Advertisement

روبنسون كروزو


روبنسون كروزو




روبنسون كروزو

تأليف
دانيال ديفو

ترجمة
مروة ماهر الحق
مراجعة
إيمان عبد الغني نجم



روبنسون كروزو

Robinson Crusoe

دانيال ديفو

Daniel Defoe

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org

ديفو، دانيال.
روبنسون كروزو/تأليف: دانيال ديفو.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

     ?- القصص الإنجليزية
          أ- العنوان



رسم الغلاف: إيمان إبراهيم، تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Robinson Crusoe
All rights reserved.



الفصل الأول
حَيَاةُ بَحَّارٍ


اسْمِي رُوبِنْسُونْ كرُوزُو. وُلِدْتُ عَامَ ???? بِبَلْدَةِ يُورْكَ، وَكُنْتُ الِابْنَ الْأَصْغَرَ مِنْ بَيْنِ أَبْنَاءٍ ثَلَاثَةٍ، وَكَانَ أَخِي الْأَكْبَرُ جُنْدِيًّا لَكِنَّهُ لَقِيَ حَتْفَهُ فِي مَعَرَكَةٍ ضِدَّ إِسْبَانْيَا، فِيمَا اخْتَفَى أَخِي الثَّانِي مِنْ حَيَاتِنَا حِينَمَا رَحَلَ يَوْمًا مَا وَلَمْ يَعُدْ قَطُّ. وَبِذَلِك فَقَدَ أَبَوَايَ اثْنَيْنِ مِنْ أَبْنَائِهِمَا وَلَمْ يَرْغَبَا فِي أَنْ يَفْقِدَا الثَّالِثَ؛ لِذَا أَرَادَ أَبِي أَنْ أَظَلَّ فِي الْوَطَنِ وَأَنْ أُصْبِحَ مُحَامِيًا، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْشَقُ الْمُغَامَرَاتِ الرَّائِعَةَ وَالْبِلَادَ الْبَعِيدَةَ؛ فَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَكُونَ بَحَّارًا!
فِي صَبَاحِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، دَعَانِي أَبِي إِلَى غُرْفَةِ مَكْتَبِهِ، وَكَانَ رَجُلًا وَقُورًا عَابِسَ الْعَيْنَيْنِ وَحَادَّ الذَّكَاءِ. تَحَدَّثَ إِلَيَّ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ عَنْ أَحْلَامِي، وَكَانَ أَبِي قَدْ عَمِلَ بِجِدٍّ لِكَيْ يُوَفِّرَ لِأُسْرَتِهِ حَيَاةً آمِنَةً كَرِيمَةً. فَكَيْفَ لِي أَنْ أَتْرُكَ كُلَّ شَيْءٍ وَرَاءَ ظَهْرِي لِأَعِيشَ حَيَاةً فِي أَعَالِي الْبِحَارِ؟
لَمْ أَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ دِفَاعًا عَنْ حُلْمِي؛ إِذْ كَانَ الْإِبْحَارُ عَمَلًا شَاقًّا وَمُخِيفًا، وَفَقَدَ الْعَدِيدُ مِنَ الرِّجَالِ حَيَاتَهُمْ فِيهِ، وَفِيهِ أَيْضًا ضَلَّتْ قَوَارِبُ عَدِيدَةٌ الطَّرِيقَ، وَتَرَكَ عَدِيدُونَ وَطَنَهُمْ وَلَمْ يَعُودُوا قَطُّ تَارَةً أُخْرَى، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُثِيرَةُ تَشْحَذُ خَيَالِي.
قُلْتُ لِأَبِي: «أَعْرِف أَنَّ الْأَمْرَ مَحْفُوفٌ بِالْمَخَاطِرِ يَا أَبِي، لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ قَدَرِي، أَنَا آسِفٌ.»
بَدَأَ أَبِي فِي الْبُكَاءِ، وَشَعَرْتُ بِأَسًى بَالِغٍ لِأَنَّنِي أَحْزَنْتُهُ؛ لِذَلِكَ قَرَّرْتُ أَنْ أَظَلَّ فِي دِيَارِي، فِي الْوَقْتِ الْحَالِي.
بَذَلْتُ قُصَارَى جُهْدِي كَيْ أَتَجَنَّبَ ذِكْرَ الْحِكَايَاتِ الَّتِي أَقْرَأُهَا أَوِ الرِّحْلَاتِ الرَّائِعَةِ الَّتِي أَسْمَعُ الرِّجَالَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْهَا فِي الطُّرُقَاتِ. فَعَانَيْتُ فِي صَمْتٍ وَحَاوَلْتُ أَنْ أَكُونَ ابْنًا يَفْخَرُ بِهِ أَبِي، لَكِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ سَهْلًا. فَقَدْ كَانَ قَلْبِي يَتُوقُ تَوْقًا مُوجِعًا لِرَائِحَةِ الْبَحْرِ مِنْ عَلَى سَطْحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ. وَتَاقَتْ قَدَمَايَ لِلسَّيْرِ عَلَى شُطْآنِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ، وَلَمْ أَرْغَبْ فِي التَّقَاعُسِ وَإِهْدَارِ شَبَابِي سُدًى؛ فَكُنْتُ أَعْشَقُ الْمُغَامَرَةَ، وَلَمْ يَكُنْ أَيُّ شَيْءٍ غَيْرُهَا لِيُشْعِرَنِي بِالسَّعَادَةِ.
مَرَّتْ بِضْعَةُ أَسَابِيعَ قَصِيرَةٍ، صِرْتُ فِيهَا أَكْثَرَ إِصْرَارًا عَلَى أَنْ أُصْبِحَ بَحَّارًا، وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْحَلَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَأَرْكَبَ أَوَّلَ سَفِينَةٍ تُبْحِرُ فَوْقَ صَفْحَةِ مِيَاهِ الْأَبْحُرِ الْبَعِيدَةِ، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ سَيُزْعِجُ وَالِدَيَّ، وَبَدَلًا مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى هَذِهِ الْخُطْوَةِ، حَاوَلْتُ التَّحَدُّثَ مَعَ أُمِّي.
قُلْتُ لَهَا: «لَقَدْ حَسَمْتُ أَمْرِي يَا أُمِّي، فَمَا تَمَنَّيْتُ شَيْئًا فِي حَيَاتِي سِوَى أَنْ أُصْبِحَ بَحَّارًا، وَأَرْجُو أَنْ تَسْمَحَا لِي أَنْتِ وَأَبِي بِالْإِبْحَارِ.»
وَاسْتَطْرَدْتُ حَدِيثِي مَعَهَا قَائِلًا: «إِنِّي فِي الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ الْآنَ مِنْ عُمْرِي، فَإِذَا أَجْبَرْتُمَانِي عَلَى أَنْ أُصْبِحَ مُحَامِيًا أَوْ أَجْبَرْتُمَانِي عَلَى تَعَلُّمِ مِهْنَةٍ أُخْرَى، فَسَأَلُوذُ بِالْفِرَارِ. لَكِنْ إِذَا تَرَكْتُمَانِي أَذْهَبُ فِي رِحْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَسَأَعُودُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَا يَطْلُبُهِ أَبِي.»
اسْتَشَاطَتْ أُمِّي غَضَبًا وَرَفَضَتْ أَنْ تَطْلُبَ مِنْ أَبِي أَيَّ شَيْءٍ؛ وَرَفَضَ كِلَاهُمَا الْأَمْرَ رَفْضًا بَاتًّا، وَكَانَتْ تِلْكَ نِهَايَةَ النِّقَاشِ.
حَاوَلَ أَبَوَايَ بِشَتَّى الطُّرُقِ إِثْنَائِي عَنْ قَرَارِ الرَّحِيلِ؛ فَوَعَدَانِي أَنَّ بِإِمْكَانِي الِالْتِحَاقَ بِأَيِّ جَامِعَةٍ أُرِيدُهَا، وَأَخْبَرَانِي أَنَّ بِمَقْدُورِيَ التَّفْكِيرَ فِي أَيِّ مِهْنَةٍ تَحْلُو لِي. لَكِنَّنِي رَفَضْتُ الْعُرُوضَ كُلَّهَا؛ إِذْ كَانَ الْإِبْحَارُ هُوَ حُلْمِيَ الْوَحِيدَ، وَلَمْ أَكُنْ مستعدًّا لِلقَبُولِ بأَيِّ بَدِيلٍ آخَرَ.

الفصل الثاني
أُولَى رِحْلَاتِي


بَعْدَ عَامٍ تَقْرِيبًا، أَرْسَلَنِي وَالِدِي إِلَى بَلْدَةِ هَالْ لِأَدَاءِ بَعْضِ الْمَهَامِّ لَهُ. وَمَا إِنْ وَصَلْتُ إِلَى هُنَاكَ حَتَّى الْتَقَيْتُ صُدْفَةً بِجُونْ — وَهُوَ صَدِيقُ دِرَاسَةٍ قَدِيمٌ — وَكَانَ وَالِدُهُ قُبْطَانَ سَفِينَةٍ مُبْحِرَةٍ إِلَى لَنْدَنَ.
قُلْتُ لَهُ: «إِنَّكَ لَمَحْظُوظٌ! فَكُلُّ مَا أَرَدْتُهُ فِي حَيَاتِي هُوَ أَنْ أُصْبِحَ بَحَّارًا، لَكِنَّ وَالِدَيَّ لَنْ يَسْمَحَا لِي بِالْإِبْحَارِ.»
– «سِنُّكَ كَبِيرٌ بِمَا يَكْفِي كَيْ تَتَّخِذَ قَرَارَاتِكَ بِنَفْسِكَ يَا رُوبِنْسُونْ، فَلِمَ تَهْتَمُّ بِرَأْيِهِمْ؟ سَأَقْتَرِحُ عَلَيْكَ فِي الْحَالِ مَكَانًا عَلَى سَفِينَةِ وَالِدِي، فَلِمَ لَا تَأْتِي مَعَنَا وَحَسْبُ؟»
جَالَ فِي خَاطِرِي حِينَهَا: «أَجَلْ! هَا هِيَ فُرْصَتِي.»
– «حَسَنًا، أَنَا مُوَافِقٌ يَا جُونْ! شُكْرًا لَكَ، سَيُسْعِدُنِي الذَّهَابُ مَعَكَ!»
سَيَتَأَلَّمُ وَالِدَيَّ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ أَقْضِيَ حَيَاتِي مُحَاوِلًا إِسْعَادَهُمَا. أَخِيرًا سَأُصْبِحُ بَحَّارًا!
غَادَرْنَا فِي سَاعَةٍ مُبَكِّرَةٍ مِنَ الصَّبَاحِ، وَلَمْ تَكَدِ الشَّمْسُ تُشْرِقُ حَتَّى بَدَأْنَا رِحْلَتَنَا. وَتَأَرْجَحَتِ السَّفِينَةُ فَوْقَ الْأَمْوَاجِ إِلَى أَعَلَى وَإِلَى أَسْفَلَ حَتَّى أُصِبْتُ بِدُوَارِ الْبَحْرِ. وَإِلَى جَانِبِ مَعِدَتِي الْمُضْطَرِبَةِ، تَمَلَّكَنِيَ الْخَوْفُ لِعُلُوِّ الْأَمْوَاجِ وَتَكَسُّرِهَا عَلَى جَانِبَيِ السَّفِينَةِ، وَفَيضِهَا أَحْيَانًا عَلَى السَّطْحِ.
اسْتَلْقَيْتُ عَلَى الْأُرْجُوحَةِ الشَّبَكِيَّةِ فِي حُجْرَتِي الصَّغِيرَةِ وَشَعَرْتُ بِالتَّعَاسَةِ، فَبَكَيْتُ وَبَكَيْتُ، وَشَعَرْتُ بِالذَّنْبِ لِرَحِيلِي عَنْ أُمِّي وَأَبِي عَلَى النَّحْوِ الَّذِي فَعَلْتُ، فَقَدْ كَانَا أَبَوَيْنِ صَالِحَيْنِ وَعَطُوفَيْنِ وَأَرَادَا لِيَ الْخَيْرَ، كُلَّ الْخَيْرِ، لَكِنِّي خَيَّبْتُ آمَالَهُمَا وَكَانَ هَذَا هُوَ عِقَابِي.
ازْدَادَتِ الْعَاصِفَةُ سُوءًا، وَازْدَادَتِ الْأَمْوَاجُ ارْتِفَاعًا، وَتَوَقَّعْتُ أَنْ تَبْتَلِعَنَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَاجِ بِالْكَامِلِ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ تَغُوصُ فِيهَا السَّفِينَةُ أَسْفَلَ مَوْجَةٍ أُخْرَى هَائِلَةٍ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهَا لَنْ تَرْتَفِعَ أَبَدًا مَرَّةً أُخْرَى. وَقُلْتُ لِنَفْسِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ: «إِذَا نَجَوْتُ بِأَيِّ حَالٍ، أُقْسِمُ أَنِّي سَأَذْهَبُ إِلَى بَلْدَتِي لِأُمِّي وَأَبِي، وَأَنْ أَكُونَ إِنْسَانًا صَالِحًا، وَسَوْفَ أَكُونُ ابْنًا بَارًّا بِهِمَا!»
بِحُلُولِ صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، كَانَ الْبَحْرُ قَدْ هَدَأَ، وَبَدَا أَمْلَسَ كَالزُّجَاجِ، وَلَمْ يَعُدْ جَسَدِي يَشْعُرُ بِدُوَارِ الْبَحْرِ، وَاسْتَقْبَلَتْنِي الشَّمْسُ بِيَوْمٍ مُشْرِقٍ وَمُمْتِعٍ. كَمْ هُوَ الْأَمْرُ مُخْتَلِفٌ! صَعِدْتُ إِلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ مُغَادَرَتِنَا هَالْ، وَرَأَيْتُ جُونْ يَتَأَمَّلُ الْأُفُقَ، وَيَقُولُ: «تَبْدُو أَفْضَلَ حَالًا! لَا أُصَدِّقُ أَنَّكَ كُنْتَ مَذْعُورًا لِهَذَا الْحَدِّ مِنْ هَبَّةِ رِيَاحٍ بَسِيطَةٍ!»
قُلْتُ مُسْتَنْكِرًا: «هَبَّةُ رِيَاحٍ بَسِيطَةٌ! يَا لَهَا مِنْ عَاصِفَةٍ مُرِيعَةٍ!»
فَضَحِكَ جُونْ وَقَالَ: «إِنَّكَ لَمْ تَرَ شَيْئًا بَعْدُ. فَقَطْ انْتَظِرْ حَتَّى تَكُونَ فِي عُرْضِ الْبَحْرِ، وَحِينَهَا سَتَرَى كَيْفَ تَكُونُ الْعَاصِفَةُ!»
ضَحِكْتُ أَنَا الْآخَرُ وَقُلْتُ: «حَسَنًا، فَقَدْ تَعَامَلْتُ مَعَهَا بِأَيِّ حَالٍ، خَطِيرَةً كَانَتْ أَمْ غَيْرَ خَطِيرَةٍ، فَهَذِهِ أَوَّلُ عَاصِفَةٍ لِي فِي الْبَحْرِ.»
قَالَ لِي بِمَرَحٍ: «تَعَالَ يَا رُوبِنْسُونْ، هَيَّا بِنَا لِنَشْرَبَ بَعْضَ البنش!»
يَا لَلْمُتْعَةِ الَّتِي حَظِيتُ بِهَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ! ذَهَبَتْ عَنِّي جَمِيعُ مَخَاوِفِي فِي كَأْسٍ مِنَ البنش وَوَقْتٍ رَائِعٍ صَاخِبٍ. وَسُرْعَانَ مَا رَاحَ وَعْدُ اللَّيْلَةِ السَّابِقَةِ بِالْعَوْدَةِ لِبَلْدَتِي طَيَّ النِّسْيَانِ، فَمَا عُدْتُ خَائِفًا مِنْ أَنْ يَبْتَلِعَنِي الْبَحْرُ كُلِّيَّةً، وَلَمْ أَرْغَبْ فِي الْعَوْدَةِ لِدِيَارِي؛ لَقَدْ خُلِقْتُ لِحَيَاةِ الْبِحَارِ.

الفصل الثالث
عَاصِفَةٌ عَاتِيَةٌ


فِي يَوْمِنَا السَّادِسِ فِي الْبَحْرِ، اضْطُرِرْنَا أَنْ نَرْسُوَ فِي يارماوث بِسَبِبِ الرِّيَاحِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي تَهُبُّ فِي الِاتِّجَاهِ الَمُعَاكِسِ. وَكَانَ هُنَاكَ سُفُنٌ عَدِيدَةٌ مُنْتَظِرَةٌ بِالْمِثْلِ.
وَبَعْدَ قُرَابَةِ أُسْبُوعٍ، هَبَّتِ الرِّيَاحُ أَخِيرًا فِي الِاتِّجَاهِ الْمُوَاتِي سلَنَا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ شَدِيدَةً لِلْغَايَةِ، وَاعْتَقَدَ وَالِدُ جون — الْقُبْطَانُ — أَنَّهُ لَا بَأْسَ فِي أَنْ نُبْحِرَ، لَكِنَّ الرِّجَالَ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِرَأْيِهِ.
شَرَعَ الْعُمَّالُ جَمِيعُهُمْ فِي إِنْزَالِ الْأَشْرِعَةِ الْعَالِيَةِ مِنَ الصَّوَارِي الْعُلْيَا، وَبَذَل أَفْرَادُ الطَّاقَمِ قُصَارَى جُهْدِهِمْ لِيَتَأَكَّدُوا مِنْ تَأْمِينِ الْحَمُولَةِ وَالْمُعَدَّاتِ وَرَصِّهَا عَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ، فَلَمْ نُرِدْ أَنْ يَطِيرَ أَيُّ شَيْءٍ بفعل الرِّيَاحِ. وَتَأَكَّدَ أَفْرَادُ الطَّاقَمِ أَنَّ السَّفِينَةَ سَتَسِيرُ بِسَلَاسَةٍ قَدْرَ الْمُسْتَطَاعِ فَوْقَ الْأَمْوَاجِ.
بَدَأْنَا رِحْلَتَنَا بَاكِرًا ذَلِكَ الصَّبَاحَ، وَبِحُلُولِ الظَّهِيرَةِ انْقَلَبَ الْبَحْرُ ضِدَّنَا. كَانَتْ عَاصِفَةٌ عَظِيمَةٌ وَمُخِيفَةٌ. رَأَيْتُ الرُّعْبَ وَالذُّهُولَ فِي أَعْيُنِ أَفْرَادِ الطَّاقَمِ، وَظَلَّ وَالِدُ جون يَرُوحُ وَيَجِيءُ مِنْ وَإِلَى حُجْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يُغَمْغِمُ قَائِلًا: «سَنَضِيعُ كُلُّنَا.»
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصِفَ مَدَى فَزَعِي؛ تَمَايَلَتِ السَّفِينَةُ تَمَايُلًا شَدِيدًا وَهِيَ تَجْرِي بِنَا فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ. وَكُلَّ بِضْعِ دَقَائِقَ تَرْتَطِمُ مَوْجَةٌ جَدِيدَةٌ بِالسَّفِينَةِ، وَلَطَمَتِ الْأَمْوَاجُ الْعَنِيفَةُ سُفُنًا أُخْرَى عَدِيدَةً مِنْ حَوْلِنَا.
كُنْتُ أَرْقُبُ الْبَحَّارَةَ الْآخَرِينَ وَهُمْ يَعْمَلُونَ بِجِدٍّ عَلَى إِنْزَالِ صَوَارِيهِمْ كَيْ لَا تَجْرِفَهَا الرِّيَاحُ، فَإِذَا أُنْزِلَتِ الصَّوَارِي سَاعَدَ ذَلِكَ فِي مَنْعِ الْأَمْوَاجِ مِنْ دَفْعِ السَّفِينَةِ إِلَى تَحْتِ الْمَاءِ. وَفِي الْبِدَايَةِ، تَرَدَّدَ الْقُبْطَانُ فِي فِعْلِ ذَلِكَ لِأَنَّ حَمُولَتَنَا مِنَ الْبَضَائِعِ كَانَتْ ثَقِيلَةً، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَنْعَدِمَ تَوَازُنُنَا. بَعْدَ ذَلِكَ، ازْدَادَ الْبَحْرُ اضْطِرَابًا وَازْدَادَتِ الْعَاصِفَةُ عُتُوًّا.
وَسُرْعَانَ مَا اقْتَنَعَ الْقُبْطَانُ، فَصَاحَ: «نَكِّسُوا الْأَشْرِعَةَ! أَنْزِلُوهَا مَعَ الصَّوَارِي! بِسُرْعَةٍ يَا شَبَابُ، وَإِلَّا سَنَضِيعُ كُلُّنَا!» وَدَعَوْنَا، لَعَلَّ مَا فَعَلْنَاهُ يَكُونُ جَدِيرًا بِإِنْقَاذِ أَرْوَاحِنَا. وَكَانَتْ سُفُنٌ أُخْرَى عَدِيدَةٌ لَا زَالَتْ تُوَاجِهُ الصِّعَابَ فِي الْعَاصِفَةِ، بَيْنَمَا غَرِقَتْ بِالْفِعْلِ إِحْدَى السُّفُنِ الَّتِي كَانَتْ تَتَقَدَّمُنَا حِينَهَا.
كَانَ الْأَسْوَأُ فِي انْتِظَارِنَا. تَجَمَّعَ الرِّجَالُ بِالْقُرْبِ مِنِّي فِي الْحُجْرَةِ قَائِلِينَ إِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا عَاصِفَةً مِثْلَ هَذِهِ قَطُّ. فَدَعَوُا اللهَ أَنْ يُنَجِّيَهُمْ، وَرَجَوْهُ أَنْ يُنْقِذَهُمْ. لَكِنَّ الْعَاصِفَةَ لَمْ تَرْفُقْ بِهِمْ، حَتَّى الْقُبْطَانُ ظَنَّ أَنَّ الْمَكَانَ الْوَحِيدَ الَّذِي قَدْ نَرْسُو فِيهِ هُوَ قَاعُ الْبَحْرِ.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اعْتَقَدْنَا فِيهَا أَنَّ الْأُمُورَ وَصَلَتْ لِأَسْوَأِ حَدٍّ، جَاءَ رَجُلٌ مُهَرْوِلًا مِنْ أَسْفَلَ وَصَاحَ أَنَّ سَفِينَتَنَا قَدْ أَصَابَهَا خَرْقٌ، وَأَنَّ ارْتِفَاعَ المِيَاهِ فِي مَخْزَنِ السَّفِينَةِ بَلَغَ أَرْبَعَ أَقْدَامٍ! اسْتُدْعِيَ الْعُمَّالُ جَمِيعُهُمْ إِلَى أَسْفَلِ سَطْحِ السَّفِينَةِ لِتَفْرِيغِ الْمَاءِ، فَنَزَلْتُ إِلَى أَسْفَلَ وَبَذَلْتُ قُصَارَى جُهْدِي.
بَدَتِ الْمِيَاهُ كَأَنَّهَا هِيَ الطَّرَفُ الْفَائِزُ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَمَعَ أَنَّ الْعَاصِفَةَ هَدَأَتْ قَلِيلًا، إِلَّا أَنَّ الْمَخْزَنَ ظَلَّ مُمْتَلِئًا بِالْمِيَاهِ. وَأَدْرَكَ الْقُبْطَانُ أَنَّنَا لَنْ نَبْلُغَ الْمِينَاءَ التَّالِيَ أَبَدًا، فَأَمَرَ أَفْرَادَ الطَّاقَمِ بِالْبَدْءِ فِي إِطْلَاقِ مَدَافِعِنَا لِطَلَبِ النَّجْدَةِ.
سَمِعْتُ أَحَدَ الْبَحَّارَةِ يَصِيحُ: «انْتَظِرُوا! هَا قَدْ أَتَى قَارِبُ إِنْقَاذٍ!» وَلَكِنَّ الْأَمْوَاجَ جَعَلَتْ وُصُولَ الْقَارِبِ إِلَيْنَا شِبْهَ مُسْتَحِيلٍ. وَكَانَتْ أَمَامَنَا فُرْصَةٌ وَاحِدَةٌ: أَنْ نَقْذِفَ إِلَيْهِمْ بِحَبْلٍ، حَتَّى نَظَلَّ عَلَى قَدْرٍ مِنَ الثَّبَاتِ يُتِيحُ الِانْتِقَالَ إِلَيْهِمْ. فَرَاقَبْنَا جَمِيعًا نَائِبَ الْقُبْطَانِ وَهُوَ يُلْقِي الْحَبْلَ بِحِرْصٍ بِاتِّجَاهِ الْبَحْرِ الْمُمْتَدِّ، وَيَا لَهُ مِنْ حَظٍّ! فقَدْ أَمْسَكُوا بِالْحَبْلِ! وَتَدَافَعْنَا نَتَزَاحَمُ بِالْمَنَاكِبِ لِنَعْلُوَ إِلَى سَطْحِ الْقَارِبِ.
مَعَ كُلِّ مَرَّةٍ يَصِلُ فِيهَا قَارِبُ الْإِنْقَاذِ الصَّغِيرُ إِلَى ذِرْوَةِ مَوْجَةٍ، كُنْتُ أَخْشَى عَلَى حَيَاتِي؛ إِذْ كَانَتِ الْأَمْوَاجُ عَالِيَةً جِدًّا! وَكُنَّا نَحْنُ صِغَارَ الْحَجْمِ جِدًّا! وَاسْتَمَرَّ الرِّجَالُ الشُّجْعَانُ فِي التَّجْدِيفِ، فَقَدْ حَمَلُوا أَرْوَاحَهُمْ عَلَى أَكُفِّهِمْ لِمُسَاعَدَتِنَا، وَكَانُوا عَازِمِينَ عَلَى إِنْقَاذِنَا.
وَبَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ دَقِيقَةً فَقَطْ مِنْ إِنْقَاذِنَا، شَاهَدْنَا سَفِينَتَنَا — وَالرُّعْبُ مِلْءُ قُلُوبِنَا — وَهِيَ تَنْقَلِبُ وَتَغُوصُ فِي الْعُمْقِ. وَبَعْدَمَا ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَنْتَظِرُ دَهْرًا كَامِلًا حَتَّى أَرَى الشَّاطِئَ، تَمَكَّنْتُ أَخِيرًا مِنْ رُؤْيَتِهِ، حَيْثُ يَعْدُو رِجَالٌ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ مُنْتَظِرِينَ وُصُولَنَا، وَمُحَاوِلِينَ الْمُسَاعَدَةَ إِنْ أَمَكَنَهُمْ ذَلِكَ.
رَسَوْنَا بِأَمَانٍ! وَانْطَلَقَتْ صَيْحَاتُ الْمَرَحِ وَالتَّهْلِيلِ لَحْظَةَ اصْطِدَامِ الْقَارِبِ بِالشَّاطِئِ الرَّمْلِيِّ. وَأَلْقَى رِجَالٌ حَوْلَنَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ بِالْبَطَاطِينِ عَلَيْنَا كَيْ لَا نَشْعُرَ بِالْبَرْدِ. وَشَكَرَ قُبْطَانُنَا الرِّجَالَ الشُّجْعَانَ الَّذِينَ أَنْقَذُونَا شُكْرًا حَارًّا.
سَارَ طَاقَمُنَا كُلُّهُ بِبُطْءٍ عَائِدًا إِلَى يارماوث، وَرُوحُنَا الْمَعْنَوِيَّةُ فِي الحَضِيضِ لِأَنَّنَا فَقَدْنَا سَفِينَتَنَا. وَلَكِنَّ طِيبَةَ النَّاسِ فِي يارماوث كَانَ لَهَا دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي التَّخْفِيفِ عَنَّا، فَقَدْ دَبَّرَ الْقَاضِي الْمَحَلِّيُّ سَرِيرًا دَافِئًا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَّا لِقَضَاءِ اللَّيْلِ، وَكَانَ الْعَدِيدُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَتَاجِرِ طَيِّبِينَ، حَتَّى إِنَّهُمْ سَاعَدُونَا فِي الْعَوْدَةِ إِلَى لَنْدَنَ أَوْ هَال.
رَاوَغَنِي شَيْءٌ مِنَ الْحَنِينِ لِلْعَوْدَةِ إِلَى هال، وَمِنْ هُنَاكَ كَانَ يُمْكِنُنِي السَّفَرُ إِلَى يورك لِأَرَى وَالِدَيَّ، لَكِنَّ عَاطِفَتِي الْكُبْرَى كَانَتْ لَا تَزَالُ مُنْجَرِفَةً نَحْوَ خَوْضِ مُغَامَرَةٍ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَحْسِمَ أَمْرِي: هَلْ يَنْبَغِي لِي الْبَقَاءُ فِي يارماوث وَالْعُثُورُ عَلَى سَفِينَةٍ جَدِيدَةٍ؟ أَمْ عَلَيَّ الْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ؟
فِي يَوْمِيَ الثَّالِثِ فِي يارماوث، الْتَقَيْتُ صَدِيقِي جون صُدْفَةً وَهُوَ يَسِيرُ مَعَ وَالِدِهِ، وَبَدَا عَلَى كِلَيْهِمَا الضِّيقُ وَالِانْزِعَاجُ.
قَالَ جون: «أَبِي، هَذَا هُوَ روبنسون. أَتَذْكُرُ أَنَّنِي أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ صَاحَبَنَا لِيَعِيشَ حَيَاةَ الْبَحَّارِ. إِنَّهُ يَرْغَبُ فِي أَنْ يُمْضِيَ حَيَاتَهُ فِي الْبَحْرِ.»
نَظَرَ إِلَيَّ الْقُبْطَانُ بِتَأَمُّلٍ وَقَالَ: «روبنسون، اعْتَبِرْ هَذِهِ إِشَارَةً، وَعُدْ إِلَى بَلَدِكَ، فَحَيَاةُ الْبَحْرِ لَيْسَتْ لَكَ.»
سَأَلْتُهُ: «لَكِنْ يَا سَيِّدِي، هَلْ غَيَّرَتْ فِكْرَكَ هَذِهِ الْعَاصِفَةُ بِالْمِثْلِ؟ هَلْ سَتَتَوَقَّفُ عَنِ الْإِبْحَارِ بِسَبَبِهَا؟»
أَجَابَ الْقُبْطَانُ: «إِنَّ حَيَاتِي مُخْتَلِفَةٌ؛ هَذِهِ هِيَ مِهْنَتِي، وَمِنْ وَاجِبِي أَنْ أَعْمَلَ بَحَّارًا. أَمَّا أَنْتَ، فَمَا حَدَثَ كَانَ تَجْرِبَةً أَوِ اخْتِبَارًا، وَفِي الْحَالَتَيْنِ لَمْ يُحَالِفْكَ التَّوْفِيقُ. فَلَوْ أَصْرَرْتَ عَلَى حَيَاةِ الْبَحْرِ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ مَا قَدْ يَحْدُثُ لَكَ.»
تَحَدَّثَ الْقُبْطَانُ بِجِدِّيَّةٍ عَنِ الْحَظِّ الطَّيِّبِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّنِي أُدَاعِبُ الْمَوْتَ بِاسْتِمْرَارِي فِي السَّيْرِ وَرَاءَ أَحْلَامِي. وَانْجَرَفَ بِكَلَامِهِ بَعِيدًا حَتَّى قَالَ إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ النَّحْسِ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ فِعْلِي!
وَكَانَتْ آخِرُ كَلِمَاتٍ قَالَهَا لِي: «روبنسون، يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَأَكَّدَ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ إِذَا تَجَاهَلْتَ رَغَبَاتِ وَالِدِكَ، فَسَوْفَ تَلْقَى خَيْبَةَ الْأَمَلِ وَالنَّكَبَاتِ.»
أَوْمَأْتُ بِرَأْسِي وَسِرْتُ مُبْتَعِدًا. وَلَمْ أَرَ جون أَوْ وَالِدَهُ قَطُّ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ. وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَسِيرُ، فَكَّرْتُ مَلِيًّا فِيمَا قَالَهُ: فَمَاذَا إِنْ كَانَتِ الْعَاصِفَةُ إِشَارَةً؟ مَاذَا لَوْ كَانَتْ تَعْنِي أَنَّنِي لَا يَنْبَغِي لِي مُطْلَقًا أَنْ أَصِيرَ بَحَّارًا؟
وَقُلْتُ لِنَفْسِي: «رُبَّمَا يَنْبَغِي لِي الِاكْتِفَاءُ بِإِحْصَاءِ النِّعَمِ الَّتِي أَمْلِكُهَا وَالْعَوْدَةُ لِبَلَدِي. فَمَاذَا لَوْ كَانَ عَلَى صَوَابٍ وَتُلَاحِقُنِي لَعْنَةٌ؟» لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعِ الْعَوْدَةَ لِلْبَيْتِ مُجَرْجِرًا أَذْيَالَ الْفَشَلِ، فَلَنْ يَفْخَرَ بِي أَبِي أَبَدًا. لِذَا ابْتَلَعْتُ شُكُوكِي وَسَافَرْتُ إِلَى لَنْدَنَ.

الفصل الرابع
رِحْلَةٌ إِلَى أَفْرِيقْيَا


تَعَافَى حَظِّيَ الْعَاثِرُ فِي لَنْدَنَ. الْتَقَيْتُ بِصُحْبَةٍ حَسَنَةٍ وَقَابَلْتُ الْقُبْطَانَ كولببر، الَّذِي كَانَ قَدْ عَادَ لِتَوِّهِ مِنْ أَفْرِيقْيَا. وَكَانَتْ رِحْلَتُهُ الْبَحْرِيَّةُ إِلَى أَفْرِيقْيَا نَاجِحَةً إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ عَلَى وَشْكِ الْخُرُوجِ فِي رِحْلَةٍ أُخْرَى. تَقَاْسَمْنَا الْعَدِيدَ مِنَ الْوَجَبَاتِ وَدَارَ بَيْنَنَا عَدَدٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الرَّائِعَةِ. وَعِنْدَمَا عَلِمَ الْقُبْطَانُ كولببر بِرَغْبَتِي فِي رُؤْيَةِ الْعَالَمِ، قَرَّرَ أَنْ يَصْحَبَنِي مَعَهُ.
كَانَ الْقُبْطَانُ كولببر رَجُلًا نَزِيهًا وَعَادِلًا؛ فَلَمْ يَكْتَفِ بِاسْتِئْجَارِي فِي رِحْلَتِهِ الْبَحْرِيَّةِ، بَلْ شَمِلَنِي بِرِعَايَتِهِ؛ فَسَاعَدَنِي فِي شِرَاءِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُمْكِنُنِي الْمُتَاجَرَةُ بِهَا لِأَتَمَكَّنَ مِنْ جَنْيِ رِبْحٍ صَغِيرٍ. وَبَيْنَمَا كُنَّا مُبْحِرِينَ، عَلَّمَنِي أَيْضًا الْحِسَابَ وَالْمِلَاحَةَ وَالْعَدِيدَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْأُخْرَى الَّتِي يَحْتَاجُ الْبَحَّارَةُ إِلَى تَعَلُّمِهَا، وَأَسْدَى لِي نَصَائِحَ رَائِعَةً.
تَسَبَّبَتِ الْحَرَارَةُ الْمُرْتَفِعَةُ عَلَى الْأَرَاضِي شَدِيدَةِ الْقُرْبِ مِنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ فِي إِصَابَتِي بِحُمَّى شَدِيدَةٍ. فَفِي مُعْظَمِ الْوَقْتِ الَّذِي قَضَيْنَاهُ فِي الْجَنُوبِ، كُنْتُ مَرِيضًا. وَبَعْدَ مَا يُقَارِبُ الْعَامَ فِي الْبَحْرِ، عُدْنَا إِلَى لَنْدَنَ. وَلَمْ تَكُنِ الْعَوْدَةُ سَالِمًا الشَّيْءَ الطَّيِّبَ الْوَحِيدَ الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ مِنْ رِحْلَتِي، بَلْ عَرَفْتُ أَنَّنِي تَاجِرٌ مَاهِرٌ، وَجَنَيْتُ رِبْحًا وَفِيرًا مِنْ بَضَائِعِي.
وَبِالرُّغْمِ مِنْ تَحَسُّنِ حَالَتِي الصِّحِّيَّةِ لَدَى عَوْدَتِنَا لِلْأَجْوَاءِ الْأَكْثَرِ بُرُودَةً، فَقَدْ أُصِيبَ الْقُبْطَانُ كولببر بِالْحُمَّى نَفْسِهَا الَّتِي أَصَابَتْنِي لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوظًا بِمَا يَكْفِي؛ إِذْ تُوُفِّيَ بَعْدَ عَوْدَتِنَا بِقَلِيلٍ. وَافْتَقَدْتُهُ أَيَّمَا افْتِقَادٍ، فَقَدْ كَانَ صَدِيقًا وَفِيًّا وَمُعَلِّمًا مُخْلِصًا.
أَقْنَعَنِي نَجَاحِي كَتَاجِرٍ بِأَنَّنِي أَصَبْتُ الِاخْتِيَارَ، فَتَجَاهَلْتُ نَصِيحَةَ وَالِدِ جون، وَحَاوَلْتُ أَلَّا يَعْتَصِرَنِيَ الْحُزْنُ عَلَى الْقُبْطَانِ كولببر. وَعِنْدَمَا عَرَضَ عَلَيَّ نَائِبُ الْقُبْطَانِ مَكَانًا عَلَى سَفِينَةٍ تُوشِكُ عَلَى الْإِبْحَارِ إِلَى أَفْرِيقْيَا، انْتَهَزْتُ الْفُرْصَةَ لِلذَّهَابِ مَعَ الْمُبْحِرِينَ، وَتَرَكْتُ مُعْظَمَ ثَرْوَتِي حَدِيثَةِ الْعَهْدِ مَعَ أَرْمَلَةِ كولببر لِحِفْظِهَا، وَانْطَلَقْتُ فِي مُغَامَرَةٍ أُخْرَى.

