Advertisement

دراكولا برام ستوكر

دراكولا



دراكولا

تأليف
برام ستوكر

ترجمة
إنجي بنداري أحمد



دراكولا

Dracula


برام ستوكر

Bram Stoker


الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ????????? فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org

ستوكر، برام
دراكولا/تأليف برام ستوكر.
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

?- القصص الانجليزية
أ- العنوان

???

رسم الغلاف: إيمان إبراهيم، تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.

Arabic Language Translation Copyright © 2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Dracula
All rights reserved.



الفصل الأول

جوناثان يبدأ رحلته

انطلق صفير القطار، وأغمض جوناثان هاركر عينيه مستسلمًا لموسيقاه وإيقاعه. كان جوناثان مسافرًا إلى ترانسلفانيا بالقطار لإتمام عمل ما مع الكونت دراكولا. وكان محاميًا يعمل لمصلحة شركة مملوكة لشخص يُدعى السيد بيتر هوكينز. كانت الشركة تقدم المشورة للكونت بشأن شراء منزل عتيق في لندن يحمل اسم كارفاكس.

في الطريق إلى ترانسلفانيا، زار جوناثان فيينا وجال في شوارع بودابست، ومر على الجسور الفاخرة التي تعرش نهر الدانوب، وتناول عشاءً شهيًّا من الدجاج بالبابريكا، وهو تابل تتميز به تلك المنطقة، في فندق رويال في كلوزنبيرج. ولسبب ما، كان يعتريه قلق شديد. فمع أن فراشه في الفندق كان مريحًا جدًّا، فقد راودته أحلام غريبة من كل ضرب ولون. قال جوناثان محدِّثًا نفسه: «السبب كان البابريكا بالتأكيد.»

بعد تناول المزيد من البابريكا على الإفطار — وكانت مستخدمة في العصيدة هذه المرة — عاد جوناثان إلى القطار ليستأنف رحلته إلى الشرق. عندما كان ينظر من النوافذ، رأى بلدًا يعمه الجمال بكل أشكاله. كانت تنساب به الجداول وتجري به الأنهار، وضم مدنًا صغيرة، وكانت تظهر من حين لآخر قلعة أعلى أحد التلال. وفي كل محطة مرَّ بها القطار، كانت تقف مجموعات من الأشخاص المثيرين للاهتمام، بينهم نساء يرتدين ملابس ذات أكمام بيضاء كاملة وتنانير، ورجال سلوفاكيون بشوارب كثيفة سوداء، وقبعات رعاة البقر وأحزمة جلدية عديدة مليئة بالأزرار وأحذية عالية الساق.

كان الشفق يلوح في السماء عندما وصل القطار بيستريتز إلى جبال الكاربات. وكان الكونت دراكولا قد طلب من جوناثان التوجه إلى فندق جولدن كرون حيث ينتظر وصوله. بعد أن ألقت العجوز صاحبة الفندق التحية على جوناثان لدى الباب، أعطته — وقد بدا عليها التوتر — رسالة قصيرة جاء فيها:

مرحبًا بك يا صديقي. أنتظرك في شوق. انعَمْ بنوم هنيء الليلة، فغدًا تكون آخر محطات رحلتك، بالعربة، إلى قلعتي. أثق بأنك ستستمتع بالإقامة في أرضي الجميلة.

صديقك دراكولا


سأل جوناثان المرأة العجوز: «هل تعرفين الكونت؟ هلَّا أخبرتِني أي شيء عن القلعة؟» ولكن بدلًا من الرد عليه، تعوَّذَت المرأة برسم علامة الصليب على جسدها وسلمته مفتاح الغرفة وانصرفت مسرعة.

لكن في وقت باكر من صباح اليوم التالي، طرقت المرأة الباب في اضطراب وصاحت: «أيها الشاب، ألا يجب عليك الرحيل؟»

أجاب جوناثان بأن عليه الذهاب بالفعل لإنهاء عمل مهمٍّ مع الكونت.

سألَته: «لكن ألا تدرك إلى أين أنت ذاهب؟ وفي أي يوم؟» ولم تنتظر الرد وأردفت: «إنها ليلة عيد القديس جورج. عندما تنتصف هذه الليلة، يسود الشر الموجود في أرجاء العالم.»

حاول جوناثان تهدئة المرأة العجوز لكن دون جدوى. وأخيرًا، أكَّد مرارًا وتكرارًا أن عليه إتمام مهمته، وأنه سيستأنف آخر محطة في رحلته كما هو مخطط تلك الليلة عن طريق عربة سكة حديد.

قالت المرأة: «حسنًا، إذا كان الأمر كذلك، فعلى الأقل خذ هذا رأفةً بأمك المسكينة.» خلعت المرأة صليبًا عن رقبتها ومدت يدها ووضعته حول رقبته. وما أثار فضوله هو أنها بعد وضع الصليب، وضعت في يده رأسًا من الثوم وشدَّت عليه.

بعدما انصرفت، خلع جوناثان الصليب ونظر إليه. فكَّر في إلقائه هو والثوم؛ فباعتباره أحد أبناء الكنيسة الإنجليزية المخلصين، لم يكن يوافق على هذه الأمور أو يؤمن بها. لكن شعورًا غريبًا وملحًّا بالقلق جعله يعيد وضع الصليب حول رقبته.

عندما وصلت العربة في تلك الليلة، تجمع حشد صغير حولها. مر جوناثان حاملًا حقائبه من أمام سائق العربة والعجوز صاحبة الفندق وبعض نزلاء الفندق الآخرين. كان الجميع يحدِّقون به ويتحدثون عنه.

كانوا يرددون بهمسات مرتعدة مشفقة الكلمة ذاتها: «فورلوك.» عندما فتح جوناثان قاموسه الصغير للبحث عن معنى الكلمة — فور أن جلس في العربة — وجد أنها كانت تعني إما «مستذئبًا» أو «مصاص دماء» باللغة الصربية.

وبينما كانت العربة تسير مبتعدة، لاحظ جوناثان العديد من الأشخاص بين الحشد المتزايد يتعوذون برسم علامة الصليب. في دفتر يومياته الصغير الذي كان يدوِّن فيه بإيجاز كل شيء يحدث له. كتب جوناثان ملاحظة ليتذكر أن يسأل الكونت دراكولا عن الخرافات العجيبة التي كان يعتقد بها أهل المدينة. حتى إنه تساءل لماذا يرمقه رفاقه في العربة بنظرات حزينة.

في الطريق، كانت ترتفع الجبال والغابات من حولهم بألوانها الخلابة التي تنوعت بين الأزرق الداكن والأرجواني والأخضر. ولكن عندما بدأ الأفق يبتلع الشمس، ظهرت ظلال مظلمة وسحب كالأشباح، وحلت محلَّ تلك الألوان الشبيهة بقوس قزح. وكلما اشتد الليل ظلمةً زاد السائق والركاب الآخرون اضطرابًا.

سأل أحد الركاب السائق بنبرة حادة: «ألا يسعك الإسراع قليلًا؟»

أجاب السائق بصوت خافت مضطرب: «إني أحاول!» في الواقع، مع أنهم قطعوا مسافة كبيرة في وقت قصير، فقد كان السائق بالفعل يسابق الزمن؛ حتى إن جوناثان كان يتشبَّث بالعربة بأظافره وهي تتأرجح بشدة فوق زنبرك العجلات.

لدى اقتراب العربة من بورجو باص، ضرب رعد شديد في السماء. أمال السائق والركاب الآخرون رءوسهم عند حافة العربة محدِّقين في الظلام كأنما يبحثون عن شيء. ونظر جوناثان هو الآخر لكن لم يكن هناك أي شيء أو شخص.

صاح السائق: «هذا سيئ! إن العربة التي كان من المفترض أن تستقبلك لتقلَّك إلى القلعة بالأعلى ليست هنا. ولا يمكنك الانتظار هنا في الظلام وحدك، حيث يعجُّ المكان بالذئاب، وعليَّ مواصلة طريقي. ستضطر إلى المجيء معنا، ويمكنني إحضارك هنا ثانيةً في وقت لاحق.»

تمتم الركاب الآخرون: «يا للأسف!» ولكن لماذا بدا الجميع مبتهجين إلى هذا الحد؟

سمعنا صوتًا أجش يقول: «فيم العجلة؟» كانت هناك عربة تجرها أربعة خيول حالكة السواد تسير بمحاذاة عربتنا. قال جوناثان محدِّثًا نفسه: «هذا مساعد الكونت بلا شك.» كانت أغلب ملامح وجه الرجل مختبئة تحت قبعة سوداء كبيرة، لكن جوناثان رأى عينين متوهِّجتين وكأن لونهما أحمر. قال المساعد للسائق: «لقد وصلتم مبكرًا جدًّا هذه الليلة، لكني توقعت حيلتك هذه. والآن أعطني أمتعة السيد.»



الفصل الثاني

جوناثان يصل القلعة

بينما استمر الركاب في التعوذ برسم علامة الصليب على أجسادهم، ودَّعهم جوناثان وتسلق العربة. كان الليل قد انتصف تقريبًا. تذكر جوناثان كلمات السيدة العجوز، فلم يتمالك إلا أن يرتعد لذكرها بالرغم من الدثار والشاي الساخن اللذين قدمهما له مساعد الكونت. بل زاد ارتعاده عندما سمع عواء الذئاب يدوي من بعيد. كانت الخيول ترتعد هي الأخرى، أو على الأقل كان صهيلها ينمُّ عن خوفها.

وفي تلك اللحظة انقشعت سحابة كانت تحجب ضوء القمر، ليغرق المشهد في ضوء أزرق شاحب خافت. كانت تحيط بهم من كل مكان ذئاب بمخالب بيضاء وألسنة حمراء وأطراف طويلة وشعر أشعث.

وثب جوناثان من مكانه، كم كان مُريعًا أن يعرف أن هذه المخلوقات ظلت على مقربة منه طوال الوقت. لكن مساعد الكونت اكتفى برفع ذراعيه والهمس بشيء للذئاب، فتراجعت على الفور. بعدها، حجبت سحابة ضوء القمر، ومرة أخرى أصبحوا يسيرون في ظلام دامس.

قطعت العربة المسافة المتبقية مرتقيةً الجبل شديد الانحدار لتصل القلعة التي رآها جوناثان حينها وكانت حطام قلعة مقفرة. عبر الجَمع خلال مدخل مقنطر، ودخلوا بهوًا مظلمًا ثم توقفوا.

ترك السائق جوناثان وأمتعته عند الباب الأمامي للقلعة، ودون أن يقول كلمة أخرى أو يعطي أي توجيهات، انسلَّ خارجًا. واختفت العربة في الظلام.

كان الباب الأمامي الضخم مصنوعًا من الخشب، وعليه نقوش دقيقة التفاصيل، لكن جوناثان لم يجد به أي مطرقة أو جرس. عندما تراجع خطوة للخلف ونظر لأعلى نحو نوافذ القلعة الشاهقة المظلمة، لم يرَ أي شعاع ضوء.

في تلك اللحظة، سمع من خلف الباب صوت خطوات تقترب. كانت الخطوات تتبعها أصوات تحريك سلاسل رنانة ومزلاجات ضخمة. انفتح الباب وكان يقف عنده رجل عجوز طويل القامة يرتدي حلة سوداء بالكامل بعينين لامعتين كانتا تبدوان مألوفتين على نحو غريب. كان له حاجبان كثيفان وبشرة شاحبة وشفتان حمراوان فاقع لونهما. وعندما ابتسم، كشفت تلك الشفاه الحمراء عن أسنان عاجية حادة.

قال الرجل بلهجة إنجليزية متمكنة ولكن مفخمة: «مرحبًا بك في قلعتي، أنا الكونت دراكولا.» ومد يده يصافح جوناثان.

أخذ الكونت حقائب جوناثان وأرشده إلى الطريق حيث سارا وسط ممرات مظلمة طويلة، وصعدا العديد من السلالم الحجرية الملتفَّة. وأثناء سيرهما تساءل جوناثان: «أي مغامرة مريعة ستكون هذه؟» ولكن عندما فتح الكونت باب الغرفة التي من المفترض أن يمكث بها جوناثان، شعر جوناثان بشيء من الطمأنينة. رأى هناك نارًا متوهجة ودافئة تتوسط الغرفة وعشاءً طيبًا قد بُسط له على طاولة قريبة.

قال جوناثان يطمئن نفسه: «كان غباءً مني أن أشعر بالخوف، لقد سمحت لشكوك أهل المدينة أن تؤثر في نفسي.» وعلى كل حال، لقد كان محترفًا جاء يؤدي مهمته. لكنه كان أيضًا يتضوَّر جوعًا.

سأل جوناثان الكونت وقد رأى أن مكان الطعام أُعد لشخص واحد: «ألن تتناول العشاء معي؟»

أجاب الكونت: «لا، فأنا لا ... أقصد أني قد أكلت بالفعل.»

لكن الكونت مكث برفقة جوناثان وهو يتناول طعامه، وطرح عليه وابلًا من الأسئلة.

سأله مثلًا: «لو أن سفينة دخلت ميناءً إنجليزيًّا، فهل يمكنني تكليف شخص بالذهاب وتلقي شحنة ونقلها إلى المدينة؟»

أجاب جوناثان: «بالطبع، يمكن لشركتي أن ترتب لهذا نيابةً عنك.»

سأله الكونت: «وماذا لو أردت الترتيب لهذا بنفسي، اعذرني، فأنا أثق في أنك ستتفهَّم أنه على المرء أحيانًا أن يدبر شئونه الخاصة، وألا يفشي لأحد بكل تفاصيل عمله.»

أعطى جوناثان الكونت أسماء الشركات التي يمكن أن تتولى القيام بمثل هذه الأمور.

ومع دخول أول شعاع خافت لضوء الصباح من نافذة غرفة جوناثان، هبَّ الكونت واقفًا ودفع مقعده للخلف. وفي مكان ما في الوادي أسفل القلعة كانت الذئاب تعوي من بعيد.

ارتعد جوناثان وقد استحضر صورة المخلوقات المرعبة التي كانت تقف على طول طريق العربة. ولكن الكونت ابتسم، وقال في لهفة: «استمع إليهم، إنهم أبناء الليل.»

زاد ارتعاد جوناثان، ليس لأنه سمع هذا التعليق الغريب فحسب، ولكن عندما رأى شيئًا آخر لم يلحظه إلا في ذلك الوقت؛ يدي الكونت، يغطيهما شعر كثيف غريب، وأظافرهما طويلة مدبَّبة الأطراف وكأنها مخالب.

لكن جوناثان كان يأمل أن تتضح الأمور في الصباح.



الفصل الثالث

جوناثان يعلم أنه سجين

نام جوناثان حتى وقت متأخر في اليوم التالي. وعندما استيقظ لم يجد الكونت. ومع وجبة شهية أخرى أُعدت ليأكلها جوناثان بمفرده، ترك الكونت رسالة قصيرة دعاه فيها إلى التجول أينما شاء في أرجاء القلعة باستثناء تلك الغرف التي كانت أبوابها مقفلة.

ونهاه في الرسالة نهيًا غريبًا شديد اللهجة: «وإياك أن يغشاك النعاس في أي مكان آخر بالقلعة غير غرفتك!»

قضى جوناثان أغلب ساعات اليوم في الترتيب لشراء عقار الكونت. ولكن عندما شعر بالحاجة إلى استراحة، قرر أن يستكشف المكان قليلًا. كان يرى أن القلعة أشبه بمتحف حافل بالتحف والروائع الفنية وغيرها من الأشياء الجديرة بالاقتناء. كان كل شيء يتَّسِم بأعلى جودة، ويبدو أن عمره مئات السنين.

ولكن في كل الجولات التي قام بها جوناثان، لم ير شيئين؛ أولهما: أشخاص آخرون. تساءل: «كيف لا يستعين الكونت بأي شخص في هذه القلعة الكبيرة؟» وثاني شيء لاحظ غيابه كان المرايا، لم تكن موجودة حتى في الحمامات. لم يكن الرجل مغرورًا — للعلم — ولكن المرء يحتاج أحيانًا إلى مرآة؛ إذا أراد أن يحلق مثلًا. ومن حسن الحظ أن جوناثان كان قد أحضر مرآته الخاصة. كانت قطعة صغيرة بين مجموعة أدوات الزينة التي يأخذها في سفره.

عاد الكونت إلى المنزل ذلك المساء بعد حلول الظلام، واستمرَّ نظام الحياة على المنوال نفسه. لم يأكل الكونت قطُّ، مدعيًا دائمًا أنه سبق أن تناول طعامه، وبدلًا من الطعام، كان يكتفي بالجلوس مع جوناثان لمناقشة الأوراق التي أعدها ذلك اليوم ويطرح عليه المزيد من الأسئلة عن المنزل الذي كان يشتريه في لندن.

كان جوناثان قد قدم عرض شراء المنزل نيابةً عن الكونت مع أنه لم يدرك حينها كيف يمكن لأي شخص أن يرغب في شراء عقار كهذا. كان عقار كارفاكس بناءً عتيقًا كئيبًا ملحقًا به كنيسة صغيرة قديمة ظلت مهجورة لسنين. أما الآن بعد أن التقى الكونت ورأى منزله الحالي، فقد بات يدرك أن المنزل الجديد سيكون ملائمًا تمامًا. خطر لجوناثان أن السبب في هذا ربما كان أصوله في ترانسلفانيا، ولكن الكونت كان يبدو وكأنما خُلق ليعيش في الظل والظلام.

كل ليلة كان الكونت يُبقي جوناثان مستيقظًا ويتحدث حتى طلوع الفجر. كان أمرًا غريبًا في البداية، لكن جوناثان سرعان ما اعتاد ذلك. قال لنفسه إن بعض الناس على كل حال تكون طبيعتهم ليلية، وهو في مهمة، وعليه أن يتكيف مع نظام مواعيد عميله.

كل يوم كان جوناثان يصحو متأخرًا ويستحم ويستخدم مرآته الصغيرة في الحلاقة، ويتناول إفطارًا هادئًا بمفرده ثم يعكف على أوراقه. وكان من وقت لآخر يكتب في دفتر يومياته الصغير الذي أخفاه — بحكم عادته منذ نعومة أظافره — على جسده. كان أحيانًا يراسل مديره السيد هوكينز أو خطيبته مينا، لكنه لم يجرؤ على كتابة أي شيء شخصي للغاية، وبالطبع لم يكتب باللغة الرمزية المختصرة التي كانت مينا تفهمها. كان السبب في هذا هو أن المظاريف القليلة التي أعطاها له الكونت لاستخدامه الشخصي كانت رقيقة للغاية، حتى إن أي شخص كان يستطيع قراءة ما كتب على الورق بداخلها. رأى جوناثان أن الكتابة بلغة الرموز ستكون سلوكًا معيبًا أو مريبًا تمامًا كالتحدث بلغة أجنبية أمام شخص لا يفهمها. كان الروتين مملًّا، ولكن الهدف من العمل ليس المتعة بالضرورة. إضافةً إلى ذلك، قريبًا ستحدث أشياء تجعله يشتاق إلى الحياة المملة مرة أخرى.

