Advertisement

جبارة الغابة

 جَبَّارَةُ الْغَابَةِ



جَبَّارَةُ الْغَابَةِ

تأليف
كامل كيلاني



جَبَّارَةُ الْغَابَةِ

كامل كيلاني

رقم إيداع
تدمك:
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
رسم الغلاف: حنان بغدادي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.


جبارة الغابة


(?) حَدِيثُ النَّسِيمِ

مَرَّ نَسِيمُ الصَّبَاحِ عَلَى الْأَزْهَارِ الْبَهِيجَةِ النَّاضِرَةِ الَّتِي تَزْدَانُ بِهَا الْأَجَمَةُ، وَهَمَسَ النَّسِيمُ فِي أَثْنَاءِ خَطْرَتِهِ (فِي خِلَالِ مُرُورِهِ):
«يَا لَهُ مِنْ نَبَإٍ هَائِلٍ! يَا لَهُ مِنْ نَبَإٍ هَائِلٍ!»
فَانْزَعَجَتِ الزَّهَرَاتُ، وَقَالَتْ مَدْهُوشَةً: «أَيَّ نَبَإٍ تَحْمِلُ، يَا نَسِيمَ الصَّبَاحِ؟»
فَهَمَسَ النَّسِيمُ الْبَلِيلُ (الْمُحَمَّلُ بِالنَّدَى، الْمُبَلَّلُ بِهِ):
«لَقَدْ هَلَكَتْ جَبَّارَةُ الْغَابَةِ! لَقَدْ هَلَكَتْ جَبَّارَةُ الْغَابَةِ!»
فَقَالَتْ زَهْرَةُ الْأُقْحُوَانِ، وَهِيَ أَعْلَى أَزْهَارِ الْغَيْضَةِ ارْتِفَاعًا (وَالْغَيْضَةُ: مُجْتَمَعُ الشَّجَرِ):
«أَتَعْنِي: السِّنْدِيَانَةَ الْعَجُوزَ؟ وَكَيْفَ هَلَكَتْ هَذِهِ الْجَبَّارَةُ، وَهِيَ مِثَالُ الْقُوَّةِ وَالصَّلَابَةِ؟ هَذَا لَا يَكُونُ؛ فَإِنَّ الْعَمَالِقَةَ الْأَشِدَّاءَ لَا يَمُوتُونَ. وَمَا أَحْسَبُكَ إِلَّا وَاهِمًا مُخْطِئًا فِي حُسْبَانِكَ، يَا سَيِّدِي النَّسِيمَ.
وَكَيْفَ تُرِيدُنَا عَلَى أَنْ نُصَدِّقَ هَذَا النَّبَأَ، وَقَدْ كَانَتْ — إِلَى أَمْسِ — شَامِخَةً ذَاهِبَةً فِي الْفَضَاءِ، كَأَنَّهَا الْعِمْلَاقُ الْعَظِيمُ، أَوِ الْمَارِدُ الْجَبَّارُ الْهَائِلُ، كَمَا حَدَّثَتْنِي عَنْهَا صَدِيقَتِي الْقُنْبَرَةُ، الَّتِي كَانَتْ تُغَرِّدُ عَلَى أَفْنَانِهَا (تُغَنِّي عَلَى أَغْصَانِهَا) فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ؟»
فَجَمْجَمَ النَّسِيمُ (تَكَلَّمَ خَافِتَ الصَّوْتِ)، وَهُوَ يَبْتَعِدُ:
«لَقَدْ مَاتَتْ جَبَّارَةُ الْغَابَةِ، وَلَقِيَتْ حَتْفَهَا (مَوْتَهَا) لَيْلَةَ أَمْسِ. نَعَمْ هَلَكَتِ الْجَبَّارَةُ، وَقَتَلَتْهَا الْعَاصِفَةُ قَتْلًا!»
(?) حُزْنُ الشَّرَاشِيرِ

وَكَانَ شُرْشُورَانِ يَمْرَحَانِ عَلَى حَافَةِ الْأَجَمَةِ، فَسَمِعَا هَمْسَ النَّسِيمِ وَأَصْغَيَا إِلَى كُلِّ مَا قَالَهُ؛ فَتَمَلَّكَهُمَا الدَّهَشُ وَالْعَجَبُ.
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»:
«أَتُصَدِّقُ هَذَا النَّبَأَ الْهَائِلَ! إِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ تَصْدِيقَهُ!»
فَأَجَابَهَا «أَبُو بَرَاقِشَ»:
«مَا أَظُنُّهُ كَاذِبًا فِيمَا قَالَ؛ فَلْنَطِرْ إِلَيْهَا لِنَتَثَبَّتَ.»
فَأَقَرَّتْهُ «أُمُّ شَرْشَرَةَ» عَلَى رَأْيِهِ.

ثُمَّ طَارَ الشُّرْشُورَانِ — مِنْ فَوْرِهِمَا (تَوًّا) — وَأَخْفَقَا (ضَرْبًا بِأَجْنِحَتِهِمَا)، وَسُرْعَانَ مَا وَصَلَا إِلَى شَجَرَةِ الْبَلُّوطِ. وَثَمَّ (هُنَاكَ) أَيْقَنَا أَنَّ النَّسِيمَ لَمْ يَكُنْ مَخْدُوعًا فِيمَا عَرَفَهُ، وَلَا كَاذِبًا فِيمَا قَرَّرَهُ.
لَقَدْ رَأَى الشُّرْشُورَانِ مَصْرَعَ جَبَّارَةِ الْغَابَةِ، وَحزنَتْهُمَا تِلْكَ الْخَاتِمَةُ الْمُؤْلِمَةُ، وَهَالَهُمَا (أَخَافَهُمَا) أَنْ يَرَيَا جِسْمَهَا الْكَبِيرَ مَطْرُوحًا عَلَى الْأَعْشَابِ، وَقَدِ اقْتَلَعَتِ الْعَاصِفَةُ جُذُورَهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَحَطَّمَتْ أَغْصَانَهَا بِلَا رَحْمَةٍ.
وَنَظَرَ الشُّرْشُورَانِ إِلَى شَجَرَةِ الْبَلُّوطِ بِعُيُوُنٍ دَامِعَةٍ.
وَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ» بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
«أَلَا تَرَى هَذِهِ النَّكْبَةَ الْهَائِلَةَ؟ لَا جَرَمَ (حَقًّا) أَنَّهَا خَسَارَةٌ فَادِحَةٌ، يَا أَبَا بَرَاقِشَ. وَسَيَحْزَنُ عَلَيْهَا إِخْوَتُنَا الشَّرَاشِيرُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الطُّيُورِ.»
فَأَجَابَهَا «أَبُو بَرَاقِشَ»، وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْأَسَى وَالْحُزْنُ:

