقًا تمام الثقة من أن فخه سوف ينجح، وقال في نفسه: «لقد جربت استعمال القانون، وجربت استعمال الخداع، والآن سأستخدم القوة.»

قصد ثلاثمائة رجل غابة شيروود، وكان الشريف قد عرض مكافأة مئة جنيه على من يتمكن من إلقاء القبض على روبين هود. أخذ الرجال يجوبون الغابة على مدار سبعة أيام بحثًا، بيد أنهم لم يروا رجلًا واحدًا يرتدي ملابس ذات لون أخضر زيتي، إذ وصلت أخبار خطة الشريف إلى روبين هود عن طريق حانة بلو بور.

فكر روبين في بادئ الأمر في أن يخوض غمار المعركة، إذ كان يعلم أن رجاله أقوى من رجال الشريف، لكنه قرر في أخر الأمر أن يختبئ إلى أن يزول الخطر. قال روبين لرجاله: «لقد قتلت رجلًا ذات مرة، ولا أرغب في أن أفعل هذا مجددًا، لأن هذا حمل ثقيل على النفس، لذا سنختبئ في الغابة حتى لا يُضر أحد منا، ولا نضر أحدًا.

اختبئ روبين ورجاله طيلة سبعة أيام وسبع ليال، وفي صباح اليوم الثامن سأل رجاله: «من سيذهب ليتفقد ماذا يفعل رجال الشريف الآن؟»

صارت جلبة عظيمة بين الرجال، وأخذ كل واحد منهم يلوح بقوسه في الهواء، فانشرح صدر روبين فخرًا برجاله وقال: «يا لكم من زمرة شجعان، سأختار ويل ستوتلي لأنه ماكر مكر الثعلب.»

تنكر ويل في زيّ راهب، مرتديًا الثوب البني فوق الزيّ الخاص برجال روبين، وقد ثبت في جنبه سيفًا حادًّا عريض النصل يغطيه الثوب، ثم قصد حانة بلو بور إذ كان يعلم أنه لا بدَّ أن تكون لدى صاحب الحانة أخبار.

عندما بلغ ويل الحانة، كان هناك بعض من رجال الشريف، لم يخش ويل منهم، بل تقدم وجلس على إحدى الطاولات. وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه صاحب الحانة، احتكت قطة ضخمة بقدم ويل، فأزاحت ثوب ويل إلى أعلى بدرجة كافية حتى إن ملابسه الخضراء التي يرتديها تحت الملابس التنكرية ظهرت.

شدّ ويل ملابسه بسرعة إلى أسفل مرة أخرى، لكن بعد فوات الأوان؛ إذ لمح أحد رجال الشريف ومضة اللون الأخضر فسأل ويل: «أخبرني يا أبي، أين ستذهب في حرّ هذا الصيف؟»

أجاب ويل: «أنا متجه لزيارة الأماكن المقدسة في مدينة كانتربيري.»

قال الرجل ساخرًا: «وهل يرتدي كل زوار الأماكن المقدسة ملابس ذات لون أخضر زيتي تحت أثوابهم؟ أنت لست راهبًا، وإنما أحد رجال روبين هود!»

انقض الرجل التابع للشريف على ويل شاهرًا سيفه لينال منه، على الفور استل ويل سيفه، لكن بعد فوات الأوان؛ إذ جرح الرجل ويل، فأُصيب ويل بدوار، فجره بقية الرجال من رجليه وسحبوه على الأرض.

أرسل صاحب الحانة ابنته إلى روبين هود محملة بالأخبار فأخبرته قائلة: «قُبض على ويل ستوتلي، وسيُشنق غدًا.»

رد روبين: «لن يُشنق غدًا، وإن حدث هذا، فسيدفع الشريف الثمن.»

بوّق روبين في البوق، فجاء رجاله مهرولين، وأخبرهم الأخبار السيئة قائلًا: «لا بدَّ أن نأخذ أقواسنا وسيوفنا ونسرع لإنقاذه. أعرف أننا لا بدَّ أن نجازف بأرواحنا في سبيل إنقاذ ويل، كما جازف هو أيضًا بحياته من أجلنا.»

وفي باكر صباح اليوم التالي، وصل روبين ورجاله مدينة نوتينجهام، وقد انتظروا خارج بوابات المدينة حتى بعد الظهيرة. أخذ الجمع يتجمهرون، وكان الكافة يعلمون أنه سيُشنق ويل ستوتلي الشجاع اليوم.

أخيرًا اندفعت عربة عبر البوابات عليها ويل ستوتلي، وكان الشريف يركب إلى جانبه. تلفت ويل حوله بحثًا عن وجوه أصحابه، غير أنه لم يستطع رؤيتهم. غاص قلبه بداخله مثل الحجر الذي يغوص في المياه.

قال ويل للشريف: «أعطني سيفًا ودعني أدافع عن نفسي، أنا جريحًا بالفعل، لكنني سأحاربك أنت ورجالك حتى النفس الأخير.»

صاح الشريف في ازدراء: «لن تحصل على أي سيوف، أنت مجرم، ولسوف تموت ميتة شنيعة.»

طلب إليه ويل: «إذن فكّ قيودي وسأدافع عن نفسي دون أي سلاح.»

صرخ الشريف: «ستموت الآن أيها الوغد الصعلوك. ستُشنق في تمام هذه الساعة.»

صرّ ويل بأسنانه وصرخ: «أنت جبان! إذا لقيك روبين هود في أي وقت، فسيدفعك الثمن غاليًا. إنه يحتقرك شأنه شأن كل الرجال البواسل. ألا تعرف أن اسمك مثار سخرية كل رجل شجاع؟»

صرخ الشريف وهو متقدًا بالغضب: «ها أنا ذا مسار سخرية لسيدك؟ سأمزقك إربًا بعدما أعلقك!»

عندما بلغت العربة المشنقة، لم يستطع ويل ستوتلي أن يتمالك دموعه، فنكس رأسه كي يخفي دموعه عن الشريف الجبان، وعندما رفع رأسه مرة أخرى، أخذ قلبه يتراقص من شدة الفرح؛ فمع أن نظره كان مغشيًّا، استطاع أن يلمح أصدقاءه يحتشدون على مقربة، وعندئذ رأى سيده روبين هود. لم يستطع ويل أن يتمالك فرحه.

قفز جون الصغير على العربة وقطع الحبال التي توثق يدي ويل، صوب الشريف سيفه نحو رأس جون الصغير الذي انحنى لأسفل، وعلى الفور، ضرب سيف الشريف بسيفه فأجبر الشريف على أن يوقع سيفه. قذف جون بالسيف إلى ويل وقال له: «ويل، لقد أعارك الشريف سيفه!»

صرخ الشريف في الحراس: «أمسكوهم!» وعندئذ صفر صوت سهم يطير في الهواء على بعد بوصة من رأسه، فأخذ الحراس المرتاعون يتقهقرون.

صرخ الشريف في رجاله كي يصمدون ثم ركض هو نفسه.

صرخ فيه ويل: «قف مكانك.» ثم التفت إلى جون الصغير وشكره قائلًا: «لم أتوقع أن أراك اليوم، أو أي يوم آخر، قبل أن نلتقي في السماء. أنت صديقي الصدوق.»

ومع أنه لم يمت أحد في هذا اليوم، جُرح عدد كبير من رجال الشريف، مما بث الرعب في نفس الشريف، ففكر في نفسه قائلًا: «لا يهاب أولئك الرجال شيئًا. وقريبًا سأخسر منصبي قبل حياتي، لذا سأدعهم وشأنهم.»



الفصل الرابع

روبين هود يعمل جزارًا

لم يبرح روبين هود ورجاله غابة شيروود طيلة عام كامل بعد إنقاذ حياة ويل ستوتلي. وكلما التقوا بأحد الكهنة أو ملاك الأراضي الأُثرياء في الطريق عبر شيروود، كانوا يأخذونه إلى مكان إقامتهم تحت شجرة جرين وود الضخمة، وهناك يقيمون وليمة كبيرة للرجل الذي يأسرونه، وبعد تناول الطعام كانوا يحملونه عادة على دفع كل ما معه من مال.

وفي صبيحة أحد الأيام، خرج روبين بحثًا عن مغامرة جديدة، ولما بلغ حافة الغابة لمح جزارًا وعربته التي يجرها خيل محملة باللحوم، وكان الجزار يصفر في نشوة وطرب وهو يسوق عربته.

قال روبين: «مرحبًا يا رفيقي العزيز، من المؤكد أنك سعيد.»

رد الجزار: «نعم، هذا حقيقي، أنا سعيد، وأتمتع بوافر الصحة، واليوم مبهج. أيضًا أنا واقع في غرام أجمل فتاة في نوتينجهامشير، وسأتزوج منها يوم الخميس المقبل في مدينة لوكسلي.»

أجابه روبين: «لقد وُلدت وترعرعت في مدينة لوكسلي، وأعرفها معرفة جيدة. إلى أين تنوي الذهاب في هذا الصباح المشرق؟»

– «أنا ذاهب إلى مدينة نوتينجهام كي أبيع اللحم البقري واللحم الضأن. ومن أنت أيها القادم من مدينة لوكسلي؟»

ابتسم روبين وانحنى انحناءة خفيفة قائلًا: «أنا اسمي روبين هود.»

صرخ الرجل قائلًا: «يا إلهي! أعرف هذا الاسم تمام المعرفة. أستحلفك ألا تأخذ مني أي شيء، فأنا رجل أمين، ولم أؤذِ أي شخص.»

ضحك روبين هود قائلًا: «ما كنت لآخذ بنسًا واحدًا من رجل أمين مثلك، ولا سيما أنك وُلدت في مدينة لوكسلي! لكن أخبرني بكم تبيع عربتك، وحصانك، ولحمك؟»

فكر الجزار لحظة وقال: «حسنًا، قيمة العربة والحصان واللحم معًا أربعة جنيهات.»

مدّ روبين يده في جرابه وأخرج ستة جنيهات وقال: «أرغب في أن أشتري عربتك، وأصير جزارًا مدة يومٍ واحد، فهل تبيعها لي؟»

صرخ الجزار: «لتحل عليك بركة جميع القديسين!» ثم قفز سريعًا من على العربة وخطف بسرعة النقود التي كان يلوح بها روبين في وجهه.

قهقه روبين بشدة وقال: «والآن ارجع إلى حبيبتك وقبلها نيابة عني.» ثم قفز روبين إلى مقعد السائق، وضرب الحصان باللجام، فهرول الفرس عبر الغابة.

وعندما بلغ روبين سوق نوتينجهام، نصب طاولة البيع وسط الجزارين الآخرين. وبعدما أخذ يسن ساطوره بسكينه، بدأ يغني قائلًا:

أقبلن يا صبايا، أقبلن يا نساء،

ابتعن اللحم مني، كأرخص الأشياء،

بثلث قدره، واشتر ما تشاء.

وعندما انتهى من أغنيته، أخذ ينادي بصوت مرتفع: «والآن من سيشتري مني؟ سأبيع اللحم الذي قيمته ثلاثة بنسات بستة بنسات للراهب البدين لأنني لا أريد التعامل معه، وسأبيع اللحم الذي قيمته ثلاثة بنسات ببنس واحد فقط للنساء الجميلات، لأنني «أحبذ التعامل معهن»، وسأبيعه للصبية الجميلة التي تحب الجزار الطيب، مقابل لا شيء سوى قبلة لأنني أحب التعامل معهن أكثر من الجميع.»

احتشد الجمع الضاحك حوله، وكان اللحم عالي الجودة، وسعره رائعًا للغاية كما رأت نساء وصبايا مدينة نوتينجهام. ولم يكن روبين يأخذ أي نقود من الأرامل أو النساء الفقيرات مطلقًا، وإن جاءته فتاة صغيرة جميلة، كان يأخذ منها قبلة فقط.

ظن بعض المتفرجين أنه لص سرق العربة واللحم، بيد أن اللص ما كان ليهب اللحم بالمجان. أخيرًا خلص الجميع إلى أن روبين لا بدَّ أن يكون ابن لأحد الأثرياء رأى متعة في توزيع ماله.

سار بعض من الجزارين الآخرين الذين تملكهم الفضول نحو طاولة روبين ودعوه للعشاء معهم: «هيا يا أخانا، ندعوك للعشاء معنا، سنقيم وليمة كبيرة لشريف نوتينجهام في القاعة العظيمة جايلد هول.»

أجاب روبين وهو يرفع قبعته معبرًا عن ترحيبه بدعوتهم: «يسرني أن أتناول العشاء معكم.»

كان الشريف متلهفًا لأن يرى ذلك الجزار الذي وزع اللحم بالمجان. فلعله يستطيع أن يحتال عليه في بعض المال. ولم يكن الشريف قد رأى روبين سوى مرتين في عجالة، من ثم لم يستطع أن يتعرف إلى الشاب الصغير عندما دخل القاعة.

وعندما قُدم العشاء، طلب الشريف من روبين أن يبارك الطعام، فصلى روبين قائلًا: «لتحل بركات السماء علينا الآن، وعلى اللحم الجيد والشراب بهذا البيت، وليكن كل الجزارين أمناء مثلي.»

ضحك الجميع ولا سيما الشريف. قال الشريف في نفسه: «لا بدَّ أنه ابن لأحد الأثرياء، لربما أتمكن من الحصول على بعض المال منه.» ثم ربتّ الشريف على كتف روبين وقال: «يا لك من ولد ظريف.»

رد روبين: «أعرف أنك تحب الشباب الظرفاء، ألم تقم مباراة رماية؟ ومنحتَ روبين هود سهمًا ذهبيًّا براقًا جائزة له؟»

ارتد الشريف إلى الوراء ولم ينبس ببنت شفة. عندئذ صرخ روبين بصوت مرتفع: «سأدفع تكاليف هذه الوليمة، لن يلمس أحد؛ لا الشريف ولا أحد من الجزارين كيس نقوده هذه الليلة.»

قال الشريف: «أنت تنفق مالك بلا حساب أيها الشاب؛ لا بدَّ أنك تملك الكثير من الأراضي والمواشي.»

رد روبين: «لدي أكثر من خمسمائة رأس ماشية لا تُقدر بثمن، ولولاها ما صرت جزارًا.»

طرف الشريف بعينيه وقال: «ربما بمقدوري أن أساعدك. كم تريد مقابل حيواناتك؟»

قال روبين: «خمسمائة جنيه.»

قال الشريف مترددًا: «خمسمائة جنيه مبلغ كبير للغاية ... سأعطيك ثلاثمائة جنيه.»

ضحك روبين ساخرًا: «أيها المحتال الكبير، خمسمائة رأس ماشية قيمتها سبعمائة جنيه؛ كيف تخدع شابًّا مسكينًا مثلي؟ لا تنظر إليّ باشمئزاز. سأقبل عرضك. أعيش أنا وإخوتي حياة يسودها الطرب والجذل، والحياة المرحة تتطلب وجود المال، سأصطحبك لترى حيواناتي اليوم، لكن لا بدَّ أن تجلب معك المال، فأنا لا أثق في شخص يساوم بشدة هكذا.»

قال الشريف: «سأجلب النقود معي. ما اسمك؟»

أجاب روبين: «اسمي روبرت أوف لوكسلي.»

قال الشريف: «روبرت أوف لوكسلي، سآتي اليوم لأشتري ماشيتك، لكن ليكن في معلومك إنك لن تحصل على النقود قبل أن أحصل على البهائم.»

صدق روبين على كلامه: «كلامك في محله.»

وفي وقت لاحق من بعد ظهر هذا اليوم انطلق روبين والشريف، وبعدما قطعا مسافة صغيرة، رأى الشريف طرف غابة شيروود فدعا قائلًا: «لتحفظنا السماء من روبين هود.»

رد عليه روبين: «لا تقلق أيها الشريف الطيب، فأنا أعرف روبين هود معرفة وثيقة، وأنا لا أقل خطرًا عنه.»

ارتعدت فرائص الشريف وقال في نفسه: «يبدو أن هذا الشاب صديق مقرب من روبين هود.»

رحلَا معًا إلى داخل الغابة عبر طريق متعرجة، وعندما انعطفا عبر منحنى، وجدا قطيعًا من الغزلان يتبختر أمامهما، مال روبين على الشريف وقال: «هذه هي بهائمي يا سيدي، ألا تجدها رائعة؟»

توقف الشريف على حين غرة وقال: «لا أرغب في صحبتك، ابتعد عني.» ثم أخذ الشريف يستدير، بيد أن روبين أوقفه.