في البداية ذكر الكونت في حديثه أن على جوناثان المكوث في القلعة مدة شهر آخر على الأقل، فعبس جوناثان. كان من الغريب أن يستمر هذا المشروع كل ذلك الوقت.

عندما رأى الكونت عبوس جوناثان، عبس هو الآخر. قال الكونت: «هذه هي رغبتي، ولا مجال للرفض. لقد أكد لي مديرك أنه سيلبي رغباتي. فهل ستكون هناك مشكلة؟»

حاول جوناثان أن يقسر ملامح وجهه على الانفراج، وأجاب: «بالطبع لا، سأمكث ما دمت محتاجًا إليَّ.»

وما حدث بعد ذلك زاد جوناثان ضيقًا. جافاه النوم ذات ليلة، فعلق مرآة الحلاقة على الجدار وكان يهم بالحلاقة عندما سمع الكونت خلفه مباشرة يقول: «مرحبًا.» وثب جوناثان من مكانه. لم يكن فزعه بسبب مباغتة الكونت له بقدر ما كان بسبب عدم ظهور انعكاس الكونت في المرآة. أي سحر غريب هذا؟

ما إن لاحظ الكونت وجود المرآة وغياب انعكاسه فيها، حتى اتقدت عيناه غضبًا، وأمسك برقبة جوناثان فجأة. لكن عندما لمست يداه حبات المسبحة التي كان بها الصليب حول رقبة جوناثان، تراجع الكونت في عنف. غير أنه لم يتوقف عند ذلك الحد، ففتح النافذة المجاورة وألقى بالمرآة بعيدًا وهو يتمتم بشيء عن الغرور. وفي مكان سحيق بالوادي، تهشمت المرآة إلى ألف قطعة.

قال الكونت: «أعتذر عن هذا بشدة، لكن المرايا أمر غير محبَّذ هنا. فمن المرجح أن تنكسر وتجرح أحدًا، والجروح أمر خطير في الريف. قد تعرضك لخطر العدوى كما تعلم.»

وفي آخر المطاف، كان جوناثان يستكشف المنزل ذات يوم ليعرف عنه المزيد أثناء وجود الكونت بالخارج، وأدرك أن كل الأبواب المؤدية للخارج مقفلة. ولم يكن هناك سبيل للخروج من القلعة سوى القفز من إحدى النوافذ ليسقط في الوادي السحيق أسفل القلعة ويلحق بمرآته المسكينة.

لقد أدرك أمرًا مريعًا؛ كانت القلعة سجنًا، وكان هو سجينًا بداخلها! كان أهل المدينة على حق. تساءل جوناثان: أي وحش هذا الذي لا يظهر حتى في المرآة؟ وأدرك كم كان أهل المدينة هؤلاء رائعين. وحمد الله لأنه على الأقل قبل صلبانهم وثومهم! ليته أيضًا قبل نصيحتهم الحكيمة السديدة.



الفصل الرابع

السيدات والسحلية

هلع جوناثان في البداية وهو يشعر كأنه فأر وقع في مصيدة.

غير أنه بعد بُرهة حاول أن يهدئ من روع نفسه، فقد علم أن عليه الحفاظ على رباطة جأشه ليضع خطة للهروب. وأهم شيء ألا يُشعر الكونت بأنه فهم الأمر. لقد كان سجينًا مضطرًّا للتظاهر بأنه ضيف، ولكن كان عليه أن يتوخَّى الحذر طيلة الوقت ويجمع المعلومات ويحاول وضع خطة.

كل ليلة، أثناء عشائه وحده، كان يحمل نفسه على مناقشة شئون العمل بهدوء مع الكونت. وفي النهار، أثناء غياب الكونت بالخارج، كان يستكشف خبايا القلعة ليعرف المزيد محاولًا أن يكشف أسرارها الشريرة.

ذات يوم، قبيل غروب الشمس، وصل جوناثان إلى باب أعلى الدرج. كان يبدو مقفلًا، لكنه انفتح بعدما دفعه دفعًا يسيرًا. وما إن دخل الغرفة، حتى نظر حوله، واعتقد أن ذلك الجزء من القلعة كانت تسكنه نساء القلعة فيما مضى؛ لأن الأثاث كان يتسم بلمسات أنثوية أكثر من الغرف الأخرى التي رآها.

عندما غاص جسده على بعض الوسائد الوثيرة، استطاع عمليًّا أن يتخيل السيدات اللاتي عشن هنا من قبل، جالسات على الأريكة نفسها، يكتبن رسائل غرامية. وبينما كان عقله يموج بالأفكار، بدأ يشعر برغبة شديدة في النعاس. وبالرغم من تحذير الكونت، قرر أن ينام هنا، ليلة واحدة فقط، ستكون له مهربًا ممتعًا من زنزانته.

•••

هل كان لا يزال نائمًا؟ لم يكن يعرف؛ كل ما عرفه هو أنه لم يكن بمفرده. في ضوء القمر ظهرت أمامه ثلاث شابات بدا أنهن أخوات. كنَّ جميعًا غاية في الجمال، بشفاه حمراء كالياقوت وأسنان بيضاء ناصعة، يسبحن حوله كالضباب.

قالت إحداهن وهي تميل نحوه مقتربةً شيئًا فشيئًا: «أنت أولًا.»

انتبه جوناثان وقال في نفسه: «ستعضُّ رقبتي!»

وقبل أن يتسنى له إبداء أي رد فعل، ظهر الكونت فجأة من حيث لا يدري، وقد ثار غضبًا، وتطاير الشرر من عينيه، فجذب المرأة التي كانت تميل نحو جوناثان من رقبتها ورماها على الجانب كأنها دمية من خرق بالية.

قال الكونت للأخوات الثلاث بنبرة غاضبة مكتومة: «كيف تجرؤن؟» كان يتحدث بصوت خافت، لكن جوناثان سمعه يقول: «لقد قلت لكن، سيكون لكن عندما أنتهي منه.» وربما على سبيل السلوان، ألقى الكونت للسيدات حقيبة كبيرة بها شيء يتحرك. التقطنها بسرعة وهربن وهن يقهقهن.

تساءل جوناثان محدثًا نفسه في فزع: «ماذا كان في تلك الحقيبة؟ ربما كان قطة أو كلبًا؟» وأرعبته الفكرة.

ما إن عاد جوناثان إلى غرفته، حتى شعر براحة كبيرة، ولكن عندما كان يفتح النافذة ليستنشق بعض الهواء، رأى ما زاده رعبًا. خرج الكونت من نافذة غرفته الخاصة ورأسه تتدلى لأسفل متسلقًا الجدار وأصابع يديه وقدميه متشبثة بالأحجار كالسحلية! رجع جوناثان إلى الوراء بسرعة قبل أن يراه الكونت.

لكن في الليلة التالية، تساءل هل رآه الكونت، لأنه أوكل إليه تلك الليلة مهمة جديدة غريبة.

قال الكونت: «ستكتب ثلاثة خطابات، وسأرسلها بالبريد نيابةً عنك. ستقول في أولها إن عملك هنا أوشك على الانتهاء، وإنك ستبدأ في رحلة العودة إلى موطنك في غضون بضعة أيام. وفي الثاني، ستقول إنك مغادر في الصباح التالي. وفي الثالث، ستقول إنك غادرت القلعة بالفعل ووصلت مدينة بيستريتز»، وأومأ الكونت برأسه وأضاف: «نعم، لا يُؤخذ البريد بانتظام. ونظرًا لمدى انشغالك، سيكون أفضل وأنسب شيء تفعله هو أن تكتب رسائلك مقدمًا.»

وافق جوناثان في خوف. لماذا يطلب منه الكونت كتابة هذه الرسائل إذا لم يكن يخطط لقتله، واختلاق قصة يخفي بها آثار جريمته؟ وبالطبع لم يستطع أن يُظهر خوفه للكونت؛ فسأله ببساطة: «ما التواريخ التي سأضعها في الخطابات؟»

أجاب الكونت: «الثاني عشر، والتاسع عشر، والتاسع والعشرون من يونيو.»

خطر لجوناثان أن ذلك اليوم كان يوافق التاسع عشر من شهر مايو، لقد بات يعرف ما تبقى من عمره! ليكن الله في عونه! فكَّر على الفور في أن يكتب شيئًا آخر في الخطابات الثلاثة ويختمها بسرعة قبل أن يراها الكونت، ولكنه غيَّر رأيه. حمدًا لله أنه فعل ذلك، لأنه إضافةً إلى أن الكونت أعطاه أظرفًا شفافة مرة أخرى، فقد فتح الأختام بالفعل ليتأكد من محتوى الرسائل.

لكن جوناثان في الوقت نفسه اعترضه حظ سيئ. عندما رأى من نافذته بعض الغجر بالخارج يبحثون عن عمل، قرر أن يكتب خطابًا إضافيًّا إلى مينا بلغة الرموز ويحاول إخراجه للغجر ليرسلوه بالبريد. وقرر أن يلقيه بالخارج ومعه عملة ذهبية. لم يكن سيخبر مينا طبيعة موقفه بالتفصيل، وإلا ماتت من الرعب، ولكنه كان سيخبرها ما يكفي لعلها تستطيع مساعدته، ولو بإرسال السيد هوكينز.

بعد أن لفت جوناثان انتباه أحد الغجر، ألقى إليه الخطاب والعملة الذهبية، مشيرًا بيديه إلى أنه يحتاج منه إرسال ذلك الخطاب بالبريد. بدا أن الرجل الغجري فهم مقصده ووافق عليه، فتنفس جوناثان الصعداء.

غير أنه في مساء اليوم التالي، دخل الكونت إلى الغرفة، وجلس إلى جوار جوناثان، وأعطاه الخطاب الذي كان قد كتبه إلى مينا. وكان الخطاب مقروءًا. أما العملة المعدنية، فلم تكن موجودة بالتأكيد.

قال الكونت: «أحد الغجر بالخارج أعطاني هذا الخطاب، لقد وجدوه على الأرض بالخارج وظنوا أنه سقط مني خطأً، ولكن يبدو أن هذا كان خطأك أنت.»

عندما نظر الكونت إلى الخطاب ورأى الرموز الغريبة المقتضبة التي كُتب بها، استشاط غضبًا، وتطاير الشرر من عينيه. ثم التفت فجأة وألقى الخطاب في النار.

قال: «لا أظنك ستمانع فعلي هذا، فبالتأكيد حدث خطأ، ولم يكن هذا بالفعل خطابك الذي كتبته بلغة اخترعتها.» ثم استدار وغادر الغرفة.

في اليوم التالي، عندما عاد جوناثان إلى غرفته بعد جولة خارجها، وجد أن كل الأوراق والأقلام قد اختفت واختفت معها نقوده وشيكاته، حتى بذلته ومعطفه.

حمد جوناثان الله لأنه احتفظ بدفتر يومياته على جسده، وإلا كان الكونت وجده أيضًا. لكن الأمر أصبح أمرًا واقعًا: لقد صار سجينًا أكثر عزلة الآن!



الفصل الخامس

جوناثان يتفقد الكنيسة الصغيرة

في اليوم التالي، سمع جوناثان صوت جلبة خارج نافذته، فأسرع لينظر. لم يرَ غجرًا هذه المرة، ولكنه رأى بعض السلوفاكيين، كان اثنان منهم يرتديان جلود أغنام قذرة وأحذية عالية الساق ويقودان عربتين كبيرتين تجرهما ثمانية خيول قوية.

صرخ جوناثان نحو الأسفل بأعلى ما استطاع حتى بُحَّ صوته، لكنهم لم يرفعوا رءوسهم لينظروا إليه. رأى جوناثان أن العربتين كانتا تحملان صناديق مربعة ضخمة تشبه النعوش، وقد رُبط بكل منها حبل غليظ يُشدُّ منه. أفرغ السلوفاكيون الصناديق في ساحة القلعة بسهولة، فعلم جوناثان أنها كانت فارغة. وبعد إنزال الصندوق الأخير، ضرب السلوفاكيون الخيول بأسواطهم وانصرفوا.

على مدار الأيام القليلة التالية أتى رجال آخرون. وقد استنتج جوناثان من واقع ما رآه أن الصناديق كانت توضع في مكان عميق بقبو القلعة. في كل أرجاء المنزل، كانت تنبعث من القبو أصوات مكتومة لمجارف تحفر الأرض والصخور. ما الذي كان يجري؟

ذات ليلة، رأى جوناثان الكونت يخرج من نافذة حجرة نومه متسلقًا الجدار لأسفل كالسحلية مرة أخرى، ولكن المختلف هذه المرة أن الكونت كان يرتدي الملابس التي أُخذت من غرفة جوناثان! أدرك جوناثان في هلع أن الكونت أراد أن يظن الناس أنهم رأوا جوناثان نفسه، كدليل آخر يدعم الخطابات الزائفة. وكان يخشى من أن يُلام على أي شر يمكره الكونت في المدينة.

في وقت لاحق من تلك الليلة، استيقظ جوناثان على صوت بكاء مرير في البهو بالأسفل. عندما اندفع لينظر من النافذة، رأى امرأة شعثاء تلهث من أثر البكاء والركض. عندما رأت وجه جوناثان مطلًّا من النافذة، تقدمت المرأة نحوه وأشارت إليه صائحة: «أيها الوحش! أعد إليَّ كلبي! رجاءً! أتوسل إليك!»

قبل أن يجيبها جوناثان، سمع همس الكونت الغليظ القاسي، ينبعث من مكان ما في الأعلى، ربما كان برج القلعة، وكأنما يستدعي شيئًا ما. راقب جوناثان المشهد في رعب وقد بدا أن الرد على نداء الكونت جاء من كل صوب وحدب، ففي كل أرجاء الوادي، كانت الذئاب تعوي. وفي غضون دقائق، اندفعت مجموعة منهم من المدخل الفسيح إلى البهو وكأن سدًّا مانعًا قد انهار.

أغمض جوناثان عينيه. لم يحتمل رؤية ذلك. لكنه لم يكن بحاجة إلى سد أذنيه لأن المرأة لم تصرخ، لم يكن هناك وقت. وبعد دقائق قليلة، تفرقت الذئاب بعيدًا، وهي تتحرك بهدوء وتلعق شفاهها.

كان اليوم التالي يوافق تاريخ آخر خطاب أجبر الكونت جوناثان على كتابته. لم يكن أمامه وقت طويل. وكان عليه التوصل إلى خطة بأسرع وقت!

أدرك جوناثان أنه لم تسبق له رؤية الكونت في ضوء النهار. هل يُحتمل أن السبب في ذلك هو أن الكونت ينام عندما يستيقظ الآخرون؟ ليته يتمكن من دخول غرفة الكونت! قطعًا سيجد هناك إجابات عن بعض أسئلته. ولكن كيف؟ كان الباب موصدًا دائمًا.

خطرت له فكرة. إذا كان الكونت قد خرج من نافذته، متسلقًا الجدار، فربما استطاع جوناثان أيضًا التسلق بالطريقة نفسها، والعثور على مفتاح الباب الأمامي في مكان ما بالداخل. بالطبع لم يكن يستطيع القفز على الجدران كالسحلية، لكن كانت هناك نتوءات بالجدران الخارجية للقلعة، وأحجار أخرى ذات أحرف حادة. كلها كانت تصلح كزوايا وصدوع تسع أصابع الأقدام البشرية.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، وجد نافذة مفتوحة في نفس مستوى نافذة الكونت وبينهما إفريز مشترك. خرج جوناثان متسلقًا الجدار. وبينما كان يسير ببطء بجانب واحد من جسده، نظر إلى أسفل، لكن الارتفاع الشاهق روَّعه كثيرًا فوجَّه نظره إلى أعلى بعد ذلك. وما إن وصل نافذة الكونت وانسلَّ داخلًا، حتى نظر حوله سريعًا في خوف يبحث عن الكونت. لكن الغرفة كانت خاوية.

كانت الغرفة في الحقيقة غير مؤثَّثة، ومغطاة بالغبار، وكأنها لم تُستخدم من قبل. وفي إحدى زواياها، رأى كومة من الذهب مغطاة بالغبار أيضًا، وكل شيء كان يبدو أنه مضى عليه مئات السنين. وفي أقصى نهاية الغرفة، ضُرب بباب غليظ من ورائه سلالم دائرية تنحدر بشدة وتصل إلى عمق بعيد تحت سطح الأرض. كتم أنفاسه محاولًا أن يتمالك نفسه، ومضى قدمًا.

وبعد أن نزل إلى نهاية الدرج واجتاز ممرًّا آخر حجريًّا طويلًا، وجد نفسه في كنيسة قديمة مهدَّمة. كانت الأرضية من التراب، ويبدو أنها كانت تُستخدم كمقبرة. وهناك، كانت تحيط به التوابيت التي أحضرها السلوفاكيون من كل جانب. لكنها كانت ممتلئة آنذاك بتراب قد استُخرج من الأرض حديثًا.

وفي أحد التوابيت التي كان عددها خمسين تابوتًا (أحصاها جوناثان بسرعة)، وفوق كومة من التراب المندَّى، كان يرقد الكونت! لم يعرف جوناثان هل كان نائمًا أم ميتًا. كانت عيناه مفتوحتين وشفتاه حمراوين كعادتهما، لكنه لم يُصدر أي حركة أو نبض أو نَفَس، ولم يكن قلبه يدق.

وبعد أن ألقى جوناثان نظرة خاطفة أخيرة على عيني الكونت الباردتين كالأموات، استدار وهرع ليصعد الدرج، فخرج من نافذة الكونت، وسار على الإفريز بجانب جسمه، ثم دخل مرة أخرى عبر النافذة التي خرج منها.

عاد إلى غرفته وألقى بجسده على الفراش وهو يلهث ويحاول التفكير. غدًا يحين موعد آخر خطاب. فماذا يفعل؟

•••

عندما رأى جوناثان الكونت في وقت لاحق ذلك المساء، بعد أن استيقظ من قيلولته في التابوت، تجرَّأ وسأله: «هل سأغادر غدًا؟»

أجاب الكونت: «نعم يا صديقي، غدًا نفترق.»