«صَدَقْتِ — يَا أُمَّ شَرْشَرَةَ — فَهِيَ نَكْبَةٌ جَسِيمَةٌ، وَخَسَارَةٌ لَا تُعَوَّضُ. لَقَدِ انْقَضَى الْيَوْمَ عَهْدٌ (انْتَهَى زَمَنٌ) سَعِيدٌ، طَالَمَا نَعِمْنَا بِهِ بَيْنَ أَغْصَانِ هَذِهِ الْجَبَّارَةِ الْعَجُوزِ. وَلَنْ نَظْفَرَ — بَعْدَ الْآنَ — بِمَا نَعِمْنَا بِهِ فِي ظِلَالِهَا الْوَارِفَةِ الْمَبْسُوطَةِ مِنَ الْمَرَحِ وَالزَّقْزَقَةِ، وَتَمْثِيلِ أَدْوَارِ الِاسْتِخْفَاءِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَلْعَابِ الْبَهِيجَةِ.
وَمَا أَشَدَّ حُزْنَنَا لِمَصْرَعِكِ، وَمَا أَشَدَّ أَلَمَنَا لِوَدَاعِكِ، أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ الْعَزِيزَةُ عَلَيْنَا! فَلَقَدْ طَالَمَا خَفَقْنَا (طِرْنَا) وَأَوَيْنَا إِلَيْكِ (اتَّخَذْنَاكِ لَنَا مَنْزِلًا)؛ فَآوَيْتِنَا، كَمَا آوَيْتِ غَيْرَنَا مِنْ كِرَامِ الطَّيْرِ، وَأَنْقَذْتِ أَرْوَاحَنَا وَأَرْوَاحَهُمْ مِنَ الْهَلَاكِ. وَكَمْ خَبَأَتْ أَغْصَانُكِ الْكَبِيرَةُ مِنْ طُيُورٍ كَانَتْ تَلُوذُ (تَلْجَأُ وَتَحْتَمِي) بِكِ، كُلَّمَا رَأَتْ «أَبَا الْأَشْعَبِ»: ذَلِكَ الْبَازِيَ الشَّرِسَ، وَهُوَ يَتَلَمَّسُهَا (يَتَطَلَّبُهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى) جَاهِدًا فِي بَحْثِهِ عَنْهَا؛ فَلَا يَظْفَرُ مِنْهَا بِطَائِلٍ (لَا يَرْجِعُ بِفَائِدَةٍ). وَكَمْ وَقَيْتِهَا غَائِلَةَ الْعِقْبَانِ! وَلَسْتُ أَنْسَى تِلْكَ الْأُسْرَةِ مِنَ الْعِقْبَانِ الْفَتَّاكَةِ (الْمُفْتَرِسَةِ)، حِينَ قَدِمَ الْغَرَنُ: رَبُّ تِلْكَ الْأُسْرَةِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يُحَادِثُ زَوْجَهُ: «الْقَنْوَاءَ» وَوَلَدَهُ «النَّاهِضَ». وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْغَضَبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى طَائِرٍ وَاحِدٍ يَأْكُلُهُ.»
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»: «وَهَلْ نَسِيتَ أُسْرَةَ النُّسُورِ الَّتِي وَفَدَتْ عَلَيْنَا — مُنْذُ أَسَابِيعَ — وَقَدْ ضَاعَ تَعَبُ «الضَّرِيكِ» رَبِّ تِلْكَ الْأُسْرَةِ، وَزَوْجِهِ «الْعِتْرَةِ» وَوَلَدِهَا «الْهَيْثَمِ»، بِلَا طَائِلٍ (بِغَيْرِ فَائِدَةٍ)؛ لِأَنَّ الطُّيُورَ قَدِ اخْتَبَأَتْ بَيْنَ أَغْصَانِ هَذِهِ الْجَبَّارَةِ، فَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهَا عَيْنُ كَائِنٍ كَانَ؟»
فَقَالَ «أَبُو بَرَاقِشَ»: «كَلَّا، لَمْ أَنْسَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ. وَكَمْ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الْعَزِيزَةِ عَلَيْنَا مِنْ مَآثِرَ (مَكْرُمَاتٍ) وَأَيَادٍ لَا تُحْصَى (نِعَمٍ لَا تُعَدُّ)!»
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»: «لَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ هَذِهِ الْجَبَّارَةَ لَا تَمُوتُ!»
فَقَالَ «أَبُو بَرَاقِشَ»: «لَمْ يَكُنْ يَدُورُ بِخَلَدِي (يَمُرُّ بِبَالِي) قَطُّ أَنَّ هَذِهِ الْجَبَّارَةَ تَهْلِكُ (تَمُوتُ)، لِأَنَّهَا مِثَالُ الْقُوَّةِ وَالصَّلَابَةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَصْرَعَهَا (مَقْتَلَهَا) سَيُحْزِنُ أَصْدِقَاءَنَا، حِينَ يَعْلَمُونَ نَبَأَهُ الْهَائِلَ (خَبَرَهُ الْمُحْزِنَ). وَالْآنَ — وَقَدِ انْقَضَى هَذَا الْعَهْدُ السَّعِيدُ، وَذَهَبَتْ تِلْكَ الْأَيَّامُ الْهَنِيئَةُ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ — أَجِدُنِي مُتَأَلِّمًا حَزِينًا، وَأَنَا أَسْأَلُ نَفْسِي: تُرَى كَيْفَ تَعِيشُ السَّنَاجِيبُ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ؟»
لَعَلَّكَ رَأَيْتَ السِّنْجَابَ — أَيُّهَا الْقَارِئُ الصَّغِيرُ — فِي حَدِيقَةِ الْحَيَوَانِ، وَلَعَلَّكَ لَا تَزَاَلُ تَذْكُرُ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ الطَّوِيلَ الذَّنَبِ، الْحَسَنَ الشَّعْرِ، الَّذِي يُشَبَّهُ بِلَوْنِهِ، فَيُقَالُ اللَّوْنُ السِّنْجَابِيُّ!
وَاسْتَأْنَفَ «أَبُو بَرَاقِشَ» قَائِلًا: «تُرَى كَيْفَ تَظْفَرُ هَذِهِ السَّنَاجِيبُ بِطَعَامِهَا فِي فَصْلِ الشِّتَاءِ، وَقَدْ حُرِمَتْ الْقَسْطَلَ — ثَمَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ النَّافِعَةِ — الَّذِي هُوَ أَشْهَى ثِمَارٍ فِي الْأَجَمَةِ؟»
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»، وَهِيَ تَقْفِزُ حَوْلَ الشَّجَرَةِ الْهَالِكَةِ:
«خَبِّرْنِي — يَا أَبَا بَرَاقِشَ — أَتُرَاهُمْ يَتْرُكُونَ هَذِهِ الْجَبَّارَةَ الصَّرِيعَ، طُولَ فَصْلِ الشِّتَاءِ، فِي هَذَا الْمَكَانِ؟»
فَأَجَابَهَا «أَبُو بَرَاقِشَ»: «كَلَّا يَا عَزِيزَتِي؛ فَإِنَّ رِجَالَ الْقَرْيَةِ سَيَحْضُرُونَ لِلِاحْتِطَابِ (اقْتِطَاعِ الْحَطَبِ)، بَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ، وَلَنْ يَتْرُكُوهَا حَيْثُ هِيَ؛ لِأَنَّ خَشَبَ الْبَلُّوطِ عَظِيمُ الْفَائِدَةِ، جَلِيلُ النَّفْعِ لِلنَّاسِ. وَقَدْ حَدَّثَتْنِي أُخْتِي «أُمُّ بِرْقِشَ» أَنَّ النَّاسَ يَبْنُونَ مِنَ الْبَلُّوطِ بُيُوتًا كَبِيرَةً، تَمْشِي عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ، يُسَمُّونَهَا: سُفُنًا وَبَوَاخِرَ وَمَرَاكِبَ.»
فَصَاحَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ» بِصَوْتٍ حَزِينٍ:
«يَا لَكِ مِنْ جَبَّارَةٍ تَاعِسَةٍ، أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ الْعَجُوزُ. وَلَسْتُ أَشُكُّ فِي أَنَّ لَكِ تَارِيخًا حَافِلًا. فَمَنْ لَنَا بِأَنْ نَتَعَرَّفَ قِصَّتَكِ؟»
فَقَالَ «أَبُو بَرَاقِشَ»: «صَدَقْتِ — يَا زَوْجِيَ الْعَزِيزَةَ — فَإِنِّي شَدِيدُ الشَّوْقِ إِلَى تَعَرُّفِ قِصَّةِ هَذِهِ الْجَبَّارَةِ الصَّرِيعِ.»
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»: «فَلْنَذْهَبْ إِلَى «أَبِي الْخُطَّافِ»، أَعْنِي ذَلِكَ الْحِدَأَةَ الذَّكِيَّ، لِنَتَعَرَّفَ مِنْهُ قِصَّةَ الْجَبَّارَةِ الْهَالِكَةِ.»
فَقَالَ لَهَا «أَبُو بَرَاقِشَ»: «كَلَّا يَا عَزِيزَتِي، بَلْ نَذْهَبُ إِلَى «ابْنِ دَأْيَةَ»: ذَلِكِ الْعَقْعَقُ الْهَرِمُ (الْغُرَابُ الْمُسِنُّ)؛ لِيَقُصَّ عَلَيْنَا أَنْبَاءَ الشَّجَرَةِ. فَهُوَ — وَحْدَهُ — خَبِيرٌ بِتَارِيخِهَا كُلِّهِ.»
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»: «أَتَظُنُّهُ أَعْلَمَ مِنْ «أَبِي الْخُطَّافِ» بِتَارِيخِهَا؟»
فَقَالَ «أَبُو بَرَاقِشَ»: «لَيْسَ فِي هَذَا شَكٌّ، فَهُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ.»
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»: «هَلُمَّ (تَعَالَ)، فَلْنَذْهَبْ إِلَيْهِ جَمِيعًا.»
(?) ابْنُ دَأْيَةَ

كَانَ «ابْنُ دَأْيَةَ» عَقْعَقًا ذَكِيًّا، طَاعِنًا فِي السِّنِّ. وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمَ «الْغُرَابِ النُّوحِيِّ» — لِكَثْرَةِ نُوَاحِهِ (بُكَائِهِ) — كَمَا كَانَ الْآخَرُونَ يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ «الْعَقْعَقِ»؛ لِأَنَّهُ يُكْثِرُ مِنَ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ «عَقْ — عَقْ».
وَكَانَ «ابْنُ دَأْيَةَ» هَذَا شَيْخًا مُسِنًّا — كَمَا قُلْنَا — فَأَصْبَحَ — لِضَعْفِهِ — لَا يَكَادُ يَبْرَحُ وَكْرَهُ (قَلَّمَا يُفَارِقُ عُشَّهُ) الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، فِي رَأْسِ شَجَرَةٍ بَاسِقَةٍ (عَالِيَةٍ) مِنْ أَشْجَارِ الْحُورِ. وَقَدْ ضَعُفَ بَصَرُ (ابْنِ دَأْيَةَ) مِنَ الْكِبَرِ، وَانْتَابَتْهُ أَعْرَاضُ الشَّيْخُوخَةِ؛ فَأَصْبَحَ لَا يَكَادُ يُبْصِرُ شَيْئًا، وَتَسَاقَطَ رِيشُهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَلَمَّا وَصَلَ الشُّرْشُورَانِ إِلَى وَكْرِ الْعَقْعَقِ، سَلَّمَا عَلَيْهِ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِمَا التَّحِيَّةَ، بَعْدَ أَنْ عَرَفَ صَوْتَهُمَا. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا بِصَوْتِهِ الْأَبَحِّ (الْغَلِيظِ الَّذِي فِيهِ بُحَّةٌ): «أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمَا، أَيُّهَا الْعَزِيزَانِ الصَّغِيرَانِ!»
فَقَالَا لَهُ: «سَعِدَ يَوْمُكَ، يَا عَمَّنَا الْعَزِيزَ.»

