Advertisement

شجرة الحياة

 شجرة الحياة



شجرة الحياة

تأليف
كامل كيلاني



شجرة الحياة

كامل كيلاني

رقم إيداع
تدمك:
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
رسم الغلاف: ورود الصاوي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.


الفصل الأول
النَّباتُ الشَّافي


(?) «يُوسُفُ» الصَّغِيرُ

عاشَتْ فِي قَدِيمِ الزَّمانِ سَيِّدَةٌ عَجُوزٌ، ماتَ زَوْجُهَا بَعْدَ أَنْ تَرَكَ لَها طِفْلًا صَغِيرًا، لا يَزيدُ عُمْرُهُ عَلَى سَبْعِ سَنَواتٍ.
وَكانَ اسْمُ ذلِكَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ «يُوسُفَ».
وَكانَتْ هذِهِ الْعَجُوزُ تُحِبُّ وَلَدَها «يُوسُفَ» أَشَدَّ الحُبِّ. وَلَها الْحَقُّ فِي ذلِكَ؛ فَإِنَّ طِفْلَها كان مِثالًا لِلذَّكاءِ وَالْوَفاءِ، والإِخْلاصِ وَالإحْسانِ، كَما كانَ عَطُوفًا بارًّا بِكُلِّ مَنْ يَلْقاهُ مِنْ إنْسانٍ وَحَيَوانٍ.
(?) الْأَرْمَلَةُ الْعَجُوزُ

وَلَمَّا كانَتْ هذِهِ السَّيِّدَةُ قَدْ ماتَ زَوْجُها وَتَرَكَها فَقِيرَةً — كَما قُلْنا — فَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيْها راوِي هذِهِ الْقِصَّةِ وَصْفَ الأَرْمَلَةِ.? وَكانَ وَلَدُها «يُوسُفُ» الصَّغِيرُ يُؤَدِّي أَعْمالَ الْبَيْتِ كُلَّها، لِيُهَيِّئَ الفُرْصَةَ لأُمِّهِ الأَرْمَلَةِ الْمِسْكِينَةِ لِتَغْزِلَ القُطْنَ وَالصُّوفَ فَتَجْعَلَهُ خُيُوطًا تَفْتِلُها؛ ثُمَّ تَنْسُجُ مِنْها أَثْوابًا، وَلا تَكادُ تَنْتَهِي مِنْ نَسْجِ هذِهِ الأَثْوابِ حَتَّى تَذْهَبَ بِها إِلَى السُّوقِ لِتَبِيعَها فِيها، وَتَقْتاتَ بِثَمَنِها هِيَ وَابْنُها «يُوسُفُ» الصَّغِيرُ، الَّذِي كانَ يَعْمَلُ طُولَ يَوْمِهِ دائِبًا عَلَى كَنْسِ البَيْتِ، وَتَنْظِيفِ غُرَفِهِ، وَغَسْلِ أَرْضِهِ، وَطَبْخِ الطَّعامِ وَتَهْيئَتِهِ، وَتَعَهُّدِ الْحَدِيقَةِ.
فَإِذا انْتَهَى مِنْ أَداءِ هذا الْواجِبِ انْصَرَفَ إِلَى إِعْدادِ المائِدَةِ، وَإِلَى إِصْلاحِ ثِيابِهِ وَحِذائِهِ، وَثِيابِ أُمِّهِ وَحِذائِها، وَما إلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْمالِ الْبَيْتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَشْغَلُ وَقْتَهُ كُلَّهُ.
(?) فِي جِوارِ الْجَبَلِ

وَكانَتِ الدَّارُ — الَّتِي يَسْكُنانِهَا — مِلْكًا لَهُما؛ وَهِيَ دارٌ صَغِيرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ تُطِلُّ نَوافِذُها عَلَى جَبَلٍ عالٍ شَدِيدِ الارْتِفاعِ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَسَلَّقَ هذا الْجَبَلَ وَيَصْعَدَ إِلَى قِمَّتِهِ، لارْتِفاعِهِ، وَالْتِواءِ الطُّرُقِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ، وَكَثْرَةِ الْأَسْوارِ المُرْتَفِعَةِ والمُنْحَدَراتِ العَمِيقَةِ الَّتِي تَحُولُ دُونَ الوُصُولِ إلَيْهِ.
(?) مَرَضُ الْعَجُوزِ

وَكانَتِ الأَرْمَلَةُ وابْنُها «يُوسُفُ» يَقْضِيانِ — فِي هذا الْبَيْتِ الْمُنْفَرِدِ — حَياةً سَعِيدَةً.
وَقَدْ تَعَوَّدا هذِهِ الْمَعِيشَةَ وَارْتَضَياها واطْمَأَنَّا إِلَيْها، وَهَوَّنَ الصَّبْرُ عَلَيْهِما كُلَّ ما تَحَمَّلاهُ مِنْ مَتاعِبِهما، فَلَمْ يَعْرِفِ الحُزْنُ طَرِيقًا إِلَيْهِما.
وَفِي ذاتِ يَوْمٍ؛ مَرِضَتِ الْأَرْمَلَةُ الْعَجُوزُ، فَكانَ مَرَضُها سَبَبًا جَدِيدًا مِنْ أَسْبابِ التَّنْغِيصِ والكَدَرِ. وَلَمْ تَكُنِ الأُمُّ تَعْرِفُ طَبِيبًا.
وَلَوْ عَرَفَتِ الطَّبِيبَ لَما وَجَدَتْ فِي بَيْتِها شَيْئًا مِنَ الْمالِ، لِتَدْفَعَهُ أَجْرًا لَهُ عَلَى مُعالَجَتِها.
(?) حَيْرَةُ الْفَقِيرِ

واشْتَدَّ الْحُزْنُ بِوَلَدِها «يُوسُفَ» الْمِسْكِينِ، وَعَجَزَ عَنْ الاهْتِداءِ إِلَى وَسِيلَةٍ يَتَوَسَّلُ بِها إِلَى شِفائِها؛ فَضاقَتْ بِهِ الدُّنْيا، وَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، فَلمْ يَدْرِ ماذا يَصْنَعُ؟! وَلَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ — لِاُمِّهِ — غْيرَ الْعِنايَةِ بِأَمْرِها، والْقِيامِ عَلَى خِدْمَتها، والسَّهَرِ عَلَى راحَتِها، وَتَقْدِيمِ ما تَحْتاجُ إِلَيْهِ تِلْكَ المَرِيضَةُ مِنَ الْماءِ: الماءِ وَحْدَهُ؛ فَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ آخَرُ يُقَدِّمُهُ لَها.
أَمَّا هُوَ، فَلَمْ يَكُنْ يَتَناوَلُ مِنَ الْغِذاءِ إِلَّا كِسْرَةً مِنَ الْخُبْزِ اليابِسِ: الْخُبْزِ وَحْدَهُ بِغَيْرِ طَعامٍ.
وَقَدْ لازَمَ «يُوسُفُ» أُمَّهُ؛ فَلَمْ يُفارِقْها لَحْظَةً واحِدَةً.
وَكانَ — كَما حَدَّثْتُكَ — لا يَحْصُلُ عَلَى شَيْءٍ مِن الْقُوتِ أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الْكِسْرَةِ مِنَ الْخُبْزِ الْحافِّ.
وَكانَ «يُوسُفُ» شَدِيدَ الْحُنُوِّ عَلَى أُمِّهِ. فَلَمَّا رَأَى ما حَلَّ بِها مِنَ الْآلامِ، حَزِنَ وَبَكَى، مُشْفِقًا عَلَيْها، مُتَوَجِّعًا لَها — وَلَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ وَسِيلَةً لِشِفائِها مِنَ الْآلامِ الَّتِي نَزَلَتْ بِها — غَيْرَ الْأَمَلِ والرَّجاءِ، وَصادِقِ الدُّعاءِ.
واشْتَدَّتِ الْعِلَّةُ بِالْأَرْمَلَةِ الْعَجُوزِ، وَزادَ عَلَيْها الْأَلَمُ — يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ — حَتَّى أَضْعَفَ قُواها الْمَرَضُ، وَنَهِكَ جِسْمَها الدَّاءُ، فَعَجَزَتْ عَنِ الكَلامِ، كَما عَجَزَتْ عَنْ تَناوُلِ الطَّعامِ. وَبَلَغَ بِها الضَّعْفُ أَنْ عَجَزَتْ عَنْ شُرْبِ الْماءِ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْها النِّسْيانُ، فَلَمْ تَعُدْ تَذْكُرُ شَيْئًا.
وَلَعَلَّكَ تَدْهَشُ إِذا قُلْتُ لَكَ إِنَّ النِّسْيانَ قَدْ بَلَغَ بِها حَدًّا جَعَلَها تَنْسَى وَلَدَها «يُوسُفَ» الصَّغِير الْحَبِيبَ إِلَى نَفْسِها؛ فَلا تَعْرِفُهُ إِذا رَأَتْهُ، وَلا تَفْهَمُ مِنْهُ شَيْئًا إِذا حَدَّثَها، وَلا تَسْمَعُهُ إِذَا نَادَاهَا.
(?) الْجِنِّيَّةُ «وِدادُ»

فاشْتَدَّ الأَلَمُ بِوَلَدِها، ولازَمَ سَرِيرَها باكِيًا.
وَتَمَلَّكَتْهُ الْحَيْرَةُ، فَلَمْ يَجِدْ لَهُ مَخْرَجًا مِنْ ضِيقِهِ، فَهَتَفَ بِاسْمِ الْجِنِّيَّةِ الظَّرِيفَةِ «وِدادَ» — صارِخًا مُسْتَنْجِدًا بِها — لِتَكونَ لَهُ عَوْنًا فِي هذا الْمَأْزقِ الْحَرِجِ، وَتُيَسِّرَ لَهُ السَّبِيلَ لإِنْقاذِ أمِّهِ مِنْ تِلْكَ الْمَصائِبِ والْمِحَنِ الَّتِي أَلَمَّتْ بِها.
وَلَمْ يَكَد «يُوسُفُ» الصَّغِيرُ يَنْطِقُ بِاسْمِ صاحِبَتِهِ، حَتَّى سَمِعَ صَوْتًا لَطِيفًا يَقُول لَهُ مُتَوَدِّدًا مُتَعَجِّبًا: «لَبَّيْكَ يا صَدِيقِيَ الصَّغِيرَ. لَقَدْ نادَيْتَنِي، وَهأَنَذي قَدِ اسْتَمَعْتُ إِلى نِدائِكَ، واسْتَجَبْتُ لَكَ، فَخَبِّرْنِي: ماذا تُرِيدُ؟»
فَصاحَ بِها «يُوسُفُ» الصَّغِيرُ مُسْتَعْطِفًا مُتَوَسِّلًا: «لَقَدْ طالَما أَوْصاكِ بِي والِدِي خَيْرًا، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ. فَإِذا كُنْتِ أَنْتِ الْجِنِّيَّةَ «وِدادَ» الَّتِي طالَما حَدَّثَنِي عَنْها أَبِي، وَأَوْصانِي بِالِالْتِجاءِ إلَيْها؛ كُلَّما وَقَعْتُ فِي مَأْزقِ لا أَسْتَطِيعُ الْخَلاصَ مِنْهُ. فَأَسْرِعِي — مُتَفَضِّلَةً — بِإِنْقاذِ أُمِّي الْمُشْرِفَةِ عَلَى التَّلَفِ، فَإنَّها — إذا تَخَلَّيْتِ عَنْها — سَتَتْرُكُنِي وَحِيدًا فِي هذا الْعالَمِ.»
فنَظَرَتِ الْجِنِّيَّةُ — إِلَى «يُوسُفَ» الصَّغِيرِ — نَظْرَةَ إشْفاقٍ وَعَطْفٍ، ثُمَّ دَنَتْ مِنَ الأَرْمَلَةِ الْمِسْكِينَةِ — دُونَ أنْ تَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ واحدَةٍ — وانْحَنَتْ عَلَى الْعَجُوزِ تَفْحَصُ مَرَضَها فَحْصًا دَقِيقًا.
(?) نَصِيحَةُ الْجِنِّيَّةِ

فَلَمَّا عَرَفَتْ حَقِيقَةَ أَمْرِها، أَعْلَنَتْ عَجْزَها عَنْ شِفائِها، قائِلَةً: «لَيْسَ فِي مَقْدُورِي — يا بُنَيَّ — أنْ أَشْفِيَ أُمَّكَ الْمِسْكِينَةَ، وَلَيْسَ في الدُّنْيَا كُلِّها أَحَدٌ غَيْرُكَ يَسْتَطِيعُ إِنْقاذَها. فَأَنْتَ — وَحْدَكَ — الْقادِرُ عَلَى شفائِها مِنْ ذلِكَ الْمَرَضِ الْخَطِيرِ، إِذا كُنْتَ لا تَزالُ — كَما أَعْرِفُهُ فِيكَ، وَكَما حَدَّثَتْنِي أَخَواتِي مِنَ الجِنِّيَّاتِ، وَبَناتُ عَمَّاتِي مِنَ الْعِفْرِيتاتِ — شُجاعًا مِقْدامًا، لا تَهابُ السَّفَرَ، وَلا تَخْشَى الْعَقَباتِ، وَلا يَعْرِفُ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِكَ سَبِيلًا.»
فقالَ «يُوسُفُ»: «سَتَرَيْنَ — أَيَّتُها الْمُحْسِنَةُ الْكَرِيمَةُ — أَنَّنِي لَنْ أَدَّخِرَ وُسْعًا فِي سَبِيلِ إِنْقاذِ أُمِّي مِنَ الدَّاءِ، وَشِفائِها مِنَ المَرَضِ.»
فقالَتْ لَهُ الْجِنِّيَّةُ «وِدادُ»: «لا سَبِيلَ إِلَى شِفاءِ أُمِّكَ، إِلَّا إِذا أَحْضَرْتَ لَها شَيْئًا مِنْ نَباتِ الْحَياةِ.»
فَسَأَلَها «يُوسُفُ»: «وَأَيْنَ هذا النَّباتُ، يا سَيِّدَتِي؟»
فَقالَتْ: «إِنَّهُ يَنْبُتُ فِي أَعْلَى هذا الْجَبَلِ الَّذِي تُطِلُّ عَلَيْهِ — كُلَّ يَوْمٍ — مِنْ نافِذَةِ بَيْتِكَ وَمَتَى ظَفِرْتَ بِهذا النَّباتِ الشَّافِي، فَلَنْ يَبْقَى عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تَعْصِرَهُ، ثُمَّ تَسْكُبَ عَصِيرَهُ فِي فَمِ أُمِّكَ، فَتَعُودَ إِلَيْها الْحَياةُ مِنْ جَدِيدٍ، وَتُشْفَى مِنْ مَرَضِها عاجِلًا إِنْ شاءَ اللهُ.»
فقالَ «يُوسُفُ»: «شُكْرًا لَكِ، أَيَّتُها الْجِنِّيَّةُ الْكَرِيمَةُ. وَلَنْ أَتَوانَى عَنِ الذَّهابِ إِلَى «شَجَرَةِ الْحَياةِ» لأَحْصُلَ عَلَى نَباتِها فِي الْحالِ. وَلكِنْ خَبِّرِيني، يا سَيِّدَتِي «وِدادُ»: مَنْ ذا الَّذِي يُعْنَى بِأُمِّي أَثْناءِ سَفَرِي؟»
(?) «شَجَرَةُ الْحَياةِ»

وَما أَتَمَّ هذِهِ الْجُمْلَةَ حَتَّى دَمَعَتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ، وَجَعَل يَبْكِي، ثُمَّ قالَ: «إِنَّنِي أَخْشَى أَنْ تَمُوتَ أُمِّي وَتُفارِقَ الْحَياةَ قبْلَ أَنْ أَعُودَ إِليْها بِالدَّواءِ.»
فَقالَتْ لهُ الْجِنِّيَّةُ: «كُنْ مُطمَئِنًّا، أَيُّها الصَّغِيرُ الشَّفِيقُ. واعْلَمْ أَنَّكَ مَتَى ذَهَبْتَ إِلَى «شَجَرَةِ الْحَياةِ»؛ فَلَنْ تُصابَ أُمُّكَ بِسُوءٍ، وَلَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ في حاجَةٍ إِلَى شَيْءٍ، حَتَّى تَعُودَ إِلَيْها بِالدَّواءِ الشَّافِي. فاذْهَبْ مُطْمَئِنًّا إِلَى غايَتِكَ، وَسَتَبْقَى أُمُّكَ كَمَا هِيَ دُونَ أَنْ يُصِيبَها أَذًى حَتَّى تَعُودَ إلَيْها مِن رِحْلَتِكَ سالِمًا. أَمَّا أَنْتَ: فَإِنَّكَ سَتَلْقَى أَخْطارًا عَظِيمَةً، وَتَتَعَرَّضُ لِمَتاعِبَ جَمَّةٍ، قبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى «شَجَرَةِ الحَياةِ»، وَتَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نَباتِها العَجِيبِ. وَعَلَيْكَ — أَيُّها الشُّجاعُ الصَّغِيرُ — أَنْ تَعْتَصِمَ بِالصَّبْرِ والْعَزْمِ والثَّباتِ، حَتَّى تَظْفَرَ بِهذا النَّباتِ.»
(?) حارِسُ النَّباتِ

