Advertisement

بساط الريح

 بساط الريح



بساط الريح

تأليف
كامل كيلاني



بساط الريح

كامل كيلاني

رقم إيداع
تدمك:
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
رسم الغلاف: حنان بغدادي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.


تَمْهِيدُ الْقِصَّةِ


أَيُّهَا الْقَارِئُ الصَّغِيرُ:

مَا أَكْثَرَ مَا تَحْوِيهِ بِلَادُ الْهِنْدِ الْعَظِيمَةِ مِنْ بَدَائِعِ الْآثَارِ، وَعَجَائِبِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَخْبَارِ، وَرَوَائِعِ الْأَسَاطِيرِ وَالْأَسْمَارِ.
وَقَدْ رَأَيْتَ — فِيمَا قَبَسْتُهُ لَكَ مِنْ قِصَصِهَا — أَلْوَانًا شَائِقَةً، وَفُنُونًا رَائِعَةً، أَطْمَعَتْكَ فِي طَلَبِ الْمَزِيدِ.
وَلَيْس أَبْهَجَ إِلَى قَلْبِي مِنْ تَلْبِيَةِ رَغْبَتِكَ، وَتَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِكَ، وَإِجَابَتِكَ إِلَى طِلْبَتِكَ.
وَقَدِ اخْتَرْتُ — فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ — أُسْطُورَةً مِنْ أَشْهَرِ أَسَاطِيرِهَا، وَزَهْرَةً مِنْ أَنْضَرِ أَزَاهِيرِهَا؛ لِتَرَى فِيهَا آيَةً مِنْ آيَاتِ الْهِنْدِ الْفَرِيدَةِ، وَرَائِعَةً مِنْ حِكَمِهَا الرَّشِيدَةِ.
وَإِلَيْكَ مَا أَثْبَتَهُ رَاوِي هَذِهِ الْأُسْطُورَةِ، قَالَ: عَاشَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، سُلْطَانٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَالشَّأْنِ، اسْمُهُ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ».
كَانَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» مَعْرُوفًا — بَيْنَ سَلَاطِينِ الْهِنْدِ وَمُلُوكِهَا — بِالذَّكَاءِ وَنَفَاذِ الرَّأْيِ وَبُعْدِ النَّظَرِ وَرَجَاحَةِ التَّفْكِيرِ، وَبَرَاعَةِ التَّدْبِيرِ.
وَكَانَ — إِلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ — مَفْتُونًا بِاقْتِنَاءِ التُّحَفِ النَّادِرَةِ، كَلَّفَهُ ذَلِكَ مَا كَلَّفَهُ مِنْ جَهْدٍ وَمَالٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ


(?) أَوْلَادُ السُّلْطَانِ

كَانَ لِلسُّلْطَانِ «مَحْمُودٍ» أَوْلَادٌ ثَلَاثَةٌ: أَوَّلَهُمْ: «حُسْيَنٌ»، وَكَانَ أَكْبَرَ أَوْلَادِ السُّلْطَانِ.
وَثَانِيهِمْ: «عَلِيٌّ» وَهُوَ أَوْسَطُهُمْ.
وَثَالِثُهُمْ: «أَحْمَدُ» وَهُوَ أَصْغَرُ أَوْلَادِهِ.
•••

وَقَدْ عُنِيَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» بِتَنْشِئَةِ أَوْلَادِهِ أَكْرَمَ تَنْشِئَةٍ، كَمَا عُنِيَ بِتَثْقِيفِهِمْ — مُنْذُ طُفُولَتِهِمْ — وَتَحْبِيبِ فُنُونِ الْعِلْمِ وَضُرُوبِ الرِّيَاضَةِ وَالصَّيْدِ وَالرِّمَايَةِ إِلَى نُفُوسِهِمْ، وَتَرْغِيبِهِمْ فِي اقْتِنَاءِ نَوَادِرِ التُّحَفِ وَالْآثَارِ، وَبَذْلِ الْجُهْدِ وَالْمَالِ فِي جَلْبِهَا، وَالظَّفَرِ بِهَا.
فَلَا عَجَبَ إِذَا شَبَّ الْأُمَرَاءُ عَلَى غِرَارِ أَبِيهِمْ، وَتَشَبَّهُوا بِهِ، وَسَارُوا عَلَى نَهْجِهِ، وَارْتَسَمُوا خُطَاهُ.
وَكَانُوا ثَلَاثَتُهُمْ كَأَنَّمَا يَتَسَابَقُونَ فِي اكْتِسَابِ الْمَعَارِفِ الَّتِي تَنْمُو بِهَا مَدَارِكُهُمْ وَتَتَفَتَّقُ مَلَكَاتُهُمْ، وَتُصْبِحُ نَظَرَاتُهُمْ لِلْحَيَاةِ وَالْمُجْتَمَعِ نَظَرَاتٍ عَمِيقَةً صَادِقَةً، بَيْدَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي تَسَابُقِهِمْ يَتَعَاوَنُونَ، وَيَتَبَادَلُونَ الَمْعَلُومَاتِ وَالْأَفْكَارَ، بِرُوحٍ طَيِّبَةٍ عَامِرَةٍ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالْإِخْلَاصِ.
(?) بِنْتُ الْعَمِّ

كَانَ لِلْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ: أَبْنَاءِ السُّلْطَانِ، بِنْتُ عَمٍّ ذَكِيَّةٌ حَسْنَاءُ، تُدْعَى: «نُورَ النَّهَارِ».
كَانَتِ الْأَمِيرَةُ «نُورُ النَّهَارِ» — فِيمَا يَقُولُ رُوَاةُ هَذِهِ الْأُسْطُورَةِ الْمُبْدَعَةِ — آيَةً مِنْ آيَاتِ اللهِ فِي جَمَالِ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، وَكَمَالِ الْفَضْلِ وَالْعَقْلِ.
وَقَدْ مَاتَ أَبُوهَا الْأَمِيرُ «مُحْسِنٌ»: شَقِيقُ السُّلْطَانِ «مَحْمُودٍ»، بَعْدَ وِلَادَتِهَا بِأَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، وَكَانَ الْأَمِيرُ «مُحْسِنٌ» أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ؛ فَوَرِثَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» — بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ — تُحَفَهُ النَّادِرَةَ وَأَمْوَالَهُ وَثَرْوَتَهُ، وَكَفَلَ ابْنَتَهُ.
لَمْ يُقَصِّرِ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» فِي الْعِنَايَةِ بِتَنْشِئَةِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ» وَتَثْقِيفِهَا؛ وَاخْتَصَّهَا مِنْ رِعَايَتِهِ بِمِثْلِ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَوْلَادَهُ مِنْ سَهَرٍ وَاهْتِمَامٍ، وَإِعْزَازٍ وَإِكْرَامٍ.
وَلَمْ يَتَوَانَ عَنْ تَحْقِيقِ رَغَبَتِهَا وَأَمَانِيِّهَا، وَبَذْلِ أَقْصَى مَا يَسْتَطِيعُ فِي تَوْفِيرِ رَاحَتِهَا، وَالْإِشْرَافِ عَلَى ثَقَافَتِهَا؛ حَتَّى فَاقَتْ أَمِيرَاتِ عَصْرِهَا عِلْمًا وَفَضْلًا، وَفَهْمًا وَعَقْلًا؛ فَزَادَتْ هَذِهِ الْخِلَالُ النَّبِيلَةُ مِنْ مَحَبَّةِ الشَّعْبِ، وَضَاعَفَتْ مِنْ إِجْلَالِهِ وَاحْتِرَامِهِ، كَمَا مَلَأَتْ بِالْإِعْجَابِ قُلُوبَ أَعْيَانِ الْمَمْلَكَةِ وَسَرَاتِهَا، وَأُمْرَاءِ الْمَمَالِكِ الْأُخْرَى وَأَمِيرَاتِهَا.
بَنْتُ الْعَمِّ: «نُورُ النَّهَارِ».
(?) حَيْرَةُ السُّلْطَانِ

مَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَالشُّهُورُ وَالْأَعْوَامُ.
كَبِرَتِ الْأَمِيرَةُ «نُورُ النَّهَارِ» بِنْتُ السُّلْطَانِ «مُحْسِنٍ».
فَكَّرَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» فِي تَزْوِيجِ الْأَمِيرَةِ بِنْتِ أَخِيهِ، بِأَحَدِ أَوْلَادِهِ، حَاوَلَ أَنْ يَتَخَيَّرَ لَهَا أَحَدَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَهُمْ.
كَانَ السُّلْطَانُ يُحِبُّ أَوْلَادَهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانُوا جَدِيرِينَ بِمَا يَغْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ مَحَبَّةٍ وَعِنَايَةٍ، وَتَكْرِيمٍ وَرِعَايَةٍ.
عَبَثًا حَاوَلَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» الْعَادِلُ أَنْ يُفْضِّلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَلَى أَخَوَيْهِ، تَحَيَّرَ السُّلْطَانُ فِي أَمْرِهِ، وَلَمْ يَدْرِ: أَيُّ أَوْلَادِهِ يَخْتَصُّهُ بِهَذِهِ الْأَمِيرَةِ الْفَاضِلَةِ ذَاتِ الْمَوَاهِبِ الْعَالِيَةِ وَالْمَزَايَا الْكَامِلَةِ؟
(?) خُطَّةٌ بَارِعَةٌ

لَمْ يَلْبَثِ السُّلْطَانُ أَنْ وُفِّقَ — بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ — إِلَى حَلٍّ بَارِعٍ عَادِلٍ، وَاهْتَدَى إِلَى رَأْيٍ مُوَفَّقٍ يُرِيحُهُ مِنْ هَذَا الْمُشْكِلِ الْمُعَقَّدِ.
كَانَتْ خُطَّةُ السُّلْطَانِ الْجَدِيدَةُ، مُبْدَعَةً مُبْتَكَرَةً فَرِيدَةً، تَدُلُّ عَلَى مَا مَيَّزَهُ اللهُ بِهِ مِنَ ذَكَاءِ وَبَرَاعَةٍ وَدَهَاءٍ، وَتَكْفُلُ — إِلَى ذَلِكَ — إِعْجَابَ أَوْلَادِهِ بِمَشُورَتِهِ، وَابْتِهَاجَهُمْ بِحِكْمَتِهِ؛ لِمَا تَجَلَّى فِيهَا مِنْ عَدَالَةٍ وَإِنْصَافٍ، وَبُعْدٍ عَنِ التَّحَيُّزِ وَالْمُحَابَاةِ وَالْإِجْحَافِ.
•••

أَتَدْرِي مَاذَا صَنَعَ، وَأَيَّ حِيلَةٍ ابْتَدَعَ؟
جَمَعَ السُّلْطَانُ أَوْلَادَهُ الْأُمْرَاءَ الثَّلَاثَةَ، وَقَالَ لَهُمْ فِي لَهْجَةِ الْأَبِ الْعَطُوفِ، وَحُنُوِّ الْوَالِدِ الْحَدِبِ الرَّءُوفِ: «أَنَا أَعْرِفُ مَدَى حُبِّكُمْ إِيَّايَ، وَطَاعَتِكُمْ لِي، كَمَا أَعْرِفُ مَا تُفْرِدُونَ بِهِ بِنْتَ عَمِّكُمُ الْأَمِيرَةَ: «نُوْرَ النَّهَارِ» مِنْ إِجْلَالٍ وَإِعْزَازٍ.
وَقَدْ نَشَّأْتُكُمْ — مُنْذُ حَدَاثَتِكُمْ — عَلَى الِاسْتِقْلَالِ فِي الرَّأْيِ؛ فَلَمْ أَفْرِضْ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي فَرْضًا، وَلَمْ أَرْضَ لِنَفْسِي أَنْ أُمَيِّزَ وَاحِدًا مِنْكُمْ عَلَى أَخَوَيْهِ.
وَإِنْ كُنْتُ وَاثِقًا أَنَّكُمْ أَطْوَعُ إِلَى تَنْفِيذِ إِشَارَتِي — أَيًّا كَانَتْ — بِلَا اعْتِرَاضٍ وَلَا مُنَاقَشَةٍ.
السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» يَتَحَدَّثُ مَعَ أَوْلَادِهِ.
وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ، فَأَنْتُمْ — لِحُسْنِ الْحَظِّ — مِنْ أَبَرِّ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَأَكْرَمِ مَنْ عَرَفَتْ بِلَادُ الْهِنْدِ مِنْ أُمَرَاءَ، وَأَجْدَرِهِمْ بِالْإِخْلَاصِ وَالْوَفَاءِ.
وَقَدِ انْتَهَى بِيَ الرَّأْيُ إِلَى قَرَارٍ يُرْضِيكُمْ جَمِيعًا، وَيُفْسِحُ الْمَجَالَ لِنَشَاطِكُمْ وَاجْتِهَادِكُمْ، وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الرَّجَاءِ لِمَزَايَاكُمُ النَّادِرَةِ، وَكِفَايَاتِكُمُ الْبَاهِرَةِ».
قَالَ الْأُمَرَاءُ لِأَبِيهِمْ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَمَا كُنَّا لِنُخَالِفَ لَكَ أَمْرًا، أَوْ نَعْصِيَ لَكَ نُصْحًا».
(?) قَرَارُ السُّلْطَانِ

قَالَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ»: «بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ، وَأَكْرَمَكُمْ وَرَعَاكُمْ، وَسَدَّدَ خُطَاكُمْ.
لَقَدْ قَرَّ رَأْيِي عَلَى أَنْ تَرْتَادُوا بِلَادَ الْعَالَمِ، وَتَمْشُوا فِي مَنَاكِبِ الْأَرْضِ، بَاحِثِينَ مُنَقِّبِينَ، ثُمَّ تَعُودُوا إِلَيَّ — بَعْدَ عَامٍ كَامِلٍ — مُزَوَّدِينَ بِمَا ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنَ النَّفَائِسِ النَّادِرَةِ غَانِمِينَ، وَأَيُّكُمْ ظَفِرَ بِطُرْفَةٍ فَذَّةٍ، أَنْفَسَ مِنْ طُرْفَتَيْ أَخَوَيْهِ؛ فَهُوَ الْفَائِزُ بِزَوَاجِ بِنْتِ عَمِّهِ الْأَمِيرَةِ: «نُورِ النَّهَارِ».
وَلَنْ أَضِنَّ عَلَيْكُمْ بِمَا تَطْلُبُونَ مِنْ مَالٍ: لِأُعِينَكُمْ عَلَى تَحْقِيقِ مَا تَصْبُو إِلَيْهِ نُفُوسُكُمْ مِنْ رَغَبَاتٍ وَآمَالٍ!
فَكَيْفَ تَقُولُونَ، وَعَلَامَ تُعَوِّلُونَ؟»
•••

فَرِحَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ بِمَا سَمِعُوا مِنْ أَبِيهِمْ، وَابْتَهَجُوا لِاقْتِرَاحِهِ السَّدِيدِ، وَأُعْجِبُوا بِرَأْيِهِ الْمُوَفَّقِ الرَّشِيدِ، وَشَكَرُوا لَهُ مَوْفُورَ عَطْفِهِ وَعِنَايَتِهِ، وَصَادِقَ بِرِّهِ وَرِعَايَتِهِ.
وَكَانَ أَكْبَرَ مَا سَرَّهُمْ فِي هَذَا الِاقْتِرَاحِ، أَنَّهُ سَيُتِيحُ لَهُمْ الِارْتِحَالَ إِلَى بِلَادٍ بَعِيدَةٍ، وَيُمَكِّنُهُمْ مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْرِفَةِ بِمَنْ يَسْكُنُونَهَا مِنَ النَّاسِ.
(?) وَصَايَا الْحَكِيمِ

وَاسْتَدْعَى السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» حَكِيمَ الْأُمَّةِ «آزَادَ»، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا صَنَعَ مَعَ أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ، وَمَا اتَّخَذَ مَعَهُمْ مِنْ خُطَّةٍ وَتَدْبِيرٍ فِي شَأْنِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ»، وَمَنْ يَكُونُ مِنْهُمْ زَوْجًا لَهَا.
وَقَالَ السُّلْطَانُ لِحَكِيمِ الْأُمَّةِ: «لَكَ أَنْ تَجْتَمِعَ بِأَوْلَادِي، وَهُمْ عَلَى وَشْكِ السَّفَرِ، وَأَنْ تُوْصِيَهُمْ بِمَا شِئْتَ، وَتَنْصَحُ لَهُمْ بِمَا تَرَى؛ فَإِنَّ فِيكَ حِكْمَةً، وَلَكَ تَجْرِبَةٌ، وَأَنْتَ جَدِيرٌ أَنْ تُرْشِدَ أَبْنَائِي إِلَى مَا فِيهِ خَيْرٌ وَصَلَاحٌ».
فَقَالَ حَكِيمُ الْأُمَّةِ «آزَادُ»: «إِنِّي لَسَعِيدٌ بِأَنْ أَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ، وَلَنْ أَدَّخِرَ وُسْعًا فِي التَّوْجِيهِ وَالْإِرْشَادِ. وَمَا أَجْدَرَ أَبْنَاءَكَ بِأَنْ يَنْتَهِزُوا فُرْصَةَ السَّفَرِ وَالِارْتِحَالِ؛ فَيَسْتَفِيدُوا نُزْهَةً وَمُتْعَةً، وَيُفِيدُوا وَطَنَهُمْ بِمَا يَجْلِبُونَهُ مِنْ نَفَائِسَ وَطُرَفٍ، وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَعَرَّفُوا مَا فِي الْبِلَادِ الْأُخْرَى مِنْ مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، وَيَقْتَبِسُوهَا لِوَطَنِهِمُ الْعَزِيزِ!»
فَقَالَ السُّلْطَانُ لِلْحَكِيمِ «آزَادَ»: «لِهَذَا دَعَوْتُكَ، وَعَسَى أَنْ تُوَفَّقَ فِي مُهِمَّتِكَ؛ حَتَّى تَكُونَ رِحْلَةُ أَوْلَادِي خَيْرًا وَبَرَكَةً لِلْجَمِيعِ؛ فَانْصَرِفْ إِلَيْهِمْ، وَاجْتَمِعْ بِهِمْ.
وَلَا أَزِيدُكَ تَوْصِيَةً، فَمَنْ أَرْسَلَ حَكِيمًا فِي مُهِمَّةٍ، لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إِلَى أَنْ يُوْصِيَهُ».
وَدَعَا الْحَكِيمُ «آزَادُ» الْأُمَرَاءَ الثَّلَاثَةَ؛ فَجَلَسُوا حَوْلَهُ، يَسْتَمِعُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: «حَسَنًا فَعَلَ أَبُوكُمْ، حِينَ أَبَى أَنْ يُفَضِّلَ وَاحِدًا مِنْكُمْ عَلَى أَخَوَيْهِ؛ فَأَنْتُمُ الثَّلَاثَةُ سَوَاءٌ عِنْدَهُ فِي حُبِّهِ إِيَّاكُمْ، وَإِعْزَازِهِ لَكُمْ. وَقَدْ جَعَلَ رَغْبَتَكُمْ فِي التَّزَوُّجِ بِالْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ» سَبَبًا لِلتَّنَافُسِ بَيْنَكُمْ فِي أَعْمَالٍ تَرْفَعُ مِنْ أَقْدَارِكُمْ، وَتُعْلِي مِنْ قِيَمِكُمْ. وَأَجَلُّ عَمَلٍ يَرْفَعُ الْقَدْرَ، هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَعُمُّ نَفْعُهُ الْوَطَنَ، وَيَسْعَدُ بِهِ الْمَجْمُوعُ».
فَتَسَاءَلَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ: «أَيُّ عَمَلٍ صَالِحٍ يُشِيرُ إِلَيْهِ الْحَكِيمُ؟»
فَأَجَابَهُمْ قَائِلًا: «سَتَحِلُّونَ بِلَادًا غَيْرَ الْبَلَدِ الَّذِي حَلَلْتُمْ، وَسَتَعْرِفُونَ أَوْطَانًا غَيْرَ الْوَطَنِ الَّذِي عَرَفْتُمْ. وَسَتَرَوْنَ حَيْثُ تَحِلُّونَ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ مَظَاهِرَ حَضَارَةٍ وَمَدَنِيَّةٍ، وَتَشْهَدُونَ أَلْوَانًا مِنَ النَّشَاطِ فِي الْمَجَالِ الْعِلْمِيِّ أَوِ الصِّنَاعِيِّ أَوِ الزِّرَاعِيِّ أَوِ التِّجَارِيِّ..
فَلَا تُغْمِضُوا أَعْيُنَكُمْ؛ وَلَكِنِ اجْتَهِدُوا أَنْ تَنْتَفِعُوا بِكُلِّ مَا تَشْهَدُونَ وَمَا تَعْرِفُونَ، وَتَبَيَّنُوا مَا يَصْلُحُ اقْتِبَاسُهُ لِوَطَنِكُمْ مِنَ الْمَنَافِعِ؛ حَتَّى إِذَا رَجَعْتُمْ كَانَ فِيمَا تَحْمِلُونَهُ مِنَ الْمُخْتَرَعَاتِ وَالْمُبْتَكَرَاتِ وَالْأَنْظِمَةِ الْمُفِيدَةِ مَا يُحَقِّقُ لِلْوَطَنِ الْخَيْرَ الْعَمِيمَ».
•••

فَتَسَاءَلَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ، وَهُمْ يُنَاقِشُونَ الْحَكِيمَ «آزَادَ»: «لَقَدْ أَوْصَانَا أَبُونَا أَنْ نَتَنَافَسَ فِي الظَّفَرِ بِأَحْسَنِ الطُّرَفِ، وَأَغْلَى النَّفَائِسِ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنْ نَسْتَجِيبَ لِرَغْبَتِهِ».
فَقَالَ الْحَكِيمُ «آزَادُ»: «لَا تَحْسَبُوا أَنْ الطُّرَفَ وَالنَّفَائِسَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَغْلُو ثَمَنُهَا، وَيَعِزُّ وُجُودُهَا، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَوْ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ؛ فَمِنَ التُّحَفِ وَالنَّفَائِسِ مَا لَا يُقَوَّمُ بِمَالٍ.. وَإِنَّ الْمُخْتَرَعَاتِ الْعُمْرَانِيَّةَ، فِي الْعِلْمِ وَالصِّنَاعَةِ وَالزِّرَاعَةِ، لَهِيَ تُحَفٌ وَنَفَائِسُ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الزِّينَةِ، وَلَكِنَّهَا لِتَقَدُّمِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَوْفِيرِ الرَّخَاءِ وَالسَّعَادَةِ لِلْجَمِيعِ».
فَشَكَرَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ لِلْحَكِيمِ «آزَادَ» تَوْجِيهَهُ الْمُوَفَّقَ، وَوَصِيَّتَهُ الْعَظِيمَةَ، وتَعَهَّدُوا لَهُ أَلَّا يَتَّخِذُوا رِحْلَتَهُمْ لَهْوًا وَلَا عَبَثًا، وَأَنْ يَصْرِفُوا هَمَّهُمْ إِلَى مَا يَزِيدُهُمْ خِبْرَةً وَتَجْرِبَةً وَفَهْمًا، وَأَنْ يَبْحَثُوا عَنْ كُلِّ مَا هُوَ نَافِعٌ مُفِيدٌ.
•••

وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، سَافَرَ الْأُمْرَاءُ الْأَشِقَّاءُ، وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمْ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ الْجَيْشِ، يُرَافِقُهُ فِي حِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، وَيُعِينُهُ — إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ — عَلَى تَحْقِيقِ آمَالِهِ.
وَقَدِ ارْتَدَى الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ ثِيَابَ التُّجَّارِ، وَارْتَدَى مُعَاوِنُوهُمْ ثِيَابَ الْأَتْبَاعِ؛ حَتَّى لَا يَعْرِفَ أَحَدٌ — مِمَّنْ يَلْقَاهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ — حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَى خَافِي سِرِّهِمْ.
وَأَخَذَ كُلُّ أَمِيرٍ كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ الطَّائِلَةِ، لِيَسْتَعِينَ بِهَا — فِي أَثْنَاءِ رِحْلَتِهِ — عَلَى قَضَاءِ رَغْبَتِهِ، وَتَحْقِيقِ طِلْبَتِهِ، وَإِنْجَازِ مُهِمَّتِهِ …
ظَلَّ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ سَائِرِينَ فِي طَرِيقِهِمْ، جَادِّينَ فِي سَفَرِهِمْ، يَرْتَادُونَ الْبِلَادَ، مُتَنَقِّلِينَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، يَقْضُونَ نَهَارَهُمْ فِي مُوَاصَلَةِ السَّيْرِ..
حَتَّى إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ، سَكَنُوا إِلَى الرَّاحَةِ مِنْ عَنَاءِ رِحْلَتِهِمْ، وَنَزَلُوا فِي أَوَّلِ فُنْدُقٍ يُصَادِفُهُمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا سَفَرَهُمْ فِي بُكْرَةِ الْيَوْمِ التَّالِي.
(?) مُفْتَرَقُ الطُّرُقِ

وَهَكَذَا وَاصَلَ الْأُمَرَاءُ سَعْيَهُمْ إِلَى غَايَتِهِمْ فِي مُثَابَرَةٍ وَدَأَبٍ، لَا تَثْنِيهِمْ — فِي طَرِيقِهِمْ — عَقَبَةٌ، وَلَا يَحْفَلُونَ بِمَا يُكَابِدُونَ مِنْ جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ؛ حَتَّى بَلَغُوا الْمَدَى مِنْ طَرِيقِهِمُ الطَّوِيلَةِ الشَّاقَّةِ.
وَقَدِ انْتَهَى بِهِمُ السَّيْرُ إِلَى مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ، حَيْثُ يَتَفَرَّعُ مِنْ طَرِيقِهِمْ ثَلَاثُ شُعَبٍ مُتَشَابِهَاتٌ.
فَوَقَفَ الْأُمَرَاءُ يَتَنَاقَشُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ، وَيُدِيرُونَ وُجُوهَ الرَّأْيِ فِيمَا يَصْنَعُونَ، وَأَيَّ الطَّرِيقِ يَسْلُكُونَ، وَأَيَّهَا يَتَنَكَّبُونَ؟!
وَقَدِ انْتَهَى بِهِمُ السَّيْرُ إِلَى مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ.
(?) قَرَارُ الْأُمَرَاءِ

ثُمَّ اجْتَمَعَ رَأْيُ الْأُمَرَاءِ — آخِرَ الْأَمْرِ — عَلَى أَنْ يَسْلُكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ — فِي صَبَاحِ الْغَدِ — طَرِيقًا مِنَ الطُّرُقِ الثَّلَاثِ، يَنْتَهِي بِالْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا.
وَقَدْ عَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَزْمَهُ عَلَى أَنْ يُوَاصِلَ سَعْيَهُ، حَتَّى يَصِلَ إِلَى غَايَتِهِ، وَيُجَرِّبَ حَظَّهُ فِي الْحُصُولِ عَلَى طُرْفَتِهِ.
تَعَاهَدَ الْأَشِقَّاءُ الثَّلَاثَةُ عَلَى أَنْ يَلْتَقُوا جَمِيعًا فِي هَذَا الْمَكَانِ، فِي نِهَايَةِ الْعَامِ، لِيَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَيَتَعَرَّفُوا إِلَامَ انْتَهَى السَّعْيُ بِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَعُودُوا إِلَى وَطَنِهِمْ، وَيَعْرِضُوا عَلَى أَبِيهِمُ السُّلْطَانِ مَا ظَفِرُوا بِهِ مِنْ نَفَائِسِ الْطُّرَفِ، وَبَدَائِعِ التُّحَفِ.
•••

لَمْ يَكَدِ الْيَوْمُ التَّالِي يَطْلُعُ، حَتَّى أَعَدَّ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ عُدَّتَهُمْ، وَاتَّخَذُوا — لِاْسِتِئْنَافِ السَّفَرِ — أُهْبَتَهُمْ.
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مُوَدِّعِينَ، وَتَعَانَقُوا مُتَحَابِّينَ مُتَعَاطِفِينَ.
وَدَعَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِأَخَوَيْهِ بِالْفَوْزِ وَالنَّجَاحِ، وَالتَّوْفِيقِ وَالْفَلَاحِ.
وَلَمْ يَدْفَعْهُمْ حِرْصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الظَّفَرِ بِابْنَةِ عَمِّهِ، مِنْ أَنْ يَتَمَنَّى بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَنْ يَجِدُوا فِي رِحْلَتِهِمُ الْأَمْنَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَأَنْ يَتَلَاقَوْا بَعْدَ الْفُرْقَةِ فِي عَافِيَةٍ وَسَلَامَةٍ.
الْفَصْلُ الثَّانِي


(?) رِحْلَةٌ شَاقَّةٌ

سَارَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» فِي طَرِيقِهِ، وَكُلُّهُ رَجَاءٌ فِي تَحْقِيقِ رَغْبَتِهِ، وَالظَّفَرِ بِأُمْنِيَّتِهِ.
وَاصَلَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنُ» سَيْرَهُ فِي مُثَابَرَةٍ وَدَأَبٍ، تَحْفِزُهُ عَزِيمَةٌ وَثَّابَةٌ، وَتَحْدُوهُ هِمَّةٌ غَلَّابَةٌ، لَا يَدِبُّ إِلَيْهَا كَلَالٌ وَلَا مَلَلٌ، وَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا ضَعْفٌ وَلَا فَشَلٌ.
وَقَدْ وَجَّهَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» عِنَايَتَهُ إِلَى بُلُوغِ مَدِينَةِ «بِسْنَجَارَ»، لِمَا سَمِعَهُ — مُنْذُ نَشْأَتِهِ — عَنْ مَتَاجِرِهَا الْغَنِيَّةِ، وَمَتَاحِفِهَا النَّادِرَةِ، الَّتِي تَحْوِي مِنْ غَوَالِي التُّحَفِ وَنَفَائِسِهَا مَا يَنْدُرُ وُجُودُ نَظِيرٍ لَهُ فِي سِوَاهَا مِنْ بِلَادِ الْعَالَمِ.
(?) بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ

ظَلَّ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» يُوَاصِلُ سَيْرَهُ الْحَثِيثَ — مُتَّجِهًا فِي طَرِيقِهِ — إِلَى الشَّاطِئِ الْهِنْدِيِّ.
فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ وَصَلَ — فِي نِهَايَةِ رِحْلَتِهِ — إِلَى مَدِينَةِ «بِسْنَجَارَ» الْعَظِيمَةِ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
وَقَدْ شَعَرَ بِسُرُورٍ عَظِيمٍ حِينَ بَلَغَ الْمَدِينَةَ الْعَظِيمَةَ، وَسَرَى إِلَى نَفْسِهِ أَمَلٌ فِي أَنْ يَجِدَ فِيهَا نَفِيسَةً يَعْتَزُّ وَالِدُهُ بِهَا، وَيُؤْثِرُهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَتُعَزِّيهِ عَمَّا بَذَلَ فِي سَبِيلِهَا مِنْ جُهْدٍ وَعَنَاءٍ، وَمَا كَابَدَهُ فِي رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ الْمُضْنِيَةِ مِنْ مَشَاقَّ، وَمَا تَحَمَّلَهُ مِنْ ضُرُوبِ الْإِرْهَاقِ.
وَقَدْ بَذَلَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» جُهُودًا لَا تُوصَفُ فِي اجْتِيَازِ مَا كَانَ يَعْتَرِضُ طَرِيقَهُ الطَّوِيلَةَ مِنْ فَلَوَاتٍ وَاسِعَةٍ، وَصَحْرَاوَاتٍ شَاسِعَةٍ، وَتَصْعِيدٍ فِي الْجِبَالِ السَّامِقَةِ، وَتَسَلُّقِ رُءُوسِهَا الشَّاهِقَةِ، وَاجْتِيَازِ الْوِدْيَانِ الْعَمِيقَةِ، وَالْمُنْخَفَضَاتِ السَّحِيقَةِ؛ حَتَّى وَصَلَ — فِي نِهَايَةِ الرِّحْلَةِ الْمُضْنِيَةِ — إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْغَنِيَّةِ.
وَكَانَ أَوَّلَ مَا بَدَأَ بِهِ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» أَنِ اكْتَرَى حُجْرَةً فَاخِرَةً فِي أَحَدِ فَنَادِقِ الْمَدِينَةِ الْعَامِرَةِ.
(?) دَرْسٌ شَامِلٌ

لَمْ يُضِعِ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ بِلَا عَمَلٍ.
وَضَعَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ جُهْدَ السَّفَرِ، لِيَشْغَلَ وَقْتَهُ بِلَهْوٍ وَلَعِبٍ.
كَانَ أَوَّلَ مَا عُنِيَ بِهِ أَنْ عَمَدَ إِلَى تُجَّارِ الْمَدِينَةِ، فَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ، وَتَعَرَّفَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ وَجَّهَ عِنَايَتَهُ، وَبَذَلَ وُسْعَهُ وَطَاقَتَهُ، فِي مُوَاصَلَةِ الدَّرْسِ وَالتَّنْقِيبِ، فِي دُءُوبٍ عَجِيبٍ؛ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ — بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ — بِدَرْسٍ شَامِلٍ مُسْتَفِيضٍ لِمَعَالِمِ الْمَدِينَةِ وَأَسْوَاقِهَا وَمَعَاهِدِهَا، وَآثَارِهَا وَمَتَاحِفِهَا وَمَعَابِدِهَا.
وَقَدِ اشْتَدَّ إِعْجَابُ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» بِمَا شَهِدَهُ فِي قَصْرِ مَلِيكِهَا الْكَبِيرِ، وَبَهَرَهُ مَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ هَنْدَسَةٍ مُحْكَمَةٍ بَارِعَةٍ، وَابْتِكَارَاتٍ فَنِّيَّةٍ رَائِعَةٍ.
ثُمَّ انْطَلَقَ فِي الْمَدِينَةِ يَرْتَادُ أَحْياءَهَا وَمَغَانِيَهَا، وَيَتَعَرَّفُ شَوَارِعَهَا وَنَوَاحِيَهَا، فَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ — بِمَا شَهِدَ — بَهْجَةً وَسُرُورًا، وَفَاضَ قَلْبُهُ — بِمَا رَأَى— أُنْسًا وَحُبُورًا.
•••

كَانَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» — كَأَخَوَيْهِ — مَشْبُوبَ الرَّغْبَةِ، شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى الْإِفَادَةِ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ، وَالِاسْتِزَادَةِ مِنْ ضُرُوبِ الْمَعْرِفَةِ.
فَلَا عَجَبَ إِذَا حَرَصَ عَلَى انْتِهَازِ الْفُرْصَةِ، لِتَعَرُّفِ مَا تَحْوِيهِ مَدِينَةُ «بِسْنَجَارَ» — مَا وَسِعَهُ الْجُهْدُ وَالْوَقْتُ — لِيَخْرُجَ بَعْد دِرَاسَتِهِ الْمُسْتَفِيضَةِ الشَّامِلَةِ بِمُؤَلَّفٍ نَفِيسٍ، يُضِيفُ إِلَى الْبَاحِثِينَ جَدِيدًا مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَيُوَسِّعُ آفَاقَ مَدَارِكِهِمْ، وَيُغْرِيهِمْ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الرَّحَلَاتِ وَاْلْإِكْثَارِ مِنْهَا وَالِاسْتِزَادَةِ، وَالْإِفَادَةِ بِمَا يَجْنُونَهُ مِنْ ثَمَرَاتِ الْكَشْفِ وَالرِّيَادَةِ.
وَاهْتَمَّ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» بِأَنْ يَجْمَعَ الْمَعْلُومَاتِ الدَّقِيقَةَ، وَيَتَحَرَّى الْحَقَائِقَ الصَّحِيحَةَ؛ حَتَّى يَكُونَ كِتَابُهُ الَّذِي يُؤَلِّفُهُ مَصْدَرًا مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا، وَمَرْجِعًا مِنَ الْمَرَاجِعِ الَّتِي يُعَوَّلُ عَلَيْهَا.
(?) أَسْوَاقُ الْمَدِينَةِ

وَكَانَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» كُلَّمَا جَاسَ خِلَالَ الْمَدِينَةِ، وَاتَّصَلَ بِأَهْلِهَا، عَظُمَتْ فِي عَيْنِهِ مَكَانَتُهَا، لِمَا شَاهَدَهُ مِنْ حَرَكَةٍ دَائِبَةٍ، وَنَشَاطٍ مَوْفُورٍ.
وَزَادَ مِنْ إِعْجَابِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» بِالْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ، مَا رَآهُ فِيهَا مِنْ ذَوْقٍ فَنِّيٍّ رَفِيعٍ أَنِيقٍ، وَتَنْظِيمٍ رَائِعٍ وَتَنْسِيقٍ، وَتَرْتِيبٍ مُحْكَمٍ دَقِيقٍ.
وَبَهَرَهُ مَا شَهِدَهُ فِيهَا مِنْ مَزَايَاهَا، الَّتِي تَفَرَّدَتْ بِهَا دُونَ سِوَاهَا.
فَقَدْ رَأَى أَسْوَاقَهَا مُتَنَاسِقَةً مُنْسَجِمَةً، مُرَتَّبَةً مُنَظَّمَةً، تَتَمَيَّزُ كُلُّ سُوقٍ مِنْهَا بِحِرْفَةٍ بِعَيْنِهَا، لَا تَعْدُوهَا إِلَى غَيْرِهَا.
الْأَمِيرُ «حُسَينٌ» فِي سُوقِ الثِّيَابِ.
وَرَأَى كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِهَا تَعْرِضُ بَضَائِعَهَا وَسِلَعَهَا، فِي سُوقٍ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا، تَخْتَصُّ بِهَا وَحْدَهَا، وَتَنْفَرِدُ بِبَيْعِهَا وَعَرْضِهَا، دُونَ أَنْ تَتَجَاوَزَهَا أَوْ تَتَعَدَّاهَا، إِلَى سِلْعَةٍ سِوَاهَا.
فَهُنَا سُوقُ الثِّيَابِ، وَإِلَى جَانِبِهَا سُوقُ الْبُسُطِ وَالسَّجَّادِ، وَثَمَّ سُوقُ اللَّآلِئِ وَالْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ.. وَهَكَذَا، بِحَيْثُ عُرِفَتْ كُلُّ سُوقٍ — مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ — بِلَوْنٍ بِعَيْنِهِ، يَقْصِدُ إِلَيْهِ الْقَاصِدُ، فَلَا يُخْطِئُهُ.. وَفِي ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنِ اقْتِصَادٍ فِي الْجُهْدِ وَالْوَقْتِ.
وَقَدْ تَفَرَّدَتْ أَسْوَاقُ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ — إِلَى مَزَايَاهَا الْكَثِيرَةِ — بِمَا اتَّصَفَ بِهِ التُّجَّارُ مِنْ سَمَاحَةِ الْخُلُقِ، وَلُطْفِ الْمُعَامَلَةِ، وَبِالدِّقَّةِ وَالْأَمَانَةِ فِي وَصْفِ الْمَعْرُوضَاتِ وَبَيَانِ قِيمَتِهَا.
(?) عِطْرُ الْأَزْهَارِ

وَكَانَ مِمَّا اسْتَرْعَى انْتِبَاهَ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» مَا شَهِدَهُ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ وَفْرَةِ الْحَدَائِقِ وَالْبَسَاتِينِ، وَمَا رَآهُ مِنْ إِقْبَالِ الْأَهْلِينَ عَلَى اقْتِنَاءِ الْأَزْهَارِ وَالرَّيَاحِينِ، وَشَغَفِهِمْ بِالْوَرْدِ وَعِنَايَتِهِمْ بِهِ، وَحِرْصِهِمْ عَلَى شِرَائِهِ، وَافْتِتَانِهِمْ بِعُطُورِهِ وَأَلْوَانِهِ.
وَكَانَ أَرِيجُ الْوَرْدُ الذَّكِيِّ يَفُوحُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَيُنْعِشُ النُّفُوسَ شَذَاهُ الْمُعَطَّرُ، وَلَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهُ بَيْتٌ وَلَا مَتْجَرٌ!
وَقَدْ عَرَفَ الْأَمِيرُ أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ قَدْ بَرَعُوا فِي اسْتِخْرَاجِ الْعُطُورِ مِنَ الْأَزْهَارِ وَالرَّيَاحِينِ، وَتَقْطِيرِ أَنْوَاعٍ مِنَ السَّوَائِلِ الطَّائِرَةِ ذَاتِ الرَّائِحَةِ الذَّكِيَّةِ، وَهِيَ سَوَائِلُ سَرِيعَةُ التَّبَخُّرِ، لَا تَكَادُ تَرْتَفِعُ السِّدَادَةُ عَنْ قِنِّينَتِهَا حَتَّى يَمْلَأَ الْجَوَّ عِطْرٌ فَوَّاحٌ.
وَسَمِعَ الْأَمِيرُ فِي أَثْنَاءِ أَحَادِيثِهِ مَعَ الْأَهْلِينَ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِنْ بَيْنِهِمْ رَجَلٌ قَضَى عُمْرَهُ كُلَّهُ فِي تَجَارِبَ مُتَوَاصِلَةٍ، أَرَادَ بِهَا أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْ بُخَارِ النَّبَاتَاتِ وَالْأَعْشَابِ مَادَّةً أَثِيرِيَّةً: يَقِلُّ وَزْنُهَا عَنْ وَزْنِ الْهَوَاءِ، تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَ الْأَشْيَاءَ وَتَمْضِي بِهَا فِي الْجَوِّ، كَمَا يَمْضِي الطَّائِرُ فِي الْفَضَاءِ.
الْأَمِيرُ حُسَيْنٌ يُحَادِثُ أَحَدَ الْأَهْلِينَ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ تَحَدَّثَ إِلَيْهِمُ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ».
هَذَا الرَّجُلُ قَدْ نَجَحَ فِيمَا أَرَادَ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَصْنَعَ تَرْكِيبًا مِنْ بُخَارِ الْعُطُورِ، إِذَا مَسَّ شَيْئًا خَفَّ وَزْنُهُ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَصْعَدَ فِي الْفَضَاءِ، فَتُسْرِعُ بِهِ الرِّيحُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.
•••

وَعَجِبَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» مِمَّا سَمِعَ، وَحَارَ فِي أَمْرِهِ:
أَيُصَدِّقُ مَا يَسْمَعُهُ أَمْ يُكَذِّبُهُ؟ وَلَكِنَّهُ فَضَّلَ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ حَقِيقَةِ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْغَرِيبِ، وَتَمَنَّى أَنْ يَهْتَدِي إِلَيْهِ.
وَحَرَصَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» عَلَى أَنْ يَجْمَعَ مِنَ الْخُبَرَاءِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْمَعَهُ مِنْ مَعْلُومَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِزِرَاعَةِ الزُّهُورِ، وَصِنَاعَةِ الْعُطُورِ، وَأَنْ يَحْصُلَ عَلَى مَقَادِيرَ كَافِيَةٍ مِنْ بُذُورِ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الزَّهْرِ، وَيُسَجِّلَ طَرِيقَةَ إِنْبَاتِهِ وَتَنْمِيَتِهِ، وَوَسِيلَةَ تَقْطِيرِهِ وَاسْتِخْرَاجِ عِطْرِهِ؛ لِكَيْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ وَطَنِهِ، فَلَا يَفُوتُهُمْ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ.
وَمِمَّا ارْتَاحَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ «بِسْنَجَارَ» مَعُونَةً سَخِيَّةً؛ فَلَمْ يَضِنُّوا عَلَيْهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَهُ مِنَ الْحَقَائِقِ وَالدَّقَائِقِ، وَلَمْ يُقَصِّرُوا فِي تَيْسِيرِ حُصُولِهِ عَلَى النَّمَاذِجِ الَّتِي يَخْتَارُهَا مِنْ أَصْنَافِ الزُّهُورِ فِي مُخْتَلِفِ الْحَدَائِقِ وَالْبَسَاتِينِ.
(?) سُوقُ السَّجَّادِ

وَذَاتَ صَبَاحٍ: ذَهَبَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» — عَلَى مَأْلُوفِ عَادَتِهِ — إِلَى الْمَدِينَةِ، يَمْشِي فِي أَسْوَاقِهَا، وَيَتَعَرَّفُ الْمَزِيدَ مِنْ طَرَائِفِهَا، وَيَتَحَرَّى الْجَدِيدَ مِنْ نَفَائِسِهَا، مُتَنَقِّلًا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَمِنْ دُكَّانٍ إِلَى دُكَّانٍ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ الْمَطَافُ إِلَى سُوقِ السَّجَّادِ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» قَدْ جَهَدَهُ السَّيْرُ وَأَضْنَاهُ التَّعَبُ، فَجَلَسَ فِي مَتْجَرٍ كَبِيرٍ؛ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ عَنَاءِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ.
وَمَا كَادَ صَاحِبُ الْمَتْجَرِ يَرَاهُ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَحَيَّاهُ، وَرَحَّبَ بِهِ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
(?) دَلَّالُ السُّوقِ

وَمَرَّتْ دَقَائِقُ يَسِيرَةٌ، وَإِذَا صَوْتٌ يُدَوِّي — فِي السُّوقِ — عَالِيًا، وَيَنْطَلِقُ مُنَادِيًا.
فَالْتَفَتَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» إِلَى مَصْدَرِ الصَّوْتِ، فَرَأَى دَلَّالَ النَّفَائِسِ يَحْمِلُ فِي يَدَيْهِ بِسَاطًا، وَسَمِعَهُ يُنَادِي بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ.
وَلَا تَسَلْ عَنْ عَجَبِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ»، حِينَ سَمِعَ الدَّلَّالَ يَقُولُ: «أَيْنَ مَنْ يَشْتَرِي هَذِهِ التُّحْفَةِ، وَيُقَدِّرُ نَفَاسَةَ هَذِهِ الطُّرْفَةِ؟
أَيْنَ مَنْ يُسْرِعُ إِلَى اغْتِنَامِهَا، قَبْلَ أَنْ تَضِيعَ الْفُرْصَةُ، وَتَنْقَلِبَ — بَعْدَ ضَيَاعِهَا — حَسْرَةً وَغُصَّةً!
يَا لَلصَّفْقَةِ النَّاجِحَةِ، وَالْغَنِيمَةِ الرَّابِحَةِ!
يَا لَهَا مِنْ طُرْفَةٍ عَجَبٍ، لَمْ يَتَعَدَّ ثَمَنُهَا — إِلَى الْآنَ — ثَلَاثِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ!
مَا أَنْفَسَ الطُّرْفَةَ، وَأَقَلَّ الثَّمَنَ!
فَأَيْنَ الْمَحْظُوظُ السَّعِيدُ، الَّذِي يُسْرِعُ إِلَى الْمَزِيدِ؟»
وَكَانَ التُّجَّارُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ قُصَّادِ سُوقِ السَّجَّادِ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى الدَّلَّالِ، وَفِي عُيُونِهِمْ حَسْرَةٌ وَحَيْرَةٌ، وَكَأَنَّهُمْ نَادِمُونَ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الْمَالِ فِي سَاعَتِهِمُ الْحَاضِرَةِ، مَا يَجْعَلُهُمْ يَزِيدُونَ فِي الثَّمَنِ عَلَى ثَلَاثِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ … فَيَا لَلْعَجَبِ!
(?) عَجَبُ الْأَمِيرِ

لَا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الدَّلَّالِ، فَقَدْ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ بِهِ لَوْثَةً أَوْ مَسًّا مِنْ خَبَالٍ.
لَقَدِ اشْتَدَّ عَجَبُ الْأَمِيرِ حِينَ رَأَى بِسَاطًا مُرَبَّعًا لَا يَكَادُ يَبْلُغُ الْمِتْرَيْنِ، يَغْلُو دَلَّالُهُ فِي ثَمَنِهِ، فَيُقَوِّمُهُ بِثَلَاثِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ (الْخَالِصِ) ثُمَّ يَطْمَعُ فِي الْمَزِيدِ.
أَقْبَلَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» عَلَى نَفْسِهِ قَائِلًا: «لَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا الدَّلَالَ أَبْلَهُ أَوْ أَحْمَقُ، أَوْ سَفِيهٌ أَوْ أَخْرَقُ، أَوْ لَعَلَّهُ أَفِينٌ (ضَعِيفُ الرَّأْيِ) مَخْبُولٌ، لَا يَدْرِي مَاذَا يَقُولُ!»
عَاوَدَ الدَّلَّالُ نِدَاءَهُ، وَكَرَّرَ دُعَاءَهُ.
أَقْبَلَ الْأَمِيرُ عَلَى الدَّلَّالِ يُنَادِيهِ، وَالْعَجَبُ آخِذٌ مِنْهُ كُلَّ مَأْخَذٍ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبِسَاطَ.
أَسْرَعَ الدَّلَّالُ إِلَى تَلْبِيَةِ الْأَمِيرِ.
أَمْسَكَ الْأَمِيرُ بِالْبِسَاطِ، وَظَلَّ يَتَأَمَّلُهُ وَيُنْعِمُ النَّظَرَ فِيهِ، لَعَلَّهُ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ، وَيَهْتَدِي إِلَى مَا خَفِيَ مِنْ سِرِّهِ؛ فَلَمْ يَرَ فِيهِ — بَعْدَ الْفَحْصِ الدَّقِيقِ — مَيْزَةً وَاحِدَةً تُفْرِدُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْبُسُطِ، وَتُغْرِي الشَّارِيَ بِشِرَائِهِ، وَتَدْفَعُهُ لِلْحِرْصِ عَلَى اقْتِنَائِهِ، وَتَشْفَعُ لِلدَّلَّالِ، فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ ثَمَنٍ غَالٍ، لَا يَخْطُرُ لِأَحَدٍ عَلَى بَالٍ.
(?) بِسَاطُ الرِّيحِ

الْتَفَتَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» إِلَى دَلَّالِ النَّفَائِسِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يُسَائِلُهُ، وَقَدْ تَعَاظَمَهُ الدَّهَشُ.
«شَدَّ مَا غَلَوْتَ — يَا صَاحِ — فِي ثَمَنِ الْبِسَاطِ وَأَسْرَفْتَ!
عَلَى حِينِ لَا أَرَى فِيهِ — مِنْ بَرَاعَةِ الصُّنْعِ وَجَمَالِ الذَّوْقِ — مَا يُمَيِّزُهُ مِنْ سِوَاهُ، وَيُفْرِدُهُ عَمَّا عَدَاهُ!»
فَأَجَابَهُ الدَّلَّالُ: «كَذَلِكَ شَاءَتْ إِرَادَةُ صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ لِي بُدٌّ مِنْ تَلْبِيَةِ أَمْرِهِ.
لَقَدْ أَمَرَنِي — وَلَهُ الْحَقُّ فِيمَا أَمَرَ — أَلَّا أَبِيعَ بِسَاطَهُ النَّفِيسَ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ.
وَلَا مَعْدَى عَنْ تَحْقِيقِ رَغْبَتِهِ، وَالْإِذْعَانِ لِمَشِيئَتِهِ.
وَلَنْ أَعْدَمَ لَهُ شَارِيًا ذَكِيًّا، مُوْسِرًا غَنِيًّا، مِنْ هُوَاةِ النَّفَائِسِ وَالطُّرَفِ، وَعُشَّاقِ الْغَرَائِبِ وَالتُّحَفِ.
عَلَى أَنَّ أَرْبَعِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ — تُدْفَعُ فِي هَذَا الْبِسَاطِ — قَلِيلَةٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ لِمَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ، وَيَتَبَيَّنُ مَزِيَّتَهُ — لَيْسَتْ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ؛ بَلْ هِيَ — لَوْ عَلِمْتَ — ثَمَنٌ نَزَرٌ يَسِيرٌ».
بِرَبِّكَ إِلَّا مَا خَبَّرْتَنِي: أَيُّ مِيزَةٍ فِيهِ تُغْرِي مَنْ يَقْتَنِيهِ.
اشْتَدَّ الْعَجَبُ بِالْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» مِنْ حَدِيثِ الدَّلَّالِ، وَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ يَقُولَ لَهُ مُسَائِلًا:
«بِرَبِّكَ إِلَّا مَا خَبَّرْتَنِي: أَيُّ مَيْزَةٍ فِيهِ، تُغْرِي مَنْ يَقْتَنِيهِ؟»
فَقَالَ لَهُ الدَّلَّالُ: «إِنْ لَمْ يَكْذِبْنِي ظَنِّي يَا سَيِّدِي، فَأَنْتَ عَنْ هَذَا الْبَلَدِ غَرِيبٌ».
فَقَالَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ»: «لَقَدْ هَدَاكَ ظَنُّكَ إِلَى الصَّوَابِ، وَلَمْ تَقُلْ إِلَّا حَقًّا؛ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَرُدَّ عَلَى سُؤَالِي؟ فَتُرِيحَ بَالِي؟»
(??) مَيْزَةُ الْبِسَاطِ

فَقَالَ لَهُ الدَّلَّالُ: «لَوْ عَلِمْتَ مَا تَمَيَّزَتْ بِهِ هَذِهِ النَّفِيسَةُ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ نَفَائِسِ الْعَالَمِ قَاطِبَةً، لَأَدْرَكْتَ أَنَّ كُلَّ ثَمَنٍ يُبْذَلُ فِيهَا، لَا يَتَكَافَأُ مَعَ قِيمَتِهَا، لِنَدْرَتِهَا وَنَفَاسَتِهَا».
فَقَالَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ»: «لَا أَكَادُ أَفْهَمُ شَيْئًا مِمَّا تَقُولُ.
إِنَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ لُغْزٌ غَامِضٌ مَجْهُولٌ، وَطِلَّسْمٌ خَفِيٌّ تَحَارُ فِي فَهْمِهِ الْعُقُولُ.
فَمَا بَالُكَ تُلْغِزُ وَلَا تُفْصِحُ، وَتُغْمِضُ الْقَوْلَ وَلَا تُوَضِّحُ؟»
فَأَجَابَهُ الدَّلَّالُ: «إِنَّ هَذَا الْبِسَاطَ — لَوْ عَلِمْتَ — تُحْفَةُ التُّحَفِ، وَطُرْفَةُ الطُّرَفِ، وَمَثَارُ الدَّهْشَةِ وَالْعَجَبِ.
إِنَّهُ بِسَاطُ الرِّيحِ: يَطِيرُ بِكَ فِي الْفَضَاءِ، وَيَحْمِلُكَ إِلَى حَيْثُ تَشَاءُ، وَيَنْقُلُكَ مِنْ أَقْصَى الدُّنْيَا إِلَى أَقْصَاهَا فِي لَحَظَاتٍ، وَيَطْوِي الْآفَاقَ الْبَعِيدَةَ فِي لَمَحَاتٍ؛ لَا تَعُوقُهُ الْعَوَائِقُ، وَلَا تَعْتَرِضُهُ الْعَقَبَاتُ، وَلَا تَقِفُ دُونَ غَايَتِهِ الْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ.
وَالْآنَ خَبِّرْنِي، بَعْدَ أَنْ عَرَفْتَ قِيمَتَهُ، وَأَدْرَكْتَ فَضْلَهُ وَمِيْزَتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ مَا يُدْفَعُ فِي ثَمَنِهِ مِنْ مَالٍ — مَهْمَا عَظُمَ — لَيْسَ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ، بَلْ هُوَ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ هَيِّنٌ يَسِيرٌ».
(??) طِلْبَةُ الْأَمِيرِ

فَقَالَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» فِي نَفْسِهِ: «إِذَا صَحَّ مَا يَقُولُ هَذَا الدَّلَّالُ، فَقَدْ بَلَغْتُ طِلْبَتِي، وَحَقَّقْتُ رَغْبَتِي، وَظَفِرْتُ بِأُمْنِيَّتِي، وَحَصَلْتُ عَلَى مَهْرِ زَوْجَتِي!»
وَتَذَكَّرَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» مَا كَانَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ مَهَارَةِ أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ فِي اسْتِخْرَاجِ سَوَائِلَ طَائِرَةٍ مِنَ الْأَزْهَارِ وَالرَّيَاحِينِ، وَسَأَلَ نَفْسَهُ: أَيَكُونُ هَذَا الْبِسَاطُ قَدِ اكْتَسَبَ خَاصِّيَّةَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّيَرَانِ، بِفَضْلِ احْتِوَائِهِ عَلَى ذَلِكَ التَّرْكِيبِ الْعَجِيبِ، الَّذِي قِيلَ لِي إِنَّهُ إِذَا مَسَّ شَيْئًا أَمْكَنَ أَنْ يَصْعَدَ فِي الْفَضَاءِ، وَتُسْرِعُ بِهِ الرِّيحُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ؟
•••

وَمَدَّ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» أَنَامِلَهُ إِلَى الْبِسَاطِ يَتَحَسَّسُهُ؛ فَأَلْفَاهُ رَقِيقَ النَّسْجِ، هَفْهَافَ الْحَوَاشِي، كَأَنَّهُ الْحَرِيرُ أَوْ أَخَفُّ مِنَ الْحَرِيرِ مَلْمَسًا، وَأَنْعَمُ خُيُوطًا، وَهُوَ يَتَمَوَّجُ فِي يَدِ الدَّلَّالِ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ الْإِفْلَاتَ مِنْ قَبْضَتِهِ، وَالِانْطِلَاقَ فِي الْهَوَاءِ!
•••

ثُمَّ الْتَفَتَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» إِلَى الدَّلَّالِ قَائِلًا: «إِنَّ صَحَّ مَا تَقُولُ، فَإِنَّ أَرْبَعِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ تُدْفَعُ ثَمَنًا لِهَذَا الْبِسَاطِ لَيْسَتْ كَثِيرَةً عَلَيْهِ، مَتَى كَانَ أَمْرُهُ عَلَى مَا تَصِفُ!»
(??) عَلَى بِسَاطِ الرِّيحِ

فَقَالَ لَهُ الدَّلَّالُ: «إِنَّ مَا أَقُولُهُ لَكَ حَقٌّ صُرَاحٌ.
وَلَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تُجَرِّبَ، وَتَتَثَبَّتَ بِنَفْسِكَ مِنْ صِدْقِ مَا أَقُولُ.
وَقِديمًا قَالَتِ الْأَمْثَالُ: عِنْدَ الِامْتِحَانِ، يُكْرَمُ الْمَرْءُ أَوْ يُهَانُ.
وَإِنِّي أَيُّهَا السَّيِّدُ الْفَاضِلُ أُحِبُّ أَلَّا يَقِفَ شَيْءٌ حَائِلًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اقْتِنَاءِ الطُّرْفَةِ النَّفِيسَةِ الْفَاخِرَةِ، وَالظَّفَرِ بِالتُّحْفَةِ النَّادِرَةِ».
•••

وَقَفَ الْأَمِيرُ مُتَعَجِّبًا أَمَامَ مَا سَمِعَ مِنَ الدَّلَّالِ.
لَمْ يَكَدِ الدَّلَّالُ يَشْهَدُ حَيْرَةَ الْأَمِيرِ، حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ دَفْعِ ثَمَنِ الْبِسَاطِ.
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الدَّلَّالُ قَائِلًا: «أَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّ مَا أَطْلُبُهُ — ثَمَنًا لِبِسَاطِ الرِّيحِ — لَيْسَ فِي حَوْزَتِكَ الْآنَ..
فَلْيَحْمِلْنَا هَذَا الْبِسَاطُ — إِذَا أَمَرْتَ — إِلَى حَيْثُ تُقِيمُ؛ لِتُحْضِرَ ثَمَنَهُ مِنَ الْفُنْدُقِ، وَتَتَحَقَّقَ — فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ — مِنْ صِدْقِ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ.
فَكَيْفَ تَقُولُ؟»
•••

ابْتَهَجَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» بِمَا سَمِعَ مِنَ الدَّلَّالِ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي قَبُولِ اقْتِرَاحِهِ.
بِسَاطُ الرِّيحِ يَحْمِلُ الْأَمِيرَ «حُسَيْنًا» وَالدَّلَّالَ.
جَلَسَ الدَّلَّالُ عَلَى بِسَاطِ الرِّيحِ، وَوَقَفَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» إِلَى جَانِبِهِ.
وَأَضْمَرَ الْأَمِيرُ فِي نَفْسِهِ رَغْبَتَهُ فِي أَنْ يَطِيرَ بِهِ الْبِسَاطُ الْعَجِيبُ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ، إِلَى حَيْثُ شَاءَ.
وَمَا كَادَ الْأَمِيرُ وَالدَّلَّالُ يَسْتَقِرَّانِ عَلَى الْبِسَاطِ، حَتَّى طَارَ بِهِمَا فِي الْفَضَاءِ، وَبَلَغَ الْفُنْدُقَ فِي مِثْلِ وَمْضَةِ الْبَرْقِ، أَوْ لَمْحَةِ الْبَصَرِ.
وَنَظَر الدَّلَّالُ إِلَى الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» نَظْرَةً ذَاتَ مَعْنًى، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: «الْآنَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكَ أَنِّي صَدَقْتُكَ فِيمَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ، وَأَنِّي لَمْ أَكُنْ بِالْكَاذِبِ وَلَا بِالْمُدَّعِي».
(??) إِتْمَامُ الصَّفْقَةِ

وَلَا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» وَعَجَبِهِ مِمَّا شَهِدَ، وَفَرَحِهِ بِاهْتِدَائِهِ إِلَى النَّفِيسَةِ الْفَذَّةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَحْلُمُ بِهَا.
وَقَدْ شَكَرَ اللهَ — سُبْحَانَهُ — عَلَى أَنْ هَيَّأَ لَهُ فُرْصَةً مُوَاتِيَةً لِلظَّفَرِ بِأُمْنِيَّتِهِ، دُونَ أَنْ يَتَجَشَّمَ فِي الْحُصُولِ عَلَيْهَا مَشَقَّةً أَوْ عَنَاءً.
وَأَسْرَعَ الْأَمِيرُ — مِنْ فَوْرِهِ — بِإِتْمَامِ الصَّفْقَةِ.
•••