قال روبين: «مهلًا، أود أن تلتقي بإخوتي، ثم رفع بوقه ونفخ ثلاث مرات. على الفور كان هناك مئة من رجال روبين يركضون عبر الدرب بقيادة جون الصغير.

قال جون الصغير: «ما الخطب يا سيدي الصغير؟»

أجاب روبين: «لقد دعوت صحبة جيدة إلى وليمتنا. ألا تعرف سيدنا شريف نوتينجهام؟»

رفع الرجال قبعاتهم احترامًا، وازداد الشريف تجهمًا؛ إذ أدرك أن روبين سوف يسلبه الثلاثمائة جنيه التي بحوزته، وخاف أن يسلبه حياته أيضًا؛ لأنه حاول أن يلقي القبض على روبين هود من قبل، كما حاول أن يشنق ويل ستوتلي. قبض جون الصغير على ذراع الشريف برفق لكن بإحكام، وقاده عبر الغابة.

أخيرًا بلغوا مكانًا فسيحًا في الغابة حيث تبسط شجرة بلوط ضخمة أغصانها الكبيرة، وتحت شجرة جرين وود وضع الرجال متكآت من العشب، ورافق روبين الشريف إلى أحد المقاعد. ولم يتفوه أحد بشيء بخصوص المال، ففكر الشريف في نفسه قائلًا: «لعله نسى أمر المال.»

وصل الطعام — لحم غزال طازج وخبز— وأكل الجميع حتى الشبع. ولما أنار القمر ظلام الليل، تثاءب الشريف وقال: «أشكركم على هذه الأمسية الرائعة، لكن الوقت تأخر، وأنا مضطر أن أرحل.»

صافح روبين الشريف وقال: «أرحل إن كنت مضطرًا، لكن فاتك شيء ما؛ نحن ندير حانة الجذل والطرب هنا في الغابة، وأي شخص نستضيفه هنا لا بدَّ أن يسدد فاتورته.

ضحك الشريف ضحكة جوفاء وقال: «حسنًا، لقد أمضينا وقتًا طيبًا. حتى لو لم تطلب لأصررت أن أعطيك عشرين جنيهًا مقابل الطعام.»

قال روبين بجدية: «لا. لا يليق أن أطلب منك أقل من ثلاثمائة جنيه.»

أخذ الشريف يجعجع: «ثلاثمائة عفريت! أتظن أن طعامك النتن يستحق ثلاثة جنيهات، ما بالك بثلاثمائة جنيه؟»

رد روبين على نحو صارم: «انظر حولك، ثمة رجال لا يحبونك مثلي؛ هاك ويل ستوتلي الذي حاولت أن تشنقه، ادفع ما عليك في الحال دون تلكؤ أو ثرثرة وإلا ستندم.»

ازداد وجه الشريف اصفرارًا، وعض على شفته السفلى، ثم بلغ كيس نقوده وأعطاه لروبين الذي مرر الكيس إلى جون الصغير وطلب منه أن يعد النقود. وكان الشريف يجفل مع كل قطعة نقود كما لو كانت قطرة من قطرات دمه.

وعندما انتهى جون من عد النقود قال روبين: «لم يمر علينا ضيف بهذا الكرم من قبل! ولأن الوقت قد تأخر فسأبعث بأحد رجالي ليرشدك في الطريق.»

اعترض الشريف قائلًا: «لا، لا يمكن. أستطيع أن أشق طريقي بنفسي.»

أصر روبين: «سأوصلك بنفسي إلى الطريق الصحيح.» ولما سارا في الطريق حذر روبين الشريف من محاولة خداع الشباب، ثم قال روبين له: «لا تشتر حصانًا قط دون أن تتحقق من عمره أولًا.»



الجزء الثاني

دبّاغ بلايث وويل سكارليت ينضمان إلى رجال روبين



الفصل الخامس

جون الصغير يقاتل دبّاغ بلايث

ازداد وزن جون الصغير قليلًا على مدار الشتاء، وكان روبين يوبخه باستمرار وقد مازحه في صبيحة أحد الأيام قائلًا: «لقد ترهلت عضلات بطنك.»

رد عليه جون بالمثل: «ربما صارت عضلات بطني مترهلة قليلًا يا سيد روبين، لكنني لست ضعيفًا إلى حد ألا أستطيع أن أُوقع رجلًا من أعلى جسر الغابة.» ضحك الرجال وتذكروا اللقاء الأول لجون وروبين.

قهقه روبين هود قائلًا: «لعلك على صواب، لكنني ما زلت زعيم هذه الفرقة، وقد تذكرت الآن أنني أحتاجك في مهمة؛ فبعض الرجال بحاجة إلى الملابس الجديدة، وقد كاد ينفد ما لدينا من القماش الأخضر الزيتي، ولا بدّ أن تشتري قماشًا. وأنا واثق من أن المشي إلى منطقة أنكستر سيكون نافعًا لك.» وأعطى روبين جون الصغير المال ثم أطلقه في طريقه.

وعلى الرغم من حجم جون الصغير العملاق، فإنه كان يتصرف أحيانًا كالطفل الصغير، وكان روبين هود يحب جون الصغير، لكنه كان يعلم أن ذراعه الأيمن يميل إلى الكسل أحيانًا، لذا تتبعه روبين عن بعد كي يتأكد من أنه أنجز المهمة في حينها.

وكان اليوم مشرقًا، يسبح في السماء عدد قليل من السحب الصغيرة البيضاء المنتفخة. وكان جون الصغير مسرورًا بالعودة إلى الغابة مرة أخرى. وبينما كان يسير الهوينا، رأى قطيعًا من الغزلان تهرول فوق التل. وقد أعجب هذا المشهد جون الصغير، وكان القانون ينص على أن الغزلان حكر للملك هنري وحده ولا يجوز لأي شخص أن يصطادها بدون تصريح من الملك، لكن جون الصغير شعر أن الغزلان تخص روبين ورجاله تمامًا كما تخص الملك.

ولما بلغ جون القطيع، لمح رجلًا يختبئ بجانب الطريق، فنادى: «من ذا الذي يتجرأ على صيد غزلان الملك؟»

رد عليه الغريب: «اسمي آرثر إيه بلاند من مدينة بلايث، وحرفتي دباغ، ولست ممن يصطادون بدون إذن، ولا أقترف أي أخطاء.»

ولم تكن هذه الحقيقة كاملة؛ حقًّا لم يكن بحوزة بلاند أي أقواس، لكنه قام مرارًا وتكرارًا بصيد غزلان الملك وقتلها. وقد استمتع آرثر إيه بلاند بمذاق لحم الغزلان شأنه في ذلك شأن أي رجل.

أجاب جون الصغير المرتاب في كلام بلاند: «تبدو كالمجرم، يغلبني الظن أنك لص!»

رد آرثر إيه بلاند: «هذا افتراء.»

دمدم جون الصغير: «حقًّا؟ سأضربك ضربًا لن تنساه ما حييت! والآن أمسك بهرواتك لأنني لا أضرب رجلًا أعزل.»

أخذ الرجلان يقترب أحدهما من الآخر بتؤدة، ويحوم أحدهما حول الآخر مثل الكلاب المسعورة قبل أن تشتبك في العراك. ولم يكن بلاند طويلًا مثل جون، لكنه كان محنكًا في استخدام الهراوة.

بعد لحظات معدودة سدد جون ضربةً، فأصدرت الضربة صوتًا عاليًا عندما اصطدمت بهرواة بلاند. رد بلاند الضربة التي صدها جون أيضًا، وبدأ القتال يحتدم بينهما.

وعندئذ فقط أدركهما روبين هود، وتطرقت إلى مسامعه الضربات المدوية كالرعد، فجثم وراء شجرة ليشاهدهما. ضحك روبين وقال في نفسه: «كنت سأدفع ثلاثة جنيهات ذهبية لأرى هذا الرجل يضرب جون الصغير. لعله سيلقنه درسًا لتحوله عن المهمة التي خرج من أجلها.»

واصل الرجلان عراكهما حتى إن أقدامهما نحتت أرض الغابة من تحتهما؛ إذ كانا يقتلعان كومات من التربة كلما تصدى أحدهما للآخر لأعلى ولأسفل بهراوتيهما. قال روبين هود في ذهول: «لم يسبق لي أن رأيت أحدًا يقاتل جون الصغير على هذا النحو من قبل.»

استمر القتال ما يقرب من ساعة، ولكن عندئذ أخذ جون الصغير يتخاذل؛ فالوزن الزائذ الذي كان يثقل بطنه جعله يتباطأ وبدأ يشعر بالإنهاك.

أخيرًا سنحت الفرصة لجون الصغير؛ إذ تراجع للخلف قليلًا، ثم أسدى ضربة بكل ما أوُتي من قوة. وكانت الضربة شديدة القوة، لكن آرثر إيه بلاند كان يرتدي قبعة سميكة مصنوعة من جلد البقر. ثم تعثر عندما ضربه جون على رأسه، لكنه لم يغب عن الوعي، ولمّا همّ جون بضربه ثانية، استعاد بلاند توازنه وضرب جون أولًا. طرحت الضربة جون الصغير أرضًا، وطارت هراوته من يده. انقض آرثر إيه بلاند على جون الصغير، وضرب جون الصغير بقوة في ضلوعه.

صرخ جون الصغير لاهثًا: «مهلًا! مهلًا! هل تضرب رجلًا وهو مطروح أرضًا؟»

رد آثر إيه بلاند: «وماذا في هذا، أجل أضربه.» ثم ضربه ثانية.

صرخ جون الصغير: «قلت لك مهلًا! أنا أستسلم!»

قال بلاند على نحو صارم: «أتقر بأنني الأقوى؟»

أجاب جون الصغير في خنوع: «أجل، أجل، أقر بأنك الأقوى.»

لانت عريكة آرثر إيه بلاند وقال: «إذن يمكنك أن تذهب في طريقك وسأذهب أنا أيضًا في طريقي. يجدر بك أن تكون شاكرًا لأنني رحيم.»

أجاب جون الصغير في استنكار: «أتدعو هذه رحمة؟ تبدو كل ضلوعي مهشمة. لم أتخيل قط أنني سأقابل الرجل الذي يستطيع أن ينزل هذا بي.»

وعندئذ قفز روبين هود بغتة من مخبئه وضحك وقال: «ولا أنا أيضًا خلتُ أنني سأرى هذا! لقد أوسعك ضربًا وكأنك فريسة سهلة!» ثم التفت روبين نحو آرثر إيه بلاند وقال: «ما اسمك يا أخي العزيز؟»

– «اسمي آرثر إيه بلاند، وأنت ما اسمك؟»

– «آرثر إيه كلارك، لقد تفوقت على صديق لي في مباريات إيلي، الرجل الذي ضربته لتوك هو جون الصغير. أما اسمي فالناس تناديني بروبين هود.»

تعجب آرثر إيه بلاند: «يا إلهي! أأنت حقًّا روبين هود العظيم وهذا جون الصغير، لو كنت أعلم، ما كنت قط لأرفع هراوتي.» ثم مال آرثر إيه بلاند وأخذ ينفض معطف جون الصغير وقال: «دعني أساعدك يا سيدي.»

نهض جون الصغير من الأرض كما لو كانت عظامه مصنوعة من الزجاج وقال: «لا أحتاج مساعدتك، لو لم تكن ترتدي هذه القبعة الجلدية، لكنت قد رأيت يومًا من أسود أيامك.»

تكلم روبين مرة أخرى: «يا آرثر إيه بلاند، أتريد أن تنضم إلى رجالي؟ فأنت من أقوى الرجال الذين رأيتهم في حياتي.»

تهلل آرثر إيه بلاند: «أأريد أن أنضم إلى فرقتكم؟ لا أطمع في شيء أكثر من أن أحيا هذه الحياة المبهجة!»

ضحك روبين، وانطلق ثلاثتهم في الرحلة إلى أنكستر لابتياع القماش الأخضر الزيتي.



الفصل السادس

غريب في زيّ قرمزي

بعد قليل شعر كل من روبين، وجون الصغير، ورفيقهما الجديد بالظمأ، فتوقفوا عند ينبوع ماء على جانب الطريق، وارتشفوا من الماء الصافي البارد.

وبينما هم مستريحون، إذ برجل طويل القامة يمشي بلا مبالاة عبر الدرب، وكان يغطي شعره الأصفر الطويل قبعة كبيرة من القماش المخملي الناعم، وكل ملابسه قرمزية اللون. وكان الرجل ممسكًا بوردة في يده، وكان يشتمها كل بضع لحظات على نحو مرهف الحس.

ضحك روبين وقال: «هل رأى أحدكما مثل هذا الصبي المختال من قبل؟»

صدق آرثر إيه بلاند على كلام روبين قائلًا: «إن ملابسه مبهرجة للغاية مقارنة بملابس الرجال. لكنه رجل كبير، ضخم البنية، قوي المظهر.»

قال روبين: «أف! إنه ليبكي كالرضيع إن رأى فأرًا. تُرى من هذا؟!»

رد آرثر إيه بلاند: «ابن أحد النبلاء. لا بدَّ أن محفظته ممتلئة بنقود الرجال الكادحين الأمناء.»

وثب روبين على قدميه وقال: «انتظرا هاهنا حتى ألقن هذا الأخ درسًا، وأنت يا جون الصغير، انتبه.»

رأى الرجل روبين يخطو نحو منتصف الطريق لكنه لم يغير من سرعته، واستمر يشتم وردته كما لو كان لا يأبه لشيء في العالم. ولما صار الغريب على بعد أقدام معدودة، رفع روبين هراوته وقال: «انتظر! انتظر! ابق في مكانك يا رجل!»

سأل الرجل الذي يرتدي الثوب القرمزي بصوت ناعم: «لماذا يجدر بي أن أنتظر؟ ولماذا يجدر بي أن أبقى في مكاني؟»

أجاب روبين: «يا صديقي العزيز، أنا أفرض رسومًا على المارة بهذا الطريق؛ رسوم حيازة نقود أكثر من الحد المسموح به قانونًا، ولا بدَّ أن أتفقد كيس نقودك بنفسي كي أتأكد أنك لم تخرق هذا القانون.»

أنصت الغريب الطويل القامة في هدوء ثم قال: «تبدو شابًّا لطيفًا، وأحب أن أنصت إليك وأنت تتحدث، لكنني لا بدَّ أن أمضي في طريقي.»

أجاب روبين: «إذا أعطيتني كيس نقودك، فسأدعك تمضي في طريقك.»

قال الغريب: «يؤسفني بشدة أنني لا أستطيع أن أفعل ما ترغب فيه. دعني أذهب، فأنا لم أسبب لك أي أذى.»

– «لقد قلت لك يا عزيزي؛ لن أدعك تذهب حتى تفعل ما أقوله!»

أجاب الغريب في هدوء وهو يستل سيفه: «أخشى أنني سأضطر إلى أن أقتلك.»

نهاه روبين: «أرجع سيفك إلى غمده وإلا ستحطمه هراوتي المتينة. لن أنتهز تلك الفرصة، اذهب واقطع لنفسك هراوة متينة.»

لم ينبس الغريب ببنت شفة، بل أعاد سيفه إلى غمده، وطرح وردته جانبًا، ثم سار نحو الغابة واختار شجرة صغيرة. أخذ كل من آرثر إيه بلاند وجون الصغير يشاهدان في ذهول الغريب وهو يقبض يديه الاثنين على الشجرة ويقتلعها من الأرض بجذورها وبكل ما فيها.

تعجب آرثر إيه بلاند قائلًا: «يا للسماء! لقد اقتلع الشجرة مثل عشبة صغيرة في الحديقة؛ أظن أن سيدنا يملك فرصة ضعيفة للنجاة أمام هذا الغريب في الملابس القرمزية.»

استخدم الغريب خنجره وأخذ في هدوء يهذب الشجرة ويبريها حتى تصل إلى الحجم المناسب، ثم خطا إلى منتصف الطريق حيث كان روبين يقف في انتظاره.

