Advertisement

جزيرة الدلافين الزرقاء

جزيرة الدلافين الزرقاء
تأليف
سكوت أوديل
ترجمة
ياسر حسن
مراجعة
لبنى عماد تركي
جزيرة الدلافين الزرقاء Island of the Blue Dolphins
سكوت أوديل Scott O’Dell
الطبعة الأولى ???? م
رقم إيداع
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ
مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ????? ، القاهرة
جمهورية مصرالعربية
تليفون: ??? ???????? + فاكس: ??? ???????? +

أوديل، سكوت.
جزيرة الدلافين الزرقاء/تأليف سكوت أوديل.
تدمك: ??? ??? ??? ??? ?
?-القصص الإنجليزية
أ-العنوان
???
تصميم الغلاف: وفاء سعيد.
يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية،
ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراصمضغوطة أو استخدام أية وسيلة
نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2015 Hindawi Foundation for
Education and Culture.
Island of the Blue Dolphins
Copyright © 1960 by Scott O’Dell.
Copyright © renewed 1988 by Scott O’Dell.
All rights reserved.
المحتويات
الفصل الأول 9
الفصل الثاني 15
الفصل الثالث 19
الفصل الرابع 23
الفصل الخامس 27
الفصل السادس 31
الفصل السابع 35
الفصل الثامن 39
الفصل التاسع 45
الفصل العاشر 51
الفصل الحادي عشر 57
الفصل الثاني عشر 61
الفصل الثالث عشر 65
الفصل الرابع عشر 69
الفصل الخامس عشر 73
الفصل السادس عشر 79
الفصل السابع عشر 83
الفصل الثامن عشر
الفصل الثامن عشر
89
الفصل التاسع عشر
الفصل التاسع عشر
93
الفصل العشرون
الفصل العشرون
99
جزيرة الدلافين الزرقاء
الفصل الحادي والعشرون
الفصل الحادي والعشرون
105
الفصل الثاني والعشرون
الفصل الثاني والعشرون
111
الفصل الثالث والعشرون
الفصل الثالث والعشرون
115
الفصل الرابع والعشرون
الفصل الرابع والعشرون
119
الفصل الخامس والعشرون
الفصل الخامس والعشرون
123
الفصل السادس والعشرون
الفصل السادس والعشرون
127
الفصل السابع والعشرون
الفصل السابع والعشرون
131
الفصل الثامن والعشرون
الفصل الثامن والعشرون
135
الفصل التاسع والعشرون
الفصل التاسع والعشرون
139
كلمة المؤلف
كلمة المؤلف
143
6
إلى أطفال راسل
إيزاك
ودورسا
وكلير
وجيليان
وفليسيتي
وإلى:
إريك
وشيري
وتوينكل
الفصل الأول
أتذكَّر اليوم الذي جاءت فيه السفينة الأليوتية إلى جزيرتنا. في البداية بدت كصَدَفة
صغيرة طافية على سطح البحر، ثم ازداد حجمها فأصبحتْ أشبهَ بطائرِ نَوْرس مضموم
الجناحين. وأخيرًا؛ إذ ارتفع قرصالشمسفي السماء، ظهرت على حقيقتها؛ سفينة حمراء
ذاتشراعين أحمرين.
كنا أنا وأخي قد ذهبنا إلى رأس وادٍ متعرِّج يؤدِّي إلى ميناء صغير يُسمَّى خليج
المرجان، بُغْيَة جمع الجذور التي تنمو هناك في فصل الربيع.
كان أخي رامو صبيٍّا صغيرًا في نصف عمري، الذي كان اثني عشرعامًا. كان صغير
الحجم بالنسبة لصبيٍّ تعاقبتْ عليه تلك الأيام والشهور كلها، ولكنه كانسريعًا كصُرصُور
الليل. وكان أيضًا أحمق كصرصور الليل عندما يتملَّكه الحماس. ولهذا السبب، ولأنني
أردت أن يساعدني في جمع الجذور لا أن يركضبعيدًا، لم أقُلْ له شيئًا عن الصَّدَفة التي
رأيتُها أو طائر النَّوْرس المضموم الجناحين.
واصلتُ الحفر في الدَّغَل بعصاي المدببة وكأنه ليس هناك ما يحدث في البحر على
الإطلاق، حتى رغم تحقُّقي من أنَّ طائر النورس كان في الواقع سفينة ذات شراعين
أحمرين.
ولكنَّ عينَيْ رامو لم يكن يفُوتُهما الكثير في هذا العالَم. فقد كانتا سوداوَيْنِ كعينَيِ
السحلية وواسعتين للغاية. وأحيانًا — كما هو الحال مع عينَيِ السحلية — قد تبدوان
ناعستين. وحينئذٍ تَرَيَان أفضل من أي حين آخر، وكانت عيناه تبدوان على هذا النحو
في ذلك الوقت؛ شِبْهَ مغلقتَيْنِ، وكأنهما عينا سحلية ترقد على صخرة وعلى وشك أن تمدَّ
لسانها بسرعة لتصيد ذبابة.
جزيرة الدلافين الزرقاء
قال رامو: »إن سطح البحر أملس. إنه حجر مسطَّح لا يشوبه خدش. «
كان أخي يَرُوق له التظاهر برؤية التشابه بين أشياءَ متباينةٍ.
قلت له: »البحر ليس حَجَرًا دون خدوش. إنه ماء دون أمواج. «
فقال: »بالنسبة لي هو حجر أزرق، وعند نهايته ثمَّة سحابة صغيرة تجلس على
الحجر. «
»السُّحُب لا تجلس على الأحجار؛ سواء كانت أحجارًا زرقاء أم سوداء أم أي نوع من
الأحجار. «
قال: »هذه السحابة تجلس. «
فقلت: »ليس على البحر؛ فالدلافين تجلس هناك، وطيور النَّوْرس، وطيور الغاق،
وثعالب الماء، والحيتان أيضًا، ولكن ليس السحب. «
»ربما كانت حوتًا. «
ارتكز رامو على قدمٍ ثم على الأخرى، مراقبًا السفينة وهي تقترب، ولم يكنْ يعرف
أنها سفينة؛ لأنه لم يكن قد رأى سفينة من قبل. أنا الأخرى لم أكن قد رأيت سفينة من
قبل، ولكني كنت أعرف كيف تبدو؛ لأنها وُصِفت لي.
قلت: »بينما تتطلَّع أنت إلى البحر، أقتلعُ أنا الجذور، وأنا التي سوف آكُلُها في النهاية
لا أنت. «
بدأ رامو يدق الأرض بعصاه، ولكن السفينة، إذ اقتربت، وظهر شراعاها بلونهما
الأحمر عبر سديم الصباح، ظل رامو يراقبها، متظاهرًا طوال الوقت بغير ذلك.
وسألني: »هل سبق أن رأيتِ حوتًا أحمر اللون؟ «
قلت له: »نعم. « مع أنه لم يسبِقْ لي ذلك.
»الحيتان التي رأيتُها كانت رمادية اللون. «
»أنت صغير جدٍّا، ولم ترَ كل الأشياء التي تسبح في العالم. «
التقط رامو أحد الجذور وكان على وشك إلقائه في السلَّة. وفجأة فَغَرَ فاه ثم أطبقه
ثانية.
وصاح: »إنه قارب كانو! قارب كانوضخم، أكبر من كل قوارب الكانو لدينا مجتمعةً.
ولونه أحمر! «
لم يكن رامو يُبالي بما إذا كان قارب كانو أم سفينة؛ ففي لمح البصركان قد طوَّح
بالجذر في الهواء وأطلق ساقيه للرياح، مخترقًا دغل الشجيرات، رافعًا عقيرته بالصياح.
10
الفصل الأول
ظللت أجمع الجذور، ولكنَّ يديَّ كانتا ترتعشان وأنا أحفر في الأرض؛ وذلك لأنني
كنت أكثر حماسًا من أخي. كنت أعلم أن ما يعبر البحر سفينة وليس قارب كانو كبير
الحجم، وأن السفينة قد تعني أشياء كثيرة. أردت أن ألُقي بعصاي وأركض أنا الأخرى،
ولكني استمررت في اقتلاع الجذور لأن القرية تحتاجها.
حينما انتهيت من ملء السلة، كانت السفينة الأليوتية قد دخلت حوضالأعشاب البحرية
الواسع الذي يحيط بجزيرتنا بين الصخرتين اللتين تحرسان خليج المرجان. وكانت أنباء
قدوم السفينة قد وصلت بالفعل إلى قرية جالاس-أت. فحمل رجال القرية أسلحتهم
وانطلقوا بسرعة عبر الممر المؤدِّي إلى الشاطئ، أما النساء فتجمَّعْنَ على حَافَةِ الهضبة
المستوية.
سرتُ عبر الدغل الكثيف، وبسرعة أخذتُ أهبط الواديَ الضيق المنحدِر حتى وصلت
إلى الجروف البحرية. وهناك جثوتُ على يديَّ وركبتيَّ. فبأسفل مني كان الخليج. كان المدُّ
منحسرًا وأشعة الشمستغمر رمال الشاطئ البيضاء. وقف نصف رجال قريتنا على حافَة
الماء، أما البقية فاختبئوا بين الصخور عند نهاية الممر، مستعدِّين للهجوم على الدخلاء إذا
لاحت عليهم بوادر العداء.
وبينما أنا جاثمة بين شجيرات التويون المزهِرَة، محاوِلةً ألَّا أسقُطَ من فوق الجُرْف،
وأن أظلَّ مختبئة وفي الوقت نفسه أسمع وأرى ما يحدث بالأسفل، أنُزِلَ قارب من السفينة
وعلى متْنه ستة رجال يجدِّفون بمجاديف طويلة. كانت وجوههم عريضة، وقد انسدل
شعرهم داكنًا لامعًا على أعينهم. وعندما اقتربوا من الشاطئ، رأيتُ حُليٍّا من العظم تخترق
أنوفهم.
ومن خلفهم، وقف في القارب رجل طويل ذو لحية صفراء. لم أكن قد رأيت رجلًا
روسيٍّا من قبل، ولكنَّ والدي كان قد حدَّثني عنهم، وتساءلت في نفسي — عندما رأيت
الطريقة التي وقف بها مباعِدًا ساقيه، واضعًا قبضتيه على خصره، وناظرًا إلى الميناء
الصغير كأنهصار مِلْكًا له بالفعل — هل هو أحد أولئك الشماليين الذين يخشاهم شعبنا.
وتأكدت من ذلك عندما انزلق القارب إلى الشاطئ وقفز منه ذلك الرجل صائحًا.
تردَّدَ صدى صوته على الصخور المحيطة بالخليج. كانت كلماته غريبة، لا تشبه أي
كلمات سمعتُها من قبل. وببطء بدأ الرجل يتحدث بلغتنا.
فقال للرجال الواقفين على الشاطئ: »جئتُ في سلام، وأرغب في التفاوض. «
11
جزيرة الدلافين الزرقاء
لم يُجِبْ أيٌّ من الرجال، ولكنَّ والدي، الذي كان أحد الرجال الذين تواروا بين
الصخور، تقدَّم نازلًا الشاطئ المنحدر وغَرَسَ رمحه في الرمال.
وقال: »أنا زعيم قبيلة جالاس-أت، واسمي الزعيم شو ويج. «
دَهِشْتُ من تصريحه باسمه الحقيقي لرجل غريب. فلكل شخصفي قبيلتنا اسمان؛
اسم حقيقي سرِّي نادرًا ما يُستَخدَم، واسم شائع؛ وذلك لأنه لو استخدم الناس اسْمَكَ
السري، فسوف يَبْلَى ويَفْقِد سِحْره. وهكذا فقد كنت أعُرَف باسم »وُن آه با لي «، ومعناه:
»الفتاة ذات الشعر الأسود الطويل «، مع أن اسمي السري هو كارانا. وكان الاسم السري
لوالدي هو شو ويج، ولست أدري لماذا أَطلَع الغريب عليه.
ابتسم الرجل الروسيومدَّ يده مصافِحًا، وقال إنه يُدعَى القبطان أورلوف. مدَّ والدي
يده أيضًا. لم يكن بمقدوري رؤية وجهه، ولكني أشك أنه ابتسم هو الآخر.
قال الروسي: »لقد حضرتُ بصحبة أربعين من رجالي. جئنا هنا لاصطياد ثعالب
البحر، ونحن نأمُل في أن نُقيم معسكرنا على جزيرتك أثناء فترة الصيد. «
لم يَنْبِس أبي ببِنْت شَفَة. كان أبي رجلًا طويلًا — وإن لم يكن في طول القبطان
أورلوف — وقد وقف فاردًا كتفيه العاريتين، يفكر فيما قاله الروسي. لم يكن يتعجَّل
الرد؛ لأن الأليوتيين كانوا قد حضروا من قبل لاصطياد ثعالب البحر. كان ذلك في الماضي
البعيد، ولكن أبي لا يزال يتذكَّرهم.
قال القبطان أورلوف، عندما طال صمت أبي: »إنك تتذكر رحلة صيد أخرى. لقد
سمعتُ بهذه الرحلة أنا الآخر. كان يقودها القبطان ميتريف. كان رجلًا أحمق وقد مات.
نشأتِ المتاعب عن تحميلك وقبيلتك عبءَ أعمال الصيد كافةً. «
قال أبي: »لقد اصطدنا بالفعل، ولكن الرجل الذي تصفُه بالأحمق أرادنا أن نصطاد
شهرًا دون توقُّف. «
قال القبطان أورلوف: »هذه المرة لن يكون عليكم فعل شيء؛ فرجالي هم مَن
سيصطادون وسوف نقسم حصيلة الصيد بيننا؛ الثُّلث لكم، ويُدفَع على هيئة بضائع،
والثلثان لنا. «
قال أبي: »لا بد أن يتساوى نصيبانا. «
تطلَّع القبطان أورلوفببصره باتجاه البحر وقال: »يمكننا أن نتحدَّث في ذلك لاحقًا،
عندما تصل مُؤَني إلى الشاطئ بأمان. «
12
الفصل الأول
كان الجوُّ صَحْوًا ذلك الصباح والرياح هادئة، ومع ذلك فقد كان ذاك موسمًا يُتوَقَّع
فيه هبوب العواصف؛ ولهذا كنت أفهم سبب رغبة الروسيفي دخول جزيرتنا.
قال أبي: »الأفضل أن نتَّفِق الآن. «
خطا القبطان أورلوف خطوتين كبيرتين بعيدًا عن والدي، ثم استدار لمواجهته قائلًا:
»الثلث نصيب عادل لكم؛ حيث إن مسئولية العمل والمخاطرة ستقع على عاتقنا. «
هزَّ أبي رأسه بالرفض.
أمسك الروسي بلحيته وسأل: »ما دام البحر ليس ملكًا لكم، فلماذا أعُطيكم أيَّ
نصيب؟ «
ردَّ أبي: »إن البحر الذي يُحيط بجزيرة الدلافين الزرقاء مِلْكٌ لنا. «
كان أبي يتحدث بهدوء، كعادته عندما يكون غاضبًا.
»مِن هنا حتى ساحل سانتا باربرا، على بُعْد عشرين فرسخًا؟ «
»كلَّا، فقط البحر الملامس لجزيرتنا، الذي تعيش فيه ثعالب البحر. «
أصدر القبطان أورلوف صوتًا بحنجرته، ونظر إلى رجالنا الواقفين على الشاطئ
وإلى مَن أتَوْا من وراء الصخور، ثم نظر إلى أبي وهزَّ كتفيه. وفجأة ابتسم، كاشفًا عن
أسنانه الطويلة.
وقال: »سيتساوى نصيبانا. «
وتابع حديثه، لكني لم أسمعْه؛ وذلك لأنني في تلك اللحظة حركتُ صخرة صغيرة
في غمرة حماسي البالغ، فتدحرجَت من فوق الجُرف وسقطَت إلى جوار قدميه. رَفَعَ كلُّ
مَن بالشاطئ أنظارهم إلى أعلى. فتركتُ الشجيرات في صمتٍ وركضتُ دون توقف حتى
وصلتُ إلى الهضبة المستوية.
13
الفصل الثاني
دخل القبطان أورلوف وصيادوه الأليوتيون الجزيرة ذاك الصباح، قاطعين الطريق من
سفينتهم إلى شاطئ خليج المرجان ذَهابًا وإيابًا مرات عدة. وبما أن الشاطئ كان صغيرًا
ويكاد الماء يغمره عندما يحلُّ المدُّ، سأل القبطان هل بإمكانه أن يبني معسكره على أرض
مرتفعة؟ ووافق والدي على طلبه.
ربما ينبغي لي أن أحدِّثكم عن جزيرتنا حتى تعرفوا كيف تبدو؟ وأين تقع قريتنا؟
وأين أقام الأليوتيون معسكرهم معظم الصيف؟
يبلغ طول جزيرتنا فرسخين وعرضها فرسخًا واحدًا، وإذا كنتَ تقف فوق إحدى
الهضاب القائمة في منتصفها، فستراها تشبه السمكة؛ دلفينًا مستلقيًا على جانبه، ذيله
يشير إلى اتجاه شروق الشمس، في حين يشير أنفه إلى اتجاه غروبها، وتمثِّل زعنفتاه
الشعاب المرجانية وسلاسل صخور ممتدة على طول الشاطئ. وهل كان أحدهم وقف
بالفعل على إحدى الهضاب المنخفضة عندما كانت الأرضبِكرًا، وأطلق عليها اسم جزيرة
الدلافين الزرقاء لشكلها ذاك أم لا، فهذا ما لا أعلمه. فثمة دلافينُ كثيرة تعيش في البحار
المحيطة بنا، وربما كان ذلك أصل تسمية الجزيرة. ولكن على أيِّ حال، كان ذاك هو اسم
الجزيرة.
أظن أول شيء ستلاحظه على جزيرتنا هو الرياح. فهي تهب بصفة شبه يومية،
أحيانًا من الشمال الغربي وأحيانًا من الشرق، وفي أحيان نادرة تهب من الجنوب. وكل
الرياح عدا تلك التي تهب من الجنوب قوية؛ وبسببها هضابنا ملساء وأشجارنا صغيرة
وملتوية، حتى في الوادي المؤدِّي إلى خليج المرجان.
تقع قرية جالاس-أتشرق الهضاب، على هضبةصغيرة مستوية، بالقرب من خليج
المرجان ونَبْع فيَّاض. وعلى بُعد نصف فرسخ إلى الشمال يوجد نبع آخر، وفي هذا الموضع
جزيرة الدلافين الزرقاء
نَصَب الأليوتيون خيامهم الجلدية، وكانت شديدة الانخفاض، حتى إنَّ الرجال كانوا
يُضطرون للزحف على بطونهم لدخولها. وعند الغسق، كان بإمكاننا رؤية وَهَج النيران
التي يشعلونها.
في تلك الليلة حذَّر أبي كل سكان قرية جالاس-أت من زيارة المعسكر.
قال: »لقد جاء الأليوتيون من بلاد بعيدة في الشمال، وأسلوب حياتهم غير أسلوب
حياتنا، ولغتهم لا تشبه لغتنا. وقد حضروا لصيد ثعالب الماء وإعطائنا نصيبنا على هيئة
بضائع كثيرة يملكونها ويمكننا أن نستخدمها. وبهذه الطريقة نتربَّح. ولكننا لن نتربَّح
إذا حاولنا أن نُصادِقهم؛ فهم قوم لا يفهمون معنى الصداقة. إنهم ليسوا نفسالأشخاص
الذين جاءوا من قبل، بل هم من نفس القبيلة التي جلبت لنا المتاعب منذ سنوات طويلة
مضت. «
قُوبلتْ أوامرُ أبي بالسمع والطاعة من الجميع. فلم يذهب أحد منا إلى معسكر
الأليوتيين ولم يأتِ أحد منهم إلى قريتنا. ولكن هذا لا يعني أننا لم نعرف ما كانوا
يفعلونه، ما يأكلونه وبأي طريقة طَهَوْه، وكم ثعلب ماء اصطادوا كل يوم، وأشياء أخرى
كذلك؛ فدائمًا كان ثمة مَن يُراقبهم مِن فوق الجُروف أثناء انشغالهم بالصيد، أو مِن
الوادي الضيق عندما يكونون في معسكرهم.
فرامو — مثلًا — كان يجلب لنا أخبار القبطان أورلوف.
قال رامو: »عندما يزحف خارج خيمته في الصباح، يجلس على صخرة ويمشط
لحيته حتى تصبح لامعة كجناح طائر الغاق. «
أما أختي يولابى، التي كانت تكبرني بعامين، فجلبت أكثر الأخبار غرابة. فقد أقسمتْ
أنها رأتْ فتاة أليوتية بين الصَّيَّادين.
قالت يولابى: »إنها ترتدي ثيابًا جلدية كبقية الرجال، ولكنها تضع على رأسها قبَّعة
من الفرو، وأسفل القبعة ينسدل شعرها غزيرًا حتى خصرها. «
لم يصدق أحد ما قالتْه يولابى. وقد ضحك الجميع من فكرة أن يهتم الصيادون
بجلب زوجاتهم معهم.
وكان الأليوتيون يراقبون قريتنا هم أيضًا، ولولا ذلك لما علموا بالبَرَكة التي حلَّتْ
علينا بعد وقت قصير من قدومهم.
حدث الأمر كالتالي: إن أول الربيع موسم يشحُّ فيه الصيد؛ فهياج البحار والرياح في
موسم الشتاء يدفع الأسماك إلى المياه العميقة؛ حيث تمكث حتى يعتدل الطقس وحيث
16
الفصل الثاني
يصعب صيدها. في تلك الأثناء يقتصد أهل القرية في طعامهم، الذي يتكون في معظمه من
خزين البذور التي تُحصَد في الخريف.
وقد بلغتْنا بُشرى البَرَكة التي حلَّتْ علينا عَصْرَيومٍ عاصف، على لسان يولابى، التي
لم تكن تجلس بلا عمل قط. كانت يولابى قد ذهبتْ إلى سلاسل الصخورشرقِيَّ الجزيرة
على أملِ أن تجمع بعض المحَار. وبينما كانت تتسلق جُرفًا في طريقها إلى المنزل سمعتْ
ضوضاء عالية خلفها.
في البداية لم ترَ سببَ تلك الضوضاء، وظنَّتْ أن مرجعها تردُّد صدى الريح في أحد
الكهوف، وكانت على وشك أن تغادر عندما لاحظت أجسامًا فِضِّيَّة في قاع الكهف. ثم
تحركتِ الأجسام ورأتْ يولابى أنها كانت سِرْب أسماك قاروس بيضاء ضخمة، كلٌّ منها
بحجم يولابى تقريبًا. كانت تلك الأسماك قد حاولت السباحة باتجاه الشاطئ، هربًا من
الحيتان القاتلة التي كانت تتغذَّى عليها عندما يتعذَّر صيد عُجول البحر. ولكنها في غمرة
ذُعرها أخطات تقدير عمق الماء مما قذف بها فوق الحافَة الصخرية.
ألقتْ يولابى بسلَّة المحار وانطلقتْ تجاه القرية، حتى بلغتْها متقطعةَ الأنفاس، حتى
إنها لم تستطِعْ سوى أن تشير بإصبعها في اتجاه الشاطئ. كانت نساء القرية منشغلات
بإعداد العَشاء ولكنهن جميعًا توقَّفْنَ وتجمَّعْنَ حولها، منتظراتٍ حديثها.
وأخيرًا قالت: »سِربٌ من أسماك القاروس البيضاء. «
سألها الجميع: »أين؟ أين؟ «
»على الصخور. اثنتا عشرة منها، وربما أكثر! «
قبل أن تنتهي يولابى من كلامها، كنا نركض تجاه الشاطئ، آملين أن نصل هناك
في الوقت المناسب، وألَّا تكون الأسماك قفزت في البحر مجددًا، أو أن تكون موجة عابرة
جاءت وسحبتْها بعيدًا.
وصلنا إلى الجرف ونظرنا إلى الأسفل، فوجدنا أنسرب أسماك القاروس البيضاء لا
يزال على الحافة الصخرية، يلمع في ضوء الشمس. ولكن حيث إن المد كان مرتفعًا وكانت
أكبر الأمواج ترتطم برفقٍ بالسمك بالفعل، فلم يكن لدينا وقت نضيعه. فأخذنا نسحبها
واحدة تلو الأخرى بعيدًا عن حدود المدِّ. ثم أخذتْ كل امرأتين تحملان سمكة واحدة —
لأنها كانت كلها ثقيلة ومتساوية الحجم تقريبًا — إلى أعلى الجرف حتى عدنا بها إلى
القرية.
17
جزيرة الدلافين الزرقاء
كانت الأسماك كافية لإطعام كل أفراد القبيلة في عَشاء تلك الليلة والتي تليها، ولكن
في الصباح أتى صيادان من الأليوتيين إلى القرية وطلبا التحدث إلى أبي.
قال أحدهما: »لديك أسماك. «
رد أبي: »تكفي قومي وحسْبُ. «
قال الصياد: »لديك أربع عشرة سمكة. «
»لقد صارتْ سبعًا الآن؛ لأننا أكلنا سبع سمكات. «
»يمكنك الاستغناء عن سمكتين من السبع. «
ردَّ أبي: »ثمة أربعون رجلًا في معسكرك، وأكثر من ذلك في قريتنا. هذا بالإضافة إلى
أنَّكم لديكم أسماككم، أقصد الأسماك المجفَّفة التي أحضرتموها معكم. «
قال الصياد: »لقد سئمنا ذلك النوع. «
كان رجلًا قصيرًا بالكاد يصل إلى كتفَيْ والدي، وعيناه صغيرتين أشبه بحصوتين
سوداوين وفمه أشبه بحدِّ سكين حجرية. وكان الصياد الآخر يُشبِهه إلى حدٍّ بعيد.
قال والدي: »أنتم صيادون؛ فاذهبوا واصطادوا سمككم بأنفسكم إذا كنتم مَلِلْتُم
النوع الذي تأكلونه الآن. أما أنا فلديَّ قبيلة أعُنَى بها. «
»سوف يسمع القبطان أورلوف برفضكم مشاركتنا السمك. «
قال أبي: »نعم، أَخْبِرْه بذلك. ولكن أخبره أيضًا بسبب رفضنا. «
تمتم الصياد بشيء لرفيقه، ثم سارا غاضبينِ على ساقيهما القصيرتين فوق الكثبان
الرملية التي تفصل بين القرية ومعسكرهما.
تناولنا بقية أسماك القاروس تلك الليلة وقد ساد القرية جوٌّ من البهجة والمرح.
ولكن بينما كنا نأكل ونغني ويروي شيوخنا القصصفي حلقات السمر حول النيران، لم
نكن ندري أن البَرَكة التي حلَّتْ عليناسرعان ما ستجلب المتاعب لقرية جالاس-أت.
18
الفصل الثالث
كانت أحواضالأعشاب البحرية الواسعة التي تحيط بجزيرتنا من ثلاث جهات قريبة من
الشاطئ وتمتدُّ في البحر مسافة فرسخ كامل. وفي تلك الأحواضالعميقة — حتى في الأيام
العاصفة — راح الأليوتيون يصطادون. كانوا يغادرون الشاطئ عند الفجر في قوارب
الكانو المصنوعة من الجلد ولا يعودون حتى الليل، ساحبين وراءهم صيدهم من ثعالب
البحر.
يبدو ثعلب البحر سابحًا أشبه بعِجْل البحر، ولكنه في الواقع مختلف للغاية؛ فأنفه
أقصر من أنف عجل البحر، ولديه أقدام صغيرة وتراء عوضًا عن الزعانف، وَفَرْوُه أكثر
كثافة وجمالًا من فِراء عجل البحر. وهو أيضًا يختلف عن عجل البحر في أشياء أخرى؛
فثعلب البحر يُحب أن يرقد على ظهره في أحواض الأعشاب البحرية، فيطفو جسده إلى
أعلى وأسفل مع حركة الأمواج، مستمتعًا بأشعة الشمس أو نائمًا. فثعالب البحر أكثر
حيوانات البحر حبٍّا لِلَّعِب والمرح.
كانت تلك هي الحيوانات التي أخذ الأليوتيون يصطادونها من أجل فِرائها.
كان بإمكاني رؤية قوارب الكانو الجلدية مِن فوق الجرف وهي تتقافز هنا وهناك
على أحواض الأعشاب البحرية، وبالكاد تمسُّ سطح الماء، والرماح الطويلة تتطاير
كالسِّهام. وفي المساء كان الصيَّادون يجلبون صيدهم إلى خليج المرجان، وهناك على
الشاطئ كانت الحيوانات تُسلخ ويُنزَع منها اللحم. كان هذا العمل يُعهَد به إلى رجلين —
هما أيضًا مَن يشحذان الرماح — يعكُفان على عملهما إلى جوف الليل على ضوء النيران
الموقَدَة من الطحالب البحرية. وفي الصباح يكون الشاطئ مكسوٍّا بجثث الثعالب البحرية
والأمواج مصطبغة بالدماء.
جزيرة الدلافين الزرقاء
كان كثير من رجال قبيلتنا يذهبون إلى الجرف كل ليلة لكي يُحْصُوا عدد ذبائح
اليوم. كانوا يَعدُّون الثعالب البحرية المقتولة ويفكرون في الخرز والأشياء الأخرى التي
سيجلبها لهم بيع فراء كل حيوان. ولكنني لم أذهب إلى الخليج قط، وكنت أغضب عندما
أرى الصيادين برماحهم الطويلة ينطلقون بقواربهم فوق سطح الماء؛ لأن تلك الحيوانات
كانت صديقة لي. كان يحلو لي رؤيتها تلهو أو تتشمَّس فيما بين الأعشاب البحرية. وكان
ذلك أكثر إمتاعًا من التفكير في عِقْد من الخرز أضعه حول رقبتي.
وهذا ما قلتُه لوالدي صباح أحد الأيام.
قلت: »ما تبقَّى من ثعالب الماء في الأحواضالمحيطة بخليج المرجان لا يزيد عن الاثني
عشر. قبل أن يأتي الصيادون كانت كثيرة. «
ردَّ أبي، ضاحكًا من حماقتي: »الكثير منها لا يزال يعيش في أماكن أخرى حول
الجزيرة. وعندما يغادر الصيادون، سوف تعود إلى هنا. «
قلت: »لن يتبقَّى أيٌّ منها. سوف يقتلها الصيادون عن آخرها. إنهم يصطادون في
الجنوب هذا الصباح، وفي الأسبوع المقبل سوف ينتقلون إلى مكان آخر. «
»لقد امتلأتْ سفينتهم بالفِراء، وخلال أسبوع آخر سيكون الأليوتيون قد استعدوا
للرحيل. «
كنتُ متأكدة من أن أبي يعتقد أنهم سيغادرون عما قريب؛ لأنه قبل يومين كان قد
أرسل عددًا من شباب قبيلتنا إلى الشاطئ لكي يبنوا قارب كانو من جذع شجرة مقطوع
جَرَفَتْه الأمواج إلى الشاطئ.
لا توجد أشجار على جزيرتنا سوى تلك الشجيرات الصغيرة التي تُعيق الرياح نموها
الطبيعي. وعندما ينجرف جذع شجرة إلى الشاطئ — مثلما حدث مرة منذ زمن بعيد —
دائمًا ما كان يُحمَل من الشاطئ إلى القرية؛ حيث يعمل عليه الرجال، بعيدًا عن الأمواج
التي قد تأتي إحداها مصادفة وتجرفه بعيدًا. ولكنْ أن يذهب الرجال لتفريغ الكتلة
الخشبية داخل الخليج، ويناموا بجوارها خلال الليل، فهذا يعني أنهم كان عليهم أن
يراقبوا الأليوتيين، وينذرونا إذا حاول القبطان أورلوف الإبحار بسفينته دون أن يدفع
لنا ثمن فِرَاء ثعالب الماء.
كان الجميع يخشَوْن أن يفعل ذلك؛ ولذلك كان ثمة رجال آخرون يراقبون المعسكر،
إلى جانب الرجال المرابطين في الخليج الذين كانوا يراقبون السفينة الأليوتية.
وكل ساعة كان ثمة مَن يجلب لنا الأنباء. قالت يولابى إن المرأة الأليوتية قضتْ فترةَ
ما بَعد الظهيرة بالكامل لأحد الأيام في تنظيف مرايلها الجلدية، وهو الأمر الذي لم تفعله
20
الفصل الثالث
من قبل طوال فترة وجودها هنا. وفي الصباح الباكر لأحد الأيام، قال رامو إنه رأى القبطان
أورلوف يهذِّب لحيته بعناية حتى بدت على نفس الهيئة التي كانت عليها يوم حضرهنا.
أما الرجلان اللذان كانا يشحذان الرماح الطويلة، فقد توقَّفا عن ذلك وخصَّصا كل وقتهم
لسلخ ثعالب الماء التي كانت تُجلب عند الغسق.
كنا في قرية جالاس-أت نعلم أن القبطان أورلوف وصياديه يستعدون لمغادرة
الجزيرة. فهل سيدفع لنا القبطان مقابل ثعالب الماء التي اصطادها أم إنه سيحاول
التسلل هاربًا تحت جنح الظلام؟ وهل سيُضطر رجالنا إلى القتال من أجل نصيبنا
العادل؟
تلك الأسئلة كان الجميع يطرحونها في حين كان الأليوتيون يستكملون تجهيزاتهم
للرحيل؛ الجميع عدا أبي، الذي لم يقُل شيئًا، لكنه راح يعمل كل ليلة على الرمح الجديد
الذي كان يصنعه.
21
الفصل الرابع
غادر الصيادون الجزيرة في يوم غابت عنه الشمس. كانت أمواج عميقة تتوالى على الجزيرة
من الشمال، ثم تتكسَّرعلى الصخور وتتدفق هادرةً داخل الكهوف، ناثرة دفقات من الرذاذ
الأبيضفي الهواء. وصار من المؤكد أن عاصفة ستهب قبل حلول الليل.
وبُعَيد الفجر، فكَّ الصيادون خيامهم الجلدية وحملوها إلى الشاطئ.
لم يكن القبطان أورلوف قد دفع لأبي ثمن ثعالب الماء التي اصطادها؛ لذا عندما
وصلت أنباء فَكِّ الصيادين خيامهم، غادرتْ قبيلتنا بالكامل القرية وانطلقْنا تجاه خليج
المرجان. ذهب الرجال بأسلحتهم أولًا، ثم لحِقَت بهم النساء، وقد اتخذ الرجال الطريق
المؤدي إلى الشاطئ، أما النساء فاختبأْن في دَغَل الشجيرات على الجرف.
ذهبتُ أنا ويولابى معًا إلى طرف الحافَة حيث اختبأتُ عندما أقبل الصيادون للمرة
الأولى.
كان المدُّ منخفضًا، وقد تناثرت فوق الصخور والشاطئ الضيق حُزَم من فراء ثعالب
الماء. كان نصف الصيادين على متن السفينة، أما البقية فكانوا يخوضون في الماء، مُلقين
حُزَم الفراء في أحد القوارب. كان الأليوتيون يضحكون أثناء عملهم، وكأنهم فرحون
بمغادرة الجزيرة.
كان أبي يتحدث مع القبطان أورلوف. لم أستطِعْ سماعهما بسبب الضجيج الذي
أحدثه الصيادون، ولكن من الطريقة التي كان أبي يهزُّ بها رأسه، علمتُ أنه غيرُ راضٍ.
همستْ يولابى: »إنه غاضب. «
قلت لها: »كلَّا، ليس بعدُ. عندما يكون غاضبًا حقٍّا، يشدُّ أذنه. «
كان الرجال الذين يعملون على بناء قارب الكانو قد توقفوا عن العمل وأخذوا يُراقِبون
أبي والقبطان أورلوف، أما بقية رجال قبيلتنا فوقفوا عند نهاية الممر المؤدي إلى الشاطئ.
جزيرة الدلافين الزرقاء
انطلق القارب إلى السفينة محمَّلًا بفِراء ثعالب الماء، وعندما وصل إلى السفينة، رفع
القبطان أورلوف يده وأعطى إشارة. وعندما عاد القارب، كان على متنه صندوق أسود
حمله صيادان إلى الشاطئ.
رفع القبطان أورلوف غطاء الصندوق وأخرج عدة عقود من الخرز. كان ضوء
السماء خافتًا، ومع ذلك فقد تلألأت حبات الخرز في حين راح القبطان يسمي كلٍّا منها
باسمه. وإلى جِواري، شهقتْ يولابى من فرط الإثارة، وكان بإمكاني سماع صيحات
البهجة من النساء المختبئات في الدغل.
ولكن الصيحات توقفت فجأة عندما هز والدي رأسه وأدار ظهره للصندوق. وقف
الأليوتيون في صمت. أما رجالنا فتركوا أماكنهم عند نهاية الممر وتحركوا للأمام بضع
خطوات، ثم انتظروا وهم يراقبون والدي.
قال والدي: »لم نتَّفق على عِقْد واحد من الخرز مقابل فِراء كل ثعلب. «
قال القبطان أورلوف، رافعًا أصبعين: »عقد من الخرز ورأس رمح معدني. «
رد أبي: »هذا الصندوق لا يحتوي على هذه الكمية. «
قال الروسي: »ثمة صناديق أخرى على السفينة. «
فقال أبي: »إذن أحْضِرْها للشاطئ. لديك مائة وخمس حُزَم من فِراء الثعالب على
متن السفينة، وثمَّة خمس عشرة حُزمة هنا في الخليج. سوف تحتاج إلى ثلاثة صناديق
أخرى بهذا الحجم. «
قال القبطان أورلوف لصياديه شيئًا لم أفهمه، ولكن سرعان ما اتضح معناه. كان
ثمة عددٌ كبير من الصيادين في الخليج، وما إن تحدث إليهم حتى شرعوا يحملون فرو
الثعالب إلى القارب.
كانت يولابى إلى جواري تكاد تحبسأنفاسها. وهمستْ لي: »هل تظنين أنه سيعطينا
الصناديق الأخرى؟ «
»أنا لا أثق به. «
»عندما ينقل الفِرَاء إلى السفينة قد يرحل. «
»هذا أمر محتمَل. «
كان على الصيَّادين أن يتخطَّوْا أبي لكي يصلوا إلى القارب، وعندما اقترب منه أولهم،
اعترضوالدي طريقه.
وقال مواجهًا القبطان أورلوف: »لا بد أن تظل بقية الفِرَاء هنا، حتى تجلبوا
الصناديق الأخرى. «
24
الفصل الرابع
شد الروسيقامته في توتر وأشار إلى السُّحُب التي تتحرك باتجاه الجزيرة.
ثم قال: »يجب أن أتُِمَّ تعبئة السفينة قبل أن تهب العاصفة. «
أجاب والدي: »أعطنا الصناديق الأخرى، وعندها سأساعدك بقوارب الكانو. «
ظل القبطان أورلوف صامتًا، وراح يجول ببصره في أنحاء الخليج ببطء. فنظر إلى
رجالنا الواقفين على سلاسل الصخور على بُعد اثنتي عشرة خطوة، وبعدها نظر إلى أعلى
باتجاه الجرف وعاد بنظراته إلى والدي، ثم تحدَّث إلى رجاله الأليوتيين.
لست أدري ماذا حدث أولًا، وهل كان أبي هو مَن رفع يده على الصياد الذي كان أبي
يعترض طريقه، أم أن ذلك الصياد، الذي كان يحمل على ظهره حزمة من فِرَاء ثعالب
البحر، هو مَن تقدَّم للأمام ودفع والدي جانبًا. حدث كل شيء بسرعة حتى إنني عجزتُ
عن تمييز فعلٍ مِن الآخر. ولكنني إذ هببتُ واقفة على قدميَّ، وصرختْ يولابى وترددتْ
معصرختهاصرخات أخرى على طول الجرف، رأيتُ شخصًا مُمَدَّدًا على الصخور. كان
ذاك أبي وكانت الدماء تُغرِق وجهه. ثم وقف على قدميه ببطء.
نزل رجالنا من فوق الحافَة الصخرية مسرِعين ورافعين رماحهم، وتصاعد دخان
أبيض مِنْ على سطح السفينة. ثم ردَّدت صخور الجرف صدى دوي مرتفع، وسقط
خمسة من محاربينا على الأرضبلا حراك.