فَقالَ لَها «يُوسُفُ»: «سَأكُونُ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّكِ بِي، فَلا تَخافِي عَلَيَّ شَيْئًا؛ فَإِنِّي شُجاعٌ، وَلَن يَنْقُصَنِيَ الْإِقْدامُ، إِنْ شاءَ اللهُ. وَلَسْتُ أَطْلُبُ مِنْكِ إلَّا شَيْئًا واحِدًا.»
فَقالَتِ الْجِنِّيَّةُ: «لَبَّيْكَ، أَيُّها الشُّجاعُ. لَكَ ما تُرِيدُ.»
فَقالَ: «خَبِّرِينِي: كَيْفَ أَعْرِفُ هذِهِ الشَّجَرَةَ؟ وَكَيْفَ أَمْضِي نَحْوَها؟ وَفِي أَيِّ مَكانٍ مِنَ الْجَبَلِ أَهْتَدِي إِلَيْها؟»
فَقالَتِ الْجِنِّيَّةُ: «مَتَى وَصَلْتَ إلَى أَعْلَى الْجَبَلِ وَبَلَغْتَ الْقِمَّةَ، فَلَنْ يَصْعُبَ عَلَيْكَ الاهْتِداءُ إِلَيْها. وَلَيْسَ عَلَيْكَ — حِينَئِذٍ — إِلا أَنْ تُنادِيَ حارِسَ النَّباتِ. فَإِنَّكَ مَتَى نادَيْتَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِأَعْلَى صَوْتِكَ: «هَلُمَّ يا حارِسَ النَّباتِ»! فَلَنْ تُتِمَّ النِّداءَ حَتَّى يَظْهَرَ لَكَ فِي الْحالِ. فاطْلُبْ إِلَيْهِ — حِينَئِذٍ — شَيْئًا مِنْ نَباتِ الْحَياةِ.»
(??) وَداعُ الْجِنِّيَّةِ

فَشَكَرَ «يُوسُفُ» لِلْجِنِّيَّةِ «وِدادَ» نَصِيحَتَها وَإِرْشادَها.
ثُمَّ قَبَّلَ يَدَها، مُسْتَأْذِنًا فِي الرَّحِيلِ، بَعْدَ أَنْ قَبَّلَ يَدَ أُمِّهِ المَرِيضَةِ، وَتَرَكَهَا فِي جِوارِ الجِنِّيَّةِ الكَرِيمَةِ.
ثُمَّ وَضَعَ فِي جَيْبِهِ رَغِيفًا كامِلًا مِنَ الْخُبْزِ، لتكُونَ زادَهُ فِي رِحْلَتِهِ الْبَعِيدَةِ.
سارَ فِي طَرِيقِهِ، بَعْدَ أَن حَيَّا صاحِبَتَهُ «وِدادَ» — فِي احْتِرامٍ وَأَدَبٍ — تَحِيَّةَ الْوَداعِ.
فَشَيَّعَتْهُ الْجِنِّيَّةُ بابْتِسامَةِ إِعْجابٍ، وَقَدْ ظَهَرَ عَلَى مَلامِحِ وَجْهِها ما تُضْمِرُهُ مِنْ مَحَبَّةٍ، وَبَدا عَلَى أَسارِيرِها ما تُخْفِيهِ مِنْ وَفاءٍ وَعَطْفٍ لِذلِكَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ الشُّجاعِ، الَّذِي يَسْتَهِينُ بِالْمَتاعِبِ، وَلا يُبالِي ما يَلْقاهُ مِنَ الْمَصاعِبِ، ماضِيًا فِي طَريقٍ طالَما أَهْلَكَتْ مَنْ مَشَى فِيها، وَلَمْ يَظْفَرْ بِالنَّجاةِ أَحَدٌ منْ سالِكيها!
وَسارَ «يُوسُفُ» الصَّغِيرُ فِي طَريقِهِ إِلى الْجَبَلِ، وقَلبُهُ مَمْلُوءٌ ثِقَةً — بِالفَوْزِ والنَّجاحِ — وَإِيمانًا وَثباتًا واطْمِئْنانًّا.
وكانَ يَحْسَبُ الْجَبَلَ — وَهُوَ يَراهُ مِنْ نافِذَةِ بَيْتِهِ — قَرِيبًا مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ دَهِشَ حِينَ رَآهُ أَبْعَدَ مِمَّا يَظُنُّ.
لَقَدْ كانَ يَحْسَبُ أَنَّهُ سَيَصِلُ إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ قَبْلَ نِصْفِ ساعَةٍ.
وَلَكِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ سَهْلًا كَما تَخَيَّلَ؛ فَقَدْ مَشَى — طُولَ الْيَوْمِ — دُونَ أَنْ يَصِلَ إِلَى سَفْحِ الْجَبَلِ.
? الأرملة: المرأة التي مات زوجها. الفصل الثاني
النَّهْرُ الْمَسْحُورُ


(?) الْغُرابُ والشَّبَكَةُ

وَلَمَّا بَلَغَ ثُلُثَ الطَّرِيقِ، رَأَى غُرابًا وَقَعَ فِي حِبالَةٍ؛? وَقَدْ نَصَبَ لَهُ تِلْكَ الْحِبالَةَ غُلامٌ شَرِسٌ مِنَ الأَشْرارِ، فَلَمْ يَلْبَثِ الْغُرابُ أَنْ وَقَعَ فِيها أَسِيرًا. وَظَلَّ الْغُرابُ يُحاوِلُ التَّخَلُّصَ مِنَ الشَّرَكِ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الفَكاكِ مِنْهُ.
فَأَسْرَعَ «يُوسُفُ» إِلَى الْغُرابِ الْمِسْكِينِ، وَقَطَعَ الْخَيْطَ الَّذِي اشْتَبَكَتْ رِجْلُهُ فِيهِ؛ فَخَلَّصَهُ مِنْ إِسارِهِ، وَرَدَّ إِلَيْهِ حُرِّيَّتَهُ.
فَطارَ الْغُرابُ بِسُرْعَةٍ؛ بَعْدَ أَنْ قالَ لِـ«يُوسُفَ»: «أَشْكُرُ لَكَ الشُّكْرَ الْجَزِيلَ، يا سَيِّدِي يُوسُفَ». وَسَأَجْزِيكَ عَلَى مَعْرُوفِكَ خَيْرًا، إِنْ شاءَ اللهُ.»
فَدَهِشَ «يُوسُفُ» حِينَ سَمِعَ غُرابًا يَتَكَلَّمُ.
(?) الدِّيكُ والثَّعْلَبُ

وَلكِنَّهُ لَمْ يَكُفَّ عَن مُواصَلَةِ السَّيْر وَلَمْ يَتَوانَ عَنْ بُلُوغِ مَقْصِدِهِ.
وَبَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ، جَلَسَ يَسْتَرِيحُ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، وَكانَ الْجُوعُ قَدِ اشْتَدَّ بِهِ؛ فَراحَ يَأْكُلُ كِسْرَةً مِنَ الخُبْزِ الَّذِي أَحْضَرَهُ مَعَهُ.
فَرَأَى دِيكًا يَجْرِي وَثَعْلَبًا يَجْرِي خَلْفَهُ، وَيَتَتَبَّعُهُ.
وَقَدْ أَسْرَعَ الدِّيكُ — جُهْدَهُ — فِي الْفِرارِ، وَلكِنَّ الثَّعْلَبَ أَوْشَكَ أَنْ يُدْرِكَ الدِّيكَ وَيَفْتَرِسَهُ.
فَلَمَّا اقْتَرَبَ الدِّيكُ مِنْ «يُوسُفَ» أَسْرَعَ إِلَيْهِ صاحِبُنا، فَأَمْسَكَ بِهِ مُتَلَطِّفًا، وَأَخْفَاهُ تَحْتَ ثَوْبِهِ دُونَ أَنْ يَراهُ الثَّعْلَبُ.
وَلَمْ يَنْتَبِهِ الثَّعْلَبُ إِلَى ما حَدَثَ؛ فَظَلَّ يَجْرِي، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الدِّيكَ لا يَزالُ يَجْرِي أَمامَهُ.
أمَّا «يُوسُفُ» الشُّجاعُ الْكَرِيمُ النَّفْسِ، فَقَدْ وَقَفَ ساكِنًا، دُونَ أَنْ تَبْدُرَ مِنْهُ حَرَكَةٌ؛ حَتَّى لا يَفْطُنَ الثَّعْلَبُ إِلَى ما فَعَلَ.
وَما زالَ الثَّعْلَبُ يَجْرِي بأَقْصَى سُرْعتِهِ حَتَّى غابَ عَنْ ناظِرِهِ.
فَلَمَّا اطْمَأَنَّ «يُوسُفُ» إِلَى نَجاةِ الدِّيكِ، أَطْلَقَ سَراحَهُ وَتَرَكَهُ يَذْهَبُ إِلَى حَيْثُ يَشاءُ.
فَقالَ لَهُ الدِّيكُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: «لَكَ الشُّكْرُ كُلُّ الشُّكْرِ، يا سَيِّدِي «يُوسُفَ». وَسَأَجْزِيكَ قَرِيبًا عَلَى صَنِيعِكَ أَحْسَنَ الْجَزاءِ.»
(?) الضِّفدِعُ والثُّعْبانُ

واسْتَراحَ «يُوسُفُ» شَيْئًا، ثُمَّ هَبَّ واقِفًا واسْتَأْنَفَ سَيْرَهُ قاصِدًا إلى الْجَبَلِ.
وَبَعْدَ مَسافَةٍ طَوِيلَةٍ رَأَى ضِفْدِعًا مِسْكِينَةً يَجْرِي خَلْفَها ثُعْبانٌ، وَهُوَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَبْتَلِعَها.
وَرَأَى الضِّفْدِعَ خائِفَةً مُضْطَرِبَةً، وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْها الفَزَعُ والْخَوْفُ، فَعَجَزَتْ عَنِ الحَرَكَةِ.
فَلَمَّا رَأَى الثُّعْبانَ يُسْرِعَ إِلَى الضِّفْدِعِ — وَقَدْ فَتَحَ فَمَهُ لابْتِلاعِها — أسْرَعَ إِلَى حَجَرٍ فَرَماهُ بِهِ، بَعْدَ أَنْ سَدَّدَهُ تَسْدِيدًا مُحْكَمًا إِلَى فَمِ الثُّعْبانِ.
فَدَخَلَ الْحَجَرُ حَلْقَ الثُّعْبانِ وَخَنَقَهُ فِي الْحالِ، فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كادَ يَلْتَهِمُ فِيها الضِّفْدِعَ.
وابْتَهَجَتِ الضِّفْدِعُ بِنجاتِها مِنَ الْهَلاكِ، فَراحَتْ تَقْفِزُ، وَهِيَ فَرْحانَةٌ بِخَلاصِها مِنَ الهَلاكِ.
ثُمَّ قالَتْ لَهُ: «أَشْكُرَ لَكَ الشُّكْرَ الْجَزِيلَ، يا سَيِّدِي «يُوسُفَ». وَسَأَجْزِيكَ عَلَى صَنِيعِكَ الجَمِيلِ فِي الْقَرِيبِ الْعاجِلِ، إِنْ شاءَ اللهُ.»
وَلَمْ يَدْهَشْ «يُوسُفُ» حِينَ سَمِعَ كَلامَ الضِّفْدِعِ، فَقَدْ أَلِفَ ذلِكَ وَتَعَوَّدَهُ فِي هذِهِ الرِّحْلَةِ الْعَجِيبَةِ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ حَدِيثَ الغُرابِ والدِّيكِ مِنْ قَبْلُ.
(?) عَلَى شاطِئِ النَّهْرِ

ثُمَّ واصَلَ «يُوسُفُ» السَّيْرَ، فِي طَريقِهِ إِلَى غايَتِهِ الْعَظِيمَةِ … وَبَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ وَصَلَ إِلَى سَفْحِ الْجَبَلِ.
فَرَأَى نَهْرًا واسِعًا لا يَكادُ النَّظَرُ يَصِلُ إِلَى شاطِئِهِ الآخَرِ، وَهُوَ يَسِيلُ عِنْدَ سَفْحِ الْجَبَلِ.? فَوَقَفَ «يُوسُفُ» أَمامَ النَّهْرِ حائِرًا مُرْتَبِكًا، وَقالَ فِي نَفْسِهِ: «لَعَلِّي أصادِفُ قَنْطَرَةً أَوْ جِسْرًا أَوْ سَفِينَةً.»
ثُمَّ مَشَى عَلَى شاطِئِ النَّهْرِ، فَرَآهُ يُحِيطُ بِالْجَبَلِ كُلِّه، كَما يُحِيطُ الْخاتَمُ بِالإِصْبَع، أَوِ السِّوارُ بِالمِعْصَمِ، أَوِ الْعِقْدُ بِالرَّقَبَةِ، أَوِ الْخَلْخالُ بِالسَّاقِ.
وَأَطال تَأَمُّلَهُ فِي النَّهْرِ، فَرَآهُ — فِي كُلِّ مَكانٍ — شَدِيدَ الْعُمْقِ، عَظِيمَ الاتِّساعِ؛ وَلكِنَّهُ لَمْ يَرَ فِي أَيِّ ناحِيَةٍ مِنْ نَواحِيهِ جِسْرًا وَلا سَفِينَةً.
فَجَلَسَ «يُوسُفُ» الْمِسْكِينُ يَبْكِي عِنْدَ شاطِئِ النَّهْرِ، وَصاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «تَعَالَيْ إِلَيَّ، يا عَزِيزَتِي «وِدادُ». هَلُمِّي إِلَيَّ، أَيَّتُها الْجِنِّيَّةُ الْكَرِيمَةُ. أَقْبِلِي عَلَيَّ أَيَّتُها المُحْسِنَةُ الْمُتَفَضِّلَةُ، وَلا تَضَنِّي عَلَيَّ بِالْمَعُونَةِ. فَلَيْسَ يَنْفَعُنِي أَنْ تُخْبِرِينِي أَنَّ فِي قِمَّةِ الْجَبَلِ دَواءً شافِيًا يُنْقِذُ أُمِّيَ الْمِسْكِينَةَ، ما دُمْتُ لا أجدُ إِلَيْهِ سَبِيلًا.»
(?) عَلَى ظَهْرِ دِيكٍ

وَما إِنْ أَتَمَّ نِداءَهُ، حَتَّى ظَهَرَ أَمامَهُ — في هذِهِ اللَّحْظَةِ نَفْسِها، عَلَى شاطِئِ النَّهْرِ — الدِّيكُ الَّذِي أَنْقَذَهُ «يُوسُفُ» مِنَ الثَّعْلَبِ، وَقالَ لَهُ: «لَنْ تَسْتَطِيعَ صاحِبَتُكَ الْجِنِّيَّةُ «وِدادُ» أَنْ تَصْنَعَ لَكَ شيْئًا فِي هذا الْمَكانِ؛ لِأَنَّ الْجَبَلَ مَسْحُورٌ خارِجٌ عَنْ سُلْطانِها وَقُوَّتِها، بَعِيدٌ عَنْ نُفُوذِها وَقُدْرَتِها. وَلَقَدْ سَمِعْتُ اسْتِغاثَتَكَ فَأَسْرَعْتُ إِلَى نَجْدَتِكَ؛ لِأَنَّكَ أَنْقَذْتَ حَياتِي مِنَ التَّلَفِ؛ وَقَدْ جِئْتُ لأُثْبِتَ لَكَ اعْتِرافِي بِجَمِيلِكَ، وَشُكْرِي لِمَعْرُوفِكَ. فَهَلُمَّ فاصْعَدْ عَلَى ظَهْرِي. وَإِنِّي أُقْسِمُ لَكَ بِحَقِّ والِدَتِي الْعَزِيزَةِ، لأَبْلُغَنَّ بِكَ الشَّاطِئَ الآَخَرَ مِنَ النَّهْرِ سالِمًا.»