وَلَمْ يَكْتَفِ الْأَمِيرُ بِدَفْعِ أَرْبَعِينَ كِيسًا — فِي ثَمَنِ الْبِسَاطِ الْعَجِيبِ — كَمَا طَلَبَ الدَّلَّالُ؛ بَلْ مَنَحَهُ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ؛ لِيُثْبِتَ لَهُ إِعْجَابَهُ وَابْتِهَاجَهُ بِمَا أَظْفَرَهُ بِهِ، وَيُعْرِبَ عَنْ تَقْدِيرِهِ لِمَا أَدْخَلَهُ الدَّلَّالُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْبَهْجَةِ بِمَا قَدَّمَ إِلَيْهِ مِنْ طُرْفَةٍ فَرِيدَةِ الْمِثَالِ.
•••

فَشَكَرَ لَهُ الدَّلَّالُ مَا بَذَلَ مِنْ عَطَاءٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنَ الثَّنَاءِ.
وَقَالَ لَهُ وَهُوَ يُوَدِّعُهُ: «حَذَارِ يَا سَيِّدِي أَنْ تَتَهَاوَنَ بِهَذَا الْبِسَاطِ، فَإِنَّهُ ثَمَرَةُ جُهُودٍ جَبَّارَةٍ فِي اكْتِسَابِ خَاصِّيَّةِ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّيَرَانِ، وَإِنَّهُ بِذَلِكَ يُعَدُّ آيَةً نَادِرَةً فِي مَجَالِ الِاخْتِرَاعِ وَالِابْتِكَارِ. وَقَدْ أَصْبَحَ الْآنَ مِلْكَ يَدَيْكَ، فَاجْعَلِ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِ نُصْبَ عَيْنَيْكَ».
(??) مُوَاصَلَةُ الدَّرْسِ

وَأَرَادَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» أَنْ يَعُودَ إِلَى بَلَدِهِ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ نَفْسَهُ بِهِ أَمَامَ أَخَوَيْهِ؛ فَقَدْ تَعَاهَدَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ عَلَى أَنْ يَلْتَقُوا جَمِيعًا — آخِرَ الْعَامِ — فِي مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سَيْرُهُمْ مُجْتَمِعِينَ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْنِفُوا رِحْلَتَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ!
فَقَرَّرَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» أَنْ يَقْضِيَ الْأَشْهُرَ الْبَاقِيَةَ مِنَ الْعَامِ فِي دَرْسِ عَادَاتِ الْمَدِينَةِ وَأَحْوَالِهَا.
(??) فِي حَضْرَةِ الْمَلِكِ

وَقَدْ عَلِمَ الْأَمِيرُ أَنَّ مَلِكَ «بِسْنَجَارَ» يَسْتَقْبِلُ التُّجَّارَ الْغُرَبَاءَ كُلَّ أُسْبُوعٍ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ؛ لِيَتَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ، وَيُفِيدَ مِنْ آرَائِهِمْ، وَيَقْبِسَ مِنْ عِلْمِهِمْ وَتَجَارِبِهِمْ مَا يَنْفَعُ بَلَدَهُ.
فَلَمْ يُضِعِ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» تِلْكَ الْفُرْصَةَ، بَلْ ذَهَبَ إِلَيْهِ.. وَدَارَتْ بَيْنَهُمْ طَرَائِفُ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ، وَلَطَائِفُ مِنَ الْمَعَارِفِ، وَبَدَائِعُ مِنَ الْفَوَائِدِ، انْتَهَتْ بِأَنْ أُعْجِبَ كِلَاهُمَا بِالْآخَرِ؛ لِمَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ رَجَاحَةِ عَقْلٍ، وَعُمْقِ تَفْكِيرٍ، وَأَصَالَةِ رَأْيٍ، وَوَفْرَةِ فَضْلٍ.
الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» بَيْنَ يَدَىْ مَلِكِ «بِسْنَجَارَ».
وَلَمْ يَفُتِ الْأَمِيرَ «حُسَيْنًا» أَنْ يَقْبِسَ مِنْ آرَاءِ مَلِكِ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمِ فُنُونًا مِنَ الْإِصْلَاحِ، تَعُودُ عَلَى الشَّعْبِ بِالْخَيْرِ وَالْفَلَاحِ، وَتُهَيِّئُ لَهُ طَرَائِقَ الْفَوْزِ وَالنَّجَاحِ.
كَمَا لَمْ يَفُتِ الْأَمِيرَ أَنْ يَسْتَرْشِدَ بِآرَاءِ مَلِكِ الْمَدِينَةِ، وَيَقْبِسَ مِنْ تَوْجِيهَاتِهِ الْحَكِيمَةِ فُنُونًا مِنْ أَسَالِيبِ حَيَاتِهِ الْحَافِلَةِ بِالتَّجَارِبِ الرَّشِيدَةِ، وَمَزَايَاهُ النَّادِرَةِ الْفَرِيدَةِ.
وَأُعْجِبَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْمَلِكُ مِنْ أَنَّهُ يَعُدُّ نَفْسَهُ خَادِمًا لِلشَّعْبِ، وَأَنَّ لِلشَّعْبِ حُقُوقًا مُقَدَّسَةً يَجِبُ أَنْ تُرْعَى، وَأَنَّ مَنْ خَانَ أَمَانَةَ هَذِهِ الْحُقُوقِ جَدِيرٌ بِأَنْ يُقْصَى.
(??) آثَارُ الْهِنْدِ

وَقَضَى الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِهِ بَيْنَ آثَارِ الْهِنْدِ، بَاحِثًا مُنَقِّبًا؛ فَرَأَى مَا أَدْهَشَهُ، وَمَلَأَ نَفْسَهُ إِعْجَابًا وَسُرُورًا وَخَرَجَ — مِنْ دِرَاسَتِهِ — بِنَتَائِجَ بَاهِرَةٍ.
وَكَانَ فِيمَا رَآهُ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» مِنْ آثَارِ الْمَدِينَةِ مَعْبَدٌ مُرَبَّعٌ مِنَ النُّحَاسِ، طُولُ ضِلْعِهِ خَمْسَةُ أَمْتَارٍ، وَارْتِفَاعُهُ اثْنَا عَشَرَ مِتْرًا، وَفِيهِ دُمْيَةٌ بَدِيعَةُ الصُّنْعُ، فِي حَجْمِ الرَّجُلِ الْعَادِيِّ وَهِيَ مَصْنُوعَةٌ مِنَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ (الْخَالِصِ)، وَعَيْنَاهَا يَاقُوتَتَانِ مِنْ أَنْفَسِ الْيَوَاقِيتِ، وَقَدْ رُكِّبَتَا بِطَرِيقَةٍ هَنْدَسِيَّةٍ عَجِيبَةٍ، بِحَيْثُ تَبْدُوَانِ لِمَنْ يَرَاهُمَا فِي أَيِّ مَكَانٍ يَحِلُّ فِيهِ مِنَ الْمَعْبَدِ.
(??) كَعْبَةُ الْهُنُودِ

وَرَأَى الْأَمِيرُ الْبَاحِثُ الذَّكِيُّ — فِيمَا رَآهُ مِنْ عَجَائِبِ الْمَدِينَةِ الْعَاجِبَةِ — مَعْبَدًا آخَرَ رَائِعًا فِي إِحْدَى ضَوَاحِيهَا.
كَانَ الْمَعْبَدُ الْعَظِيمُ مُشَيَّدًا فِي وَسَطِ سَهْلٍ فَسِيحٍ، لَا يَقِلُّ طُولُهُ عَنْ عَشْرَةِ فَدَادِينَ.
وَكَانَ مِمَّا اسْتَرْعَى انْتِبَاهَهُ أَنَّهُ حَافِلٌ بِأَلْوَانِ الزَّهْرِ وَالْوَرْدِ وَالرَّيَاحِينِ الَّتِي يَنْدُرُ وُجُودُهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ يَرَى مَا يُمَاثِلُهَا جَمَالًا وَرَوْعَةً وَعِطْرًا.
وَكَانَ السُّورُ — الَّذِي يُحِيطُ بِالْمَعْبَدِ الْفَسِيحِ — لَا يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا، كَأَنَّمَا قَصَدَ إِلَى ذَلِكَ مُهَنْدِسُوهُ قَصْدًا، حَتَّى لَا يَحْجُبَ السُّورُ جَمَالَ الْمَعْبَدِ وَالْحَدِيقَةِ.
جُمُوعُ الْهُنُودِ تَحُجُّ إِلَى الْمَعْبَدِ..
وَلَمْ يَفُتِ الْأَمِيرَ «حُسَيْنًا» أَنْ يُبْهِجَ نَفْسَهُ، وَيَمْلَأَ نَاظِرَيْهِ بِرُؤْيَةِ قُبَّةِ الْمَعْبَدِ الْأَنِيقَةِ الصُّنْعِ، وَهِيَ تَرْتَفِعُ — ذَاهِبَةً فِي الْجَوِّ — إِلَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِتْرًا.
وَلَمْ يُضِعِ الْأَمِيرُ هَذِهِ الْفُرْصَةَ، فَأَسْرَعَ بِدُخُولِ الْقُبَّةِ؛ فَوَجَدَهَا مُوَشَّاةً مِنَ الدَّاخِلِ بِشَتَّى أَلْوَانِ النَّقْشِ وَبَدَائِعِ التَّصَاوِيرِ، وَغَرَائِبِ التَّهَاوِيلِ (الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ).
وَعَلِمَ أَنَّ هَذَا الْمَعْبَدَ يَحُجُّ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْهُنُودِ فِي مَوْسِمٍ سَنَوِيٍّ، وَيُقَدِّمُونَ إِلَيْهِ النُّذُورَ وَالْقَرَابِينَ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ هَذِهِ الضَّاحِيَةِ مَصْدَرٌ لِلرِّزْقِ، إِلَّا مَا يَغْمُرُهُمْ بِهِ الْحُجَّاجُ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ السَّنَوِيِّ مِنَ الْهَدَايَا، وَيَخْتَصُّونَهُمْ بِهِ مِنَ الْعَطَايَا.
(??) بَدَائِعُ النَّقْشِ

وَقَدِ شَهِدَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» الْمِهْرَجَانَ السَّنَوِيَّ الْكَبِيرَ، الَّذِي يُقِيمُهُ الْهُنُودُ فِي مَدِينَةِ «بِسْنَجَارَ»، وَرَأَى كَيْفَ تَؤُمُّهُ الطَّوَائِفُ، وَتَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، قَاصِيَةً وَدَانِيَةً.
فَإِذَا بَلَغَتْهُ جُمُوعُ الْحُجَّاجِ، جَلَسَتْ وُفُودُهَا عَلَى مَقَاعِدَ أَنِيقَةِ الصُّنْعِ، مُزَيَّنَةٍ بِبَدِيعِ التَّصَاوِيرِ، وَرَائِعِ التَّمَاثِيلِ، مَنْقُوشٍ عَلَيْهَا كُلُّ أَنْوَاعِ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وَالْحَشَرَاتِ.
وَقَدْ تَأَنَّقَ فِي رَسْمِهَا وَنَقْشِهَا أَبْرَعُ الْمُصَوِّرِينَ، وَتَبَارَى فِي إِبْدَاعِهَا وَنَحْتِهَا أَشْهَرُ الْفَنَّانِينَ، وَأَمْهَرُ الْمَثَّالِينَ.
•••

وَحَالَفَهُمُ التَّوْفِيقُ فِيمَا رَسَمُوا وَنَقَشُوا وَأَبْدَعُوا، وَلَمْ يَفُتْهُمْ تَصْوِيرُ الْحَشَرَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَتَبَايُنِ أَجْنَاسِهَا وَأَلْوَانِهَا، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى الذُّبَابَ وَالْبَعُوضَ.
وَكَأَنَّ الْقَائِمِينَ عَلَى أَمْرِ الْمَعْبَدِ، أَرَادُوا بَذِلَكِ أَنْ يُشْعِرُوا الْمُشْتَرِكِينَ فِي ذَلِكَ الْمِهْرَجَانِ الدِّينِيِّ الْعَظِيمِ، بِأَنَّ كُلَّ الْكَائِنَاتِ وَالْمَخْلُوقَاتِ تُشَارِكُهُمْ فِي احْتِفَالِهِمُ الْكَبِيرِ، وَتُقَاسِمُهُمُ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ.
وَهَكَذَا بَدَا الْمِهْرَجَانُ الدِّينِيُّ الْكَبِيرُ، وَكَأَنَّهُ مَعْرِضٌ لِلرَّسْمِ وَالنَّقْشِ وَالتَّصْوِيرِ، فِيهِ تَتَجَلَّى آيَاتُ الْفَنِّ، وَتَتَوَضَّحُ بَرَاعَةُ الْفَنَّانِ فِي اسْتِخْدَامِ الْأَلْوَانِ.
(??) رَقْصُ الْفِيَلَةِ

وَكَانَ فِيمَا رَآهُ الْأَمِيرُ جَمْهَرَةٌ مِنَ الْفِيَلَةِ فِي أَحَدِ جَوَانِبِ الْمَيْدَانِ الْفَسِيحِ.
وَقَدِ اسْتَرْعَى انْتِبَاهَ الْأَمِيرِ أَنْ رَأَى عَلَى ظَهْرِ كُلٍّ مِنْهَا هَوْدَجًا أَنِيقًا، مُسْتَطِيلَ الشَّكْلِ، بَارِعَ الصُّنْعِ، يَتَّسِعُ لِجُلُوسِ شَخْصَيْنِ.
وَكَانَتِ الْفِيَلَةُ تَسِيرُ فِي نِظَامٍ عَجِيبٍ، عَلَى مَسَافَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ قَصِيرَةٍ.
•••

وَلَمَّا عَزَفَتِ الْمُوسِيقَى، تَقَدَّمَ الصُّفُوفَ كَبِيرُ الْفِيَلَةِ وَزَعِيمُهَا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ مُثَبَّتٍ فِي الْأَرْضِ عَلَى ارْتِفَاعِ قَدَمَيْنِ.
فَوَضَعَ الْفِيلُ عَلَيْهِ أَقْدَامَهُ الْأَرْبَعَةَ، وَظَلَّ يُدِيرُ خُرْطُومَهُ وَيُحَرِّكُهُ، وَيُهَزْهِزُهُ وَيُرَقِّصُهُ — فِي رَشَاقَةٍ بَارِعَةٍ — عَلَى تَوْقِيعِ الْمُوسِيقَى.
وَوَقَفَ الْأَمِيرُ يَنْظُرُ إِلَى الْفِيل،ِ مُعْجَبًا بِمَا يُؤَدِّيهِ مِنَ الْحَرَكَاتِ.. وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى رَأَى فِيلًا آخَرَ يَقِفُ عَلَى لَوْحٍ كَبِيرٍ مَوْضُوعٍ فَوْقَ خَشَبَةٍ، كَأَنَّهُ سِنُّ مِنْشَارٍ، وَقَدْ رَقَصَ الْفِيلُ وَتَهَزْهَزَ عَلَى ذَلِكَ اللَّوْحِ الَّذِي يَتَرَجَّحُ فَوْقَ حَدِّ الْخَشَبَةِ..
وَظَلَّ الْفِيلُ الرَّاقِصُ فِي ارْتِفَاعٍ وَانْخِفَاضٍ حَتَّى حَيَّرَ لُبَّ الْأَمِيرِ، وَمَلَكَ عَلَيْهِ عَقْلَهُ.
فَاشْتَدَّ إِعْجَابُهُ بِالْمُرَوِّضِينَ الْمَهَرَةِ الَّذِينَ اسْتَطَاعُوا أَنْ يُدَرِّبُوا الْفِيَلَةَ عَلَى هَذِهِ الْحَرَكَاتِ.
زَعِيمُ الْفِيَلَةِ يَقِفُ عَلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ.
(??) عَوْدَةُ الْأَمِيرِ

وَهَكَذَا مَرَّتِ الْأَيَّامُ مُتَعَاقِبَةً دُونَ أَنْ يَشْعُرَ الْأَمِيرُ بِانْقِضَائِهَا، لِوَفْرَةِ مَا رَآهُ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالطُّرَفِ الَّتِي تَبْهَرُ الْعَيْنَ، وَتَشْرَحُ الصَّدْرَ.
حَتَّى إِذَا انْصَرَمَ الْعَامُ أَوْ كَادَ، رَأَى الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِلرَّحِيلِ؛ فَرَكِبَ هُوَ وَتَابِعُهُ مَتْنَ الْبِسَاطِ الْعَجِيبِ، وَأَضْمَرَ الْأَمِيرُ فِي نَفْسِهِ رَغْبَتَهُ فِي أَنْ يَذْهَبَ بِهِ الْبِسَاطُ إِلَى الْفُنْدُقِ الَّذِي تَعَاهَدَ مَعَ أَخَوَيْهِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِيهِ بَعْدَ عَامٍ.
•••

وَسُرْعَانَ مَا طَارَ الْبِسَاطُ بِهِ إِلَى حَيْثُ أَرَادَ، طَاوِيًا أَبْعَدَ الْمَسَافَاَتِ، فِي لَحَظَاتٍ خَاطِفَاتٍ.
وَلَمَّا بَلَغَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» مُفْتَرَقَ الطُّرُقِ — حَيْثُ وَدَّعَ أَخَوَيْهِ، مُنْذُ عَامٍ — حَلَّ فِي الْفُنْدُقِ قَبْلَهُمَا، وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى أَنْ يَسْتَقْبِلَهُمَا فِيهِ، وَيُفَاجِئَهُمَا بِمَا أَظْفَرَهُ بِهِ التَّوْفِيقُ مِنْ طُرْفَةٍ عَدِيمَةِ الْمِثَالِ، بَعْدَ أَنْ كَابَدَ — فِي رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ الْمُضْنِيَةِ — ضُرُوبًا مِنَ الْمَشَاقِّ وَالْأَهْوَالِ، يَنُوءُ بِهَا الصَّبْرُ وَالِاحْتِمَالُ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» مَوْفُورَ الثِّقَةِ بِأَنَّ أَخَوَيْهِ لَنْ يَظْفَرَا بِطُرْفَةٍ فِي غَرَابَةِ طُرْفَتِهِ، وَلَنْ يَحْصُلَا عَلَى عَجِيبَةٍ فِي نَفَاسَةِ عَجِيبَتِهِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ


(?) مَعَ الْقَافِلَةِ

أَمَّا الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» فَقَدْ سَلَكَ — بَعْدَ أَنْ وَدَّعَ أَخَوَيْهِ — الطَّرِيقَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى مَدِينَةِ «شِيرَازَ»، وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ مَدَائِنِ الْفُرْسِ.
وَكَانَ مِنْ دَلَائِلِ تَوْفِيقِهِ أَنْ وَجَدَ — فِي طَرِيقِهِ — قَافِلَةً كَبِيرَةً، تَسِيرُ مُتَّجِهَةً إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ.
فَاسْتَأْذَنَ رِجَالَ الْقَافِلَةِ فِي أَنْ يَصْحَبَهُمْ فِي رِحْلَتِهِمْ إِلَى مَدِينَةِ «شِيرَازَ» فَرَحَّبُوا بِهِ أَكْرَمَ تَرْحِيبٍ.
وَفَرِحَ الْأَمِيرُ بِلِقَاءِ تِلْكَ الْقَافِلَةِ، وَاطْمَأَنَّ إِلَى أَنَّه وَاصِلٌ فِي صُحْبَتِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ الْمَنْشُودَةِ، دُونَ أَنْ يَضِلَّ الطَّرِيقَ، أَوْ تَحُولَ الْعَوَائِقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُصُولِ.
(?) فِي مَدِينَةِ «شِيرَازَ»

وَقَدْ أَتَمَّ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» رِحْلَتَهُ الطَّوِيلَةَ الشَّاقَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ، ثُمَّ حَلَّ — فِي نِهَايَتِهَا — مَدِينَةَ «شِيرَازَ».
وَشَكَرَ الْأَمِيرُ لِرُفْقَةِ الطَّرِيقِ، مَا لَقِيَ مِنْ مَعُونَتِهِمُ الْكَرِيمَةِ، وَصُحْبَتِهِمُ الْأَنِيسَةِ، حَتَّى لَقَدْ كَانَتِ الرِّحْلَةُ مَعَهُمْ نُزْهَةً طَيِّبَةً.
وَمَا كَادَ الْأَمِيرُ يَسْتَقِرُّ فِي الْمَدِينَةِ، حَتَّى سَأَلَ عَنْ فَنَادِقِهَا الْمُمْتَازَةِ.. فَلَمَّا دَلُّوهُ عَلَيْهَا، اخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهَا، وَاكْتَرَى حُجْرَةً فِيهِ.
وَاقْتَدَى بِهِ كَثِيرٌ مِنْ صَحَابَتِهِ، فَحَلُّوا مَعَهُ فِي حُجُرَاتِ الْفُنْدُقِ الرَّحِيبَةِ.
(?) فِي مَتْجَرٍ كَبِيرٍ

وَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ التَّالِي، خَرَجَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» يَرْتَادُ أَسْوَاقَ الْمَدِينَةِ، وَيَجُولُ فِي أَنْحَائِهَا، وَيَتَعَرَّفُ مَفَاتِنَهَا، وَيَدْرُسُ أَعَاجِيبَهَا.
وَتَبَيَّنَ لِلْأَمِيرِ «عَلَيٍّ» أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ قَدْ تَفَنَّنُوا تَفَنُّنًا كَبِيرًا فِي الصِّنَاعَاتِ الدَّقِيقَةِ. وَفِي مُقَدِّمَةِ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي تَفَنَّنُوا فِيهَا صِنَاعَةُ الزُّجَاجِ فِي أَنْوَاعِهِ الرَّفِيعَةِ، وَأَشْكَالِهِ النَّفِيسَةِ. فَإِنَّهُ شَهِدَ فِي الْأَسْوَاقِ أَلْوَاحًا زُجَاجِيَّةً مُلَوَّنَةً، مِنْهَا الْأَخْضَرُ كَالزُّمُرُّدِ، وَمِنْهَا الْأَحْمَرُ كَالْعَقِيقِ، وَمِنْهَا أَلْوَاحٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَلْوَانٍ عِدَّةٍ، إِذَا سَقَطَ عَلَيْهَا الضَّوْءُ بَدَتْ كَأَنَّهَا أَحْجَارُ الْمَاسِ الَّتِي تَتَمَوَّجُ أَلْوَانُهَا، فَتَسْحَرُ الْأَبْصَارَ، وَتَخْلُبُ الْأَلْبَابَ.
وَعَرَفَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» مِمَّا شَاهَدَهُ فِي الْأَسْوَاقِ أَنَّ أَرْوَعَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي صِنَاعَةِ الزُّجَاجِ، هُوَ أَنَّهُمُ اسْتَخْدَمُوا الْبِلَّوْرَ فِي صُنْعِ نَظَّارَاتٍ عَجِيبَةٍ، مِنْهَا مَا يُقَرِّبُ الْبَعِيدَ، وَمِنْهَا مَا يُبْعِدُ الْقَرِيبَ.
فَاسْتَقَرَّ رَأْيُ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ» عَلَى أَنْ يَنْقُلَ إِلَى بَلَدِهِ صِنَاعَةَ الزُّجَاجِ وَالْبِلَّوْرِ الَّتِي امْتَازَتْ بِهَا هَذِهِ الْمَدِينَةُ؛ فَهِي صِنَاعَةٌ جَمِيلَةٌ إِلَى جَانِبِ أَنَّهَا مُفِيدَةٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنَّ يَظَلَّ التَّمَتُّعُ بِهَا وَالِاسْتِفَادَةُ مِنْهَا مَقْصُورَيْنِ عَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ فَالْمَكَاسِبُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي الْحَضَارَةِ وَالْمَدَنِيَّةِ مِلْكٌ لِبَنِي الْإِنْسَانِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ!
وَقَدِ انْتَهَى الْمَطَافُ بِالْأَمِيرِ «عَلِيٍّ» إِلَى سُوقِ اللَّآلِئِ وَالتُّحَفِ، فَرَأَى مِنْ فُنُونِ النَّفَائِسِ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَخْطُرَ لَهُ عَلَى بَالٍ.
ثُمَّ جَلَسَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» فِي مَتْجَرٍ كَبِيرٍ؛ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ عَنَاءِ السَّيْرِ الطَّوِيلِ.
وَرَأَى التَّاجِرُ فِي قَسَمَاتِ وَجْهِ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ» سَمَاحَةً وَبَشَاشَةً؛ فَرَحَّبَ بِهِ، وَحَيَّاهُ وَأَكْرَمَ وِفَادَتَهُ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَنْصِبَهُ وَمَكَانَتَهُ.. وَمَا زَالَ التَّاجِرُ بِالْأَمِيرِ، يُلَاطِفُهُ فِي الْحَدِيثِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ اسْتِعْدَادَهُ لِخِدْمَتِهِ، حَتَّى أَنِسَ بِهِ الْأَمِيرُ وَارْتَاحَ لَهُ.
(?) الْأُنْبُوبُ الْعَاجِيُّ

وَمَا كَادَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» يَسْتَقِرُّ بِهِ الْجُلُوسُ، حَتَّى سَمِعَ مُنَادِيًا يَصِيحُ فِي السُّوقِ، وَيُنَادِي بِصَوْتٍ عَالٍ، قَائِلًا: ثَلَاثُونَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ، فَمَنْ يَزِيدُ؟
أَيْنُ ذُو الْحَظِّ السَّعِيدِ، الَّذِي يُسْرِعُ إِلَى الْمَزِيدِ؟
فَالْتَفَتَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» إِلَى الدَّلَّالِ، فَلَمْ يَرَ فِي يَدِهِ شَيْئًا غَيْرَ أُنْبُوبٍ صَغِيرٍ مِنَ الْعَاجِ، طُولُهُ لَا يَزِيدُ عَلَى قَدَمٍ وَاحِدَةٍ، وَقُطْرُهُ لَا يَزِيدُ عَلَى بُوصَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَبْدَى الْأَمِيرُ لِلتَّاجِرِ دَهْشَتَهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّلَّالِ.
لَقَدْ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ الدَّلَّالَ يَمْزَحُ وَلَا يَجِدُّ فِيمَا يَقُولُ.
وَإِلَّا يَكُنَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ الرَّجُلَ بِلَا رَيْبٍ مَسٌّ مِنَ الْجُنُونِ، أَوِ اخْتَلَطَ (ذَهَبَ عَقْلُهُ).
(?) حَدِيثُ التَّاجِرِ

وَالْتَفَتَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» إِلَى التَّاجِرِ، يَسْأَلُهُ وَقَدْ بَلَغَ مِنْهُ الْعَجَبُ كُلَّ مَبْلَغٍ: «كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذَا الدَّلَّالِ الْأَبْلَهِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ أُنْبُوبًا عَاجِيًّا صَغِيرًا لَا يُسَاوِي بِضْعَةَ دَنَانِيرَ، بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ؟»
فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: «أَنْتَ — يَا سَيِّدِي — عَلَى حَقٍّ فِي دَهْشَتِكَ مِمَّا تَسْمَعُ وَحَيْرَتِكَ، فَالْأُنْبُوبُ الْعَاجِيُّ فِي مَظْهَرِهِ لَا يُسَاوِي ذَلِكَ الْمِقْدَارَ الْكَبِيرَ مِنَ الْمَالِ.
لَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيَّ الْعَجَبُ وَالدَّهَشُ، كَمَا اسْتَوْلَيَا عَلَيْكَ، حِينَ سَمِعْتُ مَا يَصِيحُ بِهِ الدَّلَّالُ.
وَلَكِنْ، لَعَلَّ فِي الْأَمْرِ سِرًّا مَحْجُوبًا عَنَّا!
الْأَمِيرُ يُبْدِي لِلتَّاجِرِ دَهْشَتَهُ مِنَ الدَّلَّالِ.
فَهَذَا الدَّلَّالُ مَعْرُوفٌ بَيْنَنَا — طُولَ حَيَاتِهِ — بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالْفِطْنَةِ وَالزَّكَانَةِ (الْفِرَاسَةِ).
وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ حِرْفَتِهِ مِنَ الدَّلَّالِينَ مَنْ يَفُوقُهُ فِي مَنْزِلَتِهِ.
لَقَدْ عَرَفْتُهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طِوَالٍ، وَمَا جَرَّبْتُ عَلَيْهِ كِذْبَةً قَطُّ، وَلَا عَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ خُدْعَةً فِيمَا سَلَفَ.
وَطَالَمَا حَالَفَهُ الْفَوْزُ وَالنَّجَاحُ فِي الْحُصُولِ عَلَى نَفَائِسَ مِنَ الطُّرَفِ الْغَرِيبَةِ النَّادِرَةِ، وَرَوَائِعَ مِنَ التُّحَفِ الْعَجِيبَةِ الْبَاهِرَةِ؛ حَتَّى أَطْلَقَ عَلَيْهِ التُّجَّارُ لَقَبَ: دَلَّالِ التُّحَفِ، وَصَيَّادِ الطُّرَفِ.
وَقَدْ أَثْبَتَتِ التَّجْرِبَةُ الطَّوِيلَةُ الْمُتَكَرِّرَةُ أَنَّهُ بَارِعٌ خَبِيرٌ، وَأَنَّهُ بِثِقَتِنَا جَدِيرٌ».
(?) الْمِنْظَارُ الْعَاجِيُّ

فَقَالَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ»: «لَا رَيْبَ أَنَّكَ عَارِفٌ بِهِ، وَاثِقٌ بِأَمَانَتِهِ وَخِبْرَتِهِ! وَلَكِنَّ مَا أَسْمَعُهُ مِنْهُ وَتَسْمَعُهُ، أَعْجَبُ مِنْ أَنْ يَقْبَلَهُ عَقْلٌ، أَوْ يُصَدِّقَهُ إِنْسَانٌ».
فَقَالَ التَّاجِرُ مُجِيبًا الْأَمِيرَ: «الْحَقُّ مَعَكَ.. وَلَكِنْ مَاذَا يُضِيرُنَا لَوْ أَرْجَأْنَا حُكْمَنَا عَلَيْهِ؛ حَتَّى نَتَبَيَّنَ جَلِيَّةَ أَمْرِهِ، وَنَتَعَرَّفَ حَقِيقَةَ بِضَاعَتِهِ.. وَكَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ: عِنْدَ الِامْتِحَانِ، يُكْرَمُ الْمَرْءُ أَوْ يُهَانُ».
فَقَالَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ»: «صَدَقْتَ وَأَنْصَفْتَ، وَمَا عَدَوْتَ الصَّوَابَ فِيمَا حَكَمْتَ».
وَسُرْعَانَ مَا اسْتَدْعَيَا الدَّلَّالَ، ثُمَّ أَقْبَلَا عَلَى الْأُنْبُوبِ الْعَاجِيِّ يُقَلِّبَانِهِ؛ فَلَمْ يَرَيَا فِيهِ مِيزَةً تُسَوِّغُ مَا يَطْلُبُهُ الدَّلَّالُ مِنَ ثَمَنٍ فَادِحٍ.
ثُمَّ انْتَهَتْ حَيْرَتُهُمَا بِسُؤَالِ الدَّلَّالِ عَنْ سِرِّ غَلَاءِ الْأُنْبُوبِ الْعَاجِيِّ الْمَعْرُوضِ.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا الدَّلَّالُ بَاسِمًا، وَقَالَ: «لَيْسَ هَذَا أُنْبُوبًا عَادِيًّا كَمَا تَظُنَّانِ!.. وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَصَحَّ مَا تَقُولَانِ.. وَلَكِنَّهُ مِنْظَارٌ فَرِيدٌ، لَيْسَ لَهُ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ مَثِيلٌ».
فَسَأَلَ الْأَمِيرُ التَّاجِرَ أَنْ يُفْصِحَ لَهُمَا عَنْ مِيزَةِ الْأُنْبُوبِ. فَقَالَ: «فِي هَذَا الْأُنْبُوبِ الْعَاجِيِّ الْعَجِيبِ، سِرٌّ خَفِيٌّ غَرِيبٌ!
فِي هَذَا الْأُنْبُوبِ الَّذِي تَرَيَانِ، زُجَاجَتَانِ غَرِيبَتَانِ، يَرَى النَّاظِرُ — مِنْ خِلَالِهِمَا — كُلَّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ، أَوْ يَهْجِسُ فِي خَاطِرِهِ، وَيَشْهَدُ كُلَّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَشْهَدَهُ لِلْحَالِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى بُعْدِ آلَافِ الْفَرَاسِخِ وَالْأَمْيَالِ».
فَرِحَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» بِمَا سَمِعَ، وَابْتَدَرَ الدَّلَّالَ قَائِلًا: «إِذَا صَحَّ مَا تَقُولُ، فَهُوَ مِنْظَارٌ جَدِيرٌ أَنْ يَبْلُغَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرْتَ، وَقَدَّرَ صَاحِبُهُ».
فَقَالَ لَهُ الدَّلَّالُ فِي ثِقَةٍ بِمَا يَقُولُ: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ، وَعِنْدِي الدَّلِيلُ — عَلَى صِدْقِ مَا أَقُولُ — وَالْبُرْهَانُ.
حَسْبُكَ أَنْ تُجَرِّبَ الْمِنْظَارَ، لِتَرَى مِصْدَاقَ مَا أَقُولُ».
(?) تَجْرِبَةُ الْمِنْظَارِ

فَأَمْسَكَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» بِالْمِنْظَارِ الْعَاجِيِّ فِي يَدِهِ، وَسُرْعَانَ مَا تَبَيَّنَ صِدْقَ الدَّلَّالِ حِينَ أَبْصَرَ أَبَاهُ السُّلْطَانَ — مِنْ خِلَالِ زُجَاجَتَيْهِ، وَكَانَ يُفَكِّرُ فِيهِ — جَالِسًا عَلَى عَرْشِهِ، وَحَوْلَهُ رِجَالُ حَاشِيَتِهِ، وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ، نَاعِمُ الْبَالِ، عَلَى أَتَمِّ صِحَّةٍ وَأَسْعَدِ حَالٍ.
•••

فَاشْتَهَى الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» أَنْ يَرَى الْأَمِيرَةَ: «نُورَ النَّهَارِ»؛ فَرَآهَا — مِنْ خِلَالِ الْمِنْظَارِ — مُنْشَرِحَةَ الصَّدْرِ، مُتَطَلِّقَةَ الْوَجْهِ، بَسَّامَةَ الثَّغْرِ.. وَحَوْلَهَا وَصِيفَاتُهَا يَتَضَاحَكْنَ سُرُورًا، وَيَتَمَايَلْنَ أُنْسًا وَحُبُورًا.
السُّلْطَانُ وَحَاشِيَتُهُ كَمَا رَآهُمُ الْأَمِيرُ مِنْ خِلَالِ الْمِنْظَارِ!
(?) اقْتِنَاعُ الْأَمِيرِ

فَدَهِشَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» مِمَّا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ مِنْ خِلَالِ الْمِنْظَارِ الْعَجِيبِ، وَاقْتَنَعَ بِصِدْقِ مَا قَالَ الدَّلَّالُ، وَأَدْرَكَ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ عَلَى هَذَا الْمِنْظَارِ فَقَدْ حَصَلَ عَلَى ذَخِيرَةٍ لَا يَجُودُ بِمِثْلِهَا الزَّمَانُ، وَظَفِرَ بِعَجِيبَةٍ لَا يَهْتَدِي إِلَى نَظِيرِهَا إِنْسَانٌ.
لَمْ يَتَرَدَّدِ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» فِي أَنْ يُقَرِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ شِرَاءَ الْمِنْظَارِ بِالثَّمَنِ الْغَالِي الْمَعْرُوضِ.
وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّهُ بِشِرَائِهِ هَذَا الْمِنْظَارِ قَدْ حَصَلَ عَلَى نَفِيسَةٍ فَرِيدَةٍ تَجْعَلُهُ يَتَفَوَّقُ عَلَى أَخَوَيْهِ، فِيمَا يَحْصُلَانِ عَلَيْهِ مِنْ نَفَائِسَ وَطُرَفٍ؛ وَلَمْ يَدُرْ بِخَلَدِهِ — لَحْظَةً وَاحِدَةً — أَنْ يُوجَدَ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ مَا يُمَاثِلُ طُرْفَتَهُ نَفَاسَةً وَخَطَرًا.
(?) إِتْمَامُ الصَّفْقَةِ

لَمْ يَتَمَالَكِ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى الدَّلَّالِ الصَّادِقِ الْأَمِينِ عَنْ شَكِّهِ فِيمَا قَالَ.
فَلَمْ يَتَرَدَّدِ الدَّلَّالُ فِي قَبُولِ اعْتِذَارِ الْأَمِيرِ عَمَّا سَاوَرَ نَفْسَهُ مِنِ ارْتِيَابٍ، قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي حَدِيثِهِ وَجْهَ الصَّوَابِ.
خَشِيَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» أَنْ تُفْلِتَ مِنْهُ الْفُرْصَةُ النَّادِرَةُ أَوْ يُنَافِسَهُ فِيهَا مُنَافِسٌ؛ فَابْتَدَرَ الدَّلَّالُ قَائِلًا: «كَمْ تُرِيدُ ثَمَنًا لِهَذَا الْمِنْظَارِ الْعَاجِيِّ النَّفِيسِ؟»
فَقَالَ لَهُ الدَّلَّالُ: «لَقَدْ بَلَغَ ثَمَنُهُ — إِلَى الْآنَ — ثَلَاثِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ؛ وَلَكِنَّ صَاحِبَهُ حَتَمَ عَلَيَّ أَلَّا أَبِيعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ.
فَإِنْ كُنْتَ فِي رَيْبٍ مِمَّا أَقُولُ؛ فَهَلُمَّ مَعِي إِلَى صَاحِبِهِ، لِتَتَبَيَّنَ بِنَفْسِكَ جَلِيَّةَ الْخَبَرِ».
فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ»: «هَيْهَاتَ أَنْ أَرْتَابَ فِيكَ، وَمَا أَنْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُعَزِّزُ قَوْلَكَ أَوْ يُزَكِّيكَ، بَعْدَ أَنْ عَرَفْتُ فِيكَ الْإِخْلَاصَ وَالْأَمَانَةَ، وَالْحِرْصَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِقَوْلِ الصِّدْقِ.
أَنْتَ عِنْدِي ثَبْتٌ أَمِينٌ، لَا تَكْذِبُ وَلَا تَمِينُ، وَلَا تَنْطِقُ بِغَيْرِ الْيَقِينِ.
فَهَلُمَّ مَعِي إِلَى الْفُنْدُقِ، لِأَنْقُدَكَ ثَمَنَ الْأُنْبُوبِ». وَلَمْ يَكَدِ الدَّلَّالُ يُتِمُّ الْبَيْعَ، حَتَّى اطْمَأَنَّ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» إِلَى ظَفَرِهِ بِطِلْبَتِهِ، وَهَدَأَ بَالُهُ.
الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» يُؤَدِّي ثَمَنَ الْمِنْظَارِ إِلَى الدَّلَّالِ.
وَلَمْ يَقْتَصِرْ فَرَحُ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ» بِهَذَا الْمِنْظَارِ عَلَى أَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَجْلِبَ لِأَبِيهِ وَلِبَلَدِهِ عَجِيبَةَ الْعَجَائِبِ، وَنَفِيسَةَ النَّفَائِسِ؛ وَلَكِنَّهُ فَرِحَ بِالْمِنْظَارِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَيَكْفُلُ لَهُ الظَّفَرَ بِمَهْرِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ».
لَقَدْ أَيْقَنَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» أَنَّ أَبَاهُ سَيَكُونُ مُنْصِفًا عَادِلًا فِي تَقْدِيرِ نَفَاسَةِ هَذَا الْكَنْزِ، وَعِظَمِ هَذِهِ التُّحْفَةِ، وَسَيَشْهَدُ بِأَنَّهَا سَيِّدَةُ التُّحَفِ، وَأَمِيرَةُ الطُّرَفِ، وَأَنَّهَا جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ مَهْرًا لِلْأَمِيرَةِ. وَهَيْهَاتَ أَنْ يَأْتِيَ أَخَوَاهُ بِتُحْفَةٍ خَيْرٍ مِنْهَا، أَوْ بِطُرْفَةٍ تُعَادِلُهَا، وَإِذَنْ سَيَكُونُ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» وَحْدَهُ زَوْجَ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ».
(??) عَوْدَةُ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ»

لَمْ يُضِعِ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» وَقْتَهُ عَبَثًا؛ فَظَلَّ يَرْتَادُ مَدِينَةَ «شِيرَازَ» وَضَوَاحِيَهَا، وَيَرَى عَجَائِبَ مَا فِيهَا، وَيُمَتِّعُ نَفْسَهُ — كُلَّ يَوْمٍ — بِزِيَارَةِ آثَارِهَا وَمَعَاهِدِهَا، وَمَتَاحِفِهَا وَمَعَابِدِهَا؛ حَتَّى أَشْرَفَ الْعَامُ عَلَى نِهَايَتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُعِدَّ الْعُدَّةَ لِرِحْلَتِهِ.
وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ وَحْدَهُ، بَلْ عَمِلَ بِالْمَثَلِ «خُذِ الرَّفِيقَ قَبْلَ الطَّرِيقِ».
وَقَدْ حَالَفَهُ التَّوْفِيقُ فِي الْعَوْدَةِ، كَمَا حَالَفَهُ فِي الرَّحِيلِ؛ فَسَافَرَ — مَعَ إِحْدَى الْقَوَافِلِ — عَائِدًا فِي طَرِيقِهِ إِلَى وَطَنِهِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهِ فِي مَوْعِدِهِ.
(??) لِقَاءُ الْأَخَوَيْنِ

وَلَا تَسَلْ عَنْ فَرَحِ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ»، حِينَ رَأَى أَخَاهُ الْأَمِيرَ «حُسَيْنًا» فِي انْتِظَارِهِ.
لَقَدْ كَانَ ابْتِهَاجُ الْأَمِيرَيْنِ الشَّقِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا بِاللِّقَاءِ يَفُوقُ الْوَصْفَ، وَقَدْ هَنَّأَ كِلَاهُمَا صَاحِبَهُ بِعَوْدَتِهِ ظَافِرًا، وَبِالسَّلَامَةِ غَانِمًا..
وَعَبَّرَ كُلُّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ عَمَّا كَانَ يُسَاوِرُهُ مِنَ الْقَلَقِ، وَعَمَّا كَانَ يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الشَّوْقِ إِلَى التَّلَاقِي بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَالْغِيَابِ.
ثُمَّ جَلَسَ الْأَمِيرَانِ يَنْتَظِرَانِ مَقْدَمَ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»: أَخِيهِمَا الْأَصْغَرِ، وَبِوُدِّهِمَا أَنْ تَتِمَّ فَرْحَتُهُمَا بِلِقَائِهِ، وَالِاطْمِئْنَانِ إِلَى سَلَامَتِهِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ


(?) فِي «سَمَرْقَنْدَ»

حَدَّثْتُكَ — أَيُّهَا الصَّدِيقُ الْعَزِيزُ — فِي الْفَصْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ حَدِيثَ الْأَمِيرَيْنِ: «عَلِيٍّ» وَ«حُسَيْنٍ» مُنْذُ رَحَلَا، إِلَى أَنْ عَادَا.
وَلَسْتُ أَشُكُّ فِي أَنَّكَ شَدِيدُ الشَّوْقِ إِلَى تَعَرُّفِ مَا حَدَثَ لِأَخِيهِمَا الْأَصْغَرِ: الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»، بَعْدَ أَنْ خَرَجَ ثَلَاثَتُهُمْ مِنَ الْفُنْدُقِ، وَوَدَّعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عِنْدَ مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ، وَمَضَى كُلٌّ مِنْهُمْ يَخْتَارُ السَّبِيلَ الَّذِي يُحَقِّقُ لَهُ مَأْرَبَهُ، وَيُنِيلُهُ مُبْتَغَاهُ.
وَإِنِّي مُلَبٍّ رَغْبَتَكَ، وَمُحَدِّثُكَ بِمَا لَقِيَهُ شَقِيقُهُمُ الْأَصْغَرُ: الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» فِي رِحْلَتِهِ الْعَجِيبَةِ، مِنْ مُفَاجَآتٍ مُدْهِشَةٍ غَرِيبَةٍ.
•••

لَقَدْ سَارَ الْأَمِيرُ الصَّغِيرُ «أَحْمَدُ» فِي طَرِيقِهِ إِلَى «سَمَرْقَنْدَ»، مُخْتَرِقًا وَسَطَ آسِيَا، فِي قَافِلَةٍ كَبِيرَةٍ.. وَمَا زَالَ يُجِدُّ السَّيْرَ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ، بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مُضْنِيَةٍ.
ثُمَّ ذَهَبَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» إِلَى سُوقِ التُّجَّارِ — كَمَا فَعَلَ أَخَوَاهُ مِنْ قَبْلُ — لَعَلَّهُ يَظْفَرُ بِطُرْفَةٍ ثَمِينَةٍ، يُقَدِّمُهَا مَهْرًا لِبِنْتِ عَمِّهِ الْأَمِيرَةِ: «نُورِ النَّهَارِ».
وَرَأَى الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» فِي جَوَانِبِ السُّوقِ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَأَصْنَافًا شَتَّى مِنَ النَّبَاتَاتِ وَالْأَعْشَابِ، لَمْ تَشْهَدْهَا عَيْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
وَلَمَّا أَكَلَ مِنْ بَعْضِ الثِّمَارِ، أَدْرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ لَهَا مَذَاقًا فِيمَا سَلَفَ.
فَجَعَلَ يَسْأَلُ وَيَسْتَخْبِرُ: مَا سِرُّ انْفِرَادِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِتِلْكَ الْأَزْهَارِ النَّاضِرَةِ، وَالثِّمَارِ الْيَانِعَةِ، وَالْأَعْشَابِ الْعَجِيبَةِ؟!
فَعَلِمَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَدْ بَرَعُوا كُلَّ الْبَرَاعَةِ، فِي شُئُونِ الزِّرَاعَةِ، وَأَنَّهُمُ اسْتَخْرَجُوا مِنَ الْأَرْضِ مَا هُوَ طَعَامٌ وَغِذَاءٌ، وَمَا هُوَ دَوَاءٌ وَشِفَاءٌ، مِمَّا لَا مَثِيلَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ، فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الْمَعْمُورِ.
فَإِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ النَّاهِضَةِ، بِفَضْلِ التَّجَارِبِ الْكَثِيرَةِ، أَتْقَنُوا فُنُونَ فِلَاحَةِ الْأَرْضِ وَغَرْسِ الْبُذُورِ، وَأَدْرَكُوا أَسْرَارَ النَّبَاتَاتِ وَالْأَعْشَابِ، وَعَرَفُوا كَيْفَ يُعَالِجُونَ بِهَا مَا يَعْتَرِيهِمْ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ.
فَقَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» فِي نَفْسِهِ: «لَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَكْتَفِيَ بِالنَّظَرِ، وَأَنْ أَقْنَعَ بِالْمَعْرِفَةِ.
لَا بُدَّ لِي مِنَ الْحُصُولِ عَلَى نَمَاذِجَ مِنْ بُذُورِ هَذِهِ الزُّرُوعِ، وَلَا بُدَّ لِي أَنْ أَتَبَيَّنَ كَيْفَ تُزْرَعُ؟ وَكَيْفَ تَجُودُ ثِمَارُهَا؟ وَكَيْفَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْعِلَاجِ وَالتَّدَاوِي؟ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ أَشْرَفِ الْغَايَاتِ، وَأَكْرَمِ الْأَغْرَاضِ، وَالتَّغَلُّبُ عَلَى الْأَمْرَاضِ مِنْ أَنْفَسِ مَا يَغْنَمُهُ الْإِنْسَانُ فِي الْحَيَاةِ.
وَإِنَّ مِنْ وَاجِبِي فِي رِحْلَتِي هَذِهِ، أَنْ أَنْقُلَ إِلَى أَهْلِ وَطَنِي مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ هُنَا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ مِنْ خَيْرَاتِ الْأَرْضِ وَتَجَارِبِ الزُّرَّاعِ، وَخِبْرَاتِ الْعُلَمَاءِ».
(?) التُّفَاحَةُ الشَّافِيَةُ

وَلَمْ يَكَدِ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمُقَامُ، حَتَّى رَأَى دَلَّالًا يُمْسِكُ بِتُفَّاحَةٍ فِي يَدِهِ.
وَاسْتَمَعَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ يُنَادِي عَلَيْهَا بِصَوْتٍ جَهِيرٍ: «خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ.
فَمَنْ يَزِيدُ؟»
فَدَهِشَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» مِنْ نِدَاءِ هَذَا الدَّلَّالِ، وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَخْبُولٌ أَوْ مَعْتُوهٌ، أَوْ شَارِدُ اللُّبِّ مَشْدُوهٌ!
كَادَ الْأَمِيرُ يَشُكُّ فِيمَا سَمِعَ، وَلَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا أَلْفَى الدَّلَّالَ يُعَاوِدُ النِّدَاءَ.
فَأَسْرَعَ الْأَمِيرُ بِاسْتِدْعَائِهِ، وَسَأَلَهُ عَمَّا يَعْنِيهِ بِنِدَائِهِ.
ابْتَدَرَهُ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» قَائِلًا: «أَيُّ تُفَّاحَةٍ هَذِهِ الَّتِي غَلَوْتَ فِي تَثْمِينِهَا وَأَسْرَفْتَ؟»
فَأَجَابَهُ الدَّلَّالُ عَلَى الْفَوْرِ: «لَوْ عَرَفْتَ — يَا سَيِّدِي — مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ هَذِهِ التُّفَّاحَةُ الْعَجِيبَةُ، مِنْ خَصَائِصَ غَرِيبَةٍ، لَعَظَّمْتَ مَا اسْتَصْغَرْتَ مِنْ شَأْنِهَا، وَأَكْبَرْتَ مَا حَقَّرْتَ مِنْ قَدْرِهَا، وَارْتَخَصْتَ مَا طَلَبْتَ مِنْ ثَمَنِهَا.
فَلَيْسَ كَثِيرًا — لَوْ عَلِمْتَ الْخَبَرَ الْيَقِينَ — أَنْ يَدْفَعَ الشَّارِي أَرْبَعِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ أَوْ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ، فِي مِثْلِ هَذَا الْكَنْزِ النَّادِرِ الثَّمِينِ».
خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ، فَمَنْ يَزِيدُ؟
اشْتَدَّتِ الدَّهْشَةُ بِالْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»، وَتَعَاظَمَتْهُ الْحَيْرَةُ مِمَّا سَمِعَ مِنَ الدَّلَّالِ، وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ بِهِ مَسًّا مِنْ خَبَالٍ، وَأَنَّهُ — فِيمَا يَدَّعِيهِ — عَلَى ضَلَالٍ.
فَاسْتَأْنَفَ الدَّلَّالُ حَدِيثَهُ قَائِلًا: «اعْلَمْ يَا سَيِّدِي — عَلِمْتَ الْخَيْرَ، وَسَلِمْتَ مِنْ كُلِّ أَذًى وَضَيْرٍ — أَنَّ هَذِهِ التُّفَّاحَةَ ذَاتُ سِرٍّ عَجِيبٍ، وَلَهَا فِي شِفَاءِ الْأَمْرَاضِ الْمُسْتَعْصِيَةِ قُدْرَةٌ لَا تُخْطِئُ وَلَا تَخِيبُ، وَأَثَرٌ نَافِذٌ غَرِيبٌ».
قَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»: «مَا هَذَا الَّذِي تَقُولُ؟ إِنَّ كَلَامَكَ يُحَيِّرُ الْأَفْهَامَ وَالْعُقُولَ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ!»
فَأَظْهَرَ الدَّلَّالُ إِنْكَارَهُ لِمَا يَتَّهِمُهُ بِهِ الْأَمِيرُ، وَقَالَ لَهُ: «الْحَقُّ الصُّرَاحُ مَا تَسْمَعُ؛ فَمَا أَنَا مِنَ ذَلِكَ الطِّرَازِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَغْلُونَ — فِيمَا يَقُولُونَ — وَيُسْرِفُونَ، وَيَهْرِفُونَ بِمَا لَا يَعْرِفُونَ.
حَسْبُكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا التُّفَّاحَةُ الشَّافِيَةُ.
فَإِذَا سَأَلْتَنِي: لِمَاذَا أَطْلَقُوا عَلَيْهَا ذَلِكَ، فَجَوَابِي إِلَيْكَ حَاضِرٌ، يُؤَيِّدُهُ الدَّلِيلُ وَيُثْبِتُهُ الْبُرْهَانُ، وَيُعَزِّزُهُ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ.
لَقَدْ اكْتَسَبَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ؛ لِأَنَّهَا تَشْفِي مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُسْتَعْصِيَةِ، وَتُبْرِئُ — مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَسْقَامِ — مَا عَجَزَ الْأَطِبَّاءُ عَنْ إِبْرَائِهِ، وَأَعْلَنُوا يَأْسَهُمْ مِنْ شِفَائِهِ!»
(?) اخْتِبَارُ التُّفَّاحَةِ

فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»: «لَئِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ، لَتَكُونَنَّ هَذِهِ التُّفَّاحَةُ أُعْجُوبَةَ الْأَعَاجِيبِ، وَنَفِيسَةَ النَّفَائِسِ، وَطُرْفَةَ الطُّرَفِ».
فَقَالَ لَهُ الدَّلَّالُ: «إِنَّ مَا أُحَدِّثُكَ بِهِ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ، فَقَدْ كَانَ صَانِعُهَا حَكِيمَ زَمَانِهِ، وَوَحِيدَ عَصْرِهِ وَأَوَانِهِ. وَقَدْ وَقَفَ جُهْدَهُ وَتَجْرِبَتَهُ عَلَى دَرْسِ الْأَعْشَابِ وَالنَّبَاتِ، عِدَّةَ سَنَوَاتٍ؛ حَتَّى اهْتَدَى إِلَى تَأْلِيفِهَا مِنَ مُخْتَلِفِ تِلْكَ الْأَعْشَابِ النَّادِرَةِ، عَلَى نِظَامٍ بَارِعٍ فَرِيدٍ، بِحَيْثُ يُشْفَى بِهَا الْمُحْتَضَرُ مَتَى أَدْنَيْتَهَا مِنْ أَنْفِهِ، وَيَزُولُ عَنْهُ الْمَرَضُ عَلَى الْفَوْرِ، وَتَعُودُ إِلَيْهِ الصِّحَّةُ كَامِلَةً وَافِيَةً.
كُنْ عَلَى ثِقَةٍ — يَا سَيِّدِي — بِمَا تَسْمَعُ.
إِنَّ هَذِهِ التُّفَّاحَةَ الْعَجِيبَةَ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تُبْرِئَ الْمَرِيضَ الْمَيْئُوسَ مِنْ شِفَائِهِ لِلْحَالِ، وَتُعِيدَ إِلَيْهِ قُوَّتَهُ، وَعَافِيَتَهُ وَصِحَّتَهُ، وَنَشَاطَهُ وَفُتُوَّتَهُ؛ فَيُصْبِحَ بَعْدَهَا سَلِيمًا مُعَافًى، كَأَنْ لَمْ يُلِمَّ بِهِ سُوءٌ، أَوْ يَلْحَقَ بِهِ مَرَضٌ.
وَقَدْ جُرَّبْتُ هَذِهِ التُّفَّاحَةَ الشَّافِيَةَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ، حَتَّى ذَاعَتْ شُهْرَتُهَا فِي جَمِيعِ أَرْجَاءِ «سَمَرْقَنْدَ»، ثُمَّ تَجَاوَزَتْهَا إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ.
وَأَعْجَبُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِهَا الْعَبْقَرِيِّ أَنْ فَاجَأَهُ الْمَرَضُ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَلَمْ يُمْهِلْهُ الْأَجَلُ حَتَّى يُحْضِرُوا لَهُ تُفَّاحَتَهُ الشَّافِيَةَ.
(?) أُسْرَةُ الْعَبْقَرِيِّ

وَكَانَ مِنْ سُوءِ حَظِّ أُسْرَةِ هَذَا النِّطَاسِيِّ الْبَارِعِ أَنْ مَرِضَ، وَالتُّفَّاحَةُ الشَّافِيَةُ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا فِي نَفْسِهِ، كَمَا نَفَعَ بِهَا غَيْرَهُ.
وَمِمَّا زَادَ حَظَّ هَذِهِ الْأُسْرَةِ سُوءًا، أَنَّ عَائِلَهَا الطَّبِيبَ الْكَبِيرَ لَمْ يَتْرُكْ لَهَا مِنَ الْمَالِ أَوِ الْعَقَارِ مَا يُعِينُهَا عَلَى تَكَالِيفِ الْعَيْشِ؛ فَاشْتَدَّتِ الْحَاجَةُ بِأَطْفَالِ الطَّبِيبِ الصِّغَارِ — بَعْدَ مَوْتِ عَائِلِهِمُ الْعَظِيمِ — وَافْتَقَرُوا إِلَى الْمَالِ، فَاضْطُرُّوا إِلَى بَيْعِ التُّفَّاحَةِ الشَّافِيَّةِ اضْطِرَارًا.
فَلَجَئُوا إِلَيَّ، وَأَوْصَوْنِي أَلَّا أَبِيعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ!»
(?) الْمَرِيضُ الْمُحْتَضَرُ

كَانَ الدَّلَّالُ يُحَدِّثُ الْأَمِيرَ، فِي شَأْنِ التُّفَّاحَةِ الشَّافِيَةِ، فِي لَهْجَةِ الْوَاثِقِ الْمُتَثَبِّتِ مِمَّا يَقُولُ.
وَشَاءَتِ الْمُصَادَفَاتُ الطَّارِئَةُ أَنْ تُؤَيِّدَ قَوْلَ الدَّلَّالِ بِأَوْضَحِ حُجَّةٍ وَأَقْوَى دَلِيلٍ.
فَلَمْ يَكَدْ يَنْتَهِي مِنْ حَدِيثِهِ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يَسْتَنْجِدُهُ، مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ أَنْ يَشْفِيَ أَخَاهُ الْمُشْرِفَ عَلَى التَّلَفِ، قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ التُّفَّاحَةَ الشَّافِيَةَ لِمَنْ يَمْلِكُ ثَمَنَهَا الْغَالِيَ.
وَكَانَ مِنْ عَجِيبِ الْمُصَادَفَاتِ أَنَّ أَخَاهُ الْمُحْتَضَرَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ، وَقَدْ يَئِسَ مِنْ شِفَائِهِ أَطِبَّاءُ الْبَلَدِ جَمِيعًا، وَأَعْلَنُوا أَنَّهُ لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي عِلَاجِهِ.
وَرَأَى الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» فِي إِجَابَةِ هَذَا الرَّجُلِ إِلَى طِلْبَتِهِ، وَإِغَاثَتِهِ مِنْ لَهْفَتِهِ، فُرْصَةً نَادِرَةً أَتَاحَهَا الْقَدَرُ لِاخْتِبَارِ التُّفَّاحَةِ الشَّافِيَةِ، وَالتَّحَقُّقِ مِمَّا حَدَّثَهُ الدَّلَّالُ عَمَّا تَفَرَّدَتْ بِهِ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى تَحْقِيقِ الشِّفَاءِ، لِمَا اسْتَعْصَى مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَدْوَاءِ.
فَقَالَ الدَّلَّالُ لِلرَّجُلِ: «لَا مَانِعَ عِنْدِي مِنْ تَحْقِيقِ مَا تُرِيدُ عَلَى الْفَوْرِ، فَمَا وُجِدَتْ هَذِهِ التُّفَّاحَةُ إِلَا لِتَشْفِيَ مِنَ الْمَرَضِ الْمُسْتَعْصِي، وَالدَّاءِ الْعَيَاءِ، وَلَعَلَّ الْأَقْدَارَ سَاقَتْكَ لِيَكُونَ أَخُوكَ شَاهِدًا لِهَذِهِ التُّفَّاحَةِ بِمَا لَهَا مِنْ فَائِدَةٍ وَنَفْعٍ».
الرَّجُلُ الْمَرِيضُ يَسْتَشْفِي بِالتُّفَّاحَةِ الشَّافِيَةِ.
(?) نَجَاحُ الْخُطَّةِ

وَمَا كَادَ ثَلَاثَتُهُمْ يَبْلُغُونَ دَارَ الْمَرِيضِ الْمُحْتَضَرِ، حَتَّى وَجَدُوهُ — كَمَا قَالَ صَاحِبُهُ — يَجُودُ بِأَنْفَاسِهِ الْأَخِيرَةِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَوْتِ مِنْهُ إِلَى الْحَيَاةِ.
فَأَسْرَعَ الدَّلَّالُ إِلَى الْمَرِيضِ، وَأَدْنَى التُّفَّاحَةَ مِنْ أَنْفِهِ.
•••

وَمَا كَادَ الْمَرِيضُ يَشَمُّهَا حَتَّى دَبَّتِ الْحَيَاةُ فِي جِسْمِهِ مِنْ جَدِيدٍ.
•••

وَلَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ لَحَظَاتٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى انْتَعَشَ، وَعَاوَدَهُ النَّشَاطُ وَالْقُوَّةُ، وَالْبَأْسُ وَالْفُتُوَّةُ.
(?) عَوْدَةُ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»