صرختْ يولابى مجددًا وألقتْ بصخرة نحو الكهف أسفلنا، فسقطت بجوار القبطان
أورلوف دون أن تمسه. وانهمرتِ الصخور على الكهف من أماكن متعددة على طول
الجرف، مُصيبة عددًا من الصيادين. ثم اندفع محاربونا للاشتباك مع الصيادين حتى
صار من الصعب التمييز بينهم.
وقفتُ أنا ويولابى فوق الجرف، وشاهدنا ما يحدث في عجز؛ خائفتين من استخدام
الصخور التي بأيدينا خشية أن نصيب رجالَ قبيلتنا.
كان الأليوتيون قد ألقَوْا حُزم الفراء أرضًا، وسحبوا سكاكين من أحزمتهم، وإذ
هجم عليهم محاربونا، اشتبك الطرفان في نوبات من الكرِّ والفرِّ على طول الشاطئ. كان
الرجال يسقطون على الرمال وينهضون للقتال مجددًا، وآخرون سقطوا ولم ينهضوا.
وكان والدي واحدًا من هؤلاء.
لوقت طويل بدا وكأننا سننتصر في المعركة، ولكنَّ القبطان أورلوف، الذي كان قد
انطلق بالقارب إلى السفينة عندما اندلعت المعركة، عاد ومعه المزيد من الأليوتيين.
اضطُرَّ محاربونا إلى التراجع نحو الجُروف. لم يكن قد تبقَّى منهم سوى عدد قليل،
ورغم ذلك فقد قاتلوا ببسالة عند نهاية الممر وأبَوا التقهقر.
25
جزيرة الدلافين الزرقاء
ثم هبَّت الرياح. وفجأة استدار القبطان أورلوف ورجاله وركضوا إلى القارب، ولم
يُلاحقهم رجالنا. وصل الصيادون إلى السفينة، وارتفع الشراعان الأحمران، ثم تحركت
السفينة ببطء بين الصخرتين اللتين تحرسان الخليج.
ومرة أخرى قبل اختفائها، تصاعد الدخان الأبيض من على سطح السفينة. وبينما
كنا نركض أنا ويولابى فوق الجروف، مرقَ فوق رأسينا صوت طنين كأنه طائر عظيم
محلِّق.
هبت العاصفة أثناء ركضنا، قاذفةً المطر في وجوهنا. ثم وجدنا نساء أخريات يركضن
إلى جوارنا وقد علتصرخاتهن على صوت الرياح. وفي نهاية الممر وجدنا محاربينا. كثيرٌ
منهم حاربوا على الشاطئ. قليلون منهم مَن تركوه، وأولئك كانوا مصابين جميعًا.
كان والدي ممدَّدًا على أرضالشاطئ والأمواج تغمره بالفعل. وإذ نظرتُ إلى جسده
عرفت أنه ما كان ينبغي أن يُخبر القبطان أورلوف باسمه السري، وفي قريتنا وافقتنا
النساء المُنْتَحِبات والرجال المحزونون جميعًا على أن ذلك أضعفه كثيرًا حتى لم ينجُ من
المعركة مع الأليوتيين والروسيالخائن.
26
الفصل الخامس
كانت تلك الليلة أسوأ ليلة شهدَتْها قرية جالاس-أت. عندما طلع فجر ذلك اليوم المشئوم،
كان عدد الرجال في القبيلة اثنين وأربعين، بمن فيهم الشيوخ غير القادرين على القتال.
وعندما حلَّ الليل، وحملت النساء أجساد الرجال الذين قُتِلوا على شاطئ خليج المرجان
إلى القرية، لم يكن متبقيًا من الرجال سوى خمسة عشر رجلًا، مِن بينهم سبعة شيوخ.
لم يكن بالقرية امرأة لم تفقد والدًا أو زوجًا أو شقيقًا أو ولدًا.
استمرت العاصفة يومين، وفي اليوم الثالث دفنَّا قَتْلانا عند اللسان الجنوبي. أما
الأليوتيون الذين قُتِلوا على الشاطئ، فأحرقْنا جثثهم.
خيَّم الوجوم على القرية أيامًا طويلة. فلم يكن الناسيخرجون من بيوتهم إلا ليجمعوا
الطعام ثم يعودون ليأكلوا في صمت. كان البعض يرغبون في مغادرة الجزيرة والإبحار
بقوارب الكانو إلى الجزيرة المسمَّاة سانتا كاتالينا، في الشرق البعيد، ولكنَّ آخرين قالوا إن
الماء قليل على تلك الجزيرة. وفي النهاية انعقد مجلسٌ تقرَّر فيه البقاء في جالاس-أت.
وقد اختار المجلس أيضًا زعيمًا جديدًا ليحل محل أبي، اسمه كيمكي. كان رجلًا
عجوزًا هرِمًا، ولكنه كان رجلًا صالحًا في شبابه وصيادًا ماهرًا. وفي الليلة التي اختِير فيها
ليكون الزعيم، جمع أهل القرية كلهم، وقال لهم: »إن معظم مَن كانوا ينصبون الفخاخ
للدجاج ويصطادون الأسماك من المياه العميقة ويبنون قوارب الكانو رحلوا عن عالمنا.
فعلى النساء اللاتي لم يُطلَب منهن يومًا أكثر من البقاء بالمنزل، وطهْيِ الطعام، وحياكة
الملابس أن يحللْنَ محلَّ الرجال ويواجِهْنَ الأخطار التي تحيط بهذه القرية. البعض في
جالاس-أت لن يروق له ذلك؛ وسيكون ثمة متهربون، وهؤلاء ستتمُّ معاقبتهم؛ لأننا إذا
لم نتعاون جميعًا، فسوف نهلك جميعًا. «
جزيرة الدلافين الزرقاء
وزَّع كيمكي العمل على كل فرد في القبيلة، موكلًا إليَّ ويولابى مهمةَ جمع قواقع أذن
البحر. كانت تلك المحار تنمو بوفرة على الصخور على طول الشاطئ. كنا نجمعها عند
انحسار المد في سِلال ونحملها إلى الهضبة المستوية، وهناك كنا ننزع اللحم الأحمر الداكن
من الصَّدَف ونضعه على الصخور المسطَّحة لكي يجف في الشمس.
وأوُكلتْ إلى رامو مهمة حماية قواقع أذن البحر من طيور النَّوْرس، ولا سيما من
الكلاب البرية. كانت العشرات من حيواناتنا التي تركت القرية عندما مات أصحابها قد
انضمت إلى القطيع البري الذي كان يجول في أنحاء الجزيرة. وسرعان ما أصبحتْ في مثل
شراسة تلك الحيوانات البرية ولم تعُدْ تأتي إلى القرية إلا لسرقة الطعام. فكل يوم قُبَيل
حلول المساء، كنت أنا ويولابى نساعد رامو على وضع القواقع في سِلال وحَمْلِها إلى القرية
لحفظها.
وخلال هذا الوقت، كانت بقية النساء تجمع الثمراتالقرمزية التي تنمو علىشجيرات
الصبار والتي تسمَّى التين الشوكي. وكنَّ يصطدن الأسماك وكثيرًا من الطيور. ولقد عملتِ
النساء بكدٍّ حتى إنناصرنا أفضل حالًا مما كنا من قبل عندما كان الصيد مهمة الرجال.
كان المفترض أن تعيش القرية في سلام، ولكن ذلك لم يحدث؛ فالرجال قالوا إن
النساء قد استولَيْنَ على مهامَّ كانت حقٍّا مكتسَبًا للرجال، والآن بعد أن صارت النساء
صيَّادات، أصبح الرجال يحتقرونهن. وأثار هذا الأمرُ متاعبَ جمَّةً حتى أَمَر كيمكي
بإعادة توزيع المهام؛ فمنذئذٍ عُهِد إلى الرجال بالصيد وإلى النساء بالحصاد. وحيث إنه
كان ثمة قدرٌ وافر من الطعام بالفعل يكفي لفترة الشتاء، لم يعُدْ مهمٍّا مَن يقوم بالصيد.
ولكن هذا لم يكن السبب الحقيقي وراء غياب السلام عن جالاس-أت في فصلَيِ
الخريف والشتاء. فمَن ماتوا بخليج المرجان كانوا لا يزالون معنا. حيثما ذهبنا على
الجزيرة أو في البحر، وسواء كنا نصطاد أو نأكل أو نجلس حول النيران بالليل، لم تكن
ذكراهم تفارقنا. فكلٌّ منا لازمتْه ذكرى شخصما، وكنت أنا أتذكر والدي؛ بقامته الفارعة
وقوَّته ورِقَّةِ قلبه. كانت والدتي قد تُوُفِّيَت قبل بضع سنوات، ومنذ ذلك الحين حاولتُ
أنا ويولابى أن نتولَّى مهامَّها، ولا سيما يولابى، لكونها أكبر مني سنٍّا. والآن بعد أن رحل
والدي، لم يعُد من السهل الاعتناء برامو، الذي كان دائمًا مصدرًا للمتاعب.
كانت بقية المنازل في جالاس-أت تعيش نفس الحالة، ولكن ما أَوْهَنَ قلوبَنا لم يكن
تلك الأعباءَ التي ألُقِيتْ على كاهلنا، وإنما ذكرى مَن فارقونا.
28
الفصل الخامس
وبعد أن خُزِّن الطعام في الخريف وامتلأت السِّلال في كل منزل، صار لدينا متَّسَع
من الوقت للتفكير فيهم، حتى ساد القرية نوعٌ من المرض، وصار الناس يجلسون فلا
يتحدثون، ولا يضحكون أبدًا.
وفي الربيع، دعا كيمكي القبيلة للاجتماع. وقال إنه كان يفكر خلال الشتاء وقد قرر
أن يأخذ قارب كانو ويُبحر به شرقًا إلى بلد هناك كان قد زاره مرة في صباه. وقال إن
ذلك البلد على بُعد أيام عدَّةٍ بحرًا، لكنه سيذهب إلى هناك ويؤسِّسمعيشةً لنا، وإنه سوف
يذهب بمفرده؛ لأنه لا يستطيع الاستغناء عن مزيد من رجالنا من أجل هذه الرحلة، وقال
إنه سيعود.
كان الجوُّ صحْوًا يوم غادر كيمكي. وقد ذهبنا جميعًا إلى الخليج ووقفنا نراقبه إذ
راح يدفع قارب الكانو الكبير إلى الماء. كان القارب يحوي سلتين من الماء وكمية من ثمرات
التين الشوكي وقواقع أذن البحر المجفَّفة تكفي أيامًا عدة.
أخذنا نراقب كيمكي إذ راح يجدف بقارب الكانو عبر الفُرجة الضيقة بين الصخور.
وببطء عبر أحواض الأعشاب البحرية إلى البحر. وهناك لوَّح بيده لنا فلوَّحْنا له أيضًا.
خلَّفت الشمس المُشْرِقة خيطًا فضيٍّا على صفحة الماء، وقد تبع كيمكي ذلك الخيط حتى
توارى عن أنظارنا ناحية الشرق.
ظللنا نتحدث عن رحلته بقية اليوم. هل سيصل كيمكي إلى ذلك البلد البعيد الذي لا
نعلم عنه شيئًا؟ هل سيعود قبل أن ينتهي الشتاء؟ أم إنه لن يعود أبدًا؟
جلسنا في تلك الليلة حول النيران نتحدث في حين راحت الريح تعصف بالجزيرة
والأمواج تتلاطم على شاطئها.
29
الفصل السادس
بعد مرور شهر على غياب كيمكي، بدأنا نترقب عودته. ففي كل يوم كان أحدنا يذهب
إلى الجرف لتفقُّد البحر. وحتى في الأيام العاصفة كنا نذهب، وفي الأيام التي كان الضباب
يغلِّف فيها الجزيرة. خلال فترة النهار كان ثمَّة مراقب دائم على الجرف، وفي كل ليلة
حينما كنَّا نجلس حول النيران، كنا نتساءل عما إذا كان اليوم التالي سوف يُعيده إلى
الوطن.
ولكن الربيع جاء وولَّى والبحر لا يزال خاليًا، وكيمكي لم يعُدْ!
كانت العواصف قليلة ذلك الشتاء والمطر خفيفًا ولم يطُلْ سقوطه. كان معنى ذلك
أننا لا بد أن نقتصد في استهلاك الماء. ففي الماضي كانت ينابيع الماء أحيانًا ينخفض
منسوبها دون أن يُقلق ذلك أحدًا، ولكن الآن بدا أن كل شيء يشعرنا بالخطر. وكثيرٌ منا
كانوا يخشون الموت عطشًا.
قال ماتاسايب، الذي خَلَفَ كيمكي في الزعامة: »ثمة أشياءُ أهمُّ من ذلك علينا أن
نفكر فيها. «
كان ماتاسايب يتحدث عن الأليوتيين؛ لأن هذا هو الوقت الذي أتَوْا فيه من قبل. بدأ
المراقبون على الجُرف يبحثون عن الأشرعة الحمراء وعُقِد اجتماع لوضع خطة عمل في
حالة إتيان الأليوتيين. كان لدينا نقص في عدد الرجال اللازمين لمنعهم من الرَّسْو على
شاطئنا أو لإنقاذ حياتنا إذا ما هاجمونا، وهو الأمر الذي كنا متيقنين مِن أنهم سيفعلونه.
ولهذا وُضعت خطط للفِرار ما إن نلمح سفينتهم.
خُزِّن الطعام والماء في قوارب كانو وأخُفيت تلك القوارب على الصخور عند الطرف
الجنوبي للجزيرة. كانت الجروف منحدرة في ذلك الموضع وشديدة الارتفاع، ولكننا حِكْنا
جزيرة الدلافين الزرقاء
حبلًا متينًا من أعشاب البحر وربطناه بالصخور أعلى الجرف بحيث تدلَّى وصولًا إلى الماء.
وبمجرد أن نلمح السفينة الأليوتية، كنا سنُسرِع جميعًا إلى الجرف ونهبط إلى الأسفل،
واحدًا تلو الآخر. وبعدها ننطلق بقوارب الكانو إلى جزيرة سانتا كاتالينا.
وعلى الرغم من أن المدخل المؤدي إلى خليج المرجان كان أضيق من أن تتمكن سفينة
من عبوره بأمان خلال الليل، فإننا كنا نرسل رجالًا لمراقبة الخليج من الغسق إلى الفجر،
بالإضافة إلى هؤلاء الذين كانوا يراقبونه أثناء النهار.
وبعد وقت قصير في ليلة اكتمل فيها القمر جاء أحد الرجال ركضًا إلى القرية. كان
الجميع نيامًا ولكن صيحاتهسرعان ما أيقظتْنا جميعًا.
كان يصيح: »الأليوتيون! الأليوتيون! «
كانتْ أنباءً متوقَّعة، وكنا مستعدين لها، ومع ذلك ساد الخوف قرية جالاس-أت.
كان ماتاسايب يُسرِع الخُطى من كوخ إلى كوخ، مخبرًا الجميع بأن يحتفظوا بهدوئهم ولا
يضيعوا الوقت في حزم الأمتعة غير الضرورية. إلا أني أخذتُ تنورتي المصنوعة من ألياف
اليُكة؛ لأنني أمضيت أيامًا طوالًا في صنعها وكانت جميلة للغاية، وكذلك أخذت ردائي
المصنوع من فِراء ثعلب الماء.
خرجنا من القرية فيصمت سائرينَ على الطريق المؤدي إلى مخبأ قوارب الكانو. كان
ضوء القمر يزداد خفوتًا، وكان ثمة ضوء ضعيف في الشرق، إلا أنَّ رياحًا عارمة بدأتْ
تَهُبُّ.
لم نكن قد سرنا أكثر من نصف فرسخ عندما اعترض طريقَنا الرجلُ الذي أطلق
الإنذار. تحدَّث الرجل إلى ماتاسايب، ولكننا جميعًا تجمَّعنا لنسمع ما يقول.
قال الرجل: »لقد عدْتُ مجددًا إلى الخليج بعد أن أطلقتُ الإنذار. وعندما وصلتُ إلى
هناك، صار بإمكاني أن أرى السفينة بوضوح. إنها خلف الصخور التي تحرس الميناء،
وهي أصغر حجمًا من سفينة الأليوتيين، وشراعاها أبيضان وليسا أحمرين. «
سأله ماتاسايب: »هل استطعتَ أن ترى أحدًا عليها؟ «
»كلَّا. «
»أهِيَ نفس السفينة التي أتت في الربيع الماضي؟ «
»كلَّا. «
صمت ماتاسايب، وأخذ يفكر في هذه الأنباء. ثم طلب منا أن نذهب إلى مكان قوارب
الكانو وأن ننتظره هناك؛ لأنه سيعود أدراجَه إلى القرية. كان نور الصباح قد انبلج الآن
وقد اجتزنا الكثبان بسرعة متَّجِهين إلى حافَة الجرف ووقفنا هناك وقتشروق الشمس.
32
الفصل السادس
اشتدَّت برودة الرياح، ولكننا لم نجرؤ على إشعال النار خشية أن يرى ركاب السفينة
دخانها، على الرغم من أننا كان علينا أن نطهو طعام الإفطار. وعوضًا عن ذلك تناولنا
القليل من القواقع المجففة، وبعد ذلك تسلَّق أخي رامو الجرف. لم يكن أحدٌ قد نزل إلى
الصخور منذ أن أخفينا قوارب الكانو هناك؛ ولذلك لم نكن نعلم هل كانت لا تزال في أمان
أم لا.
أثناء غياب أخي، رأينا رجلًا يركض على الكثبان. كان نانكو، حاملًا رسالة من
ماتاسايب. كان يتصبَّبُ عَرَقًا على الرغم من برودة الجو ووقف محاولًا التقاط أنفاسه.
انتظرنا جميعًا، مُسْتَحِثِّينَ إياه على الكلام، ولكنَّ وجهه كان سعيدًا فعَلِمْنا أنه يحمل أنباءً
سارةً.
قال الجميع في صوت واحد: »تكلَّم! «
قال: »لقد ركضتُ أكثر من فرسخ، ولم أعُد قادرًا على الكلام. «
قال شخصما: »إنك تتكلم بالفعل. «
صاحت أصوات كثيرة: »انطِقْ يا نانكو، انطِقْ. «
كان نانكو يتسلَّى بإغاظتنا. فنفخ صدره وأخذ نَفَسًا عميقًا، ونظر مِن حوله إلى
الوجوه المحيطة به وكأنه لا يفهم لماذا يُحْدِق به الجميع.
وأخيرًا قال، ناطقًا بالكلمات ببطء: »السفينة ليست لأعدائنا الأليوتيين. فهناك رجال
بيض على متن هذه السفينة وقد جاءوا من المكان الذي ذهب إليه كيمكي عندما غادر
جزيرتنا. «
قاطعه رجل عجوز سائلًا: »هل عاد كيمكي؟ «
»كلَّا، ولكنه هو مَن رأى الرجال البيض، وطلب منهم أن يأتوا إلى هنا. «
تساءلتْ يولابى: »كيف يبدون؟ «
وتساءل رامو، الذي عاد في تلك اللحظة وفمه مليء بشيء ما: »هل هناك صبية على
السفينة؟ «
بدا وكأنَّ الجميع يتحدثون في الوقت ذاته.
رسم نانكو ملامح التجهُّم على وجهه، وهو ما كان من الصعوبة بمكان؛ إذ كان فمه
قد شُقَّ في المعركة مع الأليوتيين، ومن يومها بدا كأنه مبتسم دائمًا.
رفع نانكو يده مشيرًا إليهم بالصمت، وقال: »لقد جاءت السفينة لسبب واحد؛ لكي
تأخذنا بعيدًا عن جالاس-أت. «
33
جزيرة الدلافين الزرقاء
سألتُه: »إلى أين سيأخذوننا؟ «
سرَّنا نبأ أُن السفينة لا تخصالأليوتيين، ولكن إلى أين سيأخذنا الرجال البيض؟
قال نانكو: »لست أدري إلى أين. كيمكي يعلم؛ فهو الذي طلب من الرجال البيض
أن يأخذونا إلى هناك. «
ودون أن ينطق بكلمة أخرى، استدار نانكو عائدًا وسِرنا وراءه. كنا متخوِّفين من
المكان الذي نحن ذاهبون إليه، ولكننا كنا سعداء أيضًا.
34
الفصل السابع
لم نأخذ شيئًا معنا عندما كنا نعتقد أن علينا أن نهرب بسرعة، ولهذا شعرنا بكثير من
الإثارة ونحن نحزم سلالنا. وكان نانكو يذرع المكان جيئة وذَهابًا أمام منازلنا، مستحِثٍّا
إيانا على الإسراع.
وصاح قائلًا: »الرياح تشتدُّ. سوف تغادر السفينة دونكما. «
ملأتُ سلتين بالأشياء التي كنتُ أرغب في أخذها معي؛ ثلاث إبر حياكة دقيقة من عَظْم
الحوت، ومثقاب لصنع الفتحات، وسكين حجري جيِّد لكشط جلد الحيوانات، وقِدْرَين
لطهي الطعام، وعُلبة صغيرة من الصدف فيها أقراط كثيرة.
كانت يولابى تمتلك عُلبتين من الأقراط؛ لأنها كانت مختالة بنفسها أكثر مني، وعندما
وضعَتْهما داخل سِلالها، رسمت علامة رفيعة بالطين الأزرق على أنفها ووجنتيها تعني
أنها غير متزوجة.
صاح نانكو: »السفينة ستُبحر. «
ردَّتْ يولابى صائحة: »إذا أبحَرَتِ الآن، فسوف تعود بعد العاصفة. «
كانت أختي مغرمة بنانكو؛ ولكنها كانت تسخر منه.
قالت: »سوف يأتي رجال آخرون إلى الجزيرة، وسيكونون أكثر وسامة وشجاعة
ممن يغادرون الآن. «
»إنكن جميعًا دميمات، حتى إن هؤلاء الرجال سيخافون منكن، ويلوذون بالفرار. «
هبَّت الرياح عاصفةً بينما كنا نغادر القرية، فلسَعَتْ وجوهنا بِذَرَّات الرمال. أخذ
رامو يتقافز في المقدمة على مسافة بعيدة منا، ولكنهسرعان ما عاد متعجِّلًا، وقال إنه نسي
رمح الصيد الخاصبه. كان نانكو يقف على الجرف، مشيرًا إلينا بالإسراع؛ ولذا رفضتُ
أن يعود رامو ليجلب رمحه.
جزيرة الدلافين الزرقاء
كانت السفينة راسية خارج الخليج، وقال نانكو إنها لن تستطيع الاقتراب من
الشاطئ لعلوِّ الأمواج، التي كانت ترتطم بصخور الشاطئ مُحْدِثَةً دويٍّا كهزيم الرعد. أما
الشاطئ فكان يحفُّه زَبَد البحر على مدى البصر.
كان ثمة قاربان على الشاطئ، وبجوارهما وقف أربعة رجال بيض، وأثناء سيرنا في
الطريق المؤدي إلى الشاطئ، أشار إلينا أحد الرجال بأن نسرع الخطى، متحدِّثًا بلغة لم
نستطِعْ فهمها.
كان رجال قبيلتنا — فيما عدا نانكو والزعيم ماتاسايب — قد صعدوا على متن
السفينة بالفعل. وقال نانكو إن أخي رامو على متنها هو الآخر؛ فقد سبقَنَا إلى هناك بعد
أن أخبرتُه بأنه لن يستطيع العودة إلى القرية ليجلب رمحه. وقال نانكو إن رامو قفز في
أول قارب غادر الخليج.
قسم ماتاسايب النساء إلى مجموعتين، ثم دُفع القاربان إلى الماء، وإذ أَرْجَحَتْهما
الأمواج ركبناهما بصعوبة.
كان الخليج محميٍّا من الرياح إلى حدٍّ ما، ولكن ما إن اجتزْنا الممر الفاصل بين
الصخور وخرجنا إلى البحر، حتى ارتطمتْ بنا أمواج عاتية. كانت الفوضىعارمة؛ إذ راح
الرذاذ يتطاير والرجال البيض يتصايحون. وقد أخذ القارب يتمايل بعنف حتى صار
بإمكان المرء رؤية السفينة في لحظة وفي اللحظة التالية تكون قد اختفت. ومع ذلك فقد
وصلنا إليها أخيرًا، وتمكنَّا من الصعود على متنها بسبيل أو بآخر.
كانت السفينة كبيرة، أضعاف حجم أكبر قوارب الكانو لدينا، وكان بها صاريان
عاليان، وقف بينهما شاب ذو عينين زرقاوين ولحية سوداء. كان زعيم الرجال البيض؛
إذ بدأ يُصدِر إليهم الأوامر فيطيعونها دون إبطاء. ارتفعتِ الأشرعة فوق الصواري العالية
وبدأ رجلان يجذبان الحبل المربوط إلى المرساة.
ناديتُ أخي؛ إذ علمتُ أنه لشدة فضوله سيعترض طريق الرجال أثناء عملهم.
فحجبتِ الرياح صوتي ولم يُجِب أخي ندائي. كان سطح السفينة مزدحمًا إلى حدِّ أنني
كنتُ أجد صعوبة في الحركة، ولكني قطعتُ سطح السفينة كله، مناديةً باسمه. ومع ذلك
لم يُجِبني أحد. وقال الجميع إنهم لم يرَوْه.
وأخيرًا وجدتُ نانكو.
كان الخوف قد تمكَّن مني، فهتفتُ: »أين أخي؟ «
36
الفصل السابع
كرَّر نانكو ما قاله لي على الشاطئ، ولكن أثناء حديثه أشارت يولابى، التي كانت
تقف إلى جواره، تجاه الجزيرة. مددتُ بصري إلى ما وراء السفينة والبحر. فهناك كان
رامو يركضعلى الجرف، حاملًا رمح الصيد فوق رأسه.
كانت الأشرعة قد انفتحتْ بالكامل وبدأتِ السفينة تتحرك ببطء مبتعدةً. كان الجميع
ينظرون تجاه الجرف، حتى الرجال البيض. جريتُ نحو أحدهم وأشرتُ إلى الجُرف، ولكنه
هزَّ رأسه نفيًا وأدار ظهره لي. بدأت السفينة تتحرك بسرعة أكبر. ورغمًا عني، وجدتني
أصرخ.
أمسك الزعيم ماتاسايب بذراعي.
وقال: »لا يمكننا انتظار رامو. إذا فعلنا ذلك، فسوف تُدفَع السفينة على الصخور. «
صحتُ قائلةً: »لا بد أن ننتظره! لا بد! «
قال ماتاسايب: »سوف تعود السفينة من أجله في يوم آخر. لن يُصيبه سوء. فثمَّة
طعام يأكله وماءٌ يشربه وأماكن ينام فيها. «
صرختُ قائلةً: »كلَّا. «
بدا وجه ماتاسايب وكأنه قُدَّ من صخْرٍ، ولم يكن يُنصِت إليَّ.صرختُ مرةً أخرى،
ولكن صوتي ضاع وسط عويل الرياح. تجمَّع الناس من حولي مردِّدين على مسامعي ما
قاله ماتاسايب، ولكنَّ كلماتهم لم تواسِنِي.
كان رامو قد اختفى مِن فوق الجرف وكنت أعلم أنه يركضالآن على الطريق المؤدِّي
إلى الشاطئ.
بدأتِ السفينة تدور حول حوض أعشاب البحر، وظننتُ أنها بالتأكيد سوف تعود
إلى الشاطئ. فحبستُ أنفاسي، وانتظرتُ. ثم بدأتِ السفينة تغيِّر اتجاهها ببطء، واتجهتْ
نحو الشرق. وفي تلك اللحظة مشيت فوق سطح السفينة، على الرغم من أنَّ أيادِيَ كثيرةً
حاولتِ الإمساك بي، وقذفتُ بنفسي في البحر.
مرَّت موجة فوق رأسي فَرُحْتُ أغوص إلى أسفل وأسفل حتى ظننتُ أنني لن أرى
ضوء النهار ثانيةً. وعندما صعدت إلى سطح الماء كانت السفينة قد ابتعدت كثيرًا، ولم
يَعُدْ يظهر منها سوى الأشرعة عبر الرذاذ المتناثر. كنت لا أزال أمُسِكُ بالسلة التي تحوي
كل أشيائي، ولكنها كانت ثقيلة جدٍّا، وأدركتُ أنني لن أستطيع السباحة حاملةً إيَّاها.
فتركتُها تغوصفي الماء، وبدأتُ أسبح تجاه الشاطئ.
37
جزيرة الدلافين الزرقاء
كنت بالكاد أرى الصخرتين اللتين تحرسان المدخل إلى خليج المرجان، ولكنني لم
أكن خائفة؛ فقد سبحتُ إلى مسافة أبعد من هذه مراتٍ كثيرة، وإن لم أجرِّب السباحة
أثناء عاصفة من قبل.
وبينما كنت أسبح ما بَرِحْتُ أفكِّرُ في طريقة عقابي لرامو عندما أصِلُ إلى الشاطئ،
ولكن عندما شعرت بحبات الرمل تحت قدميَّ ورأيتُه يقف عند حافَة الأمواج، حاملًا رمح
الصيد والبؤسُ بادٍ على وجهه، نسيتُ كل ما كنتُ أنوي أن أفعله به، وجثوتُ على ركبتيَّ
مُلقيةً ذراعَيَّ حوله.
كانت السفينة قد اختفت تمامًا.
تساءل رامو، وقد اغرورقتْ عيناه بالدموع: »متى ستعود السفينة؟ «
قلت: »قريبًا. «
الشيء الوحيد الذي أغضبني هو أن تنُّورتي الجميلة المصنوعة من ألياف اليُكة، التي
قضيت وقتًا طويلًا أحيكها بعناية، قد تَلِفَتْ.
38
الفصل الثامن
هبَّت الرياح قوية حينما كنا نصعد الطريق المؤدي إلى القرية، مغرقةً الهضبة المستوية
برمال أحاطتْ برجلينا وحجبتِ السماء. وحيث إننا لم نتمكن من العثور على طريق
العودة، فقد اتَّخَذنا ملجأً لنا بين بعض الصخور، وبَقِينا هناك حتى حلَّ المساء. فحينها
هدأتِ الرياح وطلع القمر، وسرنا على ضوئه إلى القرية.
بدت الأكواخ أشبه بالأشباح في الضوء البارد، وعندما اقتربنا منها سمعتُ صوتًا
غريبًا أشبه بصوت أقدامٍ تعدو. ظننت أنه صوت الرياح، ولكن عندما اقتربنا أكثر رأيت
عشرات الكلاب البرية تعدو وتتجول في جنبات الأكواخ. جَرَتِ الكلابُ خوفًا منا، مُزَمْجِرةً
أثناء عَدْوِها.
لا بد أن القطيع قد تسلل إلى القرية بُعَيد رحيلنا؛ وذلك لأنها قد التهمتِ القواقع
التي تركناها خلفنا. كانت الكلاب قد فتَّشت الأماكن كلها بحثًا عن الطعام، فأضنانا
البحث أنا ورامو حتى نجد ما يكفي لعشائنا. وبينما جلسنا نأكل بجوار نار صغيرة،
كان بإمكاني سماع صوت الكلاب على هضبة قريبة، وأثناء الليل كانت الرياح تحمل لي
صوت عوائها. ولكن عندما أشرقت الشمسوخرجتُ من الكوخ، هَرْوَلَ أفراد قطيع الكلاب
باتجاه مأواهم، في الطرف الشمالي للجزيرة، داخل كهف كبير.
أمضينا ذلك اليوم في جمع الطعام. كانت الرياح عاصفة والأمواج تتلاطم على شاطئ
البحر، حتى حالتْ دون ذَهابنا إلى الصخور. فجمعتُ بَيْض طيور النورس من فوق
الجرف، واصطاد رامو برُمْحِه مجموعة من الأسماك الصغيرة من إحدى بِرَك المد والجزر.
وقد جلبها رامو إلى المنزل، مختالًا بالأسماك التي يحملها على ظهره. فقد شعر بأنه بهذه
الطريقة قد كفَّر عن المتاعب التي أحدثها.
جزيرة الدلافين الزرقاء
ومع البذور التي كنتُ قد جمعتُها من الوادي الضيق،صارت لدينا وجبة وفيرة، وإن
كنت اضطُررتُ لِطَهْيِها على صخرة مسطحة؛ فكل آنيتي كانت ترقد في قاع البحر.
عادت الكلاب البرية مرة أخرى في تلك الليلة. فإذ جذبتْها رائحةُ السمك، جلستْ على
الهضبة تنبح ويُزَمْجِر أحدها في الآخر. كان بإمكاني أن أرىضوء النيران يلمع في عينيها.
وعند الفجر، غادرت المكان.
كان المحيط هادئًا ذلك اليوم واستطعنا أن نجمع قواقع أذن البحر من بين الصخور.
ومن الأعشاب البحرية غَزَلْنا ما يشبه السلَّة، وملأناها بالقواقع قبل أن تتوسط الشمس
السماء. وفي طريق عودتنا للمنزل، حاملين سلة القواقع بيننا، توقفتُ أنا ورامو على
الجرف. كان الهواء نقيٍّا وأمكننا التطلُّع بعيدًا إلى البحر، في الاتجاه الذي أبحرتْ فيه
السفينة.
تساءل رامو: »هل ستعود السفينة اليوم؟ «
»ربما. « هكذا أجبته، مع أني لم أكن أعتقد ذلك، ثم أردفتُ: »الاحتمال الأكبر أنها
ستأتي بعد عدة أيام؛ لأن البلد الذي ذهبَتْ إليه بعيد. «
رفع رامو نظره نحوي، وقد برقت عيناه السوداوان.
وقال: »لن أهتمَّ إذا لم تأتِ السفينة أبدًا. «
سألته: »لماذا تقول ذلك؟ «
أخذ رامو يفكر، صانعًا حفرة في الأرضبِسِنِّ رمحه.
سألتُه مجددًا: »لماذا؟ «
قال: »لأنني أحب البقاء هنا معك. فالمكان أكثر مَرَحًا مما كان عليه عندما كان
الآخرون هنا. غدًا سأذهب إلى مخبأ قوارب الكانو، وأجلب أحدها إلى خليج المرجان.
وسوف نستخدمه في صيد السمك وتفقُّد أرجاء الجزيرة. «
»تلك القوارب أثقل من أن تستطيع إنزالها إلى الماء. «
»سوف ترين. «
شدَّ رامو صدره. كان ثمَّة عِقْدٌ من أسنان فيل البحر يُحيط بعنقه، تركه شخصما
على الجزيرة. كان العِقد كبيرًا جدٍّا عليه والأسنان التي تُزَيِّنُه مكسورة، ولكنها أصدرت
قعقعةً عندما غرز الرمح في الأرضبيننا.
وقال: »لقد نسيتِ أنني ابن شو ويج. «
أجبتُه: »أنا لم أنسَ، ولكنك ابنٌ صغير. يومًا ما ستصبح طويلًا وقويٍّا، وحينها
ستكون قادرًا على حمل قوارب الكانو الكبيرة وقيادتها. «
40
الفصل الثامن
قال مجددًا: »أنا ابن شو ويج «، وبينما كان يتحدث إذ بعينيه تتسعان فجأة ويقول:
»أنا ابنه، وحيث إنه مات فقد أخذتُ مكانه. أنا الآن زعيم قبيلة جالاس-أت، وكل رغباتي
يجب أن تُطاع. «
»لكن يجب أولًا أن تُصبِح رجلًا. ولهذا — كما يقتضيالعرف — سأضُطر إلى جَلْدِكَ
بسوط من نبات القرَّاصالشائك ثم أقيِّدك إلى تل النمل الأحمر. «
شحب وجه رامو؛ فقد رأى من قبلُ طقوس الرجولة تُمارَس في قبيلتنا وتذكَّرها
جيدًا. وبسرعة قلتُ له: »ولكن حيث إنه لا يوجد بالجزيرة رجال لممارسة الطقوس، فربما
لا تكون مضطرٍّا للتعرضلسياط القرَّاصوالنمل، أيها الزعيم رامو! «
قال مبتسمًا: »لا أدري إن كان هذا الاسم يناسبني. « ثم رمى رمحه تجاه طائر
نورس عابر، وأردف: »سوف أفكِّر في اسم أفضل. «
شاهدتُه يمضي ليُحضِرَ الرمح؛ وقد بدا صبيٍّا صغيرًا بذراعيه النحيلتين وساقيه
الشبيهتين بالعِصِيِّ، يرتدي عِقدًا كبيرًا من أسنان فيل البحر. والآن بعد أن أصبح زعيم
قبيلة جالاس-أت، فسيجلب لي مزيدًا من المتاعب، ولكني أردت أن ألحق به وأحيطه
بذراعيَّ.
قال رامو، عندما رجع: »لقد فكرتُ في اسم. «
سألته بجدية: »وما هو؟ «
»أنا الزعيم تانيوسيتلوباي. «
»إنه اسم طويل جدٍّا وصعب النطق. «
قال الزعيم تانيوسيتلوباي: »ستتعلَّمينه سريعًا. « لم أكن أنوي أن أترك الزعيم
تانيوسيتلوباي يذهب وحده إلى مخبأ قوارب الكانو، ولكن عندما استيقظتُ في الصباح
التالي اكتشفتُ أن رامو ليس في الكوخ. ولم يكن بالخارج أيضًا، وأدركتُ حينها أنه قد
استيقظ في الظلام وذهب وحده.
خِفتُ وفكرت في كل ما قد يحدث له. لقد نزل على الحبل العُشبي مرة من قبل،
ولكنه سيجد صعوبة في دفع أصغر قوارب الكانو على الصخور. وإذا استطاع أن يدفع
أحدها إلى الماء دون أن يناله أذًى، فهل سيستطيع التجديف في محيط حُفَر الرمال التي
تتسارع عندها تيارات المدِّ؟
انطلقتُ لألحق به، وأنا أفكر في تلك الأخطار.
لم أقطع مسافة طويلة على الطريق المؤدي للشاطئ قبل أن أبدأ في التساؤل هل كان
الأحرى ألَّا أتركه يذهب إلى الجرف بمفرده. فلم تكن ثمة وسيلة لمعرفة متى ستعود لنا
41
جزيرة الدلافين الزرقاء
السفينة؛ وحتى تعود، سوف نكون بمفردنا. ولهذا لا بد أن يصبح رامو رجلًا أسرع مما
كان سيحدث لو أننا لم نكن بمفردنا؛ وذلك لأنني سأحتاج إلى مساعدته في أمور كثيرة.
فجأة استدرتُ وسلكتُ الطريق المؤدي إلى خليج المرجان. فلو استطاع رامو أن يضع
قارب الكانو في الماء واجتاز التيارات المتسارعة حول حفر الرمال، لسوف يصل إلى الميناء
عندما تعلو الشمس في السماء. ولذا فسوف أنتظره على الشاطئ؛ لأنه ما من بهجة في
رحلة بحرية إذا لم يجد مَن يستقبله!
صرفت عقلي عن التفكير في رامو؛ إذ رُحْتُ أبحث في الصخور عن محار بلح البحر.
ورحت أفكر في الطعام الذي سوف نحتاج لجمعه، وما هي أفضل طريقة لحمايته من
الكلاب البرية عندما نغيب عن القرية. وفكرت أيضًا في السفينة، وحاولت أن أتذكر ما قاله
لي ماتاسايب. وللمرة الأولى بدأتُ أتساءل هل كانت السفينة ستعود يومًا. رُحْتُ أفكِّر في
ذلك أثناء انتزاع القواقع العالقة بالصخور، وكنت أتوقَّف من وقت لآخر وأتطلَّع بخوف
إلى البحر الخالي الذي يتجاوز مداه حدود بصري.
ارتفعتِ الشمس أكثر في السماء، ولم يكن ثمة أثرٌ لرامو. بدأتُ أشعر بالقلق. كانت
السلة قد امتلأتْ فحملتُها إلى الهضبة المستوية.
ومن هناك ألقيت نظرة على الميناء بالأسفل ونظرة أبعد على طول الساحل، إلى اللسان
البارز داخل المحيط فيما يشبه خطاف الصنارة. كان بإمكاني رؤية الأمواج الصغيرة
وهي تنزلق فوق الرمال ومن ورائها خط متعرِّج من الزَّبَد تتسارع عنده التيارات.