سأله جوناثان: «لماذا لا يسعني الرحيل الليلة؟»

اندهش الكونت ورد بأن قائد العربة والخيول خرجوا في مهمة.

قال جوناثان: «يسعدني أن أذهب سيرًا.» لم يعد يكترث لظهور خوفه من عدمه. لقد أراد الهروب، وكان عليه ذلك!

سأله الكونت: «وماذا عن أمتعتك؟»

أجاب: «يمكنني الإرسال لأخذها في وقت لاحق.»

وقف الكونت وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية، وقال: «بالطبع لم أكن لأبقيك ساعة واحدة في منزلي ضد رغبتك. إذا أردت أن ترحل الليلة، فبالطبع لك هذا.»

التقط الكونت مصباحًا في انحناءة وجيهة وأضاء الدرج لجوناثان موصلًا إياه إلى الباب الأمامي. اطمأن جوناثان كثيرًا حتى إنه شعر أن بوسعه قطع الطريق إلى لندن ركضًا، إذا لزم الأمر.

ولكن ما إن اقتربا من الباب، حتى بدأت أصوات مألوفة تتعالى. لقد كان عواء الذئاب القادم من الوديان الموجودة أسفل القلعة يتعالى شيئًا فشيئًا، تمامًا كما حدث تلك الليلة عندما أتت المرأة تبحث عن حيوانها المسروق.

عندما وضع الكونت يده على مقبض الباب الضخم وجذبه، رأى جوناثان أن الذئاب كانت بالفعل تقف عند الباب الأمامي، وهي تثب وتلعق بألسنتها، في انتظار أن يخطو خطوةً للخارج. لم يحُل بينه وبين مصيره سوى جسد الكونت.

صرخ جوناثان: «أغلق الباب، سأنتظر حتى الصباح!»

قال الكونت في هدوء: «كما تشاء. كل ما أريده هو إرضاء ضيوفي.»

اضطرب تنفس جوناثان منذ ذلك الحين ولم تهدأ أنفاسه حتى صاح الديك معلنًا طلوع الصباح التالي. ركض مباشرةً إلى الباب الأمامي وحاول فتحه، لكن الباب لم يتحرك. بدأ اليأس يتملكه وهو يواصل محاولاته لجذب الباب، لكن الباب كان موصدًا مرة أخرى من الداخل بمفتاح؛ كان ذلك المفتاح غالبًا يحمله الكونت على جسده.

التفت جوناثان وقد علم أن عليه العودة إلى غرفة الكونت ومنها إلى القبو ليجد لنفسه مهربًا.

كان تابوت التراب لا يزال في مكانه، لكن الغطاء كان موضوعًا فوقه وعليه المسامير غير مثبتة به، بل موضوعة في انتظار أن يقوم شخص بدقها. وعندما رفع جوناثان الغطاء، رأى الكونت. كان هناك شيء مختلف. حينها كان الوحش النائم يبدو أصبى من عمره بسنين. تحول شعره وشاربه الأبيضان إلى الرمادي الداكن، وتوردت وجنتاه وامتلأت من بعد شحوبهما. وأخيرًا كانت شفتاه أكثر احمرارًا من أي وقت مضى، ورأى جوناثان عليهما آثارًا طفيفة للدماء. لقد كان الكونت يتجرعه، وكان هذا أثره عليه.

عندما نظر جوناثان إلى الابتسامة الساخرة التي ارتسمت على وجه الكونت النائم، أدرك أن هذا هو الكائن الذي كان يساعد في نقله إلى لندن، حيث يمكنه أن يعذب المدينة قرونًا قادمة ويخلق دائرة جديدة من أشباه الشياطين — كالنسوة الثلاث — ليفترسوا الضعفاء.

لم يكن ليسمح بهذا. وعندما نظر حوله، رأى جاروفًا استخدمه العمال حتمًا في ملء التوابيت. رفعه جوناثان لأعلى ونزل به بأقصى قوته ليضرب وجه الكونت البغيض. لكن في تلك اللحظة، تحركت رأس الكونت ووقع نظره على جوناثان وكأنه يحدق به، فارتبك جوناثان وأخطأت الضربة الموضع المنشود، لكنها أصابت جبهة الكونت بجرح بسيط.

لم يقوَ جوناثان على فعل ذلك. فعلى أي حال، لم يكن جوناثان نفسه وحشًا. وبعدها سمع صوتًا قادمًا من بعيد؛ أصواتًا عذبة تغرد بأغنية غجرية كانت تقترب. وعلا فوق صوت الأغنية صوت دواليب ثقيلة تتدحرج وقرع سياط. لقد عاد السلوفاكيون.

وسرعان ما اقتربت الأصوات أكثر، وبدت كأنها صادرة من داخل المنزل. صعد جوناثان الدرج مسرعًا ليخرج من القبو، وانتظر بغرفة الكونت، التي كانت أيضًا مقفلة من الداخل، وقد قرر أن يهرع إلى الخارج لحظة فتح الباب المؤدي إلى الرواق.

لكن فجأة بدت الأصوات صادرة من القبو في الكنيسة. أدرك جوناثان أنه حتمًا كان هناك مدخل آخر. حاول أن يركض مرة أخرى إلى قبو الكنيسة، ولكن في تلك اللحظة هبت ريح صكت الباب المؤدي إلى الدرج الملتف بصوت مرتفع. وعندما حاول فتحه، وجده موصدًا بإحكام.

كانت تنبعث من القبو أصوات طرق، ووطء أقدام، وتحريك أشياء ثقيلة. كان ذلك صوت دق المسامير في تابوت الكونت لإغلاقه وإخراج السلوفاكيين لذلك التابوت مع التوابيت الأخرى الممتلئة بالتراب من القلعة. وعندما ركض جوناثان ونظر من النافذة، رأى العربات محمَّلة عن آخرها، وقد بدأت تتحرك في قافلة خارجةً من الفناء.

لقد فات الأوان. خرج الكونت في طريقه إلى لندن، وتُرك جوناثان وحيدًا هنا في القلعة مع تلك النسوة البشعات. لقد كان الأمر فوق احتماله. وكان عليه الخروج من ذلك المكان اللعين، الذي كان يسكنه الشيطان وذريته في صورة بشر. سيهرب حتى وإن كلفه ذلك حياته. فتح جوناثان النافذة وبدأ يتسلق.



الفصل السادس

العاصفة تأتي بسفينة غريبة إلى ويتبي

كانت مينا موراي — خطيبة جوناثان — قلقة؛ فقد طال غيابه، ولم يراسلها سوى مرات قليلة، ولم تعتد هذا منه. ولم تألف أسلوبه الذي كتب به؛ حيث تحدث بجفاء ورسمية وبلغة تقليدية بدلًا من اللغة المختصرة التي كان يستخدمها عادةً.

قالت لنفسها ربما كان مشغولًا فحسب، وحاولت أن تهدئ نفسها. إلى جانب أن خطاب جوناثان الأخير كان ينص بوضوح على أنه بخير وسيعود في غضون أسبوع. لم تطق صبرًا حتى تعرف كل مغامراته في ترانسلفانيا.

في الوقت نفسه، ستنشغل مينا اليوم بزيارة مرحب بها من صديقتها المخلصة لوسي ويستيرنا. فقد تلقت لوسي مؤخرًا ثلاثة عروض زواج وليس عرضًا واحدًا، وكانت تتوق إلى إخبار مينا عن كل شيء.

كان أول عرض من الدكتور جون سيوارد، وهو شخص طيب وذكي يدير مصحة نفسية صغيرة في منزل بالمدينة التي كان يعيش بها أيضًا. لم تكن تحبه، لذا رفضت عرضه.

والعرض الثاني كان مقدمًا من أمريكي لطيف جدًّا قادم من تكساس ويُدعى السيد كوينسي بي موريس. ربما كانت شخصيته المرحة سببًا في سهولة تقبله للرفض أكثر من الدكتور سيوارد.

أما العرض الثالث فكان مقدمًا من السيد آرثر هولموود. وهو صديق للعائلة منذ زمن بعيد، طويل القامة، وسيم، مجعَّد الشعر، وفي الحقيقة هو الذي عرف الرجلين الآخرين عليها. ولكن هو وحده من فاز بقلبها. وكان عرضه هو الوحيد الذي تستطيع قبوله.

كانت الشابتان ستذهبان في عطلة صغيرة للاحتفال والتخطيط للزواج. وكانتا ستمكثان في ويتبي، في قرية صغيرة تشتهر بصيد الحيتان، بنزل صغير يطلُّ على الميناء والخليج.

كانت ويتبي مدينة عتيقة غائمة وجميلة. وعلى ضفاف الخليج، كان جزء من مقبرة قديمة فوق جرف قد هبط نحو الماء، فمالت بعض شواهد القبور، وكأنها حديقة منحوتات حزينة. ولأن لوسي كانت شخصية سريعة التأثر بطبيعتها إلى حد ما، شعرت بانجذاب خاص نحو المقبرة القديمة. جلست المرأتان هناك ساعات على أحد الشواهد التي نُحِّيَت جانبًا، وأحيانًا كانتا تجلسان في صمت، قانعتين بالأفكار والكتب.

وفي أحيان أخرى، كانتا برفقة آخرين من أهل المدينة المثيرين الذين كانوا يلتقونهم من وقت لآخر. كان بعض هؤلاء الناس يقصُّون حكايات خرافية. فمثلًا إذا سمعوا جرسًا يدق فإن هذا يعني أن سفينة فُقدت في البحر. وكان رجل عجوز يُدعى السيد سويلز يهزأ دائمًا من مثل هذه الأمور ويرفضها لأنها قصص أشباح سخيفة.

ولكن مع مرور أيام عطلتهما، وبدلًا من الاسترخاء، بدأت كلتا المرأتين تشعران بمزيد من التوتر. بدايةً، منذ وصول آخر خطابات جوناثان الثلاثة الغريبة المقتضبة والرسمية، لم تصل كلمة واحدة أخرى منه. والأدهى من ذلك أنه أخلف وعده ولم يعد إلى لندن حتى ذلك الوقت.

لوسي أيضًا كانت تُصيب مينا بالتوتر. فقد رجعت إلى عادة السير أثناء نومها كما كانت تفعل في طفولتها. كانت مينا تحاول أن تنام نومًا خفيفًا حتى تستطيع أن تستيقظ على صوت تجول صديقتها في المكان وتُعيدها برفق إلى فراشها.

حتى الطقس بدا عليه الاضطراب. وتوقع الصيادون المحليون اقتراب حلول عاصفة. حتى سيد سويلز العجوز اعترف بهذا؛ فأشار إلى البحر ذات يوم وهو يرتجف وقال: «تحمل الرياح معها صوت الموت ومظهره ومذاقه.»

ربما كان السبب هو السفينة الغريبة التي لاحظ العديد من أهل المدينة وجودها عند أطراف المدينة مؤخرًا وهي تجوب حولها في فضول كبير وتغير مسارها مع كل هبة ريح.

أصاب الصيادون؛ كانت العاصفة التي هبت في النهاية على ويتبي من أشد العواصف التي شهدتها المدينة على الإطلاق. وفي اليوم الذي اكتسحت فيه العاصفة المدينة، كان مشهد غروب الشمس مشهدًا عظيمًا بمعنى الكلمة، وقد خرج أغلب أهل المدينة إلى المرتفعات ليشهدوا الألوان الرائعة. ولاحظ جميع الحاضرين أن السفينة الغريبة كانت لا تزال قرب الميناء فاتحة أشرعتها بالكامل، مما كان يشكل خطرًا كبيرًا في ظل الرياح المتسارعة.

بعد منتصف الليل بقليل، انبعث صوت غريب من عرض البحر. ودون إنذار، انفجرت السماء، وارتفعت الأمواج معلنة غضبها، فحولت البحر إلى وحش كاسر. غزت اليابسةَ كتلٌ كثيفة من الضباب. وتراقصت السحب البيضاء كالأشباح. وبينما كان الرعد يضرب والبرق يومض، كان أهل المدينة محتشدين وقد حبسوا أنفاسهم مترقِّبين وصول القوارب التي ما زالت في البحر واحدًا تلو الآخر إلى الميناء بأمان ليبتهجوا بذلك.

وأخيرًا، لم يبقَ في البحر سوى السفينة الغريبة وقد نشرت أشرعتها بالكامل. كانت تبدو حينها معرضة لخطر الابتعاد عن الميناء تمامًا والتحطم فوق الشعاب الحادة الواقعة وراءها مباشرةً. وبعد ذلك، حدثت معجزة؛ فقد تحول مسار الرياح وسيقت السفينة نحو الميناء مندفعة بشدة فوق سد رملي، ولكن دون أن يصيبها مكروه.

عندما اقترب أهل المدينة من السفينة، كان أول ما رأوه جثة، رأسها متدلٍّ، ويدها مربوطة بالحبال إلى دفة توجيه السفينة. ولم يكن على متنها أي كائن حي آخر. لقد كانت السفينة تقودها يد ميتة!

قال واحد من أهل المدينة: «ما هذا الذي يمسكه؟» قفز أحدهم فوق ظهر السفينة ليرى. لقد كان صليبًا. وكان أثر ضغط الصليب على اليد يدل على أن القبطان كان يقبض عليه بقوة.

هلع الجميع عندما قفز كلب ضخم من باطن السفينة إلى ظهرها فجأة واخترق الجماهير واختفى في الظلام متجهًا نحو المقبرة.



الفصل السابع

أكثر مرضى الدكتور سيوارد إثارةً للفضول

بصفته طبيبًا، كان جون سيوارد يعلم أن أفضل علاج للقلب المنفطر هو العمل. نعم، كان هذا ما يجب عليه فعله: أن ينهمك في العمل بالمصحَّة النفسية. وكان أحد المرضى مثيرًا للاهتمام بصفة خاصة تجعله الحالة المثالية التي تُلهي الطبيب.

كان اسم المريض آر إم رينفيلد، وكان أغرب المجانين حالًا. كان يتمتع بقوة بدنية كبيرة وتقلبات مزاجية حادة، تتراوح بين نوبات من الاكتئاب التام والإثارة الهائلة. كان أنانيًّا وكتومًا، وكان يبدو أنه يخفي هدفًا غريبًا عزم الدكتور سيوارد على اكتشافه.

كانت السمة الصالحة الوحيدة في رينفيلد — على ما بدا — حبه للحيوانات بما فيها المخلوقات الحقيرة مثل الذباب والعناكب. استدرج رينفيلد الكثير منها إلى غرفته عن طريق النافذة، حتى اضطر دكتور سيوارد إلى وضع حد لهذا.

قال الطبيب بلطف: «لا بد أن تتخلص من هذه الحشرات.»

وما يثير الدهشة أن رينفيلد وافق. في الواقع، عندما طارت ذبابة سمينة جدًّا حولهم في تلك اللحظة، قرر رينفيلد أن يتخلص منها في التَّوِّ واللحظة. فأمسك بها بين إصبعيه، وقبل أن يتمكن دكتور سيوارد من منعه، أكل الحشرة.

شعر دكتور سيوارد بالاشمئزاز، فنهر رينفيلد على ما فعل. لكن رينفيلد أجاب بأن الحشرات كائنات حية، وعندما يأكلها تمنحه تلك الحياة. وبعد مرور أيام، رأى دكتور سيوارد أن رينفيلد أوى حيوانًا جديدًا؛ عصفورًا ممتلئ الجسم، فأشفق الدكتور عليه. ربما كانت الحشرات القليلة المتبقية هي ما اجتذب ذلك العصفور. وبالطبع أكله رينفيلد هو الآخر. وجزم الدكتور بأن رينفيلد قد تعدى كل الحدود عندما طلب قطة بعد ذلك.

أجاب دكتور سيوارد قائلًا: «هذا مرفوض بالطبع.»

•••

ذات ليلة، ذهب دكتور سيوارد لإجراء محادثة مع رينفيلد، لكنه لم يكن في حالة مزاجية تسمح له بالحديث. كانت تغمره الإثارة وكان مشتتًا؛ فلم يقل سوى: «أجل، أخيرًا، اقترب السيد، اقترب السيد.»

وفي وقت لاحق من تلك الليلة، جاء الموظف المقيم لإيقاظ الدكتور سيوارد. لقد هرب رينفيلد من نافذته بالمشفى. ارتدى دكتور سيوارد ملابسه على الفور. لقد كان رينفيلد أخطر من أن يجول في الأرجاء حرًّا.

ما إن خرج دكتور سيوارد، حتى رأى رينفيلد يتسلق جدارًا على مرمى البصر، ويركض نحو كارفاكس الذي كان عقارًا قريبًا منهم. وبعد أن عبر دكتور سيوارد بنفسه من فوق الجدار، وجد رينفيلد لدى الباب المؤدي إلى ذلك الجزء من المنزل الذي كان كنسية في يوم من الأيام. وعندما اقترب الدكتور، سمع ما يلي: «أنا هنا يا سيدي. الآن وقد أصبحت قريبًا، فأنا أنتظر أوامرك.»

لحقه الموظف، وتمكَّنا معًا من الإمساك برينفيلد الذي قاومهما كالنمر، وكأنه وحش لا إنسان. وفي النهاية تمكنا من إعادته إلى المصحة.

كان آخر ما سمعاه قبل أن يغلقا باب الزنزانة: «سأتحلى بالصبر يا سيدي، فأنت قادم!»

بعد هروبه، ظل رينفيلد في حالة غريبة. لقد كان عنيفًا للغاية طوال النهار، ثم هادئًا جدًّا منذ طلوع القمر حتى شروق الشمس. وبعد بضعة أيام، فرَّ المريض ثانيةً راكضًا مباشرةً نحو كارفاكس مرة أخرى، وملقيًا نفسه على باب الكنيسة مرة أخرى.

قاوم رينفيلد وهم يمسكونه، ولم يهدأ إلا عندما رأى شيئًا على مسافة بعيدة. وعندما التفت دكتور سيوارد ليرى ماذا هناك، رأى سفينة كبيرة يرفرف شراعها في صمت وغموض نحو الغرب.



الفصل الثامن

لوسي تسير أثناء نومها إلى المقبرة

رحلت العاصفة عن ويتبي بسرعة كما هبَّت عليها بسرعة، وكأنها حققت غرضها الوحيد. اتَّضَح أن السفينة الغريبة كانت سفينة روسية تُدعى «ديميتر»، تحمل شحنة غريبة جدًّا؛ عددًا من التوابيت الخشبية الضخمة المملوءة بالتراب. وبعد ذلك ببضعة أيام، أتى موظفون لدى إحدى الشركات وقدموا أوراقًا تثبت أنهم استُؤجروا ليأخذوا التوابيت وينقلوها. فصرَّحت الشرطة لهم بنقلها.