لَا تَسَلْ عَنْ فَرَحِ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ» حِينَ شَهِدَ نَجَاحَ التَّجْرِبَةِ، وَرَأَى مِصْدَاقَ مَا حَدَّثَهُ دَلَّالُهَا رُؤْيَةَ الْعِيَانِ، وَثَبَتَ لَهُ نَجَاحُ التَّجْرِبَةِ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، حَتَّى يَزْدَادَ مِنْ ثِقَةٍ وَإِيمَانٍ!
اطْمَأَنَّ قَلْبُ الْأَمِيرِ بِمَا رَأَى وَارْتَاحَ بَالُهُ، بَعْدَ أَنْ تَمَّ لَهُ مُرَادُهُ وَتَحَقَّقَتْ آمَالُهُ، وَلَمْ يَعُدْ يَشُكُّ فِي صِدْقِ الدَّلَّالِ وَأَمَانَتِهِ، وَعَدَالَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ، وَأَسْرَعَ إِلَيْهِ فَنَقَدَهُ أَرْبَعِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ، ثَمَنًا لِلتُّفَّاحَةِ الشَّافِيَةِ، وَاخْتَصَّهُ — فَوْقَ هَذَا — بِكِيسٍ آخَرَ تَقْدِيرًا لِصَنِيعِهِ وَعِرْفَانًا، وَمُكَافَأَةً لَهُ عَلَى هَدِيَّتِهِ وَحُلْوَانًا.
ثُمَّ خَطَرَ لِلْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» أَنْ يَقْضِيَ مَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ فِي دَرْسِ آثَارِ الْمَدِينَةِ، وَتَعَرُّفِ عَجَائِبِهَا، وَالتَّجْوَالِ فِي وَادِيهَا الْمُمْرِعِ الْخَصِيبِ، الَّذِي ذَاعَ فِي الْعَالَمِ صِيتُهُ وَاسْتَفَاضَتْ شُهْرَتُهُ، حَتَّى قَالَ النَّاسُ عَنْهُ: إِنَّهُ إِحْدَى جَنَّاتِ الدُّنْيَا، لِمَا يَحْوِيهِ مِنْ يَنَابِيعَ عَذْبَةٍ، وَحُقُولٍ خِصْبَةٍ، وَمُرُوجٍ خَضِرَاتٍ، وَبَسَاتِينَ فَاتِنَاتٍ.
وَقَدْ حَمِدَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ أَهْلُ نُزْهَةٍ وَلَهْوٍ طَيِّبٍ، كَمَا هُمْ أَهْلُ جِدٍّ وَعَمَلٍ مُثْمِرٍ؛ إِذْ رَآهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُمْ أَوْقَاتِ رَاحَةٍ وَفَرَاغٍ، يَقْضُونَهَا فِي الرِّحْلَةِ إِلَى الْأَمْكِنَةِ الْخَلَوِيَّةِ، فَيُمَتِعُونَ أَعْيُنَهُمْ بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ مَحَاسِنِ الطَّبِيعَةِ، وَيُرَفِّهُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ حِينَ يَتَنَزَّهُونَ خِلَالَ الزُّرُوعِ النَّامِيَةِ، وَالْأَشْجَارِ الْحَالِيَةِ، وَالظِّلَالِ الضَّافِيَةِ، تَحْتَ سَمَاءٍ صَاحِيَةٍ.
وَلَمَّا جَاءَ مَوْعِدُ السَّفَرِ، وَتَهَيَّأَتِ الْقَافِلَةُ لِلسَّيْرِ، ذَهَبَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» فِي رَفَاقَتِهَا، وَأَنِسَ إِلَى صُحْبَتِهَا.
وَظَلَّ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» يُوَاصِلُ الرِّحْلَةَ، حَتَّى بَلَغَ مُفْتَرَقَ الطُّرُقِ؛ فَوَدَّعَ الْقَافِلَةَ، شَاكِرًا مَا لَقِيَهُ مِنْ كَرِيمِ الصُّحْبَةِ، وَقَصَدَ إِلَى الْفُنْدُقِ الَّذِي حَلَّ فِيهِ مَعَ أَخَوَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
وَكَانَ أَكْبَرُ مَا يَرْجُوهُ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» أَنْ يَلْقَى شَقِيقَيْهِ، بَعْدَ أَنْ فَارَقَهُمَا عَامًا كَامِلًا؛ فَقَدْ كَانَ لَا يَعْدِلُ شَوْقَهُ إِلَيْهِمَا، وَارْتِقَابَهُ لِلِقَائِهِمَا، إِلَّا شَوْقُهُمَا إِلَيْهِ، وَارْتِقَابُهُمَا لِلِقَائِهِ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ


(?) اجْتِمَاعُ الشَّمْلِ

وَلَوْ أَنَّكَ وَازَنْتَ بَيْنَ دَوَاعِي السُّرُورِ، لَوَجَدْتَ أَهْنَأَهَا وَأَمْتَعَهَا مَا يَكُونُ مِنْ إِيَابٍ بَعْدَ غِيَابٍ، وَمِنْ تَلَاقٍ بَعْدَ افْتِرَاقٍ.
وَلَمْ يَكَدِ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» يَبْلُغُ الْفُنْدُقَ الَّذِي اتَّفَقَ مَعَ أَخَوَيْهِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِيهِ — بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَامِ — حَتَّى رَأَى أَخَوَيْهِ يُقْبِلَانِ عَلَيْهِ مَسْرُورَيْنِ، وَيُرَحِّبَانِ بِمَقْدَمِهِ مُبْتَهِجَيْنِ.
وَمَا لَبِثَ الْأَخَوَانِ أَنْ عَانَقَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْأَخَ الْقَادِمَ مِنَ السَّفَرِ أَحَرَّ عِنَاقٍ، وَقَدْ فَاضَتْ قُلُوبُهُمْ أُنْسًا وَهَنَاءَةً، وَغَمَرَتْهُمُ السَّعَادَةُ بِاجْتِمَاعِ الشَّمْلِ الشَّتِيتِ، بَعْدَ مَا كَابَدُوهُ مِنْ عَنَاءِ النُّقْلَةِ وَمَشَاقِّ الرَّحِيلِ قُرَابَةَ عَامٍ.
الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ يَلْتَقُونَ فِي الْفُنْدُقِ بَعْدَ غِيابِ عَامٍ.
(?) حِوَارُ الْأَشِقَّاءِ

وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِمُ الْجُلُوسُ، الْتَفَتَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ»، وَهُوَ — كَمَا يَعْلَمُ الْقَارِئُ الْعَزِيزُ — أَكْبَرُ أَبْنَاءِ السُّلْطَانِ، وَقَالَ: «شُكْرًا لِلهِ الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ جَلَّتْ نِعْمَتُهُ، وَعَظُمَتْ مِنَّتُهُ مَا أَتَاحَ لَنَا مِنْ أَمْنٍ وَسَلَامَةٍ وَتَوْفِيقٍ، وَنَجَاةٍ مِنْ أَخْطَارِ الطَّرِيقِ.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْنَا، وَضَاعَفَ مِنَّتَهُ عَلَيْنَا، فَأَظْفَرَنَا بِاللِّقَاءِ، وَيَسَّرَ لَنَا أَسْبَابَ الْهَنَاءِ.
وَإَنِّي لَأَتَمَنَّى، أَيُّهَا الشَّقِيقَانِ الْكَرِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْكُمَا قَدْ لَقِيَ فِي رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ — مِنَ النَّجَاحِ — مِثْلَ مَا لَقِيتُ.
فَإِنَّ مَا أَتَبَيَّنُهُ فِي مَظْهَرَيْكُمَا، وَقَسَمَاتِ وَجْهَيْكُمَا، وَمَا أَرَاهُ عَلَى أَسَارِيرِكُمَا مِنْ دَلَائِلِ الِابْتِهَاجِ وَالْبِشْرِ؛ دَلِيلٌ عَلَى مَا أَحْرَزْتُمَاهُ مِنْ فَوْزٍ وَنَصْرٍ.
وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْكُمَا ازْدَادَ خِبْرَةً بِالدُّنْيَا؛ وَمَعْرِفَةً لِلْحَيَاةِ، بَعْدَ أَنْ شَهِدَ مِنَ الْبِقَاعِ النَّائِيَةِ، وَالْأَمْكِنَةِ الْقَاصِيَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ شَهِدَتْهُ عَيْنَاهُ، وَبَعْدَ أَنِ اسْتَبَانَ لَهُ مَا عِنْدَ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ عَجَائِبَ وَغَرَائِبَ، وَمِنْ طَرَائِفَ وَلَطَائِفَ، وَمَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْبَاحِثُونَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَيْدَانِ الزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ مِنْ أَسْرَارٍ وَحَقَائِقَ، مِمَّا يَجْدُرُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْإِنْسَانُ، أَيْنَمَا كَانَ، وَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ وَطَنٌ دُونَ سَائِرِ الْأَوْطَانِ.
وَلَعَلَّكُمَا مُحَدِّثَايَ بِمَا أَحْرَزْتُمَا — فِي رِحْلَتَيْكُمَا الشَّاقَّتَيْنِ — مِنْ نَفَائِسِ الطُّرَفِ، وَمَا جَمَعْتُمَا مِنْ غَوَالِي التُّحَفِ».
(?) حَدِيثُ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ»

سَكَتَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» قَلِيلًا، ثُمَّ وَصَلَ مَا انْقَطَعَ مِنْ حَدِيثِهِ قَائِلًا: «أَمَّا أَنَا، فَمَا أَكْثَرَ مَا لَقِيتُ فِي رِحْلَتِيَ الطَّوِيلَةِ مِنْ مُدْهِشَاتٍ وَعَجَائِبَ، وَمُفَارَقَاتٍ وَغَرَائِبَ!
وَقَدْ حَرَصْتُ عَلَى تَدْوِينِ مَا رَأَيْتُ، وَتَسْجِيلِ مَا سَمِعْتُ، لِلْإِفَادَةِ بِمَا شَهِدْتُ فِي رِحْلَتِي، وَالِانْتِفَاعِ بِمَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ تَجْرِبَتِي.
عَلَى أَنَّنِي بَادِئٌ بِالْإِفْضَاءِ إِلَيْكُمَا، أَيُّهَا الشَّقِيقَانِ، وَيُسْعِدُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمَا عَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِحْلَتِي مِنْ فَوْزٍ وَنَجَاحٍ، وَتَوْفِيقٍ وَفَلَاحٍ، وَمَا تَحَقَّقَ لِي فِيهَا مِنْ رَغَبَاتٍ وَآمَالٍ، لَمْ تَكُنْ لِتَخْطُرَ لِي عَلَى بَالٍ».
كَانَ الْأَخَوَانِ يُنْصِتَانِ إِلَى حَدِيثِهِ، وَقَدِ اشْتَدَّ تَطَلُّعُهُمَا إِلَى تَعَرُّفِ مَا ظَفِرَ بِهِ شَقِيقُهُمَا الْأَكْبَرُ، فَابْتَدَرَاهُ قَائِلَيْنِ: «مَا أَشْوَقَنَا إِلَى تَعَرُّفِ مَا أَظْفَرَتْكَ بِهِ رِحْلَتُكَ!»
فَقَالَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ»: «لَقَدْ حَالَفَنِي التَّوْفِيقُ فِي الْعُثُورِ عَلَى هَذَا الْبِسَاطِ الْعَجِيبِ الَّذِي أَجْلِسُ وَتَجْلِسَانِ عَلَيْهِ.
إِنَّهُ — كَمَا تَرَيَانِ — بِسَاطٌ عَادِيٌّ فِي مَظْهَرِهِ، لَا يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْبُسُطِ الَّتِي تَزْدَحِمُ بِهَا الْأَسْوَاقُ.
وَمَهْمَا حَاوَلَ الْفَاحِصُ الْمُدَقِّقُ أَنْ يَتَعَرَّفَ مِنْ نَظْرَتِهِ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَلَنْ يَهْتَدِيَ إِلَى جَلَالِ خَطَرِهِ وَنَفَاسَتِهِ!
تَأَمَّلَا فِيهِ — يَا أَخَوَيَّ — وَانْظُرَا، وَأَمْعِنَا الْفِكْرَ وَتَدَبَّرَا فَلَنْ تَرَيَا بَعْدَ الْفَحْصِ وَالتَّحْقِيقِ، وَالتَّفْكِيرِ الْعَمِيقِ، إِلَّا بِسَاطًا عَادِيًّا، لَا مُتَفَرِّدًا فِي نَسْجِهِ وَلَا عَبْقَرِيًّا.
ذَلِكَ مَا يَبْدُو مِنْ مَظْهَرِهِ..
فَكَيْفَ تَحْكُمَانِ لَوْ عَرَفْتُمَا حَقِيقَةَ مَخْبَرِهِ؟
إِنَّ هَذَا الْبِسَاطَ، يَا أَخَوَيَّ الْعَزِيزَيْنِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الْعَجَبِ، وَطُرْفَةٌ أَثْمَنُ مِنْ كُلِّ مَا يَحْوِيهِ الْعَالَمُ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ.
وَقَدِ اشْتَرَيْتُهُ — لِحُسْنِ حَظِّي — بِأَرْبَعِينَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ، لَمْ أَزِدْ عَلَيْهَا إِلَّا كِيسًا وَاحِدًا، مَنَحْتُهُ لِلدَّلَّالِ الَّذِي عَرَضَهُ عَلَيَّ حُلْوَانًا، تَقْدِيرًا لِصَنِيعِهِ وَعِرْفَانًا.
أَرَاكُمَا تَتَعَجَّبَانِ مِمَّا أَقُولُ، أَيُّهَا الْأَخَوَانِ الْعَزِيزَانِ، وَلَا تَكَادَانِ تُصَدِّقَانِ مَا تَسْمَعَانِ.
لَا رَيْبَ أَنَّ دَهْشَتَكُمَا سَتَزْدَادُ إِذَا قُلْتُ لَكُمَا إِنَّ مَا دَفَعْتُهُ مِنَ الْمَالِ — عَلَى كَثْرَتِهِ وَوَفْرَتِهِ — تَفِهٌ بَخْسٌ، وَأَنَّ الْبِسَاطَ جَدِيرٌ أَنْ يُقَوَّمَ بِأَضْعَافِ مَا دَفَعْتُهُ فِيهِ مِنَ الثَّمَنِ الْوَكْسِ.
فَإِذَا حَسِبْتُمَا أَنَّنِي أُسْرِفُ فِي تَقْوِيمِهِ، وَأَغْلُو فِي تَقْدِيرِهِ فِإِنِّي مُثْبِتٌ لَكُمَا — عَلَى الْفَوْرِ — أَنَّنِي أَبْخَسُ الْبِسَاطَ وَأَحْقِرُهُ، إِذَا لَمْ أَقُلْ إِنَّ ذَهَبَ الْعَالَمِ وَكُنُوزَ الدُّنْيَا كُلِّهَا لَا تَفِي بِتَقْوِيمِهِ، وَلَا تَكْفِي لِتَقْدِيرِهِ لِأَنَّهُ أَثْمَنُ مِنْ أَنْ يُقَوَّمَ بِمَالٍ، وَإِنْ يَكُنْ عَدَدَ الْحَصَى وَالرِّمَالِ!..
وَحَسْبُكُمَا أَنْ تَعْلَمَا أَنَّ هَذَا الْبِسَاطَ الْعَجِيبَ هُوَ بِسَاطُ الرِّيحِ الَّذِي طَالَمَا حَدَّثَتْنَا عَنْهُ غَرَائِبُ الْقِصَصِ، وَعَجَائِبُ الْأَسَاطِيرِ.
فَهُوَ يَحْمِلُ رَاكِبَهُ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ إِلَى أَقْصَاهَا، وَيُبَلِّغُهُ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُهُ فِي لَحَظَاتٍ مَعْدُودَاتٍ.
هَذَا الْبِسَاطُ الْعَجِيبُ لَا يُعْجِزُهُ أَنْ يُصَعِّدَ فِي الْجِبَالِ، أَوْ يُصَوِّبَ فِي السُّهُولِ، وَأَنْ يَسْبَحَ إِنْ شَاءَ فَوْقَ الْمَاءِ، وَيَمْضِيَ كَالْهَوَاءِ فِي الْفَضَاءِ، تَارَةً هُوَ عَلَى قِمَّةِ جَبَلٍ أَشَمَّ، وَتَارَةً هُوَ عَلَى مَتْنِ بَحْرٍ خِضَمٍّ، وَطَوْرًا يُطِلُّ عَلَى مَدَائِنَ عَامِرَةٍ، أَوْ يَمُرُّ بَيْنَ أَشْجَارٍ مُزْهِرَةٍ فَفِي رُكُوبِهِ نُزْهَةٌ لِلنَّفْسِ، وَاقْتِصَادٌ لِلْوَقْتِ وَإِسْعَافٌ بِالْحَاجَةِ.
(?) حَدِيثُ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ»

فَرِحَ الْأَمِيرَانِ؛ «عَلِيٌّ» وَ«أَحْمَدُ» بِمَا سَمِعَا مِنْ حَدِيثِ أَخِيهِمَا الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ».
وَأَقْبَلَا عَلَيْهِ يُهَنِّئَانِهِ بِمَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ طُرْفَةٍ ثَمِينَةٍ نَادِرَةٍ، وَتُحْفَةٍ نَفِيسَةٍ بَاهِرَةٍ.
•••

ثُمَّ الْتَفَتَ الْأَخُ الْأَوْسَطُ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» إِلَى أَخَوَيْهِ «حُسَيْنٍ» وَ«أَحْمَدَ» قَائِلًا لَهُمَا: «لَسْتُ أَشُكُّ — أَيُّهَا الْأَخَوَانِ الْعَزِيزَانِ — فِي طَرَافَةِ هَذَا الْبِسَاطِ الثَّمِينِ وَجَلَالِ خَطَرِهِ، وَمَا أَجْدَرَ أَخَانَا «حُسَيْنًا» بِالتَّهْنِئَاتِ الصَّادِقَاتِ بِمَا أَظْفَرَهُ بِهِ سَعْيُهُ الْمَجِيدُ، وَحَظُّهُ السَّعِيدُ.
وَلَسْتُ أُنَازِعُهُ الْقَوْلَ فِي أَنَّ هَذِهِ الطُّرْفَةَ، إِذَا صَحَّ مَا حَدَّثَنَا بِهِ عَنْهَا، طُرْفَةٌ جَدِيرَةٌ أَنْ تُكْسِبَ صَاحِبَهَا مَجْدًا وَرِفْعَةً وَذُيُوعَ صِيتٍ.
وَلَكِنَّنِي أُنْكِرُ عَلَيْهِ — بَعْدَ هَذَا — أَنْ يَظُنَّ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ خَلَا مِنْ طُرْفَةٍ أُخْرَى، لَا أَزْعُمُ أَنَّهَا أَعْجَبُ مِنْ طُرْفَتِهِ، وَأَثْمَنُ مِنْ تُحْفَتِهِ، وَلَكِنِّي أَزْعُمُ أَنَّهَا تُسَاوِيهَا وَتُنَافِسُهَا فَضْلًا وَقَدْرًا، وَلَا تَقِلُّ عَنْهَا: نَفَاسَةً وَخَطَرًا.
وَإِنَّ اللهَ الَّذِي وَهَبَ الْإِنْسَانَ نِعْمَةَ الْعَقْلِ وَالذَّكَاءِ، لَمْ يَقْصُرْهَا عَلَى أُمَّةٍ دُونَ أُمَّةٍ، وَلَمْ يَخُصَّهَا بِبَلَدٍ دُونَ بَلَدٍ.
وَسَتَرَيَانِ — بَعْدَ قَلِيلٍ — مِصْدَاقَ مَا تَسْمَعَانِ».
(?) الْأُنْبُوبُ الْعَجِيبُ

سَكَتَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» لَحْظَةً، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ حَدِيثَهُ قَائِلًا لِأَخِيهِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ»: «إِنَّكَ لَوَاجِدٌ فِي هَذَا الْأُنْبُوبِ الَّذِي أُتِيحَ لِي أَنْ أَظْفَرَ بِهِ، مَيْزَةً نَادِرَةً، لَا تَقِلُّ عَمَّا تَمَيَّزَ بِهِ بِسَاطُكَ الْعَجِيبُ: جَلَالَ شَأْنٍ، وَنَفَاسَةَ خَطَرٍ».
ابْتَدَرَهُ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» قَائِلًا: «لَسْتُ أُنْكِرُ عَلَيْكَ شَيْئًا مِمَّا تَقُولُ يَا أَخِي الْعَزِيزَ؛ فَمَا أَكْثَرَ مَا يَحْفِلُ بِهِ الْعَالَمُ مِنْ عَجَائِبَ، وَمَا تَزْدَحِمُ بِهِ الدُّنْيَا مِنْ مُدْهِشَاتٍ وَغَرَائِبَ!
وَإِنِّي — عَلَى كُلِّ حَالٍ — لَشَدِيدُ الشَّوْقِ إِلَى سَمَاعِ حَدِيثِكَ الشَّائِقِ الْمُعْجِبِ، وَكَلَامِكَ الْفَاتِنِ الْمُحَبَّبِ!»
فَاسْتَأْنَفَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» قَائِلًا: «إِنَّ هَذَا الْأُنْبُوبَ كَمَا تَرَى أُنْبُوبٌ — فِيمَا يَبْدُو مِنْ مَظْهَرِهِ — عَادِيٌّ، لَا يَمْتَازُ بِشَيْءٍ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنَابِيبِ الَّتِي ازْدَحَمَتْ بِهَا أَسْوَاقُ الْعَالَمِ.
فَلَا يَدْفَعَنَّكَ مَا تَرَى مِنْ تَفَاهَةِ مَظْهَرِهِ، إِلَى اسْتِصْغَارِ شَأْنِهِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِقِيمَتِهِ.
إِنَّهُ شَبِيهٌ بِالْبِسَاطِ الْعَجِيبِ الَّذِي ظَفِرْتَ بِهِ: كِلَاهُمَا جَلِيلُ الشَّأْنِ عَظِيمُ الْخَطَرِ، وَإِنْ كَانَ مَظْهَرُهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهِمَا، وَجَلَالِ خَطَرِهِمَا، وَنَفَاسَةِ قَدْرِهِمَا.
وَقَدْ دَفَعْتُ فِيهِ — مِنْ أَكْيَاسِ الْمَالِ — مِقْدَارَ مَا دَفَعْتَ أَنْتَ فِي بِسَاطِكَ النَّفِيسِ».
(?) مَيْزَةُ الْأُنْبُوبِ

وَأَمْسَكَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» عَنِ الْكَلَامِ هُنَيْهَةً، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: «فَإِذَا سَأَلْتَنِي: أَيُّ مِيْزَةٍ نَادِرَةٍ فِي هَذَا الْأُنْبُوبِ، رَفَعَتْ مَنْزِلَتَهُ، وَأَغْلَتْ قِيمَتَهُ؟
قُلْتُ لَكَ: إِنَّهُ أَعْجَبُ مِنْظَارٍ فِي الْعَالَمِ.
فَإِنَّ مَنْ يَنْظُرُ — مِنْ خِلَالِ زُجَاجَتَيْهِ — يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْهَدَ كُلَّ مَا يَمُرُّ بِبَالِهِ، أَوْ يَطُوفُ بِخَيَالِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي أَقْصَى مَكَانٍ مِنَ الدُّنْيَا كَأَنْ لَمْ يَبْعُدْ عَنْهُ إِلَّا قِيدَ أَشْبَارٍ.
وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ، وَفِي التَّجْرِبَةِ أَصْدَقُ دَلِيلٍ — عَلَى مَا أَقُولُ — وَأَكْبَرُ بُرْهَانٍ».
(?) صِحَّةُ الْأَمِيرَةِ

لَا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ الْأَمِيرَيْنِ: «حُسَيْنٍ» وَ«أَحْمَدَ» مِمَّا سَمِعَا مِنْ أَخِيهِمَا «عَلِيٍّ».
لَقَدْ أَسْرَعَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» إِلَى مِنْظَارِ أَخِيهِ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ»، وَنَظَرَ مِنْ خِلَالِ زُجَاجَتَيْهِ الْعَجِيبَتَيْنِ لِيَرَى مِصْدَاقَ مَا سَمِعَ مِنْ مَيْزَتِهِ النَّادِرَةِ.
وَكَانَ أَكْبَرَ رَغَبَاتِهِ، وَأَعْظَمَ أَمَانِيِّهِ، وَأَوَّلَ مَا يُفَكِّرُ فِيهِ أَنْ يَرَى بِنْتَ عَمِّهِ الْأَمِيرَةَ: «نُورَ النَّهَارِ»؛ لِيَتَعَرَّفَ أَحْوَالَهَا، وَيَطْمَئِنَّ عَلَيْهَا.
وَلَمْ يَكَدِ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» يَمُرُّ بِذِهْنِهِ ذَلِكَ الْخَاطِرُ، وَالْمِنْظَارُ عِنْدَ عَيْنِهِ؛ حَتَّى سِيءَ وَجْهُهُ، وَتَجَهَّمَتْ أَسَارِيرُهُ، وَانْتَظَمَتِ الرِّعْدَةُ جِسْمَهُ.
الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» يَضْطَرِبُ بَعْدَ أَنْ نَظَرَ فِي الْأُنْبُوبِ.
(?) دَهْشَةُ الْأَمِيرَيْنِ

فَدَهِشَ أَخَوَاهُ مِمَّا رَأَيَا، وَابْتَدَرَا أَخَاهُمَا مُسَائِلَيْنِ: «مَاذَا بِكَ يَا أَخَانَا؟ وَأَيُّ شَيْءٍ أَخَافَكَ وَرَوَّعَكَ؟ مَاذَا رَأَيْتَ فَرَعَّبَكَ وَفَزَّعَكَ؟»
وَلَمْ يُجِبِ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» بِلَفْظٍ، إِذْ كَانَ قَدْ بَدَأَ الْإِغْمَاءُ يَدِبُّ فِيهِ، بَعْدَ أَنْ هَالَهُ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ؛ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ أَخَوَاهُ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» وَالْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» يُرْقِدَانِهِ عَلَى الْأَرِيكَةِ بَعْضَ وَقْتٍ.. وَمَا زَالَا بِهِ يُنْعِشَانِهِ حَتَّى أَفَاقَ رُوَيْدًا، فَسَأَلَاهُ: «كَيْفَ حَالُكَ، يَا أَخَانَا الْعَزِيزَ؟»
فَصَاحَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» صَيْحَةَ الْمُتَأَلِّمِ الْيَائِسِ، وَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ يَقُولَ مُتَحَزِّنًا: «وَاحَسْرَتَا عَلَيْكِ، أَيَّتُهَا الْأَمِيرَةُ الْمُتَأَلِّمَةُ الْمُعَذَّبَةُ! بَلْ وَاحَسْرَتَاهُ عَلَيْنَا فِي بُعْدِنَا عَنْكِ!
أَلَا لَيْتَنَا لَمْ نَرْحَلْ عَنْ بِلَادِنَا!
أَلَا لَيْتَنَا بَقِينَا بِالْقُرْبِ مِنْكِ؛ لِنُؤَسِّيَكِ وَنُؤْنِسَكِ، وَنُهَوِّنَ عَلَيْكِ بَعْضَ مَا تُكَابِدِينَ مِنْ آلَامٍ قَاسِيَةٍ مَرِيرَةٍ، فِي سَاعَاتِكِ الْأَخِيرَةِ!»
اشْتَدَّ جَزَعُ الْأَمِيرَيْنِ الشَّقِيقَيْنِ، وَهَالَهُمَا مَا سَمِعَا مِنْ أَخِيهِمَا الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ»، وَأَقْبَلَا عَلَيْهِ مُتَلَهِّفَيْنِ، وَسَأَلَاهُ مُتَحَيِّرَيْنِ: «شَدَّ مَا أَزْعَجْتَنَا — يَا أَخَانَا — وَفَزَّعْتَنَا!
فَعَجِّلْ — بِرَبِّكَ — بِتَوْضِيحِ مَا أَطْلَعَكَ عَلَيْهِ الْمِنْظَارُ الْعَاجِيُّ، مِنْ سِرٍّ خَفِيٍّ!»
(?) حَدِيثٌ حَزِينٌ

فَابْتَدَرَهُمَا الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» قَائِلًا: «وَاحَسْرَتَا عَلَى الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ»!
لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِهَا — فِيمَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي — إِلَّا دَقَائِقُ مَعْدُودَاتٌ، ثُمَّ تُفَارِقُ الْحَيَاةَ بَعْدَهَا، وَتَلْفِظُ آخِرَ أَنْفَاسِهَا، مَبْكِيًّا عَلَى شَبَابِهَا.
لَقَدْ رَأَيْتُهَا — يَا أَخَوَيَّ، مِنْ خِلَالِ الْمِنْظَارِ — نَائِمَةً فِي فِرَاشِهَا، غَائِبَةً عَنْ وَعْيِهَا، وَشَهِدْتُ وَجْهَهَا الشَّاحِبَ وَقَدْ عَلَتْهُ صُفْرَةُ الْمَوْتِ، وَرَأَيْتُ وَصِيفَاتِ الْقَصْرِ مُحِيطَاتٍ بِسَرِيرِهَا، عَاطِفَاتٍ حَانِيَاتٍ، بَاكِيَاتٍ حَوْلَهَا مُتَأَلِّمَاتٍ. شَدَّ مَا فَزَّعَنِي، وَهَالَنِي وَرَوَّعَنِي، أَنْ أَرَى بِنْتَ عَمِّنَا الْعَزِيزَةَ غَائِبَةً عَنْ وَعْيِهَا، سَاكِنَةً لَا حِرَاكَ بِهَا وَلَا أَمَلَ فِي شِفَائِهَا!»
(??) مِصْدَاقُ الْخَبَرِ

فَأَخَذَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» الْمِنْظَارَ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، وَرَأَى صِدْقَ مَا قَالَ أَخُوهُ، فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَزَعُ.
وَلَمْ يَتَمَالَكِ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» أَنْ يُسْرِعَ إِلَى الْمِنْظَارِ، لِيَتَعَرَّفَ جَلِيَّةَ الْخَبَرِ، وَلَمْ يَكَدْ يَنْظُرُ فِيهِ، وَيُبْصِرِ الْأَمِيرَةَ «نُورَ النَّهَارِ»، وَهِيَ تُعَانِي أَلَمَ الِاحْتِضَارِ؛ حَتَّى هَالَهُ مَا هَالَ شَقِيقَيْهِ، وَفَزَّعَهُ مَا فَزَّعَهُمَا.
وَلَا تَسَلْ عَمَّا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنَ الْقَلَقِ، بَعْدَ أَنْ أَيْقَنَ أَنَّ هَلَاكَهَا مُحَقَّقٌ، وَأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَمْتَدُّ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ لَحَظَاتٍ قَلِيلَاتٍ، ثُمَّ يُسْلِمُهَا الْمَرَضُ إِلَى الْمَمَاتِ.
وَاجْتَمَعَ رَأْيُ الْأَشِقَّاءِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالذَّهَابِ إِلَيْهَا، قَبْلَ أَنْ يَحِينَ حَيْنُهَا وَيُقْضَى عَلَيْهَا.
(??) فِي الْقَصْرِ السُّلْطَانِيِّ

وَالْتَفَتَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» إِلَى شَقِيقَيْهِ قَائِلًا: «لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْأَمِيرَةَ «نُورَ النَّهَارِ» مَقْضِيٌّ بِالْهَلَاكِ عَلَيْهَا، إِذَا لَمْ نُسْرِعْ بِالذَّهَابِ إِلَيْهَا».
فَدَهِشَ الْأَمِيرَانِ مِمَّا سَمِعَا، وَلَمْ يَعْرِفَا مَاذَا يَعْنِيهِ أَخُوهُمَا؟
وَسَأَلَاهُ أَنْ يُفْصِحَ عَنْ غَرَضِهِ لَهُمَا. فَقَالَ: «إِنَّ فِي الطُّرْفَةِ الَّتِي ظَفِرْتُ بِهَا فِي رِحْلَتِي الشَّاقَّةِ الْمُضْنِيَةِ، شِفَاءَ الْأَمِيرَةِ — بِإِذْنِ اللهِ — مِنْ مَرَضِهَا، وَإِبْرَاءَهَا مِنْ عِلَّتِهَا وَدَائِهَا.
وَكَأَنَّمَا وَفَّقَنِي اللهُ إِلَى هَذِهِ النَّفِيسَةِ وَأَهْدَاهَا إِلَيَّ؛ لِيَكُونَ شِفَاءُ الْأَمِيرَةِ عَلَى يَدَيَّ!»
(??) عَلَى بِسَاطِ الرِّيحِ

ثُمَّ ابْتَدَرَ أَخَوَيْهِ قَائِلًا لَهُمَا فِي عَجَلَةٍ: «هَلُمَّا، أَيُّهَا الشَّقِيقَانِ الْعَزِيزَانِ، وَاجْلِسَا مَعِي عَلَى بِسَاطِ الرِّيحِ؛ وَسَتَجِدَانِ أَنَّهُ وَاصِلٌ بِنَا عَلَى الْفَوْرِ، إِلَى الْأَمِيرَةِ فِي الْقَصْرِ.
وَحَذَارِ أَنْ نُضِيعَ مِنَ الْوَقْتِ لَحْظَةً وَاحِدَةً، فَالْأَمْرُ لَا يَحْتَمِلُ تَمَهُّلًا وَلَا تُؤَدَةً.
هَيَّا، يَا أَخَوَيَّ، إِلَى بِسَاطِ الرِّيحِ، هَيَّا».
أَسْرَعَ الْأَشِقَّاءُ الثَّلَاثَةُ إِلَى الْأَخْذِ بِاقْتِرَاحِ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»؛ فَجَلَسُوا عَلَى بِسَاطِ الرِّيحِ يَحْدُوهُمْ رَجَاءٌ وَأَمَلٌ وَإِيمَانٌ، إِلَى أَنْ يُدْرِكُوا الْأَمِيرَةَ الْعَزِيزَةَ، قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
(??) فِي حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ

وَمَا كَادَ الْأُمَرَاءُ يَسْتَقِرُّ بِهِمُ الْجُلُوسُ عَلَى الْبِسَاطِ الْعَجِيبِ، حَتَّى طَوَى الْفَضَاءَ طَيًّا، وَتَمَّ لَهُمُ الْفَوْزُ وَتَحَقَّقَ السَّبْقُ، فَوَصَلُوا فِي فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ خُيِّلَ إِلَيْهِمْ أَنَّهَا مِثْلُ لَمْحَةِ الْعَيِنْ أَوْ وَمْضَةُ الْبَرْقِ.
وَكَانَتْ تَمُرُّ تَحْتَ أَنْظَارِهِمْ، وَهُمْ فَوْقَ الْبِسَاطِ الطَّائِرِ، بَدَائِعُ مِنَ الْمَشَاهِدِ وَالْمَنَاظِرِ، عَلَى نَحْوٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهِ سَابِقُ عَهْدٍ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا بِأَمْرِهِمْ مَشْغُولِينَ، فَلَمْ يَكُنْ هَمُّهُمْ إِلَّا أَنْ يَجِدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ».
وَلَا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ الْمُمَرِّضَاتِ وَالْوَصِيفَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُشْرِفْنَ عَلَى تَمْرِيضِ الْأَمِيرَةِ، حِينَ رَأَيْنَ أَمَامَهُنَّ هَؤِلَاءِ الْفِتْيَانَ الثَّلَاثَةَ.
•••

كَانَتْ دَهْشَةً مَمْزُوجَةً بِالْخَوْفِ وَالْحَيْرَةِ وَالذُّعْرِ، لِغَرَابَةِ الْمُبَاغَتَةِ، وَسُرْعَةِ الْمُفَاجَأَةِ.
وَلَمْ تَعْرِفِ الْمُمَرِّضَاتُ وَالْوَصِيفَاتُ: مِنْ أَيِّ الْأَوْطَانِ، قَدِمَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَانُ؟
وَأَيُّ جُرْأَةٍ دَفَعَتْهُمْ إِلَى اقْتِحَامِ هَذَا الْمَكَانِ؟ وَكَيْفَ سَوَّلَتْ لَهُمْ نُفُوسُهُمْ أَنْ يَقْتَحِمُوا قَصْرَ السَّلْطَانِ، بِلَا اسْتِئْذَانٍ؟
وَلَكِنَّهُنَّ اطْمَأْنَنَّ حِينَ لَمَحْنَ عَلَى وُجُوهِ الْفِتْيَانِ الثَّلَاثَةِ اهْتِمَامَهُمْ بِالْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ».. وَأَسْرَعَتْ إِحْدَى الْوَصِيفَاتِ إِلَى مَجْلِسِ السُّلْطَانِ، لِتُنْهِيَ إِلَيْهِ الْخَبَرَ.
(??) شِفَاءُ الْأَمِيرَةِ

وَلَمْ يَدَعِ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» لَحْظَةً — مِنَ الْوَقْتِ — تَمُرُّ سُدًى؛ فَكَانَ أَوَّلَ مَا عَمَدَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ الذَّكِيُّ أَنْ أَسْرَعَ إِلَى الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ»؛ فَأَدْنَى التُّفَّاحَةَ الشَّافِيَةَ مِنْ فَمِهَا وَأَنْفِهَا، وَالْأَمِيرَانِ «حُسَيْنٌ» وَ«عَلِيٌّ» يَنْظُرَانِ إِلَيْهَا فِي شَغَفٍ وَتَرَقُّبٍ.
•••

فَلَمْ تَنْقَضِ لَحَظَاتٌ قَلِيلَةٌ، حَتَّى فَتَحَتِ الْأَمِيرَةُ «نُورُ النَّهَارِ» عَيْنَيْهَا الْمُغْمَضَتَيْنِ، وَجَعَلَتْ تَتَثَاءَبُ، كَأَنَّمَا تُفِيقُ مِنْ نَوْمٍ طَوِيلٍ عَمِيقٍ..
وَحَرَّكَتْ لِلْحَالِ رَأْسَهَا، وَاسْتَيْقَظَتْ مِنْ (نَوْمِهَا)، وَشُفِيَتْ مِنْ عِلَّتِهَا.
الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» يُقَرِّبُ التُّفَّاحَةَ الشَّافِيَةَ مِنَ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ».
وَأَجَالَتِ الْأَمِيرَةُ لِحَاظَهَا فِي كُلِّ مَنْ حَوْلَهَا، وَابْتَسَمَتْ لِأَبْنَاءِ عَمِّهَا، وَعَجِبَتْ لِهَذَا الْجَمْعِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ الْمُمَرِّضَاتِ وَالْوَصِيفَاتِ.
ثُمَّ جَلَسَتِ الْأَمِيرَةُ، وَهِيَ فِي أَتَمِّ صِحَّةٍ، وَأَكْمَلِ عَافِيَةٍ، وَشَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ شَدِيدَةٍ فِي الْمَشْيِ وَالتَّجْوَالِ؛ فَطَلَبَتْ إِلَى وَصِيفَاتِهَا أَنْ يُحْضِرْنَ لَهَا أَفْخَرَ ثِيَابِهَا، وَأَنْفَسَ حُلِيِّهَا.
وَتَأَهَّبَتْ لِلْخُرُوجِ مِنْ حُجْرَتِهَا، وَالذَّهَابِ إِلَى حَدِيقَتِهَا، دَاعِيَةً أَبْنَاءَ عَمِّهَا إِلَى مُصَاحَبَتِهَا.
وَلَمْ تَدْرِ الْأَمِيرَةُ «نُورُ النَّهَارِ» أَنَّهَا كَانَتْ مَرِيضَةً مَرَضًا عُضَالًا، كَادَ يُورِدُهَا مَوَارِدَ الْهَلَاكِ، وَأَنَّ أَبْنَاءَ عَمِّهَا تَعَاوَنُوا عَلَى إِنْقَاذِهَا.
(??) شُكْرُ الْأَمِيرَةِ

فَلَمَّا حَدَّثَهَا وَصِيفَاتُهَا بِجَلِيَّةِ الْأَمْرِ، تَعَاظَمَتْهَا الدَّهْشَةُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْعَجَبُ، وَشَكَرَتِ الْأَمِيرَةُ «نُورُ النَّهَارِ» لِأَبْنَاءِ عَمِّهَا الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ فَضْلَ عِنَايَتِهِمْ بِهَا، وَنَجَاحِهِمْ فِي شِفَائِهَا، وَإِبْرَائِهَا مِنْ دَائِهَا.
وَوَدَّتِ الْأَمِيرَةُ «نُورُ النَّهَارِ» لَوْ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَجْزِيَ أَبْنَاءَ عَمِّهَا الْأُمَرَاءَ الْأَوْفِيَاءَ، عَلَى صَنِيعِهِمُ النَّبِيلِ أَوْفَى جَزَاءٍ.
فَقَالَ لَهَا الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ»: «إِنَّ سُرُورَنَا بِشِفَائِكِ مِنَ الْمَرَضِ، وَعَوْدَتِكِ إِلَى الْحَيَاةِ، خَيْرُ مُكَاَفَأَةٍ قَدَّمْتِهَا لَنَا، وَأَسْعَدْتِنَا بِهَا.
وَحَسْبُنَا ذَلِكَ مُكَافَأَةً لَنَا وَجَزَاءً، وَأَنْعِمْ بِهِ مِنْ مُكَافَأَةٍ، وَأَعْظِمْ بِهِ مِنْ جَزَاءٍ!»
(??) فَرْحَةُ السُّلْطَانِ

وَلَا تَسَلْ عَنِ ابْتِهَاجِ السُّلْطَانِ «مَحْمُودٍ» حِينَ أَسْرَعَ إِلَى حُجْرَةِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ» ابْنَةِ أَخِيهِ. فَإِذَا هِيَ قَدْ شُفِيَتْ مِنْ مَرَضِهَا بَعْدَ أَنْ يَئِسَ الْأَطِبَّاءُ النِّطَاسِيُّونَ مِنْ شِفَائِهَا، وَقَطَعُوا الْأَمَلَ فِي بَقَائِهَا، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا، وَفَوَّضُوا أَمْرَهُمْ فِيهَا إِلَى اللهِ، وَاهِبِ الْحَيَاةِ.
أَيُّهَا الْقَارِئُ الْعَزِيزُ: لَقَدْ عَلِمْتَ — مِمَّا مَرَّ بِكَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ — كَيْفَ كَانَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» عَمُّ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ» يَعْطِفُ عَلَيْهَا، وَيَجْزَعُ لِأَقَلِّ مَكْرُوهٍ يُلِمُّ بِهَا.
وَرَأَيْتَ كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهَا، كَمَا يُحِبُّ أَوْلَادَهُ وَيُعْنَى بِتَوْفِيرِ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ لَهَا، وَيَتَفَنَّنُ — جُهْدَ مَا يَسْتَطِيعُ — فِي سَبِيلِ إِرْضَائِهَا وَإِسْعَادِهَا.
•••

فَلَا عَجَبَ إِذَا قُلْتُ لَكَ إِنَّ فَرَحَ السُّلْطَانِ — فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ — بِنَجَاتِهَا وَعَوْدَتِهَا إِلَى الْحَيَاةِ، كَانَ فَرَحًا مُضَاعَفًا.
وَقَدْ شَاءَ اللهُ — سُبْحَانَهُ أَنْ يُتِمَّ لَهُ دَوَاعِيَ الْبَهْجَةِ وَأَسْبَابَ السُّرُورِ؛ فَأَظْفَرَهُ بِلِقَاءِ أَوْلَادِهِ، بَعْدَ أَنْ حُرِمَ لُقْيَاهُمْ عَامًا كَامِلًا.
وَكَانَ مَا لَقِيَهُ السُّلْطَانُ مِنَ الْمَسَرَّةِ وَالْبَهْجَةِ، تَعْوِيضًا عَمَّا لَقِيَهُ طَوَالَ عَامٍ كَامِلٍ مِنْ قَلَقٍ وَتَرَقُّبٍ، فَلَمْ يَبِتْ لَيْلَةً إِلَّا مَشْغُولَ الْبَالِ بِمَصِيرِ أَوْلَادِهِ، دَاعِيًا لَهُمْ بِالسَّلَامَةِ فِي رَحَلَاتِهِمُ الْبَعِيدَةِ، مُنْتَظِرًا ذَلِكَ الْيَوْمَ الْمَوْعُودَ الَّذِي يَظْفَرُ فِيهِ بِعَوْدَتِهِمُ الْحَمِيدَةِ.
(??) ابْتِهَاجُ الشَّعْبِ

وَقَدْ عَبَّرَ الشَّعْبُ أَكْبَرَ تَعْبِيرٍ عَنْ فَرَحِهِ وَابْتِهَاجِهِ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَنْبَاءِ شِفَاءِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ»، وَعَوْدَةِ أَبْنَاءِ عَمِّهَا الثَّلَاثَةِ الْأُمَرَاءِ، وَقَدَّرُوا لَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَّخِذُوا رِحْلَتَهُم لَهْوًا وَلَا لَعِبًا، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصُرُوا هَمَّهُمْ عَلَى مَلَذَّاتِهِمْ وَمَآرِبِهِمْ، وَإِنَّمَا جَعَلُوا مِنْ رِحْلَتِهِمْ سَبِيلًا إِلَى الْخِدْمَةِ الْعَامَّةِ.
لَقَدِ احْتَفَى الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ السَّعِيدَةِ أَعْظَمَ احْتِفَاءٍ؛ فَأَقَامُوا أَبْدَعَ الزِّينَاتِ، وَتَبَادَلُوا أَصْدَقَ التَّهْنِئَاتِ، وَقَرَّرُوا أَنْ يَجْعَلُوا هَذَا الْيَوْمَ السَّعِيدَ مِنْ أَيَّامِ التَّارِيخِ عِيدًا مِنْ أَكْرَمِ الْأَعْيَادِ، يَحْتَفِلُونَ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ، كُلَّمَا جَاءَ مَوْعِدُهُ مِنَ الْعَامِ.
الَفْصَلُ السَّادِسُ


(?) فِي مَجْلِسِ السُّلْطَانِ

وَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ بِأَبِيهِمُ السُّلْطَانِ «مَحْمُودٍ»، وَحَضَرَ اجْتِمَاعَهُمُ الْحَكِيمُ «آزَادُ».. وَسُرْعَانَ مَا اتَّجَهَ الْحَكِيمُ بِقَوْلِهِ إِلَى الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ: «حَمْدًا لِلهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ أَنْ أَعَادَكُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَلَقْد شَهِدْتُمْ كَيْفَ كَانَ الْفَرَحُ بِعَوْدَتِكُمْ شَامِلًا، دَلِيلَ تَقْدِيرٍ لَكُمْ، وَحَفَاوَةٍ بِكُمْ، فَأَخْبِرُونِي بِاللهِ عَلَيْكُمْ: بِمَاذَا أَفَدْتُمْ بَلَدَكُمْ مِنْ رِحْلَتِكُمُ الْمُوَفَّقَةِ؟ لَقَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ قَبْلَ سَفَرِكُمْ أَنْ تَتَعَرَّفُوا مَا فِي الْبِلَادِ الْأُخْرَى مِنْ مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، وَتَقْتَبِسُوهَا لِوَطَنِكُمُ الْعَزِيزِ».
فَقَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»: «لَمْ أُخَالِفْ لَكَ نُصْحًا أَيُّهَا الْحَكِيمُ الْعَظِيمُ، فَقَدْ جَلَبْتُ مَعِي مِنْ مَدِينَةِ «بِسْنَجَارَ» مَقَادِيرَ كَبِيرَةً مِنْ بُذُورِ الزُّهُورِ، وَنَقَلْتُ مَعِي كَيْفِيَّةَ إِنْبَاتِهَا، وَطَرِيقَةَ اسْتِخْرَاجِ الْعُطُورِ مِنْهَا، وَوَسِيلَةَ حِفْظِهَا فِي قَنَانِيَّ وَزُجَاجَاتٍ مُحْكَمَةِ السِّدَادَاتِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ تَخْتَمِرَ وَتَتَرَكَّزَ، وَكَذَلِكَ يَتَسَنَّى لَهَا أَنْ تَبْقَى زَمَنًا طَوِيلًا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا فَسَادٌ.
وَسَأُبَادِرُ مَعَ أَصْحَابِ الْبَسَاتِينِ مِنْ أَهْلِ وَطَنِي إِلَى زَرْعِهَا فِي أَرْضٍ خِصْبَةٍ، وَجَوٍّ صَالِحٍ.
وَعَمَّا قَرِيبٍ أُهْدِي إِلَيْكَ طَاقَةً مِنْ مَجْمُوعَةِ الزُّهُورِ الْجَدِيدَةِ، إِقْرَارًا بِفَضْلِكَ، وَتَذْكَارًا لِجَمِيلِ نُصْحِكَ».
وَقَالَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ»: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ نَقَلْتُ مَعِي مِنْ مَدِينَةِ «شِيرَازَ» وَسَائِلَ صِنَاعَةِ الزُّجَاجِ وَالْبِلَّوْرِ؛ فَقَدْ رَأَيْتُ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ بَدَائِعَ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، فَمِنَ الزُّجَاجِ عِنْدَهُمْ مَا يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ، وَمِنْهُ مَا يُتَّخَذُ لِعَمَلِ الْمَنَاظِيرِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَنْوَاعِ، وَمِنْهُ مَا يُسْتَخْدَمُ فِي صُنْعِ الْمَرَايَا الْعَجِيبَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ وَإِتْقَانٍ. وَمَا هِيَ إِلَّا فَتْرَةٌ قَصِيرَةٌ حَتَّى تَرَى مَصْنُوعَاتٍ جَمِيلَةً نَافِعَةً مِنْ أَنْوَاعِ الْأَكْوَابِ وَالْمَصَابِيحِ وَالْمَرَايَا، وَأَصْنَافِ النَّظَّارَاتِ الْمُقَرِّبَةِ وَالْمُكَبِّرَةِ.
وَسَأُهْدِي إِلَيْكَ أَوَّلَ مِنْظَارٍ نَصْنَعُهُ، رَمْزًا لِمَا لَكَ مِنْ نَظَرٍ بَعِيدٍ، وَبَصِيرَةٍ نَيِّرَةٍ، وَرَأْيٍ صَائِبٍ».
وَقَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»: «لَمْ أَكُنْ أَقَلَّ مِنْ أَخَوَيَّ اسْتِمَاعًا لِنُصْحِكَ، وَانْتِفَاعًا بِإِرْشَادِكَ؛ فَلَقَدْ كَانَ أَكْبَرَ مَا يَشْغَلُ بَالِي، أَنْ يَكُونَ فِي رِحْلَتِي مَا يَعُودُ بِالْخَيْرِ عَلَى أَهْلِ وَطَنِي، وَقَدْ حَمَلْتُ مَعِي مِنْ مَدِينَةِ «سَمَرْقَنْدَ» مَقَادِيرَ كَبِيرَةً مِنْ بُذُورِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْأَعْشَابِ الَّتِي تُشْبِعُ مِنَ الْجُوعِ، وَتَشْفِي مِنَ الدَّاءِ؛ فَهِيَ غِذَاءٌ نَافِعٌ، وَهِيَ أَيْضًا دَوَاءٌ نَاجِعٌ، وَأَرْجُو أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا أَهْلُ وَطَنِي فِي تَيْسِيرِ أَقْوَاتِهِمْ، وَفِي حِفْظِ صِحَّتِهِمْ.
وَسَتَكُونُ لَكَ الْبَاكُورَةُ مِنْ كُلِّ مَا تُخْرِجُ هَذِهِ الْبُذُورُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ وَعُشْبٍ، وَلَكَ الْفَضْلُ بِمَا أَرْشَدْتَ، وَالشُّكْرُ عَلَى مَا أَسْدَيْتَ».
فَأَشْرَقَ وَجْهُ الْحَكِيمِ «آزَادَ» وَتَطَلَّقَتْ أَسَارِيرُهُ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ بِمَا صَنَعَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ، وَحَمِدَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا رِحْلَتَهُمْ لَهْوًا وَلَا عَبَثًا، وَأَنَّهُمْ أَفَادُوا وَطَنَهُمْ بِمَا رَأَوْا فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ مِنْ أَشْيَاءَ نَافِعَةٍ لِلنَّاسِ جَمِيعًا.
•••

ثُمَّ قَصَّ الْأُمَرَاءُ عَلَى أَبِيهِمُ السُّلْطَانِ مَا لَقُوهُ فِي أَسْفَارِهِمْ مِنْ مَسَرَّاتٍ وَأَشْجَانٍ، وَمَبَاهِجَ وَأَحْزَانٍ، وَلَمْ يُخْفُوا عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ دَقَائِقِ مَا تَحَمَّلُوهُ فِي رَحَلَاتِهِمْ مِنْ مَشَقَّةٍ وَعَنَاءٍ، وَمَا تَمَتَّعُوا بِهِ مِنْ رَاحَةٍ وَهَنَاءٍ، وَمَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ مَسَاعِيهِمْ مِنْ فَوْزٍ وَنَجَاحٍ، وَتَوْفِيقٍ وَفَلَاحٍ.
وأَفْضَوْا إِلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَنَقَّلْ فِي الْبِلَادِ، لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْمُجْتَمَعِ الْإِنْسَانِيِّ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ؛ فَالرِّحْلَةُ فِي الْمَوَاطِنِ الْمُخْتَلِفَةِ تُكْسِبُ الْمَرْءَ خِبْرَةً، وَتَزِيدُهُ مَعْرِفَةً، وَتَقِفُهُ عَلَى جُهُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا فِي مَيَادِينِ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالصِّنَاعَاتِ.
وَقَصُّوا عَلَيْهِ كَيْفَ تُوِّجَتْ جُهُودُهُمْ — آخِرَ الْأَمْرِ — بِمَا أَحْرَزُوهُ مِنْ تُحَفٍ وَنَفَائِسَ، وَكُلِّلَتْ مَسَاعِيهِمْ بِالْفَوْزِ وَالِانْتِصَارِ، وَالظَّفَرِ بِمَا حَصَلُوا عَلَيْهِ مِنْ مَغَانِمَ كِبَارٍ.
ثُمَّ خَتَمَ الْأُمَرَاءُ الْأَشِقَّاءُ أَحَادِيثَ أَسْفَارِهِمْ الْمُعْجِبَةِ الشَّائِقَةِ بِعَرْضِ نَفَائِسِهِمُ الثَّلَاثِ عَلَيْهِ، وَتَقْدِيمِهَا إِلَيْهِ.
(?) حَدِيثُ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ»

بَدَأَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» بِعَرْضِ «بِسَاطِ الرِّيحِ»، وَشَرَحَ لِأَبِيهِ مَا تَمَيَّزَ بِهِ بِسَاطُهُ الْعَجِيبُ عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَبْسِطَةِ، وَأَوْضَحَ لِأَبِيهِ السُّلْطَانِ، كَيْفَ أَنَّ هَذَا الْبِسَاطَ هَيِّنُ الْمَظْهَرِ، وَإِنْ كَانَ نَفِيسَ الْمَخْبَرِ، وَكَيْفَ أَنَّهُ لِرِقَّتِهِ وَخِفَّتِهِ لَا يَعْرِفُ: أَمِنْ نَسْجِ الْحَرِيرِ هُوَ، أَمْ مِنْ مَادَّةٍ أَشَدَّ نُعُومَةً وَلِينًا؟ وَأَنَّهُ لَمْ يُصْنَعْ لِيُطْرَحَ عَلَى الْأَرْضِ، بَل لْيَطِيرَ فِي السَّمَاءِ!
كَمَا قَصَّ عَلَى أَبِيهِ كَيْفَ أَسْعَدَتْهُ عِنَايَةُ اللهِ وَتَوْفِيقُهُ، فَذَلَّلَتْ لَهُ كُلَّ صَعْبٍ، وَيَسَّرَتْ لَهُ كُلَّ عَسِيرٍ، حَتَّى ظَفِرَ بِهَذَا الْمَغْنَمِ الْكَبِيرِ.
(?) حَدِيثُ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»

وَلَمَّا فَرَغَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» مِنْ حَدِيثِهِ، تَبِعَهُ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»؛ فَعَرَضَ عَلَى أَبِيهِ السُّلْطَانِ طُرْفَتَهُ الثَّانِيَةَ، وَشَرَحَ لَهُ مَزَايَا تُفَّاحَتِهِ الشَّافِيَةِ.
وَأَعَادَ عَلَى مِسْمَعَيْهِ، مَا أَفْضَى بِهِ الدَّلَّالُ إِلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ مُخْتَرِعِهَا الْبَارِعِ الْعَبْقَرِيِّ، وَكَيْفَ قَضَى جُلَّ حَيَاتِهِ فِي تَرْكِيبِهَا.. ثُمَّ حَرَمَهُ الْقَدَرُ أَنْ يُفِيدَ مِنْهَا أَوْ يَنْتَفِعَ بِهَا؛ فَدَهِمَهُ الْمَرَضُ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهَا، وَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يَجْلِبُوهَا إِلَيْهِ، وَيُقَرِّبُوهَا مِنْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ لِأَبِيهِ مَا قَالَ الدَّلَّالُ عَنِ الْمُخْتَرِعِ الْعَبْقَرِيِّ، وَمَا تَعَرَّضَ لَهُ أَطْفَالُهُ الصِّغَارُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَلْجَأَهُمْ إِلَى بَيْعِ اخْتِرَاعِ عَائِلِهِمْ، لِيَسْتَعِينُوا عَلَى مَطَالِبِ الْعَيْشِ وَحَاجَاتِهِ، بِمَا يَحْصُلُونَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ، فَتَحَقَّقَ لَهُمْ مَا أَرَادُوهُ.
وَأَبَانَ لِأَبِيهِ السُّلْطَانِ كَيْفَ هَيَّأَتِ الْفُرْصَةُ سَبِيلًا مُمَهَّدًا لِاخْتِبَارِ مَيْزَةِ هَذِهِ التُّفَّاحَةِ الْعَجِيبَةِ، وَمَدَى قُدْرَتِهَا عَلَى تَحْقِيقِ الشِّفَاءِ …
قَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»: «وَلَمْ يَكَدِ الدَّلَّالُ يَبْلُغُ هَذَا الْمَدَى مِنْ حَدِيثِهِ؛ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ — رَاجِيًا — أَنْ يُنْقِذَ أَخَاهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْصَى عِلَاجُهُ عَلَى نُطُسِ الْأَطِبَّاءِ.
فَأَسْرَعْنَا إِلَى الْمَرِيضِ الْمُحْتَضَرِ نُنْقِذُهُ، قَبْلَ أَنْ يَلْفِظَ آخِرَ أَنْفَاسِهِ!
فَلَمْ يَكَدِ الْمَرِيضُ يَشَمُّ التُّفَّاحَةَ، حَتَّى دَبَّتْ فِي جِسْمِهِ الْحَيَاةُ مِنْ جَدِيدٍ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنِ اسْتَعَادَ — لِلْحَالِ — نَشَاطَهُ وَقُوَّتَهُ، وَبَأْسَهُ وَفُتُوَّتَهُ».
وَكَانَتْ أَمَارَاتُ الْحُزْنِ وَالْأَسَى بَادِيَةً عَلَى أَسَارِيرِ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»، وَهُوَ يَقُصُّ عَلَى أَبِيهِ: كَيْفَ قَسَتْ أَحْدَاثُ الدَّهْرِ عَلَى مُخْتَرِعِ التُّفَّاحَةِ الْعَبْقَرِيِّ، فَحَرَمَتْهُ الِانْتِفَاعَ بِثَمَرَةِ اخْتِرَاعِهِ الْجَلِيلِ، بَعْدَ مَا بَذَلَ مِنْ جِهَادٍ شَاقٍّ طَوِيلٍ.
فَقَالَ الْحَكِيمُ «آزَادُ»: «رُبَّ غَرْسٍ يَأْكُلُ ثَمَرَتَهُ غَيْرُ مَنْ غَرَسَهُ، وَرُبَّ اخْتِرَاعٍ يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُ صَاحِبِهِ، وَالْجَزَاءُ الْأَوْفَى لِكُلِّ عَامِلٍ هُوَ رَاحَةُ الضَّمِيرِ وَمَثُوبَةُ اللهِ».
(?) جَزَاءُ الْمُحْسِنِ

كَانَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» يَسْتَمِعُ إِلَى حَدِيثِ وَلَدِهِ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ» بِشَغَفٍ وَاهْتِمَامٍ، وَإِصْغَاءٍ تَامٍّ.
وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ تَفْكِيرٌ عَمِيقٌ، لِمَا سَمِعَهُ مِنْ شَرْحٍ طَرِيفٍ وَتَفْصِيلٍ دَقِيقٍ.
وَقَدْ أَعْجَبَهُ مَا عَلَّقَ بِهِ الْحَكِيمُ «آزَادُ» عَلَى مَصِيرِ صَاحِبِ التُّفَّاحَةِ الشَّافِيَةِ، وَوَجَدَ فِيهِ مَعْنًى سَامِيًا، فَأَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَهُ لِوَلَدِهِ، فَقَالَ: «لَا تَأْسَ — يَا وَلَدِي — وَلَا تَحْزَنْ، لِمَا لَقِيَهُ مُخْتَرِعُ التُّفَّاحَةِ الْعَبْقَرِيُّ مِنْ حَظٍّ عَاثِرٍ شَقِيٍّ، حَرَمَهُ الِانْتِفَاعَ بِثَمَرَةِ اخْتِرَاعِهِ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ، وَأَحْرَصَ مَا كَانَ عَلَيْهِ».
فَقَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»: «إِنَّهَا سُنَّةُ الْحَيَاةِ، يَا أَبِي، لَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِهَا، وَلَا خَيْرَ — عَلَى كُلِّ حَالٍ — فِي تَعْدِيلِهَا، فَقَدْ عَلَّمَتْنَا تَجَارِبُ الْحَيَاةِ أَنْ يَنْتَفِعَ الْإِنْسَانُ بِصَنِيعِ مَنْ يَسْبِقُونَهُ، لِيَرُدَّ مَا أَسْلَفُوا مِنْ دَيْنِهِمْ إِلَى مَنْ يَخْلُفُونَهُ.
وَلَعَلَّ أَخَوَيَّ لَمْ يَنْسَيَا مَا قَصَّهُ عَلَيْنَا وَالِدُنَا السُّلْطَانُ فِي طُفُولَتِنَا مِنْ أُحْدُوثَةٍ بَدِيعَةٍ، وَقَعَتْ لِوَالِدِهِ الْعَظِيمِ؛ فِي أَوَّلَ مَرَاحِلِ شَبَابِهِ، مَعَ شَيْخٍ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ، جَاوَزَ عُمْرُهُ مِئَةً مِنَ السِّنِينَ».
فَقَالَ الْأَمِيرَانِ «حُسَيْنٌ» وَ«عَلِيٌّ»: «إِنَّهَا أُطْرُوفَةٌ لَا تُنْسَى، وَهِيَ مِنْ بَدَائِعِ الْمُلَحِ وَالْأَسْمَارِ، الَّتِي لَا تَبْلَى جِدَّتُهَا عَلَى الْإِعَادَةِ وَالتَّكْرَارِ، وَمَا أَسْعَدَنَا بِسَمَاعِهَا مِنْ أَخِينَا «أَحْمَدَ» بَعْدَ اسْتِئْذَانِ أَبِينَا!»
فَقَالَ السُّلْطَانُ: «مَا أَسْعَدَنِي بِهَا، وَأَشْوَقَنِي — فِي كُلِّ حِينٍ — إِلَى سَمَاعِهَا، وَالْحَدِيثُ الطَّيِّبُ لَا يُمَلُّ تَكْرَارُهُ، بَلْ يُفِيدُ تَذْكَارُهُ».
فَأَنْشَأَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» يَقُولُ: «كَانَ مِنْ عَادَةِ جَدِّيَ الْعَظِيمِ، أَنْ يَخْرُجَ بَيْنَ حِينٍ وَحِينٍ، لِيَتَعَرَّفَ شُئُونَ شَعْبِهِ الْأَمِينِ.
ثُمَّ انْتَهَى بِهِ الْمَطَافُ إِلَى أَحَدِ الْحُقُولِ.
فَرَأَى شَيْخًا مُعَمَّرًا، تَجَاوَزَ الْمِائَةَ مِنْ عُمُرِهِ.
فَاقْتَرَبَ جَدِّي مِنَ الشَّيْخِ، فَرَأَى مِنْ أَمْرِهِ عَجَبًا: رَآهُ يَغْرِسُ نَوَاةً فِي حَقْلِهِ.
فَابْتَدَرَ الزَّارِعَ مُسَائِلًا: «أَتَظُنُّ أَنَّ أَجَلَكَ سَيَمْتَدُّ أَعْوَامًا طِوَالًا؛ حَتَّى تَأْكُلَ مِنْ ثِمَارِ غَرْسِكَ!»
فَالْتَفَتَ الزَّارِعُ الْمُعَمَّرُ إِلَى جَدِّيَ السُّلْطَانِ، وَقَالَ لَهُ بَاسِمًا: «لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي أَنَّنِي سَأَعِيشُ حَتَّى آكُلَ مِنْ ثَمَرِ مَا أَزْرَعُهُ».
فَسَأَلَهُ جَدِّيَ السُّلْطَانُ: «فَلِمَنْ — إِذَنْ — تَغْرِسُ النَّوَاةَ؟»
فَقَالَ الزَّارِعُ الْمُعَمَّرُ: «طَالَ عُمْرُ السُّلْطَانِ وَمَتَّعَهُ اللهُ بِالصِّحَّةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالِاطْمِئْنَانِ، إِنَّ مَنْ سَبَقَنِي مِنَ الْآبَاءِ غَرَسَ، لِآكُلَ مِنْ ثِمَارِ غَرْسِهِ.. وَقَدْ جَاءَ الْآنَ دَوْرِي، لِأَرُدَّ جَمِيلَهُمْ لِأَبْنَائِي مِنْ بَعْدِي».
وَقَدْ أُعْجِبَ جَدِّيَ السُّلْطَانُ، بِهَذَا الْجَوَابِ الْبَارِعِ، فَمَنَحَ الزَّارِعَ الْمُعَمَّرَ كِيسًا مِنَ الذَّهَبِ..
فَابْتَدَرَهُ الزَّارِعُ الذَّكِيُّ، قَائِلًا: «مَا أَسْرَعَ الْجَزَاءَ، وَأَكْرَمَ الْعَطَاءَ!
شَدَّ مَا حَالَفَنِي السَّعْدُ بِلِقَاءِ السُّلْطَانِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْحِسْبَانِ؛ فَجَنَيْتُ الثِّمَارَ عَلَى غَيْرِ انْتِظَارٍ، وَلَمَّا تَمْضِ عَلَى غَرْسِهِ لَحَظَاتٌ قِصَارٌ».
وَقَدْ أُعْجِبَ جَدُّنَا السُّلْطَانُ بِهَذَا الْجَوَابِ أَيَّمَا إِعْجَابٍ، فَمَنَحَ الزَّارِعَ كِيسًا ثَانِيًا، مُكَافَأَةً عَلَى حُسْنِ جَوَابِهِ، وَتَعْبِيرًا لَهُ عَنْ تَقْدِيرِهِ وَإِعْجَابِهِ.
فَقَالَ الزَّارِعُ: «مَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ وَكَرَمَهُ!
إِنَّ مِنْ عَادَةِ الزَّرْعَ أَلَّا يُثْمِرَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعَامِ، وَقَدْ بَارَكَ اللهُ — بِالسُّلْطَانِ — غَرْسِيَ فَأَثْمَرَ، مَرَّتَيْنِ فِي لَحْظَتَيْنِ قَصِيرَتَيْنِ».
فَابْتَهَجَ جَدِّي بِمَا سَمِعَ مِنَ الزَّارِعِ، وَضَاعَفَ لَهُ شُكْرَهُ، وَمَنَحَهُ كِيسًا ثَالِثًا، وَانْصَرَفَ عَنْهُ».
•••

فَقَالَ السُّلْطَانُ: «أَحْسَنْتَ — يَا وَلَدِي — أَحْسَنْتَ!»
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَوْلَادِهِ، قَائِلًا: «بَقِيَ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ مَا يَعْمُرُ مِنَ الْبَهْجَةِ قُلُوبَ الْمُبْدِعِينَ الْمُخْلِصِينَ، وَيَعْمُرُ نُفُوسَ الْمُحْسِنِينَ — بِمَا أَبْدَعُوا وَأَحْسَنُوا مِنْ آيَاتِ عَبْقَرِيَّتِهِمْ، وَمَا وُفِّقُوا إِلَيْهِ مِنْ نَجَاحٍ فِي إِسْعَادِ غَيْرِهِمْ — يُنْسِيهِمْ كُلَّ مَا بَذَلُوا مِنْ جُهْدٍ وَمَشَقَّةٍ وَعَنَاءٍ؛ فَيُفَارِقُونَ الدُّنْيَا مَسْرُورِينَ بِمَا بَذَلُوا هَانِئِينَ، رَاضِينَ بِحَظِّهِمْ — مِنَ الْإِبْدَاعِ — قَانِعِينَ.
فَهُمْ أَشْبَهُ بِالنَّحْلَةِ الْعَامِلَةِ: تَسْعَى سَعْيَهَا، وَتُنْفِقُ وَقْتَهَا، لِتَجْنِيَ أَنْوَاعَ الثَّمَرِ، وَتَمْتَصَّ فُنُونَ الزَّهْرِ؛ لِتُخْرِجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ شُهْدًا لَذِيذَ الطَّعْمِ لِلشَّارِبِينَ، وَطَعَامًا سَائِغًا لِلْآكِلِينَ. وَكَأَنَّمَا لِسَانُ حَالِهَا يَقُولُ:
«أَنْفَعُ النَّاسَ، وَحَسْبِيأَنَّنِي أَحْيَا لِأَنْفَعْأَنْفَعُ النَّاسَ، وَمَا لِيغَيْرُ نَفْعِ النَّاسِ مَطْمَعْ!» وَلَيْسَتِ النَّحْلَةُ بِدْعًا فِي هَذَا، فَإِنَّ دُودَةَ الْقَزِّ تَقْضِي حَيَاتَهَا — كَمَا تَعْلَمُونَ — فِي إِعْدَادِ الْخُيُوطِ الرَّقِيقَةِ الَّتِي هِيَ خُيُوطُ الْحَرِيرِ؛ حَتَّى إِذَا بَذَلَتْ طَاقَتَهَا، وَأَنْجَزَتْ عَمَلَهَا عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ، مَاتَتْ عَلَى الْفَوْرِ، وَتَرَكَتْ — رَاضِيَةً — حَرِيرَهَا لِغَيْرِهَا مِنَ اللَّابِسِينَ.
وَقَدِيمًا قَالَتِ الْأَمْثَالُ الْحَكِيمَةُ: «حَقًّا. إِنَّ جَزَاءَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لَا يَضِيعُ عِنْدَ اللهِ، فَهُوَ يُضَاعِفُ الْجَزَاءَ لِكُلِّ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَكْبَرَ مُكَافَأَةٍ يُفِيدُهَا الْمُحْسِنُ، هُوَ قُدْرَتُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ.
وَلَوْ عَرَفَ النَّاسُ الْيَقِينَ، وَتَمَثَّلُوا مِقْدَارَ السَّعَادَةِ الَّتِي تَفِيضُ بِهَا قُلُوبُ الْعَامِلِينَ الْمُحْسِنِينَ، لَأَدْرَكُوا أَنَّ مَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُبْدِعُ الْعَبْقَرِيُّ، وَمَا يُحِسُّهُ الْبَطَلُ الشُّجَاعُ الْبَاذِلُ الْفِدَائِيُّ، وَهُوَ يَجُودُ بِأَنْفَاسِهِ الْأَخِيرَةِ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ هَدَفِهِ، وَإِعْزَازِ وَطَنِهِ: مِنْ غِبْطَةٍ وَسَعَادَةٍ، وَهَنَاءَةٍ وَرَغَادَةٍ، وَمَا يَعْمُرُ قَلْبَهُ مِنْ رَاحَةٍ أَبَدِيَّةٍ، وَمَا يَغْمُرُ نَفْسَهُ مِنْ بَهْجَةٍ عُلْوِيَّةٍ، وَنَفْحَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ حِينَ يَنْتَهِي بِهِ السَّعْيُ إِلَى تَحْقِيقِ مُرَادِهِ، وَإِعْزَازِ بِلَادِهِ، وَمَا يَظْفَرُ بِهِ — عَلَى إِحْسَانِهِ، مِنْ عَظِيمِ الْمُكَافَأَةِ وَمُضَاعَفِ الْجَزَاءِ — يَفُوقُ كُلَّ ثَنَاءٍ وَتَقْدِيرٍ، وَيَجِلُّ عَنْ كُلِّ وَصْفٍ وَتَعْبِيرٍ، وَيَتَضَاءَلُ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ كُلُّ مَا تَحْوِيهِ الْأَرْضُ مِنْ كُنُوزٍ.
فَلَا يَتَبَادَرَنَّ إِلَى ذِهْنِكَ — يَا وَلَدِي — أَنَّ الْمُخْتَرِعَ الْعَبْقَرِيَّ قَدْ مَاتَ، بَعْدَ أَنْ حُرِمَ الِانْتِفَاعَ بِثِمَارِ غَرْسِهِ، مَحْزُونًا مَقْهُورًا، كَسِيرَ الْقَلْبِ مَحْسُورًا.
فَإِنَّ لِلْخَيْرِ سَعَادَةً — لَوْ عَلِمَ النَّاسُ — يَتَضَاءَلُ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهَا سَعَادَاتُ الدُّنْيَا كُلُّهَا.
وَلَئِنْ فَاتَ ذَلِكَ الْعَبْقَرِيَّ الْمَوْهُوبَ أَنْ يَنْتَفِعَ فِي الدُّنْيَا بِثَمَرَةِ اخْتِرَاعِهِ، إِنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ أَنْ يَنْعَمَ بِمَا أَعَدَّهُ اللهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ حُسْنِ جَزَائِهِ، وَعِظِيمِ ثَوَابِهِ».
(?) حَدِيثُ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ»

وَجَاءَ دَوْرُ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ». فَعَرَضَ نَفِيسَتَهُ الثَّمِينَةَ عَلَى أَبِيهِ السُّلْطَانِ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِشَرْحِ مَا تَمَيَّزَ بِهِ الْأُنْبُوبُ الْعَاجِيُّ مِنْ قُدْرَةٍ خَارِقَةٍ تَكْفُلُ لِمَنْ يَنْظُرُ فِي زُجَاجَتَيْهِ الْعَجِيبَتَيْنِ، رُؤْيَةَ مَا يُرِيدُ رُؤْيَتَهُ، وَلَوْ كَانَ فِي أَقْصَى مَكَانٍ فِي الدُّنْيَا!
ثُمَّ أَفْضَى إِلَيْهِ بِمَا لَقِيَهُ مِنْ عِنَايَةِ اللهِ، فِي رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ، وَكَيْفَ تَعَاوَنَتْ أَسْبَابُ التَّوْفِيقِ عَلَى اهْتِدَائِهِ إِلَى التُّحْفَةِ الْجَلِيلَةِ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: «مَتَى أَرَادَ اللهُ أَمْرًا هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ، وَذَلَّلَ عَقَبَاتِهِ وَيَسَّرَ صِعَابَهُ، فَاحْمَدِ اللهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ عَلَى مَا يَسَّرَ لَكَ مِنْ ظَفَرٍ بِمَطْلَبِكَ الْخَطِيرِ».
وَكَانَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» بَادِيَ الْغِبْطَةِ، مَوْفُورَ السُّرُورِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ أَحَادِيثِ أَوْلَادِهِ.
وَكَانَ فَرَحُ أَبْنَائِهِ بِبُلُوغِ مُرَادِهِمْ وَنَجَاحِ مَسَاعِيهِمْ، لَا يُعَادِلُهُ إِلَّا فَرَحُ أَبِيهِمْ.
عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ «مَحْمُودًا» لَمْ يَفُتْهُ بِذَكَائِهِ وَفِطْنَتِهِ أَنَّ أَبْنَاءَهُ — مَعَ فَرَحِهِمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ، وَسَعَادَتِهِمْ بِالتَّلَاقِي — يَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِ كُلٍّ مِنْهُمْ شُعُورٌ بِالزَّهْوِ، يَحْمِلُ مَعْنَى الِانْتِصَارِ وَالتَّفَوُّقِ وَالِامْتِيَازِ.
وَكَأَنَّمَا خُيِّلَ لِكُلِّ أَمِيرٍ مِنْهُمْ أَنَّ طُرْفَتَهُ وَحْدَهَا، أَقْوَمُ مِنْ كُلِّ مَا يَحْوِيهِ الْعَالَمُ مِنْ غَوَالِي التُّحَفِ، وَنَفَائِسِ الطُّرَفِ، وَصَاحِبُهَا إِذَن أَوْلَى بِالتَّفْضِيلِ وَأَجْدَرُ بِالِاخْتِيَارِ.
(?) احْتِكَامُ الْأُمَرَاءِ

وَاجْتَمَعَ رَأْيُ الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنْ يَحْتَكِمُوا إِلَى أَبِيهِمُ السُّلْطَانِ، وَإِلَى حَكِيمِ الْأُمَّةِ «آزَادَ»، لِيُدْلِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِرَأْيِهِ الْقَاطِعِ وَقَرَارِهِ الْحَاسِمِ؛ لِيَتَعَرَّفُوا: أَيُّهُمْ صَاحِبُ الْفَضْلِ فِي شِفَاءِ بِنْتِ عَمِّهِمْ، وَأَحَقُّ بِالْفَوْزِ عَلَى أَخَوَيْهِ بِهَا، وَالِاسْتِئْثَارِ بِزَوَاجِهَا؟
صَمَتَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» وَالْحَكِيمُ «آزَادُ»، وَأَطَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا تَفْكِيرَهُ فِيمَا سَمِعَ مِنْ حَدِيثِ الْأُمَرَاءِ، وَظَلَّ يُوَازِنُ بَيْنَ مَزَاعِمِهِمْ وَآرَائِهِمْ، وَأَدِلَّتِهِمْ وَبَرَاهِينِهِمْ — فِي صَبْرٍ وَأَنَاةٍ وَرَوِيَّةٍ — مُوَازَنَةَ حَكِيمٍ مُنْصِفٍ عَادِلٍ، لَا يَحِيدُ بِهِ الْهَوَى وَلَا يَمِيلُ، وَلَا يُضِلُّهُ الِانْحِيَازُ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
(?) رَأْيُ الْحَكِيمِ

ثُمَّ الْتَفَتَ الْحَكِيمُ «آزَادُ» إِلَى الْأُمَرَاءِ قَائِلًا: «أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ حَدِيثِي إِلَيْكُمْ — بَعْدَ مَا رَأَيْتُ مِنْ دَلَائِلِ فَضْلِكُمْ، وَثَمَرَاتِ جِدِّكُمْ وَاجْتِهَادِكُمْ — هُوَ أَنْ أَزُفَّ إِلَيْكُمْ أَصْدَقَ تَهْنِئَاتِي، وَأَخْلَصَ تَحِيَّاتِي، وَأَوْفَرَ إِعْجَابِي.
وَصَمَتَ «آزَادُ» هُنَيْهَةً، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ فَضْلَ شِفَاءِ الْأَمِيرَةِ مِنْ عِلَّتِهَا، وَنَجَاتِهَا مِنْ مِحْنَتِهَا، عَائِدٌ إِلَيْكُمْ، وَهُوَ شَرِكَةٌ بَيْنَكُمْ، لَا يَخْتَلِفُ فِي هَذَا اثْنَانِ، وَلَا يَتَنَازَعُ رَأْيَانِ.
فَقَدْ شَاءَ الْقَدَرُ الْعَجِيبُ أَنْ يُسْهِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي شِفَاءِ الْأَمِيرَةِ، بِأَكْبَرِ قِسْطٍ وَأَوْفَى نَصِيبٍ.
حَسْبُكُمْ جَزَاءً عَلَى عَمَلِكُمْ، وَأَجْرًا عَلَى فَضْلِكُمْ، أَنْ بَذَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ جُهْدَ مَا يَسْتَطِيعُ، فِي غَيْرِ تَوَانٍ وَلَا تَقْصِيرٍ؛ حَتَّى انْتَهَى سَعْيُكُمُ الْمُوَفَّقُ إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ.
ذَلِكَ نَصِيبُكُمْ مِنَ الْفَضْلِ فِي شِفَاءِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ». وَهَذَا حَقُّكُمُ الَّذِي يَعْتَرِفُ لَكُمْ بِهِ كُلُّ مُنْصِفٍ، وَلَا يُخَاصِمُكُمْ فِيهِ مُكَابِرٌ مُجْحِفٌ.
أَمَّا أَنْ يُحَاوِلَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَنْسُبَ الْفَضْلَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ، وَيَسْتَأْثِرَ بِهِ وَحْدَهُ؛ فَذَلِكَ مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يُقِرَّكُمْ رَأْيٌ عَلَيْهِ!
وَإِنِّي تَارِكٌ لِأَبِيكُمْ أَنْ يُفَصِّلَ لَكُمْ — مِنْ رَأْيِي — مَا أَجْمَلْتُ، وَيُوَضِّحَ لَكُمْ — مِنْ حُكْمِي — مَا أَوْجَزْتُ».
الْأُمَراءُ يَحْتَكِمُونَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْحَكِيمِ «آزَادَ».
(?) فَضْلُ التُّفَّاحَةِ

فَقَالَ السُّلْطَانُ لِبَنِيهِ: «نِعْمَ الرَّأْيُ مَا رَأَى الْحَكِيمُ «آزَادُ». لَقَدْ كَانَتِ التُّفَّاحَةُ الشَّافِيَةُ الَّتِي ظَفِرَ بِهَا الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» — أَصْغَرُ أَبْنَائِي — سَبَبَ شِفَاءِ الْأَمِيرَةِ: «نُورِ النَّهَارِ» فَإِنَّهُ لَمْ يَكَدْ يُدْنِي التُّفَّاحَةِ الشَّافِيَةِ مِنْ فَمِ الْأَمِيرَةِ وَأَنْفِهَا؛ حَتَّى شُفِيَتْ — عَلَى الْفَوْرِ — مِنْ مَرَضِهَا، وَكُتِبَتْ لَهَا الْعَوْدَةُ إِلَى حَيَاتِهَا، بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَتْ عَلَى حَتْفِهَا
أَلَيْسَ ذَلِكَ، يَا «أَحْمَدُ»!
بَلَى، إِنَّه حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا مِرَاءَ، وَلَنْ تَجِدَ — يَا بُنَيَّ الْعَزِيزَ — مَنْ يُنْكِرُهُ عَلَيْكَ أَوْ يَدَّعِيهِ، أَوْ يُنَازِعُكَ الْفَضْلَ فِيهِ.
وَمَا أَحْسَبُ أَنَّ أَخَوَيْكَ «حُسَيْنًا» وَ«عَلِيًّا» يَجْحَدَانِ لَكَ هَذَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ فِي شِفَاءِ ابْنَةِ عَمِّكَ الْأَمِيرَةِ.
فَلَوْلَا تُفَّاحَتُكَ الشَّافِيَةُ الَّتِي جَلَبْتَهَا مَعَكَ، لَهَلَكَتْ «نُورُ النَّهَارِ»، وَأَصْبَحَتْ خَبْرًا مِنَ الْأَخْبَارِ.
لَوْلَا تُفَّاحَتُكَ الْعَجِيبَةُ الَّتِي لَا عَهْدَ لِلنَّاسِ بِمِثْلِهَا مِنْ قَبْلُ، لَفَارَقَ رُوحُهَا الْجَسَدَ، وَفَقَدْنَا بِنْتَ عَمِّكَ إِلَى الْأَبَدِ، دُونَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ إِنْقَاذِهَا أَحَدٌ.
أَلَسْتَ تَرَانِي — يَا وَلَدِيَ الْعَزِيزَ — أَنْصَفْتُكَ، وَمَا نَقَصْتُكَ شَيْئًا مِنْ حَقِّكَ وَلَا غَبَنْتُكَ؟»
قَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» مُعْجَبًا بِمَا سَمِعَ: «شُكْرًا لَكَ — يَا أَبِي — شُكْرًا، فَمَا قُلْتَ إِلَّا الْحَقَّ، وَمَا نَطَقْتَ بِغَيْرِ الصِّدْقِ».
(?) فَضْلُ الْمِنْظَارِ وَالْبِسَاطِ

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ، وَاسْتَأْنَفَ حَدِيثَهُ، قَائِلًا: «بَقِيَ عَلَيْكَ أَنْ تُخْبِرَنِي فِي صَرَاحَةٍ وَصِدْقٍ وَجَلَاءٍ، دُونَ مُوَارَبَةٍ وَلَا لَبْسٍ وَلَا الْتِوَاءٍ: كَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّ الْأَمِيرَةَ «نُورَ النَّهَارِ» مُشْرِفَةٌ عَلَى الْمَوْتِ، مُشْفِيَةٌ عَلَى التَّلَفِ.
أَعَرَفْتَهُ بِإِلْهَامٍ، أَوْ رَأَيْتَهُ فِي مَنَامٍ؟
أَلَيْسَ فَضْلُ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ عَائِدًا إِلَى مِنْظَارِ أَخِيكَ: الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ»، ذَلِكَ الْمِنْظَارِ الْعَاجِيِّ!
أَلَيْسَ هَذَا الْمِنْظَارُ النَّفِيسُ — الَّذِي لَقِيَ أَخْوكَ الْأَهْوَالَ فِي سَبِيلِ الْحُصُولِ عَلَيْهِ — قَدْ نَبَّهَكَ إِلَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ ابْنَةُ عَمِّكَ مِنْ خَطَرٍ مُحْدِقٍ مُطْبِقٍ، وَمَا أَشْرَفَتْ عَلَيْهِ مِنْ هَلَاكٍ عَاجِلٍ مُحَقَّقٍ؟
أَتَرَى فِيمَا أَقُولُهُ لَكَ مَجَالًا لِلشَّكِّ؟
إِنْ كَانَ لَكَ اعْتِرَاضٌ — عَلَى ذَلِكَ — فَهَاتِهِ».
فَقَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»: «كَلَّا — أَبَتَاهُ — كَلَّا، فَالْحَقُّ مَا أَبَنْتَ، وَلَيْسَ لِذِي عَقْلٍ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَا قُلْتَ».
فَوَجَّهَ السُّلْطَانُ حَدِيثَهُ إِلَى أَبْنَائِهِ، قَائِلًا:
«أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ، الْبَرَرَةُ الْأَعِزَّاءُ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَخَبِّرُونِي، أَيُّهَا الْعُقَلَاءُ الْأَذْكِيَاءُ، فِي صَرَاحَةٍ وَوُضُوحٍ وَجَلَاءٍ.
أَكَانَتْ تُجْدِي تُفَّاحَةُ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»، وَمِنْظَارُ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ» مُجْتَمِعَيْنِ، لَوْلَا بِسَاطُ الرِّيحِ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ أَخُوكُمَا الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ»؟»
(??) فَضْلٌ مُشْتَرَكٌ

فَرِحَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» بِمَا سَمِعَ مِنْ تَقْدِيرٍ لِبِسَاطِ الرِّيحِ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ، وَلَمْ يَجِدِ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ بُدًّا مِنَ التَّسْلِيمِ وَالْإِذْعَانِ لِمَا وَعَتْهُ أَسْمَاعُهُمْ مِنْ قَوْلٍ.
وَسَكَتَ السُّلْطَانُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ: «هَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تَرَوْنَ — يَا أَوْلَادِي — كَيْفَ تَعَاوَنَتْ نَفَائِسُكُمُ الثَّلَاثُ مُجْتَمِعَةً عَلَى إِنْقَاذِ ابْنَةِ عَمِّكُمُ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ»، وَكَيْفَ رَدَّتْ إِلَيْهَا نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، بَعْدَ أَنْ يَئِسَتْ مِنَ النَّجَاةِ.
هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تَرَوْنَ كَيْفَ كَانَ لَكُمْ — جَمِيعًا — فَضْلٌ مُشْتَرَكٌ فِي شِفَائِهَا، وَإِبْرَائِهَا مِنْ عِلَّتِهَا وَدَائِهَا».
(??) اجْتِمَاعُ الْأَسْبَابِ

وَمَضَى السُّلْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، يَقُولُ: «هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تَرَوْنَ أَنَّ ثَلَاثَ النَّفَائِسِ لَوْ نَقَصَتْ مِنْهَا وَاحِدَةٌ، مَا كَانَ لَهَا نَفْعٌ فِي شِفَاءِ الْأَمِيرَةِ وَلَا فَائِدَةٌ.
لَقَدْ أَرَاكُمُ الْمِنْظَارُ مَا كَانَ يَتَهَدَّدُ الْأَمِيرَةَ «نُورَ النَّهَارِ» — ابْنَةَ عَمِّكُمْ — مِنْ خَطَرٍ، وَحَالَفَكُمُ التَّوْفِيقُ فِي الْحُصُولِ عَلَى دَوَائِهَا، الَّذِي أَظْفَرَنَا بِشِفَائِهَا.
وَلَمْ يَكُنِ الظَّفَرُ بِالْمِنْظَارِ، وَالْحُصُولُ عَلَى الدَّوَاءِ، كَافِيَيْنِ لِتَحْقِيقِ مَا هَدَفْتُمْ إِلَيْهِ، وَحَرَصْتُمْ عَلَيْهِ! لَقَدْ كُنْتُمْ — حِينَئِذٍ — عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، لَا سَبِيلَ إِلَى اجْتِيَازِ مَرْحَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَرَاحِلِهَا الطَّوِيلَةِ، قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ الْأَمِيرَةُ رُوحَهَا إِلَى بَارِئِهَا، وَتَجُودَ بِآخِرِ أَنْفَاسِهَا».
•••

ثُمَّ الْتَفَتَ السُّلْطَانُ إِلَى الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ» قَائِلًا: «خَبِّرْنِي — بِرَبِّكَ — يَا وَلَدِيَ الْعَزِيزَ: مَاذَا كَانَتْ تُجْدِي التُّفَّاحَةُ الشَّافِيَةُ فِي إِنْقَاذِ الْأَمِيرَةِ، وَأَنْتَ مِنْهَا عَلَى بُعْدِ تِلْكَ الْمَسَافَاتِ الشَّاسِعَةِ؟
وَمَاذَا كُنْتَ صَانِعًا — يَا بُنَيَّ — فِي اجْتِيَازِ مَا يَفْصِلُكَ عَنْهَا مِنْ آفَاقٍ مُتَرَامِيَةٍ وَاسِعَةٍ؟»
•••

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ» مُسَائِلًا: «وَخَبِّرْنِي، يَا وَلَدِيَ الْأَمِيرَ: أَيُّ نَفْعٍ لِلْمِنْظَارِ الْعَاجِيِّ وَحْدَهُ؟ وَمَاذَا كَانَ يُجْدِيكُمْ مَا عَرَّفَكُمْ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْأَمِيرَةِ، وَمَا تُعَانِيهِ مِنْ مَرَضِهَا، وَمَا تَسْتَقْبِلُهُ مِنْ مَصِيرِهَا؟»
ثُمَّ وَجَّهَ السُّلْطَانُ حَدِيثَهُ إِلَى الْأَخَوَيْنِ مَعًا: «أَكَانَ عِلْمُكُمَا بِأَنَّ ابْنَةَ عَمِّكُمَا الْأَمِيرَةَ «نُورَ النَّهَارِ» مُشْرِفَةٌ عَلَى الْهَلَاكِ، وَظَفَرُكُمَا بِالدَّوَاءِ النَّاجِعِ الْكَفِيلِ بِشِفَائِهَا، يَكْفِيَانِ — وَحْدَهُمَا — لِنَجَائِهَا؟
لَقَدْ شَاءَتْ أَلْطَافُ اللهِ — سُبْحَانَهُ — أَنْ تُذَلِّلَ لَكُمَا الْمُحَالَ، وَتُيَسِّرَ مَا صَعُبَ مِنَ الْآمَالِ؛ فَهَيَّأَتْ لَكُمَا وَسِيلَةَ الِانْتِقَالِ، لِنَجْدَتِهَا فِي الْحَالِ؛ فَحَمَلَكُمَا بِسَاطُ أَخِيكُمَا إِلَى ابْنَةِ عَمِّكُمَا، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكُمْ طَرْفُكُمْ، وَمَهَّدَ لَكُمْ — بِذَلِكَ — سَبِيلَ نَجَاتِهَا، وَأَتَاحَ لَكُمْ فُرْصَةَ إِغَاثَتِهَا وَإِنْقَاذِ حَيَاتِهَا، قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الْأَوَانُ، وَتُصْبِحَ الْمَرِيضَةُ الْمُحْتَضَرَةُ فِي خَبَرِ كَانَ!»
(??) أَثَرُ التَّعَاوُنُ

