Advertisement

رابونزل وقصص أخرى

 رابونزل وقصص أخرى



رابونزل وقصص أخرى

ترجمة
مروة عبد الفتاح شحاتة
جمع
الأخوان جريم


رابونزل وقصص أخرى

Grimms’ Fairy Tales

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
رابونزل وقصص أخرى / جمعها الأخوان جريم.
     تدمك:
     ?- القصص الإنجليزية

???

رسم الغلاف: إيمان إبراهيم، تصميم الغلاف: سيل?يا فوزي.

يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2012 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Grimms’ Fairy Tales
All rights reserved.


الطائر الذهبي


كان فيما كان ملك لديه حديقة جميلة بها شجرة تطرح تفاحًا ذهبيًّا. كان عدد التفاح معروفًا، لكن عندما حان وقت نضوجه، لوحظ اختفاء تفاحة ذهبية في كل ليلة. غضب الملك غضبًا شديدًا من هذا الأمر، وأمر البستاني بحراسة الشجرة طوال الليل. كلَّف البستاني ابنه الأكبر بحراسة الشجرة، لكن غلبه النعاس نحو الساعة الثانية عشرة، وفي الصباح وجدوا تفاحة أخرى مفقودة. أمر البستاني ابنه الثاني بحراسة الشجرة، وفي منتصف الليل غلبه النعاس أيضًا، وفي الصباح اكتشفوا غياب تفاحة ذهبية أخرى. عرض الابن الثالث على أبيه حراسة الشجرة. في البداية تردد البستاني في السماح له بذلك خوفًا عليه أن يلحق به أذى، لكنه وافق في النهاية. استلقى الشاب الصغير أسفل الشجرة لحراستها، ومع دقات الساعة الثانية عشرة سمع صوت حفيف في الهواء، وجاء طائر من الذهب الخالص يخفق بجناحيه؛ وعندما كان الطائر يعض بمنقاره على تفاحة، قفز ابن البستاني إلى أعلى، وأطلق سهمًا على الطائر، ومع أن السهم لم يؤذ الطائر، فإنه أسقط ريشة ذهبية من ذيله، ثم حلق الطائر بعيدًا.
أُخِذَت الريشة الذهبية للملك في الصباح، ودُعِيَ المجلس للاجتماع، واتفق كل من في الاجتماع على أن هذه الريشة تفوق ثروة المملكة بأكملها، لكن الملك قال: «ريشة واحدة لا تكفيني، يجب أن أحصل على الطائر كله.»
انطلق ابن البستاني الأكبر للبحث عن الطائر الذهبي، وظن أنه سيعثر عليه بسهولة؛ وبعدما قطع مسافة قصيرة وصل إلى غابة، فرأى ثعلبًا جالسًا، لذا أخذ قوسه واستعد لإطلاق السهم عليه. قال الثعلب حينها: «لا تطلق السهم علي، فسوف أعطيك نصيحة مفيدة. أعلم لماذا جئت إلى هنا، فأنت تريد العثور على الطائر الذهبي. سوف تصل إلى قرية في المساء، وعندما تصل هناك، سترى نُزُلَين متقابلين، أحدهما جميل ويسر الناظرين؛ لكن لا تدخله، واسترح هذه الليلة في النزل الآخر، رغم ما يبدو عليه من أنه رديء ووضيع.» فكر الولد في نفسه: «من أدرى حيوانًا كهذا بهذا الأمر؟» لذا أطلق سهمه على الثعلب، لكنه أخطأه، وثنى الثعلب ذيله فوق ظهره، وركض في الغابة. شق الولد طريقه، وفي المساء وصل إلى قرية بها نُزلان؛ يوجد بأحدهما أناس يغنون ويرقصون ويحتفلون، أما النزل الآخر فبدا قذرًا ورديئًا للغاية. قال: «من السخف أن أذهب إلى ذلك النُّزل الوضيع وأترك هذا المكان الساحر.» لذا ذهب إلى النزل الأنيق وتناول الطعام والشراب في راحة واطمئنان، ونسي الطائر وبلده أيضًا.
مر الوقت، ولم يعد الابن الأكبر، ولم تصل عنه أي أخبار، انطلق الابن الثاني بحثًا عن الطائر الذهبي، وحدث الأمر نفسه معه. قابل الثعلب في طريقه وأعطاه الثعلب نصيحة مفيدة، لكن عندما وصل إلى النُزلين، كان أخوه الأكبر يقف في النافذة حيث تقام الاحتفالات، ودعاه إلى الدخول، فلم يستطع مقاومة الإغراءات، ودخل النزل، ونسي أمر الطائر الذهبي وبلده بالطريقة نفسها.
مر الوقت ثانية، تمنى الابن الأصغر أن يبدأ الرحلة في العالم الفسيح للبحث عن الطائر الذهبي، لكن والده رفض الاستماع له فترةً طويلة، لأنه كان يحب هذا الابن كثيرًا، ويخشى أن يصيبه أذى هو الآخر يمنعه من العودة. لكن الأب وافق أخيرًا على ذهابه، وعندما وصل إلى الغابة قابل الثعلب، واستمع إلى النصيحة المفيدة، فشكر الثعلب، ولم يحاول قتله كما فعل أخواه من قبله، لذا قال له الثعلب: «اجلس فوق ذيلي، وستصل أسرع.» فجلس الولد فوق ذيله، وبدأ الثعلب يركض فوق النباتات والحجارة بسرعة كبيرة حتى إن شعرهما كان يحدث صفيرًا مع الرياح.
عندما وصلا إلى القرية، اتبع الولد نصيحة الثعلب، ودون أن ينظر حوله دخل إلى النزل الرديء واستراح هناك طيلة الليل في راحة واطمئنان، وفي الصباح جاء الثعلب مرة أخرى وقابله وهو يبدأ رحلته، فقال له: «سر في خط مستقيم حتى تصل إلى قلعة أمامها مجموعة كبيرة من الجنود مستغرقين في النوم. لا تهتم بهم، وادخل إلى القصر، وواصل السير حتى تصل إلى غرفة يجلس فيها الطائر الذهبي داخل قفص خشبي بجانبه قفص ذهبي جميل، لكن لا تحاول أن تخرج الطائر من القفص الرديء وتضعه في القفص الجميل، وإلا ستندم على ذلك.» بسط الثعلب ذيله، وجلس الشاب الصغير عليه، وانطلقا معًا فوق الحشائش والحجارة بسرعة شديدة حتى إن شعرهما كان يحدث صفيرًا في الهواء.
صَدَقَ كلام الثعلب، ودخل الشاب القلعة ووجد غرفة بها الطائر الذهبي داخل قفص خشبي، وأدناه يوجد قفص ذهبي بجانبه التفاحات الذهبية الثلاث المفقودة. فكر في نفسه: «سيكون من الحماقة إحضار هذا الطائر الجميل في هذا القفص الرديء.» لذا فتح باب القفص، وأمسك بالطائر، ووضعه في القفص الذهبي، لكن الطائر أطلق صيحة عالية أيقظت الجنود. جاء الجنود، وأمسكوا بالشاب، وأحضروه أمام الملك، وفي صباح اليوم التالي انعقدت المحكمة لإصدار حكم عليه، وعند سماع كافة الأقوال، صدر الحكم بالإعدام، إلا لو استطاع أن يحضر للملك الحصان الذهبي الذي تبلغ سرعته سرعة الرياح. إذا استطاع فعل ذلك، فيمكنه الاحتفاظ بالطائر الذهبي لنفسه.
لذا انطلق في رحلة أخرى مجددًا، يملؤه اليأس حتى قابل فجأة صديقه الثعلب وقال له: «أترى الآن ماذا حدث لك لأنك لم تستمع لنصيحتي؟ ومع ذلك سأخبرك كيف تعثر على الحصان الذهبي إذا نفذت ما أقول لك. يجب أن تسير في خط مستقيم حتى تصل إلى قلعة يقف فيها حصان داخل الإسطبل، وبجواره يرقد السائس مستغرقًا في نوم عميق. خذ الحصان في هدوء، لكن تأكد أنك وضعت عليه السرج الجلدي القديم، وليس السرج الذهبي القريب منه.» جلس الولد فوق ذيل الثعلب، وركضا فوق النباتات بسرعة كبيرة حتى إن شعرهما أحدث صفيرًا في الهواء.
سار كل شيء على ما يرام، وكان السائس يرقد بجوار الحصان مستغرقًا في النوم ويده فوق السرج الذهبي، لكن عندما نظر الولد إلى الحصان، رأى أنه من المؤسف وضع السرج الجلدي فوق الحصان، فقال: «سأضع السرج الذهبي، فهذا ما يستحقه بالتأكيد»، وبينما كان يأخذ السرج الذهبي، استيقظ السائس، وأطلق صرخة مدوية جعلت الحراس جميعهم يسرعون إليه، وألقوا القبض على الشاب، وفي الصباح مَثُل أمام المحكمة ليصدر عليه حكم بالإعدام. لكن المحكمة اتفقت على أنه إذا أحضر الأميرة الجميلة إلى هنا، فسينجو بحياته، ويحصل على الطائر والحصان لنفسه.
شق الشاب طريقه بعد ذلك وهو يشعر بالأسف، لكن الثعلب العجوز جاء إليه، وقال: «لماذا لم تستمع إلى نصيحتي؟ إذا استمعت إلى نصيحتي، فستحصل على الحصان والطائر، مع ذلك سأسديك نصيحة أخرى. سر في خط مستقيم، وفي المساء ستصل إلى قلعة، وفي تمام الساعة الثانية عشرة ليلًا تذهب الأميرة إلى الحمَّام العام، اذهب إليها وأعطها قُبلة. وسوف ترافقك، لكن احذر أن تسمح لها بأن تودع والديها.» بسط الثعلب ذيله، وانطلقا بعيدًا فوق النبات والحصى بسرعة كبيرة حتى أحدث شعرهما صفيرًا في الهواء.
عندما وصلا إلى القلعة، كان كل شيء كما قال الثعلب تمامًا؛ ففي تمام الساعة الثانية عشرة ذهب الشاب إلى الأميرة، وقابلها في طريقها إلى الحمَّام، وقبَّلها، ووافقت أن تهرب معه، لكنها توسلت إليه بدموعها أن يسمح لها بأن تودع أباها. رفض الشاب في البداية، لكنها بكت بكاءً شديدًا، وناشدته حتى وافق في النهاية، لكن في اللحظة التي ذهبت فيها الأميرة إلى منزل أبيها، استيقظ الحراس، وألقوا القبض عليه مرة أخرى.
وقف الشاب أمام الملك الذي قال: «لن تأخذ ابنتي ما لم تهدم التل الذي يعوق الرؤية أمام نافذتي.» كان هذا التل كبيرًا للغاية، حتى إن الناس جميعًا لا يستطيعون هدمه. عندما واصل الشاب العمل سبعة أيام، ولم يستطع سوى هدم جزء بسيط للغاية، جاءه الثعلب، وقال: «استلق ونَم، فسأعمل بدلًا منك.» في الصباح استيقظ الشاب، ووجد التل قد اختفى، لذا ذهب سعيدًا إلى الملك، وأخبره أنه بعد إزالة التل الآن عليه أن يعطيه الأميرة.»
اضطر الملك إلى الوفاء بوعده، وذهب الشاب والأميرة، وجاء الثعلب إليه وقال: «سنحصل على الأميرة والحصان والطائر.» قال الشاب: «أجل، يا له من شيء رائع، لكن كيف نتمكن من فعل ذلك؟»
قال الثعلب: «كل ما عليك هو الاستماع إلي، عندما تذهب إلى الملك ويسألك عن الأميرة الجميلة، يجب أن تقول: «ها هي ذي!» وحينها سيسعد كثيرًا، وستمتطي الحصان الذهبي الذي سيعطيك إياه. مد يدك لتودعهم جميعًا، لكن سلِّم على الأميرة في النهاية. وبعدها ارفعها سريعًا على الحصان وراءك، واضرب الحصان على جانبه، واعدُ به بأسرع ما يمكن.»
سار كل شيء على ما يرام، ثم قال الثعلب: «عندما تصل إلى القلعة التي يوجد بها الطائر، فسأمكث مع الأميرة عند الباب، وحينها تدخل إلى الملك فوق حصانك، وتتحدث إليه، وعندما يرى أنه الحصان الصحيح، فسوف يحضر إليك الطائر، لكن لا تترجل عن الحصان، وقل إنك تريد رؤية الطائر لتتأكد أنه الطائر الذهبي الحقيقي، وعندما تحمله بين يديك، انطلق سريعًا بالحصان.»
حدث هذا الأمر كذلك كما قال الثعلب، وحملا معهما الطائر، وامتطت الأميرة الحصان مرة أخرى، وانطلقوا جميعًا إلى الغابة الكبيرة، ثم قال الثعلب: «أرجوك اقتلني، واقطع رأسي وأقدامي» لكن الشاب رفض فعل ذلك، لذا قال الثعلب: «سوف أعطيك نصيحة مفيدة على أي حال. احذر شيئين؛ لا تنقذ أي شخص من حبل المشنقة، ولا تجلس بالقرب من أي نهر.» ثم ذهب بعيدًا. فكر الشاب في نفسه: «ليس من الصعب اتِّباع هذه النصيحة.»
ركب الشاب الحصان هو والأميرة حتى وصلا أخيرًا إلى القرية التي ترك بها أخويه، وسمع هناك ضوضاء وضجيجًا، وعندما سأل عما يحدث، قال الناس: «سوف يُشنق رجلان.» وعندما اقترب أكثر اكتشف أن هذين الرجلين هما أخواه وأنهما متهمان بالسرقة، لذا قال: «ألا يمكن إنقاذهما بأي طريقة؟» قال له الناس: «كلا، ما لم يفتدِهما أحد بكل ما يملك من مال مقابل أن ينالا حريتهما.» لم يفكر الشاب طويلًا ودفع المبلغ المطلوب، وأطلق سراح أخويه، وذهبا معه في الطريق إلى المنزل.
وعندما وصلوا إلى الغابة حيث قابلهم الثعلب في المرة الأولى، كان الجو رائعًا، وقال شقيقاه: «لنجلس هنا بالقرب من النهر، ونسترح قليلًا ونأكل ونشرب.» فقال: «لا بأس.» ونسي نصيحة الثعلب، وجلس عند ضفاف النهر. غافله شقيقاه، وقذفا به في النهر، وأخذا الأميرة والحصان والطائر، وعادا إلى منزلهما ثم ذهبا إلى الملك، وقالا: «لقد حصلنا على كل ذلك بمجهودنا الخاص.» أقيمت احتفالات كبيرة، لكن الحصان رفض تناول الطعام، ورفض الطائر الغناء، وبكت الأميرة.
سقط الابن الأصغر في قاع النهر، لكن لحسن حظه كان النهر شبه جاف، لكن لم تمكنه عظامه المنكسرة من الصعود إلى ضفة النهر شديدة الانحدار. جاءه الثعلب العجوز مرة أخرى، ووبخه على عدم اتباعه لنصائحه التي لو اتبعها لما أصابه أذى، ثم قال: «ومع ذلك لا يمكنني تركك هنا، لذا أمسك بذيلي بسرعة.» وسحبه الثعلب بعد ذلك خارج النهر، وقال له وهو يصعد إلى ضفة النهر: «لقد أمر شقيقاك الحراس بقتلك إذا شاهدوك في المملكة.» لذا تنكر الشاب في زي رجل فقير، وتسلل إلى قصر الملك، ولم يلبث أن اقترب من الأبواب حتى بدأ الحصان في تناول الطعام، والطائر في الغناء، وتوقفت الأميرة عن البكاء، ثم ذهب إلى الملك، وحكى له عن خداع شقيقيه، فقبض عليهما، وعاقبهما، واستعاد الشاب الأميرة مرة أخرى، وبعد وفاة الملك أصبح وريث عرش المملكة.
بعد ذلك بفترة طويلة، ذهب للسير يومًا ما في الغابة، فقابله الثعلب العجوز، وتوسل إليه بالدموع أن يقتله ويقطع رأسه وأقدامه، وأخيرًا فعل الشاب ذلك، فتحول الثعلب على الفور إلى رجل اتضح أنه شقيق الأميرة الذي كان مفقودًا منذ زمن بعيد.
هانز المحظوظ


يولد بعض الرجال محظوظين؛ فكل ما يفعلونه أو يحاولون فعله يكون صحيحًا، وكل ما يفعلونه يأتي في صالحهم، وكل أوراقهم في اللعب أوراق رابحة. ضعهم في أي موقف، وسوف يقفون على أقدامهم ويتحركون بسرعة. قد لا يراهم الناس على الأرجح كما يرون هم أنفسهم على الدوام، لكنهم لا يهتمون لرأي الناس، فالناس لا يعرفون معنى الحظ مثلهم.
أحد هؤلاء الرجال المحظوظين هو جاري الذي يسمى هانز. عمل هانز بكد على مدى سبع سنوات طوال في خدمة سيده، وأخيرًا قال له: «سيدي، لقد حان وقت رحيلي؛ عليّ الذهاب إلى المنزل لأطمئن على والدتي. لذا من فضلك أعطني راتبي، واسمح لي بالذهاب.» قال صاحب العمل: «لطالما كنتَ خادمًا مخلصًا وصالحًا يا هانز، لذا سأعطيك مكافأة كبيرة.» ثم أعطاه قطعة من الفضة في حجم رأسه.
أخرج هانز منديلًا، ووضع قطعة الفضة بداخله، ووضعها فوق كتفه، وانطلق في رحلة العودة. وأثناء سيره المتمهل يجر قدمًا وراء الأخرى، ظهر رجل يسير في سعادة فوق ظهر حصان كبير. قال هانز بصوت عالٍ: «يا له من أمر رائع أن أركب فوق ظهر حصان! ها هو يجلس في بساطة وسعادة وكأنه يجلس في منزله على كرسي بجوار المدفأة، لا يتعثر في الحجارة، ويحافظ على حذائه، ويسير في سلاسة.» كان صوت هانز مرتفعًا، فسمع الفارس كل ما قال، وقال له: «حسنًا يا صديقي، لماذا تسير على قدميك إذن؟» قال هانز: «آه! يجب أن أحمل هذا الشيء؛ وهو من الفضة، لكنه ثقيل للغاية حتى إنني لا أستطيع حمله فوق رأسي، وهو أيضًا يؤلم كتفي بشدة.» قال الفارس: «ما رأيك أن أعطيك حصاني، وتعطيني قطعة الفضة؟ وهذا سيوفر عليك متاعب حمل هذا الشيء الثقيل معك.» قال هانز: «بكل سرور، لكن لأنك ودود معي، يجب أن أخبرك بشيء: إن حمل قطعة الفضة هذه أمر شاق للغاية.» مع ذلك ترجل الفارس، وأخذ القطعة الفضية، وساعد هانز في الركوب فوق الحصان، وأعطاه اللجام في يد والسوط في اليد الأخرى، وقال له: «حين تود السير بسرعة كبيرة، أطبِق شفتيك، ثم قل بصوت عال: «هيَّا!»»
كان هانز سعيدًا بالجلوس فوق الحصان، فشد جسده، وربَّع ذراعيه، ورفع أصابع قدميه، وضرب ضربة بالسوط، وسار مرحًا فوق الحصان، يصفر أحيانًا في سعادة ويغني أحيانًا أخرى: لا هم ولا حزن، غدًا لا يهم، سنضحك ونمرح ونغني أريد أن أسمع صهيلك حتى نصل إلى المدينة! وبعد حين فكر هانز في الإسراع قليلًا، لذا زمَّ شفتيه، ثم قال: «هيَّا!» انطلق الحصان بأقصى سرعة؛ وقبل أن يستوعب هانز الأمر، سقط من فوق الحصان، وارتمى على ظهره بجانب الطريق. كان من الممكن أن يفر الحصان بعيدًا لولا أن أوقفه راعي بقر كان يسوق بقرة بالطريق. استعاد هانز وعيه سريعًا، ونهض مجددًا، كان مغتاظًا وحزينًا، وقال للراعي: «ركوب الحصان ليس بالأمر الهين. عندما يركب الرجل حيوانًا كهذا فإنه يتعثر ويقذفه من فوق ظهره مما يهدد بكسر رقبته. ستكون هذه آخر مرة أركب فيها حصانًا. تعجبني بقرتك أكثر من هذا الحيوان الذكي الذي فعل بي ما فعل، وأفسد أفضل معطف لدي كما ترى في هذه البركة الموحلة التي لا تفوح منها رائحة الزهور بالمناسبة. يمكن أن يسير المرء على مهل بجوار هذه البقرة، يسعد بصحبتها، وفوق كل هذا يتناول حليبها وزبدها وجبنها يوميًّا. ما الذي يمكنني تقديمه لأحصل على هذه الجائزة؟!» قال راعي الغنم: «حسنًا، إذا كنت معجبًا بالبقرة هكذا، فسأقايضها بالحصان. أحب أن أصنع الخير في جيراني، حتى لو كان على حساب نفسي.» قال هانز مسرورًا: «اتفقنا!» فكر في نفسه: «يا لها من مشاعر نبيلة تلك التي يحملها هذا الرجل!» امتطى راعي الغنم الحصان، وتمنى لهانز والبقرة صباحًا جميلًا، وانطلق بالحصان بعيدًا.
نفض هانز معطفه، ومسح وجهه ويديه، وارتاح قليلًا ثم ساق البقرة في هدوء، وظن أن صفقته رابحة للغاية، فقال لنفسه: «إذا كان لدي قطعة من الخبز (وهو ما سأملكه على الدوام قطعًا)، يمكنني تناول الزبد والجبن وقتما شئت بالخبز؛ وعندما أشعر بالظمأ، يمكنني حلب بقرتي وشرب حليبها. ماذا أتمنى أكثر من ذلك؟» عندما وصل إلى حانة، توقف، والتهم الخبز بأكمله، وأنفق آخر ما يملكه من نقود في شراء كأس من الخمر. وبعد أن ارتاح قليلًا بدأ رحلته مجددًا يسوق بقرته باتجاه القرية التي تعيش بها والدته، لكن حرارة الجو ارتفعت مع حلول الظهيرة حتى وجد نفسه أخيرًا أمام مرعى واسع سيستغرق ما يزيد عن الساعة لعبوره. بدأ يشعر بالحر الشديد والظمأ حتى إن لسانه التصق في سقف فمه، فقال لنفسه: «يمكنني حل هذه المشكلة، فسوف أحلب البقرة وأروي ظمأي.» لذا ربط البقرة بجذع شجرة، وأمسك بقبعته الجلدية لينزل الحليب بها، لكن لم تنزل قطرة واحدة. من كان سيفكر أن هذه البقرة، التي من المفترض أن تعطيه اللبن والزبد والجبن، كانت كل هذا الوقت جافة تمامًا؟ لم يفكر هانز في التحقق من هذا الأمر.
بينما كان يجرب حظه في حلب البقرة بصورة خرقاء، بدأت البقرة الخائفة تنزعج من هانز، وأخيرًا نطحته برأسها، وطرحته أرضًا، فارتمى هانز على الأرض فاقد الوعي فترة. لحسن حظه مر به جزار يدفع خنزيرًا في عربة يدوية. قال الجزار وهو يساعده على النهوض: «ما خطبك يا رجل؟» أخبره هانز بما حدث، وكيف كان يشعر بالظمأ، وأراد أن يحلب البقرة، لكنه وجدها جافة. أعطاه الجزار بعد ذلك زجاجة من الخمر، وقال له: «خذ، اشرب وانتعش، لن تقدم لك هذه البقرة أي لبن، ألا ترى كم هي عجوز لا تصلح لأي شيء سوى الذبح؟» قال هانز: «وا أسفاه! وا أسفاه! من كان يفكر في هذا؟ يا له من عار أن يأخذ مني حصاني ويعطني بقرة جافة! كيف سأستفيد منها إذا ذبحتها؟ فأنا لا أحب لحم البقر، لأن مضغه ليس سهلًا. لو كانت خنزيرًا الآن — كهذا الخنزير السمين الذي تدفعه في راحة واطمئنان — لاستفدت منها؛ على أي حال كنت سأصنع منها السجق.» قال الجزار: «حسنًا، أنا لا أتردد في صنع المعروف وخدمة الآخرين. سأقايض البقرة بهذا الخنزير السمين لإرضائك.» قال هانز وهو يعطي الجزار البقرة ويأخذ الخنزير من فوق العربة: «ليكافئك الله على طيبتك وحبك للغير!» جرَّ هانز الخنزير ممسكًا بحبل مربوط برجله، وواصل السير، وبدا كل شيء على ما يرام له، فقد ألمَّت به بعض المصائب بالتأكيد، لكن جاء التعويض عن كل ما حدث له!
كان الرجل التالي الذي قابله رجل ريفيًا يحمل إوزة بيضاء جميلة. توقف الرجل ليسأل عن الساعة، لكن هذا السؤال أدى إلى حديث آخر، وأخبره هانز عما صادفه من حظ طيب، وكيف أنه دخل في العديد من الصفقات الرابحة وكيف أن الدنيا تبتسم له. بدأ الرجل الريفي بعد ذلك في إخباره قصته، وقال إنه سيأخذ الإوزة إلى حفل تعميد. قال: «انظر كما هي ثقيلة مع أن عمرها لا يتعدى ثمانية أسابيع. أيًّا كان الشخص الذي سيشويها ويأكلها، فسيجد الكثير من الدهن فيها، فقد أحسنت تغذيتها.» قال هانز وهو يزنها في يده: «أنت على حق، لكن إذا تحدثت عن الدهن، فخنزيري مليء بالدهن». اعتلت وجه الرجل الريفي نظرة جادة، وهز رأسه، وقال: «اسمع يا صديقي، يبدو أنك رجل طيب، لذا سأصنع بك معروفًا، قد يضعك هذا الخنزير في مأزق؛ ففي القرية التي جئت منها الآن، سُرق خنزير من حظيرة الخنازير الخاصة بصاحب الأرض. كنت خائفًا بشدة عندما رأيتك وحسبتك السارق. إذا كان الأمر كذلك، وقبضوا عليك، فستدخل في متاعب كثيرة، فأقل شيء سيفعلونه بك هو إلقاؤك في بركة الخيل. فهل تستطيع السباحة؟»
شعر هانز المسكين بالذعر والحزن، وصاح: «يا لك من رجل شهم، أرجوك أخرجني من هذا المأزق، لا أدرى من أين جاء هذا الخنزير، لكن قد يكون هو خنزير صاحب الأرض. أنت تعرف هذه البلدة أفضل مني، خذ خنزيري وأعطني إوزتك.» قال الرجل: «لا بد أن أحصل على شيء بالإضافة إلى ذلك، أعطيك إوزة سمينة مقابل خنزير؟! لا يقدم الكثيرون مثل هذه الخدمة، ومع ذلك لن أقسو عليك، لأنك في ورطة.» ثم أخذ الحبل في يده، وساق الخنزير عبر طريق جانبي، وبينما واصل هانز رحلته في طريقه للعودة إلى بلدته مبتهجًا وخالي البال، فكر في نفسه: «على كل، لقد خدعت ذلك الرجل، ولا يهمني معرفة صاحب هذا الخنزير. كان الرجل صديقًا طيبًا معي، لكنني حصلت على أفضل ما في الصفقة. أولًا، سوف أشوي هذه الإوزة الكبيرة، وسأحصل على كمية دهن تكفيني ستة أشهر، وبعد ذلك سأحصل على هذا الريش الأبيض الجميل وأحشو به وسادتي، وسأنعم بنوم هانئ. كم ستسعد والدتي بهذا! هذه الإوزة السمينة الجميلة أفضل كثيرًا من الخنزير بالطبع!»
أثناء مروره بالقرية الثانية، رأى سنَّانًا يعمل بعجلته ويغني: عبر التلال والوديان، أتجول في سرور، أعمل قليلًا وأحيا سعيدًا، العالم كله ملكي؛ إذن من يشعر بالسعادة مثلي؟ توقف هانز لينظر إلى الرجل لحظة، وقال أخيرًا: «لا بد أنك ثري أيها السنان! تبدو سعيدًا بعملك للغاية.» قال السنان: «أجل، فمهنتي مهنة ذهبية، فالسنان الماهر لا يضع يده في جيبه أبدًا دون أن يجد به مالًا. لكن من أين حصلت على هذه الإوزة الجميلة.»
– «لم أشترها، بل قايضتها بخنزير.»
– «ومن أين حصلت على الخنزير؟»
– «قايضته ببقرة.»
– «ومن أين حصلت على البقرة؟»
– «قايضتها بحصان.»
– «ومن أين حصلت على الحصان؟»
– «قايضته بقطعة من الفضة في حجم رأس.»
– «ومن أين حصلت على قطعة الفضة؟»
– «آه! لقد عملت بكد على مدار سبع سنوات.»
قال السنان: «لقد لاقيت النجاح في هذا العالم حتى هذه اللحظة إذن، والآن إذا استطعت العثور على مال كلما وضعت يدك في جيبك، فستكون إنسانًا محظوظًا.» قال هانز: «هذا صحيح بالفعل، لكن كيف يمكنني فعل ذلك؟» قال الرجل: «كيف؟ لا بد أن تصير سنانًا مثلي، كل ما تريده هو حجر المسن، وستأتي البقية من تلقاء نفسها. خذ هذا الحجر. لم أستخدمه كثيرًا ولن أطلب منك في المقابل أكثر من قيمة هذه الإوزة. هل تشتري إذن؟» قال هانز: «بالتأكيد! سأكون أسعد رجل في العالم إذا استطعت إخراج نقود كلما وضعت يدي في جيبي، ماذا أريد أكثر من ذلك؟ خذ الإوزة.» قال السنان وهو يعطيه حجرًا خشنًا عاديًّا كان بجواره: «الآن، هذا أضخم حجر، لكن اعمل به جيدًا، وستتمكن من سن أي شيء قديم.»
أخذ هانز الحجر، وشق طريقه مسرورًا. لمعت عيناه من الفرحة، وقال لنفسه: «لا بد أنني وُلدت في ساعة الحظ؛ فكل شيء أريده أو أتمناه يأتي من تلقاء نفسه، والناس طيبون للغاية، لا بد أنهم يفكرون أنني أصنع بهم معروفًا وهم يقدمون لي فرصة للثراء ويدخلون معي في صفقات رابحة.»
في تلك الأثناء بدأ يشعر بالتعب والجوع أيضًا، فقد أنفق كل أمواله في احتفاله بالحصول على البقرة.
أخيرًا لم يستطع التقدم خطوة واحدة، فقد أتعبه حمل الحجر. أخذ يجر قدمه جرًّا بجانب النهر أملًا منه أن يروي ظمأه ويستريح بعض الوقت، لذا وضع الحجر بحذر بجانب حافة النهر؛ لكن عندما انحنى نحو النهر ليشرب، لم ينتبه للحجر، ودفعه قليلًا، فتدحرج الحجر إلى النهر، وسقط فيه.
أخذ هانز يراقب الحجر وهو يغرق في المياه العميقة الصافية، ثم أخذ يقفز ويرقص فرحًا، وجلس على ركبتيه وشكر الله والدمع يملأ عينيه، فقد منَّ الله عليه، وخلصه من بلائه الوحيد، وهو ذلك الحجر الثقيل القبيح.
صاح هانز: «يا للسعادة! ليس هناك شخص محظوظ مثلي!» ثم نهض مشروح الصدر خلي البال، ومضى حتى وصل إلى منزل والدته، وأخبرها عن مدى سهولة الطريق إلى الحظ السعيد.
جوريندا وجوريندل


كان فيما كان قلعة قديمة تقع في منتصف غابة موحشة وتعيش فيها جنِّيَّة عجوز. تستطيع هذه الجنية الظهور في أي صورة تريدها. ففي النهار تطير الجنية في الهواء في صورة بومة، أو تتسلل حول البلدة في صورة قطة، لكن في الليل تتخذ صورة امرأة عجوز مجددًا. وعندما يقترب أي شاب مسافة مئة خطوة من قلعتها، يتجمد في مكانه، ولا يستطيع الحراك خطوة أخرى حتى تأتي هي وتحرره، لكنها لا تفعل ذلك حتى يتعهد بعدم المجيء إلى هناك مجددًا. وعندما تقترب فتاة جميلة هذه المسافة تتحول إلى طائر، وتضعها الجنية داخل قفص، وتعلقه في حجرة داخل القلعة. كان هناك سبع مئة قفص معلق في القلعة، يوجد بداخلها جميعًا طيور جميلة.
كانت هناك فتاة تُدعى جوريندا، وكانت أجمل من كل الفتيات الجميلات. أحبَّها راعي غنم شابٌّ يُدعى جوريندل، وكانا على وشك إتمام الزفاف. ذات يوم ذهبا معًا للسير في الغابة، فقال جوريندل: «لا بد أن نتوخى الحذر، ولا نقترب كثيرًا من قلعة الجنية.» أمضيا معًا أمسية جميلة، وتخللت أشعة الشمس قبل غروبها الجذوعَ الطويلة للأشجار الممتدة بين الشجيرات النامية، وكان الحمام البري يغرد من فوق شجر القضبان الطويل.
جلست جوريندا، وأخذت تتأمل الشمس، وجلس جوريندل بجوارها. شعر كلاهما بالحزن دون أن يعرفا سبب هذا الشعور، لكن بدا لهما أنهما سيفترقان إلى الأبد. تجولا معًا مسافة بعيدة، وعندما بحثا عن طريق العودة إلى المنزل، اختلطت الطرقات عليهما، ولم يعرفا أي طريق يسلكان.
كانت الشمس تغرب سريعًا، واختفى نصف قرصها خلف التل. نظر جوريندل فجأة خلفه، ورأى من بين الشجيرات أنهما جلسا بالقرب من الجدران العتيقة للقلعة دون قصد، فانكمش خوفًا، وشحب وجهه وارتجف. كانت جوريندا تغني: الحمامة تغرد من فوق غصن الصفصاف، وا أسفاه! وا أسفاه! ترثي فراق أليفها، وا أسفاه! توقفت جوريندا عن الغناء فجأة، فالتفت جوريندل ليعرف السبب، فرأى حبيبته تتحول إلى عندليب، وانتهت أغنيتها بصوت حزين. طارت بومة حمراء العينين ثلاث مرات حولها، ونعقت: «تو وو! تو وو! تو وو!»
لم يستطع جوريندل الحراك، ولم يستطع البكاء أو التحدث أو حتى تحريك يده أو قدمه. الآن وقد غربت الشمس تمامًا، وحل الليل المظلم، طارت البومة نحو شجيرة، وبعد دقيقة جاءت الجنية العجوز بوجه شاحب وجسد نحيل وعينين محدقتين، أنفها يكاد يلامس ذقنها.
تمتمت بشيء لنفسها، وأمسكت بالعندليب، وذهبت بعيدًا وهي تمسك الطائر بيدها. شاهد جوريندل المسكين العندليب وهو يختفي عن نظره، لكن ماذا عساه أن يفعل؟ لم يستطع التحدث أو التحرك من المكان الذي يقف به، وأخيرًا عادت الجنية، وتغنت بصوت أجش: حتى تبقى السجينة مكانها، ويأتي يوم حسابها، قف مكانك! قف مكانك! عندما يمسها السحر، وتقيدها التعويذة، هيا! هيا! تحرر جوريندل فجأة، ثم نزل على ركبتيه أمام الجنية، وتوسل إليها كي تعيد إليه حبيبته جوريندا، لكنها ضحكت، وأخبرته بأنه لن يراها مرة أخرى، ثم مضت بعيدًا.
أخذ جوريندل يتوسل إليها، ويبكي، ويرثي حاله، لكن بلا جدوى، قال: «وا حسرتاه! ماذا سيحل بي؟» لم يستطع العودة إلى منزله، لذا ذهب إلى قرية غريبة، وعمل في حراسة الغنم. كان يتجول في كثير من الأحيان حول القلعة البغيضة قدر ما يستطيع الاقتراب منها، لكن بلا جدوى؛ لم ير جوريندا أو يسمع شيئًا عنها.
وأخيرًا راوده حلم ذات ليلة رأى فيه أنه وجد زهرة أرجوانية جميلة، يوجد في منتصفها لؤلؤة نفيسة؛ فقطف هذه الزهرة، وذهب إلى القلعة وهي في يده، وكان كل شيء يلمسه بالزهرة يتحرر من السحر، وبتلك الطريقة وجد حبيبته جوريندا مجددًا.
في الصباح عندما استيقظ، بدأ البحث في التل والوادي عن هذه الزهرة، وعلى مدار ثمانية أيام طويلة بحث عنها، لكن دون طائل؛ وفي اليوم التاسع، في ساعة مبكرة من الصباح، عثر على هذه الزهرة الأرجوانية الجميلة وفي منتصفها قطرة ندى كبيرة في نفس حجم اللؤلؤة النفيسة، فقطف الزهرة، وانطلق في رحلة استغرقت أيامًا حتى وصل إلى القلعة.
اقترب من القلعة مسافة مئة خطوة، ومع ذلك لم يتجمد في مكانه كما حدث معه من قبل، وإنما وجد أن باستطاعته الاقتراب من الباب. كان جوريندل سعيدًا بهذا الأمر بالطبع، ثم لمس الباب بالزهرة، فانفتح، فدخل إلى القلعة عبر الفناء، واستمع إلى أصوات الكثير من الطيور وهي تغرد، وأخيرًا وصل إلى الحجرة التي تجلس بها الجنية ويغرد حولها سبع مئة طائر بداخل سبعمائة قفص. غضبت الجنية غضبًا شديدًا عندما رأت جوريندل، وصرخت غيظًا، لكنها لم تستطع الاقتراب من جوريندل أكثر من مترين، وذلك لأن الزهرة التي يحملها في يده كانت تحميه منها.
نظر جوريندل إلى الطيور من حوله، لكن للأسف كان هناك الكثير منها. كيف يمكنه إذن التعرف على حبيبته جوريندا؟ وبينما كان يفكر فيما يفعله، رأى الجنية وقد أخذت أحد الأقفاص وانطلقت بأقصى سرعة تجاه الباب. ركض جوريندل خلفها، ولمس القفص بالزهرة، فظهرت جوريندا أمامه، وعانقته، وبدت جميلة كما هي دائمًا. كانت كآخر مرة رآها فيها وهما يسيران في الغابة.
لمس جوريندل بعد ذلك كل الطيور بالزهرة، فعادت إلى صورتها الأصلية. أخذ جوريندل جوريندا إلى بلدتهما حيث تزوجا وعاشا في سعادة سنوات كثيرة، وكذا الكثير من الشباب الذين أُجبرت حبيباتهم على التغريد داخل أقفاص الجنية العجوز فترة طويلة.
العازف المتجول


كان هناك فلاح أمين يملك حمارًا يخدمه بإخلاص منذ سنوات عديدة، لكنه تقدم في العمر، وأصبح غير قادر على أداء العمل يومًا بعد الآخر. لذا سئم سيده الاحتفاظ به، وبدأ يفكر في قتله. لكن الحمار، الذي شعر بأن هناك ضررًا سيقع له عما قريب، هرب خلسة، وبدأ رحلته في اتجاه المدينة الكبيرة قائلًا لنفسه: «من الممكن أن أعمل هناك عازفًا.» وبعد أن قطع مسافة صغيرة، لمح كلبًا يرقد على جانب الطريق ويلهث كما لو كان متعبًا. قال له: «لماذا تلهث هكذا يا صديقي؟» قال الكلب: «وا أسفاه! كان سيدي سيضرب عنقي، لأنني عجوز وضعيف، ولم أعد ذا نفع له في الصيد، لذا هربت، ولكن ماذا سأفعل لأكسب قوت يومي؟» قال الحمار: «اسمع! سأذهب إلى المدينة الكبيرة لأعمل عازفًا. أرى أن تأتي معي، وتجرب ما يمكنك فعله مثلي؟» أبدى الكلب استعداده، وانطلقا معًا.
لم يسيرا مسافة طويلة حتى وجدا قطة تجلس في منتصف الطريق ووجهها حزين للغاية، فقال الحمار: «ما خطبك يا سيدتي؟ تبدين مكتئبة!» قالت القطة: «آه! كيف أكون سعيدة عندما تكون حياتي معرضة للخطر؟ فقد بدأت أتقدم في العمر، وكنت أرقد في راحة واطمئنان بجانب المدفأة بدلًا من مطاردة الفئران بالمنزل، لذا أخذتني سيدتي وكانت ستغرقني في المياه. وقد كنت محظوظة لأني تمكنت من الهرب. ولا أدرى كيف سأكسب قوت يومي.» قال الحمار: «يا إلهي! على كل حال تعالي معنا إلى المدينة الكبيرة، فأنتِ تجيدين الغناء ليلًا، وقد تجنين ثروة من العمل بالموسيقى.» فرحت القطة بهذه الفكرة وانضمت إليهما.
بعد ذلك بفترة وجيزة، وأثناء مرورهم بفناء مزرعة، رأوا ديكًا جالسًا فوق بوابة يصيح بكل قوة. قال الحمار: «يا إلهي! أنت تحدث ضجيجًا عاليًا، أخبرني ما الأمر؟» قال الديك: «الحقيقة أنني كنت أقول إنه يجب أن نحظى بجو رائع في يوم غسيل الثياب، مع ذلك لم تشكرني سيدتي أو الطاهي على جهودي، بل هدداني بقطع رأسي غدًا، وعمل حساء للضيوف!» قال الحمار: «أعوذ بالله! تعال معنا يا سيدي الديك، فسيكون ذلك أفضل على أي حال من المكوث هنا وقطع رأسك! ومن يدري؟ إذا أردنا الغناء معًا، قد يقام لنا حفل، لذا انضم إلينا.» قال الديك: «بكل سرور.» وانطلق الأربعة في مرح معًا.
مع ذلك لم يتمكنوا من الوصول إلى المدينة الكبيرة في اليوم الأول، لذا عندما حل الليل، ذهبوا إلى غابة ليناموا حتى الصباح. رقد الحمار والكلب أسفل شجرة ضخمة، وتسلقت القطة إلى الأغصان، بينما رأى الديك أنه كلما صعد إلى أعلى فسيكون في مأمن، لذا طار إلى قمة الشجرة، وقبل أن يخلد إلى النوم، نظر كعادته حوله من جميع الجهات ليطمئن أن كل شيء بخير. أثناء فعله ذلك رأى من بعيد شيئًا لامعًا وبراقًا، لذا صاح في رفاقه، وقال: «لا بد أن هناك منزلًا قريبًا، فأنا أرى ضوءًا.» قال الحمار: «إذا كانت الحال كذلك، فلا بد أن نغير مكاننا، فهذا ليس أفضل مكان في العالم!» أضاف الكلب: «وأنا أيضًا جائع، أريد عظمة أو قطعة لحم»، لذا مضوا معًا تجاه المكان المضيء الذي رآه الديك، وأثناء اقترابهم منه أخذ الضوء يزداد حجمًا وبريقًا، حتى اقتربوا أخيرًا من منزل تسكن فيه عصابة من اللصوص.
سار الحمار، الذي كان أطولهم، جهة النافذة، واختلس النظر. قال الديك: «حسنًا أيها الحمار، ماذا ترى؟» رد الحمار: «ماذا أرى؟ يا إلهي! أرى طاولة فوقها كل الأشياء الجميلة، ولصوصًا يجلسون حولها ويحتفلون.» قال الديك: «سيكون هذا المأوى رائعًا لنا.» قال الحمار: «أجل، إذا استطعنا الدخول.» لذا تشاوروا معًا للتوصل إلى طريقة يخرجون بها اللصوص، وفي النهاية فكروا في خطة. وقف الحمار على ساقيه الخلفيتين واستند على النافذة بساقيه الأماميتين، وصعد الكلب فوق ظهره، وتسلقت القطة إلى كتف الكلب، وطار الديك وجلس فوق رأس القطة، وعندما استعدوا جميعًا، صدرت إشارة البدء. حينها بدءوا جميعًا في إصدار موسيقاهم؛ نهق الحمار، ونبح الكلب، وأطلقت القطة مواءها، وصاح الديك. اقتحموا النافذة في آن واحد، ودخلوا الغرفة يهرولون في اضطراب وسط الزجاج المكسور محدثين ضجيجًا عاليًا! لم يكن لدى اللصوص أدنى شك أن هناك روحًا شريرة اقتحمت المكان، وفروا بعيدًا بأقصى سرعة لديهم.
وبعد أن أصبح المكان خاليًا، جلس المسافرون، والتهموا ما تركه اللصوص وكأنهم لم يتوقعوا أن يتناولوا الطعام مرة أخرى مدة شهر. وحالما شعروا بالشبع، أطفأوا الأنوار، وبحث كل واحد منهم عن مكان للنوم، فرقد الحمار فوق كومة من القش، ورقد الكلب فوق سجادة صغيرة بجانب الباب، وانكمشت القطة بجوار المدفأة أمام الرماد الدافئ، أما الديك فقد حط فوق عارضة بأعلى المنزل. ولأن الرحلة أرهقتهم جميعًا، فقد استغرقوا في النوم سريعًا.
لكن بحلول منتصف الليل تقريبًا، وعندما رأى اللصوص من بعيد أن الأضواء انطفأت، وأن كل شيء بدا هادئًا، رأوا أنهم تعجلوا في الفرار كثيرًا. ذهب أحدهم، وكان الأشجع بينهم، ليرى ماذا يحدث. وعندما وجد كل شيء هادئًا، سار إلى المطبخ، وأخذ يتلمس طريقه في الظلام حتى وجد عود ثقاب ليشعل شمعة. بعد ذلك لمح عيني القطة المتلألئتين، فظنهما جمرتين، لذا أمسك بعود الثقاب بالقرب منهما ليشعلهما، لكن القطة التي لم تستوعب الأمر قفزت في وجهه، وبصقت عليه، وخربشته. شعر الرجل بذعر شديد، وركض إلى الباب الخلفي، وهناك قفز الكلب، وعضه في ساقه، وأثناء عبوره الفناء رفسه الحمار، أما الديك، الذي أيقظه الضجيج، فأخذ يصيح بكل قوته. فر اللص بأقصى سرعة إلى رفاقه، وأخبر زعيم العصابة بأن ساحرة شريرة دخلت المنزل وبصقت عليه وخربشته بأظافرها النحيلة الطويلة، وأن رجلًا يحمل سكينًا في يده اختبأ خلف الباب وطعنه في ساقه، وأن وحشًا أسود وقف في الفناء وضربه بعصا غليظة، وأن شيطانًا كان يجلس فوق المنزل، وصاح: «أخرِجوا هذا الوغد!» بعد ذلك لم يجرؤ أحد من اللصوص على الذهاب إلى المنزل مرة أخرى، أما العازفون فقد فرحوا كثيرًا بمسكنهم الجديد، وأقاموا به، وها هم يسكنون فيه حتى يومنا هذا على ما أظن.
سلطان العجوز


يُحكى أن راعي غنم كان يملك كلبًا وفيًّا يُدعى سلطان. كان سلطان قد تقدم في العمر وفقد أسنانه، وفي يوم من الأيام قال راعي الغنم عندما كان واقفًا مع زوجته أمام المنزل: «سأقتل سلطانًا العجوز غدًا في الصباح رميًا بالرصاص، فهو لم يعد ذا نفع لي الآن.» لكن زوجته قالت: «أرجوك اترك المخلوق الوفي المسكين حيًّا، فقد أحسن خدمتنا سنوات طويلة، وعلينا أن نوفر له حياة طيبة فيما تبقى له من أيام.» قال راعي الغنم: «لكن كيف سنستفيد به؟ فهو لا يملك أي أسنان، ولا يخشاه اللصوص على الإطلاق. لا شك أنه خدمنا، لكنه فعل ذلك ليكسب قوت يومه. غدًا سيكون آخر يوم في حياته، ثقي في ذلك.»
سمع سلطان المسكين الذي كان يرقد بالقرب من راعي الغنم وزوجته ما دار بينهما من حوار، وشعر بذعر شديد عند تفكيره في أن غدًا هو آخر يوم في حياته، لذا ذهب في المساء إلى صديقه المقرب الذي يعيش في الغابة وهو الذئب، وأخبره عن محنته، وكيف أن سيده عقد العزم على قتله غدًا. قال الذئب: «هوِّن عليك، سأعطيك نصيحة جيدة. يخرج سيدك كما تعلم في الصباح الباكر كل يوم مع زوجته إلى الحقل، ويصطحبان معهما طفلهما الصغير، ويضعانه بجانب سياج الشجيرات في الظل. ارقد بجوار الطفل، وتظاهر بأنك تحرسه، وسأخرج من الغابة، وأهرب به. عليك أن تركض خلفي بأقصى سرعة لديك، وسأترك الطفل. حينها تحمل الطفل إليهما، وسيعتبران أنك أنقذت طفلهما، وسيشعران بالامتنان لك حتى إنهما سيعتنيان بك طيلة حياتك.» أعجب الكلب بالخطة كثيرًا، وهكذا تمت الخطة؛ جرى الذئب بالطفل مسافة قصيرة، فصرخ الراعي وزوجته، لكن سلطان سرعان ما أدرك الذئب، وحمل الطفل الصغير معه إلى سيده وسيدته. ربَّت راعي الغنم على رأس سلطان، وقال: «لقد أنقذ سلطان العجوز طفلنا من الذئب، وهكذا لن أقتله، وسأعتني به، وسأقدم له الكثير من الطعام. عودي إلى المنزل يا زوجتي، وقدمي له عشاءً طيبًا، وأعطيه وسادتي القديمة لينام عليها طيلة حياته.» ومن ذلك الوقت فصاعدًا حظي سلطان العجوز بكل ما يتمناه.
سرعان ما عاد الذئب، وتمنى له السعادة، وقال: «الآن يا صديقي العزيز عليك ألا تفشي سري وتدير ظهرك لي عندما أريد أن ألتهم إحدى خراف سيدك السمينة.» قال سلطان: «كلا، سأظل وفيًّا لسيدي.» مع ذلك ظن الذئب أنه يمزح، وجاء في إحدى الليالي ليتناول وجبة شهية، لكن سلطان كان قد أطلع سيده بما ينوي الذئب فعله، لذا رقد في انتظاره خلف باب الحظيرة، وعندما كان الذئب منشغلًا بالبحث عن خروف سمين ضربه فوق ظهره بعصا غليظة آلمته بشدة.
غضب الذئب غضبًا شديدًا، ونادى سلطانًا بالوغد العجوز، وأقسم أن ينتقم منه، لذا في صباح اليوم التالي أرسل الذئب خنزيرًا بريًّا يدعو سلطان للذهاب إلى الغابة من أجل قتالهما. لم يجد سلطان أحدًا يقاتل معه سوى قطة سيده ذات الأرجل الثلاث، لذا اصطحبها معه، وسارت القطة الضعيفة تعرج بصعوبة وذيلها منتصب في الهواء.
كان الذئب والخنزير البري أول من حضرا إلى أرض المعركة، وعندما لمحا الأعداء قادمين، ورأيا ذيل القطة الطويل يقف في الهواء ظنَّا أنها تحمل سيفًا ليحارب به سلطان، وفي كل مرة كانت تعرج فيها كان يظنان أنها تلتقط أحجارًا لتقذفها عليهما. لذا قالا إنهما لا يحبان هذه الطريقة في العراك، ورقد الخنزير خلف شجيرة، وقفز الذئب فوق شجرة. جاء سلطان والقطة، ونظرا حولهما، واندهشا أنهما لم يعثرا على أحد، لكن الخنزير لم يكن قد اختبأ جيدًا، فقد ظهرت أذنه من خلف الشجيرة، وعندما هز إحدى أذنيه قليلًا، رأت القطة شيئًا يتحرك، فظنت أنه فأر، فقفزت عليه، وعضته، وخدشته. فقفز الخنزير، ونعر، وهرب بعيدًا وهو يصيح: «انظرا إلى أعلى الشجرة، فالجاني يجلس هناك.» نظرا إلى أعلى، ولمحا الذئب يجلس بين الأغصان، فنعتاه بالنذل الجبان، ولم يسمحا له بالنزول إلى الأرض حتى شعر بالخجل من نفسه، وتعهد أن يكون صديقًا وفيًّا لسلطان مرة أخرى.
القشة والفحمة وحبة الفول


يحكى أن عجوزًا فقيرة كانت تسكن قرية. جمعت هذه العجوز صحنًا من الفول، وأرادت طهيه، لذا أشعلت نار الموقد، ولكي ينضج الطعام سريعًا ذكت النار بحفنة من القش، وبينما كانت تسكب الفول داخل مقلاة، سقطت منها حبة فول دون أن تشعر، واستقرت فوق الأرض بجانب قشة، وسرعان ما سقطت فحمة مشتعلة بجوار الاثنتين. بدأت القشة الكلام، وقالت: «صديقتيّ العزيزتين، من أين أتيتما؟» ردت الفحمة: «لحسن حظي خرجت من النار، وإذا لم أستطع الهرب بالقوة، لكان موتي أمرًا حتميًّا، ولكنت احترقت حتى صرت رمادًا.» قالت حبة الفول: «أنا أيضًا هربت دون أن يمسسني ضر، فلو أن المرأة العجوز وضعتني في المقلاة، لتحولت إلى حساء دون أي رحمة كما حدث مع رفاقي.» قالت القشة: «لم يختلف حظي الطيب عنكما، فقد أحرقت المرأة العجوز كل أخواتي في النيران والدخان؛ وأمسكت ستين منهم مرة واحدة وقتلتهم. لحسن حظي أني انزلقت من بين أصابعها.»
قالت الفحمة: «لكن ماذا سنفعل الآن؟»
أجابت حبة الفول: «أعتقد بما أننا نجونا من الموت لحسن حظنا، فعلينا أن نظل معًا صحبة طيبة، وحتى لا يقع لنا مكروه، يجب أن نهرب معًا، ونسافر إلى بلد غريب.»
أعجب هذا الاقتراح الفحمة والقشة، وانطلق الثلاثة في رحلتهم معًا. لكن سرعان ما وصلوا إلى جدول مياه صغير، ولم يكن هناك جسر أو ألواح خشبية. لم يعرفوا كيف سيعبرون هذا الجدول الصغير، توصلت القشة إلى فكرة سديدة، وقالت: «سوف أنبطح فوق النهر وأنتما تسيران فوقي كما تسيران فوق الكوبري.» لذا بسطت القشة نفسها بين حافتي الجدول المائي، خطت الفحمة المندفعة في جرأة كبيرة فوق القشة إلا أنها عندما وصلت إلى منتصف الطريق وسمعت المياه المتدفقة أسفلها شعرت بالخوف وتجمدت في مكانها ولم تجرؤ على التقدم خطوة أخرى. انقسمت القشة التي كانت قد بدأت تحترق إلى نصفين، وسقطت في الجدول المائي، وانزلقت الفحمة وراءها، وأصدرت صوتًا عندما غرقت في الجدول المائي، ثم لفظت أنفاسها الأخيرة. أما حبة الفول التي مكثت وراء حافة الجدول المائي في حذر، فقد انتابتها نوبة ضحك هستيرية لما حدث حتى إنها لم تستطع التوقف عن الضحك. كان من الممكن أن ينتهي أمرها بالمثل لولا أن كان هناك خياط يسافر بحثًا عن عمل قد جلس بجانب الجدول الصغير. كان الخياط عطوف القلب فأخرج إبرة وخيطًا وحبك حبة الفول. شكرته حبة الفول كثيرًا، لكن لأنه استخدم خيطًا أسود، فمنذ ذلك الحين صارت جميع حبات الفول ذات خط أسود.
الوردة البرية


كان فيما كان ملك وملكة يحكمان بلدًا بعيدًا في وقت تعيش فيه بعض الجنيات. كان الملك والملكة يملكان الكثير من المال والملابس الرائعة، والطعام والشراب الشهيين، وعربة يركبانها كل يوم، لكن لم يكن لديهما أطفال مع أنهما متزوجان منذ مدة طويلة، وهو الأمر الذي أحزنهما كثيرًا بالطبع. وفي يوم من الأيام بينما كانت الملكة تسير بجانب النهر في طرف الحديقة، رأت سمكة صغيرة مسكينة ألقت بنفسها خارج المياه، ورقدت تلهث وتوشك على الموت على حافة النهر. التقطت الملكة السمكة الصغيرة، وألقتها في النهر؛ وقبل أن تسبح بعيدًا، رفعت رأسها خارج المياه، وقالت: «أعرف أمنيتك وسوف تتحقق مقابل عطفك عليّ: ستُرزقين قريبًا بطفلة.» ما تنبأت به السمكة الصغيرة تحقق سريعًا، وأنجبت الملكة طفلة صغيرة فائقة الجمال حتى إن الملك لم يستطع التوقف عن النظر إليها ابتهاجًا بها، وقال إنه سيقيم حفلًا ضخمًا يحتفل فيه، وسيُري الطفلة الصغيرة الأرض كلها. لذا دعا الأقارب والنبلاء والأصدقاء والجيران، لكن الملكة قالت: «سأدعو الجنيات أيضًا، لعلهن يظهرن محبة وطيبة لابنتنا الصغيرة.» كان في المملكة ثلاث عشرة جنية، لكن لم يكن لدى الملك والملكة سوى اثني عشر صحنًا ذهبيًّا لهن ليأكلن فيها، لذا اضطر الملك والملكة إلى عدم دعوة إحداهن. حضرت اثنتا عشرة جنية ترتدي كل واحدة قبعة حمراء فوق رأسها وحذاء أحمر له كعب عال في قدميها، وتمسك بعصا السحر في يدها، وبعد أن انتهى الحفل، تجمعت الجنيات في دائرة، وقدمن أفضل هداياهن للأميرة الصغيرة. منحتها إحداهن الطيبة والثانية الجمال والثالثة الثروة … وهكذا، حتى حظيت الأميرة بكل ما هو جميل في العالم.
وما إن انتهت إحدى عشرة جنية من مباركة الطفلة حتى سُمع ضجيج كبير في الفناء، وانتشر خبر أن الجنية الثالثة عشرة قادمة ترتدي قبعة سوداء فوق رأسها وحذاء أسود في قدميها وتمسك بعصا مقشة، وسرعان ما دخلت إلى صالة الطعام. ولأنها لم تُدع لحضور الحفل كانت غاضبة للغاية، ووبخت الملك والملكة بشدة، وشرعت في الانتقام منهما، لذا صاحت قائلة: «سيتسبب مغزل في جرح ابنة الملكة في عامها الخامس عشر وستموت.» تقدمت بعد ذلك الجنية الثانية عشرة من الجنيات الطيبات التي لم تكن قدمت هديتها بعد، وقالت إن الأمنية الشريرة لا بد أن تتحقق لكن بإمكانها تخفيف حجم الضرر، لذا كانت هديتها لابنة الملك أنها لن تموت عندما يجرحها المغزل، ولكن تنام فقط مئة عام.
إلا أن الملك تمنى أن ينقذ ابنته العزيزة تمامًا من الأذى المنتظر، لذا أمر بجمع كل المغازل الموجودة بالمملكة وإحراقها. في غضون ذلك تحققت كل أمنيات الإحدى عشرة جنية؛ إذ كانت الأميرة رائعة الجمال وحسنة الخلق وطيبة وحكيمة حتى إن كل من يقابلها كان يقع في حبها.
وفي اليوم الذي أتمت فيه الأميرة عامها الخامس عشر، لم يكن الملك والملكة بالمنزل وتُركت الأميرة وحدها في القصر. لذا تجولت وحدها، وتفقدت كل الغرف والحجرات حتى وصلت في النهاية إلى برج قديم يوجد به سلم ضيق يؤدي إلى باب صغير. كان بالباب مفتاح ذهبي، وعندما أدارت المفتاح انفتح الباب، وإذا بسيدة عجوز تغزل بهمة، قالت الأميرة: «يا إلهي! ما هذا أيتها الأم الطيبة؟ ماذا تفعلين هنا؟» قالت العجوز: «أغزل»، وأومأت برأسها، وهي تهمهم وتدير العجلة. قالت الأميرة: «إن هذا الشيء الصغير يدور على نحو جميل!» وأخذت المغزل وبدأت في المحاولة والغزل، لكن ما إن لمست المغزل حتى تحققت نبوءة الجنية، فتسبب المغزل في جرحها، وسقطت فوق الأرض فاقدة الوعي.
لكنها لم تمت، بل استغرقت في نوم عميق. أيضًا نام الملك والملكة اللذان كانا قد عادا إلى المنزل، وجميع أفراد البلاط الملكي، والخيل في الإسطبل، والكلاب في الفناء، والحمام على سطح المنزل، بل نام الذباب فوق الجدران، وتوقفت النيران في المدفأة عن التوهج وخمدت، وتوقف السيخ الذي كانت تُشوى حوله إوزة لتقدم في عشاء الملك، أما الطاهي الذي كان في تلك اللحظة يشد الخادم الصغير من شعره ليلكمه في أذنه لأنه ارتكب خطأ، فقد أفلته ونام كل منهما، ونام كبير الخدم الذي يتذوق الخمر خلسة والإبريق عند شفتيه، وهكذا تجمد الجميع في أماكنهم، واستغرقوا في نوم عميق.
سرعان ما نما سياج من الأشواك حول القصر، وأخذ يزداد ارتفاعًا وسمكًا كل عام، وطوق القصر القديم حتى اختفى القصر وتعذرت رؤية سطحه ومداخنه. لكن انتشر خبر في البلاد كلها أن هناك وردة برية نائمة (سميت ابنة الملك بهذا الاسم). ومن حين إلى آخر جاء العديد من أبناء الملوك، وحاولوا اجتياز السياج ليصلوا إلى القصر. لكن لم يتمكن أي منهم من فعل ذلك، إذ كانت الأشواك والشجيرات تمسك بهم وكأن بها أيادي، ومن ثم يتجمدون في مكانهم ويموتون موتة بائسة.
وبعد عدة سنوات حضر ابن أحد الملوك إلى هذا البلد، وأخبره رجل عجوز بقصة الأشواك، وأن خلفها قصر جميل، وحكى له عن مدى جمال الأميرة التي تدعى الوردة البرية والتي ترقد في نوم عميق داخل القصر بصحبة كافة أفراد البلاط الملكي. أخبره أيضًا بما سمعه من جده أن العديد من الأمراء حضروا إلى هنا، وحاولوا اجتياز السياج، لكنهم كانوا يتجمدون مكانهم ويموتون. قال الأمير الشاب: «لكن لن يخيفني كل هذا، سأذهب لأرى الوردة البرية.» حاول الرجل العجوز منعه، لكنه كان مصممًا على الذهاب.
وفي ذلك اليوم تحديدًا انتهت مدة المئة عام؛ وعندما وصل الأمير إلى السياج لم ير شيئًا سوى شجيرات مزدهرة جميلة مر بينها بسهولة، ولكنها انغلقت خلفه، وعادت كما كانت من قبل.
بعد ذلك وصل في النهاية إلى القصر، كانت الكلاب نائمة في الفناء والخيل واقفة في الإسطبل، والحمام بالسطح مستغرق في نوم عميق. رءوسه تحت أجنحته. وعندما دخل القصر، كان الذباب نائمًا على الجدران وقضيب الشواء متوقفًا، وكبير الخدم يضع إبريقًا من الخمر على شفتيه ليشرب رشفة منه، والخادمة تجلس وفي حِجرها دجاجة جاهزة لنتف ريشها، والطاهي بالمطبخ لا يزال رافعًا يده وكأنه ينوي ضرب الولد.
واصل الأمير السير، كان كل شيء جامدًا بلا حراك حتى إنه تمكن من سماع أنفاسه، وأخيرًا وصل إلى البرج القديم، وفتح باب الغرفة الصغيرة التي توجد بها الوردة البرية. كانت ترقد هناك غارقة في النوم فوق أريكة بجوار النافذة. بدت جميلة للغاية حتى إنه لم يستطع التوقف عن النظر إليها، لذا انحنى الأمير، وطبع على وجهها قُبلة.
وفي اللحظة التي قبَّلها فيها فتحت عينيها، واستيقظت، وابتسمت له، وذهبا معًا. وسرعان ما استيقظ الملك والملكة وكل أفراد البلاط الملكي وحدق بعضهم في وجه بعض في دهشة كبيرة.
ارتجفت الخيل واستيقظت، وقفزت الكلاب ونبحت، وأخرج الحمام رأسه من تحت أجنحته ونظر حوله وحلق في الحقول، وأصدر الذباب على الجدران أزيزه، واشتعلت نار الموقد بالمطبخ، ودار سيخ الشواء التي التفت حوله الإوزة من أجل عشاء الملك، وأنهى كبير الخدم رشفته من إبريق الخمر، وواصلت الخادمة نتف ريش الدجاجة، ولَكَمَ الطاهي الصبي في أذنه.
تزوج الأمير الوردة البرية، وأقيم حفل الزفاف، وعاشا في سعادة معًا بقية حياتهما.
الكلب والعصفورة


يحكى أن هناك كلبًا كان يمتلكه راعي غنم، لكنه لم يكن يعتني به، وغالبًا ما كان يتركه يعاني الجوع الشديد، وأخيرًا لم يعد باستطاعة الكلب تحمل الأمر أكثر من ذلك، لذا هرب، وركض بعيدًا وهو حزين ومتألم. وفي طريقه قابل عصفورة قالت له: «لماذا أنت حزين يا صديقي؟» أجاب الكلب: «لأنني جائع للغاية، ولا أملك شيئًا آكله.» أجابت العصفورة: «إذا كان الأمر كذلك، فتعال معي إلى البلدة التالية، وسنعثر على الكثير من الطعام لك.» سارا معًا إلى البلدة، وأثناء مرورهما بمتجر جزارة، قالت العصفورة للكلب: «قف هناك برهة حتى ألتقط لك بمنقاري قطعة من اللحم.» حطت العصفورة فوق الرف، ونظرت حولها لترى هل يراها أحد، ثم أخذت تحرك بمنقارها قطعة من اللحم كانت موجودة فوق حافة الرف حتى سقطت، فالتقطها الكلب، واندفع بها بعيدًا إلى زاوية حيث التهمها سريعًا. قالت العصفورة: «حسنًا، يمكنك أن تحصل على المزيد إذا شئت. تعال معي إلى المتجر التالي، وسوف أنقر قطعة أخرى من اللحم حتى أسقطها لك.» عندما أكل الكلب قطعة اللحم هذه أيضًا، قالت العصفورة له: «حسنًا يا صديقي هل أكلت ما يكفيك؟» أجاب: «أجل فقد تناولت الكثير من اللحم، لكنني أود تناول قطعة من الخبز بعد اللحم.» قالت العصفورة: «تعال معي إذن، وستنال ذلك أيضًا.» أخذته العصفورة إلى المخبز، وأزاحت بمنقارها قطعتي خبز كانتا بالنافذة حتى سقطتا. ولما كان الكلب يريد المزيد من الخبز، أخذته العصفورة إلى مخبز آخر، وأسقطت له المزيد. عندما انتهى الكلب من تناول الخبز، سألته العصفورة هل شعر بالشبع الآن. قال: «أجل، والآن لنتنزه قليلًا خارج البلدة.» سار كلاهما على الطريق الرئيسي، لكن لأن الجو كان دافئًا، لم يسيرا مسافة طويلة حتى قال الكلب: «أنا متعب للغاية، أود أن أغفو قليلًا.» أجابت العصفورة: «حسنًا، لتنم إذن وأنا سأجلس في تلك الأثناء فوق تلك الشجيرة.» افترش الكلب الطريق، واستغرق في النوم. وأثناء نومه، جاء سائق عربة يجرها ثلاثة أحصنة وعلى متن العربة برميلان من الخمر. صاحت العصفورة عندما رأت أن سائق العربة لم يبتعد عن الطريق بل يسير في الاتجاه الذي يرقد فيه الكلب وسيمر فوقه: «قف! قف يا سائق العربة، وإلا سأنال منك.» تمتم سائق العربة لنفسه: «ستنالين مني حقًّا! ما الذي يمكنك فعله؟» وضرب الأحصنة بالسوط، ودهس الكلب فمات. صاحت العصفورة: «أيها الوغد القاسي، لقد قتلت صديقي الكلب، انتبه لما سأقوله لك. إن هذه الجريمة التي ارتكبتها ستكلفك كل ما تملك.» قال سائق العربة الغاشم: «افعلي ما بوسعك. ليس هناك شيء يمكنك فعله بي.» ومضى في طريقه، لكن العصفورة تسللت أسفل مظلة العربة، وأخذت تدب منقارها في سدادة أحد البرميلين حتى تمكنت من فكها، فانسكب الخمر كله، دون أن يرى سائق العربة شيئًا. وأخيرًا نظر حوله ورأى أن العربة يتقطر منها الخمر والبرميل فارغ تمامًا. صاح سائق العربة: «يا لبؤسي وتعاسة حظي!» صاحت العصفورة: «لم أنته منك بعد!» ثم طارت ووقفت فوق رأس أحد الخيول، وأخذت تدب منقارها في رأسه حتى اهتاج غضبًا، ورفس برجله. عندما رأى السائق هذا الأمر، سحب فأسًا صغيرة، وقذفها باتجاه العصفورة ليقتلها، لكنها طارت بعيدًا، وسقطت الفأس بقوة فوق رأس الحصان المسكين مما أدى إلى موته. صاح السائق: «يا لبؤسي وتعاسة حظي!»، قالت العصفورة: «لم أنته منك بعد!» عندما استأنف السائق السير بالحصانين الآخرين، تسللت العصفورة مرة أخرى أسفل مظلة العربة، وأخذت تدب منقارها في سدادة البرميل الثاني حتى فتحته وانسكب الخمر كله. وعندما رأى سائق العربة هذا بدأ يصيح: «يا لبؤسي وتعاسة حظي!» لكن العصفورة أجابته: «لم أنته منك بعد!» ووقفت فوق رأس أحد الحصانين وأخذت تدب منقارها في رأسه، فجذب السائق فأسًا صغيرة وصوبها نحوها، لكنها طارت بعيدًا، وسقطت الفأس فوق رأس الحصان الثاني فمات في الحال. قال السائق: «يا لبؤسي وتعاسة حظي!» قالت العصفورة: «لم أنته منك بعد!» ووقفت فوق رأس الحصان الثالث، وأخذت تغرس منقارها في رأسه، فاستشاط سائق العربة غضبًا ودون تفكير فيما يفعل قذف العصفورة بفأس صغيرة، لكن العصفورة طارت، وسقطت الفأس فوق رأس الحصان فمات كما حدث مع الحصانين الآخرين. قال السائق: «وا حسرتاه! يا لبؤسي وتعاسة حظي!» أجابته العصفورة: «لم أنته منك بعد! والآن سأزعجك وأعاقبك في بيتك.» وطارت بعيدًا.
اضطر سائق العربة في النهاية إلى ترك العربة والذهاب إلى المنزل وهو يفيض بالغضب والغيظ. قال لزوجته: «وا حسرتاه! لقد ألم بي حظ عاثر! انسكب الخمر كله وماتت الأحصنة الثلاثة، أجابته: «وا حسرتاه يا زوجي، لقد جاءت عصفورة شريرة إلى منزلنا، وأحضرت معها كل الطيور الموجودة في العالم، وانقضوا على الذرة في مخزن الحبوب، والتهموها بسرعة كبيرة!» ركض الزوج إلى الأعلى، ورأى آلاف الطيور تقف على الأرض وتلتهم الذرة، والعصفورة تقف في المنتصف. صاح السائق: «يا لبؤسي وتعاسة حظي!» كادت الطيور تلتهم الذرة كلها. قالت العصفورة: «لم أنته بعد، فوحشيتك ستكلفك حياتك!» وطارت العصفورة بعيدًا.
ذهب السائق — الذي رأى أنه خسر كل ما يملك — إلى المطبخ وهو لا يزال غير آسف على ما فعل، وجلس غاضبًا عابس الوجه في زاوية المدخنة. كانت العصفورة تجلس خارج النافذة، وصاحت: «يا سائق العربة! إن وحشيتك ستكلفك حياتك!» عندما سمع هذا قفز في غضب، وأمسك بفأس صغيرة، وقذفها تجاه العصفورة، ولكنه أخطأ الهدف، وكسر النافذة. دخلت العصفورة، ووقفت على مقعد بجوار النافذة، وصاحت: «يا سائق العربة، إن وحشيتك ستكلفك حياتك!» فزاد غضبه وأعماه الغيظ وقذف المقعد بالفأس بقوة شديدة، فانشطر إلى نصفين، وأثناء تنقل العصفورة من مكان إلى آخر، كان سائق العربة وزوجته يستشيطان غضبًا، حتى إنهما حطما كل الأثاث والزجاج والكراسي والمقاعد والطاولة، وأخيرًا الجدران، دون أن يلمسا العصفورة على الإطلاق، لكن في النهاية أمسكا بها، وقالت الزوجة: «هل أقتلها في الحال؟» صاح السائق: «كلا، هذا عقاب أقل مما تستحق؛ فسوف تعاني موتًا قاسيًا، سآكلها حية.» لكن العصفورة أخذت ترفرف بجناحيها، وتمط رأسها، وتقول: «أيها السائق! سيكلفك هذا حياتك!» مع قولها هذا لم يعد يطيق الانتظار، لذا أعطى الفأس لزوجته، وصاح: «زوجتي اضربي العصفورة بهذه الفأس، واقتليها وهي في يدي.» قذفت الزوجة الفأس، لكنها أخطأت الهدف، واصطدمت الفأس برأس زوجها الذي سقط قتيلًا، وطارت العصفورة إلى عشها في أمان.
الأميرات الراقصات الاثنتا عشرة


كان لدى أحد الملوك اثنتا عشرة ابنة جميلة ينمن على اثني عشر سريرًا بغرفة واحدة. وعندما يأوين إلى الفراش، تغلق الأبواب جيدًا، لكن في صباح كل يوم تصير أحذيتهن بالية تمامًا، وكأنهن يرقصن طوال الليل، ومع ذلك لم يتمكن أحد من معرفة سر هذا الأمر، أو أين تذهب الأميرات.
أعلن الملك أمام البلاد كلها أنه إذا تمكن أي شخص من اكتشاف السبب ومعرفة أين ترقص الأميرات طوال الليل، فسيحظى بالأميرة التي يحبها زوجة له، وسيكون الملكَ بعد وفاة الملك الحالي، لكن أي شخص يقدم على المحاولة ولا ينجح بعد ثلاثة أيام بلياليها سيُقتل.
حضر أحد الأمراء سريعًا، وحظي باستضافة رائعة، وفي المساء اصطُحب إلى الغرفة المقابلة للغرفة التي تنام بها الأميرات في الأسرة الاثني عشر. يجب أن يجلس هناك، ويراقبهن ليعرف أين يذهبن للرقص، وكي لا يفوته شيء ترك باب الغرفة مفتوحًا. لكن سرعان ما استغرق الأمير في النوم؛ وعندما استيقظ في الصباح وجد أن الأميرات كن يرقصن في الليل وذلك لأن نعال أحذيتهن كانت تمتلئ بالثقوب. حدث الأمر نفسه في الليلة الثانية والثالثة، لذا أمر الملك بقطع رأسه. جاء بعده العديد من الأمراء؛ لكن حدث معهم نفس الشيء، وقُتلوا جميعًا بالطريقة نفسها.
وذات يوم مر محارب قديم، كان قد أصيب في معركة ولم يستطع خوض معارك بعد ذلك، بالبلد التي يحكمها هذا الملك، وبينما كان يسافر عبر الغابة قابل امرأة عجوزًا سألته عن وجهته، فأجاب الجندي: «لا أعرف إلى أين أتجه، أو حتى ما هو الأفضل لأفعله، لكنني أظن أنني أود كثيرًا معرفة أين ترقص الأميرات، وحينها سأصير ملكًا عاجلًا أم آجلًا.» قالت العجوز: «حسنًا، هذا ليس بالأمر الصعب: كل ما عليك فعله هو ألا تشرب الخمر التي ستحضرها لك إحدى الأميرات في المساء؛ وحالما تغادر الأميرة، عليك التظاهر بأنك استغرقت في نوم عميق.»
أعطته العجوز بعد ذلك عباءة، وقالت له: «حالما ترتدي هذه العباءة فستختفي، وستتمكن حينها من تعقب الأميرات أينما ذهبن.» عندما سمع الجندي هذه النصيحة الطيبة، أصر على تجريب حظه، لذا ذهب إلى الملك، وقال له إنه يرغب في خوض المهمة.
حظي الجندي باستقبال رائع كما حدث مع الآخرين، وأمر الملك بإعطائه ثيابًا ملكية أنيقة، وعندما حل المساء، اصطُحب إلى الغرفة الخارجية. وبينما يستعد للنوم، جاءت الأميرة الكبرى، وأحضرت له كأسًا من الخمر؛ لكن الجندي لم يشرب منها قطرة واحدة، وسكبها خِلْسة. ثم استلقى على سريره، وبدأ يغط في نومه بصوت عال وكأنه مستغرق في النوم. عندما سمعت الأميرات هذا ضحكن كثيرًا، وقالت الأميرة الكبرى: «كان من الممكن لهذا الشخص أن يفعل شيئًا أكثر حكمة من أن يخسر حياته بهذه الطريقة!» ثم نهضن، وفتحن الأدراج والصناديق، وأخرجن ملابسهن الجميلة، وارتدينها أمام المرآة، ووثبن مرحًا وكأنهن متحمسات لبدء الرقص. قالت الأميرة الصغرى: «يتملكني شعور بأن مكروهًا سيقع لنا، على الرغم من هذه السعادة التي تشعرن بها، ولا أدري ما السبب.» قالت الأميرة الكبرى: «أيتها البلهاء، دائما تشعرين بالخوف، هل نسيت كم من الأمراء جاءوا لمراقبتنا لكن دون جدوى؟ أما الجندي، فحتى إذا لم أكن قدمت له شراب النوم، لاستغرق في نوم عميق من تلقاء نفسه.»
عندما استعدت الأميرات، ذهبن لتفقد الجندي، لكنه كان يغط في نومه لا يحرك ساكنًا، لذا اعتقدن أن كل شيء آمن تمامًا، فوقفت الأميرة الكبرى فوق سريرها، وصفقت بيديها، فهبط السرير إلى الأرض وانفتح باب سحري. شاهدهن الجندي وهن يذهبن عبر الباب واحدة تلو الأخرى وكبراهن في المقدمة. رأى الجندي أنه ليس أمامه متسع من الوقت، فنهض، وارتدى عباءته التي أعطتها له المرأة العجوز، وتبعهن، وفي منتصف السلم خطا فوق فستان الأميرة الصغرى، فصاحت منادية أخواتها: «هناك خطب ما، لقد أمسك شخص ما بفستاني.» قالت الأميرة الكبرى: «أيتها الساذجة! لا بد أنه مسمار في الجدار ليس إلا.» ثم ذهبن جميعًا عبر السلم إلى نهايته حيث وصلن إلى بستان جميل من أشجار أغصانها من الفضة كانت تتلألأ وتلمع على نحو جميل. أراد الجندي أن يأخذ أمارة من المكان، فكسر غصنًا صغيرًا، وفي تلك اللحظة صدر صوت مرتفع من الأشجار، فقالت الأخت الصغرى مرة أخرى: «أنا واثقة أن هناك خطب ما. ألم تسمعن هذا الصوت؟ هذا لم يحدث من قبل.» لكن الأخت الكبرى قالت: «إنهم أمراؤنا يصيحون فرحًا بقدومنا.»
ثم وصلت الأميرات إلى بستان آخر أغصان أشجاره من الذهب؛ ثم إلى بستان ثالث، أغصان أشجاره من الألماس المتلألئ، فكسر الجندي غصنًا من كل بستان؛ وفي كل مرة يحدث ضجيج مرتفع، مما يجعل الأخت الصغرى ترتعد خوفًا، لكن الأخت الكبرى تصر على قولها إنهم الأمراء يهللون فرحًا. وهكذا استمررن في مسيرتهن حتى وصلن إلى بحيرة كبيرة على جانبها اثنا عشر مركبًا، وفي كل مركب يقف أمير وسيم. بدا على الأمراء أنهم كانوا في انتظار الأميرات. ركبت كل أميرة في مركب، وركب الجندي في مركب الأميرة الصغرى. وأثناء سير المراكب في البحيرة، قال الأمير الذي كان يركب مع الأميرة الصغرى والجندي: «مع أنني أجدف بكل قوتي فنحن لا نسير بنفس سرعتنا كالعادة، لا أدرى ما السبب، وأشعر بالتعب الشديد، فالمركب ثقيل للغاية اليوم.» قالت الأميرة: «إنها حرارة الجو فحسب، فأنا أشعر أن الجو دافئ للغاية.»
على الجانب الآخر من البحيرة كانت هناك قلعة جميلة مضيئة تصدر منها موسيقى بهيجة. وعند القلعة رست المراكب، وذهب الأمراء والأميرات إلى القلعة، ورقصت كل أميرة مع أميرها، ورقص الجندي الذي كان مختفيًا كل ذلك الوقت معهم أيضًا. كلما وضعت إحدى الأميرات كأس الخمر بجوارها، شربها الجندي كلها، وعندما تضعه على فمها مرة أخرى تجدها فارغة، وهذا الأمر أيضًا أفزع الأميرة الصغرى، لكن دائمًا ما كانت تسكتها الأميرة الكبرى. رقصت الأميرات حتى الساعة الثالثة صباحًا، وأصبحت أحذيتهن بالية، لذا اضطررن إلى الرحيل. نقلهن الأمراء بالمراكب إلى الشاطئ الآخر عبر البحيرة (وفي هذه المرة ركب الجندي مع الأميرة الكبرى). وفي الشاطئ المقابل ودعت كل أميرة أميرها، ووعدته بالمجيء الليلة التالية.
عندما وصلت الأميرات إلى السلم، ركض الجندي أمامهن، واستلقى فوق السرير، وعندما وصلت الأميرات اللاتي كن يسرن ببطء لشعورهن بالتعب الشديد وسمعْنَه يغط في النوم على سريره، قلن: «كل شيء آمن الآن.» ثم خلعن ملابسهن الجميلة، ووضعنها في مكانها المألوف، وخلعن أحذيتهن، وأوين إلى الفراش.
في الصباح لم يقل الجندي شيئًا عما حدث، لكنه عزم على رؤية المزيد من هذه المغامرة الغريبة، وذهب مجددًا لليلة الثانية والثالثة، وحدث الشيء نفسه كما في الليلة الأولى؛ ترقص الأميرات في كل مرة حتى تصير أحذيتهن بالية تمامًا، ثم يَعُدن إلى المنزل. لكن في الليلة الثالثة، أخذ الجندي معه كأسًا ذهبية أمارة على المكان الذي كان فيه.
ومع انقضاء الوقت المحدد لإفشاء السر، اصطُحب الجندي إلى الملك وفي جعبته ثلاثة أغصان وكأس ذهبية؛ ووقفت الأميرات خلف الباب ليستمعن إلى ما سيقول. عندما سأله الملك: «أين تذهب بناتي الاثنتا عشرة ليلًا؟» أجاب: «يذهبن برفقة اثني عشر أميرًا إلى قلعة تحت الأرض.» وأخبر الملك بكل ما حدث، وأظهر له الأغصان الثلاثة والكأس الذهبية التي أحضرها معه، فاستدعى الملك الأميرات، وسألهن هل ما يقوله الجندي صحيح؛ وعندما تأكدت الأميرات أن حيلتهن انكشفت، وأنه لم يعد من المجدي إنكار ما حدث، اعترفن بكل شيء. سأل الملك الجندي أي واحدة منهن يرغبها زوجة له، أجاب: «أنا لست شابًّا صغيرًا، لذا أختار الأميرة الكبرى.» تزوج الجندي الأميرة الكبرى في نفس اليوم، واختير وريثًا لعرش الملك.
الصياد وزوجته