انتظرت على الهضبة المستوية حتى توسطتِ الشمس السماء، ثم هُرِعْتُ إلى القرية،
آملةً أن يكون رامو قد عاد أثناء غيابي، ولكني وجدت الكوخ خاليًا.
وبسرعة حفرتُ حفرة ودفنتُ المحار فيها، ثم وضعتُ حجرًا ثقيلًا فوق الفتحة
لحمايتها من الكلاب البرية، ثم انطلقتُ تجاه الطرف الجنوبي من الجزيرة.
ثمة طريقان يقودان إلى هناك، يتوسَّطهما خيط طويل من الكثبان الرملية. لم يكن
رامو على الطريق الذي كنتُ أسلكه، وعندما فكرت في أنه ربما يكون عائدًا من الطريق
الآخر متواريًا عن ناظرَيَّ، ناديتُ عليه أثناء ركضي. فلم أسمع جوابًا. ولكني سمعت نباح
كلاب على مسافة بعيدة.
تعالى صوت النباح إذ اقتربتُ من الجرف. كان النباح ينقطع ثم ينطلق مرة أخرى
بعد فترة من الصمت. كان الصوت يأتي من الجانب الآخر للكثبان الرملية، فتركت الطريق
وتسلَّقْت الرمال لأعلى حتى وصلتُ إلى القمة.
42
الفصل الثامن
وعلى مقربة من الكثبان، بالقرب من الجرف، رأيتُ قطيع الكلاب. كان عددها كبيرًا،
وكانت تتحرك في دائرة.
وفي منتصف الحلقة كان رامو. كان مستلقيًا على ظهره، وثمة جرحٌ غائر في رقبته،
وكان ممدَّدًا دون حِرَاك.
وعندما رفعتُه مِنْ على الأرض، علمتُ أنه قد فارق الحياة. كان جسده مُثخَنًا بالجروح
من أسنان الكلاب البرية. وكان قد فارق الحياة منذ فترة طويلة، ومن آثار أقدامه على
الأرضأدركت أنه لم يصل إلى الجرف قط.
كان ثمة كلبان على الأرضعلى مقربة منه، وقد استقرَّ رمح رامو المكسور في خاصرة
أحدهما.
حملت رامو وعدت به إلى القرية، ووصلتها عندما كانت الشمس قد شارفت على
المَغيب. تبعتني الكلاب طوال الطريق، ولكن عندما وضعته داخل الكوخ، وخرجت حاملةً
هِراوة في يدي، جرت الكلاب إلى إحدى الهضاب المنخفضة. كان قائدها كلبًاضخمًا رمادي
اللون، ذا شعر طويل جَعْد وعينين صفراوين، وكان هو آخر ما ترك المكان.
كان الظلام يشتدُّ، ولكني تبعتُ الكلاب إلى أعلى الهضبة. وببطء، تراجعتِ الكلاب
أمامي دون أن تصدِر صوتًا. تبعتُها عبر هضبتين ووادٍ صغير ثم إلى هضبة ثالثة كانت
واجهتها عبارة عن حافَة صخرية، وعند أحد طرفي الحافة كان ثمة كهفٌ. وواحدًا بعد
الآخر، دلفتِ الكلاب إليه.
كان مدخل الكهف أكثر اتساعًا وارتفاعًا من أن أستطيع إغلاقه بالصخور؛ فجمعت
أغصان الشجر وصنعت منها نارًا، معتقدة أنني سأدفعها إلى داخل الكهف، وخلال الليل
أغذي النار وأدفعها أكثر وأكثر إلى الداخل، ولكن الأغصان الموجودة لم تكن كافية لذلك.
وعندما طلع القمر تركتُ الكهفوعبرت الوادي، اجتزت الهضاب الثلاث حتى وصلت
إلى منزلي.
جلست طوال الليل بجوار جثة أخي دون أن يغمضلي جفن. أقسمت بأنني سأعود
يومًا ما إلى الكهف وأقتل الكلاب البرية. سوف أقتلها جميعًا. فكرت في الطريقة التي
سأقتلها بها، ولكني أَغْلَب الوقتِ كنتُ أفكر في رامو؛ أخي.
43
الفصل التاسع
لا أتذكر الكثير عن هذا الوقت، سوى أن أيامًا كثيرة جاءت وولَّتْ. فكَّرْتُ فيما سأفعله
آنذاك، بعد أن أصبحتُ بمفردي. لم أكن أبارح القرية … إلا عندما أكلتُ قواقع أذن البحر
كلها، وحينها لم أكن أغادرها إلا لكي أجمع المزيد.
ولكني أتذكر اليوم الذي قررت فيه أنني لن أعيش في القرية بعدها أبدًا.
كان صباحًا كثيف الضباب، وكان صوت الأمواج البعيدة التي تتكسر على الشاطئ
يتسلل إلى الآذان. لم ألحظ قبل تلك اللحظة كم كانت القرية صامتة. راح الضباب يزحف
داخل الأكواخ الخالية وخارجًا منها. وأثناء زحفه كوَّن أشكالًا ذكَّرتْني بمَن مات ومَن
رحل. وبدت الضجة التي تصنعها الأمواج المتكسرة وكأنها أصوات حديثهم.
جلست طويلًا، أشاهد الأشكال وأستمع إلى الأصوات، حتى أشرقتِ الشمس وانقشع
الضباب. ثم أشعلت النار في حائط المنزل. وعندما احترق المنزل عن آخره أشعلت النار
في منزل آخر. وهكذا، أحرقتُها جميعًا، واحدًا بعد الآخر حتى لم يعُد يتبقى من قرية
جالاس-أت سوى الرماد.
لم يكن لديَّ متاعٌ سوى سلة من الطعام؛ ولذلك ارتحلتُ بسرعة، وقبل أن يحلَّ الليل
وصلت إلى المكان الذي كنت قد قررتُ أن أعيش فيه حتى تعود السفينة.
كان ذلك المكان على لسانٍ من الأرض على بُعْد نصف فرسخ غرب خليج المرجان.
كان ثمة صخرة كبيرة على ذلك اللسان وشجرتان غير مكتملتَيِ النمو. وخلْفَ الصخرة
كان ثمة ساحة خالية عرضها عشر خطوات تقريبًا، محميَّة من الرياح، أستطيع رؤية
الميناء والمحيط منها. وكان ثمة نبْعُ ماء يتدفق من وادٍ ضيِّق قريب.
جزيرة الدلافين الزرقاء
في تلك الليلة تسلَّقتُ الصخرة لأنام عليها. كان سطحها منبسطًا وعرضها يكفي
لكي أمدِّد جسدي عليها. وكذلك كانت شديدة الارتفاع عن الأرضبحيث لم يعُد بي حاجة
إلى الخوف من الكلاب البرية أثناء نومي. لم أرَها ثانيةً منذ يوم قَتَلَتْ رامو، ولكني كنت
على يقين من أنهاسرعان ما ستأتي إلى مخيَّمي الجديد.
كذلك كانت الصخرة مكانًا آمنًا لتخزين الطعام الذي أحضرته معي وكلشيء آخر
أقوم بجمعه. وحيث كان الشتاء مستمرٍّا ومن المحتمل أن تعود السفينة في أي يوم، لم
يكن ثمة جدوى لتخزين طعام لن أكون بحاجة إليه. وهذا ما منحني وقتًا لصُنْع أسلحة
أحمي بها نفسيمن الكلاب التي شعرت بأنها ستهاجمني في وقت ما، ولكي أقتلها جميعًا،
واحدًا بعد الآخر.
كان بحوزتي هِراوة وجدتها في أحد الأكواخ، ولكني كنت بحاجة إلى قوس وسهام
ورمح كبير؛ فقد كان الرمح الذي انتزعتُه من جثة الكلب صغيرًا للغاية، يصلح فقط
لصيد السمك لا لشيء آخر.
كانت قوانين جالاس-أت تحرِّم على نساء القبيلة أن يصنعن الأسلحة؛ ولذلك خرجتُ
للبحث عن أيِّ أسلحة قد يكون الرجال تركوها خلفهم. ذهبت أولًا إلى حيث كانت القرية
ونبشت الرماد بحثًا عن أسِنَّة الرماح، وعندما لم أجد شيئًا، توجهتُ إلى مخبأ قوارب
الكانو، معتقدة أنه ربما يكون ثمة أسلحة مخزَّنة هناك مع الطعام والماء.
لم أجد شيئًا في قوارب الكانو أسفل الجرف، ثم إنني إذ تذكرتُ الصندوق الذي جلبه
الأليوتيون إلى الشاطئ، مضيت إلى خليج المرجان. كنت قد رأيت الصندوق على الشاطئ
أثناء المعركة، ولكني لم أتذكر رؤية الصيادين يأخذونه معهم عند فرارهم.
كان الشاطئ خاليًا سوى من صفوف الأعشاب البحرية التي جَرَفَتْها العاصفة إلى
الشاطئ. كان المد منحسرًا فنظرت إلى الموضع الذي كان فيه الصندوق.
كان الصندوق أسفل الحافَة التي وقفنا عليها أنا ويولابى حينما كنا نشاهد المعركة.
كانت الرمال ناعمة فحفرتُ حُفَرًا كثيرة بإحدى العِصِي. حفرت في دائرة واسعة، معتقدة
بأن العاصفة ربما تكون قد غطَّتْه بالرمال.
وبالقرب من مركز الدائرة اصطدمَتِ العصا بشيءصُلب، كنت متأكدة من أنها مجرد
صخرة، ولكنني إذ حفرت بيديَّ على عمق أكبر، رأيت أنه الغطاء الأسود للصندوق.
ظَلِلْتُ أعمل طيلة الصباح، مُزِيلةً الرمال من حوله. كان الصندوق مدفونًا على عمق
كبير بسبب اندفاع الموج، ولم أحاول أن أخرجه من الرمل، بل أن أزُيلَ من الرمال ما
يكفي لرفع غطائه.
46
الفصل التاسع
وإذ ارتفعت الشمس في كبد السماء اندفع المدُّ إلى الشاطئ وملأ الحفرة بالرمال.
وصارت كل موجة تغطي الصندوق أكثر حتى اختفى بالكامل. وقفت فوق موضعه،
مُثَبِّتة نفسي في مواجهة الأمواج؛ وذلك لكي لا أضُطرُّ للبحث عن الصندوق مرة أخرى.
وعندما انحسر المدُّ، بدأتُ أحفر بقدميَّ، غارسةً إياهما في الرمل أكثر فأكثر، ثم رُحْت
أحفر بيديَّ.
كان الصندوق ممتلئًا بالخرز والأساور والأقراط المتعددة الألوان. نسيت أمر أسِنَّة
الرماح التي أتيتُ من أجلها، ورفعت كل قطعة من الحُلِي أمام الشمس، مقلِّبةً إياها حتى
تتلألأ في الضوء. وضعت أطول عِقْد من الخرز — وكان أزرق اللون — حول عنقي
وارتديت زوجًا من الأساور الزرقاء، مناسبَيْنِ تمامًا لرُسْغِي، وأخذت أمشي على الشاطئ،
معجَبَة بمظهري.
مشيت على طول الخليج كله، وكانت الخرزات والأساور تُصْدِر رنينًا. وإذ سِرت
بمحاذاة الأمواج، شعرت كأنني عروسُ زعيمِ إحدى القبائل.
وصلت إلى نهاية الطريق، عند الموضع الذي وقعَتْ فيه المعركة. وفجأة تذكَّرت
رجال قبيلتنا الذين ماتوا هناك، والرجال الذين جلبوا الحُلِي التي أرتديها الآن. عدت إلى
الصندوق، ولفترة طويلة وقفت إلى جواره، أنظر إلى الأساور والخرزات المتدلِّيَة من عنقي.
كانت جميلة للغاية وتلمع تحت أشِعَّة الشمس، وقلت: »إنها ليست ملكًا للأليوتيين، إنها
ملكي أنا. « ولكن حتى وأنا أقول ذلك، كنت أعلم أنني لن أستطيع ارتداءها ثانيةً.
خلعتُ الحُلِي، واحدة بعد الأخرى. وكذلك أخذت بقية الخرز من الصندوق، ثم خُضت
في الأمواج وطوَّحتها بعيدًا، إلى المياه العميقة.
لم يكن بالصندوق أسِنَّة رماح؛ فأعدت الغطاء مكانه وغطيته بالرمال.
نظرت بعيدًا إلى نهاية الممر، ولكني تخليت عن البحث؛ إذ لم أجد شيئًا أستطيع
استخدامه.
ولأيام عديدة لم أفكر في الأسلحة مجددًا، إلا بعد أن جاءت الكلاب البرية في إحدى
الليالي وربضت تحت الصخرة ثم أخذت تعوي. وعندما لاح ضوء الصباح، ذهبَتِ الكلاب،
لكنها لم تبتعد كثيرًا. وأثناء النهار كان بإمكاني رؤيتها وهي تتسلل عبر الدغل، مراقِبة
إياي.
في تلك الليلة عادت الكلاب إلى منطقة اللسان. كنت قد دفنت ما تبقى من عشائي،
ولكنها أخرجته من الأرض، وأخذت تُزَمْجِر وتتقاتل على بقايا الطعام. ثم بدأتْ تذرع
47
جزيرة الدلافين الزرقاء
المكان جيئة وذهابًا عند قاعدة الصخرة، متشمِّمة الهواء؛ وذلك لأنها كانت تستطيع شم
أثري، وعلمتْ أني في مكان قريب.
ولوقت طويل رقدتُ فوق الصخرة بينما الكلاب تهرول هنا وهناك أسفل مني. كانت
الصخرة عالية ولم يكن باستطاعة الكلاب تسلُّقها، ولكني كنت خائفة رغم ذلك. وبينما
كنت أرقد هناك، تساءلتُ عما قد يحدث لي إذا ما خالفتُ قانون القبيلة الذي يحرِّم على
النساء صنع الأسلحة، إذا لم أفكر فيه على الإطلاق وصنعت تلك الأشياء التي يجب أن
أحوزها لكي أحمي نفسي.
هل ستهُبُّ الرياح الأربع من اتجاهات العالم الأربع وتخنقني أثناء صنعي لهذه
الأسلحة؟ أم هل ستهتزُّ الأرض — كما يقول كثيرون — وتدفنني تحت صخورها
المتساقطة؟ أم إن البحر سيرتفع — كما يقول آخرون — فوق الجزيرة في طوفان
هائل؟ أم ستنكسرالأسلحة في يدي في اللحظة التي تكون فيها حياتي في خطر، حسَب ما
قاله والدي؟!
ظَلِلْت أفكر في تلك الأمور يومين، وعندما عادت الكلاب البرية إلى الصخرة في الليلة
الثالثة، عقدت العزم على أنه أيٍّا كان ما سيحل بي، فسوف أصنع تلك الأسلحة. وفي
الصباح بدأت في صنعها، مع أني كنت أشعر بخوف شديد.
تمنيت أن أستخدم ناب فيل البحر لأصنع منه سن الرمح؛ لأنهصلب وشكله مناسب.
كان ثمة الكثير من تلك الحيوانات على الشاطئ بالقرب من مخيمي، ولكني لم يكن لديَّ
السلاح اللازم لقتل أحدها. عادة ما كان رجال قبيلتنا يصطادونها بشبكة قوية—مغزولة
من أعشاب البحر — كانوا يلقونها على الحيوان أثناء نومه. كانت تلك العملية تستلزم
ثلاثة رجال على الأقل، وحتى مع ذلك العدد كان فيل البحر يجذب أحيانًا الشبكة إلى
البحر ويفر هاربًا.
استخدمت بدلًا من ذلك جذر شجرة شكَّلته على هيئة سن حاد وزدته صلابة بالنار،
ثم ثبَّتُّه إلى قصبة رمح طويلة، مستخدمة أوتارًا خضراء من عِجْل بحر قتلتُه بصخرة.
استغرقتْ صناعة القوسوالسهام وقتًا أطول من الوقت الذي استغرقه صنع الرمح
وواجهتُ فيها صعوبة جمة. كان لديَّ وتر القوس، ولكن الخشب الذي يمكن أن ينثني
ويتَّسِم رغم ذلك بالقوة المناسبة لم يكن العثور عليه أمرًا يسيرًا. بحثت في الوادي الضيق
عدة أيام قبل أن أعثر عليه، وذلك لكون الأشجار نادرة جدٍّا على جزيرة الدلافين الزرقاء.
أما الخشب المطلوب لصنع السهام فكان العثور عليه أكثر سهولة، وكذلك الحجر المطلوب
لتشكيل الرءوس والريش الذي سيُوضَع في نهاية السهام.
48
الفصل التاسع
لم تكن الصعوبة الكبرى هي جمع تلك الأشياء. فرغم أني رأيت الأسلحة وهي تُصنع
من قبل، فلم أكن أعلم إلا القليل عن كيفيةصنعها. كنت أرى أبي يجلسفي الكوخ في ليالي
الشتاء يكشط الخشب لصنع السهام، ويشذِّب الأحجار ليصنع منها الرءوس، ويربط
الريش إلى نهاية السهام، ولكنِّي كنت أشاهده دون أن أرى شيئًا. لقد راقبتُه وهو يعمل،
ولكن ليس بعين التلميذ الذي سيحذو حذوه يومًا ما.
ولذلك السبب قضيت أيامًا عدة وواجهت إخفاقات كثيرة قبل أن أصنع قوسًا وسهامًا
يمكن استخدامهما.
ومنذ ذلك الوقتصرت أضع ذلك السلاح في حمَّالة أعُلِّقها على ظهري حيثما ذهبت
— سواء إلى الشاطئ لجمع المحار أو للوادي الضيق من أجل الماء — وكنت أتدرب على
استخدامه، واستخدام الرمح أيضًا.
لم تأتِ الكلاب إلى المخيم في الوقت الذي كنت أصنع فيه الأسلحة، وإن كنت أسمعها
تعوي كل ليلة.
وفي إحدى المرات، بعد أن انتهيت من صنع الأسلحة، رأيت قائد القطيع، ذلك الكلب
ذا الشعر الرمادي والعينين الصفراوين، يراقبني من الدغل. كنت قد ذهبت إلى الوادي
الضيق لجلب الماء ووقف هو فوق الهضبة المطلة على نبع الماء، ينظر إليَّ مِن أعلى. وقف
ساكنًا للغاية، ولم يظهر منه سوى رأسه الذي لاح من وراء قمة إحدى شجيرات الصبار.
كان أبعد بكثير من أن أستطيع إصابته بسهم.
وأينما ذهبتُ طيلة النهار، كنتُ أشعر بالأمان مع أسلحتي الجديدة، وانتظرتُ بصبر
ذلك الوقت الذي سأستخدم فيه تلك الأسلحة على الكلاب البرية التي قتلتْ أخي رامو. لم
أذهب إلى الكهف الذي تتخذ منه مأوًى لها؛ حيث إنني كنت واثقة من أنها ستأتي إلى
المخيم عما قريب. ومع ذلك، كنت أتسلق الصخرة كل ليلة لأنام فوقها.
وبعد الليلة الأولى التي قضيتُها هناك — التي كانت غير مريحة بسبب المواضع غير
المستوية في الصخرة — حملت بعضالأعشاب البحرية الجافة إلى أعلى الصخرة وصنعت
لنفسي فراشًا.
كان اللسان مكانًا لطيفًا للإقامة؛ فقد كانت النجوم ساطعة فوق رأسي، وكنت
أستلقي على الصخرة وأعدُّ النجوم التي أعرفها وأطلق أسماءً على نجوم كثيرة لا أعرفها.
في الصباح طارت طيور النورسمن أعشاشها في شقوق الجرف، ثم راحت تحوم في
الجوِّ حتى نزلت إلى بِرَك المد والجزر، وهناك وقفَتْ على ساق أولًا ثم على الأخرى، ناثرةً
49
جزيرة الدلافين الزرقاء
الماء على أجسادها، وممشِّطة ريشها بمنقارها المقوَّس. ثم طارت إلى الشاطئ بحثًا عن
الطعام. وخلف أحواضالأعشاب البحرية، كانت البجعات تصطاد بالفعل؛ فكانت تحلِّق
على ارتفاعات كبيرة فوق الماء الرائق، ثم تغوص لأسفل مباشرةً، إذا ما شاهدتْ سمكة،
فتضرب الماء مُحْدِثةً دويٍّا استطعتُ سماعه من موضعي.
وكذلك شاهدت ثعالب البحر وهي تصطاد بين الأعشاب البحرية. فقد عادت تلك
الحيوانات الصغيرة الوجِلة إلى المكان بعد وقت قصير من رحيل الأليوتيين، وبدت كثيرة
كما كانت من قبل. وقد تألقتْ شمس الصباح الباكر كالذهب على فرائها اللامع.
ولكنني إذ استلقيت على الصخرة المرتفعة أتطلَّع إلى النجوم، فكرت في سفينة الرجال
البيض. وعند الفجر — عندما انتشرالضوء على سطح البحر — كانت نظرتي الأولى تجاه
الميناء الصغير لخليج المرجان. ففي كلصباح كنت أبحث عن السفينة هناك، معتقدةً أنها
ربما تكون أتتْ خلال الليل. وفي كل صباح كنت لا أرى شيئًا سوى الطيور المحلِّقة فوق
البحر.
عندما كان ثمة أشخاص يعيشون في قرية جالاس-أت، كنت دائمًا أستيقظ قبل
شروق الشمس وأنشغل بأمور كثيرة. ولكن حيث إنه لم يعد لديَّ مشاغل كثيرة، لم أعُد
أبارح الصخرة حتى ترتفع الشمس في السماء. فكنت أتناول طعامي ثم أذهب إلى النبع؛
لكي أستحمَّ في الماء الدافئ. وبعد ذلك كنت أذهب إلى الشاطئ؛ لكي أجمع القليل من قواقع
أذن البحر وأحيانًا أصطاد سمكة للعشاء. وقبل أن يحلَّ الظلام، كنت أتسلق الصخرة
وأتطلَّع إلى البحر حتى يتوارى شيئًا فشيئًا في ظلمة الليل.
ولكن السفينة لم تأتِ … وهكذا مرَّ الشتاء ومِن بعده الربيع.
50
الفصل العاشر
إن فصل الصيف هو أفضل وقت على جزيرة الدلافين الزرقاء؛ فتكون الشمسآنذاك دافئة
وتهب الرياح لطيفة من الغرب، وأحيانًا من الجنوب.
وتلك هي الأيام التي يكون من المحتمل أن تعود السفينة فيها، فصرت أقضيمعظم
وقتي على الصخرة، ناظرةً من فوق اللسان المرتفع نحو الشرق، تجاه البلد الذي ذهب
إليه قومي، عبر البحر المترامي الأطراف.
وبينما كنت أتطلَّع إلى البحر في إحدىالمرات، رأيت جسمًاصغيرًا اعتقدتُأنه السفينة،
ولكنَّ دفقًا من الماء انطلق منه، فأدركتُ أنه حوت ينفث الماء. وطيلة ذلك الصيف لم أرَ
شيئًا آخر.
ثم قَضَتْ أولى عواصف الشتاء على آمالي؛ فلو أن سفينة الرجال البِيض كانت آتية
من أجلي، لكانت جاءت وقت تحسُّن الطقس. فصار عليَّ أن أنتظر حتى ينقضيالشتاء،
وربما أكثر من ذلك.
كانت فكرة كوني وحيدة على الجزيرة في حين تشرق شموس كثيرة من البحر ثم
تعود إليه ببطء تملأ قلبي بالوحدة. لم أكن قد شعرت بالوحدة من قبل؛ لأني كنت
متيقنة من أن السفينة ستعود لأن ماتاسايب قال لي ذلك. ولكن آمالي ذهبت أدراج الرياح،
وصرت وحيدة بالفعل. لم أعُدْ أتناول إلا النَّزْر اليسير من الطعام، وصار نومي مليئًا
بأحلام مفزعة.
هبَّت العاصفة من الشمال، فأرسلت أمواجًا هائلة تجاه الجزيرة ورياحًا اضطُرِرت
لشِدَّتها أن أترك الصخرة. نقلت فراشي إلى قاعدة الصخرة، وأبقيت نارًا مشتعلة طيلة
الليل لحمايتي. نمت في ذلك الموضع خمس مرات. في الليلة الأولى أتتِ الكلاب ووقفت
جزيرة الدلافين الزرقاء
خارج حلقة النار. قتلت ثلاثة منها بالسهام، ليس مِن بينها القائد، ولم تَعُدِ الكلاب مرة
أخرى.
وفي اليوم السادس، عندما انتهتِ العاصفة، ذهبتُ إلى مخبأ قوارب الكانو، ونزلت
من فوق الجرف بالحبل. كان ذلك الجزء من الشاطئ محميٍّا من الرياح، وقد وجدت
القوارب مثلما تركناها تمامًا. كان الطعام المجفَّف لا يزال صالحًا للأكل، ولكن الماء تغيَّر
مذاقُه، ولذلك ذهبتُ إلى النبع وملأتُ سلة جديدة بالماء.
كنت قد قررت خلال أيام العاصفة — عندما فقدت الأمل في رؤية السفينة — أن
آخذ أحد قوارب الكانو وأبُْحِرَ به إلى البلد الواقع تجاه الشرق. تذكرتُ كيف أن كيمكي —
قبل أن ينطلق في رحلته — كان قد طلب نصيحة أجداده الذين عاشوا في الماضيالسحيق
— والذين كانوا قد أتوا إلى الجزيرة من ذلك البلد — وكذلك طلب نصيحة زوما، طبيب
القبيلة الذي يتحكم في الرياح والبحار. ولكني لم أستطع فعل تلك الأشياء؛ لأن الأليوتيين
قتلوا زوما وطوال حياتي لم أستطع التحدث إلى الموتى، مع أني حاولت ذلك مرات عديدة.
ومع ذلك فلا يمكنني أن أقول إني كنت خائفة حقٍّا عندما وقفتُ على الشاطئ. كنت
أعلم أن أجدادي عبروا البحر في قوارب الكانو، قادمين مما وراء البحر. وكيمكي أيضًا
عَبَر البحر. لم تكن مهارتي في قيادة القارب تقترب من مهارة أولئك الرجال، ولكني لا
أجد بدٍّا من قول إنه أيٍّا كان ما سيقع لي في تلك المياه الممتدة بلا نهاية لم يزعجني؛ فهذا
الأمر عَنَى لي القليل مقارنة بفكرة البقاء على الجزيرة بمفردي، وحيدةشريدة، تطاردني
الكلاب البرية، وحيث يذكِّرني كلشيء بمَن ماتوا ومَن رحلوا.
ومن بين قوارب الكانو الأربعة المخزنة إلى جدار الجرفاخترت أصغرها، وكان ثقيلًا
رغم ذلك، لأنه يتَّسع لستة أشخاص. وكان عليَّ أن أدفعه إلى أسفل الشاطئ الصخري
ومنه إلى الماء، وهي مسافة تعادل أربعة أو خمسة أمثال طول القارب.
ونجحت في هذه المهمة بأن قمت أولًا بإزاحة كل الصخور الكبيرة من أمام الكانو،
ثم سددت كل الفتحات بحصوات، وفرشت المسار بالكامل بشرائط طويلة من الأعشاب
البحرية، صانعة منها ممرٍّا زَلِقًا للقارب. كان الشاطئ منحدرًا وما إن حرَّكْتُ الكانو
اعتمادًا على وزنه، انزلق على المسار حتى وصل إلى الماء.
كانت الشمس مائلة في اتجاه الغرب عندما تركتُ الشاطئ، وكان البحر هادئًا خلف
الجروف العالية. وباستخدام المجداف ذي الراحتين، دُرت بسرعة حول الطرف الجنوبي
للجزيرة. وعندما وصلت لمنطقة حفر الرمال، هَبَّت الرياح. كنت أجدِّف من مؤخرة قارب
52
الفصل العاشر
الكانو، لأنك تستطيع التحرك بسرعة أكبر إذا جثوت على ركبتيك هناك، ولكني لم أستطع
قيادة القارب من ذلك الموضع في مواجهة الرياح.
فجثوت على ركبتي في وسط القارب، وأخذت أجدِّف بقوة بلا توقف حتى اجتزتُ
التيارات المتسارعة حول حفر الرمال. كان ثمة أمواج صغيرة كثيرة سرعان ما بلَّلَتْني
بالماء، ولكن عندما خرجت من خلف لسان الأرض، قلَّ الرذاذ وأصبحت الأمواج طويلة
ورتيبة. ومع أنه كان من الأيسرأن أتبع اتجاه الأمواج، فإن ذلك كان سيأخذني إلى الوجهة
الخاطئة. ولهذا فقد أبقيت الأمواج إلى يساري، وكذلك الجزيرة، التي راحتْ تتلاشىشيئًا
فشيئًا من ورائي.
وعند الغسق نظرت ورائي، فوجدت أن جزيرة الدلافين الزرقاء قد اختفت تمامًا.
فشعرت بالخوف للمرة الأولى.
لم أجد حولي آنذاك سوى هضاب ووديان من الماء. فكنت عندما أدخل واديًا، لا
أستطيع رؤية أي شيء، وعندما يخرج القارب منه، لا أجد إلا المحيط الممتد على مرمى
البصر.
حلَّ الليل وشربتُ من السلة، فرطَّب الماء حلقي.
كان البحر مظلمًا مثله مثل السماء. ولم تكن الأمواج تُحْدِث صوتًا فيما بينها، بل
مجرد ضوضاء خافتة عندما تتحرك أسفل القارب أو ترتطم به. أحيانًا كانت الأصوات
تبدو غاضبة وفي أحيان أخرى تبدو أشبه بالضحكات. لم أكن أشعر بالجوع لفرط خوفي.
قلَّلَ ظهور أول نجم في السماء من خوفي؛ فقد ظهر في موضع منخفضمن السماء
أمام عينيَّ، تجاه الشرق. بدأت النجوم الأخرى في الظهور من حولي، ولكني أبقيت ذلك
النجم نُصب عينيَّ. كان للنجم شكل نطلق عليه »الثعبان «، وهو نجم يشعُّ ضويٍّا أخضر،
أعرفه حق المعرفة. من وقت لآخر كان يواريه الضباب، ولكنه دائمًا ما كان يسطع من
جديد.
ولولا ذلك النجم لكنتضللت الطريق؛ وذلك لأن الأمواج لم تكن تتغير مطلقًا؛ فدائمًا
ما كانت تأتي من نفس الاتجاه وبطريقة ظلَّتْ تدفعني بعيدًا عن المكان الذي أردت
الوصول إليه. ولهذا السبب كان قارب الكانو يسلك مسارًا ملتويًا كالثعبان على المياه
الداكنة. ولكني — بطريقة ما — ظللت أتحرك في اتجاه النجم الساطع في الشرق.
ارتفع النجم عاليًا في السماء ومِن ثَمَّ فقد جعلتُ نجم الشمال إلى يساري، وهو ذلك
النجم الذي نسميه »النجم الذي لا يتحرك «، ثم سكنت الرياح. وحيث إنَّ الرياح دائمًا ما
53
جزيرة الدلافين الزرقاء
تسكن عندما ينتصف الليل، فقد علمتُ كم من الوقت ظللت أبُحر وكم تبقَّى من الوقت
حتى طلوع الفجر.
نحو ذلك الوقت اكتشفتُ أن الماء يتسرب إلى القارب. وقبل أن يحل الظلام كنت قد
أفرغت واحدةً من سلال الطعام واستخدمتها في نزح الماء من على جانِبَيِ القارب. فالماء
الذي صار يفيضحول ركبتيَّ لم يكن مصدره الأمواج.
توقفت عن التجديف وأخذت أنزح الماء بالسلة حتى كاد قاع القارب يجفُّ، ثم بدأت
أبحث فيما حولي، متحسِّسةً الألواح الخشبية الناعمة في الظلام، حتى وجدت مكانًا بالقرب
من مقدمة القارب يتسرب الماء عنده من شق بطول اليد وعرضالإصبع. كان ذلك الشق
فوق سطح البحر في معظم الوقت، ولكن الماء يتسرب منه عندما تنغمس مقدمة القارب
في الأمواج.
كانت الفراغات بين الألواح الخشبية تُملأ بالقار الأسود الذي كنا نجمعه على طول
الشاطئ. وحيث إنه لم يكن لديَّ شيء من هذا القار، فقد مزقت قطعة من النسيج من
تنورتي وحشرتها داخل الشق، حتى منعتُ تسرب الماء. طلع الفجر على سماء صافية
وإذ أشرقتِ الشمس من بين الأمواج رأيتُ أنها بعيدة إلى يساري. فقد انجرفتُ أثناء الليل
جنوبًا عن وجهتي، ولذلك غيَّرتُ اتجاهي وجدَّفت على طول المسار الذي رسمته أشعة
الشمس المشرقة.
لم يكن ثمة رياح ذلك الصباح وقد انسابت الأمواج الطويلة بهدوء أسفل القارب،
ولذلك فقد تحركت بسرعة أكبر منسرعتي أثناء الليل.
كنت منهكة، ولكن أكثر أملًا مما كنت في أي وقت منذ غادرت الجزيرة. فإن لم تَسُؤْ
حالة الطقس كان بإمكاني أن أقطع عدة فراسخ قبل أن يحل الظلام. وبعد ليلة ويوم
ربما يصير الشاطئ الذي أقصده على مرمى البصر.
وبعد فترة قصيرة من طلوع الفجر — وبينما كنت أفكر في هذا المكان الغريب وكيف
سيبدو — إذا بالماء يتسرب إلى القارب مجددًا. كان ذلك الشق بين الألواح نفسها، ولكنه
كان أكبر وأقرب إلى حيث كنت جاثية.
كانت قطعة النسيج التي مزقتُها من تنورتي وحشرتها داخل الشق تحجب معظم
الماء الذي كان يتسرب متى عَلا القارب وهبط مع الأمواج. إلا أنني كان باستطاعتي أن
أرى أن الألواح كانتضعيفة عند أطرافها — وذلك على الأرجح لأن القارب تُرِك في الشمس
فترة طويلة — وأنه ربما تُفلَق الألواح بكامل طولها إذا اشتدَّت الأمواج أكثر.
54
الفصل العاشر
وفجأة اتَّضح لي خطر المُضِيِّفي طريقي؛ فالرحلة قد تستغرق يومين آخَرَيْن، وربما
أطول من ذلك. ولكني إن استدرت وعدت إلى الجزيرة فلن أستغرق كل ذلك الوقت في
الوصول إليها.
ومع ذلك لم أستطِعْ أن أتخذ قرارًا بالرجوع. كان البحر هادئًا وقد قطعتُ شوطًا
طويلًا، وكانت فكرة الرجوع بعد كل تلك المشقة أصعب من أن أستطيع تحملها، بل إن
ما كان أصعب عليَّ هو فكرة الجزيرة المهجورة التي سأعود إليها، وأعيش هناك وحيدة
ومنسيَّة. ومَن يدري كم يومًا وشهرًا سأقضيه هناك؟
راح القارب ينساب على غير هدًى فوق صفحة الماء الساكنة في حين ترددَتْ تلك
الأفكار في رأسيمرارًا وتكرارًا، ولكني عندما رأيت الماء يتسرَّب من الشق مجددًا، التقطتُ
المجداف. فآنذاك لم يكن أمامي خيار سوى العودة إلى الجزيرة.
كنت أعرف أنني سأكون محظوظة للغاية لو استطعت أن أصل إليها.
لم تهُبَّ الرياح حتى توسَّطتِ الشمسالسماء. كنت قد قطعت مسافة كبيرة قبل ذلك
الوقت، ولم أكن أتوقف إلا عندما يكون من الضروري أن أنزح الماء من القارب. ولكن في
وجود الريح انخفضتْسرعتي واضطررتُ إلى التوقف مرات أكثر بسبب الماء المتدفق من
جانبي القارب، ولكن التسريب لم يزدَدْ سوءًا.
كان هذا هو أولى علامات حظي الحسن. أما العلامة الثانية فكانت عندما ظهر
أمامي سِرْب من الدلافين. جاءت الدلافين سابحة من الغرب، ولكنها عندما رأتْ قارب
الكانو دارت في حلقة واسعة وبدأت تتبعني. كانت تسبح ببطء دانيةً مني جدٍّا حتىصار
بإمكاني رؤية عينيها، التي كانت واسعة وفي لون المحيط. ثم بدأتْ تسبح أمام القارب،
متواثبةً أمامه يَمْنَة ويَسْرَةً، غاطسةً داخل الماء وخارجةً منه، وكأنها تغزل نسيجًا بخطمها
العريض.
تُمثِّل الدلافين فألًا حسنًا. وقد أسعدتْني رؤيتُها تسبح حول قارب الكانو، ومع أنَّ
يديَّ كانتا قد بدأتا تنزفان إثر الاحتكاك بالمجداف، فإن مجرد مشاهدتها أنْسَتْني الألم.
كنت وحيدةً جدٍّا قبل ظهورها، ولكنني بعد ظهورها شعرت أن لدي أصدقاء بصحبتي
وتبدَّل حالي.
تركتْني الدلافين الزرقاء قُبَيل الغسق، وقد غادرتْ بنفس السرعة التي أتتْ بها،
منطلقة نحو الغرب، ولكن لوقت طويل كان بإمكاني رؤية انعكاس خيوط الشمس
الأخيرة عليها. وبعدما حلَّ المساء كنت لا أزال أستطيع رؤيتها في مخيلتي، وكان ذلك ما
جعلني أستمر في التجديف وقتما أردت أن أستلقي أرضًا وأنام.
55
جزيرة الدلافين الزرقاء
كانت الدلافين الزرقاء هي التي أعادتْني إلى الوطن، أكثر من أيشيء آخر.
أتى الضباب بقدوم الليل، ومع ذلك فمن وقت لآخر كنت أستطيع رؤية النجم المستقر
عاليًا في الغرب، وهو النجم الأحمر الذي يُدعى ماجات، والذي ينتمي إلى التكوين الشبيه
بجراد البحر ويُعرف بذلك الاسم. اتسع الشق بين الألواح الخشبية فكنت أضطرُّ إلى
التوقُّف كثيرًا لكي أسدَّه بالنسيج وأنزح الماء.
كانت تلك الليلة طويلة جدٍّا، أطول من سابقتها. غفوتُ مرتين وأنا جاثية في القارب،
مع أني كنت خائفةً أكثر من أيِّ وقت مضى. ولكن الصبح انبلج صافيًا وأمام عينيَّ لاح
الحدُّ الباهت للجزيرة فيما يشبه سمكةً عظيمة تتشمَّس في عرضالبحر.
وصلتُ الجزيرة قبل أن ترتفع الشمسفي السماء، وقد دفعتْني حُفَر الرمال والتيارات
المحيطة بها نحو الشاطئ. كانت ساقايَ قد تصلَّبتا من فرط جلوسي جاثية على ركبتيَّ،
وعندما اصطدم القارب بالرمال وقعتُ أثناء محاولتي الخروج منه. زحفتُ في المياه
الضحلة حتى وصلت إلى الشاطئ. وهناك افترشتُ الرمال وقتًا طويلًا، محتضنة الرمل في
سعادة.
منعني فرط التعب من التفكير في أمر الكلاب البرية. وسرعان ما رُحتُ في نوم عميق.
56
الفصل الحاديعشر
أيقظتْني الأمواج التي كانتْ تسحب قدميَّ. كان الليل قد حلَّ، ولكنني إذ منعني فرط
الإجهاد من مبارحة حفر الرمال، زحفت إلى موضع مرتفع يمكنني أن آمن فيه المدَّ، ثم
خلدت إلى النوم مجددًا.
في الصباح وجدت القارب على مسافة قريبة مني. فأخذتُ السلال، ورمحي، والقوس
والسهام، وقلبت القارب بحيث لا تستطيع التيارات أن تجرفه إلى البحر، وبعد ذلك تسلقت
إلى منطقة اللسان حيث أقمت من قبل.