الفصل الخامس
قَرَاصِنَةٌ!


قَدْرَ مَا تَغَيَّرَ حَظِّي لِلْأَفْضَلِ عِنْدَمَا وَصَلْتُ إِلَى لَنْدَنَ، أَصْبَحَ الْعَكْسُ بِالْعَكْسِ لَاحِقًا؛ فَسُرْعَانَ مَا أَصْبَحَتْ رِحْلَتِي الْبَحْرِيَّةُ الثَّانِيَةُ إِلَى أَفْرِيقْيَا أَسْوَأَ رِحْلَةٍ لِي حَتَّى حِينِهِ. وَسُرْعَانَ مَا عَلِمْتُ أَنَّ هُنَاكَ مَا هُوَ أَسْوَأُ بِكَثِيرٍ مِنْ هَبَّةِ رِيحٍ وَالْإِنْقَاذِ في اللحظة الأخيرة! فَبَيْنَمَا شَقَّتْ سَفِينَتُنَا طَرِيقَهَا إِلَى جُزُرِ الْكَنَارِي، بَاغَتَتْنَا سَفِينَةُ قَرَاصِنَةٍ.
طَارَدُونَا لِسَاعَاتٍ مُنْطَلِقِينَ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ، وَعِنْدَمَا لَحِقُوا بِنَا، كَانَتْ فُرْصَتُنَا الْوَحِيدَةُ لِلْبَقَاءِ هِيَ الْقِتَالَ، فَجَهَّزْنَا بَنَادِقَنَا لِلْمَعْرَكَةِ. واقتربت سَفِينَةُ الْقَرَاصِنَةِ من مُؤَخَّرَةِ سَفِينَتِنَا. اتَّخَذْنَا الْمُخَاطَرَةَ وَأَطْلَقْنَا النَّارَ مِنْ بَنَادِقِنَا كُلِّهَا مُبَاشَرَةً عَلَى سَفِينَةِ الْمُحْتَالِينَ، وَرَدُّوا عَلَى نِيرَانِنَا بِمَدَافِعِهِمُ الْكَبِيرَةِ.
وَبَدَأَ جَمِيعُ الْقَرَاصِنَةِ فِي إِطْلَاقِ النَّارِ مِنْ بَنَادِقِهِمْ بِدَوْرِهِمْ، لَكِنْ لَمْ تُصِبْ أَحَدًا مِنْ رِجَالِنَا أَيٌّ مِنْ طَلَقَاتِهِمْ!
لَمْ يَدُمْ هَذَا النَّصْرُ كَثِيرًا، وَخِلَالَ دَقَائِقَ كَانَ مَا يَقْرُبُ مِنَ السِّتِّينَ قُرْصَانًا عَلَى سَطْحِ سَفِينَتِنَا. قَطَعُوا حِبَالَنَا بِسُيُوفِهِمْ، ثُمَّ مَزَّقُوا أَشْرِعَتَنَا، لَكِنَّنَا أَجْبَرْنَاهُمْ عَلَى التَّقَهْقُرِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِنَا مُسْتَخْدِمِينَ بَنَادِقَنَا وَسُيُوفَنَا (وَأَبْعَدْنَاهُمْ عَنْ سَطْحِ سَفِينَتِنَا مَرَّتَيْنِ!) لَكِنَّ النَّصْرَ لَمْ يَبْدُ حَلِيفًا لَنَا، وَاسْتَسْلَمْنَا قَبْلَ أَنْ تُزْهَقَ أَيُّ نَفْسٍ.
أَخَذَنَا الْقَرَاصِنَةُ عَلَى سَفِينَتِهِمْ أَسْرَى، وَأَبْحَرْنَا إِلَى مِينَاءِ سلا، عَلَى السَّاحِلِ الشَّمَالِي لِأَفْرِيقْيَا. وَبِيعَ مُعْظَمُ رِجَالِ السَّفِينَةِ فِي الْبِلَادِ عَبِيدًا. وَأُعْجِبَ بِي قُبْطَانُ الْقَرَاصِنَةِ لِشَبَابِي وَفِطْنَتِي؛ فَقَرَّرَ الِاحْتِفَاظَ بِي.
وَبِذَلِكَ، فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، تَحَوَّلْتُ مِنْ تَاجِرٍ إِلَى عَبْدٍ، فَكُنْتُ فِي مُنْتَهَى التَّعَاسَةِ. تَرَدَّدَتْ كَلِمَاتُ وَالِدِي فِي ذِهْنِي، وَأَدْرَكْتُ أَنَّنِي سَأَظَلُّ أَبَدًا عَلَى هَذَا الْحَظِّ الْعَاثِرِ، فَرَغْبَتِي الْأَنَانِيَّةُ لِمُغَادَرَةِ دِيَارِي لَمْ يَكُنْ لِيُقَابِلَهَا شَيْءٌ سِوَى التَّعَاسَةِ.
قَضَيْتُ أَيَّامًا طَوِيلَةً أَعْمَلُ فِي حَدِيقَةِ سَيِّدِي، وَكَذَلِكَ أَقُومُ بِالْعَدِيدِ مِنَ الْمَهَامِّ الْمَنْزِلِيَّةِ، لَكِنَّ قَلْبِي وَجَسَدِي تَاقَا إِلَى الْعَوْدَةِ لِلْبَحْرِ، حَيْثُ تَتَوَفَّرُ لِي عَلَى الْأَقَلِّ فُرْصَةٌ لِلْهَرَبِ، لَكِنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَأْخُذْنِي قَطُّ إِلَى رِحْلَاتِهِ لِلصَّيْدِ، بَلْ كَانَ يَتْرُكُنِي لِلْعَمَلِ.
شَعَرْتُ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَيَّ أَطْوَلُ مِنْ سَابِقِهِ، وَمَرَّتْ سَنَتَانِ بِبُطْءٍ. لَيْلَ نَهَارَ لَمْ أَحْلُمْ بِشَيْءٍ سِوَى الْهَرَبِ. وَدُونَ أَصْدِقَاءٍ، لَمْ يَتَبَقَّ لِي سِوَى أَفْكَارِي لِتُؤْنِسَ وَحْدَتِي. كَانَ الْعَمَلُ شَاقًّا وَالشَّمْسُ مُحْرِقَةً. فَهَلْ سَأَقْضِي بَقِيَّةَ حَيَاتِي عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ؛ عَالِقًا فِي بَلَدٍ غَرِيبٍ، عَبْدًا لِسَيِّدٍ بَغِيضٍ؟

الفصل السادس
فُرْصَةُ الْهَرَبِ


أَخِيرًا، فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ صَحِبَنِي سَيِّدِي أَنَا وَعَبْدًا آخَرَ، يُدْعَى إِسْمَاعِيلَ، لِصَيْدِ السَّمَكِ مَعَهُ، لَكِنَّ الْجَوَّ تَغَيَّرَ سَرِيعًا فِي غَيْرِ صَالِحِنَا، فَعَلِقْنَا فِي ضَبَابٍ كَثِيفٍ، وَعِنْدَمَا تَمَكَّنَّا مِنَ الرُّؤْيَةِ بِوُضُوحٍ، أَبْحَرْتُ أَنَا وَإِسْمَاعِيلُ بَعِيدًا بَدَلًا مِنَ الْعَوْدَةِ لِلْمَنْزِلِ. وَبَعْدَمَا لَاقَيْنَا بَعْضَ الْمَشَقَّةِ، جَدَّفْنَا بِأَمَانٍ عَائِدَيْنِ إِلَى الشَّاَطئِ.ِ
حَدَثَ أَمْرَانِ بَعْدَ ذَلِكَ جَعَلَانِي أُفَكِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ الْهُرُوبِ؛ الْأَوَّلُ: كَانَ سَيِّدِي قَدِ اسْتَعَانَ بِنَجَّارٍ لِإِصْلَاحِ قَارِبِ الصَّيْدِ، فَأَصْبَحَ حِينَئِذٍ أَكْثَرَ اسْتِعْدَادًا لِخَوْضِ الْبِحَارِ فِي رِحْلَاتٍ أَطْوَلَ.
وَجَالَتْ بِخَاطِرِي الْفِكْرَةُ: «إِنَّ الْقَارِبَ الْجَدِيدَ مَتِينٌ، وَيُمْكِنُنِي الِابْتِعَادُ عَلَى مَتْنِهِ عَنْ مِينَاءِ سلا إِذَا أُتِيحَتْ لِيَ الْفُرْصَةُ!» يَا لَلْحَظِّ الْحَسَنِ الَّذِي جَعَلَ حَادِثَتَنَا تُخِيفُ سَيِّدِي!
بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأُسْبُوعِ نَفْسِهِ، خَطَّطَ سَيِّدِي لِإِقَامَةِ أُمْسِيَّةٍ مُمْتِعَةٍ عَلَى الْقَارِبِ لِبَعْضِ الْأَصْدِقَاءِ، وَكَانَ هَذَا هُوَ الْأَمْرَ الثَّانِيَ الَّذِي تَصَادَفَ وُقُوعُهُ لِمُسَاعَدَتِي فِي الْهَرَبِ. وَأَمَرَنِي بِتَخْزِينِ كَمِّيَّاتٍ مِنَ الْمُؤَنِ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَلَيَّ تَلْمِيعُ الْقَارِبِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَتَزْيِينُهُ مِنْ أَجْلِ الْحَفْلِ.
وَفِي الْيَوْمِ اللَّاحِقِ، وَقَبْلَ عَشْرِ دَقَائِقَ فَقَطْ مِنَ الْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ لِمُغَادَرَتِنَا، جَاءَ السَّيِّدُ وَصَعِدَ إِلَى الْمَرْكَبِ بِخُطُوَاتٍ ثَقِيلَةٍ. وَكَانَ غَاضِبًا! وَبَدَا لِي أَنَّ أَصْدِقَاءَهُ عَزَفُوا عَنْ قَضَاءِ الْيَوْمِ فِي الْبَحْرِ، فَأَمَرَنِي بِاصْطِحَابِ إِسْمَاعِيلَ وقَصُوري، وَهُوَ عَبْدٌ آخَرُ، لِلصَّيْدِ. فَحَتَّى لَوْ لَمْ يَذْهَبُوا لِلْبَحْرِ، فَلَا يَزَالُ السَّيِّدُ يُرِيدُ أَنْ يُطْعِمَ أَصْدِقَاءَهُ سَمَكًا طَازَجًا فِي الْعَشَاءِ الْخَاصِّ.
فَكَّرْتُ بِحَمَاسٍ: «تِلْكَ هِيَ فُرْصَتِي! يُمْكِنُنِي الْهَرَبُ!» لَكِنْ كَيْفَ؟ أَقْنَعْتُ إِسْمَاعِيلَ أَنَّنَا يَجِبُ أَلَّا نَأْكُلَ طَعَامَ السَّيِّدِ، لِذَا اخْتَزَنَ فِي الْقَارِبِ مُؤَنًا أَكْثَرَ.
وَبَيْنَمَا كَانَ هُوَ بَعِيدًا يُعِدُّ لَنَا الْأَغْرَاضَ، أَسْرَعْتُ فِي إِحْضَارِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الْأُخْرَى الَّتِي قَدْ نَحْتَاجُ إِلَيْهَا: شُمُوعٍ وَمِنْشَارٍ وَمِطْرَقَةٍ وَبَعْضِ خُيُوطِ القُنَّبِ وَفَأْسٍ.
وَبَعْدَهَا، تَحَايَلْتُ عَلَى قَصُوري لِيَجِدَ لَنَا بَعْضَ الْبَارُودِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّنَا يُمْكِنُنَا صَيْدُ بَعْضِ الطُّيُورِ الْبَرِّيَّةِ لِنَتَعَشَّى بِهَا. فَقَالَ لِي مُبْتَسِمًا: «نَعَمْ، يَا لَهَا مِنْ فِكْرَةٍ رَائِعَةٍ بِالْفِعْلِ!»
وَبَعْدَ بِضْعِ دَقَائِقَ، كُنَّا مُسْتَعِدِّينَ، وَأَبْحَرَ ثَلَاثَتُنَا بِاتِّجَاهِ الْمِينَاءِ. وَتَغَلَّبْنَا عَلَى الصِّعَابِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَبَعْدَهَا نَكَّسْنَا أَشْرِعَتَنَا لِلصَّيْدِ. فِي هَذَا الْيَوْمِ، كُانَتِ الرِّيَاحُ تَهُبُّ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ وَالشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ تَأْتِيَ الرِّيَاحُ مِنَ الْجَنُوبِ؛ فَبِهَا، يُمْكِنُنِي الْإِبْحَارُ إِلَى إِسْبَانْيَا، لَكِنَّنِي لَمْ أَقْنَطْ؛ فَأَيُّ رِيَاحٍ كَانَتْ سَتَحْمِلُنِي بَعِيدًا عَنْ سِجْنِيَ الَّذِي أَقْبَعُ فِيهِ عَلَى هَذِهِ الْأَرَاضِي، فَكُنْتُ فَرِحًا لِمُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فِي الْهُرُوبِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ.
وَكَانَ الْهُرُوبُ إِمَّا أَنْ يَحْدُثَ حِينَهَا أَوْ لَا يَحْدُثَ أَبَدًا.
قُلْتُ: «إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ الْمِيَاهَ أَصْبَحَتْ بَارِدَةً هُنَا، فَأَنَا لَا أَصْطَادُ أَيَّ شَيْءٍ، دَعْنَا نُبْحِرُ أَبْعَدَ قَلِيلًا.»
أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ مُوَافِقًا وَرَفَعَ الْأَشْرِعَةَ، وَسِرْنَا فَرْسَخًا آخَرَ فِي دَاخِلِ الْبَحْرِ. وَقَبْلَ أَنْ يُسْقِطَ الْمِرْسَاةَ مُبَاشَرَةً، اقْتَرَبْتُ مِنْهُ مِنَ الْخَلْفِ وَقَذَفْتُ بِهِ مِنْ فَوْقِ سَطْحِ الْمَرْكَبِ. فَصَرَخَ إِسْمَاعِيلُ وَصَاحَ: «دَعْنِي أَعُودُ إِلَى سَطْحِ الْمَرْكَبِ! مَاذَا تَفْعَلُ يَا روبنسون؟ سَوْفَ تَتَسَبَّبُ بِمَقْتَلِكَ!»
فَأَجَبْتُهُ صَائِحًا: «أَنْتَ سَبَّاحٌ مَاهِرٌ. عُدْ إِلَى الشَّاطِئِ يَا إِسْمَاعِيلُ، أَمَّا أَنَا فَسَأَهْرُبُ، وَلَا سَبِيلَ أَمَامَكَ لِإِيقَافِي!» فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، وَقَبِلَ مَصِيرَهُ، وَبَدَأَ يَسْبَحُ.
وَقَفَ قَصُوري عَلَى سَطْحِ الْمَرْكَبِ مُرْتَعِشًا، فَكَانَ خَائِفًا مِنْ أَنْ أَقْذِفَهُ مِنْ عَلَى سَطْحِ الْمَرْكَبِ هُوَ الْآخَرَ.
– «قَصُوري، لَا بُدَّ أَنْ تُقْسِمَ عَلَى مُسَاعَدَتِي، وَإِلَّا سَتَلْحَقُ بِإِسْمَاعِيلَ فِي الْبَحْرِ!» لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِ قَصُوري أَنْ يَسْبَحَ بِهَذِهِ الْمَهَارَةِ، لِذَا قَبِلَ بِشُرُوطِي عَلَى الْفَوْرِ.
عَلَى مَدَى السَّاعَاتِ الْقَلِيلَةِ اللَّاحِقَةِ، أَبْحَرْتُ بِاتِّجَاهِ مَضِيقِ جَبَلِ طَارِقٍ، فَحَتْمًا سَيُخْبِرُ إِسْمَاعِيلُ سَيِّدَنَا أَيَّ اتِّجَاهٍ سَلَكْنَا؛ لِذَا أَرَدْتُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّنِي ذَاهِبٌ إِلَى السَّاحِلِ الْإِسْبَانِيِّ، وَبِمُجَرَّدِ هُبُوطِ الْغَسَقِ، رَجَعْتُ بِالْقَارِبِ، فَكَانَ اتِّجَاهُنَا الْجَدِيدُ صَوْبَ الْجَنُوبِ. وَكَانَتْ مِنْطَقَةً مُخِيفَةً وَمَجْهُولَةً، لَكِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يُدْرِكَنَا أَحَدٌ، وَلَمْ أُرِدْ أَبَدًا أَنْ أَعُودَ لِلْعُبُودِيَّةِ مِنْ جَدِيدٍ.

الفصل السابع
الْأَحْرَارُ


أَبْحَرْنَا لِمُدَّةِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ نَتَوَقَّفَ. كُنَّا حِينَئِذٍ بَعِيدَيْنِ بِمَا يَكْفِي عَنْ مِينَاءِ سلا ثم أَبْحَرْنَا إِلَى أَعَالِي نَهْرٍ عَظِيمٍ، لَكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ تَحْدِيدًا أَيْنَ كُنَّا، لَكِنَّ هَذَا لَمْ يُهِمَّنِي، تَكْفِينِي حُرِّيَّتِي. إِلَّا أَنَّ قَصُوري لَمْ يَكُنْ مُتَحَمِّسًا مِثْلِي لِلِابْتِعَادِ عَنِ السَّيِّدِ، فَكَانَ مَذْعُورًا؛ وَكُلَّمَا أَبْحَرْنَا إِلَى أَعَالِي النَّهْرِ، ازْدَادَ رَجَاءً أَلَّا نَذْهَبَ إِلَى الشَّاطِئِ، وَخَاصَّةً بَعْدَ سَمَاعِنَا أَصْوَاتًا عَالِيَةً لِحَيَوانَاتٍ لَا نَعْرِفُهَا. وَمَالَتِ الشَّمْسُ لِلْمَغِيبِ، فَفَعَلْتُ كَمَا طَلَبَ مِنِّي قَصُوري وَلَم أُغَامِرْ بِالنُّزُولِ مِنَ الْمَرْكَبِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَرَقَدْنَا عَلَى سَطْحِ الْمَرْكَبِ، وَنَظَرْنَا حَوْلَنَا نَتَرَقَّبُ.
بَعْدَهَا بِقَلِيلٍ وَقَعَ أَمْرٌ مَا! وُحُوشٌ ضَخْمَةٌ جَاءَتْ إِلَى الشَّاطِئِ، مُصْدِرَةً أَصْوَاتًا عَالِيَةً وَمُرْعِبَةً، أَصْوَاتًا مُخِيفَةً لَمْ تَسْمَعْهَا أُذُنَايَ مِنْ قَبْلُ.
انْخَلَعَ قَلْبَانَا مِنَ الرُّعْبِ، وَعِنْدَمَا سَبَحَ أَحَدُ الْوُحُوشِ تِجَاهَنَا فَزِعْنَا! مَاذَا لَوْ وَصَلَ إِلَى الْمَرْكَبِ؟ مَاذَا لَوْ صَعِدَ إِلَى سَطْحِ الْمَرْكَبِ؟ مَاذَا لَوْ أَغْرَقَ الْمَرْكَبَ؟ مَاذَا سَنَفْعَلُ حِينَهَا؟ هَرْوَلْتُ مُسْرِعًا وَأَمْسَكْتُ بِأَحَدِ بَنَادِقِنَا وَأَطْلَقْتُ النَّارَ فِي الْهَوَاءِ لِأُخِيفَهُ، وَوَقَعَ مَا أَرَدْتُهُ! فَأَسْرَعَ الْوَحْشُ وَسَبَحَ عَائِدًا إِلَى الشَّاطِئِ.
تَسَاءَل قَصُوري: «مَاذَا سَنَفْعَلُ؟»
أَجَبْتُهُ: «حَسَنًا، إِنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى مِيَاهٍ لِلشُّرْبِ، فَلَمْ يَتَبَقَّ مَعَنَا أَيٌّ مِنْهَا. وَبِالرُّغْمِ مِنْ فَزَعِنَا، عَلَيْنَا الذَّهَابُ لِلشَّاطِئِ غَدًا.»
ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ بَاكِرًا فِي صَبَاح الْيَوْمِ التَّالِي، وَجَدَّفْنَا بِبُطْءٍ نَحْوَ الْيَابِسَةِ، وَأَلْقَيْنَا بِالْمِرْسَاةِ. وَبَعْدَهَا، قَفَزْتُ أَنَا وَقَصُوري وَسَبَحْنَا سَرِيعًا قَدْرَ اسْتِطَاعَتِنَا إِلَى الشَّاطِئِ. فَكُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَسْرِقَ مَرْكَبَنَا أَهْلُ الْبَلَدِ؛ لِذَا لَمْ أُرِدِ الذَّهَابَ بِهَا تِجَاهَ الشَّاطِئِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي، فَقَدْ سَمِعْتُ قِصَصًا مُرِيعَةً عَنْ بَحَّارَةٍ عَلِقُوا فِي بَلَدٍ غَرِيبٍ مَعَ أَشْخَاصٍ غَيْرِ وَدُودِينَ يَسْرِقُونَ قَوَارِبَهُمْ وَجَمِيعَ أَمْتِعَتِهِمْ، وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْبَحَّارَةِ ثَانِيةً قَطُّ! وَقَالَ قَصُوري إِنَّهُ سَيَتَحَلَّى بِالشَّجَاعَةِ وَسَيَذْهَبُ لِإِحْضَارِ مَاءِ الشُّرْبِ. فَجَلَسْتُ بِجَانِبِ الْمَرْكَبِ أُرَاقِبُ بِمِنْظَارِي.
وَبَعْدَ وَقْتٍ قَلِيلٍ، جَاءَ عَدْوًا، فَظَنَنْتُ أَنَّ هُنَاكَ مَا يُلَاحِقُهُ؛ لِذَا جَرَيْتُ نَحْوَهُ لِأَرَى إِنْ كُنْتُ أَسْتَطِيعُ الْمُسَاعَدَةَ. وَعِنْدَمَا وصلت إليه، أَرَانِي قَصُوري بِفَخْرٍ أَنَّهُ اصْطَادَ حَيَوَانًا بَرِّيًّا، بَدَا كَأَنَّهُ أَرْنَبٌ بَرِّيٌّ، لَكِنَّ أَلْوَانَه مُخْتَلِفَةٌ وَأَرْجُلَه أَطْوَلُ، مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ مَلِيئَةٌ بالْعَجَائِبِ!
صِحْتُ مِنَ الْمُفَاجَأَةِ: «حَسَنًا فَعَلْتَ يَا قَصُوري!»
أَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَكُنَّا فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ لِعُثُورِنَا عَلَى الْمَاءِ وَالْغِذَاءِ دُونَ أَنْ نُلَاقِيَ أَيًّا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ تِلْكَ الْوُحُوشِ الَّتِي أَرْعَبَتْنَا لَيْلَةَ الْأَمْسِ.
دَفَعَتْنِي رِحْلَاتِي السَّابِقَةُ لِسَاحِلِ شَمَالِ أَفْرِيقْيَا إِلَى التَّفْكِيرِ بِأَنَّنَا كُنَّا عَلَى وَشْكِ الْوُصُولِ إِلَى جُزُرِ الْكَنَارِي، لَكِنْ بِدُونِ الْمُعَدَّاتِ، لَا يُمْكِنُنِي الْجَزْمُ بِمَكَانِنَا بِالضَّبْطِ. فَبِدُونِ مَعْرِفَةِ مَكَانِ اتِّجَاهِنَا، واصلنا الإبحار بِمُحَاذَاةِ الشَّاطِئِ. وَكَانَ أَمَلِي هُوَ مُصَادَفَةَ سَفِينَةِ تِجَارَةٍ إِنْجِلِيزِيَّةٍ يُمْكِنُهَا أَنْ تُعِيدَنَا إِلَى وَطَنِي.
أَبْحَرْنَا بِمُحَاذَاةَ مَنَاظِرَ طَبِيعِيَّةٍ مُزْدَهِرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالْحَيَوَانَاتِ الْمُثِيرَةِ. وَلَمْ نَتَعَرَّفْ عَلَى الْعَدِيدِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَجَوَّلَتْ حَوْلَنَا، لَكِنَّنَا أَيْضًا تَعَرَّفْنَا عَلَى الْعَدِيدِ مِنْهَا مِثْلَ الْأُسُودِ وَالنُّمُورِ وَالْفُهُودِ. وَكُنَّا نَتَوَقَّفُ كُلَّ يَوْمَيْنِ لِنَبْحَثَ عَنِ الْمَزِيدِ مِنْ مِيَاهِ الشُّرْبِ. وَاسْتَمْرَرْنَا عَلَى هَذَا النَّحْوِ كَثِيرًا دُونَ أَنْ نَرَى أَشْخَاصًا، حَتَّى اقْتَنَعْتُ بِأَنْ لَا أَحَدَ يَعِيشُ فِي هَذِهِ الْأَرْجَاءِ.

الفصل الثامن
السَّفِينَةُ الْإِنْجِلِيزِيَّةُ


مَرَّتْ عَشْرَةُ أَيَّامٍ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ نُصَادِفَ إِنْسَانًا غَيْرَنَا. أما عمن قَابَلْنَا مِنَ النَّاسِ بَعْدَئِذٍ، فَكَانُوا وَدُودِينَ وَمُتَعَاوِنِينَ، وَكَانُوا يَرْتَدُونَ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَلَابِسِ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِنَفْسِ لُغَتِنَا، لَكِنَّهُمْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْكَرَمِ؛ فَأَعْطَوْنَا الْغِذَاءَ وَالْمَاءَ مَعَ أَنَّنَا لَمْ نَمْلِكْ شَيْئًا لِنُعْطِيَهُمْ إِيَّاهُ فِي الْمُقَابِلِ.
وَمَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الغُرَبَاءَ كَانُوا فِي غَايَةِ اللُّطْفِ، كُنَا لَا نَزَالُ بِحَاجَةٍ إِلَى إِيجَادِ سَفِينَةٍ إِنْجِلِيزِيَّةٍ؛ فَقَارِبُنَا الصَّغِيرُ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِيَحْتَمِلَ كُلَّ هَذَا الْإِبْحَارِ، وَكَانَتْ فُرْصَتُنَا الْوَحِيدَةُ لِلنَّجَاةِ هِيَ أَنْ يُنْقِذَنَا أَحَدٌ. لَمْ أُخْبِرْ قَصُوري بِقَلَقِي عَلَيْنَا بِشَأْنِ اجْتِيَازِ هَذِهِ الْمِحْنَةِ؛ فَلَمْ أُرِدْ لَهُ الْخَوْفَ أَوِ الْإِحْبَاطِ.
ظَلَلْنَا نُبْحِرُ، وَمَرَّ أُسْبُوعٌ آخَرُ، وَأَخِيرًا مَرَرْنَا عَلَى بَعْضِ الْعَلَامَاتِ الَّتِي تَعَرَّفْتُ عَلَيْهَا. فَعَلَى مَسَافَةِ مَا يَقْرُبُ مِنْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنَ السَّاحِلِ، تَمَكَّنْتُ مِنْ رُؤْيَةِ جُزُرِ الرَّأْسِ الأَخْضَرِ، فَأَطْلَقْتُ صَيْحَةَ فَرَحٍ!
سَأَلَنِي قَصُوري: «مَاذَا هُنَالِكَ يَا روبنسون؟»
أَشَرْتُ عَبْرَ الْمَنَاظِرِ الطَّبِيعِيَّةِ وَقُلْتُ لَهُ: «هَلْ ترى هَذِهِ الْجُزُرَ؟ مِنْ هُنَا سَنَصِلُ إِلَى إِنْجِلْتِرَا! أَصْبَحْنَا فِي أَمَانٍ، لَقَدْ نَجَوْنَا يَا قَصُوري! نَجَوْنَا!»
سَرِيعًا مَا تَحَوَّلَتِ ابْتِسَامَتِي إِلَى عُبُوُسٍ عِنْدَمَا أَمْعَنْتُ التَّفْكِيرَ فِي مَوْقِفِنَا، فَإِذَا انْطَلَقْنَا عَبْرَ الْبَحْرِ الْمُمْتَدِّ وَعَلِقْنَا فِي رِيَاحٍ مُعَاكِسَةٍ، سَنَنْجَرِفُ وَلَنْ يَبْقَى لَنَا أَيُّ أَثَرٍ. فَذَهَبْتُ لِلدَّاخِلِ لِلْجُلُوسِ فِي حُجَيْرَتِي الصَّغِيرَةِ — حُجَيْرَةِ الْقُبْطَانِ — لِلتَّفْكِيرِ فِي الْخَيَارَاتِ الْمُتَاحَةِ أَمَامَنَا.
سَمِعْتُ قَصُوري يُنَادِينِي مِنَ الْخَارِجِ: «يَا روبنسون! أَرَى سَفِينَةً! أَرَى سَفِينَةً!»
وَكَانَتْ حَقِيقَةً، هُنَاكَ سَفِينَةٌ! وَبَدَتْ بُرْتُغَالِيَّةً. أَخَذْتُ الْمِنْظَارَ وَبَدَأْتُ أَنْظُرُ بِتَمَعُّنٍ لِأَرَى إِذَا كَانَتْ مُتَّجِهَةً إِلَى الشَّاطِئِ. يَا لَلْخَسَارَةِ، لَمْ نَكُنْ مَحْظُوظَيْنِ بِمَا يَكْفِي، فَالسَّفِينَةُ كَانَتْ تُبْحِرُ بَعِيدًا عَنَّا.
فَجَالَ فِي خَاطِرِي: «أَوَّاهُ، لَا! لَنْ أَدَعَهُمْ يَذْهَبُونَ دُونَ أَنْ أُحَاوِلَ عَلَى الْأَقَلِّ أَنْ أَجْذِبَ انْتِبَاهَهُمْ.»
قُلْتُ صَائِحًا: «هَيَّا، يَا قَصُوري! دَعْنَا نُحَاوِلُ وَنَلْحَقُ بِهِمْ.» وَرَفَعْنَا أَكْبَرَ قَدْرٍ مِنَ الْأَشْرِعَةِ يُمْكِنُ لِمَرْكَبِنَا الصَّغِيرِ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ بِهِ، وَلَاحَقْنَا السَّفِينَةَ بِأَكْبَرِ سُرْعَةٍ مُمْكِنَةٍ، لَكِنْ سَرِيعًا مَا اتَّضَحَ أَنَّنَا لَنْ نَلْحَقَ بِهِمْ أَبَدًا.
وَتَسَاءَلَ قَصُوري: «مَاذَا نَفْعَلُ الْآنَ، يَا روبنسون؟»
قُلْتُ: «الْبَنَادِقُ! عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ النَّارَ مِنَ الْبَنَادِقِ وَنَأْمُلُ أَنْ يَسْمَعُونَا!»
هُرِعَ كُلٌّ مِنَّا إِلَى بَنَادِقِنَا وَبَدَأْنَا فِي إِطْلَاقِ النَّارِ، وَتَمَنَّيْتُ وَدَعَوْتُ أَنْ تَسْمَعَ السَّفِينَةُ الْأُخْرَى إِشَارَةَ الِاسْتِغَاثَةِ.
لَمْلَمَتِ السَّفِينَةُ الْأُخْرَى أَشْرِعَتَهَا وَأَبْطَأَتِ السَّيْرَ! فَابْتَسَمْتُ ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً لِقَصُوري وَقُلْتُ: «لَقَدْ سَمِعُوا طَلَقَاتِنَا! سَوْفَ يَنْتَظِرُونَنَا. هَيَّا بِنَا، لِنَذْهَبْ!»
اسْتَغْرَقْنَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ لِنَلْحَقَ بِهِمْ، وَعِنْدَمَا وَصَلْنَا بِمُحَاذَاتِهِمْ، صَاحَ الرِّجَالُ مِنْ عَلَى سَطْحِ سَفِينَتِهِمْ يُكَلِّمُونَنَا بِلُغَاتٍ عَدِيدَةٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ أَوَّلًا حَاوَلَوا بِالْبُرْتُغَالِيَّةِ، وَبعْدَهَا الْإِسْبَانِيَّةِ، ثُمَّ الْفَرَنْسِيَّةِ، لَكِنَّنَا لَمْ نَسْتَطِعْ فَهْمَ أَيٍّ مِنْهَا، وَأَخِيرًا تَكَلَّمَ بَحَّارٌ اسْكُتْلَنْدِيٌّ مِنْ عَلَى سَفِينَتِهِمْ صَائِحًا: «مَنْ أَنْتُمْ؟ وَمَاذَا حَدَثَ؟»
شَرَحْتُ لَهُ أَنَّنِي كُنْتُ بَحَّارًا إِنْجِلِيزِيًّا وَأَسَرَنِيَ الْقَرَاصِنَةُ، وَقُلْتُ لَهُ إِنَّنِي قَضَيْتُ السَّنَوَاتِ الْقَلِيلَةَ الْمَاضِيَةَ فِي الْأَسْرِ كَعَبْدٍ، وَانْبَهَرَ الْبَحَّارَةُ مِنْ تَمَكُّنِنَا مِنَ الْهَرَبِ، فَأَخَذُونِي أَنَا وَقَصُوري عَلَى سَطْحِ سَفِينَتِهِمْ، وَأَخِيرًا نَجَوْنَا!
كَانَ قُبْطَانُ السَّفِينَةِ طَيِّبًا جِدًّا، فَعِنْدَمَا عَرَضْتُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا أَمْلِكُ مِنْ أَشْيَاءَ مُقَابِلَ رِحْلَةٍ آمِنَةٍ إِلَى الْبَرَازِيلِ، ابْتَسَمَ وَقَالَ: «سَآخُذُكُمْ مَعِي إِلَى الْبَرَازِيلِ، وَلَا دَاعِيَ لِدَفْعِ مُقَابِلٍ.»
شَكَرْتُهُ عَلَى طِيبَتِهِ، وَكَانَ الْقُبْطَانُ كَذَلِكَ رَحِيمًا جِدًّا مَعَ قَصُوري وَأَعْطَاهُ فِي الْحَالِ وَظِيفَةَ بَحَّارٍ عَلَى السَّفِينَةِ، مِمَّا أَسْعَدَ قَصُوري أَيَّمَا سَعَادَةٍ. وَعِنْدَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ رَحْمَتَهُ لَنْ تَتَّسِعَ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، عَرَضَ عَلَيْنَا شِرَاءَ مَرْكَبِنَا الصَّغِيرِ! فَوَافَقْتُ عَلَى عَرْضِهِ فِي الْحَالِ، وَإِضَافَةً إِلَى الْمَرْكَبِ، اشْتَرَى بَعْضَ عَتَادِنَا الْآخَرَ أَيْضًا.
حَظِينَا بِرِحْلَةٍ آمِنَةٍ وَسَعِيدَةٍ إِلَى الْبَرَازِيلِ، وَحَصَلْتُ عَلَى الْمَالِ مِنَ الْقُبْطَانِ الطَّيِّبِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّنِي لَمْ أَكْنُ مُفْلِسًا تَمَامًا عَلَى أَرْضٍ غَرِيبَةٍ لَمْ تَطَأْهَا قَدَمَايَ مِنْ قَبْلُ. وَأَقَمْتُ مَعَ أَحَدِ أَصْدِقَاءِ الْقُبْطَانِ، وَكَانَ يَمْتِلْكُ وَيُدِيرُ مَزْرَعَةً كَبِيرَةً لِلسُّكَّرِ، وَبَدَا عَمَلُ زِرَاعَةِ السُّكَّرِ شَائِقًا فِي رَأْيِي؛ لِذَا حَاوَلْتُ التَّعَلُّمَ قَدْرَ مَا اسْتَطَعْتُ.
اسْتَهْوَتْنِي حَيَاةُ الزِّرَاعَةِ، وَبِالْمَالِ الَّذِي أَخَذْتُهُ مِنَ الْقُبْطَانِ الطَّيِّبِ، اشْتَرَيْتُ قِطْعَةَ أَرْضٍ كَبِيرَةً وَجَيِّدَةً، وَخَطَّطْتُ لِإِقَامَةِ مَزْرَعَةِ سُكَّرٍ مِثْلِ الْمَزْرَعَةِ حَيْثُ كُنْتُ أُقِيمُ. وَكَانَتْ فُرَصِي عَظِيمَةً فِي الْبَرَازِيلِ، لَكِنْ لِكَيْ أَبْقَى كُنْتُ أَحْتَاجُ لِخَطَابِ تَجْنِيسٍ، وَكَمَا عَرَفْتُ لَمْ يَكُنْ الْحُصُولُ عَلَيْهِ عَسِيرًا.