يحكى أن صيادًا كان يعيش مع زوجته في حظيرة خنازير قريبة من ساحل البحر. اعتاد الصياد على الخروج طيلة اليوم للصيد، وفي يوم من الأيام، بينما كان يجلس على الشاطئ حاملًا صنارته يتأمل الأمواج المتلألئة ويراقب حبل الصنارة، انسحبت فلينة الصنارة فجأة إلى قاع المياه، وعندما جذبها لأعلى خرجت سمكة ضخمة.
لكن السمكة قالت له: «أرجوك اتركني أعش! أنا لست سمكة حقيقية؛ بل أنا أمير مسحور. ضعني في المياه مرة أخرى، وأطلق سراحي!» قال الرجل: «يا إلهي! يا إلهي! لست مضطرًا للتوسل إلي، فليس هناك ما يمكن فعله بسمكة تتكلم؛ اسبح بعيدًا يا سيدي كما يحلو لك!» ثم أعاد الصياد السمكة إلى المياه، وانطلقت السمكة في أعماق البحر على الفور ووراءها خط طويل من الدماء فوق الموجة.
عندما عاد الصياد إلى زوجته في حظيرة الخنازير، وأخبرها عن قصة السمكة الكبيرة التي أخبرته بأنها أمير مسحور، وأنه تركها تعود إلى المياه عندما سمعها تتحدث. قالت الزوجة: «ألم تطلب منها أي شيء؟ نحن نحيا حياة بائسة هنا في هذه الحظيرة القذرة الكريهة. عد إذن إلى السمكة، وأخبرها أننا نريد كوخًا صغيرًا ومريحًا.»
لم يُعجب الصياد كثيرًا بالفكرة، لكنه ذهب إلى شاطئ البحر؛ وعندما وصل هناك وجد المياه خضراء وصفراء اللون، فوقف عند حافة المياه، وقال: «يا رجل البحار! استمع إلي! زوجتي إلزابيل لديها أمنية، وقد أرسلتني لطلب خدمة منك!» جاءت السمكة سابحة في المياه، وقالت: «حسنًا، ما أمنيتها؟ ماذا تريد زوجتك؟» قال الصياد: «تقول إنه كان يجب أن أطلب منك شيئًا قبل إفلاتك، فهي لا تود العيش في الحظيرة بعد الآن، وتريد كوخًا صغيرًا ومريحًا.» قالت السمكة: «عد إلى بيتك إذن وستجد أن أمنيتك قد تحققت.» فعاد الرجل إلى المنزل، ووجد زوجته تقف عند باب كوخ صغير أنيق. قالت له: «تعال إلى الداخل! أليس هذا الكوخ أفضل من الحظيرة القذرة التي كنا نعيش فيها؟» كان الكوخ يتكون من ردهة وحجرة نوم ومطبخ، وخلفه حديقة صغيرة بها كافة أنواع الزهور والفاكهة، وكان يوجد فناء خلف الحديقة ممتلئ بالبط والدجاج. قال الصياد: «سنعيش في سعادة غامرة!» قالت الزوجة: «ربما.»
سار كل شيء على ما يرام مدة أسبوع أو اثنين. بعد ذلك قالت السيدة إلزابيل: «يا زوجي، الكوخ ضاق بنا؛ فالفناء والحديقة صغيران للغاية؛ أود أن أعيش في قلعة؛ اذهب إلى السمكة مرة أخرى، واطلب منها أن تمنحنا قلعة.» قال الصياد: «يا زوجتي، لا أريد أن أذهب مرة أخرى، فمن الممكن أن تغضب السمكة، لا بد أن نحيا في راحة واطمئنان في هذا الكوخ الجميل.» قالت الزوجة: «كلام فارغ! سوف تنفذ السمكة هذه الأمنية بكل سرور. أنا أعلم ذلك، اذهب وحاول!»
ذهب الصياد وهو في شدة الحزن، وعندما وصل إلى البحر، بدا أزرق اللون ومظلمًا، مع أنه كان هادئًا، فاقترب من حافة الأمواج، وقال: «يا رجل البحار! استمع إلي! زوجتي إلزابيل لديها أمنية، وقد أرسلتني لطلب خدمة منك!» صعدت السمكة إلى السطح، وقالت: «حسنًا، ماذا تريد زوجتك؟» قال الرجل في حزن: «آه! إنها تريد قلعة.» قالت السمكة: «عد إلى المنزل إذن، وستجدها واقفة عند بوابة القلعة.» فذهب الصياد، ووجد زوجته تقف أمام بوابة قلعة ضخمة. قالت: «انظر، أليس هذا رائعًا؟» دخلا معًا إلى القلعة، ووجدا الكثير من الخدم. كانت جميع الغرف مزودة بأثاث أنيق، ومليئة بالكراسي والطاولات الذهبية؛ ويوجد خلف القلعة حديقة، وحولها باحة فسيحة تمتد مسافة نصف ميل، وتمتلئ بالخراف والماعز والأرانب والغزلان، ويوجد بالفناء إسطبلات وحظائر. قال الرجل: «حسنًا، سنحيا في سعادة ومرح في هذه القلعة الجميلة بقية حياتنا. قالت الزوجة: «ربما، دعنا ننم في هذه القلعة أولًا قبل أن نقرر ذلك.» لذا أَوَيَا إلى الفراش.
في صباح اليوم التالي عندما استيقظت السيدة إلزابيل، كان ضوء النهار ينتشر في المكان، فأيقظت زوجها الصياد بدفعه بمرفقها، وقالت: «انهض يا زوجي، لا بد أن نصبح ملوك هذه الأرض.» قال الرجل: «لماذا نرغب في أن نكون ملوكًا؟ لن أصبح ملكًا.» قالت الزوجة: «إذن سأصبح أنا هكذا.» قال الصياد: «كيف ستكونين ملكة. لا يمكن أن تجعلك السمكة ملكة؟» قالت: «لا تقل كلمة أخرى، اذهب وحاول! سأصبح ملكة.» ذهب الرجل وهو في حزن شديد لفكرة أن زوجته تريد أن تصبح ملكة. وهذه المرة بدا لون البحر رماديًّا داكنًا وتملؤه الأمواج، فأخذ يصيح: «يا رجل البحار! استمع إلي! زوجتي إلزابيل لديها أمنية، وقد أرسلتني لطلب خدمة منك!» قالت السمكة: «حسنًا، ماذا تريد الآن؟» قال الرجل المسكين: «وا أسفاه! إنها تريد أن تصبح ملكة.» قالت السمكة: «عد إلى المنزل، وستجد أمنيتها قد تحققت.»
عاد الصياد إلى المنزل، وعندما اقترب من القصر، رأى جماعة من الجنود، وسمع أصوات الطبول والأبواق، وعندما دخل رأى زوجته تجلس فوق عرش من الذهب والألماس، ويزين رأسها تاج ذهبي، وعلى كل جانب منها تجلس ست خادمات جميلات. قال الصياد: «حسنًا يا زوجتي، هل أصبحتِ ملكة؟» قالت: «أجل، أنا ملكة.» وعندما نظر إليها مدة طويلة، قال: «آه يا زوجتي! يا له من شيء رائع أن يصبح المرء ملكًا! لم يعد لدينا الآن شيء آخر نتمناه للأبد.» قالت الزوجة: «لا أدري كيف يكون هذا، فالأبد وقت طويل، أنا ملكة لا شك، لكنني بدأت أسأم هذا الأمر، وأعتقد أنني أود أن أكون إمبراطورة.» قال الصياد: «وا أسفاه! لماذا تتمنين أن تصبحي إمبراطورة.» قالت: «اذهب إلى السمكة! أنا أقول إنني أريد أن أكون إمبراطورة.» أجاب الصياد: «آه! يا زوجتي، لن تستطيع السمكة جعلك إمبراطورة. أنا واثق، ولا أود أن أطلب منها مثل هذا الأمر.» قالت إلزابيل: «أنا الملكة، وأنت خادمي. اذهب في الحال!»
اضطر الصياد إلى الذهاب إلى السمكة، وتمتم وهو في الطريق: «هذا الأمر لن ينتهي على خير، فهذا الطلب كبير للغاية ولا أستطيع طلبه. ستسأم السمكة في النهاية، وسنندم على ما فعلنا.» وسرعان ما وصل إلى شاطئ البحر، وكانت المياه سوداء تمامًا وموحلة، وهناك إعصار يهب فوق الأمواج الهائجة، لكنه اقترب قدر المستطاع من حافة المياه، وقال: «يا رجل البحار! استمع إلي! زوجتي إلزابيل لديها أمنية، وقد أرسلتني لطلب خدمة منك!» قالت السمكة: «ماذا تريد الآن؟» قال الصياد: «تريد أن تصبح إمبراطورة.» قالت السمكة: «اذهب إلى المنزل إذن، فقد تحققت أمنيتها.»
عاد إلى المنزل، وعندما اقترب رأى زوجته تجلس فوق عرش بالغ الفخامة مصنوع من الذهب الخالص، ويزين رأسها تاج عظيم طوله نحو مترين، وعلى كل جانب منها يصطف الحراس والخدم، كل واحد أقصر طولًا من الآخر، من عمالقة طوال القامة إلى أقزام لا يزيد طولهم عن طول الإصبع، ويقف أمامها أمراء وأدواق وإيرلات. اقترب الصياد من زوجته، وقال لها: «يا زوجتي، هل أصبحتِ الآن إمبراطورة؟» قالت: «نعم، أنا إمبراطورة.» قال الرجل وهو يحدق بها: «يا له من أمر رائع أن تصبحي إمبراطورة!» قالت الزوجة: «يا زوجي، لماذا نقف عند كوني إمبراطورة؟ سأصبح البابا في المرة القادمة.» قال الصياد: «رباه! رباه! كيف يمكن أن تكوني البابا؟ لا يوجد سوى بابا واحد في الديانة المسيحية.» قالت: «يا زوجي، سأصبح البابا هذا اليوم.» رد الزوج: «لكن، لا تستطيع السمكة أن تجعلك البابا.» قالت: «كلام فارغ! إذا استطاعت أن تجعلني إمبراطورة، فبمقدورها إذن أن تجعلني البابا. اذهب وحاول.»
ذهب الصياد إلى البحر، لكن عندما اقترب من الشاطئ كانت الرياح هائجة وأمواج البحر متلاطمة تقذف بالسفن على نحو مخيف. وفي منتصف السماء كان يوجد جزء صغير أزرق اللون، لكن جهة الجنوب كانت السماء حمراء اللون تمامًا، وكأن عاصفة مفزعة ستهب. شعر الصياد بذعر شديد لدى رؤيته هذا المنظر، وارتعد حتى إن ركبتيه أخذتا تصطك إحداهما بالأخرى من الخوف، ورغم ذلك اقترب أكثر من الشاطئ، وقال: «يا رجل البحار! استمع إلي! زوجتي إلزابيل لديها أمنية، وقد أرسلتني لطلب خدمة منك!» قالت السمكة: «ماذا تريد الآن؟» قال الصياد: «آه! زوجتي تريد أن تصبح البابا.» قالت السمكة: «عد إلى المنزل، وستجد أمنيتها قد تحققت.»
عاد الصياد إلى المنزل ووجد زوجته إلزابيل تجلس فوق عرش يمتد مسافة مترين، ويعلو رأسها ثلاثة تيجان ضخمة، ويحيط بها كل مظاهر فخامة وسلطان الكنيسة، وعلى كل جانب منها يوجد صفان من الشموع المشتعلة من كافة الأحجام، أضخمها تضاهي أطول وأضخم برج في العالم، وأصغرها لا يزيد حجمه عن عود نبات. قال الصياد وهو ينظر إلى الفخامة التي تحيط بزوجته: «يا زوجتي، هل أصبحتِ البابا؟» قالت: «أجل، أنا البابا»، قال الزوج: «حسنًا يا زوجتي، يا له من شيء جليل أن تصبحي البابا، والآن لا بد أن يهدأ بالك، فليس هناك شيء أعظم من ذلك قد تريدينه.» قالت الزوجة: «سأفكر في هذا الأمر.» ثم أويا إلى الفراش، لكن السيدة إلزابيل لم تستطع النوم، إذ أخذت تفكر طوال الليل فيما ينبغي أن تفعله بعد ذلك. في النهاية، وبينما كان يغلبها النعاس، حل الصباح وطلعت الشمس، فقالت لنفسها: «أجل!» نهضت، ونظرت إلى الشمس عبر النافذة، وقالت: «رغم كل سلطاني لا أستطيع منع الشمس من الطلوع.» وعندما راودتها هذه الفكرة غضبت غضبًا شديدًا، وأيقظت زوجها، وقالت: «يا زوجي اذهب إلى السمكة، وقل لها إنني أريد أن أصبح إلهة الشمس والقمر.» لم يكن الصياد واعيًا تمامًا، لكن هذه الفكرة أفزعته للغاية حتى إنه سقط من فوق السرير. قال الزوج: «وا حسرتاه يا زوجتي! ألم يهدأ بالك بعد أن أصبحتِ البابا؟» قالت: «كلا، لن يهدأ بالي طالما أن الشمس والقمر يطلعان دون إذني، اذهب إلى السمكة على الفور!»
ذهب الرجل إلى السمكة وهو يرتعد خوفًا، وعندما اقترب من الشاطئ هبت عاصفة مفزعة، حتى إن الأشجار والصخور كانت تهتز، وأصبحت السماء كلها سوداء اللون ممتلئة بالسحب العاصفة. أضاء البرق، ودوى صوت الرعد، وامتلأ البحر بأمواج سوداء ضخمة ترتفع كالجبال ويعلو قممها تيجان من الزَبَد الأبيض. مع ذلك زحف الصياد تجاه البحر، وصاح قدر استطاعته: «يا رجل البحار! استمع إلي! زوجتي إلزابيل لديها أمنية، وقد أرسلتني لطلب خدمة منك!» قالت السمكة: «ماذا تريد الآن؟» قال الصياد: «تريد أن تصبح إلهة الشمس والقمر.» قالت السمكة: «عد إلى منزلك؛ إلى حظيرة الخنازير مرة أخرى.»
وحتى يومنا هذا يعيش الصياد وزوجته في حظيرة الخنازير.
النمنمة والدب


يحكى أن دبًّا وذئبًا كانا يسيران في فصل الصيف في الغابة، فسمع الدب طائرًا يغني بصوت عذب، فقال: «يا أخي الذئب، أي طائر هذا الذي يغني على هذا النحو الجميل؟» قال الذئب: «إنه مَلِك الطيور، علينا أن ننحني أمامه ونوقره.» في الحقيقة كان هذا هو طائر النمنمة، قال الدب: «إذا كان الأمر كذلك، أود أن أرى قصره الملكي. خذني إلى هناك.» قال الذئب: «هذا لا يحدث على النحو الذي تظن، لا بد أن تنتظر حتى تأتي الملكة.» سرعان ما وصلت الملكة وهي تحمل الطعام بين منقارها، وجاء الملك أيضًا وبدآ يطعمان أطفالهما الصغار. أراد الدب أن يذهب على الفور، لكن الذئب منعه، وجذبه من طرفه، وقال: «لا، لا بد أن تنتظر حتى يذهب الملك والملكة بعيدًا مرة أخرى.» دقق الدب والذئب النظر في الحفرة التي يوجد بها العش، وانصرفا، إلا أن الدب لم يكن ليهدأ قبل أن يرى القصر الملكي. وبعد فترة قصيرة ذهب الدب إلى هناك مرة ثانية، وكان الملك والملكة قد غادرا، لذا اختلس النظر ورأى خمسة أو ستة من صغار النمنمة داخل العش. صاح الدب: «هل هذا هو القصر الملكي؟ إنه مكان حقير، وأنتم لستم أبناء الملك، أنتم غير جديرين بالاحترام!» عندما سمع الصغار هذا الكلام، غضبوا غضبًا شديدًا، وصرخوا: «كلا، لسنا كذلك! والدانا شريفان! أيها الدب ستدفع ثمن ما قلت!»
شعر الدب والذئب بالقلق، وعادا إلى جحريهما، بينما استمر صغار النمنمة في الصراخ والعويل، وعندما عاد والداهم، وأحضرا الطعام، قالوا لهما: «لن نتذوق الطعام حتى ولو كنا نتضور جوعًا قبل أن تحسما الأمر؛ هل نحن جديرون بالاحترام أم لا، فقد جاء الدب إلى هنا، وأهاننا!» قال الملك العجوز: «اطمئنوا سيندم على ما قال.» وطار على الفور بجانب الملكة إلى كهف الدب، وناداه: «أيها الوضيع العجوز، لماذا أهنت أطفالي؟ سوف تندم على ما فعلت، فسنعاقبك ونعلن حربًا دامية عليك.» بهذه الطريقة أُعلنت الحرب على الدب، ودُعيت كل الحيوانات ذوات الأربع للمشاركة في الحرب، كالثيران والحمير والبقر والغزلان، وكل حيوان على وجه الأرض. واستدعى طائر النمنمة كل الكائنات التي تطير، ليس الطيور من كل الأحجام فحسب، بل أيضًا الذباب الصغير والدبابير والنحل والذباب الكبير.
عندما حان موعد الحرب، أرسل النمنمة جواسيس لمعرفة القائد العام بين صفوف الأعداء. طارت البعوضة، التي كانت الأكثر مكرًا، إلى الغابة حيث يجتمع العدو، وخبأت نفسها تحت ورقة شجرة حيث سيتم الإعلان عن كلمة السر. كان الدب يقف هناك، واستدعى الثعلب أمامه، وقال له: «أيها الثعلب أنت الأكثر مكرًا بين الحيوانات. ستكون أنت الرئيس، وستتولى القيادة.» قال الثعلب: «حسنًا، لكن ما الإشارة التي سنتفق عليها؟» لم يعرف أحد منهم، فقال الثعلب: «لدي ذيل طويل وكثيف، يبدو إلى حد بعيد كمجموعة من الريش الأحمر، عندما أرفع ذيلي إلى أعلى، فهذا يعني أن كل شيء يسير على ما يرام ولا بد أن تهجموا، لكن إذا خفضته، فاهربوا بأقصى سرعة ممكنة.» عندما سمعت البعوضة هذا الكلام، طارت، وأفصحت عن الخطة بكل تفاصيلها أمام طائر النمنمة. وعندما حل الصباح وحان وقت المعركة، جاءت كل الحيوانات ذوات الأربع تركض محدثة ضجة كبيرة، حتى إن الأرض اهتزت من تحتها. كذلك جاء طائر النمنمة برفقة جيشه محلقين في الهواء محدثين طنينًا وأزيزًا عاليًا، مما جعل الجميع يشعر بحالة من القلق والخوف. تقدم الطرفان أحدهما في اتجاه الآخر. لكن طائر النمنمة أرسل الدبابير، وأمرها بأن تقبع تحت ذيل الثعلب، وتلدغه بكل قوتها. عندما شعر الثعلب باللدغة الأولى، فزع حتى إنه رفع ساقًا من الألم، لكنه تحمل الألم، وواصل السير وذيله مرفوع إلى أعلى. وعند اللدغة الثانية، أجبر على خفض ذيله لحظة. وعند اللدغة الثالثة لم يعد يتحمل الأمر، وصرخ، ووضع ذيله بين ساقيه. عندما رأت الحيوانات هذا الأمر اعتقدوا أن المعركة خاسرة، وفروا هاربين كل إلى جحره، وظفرت الطيور بالمعركة.
طار الملكة والملكة إلى صغارهما، وصاحا: «افرحوا أيها الصغار، كلوا واشربوا كما يحلو لكم، لقد ربحنا المعركة!» لكن صغار النمنمة قالوا: « مع ذلك لن نأكل، لا بد أن يأتي الدب إلى العش ويستجدينا لنسامحه، ويقول إننا جديرون بالاحترام.» فطار النمنمة إلى كهف الدب، وصاح: «أيها الوضيع، لا بد أن تأتي إلى عشي وتستجدي صغاري ليسامحوك، وإلا سنهشم كل ضلع في جسدك.» فتسلل الدب إلى هناك في خوف كبير، وطلب العفو من الصغار. وأخيرًا شعر صغار النمنمة بالرضا، وجلسوا معًا، وأكلوا وشربوا واحتفلوا حتى ساعة متأخرة من الليل.
الأمير الضفدع


في مساء يوم جميل ارتدت أميرة شابة قبعتها وحذاءها وخرجت للتنزه وحدها في الغابة؛ وعندما وصلت إلى ينبوع ماء بارد في منتصف الغابة، جلست لتستريح قليلًا. كانت تمسك بيدها كرة ذهبية هي لعبتها المفضلة، ودائمًا كانت تقذفها في الهواء وتمسك بها مرة أخرى أثناء سقوطها. وفي إحدى المرات قذفتها بعيدًا للغاية، ولم تستطع التقاطها أثناء سقوطها، فتواثبت الكرة فوق الأرض حتى سقطت في النهاية في الينبوع. نظرت الأميرة داخل الينبوع بحثًا عن الكرة، لكنه كان عميقًا للغاية فلم تتمكن من رؤية القاع، فبدأت تندب خسارتها، وقالت: «وا أسفاه! ليتني أستعيد كُرَتي مرة أخرى، أنا مستعدة للتخلى عن كل ملابسي الثمينة ومجوهراتي وكل شيء أملكه في العالم مقابل استعادة الكرة.»
وأثناء حديثها، أخرج ضفدع رأسه من المياه، وقال: «أيتها الأميرة، لماذا تبكين بمرارة هكذا؟» قالت الأميرة: «وا حسرتاه! وماذا يمكنك أن تفعل من أجلي أيها الضفدع البغيض؟ فقد سقطت كرتي الذهبية في ينبوع المياه.» قال الضفدع: «لا أريد لآلئك أو مجوهراتك أو ملابسك الثمينة؛ لكن إذا أحببتِني، وسمحتِ لي بالعيش معك، وتناول الطعام في صحنك الذهبي، والنوم في فراشك، فسأعيد إليك كرتك الذهبية.» فكرت الأميرة في نفسها: «ما هذا الهراء الذي يتفوه به هذا الضفدع؟! لا يمكنه أبدًا الخروج من المياه والعيش معي، لكن يمكنه إعادة كرتي إليّ، ولهذا سأقول له إنني سأنفذ كل ما يتمنى.» لذا قالت الأميرة للضفدع: «حسنًا، إذا أعدت إلي كرتي، فسأفعل ما تريد.» نزل الضفدع في أعماق المياه، وبعد لحظة ظهر على السطح مرة أخرى وفي فمه الكرة الذهبية، وألقاها عند حافة الينبوع، وما إن رأت الأميرة كرتها الذهبية حتى ركضت لالتقاطها، وكانت في غاية السعادة لاستعادتها الكرة الذهبية بين يديها مرة أخرى حتى إنها لم تفكر في الضفدع وركضت إلى منزلها بأقصى سرعة لديها. ناداها الضفدع: «انتظري يا أميرة، هلا تأخذينني معكِ كما قلت.» لكنها لم تتوقف لسماع كلمة واحدة مما يقول.
في اليوم التالي، عندما جلست الأميرة لتناول العشاء، سمعت صوت ضوضاء غريبة، وكأن هناك شيئًا يصعد السلم الرخامي. تلا ذلك طرقات خفيفة على الباب، وصوت ضعيف يصيح: «افتحي الباب يا أميرتي العزيزة، افتحي الباب فحبيبك المخلص هنا! أتذكرين كلماتنا بجانب الينبوع في الغابة الخضراء.» ركضت الأميرة إلى الباب، وفتحته، فرأت الضفدع الذي قد نسيت أمره تمامًا. وعندما رأته شعرت بذعر كبير، فأغلقت الباب بأسرع ما يمكن، وعادت إلى مقعدها. سألها أبوها الملك بعد أن لاحظ فزعها عن الأمر. قالت الأميرة: «هناك ضفدع بغيض عند الباب. أحضر كرتي إليّ من ينبوع المياه هذا الصباح. أخبرته أنه سيعيش معي هنا، وكنت أعتقد أنه لا يستطيع الخروج من المياه، لكن ها هو ذا عند الباب، ويريد الدخول.»
وأثناء حديثها طرق الضفدع الباب مرة أخرى، وقال: «افتحي الباب يا أميرتي العزيزة، افتحي الباب فحبيبك المخلص هنا! أتذكرين كلماتنا بجانب الينبوع في الغابة الخضراء.» قال الملك للأميرة الشابة: «بما أنك وعدتِه فلا بد أن تفي بوعدكِ. دعيه يدخل.» بالفعل فتحت الأميرة الباب، ووثب الضفدع إلى الغرفة، ثم سار في خط مستقيم حتى وصل بالقرب من الطاولة التي تجلس عندها الأميرة، وقال لها: «أرجوكِ ارفعيني إلى الكرسي ودعيني أجلس بجوارك.» ما إن فعلت الأميرة هذا حتى قال الضفدع: «ضعي صحنك بالقرب مني كي أتمكن من تناول الطعام منه.» فعلت الأميرة ما طلب، وعندما أكل قدر استطاعته، قال: «أنا متعب. الآن احمليني إلى الأعلى، وضعيني في فراشك.» فعلت الأميرة ما طلب على مضض، وحملته بين يديها إلى أعلى، ووضعته فوق الوسادة في فراشها حيث نام طوال الليل. مع بزوغ النهار نزل الضفدع من فوق السرير، وأخذ يثب حتى وصل للطابق السفلي، وخرج من المنزل. فكرت الأميرة في نفسها: «لقد ذهب أخيرًا، ولن يزعجني مرة أخرى.»
لكنها كانت مخطئة؛ فعندما حل الليل سمعت صوت النقر ذاته على الباب؛ وجاء الضفدع مرة أخرى وقال: «افتحي الباب يا أميرتي العزيزة، افتحي الباب فحبيبك المخلص هنا! أتذكرين كلماتنا بجانب الينبوع في الغابة الخضراء.» عندما فتحت الأميرة الباب، دخل الضفدع، ونام فوق وسادتها حتى الصباح كما حدث الليلة الماضية. وفي الليلة الثالثة فعل الأمر نفسه. لكن عندما استيقظت الأميرة في صباح اليوم التالي شعرت بدهشة كبيرة عندما رأت أميرًا وسيمًا يحدق فيها بعينين لم تر في جمالهما من قبل، ويقف عند رأس السرير بدلًا من الضفدع.
أخبرها الأمير أن جنية شريرة سحرته وحولته إلى ضفدع، وكان عليه البقاء هكذا حتى تأتي أميرة جميلة وتخرجه من ينبوع المياه وتجعله يأكل من صحنها وينام في فراشها ثلاث ليال. قال الأمير: «لقد أبطلتِ مفعول السحر القاسي، والآن ليس لدي ما أتمناه سوى أن تأتي معي إلى مملكة أبي حيث سأتزوجك وأحبك ما حييت.»
لم تتردد الأميرة الشابة طويلًا، وسرعان ما وافقت على عرضه، وقالت: «أجل»، وأثناء حديثهما وصلت عربة جميلة تجرها ثمانية خيول، مكسوة بالريش والحلي الذهبية، وفي مؤخرة العربة يجلس خادم الأمير، هاينريتش المخلص، الذي ظل يندب سوء حظ سيده العزيز طوال الفترة التي كان مسحورًا فيها حتى انفطر قلبه.
استأذن الأميرة والأمير من الملك، وركبا العربة، ومضيا في طريقهما إلى مملكة الأمير في سعادة غامرة، وعندما وصلا إلى المملكة في سلام، عاشا معًا سعيدين سنوات طويلة.
شراكة بين قطة وفأرة


تعرفت قطة على فأرة، وأفصحت لها عن مشاعر الحب والصداقة التي تكنها لها، وفي النهاية وافقت الفأرة على أن تعيشا في منزل واحد وتدبرا شئونهما معًا. قالت القطة: «لكن لا بد أن نستعد لفصل الشتاء، وإلا سنعاني الجوع، وأنت أيتها الفأرة الصغيرة لا يمكنك المخاطرة بالذهاب إلى أي مكان، وإلا ستقعين في المصيدة يومًا ما.» أصغت الفأرة للنصيحة الطيبة، واشترتا قِدرًا من السمن، لكن لم تعرفا أين تضعانه. وفي النهاية وبعد تفكير طويل، قالت القطة: «لا أعرف مكانًا آمنًا لنخزن به القدر سوى الكنيسة، فلا يجرؤ أحد أن يأخذ أي شيء من الكنيسة. سنضعه أسفل المذبح، ولن نلمسه حتى نكون بحاجة حقيقية إليه.» وهكذا وُضع القدر في أمان، لكن لم يمر وقت طويل حتى اشتهت القطة السمن بشدة، فقالت للفأرة: «أريد أن أخبرك شيئًا أيتها الفأرة الصغيرة، لقد أنجبت ابنة عمي قطًّا صغيرًا، وقد طلبت مني أن أكون العرَّابة، وهذا القط أبيض اللون وبه بقع بنية، وسأحمله أثناء حفل التعميد. دعيني أخرج اليوم، واعتني أنت بالمنزل.» أجابت الفأرة: «بكل سرور، اذهبي بالتأكيد، وإذا حصلت على أي شيء طيب، فلا تنسيني، فأنا أحب الخمر الأحمر المُحلى الذي يقدم في حفلات التعميد.» مع ذلك لم يكن أي مما قالته القطة صحيحًا، فلم يكن لدى القطة ابنة عم، ولم يطلب منها أحد أن تكون عرابة. توجهت القطة مباشرة إلى الكنيسة، وسرقت قدر السمن، ولعقت الجزء العلوي منه، ثم تنزهت فوق أسطح المنازل بالبلدة بحثًا عن طعام آخر، ثم تمددت في الشمس، وأخذت تلعق شفتيها كلما تذكرت قدر السمن، ولم تعد إلى المنزل إلا في المساء. قالت الفأرة: «مرحبًا بعودتك، لا شك أنك أمضيت يومًا سعيدًا»، أجابت القطة: «سار كل شيء على ما يرام.» سألت الفأرة: «ما اسم المولود؟» أجابت القطة في برود: «لَعْقُ القِدر.» صاحت الفأرة: «لعق القِدر؟! هذا اسم غريب وغير شائع، هل هو شائع بين أفراد عائلتك؟» قالت القطة: «ما الغريب في الاسم؟ فهو ليس أسوأ من «سارق الفتات» كما تطلقين على حفيدك.»
لم يمر وقت طويل حتى شعرت القطة باشتياق آخر للسمن، فقالت للفأرة: «اصنعي بي معروفًا، واعتني بالمنزل طوال اليوم، فقد طلب مني مجددًا أن أكون عرَّابة، ولأن المولود مميز وبه حلقة بيضاء حول رقبته، لا يمكنني الرفض.» وافقت الفأرة الطيبة، لكن القطة تسللت خلف جدران البلدة حتى وصلت إلى الكنيسة، والتهمت نصف قدر السمن.» قالت لنفسها: «لا شيء يبدو رائعًا كالذي يدخره المرء لنفسه.» وشعرت بالرضا التام عما فعلته اليوم، وعندما عادت إلى المنزل سألتها الفأرة: «ما اسم المولود؟» أجابت القطة: «اختفاء النصف.» قالت الفأرة: «اختفاء النصف؟! ماذا تقولين؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل في حياتي!»
سرعان ما شعرت القطة باشتياق للعق قدر السمن، فقالت: «تأتي الأخبار السارة مرة واحدة، فقد طُلب مني أن أكون عرَّابة مرة أخرى، والمولود أسود اللون وله مخالب بيضاء، ورغم ذلك ليس لديه شعرة بيضاء واحدة في جسده كله، وهذا لا يحدث إلا مرة كل بضع سنوات. ستسمحين لي بالذهاب، أليس كذلك؟» قالت الفأرة: «لعق القِدر! اختفاء النصف! هذان الاسمان غريبان، وكثيرًا ما أفكر فيهما.» قالت القطة: «أنت تجلسين في المنزل بفرائك الرمادي الداكن وذيلك الطويل لا تساورك سوى الأوهام، وهذا لأنك لا تخرجين في النهار.» أثناء غياب القطة نظفت الفأرة المنزل ورتبته، لكن القطة الأنانية التهمت القدر بأكمله، وقالت لنفسها: «الآن يهدأ بالي بعد أن التهمت القدر كله.» وبعد أن امتلأت بطنها، وشعرت بالشبع، ذهبت إلى المنزل. سألتها الفأرة على الفور عن الاسم الذي أطلقوه على المولود الثالث، فقالت القطة: «سيسرك هذا الاسم عن باقي الأسماء الأخرى، فقد أطلقنا عليه «اختفاء الكل».» قالت الفأرة: «اختفاء الكل؟! هذا الاسم أكثرهم ريبة على الإطلاق! لم أره مكتوبًا من قبل. اختفاء الكل! ماذا يعني هذا الاسم؟» هزت القطة رأسها، وضمَّت أقدامها، ونامت.
منذ ذلك الحين فصاعدًا لم تُدع القطة لتؤدي دور العرَّابة، لكن عندما حل الشتاء ولم يعد هناك شيء يؤكل، فكرت الفأرة في مخزون الطعام لديهما، وقالت: «هيا بنا أيتها القطة، لنذهب إلى قدر السمن الذي قمنا بتخزينه. سنستمتع بتناوله.» أجابت القطة: «أجل، ستستمتعين به، وكأنك لم تتذوقي طعامًا من قبل.» انطلقتا معًا إلى الكنيسة، وعندما وصلتا هناك كان القدر في مكانه بالتأكيد، لكنه كان فارغًا. قالت الفأرة: «وا أسفاه! الآن أدركت ما حدث، فقد انكشف كل شيء! يا لك من صديقة خائنة! لقد التهمت القدر كله أثناء حفلات التعميد. الأول لعق القِدر، ثم اختفاء النصف، ثم …» صاحت القطة: «هلا تلزمين الصمت. إذا نطقت كلمة أخرى، فسألتهمك أنتِ أيضًا.» كان اسم «اختفاء الكل» على شفتي الفأرة المسكينة، ولم تلبث أن نطقت به حتى قفزت القطة عليها، وأحكمت قبضتها، وابتلعت الفأرة المسكينة.
راعية الإوز


في سالف العصر والأوان توفي ملك يحكم بلادًا واسعة تاركًا الملكة لتعتني بطفلتهما الوحيدة. كانت الطفلة رائعة الجمال، وأحبتها أمها كثيرًا، وأحسنت معاملتها للغاية. وكانت هناك جنية طيبة تعشق الأميرة، وساعدت أمها في الاعتناء بها. عندما كبرت الأميرة، خُطبت لأمير كان يعيش في بلد بعيدة للغاية، ومع اقتراب وقت زواجها، استعدت الأميرة لبدء رحلتها إلى بلد الأمير. زودتها الملكة بالكثير من الأمتعة الغالية من مجوهرات وذهب وفضة وحلي وملابس ثمينة؛ أي أعطتها كل ما يليق بعروس ملكية. وأمرت أيضًا بأن ترافقها إحدى الوصيفات حتى تسلمها إلى عريسها. امتطت الأميرة والوصيفة جوادين، وكان جواد الأميرة هدية من الجنية، ويدعى فالادا، وكان يتكلم.
عندما حان وقت الرحيل، ذهبت الجنية إلى حجرة نوم الأميرة، وأخذت سكينًا صغيرًا وقطعت خصلة من شعرها، وأعطتها للأميرة، وقالت: «اعتني بهذه الخصلة يا عزيزتي، فهذه تعويذة قد تنفعك في طريقك.» بعد ذلك كان الوداع الحزين للأميرة. وضعت الأميرة خصلة الشعر في صدرها، وامتطت جوادها، وانطلقت في رحلتها إلى مملكة عريسها. وفي يوم ما، أثناء سيرهما بجوار جدول ماء، شعرت الأميرة بالظمأ الشديد، وقالت لوصيفتها: «من فضلك ترجلي، وأحضري لي ماءً في كوبي الذهبي من ذلك الجدول، لأني أشعر بالظمأ.» قالت الوصيفة: «كلا، إذا كنت تشعرين بالظمأ عليك أن تترجلي أنت من فوق الجواد وتنحني فوق جدول المياه وتشربي. لن أكون خادمتك بعد الآن.» كانت الأميرة تشعر بالظمأ الشديد، لذا ترجلت من فوق الجواد، وانحنت فوق الجدول الصغير، وشربت. كانت تشعر بالخوف، ولم تجرؤ أن تخرج كوبها الذهبي، وبكت، وقالت: «وا أسفاه! ماذا سيكون مصيري؟» أجابتها خصلة الشعر: «وا أسفاه! وا أسفاه! لو عرفت أمك ما تعانين، لانفطر قلبها نصفين.» لكن الأميرة كانت رقيقة وطيبة القلب، لذا لم تعاقب الوصيفة على سوء تصرفها، وامتطت جوادها مرة أخرى.
مضتا في رحلتهما، لكن الجو أصبح شديد الحرارة والشمس حارقة، فشعرت العروس بالعطش مرة أخرى، وأخيرًا عندما وصلتا إلى نهر، كانت قد نسيت وقاحة وصيفتها، وقالت لها: «من فضلك ترجلي من فوق الجواد، وأحضري لي ماءً في كوبي الذهبي.» لكن الوصيفة أجابتها بأسلوب أكثر غطرسة، وقالت: «اشربي إذا أردت، لكنني لن أكون وصيفتك.» كانت الأميرة تشعر بظمأ شديد، لذا نزلت من فوق جوادها، وانحنت فوق النهر، وبكت قائلة: «ماذا سيكون مصيري؟» أجابتها خصلة الشعر مجددًا: «وا أسفاه! وا أسفاه! لو عرفت أمك ما تعانين، لانفطر قلبها نصفين.» وعندما انحنت لتشرب سقطت خصلة الشعر من صدرها، وطفت فوق المياه بعيدًا. شعرت الأميرة بالخوف، ولم تلحظ سقوط خصلة الشعر؛ لكن الوصيفة رأتها، وفرحت كثيرًا، فقد كانت تعرف بأمر التعويذة وأنها ستحمي الأميرة، والآن قد ضاعت منها. لذا بعدما روت الأميرة ظمأها، وكانت في طريقها لركوب فالادا مجددًا، قالت الوصيفة: «سأركب أنا فوق فالادا، ويمكنك امتطاء جوادي بدلًا من ذلك.» اضطرت الأميرة إلى التخلي عن جوادها. وبعد ذلك أُجبرت على خلع ثيابها الملكية وارتداء ثياب الوصيفة الرَّثة.
ومع اقترابهما أخيرًا من نهاية الرحلة، هددتها خادمتها الخائنة بقتلها إذا أخبرت أحدًا بما حدث، لكن فالادا كان قد شهد كل ما حدث.
بعد ذلك امتطت الوصيفة فالادا، وركبت العروس الحقيقية جواد الوصيفة، ومضتا في طريقهما حتى وصلا إلى البلاط الملكي. عمت فرحة عارمة لدى وصولهما القصر، وذهب الأمير لاستقبالهما، وساعد الوصيفة في النزول من فوق الجواد اعتقادًا منه أنها خطيبته، وقادها إلى حجرتها الملكية في الطابق العلوي، بينما اضطرت الأميرة الحقيقية للانتظار في الفناء.
صادف أن الملك العجوز لم يكن لديه ما يفعله؛ لذا سلَّى نفسه بالجلوس في إحدى نوافذ القصر يراقب ما يحدث، فرأى الأميرة في فناء القصر. كانت أجمل وأرق من أن تكون وصيفة، لذا ذهب إلى الحجرة الملكية ليسأل العروس عن الفتاة التي أحضرتها معها، والتي تُركت في الفناء. قالت الوصيفة: «لقد أحضرتها معي من أجل أن ترافقني خلال رحلتي، أرجوك وفر لها عملًا هنا كيلا تظل بلا عمل هكذا.» مر بعض الوقت ولم يجد الملك عملًا يناسبها، وأخيرًا قال: «هناك فتى يرعى الإوز، يمكنها الذهاب معه ومساعدته.» كان اسم هذا الفتى كيردكين ومن المفترض أن تساعده الأميرة الحقيقية في رعاية إوز الملك.
لكن العروس المخادعة قالت للأمير: «زوجي العزيز، من فضلك قدم لي خدمة صغيرة.» قال الأمير: «بالطبع.» قالت: «أخبر أحد الجزارين لديك أن يقطع رأس الجواد الذي كنت أمتطيه، لأنه صعب المراس للغاية، وعذبني كثيرًا في الطريق.» لكن الحقيقة أنها كانت خائفة أن يتحدث فالادا يومًا ما ويفصح عن كل ما فعلته في الأميرة. تحقق مرادها، وقُتل فالادا المخلص. عندما سمعت الأميرة الحقيقية بالأمر، بكت وتوسلت إلى الرجل أن يعلق رأس فالادا أمام بوابة سوداء كبيرة في المدينة تمر عبرها كل صباح ومساء، وهكذا ستتمكن من رؤيته بعض الأحيان. قال الجزار إنه سيلبي طلبها، وقطع رأس الجواد، وعلقه فوق البوابة السوداء.
في الصباح الباكر من اليوم التالي، وأثناء مرورها هي وكيردكين عبر البوابة السوداء، قالت في حزن: «يا فالادا، يا فالادا ها أنت معلق هنا.» أجابتها رأس فالادا: «يا عروس يا عروس، ها أنت تسيرين وا أسفاه! وا أسفاه! لو عرفت أمك ما تعانين، لانفطر قلبها نصفين.» خرج كيردكين والأميرة من المدينة، وساقا الإوز أمامهما. وعندما وصلت الأميرة إلى المرج، جلست فوق كومة هناك، وأسدلت خصلات شعرها الخفاق فضي اللون. عندما رأى كيردكين شعرها يلمع في الشمس، ركض نحوها، وأراد أن يقتلع منه بعض الخصلات، لكنها صاحت: «هبي يا ريح هبي يا ريح، خذي قبعة كيردكين بعيدًا! ودعيه يجري خلفها! فوق التلال والوديان والصخور دعيها تدور بعيدًا إلى أن أمشط خصلاتي الفضية!» هبت رياح عاتية حتى إن قبعة كيردكين طارت بعيدًا فوق التلال، فالتفت، وركض وراءها، وعندما عاد، كانت الأميرة قد انتهت من تمشيط شعرها ولفه في أمان. كان كيردكين غاضبًا متجهمًا لا يود التحدث معها على الإطلاق، لكنهما ظلا يراقبان الإوز حتى حل الظلام، ثم عادا إلى المنزل.
في صباح اليوم التالي، وأثناء مرورهما من البوابة السوداء، نظرت الفتاة المسكينة إلى رأس فالادا، وصاحت: «يا فالادا، يا فالادا ها أنت معلق هنا.» أجابتها رأس فالادا: «يا عروس يا عروس، ها أنت تسيرين وا أسفاه! وا أسفاه! لو عرفت أمك ما تعانين، لانفطر قلبها نصفين.» ثم ساقت الإوز، وجلست مجددًا في المرج، وبدأت تمشط شعرها كما في السابق. ركض كيردكين نحوها، وأراد أن يمسك شعرها، لكنها صاحت بسرعة: «هبي يا ريح هبي يا ريح، خذي قبعة كيردكين بعيدًا! ودعيه يجري خلفها! فوق التلال والوديان والصخور دعيها تدور بعيدًا إلى أن أمشط خصلاتي الفضية!» هبت الرياح، وطارت قبعة كيردكين، فركض خلفها بعيدًا فوق التلال، وعندما عاد كانت الأميرة قد انتهت من لف شعرها مجددًا، وكان كل شيء على ما يرام، لذا راقبا الإوز معًا حتى حلَّ الظلام.
في المساء، عندما عادا إلى المنزل، ذهب كيردكين إلى الملك، وقال: «لا أريد من الفتاة الغريبة أن تساعدني في رعاية الإوز بعد الآن.» سأله الملك: «لماذا؟» أجاب كيردكين: «لأنه بدلًا من أن تساعدني، لا تفعل شيئًا سوى مضايقتي طوال اليوم.» سأله الملك عما حدث، فقال: «عندما نمر في الصباح من البوابة السوداء مع الإوز تبكي وتتحدث مع رأس الجواد المعلق فوق الجدار، وتقول: «يا فالادا، يا فالادا ها أنت معلق هنا.» ويجيبها رأس الجواد: «يا عروس يا عروس، ها أنت ذا تسيرين وا أسفاه! وا أسفاه! لو عرفت أمك ما تعانين، لانفطر قلبها نصفين.» استطرد كيردكين في حديثه، وأخبر الملك بما حدث عند المرج حيث يطعمان الإوز، وكيف أن قبعته طارت بعيدًا، وكيف اضطر إلى الركض خلفها وترك الإوز وحده، لكن الملك العجوز طلب من الفتى أن يخرج مرة أخرى في اليوم التالي. وعندما طلع الصباح، اختبأ الملك خلف البوابة السوداء، وسمعها وهي تتحدث إلى فالادا واستمع إلى فالادا وهو يجيبها. ثم ذهب إلى الحقل، واختبأ خلف شجيرة بجانب المرج، ورأى بعينه كيف ساقا الإوز، وكيف أنه بعد وقت قصير جلست الأميرة وأسدلت شعرها الذي أخذ يلمع في ضوء الشمس، ثم سمعها تقول: «هبي يا ريح هبي يا ريح، خذي قبعة كيردكين بعيدًا! ودعيه يجري خلفها! فوق التلال والوديان والصخور دعيها تدور بعيدًا إلى أن أمشط خصلاتي الفضية!» وسرعان ما هبت رياح حملت قبعة كيردكين، فركض خلفها، وفي تلك الأثناء أخذت الفتاة تمشط شعرها وتلفه. رأى الملك العجوز كل هذا، ثم عاد إلى المنزل دون أن تلحظه الفتاة، وعندما عادت راعية الإوز في المساء ناداها جانبًا، وسألها لماذا فعلت ذلك، فأجهشت في البكاء، وقالت: «لا يجب أن أخبرك أو أخبر أي شخص، وإلا سأفقد حياتي.»
لكن الملك العجوز توسل إليها كثيرًا لتخبره، وقال لها إنه لن يهدأ باله قبل أن تخبره القصة من بدايتها إلى نهايتها وبكل تفاصيلها. ومن حسن حظها أنها أخبرت الملك بكل شيء، فعندما انتهت من قصتها أمر الملك بإحضار ثياب ملكية لها، وأخذ يحدق بها في حيرة، إذ كانت رائعة الجمال، ثم استدعى ابنه وأخبره أنه تزوج عروسًا مخادعة، وأنها ليست سوى وصيفة، في حين أن العروس الحقيقية تقف هنا. ابتهج الأمير الشاب عندما رأى عروسه الجميلة، وأدرك كم كانت فتاة طيبة وصبورة. ودون أن يقول الملك أي شيء للعروس المخادعة، أمر بإقامة حفل كبير لجميع أفراد حاشيته. جلس العريس، وجلست بجواره الأميرة المخادعة من ناحية، والأميرة الحقيقية من الناحية الأخرى، لكن لم يتعرف عليها أحد، لأن جمالها كان مبهرًا ولم تبد إطلاقًا كراعية الإوز في ثوبها الرائع هذا.
وبعد أن أكلوا وشربوا واحتفلوا، قال الملك العجوز إنه سيخبرهم قصة. وهكذا بدأ حديثه، وأخبرهم قصة الأميرة على أنها قصة سمعها ذات مرة، وسأل الوصيفة عن رأيها في العقاب الذي ينبغي أن يقع على من تتصرف على هذا النحو، فقالت: «لا تستحق سوى إلقائها في برميل خشبي مثبت به مسامير حادة، وبعد ذلك يجره جوادان أبيضان من شارع إلى آخر حتى تموت.» قال الملك العجوز: «إنها أنت أيتها الفتاة، وبما أنك حكمت على نفسك، فسننفذ هذا الحكم.» تزوج الملك الشاب بعد ذلك عروسه الحقيقية، وحكما المملكة في سلام وسعادة طيلة حياتهما، وجاءت الجنية الطيبة لزيارتهما، وأعادت فالادا المخلص إلى الحياة مجددًا.
مغامرات تشانتيكلير وبارتليت


(?) ذهابهما إلى الجبال لتناول البندق

قال الديك تشانتيكلير لزوجته بارتليت: «لقد نضج البندق تمامًا الآن، أعتقد أنه يجب علينا أن نذهب إلى الجبال، ونأكل منه ما نشاء قبل أن يأتي السنجاب ويأكله كله.» قالت بارتليت: «بكل سرور، لنذهب ونستمتع بنزهة أيضًا.»
لذا ذهبا إلى الجبال، وكان الجو رائعًا، وظلا هناك حتى المساء. ربما أكلا الكثير من البندق حتى إنهما لم يستطيعا السير، أو شعرا بالكسل ولا يريدان السير. المهم أنهما قررا فجأة ألَّا يعودا إلى المنزل سيرًا على الأقدام، فبدأ تشانتيكلير في تصنيع عربة من قشر البندق، وعندما انتهى قفزت بارتليت داخل العربة، وأمرت تشانتيكلير أن يجر العربة حتى يصلا إلى المنزل. قال تشانتيكلير: «لا بد أنك تمزحين! كلا، لن أفعل ذلك، أفضل السير إلى المنزل على الأقدام على أن أدفع العربة. من الممكن أن أجلس داخل العربة وأكون السائق إذا أردت ذلك، لكنني لن أسحبها.» وأثناء جدالهما، جاءت بطة وصاحت: «أيها اللصان المحتالان، ماذا تفعلان هنا في أرضي؟ ستدفعان ثمن وقاحتكما!» وانقضت البطة على تشانتيكلير بكل قوتها. لكن تشانتيكلير لم يكن جبانًا، ورد على ضربات البطة بأن نشب فيها مخالبه حتى بدأت تطلب منه الرحمة؛ فوافق تشانتيكلير على تحرير البطة من قبضته شريطة أن تسحب العربة إلى المنزل. وافقت البطة، فقفز تشانتيكلير داخل العربة، وصاح: «الآن أيتها البطة اسحبي العربة بأسرع ما يمكن.» وسارت العربة بسرعة جيدة.
وبعد أن قطعوا مسافة قصيرة، قابلوا في طريقهم إبرة ودبوسًا يسيران معًا في الطريق، فصاحت الإبرة: «توقفوا! توقفوا!» وأخبرتهم أنهما ضلا الطريق لأن الجو حالك الظلمة، ولا يستطيعان السير في هذا الطريق الوَعِر، وأنها هي وصديقها الدبوس كانا في حانة على بعد بضعة أميال يحتسيان الشراب، ولم يلحظا أن الوقت تأخر؛ وطلبت منهم أن يركبا معهم في العربة. لاحظ الديك تشانتيكلير خفة وزنهما وأنهما لن يشغلا مساحة كبيرة في العربة، لذا سمح لهما بالركوب معهم، لكن أخذ عليهما عهدًا أن يحافظا على نظافة عجلات العربة أثناء صعودهما، وألا يدوسا أصابع بارتليت.
وفي وقت متأخر من الليل وصلوا إلى نُزُل؛ وكان السفر ليلًا مرهقًا، وبدت البطة متعبة كثيرًا، وأخذت تترنح من جانب إلى جانب، فقرروا أن يبيتوا هناك، لكن صاحب النزل رفض في البداية، وقال إن النزل كامل العدد، اعتقادًا منه أنهم قد يكونون أشرارًا، لكنهم تحدثوا إليه بلطف، وأعطوه البيض الذي وضعته بارتليت، وقالوا له إنهم سيعطونه البطة التي كانت تبيض عادة بيضة كل يوم، وأخيرًا سمح لهم بالدخول، وطلبوا عشاءً طيبًا، وقضوا الليلة في سعادة غامرة.
وفي ساعة مبكرة للغاية من صباح اليوم التالي، وبينما كان الكل نيامًا في النزل، أيقظ تشانتيكلير زوجته، وأحضرا البيضة، ونقراها، وأكلاها كلها، ثم قذفا القشرة في المدفأة، ثم ذهبا إلى الدبوس والإبرة، اللذين كانا مستغرقين في النوم، وأمسكاهما من رأسيهما، ووضعا أحدهما في مقعد صاحب النزل والآخر في منديله، وبعد أن فعلا ذلك تسللا بعيدًا في هدوء قدر الإمكان، لكن البطة، التي كانت نائمة في الفناء الخارجي، سمعتهما، فقفزت في الجدول المائي بمحاذاة النزل، وسرعان ما سبحت بعيدًا عنهما.
بعد مرور ساعة أو ساعتين استيقظ صاحب النزل، وأمسك بمنديله ليمسح وجهه، لكن الدبوس اصطدم بوجهه ووخزه، ثم سار إلى المطبخ ليشعل الغليون من المدفأة، لكن عندما أشعله طار قشر البيض في عينيه، وكاد يسبب له العمى. قال: «يا إلهي! يبدو أن كل شيء اتفق على تحطيم رأسي هذا الصباح.» ثم ارتمى وهو متجهم فوق مقعده، لكن، يا الله! وخزته الإبرة، ولكن هذه المرة لم يكن الألم في رأسه، فانتفض سريعًا عن كرسيه، وساورته شكوك بأن المجموعة التي جاءت ليلًا هي من فعلت ذلك، فذهب ليتفقدهم، لكنهم كانوا قد رحلوا جميعًا. لذا تعهد بألا يستقبل مثل هؤلاء المتشردين مرة أخرى، فقد التهموا الكثير من الطعام، ولم يدفعوا الحساب، ولم يلق منهم سوى الخدع السخيفة ردًّا للمعروف.
(?) ذهاب تشانتيكلير وبارتليت لزيارة السيد كوربس

في يوم آخر أراد تشانتيكلير وبارتليت أن يتنزها معًا، فصنع تشانتيكلير عربة جميلة ذات أربع عجلات، وشد إليها ستة فئران لسحبها، ثم ركب هو وبارتليت العربة، واندفعت بهما بعيدًا. وفي الطريق قابلتهما قطة، فقالت: «إلى أين تذهبان؟» أجاب تشانتيكلير: «نحن في طريقنا سنمضي يومنا في زيارة عزيزنا الثعلب كوربس.» قالت القطة: «أريد الذهاب معكما.» قال تشانتيكلير: «بكل سرور، اركبي خلفنا، وتمسكي جيدًا كيلا تسقطي.»
«انتبهي لعربتي الأنيقة، وحافظي على عجلاتها الحمراء الجميلة! والآن استعدوا أيتها الفئران، واستعدي للسير أيتها العجلات! لأننا سنزور السيد كوربس اليوم!» بعد ذلك بفترة وجيزة قابلهم حجر رُحَى وبيضة وبطة ودبوس، وأذن لهم تشانتيكلير بالركوب معهم في العربة.
عندما وصلوا إلى منزل السيد كوربس، لم يكن موجودًا بالمنزل؛ لذا سحبت الفئران العربة إلى الجراج، وطار تشانتيكلير وبارتليت فوق عارضة بالمنزل، بينما جلست القطة في المدفأة، وجلست البطة في حوض الغسيل، وغرس الدبوس نفسه في وسادة، ورقد حجر الرحى فوق باب المنزل، ولفت البيضة نفسها بالمنشفة.
عندما عاد السيد كوربس إلى المنزل ذهب إلى المدفأة لإشعالها، لكن القطة قذفت كل الرماد في عينيه. فركض إلى المطبخ ليغسل وجهه، لكن البطة نثرت الماء في وجهه، فحاول أن يجفف وجهه بالمنشفة، لكن البيضة تهشمت داخل المنشفة ولطخت وجهه وعينيه، فاستشاط السيد كوربس غضبًا، وذهب إلى الفراش دون أن يتناول عشاءه، لكن عندما وضع رأسه فوق الوسادة انغرس الدبوس في وجنته، فازداد غضبه، وقفز من فوق السرير وقرر الخروج من المنزل، لكن عندما فتح الباب سقط حجر الرحى فوق رأسه فمات في الحال.
(?) وفاة بارتليت ودفنُها، وموت تشانتيكلير حزنًا عليها

في يوم آخر اتفق تشانتيكلير وبارتليت على الذهاب إلى الجبال لتناول البندق مرة أخرى، واتفقا على اقتسام كل ما يجدانه من بندق بالتساوي بينهما. عثرت بارتليت على بندقة كبيرة للغاية، لكنها لم تخبر تشانتيكلير بها، واحتفظت بها لنفسها، لكن البندقة كانت كبيرة حتى إنها لم تستطع بلعها، ووقفت في حلقها، فشعرت بالذعر وصاحت منادية تشانتيكلير: «أرجوك اركض بأقصى سرعة لديك وأحضر لي ماءً، وإلا سأختنق.» ركض تشانتيكلير نحو النهر، وقال: «أيها النهر، أعطني بعض المياه، فبارتليت ترقد في الجبل، وستختنق إثر تناولها بندقة كبيرة.» قال النهر: «اذهب أولًا إلى العروس، واطلب منها أن تعطيك حبلًا حريريًّا لتسحب المياه.» ركض تشانتيكلير إلى العروس، وقال: «أيها العروس، أعطني حبلًا حريريًّا، وحينها سيعطيني النهر ماءً، وسأحمل الماء إلى بارتليت التي ترقد في الجبال على وشك أن تختنق إثر تناولها بندقة كبيرة.» لكن العروس قالت: «اذهب أولًا، وأحضر إكليل الزهور المعلق في شجرة الصفصاف في الحديقة.» ركض تشانتيكلير نحو الحديقة، وأخذ إكليل الزهور المعلق في غصن الشجرة، وأحضره إلى العروس، فأعطته الحبل الحريري، فأخذه إلى النهر، فأعطاه النهر ماء، فحمل الماء إلى بارتليت، لكنه وجدها ترقد بلا حراك؛ فقد ماتت مختنقة بالبندقة الكبيرة.
شعر تشانتيكلير بالحزن الشديد، وأخذ يبكي بمرارة، وحضرت كل الحيوانات تبكي بارتليت المسكينة. صنع ستة فئران عربة صغيرة لنقل الموتى من أجل حمل بارتليت إلى قبرها، وعندما أصبحت العربة جاهزة شدوا أنفسهم إليها وقادها تشانتيكلير، وفي طريقهم قابلوا الثعلب الذي قال: «إلى أين أنت ذاهب يا تشانتيكلير؟» فقال: «ذاهب لدفن زوجتي بارتليت.» قال الثعلب: «هل يمكنني الذهاب معكم؟» قال تشانتيكلير، «أجل، لكن عليك الركوب خلفي كي يستطيع الفئران سحب العربة.» فركب الثعلب خلفه، وسرعان ما قابلهم الذئب ثم الدب ثم العنزة وكافة حيوانات الغابة التي صعدت فوق عربة نقل الموتى.
مضوا جميعًا في طريقهم حتى وصلوا إلى مجرى مائي، فقال تشانتيكلير: «كيف سنعبر هذا النهر؟» قالت قشة: «سوف أتمدد بين ضفتي النهر وأنتم تعبرون فوقي.» لكن أثناء مرور الفئران، انزلقت القشة، وسقطت في المياه، وسقط وراءها الفئران الستة، وغرقوا. ماذا سيفعلون الآن؟ حينئذ جاء جذع شجرة ضخم، وقال: «أنا كبير الحجم بما يكفي، سوف أتمدد بين ضفتي النهر، واعبروا فوقي.» وتمدد فوق المياه، لكنهم عبروا بطريقة حمقاء حتى إن جذع الشجرة سقط في المياه، وحمله التيار بعيدًا. شاهد أحد الأحجار ما حدث، فجاء وعرض مساعدته على تشانتيكلير المسكين، وتمدد فوق النهر. مرَّ تشانتيكلير ومعه عربة نقل الموتى في سلام، واستطاع إخراج بارتليت من العربة، لكن الثعلب وباقي المُشَيِّعين ممن كانوا يجلسون في الجزء الخلفي من العربة كان وزنهم ثقيلًا للغاية، فسقطت العربة في المياه، وغرقوا جميعًا.
وهكذا وقف تشانتيكلير وحده مع زوجته المتوفاة، وبعد أن حفر قبرًا لها، وضعها داخله، وأقام تلًّا صغيرًا فوقه، ثم جلس بجانب قبرها، وأخذ يبكي وينتحب حتى مات هو الآخر.
رابونزل


يحكى أن زوجين كانا يتمنيان منذ زمن أن يحظيا بطفل، ولم تتحقق أمنيتهما، لكن الزوجة أملت أن يهبها الله مرادها في نهاية الأمر. وكان بالحائط الخلفي من منزلهما نافذة صغيرة تطل على حديقة رائعة الجمال تمتلئ بأجمل الزهور والأعشاب، لكن كان يحيطها سور عال، ولم يجرؤ أحد على دخولها، لأنها كانت ملكًا لساحرة تتمتع بقوى خارقة، ويخاف منها الجميع. يومًا ما وقفت الزوجة بجوار النافذة تنظر إلى الحديقة، فرأت حوض زهور تملؤه أجمل زهور اللفت البري. بدت تلك الزهور شديدة الخضرة والنضرة حتى إن الزوجة تاقت كثيرًا إلى أن تأكل بعضًا منها، وتزايدت رغبتها في ذلك يومًا تلو الآخر، فلما أدركت أنها لن تستطيع أن تحصل على مرادها، ذوى جسدها وشحب، وبدت عليها التعاسة. شعر زوجها بالقلق، فسألها: «ما الذي يحزنك يا عزيزتي؟» فأجابته: «آه، إن لم آكل بعضًا من زهور اللفت البري الموجودة في الحديقة التي تقع خلف منزلنا فسأموت.»
كان الزوج يحب زوجته، لذا رأى أن عليه أن يجلب لها سريعًا بعض زهور اللفت البري كي لا تموت مهما كلفه هذا. وعند دخول الليل تسلق السور العالي، ودخل حديقة الساحرة، وقطف بسرعة بعض ثمار اللفت البري، وأخذها إلى زوجته، فأعدت منه سلطة على الفور، وأكلتها بنهم. كان طعمها لذيذًا للغاية حتى إنها في اليوم التالي اشتاقت إليها ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في السابق، فكان على الزوج أن يهبط السور مجددًا إلى الحديقة كي يهدأ باله. هبط الزوج السور في ظلام الليل الدامس، لكنه عندئذ فزع فزعًا هائلًا؛ إذ وجد الساحرة أمامه. قالت الساحرة وقد علت وجهها نظرة غاضبة: «كيف تجرؤ على النزول إلى حديقتي وسرقة نباتي كاللصوص؟ ستدفع ثمن فعلتك هذه.» فقال الرجل: «أتوسل إليك أن تسامحيني. لقد كنت مضطرًّا؛ فزوجتي رأت اللفت من النافذة، واشتهته كثيرًا حتى إنها كانت ستموت إن لم تأكل بعضًا منه.» هدأت الساحرة، وقالت له: «في هذه الحال سأسمح لك بأخذ ما تشاء من اللفت، لكن بشرط أن تعطيني الطفل الذي سترزق به زوجتك، وسأحسن معاملته وأعتني به كأني أمه.» في غمرة خوفه وافق الرجل على كل ما طلبته الساحرة، ولما أنجبت زوجته، ظهرت الساحرة على الفور، وأسمت الطفلة رابونزل، وأخذتها معها.
كبِرت رابونزل، وصارت أجمل طفلة في الوجود، ولما بلغت الثانية عشرة من العمر احتجزتها الساحرة في قلعة تقع بإحدى الغابات وليس لها سلم أو أبواب، وإنما بها نافذة صغيرة فقط في أعلاها. كانت الساحرة عندما تود دخول القلعة، تقف تحتها وتنادي: «رابونزل! رابونزل! أسدلي شعرك إليّ.» كان شعر رابونزل طويلًا يشبه خيوط الذهب. وكانت عندما تسمع نداء الساحرة تفك ضفائرها وتلفها حول خطاف النافذة، وتترك شعرها ينسدل نحو عشرين مترًا كي تتسلقه الساحرة.
بعد عام أو اثنين، تصادف أن كان ابن الملك يتجول في الغابة راكبًا حصانه ومرَّ بالقلعة، فسمع غناءً عذبًا حتى إنه وقف يصغي إليه. كانت هذه رابونزل تغني؛ فقد تعودت عندما تكون وحدها أن تطلق العنان لصوتها العذب. أراد الأمير أن يصعد إليها، وبحث عن باب للقلعة، فلم يجد لها بابًا؛ فعاد على حصانه إلى منزله، لكن صوت الغناء مسَّ قلبه حتى إنه قصد الغابة كل يوم ليستمع إليه. وذات يوم، وبينما كان يقف خلف شجرة عند القلعة، رأى ساحرة أتت المكان، وصاحت: «رابونزل! رابونزل! أسدلي شعرك إليّ.» فأسدلت رابونزل ضفائرها وتسلقتها الساحرة. قال الأمير: «إن كان هذا هو السلم الذي علي أن أصعده، فسأجرب حظي.» وذهب اليوم التالي إلى القلعة عندما بدأ الظلام يحل، وصاح: «رابونزل! رابونزل! أسدلي شعرك إليّ.» فانسدل الشعر على الفور، وتسلقه الأمير.
شعرت رابونزل في البداية بخوف شديد لما أتاها الأمير؛ إذ لم تكن عيناها قد وقعتا على رجل من قبل، لكن الأمير أخذ يتحدث إليها بوُدٍّ، وأخبرها أن غناءها أثَّر في قلبه حتى إن باله لم يهدأ، وكان عليه أن يراها، فذهب عن رابونزل الخوف. ولما سألها الأمير إن كانت تقبل به زوجًا لها، ووجدته شابًّا وسيمًا حدثتها نفسها بأنه سيظهر لها حبًّا أكثر مما تظهره لها الساحرة العجوز جوثل، فقبلت ووضعت يدها في يده، وقالت: «سأذهب معك، ولكنني لا أعرف كيف أهبط القلعة. أحضر معك لفافة من الحرير كل مرة تأتي إلى هنا، وسأغزل بها سلمًا أهبط عليه عندما أنتهي من غزله لتحملني أنت على جوادك.» واتفقا على أن يأتي الأمير كل ليلة حتى ذلك الحين، لأن الساحرة كانت تجيء القلعة صباحًا. لم تلحظ الساحرة شيئًا من هذا إلى أن قالت لها رابونزل ذات مرة: «أخبريني يا سيدة جوثل، لماذا أشعر أنك أثقل بكثير من الأمير عندما أجذبك إلى أعلى؟ إنه يتسلق بسرعة.» فصاحت الساحرة: «أيتها الفتاة الشقية، ما الذي سمعتك تقولينه؟ ظننت أنني قد عزلتك عن العالم، ومع ذلك فقد خدعتني.» وفي غمرة غضبها أمسكت بضفائر رابونزل الجميلة ولفتها مرتين حول يدها اليسرى، ثم أمسكت مقصًّا بيدها الأخرى، وقصت الضفائر فتساقطت على الأرض في كل مكان. كانت تلك الساحرة قاسية القلب حتى إنها أخذت رابونزل إلى الصحراء حيث تركتها تعيش في تعاسة وبؤس شديدين.
ربطت الساحرة في اليوم نفسه ضفائر رابونزل التي قصتها بخطاف النافذة، ثم أتى الأمير، وصاح: «رابونزل! رابونزل! أسدلي شعرك إليّ.» تركت الساحرة الشعر ينسدل، فتسلقه الأمير، لكنه وجد أمامه الساحرة بدلًا من محبوبته، فحدقت فيه بنظرة حقد وكراهية، وقالت له: «هاه! تريد محبوبتك؟! لكن العصفورة الجميلة ما عادت تغرد في عشها. القطة اختطفتها، وستنزع عنك عينيك أيضًا. رابونزل ضاعت منك، ولن تراها مجددًا.» فشعر الأمير بألم شديد، وفي غمرة حزنه قفز من البرج ناجيًا بحياته، لكن بعض الشوك اخترق عينيه، فجاب الغابة لا يرى شيئًا، ولا يأكل إلا جذور النباتات والتوت، ولا يفعل شيئًا سوى البكاء على فقدان حبيبته. وجاب الغابة في حزن سنوات حتى وصل في نهاية الأمر إلى الصحراء حيث كانت رابونزل تحيا حياة تعيسة. سمع الأمير صوتًا بدا مألوفًا له، فاتجه ناحيته، ولما اقترب منه تعرفت عليه رابونزل، واحتضنته في لهفة، وأخذت تبكي. سالت دمعتان من عينيها على عينيه فعاد إليهما النور، وصحب الأمير رابونزل إلى مملكته حيث لقيا استقبالًا بهيجًا، وعاشا حياة طويلة في سعادة ورضا.
فانديفوجل


في سالف العصر والأوان ذهب حطاب إلى الغابة من أجل الصيد، وعندما دخل الغابة سمع صوت صراخ وكأن طفلًا صغيرًا هناك. تتبع الرجل الصوت حتى وصل في النهاية إلى شجرة عالية يجلس في أعلاها طفل صغير، فقد غلب أمه النعاس أسفل الشجرة والطفل بين ذراعيها، وحين رآه طائر جارح، حلَّق أسفل الشجرة، وانتزعه من بين ذراعي أمه، ووضعه فوق الشجرة العالية.
تسلق الحطاب الشجرة، وأحضر الطفل، وقال لنفسه: «سأصطحبه معي إلى المنزل وأربيه مع طفلتي لينا.» أخذ الحطاب الطفل إلى المنزل وترعرع الطفلان الصغيران معًا، وأطلق الحطاب على الطفل الذي وجده أعلى الشجرة اسم فانديفوجل. أحب فانديفوجل ولينا كل منهما الآخر كثيرًا حتى إنهما إذا افترقا كان يشعران بالحزن.
كان يعمل لدى الحطاب طاهية عجوز. وفي مساء أحد الأيام أخذت الطاهية دَلْوَين، وذهبت عدة مرات إلى الينبوع لجلب المياه. رأت لينا ما حدث، وقالت: «لماذا تجلبين هذا القدر الكبير من المياه يا سانا العجوز؟» قالت سانا: «إذا تعهدتِ بعدم إفشاء السر، فسأخبرك بالسبب.» قالت لينا إنها لن تخبر أحدًا، فقالت الطاهية: «غدًا في الصباح، سيخرج الحطاب للصيد، وحينها سأسخن المياه، وعندما تغلي داخل القدر، سأضع فانديفوجل فيها.»
في الصباح الباكر استيقظ الحطاب، وخرج للصيد، وعندما ذهب كان الطفلان في فراشيهما، فقالت لينا لفانديفوجل: «إذا لم تتخل عني أبدًا، فلن أتخلى عنك أيضًا.» قال فانديفوجل: «لن أتخلى عنك الآن أو فيما بعد.» فقالت لينا: «إذن سأخبرك بشيء. حملت سانا العجوز الليلة الماضية الكثير من المياه إلى المنزل، وسألتها لماذا تفعل ذلك، فقالت لي بعد أن وعدتها بعدم إفشاء السر أنها غدًا في الصباح الباكر عندما يخرج أبي للصيد، ستضع القِدر المليء بالمياه فوق النار وتضعك فيه، لكننا سننهض الآن سريعًا ونرتدي ثيابنا ونهرب معًا.»
نهض الطفلان، وارتديا ملابسهما سريعًا، وخرجا. عندما غلت مياه القِدر، ذهبت الطاهية إلى غرفة النوم لجلب فانديفوجل وإلقائه في القِدر. لكن عندما دخلت، واتجهت إلى الفراش، لم تجد الطفلين، فشعرت بالخوف الشديد، وقالت لنفسها: «ماذا سأقول عندما يعود الحطاب إلى المنزل ويعلم بهروب الطفلين؟ لا بد أن أرسل أحدًا ليبحث عنهما على الفور، ويحضرهما.»
أرسلت الطاهية ثلاثة من الخدم للبحث عن الطفلين وإحضارهما. كان الطفلان يجلسان خارج الغابة وعندما رأيا الخدم من مسافة بعيدة وهم يركضون، قالت لينا لفانديفوجل: «لا تتخل عني أبدًا، ولن أتخلى عنك أبدًا.» قال فانديفوجل: «لن أتركك الآن ولا فيما بعد أبدًا.» فقالت لينا: «تحول إذن إلى شجرة زهور وأنا سأتحول إلى زهرة بهذه الشجرة.» عندما وصل الخدم إلى الغابة لم يجدوا شيئًا سوى شجرة زهور بها زهرة واحدة لكن لا أثر للطفلين، فقالوا: «ليس هناك شيء نفعله هنا.» وعادوا إلى المنزل، وأخبروا الطاهية أنهم لم يجدوا شيئًا سوى شجرة بها زهرة واحدة. وبَّختهم الطاهية العجوز، وقالت: «أيها المغفلون! كان عليكم قطع تلك الشجرة نصفين، ثم قطف الزهرة وإحضارها، اذهبوا الآن وافعلوا ما أمرتكم به على الفور.» اضطروا إلى الخروج والبحث عن الطفلين مرة أخرى، وعندما رآهم الطفلان من مسافة بعيدة قالت لينا: «فانديفوجل، لا تتخل عني أبدًا ولن أتخلى عنك أبدًا.» قال فانديفوجل: «لن أتركك الآن أو فيما بعد إلى الأبد.» قالت لينا: «تحول إذن إلى كنيسة، وأنا سأتحول إلى مصباح بها.» وعندما وصل الخدم الثلاثة، لم يجدوا شيئًا سوى كنيسة بها مصباح واحد، لذا قال بعضهم لبعض: «ليس هناك ما يمكننا فعله هنا، لنعد إلى المنزل.» عندما وصلوا إلى المنزل، سألتهم الطاهية هل عثروا على الطفلين، فأجابوها بالنفي، وأخبروها أنهم لم يعثروا إلا على كنيسة بها مصباح واحد. وبَّختهم الطاهية، وقالت: «أيها الأغبياء! لماذا لم تهدموا هذه الكنيسة وتحضروا المصباح معكم؟» وفي هذه المرة قررت الطاهية الذهاب بنفسها برفقة الخدم الثلاثة بحثًا عن الطفلين، لكن عندما رآهم الطفلان من مسافة بعيدة، ورأيا الطاهية تتهادى في مشيتها خلفهم، قالت لينا: «فانديفوجل، لا تتخل عني أبدًا ولن أتخلى عنك أبدًا.» فقال فانديفوجل: «لن أتخلى عنك الآن، ولن أتخلى عنك فيما بعد إلى الأبد.» فقالت لينا: «تحول إلى بركة مياه، وسأتحول إلى بطة تسبح بها.» لكن عندما وصلت الطاهية، ورأت البركة، انحنت فوقها وكادت أن تشربها كلها، لكن البطة سبحت سريعًا في اتجاهها، وأمسكت رأسها بين منقارها، وسحبتها إلى المياه، فغرقت الساحرة العجوز، وعاد الطفلان معًا إلى المنزل والسعادة تغمرهما بعد أن نجيا من الموت.
الخياط الصغير الشجاع