في جيب القبطان المتوفى، وجدت الشرطة زجاجة بها رسالة. كان القبطان قد كتب الرسالة قبيل وفاته، وحكى فيها عن طاقم ظلَّ أفراده يُفقدون واحدًا تلو الآخر. كان أحدهم قد أبلغ عن رؤية رجل طويل ونحيف وشاحب البشرة على متن المركب، ولم يكن ينتمي إلى الطاقم. لكن عندما بحثوا لم يجدوا أحدًا.

كانت الرسالة تتحدث عن تزايد الضباب وتعطل المحركات واختفاء المزيد من الرجال. وأخيرًا، لم يتبقَّ سوى القبطان ورجل آخر؛ رجل روماني لم يزعم أنه رأى الغريب الطويل الشاحب فحسب، وإنما زعم أنه طعنه بسكين اخترقت شفرتها جسده وكأنها تمر خلال الهواء!

استنتج الروماني أن ذلك الغريب ربما كان مختبئًا في أحد هذه التوابيت! وأقسم على أن ينزل ويبحث في كل صندوق. لكن بعد دقائق قليلة، سمع القبطان صرخة مروعة بعدها ركض الروماني عائدًا إلى ظهر السفينة.

بحسب ما جاء في الرسالة التي كانت بجيب القبطان، صرخ الرجل والخوف يملأ عينيه: «أنقذني!» كان الرعب قد تملك القبطان وهو يرى الروماني يركض نحو السياج ويلقي بنفسه ليلقى حتفه في المياه الباردة بالأسفل، ظانًّا أن البحر وحده هو الذي يستطيع إنقاذه.

وآخر ما جاء في الرسالة أن القبطان رأى الرجل شاحب البشرة هو الآخر، وقال: «لكني لن أترك عجلة القيادة، مهما حدث، لن يجبرني هذا الوحش الشرير على هذا!»

لم يستوعب أحد ما جاء في هذه الرسالة. هل كان القبطان مجنونًا؟

حضرت المدينة كلها جنازته، باستثناء السيد سويلز المسكين. لقد وجدوه ميتًا ذلك الصباح، جالسًا على مقعد السيدتين المفضل في المقبرة. قال الطبيب إنه مات من الخوف. كان وجهه لا يزال يحمل تعبير التحديق إلى شيء مريع. فما الذي قد يكون رآه؟

أصيبت مينا بإرهاق شديد ليلة الجنازة، حتى إنها غطَّتْ في نوم عميق ولم تسمع لوسي وهي تنهض وتسير أثناء نومها لتنزل الدرج وتخرج من النُّزل.

عندما استيقظت مينا، لم تجد صديقتها؛ فشعرت أنها تعرف إلى أين قد تكون لوسي ذهبت. أحضرت شالًا ثقيلًا وأسرعت نحو الأجراف والمقبرة. وكما توقعت، عندما اقتربت وبزغ ضوء القمر من وراء سحابة، رأت صديقتها من بعيد شاحبة مرتدية ثوب نومها الأبيض وهي تجلس على الشاهد المفضل لديهما.

ولكن ما هذا الذي كان يقف وراءها، ذلك الشيء الطويل الأسود الذي كان يميل نحوها؟ هل هو ظل سحابة؟ شخص ما أو حيوان؟ ركضت مينا بأسرع ما استطاعت، وعندما وصلت تأكدت مما رأت: كان شيء طويل أسود يميل نحو صديقتها التي كانت مُضطجعة.

صاحت: «لوسي!» فرفع الشيء الأسود رأسه ليكشف عن وجه أبيض وعينين حمراوين وامضتين. هل كان ذلك حقيقيًّا أم أنها هي الأخرى كانت تسير أثناء نومها وتحلم؟ أخفت السحب القمر لحظة أخرى، ليختفي كل شيء في الظلام. وعندما عاد القمر، كان الوحش قد اختفى وكانت لوسي لا تزال نائمة. هزَّتها مينا برفق لتوقظها، فأنَّت واضعة يدها على عنقها. ظنت مينا أنها ربما أُصيبت بالتهاب في الحلق بسبب هواء الليل البارد.

أعطت مينا الشال للوسي وثبتته حول عنق صديقتها بدبوس وأعادتها إلى النُّزُل. وفي اليوم التالي، بدت لوسي بخير باستثناء أن عنقها كان به ثقبان دقيقان.

قالت مينا: «أعتذر بشدة، لا بد أنني قد جرحتك بدبوسي.»

قالت لوسي: «لا مشكلة، لم أشعر بأي شيء.» لكن مينا كانت قلقة، فأثناء الإفطار حكت لوسي عن شيء كانت متأكدة من أنه حلم، فوصفت نفس الشيء الطويل الأسود ذي العينين الحمراوين الوامضتين الذي رأته مينا نفسها.

تلك الليلة، أوصدت مينا الباب المؤدي إلى غرفتهما، واحتفظت بالمفتاح في رباط حول معصمها، حتى لا تستطيع لوسي إيجاده ومغادرة النُّزُل ثانيةً. وبالرغم من ذلك، جرَّبت لوسي طريقًا آخر. انتبهت مينا في منتصف الليل على صوت فتح مزلاج النافذة.

ذهبت مينا لتحضر صديقتها وتبعدها عن النافذة. وهناك في السماء الفاصلة بينهما وبين القمر، رأت خفاشًا عملاقًا يحلق في دوائر واسعة.

قالت مينا وهي ترتجف: «عودي إلى فراشك!» وأطاعتها لوسي النائمة.

كل ليلة بعد ذلك، ظلت لوسي تسير أثناء نومها إلى النافذة. وما إن تصل إلى هناك، حتى كانت تغطُّ في النوم ورأسها مستند إلى عتبة النافذة. ذات ليلة هبت ريح باردة أيقظت مينا، وعندما ذهبت لتتفقد صديقتها، وجدتها نائمة هناك، وبجانب عنقها مباشرةً كان يجلس طائر أسود عملاق.

وبمرور الأيام، زادت لوسي شحوبًا أكثر فأكثر. ربما كان هواء الليل البارد هو السبب. لمحت مينا رقبة صديقتها ذات يوم فقلقت عندما لاحظت أن الثقبين الدقيقين لم يكونا في طريقهما إلى الشفاء، بل بالعكس، لقد ازدادا سوءًا! إذا لم يلتئما قريبًا فستصر مينا على عرض لوسي على طبيب.



الفصل التاسع

جوناثان يتحسن ولوسي تتدهور

كم كان ذلك خبرًا مؤلمًا ومطمئنًا في الوقت ذاته! وأي حزن ذلك الذي شعرت به مينا. لقد سمعت أخيرًا خبرًا عن جوناثان، في صورة رسالة من مديره السيد هوكينز.

وفقًا لما جاء في الرسالة، كان جوناثان مريضًا في أحد مشافي بودابست طيلة الأسابيع الستة الماضية. لم يكن قادرًا على التواصل بوضوح، فقد كان يعاني حمى في المخ، ويهذي بأشياء عن الذئاب والسم والدماء والأشباح والشياطين. لم تعرف الممرضات ماذا كان يعني هذا بالضبط، لكنهم صبروا عليه ورعوه حتى استرد صحته.

غادرت مينا متجهة إلى بودابست على وجه السرعة. وعندما وصلت المشفى ورأت خطيبها، كانت تلهث من روع ما رأت. كان جوناثان في غاية الضعف والشحوب.

قال وقد أجهش بالبكاء: «آه يا مينا، إذا كنت لا تزالين ترغبين في الزواج مني، فلن تكون بيننا أسرار. لا أستطيع حقًّا أن أتذكر ما حدث لي قبل وصولي هنا، ولكني أعلم أنني حتمًا دوَّنتُه في مذكراتي اليومية. تقول الممرضات إنها كانت معلقة فوق جسدي عندما وصلت.»

قال جوناثان وهو يعطيها الدفتر الصغير: «أسراري مطوية بين غلافَيْ هذا الدفتر. اقرئيها في الظرف والوقت المناسبين.»

أخذت مينا الدفتر ووضعته جانبًا دون أن تفتحه. وافقت على الزواج بجوناثان وأقاما حفل الزفاف في ذلك اليوم، بينما كان لا يزال في فراشه بالمشفى. لقد أهدرا ما يكفي من الوقت!

في الوقت ذاته، في لندن، حيث عادت لوسي بعد رحيل مينا من ويتبي إلى بودابست، استمرت معاناة لوسي من الأحلام الغريبة التي لازمتها في ويتبي. لم تستطع قطُّ تذكر التفاصيل، لكنها كانت تصحو دائمًا والخوف يملؤها. كان وجهها يزداد شحوبًا على نحو غامض، وكان الجرح في رقبتها يتدهور يومًا بعد يوم.

قلق خطيب لوسي — آرثر هولموود — للغاية، وطلب من صديقه الدكتور جون سيوارد أن يحضر للغداء ليأخذ رأيه. قال له آرثر: «لا تخبرها بسبب مجيئك.»

لاحظ جون سيوارد أن لوسي كانت متغيرة كثيرًا. وأخبر آرثر أنه يفضل الكتابة إلى صديقه القديم ومعلمه الطبيب العظيم الأستاذ الجامعي فان هيلسنج في أمستردام؛ حيث كان يعرف عن الأمراض غير المألوفة أكثر من أي شخص آخر في العالم.

وافق آرثر وحضر الأستاذ فان هيلسنج. بدا قلقًا ولم يذكر السبب بعد، لكنه طلب بدلًا من ذلك إمهاله بعض الوقت للتفكير في حالة لوسي. في الوقت نفسه، طلب من الدكتور سيوارد أن يبقي عينيه على لوسي ويسجل كل التفاصيل مهما كانت بسيطة.

استمرت حالة لوسي في التدهور. عندما رآها فان هيلسنج كانت شديدة الشحوب حتى إنه لم يتبق عمليًّا أي احمرار في شفتيها أو لثتها. عبس فان هيلسنج وأخذ دكتور سيوارد إلى الرواق، ثم صاح قائلًا: «لا بد أن نجري لها نقل دم على الفور!»

تبرع آرثر بالدم، وفي غضون دقائق عادت الحياة إلى وجنتي لوسي. تنهدت وحركت رأسها حركة خفيفة. تحركت ياقة ثوب النوم الذي كانت ترتديه فكشفت عن العلامات الحمراء على رقبتها.

وعندما رأى فان هيلسنج العلامات، شهق بسرعة كبيرة حتى كاد يُسمع لنفَسه صفيرٌ. لم يلاحظ آرثر هذا لكن الدكتور سيوارد لاحظه. انتظر حتى اختلى بفان هيلسنج ليسأله: «ما الذي تستنتجه من تلك العلامات على رقبتها؟»

أجاب فان هيلسنج: «لست مستعدًّا للإجابة الآن، عليَّ العودة إلى أمستردام الليلة للرجوع إلى كتبي. ويجب أن تبقى هنا طوال الليل ولا تدعها تغيب عن نظرك.» ثم أمسك بذراع سيوارد وقال: «أنا جادٌّ في ذلك. يجب ألا تنام. سأعود سريعًا، وعندها سنبدأ.»

سأله: «نبدأ ماذا؟»

أجاب: «سوف ترى.»

اتفق الرجلان على عدم إخبار آرثر بالكثير، حتى لا يزيد قلقه. فهما على كل حال طبيبان مستعدَّان لمواجهة مثل هذه الأمور. وتنفيذًا للتوجيهات، راقب دكتور سيوارد لوسي طوال تلك الليلة والليلة التي تلتها. نامت لوسي كالطفل الصغير مطمئنة بوجود الطبيب إلى جوارها. وبسبب نقل الدم والراحة التامة، بدت في أتم صحة بعد يومين فقط.

أما الدكتور سيوارد المسكين، فقد كانت حالته مختلفة. في اليوم الثالث، أمسكت لوسي يده، وقالت: «لن تسهر الليلة. تبدو في حالة مزرية وقد أصابك إعياء شديد. وكما ترى، لقد استرددت عافيتي ثانيةً.»

تردد دكتور سيوارد، لكنه كان متعبًا كثيرًا، ووعدته لوسي بأن تنام في الغرفة المجاورة لغرفته وأن تترك الباب مفتوحًا حتى يسمعها إذا احتاجت إلى أي شيء.

استيقظ دكتور سيوارد في الصباح التالي بعد أن هزه فان هيلسنج الذي كان عابسًا. سأله: «كيف حال مريضتك؟»

قال دكتور سيوارد: «لقد كانت بخير الليلة الماضية.»

ذهب الرجلان للاطمئنان عليها. عندما فتحا ستائر الغرفة المجاورة، اعترتهم صدمة كبيرة، فقد كانت لوسي أكثر شحوبًا وضعفًا مما كانت عليه قبل ذلك بيومين. كان يبدو أن جسدها لم يعد يحمل قطرة دم واحدة.

تمتم فان هيلسنج مستهجنًا: «ضاع مجهودنا سُدًى، علينا أن نبدأ من جديد!»

كان جون سيوارد هو من تبرَّع بالدم هذه المرة. ولأنه كان مسئولًا عما حدث، شعر براحة كبيرة وهو يرى التأثير الفوري لنقل الدم مرة أخرى على المريضة.

في الصباح التالي، أحضر فان هيلسنج للوسي زهورًا، ورتبها في أنحاء غرفتها بعناية.

قالت لوسي: «إنها رائعة، ولكن ما هذه الرائحة؟» ثم أدركت ماذا كانت هذه الزهور؛ لقد كانت ثومًا! فقالت: «هل هذه مزحة؟»

أجاب فان هيلسنج في حدة: «الموقف لا يحتمل أي مزاح، وسوف تتركين هذه الزهور هنا، من أجل الآخرين إن لم يكن من أجل نفسك.» بدت لوسي خائفة، فقال لها فان هيلسنج بلطف: «أعتذر بشدة، لم أقصد أن أفزعك. هلا قبلت مني هذه الزهور المتواضعة على سبيل المجاملة؟ وهلا أسديتني معروفًا آخر بوضع إكليل منها حول رقبتك وعدم خلعه؟»

قالت لوسي: «يشرفني أن أقبل زهورك.»

قال فان هيلسنج: «يبقى أمر أخير، لا تفتحي نوافذ غرفتك أو أبوابها.»

لم تفهم لوسي، لكنها وافقت.

•••

في الصباح التالي، قابل الطبيبان سيوارد وفان هيلسنج والدة لوسي في الرواق بالأسفل.

سألها فان هيلسنج مبتهجًا: «كيف أصبحت مريضتنا؟» حرصًا عليها، لم يخبرها أي منهما بمدى خطورة حالة لوسي.

قالت السيدة ويستينرا: «حسنًا، ربما لم تكن في أحسن حال، لكنني عالجت الأمر.»

سألها دكتور سيوارد منفعلًا: «ماذا تقصدين؟»

شرحت له السيدة ويستينرا: «حسنًا، عندما ذهبت لأطمئن عليها الليلة الماضية، كانت الغرفة ممتلئة بأزهار ثوم كريهة الرائحة وكانت عديمة التهوية لأن النوافذ كانت مغلقة. لذا، ألقيت الزهور بعيدًا وفتحت النافذة ليدخل بعض الهواء النقي. أنا متأكدة من أن ابنتي نعمت بنوم أفضل الليلة الماضية بفضلي.»

دون إبداء أي رد فعل أمام والدة لوسي، انتظر الرجلان حتى مرت، ثم هرعا إلى غرفة لوسي. بالطبع، حدث ذلك ثانيةً. كانت لوسي أكثر شحوبًا من أي وقت مضى. ثار غضب فان هيلسنج لحظة فصاح قائلًا: «كيف يمكننا محاربة هذه الشياطين؟» لم يفهم دكتور سيوارد دلالة هذا التعليق بالتحديد. لكنه تمالك نفسه بعد دقيقة وعاد لعمله. هذه المرة، كان فان هيلسنج هو من تبرع بالدم.

اضطر دكتور سيوارد للعودة إلى المصحة لتفقد بعض مرضاه، لذا وافق فان هيلسنج على البقاء مع لوسي. وكان آرثر قد ذهب في رحلة عمل.

بعد مرور بضع ليالٍ، كان الدكتور سيوارد في مكتبه يقرأ بعض الكتب الطبية بعد العشاء، عندما انفتح الباب فجأة وباغته رينفيلد ممسكًا سكينًا. قبل أن يتسنى للدكتور سيوارد أن يبدي أي رد فعل، كان رينفيلد قد جرح معصم الدكتور بالسكين، فتساقطت بعض نقاط الدم على الأرض.

دخل الموظفون المقيمون متأهبين للتصرف معه، لكن رينفيلد كان مطروحًا على الأرض بالفعل. كان راقدًا على بطنه يلعق الدماء مثل الكلب في مشهد مثير للاشمئزاز. وخلد الدكتور سيوارد للنوم وهو منزعج بشدة.

وزاد انزعاجه في الصباح التالي عندما تسلم برقية وصلت متأخرة يومًا كاملًا. كانت رسالة عاجلة من فان هيلسنج يقول فيها إنه اضطر للمغادرة إلى أمستردام على الفور ويطلب من دكتور سيوارد أن يمضي الليلة مع لوسي. أدرك دكتور سيوارد مع الأسف أن الرسالة كانت تشير إلى الليلة الماضية. وقد أمضت لوسي الليلة وحدها.

هرع دكتور سيوارد والخوف يتملكه إلى منزل عائلة لوسي. وعندما وصل، التقى فان هيلسنج وهو يركض لاهثًا في الرواق. وكما هو متوقع، رأى الرجلان مشهدًا مرعبًا.

حكت لهما لوسي فيما بعد أنها وجدت نفسها وحيدة الليلة الماضية، وكانت مطمئنة إلى زهور فان هيلسنج — التي كان قد أعاد وضعها — وحرصت على وضعها حول رقبتها قبل أن تأوي إلى الفراش. لكن عندما حاولت أن تغمض عينيها، استيقظت على أصوات نباح كلاب جاءت من بعيد ورفرفة غريبة على نافذتها.

كانت قد شعرت بوهن وتوتر شديدين، حتى إنها طلبت من والدتها أن تستلقي إلى جوارها. وأردفت لوسي قائلة إنه في خلال دقائق سمعت صوت عواء منخفض خارج النافذة مباشرةً. ثم حدث اقتحام بشع حيث قفز ذئب عملاق من النافذة مخترقًا الزجاج.