تقاتل الرجلان بضراوة، وكان الغريب يفوق روبين قوةً، وروبين يفوقه مهارةً. وثارت زوبعة ترابية حولهما. وكان روبين يتفادى الضربات القوية التي يسددها خصمه، في حين أن خصمه كان يصد ضرباته. في آخر المطاف، ضرب الغريب روبين بقوة عظيمة، ومع أن روبين صدّ الضربة، فإنه شعر كأن هراوته قد انحنت. أخذ الغريب يضرب بضراوة مرارًا وتكرارًا حتى أذله. صرخ روبين هود: «مهلًا! مهلًا! قلت لك مهلًا! أستسلم لك!»

اندفع جون الصغير وبلاند إلى الأمام وصرخا: «مهلًا! مهلًا!»

التفت الغريب إليهما وقال: «حسنًا، إذا كنتما بنفس قوته، فلا يزال أمامي الكثير من العمل اليوم، لكنني سأحاول أن أكرمكما بالمثل.»

صرخ روبين: «كف! لا مزيد من العراك.» ثم التفت إلى جون الصغير: «ما أسوأ هذا اليوم! تُرى هل انكسر ذراعي؟»

لمعت عينا جون الصغير فرحًا وقال: «ما قولك الآن يا سيدي العزيز! دعني أنفض لك معطفك، دعني أساعدك لتنهض.»

زجر روبين هود يد جون الصغير واندفع واقفًا، ثم التفت إلى الغريب وسأله: «ما اسمك؟»

أجابه الغريب: «جامويل.»

رد روبين: «ها! حقًّا؟ لي قريب بنفس الاسم. من أين أنت؟»

أجاب الغريب: «وُلدت بمدينة ماكسويل وجئت بحثًا عن عمي الذي يُدعى روبين هود، وأسألك هل يمكنك أن تدلني عليه؟»

ربتّ روبين هود بكلتا يديه على كتفي جامويل وتهلل: «ويل جامويل! أنت هو لا محالة. انظر إليّ وأخبرني إذا كنت تعرفني.»

تفرس جامويل الشاب في عيون روبين هود وصرخ: «أقسم أنك عمي روبين هود!»



الفصل السابع

قريب روبين هود الذي لم يره منذ زمن سحيق

لم ير روبين ويل جامويل منذ عشر سنوات، لذا تعانق الرجلان في شوق شديد. وكان روبين هود، قبل أن يصير خارجًا على القانون، قد دربّ الصبي على استخدام الأقواس والسهام، كما علمه القتال باستخدام الهراوة — ويبدو أنه أحسن تعليمه!

اعتذر ويل قائلًا: «ليتني ما أذيتك يا عمي روبين.»

أجاب روبين: «سيؤلمني ذراعي بضعة أيام، لكنه سيكون بخير. لقد انخلع فؤادي لما رأيتك تقتلع الشجرة، لقد صرت رجلًا شديد البأس. أخبرني، ما الذي أتى بك إلى غابة شيروود؟»

قال ويل في أسى: «هذه قصة طويلة؛ لقد ضربت رجلًا كان يتوعد والدي الطاعن في السن، ولم تكن لدي نية مبيتة لقتله لكن الضربة كانت شديدة فأودت بحياته، والآن أنا متهم بتهمة القتل.»

واساه روبين: «يؤسفني بشدة أن أسمع عن حظك السيئ يا ويل، لكنني مسرور بشدة لأنك سوف تنضم إلى عصبتنا. لا بدَّ أن تغير اسمك لأنه سيصدر إذن بالقبض عليك؛ لقد أوحت لي ملابسك بفكرة رائعة! ستُعرف باسم ويل سكارليت (القرمزي).»

صافح جون الصغير ويل وقال: «سعدت بلقائك يا ويل سكارليت. أنا جون الصغير، وهذا عضو جديد في فرقتنا اسمه آرثر إيه بلاند. لا بدَّ أنه سيذيع صيتك يا ويل سكارليت؛ إذ سيتغنى كثيرون من المغنيين بضربك للشجاع روبين هود في معركة منصفة بالهراوات.»

قال روبين محذرًا: «إياك أن تأتي على ذكر هذا الموضوع مجددًا.»

رد جون الصغير: «لقد ظننتك تحب المزاح الشديد يا سيدي العزيز، ألم تسخر مني بسبب الترهلات حول أطرافي؟»

أجاب روبين في إصرار: «لن نتحدث في هذا الأمر ثانية يا جون، لنتكتم أمر هذه القصة.»

أخذ جون الصغير يمازحه أيضًا: «لقد استمتعت أنت أيضًا بشدة عندما أوسعني صديقنا الجديد آرثر إيه بلاند ضربًا.»

– «لتحل عليك اللعنات أيها الصغير جون! لن آتي أنا أيضًا على ذكر هذا الموضوع.»

رد جون الصغير: «اتفقنا، لقد فقدت بصري اليوم، ولم أر الشاب ويل سكارليت وهو يضربك ضربًا مبرحًا اليوم، وأي شخص يقول غير ذلك سأضربه بنفسي.»

قال روبين: «لقد ربحت اليوم أعتى الرجال في بقاع نوتينجهامشير. يمكننا أن نذهب إلى أنكستر في يوم آخر، والآن دعونا نعود إلى مقرنا عند شجرة جرين وود لعل الراحة تلطف الآلام المبرحة التي أشعر بها في عظامي ومفاصلي.»



الجزء الثالث

حكاية ألان إيه ديل المفجعة



الفصل الثامن

روبين هود يصادق ألان إيه ديل

بعد مرور يومين على ارتداء ويل سكارليت وآرثر إيه بلاند للملابس الخضراء، تحدث روبين إلى ويل ستوتلي على انفراد: «يا ويل، قُد هذين الرجلين الجديدين إلى الطريق العام، وعلمهما كيف نصطاد الضيوف الذين يدفعون تكاليف الولائم الفاخرة التي نعدها.»

ابتسم ويل ستوتلي ابتسامة عريضة وقال: «يسعدني أن اصطحب هذين الرجلين للخارج في مثل هذه المهمة.» اجتمعت زمرة الرجال وانطلقت في طريقها، ولما عثر الرجال على بقعة عشبية إلى جانب الطريق العام، جلسوا عليها وانتظروا. فكانت تمر بهم الصبايا المليحات والرعاة الأقوياء. مرّ عبر الدرب سمكري يحمل أدواته، وأسرعت امرأة تبيع البيض نحو السوق، لكن الرجال لم يروا أحدًا يمكن سرقته. وعندما أخذت الشمس في المغيب، بدأ الظلام يعم الأرجاء.

همهم ويل ستوتلي: «يا له من حظ سيئ، لو كنت قد خرجت بلا هدف، لصادفت العشرات من الأثرياء البدناء والكهنة الأشرار، والآن وقد خرجنا خصوصًا لالتقاط الضيف المنتظر لنصطحبه إلى شجرة جرين وود، لم نر أحدًا. هيا يا أصدقائي، لنعد إلى الغابة.»

كان الرجال قد ساروا مسافة قصيرة عندما رفع ويل ستوتلي يديه وقال: «انتظرا، لقد سمعت شيئًا ما.» فتوقفوا جميعًا.

قال ويل سكارليت: «لا بدَّ أن نتحقق من هذا، هناك شخص في محنة.»

أجاب ويل ستوتلي: «لست واثقًا من هذا. فهذا صوت رجل، والرجل ينبغي له أن يتعامل مع مشكلاته الخاصة.»

أجاب ويل سكارليت: «هذه طريقة تفكير خاطئة، امكثا هنا إذا أردتما ذلك، لكنني سأذهب لأتقصى الأمر.»

رد ويل ستوتلي بحسم: «لم أقل إنني لن أذهب، كل ما هنالك أننا ينبغي أن نتوخى الحذر.» ثم أخذ يسير باتجاه الصوت، وتبعه الرجلان الآخران. كانت الغابة تطل على بركة مياه صغيرة مصدرها جدول مياه يصدر صوت خرير هادئ، وكان يجلس عند حافة البركة شاب صغير يبكي في هدوء، وتتدلى من الشجرة فوقه قيثارة جميلة من الخشب اللامع، وإلى جانبه قوس وجعبة سهام.

هتف ويل ستوتلي: «مرحبًا، من يبكي هناك، ويقتل العشب الأخضر بسيل دموعه الملحية؟»

وثب الشاب الغريب على قدميه، وجذب قوسه بسرعة وضبط سهمه قبالة الوتر.

حذره ويل ستوتلي قائلًا: «على رسلك يا رجل، نحن لا ننوي أن نؤذيك، أنزل هذا القوس وامسح عينيك، لا أحب أن أرى رجلًا كبيرًا قويًّا يبكي كالفتاة الصغيرة التي تبكي هرة ميتة.»

قال آرثر إيه بلاند: «أعرف هذا الشاب، إنه مغنٍ ذائع الصيت في هذه الأرجاء. لقد رأيته منذ ما يقرب من أسبوع، لقد كان يشدو كالطير ويقفز كالأيل الرضيع.»

قال ويل سكارليت للشاب الباكي: «لا تبالِ بهذين الرجلين، فهما فظان، لكنهما حسنا النوايا. تعال معي، لعله بمقدورنا أن نعينك على حل مشكلاتك، أيًّا كانت هذه المشكلات.»

أنزل الشاب الغريب قيثارته عن الشجرة وسار حزينًا مع الرجال، وقد ظل منكس الرأس ولم ينبس ببنت شفة.

ولمّا ارتفع القمر فوق قمم الأشجار، وصلوا إلى البقعة الفسيحة في الغابة حيث شجرة جرين وود. وكانت هناك وليمة عظيمة مُعدة في انتظار الضيف المحظوظ الذي يعثرون عليه؛ إذ كانت تُشوى شرائح لحم الغزال السميكة على النيران، فكانت الرائحة التي يسيل لها اللعاب تنتشر في أرجاء الغابة.

حيا روبين الشاب الغريب: «عمت مساء يا صاحبي الوسيم، هل جئت لتناول أطايب الطعام معي اليوم؟»

نظر الشاب حوله فاغر العينين وقال: «أظنني أعرف أين أنا. هل أنت روبين هود العظيم؟»

ضحك روبين وقال: «أصبت! ولأنك تعرفني، أنت تعرف أيضًا أنك لا بدَّ أن تدفع تكاليف هذه الوليمة. وأنا متأكد من أنك تملك كيس نقود ممتلئ عن آخره أيها الغريب الوسيم.»

اعترف الشاب الغريب: «لا أملك سوى شطر من عملة قيمتها ستة بنسات، ومحبوبتي الوحيدة التي أحبها حبًّا حقيقيًّا تملك الشطر الآخر من العملة، وهي تتقلده في خيط حريري حول عنقها.»

تكلم روبين هود بحدة إلى ويل ستوتلي: «هل هذه هي نوعية الضيف الذي تظن أنه سوف يملأ كيس نقودنا؟»

أجاب ويل: «لا يا سيدي العزيز، لقد أحضره ويل سكارليت، ومع ذلك أظن أن هذا الصبي قد يمنحنا الفرصة لفعل الخير.»

أخبر ويل سكارليت روبين كيف عثروا على الصبي يبكي بجانب بركة المياه، وكيف أنهم رأوا أنه في محنة ما.

وضع روبين يديه على كتفي الصبي ونظر في عينيه وقال له: «لقد حباك الله وجهًا جميلًا؛ وجهًا مخلصًا وعطوفًا.» اغرورقت عينا الشاب بالدموع فقال له روبين: «لا تبكِ أيها الصبي، أنا واثق من أنه يمكن حل مشكلاتك. ما اسمك؟»

دمدم الصبي: «ألان إيه ديل.»

سأله روبين: «ألست أنت المغني الشاب الذي كنت أسمع عنه؟»

رد ألان إيه ديل: «أجل سيدي، أنا هو.»

قال روبين: «هيا تناول الطعام معي وخبرني ما هي مشكلاتك؛ ستشعر بتحسن إذا تحدثت.»



الفصل التاسع

محنة ألان إيه ديل

أخبر المغني الشاب روبين هود بقصته أثناء تناولهما العشاء، في بادئ الأمر كانت الكلمات تخرج من فمه ببطء، ولكن عندما رأى أن روبين هود ورجاله يصغون إليه باهتمام بدأت الكلمات تتدافع.

سافر ألان إيه ديل عبر الريف يشدو بأغانيه ويداعب قيثارته. وفي يوم من الأيام توقف عند منزل أحد المزارعين حيث أخذ يغني للفلاح وابنته التي تُدعى إيلين، وكانت الفتاة غاية في الحسن حتى إن ألان رجع وراقبها من بعيد. في بداية الأمر شعر ألان بالخجل من أن يتحدث إليها، لكن عندما تأججت مشاعره، تجرأ حتى سار معها، وجلسا معًا على ضفاف النهر وباح لها بمشاعره، وجاهرته هي أيضًا بحبها، وكسر ألان إيه ديل عملة قيمتها ستة بنسات وأعطاها نصفها كي تتقلده حول عنقها.

ولمّا علم الفلاح أن ابنته واقعة في غرام ألان إيه ديل، حمى غضبه؛ إذ كان قد وعد بالفعل بتزويجها من سير ستيفن أوف ترنت، الفارس الطاعن في العمر. لكن إيلين لم تحب الفارس. وكان ألان قد عرف في صباح هذا اليوم أن محبوبته سوف تتزوج من السير ستيفن في غضون يومين.

قال جون الصغير: «إني لعاقد العزم على ضرب سير ستيفن ضربًا مبرحًا! لا يحق لرجل عجوز كهذا أن يتزوج مثل هذه الفتاة الصغيرة.»

سأله روبين: «هل أنت واثق من أنها ستتزوجه؟»

أجاب ألان في حسرة: «ستذعن لمشيئة أبيها، لكنها ستموت من الحسرة.»

استغرق روبين في التفكير وعليه سيماء الجدية ثم لمعت عيناه وقال: «أظن أن لدي خطة. أخبرني يا ألان، هل تظن أن إيلين الجميلة سوف تتزوجك لو أحضرناها أمام الكاهن وحصلت على بركة والدها؟»

أجاب ألان إيه ديل: «بلا ريب سوف تتزوجني.»

قال روبين: «إذن ستفلح خطتي، كل ما هنالك نحن في حاجة إلى كاهن، لكنني لا أعرف أي كهنة في الجوار ممن يكنون لي عظيم الحب، هذا هو المحك الحقيقي أمامنا.»

قال ويل سكارليت: «أعرف كاهنًا سيقوم بالتأكيد بتأدية مراسم الاحتفال، الراهب المسئول عن البوابة دير فاونتنز، الذي يقع على مقربة من هنا.»

قرر روبين: «إذن سنذهب للقائه غدًا. لا تقلق يا ألان؛ المتاعب التي تزعجك تحت السيطرة.»

عندئذ توقفت دموع ألان إيه ديل؛ فلقد تناهت إلى مسامعه الكثير من القصص التي تفاخر بمساعدة روبين هود للناس، ولقد رغب في أن يصدق أن روبين يستطيع أن يساعده. انتعشت روح ألان، وأمسك بقيثارته ليداعبها، وكان صوته حلوًا للغاية حتى إن الرجال بدأوا يطلبون منه أن يغني أغنية تلو الأخرى حتى وقت متأخر من الليل، إلى أن فضّ روبين الأمسية.

قال روبين: «لا بدَّ أن نعثر على راهب دير فاونتنز غدًا، ولا بدَّ أن نرحل باكرًا إذا أردنا أن نساعد الشاب ألان.» آوى روبين إلى فراشه، وقد تبعه الجميع للحصول على قسط من الراحة هم في أمسّ الحاجة إليه.



الفصل العاشر

روبين هود يعثر على راهب البوابة

في صبيحة اليوم التالي، غادر روبين ورجاله الفراش مع أول بارقة ضوء. وكانت المهمة التي بانتظارهم هي العثور على راهب بوابة دير فاونتنز في أسرع وقت ممكن إذا ما أرادوا أن يوقفوا زواج إيلين.

وكان ويل سكارليت يعرف الطريق المؤدي إلى الدير، من ثم قاد بقية الرجال، وكان الطريق الذي سلكوه عبر الغابة جديدًا عليهم. بلغ الرجال بعد الظهر مباشرة نهرًا فسيحًا شديد التدفق. قال ويل: «سنصل بعد قليل إلى بقعة من النهر ضحلة المياه حيث يمكننا أن نخوض فيها.»

هزّ روبين رأسه وقال: «أظن أنه يجدر بي أن أخوض بقية الطريق وحدي، وإذا وقعت في أي متاعب، فسأنفخ في بوقي ثلاث مرات.»