في صباح يوم من أيام فصل الصيف، جلس خياط صغير أمام طاولته بجانب النافذة؛ كان يشعر بالسعادة، وأخذ يعمل بأقصى طاقته. وبينما هو منهمك في عمله جاءت امرأة ريفية تصيح في الشارع: «مُرَبَّى طازجة رخيصة الثمن! مربى طازجة رخيصة الثمن!» رنت هذه الكلمات في أذن الخياط، وشعر بالسعادة، فأخرج رأسه من النافذة، وصاح: «تعالي إلى هنا يا سيدتي، سأشتري بضاعتك.» صعدت المرأة ثلاث درجات حتى وصلت إلى الخياط وهي تحمل سلتها الثقيلة. أمرها بإخراج كل برطمانات المربى، وفحص كل برطمان، ورفعه بالقرب من أنفه، وأخيرًا قال: «تبدو هذه المربى شهية، زني لي ربع كيلوجرام منها، حتى وإن كلفني ذلك ربع جنيه.» قدمت له المرأة التي كانت تتطلع لبيع بضاعتها ما يريد، ومضت بعد ذلك غاضبة ومتذمرة. صاح الخياط الصغير: «أدعو الله أن يبارك لي في هذه المربى ويمدني بالصحة والقوة.» أحضر خبزًا من الخزانة، وشق رغيف الخبز نصفين، ووضع المربى فوقه، وقال: «يا لها من وجبة شهية، لكنني سأنتهي من السُّترة أولًا قبل أن أتناولها.» وضع الخياط رغيف الخبز بجواره، وأخذ يعمل بأقصى طاقته، وفي نشوة السعادة صنع غرزًا أكثر وأكثر. في تلك الأثناء أثارت رائحة المربى الحلوة أسراب الذباب، فاجتذبتهم الرائحة، وانقضوا عليها في مجموعات غفيرة. قال الخياط: «أيها الذباب! من دعاك إلى رغيفي؟» ولوح بيديه كي ينصرف الذباب، لكنه لم ينصرف، بل عاد في مجموعات أكبر. نفد صبر الخياط الصغير في النهاية، وسحب قطعة من القماش من أسفل الطاولة التي يعمل بها، وقال: «انتظروا، سألقنكم درسًا.» وضرب الذباب بلا رحمة بقطعة القماش، وبعد أن رفعها مرة أخرى عدّ الذباب المقتول، فوجده سبع ذبابات. لم يستطع الخياط كبت إعجابه بشجاعته، وقال: «يا لشجاعتي! ستعلم المدينة كلها بهذا الأمر!» وسرعان ما قص لنفسه حزامًا، وخيطه، وكتب عليه بأحرف كبيرة: «سبعة بضربة واحدة!» ثم أردف: «ليس المدينة فقط! بل سيعلم العالم كله بما فعلت!» كان قلبه يرقص فرحًا كأنه طفل صغير. ارتدى الخياط الحزام، وعزم على السفر حول العالم بعد أن رأى أن ورشته صغيرة للغاية ولا تناسب شجاعته، لكن قبل أن يرحل أخذ يبحث في منزله عن أي شيء يستطيع أخذه معه، لكنه لم يجد شيئًا سوى قطعة من الجبن القديم، فوضعها في جيبه. رأى أمام الباب طائرًا عالقًا وسط أيكة من الأشجار، فوضعه في جيبه بجوار قطعة الجبن، بعد ذلك مضى في طريقه بشجاعة، ولأنه كان خفيف الحركة ورشيقًا، فلم يشعر بالتعب. قاده الطريق إلى أعلى الجبل، وعندما وصل إلى قمة الجبل، وجد عملاقًا قويًّا جالسًا ينظر حوله في اطمئنان وهدوء. صعد الخياط الصغير في شجاعة، وتحدث إليه قائلًا: «نهارك سعيد يا رفيقي، أنت جالس هنا لتطل على العالم الفسيح وتراقبه! أنا في طريقي إلى هناك، أريد أن أجرب حظي، أترغب في الذهاب معي؟» نظر العملاق إلى الخياط باحتقار، وقال: «أيها الصعلوك التعيس!»
أجاب الخياط الصغير: «أتظن هذا حقًّا؟» وفكَّ أزرار معطفه، وأظهر له حزامه قائلًا: «اقرأ وستعرف مدى شجاعة الرجل الذي تتحدث إليه!» قرأ العملاق: «سبعة بضربة واحدة!» ظن العملاق أنه قتل سبعة رجال بضربة واحدة، وبدأ يشعر بقليل من الاحترام تجاه الخياط الصغير، لكنه أراد أن يختبر قوته أولًا، فأمسك بحجر، وسحقه في يده حتى تقطر الماء منه. قال العملاق: «افعل مثلي، إذا كنت قويًّا.» قال الخياط الصغير: «أهذا كل شيء؟! هذا أمر يسير!» ووضع يده في جيبه، وأخرج قطعة الجبن الطرية وعصرها بين يديه حتى تقطر سائل منها. قال الخياط الصغير: «أخبرني صراحة، ألم يكن هذا أفضل قليلًا؟» شعر العملاق بالذهول، ولم يستطع تصديق أن الرجل الصغير بإمكانه فعل ذلك، فالتقط حجرًا، وقذفه إلى أعلى مسافة بعيدة يتعذر على العين تحديدها، وقال: «أيها الرجل الصغير، افعل مثلي.» قال الخياط: «رمية جيدة، لكن الحجر سقط على الأرض مرة أخرى، أما أنا فسأقذف حجرًا لن يعود إلى الأرض ثانية.» ووضع يده في جيبه وأخرج الطائر، وقذفه في الهواء، فحلق الطائر السعيد بحرية بعيدًا، ولم يعد ثانية. سأل الخياط: «أترضيك هذه الرمية يا رفيقي؟» قال العملاق: «يا لك من رام بارع، لكن الآن سنرى هل تستطيع حمل أي شيء على نحو مناسب.» اصطحب العملاق الخياط الصغير إلى شجرة بلوط ضخمة ملقاة فوق الأرض، وقال: «إذا كنت قويًّا، ساعدني في حمل هذه الشجرة خارج الغابة.» أجاب الخياط الصغير: «بكل سرور، ضع جذع الشجرة فوق كتفيك، وسأرفع أنا الفروع والأغصان، فهذا هو الجزء الأثقل.» أمسك العملاق بالجذع فوق كتفه، لكن الخياط جلس فوق فرع من فروع الشجرة، وحمل العملاق — الذي لم يستطع الالتفات خلفه — الشجرة كلها وحده والخياط أيضًا. جلس الخياط في سعادة كبيرة، وأخذ يغني: «خرج ثلاثة خياطين من البوابة» لإظهار أن حمل الشجرة أمر يسير عليه أمام العملاق. أما العملاق، فبعد أن سحب الشجرة الثقيلة مسافة من الطريق، لم يستطع التقدم خطوة أخرى، وصاح: «اسمع، سأسقط هذه الشجرة!» قفز الخياط برشاقة وأمسك الشجرة بذراعيه الاثنتين متظاهرًا بأنه كان يحملها، وقال للعملاق: «على الرغم من حجمك الضخم، لا تستطيع حمل الشجرة!»
مضيا معًا، وأثناء مرورهما بشجرة كَرَز، أمسك العملاق بقمة الشجرة حيث توجد الثمرات الناضجة، وأحناها في اتجاه الخياط الصغير ليمسك بها، ودعاه إلى تناولها، لكن الخياط الصغير كان أضعف من أن يحكم قبضته عليها، لذا عندما أفلتها العملاق من قبضته، ارتدت مرة أخرى إلى وضعها السابق، وطار الخياط في الهواء معها، وعندما سقط دون أن يصيبه أذى، قال العملاق: «ما الأمر؟ ألا تملك القوة الكافية للإمساك بالغصن الضعيف؟» أجاب الخياط الصغير: «لا تنقصني القوة، أتظن أن هذا الأمر صعب على رجل قتل سبعة بضربة واحدة؟ لقد قفزت فوق الشجرة لأن الصيادين يطلقون النيران بالأسفل. اقفز كما فعلت، إذا استطعت فعل ذلك.» حاول العملاق، لكنه لم يستطع القفز فوق الشجرة، وظل معلقًا بين أغصانها، لذا ظل الخياط متفوقًا عليه في كل شيء.
قال العملاق: «إذا كنت شجاعًا هكذا، تعال معي إلى كهفنا، وأمض الليلة معنا.» لم يتردد الخياط الصغير، وتبعه. عندما ذهبا إلى الكهف، كان هناك عمالقة آخرون يجلسون بجانب النيران، وأمسك كل واحد منهم بخروف مشوي في يده يأكله. نظر الخياط الصغير حوله وفكر في نفسه: «إن هذا المكان أفسح من ورشتي.» أخذه العملاق إلى سرير، وأخبره أن ينام عليه. لكن السرير كان كبيرًا للغاية على الخياط الصغير، لذا لم يستلق فوقه، لكنه زحف إلى زاوية من السرير، وعندما حل منتصف الليل، وظن العملاق أن الخياط الصغير مستغرق في النوم، استيقظ وأمسك قضيبًا ضخمًا من الحديد، وشطر السرير نصفين بضربة واحدة، وفكر أنه بذلك قضى على ذلك الصعلوك إلى الأبد. ومع بزوغ الفجر، خرج العمالقة إلى الغابة وقد نسوا أمر الخياط تمامًا، لكن فجأة لحق بهم الخياط في سعادة وشجاعة. شعر العمالقة بالذعر، وخشوا أن يقضي عليهم جميعًا، فركضوا بعيدًا في عجلة شديدة.
مضى الخياط الصغير في طريقه لا يقصد وجهة محددة، وبعد أن سار مدة طويلة، وصل إلى فناء قصر ملكي، وحينئذ شعر بالإرهاق، فاستلقى فوق العشب، واستغرق في النوم. وأثناء نومه، جاء أناس وفتشوه من كافة الجوانب، وقرءوا على حزامه: «سبعة بضربة واحدة» قالوا: «يا إلهي! ماذا يريد هذا المحارب الباسل هنا وسط حالة السلم هذه؟ لا بد أنه سيد عظيم.» ذهبوا، وأخبروا الملك بأمره، وأشاروا عليه بأنه في حالة اندلاع حرب، سيكون هذا المحارب ذا نفع وأهمية، ولا يجب أن يسمحوا له بالرحيل تحت أي ظرف. لاقت هذه المشورة رضا الملك الذي أرسل رجاله إلى الخياط الصغير ليعرضوا عليه الانضمام إلى الخدمة العسكرية عندما يستيقظ. ظل رسول الملك واقفًا بجوار الخياط النائم حتى فتح عينيه، بعد ذلك نقل إليه هذا العرض. أجاب الخياط: «لقد جئت إلى هنا من أجل هذه الغاية بعينها، أنا مستعد للالتحاق بخدمة الملك.» ومن ثم حظي الخياط باستقبال حافل، وخُصص له مسكن مميز.
غير أن الجنود ثاروا ضد الخياط الصغير، وتمنوا أن يذهب بعيدًا. قالوا فيما بينهم: «كيف سينتهي هذا الأمر؟ إذا تشاجرنا معه، فسيقضي على سبعة منا في كل ضربة، ولن يستطيع أي واحد منا أن يصمد أمامه.» لذا توصلوا إلى قرار، وهو أن يذهبوا إلى الملك جميعًا في آن واحد، ويستجدوه أن يعفيهم من الخدمة، قالوا للملك: «لا نستطيع أن نمكث مع رجل يقتل سبعة بضربة واحدة.» شعر الملك بالأسى لأنه سيخسر كل خادميه الأوفياء من أجل شخص واحد، وتمنى لو أنه لم ير الخياط أبدًا، وكان على استعداد أن يتخلص منه. لكنه لم يجرؤ أن يطلب منه الرحيل، فقد خشي أن يقتله الخياط الصغير ومعه شعبه، ويستولي على العرش. أخذ الملك يفكر في الأمر طويلًا، وفي النهاية سمع نصيحة طيبة، فأرسل إلى الخياط ليخبره أنه محارب جسور، ولهذا السبب يطلب منه الملك أمرًا واحدًا. إذ يعيش في إحدى الغابات بالبلاد عملاقان، يرتكبان الكثير من الجرائم من سرقة وقتل ونهب وحرق، ولا يستطع أحد الاقتراب منهما دون أن يعرض حياته لخطر الموت. إذا استطاع الخياط قهر العملاقين وقتلهما، فسيزوجه ابنته الوحيدة، ويهبه نصف مملكته، وسيذهب معه مئة فارس لمساعدته.
فكر الخياط الصغير في نفسه: «المهمة المناسبة للرجل المناسب! لن يُعرض عليّ أميرة جميلة ونصف مملكة كل يوم!» أجاب: «أجل، سأقهر العملاقين قريبًا، ولست بحاجة إلى مساعدة مئة فارس، فمن يستطيع قتل سبعة بضربة واحدة لا يخاف من اثنين.»
تقدم الخياط الصغير في طريقه، واتبعه المئة فارس. عندما وصل إلى حدود الغابة، قال لأتباعه: «انتظروا هنا، سأقضي على العملاقين سريعًا وحدي.» ثم انطلق داخل الغابة، وأخذ ينظر حوله يمينًا ويسارًا. وبعد فترة رأى العملاقين، كانا ينامان أسفل شجرة ويغطان في النوم حتى إن الأغصان كانت تتمايل مع غطيطهما. لم يهدر الخياط الصغير الوقت، وجمع حجارة في جيبيه حتى امتلآ، وتسلق الشجرة، وعندما وصل إلى منتصفها، انزلق فوق أحد الأغصان حتى اقترب من العملاقين، وأفلت الحجارة من جيبه لتسقط واحدًا تلو الآخر فوق صدر أحد العملاقين، لم يشعر العملاق بشيء، لكنه استيقظ في النهاية، ودفع رفيقه، وقال له: «لماذا تلكمني؟» فقال العملاق الآخر: «لا بد أنك تحلم، فأنا لم أضربك.» ثم عادا إلى نومهما مجددًا، بعد ذلك ألقى الخياط الصغير الحجارة فوق العملاق الثاني، صاح العملاق الثاني: «ماذا تقصد بهذا؟ لماذا ترشقني بالحجارة؟» قال العملاق الأول بنبرة حادة: «أنا لم أرشقك بالحجارة.» ثم تشاجرا حول هذا الأمر لحظة، لكن لأنهما كانا يشعران بالإرهاق، توقفا عن الشجار، وعادا إلى النوم. أعاد الخياط الصغير الكرَّة مرة أخرى، فجمع الأحجار الضخمة، وألقاها بكل قوته فوق صدر العملاق الأول، صاح العملاق: «لقد طفح الكيل!» ونهض كالمجنون، ودفع صديقه نحو الشجرة حتى اهتزت، فعل العملاق الثاني الأمر نفسه معه، وانتابتهما نوبة غضب شديدة حتى إنهما اقتلعا الأشجار، وتعاركا فترة طويلة حتى سقطا في النهاية على الأرض بعد أن فارقا الحياة في الوقت نفسه. قفز الخياط نحو الأرض، وقال: «يا لحسن حظي، لم يقتلعا الشجرة التي أجلس فوقها، وإلا اضطررت إلى القفز على شجرة أخرى كالسنجاب؛ لكن الخياطين يتمتعون بالرشاقة.» أخرج سيفه، وغرزه في صدر العملاقين عدة مرات، ثم خرج إلى الفرسان، وقال: «انتهت المهمة، لقد قتلتهما، لكنها كانت مهمة صعبة! فقد اقتلعا الأشجار لحاجتهما الشديدة إليها في الدفاع عن أنفسهما، لكنها لم تكن ذات جدوى في مواجهة شخص مثلي بإمكانه قتل سبعة بضربة واحدة.» سأل الفرسان: «ألم يصبك أذى؟» أجاب الخياط: «لا يجب أن تشغلوا أنفسكم بهذا الأمر، لم يستطيعا مس شعرة مني.» لم يصدقه الفرسان، ودخلوا إلى الغابة، لكنهم وجدوا العملاقين غارقين في دمائهما، والأشجار المهشمة المقتلعة مترامية حولهما.
طلب الخياط الصغير من الملك مكافأته التي وعده بها؛ لكن الملك ندم على الوعد الذي قطعه على نفسه، وأخذ يفكر ثانية في طريقة يتخلص بها من ذلك البطل. قال له: «قبل أن تتزوج ابنتي وتستلم نصف مملكتي، يجب أن تقوم بعمل بطولي آخر. يجوب الغابة حيوان وحيد القرن يلحق الكثير من الأذى ويجب أن تصطاده أولًا.» قال الخياط الصغير: «للأسف، قوة وحيد القرن أقل من قوة العملاقين، مع ذلك أنا من قتل سبعة بضربة واحدة.» ثم أخذ حبلًا وفأسًا، وشق طريقه في الغابة، وطلب مجددًا من مرافقيه الانتظار خارج الغابة. لم يطل بحثه، إذ ظهر وحيد القرن سريعًا واندفع نحوه مباشرة، وبدا أنه سيخترقه بقرنه في سهولة كبيرة. قال الخياط: «رفقًا، رفقًا، لا يتم الأمر بسرعة هكذا.» ووقف مكانه بلا حراك وانتظر حتى اقترب منه الحيوان تمامًا، ثم قفز برشاقة خلف الشجرة فاصطدم وحيد القرن بالشجرة بكل قوته، وانغرس قرنه في جذع الشجرة، ولم يملك أن يسحبه مرة أخرى خارج الشجرة، وهكذا اصطاده الخياط، وقال: «لقد وقع الفأر في المصيدة.» وخرج من خلف الشجرة، ولف حبلًا حول رقبة وحيد القرن، ثم فصل قرنه عن الشجرة باستخدام الفأس، وبعد ذلك ساقه إلى الملك.
مع ذلك لم يرغب الملك في الوفاء بوعده، وطلب منه أمرًا آخر. قبل أن يتم زواجه بالأميرة عليه أن يصطاد دبًّا بريًّا يحدث فوضى كبيرة بالغابة، وسيساعده الصيادون في هذه المهمة. قال الخياط: «بكل سرور، ليس هناك أسهل من هذا!» لكنه لم يصطحب معه الصيادين داخل الغابة، وهذا الأمر أسعدهم كثيرًا، إذ دارت بينهم وبين الدب معارك ضارية عدة مرات حتى إنهم لم يرغبوا في مهاجمته مرة أخرى. عندما لاحظ الدب وجود الخياط، وركض نحوه ولعابه يسيل وناباه يبرزان، وكان على وشك أن يطرحه أرضًا، لكن البطل فر، وركض نحو كنيسة صغيرة على مقربة منه، ثم دخلها وبوثبة واحدة قفز عبر النافذة، فدخل الدب خلفه، لكن الخياط كان قد خرج من الكنيسة وأغلق الباب على الدب، فلم يستطع الدب الثائر ثقيل الوزن القفز عبر النافذة، وبذلك وقع في الشَرَك. استدعى الخياط الصغير الصيادين إلى هناك ليروا بأعينهم الحيوان الحبيس. ذهب البطل إلى الملك الذي أصبح الآن مجبرًا على الوفاء بوعده، سواء شاء ذلك أم أبى، فزوجه الملك ابنته، وقدم له نصف مملكته. لو اكتشف الملك أنه ليس بطلًا حقيقيًّا وأنه ليس سوى خياط صغير يقف أمامه، لشعر بسعادة أكبر مما يشعر بها الآن. أقيم حفل زفاف راقٍ لكن كانت تنقصه البهجة، ونُصِّب الخياط ملكًا.
وبعد مرور بعض الوقت سمعت الملكة الشابة زوجها يهلوس في أحلامه، ويقول: «أيها الفتى اصنع لي سترة ضيقة وأصلح السراويل، وإلا سأبرحك ضربًا.» فاكتشفت الملكة حقيقة زوجها. وفي صباح اليوم التالي شكت الظلم الذي وقع عليها لوالدها، وتوسلت إليه أن يخلصها من زوجها الذي لم يكن سوى خياط. واساها والدها، وقال لها: «اتركي باب غرفة النوم مفتوحًا هذه الليلة، وسينتظر الخدم بالخارج، وعندما يستغرق في النوم سيدخلون إلى الغرفة ويقيدونه ويأخذونه فوق سفينة تحمله بعيدًا.» لاقى هذا الاقتراح رضا الملكة الشابة، لكن حامل الدروع سمع كل ما دار بين الملك وابنته، ولأنه كان صديقًا للملك الشاب أخبره بالمكيدة. قال الخياط الصغير: «سأفسد هذه المكيدة.» وفي المساء أوى إلى فراشه مع زوجته في الوقت المعتاد، وعندما ظنت أنه استغرق في النوم، نهضت، وفتحت الباب، ثم استلقت على الفراش ثانية. بدأ الخياط الصغير الذي كان يتظاهر بالنوم في الصياح بصوت واضح: «أيها الفتى اصنع لي سترة ضيقة وأصلح السراويل، وإلا سأبرحك ضربًا، لقد قتلت سبعة بضربة واحدة، وقتلت عملاقين، واصطدت وحيد القرن، وأمسكت بدب بري، فهل يعقل أن أخشى أولئك الذين يقفون خارج الغرفة.» عندما سمع الرجال كلام الخياط، شعروا بالفزع، وفروا هاربين وكأنه يركض خلفهم، ولم يجرؤ أحد منهم على الاقتراب منه، وهكذا ظل الخياط الصغير ملكًا حتى يوم مماته.
هانزل وجريتل


على مقربة من غابة كبيرة عاش حطاب مع زوجته وطفليه، يدعى الولد هانزل والبنت جريتل. لم يكن الحطاب يكسب سوى القليل، وعندما وقعت مجاعة بالبلد، لم يعد بمقدوره جلب قوت يومه. أخذ الرجل يفكر في الأمر طوال الليل وهو مستلقٍ على فراشه، وأخذ يتقلب في نومه قلقًا، ثم تأوه وقال لزوجته: «ماذا سيكون مصيرنا؟ كيف سنطعم طفلينا المسكينين ولم يعد بمقدورنا فعل أي شيء حتى لأنفسنا؟» قالت الزوجة: «سأخبرك بشيء يا زوجي، غدًا في الصباح الباكر سنصطحب الطفلين إلى الغابة، وهناك سنوقد نيرانًا لتدفئتهما ونعطي كل واحد منهما رغيفًا من الخبز، وبعد ذلك سنذهب لعملنا ونتركهما هناك. وبهذه الطريقة لن يعرفا طريق العودة إلى المنزل مجددًا، وهكذا سنتخلص منهما.» قال الرجل: «كلا يا زوجتي، لن أرتكب هذه الفعلة، كيف أترك طفليّ بالغابة وحدهما؟ سرعان ما ستنقض عليهما الحيوانات المفترسة وتمزقهما.» قالت الزوجة: «أيها الغبي، لنمت جوعًا إذن نحن الأربعة؟» واستمرت في الإلحاح عليه حتى وافق، قال الزوج: «لكنني أشعر بالأسى على الطفلين المسكينين.»
لم يستطع الطفلان النوم من شدة إحساسهما بالجوع، وسمعا ما قالته زوجة أبيهما. بكت جريتل بمرارة، وقالت لهانزل: «لقد انتهى أمرنا.» قال هانزل: «هدئي من روعك يا جريتل. لا تحزني، فسأفكر سريعًا في طريقة تساعدنا.» عندما نام الأب وزوجته، نهض هانزل وارتدى معطفه الصغير، وفتح الباب، وخرج. كان القمر مضيئًا، وبدا الحصى الأبيض الذي يوجد أمام المنزل لامعًا وكأنه عملات فضية. انحنى هانزل، وملأ جيبه حتى آخره بها. ثم عاد إلى المنزل وقال لجريتل: «اطمئني يا أختي الصغيرة ونامي مرتاحة البال، لن يتخلى عنا الله.» واستلقى فوق الفراش. ومع طلوع الفجر، وقبل أن تشرق الشمس، جاءت زوجة أبيهما، وأيقظتهما، وقالت: «انهضا أيها الكسولان! سنذهب إلى الغابة لجلب الحطب.» وأعطت لكل واحد منهما كسرة صغيرة من الخبز، وقالت: «لقد أعددت طعامًا للعشاء، لكن لا تأكلا الخبز كله قبل ذلك الوقت، لأنكما لن تحصلا على شيء آخر.» وضعت جريتل الخبز تحت مِئْزَرها لأن هانزل كان يحمل حصى في جيبه. مضوا بعد ذلك في طريقهم إلى الغابة، وبعد أن قطعوا مسافة قصيرة، توقف هانزل، وأخذ يحدق في المنزل خلفه، وكرر هذا الأمر عدة مرات. قال أبوه: «ما الذي تنظر إليه هناك ويؤخرك عن اللحاق بنا؟ انتبه وأسرع الخطى.» قال هانزل: «يا أبي، أنا أنظر إلى قطتي البيضاء الصغيرة التي تجلس فوق سطح المنزل لتودعني.» قالت زوجة الأب: «أيها الغبي هذه ليست قطتك الصغيرة. إنها الشمس التي تلمع خلف المدخنة.» لكن هانزل لم يكن ينظر خلفه إلى قطته، بل كان يلقي بالحصى الأبيض باستمرار من جيبه على الطريق.
عندما وصلوا إلى منتصف الغابة، قال الأب: «هيا يا طفليّ اجمعا كومة من الخشب وسأشعلها لكما كيلا تشعرا بالبرد.» جمع هانزل وجريتل الأغصان المقطوعة معًا حتى كونت تلًّا صغيرًا. أضرم الأب النار في الخشب، وعندما زاد وهج النيران، قالت زوجة الأب: «ارقدا الآن بجانب النيران، سنتوغل في الغابة، ونقطع بعض الأخشاب، وعندما ننتهي من جمع الأخشاب سنعود لاصطحابكما إلى المنزل.»
جلس هانزل وجريتل بجانب النار، وعندما حلت الظهيرة تناول كل منهما قطعة صغيرة من الخبز، وعندما سمعا صوت ضربات الفأس، ظنَّا أن والدهما على مقربة. لكن لم يكن هذا صوت الفأس، بل كان صوت غصن ربطه أبوهما بشجرة ذابلة فكانت الرياح تدفعه إلى الأمام والخلف. وعندما جلسا هناك فترة طويلة شعرا بالإرهاق، وغلبهما النعاس، واستغرقا في النوم. عندما استيقظا، كان الليل قد حل، فبكت جريتل، وقالت: «كيف سنخرج من هذه الغابة الآن؟» هدأها هانزل، وقال لها: «انتظري فحسب حتى طلوع القمر، وعندئذ سنجد الطريق سريعًا.» عندما طلع القمر، أمسك هانزل بيد أخته الصغيرة، واتبع الحصى الذي كان يلمع كأنه عملات فضية براقة، وعرفا طريقهما.
سارا في طريق العودة إلى المنزل طوال الليل، ومع طلوع النهار كان قد وصلا إلى منزلهما. طرقا الباب، وعندما فتحت لهما زوجة أبيهما، ورأتهما، قالت: «أيها الشقيان لماذا نمتما كل هذه الفترة في الغابة؟ ظننا أنكما لن تعودا مرة أخرى.» لكن الأب فرح لعودتهما، إذ كان قلبه يعتصر ألمًا لتركهما وحدهما بالغابة.
بعد ذلك بفترة قصيرة، وقعت مجاعة كبيرة أخرى بالبلاد، وسمع الطفلان زوجة أبيهما تقول له ليلًا: «لقد نفد الطعام مجددًا، ولم يعد لدينا سوى نصف رغيف فقط. لقد فاض بي الكيل، يجب أن يرحل الطفلان، سنأخذهما إلى مكان أبعد بالغابة، وبهذه الطريقة لن يستطيعا العودة إلى المنزل مجددًا؛ ليس هناك سبيل آخر كي ننقذ أنفسنا!» حزن الرجل كثيرًا، وفكر في نفسه: «أفضل لي أن أقتسم آخر لقمة عيش مع طفليّ.» لكن زوجته لم تعطه فرصة للجدال، وأخذت توبخه وتلومه. ولأن مَن يتنازل مرة يتنازل كل مرة، اضطر الأب للرضوخ لها مرة ثانية.
كان الطفلان مستيقظين، وسمعا الحديث الذي دار بين أبيهما وزوجته. عندما نام الأب وزوجته، نهض هانزل مجددًا، وأراد الذهاب إلى الخارج والتقاط بعض الحصى كما فعل في السابق، لكن زوجة أبيه كانت قد أغلقت الباب، ولم يستطع هانزل الخروج. مع ذلك طمأن هانزل أخته الصغيرة، وقال لها: «لا تبكي يا جريتل، عودي إلى نومك في هدوء، سيساعدنا الله.»
في الصباح الباكر، جاءت زوجة الأب، وأخذت الطفلين من فراشهما، وأعطت كل واحد منهما كسرة خبز، لكنها كانت أصغر من كسرة الخبز في المرة السابقة. في طريقهما داخل الغابة فتت هانزل قطعة الخبز الخاصة به داخل جيبه، وكثيرًا ما وقف لإلقاء فتات الخبز على الأرض. قال أبوه: «هانزل، لماذا تقف وتنظر حولك؟ هيا واصل السير.» أجاب هانزل: «كنت أنظر إلى حمامتي الصغيرة التي تجلس فوق سطح المنزل لتودعني.» قالت زوجة الأب: «أيها الغبي! هذه ليست حمامتك الصغيرة إنها الشمس تشرق خلف المدخنة.» ألقى هانزل بكل فتات الخبز في الطريق قطعة وراء الأخرى. مع ذلك توغلت المرأة بالطفلين أكثر في الغابة، حتى وصلت إلى مكان لم يذهبا إليه من قبل، ثم أضرم أبوهما النيران في الحطب، وقالت زوجة الأب: «اجلسا هنا، وعندما تشعران بالتعب ناما قليلًا، سنتجول في الغابة لقطع الخشب، وفي المساء عندما ننتهي سنأتي لاصطحابكما إلى المنزل.» عندما حلت الظهيرة اقتسمت جريتل قطعة الخبز الخاصة بها مع هانزل. ثم ناما حتى المساء، ولم يأت أبوهما لاصطحابهما، ولم يستيقظا حتى عم الظلام. هدأ هانزل من روع أخته، وقال لها: «انتظري يا جريتل حتى يطلع القمر وحينها سنستطيع رؤية فتات الخبز الذي ألقيته في الطريق، وسيدلنا على الطريق مرة أخرى.» عندما طلع القمر، بدآ رحلتهما، لكنهما لم يجدا أي فتات للخبز، فقد التهمته أسراب الطيور التي تحلق في الغابة والحقول. قال هانزل لجريتل: «سنعثر على الطريق قريبًا.» لكنهما ضلا الطريق. تجولا في الغابة طوال الليل وعلى مدى اليوم التالي كله من الصباح حتى المساء، لكنهما لم يتمكنا من الخروج من الغابة، وشعرا بالجوع القارص؛ إذ لم يأكلا سوى حبتين من التوت كانتا قد سقطتا فوق الأرض. شعر الطفلان بالإرهاق الشديد، وناما متعبين أسفل شجرة حتى الصباح. مرت ثلاثة أيام منذ أن تركهما أبوهما بالغابة. شرعا في السير مجددًا لكن في كل مرة كانا يتوغلان أكثر في الغابة، وإذا لم يساعدهما أحد قريبًا، فسيموتان جوعًا وتعبًا. ومع حلول منتصف اليوم، رأيا طائرًا ناصع البياض يجلس فوق غصن شجرة ويغرد في سرور، فتوقفا ليستمعا إليه، وعندما انتهى من الغناء فرد جناحيه، وطار بعيدًا، فتتبعاه حتى وصل إلى منزل صغير وحط فوقه. عندما اقترب هانزل وجريتل من المنزل وجدا أنه مصنوع من الخبز ومغطى بالكعك، أما نوافذه فكانت من السكر الصافي. قال هانزل: «سنأكل منه ونستمتع بوجبة شهية. سأتناول قطعة من السقف وأنت يا جريتل عليك بالنافذة، فمذاقها سيكون حلوًا.» تسلق هانزل إلى قمة المنزل، وكسر جزءًا صغيرًا من سطحه ليتذوقه، وانحنت جريتل أمام النافذة، وقضمت برفق اللوح الزجاجي. جاء صوت خافت من الداخل: «من الذي يقضم منزلي؟»
أجاب الطفلان: «إنها الرياح.»
واصل هانزل وجريتل الأكل غير مباليين بالصوت. كسر هانزل قطعة كبيرة من السقف الذي وجده شهيًّا، وخلعت جريتل لوح نافذة مستدير، وجلست تستمتع بتناوله. وفجأةً انفتح الباب، وخرجت عجوز تتكئ على عكازين. شعر هانزل وجريتل بالذعر حتى إن الطعام الذي كانا يمكسان به سقط من بين أياديهما، ومع ذلك أومأت العجوز برأسها، وقالت: «أيها الطفلان العزيزان، من أحضركما إلى هنا؟ تفضلا بالدخول، واجلسا معي. لن يقع لكما مكروه.» وأخذت بأياديهما، وأدخلتهما إلى منزلها الصغير. بعد ذلك قدمت لهما وجبة شهية من لبن وفطائر محلاة وسكر وتفاح وبندق. وأعدت لهما سريرين جميلين مكسوين بملاءات بيضاء نظيفة. استلقى هانزل وجريتل فوق السرير، وظنا أنهما في الجنة.
إلا أن العجوز كانت تتظاهر بالطِّيبة، فقد كانت في الحقيقة ساحرة شريرة تصطاد الأطفال، وقد بَنَت منزلها من الخبز فقط لاجتذابهم إلى هناك. وعندما يقع طفل في أسرها تقتله، وتطهيه، ثم تأكله. وكان هذا يوم عيد لها. تملك الساحرات عيونًا حمراء ولا يستطعن الرؤية جيدًا، لكن لديهن حاسة شم قوية كالحيوانات المفترسة، ويدركن اقتراب البشر. عندما اقترب هانزل وجريتل منها ضحكت بخبث، وقالت في سخرية: «لقد اقتربا من أجَلِهما، لن يهربا مني أبدًا!» في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ الطفلان، أخذت تتأمل جمالهما بوجناتهما الممتلئة الوردية، وتمتمت لنفسها: «يا لها من وجبة شهية!» ثم أمسكت هانزل بيدها المتجعدة، وحملته إلى إسطبل صغير، وحبسته بالداخل خلف باب ذي قضبان حديدية. صرخ هانزل بكل قوته، لكن بلا جدوى، ثم ذهبت إلى جريتل، وأيقظتها، وصاحت: «انهضي أيتها الكسولة، اجلبي بعض الماء، واطهي طعامًا طيبًا لأخيك، لقد حبسته في الإسطبل بالخارج، وسأسمِّنه ثم آكله.» بدأت جريتل في البكاء بمرارة لكن بلا جدوى أيضًا، فقد اضطرت إلى تنفيذ ما أمرت به الساحرة الشريرة.
كان أفضل الطعام يُطهى من أجل هانزل المسكين، بينما لم تنل جريتل شيئًا سوى أصداف السلطعون. في كل صباح تسير العجوز إلى الإسطبل الصغير، وتصيح: «يا هانزل، مد إصبعك لي كي أرى هل أصبحت سمينًا.» لكن هانزل أدرك أن العجوز لا تستطيع الرؤية جيدًا، لذا كان يمد لها عظمة صغيرة تظنها إصبعه، وتشعر بالدهشة لأنه لا يَسْمَن أبدًا. عندما مرت أربعة أسابيع، وظل هانزل نحيلًا، نفد صبرها ولم تطق الانتظار أكثر، فصاحت في جريتل: «انهضي واجلبي مياهًا، فسواء أكان هانزل سمينًا أم نحيلًا، فسأقتله، وأطهيه غدًا.» كان قلب الأخت الصغيرة يعتصر ألمًا وهي تجلب المياه وسالت دموعها فوق وجنتيها. صاحت الأخت الصغيرة: «يا ربَّاه ساعدنا. ليت الحيوانات البرية التهمتنا في الغابة، فعلى الأقل كنا سنموت معًا.» قالت العجوز: «لا تزعجيني بصوتك، فهذا لن يفيدك إطلاقًا.»
في الصباح الباكر اضطرت جريتل إلى الخروج لوضع القدر المليء بالمياه وإضرام النيران تحته، قالت العجوز: «سنخبز أولًا، لقد سخنت الفرن بالفعل، وأعددت العجين.» ثم دفعت جريتل المسكينة نحو الفرن الذي كان يتطاير منه الشرر، قالت الساحرة: «ازحفي إلى الداخل، وتأكدي أنه مشتعل جيدًا، كي نضع الخبز بداخله.» كانت الساحرة الشريرة تنوي غلق باب الفرن عندما تدخل جريتل لشَيِّها، وهكذا ستتمكن من أكلها أيضًا. لكن جريتل أدركت ماذا تريد العجوز، وقالت: «لا أعرف كيف أفعل ذلك، كيف أزحف إلى الداخل.» قالت العجوز: «أيتها الحمقاء، إن الباب كبير بما يكفي، انظري، إنه يسعني أنا!» ثم زحفت إلى الداخل، وأدخلت رأسها في الفرن، فدفعتها جريتل بقوة وأغلقت الباب الحديدي. بدأت العجوز تصرخ بشدة، لكن جريتل فرت بعيدًا، واحترقت الساحرة الشريرة حتى ماتت.
ركضت جريتل بسرعة البرق إلى هانزل، وفتحت الإسطبل الصغير، وصاحت: «هانزل، لقد نجونا! ماتت الساحرة الشريرة!» قفز هانزل كالطائر خارج قفصه عندما فتح الباب. وأخذا يمرحان ويبتهجان ويرقصان ويتعانقان ويُقَبِّل أحدهما الآخر. ولأن الساحرة لن تخيفهما بعد الآن، فقد دخلا منزلها، ووجدا بكل زاوية منه خزانة مليئة باللآلئ والمجوهرات. قال هانزل: «هذا أفضل كثيرًا من الحصى!» وملأ جيوبه بها، وقالت جريتل: «أنا أيضًا سآخذ معي شيئًا إلى المنزل.» وملأت مئزرها. قال هانزل: «علينا الذهاب بعيدًا عن غابة الساحرة.»
وصلا بعد ساعتين من السير إلى نهر كبير. قال هانزل: «لا يمكننا اجتيازه، لا أرى لوحًا خشبيًّا أو جسرًا.» قالت جريتل: «وليس هناك قارب أيضًا، لكن هناك بطة بيضاء تسبح في المياه، وإذا طلبت منها المساعدة، فلن ترفض.» ثم صاحت: «أيتها البطة الصغيرة، أيتها البطة الصغيرة، هانزل وجريتل ينتظرانك، ألا ترينهما؟ لا أرى لوحًا خشبيًّا أو جسرًا، اعبري بنا هذا النهر.» جاءت البطة، وجلس هانزل فوق ظهرها، وطلب من أخته أن تجلس بجواره. أجابت جريتل: «كلا سيكون وزننا ثقيلًا ولن تتحمل البطة الصغيرة، ستعبر بكل واحد منا على حدة.» فعلت البطة الصغيرة الطيبة ما طلباه منها، وبعد أن عبرا النهر في أمان واصلا السير فترة وجيزة حتى بدت معالم الغابة مألوفة لهما، ولمحا منزل أبيهما من بعيد، فبدآ في الركض، واندفعا نحو الردهة، وارتميا في أحضان أبيهما الذي لم يشعر بالفرح منذ أن ترك طفليه في الغابة. علم هانزل وجريتل أن زوجة أبيهما قد ماتت. أخرجت جريتل ما تحمل من لآلئ وأحجار كريمة أخذت تتساقط في الغرفة، وأخرج هانزل حفنة بعد حفنة مما يحمل في جيوبه، وهكذا ذهبت كل همومهم، وعاشوا معًا في سعادة غامرة.
الفأر والعصفور والسُّجق


ذات مرة تشارك فأر وعصفور وسجق فيما بينهم، وبنوا منزلًا، وسار كل شيء على ما يرام مدة طويلة، فعاشوا معًا في راحة تامة، وتمكنوا من مضاعفة مخزونهم من الطعام. كانت مهمة العصفور هي الخروج يوميًّا إلى الغابة وإحضار الحطب، أما الفأر فكانت مهمته جلب المياه، بينما كان السجق مسئولًا عن طهي الطعام.
عندما يشعر المرء بالثراء الزائد عن الحد دائمًا يبدأ في الاشتياق إلى شيء جديد. ما حدث أنه أثناء خروج العصفور في يوم ما قابل عصفورًا آخر، وتباهى بوصف الحياة الهانئة التي ينعم بها، لكن العصفور الآخر سخر منه، ونعته بالساذج المسكين، لأنه يقوم بالعمل الشاق كله، في حين يمكث الفأر والسجق بالمنزل يمضيان وقتًا سعيدًا ويستغلانه. فعندما ينتهي الفأر من إشعال الوقود وجلب المياه، يمكنه الاستراحة في غرفته الصغيرة إلى حين إعداد الطعام، أما السجق فكل ما عليه هو مراقبة القدر كي يتأكد أن الطعام قد نضج، وعندما يقترب موعد العشاء، يُلقي بنفسه داخل الحِسَاء أو يتحرك بين الخضراوات ثلاث أو أربع مرات، وهكذا يضيف إليها الدهن والملح. وعندما يعود العصفور إلى المنزل ويحضر ما يحمله من عبء ثقيل، يجلسان حول الطاولة، وعندما ينتهيان من تناول الطعام، ينامان في راحة وطمأنينة حتى اليوم التالي، وهكذا يهنآن بحياتهما دون مشقة كبيرة.
تأثر العصفور بما قاله صديقه، لذا رفض صباح اليوم التالي الخروج لإحضار الحطب، وقال لهما إنه كان أحمق طوال الفترة الماضية وقد حان وقت التغيير وتجريب أسلوب آخر في تنظيم العمل. توسل إليه الفأر والسجق بكافة السبل، لكن بلا فائدة، فقد ظل العصفور متمسكًا برأيه، وكان لا بد من إجراء تغيير. لذا أجروا قُرْعة، ووقع الاختيار على السجق لإحضار الحطب، وعلى الفأر لطهي الطعام، أما العصفور فعليه جلب المياه.
ماذا حدث بعد ذلك؟ بدأ السجق بحثه عن الحطب، وأشعل العصفور النار، ووضع الفأر القدر فوقها، وانتظرا كلاهما عودة السجق بالحطب إلى اليوم التالي. لكن السجق تأخر في الخارج طويلًا حتى شعر العصفور والفأر بالقلق. خرج العصفور للبحث عن السجق، ولم يحلق مسافة بعيدة حتى مر بكلب قد رأى السجق واعتبره غنيمة له فالتهمه. وبخ العصفور الكلب لما اعتبره سرقة وقحة، لكن لم يؤثر أي مما قاله العصفور في الكلب، إذ أخبره الكلب أنه وجده ينتحل شخصية أخرى، ولهذا السبب أنهى حياته.
التقط العصفور الحطب، وحلق حزينًا نحو المنزل، وأخبر الفأر بكل ما رآه وسمعه. حزن كلاهما، ولكن اتفقا على تقبل الموقف وفعل ما بوسعهما ليظلا معًا رغم ذلك.
هكذا تولى العصفور إعداد الطاولة، وتولى الفأر البحث عن الطعام وطهيه مثل السجق بالتحرك بين الخضراوات لتمليحها وإضافة المادة الدهنية إليها، لذا قفز الفأر داخل القِدر، لكنه توقف فجأة بعد أن انسلخ جلده وفروته، وسقط في قاع القِدر، وفارق الحياة.
سرعان ما حضر العصفور، وأراد تناول العشاء، لكنه لم يعثر على الفأر في أي مكان، ووسط مشاعر القلق والحيرة ألقى بالحطب دون احتراس فوق الأرض، وأخذ يبحث وينادي على الفأر، لكنه لم يعثر عليه. نشبت النار في بعض الحطب الملقى على الأرض، وبدأ في الاشتعال. ذهب العصفور لإحضار المياه في عجالة، لكن الدلو سقط في البئر، وسقط العصفور معه، ولعدم قدرته على استعادة توازنه مرة أخرى، مات غرقًا.
الأم هولي


يُحكى أنه كانت هناك أرملة لها ابنتان؛ إحداهما جميلة ومجتهدة والأخرى قبيحة وكسول، لكن المرأة أحبَّت الابنة القبيحة الكسول أكثر لأنها كانت ابنتها في حين كانت الأخرى ابنة زوجها، لذا أُجبرت الفتاة الجميلة على القيام بجميع الأعباء المنزلية. وكانت زوجة أبيها ترسلها كل يوم كي تجلس بجانب البئر عند الطريق الرئيسي تغزل إلى أن تدمي أصابعها. وفي يوم من الأيام سالت الدماء على المغزل، فلمّا وقفت الفتاة فوق البئر كي تغسله، انزلق المغزل من بين يديها فجأة، وسقط في البئر. هرولت الفتاة باكية إلى المنزل لتحكي ما حدث لها، لكن زوجة أبيها عنفتها، ووبختها بقسوة، وقالت لها: «مثلما تركتِ المغزل يقع في البئر، اذهبي وأحضريه بنفسك.»
عادت الفتاة إلى البئر في حيرة من أمرها لا تعرف ماذا تفعل، ووسط حزنها الشديد، قفزت خلف المغزل في البئر.
ولم تتذكر الفتاة أي شيء آخر سوى أنها استيقظت لتجد نفسها وسط مرج جميل تسطع أشعة الشمس الذهبية في كل أرجائه، وتتفتح فيه أزهار لا حصر لها.
سارت الفتاة فوق المرج الأخضر، فمرت بفرن مليء بالخبز، فنادتها أرغفة الخبز: «أخرجينا من هنا، أخرجينا من هنا! وإلا سنحترق ونصير رمادًا، فنحن هنا منذ وقت طويل.» فأخذت الفتاة لوح إخراج الخبز، وأخرجت الخبز كله خارج الفرن.
سارت الفتاة مسافة أبعد قليلًا إلى أن بلغت شجرة مليئة بالتفاح. صاحت الشجرة: «هزيني، هزيني، أتوسل إليك. لقد نضج كل تفاحي.» هزت الفتاة الشجرة فتساقط التفاح عليها كالمطر، لكنها ظلت تهز الشجرة حتى لم يبق عليها تفاحة واحدة. وعندئذ أخذت تجمع بعناية كل التفاح المتساقط في كومة واحدة، ثم مضت في طريقها مرة أخرى.
وكانت المحطة التالية التي مرت بها الفتاة منزلًا صغيرًا، وهناك رأت عجوزًا تطل منه، وكانت أسنانها طويلة حتى إن الفتاة فزعت من منظرها، واستدارت كي تركض بعيدًا، لكن العجوز نادتها: «لماذا أنتِ خائفة يا صغيرتي؟ امكثي معي، وإذا قمتي بالأعمال المنزلية على أكمل وجه من أجلي، فسأسعدك؛ لكنك لا بد أن تبذلي قصارى جهدك كي ترتبي فراشي كما ينبغي، وأتمنى أن تنفضيه دائمًا حتى يتناثر الريش في كل الأرجاء، وعندئذ يقولون إن الثلوج تتساقط؛ فأنا الأم هولي.» كانت العجوز تتحدث بعطف ولين كبيرين حتى إن الفتاة استجمعت قواها، ووافقت على أن تخدمها.
حرصت الفتاة على أن تقوم بكل شيء طبقًا لأوامر العجوز، وكانت كلما رتبت الفراش نفضته بكل ما أوتيت من قوة، فيتطاير الريش في كل الأرجاء مثل رقائق الثلج. وصَدَقت المرأة في وعدها؛ فلم تغضب عليها قط، وكانت تعطيها اللحم المشوي والمسلوق كل يوم.
وهكذا مكثت الفتاة مع الأم هولي بعض الوقت، وبعدئذ بدأت تشعر بالتعاسة. في بادئ الأمر لم تستطع أن تدرك سبب شعورها بالحزن، لكنها أدركت في آخر الأمر حنينها إلى منزلها، مع أن حالها كان أفضل ألف مرة من حالها عندما كانت تعيش مع أمها وأختها. انتظرت الفتاة فترة من الزمن، ثم ذهبت إلى الأم هولي، وقالت: «أتحرق شوقًا للعودة إلى منزلي فلا أستطيع المكوث معكِ أكثر من ذلك، ومع أنني أحيا حياة سعيدة هنا، فلا بد أن أعود إلى أهلي.»
أجابتها الأم هولي: «يسرني أن لديك رغبة في العودة إلى أهلك، وبما أنكِ خدمتِني بإخلاص، فسآخذك بنفسي إلى منزلك.»
وهكذا أخذت العجوز الفتاة من يدها، وقادتها نحو بوابة عريضة، وكانت البوابة مفتوحة. عبرت الفتاة، فتساقط عليها وابل من الذهب عَلِق بها فغطى جميع جسدها.
قالت الأم هولي: «هذه مكافأة صنيعك معي.» ثم أعطتها المغزل الذي كان قد سقط منها في البئر.
عندئذ أُغلقت البوابة وراءها، ووجدت الفتاة نفسها في عالمها القديم بالقرب من منزلها. وما إن دخلت ساحة الدار حتى صاح الديك الجالس عند البئر قائلًا: «كوكو … كوكو، ها قد عادت ابنتكِ الذهبية.» ولما بلغت الفتاة أمها وأختها، رحبا بها ترحيبًا حارًّا لأنها كانت مغطاة بالذهب، وروت الفتاة على مسامعهما كل ما حدث معها، وعندما عرفت الأم من أين لها كل هذا الثراء، فكرت في أن تجرب ابنتها القبيحة الكسول حظها. لذا جعلت الفتاة الدميمة تذهب وتجلس إلى جانب البئر تغزل، ووخزت الفتاة إصبعها ثم غرزت يدها في مجموعة من الأشواك حتى تتساقط بعض قطرات الدماء على المغزل، وعندئذ رمته في البئر، وألقت بنفسها وراءه. وكما حدث مع أختها سارت في المرج الجميل إلى أن وصلت الفرن، فصاحت أرغفة الخبز كما حدث من قبل: «أخرجينا من هنا، أخرجينا من هنا! وإلا سنحترق ونصير رمادًا، فنحن هنا منذ وقت طويل.» فأجابت الفتاة الكسول: «وهل تظنون أنني سأوسخ يدي من أجلكم؟» ثم مضت في طريقها.
وبعدها مرت بشجرة التفاح التي صاحت: «هزيني، هزيني، أتوسل إليك، لقد نضج كل تفاحي.» لكن الفتاة قالت: «ما هذا الذي تطلبينه مني؟! قد تسقط إحدى التفاحات على رأسي.» ومضت في طريقها.
أخيرًا وصلت الفتاة الدميمة إلى منزل الأم هولي، وكانت قد سمعت من أختها كل شيء عن أسنانها الطويلة، لذا لم تفزع من منظرها، ووافقت على خدمة العجوز على الفور.
وفي يومها الأول كانت غاية في الطاعة والنشاط، وبذلت أقصى جهدها لإرضاء الأم هولي، إذ كانت تفكر في الذهب الذي ستحصل عليه في المقابل. لكنها بدأت في اليوم التالي تتقاعس عن أداء عملها، وفي يومها الثالث ازدادت كسلًا، ومنذ ذلك الحين بدأت تستلقي في فراشها في الصباح وترفض الاستيقاظ. والأدهى من هذا وذاك أنها أهملت ترتيب فراش العجوز كما ينبغي، ونسيت أن تنفضه كي يتطاير الريش في كل الأرجاء، لذا سرعان ما ضجرت منها الأم هولي وأخبرتها أن بمقدورها الرحيل. ابتهجت الفتاة الكسول لدى سماعها هذا، وفكرت في نفسها: «عن قريب سأمتلك الذهب.» وقادتها الأم هولي كما قادت أختها نحو البوابة العريضة؛ لكن ما إن عبرت البوابة، حتى صُبَّ عليها دلو كبير مملوء بالزفت بدلًا من الذهب.
قالت الأم هولي: «هذا نظير خدماتك لي.»، ثم أغلقت البوابة.
لذا اضطرت الفتاة الكسول أن ترجع إلى بيتها مغطاة بالزفت، وصاح الديك الجالس عند البئر عندما رآها: «كوكو … كوكو، ها قد عادت إليك ابنتكِ المتسخة.» بذلت الفتاة أقصى ما في وسعها، لكنها لم تستطع أن تتخلص من الزفت الذي التصق بها مدى حياتها.
ذات الرداء الأحمر


كان فيما كان في سالف العصر والأوان فتاة صغيرة جميلة يقع في حبها كل من يراها، لكن ظلت جدتها لأمها أكثر من يحبها. أعطتها جدتها كل ما تتمنى، وذات مرة أعطتها رداء مخمليًّا أحمر، كان هذا الرداء يناسبها تمامًا حتى إنها لم تخلعه قط، لذا أطلق الناس عليها «ذات الرداء الأحمر».
في يوم من الأيام قالت لها أمها: «تعالي يا ذات الرداء الأحمر، هناك قطعة من الكعك وزجاجة من الخمر، خذيهما إلى جدتك، فهي مريضة وضعيفة وسوف تشعر بتحسن إذا تناولت الكعكة والخمر. هيا اذهبي سريعًا قبل أن ترتفع درجة حرارة الجو. وأثناء ذهابك، سيري برفق وهدوء ولا تركضي في الطريق كيلا تسقطي وتنكسر الزجاجة، وحينها لن تجد جدتك ما تأكله؛ وعندما تدخلين إلى غرفتها لا تنسي أن تلقي عليها تحية الصباح ولا تنظري حولك قبل فعل ذلك.»
قالت ذات الرداء الأحمر لأمها: «حسنًا، سأتوخى الحذر.» وساعدتها في حزم الأشياء.
كانت جدتها تعيش في الغابة، وتبعد مسافة ميل ونصف عن القرية، وفور دخول ذات الرداء الأحمر الغابة قابلها ذئب. لم تكن ذات الرداء الأحمر تعلم مدى خبث وشر هذا الحيوان، لذا لم تشعر بالخوف منه مطلقًا.
قال الذئب: «يومًا سعيدًا يا ذات الرداء الأحمر.»
– «شكرًا أيها الذئب.»
– «إلى أين أنتِ ذاهبة في هذه الساعة المبكرة يا ذات الرداء الأحمر؟»
– «أنا في طريقي إلى جدتي.»
– «ماذا تحملين في مِئْزَرك؟»
– «كعكة وخمرًا، فأمس كان يوم الخبز، لذا سأذهب إلى جدتي المريضة لأقدم لها شيئًا طيبًا يساعدها على التعافي.»
– «أين تعيش جدتك يا ذات الرداء الأحمر؟»
أجابت ذات الرداء الأحمر: «تعيش في منزل يبعد نحو ميل داخل الغابة، يقع منزلها أسفل أشجار البلوط الثلاث الضخمة، ويدنو منه شجر الجوز، لا بد أنك تعرف ذلك المنزل.»
فكر الذئب في نفسه: «يا لها من وجبة سهلة المضغ! فهي صغيرة ممتلئة الجسم، ستكون ألذ طعمًا من جدتها العجوز، لا بد أن أتصرف بمكر كي أحصل على كلتيهما.» لذا مشى مسافة قصيرة بجانب ذات الرداء الأحمر، ثم قال لها: «انظري يا ذات الرداء الأحمر كم الزهور جميلة هنا! لماذا لا تنظرين حولك؟ أعتقد أيضًا أنك لم تسمعي العصافير الصغيرة وهي تغرد على نحو رائع؛ فأنت تسيرين بجدية في خط مستقيم وكأنك ذاهبة إلى المدرسة، في حين أن كل شيء هنا في الغابة يبعث على السعادة.»
رفعت ذات الرداء الأحمر عينها وعندما رأت أشعة الشمس تتمايل هنا وهناك وتتخلل الأشجار والأزهار الجميلة النامية في كل مكان، فكرت: «أظن أنه يجب عليّ أن أجمع باقة من الزهور الصغيرة الجميلة لجدتي، ستسعد كثيرًا بها، والوقت مبكر للغاية، سأستطيع الوصول إليها في الوقت المناسب.» وهكذا خرجت عن الطريق، وركضت نحو الغابة للبحث عن زهور، وأخذت تتوغل أكثر وأكثر داخل الغابة.
في تلك الأثناء ركض الذئب نحو منزل جدتها، وقرع الباب.
– «من الطارق؟»
أجاب الذئب: «أنا ذات الرداء الأحمر، لقد أحضرت لك كعكة وخمرًا، افتحي الباب.»
صاحت الجدة: «ارفعي المزلاج، فأنا ضعيفة للغاية، ولا أستطيع النهوض.»
رفع الذئب المزلاج فانفتح الباب، ودون أن ينطق كلمة واحدة اتجه مباشرة نحو فراش الجدة وابتلعها، ثم ارتدى ثيابها، ووضع قبعتها، ورقد في فراشها، وأغلق الستائر.
كانت ذات الرداء الأحمر تركض في الغابة وتقطف الزهور، وعندما انتهت من جمع ما استطاعت حمله من الزهور، تذكرت جدتها، وشرعت في الاتجاه نحو منزلها.
اندهشت ذات الرداء الأحمر عندما وجدت باب بيت جدتها مفتوحًا، وعندما دخلت إلى الغرفة انتابها شعور غريب، وقالت في نفسها: «يا إلهي! كم أشعر بالضيق اليوم، رغم أنني في أوقات أخرى أحب قضاء الوقت مع جدتي كثيرًا.» صاحت ذات الرداء الأحمر: «صباح الخير.» لكن لم يأت الرد، فاتجهت نحو السرير، وفتحت الستائر، فرأت جدتها مستلقية فوق الفراش وقبعتها تكاد تغطي وجهها كله وتبدو غريبة للغاية.
قالت: «يا إلهي! ما هذه الأذن الكبيرة يا جدتي!»
أجاب الذئب: «كي أسمعك جيدًا يا طفلتي.»
قالت: «وما هاتان العينان الكبيرتان!»
– «كي أراكِ جيدًا يا عزيزتي.»
– «وما هاتان اليدان الكبيرتان!»
– «كي أعانقكِ جيدًا.»
– «يا للهول! لكن يا جدتي ما هذا الفم الكبير المخيف!»
– «كي ألتهمك جيدًا.»
وما لبث أن قال الذئب هذه الكلمات حتى قفز من فراشه فجأة، وابتلع ذات الرداء الأحمر.
بعد أن أحس الذئب بالشبع، استلقى مجددًا فوق الفراش، واستغرق في النوم، وبدأ يغط في نومه بصوت عال. مرَّ صياد بجانب المنزل حينها، وفكر في نفسه: «إن العجوز تغط في نومها بصوت عال! لا بد أن أتحقق هل تريد أي شيء.» لذا دخل الصياد الغرفة، وعندما وصل إلى السرير رأى الذئب نائمًا، فقال: «ها أنت ذا أيها الوغد العجوز! لقد بحثت عنك طويلًا.» كان على وشك أن يطلق عليه النار، لكن طرأ على ذهنه أنه ربما يكون قد ابتلع الجدة، وأنه يمكنه إنقاذها، فأمسك بمقص، وبدأ في فتح بطن الذئب النائم، وبعد أن شق فتحتين رأى الرداء الأحمر يلمع، فشق فتحتين أخريين، فخرجت الفتاة من بطن الذئب، وصاحت: «يا إلهي! كم كنت أشعر بالذعر! لقد كان الجو مظلمًا للغاية في بطن الذئب.» خرجت الجدة العجوز بعدها من بطن الذئب حية ترزق، لكنها كانت تتنفس بصعوبة. ركضت ذات الرداء الأحمر سريعًا لجلب أحجار كبيرة تملأ بها بطن الذئب، وعندما استيقظ الذئب حاول الفرار، لكن الأحجار الثقيلة منعته من التقدم فسقط فوق الأرض في الحال مفارقًا الحياة.
شعر الثلاثة بالبهجة. سلخ الصياد فرو الذئب، وعاد إلى منزله، وتناولت الجدة الكعكة وشربت الخمر الذي أحضرته ذات الرداء الأحمر، واستعادت قوتها، لكن ذات الرداء الأحمر فكرت في نفسها: «لن أخرج عن الطريق أبدًا وأنا أسير وحدي لأتجول في الغابة عندما تنهاني أمي عن ذلك.»
•••

يُحكى أنه في يوم آخر كانت ذات الرداء الأحمر في طريقها إلى جدتها تحمل لها كعكًا، فقابلها ذئب آخر، وتحدث إليها وحاول اجتذابها بعيدًا عن الطريق، إلا أن ذات الرداء الأحمر كانت يقظة هذه المرة، ومضت في طريقها، وأخبرت جدتها أن ذئبًا قابلها، وقال لها: «صباح الخير.» لكن كانت نظراته شريرة، ولولا أنها تسير في طريق عام لكان قد التهمها بالتأكيد. قالت جدتها: «سنغلق الباب كي لا يأتي إلى الداخل.» بعد ذلك قرع الذئب الباب، وصاح: «افتحي الباب يا جدتي، أنا ذات الرداء الأحمر وقد أحضرت لك كعكًا.»، لكن الجدة وذات الرداء الأحمر لم ينطقا بكلمة واحدة أو يفتحا الباب، فأخذ الذئب يدور حول المنزل مرتين أو ثلاث مرات، وفي النهاية قفز فوق سطح المنزل، وعزم على انتظار عودة ذات الرداء الأحمر إلى منزلها ليلًا، وحينها سيتسلل خلفها ويبتلعها في الظلام. لكن الجدة أدركت ما يخطط له الذئب. كان يوجد أمام منزلها حوض حجري كبير، فقالت لذات الرداء الأحمر: «خذي الدلو يا ذات الرداء الأحمر، فقد أعددت سجقًّا بالأمس، احملي المياه التي طهيت السجق فيها إلى الحوض، واسكبيها فيه.» حملت ذات الرداء الأحمر المياه حتى امتلأ الحوض إلى آخره. تسللت رائحة السجق إلى أنف الذئب، فأخذ يتعقب الرائحة بأنفه، ونظر إلى الأسفل، وأخيرًا مد رقبته إلى أسفل حتى إنه لم يستطع الحفاظ على توازنه، وبدأ في الانزلاق، وسقط من سطح المنزل داخل الحوض الكبير، وغرق. عادت ذات الرداء الأحمر إلى منزلها في سعادة، ولم يجرؤ أحد على إيذائها ثانية.
العريس اللِّص


في سالف العصر والأوان كان هناك طحان لديه ابنة جميلة. عندما كبرت ابنته كان متشوقًا إلى زواجها وتأمين مستقبلها، فقال لنفسه: «سأوافق على أول عريس مناسب يأتي لطلب يدها.» لم يمض وقت طويل حتى جاء عريس يطلب يدها، ولأنه بدا ثريًّا للغاية، ولم يجد الطحان فيه عيبًا، وافق على خطبته لابنته، لكن الفتاة لم تكن تهتم به كما ينبغي، فكانت لا تشعر تجاهه كما تشعر الفتاة تجاه زوج المستقبل. لم تشعر بالثقة تجاهه، ولم تستطع النظر إليه أو حتى التفكير فيه دون أن تنتابها رجفة داخلية. في يوم من الأيام قال لها: «لم تزوريني حتى الآن على الرغم من مرور فترة طويلة على خطبتنا.» أجابت: «أنا لا أعلم أين تسكن.» قال: «إن منزلي هناك بالغابة المظلمة.» حاولت العروس أن تجد عذرًا، وقالت له إنها لا تعرف الطريق إلى هناك، فقال لها: «لا بد أن تأتي إلى منزلي لمقابلتي يوم الأحد القادم؛ لقد دعوت ضيوفًا بالفعل ذلك اليوم، ولن تضلي الطريق، فسوف أنثر رمادًا على امتداد الطريق.»
عندما جاء يوم الأحد، وحان وقت خروج الفتاة، شعرت برهبة لم تستطع إدراك سببها، ولكي تضمن معرفتها طريق العودة، ملأت جيوبها بالبازلاء والعدس لتنثرها على الأرض طوال سيرها. وعندما وصلت إلى مدخل الغابة وجدت طريقًا منثورًا عليه رماد، فاتبعته، وأخذت تنثر حبات البازلاء على كلا جانبي الطريق في كل خطوة تخطوها. أخذت تسير طوال اليوم حتى وصلت إلى أظلم وأبعد مكان في الغابة، وهناك رأت منزلًا وحيدًا بدا مظلمًا وغامضًا، فلم تشعر بالارتياح مطلقًا. خطت نحو الداخل، لكنها لم تر أحدًا قط، كان الصمت يسود المكان، وفجأة جاء صوت: «ارحلي أيتها الفتاة الجميلة، لا تطيلي المقام في عرين السفاحين.» نظرت الفتاة أعلاها لتتبين مصدر الصوت فرأت عصفورة داخل قفص معلق بالجدار. صاحت العصفورة مرة أخرى: «ارحلي أيتها الفتاة الجميلة، لا تطيلي المقام في عرين السفاحين.» واصلت الفتاة السير، وأخذت تنتقل من غرفة إلى أخرى، لكن الغرف جميعها كانت خالية لا يوجد بها أحد، وأخيرًا وصلت إلى القبو، فوجدت عجوزًا تهتز رأسها باستمرار. سألت الفتاة: «هل يعيش خطيبي هنا؟»
أجابت العجوز: «أيتها المسكينة، ما الذي أتى بك إلى هنا؟ هنا عرين السفاحين، هل تعتقدين أنك العروس المنتظرة، وأنك ستتزوجين قريبًا؟ كلا سيكتب حفل زواجك نهاية حياتك. انظري، هل ترين هذا القدر الكبير المليء بالمياه الذي اضطررت إلى وضعه فوق النار! حالما يحكمون سيطرتهم عليك، سيقتلونك دونما رحمة، ويطهونك ويأكلونك، فهم يأكلون لحم البشر. إذا لم أشفق عليك وأنقذك، فستخسرين حياتك.»
أخذتها العجوز خلف برميل خشبي ضخم اختفت وراءه تمامًا، وقالت لها: «عليك بالصمت التام. لا تتحركي أو تتحدثي، وإلا سينتهي أمرك، وعندما يستغرق اللصوص في النوم ليلًا، سنهرب معًا؛ لطالما انتظرت فرصة مناسبة للهرب.»
ما لبثت أن أنهت كلامها حتى عاد اللصوص متحجري القلوب وقد أحضروا معهم فتاة أخرى، وكانوا مخمورين، ولم يهتموا بصراخها وعويلها، فقدموا لها ثلاث كئوس من الخمر الأبيض والأحمر والأصفر. وبعد أن احتستهم توقف قلبها، وماتت، وبعد ذلك مزقوا ثيابها الرقيقة، ووضعوها فوق الطاولة، ومزقوا جسدها إربًا إربًا، ثم نثروا الملح فوقه.
انحنت العروس في ذعر على ركبتيها خلف البرميل، وأخذت ترتجف وترتعد، فقد علمت المصير المفزع الذي كان في انتظارها. لاحظ أحد اللصوص وجود خاتم ذهبي في إصبع الفتاة المقتولة، وعندما لم يستطع سحبه إلى الخارج، أمسك بفأس صغيرة، وقطع الإصبع فطارت في الهواء، وسقطت خلف البرميل في حِجْر الفتاة المختبئة خلف البرميل. أمسك اللص بمصباح، وأخذ يبحث عن الإصبع، لكنه لم يعثر عليها، قال أحدهم: «هل بحثت خلف البرميل الخشبي الضخم؟» لكن العجوز صاحت: «تعالوا وتناولوا عشاءكم، وابحثو في الصباح، فالإصبع لن تهرب.»
قال اللصوص: «العجوز محقَّة.» وتوقفوا عن البحث عن الإصبع، وجلسوا لتناول العشاء.
وضعت العجوز المنوِّم في الخمر، وبعد فترة وجيزة استغرقوا في النوم فوق الأرض بالقبو. حالما تأكدت الفتاة أنهم استغرقوا في النوم، خرجت من خلف البرميل الخشبي، واضطرت إلى المرور فوق أجسادهم، وشعرت في كل لحظة تمر فيها فوقهم بذعر أكبر خوفًا من أن توقظهم. لكن الله أعانها على الأمر، ومرت بسلام من فوقهم، وبعد ذلك توجهت بصحبة العجوز إلى الطابق العلوي، وفتحت الباب، وخرجتا في أقصى سرعة من بيت اللصوص، ومع أن الرماد المنثور كان قد اختفى بفعل الرياح، كانت حبات البازلاء والعدس قد تبرعمت وأصبحت واضحة، واستدلتا بها في ضوء القمر على الطريق. سارت الفتاة والعجوز طوال الليل، وقبل أن تصلا إلى الطاحونة كان الصباح قد بزغ، وأخبرت الفتاة والدها بكل ما حدث.
جاء اليوم المحدد للزواج، ووصل العريس وكذلك عدد كبير من المدعوين، فقد حرص الطحان على دعوة كل الأصدقاء والأقارب. وعندما بدأ الحفل، طُلب من كل مدعو تباعًا أن يقص على الحضور قصة، بينما جلست العروس في صمت ولم تنطق كلمة واحدة.
قال العريس وهو يستدير نحوها: «وأنتِ يا حبيبتي، ألن تقصي علينا شيئًا؟ احكي لنا قصة.»
قالت العروس: «سأحكي لكم حلمًا راودني، كنت أسير في الغابة حتى وصلت إلى منزل. كان المنزل خاويًا، وكانت به عصفورة داخل قفص معلق بالجدار صاحت: «ارحلي أيتها الفتاة الجميلة، لا تطيلي المقام في عرين السفاحين.»» – «عزيزتي، هذا حُلْم ليس إلا.»
– «تجولت في المنزل وانتقلت من غرفة إلى أخرى لكن جميع الغرف كانت خالية، وكل شيء بدا مخيفًا وغامضًا، وفي النهاية وصلت إلى القبو، وهناك جلست عجوز طاعنة في السن رأسها تهتز باستمرار. سألتُها هل يعيش خطيبي هنا، فأجابتني: «أيتها المسكينة، ما الذي أتى بك إلى عرين السفاحين، أجل يعيش خطيبك هنا، لكنه سيقتلك دون رحمة ويطهيك ويأكلك بعد ذلك.»»
– «عزيزتي، هذا حلم ليس إلا.»
– «خبأتني العجوز خلف برميل خشبي ضخم، وما لبثت أن فعلت ذلك حتى عاد اللصوص إلى المنزل وهم يجرُّون فتاة معهم، وقدموا لها ثلاثة أنواع من الشراب، أبيض وأحمر وأصفر، وبعد أن احتستها، فارقت الحياة.»
– «عزيزتي هذا حلم ليس إلا.»
– «بعد ذلك مزقوا ملابسها الرقيقة، ومزقوا جسدها الجميل إربًا إربًا، ونثروا الملح عليها.»
– «عزيزتي هذا حلم ليس إلا.»
«بعد ذلك رأى أحد اللصوص خاتمًا ذهبيًّا في إصبعها، وعندما تعذر عليه سحبه، أمسك بفأس صغيرة، وقطع إصبعها، لكن الإصبع طارت في الهواء، وسقطت خلف البرميل الضخم في حِجْري، وها هي الإصبع الملتف حولها الخاتم.» وبعد أن اختتمت قصتها أخرجت العروس الإصبع وأظهرتها أمام المدعوين.
همَّ العريس — الذي شحب وجهه أثناء سرد العروس القصة — بالفرار، لكن المدعوين أمسكوا به، وأحكموا قبضتهم حوله، وقدموه للعدالة، وحُكِم عليه وعلى عصابته الإجرامية بالقتل لما ارتكبوه من جرائم مريعة.
عُقلة الإصبع


يحكى أن حطابًا فقيرًا جلس في إحدى الليالي يدخن الغليون بجانب المدفأة، وجلست زوجته بجواره تغزل، فقال وهو يطلق زفيرًا كثيفًا من الدخان: «يا لوحدتنا يا زوجتي، نحن نجلس وحدنا دون أطفال يلهون حولنا ويسلوننا. كثير من الناس سعيدون بصحبة أطفالهم!» قالت الزوجة وهي تتنهد: «معك حق.» ثم نظرت حولها، وقالت: «كم سأشعر بالسعادة إذا أنجبت طفلًا واحدًا فقط! حتى لو كان صغير الحجم للغاية. ليس هذا فحسب، بل لو كان في حجم عقلة الإصبع، فسأسعد به كثيرًا وأحبه كثيرًا.» ورغم أنها أمنية غريبة، فقد تحققت كما تمنت المرأة الطيبة بالضبط، ولم يمض وقت طويل حتى رزقها الله بطفل صحته جيدة، لكنه كان في حجم إصبع الإبهام، فقال الحطاب وزوجته: «حسنًا لقد نلنا ما تمنينا، وعلى الرغم من صغر حجمه، فسنحبه كثيرًا.» وأطلقا عليه اسم «توماس عقلة الإصبع».
قدما له الكثير من الطعام، ومع ذلك لم يزد حجمه قط، بل ظل في الحجم نفسه كما كان عند ولادته. كانت عيناه لامعتين تنمان عن الدهاء وسرعة البديهة، وسرعان ما تأكد للناس أنه شخص ذكي صغير الحجم، وكان دائمًا يدرك ما يحدث حوله جيدًا.
وفي يوم من الأيام عندما كان الحطاب يستعد للذهاب إلى الغابة لجلب الأخشاب، قال: «كم أود أن يُحضر شخص العربة خلفي؛ فأنا في عجلة من أمري.» قال توم: «حسنًا يا أبي سأتولى أنا هذا الأمر، وستكون العربة في الغابة في الوقت الذي تريده.» ضحك الحطاب، وقال: «كيف يمكن أن يحدث هذا؟ أنت لا تستطيع الوصول إلى لجام الحصان.» قال توم: «لا تهتم بهذا الأمر يا أبي، لتضع أمي السرج فوق الحصان، وحينها سأدخل في أذن الحصان، وأخبره بالطريق الذي عليه أن يسلكه.» قال الأب: «سنجرب الأمر هذه المرة فقط.»
عندما حان الوقت المحدد وضعت الأم السرج فوق الحصان، ووضعت توم داخل أذنه، فجلس توم، وأخبر الحصان بالطريق الذي سيسلكه وهو يردد الكلمات: «هيا!» و«قف!» وهكذا وصل الحصان إلى الغابة في الوقت الذي أراده الحطاب وكأنه هو من يقود الحصان بنفسه. تصادف أثناء مرور الحصان سريعًا، وتوم يصيح: «رويدًا! رويدًا» أن كان رجلان غريبان يسيران في الطريق، قال أحدهما: «يا له من أمر غريب، هناك حصان يسير، وأستطيع سماع صوت السائق يتحدث إليه، لكنني لا أرى أحدًا.» رد عليه الآخر: «إنه أمر غريب بالفعل، لنتبع العربة إذن ونرى إلى أين تتجه.» وهكذا سار الاثنان خلف العربة حتى وصلا إلى المكان الذي يجلس به الحطاب، عندما رأى توم أباه صاح: «يا أبي ها أنا ذا ومعي العربة كل شيء على ما يرام! الآن أنزلني!» أمسك الأب الحصان بيد وباليد الأخرى أخرج توم من أذن الحصان، ووضعه فوق القش حيث جلس في سعادة كبيرة.
كان الرجلان الغريبان يرقبان المشهد طوال الوقت، وتملكتهما مشاعر الدهشة، ولم ينطقا بكلمة واحدة، وأخيرًا أخذ أحدهما الآخر جانبًا، وقال له: «سنجني ثروة طائلة من هذا الولد الصغير إذا حصلنا عليه وسافرنا به من مدينة إلى أخرى لتقديم استعراضات. علينا أن نشتريه.» اتجه الرجلان إلى الحطاب، وسألاه كم يريد مقابل عقلة الإصبع قائلين: «سيكون أفضل حالًا معنا عما هو عليه معك.» قال الأب: «لن أبيعه قط، إنه ابني من لحمي ودمي، وهو أغلى عندي من كل الفضة والذهب في العالم.» لكن توم الذي سمع الصفقة تسلق على معطف أبيه حتى وصل إلى كتفه، وهمس له: «خذ المال يا أبي، وأعطني لهما، وسأعود لك سريعًا.»
وهكذا وافق الحطاب على بيع توم للغريبين مقابل قطعة كبيرة من الذهب، ودفعا له ما أراد. قال أحدهما: «أين تحب أن تجلس؟» قال توم: «ضعني على حافة قبعتك؛ سأستمتع بهذا المنظر كثيرًا، وأستطيع التجول فوق القبعة ورؤية البلاد أثناء سيرنا.» وبالفعل وضعه فوق القبعة، وبعد أن ودع توم أباه أخذه الغريبان بعيدًا.
واصلوا السير حتى وقت الغروب وحينها قال عقلة الإصبع: «أنزلني، أنا متعب.» خلع الرجل قبعته ووضع عقلة الإصبع فوق كومة من التراب في حقل محروث بجانب الطريق. أخذ توم يركض بين الشقوق في الأرض، حتى انزلق في النهاية داخل جحر فئران قديم، وقال: «طابت ليلتكما أيها السيدان! سأهرب منكما. يجب أن تتنبها وتكونا أكثر يقظة معي في المرة القادمة!» نهض الرجلان على الفور خلفه، وأخذا يغرسان عصيهما داخل جحر الفئران، لكن بلا جدوى، فقد زحف توم إلى الداخل، وفي النهاية حل الظلام الدامس، واضطر الرجلان الغاضبان العابسان إلى الرحيل دون أن يعثرا على توم.
عندما أدرك توم أنهما رحلا، خرج من الجحر، قال: «إن السير في هذا الحقل المحروث محفوف بالمخاطر! إذا سقطت من فوق إحدى أكوام التراب هذه، فستنكسر رقبتي بلا شك.» لحسن حظه عثر على صَدَفة حلزون فارغة، فقال: «كم أنا سعيد الحظ، يمكنني النوم داخلها في أمان.» ثم زحف إلى الداخل.
وعندما بدأ يستغرق في النوم، سمع رجلين يمران بجواره يتحدثان. قال أحدهما للآخر: «كيف سنتمكن من سرقة الذهب والفضة الموجودين بمنزل الكاهن الثري؟» صاح توم: «سأخبرك أنا.» قال اللص مذعورًا: «ما هذا الصوت؟ أنا واثق أنني سمعت شخصًا يتحدث.» وقف اللصان، وأصغيا السمع، وقال توم: «اصطحباني معكما، وسأشرح لكما كيف تسرقان أموال الكاهن.» قالا: «لكن أين أنت؟» أجاب توم: «انظرا إلى الأرض، واتبعا مصدر الصوت.» عثر اللصان عليه في النهاية، ورفعاه بين أيديهما، وقالا: «أيها الولد الصغير، كيف يمكن أن تساعدنا؟» قال توم: «أستطيع التسلل من بين قضبان النافذة بمنزل الكاهن وألقي لكما ما تريدان.» قال اللصان: «يا لها من فكرة سديدة، تعال معنا، سنرى ما يمكنك فعله.»
عندما وصلوا إلى منزل الكاهن، تسلل توم من بين قضبان النافذة، ودخل الغرفة، ثم صاح بأعلى صوته: «هل تريدان كل ما هو موجود هنا؟» شعر اللصان بالخوف، وقالا له: «صمتًا! تحدث بصوت منخفض كي لا توقظ أحدًا.» لكن توم لم يفهمها، وصاح بصوت عال مجددًا: «كم تريدان؟ هل أقذفه لكما؟» نهضت الطاهية التي كانت نائمة بالغرفة المجاورة بعد أن سمعت الضجيج، وأصغت السمع. وفي تلك الأثناء، خاف اللصان، وابتعدا مسافة قصيرة، لكن بعد ذلك استجمعا شجاعتهما، وقالا: «الفتى الصغير يحاول خداعنا ليس إلا.» وعادا إلى المنزل، وهمسا إليه: «كفاك خبثًا ولؤمًا؛ وألق لنا بعض المال.» فصاح توم بصوت عال: «لا بأس! مدا أياديكما! فسأعطيكما النقود.»
سمعت الطاهية ما دار من حديث، فنهضت من فراشها، وركضت نحو الباب. فر اللصان وكأن ذئبًا يطاردهما، وبعد أن بحثت في الظلام ولم تجد شيئًا ذهبت لإحضار مصباح، وعندما عادت كان توم قد اختبأ داخل الحظيرة. بحثت الطاهية في كل فتحة وزاوية، لكنها لم تجد أحدًا، فذهبت إلى فراشها ظنًّا منها أن ذلك كان من أحلام اليقظة.
تسلل عقلة الإصبع إلى مخزن القش، وأخيرًا عثر لنفسه على مكان دافئ يرتاح فيه ما تبقى من الليل، فاستلقى فوقه معتزمًا النوم حتى طلوع النهار وبعد ذلك يشق طريقه إلى منزل والديه. لكن وا حسرتاه! يا للكارثة التي وقعت له! نهضت الخادمة في الصباح الباكر قبل طلوع الفجر لإطعام الماشية؛ وتوجهت مباشرة إلى مخزن القش، وحملت كومة كبيرة من القش كان عقلة الإصبع مستغرقًا في النوم داخلها، لكنه لم يستيقظ حتى وجد نفسه داخل فم البقرة؛ فقد وضعت الخادمة كومة القش أمام البقرة التي التهمت توم، فصاح: «يا له من يوم شاق! كيف وصلت إلى هذه الطاحونة؟» لكن سرعان ما أدرك أين هو، واستعان بكل ما لديه من مكر ودهاء كي يتجنب الوقوع بين أسنان البقرة ومن ثم تسحقه حتى الموت. في النهاية انزلق إلى أمعائها، فقال: «إن المكان مظلم هنا، لقد نسوا أن يفتحوا نوافذ في هذه الغرفة كي تدخل الشمس إليها؛ لكن لا مانع من وجود شمعة.»
مع أنه فعل كل ما بوسعه، فإنه لم يحب مسكنه الجديد قط؛ وأسوأ ما في الأمر أنه كان ينزلق إلى أسفل دائمًا، وبدأت المساحة التي يشغلها تضيق عليه أكثر وأكثر، وفي النهاية صاح بأعلى صوت لديه: «لا تحضري مزيدًا من القش! لا تحضري مزيدًا من القش!»
كانت الخادمة تحلب البقرة؛ وسمعت الصوت دون أن ترى مصدره، وبعد أن تأكدت أيضًا أنه نفس الصوت الذي سمعته بالأمس، شعرت بالذعر حتى إنها سقطت من فوق المقعد الصغير الذي كانت تجلس عليه، وسكبت الدلو الذي يوجد به اللبن، وركضت بأقصى سرعة إلى سيدها الكاهن، وقالت: «يا سيدي، يا سيدي، إن البقرة تتحدث!» لكن الكاهن قال: «ماذا؟ أفقدتِ صوابك؟» مع ذلك ذهب معها إلى حظيرة الأبقار ليرى ما الأمر.
ما إن تخطى عتبة الحظيرة حتى سمع توم يصيح: «لا تحضري مزيدًا من القش!» فشعر الكاهن نفسه بالخوف، وظن أن البقرة مسحورة، وأمر خادمه بأن يقتلها على الفور، وهكذا قُتلت البقرة وقطعت إربًا إربًا، وأُلقيت أمعاؤها في كومة رَوَث.
شرع توم في الخروج من أمعاء البقرة، ولم تكن مهمة سهلة، لكنه تمكن في النهاية من عمل ثقب، وما إن أخرج رأسه حتى أوقعه حظه العاثر في كارثة جديدة، إذ قفز ذئب جائع نحو أمعاء البقرة وابتلعها مرة واحدة وتوم بداخلها، ثم فر بعيدًا.
لكن لم يتملك الإحباط من توم، وفكر أن يتحدث مع الذئب أثناء سيره، فصاح: «يا صديقي العزيز، يمكنني أن أدلك على وليمة رائعة.» قال الذئب: «أين هي؟» قال توم: «في ذاك المنزل» ووصف له منزل أبيه «يمكنك التسلل عبر مصرف المياه إلى المطبخ ومنه إلى مخزن المؤن، وهناك ستجد كعكًا ولحم خنزير ولحم أبقار ودجاجًا مجمدًا وخنزيرًا مشويًّا وزلابية التفاح وكل ما تشتهيه.»
لم يتردد الذئب، وفي تلك الليلة ذهب إلى المنزل، وزحف عبر مصرف المياه إلى المطبخ، ثم إلى مخزن المؤن وأكل وشرب حتى شبع تمامًا. وما إن أحس بالشبع حتى أراد الخروج، لكنه كان قد تناول الكثير من الطعام حتى إنه لم يستطع الخروج بنفس الطريقة التي دخل بها.
كانت هذه هي الخطة التي رسمها توم تمامًا، وبدأ الآن في الصراخ بصوت مرتفع محدثًا ما يستطيع من ضجيج، قال الذئب: «اهدأ! ستوقظ كل من بالمنزل إذا أحدثت هذه الضوضاء.» قال عقلة الإصبع: «لقد حصلت على متعتك، وحان وقت متعتي.» وبدأ يغني ويصيح بصوت عال قدر استطاعته.
استيقظ الحطاب وزوجته بعد أن سمعا هذا الضجيج، واختلسا النظر من خلال صدع بالباب، لكن عندما رآيا الذئب هناك شعرا بالذعر كثيرًا، وركض الحطاب ليجلب فأسه، وأحضر لزوجته مِنْجلًا، وقال لها: «سيري خلفي، عندما أضربه بالفأس عليك بتمزيق جسده بالمنجل.» سمع توم ما دار بين أبيه وأمه وصاح: «يا أبي، يا أبي! أنا هنا لقد ابتلعني الذئب.» وقال الأب: «حمدًا لله! لقد عاد إلينا ابننا العزيز مرة أخرى.» ونهى زوجته عن ضرب الذئب بالمنجل خوفًا أن يقع لتوم أذى. ثم صوب ضربة قوية إلى رأس الذئب أردته قتيلًا على الفور! وعندما مات مزقوا جسده وحرروا توم. قال الأب: «يا إلهي! كم خفنا عليك!» قال توم: «أجل يا أبي! لقد تجولت في أنحاء العالم منذ أن افترقنا، وأنا الآن سعيد للغاية بعودتي إلى المنزل وباستنشاقي هواءً نقيًّا مرة أخرى.» قال الأب: «لماذا، أين كنت؟» قال توم: «دخلت في جحر فئران ثم داخل صدفة حلزون ثم داخل حلق بقرة ثم في أمعاء الذئب، مع ذلك ها أنا ذا سليم معافى.»
قال الأب والأم: «حسنًا، لقد عدت إلينا، ولن نبيعك مرة أخرى مقابل كنوز العالم كله.» وعانقا ابنهما الصغير وقبَّلاه، وقدما له الكثير من الطعام والشراب لأنه كان جائعًا، ثم أحضرا له ملابس جديدة، لأن ملابسه التي كان يرتديها كانت قد اتسخت تمامًا خلال رحلته. وهكذا مكث السيد عقلة الإصبع بمنزله مع أبيه وأمه في سلام. وبالرغم من أنه سافر كثيرًا، وفعل ورأى الكثير من الأمور الرائعة، وأحب كثيرًا سرد قصته، فقد استقر في عقله أنه لا يوجد مكان كالوطن.
رامبِل ستِلت سكِن