فَشَكَرَ لَهُ «يُوسُفُ»، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي الصُّعُودِ عَلَى ظَهْرِ الدِّيكِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَيَسْقُطُ فِي الْماءِ؛ وَلكِنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ آمِنًا مِنَ الْغَرَقِ، حِينَ اسْتَقَرَّ عَلَى ظَهْرِ الدِّيكِ.
وَعَرَفَ أَنَّ الدِّيكَ قَدْ أَحْكَمَ وَضْعَهُ بِمَهارَةٍ؛ حَتَّى أَصْبَحَ «يُوسُفُ» مُسْتَقِرًّا عَلَى ظَهْرِ الدِّيكِ، كَما يَسْتَقِرُّ الْفارِسُ عَلَى ظَهْرِ الْحِصانِ؛ بَلْ كانَ أَثْبَتَ مِنْهُ اسْتِقْرارًا، وَأَكْثَرَ مِنْهُ اطْمِئْنانًا.
وَقَدْ أَمْسَكَ «يُوسُفُ» بِعُرْفِ الدِّيكِ وَهُوَ يَعْبُرُ النَّهْرَ.
وَظَلَّ الدِّيكُ يَطيِرُ بِهِ، عائِمًا عَلَى سَطْحِ الْماءِ، عِشْرينَ يَوْمًا.
فَلَمَّا بَلَغَ الْيَوْمَ الْحادِي والْعِشْرِينَ، وَصَلَ إِلَى الشَّاطِئِ الْآخَرِ، دُونَ أَنْ يَبْتَلَّ ثَوْبُهُ بِقَطْرَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الْماءِ.
وَفِي خِلالِ هذِهِ الْأَيَّامِ، لَمْ يَشْعُرْ «يُوسُفُ» بِجُوعٍ وَلا ظَمَإٍ وَلا حاجَةٍ لِلرُّقادِ.
(?) جَفافُ النَّهْرِ

وَقَدْ شَكَرَ «يُوسُفُ» الدِّيكَ، حِينَ بَلَغَ الشَّاطِئَ الآخَرَ سالِمًا، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَحْسَنَ الثَّناءِ.
فَلَمْ يَقُلْ لَهُ الدِّيكُ شَيْئًا، وَنَفَشَ رِيشَهُ مَسْرُورًا مُبْتَهِجًا بِما أَدَّاهُ لِهذا الْمُحْسِنِ الصَّغِيرِ مِنْ جَمِيلٍ، جَزاءً لَهُ عَلَى مَعْرُوفِهِ السَّابِقِ، ثُمَّ حَيَّاهُ مُوَدِّعًا.
وَما زالَ الدِّيكُ يَمْشِي حَتَّى غابَ عَنْ ناظِرِهِ …
•••

وَتَلَفَّتَ «يُوسُفُ» حَوْلَهُ فَلَمْ يَجِدْ أَثَرًا لِلنَّهْرِ، فَقَدْ جَفَّ ماؤهُ، واخْتَفَى أَثَرُهُ فِي الْحالِ.
فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ، قالَ: «لا رَيْبَ عِنْدِي فِي أَنَّ جِنِّيَّ الْجَبَلِ هُوَ الَّذِي أَجْرَى هذا النَّهْرَ الْعَظِيمَ، لِيَحُولَ بَيْنِي وَبَيْنَ غايَتِي. فَلَمَّا رَأَى نَجاحِي فِي اجْتِيازِهِ، جَفَّفَ ماءَ النَّهْرِ وَأَعادَ الأَرْضَ كَما كانَتْ. فالْحَمْدُ للهِ عَلى ما هَيَّأَ مِنْ مَعُونَةٍ، وَيَسَّرَ مِنْ تَوْفِيقٍ.»
? الحبالة: المصيدة.? سفح الجبل: أسفله. الفصل الثالث
شَيْخُ الْجَبَل


(?) الْعَزِيمَةُ الصَّادِقَةُ

وَسارَ «يُوسُفُ» زَمَنًا طَوِيلًا، فَقَطَعَ فِي سَيْرِهِ مَسافاتٍ طَوِيلَةً شَاسِعَةً.
وَلَكِنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ — بَعْدَ أَيَّامٍ — لا يَزالُ بَعِيدًا عَنْ بُلُوغِ مَأْرَبِهِ، وَلا تَزَالُ الْمَسافَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ، بَلْ ظَلَّتْ كَما كانَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْبُرَ النَّهْرَ عَلَى ظَهْرِ الدِّيكِ!
وَلَوْ حَدَثَتْ هذِهِ المُفاجَأَةُ لِغَيْرِ هذا الطِّفْلِ الصَّابِرِ الشُّجاعِ، لارْتَبَكَ ارْتِباكًا شَدِيدًا، وَدبَّ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِهِ، فَعادَ مِنْ حَيْثُ أَتَى.
وَلكِنَّ «يُوسُفَ» — بَطَلَ هذِهِ الْقِصَّةِ — كانَ مِثالًا لِلْمُثابَرَةِ والْعَزِيمَةِ الصَّادِقَةِ، الَّتِي لا تَنْثَنِي عَنْ مَطْلَبِها النَّبِيلِ، وَلا تَتَرَدَّدُ وَلا تَضْعُفُ أَمام عَقَبَةٍ، وَلا تَرْجِعُ خائِبَةً، مَهْما تَلْقَ مِنْ مَتاعِبَ وَأَهْوالٍ.
(?) الْيَوْمُ الْحادِي والْعِشْرُونَ

لَقَدْ مَشى واحدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا كامِلَةً، جادًّا في سَيْرِهِ …
ثُمَّ رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَى الأَمامِ شَيْئًا، وَلَمْ يَقْتَرِبْ مِنْ غايَتهِ خُطْوَةً واحِدَةً.
فَهَلْ وَجَدَ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلًا؟
كَلَّا، بَلْ ظَلَّ كَما كانَ ثابِتًا لا يَتَزَعْزَعُ.
•••

لَقَدْ كانَ «يُوسُفُ» — فِي الْيَوْمِ الْحَادِي والْعِشْرِينَ — أَثْبَتَ عَزْمًا وَأَصْدَقَ رَجاءً مِمَّا كانَ فِي يَوْمِ سَفَرِهِ الأَوَّلِ، وَأَقْوَى عَلَى مُواجهَةِ الشَّدائِدِ وَمُغالَبَةِ الْحَوادِثِ.
فَقالَ فِي نَفْسِهِ: «واللهِ لَوْ سِرْتُ مِائَةَ سَنَةٍ، دُون أَنْ أَبْلُغَ ما أُرِيدُ، لَن يَمْنَعَنِي ذَلِكَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى القِمَّةِ. وَلَنْ يَخْذُلَ اللهُ — سُبْحانَهُ — مَنْ صَمَّمَ عَلَى بُلُوغِ مَقْصِدٍ نَبِيلٍ.»
(?) الشَّيْخُ الْقَزَمُ

وَما إِنْ أَتَمَّ «يُوسُفُ» هذِهِ الْجُمْلَةَ، حَتَّى ظَهَر أَمامَهُ أَحَدُ الأَقْزامِ.? وَكانَ ذلِكَ القَزَمُ شَيْخًا كَبِيرًا طاعِنًا فِي السِّنِّ. وَما رَآهُ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ فِي خُبْثٍ وَمَكْرٍ.
ثُمَّ قالَ: «أَراكَ لا تَزالُ تَطْمَعُ فِي الوُصُولِ إِلَى غايَتِكَ الْبَعِيدَةِ التَّحْقِيقِ، غَيْرَ يائِسٍ مِنَ الظَّفَرِ بِها، بَعْدَ أَنْ لَقِيتَ فِي سَبِيلها أكْبَرَ الْمَتاعِبِ، وَأَشَدَّ الْعَقَباتِ، وَإِلَّا فَما بالُكَ تَرْنُو بِبَصَرِكَ إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ؟»
فَقالَ لَهُ «يُوسُفُ»: «الآنَ عَرَفْتَ — يا سَيِّدِي الشَّيْخَ — حَقِيقَةَ ما أَسْعَى إِلَيْهِ.»
فَقالَ الشَّيْخُ الْقَزَمُ: «لا شَكَّ فِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْوُصُولَ إِلَى «شَجَرَةِ الْحَياةِ»، لِتَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نَباتِها الْعَجِيبِ.»
فقالَ لَهُ «يُوسُفُ»: «نَعَمْ. فَإِنَّ فِيهِ وَحْدَهُ شِفاءَ والِدَتِي الْمَرِيضَةِ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ.»
(?) مَطْلَبٌ عَسِيرٌ

فَهَزَّ الْقَزَمُ رَأْسَهُ، ثُمَّ وَضَعَ لِحْيَتَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى قَبْضَةِ عَصاهُ الذَّهَبِيَّةِ، وَأَطالَ تَأَمُّلَهُ فِي طِفلِنا الصَّغِيرِ «يُوسُفَ».
ثُمَّ قالَ: «شَدَّ ما تُعْجِبُنِي — يا وَلَدِي — وَداعَتُكَ الظَّاهِرَةُ عَلَى وَجْهِكَ، وَعَزِيمَتُكَ المُرْتَسِمَةُ عَلَى مُحَيَّاكَ. فاعْلَمْ أَنَّنِي جِنِّيُّ هذا الْجَبَلِ وَحارِسُهُ الأَمِينُ. وَقَدْ سَرَّنِي كَمالُ أَدَبِكَ وَصِدْقُ عَزِيمَتِكَ كَما أَعْجَبَنِي شَرِيفُ مَقْصِدِكَ، وَنُبْلُ غايَتِكَ. وَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي الذَّهابِ إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ وَلَنْ أَعْتَرِضَ سَبِيلَكَ، وَلَنْ أَقِفَ فِي طَرِيقِكَ مَتَى حَقَّقْتَ لِي شَيْئًا واحِدًا.»
فَقالَ لَهُ «يُوسُفُ»: «لَبَّيْكَ — يا سَيِّدِي الشَّيْخَ — فاطْلُبْ ما تَشاءُ، وَمُرْ بِما تُرِيدُ.»

فَقالَ شَيْخُ الْجَبَلِ: «لَسْتُ أُرِيدُ مِنْكَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَحْصُدَ ما يَحْتَوِيهِ حَقْلِي هذا مِنْ قَمْحٍ. ثُمَّ تُغَرْبِلَهُ وَتَطْحَنَهُ، بَعْدَ أَنْ تَذْرُوَهُ، أَعْنِي بَعْدَ أَنْ تُنَقِّيَهُ فِي الرِّيحِ. وَمَتَى أَتْمَمْتَ ذلِكَ كُلَّهُ، فَلَنْ يَبْقَى عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تَخْبِزَهُ. هذا هُوَ كُلُّ ما أُرِيدُ. فإِذا حَقَّقْتَهُ لِي، فَنادِنِي باسْمِي، أَحْضُرْ إِلَيْكَ فِي الْحالِ. وَسَتَرَى الْآنِيَةَ والْمُعِدَّاتِ كُلَّها إِلَى يَمِينِكَ فِي هذِهِ الْحُفْرَةِ الكَبِيرَةِ.»
•••

وَلَمْ يَكَدْ يُتِمُّ حَدِيثَهُ حَتَّى غابَ عَنْ ناظِرَيْهِ.
(?) تَهْيِئَةُ الْخُبْزِ

وَنَظَرَ «يُوسُفُ» إِلَى حُقُولِ الْقَمْحِ الْفَسِيحَةِ، فَرَآها تُغَطِّي سَفْحَ الْجَبَلِ كُلَّهُ.
وَكانَ فِي بَعْضِ هذا ما يُدْخِلُ الْيَأْسَ إِلَى قَلْبِ أَشَدِّ المُؤْمِنِينَ ثَباتًا، وَأَقْواهُمْ عَزِيمَةً.
وَلكِنْ سُرْعانَ ما تَغَلَّبَ «يُوسُفُ» الشُّجاعُ عَلَى اليَأْسِ؛ فَخَفَّفَ مِنْ ثِيابِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنَ الحُفْرَةِ مِنْجَلًا.
وَظَلَّ يَقْطَعُ سَنابِلَ الْقَمْحِ بِعَزِيمَةٍ ثابتَةٍ، وَيُواصِلُ عَمَلَهُ الْمُضْنِيَ — لَيْلَ نَهارٍ — مائَةً وَخَمْسَةً وَتِسْعِينَ يَوْمًا.
وَلَمَّا قَطَعَ سَنابِلَ الْقَمْحِ كُلَّها، بَذَلَ جُهْدَهُ فِي دَرْسِها وَتَذْرِيَتِها.
وَقَدِ اسْتَغْرَقَ مِنْهُ ذلِكَ سِتِّينَ يَوْمًا كامِلَةً.
وَلَمَّا انْتَهَى مِنْهُ، راحَ يَطْحَنُ الْقَمْحَ فِي طاحُونَةِ شَيْخِ الْجَبَلِ؛ وَهِيَ مُقامَةٌ عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْ حُقُولِ القَمْحِ. وَظَلَّ يَطحَنُ تِسْعِينَ يَوْمًا كامِلَةً!
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى عَجْنِ الدَّقِيقِ وَخَبْزِهِ، فَقَضَى فِي هذا العَمَلِ مائَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَيْضًا. وَلَمَّا نَضِجَ الخُبْزُ، وَضَعَهُ بِنِظامٍ عَلَى رُفُوفٍ أَشْبَهَ بِرُفُوفِ الكُتُبِ.
•••

وَلَمَّا أَتَمَّ ذلِكَ كُلَّهُ، شَعَرَ بِسُرُورٍ لا يَعْرِفُهُ إِلَّا كُلُّ مَنْ نَجَحَ فِي أَداءِ واجِبِهِ.
ثُمَّ نادَى جِنِّيَّ الْجَبَلِ. وَما أَتَمَّ نِداءَهُ، حَتَّى ظَهَرَ الْقَزَمُ أَمامَهُ.
وَأَقْبَلَ شَيْخُ الْجَبَلِ عَلَى الخُبْزِ يَعُدُّهُ، فَإِذا هُوَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَثَلاثُمائَةِ رَغِيفٍ، وَثَمانِيَةٌ وَسِتُّونَ أَلْفًا وَأَرْبَعُمائَةِ أَلْفِ رَغِيفٍ.
(?) الْعُلْبَةُ الصَّغِيرَةُ

وَأَرادَ الشَّيْخُ أَنْ يَتَذَوَّقَ الْخُبْزَ، لِيَتَبَيَّنَ نَجاحَ «يُوسُفَ» فِيما عَهِدَ إِلَيهِ؛ فالْتَهَمَ الرَّغِيفَ الأَوَّلَ والرَّغِيفَ الْأَخِيرَ، فَوَجَدَهُما عَلَى ما يَشْتَهِي وَيُرِيدُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَدِّهِ مَرَّةً، ثُمَّ عَلَى ذَقْنِهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ وَلَبِثَ وَقْتًا قَصِيرًا فِي تَفْكِيرٍ عَمِيق.
•••

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الطِّفْلِ، قائِلًا: «لا شَكَّ فِي أَنَّكَ وَلَدٌ كَرِيمُ النَّفْسِ، عَظِيمُ الْهِمَّةِ، ثابِتُ الْعَزِيمَةِ. وَإِنِّي مُكافِئُكَ — عَلَى جِدِّكَ — بِهذِهِ العُلْبَةِ الثَّمِينَةِ.»
•••

ثُمَّ أَخْرَجَ الْجِنِّيُّ مِن جَيْبِهِ عُلْبَةً صَغِيرَةً مَصْنُوعَةً مِنَ الخَشَبِ، هِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِعُلْبَةِ السَّعُوطِ? شَكْلًا وَحَجْمًا. ثُمَّ أَعْطاهُ الْجِنِّيُّ تِلْكَ الْعُلْبَةَ، وَقالَ لَهُ مُبْتَسِمًا: «اِفْتَحْ هذِهِ العُلْبَةَ الصَّغِيرَةَ، مَتَى رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِكَ، فَإِنَّكَ واجِدٌ فِيها ما لَمْ تَرَهُ فِي حَياتِكَ.»
(?) وَداعُ الشَّيْخِ

وَلَمْ يَشَأْ «يُوسُفُ» أَنْ يُظْهِرَ — لِشَيْخِ الْجَبَلِ — احْتِقارَهُ لِهَدِيَّتِهِ التَّفِهَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كافَأَهُ بِها؛ لِأَنَّ «يُوسُفَ» كانَ مُؤَدَّبًا لَطِيفًا.
فَلا عَجَبَ إِذَا كَتَمَ سُخْطَهُ، وَكَظَمَ غَيْظَهُ وَأَخْفَى عَنْهُ أَلَمَهُ فِي نَفْسِهِ، وَأَظْهَرَ ارْتِياحَهُ إِلَى هَدِيَّتِهِ، وأَعْلَنَ لَهُ شُكْرَهُ عَلَيْها.
فَحَيَّاهُ شَيْخُ الْجَبَلِ، ثُمَّ تَرَكَهُ بَعْدَ أَنْ قَهْقَهَ ضاحِكًا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ الطِّفْلُ سَبَبًا لِهذِهِ الضَّحْكَةِ العالِيَةِ.
وَلَمْ تَنْقَضِ لَحْظَةٌ واحِدَةٌ حَتَّى غابَ عَنْ ناظِرَيْهِ.
? القزم: القصير جدًّا.? السعوط: التبغ المسحوق. الفصل الرابع
حَدائِقُ الْجِنِّيِّ