الفصل التاسع
حَيَاةُ الزِّرَاعَةِ


عَلَى مَدَى السَّنَتَيْنِ اللَّاحِقَتَيْنِ، تَوَسَّعَتْ رُقْعَةُ أَرَاضِيَّ وَزَادَتْ مَحَاصِيلِي، وَلَكِنَّ إِنَتَاجِي كَانَ قَلِيلًا، وَكَانَ بِالأَسَاسِ يَسُدُّ حَاجَتِي وَحَاجَةَ طَاقَمِ الْعَمَلِ مِنَ الْغِذَاءِ وَيُحَافِظُ عَلَى صِحَّتِنَا. وَمَعَ هَذَا، بَدَتْ بَشَائِرُ النَّجَاحِ مُبْهِرَةً، وَكُنْتُ سَعِيدًا بِتَقَدُّمِي حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ.
كَانَ هُنَاكَ شَابٌّ صَغِيرٌ يَمْتَلِكُ الْمَزْرَعَةَ الْمُجَاوِرَةَ لِمَزْرَعَتِي، وَكَانَ بُرْتَغَالِيًّا بِالْمِيلَادِ، وَلَكِنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا إِنْجِلِيزِيَّيْنِ، وَكَانَ يُدْعَى ويلز. أَصْبَحْنَا صَدِيقَيْنِ عَزِيزَيْنِ، بَلْ وَحَتَّى جَارَيْنِ فَاضِلَيْنِ. وَعَلَى مَدَى هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ، نَمَتْ مَزَارِعُنَا بِنَفْسِ السُّرْعَةِ تَقْرِيبًا، فَكَانَ كُّلٌّ مِنَّا يُجِيدُ طَرِيقَتَهُ فِي امْتِلَاكِ مَزَارِعِ قَصَبِ سُكَّرٍ نَاجِحَةٍ.
كُنْتُ أَنَا وَويلز فِي الْعَادَةِ نَسِيرُ فِي جَوْلَاتٍ طَوِيلَةٍ مَعًا. تَحَدَّثْنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ: مَزَارِعِنَا وَخُطَطِنَا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَمَاضِينَا، وَأَذْكُرُ أَنَّنِي أَخْبَرْتُهُ يَوْمًا مَا أَنَّنِي أَشْعُرُ كَأَنِّي رَجُلٌ عَلِقَ فِي جَزِيرَةٍ مَهْجُورَةٍ هُنَاكَ فِي الْبَرَازِيلِ، وَأَخْبَرْتُهُ عَنْ وَالِدِي، وَعَنْ مَدَى اشْتِيَاقِي إِلَيْهِ هُوَ وَوَالِدَتِي.
قَالَ إِنَّهُ مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ أَفْتَقِدَ وَالِدَيَّ. وَكَانَ مُحِقًّا، فَكَانَ أَبِي لِيَسْعَدَ بِرُؤْيَتِي؛ إِذْ بَنَيْتُ حَيَاةً كَرِيمَةً، وَكُنْتُ سَعِيدًا فِيهَا وَآمِنًا، وَفِي طَرِيقِي لِأُصْبِحَ ثَرِيًّا.
جَنَيْنَا مَحْصُولًا جَيِّدًا فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ كَذَلِكَ. وَكَانَ لَدَيَّ كُلُّ مَا قَدْ يَتَمَنَّاهُ الْإِنْسَانُ؛ مَزْرَعَةٌ مُثْمِرَةٌ، وَمَالٌ، وَأَصْدِقَاءٌ. لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ هَانِئًا؛ فَفِي عَمِيقِ قَلْبِي، أَدْرَكْتُ أَنَّ المَشَاعِرَ سَتَنْتَصِرُ عَلَى المَنْطِقِ، فَنَزْعَتِي الْحَمْقَاءُ لِلْإِثَارَةِ غَالِبًا مَا تَكُونُ لَهَا الغَلَبَةُ.
فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، تَحَدَّثْتُ عَنْ مُغَامَرَاتِي فِي الْبَحْرِ لِأَيِّ شَخْصٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَمِعَ، وَمَعَ كُلِّ مَرَّةٍ أَرْوِي فِيهَا الْحِكَايَاتِ، تَكْبُرُ الْقِصَصُ. وَاسْتَحْوَذَ الِاهْتِمَامُ الشَّدِيدُ بِرِحْلَاتِي عَلَى مَجْمُوعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمَزَارِعِ الْآخَرِينَ، فَحَمَّسَتْهُمُ الْفُرْصَةُ فِي أَنْ يُصْبِحُوا أَكْثَرَ ثَرَاءً. وَعَاجِلًا، وَضَعْنَا الْخُطَطَ لِتَجْهِيزِ سَفِينَةٍ لِرِحْلَةٍ بَحْرِيَّةٍ إِلَى أَفْرِيقْيَا.
عَرَفْتُ بِقَلْبِي أَنَّ هَذَا الْقَرَارَ أَحْمَقُ، لَكِنَّهُ مَا إِنْ دَخَلَ حَيِّزَ التَّنْفِيذِ كَحَجَرٍ بَدَأ فِي التَّدَحْرُجِ لِأَسْفَلِ تَلٍّ، لَمْ يَكُنْ بِيَدِي حِيلَةٌ لِإِيقَافِهِ. فَلَمْ أَكُنْ فِي حَاجَةٍ لِأَنْ أَزِيدَ ثَرْوَتِي، وَلَمْ أَكُنْ فِي حَاجَةٍ لِأُغَيِّرَ حَيَاتِي، وَلَمْ أَكُنْ فِي حَاجَةٍ إِلَى أَيِّ مُغَامَرَةٍ، بَلْ كُنْتُ أَنَا مَنْ دَمَّرَ نَفْسِي. وَلَمْ أَسْتَطِعْ مُقَاوَمَةَ الْعَرْضِ، مِثْلَمَا رَفَضْتُ الْإِصْغَاءَ لِوَالِدِي مُنْذُ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ.
تَحَدَّدَتْ تَوَارِيخُ الرِّحْلَةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَبَعْدَهَا بِوَقْتٍ وَجِيزٍ كَانَتِ السَّفِينَةُ جَاهِزَةً لِلِانْطِلَاقِ. وَوَضَعْنَا خُطَطَ التِّجَارَةِ الرَّسْمِيَّةَ وَكَتَبْتُ وَصِيَّةً، وَتَرَكْتُ ويلز مَسْئُولًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَاثِقًا أَنَّهُ سَيَعْتَنِي بِمَزْرَعَتِي أَثْنَاءَ غِيَابِي.

الفصل العاشر
أَفْرِيقْيَا مِنْ جَدِيدٍ


صَعِدْتُ إِلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ فِي الأَوَّلِ مِنْ سِبْتَمْبِرَ ????، بَعْدَ ثَمَانِي سَنَوَاتٍ بِالضَّبْطِ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي قُمْتُ فِيهِ بِرِحْلَتِي الأُولَى المَشْئُومَةِ مِنْ هَالْ، لَكِنِّي حَاوَلْتُ أَلَّا أُفَكِّرَ بِهَذَا، فَلَمْ أُرِدْ أَنْ أُنْحِسَ رِحْلَتِي.
حَمَلَتِ السَّفِينَةُ ??? طُنًّا مِنَ الْمُؤَنِ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، إِضَافَةً إِلَى الْقُبْطَانِ، وَخَادِمِهِ، وَأَنَا. وَلَمْ تَكُنْ حَمُولَتُنَا كَبِيرَةً عَلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ، فَقَطْ مَا أَرَدْنَا مُقَايَضَتَهُ مَعَ الْأَفَارِقَةِ.
عِنْدَمَا بَدَأْنَا الرِّحْلَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، كَانَ الطَّقْسُ رَائِعًا، فَأَشْرَقَتِ الشَّمْسُ بِسُطُوعٍ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ فِي الِاتِّجَاهِ الْمُوَاتِي بِالضَّبْطِ. وَسَلَكْنَا طَرِيقَنَا شَمَالًا، قَاصِدِينَ الْإِبْحَارَ إِلَى أَفْرِيقْيَا، حَيْثُ وَصَلْنَا إِلَى دَائِرَةِ عَرْضِ عَشْرٍ أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَرَجَةً.
ضَرَبَتْنَا عَاصِفَةٌ عَاتِيَةٌ بَعْدَ إِبْحَارِنَا بِاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، فَكَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَتَمَاسَكَ بَيْنَمَا تَتَقَاذَفُ الْعَاصِفَةُ السَّفِينَةَ هُنَا وَهُنَاكَ. فَقَدْنَا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ أَثْنَاءَ هَذَا الْإِعْصَارِ؛ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ مِنَ الِالْتِهَابِ الرِّئَوِيِّ، وَجَرَفَتِ الْمِيَاهُ الِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ مِنْ عَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ، وَاسْتَمَرَّتِ الْعَاصِفَةُ تَعْصِفُ بِنَا لِأُسْبُوعَيْنِ مُتَوَاصِلَيْنِ، وَمَلَأَ الرُّعْبُ قُلُوبَنَا.
بَعْدَ مُرُورِ مَا بَدَا لَنَا دَهْرًا، هَدَأَ الطَّقْسُ أَخِيرًا، لَكِنَّنَا قُذِفْنَا بَعِيدًا عَنْ مَسَارِنَا وَأَرَادَ الْقُبْطَانُ مَعْرِفَةَ مَكَانِنَا الْحَالِيِّ، فَقَضَيْتُ سَاعَاتٍ فِي حُجْرَةِ الْقُبْطَانِ، أُحَاوِلُ مَعَهُ تَقْرِيرَ مَاذَا نَفْعَلُ؛ رَاجَعْنَا خَرَائِطَنَا، وَرُسُومَنَا الْبَحْرِيَّةَ، وَرُسُومَنَا الْبَيَانِيَّةَ.
قَالَ الْقُبْطَانُ بَعْدَ تَفْكِيرٍ مُتَمَعِّنٍ: «رُبَّمَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْنَا أَنْ نَذْهَبَ مِنْ حَيْثُ أَتَيْنَا.»
أَجَبْتُهُ: «لَكِنَّنَا بَعِيدُونَ جِدًّا عَنِ الْمَسَارِ، لَعَلَّ مِنَ الْأَسْلَمِ أَنْ نَتَّجِهَ إِلَى جُزُرِ الْكَارِيبِي، فَعَلَى الْأَقَلِّ يُمْكِنُنَا هُنَاكَ إِعَادَةُ تَهْيِئَةِ السَّفِينَةِ، وَقَدْ نَجِدُ اثْنَيْنِ مِنَ الْبَحَّارَةِ يَرْغَبَانِ فِي الِانْضِمَامِ لِطَاقَمِنَا.»
نَظَرَ بِعِنَايَةٍ فِي الْوَرَقِ عَلَى مِنْضَدَتِهِ وَقَالَ: «هَذَا صَحِيحٌ، يُمْكِنُنَا أَنْ نَصِلَ إِلَيْهَا فِي الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ الْقَادِمَةِ. وَأَظُنُّ أَنَّكَ مُحِقٌّ، هَذِهِ هِيَ أَفْضَلُ الخُطَطِ.»
وَأَخْبَرَ الْقُبْطَانُ طَاقَمَ السَّفِينَةِ أَنَّنَا مُتَّجِهُونَ إِلَى الْكَارِيبِي، وَغَيَّرْنَا مَسَارَنَا فِي حِينِهِ. وَكَانَتِ السَّفِينَةُ مُتَضَرِّرَةً بِشِدَّةٍ، وَيَتَسَرَّبُ الْمَاءُ إِلَيْهَا بِكَثْرَةٍ. وَبِالرُّغْمِ مِنْ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ، فَكُنَّا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ إِمْكَانِيَّةِ بُلُوغِنَا باربادوس فِي غُضُونِ أُسْبُوعَيْنِ تَقْرِيبًا.

الفصل الحادي عشر
تَحَطُّمُ السَّفِينَةِ!


خِلَالَ يَوْمَيْنِ مِنْ تَغْيِيرِنَا لِلْمَسَارِ، هَبَّتْ عَاصِفَةٌ أُخْرَى، وَقَذَفَتْنَا الرِّيَاحُ بَعِيدًا — تِجَاهَ أَقْصَى الْغَرْبِ — وَمِنْ جَدِيدٍ، ضَلَلْنَا طَرِيقَنَا تَمَامًا فِي الْبَحْرِ.
اسْتَمَرَّتِ الرِّيَاحُ تَعْصِفُ بِقُوَّةٍ حَتَّى الْيَوْمِ التَّالِي، بَلْ لِلْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ. وَفِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، سَمِعْتُ أَحَدَ الرِّجَالِ يَصِيحُ: «مَرْحَى، أَرْضٌ!»
وَفِي لَحْظَتِهَا تَقْرِيبًا ارْتَطَمْنَا بِمُرْتَفَعٍ رَمْلِيٍّ، وَتَأَرْجَحَتِ السَّفِينَةُ بِعُنْفٍ لِلْخَلْفِ وَالْأَمَامِ، وَفَاضَتْ عَلَيْنَا مِيَاهُ الْبَحْرِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّنَا هَالِكُونَ لَا مَحَالَةَ. فَجَرَيْنَا إِلَى الْحُجُرَاتِ لِنَحْتَمِيَ بِهَا، وَكُنَّا فِي مَوْقِفٍ عَصِيبٍ، فَلَمْ نَكُنْ نَدْرِي أَيْنَ كُنَّا، وَلَا نَدْرِي مَا إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ مَأْهُولَةً أَمْ لَا، وَلَا نَدْرِي هَلْ سَنَنْجُو أَمْ لَا.
عَلِقَتِ السَّفِينَةُ، وَبَاتَ مِنَ الْمُؤَكَّدِ تَحَطُّمُهَا إِلَى أَجْزَاءٍ، إِنْ لَمْ تُغَيِّرِ الرِّيَاحُ اتِّجَاهَهَا فِي الْحَالِ. نَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ وَهَيَّأْنَا أَنْفُسَنَا لِلْأَسْوَأِ. وَكُنَّا جَمِيعًا مُبَلَّلِينَ بِالْمَاءِ وَنَرْتَجِفُ، وَأَصَابَ الْفُتُورُ أَرْوَاحَنَا مِنْ جَرَّاءِ أَحْدَاثِ الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ. ثُمَّ، حَدَثَ التَّغْيِيرُ فِي الرِّيَاحِ.
قَالَ الْقُبْطَانُ: «لَدَيْنَا فُرْصَةٌ الْآنَ، يَا شَبَابُ! دَعُونَا نُنْزِلِ الْقَارِبَ الصَّغِيرَ إِلَى الْبَحْرِ وَنُجَدِّفْ إِلَى الشَّاطِئِ. فَهَذَا هُوَ أَمَلُنَا الْوَحِيدُ!»
وَبَعْدَمَا كَانَ لَدَيْنَا قَارِبَانِ صَغِيرَانِ عَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ، لَمْ يَتَبَقَّ مِنْهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ فَقَطْ مُنْذُ الْإِعْصَارِ الْأَوَّلِ. وَتَطَلَّبَ الْأَمْرُ بَذْلَ مَجْهُودَاتٍ شَاقَّةٍ كَيْ نَسْتَطِيعَ فَقَطْ إِنْزَالَ الْقَارِبِ بِسَلَامَةٍ إِلَى الْبَحْرِ وَجَمِيعِ الرِّجَالِ إِلَى سَطْحِهِ. وَتَلَاطَمَتِ الْأَمْوَاجُ حَوْلَنَا بَيْنَمَا كُنَّا نُجَدِّفُ بِاسْتِمَاتَةٍ إِلَى الشَّاطِئِ. وَكُنَّا تَحْتَ رَحْمَةِ الْقَدَرِ، فَدَعَا الْكَثِيرُ مِنَ الرِّجَالِ حَتَّى نَنْجُوَ.
كَانَ الشُّغْلُ الشَّاغِلُ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَّا هُوَ الْوُصُولُ إِلَى الشَّاطِئِ، سَوَاءٌ أَكَانَ صَخْرِيًّا أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ، آمِنًا أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمْ نُبَالِ. فَجَدَّفْنَا بِجُهْدٍ شَدِيدٍ لِأَنَّ حَيَاتَنَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ. وَكَانَتْ فُرْصَتُنَا الْوَحِيدَةُ هِيَ أَنْ نَجِدَ خَلِيجًا أَوْ فَمَ نَهْرٍ؛ فَبِدُونِ هَذَا سنَنْجَرِفُ إِلَى الْعَاصِفَةِ وَنَضِيعُ فِي الْبَحْرِ. كُنَّا نُرِيدُ الْعُثُورَ عَلَى مَاءٍ هَادِئٍ لِنَتَمَكَّنَ مِنَ الْوُصُولِ لِشَاطِئِ السَّلَامَةِ.
جَدَّفْنَا لِمَا يُقَارِبُ الْفَرْسَخَ وَنِصْفَ الْفَرْسَخِ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ مَوْجَةٌ عَالِيَةٌ عُلُوَّ الْجَبَلِ بِاتِّجَاهِنَا، وَضَرَبَتِ الْقَارِبَ سَرِيعًا، فَقُذِفْنَا جَمِيعًا مِنْ عَلَى الْقَارِبِ، وَابْتَلَعَتْنَا الْمِيَاهُ بِالْكَامِلِ فِي لَحْظَةٍ.
كَانَ الْأَمْرُ مُرْعِبًا؛ إِذْ كَانَتِ الْأَمْوَاجُ قَوِيَّةً، وَمَعَ أَنِّي سَبَّاحٌ مَاهِرٌ، إِلَّا أَنْ ذِرَاعَيَّ لَمْ تَكُونَا بِالْقُوَّةِ الَّتِي تُضَاهِي قُوَّةَ الْمِيَاهِ، بَلْ إِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعِ الصُّعُودَ لِسَطْحِ الْمَاءِ لِأَلْتَقِطَ أَنْفَاسِي. وَحَمَلَتْنِي الْمِيَاهُ لِلْأَمَامِ بِاتِّجَاهِ الشَّاطِئِ، وَامْتَلَأَتْ رِئَتَايَ بِالْمَاءِ، فَبَدَأْتُ أَسْعُلُ، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّنِي إِنْ لَمْ أَزْحَفْ لِلْأَمَامِ، فَلَنْ يَكُونَ لَدَيَّ أَمَلٌ فِي النَّجَاةِ.
وَقَبْلَ أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنَ الْوُقُوفِ، جَذَبَنِي الْمَوْجُ بَيْنَ بَرَاثِنِهِ وَأَلْقَى بِي ثَانِيَةً إِلَى الْبَحْرِ. وَكَانَتِ الْمِيَاهُ تَدُورُ مِنْ حَوْلِي فِي دَوَّامَةٍ بَيْنَمَا كُنْتُ أُصَارِعُ كَيْ لَا أَغْرِقَ. وَفِي لَحْظَتِهَا تَقْرِيبًا، شَعَرْتُ بِقَدَمِي تَلْمَسُ الْقَاعَ، فَوَقَفْتُ مِنْ فَوْرِي، وَأَخَذْتُ أُدْخِلُ أَكْبَرَ قَدْرٍ مِنَ الْهَوَاءِ إِلَى رِئَتَيَّ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِي قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْبَحْرُ وَيَجُرَّنِي ثَانِيَةً إِلَى الْأَسْفَلِ.
وَفِي ثَالِثِ أَوْ رَابِعِ مَرَّةٍ يَجُرُّنِي فِيهَا الْبَحْرُ لِلْأَسْفَلِ، اصْطَدَمَ صَدْرِي بِصَخْرَةٍ وَتَوَقَّفَ تَنَفُّسِي بِالْكَامِلِ.
وَفَكَّرْتُ: «هَذِهِ هِيَ النِّهَايَةُ، سَأَمُوتُ هُنَا، سَأَمُوتُ الْآنَ.»
وَمَعَ كُلِّ حَظِّيَ الْعَاثِرِ، يَبْدُو أَنَّهُ كَانَ لَدَيَّ مَوْهِبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِالْفِعْلِ؛ مَوْهِبَةُ النَّجَاةِ. فَفِي الْمَرَّةِ التَّالِيَةِ الَّتِي دَفَعَني التَّيَّارُ فِيهَا لِلْأَمَامِ بِاتِّجَاهِ الشَّاطِئِ، اسْتَجْمَعْتُ كُلَّ قُوَايَ، وَلَمَسَتْ قَدَمَايَ الْقَاعَ، وَدَفَعْتُ بِنَفْسِي لِلنُّهُوضِ خَارِجِ الْمِيَاهِ وَجَرَيْتُ بَعِيدًا عَلَى الشَّاطِئِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِي. فَجَرَيْتُ بِكُلِّ مَا بَقِيَ فِيَّ مِنْ قُوَّةٍ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَجَعَلَتْنِي كُلُّ الْمِيَاهِ الْمَالِحَةِ فِي مَعِدَتِي أُصَابُ بِالْغَثَيَانِ لِدَقِيقَةٍ، لَكِنَّنِي نَجَوْتُ. وَكَفَانِي ذَلِكَ؛ فَمَا زِلْتُ حَيًّا.

الفصل الثاني عشر
جَزِيرَةُ الْيَأْسِ


مَا إِنْ أَصْبَحْتُ قَادِرًا عَلَى الْوُقُوفِ، حَتَّى نَظَرْتُ حَوْلِي. أَيْنَ جَمِيعُ رِفَاقِي؟ هَلْ فُقِدُوا جَمِيعًا؟ هَلْ كُنْتُ أَنَا النَّاجِيَ الْوَحِيدَ؟ وَسَرِيعًا جِدًّا، تَكَشَّفْتُ حَقِيقَةَ مَوْقِفِي؛ فَكُلُّ مَا وَجَدْتُهُ مِنْهُمْ قَلَنْسُوَةٌ وَاحِدَةٌ، وَثَلَاثُ قُبَّعَاتٍ، وَحِذَاءَانِ.
صَرَخْتُ مُلْتَاعًا: «لَا! قُلْ إِنَّ الْوَضْعَ لَيْسَ كَمَا أَرَى! لَا يُمْكِنُ أَنْ أَكُونَ أَنَا النَّاجِيَ الْوَحِيدَ!»
بَقِيَ لِي شَيْءٌ مِنَ الْأَمَلِ وَقْتَئِذٍ، فَلَمْ أَكُنْ أَدْرِي شَيْئًا عَنْ مَوْقِعِي، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيَّ مَلَابِسُ جَافَّةٌ، وَلَا مِيَاهُ شُرْبٍ وَلَا شَيْءٌ لِأَسْتَخْدِمَهُ فِي صَيْدِ طَعَامِي. فَمَعَ أَنِّي لَمْ أَغْرَقْ مِثْلَ بَاقِي رِفَاقِي مِنَ الْبَحَّارَةِ الْمَسَاكِينِ، إِلَّا أَنَّ أَمَلِي فِي النَّجَاةِ كَانَ وَاهِيًا. فَالشَّيْءُ الْوَحِيدُ الْمَوْجُودُ بِجَيْبِي هُوَ سِكِّينٌ صَغِيرَةٌ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ تُرْجَى مِنْ سِكِّينٍ وَاحِدَةٍ فِي مَكَانٍ غَرِيبٍ بِلَا مَأْوًى وَلَا طَعَامٍ؟
صَرَخْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي. وَكَانَ حَالِي مَيْئُوسًا مِنْهُ؛ فَاللَّيْلُ يَهْبِطُ، وَكُنْتُ أَحْتَاجُ أَنْ أَجِدَ مَأْوًى، وَكَانَ يُوجَدُ عَدَدٌ مِنَ الْأَشْجَارِ بَعْدَ مِنْطَقَةِ الشَّاطِئِ مُبَاشَرَةً. وَلَمْ أَسْتَغْرِقْ وَقْتًا طَوِيلًا كَيْ أَجِدَ شَجَرَةً تَبْدُو كَمَكَانٍ جَيِّدٍ لِلِاخْتِبَاءِ خِلَالَ اللَّيْلِ، فَتَسَلَّقْتُهَا وَوَجَدْتُ غُصْنًا مُرِيحًا. وَلَا بُدَّ أَنَّ الْمَوْقِفَ الْمُرِيعَ أَرْهَقَنِي بِلَا شَكٍّ، فَتَمَكَّنْتُ مِنَ الْحُصُولِ عَلَى قِسْطٍ ضَئِيلٍ مِنَ النَّوْمِ.
أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ بِسُطُوعٍ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّاْلِي، وَكَانَ الْبَحْرُ هَادِئًا، وَتَوَقَّفَتِ الْعَاصِفَةُ. وَمَعَ أَنَّ الطَّقْسَ تَغَيَّرَ وَأَصْبَحَ مَاتِعًا، إِلَّا أَنَّ مَعْنَوِيَّاتِي وَحَالِي لَمْ يَتَحَسَّنَا كَثِيرًا. نَزَلْتُ مِنْ مَكَانِي الْعَالِي عَلَى الشَّجَرَةِ، وَعُدْتُ إِلَى الشَّاطِئِ.
وَصِحْتُ مُتَعَجِّبًا: «آهٍ يَا إِلَهِي!» فَالسَّفِينَةُ كَانَتْ عَالِقَةً فِي بَعْضِ الصُّخُورِ عَلَى بُعْدِ فَرْسَخٍ تَقْرِيبًا مِنَ الْمَكَانِ حَيْثُ جَرَفَتْنِي الْمِيَاهُ، وَلَمْ تَكُنْ مُحَطَّمَةً! فَلَوْ بَقِينَا فَقَطْ عَلَى سَطْحِهَا، لَنَجَوْنَا كُلُّنَا، لَكِنِّي لَمْ أَسْتَطِعِ التَّفْكِيرَ فِي هَذَا الْآنَ.
بَلْ جَالَ فِي خَاطِرِي: «الْآنَ، هَذَا يَبْعَثُ عَلَى الْأَمَلِ، فَكُلُّ مَا عَلَيَّ فِعْلُهُ هُوَ التَّفْكِيرُ فِي كَيْفِيَّةِ الْوُصُولِ لِلْمُؤَنِ. وَيَبْدُو أَنَّ فُرْصَتِي فِي النَّجَاةِ لَمْ تَضِعْ بَعْدُ.»
انْتَظَرْتُ تَرَاجُعَ الْمَدِّ، فَكَانَتِ الْمِيَاهُ شِبْهَ ضَحْلَةٍ بِمَا يُتِيحُ لِيَ السَّيْرَ إِلَى السَّفِينَةِ. نَزَعْتُ مُعْظَمَ مَلَابِسِي لِكَيْ أُبْقِيَهَا جَافَّةً، وَكُنْتُ خَائِفًا مِنَ الْمِيَاهِ، لَكِنِّي كُنْتُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْوُصُولِ لِلسَّفِينَةِ. فَابْتَلَعْتُ مَخَاوِفِي وَبَدَأْتُ السَّيْرَ. وَعِنْدَمَا أَصْبَحَتِ الْمِيَاهُ عَمِيقَةً وَصَعُبَ الْمَشْيُ فِيهَا، سَبَحْتُ بَاقِي الْمَسَافَةِ. وَكَانَ هُنَاكَ حَبْلٌ يَتَدَلَّى مِنْ جَانِبِ السَّفِينَةِ، فَاسْتَخْدَمْتُهُ لِلصُّعُودِ إِلَى السَّطْحِ.
أَخَذْتُ وَقْتِي وَنَظَرْتُ فِي أَرْجَاءِ السَّفِينَةِ الَّتِي رَسَتْ تَقْرِيبًا بِكَامِلِهَا عَلَى جَانِبٍ وَاحِدٍ. وَكَانَ الْمَخْزَنُ مُمْتَلِئًا بِالْمِيَاهِ، نِصْفُهُ مُبَلَّلٌ بِالْكَامِلِ، بَيْنَمَا بَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ جَافًّا تَمَامًا. وَلِحُسْنِ الْحَظِّ، احْتَوَى النِّصْفُ الْجَافُّ عَلَى الْعَدِيدِ مِنَ الْمُؤَنِ. فَنَزَلْتُ إِلَى الْقِسْمِ الَّذِي كَانَ يُوجَدُ فِيهِ الْخُبْزُ وَأَكَلْتُ بِسُرْعَةٍ بَعْضَ الْبَسْكَوِيتِ، وَمَا إِنْ تَوَقَّفَتْ مَعِدَتِي عَنِ الْقَرْقَرَةِ، بَدَأْتُ فِي جَمْعِ أَشْيَاءَ أَدْرَكْتُ أَنَّنِي سَأَحْتَاجُهَا.
اسْتَخْدَمْتُ كُلَّ الْخَشَبِ وَالْحِبَالِ الزَّائِدَيْنِ، مِمَّا تَمَكَّنْتُ مِنَ الْعُثُورِ عَلَيْهِ لِبِنَاءِ طَوْفٍ صَغِيرٍ كَيْ أَنْقُلَ الْمُؤَنَ مِنَ السَّفِينَةِ عَائِدًا إِلَى الشَّاطِئِ. وَبَعْدَ تَجْرِبَتِهِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، كَانَ مُلَائِمًا لِحَمْلِ حَتَّى أَثْقَلِ الْأَشْيَاءِ. وَبِدَايَةً، أَنْقَذْتُ الْكَلْبَ الَّذِي كَانَ مَعَنَا عَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ، فَكَانَتْ مُعْجِزَةً أَنَّهُ نَجَا مِنَ الْعَاصِفَةِ بِأَيِّ حَالٍ!
أَتْلَفَتِ الْمِيَاهُ الْعَدِيدَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْبَحَّارَةِ الشَّخْصِيَّةِ؛ لِذَا قَرَّرْتُ اسْتِخْدَامَ صَنَادِيقِهِمْ كَيْ أَخْزِنَ طَعَامِي وَأَجْمَعَهُ. فَكَانَ لَدَيَّ الْخُبْزُ وَالْأُرْزُ وَالْجُبْنُ وَلَحْمُ الْمَاعِزِ وَالْقَلِيلُ مِنَ الْحُبُوبِ الْأُورُوبِّيَّةِ. وَأَفْسَدَتِ الْفِئْرَانُ الْقَمْحَ، مِمَّا أَحْبَطَنِي وَلَكِنْ لَا يَسَعُنِي فِعْلُ أَيِّ شَيْءٍ حِيَالَ ذَلِكَ الْآنَ.
وَتَبَادَرَ إِلَى ذِهْنِي: «أَتَمَنَّى أَنْ يَظَلَّ الْبَحْرُ هَادِئًا لِمُدَّةٍ تُتِيحُ لِيَ الْعَوْدَة.» وَلِذَا، لَا مَزِيدَ مِنَ التَّبَاطُؤِ. وَجَدْتُ أَيْضًا مَلَابِسَ، وَصُنْدُوقَ نَجَّارٍ وَبَعْضَ الْأَسْلِحَةِ.
وَعَقَدْتُ الْعَزْمَ: «هَذَا يَكْفِي لِلْيَوْمِ، وَحَانَ وَقْتُ الذَّهَابِ.» وَبِوَاسِطَةِ مِجْدَافَيْنِ مَكْسُورَيْنِ وَجَدْتُهُمَا عَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ، جَدَّفْتُ بِنَفْسِي مُتَحَرِّكًا نَحْوَ الشَّاطِئِ، وَلَكِنَّ الصُّخُورَ أَمَامَ الشَّاطِئِ حَيْثُ رَسَوْتُ الْبَارِحَةَ كَانَتْ خَطِرَةً جِدًّا. فَلِكَيْ أَرْسُوَ بِالطَّوْفِ فِي سَلَامٍ، كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَجِدَ جَدْوَلًا صَغِيرًا أَوْ نَهْرًا.
فَكَّرْتُ بِتَعَقُّلٍ: «لَا بُدَّ أَنَّ أَيًّا مِنْهُمَا يُوجَدُ بِالْجِوَارِ.» لِذَا جَدَّفْتُ بَعِيدًا عَنْ شَاطِئِي. وَكَانَ الْبَحْرُ لَا يَزَالُ هَادِئًا، حَمْدًا لِلهِ. وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ فِي صَالِحِي، لَكِنَّنِي عَرَفْتُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَغَيَّرَ فِي لَحْظَةٍ. وَتَلَاعَبَ الْبَحْرُ بِالطَّوْفِ مِنَ الْخَلْفِ وَالْأَمَامِ، وَاسْتَعَنْتُ بِقَدَمَيَّ لِأَتَشَبَّثَ بِقُوَّةٍ بِحَمُولَتِي. نَبَحَ الْكَلْبُ، وَلَمْ يَكُنْ بِوُسْعِي تَحَمُّلُ خَسَارِةِ أَيِّ شَيْءٍ؛ لِذَا حَاوَلْتُ أَنْ أَكُونَ فِي شِدَّةِ الْحِرْصِ.
جَدَّفْتُ فِي الْأَرْجَاءِ حتَّى وَجَدْتُ نَهْرًا، ثُمَّ اسْتَغْرَقْتُ نَحْوَ سَاعَتَيْنِ لِأَجِدَ مَكَانًا مُنَاسِبًا لِإِرْسَاءِ الطَّوْفِ. وَمَا إِنْ سَحَبْتُ كُلَّ أَشْيَائِي إِلَى الشَّاطِئِ، أَمَّنْتُ الطَّوْفَ كَيْ أَسْتَعْمِلَهُ فِي الْغَدِ. وَأَمَّا الْخُطْوَةُ الْهَامَّةُ التَّالِيَةُ، فَكَانَتْ إِيجَادَ مَكَانٍ آمِنٍ لِتَخْزِينِ كُلِّ شَيْءٍ.
قَفَزَ الْكَلْبُ عَنِ الطَّوْفِ تَقْرِيبًا فِي الْحَالِ، وَبَدَأَ يَكْتَشِفُ وَيَشْتَمُّ كُلَّ شَيْءٍ يَرَاهُ، وَسَلَّحْتُ نَفْسِي بِمُسَدَّسٍ وَبَعْضِ الْبَارُودِ، وَكَانَ هَدَفِي إِيجَادَ مَأْوًى أَيًّا مَا كَانَ، مَأْوًى أَكْثَرَ رَاحَةً مِنَ الشَّجَرَةِ!
لَاحَظْتُ وُجُودَ تَلٍّ صَغِيرٍ مِنْ عَلَى بُعْدٍ، وَكَانَ يَبْعُدُ قُرَابَةَ مِيلٍ، فَقُلْتُ لِنَفْسِي: «رُبَّمَا يُمْكِنُنِي الرُّؤْيَةُ بِصُورَةٍ أَفْضَلَ مِنَ الْأَعْلَى هُنَاكَ.» وَمَعَ الْكَلْبِ فِي رِفْقَتِي، بَدَأْتُ رِحْلَتِي فِي هَذَا الِاتِّجَاهِ.
قُلْتُ لَهُ: «حَسَنًا، سَتَحْتَاجُ إِلَى اسْمٍ إِذَا كُنَّا سَنَغْدُو صَدِيقَيْنِ، فَبِمَاذَا أَدْعُوكَ؟» نَبَحَ الْكَلْبُ بِالْإِجَابَةِ، وَضَحِكْتُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ يَوْمَيْنِ: «عَرَفْتُ. فَسَأَدْعُوكَ شيبي؛ لِأَنِّي أَنْقَذْتُكَ مِنْ عَلَى السَّفِينَةِ.»
سِرْنَا لِفَتْرَةٍ، ثُمَّ أَصْبَحَ الطَّقْسُ شَدِيدَ الْحَرَارَةِ، وَعِنْدَمَا بَلَغْتُ قِمَّةَ التَّلِّ، رَأَيْتُ أَنَّنِي عَلَى جَزِيرَةٍ، وَلَا يُوجَدُ أَيُّ بَشَرٍ سِوَايَ فِي الْأَرْجَاءِ، عَلَى الأَقَلِّ لَمْ أَرَ أيًّا منهم بِأَيِّ حَالٍ. وَكَانَ يُوجَدُ الْعَدِيدُ مِنَ الطُّيُورِ الْجَمِيلَةِ، لَكِنَّنِي لَمْ أَتَعَرَّفْ عَلَى أَيِّ نَوْعٍ بِعَيْنِهِ مِنْهَا.
وَبَعْدَ اسْتِكْشَافِ الْجَزِيرَةِ بِسُرْعَةٍ، هَبَطْتُ عَائِدًا إِلَى الطَّوْفِ، وَفَكَكْتُ مُتَعَلَّقَاتِي وَرَتَّبْتُهَا. وَمَا أَثَارَ دَهْشَتِي، أَنَّ هَذَا اسْتَغْرَقَ مِنِّي بَاقِيَ الْيَوْمِ. أَكَلْتُ الْمَزِيدَ مِنَ الْبَسْكَوِيتِ، ثُمَّ صَنَعْتُ مَا يُشْبِهُ الْكُوخَ مُسْتَخْدِمًا صَنَادِيقَ الْبَحَّارَةِ، فَلَمْ أُرِدْ أَنْ يَلْتَهِمَنِي أَيٌّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْمَسَاءِ!