يُحكى أنه كانت هناك غابة في بلاد بعيدة يجري بجانبها نُهير جميل، ويقع بجانب ذاك النهير طاحونة، وعلى مقربة من الطاحونة يقف منزل الطحان. كان لدى الطحان ابنة فائقة الجمال، وفوق جمالها تملك الدهاء والذكاء. كان أبوها شديد التباهي بها، حتى إنه في يوم من الأيام أخبر ملك البلاد، الذي اعتاد الذهاب إلى الغابة من أجل الصيد، أن ابنته تستطيع غزل القش وتحويله إلى خيوط ذهبية. كان ذلك الملك يحب المال كثيرًا، وأثار تباهي الطحان بابنته طمعه، فأرسل رجاله لإحضار الفتاة، وأدخلها بعد ذلك إلى غرفة بالقصر بها كومة كبيرة من القش، ثم أعطاها مغزلًا، وقال لها: «يجب أن تغزلي كل هذا القش وتحوليه إلى ذهب قبل الصباح، إذا أردت أن تنجي بحياتك.» قالت له الفتاة المسكينة إن هذا الأمر ليس سوى تباهٍ سخيف من والدها، وإنها لا تستطيع غزل القش وتحويله إلى خيوط ذهبية، لكن بلا جدوى؛ لم يستمع إليها الملك، وأغلق باب الغرفة، وتركها وحدها.
جلست الفتاة في زاوية من الغرفة وبدأت تندب حظها العاثر، حينها انفتح الباب فجأة، ودخل قزم غريب المنظر يعرج، وقال: «صباح الخير أيتها الفتاة الجميلة؛ لماذا تبكين؟» قالت: «وا حسرتاه! يجب أن أغزل هذا القش وأحوله إلى ذهب، ولا أدري كيف.» قال القزم: «ماذا ستعطينني إذا فعلت لك ذلك؟» أجابت: «سأعطيك قلادتي.» وثق في كلامها وجلس فوق عجلة المغزل، وأخذ يصفر ويغني: لفِّي ودوري، لفِّي ودوري، حوِّلي القش إلى ذهب! دارت العجلة في سرور؛ وسرعان ما أنجز القزم العمل، وتحول القش إلى ذهب.
عندما حضر الملك، ورأى هذا الأمر، اندهش وفرح كثيرًا، لكنه زاد طمعًا، وحبس ابنة الطحان المسكينة، وطلب منها أن تغزل من جديد. لم تدر الفتاة ماذا تفعل، وجلست مرة أخرى وأخذت تندب حظها، لكن سرعان ما فتح القزم الباب، وقال: «ماذا ستعطينني مقابل أن أنجز لك مهمتك؟» قالت: «سأعطيك الخاتم الذي أضعه في إصبعي.» فأخذ صديقها الصغير الخاتم، وبدأ العمل عند عجلة المغزل مرة أخرى، وهو يصفر ويغني: لفِّي ودوري، لفِّي ودوري، حوِّلي القش إلى ذهب! وقبل أن يطلع الصباح بمدة طويلة، كان قد أنجز العمل.
شعر الملك بسعادة كبيرة عندما رأى هذا الكنز المتلألئ؛ لكنه لم يكتف بعد، وأعطى ابنة الطحان كومة أكبر من القش، وقال: «لا بد أن تنتهي من غزل هذا القش الليلة، وإذا استطعت فعل ذلك، فستصبحين الملكة.» ما إن أصبحت وحدها حتى دخل القزم، وقال: «ماذا ستعطينني إذا غزلت هذا القش، وحولته إلى ذهب للمرة الثالثة؟» قالت: «لم يبق معي شيء.» فقال لها: «إذن ستعطينني أول طفل تلدينه بعد أن تصبحي الملكة.» فكرت ابنة الطحان في نفسها: «هذا لن يحدث أبدًا.» لكنها أدركت أنه ليس أمامها خيار آخر لتنجز مهمتها، فأخبرته أنها ستفعل ما يطلبه منها. لفَّ عجلة المغزل مرة أخرى، وأخذ يردد الأغنية نفسها، وغزل مرة أخرى كومة القش وحولها إلى ذهب. حضر الملك في الصباح، وعندما وجد كل ما أراد، اضطر إلى الوفاء بوعده؛ وتزوج ابنة الطحان، وأصبحت الملكة.
عندما وضعت طفلها الأول سعدت كثيرًا، ونسيت أمر القزم وما وعدته به. لكن ذات يوم حضر القزم إلى غرفتها حيث كانت جالسة تلهو مع طفلها، وذكرها بما قالته له، فحزنت حزنًا شديدًا لسوء حظها، وأخبرته أنها على استعداد لتقديم كل ثروات المملكة له حال تركها وحالها، لكنه لم يستجب لها؛ وفي النهاية رق قلبه أمام دموعها، وقال لها: «سأمنحك مهلة ثلاثة أيام، إذا استطعتِ خلالها معرفة اسمي، فستحتفظين بطفلك.»
لم تنم الملكة طوال الليل وهي تفكر في كافة الأسماء الغريبة التي سمعت بها في حياتها، وأرسلت رسلًا إلى كافة أنحاء البلاد للبحث عن أسماء جديدة. في اليوم التالي حضر الرجل القزم، ذكرت له اسم تيموثي وإيشابود وجيريمايا وكل الأسماء التي استطاعت تذكرها، لكنه كان يرد على كل اسم منها بقوله: «لا يا سيدتي، هذا ليس اسمي.»
في اليوم الثاني ذكرت له كافة الأسماء الكوميدية التي سمعت بها مثل متقوس الساقين، والأحدب، وذي الساقين الملتويتين … إلخ، لكن القزم كان يرد عليها مع كل اسم بقوله: «كلا يا سيدتي، هذا ليس اسمي.»
في اليوم الثالث عاد أحد الرسل، وقال لها: «لقد سافرت على مدى يومين دون أن أسمع أي اسم غريب؛ لكن بالأمس وأثناء صعودي فوق تل عال، بين أشجار الغابة حيث كان الثعلب يلقي تحية المساء على الأرنب البرية، رأيت كوخًا صغيرًا؛ وأمام الكوخ نيران مشتعلة وقزم صغير غريب المنظر يرقص على ساق واحدة حول النيران، ويغني: سأحتفل بالعيد يا لسعادتي! سأرقص وأغني، يا لسعادتي! سأحضر غدًا طفلًا غريبًا، سيدتي لن تعرف اسمي فاسمي هو رامبِل ستِلت سكِن! عندما سمعت الملكة ما قاله رسولها قفزت فرحًا، وما إن وصل صديقها القزم حتى جلست فوق عرشها، واستدعت كل حاشيتها حولها ليستمتعوا بما سيحدث. وقفت المُرضعة بجانبها تحمل الطفل بين ذراعيها، وكأنهم على وشك أن يتخلوا عن الطفل. بدأ القزم يضحك بينه وبين نفسه كلما تذكر أنه سيحصل على الطفل المسكين، وسيأخذه معه إلى الكوخ في الغابة؛ وصاح: «الآن يا سيدتي، ما اسمي؟» سألته: «هل هو جون؟» أجابها: «كلا، يا سيدتي!» سألته: «هل اسمك توم؟» أجابها: «كلا يا سيدتي!» سألته: «هل اسمك جيمي؟» أجابها: «ليس كذلك.» قالت الملكة بخبث: «هل يمكن أن يكون اسمك رامبِل ستِلت سكِن؟» فصاح القزم: «لقد أخبرتك ساحرة باسمي! لقد أخبرتك ساحرة باسمي!» وضرب الأرض بقدمه اليمنى في نوبة غضب شديد فانغرست فيها، حتى إنه استعان بيديه الاثنتين لسحبها للخارج.
ثم شق طريقه إلى الخارج بسرعة، في حين ضحكت المرضعة وصاح الطفل؛ وسخر أفراد الحاشية منه بعد أن تكبد مشقة كبيرة دون مقابل، وقالوا: «نتمنى لك صباحًا سعيدًا، وعيدًا سعيدًا يا سيد رامبِل ستِلت سكِن!»
جريتل الذكية


يُحكى أنه كانت هناك طاهية تُدعى جريتل، ترتدي حذاءً أحمر عالي الكعبين، وعندما كانت تسير بالخارج وهي تنتعل ذاك الحذاء كانت تتمايل في مشيتها يمينًا ويسارًا، وتمشي في سعادة كبيرة وتفكر في نفسها: «كم أنا فتاة جميلة!» وعندما تعود إلى المنزل تحتسي جرعة من الخمر في سعادة، وبما أن الخمر يفتح الشهية للطعام، كانت تتذوق أشهى ما تطهيه حتى تشعر بالشبع، وتقول: «لا بد أن يتذوق الطاهي ما تصنع يداه.»
ذات يوم قال لها سيدها: «جريتل، سيحضر ضيف هذا المساء؛ اطهي لنا دجاجتين شهيتين.» أجابت جريتل: «بكل تأكيد يا سيدي.» ذبحت جريتل دجاجتين، ونتفت ريشهما، وسلقتهما، ثم وضعتهما فوق سيخ الشواء، وقُرْب المساء وضعتهما أمام النار لتشويهما. أصبح لون الدجاجتين بنيًّا، وصارتا جاهزتين، لكن الضيف لم يصل بعد. نادت جريتل على سيدها: «إذا لم يحضر الضيف، فسأضطر إلى إبعاد الدجاجتين عن النار، لكن سيكون خطأً كبيرًا ألا تؤكلا لحظة إبعادهما عن النار وهما مليئتان بالعصارة.» قال سيدها: «سأذهب بنفسي لإحضار الضيف.» عندما غادر سيدها، وضعت جريتل سيخ الشواء وبه الدجاجتان جانبًا، وفكرت في نفسها: «إن الوقوف أمام النار فترة طويلة يجعل الشخص يعرق ويظمأ؛ من يدري متى سيعودان؟ في تلك الأثناء، سأذهب إلى القبو وأحتسي شرابًا.» نزلت إلى القبو وأعدت إبريقًا من الشراب، وقالت: «ليباركه الله لي.» وأخذت جرعة كبيرة، ثم اشتهت المزيد، فاحتست جرعة أخرى كبيرة.
ذهبت بعد ذلك، ووضعت الدجاجتين أمام النار، وصبت عليهما الزبد، وأخذت تلف سيخ الشواء في سعادة. لكن مع تسلل رائحة اللحم المشوي الطيبة إلى أنفها، فكرت جريتل في نفسها: «قد يكون هناك عيب ما بالطعام، لا بد أن أتذوقه!» لمست الدجاجة بإصبعها، وقالت: «يا إلهي! كم هو شهي لحم الدجاج! لا شك أنه خطأ كبير ألا يؤكل في الوقت المناسب!» ثم اتجهت نحو النافذة لتتحقق من مجيء سيدها مع الضيف، لكنها لم تر أحدًا، وعادت إلى الدجاجتين، وفكرت في نفسها: «أحد الأجنحة يحترق! من الأفضل أن أنتزعه وأتناوله.» فصلت الجناح عن الدجاجة، وأكلته، واستمتعت بتناوله، وعندما انتهت منه، قالت لنفسها: «لا بد أن أتناول الجناح الآخر أيضًا، وإلا سيلحظ سيدي اختفاء الجناح الأول.» عندما انتهت من تناول الجناحين، ذهبت لتتحقق من قدوم سيدها، لكنها لم تر أحدًا. وفجأة فكَّرت: «من يدري؟ لعلهما لن يحضرا قط، واتجها إلى مكان آخر.» ثم قالت: «حسنًا يا جريتل، استمتعي، لقد أفسدت إحدى الدجاجتين بالفعل، احتسي شرابًا آخر، والتهمي الدجاجة كلها؛ عندما تأكلينها ستشعرين بالراحة، لماذا نهدر نعم الله؟» اتجهت إلى القبو مرة أخرى، واحتست إبريقًا كبيرًا من الخمر، والتهمت الدجاجة بأكملها في سعادة كبيرة. بعد أن التهمت إحدى الدجاجتين، لم يحضر سيدها. نظرت جريتل إلى الدجاجة الأخرى، وقالت: «ما يسري على واحدة يسري على الأخرى. يجب أن أتناول هذه الدجاجة أيضًا، أظن أنه لا بأس في تجرع كأس آخرى.» احتست الخمر في حماسة، والتهمت الدجاجة الأخرى.
وبينما كانت تستمتع بتناول الدجاجة، حضر سيدها، وصاح: «أسرعي يا جريتل، الضيف قادم خلفي مباشرة!» أجابت جريتل: «أجل يا سيدي، سأقدم العشاء سريعًا!» في ذلك الحين ذهب الرجل ليتحقق أن كل شيء منظم كما ينبغي فوق مائدة الطعام، وأمسك بالسكين الكبير، الذي سيستخدمه في تقطيع الدجاج، وأخذ يسنه على الدَرَج. سرعان ما حضر الضيف، وطرق الباب بأدب ولياقة، فركضت جريتل ونظرت لتتحقق من الطارق، وعندما رأت الضيف، وضعت إصبعها فوق شفتيها، وقالت له: «صمتًا! صمتًا! انصرف بأقصى سرعة. إذا أمسك بك سيدي، فسيحل بك مكروه. لقد دعاك لتناول العشاء، لكنه ينوي أن يقطع أذنيك الاثنتين. أصغ السمع وستتأكد أنه يسن السكين لفعل ذلك!» سمع الضيف صوت سن السكين، فنزل الدَرَج بأقصى سرعة. لم تقف جريتل مكانها؛ بل ركضت وهي تصرخ إلى سيدها، وصاحت: «يا له من ضيف لئيم!» قال سيدها: «لماذا يا جريتل؟ ماذا تقصدين؟» قالت: «لقد أخذ الدجاجتين اللتين كنت سأقدمهما لكما من فوق الصحن، وانصرف ركضًا!» قال سيدها: «يا لها من خدعة!» وحزن على ضياع الدجاجتين الشهيتين، وقال: «ليته ترك لي دجاجة واحدة كي أجد شيئًا آكله.» ونادى عليه كي يتوقف، لكن الضيف تظاهر بأنه لم يسمعه، فركض خلفه والسكين بيده، وصاح: «واحدة فقط، واحدة فقط.» كان يقصد أن يترك له الضيف دجاجة واحدة ولا يأخذ الاثنتين، لكن الضيف فكر أنه يريد إحدى أذنيه، وركض بأقصى سرعة كي يفلت بأذنيه الاثنتين.
الجَدُّ العجوز وحفيده


كان فيما كان رجل طاعن في السن ضعف بصره وسمعه، وأخذت ركبتاه ترتجفان، وعندما كان يجلس لتناول الطعام، لم يكن يتمكن من الإمساك بالملعقة، فكان يسكب الحساء فوق مفرش المائدة، أو يتركه ينسكب من فمه. كان ابنه وزوجة ابنه يشعران بالاشمئزاز من هذا الأمر، واضطر الجد العجوز أن يجلس في إحدى الزوايا خلف الموقد، وكانا يقدمان له الطعام في سلطانية من الفخار لا يوجد بها كمية كافية من الطعام. اعتاد الجد أن ينظر ناحية المائدة وعيناه تفيضان بالدمع. وذات مرة لم يتمكن من الإمساك بالسلطانية، فسقطت على الأرض، وانكسرت. وبَّخته الزوجة الشابة، لكنه تنهَّد ولم يقل شيئًا. أحضرا له بعد ذلك سلطانية خشبية رخيصة الثمن ليأكل فيها.
وذات مرة جلس الزوج وزوجته لتناول الغداء حين بدأ الحفيد الصغير الذي لم يتعد السنوات الأربع في جمع قطع خشبية صغيرة من الأرض. سأله الأب: «ماذا تفعل؟» أجاب الطفل: «سأصنع وعاءً صغيرًا لأُطعم فيه أبي وأمي عندما أكبر.»
نظر الرجل وزوجته كل منهما إلى الآخر لحظة، ثم أجهشا بالبكاء. بعد ذلك أخذا الجد العجوز إلى المائدة، ومنذ ذلك الحين سمحا له بتناول الطعام معهما، وما عادا يوبِّخانه عندما يسكب أي شيء.
الفلاح الصغير


في سالف العصر والأوان كانت هناك قرية يعيش فيها فلاحون أثرياء للغاية، وفلاح واحد فقير أطلقوا عليه اسم «الفلاح الصغير». لم يكن الفلاح الصغير يملك حتى بقرة، ولم يكن لديه من المال ما يكفي لشراء واحدة، لكنه تمنى كثيرًا هو وزوجته أن يكون لديهما بقرة. ذات يوم قال لزوجته: «اسمعي، جاءتني فكرة جيدة. سنطلب من صديقنا النجار أن يصنع لنا عِجلًا خشبيًّا ويطليه باللون البني، بحيث يبدو كالعجول الأخرى، ومع الوقت سيكبر ويصير بقرة.» نالت الفكرة إعجاب الزوجة أيضًا. صنع لهما صديقهما النجار العجل الخشبي، وجعله أملس وطلاه كما ينبغي، وجعل رأسه متدليًا ليبدو وكأنه يأكل.
صباح اليوم التالي عندما أُخذت الأبقار إلى الحقول، نادى الفلاح الصغير على راعي الأبقار، وقال له: «انظر، لديّ عجل، لكنه لا يزال صغيرًا، وعليك أن تحمله.» قال راعي الأبقار: «لا بأس.» وأمسك بالعجل الصغير بين ذراعيه وحمله إلى المرعى، ثم وضعه وسط العشب. ظل العجل الصغير مكانه وبدا كأنه يأكل، فقال راعي الأبقار: «سرعان ما سيستطيع الركض وحده، فهو يأكل كثيرًا!» عندما حان وقت العودة ليلًا، قال للعجل الصغير: «بما أنك وقفت هنا وأكلت حتى شبعت، ستتمكن أيضًا من السير على أقدامك؛ لن أهتم بحملك بين ذراعي إلى المنزل.» وقف الفلاح الصغير أمام باب منزله، وانتظر عودة عجله الصغير، وعندما حضر راعي الأبقار يسوق الأبقار إلى القرية، لم يكن العجل بينها، فسأل الفلاح راعي الأبقار عن العجل. أجاب راعي الأبقار: «لا يزال يأكل في المرعى، فقد رفض التوقف عن الأكل ليأتي معنا.» فقال الفلاح الصغير: «يا إلهي، لا بد أن تعيد إليّ عجلي مرة أخرى.» فعادا إلى المرعى معًا، لكن شخصًا ما كان قد سبقهما وسرق العجل، واختفى. قال راعي الأبقار: «لا بد أنه فرَّ بعيدًا.» لكن الفلاح قال: «لا تنتظر مني أن أصدقك!» وأخذ راعي الأبقار إلى العمدة الذي أدان راعي الأبقار بالإهمال، وأمره بأن يعطي الفلاح بقرة مقابل العجل الذي هرب.
حصل الفلاح الصغير وزوجته على البقرة التي طالما تمنياها، وغمرتهما السعادة، لكن لم يكن لديهما ما يطعمان به البقرة، فلم يقدما لها شيئًا لتأكله، وهكذا اضطرا إلى ذبحها سريعًا. ثم ملَّحا اللحم، وذهب الفلاح إلى البلدة لبيع جلد البقرة هناك؛ بحيث يتمكن من شراء عجل جديد بثمن الجلد. في طريقه إلى هناك مر بطاحونة يقف عليها غُراب أسود اللون بجناحين مكسورين، فأشفق عليه، وأخذه معه، ولفه داخل جلد البقرة. لكن مع سوء الأحوال الجوية وهبوب العواصف والرياح، لم يستطع المضي في السير، فعاد مرة أخرى إلى الطاحونة بحثًا عن ملاذ. كانت زوجة الطحان وحدها بالمنزل، فقالت للفلاح: «ارقد فوق القش هناك.» ثم قدمت له شريحة من الخبز والجبن أكلها الفلاح، ورقد فوق القش وبجانبه جلد البقرة. فكَّرت المرأة: «إنه متعب ولا بد أنه نام.» بعد ذلك حضر الكاهن، فاستقبلته زوجة الطحان استقبالًا حارًّا، وقالت له: «إن زوجي بالخارج، سنقيم وليمة.» استمع الفلاح لما دار بينهما، وعندما سمعهما يتحدثان عن وليمة، شعر بالغيظ، لأنه اضطر إلى الاكتفاء بشريحة من الخبز والجبن. قدَّمت المرأة أربعة أصناف مختلفة من الطعام؛ اللحم المشوي والسلطة والكعك والخمر.
ما إن جلسا لتناول الطعام، حتى دق الباب. قالت المرأة: «يا إلهي! إنه زوجي!» وسرعان ما خبَّأت اللحم المشوي داخل الموقد الحجري، ووضعت زجاجة الخمر تحت الوسادة، والسلطة فوق الفراش، والكعك تحت الفراش، وخبأت الكاهن داخل خزانة بالشرفة. ثم فتحت الباب لزوجها، وقالت: «حمدًا لله، لقد عدت سالمًا! هبَّت عاصفة قوية، وكأنه يوم القيامة.» رأى الطحان الفلاح يرقد فوق القش، فسألها: «ماذا يفعل هذا الرجل في منزلي؟» قالت الزوجة: «لقد حضر هذا المسكين وسط العاصفة والأمطار، وتوسل إليّ لأوفر له مأوى، فأعطيته شريحة من الخبز والجبن، وأمرته أن ينام فوق القش.» قال الرجل: «لا بأس، لكن هلُمِّي وأحضري لي شيئًا لآكله.» قالت الزوجة: «ليس هناك طعام سوى الخبز والجبن.» أجاب الزوج: «سأرضى بأي شيء. الخبز والجبن سيكفيانني.» ثم نظر إلى الفلاح، وقال: «تعال، وتناول المزيد معي.» لم يتردد الفلاح ونهض وتناول معه الجبن والخبز. بعد ذلك رأى الطحان جلد البقرة الذي يوجد به الغراب على الأرض، فسأله: «ماذا لديك هنا؟» أجاب الفلاح: «يوجد عرَّاف داخل الجلد.» قال الطحان: «وهل يمكنه التنبؤ بأي شيء لي؟» أجاب الفلاح: «ولِمَ لا؟ لكنه لا يقول سوى أربعة أمور، والأمر الخامس يحتفظ به لنفسه.» شعر الطحان بالفضول، وقال: «دعه يقول الأمر الأول.» قرص الفلاح الغراب من رأسه، فنعق الغراب. قال الطحان: «ماذا قال؟» أجاب الفلاح: «أول أمر: قال إن هناك خمرًا مخبأة تحت الوسادة.» صاح الطحان: «يا إلهي!» ثم اتجه إلى هناك، وعثر على زجاجة الخمر. قال الطحان: «دعه يقول الأمر الثاني.» قرص الفلاح الغراب ثانية فنعق الغراب، قال الفلاح: «الأمر الثاني: يقول إن هناك لحمًا مشويًّا في الموقد الحجري.» صاح الطحان: «أحقًّا؟» وذهب، وعثر على اللحم المشوي. قرص الفلاح الغراب للمرة الثالثة، ثم قال: «الأمر الثالث: هناك سلطة فوق الفراش.» صاح الطحان: «يا له من أمر رائع!» وذهب، وعثر على السلطة. وأخيرًا قرص الفلاح الغراب مرة أخرى حتى نعق، ثم قال: «الأمر الرابع: يقول إن هناك كعكًا أسفل الفراش.» صاح الطحان: «يا له من أمر رائع!» ثم ذهب إلى هناك، وعثر على الكعك.
جلسا بعد ذلك على المائدة معًا، لكن زوجة الطحان كانت تشعر بالذعر الشديد، وأوت إلى الفراش، وأخذت معها كل المفاتيح. أراد الطحان معرفة الأمر الخامس بشدة، لكن الفلاح الصغير قال: «سنأكل أولًا الأربعة أصناف، لأن الأمر الخامس سيئ.» فأكلا وشربا، وبعد ذلك اتفقا على أن يقدم الطحان للفلاح ثلاث مئة عملة فضية مقابل أن يخبره بالنبوءة الخامسة، فقرص الفلاح الغراب مرة أخرى حتى نعق بصوت عال. سأل الطحان: «ماذا قال؟» أجاب الفلاح: «يقول إن الشيطان يختبئ في الخارج في خزانة بشرفة المنزل.» قال الطحان: «لا بد أن يخرج الشيطان.» وفتح باب المنزل، بعد أن اضطرت الزوجة أن تعطيه المفاتيح، ثم فتح الفلاح الخزانة، فخرج الكاهن بأقصى سرعة، وقال الطحان: «الأمر صحيح، رأيت الشيطان الأسود بعيني.» أما الفلاح، فقد ذهب صبيحة اليوم التالي مع طلوع الفجر ومعه ثلاث مئة عملة فضية.
عندما وصل الفلاح الصغير إلى منزله، بدأت علامات الثراء تظهر عليه تدريجيًّا. وبعد أن بنى منزلًا جميلًا، قال الفلاحون: «لا بد أن الفلاح الصغير ذهب إلى المكان الذي تمطر فيه السماء ذهبًا، ويحمل فيه الناس الذهب في مجارف.» أُخذ الفلاح الصغير إلى العمدة الذي أمره أن يخبره عن مصدر ثروته. أجاب الفلاح: «لقد بعت جلد بقرتي في البلدة مقابل ثلاث مئة عملة فضية.» عندما سمع الفلاحون هذا الكلام، أرادوا أن يحصلوا على هذا الربح الكبير أيضًا، فعادوا إلى منازلهم، وذبحوا كل أبقارهم، ونزعوا عنها الجلود كي يبيعوها في البلدة مقابل هذا المبلغ الكبير. لكن العمدة قال: «لا بد أن تذهب خادمتي أولًا.» عندما وصلت الخادمة إلى التاجر بالبلدة، لم يعطها سوى عملتين فضيتين مقابل جلد البقرة، وعندما حضر باقي الفلاحين، لم يعطهم الكثير من المال، وقال: «ماذا سأفعل بكل هذه الجلود؟»
شعر الفلاحون بالغيظ لأن الفلاح الصغير خدعهم، وأرادوا الانتقام منه، واتهموه بالخيانة أمام العمدة. صدر حكم على الفلاح الصغير البريء بالإعدام عن طريق قذفه في النهر داخل برميل مليء بالثقوب. اقتيد الفلاح إلى النهر، وحضر كاهن ليتلو الصلوات، ووقف بقية الفلاحين على مسافة بعيدة. عندما نظر الفلاح إلى الكاهن، تعرف على وجهه، فقد كان نفس الرجل الذي رآه مع زوجة الطحان، فقال له: «لقد أنقذتك من داخل الخزانة، فأنقِذني من البرميل.» في تلك اللحظة تحديدًا وصل راعي الأغنام الذي يعلم الفلاح أنه لطالما أراد أن يكون العمدة، ومعه قطيع من الأغنام، فصاح الفلاح الصغير بكل قوته: «كلا، لن أفعل ذلك، حتى إذا أصر العالم كله!» عندما سمع راعي الغنم هذا، اقترب منه، وسأله: «ما الأمر؟ ما هذا الذي لن تفعله؟» قال الفلاح: «يريدون مني أن أصبح العمدة إذا وضعت نفسي داخل البرميل، لكني لن أفعل ذلك.» قال راعي الغنم: «إذا كان هذا هو المطلوب كي أصبح العمدة، فسأدخل أنا في البرميل على الفور.» قال الفلاح: «إذا دخلت، فستصبح العمدة.» أبدى راعي الغنم رغبته، ودخل في البرميل، ووضع الفلاح غطاء البرميل، وأغلقه، ثم أخذ قطيع الغنم لنفسه، وساقه بعيدًا. بعد ذلك ذهب الكاهن إلى الفلاحين، وأعلن أنه تلا الصلوات، فذهبوا بعد ذلك إلى البرميل، ودحرجوه جهة النهر. عندما بدأ البرميل في التدحرج، صاح راعي الغنم: «أريد أن أصبح العمدة.» ظن الفلاحون أن الفلاح الصغير هو من قال هذا، فأجابوه: «هذا ما ننوي فعله، لكن عليك أولًا أن تتفقد قاع النهر!» ثم دحرجوا البرميل حتى سقط في النهر.
اتجه الفلاحون بعد ذلك إلى القرية، وفي طريقهم إلى هناك رأوا الفلاح الصغير يتجه في هدوء نحو القرية وهو يسوق قطيعًا من الغنم، وتبدو عليه السعادة. اندهش الفلاحون كثيرًا، وقالوا: «أيها الفلاح، من أين أتيت؟ هل خرجت من النهر؟» أجاب الفلاح: «أجل، لقد نزل البرميل إلى الأعماق، حتى وصلت إلى القاع في النهاية، فدفعت الغطاء، وتسللت خارجه. هناك حقول جميلة يتغذى بها عدد كبير من الحملان، ومن هناك أحضرت هذا القطيع معي.» قال الفلاحون: «هل هناك المزيد منها؟» قال: «أجل، أكثر مما أردت.» أراد الفلاحون جلب بعض الغنم أيضًا لأنفسهم، لكن العمدة قال: «سأنزل إلى الماء أولًا.» فذهبوا إلى النهر معًا، وهناك كانت السحب تبدو كالصوف الأبيض في السماء الزرقاء، والتي يطلق عليها سُحُب الحِملان. انعكست هذه السحب على المياه، وحينها صاح الفلاحون: «لقد رأينا الأغنام بالفعل في المياه!» اندفع العمدة للأمام، وقال: «سأقفز أنا أولًا وأتفقد المكان. إذا كانت الأمور مبشِّرة سأنادي عليكم.» ثم قفز في المياه! هُيِّئ للفلاحين أن العمدة ينادي عليهم، فقفزوا جميعًا في المياه مرة واحدة، وماتت القرية بأكملها، وأصبح الفلاح الصغير، بصفته الوريث الوحيد، رجلًا ثريًّا.
فريدريك وكاثرين


في سالف العصر والأوان كان هناك رجل يُدعى فريدريك، وزوجته تُدعى كاثرين، ولم يكن مضى على زواجهما فترة طويلة. ذات يوم قال فريدريك: «كيت! أنا ذاهب لأعمل في الحقل؛ سأكون جائعًا عند عودتي، فاطهي لي شيئًا طيبًا، وأعدي لي شرابًا من الخمر.» قالت الزوجة: «حسنًا، سيكون كل شيء جاهزًا.» عندما اقترب موعد العشاء، أخذت كاثرين شريحة سميكة من اللحم، وكانت هي كل ما لديها من لحم، ووضعتها على النار لقليها. سرعان ما بدأ لون شريحة اللحم يتحول إلى البني، وبدأت أصوات القرقعة تنبعث من المقلاة؛ وقفت كاثرين بجانب الموقد، وقلبت شريحة اللحم بالشوكة، ثم قالت لنفسها: «لقد أوشكت شريحة اللحم على النضوج، من الأفضل أن أذهب إلى القبو لأعد الخمر.» فتركت المقلاة فوق الموقد، وأخذت إبريقًا كبيرًا، وذهبت إلى القبو، وفتحت سدادة الصنبور بالبرميل الخشبي الذي يوضع به الخمر، وانسكب الخمر داخل الإبريق ووقفت كاثرين تراقب المشهد. وفي النهاية طرأ على ذهنها فجأة: «الكلب طليق، ومن الممكن أن يأخذ شريحة اللحم ويهرب بها، فهذا الأمر وارد.» صعدت إلى أعلى؛ وبالطبع كان الكلب اللئيم قد أخذ شريحة اللحم في فمه، وهرب بها.
ركضت كاثرين خلفه، وركض الكلب عبر الحقل، لكنه كان أسرع منها، وكان قابضًا على شريحة اللحم بين فكَّيه، فقالت كاثرين: «لقد ذهب كل شيء، ليس هناك ما أستطيع فعله، عليّ أن أتقبل الأمر.» واستدارت لتعود إلى المنزل؛ ولأنها كانت تشعر بالإرهاق بعد أن ركضت مسافة طويلة، فقد سارت على مهل لتهدئ من روعها.
كان الخمر ينسكب طيلة ذلك الوقت، فقد نسيت كاثرين إغلاق الصنبور؛ وعندما امتلأ الإبريق، انسكب الخمر فوق الأرض حتى فرغ البرميل. عندما وصلت كاثرين إلى سلم القبو رأت ما حدث. قالت: «يا إلهي! ماذا عساي أن أفعل كي لا يرى فريدريك هذه الفوضى؟» فكرت قليلًا؛ وفي النهاية تذكرت وجود كيس من الطحين اشتراه فريدريك في يوم السوق. إذا نثرته فوق الأرض، فسيمتص الخمر تمامًا. قالت: «كم أنا محظوظة أننا احتفظنا بالطحين. الآن لدينا استخدام جيد له.» ذهبت كاثرين لإحضاره، لكنها وضعته فوق الإبريق الممتلئ بالخمر، فانقلب، وهكذا انسكب كل مخزون الخمر على الأرض. قالت: «يا إلهي! حسنًا، إذا ذهب شيء، فليذهب كل شيء.» ثم نثرت الطحين في القبو، وكانت سعيدة بذكائها للغاية، وقالت: «كم يبدو جميلًا ونظيفًا!»
عند الظهيرة عاد فريدريك، وصاح: «يا زوجتي، ماذا أعددتِ لي؟» أجابته: «وا أسفاه يا فريدريك! كنت أطهو لك شريحة من اللحم؛ لكن عندما نزلت إلى القبو لجلب الخمر، أخذها الكلب، وفر بها، وعندما ركضت خلفه، انسكب الخمر، وعندما ذهبت لتجفيف الخمر باستخدام كيس الطحين الذي اشتريناه في يوم السوق، انقلب الإبريق، لكن القبو جاف تمامًا الآن، ونظيف أيضًا!» قال فريدريك: «تبًّا يا كيت! كيف فعلت كل ذلك؟ لماذا تركت شريحة اللحم وذهبت وتركت الخمر ينسكب؟ لقد أفسدت الوجبة بأكملها.» قالت: «رباه! يا فريدريك، لم أكن أدري أنني أرتكب خطأً، كان ينبغي عليك أن تخبرني من قبل.»
فكر الزوج في نفسه: «إذا كانت زوجتي تدبر الأمور هكذا، علي أن أكون حذرًا.» كان لديه كمية كبيرة من الذهب بمنزله، فقال لكاثرين: «يا لها من أزرار صفراء جميلة! لا بد أن أضعها في صندوق وأدفنه في الحديقة؛ لكن احذري أن تقتربي منه أو تعبثي به.» قالت كاثرين: «لن أفعل ذلك يا فريدريك.» ما إن خرج فريدريك، حتى حضر بعض الباعة المتجولين ومعهم صحون وأدوات خزفية للمائدة، وسألوها هل تريد شراء شيء. قالت: «يا إلهي، أود كثيرًا شراء هذه الأشياء، لكن ليس معي نقود. إذا كنتم سترضون بأزرار صفراء، يمكنني الشراء منكم.» قالوا: «أزرار صفراء! دعينا نراها أولًا.» قالت: «اذهبوا إلى الحديقة، واحفروا في المكان الذي سأخبركم به، وستجدون أزرارًا صفراء؛ فلا أجرؤ على الذهاب بنفسي.» ذهب المحتالون إلى هناك، وعندما عثروا على الأزرار الذهبية، أخذوها كلها، وتركوا لها الكثير من أدوات المائدة والصحون التي وضعتها في كل ركن بالمنزل للتباهي بها. عندما عاد فريدريك، صاح: «يا كيت، ماذا كنت تفعلين؟» قالت: «انظر، لقد اشتريت كل هذه الأشياء مقابل الأزرار الصفراء، لكنني لم ألمسها بنفسي. ذهب الباعة المتجولون بأنفسهم وحفروا لاستخراج الصندوق.» قال فريدريك: «تبًّا يا زوجتي! يا لها من فعلة حمقاء! تلك الأزرار الصفراء هي كل ما أملك من نقود. كيف فعلت ذلك؟» أجابت: «ربَّاه! لم أدرك أن هذا الأمر سيتسبب لك في ضرر. كان ينبغي لك أن تخبرني.»
استغرقت كاثرين في التفكير برهة، وفي النهاية قالت لزوجها: «اسمع يا فريدريك، سنستعيد الذهب سريعًا مرة أخرى. دعنا نطارد اللصوص.» أجابها: «حسنًا، سنحاول، لكن اجلبي لنا زبدًا وجبنًا، كي نجد ما نأكله في الطريق.» قالت: «حسنًا.» وانطلقا في رحلتهما. كان فريدريك يسير بخطى سريعة، مما جعل زوجته تتأخر عنه قليلًا. فكرت في نفسها: «لا يهم، عندما نعود سأكون أنا أقرب إلى المنزل منه.»
بعد فترة وجيزة وصلت إلى قمة تل، وكان يمتد أدنى التل طريق ضيق للغاية، ودائمًا ما تحتك عجلات العربات أثناء مرورها بالأشجار وتبليها على جانبي الطريق. قالت: «يا إلهي! كم أضرت عجلات العربات بهذه الأشجار المسكينة؛ لن تتعافى مجددًا.» وهكذا شعرت بالشفقة تجاه الأشجار، واستخدمت الزبد لدهن جميع الأشجار به بحيث لا تؤذي العجلات الأشجار مجددًا. في غضون ذلك، سقطت قطعة من الجبن من السلة، وتدحرجت عبر التل. بحثت كاثرين عنها، لكنها لم تر أين ذهبت؛ فقالت لنفسها: «حسنًا، أظن أن القطعة الأخرى يجب أن تذهب في نفس المسار لتبحث عنك، فهي أسرع مني.» ثم دحرجت قطعة الجبن الأخرى خلف القطعة الأولى، فتدحرجت قطعة الجبن بعيدًا عبر التل. لكن كاثرين قالت في نفسها إن قطعتي الجبن تعرفان الطريق، وستتبعانها، وأنها لا تستطيع انتظارهما طيلة اليوم.
وأخيرًا أدركت كاثرين فريدريك، الذي طلب منها شيئًا لتناوله، فقدمت له الخبز الجاف. قال: «أين الزبد والجبن؟» أجابت: «آه يا فريدريك! استخدمت الزبد في دهن الأشجار المسكينة التي تؤذيها العجلات؛ أما قطعة الجبن، فقد انزلقت بعيدًا، فأرسلت القطعة الأخرى خلفها للبحث عنها، أعتقد أن القطعتين على الطريق معًا في مكان ما.» قال الزوج: «أيتها الحمقاء، كيف تفعلين هذه الأشياء السخيفة!» قالت الزوجة: «لماذا تقول هذا؟ أنت لم تخبرني أبدًا ألا أفعل ذلك.»
تناولا الخبز الجاف معًا، وقال فريدريك: «يا كيت، أتمنى أن تكوني قد أغلقتِ الباب جيدًا بعد أن خرجت.» قالت: «كلا، أنت لم تطلب مني أن فعل ذلك.» قال فريدريك: «عودي إذن إلى المنزل قبل أن نبتعد أكثر، وأحضري معك طعامًا.»
فعلت كاثرين كما قيل لها، وفكرت في نفسها أثناء سيرها في الطريق: «يريد فريدريك شيئًا لتناوله؛ لكنني لا أظن أنه يحب الزبد والجبن كثيرًا. سأحضر له كيسًا من البندق طيب المذاق وبعض الخل، فقد رأيته يأخذ منه مرات كثيرة.»
عندما وصلت إلى المنزل، أغلقت الباب الخلفي، أما الباب الأمامي فقد خلعته من المفصلات، وقالت: «أخبرني فريدريك أن أغلق الباب ليكون بأمان، ولا شك أنه سيكون في أمان أكثر إذا أخذته معي.» وهكذا استغرقت وقتًا طويلًا في الوصول، وعندما أدركت زوجها، صاحت: «ها هو الباب نفسه يا فريدريك، بإمكانك الآن حراسته كما تشاء.» قال الزوج: «وا أسفاه! وا أسفاه! يا لك من زوجة ساذجة! لقد أرسلتك لكي تحكمي إغلاق المنزل، فتخلعين الباب نفسه؟! هكذا سيتسنى للجميع الدخول إلى المنزل كما يريدون. لكن بما أنك أحضرت الباب، فستحملينه أنت مقابل فعلتك.» أجابت: «حسنًا، سأحمل الباب، لكنني لن أحمل البندق وزجاجة الخل أيضًا، سيكون حملًا ثقيلًا؛ سأربطهما بالباب إذا لم يكن لديك مانع.»
لم يمانع فريدريك بالطبع، وانطلقا في الغابة بحثًا عن اللصوص؛ لكن لم يوفقهما الحظ في العثور عليهم. وعندما حل الظلام، تسلقا شجرة لقضاء الليل هناك. ما إن صعدا إلى أعلى، حتى حضر المحتالون الذين كانا يبحثان عنهم. كانوا في الحقيقة أشرارًا للغاية، وكانوا من أصناف البشر الذين يغتنمون الفرص قبل ضياعها. كان اللصوص متعبين، فجلسوا، وأضرموا النيران أسفل الشجرة التي يجلس فوقها فريدريك وكاثرين. انزلق فريدريك على الجهة الأخرى والتقط بعض الحجارة. ثم صعد مرة أخرى، وحاول أن يصيب اللصوص في رءوسهم بالحجارة، لكن اللصوص قالوا: «لا بد أن النهار اقترب، فالرياح تهز ثمار شجر التنوب وتسقطها.»
بدأت كاثرين، التي كانت تحمل الباب فوق كتفها، تشعر بالتعب؛ لكنها ظنت أن البندق هو ما يمثل العبء الثقيل، فقالت بصوت خافت: «فريدريك، يجب أن أفلت البندق.» أجابها: «كلا، ليس الآن، سيفضح أمرنا.» قالت: «لا أستطيع منعه من الانزلاق. لا بد أن يسقط.» قال: «حسنًا، أسرعي وأسقطيه.» فسقط البندق متخللًا الأغصان فصاح أحد اللصوص: «يا إلهي، السماء تمطر وابلًا من البندق.»
بعد ذلك بقليل، رأت كاثرين أن الباب لا يزال ثقيلًا للغاية، فهمست إلى فريدريك: «لا بد أن أسكب الخل الآن.» أجابها: «لا تفعلي ذلك أرجوك، هذا سيكشف أمرنا.» قالت: «لا أستطيع المقاومة. لا بد أن ألقيه.» وبالفعل سكبت الخل، فقال اللصوص: «الندى يتساقط بقوة!»
وأخيرًا فكَّرت كاثرين أن الباب نفسه هو ما كان يمثل الحمل الثقيل طيلة هذه المدة، فهمست إلى فريدريك: «فريدريك، لا بد أن ألقي الباب.» لكنه توسل إليها، وطلب منها ألا تفعل ذلك، لأنه كان واثقًا أن هذا الأمر سيكشفهما. قالت: «لكنني سألقيه.» سقط الباب فوق اللصوص محدثًا ضجيجًا، فصاحوا: «تبًّا!» وفروا هاربين بأقصى سرعة غير مدركين ما يحدث، تاركين كل الذهب خلفهم. عندما نزل فريدريك وكاثرين من فوق الشجرة، عثرا على مالهما كما هو.
رولاند الحبيب


في سالف العصر والأوان عاشت ساحرة شريرة لديها ابنتان؛ إحداهما قبيحة وشريرة أحبَّتها كثيرًا لأنها كانت ابنتها، والأخرى جميلة وطيبة لكنها كانت تكرهها لأنها ابنة زوجها. كان لدى ابنة زوجها مئزر جميل، وذات يوم أعجبت به الابنة الأخرى كثيرًا، لدرجة أنها أصبحت تغار منها، وأخبرت أمها أنها تريد هذا المئزر ولا بد أن تحصل عليه. قالت الساحرة: «هدئي من روعك يا صغيرتي، وستحصلين عليه. لطالما استحقت أختك غير الشقيقة الموت؛ سأحضر الليلة لقطع رأسها أثناء نومها. احرصي فقط أن تنامي بالجانب البعيد من السرير، واتركيها تنام في مقدمة السرير.» ولولا أن الفتاة المسكينة كانت تقف في إحدى الزوايا واستمعت لكل ما دار بين الساحرة وابنتها، لانتهى أمرها. طيلة اليوم لم تجرؤ على الخروج، وعندما حان موعد النوم، أوت ابنة الساحرة إلى الفراش أولًا كي تنام بالطرف البعيد منه، لكن عندما استغرقت في النوم، دفعتها الأخرى برفق نحو مقدمة السرير، ونامت هي بجانب الجدار. في الليل تسللت الساحرة داخل الغرفة، وكانت تمسك فأسًا بيدها اليمنى، وتحسست الابنة بيدها اليسرى لتتحقق من وجودها بالطرف الأمامي من السرير. بعد ذلك أمسكت الفأس بيديها الاثنتين، وقطعت رأس ابنتها.
عندما ابتعدت الساحرة، نهضت الفتاة الطيبة من فراشها، وذهبت إلى حبيبها رولاند، وطرقت بابه. عندما خرج قالت له: «اسمع يا رولاند، لا بد أن نهرب بأقصى سرعة؛ لقد أرادت زوجة أبي قتلي، لكنها قتلت ابنتها. عندما يطلع النهار، وترى ما فعلت، يجب أن نكون قد ابتعدنا.» قال رولاند: «لكن، أنصحك أن تأخذي أولًا عصاها السحرية، وإلا لن نستطيع الهرب إذا تعقبتنا.» جلبت الفتاة العصا السحرية، وحملت رأس الفتاة المقتولة، وأسقطت ثلاث قطرات من الدم فوق الأرض؛ واحدة أمام السرير، وواحدة في المطبخ، وواحدة فوق السلم. ثم هربت مسرعة مع حبيبها.
عندما استيقظت الساحرة العجوز صباح اليوم التالي، نادت على ابنتها وأرادت أن تعطيها المئزر، لكنها لم تحضر. فصاحت الساحرة: «أين أنت؟» أجابت قطرة الدم الأولى: «أكنس عند السلم.» خرجت العجوز، لكنها لم تر أحدًا عند السلم، فصاحت: «أين أنت؟» أجابت قطرة الدم الثانية: «أنا بالمطبخ أستدفئ.» فدخلت إلى المطبخ، لكنها لم تجد أحدًا هناك. فصاحت مجددًا: «أين أنت؟» صاحت قطرة الدم الثالثة: «أنا نائمة بالسرير.» دخلت الساحرة الغرفة، فرأت ابنتها مقطوعة الرأس غارقة في دمائها، فاستشاطت غضبًا، ووثبت نحو النافذة، ولأنها حادة البصر، رأت ابنة زوجها تهرب مسرعة مع حبيبها رولاند. صاحت الساحرة: «هذا لن ينفعك، حتى لو هربت بعيدًا، فلن تفلتي مني.» انتعلت الساحرة حذاءها الطويل الذي تقطع به ساعة من السير في الخطوة الواحدة. إلا أن الفتاة عندما رأت المرأة العجوز تخطو سريعًا تجاهها، حولت بعصاها السحرية حبيبها رولاند إلى بحيرة، وحولت نفسها إلى بطة تسبح في البحيرة. رقدت الساحرة على شاطئ البحيرة، وألقت بفتات الخبز داخلها، وحاولت بشتى الطرق اجتذاب البطة؛ لكن البطة لم تقترب منها، واضطرت الساحرة أن تعود إلى المنزل ليلًا كما خرجت. حينذاك استعادت الفتاة وحبيبها رولاند هيئتهما الطبيعية مجددًا، وسارا طوال الليل حتى شروق الشمس. بعد ذلك حولت الفتاة نفسها إلى زهرة جميلة تقف وسط سياج من شجيرات الورد البري، وحولت حبيبها رولاند إلى عازف كمان. لم يمض وقت طويل حتى عادت الساحرة تمشي بخطى سريعة تجاههما، وقالت لعازف الكمان: «أيها العازف العزيز، هل يمكنني قطف هذه الزهرة الجميلة والاحتفاظ بها لنفسي؟» أجابها: «أجل، سأعزف لك وأنت تفعلين ذلك.» اندفعت على عجل نحو سياج الشجيرات وكانت في طريقها لقطف الزهرة، وهي مدركة تمامًا أنها الفتاة، حين بدأ العازف في العزف. وسواء أكان هذا بإرادتها أم رغمًا عنها، بدأت الساحرة في الرقص، إذ كان العزف رائعًا. كلما أسرع العازف وتيرة العزف، اضطرت الساحرة إلى القفز لأعلى في عنف، ومزقت الأشواك ملابسها عن جسدها، ووخزتها وجرحتها حتى بدأت تنزف. لم تستطع التوقف عن الرقص، وظلت ترقص حتى سقطت صريعة على الأرض.
الآن تحررت الفتاة وحبيبها رولاند، قال رولاند: «سأذهب إلى والدي وسأعد للزفاف.» قالت الفتاة: «في غضون ذلك سأمكث هنا وأنتظرك، ولن يتعرف عليّ أحد، سأحول نفسي إلى معلم حجري أحمر.» انصرف رولاند، ووقفت الفتاة في هيئة معلم حجري أحمر وسط الحقل تنتظر عودة حبيبها. لكن عندما عاد رولاند إلى منزله، وقع في حب فتاة أخرى أنسته أمر حبيبته الأولى. ظلت الفتاة المسكينة هناك فترة طويلة، لكن في النهاية، شعرت بحزن شديد لأنه لم يعد إليها، وحولت نفسها إلى زهرة، وفكرت: «من المؤكد سيمر شخص ما من هذا الطريق، وسيسحقني تحت قدميه.»
ما حدث أن راعي أغنام كان يسوق أغنامه إلى الحقل ورأى الزهرة. كانت رائعة الجمال، فقطفها، وأخذها معه، ووضعها داخل الخزانة. لكن منذ ذلك الحين حدثت أشياء غريبة في منزل الراعي. عندما كان يستيقظ في الصباح، كان يجد كل الأعمال المنزلية قد أُنجزت. فالغرفة تكون نظيفة والمائدة والمقاعد مرتبة، ونار المدفأة مشتعلة، والمياه موجودة. وعند الظهيرة، عندما يعود إلى المنزل، يجد المائدة معدَّة، وفوقها طعام شهي. لم يستطع الراعي فهم ما يحدث، فهو لم ير إنسانًا داخل المنزل، وليس من الممكن أن يختبئ أحد به. لا شك أنه سعد كثيرًا بهذه التغيرات، لكنه كان خائفًا، فذهب إلى امرأة حكيمة ليأخذ منها المشورة. قالت المرأة الحكيمة: «هناك شيء مسحور بالمنزل. أصغ السمع في ساعة مبكرة من الصباح، وإذا سمعت شيئًا يتحرك في الغرفة، أو رأيته ألق فوقه قطعة من القماش الأبيض، وحينها سيتوقف السحر.»
فعل الراعي ما أمرته به السيدة الحكيمة، ففي صباح اليوم التالي مع شروق الشمس، رأى الخزانة تنفتح، والزهرة تخرج منها. سرعان ما وثب نحوها، وألقى بقطعة قماش بيضاء فوقها. على الفور تحولت الزهرة إلى فتاة جميلة أمامه. اعترفت له الفتاة أنها كانت الزهرة، وحتى ذلك الوقت كانت تعتني بمنزله. أخبرته الفتاة بقصتها، ولأنها نالت رضاه كثيرًا طلب منها أن تتزوجه، لكنها رفضت، وأرادت أن تظل مخلصة لحبيبها رولاند مع أنه هجرها. ومع ذلك وعدته الفتاة ألا ترحل، وبأن تواصل الاعتناء بمنزله.
اقترب موعد زفاف رولاند. جرى العُرْف في البلاد أن تُدعى كل الفتيات إلى الزفاف للغناء على شرف العروسين. عندما سمعت الفتاة المخلصة بهذا الأمر، شعرت بالحزن الشديد وبأن قلبها سينفطر، وقررت عدم الذهاب إلى هناك. لكن جاءت الفتيات الأخريات لاصطحابها معهن. وفي كل مرة يأتي دورها في الغناء، تتراجع إلى الخلف، حتى أصبحت آخر فتاة تغني، ولم تستطع الرفض. عندما بدأت في الغناء، ووصل صوتها إلى آذان رولاند، قفز وصاح: «أعرف هذا الصوت، إنه صوت العروس الحقيقية، لن أتزوج غيرها!» وتذكر حينها كل شيء كان قد نسيه وأُمحي من ذاكرته، واستعاد مشاعره القديمة مرة أخرى. أقيم حفل زفاف الفتاة المخلصة على حبيبها رولاند، وانتهت الأحزان، وبدأت الأفراح.
بياض الثلج والأقزام السبعة


في منتصف الشتاء، حيث تتساقط الرقاقات الثلجية الكبيرة، جلست ملكة إحدى البلاد في أبعد بقاع الأرض تغزل في نافذتها. كان إطار النافذة مصنوعًا من خشب الأبنوس الأسود الفاخر، وبينما كانت تتأمل تساقط الجليد، وخزت إصبعها، وسالت ثلاث قطرات من الدم فوق الجليد. تأملت الملكة القطرات الحمراء التي تناثرت فوق الثلج الأبيض، واستغرقت في التفكير، ثم قالت: «ليت ابنتي الصغيرة تكون بيضاء مثل الثلج، وحمراء مثل الدم، وسوداء مثل إطار النافذة!» وبالفعل كبرت الفتاة الصغيرة، وأصبحت بشرتها بيضاء مثل الثلج، ووجنتاها ورديتين مثل الدم، وشعرها أسود مثل الأبنوس، وسُمِّيت «بياض الثلج».
لكن ماتت الملكة، وسرعان ما تزوج الملك بامرأة أخرى صارت الملكة الجديدة، وكانت بارعة الجمال، لكنها لم تحتمل فكرة أن يكون هناك من يفوقها جمالًا. كانت تملك بلورة سحرية، اعتادت الذهاب إليها والتحديق فيها قائلة: «أخبريني أيتها البلورة السحرية، أخبريني الصدق! مِن بين نساء العالم، من هي أجمل امرأة، أخبريني؟» ودائمًا تجيب البلورة: «أنت أيتها الملكة الأجمل في العالم.»
لكن أخذت بياض الثلج تزداد جمالًا؛ وعندما بلغت السابعة من عمرها كان جمالها باهرًا كإشراقة الشمس، وصارت أجمل من الملكة نفسها. أجابت البلورة السحرية الملكة ذات يوم عندما ذهبت لتحدق بها كالمعتاد، وقالت: «أنت يا ملكة جميلة وتسرين الناظرين، لكن بياض الثلج تفوقك جمالًا» عندما سمعت الملكة هذا الكلام شحب وجهها من فرط الغضب والحقد، ونادت على أحد خادميها، وقالت: «خذ بياض الثلج بعيدًا في أعماق الغابة الواسعة، لا أريد أن أراها مجددًا.» أخذ الخادم بياض الثلج بعيدًا، لكن رق قلبه مع توسلات بياض الثلج بأن يعتقها، وقال: «لن أؤذيك أيتها الطفلة الجميلة.» ثم تركها وحدها بالغابة، وظن أن الحيوانات البرية ستفتك بها على الأرجح، وشعر بأنه أزاح حملًا ثقيلًا عن كاهله بعد أن قرر عدم قتلها وتركها لتواجه مصيرها، فربما يعثر عليها شخص ما وينقذها.
تجولت بياض الثلج المسكينة في الغابة والخوف يملؤها؛ زأرت الحيوانات البرية من حولها، لكن لم يصبها أي منها بأذى. في المساء وصلت إلى كوخ بين التلال، ودخلت لتستريح، إذ كانت تشعر بالوهن الشديد ولا تستطيع السير. كان كل شيء أنيقًا ومرتبًا داخل الكوخ؛ إذ يوجد فوق المائدة مفرش أبيض، وسبعة أطباق صغيرة، وسبعة أرغفة صغيرة، وسبعة كئوس صغيرة بها خمر؛ وسبعة سكاكين وشوك موضوعة بنظام، وبجانب الجدار سبعة أسِرَّة. ولأنها كانت تشعر بالجوع القارص، أكلت قطعة صغيرة من كل رغيف، وأخذت رشفة من كل كأس، وفكرت بعد ذلك أن تتمدد وترتاح، فجربت كل الأسِرَّة الصغيرة. أحدها كان طويلًا أكثر من اللازم، وآخر كان قصيرًا أكثر من اللازم، وأخيرًا كان السرير السابع هو الذي يناسبها، فتمددت فوقه، واستغرقت في النوم.
بعد ذلك حضر أصحاب الكوخ. كانوا سبعة أقزام يعيشون بين الجبال، ويحفرون للبحث عن الذهب. أضاءوا المصابيح السبعة، وأدركوا على الفور أن هناك خطبًا ما. قال الأول: «من جلس فوق كرسيي؟» وقال الثاني: «من أكل من صحني؟» وقال الثالث: «من أكل من رغيفي؟» وقال الرابع: «من عبث بملعقتي؟» وقال الخامس: «من عبث بشوكتي؟» وقال السادس: «من استخدم سكيني؟» وقال السابع: «من شرب من كأسي؟» ثم نظر الأول حوله وقال: «من نام فوق سريري؟» فهرول نحوه باقي الأقزام، وصاح كل واحد فيهم إن هناك من نام فوق سريره، لكن القزم السابع رأى بياض الثلج، ونادى على إخوته ليحضروا ويروها؛ فصاحوا في عجب ودهشة وأحضروا مصابيحهم لينظروا إليها، وقال كل منهم: «يا إلهي! يا لها من طفلة جميلة!» وسعدوا كثيرًا برؤيتها، وتصرفوا بحذر كي لا يوقظوها، ونام القزم السابع مدة ساعة مع كل قزم من الأقزام الستة بالتتابع حتى طلع النهار.
في الصباح أخبرتهم بياض الثلج بقصتها، فأشفقوا عليها، وأخبروها أنه بإمكانها أن تمكث معهم على أن ترتب المنزل وتطهو وتغسل وتغزل، وسيعتنون بها جيدًا. بعد ذلك خرجوا للعمل طيلة اليوم بحثًا عن الذهب والفضة في الجبال، وأصبحت بياض الثلج وحدها بالمنزل. حذرها الأقزام السبعة، وقالوا: «سرعان ما ستعرف الملكة مكانك، فتوخي الحذر، ولا تسمحي لأحد بالدخول.»
ظنت الملكة أنها أصبحت أجمل نساء الأرض بعد أن اعتقدت أن بياض الثلج قد ماتت، وذهبت إلى بلورتها السحرية، وقالت: «أخبريني أيتها البلورة السحرية، أخبريني الصدق! من بين نساء العالم، من هي أجمل امرأة، أخبريني؟» أجابتها البلورة: «أنت يا ملكة أجمل النساء في هذه الأرض، لكن بين التلال، في الغابة الخضراء، حيث يعيش الأقزام السبعة، تختبئ بياض الثلج، وهي أجمل منك كثيرًا أيتها الملكة.» شعرت الملكة بالذعر، لأنها تعلم أن البلورة السحرية تقول الصدق دائمًا، وتأكدت أن الخادم خانها. ولم تستطع تحمل التفكير أن هناك من يفوقها جمالًا على وجه الأرض؛ فارتدت ملابس بائعة متجولة عجوز، وشقت طريقها نحو التلال إلى حيث يعيش الأقزام السبعة. طرقت باب الكوخ، وصاحت: «معي أشياء جميلة للبيع!» أطلت بياض الثلج من النافذة، وقالت: «مرحبًا أيتها المرأة الطيبة! ماذا تحملين معك؟» قالت: «معي بضائع جميلة. معي بضائع رائعة. معي أربطة وبكر من كل الألوان.» فكرت بياض الثلج في نفسها وهي ذاهبة لفتح الباب: «سأسمح لها بالدخول، تبدو امرأة طيبة.» قالت العجوز: «يا إلهي! إن مشد فستانك غير مربوط جيدًا.» لم تتوقع بياض الثلج الخيانة، فوقفت أمام العجوز، التي أخذت تربط مشد الفستان، وأحكمت ربط الفستان بقوة، حتى توقفت بياض الثلج عن التنفس، وانهارت على الأرض وقد فارقت الحياة. قالت الملكة الحاقدة: «هذه نهاية جمالك.» ثم عادت إلى قصرها.
في المساء عاد الأقزام السبعة إلى المنزل، وحزنوا لدى رؤيتهم بياض الثلج ملقاة فوق الأرض، وكأنها فارقت الحياة. لكنهم رفعوها من فوق الأرض، وعندما اكتشفوا سبب علتها، قطعوا الأربطة، وبعد لحظة بدأت تتنفس، وسرعان ما استعادت الوعي. قالوا لها: «تلك العجوز هي نفسها الملكة. احذري في المرة القادمة، ولا تسمحي لأحد بالدخول عندما نكون بالخارج.»
عندما عادت الملكة إلى المنزل، ذهبت مباشرة إلى بلورتها السحرية، وقالت كما اعتادت، لكن كانت صدمتها الكبرى حينما قالت البلورة: «أنت يا ملكة أجمل النساء في هذه الأرض، لكن بين التلال، في الغابة الخضراء، حيث يعيش الأقزام السبعة، تختبئ بياض الثلج، وهي أجمل منك كثيرًا أيتها الملكة.» فار الدم في عروقها وشعرت بالنكاية والحقد بعد أن أدركت أن بياض الثلج لا تزال على قيد الحياة. ارتدت ملابسها مجددًا، لكنها كانت تختلف عن ملابسها في المرة السابقة، وأخذت معها مشطًا مسممًا. عندما وصلت إلى كوخ الأقزام، طرقت الباب، وصاحت: «معي بضائع رائعة!» لكن بياض الثلج قالت: «لا أجرؤ على فتح الباب لأي أحد.» فقالت الملكة: «انظري فقط إلى الأمشاط الرائعة التي أحملها!» وأعطتها المشط المسمم. بدا المشط جميلًا، فأخذته بياض الثلج منها ووضعته في شعرها لتجرِّبه، لكن ما إن لامس المشط رأسها حتى سقطت فاقدة الوعي، فقد كان السم قويًّا للغاية. قالت الملكة: «لقد تخلصت منك.» ثم عادت إلى قصرها. لحسن حظ بياض الثلج، عاد الأقزام السبعة مبكرًا ذاك اليوم، وعندما رأوها ملقاة فوق الأرض، أدركوا ما حدث، وسرعان ما عثروا على المشط المسمم. وعندما نزعوه من رأسها، أفاقت، وأخبرتهم بما حدث؛ فحذروها مرة أخرى، ونهوها عن فتح الباب لأي شخص.
في تلك الأثناء ذهبت الملكة إلى بلورتها السحرية، وانتفضت غيظًا عندما سمعت الإجابة نفسها كما في السابق، وقالت: «ستموتين يا بياض الثلج، حتى إن كلفني ذلك حياتي.» ثم ذهبت إلى حجرتها، وأحضرت معها تفاحة مسمومة. بدت التفاحة من الخارج ناضجة ومغرية، لكن من يتذوقها يموت على الفور. تنكرت الملكة في زي امرأة ريفية، وسافرت عبر التلال حتى وصلت إلى كوخ الأقزام السبعة، ثم طرقت الباب. أطلت بياض الثلج من النافذة، وقالت: «غير مسموح لي بإدخال أي فرد إلى هنا، فقد نهاني الأقزام عن فعل ذلك.» قالت العجوز: «كما يحلو لك، لكن على أي حال خذي هذه التفاحة، سأعطيك إياها.» قالت بياض الثلج: «كلا، أخشى ذلك.» أجابتها العجوز: «أيتها الفتاة السخيفة، مم تخافين؟ هل تعتقدين أنها مسمومة؟ تعالي! ستأكلين نصفها وأنا سأتناول النصف الآخر.» كان نصف التفاحة مسمومًا والنصف الآخر غير مسموم. أغرت التفاحة الوردية بياض الثلج وأرادت تذوقها بشدة، فقد بدت التفاحة جميلة، وعندما رأت العجوز تأكل منها، لم تطق الانتظار أكثر من ذلك. لكن ما إن قضمت منها قضمة حتى سقطت على الأرض مفارقة الحياة. قالت الملكة: «هذه المرة لن تجدي من ينقذك.» ثم عادت إلى قصرها لتنظر في بلورتها. أخيرًا أخبرتها البلورة: «أنت أيتها الملكة أجمل نساء الأرض.»
هدأ بال الملكة أخيرًا وغمرتها السعادة. عندما حل المساء، عاد الأقزام إلى المنزل، ووجدوا بياض الثلج ملقاة فوق الأرض لا تتنفس. خَشَوا أن تكون قد ماتت بالفعل. حملوها من فوق الأرض ومشطوا شعرها، وغسلوا وجهها، لكن بلا جدوى، فقد بدت الفتاة الصغيرة ميتة. لذا وضعوها فوق نعش، وأخذوا يراقبونها وهم ينوحون على مدى ثلاثة أيام. فكروا بعد ذلك في دفنها، لكن كانت وجنتاها لا تزالان ورديتين، ووجهها لم يتغير لونه، فقالوا: «لن ندفنها قط في الأرض الباردة.» فصنعوا لها تابوتًا من الزجاج، كي يتمكنوا من النظر إليها، وكتبوا اسمها فوقه بحروف ذهبية، وأنها ابنة الملك. وضعوا التابوت بين التلال، ودائمًا ما كان يجلس بجواره أحد الأقزام لمراقبته. كانت الطيور تحلق عند تابوتها أيضًا وتتحسر عليها. في البداية حضرت بومة، ثم غراب، وأخيرًا يمامة، وحطوا بجانب التابوت.
وهكذا رقدت بياض الثلج في نعشها فترة طويلة للغاية، بدت خلالها كأنها نائمة. بدت بيضاء مثل الثلج، وحمراء مثل الدم، وسوداء مثل خشب الأبنوس. في النهاية حضر الأمير ونادى عند كوخ الأقزام؛ ورأى بياض الثلج، وقرأ المكتوب بحروف ذهبية. عرض مالًا على الأقزام، وتوسل إليهم أن يسمحوا له أن يأخذها معه، لكنهم قالوا: «لن نتركها مقابل ذهب العالم كله.» لكن في النهاية أخذتهم به الشفقة وأعطوه التابوت، وفي اللحظة التي حملها ليأخذها معه إلى المنزل، سقطت قطعة التفاح من بين شفتيها، واستيقظت بياض الثلج وقالت: «أين أنا؟» فقال الأمير: «أنتِ في أمان معي.»
ثم أخبرها بما حدث، وقال: «أحبك كثيرًا؛ تعالي معي إلى قصر أبي، وستكونين زوجتي.» وافقت بياض الثلج، وعادت إلى القصر مع الأمير، وجرت استعدادات الزفاف في أجواء بهيجة.
أُرسلت دعوة الزفاف إلى عدد كبير من الناس، من بينهم عدُوَّتها القديمة الملكة التي ارتدت ملابسها الأنيقة الفاخرة، ونظرت في بلورتها السحرية، وقالت: «أخبريني أيتها البلورة السحرية، أخبريني الصدق! من بين نساء العالم، من هي أجمل امرأة، أخبريني؟» أجابتها البلورة: «أنت يا سيدتي الأجمل هنا، لكن هناك أخرى أجمل منك ستكون الملكة الجديدة.» استشاطت الملكة غضبًا عندما سمعت هذا الكلام، لكن لفضولها وحقدها الكبيرين، لم تستطع منع نفسها من الذهاب لرؤية العروس. وعندما وصلت إلى هناك، رأت بياض الثلج التي ظنت أنها ماتت منذ فترة طويلة. ومن شدة شعورها بالغضب، اختنقت، وسقطت على الأرض بلا حياة. أما بياض الثلج والأمير، فقد عاشا معًا، وحكما البلاد في سعادة على مدى سنوات عديدة؛ وأحيانًا ما كانا يذهبان إلى الجبال، ويزوران الأقزام السبعة الذين أمدوا يد العون إلى بياض الثلج في وقت شدتها.
زهرة القرنفل


في سالف العصر والأوان عاشت ملكة لم يرزقها الله بأطفال. في كل صباح كانت تذهب إلى الحديقة وتدعو الله أن يرزقها بابن أو ابنة. جاءها بعد ذلك مَلَك من السماء، وقال: «ليهدأ بالك، سيرزقكِ الله غلامًا تتحقق كل أمانيه؛ فأي شيء يتمناه في العالم، سيحصل عليه.» بعد ذلك ذهبت إلى الملك وأخبرته بالأنباء السارة. ثم وضعت الغلام، وملأت السعادة قلب الملك.
في كل صباح تذهب الملكة ومعها طفلها إلى الحديقة حيث تُحتجز الحيوانات الضارية، لتغتسل في نهير صافي المياه. ذات مرة عندما كبر الولد قليلًا، كانت تحمله بين ذراعيها، لكن غلبها النعاس. حضر الطاهي العجوز الذي كان يعلم أن كل ما يتمناه الطفل يتحقق، وسرقه من بين يديها، ثم أمسك دجاجة، وقطعها إربًا إربًا، وأسقط قطرات من دمها فوق مئزر الملكة وفستانها. ثم حمل الطفل بعيدًا إلى مكان سري، وأحضر مُرضعة، وأمرها أن ترضعه، ثم ركض إلى الملك، واتهم الملكة بالتقصير لأنها سمحت للحيوانات المفترسة أن تلتهم الطفل. عندما رأى الملك الدم فوق مئزر الملكة، صدق رواية الطاهي، واستشاط غضبًا، وأمر ببناء برج شاهق الارتفاع، لا يدخله ضوء شمس أو قمر، لاحتجاز زوجته بداخله. أُجبرت الملكة على أن تمكث في ذاك البرج مدة سبع سنوات دون طعام أو شراب حتى تتضور جوعًا. لكن الله أرسل إليها مَلَكين من السماء في هيئة يمامتين بيضاوين كانتا تحلقان إليها مرتين كل يوم وتحملان إليها الطعام حتى انقضت السنوات السبع.
فكر الطاهي في نفسه: «إذا كان الطفل يملك تحقيق كل ما يتمناه، فقد يتسبب لي في مشكلات وأنا هنا بكل سهولة.» فترك القصر، وذهب إلى الولد الذي كبر واستطاع التحدث، وقال له: «تمنَّ لنفسك قصرًا جميلًا بحديقته وكافة مشتملاته.» ما إن نطق الولد بهذه الكلمات، حتى تحقق ما تمناه. بعد برهة قال له الطاهي: «ليس جيدًا أن تظل وحدك هكذا، تمنَّ أن تأتي فتاة جميلة وتكون رفيقتك.» تمنى ابن الملك هذا الأمر، وفي الحال وقفت أمامه فتاة لم ير في جمالها. لعبا الاثنان معًا وأحب أحدهما الآخر كثيرًا، وخرج الطاهي العجوز للصيد كعادة النبلاء. خطر بباله أن ابن الملك ربما يتمنى يومًا أن يكون مع والده، وهكذا قد يعرض حياة الطاهي للخطر. فخرج وأخذ الفتاة جانبًا، وقال لها: «عندما ينام الولد هذه الليلة، اذهبي إلى فراشه واطعنيه بهذه السكين في صدره، وأحضري لي قلبه ولسانه، وإذا لم تفعلي ذلك، فستفقدين حياتك.» وعلى هذا خرج الطاهي، وعندما عاد في اليوم التالي، وجد أن الفتاة لم تنفذ ما أمرها به، وقالت: «لماذا أقتل طفلًا بريئًا لم يؤذ أي شخص قط؟» أخبرها الطاهي مرة أخرى: «إذا لم تفعلي ذلك، فسيكلفك هذا الأمر حياتك.» عندما خرج مجددًا، أحضرت غزالة صغيرة، وذبحتها، ثم أخذت قلبها ولسانها ووضعتهما فوق صحن، وعندما رأت الطاهي العجوز قادمًا، قالت للصبي: «ارقد في فراشك، وغطِّ نفسك باللحاف.» حضر الطاهي الشرير، وقال: «أين قلب الولد ولسانه؟» قدمت له الفتاة الصحن، لكن ابن الملك أزاح اللحاف عن نفسه، وقال: «لماذا تريد قتلي أيها العجوز الآثم؟ سأنطق بعقوبتك الآن، ستصبح كلبًا أسود حول عنقه طوق ذهبي، وستأكل الفحم المشتعل حتى يخرج اللهب من حلقك.» عندما أنهى الولد كلامه، تحول الطاهي العجوز إلى كلب يلتف حول عنقه طوق ذهبي، وأمر الطهاة أن يجلبوا فحمًا مشتعلًا أكله الطاهي العجوز حتى انبثق اللهب من حلقه. عاش ابن الملك هناك فترة قصيرة، وفكر في أمه، وتساءل هل لا تزال على قيد الحياة. وفي النهاية قال للفتاة: «سأعود إلى دياري؛ إذا ذهبت معي، فسأتكفل بك.» أجابت الفتاة: «إنها بعيدة، وماذا سأفعل في بلاد غريبة لا يعرفني فيها أحد؟» ولمَّا بدت رافضة إلى حد ما الذهاب معه، ولأنه لا يستطيع الابتعاد عنها، تمنى أن تتحول إلى زهرة قرنفل جميلة ويأخذها معه. بعد ذلك شق طريقه إلى دياره، وأخذ الكلب يركض وراءه. ذهب الولد إلى البرج الذي تُحتجز فيه أمه، ولأنه كان شاهق الارتفاع، تمنى وجود سلم يصل إلى قمة البرج. ثم صعد السلم، ونظر داخل البرج، وصاح: «أمي الحبيبة، أيتها الملكة، أما زلت على قيد الحياة، أم فارقتي الحياة؟» أجابت الملكة: «لقد تناولت طعامي توًّا، وأشعر بالشبع.» إذ ظنت الملكة أنهما المَلَكين قد أحضرا لها طعامًا. قال الولد: «أنا ابنك العزيز الذي أخبروك أن الحيوانات المفترسة أخذته من بين ذراعيك وفتكت به يا أمي، لكنني ما زلت على قيد الحياة، وسأحررك سريعًا.» ثم نزل مجددًا، وذهب إلى أبيه، وقدم له نفسه على أنه صياد غريب، وسأله هل يمكنه تقديم خدماته للملك. وافق الملك، شريطة أن يكون ماهرًا ويستطيع اصطياد طرائد له، وحينها يستطيع العمل بالقصر. لكن لم تكن الغزلان تأتي إلى هذه البلاد ولا تسكن في أي بقعة فيها، مع ذلك وعد الصياد الملك أن يجلب للمائدة الملكية ما يستطيع من الطرائد. استدعى كل الصيادين، وأمرهم أن يخرجوا معه إلى الغابة، وذهب معهم وجعلهم يشكلون دائرة كبيرة مفتوحة في جزء منها، وارتكز عند هذا الجزء، وبدأ يتمنى. حضر ما يزيد عن مئتي غزال ركضًا ودخلت الغزلان الدائرة، وبدأ الصيادون في إطلاق سهامهم عليها. بعد ذلك وُضعت الغزلان فوق ستين عربة، واتجهت إلى الملك، وللمرة الأولى تمكن الملك من تزيين مائدته بالطرائد، بعد أن حُرِم من هذا الأمر سنوات.
فرح الملك فرحًا كبيرًا، وأمر أن يأكل كل من بالقصر معه في اليوم التالي، وأقام وليمة كبيرة. عندما تجمعت الحاشية كلها، قال للصياد: «لأنك ماهر للغاية، يجب أن تجلس إلى جواري.» أجاب: «جلالة الملك، أستميحك عذرًا، لست سوى صياد فقير.» لكن الملك أصر على ذلك، وقال: «ستجلس بجواري.» ففعل الولد ما أُمر به. أثناء جلوسه بجوار الملك، أخذ يفكر في أمه العزيزة، وتمنى أن يتحدث عنها أحد كبار الخدم عند الملك، ويسأل كيف تأكل الملكة في البرج، وهل ما زالت على قيد الحياة أم ماتت. ما إن صاغ الولد الأمنية في ذهنه، حتى تحدث مدير المراسم وقال: «يا جلالة الملك، نحن نعيش في سعادة هنا، لكن كيف تعيش الملكة في البرج؟ هل ما زالت على قيد الحياة، أم ماتت؟» لكن الملك أجاب: «لقد تسببت في أن تفتك الحيوانات المفترسة بابني العزيز؛ لا بد وأنها قد ماتت.» ثم نهض الصياد، وقال: «يا أبي، إنها لا تزال على قيد الحياة، وأنا ابنها، لم تمزقني الحيوانات المفترسة، بل أخذني الطاهي العجوز اللئيم من بين ذراعيها أثناء نومها، ونثر دم دجاجة فوق مئزرها.» ثم أمسك الكلب من طوقه الذهبي، وقال: «ها هو اللئيم!» وأمر بإحضار فحم مشتعل واضطر الكلب إلى التهامه أمام كل الحاضرين حتى انبثق اللهب من حلقه. حينذاك سأل الصياد الملك هل يود رؤية الكلب في مظهره الحقيقي، ثم تمنى أن يسترد الكلب هيئته الأصلية، وعلى الفور تحول الكلب إلى الطاهي العجوز بمئزره الأبيض، وسكينه بجانبه. عندما رأى الملك الطاهي، استشاط غضبًا، وأمر باحتجازه في زنزانة في أعماق الأرض. بعد ذلك تحدث الصياد وقال: «هل تود أن ترى الفتاة التي اعتنت بي والتي أمرها الطاهي بعد ذلك أن تقتلني، لكنها لم تفعل، وخاطرت بحياتها بعصيانها لأمره؟» أجاب الملك: «أجل، أود رؤيتها.» فقال الولد: «أيها الأب الكريم، سأريك إياها في هيئة وردة جميلة.» ثم أدخل يده في جيبه، وأخرج زهرة القرنفل، ووضعها فوق المائدة الملكية، وكانت رائعة الجمال لم ير الملك في جمالها قط. قال الولد: «الآن سأعيدها إلى هيئتها الأصلية.» وتمنى أن تستعيد الفتاة هيئتها، فتحولت الوردة إلى فتاة جميلة لا يضاهيها أحد في جمالها.
أرسل الملك وصيفتين وخادمتين إلى البرج ليُحضِرن الملكة لتجلس على المائدة الملكية. لكن عندما حضرت إلى المائدة، لم تأكل شيئًا، وقالت: «إن ربي الكريم الرحيم الذي أعانني وأنا في البرج، سيحررني قريبًا.» عاشت الملكة ثلاثة أيام أخرى، ثم ماتت وهي تشعر بالسعادة، وعندما دُفنت، سار خلف نعشها اليمامتان اللتان كانتا تحضران إليها الطعام في البرج، وجلستا بجانب قبرها. أمر الملك بتمزيق الطاهي إلى أربعة أجزاء، لكن الحزن كان يملأ قلبه، وسرعان ما مات حزنًا على زوجته. تزوج ابنه من الفتاة الجميلة التي أحضرها معه، ولا نعرف هل ما زالا على قيد الحياة أم لا.
إلزي الذكية