وبعد مرور قرابة عشر دقائق على تركه لرجاله، توقف بغتة وأنصت لحظة، ثم تعجب: «ما أغرب هذا! يبدو وكأنني أسمع صوتين لنفس الشيء تقريبًا! ما الذي يحدث؟»

ولمّا أخذ روبين يحدق عبر الأشجار، رأى راهبًا بدينًا يجلس على ضفة النهر، وكانت عليه سيما المرح، وكان عريض الرقبة، ومتورد الخدين. وكان يضع بين رجليه فطيرة لحم كبيرة، ويمسك بإحدى يديه بزجاجة وباليد الأخرى يقبض على قطعة من الفطيرة.

قال الراهب: «يا أخي العزيز، أنت أفضل صديق لي.» وعندئذ ردّ صوت مختلف: «أشكرك يا أخي، أقدر لك عطفك.» رد الراهب بالصوت الأول: «أشكرك يا أخي. لا بدَّ أن تتذوق هذه الفطيرة.»

كتم روبين ضحكاته.

وعندما انتهى الراهب من تناول وجبته، فرك يديه معًا وعندئذ قال: «لقد استمتعت بالوجبة يا صديقي العزيز، ولسوف يروق لي بشدة أن تغني لي قليلًا.» قال الصوت الثاني: «أنا أيضًا أحب أن أفعل هذا، لكنني لن أغني بمفردي. هل تتفضل وتشاركني الغناء؟» أومأ الراهب برأسه وبدأ يغني بصوت أجش قوي.

أخذ روبين يضحك في هدوء، وكان يعرف النغمة التي كان يتغنى بها الراهب لذا أخذ يغني معه. حاول الراهب المذعور أن يقف على قدميه على نحو أخرق، واستل سيفه العريض من غمده وصاح: «أرني نفسك، وسوف أقطعك مثل اللحم المشوي الذي نتناوله أيام الآحاد!»

ظهر روبين من مخبأه وقال: «يا أخي العزيز، أبعد سيفك، ألم نتشارك الأغنية معًا؟ لِمَ القتال؟ يا صديقي العزيز، لقد جففت الأغنية حلقي، ألا يوجد بحوزتك أي مشروب كي أرطب حلقي؟»

أنزل الراهب سيفه بعبوس وقال: «أنت تقحم نفسك فيما لا يخصك، لكنني مسيحي صالح ولا أستطيع أن أرفض أن أروي ظمأ رجل عطشان.» ثم مدي يده بالزجاجة.

أمسكها روبين، وألقى برأسه إلى الوراء وأخذ يشرب حتى فرغت الزجاجة، خطف الراهب الزجاجة منه وأخذ يحدق فيها، ونكسها وأخذ يهزها، لكن شيئًا لم يخرج منها. وعندئذ عبس وجهه وأخذ يحدق في روبين.

سأل روبين متجاهلًا نظرته: «هل تعرف راهب بوابة دير فاونتنز؟»

رد الراهب: «أجل، أعرفه معرفة غير وثيقة.»

قال روبين: «حسنًا، أيها الأب أو الأخ الصالح، أو أيًّا كنت، أحب أن أعرف هل هو موجود في هذا الجانب من النهر أم في الجانب الآخر.»

أجاب الراهب بطريقة لاذعة: «أنصحك بأن تعبر إلى ذلك الجانب من النهر، وحاول أن تعثر عليه بنفسك.»

أجاب روبين هود: «حسنًا، أيها الأخ الصالح، كما ترى ملابسي مصنوعة من خامات عالية الجودة، ولا أريد أن أبللها، وأنت لديك منكبين عريضين قويين، هل تمانع في أن تحملني وتسير بي عبر النهر؟»

احمر وجه الراهب كالتفاحة من فرط الغيظ وصرخ: «أيها القزم الصغير، هل تجرأ وتطلب مني أن أحملك عبر النهر؟» وعندئذ تلاشى الغضب من على وجه الراهب وأومضت عيناه مرة أخرى وقال: «لكن لِمَ لا أحملك؟ تسلق على ظهري، وسأحملك عبر النهر بأمان.»

انحنى الراهب ثم انتصب مرة أخرى على حين غرة وقال: «أظن أن سلاحك سيبتل أيضًا يا سيدي الشاب، دعني أدسه تحت إبطي كي أحفظه لك من البلل.»

اعترض روبين هود قائلًا: «لا، أيها الأب الصالح، لا أريد أن أحملك أكثر من هذا.»

– «ألا تظن أن القديس الصالح كريستوفر يمكنه أن يحمله من أجلك؟ والآن أعطني سلاحك.»

أخرج روبين سيفه ثم تسلق على ظهر الراهب. حمل الراهب القوي روبين عبر نبع المياه بمنتهى السهولة واليسر، وعندما بلغا الجانب الآخر من النهر، نزل روبين وقال: «من فضلك أعطني سيفي بسرعة، فأنا في عجلة من أمري.»

ابتسم الراهب وقال في تملق: «لديك مهمة في «هذا» الجانب من النهر، لكن أنا لدي مهمة خاصة بي يا سيدي الشاب، ومهمتي في الجانب «الآخر» من النهر. وأنا لم أعد شابًّا فتيًّا، لذا فأنا متأكد من أنني إذا خضتُ النهر مرة أخرى، فسأُصاب بتشنج العضلات وآلام في الظهر، من فضلك أسدِ إليَّ خدمة واحملني عبر النهر.»

تأمل روبين هود النهر ثم دمدم: «أنت تغشني.»

حذره الراهب: «هيا أسرع أيها الشاب، إلا إذا كنت تريد أن تشعر بوخز السيف في جسدك.»

قال روبين في هدوء: «أنت تفوز. سأحملك، لكن أعطني سيفي، لن استخدمه ضدك.»

راقب الراهب روبين بحذر وقال: «تفضل سيخك، والآن احملني بسرعة عبر النهر.»

انحنى روبين هود، وقفز الراهب على ظهره، ثم خاض روبين في النهر المتدفق.

ولمّا كان الراهب أكثر بدانة من روبين، كان حمل روبين عبر النهر أكبر من الحمل الذي كان يحمله الراهب، وكان الراهب ينخس عقباه في جانبي روبين وكأنه حمار.

ولم يكن روبين على دراية بالطريق مثل الراهب، من ثم أخذ يتعثر كل بضع خطوات، بيد أنه مع كل خطوة يتعثر فيها كان يمده يده ويرخي الحزام الذي يربط سيف الراهب. وعندما بلغا الجانب المقابل، نزع روبين الحزام عن الراهب دون أن يشعر به. قفز الراهب من على ظهر روبين، وأصبح سيف الراهب بحوزة روبين الآن وكذلك سيفه.

نظر الراهب إلى روبين بجدية وقال: «لم أتوقع منك مثل تلك الشجاعة يا صبي، لقد تفوقت عليّ؛ أعطني سيفي، وأنا سأعيدك مرة أخرى إلى الجانب الآخر من النهر.»

أعاد روبين حزام السيف إلى الراهب الذي ربطه بإحكام حول خصره. قفز روبين في جذل على ظهر الراهب، وأخذ ينخس الراهب بعقبيه عبر الطريق كما فعل الراهب معه قبلًا. وعندما بلغا منتصف النهر، توقف الراهب ليستريح لحظة، ثم انتصب على حين غرة وقلب روبين من على ظهره، وصاح: «ليلطف «هذا» من روحك المضطربة.»

وقع روبين في المياه الباردة وأحدث صوت ارتطام عظيم بالماء. وبعد أن تعثر أخذ يسعل طاردًا المياه من أنفه وفمه وأقسم: «سوف أقطعك إربًا إربًا اليوم أيها الوغد.» ثم صعد إلى ضفة النهر بسرعة، واستل سيفه، ووقف في ثبات بانتظار الراهب.

وكان الراهب لا يزال واقفًا في منتصف النهر عندما قال له: «لا تقلق سألحق بك على الفور، وسأجعلك تتوسل إليّ كي أعفو عنك.»

خرج الراهب من المياه ببطء ثم استل سيفه، تشابك الرجلان تشابكًا عنيفًا، فكان صوت المعادن الحاد الناجم عن اصطكاك سيفيهما يدوي عبر الغابة على مدار ساعة، لكن لم يُجرح أي منهما. توقف الرجلان لالتقاط أنفاسهما، فكانا يضعان أيديهما على ركبهما ويلهثان بشدة. وعندما نظر أحدهما إلى الآخر، هزا رأسيهما وأخذا في العراك من جديد، أخيرًا قال روبين: «هذا يكفي يا أخي العزيز.»

أنزل الرجلان المنهكان سيفيهما، فقد رأى الراهب أنه من المريع أن يجرح خصمًا قويًّا للغاية، وفكر روبين بالطريقة نفسها.

قال روبين لاهثًا: «دعني أجرب شيئًا واحدًا.»

أجاب الراهب لاهثًا أيضًا: «وما هو هذا الشيء؟»

– «دعني أنفخ في هذا البوق ثلاث مرات.»

قال الراهب وهو يتنفس بصعوبة: «أظنك ستقوم بخدعة، لكنني لا أخشاك. سأدعك تنفخ في بوقك ثلاث مرات إذا جعلتني أنفخ في صفارتي.»

قال روبين: «اتفقنا، لكنني سأنفخ أنا أولًا.» ثم رفع البوق ونفخ فيه ثلاث نفخات طويلة واضحة، وبعدها بلحظة أتى رجال روبين راكضين، وأقواسهم مجهزة في وضع التصويب.

قال الراهب بصوت مرتفع: «إذن، هل هذه هي خدعتك! حسنًا، وهاك خدعتي.» ثم نفخ في صفارته الفضية الصغيرة، فدوى صوت مرتفع حاد في كل الأرجاء، وإذ بأربعة كلاب صيد مسعورة تندفع من بين الآجام، فصرخ الراهب فيها: «اهجموا عليهم، هيا يا سويت ليبس، ويا بيل ثروت، ويا بيوتي، ويا فانج، لتنالوا منهم!»

هجمت الكلاب عليهم، أطلق جميع الرجال سهامهم في الهواء عدا ويل سكارليت، فقفزت الكلاب مبتعدة عنها، ولمّا كانت الأسهم تئز وراء الكلاب، التقطت الكلاب السهام من الهواء بين أنيابها التي يسيل منها اللعاب، وعندئذ هجمت الكلاب مجددًا. خطا ويل سكارليت تجاه الكلاب باسطًا يده، فتوقفت الكلاب، ولما أخذ يربت على رءوسها، أخذت كلاب الصيد المسعورة تلعق كفيه مثل الجراء.

تعجب الراهب قائلًا: «هل أنت ساحر حتى تستطيع أن تحيل هذه الذئاب إلى حملان؟» وعندئذ تفرس الراهب في وجه ويل وصاح: «لا أصدق عيناي! هل يمكن أن أرى الشاب ويل جامويل وسط هذه الزمرة الوضيعة؟»

حياه ويل: «مرحبا، يا تاك، لم يعد اسمي جامويل، يناديني الرجال باسم ويل سكارليت الآن، وهذا عمي العظيم روبين هود، الذي أعيش معه الآن في غابة شيروود.»

فغر الراهب فاه، وبسط يده وقال: «كنت أسمع اسمك من وقت لآخر أيها السيد العظيم، ولم يُخيل لي قط أنني سألتقي بك في معركة، من فضلك سامحني، والآن عرفت لِمَ أنت خصم قوي.» ثم التفت الراهب إلى ويل سكارليت وقال: «ما الذي جعلك تعيش في غابة شيروود الآن؟»

سأله ويل: «ألم تتناه إلى مسامعك الأحداث التي ألمت بي؟»

هز الراهب رأسه في حزن وقال: «أجل، تناهت إلى مسامعي، من العار أن يضطر رجل نبيل إلى أن يختبئ لمجرد حادثة.»

بدأ روبين هود يضيق ذرعًا بطول حديثهما وقال: «ليس لدينا متسع من الوقت، لم أعثر بعد على راهب البوابة.»

انفجر ويل سكارليت ضحكًا، ونظر إلى روبين ثم حول عينيه إلى الراهب وقال: «يا عمي العزيز، لست مضطرًا أن تذهب بعيدًا، فهو يقف إلى جانبك.»

التفت روبين إلى الراهب وقال: «أنت؟ أنت الرجل الذي دأبت على البحث عنه طوال النهار؟»

قال الراهب: «أجل، يطلق عليّ بعض الناس راهب بوابة وادي فاونتن، والبعض الآخر رئيس دير فاونتنز على سبيل المزاح، ويدعوني البعض الراهب تاك بكل بساطة.»

رد روبين: «أفضل الاسم الأخير، ولماذا لم تخبرني بهويتك بدلًا من أن ترسلني في سباق مع الإوز البري؟»

رد الراهب تاك في تواضع: «لأنك لم تسألني يا سيدي العزيز. ماذا تريد مني؟»

نظر روبين نحو الشمس وقال: «لقد بدأ اليوم يتأخر، ولا يمكننا أن نهدر المزيد من الوقت. تعال معنا إلى شيروود، وسأخبرك في الطريق بالقصة.» صفر الراهب للكلاب التي لازمتهم طوال الطريق.

وعادوا جميعهم أدراجهم إلى غابة شيروود، الستة رجال والكلاب في أعقابهم. وكان قد مر وقت طويل على حلول الليل عندما بلغوا شجرة جرين وود.



الفصل الحادي عشر

روبين هود يُعد لزواج عاشقين

بعد بلوغ شجرة جرين وود، جلس روبين ورجاله للعمل. انتخب روبين عشرين رجلًا جبارًا، وأعطى جون الصغير كيسين ممتلئين بالجنيهات الذهبية وقال: «هذه مائتا جنيه من مالي الخاص، كن متأهبًا لأن تعطيني إياها عندما أطلبها منك.»

ذهب روبين إلى متجر الأزياء الخاص برجاله، وبعد أن اختار بعض الملابس ذات الألوان المبهجة، اختار ملابسه التنكرية؛ سيذهب إلى حفل الزفاف بصفته مغنيًا مرحًا. التقط روبين قيثارة وأخذ يداعب أوتارها بضع دقائق.

قال جون الصغير: «سيدي، لم أكن أعرف أنك عازف قيثارة.» ولم يكن روبين قد عزف من قبل على أي نوع من أنواع الآلات الموسيقية، لكن هذا لم يكن بالأمر الضروري في مسار الخطة.

وفي باكر صباح يوم عرس إيلين، قاد روبين رجاله وألان إيه ديل والراهب تاك إلى الكنيسة، واختبئوا خلف الجدران على جانب الطريق حيث انتظروا طيلة الصباح. وكان ديفيد أوف دانكستر ينظر خلسة من فوق الأحجار كل بضع دقائق لكي يتحقق هل من شخص قادم، وأخيرًا رأى كاهنًا عجوزًا يتوجه صوب الباب.

التفت روبين إلى الراهب تاك وقال: «اذهب يا أخي العزيز، تحدث إلى الكاهن وجد طريقة لتدخل إلى الكنيسة.»

تسلق الراهب تاك بجهد عبر الجدار، وكان الراهب الطاعن في السن يحاول أن يفتح باب الكنيسة، لكنه لم يستطع أن يدير المفتاح الثقيل في القفل.

قال تاك: «دعني أساعدك يا أخي.» ثم أخذ المفتاح وفتح الباب بمنتهى السهولة، ثم قال: «أنا ناسك مسكين من دير فاونتنز، وقد جئت على أخبار إقامة عرس رائع في هذه الكنيسة اليوم، فهل تسمح لي بالدخول؟»

همهم الكاهن العجوز: «ما شأني أنا وهذا! ادخل.»

ولما خطا الراهب تاك عبر المدخل، سار روبين بتؤدة نحو الباب ثم جلس، وعلى الفور كانت هناك مجموعة من الرجال الذين يمتطون الجياد يقتربون، وكان بمعيتهم أسقف مدينة هيرفورد، واحد من أغنى الأساقفة على مستوى إنجلترا.

حمى غضب روبين لدى رؤيته ثياب الأسقف المصنوعة من الحرير الناعم والسلاسل الذهبية؛ إذ كان يرى أنه لا يجدر برجل الدين أن يتسربل بمثل هذه الملابس المبهرجة ويتحلى بمثل هذه المجوهرات.