وإذ وقفت ناظرة لأسفل من فوق الصخرة العالية شعرت كأنني تركت المكان منذ
زمن. كنت سعيدة بالعودة إلى الوطن. وكل شيء رأيته — ثعالب الماء التي تلهو بين
الأعشاب البحرية، وحلقات الزَّبَد المتراكمة حول الصخور التي تحرس الميناء، وطيور
النورس التي تحلِّق في السماء، وتيارات المدِّ التي تتحرك مجتازة حفر الرمل — كان
يملؤني حبورًا.
كنت مندهشة لشعوري ذاك؛ لأنه قبل وقت قصير وقفت على هذه الصخرة نفسها
وشعرت أنني لن أستطيع تحمُّل الحياة في هذا المكان يومًا آخر.
نظرت إلى المياه الزرقاء الممتدة على مرمى البصر فعاد إليَّ الخوف الذي شعرت به
أثناء رحلتي البحرية كاملًا. ففي الصباح الذي أبصرت فيه الجزيرة من البحر للمرة الأولى
وبدت لي سمكة عظيمة تتشمَّس، فكَّرت أنني يومًا ما سأصُْلِح قارب الكانو وأبُحر به
مرة أخرى بحثًا عن البلد الذي يقع خلف المحيط. أما الآن فقد أدركتُ أنني لن أكرر هذه
الرحلة أبدًا.
فجزيرة الدلافين الزرقاء موطني؛ وليسلي موطن غيرها. وستظل موطني حتى يعود
الرجال البيض في سفينتهم. ولكن حتى لو كانوا جاءوا سريعًا — قبل الصيف التالي —
جزيرة الدلافين الزرقاء
فلم أكن أستطيع العيش دون سقف يُظلني ولا مخزن لطعامي. فكان يجب أن أبني
منزلًا. ولكن أين؟
نمتُ تلك الليلة على الصخرة وفي اليوم التالي بدأتُ البحث. كان الصباحصَحْوًا، ولكن
في اتجاه الشمال تجمَّعتْ سُحُب منخفضة في السماء. ولم يكن من المتوقع أن يمضيوقت
طويل حتى تتقدم تلك الغيوم نحو الجزيرة وتجرَّ وراءها عواصف كثيرة. فلم يكن لديَّ
وقت أضيعه.
كنت بحاجة إلى مكان محميٍّ من الرياح، ليس بعيدًا جدٍّا عن خليج المرجان، وقريب
من نبع ماء عذب. كان ثمة مكانان على هذه الشاكلة على الجزيرة؛ أحدهما على اللسان
والآخر على بُعد أقل من فرسخ نحو الغرب. بدا اللسان مناسبًا أكثر، ولكن حيث إنني لم
أزُرِ المكان الآخر منذ وقت طويل قررت الذهاب إلى هناك والتحقق من ذلك.
كان أولشيء اكتشفتُه — وهو ما كنت نسيتُه — هو أن ذلك المكان قريب من وِجَارِ
الكلاب. وما إن اقتربتُ منه حتى خرج قائد الكلاب إلى مدخل الكهف وأخذ يراقبني بعينيه
الصفراوين. لو بنيتُ كوخي هنا، سيكون عليَّ أن أقتله هو وقطيعه أولًا. كنت أنتوي فعل
ذلك على أي حال، ولكن هذه العملية ستستغرق الكثير من الوقت.
كان نبع الماء أفضل من النبع القريب من اللسان؛ لكونه أقلَّ ملوحة وتيار الماء المتدفق
منه أكثر ثباتًا. علاوة على أن الوصول إليه كان أيسربكثير؛ وذلك لأن الماء يتدفق إليه من
جانب إحدى الهضاب، وليس من وادٍ ضيق مثل النبع الآخر. وهو أيضًا قريب من جرف
ورَفٍّ صخريَّيْنِ من شأنهما أن يوفرا الحماية لمنزلي.
لم تكن الصخور مرتفعة كتلك الموجودة عند اللسان، وبالتالي لن تحميني من الرياح
بالقدر ذاته، إلا أن ارتفاعها كان كافيًا، وكان بإمكاني أن أرى الساحل الشمالي وخليج
المرجان من عليها.
أما ما حسم أمر اختيار مكان بناء منزلي فكان أفيال البحر.
كانت الجروف هنا تنحدر انحدارًا سلِسًا مكونة رفٍّا صخريٍّا عريضًا، يُغطَّى جزئيٍّا
عندما يأتي المد؛ مما يجعله مكانًا مناسبًا لأفيال البحر لأنه بإمكانها الزحف لأعلى حتى
منتصف الجرف، إذا كان اليوم عاصفًا. وعندما يكون الجو صحوًا تستطيع أن تصيد
الأسماك من البِرَك أو تستلقي على الصخور.
إنَّ ذَكَرَ فيل البحرضخم للغاية وعادة ما يزيد وزنه عن وزن ثلاثين رجلًا. أما الإناث
فهي أقلُّ حجمًا بكثير، ولكنها تصنع ضوضاء أكثر من الذكور، فتظلُّ تعوي وتنبح طيلة
النهار وأحيانًا بالليل. والصغار مزعجون أيضًا.
58
الفصل الحادي عشر
في هذا الصباح كان المد منحسرًا ومعظم أفيال البحر بعيدة في البحر، فبدت كمئات
البُقَع بين الأمواج، ومع ذلك كان ضجيجها يصمُّ الآذان. مكثتُ هناك بقية اليوم وليلته
أيضًا، أتفقد المكان. وعند الفجر، عندما بدأت الضوضاء من جديد، غادرت المكان وعدتُ
أدراجي إلى منطقة اللسان.
كان بإمكاني بناء منزلي في مكان آخر في الجنوب، بالقرب من أطلال قرية
جالاس-أت، ولكني لم أرغب في الذهاب إلى هناك؛ لأن ذلك كان سيذكِّرني بالأشخاص
الذين رحلوا. علاوة على أن الرياح كانت تهب بقوة على هذا المكان، فترتطم بقوة بالكثبان
الرملية التي تحتل الجزء الأوسط من الجزيرة؛ مما يجعل الرمال تتحرك في كل مكان في
معظم الأوقات.
سقط المطر في تلك الليلة واستمر يومين. بنيت لنفسي ملجأً من أغصان الشجر عند
قاعدة الصخرة، حجز عني بعضالمطر، وتناولت الطعام الذي كنت قد خزَّنتُه في السلة.
لم يكن بإمكاني أن أشعل نارًا بسبب الأمطار؛ ولهذا كنت أشعر ببرد شديد.
في اليوم الثالث توقفتِ الأمطار، وخرجتُ أبحث عن الأشياء التي سأحتاجها في بناء
المنزل. وكذلك كنت أحتاج إلى أوتاد من أجل بناء سور للمنزل. فقد كنت أنتوي قَتْل
الكلاب البرية عما قريب، ولكن الجزيرة كانت مليئة بثعالب حمراء صغيرة. كانت كثيرة
جدٍّا بحيث يستحيل أن آمل في التخلصمنها جميعًا، سواء بالفِخَاخ أو باستخدام السهام.
وتلك الثعالب لصوص ذكية وما كان شيء أخزنه سيكون في مأمن منها حتى أبني ذلك
السور.
كان الهواء نقيٍّا ذلك الصباح بسبب المطر، وكانت رائحة بِرَك المد والجَزْر قوية،
وامتلأ الجو بروائح عطرية من الأعشاب البرية التي تنمو بالأودية الضيقة ومن النباتات
التي تنمو على الكثبان الرملية. رُحت أغني وأنا أهبط الممر المؤدي إلى الشاطئ وعلى طول
الشاطئ وصولًا إلى حفر الرمال. وكنت أشعر بأن ذلك اليوم كان بشيرًا بالحظ الحسن.
كان يومًا مناسبًا لبدء البناء في منزلي الجديد.
59
الفصل الثانيعشر
منذ سنوات عديدة، جرفت المياه حوتين إلى منطقة حُفَر الرمال. أخُذ أغلب عظامهما لصنع
الحليِّ والزينة، ولكن الضلوع كانت لا تزال موجودة، شبه مدفونة في الرمال.
وقد استخدمْتُ هذه الضلوع في بناء السور. فاستخرجتها من الرمل واحدًا بعد
الآخر وحملتها إلى منطقة اللسان. كانت الضلوع طويلة ومقوسة، وعندما حفرت حُفرًا
وغرستها في الأرض، صارت أطول مني.
قمت برَصِّ الضلوع بحيث كانت حوافها شبه متلامسة، ووضعتها مقوَّسة إلى
الخارج؛ مما جعل تسلُّقها مستحيلًا. وبين الضلوع غزلت الكثير من الضفائر المصنوعة
من الأعشاب البحرية، التي تنكمش حين تجف وتشدُّ ما تربطه بقوة. كان من الممكن أن
أستخدم أوتار عجل البحر في تثبيت الضلوع معًا، فهي أشد قوةً من الأعشاب البحرية،
ولكن الحيوانات البرية تحب مذاق تلك الأوتار وسرعان ما كانت ستقرض السور حتى
يتهدَّم. قضيتُ وقتًا طويلًا في بناء ذلك السور، وكان من الممكن أن يستغرق وقتًا أطول
ما لم تشكِّل الصخرة أحد طرفي السور وجزءًا من جانبه.
وحفرتُ حفرة أسفل السور يكفي عرضها وعمقها لأزحف عبرها، حتى تصير مدخل
البيت ومخرجه. وبطَّنتُ قاع الحفرة وجوانبها بالحَصَى. وغطَّيتُ فتحة الحفرة من الخارج
بحصيرة نسجتها من أغصان الشجر لكي تحجب الأمطار، وأغلقتها من الداخل بصخرة
مسطحة أقوى على تحريكها.
كان بإمكاني قطع ثمانِي خطوات بين جانبي السور؛ مما أعطاني كل المساحة
اللازمة لتخزين الأشياء التي جمعتها وأرغب في حمايتها.
جزيرة الدلافين الزرقاء
بنيت السور أولًا لأن الجو كان أشد بردًا من أن أستطيع النوم على الصخرة، وأنا لم
أرغب في النوم في الملجأ الذي بنيتُه حتى أصير في مأمن من الكلاب البرية.
تطلَّب بناء المنزل وقتًا أطول من بناء السور بسبب سقوط الأمطار أيامًا عدة وكذلك
لندرة الأخشاب التي كنت أحتاج إليها.
كان ثمة أسطورة متداولة بين قومنا مفادها أن الجزيرة كانت يومًا ما مغطَّاة
بأشجار عالية. كان ذلك منذ زمن بعيد، في بداية العالَم عندما كان تماياويت وموكات
يحكمانه. كان الإلهان يتنازعان بشأن الكثير من الأشياء. كان تماياويت يرغب في موت
الناس، على عكس موكات. فنزل تماياويت غاضبًا إلى أسفل؛ إلى عالم آخر يقع أسفل هذا
العالم، آخذًا معه ممتلكاته، وهكذا صار الناس يموتون؛ لأنه فعل ذلك.
في ذلك الوقت كان ثمة أشجار عالية، ولكن لا يوجد الآن إلا بضْعُ أشجار في الأودية
الضيقة وهي أشجار صغيرة عوجاء. وكان من الصعب جدٍّا أن أعثر على شجرة تصلح
عمودًا. ظللت أبحث لأيام، وكنت أخرج في الصباح الباكر وأعود في الليل، حتى وجدت
أخشابًا كافية لبناء المنزل.
استخدمت الصخرة كحائط خلفي للمنزل وتركت الواجهة الأمامية مفتوحة؛ حيث
إن الرياح لم تكن تهب من تلك الوجهة. صنعت أعمدة متساوية الطول، مستخدمةً النار
في قطعها، بالإضافة إلى سكين حجري واجهتُ صعوبة جمَّة في صنعه؛ لأنني لم أكن قد
صنعت مثل تلك الأداة من قبل. كان ثمة أربعة أعمدة على كل جانب، مغروسة في الأرض،
وضِعف ذلك العدد في السقف. وربطت الأعمدة معًا بالأوتار وكسوتها بأعشاب بحرية
تتميز بأوراقها العريضة.
كان نصف الشتاء قد انقضى قبل أن أنتهي من بناء المنزل، ولكني كنت أنام فيه
كل ليلة شاعرةً بالأمان بسبب السور القوي الذي بنيته حوله. كانت الثعالب تأتي عندما
أطهو طعامي وتقف بالخارج، متطلِّعةً من بين الشقوق، وحضرت الكلاب البرية أيضًا،
فكانت تحاول أن تقضم ضلوع الحوت، وتزمجر بسبب عدم قدرتها على الدخول.
أردَيْتُ كلبين منهاصريعين، ولكن ليس قائدها.
أثناء بناء السور والمنزل، كنت أتناول المحار وأسماك الفرخ التي كنت أطهوها على
صخرة مسطَّحة. وفيما بعدُ صنعتُ وعاءين للطعام. على طول الشاطئ كان ثمة حجارة
مصقولة بفعل ماء البحر. معظم تلك الحجارة كان مستديرًا، ولكني وجدت حجرين بهما
تجويفان في المنتصف زِدْتُهما عمقًا واتساعًا بفركهما بالرمال. وباستخدام هذين الوعاءين
في الطهي، حافظت على عصارة السمك حلوة المذاق التي كانت تُهدر من قبل.
62
الفصل الثاني عشر
غزلتُ سلة محكمة من البوصلحفظ البذور والجذور التي تُستَخدَم في الطهي، وهو
ما كان أمرًا سهلًا إذ كنت تعلمته من أختي يولابى. وبعد أن جفتِ السلة في الشمس،
جمعت كتلًا من القار من على الشاطئ، وليَّنْتُها فوق النيران، ثم فركتها على الجدار الداخلي
للسلة حتى تمنع تسرب الماء. وبتسخين بعض الأحجار الصغيرة وإلقائها في مزيج من
الماء والبذور داخل السلة، صار بإمكاني تحضير العصيدة.
أعددت مكانًا لإشعال النار في أرضية منزلي، ففرَّغتُه، وبطَّنتُه بالصخور. في قرية
جالاس-أت كنا نوقد نارًا كل ليلة، ولكني أوقدت نارًا واحدة في منزلي ذاك وكنت أغُطِّيها
بالرماد عندما آوي إلى الفراش. وفي الليلة التالية كنت أزيح الرماد وأنفخ في الجمرات
حتى تشتعل مجددًا. وبهذه الطريقة وفَّرْت على نفسي الكثير من العمل.
كان ثمة فئران رمادية كثيرة على الجزيرة، وبعد أن أصبح لديَّ طعام أحتفظ به من
وجبة لأخرى، كنت بحاجة إلى مكان آمن أضعه فيه. كانت واجهة الصخرة — التي مثَّلَت
الجدار الخلفي لمنزلي — بها عدة شقوق بارتفاع كتفيَّ، فوسَّعتُ تلك الشقوق وصقلتُها
لكي أصنع رفوفًا أخزن فيها طعامي حتى لا تستطيع الفئران الوصول إليه.
وعندما انقضىفصل الشتاء وبدأ العشب يكسو الهضاب بلونه الأخضر، كان منزلي
قد صار مكانًا مريحًا للعيش؛ فقد صار يقيني الرياحَ والمطر والحيواناتِ المتسلِّلة، وصار
باستطاعتي طهي أيشيء أرغب في تناوله، وكان كلشيء أريده في متناول يدي.
وكان ذلك الوقت المناسب لوضع الخطط للتخلصمن الكلاب البرية التي قتلتْ أخي
والتي لن تتردد في قتلي إذا وجدَتني يومًا عزلاء من السلاح. كنت بحاجة إلى رمح آخر
أثقل وزنًا، وكذلك قوسٍ أكبر وسهامٍ أكثر حِدَّة. ولكي أجمع المواد اللازمة لتلك الأسلحة،
بحثت في أرجاء الغابة كلها أيامًا عدة، ومِن ثَمَّ لم يتبقَّ لي سوى الليل للعمل على تصنيع
تلك الأسلحة. وحيث إنني لم أستطع أن أرى بوضوح على الضوء الخافت للنار التي كنت
أستخدمها في طهي الطعام، فقد صنعت مصابيح من الأجساد المجفَّفة لسمكة صغيرة
نسميها »ساي ساي .«
كانت سمكة ساي ساي في لون الفضة ولا يزيد حجمها كثيرًا عن الإصبع. فعندما
يكتمل القمر، كانت تلك الأسماك الصغيرة تسبح إلى خارج البحر في أسراب كثيفة حتى
يكاد المرء يمشي عليها. كانت تأتي مع الأمواج وتظل تتلوَّى وتتقلب على الرمال كأنها
ترقص.
63
جزيرة الدلافين الزرقاء
ملأت سلالًا عدة من أسماك ساي ساي ووضعتها في الشمس. وعندما تُعلَّق من
ذيولها في أعمدة السقف، كانت تنبعث منها رائحة كريهة، ولكنها عندما تشتعل كان
ينبعث منها ضوء ساطع.
صنعت القوسوالسهام أولًا، وسُرِرت عندما جربتهما بأنني استطعت إطلاق السهام
لمسافة أبعد وبدقة أكبر من ذي قبل.
تركتُ صنع الرمح للنهاية. وبينما كنت أصقل القصبة الطويلة وأشكِّلها وأثبِّت
حلقة حجرية حول طرفها — حتى تزيد ثقل الرمح وتحمل سِنَّه — تساءلت في نفسي
هل باستطاعتي صنع هذا السن بالطريقة التي كان رجال قبيلتنا يصنعون بها أسنان
الرماح؛ من أسنان فيل البحر.
ظللت أفكر في الأمر ليالي، متسائلة عن الطريقة التي يمكنني بها قتل أحد تلك
الوحوش الضخمة. لم يكن باستطاعتي استخدام شبكة من الأعشاب البحرية؛ لأنها
تحتاج عدة رجال، ولا وَقَر في ذاكرتي أن ذكرًا من أفيال البحر قُتِل يومًا بسهم أو برمح؛
وإنما كان يُقتَل بعد أن يقع في الشبكة، وحتى حينها كان يُقتَل بهِراوة. لقد قتلنا الكثير
من الإناث من أجل زيوتها — مستخدمين الرماح في ذلك — ولكن أسنانها لم تكن كبيرة
كأسنان الذكور.
لم أكن أعلم كيف يمكنني فعل ذلك. ومع ذلك فكلما فكرت في الأمر، ازددت تصميمًا
على المحاولة؛ لأنه لم يكن ثمةشيء على الجزيرة أصلح لصنع سن الرمح من أسنان ذَكَر
فيل البحر الشبيهة بالأنياب.
64
الفصل الثالثعشر
لم أنَلْ قسطًا وافرًا من النوم في الليلة التي سبقت ذهابي إلى مكمن أفيال البحر. فكرت مرة
أخرى في القانون الذي يحرِّم على النساء صنع الأسلحة، وتساءلت هل سهامي ستنطلق
مستقيمة، وإذا انطلقتْ مستقيمة، فهل ستخترق جلد الحيوان السميك؟ ماذا لو استدار
ذَكَر من أفيال البحر وهاجمني؟ ماذا لو أنني جُرحت ثم اضطُرِرتُ لمقاتلة الكلاب البرية
وأنا أجرُّ نفسي للمنزل جرٍّا؟
شغلتْني تلك الخواطر معظم الليل، ولكني نهضتُ من فراشي لدى شروق الشمس
ومضيت في طريقي إلى المكان الذي تعيش فيه أفيال البحر.
وعندما وصلتُ إلى الجرف، كانت الأفيال قد غادرت الحيد البحري وتجمعت على
طول الشاطئ. جلس الذكور على المنحدر المليء بالحصى كأنهم جلاميد صخر رمادية
اللون. وأسفلهم، كانت الإناث والصغار يلهون بين الأمواج.
ربما لا يكون وصف »الصغار « مناسبًا لأفيال البحر الصغيرة، فهي تقريبًا في حجم
الرجل البالغ. ولكنها لا تزال صغيرة من نواحٍ عدة. فهي تتبع أمهاتها من مكان لآخر،
وتتهادى في السير على زعانفها كالأطفال أثناء تعلمهم المشي، وتطلق أصوات بكاء وأصوات
سرور لا يطلقها إلا الصغار. وقبل أن تترك الشاطئ وتتعلم السباحة، يكون على أمهاتها
أن تدفعها إلى البحر، وهو الأمر الذي عادة ما يكون صعبًا لضخامتها.
كانت ثمة مسافة تفصل بين كل ذكر وآخر؛ وذلك لأنها حيوانات سريعة الغضب،
وغيورة جدٍّا بطبيعتها وسريعة التشاجر بسبب أي شيء يعكِّر مزاجها. كان ثمة ستة
منها على المنحدر أسفل مني، كل منها يجلس بمفرده وكأنه زعيم عظيم، مراقبًا قطيعه
من الإناث والصغار.
جزيرة الدلافين الزرقاء
ولأنثى فيل البحر جسد ناعم ووجه يشبه كثيرًا وجه الفأر، بأنفحاد مدبب وشوارب،
ولكن ذكر فيل البحر مختلف؛ فأنفه تعلوه حدبة كبيرة تتدلَّى فوق فمه، وجلده خشن
يشبه الأرضالمبتلَّة التي جفَّت في الشمس وتشققت. وهو حيوان قبيح المنظر.
نظرت من فوق الجرف إلى أسفل على كل واحد من أفيال البحر وحاولت أن أتخيَّر
الأصغر حجمًا بين الستة.
كانت جميعها متساوية الحجم ما عدا واحدًا، كان الأبعد عني وشبه مختبئ وراء
صخرة. كان حجمه يعادل نصف حجم الآخرين تقريبًا، وبدا أنه ذكر شاب. وحيث إنه لم
يكن ثمة إناث تلهو في الأمواج أمامه، علمت أنه ليس لديه قطيع خاصبه؛ ولهذا السبب
لن يكون شديد الحذر أوسريع الغضب.
هبطت بهدوء من على حافة الجرف. ولكي أصل إليه، كان عليَّ أن أمُرَّ من وراء
الآخرين، محاذرةً إثارة حفيظتهم. تلك الحيوانات لا تخشى شيئًا ولن تتحرك إذا رأتْني،
ولكني فكرت بأنه من الأفضل ألا أنبِّهها لوجود خطر. حملت قوسيالجديد — الذي كان
في مثل طولي تقريبًا — وخمسة سهام.
كان الطريق وعرًا مغطٍّى بأحجار صغيرة. حاولت جاهدةً ألا أدفع تلك الأحجار
لأسفل المنحدر. وكنت حريصة أيضًا على ألَّا تراني الإناث، التي تفزع بسهولة وكانت
ستنبه الآخرين بصيحاتها.
زحفت خلفصخرة كبيرة بالقرب من فيل البحر الشاب، ثم نهضتُ واقفةً ووضعت
سهمًا في القوس، رغم أني تذكرت فجأة تحذير أبي من أن القوس سينكسر لأنني امرأة.
كانت الشمس في أقصى الغرب، ولكن لحسن الحظ فقد سقط ظلِّي بعيدًا عن ذكر
الفيل الشاب. كانت المسافة بيننا قصيرة وكان ظهره مواجهًا لي مباشرةً. ومع ذلك فلم
أكن أعلم أين أسدِّد السهم الأول، على كتفيه أم رأسه. ففيل البحر جلده خشن، ومع ذلك
رقيق للغاية، ولكن توجد تحته طبقات سميكة من الدهن، ورغم أن جسده ضخم، فإن
رأسه صغير ويمثِّل هدفًا صعبًا.
وإذ وقفت هناك خلف الصخرة حائرة فيما عليَّ فِعْلُه، ويتردد في رأسيمجددًا تحذير
أبي بأن القوس بين يدي امرأة سوف ينكسر دومًا في وقت الخطر، بدأ الحيوان يتحرك
تجاه الشاطئ. في البداية ظننت أنه سمعني بسبيل المصادفة، ولكنيسرعان ما رأيت أنه
يتحرك باتجاه الإناث التي تخصفيل البحر العجوز الجالس على مقربة منه.
إن أفيال البحر سريعة الحركة رغم ضخامتها؛ إذ تسير متهادية على زعنفتيها
الكبيرتين اللتين تستخدمهما كيدين. كان فيل البحر يقترب من الماء، فأطلقت السهم
66
الفصل الثالث عشر
وانطلق في مسار مستقيم. وفي اللحظة الأخيرة غيَّر فيل البحر اتجاهه؛ ورغم أن القوس
لم ينكسر، فإن السهم قد مرَّ بجواره ولم يُصِبْه بأذًى.
فاتَني ملاحظة أن الفيل العجوز كان ينزل المنحدر آنذاك حتى سمعتصوت الأحجار
تحتكُّ ببعضها. وبسرعة باغتَ غريمه، وبدفعة واحدة من كتفيه قلبه على ظهره. كان
ارتفاع الفيل الشاب يعادل ارتفاع رجل طويل القامة وطوله ضعف ذلك، ومع ذلك فمِن
شدة الضربة تدحرج إلى الماء وقَبَع فيه ذاهلًا.
انقضَّ عليه الفيل العجوز، مؤرجحًا رأسه وصائحًا بصوت عالٍ جدٍّا حتى تردد
صداه على الجروف. توقف قطيع الإناث والصغار — الذين كانوا يرقدون بين الأمواج
ويَحُكُّون ظهورهم بزعانفهم — لمشاهدة المعركة.
كانت اثنتان من الإناث تعترضان طريق الفيل العجوز وهو يتحرك تجاه غريمه،
ولكنه تخطَّاهما كأنهما حَجَران صغيران. وباستخدام أسنانه الشبيهة بالناب، أصاب
الفيلَ الشاب بجرح طويل في خاصرته.
نهضالفيل الشاب، وعندما استدار كانت عيناه الصغيرتان متوهجتين باللون الأحمر
في شراسة. وعندما انقضَّ عليه الفيل العجوز مجددًا، ضربه هو أولًا وأنشب أسنانه في
عنق الفيل الآخر، ولم يتركه حتى تدحرج الفيلان داخل الأمواج، ناثرينِ الماء عاليًا في
الهواء.
كانت الإناث قد تفرقت بحلول ذلك الوقت، ولكن الذكور الأخرى ظلت جالسة بهدوء
على المنحدر.
توقف الفيلان المتصارعان للحظة؛ استعدادًا لهجوم جديد. كانت الفرصة مناسبة
لإطلاق سهم على الفيل الشاب الذي كان مستلقيًا على ظهره، وأسنانه لا تزال متشبِّثةً
بعنق الفيل الآخر، ولكني كنت آمل أن يكسب المعركة، ولذلك لم أحرِّك ساكنًا.
كان رأس الفيل العجوز وكتفاه زاخرتين بندوب عميقة من معارك خاضها من
قبل. وفجأةضربضربة بذيله — محاولًا التحرر من الأسنان التي تقبضعلى رقبته —
فأصاب جانب إحدى الصخور. ثم قفز بجسده خارج الماء مستندًا إلى الصخرة بذيله،
وبذلك حرَّر عنقه من فك الآخر.
صعد الفيل العجوز المنحدر بسرعة، فاتحًا فمه الكبير، والفيل الشاب في أعقابه.
تقدم الفيل نحوي؛ وإذ أسرعت بالفرار من أمامه تخوُّفًا من أن يكون قد قرر مهاجمتي
تراجعتُ للوراء. وعندها تعثرت في حَجَرٍ وسقطْتُ على ركبتيَّ.
67
جزيرة الدلافين الزرقاء
شعرتُ بألمٍ حادٍّ في ساقي، ولكني نهضت بسرعة. وفي تلك الأثناء كان الفيل العجوز
قد دار على عقبيه وانقضَّعلى مُطارِدِهِ بسرعة كبيرة حتى إن الفيل الشاب غلبتْه المفاجأة.
ومرة أخرى أصيبتْ خاصرة الفيل الشاب بجرح عميق، ومرة أخرى أطاحت به الضربة
العنيفة إلى الخلف حتى سقط في المياه.
ازدادت الأمواج احمِرارًا من دمائه، ولكنه في هذه المرة تدحرج معتدلًا وتأهَّب للهجوم.
ثم تلقَّى الفيل العجوز بكتفه. كان صوت اصطدامهما شبيهًا بصوت ارتطام الصخور.
ومرة أخرى أمسك الفيل الشابُّ برقبة الآخر، واختفيا معًا أسفل إحدى الأمواج. وعندما
صعدا للسطح، كانا لا يزالان ملتحمَيْن.
كانت الشمس قد غربتْ واشتدَّ الظلام حتى لم أعُدْ أرى بوضوح. كانت ساقي قد
بدأت تؤلمني، وحيث إن الطريق لمنزلي كان طويلًا، فقد تركتُهما وذهبت. كان بإمكاني
سماع صيحاتهما أثناء صعودي الجرف، ولوقت طويل بعدها.
68
الفصل الرابع عشر
عندما وصلت إلى منزلي، كانتْ ساقي تؤلمني بشدة حتى إنني واجهتُ صعوبة في الزحف
تحت السور وإزاحة الصخرة الثقيلة.
لم أستطِعِ الخروج من المنزل طيلة خمسة أيام؛ لأن ساقي كانت قد تورَّمتْ بشدة
ولم يكن لديَّ أيُّ أعشاب طبية أعالجها بها. كان لديَّ من الطعام ما يكفيني، ولكن في
اليوم الثالث قلَّ الماء في السلة، وبعد يومين آخرين فرغتِ السلة. وحينها اضطُررتُ إلى
الذهاب إلى النبع في الوادي الضيق.
بدأتُ المسير مع شروق الشمس. أخذتُ معي بعض المحار لآكُلَهُ، وكذلك رمحي
وقوسيوسهامي.سرتُ ببطء شديد؛ لأني كنت مضطرة للزحف على يديَّ وركبتيَّ، حاملة
الطعام مربوطًا إلى ظهري، وساحبةً الأسلحة ورائي.
كان ثمة طريقٌ قصير للوصول إلى نبع الماء، ولكنه كان مليئًا بصخور لم أكن
أستطيع تسلقها، ولذلك اضطررت لاتخاذ طريق أطول عبر الدغل. وصلت إلى الوادي
الضيق عندما كانت الشمس في وسط السماء. لم يكن النبع ببعيد فوقفتُ أستريح، رغم
أني كنت ظمآنة جدٍّا، حتى إني قطعت ورقة من شجيرة صبار لأمضغها.
وبينما كنت أستريح هناك، وأمصُّالعصارة من ورقة الصبار، رأيت الكلب الرمادي
الضخم — قائد قطيع الكلاب البرية — في الدغل الذي يعلوني. كان رأسه محنيٍّا ويتحرك
ببطء، متشمِّمًا الآثار التي تركتُها ورائي. رآني بعد وقت قصير من رؤيتي له، وتوقف.
ومِن خلفه كان بقية القطيع يُهرولون واحدًا بعد الآخر؛ فتوقف القطيع أيضًا.
جزيرة الدلافين الزرقاء
التقطتُ قوسي ووضعت به سهمًا، ولكنني إذ فعلت ذلك، اختفى الكلب في الدغل
ولحق به الآخرون بسرعة. اختفَوْا في لَمْح البصر، ولم يعُدْ ثمة ما أصُوِّب عليه سهمي؛
وكأنهم لم يطئوا المكان من الأساس.
فأصَخْتُ السمع. كانوا يتحركون في صمت تام؛ حتى إنني لم أستطِعْ سماع صوت
خطواتهم، ولكني كنت على يقين من أنهم سيحاولون محاصرتي. زحفت ببطء إلى الأمام،
متوقفة من حين لآخر لأنصت، وأنظر ورائي، وأقيس المسافة بيني وبين النبع. كانت
ساقي تؤلمني. تركت قوسي وسهامي ورائي إذ واصلت الزحف؛ وذلك لأن الدغل صار
كثيف الأشجار ولم يعد باستطاعتي استخدامهما، وكنت أجُرُّ الرمح بيدٍ واحدة.
ثم وصلت إلى النبع. كان ماء النبع يتدفق من شق في صخرة، والصخرة عالية تحيط
بالنبع من ثلاث جهات. لم تكن الكلاب البرية تستطيع أن تهاجمني من أيٍّ من تلك
الجهات؛ ولذا فقد تمدَّدت على الأرضوأخذت أشرب الماء في حين أتطلع إلى الوادي الضيق
الممتد أسفل مني. ظللت أشرب لوقت طويل وملأت سلتي، وعندما شعرت بتحسن زحفت
إلى مدخل الكهف.
كان ثمة بروزٌ من الصخور السوداء يعلو مدخل الكهف، وقد نَمَتْ بالمكان بعض
الشجيرات القصيرة، ووسط تلك الشجيرات وقف الكلب الرمادي الضخم، دون أن يظهر
منه سوى رأسه. لم يتحرك الكلب، ولكنَّ عينيه الصفراوين كانتا تتبعاني، مستديرتين
ببطء إذ اقتربت من الكهف. ظهر رأس آخر من ورائه، ثم رأس ثالث. وكانوا أبعد من أن
أصِلَ إليهم برمحي.
وفجأة رأيت شجيرة تتحرك في الناحية المقابلة من الوادي الضيق. كان القطيع قد
تقسَّم ووقفَتِ الكلاب تنتظر على جانبَيِ الوادي الضيق حتى أمرَّ بها.
كان الكهفقدصار أمامي. فزحفت إلى مدخله ثم دخلت. كان بإمكاني سماعصوت
أقدام تجري من فوقي، وكذلك خشخشة الشجيرات، متبوعةً بصمت.
كنت في أمان آنذاك. كنت أعلم أن الكلاب ستعود، وقد عادت بالفعل عندما حلَّ
المساء، وراحت تجوس الدغَل حتى الصباح، دون أن تجرؤ على الاقتراب من الكهف.
على الرغم من أن مدخل الكهف كان صغيرًا، فإنه بمجرد أن تصبح بالداخل يتسع
ويصبح بمقدورك أن تقف مستقيمًا. كان الماء يتساقط من السقف وكان الكهف باردًا
دون إشعال النار فيه، ولكني بقيت بداخله ستة أيام، حتى طابت ساقي، ولم أزحف
للخارج إلا مرة واحدة لجلب الماء من النبع.
70
الفصل الرابع عشر
وبينما كنت أعيش بداخل الكهف، قررتُ أن أحوِّل الكهف إلى منزل ثانٍ، أستطيع
أن أقيم فيه في حالة تعرضي للإصابة مجددًا أو للمرض. وقد نفَّذتُ هذا القرار ما إن
استعدتُ قوتي وقدرتي على الحركة.
كان الكهف يمتد إلى مسافة كبيرة في جوف الهضبة، وبه انحناءات عدة، ولكنني لم
أكن أحتاج سوى ذلك الجزء القريب من المدخل، الذي تصل إليه الشمس في بعضأوقات
النهار.
قبل تلك الحادثة بزمن استخدم أسلافي الكهف — لسبب لا أعلمه — ونحتوا رسومًا
في الصخر على الجدران بكلا الجانبين. كانت ثمة رسومٌ لبجعات طافية على سطح الماء
ومحلِّقة، ولدلافين وحيتان وأفيال بحر وطيور نورس وغربان سوداء وكلاب وثعالب.
وبالقرب من مدخل الكهف نحتوا أيضًا حوضين عميقين في الصخر، وقد قررتُ أن
أستخدمَهما في تخزين الماء؛ حيث إن سعتهما أكبر بكثير من سعة السلال.
نَحَتُّ رفوفًا في جانب الصخرة مثلما فعلت في المنزل الآخر، وجمعتُ المحار والبذور
لكي أخزنها هناك. وكذلك جمعت أعشابًا من الهضبة أعلى النبع؛ تحسُّبًا لاحتياجي إليها.
وأخذت القوس والسهام التي صنعتها في البداية إلى الكهف أيضًا. وفي النهاية، بعد أن
صنعت فراشًا جيدًا من الطحالب وجمعت الحطب للنيران، أغلقت المدخل بالحجارة، فيما
عدا فتحة صغيرة بالأعلى يمكنني الزحف عبرها.
فعلت كل هذا وأنا أفكر في الأيام التي قضيتُها مريضة دون ماء. كان العمل شاقٍّا،
وأكثره جديرًا بالرجال، ولكني لم أذهب إلى المكان الذي تعيش فيه أفيال البحر إلا بعد
أن انتهيت من العمل.
كان المدُّ منحسرًا عندما وصلت إلى هناك. وبأعلى المنحدر كانت ترقد جثة فيل البحر
العجوز. كانت طيور النورس قد نظفت عظامه من اللحم، ولكني وجدت ما جئت من
أجله.
كان بعضالأسنان في طول يدي ونصف عرضها. كانت مقوسة عند قمتها وبعضها
كان مكسورًا، ولكن عندما اخترتُ أفضلها وشحذتُه بالرمل، نلتُ مكافأة عملي بأن صار
لديَّ أربعة أسنة رماح جيدة، عريضة من القاعدة وحادة جدٍّا عند الطرف العلوي.
صنعتُ رمحين آخرين باستخدام تلك الأسنة وأصبحت أخيرًا مستعدة للذهاب إلى
كهف الكلاب البرية.
71
الفصل الخامسعشر
لطالما كانت هناك كلاب برية في جزيرة الدلافين الزرقاء، ولكن بعد أن قَتَل الأليوتيون
معظم رجال قبيلتنا وتُركت كلابُهم لتنضم إلى بقية الكلاب البرية، أصبح القطيع أكثر
جرأة. فصار يقضي الليالي في التجول في أرجاء القرية وخلال النهار لا يبتعد أبدًا عن
المكان. وحينها بدأنا نخطط للتخلص منها، ولكن سفينة الرجال البيض أتتْ وغادر
الجميع جالاس-أت.
إنني على يقين من أن القطيع صار أكثر جرأة بسبب قائده؛ ذلك الكلب الضخم ذو
العنق الكثيف الفِرَاء، والعينين الصفراوين.
لم أكن قد رأيتُ ذلك الكلب قط قبل أن يأتي الأليوتيون ولا رآه أحد غيري، فلا بد
أن يكون قد أتى معهم وتركوه خلفهم عندما رحلوا. كان أكثر ضخامة من أيٍّ من كلابنا،
التي بالإضافة إلى ذلك تمتلك شعرًا قصيرًا وعيونًا بُنِّيَّة. كنتُ متأكدة من أنه كلب أليوتي.
كنت قد قتلت حتى ذلك الحين خمسة كلاب من القطيع، ولكن تبقَّى العديد منها،
أكثر مما كانوا في البداية؛ وذلك لأن بعض الكلاب وُلدت في تلك الأثناء. بل إن الكلاب
الصغيرة كانت أكثر توحُّشًا من الكبار.
في البداية ذهبتُ إلى الهضبة القريبة من الكهف عندما كانت الكلاب بعيدة عنها
وجمعت كميات كبيرة من الأغصان ووضعتها بالقرب من مدخل وِجارها، ثم انتظرتُ
حتى عاد القطيع إلى الكهف. وقد ذهبتْ إلى هناك في وقت مبكر من الصباح لكي تنام بعد
أن قضتِ الليل في التجول في الأرجاء. أخذتُ معي القوس الكبير وخمسة سهام ورمحين.
ذهبتُ فيصمت، ودُرْتُ حول مدخل الكهف ثم جئته من جانبه. وهناك تركت كل أسلحتي
ما عدا رمحًا واحدًا.
جزيرة الدلافين الزرقاء
أشعلت النار في الأغصان ودفعتها داخل الكهف. ولو أن الكلاب البرية سمعتْني، فهي
لم تُصْدِر أي صوت يَنُمُّ عن ذلك. وبالقرب من المدخل كان ثمة حافة صخرية، تسلقتُها
حاملة معي أسلحتي.
علا لهيب النيران، وتصاعد بعضالدخان إلى أعلى الهضبة، ولكن معظمه ظلَّ داخل
الكهف. وصرت أتوقع أن يضطر القطيع لمغادرة الكهف قريبًا. لم أكن آمل في قتل أكثر
من خمسة منهم؛ لأني لم يكن لديَّ سوى ذاك العدد من السهام، ولكن إذا كان القائد
واحدًا من أولئك الخمسة كنت سأرضى. وربما كان من الحكمة أن أنتظر وأوفر سهامي
كلها من أجله، وهذا ما قررت أن أفعله.