(?) الْجِدارُ الْعالِي

واسْتَأْنَفَ «يُوسُفُ» سَيْرَهُ، وَقَدْ رَأَى الْحَظَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ وَيُواتِيهِ، والسَّعادَةَ تَقْتَرِبُ مِنْهُ وَتُوافِيهِ. وَلا عَجَبَ فِي ذلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يَمْشِيها سَتُقَرِّبُهُ مِنَ الجَبَلِ وَتُدْنِيهِ.
وَفِي مَدَى ثَلاثِ ساعاتٍ كانَ قَدِ اجْتازَ ثُلُثَيِ الطَّرِيقِ؛ وَلكِنَّه وَجَدَ أَمامَهُ جِدارًا عالِيًا عَظِيمَ الارْتِفاعِ. وَعَجِبَ كَيْفَ ظَهَرَ أَمامَهُ ذلِكَ الْجِدارُ فَجْأَةً، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ رَآهُ مِنْ قَبْلُ.
وَمَشَى فِي امْتِدادِ الْجِدارِ لِيَبْلُغَ نِهايَتَه؛ وَلكِنَّهُ فَزِعَ حِينَ رَأَى أَنَّهُ — بَعْدَ أَنْ سارَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ — انْتَهَى إِلَى دَرَجاتِ سُلَّمٍ تُحِيطُ بِالْجَبَلِ خَلْفَ هذا الْجِدارِ الْعالِي، دُونَ أَنْ يَهْتَدِيَ إِلَى بابٍ يَدْخُلُ مِنْه، أَوْ ثُغْرَةٍ يَنْفُذُ مِنْها إِلَى السُّلَّمِ.
فَجَلَسَ «يُوسُفُ» عَلَى الأَرْضِ، وَظَلَّ يُسائِلُ نَفْسَهُ مُتَحَيِّرًا، وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ فِي التَّفْكِيرِ.
«تُرَى ماذا أَصْنَعُ؟»
ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى الانْتِظارِ. فَمَكَثَ — عَلَى هذِهِ الحالِ — خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا.
(?) حارِسُ الْجِدارِ

وَكانَ هذا الانْتِظارُ كَفِيلًا بِأَنْ يُدْخِلَ الْيَأْسَ إِلَى قَلْبِ أَشَدِّ النَّاسِ ثَباتًا وَأَقْواهُمْ عَزِيمَةً.
وَلكِنَّ «يُوسُفَ» كانَ لا يُبالِي الْعَقَباتِ وَلا يَجِدُ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِهِ الكَبِيرِ مَنْفَذًا.
فَقالَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِي ثَباتٍ وَإصْرارٍ: «كَلَّا. لَنْ أَرْضَى بِالْهَزِيمَةِ، وَلَنْ أَعُودَ خائِبًا. كَلَّا، وَلَنْ أَتَحَرَّكَ مِنْ هُنا، وَلَنْ أَتْرُكَ هذا الْمَكانَ، وَلَوْ بَقِيتُ فِيهِ مِائَةَ عامٍ.»
•••

وَما نَطَقَ بِهذِهِ الكَلِماتِ حَتَّى سَقَطَ جانِبٌ مِنَ الجِدارِ، وَظَهَرَتْ ثُغْرَةٌ مُرَبَّعَةٌ.
فَدَهِشَ «يُوسُفُ» مِنْ هذِهِ المُفاجَأَةِ.

ثُمَّ زادَتْ دَهْشَتُهُ حِينَ رَأَى جِنِّيًّا يَقْتَرِب مِنْهُ خارِجًا مِنْ تِلْكَ الثُّغْرَةِ؛ وَفِي يَدِهِ عَصًا غَلِيظَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: «كَيْفَ جِئْتَ إِلَى هنا، يا وَلَدِي! وَلِماذَا قَدِمْتَ؟ وَما بالُكَ لا تَعُودُ مِنْ حَيْثُ أَتَيْتَ؟ أَجِبْنِي أَيُّها الرَّائِدُ الْجَرِيءُ. كَيْفَ جَرُؤْتَ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْ حائِطِي؟ وَعَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْحَثُ؟»
فَقالَ لَهُ «يُوسُفُ»: «عَنْ نَباتِ الْحَياةِ — أَيُّها الْجِنِّيُّ — أَبْحَثُ. فَهَلْ أَطْمَعُ فِي مَعُونَتِكَ، أَيُّها السَّيِّدُ الْكَرِيمُ؟»
فَقالَ الجِنِّيُّ: «هذا مَطْلَبٌ عَسِيرٌ، بَلْ مُسْتَحِيلٌ؛ فماذا دَعاكَ إِلَى المُخاطَرَةِ بِنَفْسِكَ فِي هذِهِ المُهْلِكاتِ؟»
فَقالَ لَهُ «يُوسُفُ»: «إِنَّ أُمِّي مَرِيضَةٌ، يا سَيِّدِي. وَقَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ، وَلا شافِيَ لَها إلَّا نَباتُ الْحَياةِ، وَقدْ تَرَكْتُها وَهِيَ مُشْرِفَةٌ عَلَى المَوْتِ، وَلَنْ أَدَّخِرَ وُسْعًا فِي سَبِيلِ الحُصُولِ عَلَى هذا الدَّواءِ، كَلَّفَنِي ذلِكَ ما كَلَّفَنِي. فَإِذا يَسَّرْتَ لِي أَنْ أَنْفُذَ مِنْ هذا الْجِدارِ، فَإِنِّي رَهْنُ إشارَتِكَ وَطَوْعُ أَمْرِكَ، وَلَنْ أَتَأَخَّرَ فِي إنْجازِ كُلِّ ما تَعْهَدُ بِهِ إِلَيَّ مِنْ عَمَلٍ.»
(?) شَرابُ الْعِنَبِ

فَقالَ الْجِنِّيُّ: «أَحَقًّا ما تَقُولُ؟! لَقَدْ أَعْجَبَنِي ما يَبْدُو عَلَى مَظْهَرِكَ مِنْ وَداعَةٍ وَعَزْمٍ وَثَباتٍ. وَلَعَلَّكَ لا تَعْرِفُ مَنْ أَنا؟ فاعْلَمُ — إِنْ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ — أَنَّنِي حارِسُ الْجِدارِ، وَأَمِيرُ سُكَّانِ هذِهِ المِنْطَقَةِ بِكُلِّ مَنْ تَحْوِيهِ مِنْ ساداتِ الْجِنِّ. عَلَى أَنَّنِي لَنْ أُسَهِّلَ لَكَ اجْتِيازَ الْجِدارِ. وَلَن أُمَكِّنَكَ مِن تَخَطِّي الْحائِطِ، إِلَّا إِذا مَلأْتَ كُهُوفِي كُلَّها بِشَرابِ الْعِنَبِ. وَها هِيَ ذِي كُرُومِي أَمامَكَ. فاقْطِفْ ما تَحْوِيهِ مِن عِنَبٍ، واصْنَعْ لِي مِنْهُ شَرَابًا لَذِيذًا، ثُمَّ ضَعِ الشَّرابَ فِي هذِهِ الْبَرامِيلِ. وَمَتَى أَنْجَزتَ هذا الْمُهِمَّ، فَلا أَجِدْكَ مُقَصِّرًا أَوْ مُتَوانِيًا فِي نَقْلِ الْبَرامِيلِ — بَعْدَ ذلِكَ — إِلَى كُهُوفِي الْأَرْضِيَّةِ، بِرْمِيلًا إِلَى جانِبِ بِرْمِيلٍ، فِي صُفُوفٍ مُتَوازِيَةٍ. وَسَتَجِدُ عَلَى مَسافَةِ مِائَةِ خُطْوَةٍ — مِن هذا الْجِدارِ العالِي — كُلَّ ما تَحْتاجُ إِلَيْهِ مِنَ المُعِدَّاتِ. فَإِذا حَقَّقْتَ لِي هذا الْمَطْلَبَ نادَيْتَنِي؛ فَإِنِّي مِنْكَ قَرِيبٌ، وَلِرَجائِكَ مُجِيبٌ.»
وَلَمْ يُتِمَّ الْجِنِّيُّ قَوْلَتَهُ حَتَّى اسْتَخْفَى فِي الْحالِ، وَسُدَّتِ الثُّغْرَةُ خَلْفَهُ، وَعادَ الْجدارُ كَما كان!
(?) كَرْمَةُ الْجِنِّيِّ

وَنَظَرَ «يُوسُفُ» حَوْلَهُ، فَرَأَى كَرْمَةَ الْجِنِّيِّ الْفَسِيحَةَ؛ وَهِيَ حَدائِقُ واسِعَةٌ، يَقْصُرُ عَنْ بُلوغِ نِهايَتِها النَّظَرُ؛ فَقالَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ: «لَقَدْ جَمَعْتُ الْقَمْحَ مِنْ حُقُولِ الشَّيْخِ الْقَزَمِ، وَيَسَّرَ اللهُ لِي ذلِكَ عَلَى صُعُوبَتِهِ. وَلَنْ يُعْجِزَنِي — إِنْ شاءَ اللهُ — أَنْ أَقْطِفَ كُرُومَ هذِهِ الْحَدَائِقِ، وَأُنْجِزَ ما طَلَبَهُ الْجِنِّيُّ. وَأَغْلَبُ ظَنِّي أَنَّ هذا المُهِمَّ لَنْ يَسْتَغْرِقَ زَمَنًا طَوِيلًا، وَلَنْ يُحْوِجَنِي إِلَى بَذْلِ جُهْدٍ أَكْبَرَ مِمَّا بَذَلَتُ. وَلَنْ أَلْقَى مِنَ التَّعَبِ فِي عَصْرِ الْعِنَبِ أَكْثَرَ مِمَّا لَقِيتُ فِي جَمْعِ الْقَمْحِ، وَتَذْرِيَتِهِ وَطَحْنِهِ وَخَبْزِهِ.»
(?) عَزِيمَةُ الأَبْطالِ

ثُمَّ خَفَّفَ «يُوسُفُ» مِنْ ثِيابِهِ، وَأَمْسَكَ بِمِنْجَلٍ صَغِيرٍ، وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ فِي نَشاطٍ واجْتِهادٍ، دُونَ أَنْ يُضِيعَ مِنْ وَقْتِهِ شَيْئًا. وَأَسْرَعَ إِلَى كُرُومِ الْعِنَبِ، يَقْطَعُ العَناقِيدَ مِنْ غُصُونِهَا، ثُمَّ يَضَعُها فِي طُشُوتٍ كَبِيرَةٍ.
وَظَلَّ دائِبًا عَلَى ذلِكَ، مُسْتَهِينًا بِكُلِّ ما يَلْقاهُ مِنْ عَناءٍ وَجَهْدٍ، ثَلاثيِنَ يَوْمًا كامِلَةً. وَلَمَّا انْتَهَى مِنْ ذلِكَ، راحَ يَعْصِرُ الْعِنَبَ، ثُمَّ يُغْلِي عَصِيرَهُ، وَيَضَعُهُ فِي الْبَرامِيلِ، بَعْدَ أَنْ يُصْبِحَ شَرابًا سائِغًا لَذَّةً لِلشَّارِبِينَ، ثُمَّ يَنْقُلُ البَرامِيلَ إِلَى كُهُوفِ الْجِنِّيِّ الْواسِعَةِ.
وَقدِ اسْتَغْرَقَ مِنْهُ ذلِكَ تِسْعِينَ يَوْمًا كامِلَةً.
(?) زَهْرَةُ الشَّوْكِ

وَلَمَّا أَتَمَّ واجِبَهُ نادَى الْجِنِّيَّ، فَظَهَرَ أَمامَهُ فِي الحالِ.
ثُمَّ راحَ الْجِنِّيُّ يَتَفَحَّصُ الْبَرامِيلَ، وَيَتَذَوَّقُ ما فِيها مِنْ شَرابِ الْعنَبِ — بِرْمِيلًا بَعْدَ بِرْمِيلٍ — حَتَّى اطْمَأَنَّ إِلَى نَجاحِ «يُوسُفَ».
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْجِنِّيُّ، مُهَنِّئًا إِيَّاهُ بِما وُفِّقَ إِلَيْهِ مِنْ فَوْزٍ باهِرٍ وَنَجاحٍ نادِرٍ.
ثُمَّ قالَ: «يا لَكَ مِنْ مُثابِرٍ صابِرٍ، أَيُّها الرَّجُلُ الصَّغِيرُ الشَّهْمُ. أَلَا لا بُدَّ مِنْ مُكافَأتِكَ عَلَى ما بَذَلْتَ مِنْ جَهْدٍ، لِتُؤْمِنَ أَنَّ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ نَصِيبًا. فَما أَرْضَى لِنَفْسِي أَنْ يُقالَ عَنِّي: إِنَّ أَحَدًا — كائِنًا مَنْ كانَ — بَذَلَ فِي سَبِيلي جُهْدًا — قَلَّ أَوْ عَظُمَ — دُونَ أَنْ أَجْزِيَهُ عَلَيْهِ أَجْرًا.»
ثُمَّ أَخْرَجَ الْجِنِّيُّ مِنْ جَيْبِهِ «زَهْرَةَ الشَّوكِ»، وَأَعْطاهُ إِيَّاها؛ مُكافَأَةً لَهُ عَلَى ما بَذَلَ فِي سَبِيلِهِ — مِنْ جُهْدٍ.
ثُمَّ قالَ لَهُ الْجِنِّيُّ: «مَتَى رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِكَ واحْتَجْتَ إِلَى شَيْءٍ، فَنَمَّ هذِهِ الزَّهْرَةَ، وَتَمَنَّ ما شِئْتَ. فَإِنَّكَ واجِدٌ فِيهَا قَضاءَ حاجَتِكَ، وَبالِغٌ بِها كُلَّ أُمْنِيَّتِكَ.»
فَدَهِشَ «يُوسُفُ» حِينَ رَأَى حَقارَةَ الْهَدِيَّةِ!
وَلَكِنَّ أَدَبَهُ وَحَياءَهُ أَبَيا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَرِضَ، وَمَنَعاهُ أَنْ يُحَقِّرَ مِنْ شَأْنِ الْهَدِيَّةِ؛ فَلَمْ يَسَعْهُ إِلَّا أَنْ يَشْكُرَ لِلْجِنِّيِّ هَدِيَّتَهُ.
فابْتَسَمَ لَهُ الْجِنِّيُّ شاكِرًا لَهُ تَحِيَّتَهُ وَمَوَدَّتَهُ.
•••

وَلَمْ تَمْضِ عَلَى ذلِكَ لَحْظَةٌ واحِدَةٌ، حَتَّى صَفَّرَ الْجِنِّيُّ؛ فارْتَجَّ مِنْ صَفِيرِهِ الْجَبَلُ.
ثُمَّ اخْتَفَى الْجِنِّيُّ وَحائِطُهُ عَنْ ناظِرِهِ فِي الْحالِ.
وانْفَسَحَتِ الطَّرِيقُ أَمامَ «يُوسُفَ»، فَراحَ يُواصِلُ سَيْرَهُ؛ قاصِدًا غايَتَهُ، مُسْتَمِدًّا مِنَ اللهِ عَوْنَهُ وَرعايَتَهُ.
الفصل الخامس
عُبُورُ الْهاوِيَةِ


(?) عَلَى حافَةِ الْهاوِيَةِ

أَمَّا «يُوسُفُ» فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ — لِبُلوغِ الْقِمَّةِ بَعْدَ ذلِكَ — إِلَّا مَسافَةٌ قَلِيلَةٌ، لا تَزِيدُ عَلَى نِصْفِ السَّاعَةِ. وَقَدْ فَرِحَ وابْتَهَجَ حِينَ رَأَى سَعْيَهُ عَلَى وَشْكِ أَنْ يُكَلَّلَ بِالنَّجاحِ.
وَلكِنَّ سُرُورَهُ لَمْ يَطُلْ، فَقَدِ اعْتَرَضَتْهُ — فِي طَرِيقِهِ إِلَى غايَتِهِ — هاوِيَةٌ عَمِيقَةٌ.
وَكانَتِ الْهاوِيَةُ — إِلَى عُمْقِها — واسِعَةً فَسِيحَةً يَسْتَحِيلُ عَلَى كائِنٍ كانَ أَنْ يَعْبُرَها قَفْزًا أَوْ يَجْتازَها وَثْبًا.
فَوَقَفَ «يُوسُفُ» عَلَى حافَةِ الْهاوِيَةِ، وَأَطَلَّ عَلَيْها، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُبْصِرَ الْقاعَ لِعُمْقِها.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ «يُوسُفُ» عَلَى جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الشَّجاعَةِ، لَدَبَّ إِلَى قَلْبِهِ الْيَأْسُ فَعادَ مِنْ حَيْثُ أَتَى.
وَلكِنَّ «يُوسُفَ» كانَ — كَما حَدَّثْتُكَ — أَقْوَى عَزِيمَةً، وَأَثْبَتَ قَلْبًا؛ مِنْ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْيَأْسُ لحْظَةً واحِدَةً!!
(?) حَيْرَةُ «يُوسُفَ»