الفصل الثالث عشر
مَلَاذٌ مُؤَقَّتٌ


رَجَعْتُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي مُبَاشَرَةً إِلَى السَّفِينَةِ لِأَرَى مَاذَا أَيْضًا يُمْكِنُنِي الِاحْتِفَاظُ بِهِ. وَكَانَ مِنَ الْمُهِمِّ تَجْمِيعُ كُلِّ شَيْءٍ صَغِيرٍ يُمْكِنُنِي جَمْعُهُ، فَرُبَّمَا تَعْصِفُ عَاصِفَةٌ أُخْرَى فِي أَيِّ دَقِيقَةٍ وَتَجْرِفُ السَّفِينَةَ بَعِيدًا، وَلَا أُرِيدُ إِضَاعَةَ فُرْصَتِي فِي الِاحْتِفَاظِ بِشَيْءٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَ حَيَاتِي أَفْضَلَ، بَيْنَمَا لَا زِلْتُ مُحَاصَرًا فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ. وَذَهَبْتُ مُجَدَّدًا عِنْدَمَا كَانَ التَّيَّارُ مُنْخَفِضًا. وَسَحَبْتُ الطَّوْفَ خَلْفِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَسْبَحُ بَعِيدًا إِلَى السَّفِينَةِ، ثُمَّ رَبَطْتُهُ بِنَفْسِ الْحَبْلِ الَّذِي اسْتَخْدَمْتُهُ لِلصُّعُودِ.
وَفِي هَذِهِ الْمَرَّةِ، قَرَّرْتُ الِاسْتِعَانَةَ بِطَوْفٍ ثَانٍ؛ لِذَا صَنَعْتُ طَوْفًا آخَرَ مُسْتَعِينًا بِالْأَوَّلِ كَنَمُوذَجٍ. وَجَمَعْتُ الْعَدِيدَ مِنَ الْأَشْيَاءِ عَلَى هَذَيْنِ الطَّوْفَيْنِ! فَأَخَذْتُ مَسَامِيرَ وَالْمَزِيدَ مِنَ الْبَنَادِقِ وَبَعْضَ الْمَلَابِسِ وَالْمَزِيدَ مِنَ الطَّعَامِ وَجَمِيعَ مُسْتَلْزَمَاتِ الْبِنَاءِ الَّتِي أَمْكَنَنِي الْعُثُورُ عَلَيْهَا، بَلْ أَخَذْتُ أَيْضًا الشِّرَاعَ الِاحْتِيَاطِيَّ. وَعِنْدَمَا امْتَلَأَ الطَّوْفَانِ جَدَّفْتُ عَائِدًا تِجَاهَ النَّهْرِ وُصُولًا إِلَى مَكَانِ اخْتِبَائِي.
وَعِنْدَمَا عُدْتُ، وَجَدْتُ قِطَّةً بَرِّيَّةً جَالِسَةً عَلَى أَحَدِ صَنَادِيقِي!
فَصِحْتُ: «ابْتَعِدِي! اذْهَبِي! اتْرُكِي صُنْدُوقِي وَشَأْنَهُ!» لَكِنَّ الْقِطَّةَ لَمْ تَتَزَحْزَحْ، وَفَقَطْ نَظَرَتْ إِلَيَّ بِعَيْنَيْهَا الْوَاسِعَتَيْنِ الْجَمِيلَتَيْنِ كَأَنَّهَا تَقُولُ: «عَلَيْكَ أَنْ تُحَاوِلَ بِأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَيِّدُ!»
قَذَفْتُ بِقِطْعَةِ بَسْكَوِيتٍ بِاتِّجَاهِ الْغَابَاتِ، وَنَجَحَتِ الْحِيلَةُ! فَرَكَضَتِ الْقِطَّةُ خَلْفَهَا وَأَكَلَتْهَا فِي قَضْمَةٍ وَاحِدَةٍ سَرِيعَةٍ. وَمِنْ مَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ الْقِطَّةَ لَمْ تُتْلِفْ شَيْئًا، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ، لَمْ يَأْتِ أَيُّ حَيَوَانٍ آخَرَ إِلَى هُنَاكَ، وَكَانَ هَذَا مُؤَشِّرًا طَيِّبًا.
كَانَتْ خُطْوَتِي التَّالِيَةُ هِيَ بِنَاءَ خَيْمَةٍ مُنَاسِبَةٍ؛ لِذَا قَطَعْتُ أَوَّلًا بَعْضَ الْأَغْصَانِ مِنَ الشَّجَرِ الْمُحِيطِ بِمُخَيَّمِي الْجَدِيدِ، ثُمَّ اسْتَخْدَمْتُ الشِّرَاعَ الِاحْتِيَاطِيَّ مَعَ بَعْضِ الْحِبَالِ الَّتِي وَجَدْتُهَا عَلَى السَّفِينَةِ. وَبِمُجَرَّدِ الِانْتِهَاءِ مِنَ الْخَيْمَةِ، أَحْضَرْتُ لِلدَّاخِلِ كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَفْسُدَ إِذَا أَصْبَحَ الْمَكَانُ شَدِيدَ الرُّطُوبَةِ مِنَ الْمَطَرِ أَوْ شَدِيدَ الْحَرَارَةِ مِنَ الشَّمْسِ. وَأَخِيرًا، صَنَعْتُ مَضْجَعًا أَكْثَرَ رَاحَةً بِالِاسْتِعَانَةِ بِأُرْجُوحَتَيْنِ شَبَكِيَّتَيْنِ تَسَنَّى لِي أَخْذُهُمَا مِنَ السَّفِينَةِ. وَأَسْلَمَنِي الْعَمَلُ الْمُضْنِي وَالمَكَانُ المُرِيحُ إِلَى النَّوْمِ عَلَى الْفَوْرِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
وَعَلَى مَدَى الْأُسْبُوعَيْنِ التَّالِيَيْنِ، اسْتَمْرَرْتُ عَلَى نَفْسِ مِنْوَالِ أَوَّلِ يَوْمَيْنِ، فَفِي الصَّبَاحِ، وَبَعْدَمَا يَهْدَأُ التَّيَّارُ، أَسْبَحُ إِلَى السَّفِينَةِ سَاحِبًا خَلْفِي طَوْفَيَّ، وَأَبْحَثُ مِنْ مُقَدِّمَةِ السَّفِينَةِ حَتَّى مُؤَخَّرَتِهَا عَنْ أَيِّ شَيْءٍ رُبَّمَا يَكُونُ مُفِيدًا. وَبَعْدَ قَضَاءِ نَحْوِ السَّاعَتَيْنِ فِي تَجْمِيعِ الْمُؤَنِ، أُجَدِّفُ عَائِدًا بِالطَّوْفَيْنِ لِلشَّاطِئِ. وَعَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ وَجَدْتُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ الْأَكْثَرَ إِثَارَةً، وَمِنْهَا مِقَصٌّ (وَكَانَ عَظِيمَ الْفَائِدَةِ فِي الْحَقِيقَةِ!) وَشَفْرَةُ حِلَاقَةٍ، حَتَّى يُمْكِنَنِي الْحِلَاقَةُ، كَمَا وَجَدْتُ صُنْدُوقًا بِهِ مِنَ الذَّهَبِ مَا تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَنْ ثَلَاثِينَ جُنَيْهًا، وَلَمْ أَرَ لَهُ أَيَّ نَفْعٍ، إِلَّا أَنَّنِي أَخَذْتُهُ مَعِي عَلَى أَيِّ حَالٍ، بِالرُّغْمِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ مَكَانٍ أُنْفِقُهُ فِيهِ!
وَفِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنَ الْأُسْبُوعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ انْقَلَبَ الطَّقْسُ فِي النِّهَايَةِ، وَكَانَتْ بِالْفِعْلِ آخِرَ رِحْلَةٍ لِي إِلَى السَّفِينَةِ، فَلَدَيَّ تَقْرِيبًا كُلُّ شَيْءٍ يَمْكِنُنِي اسْتِخْدَامُهُ، بَلْ وَأَكْثَرُ. هَبَّتِ الرِّيَاحُ سَرِيعًا، وَكَانَتِ الْبَضَائِعُ ثَقِيلَةً بَيْنَمَا كُنْتُ أُجَدِّفُ جَاهِدًا لِلْعَوْدَةِ إِلَى الشَّاطِئِ، وَعَرَفْتُ حِينَهَا أَنَّ لَدَيَّ فُرْصَةً وَاحِدَةً فَقَطْ لِلْعَوْدَةِ قَبْلَ الْعَاصِفَةِ؛ لِذَا وَلِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مَدَى عِدَّةِ أَسَابِيعَ، كُنْتُ أُجَدِّفُ لِلنَّجَاةِ بِحَيَاتِي. فَاضَتْ مِيَاهُ الْأَمْوَاجِ الْمُتَلَاطِمَةِ فَوْقَ الطَّوْفَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيَّ الْوَقْتُ حَتَّى لِلتَّفْكِيرِ فِي مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ؛ فَجَدَّفْتُ وَجَدَّفْتُ، وَكَانَ عَلَيَّ الْعَوْدَةُ.
لَمْ تَذْهَبْ مَجْهُودَاتِي سُدًى، وَعَمَّا قَلِيلٍ أَصْبَحْتُ مُرْتَاحًا فِي خَيْمَتِي، أَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتِ الْمَطَرِ يَهْطِلُ مِنْ حَوْلِي. ضَرَبَتِ الرِّيَاحُ شِرَاعَ الخَيْمَةِ بِقُوَّةٍ، وكَانَ بِإِمْكَانِي سَمَاعُ تَأَرْجُحِ الْأَشْجَارِ، وَحَفِيفِ أَوْرَاقِهَا. وَلَا بُدَّ أَنَّ الْعَاصِفَةَ اسْتَمَرَّتْ طَوَالَ اللَّيْلِ، لَكِنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا، فَقَدْ نِمْتُ قَرِيرَ الْعَيْنِ فِي خَيْمَتِي الَّتِي اصْطَنَعْتُهَا بِيَدَيَّ. وَاسْتَيْقَظْتُ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي وَجَرَيْتُ نَحْوَ الشَّاطِئِ لِأَجِدَ أَنَّ السَّفِينَةَ اخْتَفَتْ تَمَامًا!
فَتَبَادَرَ إِلَى ذِهْنِي: «حَسَنًا، مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ الْحَظَّ ظَلَّ يُرَافِقُنِي لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِمَا يَكْفِي.» وَقَفْتُ هُنَاكَ لِدَقِيقَةٍ أَنْظُرُ إِلَى الْمَكَانِ الْخَاوِي وَأُفَكِّرُ فِي السَّفِينَةِ وَالطَّاقَمِ وَقُبْطَانِنَا. وَفَكَّرْتُ كَذلِكَ كَمْ كَانَتْ حَيَاتِي مُخْتَلِفَةً مِنْ أُسْبُوعَيْنِ فَقَطْ.

الفصل الرابع عشر
الشَّهْرُ الْأَوَّلُ


الْآنَ، وَقَدِ انْتَهَيْتُ مِنْ رِحْلَاتِي الْيَوْمِيَّةِ مِنْ وَإِلَى السَّفِينَةِ، كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَبْنِيَ مَأْوًى أَكْثَرَ دَوَامًا. وَكَانَ أَهَمُّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِي وَقْتَئِذٍ هُوَ ضَمَانَ أَمْنِي وَسَلَامَتِي مِنْ أَيِّ حَيَوَانٍ بَرِّيٍّ أَوْ أَهْلِ الْمِنْطَقَةِ.
فَتَسَاءَلْتُ: «هَلْ سَيَكُونُ مِنَ الْأَفْضَلِ بِنَاءُ خَيْمَةٍ أَكْثَرَ دَوَامًا؟ أَمْ أَنَّهُ مِنَ الْأَذْكَى الْعُثُورُ عَلَى كَهْفٍ أَعِيشُ فِيهِ؟» جَلَسْتُ عَلَى الشَّاطِئِ وَفَكَّرْتُ مَلِيًّا فِي كِلَا الْخَيَارَيْنِ وَقُلْتُ لِنَفْسِي: «أَظُنُّ أَنَّنِي أَحْتَاجُ كِلَيْهِمَا: كَهْفًا لِلتَّخْزِينِ وَخَيْمَةً أَفْضَلَ.»
اتَّسَمَ الشَّاطِئُ حَيْثُ أَقَمْتُ الْمُخَيَّمَ بِالْحَرَارَةِ الشَّدِيدَةِ وَعَدَمِ قُرْبِهِ مِنْ مِيَاهِ الشُّرْبِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهِمِّ أَيْضًا أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَحْرِ، كَيْ أَتَرَقَّبَ مُرُورَ السُّفُنِ.
سِرْتُ أَنَا وَشيبي طَوِيلًا حَوْلَ الْجَزِيرَةِ، وَبَعْدَ قُرَابَةِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ، وَجَدْنَا سَهْلًا جَمِيلًا، أَرْضِيَّتُهُ عُشْبِيَّةٌ، عَلَى جَانِبِ تَلٍّ صَاعِدٍ، بَدَا لِي مِثَالِيًّا! وَاسْتَغْرَقَ نَقْلُ جَمِيعِ مُؤَنِي لِمُخَيَّمِي الْجَدِيدِ عِدَّةَ أَيَّامٍ. وَلَمْ أَكُنْ أُرِيدُ الْبَقَاءَ هُنَاكَ حَتَّى أَنْتَهِيَ تَمَامًا مِنْ نَقْلِ كُلِّ شَيْءٍ، فَتَرَكْتُ شيبي هُنَاكَ فِي مُعْظَمِ اللَّيَالِي لِيَحْرُسَ أَشْيَائِي إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ مِنْ نَقْلِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمُخَيَّمِ الْأَوَّلِ.
أَوَّلًا، بَنَيْتُ حِصْنًا حَوْلَ الْمِنْطَقَةِ الَّتِي خَطَّطْتُ لِإِقَامَةِ خَيْمَتِي بِهَا، فَأَخَذْتُ أَشْجَارًا صَغِيرَةً مِنَ الْغَابَةِ وَزَرَعْتُهَا حَوْلَ كَهْفٍ صَغِيرٍ وَجَدْتُهُ، ثُمَّ بَنَيْتُ جُدْرَانًا دَاخِلَ خَطِّ الْأَشْجَارِ مُبَاشَرَةً. وَبَدَلًا مِنْ بِنَاءِ بَابٍ لِلْمُرُورِ عَبْرَ جِدَارِي، صَنَعْتُ سُلَّمًا؛ فَلَا يُمْكِنُكَ التَّخَلِّي عَنِ الْحَذَرِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ هَكَذَا شَعَرْتُ. وَلَكِنَّ شيبي كَانَ فِي حَاجَةٍ لِلدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ هُوَ الْآخَرُ؛ لِذَا صَنَعْتُ لَهُ فَجْوَةً فِي الْجِدَارِ لِيَأْتِيَ وَيَذْهَبَ كَيْفَمَا يُحِبُّ، وَأَخْفَيْتُهَا بِسَعَفِ النَّخِيلِ كَيْ لَا يُلَاحِظَهَا أَحَدٌ. وَعِنْدَمَا انْتَهَيْتُ وَجَدْتُ فِي حِصْنِي حِمَايَةً كَبِيرَةً وَرَاحَةَ بَالٍ.
بَعْدَ ذَلِكَ، صَنَعْتُ هَيْكَلًا أَكْثَرَ مَتَانَةً لِرَفْعِ قِمَّةِ الْخَيْمَةِ. وَبَنَيْتُ بَيْتِيَ الْجَدِيدَ قرب الْكَهْفِ، وَكُنْتُ أَسْتَخْدِمُهُ لِتَخْزِينِ الطَّعَامِ؛ وَبِذَلِكَ كُنْتُ مَشْغُولًا طَوَالَ الْأَيَّامِ. وَبِمُرُورِ كُلِّ يَوْمٍ، ازْدَدْتُ أَمَلًا فِي النَّجَاةِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَصْبَحَتْ جَمِيعُ مُؤَنِي مُرَتَّبَةً وَمُنَظَّمَةً جِدًّا؛ فَفَصَلْتُ الْبَارُودَ فِي مَجْمُوعَاتٍ عَدِيدَةٍ مُخْتَلِفَةٍ (لِأَحْفَظَهُ فِي أَمَانٍ مِنَ الْبَرْقِ!) وَكَذَلِكَ خَزَّنْتُ طَعَامِي بِعِنَايَةٍ كَيْ لَا يَفْسُدَ.
فِي هَذِهِ الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ الْأُولَى كُنْتُ أَذْهَبُ مُصْطَحِبًا كَلْبِي وَبُنْدُقِيَّتِي لِصَيْدِ الطَّعَامِ كُلَّ صَبَاحٍ، فَكَانَ هُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْمَاعِزِ الْبَرِّيِّ عَلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، وَأَصْبَحَ لَحْمُ الْمَاعِزِ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ غِذَائِي المُعْتَادِ. وَعَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، أَبْلَيْتُ بَلَاءً حَسَنًا؛ فَمَنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ بِاسْتِطَاعَتِي بِنَاءَ حِصْنٍ أَوِ اصْطِيَادَ طَعَامٍ؟ وَمَنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ لَدَيَّ الْقُوَّةَ وَالْإِرَادَةَ لِلنَّجَاةِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مَحْظُوظًا، إِذْ لَدَيَّ الْغِذَاءُ وَالْمَاءُ وَالْمَأْوَى؛ أَيْ إِنَّ الِاحْتِيَاجَاتِ الْأَسَاسِيَّةَ كَانَتْ مُتَاحَةً.
وَمَعَ تَأْمِينِ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ، بَقِيَ لَدَيَّ الْمَزِيدُ مِنَ الْوَقْتِ لِأُفَكِّرَ، وَكَانَ أَقْسَى شَيْءٍ فِي وُجُودِي عَلَى الْجَزِيرَةِ هُوَ قَضَاءُ الْأَوْقَاتِ الطَّوِيلَةِ وَحْدِي، فَسَبَحَتْ بِي أَفْكَارِي صَوْبَ عَائِلَتِي، وَكَانَ مِنَ الْمُحْبِطِ التَّفْكِيرُ فِي أَنَّنِي قَدْ لَا أَرَاهُمْ ثَانِيَةً أَبَدًا. وَتَذَكَّرْتُ رِفَاقِي الْبَحَّارَةَ، الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُ حَظِّي فَغَرِقُوا، وَقَضَيْتُ الْوَقْتَ جَالِسًا وَبَاكِيًا فَحَسْبُ. وَبِاسْتِخْدَامِ بَعْضِ الْوَرَقِ الصَّغِيرِ وَالْحِبْرِ مِمَّا اسْتَطَعْتُ الْحُصُولَ عَلَيْهِ مِنَ السَّفِينَةِ، بَدَأْتُ فِي تَسْجِيلِ يَوْمِيَّاتِي. وَفِي الْأَيَّامِ الَّتِي اسْتَمَرَّ فِيهَا نَزِيفُ قَلْبِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ خَسِرْتُهُ أَوْ تَخَلَّيْتُ عَنْهُ، كَانَتِ الْكِتَابَةُ تُقَدِّمُ لِي يَدَ الْعَوْنِ.
فِي ذَلِكَ الْحِينِ، كَانَ أُكْتُوبَرُ عَلَى وَشْكِ الِانْتِهَاءِ تَقْرِيبًا، وَكُنْتُ قَدِ ابْتَعَدْتُ عَنِ الْبَرَازِيلِ مُنْذُ شَهْرَيْنِ. فَبَعْدَ هُبُوطِي عَلَى الشَّاطِئِ مُبَاشَرَةً، صَنَعْتُ مَا يُشْبِهُ التَّقْوِيمَ عَلَى شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ بِجِوَارِ الشَّاطِئِ، وَحَفَرْتُ كُلَّ يَوْمٍ كَخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، ثُمَّ شَطَبْتُ عَلَى الْأَيَّامِ مَرَّةً وَاحِدَةً بَعْدَ انْتِهَاءِ كُلِّ أُسْبُوعٍ. فَقَدْ غَادَرْنَا الْبَرَازِيلَ فِي الأول من سِبْتَمْبِرَ، وَأَعْلَمُ أَنَّنَا ظَلِلْنَا فِي الْبَحْرِ لِمُدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا قَبْلَ ارْتِطَامِنَا بِهَذَا الْمُرَتَفَعِ الرَّمْلِيِّ، وَدَلَّتِ الشَّجَرَةُ عَلَى أَنَّنِي ظللت عَلَى الْجَزِيرَةِ لِشَهْرٍ وَاحِدٍ؛ لِذَا قُمْتُ بِعَمَلِ تَقْوِيمٍ جَدِيدٍ بِدَايةً مِنْ ?? سِبْتَمْبِرَ، وَهُوَ يَوْمُ وُصُولِي إِلَى جَزِيرَتِي، وَسَيُعْتَبَرُ يَوْمَ ذِكْرَى وُصُولِي. فَأَصْبَحْتُ أَعِي الْيَوْمَ مِنَ الْغَدِ، الْجُمُعَةَ مِنَ الْأَحَدِ، وَالْإِثْنَيْنِ مِنَ الْأَرْبِعَاءِ، وَكَانَ هَذَا أَيْضًا مِنْ دَوَاعِي رَاحَةِ بَالِي.

الفصل الخامس عشر
الْحَيَاةُ عَلَى جَزِيرَةٍ مَهْجُورَةٍ


عَلَى مَدَى الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ التَّالِيَةِ، عَمِلْتُ جَاهِدًا لِتَحْسِينِ مُخَيَّمِي، حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ حَاجَةٌ إِلَى تَوْسِعَتِهِ لِتَخْزِينِ جَمِيعِ مُؤَنِي. وَبَعْدَ عِدَّةِ مُحَاوَلَاتٍ صَنَعْتُ مِنْضَدَةً وَكُرْسِيًّا؛ مِمَّا أَذْهَلَنِي تَمَامًا وَقْتَهَا، فَلَمْ أَكُنْ قَطُّ أُجِيدُ أَعْمَالَ النِّجَارَةِ. وَعَلَّمَنِي الْوَقْتُ وَالْمَجْهُودُ أَنِّي قَادِرٌ عَلَى الْبِنَاءِ، أَوِ النَّحْتِ، أَوْ عَمَلِ أَيِّ شَيْءٍ طَالَمَا عَزَمْتُ عَلَى عَمَلِهِ. وَرُبَّمَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي صَنَعْتُهَا تَبْدُو غَيْرَ مَصْقُولَةٍ، لَكِنَّهَا عَلَى الْأَقَلِّ كَانَتْ صَالِحَةً لِلِاسْتِخْدَامِ، وَكَانَ هَذَا أَهَمَّ كَثِيرًا فِي رَأْيِي.
اتَّسَمَتْ أَيَّامِي الْآنَ بِرُوتِينٍ وَاضِحٍ؛ فَأَنَا أَخْرُجُ فِي الصَّبَاحِ، حَتَّى زُهَاءِ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْجَوْلَاتُ لِلتَّمْرِينِ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ لِلصَّيْدِ. وَلَاحَظْتُ وُجُودَ بَعْضِ الطُّيُورِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُنِي أَكْلُهَا، بِالْإِضَافَةِ لِلْمَاعِزِ. وَكَانَ مِنَ الْمُهِمِّ بِالنِّسْبَةِ لِي الِاسْتِفَادَةُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي أَصْطَادُهَا؛ فَاسْتَخْدَمْتُ جُلُودَهَا، وَأَكَلْتُ لُحُومَهَا، وَلَمْ أَقْتُلْ أَبَدًا عَلَى سَبِيلِ الرِّيَاضَةِ: فَالْبَارُودُ كَانَ عَزِيزًا جِدًّا، كَمَا أَنَّ ضَمِيرِي لَمْ يَكُنْ لِيَرْضَى بِهَذَا عَلَى أَيِّ حَالٍ.
كَانَ الطَّقْسُ حَارًّا، فَبَعْدَ جَوْلَتِيَ الطَّوِيلَةِ فِي الصَّبَاحِ، عَادَةً مَا كُنْتُ أَغْفُو. وَمَا إِنْ تَبْدَأُ الشَّمْسُ فِي الْهُبُوطِ، أَقُومُ بِإِعْدَادِ الْعَشَاءِ وَالْبَدْءِ فِي الْعَمَلِ عَلَى مَشَارِيعِي الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَنَوِّعَةِ؛ فَصَنَعْتُ شُمُوعًا، وَكَتَبْتُ مُذَكِّرَاتِي، وَنَحَتُّ أَوَانِيَ لِلطَّعَامِ، وَفَعَلْتُ أَيَّ شَيْءٍ لِيَمْضِيَ الْوَقْتُ.
وَفِي إِحْدَى جَوْلَاتِي، سَعِدْتُ بِاكْتِشَافِي لِشَجَرَةِ الْخَشَبِ الْحَدِيدِيِّ فِي الْغَابَةِ.
قُلْت لِنَفْسِي: «مِثْلُ هَذَا الْخَشَبِ الْقَوِيِّ يُمْكِنُنِي اسْتِخْدَامُهُ لِعَمَلِ مِجْرَافٍ، بَلْ حَتَّى لِعَمَلِ مِسَنٍّ لِلْمُسَاعَدَةِ فِي شَحْذِ أَدَوَاتِي.»
وَكَانَ خَشَبًا قَوِيًّا بِحَقٍّ! اسْتَغْرَقْتُ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي تَقْطِيعِهِ بِفَأْسِي، كَيْ أَقْطَعَ وَلَوْ جُزْءًا صَغِيرًا مِنْ خَشَبِ الشَّجَرَةِ. وَلَكِنَّ الْأَدَوَاتِ الَّتِي صَنَعْتُهَا لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّهْلِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهَا فِي رَأْيِي، وَأَثْمَرَتْ كُلُّ جُهُودِي الْمُضْنِيَةِ.
انْقَضَى الْوَقْتُ؛ فَفِي غَمْضَةِ عَيْنٍ مَرَّ مَا يَزِيدُ عَنْ ثَلَاثَةِ شُهُورٍ وَأَنَا عَلَى الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ حَلَّ الْمَوْسِمُ الْمُمْطِرُ. وَكَانَ الطَّقْسُ يُعْطِينِي إِشَارَاتٍ بِاحْتِمَالِيَّةِ حُلُولِ مَوْسِمٍ مُمْطِرٍ؛ لِذَا قَضَيْتُ وَقْتًا طَوِيلًا فِي الشُّهُورِ السَّابِقَةِ لَهُ مُحَاوِلًا بِنَاءَ غِطَاءٍ أَفْضَلَ لِمَا تُسَمَّى «خَيْمَتِي». وَسُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَ الْهَيْكَلُ كُلُّهُ لِيَغْدُوَ بِنَاءً مُلَائِمًا، ذَا جُدْرَانٍ، وَبَابٍ، وَسَقْفٍ جَيِّدٍ مَتِينٍ. وَنَحَتُّ الْأَلْوَاحَ الْخَشَبِيَّةَ لِلسَّقْفِ ثُمَّ اسْتَخْدَمْتُ سَعَفَ النَّخِيلِ كَمَادَةٍ عَازِلَةٍ لِلْمَطَرِ. وَمَعَ هَذَا، فَكَانَ الْمَاءُ لَمْ يَزَلْ يَتَسَرَّبُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَحِينَهَا كُنْتُ أُوثِرُ النَّوْمَ فِي كَهْفِ التَّخْزِينِ!
وِمْنَ يَنَايِرَ حَتَّى أَبْرِيلَ عَمِلْتُ عَلَى تَحْصِينِ سِيَاجِي، فَكُلَّمَا أَصْبَحَ أَقْوَى ازْدَادَ شُعُورِي بِالْأَمَانِ. وَأَضَفْتُ عَدَدًا مِنَ التَّحْسِينَاتِ الْأُخْرَى لِمَنْزِلِي هَذَا الْمَوْسِمَ، وَعَمَّا قَرِيبٍ أَضْحَيْتُ مُسْتَرِيحًا أَيَّمَا رَاحَةٍ، فَأَضَاءَتْ لَيَالِيَّ الشُّمُوعُ، وَكَانَ مَنْزِلِي جَافًّا (فِي مُعْظَمِهِ)، وَلَدَيَّ شيبي لِيَبْقَى بِرِفْقَتِي.
اسْتَيْقَظْتُ ذَاتَ صَبَاحٍ فِي ذَاتِ شَهْرِ أَبْرِيلَ مَشْدُوهًا؛ إِذْ وَجَدْتُ أَنَّ بَعْضَ الْأَطْعِمَةِ التَّالِفَةِ الَّتِي أَلْقَيْتُ بِهَا بَعِيدًا أَنْبَتَتْ، فَكَانَتْ هُنَاكَ سِيقَانٌ خَضْرَاءُ رَائِعَةٌ فِي سَهْلِي. وَفَرِحْتُ بِاكْتِشَافِي أَنَّهَا شَعِيرٌ وَأُرْزٌ، وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْمَحَاصِيلُ صِحِّيَّةً تَمَامًا! وَتَذَكَّرْتُ إِلْقَائِي لِلْحُبُوبِ فِي كَافَّةِ أَرْجَاءِ الْمَكَانِ لِكَيْ أُفْرِغَ الْحَقِيبَةَ، حَيْثُ احْتَجْتُ إِلَيْهَا لِأُخَزِّنَ بِهَا بَارُودِي. وَبِالتَّأْكِيدِ الطَّبِيعَةُ مُذْهِلَةٌ! فَمَا كُنْتُ لِأَتَوَقَّعَ أَبَدًا أَنْ يَنْمُوَ طَعَامُ الدَّجَاجِ فِي مَرْجِي الْأَمَامِيِّ، وَلَكِنِّي فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ الْآنَ بَعْدَ وُجُودِهِ.
وَبِالتَّأْكِيدِ، كَانَ شَهْرُ أَبْرِيلَ مَلِيئًا بِالْمُفَاجَآتِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ جَمِيعُهَا سَارَّةً. فَذَاتَ يَوْمٍ، بَينَمَا كُنْتُ فِي كَهْفِي أُصَنِّفُ مُؤَنِي، بَدَأَتِ الْأَرْضُ تَحْتَ قَدَمَيَّ فِي الِاهْتِزَازِ. وَكَانَ هُنَاكَ صَوْتُ تَصَدُّعٍ عَالٍ، وَبَدَأَتِ الْأَحْجَارُ فِي التَّسَاقُطِ مِنْ حَوْلِي، وَكُنْتُ مَرْعُوبًا وَجَرَيْتُ إِلَى الْخَارِجِ بِسُرْعَةٍ. وَاهْتَزَّتِ الْأَرْضُ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً. وَمِثْلَمَا بَدَأَ سَرِيعًا، انْتَهَى سَرِيعًا. زِلْزَالٌ! قَرَأْتُ عَنْهُ فِي صِبَايَ، لَكِنَّنِي لَمْ أَشْهَدْ أَيَّ زِلْزَالٍ فِي حَيَاتِي قَطُّ.
فَكَّرْتُ: «حَسَنًا، أَتَمَنَّى أَلَّا يَحْدُثَ مِثْلُ هَذَا ثَانِيَةً أَبَدًا.» وَعُدْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَأَزَحْتُ الصُّخُورَ مِنْ كَهْفِ التَّخْزِينِ.
وَبِالرُّغْمِ مِنْ تَرَاجُعِ الْأَمْطَارِ بِحُلُولِ مَايُو، تَبِعَتِ الزِّلْزَالَ عَاصِفَةٌ عَاتِيَةٌ. وَفِي الصَّبَاحِ التَّالِي لِانْتِهَائِهَا، سِرْتُ فِي جَوْلَتِي الْمُعْتَادَةِ هَابِطًا نَحْوَ الشَّاطِئِ، وَكَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ مَا عَلَى الشَّاطِئِ، وَلَمْ يَبْدُ كَأَعْشَابٍ بَحْرِيَّةٍ أَوْ أَخْشَابٍ طَافِيَةٍ مِمَّا اعْتَدْتُ رُؤْيَتَهُ هُنَاكَ بِالْأَسْفَلِ.
فَقُلْتُ بِصَوْتٍ عَالٍ بَيْنَمَا سِرْتُ نَحْوَ هَذَا الشَّيْءِ كَيْ أَرَاهُ عَنْ قُرْبٍ: «مَا هَذَا؟ عجبًا، إِنَّهَا السَّفِينَةُ!»
قَضَيْتُ النَّهَارَ فِي تَجْمِيعِ كُلِّ أَجْزَائِهَا وَحَمْلِهَا بَعِيدًا أَعْلَى الشَّاطِئِ. وَانْجَرَفَ بِرْمِيلٌ آخَرُ مِنَ الْبَارُودِ إِلَى الشَّاطِئِ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الْمِيَاهَ كَانَتْ قَدْ أَفْسَدَتْهُ. وَبَدَلًا مِنَ الْعَوْدَةِ لِمَنْزِلِي لِأَنْعَمَ بِغَفْوَتِي الْمُعْتَادَةِ، قَضَيْتُ بَاقِيَ الْيَوْمِ فِي مُحَاوَلَةِ إِعَادَةِ بِنَاءِ السَّفِينَةِ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَمَلٌ. وَمَعَ ذَلِكَ، قَرَّرْتُ الِاحْتِفَاظَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَحَسْبُ، فَرُبَّمَا يُمْكِنُ الِاسْتِفَادَةُ مِنْهَا. وَاسْتَغْرَقَ مِنِّي تَفْكِيكُ السَّفِينَةِ بِالْكَامِلِ قُرَابَةَ الشَّهْرِ. وَبِحُلُولِ مُنْتَصَفِ يُونْيُو، كَانَتْ مُفَكَّكَةً لِأَجْزَاءَ، وَأَخْفَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ بِالْقُرْبِ مِنَ الشَّاطِئِ؛ فَلَا يُمْكِنُكَ التَّخَلِّي عَنِ الْحَذَرِ.
عَلَّمَتْنِيَ الْحَيَاةُ عَلَى الْجَزِيرَةِ عِدَّةَ دُرُوسٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَوَّلُهَا مَا حَدَثَ فِي ذَاتِ شَهْرِ يُونْيُو. وَنَظَرًا لِأَنِّي كُنْتُ أَقْضِي وَقْتًا طَوِيلًا فِي الْأَسْفَلِ بِجِوَارِ الْمَاءِ كَيْ أُفَكِّكَ السَّفِينَةَ، فَكُنْتُ هُنَاكَ حِينَ رَأَيْتُ سُلَحْفَاةً، وَتَحَمَّسْتُ. فَبَعْدَ شُهُورٍ مِنْ أَكْلِ الْحَمَامِ وَالْمَاعِزِ، سَتَكُونُ السُّلَحْفَاةُ تَغْيِيرًا مُحَبَّبًا إِلَى النَّفْسِ. وَتَنَاوَلْتُ عَشَاءً شَهِيًّا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
وَبَعْدَ مُرُورِ أَيَّامٍ وَأَيَّامٍ، مَرِضْتُ لِدَرَجَةٍ مُمِيتَةٍ. فَكُنْتُ مَحْمُومًا وَأَصَابَتْنِي تَقَلُّصَاتٌ رَهِيبَةٌ فِي مَعِدَتِي، فَتَاهَ عَقْلِي وَأَخَذْتُ أَتَقَلَّبُ فِي فِرَاشِي، وَطَارَدَتْ لَيَالِيَّ الْأَحْلَامُ الْمُرِيعَةُ، فَبَكَيْتُ وَبَكَيْتُ، مُشْتَاقًا لِأُمِّي وَأَبِي، وَلَعَنْتُ قَرَارِي لِلذَّهَابِ لِلْبَحْرِ، وَلَعَنْتُ هَجْرِي لِمَزْرَعَتِي. وَلَكِنَّ الْأَهَمَّ أَنِّي لَعَنْتُ الظُّرُوفَ الَّتِي أَلْقَتْ بِي فِي جَزِيرَةِ الْيَأْسِ تِلْكَ.
بَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى الْأَمْرُ، وَتَرَكَنِيَ الْمَرَضُ شَاعِرًا بِالِاضْطِرَابِ وَالضِّيقِ. لِمَ حَدَثَ لِي كُلُّ هَذَا؟ وَكَيْفَ سَأَنْجُو مِنْ هَذِهِ المِحْنَةِ؟ وَلِكَمْ مِنَ الْوَقْتِ سَأَبْقَى هُنَا؟ وَهَلْ سَيَأْتِي أَحَدٌ لِإِنْقَاذِي؟ كَانَ جِسْمِي فِي غَايَةِ الْوَهَنِ، وَلَمْ أَسْتَعِدْ قُوَّتِي عَلَى مَدَى الْعَدِيدِ وَالْعَدِيدِ مِنَ الْأَسَابِيعِ.