وَإِنَّمَا أَطْلَقَا عَلَيْهِ اسْمَ: الْعَمِّ — وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا عَمًّا — لِأَنَّ طُيُورَ الْبَلَدِ كُلَّهَا تَعَوَّدَتْ أَنْ تُنَادِيَهُ بِهَذَا اللَّقَبِ.
ثُمَّ قَالَ الشُّرْشُورَانِ: «كَيْفَ صِحَّتُكَ — فِي هَذَا الصَّبَاحِ — يَا عَمَّنَا «ابْنَ دَأْيَةَ»؟»
فَقَالَ لَهُمَا: «لَيْسَتْ عَلَى مَا يُرَامُ (لَيْسَتْ كَمَا أُحِبُّ وَأَشْتَهِي) يَا عَزِيزَيَّ. فَقَدْ رَابَنِي بَصَرِي (لَقِيتُ بِهِ مَا أَكْرَهُ)؛ فَلَا أَكَادُ أُبْصِرُ شَيْئًا. فَخَبِّرَانِي: مَاذَا عِنْدَكُمَا مِنَ الْأَنْبَاءِ الْجَدِيدَةِ؟»
فَقَالَا لَهُ: «أَلَا تَعْرِفُ — يَا عَمَّنَا — أَنَّ الْعَاصِفَةَ قَدِ اقْتَلَعَتْ شَجَرَةَ الْبَلُّوطِ الْعَجُوزَ، الَّتِي نُطْلِقُ عَلَيْهَا اسْمَ «جَبَّارَةِ الْغَابَةِ»؟»
فَذُعِرَ «الْعَقْعَقُ» (خَافَ)، وَوَقَفَ عَلَى إِحْدَى رِجْلَيْهِ، وَقَالَ مَدْهُوشًا: «أَيَّ نَبَإٍ تَحْمِلَانِ؟ وَكَيْفَ تَقُولَانِ؟ أَجَبَّارَةَ الْغَابَةِ تَعْنِيَانِ؟ كَيْفَ هَلَكَتْ؟ لَعَلَّكُمَا تُرِيدَانِ أَنْ تَعْبَثَا (تَهْزَءَا) بِي، وَتَضْحَكَا مِنِّي!»
فَقَالَ الشُّرْشُورَانِ: «كَلَّا، كَلَّا — يَا أَبَا عَقْعَقٍ — لَيْسَ مِزَاحًا مَا نَقُولُ. إِنَّهَا الْحَقِيقَةُ الرَّاهِنَةُ (الْحَاضِرَةُ الْوَاقِعَةُ) الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا، وَقَدْ جِئْنَا نَسْأَلُكَ: هَلْ تَعْرِفُ قِصَّةَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَتَارِيخَهَا؟»
فَقَالَ «الْعَقْعَقُ» مُتَأَلِّمًا مَحْزُونًا: «قِصَّتُهَا وَتَارِيخُهَا؟ كَيْفَ أَجْهَلُهُمَا؟ وَمَنْ أَعْرَفُ بِهِمَا مِنِّي وَأَخْبَرُ؟ أَجَلْ (نَعَمْ) أَعْرِفُهُمَا عَلَى التَّحْقِيقِ. وَقَدْ حَدَّثَتْنِي أُمِّي بِهِمَا — رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهَا — أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ … مِسْكَينَةٌ شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ! أَمَاتَتْ؟ هَا نَحْنُ أُولَاءِ قَدْ فَقَدْنَا صَدِيقًا كَرِيمًا، عَزِيزًا عَلَيْنَا أَنْ نَفْقِدَهُ!»
(?) نَشْأَةُ الْجَبَّارَةِ

وَجَثَمَ (قَعَدَ) الشُّرْشُورَانِ عَلَى حَافَةِ الْعُشِّ، وَوَقَفَ الْعَقْعَقُ، ثُمَّ قَالَ مُتَحَسِّرًا مُتَفَجِّعًا:
«إِلَيْكُمَا (خُذَا) — يَا عَزِيزَيِّ — قِصَّةَ هَذِهِ الْجَبَّارَةِ الْعَجُوزِ: لَقَدْ حَدَثَ، مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ: بَعِيدٍ جِدًّا، قَبْلَ أَنْ تُولَدَ أَشْجَارُ هَذَا الْبَلَدِ كُلِّهِ — الَّتِي تَرَيَانِهَا أَمَامَكُمَا — أَنْ سَقَطَتْ ثَمَرَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ هِيَ شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ، الَّتِي كَانَتْ تَعِيشُ فِي ذَلِكُمَا الزَّمَنِ الْغَابِرِ. وَكَانَ فِي تِلْكُمَا الثَّمَرَةِ طِفْلٌ صَغِيرٌ، رَاقِدٌ فِي مَهْدِهِ، وَهُوَ — فِي مُسْتَهَلِّ حَيَاتِهِ — ضَعِيفٌ لَا قُوَّةَ لَهُ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكُمَا الْجَنِينُ إِلَّا بَذْرَةً صَغِيرَةً مِنْ نَوْعِ الْبُذُورِ الَّتِي تَرَيَانِهَا فِي ثِمَارِ الْبَلُّوطِ. وَلَمْ يَكُنْ لِلْجَنِينِ أُمْنِيَّةٌ أَشْهَى (أَحَبُّ) إِلَى نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يَعِيشَ بِالْقُرْبِ مِنْ أُمِّهِ الْعَزِيزَةِ، حَيْثُ يَحْيَا فِي أَمْنٍ وَدَعَةٍ (رَاحَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ)، تَحْتَ أَغْصَانِهَا الْكَثِيفَةِ. وَلَكِنْ يُرِيدُ الْمَخْلُوقُ أَمْرًا، وَيُرِيدُ اللهُ — سُبْحَانَهُ — أَمْرًا آخَرَ. وَلَا مَرَدَّ لِمَشِيئَةِ الْخَالِقِ الْمُدَبِّرِ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ. سَقَطَتْ ثَمَرَةٌ عَلَى الْأَرْضِ — كَمَا حَدَّثْتُكُمَا — فَهَلْ تَعْلَمَانِ مَاذَا حَدَثَ؟
لَقَدْ آلَمَتْهَا السَّقْطَةُ، وَأَذْهَلَهَا (أَنْسَاهَا) الْأَلَمُ، حَتَّى كَادَتْ تَفْقِدُ رُشْدَهَا. وَإِنَّهَا لَتُعَانِي (تُقَاسِي) أَلَمَ السُّقُوطِ، إِذْ بَصُرَ بِهَا سِنْجَابٌ، فَانْقَضَّ عَلَيْهَا لِيَأْكُلَهَا. فَانْزَعَجَ الْبَلُّوطِيُّ الْجَنِينُ، وَاشْتَدَّ خَوْفُهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ — لَا مَحَالَةَ — هَالِكٌ. وَلَكِنَّ اللهَ — سُبْحَانَهُ — كَتَبَ لَهُ السَّلَامَةَ مِنَ الْهَلَاكِ، وَقَيَّضَ (هَيَّأَ) لَهُ الْفَرَجَ، وَبَدَّلَ يَأْسَهُ رَجَاءً.
أَتَعْرِفَانِ كَيْفَ نَجَا الْجَنِينُ؟
لَقَدْ سَمِعَ عُوَاءً عَالِيًا: «عَوْ! عَوْ!» فَأَيَّ صَوْتٍ سَمِعَ؟ إِنَّهُ عُوَاءُ الْكَلْبِ. فَلَقَدْ نَشِطَ «ابْنُ وَازِعٍ» — وَهُوَ كَلْبٌ كَانَ يَعِيشُ قَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ — فَرَاحَ يَجْرِي مُسْرِعًا، وَهُوَ يَعْوِي خَلْفَ السِّنْجَابِ؛ لِيَلْحَقَ بِهِ وَيَفْتَرِسَهُ. فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُ السِّنْجَابِ (الْفَرَائِصُ جَمْعُ: فَرِيصَةٍ: وَهِيَ لَحْمَةٌ — بَيْنَ الْجَنْبِ وَالْكَتِفِ — تَهْتَزُّ عِنْدَمَا يَكُونُ الْخَوْفُ).

وَسُرْعَانَ مَا أَلْقَى السِّنْجَابُ ثَمَرَةَ الْبَلُّوطِ الصَّغِيرَةَ، وَلَجَأَ إِلَى الْفِرَارِ حَتَّى لَا يَفْتِكَ بِهِ «ابْنُ وَازِعٍ» (لِكَيْ لَا يَفْتَرِسَهُ الْكَلْبُ).
(?) مَوْطِنُ الشَّحَارِيرِ

وَلَبِثَ الْبَلُّوطِيُّ الْجَنِينُ — مُنْذُ ذَلِكُمَا الْحِينِ — بَاقِيًا عِنْدَ حَافَةِ دَوْحَةٍ كَبِيرَةٍ، هِيَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ مُتَّسِعَةٌ، عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ سِيَاجٍ كَبِيرٍ مِنْ أَشْجَارِ الْبُنْدُقِ. وَظَلَّ فِي مَهْدِهِ رَاقِدًا مُسْتَسْلِمًا لِنَوْمٍ عَمِيقٍ — طَوَالَ الشِّتَاءِ — تَحْتَ الْحَشَائِشِ الْيَابِسَةِ الَّتِي يُغَطِّيهَا الْجَلِيدُ فِي ذَلِكُمَا الْفَصْلِ.
وَكَانَتِ الشَّحَارِيرُ تَغْشَى هَذَا الْمَكَانَ، وَتَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَتُؤْثِرُهُ (تَخْتَارُهُ) عَلَى غَيْرِهِ — مِنْ أَنْحَاءِ الْأَجَمَةِ — وَتَلْتَقِيَ عِنْدَهُ، لِتَتَنَاقَلَ أَسْمَارَهَا (أَحَادِيثَهَا الْجَمِيلَةَ)؛ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ اسْمَ «أَجَمَةِ الشَّحَارِيرِ».
(?) يَقَظَةُ الطِّفْلِ