نادى الأسقف: «من هناك، ومن أنت يا من تتبختر في مثل هذا الريش الملون؟»

أجاب روبين: «أنا عازف قيثارة من نورث كانتري، ولمستي للقيثارة لا مثيل لها في إنجلترا بأكملها. إن تركتني أعزف في هذا الفرح، أعدك أن العروس ستحب عريسها طيلة حياتهما.»

وكان الأسقف ابن عم السير ستيفن أوف تيرنت، ويعلم جيدًا كم كان يعشق السير ستيفن إيلين، وكان يعلم أيضًا أن السير ستيفن يكبر إيلين بكثير، وأنها لا تحبه. سأل الأسقف: «هل أنت صادق حقًّا؟ إذا عزفت بالمهارة التي تتحدث عنها فسأمنحك أي شيء تطلبه.»

وعندئذ فقط سمعوا أصوات الجياد، والتفت الأسقف ليرحب بموكب الزفاف المتجه نحو الكنيسة.

وميزّ روبين السير ستيفن الذي كان يرتدي ملابس حريرية بالكامل، وكان إلى جانبه والد إيلين، إدوارد الفلاح. وكان هناك جوادان يجران العربة التي تحمل إيلين، ويتبعهم ستة جنود.

وعندما بلغت العربة باب الكنيسة، ترجلت إيلين منها، ولم تكن عينا روبين قد وقعت على فتاة تفوقها جمالًا، وكانت بشرتها بيضاء ناعمة، لكنها كانت تمشي كالوردة الذابلة، ومن الممكن لأي شخص يراها أن يدرك أن هذا ليس باليوم السعيد لها.

وبعد دقائق معدودة احتشد الجمع داخل الكنيسة، ونظرت إيلين حولها في رعدة، وكان الأسقف على وشك أن يبدأ مراسم الاحتفال عندما تقدم روبين نحو المذبح.

قال روبين: «دعوني أنظر إلى الفتاة.» ثم أمسك بيدها وقال: «انظروا هنا؛ إن وجنتيها شاحبتان كالثلج، تغيب عنهما الحمرة المشرقة والسعادة اللتان تزينان وجه العروس الصغيرة. هذا الزواج باطل. سير ستيفن، أنت عجوز للغاية وهي صغيرة للغاية، وأنت ليس حبها الحقيقي الوحيد.»

حدق جميع من بالكنيسة في روبين في ذهول، وبينما كانوا واقفين في صمت من فرط الدهشة، نفخ روبين في بوقه ثلاث مرات، وإذ بجون الصغير وويل ستوتلي يقفزان في مقدمة الكنيسة ويستلان سيفيهما.

خطا والد إيلين نحو المذبح، وهمَّ أن يسحب ابنته إلى الوراء عندما قال له جون الصغير: «قف مكانك أيها العجوز، أنت ممنوع من الحركة اليوم.»

صرخ السير ستيفن: «ليسقط الأشرار!»

ولمّا استل جنوده سيوفهم، فُتح باب الكنيسة بقوة، فظهرت السيوف اللامعة، إذ هلَّ ألان إيه ديل يقود ثمانية عشر رجلًا من رجال روبين، وكان يحمل قوس روبين في يده، وسلمه إلى روبين ثم نزل على إحدى ركبتيه.

صرخ والد إيلين: «هل ألان إيه ديل هو من أفسد هذا اليوم؟»

أجاب روبين: «لا، أنا من فعل كل هذا لأنقذ هذا اليوم من الفساد، لا آبه من يعرف هذا، أنا روبين هود.»

ساد الصمت الرهيب بين كل من بالكنيسة، أغلق الأسقف كتابه ودمدم: «لتحفظنا السماء من هذا الوغد.»

طمأنه روبين قائلًا: «لا أنوي أن أؤذيك، لكن ألان إيه ديل هو الشخص الوحيد الذي تحبه إيلين من كل قلبها، ولسوف تتزوجه، وإلا سيلحق الأذى بالجميع.»

صرخ والد إيلين بصوت أجش عظيم: «لا! أنا والدها! وقد قررت أن تتزوج من السير ستيفن وليس سواه.»

التفت سير ستيفن نحو والد إيلين وقال: «لا يا أخي العزيز، قد ترجع بابنتك إلى بيتك، فأنا لن أتزوجها بعد ما جرى اليوم ولا بمقابل كل ثروة إنجلترا، حقًّا أنا أحبها حبًّا جمًّا بقدر ما عشت من أيام، لكنني لم أكن أعرف أنها تحب هذا الرجل.» ثم التفت نحو إيلين وقال: «أيها الفتاة البكر، إذا كنت تؤثرين الزواج من مغنٍ على الزواج من فارس شريف النسب، فهذا اختيارك.» ثم اجتمع جنوده حوله وسار مرفوع الهامة خارج الكنيسة.

أعلن أسقف هيرفورد: «حسنًا، بما أنه ليس لي شأن هنا الآن، فسأنصرف أنا أيضًا.»

وضع روبين يده على صدر الأسقف وقال: «انتظر أيها الأسقف الصالح، عندي شيء أريد أن أقوله.» عبس وجه الأسقف، إذ ظن أن روبين لن يطلقه.

ثم التفت إلى والد إيلين وقال له: «بارك زواج ابنتك من ألان إيه ديل، وكل شيء سيكون على ما يرام. يا جون الصغير، أعطني كيسي الذهب. أيها الفلاح، هاك مائتي جنيه ذهبي. بارك الزواج قبلما أنتهي من عدهم لك.»

حدق إدوارد في الأرض مقطبًا جبينه؛ إذ يرى الآن أمام عينيه بكل وضوح أن إيلين سوف تتزوج ألان إيه ديل مهما تكلف الأمر. قال إدوارد: «كنت أود أن أجعل منها سيدة نبيلة، ولن يكون لي شأن بها إذا تزوجت هذا الرجل، لكنني الآن سأبارك هذا الزواج.»

هزّ الكاهن العجوز رأسه وقال بعناد: «قد لا يجوز هذا، لا يوجد هنا كاهن ليزوجهما.»

صاح فيه الراهب تاك من وراء الأرغن: «ماذا قلت؟ لا يوجد كاهن؟ أنا رجل دين مثلك تمامًا.»

بعد انتهاء مراسم حفل الزواج، التفت روبين إلى أسقف هيرفورد وقال: «لقد وعدت سيادتك بأنني على يقين من أن أجعل العروس تحب الرجل الذي ستتزوجه. ها هي العروس وهي تحب عريسها، وقد «وعدتني» بأنك ستمنحني أي شيء أطلبه إذا أتممت هذا العمل الفذّ؛ أريد السلسلة الذهبية التي تتدلى من عنقك كي أعطيها للجميلة إيلين هدية عرسها.»

احمر وجه الأسقف من شدة الغيظ، وببطء شديد خلع السلسلة وأعطاها لروبين الذي وضع السلسلة حول عنق إيلين، فكانت السلسلة تتلألأ حول عنقها.

قال روبين للأسقف: «أشكرك على هديتك الرائعة. أؤكد لك أنك تبدو بشكل أفضل دونها. من فضلك تعال قريبًا إلى غابة شيروود، سنعد وليمة رائعة على شرفك لم تحظ بمثلها في كل حياتك.»

دعا الأسقف: «لتحفظني السماء!» إذ كان يعرف جيدًا أن ضيوف روبين يدفعون كل ما بحوزتهم من مال مقابل ولائمه.



الجزء الرابع

ثأر روبين هود التاريخي



الفصل الثاني عشر

روبين هود يساعد الفارس الحزين

هلّ فصل الخريف سريعًا على غابة شيروود، فبعد فرحة عرس ألان إيه ديل، مرّ الربيع والصيف سريعًا. استيقظ روبين في صباح أحد أيام شهر أكتوبر/تشرين الأول وأدرك أن فصل الشتاء على الأبواب، وكان رجال غابة شيروود لم يستضيفوا أي شخص على مدار بضعة أسابيع، فقال لجون الصغير: «الشتاء قادم يا صديقي، وقد أوشك أن ينفد ما لدينا من مال، لقد كان حري بنا أن نجدّ في العثور على ضيوف أثرياء قبل أن تهب الرياح القارسة.»

ولمّا كان بإمكان المرء أن يجلب المزيد من السمك باستخدام صنارتين عن استخدام صنارة واحدة، أخبر روبين جون الصغير أن ينتخب مجموعة من الرجال للبحث في الجهة الغربية عن ضيف ثري، أما ويل سكارليت، وألان إيه ديل، وميدج — ابن الطحان — فقد خرجوا للبحث في الجهة الشرقية بمعية روبين هود.

سار روبين ورجاله معظم وقت الصباح، وعندما وجدوا بقعة ظليلة مريحة، جلسوا بجانب الطريق في انتظار الضيف المرتقب. مرّ بهم الكثير من الأناس الأمناء المجدين في عملهم، لكن لم يكن بينهم من هم أصحاب أراضٍ أو رهبان مخادعين. وكان الرجال يحملون معهم غداءً من اللحم البارد والخبز، فتناولوا طعامهم في هدوء وسكينة مستمتعين بنسيم الخريف العليل.

أدبر النهار ببطء، ولمّا همّ الرجال بالرحيل إلى غابة شيروود، ظهر في الأفق فارس طويل القامة ممتطيًا جواده. وكانت ثيابه بسيطة لكنها متقنة الصنع، ولم يكن يرتدي أي حلي أو خواتم مرصعة بالمجوهرات مثلما يفعل معظم الفرسان. وكان الفارس يسير بجواده ببطء، منكس الرأس.

قال روبين عندما لاحظ سيماء الحزن على وجهه: «هناك فارس يبدو حزينًا للغاية، لكن حتى وإن بدا حزينًا فثيابه تنم عن ثرائه، امكثوا هنا إلى أن أتبين الأمر بنفسي.»

خطا روبين نحو الطريق عندما اقترب الفارس وقال: «انتظر يا سيدي الفارس، أرجوك انتظر لحظة.»

سأله الفارس: «من أنت حتى توقف الرجال على الطريق العام الخاص بملكنا؟»

أجاب روبين: «هذا سؤال يصعب الجواب عنه. إذ يراني بعض الرجال رجلًا صالحًا أمينًا، والبعض الآخر يراني لصًّا شريرًا، ويتوقف هذا أو ذاك على مَن تكون. اسمي روبين هود.»

قال الفارس باسمًا: «حقًّا، روبين الصالح، أنت تتمتع بطريقة ماهرة في الحديث. أما عن وجهة نظري فيك، فأنا أستحسنك، وأسمع عنك بالخير أكثر مما أسمع بالسوء. ماذا تريد مني؟»

– «سيدي الفارس، إذا تبعتني إلى غابة شيروود، سنرتب قدامك مائدة لم تر لها مثيلًا في حياتك.»

هزّ الفارس المحزون الروح رأسه في تؤدة وقال: «أنت رجل طيب، لكني أظن أنك ستجدني ضيفًا ثقيلًا وكريهًا وكئيبًا. دعني أمضي في طريقي.»

أجاب روبين: «لا، لدينا حانة هنا، ويستمتع جميع ضيوفنا بالوقت الطيب، لكنهم لا بدَّ أن يدفعوا مقابل طعامهم وتسليتهم.»

ردّ الفارس: «أفهم ما تقوله، لكنني لست الرجل الذي تنشده؛ فأنا خالي الوفاض.»

سأله روبين: «حقًّا؟ أريد أن أصدقك، لكن ثمة رجال مثلك لا يمكن الوثوق في كلمتهم.» صفر روبين، فظهر رجاله من مخبئهم، وقال: «هؤلاء هم رجالي، يشاركونني في المكسب والخسارة، في السراء والضراء، من فضلك أخبرني؛ كم من مال لديك؟»

صمت الفارس بضع دقائق، واحمرت وجنتاه وقال: «لا أعرف لماذا أشعر بالخزي، لكنني أشعر بالخزي بالفعل، أتكلم بالصدق يا صديقي عندما أقول لك إنني لا أحمل سوى ستة شلنات، هذا هو كل المال الذي أملكه أنا — السير ريتشارد أوف ليا — في العالم كله.»

أنصت روبين في هدوء وقال: «أتقسم أن هذا هو كل ما تملك من مال؟»

أجاب السير ريتشارد: «أجل، أقسم بشرفي بصفتي فارسًا أصيلًا، وهاك كيس نقودي، تحققوا منه بأنفسكم.»

قال روبين: «احتفظ بكيس نقودك يا سير ريتشارد، أنا أقاوم المستكبرين فحسب، أما أولئك المنكسرين النفس، فأنا أحاول أن أساعدهم قدر المستطاع يا سير ريتشارد، تعال معنا إلى غابة شيروود.»

قال السير ريتشارد: «أعلم أنك تقصد بي خيرًا، لكني أشك في أنك تستطيع أن تعينني في التغلب على محني، لهذا سأمضي.»

قال روبين بلطف: «سيدي الفارس، لا أقصد أن أزعجك، لكن هل يمكن أن تخبرني ما الذي يكدرك هكذا؟»

ردّ السير ريتشارد: «في الواقع، لا أرى سببًا لأن أخفي عليك أمري؛ قلعتي والأراضي الخاصة بي مرهونة بدين، وبعد ثلاثة أيام من الآن، سيبيع رئيس دير إيمت كل ممتلكاتي ما لم أسدد المال.»

سأل روبين: «وكيف حدث هذا؟»

– «لدي ابن بلغ من العمر عشرين عامًا، وهو فارس بالفعل، وفي العام الماضي ذهب إلى مصارعة في تشيستر، وطرح جميع خصومه عن صهوة جيادهم، وفي النهاية، التقى بخصم عظيم، هو سير وولتر أوف لانكستر. وأطاح رمح ابني بالسير وولتر عن فرسه، لكن المأساة تكمن في أن شظية من الرمح اخترقت خوذته ففقأت عين السير وولتر ومات على إثر ذلك. وكان لأقاربه العديد من المعارف في البلاط الملكي؛ ولم تكن هناك طريقة لإنقاذ ابني من السجن سوى بدفع فدية قدرها ستمائة جنيه ذهبية، ولمّا لمْ أكن أملك المال المطلوب، رهنت الأراضي التي أمتلكها لرئيس دير إيمت، فاستغل محنتي.»

سأل روبين: «بكم تدين له؟»

أجاب السير ريتشارد: «أربعمائة جنيه فحسب.»

قال ويل سكارليت في تعجب: «أربعمائة جنيه فحسب! أليس لديك أصدقاء يمكنهم أن يساعدوك؟»

أجاب السير: «عندما كنت ثريًّا كان لدي الكثير من الأصدقاء الذين كانوا يتفانون في إظهار حبهم لي، وقد اختفوا تمامًا الآن.»

قال روبين: «تقول إنه ليس لديك أصدقاء ليساعدوك يا سير ريتشارد! لكني قد أستطيع مساعدتك، ولا أقول هذا على سبيل التفاخر.»



الفصل الثالث عشر

الأسقف «يساعد» روبين والسير ريتشارد

عندما بلغت الزمرة شجرة جرين وود، وجدوا أن رجال جون الصغير قد اصطادوا أسقف هيرفورد ومرافقيه، ورأى روبين الأحصنة المحملة بالبضائع، وقد رأي أيضًا ذلك الحصان المحمل بصندوق خشبي كبير مغلق، فالتمعت عيناه إذ كان يعلم أن مثل هذا الصندوق يحمل كنزًا.

لمح الأسقف روبين، فهجم عليه كالثور، فابتسم روبين وقال له: «مرحبا بقداستك! سأتفرغ لك في غضون لحظات، لا تقلق، ليس هناك ولا في إنجلترا كلها رجل أؤثر الحديث معه غيرك.»

انتفخ وجه الأسقف من شدة الغيظ وصرخ: «هل هذه هي الطريقة التي تتبعها أنت وعصابتك من الرعاع والسوقة في معاملة رجل ذي شأن رفيع للغاية في الكنيسة مثلي؟ كنا أنا وهؤلاء الرهبان مسافرين في طريقنا في سلام عندما باغتنا ذلك الرجل الضخم العملاق الذي يبلغ طوله سبعة أقدام كاملة، وكان بمعيته ثمانون رجلًا، وطلبوا منا أن نتوقف، وقد نعتني بالكاهن السمين، والأسقف آكل لحوم البشر، وشيء آخر من هذا القبيل، وكأني لست إلا شحاذًا!»

قال روبين هود: «وا أسفاه، يا إلهي! أحقًّا أساء رجالي معاملتك. يا جون، تعال هنا لحظة.»