الفصل السادس عشر
جَزِيرَةُ الِاكْتِشَافِ


عِنْدَمَا بَدَأْتُ فِي الشُّعُورِ بِالتَّحَسُّنِ قَرَّرْتُ اسْتِكْشَافَ الْجَزِيرَةِ كَمَا يَنْبَغِي، وَأَرَدْتُ التَّعَرُّفَ عَلَى مَا يُحِيطُ بِي، فَرُبَّمَا يُسَاعِدُنِي التَّفْكِيرُ فِي الْجَزِيرَةِ عَلَى أَنَّهَا بَيْتِي وَلَيْسَ مَكَانًا عَلِقْتُ فِيهِ. وَحَلَّ الْآنَ مَوْسِمُ الْجَفَافِ، وَعَزَمْتُ عَلَى الذَّهَابِ لِلْجَدْوَلِ حَيْثُ أَبْحَرْتُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الطَّوْفِ وَمَعِي مُؤَنِي مِنَ السَّفِينَةِ. وَبِمُجَرَّدِ وُصُولِي إِلَى هُنَاكَ، سِرْتُ بِطُولِ الْجَدْوَلِ حَتَّى تَمَلَّكَنِيَ التَّعَبُ وَعُدْتُ أَدْرَاجِي. وَكَانَ هناك الْعَدِيدُ مِنَ النَّبَاتَاتِ الَّتِي لَمْ أَعْرِفْهَا؛ لِذَا أَخَذْتُ مَعِي عَيِّنَاتٍ لِأَعُودَ بِهَا إِلَى الْمُخَيَّمِ، وَوَجَدْتُ أَيْضًا نَبَاتَاتٍ أَعْرِفُهَا، مِثْلَ الأَلَوَةِ. وَكُنْتُ فَخُورًا جِدًّا بِاكْتِشَافَاتِي!
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، سِرْتُ لِمَسَافَةٍ أَبْعَدَ، وَتَحَوَّلَتِ الْأَرْضُ الْخَضْرَاءُ الْمُزْدَهِرَةُ إِلَى غَابَةٍ خَشَبِيَّةٍ كَثِيفَةٍ. فَكَانَ يُوجَدُ أَشْجَارٌ كَبِيرَةٌ مُثْقَلَةٌ بِالْفَاكِهَةِ النَّاضِجَةِ، منها الشَّمَّامُ وَالْكَرْمةُ! وَلَمْ أَكُنْ أُصَدِّقُ مَدَى وَفْرَةِ الْأَشْجَارِ وَالْكَرْمَةِ، فَقَرَّرْتُ التَّخْيِيمَ فِي الْبُسْتَانِ لِقَضَاءِ اللَّيْلِ؛ لِذَا صَعِدْتُ إِلَى أَعْلَى شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ وَمَتِينَةٍ وَغَرِقْتُ فِي النَّوْمِ.
كَانَ الصَّبَاحُ مُشْرِقًا وَصَافِيًا. اتَّبَعْتُ نَفْسَ الْمَسَارِ وَأَكْمَلْتُ سَيْرًا جِهَةَ الشَّمَالِ، وَهُنَاكَ وَجَدْتُ فَتْحَةً لِمَسَاحَةٍ نَضِرَةٍ، وَخْضَرَاءَ، وَمُزْدَهِرَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَكَانَتْ رَائِعَةً، وَبَدَتْ كَأَنَّهَا حَدِيقَةٌ مَزْرُوعَةٌ. وَكَانَتْ أَشْجَارُ اللِّيمِ وَاللَّيْمُونِ مُزْدَهِرَةً، مِثْلُهَا مِثْلُ شَجَرِ الشَّمَّامِ وَالْعِنَبِ. وَكَانَ هُنَاكَ أَيْضًا أَشْجَارُ الْكَاكَاوِ وَالْبُرْتُقَالِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُثْمِرَةً. وَقَطَفْتُ مِنَ الْفَاكِهَةِ الطَّازَجَةِ قَدْرَ مَا أَمْكَنَنِي حَمْلُهُ.
عُدْتُ بِاتِّجَاهِ أَوَّلِ بُسْتَانٍ وَجَدْتُهُ، وَقَرَّرْتُ أَخْذَ بَعْضِ الْعِنَبِ لِلْبَيْتِ أَيْضًا. وَأَخَذْتُ وَقْتًا طَوِيلًا جِدًّا كَيْ أَرْجِعَ لِلْمُخَيَّمِ. وَعِنْدَ وُصُولِي، أَخَذَ شيبي يَنْبَحُ؛ فَكَانَ مَسْرُورًا جِدًّا لِرُؤْيَتِي. فَإِجْمَالًا، كُنْتُ غَائِبًا لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ!
شَعَرْتُ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ حِينَ اكْتَشَفْتُ أَنَّ الْعِنَبَ انْسَحَقَ فِي طَرِيقِي إِلَى الْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّ اللِّيمَ وَاللَّيْمُونَ كَانَا صَالِحَيْنِ، فَصَبَبْتُ مَاءً حَسَنًا وَبَارِدًا فِي إِنَاءٍ، ثُمَّ أَضَفْتُ الْفَاكِهَةَ، فَكَانَ رَائِعًا بِحَقٍّ.
وَعِنْدَمَا انْطَلَقْتُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، حَمَلْتُ مَعِي حَقِيبَتَيْنِ كَيْ أَتْمَكَّنَ مِنْ جَمْعِ الْمَزِيدِ مِنَ الْفَاكِهَةِ. وَبَدَلًا مِنْ أَخْذِ الْعِنَبِ لِلْبَيْتِ، قَطَفْتُ الْعِنَبَ وَعَلَّقْتُهُ عَلَى أَغْصَانِ الْأَشْجَارِ الْأُخْرَى حَتَّى يَجِفَّ لِيُصْبِحَ زَبِيبًا، ثُمَّ مَلَأْتُ حَقِيبَتِي بِالْمَزِيدِ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَاتَّجَهْتُ عَائِدًا إِلَى مُخَيَّمِي.
وَنَضِجَ زَبِيبِي فَأَصْبَحَ رَائِعًا وَلَذِيذَ الْمَذَاقِ. وَأَقَمْتُ مَأْوًى صَغِيرًا فِي الْوَادِي، وَأَسْمَيْتُهُ مَنْزِلِي الصَّيْفِيَّ!
وَمَضَى الْآنَ عَلَى وُجُودِي فِي الْجَزِيرَةِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ. وَكَانَ يَوْمُ الذِّكْرَى السَّنَوِيَّةِ تَعِيسًا فِي رَأْيِي. وَقَضَيْتُ مُعْظَمَهُ مُفَكِّرًا فِي كُلِّ مَا حَدَثَ. وَآخِرُ جُمْلَةٍ كَتبْتُهَا فِي يَوْمِيَّاتِي لِهَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ: «لِكَمْ مِنَ الْوَقْتِ سَأَظَلُّ بَاقِيًا هُنَا؟»

الفصل السابع عشر
روبنسون الْمُزَارِعُ


بَدَأَتْ سَنَتِي الثَّانِيَةُ عَلَى الْجَزِيرَةِ. وَعَلَى مَدَى الِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا الْمَاضِيَةِ كُنْتُ قَدْ عَلِمْتُ الْكَثِيرَ عَنْهَا. فَبَدَلًا مِنَ الْمَوَاسِمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُحَدَّدَةِ الَّتِي عَرَفْتُهَا فِي بَلَدِي فِي إِنْجِلْتِرَا، كَانَ لِلطَّقْسِ هُنَا دَوْرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا؛ فَهُنَا مَوْسِمَانِ فَقَطْ: أَحَدُهَمَا مُمْطِرٌ وَالْآخَرُ جَافٌّ. فَيُمْكِنُ أَنْ تُمْطِرَ لِثَلَاثَةِ شُهُورٍ ثُمَّ تَجِفُّ لِنَفْسِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ. وَعِلْمِي بِهَذَا كَانَ يَعْنِي أَنَّ بِوُسْعِيَ الْبَدْءَ فِي ذَلِكَ الْحِينِ فِي التَّحْضِيرِ لِلشُّهُورِ الْمُمْطِرَةِ كَيْ لَا أُضْطَرَّ لِقَضَاءِ الْكَثِيرِ مِنَ الْوَقْتِ فِي الْخَارِجِ.
وَكَانَ ذَلِكَ فِي قُرَابَةِ الْوَقْتِ الَّذِي حَاوَلْتُ فِيهِ إِنْبَاتَ بَعْضِ الْمَحَاصِيلِ، فَزَرَعْتُ بَعْضَ الشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ الَّذِي نَمَا فِي سَاحَتِي الْأَمَامِيَّةِ سَابِقًا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ كَيْ أَحْصُلَ عَلَى بُذُورِهَا. وَبَاءَتْ مُحَاوَلَتِي الْأُولَى لِإِنْمَاءِ أَيِّ شَيْءٍ مُفِيدٍ بِالْفَشَلِ التَّامِّ، فَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ سَيُؤَثِّرُ مَوْسِمَا الْجَزِيرَةِ، الْمُمْطِرُ وَالْجَافُّ، عَلَى الْمَحَاصِيلِ؛ وَلِذَا زَرَعْتُ بُذُورِي الْأُولَى بَعْدَ الْمَوْسِمِ الْمُمْطِرِ مُبَاشَرَةً. حَسَنًا، كَانَ هَذَا خَطَأً! فَلَمْ أُفَكِّرْ فِي مَدَى الْجَدْبِ الْفِعْلِيِّ فِي فَصْلِ الْجَفَافِ! وَلَكِنْ كَانَ مِنَ الرَّائِعِ أَنَّنِي لَمْ أَسْتَخْدِمْ كُلَّ الْبُذُورِ الَّتِي لَدَيَّ، فَأَبْقَيْتُ الْكَثِيرَ تَحَسُّبًا لِاحْتِيَاجِي مُحَاوَلَةَ الزِّرَاعَةِ مُجَدَّدًا.
وَالْآنَ، بَعْدَمَا عَلِمْتُ أَنَّ بُذُورِي تَحْتَاجُ جَوًّا رَطْبًا، انْتَظَرْتُ كَيْ أَزْرَعَهَا بِحُلُولِ الْمَوْسِمِ الْمُمْطِرِ الْقَادِمِ، وَفَكَّرْتُ كَذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَكُونُ مِنَ الْمُسْتَحْسَنِ أَنْ أَزْرَعَهَا فِي سَاحَتِي، فَالْفَاكِهَةُ تَنْمُو عَلَى نَحْوٍ جَيِّدٍ جِدًّا فِي الْوَادِي؛ لِذَا قَرَّرْتُ أَنَّ هَذِهِ التُّرْبَةُ هِيَ الْمُنَاسِبَةُ لِمَحَاصِيلِي.
وَنَجَحْتُ فِي مُحَاوَلَتِي الثَّانِيَةِ! نَمَتِ الْمَحَاصِيلُ صَحِيحَةً وَقَوِيَّةً، وَلِأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَوْسِمَانِ مَطِيرَانِ فِي الْعَامِ، عَرَفْتُ أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْأَقَلِّ عَلَى مَحْصُولَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَفِي أَثْنَاءِ الْمَطَرِ، كُنْتُ أبقى فِي الدَّاخِلِ، وَأَظَلُّ مُنْشَغِلًا بِمُحَاوَلَةِ صُنْعِ أَشْيَاءَ مُفِيدَةٍ. أَوَّلًا، حَاوَلْتُ عَمَلَ سَلَّةٍ، فَعِنْدَمَا كُنْتُ صَبِيًّا، ذَهَبْتُ مَعَ وَالِدِي لِمُشَاهَدَةِ صَانِعِ السِّلَالِ فِي الْمَدِينَةِ؛ لِذَا كُنْتُ أَعْرِفُ عَلَى نَحْوٍ يَشُوبُهُ الْغُمُوضُ كَيْفِيَّةَ عَمَلِ السَّلَّةِ، لَكِنَّ تَحْوِيلَ هَذِهِ الْأَفْكَارِ إِلَى حَيِّزِ التَّنْفِيذِ كَانَ قِصَّةً مُخْتَلِفَةً بِالْكَامِلِ.
وَقَبْلَ بَدْءِ الْأَمْطَارِ، اسْتَخْلَصْتُ بَعْضَ الْخَشَبِ مِنْ شَجَرِ النَّخِيلِ الْمَزْرُوعِ بِجِوَارِ مَنْزِلِي الصَّيْفِيِّ. وَكَانَتْ هَذِهِ السِّيقَانُ الْخَشَبِيَّةُ مَوْجُودَةً بِجِوَارِ النَّارِ، فَجَفَّتْ عَلَى مَدَى أَشْهُرٍ. وَكَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْمَادَّةَ الْخَامَ الَّتِي أَرَدْتُ اسْتِخْدَامَهَا لِعَمَلِ السِّلَالِ.
بَدَتِ الْأَعْدَادُ الْقَلِيلَةُ الْأُولَى مِنَ السِّلَالِ الَّتِي نَسَجْتُهَا فِي غَايَةِ الْبَشَاعَةِ، فَكَانَتْ كُلُّهَا غَيْرَ مُتَنَاسِقَةٍ وَكَانَ نَسْجُهَا غَيْرَ مُتَنَاسِبٍ، لَكِنَّنِي لَمْ أُبَالِ بِشَكْلِهَا، فَاسْتَخْدَمْتُهَا وَحَسْبُ عَلَى أَيِّ حَالٍ. وَأَحْرَزْتُ تَقَدُّمًا فَكَانَتْ كُلُّ سَلَّةٍ جَدِيدَةٍ أَفْضَلَ مِنْ سَابِقَتِهَا، وَاسْتَفَدْتُ مِنْهَا بِالتَّأْكِيدِ. فَاسْتَخْدَمْتُهَا لِحَمْلِ الْبُذُورِ، وَلِتَخْزِينِ بِضَاعَتِي، وَلِنَقْلِ الْمُؤَنِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ.
انْتَهَى الْمَوْسِمُ الْمُمْطِرُ، وَعَادَتِ الْأَيَّامُ الْمُشْمِسَةُ مِنْ جَدِيدٍ، وَبَدَأَتِ الْخَوَاطِرُ تَجُولُ فِي عَقْلِي، وَبَدَأْتُ أَنَا فِي اسْتِكْشَافِ الْمَزِيدِ فِي الْجَزِيرَةِ. وَفِي خِلَالِ أُسْبُوعٍ مِنَ الطَّقْسِ الْجَيِّدِ، انْطَلَقْتُ أَنَا وشيبي لِبَيْتِنَا الصَّيْفِيِّ.
كَانَتْ وِجْهَتِي هِيَ شَاطِئَ الْبَحْرِ الْوَاقِعَ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْجَزِيرَةِ، فَوَقَفْتُ عَلَى أَعْلَى التَّلِّ وَنَظَرْتُ مُتَمَعِّنًا فِي الْأَرْجَاءِ لِأَكتَشِفَ أَفْضَلَ الطُّرُقِ لِلذَّهَابِ حَيْثُ أُرِيدُ. فَهَذَا التَّلُّ كَانَ بِالْفِعْلَ أَعْلَى نِسْبِيًّا مِنْ أَيِّ أَرْضٍ قَرِيبَةٍ مِنْ أَيٍّ مِنْ مَنْزِلَيَّ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، رَأَيْتُ هُنَاكَ أَرْضًا تَمْتَدُّ لِنَحْوِ عِشْرِينَ فَرْسَخًا فِي الْبَحْرِ.
فَرَاوَدَنِيَ التَّفْكِيرُ: «أَيْنَ أَنَا؟ وَمَا هَذِهِ الْأَرْضُ؟» بَحَثْتُ فِي عَقْلِي عَنْ أَيِّ شَيْءٍ قَدْ أَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ، لَكِنْ بِلَا جَدْوَى، فَلَمْ تَكُنْ لَدَيَّ أَيُّ فِكْرَةٍ عَنْهَا. وَأَقْرَبُ مَا اسْتَطَعْتُ التَّفْكِيرَ فِيهِ هُوَ وُجُودِي عَلَى جَزِيرَةٍ فِي الْجُزْءِ الْإِسْبَانِيِّ مِنَ الْأَمْرِيكَتَيْنِ. وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَالْأَمْرُ خَطِيرٌ جِدًّا، فَالرِّجَالُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ عَلَى هَذِهِ الْأَرَاضِي غَيْرُ وَدُودِينَ جِدًّا. فَسَمِعْتُ عَنْهُمُ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُرْعِبَةِ مِنْ بَحَّارَةٍ آخَرِينَ فِي رِحْلَاتِي؛ فَهُمْ لَا يُحِبُّونَ الْغُرَبَاءَ بَتَاتًا وَيُحَاوِلُونَ إِبْعَادَ أَيِّ شَخْصٍ عَنْ جُزُرِهِمْ.
لَكِنِّي لَمْ أَدَعْ هَذِهِ الْأَفْكَارَ الْمُقْبِضَةَ تُخِيفُنِي، فَأَنَا لَمْ أَرَ قَطُّ إِنْسَانًا آخَرَ عَلَى جَزِيرَتِي؛ لِذَا كُنْتُ آمِنًا حِينَئِذٍ. وَانْطَلَقْتُ أَنَا وشيبي فِي مُغَامَرَتِنَا الصَّغِيرَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبُ اصْطِحَابِي لَهُ هُوَ الِاسْتِمَاعَ وَحَسْبُ إِلَى وَقْعِ صَوْتِي، فَتَحَدَّثْتُ وَتَحَدَّثْتُ إِلَى الْكَلْبِ، وَأَخْبَرْتُهُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ حَيَاتِي، وَعَنْ خُطَطِي، وَعَنْ مَكَانِي قَبْلَ أَنْ أَهْبِطَ عَلَى الْجَزِيرَةِ مَعَهُ. وَكَانَ يَخِبُّ بِجِوَارِي، سَعِيدًا أَيَّمَا سَعَادَةٍ.
كَانَ الْجَانِبُ الْآخَرُ مِنَ الْجَزِيرَةِ جَمِيلًا جِدًّا، فَهُنَاكَ بَبَّغَاوَاتٌ عَلَى الْأَشْجَارِ وَالْعَدِيدُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُثِيرَةِ. فَقَرَّرْتُ أَخْذَ بَبَّغَاءٍ لِلْمَنْزِلِ كَطَيْرٍ أَلِيفٍ، وَأَسْمَيْتُهُ بُولْ.
قَضَيْتُ الْعَدِيدَ مِنَ اللَّيَالِي بَعِيدًا عَنِ الْمَنْزِلِ فِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ. وَكَانَ وَقْتًا بَهِيجًا وَمُمْتِعًا، بِاسْتِثْنَاءِ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي قَضَيْتُهَا أَنَا وَشيبي تَائِهَيْنِ فِي وَادٍ شَاسِعٍ. فَكَمْ يَكُونُ الْبَيْتُ رَائِعًا عِنْدَمَا تَكُونُ بَعِيدًا! مَتَّعْتُ نَظَرِي بِكُلِّ شَيْءٍ! وَحَتَّى سِلَالِي غَرِيبَةُ الشَّكْلِ كَانَتْ تَرْسُمُ الْبَسْمَةَ عَلَى وَجْهِي.
قُلْتُ وَأَنا أَسْقُطُ لَاجِئًا إِلَى رَاحَةِ أُرْجُوحَتِي الشَّبَكِيَّةِ: «آهٍ يَا شيبي، مَنْزِلِي الْعَزِيزَ.»
وَكَانَتْ هَذِهِ لَحْظَةً هَامَّةً، فَبَيْنَمَا كُنْتُ رَاقِدًا، أَرْتَشِفُ الْمِيَاهَ بِالْفَاكِهَةِ، وَأَتَأَرْجَحُ جِيئَةً وَذَهَابًا عَلَى أُرْجُوحَتِي، تَوَقَّفْتُ عَنِ الشُّعُورِ بِالْأَسَى عَلَى نَفْسِي. أَجَلْ، كُنْتُ عَالِقًا عَلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ. وَأَجَلْ، كُنْتُ وَحِيدًا تَمَامًا. وَهَذَا حَقِيقِيٌّ، فَيَا لَهَا مِنْ حَيَاةٍ شَاقَّةٍ، لَكِنَّهَا كَذَلِكَ حَيَاةٌ شَائِقَةٌ، فَكُنْتُ مُمْتَنًّا أَنَّنِي عَلَى قِيدِ الْحَيَاةِ وَأَنَّنِي نَجَوْتُ مِن تَحَطُّمِ السَّفِينَةِ.

الفصل الثامن عشر
وَتَسْتَمِرُّ الْحَيَاةُ


فِي سَنَتِي الثَّالِثَةِ عَلَى الْجَزِيرَةِ، بَدَأَتْ حَيَاتِي الْيَوْمِيَّةُ تَأْخُذُ شَكْلًا مُحَدَّدًا؛ فَكُنْتُ مُنْشَغِلًا بِالصَّيْدِ وَالطَّهْيِ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، تَمَامًا مِثْلَمَا كُنْتُ أَفْعَلُ كُلَّ صَبَاحٍ طَوَالَ السَّنَتَيْنِ الْمَاضِيَتَيْنِ. وَكُنْتُ أَقْضِي فَتَرَاتِ بَعْدِ الظَّهِيرَةِ فِي الْعَمَلِ عَلَى مَشَارِيعِ، كبِنَاءِ الْأَرْفُفِ وَتَحْسِينِ مَنْزِلَيَّ كِلَيْهِمَا.
كُنْتُ أَتَّجِهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ إِلَى وَادِيَّ وَأَتَفَقَّدُ مَحَاصِيلِي، وَكَانَتْ بِخَيْرِ حَالٍ، بِالرَّغْمِ مِنِ الْتِفَاتِ الطُّيُورِ وَالْأَرَانِبِ الْبَرِّيَّةِ مِنْ حَوْلِهَا إِلَيْهَا! وَلِكَيْ أَحُلَّ مُشْكِلَةَ الطُّيُورِ قُمْتُ بِتَعْلِيقِ رِيشٍ فِي كَافَّةِ الْأَرْجَاءِ لِإِخَافَتِهَا، وَلِحَلِّ مُشْكِلَةِ الْأَرَانِبِ بَنَيْتُ سِيَاجًا حَوْلَ مَحَاصِيلِي كَيْ لَا تَتَمَكَّنَ الْأَرَانِبُ الْبَرِّيَّةُ مِنَ الدُّخُولِ. وَنَجَحَ كِلَا الْحَلَّيْنِ، وَسَرِيعًا أَصْبَحَتِ الْمَحَاصِيلُ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الْحَيَاةِ الْبَرِّيَّةِ فِي الْمِنْطَقَةِ.
كَانَ الْحَصَادُ هَذَا الْعَامَ هزيلًا؛ لِذَا قَرَّرْتُ إِعَادَةَ إِنْبَاتِ الْحُبُوبِ الَّتِي زَرَعْتُهَا مِنْ قَبْلُ. وَكَانَ مِنْ دَوَاعِي شُعُورِي بِالسُّرُورِ فِي حَيَاتِي الْقَدِيمَةِ وَالَّذِي اشْتَهَيْتُ بِشِدَّةٍ الْحُصُولَ عَلَيْهِ هُوَ الْخُبْزُ، وَلَكِنْ كَانَ عَلَيَّ التَّأَكُّدُ مِنْ تَوَافُرِ الشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ بِمَا يَكْفِي لِتَحْوِيلِ هَذَا الْحُلْمِ لِحَقِيقَةٍ.
وَعِنْدَمَا بَدَأَتِ الْأَمْطَارُ فِي الْهُطُولِ، كَالْمُعْتَادِ، مَكَثْتُ فِي الدَّاخِلِ قَدْرَ الْمُسْتَطَاعِ، وَقَضَيْتُ بِضْعَةَ أَسَابِيعَ جَمِيلَةً فِي مُحَاوَلَةِ تَعْلِيمِ بول الْبَبَّغَاءِ التَّحَدُّثَ، وَتَعَلَّمَ فِي النِّهَايَةِ قَوْلَ كَلِمَاتٍ وَجُمَلٍ قَلِيلَةٍ.
وَكَذَلِكَ كَانَ هَذَا الْمَوْسِمُ بِدَايَةَ صُنْعِي الْفَخَّارَ، فَهُنَاكَ كَمِّيَّةٌ وَافِرَةٌ مِنَ الصَّلْصَالِ الطَّبِيعِيِّ عَلَى الْجَزِيرَةِ. عَمِلْتُ عِدَّةَ مُحَاوَلَاتٍ لِإِحْمَاءِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي شَكَّلْتُهَا فِي النَّارِ، وَلَكِنَّهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَتْ تَخْرُجُ مَكْسُورَةً.
وَتَسَاءَلْتُ: «مَا الْخَطَأُ الَّذِي أَفْعَلُهُ؟»
جَرَّبْتُهَا عَلَى أَنْوَاعِ حَرَارَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَسَرِيعًا، عَرَفْتُ أَنَّهَا لا تَنْكَسِرْ عِنْدَ وَضْعِهَا عَلَى الْجَمْرِ، بَدَلًا مِنْ وَضْعِهَا مُبَاشَرَةً عَلَى النَّارِ. وَمِثْلَ سِلَالِي، كَانَتْ السُّلْطَانِيَّاتُ بَعِيدَةً تَمَامًا عَنِ الْإِتْقَانِ. صَنَعْتُ الْعَدِيدَ مِنَ الْقُدُورِ لِلطَّبْخِ وَبَدَأْتُ أَسْتَمْتِعُ بِتَنَوُّعِ وَجَبَاتِ الْعَشَاءِ، مِثْلِ الْيَخْنَةِ وَالْمَرَقِ! وَيَا لَهُ مِنْ تَغْيِيرٍ فِي وَجَبَاتِي الْمُعْتَادَةِ بَعْدَ أنْ كُنْتُ أَتَنَاوَلُ اللَّحْمَ الْمَشْوِيَّ عَلَى النَّارِ.
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، حَقَّقَ حَصَادِي الثَّانِي أَيْضًا النَّجَاحَ، وَأَصْبَحَ لَدَيَّ وَقْتَئِذٍ مَا يَكْفِي مِنَ الْبُذُورِ فِي الْمَخْزَنِ، فَشَعَرْتُ بِالِاطْمِئْنَانِ لِمُحَاوَلَةِ صُنْعِ الْخُبْزِ. وَكَانَ الْبَسْكَوِيتُ الَّذِي أَحْضَرْتُهُ مِنَ السَّفِينَةِ قَدْ نَفِدَ مُنْذُ زَمَنٍ، وَاشْتَهَيْتُ شَيْئًا مِثْلَهُ. فَأَوَّلًا، نَحَتُّ سُلْطَانِيَّةً كَبِيرَةً مِنَ قِطْعَةِ الْخَشَبِ الْحَدِيدِيِّ الَّتِي قَطَّعْتُهَا مُنْذُ مَا يَقْرُبُ مِنْ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ. وَثَانِيًا، وَضَعْتُ بَعْضًا مِنْ حِنْطَتِي فِي السُّلْطَانِيَّةِ وَحَاوَلْتُ طَحْنَهَا لِتُصْبِحَ طَحِينًا. وَبَعْدَ هَذَا، غَرْبَلْتُ الطَّحِينَ بِاسْتِخْدَامِ مَلَابِسَ قَدِيمَةٍ، عَلَى أَمَلِ فَصْلِ الْقِشْرَةِ مِنْهَا.
وَحِينَئِذٍ أَضْحَى لَدَيَّ الدَّقِيقُ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعِي خَمِيرَةٌ لِنَفْشِ الْعَجِينِ وَانْتِفَاخِهِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ أَيُّ زُبْدٍ لِإِضَافَةِ نَكْهَةٍ أَوْ شَحْمٍ لِأَخْبِزَ بِهِ. لِذَا، بِبَسَاطَةٍ خَلَطْتُ الدَّقِيقَ بِالْمَاءِ وَتَمَنَّيْتُ الْحُصُولَ عَلَى أَفْضَلِ نَتِيجَةٍ. وَكَانَتِ الْأَرْغِفَةُ الَّتِي صَنَعْتُهَا أَفْضَلَ قَلِيلًا مِنَ الْخُبْزِ المسطح، لَكِنَّهُ كَانَ لَذِيذًا.
وَاسْتَمَرَّ نَجَاحُ الْمَحَاصِيلِ. وَلَمْ أُرِدْ إِتْلَافَ أَيٍّ مِنَ الْبُذُورِ؛ لِذَا بَدَأْتُ بِالزِّرَاعَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ فِي الْعَامِ. وَكُنْتُ أَعْرِفُ كَمَّ الْبُذُورِ الَّتِي أَحْتَاجُهَا، وَكَمَّ الدَّقِيقِ الَّذِي يُمْكِنُنِي عَمَلُهُ وَاسْتِخْدَامُهُ بِالْفِعْلِ؛ فَلَمْ أَرْغَبْ فِي إِهْدَارِ أَيِّ شَيْءٍ.