وَلَمَّا جَاءَ الرَّبِيعُ التَّالِي، اسْتَيْقَظَتْ بَذْرَةُ الْبَلُّوطِ مِنْ سُبَاتِهَا (مِنْ نَوْمِهَا الْعَمِيقِ). فَأَحَسَّتْ جُوعًا شَدِيدًا، وَاشْتَهَتْ نَفْسُهَا الطَّعَامَ. فَلَمْ يُلَبِّ طَلَبَهَا أَحَدٌ … وَمَنْ لَهَا بِأُمِّهَا الَّتِي تُعْنَى (تَهْتَمُّ) بِهَا، وَتُلَبِّي رَغَبَاتِهَا؟
لَقَدْ نَشَأَ هَذَا الطِّفْلُ النَّبَاتِيُّ — كَمَا حَدَّثْتُكُمَا — بَعِيدًا عَنْ أُمِّهِ. وَقَدْ شَعَرَ بِوَحْدَتِهِ وَضَعْفِهِ؛ فَحَزِنَ لِذَلِكُمَا، وَاشْتَدَّ أَلَمُهُ. وَلَوِ اسْتَطَاعَ الْبُكَاءَ لَبَكَى، كَمَا يَبْكِي الطِّفْلُ الْحَيَوَانِيُّ. وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ — بَغْتَةً — أَنَّ أُمَّهُ وَضَعَتْ فِي مَهْدِهِ، قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا، وِسَادَتَيْنِ (مِخَدَّتَيْنِ) صَغِيرَتَيْنِ مَمْلُوءَتَيْنِ بِطَعَامِهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالدَّقِيقِ. وَقَدْ تَحَوَّلَ هَذَا الطَّعَامُ — تَحْتَ الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ — عَجِينَةً. فَلَمَّا طَعِمَهَا (ذَاقَهَا) الطِّفْلُ الْبَلُّوطِيُّ، اسْتَسَاغَهَا (اسْتَطْعَمَهَا)، وَهَشَّ لَهَا (ارْتَاحَ وَابْتَهَجَ). ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الطَّعَامِ — فِي شَرَهٍ عَجِيبٍ — حَتَّى نَمَا جِسْمُهُ، وَكَبِرَ جِرْمُهُ (حَجْمُهُ)؛ فَضَاقَ بِهِ مَهْدُهُ. وَشَعَرَ الطِّفْلُ بِضِيقِ هَذَا السَّرِيرِ؛ فَتَسَلَّلَ مِنْ بَيْنِ هَاتَيْنِ الْوِسَادَتَيْنِ، بَعْدَ أَنْ أَكَلَ مَا تَحْوِيَانِهِ — مِنَ الْغِذَاءِ — وَلَمْ يُبْقِ مِنْهُ شَيْئًا يُذْكَرُ.
وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى عَالَمِ الْأَرْضِ، تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ (تَنَفَّسَ طَوِيلًا)، وَابْتَهَجَ وَشَعَرَ بِفَرَحٍ لَا مَثِيلَ لَهُ.
ثُمَّ تَحَوَّلَ — بَعْدَ قَلِيلٍ — إِلَى مَاذَا؟ أَلَا تَعْرِفَانِ؟ تَحَوَّلَ إِلَى جَذْرٍ (أَصْلٍ) صَغِيرٍ، كَمَا تَتَحَوَّلُ بُذُورُ النَّبَاتِ كُلِّهَا. وَشَقَّ لِنَفْسِهِ طَرِيقًا مُسْتَقِيمَةً عَمُودِيَّةً فِي جَوْفِ الْأَرْضِ!
وَمَا زَالَ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ يَرْتَوِي بِالْمَاءِ، وَيَتَغَذَّى بِعَصِيرِ الْأَرْضِ — وَقَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الْعَجِينَةِ الْأُولَى الَّتِي حَدَّثْتُكُمَا عَنْهَا — ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَصْبَحَ غُلَامًا. وَلَكِنَّ الضَّجَرَ لَازَمَهُ، لِوَحْدَتِهِ وَوَحْشَتِهِ. وَمَا أَجْدَرَهُ بِذَلِكُمَا؛ فَإِنَّ الْعُزْلَةَ تُسْئِمُ وَتُضْجِرُ. فَلَا تَعْجَبَا إِذَا أَخْبَرْتُكُمَا أَنَّهُ كَانَ يَتَنَهَّدُ وَيَتَحَسَّرُ — طُولَ النَّهَارِ — وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ:
«آهٍ! مَنْ لِي بِأَنْ أَخْرُجَ مِنْ هَذَا السِّجْنِ الضَّيِّقِ، إِلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ، لِأَرَى جَمَالَ الدُّنْيَا! وَلَعَلِّي أَظْفَرُ — إِذَا تَمَّ لِي هَذَا — بِأَصْدِقَاءَ خُلَصَاءَ يُبَادِلُونَنِي الْحُبَّ وَالْوَلَاءَ.»
(?) فِي عَالَمِ الضَّوْءِ

وَكَانَ الطِّفْلُ الْبَلُّوطِيُّ صَبُورًا شُجَاعًا: شَأْنَ أَطْفَالِ الْبَلُّوطِ جَمِيعًا.
فَظَلَّ صَاحِبُنَا يَدْفَعُ رَأْسَهُ — بِكُلِّ مَا أُوتِيهِ مِنْ قُوَّةٍ — لِيَرْفَعَ سَقْفَ هَذَا السِّجْنِ، حَتَّى أَدْرَكَ أُمْنِيَّتَهُ، وَظَفِرَ بِطِلْبَتِهِ (فَازَ بِمَطْلَبِهِ).
وَثَمَّةَ أَصْبَحَ فِي عَالَمِ الضَّوْءِ — بَعْدَ أَنْ طَالَ احْتِبَاسُهُ فِي عَالَمِ الظَّلَامِ — فَابْتَهَجَ لِهَذَا، وَاشْتَدَّ فَرَحُهُ، وَتَمَلَّكَهُ الزَّهْوُ (اسْتَوْلَى عَلَى نَفْسِهِ الْإِعْجَابُ)؛ فَظَلَّ يَهْتَزُّ — يَمْنَةً وَيَسْرَةً — وَهُوَ فَرْحَانٌ بِسَاقِهِ الْجَمِيلِ، وَوَرَقَتَيْهِ الْخَضْرَاوَيْنِ. وَكَانَ الطِّفْلُ الْبَلُّوطِيُّ جَدِيرًا بِهَذَا الزَّهْوِ: فَقَدْ أُعْجِبَ بِهِ كُلُّ مَنْ رَآهُ.

وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَرَاشَةٌ جَمِيلَةٌ، تُحَيِّيهِ وَتَطِيرُ حَوْلَهُ فَرِحَةً مَسْرُورَةً، وَابْتَسَمَتْ لَهُ شَقَائِقُ النُّعْمَانِ الْبَيْضَاءُ، وَحَيَّتْهُ تَحِيَّةَ الْإِعْجَابِ.
وَجَاءَتْ جَرَادَةٌ تُرَفْرِفُ عَلَيْهِ بِجَنَاحِهَا، وَتُرَحِّبُ بِمَقْدَمِهِ. وَلَمْ يُنَغِّصْ عَلَيْهِ صَفْوَهُ إِلَّا دُوَيْبَةُ الْحَلَزُونِ، تِلْكُمَا الدُّوَيْبَةُ (الدَّابَّةُ الصَّغِيرَةُ) الْبَغِيضَةُ إِلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ — لِسُوءِ أَدَبِهَا — تَمَسُّهُ بِقَرْنَيْهَا؛ فَيُؤْلِمُهُ مَسُّهَا، وَيَكْرُبُهُ (يَسُوءُهُ) لَمْسُهَا.
فَإِذَا أَقْبَلَ الْمَسَاءُ، جَاءَتْ دُودَةٌ زَاحِفَةٌ مِنْ خِلَالِ الْحَشَائِشِ، حَتَّى إِذَا اقْتَرَبَتْ مِنَ الْغُلَامِ الْبَلُّوطِيِّ، فَرِحَتْ بِرُؤْيَتِهِ، وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا مُبْتَهِجَةً: «مَا أَلَذَّهَ عَشَاءً، وَمَا أَشْهَاهُ طَعَامًا!»
ثُمَّ تُسْرِعُ الدُّودَةُ إِلَى نَبَاتِ الْبَلُّوطِ، وَقَدْ فَرِحَتْ بِاهْتِدَائِهَا إِلَى هَذَا الْعَشَاءِ الْفَاخِرِ، وَتَصْعَدُ إِلَى سَاقِهِ مُتَسَلِّقَةً فِي خِفَّةٍ وَرَشَاقَةٍ. وَلَا تَزَالُ تَقْرِضُ أَطْرَافَ أَوْرَاقِهِ وَتَقْضَمُهَا (تَأْكُلُهَا بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهَا)، وَهُوَ يَرْتَجِفُ مِنَ الْأَلَمِ، وَيَذْكُرُ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تُحَدِّثُهُ — وَهُوَ عَلَى غُصْنِهَا — أَنَّ النَّبَاتَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْأَوْرَاقِ، لِيَتَنَفَّسَ مِنْهَا. وَثَمَّ يَشْتَدُّ بِهِ الْأَلَمُ، وَيُبَرِّحُ بِهِ (يُؤْذِيهِ) الْحُزْنُ؛ حَتَّى لَيَوَدُّ لَوْ أُتِيحَ (لَوْ تَهَيَّأَ) لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى جَوْفِ الْأَرْضِ ثَانِيَةً، فَلَا يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأَذِيَّةِ. وَلَا تَزَالُ الدُّودَةُ دَائِبَةً عَلَى قَرْضِ الْوَرَقَةِ الْخَضْرَاءِ الْجَمِيلَةِ، حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهَا (تَأْكُلَهَا كُلَّهَا).
(?) حَارِسُ النَّبَاتِ