وَقَدْ أَعمَلَ فِكْرَهُ لِتَذْلِيلِ هذِهِ العَقَبَةِ، فَمَشَى بِالْقُرْبِ مِنْ حافَةِ الْهاوِيَةِ، لَعَلَّهُ يَهْتَدِي إِلَى جِسْرٍ يَعْبُرُهُ إِلَى غايَتِهِ.
وَظَلَّ يُواصِلُ سَيْرَهُ أَيَّامًا. ثُمَّ انْتَهَى بِهِ السَّيْرُ إِلَى الْمَكانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ!
فَلَمَّا تَجَلَّتْ لَهُ خَيْبَةُ أَمَلِهِ فِي الْخَلاصِ، قالَ لِنَفْسِهِ: «تُرَى ماذا أَنا صانِعٌ! إِنَّنِي لا أَكادُ أَجْتازُ عَقَبَةً، حَتَّى تَقُومَ فِي وَجْهِي عَقَبَةٌ أُخْرَى لِتَعُوقَنِي عَمَّا أُرِيدُ. وَلَقَدْ أَفْلَحْتُ فِي تَذْلِيلِ ما صادَفَنِي مِنْ عَقَباتٍ سابِقَةٍ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى تَخَطِّي هذِهِ العَقَبَةِ الْجَدِيدَةِ؟ وَمَنْ لِي بِعُبُورِ هذِهِ الهاوِيَةِ السَّحِيقَةِ؟»? وَشَعَرَ الطِّفْلُ — حِينَئِذٍ — أَنَّ عَيْنَيْهِ قَدِ امْتَلأَتَا بِالدُّمُوعِ.
•••

وَكانَتْ هذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَبْكِي فِيها صَغِيرُنا الْهُمامُ.
وَلكِنَّهُ مَعَ ذلِكَ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِلْحُزْنِ، وَلَمْ يَتَمادَ فِي البُكاءِ. فَكَفْكَفَ مِنْ دَمْعِهِ، ثُمَّ راحَ يَبْحَثُ جاهِدًا عَنْ وَسِيلَةٍ تُهَيِّئُ لَهُ اجْتِيازَ الْهاوِيَةِ فَلَمْ يَهْدِهِ تَفْكِيرُهُ إِلَى نَتِيجَةٍ يَطْمَئِنُّ إِلَيْها.
(?) عُواءُ الذِّئْبِ

فَجَلَسَ عَلَى حافَةِ الْهاوِيَةِ مُكْتَئِبًا حَزِينًا، وَهُوَ يَدْعُو اللهَ أَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى وَسِيلَةٍ يَتَوَسَّلُ بِها، أَو حِيلَةٍ تُساعِدُهُ عَلَى اجْتِيازِ هذِهِ الْعَقَبَةِ.
وَإِنَّهُ لَمُسْتَغْرِقٌ فِي تَفْكِيرِهِ؛ إِذْ طَرَقَ سَمْعَهُ — فَجْأةً — عُواءٌ هائِلٌ مُخِيفٌ.
فالْتَفَتَ؛ فَإِذا بِهِ يَرَى — عَلَى قِيدِ عَشْرِ خُطُواتٍ مِنْهُ — ذِئْبًا هائِلًا يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ مُلْتَهِبَتَيْنِ.

ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بِصَوْتٍ هائِلٍ مُفَزِّعٍ: «ما الَّذِي جاءَ بِكَ إِلَى هُنا، يا غُلامُ؟ وَعَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْحَثُ فِي مَمْلَكَتِي، أَيُّها الرَّائِدُ الْجَريءُ؟»
فَأجابَهُ «يُوسُفُ»: «لَقَدْ جِئْتُ — يا أُوَيْسُ — باحِثًا عَنْ نَباتِ الْحَياةِ؛ لأُنْقِذَ بِهِ والِدَتِي الْمَرِيضَةَ الَّتِي أَشْرَفَتْ عَلَى التَّلَفِ. فَإِذا أَعَنْتَنِي عَلَى بُلُوغِ هذِهِ الْغايَةِ، وَيَسَّرْتَ لِي السَّبِيلَ إِلَى تَحْقِيقِها، أَصْبَحْتُ لَكَ تابِعًا أَمِينًا: أَئْتَمِرُ بِكُلِّ ما تَأْمُرُنِي بِهِ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَكَ الفَضْلُ فِي مُعاوَنَتِي عَلَى اجْتِيازِ الْهاوِيَةِ.»
فقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: «لَكَ ذلِكَ مِنِّي، مَتَى حَقَّقْتَ لِي مَطْلَبًا واحِدًا.»
(?) أَدواتُ الصَّيْدِ

فَقالَ لَهُ «يُوسُفُ»: «لَبَّيْكَ — يا سَيِّدِي — فَإِنِّي رَهْنُ إشارَتِكَ، وَطَوْعُ أَمْرِكَ.»
فَقالَ لَهُ الذِّئْبُ: «إِذا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْطادَ كُلَّ ما تَحْوِيهِ غابَتِي مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوانٍ؛ فَتَشْوِيَ لِي نِصْفَهُ، وَتَقْلِيَ النِّصْفَ الآخَرَ؛ فَلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ أَنْ أُيَسِّرَ لَكَ السَّبِيلَ لاجْتِيازِ الهاويَةِ السَّحِيقَةِ. وَسَتَرَى أَنَّ ذِئْبَ الجَبَلِ لا يَكْذِبُ وَعْدَهُ وَلا يَنْقُضُ عَهْدَهُ. وَسَتَجِدُ — عَلَى مَسافَةِ خُطُواتٍ قَلِيلَةٍ مِنْكَ — ما تَحْتاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَدَواتِ الصَّيْدِ والطَّبْخِ. فافْعَلْ ما أَمَرْتُكَ بِهِ، وَمَتَى وُفِّقْتَ إِلَى إِنْجازِهِ، نادَيْتَنِي فَوَجَدْتَنِي أَمامَكَ فِي الْحالِ.»
وَلَمْ يُتِمَّ الذِّئْبُ قَوْلَتَهُ، حَتَّى اسْتَخْفَى عَنْ ناظِرِهِ فِي الْحالِ.
فَتَذَرَّعَ «يُوسُفُ» بِالصَّبْرِ والشَّجاعَةِ، واعْتَصَمَ بِالثَّباتِ والْعَزْمِ، ثُمَّ تَناوَلَ مِنْ خِزانَةِ الذِّئْبِ قَوْسًا وَسِهامًا، وَراحَ يَرْمِي بِنبالِهِ ما يَمُرُّ بِهِ مِنَ الْعَصافِيرِ والْبَطِّ والْوَزِّ والدِّيَكَةِ الْبَرِّيَّةِ، عَلَى اخْتلافِ أَنْواعِها.
وَلكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ الرِّمايَةَ، وَتَسْدِيد السِّهامِ إِلَى واحِدَةٍ مِنْها؛ فَلَمْ يَصْطَدْ شَيْئًا بِرَغْمِ ما بَذَلَهُ مِنْ جُهْدٍ عَظِيمٍ.
(?) «أَبُو حاتِمٍ»

وَقَدْ أَمْضَى عَلَى هذِهِ الْحالِ المُؤْيِسَةِ ثَمانِيَةَ أيَّامٍ؛ فَدَبَّ إِلَى نَفْسِهِ الضَّجَرُ والسَّأَمُ، واسْتَوْلَى عَلَيْهِ الحُزْنُ والأَلَمُ، وَضاقَ صَدْرُهُ بِما هُوَ فِيهِ مِنْ غَمٍّ وَهَمٍّ.
وَلَكِنَّ أَمَلَهُ فِي الْفَوْزِ لَمْ يُفارِقْهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً؛ فَقَدْ كانَ عَلَى ثِقَةٍ تامَّةٍ أَنَّ اللهَ — سُبْحانَهُ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْعادِلِينَ — لَنْ يَخْذُلَ الصَّابرينَ، وَلَنْ يُضِيعَ جُهُودَ الْعامِلِينَ.
•••

وَبَيْنَما هُوَ يَنْتَظِرُ الْفَرَجَ بَعْدَ الضِّيقِ، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الغُرابُ، وَحَيَّاهُ قائِلًا: «لَكَ الْخَيْرُ، أَيُّها الرَّائِدُ الشُّجاعُ! أَنا «أَبُو حاتِمٍ». وَما أَنْسَ لا أَنْسَ — ما حَيِيتُ — أَنَّكَ أَنْقَذْتَنِي مِنَ الْهَلاكِ، وَلَقَدْ وَعَدْتُكَ — حِينَئِذٍ — بِأَنْ أُكافِئَكَ عَلَى مَعْرُوفِكَ. فَالآنَ أَبَرُّ لَكَ بِوَعْدِي، وَأُخَلِّصُكَ مِنْ هذا الْمَأزِقِ الْخَطيرِ. فَإِنِّي لَعَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّ الذِّئْبَ آكِلُكُ — لا مَحالَةَ — إِذا عَجَزْتَ عَنِ الصَّيْدِ، أَوْ تَهَاوَنْتَ فِي إنجازِ ما يَطْلُبُهُ مِنْكَ. فَلَنْ يَسْتَطِيعَ صَبْرًا عَلَى الْجُوعِ، وَلن يَجِدَ أَمامَهُ — حِينَئِذٍ — شَيْئًا يَأْكُلُهُ سِواكَ. فَهَلُمَّ فاتْبَعْنِي، وَأَنا الْكَفِيلُ بصَيْدِ ما تَحْويهِ الْغابَةُ مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوانٍ. وَلَنْ أُكَلِّفَكَ شَيْئًا أَكثَرَ مِنْ أَنْ تَجْمَعَ ما أُسْقِطُهُ لَكَ مِنَ الصَّيْدِ، ثُمَّ تُعِدَّ مِنْهُ لِلذِّئْبِ طَعامَهُ المَنْشُودَ.»
(?) نَجاحُ الْمَسْعَى

وَلَمَّا أَتَمَّ «أُبو حاتِمٍ» قَوْلَتَهُ، أَسْرَعَ إِلَى الْفَضاءِ مُحَلِّقًا فَوْقَ الأَشْجارِ، وَظَلَّ يَضْرِبُ — بِمِنْقارِهِ وَمَخالبِهِ — كُلَّ ما يَلْقاهُ مِنْ طَيْرٍ وَحَيوانٍ؛ فَيَصْرَعُهُ فِي الحالِ، وَيَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ.
وَلَمْ تَنْقَضِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا، حَتَّى نَجَحَ الْغُرابُ فِي صَيْدِ الْعَدَدِ الكَبِيرِ؛ الَّذِي تَحْوِيهِ الْغابَةُ مِن طَيْرٍ وَحَيوانٍ.
وَلَمْ يُضِعْ «يُوسُفُ» شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ بِلا عَمَلٍ، فَقَدْ كانَ يُسْرِعُ إِلَى ما يَصْطادُهُ لَهُ الغُرابُ، فَيَنْزِعُ رِيشَ الطَّيْرِ، وَيَسْلَخُ جِلْدَ الْحَيَوانِ.
ثُمَّ أَوْقَدَ النَّارَ، وَجَعَلَ يَشْوِي نِصْفَ الصَّيْدِ، وَيَقْلِي نِصْفَهُ الآخَرَ؛ حَتَّى إِذا نَضِجَ الصَّيْدُ كُلُّهُ، جَمَعَهُ، وَرَتَّبَهُ صَفًّا صَفًّا …
وَلَمَّا اطْمَأَنَّ الغُرابُ إِلَى نَجاحِ مَسْعاهُ، قالَ لِصاحِبِهِ «يُوسُفَ» بَعْدَ أَنْ حَيَّاهُ، وَدَعا لَهُ بِتَحْقِيقِ ما يَتَمَنَّاهُ: «وَداعًا، أَيُّها الرَّائِدُ الْمِقْدامُ. لَقَدِ اجْتَزْتَ كُلَّ ما يَعْتَرِضُكَ مِن عَقَباتٍ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْكَ بَعْدَ ذلِكَ إِلَّا عَقَبَةٌ واحِدَةٌ. وَلَقَدْ كانَ يُسْعِدُنِي — لَوِ اسْتَطَعْتُ — أَنْ أُذَلِّلَ لَكَ كُلَّ ما يَعْتَرِضُكَ مِنْ مَصاعِبَ وَعَقَباتٍ. وَلكِنْ هَيْهاتَ هَيْهاتَ!! فَلَيْسَ ذلِكَ فِي حُدُودِ قُدْرَتِي وإِمْكانِي. فاذْهَبْ فِي رِعايَةِ اللهِ، واعْتَصِمْ بِما تَمَيَّزْتَ بِهِ مِنَ المُثابَرَةِ والصَّبْرِ؛ فَلَنْ يَضِيعَ جُهْدٌ يَبْذُلُهُ مُخْلِصٌ ثابِتُ الإِيمانِ، راجِحُ الْعَقْلِ، فِي سَبِيلِ غايَةٍ نَبِيلَةٍ؛ وَلَنْ تَخْذُلَ الْجِنِّيَّاتُ رائِدًا، لهُ مِثْلُ عَزِيمَتِكَ الْغَلَّابَةِ فِي مُواجَهَةِ الصِّعابِ والأَخْطارِ. إِنَّ طاعَةَ الأَبْناءِ وَمَحَبَّتَهُمْ لآبائِهِمْ وَأُمَّهاتِهِمْ كَفِيلَتانِ لَهُمْ بِالْفَوْزِ والنَّجاحِ والتَّغَلُّبِ عَلَى الشَّدائِدِ. وَإِنَّنا مَعْشَرَ الْجِنِّ لَنَعْجَبُ بِأَمْثالكَ مِمَّن يَتَحَلَّى بِهاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ؛ وَمَنْ كانَ كَذلِكَ فَإِنَّنا نَبْذُلُ كُلَّ جُهُودِنَا فِي نُصْرَتِهِ وَمَعُونَتِهِ.»
(?) وَلِيمَةُ الذِّئْبِ

وَأَرادَ «يُوسُفُ» أَنْ يَشْكُرَ لِـ«أَبِي حاتِمٍ» صَنِيعَهُ، وَلكِنَّهُ سُرْعانَ ما غابَ عَنْ ناظِرهِ.
فَنادَى «يُوسُفُ» الذِّئْبَ، وَلَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ حَتَّى حَضَرَ إِلَيْهِ! فَقالَ لَهُ «يُوسُفُ»: «هَلُمَّ يا سَيِّدِي «أُوَيْسًا»، فَقَدْ أَنْجَزْتُ لكَ ما طَلَبْتَ مِنْ لَحْم الطَّيْرِ والْحَيَوانِ؛ مَشْوِيًّا وَمَقْلِيًّا.»
•••

فابْتَهَجَ «أُوَيْسٌ» بِما رَأَى، وَأَقْبَلَ عَلَى الأَرَانِبِ وَالطَّيْرِ والْغِزْلانِ يَتَذَوَّقُها فَرْحانَ مَسْرُورًا.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الطِّفْلِ الشُّجاعِ، قائِلًا: «ما أَكْرَمَ نَفْسَكَ، أَيُّها الصَّغِيرُ الشُّجاعُ. فلا بُدَّ مِنْ مُكافَأَتِكَ عَلَى ما بَذَلْتَهُ فِي سَبِيلي مِنْ تَعَبٍ؛ حَتَّى لا يَقُولَ أَحَدٌ: إِنَّكَ أَدَّيْتَ لِذِئْبِ الْجَبَلِ عَمَلًا، دُونَ أَنْ تَصِيبَ عِنْدَهُ أَجْرًا.»
(?) عَصا «أُوَيْسٍ»

ثُمَّ أَعْطاهُ «أُوَيْسٌ» عَصاهُ، قائِلًا: «سَتَكُونُ لَكَ هذِه الْعَصا خَيْرَ مُعِينٍ، بَعْدَ أَنْ تَحْصُلَ عَلَى نَباتِ الْحَياةِ. فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِذا أَرَدْتَ الْعَوْدَةَ إِلَى دارِكَ، أَوْ عَنَّ لَكَ الذَّهابُ إِلَى مَكانٍ — بَعِيدًا كانَ أَوْ قَرِيبًا — إِلَّا أَنْ تَرْكَبَ هذِهِ الْعَصا. فَهِيَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَسْرَعُ لِبُلُوغِ غَرَضِكَ مِنْ أَلفِ حِصانٍ.»
لَمْ يُصَدِّقْ «يُوسُفُ» أَنَّ لِهذِهِ الْعَصا قِيمَةً أَوْ خَطرًا، وَحَسِبَ الذِّئْبَ يَسْخَرُ مِنْهُ.
فَهَمَّ بِإلْقائِها إِلَى الْأَرْضِ؛ وَلكِنَّ حَياءَهُ وَأَدَبَهُ نَهَياهُ عَنِ احْتِقارِ الهَدِيَّةِ، مَهْما تَكُنْ قِيمَتُها.
(?) نَجْدَةُ «أُوَيْس»