تقدم جون الصغير متظاهرًا بالخجل وكأنه طفل أُمسك يسرق حلوى.

قال روبين للأسقف: «هل هذا هو الرجل الذي تكلم بوقاحة إلى سيادتك؟»

قال الأسقف في سخط: «نعم، هذا هو الوغد.»

التفت روبين نحو جون الصغير وقال: «يا جون، هل نعت فخامته بالكاهن السمين؟»

قال جون الصغير في أسف: «أجل، فعلت.»

– «والأسقف آكل لحوم البشر؟»

رد جون الصغير على نحو أكثر أسفًا: «أجل.»

قال روبين في إقرار: «ويحي! إذن لا بدَّ أن هذه حقيقة؛ فجون الصغير رجل أمين وأعرف أنه ما كان لينطق بأقاويل كاذبة عن أسقف!»

فار الدم في عروق الأسقف حتى إن وجهه احمر وصار كالكرز من فروة رأسه حتى ذقنه، لكنه ابتلع الكلمات وصمت.

استرسل روبين هود: «والآن أيها الأسقف الصالح، نحن رجال فظاظ، لكننا لسنا فظاظًا إلى حد ظنك، الجميع هنا في جرين وود سيان، وكل من يأتون لتناول الطعام معنا هنا لا بدَّ أن يذوقوا حياتنا المليئة بالمرح والجذل، من ثم لا بدَّ أنك أنت أيضًا تشاركنا هذه الحياة.»

وفي الوقت الذي ذهب فيه بعض الرجال لإعداد الطعام، أحضر آخرون هراوات وأقواسًا طويلة، وكان على الأرض جلود حيوانات ناعمة في هيئة مقاعد ليجلس عليها الضيوف. أجلس روبين السير ريتشارد أوف ليا إلى جانب أسقف هيرفورد.

وعندما نال الجميع قسطًا من الراحة، علق بعض الرجال حلقة من فروع الأشجار الخضراء على شجرة بعيدة، وأخذ كل رجل من الرجال يصوب ثلاثة أسهم في منتصف الحلقة، ومع أن قطر الحلقة كان بعرض أربعة أكفّ فحسب، لم يخفق سوى سهمان في إصابة الهدف. صاح الأسقف في تعجب: «لم أر مثل هذا الرمي في حياتي! لطالما سمعت عن مهارتك يا روبين هود في الرماية، هل تريني عينة؟»

وثب روبين بخفة على قدميه، وقطع من إحدى أشجار الصفصاف عصًا رفيعة، ثم دبب أحد طرفيها، وبعدئذ ابتعد روبين في الفضاء الفسيح وغرس العصا المستدقة الطرف في الأرض، ثم رجع إلى المكان حيث يجلس الأسقف. تناول روبين قوسه، واختار سهمًا شديد الاستقامة جيد الريش، ثم وضع طرفه المدبب على الوتر ثم شده للخلف سريعًا وسدد رميته، فكانت الرمية بارعة؛ إذ شقّ سهم روبين العصا الرفيعة وانغرس في منتصفها، فذُهل الأسقف، وهتف رجال روبين له.

وبعد قليل ظهرت أطباق اللحم الحلو المذاق الكبيرة. وبعد أن أكل الجميع إلى أن امتلئوا، طلب روبين إليهم أن يصمتوا، وعندما سكن الجميع، تكلم.

– «عندي قصة أود أن ألقيها على مسامعكم، لذا أنصتوا جيدًا لما سأقوله.» ألقى روبين على مسامعهم قصة السير ريتشارد الحزينة، وقال بنهايتها: «والآن سيستولى رئيس دير إيمت على قلعته وممتلكاته. هل خليق بخادم الله أن يتصرف هكذا؟» حدق الأسقف في الأرض خوفًا من أن تلتقي عيناه عيني روبين هود.

حث روبين الأسقف بطريقة لطيفة: «أنت أغنى أسقف في إنجلترا بأسرها، هل يمكنك أن تساعد هذا الأخ المعوز؟»

لم ينطق الأسقف ببنت شفة.

التفت روبين نحو جون الصغير وقال: «أحضر الصُرر التي كان يحملها الأسقف ورجاله.»

بسط جون الصغير وويل ستوتلي الصُرر على العشب أمام الجميع. وسلم جون الصغير روبين هود قائمة بالبضائع فطلب من ويل سكارليت أن يقرأها على مسامع الجميع. وسمح روبين للأسقف أن يحتفظ ببعض السلع المدرجة في القائمة مثل الشموع التي ستذهب إلى بيعة القديس توماس، أما بعض السلع الأخرى مثل صُرر الحرير فسوف تُباع من أجل الأعمال الخيرية. أخيرًا وصلوا إلى البند الأخير في القائمة؛ قرأ ويل سكارليت: «صندوق يخُص نيافة أسقف هيروفورد.»

اقشعر بدن الأسقف.

سأله روبين: «هل معك مفتاح هذا الصندوق؟»

هزّ الأسقف رأسه بالنفي.

أمر روبين ويل سكارليت أن يكسر الصندوق، فاستل ويل سيفه وضربه في الصندوق بقوة، فتطايرت الشظايا، وانكسرت مقدمة الصندوق فانسكبت منه العملات الذهبية كالماء الذي ينسكب من الإناء المكسور.

طلب روبين إلى ويل سكارليت، وجون الصغير، وألان إيه ديل أن يعدوا المال. وقد قضوا وقتًا طويلًا في عده، والجميع في انتظارهم.

أخيرًا قال ويل بصوت عظيم: «ألف وخمسمائة جنيه ذهبي.»

قال روبين: «سيدي الأسقف، سأجعلك تحتفظ بثلث هذا المال، وتدفع خمسمائة جنيه من أجل التسلية التي حظيت بها في هذه الأمسية، والخمسمائة جنيه الأخيرة تُخصص من أجل عمل خير من اختياري أنا.»

أشار روبين هود إلى السير ريتشارد وقال: «سير ريتشارد، سوف تأخذ الخمسمائة جنيه لتسدد دينك لرئيس دير إيمت؛ من المنصف أن يستخدم الفائض من مال الكنيسة في مساعدتك.»

قال السير ريتشارد في امتنان: «أشكرك يا صديقي من أجل ما فعلته من أجلي، لكني لا أستطيع أن أخذ هذا المال على سبيل الهبة؛ بل على سبيل القرض ولسوف أسدده إما لك أو إلى الأسقف بعد سنة ويوم من الآن، وأنا أقسم بشرف الفارس.»

ردّ روبين: «في الواقع لا أفهم يا سيدي الفارس لماذا أنت مُصر على ذلك، لكن كما يروق لك، وربما يجدر بك أن تحضر المال إليّ، أنا متأكد من أنني سأحسن استخدامه عن الأسقف.»

نهض سير ريتشارد من مكانه وقال: «لا أستطيع المكوث أكثر من ذلك يا أصدقائي الصالحين؛ إذ سيستبد القلق بزوجتي ما لم أرجع البيت فورًا، من ثم أنا متلهف للرحيل.»

قال روبين: «لا يمكننا أن نتركك وحدك بلا حراسة مسلحة.»

وثب جون الصغير على قدميه وقال: «يا سيدي العزيز، دعني أنتخب عشرين رجلًا، ولسوف نتسلح ونصطحب السير ريتشارد إلى أن يجد خدامه.»

وافق روبين هود: «ليكن ما قلت.»

قال ويل سكارليت: «ينبغي أن نمنح السير ريتشارد سلسلة ذهبية ومهمازًا ذهبيًّا.»

قال روبين: «وليكن هذا أيضًا.»

وعندئذ صاح ويل ستوتلي: «ولنعط السير ريتشارد صُرّة من القماش المخملي الناعم ولفة من الحرير الذهبي اللون هدية تليق بزوجته.»

تهلل الجميع وضحك روبين وقال: «أحسنت الكلام يا ويل ستوتلي، وليكن كقولك أيضًا.»

شعر السير ريتشارد أوف ليا بدموع الامتنان والعرفان بالجميل تترقرق في عينيه وقال: «أيها الأصدقاء الصالحون، لن أنسى ما حييت المعروف الذي صنعتموه بي. إذا عانيتم أي صعوبات في حياتكم، يمكنكم المجيء إلى قلعة ليا؛ لن يلحق بكم أي ضرر ما دامت القلعة قائمة.»

وكان رئيس دير إيمت ممتعضًا حينما سدد السير ريتشارد دينه؛ إذ كان يتحين الفرصة للاستيلاء على قلعة الفارس لأن قيمتها تفوق كثيرًا الأربعمائة جنيه التي يدين بها السير ريتشارد.

وبالفعل بعد مرور سنة ويوم عاد السير ريتشارد أوف ليا إلى غابة شيروود ليوفي كلمته، وأعطى روبين هود خمسمائة جنيه ذهبي، وقد أحضر معه أيضًا هدايا لروبين هود وكل رجاله؛ أقواسًا رائعة من إسبانيا مزخرفة بالفضة، ومعها جعب سهام مزخرفة بالذهب.

ولم تكن هذه هي المرة الأخيرة التي سيرى الرجال فيها سير ريتشارد أوف ليا؛ إذ سيرد عما قريب الدين إلى روبين هود مرة أخرى.



الفصل الرابع عشر

جاي أوف جيسبورن يلقى حتفه

كثيرًا ما تسطع الشمس في الصباح قبل أن تهب عاصفة هوجاء، وكان هذا هو الحال في اليوم الأسوأ لروبين هود منذ أن صار خارجًا على القانون. غردت الطيور فوق الأشجار، وهزّ النسيم العليل أوراق الشجر. وكان جون الصغير وروبين هود يتسامران وهما يجوبا الغابة.

قال جون الصغير في ضجر: «مرّ علينا وقت طويل دون أي مغامرات؛ أرى أن ينطلق كلانا بمفرده ونرى ماذا سنجد، وعندما نلتقي مرة أخرى سيكون لدينا حكايات مثيرة لنخبر بها بعضنا بعضًا.»

أجاب روبين: «تروق لي خطتك يا جون.»

وعندما بلغا مفترق طرق في الدرب، أشار روبين نحو اليسار وقال: «اذهب أنت في هذا الطريق، وسأذهب أنا في هذا الطريق، وأنا على يقين من أنك تستطيع التغلب على أي صعاب تصادفك.»

وبينما كان روبين يسير بحماس عبر دربه، إذ به يلمح رجلًا عليه سيماء الشر يجلس تحت شجرة بلوط كبيرة، ويرتدي من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين عباءة ثقيلة من جلد الخيل الداكن، ويحجب وجهه عن النظر غطاء مصنوع من جلد رأس الحصان، وتنتصب الآذان الموضوعة على غطاء الرأس كالقرون، وإلى جانبه سيف وقوس طويل، وخلف ظهره جعبة السهام.

ارتاع روبين من منظره قليلًا، لكنه نادى بصوت مرتفع في ابتهاج: «مرحبًا، من ذا الذي يمكث هناك؟ وما هذا الذي ترتديه؟ لو كنت قد أذنبت، لكانت ساورتني الشكوك بأن الشيطان أرسلك لتأخذ روحي.»

استدار الغريب ببطء ونظر إلى روبين، وعندئذ دفع غطاء إلى الوراء فظهرت عيناه السوداوان الفاترتان، وقال مزمجرًا: «من أنت؟»

أجاب روبين: «لا تتحدث بهذه الحدة يا أخي، هل تناولت أشواكًا وخلًّا في وجبة الإفطار اليوم؟»

ردّ عليه الغريب مزمجرًا: «إذا كان لا يعجبك كلامي، فارحل الآن؛ فإن أفعالي مزعجة أيضًا ككلامي.»

قال روبين باسمًا: «لكن كلامك يعجبني حقًّا، فأنت شخص حلو المعشر، وكلامك مملوء حكمة وفطنة لم أسمع مثلهما في حياتي كلها.»

نظر الغريب إلى روبين نظرة شريرة، ونظر إليه روبين أيضًا، وكان روبين يبتسم ابتسامة عريضة طوال الوقت، وأخيرًا كسر الغريب جدار الصمت وسأل: «ما اسمك؟»

قال روبين في تعجب: «أنا مسرور لأني أسمعك تتحدث! لقد بدأت أظن أنك مصاب بالخرس، بخصوص اسمي فقد يكون هذا أو ذاك، لكني أرى أنه من الأنسب لك أن تخبرني أنت «باسمك» لأنك أنت هو الغريب في هذه البقاع.»

قهقه الغريب بصوت بارد أجش وقال: «لا أعرف لماذا لا أضربك بالسيف، فمنذ يومين غرزت سيخًا في رجل بمدينة نوتينجهام لسبب تافه، أنا جاي أوف جيسبورن، أحد الخارجين على القانون، وسيمنحني شريف نوتينجهام عفوًا غير مشروط عن كل الجرائم التي ارتكبتها في الماضي، علاوة على مكافأة مائتي جنيه كي أقتل رجلًا بعينه من الخارجين على القانون اسمه روبين هود. يقول المثل «ما يُوقع المجرم إلا مجرم مثله.»»

وشعر روبين هود بقلبه يقفز بداخل صدره وهو ينصت؛ إذ كان يذيع صيت أعمال القتل الوحشية التي يقترفها جاي أوف جيسبورن في كل أنحاء إنجلترا، لكن روبين ظل باسمًا وقال: «لقد سمعت حقًّا عن أعمالك النبيلة، وأعتقد أن روبين هود لا يحبذ أن يلتقي بأي رجل في العالم غيرك.»

ضحك جيسبورن ضحكة فظة أخرى وقال: «من المبهج أن تسمع عن لقاء عملاقين من الخارجين على القانون، لكنه سيكون يومًا سيئًا للغاية على روبين هود؛ فاليوم الذي ألقاه فيه هو يوم موته.»

قال روبين: «لكن يا صاحب الخلق الدمث، ألا تظن أن روبين هود قد يكون أقوى منك؟ أنا أعرفه معرفة وثيقة، وكثيرون ممن يقطنون هذه المنطقة يرون أنه أقوى الأحياء.»

قال جيسبورن بازدراء: «قد يكون أقوى رجل في الجوار لكن لا تعد هذه المنطقة العالم بأسره؛ كيف يطلقون عليه خارجًا على القانون وهو الذي لم يرق الدماء منذ أن هرب إلى الغابة! وكيف يطلقون عليه رامي السهام! ومع ذلك لا أخشى أن أقف أمامه وقوس في يدي في أي يوم.»

قال روبين هود: «هم يطلقون عليه بالفعل رامي سهام بارع، ونشتهر نحن أيضًا قاطني نوتينجهامشير باستخدام الأقواس الطويلة، وحتى أنا غير المحنك في هذه المهارة، لا أخشى أن أتبارى معك.»

ضحك جيسبورن على نحو فظّ وقال: «تعجبني روحك. ثبت حلقة من الأعشاب.»

اعترض روبين هود: «لا، الأطفال فقط هم من يصوبون نحو أكاليل الزهور في هذه الغابة. امكث هنا وسأعد هدفًا جيدًا.»

ابتعد روبين عن الطريق، وقطع عصا من أغصان شجر البندق، وبرى أحد طرفيها ثم غرزها في الأرض أمام شجرة بلوط، وقاس ثمانين خطوة وقال: «هذه هي نوعية الأهداف التي يستخدمها رجال نوتينجهام. لتشق هذه العصا إذا كنت تقول إنك رامي سهام.»

قال جيسبورن في تأفف: «لا يستطيع الشيطان نفسه أن يصيب هذا الهدف.»

ردّ روبين: «قد يستطيع وقد لا يستطيع، لا نستطيع أن نجزم بهذا إلى أن تصوب.»

التقط جيسبورن قوسه، وأطلق سهمه الأول الذي طار على بعد قدم من عصا شجرة البندق، وصوب مرة أخرى فحاد عن الهدف ست بوصات.

ضحك روبين في جذل وقال: «أستطيع أن أجزم الآن أن الشيطان نفسه «لا يستطيع» أن يصيب هذا الهدف. لنرى إذا كنتُ أستطيع أنا.»

جذب روبين قوسه وصوب سريعًا، فاخترق سهمه الهواء في خط مستقيم وشقّ العصا في مكانها.