لم يظهر أيٌّ من الكلاب قبل أن تخمد النار، ثم جرى ثلاثة منهم إلى الخارج، وتبعهم
سبعة آخرون، وبعد وقت طويل خرج عدد مماثل لذلك. ولكنَّ كثيرًا منها كان لا يزال في
الكهف.
خرج القائد بعد ذلك. ولكن على العكس من الآخرين فإنه لم يلُذ بالفرار، وإنما قفز
فوق الرماد ووقف عند مدخل الكهف يتشمَّم الهواء. كنت قريبة منه جدٍّا حتى إنني كنت
أستطيع رؤية أنفه يهتزُّ، ولكنه لم يَرَنِي حتى رفعت قوسي. ومن حسن الحظ أنني لم
أخُِفْه.
وقف في مواجهتي مباعدًا بين ساقيه الأماميتين وكأنه يستعد للوثب، وضاقتْ عيناه
الصفراوان حتى صارتا أشبه بشقين رفيعين. أصابه السهم في صدره، فأدار لي ظهره،
وسار خطوة واحدة ثم سقط. أطلقت سهمًا آخر نحوه، ولكنه طار بعيدًا.
في هذا الوقت خرجتْ من الكهف ثلاثة كلاب أخرى، فاستخدمتُ ما تبقَّى من سهامي
وقتلتُ اثنين منها.
نزلتُ من فوق الحافة الصخرية حاملةً الرمحين وعبرت الدغل إلى المكان الذي سقط
فيه قائد القطيع، ولم أجده هناك. فبينما كنت أصوب سهامي إلى الكلاب الأخرى، فرَّ من
المكان. لا يمكن أن يكون قد ابتعد كثيرًا بسبب جرحه، ولكن على الرغم من أنني بحثتُ
في كل مكان، حول الحافة التي كنت أقف عليها وأمام الكهف؛ فإنني لم أجده.
انتظرتُ طويلًا ثم دلفتُ إلى داخل الكهف. كان الكهف عميقًا، ولكن كنت أرى
بوضوح داخله.
في ركن بعيد داخل الكهف كانت هناك جثةُ ثعلبٍ مأكولٌ نصفُها، وبجوارها كلبة
سوداء وأربعة جِرَاءٍ رمادية اللون. تقدَّم أحد الجِرَاء نحوي ببطء، وكان أشبه ما يكون
74
الفصل الخامس عشر
بِكُرة مستديرة من الفرو يمكنني حملها في يدي. أردت أن أحمله، ولكن الكلبة الأم نهضتْ
وكشَّرتْ عن أسنانها. رفعتُ رمحي وأنا أتراجع إلى خارج الكهف، ولكني لم أستخدمه.
فالقائد الجريح لم يكن بالداخل.
كان الليل قد اقترب فتركتُ الكهف، وسرتُ بمحاذاة سفح الهضبة المؤدِّية إلى الجرف.
لم أقطع مسافة طويلة على ذلك الطريق الذي تستخدمه الكلاب البرية قبل أن أرى عصا
سهم مكسورة. كانت العصا مقضومة بالقرب من رأسالسهم، وقد علمت أنها من السهم
الذي أصاب القائد.
وبعد ذلك بمسافة رأيت آثار أقدامه في التراب. كانت آثار الأقدام متقطِّعة وكأنه كان
يسير ببطء. تبعت الآثار تجاه الجرف، ولكنني في النهاية فقدتها في الظلام.
أمطرت السماء في اليومين التاليين فلم أخرج للبحث عنه، وإنما قضيت هذين اليومين
في صنع المزيد من السهام، وفي اليوم الثالث حملتُ رمحي وتلك السهام الجديدة، وسرت
على طول الطريق الذي صنعتْه الكلاب البرية من منزلي وإليه.
لم تعد ثمة آثار على الأرضبعد المطر، ولكنني تتبعت الطريق حتى وصلت إلى كومة
الصخور التي كنت قد رأيت الكلاب عندها من قبل. وعند الجانب البعيد من الصخور
وجدت الكلب الرمادي الضخم. كان السهم المكسور مغروسًا في صدره وكان يرقد على
إحدى ساقيه.
كان على بُعد قرابة عشر خطوات مني، ولذلك كنت أراه بوضوح. كنت متأكدة من
أنه ميت، ولكني رفعت الرمح وصوبته إليه بإحكام. وبينما أنا على وشك رمي الرمح، إذا
به يرفع رأسه عن الأرضقليلًا ثم يتركه يسقط.
كان ذلك التصرُّفمبعث دهشة كبيرة لي، ووقفت في مكاني فترة ولا أدري ماذا أفعل،
وهل عليَّ أن أستخدم الرمح أم القوس. فقد كنتُ معتادة على تظاهر الحيوانات بالموت
حتى تهاجِمَك فجأة أو تهرب.
كان الرمح هو أفضل السلاحين من هذه المسافة، ولكني لم أكن أجيد استخدامه
بنفس إجادتي للقوس، ولذلك تسلَّقت الصخور حتى أستطيع رؤيته إذا هرب. ووضعت
قدميَّ بحذر. كان لديَّ سهم ثانٍ في متناول يدي إذا ما اقتضتِ الحاجة. وضعت سهمًا في
القوس وجذبتُ الوَتَر، مُصَوِّبة السهم إلى رأسه.
لست أدري لماذا لم أطلق السهم. فقد وقفت على الصخرة والقوس مشدود للوراء
ولكنَّ يدي أبَتْ أن تطلق السهم. رقد الكلب الضخم في موضعه بلا حِراك، وربما كان هذا
75
جزيرة الدلافين الزرقاء
هو السبب. فلو كان نهض من مكانه، لكنت قتلتُه. وقفت في مكاني طويلًا ناظرة إليه،
ثم نزلت من فوق الصخور.
لم يتحرك الكلب عندما ذهبت إليه، ولا كان باستطاعتي أن أراه يتنفس إلا عندما
اقتربت كثيرًا منه. كان رأس السهم مستقرٍّا في صدره، وعصاه المكسورة مغطَّاة بالدم.
وكان الفَرْوُ المحيط برقبته متلبِّدًا من أثر المطر.
لا أظنه أدرك أنني أحمله؛ لأن جسده كان مرتخيًا وكأنه ميت. كان ثقيلًا جدٍّا وكان
السبيل الوحيد لرفعه هو أن أجثو على ركبتيَّ وأضع ساقيه حول كتفيَّ.
وبهذه الطريقة حملتُه إلى منطقة اللسان، وكنت أتوقف للاستراحة عندما أشعر
بالتعب.
لم أستطع عبور المدخل أسفل السور؛ ولذلك قطعت الأربطة ونزعت ضلعين من
ضلوع الحوت، ومِن ثَمَّ أدخلته إلى المنزل. لم ينظر الكلب نحوي أو يرفع رأسه عندما
وضعته على الأرض، ولكن فمه كان مفتوحًا وكان يتنفس.
ولحسن الحظ، كان للسهم رأس صغير مما جعله يخرج بسهولة رغم توغله في
لحمه. لم يتحرك الكلب وأنا أخُرج رأس السهم، ولا بعد ذلك عندما كنت أنظف الجرح
بُغصن مقشور من إحدى شجيرات المرجان. هذه الشجيرة تثمر حبات سامة، ولكن خشب
أغصانها كثيرًا ما يداوي جروحًا لا يداويهاشيء آخر.
لم أكن قد خرجت لجمع الطعام منذ عدة أيام وكانت السلال خاوية، ولذلك فقد
تركتُ ماء للكلب وذهبت إلى البحر، بعد أن أصلحت السور. لم أكن أظن أنه سيعيش ولم
أهتمَّ بذلك.
قضيت اليوم كله بين الصخور أجمع المحار، وخطر الكلب الجريح — عدوي اللدود
— الذي يرقد في المنزل ببالي مرة واحدة فقط، وعندها تساءلت في نفسيعن سبب إحجامي
عن قتله.
كان لا يزال حيٍّا عندما عدتُ إلى المنزل، رغم أنه لم يتحرك من المكان الذي تركتُه
فيه. نظفت الجرح مرة أخرى بغصن شجرة المرجان، ثم رفعت رأسه ووضعت ماءً في
فمه، فابتلعه. كانت هذه هي المرة الأولى التي ينظر فيها إليَّ منذ المرة التي وجدته فيها
على الطريق. كانت عيناه غائرتين تتطلَّعان إليَّ من محجريهما المدفونَين في رأسه.
قبل أن أذهب للنوم أسقيته المزيد من الماء. وفي الصباح تركت له طعامًا عندما ذهبت
إلى البحر، وعندما عدت وجدته قد أكله. كان يرقد في ركن المنزل يراقبني. وبينما كنت
أوقد النار وأطهو طعام العشاء، كان يراقبني، وعيناه الصفراوان تتبعان تحرُّكاتي كلها.
76
الفصل الخامس عشر
في تلك الليلة نمت فوق الصخرة؛ لأنني كنت خائفة منه، وعندما غادرت المنزل عند
الفجر تركت فتحة الحفرة أسفل السور مفتوحة حتى يتمكن من الخروج. ولكني وجدته
بالمنزل عندما عدت، راقدًا في الشمس مُرْخِيًا رأسه على كفَّيْه. كنت قد اصطدت سمكتين
برمحي، فطهوتهما لعشائي. وحيث إنه كان هزيلًا جدٍّا، فقد أعطيتُه إحداهما، وبعد أن
انتهى من أكلها اقترب مني ورقد بجوار النار، ناظرًا إليَّ بعينيه الصفراوين الضيقتين
جدٍّا المسحوبتين لأعلى من طرفيهما.
نمت على الصخرة أربعَ ليالٍ، وفي كلصباح كنت أترك الحفرة أسفل السور مفتوحة
حتى يستطيع الخروج. وفي كل يوم كنت أصطاد له سمكة وعندما أصل إلى المنزل، دائمًا
ما كنت أجده واقفًا عند السور في انتظارها. لم يكن يأخذ السمكة من يدي؛ ولهذا كنت
أضطر لوضعها على الأرض. وفي إحدى المرات مددت له يدي بالسمكة، ولكنه تراجع إلى
الوراء مكشِّرًا عن أنيابه.
وفي اليوم الرابع عدت من عند الصخور باكرًا ولم أجده منتظرًا عند السور. فأحسست
بشعور غريب. عندما كنت أعود من قبل، دائمًا ما كنت أتمنى أن يكون قد رحل. ولكني
حينذاك إذ زحفت تحت السور، لم ينتَبْني نفس الشعور.
ناديتُه قائلة: »أيها الكلب … أيها الكلب. « وذلك لأني لم أعرف له اسمًا آخر.
ركضت نحو المنزل وأنا أناديه. كان الكلب موجودًا بالداخل، وقد نهض للتوِّ من
رُقاده، وأخذ يتمطى ويتثاءب. نظر أولًا إلى السمكة التي كنت أحملها ثم نظر نحوي وهز
ذيله.
مكثت في المنزل تلك الليلة. وقبل أن أخلد للنوم فكرت في اسم له؛ لأني لا أستطيع أن
أناديه باسم »كلب «. كان الاسم الذي فكرت فيه هو »رونتو «، الذي يعني في لغتنا »عيون
الثعلب .«
77
الفصل السادسعشر
لم تَعُدْ سفينة الرجال البيضذلك الربيع ولا في الصيف. ولكن كل يوم — سواء كنت عند
اللسان أو أجمع المحار بين الصخور أو أعمل على إصلاح قارب الكانو — كنت أرتقب
قدومها. وكذلك كنت أرتقب قدوم سفينة الأليوتيين الحمراء.
لم أكن متأكدة مما سأفعله إذا جاء الأليوتيون. كان بإمكاني أن أختبئ في الكهف
الذي خزنت فيه الطعام والماء؛ فقد كان محاطًا بدغل كثيف وكان مدخل الوادي الضيق
لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق البحر. لم يستخدم الأليوتيون نبع الماء ولم يعلموا
بوجوده؛ لأنه كان ثمة نبع آخر أقرب إلى مكان معسكرهم. ولكن كان من الممكن أن
يكتشفوا الكهف بمحضالمصادفة وعندها سيكون عليَّ أن أستعد للهرب.
ولهذا السبب عملت على إصلاح قارب الكانو الذي كنت قد تركتُه عند حفرة الرمل.
ذهبت إلى الموضع الذي أخفينا فيه القوارب الأخرى، ولكني وجدتها قد جفت وتشققت،
علاوة على أنها كانت أثقل من أن تستطيع فتاة دفعها إلى داخل المياه، حتى لو كانت فتاة
قوية مثلي.
كانت التيارات قد أوشكت على دفن القارب في الرمال، فعكفت أيامًا عديدة على
إخراجه منها. وحيث إن الطقس كان دافئًا، لم أضطر للذهاب إلى منزلي القائم عند
اللسان، وإنما كنت أطهو وجباتي على حُفَر الرمل وأثناء الليل كنت أنام في القارب، وهو
الأمر الذي وفَّر لي الكثير من الوقت.
وحتى ذلك القارب كان أضخم من أن أستطيع سحبه إلى الماء وإخراجه منه بسهولة؛
ولذا بدأت أعمل على تصغيره. فعلت ذلك بأن فككت الألواح الخشبية كلها — من خلال
قطع الأوتار التي تربطها وتسخين القار الذي يثبِّتها معًا — ثم قلَّصتُ طول الألواح إلى
جزيرة الدلافين الزرقاء
النصف، مستخدمة سكاكين حادة مصنوعة من حجر أسود موجود في مكان واحد فقط
على الجزيرة، ثم ربطت الألواح ثانية إلى بعضها باستخدام القار وأوتار جديدة.
عندما انتهيت من عملي، لم يعد القارب جميلًا كما كان من قبل، ولكن صار
باستطاعتي أن أرفع أحد طرفيه وأسحبه عبر الأمواج.
وطوال الوقت الذي عملتُ فيه على إصلاح القارب الذي استغرق معظم ذلك الصيف
كان رونتو برفقتي. فكان إما ينام في ظل قارب الكانو أو يركض في أرجاء حفر الرمل
جيئةً وذهابًا مطاردًا البجعات التي كانت تأوي إلى ذلك المكان بأعداد كبيرة لوفرة الأسماك
في الجوار. لم يمسك بأيٍّ من تلك البجعات قط، ومع ذلك ما كان ينفكُّ يحاول، حتى يتدلى
لسانه خارج فمه من فرط التعب.
تعلَّم الكلب اسمه بسرعة، وكذلك الكثير من الكلمات التي تعني شيئًا بالنسبة له؛
مثل كلمة »زالويت « التي تعني بجعة في لغتنا، وكلمة »نايب « التي تعني سمكة. كنت
أتحدث إليه كثيرًا، مستخدمة هذه الكلمات وغيرها والعديد من الكلمات الأخرى التي لا
يفهمها، وكأنني أحدِّث أحد أبناء قومي.
فكنت مثلًا أقول له بعد أن يسرق سمكة مميَّزة كنت اصطدتها لعشائي: »رونتو،
أخبرني كيف يتأتَّى لكلب وسيم مثلك أن يكون لصٍّا؟ «
فكان يُميل رأسه إلى جانب ثم إلى الآخر رغم أنه لا يفهم سوى كلمتين مما قلت،
وينظر إليَّ.
أو أقول له: »يا له من يوم جميل! أنا لم أرَ المحيط في مثل هذا السكون من قبل،
والسماء تبدو كصَدَفة زرقاء. إلى متى ستدوم هذه الأيام في رأيك؟ «
ورغم أنه لم يكن يفهم أيٍّا من تلك الكلمات، كان يتطلَّع إليَّ، وكأنه يفهم كل ما قيل.
ولذلك لم أكن وحيدة. لم أكن أدري إلى أي مدًى كنت وحيدة حتى صار لديَّ رونتو
لأتحدث إليه.
وعندما انتهيت من إصلاح قارب الكانو وجفَّ القار، أردت أن أختبر حركته في الماء
وكونَ الماء سيتسرب عبر الألواح؛ ولذا انطلقنا في رحلة بحرية طويلة حول الجزيرة.
استغرقت الرحلة يومًا كاملًا، من الفجر إلى الليل.
كان ثمة كهوف بحرية كثيرة على جزيرة الدلافين الزرقاء، بعضها كبير ويمتد إلى
الوراء حتى يبلغ الجروف. وكان أحدها قريبًا من منطقة اللسان؛ حيث كان منزلي.
كان مدخل الكهف ضيِّقًا، لا يزيد كثيرًا عن عرض القارب، ولكن ما إن عبرناه إلى
الداخل ازداد اتساعًا حتى صار أكبر من منزلي عند اللسان.
80
الفصل السادس عشر
كانت جدران الكهف سوداء ناعمة ومائلة على ارتفاع كبير فوق رأسي. وكان الماء
داكنًا مثلها تقريبًا، فيما عدا المناطق التي يتسلل إليها الضوء عبر المدخل؛ فالماء فيها كان
ذهبيَّ اللون وكان بإمكاني رؤية السمك وهو يسبح من حولي. كانت أسماكًا مختلفة عن
تلك الموجودة عند الحيد البحري؛ حيث كان لها عيون أكبر وزعانف تنساب من أجسادها
كالأعشاب البحرية.
كان ذلك المكان يؤدي إلى مكان آخر، أصغر وشديد الظلمة حتى لم يَعُدْ بإمكاني
رؤية أي شيء. كان الصمت يلُفُّ المكان، فلا يصل إليه صوت الأمواج على الشاطئ، بل
فقط صوت ارتطام الماء بلطف بالجدران الصخرية. فكَّرْت في الإله تماياويت الذي غضب
من الإله موكات ونزل إلى أسفل، إلى عالم آخر، وتساءلت هل نزل إلى مكان شبيه بذاك.
كان ثمة بقعة ضوء على مبعدة مني لا تزيد عن حجم يدي؛ لذا فبدلًا من العودة من
حيث أتيت — وهو ما كنت أريد أن أفعله — سِرْتُ تجاهها مع التيار مجتازة الكثير من
المنعطفات حتى وصلت أخيرًا إلى مكان يشبه الأول.
على طول أحد جانبيه كان ثمة رفٌّ عريضمن الصخور، يمتد إلى البحر عبر فتحة
ضيقة. كان المد مكتملًا ومع ذلك كان الرف فوق مستوى الماء. كان مكانًا ممتازًا لإخفاء
قارب كانو؛ إذ كان من الممكن رفعه وتخزينه هناك؛ حيث لا يستطيع أحد العثور عليه.
كانت الحافة الصخرية تلتحم بالجرفأسفل منزلي. فلم يكن ينقصني سوى طريق يؤدي
إلى الكهف، ويكون القارب في متناول يدي.
قلت لرونتو: »لقد توصلنا إلى اكتشاف عظيم. «
لم يسمع رونتو ما قلته؛ فقد كان يراقب سمكة شيطان، بعد مدخل الكهف تمامًا.
تلك السمكة لها رأسصغير وعينان منتفختان وأذرُع كثيرة. طوال اليوم كان رونتو ينبح
— على طيور الغاق وطيور النورسوعجول البحر — وعلى كلشيء يتحرك. والآن أصبح
ساكنًا، يراقب ذاك الشيء الأسود في الماء.
تركتُ القارب ينجرفإلى الأمام وجثوت على الأرضمتواريةً عن الأنظار حتى تمكنت
من التقاط رمحي.
كانت سمكة الشيطان أمامنا، تسبح ببطء بالقرب من سطح الماء، محركة كل
أَذْرعتها في وقت واحد. أسماك الشيطان الكبيرة تكون خطيرة إذا كنت في البحر؛ وذلك لأن
أذْرعتها طول الإنسان، وهي تستطيع أن تلفها حولك بسرعة. ولها أيضًا فم كبير ومنقار
حاد في الموضع الذي تلتحم فيه الأذرع بالرأس. وكانت تلك السمكة أكبر سمكة شيطان
رأيتها في حياتي.
81
جزيرة الدلافين الزرقاء
وحيث إن رونتو كان يقفأمامي ولم يكن باستطاعتي وضع قارب الكانو في وضعية
أفضل، اضطُرِرْتُ لأن أميل بجسدي خارج القارب لكي أستخدم الرمح. وعندها لمحتْ
سمكة الشيطان حركتي وأطلقتْ في الماء سحابة من سائل أسود أَخْفَتْها عن نظري فورًا.
كنت أعلم أن سمكة الشيطان لن تكون في وسط السحابة، وأنها قد تركت تلك
السحابة وراءها؛ ولهذا لم أوجِّهْ رمحي نحوها، وإنما التقطت المجداف وانتظرت حتى
ظهرت السمكة مجددًا. كانت قد صارت تبعد عني مسافة تعادل ضعف طول القارب،
ورغم أني كنت أجدف بسرعة لم أستطع اللحاق بها.
قلت لرونتو، إذ راح يتطلع إلى السحابة السوداء في الماء: »رونتو، أمامك الكثير لتتعلمه
عن سمكة الشيطان. «
لم ينظر رونتو إليَّ أو ينبح، بل أمال رأسه جانبًا ثم الآخر وهو لا يزال حائرًا، وزادت
حَيْرته عندما اختفت السحابة ولم يتبقَّ سوى الماء الرائق.
إن سمكة الشيطان ألذُّ طعام في البحار؛ فلحمها أبيض طريٌّ حلو المذاق، ولكن
يصعب صيدها دون نوع خاص من الرماح، وهو ما قررت أن أصنعه خلال فصل
الشتاء، عندما يكون لديَّ متسع من الوقت.
أخذت قارب الكانو إلى خليج المرجان، الذي لم يكن بعيدًا عن الكهف، وسحبته إلى
الشاطئ بعيدًا عن عواصف الشتاء؛ حيث يظل في مأمن حتى الربيع، وعندها أنقله إلى
الكهف الذي عثرت عليه أنا ورونتو. كان القارب يسهل التجديف منه، والماء لا يتسرب
إليه. وكنت أنا سعيدة جدٍّا.
82
الفصل السابع عشر
أتت العواصف مبكِّرة مصحوبة بالمطر، وبين نوبات المطر ضربت الجزيرةَ عواصفُ
شديدة ملأت الهواء بالرمال. خلال تلك الفترة، صنعت لنفسي ثوبًا آخر، ولكني قضيت
معظم الأيام في صنع رمح أصطاد به سمكة الشيطان العملاقة.
كنت قد شاهدت ذلك الرمح وهو يُصنع من قبل، مثلما شاهدت أبي وهو يصنع
الأقواس والسهام، إلا أنني لم أكن أعرف الكثير عن طريقة صنعه، مثلما لم أكن أعرف
الكثير عن كيفية صنع غيره من الرماح. ومع ذلك كنت أتذكر شكله وكيفية استخدامه.
فمن تلك الذكريات تمكنتُ من صنعه بعد كثير من الأخطاء وساعات طويلة من العمل،
جلست فيها عند باب المنزل في حين كان رونتو ينام بالقرب مني، والعواصف تضرب
السقف بقوة.
تبقَّى لديَّ أربعٌ من أسنان فيل البحر، ورغم أنني كسرتها جميعًا إلا واحدة، فقد
صنعت من تلك الأخيرة سنَّ رمحٍ ذا طرف خُطَّافي الشكل، ثم صنعت حلقة وثبَّتُّها على
نهاية قصبة الرمح، وثبَّت في تلك الحلقة رأس الرمح، الذي كان مربوطًا بخيط طويل
مصنوع من الأوتار المجدولة. فعندما يُرمى الرمح ويصيب سمكة الشيطان، ينفصل
الرأس عن القصبة؛ فتطفو القصبة على سطح الماء، في حين يظل الرأس الخطافيُّ متصلًا
بالخيط المربوط إلى رسغك. كان ذلك الرمح ممتازًا لأنه يمكن رميه من مسافة بعيدة.
في أول أيام الربيع ذهبت إلى خليج المرجان مصطحبةً رمحي الجديد. علمتُ بقدوم
الربيع؛ إذ ملأت السماءَ فجرَ ذلك اليومِ أسرابٌ من الطيور المندفعة. كانت تلك الطيور
صغيرة سوداء اللون لا تأتي سوى في ذلك الوقت من العام. كانت تأتي من الجنوب وتظل
على الجزيرة يومين، تصيد الطعام من الأودية الضيقة، ثم تنطلق في رحلة واحدة عظيمة
تجاه الشمال.
جزيرة الدلافين الزرقاء
لم يذهب رونتو معي إلى الشاطئ؛ لأني كنت تركته يخرج من السور ولم يعد. كانت
الكلاب البرية قد أتتْ إلى المنزل أكثر من مرة خلال الشتاء ولم يُظهِر رونتو اهتمامًا بها،
ولكن في الليلة الماضية، بعد أن أتتْ ورحلتْ، ظلَّ واقفًا عند السور. وقف وراح يعوي
ويقطع المكان جيئة وذهابًا. أقلقني أن أراه يتصرف بهذه الغرابة، وعندما رفضأن يأكل
طعامه، تركتُه يخرج في النهاية.
وبعد ذلك دفعتُ قارب الكانو إلى الماء وتركتُ التيار يحملني إلى الحيد البحري، حيث
كانتْ سمكة الشيطان. كان الماء صافيًا جدٍّا حتى صار أشبه بالهواء من حولي. وعلى عمق
كبير، كانت نباتات سرخس الماء تتمايل وكأنَّ ثمة نسيمًا يهب تحت الماء، وكانت أسماك
الشيطان تسبح وسطها وهي تجرُّ أذْرِعَتها الطويلة خلفها.
كان وجودي في البحر بعد انتهاء عواصف الشتاء، ممسكة رمحي الجديد بيدي،
أمرًا يبعث على السرور. ولكن طوال الصباح — بينما كنت أحاول أن أصطاد سمكة
الشيطان العملاق — ظللت أفكر في رونتو. كان حريٍّا بي أن أكون سعيدة، ولكن التفكير
فيه حرمني تلك السعادة. وتساءلت في نفسي: هل سيعود، أم إنه ذهب للعيش مع الكلاب
البرية؟ هل سيعود إلي كونه عدوٍّا لي؟ كنت أعلم أنه لو انقلب عدوٍّا لي لن أستطيع قتله
بعد أن صار صديقي.
عندما ارتفعتِ الشمس في السماء، أخفيتُ القارب في الكهف الذي كنا اكتشفناه؛
لأنه مرة أخرى كان ذاك هو الوقت الذي ربما يعود فيه الأليوتيون، ثم تسلَّقتُ الجرف
مصطحبةً سمكتَيِ القاروس اللتين اصطدتهما بالرمح، وإن لم أصطَدْ سمكة الشيطان
العملاقة. كنت أنتوي شقَّ طريق من الكهف إلى منزلي، ولكني قررت أن ذاك الطريق
يمكن أن يراه أي شخصمن سفينة في البحر أو عند وقوفه على اللسان.
كان الجرف شديد الانحدار إذ تسلقتُه. وعندما وصلت إلى القمة، توقفت لالتقاط
أنفاسي. كان ذاك صباحًا هادئًا باستثناء الضوضاء التي أحدثتْها الطيور الصغيرة وهي
تطير من شجيرة إلى أخرى، وصيحات طيور النورس المستاءة من أولئك الغرباء. ثم
سمعتُ صوت كلاب تتشاجر. كان الصوت يأتي من بعيد، ربما من الوادي الضيق،
فهُرِعْتُ ناحيتَه، حاملةً قوسيوسهامي.
سلكت الطريق المؤدي إلى النبع. كان ثمة آثار لكلاب برية حول النبع، وبينها رأيت
تلك الآثار الكبيرة لأقدام رونتو. كانت الآثار ممتدة عبر الوادي الضيق الذي ينتهي عند
البحر. ومرة أخرى سمعت صوت قتال آتٍ من بعيد.
84
الفصل السابع عشر
كان تقدُّمي في الوادي الضيق بطيئًا بسبب قوسيوسهامي.
وأخيرًا وصلت إلى المكان الذي ينفتح فيه الوادي على مرجٍ يقع عند حافة جرفبحري
منخفض. منذ زمن بعيد، كان قومي يعيشون في ذلك المكان أحيانًا في فصول الصيف.
فكانوا يجمعون المحار من فوق الصخور ويأكلونه هناك، تاركين الصدفات حتى كوَّنتْ
تبَّة صيفًا بعد صيف. وقد نما العشب فوقها، وكذلك نبات كثيف الأوراق يسمَّى »نابان .«
وفوق تلك التبَّة، بين الأعشاب والنباتات، كان يقف رونتو. كان يقف في مواجهتي،
مُوَلِّيًا ظهره للجرف البحري. وأمامه وقفت الكلاب البرية، مكونة نصف دائرة. في البداية
ظننت أن الكلاب قد دفعتْه إلى حافة الجرف وكانت تستعد للهجوم عليه، ولكنيسرعان
ما رأيت أنه ثمَّة كلبان منفصلان عن بقية القطيع يقفان بين القطيع ورونتو، وقد تخضَّب
أنفاهما بالدماء.
كان أحد هذين الكلبين هو قائد القطيع الذي أخذ مكان رونتو عندما أتى للعيش
معي، أما الآخر، الذي كان مُرقَّطًا؛ فلم أكن قد رأيته من قبل. كانت المعركة بين رونتو
وهذين الكلبين، وكان بقية القطيع يترقب للانقضاضعلى الطرف المهزوم أيٍّا كان.
كانت الجلبة التي صنعها القطيع شديدة حتى إنهم لم يسمعوا مجيئي من الدغل،
ولا رأوني عندما وقفت عند طرف المرج؛ وإنما أَقْعَوْا واستمروا في النباح، مثبتين أعينهم
على الآخرين. ولكني واثقة من أن رونتو أدرك أنني على مقربة منه؛ وذلك لأنه رفع رأسه
وأخذ يتشمم الهواء.
كان الكلبان يسيران جيئة وذهابًا عند قاعدة التبَّة، مراقِبَيْنِ رونتو. من المرجح أن
القتال بدأ عند النبع وأنهما قد طاردا رونتو حتى هذا المكان؛ حيث اختار رونتو أن
يقاتلهما.
كان الجرف البحري خلف رونتو، ولم يكن باستطاعتهما أن يصلا إليه من هذا
الاتجاه؛ ولذلك كانا يحاولان التفكير في طريق آخر لمهاجمته. فكان من الأسهل عليهما لو
استطاع أحدهما مهاجمته من الخلف والآخر من الأمام.
لم يتحرك رونتو من الموضع الذي كان يقف فيه أعلى التبَّة، ومن وقت لآخر كان
يخفض رأسه ليلعق جرحًا بساقه، ولكن دون أن يرفع عينيه عن الكلبين اللذين راحا
يذرعان المكان جيئة وذهابًا.
كان بإمكاني أن أصيبهما بسهامي؛ حيث كانا في مرمى قوسي، أو أن أبُعِد القطيع،
إلا أنني وقفت في الدغل واكتفيت بمراقبة المشهد. فقد كانتِ المعركة بينهما وبين رونتو.
85
جزيرة الدلافين الزرقاء
وإذا أوقفتُها، فمن المؤكد أنهم سيتقاتلون مجددًا، ربما في مكان آخر لا يناسب رونتو
كهذا.
لعق رونتو جرحه مجددًا، ولكنه في هذه المرة لم يراقب الكلبين وهما يتحركان ببطء
مجتازينِ التبَّة. ظننت أنه يستدرجهما وقد ثبتَ أن الأمر كذلك؛ لأنهما ركضا نحوه بغتة.
انطلق الكلبان من جهتين متقابلتين للتبة، وقد أرجعا آذانهما للوراء وكشَّرا عن أنيابهما.
لم ينتظر رونتو هجومهما، وإنما قفز نحو أقربهما إليه، ثم أدار كتفه وخفض
رأسه ليقبضعلى ساق الكلب الأمامية بأسنانه. كان القطيع هادئًا. وخلال هذا الصمت،
استطعتُ سماع صوت عظام تتكسر، ثم تراجع الكلب إلى الوراء على ثلاث أرجل.
كان الكلب المرقَّط قد اعتلى التبة. استدار رونتو مبتعدًا عن الكلب المصاب، وواجه
الكلب المرقط، ولكن ليس في الوقت المناسب لصد الانقضاضة الأولى القوية. فقد انقضَّ
الكلب على عنقه بأسنانه، ولكن رونتو إذ دار بجسده، أصيب في خاصرته عوضًا عن عنقه،
وسقط أرضًا.
وفي تلك اللحظة، بينما هو راقد على العشب، والكلب الآخر يدور حوله بحذر والقطيع
يتحرك نحوه ببطء، ثبَّتُّ سهمًا بالقوسدون وَعْيٍ مني. كان ثمة مسافة كبيرة تفصل بين
رونتو ومُهاجِمِه، وكان بإمكاني أن أنهي المعركة قبل أن يصاب بجروح أكثر أو ينقضَّ
القطيع عليه. ومع ذلك، كما حدث من قبل، لم أطلق السهم.
توقف الكلب المرقط وعاد أدراجه، ثم قفز مرة أخرى، ولكن من خلف رونتو هذه
المرة.
كان رونتو لا يزال ممدَّدًا على العشب وكفَّاه تحت جسده، وظننت أنه لم يرَ أن
الكلب الآخر ينقضُّ عليه. ولكنه إذْ ربض في مكمنه، رفع نفسه فجأة وفي الوقت ذاته
أطبق أسنانه على عنق الكلب المرقط.
تدحرج الكلبان معًا من فوق التبة، ومع ذلك لم يترك رونتو رقبة الكلب الآخر. وقد
جلس القطيع على العشب متململًا.
وبعد هنيهة وقف رونتو على قدميه وترك الكلب المرقط مسجٍّى على العشب. سار
رونتو إلى أعلى التبة ثم رفع رأسه وأطلق عواءً طويلًا. لم أكن قد سمعت هذا الصوت يومًا
من قبل؛ فقد كان صوتَ أشياء كثيرة لم أفهمها.
هرول رونتو متجاوزًا إياي وقاطعًا الوادي الضيق. وعندما وصلت إلى المنزل وجدته
هناك بانتظاري، وكأنه لم يبارحه وكأن شيئًا لم يحدث.
86
الفصل السابع عشر
وطوال ما تبقَّى من عمره، لم يترك رونتو المنزل مرة أخرى. أما بالنسبة للكلاب
البرية، التي انقسمتْ إلى قطيعين لسبب ما؛ فلم تعد بعد ذلك مطلقًا إلى منطقة اللسان.
87
الفصل الثامن عشر
كانت الأزهار وافرة في ذلك الربيع بسبب غزارة أمطار الشتاء. فاكتستِ الكثبان الرملية
بِبِسَاط من الزهور التي تنبت في الرمال، وهي زهور حمراء يتوسطها قرصيكون أحيانًا
ورديَّ اللون وأحيانًا أبيض. ونَمَتْ نباتات اليُكة طويلة بينصخور الوادي الضيق، وكانت
رءوسها تتفرع إلى عناقيد من كرات متموجة لا يزيد حجمها عن الحصوات، ولونها كَلَوْن
الشمس حين تشرق. أما نبات الترمس فكان ينمو حيث تتدفق الينابيع. ومن الجروف
المشمسة، بداخل شقوق لا يتخيل أحد أن ينمو فيها شيء، انبثقتْ شجيرات الكومول
الصغيرة ذات اللونين الأحمر والأصفر.
وكانت الطيور متوافرة بأعداد كبيرة أيضًا. فقد كان ثمة كثير من الطيور الطنانة،
التي تستطيع أن تقف ثابتة في الهواء، وتبدو شبيهة بقطعصغيرة من الأحجار المصقولة،
ولديها ألسنة طويلة ترتشف العسل بها. وكان ثمة طيور سنديان، وهي طيور مشاكسة
للغاية، وطيور نقَّار الخشب التي يكتسي ريشها باللونين الأسود والأبيض، والتي تنقر
الحُفَر في جذوع نباتات اليُكة وفي أعمدة سقف منزلي، وحتى في عظام الحوت الموجودة
بالسور. وقد أتت كذلك طيور سوداء ذات أجنحة حمراء محلِّقة من الجنوب، علاوة على
أسراب من الغربان، وطائر له جسد مائل إلى الصفرة ورأس قرمزي لم أكن رأيته من
قبل.
وقد بنى زوج من هذه الطيور عشٍّا في شجرة غير مكتملة النمو بالقرب من منزلي،
وقد بُني العش من خيوط من شجيرة اليُكة، وكانت له فتحة صغيرة بالأعلى، وقد تدلَّى
لأسفل كالجعبة. وضعتِ الأم بيضتين مرقطتين، وتبادلت النوبات مع زوجها في الرقود
عليهما. وبعد أن فقست البيضتان، وضعتُ شرائح من قواقع أذن البحر تحت الشجرة،
فكانت الأم تطعم بها صغارها.
جزيرة الدلافين الزرقاء
لم يكن الصغيران يشبهان أمهما وأباهما؛ إذ كانا رماديَّيِ اللون وقبيحين للغاية،
ولكني مع ذلك أخذتهما من العشووضعتهما في قفصصغيرصنعته من البوص؛ ولذلك
ففي وقت لاحق من الربيع، عندما غادرت الطيور كلها عدا الغربان الجزيرةَ وطارت نحو
الشمال، صار لديَّ هذان الطائران لمرافقتي.
وسرعان ما نبت لهما ريش جميل يشبه الريش الذي كان يكسو والديهما، وبدءا
يصدران الصوت نفسه: »رييب … رييب «، ولكن صوتهما كان ناعمًا نقيٍّا وأكثر عذوبة
بكثير من صيحات طيور النورس أو الغربان أو لغو البجع الشبيه بتشاجر شيوخ بلا
أسنان.
قبل حلول الصيف، صار القفصصغيرًا على طائريَّ، ولكني عوضًا عن بناء قفص
أكبر، قصصت أطرافجناح واحد لكل منهما، حتى لا يستطيعا التحليق بعيدًا، ثم أطلقت
سراحهما داخل المنزل. وعندما نما جناحاهما، كانا قد تعلَّما أن يتناولا الطعام من يدي؛
فكانا يَثِبَان من على السقف، ويَحُطَّان على ذراعي ويستجديان الطعام، مُصدِرَيْنصوتهما
المميز.
وعندما بدأ جناحاهما يكتسيان بالريش مجددًا، قصصتهما مرة أخرى. وهذه المرة
تركتهما طليقين في الساحة، فصارا يتقافزان في أرجائها بحثًا عن الطعام، ويحطَّان على
ظهر رونتو الذي كان قد تعوَّد عليهما بحلول ذلك الوقت. وفي المرة التالية التي نما فيها
ريشهما، لم أشذِّب جناحيهما، ولكنهما لم يطيرا أبعد من الوادي الضيق قط، ودائمًا ما
كانا يرجعان في الليل للنوم، ويطلبان الطعام مني، مهما كان قدر الطعام الذي أكلاه
بالخارج.
أطلقت على أحدهما اسم »تاينور «؛ لأنه كان الأكبر حجمًا. وقد سميته على اسم شاب
كنت معجبة به وقتله الأليوتيون. أما الآخر فسميته »لوراي «، وهو الاسم الذي تمنيت أن
يكون اسمي بدلًا من كارانا.
وخلال الوقت الذي قضيته في ترويضالطائرين، حِكتُ تنورة أخرى، صنعتها هي
الأخرى من ألياف اليُكة التي بلَّلْتُها بالماء لتلين وضفَّرتها على هيئة جدائل. وقد صممتها
على نفس شاكلة الأخريات، بثنيات ممتدة بطولها، وجعلتها مفتوحة من الجانبين وتصل
إلى ركبتيَّ. أما الحزام فصنعته من جلد عجل البحر الذي يمكن عقده. وكذلك صنعت
صندلًا من جلد عجل البحر حتى أسير به على الكثبان الرملية عندما تشتدُّ حرارة الشمس،
أو لأكون في أبهى حُلَّة عندما أرتدي تنورتي الجديدة المصنوعة من جدائل اليُكة.
90
الفصل الثامن عشر
وكثيرًا ما كنت أرتدي التنورة والصندل وأسير على طول الجرف بصحبة رونتو،
وأحيانًا كنت أصنع إكليلًا من الزهور وأثبِّته في شعري. فبعد أن قتل الأليوتيون رجالنا
عند خليج المرجان، نساء القبيلة كلهن حرقن أطراف شعرهن لتقصيره حدادًا على القتلى.