الفصل التاسع عشر
قَارِبٌ


فِي شَهْرِ سِبْتَمْبِرَ الَّذِي بَدَأَتْ بِهِ سَنَتِي الرَّابِعَةَ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَكَّرْتُ مَلِيًّا وَجِدِّيًا فِي الِانْتِقَالِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْجَزِيرَةِ. فَلَمْ أَشُكَّ كَثِيرًا فِي أَنَّهُ كَانَ أَجْمَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي قَرَّرْتُ الِاسْتِقْرَارَ فِيهِ، وَدَفَعَتْنِي إِلَى ذَلِكَ احْتِمَالِيَّةُ رُؤْيَتِي لِلْأَرْضِ مِنْ هُنَاكَ. وَجَعَلَنِي ذَلِكَ أَوَدُّ الْهُرُوبَ. وَتَذَكَّرْتُ قَصُوري الْيَافِعَ وَمَرْكَبَنَا وَتَمَنَّيْتُ لَوْ كَانَ بِحَوْزَتِي ذَاتُ الْقَارِبِ عَلَى الْجَزِيرَةِ. فَكَمْ كُنْتُ سَأَقْطَعُ مِنْ مَسَافَةٍ!
وَبِالرُّغْمِ مِنْ هَذَا الْحَنِينِ لِلْعَوْدَةِ إِلَى الْحَضَارَةِ، كُنْتُ خَائِفًا أَيْضًا مِنْ مُغَادَرَةِ الْجَزِيرَةِ. فَمَاذَا لَوِ انْتَهَى بِي الْمَطَافُ فِي مَكَانٍ أَسْوَأَ؟ وَكَذَلِكَ، مَضَى عَلَى وُجُودِي عَلَى الْجَزِيرَةِ فَتْرَةٌ طَوِيلَةٌ وَلَمْ أَرَ خِلَالَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ إِنْسَانًا آخَرَ. وَبِالْمِثْلِ لَمْ أَرَ أَيَّ شَيْءٍ.
فَقُلْتُ لِنَفْسِي: «أَنْتَ تَعْرِفُ بِالتَّجْرِبَةِ يَا روبنسون أَنَّ الْأَسْوَأَ يَحْدُثُ فِيمَا يَبْدُو دَائِمًا عِنْدَمَا تُغَامِرُ بَعِيدًا عَنْ مَوْطِنِكَ.» لَا، لَنْ أَنْقُلَ مُخَيَّمِي؛ فَهُوَ آمِنٌ وَمُرِيحٌ، وَيَجِبُ عَلَيَّ الْبَقَاءُ فِي مَكَانِي فِي الْوَقْتِ الْحَالِي.
وَهَذَا لَمْ يَكُنْ يَعْنِي أَنَّنِي تَوَقَّفْتُ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي مُغَادَرَةِ الْجَزِيرَةِ، فَأَرَدْتُ بِشِدَّةٍ الْحُصُولَ عَلَى قَارِبٍ. وَفِي حِينِ لَا زَالَتْ أَجْزَاءُ سَفِينَتِنَا مُخَبَّأَةً فِي الْأَسْفَلِ بِجِوَارِ الشَّاطِئِ، فَرُبَّمَا يَكُونُ هُنَاكَ سَبِيلٌ لِإِصْلَاحِهَا فِي النِّهَايَةِ.
حَسَنًا، كَانَتْ هَذِهِ الْفِكْرَةُ حَمْقَاءَ. فَبَعْدَ أَسَابِيعَ مِنَ الْعَمَلِ الشَّاقِّ، أُجْبِرْتُ عَلَى الْوُصُولِ لِذَاتِ النَّتِيجَةِ؛ فَلَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُ هَذَا الْقَارِبِ!
إِلَّا أَنَّنِي ظَلَلْتُ بِحَاجَةٍ لِأَنْ أمْتَلِكَ قَارِبًا. فَحَسَمْتُ أَمْرِي، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ عَالٍ: «عَلَيَّ فَقَطْ أَنْ أَصْنَعَ قَارِبًا!»
وَمَرَّةً أُخْرَى، يَا لَهَا مِنْ خُطَّةٍ حَمْقَاءَ! فَلَمْ أُفَكِّرْ بِتَمَعُّنٍ فِيهَا قَبْلَ أَنْ أَبْدَأَ. قَضَيْتُ أَسَابِيعَ فِي الْغَابَةِ لِأَقْطَعَ الشَّجَرَةَ الْمُنَاسِبَةَ، وَبِمُجَرَّدِ سُقُوطِهَا، قَضَيْتُ مَا يَقْرُبُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي تَشْكِيلِ الْقَاعِ وَالْحَفْرِ مِنَ الدَّاخِلِ. وَعِنْدَمَا انْتَهَيْتُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، أَضْحَى لَدَيَّ زَوْرَقٌ مُتَوَسِّطُ الْحَجْمِ. وَبَقِيَتْ مُشْكِلَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ؛ كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْزَالُ الْقَارِبِ إِلَى الْمَاءِ؟ فَوَقْتَئِذٍ كَانَ الزَّوْرَقُ مُسْتَقِرًّا فِي مُنْتَصَفِ الْغَابَةِ!
دَفَعْتُهُ، وَجَذَبْتُهُ، وَجَرَرْتُهُ، وَرَكَلْتُهُ، وَصَرَخْتُ، وَبِبَسَاطَةٍ لَمْ يَتَزَحْزَحِ الْقَارِبُ. وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبِيلٌ لِأَتَمَكَّنَ مِنْ سَحْبِهِ طَوَالَ الطَّرِيقِ عَبْرَ الْغَابَةِ وَالْوَادِي، ثُمَّ إِلَى الشَّاطِئِ. فَبِمَاذَا كُنْتُ أُفَكِّرُ بِحَقِّ السَّمَاءِ؟
وَانْتَهَى صِرَاعِي مَعَ الزَّوْرَقِ بِلَا شَيْءٍ سِوَى الْإِحْبَاطِ، فَهَذَا الْقَارِبُ عَالِقٌ عَلَى الْيَابِسَةِ إِلَى الْأَبَدِ. وَقُلْتُ لشيبي: «كَمْ هُوَ أَمْرٌ مُضْحِكٌ، فَعَلَى الشَّاطِئِ، لَدَيَّ أَجْزَاءٌ مِنْ سَفِينَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَطْفُوَ عَلَى صَفْحَةِ الْمَاءِ. وَفِي الْغَابَةِ، لَدَيَّ زَوْرَقٌ يُمْكِنُ أَنْ يَطْفُوَ، لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ إِنْزَالَهُ إِلَى الْمَاءِ!»
وَهَكَذَا، احْتَفَلْتُ بِالذِّكْرَى السَّنَوِيَّةِ الرَّابِعَةِ عَلَى الْجَزِيرَةِ بِقَارِبَيْنِ، لَكِنَّ أَيًّا مِنْهُمَا لَمْ يُسَاعِدْنِي عَلَى الْهُرُوبِ مِنْ جَزِيرَتِي!
وَبِالرُّغْمِ مِنَ الْحَظِّ الْعَاثِرِ مَعَ الْقَارِبَيْنِ، فَكَانَ هُنَاكَ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَكْفِينِي وَمِنَ الْمَاءِ مَا يَرْوِينِي. وَكَانَ مَنْزِلِي آمِنًا وَجَافًّا (مُعْظَمَ الْوَقْتِ!) وَكَانَ هُنَاكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا افْتَقَدْتُهُ، مِثْلَ الْجَزَرِ وَالْبَازِلَّاءِ، لَكِنَّنِي كُنْتُ بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ وَهَذَا هُوَ كُلُّ مَا يَهُمُّ حَقِيقَةً. فَبِالْإِجْمَالِ، كَانَتِ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ جَيِّدَةً.
بَدَأَ الْمَوْسِمُ الْمُمْطِرُ، وَحَانَ الْوَقْتُ كَيْ أَقِيسَ وَأُعَدِّلَ مَلَابِسِي. فَكُنْتُ قَدْ انْتَشَلْتُ الْكَثِيرَ مِنْ مَلَابِسِ الْبَحَّارَةِ قَدْرَ مَا أَمْكَنَنِي مِنَ السَّفِينَةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ مَضَتْ. وَكَانَتْ أَهَمُّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أَخَذْتُهَا هِيَ الْقُمْصَانَ. فَإِجْمَالًا، كَانَ مَعِي قُرَابَةُ عِشْرِينَ قَمِيصًا، وَكَانَتِ الْقُمْصَانُ مَصْنُوعَةً مِنَ الْكَتَّانِ، فَكَانَتْ خَفِيفَةً وَمُرِيحَةً لِلْغَايَةِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهَا لِلْبِلَى، وَتَحَوَّلَ الْكَثِيرُ مِنْهَا وَقْتَئِذٍ لِخِرَقٍ بَالِيَةٍ. فَحَاوَلْتُ أَنْ أَرْتَدِيَهَا كُلًّا عَلَى حِدَةٍ، كَيْ تَدُومَ لِأَطْوَلِ فَتْرَةٍ مُمْكِنَةٍ.
وَكُنْتُ قَدِ انْتَشَلْتُ كَذَلِكَ الْعَدِيدَ مِنَ الْمَعَاطِفِ مِنَ السَّفِينَةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ مَضَتْ، وَلَكِنَّ الطَّقْسَ عَلَى الْجَزِيرَةِ كَانَ حَارًّا لِدَرَجَةٍ تَمْنَعُنِي مِنِ ارْتِدَائِهَا. فَبَدَلًا مِنِ ارْتِدَائِهَا، حَوَّلْتُهَا إِلَى بَنَاطِيلَ وَسَرَاوِيلَ قَصِيرَةٍ. وَلَوْ كَانَتْ سِلَالِي غَيْرَ بَارِعَةٍ، فَإِنَّ خِيَاطَتِي كَانَتْ أَسْوَأَ بِكَثِيرٍ! وَبِحُلُولِ الْوَقْتِ الَّذِي انْتَهَيْتُ فِيهِ مِنْ صُنْعِ مَلَابِسِي، بَدَوْتُ مُثِيرًا لِلسُّخْرِيَةِ! فَقُمْصَانِي بَالِيَةٌ، وَسَرَاوِيلِي أَرْتَدِيهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِيمَا سَبَقَ مَعَاطِفَ! وَسَرِيعًا قَرَّرْتُ صُنْعَ مَلَابِسِي مِنْ جِلْدِ الْمَاعِزِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَبَعًا لِلْمُوضَةِ، بَلْ بَحْثًا عَنِ الرَّاحَةِ. وَإِضَافَةً إِلَى مَلَابِسِي مِنْ جِلْدِ الْمَاعِزِ، صَنَعْتُ أَيْضًا قُبَّعَةً، فَلَوْنُ بَشْرَتِي فَاتِحٌ جِدًّا، وَكُنْتُ أَتَعَرَّضُ بِسُهُولَةٍ لِلِاحْتِرَاقِ إِذَا مَكَثْتُ فِي الْخَارِجِ لِفَتْرَةٍ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ، وَكَانَتِ الْقُبَّعَةُ فَعَّالَةً فِي وِقَايَتِي مِنَ الشَّمْسِ.
وَبَيْنَمَا كُنْتُ أُعَدِّلُ مَلَابِسِي، صَنَعْتُ كَذَلِكَ مِظَلَّةً، وَأَصْبَحَتْ أَغْلَى مُقْتَنَيَاتِي؛ فَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى حَجْبِهَا لِلشَّمْسِ عَنِّي وَحَسْبُ، لَكِنَّهَا أَيْضًا أَبْقَتْنِي جَافًّا أَثْنَاءَ الْمَوْسِمِ الْمُمْطِرِ.

الفصل العشرون
حَادِثَةٌ أُخْرَى


عَلَى مَدَى الْخَمْسِ سَنَوَاتٍ التَّالِيَةِ، حَقَّقْتُ نَجَاحَاتٍ عَلَى جَزِيرَتِي الصَّغِيرَةِ؛ فَكَانَ حَصَادِي نَاجِحًا، وَاسْتَكْشَفْتُ الْجَزِيرَةَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَكَانَ شيبي وَبول أَلِيفَيْنِ رَائِعَيْنِ، وَكَانَ لَدَيَّ الْكَثِيرُ مِنَ الطَّعَامِ مِنْ أَشْجَارِ الْفَاكِهَةِ، وَكَانَ الصَّيْدُ دَائِمًا حَسَنًا.
وَوَقْتَئِذٍ، ارْتَكَبْتُ مَا يُمْكِنُ عَدُّهُ حَمَاقَةً؛ صَنَعْتُ قَارِبًا آخَرَ أَثْنَاءَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ، وَتَعَلَّمْتُ أَيْضًا مِنْ أَخْطَائِي. فَبَدَلًا مِنِ اخْتِيَارِ شَجَرَةٍ مِنْ مُنْتَصَفِ الْغَابَةِ، عَثَرْتُ عَلَى أُخْرَى عَلَى مَسَافَةٍ أَقْرَبَ إِلَى الشَّاطِئِ. وَاسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ مِنِّي شُهُورًا عَدِيدَةً لِأَنْحِتَ الزَّوْرَقَ كَمَا يَنْبَغِي. وَعِنْدَمَا انْتَهَيْتُ، أَنْزَلْتُهُ إِلَى الْمَاءِ بِوَضْعِ أَزْنَادِ الْأَشْجَارِ تَحْتَهُ وَدَحْرَجْتُهُ إِلَى الْأَمَامِ. وَمَا إِنْ عَرَفْتُ عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ أَنَّهُ سَيَطْفُو، صَنَعْتُ صَارِيًا صَغِيرًا وَشِرَاعًا. وَالْآنَ، بَدَلًا مِنَ الْمَشْيِ لِأَمْيَالٍ وَأَمْيَالٍ حَتَّى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْجَزِيرَةِ، كَانَ يُمْكِنُنِي السَّفَرُ بِالْقَارِبِ!
وَلِأَنَّ قَلْبِي ظَلَّ يَتُوقُ لِلْمُغَامَرَةِ، بَدَأْتُ رِحْلَةً وَبِصُحْبَتِي الْمُؤَنُ الْكَافِيَةُ لِيَوْمَيْنِ؛ فَأَخَذْتُ بَعْضَ الطَّعَامِ، وَارْتَدَيْتُ قُبَّعَتِي، وَحَمَلْتُ مِظَلَّتِي. وَأَبْحَرَ الْقَارِبُ الصَّغِيرُ بِسَلَاسَةٍ حَتَّى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْجَزِيرَةِ. وَاسْتَخْدَمْتُ الْمَرْسَى الصَّغِيرَ الَّذِي احْتَفَظْتُ بِهِ مِنَ السَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ وَذَهَبْتُ إِلَى الشَّاطِئِ لِلِاسْتِكْشَافِ. وَخَيَّمْتُ فِي الْخَارِجِ لِيَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ. وَمَا إِنِ اسْتَكْشَفْتُ طَبِيعَةَ الْمَكَانِ، أَخَذْتُ طَرِيقَ الْعَوْدَةِ إِلَى قَارِبِي، وَذَهَبْتُ عَنِ الْمَكَانِ لِأُبْحِرَ عَائِدًا لِلْمَنْزِلِ.
وَبَدَلًا مِنْ عَوْدَتِي مِنْ نَفْسِ طَرِيقِ قُدُومِي، قَرَّرْتُ الذَّهَابَ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِنِ انْطِلَاقِي، تَلَاقَتِ التَّيَّارَاتُ مِنِ اتِّجَاهَاتٍ عِدَّةٍ، وَبَدَأَتِ الْمِيَاهُ تَجْرِفُنِي إِلَى دَاخِلِ الْبَحْرِ، وَلَمْ يَبْدُ لِتَجْدِيفِي أَيُّ أَثَرٍ. هَبَّتِ الرِّيَاحُ بِشِدَّةٍ، بَلْ وَجَرَفَتْنِي إِلَى مَكَانٍ أَبْعَدَ، وَاخْتَفَتْ جَزِيرَتِي الصَّغِيرَةُ مِنْ عَلَى بُعْدٍ.
صَرَخْتُ: «أَوَّاهُ! لِمَاذَا أَنَا؟ لِمَاذَا ثَانِيَةً! مَاذَا أَفْعَلُ؟ أَيْنَ سَأَذْهَبُ؟» لَاحَظَ شيبي فَزَعِي، فَنَبَحَ وَنَبَحَ. وَكُلُّ مَا أَرَدْتُهُ حِينَهَا هُوَ الْعَوْدَةُ لِلْبَيْتِ. فَكَانَ مُخَيَّمِي جَنَّةً مُقَارَنَةً بِتَحَطُّمِ قَارِبِي أَوْ شُعُورِي بِالضَّيَاعِ فِي الْبَحْرِ. فَأَنْزَلْتُ الصَّارِيَ وَالشِّرَاعَ لِأَرَى إِنْ كَانَ سَيُؤَثِّرُ، وَلَكِنَّ الْقَارِبَ كَانَ قَدْ عَلِقَ فِي التَّيَّارِ.
كَانَ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسَعُنِي عَمَلُهُ هُوَ الِانْتِظَارَ. فَتَوَقَّفْتُ عَنِ الْمُحَاوَلَةِ وَتَرَقَّبْتُ وَالشَّمْسُ تُلْقِي بِأَشِعَّتِهَا عَبْرَ جَزِيرَتِي. وَبَعْدَ الظَّهِيرَةِ، تَغَيَّرَتِ الرِّيَاحُ، وَبَدَأَتْ تَهُبُّ شَمَالًا، مِمَّا بَعَثَ فِيَّ شَيْئًا مِنَ الْأَمَلِ. فَأَعَدْتُ الصَّارِيَ وَالشِّرَاعَ بِسُرْعَةٍ إِلَى مَكَانِهِمَا لِأَعْلَى، وَلَا شَيْءَ سِوَى الْعَمَلِ الْمُضْنِي جَعَلَ الْقَارِبَ يَجْتَازُ التَّيَّارَ. فَلَمْ أُبْحِرْ قَطُّ بِهَذِهِ الصُّعُوبَةِ فِي حَيَاتِي. تَأَرْجَحَ الْقَارِبُ قَلِيلًا، لِلْخَلْفِ وَلِلْأَمَامِ، وَلِلْأَمَامِ وَلِلْخَلْفِ، ثُمَّ قَرَّرْتُ الْبَدْءَ فِي التَّجْدِيفِ. وَبَعْدَ مَا يَقْرُبُ مِنْ سَاعَةٍ، عَادَ الْقَارِبُ أَخِيرًا إِلَى مَسَارِهِ وَتَوَجَّهْتُ بِهِ عَائِدًا بِاتِّجَاهِ الْجَزِيرَةِ.
عِنْدَ عَوْدَتِي إِلَى جَانِبِ الْجَزِيرَةِ الَّذِي اعْتَدْتُهُ، كَانَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ لِلْغُرُوبِ. وَأَرَدْتُ الْعَوْدَةَ إِلَى الشَّاطِئِ قَبْلَ حُلُولِ الظَّلَامِ بِالْكَامِلِ. وَبَدَلًا مِنْ مُحَاوَلَتِي الْعَوْدَةَ إِلَى النَّهْرِ (حَيْثُ اسْتَخْدَمْتُ الطَّوْفَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ وَعَلَيْهِ مُؤَنِي مِنَ السَّفِينَةِ)، قَرَّرْتُ التَّوَقُّفَ عِنْدَ خَلِيجٍ صَغِيرٍ قَبْلَ حُلُولِ الظَّلَامِ مُبَاشَرَةً. ولحسن الحظ أَنَّ الْمِيَاهَ كَانَتْ هَادِئَةً، وَجَدَّفْتُ بِقَارِبِي إِلَى الشَّاطِئِ.
وَحِينَئِذٍ، كَانَ الظَّلَامُ دَامِسًا، فَرَبَطْتُ الْقَارِبَ وَقَرَّرْتُ الْمَبِيتَ لِقَضَاءِ اللَّيْلِ، وَصَعِدْتُ إِلَى شَجَرَةٍ وَحَاوَلْتُ النَّوْمَ.
وَبَيْنَمَا كُنْتُ أُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَى وَضْعِيَّةٍ مُرِيحَةٍ، غَمْغَمْتُ لِنَفْسِي مُتَذَمِّرًا: «أَفْتَقِدُ أُرْجُوحَتِي الشَّبَكِيَّةَ.»
وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، جَدَّفْتُ بِالْقَارِبِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ حَتَّى مَمَرٍّ مَائِيٍّ صَغِيرٍ قَرِيبٍ مِنْ مُخَيَّمِي. وَكُنْتُ فِي شِدَّةِ الْإِجْهَادِ حِينَ وَصَلْتُ لِلْبَيْتِ. آهٍ يَا جُدْرَانِيَ الْعَزِيزَةَ! آهٍ يَا سِيَاجِيَ الرَّائِعَ! لَمْ أَقُمْ حَتَّى بِنَزْعِ قُبَّعَتِي بَعْدَمَا دَخَلْتُ؛ قَفَزْتُ وَحَسْبُ مُبَاشَرَةً عَلَى أُرْجُوحَتِي الشَّبَكِيَّةِ وَغَرِقْتُ فِي النَّوْمِ. كَانَ ذِرَاعَايَ وَسَاقَايَ تئن مِنَ الْأَلَمِ، أَمَّا عَقْلِي فَكَانَ فِي غَايَةِ الْإِرْهَاقِ.
سَمِعْتُ صَوْتًا غَرِيبًا يُنَادِينِي فِي مَنَامِي: «روبنسون كروزو! روبنسون كروزو! أَيْنَ كُنْتَ؟ وَكَيْفَ وَصَلْتَ إِلَى هُنَا؟» فَتَعَجَّبْتُ: هَلْ نَجَوْتُ؟ هَلْ أَخِيرًا أَتَى أَحَدُهُمْ لِأَخْذِي؟ فَتَحْتُ عَيْنًا وَاحِدَةً وَرَأَيْتُ بول جَاثِمًا فَوْقَ صَدْرِي. لَقَدْ كَانَ الْبَبَّغَاءَ!
قُلْتُ وَأَنَا أَتَقَلَّبُ وَأَعُودُ لِلنَّوْمِ: «آهٍ يَا بول، مِنَ الرَّائِعِ أَنْ أَكُونَ فِي الْبَيْتِ.»
لَازَمَنِي إِحْسَاسُ الضَّيَاعِ فِي الْبَحْرِ عَلَى مَدَى الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ التَّالِيَةِ. فَكُنْتُ فِي غَايَةِ الرُّعْبِ، فَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ أَفْقِدَ كُلَّ شَيْءٍ. فَدَارَ فِي ذِهْنِي: «لَا، لَنْ أُبْحِرَ ثَانِيَةً. فَالْأَمْرُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُخَاطَرَةَ.»

الفصل الحادي والعشرون
العَقْدُ الْأَوَّلُ


عَشْرُ سِنِينَ مَرَّتْ، وَكَانَ الْبَارُودُ فِي طَرِيقِهِ لِلنَّفَادِ، وَكُنْتُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْعُثُورِ عَلَى وَسِيلَةٍ لِتَوْفِيرِ الطَّعَامِ لَا تَشْمَلُ الصَّيْدَ. فَلَوِ اسْتَطَعْتُ الْإِمْسَاكَ بِعَدَدٍ قَلِيلٍ مِنْ صِغَارِ الْمَاعِزِ، فَيُمْكِنُنِي تَرْوِيضُهَا، وَلَوِ اسْتَطَعْتُ تَرْوِيضَهَا، سَيَكُونُ لَدَيَّ طَعَامٌ دَوْمًا؛ إِذْ سَيَكْبُرُونَ سَرِيعًا حَتَّى يُصْبِحُوا قَطِيعًا كَامِلًا مِنَ الْمَاعِزِ.
اسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ مِنِّي بَعْضَ الْمُحَاوَلَاتِ قَبْلَ أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِمْسَاكِ بِالْمَاعِزِ؛ فَإِذَا أَكَلَ الْمَاعِزُ الذُّرَةَ الَّتِي بَدَأْتُ بِزَرْعِهَا، لا تَقَعْ فِي الْفَخِّ! وَعِنْدَمَا يَعْمَلُ الْفَخُّ، لَا يَكُونُ الْمَاعِزُ بِالْجِوَارِ!
وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الْمُحَاوَلَةِ، عُدْتُ إِلَى الْحُفْرَةِ ذَاتَ صَبَاحٍ لِأَجِدَ الْمَاعِزَ يَمْضُغُونَ بِسَعَادَةٍ الْأَكْلَ الَّذِي تَرَكْتُهُ، فَاقْتَدْتُ الْمَاعِزَ إِلَى الْمَرْجِ الْقَرِيبِ مِنْ بَيْتِي الصَّيْفِيِّ. وَكَانَ هُنَاكَ بِالْفِعْلَ سِيَاجٌ جَمِيلٌ مِنَ الشُّجَيْرَاتِ يُحِيطُ بِالْمِنْطَقَةِ، وَكُنْتُ قَدْ أَقَمْتُهُ كَيْ لَا تَهْرُبَ الْمَاعِزُ بِمُجَرَّدِ إِدْخَالِها إِلَى الْكَلَأِ. وَلَمْ يُحِبَّ صِغَارُ الْمَاعِزِ الثَّلَاثَةُ التَّقْيِيدَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِنْ سَبِيلٍ آخَرَ حَتَّى أَتَأَكَّدَ مِنْ بَقَائِهَا. وَكُنْتُ أُطْعِمُهُمُ الذُّرَةَ وَالْأُرْزَ، وَقَدْ أَحَبَّتْهُمَا كَثِيرًا حَتَّى إِنَّهَا غَالِبًا مَا كَانَتْ تَأْكُلُهَا مِنْ يَدِي مُبَاشَرَةً.
بَقِينَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ لِفَتْرَةٍ، يَأْكُلُونَ مَا أُقَدِّمُهُ لَهُمْ، فِي حِينِ ظَلُّوا مُقَيَّدِينَ. وَعِنْدَمَا تَيَقَّنْتُ مِنْ عَدَمِ تَحَوُّلِهِمْ إِلَى مَاعِزٍ بَرِّيٍّ، تَرَكْتُهُمْ يَتَحَرَّكُونَ بِحُرِّيَّةٍ فِي الْمَرْجِ. وَكَبِرَ الْقَطِيعُ بِاطِّرَادٍ عَلَى مَدَى السِّنِينَ الْقَلِيلَةِ التَّالِيَةِ، فَأَصْبَحَ لَدَيَّ الْآنَ حَصَادٌ وَأَشْجَارُ فَاكِهَةٍ وَمَاعِزٌ.
وَكُنْتُ فَخُورًا جِدًّا بِمَزْرَعَتِي الْمُتَنَامِيَةِ؛ فَكَانَتِ الذُّرَةُ تَنْمُو نُمُوًّا صِحِّيًّا، وَكَذَلِكَ الْأُرْزُ، كَمَا وَفَّرَ لِيَ الْقَطِيعُ كُلًّا مِنَ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ. وَبِالْإِجْمَالِ، تَطَوَّرَتِ الْأَشْيَاءُ كَمَا يَجِبُ أَنْ تَتَطَوَّرَ. وَصَنَعْتُ الْمَزِيدَ مِنَ الْمَلَابِسِ مِنْ جِلْدِ الْمَاعِزِ. وَكَانَ بول يُرَافِقُنِي فِي صُحْبَةٍ حَسَنَةٍ، إِلَّا أَنَّ شيبي كَبِرَ فِي السِّنِّ وَمَاتَ. وَبِالرُّغْمِ مِنْ أَنَّنِي كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي رُجُوعِي لِلْقَارِبِ طَوَالَ الْوَقْتِ، إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ قَطُّ. وَمَرَّتْ سَنَوَاتٌ عَدِيدَةٌ قَبْلَ حَتَّى أَنْ أَقْتَرِبَ مِنْ مَكَانِ رَبْطِهِ!
بِوُسْعِكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ مَعِي كَيْفَ كُنْتُ أَبْدُو بَعْدَ قَضَاءِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ كَشَخْصٍ مَنْفِيٍّ! كُنْتُ أَرْتَدِي مَلَابِسَ مِنْ جِلْدِ الْمَاعِزِ وَقُبَّعَةً كَبِيرَةً مُتَهَدِّلَةً، وَكُنْتُ طَوِيلَ الشَّعْرِ وَاللِّحْيَةِ، أَمَّا جِلْدِي فَكَانَ غَالِبًا أَحْمَرَ وَمُحْتَرِقًا. لَمْ أَكُنْ أَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ عَنْ صَيْحَاتِ الْمُوضَةِ فِي وَطَنِي، وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا لَمْ يُشَكِّلْ فَارِقًا بِالنِّسْبَةِ لِي، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ عَلَى الْجَزِيرَةِ لِيَرَانِي عَلَى أَيِّ حَالٍ!

الفصل الثاني والعشرون
أَثَرُ قَدَمٍ


ذَاتَ يَوْمٍ، خِلَالَ جَوْلَتِي الصَّبَاحِيَّةِ الطَّوِيلَةِ الْمُعْتَادَةِ، قَرَّرْتُ قَطْفَ بَعْضِ الْعِنَبِ لِعَمَلِ الزَّبِيبِ، لَكِنْ حِينَهَا انْتَابَتْنِي لَحْظَةُ شَجَاعَةٍ.
وَفَكَّرْتُ: «لَعَلِّي أَذْهَبُ لِأَتَأَكَّدَ مِنْ وُجُودِ قَارِبِي هُنَاكَ، فَأَنَا أَشْعُرُ بِالشَّجَاعَةِ الْيَوْمَ.» لِذَا بَدَلًا مِنْ زِيَارَةِ بَيْتِي الصَّيْفِيِّ انْعَطَفْتُ فِي مَسِيرِي بِاتِّجَاهِ الشَّاطِئِ لِلْمَكَانِ الَّذِي رُبِطَ فِيهِ الْقَارِبُ، وَعِنْدَمَا وَصَلْتُ هُنَاكَ، وَجَدْتُ أَثَرَ قَدَمِ إِنْسَانٍ فِي الرِّمَالِ.
تَعَجَّبْتُ وَقُلْتُ: «آهٍ! لَا! مَنْ يَكُونُ هَذَا؟ لَا بُدَّ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ! لَا أُرِيدُهُمْ أَنْ يَرَوْنِي! وَلَا أُرِيدُهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا بِأَمْرِي! جَرَيْتُ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ طَوَالَ طَرِيقِ عَوْدَتِي لِلْمُخَيَّمِ. وَنَظَرْتُ خَلْفِي مِرَارًا وَتَكْرَارًا، بَيْنَمَا أَجْرِي. مَاذَا لَوْ وَجَدُونِي؟ مَاذَا سَيَفْعَلُونَ بِي؟ وَبَعْدَ الْجَرْيِ لِمَا يُقَارِبُ السَّاعَةَ، وَصَلْتُ عَائِدًا إِلَى سِيَاجِي، وَقَفَزْتُ عَلَى سُلَّمِي، وَسَحَبْتُهُ لِلدَّاخِلِ بَعْدَ صُعُودِي.
تَقَلَّبْتُ فِي فِرَاشِي طَوَالَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ فَهُنَاكَ الْكَثِيرُ مِمَّا لَا أَعْرِفُهُ؛ فَهَلْ هُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَحَسْبُ، أَمْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ؟ هَلْ سَيَأْتُونَ لِي؟ وَإِذَا كَانُوا قَدْ وَجَدُوا مَرْكَبِي، فَسَيَعْرِفُونَ أَنَّنِي هُنَا! وَكَانَ قَلْبِي تَتَسَارَعُ دَقَّاتُهُ، وَيَدَايَ تَرْتَعِشَانِ، وَخَشِيتُ مِنْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَنَيْتُهُ كَانَ عَلَى وَشْكِ التَّدْمِيرِ.
مَرَّتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ كَامِلَةٌ قَبْلَ حَتَّى أَنْ أُغَادِرَ مُخَيَّمِي، وَحَتَّى حِينِهَا، لَمْ أُرِدِ الذَّهَابَ، لَكِنَّنِي احْتَجْتُ الْمَاءَ وَكَانَ عَلَيَّ حَلْبُ مَاعِزِي، فَاتَّخَذْتُ مَسَارًا تَسَتَّرْتُ فِيهِ عَنِ الرُّؤْيَةِ طَوَالَ الطَّرِيقِ حَتَّى بَلَغْتُ بَيْتِيَ الصَّيْفِيَّ، وَلَمْ أَرَ أَيَّ شَيْءٍ غَيْرَ عَادِيٍّ؛ لِذَا قَضَيْتُ هُنَاكَ بِضْعَةَ أَيَّامٍ فِي مُحَاوَلَةٍ كَيْ أَهْدَأَ.
قُلْتُ لِنَفْسِي: «روبنسون! رُبَّمَا يَكُونُ رَدُّ فِعْلِكَ مُبَالَغًا فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْأَثَرُ هُوَ أَثَرَ قَدَمِي أَنَا، وَأَنَا لَمْ أَلْحَظْ أَنَّنِي تَرَكْتُهُ.» فَاسْتَجْمَعْتُ شَجَاعَتِي كُلَّهَا وَسِرْتُ عَائِدًا إِلَى الشَّاطِئِ لِأُلْقِيَ نَظْرَةً أُخْرَى، وَكَانَ الْأَثَرُ لَمْ يَزَلْ هُنَاكَ!
وَعِنْدَمَا وَضَعْتُ قَدَمِي بِجَانِبِ أَثَرِ الْقَدَمِ وَجَدْتُ أَنَّ أَثَرَ الْقَدَمِ ضِعْفُ حَجْمِ قَدَمِي تَقْرِيبًا! فَقُلْتُ: «هَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ!» وَبَدَأْتُ أَرْتَعِشُ وَأَتَصَبَّبُ عَرَقًا فِي ذَاتِ الْوَقْتِ. وَاسْتَغْرَقْتُ بِضْعَ دَقَائِقَ لِكَيْ أَسْتَجْمِعَ أَفْكَارِي، ثُمَّ جَرَيْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ بِأَقْصَى سُرْعَتِي.
قَضَيْتُ لَيْلَةً أُخْرَى مُؤَرَّقًا، أُفَكِّرُ فِي أَثَرِ الْقَدَمِ تِلْكَ. وَفِي نَوْبَةِ جُنُونٍ قَرَّرْتُ اقْتِلَاعَ كُلِّ مَحَاصِيلِي وَإِطْلَاقَ سَرَاحِ مَاعِزِي؛ وَبِهَذَا لَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ أَنَّنِي كُنْتُ هُنَا. وَطَلَعَ الصُّبْحُ، وَكَانَ الْيَوْمُ صَافِيًا وَمُشْرِقًا، وَوَجَدْتُ مَزْرَعَتِي مَا زَالَتْ بِأَكْمَلِهَا كَمَا هِيَ، وَعَرَفْتُ حِينَهَا أَنَّهُ لَا دَاعِيَ لِتَدْمِيرِ كُلِّ شَيْءٍ بَنَيْتُهُ، وَأَنَّنِي فَقَطْ فِي حَاجَةٍ لِأَنْ أَكُونَ حَرِيصًا.
مَرَّتْ سَنَتَانِ لَمْ أَرَ فِيهِمَا أَحَدًا، وَلَمْ يَظْهَرْ مَزِيدٌ مِنْ آثَارِ الْأَقْدَامِ عَلَى الرَّمْلِ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ وَيُبَاغِتْنِي فِي اللَّيْلِ، وَاسْتَمَرَّتِ الْحَيَاةُ كَالْمُعْتَادِ.