وقبل أن يستطيع جاي أوف جيسبورن أن ينبس ببنت شفة، طرح روبين قوسه على الأرض، واستل سيفه، وصرخ صراخًا عنيفًا: «أيها الوغد المتعطش للدماء! الآن وقد رأيت مدى سذاجتك في ألعاب الرجال، ألق نظرة الوداع على ضوء النهار أيها الوغد الحقير؛ فاليوم آخر يوم في عمرك! أنا روبين هود!»

صُعق جيسبورن وقال: «هل أنت روبين هود بحق؟ سعدت بلقائك، ستموت الآن!» ثم استلّ سيفه.

وعندئذ دار أعنف قتال شهدته غابة شيروود، وعلى الفور بدأت تتناثر قطرات الدماء على الأرض، ولم يكن أي منها يخص روبين، وأخيرًا هجم جيسبورن بقوة على روبين الذي تفادى الهجمة عندما رجع بخفة إلى الوراء، لكن عقبه تعثر في جذر من الجذور وسقط على ظهره، وصلى روبين: «أغثني يا الله.»

حاول جيسبورن أن يطعن روبين بوحشية، لكن روبين أمسك نصل السيف بيده، وعلى الرغم من أن السيف أحدث جرحًا غائرًا في يد روبين، فإنه استطاع أن يدفع السيف بعيدًا عنه ويغرزه في الأرض، وعندئذ وثب على قدميه وشهر سيفه، حاول جيسبورن أن يسحب سيفه من الأرض، لكن روبين طعن سيفه تحت ذراع جيسبورن، الذي أخذ يدور حول نفسه، فغرز روبين السيف الفولاذي الحاد في أحشاء عدوه. صرخ جيسبورن وهو يتهاوى على العشب الأخضر.

مسح روبين سيفه من الدماء التي كانت تلطخه، وفكر في نفسه وهو يقف فوق جثة جيسبورن: «هذا أول رجل أذبحه منذ أيام صباي، سأشعر بالمرارة كلما أتيت على ذكر هذا اليوم، لكن هناك ما يبرر قتلي لهذا الرجل؛ فقد بعث شريف نوتينجهام هذا الوغد ليقضي عليَّ، سأرتدي زيّ جيسبورن وأذهب إلى الشريف لعلي أرد له هذا الصنيع بطريقة ما.»



الفصل الخامس عشر

روبين «يجازي» الشريف

في الوقت الذي كان فيه روبين يقاتل جاي أوف جيسبورن، كان يجابه جون الصغير الصعاب على الجانب الأيسر من مفترق الطرق؛ فعندما اجتاز بجانب منزل، سمع صوت تشنج شخص ما، طرق جون باب المنزل فأجابته امرأة عجوز، وكان الدموع تنهمر من عينيها، فقال جون: «ما الذي يزعجك يا سيدتي؟ لعلي أستطيع مساعدتك.»

رفعت المرأة عينيها نحو جون وقالت: «لا أظن أن روبين هود نفسه يستطيع مساعدتي، لكني سأخبرك بقصتي؛ أنا أرملة لي من الأولاد ثلاثة، وفي الليلة المنصرمة قتل أكبرهم غزالًا، وتتبع رجال الشريف قطرات الدماء المنسكبة على أرض الغابة حتى وصلوا كوخي، وأقسم الشريف أن يشنق أولادي الثلاثة معلقًا إياهم في شجرة عند طرف غابة شيروود.»

أنصت جون الصغير إلى المرأة العجوز باهتمام وقال: «أعرف الشريف جيدًا، وأعرف أيضًا كيف أحرر أولادك.» وأخبر جون المرأة أنه بحاجة إلى ملابس تنكرية، فأعطته ثياب زوجها المتوفى، وعندئذ صنع جون لنفسه لحية وباروكة مصطنعتين من صوف الأغنام الأبيض، وتظاهر جون بأنه رجل عجوز، ثم صار نحو طرف الغابة.

وكان الشريف يمتطي جواده عندما رأى جون الصغير قادمًا فناداه: «أيها الرجل العجوز، تعال هنا! هل تحب أن تحصل على ستة بنسات؟»

– «ستة بنسات! أجل يا سيدي! ما يجدر بي أن أفعل حتى أحصل عليها؟»

أشار الشريف صوب الفتية الثلاثة الذين كانت أياديهم موثقة خلف ظهورهم، وقال: «أن تشنق هؤلاء الأوغاد. سأدفع لك ستة بنسات لقاء هذه المهمة.»

قال جون الصغير: «بكل سرور سيدي، هذا مبلغ جيد لقاء هذه المهمة اليسيرة، هل اعترف هؤلاء الفجار بخطاياهم؟»

قال الشريف في لجاجة: «يمكنك أن تحاول معهم محاولة إذا كان يروق لك ذلك، ما دمت ستفعل ذلك بسرعة.»

سأل جون الصغير: «هل بمقدوري أن استخدم قوسي يا سيدي، أريد أن أنخسهم في ضلوعهم وهم معلقين.»

صاح الشريف: «افعل ما يحلو لك، ولكن أتمم المهمة بسرعة.»

شدّ جون الصغير وتر القوس، ثم مال على كل واحد من الفتيان الثلاثة متظاهرًا بأنه يستمع إلى اعترافه، وهمس في أذنه: «سأقطع وثاقك، أبق يديك معًا حتى لا يلحظ أحد، وعندما أقول لكم «اركضوا»، انطلقوا نحو الغابة.» وبعد أن فكّ جون وثاق الغلام الثالث، وضع سهمًا في وتر قوسه، ثم جذب الوتر قليلًا إلى الخلف، وصرخ: «اركضوا!»

عدا الفتيان الثلاثة بأقصى سرعتهم نحو الغابة، وأخذ جون الصغير يتقهقر إلى الوراء ببطء نحو الغابة الآمنة، موجهًا سهمه نحو رجال الشريف، وحذرهم: «أي شخص يحاول أن يدنو مني سيموت.» فلم يتحرك أحد.

وعندئذ انفتحت عينا الشريف فتعرف على جون الصغير فانطلق في حمو غضبه، دافعًا جواده، وشاهرًا سيفه، وغار على جون كالرياح.

جذب جون الصغير وتر قوسه للوراء متأهبًا لأن يصوب سهمه. فصدر صوت طقطقة! لقد انكسر القوس في يده، فرمى به حصان الشريف الذي استمر مندفعًا صوب جون. ولوح الشريف بالسيف بكل ما أؤُتي من قوة، وضرب الشريف جون الصغير على رأسه بالجانب المسطح لنصل السيف، فأردت الضربة جون على الأرض فاقدًا الوعي.

قفز الشريف عن جواده، وتهلل قائلًا: «هذا يوم سعدي! لقد فلحت في مقايضة لصوص الصيد أولئك بذراع روبين هود الأيمن! لنشنق هذا الوغد اللئيم اليوم قبل أن يتمكن سيده من مساعدته، وسنترك جثته عبرة لمن يعتبر.»

وبينما كان رجال الشريف يهيئون الشجرة التي سيشنقون جون عليها، ظهرت هيئة سوداء على الطريق، فصاح أحد رجال الشريف في رعدة: «أليس هذا جاي أوف جيسبورن؟»

رفع الشريف نظره، فرأى العباءة السوداء المصنوعة من جلد الحصان ملطخة بالدماء، فارتعدت فرائصه؛ إذ كان هو نفسه يخشى جاي أوف جيسبورن، وقال: «أجل هذا هو الشيطان، أتمنى أن يكون قد ذبح كبير اللصوص.»

تأوه جون الصغير وأخذ يسترد وعيه، وعندما رأى هيئة الرجل يسير عبر الطريق، توّلاه الفزع؛ إذ كان الرجل يحمل بوق روبين وقوسه، وكانت ملابسه مغطاة بالدماء.

صرخ الشريف: «ما معنى هذا! كيف كان حظك اليوم في الغابة؟ لماذا ثيابك مغطاة بالدماء يا رجل!»

أجاب روبين في صوت أجش مثل صوت جيسبورن حتى لا يتعرف عليه الشريف: «إذا كانت لا تعجبك ثيابي، فأغمض عينيك، الدم الذي يغطيني هو دم أشنع رجل خارج على القانون عرفه العالم، لقد ذبحته اليوم.»

صرخ جون الصغير: «أيها الوغد الخسيس! أنا أعرفك يا جاي أوف جيسبورن، وأنت فعلًا خير وسيلة يستخدمها شخص جبان مثل شريف نوتينجهام، سأموت مسرورًا، فالحياة لم يعد لها قيمة الآن،» وانسالت الدموع على وجنتي جون الصغير وهو يتكلم.

قال الشريف في جذل شديد: «قلّ لي يا جيسبورن إن هذا حدث بالفعل.»

– «أتكلم الصدق، فهاك سيف روبين هود، وقوسه، وبوقه، أتظن أنه سيعطيني هذه الأشياء مجانًا؟»

صفق الشريف وتهلل: «الرجل العظيم الخارج على القانون مات، وذراعه الأيمن في قبضتي الآن! مهما طلبت فسيكون لك يا جاي أوف جيسبورن.»

قال روبين آمرًا: «هبّ لي حياة هذا الرجل؛ فكما ذبحت سيده فسأذبحه هو أيضًا.»

ضحك الشريف: «أنت أحمق؛ كان حري بك أن تطلب مالًا فكنت سأمنحك كل ما تريد، لكن بما أنني وعدتك أن أعطيك ما تريد، فها حياته في قبضتك.»

قال روبين: «أشكرك من أجل هذه الهبة. والآن، أمل هذا الرجل نحو الشجرة، وسأريك كيف نفعل بأمثاله عندنا.»

وفي الوقت الذي انشغل فيه رجال الشريف في تولي أمر جون الصغير، شدّ روبين القوسين اللذين كان يحملهما، ثم اتجه صوب جون الصغير.

تقهقر رجال الشريف للوراء، وصرخ جون الصغير: «هيا! هاك صدري، من الصواب أن تذبحني نفس اليد التي اغتالت سيدي، أعرفك حق المعرفة يا جاي أوف جيسبورن.»

همس روبين: «اهدأ يا جون الصغير، لقد قلت مرتين إنك تعرفني، لكن من الواضح أنك لا تعرفني على الإطلاق، ستجد فوقك مباشرة قوسًا وسيفي العريض، عندما أقطع وثاقك، أمسك بهما سريعًا. الآن! أمسكهما!»

وفي نفس اللحظة، وضع روبين بسرعة سهمًا على وتر القوس وقال: «أول رجل يلمس سيفًا أو وتر قوس سيموت! لقد قتلت جاي أوف جيسبورن. فليحذر كل منكم أن يكون التالي!»

صرخ الشريف: «روبين هود!» وكان على يقين من أن روبين هود سوف يقتله اليوم، لذا أدار جواده ونخسه بمهمازه، فانطلق الجواد بأقصى سرعة وسط سحابة من الغبار.

وكان الجواد سريعًا للغاية، لكنه لم يكن أسرع من السهم؛ إذ أطلق جون الصغير سهمًا واحدًا من قوسه اخترق الهواء، ثم انغرس في مؤخرة الشريف، وكان السهم يخرج من جسمه مثل الذيل الريشي بمؤخرة العصفور. وعلى مدار شهر ظل الشريف يتوجع بشدة ولم يكن يستطع الجلوس إلا على وسادات ناعمة للغاية.



الفصل السادس عشر

الملك ريتشارد يتعشى في غابة شيروود

بعد موت الملك هنري الصالح، آل العرش إلى ابنه ريتشارد، الذي اشتهر باسم ريتشارد قلب الأسد على إثر شجاعته في ميدان المعركة. وقرر الملك ريتشارد أن يقوم بجولة ملكية في أنحاء إنجلترا، كي يعرف البلد ورعاياه معرفة أفضل، وكان الجميع متأكدين من أنه سيعرج على نوتينجهام أثناء جولته.

وعلى الفور بُعث الرسل ذهابًا وإيابًا بين الشريف والملك إلى أن اتُّفق في نهاية الأمر على الموعد الذي سيأتي فيه الملك لزيارة نوتينجهام.

واستعدادًا لمجيء الملك، شُيدت القناطر في الشوارع كي يمر ريتشارد عبرها، وزُين الكثير من هذه الأقواس بالألوية والرايات الحريرية من مختلف الألوان. وفي قاعة المدينة العملاقة، جايلد هول، حيث كانت تُعد العدة لإقامة وليمة عظيمة، كان أفضل النجارين يصنعون كرسيًّا فخم ليجلس عليه الملك عند رأس المائدة والشريف إلى جانبه.

وفي صباح يوم زيارة الملك، أرسلت الشمس أشعتها الذهبية لتسطع على الشوارع الحجرية التي ماجت وهاجت فيها الجماهير التي اجتمعت من كل حدب وصوب، من الريف والمدينة على حد سواء. واحتشدت الجماهير بالقرب من الدرب المزمع أن يمر به الملك حتى إن رجال الشريف كانوا يدفعونهم بشق الأنفس بعيدًا حتى يفسحوا مكانًا للملك. ووسط هذه الجموع الغفيرة من الناس وقف العديد من الرجال يرتدون الملابس ذات اللون الأخضر الزيتي؛ إذ كان روبين ورجاله معجبين أيما إعجاب بملكهم الجديد.

وبعد طول انتظار، سُمعت أصوات أبواق واضحة عبر الشارع، فالتفت الجمع وأخذوا ينظرون في الاتجاه الذي جاءت منه الأصوات.

أخيرًا، عدا رجال الملك المسلحين بخيلهم إلى مركز المدينة حيث بدأ الجميع يتهللون. ولم يسبق لمدينة نوتينجهام أن شهدت مشهدًا أروع من ذلك الذي جاء فيه مئة فارس نبيل، جميعهم يرتدون دروعًا لامعة كانت تتلألأ في ضوء الشمس، يسيرون في زهو عبر شوارعها، وأضاف وقع حوافر خيلهم الحربية العظيمة عند احتكاكها بالأرضية الحجرية روعة إلى الروعة.

وجاء خلف الفرسان البواسل، نبلاء الأرض العظام يرتدون ثيابًا مصنوعة من الحرير والذهب، ويتقلدون السلاسل الذهبية حول أعناقهم. ثم لحق بهم حشد كبير من الجنود المسلحين يمسكون برماح في أيديهم وهم يسيرون خلف الجمع.

وكان في وسط موكبهم اثنان يمتطيان الجياد؛ أحدهما شريف نوتينجهام الذي كان يرتدي الزي الرسمي الفخم، والآخر، الذي كان أطول من الشريف، يرتدي زيًّا نفيسًا لكنه بسيط، ويتقلد سلسلة ثقيلة وعريضة حول عنقه، وشعره ولحيته ذهبيا اللون، وعيناه زرقاوان زرقة سماء الصيف الصافية. وكان يحني رأسه يمنة ويسرة وهو يسير في الطريق، فكان يلحقه صوت هتاف عظيم وهو سائر في الطريق؛ بأن هذا هو الملك ريتشارد، وكان هتاف روبين ورجاله أعظم من الكل.

وكان من المقرر أن يُقدم هذه الليلة عشاء فخم على شرف زيارة الملك ريتشارد في قاعة جايلد هول. وأُضيء ألف مصباح على طول طاولة ضخمة للغاية حيث أُضيف بحفاوة اللوردات والنبلاء والفرسان، وعند رأس الطاولة وعلى مقعد فخم وثير مغطى بأقمشة ذهبية جلس الملك ريتشارد وإلى جانبه مباشرة شريف نوتينجهام.

وبعد وقت قليل التفت الملك إلى الشريف وقال له: «سمعت عن وجود عصابة من الخارجين على القانون بقيادة رجل اسمه روبين هود في هذه البقاع. هل يمكنك أن تخبرني بشيء عنه؟»

وما إن سمع الشريف تلك الكلمات حتى عبس وجهه، ثم قال: «لا أعرف الكثير عن أولئك الأوغاد الأشرار سوى أنهم أكثر منتهكي القانون وقاحة على وجه البسيطة.»

وعندئذ تكلم أحد الرجال المفضلين لدى الملك، السير هنري أوف ليا: «إذا سمحت لي يا جلالة الملك بالحديث؛ لطالما كنت أسمع عنه من والدي عندما كنت في فرنسا، إذ كان يخبرني معظم الوقت عن هذا الرجل بالتحديد، روبين هود. إذا أذنت ليّ يا جلالة الملك، سأخبرك عن مغامرة معينة قام بها هذا الخارج على القانون.»