وكنت أنا أيضًا قد أحرقت أطراف شعري بحُزمة أغصان مشتعلة، ولكنه نما مجددًا حتى
وصل إلى خصري. فصرت أفرق شعري من منتصفه وأتركه ينسدل على ظهري، إلا عندما
أضع إكليل الزهور؛ فحينها كنت أصنع جدائل وأثبتها بدبابيس طويلة من عظم الحوت.
وكذلك صنعت إكليلًا من الزهور لتزيين عنق رونتو به، ولكنه لم يرُقْ له. وكنا نسير
معًا على طول الجرف ناظرين إلى البحر، ومع أن سفينة الرجال البيض لم تعد في ذلك
الربيع، إلا أنها كانت أوقاتًا سعيدة. فالهواء كان مشبعًا بعبير الزهور، والطيور تغرِّد في
كل مكان.
91
الفصل التاسع عشر
أتى صيف آخر دون أن أصيد سمكة الشيطان العملاقة التي تعيش بالقرب من الكهف.
في كل يوم من أيام الربيع، كنت أخرج أنا ورونتو للبحث عنها؛ فكنت أنُزل الكانو
إلى الماء وأجدف ببطء عبر الكهف، من حجرة إلى الأخرى، وعادةً ما أكرر ذلك عدة مرات.
رأيت الكثير من أسماك الشيطان هناك؛ حيث يتخلل الضوء سطح الماء الأسود، ولكني لم
أرَ السمكة العملاقة.
وفي النهاية تخلَّيْتُ عن البحث عنها وبدأت أجمع قواقع أذن البحر من أجل الشتاء.
كانت القواقع الحمراء تحوي أطيب لُبٍّ، وهي الأفضل للتجفيف، رغم أن القواقع الخضراء
والسوداء كانت طيبة أيضًا. ولأن القواقع الحمراء هي الأطيب مذاقًا، كانت سمكة نجم
البحر تتغذى عليها.
تلك السمكة نجمية الشكل تضع نفسها فوق قوقعة أذن البحر، ثم تبسط أذرعتها
الخمس على الصخرة التي تلتصق بها القوقعة، وتمسك القوقعة بممصَّاتها، ثم تبدأ في
رفع نفسها إلى أعلى. وتظل نجمة البحر تجذب القوقعة إلى أعلى، أحيانًا لأيام، ممسكة بها
بممصاتها ودافعة نفسها لأعلى بأذرعتها، حتى تنفصل القوقعة الثقيلة عن جسم المحار
شيئًا فشيئًا.
وفيصباح أحد الأيام تركنا الكهف وجدفنا بالقارب حتى بلغنا الحيد البحري الملتحم
به.
ولأيام عديدة ظللت أجمع عددًا صغيرًا من المحار من فوق صخور خليج المرجان،
ولكني كنت أراقب الحيد البحري وأنتظر الوقت المناسب للحصاد، ويحين هذا الوقت
عندما تقلُّ أسماك نجم البحر التي تتغذى على القواقع؛ وذلك لأن نزع نجم البحر من
فوق القوقعة لا يقل صعوبة عن نزع القوقعة من الصخرة.
جزيرة الدلافين الزرقاء
كان المد منحسرًا والحيد بعيدًا عن مستوى الماء. وعلى طول جوانبه، كان ثمة أعدادٌ
كبيرة من قواقع أذن البحر الحمراء وعدد قليل جدٍّا من أسماك نجم البحر، ولذلك فقبل
أن ترتفع الشمس في السماء كنت قد ملأتُ قاع القارب بالقواقع.
كان الجو هادئًا والرياح ساكنة ذاك اليوم؛ وحيث إنني كان معي كل ما أستطيع
حمله، فقد ربطت قارب الكانو، وصعدت على الحيد ورونتو في إثري؛ لكي أبحث عن
أسماك أصطادها لعشائنا.
كانت الدلافين الزرقاء تتقافز في الماء فيما وراء أحواض الأعشاب البحرية. وبداخل
الأحواض، كانت ثعالب البحر تلهو لهوها الذي لا تَمَلُّه أبدًا. وفي كل مكان من حولي، كانت
طيور النورستصطاد محارات الإسقلوب، الذي كان متوفرًا بأعداد ضخمة ذاك الصيف.
تلك المحارات تنمو على أوراق الأعشاب البحرية الطافية وكانت شديدة الوفرة حتى إن
كثيرًا من أعشاب البحر القريبة من الحيد البحري كانت تُجَرُّ إلى قاع البحر. ومع ذلك كان
ثمة محارات إسقلوب تستطيع طيور النورس الوصول إليها، وعندها تحملها بمنقارها
وتحلِّق عاليًا فوق الحيد ثم تتركها تسقط. وبعدها تهبط الطيور حتى تحُطَّ على الصخور
وتلتقط اللُّب من القواقع المكسورة.
كانت محارات الإسقلوب تسقط على الحيد كالأمطار، وهو مشهد أمتعني وإن لم
يُمتع رونتو، الذي لم يستطع أن يفهم ما تفعله الطيور. رُحت أتفادى المحارات المتساقطة
هنا وهناك حتى نهاية الحيد، حيث تعيش السمكة الضخمة. وباستخدام خيط مصنوع
من الأوتار وخطاف مصنوع من قوقعة أذن البحر، اصطدت سمكتين لهما رأس ضخم
وأسنان طويلة، ولكن لحمهما جيد للأكل. أعطيت واحدة لرونتو، وفي طريق العودة إلى
القارب جمعت قنافذ البحر القرمزية لكي أستخدمها في الصباغة.
كان رونتو يهرول أمامي، وفجأة أسْقَطَ السمكة من فمه ووقف ينظر إلى أسفل
عند حافة الحيد البحري. فهناك، كانت سمكة الشيطان تسبح في المياه الصافية. كانت
السمكة نفسها التي كنت أبحث عنها. لقد كانت السمكة العملاقة!
نادرًا ما يشاهد المرء أي سمكة شيطان هنا؛ وذلك لأنها تحب الأماكن العميقة، وقد
كان الماء في ذلك الجزء من الحيد ضحلًا. ربما تعيش هذه السمكة في الكهف ولا تأتي إلى
هنا إلا عندما تعجز عن إيجاد الطعام.
لم يصدر رونتو أي صوت. وضبطتُ أنا رأس الرمح وطرف الخيط الطويل الذي
يوثقه إلى رسغي. ثم زحفتُ عائدةً إلى حافة الحيد البحري.
94
الفصل التاسع عشر
لم تكن السمكة العملاقة قد تحركت من مكانها، وإنما ظلت تسبح تحت سطح
الماء مباشرةً وكان بإمكاني أن أرى عينيها بوضوح. كانتا في حجم حَجرين صغيرين،
وبارزتين خارج رأسها، وكان إطارهما أسود، وبؤرتاهما ذهبيَّتَيِ اللون، وبداخل كل بؤرة
بقعة سوداء، مثل عينَيْ شبح رأيته ذات مرة في ليلة هطل فيها المطر وشقَّ لسانُ البرقِ
السماءَ.
وحيث وضعتُ يديَّ، كان ثمة شقٌّ عميق تختبئ داخله سمكة.
كانت السمكة العملاقة تبعد عن الحيد مسافة تعادل نصف طول رمحي، ولكني إذ
وقفت أراقبها، تحركت إحدى أذرعتها الطويلة إلى الخارج مثل الثعبان وتحسَّستْ طريقها
إلى داخل الشق، ثم تخطَّتِ السمكة وتحرَّكت على جانب الصخرة، ثم التفَّ طرفها إلى
الوراء. وإذ التفَّ الذراع حول السمكة ببطء من الخلف، ارتكزتُ على ركبة واحدة وغرستُ
الرمح.
صوَّبتُ الرمح نحو رأس السمكة العملاقة، ولكن رغم أنه كان أكبر من السمكتين
ويمثل هدفًا جيدًا للتصويب، فقد أخطأتُه. انطلق الرمح إلى أسفل مخترقًا الماء وانحرف
عن مساره. وعلى الفور أحاطت بسمكة الشيطان سحابة سوداء، وصار الشيء الوحيد
الذي أراه منها هو ذراع طويلة لا تزال ممسكة بفريستها.
هببتُ واقفة على قدميَّ لكي أجذب الرمح، معتقدة أنه ربما تتاح لي فرصة لقذفه
مرة أخرى. وعندها، طَفَتِ القصبة على سطح الماء ورأيتُ أن الرأس الخطافيَّ قد انفصل.
وفي اللحظة ذاتها شُدَّ الخيط. أفلتَ الخيط من يدي، وإذ أدركتُ أنني قد أصبت
سمكة الشيطان، أسقطتُ لفَّات الخيط التي أحملها بسرعة؛ لأنه عندما يُجذب الخيط
بسرعة يحرق اليدين أو يصير متشابكًا.
إن سمكة الشيطان لا تسبح بأطراف أو زعانف، كبقية حيوانات البحر، بل تسحب
الماء عبر فتحة في مقدمة جسدها ثم تدفع الماء خلفها عبر شقين في مؤخرة جسدها. فعندما
تسبح ببطء، تستطيع أن ترى مجريين من الماء في إثرها، ولكن هذا لا يحدث إلا عندما
تتحرك ببطء. أما عندما تتحرك السمكة بسرعة، فلن تستطيع أن ترى شيئًا سوى خط
يَمْرُق في الماء.
ظلت لفَّات الخيط التي أسقطتُها على الصخرة تتقافز وتصفِّر أثناء دورانها على
الأرض. ثم لم يتبقَّ منهاشيء. اشتدَّ الخيط على رسغي، ولكي أخفف الصدمة قفزت عبر
95
جزيرة الدلافين الزرقاء
الشق في الاتجاه الذي سلكته السمكة العملاقة. وإذ أمسكتُ بالخيط بكلتا يديَّ، وإنْ ظلَّ
مربوطًا إلى رسغي، ثبتُّ قدميَّ على الصخرة الزلقة ومِلْتُ بجسدي إلى الوراء.
صار الخيط مشدودًا بإحكام من فرط ثقل سمكة الشيطان، ثم بدأ الخيط يتمطط.
وخوفًا من انقطاعه، أخذت أمشيللأمام، ومع ذلك جعلت السمكة تسحبني في كل خطوة.
كانت السمكة تتحرك باتجاه الكهف، على طول حافة الحيد البحري. كان الكهف
بعيدًا عني. وإذا وصلت السمكة إلى هناك، فمن المؤكد أنني كنت سأفقدها. كان القارب
مربوطًا أمامي مباشرةً، وما إن أصبح على متنه، حتى يصير بإمكاني أن أدَعَ السمكة
تسحبني حتى يغلبها التعب. ولكن لم يكن من سبيلٍ لفكِّ القارب مع التشبُّث بالخيط.
طيلة هذا الوقت راح رونتو يقطع الحيد البحري جيئة وذهابًا ويثِب عليَّ؛ مما زاد
مهمتي صعوبة.
سرت إلى الأمام خطوة بخطوة، حتى صارت سمكة الشيطان داخل المياه العميقة
القريبة من الكهف. كانت السمكة قد اقتربت من الكهف كثيرًا؛ فكان لزامًا عليَّ أن أتوقف،
حتى لو قُطع الخيط وفرَّت هاربة مني. ولهذا ثبَّتُّ نفسيعلى الصخور ولم أتحرك. تمدد
الخيط الوتري، ناثرًا قطرات من الماء. كان بإمكاني سماعه وهو يتمدد، وكنت على يقين
من أنه سينقطع. لم أشعر بالخيط وهو ينغرس في لحم يديَّ، رغم أنهما كانتا تنزفان.
وفجأة ارتخى الخيط، وكنت متأكدة من أن السمكة قد هربتْ، ولكني رأيت الخيط
يقطع صفحة الماء بعد لحظات في دائرة واسعة. كانت السمكة تسبح مبتعدةً عن الكهف
والحيد البحري تجاه صخور تبعُد مسافة تعادل ضِعف طول الخيط تقريبًا. ذاك المكان
كان آمنًا للسمكة أيضًا؛ لأنه بين الصخور كان ثمة أماكن كثيرة تصلح للاختباء.
جذبت نصف الخيط في حين كانت السمكة تسبح باتجاه الصخور، ولكنيسرعان ما
اضطررت لإرخائه مجددًا. شُدَّ الخيط وبدأ يتمدد مرة أخرى. كانت المياه في ذلك الموضع
أعلى من خصري بقليل، فنزلتُ من فوق الحيد البحري.
كان ثمة جرف رملي على مسافة غير بعيدة من الصخور، فأخذت أخطو بحذر على
القاع الصخري، الذي كان مليئًا بالحفر، وشققتُ طريقي ببطء تجاهه، ورونتو يسبح
إلى جواري.
وصلت إلى الجرف الرملي قبل أن تستطيع سمكة الشيطان أن تختبئ بين الصخور.
ثَبَّتُّ الخيط في حين دارتِ السمكة إلى الخلفثم سبحتْ مرة أخرى باتجاه الكهف. وأعادتِ
الكَرَّة مرتين، وفي كل مرة كنت أسحب جزءًا من الخيط. وفي المرة الثالثة، عندما وصلتِ
96
الفصل التاسع عشر
السمكة إلى المياه الضحلة، سِرتُ إلى الوراء عبر الجرف الرملي لكي لا تتمكن من رؤيتي،
ثم جذبت الخيط بكل قوتي.
انزلقتِ السمكة العملاقة فوق الرمال، وتمدَّدتْ عليها باسطةً أذرعها، وجزء منها
داخل الماء، فظننتُ أنها قد ماتتْ. ثم رأيتُ عينيها تتحركان. وقبل أن يتسنى لي تحذير
رونتو، اندفع إلى الأمام وقبض على السمكة بأسنانه، ولكنها كانت أثقل مِن أن يستطيع
حمْلها أو هزَّها. وبينما كان فكُّ رونتو يتلمَّس موضعًا آخر يُمسكها منه، التفَّتْ ثلاثٌ من
أذرع السمكة المتعددة حول رقبته.
لا تكون سمكة الشيطان خطرة إلا في الماء؛ حيث تستطيع أن تتشبَّث بك باستخدام
أذرعها الطويلة. فتلك الأذرع بها صفوف من الممصات أسفل منها يمكنها أن تسحبك
إلى تحت الماء وتثبِّتك هناك حتى تغرق، ولكن حتى على الأرضتستطيع سمكة الشيطان
إصابتك؛ لأنها قوية ولا تموت بسرعة.
كانت السمكة العملاقة ترفرف بأذرعتها، محاولة العودة إلى الماء باستماتة. وشيئًا
فشيئًا كانت تسحب رونتو معها. لم يعُد باستطاعتي أن أستخدم الخيط؛ لأنه كان ملتفٍّا
حول ساقَيْ رونتو.
كانت السكين المصنوعة من عظم الحوت التي أستخدمها في استخراج قواقع أذن
البحر من الصخور مربوطة إلى شريط جلدي مُثَبَّت حول خصري. كان طرف نصلها
سميكًا ولكن حافته حادة. فأسقطتُ لفات الخيط ونزعتُ السكين من غِمْده راكضةً.
ركضت متجاوزة سمكة الشيطان ووقفت بينها وبين المياه العميقة. كان الكثير من
أذرعها يرفرف؛ ولذلك لم يكن قطع أيٍّ منها مجديًا.ضربتْني إحداها في ساقي، فلسعتني
كالسياط. وارتمتْ ذراع أخرى، كان رونتو قد فصلها عن بقية الجسد، على حافة الماء
وهي تتلوى، وكأنما تبحث عنشيء تلتصق به.
برز الرأس من بين الأذرع الملتوية كجذع شامخ، وكانت العينان الذهبيتان مثَبَّتتين
عليَّ بإطارهما الأسود. وقد علا على صوت الأمواج ورذاذ الماء المتناثر ونباح رونتو صوت
طقطقة منقارها، الذي كان أكثر حدةً من السكين التي كنت أمسك بها.
هويت بالسكين على السمكة، وحينها وجدتُني فجأة مغطاة — أو هكذا بدا لي —
بأعداد لا تُحصى من العَلَقات التي راحتْ تمصُّ جلدي. ولحسن الحظ، كانت لديَّ يدٌ
حُرَّة، وهي اليد الممسكة بالسكين، فهويت بها على الجلد السميك مرة تلو الأخرى. خففتِ
الممصات، التي كانت ملتصقة بي وتؤلمني بشدة، من تشبُّثها بجسدي. وشيئًا فشيئًا
توقفتِ الأذرع عن الحركة ثم ارتختْ تمامًا.
97
جزيرة الدلافين الزرقاء
حاولتُ أن أسحب سمكة الشيطان خارج الماء، ولكني كنت خائرة القُوى. بل إنني
لم أعُد إلى الحيد البحري لكي أستردَّ قارب الكانو، وإنْ كنت أخذت قصبة الرمح ورأسه،
الذي تطلَّب صنعه عملًا مضنيًا، والخيط الوتري.
وكان الليل قد أسدل ستاره عندما عدتُ أنا ورونتو إلى المنزل.
كان رونتو مصابًا بجرح في أنفه من منقار السمكة العملاقة، وأصُِبْتُ أنا بالكثير من
الجروح والرضوض. ذاك الصيف رأيتُ سمكتَيْ شيطان عملاقتين على الحيد البحري،
ولكني لم أحاول صيدهما بالرمح.
98
الفصل العشرون
بعد ذلك بقليل، ملأتُ قارب الكانو مرتين أخريين بقواقع أذن البحر، وكان معظمها من
المحار الأحمر الحلو، وقمتُ بتنظيفها ونقلها إلى المنزل. وعلى طول الجزء الجنوبي من
السور، حيث كانت الشمس تشرق معظم اليوم، بنيتُ رفوفًا طويلة من فروع الشجر
ووضعت لُبَّ القواقع فوقها ليجف. إن قواقع أذن البحر أكبر من يد الإنسان، وسُمكها
ضعف سُمك اليد عندما تكون طازجة، ولكنها تتقلص إلى حجم صغير عندما توضع في
الشمس؛ ولذا يجب تجفيف عدد كبير منها.
في الماضي، كان ثمة أطفال على الجزيرة يتولَّون مهمة حراسة القواقع من طيور
النورس، التي تُفضِّل تناول قواقع أذن البحر على أي شيء آخر. فلو تُرك الطعام بدون
حراسة صباحًا واحدًا، لأمكن لطيور النورس أن تخطف حصاد شهر كامل من القواقع
وتطير به.
في البداية، كنت عندما أذهب إلى النبع أو الشاطئ أترك رونتو خلفي لكي يطرد
تلك الطيور، ولكنَّ ذلك لم يرُقْ له وكان يظل يعوي طوال وقت غيابي. وأخيرًا ربطتُ
خيوطًا ببعض القواقع وعلَّقتها على أعمدة. إن باطن القواقع برَّاق وتنعكس عليه أشعة
الشمس، والرياح تُطير القواقع يمينًا ويسارًا. وبعد ذلك لم تصادفني متاعب تُذكر مع
طيور النورس.
اصطدتُ أيضًا أسماكًا صغيرة بشبكة صنعتها من قبل وعلَّقتُ الأسماك لتجفَّ حتى
أستعملها في الإضاءة أثناء الشتاء. فإذ وضعت لب القواقع على الرفوف ليجف وراحت
القواقع تلمع وتدور مع الرياح وعلَّقت خيوط السمك على السور، بدت باحة المنزل وكأن
قرية كاملةً تعيش على اللسان لا أنا ورونتو فقط.
جزيرة الدلافين الزرقاء
وفي كل صباح، بعد أن نجمع الطعام من أجل الشتاء، كنا نذهب إلى البحر. في نهاية
الصيف كنت أجمع الجذور والبذور لتخزينها، ولكن في بدايته لم يكن ثمة ما يلزم القيام
به. وقد ذهبنا إلى أماكن كثيرة في تلك الأيام الأولى من الصيف؛ إلى الشاطئ حيث تعيش
أفيال البحر، وإلى »الكهف الأسود « الذي كان أكبر حجمًا من الكهف الأول الذي اكتشفناه،
وإلى »الصخرة العالية « التي تعيش عليها طيور الغاق.
كانت الصخرة العالية تبعد عن الجزيرة مسافة تزيد عن الفرسخ، وكانت سوداء
لامعة إذ غطَّتْها طيور الغاق. اصطدت عشرة من تلك الطيور في أول مرة ذهبنا فيها إلى
هناك، وسلختُها ونزعت منها اللحم ووضعتها في الشمس لتجف؛ وذلك لأنني كنت أريد
أن أحيك لنفسي تنورة من ريش طيور الغاق يومًا ما.
كان الكهف الأسود على الساحل الجنوبي للجزيرة بالقرب من مخبأ قوارب الكانو.
وأمام الكهفكان ثمة رفٌّعالٍ من الصخور محاطٌ بأحواضعميقة من الأعشاب البحرية،
وكنت سأجتاز الكهف بالقارب، لو لم أرَ طائر عُقاب بحري يطير خارجًا من المكان. كانت
الشمس آيلة للغروب ولا يزال أمامي طريق طويل حتى أصل إلى المنزل، ولكني شعرت
بالفضول إزاء العُقاب والمكان الذي يعيش فيه.
كان مدخل الكهف صغيرًا، مثل مدخل الكهف أسفل اللسان، فكان عليَّ أنا ورونتو
أن ننحني لكي نعبر منه. تسلل ضوء خافت من الخارج ورأيت أننا في حجرة جدرانها
سوداء براقة، تنتهي بسقف عالٍ محدَّب. وفي الطرف الآخر من الحجرة كان ثمة فتحة
صغيرة أخرى. كانت طويلة وشديدة الظُّلمة، ولكننا عندما وصلنا إلى نهايتها وجدنا
أنفسنا في حجرة أخرى أكبر من الأولى يضيئها شعاع من النور. كان الضوء قادمًا من
الشمس، التي تسللت أشعتها إلى الحجرة عبر شق متعرِّج في السقف.
عندما رأى رونتو أشعة الشمس متألقة في الحجرة والظلال السوداء تتراقص على
الجدران، أخذ ينبح ثم شرع في العواء. تردد صدى صوته في أرجاء الكهف كأنه عواء
قطيع كامل من الكلاب، فاقشعرَّ بدني.
وضعتُ يدي على فكيه وصحتُ: »اصمت! « فتردد صدى كلماتي في أرجاء الحجرة.
أدرتُ القارب إلى الوراء وبدأت رحلة العودة تجاه المدخل. وفوقه، على رفٍّ بارز يمتد
من بداية الحجرة إلى نهايتها، وقع بصري على صفٍّ من الأشكال الغريبة. أظن أنْ كان
ثمَّةَ عشرون من تلك الأشكال مصطفَّة على الجدار الأسود. كانت الأشكال في مثل طولي
تقريبًا، ولها أذرع وسيقان طويلة وأجسام قصيرة مصنوعة من البوصومكسوَّة بريش
100
الفصل العشرون
طيور النورس. كان لكلٍّ منها أعين تتألف من أقراصمستديرة أو مستطيلة من قواقع
أذن البحر، ولكن بقية وجوههم كانت خالية من الملامح. لاح بريق في العيون الناظرة إليَّ،
وتحرَّكتْ عندما تحرَّك الضوء على صفحة الماء وانعكس عليها. كانت تلك العيون أكثر
حيوية من عيون الأحياء.
وفي وسط المجموعة كان ثمة شكل جالس، أو بالأحرى هيكل عظميٌّ. كان يجلس
مستندًا إلى الحائط، وركبتاه مرفوعتان ومضمومتان إلىصدره، وكان يمسك بين أصابعه،
التي كانت مرفوعة إلى فمه، مزمارًا مصنوعًا من عظام بجعة.
كان ثمة أشياء أخرى على الرفِّ، في الظلال بين الأشكال الواقفة، ولكني إذِ انجرفت
كثيرًا إلى نهاية الحجرة، بدأتُ أجدف مجددًا تجاه المدخل. كنت قد نسيت أن المد قادم
للداخل، ولَشَدَّ ما كانت دهشتي حين رأيت أن المدخل قد ضاق، وأصبح أصغر من أن
أستطيع العبور منه؛ ولذاصار علينا أن نبقى في الحجرة حتى ينحسرالمد؛ أي حتى يطلع
الفجر.
جدَّفت حتى الطرف القصيِّ للكهف، ولم أنظر ورائي إلى العيون البراقة للأشكال
الماثلة على الرف، وإنما جثوتُ في قاع القارب ورحتُ أراقب بصيص الضوء وهو يزداد
خفوتًا. راحتِ الفتحة المفضية إلى البحر تصغر شيئًا فشيئًا حتى اختفت في النهاية. ثم
حل المساء وظهرت نجمة عبر الشق الموجود في السقف.
مرت النجمة مبتعدة عن ناظريَّ وحلَّتْ نجمة أخرى محلها. رفع المد القارب لأعلى
داخل الحجرة، وإذ ارتطمت المياه بالجدران برفق بدا صوتها أشبه بالموسيقى الناعمة
للمزمار. عزفتْ تلك الموسيقى نغمات كثيرة طيلة الليل ولم أنمْ إلا قليلًا، إذ رحتُ أراقب
تبدُّل النجوم. كنت أعلم أن الهيكل العظمي الجالس على الرف الصخري ويعزف المزمار
هو أحد أسلافي، وأن الآخرين ذوي العيون المتألقة — رغم كونهم مجرد صور — هم
أسلافي أيضًا، ومع ذلك فقد أصُبتُ بالأرق والخوف.
مع طلوع أول ضوء للنهار، ومع اقتراب المد العالي مجددًا، غادرنا الكهف. لم أنظر
إلى الأشكال الواقفة في سكون فوق الرف أو إلى عازف المزمار الذي يعزف لهم، وإنما
جدفت بسرعة إلى البحر المشرق بضوء الصباح. ولم أنظر ورائي.
قلت لرونتو، الذي كانت سعادته بالحرية كسعادتي: »أظن أن هذا الكهف كان له
اسم يومًا ما، ولكني لم أسمع به يومًا ولا سمعت أحدًا يتحدث عنه. سوف نطلق عليه
اسم الكهف الأسود ولن نَرِده مرة أخرى في حياتنا. «
101
جزيرة الدلافين الزرقاء
عندما عُدنا من رحلتنا البحرية إلى الصخرة العالية، أخفيتُ القارب داخل الكهف
الموجود أسفل اللسان. كانت تلك مهمة شاقة، ولكني كنت أرفع الكانو من الماء كل مرة
وأضعه على الحافة الصخرية، حتى لو كنت أنتوي الخروج به في صباح اليوم التالي.
حلَّ صيفان ومضَيَا ولم يعُد الصيادون الأليوتيون للجزيرة، ولكني كنت أترقَّب
مجيئهم طيلة تلك الأيام. ففي الفجر، أثناء نزولنا أنا ورونتو من فوق الجرف، كنت
أراقب المحيط بحثًا عن أشرعتهم. كان هواء الصيف صافيًا وكان باستطاعتي أن أرى
مسافة فراسخ عديدة. ومتى أبحرنا بقارب الكانو، كنت أحرص على ألَّا نغيب أكثر من
نصف يوم. وفي الطريق إلى المنزل، دائمًا ما كنت أجدف بالقرب من الشاطئ وأبحث
عنهم.
وعندما ذهبنا إلى الصخرة العالية للمرة الأخيرة، أتى الأليوتيون.
كنت قد خبَّأتُ القارب وتسلقتُ الجرف، حاملةً جلود عشرة من طيور الغاق على
ظهري. وعلى قمة الجرف، وقفت برهة أتطلَّع إلى البحر. كان ثمة بعضالسحب الصغيرة
فوقصفحة الماء. إحداها — الصغرى — لم تكن تشبه الأخريات؛ وإذ حدَّقتُ النظر فيها،
تبيَّنَ لي أنها سفينة.
كانت الشمس تصنع طبقة لامعة على سطح الماء، ولكني كنت أرى بوضوح. كان
للسفينة شراعان وكانت متجهة نحو الجزيرة. لوقت طويل لم أستطع تحديد لون
الشراعين. تساءلتُ في نفسي هل تلك هي سفينة الرجال البيض، رغم أني لم أعد أفكر
فيهم إلا قليلًا، ونادرًا ما كنت أتفقَّد البحر بحثًا عنهم.
تركت جلود طيور الغاق معلَّقة على السور وذهبتُ إلى الصخرة على اللسان. لم
تتضح الرؤية لي أكثر من فوق الصخرة؛ لأن الشمس كانت منخفضة في السماء وسناها
يضيء المحيط بأكمله. وبينما أنا واقفة هناك، تذكرتُ أن سفينة الرجال البيضيُتوقَّع أن
تأتي من الشرق، وهذه السفينة جاءت من اتجاه مغاير؛ من الشمال.
لم أكن متأكدة بعدُ من أن هذه السفينة تخص الأليوتيين، ولكني قررت أن أحزم
الأمتعة التي سآخذها إلى الكهف الذي اكتشفته بالوادي الضيق. كانت الأمتعة كثيرة؛
الطائران والتنورة التي صنعتها والأدوات الحجرية وخرزاتي وأقراطي وريش طيور
الغاق وسِلالِي وأسلحتي كلها. لم تكن قواقع أذن البحر قد جفَّتْ بعدُ؛ ولذلك اضطُرِرت
لتركها.
102
الفصل العشرون
عندما حزمت أمتعتي كلها ووضعتها بجوار الحفرة أسفل السور، عدت إلى منطقة
اللسان. تمدَّدت على الصخرة حتى لا يراني أحد، واسترَقْتُ النظر من فوق حافتها تجاه
الشمال. للحظة لم أجد السفينة، ثم رأيت أنها قد تحركت أسرع مما كنت أتوقع؛ فقد
كانت تدور حول أحواض الأعشاب البحرية بالفعل، بالقرب من صخور خليج المرجان.
سقط آخر شعاع للشمس على السفينة، على المقدمة التي كانت تشبه منقار الطائر، وعلى
الشراعين الأحمرين.
كنت أعلم أن الأليوتيين لن ينزلوا إلى الشاطئ في الظلام، وأني لديَّ وقتٌ حتى الصباح
كي أنقل أشيائي إلى الكهف، ولكني لم أنتظر. ظللت أعمل معظم الليل، وذهبتُ إلى الكهف
وعدت منه مرتين. وعند الفجر، عندما انتهيتُ من نقل كل شيء، عدتُ إلى المنزل للمرة
الأخيرة. وهناك دفنت رماد النيران التي كنت أشعلها، ونثرت الرمال على الرفوف والباب،
وأنزلت القواقع التي علَّقتها لإخافة طيور النورس ورميتها هي وقواقع أذن البحر من
فوق الجرف. وأخيرًا، استخدمتُ جناح بجعة لإزالة آثار أقدامي من على الأرض. وعندما
انتهيتُ، بدا وكأن أحدًا لم يَعِشْ في ذلك المكان منذ زمن.
كانت الشمس قد أشرقتْ آنذاك، وتسلَّقتُ الصخرة. كانت السفينة راسية في الخليج،
وكانت قوارب الكانو تجلب البضائع إلى الشاطئ، وكان بعضها في أحواض الأعشاب
البحرية، استعدادًا للبدء في صيد ثعالب الماء. أوُقِدَتْ نار على الشاطئ وبجوارها كان ثمة
فتاة. كانت تطهو شيئًا ما، وكنت أستطيع رؤية تألُّق النار على شعرها.
لم أبقَ طويلًا على اللسان. في الماضي، دائمًا ما كنت أذهب للوادي الضيق من طريق
مختلف حتى لا أترك ورائي أثرًا. وفي تلك المرة ذهبت في اتجاه الغرب بمحاذاة الجرف،
ثمسرت في الاتجاه المعاكس عبر الدغل، محاذرةً أن أترك ورائي أثرًا. لم تكن آثار رونتو
تمثل مشكلة لأن الأليوتيين كانوا يعلمون بوجود كلاب على الجزيرة.
كان الكهف مظلمًا جدٍّا وقد واجهتُ صعوبة كبيرة في إقناع رونتو بعبور المدخل
الضيق. فلم يلحق بي إلى الداخل حتى رآني أزحف دخولًا وخروجًا عدة مرات. ثم سددتُ
المدخل بالحجارة؛ ولأني كنت مرهقة، فقد استلقيتُ على الأرض ونِمْتُ طيلة ذلك اليوم.
ظللت نائمة إلى أن رأيت النجوم تلمع بين الشقوق في الصخور.
103
الفصل الحاديوالعشرون
لم أصطحب رونتو معي عندما غادرت الكهف في تلك الليلة، وأغلقت المدخل بعد خروجي
حتى لا يتبعني؛ لأنه لو كان الأليوتيون جلبوا معهم كلابهم، لكان من المؤكد أن يشم
رونتو رائحتهم. عبرت الدغل بهدوء متجهة إلى اللسان.
قبل أن أصعد إلى قمة الصخرة، كان بإمكاني رؤية وهج نيران الأليوتيين. كانوا قد
أقاموا معسكرهم على الهضبة المستوية، عند المكان والنبع اللذين استخدموهما من قبل.
وكان ذلك المكان يبعد عن كهفي أقل من نصف فرسخ.
وقفت فترة طويلة أشاهد النيران، متسائلة هل كان حريٍّا بي أن أنتقل إلى مكان آخر
على الجزيرة، ربما إلى الكهف الذي كانت تعيش به الكلاب البرية. لم أكن خائفة من أن
يعثر عليَّ الرجال؛ لأنهم كانوا يعملون على الشاطئ أو يصطادون بقوارب الكانو طيلة
اليوم، وإنما كنت أخشىالفتاة. فقد كان الوادي الضيق مليئًا بشجيرات متشابكة يصعب
المرور عبرها، ولكن الوادي الضيق كانت تنمو به الجذور والبذور. ففي وقت ما، عندما
تخرج الفتاة بحثًا عن الطعام، قد تتجول في منطقة النبع وترى أنه ثمة مَن يستخدمه
وتعثر على آثار أقدامي المؤدية إلى الكهف.
وقفت على الصخرة حتى انطفأت النيران التي أشعلها الأليوتيون. فكرت في كل ما
يمكنني فعله، وفي الأماكن المختلفة التي يمكنني الذهاب إليها، وفي النهاية قررت أن أبقى
بالوادي الضيق. فالطرف البعيد من الجزيرة خالٍ من الينابيع، وإذا انتقلتُ إلى هناك فلن
أجد مكانًا أخُفي فيه قارب الكانو، الذي ربما أحتاج إليه.
عدت إلى الكهف ولم أغادره حتى اكتمل القمر. لم يكن متبقِّيًا لديَّ سوى القليل من
الطعام. صعدت أنا ورونتو إلى اللسان، وعندما مررنا بالمنزل، رأيت أن ثلاثة من ضلوع
الحوت قد انتُزعت من السور. لم يكن ثمة أحدٌ غيرنا، وإلا لكان رونتو نبح. انتظرت حتى
جزيرة الدلافين الزرقاء
انحسر المد — وكان ذلك في وقت قريب من الفجر — وملأت سلة بماء البحر وقواقع أذن
البحر، ثم عدنا إلى الكهف قبل أن ينتشر ضوء الصباح.
أبقى ماء البحر القواقع طازجة، ولكن عندما اضطرنا للخروج مرة أخرى كان الليل
قد جَنَّ حتى تعذَّر علينا تلمُّسطريقنا إلى الحيد البحري، ولهذا اضطررت لجمع الجذور.
لم يكن بإمكاني يومًا جمع الكثير من الجذور قبل شروق الشمس، ولذلك ظللت أخرج
كل صباح حتى الشهر التالي. وبعدها ذهبت إلى الحيد لجمع قواقع أذن البحر.
وطيلة ذلك الوقت لم أرَ أحدًا من الأليوتيين، ولا اقتربتِ الفتاة من الكهف، رغم
أني وجدت آثار أقدامها متوغِّلةً في الوادي الضيق؛ حيث كانت تذهب لاقتلاع الجذور من
الأرض. لم يجلب الأليوتيون كلابهم معهم، وكان هذا من حسن الحظ؛ لأن تلك الكلاب
كانت ستجد آثار رونتو وتتبعنا إلى الكهف.
كانت الأيام تمر طويلة عليَّ أنا ورونتو. في البداية، كان يقطع الكهف جيئة وذهابًا
ويقف عند المدخل يتشمم الشقوق. لم أكن أتركه يخرج من الكهف إلا بصحبتي، خوفًا
من أن يذهب إلى المعسكر ولا يعود. وبعد فترة تعوَّد على بقائنا بالكهف، وصار يستلقي
طيلة اليوم مراقبًا كل ما أقوم به.
كان الكهف مظلمًا، حتى عندما ترتفع الشمس؛ ولذلك كنت أضُرم النار في الأسماك
الصغيرة التي خزنتها. وعلى ضوئها، بدأت أصنع تنورة من ريش طيور الغاق، وصرت
أعمل عليها كل يوم. كانت الجلود العشرة التي أخذتها عند الصخرة العالية قد جفت الآن
وصارت صالحة للحياكة. كانت جميعها من ذكور طيور الغاق، التي كان ريشها أكثر
كثافة من ريش الإناث، وأكثر لمعانًا بكثير. كانت التنورة المصنوعة من ألياف اليُكة سهلة
الحياكة. وقد أردت أن تكون تلك التنورة أفضل من سابقاتها، ولذلك قصصت الجلود
بعناية وحِكْتُها بدقة شديدة.
حِكْتُ الجزء السفلي أولًا، واضعة أطراف الجلود معًا، واستخدمت ثلاثة جلود من
العشرة. وفي بقية التنورة خيَّطت بقية الجلود من جانبها، بحيث صار الريش مصطفٍّا في
الجزء العلوي في اتجاه مغاير لاتجاهه في الجزء السفلي.
كانت تنورة جميلة وانتهيت من حياكتها بعد يوم من مرور الشهر الثاني. كنت قد
أحرقتُ الأسماك الصغيرة كلها؛ وحيث إنه لم يكن باستطاعتي صيد المزيد منها حتى
يرحل الأليوتيون، فقد أخذت التنورة لكي أعمل عليها خارج الكهف. كنت قد وجدت
آثار أقدام في الوادي الضيق مرتين بعد المرة الأولى، ولكنها لم تقترب أكثر من الكهف.
106
الفصل الحادي والعشرون
بدأت أشعر بالأمان؛ لأن عواصف الشتاء سرعان ما ستصل إلى الجزيرة وحينها يرحل
الأليوتيون. وقبل أن يمر شهر آخر، سيكونون قد رحلوا.
لم أكن قد رأيتُ التنورة في ضوء الشمس بعد. كانت سوداء، ولكن الجزء السفلي
كان به ألوان خضراء وذهبية، وكانت كل ريشة تتوهج وكأنها مشتعلة بالنار. لقد كانت
أكثر جمالًا مما توقعت. عملت بسرعة آنذاك إذ أوشكت على الانتهاء منها، ولكن من وقت
لآخر كنت أتوقف لكي أضعها على خصري.
قلت، وأنا أكاد أطير فرحًا: »رونتو، لو أنك لم تكن ذكرًا، لَحِكْت لك تنورة أنت الآخر،
في مثل جمال هذه. «
رفع رونتو، الذي كان مفترشًا الأرضعند مدخل الكهف، رأسه وتثاءب باتجاهي ثم
عاد إلى النوم مرة أخرى.
كنت واقفةً في ضوء الشمس، واضعة التنورة على خصري، عندما هبَّ رونتو واقفًا
على قدميه. سمعت صوت خطوات، وكانت آتية من ناحية النبع، وإذ استدرت بسرعة،
رأيت فتاة تنظر إليَّ من الدغل.
كان رمحي قائمًا بجانب مدخل الكهف، وفي متناول يدي. لم تكن الفتاة تبعد عني
أكثر من عشر خطوات، وبحركة واحدة كان يمكنني أن ألتقط الرمح وأقذفه. لا أدري
لماذا لم أقذف الرمح؛ فقد كانت واحدة من الأليوتيين الذين قتلوا قومي على شاطئ خليج
المرجان.
قالت الفتاة شيئًا، فترك رونتو مدخل الكهف وسار نحوها ببطء. كان شعر عنقه
منتصبًا، ولكنه استمر في السير إلى حيث تقف وتركها تلمسه.