وانْتَبَهَ «يُوسُفُ» عَلَى صَوْتِ الذِّئبِ، وَهُوَ يَقُولُ: «هَلُمَّ فاصْعَدْ فَوْقَ ظَهْرِي لأَعْبُرَ بِكَ الْهاوِيَةَ أَيُّها الرَّائِدُ الشُّجاعُ.»
فَصَعِدَ «يُوسُفُ» عَلَى ظَهْرِ «أُوَيْسٍ».
وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي جِلْسَتِهِ، حَتَّى قَفَزَ بِهِ «أُوَيْسٌ» قَفْزَةً واسِعَةً جَبَّارَةً عاتِيَةً، بَلَغَ بِها النَّاحِيَةَ الأُخْرَى مِنَ الْهاوِيَةِ.
•••

وَنَزَلَ «يُوسُفُ» شاكِرًا لِلذِّئْبِ مَعْرُوفَهُ.
ثُمَّ اسْتَأنَفَ سَيْرَهُ إِلَى غايَتِهِ، وَهُوَ يَدْعُو اللهَ أَنْ يَكْلأَهُ وَيَرْعاهُ، وَيُبَلِّغَهُ ما يَتَمَنَّاهُ.
? السحيقة: العميقة. الفصل السادس
الْعَقَبَةُ الأَخِيرَةُ


(?) السُّورُ الْعالِي

وَظَلَّ «يُوسُفُ» سائِرًا، حَتَّى لاحَتْ لِعَيْنِهِ الحَدِيقَةُ الَّتِي وَصَفَتْها الْجِنِّيَّةُ «وِداد»، حَيْثُ تَنْبُتُ فِيها «شَجَرَةُ الْحَياةِ».
وَما رَأَى سُورَ الْحَدِيقَةِ حَتَّى امْتَلأَ قَلبُهُ سُرُورًا وَبَهْجَةً، وَأَحَسَّ أَنَّ قَلْبَهُ يَخْفُقُ مِنَ الْفَرَحِ بِبُلُوغِ الْغايَةِ البَعِيدَةِ الَّتِي سَعَى إِلَيْها.
(?) عَلَى حافَةِ الْبِرْكَةِ

وَبَيْنا هُوَ شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى سُورِها الْعالِي — وهُوَ جادٌّ فِي سَيْرِهِ — إِذا برجْلِهِ تَغُوصُ فِي أَرْضٍ لَيِّنَةٍ!
فَلا يَكادُ يَنْظَرُ إِلى مَوْطِئِ قَدَمِهِ، حَتَّى يَرَى أَمامَهُ بِرْكَةً مُسْتَطِيلَةً، عَظِيمَةَ الاتِّساعِ، بَعِيدَةَ العُمْقِ لا يُدْرِكُ الْبَصَرُ غايَتَها، وَلا يَبْلُغُ النَّظَرُ نِهايَتَها. وَكانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَسْقُطَ فِي الْبِرْكَةِ؛ لَوْلا أَنَّهُ قَفَزَ راجِعًا إِلَى الوَراءِ بِسُرْعَةٍ فائِقَةٍ.
•••

وَوَقَفَ «يُوسُفُ» مُفَكِّرًا، وَقالَ لِنَفسِهِ: «هذِهِ — بِلا شَكٍّ — هِيَ الْعَقَبَةُ الأَخِيرَةُ؛ الَّتِي حَدَّثَنِي عَنْها الْغُرابُ. وَما دُمْتُ قَدْ نَجَحْتُ فِي اجْتِيازِ كُلِّ ما صادَفَنِي فِي طَرِيقِي مِنْ عَقَباتٍ، بِفَضْلِ ما بَذَلَتْهُ لِيَ الْجِنِّيَّةُ الْكَرِيمَةُ: «وِدادُ» مِنْ مَعُونَةٍ صادِقَةٍ. فَما أَظُنُّ «وِدادَ» تَتَخَلَّى عَنِّي فِي هذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْأَخِيرَةِ، بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَتْ إِلَيَّ الدِّيكَ والْغُرابَ والْقَزَمَ والْجِنِّيَّ والذِّئْبَ. فَلْأَنْتَظِرْ مُساعَدَتَها إِيَّايَ لاجْتِيازِ آخِرِ الْعَقَباتِ.»
•••

وَمَشَى «يُوسُفُ» عَلَى حافَةِ الْبِرْكَةِ، لَعَلَّهُ يَصِلُ إِلَى نِهايَتِها. وَظَلَّ سائِرًا يَوْمَيْنِ، فَإِذا بِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ آخِرَ الأَمْرِ — وَقَدِ انْتَهَى بِهِ الْمَسْعَى إِلَى مَكانِهِ الأَوَّلِ، الَّذِي بَدَأَ سَيْرَهُ مِنْهُ.
فَلَمْ يَيْئَسْ «يُوسُفُ»، وَلَمْ تَفْتُرْ عَزِيمَتُهُ.
وَجَلَسَ عَلَى حافَةِ الْبِرْكَةِ، يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِي ثَباتٍ وَإِصْرارٍ: «كَلَّا، لَنْ أَسْتَسْلِمَ لِلْيَأْسِ أَبَدًا. لا بُدَّ مِنَ الصَّبْرِ، فليْسَ أَنْفَعَ مِنَ الصَّبْرِ فِي مُواجَهَةِ الْخُطُوبِ والمِحَنِ. وَلَقَدْ طالَما سَمِعْتُ أَنَّهُ مِفْتاحُ الْفَرَجِ، وَلَنْ أَتَحَرَّكَ مِنْ مَكانِي هذا؛ حَتَّى يُهَيِّئَ اللهُ لِي مَنْ يُعِينَنِي عَلَى اجْتِيازِ هذِهِ البِرْكَةِ الْبَعِيدَةِ الْغَوْرِ.»
(?) حَدِيثُ الْقِطِّ

وَما أَتَمَّ هذِهِ الْكَلِماتِ، حَتَّى لَقِيَ أَمامَهُ قِطًّا هائِلَ الْمَنْظَرِ.
وَقَدْ تَفَزَّعَ «يُوسُفُ» مِنْهُ حِينَ سَمِعَه يَمُوءُ بِصَوْتٍ مُخِيفٍ مَرْهُوبٍ … وَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ماذا يَصْنَعُ.
فقالَ لَهُ القِطُّ: «كَيْفَ جَرُؤْتَ عَلَى بُلوغِ هذا المَكانِ! أَلَا تَعْرِفُ أَنَّنِي قادِرٌ عَلَى تَمْزِيقِ جِسْمِك إِرْبًا إِرْبًا، بِضَرْبَةِ مِخْلَبٍ واحِدَةٍ؟»
فَقالَ «يُوسُفُ»: «ما فِي ذلِكَ شَكٌّ، يا سَيِّدِي الْقِطَّ. وَإِنْ كُنْتُ لا أَظُنُّ أَنَّ كَرِيمًا مِثْلَكَ يَفْعَلُ ذلِكَ أَبَدًا، وَلا سِيَّما إِذا عَرَفْتَ أَنَّنِي لَمْ أُخاطِرْ بِنَفْسِي — لِبُلُوغِ هذا الْمَكانِ الْبَعِيدِ — إِلَّا رَغْبَةً فِي تَحْقِيقِ غايَةٍ مِنْ أَنْبَلِ الْغاياتِ. فَإِنَّ أُمِّي قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْت، وَدَواؤَها فِي هذِهِ الْحَدِيقَةِ. وَلا سَبِيلَ إِلَى شِفائِها، إِذا لمْ تَحْصُلْ عَلَى «نَباتِ الْحَياةِ». فَلْتَكُنْ عَوْنِي عَلَى تَحْقِيقِ غايَتِي النَّبِيلَةِ، وَإِنِّي مُحَقِّقٌ لكَ ما تَأْمُرُنِي بِهِ مَتَى وَعَدْتَنِي بِذلِكَ.»
(?) أَدواتُ الصَّيْدِ

فَقالَ الْقِطُّ: «أَحَقًّا تَقُولُ؟ إِذَنْ فَأَصْغِ إِلَيَّ؛ فَإِنَّنِي مُعْجَبٌ بِما أَراهُ عَلَى مُحَيَّاكَ مِنَ الْوَداعَةِ واللُّطْفِ، وَصِدْقِ الْعَزِيمَةِ. فَإِذا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصِيدَ لِي كُلَّ ما فِي هذِهِ الْبِرْكَةِ مِنَ السَّمَكِ، ثُمَّ تَشْوِيَ نِصْفَهُ، وَتُقَدِّدَ النِّصْفَ الآخَرَ؛ فَإِنِّي ضَمِينٌ لَكَ أَنْ أُبَلِّغَكَ النَّاحِيَةَ الأُخْرَى لِهذِهِ الْبِرْكَةِ الْعَمِيقَةِ الْواسِعَةِ. وَسَتَرَى كُلَّ ما تَحْتاجُ إِليْهِ مِنْ أَدَواتٍ وَمُعِدَّاتٍ عَلَى مَسافَةِ خَمْسِمَائَةِ خُطْوَةٍ مِنْ هذا المَكانِ. وَلَيْسَ عَلَيْك — إذا أَنْجَزْتَ هذا المُهِمَّ — إِلَّا أَنْ تنادِيَنِي، فتَجدْنِي أَمامَكَ في الْحال.»
فَقالَ لهُ «يُوسُفُ»: «السَّمْعُ والطَّاعَةُ لَكَ، يا مَوْلايَ.»
ثُمَّ حَيَّاهُ الْقِطُّ، وَغابَ عَنْ ناظِرِهِ فِي الحالِ.
•••

وَمَشَى «يُوسُفُ» حَتَّى بَلَغَ الْمَخْزَنَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ الجِنِّيُّ؛ فَرَأَى كُلَّ ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ مِنْ شُصُوصٍ وَشِباكٍ.
(?) الشَّبَكَةُ والشِّصُّ

وَكانَ يَحْسَبُ الصَّيْدَ سَهْلًا، لا يُكَلِّفُهُ إِلَّا عَناءً قَلِيلًا، وَتَعَبًا يَسِيرًا، وَوَقْتًا قَصِيرًا.
وَرَأَى الشَّبَكَةَ أَيْسَرَ لِتَحْقِيق أَمَلِهِ، وَأَوْفَى بإِنجازِ عَمَلِهِ. وَحَسِبَ أَنَّهُ مَتَى أَلْقاها فِي الْبِرْكَةِ، امْتَلأَتْ سَمَكًا؛ فَهِيَ — بِلا شَكٍّ — أَنْفَعُ لِبُلُوغِ مَأْرَبِهِ وَأَسْرَعَ.
ثُمَّ رَمَى الشَّبَكَةَ، وَصَبَرَ عَلَيْها طَوِيلًا، حَتَّى أَيْقَنَ أَنَّها صادَتْ مِقْدارًا كَبِيرًا مِنَ السَّمَكِ. ثُمَّ جَذَبَها مُتَأَنِّيًا؛ وَلَكِنْ شَدَّ ما أَدْهَشَهُ أَنْ يَرَى الشَّبَكَةَ لَمْ تَصْطَدْ سَمَكَةً واحِدَةً!
ثُمَّ عادَ فَرَماها، وَجَذَبَها مَرَّةً ثانِيَةً فِي رَشاقةٍ وَخِفَّةٍ؛ فَلَمْ تُخْرِجِ الشَّبَكَةُ شَيْئًا. وَهكَذا بَقِيَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ يَرْمِي الشَّبَكَةَ — مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى — دُون أَنْ يَظْفَرَ بِشَيْءٍ.
فَتَرَكَ الشَّبَكَةَ، وَلَجَأَ إِلَى الشِّصِّ يَصْطادُ بِهِ السَّمَكَ … وَلَبِثَ ساعَةً، ثُمَّ ساعَتَيْنِ، فَلَمْ تَقْرُبْ مِنْهُ سَمَكَةٌ واحِدَةٌ.
فانْتَقَلَ إِلَى مَكانٍ ثانٍ وَثالِثٍ وَرَابِعٍ وَهكذَا، حَتَّى دارَ حَوْلَ البِرْكَةِ كُلِّها؛ فَلَمْ تَقَعْ سَمَكَةٌ واحِدَةٌ فِي الشَّبَكَةِ وَلا فِي الشِّصِّ.
وَدَأَبَ عَلَى ذلِك خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَلَمْ يَكَنْ حَظُّهُ فِي مَكانٍ، خَيْرًا مِنْهُ فِي مَكانٍ آخَرَ.
(?) فَضْلُ الضِّفْدِعِ

فَتَحَيَّرَ «يُوسُفُ»، وَلَمْ يَدْرِ: كَيْفَ يَصْنَعُ؟!
وَلَمَّا ضاقَتْ بِهِ الْحِيلَةُ لَمْ يَجِدْ وَسِيلَةً لِلْخُرُوجِ مِنْ هذا الضِّيقِ، ما لَمْ تُعاوِنْهُ الْجِنِّيَّةُ: «وِدادُ».
وَقَدِ اشْتدَّتْ دَهْشَتُهُ، حِينَ ذَكَرَ أَنَّ «وِدادَ» لَمْ تَتَخَلَّ عَنْهُ قَطُّ؛ فَما بالُها نَسِيَتْهُ فِي هذِهِ الضَّائِقَةِ؟!
وَكَيْفَ تَخَلَّتْ عَنْهُ؛ وَتَرَكَتْهُ وَحِيدًا فِي آخِرِ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَراحِلِ النَّجاحِ؟!
•••

وَطالَ بِهِ الْجُلُوسُ وَهُوَ ناظرٌ إِلى البِرْكَةِ، مُسْتَغْرِقٌ فِي التَّفْكِيرِ … وَإِذا بِهِ يَرَى ماءَ الْبِركَةِ يَغْلِي، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْهُ ضِفْدِعٌ، وَتُنادِيهِ قائِلَةً: «أَنا قُرَّةُ الْعَيْنِ. أَنْقَذْتَ حَياتِي، يا سَيِّدِي «يُوسُفُ». وَسَأَبْذُلُ لَكَ إِمْكانِي، لِأُنْقِذَ حَياتَكَ مِنَ التَّلَفِ؛ فَما جَزاءُ الإِحْسانِ إِلَّا الإِحْسانُ! واعْلَمْ أَنَّنِي مُدْرِكَةٌ ما أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ، وَلَسْتُ أَشَكُّ فِي أَنَّ قِطُّ الْجَبَلِ آكِلُكَ فِي فَطُورِهِ — لا مَحالَةَ — إِذا أَخْفَقْتَ فِي إِنْجازِ ما كَلَّفَكَ إِيَّاهُ. وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أَن تَصْطادَ مِنْ هذِهِ الْبِرْكَةِ سَمَكَةً واحِدَةً؛ فَهِيَ شَدِيدَةُ الْعُمْقِ، بَعِيدَةُ الْغَوْرِ، وَمَتَى هَرَبَ السَّمَكُ إِلَى قاعِها السَّحِيقِ، لَمْ تُدْرِكْهُ الشِّباكُ، وَلَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ الشُّصُوصُ. فَلْتُرِحْ بالَكَ مِنْ هذا التَّعَبِ، وَلْتُوقِدِ النَّارَ رَيْثَما أَصْطادُ كُلَّ ما تَحْوِيهِ الْبِرْكَةُ مِنْ سَمَكٍ.»
•••

وَلَمْ تَكَدِ الضِّفْدِعُ تُتِمُّ هذِهِ الْكَلِماتِ، حَتَّى غاصَتْ فِي الْماءِ غَوْصَةً واحِدَةً؛ فَإِذا بِالْماءِ ثائِرٌ مُضْطَرِبٌ، كَأَنَّما نَشِبَتْ فِيهِ مَعْرَكَةٌ هائِلَةٌ.
•••

ثُمَّ ظَهَرَتِ الضِّفْدِعُ بَعْدَ لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ، وَقَفَزَتْ عَلَى الشَّاطِئِ، وَوَضَعَتْ سَمَكَةً كَبِيرَةً صادَتْها بِمخَالِبِها.
وَلَمْ يَكَدْ «يُوسُفُ» يُمْسِكُ بِها، حَتَّى ظَهَرَتِ الضِّفْدِعُ وَقَدِ اصْطادَتْ حُوتًا كَبِيرًا.
وَظَلَّتْ تَصْطادُ مِنَ الْبِرْكَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَيُسْرِعُ صاحِبُنا إِلَى ما تَصْطادُهُ مِنْ سَمَكٍ كَبِيرٍ فَيَشْوِيهِ، ثُمَّ يُلْقِي بِما تَصْطادُهُ مِنْ صِغارِ السَّمَكِ فِي البَرامِيلِ المُعَدَّةِ لِذلِكَ وَيُقَدِّدُهُ.
وَلَمْ يَنْقَضِ عَلَيْهِما شَهْرانِ حَتَّى أَنْجَزا ما طَلَبَهُ الْقِطُّ.
(?) وَداعُ الضِّفْدِع