ملأ الرعب صدر والدة لوسي، فتشبثت بزهور الثوم التي كانت حول رقبتها فمزقتها. لكن الزهور لم تكن لتنقذها: مزَّق الذئب رقبتها، فقتلها ثم اندفع خارجًا من النافذة مرة أخرى.

تجمدت لوسي في مكانها مرتعدة، وحيدة، مع جثة والدتها. لم تجرؤ على الخروج. ولم تجرؤ على الحراك. لكنها ظلت تصلي فقط.

كانت هذه المرة هي أصعب معارك فان هيلسنج على الإطلاق. لقد استطاع أن ينعش لوسي قليلًا باستخدام بعض الأملاح كريهة الرائحة، لكنها كانت تحتاج إلى مزيد من الدماء وكلا الطبيبين كانا قد أجريا نقل دم بالفعل.

انطلق صوت يقول: «هل يمكن الاستعانة بي؟» وعندما نظرا، وجدا كوينسي موريس، الرجل الذي جاء من تكساس وعرض الزواج على لوسي. كان آرثر قد طلب من موريس أن يمر بلوسي ليطمئن عليها في غيابه. وأجرى فان هيلسنج نقل الدم.

شُفيت لوسي مرة أخرى، لكن كان بها شيء مختلف هذه المرة. ربما كان هذا الشيء في عينيها؟ ربما كانت تحمل قسوة جديدة عليها؟ كان من الصعب تحديد هذا الشيء. بالإضافة إلى ذلك، كانت أسنانها قد نمت قليلًا. وهذه الحقيقة هي أكثر ما أقلق فان هيلسنج.

في يقظتها، كانت تجذب زهور الثوم بالقرب منها. لكن أثناء نومها، كانت تبعدها عن نفسها وتكشف رقبتها. وظلت أسنانها تزداد طولًا. لكن سرعان ما لاحظ الدكتور سيوارد أن الجروح التي كانت في رقبتها قد اختفت تمامًا.

صاح دكتور سيوارد: «يا له من خبر سعيد!» لكن فان هيلسنج استنتج من هذا أمرًا مختلفًا، فأعلن قائلًا: «إنها تحتضر. ولم يبق أمامها وقت طويل. اذهب وأحضر آرثر، لا بد أن نخبره.»

انحنى آرثر منفطر القلب مرتبكًا نحو عروسه التي لن يتزوجها أبدًا. وعندما رأته لوسي، دبت فيها قوة مفاجئة. صاحت: «آرثر، أنا سعيدة جدًّا لأنك أتيت. قبِّلني! قبِّلني!»

أمسكت عنقه وجذبته نحوها بكل قوتها المفاجئة. هرع فان هيلسنج نحوهما وجذب آرثر، ودفعه للخلف فألقاه في الجانب الآخر من الغرفة. وصرخ قائلًا: «إياك أن تفعل! من أجل حياتك وحياتها!»

كسا الغضب لحظات وجهي كل من لوسي وآرثر، لكنه سرعان ما اختفى من وجهها وشعرت بالامتنان لما فعله فان هيلسنج. قالت: «أشكرك، أرجوك أن تحميه وتمنحني السلام.» وعندئذٍ لفظت أنفاسها الأخيرة، ورحلت.

اندفع آرثر خارج الغرفة غاضبًا حزينًا. اقترب دكتور سيوارد ووقف إلى جوار فان هيلسنج ناظرًا إلى لوسي المسكينة.

قال دكتور سيوارد: «أيتها المسكينة، يا لها من نهاية مأساوية.»

أجاب فان هيلسنج: «كلا، إنها ليست إلا بداية.»



الفصل العاشر

فان هيلسنج يطلب الإيمان

عجَّل وجود مينا بجانب جوناثان بشفائه. لكن سعادة الحياة ظل يشوبها الحزن. فقد توفي السيد هوكينز مؤخرًا وترك لهما في وصيته بيتًا قديمًا جميلًا في إكستر. كانا يشعران بالامتنان والسعادة، لكنهما افتقدا صديق جوناثان القديم ومعلمه. ومنذ أيام قليلة فقط علما بحادثي وفاة لوسي ووالدتها الأليمين.

إضافةً إلى أن أحداثًا غريبة أخرى كانت تجري في لندن، حيث كانت نشرات الأخبار الليلية تتحدث عن اختطاف أشخاص وعودتهم وعلى رقابهم ثقوب صغيرة؛ عضات من نوع ما. لقد كانت تلك بلا شك أوقاتًا مرعبة ومربكة.

كان الأستاذ فان هيلسنج قد كتب إلى مينا يسألها أن تسمح له بزيارتها في إكستر. ومع أن جوناثان كان في طريقه إلى الشفاء، رأت مينا أن فان هيلسنج يستطيع مساعدته هو الآخر. كان لا يزال يبدو مضطربًا في بعض الأحيان.

فمثلًا، في جنازة السيد هوكينز في لندن، كانا يجلسان هناك في هدوء عندما تشبث جوناثان فجأة بذراع مينا وتمتم بأنفاس متقطعة: «يا إلهي!» التفتت مينا لترى ما ينظر إليه. كان هناك رجل طويل نحيف ذو شارب أسود ولحية مدببة. كان وجهه قاسيًا وأسنانه ناصعة البياض — لأن شفتيه كانتا شديدتي الاحمرار — وطويلة ومدببة كأسنان الحيوانات.

تمتم جوناثان: «إنه هو، ولكن كيف يُعقل هذا؟ لقد عاد إلى ريعان شبابه!»

قلقت مينا عليه، فأخذته بعيدًا عن حشد الجنازة.

بدأت حديثها قائلةً: «أرجوك لا تغضب، لكن لا بد أن أفهم ما الذي حدث لك عندما كنت مسافرًا، هل تسمح لي بقراءة مذكراتك اليومية؟»

عندما بدأت تقرأ المذكرات في وقت لاحق من ذلك اليوم، لم تكد تصدق ما مَرَّ به جوناثان. وبينما كانت تقرأ، أعادت كتابة لغته المختصرة بلغة مفصلة. وما إن انتهت من الصفحة الأخيرة، حتى وصل فان هيلسنج.

كان عليها تأجيل أسئلتها له حتى يسألها هو، فقد كان لديه الكثير ليسأله بشأن ما حدث للوسي، وخاصةً في ويتبي. كانت مينا شابة دقيقة الملاحظة تدوِّن كل شيء في مذكرات خاصة بها، وسألها فان هيلسنج أن تسمح له بقراءتها.

قالت مينا: «دكتور فان هيلسنج، يسعدني كثيرًا أن أعطيك أي معلومات أعرفها عن لوسي، لكن هلا ساعدت زوجي أيضًا؟»

أجاب فان هيلسنج: «بالطبع سأفعل، كيف تريدين أن أساعده؟»

قالت مينا: «سأريك شيئًا، إنه نص مذكرات زوجي.» كانت تقبض على الأوراق بإحكام. ثم أردفت: «لكن لا بد أن تعدني ألا تضحك أو تصدر حكمًا مسبقًا عليه. فالأشياء التي كتب عنها ... ليست عادية.»

طمأنها فان هيلسنج قائلًا: «لا تقلقي، فأنا معتاد على الأمور الغريبة.» وعدها فان هيلسنج بأن يأخذ الأوراق معه إلى المنزل ليقرأها.

وبعد مرور بضعة أيام، تلقت مينا برقية من أربع كلمات: «كل ما قاله صحيح.»

وفي الوقت ذاته، كان آرثر هولموود في لندن يواجه الحقائق المريعة التي اكتشفها. أثناء وقوف آرثر مع جون سيوارد بجانب جثة لوسي بينما كان الطبيب يعدُّها للدفن، سأله آرثر: «جون، هل هي ميتة حقًّا؟»

حتى في موتها، كان جسد لوسي يبدو صحيحًا على نحو غريب. شيء ما كان يجري، وكان الدكتور سيوارد بحاجة إلى معرفته. لاحقًا، عندما اختلى دكتور سيوارد بفان هيلسنج، طالب بأن يعرف الحقيقة كاملة.

سأله فان هيلسنج: «ألا تساورك شكوك؟»

هز دكتور سيوارد رأسه.

قال فان هيلسنج: «لا يدهشني هذا، فأنت رجل علم. أحيانًا، يشقُّ على رجال أمثالك أن يفهموا الأمور التي لا يوجد لها تفسير إلا في كتب السحر. فمثلًا، هل يمكنك أن تخبرني لم تعيش بعض العناكب أيامًا قلائل وتعيش بعض العناكب الضخمة الأخرى قرونًا داخل أبراج الكنائس الإسبانية العتيقة، ويستمر حجمها في الازدياد يومًا بعد يوم إلى أن تشرب الزيت الموجود في مصابيح الكنيسة بأكمله؟»

سأله دكتور سيوارد: «العناكب؟»

أردف فان هيلسنج: «ولم تعمر السلاحف أكثر مما تعمر أجيال من البشر؟ لم تستمر حياة الفيل على مر عهود طويلة؟»

كان رأس الدكتور سيوارد يدور، فصاح: «انظر يا أستاذي، أخبرني فقط! هل هذا نوع غامض من الأمراض، وهل يُحتمل أن تكون اللدغة التي كانت على رقبتها هي السبب فيه؟ وهؤلاء الرجال الذين عُثر عليهم في المدينة وقد أصيبوا بثقوب في رقابهم؛ هل لدغهم نفس المخلوق الذي لدغ لوسي؟ لا أستطيع أن أجد إجابة عن ذلك. لِمَ تتحدث عن العناكب والسلاحف والفيلة في حين ما أحتاجه هو أن تخبرني ما يجب فعله؟»

قال فان هيلسنج في هدوء: «ما يجب عليك فعله هو أن تصدق ما يستعصي تصديقه. يجب أن تتحلى بالإيمان. أتقدر على ذلك؟»

وعده دكتور سيوارد بأن يحاول.



الفصل الحادي عشر

لوسي تتغير أكثر

سُر فان هيلسنج لوعد دكتور سيوارد، وقال له: «سأمنحك إجابة قاطعة، الثقوب الدقيقة التي وجدوها على أعناق أهل المدينة لم يحدثها المخلوق الذي لدغ الآنسة لوسي.» ثم توقف لحظة وأردف: «بل أحدثتها الآنسة لوسي نفسها.»

قال دكتور سيوارد متعجبًا: «أستاذ هيلسينج، هل جننت؟»

قال فان هيلسنج: «أستطيع إثبات ما أقول، تعال معي الليلة إلى المقبرة.» وأخرج شيئًا من جيبه، وقال: «لقد تمكنت من الحصول على مفتاح القبر.»

لم يُصب دكتور سيوارد بارتباك كهذا طيلة حياته. وبالرغم من ذلك، فقد كان يثق في معلمه القديم ويحترمه أكثر من أي شخص في العالم، لذا وافق على الذهاب معه. سيحاول أن يصدق؛ أن يتحلى بالإيمان.

في مقبرة لوسي تلك الليلة، نظر دكتور سيوارد بينما كان فان هيلسنج يفك مسامير نعش لوسي ويرفع الغطاء. كان النعش فارغًا.

سأله فان هيلسنج: «هل هذا دليل كافٍ؟»

أجاب جون سيوارد: «ربما سرقها لص من لصوص الجثث.»

قال فان هيلسنج: «حسنًا، سأعطيك دليلًا آخر.»

في تلك الليلة انتظرا عودة لوسي. لاح بين الأشجار شبح أبيض، لكنه لم يكن لوسي. لقد كان شبح طفلة. شك فان هيلسنج في أن لوسي لم تكن بعيدة، وأنها قد تكون طاردت الطفلة. لحسن الحظ، لم تصب الطفلة بأذى، لكنها كانت منهكة ومتَّسخة ومذعورة. شعر فان هيلسنج بأن الأولوية هي أخذ الطفلة للشرطة بعيدًا عن الأذى. قال دكتور سيوارد: «أظنها فكرة سديدة.» لم يكن مقتنعًا بعد بنظرية فان هيلسنج عن لوسي.

وفي صباح اليوم التالي، عاد دكتور سيوارد مع فان هيلسنج إلى المقبرة، وهذه المرة، كانت لوسي في نعشها. وقد بدت أجمل مما كانت عليه وهي حية، أمر لا يُصدق. كانت وجنتاها متوردتين، وكانت شفتاها حمراوين.

قال فان هيلسنج: «ألم تقتنع بعد؟»

رد سيوارد مترددًا: «حسنًا، ربما أعادها لص الجثث.»

قال فان هيلسنج: «ليس هذا بوجه امرأة ميتة.» وجذب شفتي لوسي للخلف ليكشف عن أسنان بيضاء طويلة وحادة، وقال: «لكن هذه هي الأسنان التي كانت تلدغ السكان المحليين.» وأثناء حديثه، وضع بعض الثوم حول النعش ووضع صليبًا حول رقبة لوسي، وأضاف: «حسنًا يا جون. هذه هي الحقيقة الدامغة كاملة: لقد عض لوسي مصاص دماء وهي تسير نائمة. والآن تحولت إلى مصاص دماء. ولا بد أن أقتلها وهي نائمة.»

قال دكتور سيوارد وهو في حالة ذهول: «أكمل حديثك.»

قال فان هيلسنج: «لا بد أن أطعنها بوتد في قلبها. لا بد أن أفعل هذا بها أولًا ثم بمصاص الدماء الأكبر الذي فعل هذا بها. لكن ليس الليلة. علينا أن نُعلم آرثر بهذا الخبر.»

قال دكتور سيوارد متعجبًا: «آرثر! لا يمكننا أن نخبره. لن يستطيع تحمل أخبار كهذه.»

اعترض فان هيلسنج قائلًا: «بل علينا أن نخبره. إنه يشعر بوجود خطب ما، ولكن لا يعلم ما هو. وهذا يجعل الغضب والقلق يستبدَّان به. بحالته هذه، لن يبرأ حزنه أبدًا. لا بد أن يعرف الحقيقة.»

في الليلة التالية، بناءً على طلب فان هيلسنج، جمع دكتور سيوارد موريس وآرثر وقابلوا فان هيلسنج في فندقه.

سأل فان هيلسنج الرجال الثلاثة الواقفين أمامه: «هل تثقون بي؟ هل ستشدون من أزري في أي شيء يجب عليَّ فعله؟»

أحنى جون سيوارد الذي كان على علم مسبق بالخطة رأسه في صمت معربًا عن مواقفته. قال موريس: «لا أعلم ما الذي يجري هنا لكني أثق في الأستاذ وأقسم أنه أمين، وهذا يكفيني. سأشارك معكم.»

لم يقتنع آرثر بسهولة كغيره. قال: «لا أقصد أن أكون عنيدًا، لكنني رجل مسيحي ونبيل. إذا طمأنتموني إلى أن ما تعزمون عليه لا يخالف أيًّا من هذين الأمرين، فسوف أساندكم.»

قال فان هيلسنج: «وأنا أقبل بشرطك. اتبعوني.»

بينما كان فان هيلسنج يقود الرجال إلى ساحة الكنيسة حيث دُفنت لوسي، كان توتر آرثر يزداد. فأمسك بذراع فان هيلسنج وقال: «انتظر هنا، ماذا نفعل؟»

تحدث فان هيلسنج مباشرةً: «سندخل مقبرة لوسي ونفتح نعشها.»

صاح آرثر: «بالطبع لن أسمح بذلك!»

سأله فان هيلسنج: «ولماذا؟ لو كانت ميتة، فلن يضرها ذلك.»

سأل آرثر مأخوذًا: «لو؟ هل تعتقد أنها قد لا تكون ميتة؟ هل حدث خطأ ما؟ هل دُفنت حية؟»

شرح له فان هيلسنج على مهل: «إنها ليست حية، لكنها قد تكون بعيدة كثيرًا عن الموت.»

نظر إليه آرثر وكأنه على وشك أن يقتلع رأسه، وقال له: «أنا أحذرك يا سيد، من واجبي أن أحمي قبرها، وأقسم بالله أن أفعل هذا.»

أجاب فان هيلسنج: «وأنا أيضًا لدي واجب عليَّ القيام به، واجب نحو الآخرين، ونحوك، ونحو الأموات، وأقسم بالله أني سأفعله. كل ما أطلبه هو أن تأتي معي، أن تنظر وتسمع، ثم تقرر.»

ووافق آرثر.



الفصل الثاني عشر

لوسي تتغير مرة أخرى

لم يكن متبقيًا على منتصف الليل سوى خمس عشرة دقيقة عندما تسلقت المجموعة التي تألفت من فان هيلسنج وكوينسي موريس وسيوارد وآرثر سورًا منخفضًا ووصلت إلى المقبرة. فتح الأستاذ فان هيلسنج الباب وأضاء مصباحًا وأشار إلى تابوت لوسي. لقد كان فارغًا.

انتفض آرثر وكأنه يشعر بألم. لكن الأستاذ انطلق في أرجاء المكان؛ فأولًا أغلق التابوت، وأخذ قطعة من خبز القربان بين يديه، ثم فتتها وبللها وصنع ما يشبه العجين. ووضع هذا العجين في سدادات التابوت.

سأله موريس: «ماذا تفعل؟»

أجاب: «أسد المقبرة بخبز القربان؛ ذلك الخبز المقدس. فهو يطرد الشر. والآن لننتظر بالخارج.»

أمَّن الرجال أماكنهم بين الشجيرات. حذرهم فان هيلسنج قائلًا: «صه! أحدهم قادم.»

جثم الرجال وظلوا يراقبون، كان جسم أبيض يتحرك تجاههم. وعلى الفور، أدركوا جميعًا أنها كانت لوسي، لكنهم صدموا جميعًا للتغير الذي أصابها. لقد تحولت عذوبتها بطريقة ما إلى قسوة، وتحول نقاؤها القديم إلى شر جديد. تسارعت أنفاس آرثر.

رفع فان هيلسنج مصباحه وسلَّط الضوء على لوسي. وفي ضوء المصباح، رأى الرجال أن شفتيها كانتا قرمزيتين بفعل آثار دماء حديثة.

وعندما رأت لوسي الرجال، زمجرت واستهجنت في غضب، كالقطة التي باغتها أحدهم. كان الشر يتطاير من عينيها. ولكن حينئذ غيرت مسارها. نادت: «آرثر» ومدت ذراعيها نحوه في رقة مردفة: «اقترب مني.» تحرك آرثر نحوها كالمسحور، واندفعت هي نحوه. لكن فان هيلسنج كان مستعدًّا لمواجهتها، فقفز بين الاثنين، ممسكًا بيده صليبًا ذهبيًّا. قفزت لوسي إلى الوراء وقد تحولت ملامح وجهها وأسرعت فيما يبدو عائدةً إلى قبرها.