نظرت الفتاة إليَّ وصنعتْ إشارة بيديها فهمتُ أنها تعني أن رونتو مِلْكٌ لها.
صِحْتُ وأنا أهز رأسي: »كلَّا. «
ثم التقطتُ رمحي.
بدأت الفتاة تستدير وظننتُ أنها ستهرب عبر الدغل، ولكنها صنعت إشارة أخرى
فهمت أنها تعني أن رونتو صار ملكي الآن. لم أصدقها، فرفعت الرمح فوق كتفي؛
استعدادًا لرميه.
قالت، وهي تشير لنفسها: »توتوك. «
لم أخبرها باسمي، وإنما ناديت رونتو فعاد إليَّ.
107
جزيرة الدلافين الزرقاء
نظرت الفتاة إليه ثم إليَّ وابتسمتْ. كانت أكبر مني سنٍّا، ولكن أقصرمني طولًا. كان
لها وجه عريض وعينان صغيرتان شديدتا السواد. وعندما ابتسمتْ، رأيت أن أسنانها
متآكلة من مضغ أوتار عجل البحر، ولكن أسنانها كانت شديدة البياض.
كنت لا أزال أمسك التنورة التي حكتُها من ريش الغاق، فأشارتْ إليها الفتاة وقالت
شيئًا. تبينتُ من كلامها كلمة واحدة — وينتشا — بدتْ شبيهة بكلمة بمعنى »جميلة « في
لغتنا.
كنت فخورة جدٍّا بالتنورة حتى إنني لم أفكر فيما أفعله. كان الرمح في يدي، ولكني
رفعت التنورة حتى تسطع أشعة الشمس عليها كلها.
قفزت الفتاة من فوق الحافة، وسارت نحوي ثم لمستِ التنورة.
وقالت مجددًا: »وينتشا. «
لم أنطق بتلك الكلمة، ولكنها أرادت أن تمسك التنورة فأعطيتها إياها. وضعَتْها على
خصرها وتركَتْها تتدلى فوق وركيها، ثم أخذتْ تدور يمينًا ويسارًا. كانت رشيقة الحركة
وقد انسابتِ التنورة حولها كالماء، ولكني كنتُ أكره الأليوتيين فانتزعتُها منها.
قالت الفتاة: »وينتشا. «
لم أكن قد سمعت كلمات منطوقة منذ فترة طويلة حتى استغربتها، إلا أنني طَربت
لسماعها، حتى وإن كان أحد الأعداء هو مَن نطق بها.
نطقتِ الفتاة بكلمات أخرى لم أفهمها، ولكن بينما هي تتحدث كانت تنظر وراء
كتفي، نحو الكهف. أشارت إلى الكهف ثم إليَّ وصنعتْ إشارات كأنها توقد نارًا. كنت
أعرف ما تريد مني قوله، ولكني لم أنطق به. كانت ترغب في أن تعلم إذا ما كنتُ أعيش
بالكهف حتى تستطيع أن تعود بصحبة الرجال وتأخذني إلى معسكرهم. هززتُ رأسي
نفيًا وأشرتُ إلى الطرف البعيد للجزيرة، بعيدًا، بعيدًا؛ وذلك لأنني لم أكن أثق بها.
ظلتْ تنظر نحو الكهف، ولكنها لم تقل شيئًا آخر بشأنه. ظللتُ ممسكة بالرمح،
الذي كان بإمكاني رميها به، ولكني لم أفعل، رغم أني خشيت أن تعود ومعها الصيادون.
تقدمت الفتاة نحوي ولمستْ ذراعي. لم يعجبني ملمس يدها. نطقت بالمزيد من
الكلمات وابتسمت مجددًا، ثم سارت إلى النبع وشربت. وبعد لحظة اختفتْ داخل الدغل.
لم يحاول رونتو اللحاق بها، ولم تحدِثْ هي صوتًا أثناء ابتعادها.
زحفتُ إلى داخل الكهف وبدأت أحزم ما أمتلكه من متاع. كان لديَّ النهار كله لفعل
ذلك؛ لأن الأليوتيين كانوا يعملون ولن يعودوا إلى معسكرهم قبل المساء.
108
الفصل الحادي والعشرون
وبحلول الليل كنت مستعدة للرحيل. كنت أنتوي أن آخذ قارب الكانو وأذهب إلى
الناحية الغربية من الجزيرة. وكان بإمكاني النوم على الصخور حتى يرحل الأليوتيون،
وأن أتحرك من مكان لآخر إذا ما اقتضت الحاجة.
حملت خمس سلال إلى أعلى الوادي الضيق وخبأتها بالقرب من منزلي. كانت ظلمة
الليل تنتشر وكان عليَّ أن أعود إلى الكهف لجلب سلتين تركتهما هناك. زحفتُ بحذر عبر
الدغل وتوقفتُ فوق مدخل الكهف مُصِيخةً السمع. كان رونتو إلى جواري، وقد أصاخ
السمع هو الآخر. لا أحد يستطيع أن يعبر الدغل عند الغسق دون أن يُحدِث صوتًا، إلا إذا
كان شخصًا عاش في ذلك الدغل طويلًا.
مررت بالنبع وانتظرت، ثم واصلت السير إلى الكهف. شعرت بأن أحدًا كان هناك في
غيابي. وربما كان مختبئًا في الظلام يراقبني، منتظرًا حتى أدخل الكهف.
كنت خائفة ولذلك لم أدخل الكهف، وإنما استدرت بسرعة. وعندها رأيت شيئًا أمام
الكهف، على الصخرة المسطحة التي كنت أستخدمها كدرجة سلم. لقد كان عِقدًا من
أحجار سوداء لم أرَهَا من قبل.
109
الفصل الثانيوالعشرون
لم أدَلِف إلى داخل الكهف ولا حتى أخذت العقد من على الصخرة. نمت تلك الليلة على
اللسان، في المكان الذي تركتُ فيه السلال. وعند الفجر عُدت إلى الوادي الضيق؛ وهناك
اختبأتُ فوق حافة صخرية بها أغصان كثيفة. كانت قريبة من النبع، وتسنَّى لي رؤية
مدخل الكهف من عليها.
أشرقتِ الشمس وسطع ضوءُها خلال الوادي الضيق. كان بإمكاني رؤية العقد
ملقًى على الصخرة. بدتْ أحجاره أكثر سوادًا مما كانت عليه في الظلام وكانت كثيرة.
أردت أن أنزل إلى الكهف وأَعُدَّها؛ لأرى هل تكفي للفِّ العقد مرتين حول عنقي أم لا،
ولكني لم أتحرك من مكمني على الحافة الصخرية.
بَقِيتُ هناك طيلة الصباح. كانت الشمس قد ارتفعت في السماء عندما نبح رونتو
وسمعت صوت خطوات أسفل مني. ثم خرجتِ الفتاة من الدغل وهي تغني. سارت نحو
الكهف، ولكنها عندما رأت العقد على الصخرة، سكتت. التقطت العقد ثم وضعته على
الصخرة مجددًا وحدقت النظر عبر مدخل الكهف. كان ثمة سلتان من سلالي لا تزالان
بالداخل. بعدها سارت إلى النبع وشربت منه وبدأت تغادر المكان عبر الدغل.
نهضتُ من مكاني، ثم صحتُ وأنا أهبط إلى الوادي الضيق: »توتوك … توتوك. «
خرجت الفتاة من الدغل فورًا وكأنها كانت تنتظر في مكان قريب لترى ما إذا كنت
سأعود.
ركضت إلى الصخرة وارتديتُ العقد ثم استدرتُ نحوها لكي أريها إياه. لم تكفِ
الخرزات لحلقتين حول عنقي وحسب، وإنما لثلاث حلقات. كانت الخرزات طويلة
بيضاوية وليست مستديرة كالمعتاد، وهو شكلٌ صُنْعُه صعب للغاية ويتطلب قدرًا كبيرًا
من المهارة.
جزيرة الدلافين الزرقاء
قالت: »وينتشا. «
كرَّرتُ وراءها: »وينتشا. « والكلمة تبدو غريبة على لساني. ثم نطقتُ بالكلمة التي
تعني »جميلة « في لغتنا.
قالت: »وين تاي. « وضحكتْ لأن الكلمة كانت غريبة عليها.
لمستِ العقد، مطلقةً عليه اسمه في لغتها، وأطلقتُ عليه أنا الأخرى اسمه في لغتنا.
أشرنا إلى أشياء أخرى؛ النبع، الكهف، طائر نورسمحلِّق، الشمس والسماء، رونتو نائمًا،
متبادلتين أسماءَ كلٍّ منها ونحن نضحك؛ لأن الأسماء كانت مختلفة تمامًا. جلسنا على
الصخرة نلعب تلك اللعبة حتى آلت الشمس إلى المغيب. ثم نهضتْ توتوك ولوَّحتْ لي
مودِّعةً.
قالت مودِّعةً: »ماه ناي. « ثم انتظرت لتسمع اسمي.
أجبتها: »وُن آه با لي. « أي — مثلما قلت من قبل — »الفتاة ذات الشعر الأسود
الطويل «، ولكني لم أخبرها باسمي السري.
فقالت: »ماه ناي، ون آه با لي. «
فأجبتُ: »باه ساي نو — أي وداعًا بلغتنا — توتوك. «
شاهدتُها وهي تمضيعبر الدغل، ووقفتُ طويلًا أستمع إلى خطوات أقدامها، حتى
لم يعد بإمكاني سماعها، وبعدها ذهبتُ إلى اللسان وأخذتُ السلال إلى الكهف.
جاءت توتوك ثانيةً في اليوم التالي. فجلسنا على الصخرة تحت الشمس الساطعة،
نتبادل الكلمات ونضحك. عَبَرت الشمس من الشرق إلى الغرب بسرعة، وسرعان ما حان
وقت ذهابها، ولكنها عادت في اليوم التالي. وفي ذلك اليوم، عندما همَّتْ توتوك بالرحيل،
أخبرتُها باسمي السري.
قلت، وأنا أشير إلى نفسي: »كارانا. «
كررتِ الكلمة ورائي، ولكنها لم تفهم ما تعنيه.
قالت، مقطِّبَة جبينها: »ون آه با لي. «
هززتُ رأسينفيًا، ثم أشرتُ لنفسي مجددًا وقلت: »كارانا. «
اتسعتْ عيناها السوداوان عن آخرهما، ثم بدأتِ ابتسامة ترتسم على وجهها شيئًا
فشيئًا.
ثم قالت مودِّعة: »باه ساي نو، كارانا. «
في تلك الليلة شرعتُ أصنع هدية لها، في مقابل العقد الذي أعطتْني إياه. في البداية
فكرت أن أعطيها زوجًا من أقراطي المصنوعة من العظم، ولكن عندما تذكرت أن أذنيها
112
الفصل الثاني والعشرون
ليستا مثقوبتين وأنه لديَّ بالفعل سلة من قواقع أذن البحر الفارغة مقطَّعة إلى أقراص
رفيعة،شرعت أصنع تاجًا لتضعه على شعرها. فصنعت ثقبين في كل قرصمن الأقراص،
مستخدمة الأشواك والرمل الناعم. وبين الثقبين وضعت عشرصدفات حلزونية، لا يتعدَّى
حجمها حجم طرف إصبعي الأصغر، ومرَّرت وترًا عبرها كلها.
عملت خمس ليال على التاج، وعندما جاءت في اليوم الخامس أعطيتُه لها، واضعة
إياه على رأسها ورابطة أطرافه من الخلف.
قالت: »وينتشا. « ثم عانقتْني. كانت مسرورة جدٍّا حتى إنني نسيتُ كم كانتْ أصابعي
تؤلمني من ثَقب القواقع الصلبة.
جاءت توتوك إلى الكهف مرات عديدة، ولكنها ذات صباح لم تأتِ. انتظرتُها طيلة
ذلك النهار، وعند الغسق تركتُ الكهف وذهبت إلى الحافة التي أستطيع مشاهدة الوادي
الضيق من فوقها؛ وذلك مخافة أن يكون الرجال قد علموا أنني أعيش هناك ويأتون
للبحث عني. نمتُ تلك الليلة على الحافة، وكانت الليلة باردة إثر هبوب الرياح للمرة الأولى
ذلك الشتاء.
لم تعُد توتوك في اليوم التالي وتذكرتُ أن موعد رحيل الصيادين الأليوتيين قد اقترب.
ربما يكونون قد رحلوا بالفعل. ففي عصرذلك اليوم، ذهبتُ إلى اللسان. تسلَّقتُ الصخرة،
ثم زحفتُ عليها حتى صار باستطاعتي النظر من فوقها. وكان قلبي يخفق بشدة.
كانت السفينة الأليوتية لا تزال هناك، ولكن كان ثمة رجال منخرطون في العمل على
سطحها وكانت قوارب الكانو تغدو وتروح بين السفينة والشاطئ. كانت الريح شديدة
ولم يتبقَّ سوى بضعة أكوام من جلود ثعالب الماء على الشاطئ؛ ولذا كان من المرجح أن
تغادر السفينة عند الفجر.
كان الظلام قد حلَّ عندما عدتُ إلى الوادي الضيق. وحيث إن الريح كانت شديدة
البرودة ولم أعد أخشى أن يعثر عليَّ الأليوتيون، فقد أوقدتُ نارًا داخل الكهف وطهوت
عشاءً من المحار والجذور. طهوت طعامًا يكفيني أنا ورونتو وتوتوك. كنت أعلم أن توتوك
لن تأتي، ومع ذلك وضعت طعامها بجانب النار وانتظرت.
نبح رونتو مرة وظننت أنني سمعت أصوات أقدام، فذهبت إلى مدخل الكهفوأنصتُّ.
انتظرت لفترة طويلة ولم أتناول طعامي. تحركت السحب من الشمال حتى غطَّت السماء
الباردة. صارت الريح أعنف ودوَّى هزيزُها في الوادي الضيق. وفي النهاية، أغلقت مدخل
الكهف بالأحجار.
113
جزيرة الدلافين الزرقاء
ذهبتُ عند الفجر إلى اللسان. كانت الرياح قد هدأتْ، وصار الضباب يغطي البحر،
ضاربًا الجزيرة بأمواج رمادية. انتظرت طويلًا كي أنال لمحة من خليج المرجان، ولكن
الشمس سطعت أخيرًا وبدَّدَت الضباب. كان الميناء الصغير مهجورًا، وكانت السفينة
الأليوتية ذات المقدمة الشبيهة بمنقار أحمر والشراعين الأحمرين قد رحلتْ.
في البداية؛ لعلمي أنه قد صار بإمكاني أن أترك الكهف وأعود إلى منزلي على اللسان،
كنت سعيدة. ولكني إذ وقفتُ على الصخرة المرتفعة ناظرة إلى الميناء المهجور والبحر
الخالي، بدأتُ أفكر في توتوك. وتذكرتُ أوقات جلوسنا معًا تحت الشمس. كان بإمكاني أن
أسمع صوتها وأن أرى عينيها السوداوين تضيقان حتى تكادا تُغمضان عندما تضحك.
وبأسفل مني كان رونتو يركضعلى الجرف، ينبح ردٍّا علىصيحات طيور النورس،
وكانت البجعات تثرثر في حين تصطاد في المياه الزرقاء. ومن مسافة بعيدة كنت أسمع
خوار أحد أفيال البحر. ولكن فجأة، إذ رحتُ أفكر في توتوك، بدت لي الجزيرة ساكنة
للغاية.
114
الفصل الثالثوالعشرون
ترك الصيادون الكثير من ثعالب الماء الجريحة خلفهم. بعضها حمله الماء إلى الشاطئ
ومات عليه، والبعضالآخر قتلتُهم برمحي لإنهاء معاناتهم؛ إذ لم يكن ثمة سبيل لنجاتهم.
ولكني وجدتُ ثعلب ماء صغيرًا لم يكن جرحه بالغًا.
كان يرقد في أحد أحواضالأعشاب البحرية، وكنت سأجدفمتجاوزة إياه لو لم يكن
رونتو نبح. كانت هناك جديلة من الأعشاب البحرية ملتفَّة حول جسده وظننت أنه نائم؛
لأن ثعالب الماء كثيرًا ما تثبِّت نفسها بهذه الطريقة قبل أن تخلد للنوم حتى لا يجرفها
التيار بعيدًا. ثم رأيت أنَّ ثمة جرحًا غائرًا في ظهره.
لم يحاول ثعلب الماء أن يسبح بعيدًا عندما اقتربتُ منه ومددتُ يدي من فوق جانب
قارب الكانو. إنَّ لثعالب الماء عيونًا واسعة، لا سيما الصغار منها، ولكنَّ عينَيْ ذلك الثعلب
كانتا متسِّعتَيْن جدٍّا من فرط الخوف والألم حتى صار بإمكاني رؤية انعكاس صورتي
فيهما. قطعت العشب المحيط بجسده وأخذته إلى إحدى برك المد والجزر خلف الحيد
البحري، كانت محمية من الأمواج.
كان اليوم هادئًا بعد العاصفة وقد اصطدتُ سمكتين من على الحيد البحري. كنت
حريصة على إبقائهما حيتين؛ لأن ثعالب الماء لا تأكل شيئًا ميتًا، وتركتهما داخل البركة.
وكان ذلك في الصباح الباكر.
عصرذلك اليوم، عدت إلى البركة مرة أخرى، فوجدت السمكتين قد اختفتا ووجدتُ
ثعلب الماء الصغير نائمًا، طافيًا على ظهره. لم أحاول مداواة جرحه بالأعشاب؛ لأن الماء
المالح يداوي الجروح ولأن مياه المحيط كانت ستجرف الأعشاب على أي حال.
جزيرة الدلافين الزرقاء
كنت أحضرله سمكتين كل يوم وأتركهما في البركة، ولم يكن ثعلب الماء يأكل شيئًا
أثناء مراقبتي له؛ ثم أحضرت له أربع سمكات فاختفين أيضًا، ثم أحضرت له ستٍّا، وبدا
أن ذلك هو العدد الصحيح. وكنت أحضرله السمك سواء كان الجو صحوًا أم عاصفًا.
كَبُر الثعلب وبدأ جرحه يلتئم، ولكنه ظل في البركة، والآن عندما أذهب إليه أجده
بانتظاري، وصار يتناول الأسماك من يدي. لم تكن البركة كبيرة وكان بإمكانه أن يخرج
منها إلى البحر بسهولة، ومع ذلك فقد بقي ثعلب الماء فيها، وكان ينام أو ينتظر قدومي
بالطعام.
صار الثعلب الصغير في طول ذراعي، وأصبح فروه شديد اللمعان. كان له أنف
طويل ينتهي بطرف مدبب، وشوارب كثيرة على جانبي وجهه، وأوسع عينين رأيتهما في
حياتي. كانت هاتان العينان تراقبانني طيلة الوقت الذي أقضيه عند البركة، وتلاحقاني
في كل ما أفعله، وعندما أقول شيئًا، كانتا تدوران على نحو مضحك للغاية. ولكن رؤيتهما
كانت تشعرني بغصَّة في حلقي إلى حدٍّ ما؛ لأنهما كانتا تبدوان سعيدتين وحزينتين في
الوقت ذاته.
لوقت طويل كنت أناديه باسم »ثعلب الماء «، مثلما كنت أنادي رونتو باسم »الكلب ،«
ثم قررت أن أمنح ثعلب الماء اسمًا. وكان الاسم هو »مون آه ني «، ويعني »الصبيُّ الصغير
ذو العينين الواسعتين. «
كانصيد السمك كل يوم مهمةصعبة، لا سيما حينما كانت الرياح تعصف والأمواج
تعلو. وذات مرة لم أستطع أن أصيد سوى سمكتين ووضعتهما في البركة، فأكلهما مون
آه ني بسرعة وظل ينتظر المزيد. وعندما اكتشف أن السمكتين هما كل ما لديَّ، أخذ يسبح
في دوائر، ناظرًا إليَّ في عتاب.
كانت الأمواج عالية جدٍّا في اليوم التالي حتى لم أستطع الصيد عند الحيد البحري
حتى عند انخفاضالمد؛ وحيث إنني لم يكن لديَّ ما أعطيه إياه، لم أذهب إلى البركة.
مضتْ ثلاثة أيام قبل أن أتمكَّن منصيد السمك، وعندما ذهبت إلى البركة مرة أخرى
وجدتها مهجورة. كنت أعلم أنه سيغادرها يومًا ما، ولكني شعرت بالحزن لأنه عاد إلى
البحر ولأنني لن أصيد له السمك مجددًا، وكذلك لن أستطيع التعرف عليه إذا رأيته عند
أحواضالأعشاب البحرية؛ لأنه بعد اكتمال نموه والتئام جرحه، بدا شبيهًا بسائر ثعالب
الماء.
بعد وقت قصير من مغادرة الأليوتيين، عدت إلى منزلي على اللسان.
116
الفصل الثالث والعشرون
لم يتعرض أي شيء بالمنزل للضرر فيما عدا السور، الذي أصلحتُه، وخلال بضعة
أيام عاد المنزل إلى سابق عهده. الأمر الوحيد الذي أقلقني كان أن قواقع البحر التي
جمعتُها في الصيف اختفتْ كلها، وصار عليَّ أن أعيش على ما أستطيع صيده يومًا بيوم،
محاوِلة أن أصطاد في الأيام التي يمكنني الصيد فيها ما يكفيني في الأيام التي يتعذَّر عليَّ
الصيد فيها. في الجزء الأول من الشتاء، قبل أن يسبح مون آه ني بعيدًا، كان ذلك الأمر
صعبًا في بعضالأحيان. ولكن لم يعد الأمر صعبًا بعد ذلك، وصار لديَّ أنا ورونتو دائمًا
ما يكفينا من الطعام.
عندما كان الأليوتيون على الجزيرة، لم يكن لديَّ فرصة لصيد أسماك الهِفِّ الصغيرة
وتجفيفها حتى أستخدمها في الإضاءة؛ ولذلك كانت ليالي ذلك الشتاء مظلمة وكنت آوي
إلى الفراشمبكرًا وأعمل أثناء النهار فقط. ومع ذلك فقدصنعتُ خيطًا آخر لرمح الصيد،
وخطاطيف كثيرة من قواقع أذن البحر، وأخيرًا صنعت قرطًا ملائمًا للعقد الذي منحتْني
إياه توتوك.
تطلَّب صنع هذين القرطين وقتًا طويلًا؛ وذلك لأنني قضيت صباح عدة أيام، عند
انحسار المدِّ، أبحث في الشاطئ قبل أن أعثر على حصوتين يسهل تشكيلهما، من نفس
لون أحجار العقد. وتطلب صنع الثقوب في القرطين وقتًا أطول؛ وذلك لصعوبة تثبيت
الأحجار، ولكن عندما انتهيت من صنعهما ولَمَّعتُهما باستخدام الرمل الناعم والماء،
وثبَّتُّهما بخطاطيف من العظم في أذني، كانا جميلين جدٍّا.
في الأيام المشمسة من الشتاء، كنت أضع القرطين مع تنورتي المصنوعة من ريش
طيور الغاق والعقد، وأتمشى على طول الجرف بصحبة رونتو.
كثيرًا ما كنت أفكر في توتوك، ولكن في تلك الأيام خاصةً كنت أنظر نحو الشمال
وأتمنى لو كانت موجودة لتراني. كان بإمكاني سماعها وهي تتحدث بلغتها الغريبة،
وأجدني أفكر في أشياء أقولها لها وأشياء تقولها لي.
117
الفصل الرابع والعشرون
جاء الربيع ومرةً أخرى تفتَّحتِ الزهور، وجرى الماء في الأودية الضيقة وتدفق إلى البحر،
وعادت طيور كثيرة إلى الجزيرة.
بنى تاينور ولوراي عشٍّا في الشجرة التي جاءا إلى الحياة عليها. بنيا ذلك العش
من أعشاب البحر وأوراق الشجر الجافة وكذلك بشعرات من ظهر رونتو. فمتى ظهر
رونتو بالباحة أثناء بنائهما العش، كان الطائران ينقضَّان على ظهره، إذا لم يكن منتبهًا،
وينتزعان حفنة من فروه ثم يطيران بها. لم يرُقْ هذا الأمر لرونتو، فتوارى عن أعينهما
لحين اكتمال بناء العش.
كنتُ مُحِقَّة عندما أطلقتُ على لوراي اسم فتاة؛ وذلك لأنها وضعت بيضًا مرقَّطًا،
ورقدت عليه، بالتعاون مع زوجها، حتى فقس وخرج منه فرخان قبيحا المنظر سرعان
ما أصبحا جميلين. فأسميتُهما وشذَّبتُ جناحيهما، وسرعان ما أصبحا أليفين كوالديهما.
وكذلك عثرتُ على طائر نورس صغير كان قد سقط من عشه إلى الشاطئ أسفله.
فطيور النورس تبني أعشاشها عاليًا فوق الجروف، في تجويفات على الصخور. وتلك
التجويفات عادةً ما تكون صغيرة، وكثيرًا ما شاهدت نورسًا صغيرًا يترنح عند حافة
العش وتساءلت عن سبب عدم سقوطه. لكن طيور النورس لا تسقط إلا نادرًا.
هذا النورس، الذي كان أبيض اللون ذا منقار أصفر، لم تكن إصابته بالغة، ولكن
رجله كانت مكسورة. أخذتُه إلى منزلي وربطتُ العظام المكسورة معًا باستخدام عصوين
صغيرتين وأوتار. لم يحاول النورس الصغير أن يمشي لفترة. ثم إنه بعدها، إذ لم يكن
كبيرًا بما يكفي ليطير، بدأ يعرج في باحة المنزل.
وبوجود الطائرين الصغيرين والكبيرين والنورس الأبيض ورونتو، الذي دائمًا ما
كان يسير في أعقابي، بدت باحة المنزل مكانًا مبهِجًا. لو أنني فقط نسيت توتوك، ولو
جزيرة الدلافين الزرقاء
أنني لم أنشغل بالتفكير في مصير أختي يولابى، ومكانها، وما إذا كانت العلامات التي
رسمَتْها على وجنتيها كان لها أثر السحر؛ فلو أنَّ لها أثرَ السحر فعلًا لتزوجت أختي من
كيمكي وأنجبت أطفالًا كُثُرًا. كانتْ ستبتسم إذا رأتْ أطفالي جميعًا، فقد كانوا مختلفين
كثيرًا عن الأطفال الذين لطالما تمنيت أن أنجبهم.
في وقت مبكر من ذلك الربيع بدأتُ أجمع قواقع أذن البحر، وبالفعل جمعتُ الكثير
منها، وأخذتُها إلى اللسان لتجفَّ. أردت أن يكون لديَّ مخزون جيد؛ تحسُّبًا لعودة
الأليوتيين مرة أخرى.
وذات يوم كنت عند الحيد البحري أملأ قارب الكانو بالقواقع، ورأيتُسربًا من ثعالب
الماء في حوض العشب القريب. كانت تطارد بعضها بعضًا، فتخترق أحواض الأعشاب
برءوسها ثم تغطس وتصعد مجددًا في مكان مختلف. كان الأمر شبيهًا بلعبة كنا نلعبها
عندما كان ثمة أطفال على الجزيرة. بحثت عن مون آه ني، ولكن الثعالب بدتْ كلها
متشابهة.
ملأتُ القارب بالقواقع وجدفتُ باتجاه الشاطئ، وقد تبعني أحد ثعالب الماء. وعندما
توقفت، غطس في الماء وصعد أمامي. كان بعيدًا جدٍّا، ومع ذلك فقد علمتُ مَن يكون. لم
أتخيل يومًا أنني سأستطيع تمييزه عن بقية الثعالب، ولكنني كنت متأكدة من أنه مون
آه ني حتى إنني رفعتُ يدي بإحدى السمكات التي كنت قد اصطدتُها.
إن ثعالب البحر تسبح بسرعة كبيرة؛ وفي لمح البصر، كان قد اختطف السمكة من
يدي.
لم أرَهُ بعدها شهرين كاملين، وفي صباح أحد الأيام بينما كنتُ أصطاد، إذا به يخرج
فجأة من حوض الأعشاب، ووراءَه ثعلبان رضيعان. كانا في حجم جِراء الكلاب تقريبًا
وكانا يتحركان ببطء شديد، حتى إن مون آه ني كان يضطر إلى حثهما على السباحة من
وقت لآخر، فثعالب البحر الحديثة الولادة لا تستطيع السباحة، وتضطر إلى التعلق بأمها.
وشيئًا فشيئًا تُعلِّم الأم صغارها السباحة بدفعهم برفق باستخدام زعانفها، ثم تسبح
حولهم في دوائر إلى أن يتعلموا السباحة خلفها.
اقترب مون آه ني من الحيد البحري فألقيتُ له سمكة في الماء. لم يختطف السمكة
مثلما كان يفعل عادة، بل انتظر ليرى ما سيفعله الصغيران. وعندما بدَوَا أكثر اهتمامًا
بي من الطعام، وبدأتِ السمكة تسبح بعيدًا، أمسك بها بأسنانه الحادة ورماها أمامهما.
120
الفصل الرابع والعشرون
رميتُ سمكة أخرى في الماء من أجل مون آه ني، ولكنه كرر ما فعله مع السمكة
الأولى. ومع ذلك لم يأكل الصغيران الطعام، وأخيرًا، وبعد أن سَئِمَا اللعب بالسمكة، سبحا
نحوه وأخذا يمرِّغان أنفيهما به.
وحينها فقط علمتُ أن مون آه ني هي أمهما. فثعالب الماء تتخذشريكًا واحدًا طيلة
حياتها، وإذا ماتت الأم، عادةً ما يبذل الأب قصارى جهده في تربية الصغار. وهذا ما كنت
أظن في البداية أنه قد حدث مع مون آه ني.
نظرتُ إلى الأسرة الصغيرة التي تسبح بجوار الحيد البحري، وقلت: »مون آه ني،
سوف أمنحكِ اسمًا جديدًا، وهو »وان آه ني «، وهو يناسبك لأنه يعني »الفتاة ذات العينين
الواسعتين «.«
كَبُر الثعلبان الصغيران بسرعة، وسرعان ما أصبحا يأخذان الأسماك من يدي، ولكن
وان آه ني كانت تفضِّل قواقع أذن البحر. فكانت تترك القوقعة التي أرميها نحوها تغوص
إلى قاع البحر ثم تغطسوتصعد ممسكة بها، وحاملةً حَجَرًا في فمها، ثم تطفو على ظهرها
وتضع القوقعة على صدرها وتضربها مرة بعد أخرى بالحجر حتى تنكسر القوقعة.
علَّمت وان آه ني صغيريها أن يحذُوَا حذوَها، وأحيانًا كنت أجلس على الحيد طوال
الصباح أشاهد ثلاثتهم تضرب القواقع الصلبة على صدورها. لو أن ثعالب الماء كلها لم
تكن تتناول قواقع أذن البحر بهذه الطريقة، لظننت أنها لعبة تلعبها وان آه ني لتسليتي.
ولكنها جميعًا كانت تفعل ذلك، ودائمًا ما كنت أتعجب لهذا الأمر، ولا زلت أتعجب منه
حتى الآن.
بعد ذلك الصيف — إذ صادقتُ وان آه ني وصغيريها — لم أقتل ثعلب ماء قط.
كان لديَّ رداء من فرو ثعلب ماء أضعه على كتفيَّ، وقد استخدمتُه حتى بَلِي، ولكني لم
أصنع رداءً جديدًا بعد ذلك، ولا قتلت أيٍّا من طيور الغاق مجددًا من أجل ريشها الجميل،
رغم أن لها رقابًا طويلة رفيعة وتُصدِر أصواتًا مزعجة عندما يتحدث بعضها مع بعض،
وما عدتُ أقتل عجول البحر من أجل أوتارها، مستخدمة بدلًا من ذلك الأعشاب البحرية
في ربط الأشياء التي أحتاج لربطها، ولم أقتل بعد ذلك كلبًا بريٍّا آخر، ولا حاولتُ طعن
فيل بحر برمحي مجددًا.
كانت يولابى ستسخر مما فعلتُه، وكان الآخرون سيسخرون مني أيضًا، ولا سيما
والدي. ومع ذلك، فهذا ما صرت أشعر به تجاه الحيوانات التي أصبحتْ صديقة لي،
والحيوانات التي لم تكن صديقة لي، ولكن ربما تصبح صديقتي مع مرور الوقت. ولو
121
جزيرة الدلافين الزرقاء
كانتْ يولابى وأبي عادا وسخرا مني — ولو عاد الآخرون جميعًا وسخروا مني — لظل
شعوري تجاه الحيوانات كما هو؛ لأن الحيوانات والطيور كالبشر، رغم أنها لا تتحدث
اللغة ذاتها ولا تفعل الأشياء ذاتها. وبدون الحيوانات والطيور ستصبح الأرض مكانًا
بائسًا.
122
الفصل الخامسوالعشرون
لم يَعُدِ الأليوتيون مرة أخرى إلى جزيرة الدلافين الزرقاء، ولكني كنت أترقب قدومهم في
كل صيف، وفي بداية كل ربيع كنت أجمع المحار، فأجفِّفه وأخزنه في الكهف الذي أخبِّئ
فيه قاربي.
بعد مرور شتاءين على رحيلهما، صنعتُ المزيد من الأسلحة؛ رمح وقوسوجعبة من
السهام، وخزنت تلك الأسلحة أيضًا أسفل اللسان؛ حتى أكون مستعدة، إذا عاد الصيادون،
للانتقال إلى جزء آخر من الجزيرة، أو التحرك من كهف لآخر، أو الإقامة في القارب إذا
لزم الأمر.
بعد أن غادر الأليوتيون الجزيرة، ظلَّ سرب ثعالب الماء يهجر خليج المرجان طيلة
الصيف لسنوات. فالثعالب العجائز، التي نجَتْ من رماح الأليوتيين وصارتْ تدرك أن
الصيف وقت خطر، تقود السرب بعيدًا. كانت الثعالب تذهب بعيدًا حتى أحواضالأعشاب
البحرية عند الصخرة العالية، وتبقى هناك حتى أوُلَى عواصف الشتاء.
وكثيرًا ما كنا نذهب أنا ورونتو إلى الصخرة العالية ونقيم هناك لعدة أيام نصطاد
فيها السمك من أجل وان آه ني وثعالب الماء الأخرى التي تعرَّفتُ عليها.
ذات صيف — نفس الصيف الذي مات فيه رونتو — لم تغادر ثعالب الماء خليج
المرجان، وعلمتُ حينها أن الثعالب التي كانت تتذكر الصيادين لم يتبقَّ منها أحد. حتى
أنا لم أعُد أفكر في الصيادين كثيرًا، ولا في الرجال البيض الذين قالوا إنهم سيعودون إلى
الجزيرة، ولكنهم لم يعودوا.
حتى ذلك الصيف، كنت أحصي كل الشهور التي مرت منذصرنا أنا وأخي وحدنا
على الجزيرة. فلكل شهر يأتي ويمضي، كنت أحفر علامة في عمود إلى جوار باب منزلي.
كان ثمة علامات كثيرة، تملأ العمود من السقف إلى الأرض. ولكن بعد ذلك الصيف لم
جزيرة الدلافين الزرقاء
أعد أحفر تلك العلامات. فمرور الشهور لم يعد يعني لي الكثير، وصرت أحفر علامات
فقط لأحصيفصول السنة الأربعة. بل إني لم أحُصِها في العام الماضي.
في أواخر الصيف مات رونتو. فمنذ بدء الربيع، كنت كلما ذهبتُ إلى الحيد البحري
لصيد السمك، أبى رونتو أن يذهب معي ما لم أحثَّه على ذلك. كان يروق له الاستلقاء في
الشمس أمام المنزل وكنت أسمح له بذلك، ولكني لم أعد أذهب إلى الحيد كثيرًا كسابق
عهدي.
أتذكر الليلة التي وقف فيها رونتو عند السور ونبح لكي أدعه يخرج من المنزل.
عادة ما كان يفعل ذلك عندما يكون القمر مكتملًا، وكان يعود في الصباح، ولكن تلك
الليلة لم تكن مقمِرة، ولم يعد رونتو إلى المنزل.
انتظرتُ عودتَه طيلة ذلك النهار حتى وقت الغسق تقريبًا ثم خرجتُ أبحث عنه.
رأيت آثار أقدامه فتبعتها مرورًا بالكثبان الرملية وإحدى الهضاب حتى وصلت إلى الكهف
الذي عاش فيه يومًا. وهناك وجدته وحده، مستلقيًا في نهاية الكهف. في البداية ظننته
مُصابًا، ولكنه لم يكن به جروح. لمس يدي بلسانه، ولكن مرة واحدة ثم سكن وصار
يتنفس بصعوبة.
ولما كان الليل قد حلَّ ومنعتْني شدة الظلام من أن أحمله إلى المنزل، فقد بقيت معه،
وجلست إلى جواره طيلة الليل أحدِّثه. وعند الفجر حملته بين ذراعيَّ وغادرت الكهف.
كان خفيفًا جدٍّا، وكأن شيئًا منه قد غادر جسده بالفعل.
كانت الشمس قد أشرقتْ وأنا أسير به على طول الجرف، وصرخات النوارس تتردد
في السماء. رفع رونتو أذنيه لما سمع صوتها، فوضعتُه أرضًا، معتقدة أنه يرغب في النباح
عليها كما كان يفعل دائمًا. رفع رونتو رأسه وراح يتتبع الطيور بعينيه في صمت.
قلت: »رونتو، لطالما أحببتَ أن تنبح على النوارس. وكنتَ تبقى طوال فترة الصباح
وبعد الظهيرة تنبح عليها. انبح عليها الآن من أجلي. «
ولكنه لم ينظر إليها مرة أخرى. وببطء سار إلى حيث كنت أقف وسقط عند قدميَّ.
وضعتُ يدي على صدره، كان بإمكاني أن أشعر بنبضات قلبه، ولكنه نبضمرتين، ببطء
شديد؛ نبضتين عاليتين جوفاوين مثل تلاطم الأمواج على الشاطئ، ثم سكت.
صرخت: »رونتو! آه يا رونتو! «
124
الفصل الخامس والعشرون
دفنتُه على اللسان. حفرت له حفرة في أحد الشقوق بالصخر، حيث ظللت أحفر
يومين كاملين من الفجر وحتى غروب الشمس، ووضعته هناك وبجواره بعض الزهور
التي تنبت في الرمل وعصًا كان يحب مطاردتها عندما ألُقيها، وغطيتُه بحصوات متعددة
الألوان جمعتها من الشاطئ.
125
الفصل السادسوالعشرون
لم أذهب إلى الحيد البحري مطلقًا ذاك الشتاء، وإنما اكتفيتُ بأكل الأطعمة التي خزنتها
من قبل، ولم أكن أبارح المنزل إلا لجلب الماء من النبع. كانت الرياح والأمطار شديدتين
ذاك الشتاء وطفقتْ أمواج البحر العاتية ترتطم بالجروف بعنف؛ ولذلك ما كنت لأخرج
كثيرًا من المنزل حتى لو كان رونتو بصحبتي. وخلال هذا الوقت، صنعت أربعة شراك
من الأغصان المتشعِّبة.
ذات مرة في الصيف، عندما كنت في طريقي إلى المكان الذي تعيش فيه أفيال البحر،
رأيت كلبًاصغيرًا يشبه رونتو. كان يجري مع أحد قطيعَيِ الكلاب البرية، ورغم أني لمحته
مرة واحدة فقط، فقد كنت متأكدة من أنه ابن رونتو.
فقد كان أكبر حجمًا من بقية الكلاب، وفراؤه أكثر كثافة وعيناه صفراوين، وكان
يعدو بخطوات رشيقة كرونتو. كنت أنتوي الإمساك به في الربيع بواسطة الشراك التي
كنت أصنعها.
كانت الكلاب البرية تأتي إلى اللسان كثيرًا في الشتاء بعد رحيل رونتو، وعندما انقضتْ
أشد عواصف الشتاء نصبتُ الشراك خارج السور ووضعت بها طُعمًا من السمك. أمسكتُ
بعدة كلاب في المرة الأولى، ولكن ليس الكلب ذو العينين الصفراوين، وإذ كنتُ أخشى
التعامل مع تلك الكلاب، فقد اضطررت لإطلاقسراحها.