الفصل الثالث والعشرون
لَا دُخَانٌ وَلَا نَارٌ


مَرَّتْ سِنُونَ وَسِنُونَ، وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْكَثِيرُ عَلَى جَزِيرَتِي؛ فَالْأَمْطَارُ تَحِلُّ وَتَذْهَبُ، وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ، وَاسْتَمَرَّتْ أَيَّامِي كَمَا انْقَضَتْ عَلَى مَدَى الْكَثِيرِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الشُّهُورِ، وَأَصْبَحْتُ أَهْوَى جَوْلَاتِي الصَّبَاحِيَّةَ الْبَاكِرَةَ، وَلَا يُسْعِدُنِي شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَهَابِي إِلَى مَنْزِلِي الصَّيْفِيِّ، لِأَرَى مَاعِزِي، وَأُلْقِيَ نَظْرَةً عَلَى مَحَاصِيلِي.
وَبِنَفْسِ سُرْعَةِ هُطُولِ الْمَطَرِ، تَحَوَّلَ كُلُّ شَيْءٍ فِي لَحْظَةٍ؛ فَكُنْتُ أَسِيرُ نَحْوَ الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْجَزِيرَةِ ذَاتَ صَبَاحٍ عِنْدَمَا رَأَيْتُهُمْ؛ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ! وَكَانَ هُنَاكَ أَعْدَادٌ هَائِلَةٌ مِنْ زَوَارِقِهِمْ عَلَى الشَّاطِئِ، وَكَانُوا مُنْشَغِلِينَ بِإِشْعَالِ نَارٍ عَظِيمَةٍ. اخْتَبَأْتُ وَتَابَعْتُهُمْ، وَتَسَاءَلْتُ مَاذَا أَفْعَلُ. وَبَدَلًا مِنَ الْهُرُوبِ عَائِدًا إِلَى الْمُخَيَّمِ، جَلَسْتُ وَفَكَّرْتُ فِي الْأَمْرِ بِعَقْلَانِيَّةٍ.
«لَقَدْ ظَلَلْتُ هُنَا مَا يُقَارِبُ الْعِشْرِينَ عَامًا، وَهُمْ لَمْ يَعْثُرُوا عَلَيَّ قَطُّ، بَلْ لَمْ يَرَوْنِي. فَإِذَا بَقِيتُ مُخْتَبِئًا، فَرُبَّمَا لَنْ يَجِدُونِي أَبَدًا.»
انْصَرَفْتُ خِلْسَةً مِنَ الشَّاطِئِ وَذَهَبْتُ لِلْبَيْتِ. وَأَرَدْتُ أَنْ أُكْمِلَ حَيَاتِي، لَكِنَّنِي عَرَفْتُ أَنَّ الْأُمُورَ لَنْ تَظَلَّ أَبَدًا عَلَى حَالِهَا.
اشْتَمَلَتْ طُقُوسِي الصَّبَاحِيَّةُ بِدَايَةً مِنْ هَذَا الْيَوْمِ فَصَاعِدًا عَلَى اتِّخَاذِ إِجْرَاءَاتٍ أَمْنِيَّةٍ، فَكُنْتُ أَصْعَدُ إِلَى قِمَّةِ التَّلِّ الْعَالِي وَمَعِي مِنْظَارِي الْقَدِيمُ لِأَنْظُرَ فِي الْأَرْجَاءِ. وَبَدَلًا مِنْ تَرَقُّبِ السُّفُنِ، كُنْتُ أَبْحَثُ عَنِ الزَّوَارِقِ. وَمَرَّتْ أَسَابِيعُ ثُمَّ شُهُورٌ، وَتَوَصَّلْتُ إِلَى أَنَّ جَزِيرَتِي هِيَ حَتْمًا بُقْعَةٌ لَا يَقْصِدُونَهَا غَالِبًا، وَرُبَّمَا تَمُرُّ سَنَوَاتٌ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَرْجِعُوا، وَرُبَّمَا لَا يَرْجِعُونَ أَبَدًا.
وَكَانَ أَهَمُّ مَا شَغَلَ بَالِي أَنْ تَكُونَ حَيَاتِي عَلَى الْجَزِيرَةِ مُتَوَارِيَةً عَنِ الْأَنْظَارِ قَدْرَ الْإِمْكَانِ. وَأَكْبَرُ مُشْكِلَةٍ كَانَ عَلَيَّ حَلُّهَا هِيَ كَيْفِيَّةُ إِشْعَالِ نَارٍ بِدُونِ دُخَانٍ. فَلَمْ أَكُنْ أُرِيدُ إِشْعَالَ النَّارِ فِي كَهْفِ التَّخْزِينِ الْبَارِدِ؛ فَهَذَا كَفِيلٌ بِأَنْ يُظْهِرَ مُخَيَّمِي بِأَكْمَلِهِ لِلْعِيَانِ. لَا، عَلَيَّ أَنْ أَجِدَ كَهْفًا بَعِيدًا عَنْ مُخَيَّمِي، فَالدُّخَانُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الدَّلِيلُ الْوَحِيدُ عَلَى وُجُودِ إِنْسَانٍ آخَرَ يَعِيشُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، وَبِدُونِ الدُّخَانِ رُبَّمَا لَا يَكْتَشِفُ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ أَبَدًا مُخَيَّمِي أَوْ مَنْزِلِي الصَّيْفِيَّ.
اسْتَغْرَقْتُ بِضْعَةَ أَيَّامٍ لِأَجِدَ الْمَكَانَ الْمُنَاسِبَ لِإِشْعَالِ النَّارِ. فَكَانَ الْكَهْفُ كَبِيرًا بِالْفِعْلِ، وَحِينَ سِرْتُ أَكْثَرَ بِدَاخِلِهِ، تَبَيَّنَ لِي أَنِّي أَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ فِي مُنْتَصَفِهِ بِيُسْرٍ.
بَعْدَ ذَلِكَ، حَدَثَ مَا أَخَافَنِي وَأَرْعَدَ فَرَائِصِي! فَبَيْنَمَا كُنْتُ أَسْتَكْشِفُ الْكَهْفَ، انْعَطَفْتُ حَوْلَ زَاوِيَةٍ وَإِذْ بِي وَجْهًا لِوَجْهٍ أَمَامَ عَيْنَيْنِ بَرَّاقَتَيْنِ تُحْدِّقَانِ فِيَّ. يَا لَهَا مِنْ صَدْمَةٍ! وَبَعْدَمَا الْتَقَطْتُ نَفَسِي، نَظَرْتُ مِنْ قَرِيبٍ لِأَجِدَ تَيْسًا عَجُوزًا وَمَرِيضًا رَاقِدًا فَحَسْبُ، لَا يُرِيدُ التَّحَرُّكَ وَلَمْ أُرْغِمْهُ عَلَيْهِ، فَقَطْ أَعْطَيْتُهُ شَرْبَةً مِنَ الْمَاءِ وَتَرَكْتُهُ لِحَالِهِ.
عُدْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِلَى الْكَهْفِ وَمَعِي بَعْضُ الْمُعَدَّاتِ: شُمُوعٌ وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْأُخْرَى. وَكَانَ فِي الْكَهْفِ دِهْلِيزٌ طَوِيلٌ وَضَيِّقٌ يَقُودُ إِلَى حُجْرَةٍ جَمِيلَةٍ، تَلْمَعُ فِي الضَّيِّ بِأَضْوَاءٍ بَهِيَّةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ.
وَفَكَّرْتُ: «رُبَّمَا يَكُونُ مَاسًا!» لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا هُوَ وَقْتَ التَّفْكِيرِ فِي التَّنْقِيبِ!
وَلِأَنَّ الْكَهْفَ كَانَ آمِنًا وَجَافًّا، قَرَّرْتُ تَخْزِينَ مَا تَبَقَّى مِنْ بَارُودِي هُنَاكَ، مَعَ بَنَادِقِي الزَّائِدَةِ، كَمَا طَهَوْتُ مُعْظَمَ طَعَامِي بِالدَّاخِلِ، حَيْثُ لَنْ يَسْتَطِيعَ أَحَدٌ أَنْ يَرَى الدُّخَانَ الْمُتَصَاعِدَ مِنَ النَّارِ.

الفصل الرابع والعشرون
تَحَطُّمُ سَفِينَةٍ أُخْرَى


أَصْبَحَ الْآنَ مَنْزِلَايَ عَلَى الْجَزِيرَةِ مُؤَمَّنَيْنِ، وَكَهْفُ الطَّهْيِ عَلَى خَيْرِ مَا يُرَامُ، وَمُرَاقَبَاتِي الْيَوْمِيَّةُ رُوتِينًا حَسَنًا، فَشَعَرْتُ بِالْأَمَانِ، لَكِنَّنِي ظَلَلْتُ مُنْشَغِلًا كَيْ أُبْعِدَ تَفْكِيرِي عَنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ.
وَفِي لَيْلَةٍ مُرْعِبَةٍ، سَمِعْتُ صَوْتَ إِطْلَاقِ مِدْفَعٍ مِنْ عَلَى بُعْدٍ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى قِمَّةِ التَّلِّ الْعَالِي وَحَاوَلْتُ أَنْ أَرَى مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ، لَكِنَّ الظَّلَامَ كَانَ دَامِسًا.
أَسْرَرْتُ لِلَّيلِ: «لَا بُدَّ أَنَّهَا سَفِينَةٌ فِي خَطَرٍ! يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُنْقِذُونِي!»
أَشْعَلْتُ نَارًا عَظِيمَةً بِالرُّغْمِ مِنْ مَعْرِفَتِي أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ أَمْرٌ خَطِيرٌ.
وَتَمْتَمْتُ لِنَفْسِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَتَسَلَّقُ بِسُرْعَةٍ لِأُبْقِيَ النَّارَ مُسْتَعِرَةً: «لَا بُدَّ أَنْ يَرَوْهَا! لَا بُدَّ أَنْ يَرَوْهَا!» وَكَانَتِ الرِّيَاحُ شَدِيدَةً مِمَّا جَعَلَ السَّيْطَرَةَ عَلَى النَّارِ أَمْرًا صَعْبًا. وَتَقْرِيبًا بَعْدَ لَحَظَاتٍ، سَمِعْتُ طَلْقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ مِنَ الْمِدْفَعِ، ثُمَّ بِضْعَ طَلَقَاتٍ مِنَ الْبَنَادِقِ، فَلَا بُدَّ أَنَّهُمْ رَأَوْا إِشَارَتِي!
حَلَّ الْفَجْرُ سَرِيعًا، وَبَدَأَ الضَّبَابُ يَنْقَشِعُ بَيْنَمَا أَدْفَأَتِ الشَّمْسُ الْجَزِيرَةَ. وَاسْتَطَعْتُ بِصُعُوبَةٍ تَمْيِيزَ وُجُودِ سَفِينَةٍ مِنْ عَلَى بُعْدٍ، فَرَكَضْتُ طَوَالَ الطَّرِيقِ بِاتِّجَاهِ النَّاحِيَةِ الْجَنُوبِيَّةِ مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَنَزَلْتُ عَلَى رُكْبَتَيَّ بِمُجَرَّدِ وُصُولِي لِلشَّاطِئِ. حُطَامٌ! أَوَّاهُ! هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ الْمَسَاكِينُ؛ تَحَطَّمَتْ سَفِينَتُهُمْ عَلَى نَفْسِ الصُّخُورِ الَّتِي كَادَتْ تُنْهِي حَيَاتِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ كَثِيرَةٍ مَاضِيَةٍ. وَضَاقَ صَدْرِي حِينَ عَرَفْتُ اسْتِحَالَةَ وُجُودِ أَحْيَاءٍ. فَهُمْ أَرْسَلُوا الْإِشَارَةَ وَلَمْ تُنْقِذْهُمْ أَيُّ سَفِينَةٍ. وَفِي هَذَا الظَّلَامِ، بِالتَّأْكِيدِ لَمْ يَرَوْا جَزِيرَتِي.
وَانْتَحَبْتُ: «آهٍ لَوْ نَجَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَقَطْ، وَاحِدٌ فَقَطْ!» شَعَرْتُ بِالْوِحْدَةِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ أَكْثَرَ مِمَّا شَعَرْتُ بِهَا طَوَالَ مَا يَزِيدُ عَنِ الْعِشْرِينَ عَامًا الَّتِي قَضَيْتُهَا بِمُفْرَدِي.
وَالِاخْتِيَارُ الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ عَلَيَّ اتِّخَاذُهُ وَقْتَئِذٍ هُوَ مَا إِذَا كُنْتُ سَأَسْتَخْدِمُ قَارِبِي وَمَعْرِفَةُ إِمْكَانِيَّةِ جَمْعِ الْمُؤَنِ مِنَ السَّفِينَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ، قَرَّرْتُ أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَحِقُّ الْمُخَاطَرَةَ. لَكِنَّنِي انْتَظَرْتُ حَتَّى الصَّبَاحِ التَّالِي، عِنْدَمَا كَانَ الْمَدُّ مُنْخَفِضًا، فَلَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ يَجْرِفَنِي التَّيَارُ لِدَاخِلِ الْبَحْرِ.
مَا إِنِ اقْتَرَبْتُ مِنَ الْقَارِبِ، سَمِعْتُ كَلْبًا يَنْبَحُ، فَنَاَدَيْتُ عَلَيْهِ وَقَفَزَ مُبَاشَرَةً فِي قَارِبِي، وَكَانَ بِلَا شَكٍّ رَفِيقًا صَغِيرًا مُشَاكِسًا. وَوَجَدْتُ أَنَّ الْمِيَاهَ أَتْلَفَتِ الْكَثِيرَ مِنْ حَمُولَةِ السَّفِينَةِ، لَكِنَّنِي تَمَكَّنْتُ مِنْ أَخْذِ بَعْضِ الْقُدُورِ النُّحَاسِيَّةِ وَبَعْضِ صَنَادِيقِ الْبَحَّارَةِ وَبَعْضِ بَرَامِيلِ الشَّرَابِ وَبَعْضِ الْبَارُودِ. وَحَيْثُ إِنَّ السَّفِينَةَ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، عَمِلْتُ بِسُرْعَةٍ وَحَزَمْتُ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى قَارِبِي الصَّغِيرِ.
وَتَطَلَّبَ الْأَمْرُ الْقِيَامَ بِالْعَدِيدِ مِنَ الرِّحْلَاتِ إِلَى السَّفِينَةِ لِنَقْلِ الْحَمُولَةِ إِلَى مُخَيَّمِي. يَا لَلثَّرَوَاتِ الَّتِي وَجَدْتُهَا عِنْدَمَا فَتَحْتُ أَخِيرًا الصَّنَادِيقَ، فَكَانَتْ مَمْلُوءَةً بِكُنُوزٍ غَيْرِ عَادِيَّةٍ! فَاحْتَوَى أَحَدُهَا عَلَى عُلْبَةٍ جَمِيلَةٍ مِنَ الزُّجَاجَاتِ الْمَمْلُوءَةِ بِأَشْرِبَةٍ ذَاتِ نَكْهَاتٍ، وَكَانَتْ لَذِيذَةً بِالْفِعْلِ. وَكَانَ هُنَاكَ صُنْدُوقٌ آخَرُ مَمْلُوءٌ بِالْحَلْوَى، وَأَيْضًا وَجَدْتُ فِي صُنْدُوقٍ آخَرَ قُمْصَانًا جَدِيدَةً، وَاحْتَوَى آخِرُ صُنْدُوقٍ فَتَحْتُهُ عَلَى ثَلَاثِ أَكْيَاسٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَجَدْتُهَا بِجِوَارِ زَوْجَيْنِ مِنَ الْأَحْذِيَةِ! خَزَنْتُ الْكَثِيرَ مِنْ هَذِهِ الثَّرْوَاتِ الْجَدِيدَةِ فِي كَهْفِي، كَيْ أَطْمَئِنَّ أَنَّهَا فِي مَأْمَنٍ.
لَمْ تَسْتَمِرَّ إِثَارَتِي بِهَذِهِ الِاكْتِشَافَاتِ لِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، إِذْ أَكَلْتُ كُلَّ الْحَلْوَى وَشَرِبْتُ كُلَّ الْمَشْرُوبَاتِ الْمُسْكِرَةِ، وَعَادَتْ حَيَاتِي كَمَا كَانَتْ، وَعُدْتُ لِأَتَفَقَّدَ الْمَكَانَ مِنْ أَعْلَى كُلَّ صَبَاحٍ. لَكِنَّ شَيْئًا اخْتَلَفَ الْآنَ، إِذْ لَدَيَّ كَلْبِي الْجَدِيدُ لِيُرَافِقَنِي، وَأَسْمَيْتُهُ سكرافي، وَكَانَ رَفِيقًا صَغِيرًا وَبَارِعًا.
وَبَعْدَ تَحَطُّمِ السَّفِينَةِ، سُرْعَانَ مَا احْتَفَلْتُ بِالْعَامِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ لِنُزُولِي عَلَى الْجَزِيرَةِ. وَمَرَّتْ عَلَيَّ السَّاعَاتُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَأَنَا جَالِسٌ أُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا حَدَثَ. كَانَتْ سَنَوَاتٌ سَعِيدَةٌ مِنَ الْعَمَلِ الشَّاقِّ وَالنَّجَاحَاتِ الْكَثِيرَةِ. لَكِنِّي الْآنَ أَقْضِي الْكَثِيرَ مِنَ الْوَقْتِ قَلِقًا مِنْ أَنْ يَكْتَشِفَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وُجُودِي، مِمَّا صَعَّبَ عَلَيَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِحَيَاتِي. مَرَّ احْتِفَالِي السَّنَوِيُّ وَأَقْنَعْتُ نَفْسِي أَنَّهُ قَدْ آنَ وَقْتُ الْفِرَارِ. لَكِنْ كَيْفَ لِي أَنْ أَتْرُكَ الْجَزِيرَةَ؟
قَضَيْتُ الْمَوْسِمَ الْمُمْطِرَ بِأَكْمَلِهِ هَذَا الْعَامَ وَأَنَا أُفَكِّرُ وَأُخَطِّطُ لِلْهُرُوبِ. وَكَانَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ هُمْ مَنْ سَيُرْشِدُونَنِي، فَلَوِ اسْتَطَعْتُ إِقَامَةَ سَلَامٍ مَعَهُمْ، سَيُمْكِنُهُمْ إِطْلَاعِي عَلَى سَبِيلِ الْخُرُوجِ مِنَ الْجَزِيرَةِ.
هَلْ سَيَنْجَحُ الْأَمْرُ؟ هَلْ أَسْتَطِيعُ إِقَامَةَ صَدَاقَاتٍ مَعَهُمْ؟

الفصل الخامس والعشرون
روبنسون يُقَابِلُ «جمعة»


مَرَّتْ شُهُورٌ كَثِيرَةٌ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ الْقَدَرُ عَنْ أَسْئِلَتِي؛ فَذَاتَ صَبَاحٍ، لَمْ يَطُلْ مُكْثِي فِي الْخَارِجِ قَبْلَ أَنْ أَكْتَشِفَ الزَّوَارِقَ. لَقَدْ عَادَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ! وَكَانُوا يُخَيِّمُونَ فِي ذَاتِ الْمَكَانِ كَمَا فَعَلُوا مُنْذُ بِضْعِ سِنِينَ. اخْتَبَأْتُ تَارَةً أُخْرَى مِنْهُمْ وَشَاهَدْتُهُمْ مِنْ عَلَى بُعْدٍ.
وَكَانَ مَعَهُمْ سَجِينَانِ مِسْكِينَانِ مُقَيَّدَانِ بِحِبَالٍ مَصْنُوعَةٍ مِنْ نَبَاتِ الْكَرْمَةِ، وَبَدَا عَلَيْهِمَا الرُّعْبُ الشَّدِيدُ. أَدْرَكْتُ حِينَهَا أَنَّهُ لَا أَمَلَ فِي إِقَامَةِ صَدَاقَاتٍ مَعَ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الْمُخِيفِينَ. وَكَانَ هُنَاكَ عَلَى الْأَقَلِّ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ! وَكَانُوا يُصْدِرُونَ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَصْوَاتِ الْغَرِيبَةِ. وَقَامَ رَجُلٌ ضَخْمُ الْجُثَّةِ بِطَرْحِ أَحَدِ السَّجِينَيْنِ أَرْضًا بِيَدَيْهِ. وَبَعْدَمَا رَآهُ رَفِيقُهُ وَهُوَ يَتَلَقَّى الضَّرْبَ، انْتَهَزَ فُرْصَةَ عُمْرِهِ وَأَسْرَعَ مُبْتَعِدًا. كَانَ يَرْكُضُ أَسْرَعَ مِنْ أَيِّ رَجُلٍ رَأَيْتُهُ يَرْكُضُ مِنْ قَبْلُ فِي حَيَاتِي! وَقَبْلَ أَنْ أُدْرِكَ مَا يَحْدُثُ، حَوَّلَ الرَّجُلُ اتِّجَاهَهُ رَاكِضًا نَحْوِي.
كَادَ قَلْبِي يَتَوَقَّفُ، وَدَارَ فِي عَقْلِي: «هَذِهِ هِيَ النِّهَايَةُ، سَوْفَ يَجِدُونَنِي الْآنَ، وَسَيُؤْذُونَنِي.»
طَارَدَ رَجُلَانِ آخَرَانِ السَّجِينَ، وَاقْتَرَبُوا كُلُّهُمْ مِنِّي أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ. وَفِي غَمْضَةِ عَيْنٍ، حَسَمْتُ أَمْرِي بِمُسَاعَدَةِ الرَّجُلِ الْمِسْكِينِ. وَتَرَبَّصْتُ فِي الْأَجَمَةِ وَانْتَظَرْتُ إِلَى أَنْ جَاءَتِ اللَّحْظَةُ الْمُنَاسِبَةُ. جَرَى السَّجِينُ بِجِوَارِي، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ بِخِفَّةٍ وَأَوْقَعْتُ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ يُطَارِدَانِهِ، بَيْنَمَا حَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّانِي الْإِمْسَاكَ بِي، لَكِنَّنِي اسْتَطَعْتُ أَنْ أُفْقِدَهُ الْوَعْيَ. وَاسْتَدَارَ السَّجِينُ وَرَآنِي هُنَاكَ.
قُلْتُ لَهُ، مَعَ عِلْمِي بِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَفْهَمُنِي: «لَا تَقْلَقْ! سَوْفَ أُسَاعِدُكَ!»
تَرَدَّدَ الرَّجُلُ لِدَقِيقَةٍ، ثُمَّ هُرِعَ عَائِدًا إِلَيَّ. فَقُلْتُ لَهُ: «سَاعِدْنِي كَيْ أُقَيِّدَهُمَا، كَيْ لَا يَقْدِرَا عَلَى إِيذَائِكَ بَعْدَ الْآنَ.» فِي الْبِدَايَةِ لَمْ يَفْهَمْ، لَكِنْ بَعْدَمَا فَكَكْتُ قُيُودَ مِعْصَمَيْهِ مِنَ الْحِبَالِ وَأَشَرْتُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، قَيَّدْنَاهُمَا مُسْتَخْدِمَيْنِ نَفْسَ نَوْعِ الْحِبَالِ، وَبِهَذَا لَنْ يَتَمَكَّنَا مِنَ الْحَرَكَةِ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا!
قُلْتُ لَهُ: «هَيَّا! عَلَيْنَا الْخُروجَ مِنْ هُنَا.»
أَحْضَرْتُ الرَّجُلَ إِلَى كَهْفِي. وَبَعْدَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَرْتَاحَ أَخِيرًا، أَعْطَيْتُهُ بَعْضَ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ؛ فَكَانَ فِي غَايَةِ الْعَطَشِ وَالْجُوعِ.
وَسَأَلْتُهُ: «مَا اسْمُكَ؟»
فَأَجَابَنِي بِلُغَتِهِ.
قُلْتُ لَهُ: «سَوْفَ أَدْعُوكَ «جمعة»، لِأَنَّنِي أَنْقَذْتُكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، يَوْمِ الْجُمُعَةِ!»
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ لِي وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ. وَأَشَرْتُ إِلَى صَدْرِي قَائِلًا: «اسْمِي روبنسون، روبنسون كروزو.»
وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ مَنْعِ نَفْسِهِ، أَطْلَقَ جمعة تَثَاؤُبًا كَبِيرًا وَهَائِلًا، فَضَحِكْتُ عَالِيًا وَقُلْتُ لَهُ: «لَا بُدَّ أَنَّكَ مُتْعَبٌ جِدًّا.» وَأَرَيْتُهُ حَصِيرَةَ نَوْمٍ مِنَ الْقَشِّ كُنْتُ أَتْرُكُهَا فِي الْكَهْفِ وَقُلْتُ لَهُ: «وَالْآنَ، لِمَ لَا تَغْفُو قَلِيلًا؟»
ابْتَسَمَ لِي جمعة، مُدْرِكًا تَمَامًا مَا قَصَدْتُهُ، فَسَارَ إِلَى الْحَصِيرَةِ وَغَرِقَ فِي النَّوْمِ مُبَاشَرَةً. وَجَلَسْتُ هُنَاكَ أُشَاهِدُهُ وَحَسْبُ لِبَعْضِ الْوَقْتِ، فَبِالرُّغْمِ مِنْ مَعْرِفَتِي مِنْ عَدَمِ فَهْمِهِ لِي وَعَدَمِ فَهْمِي لَهُ، إِلَّا أَنَّهُ مِنَ الرَّائِعِ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ شَخْصٌ لِتَتَحَدَّثَ إِلَيْهِ. وَكَانَ جمعة رَجُلًا طَوِيلَ الْقَامَةِ لِلْغَايَةِ، وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ وَدَاكِنٌ يَنْسَابُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَكَانَ يَرْتَدِي مَلَابِسَ مِنَ الْجِلْدِ هُوَ الْآخَرُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرْتَدِي الْكَثِيرَ مِثْلِي.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، رَجَعْتُ إِلَى الْكَهْفِ الْمُخَصَّصِ لِلطَّهْيِ فَوَجَدْتُ جمعة مَا زَالَ هُنَاكَ. وَفِي الْحَقِيقَةِ، وَعَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ التَّالِيَةِ، فُوجِئْتُ لِمَعْرِفَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرْغَبُ فِي الْعَوْدَةِ لِوَطَنِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. عَمِلْنَا بِجِدٍّ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ جَنْبًا لِجَنْبٍ، وَتَوَافَقْنَا عَلَى نَحْوٍ جَيِّدٍ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ نَكُنْ نَتَحَدَّثُ نَفْسَ اللُّغَةِ.

الفصل السادس والعشرون
الْحَيَاةُ مَعَ صَدِيقٍ


قَضَيْتُ أَنَا وجمعة الثَّلَاثَ سَنَوَاتٍ التَّالِيَةَ نَحْيَا وَنَعْمَلُ مَعًا، وَاتَّبَعْنَا رُوتِينًا مُرِيحًا جِدًّا؛ فَفِي أَوْقَاتِ الصَّبَاحِ نَسْتَطْلِعُ الْجَزِيرَةَ لِلتَّأَكُّدِ أَنَّ أَهْلَهَا لَمْ يَعُودُوا، وَفِي أَوْقَاتِ الظَّهِيرَةِ، نَعْمَلُ فِي الْمَزْرَعَةِ أَوْ نَعْتَنِي بِالْمَحَاصِيلِ أَوْ نَحْلِبُ الْمَاعِزَ أَو نَقْطِفُ الْفَاكِهَةَ. أَمَّا فِي أَوْقَاتِ الْمَسَاءِ، فَنُعِدُّ عَشَاءَنَا وَأُعَلِّمُ جمعة اللُّغَةَ الَّتِي أَتَحَدَّثُهَا. وَوَثِقْتُ فِيهِ ثِقَةً عَمْيَاءَ.
فَهَا هُوَ الْقَدَرُ قَدِ اسْتَجَابَ لِابْتِهَالَاتِي، وَلَمْ أَعُدْ وَحِيدًا. فَوُجُودُ جمعة مَعِي فَحَسْبُ كَانَ كَفِيلًا بِالتَّخْفِيفِ مِنْ خَوْفِي مِنْ أَنْ يَجِدَنِي أَحَدٌ. وَبِالتَّأْكِيدِ وُجُودُنَا نَحْنُ الِاثْنَيْنِ مَعًا كَانَ يُعَزِّزُ مِنْ فُرْصَتِنَا لِحِمَايَةِ أَنْفُسِنَا مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، مِمَّا جَعَلَنِي أَيْضًا أُفَكِّرُ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ فِي الْهُرُوبِ. سَأَلْتُ جمعة أَسْئِلَةً كَثِيرَةً خِلَالَ هَذَا الْوَقْتِ: أَيْنَ نَحْنُ؟ وَمَنْ هُمْ قَوْمُهُ؟ وَمَا الْجُزُرُ الْقَرِيبَةُ مِنَّا؟ وَهَلْ يَشْتَاقُ إِلَى عَائِلَتِهِ؟ وَهَلْ تَبْحَثُ عَائِلَتُهُ عَنْهُ؟
وَفِي الْأَغْلَبِ، كَانَتْ إِجَابَتُهُ عَلَيَّ فِي ابْتِسَامَةٍ وَإِيمَاءَةٍ، حَتَّى تَعَلَّمَ لُغَتِي وَاسْتَطَاعَ إِجَابَتِي.
فَسَأَلْتُهُ: «كَيْفَ لَا تُرِيدُ الذَّهَابَ لِوَطَنِكَ، لِجَزِيرَتِكَ؟»
– «مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، تَرَكْتُ مَنْزِلِي، فَرَغِبْتُ أَنْ أَرَى الْعَالَمَ. لَكِنَّ أَبِي غَضِبَ مِنِّي بِشِدَّةٍ، وَلَمْ يُرِدِ لِيَ الذَّهَابَ، وَكُنْتُ فِي طَرِيقِي لِأَحْظَى بِرِحْلَةٍ بَحْرِيَّةٍ عَظِيمَةٍ حِينَ أَمْسَكَ بِي أَهْلُ الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ أَنْقَذْتَ أَنْتَ حَيَاتِي.»
– «هَلْ تَفْتَقِدُ وَالِدَكَ؟»
فَكَّرَ جمعة لِدَقِيقَةٍ ثُمَّ قَالَ: «نَعَمْ، أَفْتَقِدُهُ بِالْفِعْلِ، وَأَفْتَقِدُ جَزِيرَتِي. لَكِنَّنِي أُحِبُّ الْوَضْعَ هَا هُنَا، وَأُحِبُّ الْعَيْشَ هَا هُنَا، وَأُحِبُّ الْعَمَلَ فِي الْمَزْرَعَةِ. فَالْأَمْرُ مُخْتَلِفٌ جِدًّا.»
ابْتَسَمْتُ لَهُ قَائِلًا: «إِذَنْ فَأَنْتَ تُرِيدُ الْبَقَاءَ؟»
وَانْفَغَرَ فَمُهُ عَنِ ابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ وَقَالَ: «بِالطَّبْعِ أَوَدُّ ذَلِكَ! فَهَذِهِ فُرْصَةُ الْعُمْرِ، أَنْ أَحْظَى بِهَذِهِ الْمُغَامَرَةِ!»
قُلْتُ لَهُ: «التَّشَابُهُ بَيْنَنَا كَبِيرٌ، فَهَكَذَا انْتَهَى بِيَ الْمَطَافُ عَلَى الْجَزِيرَةِ أَنَا الْآخَرِ، فَقَدْ تَرَكْتُ وَطَنِي لِأَحْظَى بِمُغَامَرَةٍ كُبْرَى؛ وَاسْتَقْرَرْتُ هُنَا مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا.»
قَضَيْتُ سَاعَاتٍ أَحْكِي فِيهَا لجمعة عَنْ حَيَاتِي قَبْلَ الْجَزِيرَةِ، وَعَنْ نَشْأَتِي فِي إِنْجِلْتِرَا، وَعَنْ مَزْرَعَتِي فِي الْبَرَازِيلِ. وَأَخْبَرَنِي هُوَ عَنْ حَيَاتِهِ، وَعَنْ عَائِلَتِهِ، وَعَنْ كَيْفَ كَانَتِ الْحَيَاةُ عَلَى الْجَزِيرَةِ الَّتِي قَدِمَ مِنْهَا. وَظَهَرَتْ بَيْنَنَا أَشْيَاءُ مُشْتَرَكَةٌ كَثِيرَةٌ، بِالرُّغْمِ مِنْ أَنَّ مَسْقَطَ رَأْسَيْنَا فِي أَمَاكِنَ شَدِيدَةِ الِاخْتِلَافِ. وَأَصْبَحْنَا أَفْضَلَ صَدِيقَيْنِ.
– «لَقَدْ كَانَ مُقَدَّرًا لَنَا أَنْ نَغْدُوَ صَدِيقَيْنِ حَمِيمَيْنِ يَا روبنسون! وَأَنَا لَسْتُ قَلِقًا، فَأَنَا وَاثِقٌ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَنْصَلِحُ.»
جَلَسْنَا صَامِتَيْنِ فِي خَيْمَتِنَا بَعْدَ ذَلِكَ لِفَتْرَةٍ، كُلٌّ مِنَّا يُفَكِّرُ كَيْفَ انْتَهَى بِهِ الْمَطَافُ هُنَا، وَغَرِقَ كُلٌّ مِنَّا فِي أَفْكَارِهِ عَنْ حَيَاةِ الْمُغَامِرِ.
وَسَأَلْتُ جمعة: «هَلْ حَدَثَ أَنِ انْجَرَفَ أَيٌّ مِنْ قَوْمِكَ فِي الْبَحْرِ بِقَوَارِبِهِمْ؟»
فَأَجَابَ: «لَا، لَا أَظُنُّ ذَلِكَ. فَنَحْنُ نُجَدِّفُ مَعَ الْمَدِّ، وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، وَالنَّهْرُ يَجْرِي فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ.»
فِي الْبِدَايَةِ، لَمْ أَفْهَمْ مَقْصِدَهُ. أَيُّ نَهْرٍ؟ نَعَمْ بِالطَّبْعِ! أَدْرَكْتُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّهُ يَقْصِدُ نَهْرَ أورينوكو الْعَظِيمَ، فَلَا بُدَّ أَنَّ جَزِيرَتِي قَرِيبَةٌ مِنْ ترينيداد.
أَشَرْتُ إِلَى لِحْيَتِي وَسَأَلْتُهُ: «هَلْ رَأَيْتَ رِجَالًا كَثِيرِينَ مِثْلِي مِنْ قَبْلُ؟»
فَكَّرَ جمعة فِي الْأَمْرِ لِدَقِيقَةٍ، ثُمَّ أَجَابَ: «فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ كُلِّ الْبُعْدِ، يَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ قَوْمِي، وَيَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ هُنَا، يُوجَدُ رِجَالٌ بِلِحًى؛ رِجَالٌ بِلِحًى طَوِيلَةٍ وَوُجُوهٍ شَاحِبَةٍ، مِثْلُكَ بِالضَّبْطِ، أَجَلْ.»
أَشْعَلَتْ كَلِمَاتُ جمعة حَمَاسَتِي وَقُلْتُ لَهُ: «هَلْ تَظُنُّ أَنَّ بِمَقْدُورِنَا نَحْنُ أَنْ نُبْحِرَ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ بِقَارِبِي الصَّغِيرِ؟»
هَزَّ رَأْسَهُ نفيًا، وَانْخَفَضَتْ مَعْنَوِيَّاتِي، وَقَالَ: «لَيْسَ فِي الْقَارِبِ الصَّغِيرِ، لَا، لَكِنْ يُمْكِنُنَا الْإِبْحَارُ فِي قَارِبٍ أَكْبَرَ؛ قَارِبٍ كَبِيرٍ، فِي حَجْمِ زَوْرَقَيْنِ.»
انْفَغَرَ فَمِي عن ابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ، وَخَبَطْتُ جمعة عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ فَرْطِ سَعَادَتِي، وَنَظَرَ إِلَيَّ كَمَا لَوْ كُنْتُ مَجْنُونًا، لَكِنَّنِي لَمْ أُبَالِ. فَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، بَاتَتْ لَدَيَّ فِكْرَةٌ عَنْ مَكَانِ إِقَامَتِي، وَلَدَيَّ فِكْرَةٌ عَنْ مَكَانِ جَزِيرَتِي مِنَ الْعَالَمِ. لَمْ أَكُنْ وَحِيدًا، وَكَانَ لَدَيَّ أَمَلٌ فِي الْعَوْدَةِ لِوَطَنِي.
وَفِي سَاعَةٍ هَادِئَةٍ بَعْدَ الظَّهِيرَةِ، خِلَالَ مَوْسِمِ الْجَفَافِ، سِرْتُ أَنَا وجمعة لِمَسَافَةٍ طَوِيلَةٍ نُزُولًا إِلَى الشَّاطِئِ حَيْثُ رَأَيْتُ ذَاتَ مَرَّةٍ أَثَرَ قَدَمٍ. أَرَدْتُ أَنْ أُرِيَهُ أَجْزَاءَ السَّفِينَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي فَكَكْتُهَا وَخَبَّأْتُهَا طَوَالَ تِلْكَ السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ.
تَفَحَّصَ جمعة حُطَامَ السَّفِينَةِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَأَخَذَ يُقَلِّبُ فِي الْأَجْزَاءِ لِيَرَى أَسْفَلَهَا، وَلَفَّ حَوْلَهَا لِأَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ذَقْنِهِ وَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ سَفِينَةً مِثْلَ هَذِهِ مِنْ قَبْلُ يَا روبنسون.»
انْدَهَشْتُ جِدًّا لِسَمَاعِ هَذَا الْكَلَامِ، فَسَأَلْتُهُ: «مَاذَا تَعْنِي؟»
نَظَرَ إِلَيَّ جمعة مُجِيبًا: «مُنْذُ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ. أَجَلْ، كَانَ ذَلِكَ مُنْذُ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، هَبَطَ سَبْعَةَ عَشْرَ رَجُلًا عَلَى جَزِيرَتِي.» وَاسْتَمَرَّ جمعة فِي حَدِيثِهِ لِيُخْبِرَنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ لَا يَزَالُونَ هُنَاكَ، يَعِيشُونَ عَلَى جَزِيرَتِهِ، بِالْقُرْبِ مِنْ قَوْمِهِ.
قُلْتُ لَهُ: «لَا بُدَّ أَنَّهُمُ الرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مَتْنِ السَّفِينَةِ الَّتِي شَهِدْتُهَا بَعْدَ تَحَطُّمِهَا!» ثم أَخْبَرْته كُلَّ شَيْءٍ عَنْ سَمَاعِي لِطَلَقَاتِ الْمِدْفَعِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ طَلَقَاتِ النَّارِ، وَاسْتَطْرَدْتُ: «لَكِنْ عِنْدَ انْقِشَاعِ الضَّبَابِ وَنُزُولِي إِلَى الشَّاطِئِ، كُلُّ مَا وَجَدْتُهُ هُوَ سَفِينَةٌ أُخْرَى مُحَطَّمَةٌ! كَمْ مِنَ الرَّائِعِ أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ لَمْ يَمُوتُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَمَا ظَنَنْتُ!»
وَبَدَأْنَا فِي السَّيْرِ عَائِدَيْنِ إِلَى الْمُخَيَّمِ، كِلَانَا مُسْتَغْرِقٌ فِي أَفْكَارِهِ. وَكَانَتْ مِشْيَةً هَادِئَةً، لَمْ أَقُلْ أَيَّ شَيْءٍ لِصَدِيقِي إِلَى مَا بَعْدَ الْعَشَاءِ.
وَقُلْتُ لجمعة قَاطِعًا أَمْرِي: «عَلَيْنَا الْعَوْدَةُ إِلَى جَزِيرَتِكَ يَا جمعة!»