ثُمَّ يَسْمَعُ الْغُلَامُ الْبَلُّوطِيُّ خَفْقَ أَجْنِحَةٍ تَقْتَرِبُ مِنْهُ فَجْأَةً، ثُمَّ تَضْرِبُ رَأْسَهُ ضَرْبَةً قَوِيَّةً؛ فَتُذْهِلُهُ (تُنْسِيهِ)، وَتُرَنِّحُهُ (تُضْعِفُهُ). وَلَا يَتَعَرَّفُ جَلِيَّةَ الْأَمْرِ، حَتَّى يُبْصِرَ طَائِرًا يَطِيرُ، وَفِي مِنْقَارِهِ الدُّودَةُ الْبَاغِيَةُ (الظَّالِمَةُ) الَّتِي اعْتَدَتْ عَلَى أَوْرَاقِهِ. فَيَشْكُرُ لَهُ صَاحِبُنَا الْغُلَامُ الْبَلُّوطِيُّ هَذِهِ الْيَدَ (الْحَسَنَةَ وَالْفَضْلَ)، وَلَا يَنْسَى لَهُ الْجَمِيلَ. وَلَا يَزَالُ الصَّغِيرُ الْبَلُّوطِيُّ يُحَيِّيهِ وَيَشْكُرُ لَهُ صَنِيعَهُ (مَعْرُوفَهُ)، وَهُوَ يَقُولُ:
لَقَدْ نَجَوْتُ مِنَ الْهَلَاكِ بِأُعْجُوبَةٍ خَارِقَةٍ (غَيْرِ عَادِيَّةٍ). فَيَا لَيْتَ شِعْرِي (لَيْتَنِي أَعْلَمُ) كَيْفَ يَكُونُ مَصِيرِي لَوْ فَقَدْتُ هَذَا الطَّائِرَ الْحَارِسَ الْكَرِيمَ، الَّذِي يَحْمِي أَوْرَاقِي مِنَ التَّلَفِ؟»
(?) أُسْرَةُ الْبَلُّوطِ

كَانَ «ابْنُ دَأْيَةَ» يَقُصُّ هَذَا التَّارِيخَ الْعَجِيبَ الْحَافِلَ (الْمَمْلُوءَ بِالْحَوَادِثِ)، عَلَى «أَبِي بَرَاقِشَ» وَ«أُمِّ شَرْشَرَةَ»، وَهُمَا شَدِيدَا الْإِعْجَابِ بِمَا يَسْمَعَانِ. وَلَمْ تَفُتْهُمَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الطَّرِيفَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ «ابْنُ دَأْيَةَ» فِي حَدِيثِهِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، صَمَتَ (سَكَتَ) قَلِيلًا لِيَسْتَرِيحَ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ (عَادَ يَتَكَلَّمُ) نَاعِبًا (مُصَوِّتًا)، يَقُولُ: «مَرَّ عَلَى هَذَا الْحَادِثِ — أَيُّهَا الْعَزِيزَانِ — سِنُونَ عِدَّةٌ (سَنَوَاتٌ كَثِيرَةٌ)، فَقَوِيَ نَبْتُ الْبَلُّوطِ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَصْبَحَ شَجَرَةً كَبِيرَةً جَمِيلَةً، ذَاتَ جِذْعٍ (سَاقٍ) مَتِينٍ، وَأَوْرَاقٍ كَثِيفَةٍ، ظِلَالُهَا وَارِفَةٌ (وَاسِعَةٌ). وَصَارَ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ الضَّعِيفُ أُمًّا شَدِيدَةَ الْقُوَى، أَنْجَبَتْ (وَلَدَتْ أَبْنَاءً نُجَبَاءَ)؛ فَصَارَتْ لَهَا أُسْرَةٌ كَبِيرَةُ الْعَدَدِ مِنْ شُجَيْرَاتِ الْبَلُّوطِ الصَّغِيرَةِ.
وَكَانَتِ الْأُمُّ الْبَلُّوطِيَّةُ كَثِيرَةَ الْحَنَانِ (عَظِيمَةَ الرَّحْمَةِ)، شَدِيدَةَ الْعَطْفِ عَلَى أَبْنَائِهَا، تَبْسُطُ ذِرَاعَيْهَا عَلَيْهِمْ، لِتَحْمِيَهُمْ خَطَرَ الْعَاصِفَةِ إِذَا هَبَّتْ وَعَنُفَتْ (اشْتَدَّتْ)، حَتَّى لَا يُصْيبَهُمْ أَيُّ سُوءٍ.
وَكَانَتِ الشُّجَيْرَاتُ مُمْتَلِئَةً قُوَّةً وَصَلَابَةً. وَلَا غَرْوَ (لَا عَجَبَ)، فَقَدْ كَانَتْ شَدِيدَةَ النَّهَمِ (كَثِيرَةَ الْحِرْصِ عَلَى الْأَكْلِ). وَقَدْ تَكَاثَرَ عَدَدُهَا — عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ — حَتَّى تَأَلَّفَ مِنْهَا أَجَمَةٌ مَمْلُوءَةٌ بِشَجَرِ الْبَلُّوطِ الْجَمِيلِ. وَصَارَتِ الطُّيُورُ تَفِدُ (تَقْدَمُ) عَلَيْهَا وَتَجِيءُ إِلَيْهَا، مِنْ جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْجَوِّ — مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الْمَسَاءِ — وَتُبْهِجُ الْغَابَةَ (تَسُرُّهَا) بِأَغَارِيدِهَا (أَغَانِيهَا) الْجَمِيلَةِ، وَأَصْوَاتِهَا الْعَذْبَةِ.
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ — مِنْ أَيَّامِ شَهْرِ مَايُو — قَالَتِ الْبَلُّوطَةُ لِأَبْنَائِهَا الشُّجَيْرَاتِ الصَّغِيرَةِ:
«لَقَدْ حَانَ وَقْتُ ازْدِهَارِكُمْ (جَاءَ زَمَنُ إِشْرَاقِ حُسْنِكُمْ) وَنُمُوِّكُمْ؛ فَأَقْبِلُوا عَلَى الْغِذَاءِ — فِي نَهَمٍ — لِيَتِمَّ نَمَاؤُكُمْ، وَتَكْثُرَ ثَمَرَاتُكُمْ الَّتِي يَنْبُتُ — مِنْ بُذُورِهَا — أَبْنَاؤُكُم.»
ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الْبَلُّوطَةُ قَائِلَةً:
«وَا فَرْحَتَاهُ إِذَا تَمَّتْ لِي هَذِهِ الْأُمْنِيَّةُ؛ فَإِنِّي أُصْبِحُ حِينَئِذٍ جَدَّةً، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتُ أُمًّا!»
•••

وَظَلَّتِ الْأَجَمَةُ سَعِيدَةً بِهَذِهِ الْأُسْرَةِ، وَكَانَتْ شُجَيْرَاتُ الْبَلُّوطِ دَائِمَةَ الِابْتِهَاجِ وَالْمَرَحِ، تَقْضِي أَكْثَرَ أَوْقَاتِهَا فِي أَحَادِيثَ وَأَسْمَارٍ طَرِيفَةٍ، وَتَهُزُّ رُءُوسَهَا مِنْ شِدِّةِ الْفَرَحِ؛ فَتُذْعَرُ (تَتَفَزَّعُ) أَفْرَاخُ الطُّيُورِ (أَبْنَاؤُهَا الصَّغِيرَةُ)، وَلَا تَجْرُؤُ عَلَى أَنْ تَنَامَ بَيْنَ أَغْصَانِهَا، فَتُضْطَرُّ إِلَى الرُّقَادِ فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى.
(??) مَصَارِعُ الْبَلُّوطِ

وَلَكِنَّ السُّرُورَ لَا يَدُومُ طَوِيلًا فِي هَذَا الْعَالَمِ: عَالَمِ النَّبَاتِ جَمِيعًا. فَمَا أَسْرَعَ وُفُودَ الْحَطَّابِينَ — فِي فَجْرِ الْأَيَّامِ الْمُتَقَارِبَةِ — عَلَى الْغَابَةِ، حَيْثُ يُذْعِرُونَ الطَّيْرَ وَالدَّوَابَّ، وَيُنَغِّصُونَ (يُكَدِّرُونَ) عَلَيْهَا صَفَاءَهَا، وَيَطْرُدُونَ نَوْمَهَا الْهَادِئَ؛ فَتَهْرُبَ الطَّيْرُ وَالسَّنَاجِيبُ، وَهِيَ تَنْدُبُ سُوءَ حَظِّهَا، وَتَرْتَجِفُ شُجَيْرَاتُ الْبَلُّوطِ، كُلَّمَا سَمِعَتْ رَنِينَ الْفُئُوسِ الثَّقِيلَةِ فِي الْجُذُوعِ الصَّغِيرَةِ النَّاشِئَةِ.
وَلَا يَزَالُ النَّاسُ يَحْتَطِبُونَ (يَقْطَعُونَ الْحَطَبَ) حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسَاءُ. وَلَقَدْ لَقِيَتْ كَثِيرٌ مِنْ شُجَيْرَاتِ الْبَلُّوطِ مَصَارِعَهَا، وَانْطَرَحَتْ عَلَى الْأَرْضِ مَيِّتَةً لَا حَيَاةَ فِيهَا.