عندئذ أذن الملك بابتسامة منه للسير هنري بالمضي قدمًا في حديثه، عندئذ حكي السير هنري كيف أغاث روبين هود والده السير ريتشارد أوف ليا. وضحك الملك ريتشارد بشدة عندما سمع أن روبين هود قد استخدم مال أسقف هيرفورد، لسداد دين السير ريتشارد، وكان وجه الأسقف الذي كان يجلس إلى جانب الملك يحمر أكثر فأكثر مع كل جملة ينطق بها السير هنري.

ولما رأى بعض الرجال الآخرين الجالسين حول المائدة كيف أن الملك استمتع من كل قلبه بمثل هذه القصة المبهجة، بدءوا يخبرون أيضًا بالقصص التي تدور حول روبين هود. أعلن الملك بعد الاستماع إلى قصصهم: «أقسم أن هذا أجرأ محتال سمعت عنه.»

وفي وقت متأخر من هذه الليلة، أطال الملك السهر وهو يتسامر مع السير هنري وبعض الفرسان الآخرين، وكان عقله لا يزال مأخوذًا بروبين هود، فقال: «أعطي مائة جنيه كي ألتقي هذا الذي يُدعى روبين هود وأرى بعضًا من أفعاله في غابة شيروود.»

ضحك سير هوبيرت وقال: «إن كان يروق لجلالتك أن تلتقي روبين هود عن جدّ، يمكنني أن أرتب هذا. وإذا كنت جلالتك مستعدًا أن تخسر مائة جنيه، فلن يمكنك أن تراه فحسب بل وتتعشى معه أيضًا في غابة شيروود.»

سأل الملك: «كيف هذا؟»

– «نتنكر في زيّ رهبان، وجلالتك تحمل كيس نقود يحوي مئة جنيه، وعندئذ نشق طريقنا غدًا عبر غابة شيروود إلى مدينة مانسفيلد. وقبل أن ينتهي اليوم، سنلتقي روبين هود ونتعشى معه.»

قال الملك في ابتهاج: «تروق لي خطتك! سنرحل غدًا.»

وفي صباح اليوم التالي، وبينما كان يستعد الملك ريتشارد وحاشيته للرحيل، وإذ بشريف نوتينجهام يزورهم. وبعدما أخبره الملك عن خطته للالتقاء بروبين هود، طلب الشريف أن ينفرد بالملك في حديث خاص وحذره: «أنت تتخذ خطى واسعة صوب الخطر يا مولاي. يا سيدي وملكي العظيم، هذا الوغد روبين هود لا يعبأ بالملك ولا بقوانين الملك.»

ردّ الملك: «لكن روبين هود لم يرق الدماء منذ أن بات خارجًا على القانون فيما عدا، أو كما تناهى إلى مسامعي، هذا الرجل الذي يُدعى جاي أوف جيسبورن. وقد كان جاي أوف جيسبورن وغدًا شريرًا حتى إنه يجدر بكل الرجال الأمناء أن يشكروا روبين من أجل هذا الصنيع.»

أجاب الشريف: «أجل يا جلالة الملك، ما سمعته كان كلام حق، بيد أن ....»

سأل الملك الشريف مقاطعًا إياه: «مما أخاف إذن؟ فأنا لم أؤذه، في واقع الأمر لا يوجد أي خطر بالمرة في هذا، لكن يمكنك أن تأتي معنا أيها الشريف.»

شحب وجه الشريف عند سماعه فكرة الالتقاء بروبين هود، وصرخ قائلًا: «أعوذ بالله!»

وعندئذ رحل الملك ريتشارد ورجاله من نوتينجهام، وغطوا وجوههم حتى لا يعرفهم أحد. وبعد مرور بعض الوقت على خروجهم، اشتد ظمأ الملك فصرخ: «أعطي خمسين جنيهًا مقابل شيء يرطب حلقي الجاف.»

وفي الحال ظهر فجأة في الطريق رجل أشقر ذو عينين زرقاوين متلألئتين، وأمسك بلجام حصان الملك وقال: «في الواقع لا يصح أن نحرمك من أمنيتك أيها الأخ الورع، لدينا حانة هنا، وسنقدم لك طيب الشراب ووليمة فاخرة مقابل خمسين جنيهًا.» ثم بوق روبين في بوقه. فأخذت الآجام تصدر صوت حفيف، وظهر على نحو غير متوقع ستون رجلًا يرتدون ثيابًا لونها أخضر زيتي يصطفون على جانبي الطريق.

سأل الملك ريتشارد: «من أنتم أيها العفاريت؟ ألا تكنون أي احترام لرجال الدين؟»

أجابه روبين: «كلَّا البتة. أما بالنسبة لمن أنا، فاسمي روبين هود، لعلك سمعت عني.»

أجاب الملك ريتشارد: «عار عليك، أنت رجل وقح وبذيء، وهمجي أيضًا. والآن دعني أمر أنا وإخوتي في سلام.»

اعترض روبين قائلًا: «لا يمكننا أن ندع رجال الدين أولئك يسافرون بمعدة خاوية. أرني كيس نقودك يا جناب الأخ الورع، وإلا سأجردك من ملابسك لأبحث بنفسي.»

ردّ الملك في صرامة: «لا. لا داعي لاستخدام القوة. هاك كيس نقودي، لا تلمسني بيديك الآثمتين.»

عنفه روبين هود قائلًا: «أف! من تظن نفسك؟ هل أنت ملك إنجلترا حتى تتحدث إليّ هكذا؟» ثم ألقى روبين بكيس النقود إلى ويل سكارليت كي يعده.

وعندما انتهى ويل من عدّ خمسين جنيهًا وضعها في جيبه، أعاد الخمسين جنيهًا الأخرى إلى الملك وقال: «تفضل يا أخي، إليك نصف نقودك. هل يمكنك أن ترجع قلنسوتك إلى الوراء؟ أود أن أرى وجهك.»

قال الملك: «لا. لن أرجع قلنسوتي إلى الوراء؛ لقد أقسمنا نحن السبع ألا نظهر وجوهنا مدة أربع وعشرين ساعة.»

قال روبين: «إذن لتبق وجهك محجوبًا عن النظر كما تشاء. حاشاني أن أطلب منك أن تحنث بقسمك.»

وعندما بلغوا شجرة جرين وود، أمر روبين رجاله بأن يحضروا أقداحًا من الشراب، وعندئذ رفعوا أقداحهم ليشربوا نخب الملك فقال روبين: «لنشرب نخب الملك ريتشارد الصالح، وليسقط جميع أعدائه.»

شرب الجميع نخب صحة الملك، حتى الملك ريتشارد نفسه، وقال الملك: «أظن يا أخي العزيز أنك شربت نخب سقوطك أنت نفسك.»

أجاب روبين: «لا، نحن هنا في غابة شيروود موالين لسيدنا الملك، ونحن على أتم استعداد أن نضحي بحياتنا من أجله.»

ضحك الملك وقال: «لعل صحة الملك ريتشارد وسعادته تعني لي أكثر مما تدرك أنت. لكن كفى كلام بهذا الصدد. لقد دفعنا لك أجرة جيدة لقاء أتعابك، لهذا ألا يمكنك أن ترينا بعض الألعاب؟»

قال روبين في امتنان: «يسعدنا دائمًا أن نسر ضيوفنا. يا غلمان! ثبتوا حلقة عشبية في طرف المنطقة الفسيحة.»

علَّق الرجال في الحال إكليلًا من أوراق الشجر والورود من غصن شجرة ضخمة ثم شرح بصوت مرتفع قواعد اللعبة: «هناك علامة واضحة يا غلمان، وكل واحد منكم سوف يصوب ثلاثة أسهم. وإذا أخفق أي منكم، فلسوف يحصل على لكمة عنيفة من قبضة ويل سكارليت.»

صرخ الراهب تاك: «أنصتوا له جيدًا، سيضرب سكارليت الضخم كل من يخفق في إصابة الهدف.»

صوب ديفيد أوف دينكستر أولًا، فأصابت رمياته الثلاث حلقة الورود، وعندئذ صوب ميدج الطحان، الذي في كل مرة أصاب الهدف أيضًا. تلاه وات السمكري، لكن حظه كان سيئًا؛ إذ أخطأ أحد أسهمه الحلقة بمقدار بوصة.

قال ويل سكارليت في رفق وصوت عذب: «تعال هنا يا أخي، أدين لك بشيء وأحب أن أرده لك.» استعد وات للضرب بأن أحكم غلق عينيه. رجع ويل سكارليت إلى الخلف، ثم لوح بذراعه، وعندئذ صدر صوت شديد إثر صفع وات على رأسه، وعليه وقع السمكري على الأرض العشبية.

وفي الوقت الذي وقف فيه وات يفرك أذنه، أحدث الجميع جلبة عظيمة، وانفجر الملك ريتشارد ضحكًا حتى إن الدموع سالت على خديه. واصل الرجال ألعابهم، وأصاب معظم رجال روبين الهدف، لكن البعض أخفقوا فأصابهم ما أصاب وات.

وكان دور روبين هو الدور الأخير؛ فشقّ سهمه الأول قطعة من العصا الخشبية التي تحمل الحلقة، وضرب السهم الثاني على بعد بوصة من الأول، ففكر الملك في نفسه: «أدفع ألف جنيه ليكون هذا الرجل واحدًا من حرسي الخاص!» غير أن الريش الموجود بسهم روبين الثالث كان سيئًا، وعليه تذبذب السهم في منتصف الهواء وأصاب الشجرة على بعد بوصة من الحلقة.

تلوى الرجال الجالسون على الأرض من فرط الضحك؛ إذ لم يسبق لهم وأن رأوا سيدهم يخفق في إصابة الهدف بمقدار كبير. طرح روبين قوسه في الأرض وقال: «لقد كان الريش الموجود بهذا السهم سيئًا! أعطوني سهمًا غيره ولسوف أشق العصا به.»

ضحك الجميع أكثر من ذي قبل، وقال سكارليت بعذوبة: «لقد مُنحت فرصة عادلة، تعال إلى هنا فأنا مدين لك بشيء ما وأريد أن أرده لك.»

صاح الراهب تاك: «هيا يا سيدي العزيز، ستتعرض للضرب من ويل سكارليت بملء إرادتك، ومن المخزي ألا تحصل على نصيبك منه.»

اعترض روبين قائلًا: «لا يجوز هذا، فأنا الملك هنا، ولا يحق لأحد من الرعية أن يرفع يده ضد ملكه، لكن حتى ملكنا ريتشارد العظيم قد يخضع لرجل الكنيسة بدون الشعور بالعار والخزي، لذا فسوف أخضع لطائلة هذا الراهب الطاهر.» والتفت روبين إلى الملك وقال: «أسألك يا أخي، هل يمكنك أن تنفذ معاقبتي بيديك الطاهرتين؟»

قال الملك ريتشارد: «بكل سرور، فأنا مدين لك بشيء لأنك أخذت خمسين جنيهًا من كيس نقودي.»

قال روبين: «إن أوقعتني على الأرض، فسأعيد لك الخمسين جنيهًا، لكن إن لم تلمس الأعشاب ظهري، فسآخذ كل بنس لديك.»

وافق الملك وقال: «أرغب في المجازفة.» ثم شمر كمه، ورفع ذراعه. وقف روبين قبالته باسمًا، ثابتًا في الأرض مباعدًا ساقيه إحداهما عن الأخرى. أسدى الملك ريتشارد ضربة كالصاعقة أردت روبين على العشب، حتى إن رجاله كادوا يموتون ضحكًا.

نهض روبين، وكان منظره يبدو وكأنه سقط من السحاب، وأخيرًا تكلم: «ويل سكارليت، عدّ خمسين جنيه لهذا الرجل، لا أريد شيئًا آخر منه أو من ماله، كان يجدر بي أن أتلقى عقابي منك، فأنا على يقين من أنني فقدت سمعي الآن.»

أحنى الملك رأسه لروبين وقال: «أشكرك يا أخي، إن أردت أيضًا لكمة أخرى على الأذن، فسأمنحك إياها بدون مقابل.»

وفجأة سمع الجميع صوت وقع حوافر حصان عبر الغابة؛ سير ريتشارد أوف ليا كان يعدو بحصانه متجهًا صوب البقعة الفسيحة بالغابة. صرخ السير ريتشارد لاهثًا: «أسرع يا صديقي العزيز! غادر الملك ريتشارد نوتينجهام اليوم بحثًا عنك. اجمع رجالك وتعال معي لتختبئ في قلعتي بليا.» توقف السير ريتشارد لحظة ثم حدق في الرجال الذين يرتدون ثياب الرهبان وقال: «من يكون أولئك الغرباء؟»

أجاب روبين وهو ينهض عن الأرض: «ماذا! هؤلاء بعض الضيوف اللطفاء الذين وجدناهم على الطريق العام، لا أعرف أسماءهم، لكنني صرت آلف كف هذا الوغد.»

حدق السير ريتشارد عن كثب في الراهب الطويل القامة. انتصب الراهب وثبت عينيه في عين السير ريتشارد، وعندئذ شحب وجه السير ريتشارد، وقفز عن جواده، ونزل على ركبتيه. خلع الراهب قلنسوته.

سأل الملك ريتشارد بصرامة: «كيف تجرأت على إيوائهم في قلعتك يا سير ريتشارد؟ هل نويت أن تجعل منها مأوى لأشهر الخارجين على القانون في إنجلترا كلها؟»

رفع السير ريتشارد عينيه إلى الملك وقال: «حاشاني أن أقدُم على فعل شيء من شأنه أن يثير غضب جلالتك، لكنني أؤثر أن ينزل سخطك بي على أن أرى أي أذى يلحق بروبين هود ورجاله؛ فأنا مدين لهم بعمري، وشرفي، وكل شيء؛ أيجدر بي أن أتخلى عنهم في وقت المحنة؟»

ولمّا انتهى الفارس من كلامه، تقدم أحد الرهبان الزائفين للأمام، وركع إلى جانب السير ريتشارد، وألقى بقلنسوته إلى الوراء، فعرف السير ريتشارد السير هنري ابنه. قال السير هنري أوف ليا: «ها أنا أجثو أمامك أيها الملك ريتشارد. لقد خدمتك بعمري، وأنقذت حياتك، لكن لا بدَّ أن أخبرك أنني أيضًا، سآوي روبين هود؛ فشرف والدي عزيز عليّ مثل شرفي تمامًا.»

نظر الملك ريتشارد حوله في تؤدة، وعندئذ انفجرت أسارير وجهه العابس، وقال للسير ريتشارد: «يحذو ابنك حذوك في الأقوال والأفعال. لقد صدق في كلامه؛ فقد أنقذ حياتي بالفعل في معركة من المعارك، لهذا سأعفو عنك يا سير ريتشارد، حتى وإن كنت قد أخطأت. انهضا معًا! فلن ألحق بكما أي ضرر اليوم، من المخزي أنكما أفسدتما هذا الوقت الطيب.»

ثم نادى الملك على روبين: «كيف حالك؟ هل ما زالت أذنك صماء ولا تسمعني؟»

قال روبين: «ليتني أموت قبل أن يأتي اليوم الذي تتوقف فيه أذني عن سماع صوت عظمتك.»

قال الملك ريتشارد وصوته يشوبه بعض الفتور: «لكن فيما يتعلق برحمتي والولاء لي الذي كنت تتحدث عنهما قبلًا، ربما كان من الأفضل أنني صممت أذنيك. لقد زال الخطر؛ منحتك أنت ورجالك العفو غير المشروط؛ ويسرني أن أضمك إلى حرسي الخاص، وأن أجعل جون الصغير، وابن عمك ويل سكارليت، ومطربك ألان إيه ديل حراسًا لغزلاني في غابة شيروود وليس لصوص صيد خارجين على القانون. والآن أعدوا وليمة لأنني أحب أن أرى كيف تعيشون في هذه الغابات.»

في هذه الليلة، نام الملك على فراش من أوراق الشجر الخضراء الندية، وفي الصباح التالي، سار الخارجون على القانون المشهورون نحو المدينة بصحبة الملك، وبعدها بيوم، ودع روبين هود، وجون الصغير، وويل سكارليت أصدقاءهم القدامى. لقد تبادلوا الأحضان وتصافحوا، واعدين إياهم بالعودة من حين لآخر إلى غابة شيروود. وعندئذ امتطى كل رجل منهم جواد وسار مرفوع الهامة كي يخدم ملكه.