لكن عندما أصبحت على بُعد قدم أو اثنين منه، توقفت، حيث شعرت بخبز القربان الذي وضعه فان هيلسنج بداخله. فعادت مرتبكة وغاضبة. وكأن الشرر كان يتطاير من عينيها؛ لو كانت النظرات تقتل لكانت نظراتها قاتلة. لقد كانت وحشًا.

سأل فان هيلسنج آرثر: «هل أستمر؟»

سقط آرثر على ركبتيه وقال في وهن: «افعل اللازم.» أغمض عينيه ظانًّا أن فان هيلسنج سيقتل لوسي حينها. ولكن بدلًا من ذلك، سار فان هيلسنج نحو لوسي، وأزال الخبز من تجاويف النعش، وفتح التابوت وتراجع. انسلَّت لوسي بداخله بشعور لا يوصف إلا بالراحة، وأغلق الأستاذ الغطاء.

قال: «الليلة ليست الوقت المناسب.»

وفي اليوم التالي، عادوا ووجدوا لوسي نائمة في نعشها. ألقى الرجال نظرة أخيرة على فم المرأة الجميلة الذي كان لا يزال ملطَّخًا بالدماء. كانت الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها أثناء نومها تقليدًا شيطانيًّا لعذوبتها التي تميزت بها أثناء حياتها.

أخرج فان هيلسنج أدواته من حقيبته الطبية سريعًا، ومن بينها وتد خشبي مستدير مسنن الطرف.

شرح لهم فان هيلسنج الأمر قائلًا: «عندما يصبح ضحايا العض أشباحًا بصورة قاطعة، يواصلون افتراس ضحايا جدد وينشرون شرهم. وإذا لم نوقفهم تتسع الدائرة دون توقف، كالموجات التي تتكون عند إلقاء حجر في الماء.» تحدث بلطف إلى صديقه قائلًا: «آرثر، لو كنت تركت لوسي تقبِّلك ذلك اليوم عندما منعتها أول مرة أو الليلة الماضية عندما أردت أن تحتضنها ثانيةً، لأصبحت مصاص دماء أيضًا.»

وأضاف: «أما إذا قتلناها الآن، فستشفى على الفور جراح كل البشر الذين عضتهم حتى الآن، حيث لن يعود لها سلطان عليهم. وسنحرر لوسي هي الأخرى.

بدلًا من أن تزداد شرًّا يومًا بعد يوم، ستكون ملاكنا في المكان الذي تستحقه، في المكان الذي تنتمي إليه، مع الملائكة الآخرين. ستجد أننا نسديها معروفًا، إذا فكرت من هذا المنظور.»

قال آرثر في ثبات: «إذن اترك لي هذه المهمة، فقط أخبرني بما عليَّ فعله.»

أوضح له فان هيلسنج أن عليه طعنها بوتد مباشرةً في قلبها. وقال: «يجب ألا تتردد.»

ولم يتردد آرثر. ففي لحظة انتهت المهمة المريعة، ولم يكن في النعش وحش شرير، وإنما كانت لوسي التي عهدوها، بجسدها الطبيعي. الهدوء الذي كان يعلو وجهها بعث الطمأنينة في قلوب الرجال الثلاثة عندما نظروا إليه. وأخيرًا رقدت لوسي في سلام.

قال فان هيلسنج: «الآن يمكنك تقبيلها.»

انحنى آرثر نحوها وطبع على جبينها قبلة.

أعلن فان هيلسنج قائلًا: «لقد بدأ عملنا للتوِّ، علينا بعد ذلك أن نجد الذي تسبب في كل هذه المأساة ونسحقه. فهل ستساعدونني جميعًا؟ هل سنعمل كفريق؟»

اتفق الرجال على أن يلتقوا بعد ذلك بليلتين في المصحة التي كان يعمل بها ويعيش بها الدكتور سيوارد. كان فان هيلسنج سيحضر رجلين آخرين، وقال إن جوناثان هاركر قد احتفظ بمذكرات دقيقة تروي لقاءه بالوحش، وهذا سيفيدهم في سعيهم.

تصافح الرجال وتعاهدوا على أن يستمروا في الكفاح حتى يقضوا على الشر.



الفصل الثالث عشر

الرجال يستبعدون مينا

عاد فان هيلسنج في زيارة سريعة إلى منزله بأمستردام للرجوع إلى بعض كتبه، وغادر جوناثان ليتفقد الشحنة التي نُقلت من ديميتر؛ المركب الذي كان قد وصل ويتبي في ظروف غريبة. في الوقت نفسه، ذهبت مينا إلى المصحة لتزور السيد سيوارد. كانت تريد أن تسمع آخر تفاصيل وفاة صديقتها القديمة لوسي. كانت القصة وحشية وغامضة. لو أن مينا لم تقرأ أحداثًا مشابهة في دفتر مذكرات جوناثان عن ترانسلفانيا، لظنت أن الدكتور سيوارد قد فقد عقله.

تعجب كلاهما من المصادفة التي حدثت؛ فقد علما مما جاء في مذكرات جوناثان أن كارفاكس — المنزل الذي اشتراه الكونت مؤخرًا — كان بجوار المصحة مباشرةً. والآن فهم الدكتور سيوارد سبب التصرفات الغريبة التي كانت تصدر من رينفيلد؛ مريضه الذي كان يشتهي دماء الحيوانات.


بالإضافة إلى ذلك، اتضح أن بعض التوابيت — على الأقل — التي كانت ممتلئة بالتراب قد وُضِعَت في عقار كارفاكس. كان أحد الموظفين المقيمين قد أخبرهم أنه رأى طردًا ضخمًا يُسلم في يوم سابق.

سرعان ما أصبح الجميع حاضرين ومتأهبين للبدء في التخلص من الوحش الشرير. كان بينهم بالطبع فان هيلسنج، القائد غير الرسمي للفريق. وجوناثان هاركر، الرجل الوحيد بينهم الذي التقى الكونت بالفعل وجهًا لوجه. وكوينسي موريس، الذي كان يبدو مرحًا لكن يمكن الاعتماد عليه. ودكتور جون سيوارد، الذكي صاحب التفكير العلمي. واللورد جودالمينج، الذي كان رجلًا صاحب أخلاق رفيعة وأموال كثيرة، سيحتاج الفريق إليهما بالتأكيد.

سألت مينا: «وماذا عني؟»

أجاب فان هيلسنج: «إنك لا تقلين فطنةً عن أي رجل، لكن مطاردة مصاصي الدماء عمل لا يصلح للسيدات.»

وأمسكت مينا لسانها وصمتت.

بينما خرج موريس ليجمع الأسلحة، أخبر فان هيلسنج المجموعة ببعض التفاصيل الأساسية عن مصاصي الدماء. فأوضح لهم أنه في كل مرة يعض مصاص الدماء، يزداد قوة. ومصاص الدماء لديه القدرة على توجيه الطقس وإرسال العواصف والضباب والرعد. يستطيع أن يأمر الفئران والبوم والخفافيش والذئاب. ولا يمكن رؤيته في المرايا. يمتلك مصاص الدماء الواحد قوة عدة رجال، ويمكنه أن يصبح ضخمًا أو أن يختفي تمامًا.

قال فان هيلسنج مؤكدًا: «ولكن يجب ألا ننسى، أننا — نحن البشر العاديين — أقوياء أيضًا، فالعلم سلاحنا. ولدينا حرية الفكر وحرية التصرف. ومصاص الدماء لديه بضع نقاط ضعف كبيرة. تتبدد قوته مع شروق شمس كل صباح. ولا يستطيع أن يتحول إلا عند شروق الشمس أو غروبها بالضبط. وهو يخشى الصلبان والثوم.»

سأل آرثر: «ما الخطة؟»

قال فان هيلسنج: «يجب أن نجد كل تابوت من التوابيت الخمسة عشر ونطهر التراب الذي بداخلها باستخدام الخبز المبارك؛ حتى لا يتمكن الكونت من العودة إليها. وبعدها، لا بد أن نجد ذلك الوحش، بين الفجر وغروب الشمس عندما يكون في أضعف حالاته، ونغرس وتدًا في قلبه.»

قاطعهم صوت تهشم زجاج. لقد كان صوت تهشم النافذة المجاورة لهم. شخص ما أطلق الرصاص عليها. انحنى كل منهم متفاديًا الهجوم ظنًّا منهم أنه الكونت، لكن كل ما في الأمر أن الرصاصة أطلقها كوينسي موريس من أسفل وهو مضطرب. أوضح لهم كوينسي أنه رأى خفاشًا ضخمًا يقف على عتبة النافذة يختلس النظر إليهم، فأطلق عليه النار بمسدسه.

قال اللورد جودالمينج ممازحًا: «رمية موفقة.»

سألت مينا: «متى نبدأ؟»

ذكرها فان هيلسنج قائلًا: «بل متى نبدأ نحن، وليس أنت.»

بدأت مينا تعترض، ولكن حتى جوناثان بدا موافقًا. لقد كان الرجال عازمين على عدم إقحامها في الأمر.

حينها طرق أحد الموظفين المقيمين الباب ومعه رسالة للدكتور سيوارد. كان رينفيلد يطلب لقاءه.

قال فان هيلسنج: «أود أن أقابل هذا المدعو رينفيلد.» قرر الآخرون أن يذهبوا أيضًا.

عندما دخل الرجال غرفته، وجَّه رينفيلد خطابه إلى دكتور سيوارد قائلًا بهدوء: «دكتور سيوارد، يجب أن أغادر المشفى على الفور. من أجل الآخرين، يجب أن تتركني أذهب.»

حدَّق فان هيلسنج في رينفيلد بنظرة حادة تنم عن شك، وقال: «ما السبب الحقيقي الذي تريد أن تتحرر من أجله الليلة؟»

قال رينفيلد: «لا أستطيع أن أخبرك.»

رفض الدكتور سيوارد. فخرج رينفيلد عن شعوره، وألقى بنفسه على الأرض وتوسل في هستيريا. قال منتحبًا: «أرجوك، دعني أخرج من هذا المنزل! إنك لا تعلم ما تفعله بإبقائي هنا. لا أستطيع أن أخبرك من الذي سيتأذى، لكن أرجوك، أتوسل إليك، لست مجنونًا. أنا رجل عاقل يحارب لينجو بروحه. أرجوك!»

انفطر قلب دكتور سيوارد. لقد كان رينفيلد بالفعل أفضل حالًا، على الأقل قبل ذلك الانهيار. لكنه كان مشوشًا بشأن الكونت. كان ينادي دراكولا «مولاي» و«سيدي». خشي دكتور سيوارد من فعل أي شيء يساعد الكونت. وكان جوابه النهائي: «لا».

تمتم رينفيلد: «لاحقًا، تذكَّر فقط مغبة ما فعلته.»

قال دكتور سيوارد عندما كانت المجموعة تسير عائدة إلى المكتب: «أتمنى أن أكون قد فعلت الصواب.»

أجاب الأستاذ فان هيلسنج: «لا يسعنا إلا أن نفعل ما نظنه الأفضل في هذا الحين.»



الفصل الرابع عشر

مينا تخشى الليل

بينما أُبعدت مينا عن الخطة ونامت وهي حزينة، غادر الرجال المصحة وتسللوا إلى المنزل المجاور؛ إلى كارفاكس في جُنح الظلام. كان كل منهم يحمل صليبًا وبعض الثوم وقطعة من الخبز المقدس.

كانت بحوزتهم أيضًا مفاتيح تستطيع أحيانًا أن تفتح العديد من الأبواب المختلفة إذا حُركت بطريقة صحيحة. انفتح قفل الباب الأمامي لكارفاكس في النهاية، وبعد دفعه، أصدرت مفصلاته الصدئة صوت صرير، وانفتح الباب ببطء. نظر الرجال بإمعان في الداخل، فرأوا أن المكان يغطيه تراب كثيف وكتل كبيرة من شِبَاك العنكبوت. تعوَّذوا برسم الصليب أثناء تجاوز العتبة.

همس فان هيلسنج قائلًا لجوناثان: «لقد رأيت خرائط لهذا المكان عندما كنت ترتب لشرائه، فقُدنا إلى الكنيسة الصغيرة.»

وجد جوناثان بسرعة التوابيت الممتلئة بالتراب التي كانوا يبحثون عنها، لكن عندما أحصوها وجدوا أنها تسعة وعشرون تابوتًا فقط وليست خمسين. وحينها، بدأ شيء يتحرك على الأرض تحت أقدامهم. هل كان الكونت يزحف؟ أم كان هؤلاء مصاصي دماء آخرين؟

لم يكن الأمر كذلك، لقد كانت فئران؛ مئات الفئران. كان المكان يموج بها!

كان رد فعل اللورد جودالمينج هادئًا. أخرج من جيبه صفارة فضية ونفخ فيها. جاء الرد على صفارته من خلف منزل الدكتور سيوارد في صورة نباح كلاب. وبعد دقيقة، اندفعت عبر الباب المفتوح ثلاثة كلاب صيد شرسة ودخلت إلى الكنيسة. كانت تهاجم وتنبح بوحشية، فهربت جميع الفئران.

فتَّش الرجال بقية أنحاء المنزل، لكنهم لم يجدوا شيئًا. لم يكن الكونت هناك.

قال فان هيلسنج وهم في طريقهم إلى الخروج: «استطعنا على الأقل أن نحصي التوابيت، وتعرفنا أيضًا على المنزل.»

اتفق الرجال على أن عدم حضور مينا معهم كان أفضل قرار اتخذوه. واتفقوا على ألا يطلعوها على تفاصيل مهمتهم المرعبة. كان هذا شاقًّا على جوناثان لأنهما اعتادا أن يتشاركا دائمًا كل شيء، لكنه كان مستعدًّا لفعل أي شيء لحمايتها، لذا التزم بالخطة.

عندما عادوا إلى المصحة، ذهب جوناثان ليطمئن على مينا، فوجدها أكثر شحوبًا من المعتاد، لكن باستثناء ذلك، كانت تبدو بصحة جيدة وتنعم بنوم هادئ.

استيقظت مينا في الصباح التالي وهي تشعر بحزن غريب وإحباط. فكرت في أن السبب حتمًا كان الحلم المريع الذي راودها، وارتعدت لذكره. لقد رأت ضبابًا أو دخانًا كثيفًا يتسرب من صدوع الباب. كان الهواء يزداد رطوبةً وبردًا. ثم رأت شيئًا أسود بعينين حمراوين ينحني فوقها.

بالتأكيد — حسب ظنها — لم يكن هذا سوى شعورها بالذنب على مشاركتها في موت لوسي بإحضارها إلى ويتبي. لكن في الليالي القليلة التالية، مرت بالتجربة نفسها وشعرت بأن حالتها ساءت عندما استيقظت. كانت تزداد شحوبًا وإعياءً أثناء النهار. وطلبت من الدكتور سيوارد دواءً يساعدها على النوم.

وصف لها الدكتور سيوارد دواءً، وفي الليلة التالية تناولته، لكن ما إن بدأ مفعوله يسري في جسدها حتى تملكها خوف غريب. تساءلت فجأة هل أخطأت بأخذها دواءً يمنعها من الاستيقاظ إذا احتاجت إلى ذلك. وظنت أنها ستكون في أمان أكثر وهي مستيقظة.

لكن الأوان كان قد فات، فقد غلبها النعاس.



الفصل الخامس عشر

رينفيلد يتحدث

كان جوناثان يقتفي بدأب أثر توابيت التراب المفقودة. سأل العديد من الناس بدءًا من الشركة التي استأجرها الكونت لشحن التوابيت وتسليمها، وعرف وجهات بعض التوابيت في مناطق مختلفة بلندن.

لاحقًا، علم جوناثان أن العديد من التوابيت قد أُخذت إلى منزل في بيكاديللي. وعندما تظاهر بأنه عمدة المدينة، استطاع أن يحصل على العنوان بالتفصيل. وعندما وصل هناك، علم أنه في المكان الصحيح، فقد كان المكان يبدو مهجورًا منذ زمن بعيد. كانت لافتة كُتب عليها «للبيع» ذُكر فيها أسماء الوكلاء — وهم «ميتشيل وأولاده وكاندي» — قد أُنزلت مؤخرًا وتستند إلى جدار المنزل.

ذهب جوناثان إلى مكتب الوكلاء. لكن عندما سألهم عن الذي اشترى المنزل، لم يقولوا سوى «المنزل مباع». ضغط جوناثان على أحدهم حتى قال: «شئون عملائنا سرية للغاية.»

قال: «إن عملاءكم محظوظون لأن لديهم أشخاصًا جادين ومخلصين في خدمتهم، سيشعر مديرو اللورد جودالمينج بخيبة أمل، لكن سيكون عليه ببساطة أن يتقبل هذا الخبر.»

سأله الوكيل: «اللورد جودالمينج؟» كاد جوناثان يرى عقل الوكيل واسم مثل هذا النبيل الثري يدور بداخله. ثم هزَّ الوكيل كتفيه في حرج، وقال: «حسنًا، ربما أمكننا هذه المرة أن نعطيه استثناءً، هذه المرة فقط. لقد اشترى المنزل نبيل أجنبي يُدعى الكونت ديفيلي. ودفع المبلغ نقدًا. ولا نعلم أكثر من هذا.»

عندما عاد جوناثان حاملًا تفاصيل منزل بيكاديللي، تساءل الرجال: «كيف سندخل المنزل؟» كانوا يعتقدون أنهم سيجدون كل ما يبحثون عنه هناك؛ كل أوراق الكونت وحجج ملكياته ومفاتيحه.

قال فان هيلسنج: «يمكننا اقتحامه كما فعلنا في كارفاكس.»

أوضح موريس: «لا أظن ذلك ممكنًا، هناك اختبأنا في ستر الليل ووراء سور يحمينا. أما اقتحام منزل في وضح النهار في موقع مركزي كهذا على الطريق فسيكون أمرًا مختلفًا.»

فكَّر فان هيلسنج دقيقة قبل أن يسأل: «إذا كنا أصحاب ذلك المنزل، ولم نستطع الدخول، فماذا كنا سنفعل؟»

قال جوناثان: «كنا سنستدعي مصلح الأقفال، ونقف هناك معه وهو يفتح القفل. إنها فكرة رائعة حقًّا. إذا مرت الشرطة بجانبنا ورأت شاحنة مصلح الأقفال وزيه الرسمي، فلن يفكروا في التدخل!» واتفق الرجال على أنها خطة بارعة.