فَتَحْزَنُ أُمُّ الْبَلُّوطِ لِهَلَاكِ بَنَاتِهَا، وَتَأْلَمُ — لِفِرَاقِهِنَّ — أَشَدَّ الْأَلَمِ.
ثُمَّ لَا يَلْبَثُ بَدْرُ السَّمَاءِ الْجَمِيلُ أَنْ يَسْطَعَ فَوْق ذِرْوَةِ الْجَبَلِ (قِمَّتِهِ وَأَعْلَى مَكَانٍ فِيهِ)؛ فَتَقُولُ لَهُ الْأُمُّ الْحَزِينَةُ:
«خَبِّرْنِي أَيُّهَا الْبَدْرُ الْمُنِيرُ. حَدِّثْنِي أَيُّهَا الصَّدِيقُ الْكَرِيمُ: لِمَاذَا يَقْتُلُ النَّاسُ أَوْلَادِي الْأَعِزَّاءَ؟»
فَلَا تُتِمُّ قَوْلَهَا، حَتَّى تَعْتَرِضَ سَحَابَةٌ ضَوْءَ الْقَمَرِ؛ فَلَا تَسْمَعُ الْبَلُّوطَةُ — لِسُؤَالِهَا — رَدًّا. ثُمَّ لَا تَلْبَثُ النُّجُومُ أَنْ تَظْهَرَ فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ تَتَلَأْلَأُ آلَافٌ مِنَ الْمَصَابِيحِ السَّمَاوِيَّةِ الصَّغِيرَةِ الْبَدِيعَةِ.
•••

فَتَقُولُ لَهَا شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ مُسْتَفْسِرَةً:
«بِرَبِّكِ خَبِّرِينِي، يَا نُجُومَ السَّمَاءِ. بِرَبِّكِ لَا تَكْتُمِي الْحَقِيقَةَ عَنِّي، أَيَّتُهَا الصَّدِيقَاتُ الْعَزِيزَاتُ. حَدِّثِينِي: مَا الَّذِي أَغْضَبَ النَّاسَ مِنِّي، أَيَّتُهَا الْكَوَاكِبُ اللَّامِعَاتُ؟ لِمَاذَا اقْتَحَمُوا عَلَيَّ غَابَتِي، وَرَاحُوا يَعْتَدُونَ عَلَى أَهْلِي وَعَشِيرَتِي؟ لِمَاذَا قَتَلُوا بَنَاتِي، أَيَّتُهَا النُّجُومُ الْمُؤْتَلِقَاتُ؟»
فَلَا تُجِيبُهَا الْكَوَاكِبُ، وَلَا تَرُدُّ عَلَيْهَا النُّجُومُ!
وَلَا تَزَالُ شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ سَاهِدَةً مُؤَرَّقَةً (سَاهِرَةً لَا يَزُورُهَا النَّوْمُ) لِحُزْنِهَا عَلَى أَبْنَائِهَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ؛ فَيَنْتَابُهَا الْمَرَضُ، وَيُحَاوِلُ أَصْدِقَاؤُهَا مِنْ طُيُورِ الْأَجَمَةِ أَنْ يُهَوِّنُوا عَلَيْهَا مَا تُكَابِدُهُ مِنْ أَلَمٍ (مَا تُقَاسِيهِ مِنْ وَجَعٍ)؛ فَلَا يَجِدُونَ إِلَى ذَلِكُمَا سَبِيلًا.
(??) عَزَاءُ الشُّحْرُورِ

فَإِذَا اقْتَرَبَ زَمَنُ الْخَرِيفِ اصْفَرَّتْ أَوْرَاقُهَا، وَتَسَاقَطَتْ — وَاحِدَةً إِثْرَ أُخْرَى — وَتَجَوَّفَ جِذْعُهَا (صَارَ سَاقُهَا فَارِغًا)، وَأَيْقَنَ الْجَمِيعُ أَنَّ مَصْرَعَهَا وَشِيكٌ، وَأَصْبَحُوا يَتَرَقَّبُونَ مَوْتَهَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
وَكَانَتِ الْبَلُّوطَةُ لَا تَنِي (لَا تُبْطِئُ) عَنْ سُؤَالِ كُلِّ مَنْ رَأَتْهُ:
«لِمَاذَا قَتَلَ النَّاسُ أَوْلَادِي؟»
فَفِي ذَاتِ يَوْمٍ مَرَّ بِهَا شُحْرُورٌ شَيْخٌ، فَلَمَّا أَلْقَتْ عَلَيْهِ هَذَا السُّؤَالَ — وَقَدْ أَلْقَتْهُ عَلَى غَيْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ — قَالَ لَهَا:
«لَمْ يَقْتُلِ النَّاسُ أَوْلَادَكِ انْتِقَامًا مِنْكِ، كَمَا تَظُنِّينَ؛ فَلَيْسَ بَيْنَكِ وَبَيْنَهُمْ تِرَةٌ (ثَأْرٌ) وَلَا عَدَاوَةٌ. إِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسُ أَبْنَاءَكِ، لِأَنَّهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِمْ؛ فَهُمْ يَتَدَفَّئُونَ بِأَجْسَامِهِمُ الْخَشَبِيَّةِ، وَلَا يَسْتَغْنُونَ عَنْ حَطَبِهِمْ، كَمَا أَنَّهُمْ يَسْتَعِينُونَ بِقِشْرِهِمْ فِي صُنْعِ نِعَالِهِمْ. وَحَسْبُكِ (يَكْفِيكِ) أَنْ يَكُونَ أَوْلَادُكِ نَافِعِينَ؛ فَلَيْسَ أَبْهَجَ لِلنَّفْسِ مِنْ أَنْ تَشْعُرَ بِأَنَّهَا أَدَّتْ قِسْطَهَا (قَامَتْ بِنَصِيبِهَا) مِنْ خِدْمَةِ النَّاسِ!»
فَابْتَهَجَتْ شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ، وَسُرِّيَ عَنْهَا (خَفَّ أَلَمُهَا)، حِينَ سَمِعَتْ كَلَامَ الشُّحْرُورِ، وَتَعَزَّتْ (تَصَبَّرَتْ) عَنْ فَقْدِ بَنَاتِهَا الْعَزِيزَاتِ.
ثُمَّ جَاءَ الرَّبِيعُ، فَأَخَذَتْ شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ زِينَتَهَا، وَاسْتَعَادَتْ بَهْجَتَهَا. وَلَمْ يَحُلَّ الْخَرِيفُ، حَتَّى أَصْبَحَتْ أَغْصَانُهَا مُحَمَّلَةً بِزَهَرَاتٍ جَمِيلَةٍ بَرَّاقَةٍ.»
(??) الْعُشُّ الصَّغِيرُ

وَهُنَا قَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ» لِـ«ابْنِ دَأْيَةَ»:
«مَعْذِرَةً — يَا ابْنَ دَأْيَةَ — إِذَا قَطَعْتُ عَلَيْكَ حَدِيثَكَ الْمُمْتِعَ؛ فَقَدْ ذَكَرْتُ الْآنَ شَيْئًا مُهِمًّا أُرِيدُ أَنْ تُفَسِّرَهُ لِي.»
فَقَالَ لَهَا «الْعَقْعَقُ»: «سَلِي مَا تَشَائِينَ.»
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»:
«لَقَدْ رَأَيْتُ كُرَاتٍ حُمْرًا عَلَى وَرَقِ الْبَلُّوطِ؛ فَلَمْ أَدْرِ: أَيُّ شَيْءٍ هِيَ؟
كَانَ ذَلِكَ فِي الصَّيْفِ الْمَاضِي إِبَّانَ (حِينَ) تَغَيُّبِ زَوْجِي «أَبِي بَرَاقِشَ»؛ فَذَهَبْتُ لِزِيَارَةِ إِحْدَى صَدِيقَاتِي مِنَ الْعَصَافِيرِ، وَظَلِلْنَا نَمْرَحُ وَنَلْعَبُ مَعًا لُعْبَةَ الِاسْتِخْفَاءِ — بَيْنَ أَغْصَانِ شَجَرَةِ الْبَلُّوطِ — فَلَمَحْتُ الْكُرَاتِ الْحُمْرَ. وَقَدْ أَعْجَبَنِي لَوْنُهَا الْبَدِيعُ الْقَانِي (الشَّدِيدُ الْحُمْرَةِ)؛ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّهَا «كَرَزٌ». ثُمَّ أَسْرَعْتُ إِلَيْهَا، فَنَقَرْتُهَا، وَهَمَمْتُ بِأَكْلِهَا. وَمَا تَذَوَّقْتُهَا حَتَّى وَجَدْتُ لَهَا طَعْمًا مُرًّا لَذَّاعًا، كَادَ — لِمَرَارَتِهِ وَلَذْعِهِ — يُحْرِقُ لِسَانِي، وَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّنِي تَذَوَّقْتُ سَمًّا قَاتِلًا!» فَقَالَ «ابْنُ دَأْيَةَ»، وَهُوَ يَهُزُّ رَأْسَهُ سَاخِرًا:
«مَا أَعْجَبَ شَرَهَكِ، وَأَشَدَّ بَلَاهَتَكِ، يَا ابْنَةَ أَخِي الطَّائِشَةَ! كَيْفَ دَارَ بِخَلَدِكِ (كَيْفَ مَرَّ بِخَاطِرِكِ) أَنَّهَا «كَرَزٌ»؟ وَهَلْ يَنْبُتُ الْكَرَزُ فِي شَجَرِ الْبَلُّوطِ؟ فَكَيْفَ تَحْكُمِينَ، يَا عَزِيزَتِي؟
إِنَّ هَذِهِ الْكُرَةَ لَيْسَتْ إِلَّا عُشًّا صَغِيرًا.»
فَصَاحَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ» مَدْهُوشَةً:
«آهٍ! كَلَّا — يَا عَمِّي — فَلَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ عُشًّا!»
فَقَالَ لَهَا «الْعَقْعَقُ»: «بَلْ كَانَتْ عُشًّا، بِلَا رَيْبٍ. وَكَانَ يَرْقُدُ فِيهَا طِفْلٌ صَغِيرٌ. وَلَوْ أَنَّكِ أَنْعَمْتِ النَّظَرَ، لَرَأَيْتِ — فِي ذَلِكَ الْعُشِّ الصَّغِيرِ — دُودَةً مِنْ تِلْكَ الدِّيدَانِ الَّتِي تَبْحَثِينَ عَنْهَا مُجِدَّةً جَاهِدَةً.»
فَقَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»: «وَا أَسَفَاهُ عَلَى ضَيَاعِ تِلْكَ الْفُرْصَةِ الثَّمِينَةِ! لَقَدْ فَوَّتُّهَا عَلَى نَفْسِي بِجَهْلِي وَغَبَاوَتِي. وَلَيْتَنِي عَرَفْتُهَا، إِذَنْ لَنَعِمْتُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ الْفَاخِرِ اللَّذِيذِ!»
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ «الْعَقْعَقُ» حَدِيثَهُ قَائِلًا:
«إِنِّي مُحَدِّثُكِ — يَا أُمَّ شَرْشَرَةَ — عَنْ فَائِدَةِ هَذِهِ الْكُرَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا اسْمًا نَسِيتُهُ … وَا أَسَفَاهُ يَا عَزِيزَتِي، فَإِنِّي أَجِدُنِي قَدْ فَقَدْتُ الذَّاكِرَةَ بِلَا رَيْبٍ!»
(??) قِصَّةُ صَادِقٍ