وَهُناكَ قَفَزَتِ الضِّفْدِعُ عَلَى شاطِئِ الْبِرْكَةِ، قائِلَةً: «لَقَدْ أَنْجَزْتُ لَكَ ما طَلَبَهُ قِطُّ الْجَبَلِ مِنْكَ. وَفِي وُسْعِكَ الآنَ أَنْ تُنادِيَهُ.»
فَشَكَرَ «يُوسُفُ» لِلضِّفْدِعِ أَجْزَلَ الشُّكْرِ.
فَحَيَّتْهُ مُتَوَدِّدَةً، وَمَدَّتْ إِلَيْهِ يَدَها الْمُبَلَّلَةَ تُوَدِّعُهُ، مُسَلِّمَةً عَلَيْهِ، مُتَحَبِّبَةً إِلَيْهِ.
فَصافحَها «يُوسُفُ» مُكَرِّرًا لَها ثَناءَهُ، وَشُكْرَهُ وَدعاءَهُ.
•••

وَلَمْ تَنْقَضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، حَتَّى أَتَمَّ «يُوسُفُ» تَرْتِيب ما شَواهُ مِنَ السَّمَكِ وَتَصْفِيفَه، كَما مَلأَ الْبَرامِيل بِالْمُقَدَّدِ مَنْهُ.
(?) مِخْلَبُ الْقِطِّ

ثُمَّ نادَى القِطَّ … فجاءَ إِلَيْهِ فِي الْحالِ.
فَقالَ «يُوسُفُ»: «هاكَ — يا مَوْلايَ — كُلَّ ما تَحْوِيهِ البِرْكَةُ مِنَ السَّمَكِ مَشْوِيًّا وَقَدِيدًا.»
•••

فَلَمَّا رَأَى الْقِطُّ ذلِكَ، لحَسَ شَفَتَيْهِ مَبْتَسِمًا، ثُمَّ قالَ، والْفَرَحُ بادٍ عَلَى وَجْهِهِ: «يا لَكَ مِنْ بارِعٍ هُمامٍ! لَقَدْ أَنْجَزْتَ لِي ما طَلَبْتُهُ مِنْكَ، وَبَقِيَ عَلَيَّ أَنْ أُكافِئَكَ عَلَى ما تَحَمَّلْتَ فِي سَبِيلِي مِنْ صَبْرٍ، وَما لَقِيتَ مِنْ تَعَبٍ وَجَهْدٍ؛ حَتَّى لا يُقالَ: إِنَّ قِطَّ الْجَبَلِ لَمْ يَجْزِ الْمُحْسِنَ عَلَى عَمَلِهِ.»
وَما إِنْ أَتَمَّ هذِهِ الْكَلِماتِ، حَتَّى انْتَزَعَ مِخْلَبًا مِنْ مَخالِبِهِ؛ ثُمَّ أَعْطاهُ «يُوسُفَ» هَدِيَّةً، وَهُوَ يَقُولُ: «إِذا حَلَّ بِكَ المَرَضُ، أَوِ انْتابَكَ الضَّعْفُ حِينَ تَكْبَرُ وَتَبْلُغُ سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ. فالْمُسْ جَبِينَك بِهذا الْمِخْلَبِ؛ فَإِنَّ الأَمْراضَ والآلامَ والشَّيْخُوخَةَ كُلَّها تَزُولُ فِي الحالِ. وَكذلِكَ يَكُونُ أَثَرُ المِخْلَبِ عِنْدَ كُلِّ مَن تُحِبُّ، وَكُلِّ مَنْ يُحِبُّونَكَ.»

فَشَكَرَ «يُوسُفُ» لِلْقِطِّ أَجْزَلَ الشُّكْرِ، ثُمَّ أَخَذَ الْمِخْلَبَ الثَّمِينَ — وَكانَ الضَّعْفُ قَدْ بَلَغَ بِهِ كُلَّ مَبْلَغٍ — وَأرادَ أَنْ يُجَرِّبَهُ لِيَتَعَرَّفَ أَثَرَهُ فِي الْحالِ.
فَلَمْ يَكدِ المِخْلَبُ يَمَسُّ جَبِينَهُ حَتَّى شُفِيَ أَلَمُهُ، وانْقَلَبَ ضَعْفُهُ قُوَّةً، وَأَحَسَّ راحَةً خَيَّلَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَلْقَ أَيَّ عَناءٍ، وَلَمْ يَبْذُلْ أَيَّ تَعَبٍ؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْهَرْ هذِهِ اللَّيالِيَ الطِّوالَ.
فَنَهَضَ فِي الْحالِ وَقدِ امْتَلأَتْ نَفْسُهُ سُرُورًا.
•••

فَلَمَّا رَآهُ الْقِطُّ عَلَى هذِهِ الحالِ، ابْتَسَمَ لَهُ، وَقالَ: «هَلُمَّ فاصْعَدْ عَلَى ذَيْلِي، لأُبَلِّغَكَ ما تَتَمَنَّاهُ.»
فَخَضَعَ «يُوسُفُ» لِلْأَمْرِ.
وَما اسْتَقَرَّ عَلَى ذَيْلِ الْقِطِّ، حَتَّى امْتَدَّ الذَّيْلُ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ؛ فَكانَ لَهُ جِسْرًا عَبَرَ عَلَيْهِ، فَبَلَغَ الشَّاطِئَ سالِمًا آمِنًا.
الفصل السابع
«شَجَرَةُ الْحَياة»


(?) بابُ الْحَدِيقَةِ

وَما إِنْ غابَ الْقِطُّ عَنْ ناظِرِهِ، حَتَّى أَسْرَعَ «يُوسُفُ» إِلَى الْحَدِيقَةِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي نَبَتَتْ فِيها «شَجَرَةُ الْحَياةِ»، وَكانَتْ عَلَى مَسافَةِ خُطُواتٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الْبابِ.
وَقَدْ خَشِيَ أَنْ يُفاجِئَهُ طارِئٌ مِمَّا أَلِفَهُ فِي رِحْلَتِهِ المَمْلُوءَةِ بِالأَعاجِيبِ والْمُفاجِئات.
فَدَعا اللهَ — سُبْحانَهُ — أَنْ يُبَلِّغَهُ مُرادَهَ، وَيُجَنِّبَهُ الْمَوانِعَ والْمُعَوِّقاتِ؛ حَتَّى يَصِلَ إِلَى غايَتِهِ، وَيَفُوزَ بِأُمْنِيَّتِهِ.
وَقَدِ اسْتَجابَ اللهُ دُعاءَهُ، وَحَقَّقَ لَهُ رَغْبَتَهُ وَرَجاءَهُ، فَلَمْ تُصادِفُهُ — فِي هذِهِ الْمَرَّةِ — عَقَبَةٌ واحِدَةٌ.
وَلَمَّا بَلَغَ سُورَ الْحَدِيقَةِ، لَمْ يَطُلْ بَحْثُهُ عَنِ الْبابِ، فَقَدِ اهْتَدَى إِلَيْهِ فِي الْحالِ.
(?) حارِسُ النَّباتِ

لَمْ تَكُنِ الْحَدِيقَةُ كَبِيرَةً لِحُسْنِ حَظِّهِ، وَإِنْ كانَتْ عَلَى صِغَرِها تَحْوِي كَثِيرًا مِنْ أَنْواعِ النَّباتِ، مِمَّا لا عَهْدَ لَهُ بِمَعْرِفَتِهِ.
وَقَدْ اخْتَفَتْ «شَجَرَةُ الحَياةِ» بَيْنَ آلافِ الْأَشْجارِ الْأُخْرَى؛ فاسْتَحالَ عَلَيْهِ أَنْ يَهْتَدِيَ إِلَيْها.
•••

عَلَى أَنَّ حَيْرَتَهُ لَمْ تَدُمْ طَوِيلًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ ذكَرَ وَصِيَّةَ الْجِنِّيَّةِ: «وِدادَ»، الَّتِي نَصَحَتْ لَهُ بِاسْتِدْعاءِ حارِسِ النَّباتِ.
فَناداهُ بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ.? وَلَمْ يَكَدْ يُتِمُّ نِداءَهُ حَتَّى سَمِعَ وَقْعَ أَقْدامٍ تَقْتَرِبُ مِنْهُ.
ثُمَّ رَأَى فَتًى صَغِيرًا — فِي زِيِّ الأطِبَّاء — يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الأَشْجارِ، وَيَقْتَرِبُ مِنْهُ، وَقَدْ حَمَلَ تَحْتَ إِبْطِهِ كِتابًا، وَوَضَعَ عَلَى كَتِفِهِ مِعْطَفًا أَبْيَضَ فَضْفَاضًا،? طالَما رَأَى الأَطِبَّاءَ يَلْبَسُونَ مِثْلَهُ؛ وَرَأَى عَلَى أَنْفِهِ المُقَوَّسِ مِنْظارًا. •••

وَلَمْ تَكَدْ تَلْتَقِي أَعْيُنُهُما حَتَّى ابْتَدَرَهُ? حارسُ النَّباتِ قائِلًا: «عَمَّ تَبْحَثُ، أَيُّها الصَّغِيرُ؟ وَكَيْفَ وَصَلْتَ إِلَى هذا الْمَكانِ؟» فَقالَ لَهُ «يُوسُفُ»: «إِنِّي رَسُولُ الْجِنِّيَّةِ: «ودادَ» إِلَيكَ، يا سَيِّدِي الطَّبِيبَ. وَقَدْ جئتُ أَطْلُبُ شَيْئًا مِنْ نَباتِ الْحَياةِ، لِأشْفِيَ بِهِ أُمِّيَ المُشْرِفَةَ عَلَى الْمَوْتِ.»
فَقالَ لَهُ حارِسُ النَّباتِ مُبْتَسِمًا: «أَهْلًا بِكَ، وَبِكُلِّ مَنْ تُرْسِلُهُ الْجِنِّيَّةُ «وِدادُ». هَلُمَّ أَيُّها الصَّغِيرُ، لأُحَقِّقَ لَكَ طَلَبَكَ وَأُبْلِغَكَ أُمْنِيَّتَكَ.»
•••

ثُمَّ سارَ حارِسُ النَّباتِ، وَمَشَى «يُوسُفُ» فِي أَثَرِهِ، وَظَلَّا يَتَنَقَّلانِ فِي حَدِيقَةِ الأَزْهارِ.
وَكانَ «يُوسُفُ» يَتْبَعُ الْحارِسَ فِي مَشَقَّةٍ وَعَناءٍ، لأَنَّ الْغُصُونَ المُشْتَبِكَةَ كَثِيرًا ما أَخْفَتْهُ عَنْهُ.
ثُمَّ انْتَهَيَا إِلَى «شَجَرَةِ الْحَياة».
(?) «نَباتُ الْحَياةِ»

فأَخْرَجَ الْحارِسُ الْقَزَمُ مِنْجَلًا صَغِيرًا مِنْ جَيْبِهِ، واقتَطَعَ مِنَ الشَّجَرَةِ ساقًا صَغِيرَةً، ثُمَّ أَعْطاها «يُوسُفُ» قائِلًا: «هذا هُوَ النَّباتُ الَّذِي حَدَّثَتْكَ بِهِ الْجِنِّيَّةُ «وِدادُ». وَقَدْ وَصَفَتْ لَكَ الْجِنِّيَّةُ كَيْفَ تَسْتَخْدِمُهُ لِشِفاءِ أُمِّكَ؛ فَلا حاجَةَ بِي إِلَى تَكْرارِ ما قالَتْهُ لَكَ. عَلَى أَنَّنِي أُوصِيكَ أَنْ تَحْرِصَ عَلَى هذا النَّباتِ النَّفِيسِ النَّادِرِ. وَحَذارِ? أَنْ يُفْلِتَ مِنْكَ بَعْدَ أَنْ ظَفِرْتَ بِهِ، فَما أَيْسَرَ ما يَسْتَخْفِي هذا النَّباتُ، إِذا تَهاوَنَ صاحِبُهُ فِي الاحْتِفاظِ بِهِ. مَتَى اسْتَخَفَى، فَهَيْهاتَ أَنْ تَعْثُرَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذلِكَ، وَهَيْهاتَ أَنْ تَراهُ.» وَأَرادَ «يُوسُفُ» أَن يَشْكُرَ لِحارِسِ النَّباتِ، وَلَكِنْ سُرْعانَ ما غابَ بَيْنَ الأَشْجارِ.
وَرَأَى «يُوسُفُ» نَفْسَهُ مُنْفَرِدًا، بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ غايَتَهُ؛ فَلَمْ يَبْقَ أَمامَهُ إِلَّا أَنْ يَعُودَ إِلَى دارِهِ، لِيُقَدِّمَ لأُمِّهِ النَّباتَ الشَّافِيَ.
وَهُنا وَقَفَ يُسائِلُ نَفْسَهُ مُفَكِّرًا، وَهُوَ يَخْشَى أَنْ يَلْقَى فِي عَوْدَتِهِ مِثْلَ ما لَقِيَهُ فِي رِحْلَتِهِ مِنَ الْعَوائِقِ والْمَتاعِبِ، فَلا يَسْتَطِيعَ الاحْتِفاظَ بِهذا النَّباتِ الثَّمِينِ الَّذِي يَرُدُّ الْحَياةَ إِلَى أُمِّهِ الْعَزِيزَةِ، وَيَشْفِيها مِنْ الْآلامِ.
(?) عَصا «أُوَيْسٍ»

وَإِنَّهُ لَغارِقٌ فِي تَأَمُّلِهِ، مُسْتَسْلِمٌ لِتَفْكِيرِهِ، إِذْ وَقَعَتْ مِنْ يَدِهِ الْعَصا الَّتِي أَهْداها إِلَيْهِ الذِّئْبُ.
فَتَذَكَّرَ فِي الْحالِ ما حَدَّثَهُ بِهِ الذِّئْبُ «أُوَيْسٌ»، وَلاحَتْ لَهُ بارقَةُ أَمَلٍ فِي النَّجاحِ، فَقالَ لِنَفْسِهِ: «ماذا عَلَيَّ إِذا جَرَّبْتُ هذِهِ الْعَصا؛ فَلَعَلَّها تُبَلِّغُنِي بَيْتِيَ — فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ — إِذا رَكِبْتُها، فَيَتَحَقَّقَ لِي بِذلِكَ ما حَدَّثَنِي بهِ «أُوَيْسٌ» مُنْذُ قَرِيبٍ.»
•••

وَما إِنْ رَكِبَ الْعَصا حَتَّى رَأَى نَفْسَهُ مُسْتَقِرًّا عَلَيْها، كَما يَسْتَقِرُّ الْفارِسُ عَلَى فَرَسِهِ!
فَطَلَبَ مِنْها أَنْ تَعُودَ بِهِ إِلَى بَيْتِهِ … وَما أَتمَّ قَوْلَتَهُ، حَتَّى شَعَرَ أَنَّهُ ارْتَفَعَ فِي الْهَواءِ.
(?) شِفاءُ الْمَرِيضَةِ

وَظَلَّ يَطِيرُ فِي الْفَضاءِ بِمِثْلِ سُرْعَةِ الْبَرْقِ الْخاطِفِ؛ فَلَمْ تَنْقَضِ لَحَظَةٌ قَصِيرَةٌ، حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ فِي دارِهِ؛ جالِسًا عِنْدَ سَرِيرِ أُمِّهِ الَّتِي أَشْرَفَتْ عَلَى المَوْتِ.
فَأَسْرَعَ إِلَيْها، وَقَبَّلَها فِي حَنانٍ وَشَوْقٍ.
وَلكِنَّها لَمْ تَشْعُرْ بِقدُومِهِ، وَلَمْ تَفْطُنْ إِلَى تَحِيَّتِهِ.
فَلَمْ يُضِعْ «يُوسُفُ» وَقْتَهُ بِلا فائِدَةٍ، بَلْ عَصَرَ «نَباتَ الْحَياةِ» عَلَى شَفَتَيْ أُمِّهِ.
•••

وَلَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ حَتَّى فَتَحَتْ عَيْنَيْها، وَطَوَّقتْ «يُوسُفَ» بِذِراعَيْها، وَصاحَتْ تَقُولُ: «وا فَرْحَتاهُ بِكَ! أَيْنَ أَنا، وَأَيْنَ أَنْتَ؟ أَيْنَ كُنْتُ أَنا — يا وَلَدِي — وَأَيْنَ كُنْتَ أَنْتَ؟ لَقدْ فارَقَنِيَ المَرَضُ، وَزايَلَنِيَ الوَجَعُ والأَلمُ. وَهأَنَذِي أُحِسُّ الآنَ دَبِيبَ الشِّفاءِ فِي جِسْمِي. فَشُكْرًا للهِ عَلَى نَعْمائِهِ.»
•••

ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى «يُوسُفَ» مَدْهُوشَةً وَهِي تَقُولُ: «ماذا جَرَى؟ وَكَيْفَ كَبِرْتَ هكَذا — يا وَلَدِيَّ الْعَزِيزَ — بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟»
•••

وَكانَ «يُوسُفُ» — فِي الْحَقِيقَةِ — قَدْ كَبِرَ؛ فَقَدْ تَرَكَ أُمَّهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ وَسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَسِتَّةِ أَيَّامٍ.
وَكانَ عُمْرُهُ — قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ هذه الرِّحْلَةَ الطَّوِيلَةَ الشَّاقَّةَ — عَشْرَ سَنَواتٍ.
(?) عَوْدَةُ «وِدادَ»

وَقَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ «يُوسُفُ» بِكلِمَةٍ واحِدَةٍ فُتِحَتِ النَّافِذَةُ، وَظَهَرَتِ الْجِنِّيَّةُ «وِدادُ».
فَقَبَّلَتْ «يُوسُفَ»، وَهَنَّأَتْهُ بِما تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ شَجاعَةٍ، وَما تَحَلَّى بِهِ مِنْ ثَبات، وَما ظَفِرَ بِهِ مِنْ نَجاحٍ وَتَوْفِيقٍ.
ثُمَّ اقْتَرَبَتْ «وِدادُ» مِنْ سَرِيرِ أُمِّهِ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْها تُحَدِّثُها بكُلِّ ما تَحَمَّلَهُ وَلَدُها الشُّجاعُ فِي سَبِيلِ شِفائِها، وتَصِفُ لَها ما تَعَرَّضَ لَهُ واسْتَهْدَفَ مِنْ الْمَتاعِبِ، والْأَخْطارِ، وَكَيْفَ خاضَ الأَهْوالَ بِما هُوَ أَهْلٌ لَهُ مِنْ جُرْأَةٍ وصَبْرٍ وَكَرَمِ نَفْسٍ.
•••

فاحْمَرَّ وَجْهُ «يُوسُفَ» خَجَلًا مِنْ ثناءِ الْجِنِّيَّةِ عَلَيْهِ، وامْتِداحِها إِيَّاهُ.
وَلَمْ يَكُنْ يَرَى فِيما صَنَعَ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ، لِأَنَّهُ — فِيما يَعْتَقِدُ — لَمْ يُؤَدِّ غَيْرَ ما يَجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسانٍ أَنْ يُؤَدِّيَهُ لأُمِّهِ.
•••

وَأَدْرَكَتْ أُمُّهُ ما تَحَمَّلَهُ فِي سَبِيلِ إِنقاذِها، فَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرها حانِيَةً، وَظَلَّتْ تُقَبِّلُهُ شاكِرَةً راضِيَةً.
(?) عُلْبَةَ السَّعُوطِ

والْتَفَتَتِ الجِنِّيَّةُ «وِدادُ» إِلَى «يُوسُفَ» قائِلَةً: «لا تَنسَ — يا عَزِيزِي «يُوسُفَ» — ما ظَفِرْتَ بِهِ مِنَ النَّفائِسِ الَّتِي أَهْداها إِلَيْكَ الشَّيْخُ القَزَمُ؛ فَإِنَّها كَفِيلَةٌ بِتَحْقِيقِ ما تُريدُ.»
فَأخْرَجَ «يُوسُفُ» عُلْبَةَ السَّعُوطِ، وَفَتَحَها.
فَخَرَجَ مِنْها — فِي الْحالِ — طائِفَةٌ مِنَ الْعُمَّالِ الصِّغارِ، لا يَزِيدُ طُولُ الْواحِدِ مِنْهُمْ عَلَى حَجْمِ النَّمْلَةِ، أَوْ حَجْمِ الأُنْمُلَةِ.? فامْتَلأَتْ بِهِمْ حُجُراتُ الْبَيْتِ وَفِناؤهُ.
وَظَلُّوا يُواصِلُونَ عَمَلَهُمْ فِي سُرْعَةٍ وَمَهارَةٍ وَإِتْقانٍ.
وَلَم تَمْضِ رُبْعُ ساعَةٍ، حَتَّى شَيَّدُوا لَهُ قَصْرًا عالِيًا بَديعًا؛ تُحِيطُ بِهِ حَدِيقَةٌ غَنَّاءُ، وأَثَّثُوهُ بِأَفْخَرِ الأَثاثِ.
ثُمَّ غَرَسُوا إِلَى جانِبِهِ غابَةً كَبيرَةً، وَمَرْعًى فَسِيحًا؛ رائِعَ الْخُضْرَةِ بَدِيعَ التَّنْسِيقِ.
(?) زَهْرَةُ الشَّوْكِ

ثُمَّ قالَتِ الْجنِّيَّةُ «وِدادُ»: «هذا بَعْضُ ما تَسْتَحِقُّ، أَيُّها الشُّجاعُ المِقدامُ. وَلا تَنْسَ «زَهْرَةَ الشَّوْكِ» الَّتِي أَهْداها الْجِنِّيُّ إِلَيْكَ. فَإِنَّها مِنَ الْكُنُوزِ النَّادِرَة الَّتي تُسْعِدُ مَنْ يُوقِعُها الْحَظُّ السَّعِيدُ فِي يَدَيْهِ.
•••

وَحَسْبُكَ أَنْ تَذْكُرَ — حِينَ تَشُمُّها — أَيَّ شَيْءٍ تَتَمَنَّاهُ، فَإِنَّكَ لا تَلْبَثُ أَنْ تَراهُ.
(?) عَصا «أُوَيْس»

وَسَتَكُونُ لَكَ عَصا «أُوَيْسٍ» — كَما رَأَيْتَ — حِصانًا تَرْكَبُهُ، فَيَذْهَبُ بِكَ إِلَى حَيْثُ تَشاءُ فِي مِثْلِ سُرْعَةِ الْبَرْقِ الْخاطِفِ.
(??) مِخْلَبُ الْقِطِّ

وَسَيَكْفُلُ مِخْلَبُ الْقِطِّ لَكَ وَلِوالِدَتِكَ صِحَّةً مَوْفُورَةً، وَشَبابًا مُتَجَدِّدًا.
فالْآنَ أُوَدِّعُكَ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ اللهُ عَلَيْكَ نِعْمَتَهُ وَأَسْبَغَ عَلَيْكَ فَضْلَهُ وَرعايَتُهُ.
وَقَدْ أَصْبَحْتُ آمِنَةً عَلَيْكَ، فَلْيُمَتِّعْكَ اللهُ بِأُمِّكِ الْحَنُونِ فِي سَعادَةٍ، وَرَغادَةِ عَيْشٍ، وَراحَةِ بالٍ.
وَلَنْ تَعْدَمَ الفَضِيلَةُ نَصِيرًا، وَلَنْ يُضِيعَ اللهُ أَجْرُ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
وَقَدْ جَزاكَ اللهُ عَلَى حُبِّكَ الْبَنَويِّ — كما رَأَيْتَ — أَحْسَنَ الْجَزاءِ.»
•••

فَأَقْبَلَ «يُوسُفُ» عَلَى الْجِنِّيَّةِ «وِدادَ» شاكِرًا مَسْرُورًا، وانْهالَ عَلَى يَدِها لَثمًا وَتَقْبِيلًا، فَشَيَّعَتْهُ بابْتِسامَةٍ راضِيَةٍ، مَشْفُوعَةٍ بِتَحِيَّةٍ طَيِّبَةٍ عَطِرَةٍ.
ثُمَّ تَوارَتْ عَنْ ناظِرِهِ، وَلَمْ تَغِبْ عَنْ خاطِرِهِ.
(??) تَحْقِيقُ الْأَمانِيِّ

وَأَرادَتْ أُمُّ «يُوسُفَ» أَنْ تَذْهَبَ إِلَى قَصْرِها الْجَدِيدِ لِتَتَمَتَّعَ بِهِ، وَتَنْعَمَ بِما حَوْلَهُ مِنْ حَدِيقَةٍ وَغابَةٍ وَمَرْعًى؛ وَلكِنَّها لَمْ تَجِدْ ثَوْبًا تَلْبَسُهُ؛ فَقَدْ باعَتْ — فِي أَثْناءِ مَرَضِها — كُلَّ ما تَمْلِكُهُ مِنْ أثاثٍ وَثِيابٍ، فِي سَبِيلِ الحُصُولِ عَلَى الْخُبْزِ: الْخُبْزِ — وَحْدَهُ — بِلا طَعامٍ، كَما حَدَّثْتُكَ فِي أَوَّلِ هذِهِ الْقِصَّةِ الشَّائِقَةِ الْعَجِيبَةِ.
وَلَمْ يَكَدْ «يُوسُفُ» يَرَى حَيْرَتَها، حَتَّى أَدْرَكَ ما يَدُورُ بِخاطِرِها، فَقالَ لَها مُبْتَسِمًا: «لبَّيْكِ، لَبَّيْكِ، يا أُمَّاهُ؛ فَإِنِّي جالِبٌ لَكِ كُلَّ ما تَشْتَهِينَ.»
ثُمَّ أَخْرَجَ مِن جَيْبِهِ زَهْرَةَ الشَّوْكِ، وَقَرَّبَها مِنْ أَنْفِهِ.
وَلَمْ يكَدْ يَشُمُّها — وَهُوَ يُفَكِّرُ فِيما تَشْتَهِيهِ أُمُّهُ مِنْ ثِيابٍ غالِيَةٍ، وَأَحْذِيَةٍ فاخِرَةٍ — حَتَّى وَجَدَ كُلَّ ما دارَ بخاطِرِهِ مِنَ الأَمانيِّ حاضِرًا، بَلْ وَجَدَ أَكْثَرَ مِمَّا تَمَنَّاهُ وَتَخَيَّلَهُ.
فَرَأَى أَمامَه صِوانًا حافِلًا بِأَنْفسِ الْأَثْوابِ، وَرَأَى — إِلَى جانِبِهِ — صِوانًا حافِلًا بِأَغْلَى الْأَحْذِيَةِ، وَثالِثًا، وَرابِعًا، وَهكذا.
وَقَدْ حَوَتْ هذِهِ الْأَصْوِنَةُ أَجْمَلَ ما يَتَمَثَّلُهُ «يُوسُفُ» وَأُمُّهُ مِنْ نَفِيسِ الثِّيابِ، وَبَدِيعِ الأَكْسِيَةِ.
فَصاحَ «يُوسُفُ» وَأُمُّهُ مَدْهُوشِينَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.
وَتَخيَّرَ «يُوسُفُ» ثَوْبًا مِنَ الْجُوخِ الْأَزْرَقِ النَّفِيسِ، وَحِذاءً لامِعًا، وَتَخَيَّرَتْ أُمُّهُ ثَوْبًا مُطَرَّزًا بِالذَّهَبِ، مُرَصَّعًا بِاللُّؤْلُؤِ.
ثُمَّ أَسْرَعَتْ بِالذَّهابِ — مَعَ ابْنِها — إِلَى القَصْرِ الجَدِيدِ. وَطافا بِحُجُراتِهِ الْفَسِيحَةِ، وَشَهِدا أَثاثَهُ الْفاخِر، وَسَجاجِيدَهُ الْنَّفِيسَةَ، الَّتِي لا يُوجَدُ مِثْلُها فِي قُصُورِ الْمُلُوكِ.
وَطافا بِالْمَطْبَخِ. وَحُجْرةِ الطعامِ، فوجدا كُلَّ الْمُعدَّاتِ كامِلَةً، وَرَأَيا الْأَوانِيَ والْأَطْباقَ كَثِيرَةً مَوْفُورَةً.
•••

وَأَحَسَّ كِلاهُما بِالجُوعِ، وَلكِنَّهُما لَمْ يَجِدا فِي القَصْرِ شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ.
فَأَمْسَكَ «يُوسُفُ» بِزَهْرَةِ الشَّوْكِ وَقَرَّبَها مِن أَنْفِهِ.
•••

وَما إِنْ شَمَّها — وَهُوَ يَتَمَنَّى طَعامًا فاخِرًا — حَتَّى وَجَدَ عَلَى المائِدَةِ كُلَّ ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ: مِنْ حَساءٍ ساخِنٍ، وَفَخِذِ خَرُوفٍ مَقْلِيَّةٍ، وَدَجاجٍ مَشْوِيٍّ، وَكَثِيرٍ مِنَ التَّوابِلِ؛ فَجَلَسَ مَعَ أُمِّهِ عَلَى المائِدَةِ؛ وَراحا يَأْكُلانِ هَنِيئًا مَرِيئًا حَتَّى شَبِعا.
•••

ثُمَّ رَفَعا ما فَوْقَ المائِدَةِ مِنَ صِحافٍ وَأَطْباقٍ وَغَسَلاها، وَرَتَّباها، بَعْدَ أَنْ وَضَعاها فِي أَماكِنِها مِنَ الْمَطْبَخِ.
•••

ثُمَّ أَعَدَّا سَرِيرَيِ النَّوْمِ، وَأَخْرَجا مِنَ الْأَصْوِنَةِ أَفْخَرَ الفُرُشِ، فَوَضَعاها عَلَى السَّرِيرَيْنِ، ثُمَّ ناما عَلَيْهِما نَوْمًا هادِئًا، بَعْدَ أَنْ حَمِدا اللهَ وَشَكَرا لِلْجِنِّيَّةِ: «وِدادَ»، ما هَيَّأَتْهُ لَهُما مِنْ أَسْبابِ الْهَناءِ والرَّخاءِ، وَما يَسَّرَتْهُ لَهُما مِنْ وَسائِلِ البَهْجَةِ والسَّعادَةِ، كَما شَكَرَتِ الأُمُّ لِوَلَدِها ما قامَ بِهِ — فِي سَبِيلِها — منْ جَلائِلِ الْأَعْمالِ.
? الجهوري: المرتفع.? فضفاضًا: واسعًا.? ابتدره: بدأه.? حذار: احذر.? الأنملة: رأس الإصبع. خاتِمَةُ الْقِصَّةِ


وَعاشَ «يُوسُفُ» وَأُمُّهُ — مُنْذُ ذلِكَ الْيَوْمِ — فِي هَناءٍ وَسُرُورٍ، لا يُعوزُهُما شَيْءٌ فِي الْحَياةِ؛ بِفَضْلِ ما ظَفِرا بِهِ مِنَ الْمَزايا الْخُلُقِيَّةِ والْهَدايا السِّحْريَّةِ.
وَلَمْ تَعْتَلَّ لَهُما صحَّةٌ، وَلَمْ يُدْرِكْهُما ضَعْفُ الشَّيْخُوخَةِ، بَعْدَ أَنْ ظَفِرا بِنَباتِ الْحَياةِ؛ وَمِخْلَبِ الْقِطِّ.
وَلَمْ يَحْتاجا إِلَى الْعَصا لِتَحْمِلَهُما؛ لأَنَّهُما لَمْ يُفَكِّرَا فِي السَّفَرِ إِلَى أَيِّ مَكانٍ.
وَلَمْ يَبْرَحا قَصْرَهُما. بَعْدَ أَنْ تَوافَرَتْ لَهُما فِيهِ كُلُّ أَسْبابِ السَّعادَةِ والرَّخاءِ.
•••

وَأَمْسَكَ «يُوسُفُ» بِزَهْرَةِ الشَّوْكِ، فَأَدْناها مِنْ أَنْفِهِ وَهُوَ يُفَكِّرُ فِي حاجَتِهِ إِلَى بَقَرَتَيْنِ سَمِينَتَيْنِ، وَحِصانَيْنِ أَصِيلَيْنِ، وَأَشْياء أُخَر مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَياةِ.
وَما كادَ يَشَمُّ زَهْرَةَ الشَّوْكِ، حَتَّى وَجَدَ أَمامَهُ كُلَّ ما تَمَنَّاهُ.
وَلَمْ يَكُنْ شَرِهًا وَلا طَمَّاعًا، فَلَمْ يَطْلُبْ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتاجُ إِلَيْهِ، مِمَّا لا تَطِيبُ الْحَياةُ إلَّا بِهِ.
•••

وَقَدِ احْتَفَظَ بِالْهَدايا السِّحْرِيّةِ، فَلَمْ يُفَرِّط فِي شَيْءٍ مِنْها.
وَكانَ مِنْ حَظِّهِ وَحَظِّ أُمِّهِ أَنْ يَظْفَرَا بِحَياةٍ طَيِّبَةٍ، فَعاشا مُمَتَّعيْنِ بِأَكْمَلِ صِحَّةٍ وَأَتَمِّ عافِيَةٍ.
•••

وَعاشَت قِصُّتُهُما مَثَلًا صالِحًا لِلْبِرِّ والْمُرُوءَةِ والْوَفاءِ، وَقُدْوَةً حَسَنَةً لِلْأَبْناء.