في الوقت نفسه، بدت تصرفات رينفيلد أغرب من المعتاد.

سأله الدكتور سيوارد محاولًا تحليل نفسيته: «هل تود بعض الذباب؟ أو العناكب؟»

قال رينفيلد مستهزئًا: «عناكب؟ لا يوجد بها شيء آكله أو أشربه.»

ردد الدكتور سيوارد منزعجًا: «تشربه؟»

شعر رينفيلد بالذنب وكأنه أفشى سرًّا عن غير قصد. ولم يرغب في الكلام بعدها. فقد الدكتور سيوارد الأمل، ولكن أثار اهتمامه مدى توتر المريض لدى ذكر الشرب.

بعدها فهم الدكتور سيوارد الأمر: لقد تجاوز رينفيلد مرحلة الاستمتاع بتناول الحيوانات. كانت الحياة البشرية والدماء هي ما يسعى إليه رينفيلد! استنتج دكتور سيوارد أن الكونت قد وصل إلى رينفيلد، وأن خطة إرهاب جديدة من نوع ما كانت تُحاك.

وفي وقت لاحق من تلك الليلة، تحققت أكبر مخاوف الطبيب؛ حين جاء أحد الموظفين المقيمين ليخبره بأن شيئًا ما حدث لرينفيلد. هرع الدكتور سيوارد إلى غرفة رينفيلد ليجده مطروحًا أرضًا فاقد الوعي وبجسده جروح بالغة، ينزف على إثر ضربات في جسده ورأسه ووجهه.

قال دكتور سيوارد للموظف المقيم: «اذهب وأحضر الأستاذ فان هيلسنج.»

أتى آرثر وكوينسي موريس واللورد جودالمينج أيضًا. أدخل فان هيلسنج المريض بسرعة غرفة العمليات حيث أجرى له جراحة لتخفيف الضغط عن مخه. وبعد ذلك، فتح المريض عينيه.

سأل رينفيلد: «هل أحتضر أيها الطبيب؟»

أجابه فان هيلسنج: «ربما، لذا حان الوقت لأن تخبرنا كل شيء.»

قال رينفيلد: «لقد قطع لي وعودًا، وجعلني أفعل أشياء.»

قال فان هيلسنج: «الكونت؟ هيا أكمل.»

قال رينفيلد: «لكنه كان كاذبًا. لذا عندما أتى الليلة مرة أخرى من أجل السيدة مينا ...»

لدى سماعهم هذا، انتفض كل رجل في الغرفة واثبًا من مكانه واقتربوا.

وتابع رينفيلد: «... قاومته، وقد فعل ذلك بي. كسرني.» بعد ذلك، شق عليه الحديث، فتركه الرجال بمفرده.

قال فان هيلسنج: «غير معقول، ظننا أننا نحميها بإبقائها بعيدًا عن خططنا. لكن عندما ابتعدنا وتركناها دون حماية، جلبنا لها المعاناة.»

هرع الرجال إلى غرفة مينا لكنها كانت موصدة. شعروا بأن ذلك الباب وراءه خطر عظيم، فكسروه واقتحموا الغرفة. وما رأوه بالداخل كاد يجعل الرأس شيبًا.

كان جوناثان راقدًا على الفراش يتنفس بصعوبة ويبدو فاقدًا للوعي. وكانت تميل نحوه زوجته مينا بردائها الأبيض، وبجانب مينا كان يقف رجل طويل نحيف بزي أسود. الكونت. كان الكونت يمسك يدي مينا بيساره. ويدفع رقبتها من الخلف بيمينه دافعًا وجهها نحو صدره! لقد كان يجبرها على شرب دمه!

بمجرد دخولهم الغرفة، اهتاج الكونت، واتسعت فتحتا أنفه كحيوان غاضب ورمقهم بنظرات شيطانية غاضبة. ألقى مينا جانبًا واندفع نحو الرجال يهاجمهم، لكن الأستاذ هيلسينج كان مستعدًّا له ورفع يده وبها خبز القربان. جثم الكونت مرتعدًا وتقدم نحوه الرجال الأربعة ممسكين بالخبز والصلبان أمامهم.

لكن في تلك اللحظة، اختفى القمر برهة خلف سحابة. وفي الظلام، اختفى الكونت كنفثة الدخان، تاركًا وراءه أثرًا ضبابيًّا فقط.

ركض آرثر واللورد جودالمينج خارجين من الباب ليحاولا أن يتبعاه. بدأت مينا تبكي وتصدر عويلًا صاخبًا لا نهاية له. خطا نحوها فان هيلسنج ودثَّرها برفق بغطاء. كانت رقبتها تنزف؛ فقد أعطت دمًا كما أخذت دمًا.

حينها تحرك جوناثان، محاولًا أن يفيق، ناظرًا حوله في ارتباك، وقال: «ماذا تفعلون جميعًا هنا؟ ماذا حدث؟» نظر إلى زوجته، وإلى الدماء التي لطخت رقبتها وفمها، وسأل: «ماذا تعني هذه الدماء؟»

وفجأة أدرك كل شيء، فبكى قائلًا: «غير معقول، لا، لا، لا! ساعدنا يا إلهي، لا تدع هذا يحدث، ليس لحبيبتي مينا!»

عندئذ، اشتد عويل مينا.

حضن جوناثان مينا. لطخت الدماء التي كانت على رقبتها قميصه، فابتعدت عنه وانتحبت وهي تقول: «لا تحضني، فأنا ملوثة. لا أستطيع أن أقبلك أو ألمسك بعد الآن. كم هذا مؤلم! تخيل أن أكثر شخص يحبك يجب أن يكون الآن ألد أعدائك، أن يكون أكثر من تخشى!»

عاد آرثر واللورد جودالمينج. لم يجدا أثرًا للكونت. لكن عندما كانا بالخارج، رأيا خفاشًا ضخمًا يطير من نافذة رينفيلد، وعندما صعدا لغرفة المريض، كان ميتًا.

سأل فان هيلسنج: «هل اتجه الخفاش نحو كارفاكس؟»

أجاب موريس: «لا.»

قال فان هيلسنج: «حسنًا، لقد اقترب الفجر، لذا لن يعود الليلة. غدًا نواصل ملاحقتنا له. لكن الليلة ...» والتفت إلى مينا قبل أن يكمل: «لا بد أن تخبرينا كل ما تذكرينه، إذا استطعت أن تتحملي ذلك.»

قالت مينا: «لقد أخذت المنوم الذي أعطيتني إياه، فغلبني النعاس. وما أذكره بعد ذلك هو أني رأيت ضبابًا أبيض في الغرفة، وشعرت بالرعب نفسه الذي تملَّكني سابقًا وبحضور قوي. كان جوناثان نائمًا إلى جواري، وحاولت أن أوقظه، لكني لم أستطع. نظرت حولي في رعب. ثم خرج من بين الضباب رجل طويل نحيف مغطًّى برداء أسود بالكامل. عرفته على الفور من الوصف الذي أعطيتموني إياه جميعًا ومن مذكرات جوناثان. الوجه الشاحب، والأنف الطويل، والشفتان الحمراوان المفتوحتان ليكشفا عن أسنان حادة، و...» ثم أضافت وهي ترتجف: «هاتان العينان الحمراوان المخيفتان!»

وتابعت: «هممت بالصراخ، ولكنه أخبرني أنه سيقتل جوناثان إن فعلت. قال إنه سيشرب دمائي وإنها لم تكن المرة الأولى التي يفعل فيها هذا. شعرت بأن قواي تخور. لم يكن هناك ما أستطيع فعله.

ثم تحدث عنكم جميعًا. وسخر من محاولاتكم هزيمته؛ هو الذي عاش مئات السنين حتى قبل أن تولدوا. قال إنه سيعاقبني على مساعدتي لكم، وإن عقابي سيكون أن ألبي نداءه إلى الأبد متى دعاني. عندما يقول عقله «تعالي»، سأعبر رغمًا عني الأرض والبحار لألبي أمره. وليضمن نجاح خطته، فتح وريدًا في صدره وأجبرني على شرب دمائه! لم يكن لدي خيار! لم أستطع أن أتنفس! يا إلهي! ماذا فعلت؟» وبدأت مينا تفرك شفتيها بعنف وكأنها تزيل من عليهما سمًّا.

قرر الرجال أنه منذ تلك اللحظة فصاعدًا، ستكون مينا على علم دائم بتفاصيل خططهم. فان هيلسنج فقط هو من كانت لديه بعض التحفظات. سأل مينا: «ألا تخافين، ليس على نفسك، ولكن على الآخرين بعدما حدث؟»

قالت: «لا، إذا شعرت ولو للحظة بأنني قد أوذي أحدًا، فسأموت.»

سألها فان هيلسنج في عجل: «هل ستقتلين نفسك؟»

أجابت: «سأفعل ذلك إذا لم أجد صديقًا يحبني حبًّا يجعله يفعل ذلك من أجلي.»

قال فان هيلسنج مؤكدًا: «مطلقًا! لا يجب أن تموتي، ليس بيد أي شخص، ولا بيدك أنت. الآن وقد احتسيت شربة دماء من أوردته، إذا متِّ قبل الكونت، فلن تموتي بالفعل. بل ستعيشين إلى الأبد، كما حدث له. والآن لا بد أن يموت هو قبلك، وسيلقى حتفه. أما أنتِ فستعيشين حياة طويلة وسعيدة مع زوجك. يجب أن تكافحي وتناضلي في كل وقت من أجل حياتك. هل تفهمين؟»

قالت مينا: «نعم، أفهم.»

التفت فان هيلسنج للآخرين قائلًا: «جيد. أمامنا نهار طويل نستطيع خلاله أن نمسك به، أن نجد مزيدًا من توابيت التراب، وأن نعقمها. سيظل الكونت في الصورة التي هو عليها الآن أيًّا كانت هذه الصورة حتى تغرب الشمس. إنه مقيد بقيوده الخاصة. فلنباشر العمل!»



الفصل السادس عشر

الخبز يحرق مينا

قرر الرجال أن يتوجهوا للمنزل الكائن في بيكاديللي، وأن يبقى فان هيلسنج ودكتور سيوارد وجوناثان هناك بينما يغادر اللورد جودالمينج وكوينسي موريس للبحث عن التوابيت في مواقع عديدة أخرى ويدمروها. قال فان هيلسنج إن الكونت ربما يظهر في بيكاديللي نهارًا في صورة بشرية، وفي هذه الحالة سيواجهونه.

كانت مينا ستبقى بأمان في المصحة حتى غروب الشمس؛ حيث لم تكن تقوى على السفر. وسيحرص الرجال على العودة قبل ذلك. ومع ذلك، نشر فان هيلسنج — للاطمئنان فقط — الثوم والصلبان في أنحاء الغرفة. ثم أخرج قطعة من خبز القربان ولمس بها جبهتها.

عندما لمس الخبز بشرتها، صرخت مينا صرخة مدوية خلعت قلوب الجميع. لقد حرق الخبز لحمها، تاركًا عليها ندبة وكأنه قطعة معدن ملتهبة!

أدرك الجميع على الفور دلالة ذلك: لقد سممها الكونت بالفعل، وكانت تسير بخطى ثابتة في الطريق إلى أن تصبح نسخةً منه. نزلت على ركبتيها وهي تبكي: «ملوثة! ملوثة! أصبحت مجبرةً الآن على أن أحمل وصمة العار هذه على جبيني!»

حاول فان هيلسنج أن يهدئ من روعها فقال: «هذه الندبة ستختفي ما إن يختفي ذلك الوحش الذي لا يزال يطبق على أنفاسنا هو الآخر. ستكون جبهتك يومًا من الأيام نقية كنقاء قلبك الذي لا نزال نعرفه.»

قبل التوجه إلى بيكاديللي، عرَّج الرجال على منزل كارفاكس لتطهيره، عن طريق نثر أجزاء الخبز المقدس في كل التوابيت الموجودة به. وما إن وصلوا بيكاديللي حتى بدءوا في اتباع الخطة التي كانوا قد وضعوها. تظاهر اللورد جودالمينج بأنه مالك العقار وأن الباب قد انغلق دونه ولا يسعه الدخول. ووقف الآخرون يراقبون من متنزه في الجانب الآخر من الشارع بينما كان مصلح الأقفال يفتح القفل. مرت الشرطة فعلًا على جانب الطريق ورفعوا قبعاتهم تحيةً للورد جودالمينج ومصلح الأقفال متمنين لهم نهارًا سعيدًا! أدرك الرجال أن الأمر كله يتوقف على طريقة تصرف المرء.

وفور أن دخل الرجال وأغلقوا الأبواب خلفهم، أجروا بحثًا سريعًا. لم يكن الكونت هناك، لكنهم وجدوا بالفعل ثمانية توابيت أخرى وعقموها. كان التابوت التاسع مفقودًا، لكنهم وجدوا العديد من الأوراق المهمة بالإضافة إلى مفاتيح منازل أخرى كانت تُخزن فيها المزيد من توابيت التراب.

خرج اللورد جودالمينج وكوينسي موريس عازمين على تدمير التوابيت المتبقية في المنازل الأخرى، وكان الوقت يمر ببطء أثناء انتظار جوناثان وفان هيلسنج لهما. وفي سبيل تمضية الوقت، قص فان هيلسنج لدكتور سيوارد وجوناثان المزيد عن الكونت. قال لهم إنه منذ زمن بعيد، كان هذا الوحش في الواقع رجلًا عظيمًا؛ كان جنديًّا، ورجل دولة، وعالمًا.

قاطع قصة فان هيلسنج صوت طرق على الباب. لقد كان ولدًا جاء يسلم برقية. فتح فان هيلسنج الباب وسلمه الولد ورقة. كانت من مينا.

كانت الرسالة تقول: احذروا من «د». لقد غادر كارفاكس لتوه. ويبدو أنه متجه نحوكم.

صاح جوناثان: «فليأت! لا أطيق صبرًا حتى أمسح ذلك الوحش من وجه الأرض. أنا على استعداد لأن أبيع روحي لقاء هذا!»

حذره فان هيلسنج قائلًا: «لا تقل مثل هذه الأمور. لن يبيع أحد روحه. سنقاتل هذا الشيء وجهًا لوجه.»

عاد موريس واللورد جودالمينج، وأكدا أن التوابيت التي كانت في بيرموندسي ومايل إند قد دُمِّرت. لكن في تلك اللحظة، سمع الرجال صوت تدوير مفتاح برفق داخل القفل الذي كان قد فُتح مؤخرًا في الباب الأمامي.

ودون أن يتفوهوا بكلمة، اجتمع الرجال كفريق واحد قابضين بأيديهم على صلبانهم وخبزهم المقدس. كانت الثواني تمر ببطء رهيب وكأنه كابوس. ثم سرعان ما أتت خطوات حذرة تسير في الرواق. بدا جليًّا أن الكونت كان مستعدًّا لمفاجأة من نوع ما.

وبقفزة واحدة، كان في الغرفة، يركض نحوهم كالنمر قبل أن يتمكن أيهم من إيقافه. عندما رآهم زمجر بصوت مرعب وكشَّر عن أنيابه. تحرك جوناثان أولًا؛ فأخذ سكينًا وقفز نحو الكونت. لكن الكونت كان سريعًا فقفز للخلف وتجنب الشفرة التي لم تصب سوى جزء من معطفه. الغريب أن قطعًا ذهبية سقطت من الثقب وأخذت تدور على الأرض.

اعتلت وجه الكونت نظرة غريبة جمعت بين الكراهية والغضب. تحولت بشرته الشاحبة إلى لون أصفر مائل للخضرة، وازدادت عيناه احمرارًا وتوهجًا. وفجأة، انحنى تحت ذراع جوناثان، واغترف بكفه بعض العملات الذهبية وألقى نفسه من النافذة محطمًا الزجاج. عندما سقط الكونت على الأرض، نهض ولم يصبه مكروه، فركض عبر الساحة، ودفع باب الحظيرة الموجودة في نهاية العقار ففتحه.

التفت ليصرخ في وجوههم: «تحلمون بأن تفوقوني ذكاءً! تظنون أنه بتطهير التوابيت لا تتركون لي مكانًا لأرتاح فيه، لكني أملك المزيد! لقد بدأ انتقامي للتوِّ! لقد امتد على مر القرون، والزمن حليفي! لقد سقطت نساؤكم في شركي بالفعل، وعن طريقهن ستكونون عبيدي أنتم وغيركم! ستمتثلون جميعًا لأوامري! سأكون سيدكم!»

زفر من أنفه صوت ينم عن الاستهزاء، ودخل الحظيرة وأغلق الباب وراءه. تبعه الرجال وفتَّشوا الحظيرة، لكن الكونت اختفى. لم يثبط ذلك من عزيمة فان هيلسنج الذي قال: «لقد عرفنا الكثير. يبدو جليًّا أنه يخشانا ويخشى الوقت. وإلا فلم تعجل هكذا؟ لماذا أخذ تلك العملات المعدنية؟ إننا نحرز تقدمًا. وغدًا نحرز المزيد. فلم يتبقَّ سوى تابوت تراب واحد فقط.»

لكن الخوف بالطبع كان من أن يظل هذا التابوت الأخير مخفيًّا لسنوات، وأن تستمر حالة مينا في التدهور حتى يستحوذ عليها الكونت تمامًا وتصبح ضحيته. لذا، كانوا يسابقون الزمن.

عاد الرجال إلى المصحة، وفي تلك الليلة على مائدة العشاء، قالت مينا عبارة فاجأت الجميع: لقد ذكرتهم بأنهم بينما كانوا جميعًا تعساء يعانون، كان الكونت هو الأتعس على الإطلاق: «تخيلوا كم سيكون سعيدًا عندما يُدمر الجانب الشرير فيه مفسحًا الطريق للخير الذي بداخله ليحيا إلى الأبد. يجب أن تكونوا لطفاء معه من هذا المنطلق أيضًا.» توقفت عن الحديث، وللحظة توهجت الندبة التي كانت على جبهتها وكأنها تذكير أقوى، ثم قالت: «قد أحتاج إلى شفقة مماثلة يومًا ما. وأتمنى ألا تنكروها عليَّ. لا بد أن تعدوني أنه إن جاء وقت تغيرت فيه كثيرًا حتى أصبح الموت خيرًا لي، فستفعلون اللازم، دون تردد ولو لحظة، لتمنحوني السلام.»

ساد صمت رهيب. ثم كان كوينسي موريس أول من كسره قائلًا: «أعدك يا مينا ألا أتكاسل عن الفِعل الرهيب الذي طلبتِه منا.»

قالت مينا وهي تقبِّل يده: «صديقي المخلص!»