صنعت المزيد من الشراك ونصبتها مرة أخرى، ولكن بينما كانت الكلاب البرية تقترب
كثيرًا من الشراك، فإنها لم تقرب السمك. وقد أمسكتُ بثعلبة حمراء صغيرة، عضَّتْني
عندما أخرجتُها من الشَّرَك، ولكنهاسرعان ما تغلبتْ على طبيعتها البرية وصارتْ تتبعني
في أرجاء الباحة، مستجديةً قواقع أذن البحر. كانت لصَّة ماهرة؛ فعندما كنت أغادر
المنزل، دائمًا ما كانت تجد طريقة للوصول إلى الطعام، مهما اجتهدتُ في إخفائه، ولهذا
جزيرة الدلافين الزرقاء
اضطررتُ لأن أعيدها إلى الوادي الضيق. ومع ذلك فكثيرًا ما كانت تأتي إلى المنزل أثناء
الليل وتخمش السور طلبًا للطعام.
لم أستطع الإمساك بالكلب الصغير بالشراك، وكدتُ أكفُّ عن المحاولة عندما خطر
ببالي عشب التولواش الذي كنا نستخدمه أحيانًا في صيد السمك من برك المد والجزر.
لم يكن العشب سامٍّا، ولكنك إذا وضعتَه في الماء ينقلب السمك على ظهره ويطفو على
السطح.
تذكرت هذا العشب وحفرت في المكان الذي ينمو فيه، في الطرف القصيِّمن الجزيرة.
قطَّعت العشب إلى قطع صغيرة وألقيتُها في النبع الذي تشرب منه الكلاب البرية. انتظرت
طيلة النهار وعند الغسق جاء القطيع إلى النبع، وشرب حتى ارتوَى، ولكن لم يحدث له
شيء، أو لا شيء يُذكَر؛ فقد ظلتْ تتقافز لبعض الوقت، في حين كنت أراقبها من الدغل،
ثم هرولتْ مبتعدة.
وعند ذلك تذكرتُ الزوشال، الذي كان بعض رجال قبيلتنا يستخدمونه؛ ويحضَّر
من أصداف البحر المطحونة والتبغ البري. حضَّرتُ وعاءً كبيرًا من هذه الخلطة، ومزجتُها
بالماء، وألقيتُها في النبع. ثم اختبأتُ داخل الدغل وانتظرت. جاءت الكلاب عند الغسق،
وتشممت الماء ثم تراجعت وأخذ بعضها ينظر إلى بعض، ولكنها في النهاية بدأتْ تشرب.
وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت الكلاب تتحرك في دوائر، وفجأة تمددت على الأرضجميعًا
وراحتْ في النوم.
كان ثمة تسعة كلاب ترقد بجانب النبع. في الضوء الخافت كان من الصعب تمييز
الكلب الذي أردت أخذه إلى المنزل، ولكني عثرت عليه في النهاية. كان يغطُّ كأنما تناول
لتوِّه وجبة كبيرة. حملتُه من على الأرضوأسرعتُ الخطى على الجرف، وقد تملَّكني الرعب
طوال الطريق من أن يستيقظ قبل أن أصل إلى اللسان.
سحبتُه من المدخل أسفل السور، وقيدته إلى السور باستخدامشريط جلدي وتركت
له طعامًا إلى جواره وبعضالماء العذب. وقبل وقت طويل، استيقظ وهبَّ واقفًا على قدميه،
وشرع يقضم الشريط الجلدي. أخذ يعوي ويجري في أرجاء الباحة في حين كنت أطهو
طعام العشاء. ظلَّ يعوي طوال الليل، ولكني عندما غادرتُ المنزل في الفجر، كان نائمًا.
وبينما هو نائم بجوار السور، فكرت له في بعضالأسماء المختلفة، مجرِّبة في البداية
اسمًا ثم اسمًا آخر، مردِّدَةً إياها لنفسي. وأخيرًا، ولأنه كان يشبه والده كثيرًا، فقد سميتُه
»رونتو آرو «؛ أي ابن رونتو.
128
الفصل السادس والعشرون
وخلال وقت قصير، أصبحنا صديقين. لم يكن في مثل ضخامة رونتو، ولكنه كان
يمتلك فروَ والده الكثيف ونفس العينين الصفراوين. وفي كثير من الأحيان، بينما كنت
أشاهده يطارد النوارس عند حُفَر الرمال أو ينبح على ثعالب الماء عند الحيد البحري،
كنت أنسى أنه ليس رونتو.
أمضينا الكثير من الأوقات السعيدة ذلك الصيف؛ إذ رحنا نصطاد السمك ونذهب إلى
الصخرة العالية في قارب الكانو، ولكننيصرت أفكر كثيرًا في توتوك وأختي يولابى. أحيانًا
كنت أسمع صوتيهما تحملهما الرياح، وعندما أكون في البحر، كثيرًا ما كنت أسمعهما في
الأمواج التي ترتطم بجانب القارب برفق.
129
الفصل السابع والعشرون
بعد عواصف الشتاء الشديدة، جاءت أيام كثيرة لم تهُبَّ فيها الرياح مطلقًا. كان الهواء
ثقيلًا جدٍّا حتىصار التنفسصعبًا، وكانت الشمسشديدة الحرارة حتى إن البحر أصبح
مثل الشمس نفسها؛ يؤلم الناظر إليه من شدة سطوعه.
في اليوم الأخير من هذا الطقس، أخرجت القارب من الكهف وجدفت به حول الحيد
البحري حتى وصلت لحُفَر الرمال. لم أصطحب رونتو آرو معي؛ لأنه على قدر حبه
للطقس البارد كان لا يطيق الحر. ومن حسن الحظ أنه لم يأتِ معي؛ فقد كان ذلك اليوم
هو الأشد حرارة، وكان البحر يُومِضبضوء أحمر. وضعتُ واقِيَيْن صنعتُهما من الخشب
على عينيَّ وحفرتُ فيهما شقين صغيرين حتى أرى من خلالهما. لم يكن ثمة نوارس
محلِّقة في السماء، وكانت ثعالب الماء ترقد في سكون في أحواضالعشب، أما السرطانات
الصغيرة فاختبأتْ في أعماق حُفَرها.
جذبت الكانو إلى الشاطئ، الذي كان مبتلٍّا ولكن يتصاعد البخار منه بفعل الشمس
الحارقة. في أول كل ربيع، كنت آخذ قارب الكانو إلى حفرة الرمال وأملأ الشقوق المتكونة
في الألواح بالقار. انشغلتُ بذلك طوال فترة الصباح، متوقفةً من حين لآخر لكي أرطِّب
جسدي في البحر. وعندما ارتفعت الشمسفي السماء، قلبت القارب وزحفت تحته، وخلدت
إلى النوم في ظله.
لم أنَمْ طويلًا قبل أن يوقظني فجأة صوت ظننته رعدًا، ولكني عندما نظرت إلى
الخارج من مخبئي، رأيت السماء صافية. ومع ذلك فقد استمر الصوت الهادر. كان آتيًا
من بعيد — من الجنوب — وإذ أخذتُ أنصت، علا الصوت أكثر.
هببتُ واقفة. وكان أول ما جذب نظري المساحة اللامعة الممتدة من الشاطئ عند
المنحدر الجنوبي لحفر الرمال. لم أرَ في حياتي المد منحسرًا إلى هذا الحد على الجزيرة.
جزيرة الدلافين الزرقاء
فالصخور والبروزات الصخرية الصغيرة التي لم أكن أعلم بوجودها تحت سطح البحر،
صارت مكشوفة تحت ضوء الشمس الذي يُغشي الأبصار. وكأنني كنت أقف في مكان
مختلف تمامًا. كأني نِمتُ واستيقظت على جزيرة أخرى.
أصبح الهواء مشحونًا فجأة من حولي، وكان ثمة صوت خافت وكأن حيوانًا عملاقًا
يسحب الهواء شيئًا فشيئًا بين أسنانه. اقترب الهدير أكثر عبر السماء الصافية، وصوته
يدوِّي في أذنيَّ. ومن وراء الشاطئ البرَّاق والصخور والرفوف الصخرية المكشوفة، على
مسافة تزيد عن الفرسخ من ورائهم، رأيت زَبَد موجة بيضاء عظيمة تنقضُّعلى الجزيرة.
بدت الموجة كأنها تتحرك ببطء بين البحر والسماء، ولكنها كانت البحر نفسه. نزعتُ
الواقيين اللذين كنت أضعهما على عينيَّ، ورحت أركضمذعورة عبر حفر الرمال؛ فكنت
أركض وأتعثر ثم أنهض وأعاود الركض مجددًا. اهتزَّتِ الرمال تحت قدميَّ إذ ارتطمتِ
الموجة الأولى بالشاطئ. تناثر الرذاذ من حولي كالمطر، وكان ممتلئًا بقطع من الأعشاب
البحرية والأسماك الصغيرة.
كان بإمكاني الوصول إلى الخليج والطريق المؤدي إلى الهضبة المستوية إذا ما تتبَّعت
منحنى حفر الرمال، ولكن لم يكن لديَّ وقت لذلك؛ فقد تدفَّق الماء حتى وصل إلى ركبتيَّ
بالفعل، وصار يجذبني من كل اتجاه. كان الجرف قائمًا أمامي، ورغم أن صخوره كانت
زلقة بسبب طحالب البحر، فقد ثبَّتُّ يدي عليه ثم قدمي. وهكذا سحبت نفسي إلى أعلى
خطوة بعد خطوة.
مرَّ زَبَد الموجة أسفل مني واندفع بِدَوِيٍّ هائل نحو خليج المرجان.
لم يكن ثمة صوت لبرهة، ثم بدأ البحر يحاول استعادة موضعه السابق، مندفعًا
للوراء في تيارات طويلة مليئة بالزبد. وقبل أن يتمكن من ذلك، جاءت موجة عظيمة
أخرى من الجنوب، بل لعلها كانت أكبر من الموجة الأولى. نظرتُ إلى أعلى، فوجدتُ الجرف
منتصبًا فوقي بزاوية قائمة، فلم يعد بإمكاني التسلق أعلى من ذلك.
وقفت مُواجَهة الصخرة، وقدماي مرتكزتان على حافة ضيقة ويدي محشورة بعمق
داخل أحد الشقوق. وإذ نظرتُ ورائي، رأيتُ الموجة قادمة. لم تأتِ بسرعة؛ لأن الموجة
الأولى كانت لا تزال تنسحب. ظننتُ لوهلة أنها لن تأتي على الإطلاق؛ لأن الموجتين التقتا
فجأة فيما وراء حفرة الرمال. كانت الموجة الأولى تحاول الوصول إلى البحر في حين كانت
الثانية تصارع لتصل إلى الشاطئ.
132
الفصل السابع والعشرون
ارتطمتِ الموجتان إحداهما بالأخرى كعملاقين يتصارعان وارتفعتا عاليًا في الهواء،
متمايلتين أولًا في اتجاه ثم في الاتجاه الآخر. دوَّى هدير وكأنَّ ثمة رماحًا هائلة تتكسر في
معركة طاحنة، وفي ضوء الشمس الأحمر بدا الرذاذ المتناثر حولهما شبيهًا بالدماء.
وببطء دفعتِ الموجة الثانية الموجة الأولى إلى الوراء، وعبرتْ من فوقها ببطء، ثم
سحبتْها وراءها، مثلما يجر المنتصرُالمهزومَ، متقدمةً تجاه الجزيرة.
ضربتِ الموجة الجرف، وأرسلتْ ألسنة طويلة متدفقة من حولي، حتى لم يعد بإمكاني
أن أسمع أو أن أرى. تسللتْ ألسنة الماء إلى داخل كل الشقوق، وحاولْتُ سحب يدي وقدميَّ
الحافيتين المتشبِّثتين بالحافة. ارتفعتْ ألسنة الماء إلى ارتفاع عالٍ فوقي، على طول واجهة
الصخرة؛ فراحتْ ترتفع وترتفع، وأخيرًا بلغتْ مداها في عنان السماء وتراجعتْ، عابرة
من فوقي بصوت كالفحيح؛ لتنضم إلى المياه المندفعة تجاه الخليج.
وفجأة خيَّم الصمت على كل شيء من حولي. وفي ذلك الصمت، كنتُ أستطيع سماع
خفقات قلبي وعلمتُ أن يدي لا تزال متشبِّثة بالصخرة وأنني ما زلت حية.
أسدل الليل ستاره، ورغم أني كنت خائفة من مبارحة الجرف، فقد كنت أعلم أنني
لن أستطيع البقاء هناك حتى الصباح أبدًا؛ إذ سوف يغلبني النوم وأسقط أرضًا. وما كان
بإمكاني أيضًا العودة إلى المنزل؛ ولذلك نزلتُ من على الحافة الصخرية وجثوتُ عند سفح
الجرف.
أتى الفجر حارٍّا بلا رياح، وامتلأتِ الحفرة الرملية بأكوام من الأعشاب البحرية،
وكانت الأسماك وجراد البحر والسرطانات الوردية الميتة متناثرة في كل مكان، وكان ثمة
حوتان صغيران جرفتْهما الأمواج إلى جوار الجدران الصخرية للخليج، وقد وجدت أشياء
من البحر على مسافة كبيرة من الطريق المؤدي إلى الهضبة المستوية.
كان رونتو آرو واقفًا في انتظاري عند سور المنزل، وعندما زحفتُ تحت السور، وثب
عليَّ وظلَّ يُلاحقني في أرجاء المكان دون أن يدعني أغيب عن ناظريه.
كنت سعيدة بالعودة إلى المنزل عند اللسان المرتفع الذي لم تصل إليه الأمواج. ورغم
أني لم أتغيب عن المنزل سوى يوم واحد، فقد شعرت كأني غبت أيامًا عدة، أو مثل الوقت
الذي أبحرت فيه بقارب الكانو. نمتُ معظم النهار، ولكن نومي كان مليئًا بالأحلام،
وعندما استيقظتُ وجدت كلشيء حولي غريبًا؛ فالبحر لم يعد يصدرصوتًا على الشاطئ،
وكانت النوارس ساكنة، وبدتِ الأرض كأنما تحبس أنفاسها، وكأنها تنتظر وقوع شيء
رهيب.
133
جزيرة الدلافين الزرقاء
وعند الغسق عدت من النبع حاملةً سلة ماء على كتفي، سائرةً على الجرف برفقة
رونتو آرو. وفي كل مكان، كان المحيط هادئًا مصفرٍّا رابضًا حول الجزيرة كأنما أعياه
التعب. وكانت النوارس لا تزال ساكنة جاثمة على أعشاشها الصخرية.
بدأتِ الأرضتتحرك ببطء؛ فابتعدتْ عن قدمي، وللحظة بدا وكأنني أقف في الهواء.
انسكب الماء من السلة وتناثرتْ قطرات منه على وجهي، ثم سقطتِ السلة بأكملها على
الأرض. ودون أن أعي ما أفعله، وإذ ظننتُ بحماقة أن موجةً أخرى ستضربني، بدأتُ
أركض. ولكنها كانت موجة بالفعل، موجة من الأرضراحتْ تموج من تحتي على طول
الجرف.
وإذ ركضتُ ضربتْني موجة أخرى. نظرتُ إلى الوراء، فرأيتُ أمواجًا كثيرة قادمة
من الجنوب، كأمواج البحر. وأولشيء أذكره بعد ذلك هو كوني ممدَّدةً على الأرضوإلى
جواري رونتو آرو، وكنا نحاول أن نقف على أقدامنا، ثم ركضنا مرة أخرى تجاه اللسان،
تجاه المنزل الذي راح يبتعد في الأفق.
كان المدخل أسفل السور قد هَوَى إلى أسفل واضطررتُ لإزاحة الصخور بعيدًا حتى
نستطيع الزحف عبره. جَنَّ الليل، ولكن الأرضظلتْ تعلو وتهبط كحيوان عملاق يتنفس.
كان بإمكاني سماع أصوات صخور تتساقط من الجرف إلى البحر.
وطوال الليل، إذ قبعنا في المنزل، ظلتِ الأرضتهتز والصخور تتساقط، ولكن ليست
الصخرة التي على اللسان، والتي كان من الممكن أن تسقط لو أنَّ مَن يهز العالم كان
غاضبًا منا حقٍّا.
وفي الصباح سكنتِ الأرضمرة أخرى وهبتْ من بحر الشمال رياح مشبعة برائحة
الأعشاب البحرية.
134
الفصل الثامن والعشرون
لم يُحدِث الزلزال أضرارًا كبيرة. وحتى النبع، الذي لم يتدفق عدة أيام، استعاد حيويته
وتدفق الماء منه أكثر من أي وقت مضى. ولكن الأمواج العظيمة كلفتْني كل الطعام
والأسلحة اللذين كانا مخزَّنين في الكهف، علاوة على قارب الكانو الذي كنت أعمل عليه
وقوارب الكانو الأخرى المخبأة أسفل الجروف الجنوبية.
كانت قوارب الكانو هي الخسارة الكبرى؛ فالعثور على خشب كافٍ لصنع قارب
آخر كان سيستغرق فصلَيِ الربيع والصيف بأكملهما. ولهذا انطلقتُ في أولصباح معتدل
الطقس بحثًا عن أي حطام قد تكون الأمواج جرفتْه إلى الشاطئ.
وبين الصخور القريبة من الجروفالجنوبية، عثرتُ على جزء من قارب كانو مدفون
في الرمال وأعشاب البحر المتشابكة. عملتُ طيلة الصباح على تحريره من الرمال والأعشاب،
وبعد أن انتهيتُ من تنظيفه، لم أستطع أن أقرر ما أفعله به. كان بإمكاني أن أقطع
الأوتار وأحمل الألواح على ظهري إلى أعلى الجرف؛ لوحين في كل مرة، وأعبر بهما الكثبان
الرملية حتى أصل إلى خليج المرجان، وهي مهمة تستغرق عدة أيام. أو بإمكاني بناء
القارب هنا على الصخور وأخاطر بأن تهب عاصفة أخرى تجرفه قبل أن أنتهي منه.
وفي النهاية لم أفعل أيٍّا من هذين الأمرين، وإنما اخترت يومًا كان البحر فيه هادئًا،
وتركت ما تبقَّى من القارب يطفو على الماء، دافعةً إياه أمامي، واجتزتُ حفر الرمال حتى
بلغتُ الكهف، وهناك قمتُ بتفكيك الحطام ونقلت الألواح على الطريق، متجاوزة الموضع
الذي وصلتْ إليه الأمواج العارمة من قبل.
عثرتُ على بقايا قارب الكانو الآخر. كانتِ الأمواج قد جرفتْه إلى عمق الكهف ولم
أستطع إخراجه؛ ولذا رجعت إلى الجروف الجنوبية وأخذت أتفقَّد أكوام الأعشاب البحرية
جزيرة الدلافين الزرقاء
حتى صار لديَّ قِطَعٌ كافية من الخشب — إذا أخذنا في الحسبان ما لديَّ بالفعل —
للشروع في بناء قارب جديد.
كان الربيع قد شارف على الانقضاء آنذاك، وكان الطقس لا يزال مضطربًا، والمطر
يسقط خفيفًا، ولكني شرعت في بناء القارب الجديد على أي حال؛ لأنني كنت أحتاجه في
جمع المحار. ورغم أني لم أعد أفكر في الأليوتيين — كما قلت من قبل — فلم أكن مرتاحة
لعدم وجود قارب كانو أذهب به إلى حيث أريد.
كانت جميع الألواح متساوية الحجم تقريبًا، طول ذراعي، ولكنها جاءت من قوارب
كانو مختلفة، ولهذا كان من الصعب مواءمتها معًا. ومع ذلك، كانت ثقوب الربط محفورة
بالفعل، مما وفَّر عليَّ الكثير من الوقت والجهد. كان مما ساعدني أيضًا أنَّ الأمواج العارمة
كانت قد جرفتْ شرائح طويلة من القار الأسود إلى الشاطئ، وذاك كان عادةً ما يصعب
العثور عليه في الجزيرة وكنت بحاجة إليه.
عندما انتهيتُ من ترتيب الألواح وإعادة تشكيلها، سار العمل بوتيرة أسرع، ومن
ثم قبل انقضاء الربيع كنتُ على وشك الانتهاء من الفواصل بين الألواح. ففي صباح يوم
عاصف أوقدتُ نارًا لتليين القار. كانت الرياح باردة واستغرق إشعال النار وقتًا طويلًا.
وللتعجيل به، ذهبتُ إلى الشاطئ لجلب أعشاب البحر الجافة.
كنتُ قد بدأتُ رحلة العودة وذراعاي محمَّلتان بالأعشاب عندما التفتُّ لكي أتطلَّع
إلى السماء، معتقدةً من حركة الرياح أن ثمة عاصفة وشيكة. كانت السماءصافية باتجاه
الشمال، ولكن في الشرق الذي تأتي منه الرياح أحيانًا في ذلك الفصل، تجمَّعتْ صفوف
من سحب رمادية، واحدة فوق الأخرى.
في تلك اللحظة، بين الظلال العميقة التي تُلقيها السحب، رأيتُ شيئًا آخر. وإذ نسيت
أنني أحمل كومة من أعشاب البحر، رفعتُ ذراعيَّ إلى أعلى، فسقطتِ الأعشاب على الأرض.
كان ثمةشراع … وسفينة … في البحر، في منتصف المسافة بين الأفق والشاطئ!
ريثما وصلتُ إلى اللسان، كانتِ السفينة قد اقتربتْ أكثر، مدفوعة بشدة الرياح. كنتُ
أرى أنها لا تحمل الشراع الأحمر والمقدمة الشبيهة بمنقار الطائر، اللذين يُميِّزان السفينة
الأليوتية، ولا كانت شبيهة بسفينة الرجال البيض، التي كنتُ أتذكرها بوضوح.
فلماذا جاءتْ تلك السفينة إلى جزيرة الدلافين الزرقاء؟
جثوتُ فوق اللسان وتساءلتُ، وقلبي يخفق بسرعة، عما إذا كان ملَّاحوها قد جاءوا
لصيد ثعالب الماء. فلو أنهم صيادون؛ لكان لا بد لي من الاختباء قبل أن يعثروا عليَّ.
136
الفصل الثامن والعشرون
فسرعان ما سيعثرون على النار التي أوقدتُها وقارب الكانو الذي أبنيه، ومع ذلك كان
بإمكاني أن أذهب إلى الكهف وأكون في مأمن منهم على الأرجح. ولكن لو أن قومي قد
أرسلوهم ليأخذوني، فينبغي ألَّا أختبئ منهم.
تحركتِ السفينة ببطء بين الصخور السوداء حتى دخلتْ خليج المرجان. كان
بإمكاني رؤية الرجال آنذاك، ولم يكونوا من الأليوتيين.
أنزل الرجال قارب كانو وجدَّف به رجلان تجاه الشاطئ. كانت الرياح قد بدأت
تعصف وواجه الرجلان صعوبة في الرُّسُوِّ على الشاطئ. وفي النهاية، بقي أحد الرجلين في
القارب، وقفز الآخر الحليق في الماء، ثم سار على الشاطئ وسلك الممر صاعدًا.
لم يكن باستطاعتي رؤيتُه، ولكن بعد فترة من الوقت سمعتُ صيحة، ثم أخرى،
وعلمتُ أنه قد عثر على النار التي كنتُ أوقدتُها وعلى القارب. لم يُجبْه الرجل الذي تركه
عند الخليج، ولا الرجال الموجودون على السفينة، ولذلك كنتُ متأكدة من أنه كان ينادي
عليَّ.
زحفتُ نزولًا من على الصخرة وذهبتُ إلى منزلي. وحيث إن كتفيَّ كانتا عاريتين، فقد
ارتديتُ ردائي المصنوع من فرو ثعالب البحر، وأخذتُ تنورتي المصنوعة من ريش طائر
الغاق، والصندوق المصنوع من قواقع أذن البحر الذي كنتُ أحتفظ فيه بعقدي وأقراطي،
ثم سلكتُ الطريق المؤدي إلى خليج المرجان بصحبة رونتو آرو.
وصلتُ إلى التبَّة التي كان أسلافي أحيانًا يُخيِّمون عندها في الصيف. فكرتُ فيهم وفي
الأوقات السعيدة التي قضيتُها في منزلي على اللسان، وفي قاربي غير المكتمل الملقى بجانب
الطريق. فكرت في أشياء كثيرة، ولكن أكثر شيء ألحَّ على فكري كان الرغبة في التواجد
حيث يعيش الناس، وفي أن أسمع أصواتهم وضحكاتهم.
تركتُ التبَّة والعشب الأخضرالنامي عليها بين الصدفات البيضاء. لم يعد بإمكاني
سماع الرجل وهو ينادي؛ ولذلك بدأتُ في العَدْو. وعندما وصلتُ إلى الموضع الذي يلتقي
فيه الطريقان، حيث كنت قد أشعلت النار، وجدتُ آثار أقدام الرجل.
تبعتُ آثار الأقدام إلى الخليج، فوجدتُ قارب الكانو قد عاد إلى السفينة. كانت الرياح
تعوي في ذلك الوقت وقد لفَّ الضباب الخليج وبدأتِ الأمواج تتلاطم على الشاطئ. رفعتُ
يدي وصِحتُ، مرة تلو الأخرى، ولكن صوتي ضاع وسط الرياح. ركضتُ على الشاطئ
وخضتُ في الماء، ولكن الرجال لم يَرَوْني.
137
جزيرة الدلافين الزرقاء
بدأ المطر يتساقط ودفعتْ به الريح في وجهي. توغَّلتُ أكثر بين الأمواج، رافعةً ذراعيَّ
للسفينة التي راحتْ تتحرك ببطء في الضباب، متجهة نحو الجنوب. ووقفتُ هناك حتى
غابتِ السفينة عن الأنظار.
138
الفصل التاسع والعشرون
بعد ربيعين آخرين، ذاتصباح ذي سحب بيضاء وبحر هادئ، عادتِ السفينة مرة أخرى.
رأيتُها عند الفجر من على اللسان، وكانت على مسافة بعيدة في الأفق. وعندما توسَّطتِ
الشمس السماء، كانتِ السفينة راسية في خليج المرجان.
وقفتُ حتى مغيب الشمس أتفرَّج من على اللسان في حين راح الرجال يُقيمون
معسكرهم على الشاطئ ويوقدون نارًا، ثم ذهبتُ إلى منزلي. لم أنَمْ طوال الليل، وظللتُ
أفكر في الرجل الذي نادى عليَّ ذات مرة.
كنتُ قد فكرتُ كثيرًا في صوته الذي نادى عليَّ منذ ليلة العاصفة عندما أبحرتِ
السفينة. فكل يوم من الربيعين والصيفين التاليين لتلك الليلة، كنتُ أذهب إلى اللسان
وأراقب البحر، دائمًا عند الفجر وعند الغسق.
في الصباح شممت رائحة دخان من النار التي أوقدوها في معسكرهم. نزلتُ إلى
الوادي الضيق واستحممتُ في النبع وارتديتُ وشاحي المصنوع من فرو ثعالب الماء
وتنورتي المحاكة من ريشطيور الغاق. ثم تزيَّنتُ بالعِقد ذي الأحجار السوداء والقرطين
الأسودين. وباستخدام الطين الأزرق، رسمتُ علامة قبيلتنا على أنفي.
ثم فعلتُ شيئًا جعلني أبتسم لنفسي؛ فقد فعلتُ ما فعلتْه شقيقتي الكبرى يولابى
عندما غادرتْ جزيرة الدلافين الزرقاء؛ فأسفل علامة قبيلتنا، رسمتُ بحرصٍالعلامة التي
تعني أنني لم أتزوج بعدُ. ورغم أني لم أعُد فتاة صغيرة، فقد رسمتُها على أي حال،
مستخدمةً الطين الأزرق وبعضالطين الأبيضلرسم النقاط.
بعد ذلك عدت إلى المنزل وأوقدتُ نارًا وطهوت طعامًا من أجلي أنا ورونتو آرو. لم
أكن جائعة، فأكل الكلب طعامه وطعامي أيضًا.
قلت له: »سوف نرحل بعيدًا … بعيدًا عن جزيرتنا. «
جزيرة الدلافين الزرقاء
ولكنه اكتفى بإمالة رأسه جانبًا، مثلما اعتاد أبوه أن يفعل، وعندما لم أقُلْ شيئًا
آخر، هرول إلى مكان مشمس بالخارج واستلقى أرضًا ثم راح في النوم.
وإذ عاد الرجال البيض، لم أستطع أن أفكر فيما سأفعله عندما أعبر البحر، أو أرسم
في عقليصورة للرجال البيضوما يفعلونه هناك، أو أرى قومي الذين رحلوا إلى هناك منذ
زمن بعيد. وعندما أفكر في الماضي— في الفصول الكثيرة التي تعاقبتْ عليَّ — لا أجدني
قادرة على رؤية كل فصل على حدة. كانت كلها متزاحمة في هيئة شعور واحد يعتمل في
صدري، ولاشيء أكثر من ذلك.
كان الصباح مشمسًا، والرياح مُشبَعَة برائحة البحر ومخلوقاته. رأيت الرجال قبل
وقت طويل من رؤيتهم للمنزل القائم على اللسان، وكانوا يقفون بعيدًا عند الكثبان
الرملية في الجنوب. كانوا ثلاثة؛ رجلان طويلا القامة ورجل قصير يرتدي عباءة رمادية
طويلة. تركوا الكثبان وساروا على طول الجرف، ولما رأَوْا دخان النار التي تركتُها مشتعلة،
تتبعوه حتى وصلوا في النهاية إلى منزلي.
زحفتُ من تحت السور ووقفتُ في مواجهتهم. كان الرجل ذو العباءة الرمادية يضع
حول عنقه سلسلة من الخرز وفي نهايتها حِلية من الخشب المصقول. رفع يده وأومأ
لي في إشارة مطابقة لشكل الحلية التي يرتديها، ثم تحدث إليَّ أحد الرجلين اللذين كانا
يقفان خلفه. صنعتْ كلماتُه أغرب أصوات سمعتُها في حياتي. شعرت في البداية بالرغبة
في الضحك، ولكني عضضتُ لساني منعًا لذلك.
هززت رأسينفيًا وابتسمت له. فتحدث مجددًا، ببطء هذه المرة، ورغم أن كلماته لم
تتغير عن المرة الأولى ولم تكن تعني شيئًا بالنسبة لي، فقد بدتْ لي عذبة. كانت الكلمات
تمثل صوتًا بشريٍّا، ولا يوجد صوت يُضاهيه في العالم بأسره.
رفع الرجل يده مشيرًا تجاه الخليج ورسم صورة في الهواء لما بدا أنه سفينة.
وعند ذلك أومأتُ بالموافقة وأشرتُ أنا الأخرى إلى السِّلال الثلاث التي وضعتُها بجانب
النار، مشيرةً بأخذها معي على السفينة، إضافةً إلى قفصوضعتُ فيه طائرين صغيرين.
تبادلنا الكثير من الإشارات والإيماءات قبل مغادرة المكان، رغم أن الرجلين كانا
يتحادثان. أعجبهم عِقْدي، وردائي، وتنورة ريش طيور الغاق التي تألقتْ في الشمس.
ولكن عندما وصلنا إلى الشاطئ، حيث كان معسكرهم، كان أول ما فعله أكثرهما حديثًا
هو أنه طلب من الرجلين الآخرين أن يصنعا لي ثوبًا.
عرفت أن ذلك ما قاله لأن أحدهما وقف أمامي ومدَّ خيطًا من رقبتي إلى قدميَّ، ثم
من كتف إلى الأخرى.
140
الفصل التاسع والعشرون
كان الثوب أزرق اللون، مكوَّنًا من سروالين، تمامًا مثل السراويل التي كان الرجال
البيضيرتدونها. قُطِّع السروالان إلى أجزاء ثم جلسأحد الرجال علىصخرة وأخذ يخيطها
باستخدام خيط أبيض. كان الرجل ذا أنف طويل، يشبه الإبرة التي كان يستخدمها. وقد
جلس على الصخرة طوال فترة ما بعد الظهيرة، وظلتْ إبرته تتحرك إلى الأمام والخلف،
داخلةً القماش وخارجةً منه، وتلمع تحت أشعة الشمس.
ومن وقت لآخر كان الرجل يرفع الثوب ويومئ برأسه كأنه مسرور بعمله. أومأتُ
برأسي كأنني مسرورة أنا الأخرى، ولكني لم أكن كذلك؛ فقد أردتُ أن أرتدي تنورتي
المصنوعة من ريش طيور الغاق وردائي المصنوع من فرو ثعلب الماء، اللذين كانا أكثر
جمالًا من الشيء الذي يحيكه.
كان الثوب يغطِّيني من حنجرتي إلى قدميَّ ولم يعجبني، سواء من حيث لونه أو
طريقة انسيابه، علاوة على أنه كان يُشعرني بالحرِّ. ولكنني ابتسمتُ ووضعتُ تنورتي
الجميلة في إحدى السلال لكي أرتديها عندما أعبر البحر، في غير وجود الرجال.
ظلت السفينة في خليج المرجان تسعة أيام؛ كانت قد جاءت من أجل ثعالب الماء،
ولكن ثعالب الماء رحلتْ. فلا بد أن بعضثعالب الماء التي تتذكر الأليوتيين كانت لا تزال
موجودة؛ لأنه في ذلك الصباح لم يكن ثمة ثعلب ماء على مرمى البصر.
كنتُ أعلم إلى أين ذهبتْ ثعالب الماء. لقد ذهبتْ إلى الصخرة العالية، ولكن عندما
أراني الرجال الأسلحة التي جلبوها معهم لقتل ثعالب الماء، هززتُ رأسيمتظاهرةً بأنني
لا أفهم ما يقصدونه.
ثم أشاروا إلى ردائي المصنوع من فرو ثعلب الماء، ولكني ظللت أهز رأسينفيًا.
سألتُهم عن السفينة التي أبحرتْ بقومي قبل سنوات عديدة بإيماءات تمثِّل سفينة
وإشارة تجاه الشرق، ولكنهم لم يفهموا قصدي. ولم أعلم عن أمر السفينة شيئًا حتى
وصلتُ إلى إرسالية سانتا باربرا وقابلتُ الأب جونزاليس وعلمتُ منه أن تلك السفينة
غرقتْ في عاصفة عاتية بعد وقت قصير من وصولها إلى بلده، وأنه لا توجد سفينة أخرى
في المحيط المجاور لهم كله. وهذا هو السبب في أن الرجال البيضلم يعودوا من أجلي.
أبحرنا في اليوم العاشر، وكان ذلك في صباح صفتْ فيه السماء وسكنتِ الرياح،
وأبحرنا في اتجاه الشمس مباشرةً.
وقفتُ طويلًا أنظر ورائي إلى جزيرة الدلافين الزرقاء. وكان آخر ما رأيتُه منها هو
اللسان المرتفع. فكرت في رونتو الذي يرقد هناك تحت الأحجار المتعددة الألوان، وفي وان
141
جزيرة الدلافين الزرقاء
آه ني، أينما كانت، وفي الثعلبة الحمراء الصغيرة التي ستخمشسور منزلي بلا طائل، وفي
قاربي المخبَّأ في الكهف، وفي كل الأيام السعيدة التي عشتُها هناك.
صعدتِ الدلافين من تحت سطح الماء وأخذتْ تسبح أمام السفينة. سبحتِ الدلافين
فراسخَ عِدَّةً في الصباح، في المياه البرَّاقة، ناسجةً أشكالًا من الزَّبَد. كان الطائران الصغيران
يُزَقْزِقان في قفصهما، ورونتو آرو جالسًا إلى جواري.
142
كلمة المؤلف
كان الهنود الحُمْر هم أولَ مَن استوطن الجزيرة المسماة في هذا الكتاب »جزيرة الدلافين
الزرقاء « نحو عام ???? قبل الميلاد، ولكن لم يكتشفها البِيضحتى عام ???? .
في ذلك العام انطلق المستكشف الإسباني سيباستيان فيسكايينو من المكسيك بحثًا
عن ميناء يمكن لسفن الغليون التي تُبحر من الفلبين محمَّلةً بالكنوز أن تستخدمه
كملاذ في حالة الكوارث. وعندما أبحر فيسكايينو شمالًا بمحاذاة ساحل كاليفورنيا، أبصر
الجزيرة؛ فأرسل قاربًا صغيرًا إلى الشاطئ وأطلق عليها اسم »جزيرة سان نيكولاس ؛«
تكريمًا للقديس نيكولاس راعي البحَّارة والمسافرين والتجار.
وبمرور القرون، انتقلتْ كاليفورنيا من سيطرة الإسبان إلى سيطرة المكسيكيين، ثم
وصل الأمريكيون، إلا أن الصيادين لم يكونوا يترددون على الجزيرة بصفة منتظمة. وبقي
سكان الجزيرة من الهنود الحمر معزولين عن العالم.
والواقع أن الفتاة نظيرة روبنسون كروزو، التي حاولتُ إعادةَ إحياء قصتها، عاشتْ
وحدها على هذه الجزيرة من عام ???5 إلى عام ??5? ، وهي معروفة في التاريخ باسم
»امرأة جزيرة سان نيكولاس المفقودة .«
والحقائق المتعلقة بهذه الفتاة قليلة جدٍّا. فقد علِمْنا من تقارير القبطان هابرد، الذي
نقل هنود قبيلة جالاس-أت على متن مركبه الشراعي، أن الفتاة قفزت في البحر بالفعل،
رغم محاولات منعها. وعلمنا من السجلات التي تركَها القبطان نيديفر أنه عُثر عليها
بعد ذلك بثماني عشرة سنة، وحيدة بصحبة كلب، في منزل بدائي على اللسان، وكانتْ
ترتدي تنورة مصنوعة من ريش طائر الغاق. وقد علِم الأب جونزاليس من إرسالية سانتا
باربرا، الذي أصبحصديقًا لها بعد إنقاذها من على الجزيرة، أن كلابًا برية قتلتْ شقيقها.
ولكنه لم يعرف شيئًا يُذكَر عدا ذلك؛ لأنها كانت تتحدث إليه بالإشارات؛ فلا هو ولا
جزيرة الدلافين الزرقاء
الهنود الكثيرون في الإرسالية استطاعوا فهم لغتها الغريبة. أما هنود قبيلة جالاس-أت
فقد اختفَوْا قبل ذلك بوقت بعيد.
دُفنتِ »امرأة جزيرة سان نيكولاسالمفقودة « على تلٍّ قريب من إرسالية سانتا باربرا،
وأرُسلتْ تنورتها الخضراء المصنوعة من ريش طائر الغاق إلى روما.
جزيرة سان نيكولاس هي الأبعد بين جزر القناة الثمانية، وتقع على بُعد خمسة
وسبعين ميلًا في اتجاه الجنوب الغربي لمدينة لوس أنجلوس. ولسنوات طويلة، اعتقد
المؤرخون أنها استُوطِنتْ منذ نحو ستة قرون مضتْ، ولكن اختبارات التأريخ بواسطة
الكربون الْمُشِعِّ التي أجريتْ حديثًا على الحفريات بالجزيرة أظهرتْ أن الهنود الحمر
وصلوا إلى الجزيرة من الشمال قبل العصر المسيحي بزمن. ويمكن مشاهدة رسوماتهم
للكائنات التي تعيشعلى البر وفي البحر والجوِّ، الشبيهة بالرسومات المكتَشَفة على سواحل
ألاسكا، والمنحوتة بمهارة فائقة، في متحف ساوث ويست بمدينة لوس أنجلوس.
ومستقبل جزيرة سان نيكولاس مبهم؛ فهي الآن قاعدة سرية للبحرية الأمريكية،
ولكن العلماء يتنبئون بأن الأمواج العارمة والرياح العاتية ستجرف الجزيرة يومًا ما
ويغمرها البحر.
في تأليف رواية »جزيرة الدلافين الزرقاء «، أود أن أعُرب عن عميق امتناني لكلٍّ من:
مود لافليس وديلوس لافليس، وبرنيس إيستمان جونسون من متحف ساوث ويست،
وفليتشر كار الأمين السابق لمتحف سان دييجو للإنسان.
144