يُحكى أن رجلًا كانت لديه ابنة تُدعى إلزي الذكية. وعندما كبرت قال أبوها: «سنزوجها.» قالت الأم: «أجل، ليتها تتزوج من يستحقها.» في النهاية جاء رجل من بلد بعيد لطلب يدها، وكان يُدعى هانز؛ لكنه اشترط أن تكون إلزي شديدة الذكاء. قال الأب: «لديها حسُّ التمييز.» وقالت الأم: «بإمكانها التنبؤ بهبوب الرياح، وتستطيع سماع صوت سعال الذباب.» قال هانز: «حسنًا، إن لم تكن شديدة الذكاء، فلن أتزوجها.» بعد أن انتهوا من تناول العشاء، قالت الأم: «يا إلزي، اذهبي إلى القبو، وأحضري لنا الخمر.» أخذت إلزي الإبريق المعلق بالجدار، وذهبت إلى القبو، ونزعت غطاء الإبريق سريعًا أثناء ذهابها اختصارًا للوقت. عندما وصلت إلى القبو، أمسكت كرسيًّا، ووضعته أمام البرميل بحيث لا تضطر إلى الانحناء، ولا تؤذي ظهرها أو تلحق أي أذى غير متوقع بنفسها. ثم وضعت الإبريق أمامها، وفتحت صنبور البرميل، وأثناء تدفق الخمر، أخذت تحدق النظر في جدران المكان من حولها، وإذا بها ترى فوقها تمامًا مِعْولًا نسيه عامل البناء.
أخذت إلزي الذكية تنتحب، وقالت: «إذا تزوجتُ هانز، وأنجبتُ طفلًا، وكبِر، وأرسلته إلى القبو ليحضر لنا الخمر، فسيسقط المعول فوق رأسه، ويقضي عليه.» جلست إلزي هناك وأخذت تنتحب وتصرخ بأعلى صوتها بعد أن اكتشفت هذه الكارثة. جلس أبوها وأمها والعريس في الطابق العلوي في انتظار الشراب، لكن إلزي الذكية لم تحضر. فقالت الأم للخادمة: «اذهبي إلى القبو، وابحثي عن إلزي.» ذهبت الخادمة، ووجدت إلزي جالسة أمام برميل الخمر تصرخ بصوت عال. سألتها الخادمة: «لماذا تبكين يا إلزي؟» أجابتها: «يا إلهي! وهل هناك سبب يجعلني لا أبكي؟ إذا تزوجت هانز، وأنجبت طفلًا، وكبر، وحضر لجلب الخمر من هنا، ربما يسقط المعول فوق رأسه، ويقتله.» فقالت الخادمة: «يا لك من فتاة ذكية يا إلزي!» وجلست بجوارها، وبدأت تبكي بصوت عال على الكارثة المتوقعة. بعد برهة، لم تعد الخادمة، واشتاق الجالسون في الطابق العلوي إلى الخمر، فقال الرجل للخادم: «اذهب إلى القبو، وابحث عن إلزي والخادمة.» نزل الخادم، ووجد إلزي الذكية والخادمة جالستين تبكيان، فسألهما: «لماذا تبكيان؟» قالت إلزي: «وهل هناك سبب يجعلني لا أبكي؟ إذا تزوجت هانز، وأنجبت طفلًا، وكبر، وحضر لجلب الخمر من هنا، فسيسقط المعول فوق رأسه ويقتله.» فقال الخادم: «يا لك من فتاة ذكية يا إلزي!» وجلس بجوارهما، وبدأ يصرخ هو الآخر بصوت عال. انتظر من في الطابق العلوي عودة الخادم، لكنه لم يعد، فقال الأب لزوجته: «اذهبي إلى القبو، وابحثي عن إلزي!» ذهبت الزوجة إلى القبو، ووجدت الثلاثة يجلسون وسط صيحات العويل والنحيب، فسألتهم عن السبب. أخبرتها إلزي أن ابنها الذي ستنجبه في المستقبل سيموت بعد أن يقع عليه المعول عندما يكبر وينزل لجلب الخمر. قالت الأم ما قاله الخادم والخادمة: «يا لك من فتاة ذكية يا إلزي!» وجلست بجوارهم، وبكت معهم. انتظر الرجل في الطابق العلوي فترة وجيزة، ولأن زوجته لم تعد، وزاد ظمؤه، قال: «لا بد أن أنزل إلى القبو بنفسي، وأبحث عن إلزي.» لكن عندما وصل إلى القبو، ووجدهم جميعًا يبكون، وسمع السبب، وهو أن إلزي قد تنجب طفلًا يومًا ما يلقى حتفه بعد أن يسقط المعول فوق رأسه إذا تصادف جلوسه أمام برميل الخمر لحظة سقوط المعول، صاح الأب: «يا لك من فتاة ذكية يا إلزي!» وجلس بجوارهم وأخذ ينتحب هو الآخر. جلس العريس وحده في الطابق العلوي مدة طويلة؛ لكن لم يعد أحد منهم، ففكر: «لا بد أنهم ينتظرونني بالقبو، لا بد أن أذهب أيضًا إلى هناك لأرى ماذا يفعلون.» عندما نزل إلى القبو، كان خمستهم جالسين يصرخون ويولولون في انفعال شديد، كل فرد يعلو صوته عن الآخر. سألهم: «ما الأمر؟» أجابت إلزي: «عزيزي هانز، إذا تزوجنا وأنجبنا طفلًا، وكبر وأرسلناه إلى هنا لإحضار الشراب، فقد يسقط المعول المعلق، ويهشم رأسه. أليس هذا سببًا كافيًا للبكاء؟» قال هانز: «يا إلهي! لا أريد فتاة أكثر ذكاءً منك لترعى منزلي، يا لك من فتاة ذكية يا إلزي، سأتزوجك.» ثم أمسك بيدها، وأخذها إلى الطابق العلوي، وتزوجها.
بعد الزواج بفترة، قال لها: «يا زوجتي، سأذهب إلى العمل لكسب قوت يومنا. اذهبي أنتِ إلى الحقل لجني القمح وإعداد الخبز.» قالت: «أجل يا عزيزي هانز، سمعًا وطاعة.» بعد أن خرج هانز إلى العمل، طهت إلزي لنفسها حساءً شهيًّا، وأخذته معها إلى الحقل. عندما وصلت إلى الحقل، قالت لنفسها: «ماذا أفعل؟ هل أجني القمح أولًا، أم أتناول طعامي؟ حسنًا، سأتناول طعامي أولًا.» ثم شربت كوب الحساء وبعد أن أحست بالشبع، قالت مرة أخرى: «ماذا أفعل؟ هل أجني القمح أولًا، أم أنام؟ سأنام أولًا.» ثم رقدت بين الذرة، واستغرقت في النوم. وصل هانز إلى المنزل وانتظر وقتًا طويلًا، لكن إلزي لم تعد؛ فقال: «يا لها من امرأة ذكية؛ إنها مجدة للغاية حتى إنها لم تحضر لتناول طعامها.» لكن عندما حل المساء وما زالت إلزي خارج المنزل، خرج هانز ليرى ما جنته، لكنه وجد المحصول كما هو، ووجدها ترقد بين الذرة. اتجه هانز مسرعًا إلى المنزل، وأحضر شبكة لصيد الطيور معلق بها أجراس صغيرة ووضعها حولها، لكنها لم تستيقظ. ثم اتجه مسرعًا نحو المنزل، وأغلق باب المنزل، وجلس على كرسيه يعمل. في النهاية، عندما عم الظلام تمامًا، استيقظت إلزي الذكية، وعندما نهضت سمعت أصوات صلصلة من جميع الاتجاهات حولها، ورنت الأجراس مع كل خطوة كانت تخطوها. شعرت إلزي بالخوف، وبدأت تزداد شكوكها هل هي إلزي الذكية أم لا، فقالت لنفسها: «هل أنا إلزي، أم لست إلزي؟» لكنها لم تتوصل إلى إجابة عن هذا السؤال. وقفت في حيرة من أمرها بعض الوقت، وفي النهاية فكرت: «سأعود إلى المنزل لأسأل هل أنا إلزي، أم لا. من المؤكد أنهم سيعرفون.» ركضت نحو منزلها، لكن الباب كان مغلقًا؛ فطرقت فوق النافذة، وصاحت: «يا هانز، هل إلزي بالمنزل؟» أجاب هانز: «أجل، إنها هنا.» شعرت إلزي بالذعر لدى سماعها ذلك، وقالت: «يا إلهي! إذن أنا لست إلزي.» وذهبت لطرق باب آخر؛ لكن عندما سمع الناس صوت رنين الأجراس لم يفتحوا لها الباب؛ لم تعثر إلزي على مكان يأويها، فهربت من القرية، ولم يرها أحد منذ ذلك الحين.
بخيل في الأدغال


يُحكى أن مزارعًا كان لديه خادم مخلص ومجتهد خدمه بجدية على مدى ثلاثة أعوام دون أن يتلقى أي أجر عن عمله. وفي النهاية فكر في نفسه أنه لن يستمر في العمل هكذا دون أن يتلقى أي أجر؛ فذهب إلى سيده، وقال: «لقد عملت بجد مدة طويلة، وأرجو أن تعطيني ما أستحقه مقابل مشقتي.» كان المزارع رجلًا بخيلًا، ويدرك أن خادمه طيب القلب؛ فأخرج من جيبه ثلاثة بنسات؛ بنسًا عن كل عام. اعتقد الرجل المسكين أن هذا المبلغ مكافأة كبيرة، وقال لنفسه: «لماذا أكِدُّ في العمل هنا، وأتناول طعامًا رديئًا بعد ذلك؟ يمكنني الآن الارتحال في العالم الفسيح للاستمتاع.» بعد ذلك وضع الخادم المال في محفظته، وانطلق للسفر عبر التلال والوديان.
وأثناء سيره ببطء بين الحقول، يغني ويرقص، قابله قزم صغير، وسأله عن سر سعادته، فقال له: «وما الذي يحزنني؟ فأنا بصحة جيدة، وأحمل نقودًا كثيرة في محفظتي، لماذا لا أفرح إذن؟ لقد ادخرت أجري عن ثلاثة أعوام من العمل، والآن حصلت عليه وأضعه في محفظتي.» قال القزم: «كم ادخرت؟» أجاب الخادم: «ثلاثة بنسات كاملة.» قال له القزم: «ليتك تعطيني إياها، فأنا رجل فقير للغاية.» فأشفق الخادم عليه، وأعطاه كل ما يملك، فقال له القزم: «بما أنك رجل طيب القلب هكذا، فسأمنحك ثلاث أمنيات أحققها لك مقابل كل بنس؛ اختر إذن ما تتمنى.» ابتهج الخادم لحظه السعيد، وقال: «هناك أشياء كثيرة أحبها أكثر من المال؛ أولًا، أريد قوسًا يسقط لي أي شيء أصوبه تجاهه. ثانيًا، أريد آلة كمان تحفز أي شخص على الرقص حين أعزف عليها، وثالثًا، أريد أن يمنحني أي فرد أي طلب أطلبه منه.» أخبره القزم أن له ما يريد، وقدم له القوس والكمان، ثم شق طريقه.
تقدم صديقنا المخلص في طريقه أيضًا؛ وشعر بسعادة أكبر مما كان يشعر بها في السابق. لم يقطع مسافة كبيرة حتى قابل عجوزًا بخيلًا بجواره شجرة يقف فوق أعلى غصن بها طائر السمنة وهو يغرد في سعادة كبيرة. قال البخيل: «يا له من طائر جميل؛ لا أمانع في تقديم مبلغ كبير من المال مقابل أن أحصل عليه.» قال الخادم: «إذا كان الأمر كذلك، فسأسقطه لك.» بعد ذلك رفع قوسه، وسقط الطائر وسط الأدغال عند أسفل الشجرة. تسلل البخيل بين الأدغال للبحث عن الطائر؛ لكن ما إن قطع منتصف الطريق، حتى أخرج الخادم آلة الكمان وأخذ يعزف، فبدأ البخيل في الرقص والقفز. أخذ يقفز عاليًا في الهواء، فبدأت الأشواك تمزق ملابسه حتى أصبحت أشلاء، وامتلأ جسده بالخدوش والجروح حتى سال الدم منه.» صاح البخيل: «بربِّك! أتوسَّل إليك! يا سيدي! يا سيدي! كفى، ماذا فعلت لأستحق كل ذلك؟» قال الخادم: «لقد تسببت في موت الكثير من المخلوقات الضعيفة وتعريض حياتها للخطر، هذا يوفيك جزاءك.» عزف الخادم لحنًا آخر. ثم بدأ البخيل يتوسل إليه، ويقدم له الوعود، ثم عرض عليه مالًا مقابل أن يعتقه؛ لكن عروض البخيل المالية لم تلق رضا العازف بعض الوقت؛ فأسرع الوتيرة، وأخذ البخيل يرقص بإيقاع أسرع، ويقفز أعلى وأعلى، حتى عرض عليه في النهاية ما يقرب من مئة عملة ذهبية يحملها في محفظته، وكان قد حصل عليها بالخداع من شخص مسكين. عندما رأى الخادم هذا القدر الكبير من المال، قال: «سأوافق على عرضك.» ثم أخذ محفظته، ووضع الكمان فوق ظهره، وتابع مسيرته في سعادة غامرة بهذا المكسب.
في غضون ذلك، تسلل البخيل خارج الأدغال شبه عارٍ في حالة يرثى لها، وبدأ يفكر كيف يثأر لنفسه من عازف الكمان، وينصب له فخًّا. في النهاية ذهب إلى القاضي، وشكى إليه أنه تعرض للسرقة بالإكراه من قبل شخص وضيع يحمل فوق ظهره قوسًا وآلة كمان معلقة حول رقبته. أرسل القاضي الضباط لإحضار المتهم أينما كان؛ وسرعان ما ألقوا القبض عليه، وأحضروه إلى المحاكمة.
بدأ البخيل يقص روايته، وقال إنه سرق ماله، فقال الخادم: «كلا، لقد أعطيتني إياه مقابل عزفي لك.» لكن القاضي قال إن هذا الأمر غير معقول، وحكم على الخادم بالإعدام شنقًا.
أخذ الحراس الخادم إلى المشنقة؛ لكنه أثناء وقوفه على السلم، قال: «سيدي القاضي، لديّ طلب أخير.» أجابه القاضي: «اطلب ما شئت عدا العفو عنك.» قال: «كلا، لن أطلب العفو عني؛ اسمح لي فقط أن أعزف على آلة الكمان للمرة الأخيرة.» صاح البخيل: «بربِّك، كلّا! كلّا! بربك لا تستمع إليه! لا تستمع إليه!» لكن القاضي قال: «إنها هذه المرة فقط، وسرعان ما سينتهي من المقطوعة الموسيقية.» حقيقةً لم يستطع القاضي رفض طلبه، وذلك لأن القزم قد وهبه أمنيته ألا يرفض أحد طلبًا له.
قال البخيل: «قيِّدوني، قيَّدوني، أتوسل إليكم.» لكن الخادم أمسك بالكمان، وعزف عليه، ومع النغمة الأولى، بدأ القاضي والكَتَبة والسَجَّان في الرقص؛ وأخذوا يقفزون، ولم يستطع أي منهم الإمساك بالبخيل، ومع بداية اللحن الثاني، أفلت الجلاد السجين، ورقص أيضًا، وعندما أنهى المقطوعة الأولى من اللحن، كان الجميع يرقص؛ القاضي والموظفون والبخيل وجميع الحضور. كان الأمر ممتعًا في البداية؛ لكن بعد أن استمر برهة؛ وبدا أن العزف أو الرقص لن يتوقف؛ بدأوا في الصياح والتوسل إليه أن يتوقف عن العزف؛ لكنه لم يتوقف مطلقًا أمام توسلاتهم؛ حتى إن القاضي لم يصدر عفوًا عنه فحسب، بل وعده أيضًا بأن يرد إليه المئة عملة ذهبية.
نادى الخادم على البخيل، وقال: «أخبرنا إذن أيها الوغد، من أين حصلت على العملات الذهبية، وإلا سأعزف لك مقطوعة خاصة لك أنت.» قال البخيل في حضور الناس جميعًا: «لقد سرقتها، أقر بأنني سرقتها، وهذا الرجل كسبها مني بطريقة عادلة.» توقف الخادم عن العزف، وحل البخيل محله عند حبل المشنقة.
سندريلا


يُحكى أن زوجة رجل ثري مرضت؛ وعندما شعرت باقتراب أجلها، استدعت ابنتها الوحيدة سندريلا إلى فراشها، وقالت لها: «كوني فتاة مطيعة على الدوام، وسأنظر إليك من السماء لأعتني بك دائمًا.» ثم أغلقت عينيها، وماتت، ودُفنت في حديقة المنزل. في كل يوم تذهب سندريلا إلى قبر أمها لتبكي وتنتحب، ودائمًا كانت فتاة مطيعة وطيبة مع كل من حولها. تساقطت الثلوج وكست القبر بلونها الأبيض الناصع، لكن مع حلول الربيع، وذوبان الثلوج، تزوج أبوها بأخرى. كان لدى الزوجة الجديدة ابنتان أحضرتهما معها إلى المنزل. كانت الفتاتان جميلتين لكنهما شريرتان، وأفسدتا على سندريلا المسكينة حياتها. قالتا: «ماذا تفعل تلك الفتاة التي لا خير فيها في غرفة المعيشة؟ عليها أن تكسب قوت يومها وتعمل مع الخادمة في المطبخ!» وأخذتا منها كل ملابسها الجميلة، وقدمتا لها بدلًا منها ثوبًا رماديًّا باليًا لترتديه، وسخرتا منها، ودفعتاها نحو المطبخ.
اضطرت سندريلا أن تؤدي مهامًّا شاقة؛ فكانت تستيقظ مبكرًا قبل طلوع النهار لإحضار المياه، وإشعال المدفأة، وطهي الطعام، وغسل الملابس. مع ذلك، أنزلت الفتاتان بها العذاب بكافة الطرق، وسخرتا منها. في المساء عندما كانت سندريلا تشعر بالتعب، لم تكن تجد فراشًا تنام عليه، لكن خُصص لها مكان للنوم بجانب المدفأة وسط الرماد، وهذا بالطبع جعل ثيابها متسخة باستمرار، فكانت الفتاتان تسخران من ثيابها.
ذات مرة، كان الأب متجهًا إلى السوق، وسأل ابنتي زوجته ماذا تحبان أن يحضر لهما، قالت الأولى: «أريد ثيابًا جميلة.» وقالت الثانية: «أريد لآلئ وألماس.» بعد ذلك قال لابنته: «وأنت يا ابنتي، ماذا تريدين؟» قالت: «أريد أن تحضر لي أول غصن يحتك بقبعتك أثناء عودتك إلى المنزل يا أبي العزيز.» اشترى الأب لابنتي زوجته ثيابًا جميلة ولآلئ وألماسًا، وأثناء عودته إلى المنزل، وبينما كان يمر بأيكة خضراء، لامس غصن شجرة بندق قبعته وكاد يزيحها من فوق رأسه، فكسره وأخذه معه إلى المنزل؛ وعندما عاد أعطاه لابنته. أخذت سندريلا الغصن، وذهبت إلى قبر أمها، وغرسته هناك، وأخذت تبكي كثيرًا حتى إن غصن البندق ارتوى بدموعها، ونضج حتى أصبح شجرة جميلة. كانت سندريلا تذهب إلى الشجرة ثلاث مرات يوميًّا لتبكي؛ وسرعان ما حط عصفور صغير على الشجرة وبنى عشه هناك؛ وكان يتحدث معها، ويعتني بها، ويُحضر إليها كل شيء تتمناه.
ذات يوم أقام ملك البلاد حفلًا يستمر ثلاثة أيام ليختار عروسًا لابنه من بين الحضور. كان من بين المدعوين أختا سندريلا؛ لذا نادتا عليها، وقالتا: «الآن، مشطي شعرنا، ونظفي أحذيتنا، واربطي أحزمتنا؛ لأننا سنذهب إلى حفل الملك.» فعلت سندريلا ما طُلب منها؛ لكن بعد أن أنجزت كل شيء لم تستطع منع دموعها، لأنها أرادت أن تذهب مع ابنتي زوجة أبيها إلى الحفل، وفي النهاية توسلت إلى زوجة أبيها كثيرًا لتسمح لها بالذهاب؛ لكنها قالت لها: «سندريلا! أنت لا تملكين ثيابًا مناسبة على الإطلاق، ولا تجيدين الرقص، كيف تريدين الذهاب إلى الحفل؟» وعندما ألحت عليها سندريلا، قالت لها في النهاية كي تتخلص من توسلاتها: «سألقي بصحن بازلاء وسط كومة الرماد، وإذا تمكنت في غضون ساعة من جمع حبات البازلاء كلها، فستذهبين إلى الحفل.»
ألقت الأم بصحن البازلاء بين الرماد، وركضت الفتاة الصغيرة تجاه الباب الخلفي ومنه إلى الحديقة، وصاحت: «تعالي إلى هنا أيتها الطيور، تعالي إلى هنا، وساعديني! أسرعي، أسرعي! التقطي حبات البازلاء!» جاء في البداية يمامتان بيضاوان طارتا إلى نافذة المطبخ؛ بعد ذلك جاء عصفوران؛ وتلاهما كل الطيور الصغيرة التي تهيم في الفضاء، تغرد وتصفق بجناحيها. انقضت الطيور على الرماد؛ أحنى اليمام الصغير رأسه، وشرع في العمل، وأخذ يلتقط حبات البازلاء، ثم بدأت الطيور الأخرى في فعل الأمر نفسه، وسرعان ما التقطت الطيور حبات البازلاء كلها من بين الرماد، ووضعته في الصحن، ولم يبق سوى الرماد. وقبل أن تنتهي الساعة بمدة طويلة، كان العمل قد أُنجز، وطاروا جميعًا عند النوافذ.
أحضرت سندريلا الصحن إلى زوجة أبيها، والفرحة تملؤها، لأنها بذلك ستذهب إلى الحفل، لكن الأم قالت: «كلّا، كلّا! أيتها البائسة، ليس لديك ثياب، ولا تجيدين الرقص، فلن تذهبي.» وعندما توسلت إليها سندريلا كثيرًا، قالت: «إذا تمكنت في غضون ساعة من جمع صحنين من حبات البازلاء من بين الرماد، فستذهبين.» وفكرت الأم أنها بذلك تخلصت منها. أمسكت بصحنين من البازلاء ونثرتهما وسط الرماد.
خرجت الفتاة الصغيرة إلى الحديقة خلف المنزل، وصاحت كما في السابق: «تعالي إلى هنا أيتها الطيور، تعالي إلى هنا، وساعديني! أسرعي، أسرعي! التقطي حبات البازلاء!» جاء في البداية يمامتان بيضاوان طارتا إلى نافذة المطبخ؛ بعد ذلك جاء عصفوران؛ وتلاهما كل الطيور الصغيرة التي تهيم في الفضاء، تغرد وتحوم حول المكان. انقضت الطيور على الرماد؛ أحنى اليمام الصغير رأسه، وشرع في العمل، وأخذ يلتقط حبات البازلاء، ثم بدأت الطيور الأخرى في فعل الأمر نفسه، وسرعان ما التقطت الطيور حبات البازلاء كلها من بين الرماد، ووضعته في الصحنين، ولم يبق سوى الرماد. وقبل مرور نصف الساعة، كان كل شيء على ما يرام، وحلقت الطيور في السماء مرة أخرى. أخذت سندريلا الصحنين إلى زوجة أبيها فرحة بأنها ستذهب إلى الحفل، لكن زوجة الأب قالت: «لا فائدة من هذا الأمر. لا يمكنك الذهاب، فليس لديك ثياب ولا تجيدين الرقص، ولن تجلبي لنا سوى الخزي.» ثم غادرت مع ابنتيها إلى الحفل الراقص.
بعد أن غادر الجميع إلى الحفل، ولم يعد بالمنزل سوى سندريلا، ذهبت والحزن يملأ قلبها إلى شجرة البندق، وجلست بجوارها، وصاحت: «يا شجرة البندق، اغمريني بالذهب والفضة!» طار صديقها العصفور بعيدًا عن الشجرة، وأحضر لها فستانًا من الذهب والفضة، وحذاء من الحرير مرصعًا بالترتر. ارتدت سندريلا الفستان، ولحقت بأختيها غير الشقيقتين إلى الحفل. لكنهما لم يتعرفا عليها، وظنتا أنها أميرة من بلد آخر، إذ بدت سندريلا متأنقة وجميلة في الثياب الأنيقة؛ ولم يخطر ببالهما أنها سندريلا، على افتراض أنها بالمنزل وسط القاذورات.
سرعان ما اتجه الأمير نحوها، وأمسك بيدها ورقص معها وحدها، ولم يترك يدها قط، وعندما يأتي شخص آخر يطلب الرقص معها، كان الأمير يقول: «هذه السيدة ترقص معي.»
وهكذا رقصت سندريلا مع الأمير حتى ساعة متأخرة من الليل. بعد ذلك أرادت العودة إلى المنزل، فقال لها: «دعيني أرافقك إلى منزلك كي أعتني بك في الطريق.» إذ أراد أن يرى المكان الذي تعيش فيه هذه الفتاة الجميلة. لكنها أفلتت من بين يديه فجأة، وركضت تجاه منزلها؛ وعندما ركض الأمير خلفها؛ ركضت داخل بيت الحمام، وأغلقت الباب. انتظر الأمير حتى عاد أبوها إلى المنزل، وأخبره أن الفتاة المجهولة التي كانت معه في الحفل اختبأت في بيت الحمام. لكن عندما كسرا الباب، لم يجدا أثرًا لها، وعندما دخلا إلى المنزل، كانت سندريلا نائمة كالعادة بثيابها المتسخة وسط الرماد، ومصباحها الصغير خافت الضوء مشتعل في المدخنة. فقد ركضت سندريلا بأقصى سرعتها من بيت الحمام إلى شجرة البندق حيث خلعت ثيابها الجميلة ووضعتها أسفل الشجرة ليأتي العصفور ويحملها بعيدًا، ثم رقدت وسط الرماد في ثوبها الرمادي المتسخ.
في اليوم التالي عندما أقيم الحفل مرة أخرى، وذهب أبوها وأمها وأختاها إلى الحفل، ذهبت سندريلا إلى شجرة البندق، وقالت: «يا شجرة البندق، اغمريني بالذهب والفضة!» جاء العصفور، وأحضر لها فستانًا أجمل من الفستان الذي ارتدته الليلة السابقة، وعندما وصلت إلى الحفل، انبهر كل من كان بالحفل بجمالها، وكان الأمير في انتظارها، فأخذها من يديها ورقص معها؛ وعندما يطلب أي شخص الرقص معها، كان الأمير يقول: «إنها ترقص معي.»
عندما حل الليل، أرادت سندريلا العودة إلى المنزل؛ لكن الأمير تبعها كما حدث الليلة السابقة كي يتأكد من المنزل الذي ستدخله، لكنها ركضت بعيدًا تجاه الحديقة خلف منزل أبيها، وفي الحديقة كانت تقف شجرة كمثرى ضخمة تمتلئ أغصانها بالكمثرى الناضجة. قفزت سندريلا — التي لم تعرف أين تختبئ — فوق الشجرة دون أن يلحظ الأمير. فتوارت عن أنظار الأمير، ولم يستطع معرفة مكانها، لكنه انتظر حتى عاد أبوها إلى المنزل، وقال له: «لقد رحلت الفتاة المجهولة فجأة أثناء رقصي معها، لكنني أعتقد أنها قفزت فوق شجرة الكمثرى.» فكر الأب في نفسه: «هل يعقل أن تكون سندريلا؟» ثم أحضر فأسًا، وقطع الشجرة، لكنهما لم يجدا أحدًا فوقها، وعندما دخلا كلاهما إلى المطبخ، وجدا سندريلا ترقد بين الرماد، فقد نزلت من الجانب الآخر للشجرة وحملت فستانها الجميل إلى العصفور عند شجرة البندق، ثم ارتدت ثوبها الرمادي.
في اليوم الثالث، عندما ذهب الأب والأم والبنتان إلى الحفل، ذهبت سندريلا إلى الحديقة مرة أخرى، وقالت: «يا شجرة البندق، اغمريني بالذهب والفضة!» جاء صديقها المخلص العصفور، وأحضر لها فستانًا أجمل من ذلك الذي ارتدته في الليلة السابقة، وحذاء من الذهب الخالص. عندما وصلت إلى الحفل، ذُهِل كل من في الحفل من جمالها الفائق، ورقص معها الأمير، وكان عندما يطلب أي شخص آخر الرقص معها يقول الأمير: «هذه السيدة رفيقتي في الرقص يا سيدي.»
عندما حل الليل وأرادت سندريلا العودة إلى المنزل، أراد الأمير مرافقتها، وقال في نفسه: «لن أفقد أثرها هذه المرة.» مع ذلك باغتته سندريلا، وهربت من بين يديه، وكانت في عجلة من أمرها حتى إن فردة حذاءها الذهبي التي كانت ترتديها في قدمها اليسرى سقطت على السلم.
أخذ الأمير فردة الحذاء، وفي اليوم التالي ذهب إلى أبيه الملك، وقال: «سأتزوج السيدة التي يناسبها هذا الحذاء الذهبي.» ابتهجت الشقيقتان لدى سماعهما هذا الخبر، فلكل منهما قدمان جميلتان، ولم يكن لديهما أدنى شك أن هذا الحذاء سيناسب مقاس أقدامهما. ذهبت الأخت الكبرى أولًا إلى الغرفة حيث يوجد الحذاء، وأرادت انتعاله، ووقفت الأم بجوارها، لكن لم يدخل إبهام القدم داخل الحذاء، لأنه كان أصغر من مقاس قدمها كثيرًا. أعطتها أمها سكينًا، وقالت لها: «لا يهم، اقطعيها. عندما تصبحين الملكة، لن تهتمي بإصبع القدم؛ فلن تضطري إلى السير على الأقدام.» ففعلت الفتاة الحمقاء ما أمرت به أمها، ثم حشرت قدمها داخل الحذاء، وذهبت إلى الأمير. فوافق الأمير على الزواج بها، وأجلسها بجواره فوق حصانه، وسار بها تجاه المنزل.
لكن في طريقهما إلى المنزل، مرَّا بجانب شجرة البندق التي غرستها سندريلا؛ وكانت فوقها يمامة صغيرة تغرد: «عد أدراجك! عد أدراجك! انظر إلى الحذاء! الحذاء ضيق، الحذاء ضيق، ولا يناسبها! أيها الأمير! أيها الأمير! ابحث مجددًا عن عروسك، فمن تجلس بجوارك ليست عروسك!» نزل الأمير، ونظر إلى حذائها، وأدرك الخدعة عندما رأى الدم يتدفق من الحذاء. فاستدار، وأعاد العروس الزائفة إلى منزلها، وقال: «هذه ليست العروس الحقيقية، لترتدي الأخت الأخرى الحذاء.» دخلت الأخت الصغرى إلى الغرفة، وأدخلت قدمها في الحذاء، لكن لم يدخل عقب قدمها الكبير في الحذاء، فأخذت أمها تضغط عليه حتى سال الدم منه، ثم أخذتها إلى الأمير الذي أجلسها بجواره فوق الحصان؛ ومضى في طريقه.
لكن عندما مر بشجرة البندق حيث تجلس اليمامة الصغيرة، أخذت تغرد: «عد أدراجك! عد أدراجك! انظر إلى الحذاء! الحذاء ضيق، الحذاء ضيق، ولا يناسبها! أيها الأمير! أيها الأمير! ابحث مجددًا عن عروسك، فمن تجلس بجوارك ليست عروسك!» فنظر إلى قدمها، ورأى الدم الغزير يسيل من الحذاء حتى تلوَّن جوربها الأبيض باللون الأحمر، فاستدار، وأعادها إلى منزلها، وقال لأبيها: «هذه ليست العروس الحقيقية، أليس لديك بنت أخرى؟» قال الأب: «كلا، ليس لديّ سوى سندريلا ذات الثياب المتسخة؛ ابنتي من زوجتي الأولى، أنا واثق أنها ليست العروس.» أمره الأمير بأن يحضرها، لكن الأم قالت: «كلا، كلا، فهي متسخة للغاية؛ ستستحي أن تأتي إلى هنا.» لكن الأمير أصر على حضورها. ذهبت سندريلا أولًا لغسل وجهها ويديها، ثم انحنت أمام الأمير تحية له، فأعطاها الحذاء الذهبي. خلعت حذاءها الرديء وارتدت الحذاء الذي ناسبها تمامًا وكأنه مصنوع لها خصِّيصًا. عندما اقترب الأمير منها، ونظر إلى وجهها، تعرف عليها، وقال: «هذه هي العروس الحقيقية.» لكن الأم وابنتيها شعرن بالذعر وشحبت وجوههن من الغضب عندما أخذ الأمير سندريلا فوق حصانه ومضى بها بعيدًا. وعندما اقترب من شجرة البندق، غردت اليمامة البيضاء: «خذها إلى القصر! خذها إلى القصر! انظر إلى حذائها! الحذاء يناسبك تمامًا أيتها الأميرة! خذها إلى القصر أيها الأمير، فتلك هي العروس الحقيقية!» عندما انتهت اليمامة من الغناء، حلَّقت، وجلست فوق كتف سندريلا الأيمن، وذهبت معها إلى القصر.
الثعبان الأبيض


كان فيما كان في سالف العصر والأوان ملك مشهور بحكمته في البلاد لا يخفى عنه شيء، حتى بدا أن أدق الأسرار تصله عبر الهواء. لكن كانت له عادة غريبة؛ وهي أنه كل يوم بعد تناول العشاء، وبعد أن يُرفع الطعام من فوق المائدة، وينصرف الجميع، يحضر له خادم محل ثقة صحنًا آخر. هذا الصحن يكون مغطى، ولا يعلم الخادم نفسه ما يوجد به، ولا يعرف أي شخص آخر ماذا يوجد بالصحن، ولا يرفع الملك الغطاء ليأكل منه إلا عندما يكون وحده تمامًا.
استمر هذا الأمر مدة طويلة، وذات مرة، غلب الخادم الذي يحمل الصحن الفضول، ولم يستطع منع نفسه من حمل الصحن إلى غرفته. وبعد أن أوصد الباب جيدًا، رفع الغطاء فرأى ثعبانًا أبيض يرقد في الصحن. وعندما رأى الثعبان، لم يستطع منع نفسه من تذوق الثعبان، فقطع قطعة صغيرة للغاية، ووضعها في فمه. وما إن لامست لسانه حتى سمع صوت همس غريب لأصوات خفيضة خارج النافذة، فاتجه نحوها، وأصغى السمع، ثم لاحظ أن العصافير تزقزق معًا، وتخبر بعضها بعضًا بالأشياء التي رأوها اليوم في الحقول والغابات. وهكذا فإن تناول لحم الثعبان منحه القدرة على فهم لغة الحيوانات.
تصادف أنه في هذا اليوم تحديدًا كان أجمل خاتم لدى الملكة قد ضاع منها، وحامت الشكوك أن يكون ذلك الخادم موضع الثقة هو السارق، فهو المسموح له بالتجول بحرية داخل القصر. أمر الملك بإحضار الخادم للمثول أمامه، وهدده بكلمات غاضبة إما أن يأتي بالسارق قبل الغد، أو يُدان هو بالسرقة ويُعدَم. قال الخادم إنه بريء لكن لم يصدقه أحد، وأمر الملك بانصرافه دون أن ينجح في إقناعه ببراءته.
ذهب الخادم وسط مشاعر القلق والخوف إلى فناء القصر، وأخذ يفكر في طريقة للخروج من هذا المأزق. كان عدد من البط يستريح بجوار غدير مياه، وبينما كان البط يمشط ريشه بمنقاره، تحدثوا عن أمور سرية فيما بينهم. وقف الخادم بجوارهم، وأصغى السمع. كان البط يخبر بعضه بعضًا بالأماكن التي مروا بها طوال الصباح، والطعام الشهي الذي وجدوه، فقالت بطة في نبرة حزينة: «هناك شيء ثقيل في معدتي، فقد ابتلعت خاتمًا كان موجودًا تحت نافذة الملكة أثناء تناولي الطعام بسرعة.» على الفور أمسك الخادم بالبطة من رقبتها، وحملها إلى المطبخ، وقال للطاهي: «هذه بطة جميلة، اذبحها رجاءً.» قال الطاهي: «أجل.» ووضعها على يده ليتبين وزنها، وقال: «يا لها من بطة سمينة! كان لا بد من ذبحها وأكلها منذ مدة طويلة.» ثم قطع رقبتها، وبينما كان يعدها لوضعها في سيخ الشواء، عثر على خاتم الملكة بداخلها.
تمكن الخادم من إثبات براءته بسهولة؛ وسمح له الملك بطلب خدمة منه، تعويضًا عن اتهامه بالباطل، ووعده بأن يمنحه أرفع المناصب، لكن الخادم رفض كل شيء، وطلب حصانًا ومالًا، إذ كان يرغب في السفر حول العالم. عندما منحه الملك ما تمنى، شرع في رحلته. وفي يوم من الأيام وصل إلى بركة رأى فيها ثلاث سمكات محاصرات بين الأعشاب الطويلة يلهثن. وعلى الرغم مما يشاع عن الأسماك من أنها لا تتكلم، فقد سمعها تبكي لأنها ستموت بطريقة بائسة. ولأنه طيب القلب، ترجل من فوق حصانه، وأعاد الأسماك الثلاث إلى المياه، فقفزت في المياه في بهجة، وأخرجت رأسها من المياه، وصاحت: «سنذكرك، وسنرد لك الجميل لأنك أنقذتنا!»
مضى الخادم في طريقه فوق حصانه، وبعد قليل تراءى له أنه سمع صوتًا في الرمال عند قدمه، فأصغى السمع، فسمع ملك النمل يتذمر: «لماذا لا ينتبه الناس وحيواناتهم الغبية كي لا يدهسونا؟ فهذا الحصان الأحمق خطا فوق شعبي بحوافره الثقيلة دونما رحمة!» فسلك الخادم مسارًا جانبيًّا، وصاح ملك النمل قائلًا: «سنذكرك، وسنرد لك الجميل!»
مضى الخادم في طريقه حتى وصل إلى غابة، ورأى هناك غرابين عجوزين يقفان بجوار عشهما، ويقذفان بصغارهما خارج العش، ويصيحان: «اخرجوا أيها الكسالى عديمو الجدوى! ليس بإمكاننا جلب طعام يكفيكم بعد ذلك، لقد كبرتم بما يكفي، ويمكنكم الاعتماد على أنفسكم.» لكن الغربان الصغيرة المسكينة رقدت فوق الأرض تصفق بجناحيها، وتصيح: «ما زلنا صغارًا عاجزين! لا بد أن نتدبر أمرنا، لكننا لا نستطيع الطيران! ماذا سنفعل، ليس أمامنا سوى أن نمكث هنا ونموت جوعًا؟» ترجل الخادم الطيب من فوق حصانه، وقتل الحصان بسيفه، وقدمه للطيور الصغيرة لتأكل منه، فوثبت فوقه، وأكلت حتى شبعت، ثم صاحت: «سنذكرك، وسنرد لك جميلك!»
اضطر الخادم إلى السير على قدميه، وعندما قطع مسافة طويلة، وصل إلى مدينة كبيرة. كانت المدينة صاخبة ومزدحمة وبها رجل يمتطي حصانًا ويصيح: «ابنة الملك تبحث عن زوج، لكن من يتقدم لخطبتها، لا بد أن يجتاز اختبارًا، وإذا لم ينجح فيه، فسيدفع حياته ثمن إخفاقه.» أقدم على المحاولة العديد من الناس، لكن لم ينجح منهم أحد. مع ذلك عندما رأى الخادم الشاب ابنة الملك، افتُتِن بجمالها حتى إنه نسي كل المخاطر، وذهب للملك، وأعلن أنه يريد الزواج بها.
اقتيد الرجل إلى البحر، وأُلقي خاتم ذهبي في البحر أمام عينيه، ثم أمره الملك بإحضار الخاتم من قاع البحر، وأضاف: «إذا خرجت من المياه والخاتم ليس معك، فسنقذفك في البحر مرة أخرى حتى تموت وسط الأمواج.» حزن الناس كافة على مصير الخادم الوسيم، ثم غادروا، وتركوه وحده أمام البحر.
وقف الخادم عند الشاطئ يفكر فيما ينبغي عليه فعله، حين رأى فجأة ثلاث سمكات يسبحن نحوه، وهنَّ السمكات الثلاث اللاتي أنقذهن من الموت. كانت السمكة التي تسبح في المنتصف تحمل صدفة في فمها، ووضعتها على الشاطئ عند قدم الشاب. وعندما أخذها الشاب وفتحها، وجد الخاتم بداخلها. فرح فرحًا كبيرًا، وأخذ الخاتم إلى الملك، وتوقع أن يمنحه الملك المكافأة الموعودة.
لكن عندما علمت الأميرة المغرورة بأنه من أصل وضيع، وبَّخته وطلبت منه أداء مهمة أخرى. ذهبت إلى الحديقة ونثرت كيسين من حبوب القمح وسط العشب، ثم قالت له: «أريد منك أن تلتقط حبوب القمح هذه قبل طلوع شمس الغد، ولا تترك حبة واحدة.»
جلس الخادم الشاب في الحديقة، وفكر في طريقة يؤدي بها مهمته، لكنه لم يستطع التفكير في شيء، فجلس هناك حزينًا ينتظر طلوع النهار، حيث ستكتب نهاية حياته. لكن ما إن أضاءت أشعة الشمس الأولى الحديقة، حتى وجد كيسي الحبوب أحدهما بجوار الآخر ومملوءين عن آخرهما. فقد حضر ملك النمل ليلًا ومعه جيوش من النمل، وعمل النمل بكد كبير، وجمعوا حبوب القمح كلها داخل الكيسين.
سرعان ما نزلت الأميرة بنفسها إلى الحديقة، واندهشت كثيرًا عندما رأت أن الشاب قد أنجز المهمة التي كلفته بها. لكنها لم تستطع بعد التغلب على كبريائها، وقالت: «على الرغم من أنك أنجزت المهمتين، فلن تصبح زوجي حتى تحضر لي تفاحة من شجرة الحياة.» لم يكن الشاب يعلم مكان شجرة الحياة، لكنه شرع في رحلة البحث عنها. كان من الممكن أن يمضي حياته بحثًا عنها، ما دام يستطيع السير، مع أنه لم يكن لديه أمل في العثور عليها. بعد أن تجول في ثلاث ممالك، وصل ذات مساء إلى غابة، فتمدد أسفل شجرة للنوم. لكنه سمع صوت خشخشة في الأغصان، ثم سقطت تفاحة ذهبية في يده. وفي تلك اللحظة طار ثلاثة غربان تجاهه، وحطوا فوق ركبتيه، وقالوا: «نحن الغربان الثلاثة الذين أنقذتهم من الموت جوعًا؛ بعد أن كبرنا وسمعنا أنك تبحث عن التفاحة الذهبية، طرنا عبر البحار حتى وصلنا إلى نهاية العالم، حيث تقف شجرة الحياة، وأحضرنا لك التفاحة.» شرع الشاب في طريق العودة والفرحة تملؤه، وأخذ معه التفاحة الذهبية إلى الأميرة الجميلة التي لم يبق أمامها أعذار أخرى لرفضه. قطعا التفاحة نصفين وأكلاها معًا، ثم أصبح قلبها ينبض بحبِّه، وعاشا معًا في سعادة غامرة حتى المشيب.
الذئب والصغار السبعة


يُحكى أن عنزة عجوزًا كان لديها سبعة صغار تحبهم كثيرًا. وذات يوم أرادت الذهاب إلى الغابة لإحضار الطعام إلى صغارها. فنادت عليهم، وقالت: «أبنائي الأعزاء، يجب أن أذهب إلى الغابة، احترسوا من الذئب؛ إذا دخل إلى هنا، فسيلتهمكم جميعًا. غالبًا ما يأتي الذئب متخفيًا، لكنكم ستعرفونه على الفور إذا استمعتم إلى صوته الأجش ونظرتم إلى قدمه السوداء.» قال الصغار: «سنعتني بأنفسنا يا أمنا العزيزة، لا تقلقي واذهبي إلى الغابة.» مأمأت العنزة، وشقت طريقها مطمئنة.
لم يمض وقت طويل حتى طرق أحد الباب، وصاح: «افتحوا الباب يا أبنائي الأعزاء؛ لقد حضرت أمكم؛ وأحضرت أشياء جميلة لكل واحد منكم.» لكن الصغار علموا على الفور أنه الذئب من صوته الأجش، فصاحوا: «لن نفتح الباب، أنت لست أمَّنا، فأمُّنا صوتها رقيق وجميل، لكن صوتك أجش. أنت الذئب!» مضى الذئب بعيدًا حتى وصل إلى متجر، واشترى قطعة كبيرة من الطباشير، والتهمها، فأصبح صوته أرق، ثم عاد إلى الصغار، وطرق الباب، وصاح: «افتحوا الباب يا أبنائي الأعزاء؛ لقد حضرت أمكم؛ وأحضرت أشياء جميلة لكل واحد منكم.» لكن الذئب كان يضع قدمه السوداء فوق النافذة. عندما رأى الصغار قدميه، صاحوا: «لن نفتح الباب، إن قدم أمنا ليست سوداء كقدمك. أنت الذئب!» ركض الذئب إلى الخباز، وقال له: «لقد جرحت قدمي، ادعكهما بالعجين من فضلك.» دعك الخباز قدم الذئب بالعجين، ثم ذهب الذئب إلى الطحان، وقال: «انثر طحينًا أبيض فوق قدمي من فضلك.» فكر الطحان في نفسه: «إن الذئب يريد خداع شخص ما.» فرفض، لكن الذئب قال له: «إذا لم تفعل ذلك، فسألتهمك.» خاف الطحان، وكسا قدم الذئب باللون الأبيض.
ذهب الذئب المخادع للمرة الثالثة إلى المنزل، وطرق الباب، وقال: «افتحوا الباب يا أبنائي الأعزاء؛ لقد حضرت أمكم؛ وأحضرت أشياء جميلة من الغابة لكل واحد منكم.» صاح الصغار: «دعينا نرى قدمك أولًا، وحينها سنعرف هل أنت أمنا العزيزة أم لا.» مد الذئب قدمه من النافذة وعندما رأى الصغار أن قدمه بيضاء اللون، ظنوا أنه أمهم، وفتحوا الباب، لكن لم يجدوا سوى الذئب أمامهم. شعر الصغار بالذعر وحاولوا الاختباء. قفز أحدهم تحت المائدة، والثاني تحت السرير، والثالث داخل الموقد، والرابع في المطبخ، والخامس في خزانة الطعام، والسادس تحت حوض الغسيل، والسابع داخل صندوق الساعة. لكن الذئب عثر عليهم جميعًا، وابتلعهم واحدًا تلو الآخر، فيما عدا العنزة الصغرى التي اختبأت داخل صندوق الساعة فلم يعثر عليها الذئب. بعد أن ملأ الذئب معدته، وسد جوعه، غادر المكان، وذهب ليرقد تحت شجرة في المرج الأخضر بالخارج، وبدأ يستغرق في النوم. بعد ذلك عادت العنزة الأم من الغابة، لكنها رأت باب المنزل مفتوحًا على مصراعيه، والمائدة والكراسي والمقاعد ملقاة على جانبها وحوض الغسيل مهشم، والأغطية والوسادات ملقاة بعيدًا عن السرير. بحثت عن صغارها، لكن لم تعثر عليهم في أي مكان. نادت عليهم بأسمائهم، لكن لم يجبها أحد منهم. وأخيرًا نادت على العنزة الصغرى، فصاحت بصوت خافت: «أمي الحبيبة، أنا مختبئة في صندوق الساعة.» أخرجت العنزة ابنتها التي أخبرتها بأن الذئب حضر إلى المنزل، والتهم إخوتها كلهم، فبكت الأم في حرقة على أطفالها الصغار.
وفي النهاية خرجت الأم والأسى يملؤها، وخرجت العنزة الصغرى معها. عندما وصلتا إلى المرج الأخضر، رأتا الذئب يرقد بجانب شجرة ويغط في نومه بصوت عال حتى إن فروع الشجرة كانت تهتز. تفقدته الأم من كل جانب، ورأت شيئًا يتحرك وينازع داخل بطنه المنتفخة. قالت: «يا إلهي! هل من المحتمل أن يكون أطفالي الصغار الذين ابتلعهم أحياء؟» أمرت الأم ابنتها بأن تذهب إلى المنزل وتحضر مقصًّا وإبرة وخيطًا. فتحت العنزة بطن الذئب الشرير، وما إن شقت جزءًا صغيرًا بالمقص، حتى أخرج أحد صغارها رأسه من الفتحة، وبعد ذلك قفز الصغار الستة من بطن الذئب واحدًا تلو الآخر، وكانوا جميعًا على قيد الحياة لم يلحق بهم أي أذى؛ فمن طمع الذئب أنه ابتلعهم أحياء. عانق الصغار أمهم في فرحة عارمة، وأخذوا يقفزون فرحًا. مع ذلك قالت الأم: «الآن اذهبوا وابحثوا عن أحجار كبيرة، وسنملأ بطن الذئب بها وهو نائم.» أحضر الصغار السبعة أحجارًا إلى أمهم بأقصى سرعة، ووضعوا ما استطاعوا جلبه من الحجارة داخل بطن الذئب؛ بعد ذلك خيطت الأم معدة الذئب مرة أخرى في سرعة كبيرة حتى لا ينتبه الذئب إلى أي شيء. وفي تلك الأثناء ظل الذئب نائمًا دون حراك.
بعد أن نال الذئب كفايته من النوم في النهاية، استيقظ، ووقف على قدميه. شعر بالعطش الشديد بسبب الحجارة الموجودة في بطنه، فأراد الذهاب إلى بئر ليشرب منها. لكن عندما شرع في السير، ارتطمت الحجارة الموجودة ببطنه بعضها ببعض، وأحدثت ضوضاء. فصاح الذئب: «ما هذه الأصوات والضوضاء بين ضلوعي؟ ظننت أنني ابتلعت أطفالًا صغارًا لكنني أشعر كأنني ابتلعت أحجارًا كبيرة.» وعندما وصل إلى البئر، انحنى فوقها ليروي ظمأه، لكن الأحجار الثقيلة دفعته إلى السقوط في البئر، وغرق على نحو بائس. عندما رأى الصغار السبعة هذا المشهد، هرعوا نحو البئر، وصاحوا بصوت عال: «مات الذئب! مات الذئب!»، وأخذوا يرقصون فرحًا مع أمهم حول البئر.
ملكة النحل


يُحكى أن أميرين شقيقين قررا السفر حول العالم ليكوِّنا ثروة؛ لكن سرعان ما انغمسا في حياة بذخ حمقاء، ولم يستطيعا العودة إلى وطنهما. بعد ذلك قرر شقيقهما الأصغر، الذي كان قزمًا لا قيمة له، الخروج للبحث عن شقيقيه؛ لكن عندما عثر عليهما، سخرا منه لأنه يحاول السفر حول العالم، وهو ليس سوى فتى صغير ساذج، وهما لم يفلحا في ذلك، مع أنهما أذكى منه. لكن الأشقاء الثلاثة شرعوا في رحلتهم حول العالم معًا، وفي النهاية وصلوا إلى مستعمرة نمل. أقدم الشقيقان الكبيران على هدمها ليريا كيف سيفر النمل المسكين مذعورًا حاملًا بيضه، لكن شقيقهما القزم منعهما من ذلك، وقال: «اتركا المخلوقات الضعيفة تستمع بحياتها، لن أسمح لكما بإزعاجها.»
مضى الأشقاء الثلاثة في رحلتهم حتى وصلوا إلى بحيرة يسبح بها عدد هائل من البط. أراد الشقيقان الكبيران اصطياد بطتين وشيِّهما، لكن القزم قال: «اتركا المخلوقات الضعيفة في حالها تستمتع بحياتها، لن أسمح لكما بقتلهما.» بعد ذلك وصلوا إلى عش نحل داخل تجويف في شجرة، وكان به الكثير من العسل حتى إنه كان يسيل من جذع الشجرة. أراد الشقيقان الأكبران إضرام النيران في الشجرة وقتل النحل، كي يحصلا على العسل، لكن الشقيق القزم منعهما، وقال: «دعا الحشرات الجميلة تستمتع بحياتها، لن أسمح لكما بحرقها.»
في النهاية وصل الأشقاء الثلاثة إلى قلعة، وأثناء مرورهم بجوار إسطبلات الخيل رأوا خيولًا جميلة تقف هناك. كانت الخيول مصنوعة من الرخام، ولم يروا أحدًا هناك. فدخلوا الغرف جميعها، حتى وصلوا إلى باب به ثلاثة أقفال، وفي منتصف الباب فتحة صغيرة استطاعوا من خلالها النظر إلى الغرفة التالية، وهناك رأوا رجلًا عجوزًا يجلس أمام مائدة. نادوا عليه مرة أو مرتين، لكنه لم يسمعهم، مع ذلك نادوا عليه للمرة الثالثة، وعندئذ نهض، وخرج لهم.
لم يقل الرجل شيئًا بل أمسك بهم وقادهم إلى مائدة مكسوة بمختلف أصناف الطعام الشهي، وعندما انتهوا من تناول الطعام والشراب، قاد كل واحد فيهم إلى حجرة نوم.
في صباح اليوم التالي، حضر العجوز إلى الأخ الأكبر وقاده إلى مائدة رخامية، عليها ثلاثة ألواح مكتوب عليها طريقة تحرير القلعة من السحر. جاء في اللوح الأول: «في الغابة داخل المستنقع، يوجد ألف لؤلؤة تخص ابنة الملك. يجب العثور عليها جميعًا، وإذا لم يحضر الباحث عن اللآلئ كلها قبل المغيب، فسيتحول إلى تمثال رخامي.»
شرع الأخ الأكبر في رحلة البحث عن اللآلئ طوال اليوم، لكن عندما حل المساء، لم يكن قد عثر إلا على مئة منها، لذا تحول إلى تمثال رخامي كما جاء في اللوح.
في اليوم التالي، تولى الأخ الثاني المهمة؛ لكنه لم يفلح أيضًا؛ وعثر على مئة لؤلؤة فقط، فتحول هو الآخر إلى تمثال رخامي.
وفي النهاية جاء الدور على القزم. بحث القزم داخل المستنقع، لكنه لم يتمكن من العثور على اللآلئ، وكانت المهمة ثقيلة! جلس فوق حجر وبكى. وأثناء جلوسه، حضر ملك النمل (الذي أنقذ القزم مستعمرته) لمساعدته، ومعه جيش من خمسة آلاف نملة؛ لم يمر وقت طويل حتى استطاع النمل العثور على كافة اللآلئ ورصِّها في كومة.
جاء في اللوح الثاني: «لا بد من إخراج مفتاح حجرة الأميرة من البحيرة.» عندما وصل القزم إلى حافة البحيرة، رأى البطتين اللتين أنقذ حياتهما تسبحان في البحيرة؛ وغاصتا في المياه، وسرعان ما أحضرتا له المفتاح من أعماق البحيرة.
كانت المهمة الثالثة هي الأصعب، وهي اختيار أصغر وأجمل بنت من بنات الملك الثلاث. كانت البنات الثلاث جميلات وتشبه كل منهن الأخرى؛ لكن قيل له إن الكبرى أكلت قطعة من السكر، والوسطى تناولت شرابًا مُحَلَّى، والصغرى تناولت ملعقة من العسل، ويجب عليه أن يخمن من فيهن التي تناولت ملعقة العسل.
حضرت ملكة النحل، التي أنقذها القزم من الموت حرقًا، ولعقت شفتي كل فتاة من الفتيات الثلاث، وفي النهاية وقفت عند شفتي الفتاة التي تناولت العسل، فعرف القزم أنها الابنة الصغرى. وهكذا تحرر القصر من السحر، واستعادت التماثيل الرخامية هيئتها الأصلية، وتزوج القزم الأميرة الصغرى التي كانت الأجمل والأفضل بين الأميرات الثلاث، ونُصِّب ملكًا بعد وفاة والدها، وتزوج شقيقاه من الأميرتين الأخريين.
الأقزام وصانع الأحذية


يُحكى أن صانع أحذية كان يكد في عمله ويمتاز بالأمانة، لكن مع ذلك لم يستطع كسب ما يكفيه من المال لسد احتياجاته، وفي النهاية خسر كل ما يملكه في الحياة، فيما عدا قطعة من الجلد تكفي لصنع زوج واحد من الأحذية.
قص صانع الأحذية قطعة الجلد ليصنع منها الحذاء في اليوم التالي، وعزم على الاستيقاظ مبكرًا في الصباح ليبدأ العمل. كان صانع الأحذية مرتاح الضمير وخليّ البال رغم كل مشكلاته، وكان واثقًا أن الله لن يتخلى عنه، لذا سرعان ما استغرق في نوم هانئ وعميق. في الصباح بعد أن أدى صلاته، جلس للعمل، لكن لدهشته الكبرى، عثر على الحذاء مصنوعًا بالفعل فوق الطاولة. شعر الرجل الطيب بالذهول، وشل عقله عن التفكير بعد أن رأى هذا الحدث الغريب. نظر إلى الحذاء ليتفقد صناعته، ولم يجد به عيبًا واحدًا؛ كان مصنوعًا بإتقان ودقة، بل كان تحفة فنية.
في ذلك اليوم حضر زبون، ووجد أن الحذاء يناسبه تمامًا فدفع سعرًا أعلى من السعر المعروف. اشترى صانع الأحذية الفقير قطعة أكبر من الجلد لصنع زوجين من الأحذية. وفي المساء قص قطعة الجلد وجهَّزها، ثم أوى إلى فراشه مبكرًا كي يستيقظ ويبدأ عمله مبكرًا في اليوم التالي؛ لكنه لم يتكبد أي مشقة، ففي اليوم التالي عندما استيقظ في الصباح وجد أن الحذائين مصنوعان. وسرعان ما حضر زبونان، ودفعا له مالًا وفيرًا مقابل الحذائين، فاشترى بالمال قطعة أكبر من الجلد لصنع أربعة أزواج من الأحذية. قص صانع الأحذية قطعة الجلد وأعدها طوال الليل، ووجد الأحذية مصنوعة في الصباح كما في السابق. استمر هذا الأمر بعض الوقت؛ فما يعده صانع الأحذية في المساء، يستيقظ ليجده مصنوعًا قبل طلوع الفجر، وسرعان ما أصبح الرجل ثريًّا مرة أخرى.
في مساء أحد الأيام وقت احتفالات أعياد الميلاد، جلس صانع الأحذية وزوجته بجوار المدفأة يتجاذبان أطراف الحديث، فقال لها: «أود أن نظل متيقظين طوال الليل، لعلنا نعرف من يأتي إلى بيتنا لينجز العمل بدلًا مني.» أُعجبت الزوجة بهذه الفكرة، فتركا النور مشتعلًا، واختبآ في زاوية بالغرفة خلف الستارة، وراقبا ما سيحدث.
ما إن حل منتصف الليل، حتى حضر اثنا عشر قزمًا مجردين من الثياب، وجلسوا فوق مقعد صانع الأحذية، وأخذوا قطع الجلد المقصوصة، وبدءوا يعملون بكد واجتهاد بأصابعهم الصغيرة، يخيطون الأحذية ويدقون فوقها في سرعة هائلة. تعجب صانع الأحذية كثيرًا من هذا الأمر، ولم يستطع رفع عينيه عن الأقزام. استمر الأقزام في العمل، حتى أنجزوه كله، وأصبحت الأحذية جاهزة للبيع. كان هذا قبل طلوع الفجر بمدة طويلة، بعد ذلك انطلقوا بسرعة البرق.
في اليوم التالي قالت الزوجة لزوجها: «لقد جعلَنا أولئك القوم الصغار أغنياء، ولا بد أن نعبر لهم عن امتنانا، ونرد لهم الجميل. أشعر بالأسى لأنهم يتجولون عراة هكذا، ولا يصح أن يظلوا هكذا دون ارتداء شيء يحميهم من البرد. سأصنع لكل واحد منهم قميصًا ومعطفًا وصدرية، وسروالًا أيضًا؛ وأنت اصنع لكل واحد منهم زوج حذاء صغير.»
أعجبت الفكرة صانع الأحذية الطيب كثيرًا، وذات مساء، بعد أن انتهى هو وزوجته من صنع كل شيء، وضعا الأشياء فوق الطاولة، بدلًا من جلد الأحذية الذي اعتاد صانع الأحذية قصه ووضعه هناك، وبعد ذلك اختبآ ليراقبا رد فعل الأقزام.
عند منتصف الليل، حضر الأقزام يرقصون ويقفزون في الغرفة، ثم جلسوا ليشرعوا في العمل كالعادة؛ لكنهم وجدوا ملابس فوق الطاولة، فضحكوا وفرحوا كثيرًا. ثم ارتدوا الملابس في لمح البصر، ورقصوا وقفزوا مرحًا، حتى خرجوا من باب الغرفة ثم انطلقوا في الحقول الخضراء.
لم ير الزوجان الطيبان الأقزام منذ ذلك اليوم، لكن سار كل شيء على ما يرام معهما منذ ذلك الحين وحتى مماتهما.
شجرة العَرْعَر


كان فيما كان منذ نحو ألفي عام، يعيش رجل ثري مع زوجته الطيبة الجميلة. أحب كل منهما الآخر حبًّا كبيرًا، لكن أحزنهما كثيرًا أنهما لم يُرزقا بالأطفال. أرادا كثيرًا إنجاب طفل واحد، حتى إن الزوجة دعت الله ليلًا ونهارًا، ومع ذلك لم ترزق بأطفال.
كان أمام المنزل فناء مزروع فيه شجرة عرعر. في أحد أيام الشتاء، وقفت الزوجة أسفل الشجرة لتقشير التفاح، وأثناء تقشيرها، جرحت إصبعها، وسال الدم فوق الثلج. قالت وهي تتنهد ببطء: «آه، كم أتمنى أن يرزقني الله بطفل أحمر كالدم وأبيض كالثلج.» وأثناء قولها هذا، شعرت بسعادة تملأ قلبها وكأن أمنيتها ستتحقق، ثم عادت إلى المنزل وهي تشعر بالسرور والراحة. مر شهر، وذاب الجليد كله، ثم مر شهر آخر، واكتست الأرض بالخضرة. مرت الشهور تباعًا، وبدأت الأشجار تتبرعم في الغابات، وسرعان ما تشابكت الأغصان الخضراء معًا على نحو كثيف، ثم بدأت الأزهار تتساقط. وقفت الزوجة مرة أخرى أسفل شجرة العرعر، وكان تفوح منها رائحة طيبة جعلت قلبها يرقص فرحًا، وغمرتها السعادة، حتى إنها سجدت شكرًا لله. في ذلك الوقت كانت الثمار لا تزال غير ناضجة، وكانت الزوجة تشعر بالسعادة والطمأنينة، وبعد أن نضجت الثمار تمامًا، قطفت الحبات البارزة وأخذت تلتهمها بنهم، وبعدها شعرت بالحزن والسقم. بعد ذلك بفترة قصيرة نادت على زوجها وهي تنتحب، وقالت له: «إذا مت، فادفني أسفل شجرة العرعر.» ثم شعرت بالراحة والسعادة مجددًا، وقبل أن يمر شهر آخر، كانت قد رزقت بطفل صغير، وعندما رأت أنه أبيض كالثلج وأحمر كالدم، غمرتها السعادة حتى ماتت من شدة فرحتها.
دفنها زوجها أسفل شجرة العرعر، وبكى على فراقها بمرارة. لكن شيئًا فشيئًا، بدأ حزنه يتلاشى، ومع أنه كان يشعر بالأسى بين الحين والآخر، كان بمقدوره الخروج كعادته، وبعد حين، تزوج بأخرى.
رُزق الأب من زوجته الثانية بابنة. وكان لديه طفل صغير من زوجته الأولى، أحمر كالدم وأبيض كالثلج. أحبت الأم ابنتها كثيرًا، وعندما كانت تنظر إلى الطفل، كان قلبها ينفطر لأنه سيقف دائمًا عقبة في طريق ابنتها، ودائمًا ما كانت تفكر في طريقة تؤمِّن من خلالها ثروة زوجها كلها لابنتها. استحوذت هذه الفكرة الشيطانية عليها أكثر وأكثر، مما جعلها تعامل الولد بقسوة. فكانت تسوقه من مكان إلى آخر مُكبَّل اليدين وتضربه، بحيث يتجول الصبي المسكين في خوف، فكان لا ينعم براحة من وقت مغادرته المدرسة حتى عودته إليها.
ذات يوم جاءت الابنة الصغيرة تهرول نحو والدتها في غرفة تخزين الطعام، وقالت: «أمي، أعطيني تفاحة.» قالت الأم: «حسنًا يا ابنتي.» ثم أعطتها تفاحة جميلة من الصندوق؛ كان الصندوق مغلقًا بغطاء ثقيل للغاية وقفل حديدي ضخم.
قالت الطفلة الصغيرة: «أمي، هل من الممكن أن نعطي أخي أيضًا تفاحة؟» غضبت الأم، لكنها أجابتها: «حسنًا، عندما يعود من المدرسة.»
في تلك اللحظة أطلَّت الزوجة من النافذة ورأت الصبي قادمًا، ويبدو أن روحًا شريرةً استحوذت عليها، فانتزعت التفاحة من يد ابنتها، وقالت: «لن تحصلي على واحدة قبل أن يحصل أخوك على واحدة.» ثم ألقت التفاحة داخل الصندوق ثم أغلقته. حضر الصبي الصغير إلى المنزل، وقالت الزوجة بأمر من الروح الشريرة التي تسكنها: «ابني العزيز، هل تود تناول تفاحة؟» لكنها نظرت إليه نظرة غاضبة، قال الصبي: «يا إلهي، لماذا تنظرين إلي هكذا! نعم، أريد تناول تفاحة.» فكرت الأم بعد ذلك في قتله، وقالت: «تعال معي.» ثم رفعت غطاء الصندوق، وقالت له: «مد يدك، وخذ واحدة.» فانحنى الولد لفعل ذلك، فدفعتها الروح الشريرة إلى غلق الغطاء، وهكذا انفصل رأس الولد عن جسده. استبد بها الخوف بعد أن أدركت فعلتها، وفكرت: «ليتني أستطيع إخفاء ما فعلت.» فصعدت إلى غرفتها في الطابق العلوي، وأخرجت منديلًا أبيض من الدرج العلوي؛ ثم وضعت رأس الولد فوق كتفيه مرة أخرى، وربطت الرأس بالمنديل حتى لا يلحظ أحد أي شيء، ثم أجلست الولد فوق الكرسي بجانب الباب، ووضعت تفاحة في يده.
بعد ذلك، حضرت مارلين الصغيرة إلى أمها التي كانت تقَلِّب قِدرًا بها ماء يغلي فوق الموقد، وقالت: «يا أمي، إن أخي يجلس بجانب الباب وفي يده تفاحة، ويبدو شاحب الوجه للغاية؛ وعندما طلبت منه أن يعطيني التفاحة، لم يجبني، وهذا الأمر أخافني.»
قالت الأم: «اذهبي إليه مجددًا، وإذا لم يجبك، فالكِمِيه في أذنه.» ذهبت مارلين الصغيرة وقالت: «يا أخي، أعطني التفاحة.» لكنه لم ينطق بكلمة واحدة؛ وعندما لكمته في أذنه، تدحرج رأسه بعيدًا. شعرت مارلين بالذعر، وركضت إلى أمها تبكي وتصرخ، قالت: «يا إلهي! لقد كسرتُ عنق أخي.» وأخذت تنتحب في مرارة دون توقف.
قالت الأم: «ماذا فعلت؟ لا بد ألا يعرف أحد بهذا الأمر، لا بد أن تلزمي الصمت؛ فما حدث قد حدث. سنصنع منه بودينج.» ثم أمسكت بالولد الصغير وقطعته إربًا إربًا، ووضعته في القِدر، وأعدت منه البودينج. وقفت مارلين تتابع المشهد، وأخذت تبكي وتبكي حتى تساقطت دموعها داخل القدر، ولم تعد الأم بحاجة إلى إضافة المِلْح.
عاد الأب إلى المنزل، وجلس لتناول العشاء، ثم سأل: «أين ابني؟» لم تنطق الأم بكلمة واحدة، لكنها قدمت له صحنًا كبيرًا من البودينج الأسود، وكانت مارلين لا تزال تبكي دون توقف.
سأل الأب مجددًا: «أين ابني؟»
أجابت الزوجة: «لقد سافر إلى الريف لزيارة العم الأكبر لأمه، وسيمكث هناك بعض الوقت.»
– «لماذا ذهب إلى هناك؟ إنه لم يودعني!»
– «حسنًا، إنه يحب الذهاب إلى هناك، وأخبرني أنه سيمكث هناك ستة أسابيع، فهم يعتنون به جيدًا هناك.»
قال الزوج: «أشعر بعدم الارتياح تجاه هذا الأمر، فقد يقع له مكروه، وكان ينبغي له أن يودعني!»
بعد ذلك استأنف الأب تناول العشاء، وقال: «لماذا تبكين يا مارلين؟ سيعود أخوك عما قريب.» ثم طلب من زوجته المزيد من البودينج، وأثناء تناوله الطعام، ألقى بالعظام أسفل الطاولة.
توجهت مارلين الصغيرة إلى الطابق العلوي، وأمسكت بأفضل مناديلها الحريرية من درجها السفلي، ووضعت به كل العظام الملقاة أسفل الطاولة، ثم حملتها إلى الخارج، ولم تتوقف عن البكاء لحظة واحدة. وضعت مارلين العظام بين الأعشاب الخضراء أسفل شجرة العرعر، وما إن فعلت ذلك، حتى بدا أن أحزانها انقشعت كلها، ولم يعاودها البكاء بعد ذلك. بدأت شجرة العرعر تتحرك، واهتزت الأغصان للأمام والخلف، يبتعد بعضها عن بعض، ثم يرتطم بعضها ببعض، وكأنها تصفق فرحًا. بعد ذلك غلفت الشجرة طبقة رقيقة من الضباب كان في منتصفها شيء مشتعل، وخرج من وسط هذا الشيء المشتعل طائر جميل حلق عاليًا في السماء، وغرد بصوت جميل، وبعد أن اختفى في الأفق، وقفت شجرة العرعر كما كانت في السابق، واختفى المنديل الحريري والعظام.
انشرح صدر مارلين الصغيرة، وشعرت بسعادة وكأن أخاها لا يزال على قيد الحياة، ثم عادت إلى المنزل، وجلست في فرح عند الطاولة، وتناولت طعامها.
حلق الطائر بعيدًا، ثم حط على منزل صائغ، وبدأ يغرد: الأم قتلت ابنها الصغير، حزن أبوه لاختفائه؛ كانت أخته أكثرهم حبًّا له، وضعت منديلها فوق عظامه، وأخذت عظامه حتى تضعها أسفل شجرة العرعر، صو صو صو صو، كم أنا طائر جميل! كان الصائغ في ورشته يصنع سلسلة ذهبية. وعندما سمع أغنية الطائر فوق سطح المنزل، أعجبته كثيرًا حتى إنه نهض واتجه إلى الخارج، وأثناء عبوره عتبة الورشة أضاع أحد خفيه، لكنه استمر في الركض حتى منتصف الشارع، وهو يرتدي فردة واحدة من الخف في قدم وجوربًا في القدم الأخرى، وكان لا يزال مرتديًا مئزره وممسكًا بالسلسة الذهبية والكمَّاشة في يديه، ثم وقف يحدق بالطائر، وكانت أشعة الشمس ساطعة في الشارع. قال: «أيها الطائر، كم أن صوتك عذب! غنِّ لي هذه الأغنية مرة أخرى.»
قال الطائر: «كلا، لن أرددها لك دون مقابل، أعطني هذه السلسة الذهبية، وسأغني لك مرة أخرى.»
قال الصائغ: «خذ السلسلة، وردد تلك الأغنية مرة أخرى.»
حلق الطائر من فوق سطح المنزل وأخذ السلسلة الذهبية في مخلبه الأيمن، ثم حط مجددًا أمام الصائغ، وغنى: الأم قتلت ابنها الصغير، حزن أبوه لاختفائه؛ كانت أخته أكثرهم حبًّا له، وضعت منديلها فوق عظامه، وأخذت عظامه حتى تضعها أسفل شجرة العرعر، صو صو صو صو، كم أنا طائر جميل! ثم حلق بعيدًا، وجلس فوق سطح منزل صانع أحذية، وغنى: الأم قتلت ابنها الصغير، حزن أبوه لاختفائه؛ كانت أخته أكثرهم حبًّا له، وضعت منديلها فوق عظامه، وأخذت عظامه حتى تضعها أسفل شجرة العرعر، صو صو صو صو، كم أنا طائر جميل! سمعه صانع الأحذية، فقفز واتجه نحو الخارج مرتديًا زِيَّ العمل، ووقف ينظر إلى الطائر أعلى السطح واضعًا يده فوق عينيه كي يستطع الرؤية جيدًا.
قال: «أيها الطائر، كم أن صوتك عذب!» ثم نادى على زوجته: «يا زوجتي، تعالي إلى الخارج، هناك طائر جميل، تعالي وانظري إليه واستمعي إلى صوته العذب.» ثم نادى على ابنته وأطفاله، ثم على مساعديه، أولادًا وبناتًا، وركضوا جميعًا عبر الشارع ليتفقدوا الطائر، ورأوا كم يبدو رائعًا بريشه الأحمر والأخضر، ورقبته التي تبدو كالذهب المصقول، وعينيه اللتين كانتا كنجمتين ساطعتين.
قال صانع الأحذية: «هيَّا أيها الطائر، ردد تلك الأغنية مرة أخرى.»
أجابه: «كلا، لن أغنيها دون مقابل، لا بد أن تقدم لي شيئًا.»
قال صانع الأحذية: «يا زوجتي، اذهبي إلى المخزن، وستجدين فوق الرف العلوي حذاءً أحمر، أحضريه.» ذهبت الزوجة، وجلبت الحذاء.
قال صانع الأحذية: «خذ أيها الطائر هذا الحذاء، والآن غنِّ تلك الأغنية مرة أخرى.»
حلق الطائر نحو صانع الأحذية، وأمسك الحذاء الأحمر بمخلبه الأيسر، ثم عاد إلى السطح مجددًا، وغنى: الأم قتلت ابنها الصغير، حزن أبوه لاختفائه؛ كانت أخته أكثرهم حبًّا له، وضعت منديلها فوق عظامه، وأخذت عظامه حتى تضعها أسفل شجرة العرعر، صو صو صو صو، كم أنا طائر جميل! بعد أن انتهى من الغناء، حلق بعيدًا. كان يمسك السلسلة الذهبية في مخلبه الأيمن والحذاء في مخلبه الأيسر، واتجه مباشرة نحو طاحونة. كانت الطاحونة تدور محدثة الصوت: «تك، تك، تك.» وكان بها عشرون رجلًا يكسرون حجرًا بالفئوس: «طاخ، طاخ، طاخ.»
جلس الطائر فوق شجرة ليمون أمام الطاحونة، وغنى: «الأم قتلت ابنها الصغير …»
توقف أحد الرجال عن العمل. «حزن أبوه لاختفائه …»
توقف رجلان آخران عن العمل. «كانت أخته أكثرهم حبًّا له …»
ثم توقف أربعة رجال آخرون عن العمل. «وضعت منديلها فوق عظامه، وأخذت عظامه حتى تضعها …» لم يعد يعمل بالطاحونة سوى ثمانية رجال. «أسفل شجرة العرعر …»
لم يعد يعمل بالطاحونة سوى رجل واحد. «صو صو صو صو، كم أنا طائر جميل!»
نظر الرجل إلى أعلى، وتوقف آخر الرجال عن العمل.
قال: «أيها الطائر! كم هي رائعة تلك الأغنية! أود أن أسمعها ثانية، رددها مرة أخرى.»
أجاب الطائر: «كلا، لن أغني ثانية دون مقابل، أعطني حجر الرحى هذا، وسأغنى لك ثانية.»
قال الرجل: «لو كان الأمر بيدي لأعطيتك إياه.»
قال بقية الرجال: «أجل، أجل، إذا كان سيغني ثانية، أعطه إياه.»
نزل الطائر، والتف العشرون طحانًا حول الحجر، ورفعوه معًا باستخدام عارضة؛ ثم وضع الطائر رأسه في الثقب كي يلتف الحجر حول عنقه كالطوق، ثم عاد مجددًا إلى الشجرة، وبدأ يغني: الأم قتلت ابنها الصغير، حزن أبوه لاختفائه؛ كانت أخته أكثرهم حبًّا له، وضعت منديلها فوق عظامه، وأخذت عظامه حتى تضعها أسفل شجرة العرعر، صو صو صو صو، كم أنا طائر جميل! وبعد أن أنهى أغنيته، فرد جناحيه، وحلق نحو منزل أبيه والسلسة في مخلبه الأيمن والحذاء في مخلبه الأيسر، وحجر الرحى ملتف حول عنقه.
كان الأب والأم ومارلين الصغيرة يتناولون العشاء.
قال الأب: «كم أشعر بالارتياح. أشعر بالسعادة والفرح.»
قالت الأم: «وأنا أشعر بالانزعاج، وكأن عاصفة رعدية ستَهُب.»
أما مارلين الصغيرة فأخذت تبكي دون انقطاع.
حلق الطائر نحو المنزل، ثم وقف فوق سطحه.
قال الأب: «أشعر بسعادة غامرة. الشمس مشرقة على نحو جميل. أشعر وكأنني سأقابل شخصًا عزيزًا مرة أخرى.»
قالت الزوجة: «وأنا أشعر بالضيق والانزعاج حتى إن أسناني تصطك، وأشعر وكأن الدم يغلي في عروقي.» ثم مزقت فستانها؛ وفي تلك اللحظة جلست مارلين الصغيرة في زاوية بالمنزل، وأخذت تنتحب، حتى ابتلَّ الصحن الموجود فوق ركبتيها بدموعها.
حلق الطائر نحو شجرة العرعر مرة أخرى، وبدأ يغني: «الأم قتلت ابنها الصغير …»
أغلقت الأم عينيها وأذنيها، كي لا ترى أو تسمع شيئًا، لكن كان هناك صوت زئير في أذنيها كصوت عاصفة عاتية، وشعرت بحرقة في عينيها ووميض كالبرق. «حزن أبوه لاختفائه …»
قال الرجل: «انظري يا زوجتي، كم يغني هذا الطائر بصوت جميل، وكذا أشعة الشمس ساطعة وتبعث على الدفء، ويا لها من رائحة طيبة في الجو!» «كانت أخته أكثرهم حبًّا له …»
فوضعت مارلين رأسها فوق ركبتيها، وبكت.
قال الأب: «يجب أن أذهب إلى الخارج وألقي نظرة على الطائر عن قرب.»
صاحت الزوجة: «لا تخرج، أشعر أن المنزل كله يحترق!»
لكن الرجل خرج ليرى الطائر. «وضعت منديلها فوق عظامه، وأخذت عظامه حتى تضعها أسفل شجرة العرعر، صو صو صو صو، كم أنا طائر جميل!» بعد أن أنهى الطائر هذا المقطع الأخير أسقط السلسلة الذهبية، فوقعت فوق رأس الأب لتلتف حول عنقه، وكانت تناسبه تمامًا.
دخل الرجل المنزل مرة أخرى، وقال: «كم هو طائر رائع، لقد أعطاني هذه السلسة الذهبية. يبدو جميل المنظر للغاية.»
شعرت الزوجة بخوف وانزعاج شديدين حتى إنها سقطت فوق الأرض، وسقطت قبعتها من فوق رأسها.
غنى الطائر مجددًا: «الأم قتلت ابنها الصغير …»
صاحت الأم: «يا إلهي! ليتني أموت كي لا أسمع تلك الأغنية.» «حزن أبوه لاختفائه …»
سقطت المرأة مجددًا، وكأنها فارقت الحياة. «كانت أخته أكثرهم حبًّا له …»
قالت مارلين: «حسنًا، سأخرج أنا أيضًا لأرى هل سيعطيني الطائر شيئًا.»
ثم خرجت. «وضعت منديلها فوق عظامه، وأخذت عظامه حتى تضعها …» ثم ألقى بالحذاء لها. «أسفل شجرة العرعر، صو صو صو صو، كم أنا طائر جميل!» شعرت مارلين بسعادة كبيرة وبارتياح، وانتعلت الحذاء ورقصت وقفزت، ثم قالت: «كنت تعيسة، لكن عندما خرجت، زالت كل أحزاني؛ إنه طائر رائع بالفعل، وأعطاني حذاءً أحمر اللون.»
قفزت الزوجة، وشعرها أشعث كأنه ألسنة لهب، وقالت: «سأخرج أنا أيضًا، لأرى هل سيزيل هذا أحزاني، فأنا أشعر أنه يوم القيامة.»
لكن أثناء عبورها عتبة المنزل، أسقط الطائر حجر الرحى فوق رأسها، فسحقها حتى الموت.
سمع الأب ومارلين الصغيرة صوت الارتطام فهرعا إلى الخارج، لكن لم يريا سوى ضباب ولهب ونيران تنبثق من المكان، وبعد أن اختفت هذه الأشياء، ظهر الصبي الصغير الذي أمسك بالأب ومارلين الصغيرة من يديهما، وابتهج ثلاثتهم، ثم دخلوا المنزل، وجلسوا لتناول العشاء.
ثمرة اللفت