فَهَمَسَ «أَبُو بَرَاقِشَ» فِي أُذُنِ «الْعَقْعَقِ»:
«صَهٍ، أَيُّهَا الْعَمُّ الْكَرِيمُ. حَذَارِ أَنْ تَتَكَلَّمَ؛ فَإِنِّي أَرَى شَخْصًا يَمُرُّ فِي الطِّريقِ، وَهُوَ — فِيمَا يَلُوحُ لِي — شَيْخٌ مُقَوَّسُ الظَّهْرِ، يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ قَفَصًا.»
فَقَالَ «الْعَقْعَقُ»، وَقَدْ عَرَفَهُ مِنْ سَمْتِهِ (هَيْئَتِهِ) وَمِشْيَتِهِ:
«أَلَا تَعْرِفَانِ هَذَا الشَّيْخَ؟ كَلَّا! مَا أَظُنُّكُمَا تَعْرِفَانِهِ؛ فَإِنَّكُمَا لَا تَزَالَانِ صَغِيرَينِ. لَقَدْ كَانَ هَذَا الشَّيْخُ الْهَرِمُ مِنْ أَصْدِقَاءِ «جَبَّارَةِ الْغَابَةِ»، مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ اسْمَهُ «صَادِقٌ». وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى «جَبَّارَةِ الْغَابَةِ» فِي زَمَنِ طُفُولَتِهِ، وَيَلْهُو — مَا شَاءَ أَنْ يَلْهُو — فِي أَجَمَتِنَا. ثُمَّ وَقَعَ لَهُ حَادِثٌ مُفْزِعٌ مُؤْلِمٌ؛ فَلَمْ أَرَهُ مُنْذُ هَذَا الْحِينِ …
إِنَّهَا قِصَّةٌ قَدِيمَةُ الْعَهْدِ.»
فَقَالَ الشُّرْشُورَانِ:
«لَيْتَكَ تَقُصُّهَا عَلَيْنَا — يَا أَبَا الْعَقْعَقِ — فَإِنَّنَا شَدِيدَا الشَّغَفِ بِسَمَاعِ الْقِصَصِ.»
فَقَالَ «الْعَقْعَقُ»:
«لَكُمَا مَا تُرِيدَانِ يَا وَلَدَيَّ، وَإِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكُمَا حَدِيثَهُ الْمُحْزِنَ.
لَقَدْ تَسَلَّقَ هَذَا الشَّيْخُ — وَكَانَ حِينَئِذٍ صَبِيًّا — جِذْعَ الدَّوْحَةِ الْجَبَّارَةِ الْهَائِلَةِ حَتَّى بَلَغَ قِمَّتَهَا.
ثُمَّ جَلَسَ عَلَى أَحَدِ أَغْصَانِهَا الْعَالِيَةِ، وَضَمَّ سَاقًا إِلَى سَاقٍ، وَظَلَّ يَرْتَجِحُ (يَمِيلُ يَمِينًا وَيَسارًا، كَأَنَّهُ فِي أُرْجُوحَةٍ) مَسْرُورًا، وَيِصِيحُ مُبْتَهِجًا:
«أَنْتَ جَوَادِيوَأَنَا الْحَادِيلَيْسَ لِمِثْلِيمِنْ أَنْدَادِغَيْرُ شَقِيقِيعَبْدِ الْهَادِيمَا أَنْجَبَنَافِي الْأَوْلَادِمَا أَمْجَدَنَافِي الْأَمْجَادِ •••

كَمْ أَرْغَمْنَامِنْ حُسَّادِوَتَرَأَّسْنَاحَشْدَ النَّادِيأَنْتَ جَوَادِيوَأَنَا الْحَادِيحَادٍ بَادٍفِي بَغْدَادِ» وَظَلَّ يُغَنِّي هَذِهِ الْأُغْنِيَةَ الْجَمِيلَةَ، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَخْبَؤُهُ لَهُ الْقَدَرُ. ثُمَّ كُسِرَ الْغُصْنُ — فَجْأَةً — وَهَوَى (سَقَطَ) «صَادِقٌ» إِلَى الْأَرْضِ، وَأَصْبَحَ فِي حَالٍ يُرْثَى لَهَا (تَسْتَدْعِي الشَّفَقَةَ).

وَقَدْ حَزِنَتْ طُيُورُ الْغَابَةِ لِمُصَابِهِ، وَتَأَلَّمَتْ لِأَلَمِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّهُ وَتَأْنَسُ بِهِ. وَمَا أَجْدَرَهُ بِحُبِّهَا؛ فَقَدْ كَانَ غُلَامًا طَيِّبَ الْقَلْبِ، لَا يَدَّخِرُ وُسْعًا فِي إِسْعَادِ الطُّيُورِ وِبِرِّهَا، وَتَقْدِيمِ فُتَاتِ الْخُبْزِ إِلَيْهَا فِي الشِّتَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ يَمَسُّ أَوْكَارَهَا (أَعْشَاشَهَا) بِسُوءٍ.
ثُمَّ عَادَ الصَّبِيُّ التَّاعِسُ إِلَى بَيْتِهِ أَعْرَجَ، لَا يَمْشِي إِلَّا بِشِقِّ النَّفْسِ (بِتَعَبِهَا وَمَشَقَّتِهَا)، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى شَجَرَةِ الْبَلُّوطِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي.
فَحَزِنَتِ الطَّيْرُ، وَاسْتَوْحَشَتْ لِغَيْبَتِهِ، وَكَفَّتْ عَنِ التَّغْرِيدِ أُسْبُوعًا كَامِلًا.
وَكَانَتِ الْأَطْيَارُ تُخْرِجُ رُءُوسَهَا مِنْ بَيْنِ أَجْنِحَتِهَا فِي الْمَسَاءِ وَتَنْدُبُهُ، مُتَحَسِّرَةً عَلَيْهِ، فَتُهَدِّئُهَا أُمَّاتُهَا، وَتُعَزِّيهَا فِي مُصَابِهَا بِفَقْدِهِ.
ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَقَدْ شُفِيَ — بِفَضْلِ عِنَايَةِ أُمِّهِ — وَاسْتَعَادَ نَشَاطَهُ وَصِحَّتَهُ. فَابْتَهَجَتِ الطُّيُورُ بِمَقْدَمِهِ (فَرِحَتْ بِقُدُومِهِ)، وَغَرَّدَتْ (غَنَّتْ)، وَحَمِدَتِ اللهَ عَلَى شِفَائِهِ.»
(??) آلَامُ الشَّيْخُوخَةِ