الفصل السابع والعشرون
هَلْ يُمْكِنُنا مُغَادَرَةُ الْجَزِيرَةِ؟


كُنَّا فِي حَاجَةٍ إِلَى قَارِبٍ لِنُغَادِرَ الْجَزِيرَةَ؛ فَالْقَارِبَانِ اللَّذَانِ صَنَعْتُهُمَا لَنْ يَكُونَا ذَوَيْ نَفْعٍ لِمِثْلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ (وَبِالنِّسْبَةِ لِقَارِبِي الْأَوَّلِ فَلَا يَزَالُ مَتْرُوكًا عَلَى الْيَابِسَةِ فِي مُنْتَصَفِ الْغَابَةِ).
سَأَلْتُ جمعة ذَاتَ صَبَاحٍ بَيْنَمَا نَتَنَاوَلُ إِفْطَارَنَا: «هَلْ تَظُنُّ أَنَّ بِإِمْكَانِكَ مُسَاعَدَتِي فِي صُنْعِ سَفِينَةٍ مِثْلِ الَّتِي رَأَيْتَهَا مُنْذُ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ؟»
وَأَجَابَ: «أَجَلْ، فَلَا أَرَى مَانِعًا. وَمَعَ أَنِّي غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ كَيْفَ، لَكِنَّنِي مُتَأَكِّدٌ أَنَّكَ قَادِرٌ عَلَى تَعْلِيمِي؛ أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا روبنسون؟»
فَقُلْتُ: «بِالطَّبْعِ! فَبِتَعَاوُنِنَا مَعًا سَوْفَ نَسْتَطِيعُ بِنَاءَ قَارِبٍ جَيِّدٍ يَحْمِلُنَا لِنَعُودَ بِهِ إِلَى جَزِيرَتِكَ.
قَطَعْنَا الْأَشْجَارَ، وَنَحَتْنَا أَلْوَاحَ الْخَشَبِ، وَفَرَّغْنَا الْقَاعَ. عَمِلْنَا وَتَعِبْنَا. وَمَرَّتِ الشُّهُورُ وَبَدَأ مَرْكَبُنَا يَأْخُذُ شَكْلًا بِبُطْءٍ. وَعَمِلْنَا طَوَالَ مَوْسِمِ الْجَفَافِ كُلِّهِ بِلَا تَوَقُّفٍ وَلَوْ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ. وَبِمُجَرَّدِ انْتِهَاءِ الْعَمَلِ فِي الْقَارِبِ، بَذَلْنَا كُلَّ جُهُودِنَا لِزَحْزَحَتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى الْمَاءِ. وَحَقًّا لَمْ نَرَ قَطُّ رَجُلَيْنِ أَسْعَدَ مِنَّا يَوْمَ أَنْ طَفَا الْقَارِبُ عَلَى صَفْحَةِ الْمَاءِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ!
كَانَ جمعة وَاثِقًا أَنَّ بِاسْتِطَاعَتِنَا اسْتِخْدَامَ مَجَادِيفِنَا حَتَّى نَصِلَ إِلَى الْبَرِّ الرَّئِيسِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ لَدَيَّ فِكْرَةٌ أَفْضَلُ؛ فَبَيْنَمَا قَطَعَ جمعة شَجَرَةَ أَرْزٍ كَبِيرَةً كَيْ نَسْتَخْدِمَهَا كَصَارٍ، جَلَسْتُ وَخِطْتُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْخَيْمَةِ الَّتِي احْتَفَظْتُ بِهَا عَلَى مَدَى هَذِهِ السَّنَوَاتِ. وَوَضَعْنَا الصَّارِيَ وَأَقَمْنَا الشِّرَاعَ، وَأَصْبَحَ الْمَرْكَبُ الْآنَ جَاهِزًا لِجَوْلَةٍ لِلتَّجْرِبَةِ! أَبْحَرْتُ أَنَا وجمعة حَوْلَ الْمَرْفَأِ إِذْ عَلَّمْتُهُ كَيْفَ يُبْحِرُ. وَكَحَالِهِ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ أَرَيْتُهُ كَيْفَ يَقُومُ بِهِ، وَجَدْتُهُ سَرِيعَ التَّعَلُّمِ، حَتَّى عَرَفَ جمعة سَرِيعًا كَيْفَ يَتَحَكَّمُ فِي الْمَرْكَبِ تَقْرِيبًا بِنَفْسِ جَوْدَةِ تَحَكُّمِي فِيهِ.
بَعْدَ ذَلِكَ اضْطُرِرْنَا إِلَى أَنْ نَظَلَّ فِي مَنْزِلِنَا فِي الْمَوْسِمِ المُمْطِرِ، وَأَرْدَنَا حِمَايَةَ الْمَرْكَبِ مِنْ ظُرُوفِ الطَّقْسِ. فَحَفَرْنَا حَوْضًا صَغِيرًا لِلْمَرْكَبِ مِنَ الْيَابِسَةِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجَدْوَلِ، ثُمَّ حَرَصْنَا عَلَى بَقَائِهِ جَافًّا عَبْرَ بِنَاءِ سَدٍّ حَوْلَهُ وَتَغْطِيَةِ قِمَّتِهِ بِأَغْصَانٍ كَبِيرَةٍ كَامِلَةٍ لِتَكُونَ بِمَنْزِلَةِ سَقْفٍ. وَالْآنَ كُلُّ مَا تَبَقَّى لَنَا فَعْلُهُ هُوَ انْتِظَارُ تَحَسُّنِ الطَّقْسِ.
مَرَّ إِجْمَالِيُّ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ عَامًا مُنْذُ أَنْ تَحَطَّمَ قَارِبِي وَأُلْقِيتُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَكَمْ هُوَ صَعْبٌ أَنْ أُصَدِّقَ مُرُورَ كُلِّ هَذَا الْوَقْتِ. جَلَسْتُ لِفَتَرَاتٍ طِوَالٍ مُتَسَائِلًا كَمْ تَغَيَّرَتِ الْحَيَاةُ يَا تُرَى فِي وَطَنِي، هَلْ لَا تَزَالُ مَزْرَعَتِي مَوْجُودَةً؟ هَلْ لَا يَزَالُ أَهْلِي عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ؟ هَلْ عَادَ أَخِي لِلْوَطَنِ؟ تَسَابَقَتْ هَذِهِ الْأَفْكَارُ بَيْنَ جَنَبَاتِ عَقْلِي مِثْلَ قَطَرَاتِ الْمَطَرِ، لَا يُوقِفُهَا شَيْءٌ سِوَى سُطُوعِ الشَّمْسِ.

الفصل الثامن والعشرون
التَّمَرُّدُ وَالْحُرِّيَّةُ


تَوَقَّفَتِ الْأَمْطَارُ، مِثْلَمَا كَانَ الْحَالُ عَلَى مَدَى مَوَاسِمَ عَدِيدَةٍ. وَبَدَأْتُ أَنَا وجمعة فِي الْإِعْدَادِ بِجِدِّيَّةٍ لِرِحْلَتِنَا. اعْتَنَيْنَا بِالْمَحْصُولِ عِنَايَةً جَيِّدَةً، وَبَدَأْنَا فِي تَرْتِيبِ جَمِيعِ الْمُؤَنِ، وَلَمْ يَتَبَقَّ سِوَى التَّأَكُّدِ مِنْ تَوَافُرِ الْغِذَاءِ الْكَافِي بِحَوْزَتِنَا.
وَسَأَلْتُ جمعة: «هَلْ تُمَانِعُ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْمَنْزِلِ الصَّيْفِيِّ وَتَجْمِيعِ بَعْضِ الزَّبِيبِ لَنَا؟»
فَأَجَابَ: «عَلَى الْإِطْلَاقِ، سَأَذْهَبُ مِنْ فَوْرِي.»
وَلَمْ تَكَدْ تَمْضِي سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ حَتَّى سَمِعْتُهُ يَجْرِي عَلَى الطَّرِيقِ صَاعِدًا وَهُوَ يَصْرُخُ: «روبنسون! روبنسون! أَقْبِلْ بِسُرْعَةٍ. يُوجَدُ مَرْكَبٌ هُنَا! مَرْكَبٌ!»
الْتَقَطْتُ بُنْدُقِيَّتَيْنِ وَأَنَا فِي طَرِيقِي خَارِجًا مِنَ الْبَابِ، وَأَلْقَيْتُ بِوَاحِدَةٍ لجمعة، وَأَسْرَعْنَا إِلَى التَّلِّ الْعَالِي، وَاخْتَبَأْنَا بِهُدُوءٍ وَرَاقَبْنَا سَفِينَةً إِنْجِلِيزِيَّةً وَهِيَ تُبْحِرُ نَحْوَ الْجَزِيرَةِ.
وَهَمَسَ لِي جمعة: «مَاذَا تَظُنُّهُمْ فَاعِلِينَ؟»
فَأَجَبْتُ: «لَسْتُ أَدْرِي، لَكِنَّهُ بِالتَّأْكِيدِ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، فَهَذَا لَيْسَ طَرِيقَ تِجَارَةٍ مُعْتَادٍ؛ وَلَمْ أَرَ سَفِينَةً إِنْجِلِيزِيَّةً لِمَا يُقَارِبُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.»
أَلْقَتِ السَّفِينَةُ بِمِرْسَاتِهَا عَلَى الشَّاطِئِ مُبَاشَرَةً، وَجَرَّ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ الْغَاضِبِينَ حَادِّي الطِّبَاعِ ثَلَاثَةَ أَسْرَى مِنَ السَّفِينَةِ إِلَى الشَّاطِئِ. وَكَانَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَقْدَامُهُمْ مُقَيَّدَةً، ثُمَّ تَرَكَ الْأَشْرَارُ هَؤُلَاءِ الرِّفَاقَ الْمَسَاكِينَ فِي حَرَارَةِ الشَّمْسِ بِلَا غِذَاءٍ وَلَا مَاءٍ فِي حِينِ ذَهَبُوا هُمْ لِيَسْتَكْشِفُوا الْجَزِيرَةَ.
أَشَرْتُ لجمعة بِأَنْ يَتْبَعَنِي، وَتَسَلَّلْنَا بِبُطْءٍ هُبُوطًا عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الشَّاطِئِ. وَحِينَ تَيَقَّنْتُ أَنْ لَا أَحَدَ بِجِوَارِنَا، تَسَلَّلْتُ إِلَى الرِّجَالِ وَسَأَلْتُهُمْ مَنْ هُمْ وَلِمَاذَا أَتَوْا إِلَى الْجَزِيرَةِ.
فِي الْبِدَايَةِ ارْتَبَكُوا أَيَّمَا ارْتِبَاكٍ، وَلَمْ يُجِيبُونِي عَلَى الْإِطْلَاقِ. فَلَا بُدَّ أَنَّ مَنْظَرِي بَدَا شَدِيدَ الْغَرَابَةِ لَهُمْ؛ كَإِنْسَانٍ هَمَجِيٍّ وَمَجْنُونٍ يَظْهَرُ مِنَ الْعَدَمِ!
قُلْتُ لَهُمْ: «لَنْ أُوذِيَكُمْ، أَنَا هُنَا لِمُسَاعَدَتِكُمْ.» وَنَادَيْتُ عَلَى جمعة لِيَأْتِيَ، وَبِاسْتِخْدَامِ سِكِّينِهِ قَطَعَ قُيُودَهُمْ. وَبَيْنَمَا كُنَّا نُحَرِّرُهُمْ، شَرَحَ لَنَا أَحَدُ الرِّجَالِ: «أَنَا قُبْطَانُ هَذِهِ السَّفِينَةِ الْعَظِيمَةِ، وقد حَدَثَ عَلَى مَتْنِهَا تَمَرُّدٌ، فَقَرَّرَ طَاقَمُ السَّفِينَةِ الْإِبْحَارَ خَارِجَ الْمَسَارِ الْمُحَدَّدِ. وَهَكَذَا رَسَوْنَا هُنَا.»
قُلْتُ لَهُمْ: «تَعَالَوْا بِسُرْعَةٍ، عَلَيْنَا أَنْ نُبْعِدَ ثَلَاثَتَكُمْ عَنْ هُنَا قَبْلَ أَنْ يَعُودُوا.»
– «بِالْمُنَاسَبَةِ، أَنَا الْقُبْطَانُ والش، أَمَّا هَذَانِ الرَّجُلَانِ فَهُمَا نَائِبَايَ، مُورْجَانُ وَبَاسُ.»
– «أَنَا روبنسون كروزو، وَهَذَا جمعة.»

الفصل التاسع والعشرون
الْأَخْذُ بِالدَّفَّةِ


دُونَ مُقَدِّمَاتٍ، جَرَيْنَا بِسُرْعَةٍ بِكُلِّ طَاقَتِنَا بَعِيدًا عَنِ الشَّاطِئِ، وجمعة فِي الْمُقَدِّمَةِ. وَمَا إِنْ جَلَسْنَا بِأَمَانٍ عَلَى التَّلِّ الْعَالِي، حَتَّى أَخْبَرَنَا الْقُبْطَانُ بِقِصَّتِهِ بِتَفَاصِيلَ أَكْثَرَ. وَفِي النِّهَايَةِ، تَبَيَّنَ أَنَّ رَجُلَيْنِ فَقَطْ هُمَا مَنْ تَسَبَّبَا فِي حُدُوثِ جَمِيعِ الْمَشَاكِلِ لِلْقُبْطَانِ الْمِسْكِينِ. فَهُمَا مَنْ أَقْنَعَا الْآخَرِينَ بِالتَّمَرُّدِ وَالْآنَ يُضَلِّلَانِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ. وَاسْتَطْرَدَ الْقُبْطَانُ بِقَوْلِهِ إِنَّ الْحَظَّ الْحَسَنَ هُوَ مَا أَبْقَاهُمْ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا بَحَّارَانِ غَيْرُ مَاهِرَيْنِ؛ فَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَدْرِيَانِ شَيْئًا عَمَّا يَفْعَلَانِهِ.
– «فَكُلُّ مَا يَشْغَلُ تَفْكِيرَهُمَا هُوَ الذَّهَبُ؛ وَلَيْسَ سَلَامَةَ الْمَرْكَبِ، أَوْ حَيَاةَ بَاقِي الرِّجَالِ. وَكُلُّ مَا يُرِيدَانِهِ هُوَ الْمَالُ.»
سَأَلْتُ الْقُبْطَانَ وَالْشَ عَمَّا إِذَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ يَعُودَ بَاقِي رِجَالِهِ إِلَى إِخْلَاصِهِمْ لَهُ، إِذَا تَمَّ الْإِمْسَاكُ بِاللِّصَّيْنِ.
– «أَجَلْ، أَظُنُّهُمْ سَيَفْعَلُونَ، فَلَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ فَرِحُونَ بِوُجُودِهِمْ فِي الْبَحْرِ بِلَا اتِّجَاهٍ وَاضِحٍ وَلَا خُطَطٍ لِلْعَوْدَةِ لِأَوْطَانِهِمْ.»
فَأَخْبَرْتُ الْقُبْطَانَ وَالْشَ أَنَّنِي يُسْعِدُنِي أَنَا وجمعة أَنْ نُنَاصِرَهُ، لَكِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ مَعْرِفَةَ شَيْئَيْنِ فِي الْبِدَايَةِ.
– «هَلْ سَتَتْبَعُ تَعْلِيمَاتِي وَتَدَعُنِي أَقْوُدُكَ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ؟ وَفِي حَالِ انْتَصَرْنَا، هَلْ تَصْحَبُنِي أَنَا وجمعة لِنَعُودَ إِلَى إِنْجِلْتِرَا بِرِفْقَتِكَ؟»
وَافَقَ الْقُبْطَانُ وَالْشُ فِي الْحَالِ، وَجَلَسْنَا نَحْنُ الْخَمْسَةُ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ وَابْتَكَرْنَا خُطَّةً مُحْكَمَةً لِلْغَايَةِ. فَغَالِبًا مَا يَقْضِي الْوَغْدَانِ الْوَقْتَ جَالِسَيْنِ فَحَسْبُ لِتَدْبِيرِ خُطَطِهِمْ. وَاتَّفَقَ الْقُبْطَانُ أَنَّ فِي اسْتِطَاعَتِنَا عَلَى الْأَرْجَحِ أَسْرَهُمَا بِسُهُولَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ الِاطْمِئْنَانِ إِلَى تَقْيِيدِهِمَا، نُقْنِعُ بَاقِيَ الرِّجَالِ بِالْعَوْدَةِ لِلنِّظَامِ.
اصْطَحَبْنَا الْبَحَّارَةَ لِكَهْفِي الْخَاصِّ بِالطَّهْيِ، حَيْثُ أَحْتَفِظُ بِبَاقِي بَنَادِقِي. وَأَعْطَيْتُ كُلَّ رَجُلٍ سِلَاحًا وَبَعْضَ الْبَارُودِ، تَحَسُّبًا لِاحْتِيَاجِنَا إِلَيْهِ. وَتَحَرَّكْنَا نَحْنُ الْخَمْسَةُ بِخِفَّةٍ كَالْهَوَاءِ لِنَعُودَ إِلَى الشَّاطِئِ، حَيْثُ يَغْفُو كُلُّ الرِّجَالِ، مُنْتَشِرِينَ بِطُولِ الشَّاطِئِ، وَقَدْ أَسْنَدَ بَعْضُهُمْ رَأْسَهُ عَلَى أَزْنَادِ الْأَشْجَارِ، وَرَقَدَ الْبَعْضُ فِي الشَّمْسِ وَحَسْبُ.
أَحَطْنَا بِالرِّجَالِ، وَعَدَدْتُ إِلَى ثَلَاثَةٍ بِأَصَابِعِي، ثُمَّ أَطْلَقْنَا النَّارَ مِنْ بَنَادِقِنَا فِي الْهَوَاءِ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، فَقَفَزَ الرِّجَالُ، خَائِفِينَ وَمَصْدُومِينَ، وَلَمْ يَدْرُوا مَاذَا يَفْعَلُونَ!
وَصِحْتُ قَائِلًا: «أَلْقُوا أَسْلِحَتَكُمْ! أَلْقُوهَا الْآنَ قَبْلَ أَنْ نُطْلِقَ النَّارَ عَلَيْكُمْ جَمِيعًا!»
وَعَلَا صَوْتُ رَنِينِ وَصَخَبِ الْعَدِيدِ مِنَ السَّكَاكِينِ، وَالسُّيُوفِ، وَالْأَغْمَادِ عِنْدَ ارْتِطَامِهَا بِالْأَرْضِ.
ثم أضفت: «وَالْبَنَادِقَ أَيْضًا، أَعْرِف أَنَّ مَعَكُمْ بَنَادِقَ!» فَأَلْقَى قَلِيلٌ مِنْهُمْ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَى مَضَضٍ.
وَاسْتَدَرْتُ لِلْقُبْطَانِ وَالْشَ قَائِلًا: «مَنِ الْوَغْدَانِ اللَّذَانِ اسْتَوْلَيَا عَلَى سَفِينَتِكَ يَا قُبْطَانُ وَالْشُ؟» فَأَشَارَ الْقُبْطَانُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى رَجُلَيْنِ مُرْتَعِدَيْنِ فِي وَسْطِ الْمَجْمُوعَةِ.
– «أَنْتُمَا، تَعَالَيَا هُنَا، الْآنَ!» تَرَدَّدَا فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ حَاوَلَا الْفِرَارَ، لَكِنَّ جمعة كَانَ سَرِيعًا بِمَا يَكْفِي لِإِيقَافِهِمَا. فَأَوْقَعَ الْأَوَّلَ ثُمَّ أَمْسَكَ بِالْآخَرِ قَبْلَ حَتَّى أَنْ يَصِلَ إِلَى الْأَشْجَارِ.
وَقُلْتُ: «بِسُرْعَةٍ! هَيَّا لِنُقَيِّدْهُمَا!» قَيَّدَ مُورْجَانُ وَبَاسُ أَيْدِيَهُمَا مَعًا بِاسْتِخْدَامِ بَعْضِ الْحِبَالِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ نَبَاتِ الْكَرْمَةِ.
– «جمعة، أَنْتَ تَعْلَمُ أَيْنَ سَتَذْهَبُ بِهَذَيْنِ الْهَمَجِيَّيْنِ!» فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ وَأَشَارَ إِلَى بَاسَ وَمُورْجَانَ لِيُسَاعِدَاهُ.
وَبِمُجَرَّدِ ابْتِعَادِهِمَا عَنْ مَرْمَى السَّمْعِ، تَحَدَّثَ الْقُبْطَانُ مَعَ رِجَالِهِ، فَقَالَ لَهُمْ إِمَّا أَنْ يَعُودُوا إِلَيْهِ أَوْ يَفْقِدُوا حَيَاتَهُمُ اللَّيْلَةَ؛ وَكَانَ الْخَيَارُ لَهُمْ. فَطَأْطَئوا جَمِيعًا رُءُوسَهُمْ فِي خِزْيٍ مِنْ خِيَانَةِ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ. وَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقُبْطَانَ وَالْشَ أَنَّهُمْ سَيَتْبَعُونَهُ. وَاعْتَذَرَ الْكَثِيرُونَ عَلَى التَّمَرُّدِ، وَقَالُوا إِنَّهُمْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ بِشِدَّةٍ مِنْ جَرَّاءِ مَا فَعَلُوهُ، بَلْ إِنَّ أَحَدَهُمْ بَدَأَ يُنْشِدُ أُغْنِيَةَ «لِأَنَّهُ رَفِيقٌ صَالِحٌ وَمَرِحٌ» مِمَّا أَسْعَدَ الْقُبْطَانَ وَالْشَ أَيَّمَا سَعَادَةٍ.
بِتَقْيِيدِ الْوَغْدَيْنِ بِإِحْكَامٍ فِي كَهْفِي الْخَاصِّ بِالطَّهْيِ، تَسَنَّتْ لِي وَلِلْقُبْطَانِ فُرْصَةُ إِجْرَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَشَائِقٍ، فَسِرْتُ بِالْقُبْطَانِ وَالْشَ فِي جَوْلَةٍ عَلَى جَزِيرَتِي، وَأَرَيْتُهُ مَزْرَعَتَنَا النَّاجِحَةَ، وَانْبَهَرَ أَيَّمَا انْبِهَارٍ، فَلَمْ يَسَعْهُ التَّصْدِيقُ أَنَّنِي عَمِلْتُ الْكَثِيرَ بِمُفْرَدِي!
وَبَعْدَ قَضَاءِ زَمَنٍ عَلَى الْجَزِيرَةِ، قَضَيْتُ أَنَا وجمعة بِضْعَ سَاعَاتٍ لِحَزْمِ كُلِّ شَيْءٍ نَحْتَاجُهُ فِي الرِّحْلَةِ الْبَحْرِيَّةِ إِلَى إِنْجِلْتِرَا. وَقَالَ الْقُبْطَانُ إِنَّ لَدَيْهِ الْكَثِيرَ مِنَ الْمُؤَنِ عَلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ بِالْفِعْلِ، لَكِنَّهَ أَخَذَ بَعْضَ مِيَاهِ الشُّرْبِ وَالْكَثِيرَ مِنَ الْفَاكِهَةِ مِنْ مَنْزِلِي الصَّيْفِيِّ مِنْ أَجْلِ رِحْلَةِ الْعَوْدَةِ، ثُمَّ أَعْطَانِي الْقُبْطَانُ الطَّيِّبُ قَمِيصًا نَظِيفًا وَبِنْطَالًا جَدِيدًا! وَكَانَا رَائِعَيْنِ؛ فَقَدْ ظَلَلْتُ سَنَوَاتٍ لَا أَرْتَدِي سِوَى مَلَابِسَ مِنْ جِلْدِ الْمَاعِزِ!
وَسَأَلْتُ جمعة وَنَحْنُ نَحْزِمُ أَمْتِعَتَنَا: «هَلْ أَنْتَ وَاثِقٌ أَنَّكَ لَا تَوَدُّ الْعَوْدَةَ لِوَطَنِكَ، إِلَى عَائِلَتِكَ؟»
فَأَجَابَنِي: «روبنسون، أَنَا قَرَّرْتُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا أَنِّي أُرِيدُ حَيَاةَ الْمُغَامَرَةِ، وَالْآنَ لَدَيَّ الْفُرْصَةُ لِأَرَى دَوْلَةَ إِنْجِلْتِرَا الْعُظْمَى، ولن أفوِّتَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ!»
قُلْتُ لَهُ: «آهٍ يَا جمعة! إِنَّنِي سَعِيدٌ جِدًّا لِسَمَاعِي بِأَنَّكَ سَتَأْتِي مَعِي، فَلَنْ يَكُونَ الْحَالُ بِكَ كَمَا هُوَ بِدُونِكَ.»
أَتَى الْقُبْطَانُ والش لِيُخْبِرَنَا أَنَّ سَفِينَتَهُ مُسْتَعِدَّةٌ لِلرَّحِيلِ، وَلَكِنْ لَمْ يَبْقَ سِوَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَقَطْ كَانَ عَلَيَّ عَمَلُهُ قَبْلَ رَحِيلِنَا؛ وَهُوَ ذَهَابِي لِلرَّجُلَيْنِ الْمُقَيَّدَيْنِ فِي كَهْفِي الْخَاصِّ بِالطَّهْيِ.
قُلْتُ لَهُمَا: «لَدَيْكُمَا خَيَارَانِ: الْعَوْدَةُ إِلَى إِنْجِلْتِرَا مَعَنَا، مُقَيَّدَيْنِ وَمُصَفَّدَيْنِ، عَلَى أَنْ تُحَاكَمَا وَتُطَبَّقَ عَلَيْكُمَا عُقُوبَةُ الشَّنْقِ بِتُهْمَةِ الْخِيَانَةِ، أَوِ الْبَقَاءُ هُنَا عَلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، وَبَذْلُ قُصَارَى جُهْدِكُمَا لِلْبَقَاءِ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ.»
نَظَرَ الرَّجُلَانِ بَعْضُهُمَا إِلَى بَعْضٍ، فَقَدْ كَانَا يَعْلَمَانِ أَنَّ عَوْدَتَهُمَا إِلَى الْبِلَادِ تَعْنِي الْإِعْدَامَ؛ لِذَا لَمْ أَتَفَاجَأْ حِينَ طَأْطَأَ كِلَا الرَّجُلَيْنِ بِرَأْسَيْهِمَا وَتَقَبَّلَا مَصِيرَهُمَا. فَفَكَكْتُ أَيْدِيَهُمَا وَأَقْدَامَهُمَا وَتَرَكْتُ لَهُمَا بَعْضَ مِيَاهِ الشُّرْبِ، وَأَخْبَرْتُهُمَا أَيْنَ يجِدَانِ مُخَيَّمِي، وَكَيْفَ يَحْيَيَا حَيَاةً طَيِّبَةً عَلَى الْجَزِيرَةِ إِذَا عَمِلَا بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ. بَدَوَا تَعِيسَيْنِ عِنْدَ رَحِيلِي، لَكِنَّهُمَا عَلَى الْأَقَلِّ ظَلَّا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ.
قُلْتُ لَهُمَا: «هَذِهِ الْجَزِيرَةُ جَنَّةٌ الْآنَ، وَعَلَيْكُمَا مُعَامَلَتهَا عَلَى هَذَا الْأَسَاسِ.»
مَعَ كَلِمَاتِ الْوَدَاعِ هَذِهِ تَرَكْتُهُمَا. وَنَظَرْتُ مَرَّةً أَخِيرَةً فِي الْأَرْجَاءِ، فَالْيَوْمُ الَّذِي ظَنَنْتُهُ لَنْ يَأْتِيَ أَبَدًا أَتَى أَخِيرًا؛ فَسَأُغَادِرُ الْجَزِيرَةَ. وَأَضْحَى سِجْنِي مَوْطِنًا جَمِيلًا، لَكِنْ عَلَى قَدْرِ الرَّاحَةِ الَّتِي عَمَّتِ الْأَرْجَاءَ، إِلَّا أَنَّنِي اشْتَقْتُ إِلَى الْحَضَارَةِ، وَأَرَدْتُ الْعَوْدَةَ لِوَطَنِي.

الفصل الثلاثون
الْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ


الْتَقَيْتُ بجمعة أَمَامَ الْمَنْزِلِ الصَّيْفِيِّ وَنَزَلْنَا إِلَى الشَّاطِئِ مَعًا. وَكُنْتُ قَدْ حَزَمْتُ بِالْفِعْلِ الْأَشْيَاءَ الْقَلِيلَةَ الَّتِي أَرَدْتُ أَخْذَهَا مَعِي: قُبَّعَتِي مِنْ جِلْدِ الْمَاعِزِ وَمِظَلَّتِي وَآخِرَ بَبَّغَاوَاتِي الْأَلِيفَةِ، وَبِالتَّأْكِيدِ كُلَّ الْأَمْوَالِ الَّتِي عَثَرْتُ عَلَيْهَا وَاحْتَفَظْتُ بِهَا مُنْذُ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ سَتَكُونُ الْآنَ ذَاتَ نَفْعٍ كَبِيرٍ!
غَادَرْنَا الْجَزِيرَةَ فِي التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ دِيسَمْبِرَ ????؛ بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا وَشَهْرَيْنِ وَتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ نُزُولِي عَلَيْهَا. وَبِحُلُولِ يُونْيُو مِنَ الْعَامِ التَّالِي، وَصَلْنَا إِلَى إِنْجِلْتِرَا. وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَسِيرُ فِي شَوَارِعِ يُورْك، لَمْ أُصَدِّقْ مِقْدَارَ التَّغْيِيرِ الَّذِي حَدَثَ عَلَى مَدَارِ الْخَمْسِ وَالثَّلَاثِينَ سَنَةً الْمَاضِيَةِ؛ فَالْمَدِينَةُ صَارَتْ أَكْبَرَ، وَالشَّوَارِعُ أَكْثَرَ ازْدِحَامًا، أَمَّا أَبَوَايَ فَقَدْ تُوُفِّيَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ. وَمَا تَوَقَّعْتُ حَقًّا، فِي أَعْمَاقِي، أَنْ يَكُونَا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، لَكِنِّي حَزِنْتُ عَلَى خَسَارَتِهِمَا بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
بَعْدَ قَضَاءِ بَعْضِ الْوَقْتِ فِي يُورْكَ، قَرَّرْتُ السَّفَرَ إِلَى الْبَرَازِيلِ. فَقَدِ انْتَابَنِي الْفُضُولُ لِأَرَى مَاذَا حَلَّ بِمَزْرَعَتِي؛ لِأَرَى هَلْ لَا يَزَالُ شُرَكَائِي عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَهَلْ مَزْرَعَتِي لَا تَزَالُ قَائِمَةً.
بَدَأْنَا رِحْلَتَنَا أَنَا وجمعة فِي الْبَحْرِ مُتَّجِهَيْنِ إِلَى الْبَرَازِيلِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَبْرِيلَ سَنَةَ ????. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْبَلَدُ أَيَّمَا اخْتِلَافٍ! وَتُوُفِّيَ الْكَثِيرُ مِنْ أَصْدِقَائِي وَشُرَكَاءِ الْعَمَلِ الْقُدَامَى. وَلِحُسْنِ الْحَظِّ أَنَّ وِيلْزَ، صَدِيقِي الْقَدِيمَ وَجَارِي، كَانَ لَا يَزَالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَكَانَ قَدِ ازْدَادَ ثَرَاءً مِنْ نَجَاحِ مَزْرَعَتَيْنَا، وَحِينَ وَصَلْتُ أَنَا وجمعة إِلَى عَتَبَةِ بَابِهِ، فُوجِئَ جِدًّا لِرُؤْيَتِي؛ حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيَّ فِي الْبِدَايَةِ! وَاسْتَعَدْتُ مَزْرَعَتِي، وَجَنَيْتُ رِبْحًا وَفِيرًا حِينَ بِعْتُهَا بَعْدَ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ.
بَدَأْنَا سَرِيعًا فِي تَنْفِيذِ خُطَطِ الْعَوْدَةِ إِلَى إِنْجِلْتِرَا، فَقَدْ تُقْتُ إِلَى الْحَيَاةِ الْهَادِئَةِ الْمُطْمَئِنَّةِ، الَّتِي أَرَادَهَا لِي أَبِي مِنْ قَبْلُ مُنْذُ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؛ قَبْلَ زَمَنٍ مِنْ شُرُوعِي فِي أَيِّ مُغَامَرَةٍ، وَقَبْلَ زَمَنٍ مِنْ قَضَاءِ مَا يُقَارِبُ عُمْرِي كُلَّهُ حَبِيسًا عَلَى جَزِيرَةٍ مَهْجُورَةٍ. وَلَعَلِّي أَسْتَطِيعُ الْآنَ — فِي شَيْخُوخَتِي — الِاسْتِمْتَاعَ بِالْحَيَاةِ الَّتِي أَرَادَهَا أبي لِي. لَكِنْ عَلَيْنَا، أَنَا وجمعة، الْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ أَوَّلًا. وَهَذِهِ الْمُغَامَرَاتُ، يَا أَصْدِقَائِي الْأَوْفِيَاءَ، هِيَ أَحْدَاثُ قِصَّةٍ أُخْرَى لِاحِقَةٍ.