في سالف العصر والأوان عاش جنديان شقيقان؛ أحدهما كان ثريًّا والآخر فقيرًا. فكر الأخ الفقير في طريقة لإثراء نفسه، فترك العمل بالجيش، وعمل بستانيًّا، وحفر الأرض جيدًا، وزرعها بنبات اللفت.
عندما نمت البذور، كانت هناك نبتة أكبر من بقية النباتات الأخرى، وأخذت تنمو أكثر وأكثر، وكأنها لن تتوقف عن النمو قط، ولذا يمكن أن نطلق عليها «ملكة نبات اللفت»، فلم ير أحد ثمرة لفت في حجمها قط. في النهاية نمت النبتة بدرجة كبيرة حتى إنه وضعها فوق عربة يجرها ثوران بصعوبة شديدة. لم يدر البستاني كيف يستغل هذه الثمرة، ولم يعلم هل هي نعمة أم نقمة. وذات يوم قال لنفسه: «ماذا سأصنع بها؟ إذا بعتها، فلن تجلب لي مالًا أكثر من أي ثمرة لفت أخرى؛ وإذا أكلتها، فلن يكون مذاقها حلوًا كاللفت الصغير. إن أفضل شيء هو أن أحملها وأقدمها للملك كبادرة تنم عن الاحترام.»
شدَّ الرجل الثورين إلى العربة، وجر ثمرة اللفت إلى قصر الملك، ثم قدمها له. قال الملك: «يا له من شيء رائع! لقد رأيت الكثير من الأشياء الغريبة، لكنني لم أر مثل هذا الشيء من قبل. من أين حصلت على البذور؟ أم إنها ضربة حظ ليس إلا؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت رجل محظوظ.» أجاب البستاني: «كلا! لست سعيد الحظ، فأنا جندي فقير لا أستطيع كسب ما يكفيني؛ فتركت العمل بالجيش، وبدأت أحرث الأرض. لي شقيق ثري، أنت تعرفه جيدًا يا جلالة الملك، والناس جميعًا يعرفونه، لكن لأنني فقير، لا أحد يهتم بأمري.»
أشفق الملك على الرجل، وقال: «لن تكون فقيرًا بعد الآن، سأعطيك مالًا يجعلك تفوق أخيك ثراءً.» ثم أعطاه ذهبًا وأراضي وقطعان من الماشية، مما جعل ثروة أخيه شيئًا لا يُذْكر مقارنة بثروته.
عندما سمع أخوه بهذا الأمر، وكيف أن نبتة لفت تسببت في ثراء بستاني، شعر بالحسد تجاه أخيه، وأخذ يفكر في طريقة يحصل بها على ثروة كبيرة لنفسه. مع ذلك، قرر أن يدبر الأمر في دهاء أكثر من أخيه، فأحضر هدية ثمينة تضم ذهبًا وخيولًا لتقديمها إلى الملك؛ وفكر أنه سيحصل على هدية أكبر في المقابل؛ فأخوه تلقى هدية كبيرة مقابل ثمرة لفت، فماذا سيعطيه الملك إذن مقابل هذه الهدية الثمينة؟
تقبل الملك الهدية بصدر رحب، وقال إنه ليس لديه هدية أروع وأثمن من ثمرة اللفت الضخمة لتقديمها له مقابل هديته الثمينة، فاضطر الجندي إلى وضع ثمرة اللفت داخل العربة، لأخذها إلى المنزل معه.
عندما وصل إلى المنزل، استبدت به مشاعر الغضب والحقد؛ ولم يدر كيف ينفث عن مشاعره هذه، وفي النهاية استحوذت عليه أفكار شيطانية، وعزم على قتل أخيه.
استأجر الرجل الثري بعض الأشرار لقتل أخيه، ودلَّهم على المكان الذي يتربصون له فيه، ثم ذهب إلى أخيه، وقال: «أخي العزيز، لقد عثرت على كنز مخبأ؛ دعنا نذهب لنستخرجه، ونقتسمه معًا.» لم يشك البستاني في نوايا أخيه، وأثناء سيرهما، انقض عليه السفاحون وقيَّدوه، وكانوا على وشك أن يشنقوه في شجرة.
لكن أثناء قيامهم بذلك، سمعوا صوت حصان قادم من مسافة بعيدة، فشعروا بالذعر، ووضعوا الرجل داخل كيس، وعلقوه في الشجرة بواسطة حبل، حيث تركوه معلقًا وفروا هاربين. في غضون ذلك، أخذ الرجل يحاول تحرير نفسه حتى تمكن من عمل ثقب كبير استطاع من خلاله إخراج رأسه.
عندما وصل الفارس إلى الشجرة، اتضح أنه طالب علم تبدو عليه السعادة، يسافر فوق حصانه، ويغني أثناء سيره. ما إن رأى البستاني المعلق داخل الكيس ذلك الطالب يمر تحت الشجرة حتى صاح: «صباح الخير! صباح الخير يا صديقي العزيز!» نظر الطالب حوله؛ لكنه لم ير أحدًا، ولم يعلم مصدر الصوت، فصاح: «من ينادي؟»
أجابه الرجل: «انظر إلى أعلى، فأنا جالس داخل كيس الحكمة، فقد تعلمت هنا في وقت قصير الكثير من الأشياء المدهشة. فما نكتسبه من معارف في المدارس لا يضاهي المعرفة التي تُكتسب داخل هذا المكان أبدًا. إذا مكثتُ هنا مدة أطول، سألِمُّ بكل المعارف التي يمكن أن يكتسبها المرء، وسأكون أحكم البشر. فهنا أتبين إشارات وحركات السماء والنجوم، وأتعرف على القوانين التي تحكم الرياح، وعدد حبات الرمال في شواطئ البحار، وعلاج الأمراض، وفوائد كل الأشياء والطيور والأحجار الكريمة، إذا دخلتَ هنا مرة واحدة يا صديقي العزيز، فستشعر بقوة المعرفة وتدركها.»
استمع الطالب إلى كل ما قاله الرجل، وتعجب كثيرًا؛ وفي النهاية قال له: «يا لحظي السعيد أنني قابلتك. هل من الممكن أن تسمح لي بالدخول في الكيس لحظة قصيرة؟» أجابه الرجل على مضض: «قد أسمح لك بالجلوس هنا مدة قصيرة، إذا كنت ستكافئني جيدًا وتستعطفني كما ينبغي، لكن لا بد أن تمكث أسفل الشجرة مدة ساعة أخرى، حتى أتعلم القليل من الأشياء التي لم أعرفها بعد.»
جلس الطالب أسفل الشجرة، وانتظر بعض الوقت؛ لكن الوقت مر في بطء شديد، واستجداه الطالب أن يصعد ويدخل في الكيس، لأنه كان يتشوق للمعرفة. تظاهر الرجل بأنه استسلم لتوسلاته، وقال: «أنزِل كيس الحكمة أولًا عن طريق فك ذلك الحبل، وحينئذ يمكنك الدخول في الكيس.» أنزل الطالب الكيس، ثم فتحه، وحرر الرجل، ثم قال: «الآن دعني أدخل في الكيس بسرعة.» وعندما بدأ في الدخول في الكيس ووضع قدميه أولًا، قال البستاني: «انتظر، هذه ليست الطريقة الصحيحة.» ودفع رأسه أولًا داخل الكيس، ثم ربط الكيس، وأخذ الباحث عن الحكمة يتأرجح في الهواء وهو معلق داخل الكيس. قال البستاني: «كيف الحال يا صديقي؟ ألا تشعر بأن الحكمة تتنزَّل عليك؟ انتظر مكانك في سلام حتى تصبح أحكم مما كنت.»
بعد أن قال ذلك، امتطى فرس الطالب، ومضى في طريقه تاركًا الطالب المسكين يستقي الحكمة إلى أن يأتي شخص آخر، وينزله.
هانز الذكي


يُحكى أن أم هانز قالت له يومًا: «إلى أين أنت ذاهب يا هانز؟» أجابها: «سأذهب إلى جريتل.» فقالت له: «أحسِن التصرف يا هانز.» فقال لها: «حسنًا يا أمي، سأحسن التصرف، وداعًا.» فردت عليه: «وداعًا يا بني.» ذهب هانز إلى جريتل، وقال لها: «يومًا سعيدًا يا جريتل.» قالت جريتل: «يومًا سعيدًا يا هانز. ماذا أحضرت لي؟» أجابها: «لم أُحضِر شيئًا، أريد أن تعطيني أنتِ شيئًا.» قدمت جريتل إبرة لهانز، فقال: «وداعًا يا جريتل.» ردت جريتل: «وداعًا يا هانز.»
أخذ هانز الإبرة، وغرزها في عربة محمَّلة بالقش، وسار خلف العربة حتى المنزل. قال هانز «مساء الخير يا أمي.» ردت أمه: «مساء الخير يا هانز، أين كنت؟» أجابها: «عند جريتل.» سألته: «ماذا أعطيتها؟» أجابها: «لم أعطها شيئًا، بل هي التي أعطتني.» سألته أمه: «وماذا أعطتك؟» أجابها: «أعطتني إبرة.» سألته: «أين الإبرة إذن؟» أجابها: «غرزتها في عربة محملة بالقش.» قالت له: «لقد أسأت التصرف يا هانز، كان ينبغي لك أن تغرزها في كُمِّ قميصك.» قال لها: «لا بأس يا أمي، سأحسن التصرف المرة القادمة.»
قالت الأم: «إلى أين أنت ذاهب يا هانز؟» أجابها: «سأذهب إلى جريتل.» فقالت له: «أحسِن التصرف يا هانز.» فقال لها: «حسنًا يا أمي، سأحسن التصرف، وداعًا.» فردت عليه: «وداعًا يا بني.» ذهب هانز إلى جريتل، وقال لها: «يومًا سعيدًا يا جريتل.» قالت جريتل: «يومًا سعيدًا يا هانز. ماذا أحضرت لي؟» أجابها: «لم أحضر شيئًا، أريد أن تعطيني أنتِ شيئًا.» أعطته جريتل سكينًا، فقال لها: «وداعًا يا جريتل.» ردت جريتل: «وداعًا يا هانز.» أخذ هانز السكين، وغرزه في كم قميصه، وعاد إلى المنزل. قال هانز: «مساء الخير يا أمي.» ردت أمه: «مساء الخير يا هانز، أين كنت؟» أجابها: «عند جريتل.» سألته: «ماذا أعطيتها؟» أجابها: «لم أعطها شيئًا، بل هي التي أعطتني.» سألته أمه: «ماذا أعطتك إذن؟» أجابها: «أعطتني سكينًا.» سألته: «أين السكين يا هانز؟» أجابها: «غرزته في كُمِّ قميصي.» قالت له: «لقد أسأت التصرف يا هانز، كان ينبغي لك أن تضعه في جيبك.» قال لها: «لا بأس يا أمي، سأحسن التصرف المرة القادمة.»
قالت الأم: «إلى أين أنت ذاهب يا هانز؟» أجابها: «سأذهب إلى جريتل.» فقالت له: «أحسِن التصرف يا هانز.» فقال لها: «حسنًا يا أمي، سأحسن التصرف، وداعًا.» فردت عليه: «وداعًا يا بني.» ذهب هانز إلى جريتل، وقال لها: «يومًا سعيدًا يا جريتل.» قالت جريتل: «يومًا سعيدًا يا هانز. ماذا أحضرت لي؟» أجابها: «لم أحضر شيئًا، أريد أن تعطيني أنت شيئًا.» أعطته جريتل عنزة صغيرة، فقال: «وداعًا يا جريتل.» ردت جريتل: «وداعًا يا هانز.» أخذ هانز العنزة الصغيرة وربطها من أرجلها، ثم وضعها في جيبه، وعندما وصل إلى المنزل كانت العنزة قد اختنقت وماتت. قال هانز: «مساء الخير يا أمي.» ردت أمه: «مساء الخير يا هانز، أين كنت؟» أجابها: «عند جريتل.» سألته: «ماذا أعطيتها؟» أجابها: «لم أعطها شيئًا، بل هي التي أعطتني.» سألته أمه: «وماذا أعطتك؟» أجابها: «أعطتني عنزة.» سألته: «أين هي إذن؟» أجابها: «وضعتها في جيبي.» قالت له: «لقد أسأت التصرف يا هانز، كان ينبغي لك أن تلف حبلًا حول عنق العنزة.» قال لها: «لا بأس يا أمي، سأحسن التصرف المرة القادمة.»
قالت الأم: «إلى أين أنت ذاهب يا هانز؟» أجابها: «سأذهب إلى جريتل.» فقالت له: «أحسِن التصرف يا هانز.» فقال لها: «حسنًا يا أمي، سأحسِن التصرف، وداعًا.» فردت عليه: «وداعًا يا بني.» ذهب هانز إلى جريتل، وقال: «يومًا سعيدًا يا جريتل.» أجابته: «يومًا سعيدًا يا هانز. ماذا أحضرت لي؟» أجابها: «لم أحضر شيئًا، أريد أن تعطيني أنت شيئًا.» أعطته جريتل قطعة من اللحم المملح، فأخذها هانز، وقال: «وداعًا يا جريتل.» ردت جريتل: «وداعًا يا هانز.» أخذ هانز قطعة اللحم، وربطها بحبل، ثم جرها خلفه حتى وصل إلى المنزل. سارت الكلاب خلفه، والتهمت قطعة اللحم. وعندما وصل إلى المنزل، كان يمسك الحبل بيده، ولا يوجد به شيء، ثم قال: «مساء الخير يا أمي.» ردت أمه: «مساء الخير يا هانز، أين كنت؟» أجابها: «مع جريتل.» سألته: «وماذا أعطيتها؟» أجابها: «لم أعطها شيئًا، بل هي التي أعطتني.» سألته أمه: «وماذا أعطتك؟» أجابها: «أعطتني قطعة من اللحم المملح.» سألته: «أين هي إذن؟» أجابها: «ربطُتها بحبل، وسحبتها خلفي، لكن الكلاب التهمتها.» قالت له: «لقد أسأت التصرف يا هانز، كان ينبغي لك أن تحمل قطعة اللحم فوق رأسك.» قال لها: «لا بأس يا أمي، سأحسن التصرف المرة القادمة.»
قالت الأم: «إلى أين أنت ذاهب يا هانز؟» أجابها: «سأذهب إلى جريتل.» فقالت له: «أحسِن التصرف يا هانز.» فأجابها: «حسنًا يا أمي، سأحسن التصرف، وداعًا.» فردت عليه: «وداعًا يا بني.» ذهب هانز إلى جريتل، وقال: «يومًا سعيدًا يا جريتل.» قالت جريتل: «يومًا سعيدًا يا هانز. ماذا أحضرت لي؟» أجابها: «لم أحضر شيئًا، أريد أن تعطيني أنتِ شيئًا.» قدمت له جريتل عِجْلًا. أخذه هانز، وقال لها: «وداعًا يا جريتل.» ردت جريتل: «وداعًا يا هانز.» أخذ هانز العجل الصغير، وحمله فوق رأسه، فركله العجل الصغير في وجهه. وعندما عاد إلى المنزل، قال: «مساء الخير يا أمي.» ردت أمه: «مساء الخير يا هانز، أين كنت؟» أجابها: «عند جريتل.» سألته: «ماذا أعطيتها؟» أجابها: «لم أعطها شيئًا، بل هي التي أعطتني.» سألته أمه: «وماذا أعطتك؟» أجابها: «أعطتني عجلًا صغيرًا.» سألته: «أين هو إذن؟» أجابها: «حملته فوق رأسي، فركلني في وجهي، فتركته.» قالت له: «لقد أسأت التصرف يا هانز، كان ينبغي لك أن تجُرَّه بحبل وتضعه في الحظيرة.» قال لها: «لا بأس يا أمي، سأحسن التصرف المرة القادمة.»
قالت الأم: «إلى أين أنت ذاهب يا هانز؟» أجابها: «سأذهب إلى جريتل.» فقالت له: «أحسِن التصرف يا هانز.» فقال لها: «حسنًا يا أمي، سأحسن التصرف، وداعًا.» فردت عليه: «وداعًا يا بني.» ذهب هانز إلى جريتل، وقال: «يومًا سعيدًا يا جريتل.» قالت جريتل: «يومًا سعيدًا يا هانز. ماذا أحضرت لي؟» أجابها: «لم أحضر شيئًا، أريد أن تعطيني أنت شيئًا.» فقالت له: «سأذهب معك.» ربط هانز جريتل بحبل، وسحبها إلى المعلف، وربطها بإحكام، ثم ذهب إلى أمه، وقال: «مساء الخير يا أمي.» ردت أمه: «مساء الخير يا هانز، أين كنت؟» أجابها: «عند جريتل.» سألته: «ماذا أعطيتها؟» أجابها: «لم أعطها شيئًا.» فقالت له: «وماذا أعطتك هي؟» أجابها: «لم تعطني شيئًا، بل جاءت معي.» «وأين هي إذن؟» أجابها: «لقد ربطتها بحبل وسحبتها إلى المعلف، ونثرت أمامها عشبًا لتأكله.» قالت له أمه: «لقد أسأت التصرف يا هانز، كان ينبغي لك أن تعتني بها، وتحرسها بعيون ودودة.» قال لها: «لا بأس يا أمي، سأحسن التصرف في المرة القادمة.»
توجه هانز إلى الحظيرة، وقطع عيون العجول والأغنام، وألقاها في وجه جريتل. استشاطت جريتل غضبًا، وحررت نفسها من الحبل، وفرت بعيدًا، وقررت عدم الزواج من هانز.
اللغات الثلاث


يُحكى أن نبيلًا مسنًّا كان يعيش في سويسرا، ولديه ابنٌ واحد، لكنه كان غبيًّا لا يفقه شيئًا. قال الأب: «اسمع يا بني، رغم كل محاولاتي، لم أستطع تعليمك شيئًا، لا بد أن ترحل من هنا. سأُودِعك في عهدة مُعَلِّم شهير ليرى ما يمكن فعله معك.» أُرسل الشاب إلى بلدة غريبة، ومكث هناك عامًا كاملًا مع المعلم. بعد انقضاء العام، عاد إلى منزله مرة أخرى، فسأله أبوه: «الآن يا بني، ماذا تعلمت؟» قال: «تعلمت ماذا تقول الكلاب عندما تنبح يا أبي.» قال: «يا إلهي! هل هذا هو كل ما تعلمته؟ سأرسلك إلى بلدة أخرى ومعلم آخر.» أُرسل الشاب إلى بلدة أخرى، ومكث عامًا مع معلم آخر. وعندما عاد إلى منزله، سأله أبوه: «ماذا تعلمت يا بني؟» أجابه: «تعلمت لغة الطيور يا أبي.» غضب الأب، وقال: «أيها البائس، لقد أضعتَ وقتك الثمين ولم تتعلم شيئًا؛ ألا تشعر بالخجل من نفسك؟ سأرسلك إلى معلم ثالث؛ لكن إن لم تتعلم شيئًا هذه المرة أيضًا، فسأتبرأ منك.» مكث الشاب عامًا كاملًا مع المعلم الثالث، وعندما عاد إلى المنزل، سأله أبوه: «ماذا تعلمت يا بني؟» أجابه: «تعلمت لغة الضفادع يا أبي.» استشاط الأب غضبًا، وقفز من مكانه، واستدعى رجاله، وقال: «هذا الولد لم يعد ابني، أنا أتبرأ منه، وآمركم بأن تأخذوه إلى الغابة، وتقتلوه.» اقتيد الابن إلى الغابة، لكنهم لم يستطيعوا قتله، فقد أخذتهم به الشفقة، فأطلقوا سراحه، وقطعوا عيني غزال ولسانه، وأخذوها معهم إلى النبيل العجوز أمارة على قتله.
تجول الشاب في الغابة، وبعد مرور بعض الوقت وصل إلى قلعة، وطلب من أهلها مكانًا يبيت فيه. قال صاحب القلعة: «لا بأس، إذا وافقت على قضاء الليلة في البرج القديم، فاذهب إلى هناك؛ لكنني أحذرك، هذا قد يعرض حياتك للخطر، فالبرج يعِجُّ بالكلاب المفترسة التي تنبح وتعوي دون توقف، ولا بد من تقديم رجل لها بين الحين والآخر تلتهمه على الفور.» كان أهل المدينة جميعًا يشعرون بالحزن والفزع من الكلاب، ومع ذلك لم يتمكن أحد من فعل أي شيء لردعها. مع ذلك لم يشعر الشاب بالخوف، وقال: «دعني أذهب إلى الكلاب النبَّاحة، وأعطني شيئًا ألقيه لها، فلن تؤذيني.» وبناء على رغبته أعطوه طعامًا للكلاب المفترسة، وأخذوه إلى البرج. عندما دخل البرج، لم تنبح الكلاب في وجهه، لكنها حركت ذيولها في حب حوله، وأكلت ما قدمه لها، ولم تؤذ شعرة منه. في صباح اليوم التالي، اندهش الجميع عندما خرج الشاب سالمًا من البرج، وقال لصاحب القلعة: «لقد أفصحت لي الكلاب بِلُغَتها لماذا تسكن ذلك المكان وتفعل ما تفعل، فهذه الكلاب مسحورة، وملزمة رغمًا عنها أن تحرس كنزًا كبيرًا أسفل البرج، ولن تهدأ حتى يُستخرج هذا الكنز، وعرفت أيضًا بعد حديثي معها كيفية استخراج ذلك الكنز.» فرح كل من سمع هذا الكلام، وقال مالك القلعة إنه سيتبناه إذا أنجز المهمة في نجاح. دخل الشاب البرج مرة أخرى، وعلم ما ينبغي عليه فعله، فأنجز المهمة كاملة، وأحضر صندوقًا مملوءًا بالذهب معه. ومنذ ذلك الحين لم يسمع أحد صوت نباح الكلاب المفترسة؛ فقد اختفت، ورُفع البلاء عن البلاد.
بعد مرور بعض الوقت فكر الولد في السفر إلى روما. وفي طريقه إلى هناك مر بمستنقع به مجموعة من الضفادع تنق. أصغى الشاب السمع، وبعد أن أدرك ما تقوله الضفادع، استغرق في التفكير وشعر بالحزن. وفي النهاية وصل إلى روما، وحينئذ كان البابا قد توفي توًّا، واحتار الكرادلة فيمن سيخْلُف البابا. وفي النهاية اتفقوا على أن يتولى المنصب شخص يميزونه بعلامة فيها شيء من الإعجاز. وما إن اتفقوا على ذلك، حتى دخل الشاب الكنيسة، وفجأة حلَّقت يمامتان ناصعتا البياض فوقه وجلستا على كتفيه. ظن الكهنة أن هذا الأمر إشارة من السماء، وسألوه على الفور هل يقبل أن يكون البابا. تردد الشاب، ولم يدر هل هو جدير بهذا المنصب أم لا، لكن اليمامتين نصحتاه بأن يوافق على الأمر، وفي النهاية وافق عليه. تقلَّد الشاب المنصب الباباوي، وهكذا تحقق ما سمعه من الضفادع في طريقه، إذ كانت تقول إنه سيصبح البابا، وهو ما أثَّر فيه كثيرًا حينذاك. كان عليه بعدها أن يقيم قُدَّاسًا، ولم يكن يعرف ما يقول، لكن اليمامتين جلستا طوال الوقت فوق كتفيه، وهمستا في أذنيه بكل ما ينبغي عليه قوله.
الثعلب والقطة


ذات يوم التقت القطة بثعلب في الغابة، فقالت لنفسها: «إنه ذكي ومحنَّك، ويحظى باحترام كبير بين الناس.» وخاطبته بلهجة ودودة: «يومًا سعيدًا عزيزي الثعلب، كيف حالك؟ كيف حال الحياة معك؟ كيف تتغلب على الأوقات الصعبة؟» نظر الثعلب المغرور إلى القطة من رأسها إلى قدمها في تعالٍ، وظل وقتًا طويلًا لا يدري هل يجيبها أم لا. وفي النهاية قال: «أيتها البائسة منظفة اللُّحَى، أيتها الحمقاء المرقَّطة، يا صائدة الفئران، ماذا تعرفين في الدنيا؟ ليس من حقك أن تسأليني كيف تسير الأمور معي، ماذا تعلمتِ؟ وما المهارات التي تتقنينها؟» أجابت القطة في تواضع: «أتقن مهارة واحدة.» سألها الثعلب: «وما هي؟» أجابته: «عندما تطاردني كلاب الصيد، أستطيع القفز فوق شجرة لإنقاذ نفسي.» قال لها الثعلب: «أهذا كل ما تعرفينه؟ أنا أجيد مئة مهارة، كما أنني شديد المكر. أشعر بالشفقة تجاهك، تعالي معي، سأعلمك كيف يهرب الناس من كلاب الصيد.» حينئذٍ جاء صياد ومعه أربعة كلاب. قفزت القطة في رشاقة فوق الشجرة وجلست أعلاها حيث اختبأت تمامًا بين الأغصان والأوراق. صاحت القطة في الثعلب: «استخدِم مكرك وذكاءك يا سيدي الثعلب، هيا استخدِم مكرك وذكاءك.» لكن الكلاب انقضت عليه، وأحكمت قبضتها عليه. صاحت القطة: «وا حسرتاه يا سيدي الثعلب، لم تنفعك مهاراتك المئة، وتخلَّت عنك وقت الشِدَّة! لو كنتَ تستطيع تسلق الأشجار مثلي، لنجوتَ بحياتك.»
الأشِقَّاء الأربعة الأذكياء


يُحكى أن رجلًا فقيرًا قال لأبنائه الأربعة ذات يوم: «أبنائي الأعزاء، ليس لدي مال أقدمه لكم، عليكم أن تسافروا في العالم الفسيح وتجربوا حظكم. تعلموا أولًا حرفة ما، وانظروا كيف ستسير الأمور معكم.» أمسك كل واحد منهم بعصاه، ووضع أمتعته فوق كتفه، وودعوا أباهم. بعد أن قطعوا مسافة قصيرة، وصلوا إلى مفترق يؤدي إلى أربعة طرق، وكل طريق يؤدي إلى بلد مختلف. قال الأخ الأكبر: «لا بد أن نفترق هنا؛ لكن بعد أربع سنوات من الآن سنعود إلى هذه البقعة. أما الآن فعلى كل واحد منا تجربة ما يمكنه فعله في الحياة.»
شق كلٌّ من الأشقاء الأربعة طريقه؛ وأثناء سير الأخ الأكبر بسرعة، قابل رجلًا سأله عن وجهته، وعمَّا يريد. رد عليه: «سأجرب حظي في الحياة، أود أن أبدأ بتعلم حرفة أو مهنة.» فقال الرجل: «إذن تعال معي، وسأعلمك كيف تصبح لصًّا ماكرًا.» قال الأخ الأكبر: «كلا، هذه ليست مهنة شريفة، ولن أجني منها في النهاية سوى الموت شنقًا.» قال الرجل: «كلا! لست مضطرًا للخوف من حبل المشنقة، فسوف أعلمك سرقة الأشياء التي لا يعاقب عليها القانون، فأنا لا أسرق سوى الأشياء التي لا يستطيع أحد الحصول عليها أو حتى يهتم بها، ولن يستطيع أحد اكتشاف أمرك.» وافق الشاب على تعلم هذه المهنة، وسرعان ما أثبت كفاءته، بحيث لم يكن هناك شيء يريده إلا ويحصل عليه.
أما الأخ الثاني فقد قابل رجلًا غريبًا هو الآخر، وبعد أن علم الرجل وجهته، سأله عن أي مهنة يريد تعلمها. أجابه الشاب: «لا أدري.» فقال له الرجل: «تعال معي إذن، واعمل عرَّافًا. هذه مهنة رفيعة، فلن يخفى عنك شيء ما إن تفهم النجوم.» فرح الشاب بهذه المهنة كثيرًا، وسرعان ما أصبح عرافًا ماهرًا، وبعد أن أنهى مدة تعليمه، أراد أن يرحل، فأعطاه معلمه منظارًا، وقال له: «ستتمكن من رؤية كل شيء يحدث في السماء والأرض إذا استخدمت هذا المنظار، ولن يخفى عنك شيء.»
أما الأخ الثالث فقد قابل صيادًا أخذه معه وعلمه كل شيء يتعلق بالصيد حتى أصبح ماهرًا في مهنة الصيد في الغابات؛ وعندما ترك معلمه، أعطاه قوسًا، وقال: «إذا اصطدتَ بهذا القوس، فستصيب الهدف حتمًا.»
أما الأخ الأصغر فقد قابل رجلًا سأله عن الحرفة التي يريد تعلمها، وقال له: «ألا تود أن تكون خياطًا؟» أجابه: «كلا! فالجلوس متصالب الساقين من الصباح إلى المساء، والعمل بإبرة ومكواة لن يناسبني أبدًا.» أجابه الرجل: «كلا! هذا ليس أسلوبي في العمل، تعال معي، وسأعلمك حرفة مختلفة تمامًا عن ذلك.» لم يكن لدى الشاب خيار آخر، فوافق، وتعلم مهنة الخياطة من البداية، وعندما ترك معلمه، أعطاه إبرة، وقال له: «بإمكانك خياطة أي شيء بهذه الإبرة؛ فهي رقيقة كالبيض وصلبة كالفولاذ، ولن يظهر بالشيء أي أثر للخياطة.»
بعد مرور أربع سنوات، التقى الأشقاء الأربعة في الوقت المتفق عليه عند مفترق الطريق مرة أخرى؛ وبعد ترحيب بعضهم ببعض، انطلقوا إلى منزل أبيهم، حيث أخبروه بكل ما حدث معهم، وكيف تعلم كل منهم حرفة ما.
وفي يوم من الأيام وهم جلوس أمام المنزل أسفل شجرة شاهقة الارتفاع، قال الأب: «أود أن اختبر مهارات كل واحد منكم.» ثم نظر إلى أعلى، وقال لابنه الثاني: «يوجد في قمة هذه الشجرة عش عصفور؛ أخبرني كم عدد البيضات الموجودة داخل العش.» أخرج ابنه العراف منظاره، ونظر إلى أعلى ثم قال: «خمسة.» قال الأب لابنه الأكبر: «عليك الآن جلب البيض دون أن تشعر العصفورة التي تجلس فوقه حتى يفقس.» تسلق اللص الماكر الشجرة، وأحضر البيضات الخمس لأبيه من تحت العصفورة دون أن تراه أو تشعر بما يفعل، بل جلست في مكانها في طمأنينة. بعد ذلك أخذ الأب البيضات الخمس، ووضع واحدة عند كل زاوية بالطاولة، ووضع الخامسة في المنتصف، وقال للصياد، «اكسر كل البيض إلى نصفين بضربة واحدة.» أخرج الصياد قوسه وبسهم واحد كسر البيضات الخمس كما أراد أبوه.
قال الأب للشقيق الأصغر: «حان دورك الآن، خيّط البيض والطيور الصغيرة بداخله مرة أخرى، بحيث لا تظهر آثار الكسر بالبيضة على الإطلاق.» أمسك الخياط بإبرته وخيط البيض كما أمره أبوه، وبعد أن انتهى من الخياطة، أرسل الأب الأخ اللص لوضع البيض مرة أخرى في العش تحت العصفورة دون أن تشعر. رقدت العصفورة فوق البيض حتى فقس، وفي غضون بضعة أيام، خرجت الطيور الصغيرة من البيض ليس بها سوى خط أحمر صغير برقبتها حيث موضع الخياطة.
قال الأب العجوز: «أحسنتم يا أبنائي! لقد استغللتم وقتكم على أحسن وجه، وتعلمتم شيئًا يستحق المعرفة؛ لكنني غير واثق من منكم يستحق الجائزة. ربما يأتي وقت عمَّا قريب تستغلون فيه مهاراتكم!»
لم يمر وقت طويل بعد ذلك حتى سادت البلاد حالة من الهرج والمرج، إذ اختطف تنين ضخم ابنة الملك. حزن الملك ليلًا ونهارًا على ضياع ابنته، وأعلن في البلاد أن من يحضرها له يتزوجها. قال الأشقاء الأربعة بعضهم لبعض: «لقد أتيحت الفرصة لنا؛ لنَرَ ما يمكننا فعله.» واتفقوا على محاولة تحرير الأميرة. قال العرَّاف: «سأكتشف سريعًا أين هي.» ونظر في منظاره، ثم صاح: «أراها في مكان بعيد، تجلس فوق صخرة وسط البحر، وأيضًا أرى التنين بالقرب منها يحرسها.» ثم ذهب إلى الملك، وطلب منه سفينة له ولأشقائه، ثم أبحروا معًا حتى وصلوا إلى المكان الصحيح. وهناك عثروا على الأميرة جالسة فوق صخرة، كما قال العراف والتنين نائم ورأسه فوق طرف ثيابها. قال الصياد: «لا أجرؤ على التصويب عليه، فقد أتسبب في قتل الأميرة أيضًا.» فقال اللص: «سأحاول استخدام مهارتي.» ثم ذهب، وسرق الأميرة من أسفل التنين، في هدوء ورفق، حتى إن التنين لم يشعر بالأمر، وأخذ يغط في نومه.
بعد ذلك ركبوا القارب والفرحة تملأ قلوبهم وبصحبتهم الأميرة متجهين إلى السفينة، لكن سرعان ما جاء التنين يزأر خلفهم؛ فقد استيقظ ولم يجد الأميرة. لكن عندما أدرك القارب، وأراد أن ينقض عليهم، ويأخذ الأميرة معه، أمسك الصياد قوسه، وأطلق عليه السهام في قلبه مباشرة، فسقط مفارقًا الحياة. ومع ذلك كان موقفهم خطيرًا، فالتنين كان ضخم الحجم للغاية لدرجة أنه عندما سقط، انقلب القارب، وتعين عليهم السباحة في ذلك البحر الواسع فوق بضعة ألواح خشبية. لكن الخياط أخرج إبرته، وبدأ يخيط الألواح الخشبية معًا ببضع غرز كبيرة، ثم جلس فوقها وطاف البحر حتى جمع أجزاء القارب جميعها، ثم خاطها معًا، وسرعان ما أصبح القارب جاهزًا، وأبحروا فيه حتى وصلوا إلى السفينة، ثم عادوا إلى بلادهم سالمين.
عندما أعاد الأشقاء الأربعة الأميرة إلى أبيها، وعمت الفرحة أرجاء البلاد، قال الملك لهم: «واحد منكم سيتزوج ابنتي، وعليكم حل هذه المسألة فيما بينكم.» اندلع شجار بين الأشقاء الأربعة، وقال العرَّاف: «لو لم أكشف عن مكانها، لكانت كل مهاراتكم بلا فائدة، ولهذا السبب، يجب أن أتزوجها.» قال اللص: «لولا تخليصي إياها من بين براثن التنين، لكانت رؤيتك لها بلا فائدة، ولهذا يجب أن أتزوجها.» قال الصياد: «كلا، أنا من سيتزوجها، فأنا من قتل التنين، ولولاي لكان قضى عليكم وعلى الأميرة ومزق أجسادكم جميعًا.» وقال الخياط: «ولولا خياطة أجزاء القارب معًا، لكان مصيركم الموت غرقًا، لذا سأتزوجها أنا.» قاطعهم الملك، وقال: «جميعكم على صواب؛ وبما أنه من المستحيل أن تتزوجوها جميعًا، فأفضل حل ألا يتزوجها أي منكم. حقيقة الأمر أن الأميرة تحب شخصًا آخر، لكن في سبيل تعويضكم عن الخسارة، سأمنح كلًّا منكم نصف مملكة مكافأة على مهارته.» وافق الأشقاء الأربعة، ورأوا أن هذا الاقتراح أفضل كثيرًا من الشجار أو الزواج من امرأة تحب شخصًا آخر. ثم قدم الملك لكل واحد منهم نصف مملكة كما وعدهم، وعاشوا في سعادة بالغة بقية حياتهم، واعتنوا جيدًا بأبيهم. أما الأميرة فقد اعتنى بها شخص آخر أفضل ما يكون، ولم يسمح لأحد بالاقتراب منها مجددًا.
لِيلي والأسد


كان فيما كان تاجر لديه ثلاث بنات، وفي يوم من الأيام كان يستعد للذهاب في رحلة، لكن قبل أن يذهب سأل كل بنت من بناته الثلاث عما يحضر لها لدى عودته من السفر. طلبت الابنة الكبرى لآلئ، وطلبت الثانية جواهر، وقالت الثالثة واسمها ليلي: «أبي العزيز، أحضر لي وردة.» لم يكن العثور على ورود أمرًا يسيرًا، إذ كان ذلك الوقت يوافق منتصف الشتاء؛ ولما كانت الابنة الصغرى هي الأجمل بين بناته وكانت تعشق الزهور، وعدها أبوها بأن يحاول أن يحضر لها ما تريد. بعد ذلك قبَّل بناته الثلاث، وودَّعهن.
وعندما حان وقت عودة الأب، كان قد اشترى لآلئ وجواهر لابنتيه الكبريين، لكنه بحث في كل مكان عن وردة لابنته الصغرى فلم يجد؛ وعندما كان يدخل أي حديقة ويسأل عن وردة، كان الناس يسخرون منه ويقولون له هل تعتقد أن الورد سينمو وسط الجليد. أحزن هذا الأمر الأب كثيرًا، فابنته ليلي هي الأقرب إلى قلبه؛ وأثناء عودته إلى المنزل وهو يفكر فيما يحضره لها، مرَّ بقلعة جميلة تحيط بها حديقة يبدو الجو في نصفها صيفًا، وفي النصف الآخر شتاءً. كانت الأزهار اليانعة تنمو في جانب، بينما الجانب الآخر بدا موحشًا ومطمورًا في الجليد. قال التاجر: «يا لحسن حظي!» ثم نادى على خادمه، وطلب منه أن يذهب إلى حديقة الأزهار هناك، ويحضر له أجمل وردة.
فعل الخادم ما أُمر به، ومضيا في طريقهما سعيدين، وفجأة ظهر أمامها أسد مفترس زأر وقال: «أيًّا كان من سرق ورودي، فسألتهمه حيًّا!» فقال الأب: «لم أكن أعلم أنك صاحبها؛ أليس هناك شيء أفعله ينقذ حياتي؟» قال الأسد: «كلا! لا شيء سينقذك مني، إلا إذا تعهدت بأن تقدم لي أول ما يقابلك في رحلة عودتك. إذا وافقت على هذا الأمر، فستنجو بحياتك، وسأعطيك الوردة لتأخذها لابنتك.» لكن الأب لم يكن يرغب في الموافقة، وقال: «قد تكون ابنتي الصغرى، فهي أكثر من يحبني، ودائمًا ما تركض لاستقبالي عند عودتي إلى المنزل.» شعر الخادم بالذعر الشديد، وقال: «وربما يكون أول ما يقابلك قطة أو كلب.» وفي النهاية استسلم الرجل في حزن، وأخذ الوردة، ووعد الأسد بأن يقدم له أول ما يقابله في طريق عودته.
وعندما اقترب من منزله، كانت ليلي، ابنته الصغرى والأقرب إلى قلبه، أول من قابله، فجاءت تركض نحوه، وقبَّلته، ورحبت بعودته إلى المنزل؛ وعندما رأت أنه أحضر لها الوردة التي أرادتها، شعرت بسعادة أكبر. لكن أباها بدأ يبكي، ويقول: «وا حسرتاه يا ابنتي العزيزة! لقد أحضرت لك هذه الوردة بثمن غال، فقد قلت إنني سأقدمك إلى أسد مفترس، وعندما يحصل عليك، سيمزق جسدك إربًا، ويلتهمك.» ثم أخبرها بكل ما حدث معه، وطلب منها عدم الذهاب إلى الأسد مهما حدث.
لكن ليلي طمأنت والدها، وقالت: «أبي العزيز، لا بد أن تفي بالوعد الذي قطعته. سأذهب إلى الأسد وأسترضيه، لعله يسمح لي بالعودة سالمة إلى منزلي.»
وفي صباح اليوم التالي، سألت أبيها عن الطريق الذي عليها أن تسلكه، ثم ودَّعت أباها، وشقَّت طريقها بقلب شجاع في الغابة. الحقيقة أن الأسد كان أميرًا مسحورًا يتحول أثناء النهار هو وكل حاشيته إلى أسُود، وفي المساء، يستردون جميعًا هيئاتهم الأصلية. عندما وصلت ليلي إلى القلعة، رحب بها الأمير في كياسة، ووافقت على الزواج منه. أقيم حفل الزواج، وعاشا في سعادة معًا مدة طويلة. لم يكن الأمير يظهر إلا مع حلول المساء، وحينئذ يعقد اجتماعاته مع أفراد حاشيته؛ لكن في كل صباح كان يترك عروسه ويمضي وحده، دون أن تعرف إلى أين يذهب، ولا يعود إلا ليلًا.
بعد مرور بعض الوقت، قال لها: «غدًا سيكون هناك حفل كبير في منزل أبيك، فستتزوج شقيقتك الكبرى. إذا أردت الذهاب لزيارتها، فسترشدك أُسودي على الطريق إلى هناك.» ابتهجت ليلي كثيرًا لفكرة أنها سترى أبيها مرة أخرى، وانطلقت في رحلتها مع الأسُود؛ وفرح الجميع فرحًا شديدًا عند رؤيتها، فقد ظنوا أنها ماتت منذ فترة طويلة. لكنها أخبرتهم عن الحياة السعيدة التي تعيشها، ومكثت معهم حتى انقضاء الحفل، ثم عادت مرة أخرى إلى الغابة.
سرعان ما تزوجت أختها الثانية، وعندما طلب منها الأمير الذهاب إلى العرس، قالت له: «لن أذهب هذه المرة وحدي، لا بد أن تأتي معي.» لكن الأمير رفض، وقال إن هذا الأمر من المحتمل أن يعرض حياته لخطر كبير؛ فإذا وقع عليه شعاع طفيف من أي مصباح، فسيسوء السحر، وسيتحول إلى يمامة، ويضطر إلى السفر حول العالم سبع سنوات طوال. لكن ليلي ألحَّت عليه، وقالت إنها ستحرص ألا يسقط عليه أي ضوء. وفي النهاية انطلقا معًا في رحلتهما، واصطحبا معهما طفلهما الصغير، واختارت حجرة واسعة بها جدران سميكة ليجلس بها أثناء إضاءة مصابيح العرس؛ لكن لسوء الحظ، لم يلحظ أحد أن هناك صدعًا بالباب. أقيم حفل زفاف بهيج، لكن أثناء قدوم موكب العروس من الكنيسة ومروره بالمصابيح من أمام الحجرة التي يجلس بها الأمير، سقط شعاع ضوء دقيق للغاية على الأمير. وفي غضون لحظة، اختفى الأمير، وعندما عادت زوجته وبحثت عنه، لم تجد سوى يمامة بيضاء قالت لها: «لا بد أن أحوم حول الأرض مدة سبع سنوات، لكن بين الحين والآخر سأسقط لكِ ريشة بيضاء تدلك على الطريق الذي سأسلكه؛ اتبعيها، وفي النهاية قد تدركينني وتحررينني.»
بعد أن قالت اليمامة ذلك، طارت من الباب، وتبعتها ليلي المسكينة؛ وبين الحين والآخر كانت تجد ريشة بيضاء تدلها على طريق رحلتها. وهكذا أخذت تجوب العالم على مدى سبع سنوات دون أن تنال قسطًا من الراحة. بعد ذلك بدأت تشعر بالسعادة، وفكرت في نفسها أن وقت انتهاء أحزانها يقترب منها سريعًا، لكن الراحة كانت لا تزال بعيدة عنها، فذات يوم أخفقت في تتبع ريشة اليمامة، وعندما رفعت عينيها في السماء، لم تجد اليمامة في أي مكان. فكرت في نفسها: «لن ينفعني اللجوء إلى بشر الآن.» فتوجهت إلى الشمس، وقالت: «أنت تشرقين في كل مكان، فوق قمم التلال وأعماق الوديان، ألم تري يمامتي البيضاء في أي مكان؟» قالت الشمس: «كلا، لم أرها؛ لكنني سأعطيكِ صندوقًا. افتحيه وقت الحاجة.»
شكرت ليلي الشمس، ثم مضت في طريقها حتى المساء، وعندما طلع القمر، صاحت: «أنت تضيء في المساء، فوق الحقول والأشجار، ألم تر يمامتي البيضاء في أي مكان؟» أجابها القمر: «كلا، لا أستطيع مساعدتك، لكنني سأعطيكِ بيضة. اكسريها وقت الحاجة.»
شكرت ليلي القمر، ومضت في طريقها حتى هبت الرياح الليلية، فرفعت صوتها، وقالت: «يا رياح، أنت تهبين بين الأشجار وبين أوراق النباتات، ألم تري يمامتي البيضاء؟» أجابتها الرياح: «كلا، لكنني سأسأل ثلاثة من أصدقائي، لعلهم رأوها.» جاءت الرياح الشرقية والرياح الغربية، وقالتا إنهما لم ترياها أيضًا، لكن الرياح الجنوبية قالت: «لقد رأيت اليمامة البيضاء، فقد طارت باتجاه البحر الأحمر، وتحولت مرة أخرى إلى أسد، فقد انقضت مدة السنوات السبع، وهناك يتعارك الأسد مع تنين هو في الحقيقة أميرة مسحورة تسعى إلى التفريق بينكما.» قالت الرياح الليلية: «سأسدي إليك نصيحة؛ اذهبي إلى البحر الأحمر، وستجدين على الشاطئ الأيمن عصيًّا كثيرة، عِدِّيها، وعندما تصلين إلى العصا الحادية عشرة، اكسريها، واضربي بها التنين بقوة، وهكذا سينتصر الأسد، وسيظهر لك الاثنان في صورتهما الأصلية. بعد ذلك انظري حولك وسترين حيوان الجريفين جالسًا على شاطئ البحر الأحمر ولديه أجنحة كالطيور؛ اقفزي فوق ظهره مع حبيبك على وجه السرعة، وسيحملك عبر البحار إلى قصرك. سأعطيك أيضًا حبة البندق هذه؛ عندما تقطعين نصف الطريق، ألقيها في البحر، وستنبثق منه شجرة بندق عالية، يرتاح عليها الجريفين قليلًا، وإلا ستنهك قواه ولن يستطيع حملكما المسافة كلها. إذا نسيتِ إلقاء حبة البندق، فستسقطان في البحر.»
مضت ليلي في طريقها مباشرة، ووجدت كل ما ذكرته الرياح الليلية تمامًا، وأمسكت بالعصا الحادية عشرة، وضربت بها التنين، وتحول الأسد إلى أمير، والتنين إلى أميرة. لكن ما لبثت الأميرة أن تحررت من السحر، حتى أمسكت بذراع الأمير، وقفزت فوق ظهر الجريفين الذي انطلق حاملًا إياهما فوق ظهره.
شعرت ليلي التعيسة بالوحشة والبؤس مرة أخرى، لكنها استجمعت شجاعتها، وقالت: «ما دامت الرياح تهب، وما دام الديك يصيح، فسأستمر في رحلتي حتى أعثر عليه مرة أخرى.» ثم مضت في طريقها، وقطعت مسافة كبيرة للغاية حتى وصلت في النهاية إلى القلعة التي حُمل الأمير إليها، وهناك كانت تُجرى الاستعدادات لإقامة حفل، وسمعت أن العُرس على وشك الانعقاد. قالت: «يا ربِّي أعنِّي!» ثم فتحت الصندوق الذي أعطتها إياه الشمس، فوجدت به فستانًا مبهرًا كالشمس، فارتدته، ودخلت القصر. أخذ كل من بالقصر يحدق بها، وأعُجبت العروس بالفستان كثيرًا حتى إنها سألتها هل تود بيعه. قالت ليلي: «لن أبيعه مقابل الذهب والفضة، بل أبيعه مقابل اللحم والدم.» سألتها الأميرة عن قصدها، فأجابتها: «دعيني أتحدث مع العريس هذه الليلة في غرفته، وسأعطيكِ الفستان.»
في النهاية وافقت الأميرة، لكنها طلبت من الخادمة المسئولة عن غرف النوم أن تسقي الأمير مُنومًا بحيث لا يستطيع سماعها أو رؤيتها. عندما حل المساء، واستغرق الأمير في النوم، أُخذت ليلي إلى حجرته، وجلست عند قدميه، وقالت: «لقد تبعتك سبع سنوات. ذهبت إلى الشمس والقمر والرياح الليلية لأبحث عنك، وأخيرًا ساعدتك في الانتصار على التنين. هل نسيتني بعد كل ذلك؟» لكن الأمير كان مستغرقًا في النوم أثناء حديثها، ومرَّ كلامها على أذنيه كأنه صفير الرياح الليلية يتخلل الأشجار.
اقتيدت ليلي إلى الخارج، واضطرت إلى التخلي عن فستانها الذهبي؛ وعندما تأكدت أنها لن تجد من يساعدها في محنتها، ذهبت إلى أرض خضراء، وجلست تبكي وحدها. وبينما هي جالسة كذلك تذكرت البيضة التي أعطاها القمر إياها، وعندما كسرتها، خرجت منها دجاجة واثنا عشر كتكوتًا من الذهب الخالص، أخذوا يلهون حولها، ثم اختبئوا تحت جناحي الدجاجة في منظر رائع. نهضت ليلي، وساقتهم أمامها إلى أن رأتهم العروس من نافذتها، ففرحت كثيرًا، وسألتها هل لها أن تبيعهم. قالت: «لن أبيعهم مقابل ذهب أو فضة، لكن مقابل اللحم والدم. دعيني أتحدث مرة أخرى مع العريس في حجرته، وسأعطيكِ الدجاج كله.»
فكَّرت الأميرة في خداعها كما حدث في المرة الأولى، ووافقت أن تقدم لها ما تريد، لكن الأمير ذهب إلى حجرته، وسأل الخادمة عن سبب صفير الرياح على ذلك النحو ليلًا، فأخبرته الخادمة بكل شيء، وقالت له إنها قدمت له منومًا، وأن فتاة جميلة مسكينة حضرت إلى حجرته، وتحدثت إليه، وسوف تأتي الليلة أيضًا. حرص الأمير أن يسكب المنوم هذه المرة، وعندما حضرت ليلي، وبدأت تخبره مرة أخرى بالمحن التي مرت بها، وكم ظلت مخلصة وصادقة في حبه، تعرف على صوت زوجته الحبيبة، ونهض من فراشه، وقال: «لقد أيقظتينني من الحلم، فقد ألقت الأميرة الغريبة بتعويذة عليّ، وجعلتني أنسى أمرك تمامًا، لكن الله أرسلك إليّ لحسن حظي.»
وتسللا معًا خارج القصر دون أن يشعر بهما أحد، وجلسا فوق ظهر الجريفين الذي طار بهما عبر البحر الأحمر، وعندما قطعا نصف المسافة، أسقطت ليلي حبة البندق في المياه، فخرجت شجرة بندق ضخمة على الفور من البحر، وجلس فوقها الجريفين ليستريح قليلًا، ثم حملهما إلى المنزل في سلام. وهناك وجدا طفلهما في انتظارهما بعد أن كبر وأصبح وسيمًا، وبعد كل ما عانوه من صعاب، اجتمعوا في النهاية، وعاشوا معًا في سعادة حتى نهاية العمر.
الثعلب والحصان


يُحكى أن مزارعًا كان لديه حصان يخدمه بإخلاص؛ لكنه تقدَّم في السن، ولم يعد قادرًا على العمل؛ ولم يكن المزارع ليقدم له طعامًا بعد الآن، وقال له: «لم أعد بحاجة إليك، اخرج من الإسطبل إذن؛ لن أسمح بعودتك حتى تصبح أشد من الأسد قوة.» ثم فتح باب الإسطبل، ودفعه إلى الخارج.
شعر الحصان المسكين بالحزن الشديد، وتجول في الغابة بحثًا عن مأوى من البرد والرياح والأمطار، فقابله الثعلب، وقال له: «ما الأمر يا صديقي؟ لماذا أنت منكَّس الرأس هكذا؟ ولماذا تبدو وحيدًا حزينًا؟» أجابه الحصان: «آه! هل من مكان يعامَل فيه الناس بالعدل لا بالجشع؟! لقد نسي سيدي كل ما قدمته له على مدى سنوات عديدة، ولأنني لم أعد قادرًا على العمل، طردني من الإسطبل، وأخبرني أنه لن يعيدني إلى الإسطبل ما لم أصبح أقوى من الأسد؛ هل هذا معقول؟ هو يعلم أنه كلام غير معقول، وإلا ما قاله.»
لكن الثعلب حاول التخفيف عنه، وقال: «سأساعدك؛ ارقد في مكانك، وافرد جسدك جيدًا، وتظاهر بالموت.» فعل الحصان ما طلب منه الثعلب. اتجه الثعلب مباشرة إلى الأسد، وقال: «على بعد مسافة قصيرة يرقد حصان ميت، تعال معي، وستجد وجبة شهية.» ابتهج الأسد كثيرًا، وانطلق معه على الفور، وعندما وصلا إلى الحصان، قال الثعلب: «لن ترتاح في التهامه هنا. سأربطك في ذيله، وبعدها تجره إلى عرينك، وتأكله على راحتك.»
نالت النصيحة رضا الأسد، فرقد على الأرض في هدوء كي يربطه الثعلب في الحصان، لكن الثعلب ربط أرجل الأسد جيدًا وأحكم تقييده بحيث لم يتمكن الأسد بكل قوته من تحرير نفسه. وبعد أن انتهى من ذلك، صفع الحصان فوق كتفه، وقال له: «هيا! انطلق! هيا!» فقفز الحصان، وانطلق وهو يجر الأسد خلفه. بدأ الأسد يزأر ويخور، حتى إن طيور الغابة حلقت بعيدًا من فرط ذعرها، وشق الحصان طريقه في هدوء عبر الحقول حتى وصل إلى بيت سيده.
قال الحصان لسيده: «ها هو ذا يا سيدي، لقد تغلبت عليه.» عندما رأى المزارع خادمه العجوز، رق قلبه، وقال: «ستمكث معي في الإسطبل، وسأعتني بك جيدًا.» وهكذا حصل الحصان العجوز المسكين على الكثير من الطعام، وعاش هناك حتى مات.
المصباح الأزرق


كان فيما كان في سالف العصر والأوان جندي أفنى سنوات عديدة في خدمة الملك في إخلاص، لكن عندما انتهت الحرب، اضطر إلى إنهاء خدمته في الجيش بسبب الجروح الكثيرة التي أصابته. قال له الملك: «بإمكانك العودة إلى بيتك؛ لم أعد بحاجة إليك، ولن تحصل على أي مال بعد ذلك؛ فمن يخدمني فقط هو من يحصل على المال.» لم يدر الجندي من أين يكسب قوت يومه، فشق طريقه حائرًا، وأخذ يسير طوال اليوم، حتى وصل إلى غابة في المساء. عندما عم الظلام، رأى ضوءًا، فاتجه نحوه حتى وصل إلى منزل تعيش فيه ساحرة. قال لها: «هلا استضفتني ليلة واحدة، وأريد أيضًا القليل من الطعام والشراب، وإلا سأتضور جوعًا.» أجابته: «من ذا الذي يقدم أي شيء لجندي هارب؟ لكنني سأعطف عليك، وسأستضيفك إذا فعلتَ ما أريد.» قال لها: «ماذا تريدين؟» أجابته الساحرة: «أن تحرث حديقتي بالكامل غدًا.» وافق الجندي، وفي اليوم التالي عمل بكدٍّ، لكنه لم يستطع الانتهاء من العمل مع حلول المساء. قالت الساحرة: «أرى أنك لن تستطيع حرث المزيد اليوم، لكنني سأتركك تمكث معي ليلة أخرى مقابل أن تقطع لي مجموعة كبيرة من الأخشاب قطعًا صغيرة.» أمضى الجندي اليوم كله في العمل، وفي المساء اقترحت عليه الساحرة أن يمكث معها ليلة أخرى، فقالت: «غدًا، ستنجز لي عملًا بسيطًا للغاية؛ يوجد خلف منزلي بئر عتيقة وجافة سقط فيها مصباحي ذو الضوء الأزرق الذي لا ينطفئ أبدًا. عليك أن تحضره لي مرة أخرى.» في اليوم التالي أخذته العجوز إلى البئر، وأنزلته داخل سلة. عثر الجندي على المصباح الأزرق، وأشار لها لترفعه مرة أخرى. سحبته الساحرة لأعلى، لكن ما إن اقترب من الحافة حتى مدت يدها، وأرادت أن تأخذ المصباح الأزرق منه، لكنه أدرك نواياها الخبيثة، وقال لها: «كلا، لن أعطيك المصباح حتى أقف على قدمي فوق الأرض.» استشاطت الساحرة غضبًا، وتركته يسقط مرة أخرى في البئر، وانصرفت بعيدًا.
سقط الجندي المسكين فوق الأرض الرطبة، دون أن يلحق به أذى، ودون أن ينطفئ المصباح، لكن ما جدواه الآن؟ أدرك الجندي أن الموت هو المصير المحتوم. جلس لحظة وهو يشعر بالأسى، ثم تحسس جيبه فوجد غليونه لا يزال ممتلئًا إلى منتصفه بالتبغ. ففكر في نفسه: «سيكون تدخين الغليون متعتي الأخيرة في الدنيا.» أشعل الغليون من المصباح الأزرق، وبدأ يدخن. وعندما انتشر الدخان في دوائر داخل البئر، ظهر أمامه فجأة قزم أسود صغير، وقال: «شبيك لبيك، بماذا تأمرني؟» أجابه الجندي في دهشة كبيرة: «بماذا آمرك؟» قال القزم: «يجب أن أنفذ كل ما تأمرني به.» قال الجندي: «رائع، أولًا ساعدني في الخروج من هذه البئر.» فأمسك به القزم من يده، وقاده عبر ممر تحت الأرض، لكنه لم ينس أن يأخذ معه المصباح الأزرق. وفي طريقهما أشار القزم إلى الكنوز التي جمعتها الساحرة وخبأتها هناك، فأخذ الجندي ما يستطيع حمله من الذهب. وعندما وصل إلى السطح، قال للقزم: «اذهب الآن، وقيَّد الساحرة العجوز، وأحضرها أمام القاضي.» بعد فترة قصيرة مرت من أمامه كالريح وهي تركب فوق سنَّور بري وتصرخ في ذعر. سرعان ما ظهر القزم أمام الجندي، وقال له: «لقد نفذت الأمر، والساحرة الآن معلقة في حبل المشنقة. ما طلباتك الآن يا سيدي؟» أجابه الجندي: «في هذه اللحظة، ليس لدي طلبات، بإمكانك العودة إلى بيتك، لكن عليك أن تمثل أمامي على الفور إذا استدعيتك.» أجابه القزم: «ليس عليك فعل شيء سوى أن تشعل غليونك من المصباح الأزرق، وحينها سأظهر أمامك على الفور.» وعند ذلك اختفى القزم.
عاد الجندي إلى بلدته، ثم اتجه إلى أفضل نزل، وطلب ثيابًا جميلة، ثم أمر صاحب النزل أن يجهز له أفضل غرفة لديه. بعد أن أصبحت الغرفة جاهزة، دخلها الجندي، ثم استدعى القزم الأسود وقال: «لقد خدمت الملك بإخلاص، لكنه طردني من خدمته، وتركني للجوع، والآن أريد أن آخذ بثأري منه.» سأله القزم: «ماذا يفترض بي أن أفعل؟» أجابه الجندي: «اذهب في ساعة متأخرة من الليل، وعندما تستغرق ابنة الملك في النوم، أحضرها لي هنا وهي نائمة. ستعمل خادمة لي.» قال له القزم: «هذا الأمر سهل علي تنفيذه، لكنه محفوف بالمخاطر فيما يختص بك، فإذا انكشف الأمر، ستعاني عواقبه الوخيمة.» عندما دقت الساعة الثانية عشرة، انفتح الباب، ودخل القزم وهو يحمل الأميرة. صاح الجندي: «آها! ها أنت ذي! هيا ابدئي العمل على الفور! أحضري مكنسة، واكنسي الحجرة.» بعد أن انتهت الفتاة من فعل ذلك، أمرها أن تأتي عند الكرسي الذي يجلس عليه، ثم مد قدميه، وقال لها: «اخلعي لي حذائي.» ثم ألقاه في وجهها، وجعلها تلتقطه مرة أخرى وتنظفه وتلمعه. فعلت الفتاة كل ما يأمرها به في صمت ودون اعتراض وبعينين نصف مغمضتين. ومع صياح الديك، حملها القزم إلى القصر الملكي مرة أخرى، ووضعها في فراشها.
في صباح اليوم التالي، استيقظت الأميرة، وذهبت إلى أبيها، وأخبرته بأن حلمًا غريبًا راودها، وقالت: «حلمت بأني محمولة بسرعة البرق عبر الشوارع، وأُخذت إلى حجرة يوجد بها جندي، وأُجبرت على خدمته كالخادمات، أكنس غرفته وأنظف حذاءه، وأقوم بكل المهام الوضيعة. لم يكن سوى حلم، مع ذلك أشعر بالتعب وكأنني أنجزت تلك المهام بالفعل.» قال الملك: «قد يكون هذا الحلم حقيقة. سأسدي إليك نصيحة؛ املئي جيبك بالبازلاء، واثقبي الجيب ثقبًا صغيرًا، وإذا حُملت مرة أخرى، فستسقط حبات البازلاء، وبهذا ستترك أثرًا نتتبعه في الشوارع.» لكن القزم كان يقف بجوار الملك دون أن يراه، وسمع كل ما دار بين الملك وابنته. في الليل عندما نامت الأميرة مرة أخرى حملها القزم عبر الشوارع، وبالفعل سقطت حبات البازلاء من جيبها، لكنها لم تترك أثرًا، لأن القزم الماكر نثر حبات البازلاء في كل شارع. ومجددًا اضطرت الأميرة أن تؤدي دور الخادمة حتى صاح الديك.
في صباح اليوم التالي، أرسل الملك رجاله لتتبع أثر حبات البازلاء، لكن دون جدوى، فقد امتلأت الشوارع بالأطفال الفقراء الذين أخذوا يجمعون البازلاء ويقولون: «لا بد أن السماء أمطرت بازلاء ليلة أمس.» قال الملك: «لا بد أن نفكر في حيلة أخرى، لا تخلعي حذاءك عندما تأوين إلى الفراش، وقبل أن تعودي من المكان الذي تؤخذين إليه، خبئي فردة من حذائك هناك، وسرعان ما سأتمكن من العثور عليه.» سمع القزم الأسود حيلة الملك، وفي الليل عندما أمره الجندي مرة أخرى أن يحضر الأميرة، أخبره بما دار بين الملك وابنته، وقال إنه لا يعلم حيلة مضادة يفسد بها ذلك الأمر، وإذا عُثر على الحذاء في منزل الجندي، فسينقلب الأمر عليه. أجابه الجندي: «افعل ما أمرتك به.» ولليلة الثالثة على التوالي أُجبرت الأميرة على العمل خادمة، لكن قبل أن تذهب، خبأت حذاءها تحت السرير.
في صباح اليوم التالي، فتش الملك البلدة كلها بحثًا عن حذاء ابنته. وعثر عليه في منزل الجندي، وسرعان ما أُلقي القبض على الجندي الذي كان قد غادر البلدة بعد إلحاح من القزم، وزُجَّ به في السجن. لكنه قد نسي أثناء فراره من البلدة أهم ما لديه، وهو المصباح الأزرق والذهب، ولم يكن معه سوى عملة ذهبية واحدة في جيبه. وقف الجندي في نافذة زنزانته مكبلًا بالسلاسل، وعندما تصادف مرور أحد أصدقائه، نقر فوق اللوح الزجاجي للنافذة، وعندما اقترب صديقه منه، قال له: «اصنع بي معروفًا، واجلب لي الصُرَّة الصغيرة التي تركتها في النزل، وسأعطيك في المقابل عملة ذهبية.» هرع صديقه إلى النزل، وأحضر له ما أراد. وما إن أصبح الجندي وحده مرة أخرى، حتى أشعل غليونه، واستدعى القزم الأسود الذي قال: «لا تخف، اذهب إلى حيث سيأخذونك، ودعهم يفعلون بك ما يريدون. كل ما عليك هو أن تأخذ المصباح الأزرق معك.» في اليوم التالي، أُجريت محاكمة الجندي، ومع أنه لم يرتكب إثمًا كبيرًا، فقد حكم عليه القاضي بالإعدام. عندما اقتيد الجندي لتنفيذ الحكم، توسل إلى الملك طالبًا منه أمرًا أخيرًا. سأله الملك: «ما هو؟» أجابه: «أريد أن أدخِّن غليوني للمرة الأخيرة وأنا في طريقي إلى حبل المشنقة.» أجابه الملك: «دخِّن ثلاثة إذا شئت، لكن لا تتصور أنني سأعفو عنك.» أخرج الجندي غليونه وأشعله من المصباح الأزرق، وما إن تصاعدت دوائر الدخان من الغليون، حتى ظهر القزم وهو يحمل في يده عصا غليظة، وقال: «شبيك لبيك، بماذا تأمرني؟» قال الجندي: «اضرب ذلك القاضي الزائف وموظفيه بالعصا، ولا تدع الملك يفلت من يدك فقد أساء معاملتي للغاية.» انقض القزم عليهم بسرعة البرق، وأخذ يضرب هنا وهناك، وكلما لمست عصاه شخصًا، سقط على الأرض مفارقًا الحياة. شعر الملك بالذعر، فطلب الرحمة من الجندي، وفي مقابل العفو عنه، قدَّم له مملكته وابنته ليتزوجها.
الغُراب


في سالف العصر والأوان عاشت ملكة لديها طفلة صغيرة لم تكن تستطيع السير بمفردها لصغر سنها. وذات يوم تسببت الطفلة في إزعاج شديد لوالدتها، ولم تستطع الملكة تهدئتها، على الرغم من كل محاولاتها. نفد صبر الأم، وعندما رأت الغِربان تحوم حول القلعة، فتحت النافذة، وقالت: «ليتكِ تتحولين إلى غراب وتحلقين بعيدًا، وحينئذ أنعم بشيء من الراحة.» ما إن نطقت هذه الكلمات، حتى تحولت طفلتها التي تحملها بين ذراعيها إلى غراب حلَّق بعيدًا عنها خارج النافذة. انطلق الطائر نحو غابة مظلمة، وظل هناك فترة طويلة، وفي تلك الأثناء لم يسمع الأبوان أي شيء عن طفلتهما.
بعد ذلك بفترة طويلة، كان هناك رجل يشق طريقه في الغابة حين سمع الغراب ينعق، فتتبع مصدر الصوت. وعندما اقترب من الطائر، قال له: «أنا في الحقيقة أميرة، لكنني الآن مسحورة، وبإمكانك فك ذلك السحر وتحريري.» سألها: «ماذا يمكنني أن أفعل؟» أجابته: «توغَّل أكثر في الغابة حتى تصل إلى منزل تعيش فيه امرأة عجوز. ستقدم لك الطعام والشراب، لكن عليك ألا تأكل أو تشرب منه، لأنك إن فعلت، فستغط في نوم عميق، ولن تستطيع مساعدتي. ستجد في الحديقة خلف المنزل كومة كبيرة من الحطب، عليك أن تقف عليها وتنتظر مجيئي. سأحضر إلى هناك في عربة في تمام الساعة الثانية ظهرًا على مدى ثلاثة أيام متتالية؛ في اليوم الأول سيجر العربة أربعة خيول بيضاء، وفي اليوم الثاني أربعة خيول كستنائية، وفي اليوم الأخير أربعة خيول سوداء، لكن إذا أخفقت في البقاء مستيقظًا، ووجدتُك نائمًا، فلن أتحرر من السحر.»
وعدها الرجل أن يفعل كل ما تريد، لكن الغراب قال: «وا حسرتاه! أعلم من الآن أنك ستأخذ شيئًا من الساحرة، ولن تكون قادرًا على إنقاذي.» طمأنها الرجل مرة أخرى، وأكد لها أنه لن يأكل أو يشرب شيئًا عند الساحرة مهما حدث.
عندما وصل إلى منزل الساحرة ودخل، قابلته العجوز، وقالت: «يا لك من مسكين! كم تبدو متعبًا! تعال إلى الداخل واسترح ودعني أقدم لك الطعام والشراب.» أجابها: «كلا، لن أتناول أي شيء.» لكنها لم تتركه وحاله، وألحَّت عليه، وقالت: «إذا كنت لن تأكل أي شيء، على الأقل اشرب كأسًا من الخمر؛ فلن تضر كأس واحدة.» وفي النهاية أذعن الرجل لها وشرب.
وعندما اقتربت الساعة المحددة، خرج إلى الحديقة، وصعد فوق كومة الحطب لانتظار الغراب، وفجأة شعر بالتعب الشديد، ولم يعد يستطيع المقاومة، فرقد بعض الوقت وهو عازم تمامًا على البقاء مستيقظًا، لكن في لحظة أغمض عينيه، واستغرق في نوم عميق لا يوقظه منه ضجيج العالم كله. وفي تمام الساعة الثانية حضر الغراب وهو يسوق عربة تجرها أربعة خيول بيضاء، لكن قبل أن يصل الطائر إلى المكان المحدد، قال لنفسه وهو يتنهد: «أعلم أنه مستغرق في النوم.» وعندما دخل الحديقة، وجد ما كان يخشاه، فالرجل يرقد فوق التل مستغرقًا في النوم. خرج الطائر من عربته وذهب إليه، ونادى عليه وهزَّه، لكن بلا فائدة؛ لم يستيقظ الرجل.
في اليوم التالي عند الظهيرة، ذهبت الساحرة إليه مرة أخرى وهي تحمل الطعام والشراب، وهو ما رفضه في البداية. لكن في النهاية خضع لتوسلاتها المتواصلة، فشرب كأسًا من الخمر مرة أخرى.
ونحو الساعة الثانية ظهرًا اتجه إلى الحديقة، وجلس فوق كومة الحطب في انتظار مجيء الطائر. لكن سرعان ما بدأ يشعر بالتعب والوهن الشديد، ولم يعد يستطع الجلوس، فرقد مرة أخرى واستغرق في نوم عميق. عندما وصل الطائر في عربة تجرها أربعة خيول كستنائية، قال في أسى: «أعلم أنه مستغرق في النوم.» وذهب كما في المرة السابقة للبحث عنه، لكنه كان نائمًا، ومن المستحيل إيقاظه.
في اليوم التالي قالت الساحرة العجوز له: «ما الأمر؟ أنت لا تأكل أو تشرب أي شيء، هل تريد الانتحار؟»
أجابها: «كلا، لن أتناول شيئًا.»
لكنها وضعت أمامه صحن الطعام وكأس الخمر، وعندما تسللت رائحة الخمر إلى أنفه، لم يستطع المقاومة، وأخذ جرعة كبيرة.
عندما اقتربت الساعة المحددة ذهب كعادته إلى كومة الحطب في الحديقة في انتظار الأميرة، لكنه شعر بالإرهاق والوهن أكثر من اليومين السابقين، فارتمى على الأرض، واستغرق في نوم عميق. عند تمام الساعة الثانية ظهرًا وصل الغراب، وفي تلك المرة كان سائق العربة والخيول وكل شيء حول الطائر أسود اللون.
كان الطائر يشعر بحزن لم يشعر به من قبل، وقال في أسى: «أعلم أنه مستغرق في النوم، ولن يستطيع مساعدتي.» وبالفعل عثرت الأميرة المسحورة على الرجل مستغرقًا في نوم عميق، ولم تنجح جهودها في إيقاظه. وضعت الأميرة بجواره رغيف خبز وقطعة لحم وقارورة خمر لا تنقص أبدًا مهما تناول منها أحد. بعد ذلك سحبت من إصبعها خاتمًا ذهبيًّا محفورًا عليه اسمها، ووضعته فوق إصبع الرجل، وتركت بجواره خطابًا ذكرت فيه الطعام والشراب الذي تركته له، وختمته بالكلمات التالية: «أرى أنه طالما مكثت هنا، فإنك لن تستطيع مساعدتي وتحريري من السحر أبدًا. إذا كنت لا تزال راغبًا في تحريري، فتعال إلى قلعة سترومبرج الذهبية، وهذا أمر يمكنك القيام به.» بعد ذلك عادت الأميرة المسحورة إلى عربتها، ومضت نحو قلعة سترومبرج الذهبية.
عندما استيقظ الرجل، وأدرك أنه كان مستغرقًا في النوم، حزن كثيرًا، وقال: «لا بد أنها جاءت إلى هنا، وذهبت مرة أخرى، وقد فات أوان إنقاذها الآن.» ثم وقعت عيناه على الأشياء الموجودة بجواره، فقرأ الخطاب، وعرف منه كل ما حدث، فنهض في عجالة متلهفًا لشق طريقه للوصول إلى قلعة سترومبرج، لكنه لم يكن يعرف أي طريق يسلك. سار وقتًا طويلًا بحثًا عن القلعة، وفي النهاية وصل إلى غابة مظلمة واصل سيره داخلها على مدى أربعة عشر يومًا، ومع ذلك لم يتوصل إلى مخرج منها. عم الظلام مجددًا، فرقد الرجل المنهك أسفل شجرة، وغلبه النعاس. وفي اليوم التالي واصل رحلته في الغابة، وعندما حل المساء، فكر أن يرتاح مجددًا، فرقد كما في اليوم السابق، لكن أصوات العواء والعويل التي سمعها منعته من النوم. انتظر الرجل حتى اشتدَّ الظلام، وبدأ الناس في إشعال أنوار بيوتهم، ثم رأى ضوءًا خافتًا أمامه، فاتجه نحوه.
وجد أن هذا الضوء ينبعث من منزل بدا أصغر مما كان عليه في الحقيقة مقارنة بالعملاق الذي كان يقف أمامه. فكر في نفسه: «إذا رآني العملاق أدخل المنزل، فسيقتلني.» لكن بعد قليل استجمع شجاعته ومضى قدمًا. عندما رآه العملاق، صاح: «لحسن الحظ أنك أتيت، فأنا لم آكل شيئًا منذ فترة طويلة، وأنت ستكون وجبة عشائي الآن.» فقال له الرجل: «من الأفضل لك أن تتركني وشأني، لأنني لن أستسلم لك بسهولة. إذا كنت تنتظر الطعام، فلديّ ما يكفي من الطعام لسد جوعك.» أجابه العملاق: «إذا كان الأمر كذلك، فسأتركك وحالك. لقد فكرت في أكلك فقط لأنني جائع وليس لدي خيار آخر.»
دخلا إلى المنزل معًا، وجلسا، وأخرج الرجل الخبز واللحم والخمر الذي لم ينقص منه شيء بالرغم مما تناوله الرجل. ابتهج العملاق، وأكل وشرب حتى شبع. وبعد أن انتهى من عشائه سأله الرجل هل يستطيع إرشاده إلى قلعة سترومبرج، فقال: «سأبحث في خريطتي، فهي تحتوي على كل المدن والقرى والمنازل.» جلب الخريطة، وبحث عن القلعة، لكنه لم يستطع العثور عليها، فقال: «لا بأس، لديّ خرائط أكبر في خزانتي بالأعلى، سنبحث فيها.» وظلا يبحثان، لكن بلا فائدة. لم تظهر القلعة حتى في تلك الخرائط. أدرك الرجل أنه ينبغي له مواصلة رحلته، لكن العملاق طلب منه أن ينتظر يومًا أو يومين حتى يعود أخيه الذي خرج بحثًا عن الطعام. عندما عاد أخوه، سألاه عن القلعة، فأخبرهما أنه سيبحث في خرائطه حالما ينتهي من الأكل ويسد جوعه. وعندما انتهى من عشائه، ذهبوا جميعًا إلى غرفته بالطابق العلوي، وبحثوا في خرائطه، لكنهم لم يعثروا على مكان القلعة. فجلب العملاق خرائط أقدم، وواصلوا البحث عن القلعة حتى وجدوها في النهاية، لكنها كانت على بعد آلاف الأميال. سأل الرجل: «كيف سأتمكن من الوصول إليها؟» قال العملاق: «لدي ساعتا فراغ، سأحملك إلى الحي الذي توجد به القلعة؛ وبعد ذلك سيتعين عليّ العودة للاعتناء بالطفل الذي نرعاه.»
وهكذا حمل العملاق الرجل حتى وصلا إلى ما يبعد نحو مئة ميل عن القلعة حيث تركه، وقال: «تستطيع السير وحدك المسافة المتبقية.» بعد ذلك سار الرجل طوال الليل والنهار حتى وصل إلى قلعة سترومبرج الذهبية. وجد القلعة مقامة فوق جبل زجاجي، وعندما نظر إلى أعلى رأى الأميرة المسحورة تحوم حول القلعة، ثم تدخلها. فرح كثيرًا عندما رآها، وتمنى الوصول إلى قمة الجبل، لكن جوانب الجبل كانت زلقة للغاية حتى إنه في كل مرة يحاول فيها تسلق الجبل كان يسقط. عندما أدرك أنه من المستحيل الوصول إلى الأميرة المسحورة، حزن كثيرًا، وقال لنفسه: «سأبقى هنا وأنتظرها.» وبنى لنفسه كوخًا صغيرًا، وجلس هناك في انتظارها عامًا كاملًا، وفي كل يوم يرى الأميرة المسحورة تقود عربتها حول القصر، لكنه ما زال غير قادر على الاقتراب منها.
وذات يوم نظر خارج كوخه فرأى ثلاثة لصوص يتعاركون، فصاح بهم: «توقفوا هداكم الله.» توقف اللصوص عن العراك عندما سمعوا هذا الصوت، لكن عندما نظروا حولهم ولم يروا أحدًا، واصلوا عراكهم مرة أخرى، واحتدم العراك، فصاح مرة أخرى: «توقفوا هداكم الله.» توقف اللصوص ونظروا حولهم، لكنهم لم يروا أحدًا، فعادوا مرة أخرى إلى العراك. وللمرة الثالثة صاح: «توقفوا هداكم الله.» ثم أراد معرفة سبب العراك، فخرج من كوخه، وسألهم عن سبب تناحرهم على هذا النحو الغاضب. قال له أحدهم إنه وجد عصا كلما طرق بها بابًا يمر به انفتح الباب على الفور. وأخبره آخر أنه عثر على معطف يخفي من يرتديه، وأخبره الثالث أنه أمسك بحصان يمر براكبه فوق أي حاجز، بل ويستطيع الصعود فوق الجبل الزجاجي. أضافوا أنهم لا يعرفون هل من الأفضل أن يبقوا معًا ويحتفظوا بهذه الأشياء جميعها، أم يتفرقوا. عندما سمع الرجل هذا الكلام، قال لهم: «سأعطيكم شيئًا مقابل هذه الأشياء؛ لن أعطيكم مالًا، فليس لديّ مال. سأعطيكم شيئًا أعلى قيمة، لكن يجب أولًا التأكد أن ما أخبرتموني به عن الأشياء الثلاثة حقيقي.» سمح له اللصوص بامتطاء الحصان، وأعطوه العصا والمعطف، وعندما ارتدى المعطف اختفى عن أنظارهم. بعد ذلك انقض عليهم بالعصا، وأخذ يضربهم واحدًا تلو الآخر وهو يصيح: «هذا ما تستحقونه أيها المتشردون الكسالى، هل أنتم راضون الآن؟»
بعد ذلك صعد الجبل على ظهر الحصان، وعندما وصل إلى بوابة القلعة، وجدها مغلقة، فطرقها بالعصا، فانفتحت على الفور، ومرَّ إلى الداخل. صعد السلم، ودخل الغرفة حيث كانت تجلس الفتاة، وأمامها كأس مملوءة بالخمر. لم تكن قد رأته بعد، فقد كان لا يزال مرتديًّا المعطف. خلع الخاتم الذي كانت قد أعطته إياه، ووضعه داخل الكأس، فرنَّ عندما ارتطم بقاع الكأس. تعجبت الفتاة: «هذا خاتمي، إذن هذا يعني أن الرجل هنا بالتأكيد وسيأتي لتحريري.»
بحثت عنه في القلعة، لكنها لم تجده في أي مكان. في غضون ذلك كان قد خرج من القلعة مرة أخرى، وامتطى حصانه، وخلع معطفه. وعندما وصلت إلى بوابة القلعة وجدته هناك، فهللت فرحًا. بعد ذلك ترجل من فوق حصانه وعانقها، فقبَّلته، وقالت: «لقد حررتني هذه المرة بالفعل، وغدًا سنحتفل بزواجنا.»
الإوزة الذهبية