سألها جوناثان: «وهل يجب أن أقطع ذلك الوعد أيضًا يا زوجتي؟»

أجابت: «يجب أن تفعل هذا أكثر من أي شخص آخر يا أحب الناس إليَّ.»



الفصل السابع عشر

مينا تقرأ أفكار الكونت

خطرت لمينا فكرة. فحيث إنها أصبحت الآن متصلة بالكونت، أرادت من فان هيلسنج أن ينومها مغناطيسيًّا. ربما استطاعوا استخدام هذا التواصل لمصلحة المجموعة.

وقد فعل ذلك قبيل الفجر، حيث كانت مينا تشعر أنه أفضل وقت تستطيع التحدث فيه بحريتها. عندما فتحت عينيها بعد تنويمها، لم تكن هي نفس المرأة. كان يبدو جليًّا أنها واقعة تحت تأثير سحر الكونت.

سألها فان هيلسنج: «أين أنت؟»

أجابت مينا بالنيابة عن الكونت: «لست متأكدًا، لكنني أسمع صوت تلاطم مياه.»

لقد كان الكونت على متن سفينة! كان ذلك منطقيًّا جدًّا. فقد كان ينقل آخر تابوت لديه عن طريق البحر. في تلك اللحظة، طلعت الشمس، واستيقظت مينا.

سألت راجيةً: «هل نجح الأمر؟»

أجاب فان هيلسنج: «نعم، نجح.»

أسرع الرجال بتتبع آخر خيط منحتهم مينا إياه. كانت هناك العديد من السفن في ميناء لندن الكبير، لكن على الأقل أصبح لديهم الآن دليل يرشدهم. علموا لِم كان الكونت يحتاج إلى العملات المعدنية؛ كان يحتاجها لشراء تذكرة من أجل السفينة.

مكث جوناثان مع مينا متخلفًا عن الرجال الآخرين الذين ذهبوا للبحث في الموانئ. شكوا في أن الكونت يحاول الرجوع إلى ترانسلفانيا. وسرعان ما تأكدوا من ذلك، حين رأوا على متن سفينة تُدعى «زارينا كاثرين» رجلًا طويل القامة، نحيفًا وشاحبًا، له أسنان ناصعة البياض ويرتدي زيًّا أسود بالكامل، قد وزع بعض الأموال على العاملين وسألهم عن السفينة التالية التي كانت ستبحر متجهة إلى البحر الأسود. كانت الصفقة قد عُقدت، وجيء بتابوت ضخم على متن السفينة. وكان من المقرر إنزال التابوت في ميناء «فارنا» وتسليمه لوكيل هناك. بعد ذلك، استقرت فوق المركب ضبابة غامضة انقشعت بالسرعة نفسها التي تكونت بها. علم الرجال أن الكونت قد تسلل بداخل تلك الضبابة إلى ظهر السفينة ودخل التابوت. بعدها أبحرت السفينة «زارينا كاثرين».

على مدار الأيام القليلة التالية، نَوَّمَ فان هيلسنج مينا بضع مرات أخرى، وظلت رؤياها تخبره أن السفينة في البحر. وبالرغم من ذلك كان فان هيلسنج قلقًا. فإذا كانوا هم يستطيعون أن يقرءوا أفكار مينا، فقد يستطيع الكونت في المقابل أن يقرأ أفكارها ويعرف خططهم التي وضعوها لمحاربته.

كانت مينا يراودها الخوف نفسه. وقالت لزوجها: «عزيزي، أتغير كل يوم أكثر فأكثر. ويقوى ارتباطي بالوحش. لا بد أن تستمروا في تنويمي وتعرفوا خططه، لكن حرصًا على سلامتكم وسلامتي أيضًا، يجب ألا تخبروني بأي شيء عن خططكم، حتى تزول الندبة عن جبهتي.»

قررت المجموعة أن تسافر برًّا — ومعهم مينا هذه المرة — بحثًا عن الكونت. سوف يستقلون قطار «أورينت إكسبريس» من باريس ليسبقوا سفينة الكونت إلى فارنا. كانت أقصى أمانيهم أن يصعدوا على متن السفينة ما إن يجدوها، أثناء نوم الكونت في تابوته بين شروق الشمس وغروبها؛ حينها لن يستطيع مقاومتهم، ويجهزون عليه في التوِّ، كما فعلوا مع لوسي.

أثناء جلسات التنويم على متن القطار، وبعد أن سبقوا الكونت إلى فارنا، كانت إجابات مينا لا تزال تشير إلى وجود السفينة زارينا كاثرين في البحر. كانت مينا تتحدث عن أمواج متلاطمة ومياه تجري، وضباب وصرير صواري المراكب. وأخيرًا، علموا أن السفينة على بُعد ?? ساعة تقريبًا، وأنها ستصل فارنا في الصباح التالي. في ذلك اليوم، كانت مينا في قمة الإعياء، ومرت بأصعب جلسات التنويم التي رأتها حتى ذلك الوقت.

وبحلول ظُهر اليوم التالي، لم تكن السفينة قد ظهرت على مرمى البصر بعد، ولم تُسمع أخبار عنها. لكن مينا كانت أفضل حالًا. فمع أن الندبة كانت لا تزال على جبهتها، فقد شعرت أنها عادت تقريبًا لذاتها التي ألفتها، وكأنها تحررت. كشفت جلسة التنويم في ذلك اليوم مرة أخرى عن «أمواج متلاطمة» و«مياه تجري». كانت السفينة زارينا كاثرين لا تزال في البحر إذن، ولكن أين؟ كان يُفترض أن تصل إلى فارنا قبل ذلك بوقت طويل. هل كان الكونت يفر إلى ميناء آخر؟

وبعد مرور يومين، تلقى الرجال برقية أكدت أسوأ مخاوفهم. فبدلًا من الرسو في ميناء فارنا — كما كانوا يتوقعون — دخلت زارينا كاثرين ميناء جالاتز ذلك اليوم، وكان ذلك الميناء يقع على مسافة أبعد عند أعلى النهر. على الفور، بدأ الرجال في التحرك.

سألوا: «متى يتحرك أول قطار إلى جالاتز؟»

طلب فان هيلسنج من مينا أن تتفضل بإحضار جدول مواعيد القطارات. وعندما رحلت، التفت إلى جوناثان وحدَّثه عن مخاوفه. عندما كانت مينا متعبة على نحو غير طبيعي منذ بضعة أيام، كان السبب على الأرجح هو أن الكونت قد أرسل روحه لتقرأ أفكارها. وضع فان هيلسنج إصبعه على فمه، لأن مينا كانت عائدة إلى الغرفة.

حاول كلا الرجلين أن يبدوا بريئين، لكن كان يبدو أن مينا أصبحت الآن تقرأ أفكارهما أيضًا. سألتهما: «لقد استغلني، أليس كذلك؟ لقد قرأ أفكاري.»

أومأ فان هيلسنج إليها.

قال فان هيلسنج محاولًا التخفيف عنها: «لكنك قد تكونين الآن أكثر حريةً قليلًا بعيدًا عن قبضته. إن العقل الإجرامي عقل أناني. وبما أنه قد حصل من خلال عقلك على ما يحتاجه ليفر منا، فإنه يظن أنه لم يعد يحتاج إليك. لكنه سيظن أنك انتهيت منه أيضًا.»

وعلى متن القطار إلى جالاتز، أثناء مزيد من جلسات التنويم التي خضعت لها مينا، أخبرت عن حدوث تغيير. قالت: «شيء ما يحدث، أشعر به يمر خلالي كأنه رياح باردة. هناك رجال يتحدثون بلغات غريبة، ومياه تتساقط، ومن بعيد، أسمع عواء الذئاب.» وفي اليوم التالي، أخبرتهم أنها سمعت أصوات ماشية، وطقطقة أخشاب.

وصلوا إلى جالاتز وعلموا من مسئولي الجمارك أن سفينة الكونت قد رست بالفعل. وكان بانتظارها بعض السلوفاكيين الذين كان من المقرر أن ينقلوا الشحنة طوال ما تبقى من الطريق، عبر البحر. لكن أي بحر كان هذا؟

نظرت مينا إلى الخريطة، وقالت: «بناءً على ما تقولون أني أخبرتكم به أثناء نومي، أعتقد أن النهر ضيق والسفينة مفتوحة تسيِّرها إما مجاديف أو صارٍ، وهي تبحر نحو أعلى النهر. فمثل هذه الأصوات لم تكن لتصدر عن سفينة تطفو بهدوء في اتجاه التيار. ومن ثم، وفقًا لهذه الخريطة، فإنه يبحر إما في نهر بروث أو سيريث. تسهل الملاحة أكثر في نهر بروث، لكن سيريث أقرب من قلعة دراكولا لشخص يحاول الوصول إليها عن طريق البحر.»

قال جوناثان: «زوجتي عبقرية.» ووافق الآخرون على هذا الرأي.

كانت هذه خطة فان هيلسنج: كما سبقوا الكونت إلى فارنا، سيحاولون مباغتته في ترانسلفانيا. يصعد اللورد جودالمينج وجوناثان على متن قارب بخاري ويتبعانه بحرًا. ويتبعه كوينسي موريس وآرثر على ظهور الجياد برًّا. ويأخذ فان هيلسنج ومينا الطريق الذي كان جوناثان اتخذه في البداية عندما فرَّ من قلعة الكونت عبر جبال الكاربات.

سأل جوناثان الأستاذ فان هيلسنج: «هل تعمد إلى وضع زوجتي بين حجري رحا ذلك القاتل؟»

أجاب فان هيلسنج: «إنها الطريقة الوحيدة لإنقاذها، بل في الواقع لإنقاذنا جميعًا.»



الفصل الثامن عشر

الدائرة تدور على الكونت

لم يكن الإبحار يسيرًا على أي من أفراد المجموعة، في أي من مراحله. فقد تأخر مركب اللورد جودالمينج وجوناثان وقتًا قصيرًا بسبب حادث بسيط وقع أثناء محاولتهما شق طريقهما بسرعة. وبالرغم من التأكيد على أن الكونت كان لا يزال في الماء، فقد كان تنويم مينا يزداد صعوبة كل يوم.

مع اقتراب مينا وفان هيلسنج من القلعة، أصبحت مينا تنام طوال النهار. وأثناء الليل كان فان هيلسنج يبقى مستيقظًا فيجدها تحدق فيه بعينين مضيئتين للغاية. خشي أن تكون قد أصابتها لعنة المكان، لأنها كانت ملوثة بتعويذة الكونت. وبالرغم من ذلك، كان عليه أن يؤمن بقوة إرادتها، بأن روحها كانت طاهرة، على الأقل لوقت أطول قليلًا.

لكن فان هيلسنج أحاط نفسه ومينا بدائرة صغيرة من الخبز المقدس في المكان الذي توقفا فيه ليخيما ليلًا.

قال فان هيلسنج لمينا: «هلا اقتربت من النار؟» لقد كان اختبارًا؛ لأن النار كانت خارج الدائرة.

أجابت في حزن: «تعلم أنني لا أستطيع.»

فجأة، بدأت الخيول تصهل في فزع. ركض فان هيلسنج عائدًا داخل الدائرة بينما كان الضباب يدور حولهما. شاهد فان هيلسنج ومينا الضباب وكانت تتشكل بداخله أجسام. كانت الأخوات الثلاث التي وصفها جوناثان في مذكراته.

ما إن رأت النساء الندبة على جبهة مينا، حتى ابتسمن لها، ونادَين عليها: «تعالي يا أختي! تعالي! تعالي!» لكن عيني مينا لم يكن بهما سوى نظرة اشمئزاز بعثت الطمأنينة في قلب فان هيلسنج. فاندفع خارجًا من الدائرة ممسكًا بعض الخبز المقدس، وفرت النساء. لكنهنَّ لم يبتعدن خاليات الوفاض، فقد تركن الخيول ميتة.

ترك فان هيلسنج مينا نائمة داخل الدائرة وسار إلى القلعة بمفرده. اقتحمها واتبع الطريق المؤدي إلى الكنيسة الصغيرة كما وصفه جوناثان في مذكراته. كان يعلم أنه سيجد في مكان ما ثلاثة قبور على الأقل ترقد بها الأخوات الثلاث عليه تطهيرها. وبالفعل وجدها وتولى أمرها.

وبعد ذلك، رآها، قابعة في أعتم وأبعد زوايا الكنيسة: مقبرة هائلة جميلة وعتيقة. لم يكن مكتوبًا عليها سوى كلمة واحدة: «دراكولا». فتحها فان هيلسنج وكانت فارغة، فنثر فيها بعض كسرات الخبز المقدس، ليقصي الكونت إلى الأبد عن مأواه الذي ضمه مئات السنين.

عندما عاد فان هيلسنج إلى معسكرهما، وجد مينا لا تزال نائمة في هدوء وأمان داخل الدائرة. ولكن بينما كان يوقظها، استعدادًا لأن يعود بها إلى القلعة، سمعا عواء ذئاب قادمًا من بعيد وصوتًا أشبه بضجة تقترب سريعًا.

صاح: «لا يوجد وقت، أسرعي، لا بد أن نختبئ!» وجد فان هيلسنج تجويفًا ضيقًا في صخرة، واختبأ الاثنان به. من ذلك المكان، كانا يستطيعان الدفاع عن أنفسهما ضد من يهاجمهما بشرًا كان أم ذئبًا.

من موقعهما شاهق الارتفاع فوق الجبال، كانا يستطيعان رؤية المشهد بالأسفل بوضوح. غامرت مينا بالإطلال برأسها للخارج برهة، فرأت شيئًا يصعد مسرعًا أحد جوانب الجبل. لقد كانوا مجموعة من الغجر يقودون عربة تحمل صندوقًا كبيرًا مربعًا. الكونت! كان الغجر يسابقون غروب الشمس، حيث إن الكونت لا بد أنه أمرهم ودفع لهم ليوصلوه إلى منزله قبل حلول ساعة السَّحر.

وخلف تلك المجموعة، كان يركض بسرعة رجلان يمتطيان جواديهما. كانا كوينسي موريس ودكتور سيوارد! وعلى الجانب الآخر من الجبل — حيث كان هناك طريق آخر يؤدي إلى الغابة — رأت مينا رجلين آخرين، حبيبها جوناثان واللورد جودالمينج، وكانا يمتطيان جوادين أيضًا ويركضان إلى قلب الحدث. كانت تلك الحركة المنظمة أشبه برقصة جميلة. عندما أخبرت مينا فان هيلسنج، صاح في طرب كالطفل الصغير.

اقترب الغجر شيئًا فشيئًا. بقي فان هيلسنج ومينا مختبئين في الصخور، شاهرين أسلحتهما، وعازمين على منع الغجر من المرور. وصلت جميع الأطراف أرض الغابة المقفرة في وقت واحد. ومن جهتين متقابلتين، صاح الصيادون فوق ظهور الجياد: «توقفوا!» ربما لم يكن الغجر يفهمون اللغة، لكن لم يخفَ عليهم معنى تلك الكلمة ولا الأسلحة المصوبة نحوهم.

أسرع جوناثان وكوينسي موريس نحو العربة. تملكت جوناثان قوة غريبة أكثر من الآخرين، قوة خارقة. تفادى سكاكين الغجر وعبر إلى الصندوق الكبير الممتلئ بالتراب فرفعه ثم طرحه أرضًا.

هرع كوينسي موريس ليساعده، متفاديًا السكاكين أيضًا، لكنه لم ينجح كصديقه. فقد اخترقت إحدى السكاكين جانبه وبدأ ينزف بشدة. ومع ذلك، استمر يقاتل. انتزع الرجلان معًا الغطاء من فوق الصندوق الكبير، ووقف الآخرون يؤمنونهم بأسلحتهم.

وداخل الصندوق، رأوه راقدًا، ذلك المخلوق الذي ظلوا يسعون وراءه كل هذا الوقت؛ دراكولا. كان الكونت يرقد بهدوء داخل الصندوق، شاحبًا كالأموات، وكأنه تمثال من الشمع. كانت عيناه بالرغم من ذلك مفتوحتين تطل منهما نظرة شر كانوا جميعًا يعرفونها جيدًا.

وفي تلك اللحظة رأت هاتان العينان الشمس تغيب في الأفق، وتحولت نظرة الكراهية فيهما إلى نشوة انتصار. ظن الكونت أنه فاز مرة أخرى. فور أن تغرب الشمس، سيكون بمأمن من أي مكروه.

ولكنه تسرع بإيقان النصر! ففي تلك اللحظة هاجمه جوناثان وكوينسي موريس فاخترقا قلبه وقطعا رأسه بسكينيهما. وأمام أعينهم جميعًا، انهار جسد الكونت بالكامل إلى ثرى واختفى.

أفزع الغجر الاختفاء المفاجئ للجثة، فرجعوا أدراجهم لينجوا بحياتهم. حتى الذئاب تراجعت إلى مسافة آمنة، وتركت المجموعة وشأنها.

تهاوى كوينسي موريس على الأرض منحنيًا على مرفقه ضاغطًا بيده على جانبه. ولاحظت مينا أن الدماء تندفع من بين أصابعه. فأسرعت إليه، والطبيبان أيضًا، لكن لم يكن بيد أحدهم شيء يفعله. التقط كوينسي موريس أنفاسه وأخذ بيد مينا وابتسم لها ابتسامة عذبة.

قال: «سعيد بأنني استطعت مساعدتك.» وضحك فجأة مشيرًا إلى جبهتها قائلًا: «رائع! انظروا! كانت رؤية هذا تستحق التضحية، انظروا! انظروا!»

سقطت أشعة الشمس التي كانت في طريقها إلى المغيب على وجه مينا، فأضفت عليه وهجًا ورديًّا. وعندما التفتوا إلى حيث كان كوينسي موريس يشير، رأوا ما كان يقصده. لقد اختفت الندبة. كانت جبهة مينا نقية كالثلج. لقد انقشعت اللعنة.

عندئذٍ، رحل عنهم كوينسي موريس؛ ذلك الرجل الذي ظل همامًا نبيلًا حتى النهاية.

بعد مرور سبع سنوات، عادت مينا وجوناثان إلى ترانسلفانيا. كان برفقتهما ابنهما كوينسي الذي سمي باسم صديقهما القديم الجسور. وبينما كانا يسيران على الأرض التي عجَّت يومًا بالذكريات المريعة ممسكين بأيديهما يدي كوينسي الصغير، تذكرا أحداث الماضي دون شعور باليأس وهما يتذكران الأشياء العظيمة التي يستطيع الناس أن يفعلوها في سبيل الحب.