ثُمَّ صَمَتَ «الْعَقْعَقُ». وَظَلَّتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ» تَنْقُرُ صَدْرَهَا بِمِنْقَارِهَا. أَمَّا زَوْجُهَا، فَقَدْ تَرَقْرَقَتْ دَمْعَةٌ فِي عَيْنِهِ — مِنْ شِدَّةِ التَّأَثُّرِ — وَظَلَّ يَنْظُرُ إِلَى الشَّيْخِ «صَادِقٍ» حَتَّى اخْتَفَى عَنْ عَيْنَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ «الْعَقْعَقُ»:
«وَا حَسْرَتَاهُ! لَمْ يَبْقَ مِنْ قِصَّةِ هَذِهِ الْجَبَّارَةِ إِلَّا الْحَدِيثُ عَنْ ذِكْرَيَاتِهَا الْمُؤْلِمَةِ فِي أَيَّامِهَا الْأَخِيرَةِ. فَقَدْ مَرَّتِ السِّنُونُ الْمُتَعَاقِبَةُ (السَّنَوَاتُ الْمُتَتَابِعَةُ) عَلَى الشَّجَرَةِ الْهَرِمَةِ، حَتَّى أَجْهَدَتْهَا الشَّيْخُوخَةُ، وَأَصْبَحَتْ أَكْبَرَ شَجَرَاتِ الْأَجَمَةِ سِنًّا.
وَقَدْ كَانَ جَدِّي ذَكِيًّا عَارِفًا بِالتَّارِيخِ، وَهُوَ يُؤَكِّدُ لَنَا أَنَّ عُمْرَ شَجَرِ الْبَلُّوطِ يَبْلُغُ ثَلَاثَ مِائَةِ شِتَاءٍ.
أَمَّا أَنَا، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُمَثِّلَ لِنَفْسِي (أَتَصَوَّرَ) مِثْلَ هَذَا الْعُمْرِ الطَّوِيلِ؛ لِأَنَّ إِدْرَاكِي خَفِيفٌ، لَا يَسِتَطِيعُ أَنْ يَتَخَيَّلَهُ.
وَمَهْمَا يَكُنْ فِي دُنْيَانَا — مِنْ أَمْرٍ — فَإِنَّ لِكُلِّ بِدَايَةٍ نِهَايَةً وَإِنَّ لِكُلِّ عُمْرٍ — مَهْمَا يَطُلْ — غَايَةً، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مَوْلُودٍ مِنَ الْكَائِنَاتِ أَنْ يَمُوتَ. فَلَا عَجَبَ إِذَا أَدْرَكَتِ الشَّيْخُوخَةُ جَبَّارَةَ الْغَابَةِ، فَأَضْجَرَتْهَا (مَلَأَتْ نَفْسَهَا غَمًّا)؛ لِأَنَّ جَمِيعَ أَصْدِقَائِهَا — مِنْ عَهْدِ الطُّفُولَةِ — قَدْ مَاتُوا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَلَيْسَ آلَمَ لِلنَّفْسِ مِنْ فَقْدِ أَصْدِقَاءِ الطُّفُولَةِ، وَرُفَقَاءِ الشَّبَابِ!
(??) النَّقَّارُ الْأَخْضَرُ

وَلَمَّا جَاءَ شَهْرُ نُوفَمْبِرَ، وَاقْتَمَّتِ السَّمَاءُ (اسْوَدَّتْ وَأَظْلَمَتْ مِنَ الْغُيُومِ)، وَبَرَدَ الْجَوُّ، أُتِيحَ (تَهَيَّأَ) لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الْعَجُوزِ رَفِيقٌ بَارٌّ مُخْلِصٌ؛ فَظَلَّ لَهَا سَمِيرًا وَمُؤْنِسًا طُولَ حَيَاتِهَا.
وَكَانَتْ شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ الْعَجُوزُ — حِينَئِذٍ — تَتَأَهَّبُ لِرُقَادِهَا (تَسْتَعِدُّ لِنَوْمِهَا) السَّنَوِيِّ الطَّوِيلِ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ الشَّهْرَ كُلَّهُ. وَلَكِنَّ ضَجَّةً مُدَوِّيَةً زَعْزَعَتْهَا مِنْ فَرْعِهَا إِلَى أَصْلِهَا (مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلِهَا). وَلَمْ تَكُنْ الضَّجَّةُ الْعَنِيفَةُ إِلَّا طَلْقًا نَارِيًّا، خَرَجَ مِنْ بُنْدُقِيَّةِ صَيَّادٍ يَجُوسُ (يَمْشِي) خِلَالَ الْأَجَمَةِ، وَخَلْفَهُ كَلْبُهُ.
وَسَمِعَتْ شَجَرَةُ الْبَلُّوطِ — حِينَئِذٍ — صَوْتَ صَفِيرٍ مُتَقَطِّعٍ يَنْبَعِثُ مِنْ نَقَّارٍ أَخْضَرَ، يَرْتَعِدُ فَزَعًا، وَيُوشِكُ أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الذُّعْرِ؛ فَقَدْ كَانَ النَّقَّارُ الْأَخْضَرُ يَئِنُّ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَيَقُولُ:

«لَقَدْ هَلَكْتُ، فَمَا حِيلَتِي؟ وَمَنْ لِي بِالنَّجَاةِ مِنْ مُطَارَدَةِ الصَّيَّادِ؟ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ أَسْتَخْفِي؟»
فَقَالَتْ لَهُ «جَبَّارَةُ الْغَابَةِ» الْعَجُوزُ:
«إِلَيَّ يَا صَدِيقِيَ النَّقَّارَ الْأَخْضَرَ، هَلُمَّ فَانْزَوِ فِي هَذَا الثُّقْبِ الَّذِي تَرَاهُ بَيْنَ غُصْنَيَّ الْكَبِيرَينِ.»
فَأَسْرَعَ النَّقَّارُ الْأَخْضَرُ إِلَى الشَّجَرَةِ، وَخَبَأَ نَفْسَهُ فِي الْمَخْبَأِ الْأَمِينِ.
وَمَرَّ بِهِ الصَّيَّادُ وَكَلْبُهُ، دُونَ أَنْ يَفْطُنَا إِلَى مَكَانِهِ. فَلَمْ يَنْسَ النَّقَّارُ الْأَخْضَرُ — لِشَجَرَةِ الْبَلُّوطِ — هَذِهِ الْيَدَ، وَشَكَرَ لَهَا أَنْ أَنْقَذَتْ حَيَاتَهُ، وَفَكَّرَ طَوِيلًا فِي مُكَافَأَتِهَا عَلَى صَنِيعِهَا. ثُمَّ هَدَاهُ تَفْكِيرُهُ إِلَى الْفَحْصِ عَنْ جِذْعِهَا؛ فَرَأَى كَثِيرًا مِنَ الْحَشَرَاتِ قَدْ تَجَمَّعَتْ حَوْلَ الْجِذْعِ تَأْكُلُهُ، حَتَّى نَخْرَبَتْهُ (جَعَلَتْ فِيهِ ثُقُوبًا وَشُقُوقًا). فَلَمَّا رَأَى جِذْعَهَا قَدْ نَخِرَ (بَلِيَ وَتَفَتَّتَ) وَفَسَدَ، آلَى (حَلَف) عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُبِيدَهَا (يُهْلِكَهَا) جَمِيعًا. وَظَلَّ يَلْتَهِمُ الْحَشَرَاتِ، دَائِبًا (مُوَاظِبًا) عَلَى مُطَارَدَتِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الْمَسَاءِ.
وَكَانَتْ أَسْرَابُ الْحَشَرَاتِ (جَمَاعَاتُهَا) كُلَّمَا رَأَتْهُ، هَمَّتْ بِالْفِرَارِ. وَلَكِنَّهُ كَانَ يَمُدُّ لِسَانَهُ إِلَيْهَا، فَيَلْتَقِطُهَا — مِنْ فَوْرِهِ — وَيَرَى فِي هَذِهِ الْحَشَرَاتِ السَّمِينَةِ أَشْهَى غِذَاءٍ لَهُ.
وَلَمَّا حَلَّ الشِّتَاءُ، لَمْ يَشَأِ النَّقَّارُ الْأَخْضَرُ أَنْ يَتْرُكَ صَدِيقَتَهُ الْعَزِيزَةَ، فَظَلَّ فِي مَخْبَئِهِ بَيْنَ أَغْصَانِهَا، صَابِرًا عَلَى بَرْدِ الشِّتَاءِ الْقَارِسِ، وَقَدْ ذَهَبَ رِيشُهُ، وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْخُرُوجَ طُولَ أَيَّامِ هَذَا الْفَصْلِ؛ فَكَانَ يَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً يَتَحَدَّثُ فِيهَا إِلَى صَدِيقَتِهِ «جَبَّارَةِ الْغَابَةِ» عَنْ جَمَالِ أَيَّامِ الشَّبَابِ.»
(??) خَاتِمَةُ الْحَدِيثِ

ثُمَّ صَمَتَ «الْعَقْعَقُ» عَنِ الْكَلَامِ، وَلَبِثَ الشُّرْشُورَانِ صَامِتَيْنِ.
وَظَلَّ ثَلَاثَتُهُمْ يُفَكِّرُونَ فِي قِصَّةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْعَجُوزِ، الَّتِي لَقِيَتْ حَتْفَهَا (مَاتَتْ) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَارْتَمَتْ عَلَى الْحَشَائِشِ الْمُخْضَرَّةِ.
ثُمَّ قَالَتْ «أُمُّ شَرْشَرَةَ»: «تُرَى: كَيْفَ كَانَتْ خَاتِمَةُ النَّقَّارِ الْأَخْضَرِ؟»
فَقَالَ «أَبُو بَرَاقِشَ»:
«لَعَلَ الْعَاصِفَةَ قَدْ أَهْلَكَتْهُمَا مَعًا!»
فَقَالَ «ابْنُ دَأْيَةَ»: «لَسْتُ أَسْتَبْعِدُ ذَلِكُمَا، يَا وَلَدَيَّ الْعَزِيزَيْنِ! فَلَا تَحْزَنَا عَلَيْهِمَا، فَكُلُّنَا لِلْفَنَاءِ.»