يُحكى أن رجلًا لديه ثلاثة من الأبناء أصغرهم يُدعى بُهلول وكان يتعرض للاحتقار والسخرية والاستهزاء في كل مناسبة.
ذات مرة أراد الابن الأكبر الخروج إلى الغابة لقطع الأخشاب، وقبل أن يخرج ذهب إلى أمه لتعطيه كعكة محلاة وزجاجة من الخمر كي لا يجوع أو يظمأ.
عندما دخل الغابة، قابل رجلًا عجوزًا أشيب الشعر ضئيل الحجم ألقى عليه التحية، وقال: «أعطني قطعة من الكعكة من جيبك، وأعطني كأسًا من الخمر، فأنا جوعان وظمآن للغاية.» لكن الابن الذكي أجابه: «إذا أعطيتك كعكتي وخمري، فلن يتبقى لي شيء، اغرب عن وجهي.» ومضى تاركًا الرجل.
لكن عندما بدأ في قطع شجرة، سرعان ما أخطأ في ضربها بالفأس، وأصاب ذراعه بجرح، فاضطر إلى العودة إلى المنزل لربط ذراعه، وكان ذلك من تدبير الرجل الأشيب.
بعد ذلك، ذهب الابن الثاني إلى الغابة، وأعطته أمه كعكة وزجاجة خمر مثل أخيه. قابله الرجل الأشيب كما حدث مع أخيه، وطلب منه أن يعطيه قطعة من الكعك وشَربة من الخمر، لكن الابن الثاني قال مثلما قال أخيه: «إذا أعطيتك ما تريد، فلن يتبقى لي شيء، اغرب عن وجهي!» وترك الرجل واقفًا، ومضى في طريقه. لكن لم يتأخر عقاب الابن الثاني، فبعد أن ضرب الشجرة بفأسه عدة ضربات، أخطأ وأصاب ساقه، واضطر إلى العودة إلى المنزل محمولًا.
قال بهلول لأبيه: «يا أبي، اسمح لي بالذهاب لقطع الأشجار.» أجابه الأب: «لقد تسبب شقيقاك في جرح أنفسهما. دعك من هذا الأمر، فأنت لا تفقه شيئًا فيه.» لكن بهلول توسل إلى والده، وألح عليه طويلًا حتى قال له أبوه في النهاية: «اذهب إذن، ستكتسب بعض الحكمة إذا آذيت نفسك.» أعطته أمه كعكة مصنوعة بالماء ومخبوزة في رماد الفرن، وزجاجة خمر حامض.
عندما وصل إلى الغابة قابل الرجل العجوز الذي حيَّاه، وقال: «أعطني قطعة من الكعك وشربة من زجاجتك، فأنا جوعان وظمآن.» أجابه بهلول: «ليس لديّ سوى كعكة مخبوزة في رماد الفرن، وخمر حامضة. إذا أردت منهما، فسنجلس ونأكل معًا.» ثم جلسا، وعندما أخرج بهلول الكعكة المخبوزة في رماد الفرن، أصبحت حلوة المذاق، والخمر الحامضة أصبحت طيبة المذاق. وهكذا أكلا وشربا، ثم قال الرجل العجوز: «بما أنك طيب القلب، وعلى استعداد لتقاسم ما معك مع الغير، فسأجعلك سعيد الحظ. هناك شجرة عتيقة، اقطعها، وستجد شيئًا عند جذورها.» ثم ودَّعه، ورحل.
ذهب بهلول وقطع الشجرة، وعندما سقطت عثر على إوزة ريشها من الذهب الخالص تجلس بين جذورها، فحملها معه. ذهب إلى نُزُل حيث أراد المبيت تلك الليلة. كانت لدى صاحبة النزل ثلاث بنات شاهدن الإوزة، وتملكهن الفضول ليعرفن ما هذا الطائر الرائع، وأردن أن يأخذن ريشة من ريشاته الذهبية.
فكرت الكبرى: «سرعان ما سأجد فرصة لاقتلاع إحدى ريشاتها.» وما إن خرج بهلول حتى أمسكت الفتاة بالإوزة من جناحها، لكن يدها التصقت بالإوزة، ولم تستطع الإفلات.
سرعان ما حضرت الأخت الثانية وكل ما يشغل تفكيرها كيف تحصل على ريشة لنفسها، لكن لم تلبث أن لمست أختها حتى التصقت بها.
وأخيرًا حضرت الشقيقة الصغرى ولديها النية نفسها، لكن شقيقتيها صرختا، وقالتا: «ابتعدي عنا! رجاءً، ابتعدي عنا!» لكنها لم تفهم السبب. فكرت في نفسها: «طالما أنهما هنا، فربما يكون من الأفضل لي أن أكون معهما أيضًا.» وركضت نحوهما، لكن ما إن لمست أختها حتى التصقت بها، ولم تستطع الحراك أيضًا، واضطر ثلاثتهن أن يمضين الليلة مع الإوزة.
في صباح اليوم التالي أخذ بهلول الإوزة تحت ذراعه، وانطلق في طريقه دون أن يأبه بالفتيات الثلاث الملتصقات بالإوزة. اضطرت الفتيات الثلاث إلى الركض باستمرار خلفه، يمينًا ويسارًا، وحيثما اتجه.
أثناء سيره في منتصف الحقول قابلهم الكاهن، وعندما رآهم، قال: «يا للعار! أيتها الفتيات التافهات، لماذا تطاردن هذا الشاب عبر الحقول؟ هذا الأمر غير لائق!» وفي تلك اللحظة أمسك بالفتاة الصغرى من يدها ليجذبها بعيدًا عن الشاب، لكن ما إن لمسها، حتى التصقت يده بها، واضطر إلى الركض خلفهم.
سرعان ما مر خادم الكنيسة، ورأى سيده الكاهن يركض خلف ثلاث فتيات. اندهش كثيرًا، وصاح: «مرحبًا يا سيدي، إلى أين تتجه بهذه السرعة؟ لا تنس أن لدينا حفل تعميد اليوم!» وركض خلفه، ثم أمسك بكُمِّ ثيابه، لكنه التصق به أيضًا.
أثناء ركض الأفراد الخمسة صفًّا واحدًا خلف الشاب، مر عاملان قادمان من الحقول بمِعْوَلَيْهما. نادى عليهما الكاهن وتوسل إليهما أن يحرراه هو وخادم الكنيسة. لكن ما إن لمسا خادم الكنيسة حتى التصقا به، وأصبح يركض خلف بهلول سبعة أفراد وإوزة.
سرعان ما وصل بهلول إلى مدينة يحكمها ملك له ابنة صارمة لا يستطيع أحد إضحاكها. ولذا أصدر الملك مرسومًا بأن من يستطيع إضحاك ابنته، سيتزوجها. عندما سمع بهلول بالأمر، ذهب ومعه الإوزة والأفراد الذين يسيرون خلفه إلى ابنة الملك، وما إن رأت الأميرة الأفراد السبعة يسيرون خلف الشاب في صف واحد، حتى بدأت تضحك بصوت عال، وبدا أنها لن تتوقف عن الضحك أبدًا. بناء على ذلك طلب بهلول أن يتزوج الأميرة، لكن الملك لم يرغب في زواجها منه، وقدم جميع الأعذار على اختلافها، وقال إنه لا بد أن يأتي له أولًا برجل يستطيع شرب قبو مملوء بالخمر. فكر بهلول في الرجل الأشيب الذي من المؤكد أنه سيساعده. لذا توجه إلى الغابة، وفي المكان نفسه الذي قطع فيه الشجرة، وجد رجلًا يجلس، ويعتري وجهه الحزن. سأله بهلول عما يؤلمه، فأجابه: «أشعر بظمأ شديد لا أستطيع ريَّه، ولا أطيق المياه الباردة، وقد انتهيت توًّا من شرب برميل من الخمر، لكنه لم يمثل لي سوى قطرة في بحر!»
قال بهلول: «أستطيع مساعدتك في هذا الشأن، تعال معي فحسب، وستجد ما يرضيك.»
أخذه بهلول إلى قبو الملك، وانحنى الرجل فوق البراميل الضخمة، وأخذ يشرب حتى ملأ بطنه، وقبل نهاية اليوم كان قد أفرغ جميع البراميل. بعد ذلك طلب بهلول الزواج من الأميرة، لكن الملك شعر بالغضب لأن هذا الشخص القبيح الذي يناديه الجميع باسم بهلول سيأخذ ابنته، ووضع شرطًا جديدًا؛ وهو أن يعثر أولًا على رجل يستطيع تناول جبل من الخبز. لم يفكر بهلول كثيرًا، وتوجه مباشرة إلى الغابة، حيث وجد في المكان نفسه رجلًا مكفهر الوجه يربط جسده بحزام، ويقول: «لقد أكلت خبزًا يملأ فرنًا عن آخره، لكن لم ينفعني بشيء ولم يسد جوعي الشديد؟ ما زالت معدتي خاوية، ولا بد أن أربط عليها حتى لا أموت جوعًا.»
فرح بهلول بهذا الأمر، وقال: «انهض وتعال معي؛ ستأكل حتى تشبع.» ثم أخذه إلى قصر الملك حيث جُمع الطحين الموجود في المملكة كلها، وصُنع منه جبل من الخبز. وقف الرجل القادم من الغابة أمام الجبل، وأخذ يأكل ويأكل، وقبل نهاية اليوم، كان جبل الخبز قد انتهى. وللمرة الثالثة ذهب بهلول إلى الملك، وطلب منه الزواج من الأميرة، لكن الملك فكر في مخرج من الأمر، وأمره أن يحضر سفينة تسير في المياه وعلى اليابسة. قال: «فور أن تعود إلي بهذه السفينة، ستتزوج ابنتي.»
اتجه بهلول مباشرة إلى الغابة، وهناك وجد الرجل أشيب الشعر ضئيل الحجم الذي تناول معه الكعكة. عندما سمع الرجل من بهلول ما يريد، قال: «لأنك أعطيتني طعامًا وشرابًا، فسأعطيك السفينة. هذا جزاء إحسانك إليّ ذات مرة.» ثم قدم إليه السفينة فسار بها متجهًا إلى قصر الملك برًّا وبحرًا، وعندما رأى الملك هذا الأمر، لم يعد بوسعه رفض زواجه من ابنته. أقيم حفل الزواج، وبعد موت الملك، نُصِّب بهلول ملكًا وعاش مدة طويلة في سعادة مع زوجته.
إكسير الحياة


كان فيما كان في سالف العصر والأوان ملك يحكم بلادًا بعيدة له ثلاثة من الأبناء. ذات يوم مرض الملك مرضًا شديدًا، واعتقد الجميع أنه سيموت. حزن أولاده الثلاثة حزنًا شديدًا لمرض أبيهم، وأثناء سيرهم معًا في حديقة القصر والحزن يملأ قلوبهم، قابلهم رجل عجوز ضئيل الحجم، وسألهم ما الأمر؟ أخبروه بأن أباهم عليل للغاية، وليس هناك دواء لشفائه. قال الرجل العجوز: «أعرف دواء يمكن أن يشفيه من مرضه. إنه «إكسير الحياة»، إذا شرب منه فسيتعافى مجددًا، لكن من الصعب جدًّا الحصول عليه.» فقال الابن الأكبر: «سأعثر عليه سريعًا.» ثم ذهب إلى الملك العليل، وطلب منه أن يأذن له بالذهاب للبحث عن إكسير الحياة، لأنه الشيء الوحيد الذي يستطيع شفاءه، فقال الملك: «كلا، أفضل الموت على أن أعرِّض حياتك لذلك الخطر الكبير الذي ستواجهه في رحلتك.» لكنه استجداه بكل الطرق حتى سمح له الملك بالذهاب؛ وفكر الأمير في نفسه: «إذا استطعتُ الإتيان بإكسير الحياة ذاك، فسيجعلني أبي الوريث الوحيد للعرش.»
انطلق الأمير في رحلته، وبعد أن سار بعض الوقت وصل إلى واد عميق تخرج منه صخور وأشجار؛ وعندما نظر حوله، وجد قزمًا قبيحًا يجلس فوق صخرة، ويرتدي قبعة مخروطية الشكل ومعطفًا قرمزيًّا. نادى عليه القزم: «أيها الأمير، إلى أين أنت متجه بهذه السرعة؟» قال الأمير في تعالٍ: «وما شأنك أيها القزم القبيح؟»، وواصل مسيرته.
لكن القزم استشاط غضبًا من تصرف الأمير، وألقى عليه تعويذة تجعل سوء الحظ حليفه، وبالفعل أثناء مرور الأمير فوق حصانه أخذ الممر الجبلي يزداد ضيقًا حتى أصبح المرور مستحيلًا، وعندما فكر في الاستدارة والرجوع، سمع صوت ضحكات عالية تدوي من حوله، ووجد أن الممر مغلق خلفه، وبهذا صار عالقًا في هذا المكان. حاول الترجل من فوق حصانه وشق طريقه سيرًا، لكنه سمع صوت ضحكات عالية تدوي في أذنه، ووجد نفسه لا يستطيع الحراك، وبهذا اضطر إلى الوقوف في مكانه مسحورًا.
في غضون ذلك ظل الملك متعلقًا بأمل عودة ابنه كل يوم، حتى قال ابنه الثاني: «يا أبي، سأذهب للبحث عن إكسير الحياة.» وذلك بعد أن قال لنفسه: «لا بد أن أخي قد مات، وسأرث أنا عرش البلاد إذا عثرت على إكسير الحياة.» لم يوافق الملك في البداية على ذهاب ابنه الثاني، لكنه رضخ في النهاية لرغبته. انطلق الابن الثاني، وسلك الطريق الذي سلكه أخوه من قبله، وقابل القزم، فأوقفه عند البقعة نفسها في الجبال، وقال: «أيها الأمير؟ إلى أين أنت متجه بهذه السرعة؟» قال الأمير في ازدراء: «لا تتدخل فيما لا يعنيك أيها الفضولي!» ومضى في طريقه فوق حصانه.
لكن القزم ألقى بتعويذة عليه كما حدث مع أخيه الأكبر، وفي النهاية اضطر الأمير إلى الوقوف مكانه وسط الجبال. كان الشقيقان يتسمان بالعجرفة والسخف، وظنا أن لا أحد يضاهيهما مقامًا، وأعماهما غرورهما عن السؤال أو حتى الأخذ بالنصيحة.
عندما طال غياب الأمير الثاني، قال الابن الثالث إنه سيذهب للبحث عن إكسير الحياة متمنيًا أن ينجح في مساعدة أبيه على التعافي. فانطلق في رحلته، وقابله القزم في البقعة نفسها من الوادي بين الجبال، وقال له: «أيها الأمير، إلى أين أنت متجه بهذه السرعة؟» قال الأمير: «أنا في طريقي للبحث عن إكسير الحياة، فأبي مريض ويحتضر، هل يمكنك مساعدتي؟ أرجوك اصنع بي معروفًا، وساعدني إذا كان بإمكانك!» سأله القزم: «هل تعرف أين يمكنك العثور عليه؟» أجابه الأمير: «كلا، لا أعرف. أرجوك أخبرني بالمكان إذا كنت تدري.» قال القزم: «لأنك تحدثت إلي بلهجة ودودة، ولأنك رجل حكيم يطلب النصح، فسأخبرك كيف تذهب وإلى أين تذهب. الإكسير الذي تبحث عنه موجود في بئر في قلعة مسحورة؛ وكي تتمكن من الوصول إلى القلعة في أمان، سأعطيك عصا حديدية ورغيفين من الخبز. اقرع الباب الحديدي للقلعة ثلاث مرات بالعصا، وسينفتح. ستجد أَسَدَين جائعين يرقدان بالداخل فاغرين فمَيْهِما لالتهام فريستهما، لكن إذا ألقيت إليهما بالخبز، فسيسمحان لك بالمرور؛ ثم أسرع الخطى حتى تصل إلى البئر، وخذ منها إكسير الحياة قبل أن تدق الساعة الثانية عشرة. إذا بقيت هناك إلى ما بعد ذلك الوقت، فسينغلق الباب إلى الأبد.»
شكر الأمير صديقه الصغير ذي المعطف القرمزي على مساعدته القيمة، وأخذ العصا والخبز، واستأنف رحلته عبر البر والبحر حتى وصل إلى نهاية الرحلة، ووجد كل شيء كما أخبره القزم. انفتح الباب مع الطرقة الثالثة للعصا، وعندما هدأ الأسدان، دخل إلى القلعة، ووصل في النهاية إلى ردهة جميلة. رأى حولها عدة فرسان غائبين عن الوعي، فسحب خواتمهم من أصابعهم، ووضعها في أصابعه. وفي غرفة أخرى رأى سيفًا ورغيف خبز فوق طاولة، فأخذهما أيضًا. بعد ذلك وصل إلى غرفة تجلس فيها فتاة شابة فوق أريكة؛ رحبت به في سرور، وأخبرته أنه لو تمكن من فك السحر الذي يقيِّدها، فسيحكم المملكة إذا عاد بعد عام وتزوجها. ثم أخبرته أن البئر التي تحتوي على إكسير الحياة موجودة في حديقة القلعة، وأمرته أن يسرع الخطى، ويأخذ من البئر ما يريد قبل أن تدق الساعة الثانية عشرة.
تابع الأمير السير، وأثناء سيره وسط الحدائق الجميلة وصل إلى بقعة ظليلة مبهجة بها أريكة، ففكر أن يستريح قليلًا، ويتأمل المناظر الجميلة من حوله، لأنه كان يشعر بالتعب. تمدد فوق الأريكة، وغلبه النعاس فجأة، ولم يستيقظ حتى دقت الساعة الثانية عشرة إلا الربع، فقفز من فوق الأريكة وهو يشعر بالخوف الشديد، وهرع إلى البئر، وملأ كأسًا كانت بجوار البئر بإكسير الحياة، وأسرع الخطى نحو البوابة ليصل هناك في الموعد المناسب، لكن أثناء عبوره من الباب الحديدي دقت الساعة الثانية عشرة، وانغلق الباب سريعًا حتى إنه كسر جزءًا من كعب حذائه.
عندما وجد الشاب نفسه في أمان، تهللت أساريره لأنه حصل على إكسير الحياة؛ وفي طريق عودته إلى المنزل، مر بالقزم الصغير الذي قال له عندما رأى السيف والخبز: «لقد حصلت على مكافأة رفيعة، فضربة واحدة من هذا السيف كفيلة بالقضاء على جيوش بأكملها، وهذا الخبز لن يخذلك أبدًا.» فكَّر الأمير في نفسه: «لا يسعني العودة إلى أبي دون شقيقيّ.» فقال: «يا صديقي العزيز، ألا يمكنك أن تخبرني بمكان شقيقيّ اللذين شرعا في البحث عن إكسير الحياة قبلي، ولم يعودا؟» قال القزم: «لقد ألقيت عليهما تعويذة، واحتجزتهما بين الجبال، فقد كانا شديدي الغرور، وأساءا التصرف واستهزآ بي.» توسل إليه الأمير كثيرًا أن يعفو عن أخويه، وفي النهاية حررهما القزم من السحر وهو مُجبر على ذلك، وقال: «احذر منهما، فنواياهما خبيثة.» ابتهج الأمير عند رؤية شقيقيه، وأخبرهما بكل ما مر به، وكيف عثر على إكسير الحياة وملأ كأسًا منه؛ وكيف أنه حرر أميرة جميلة من السحر؛ وأنها ستنتظره عامًا كاملًا وبعد ذلك سيتزوجان، وستمنحه مملكتها.
بعد ذلك مضى ثلاثتهم نحو المنزل معًا، وفي طريقهم وصلوا إلى بلدة مزقتها الحرب، وتعاني مجاعة قاسية، وساد الخوف أن يموت كل من فيها من شدة الجوع. لكن الأمير أعطى ملك البلاد الخبز، وأكل كل من بالمملكة منه، وأعار الملك السيف الخارق الذي قضى به على جيش الأعداء، ثم نعمت المملكة مرة أخرى بالسلام والرخاء. وبالطريقة نفسها أمد يد العون لبلدين آخرين مر بهما أثناء عودته.
بعد ذلك وصلوا إلى البحر، فصعدوا على متن سفينة. أثناء رحلة السفينة في البحر قال الشقيقان الأكبران أحدهما للآخر: «لقد حصل أخونا على إكسير الحياة الذي لم نستطع الحصول عليه، لذلك سينبذنا أبونا وسيورثه حكم المملكة، وهذا حقنا نحن.» ملأتهما مشاعر الحقد والانتقام، واتفقا على طريقة للتخلص منه، فانتظرا حتى استغرق في النوم، ثم صبَّا إكسير الحياة في وعاء آخر، واحتفظا به لأنفسهما، ووضعا في الكأس مياه البحر المالحة بدلًا من إكسير الحياة.
عندما وصلوا إلى نهاية الرحلة، أحضر الابن الأصغر كأسه إلى الملك العليل كي يشرب منها ويتعافى. لكن ما إن تذوق الملك مياه البحر المالحة حتى ساءت حالته أكثر مما كانت عليه من قبل. بعد ذلك دخل الشقيقان الأكبران، ووبَّخا شقيقهما الأصغر على ما فعل؛ وقالا إنه أراد أن يسمم والدهم، وإنهما عثرا على إكسير الحياة، وأحضراه له. ما إن بدأ الأب يشرب من إكسير الحياة حتى زال شعوره بالمرض، وشعر بأنه قوي ومعافى كأنه في ريعان شبابه. ثم توجها إلى شقيقهما الأصغر، وسخرا منه، وقالا له: «حسنًا يا أخانا، لقد عثرت على إكسير الحياة، أليس كذلك؟ لقد تكبدت المشقة ونحن من سيحصل على المكافأة. بربك! لماذا لم تستطع استغلال ذكائك الشديد هذا في الاحتراس منا؟ في العام المقبل سيحظى أحدنا بأميرتك الجميلة. من الأفضل لك ألا تنطق بكلمة واحدة عن الأمر أمام أبينا، لأنه لن يصدق أي كلمة تنطق بها، وإذا حكيت له القصة، فستخسر حياتك، لذا الزم الصمت، وسندعك وشأنك.»
كان الملك العجوز لا يزال غاضبًا من ابنه الأصغر، وظن أنه كان ينوي قتله حقًّا؛ لذا جمع رجاله وحاشيته واستشارهم في الإجراء الذي يجب أن يتخذه معه، واتفق الجميع على ضرورة إعدامه. لم يكن الابن الأصغر يعلم أي شيء عما يحدث إلى أن جاء يوم خرج فيه كبير الصيادين لدى الملك معه، وكانا بالغابة وحدهما. بدا الصياد حزينًا، فسأله الأمير: «صديقي العزيز، ماذا بك؟» قال الصياد: «لا أجرؤ على إخبارك.» لكن الأمير توسل إليه كثيرًا، وقال: «أخبرني بالأمر، ولا تظن أنني سأغضب منك، لأنني سأسامحك.» قال الصياد: «وا حسرتاه! لقد أمرني الملك أن أقتلك.» فزع الأمير حين سمع هذا الكلام، وقال: «لا تقتلني، وسأبدل ثيابي معك، وتأخذ معطفي الملكي لتريه لأبي، وأعطني معطفك الرث.» قال: «بكل سرور، سأشعر بالسعادة إذا أنقذتك، فما كنت أستطيع قتلك.» ثم أخذ معطف الأمير، وأعطاه معطفه، ثم شق طريقه في الغابة.
بعد ذلك حضر ثلاثة سفراء إلى قصر الملك ومعهم هدايا ثمينة من الذهب والأحجار الكريمة لتقديمها لابنه الأصغر. كانت هذه الهدايا مرسلة من الملوك الثلاثة الذين أقرضهم الأمير الصغير السيف والخبز للقضاء على أعدائهم وإطعام شعوبهم. تأثر الملك بهذا الأمر، ودار بخلده أن ابنه قد يكون بريئًا، وقال لحاشيته: «ليت ابني لا يزال على قيد الحياة! كم يحزنني أنني أمرت بقتله!» قال الصياد: «إنه لا يزال على قيد الحياة. أنا سعيد لأنني أشفقت عليه، وتركته يمضي لحاله، وأحضرت معطفه الملكي.» غمرت السعادة الملك، وأعلن في المملكة كلها أنه سيعفو عن ابنه ويسامحه إذا عاد إليه.
في غضون ذلك، كانت الأميرة تنتظر عودة الأمير إليها بلهفة، ومهدت طريقًا يؤدي إلى قصرها مصنوعًا كله من الذهب البراق؛ وأخبرت رجال حاشيتها بأن أي شخص يأتي فوق ظهر حصان، ويتجه به نحو البوابة مباشرة، فهو حبيبها الحقيقي، ولا بد أن يسمحوا له بالدخول؛ لكن أي شخص يسير على جانب الطريق، فمن المؤكد أنه ليس الشخص الحقيقي، ولا بد أن يبعدوه على الفور.
سرعان ما انتهى العام وحان الوقت المناسب، وعندئذٍ فكر الأخ الأكبر أن يُسرع الخطى ويذهب إلى الأميرة، ويدَّعي أنه من حرَّرها من السحر، وأنه يود الزواج منها، وأن يحكم مملكتها. عندما وصل أمام القصر، ورأى الطريق الذهبي، توقف لينظر إليه، وفكر في نفسه: «من المؤسف أن أسير بحصاني فوق هذا الطريق الجميل.» لذا تنحى جانبًا، وسار على الجانب الأيمن منه. لكن عندما وصل إلى البوابة، أخبره الحراس الذين رأوه يسير على جانب الطريق أنه ليس الرجل الذي يدَّعيه، وأمروه بالابتعاد عن القصر.
سرعان ما شرع الأخ الثاني في عمل الأمر نفسه؛ وعندما وصل إلى الطريق الذهبي وخطا حصانه خطوة واحدة فوقه، توقف ونظر إليه، ورأى أنه جميل للغاية، وقال في نفسه: «من المؤسف أن يخطو أي شيء فوق هذا الطريق الجميل!» وسار على الجانب الأيسر منه. وعندما وصل إلى البوابة أخبره الحراس أنه ليس الأمير الحقيقي، ولا بد أن يذهب هو الآخر، فمضى بعيدًا.
عندما انقضى العام بأكمله، ترك الأخ الأصغر الغابة التي مكث فيها مختبئًا خوفًا من غضب أبيه، وشرع في البحث عن خطيبته. ومضى في رحلته وهو يفكر فيها طوال الطريق، وسار بسرعة فوق حصانه حتى إنه لم يلحظ أن الطريق مصنوع من الذهب، واتجه بحصانه مباشرة فوق الطريق الذهبي، وعندما وصل إلى البوابة، فتحها الحراس، ورحبت به الأميرة ترحيبًا حارًّا، وأخبرته أنه منقذها الحقيقي، ولا بد أن يتزوجها الآن ويصبح ملك البلاد. بعد ذلك أخبرته أنها سمعت عن عفو أبيه عنه، وأنه يتمنى عودته. لذا قبْل زواجه من الأميرة، ذهب لزيارة أبيه، وأخذها معه، ثم أخبره بكل شيء؛ وكيف أن شقيقيه خدعاه، وسرقا منه الكأس، وأنه احتمل كل هذه المآسي حبًّا في أبيه. استشاط الملك العجوز غضبًا، وأراد أن يعاقب ابنيه الشريرين، لكنهما كانا قد هربا، وركبا سفينة سافرا على متنها في البحر الواسع، ولم يدر أحد إلى أين ذهبا، ولم يهتم أحد بالبحث عنهما.
جمع الملك العجوز حاشيته، ودعا المملكة كلها للاحتفال بعرس ابنه والأميرة. حضر جميع أفراد المملكة؛ الكبار والصغار، والنبلاء والأسياد، والأغنياء والفقراء، وكان من بين الحضور القزم الودود بقبعته مخروطية الشكل وعباءة قرمزية جديدة. أقيم حفل الزفاف، وقرعت أجراس الفرح، ورقص الجميع، وغنُّوا، واحتفلوا حتى ساعة متأخرة من الليل.
الصيادون الاثنا عشر


كان فيما كان في سالف العصر والأوان أمير يحب عروسه كثيرًا. وبينما كان يجلس إلى جوارها سعيدًا ذات مرة، وصلته أخبار عن مرض أبيه واحتضاره، فأراد الذهاب لإلقاء النظرة الأخيرة عليه. قال لمحبوبته: «لا بد أن أذهب الآن، خذي هذا الخاتم تذكارًا مني. عندما أُنصَّب ملكًا، سأعود، وآخذك معي.» مضى الأمير في طريقه، وعندما وصل إلى قصر أبيه، وجده مريضًا للغاية وعلى شفا الموت. قال الأب: «ابني العزيز، كم تمنيت أن أراك ثانية قبل موتي، عاهدني على أن تتزوج بمن أريد.» وحدد له أميرة أخرى ليتزوجها. كان الأمير قلقًا للغاية حتى إنه لم يفكر فيما يفعل، فقال لأبيه: «أجل يا أبي العزيز، سأنفذ وصيتك.» بعد ذلك أغمض الملك عينيه، ومات.
بعد أن نُصِّب الأمير ملكًا على البلاد، وانقضت فترة الحداد، اضطر الملك الجديد إلى الوفاء بوعده الذي قطعه على نفسه أمام أبيه، وطلب يد الأميرة التي حددها الملك الراحل له، وخطبها. سمعت خطيبته الأولى بهذا الأمر، فاستشاطت غيظًا لخيانة الأمير لها حتى إنها كادت أن تموت حزنًا. قال لها أبوها: «ابنتي العزيزة، لماذا كل هذا الحزن؟ سأحقق لك ما تشائين.» فكرت الابنة لحظة ثم قالت: «أبي العزيز، أريد إحدى عشرة فتاة تشبهني تمامًا في الشكل والحجم.» قال الأب: «إذا كان الأمر ممكنًا، ستتحقق رغبتك.» وأمر بالتفتيش في المملكة بأسرها، حتى عثر على إحدى عشرة فتاة تماثلها في الشكل والحجم تمامًا.
عندما حضرت الفتيات أمام الأميرة، كانت الأميرة قد أعدت اثنتي عشرة حُلَّة صيد متماثلة تمامًا، وارتدت الإحدى عشرة فتاة ومعهن الأميرة ملابس الصيد. عندئذٍ ودَّعت الأميرة أباها، ومضت معهن، وتوجهن نحو قصر خطيبها السابق الذي أحبته كثيرًا، ثم سألته هل يريد صيادين في خدمته. نظر الملك إليها، لكنه لم يتعرف عليها. ولأنه بدت عليهم علامات الطيبة، فقد قال: «أجل.» وألحقهم بخدمته، وأصبحوا بعد ذلك صيادي الملك الاثني عشر.
لكن كان لدى الملك أسد خارق لا يخفى عنه شيء ويعرف أدق الأسرار. وذات مساء قال للملك: «هل تظن أن لديك اثني عشر صيادًا؟» أجابه الملك: «نعم، فهم اثنا عشر صيادًا» قال الأسد: «أنت مخطئ، فهم اثنتا عشرة فتاة.» قال الملك: «مستحيل! كيف يمكنك إثبات ذلك؟» أجاب الأسد: «انثر بعض حبات البازلاء في غرفة الانتظار، وستتأكد عمَّا قريب. فالرجال يخطون خطوات قوية، وسيسحقونها تحت أقدامهم، أما الفتيات فيسرن بخطى رشيقة وخفيفة، وستتدحرج حبات البازلاء كلها هنا وهناك.» نالت المشورة إعجاب الملك، وأمر بنثر البازلاء.
كان لدى الملك أيضًا خادم يحب الصيادين، وعندما سمع أن الملك سيختبرهم، ذهب إليهم وأخبرهم بكل شيء، فشكرته الأميرة، وقالت لهم: «سيروا بخطى قوية فوق البازلاء.» وهكذا في صباح اليوم التالي، عندما استدعى الملك الاثني عشر صيادًا للمثول أمامه، ومروا بغرفة الانتظار حيث نُثرت البازلاء، دهسوها تحت أقدامهم، ومشوا بخطى ثابتة وواثقة، فلم تتحرك حبة واحدة من مكانها. بعد ذلك انصرفوا مجددًا، وقال الملك للأسد: «لقد كذبت عليّ، فهم يسيرون كالرجال تمامًا.» قال الأسد: «هناك من أخبرهن أننا سنختبرهن، ولذلك قرَّرن السير بخطى قوية. عليك الآن إحضار اثني عشر مغزلًا بغرفة الانتظار، وسيتجهن نحوها ويفرحن بها، وهو ما لن يُقدِم عليه أي رجل.» أُعجب الملك بمشورة الأسد، وأمر بإحضار اثني عشر مغزلًا ووضعها في حجرة الانتظار.
لكن الخادم، الذي كان يحب الصيادين، ذهب إليهم هذه المرة أيضًا وأفصح لهم عن الخطة. لذا عندما أصبح الصيادون وحدهم، قالت الأميرة للإحدى عشرة فتاة: «عليكن بكبح عواطفكن، ولا تنظرن إلى المغزل.» وفي صباح اليوم التالي عندما استدعى الملك الصيادين، مروا بغرفة الانتظار، دون أن ينظروا إلى المغزل ولو نظرة واحدة. فقال الملك للأسد مرة ثانية: «لقد خدعتني، فهم رجال لم ينظروا إلى المغازل ولو نظرة واحدة.» أجابه الأسد: «لقد سيطرن على مشاعرهن.» لكن الملك لم يعد يصدق الأسد في شيء بعد ذلك.
دائمًا ما كان الصيادون الاثنا عشر يتبعون الملك في رحلات صيده، وازداد حبه لهم يومًا بعد يوم. وذات مرة عندما خرجوا للصيد، وردت إلى الملك أنباء عن اقتراب وصول عروسه. عندما سمعت العروس الحقيقية بالأمر، كاد أن ينفطر قلبها حزنًا، وسقطت على الأرض فاقدة الوعي. ظن الملك أن مكروهًا ما قد وقع لصياده العزيز، فركض نحوه لمساعدته، لكن عندما سحب قفازه، رأى الخاتم الذي كان قد أعطاه لخطيبته الأولى، وعندما نظر إلى وجهها، تعرف عليها. فتأثر قلبه وقبَّلها، وعندما فتحت عينيها، قال لها: «أنتِ لي، وأنا لك، ولن يستطيع أحد في الدنيا تغيير ذلك.» أرسل الملك رسولًا إلى العروس الأخرى يناشدها أن تعود إلى ديارها، لأن الملك قد اختار عروسه بالفعل، ومن يجد حبيبته الأولى، ليس بحاجة للبحث عن حبيبة أخرى. بعد ذلك أقيم حفل الزفاف، وجدَّد الملك ثقته في الأسد مرة أخرى، لأنه كان يقول الحقيقة.
مَلِك الجبل الذهبي


يُحكى أن تاجرًا كان لديه طفل واحد صغير السن لا يستطيع السير بمفرده بعد، وكان لديه أيضًا سفينتان محملتان بالبضائع الثمينة في طريقهما في البحار بعد أن استثمر فيهما كل ثروته، على أمل أن تحقق له البضائع مكاسب أكبر، لكن جاءته أنباء عن ضياع السفينتين في البحار. لذا تحول من الثراء إلى الفقر الشديد، ولم يعد يملك شيئًا في الحياة سوى قطعة أرض صغيرة كثيرًا ما كان يذهب إليها في المساء ليتنزه بها، ويريح نفسه من الهم قليلًا.
ذات يوم، أثناء تجوله وهو شارد الذهن ومهموم بالتفكير في ماضيه وحاضره وأيضًا مستقبله، إذا بقزم أسود صغير قبيح يظهر أمامه فجأة، ويقول له: «ماذا بك يا صديقي، لماذا أنت تعيس للغاية؟ لماذا أنت حزين القلب هكذا؟» قال التاجر: «إذا كنت ستساعدني، فسأخبرك بكل سرور.» قال القزم: «من يدري؟ ربما أستطيع. أخبرني بما يزعجك، وربما تجد عندي المساعدة.» أخبره التاجر بما ألمَّ به من ضياع ثروته في أعماق البحار، وأنه لم يعد يملك شيئًا سوى قطعة الأرض الصغيرة هذه. قال القزم: «لا تزعج نفسك، كل ما عليك فعله هو أن تعاهدني بأن تُحضر لي بعد اثني عشر عامًا من الآن أول ما يصادفك أثناء عودتك إلى المنزل، وسأقدم لك ما يكفيك من الذهب.» رأى التاجر أن هذا ليس بالأمر المستحيل؛ فقد يكون أول ما يقابله قطته أو كلبه، أو شيء من هذا القبيل، ونسي أمر ابنه هاينل، فوافق على ما قاله القزم، وصار مُلزَمًا بتنفيذه.
عندما اقترب التاجر من منزله، فرح ابنه الصغير برؤيته فزحف نحوه وأمسك بساقه، ونظر في وجهه وضحك. فزع الأب، وارتعد خوفًا وذعرًا، وتذكر ما تعهَّد به، لكن لأنه لم ير ذهبًا كما وعده القزم، حاول أن يهدئ من روع نفسه بالتفكير في أن الأمر لا يتعدى كونه دعابة من جانب القزم، وعلى أي حال، عندما يأتي حامل الذهب، لن يقبله منه.
بعد شهر، صعد الأب إلى المخزن للبحث عن أشياء معدنية قديمة يبيعها ويكسب بها القليل من النقود، لكنه لم يجد أشياء قديمة، بل وجد كومة كبيرة من الذهب فوق الأرض. عندما رأى التاجر الذهب، ابتهج كثيرًا، ونسي أمر ابنه تمامًا، وعاد إلى مزاولة مهنته مرة ثانية، وأصبح أغنى مما كان في السابق.
في تلك الأثناء كبر هاينل الصغير، ومع اقتراب انقضاء الاثني عشر عامًا، بدأ التاجر يتذكر تعهده للقزم، وشعر بالحزن، وأخذ يفكر في الأمر حتى ظهرت علامات الهم والحزن على وجهه. سأله ابنه ذات يوم عما أحلَّ به، لكن لم يخبره أبوه لبعض الوقت، وفي النهاية أخبره أنه باعه دون قصد مقابل كومة من الذهب لقزم أسود صغير قبيح المنظر، وأن مدة الاثني عشر عامًا بدأت تنتهي وعليه أن يفي بوعده. قال هاينل: «أبي العزيز، لا تنزعج، لن أكون لقمة سائغة لذاك الرجل.»
عندما انقضت المدة المحددة، خرج الأب والابن إلى المكان المتفق عليه، ورسم الولد دائرة فوق الأرض، ووقف هو وأبوه في منتصفها. حضر القزم الأسود الصغير سريعًا، وأخذ يسير حول الدائرة، لكنه لم يستطع إيجاد منفذ لدخولها، ولم يتمكن أو حتى يجرؤ على القفز فوقها. وفي النهاية قال له الولد: «هل لديك ما تقوله لنا يا صديقي، ماذا تريد؟» كان هاينل قد قابل جنية طيبة أصبحت صديقته، وكانت تحبه كثيرًا، وأخبرته بما عليه فعله، لأنها كانت تعلم ما ينتظره من حظ سعيد. قال القزم للتاجر: «هل أحضرت لي ما اتفقنا عليه؟» سكت الرجل، لكن هاينل قال: «ماذا تريد؟» قال القزم: «جئت للحديث مع أبيك وليس معك.» قال الولد: «لقد خدعت أبي. أرجوك تخل عن الاتفاق الذي كان بينكما في الحال.» قال القزم: «الحق أحق أن يُتَّبَع. لقد دفعت مالًا، وأخذه أبوك، وأنفقه، لذا عليه أن يقدم لي ما دفعت المال من أجله.» قال هاينل: «لا بد أن تحصل على موافقتي على ذلك أولًا، لذا تعال هنا، ودعنا نناقش المسألة.» ابتسم القزم ابتسامة عريضة لمعت من خلالها أسنانه، وكأنه فرح للغاية لأنه سيدخل في الدائرة. وفي النهاية وبعد نقاش طويل، توصلوا إلى اتفاق. من ناحية، وافق هاينل على أن يتخلى عنه أبوه، وبذلك يتحقق ما أراده القزم، لكن من ناحية أخرى، كانت الجنية قد أخبرت هاينل عما ينتظره في المستقبل من حظ سعيد، إذا شق طريقه بمفرده، ولم يشأ هاينل أن يحصل عليه القزم أحدب الظهر الذي بدا متلهفًا للفوز به.
لذا اتفقوا على حل وسط وهو أن يضعوا هاينل في مركب على شاطئ البحر، وأن يدفعه أبوه بيده في البحر ليجرفه التيار ويأخذه إلى مصيره الطيب أو المشئوم. ودَّع الولد أباه، ثم جلس في المركب، لكن قبل أن يبتعد كثيرًا، ضربت المركب موجة، فانقلب على جانبه على سطح المياه، فظن التاجر أن ابنه مات، وعاد إلى منزله وهو حزين للغاية؛ أما القزم، فقد شق طريقه معتقدًا أنه أخذ بثأره من التاجر.
لكن المركب لم يغرق، فقد اعتنت الجنية الطيبة بصديقها، وأعادت المركب إلى وضعه الأصلي مرة أخرى، وشق المركب طريقه في البحر في أمان. وجلس الشاب الصغير داخل المركب في أمان أيضًا حتى وصل في النهاية إلى شاطئ بلد مجهول، وعندما قفز إلى الشاطئ، رأى أمامه قلعة جميلة، لكنها كانت خاوية وموحشة من الداخل، إذ كانت قلعة مسحورة. قال الولد لنفسه: «لا بد أن أعثر على الجائزة التي أخبرتني عنها الجنية الطيبة هنا.» وبالفعل بحث الولد في القلعة كلها حتى عثر في النهاية على ثعبان أبيض ملتف حول نفسه فوق وسادة في إحدى الحجرات.
كان الثعبان الأبيض في الحقيقة أميرة مسحورة، وكانت سعيدة للغاية عندما رأت الشاب، وقالت له، «هل حضرت أخيرًا لإنقاذي؟ لقد انتظرت هنا اثني عشر عامًا حتى تحضرك الجنية إلى هنا كما وعدتني، فلن يستطيع أحد سواك إنقاذي. سيحضر اثنا عشر رجلًا وجوههم سوداء يرتدون دروعًا إلى هنا. سيسألونك ماذا تفعل هنا، لكن لا ترد عليهم، ودعهم يفعلون ما يريدون. سواء ضربوك بالسياط أو طعنوك أو وخزوك أو عذبوك، عليك أن تتحمل كل ذلك، ولا تنطق بكلمة واحدة، وفي تمام الساعة الثانية عشرة، سينصرفون. وفي الليلة الثانية سيحضر اثنا عشر رجلًا آخر، وفي الليلة الثالثة، سيحضر أربعة وعشرون رجلًا يفصلون رأسك عن جسدك، لكن في الساعة الثانية عشرة من تلك الليلة ستضعف قواهم، وسأتحرر من السحر، وسأحضر إليك ومعي إكسير الحياة أغسلك به فتعود للحياة مرة أخرى.» حدث ما قالته الأميرة المسحورة بالضبط؛ تحمل هاينل كل ما حدث له دون أن ينطق بكلمة واحدة، وفي الليلة الثالثة حضرت إليه الأميرة، وانحنت فوقه وقبَّلته. وانطلقت الأفراح في القلعة كلها، وأقيم حفل الزفاف، ونُصِّب هاينل ملكًا على الجبل الذهبي.
عاش هاينل والملكة في سعادة غامرة، ورُزقت الملكة بابن. وبعد مرور ثمانية أعوام، فكر الملك في أبيه، واشتاق إلى رؤيته مرة أخرى. لكن الملكة عارضت ذهابه إليه، وقالت: «أعلم أن مكروهًا سيقع لنا إذا ذهبنا.» لكنه أخذ يلح عليها حتى وافقت على الذهاب. ووقت رحيله أعطته خاتم التمني، وقالت له: «خذ هذا الخاتم وضعه في إصبعك، وسيحقق لك كل ما تتمناه، لكن عدني فقط أنك لن تستخدمه في إحضاري إلى منزل أبيك.» فوعدها أن يفعل ما طلبته منه، ووضع الخاتم في إصبعه، وتمنى أن يصل بالقرب من البلدة التي يعيش فيها أبوه.
وجد هاينل نفسه عند بوابة البلدة في لمح البصر، لكن الحراس منعوه من الدخول، لأنه كان غريب الملبس، فصعد فوق تل بالجوار يسكن به راعي أغنام، واستعار منه عباءته القديمة، ومر داخل البلدة متنكرًا. عندما وصل إلى منزل أبيه، أخبره أنه ابنه هاينل، لكن التاجر لم يصدقه، وقال إن ابنه هاينل مات منذ زمن بعيد. ولأنه كان يرتدي ملابس راعٍ فقير، فلم يقدم له التاجر أي طعام، لكن هاينل أقسم أنه ابنه، وقال: «أليس هناك أي علامة تستطيع من خلالها التعرف عليّ والتأكد أنني ابنك الحقيقي؟» قالت الأم: «أجل، كان هاينل به ندبة تشبه ثمرة العليق بذراعه الأيمن.» أظهر لهما العلامة، فتأكدا أنه ابنهما الحقيقي.
بعد ذلك أخبرهما عن قصته في الوصول إلى منصب ملك الجبل الذهبي، وزواجه من الأميرة، وأنه رزق بطفل عمره سبع سنوات. لكن التاجر قال: «ما تقوله أمر مستحيل، فكيف لملك أن يتجول مرتديًا عباءة راعي أغنام!» عندما قال أبوه هذا الكلام، استشاط هاينل غيظًا، ونسي وعده الذي قطعه على نفسه، ولف الخاتم بإصبعه وتمنى أن تحضر زوجته الملكة وابنه. وعلى الفور ظهرت الملكة وابنها أمامه، لكن الملكة كانت تنتحب، وقالت له إنه لم يف بوعده لها، وسيطاردهم سوء الطالع. فعل هاينل ما بوسعه كي يهدئ من روعها، وفي النهاية تظاهرت أنها هدأت، لكن لم يكن الواقع كذلك، فقد كانت لا تفكر إلا في كيفية عقابه.
ذات يوم، أخذها هاينل للتنزه في البلدة، وأشار إلى البقعة حيث انجرف المركب به في مياه البحر الواسع، ثم جلس وقال لها: «أنا متعب للغاية، اجلسي بجواري، سأضع رأسي في حِجْرك وأنام برهة.» ما إن استغرق هاينل في النوم، حتى خلعت الملكة الخاتم من إصبعه، وتسللت بعيدًا في هدوء، وتمنت أن تعود هي وابنها إلى المملكة. وعندما استيقظ هاينل، وجد نفسه وحيدًا، ولاحظ اختفاء الخاتم من إصبعه: «لن أستطيع العودة مرة أخرى إلى منزل أبي، فقد يظن أبواي أنني ساحر، سأسافر حتى أصل مرة أخرى إلى مملكتي.»
شرع هاينل في رحلته حتى وصل إلى تل رأى عنده ثلاثة عمالقة يتقاسمون متاع أبيهم، وعندما رأوه يمر بجانبهم صاحوا: «الرجال الصغار أذكياء. لندعه يوزع متاع أبينا علينا بالتساوي» كان من بين الأشياء التي يودون اقتسامها سيف يقطع رأس العدو إذا قال حامله: «اقطع رأسه!»، وعباءة تخفي من يرتديها، أو تُظهره في أي هيئة يريدها، وزوج حذاء يحمل مرتديه إلى أي مكان يريد. قال لهم هاينل إنه يود تجربة هذه الأشياء الرائعة، وحينها سيستطيع تقدير قيمة كل شيء فيها. أعطوه العباءة، فتمنى أن يطير، وفي لمح البصر كان يطير. قال: «إن العباءة رائعة، أعطوني السيف الآن.» قالوا: «كلا، لن نعطيك إياه حتى تتعهد لنا بأنك لن تجربه، لأنك إن فعلت سنموت نحن الثلاثة.» ثم أعطوه السيف بعد أن وعدهم أنه سيجرب قوته على شجرة. بعد ذلك طلب منهم الحذاء أيضًا، وبعد أن استحوذ على الأشياء الثلاثة الرائعة، تمنى أن يذهب إلى الجبل الذهبي، فوصل إلى هناك على الفور. وترك العمالقة الثلاثة دون أي شيء يقتسمونه أو يتشاجرون بسببه.
عندما اقترب هاينل من القلعة سمع صوت موسيقى صاخبة، وأخبره الناس أن الملكة على وشك الزواج من رجل آخر، فارتدى هاينل العباءة، ومر إلى ردهة القلعة، ثم جلس بجوار الملكة، ولم يستطع أحد رؤيته. وكلما وُضع شيء في طبق الملكة، يأخذه هاينل ويتناوله، وعندما يقدَّم إليها كأس خمر، يشربها هو. وهكذا كلما يقدَّم لها اللحم والشراب، يصير طبقها وكأسها فارغين على الفور.
عندئذ شعرت الملكة بالذعر والندم، وذهبت إلى حجرتها وحدها، وجلست تبكي، وتبعها هاينل إلى هناك. قالت الملكة لنفسها: «وا حسرتاه! ألم أتحرر من السحر من قبل؟ لماذا يبدو لي أنه يطاردني مرة أخرى؟»
قال: «أيتها الكاذبة المتلونة! لقد حضر إليك من حررك من السحر من قبل، وها هو الآن بالقرب منك مرة أخرى، لكن كيف رددتِ إليه الجميل؟ أيستحق هذه المعاملة منك؟» ثم خرج وأمر المدعوين بالانصراف وقال لهم إن العرس قد ألغي، وأنه عاد إلى المملكة. لكن الأمراء والملوك والنبلاء سخروا منه، ولم يُرد هو أن يجادلهم، بل طلب منهم أن يرحلوا في سلام. لكنهم انقضوا عليه وحاولوا الإمساك به، فأخرج سيفه، وقال: «اقطع رءوسهم!» وما إن نطق بهذه الكلمات حتى انفصلت رءوس جميع الخائنين عن أجسادهم، وسقطت أمامه، وأصبح هاينل ملك الجبل الذهبي مرة أخرى.
أبو العُرِّيف


يُحكى أن فلاحًا فقيرًا يُدعى سلطعون كان يقود عربة محملة بالأخشاب إلى المدينة يجرها ثوران. باع الفلاح الأخشاب لأحد الأطباء. وبينما كان الفلاح الفقير ينتظر المال، صادف أن كان الطبيب جالسًا على مائدة الطعام، وعندما رأى الفلاح الطعام والشراب الشهيين اللذين يتناول منهما الطبيب، تمنى كثيرًا أن يحظى بمثل ذلك، وأن يكون طبيبًا أيضًا. فظل واقفًا برهة، وأخيرًا سأل الطبيب هل يستطيع أن يصبح طبيبًا هو الآخر. أجابه الطبيب: «أجل، تستطيع تحقيق ذلك سريعًا.» سأله الفلاح: «ماذا عليّ أن أفعل؟» قال الطبيب: «عليك أولًا شراء كتاب تعليم حروف الهجاء المصوَّر من النوع الذي يحتوى على صورة ديك على الغلاف. ثانيًا، عليك بيع عربتك والثورين وشراء ملابس بثمنها، وشراء كل ما يلزم لممارسة الطب. ثالثًا، علِّق لافتة مكتوب عليها: «أنا الطبيب أبو العريف» فوق باب منزلك.» فعل الفلاح كل ما أخبره به الطبيب. وبعد أن عالج الناس بعض الوقت، حدث أن سيدًا نبيلًا وثريًّا سُرق منه مال، وأخبره الناس عن أبي العريف وعن القرية التي يعيش فيها، وأنه لا بد أن يعرف مصير المال المسروق. فجهز السيد النبيل عربته التي تجرها الخيول، واتجه إلى القرية، وسأل سلطعون هل هو أبو العريف، فقال إنه هو، فطلب منه الرجل أن يذهب معه ليعيد المال المسروق. قال له سلطعون: «لا بأس، لكن زوجتي جريتي لا بد أن تأتي معي أيضًا.» وافق الرجل، وجلس سلطعون وجريتي في عربته، وشقوا طريقهم معًا. عندما وصلوا إلى قصر السيد النبيل، أُعدَّت المائدة، وطُلب من سلطعون أن يجلس ليتناول طعامه. قال سلطعون: «لا بأس، لكن زوجتي جريتي لا بد أن تأكل معي أيضًا.» وجلسا على المائدة، وعندما جاء الخادم الأول ومعه طبق به طعام شهي، وكز سلطعون زوجته، وقال لها: «يا جريتي، هذا هو الأول.» وكان يقصد أن هذا هو الطبق الأول، لكن الخادم اعتقد أنه يقصد بكلامه: «هذا هو اللص الأول.» ولأنه كان اللص الأول بالفعل، فقد شعر بالذعر، وقال لصديقه في الخارج: «أبو العريف يعرف كل شيء، وسنلقى ما لا تحمد عقباه، فقد قال إنني اللص الأول.» لم يكن الخادم الثاني يريد الدخول عند أبي العريف أبدًا، لكنه أُرغم على الدخول. وعندما دخل بالطبق الثاني، وكز أبو العريف زوجته، وقال: «يا جريتي، ها هو الثاني.» شعر الخادم الثاني بالرعب هو الآخر، وخرج بأقصى سرعة. وتكرر الأمر نفسه مع الخادم الثالث، فعندما دخل عند سلطعون، سمعه يقول لزوجته: «ها هو الثالث.» كان على الخادم الرابع الدخول بطبق مغطى إلى سلطعون، وطلب منه السيد النبيل أن يظهر مهاراته، ويخمن نوع الطعام أسفل الغطاء. كان يوجد بالطبق سمك السلطعون، فنظر سلطعون إلى الطبق، ولم يدر ماذا يقول، وصاح: «يا لسلطعون المسكين.» عندما سمع السيد النبيل ذلك، صاح: «يا إلهي! لقد استطاع معرفة الطعام الموجود أسفل الغطاء. لا بد أنه يعرف أيضًا من سرق المال!»
عندئذٍ بدا على الخدَم علامات الانزعاج، وأشاروا لأبي العريف كي يتحدثوا معه لحظة في الخارج. عندما خرج سلطعون، اعترف له الخدم الأربعة أنهم سرقوا المال، وقالوا له إنهم سيعيدونه مرة أخرى ويعطونه مبلغًا كبيرًا من المال، ما لم يكشف أمرهم؛ فإذا فضح أمرهم سيموتون شنقًا. واقتادوه إلى البقعة التي خبَّئوا فيها النقود. فرح سلطعون بهذا الأمر، ثم عاد إلى ردهة القصر، وجلس على المائدة، وقال للرجل: «يا سيدي، سأبحث في كتابي عن المكان المخبأ به المال.» حينئذٍ تسلل الخادم الخامس إلى داخل الموقد ليرى هل يعرف أبو العريف شيئًا آخر. جلس سلطعون، وأخذ يقلب صفحات كتابه، ويبحث عن صورة الديك. ولأنه لم يستطع العثور عليها على الفور، قال: «أعلم أنك هنا، فمن الأفضل أن تظهر!» عندئذ خرج الخادم من الموقد ظنًّا منه أن سلطعون يقصده هو، وقفز نحو الخارج وهو في حالة ذعر، وصاح: «هذا الرجل يعرف كل شيء!» بعد ذلك دل سلطعون السيد النبيل على مكان المال، لكنه لم يخبره من سرقه، وأخذ مكافأة كبيرة من الرجل النبيل ومن اللصوص، وأصبح رجلًا مشهورًا.
الغِربان السبعة


كان فيما كان في سالف العصر والأوان رجل له سبعة من الأبناء، ثم رزقه الله بابنة. مع أن تلك الابنة كانت فائقة الجمال، إلا أنها كانت واهنة القوى وضئيلة الحجم للغاية حتى إن والديها ظنَّا أنها ستموت، لكن قررا أن يقيما لها حفل تعميد.
أرسل الأب أحد أبنائه السبعة سريعًا إلى الينبوع ليجلب ماءً، وذهب معه أشقاؤه الستة. أراد كل واحد منهم أن يجلب الماء أولًا، وكانوا في عجلة من أمرهم حتى إن جِرارهم سقطت منهم في المياه، فوقفوا يتبادلون النظرات في حماقة، ولم يدروا ماذا يفعلون، ولم يجرؤ أي واحد منهم على العودة إلى المنزل. في غضون ذلك، انزعج الأب، ولم يستطع معرفة سبب تأخرهم كل هذا الوقت، فقال: «لا بد أنهم انهمكوا في اللعب، ونسوا جلب المياه.» وبعد أن انتظر مدة أطول، ولم يعودوا، استشاط غضبًا، وتمنى أن يتحولوا جميعًا إلى غِربان. ما إن نطق بهذه الكلمات، حتى سمع صوت نعيب فوق رأسه، فنظر لأعلى ورأى سبعة غربان سوداء اللون كالفحم تحوم حوله في الفضاء. شعر الأب بالأسف لأن ما تمناه قد تحقق. لم يدر كيف يحل هذا الأمر، وحاول مواساة نفسه على فقدان أبنائه السبعة باللعب مع ابنته الصغيرة العزيزة التي سرعان ما أصبحت قوية البنية، وازدادت جمالًا كل يوم.
مضى وقت طويل دون أن تعرف الابنة أن لها أشقاء، فقد حرص أبوها وأمها على ألا يتفوها بهذا الأمر أمامها، لكن ذات يوم سمعت مصادفةً أناسًا يتحدثون عنهم. كانوا يقولون: «أجل، إنها جميلة بالفعل، لكن من المؤسف أن أشقاءها ضاعوا وهم في طريقهم لجلب المياه لها.» حزنت البنت كثيرًا وذهبت إلى والديها، وسألتهما هل لها أشقاء، وماذا حدث لهم. لم يستطيعا إخفاء الحقيقة عنها أكثر من ذلك، لكنهما أخبراها أنها مشيئة الله، وأن حفل تعميدها لم يكن سوى سبب لما حدث، لكن الفتاة الصغيرة حزنت كثيرًا على ما حدث لأشقائها، ورأت أنه يتعين عليها فعل ما بوسعها لاستعادتهم مرة أخرى، ولم تهدأ حتى تسللت خلسة ذات يوم، وانطلقت في رحلتها في العالم الفسيح بحثًا عن أشقائها حيثما يكونون، وسعيًا وراء تحريرهم من السحر مهما كلفها الأمر.
لم تأخذ شيئًا معها سوى خاتم صغير أعطاها إياه والداها، ورغيف خبز تحسبًا للشعور بالجوع، وجرة صغيرة بها مياه تحسبًا للشعور بالظمأ، وكرسي صغير ترتاح عليه عندما تشعر بالتعب. مضت الفتاة الصغيرة في رحلتها حتى وصلت إلى نهاية العالم، ثم اتجهت نحو الشمس. بدت الشمس ساخنة للغاية وملتهبة، فابتعدت عنها سريعًا، واتجهت إلى القمر، لكن القمر كان باردًا للغاية، فقالت: «أشتم رائحة أشقائي من هذا الاتجاه!» واتجهت سريعًا إلى النجوم. كانت النجوم ودودة وطيبة معها، وكانت كل نجمة تجلس في مقعدها، لكن نجمة الصباح نهضت، وأعطتها قطعة صغيرة من الخشب، وقالت: «إذا لم تأخذي قطعة الخشب الصغيرة هذه، فلن تتمكني من فتح باب القلعة الموجودة فوق الجبل الزجاجي حيث يعيش أشقاؤك.» أخذت الفتاة الصغيرة قطعة الخشب، ووضعتها داخل قطعة قماش، ومضت في رحلتها مرة أخرى حتى وصلت إلى الجبل الزجاجي، فوجدت الباب مغلقًا. أخرجت قطعة القماش، وعندما فردتها لم تجد بداخلها قطعة الخشب، وهكذا عرفت أنها أضاعت هدية النجوم الطيبة لها. ماذا ستفعل الآن؟ فقد أرادت إنقاذ أشقائها، وليس لديها مفتاح للدخول إلى قلعة الجبل الزجاجي. أخرجت الفتاة الصغيرة الطيبة سكينًا من جيبها، وقطعت إصبعها الصغير الذي كان بحجم قطعة الخشب التي فقدتها، ووضعته في باب القلعة، وفتحته.
وعندما دخلت إلى القلعة، اتجه نحوها قزم صغير، وقال لها: «عمَّ تبحثين؟» قالت: «أبحث عن أشقائي الغربان السبعة.» فقال لها القزم: «أسيادي ليسوا بالمنزل، لكن إذا كنت ستنتظرين مجيئهم، فتفضلي بالدخول.» كان القزم الصغير يعد طعام العشاء، ووضع طعامهم في سبعة أطباق، وشرابهم في سبعة كئوس، ووضعها فوق الطاولة. أكلت الشقيقة الصغرى من كل صحن قطعة صغيرة، وأخذت من كل كأس رشفة صغيرة، لكنها أسقطت خاتمها الذي أحضرته معها في الكأس الأخيرة.
وفجأة سمعت أصوات نعيب وتصفيق أجنحة في الهواء، وقال القزم: «لقد حضر أسيادي.» عندما وصلوا، أرادوا أن يأكلوا ويشربوا، ثم نظروا إلى أطباقهم وكئوسهم، فقالوا واحدًا تلو الآخر: «من أكل من طبقي الصغير؟ من شرب من كأسي الصغيرة؟ كواك! كواك! أظن أن شفاه بشر مرت على طبقي وكأسي.» عندما شرب الغراب السابع من كأسه حتى آخرها، عثر على الخاتم، وتفحصه، وعلم أن هذا الخاتم يخص والديه، وقال: «لقد حضرت شقيقتنا الصغرى! ستحررنا من السحر.» عندما سمعت الفتاة الصغيرة الواقفة خلف الباب هذا الحديث، ركضت نحوهم، وعلى الفور استعاد الغربان السبعة هيئاتهم الأصلية، وتعانقوا وقبَّل بعضهم بعضًا، وعادوا إلى المنزل في سعادة.
حفل زفاف أرملة الثعلب


القصة الأولى

يُحكى أن ثعلبًا عجوزًا ذا تسعة ذيول شكَّ في إخلاص زوجته له، وأراد اختبارها. فتمدد أسفل المقعد بلا حراك، وتظاهر بأنه مات. صعدت زوجته إلى غرفتها، وأغلقت الباب عليها، وجلست خادمتها القطة بجوار المدفأة لتطهي الطعام. عندما انتشر خبر وفاة الثعلب العجوز، تقدم الخُطَّاب إلى أرملة الثعلب. سمعت الخادمة صوت طرق على باب المنزل، فذهبت وفتحت الباب، فرأت ثعلبًا شابًّا قال لها: «ماذا كنت تفعلين يا قطة؟ هل كنت نائمة أم مستيقظة؟» أجابته: «لم أكن نائمة، بل كنت مستيقظة، هل تود معرفة ماذا كنت أصنع؟ كنت أغلي الخمر مع الزبد، هل تود تناول العشاء معي؟» قال الثعلب الشاب: «كلا، شكرًا لك يا آنستي، ماذا تفعل سيدتك؟» أجابته الخادمة: «إنها تجلس في غرفتها تندب فقدان زوجها، وقد احمرت عيناها الصغيرتان من كثرة البكاء على وفاة سيدي الثعلب.»
– «أخبريها يا قطة أن ثعلبًا شابًّا حضر إلى هنا لخطبتها.» أجابته القطة: «نعم يا سيدي.»
صعدت القطة السلم، وطرقت الباب، وقالت: «يا سيدتي، هل أنت بالداخل؟»
ردت زوجة الثعلب: «أجل أنا هنا يا قطتي الصغيرة.»
– «هناك عريس جاء لخطبتك بالخارج.»
– «كيف يبدو يا عزيزتي؟ هل لديه تسعة ذيول جميلة مثل زوجي الراحل؟»
– «كلا، ليس لديه سوى ذيل واحد.»
– «إذن، لن أتزوجه.»
توجهت القطة إلى الطابق السفلي، وطلبت من الثعلب الشاب الرحيل. بعدها بوقت قصير جاء من يطرق الباب، وكان ثعلبًا آخر أراد الزواج من أرملة الثعلب العجوز. كان لديه ذيلان، لكنه لم يلق معاملة أفضل من الثعلب الأول. بعد ذلك جاءت ثعالب أخرى؛ كل ثعلب لديه ذيل إضافي عن سابقه، لكن أرملة الثعلب العجوز رفضتهم جميعًا، حتى جاءها أخيرًا ثعلب لديه تسعة ذيول مثل الثعلب العجوز الراحل. عندما سمعت الأرملة بهذا الأمر، قالت في بهجة: «الآن افتحي له الباب على مصراعيه، واحملي الثعلب العجوز المتوفى إلى الخارج.» لكن ما إن بدأت مراسم العرس البهيجة، حتى تحرك الثعلب العجوز وخرج من أسفل المقعد، وضرب كل المدعوين بالعصا، وطردهم جميعًا خارج المنزل بمن فيهم زوجته.
القصة الثانية

عندما مات الثعلب العجوز، حضر الذئب لخطبة أرملة الثعلب، وطرق الباب، ففتحت له القطة الخادمة. حيَّاها الذئب وقال: «يومًا سعيدًا أيتها القطة، لماذا تجلسين هنا وحدك؟ وماذا تصنعين؟» أجابته القطة: «أكسر قطع الخبز، وأغمسها في اللبن المحلى، هل تود أن تتناول العشاء معي؟» أجابها الذئب: «كلا، شكرًا لك. هل سيدتك بالمنزل؟»
أجابته القطة: «إنها تجلس بالطابق العلوي، تندب مصيبتها الكبيرة، وتبكي في حزن شديد، بعد أن مات زوجها الثعلب العجوز.» أجابها الذئب: «إذن فقد أصبحت في حاجة إلى زوج، من فضلك أخبريها أنني في انتظارها بالطابق السفلي.» ركضت القطة سريعًا، وذيلها يتحرك يمينًا ويسارًا، حتى وصلت إلى باب حجرة الجلوس. ثم طرقت الباب بأصابعها ذهبية اللون، وقالت: «هل أنت بالداخل يا سيدتي؟ إذا كنت تريدين عريسًا الآن، فانزلي إلى الطابق السفلي؟» سألتها أرملة الثعلب: «هل يرتدي العريس جوربًا أحمر، ولديه فم بارز؟» أجابتها القطة: «كلا.» فقالت لها سيدتها: «إذن فهو مرفوض.»
بعد أن انصرف الذئب، جاء كلب، وظبي، وأرنب، وأسد، وكل حيوانات الغابة واحدًا بعد الآخر. لكن الصفات الجميلة التي كان يتمتع بها زوجها الراحل لم تكن متوافرة فيمن يتقدمون لخطبتها، ودائمًا ما كانت القطة تبلغ العرسان بالرفض، وتأمرهم بالانصراف. وفي النهاية حضر ثعلب شاب، وقالت زوجة الثعلب: «هل يرتدي العريس جوربًا أحمر ولديه فم بارز؟» أجابتها القطة: «نعم.» قالت سيدتها: «إذن اسمحي له بالصعود إلى الطابق العلوي.» وأمرت خادمتها بالتحضير للعرس.
«اكنسي الغرفة ونظفيها جيدًا، ثم زجي بزوجي الراحل من النافذة! فكثيرًا ما كان يصطاد العديد من الفئران الثمينة، ويلتهمها وحده دون أن يفكر في زوجته قط.» بعد ذلك أقيم حفل زفاف أرملة الثعلب على الثعلب الشاب، وعم الفرح والمرح أرجاء المنزل، وأخذوا يرقصون حتى ساعة متأخرة من الليل.
السلطة


ذات مرة خرج صياد سعيد في ريعان شبابه إلى الغابة وهو مفعم بالحيوية، فقابلته عجوز ضئيلة الحجم، وقالت له: «يومًا سعيدًا! تبدو مبتهجًا، أما أنا فأشعر بالجوع والظمأ؛ أرجوك أعطني شيئًا لآكله.» أشفق الصياد عليها، فوضع يده في جيبه وأعطاها ما معه. أراد أن يستأنف السير، لكن العجوز أمسكت بيده، وقالت له: «اسمع يا صديقي ما سأقوله لك الآن، سأجازيك عن طيبة قلبك. واصِل السير، وبعد أن تقطع مسافة قصيرة ستصل إلى شجرة، وسترى تسعة طيور يجلسون فوق عباءة. أطلِق سهمًا وسطهم، وسيسقط أحدهم صريعًا، وستسقط العباءة أيضًا. خذها، فهي تحقق أمنيات من يرتديها، وعندما ترتديها ستجد نفسك حيثما تريد. عليك أيضًا بشق جسد الطائر الصريع؛ خذ قلبه، واحتفظ به، وستجد قطعة ذهبية تحت وسادتك كل صباح. فقلب الطائر سيجلب لك الحظ السعيد.»
شكرها الصياد، وفكر في نفسه: «إذا حدث كل هذا بالفعل، فسيكون الأمر رائعًا.» عندما سار مئة خطوة تقريبًا، سمع صوت صياح وزقزقة بين الأغصان فوقه، فنظر إلى أعلى، ورأى سربًا من الطيور تجر عباءة بمناقيرها وأرجلها، وكانت تصرخ وتتعارك وتتدافع وكأن كل طائر يتمنى أن يحظى بها لنفسه. قال الصياد: «حسنًا، يا له من أمر رائع، فكل شيء قالته العجوز يحدث بالضبط.» ثم صوَّب سهمًا وسطهم فتطاير الريش في الهواء. وحلقت الطيور تسقسق بعيدًا؛ لكن سقط أحدها على الأرض صريعًا ومعه العباءة.
فعل الصياد كما أخبرته العجوز، وشق جسد الطائر، وأخذ قلبه، ثم حمل العباءة معه إلى المنزل.
وفي صباح اليوم التالي عندما استيقظ رفع الوسادة، فوجد قطعة ذهبية تلمع أسفل الوسادة، وحدث الأمر نفسه في اليوم التالي وفي كل صباح عندما يستيقظ. جمع الشاب كومة كبيرة من الذهب، وفي النهاية فكر في نفسه: «ما فائدة الذهب ما دمت أجلس في منزلي؟ سأخرج إلى العالم الفسيح، وأجرب حظي.»
ودَّع أصدقاءه، وحمل حقيبته وقوسه، ثم شقَّ طريقه. وذات يوم أفضى به الطريق إلى غابة كثيفة الأشجار في نهايتها قلعة كبيرة وسط مرج أخضر، وفي إحدى نوافذها وقفت عجوز وبرفقتها فتاة جميلة تنظران حولهما. كانت العجوز ساحرة، وقالت للفتاة الجميلة: «هناك شاب يخرج من الغابة يحمل كنزًا رائعًا لا بد أن نأخذه منه يا عزيزتي، فهو يناسبنا أكثر منه. إنه يحمل قلب عصفور يجلب له قطعة ذهبية تحت وسادته كل صباح.» في تلك الأثناء اقترب الصياد منهما، ونظر إلى الفتاة الشابة، وقال في نفسه: «مرت مدة طويلة على سيري، وينبغي الآن أن أدخل إلى القلعة وأرتاح فيها، فلديَّ نقود تتيح لي عمل أي شيء أريده.» لكن السبب الحقيقي كان أنه يريد رؤية الفتاة الجميلة مرة أخرى. دخل إلى القلعة، ولاقى ترحيبًا حارًّا، ولم يمض وقت طويل حتى وقع في حب الفتاة لدرجة أنه أصبح لا يفكر في شيء سوى النظر في عينيها وتلبية جميع طلباتها. بعد ذلك قالت العجوز: «الآن حان وقت الحصول على قلب الطائر.» سرقت الفتاة الجميلة قلب الطائر من الشاب، ومنذ ذلك الحين لم يعد يجد أي قطع ذهبية تحت وسادته قط، بل كانت القطع الذهبية تظهر تحت وسادة الفتاة، وتأخذها العجوز في كل صباح، لكنه كان غارقًا في الحب لدرجة أنه لم يشعر بفقدان قلب الطائر.
قالت العجوز: «حسنًا، لقد حصلنا على قلب الطائر، لكن لم نحصل على عباءة التمني بعد، ولا بد أن نحصل عليها هي الأخرى.» قالت الفتاة الجميلة: «لنتركها له. لقد أفقدناه ثروته بالفعل.» استشاطت العجوز غضبًا، وقالت: «تلك العباءة نادرة للغاية وخارقة، ولا بد أن أحصل عليها، وسأحصل عليها.» فعلت الفتاة ما أخبرتها به العجوز، وجلست في النافذة تنظر في المكان من حولها وتتظاهر بالحزن الشديد، فقال لها الصياد: «لماذا أنت حزينة هكذا؟» أجابته: «وا حسرتاه يا عزيزي! هناك صخرة من الجرانيت ينمو عليها الماس الثمين، وأرغب بشدة في الذهاب إليها، ومتى فكرت في الأمر، لا أستطيع كبت مشاعر الحزن بداخلي، فلا أحد يستطيع الوصول إليها سوى الطيور التي تستطيع التحليق، أما الإنسان فلا يستطيع.» قال لها الصياد: «إذا كان هذا ما يحزنك، فسآخذك إلى هناك بكل سرور.» ثم جذبها تحت عباءته، وما إن تمنى أن يقف على صخرة الجرانيت حتى أصبحا هناك. لمع الماس من كل ناحية حتى أبهجهما المنظر، والتقطا أروع الماسات، لكن الساحرة العجوز ألقت عليه تعويذة جعلته يشعر بالنعاس الشديد، فقال للفتاة: «لنجلس ونسترح قليلًا، فأنا متعب للغاية، ولم أعد أستطيع الوقوف.» فجلسا معًا، ووضع رأسه في حِجْرها، واستغرق في النوم، وأثناء نومه أخذت العباءة منه، وارتدتها، ثم التقطت الماسات، وتمنت أن تعود إلى المنزل.
عندما استيقظ الصياد أدرك أن الفتاة خدعته، وتركته وحيدًا على الصخرة الموحشة، فقال: «وا أسفاه! كم البشر خدَّاعون!» وجلس هناك غارقًا في أحزانه ومخاوفه لا يدري ماذا يفعل. كانت الصخرة ملك عمالقة جبارين يعيشون عليها، وعندما رأى الشاب ثلاثة منهم يخطون خطوات واسعة في المكان، فكَّر في نفسه: «لن أستطيع إنقاذ نفسي إلا إذا تظاهرت بالنوم.» فاستلقى، وتظاهر بأنه مستغرق في نوم عميق. عندما وصل العمالقة إليه، دفعه الأول بقدمه، وقال: «ما هذه الدودة التي ترقد هنا؟» قال الثاني: «مُرَّ فوقه، واسحقه.» قال الثالث: «الأمر لا يستحق العناء، اتركه حيًّا، وسيذهب لتسلق الجبل، ثم تأتي سحابة، وتحمله بعيدًا.» ومضوا في طريقهم وتركوه. سمع الصياد ما دار بينهم، وما إن رحلوا حتى تسلق إلى قمة الجبل، وعندما جلس هناك مدة قصيرة جاءت سحابة وأحاطت به وحملته بعض الوقت حتى استقرت فوق حديقة، وسقط هناك برفق بين الخضراوات ونبات الكرنب.
نظر الصياد حوله، وقال: «ليتني أجد شيئًا آكله. إذا لم يحدث ذلك، فسيسوء حالي أكثر، فأنا لا أرى هنا تفاحًا ولا كمثرى، أو أي نوع من الفاكهة. لا أرى شيئًا سوى الخضراوات.» وفي النهاية قال لنفسه: «يمكنني عمل سلطة، فسوف تجدد طاقتي وتزيدني قوة.» فانتقى ثمرة يانعة وأكلها، لكن ما إن أخذ قضمتين منها حتى شعر بأنه يتغير وأدرك في ذعر أنه تحول إلى حمار. ولأنه كان لا يزال يشعر بالجوع، وكان مذاق السلطة جميلًا للغاية، فقد أكل من صنف آخر من الخضراوات. وما إن تذوقه حتى شعر بتغير جسده مرة أخرى، وسرعان ما أدرك أنه رجل محظوظ بعد أن استعاد هيئته مرة أخرى.
استلقى الصياد، ونام حتى زال عنه شعوره بالتعب، وعندما استيقظ في صباح اليوم التالي قطف ثمرتين من الخضراوات، إحداهما مفيدة والأخرى ضارَّة، وفكَّر في نفسه: «هذا سيساعدني على استعادة ثروتي مرة أخرى، وعلى تلقين السيدتين درسًا على خيانتهما.» شق طريقه محاولًا العثور على القلعة، وبعد أن تجول بضعة أيام، وجدها لحسن حظه. ثم لطخ وجهه باللون البني، حتى إن أمه ما كانت لتتعرف عليه، ودخل القلعة، وطلب المأوى قائلًا: «أنا متعب للغاية، ولا أستطيع السير خطوة واحدة.» قالت الساحرة: «أيها القروي، من أنت؟ وماذا تعمل؟» قال: «أنا رسول أرسله الملك لأبحث عن أفضل خضراوات تنمو على وجه الأرض. حالفني الحظ في العثور عليها، وقد أحضرتها معي، لكن حرارة الشمس لافحة، وبدأت الخضراوات تذبل، ولا أدري هل سأستطيع حملها أبعد من ذلك.»
عندما سمعت الساحرة والشابة بأمر تلك الخضراوات الجميلة التي يحملها، اشتاقتا لتذوقها، وقالتا: «يا عزيزي، اسمح لنا بتذوقها.» أجابهما: «بكل تأكيد، فأنا أحمل ثمرتين، وسأعطيكما إحداهما.» ثم فتح حقيبته وأخرج الثمرة الضارَّة.
أخذتها الساحرة إلى المطبخ لإعداد سلطة منها، وبعد أن جهزتها لم تطق انتظار حملها إليهما، وأخذت منها بعض الأوراق وتناولتها، لكن ما إن ابتلعتها حتى تحولت إلى حمار، وأخذت تركض في الفناء. حضرت الخادمة إلى المطبخ وعندما رأت السلطة معدَّة كانت ستأخذها إليهما، لكن في طريقها شعرت برغبة شديدة في تذوقها كما فعلت العجوز، فتناولت منها، وتحولت هي الأخرى إلى حمار، وركضت خلف العجوز، وسقط طبق السلطة على الأرض. جلس الصياد خلال ذلك الوقت مع الفتاة الجميلة، وعندما لم تحضر السلطة، قال: «لا أدري أين السلطة.» ففكر في نفسه أن خطبًا ما قد حدث، وقال: «سأذهب إلى المطبخ لأتفقد الأمر.» وعندما ذهب إلى هناك رأى حمارين يركضان في الفناء، والسلطة على الأرض، قال: «حسنًا! لقد حصلت كلتاهما على نصيبها.» ثم التقط ما تبقى من السلطة، ووضعه في الطبق، وأحضره إلى الفتاة، وقال لها: «لقد أحضرت لك طبق السلطة بنفسي حتى لا يطول انتظارك أكثر من ذلك.» فأكلت منه وتحولت هي أيضًا إلى حمار، وركضت نحو الفناء.
غسل الصياد وجهه، وذهب إلى الفناء كي يتعرفن عليه. قال: «الآن ستدفعن ثمن خيانتكن.» وربط الحمير الثلاثة بحبل، وجرهم معه حتى وصل إلى طاحونة، وطرق على النافذة. قال الطحان: «ما الأمر؟» قال الصياد: «معي ثلاثة حمير مزعجة. إذا وفرت لها الطعام والمأوى، وعاملتها مثلما أخبرك، فسأدفع لك ما تريد.» قال الطحان: «بكل سرور، لكن كيف أعاملها؟» أجابه الصياد: «اضرب الحمار العجوز ثلاث مرات يوميًّا وقدم له تبنًا مرة واحدة فقط، واضرب الحمار الثاني (الخادمة) مرة واحدة يوميًّا وقدم له التبن ثلاث مرات، أما الحمار الثالث (الفتاة الجميلة)، فقدم له تبنًا ثلاث مرات يوميًّا ولا تضربه.» لم يطاوعه قلبه أن يأمر الطحان بضرب الفتاة الجميلة. ثم عاد إلى القلعة حيث عثر على كل ما يريد.
بعد ذلك ببضعة أيام، حضر الطحان إليه، وأخبره أن الحمار العجوز مات، أما الحماران الآخران فلا يزالان على قيد الحياة يأكلان، لكنهما حزينان ولن يصمدا طويلًا.» أشفق الصياد عليهما، وطلب من الطحان أن يحضرهما إليه، وعندما عادا، أطعمهما من السلطة المفيدة، فنزلت الفتاة الجميلة على ركبتيها أمامه، وقالت: «عزيزي الصياد! سامحني على ما فعلته بك، فقد أرغمتني أمي على ذلك، ولطالما أحببتك كثيرًا. عباءة التمني معلقة بالخزانة، وسأعطيك قلب الطائر أيضًا.» لكنه قال: «احتفظي بهما، فلا فرق بيننا، لأني أنوي الزواج منك.» وبالفعل تزوجا وعاشا معًا في سعادة حتى نهاية حياتهما.
حكاية الشاب الذي سافر ليعرف معنى الخوف


يُحكى أن رجلًا كان لديه ولدان؛ الأكبر ذكي وراشد يستطيع فعل أي شيء، أما الأصغر فكان غبيًّا لا يستطيع تعلم أو فهم أي شيء، وعندما يراه الناس يقولون: «ها هو ذا الولد الذي سيوقع أباه في المشكلات!» كان الأخ الأكبر يقوم بكل المهام التي ينبغي القيام بها، لكن إذا أمره أبوه أن يحضر شيئًا في وقت متأخر أو من مكان يضطره إلى المرور بفناء الكنيسة، أو أي مكان موحش، كان يجيبه: «يا إلهي! كلا يا أبي، لن أذهب إلى هناك، فأنا أرتعد من هذا المكان!» ذلك لأنه كان يشعر بالخوف. وعندما تُروَى القصص التي تقشعر منها الأبدان بجانب المدفأة ليلًا، كان المستمعون يقولون أحيانًا: «يا إلهي! هذا يجعلنا نرتعد خوفًا!» لكن الأخ الأصغر كان يجلس في زاوية من المنزل ويستمع مع سائر المستمعين دون أن يعي ماذا يقصدون بكلامهم هذا. دائمًا ما كان يسمعهم يقولون: «هذا يجعلنا نرتعد خوفًا!» فكر الولد في نفسه: «هذا لا يجعلني أرتعد، لا بد أن هذا أيضًا علم لا أفهمه!»
ذات يوم قال له أبوه: «استمع إليّ، أنت يا من تجلس بالزاوية، لقد كبرت واشتد عودك، ولا بد أن تتعلم شيئًا تكسب به قوت يومك، انظر إلى أخيك كيف يعمل، أما أنت فلا تكسب حتى ما يكفيك شراء الملح.» قال الولد: «أجل يا أبي، لديّ رغبة قوية في أن أتعلم شيئًا ما. إذا كان الأمر هكذا، فسأتعلم كيف أرتعد، فأنا لا أعي هذا الأمر حتى الآن.» ابتسم الأخ الأكبر حينما سمع كلام أخيه، وقال لنفسه: «ربَّاه! كم هو أبله! لن يفلح في أي شيء ما دام حيًّا! من أراد أن يتعلم شيئًا، عليه تحمل الصعاب إذن!»
تنهد الأب، وقال: «ستعرف عما قريب معنى الارتعاد، لكنك لن تكسب قوت يومك بذلك.»
بعد ذلك بفترة وجيزة حضر خادم الكنيسة إلى المنزل في زيارة، وحكى له الأب عن مشكلته، وأخبره أن ابنه الصغير أحمق للغاية، ولا يعرف شيئًا، ولا يتعلم شيئًا. قال الأب: «تخيل أنني عندما سألته كيف سيكسب قوت يومه، أجابني أنه يريد أن يتعلم كيف يرتعد.» رد عليه خادم الكنيسة، وقال: «إذا كان هذا كل ما في الأمر، يمكنه أن يتعلم ذلك معي. أرسله معي، وسرعان ما سأطور قدراته.» سعِد الأب بذلك الأمر، وفكَّر في نفسه: «لعله يدربه على شيء.» لهذا أخذه خادم الكنيسة إلى منزله، وكان يتعين عليه رن جرس الكنيسة. بعد يوم أو يومين، أيقظه خادم الكنيسة في منتصف الليل، وأمره بالنهوض والصعود إلى برج الكنيسة ورن الجرس. قال خادم الكنيسة في نفسه: «سرعان ما ستعرف معنى الارتعاد.» وتسلل إلى هناك قبله. عندما وصل الولد إلى قمة البرج، واستدار، وكان على وشك الإمساك بحبل الجرس، رأي خيَالًا أبيض على السلم. صاح الولد: «من هناك؟» لكن لم يجبه أحد، ولم يتحرك الخيال من مكانه. صاح الولد: «أجبني، أو ارحل من هنا. ليس هناك ما تفعله هنا ليلًا.»
لكن ظل خادم الكنيسة واقفًا بلا حراك كي يظن الولد أنه شبح. صاح الولد للمرة الثانية: «ماذا تريد هنا؟ تحدث إذا كنت رجلًا طيبًا، وإلا سأقذف بك من فوق السلم!» فكر خادم الكنيسة في نفسه: «من المؤكد أنه لا يقصد ما يقول.» ووقف صامتًا كأنه حجر. بعد ذلك نادى عليه الولد للمرة الثالثة، لكنه لم يجبه أيضًا، فاندفع الولد تجاه الشبح ودفعه من فوق السلم، فتدحرج خادم الكنيسة فوق درجات السلم العشر، وظل راقدًا هناك في إحدى الزوايا. بعدئذ ذهب الولد، ورن الجرس، وعاد إلى حجرته، ودون أن ينطق بكلمة واحدة أوى إلى فراشه ونام. انتظرت زوجة خادم الكنيسة عودة زوجها طويلًا، لكنه لم يعد. وفي النهاية ساورها القلق، وأيقظت الولد، وسألته: «هل تعلم أين زوجي؟ فقد صعد إلى البرج قبل أن تذهب أنت.» أجابها الولد: «كلا، لا أدري، لكن كان هناك رجل يقف على السلم، ولكنه رفض التحدث ورفض الانصراف، فحسبته رجلًا شريرًا، ودفعته من فوق السلم. اذهبي إلى هناك وتحققي هل هو زوجك أم لا. سأشعر بالأسى إذا كان هو خادم الكنيسة.» ركضت الزوجة نحو البرج، وعثرت على زوجها الذي كان ممددًا في الزاوية يئن، وساقه مكسورة. فحملته إلى أسفل، ثم هرعت إلى والد الصبي وهي تصرخ بصوت عال: «لقد تسبب ابنك في كارثة! لقد دفع زوجي من فوق السلم فانكسرت ساقه، خذ ذلك الولد الذي لا خير فيه من منزلنا.» شعر الأب بالذعر، وركض إلى هناك، ووبَّخ ابنه. قال: «ما هذه الخدع الشريرة التي لا بد أن شيطانًا علَّمك إياها.» أجابه: «يا أبي! اسمعني، أنا بريء. لقد كان يقف هناك ليلًا، وبدا لي أنه ينوي ارتكاب عمل شرير. لم أكن أعلم أنه خادم الكنيسة، وطلبت منه ثلاث مرات أن يتحدث أو يرحل.» قال الأب: «آه! أنت لا تجلب لي سوى التعاسة. اغرب عن وجهي، لا أريد أن أراك ثانية.» قال الولد: «أجل يا أبي، بكل سرور، انتظر حتى طلوع النهار. حينئذٍ سأذهب لأتعلم كيف أرتعد، وحينها سأفهم على أي حال شيئًا يساعدني على كسب قوت يومي.» قال الأب: «تعلم ما شئت، فأمرك لا يعنيني. خذ هذا المال، وارتحل في العالم الفسيح، ولا تخبر أحدًا من أين أتيت، ومَن أبوك، فأنا أشعر بالخزي منك، ولي كل الحق.»
قال الولد: «حسنًا يا أبي، سأفعل ما تريد، إذا كنت لا تريد شيئًا آخر، فسأتذكر ما قلت بسهولة.» عندما طلع الفجر، وضع الولد المال في جيبه، وخرج إلى الطريق السريع، وأخذ يردد بينه وبين نفسه: «ليتني أعرف كيف أرتعد! ليتني أعرف كيف أرتعد!» فاقترب منه رجل سمعه يردد ذلك الكلام، وبعد أن سارا معًا مسافة قصيرة، رأيا مشنقة معلقًا بها سبعة رجال، قال الرجل له: «انظر، تلك الشجرة تزوج عندها سبعة رجال من ابنة صانع الحبال، والآن يتعلمون الطيران. اجلس أسفل الشجرة، وانتظر حتى حلول الليل، وسرعان ما ستتعلم كيف ترتعد.» أجابه الشاب: «إذا كان هذا هو كل ما يلزم، فالأمر يسير إذن، لكنني إذا تعلمت كيف أرتعد بهذه السرعة، فسأعطيك ما معي من مال. عد إليّ باكرًا فقط.» ثم اتجه الولد نحو المشنقة، وجلس أسفلها، وانتظر حتى حلول المساء. لما شعر بالبرد، أشعل النيران، لكن مع حلول منتصف الليل، هبت الرياح بقوة، ولم يستطع الولد تدفئة نفسه بالرغم من النيران التي أشعلها. أخذت الرياح تحرك الرجال المشنوقين وتضرب بعضهم ببعض، وأخذوا يتحركون للخلف وللأمام، ففكر الولد في نفسه: «إذا كنت أرتجف بردًا وأنا بجانب النيران، فلا بد أن الرجال المعلقين في الأعلى يتجمدون من شدة البرد!» فأشفَق عليهم، ووضع سلَّمًا، وتسلَّقه، وحل وثاقهم واحدًا تلو الآخر، فسقطوا جميعًا على الأرض. ثم ذكَّى النيران بالحطب، ونفخ فيها، وأجلسهم جميعًا حول النيران ليستدفئوا. لكنهم جلسوا دون حراك، وأمسكت النيران بملابسهم. فقال: «احترسوا، وإلا سأعلقكم ثانية.» لكن الرجال الموتى لم يسمعوه، وجلسوا في صمت تام، وأخذت ملابسهم تشتعل. فاستشاط الشاب غضبًا، وقال: «إذا لم تحترسوا، فلن أستطيع مساعدتكم، لن أحترق معكم.» وعلَّقهم مرة أخرى واحدًا تلو الآخر. ثم جلس بجانب النيران حتى غلبه النعاس. وفي صباح اليوم التالي حضر الرجل وأراد أن يأخذ المال منه، وقال: «هل عرفت كيف ترتعد؟» قال الولد: «كلا، كيف ذلك؟ لم ينطق هؤلاء الرجال المعلقون بكلمة واحدة، وكانوا أغبياء للغاية، وتركوا ملابسهم تحترق.» أدرك الرجل أنه لن يحصل على المال، فانصرف وهو يقول: «لم أر شابًّا مثله من قبل.»
شق الولد طريقه هو الآخر، ومرة أخرى بدأ يتمتم بينه وبين نفسه: «ليتني أتعلم كيف أرتعد! ليتني أتعلم كيف أرتعد!» سأله سائق عربة يسير خلفه: «من أنت؟» أجابه الشاب: «لا أدري.» فسأله سائق العربة: «من أين أتيت؟» قال: «لا أدري.» فسأله: «من أبوك؟» قال له: «لا أستطيع إخبارك بهذا.» فقال له: «بماذا تتمتم باستمرار؟» أجابه الشاب: «آه، أتمنى أن أتعلم كيف أرتعد. لم أجد من يستطيع تعليمي ذلك.» قال الرجل: «كفاك هذا الكلام الأحمق! تعال معي، وسأعثر على مأوى لك.» ذهب الشاب مع سائق العربة، وفي المساء وصلا إلى نُزُل حيث طلبا أن يمضيا الليلة هناك. وعند مدخل الردهة قال الشاب بصوت عال مرة أخرى: «ليتني أتعلم كيف أرتعد! ليتني أتعلم كيف أرتعد!» سمعه مدير النزل، فضحك، وقال: «إذا كان ذلك ما ترغب فيه، فلك فرصة جيدة هنا لتتعلم ذلك.» قالت مضيفة النزل: «اصمت، فكم من الفضوليين فقدوا حياتهم بالفعل، ومن المؤسف ألا ترى هاتان العينان الجميلتان النور مرة أخرى.»
لكن الشاب قال: «مهما كان الأمر صعبًا، فسأتعلمه؛ فقد سافرت من أجل هذه الغاية.» وأخذ يلح على مدير النزل حتى أخبره أنه بمكان ليس بعيدًا عن النزل، توجد قلعة مسكونة من يذهب إليها يتعلم بسهولة معنى الارتعاد إذا استطاع أن يمكث هناك ثلاث ليال. أخبره أيضًا أن الملك وعد من يستطيع فعل ذلك بالزواج من ابنته، وهي أجمل فتاة على وجه الأرض. توجد بالقلعة المسكونة كنوز ثمينة تحرسها أرواح شريرة، وستتحرر تلك الكنوز، وسيصبح من يحرِّر القلعة ثريًّا. ذهب إلى هناك العديد من الرجال، لكن لم يخرج منهم أحد. ذهب الشاب في صباح اليوم التالي إلى الملك، وقال: «إذا سمحت لي، أريد أن أحرس القلعة المسكونة ثلاث ليال.»
نظر الملك إليه، وأسرَّه ما قال الولد، فقال: «لك أن تطلب ثلاثة أشياء تأخذها معك إلى القلعة، لكن يجب أن تكون هذه الأشياء جمادًا.» فأجابه الشاب: «إذن أريد نارًا، ومخرطة، ولوح تقطيع معه سكين.»
أمر الملك بنقل هذه الأشياء الثلاثة إلى القلعة أثناء النهار. وعندما اقترب الليل، صعد الشاب وأشعل نيرانًا في إحدى الغرف، ثم وضع لوح التقطيع والسكين بجانبها، وجلس بجانب المخرطة. قال: «ليتني أعرف كيف أرتعد! لكنني لن أتعلم ذلك هنا.» ومع اقتراب منتصف الليل كان عليه أن يذكي النار بتحريك الحطب، وأثناء نفخه في النيران، صاح شيء ما فجأة من إحدى الزوايا: «مياو! مياو! كم نشعر بالبرد!» صاح الشاب: «أيها الحمقى! لماذا تصيحون؟ إذا كنتم تشعرون بالبرد، تعالوا واجلسوا بجانب النيران لتشعروا بالدفء.» بعد أن قال ذلك، ظهرت قطتان سوداوان كبيرتا الحجم وبقفزة كبيرة جلستا إلى جواره من الناحيتين، ونظرتا إليه بعينين ناريتين. وبعد فترة وجيزة، عندما شعرتا بالدفء، قالتا: «يا صديق، هل لنا أن نلعب الورق؟» فأجابهما: «لِمَ لا؟ لكن أروني كفوفكما.» مدَّتا إليه مخالبهما، فقال: «أوه! كم هي طويلة أظافركما! انتظرا، لا بد أن أقصَّها أولًا.» وعندئذ أمسكهما من حلقيهما، ووضعهما فوق لوح التقطيع، وثبتهما بالمسامير من أقدامهما. وقال: «لقد نظرت إلى أصابعكما، فلم أعد أرغب في لعب الورق.» وقتلهما وألقى بهما في المياه بالخارج. لكن بعد أن تخلص من القطتين، وكان على وشك الجلوس مرة أخرى بجانب النيران، خرج من كل ثقب وزاوية قطط وكلاب سوداء مقيدة بسلاسل شديدة الاحمرار، وخرج المزيد والمزيد منها حتى لم يعد يستطيع الحراك في مكانه، وأخذت القطط والكلاب تصيح وتعوي بصورة مفزعة، وانقضت على النيران، ونثرتها في كل مكان، وحاولت إطفاءها. راقبهم الشاب لحظة في هدوء، لكن في النهاية بعد أن تمادوا في أفعالهم، أمسك سكين التقطيع، وصاح: «سأتخلص منكم ومن أذاكم.» وبدأ يقطعها، فهرب بعضها، وقتل الولد البعض الآخر، وألقاه في البركة، وعندما عاد نفخ في جمرات النار مرة أخرى، واستدفأ بها. وعندما جلس، لم يعد قادرًا على البقاء متيقظًا، وشعر بالنعاس. نظر حوله، فرأى سريرًا كبيرًا في الزاوية، فقال: «هذا ما أريده بالفعل.» ثم أوى إليه. وما إن أوشك على غلق عينيه، حتى بدأ السرير يتحرك من تلقاء نفسه، ومرَّ بأرجاء القلعة كلها. قال الشاب: «لا بأس! لكن أسرع.» فبدأ السرير يتدحرج وكأن ستة خيول تجره، إلى أعلى وإلى أسفل، فوق العتبات والسلالم، وفجأة انقلب رأسًا على عقب، ووقع فوقه كالجبل. لكنه أزاح اللحاف والوسادات بعيدًا، ونهض، وقال: «الآن من يُرِد أن يقود السرير، فليقُدْه.» ورقد بجوار النيران، ونام حتى طلوع النهار. في الصباح حضر الملك وعندما رآه ممددًا على الأرض، فكر أن الأرواح الشريرة قتلته وأنه ميت. فقال: «إنه لشيء مؤسف لهذا الشاب الوسيم.» سمع الشاب ما قاله الملك، فنهض، وقال: «لم يصل الأمر إلى ذلك الحد بعد.» اندهش الملك، لكنه فرح كثيرًا، وسأله عن كيف سارت الأمور معه، فأجابه: «سارت على ما يرام، لقد مرت ليلة، وستمر الليلتان التاليتان مثلها.» ثم ذهب إلى مدير النزل الذي اتسعت عيناه عندما رآه، وقال له: «لم أتوقع أن أراك حيًّا مرة أخرى! هل تعلمت كيف ترتعد؟» قال الشاب: «كلا، كان ذلك دون جدوى، ليت شخصًا يعلمني كيف أرتعد!»
في الليلة الثانية ذهب الشاب إلى القلعة العتيقة، وجلس بجوار النيران، وبدأ يردد مرة أخرى الكلمات: «ليتني أتعلم كيف أرتعد!» وعندما حل منتصف الليل، سمع صخبًا وضجيجًا. كان الصوت خافتًا في البداية، لكنه أخذ يعلو ويعلو، ثم هدأ قليلًا، وفي النهاية دوت صرخة عالية، وسقط أمامه نصف رجل من المدخنة، فصاح الشاب: «مرحبًا! أين نصفك الآخر؟ هذا لا يكفي.» بدأت أصوات الضجيج تدوي ثانية. دوَّت أصوات زئير وعواء، وسقط النصف الآخر. قال: «انتظر، سأضع مزيدًا من الحطب لتذكية النيران لتشعر بالدفء.» بعد أن فعل ذلك نظر حوله، فوجد أن النصفين التأما، وجلس رجل دميم فوق مقعد الشاب. قال الشاب: «لم نتفق على هذا، فهذا المقعد يخصني.» أراد الرجل دفعه بعيدًا، لكن الشاب لم يكن ليسمح بذلك، فدفعه بكل قوته بعيدًا، وجلس مرة أخرى مكانه. سقط المزيد من الرجال عبر المدخنة، واحدًا بعد الآخر، وأحضروا تسع أرجل وجمجمتين، ثم وضعوها ولعبوا لعبة الكرة والقناني التسع بها. أراد الشاب اللعب معهم، وقال: «اسمعوا، أود أن ألعب معكم.» قالوا: «لا بأس، إذا كان معك نقود.» أجاب: «معي ما يكفي من النقود، لكن كراتكم ليست مستديرة تمامًا.» ثم أمسك بالجمجمتين ووضعهما في المخرطة حتى أصبحتا مستديرتين. وقال: «الآن، ستتدحرجان بصورة أفضل!» قالوا: «مرحى! الآن سنحظى بالمتعة!» لعب الشاب معهم، وخسر بعض نقوده، لكن عندما دقت الساعة الثانية عشرة، اختفى كل شيء من حوله. فرقد على الأرض واستغرق في النوم. وفي صباح اليوم التالي حضر الملك ليتفقده. سأله الملك: «كيف سارت الأمور معك هذه المرة؟» أجابه: «كنت ألعب لعبة الكرة والقناني التسع، وخسرت بعض نقودي.» سأله: «ألم ترتعد بعد؟» أجابه: «ماذا؟ لقد أمضيت وقتًا رائعًا! ليتني أعرف معنى الارتعاد!»
وفي الليلة الثالثة جلس مرة أخرى فوق مقعده، وقال في حزن عميق: «ليتني أعرف كيف أرتعد!» وعندما حلَّ الليل حضر ستة رجال طوال القامة ومعهم نعش. فقال: «آه! لا بد أن هذا ابن عمي الصغير؛ فقد مات منذ بضعة أيام.» ثم أشار بإصبعه، وقال: «تعال يا ابن عمي، تعال.» وضع الرجال الستة النعش على الأرض، واتجه الشاب إليه وأزاح الغطاء، فوجد رجلًا ميتًا داخل النعش. تحسس وجهه، فوجده باردًا كالثلج. قال الشاب: «انتظر، سأدفئك قليلًا.» واتجه إلى النار، وأدفأ يديه، ثم ذهب ووضعها فوق وجه الرجل الميت، لكنه ظل باردًا، فأخرجه من النعش، وجلس بجانب النار، وضمَّه إلى صدره، ودلَّك ذراعيه حتى يجري الدم فيهما، لكن لم يُجدِ ذلك نفعًا أيضًا، ففكر في نفسه: «عندما ينام شخصان في سرير واحد، يُدفئ أحدهما الآخر.» فحمله إلى السرير، ووضع عليه الغطاء ورقد بجواره، وبعد فترة وجيزة أصبح جسد الرجل الميت دافئًا أيضًا، وبدأ يتحرك. فقال الشاب: «أرأيت يا ابن عمي؟ لقد نجحت في تدفئة جسدك!» نهض الرجل، وصاح: «الآن سأخنقك.» قال الشاب: «انتظر، أبهذه الطريقة تشكرني؟ ستذهب على الفور إلى نعشك مرة أخرى.» وحمله، وألقاه داخل النعش، وأغلق الغطاء. بعد ذلك حضر ستة رجال، وحملوا النعش بعيدًا. قال الشاب: «لا أستطيع الارتعاد، لن أتعلم هذا الأمر هنا ما دمت حيًّا.»
بعد ذلك دخل رجل كان أطول من البقية، وبدا دميم الخلقة. كان عجوزًا وله لحية بيضاء طويلة، وصاح: «أيها البائس، ستتعلم سريعًا معنى الارتعاد، فسوف تموت.» أجاب الشاب: «ليس بهذه السرعة. إذا كنت سأموت، فيجب أن يكون ذلك بموافقتي.» قال العجوز: «سأمسك بك سريعًا.» قال الشاب: «هوِّن عليك، دعك من التباهي. فأنا قوي مثلك، وربما أقوى منك.» قال العجوز: «سنرى، إذا كنت أقوى مني، دعنا نذهب ونرَ.» بعد ذلك قاده العجوز عبر ممرات مظلمة إلى دكان حدَّاد، وأمسك فأسًا، وبضربة واحدة هشَّم سِنْدان الحداد. قال الشاب: «أستطيع فعل ما هو أفضل من ذلك.» واتجه إلى السندان الآخر. اقترب الرجل ليرى ماذا سيفعل الشاب، وكانت لحيته البيضاء على مقربة، فأمسك الشاب بالفأس وشطر السندان إلى نصفين بضربة واحدة، وعلِقت لحية العجوز تحت الفأس. قال الشاب: «الآن تمكنت منك، حان دورك لتموت.» ثم أمسك بقضيب حديدي، وضرب الرجل حتى توجع، وتوسل إليه أن يتوقف مقابل أن يقدم له كنوزًا كثيرة. سحب الشاب الفأس، وحرر العجوز الذي قاده مرة أخرى إلى القلعة، ودلَّه على ثلاث خزانات ممتلئة بالذهب في القبو، وقال له: «ثلث للفقراء، وثلث للملك، وثلث لك.» في غضون ذلك دقت الساعة الثانية عشرة، واختفى العجوز، ووقف الشاب في الظلام. قال: «سأتمكن من العودة إلى مكاني مرة أخرى رغم الظلام.» وتحسس طريقه حتى وجد ممرًّا قاده إلى الحجرة، ونام هناك بجانب نيرانه.
في صباح اليوم التالي حضر الملك، وقال: «لا بد أنك تعلمت الآن كيف ترتعد؟» أجابه: «كلا، وكيف ذلك؟ لقد حضر ابن عمي المتوفى، وحضر رجل ذو لحية طويلة، ودلَّني على مكان بالأسفل توجد به الكنوز، لكن لم يخبرني أحد بمعنى الارتعاد.» قال الملك: «إذن، لقد أنقذت القلعة، وستتزوج ابنتي.» قال الشاب: «عظيم، لكنني ما زلت لا أعلم معنى الارتعاد!»
أُحضر الذهب، وأقيم حفل الزفاف، لكن بالرغم من حبه الكبير لزوجته، وبالرغم من السعادة التي عاش فيها، ظلَّ يقول: «وا حسرتاه! ليتني أعرف معنى الارتعاد! ليتني أعرف معنى الارتعاد.» أثار هذا الأمر غضب زوجته، فقالت لها خادمتها: «سأعثر على دواء له، وسيعلم عما قريب معنى الارتعاد.» ثم ذهبت إلى النهير الذي يمر عبر الحديقة، وأحضرت دلوًا ممتلئًا بالأسماك. وفي الليل أثناء نوم الملك الشاب، نزعت زوجته عنه ملابسه، وسكبت الدلو الممتلئ بالمياه الباردة والأسماك فوقه، وانتشرت الأسماك من حوله. فاستيقظ الشاب وصاح: «يا إلهي! ما الذي يجعلني أرتعد هكذا؟ ما الذي يجعلني أرتعد هكذا يا زوجتي العزيزة؟ آه! الآن أدركت معنى الارتعاد!»
الملك دميم اللحية


يُحكى أن ملكًا يحكم بلدًا بعيدًا في الشرق كانت لديه ابنة فائقة الجمال، لكنها كانت شديدة التعالي والتكبر والغرور، ولم تر في الأمراء الذين جاءوا لخطبتها من يناسبها، وكانت تسخر منهم.
ذات مرة أقام الملك حفلًا كبيرًا دعا إليه كل خُطَّابها، وجلسوا جميعًا في صف واحد كلٌّ حسب رتبته. بعد ذلك حضرت الأميرة، وأثناء مرورها بهم سخرت من كل واحد منهم. كان الأول سمينًا للغاية، فقالت: «إنه مستدير كحوض الاستحمام.» وكان الثاني طويلًا للغاية، فقالت: «ما هذا العمود؟!» وكان الثالث قصيرًا للغاية، فقالت: «يا له من قصير بدين!» أما الرابع فكان شاحب الوجه للغاية فأطلقت عليه: «صاحب الوجه الحجري.» وكان الخامس أحمر الوجنتين للغاية، فأطلقت عليه: «عُرْف الديك!» أما السادس فكان محني الظهر قليلًا، فقالت إنه يشبه ساق نبات أخضر تُرك ليجف فوق فرن الخباز. وهكذا أخذت تطلق النكات على كل واحد منهم، لكن أكثر سخريتها كانت من ملك طيب، فقالت: «انظروا إليه، إن لحيته تشبه الممسحة القديمة، سأطلق عليه «دميم اللحية».» وهكذا لُقِّب الملك بدميم اللحية.
لكن الملك العجوز استشاط غضبًا عندما رأى تصرف ابنته، وكيف أساءت معاملة جميع الضيوف، وأقسم أن تتزوج أول من يطرق الباب، سواء رضيت أم أبت، وسواء أكان أميرًا أم شحَّاذًا.
بعد ذلك بيومين جاء عازف كمان متجول، وبدأ يعزف أسفل النافذة، ويطلب صدقة. عندما سمعه الملك، قال: «دعوه يدخل.» فأُحضر عازف الكمان رثُّ الثياب أمام الملك، وبعد أن غنى أمام الملك والأميرة، طلب هبة منهما. فقال الملك: «لقد أطربتني، وسأعطيك مقابل ذلك ابنتي لتتزوجها.» توسلت الأميرة للملك وترجَّته، لكن الملك قال: «أقسمتُ أن أزوجك أول من يأتي إلى هنا، وسأبر قسمي.» تحدثت معه الأميرة، وبكت أمامه لكن دون جدوى، فقد أرسل الملك لطلب الكاهن، وتزوجت الأميرة من عازف الكمان. بعد إتمام الزواج قال الملك للأميرة: «الآن استعدي للرحيل، لا يجب أن تمكثي هنا، لا بد أن تسافري مع زوجك.»
شقَّ العازف طريقه، وأخذ زوجته معه، وسرعان ما وصلا إلى غابة كبيرة، فقالت: «من صاحب هذه الغابة؟» أجابها: «إنها تخص الملك دميم اللحية. لو أنك تزوجت منه، لكانت تخصك الآن.» قالت وهي تتنهد: «آه! كم أنا حقيرة تعيسة الحظ! ليتني تزوجت من الملك دميم اللحية.» بعد ذلك وصلا إلى مروج جميلة. فقالت له: «من صاحب هذه المروج الخضراء الجميلة؟» أجابها: «إنها تخص الملك دميم اللحية. لو أنك تزوجت منه، لكانت تخصك الآن.» قالت وهي تتنهد: «آه! كم أنا حقيرة تعيسة الحظ! ليتني تزوجت من الملك دميم اللحية.»
بعد ذلك وصلا إلى مدينة كبيرة. قالت: «لمن هذه المدينة الرائعة؟» أجابها: «إنها تخص الملك دميم اللحية. لو أنك تزوجت منه، لكانت تخصك الآن.» قالت وهي تتنهد: «آه! كم أنا حقيرة تعيسة الحظ! لماذا رفضتُ الزواج من الملك دميم اللحية؟» قال عازف الكمان: «هذا أمر لا يهمني، لماذا تتمنين الزواج من رجل آخر؟ ألستُ مناسبًا لك؟»
وفي النهاية وصلا إلى كوخ صغير. قالت الأميرة: «يا له من مكان حقير! من صاحب هذا المكان القذر؟» فأجابها العازف: «هذا بيتنا حيث سنعيش معًا.» صاحت: «أين الخدم؟» أجابها: «ماذا سنفعل بالخدم؟ لا بد أن تنجزي الأعمال وحدك. الآن أوقدي النار، واطهي لي طعام العشاء، فأنا متعب للغاية.» لم تكن الأميرة تعرف شيئًا عن إشعال النار أو الطهي، واضطر العازف إلى مساعدتها. بعد أن تناولا وجبة بسيطة للغاية، أويا إلى الفراش، لكن العازف أيقظها مبكرًا جدًّا لتنظيف المنزل. استمرت الأمور هكذا يومين، وعندما نفد كل الطعام الموجود في البيت، قال الرجل لزوجته: «يا زوجتي، لا يمكننا الاستمرار هكذا، ننفق النقود دون أن نكسب شيئًا. لا بد أن تتعلمي نسج السلال.» ثم خرج وقطع بعض أشجار الصفصاف وأحضرها إلى المنزل. بدأت الأميرة تنسج، لكن أصابعها تقرحت. قال الرجل: «أرى أن هذا العمل ليس مناسبًا لك. جرِّبي الغزل، فربما تنجحين في القيام به بصورة أفضل.» جلست الأميرة وحاولت أن تغزل، لكن الخيوط جرحت أصابعها الرقيقة وأدمتها. قال العازف: «انظري! كم أنت عديمة الجدوى لا تستطيعين فعل أي شيء، يا لها من صفقة خاسرة! سنتاجر في الأواني والأوعية المعدنية، وعليك الذهاب إلى السوق لبيعها.» تنهدت الأميرة، وقالت: «وا حسرتاه! إذا مر أحد رجال حاشية أبي ورآني هناك في السوق، كم سيسخر مني!»
لكن زوجها لم يهتم بذلك الأمر، وأخبرها أنها يجب أن تعمل، إذا كانت تريد ألا تتضور جوعًا. في البداية ربحت تجارتهما، فقد أقدم العديد من الناس على الشراء منها عندما رأوها، لأنها كانت جميلة للغاية، ودفعوا لها المال ونسوا أخذ البضاعة في المقابل. عاشت الأميرة وزوجها هكذا إلى أن نفدت بضاعتهما، فأحضر زوجها مجموعة جديدة من البضائع، وجلست الأميرة في زاوية من السوق، لكن سرعان ما جاء جندي مخمور، ومر بحصانه فوق بضاعتها، فانكسرت كلها وتهشمت إلى قطع صغيرة. بدأت تبكي، ولم تدر ماذا تفعل. قالت: «آه! ماذا سيكون مصيري؟ ماذا سيقول زوجي؟» ثم هرعت إلى المنزل، وأخبرته بكل ما حدث، فقال: «من كان سيفكر أنك أيتها الغبية ستضعين الأواني الخزفية في مدخل السوق حيث يمر الجميع؟ لكن لن نبكي على اللبن المسكوب، أرى أن هذا العمل لا يناسبك، لذا ذهبتُ إلى قصر الملك، وسألتُ هل يريدون خادمة هناك، وسوف يأخذونك لتعملي هناك، وستجدين هناك الكثير من الطعام.»
عملت الأميرة خادمة بالمطبخ، وساعدت الطاهي في إنجاز كافة الأعمال الوضيعة، وسمح لها أن تحمل بقايا الطعام إلى منزلها، وعاشت هي وزوجها على هذه الحال.
لم يمر على وجودها بقصر الملك وقت طويل حتى سمعت أن الابن الأكبر للملك سيتزوج، فاتجهت إلى إحدى النوافذ لتنظر. كان الحفل بهيجًا، فحزنت كثيرًا لأن كبرياءها وحماقتها تسببا في معاناتها وفي تدني منزلتها. أعطاها الخدم بعضًا من اللحم وضعته في سلتها لتأخذه معها إلى المنزل.
وفجأة، أثناء خروجها من القصر، دخل ابن الملك مرتديًا ملابس مزدانة بالذهب، وعندما رأى امرأة جميلة عند الباب، أمسكها من يدها، وقال إنه يريد أن يرقص معها، لكنها ارتجفت خوفًا، فقد أدركت أنه الملك دميم اللحية، ويريد أن يسخر منها. لكنه أحكم قبضته عليها، وقادها إلى الداخل. سقط غطاء السلة، وتناثرت قطع اللحم في كل مكان، وضحك الحضور، وسخروا منها، فشعرت بالخجل والإحراج الشديدين وتمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها. اندفعت نحو الباب كي تهرب، لكن الملك دميم اللحية لحق بها عند السلم، وقال لها: «لا تخافي مني، فأنا العازف الذي عاش معك في الكوخ. لقد أحضرتك إلى هنا لأنني أحببتك حقًا. وأنا أيضًا الجندي الذي هشم بضاعتك في السوق. فعلتُ كل ذلك لمداواتك من كبريائك السخيف، ولأريك مدى حماقة سوء معاملتك لي. الآن وبعد أن انتهى كل شيء، لقد اكتسبت الحكمة، وحان وقت الاحتفال بعرسنا.»
حضر حاجب الملك، وأحضر لها أجمل الثياب، وكان أبوها وحاشيته جميعهم حاضرين بالفعل، ورحَّبوا بها وهنئوها على زواجها. شعر الجميع بالسعادة، وأقيم حفل زفاف بهيج رقص وغنى فيه الجميع.
هانز الحديدي


يُحكى أن ملكًا كان يملك غابة شاسعة بالقرب من قصره، وكانت تلك الغابة مملوءة بالحيوانات المفترسة. ذات يوم أرسل الملك صيادًا ليصطاد له ظبية، لكنه لم يعد. قال الملك: «ربما أصابه مكروه.» وفي اليوم الثاني أرسل صيادين اثنين للبحث عنه، لكن لم يعودا أيضًا. وفي اليوم الثالث أرسل كل الصيادين، وقال لهم: «ابحثوا في الغابة كلها، ولا تتوقفوا حتى تجدوا الصيادين الثلاثة.» لكن لم يعد أي من أولئك الصيادين أيضًا، ولم يرهم أحد منذ ذلك الحين. ومنذ ذلك الحين أيضًا لم يعد أحد يجرؤ على الذهاب إلى الغابة مرة أخرى، وساد الغابة السكون التام والوحشة، ولم ير أحد شيئًا يخرج منها، لكن أحيانًا كان الناس يرون نسرًا أو صقرًا يحلق فوقها. استمر هذا الأمر سنوات عديدة إلى أن أعلن صياد مجهول أمام الملك أنه يبحث عن مغامرة، وعرض عليه الذهاب إلى الغابة الخطيرة. لكن الملك رفض إعطاءه الموافقة، وقال له: «الغابة محفوفة بالمخاطر، وأخشى أن يصيبك ما أصاب الآخرين، وألا تعود ثانية.» أجابه الصياد: «يا جلالة الملك، سأغامر على مسئوليتي الخاصة، فقلبي لا يعرف الخوف.»
توجَّه الصياد ومعه كلبه إلى الغابة. لم يمر وقت طويل على سيرهما، حتى رأى الكلب طريدة في طريقه، فأراد أن يطاردها، لكن لم يلبث الكلب أن ركض خطوتين حتى وقف أمام بركة عميقة، ولم يستطع التقدم خطوة أخرى، وحينئذٍ امتدت ذراع عارية من المياه، وأمسكت بالكلب وجذبته لأعماق المياه. عندما رأى الصياد هذا الأمر، عاد مرة أخرى وجلب معه ثلاثة رجال معهم دلاء وحبال لينزحوا المياه من البركة. وعندما استطاعوا رؤية قاع البركة، رأوا رجلًا متوحشًا جسده بنِّي كالحديد الصدئ، وشعره يتدلَّى من وجهه إلى ركبتيه. قيَّدوه بالحبال، واقتادوه إلى القصر. شعر الجميع بدهشة كبيرة عندما رأوا الرجل المتوحش، لكن الملك أمر بوضعه في قفص حديدي في فناء القصر، وأمر بقتل من يفتح باب القفص، وبأن تحتفظ الملكة نفسها بالمفتاح. ومنذ ذلك الحين تمكن الجميع من الذهاب إلى الغابة مرة أخرى في أمان.
كان للملك ابن يبلغ من العمر ثمانية أعوام، وكان يلعب ذات مرة في الفناء، وأثناء لعبه سقطت كرته الذهبية داخل القفص. ركض الولد إلى هناك، وقال: «أعطني الكرة.» أجابه الرجل: «سأعطيك إياها إذا فتحت لي الباب أولًا.» قال الصبي: «كلا، لن أفعل ذلك، فقد نهى الملك عن ذلك.» وركض بعيدًا. في اليوم التالي ذهب الصبي مرة أخرى، وطلب من الرجل المتوحش كرته، فقال له الرجل: «افتح لي الباب.»، لكن الصبي رفض. وفي اليوم الثالث خرج الملك للصيد، وذهب الولد إلى الرجل مرة أخرى، وقال: «لا يمكنني فتح الباب حتى إذا أردت ذلك، فالمفتاح ليس معي.» فقال الرجل: «المفتاح تحت وسادة أمك، يمكنك الذهاب إلى هناك وجلبه.» لم يفكر الولد في شيء سوى استعادة كرته، فذهب لإحضار المفتاح، ثم فتح الباب بصعوبة حتى إنه أصاب إصبعه. وبعد أن فتح الباب خرج الرجل المتوحش خارج القفص، وأعطاه الكرة الذهبية، وأسرع بعيدًا. تملك الولد الخوف، ونادى عليه: «أيها الرجل المتوحش، لا تذهب بعيدًا، وإلا سأتعرض للضرب!» استدار الرجل، وعاد إلى الصبي، ووضعه فوق كتفه، وذهب بخطى سريعة نحو الغابة. عندما عاد الملك إلى القصر، لاحظ أن القفص فارغ، وسأل الملكة عما حدث. لم تكن الملكة تدري شيئًا، وبحثت عن المفتاح، لكن لم تجده. نادت على ابنها، ولم يجبها. أرسل الملك رجاله للبحث عنه في الحقول، لكن لم يجدوه. فخمن الملك بسهولة ما حدث، وعم الحزن الشديد أرجاء البلاط الملكي.
عندما وصل الرجل المتوحش مرة أخرى إلى الغابة المظلمة، أنزل الولد من فوق كتفه، وقال له: «لن ترى أباك أو أمك مرة أخرى، وستظل معي، فقد حررتني من القفص، وأنا أشفق عليك. إذا فعلت كل ما آمرك به، ستعيش معي في سعادة. فأنا أملك من الكنوز والذهب أكثر مما يملك أي شخص آخر في العالم.» صنع الرجل فراشًا من الطحالب لينام عليه الولد، وفي صباح اليوم التالي أخذه إلى بئر، وقال له: «انظر! إن البئر الذهبية تتلألأ كالشمس. ستجلس بجانبها، وتحرص على ألا يسقط شيء داخلها، وإلا ستُلوَّث. سأحضر كل مساء لأتحقق من تنفيذك للأوامر.» جلس الولد بجوار حافة البئر، وكثيرًا ما كان يرى سمكة ذهبية أو ثعبانًا ذهبيًّا، وكان يحرص على ألا يسقط شيء داخل البئر. أثناء جلوسه هناك، آلمته إصبعه بشدة حتى إنه وضعها لا إراديًّا داخل البئر. أخرج إصبعه سريعًا، لكنه لاحظ أنها أصبحت مطلية بالذهب تمامًا، ولم تسفر محاولاته الكثيرة لإزالة الذهب من فوق إصبعه عن شيء. وفي المساء عاد الرجل المتوحش، وكان يُسمَّى «هانز الحديدي»، ونظر إلى الصبي، وقال: «ماذا حدث للبئر؟» أجابه الصبي: «لم يحدث شيء، لم يحدث شيء!» ووضع إصبعه خلف ظهره كي لا يراها هانز الحديدي، لكنه قال: «لقد غمرت إصبعك في المياه، سأتغاضى عن ذلك هذه المرة، لكن احذر أن تفعل ذلك مرة أخرى.» مع طلوع الفجر كان الصبي يجلس بالفعل بجانب البئر ويراقبها. آلمته إصبعه مرة أخرى، فمررها في شعره، فسقطت شعرة في البئر لسوء حظه. أخرجها على الفور، لكنها كانت قد طُليت بالذهب. حضر هانز الحديدي، وعلم ما حدث، فقال للصبي: «لقد سمحت بسقوط شعرة في البئر، سأعطيك فرصة أخيرة، لكن إذا حدث ذلك للمرة الثالثة ولوثت البئر، فلن يعد بمقدورك المكوث معي بعدها.»
وفي اليوم الثالث، جلس الصبي بجوار البئر، ولم يحرك إصبعه، لكنها آلمته كثيرًا. ومر الوقت في بطء شديد، ونظر إلى انعكاس وجهه فوق سطح المياه، وأثناء انحنائه فوق البئر واقترابه أكثر وأكثر محاولًا النظر في عينيه في صورته المنعكسة على السطح، تدلى شعره الطويل من فوق كتفيه، ونزل في المياه. هبَّ الولد واقفًا على الفور، لكنه وجد شعره كله ذهبيًّا ويلمع كالشمس. شعر الصبي بذعر شديد، فأخرج منديلًا، ولفه حول رأسه، كي لا يراه هانز الحديدي. عندما عاد الرجل، كان يعلم كل شيء، وقال له: «اخلع المنديل.» فخلعه، وانسدل شعره الذهبي. اعتذر الولد كثيرًا، لكن دون جدوى. قال له الرجل: «لم تنجح في الاختبار، ولن تمكث هنا بعد الآن. تجوَّل في الأرض، وستعرف معنى الفقر. لكن لأنك طيب القلب، وأنا أبغي مساعدتك، هناك شيء واحد سأمنحك إياه. إذا واجهتك أي مشكلة، تعال إلى الغابة، وقل: «هانز الحديدي.» وحينها سأحضر لمساعدتك. فلدي قوة أكثر مما تظن، ولدي الكثير من الذهب والفضة.»
غادر الأمير الغابة، ومر بممرات لم تطأها قدم إنسان حتى وصل في النهاية إلى مدينة كبيرة. بحث في المدينة عن عمل، لكنه لم ينجح، ولم يتعلم شيئًا يستطيع به كسب قوت يومه. وفي النهاية ذهب إلى قصر الملك، وسأل هل يمكنه العمل بالقصر. لم يدر العاملون بالقصر مطلقًا أي نوع من العمل يمكن أن يؤديه، لكنهم أحبُّوه، وطلبوا منه البقاء. في آخر المطاف أخذه الطاهي ليعمل معه، وطلب منه أن يحمل الحطب والمياه ويشعل الفرن. ذات يوم لم يكن هناك أحد بالمطبخ، فطلب الطاهي من الصبي حمل الطعام إلى المائدة الملكية. ولأنه لا يود أن يرى أحد شعره الذهبي، فقد ارتدى قبعته الصغيرة. لاحظ الملك ذلك الأمر، وقال له: «عندما تأتي إلى المائدة الملكية، عليك أن تخلع قبعتك.» أجابه الولد: «آه، ليس بمقدوري فعل ذلك يا جلالة الملك، فرأسي متقرح.» نادى الملك على الطاهي ووبَّخه، وسأله كيف له أن يأتي بهذا الولد للعمل معه، وأمر بطرده على الفور. لكن الطاهي أشفق على الصبي، وجعله يعمل مع البستاني.
تعيَّن على الصبي الزراعة، وري الحديقة، وحرث الأرض وحفرها، وتحمُّل الرياح القوية والجو السيئ. وذات مرة في فصل الصيف أثناء عمله وحده في الحديقة، كان الجو حارًّا فخلع قبعته لينعم ببعض الهواء البارد. كانت الشمس ساطعة، ولمع شعره، وانعكست أشعة الشمس داخل غرفة ابنة الملك، فنهضت من فوق سريرها لترى مصدر تلك الأشعة. عندها رأت الشاب، ونادت عليه: «أيها البستاني، أحضر لي إكليلًا من الزهور.» فلبس الشاب قبعته على جناح السرعة، وجمع بعض الزهور البريَّة وربطها معًا، وأثناء صعوده السلم قابله البستاني، فقال له: «كيف تأخذ زهورًا عادية كهذه؟ اذهب بسرعة، وأحضر إكليلًا آخر يضم أجمل الزهور وأكثرها ندرة.» قال الولد: «كلا، فالزهور البرية يفوح منها عطر أقوى، وستسعد الأميرة بها أكثر.» عندما دخل غرفة الأميرة، قالت: «اخلع قبعتك، ليس من اللائق أن ترتدي قبعة في حضوري.» قال الولد مرة أخرى: «كلّا، فرأسي متقرح.» لكنها أمسكت بقبعته وجذبتها فجأة، فانسدل شعره الذهبي فوق كتفيه، وكان رائع المنظر. أراد أن يركض بعيدًا، لكنها أمسكته من ذراعه، وأعطته حفنة من العملات الذهبية، فأخذها الولد، وغادر، لكنه لم يهتم بالعملات الذهبية، وذهب إلى البستاني، وقال: «خذها لأطفالك.» وفي اليوم التالي نادت عليه الأميرة مرة أخرى، وأمرته بإحضار إكليل من الزهور لها، فذهب إليها حاملًا الزهور، وعلى الفور أمسكت الأميرة بقبعته، وأرادت نزعها منه، لكنه أمسكها بيديه جيدًا. أعطته حفنة من العملات الذهبية، لكنه لم يحتفظ بها لنفسه، وأعطاها للبستاني من أجل أطفاله. وفي اليوم الثالث نادت عليه الأميرة مرة أخرى، لكنها لم تستطع نزع قبعته، ولم يحصل هو على العملات الذهبية لنفسه.
بعد ذلك بفترة وجيزة اندلعت الحرب في البلاد، فجمع الملك رجاله، ولم يكن يدري هل باستطاعته الصمود أمام جيش العدو الذي يفوق جيشه في القوة والعدد. قال البستاني الشاب: «لقد كبرت، وسأذهب إلى الحرب، أعطوني حصانًا فحسب.» ضحك الجميع، وقالوا: «ابحث لك عن حصان بعد أن نذهب. سنترك حصانًا لك في الإسطبل بعد أن نغادر.» بعد أن مضوا إلى الحرب، ذهب إلى الإسطبل وأخرج حصانًا يعرج، لكنه امتطاه، ومضى نحو الغابة المظلمة. عندما وصل إلى حدودها الخارجية، أخذ يصيح: «هانز الحديدي!» ثلاث مرات بصوت عالٍ حتى دوى صدى الصوت بين الأشجار. عندئذ ظهر أمامه الرجل المتوحش على الفور، وقال: «ماذا تتمنى؟» قال: «أريد جوادًا قويًّا، فأنا في طريقي إلى الحرب.» ردَّ عليه: «ستحصل على ما تريد وأكثر.» ثم عاد الرجل إلى الغابة، ولم يمض وقت طويل حتى خرج من الغابة سائس يقود جوادًا جامحًا يصهل، وخلفه كتيبة كبيرة من المحاربين جميعهم يرتدون دروعًا حديدية وسيوفهم تلمع في أشعة الشمس. نزل الولد من فوق الحصان الأعرج وامتطى الجواد الآخر، وقاد الجنود. عندما اقترب من ساحة المعركة كان عدد كبير من رجال الملك قد سقطوا بالفعل، وأرادت القلة الباقية الاستسلام. ركض الولد بفرسه إلى ساحة المعركة ومعه الجنود الحديديون، واقتحم الساحة كالإعصار، وهزم العدو الذي بدأ يهرب من ساحة المعركة، لكن الشاب لحق به، ولم يتوقف حتى قضى عليهم جميعًا. وبدلًا من العودة إلى الملك، قاد الشاب كتيبة الجند من طريق فرعي إلى الغابة، ونادى ثانية على هانز الحديدي. فحضر هانز، وقال له: «ماذا تريد؟» قال له: «خذ حصانك وجنودك، وأعطني حصاني الأعرج مرة أخرى.» فعل هانز ما أراده الشاب الصغير، ومضى فوق حصانه الأعرج. عندما عاد الملك إلى قصره، ذهبت الأميرة لمقابلته، وهنأته بالنصر، فقال: «لست أنا من حقق النصر، لكنه فارس غريب جاء لمساعدتي ومعه جنوده.» أرادت الابنة معرفة هذا الفارس الغريب، لكن الملك لم يكن يعرف، وقال: «لقد ركض خلف العدو، ولم أره ثانية.» سألت الأميرة البستاني عن مساعده الشاب، فابتسم، وقال: «لقد عاد توًّا وهو يمتطي حصانًا أعرج، وكان الجميع يسخرون منه ويصيحون: «ها قد عاد حصاننا الأعرج مرة أخرى!» وسألوه أيضًا: «تحت أي شجرة كنت نائمًا كل ذلك الوقت؟» فقال لهم: «لقد بذلت الجهد الأكبر، ولولاي لساءت الأمور.» لكنهم استمروا في السخرية منه.»
قال الملك لابنته: «سأقيم حفلًا كبيرًا يستمر ثلاثة أيام، وعليك أن تقذفي بتفاحة ذهبية، فربما يظهر الرجل المجهول.» بعد أن أذيع خبر الحفل في البلاد، ذهب الشاب إلى الغابة، ونادى على هانز الحديدي. سأله هانز: «ماذا تريد؟» قال له: «أتمنى أن أمسك بتفاحة الأميرة الذهبية.» قال له هانز: «اعتبر الأمر مقضيًّا كأنك تمسكها الآن. وسأمنحك درعًا حمراء ترتديها، وجوادًا كستنائيًّا جامحًا تمتطيه.» عندما طلع النهار عدا الشاب بفرسه سريعًا إلى مكان الحفل، وأخذ مكانه بين الفرسان، ولم يتعرف عليه أحد. حضرت ابنة الملك، وألقت بالتفاحة الذهبية للفرسان، فأمسكها الشاب، وما إن أمسك بها حتى اتجه بفرسه بعيدًا.
في اليوم الثاني أعطاه هانز الحديدي درعًا بيضاء، وحصانًا أبيض. ونجح في الإمساك بالتفاحة مرة أخرى، ورحل بعد ذلك على الفور، وعدا بفرسه بعيدًا. غضب الملك، وقال: «هذا غير مسموح به، لا بد أن يقف أمامي ويخبرني باسمه.» أعطى الملك أوامره لرجاله أن يلحقوا بالفارس عندما يمسك بالتفاحة ويرحل، وأن يقتلوه إذا رفض العودة معهم بإرادته.
وفي اليوم الثالث، حصل الشاب من هانز الحديدي على درع سوداء وحصان أسود، وأمسك بالتفاحة تلك المرة أيضًا، لكن عندما انطلق بعيدًا، تبعه رجال الملك، واقترب أحدهم منه وأصاب ساقه بسن سيفه، لكن الشاب هرب منهم، وقفز الحصان بقوة فسقطت خوذته من فوق رأسه، ورأى الجميع شعره الذهبي. فعادوا إلى القصر، وقصُّوا على الملك ما حدث.
في اليوم التالي، سألت الأميرة البستاني عن مساعده الشاب، فقال لها: «إنه يعمل بالحديقة، لقد كان موجودًا بالحفل، ولم يعد إلى المنزل إلا في المساء، وأرى أطفالي ثلاث تفاحات ذهبية.»
استدعى الملك البستاني الشاب، فحضر مرتديًا قبعته الصغيرة فوق رأسه. لكن ابنة الملك ركضت نحوه وانتزعتها، فانسدل شعره الذهبي فوق كتفيه، وكان شديد الوسامة لدرجة أبهرت الجميع. سأله الملك: «هل أنت الفارس الذي حضر جميع أيام الحفل، وفي كل يوم كان يرتدي زيًّا مختلف اللون، وأمسك بالتفاحات الثلاث؟» أجابه: «أجل، وها هي التفاحات.» وأخرجها من جيبه، وأعادها إلى الملك: «إذا أردت دليلًا آخر، لك أن ترى الجرح الذي أصابني به رجالك أثناء مطاردتي. وأنا أيضًا الفارس الذي ساعدك في الانتصار على عدوك.» قال الملك: «إذا استطعت فعل هذه الأشياء العظيمة، فأنت لست ابن البستاني، أخبرني من أنت، ومن أبوك؟» قال له: «أبي مَلِك عظيم، وأملك كميات كبيرة من الذهب.» قال الملك: «أرى أنني مدين بالفضل لك، هل يمكنني تقديم شيء لك؟» أجابه: «أجل، أريد الزواج من ابنتك.» ضحكت الأميرة الجميلة، وقالت: «على الرغم من أنه لا يجيد التصرف على نحو لائق، فهو ليس ببستاني، وقد تأكدت من ذلك من قبل عندما رأيت شعره الذهبي.» ثم اقتربت منه، وقبَّلته. حضر أبوه وأمه إلى العرس، وغمرتهما الفرحة بعد أن كانا قد فقدا الأمل في أن يريا ابنهما العزيز مرة أخرى. وأثناء جلوسهما في حفل الزفاف، توقفت الموسيقى فجأة، وانفتحت الأبواب، ودخل ملك عظيم ومعه حاشية كبيرة. اتجه هذا الملك نحو الشاب وعانقه، وقال له: «أنا هانز الحديدي، وكنت مسحورًا في صورة رجل متوحش، لكنك حررتني من السحر، وكل الكنوز التي أملكها ستصبح ملكك أنت.»
فِراء القطة


كان فيما كان في سالف العصر والأوان ملكة شعرها كالذهب الخالص، وكانت فائقة الجمال، فلم يكن يضاهيها في الجمال أحد على وجه الأرض. لكنها مرضت، وعندما شعرت باقتراب أجلها، استدعت الملك، وقالت له: «عدني ألا تتزوج بأخرى ما لم تكن تضاهيني جمالًا، ولها شعر ذهبي كشعري.» فوعدها الملك في غمرة حزنه، فأغلقت عينيها، وماتت. حزن الملك عليها حزنًا شديدًا، ومر وقت طويل دون أن يفكر في الزواج بأخرى. وفي النهاية قال رجاله الحكماء: «هذا الأمر لن يجدي نفعًا. لا بد أن يتزوج الملك مرة أخرى كي يصير للبلاد ملكة.» لذا بُعِث بالرُسُل في كل أرجاء الأرض للبحث عن عروس في جمال الملكة الراحلة.
لكن لم توجد أميرة في العالم في مثل جمال الملكة، وكلما عثروا على واحدة في جمالها، لا يكون شعرها ذهبيًّا. لذا عاد الرُسُل صِفْر الأيادي بعد ما تكبدوا من مشقة. كان للملك ابنة في جمال أمها تمامًا، وكان شعرها ذهبيًّا أيضًا. وعندما كبرت، نظر الملك إليها، وأدرك أنها تشبه الملكة الراحلة تمامًا، فقال لحاشيته: «هل لي أن أتزوج ابنتي؟ فهي تشبه أمها تمامًا. إذا لم أتزوجها، فلن أعثر على عروس أخرى أبدًا، وأنتم تقولون إنه لا بد أن يكون للبلاد ملكة.» بعد أن سمع رجال الملك ما قاله، انتابتهم صدمة، وقالوا: «معاذ الله أن يتزوج الأب بابنته! إنه لإثم كبير لن يسفر عن خير أبدًا.» صُدمت ابنته أيضًا، وتمنت أن يتخلى الملك عن هذه الأفكار عمَّا قريب، لذا قالت له: «قبل أن أتزوج أي شخص، لا بد أن أحصل على ثلاثة فساتين؛ واحد من الذهب كالشمس، والثاني من الفضة اللامعة كالقمر، والثالث متلألئ كالنجوم، وأيضًا أريد عباءة بها ألف نوع مختلف من الفراء، بحيث يؤخذ من كل حيوان في المملكة قطعة من جلده.» وهكذا ظنت الأميرة أن الأمر انتهى، لكن الملك أمر أمهر العمال لديه في المملكة بنسج الفساتين الثلاثة؛ الذهبي كالشمس، والفضي كالقمر، والمتلألئ كالنجوم، وأمر كل صياديه باصطياد جميع حيوانات المملكة، لاستخلاص أفضل الفراء من جلودها، وهكذا صُنِعت عباءة تضم ألف نوع من الفراء.
بعد أن أصبحت الفساتين جاهزة، أرسلها الملك إليها، لكنها استيقظت في الليل أثناء نوم الجميع، وأخذت ثلاث قطع من حُلِيِّها الذهبية وهي خاتم وقلادة وسُوار، ووضعت الفساتين الثلاثة التي تشبه الشمس والقمر والنجوم داخل صدفة جوزة، ولفَّت نفسها بالعباءة المصنوعة من الفراء، ولطَّخت وجهها ويديها بالسخام، ثم توجهت إلى الله بالدعاء ليكون في عونها، وشقت طريقها طوال الليل حتى وصلت في النهاية إلى غابة كبيرة. ولأنها كانت تشعر بالإرهاق الشديد، جلست في جوف شجرة، وسرعان ما استغرقت في النوم، ونامت هناك حتى انتصف النهار.
عندما كان الملك صاحب تلك الغابة يصطاد فيها، وصلت كِلابه إلى الشجرة، وبدأت تشتم المكان، وتركض حوله وتنبح. قال الملك للصيادين: «انظروا جيدًا! وتحققوا من نوع الطريدة الموجودة هناك.» ذهب الصيادون إلى الشجرة، وعندما عادوا قالوا: «في جوف الشجرة ينام حيوان أروع ما يكون، لم نره من قبل، جلده يبدو كأنه من ألف نوع من الفراء، لكنه مستغرق في النوم.» قال الملك: «حاولوا اصطياده حيًّا، وسنأخذه معنا.» أمسك الصيادون بالفتاة الجميلة، فاستيقظت، وشعرت بالذعر الشديد، وقالت: «أنا فتاة مسكينة، ليس لدي أم أو أب، أشفقوا علي، وخذوني معكم.» فقالوا: «حسنًا يا فراء القطة، سيناسبك العمل بالمطبخ؛ يمكنك كنس الرماد، وفعل أشياء من ذلك القبيل.» وضعوها داخل الحافلة، وأخذوها إلى قصر الملك. ثم أرشدوها إلى زاوية صغيرة أسفل السلم، لا يصل إليها أي ضوء على الإطلاق، وقالوا لها: «يا فراء القطة، يمكنك أن تمكثي وتنامي هنا.» ثم أرسلوها إلى المطبخ، وكان عليها جلب الحطب والمياه، وإشعال النار، ونتف ريش الدجاج، وجمع الأعشاب، ونخل الرماد، وإنجاز كافة المهام الوضيعة.
هكذا عاشت فراء القطة مدة طويلة في بؤس، وقالت لنفسها: «وا حسرتاه! أيتها الأميرة الجميلة! ماذا سيكون مصيرك؟» ذات يوم أقيم حفل في قصر الملك، فقالت للطاهي، «هل من الممكن أن أذهب قليلًا وأرى ما يحدث؟ سآخذ حذري، وأقف خلف الباب.» فقال الطاهي: «أجل، لك أن تذهبي، لكن عودي في غضون نصف ساعة لكنس الرماد.» أخذت الفتاة مصباحها الصغير، وذهبت إلى غرفتها الصغيرة، وخلعت الفراء، وغسلت السخام من على وجهها ويديها، فسطع جمالها كالشمس خلف السحاب. بعد ذلك فتحت صدفة الجوزة، وأخرجت فستانها الذهبي، وذهبت إلى الحفل. تنحى الكل جانبًا لإفساح الطريق أمامها، ولم يتعرف عليها أحد، وظنوا جميعًا أنها أميرة. اتجه الملك نحوها وأمسك بيدها ورقص معها؛ وقال لنفسه: «لم أر فتاة في جمالها قط.»
بعد أن انتهت الرقصة، استأذنت الفتاة من الملك، وغادرت. بحث الملك عنها في المكان، لكنها اختفت، ولم يدر أحد أين ذهبت. استدعى الملك الحراس الواقفين عند بوابة القصر، لكنهم أخبروه أنهم لم يروا أحدًا؛ فالحقيقة أن الفتاة ذهبت إلى غرفتها الصغيرة، وخلعت فستانها، ولطَّخت وجهها ويديها بالسخام، وارتدت عباءتها المصنوعة من الفراء، وعادت مرة أخرى «فراء القطة». عندما ذهبت إلى المطبخ لأداء عملها، وبدأت في كنس الرماد، قال الطاهي: «اتركي هذا حتى الصباح، وسخِّني حساء الملك، فأنا أود الذهاب إلى هناك لأختلس النظر، وإياك أن تسقط شعرة من رأسك داخل الحساء، وإلا ستلاقين ما لا يحمد عقباه.»
ما إن انصرف الطاهي حتى بدأت فراء القطة في تسخين حساء الملك، وحمصت شريحة من الخبز جيدًا، وبعد أن أصبح الطعام جاهزًا، ذهبت إلى حجرتها الصغيرة، وأخرجت خاتمها الذهبي، ووضعته في صحن الحساء. بعد أن انتهت الرقصة، أمر الملك بإحضار الحساء، فأعجبه مذاقه كثيرًا، وفكر أنه لم يتذوق حساء كهذا من قبل. رأى في قاع الصحن الخاتم الذهبي، ولأنه لم يدرك كيف وصل الخاتم إلى الصحن، أمر بإحضار الطاهي. شعر الطاهي بالذعر عندما سمع أمر استدعائه، وقال لفراء القطة: «لا بد أنك أسقطت شعرة في الحساء. إذا كان الأمر كذلك، فسأوسعك ضربًا.» وقف الطاهي أمام الملك، فسأله عمن أعد الحساء، فأجابه الطاهي: «أنا يا جلالة الملك.» لكن الملك قال له: «هذا غير صحيح، فالحساء مذاقه أفضل من الذي تصنعه.» فأجابه: «الحقيقة أني لم أعد الحساء، لكن فراء القطة هي من أعدته.» فقال له الملك: «إذن استدعها إلى هنا.» عندما حضرت فراء القطة إلى الملك، سألها: «من أنت؟» فقالت: «أنا فتاة مسكينة فقدَتْ أمها وأباها، ولا أصلح لعمل شيء سوى أن أكون مساعدة للطاهي، وأقوم بكل المهام الوضيعة.» فقال لها الملك: «لكن من أين لك بالخاتم الموجود في الحساء؟» فقالت له إن ذلك الخاتم لا يخصها ولا تعلم عنه شيئًا، فأرسلها الملك إلى المطبخ مرة أخرى لتستكمل عملها.
بعد ذلك أقيم حفل آخر، وطلبت فراء القطة من الطاهي أن تصعد إلى أعلى لتختلس النظر كما حدث في السابق، فقال لها الطاهي: «حسنًا، لكن عودي بعد نصف ساعة لتطهي حساء الملك الذي يحبه كثيرًا.» ركضت فراء القطة نحو حجرتها الصغيرة، وغسلت يديها ووجهها سريعًا، ثم أخرجت فستانها الفضي الذي يشبه القمر، وارتدته، وعندما دخلت القاعة بدت كالأميرات، فتوجه نحوها الملك، وابتهج لأنه رآها مرة أخرى، وعندما بدأ الرقص، رقص الملك معها. وبعد أن انتهت الرقصة تمكنت من التسلل إلى الخارج خفية، حتى إن الملك لم ير أين ذهبت، لكنها ذهبت إلى حجرتها الصغيرة، وتحولت إلى فراء القطة مرة أخرى، وذهبت إلى المطبخ لطهي الحساء. وأثناء وجود الطاهي بالأعلى، ذهبت لجلب قلادتها الذهبية وأسقطتها داخل الحساء، ثم أحضرته إلى الملك الذي تناوله، وأعجبه مذاقه كثيرًا كما في السابق، فأرسل في طلب الطاهي الذي اضطر مرة أخرى إلى إخبار الملك أن فراء القطة هي من صنعت الحساء. أُحضرت فراء القطة مرة أخرى أمام الملك، لكنها أخبرته أنها لا تصلح في شيء سوى أن تكون خادمة تقوم بكافة المهام الوضيعة.
وعندما أمر الملك بإقامة حفل للمرة الثالثة، حدث كل شيء كما في المرتين السابقتين. قال الطاهي: «لا بد أنك ساحرة يا فراء القطة، فدائمًا ما تضعين شيئًا في حساء الملك، فيعجبه أكثر من الحساء الذي أصنعه.» لكنه سمح لها بالصعود للطابق العلوي كما في السابق. ارتدت فستانها المتلألئ كالنجوم، ودخلت قاعة الحفل الراقص، ورقص الملك معها مرة أخرى، وفكر في نفسه أنها تبدو أجمل من أي مرة سابقة. لذا أثناء رقصه معها، وضع خاتمًا ذهبيًّا في إصبعها دون أن تشعر، وأمر باستمرار الرقصة فترة طويلة. وبعد أن انتهت الرقصة، حاول إمساكها بقوة من يديها، لكنها استطاعت الإفلات من بين يديه، واتجهت مسرعة بين الحشد حتى إنه لم يستطع تعقبها، وركضت بأقصى سرعة نحو حجرتها الصغيرة تحت السلم. لكن هذه المرة تجاوزت فراء القطة مدة نصف الساعة التي سمح لها الطاهي بها بكثير، لذا لم يتسن لها خلع فستانها الأنيق، فارتدت عباءتها المصنوعة من الفرو فوق الفستان، وفي عجالة لطخت وجهها ويديها بالسخام، لكنها لم تلطخهم جيدًا، وتركت إصبعًا واحدة بيضاء. ثم اتجهت مسرعة نحو المطبخ وطهت حساء الملك، وما إن ذهب الطاهي، حتى وضعت السُوار الذهبي في الصحن.
عندما شرب الملك الحساء، أمر بإحضار فراء القطة مرة أخرى، وسرعان ما لمح إصبعها الأبيض، والخاتم الذي وضعه به أثناء رقصهما، فأمسك بيديها بإحكام، وعندما أرادت الإفلات منه، سقطت العباءة من أحد الجوانب، ولمع الفستان من تحتها. بعد ذلك أمسك الملك بالفراء ونزعه تمامًا، فظهرت أمامه الأميرة بشعرها الذهبي وفستانها الجميل، ولم يعد بمقدورها الاختباء، فغسلت وجهها من السخام والرماد، وبدت كأنها أجمل أميرة على وجه الأرض. قال الملك: «أنت عروسي الحبيبة، ولن نفترق بعد الآن.» وأقيم حفل الزفاف، وكان يومًا سعيدًا لم تشهد مثله البلاد من قبل.
بَيَاض الثلج وحُمْرة الورد


كان فيما كان أرملة فقيرة تعيش في كوخ موحش أمامه حديقة بها شجرتا ورد؛ إحداها تطرح وردًا أبيض والأخرى تطرح وردًا أحمر. وكان لدى الأرملة طفلتان تشبهان هاتين الشجرتين؛ إحداهما تُدعى بياض الثلج، والأخرى حمرة الورد. كانتا طفلتين جميلتين ومرحتين ومشغولتين باللعب والمرح كأي طفلتين في العالم، غير أن بياض الثلج كانت أكثر هدوءًا ورقة من شقيقتها حمرة الورد. كانت حمرة الورد تفضل الركض في المروج والحقول لقطف الورود وملاحقة الفراشات، أما بياض الثلج فكانت تجلس في المنزل مع أمها تساعدها في الأعمال المنزلية، أو تقرأ لها أمها أثناء أوقات الفراغ.
أحبت الابنتان إحداهما الأخرى حبًّا كبيرًا، حتى إنهما كانتا لا تفترقان وتمسك كل منهما بيد الأخرى عندما تخرجان، وكانت بياض الثلج تقول لشقيقتها: «لن تترك إحدانا الأخرى.» فتجيبها حمرة الورد: «أبدًا ما حيينا.» وتضيف أمهما: «ما تحصل عليه إحداكما لا بد أن تقتسمه مع أختها.»
كثيرًا ما كانتا تركضان في الحقول وحدهما لتجمعا التوت الأحمر، دون أن تتعرضا لأي أذى من الحيوانات، بل كانت الحيوانات تقترب منهما في طمأنينة. كانت الأرنب البرية الصغيرة تأكل ورق نبات الكرنب من أيديهما، وتأكل أنثى الظبي الحشائش بجانبهما، أما ذكر الظبي فكان يقفز في سعادة بجوارهما، وكانت الطيور تجلس فوق أغصان الشجر، وتغرد بكل ما لديها من أغان.
لم يقع لهما أي حادث مؤسف، وإذا ما مكثتا في الغابة حتى وقت متأخر، وحلَّ الليل، كانتا ترقدان إحداهما بجوار الأخرى فوق الحشائش حتى الصباح، وكانت أمهما تعلم ذلك، ولا تقلق عليهما.
ذات مرة بعد أن أمضت الفتاتان إحدى الليالي في الغابة، واستيقظتا مع طلوع الفجر، رأتا طفلًا جميلًا يرتدي ثيابًا ناصعة البياض يجلس بجوارهما. نهض الطفل ونظر إليهما نظرة ود، لكنه لم يقل لهما شيئًا، ثم توغل في الغابة. وعندما نظرت الفتاتان حولهما، اكتشفتا أنهما كانتا نائمتين على شفا جرف منحدر، وكان من الممكن أن تسقطا في الظلام إذا ما تحركتا أثناء نومهما مسافة قصيرة. أخبرتهما أمهما أن ذلك الطفل هو ملاك كان يحرسهما.
حرصت بياض الثلج وحمرة الورد على نظافة بيتهما ونظامه حتى إنه كان جميلًا من الداخل. في فصل الصيف، كانت حمرة الورد تعتني بالمنزل، وفي كل صباح تضع إكليلًا من الزهور به زهرة من كل شجرة بجانب فراش أمها قبل أن تستيقظ، أما في الشتاء فكانت بياض الثلج تشعل النار وتضع الغلاية فوق الموقد، وكانت الغلاية مصنوعة من النحاس وتلمع كالذهب. وفي المساء عندما تسقط رقائق الثلج، تقول الأم: «اذهبي يا بياض الثلج، وأغلقي الباب.» ثم يجلسن حول المدفأة، وتخرج الأم نظارتها، وتقرأ بصوت عال من كتاب كبير، وتستمع إليها الفتاتان وهما تغزلان، وبجوارهن على أرضية الغرفة حَمَل صغير، وخلفهن يمامة بيضاء فوق عمود تخبئ رأسها تحت جناحها.
ذات مساء، وأثناء جلوسهن في اطمئنان معًا، سمعوا صوت طرقات على الباب، قالت الأم: «هلُمِّي يا حمرة الورد، وافتحي الباب. لا بد أنه عابر سبيل يبحث عن مأوى.» ذهبت حمرة الورد ودفعت المزلاج ظنًّا منها أنه رجل مسكين، لكنه لم يكن كذلك، بل كان دبًّا مد رأسه الكبيرة السوداء من الباب.
صرخت حمرة الورد، ووثبت إلى الخلف، وثغا الحمل، وصفقت اليمامة بجناحيها، واختبأت بياض الثلج خلف فراش أمها، لكن الدب بدأ يتحدث وقال: «لا تخافن، لن أؤذيكن! فجسدي متجمد، لا أريد سوى تدفئة نفسي معكن قليلًا.»
قالت الأم: «أيها الدب المسكين، ارقد بجوار المدفأة، واحترس كيلا تحرق فراءك.» ثم صاحت: «يا بياض الثلج، يا حمرة الورد، اخرجا، لن يؤذيكما الدب، فهو حسن النية.» خرجت الفتاتان من مخبئهما، واقترب الحمل واليمامة أيضًا دون أن يشعرا بالخوف. قال الدب: «هيا يا فتاتان، انفضا الجليد عن فرائي.» فأحضرتا مكنسة وأزالتا الجليد عن فرائه. تمدد الدب بجانب النيران، وقهقع في رضا وراحة. لم يمض وقت طويل على ذلك الهدوء، وأخذت الفتاتان تلهوان مع ضيفهما السمين، فجذبتا شعره بأيديهما، ووقفتا فوق ظهره ودحرجتاه، وأمسكتا بالسوط وضربتاه، وعندما كان الدب يقهقع كانتا تضحكان. لم يغضب الدب مع ذلك، لكن عندما كانتا تتماديان في اللهو معه حتى يشعر بالألم كان يصيح: «اتركاني وحالي أيتها الفتاتان. يا بياض الثلج، ويا حمرة الورد، هل ستقتلانني؟» عندما حان موعد نومهما، وأوتا إلى الفراش، قالت الأم للدب: «يمكنك أن ترقد هنا بجانب المدفأة، وستكون في مأمن من البرودة والطقس السيئ.» حالما طلع النهار فتحت الفتاتان الباب، وركض الدب فوق الجليد متجهًا نحو الغابة.
منذ ذلك الحين اعتاد الدب المجيء كل مساء في الوقت نفسه، يرقد بجوار المدفأة، ويسمح للفتاتين باللهو معه كما تحبان، واعتادت الفتاتان على وجوده في المنزل، حتى إن الباب لم يكن يوصد إلى أن يأتي صديقهما الدب.
عندما حل الربيع، اكتست الأرض بالخضرة، وقال الدب ذات صباح لبياض الثلج: «لا بد أن أرحل الآن، ولن أتمكن من العودة طوال الصيف.» سألته بياض الثلج: «أين ستذهب يا عزيزي الدب؟» قال لها: «لا بد أن أذهب إلى الغابة لأحرس كنوزي من الأقزام الأشرار. في الشتاء، عندما يكسو الجليد الأرض، يضطرون إلى البقاء تحت الأرض ولا يستطيعون شق طريقهم في الجليد. أما الآن، بعد أن تُذيب الشمس الجليد ويعم الدفء، سيخرجون للبحث عن الكنوز وسرقتها، وما يستطيعون سرقته يضعونه في كهوفهم، ولا يمكن استرداده مرة أخرى.»
شعرت بياض الثلج بالأسى لرحيل الدب، وبعد أن فتحت الباب له، اتجه الدب مسرعًا إلى الخارج، لكن علِقَ جزء صغير من فرائه في المزلاج، وتمزق، وبدا لبياض الثلج أنها رأت شيئًا يلمع كالذهب في جلده، لكنها لم تكن واثقة من ذلك. ركض الدب بعيدًا، وسرعان ما اختفى خلف الأشجار.
بعد ذلك بفترة وجيزة أرسلت الأم ابنتيها إلى الغابة لجلب الحطب، وهناك وجدت الفتاتان شجرة ضخمة ممددة على الأرض وبالقرب من جذعها شيء يقفز إلى الأمام وإلى الخلف بين الحشائش، لم تستطع الفتاتان معرفة هوية ذلك الشيء، لكن عندما اقتربتا منه رأتا قزمًا وجهه عجوز شاحب للغاية، وله لحية طويلة ناصعة البياض. كان طرف اللحية عالقًا داخل شق بالشجرة، وكان القزم الصغير يقفز كالكلب المربوط، ولا يدري ماذا يفعل.
حملق القزم في الفتاتين بعينين حمراوين متقدتين، وصاح: «لماذا تقفان هناك؟ أيمكنكما المجيء هنا ومساعدتي؟» سألته حمرة الورد: «ما الذي كنت تنوي فعله أيها القزم؟» فقال لها: «أيتها الغبية المتطفلة! كنت أنوي قطع الشجرة لأحصل على بعض الأخشاب للطهي. فما نتناوله من طعام قليل يحترق سريعًا أثناء قطع هذه الأشجار الضخمة، لأننا لا نلتهم الكثير من الطعام مثلكم أيها الجشعون القساة. لقد ثبَّتُّ الوتد جيدًا وكان كل شيء على ما يرام، لكن الوتد الملعون كان ضعيفًا للغاية وانخلع وطار بعيدًا، وانغلقت الشجرة سريعًا دون أن أستطيع إبعاد لحيتي الجميلة، والآن لحيتي عالقة داخل الشق الموجود بالشجرة، ولا أستطيع إخراجها، وأنتما أيتها الفتاتان السخيفتان تضحكان! كم أنتما بغيضتان!»
حاولت الفتاتان إخراج لحيته، لكن لم تستطيعا سحبها. قالت حمرة الورد: «سأذهب سريعًا لإحضار شخص يساعدنا.» تذمر القزم، وقال: «أيتها الساذجة الحمقاء! لماذا عليك الذهاب لجلب شخص آخر؟ أنتما اثنتان، وهذا كافٍ للغاية، ألا يمكنكما التفكير في حل أفضل؟»
قالت بياض الثلج: «لا تكن ضيق الصدر هكذا. سأساعدك.» ثم أخرجت مقصها من جيبها، وقصَّت طرف اللحية. ما إن تحرر القزم حتى أمسك بالحقيبة الموجودة بين جذور الشجرة، وكانت ممتلئة بالذهب، وحملها، وتمتم قائلًا: «يا لهما من فتاتين فظتين، لقد قصَّت إحداهما جزءًا من لحيتي الجميلة. كم أنا تعيس الحظ!» ثم وضع حقيبته خلف ظهره، وانطلق دون أن ينظر حتى إلى الفتاتين.
بعد مرور بعض الوقت ذهبت بياض الثلج وحمرة الورد لاصطياد السمك. وعندما اقتربتا من النهر الصغير رأتا شيئًا يشبه حشرة جراد ضخمة تتجه نحو المياه، وكأنها ستقفز داخلها. فركضتا نحوها واكتشفتا أنه القزم نفسه. قالت حمرة الورد: «إلى أين ستذهب؟ من المؤكد أنك لا تريد القفز في المياه؟» صاح القزم: «لست غبيًّا هكذا! ألا ترين أن السمكة الملعونة تحاول جذبي إلى المياه؟» كان القزم جالسًا يصطاد، ولسوء حظه تشابكت لحيته مع حبل الصنارة، وبعد دقيقة جاءت سمكة كبيرة وبلعت الطعم لكن المخلوق الضعيف لم يستطع جذب الصنارة، وأخذت السمكة تجذب القزم نحوها. حاول الإمساك بالنباتات التي تنمو عند حافة النهر، لكن دون جدوى، فقد اضطر إلى اتباع حركة السمكة، وكان في خطر كبير من أن تسحبه إلى أعماق المياه.
وصلت الفتاتان في الوقت المناسب تمامًا، فأمسكتا به، وحاولتا تحرير لحيته من حبل الصنارة، لكن دون جدوى، فقد كانت لحيته متشابكة للغاية مع حبل الصنارة. أخرجت الفتاة مقصَّها، وقصَّت جزءًا صغير من لحيته، وهكذا فقد جزءًا آخر منها. عندما رأى القزم ذلك، صرخ وقال: «هذا لا يصح أيتها المغفلة. لقد شوهتِ وجهي. ألم يكفكِ قص طرف لحيتي؟ لقد قصصت هذه المرة أفضل جزء فيها، ولن أستطيع الظهور أمام أهلي هكذا. ليتكما تنالان عقابكما!» ثم أخرج كيسًا مملوءًا باللآلئ من بين نبات القصب، ودون أن يتفوه بكلمة أخرى أخذه بعيدًا واختفى خلف صخرة.
ذات مرة أرسلت الأم ابنتيها إلى المدينة لشراء إِبَر، وخيوط، وأربطة، وأشرطة. انتهى بهما الطريق إلى أرض بور تتناثر فيها أحجار ضخمة. رأت الفتاتان طائرًا كبير الحجم يحوم في الفضاء، ويحلق ببطء فوقهما، ثم أخذ يقترب من الأرض حتى جلس فوق صخرة قريبة منهما. على الفور سمعت الفتاتان صرخة عالية وبائسة. فركضتا نحو الطائر، فرأتا نسرًا قد اصطاد القزم العجوز، وعلى وشك أن يحمله بعيدًا.
أخذتهما الشفقة بالرجل الصغير وأمسكتا به جيدًا، وجذبتاه بقوة حتى أفلته النسر. وما إن استفاق القزم من حالة الذعر التي انتابته حتى صاح بصوته الحاد: «ألم يمكنكما فعل ذلك برفق أكثر! لقد جذبتماني من معطفي البني حتى تمزق وأصبح مليئًا بالثقوب أيتها الخرقاوان!» ثم أمسك بكيس مليء بالأحجار الثمينة، وتسلل بعيدًا مرة أخرى تحت صخرة إلى مخبئه، بينما مضت الفتاتان، اللتان اعتادتا على جحود القزم، في طريقهما إلى المدينة.
وعند مرورهما بالأرض البور مرة أخرى أثناء عودتهما إلى المنزل قابلتا القزم الذي فوجئ بوجودهما، فقد أفرغ كيسه المليء بالأحجار الكريمة في مكان نظيف، ولم يفكر أن أحدًا سيمر من ذلك المكان في ذلك الوقت المتأخر. كانت شمس المساء تلمع فوق الأحجار التي تلألأت بجميع الألوان على نحو جميل حتى استوقفت الفتاتين اللتين أخذتا تحدقان بها. صاح القزم: «لماذا تحدقان هكذا؟» واحمر وجهه من شدة الغضب. أخذ الرجل يسبهما حتى دوت صيحة، وظهر الدب الأسود يركض نحوهم قادمًا من الغابة. قفز القزم في ذعر، لكنه لم يستطع الوصول إلى كهفه، إذ كان الدب قريبًا للغاية. فصاح القزم في ذعر: «سيدي الدب، أرجوك اتركني، وسأعطيك كل ما أملك من كنوز؛ انظر إلى المجوهرات الجميلة الموجودة هنا! دعني أعش، ماذا ستفعل بقزم هزيل مثلي؟ لن أكون حلو المذاق في فمك. تعال، خذ هاتين الفتاتين الشريرتين، فسيكون لحمهما سهل المضغ كالسمان الصغير، أرجوك التهمهما!» لم يصغ الدب لما قاله القزم، وبضربة واحدة من مخالبه طرح الرجل الخبيث أرضًا بلا حراك.
فرت الفتاتان بعيدًا، لكن الدب نادى عليهما: «يا بياض الثلج، يا حمرة الورد، لا تخافا، انتظرا، سآتي معكما.» تعرفت الفتاتان على صوته، وانتظرتاه، وعندما وصل إليهما سقط فراؤه فجأة، وظهر أمامهما رجل وسيم ثيابه كلها من الذهب. قال: «أنا أمير سحَرَني ذلك القزم الشرير الذي سرق كنوزي، وكان عليّ التجول في الغابة في صورة دب حتى تحررت بموته. والآن حصل على عقابه المستحق.»
تزوجت بياض الثلج من الأمير، وتزوجت حمرة الورد من أخيه، واقتسم الأمير وأخوه معًا الكنوز الكبيرة التي جمعها القزم في كهفه. عاشت الأم العجوز في سلام وسعادة مع ابنتيها سنوات عديدة، واصطحبت معها شجرتي الورد، وغرستهما أمام نافذتها، وفي كل عام كانتا تطرحان أجمل الورود البيضاء والحمراء.