لَمْ يَكَدِ السُّلْطَانُ يَبْلُغُ مِنْ حَدِيثِهِ الشَّائِقِ هَذَا الْمَدَى، حَتَّى الْتَفَتَ إِلَى بَنِيهِ الثَّلَاثَةِ قَائِلًا: «هَأَنْتُمْ أُولَاءِ — أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْخُلَصَاءُ — تَرَوْنَ أَنَّ الْمِنْظَارَ الْعَاجِيَّ وَالتُّفَّاحَةَ الشَّافِيَةَ — مُجْتَمِعَيْنِ — لَا يُحَقِّقَانِ الْغَايَةَ الْجَلِيلَةَ الَّتِي تَعَاوَنْتُمْ عَلَيْهَا، وَرَكِبْتُمُ الْأَهْوَالَ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِهَا، وَالْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَعْنِي بِحَالٍ، أَنَّنَا نَجْحَدُ فَضْلَ الْمِنْظَارِ النَّادِرِ الْمِثَالِ، أَوْ أَنَّنَا نُنْكِرُ مَا لِلتُّفَّاحَةِ مِنْ عَظِيمِ الْأَثَرِ، وَبَالِغِ الْخَطَرِ. وَهَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تَرَوْنَ، فِي غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ، كَيْفَ تَهَيَّأَتِ الظُّرُوفُ وَتَجَمَّعَتِ الْأَسْبَابُ، وَذُلِّلَتِ الْعَقَبَاتُ وَالصِّعَابُ، عَلَى إِنْجَازِ مَا عَزَّ تَحْقِيقُهُ مِنْ الرِّغَابِ.
هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تَرَونَ أَنَّ الْبِسَاطَ الطَّائِرَ هُوَ الَّذِي أَتَاحَ لَكُمَا أَنْ تَسْتَفِيدُوا بِعِلْمِكُمْ بِمَرَضِ الْأَمِيرَةِ ابْنَةِ عَمِّكُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَسَّرَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْضِرُوا لَهَا التُّفَّاحَةَ الشَّافِيَةَ، فَلَوْلَا هُوَ لَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِكُمْ، وَلَعَجَزْتُمْ عَنْ تَحْقِيقِ سُؤْلِكُمْ.
•••

هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تَتَبَيَّنُونَ — فِي وُضُوحٍ وَجَلَاءٍ، دُونَ لَبْسٍ وَلَا خَفَاءٍ — كَيْفَ تَعَاوَنَتْ هَدَايَاكُمُ الثَّلَاثُ مُجْتَمِعَةً عَلَى التَّعْجِيلِ لِلْأَمِيرَةِ بِالشِّفَاءِ.
هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تَرَوْنَ أَنَّ هَدَايَاكُمْ — عَلَى نَفَاسَتِهَا، وَجَلَالِ خَطَرِهَا — لَوْ نَقَصَتْ مِنْهَا طُرْفَةٌ وَحِيدَةٌ لَمَا ظَفِرْنَا بِهَذِهِ الْخَاتِمَةِ السَّعِيدَةِ».
الْفَصْلُ السَّابِعُ


(?) وَاجِبُ الْإِنْصَافِ

كَانَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ يُنْصِتُونَ إِلَى حَدِيثِ أَبِيهِمْ، مَأْخُوذِينَ بِسِحْرِ بَيَانِهِ، وَأَصَالَةِ رَأْيِهِ وَبَرَاعَةِ تِبْيَانِهِ، مُعْجَبِينَ بِصِدْقِ حُجَّتِهِ وَرَجَاحَةِ بُرْهَانِهِ.
وَقَدِ اشْتَدَّ فَرَحُ السُّلطَانِ «مَحْمُودٍ» بِمَا بَدَا عَلَى أَسَارِيرِ ثَلَاثَةِ أَبْنَائِهِ الْأَشِقَّاءِ، مِنْ دَلَائِلِ الِاقْتِنَاعِ بِحُجَّتِهِ، وَالِارْتِياحِ لِبَرَاهِينِهِ وَأَدِلَّتِهِ، وَالتَّسْلِيمِ بِرَأْيِهِ وَمَشُورَتِهِ، وَالْإِيمَانِ بِإِنْصَافِهِ وَعَدَالَتِهِ.
وَبَعْدَ أَنْ أَمْسَكَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» عَنِ الْكَلَامِ هُنَيْهَةً قَصِيرَةً، رَفَع رَأْسَهُ، وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَاسْتَأْنَفَ مَا بَدَأَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَقَالَ: «لَقَدْ وَضَحَ لَكُمْ أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ، الْبَرَرَةُ الْأَوْفِيَاءُ، الْبَرَعَةُ الْفُطَنَاءُ، أَنَّ وَاجِبَ الْإِنْصَافِ يَقْضِي عَلَيَّ أَلَّا أُفَضِّلَ أَحَدَكُمْ عَلَى شَقِيقَيْهِ، وَأَحْكُمَ لَهُ بِالْفَوْزِ دُونَ أَخَوَيْهِ، بَعْدَ أَنْ تَمَّ لَكُمُ النَّجَاحُ، بِفَضْلِ تَعَاوُنِكُمُ الْوَثِيقِ، وَتَحَقَّقَ لَكُمْ مَا كَانَتْ تَصْبُو إِلَيْهِ نُفُوسُكُمْ مِنْ مُرَادٍ بَعِيدٍ، وَهَدَفٍ رَشِيدٍ.
الْحَقُّ — يَا أَبْنَائِي — أَحَقُّ بِالْإِيثَارِ، وَأَجْدَرُ بِالْفَوْزِ وَالِانْتِصَارِ، وَمَنْ لَمْ يُعَوِّدْ نَفْسَهُ قَبُولَ الْحَقِّ خَابَ سَعْيُهُ، وَضَلَّ رَأْيُهُ.
وَأَرَى أَنَّ وَاجِبَ الْإِنْصَافِ يُحَتِّمُ عَلَيَّ أَلَّا أَخْتَصَّ مِنْكُمْ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ، وَأُفْرِدَهُ بِالتَّفْضِيلِ وَالِاخْتِيَارِ، لِلزَّوَاجِ بِابْنَةِ عَمِّكُمُ الْأَمِيرَةِ: «نُورِ النَّهَارِ».
وَهَيْهَاتَ أَنْ تَخْفَى عَلَى فِطْنَةِ أَبْنَائِي الْأَعِزَّاءِ، الْمُتَحَابِّينَ الْأَصْفِيَاءِ، مَا تَزْدَحِمُ بِهِ الْحَيَاةُ مِنْ شُئُونٍ كَثِيرَةٍ تُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ فِطْنَةً وَذَكَاءً، وَبَرَاعَةً وَدَهَاءً، لَيَقِفُ أَمَامَ هَذِهِ الشُّئُونِ حَائِرًا بَيْنَ مَيْزَاتِهَا الْمُتَعَدِّدَةِ، عَاجِزًا عَنْ أَنْ يُرَجِّحَ فِيهَا مَيْزَةً — مَهْمَا جَلَّتْ وَعَظُمَتْ — وَيُفَضِّلَهَا عَلَى سِوَاهَا، وَيَخْتَصَّهَا وَحْدَهَا بِالثَّنَاءِ دُونَ أَنْ يَتَعَدَّاهَا.
وَإِنِّي مُذَكِّرُكُمْ — إِذَا شِئْتُمْ — بِنَمَاذِجَ تُوَضِّحُ لِأَذْهَانِكُمْ — عَلَى قِلَّتِهَا وَإِيجَازِهَا — حَقِيقَةَ مَا أَبْغِيهِ، وَتُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ مَا أَقْصِدُ إِلَيْهِ وَأَعْنِيهِ».
فَأَسْرَعَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ يَقُولُونَ: «هَاتِ مَا عِنْدَكَ مِنْ أَمْثِلَةٍ، فَإِنَّا إِلَيْهَا مَشُوقُونَ».
(?) اجْتِمَاعُ الْقُوَى

فَشَرَعَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» يَقُولُ: «تُرَى لَوْ سَأَلَكُمْ سَائِلٌ: «أَيُّ الْقُوَى النَّافِعَةِ فِي هَذَا الْوُجُودِ جَدِيرَةٌ أَنْ تَخْتَصُّوهَا وَحْدَها بِثَنَائِكُمْ، وَتُفْرِدُوهَا بِمَوْفُورِ إِعْجَابِكُمْ، وَتَرُدُّوا إِلَيْهَا وَحْدَهَا الْفَضْلَ كُلَّهُ فِي بَقَاءِ الْحَيَاةِ: أَهِيَ الشَّمْسُ، أَمِ الْمَاءُ، أَمِ الْهَوَاءُ، أَكُنْتُمْ تَسْتَطِيعُونَ الْإِجَابَةَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ؟ أَفِي قُدْرَةِ عَاقِلٍ مُنْصِفٍ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَهَا، وَيُؤْثِرَ إِحْدَاهَا عَلَى غَيْرِهَا؟ كَلَّا، لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ بِحَالٍ!
لِمَاذَا؟ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى النَّافِعَةِ مَيْزَتَهَا وَفَضْلَهَا فِي دُنْيَانَا الَّتِي نَعِيشُ فِيهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى حَيَاتِنَا وَحَيَاةِ غَيْرِنَا مِنَ الْكَائِنَاتِ بِدُونِهَا!
فَإِذَا نَقَصَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، بَطَلَتْ مَنَافِعُ مَا عَدَاهَا، وَلَمْ يُغْنِ عَنْهَا سِوَاهَا، وَلَوْ أَعْوَزَتْنَا الشَّمْسُ، أَوِ الْهَوَاءُ، أَوِ الْمَاءُ لَانْتَفَتْ أَسْبَابُ الْبَقَاءِ، وَانْتَهَى الْكَوْنُ وَسَاكِنُوهُ إِلَى الْفَنَاءِ، وَهَيْهَاتَ أَنْ تَدُومَ الْحَيَاةُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْقُوَى الثَّلَاثِ: مُجْتَمِعَةً، لِإَنْسَانٍ أَوْ نَبَاتٍ أَوْ حَيَوَانٍ!
وَقَدْ رَأَيْتُمْ فِي هَذَا الْمَثَلِ الْوَاضِحِ — عَلَى وَجَازَتِهِ — مَا يُفَسِّرُ لَكُمْ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ تَعَاوُنِ هَدَايَاكُمْ وَنَفَائِسِكُمْ، وَافْتِقَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى الْأُخْرَى.
وَقَدْ شَاءَتْ إِرَادَةُ اللهِ — سُبْحَانَهُ — أَنْ يُسَخِّرَ لَنَا الشَّمْسَ وَالْمَاءَ وَالْهَوَاءَ جَمِيعًا لِخِدْمَتِنَا، وَأَنْ تَكُونَ مَصَادِرَ حَيَاتِنَا، وَصِحَّتِنَا وَقُوَّتِنَا.
ذَلِكَ مَثَلٌ وَاحِدٌ مِنْ قُوَى الطَّبِيعَةِ الَّتِي تُحِيطُ بِنَا، عَرَضْتُهُ عَلَيْكُمْ فِي إِيجَازٍ وَإِجْمَالٍ».
(?) مَثَلُ الْحَكِيمِ

وَلَمَّا سَمِعَ الْحَكِيمُ «آزَادُ» هَذَا الْمَثَلَ الَّذِي ذَكَرَهُ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» لِبَنِيهِ، عَقَّبَ قَائِلًا: «عِنْدِي مَثَلٌ آخَرُ مِمَّا تُبْصِرُونَهُ بِأَعْيُنِكُمْ وَتَجِدُونَهُ فِي أَنْفُسِكُمْ، أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ النُّجَبَاءُ.
فَأَنْتُمْ — إِذَا أَنْعَمْتُمُ النَّظَرَ، وَأَعْمَلْتُمُ الْفِكْرَ، وَتَمَثَّلْتُمْ مَا أَبْدَعَهُ اللهُ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ قُوًى جَسِيمَةٍ، وَنِعَمٍ عَظِيمَةٍ — وَجَدْتُمْ ثَلَاثَ آيَاتٍ أُخَرَ، ظَاهِرَةً لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ وَبَصَرٍ، وَهِيَ الْجِسْمُ وَالرُّوحُ وَالْعَقْلُ.
فَإِذَا حَاوَلْتُمْ أَنْ تُفَاضِلُوا بَيْنَ ثَلَاثِ الْقُوَى هَذِهِ، وَبَحَثْتُمْ: أَيُّهَا أَجْدَرُ مِنْ غَيْرِهِ بِالْفَضْلِ وَالْإِيثَارِ، ضَلَّ مِنْكُمُ الْفِكْرُ وَاحْتَارَ.
تَعَالَوْا فَانْظُرُوا، وَقَدِّرُوا وَفَكِّرُوا، ثُمَّ قَدِّرُوا وَفَكِّرُوا: مَا فَائِدَةُ الْجِسْمِ إِذَا فَارَقَتْهُ الرُّوحُ؟
إِنَّ الْجِسْمَ إِذَا فَارَقَتْهُ الرُّوحُ يُصْبِحُ — كَمَا تَعْلَمُونَ — جُثَّةً هَامِدَةً، لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا فَائِدَةَ.
وَلَنْ تَتَهَيَّأَ لِلْإِنْسَانِ أَسْبَابُ الْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْجِسْمِ وَالرُّوحِ لِقَاءٌ.
ثُمَّ تَعَالَوْا فَانْظُرُوا، وَخَبِّرُونِي بَعْدَ أَنْ تُنْعِمُوا النَّظَرَ، وَتُمْعِنُوا الْفِكْرَ: مَا قِيمَةُ الْحَيَاةِ بِلَا عَقْلٍ؟ وَمَا قِيمَةُ حَيٍّ أُصِيبَ ذِهْنُهُ بِالِاخْتِلَالِ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْجُنُونُ وَالْخَبَالُ؟
ذَلِكَ مَثَلٌ مِنَ الْأَمْثَالِ، وَهُوَ — كَمَا تَرَوْنَ — وَاضِحُ الْمَعْنَى، قَوِيُّ الْمَغْزَى. فَتَدَبَّرُوهُ وَاعْتَبِرُوا بِهِ».
(?) الْحَوَاسُّ الْخَمْسُ

وَلَمَّا انْتَهَى الْحَكِيمُ «آزَادُ» مِنْ حَدِيثِهِ الرَّائِعِ، قَالَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ»: «لِيَأْذَنَ لِيَ الْحَكِيمُ أَنْ أُضِيفَ إِلَى الْمَثَلِ الَّذِي سَاقَهُ شَيْئًا يُقَوِّيهِ: مَا قِيمَةُ الْجِسْمِ وَالرُّوحِ وَالْعَقْلِ مُجْتَمِعَةً، إِذَا أَعْوَزَتْهَا الْحَوَاسُّ الْخَمْسُ؟
خَبِّرُونِي: مَا قِيمَةُ الْحَيَاةِ إِذَا أَعْوَزَنَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ؟ كَيْفَ تَطِيبُ الْحَيَاةُ إِذَا اخْتَلَّتْ حَاسَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْحَوَاسِّ أَوْ تَعَطَّلَتْ؟
وَخَبِّرُونِي أَيْضًا: أَلَا تَرَوْنُ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ إِلَى كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِهِ؟ أَتَرَوْنَ لَوْ نَقَصَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا أَوْ عَطَلَتْ، أَتُغْنِي غِنَاءَهَا الْجَوَارِحُ الْأُخَرُ؟
إِنَّ لِكُلِّ جَارِحَةٍ — كَمَا تَرَوْنَ — جَلِيلُ فَضْلِهَا، وَعَظِيمُ خَطَرِهَا، وَهَيْهَاتَ أَنْ تَتِمَّ سَعَادَتُنَا بِدُونِهَا.
تَأَمَّلُوا حَاجَةَ الْجِسْمِ إِلَى الْكَتِفِ!
وَحَاجَةَ الْكَتِفِ إِلَى السَّاعِدِ!
وَحَاجَةَ السَّاعِدِ إِلَى الْمِرْفَقِ!
وَحَاجَةَ الْمِرْفَقِ إِلَى الذِّرَاعِ!
وَحَاجَةَ الذِّرَاعِ إِلَى الرُّسْغِ، وَهُوَ مِفْصَلُ مَا بَيْنَ الذِّرَاعِ وَالْكَفِّ!
وَحَاجَةَ الرُّسْغِ إِلَى الْكَفِّ!
وَحَاجَةَ الْكَفِّ إِلَى الرَّوَاجِبِ، وَهِيَ مَفَاصِلُ أُصُولِ الْأَصَابِعِ!
وَحَاجَةَ الرَّوَاجِبِ إِلَى الْأَصَابِعِ!
وَحَاجَةَ الْأَصَابِعِ إِلَى السُّلَامَيَاتِ، وَهِيَ عِظَامُ الْأَصَابِعِ، وَافْتِقَارُهَا — بَعْدَ ذَلِكَ — إِلَى الْأَنَامِلِ، أَعْنِي رُءُوسَ الْأَصَابِعِ!
وَحَاجَةَ الْأَنَامِلِ إِلَى الْأَظَافِرِ! وَهَكَذَا …
فَالْجَسَدُ فِي حَقِيقَتِهِ أَجْزَاءٌ يُكَمِّلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَا غُنْيَةَ لِجُزْءٍ فِيهِ عَنْ جُزْءٍ، وَلَا يُسَمَّى الْجَسَدُ جَسَدًا صَحِيحًا إِلَّا بَتَكَامُلِ أَجْزَائِهِ، وَبِتَعَاوُنِهَا فِي أَدَاءِ وَظَائِفِهَا. وَمَتَى أَصَابَ الاضْطِرَابُ جُزْءًا مِنْهَا، اخْتَلَّ النِّظَامُ، وَدَبَّ السِّقَامُ.
هَذَا يَا بَنِيَّ شَأْنُ الْحَيَاةِ، قِوَامُهَا التَّعَاوُنُ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَتَّصِلُ بِالْكَائِنِ الْحَيِّ، وَالْإِنْسَانِ الْفَرْدِ، أَمْ كَانَ فِيمَا يَتَّصِلُ بِالْجَمَاعَاتِ الَّتِي تَتَأَلَّفُ مِنْهَا الْأُمَّةُ، أَمْ كَانَ فِيمَا يَتَّصِلُ بِالْأُمَمِ الَّتِي يَتَأَلَّفُ مِنْهَا الْعَالَمُ أَجْمَعُ».
(?) مُجْتَمَعٌ مُتَكَامِلٌ

وَوَاصَلَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» حَدِيثَهُ قَائِلًا: «لَقَدْ تَجَلَّى لَكُمْ — مِمَّا سَمِعْتُمْ — فَضْلُ كُلِّ حَاسَّةٍ مِنْ حَوَاسِّنَا، وَنَفْعُ كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِنَا، وَعَلِمْتُمْ شِدَّةَ حَاجَتِنَا إِلَى مُجْتَمَعِ الْحَوَاسِّ وَالْجَوَارِحِ؛ لأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ — فِي مُجْتَمَعِهَا — فَضْلًا تَسْتَأْثِرُ بِهِ، وَلَا يَنْهَضُ بِعِبْئِهِ سِوَاهَا.
فَنَحْنُ — كَمَا لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ — لَا نَمْشِي عَلَى أَيْدِينَا، بَلْ نَمْشِي عَلَى أَرْجُلِنَا، وَلَا نَرَى بِآذَانِنَا، بَلْ بِأَعْيُنِنَا؛ وَهَكَذَا الشَّأْنُ فِي كُلِّ حَاسَّةٍ وَجَارِحَةٍ.
فَنَحْنُ لَا غِنَى لَنَا عَنِ الْحَوَاسِّ وَالْجَوَارِحِ كُلِّهَا مُجْتَمِعَةً، كَمَا رَأَيْتُمْ: سُنَّةَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا».
(?) مُجْتَمَعُ النَّاسِ

وَبَعْدَ هُنَيْهَةٍ، قَالَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ»: «مَا أَعْظَمَ وُجُوهَ الشَّبَهِ — أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ الْأَعِزَّاءُ — بَيْنَ مُجْتَمَعِ الْحَوَاسِّ، وَمُجْتَمَعِ النَّاسِ!
فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْجِسْمِ الْوَاحِدِ، يَحْتَاجُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ إِلَى الْآخَرِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤَدِّيَ عَمَلَهُ بِمُفْرَدِهِ، دُونَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ حَوْلَهُ، كَمَا لَا تَسْتَطِيعُ جَارِحَةٌ مِنْ جَوَارِحِ الْجِسْمِ أَنْ تَعْمَلَ بِمُفْرَدِهَا، دُونَ أَنْ تَسْتَعِينَ بِغَيْرِهَا.
وَتَمَثَّلُوا — بَعْدَ هَذَا — كَيْفَ تُصْبِحُ الْحَيَاةُ جَحِيمًا تَتَّقِدُ وَتَسْتَعِرُ، إِذَا خَلَتْ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمُثْمِرِ؟!
وَالْأَمْثِلَةُ عَلَى مَا أَقُولُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعَدُّ، مَهْمَا يَطُلْ بِنَا نَفَسُ الْقَوْلِ وَيَمْتَدُّ!»
ثُمَّ رَفَعَ السُّلْطَانُ إِصْبَعَهُ السَّبَابَةَ، يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ: «هَأَنْتُمْ أُولَاءِ عَرَفْتُمْ أَنْ لَا فَضْلَ لِنَفِيسَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَفَائِسِكُمُ الثَّلَاثِ فِي شِفَاءِ الْأَمِيرَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْفَضْلُ إِلَى ثَلَاثَتِهَا مُجْتَمِعَةً مُتَكَامِلَةً.
وَقَدْ كَانَتْ هَدَايَاكُمُ الْقَيِّمَةُ النَّافِعَةُ أَشْبَهَ شَيْءٍ بِمَا أَسْلَفْتُ لَكُمْ بَيَانَهُ فِي مُجْتَمَعِ الْحَوَاسِّ وَمُجْتَمَعِ النَّاسِ.
كَانَ لَهَا مِنَ الْأَثَرِ مِثْلُ مَا لِلشَّمْسِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ، تَعْمَلُ مُجْتَمِعَةً عَلَى بَقَاءِ حَيَاتِنَا وَحَيَاةِ الْكَائِنَاتِ، مِنْ إِنْسَانٍ وَطَيْرٍ وَحَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ، فَإِذَا نَقَصَ مِنْهَا عُنْصُرٌ وَاحِدٌ ضَاعَتْ فَائِدَتُهَا، وَبَطَلَ جَدْوَاهَا وَنَفْعُهَا.
وَأَنْتُمْ — أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ الْأَذْكِيَاءُ — شَأْنُكُمْ عِنْدِي كَشَأْنِ هَذِهِ النَّفَائِسِ الثَّلَاثِ، وَمَا يُشْبِهُهَا مِنْ أَعْضَاءِ الْجِسْمِ، وَقُوَى الطَّبِيعَةِ، وَعَنَاصِرِ الْكَائِنَاتِ. لِكُلٍّ مِنْكُمْ بِمَا قَدَّمَ لِابْنَةِ عَمِّهِ الْأَمِيرَةِ، مَنْزِلَةٌ مَذْكُورَةٌ، وَمَكْرُمَةٌ مَأْثُورَةٌ. وَلَوْ أَنِّي قَرَّرْتُ أَنْ تَكُونَ ابْنَةُ عَمِّكُمْ لِأَحَدِكُمْ دُونَ أَخَوَيْهِ الْآخَرَيْنِ، لَكُنْتُ فِي الْحَقِّ ظَالِمًا لِهَذَيْنِ الْأَخَوَيْنِ، وَأَنْتُمْ لَا تَقْبَلُونَ مِنِّي أَنْ أَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ ظَالِمًا، وَقَدِ اتَّخَذْتُمُونِي بَيْنَكُمْ حَاكِمًا.
لَمْ يَبْقَ أَمَامِي — بَعْدَ هَذَا — إِلَّا أَنْ تُشِيرُوا عَلَيَّ بِمَا تَخْتَارُونَ، وَتَقْتَرِحُوا مَا تَشَاءُونَ؛ فَلَنْ أَرُدَّ لَكُمْ مَطْلَبًا، وَلَنْ أُخَيِّبَ لَكُمْ مَأْرَبًا».
فَقَالَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ» بِاسْمِهِ وَبِاسْمِ أَخَوَيْهِ: «لَا رَأْيَ لَنَا يَا أَبَتَاهُ، إِلَّا مَا تَرَاهُ، وَلَا مَأْرَبَ لَنَا فِي سِوَاهُ. فَقَرِّرْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَشَاءُ، وَلَكَ مِنَّا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَعَلَيْنَا أَلَّا نُهْمِلَ تَنْفِيذَ أَمْرِكَ وَاتِّبَاعِهِ».
(?) اقْتِرَاحُ السُّلْطَانِ

فَقَالَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ»: «بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ وَهَدَاكُمْ وَحَقَّقَ آمَالَكُمْ وَسَدَّدَ خُطَاكُمْ. وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ أَسْلُكَ — فِي الْحُكْمِ بَيْنَكُمْ — طَرِيقًا أَرْجُو أَنْ تُحَقِّقَ رَغَبَاتِكُمْ وَتُرْضِي أُمْنِيَّاتِكُمْ».
فَابْتَدَرَهُ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ قَائِلِينَ بِلِسَانِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ»: «كُلُّ مَا يَرَاهُ الْوَالِدُ حَسَنٌ جَمِيلٌ، لَا نَحِيدُ عَنْهُ — قِيدَ شَعْرَةٍ — وَلَا نَمِيلُ؛ فَاقْضِ فِي أَمْرِنَا بِمَا تَرَاهُ، فَلَنْ نَخْتَارَ رَأْيًا سِوَاهُ».
فَقَالً السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ»: «أَنْتُمْ أَمْهَرُ أَهْلِ عَصْرِكُمْ فِي فُنُونِ الصَّيْدِ وَالرِّمَايَةِ، وَأَكْثَرُهُمْ خِبْرَةً بِهَا وَأَوْفَرُهُمْ دِرَايَةً. وَفَضْلُكُمْ فِيهَا مَشْهُورٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مَذْكُورٌ عَلَى كُلِّ لِسَانٍ.
وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ يَذْهَبَ ثَلَاثَتُكُمْ إِلَى حَلْبَةِ السِّبَاقِ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ قَوْسُهُ وَسِهَامُهُ، ثُمَّ يُطْلِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ سَهْمًا، لِنَرَى: أَيُّكُمْ أَشَدُّ عَزْمًا، وَأَبْعَدُ مَرْمًى؟
فَأَيُّكُمْ تَفَوَّقَ فِي الرِّمَايَةِ عَلَى أَخَوَيْهِ، وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَيْهِ، وَأَصْبَحَتِ الْأَمِيرَةُ مِلْكَ يَدَيْهِ.
فَمَاذَا تَرَوْنُ — أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ الْفُضَلَاءُ — فِيمَا أَرَاهُ لَكُمْ؟
وَكَيْفَ تَقُولُونَ فِيمَا أَقْتَرِحُهُ عَلَيْكُمْ؟»
فَقَالَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ، بِلِسَانِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ»: «مَا أَحْكَمَ التَّفْكِيرَ، وَأَعْدَلَ التَّدْبِيرَ!
لَا رَأْيَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، وَلَا قَضَاءَ إِلَّا مَا قَضَيْتَ إِنَّنَا لَهَذِهِ الْمُبَارَاةِ قَابِلُونَ، وَبِنَتِيجَتِهَا رَاضُونَ».
(?) فِي حَلْبَةِ السِّبَاقِ

ثُمَّ خَرَجَ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ إِلَى حَلْبَةِ السِّبَاقِ يَتَقَدَّمُهُمُ السُّلْطَانُ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ سَوَادُ الْأَهْلِينَ صُفُوفًا مُتَرَاصَّةً، لِيَشْهَدُوا الْمُبَارَاةَ فِي الْمَيْدَانِ.
ثُمَّ أَطْلَقَ ثَلَاثَةُ الْأُمَرَاءِ، سِهَامَهُمْ فِي الْفَضَاءِ؛ بَعْدَ أَنْ حَرَصَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَنْطَلِقَ سَهْمَهُ إِلَى أَقْصَى مَدًى؛ فَكَانَ سَهْمُ الْأَمِيرِ «عَلِيٍّ» أَبْعَدَ السِّهَامِ مَرْمًى.. وَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ دُونَ أَخَوَيْهِ زَوَاجَ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ».
وَهَكَذَا كَانَ ظَفَرُهُ بِابْنَةِ عَمِّهِ نَتِيجَةً لِكِفَايَتِهِ، وَثَمَرَةً لِمَهَارَتِهِ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا عَفْوًا بِوَسِيلَةِ الْقُرْعَةِ الْعَمْيَاءِ، أَوْ بِمُسَاعَدَةِ الْحَظِّ الْمَجْهُولِ. وَخَيْرُ الْجَوَائِزِ وَأَعْدَلُهَا مَا كَانَ ثَمَرَةً لِلتَّنَافُسِ الْكَرِيمِ.
الْإِخْوَةُ يَتَبارَوْنَ فِى إِطْلاقِ السِّهامِ.
(?) نَصِيبُ الْأَخَوَيْنِ

وَرَضِيَ الْأَمِيرَانِ الشَّقِيقَانِ بِفَوْزِ أَخِيهِمَا عَنْ جَدَارَةٍ وَاسْتِحْقَاقٍ، وَهَنَّآهُ بِمَا أَحْرَزَهُ مِنْ فَوْزٍ مَجِيدٍ، وَدَعَوا اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَهُ فِي زَوَاجِهِ السَّعِيدِ.
وَالْتَفَتَ السُّلْطَانُ إِلَى وَلَدَيْهِ الْأَمِيرَيْنِ «حُسَيْنٍ» وَ«أَحْمَدَ»، فَابْتَدَرَهُمَا قَائِلًا: «بَقِيَ عَلَيَّ الْآنَ أَنْ أُخَيِّرَ وَلَدَيَّ الْعَزِيزَيْنِ، بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَيُّكُمَا يُحِبُّ أَنْ يَتَوَلَّى الْمُلْكَ بَعْدَ أَبِيكُمَا؟ وَأَيُّكُمَا يُفَضِّلَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِمَا ظَفِرَ بِهِ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ مِنْ ثَلَاثَةِ الْكُنُوزِ؟
فَلْيُوَازِنْ كِلَاكُمَا فِي تَفْكِيرٍ وَرَوِيَّةٍ بَيْنَ هَذَيْنِ، وَلْيَخْتَرْ مَا شَاءَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ».
فَقَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» لِأَبِيهِ السُّلْطَانِ: «سَعِدْتَ أَيُّهَا الْوَالِدُ الرَّحِيمُ، وَطَالَ بَقَاؤُكَ. لَقَدْ أَرَدْتَ أَلَّا يَسْتَأْثِرَ الْأَمِيرُ «عَلِيٌّ» بِالسُّرُورِ، لِظَفَرِهِ بِزَوْجَتِهِ الْأَمِيرَةِ «نُورِ النَّهَارِ»، وَهِيَ كَنْزٌ مَعْنَوِيٌّ؛ فَأَرَدْتَ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنَ السُّرُورِ مِثْل مَا لَهُ، فَعَرَضْتَ عَلَيْنَا خِلَافَةَ الْمُلْكِ، وَالْكُنُوزَ الثَّلَاثَةَ. وَأَنْتَ بِحِكْمَتِكَ وَنَافِذِ بَصِيرَتِكَ، أَقْدَرُ عَلَى أَنْ تَخْتَارَ لِكُلٍّ مِنَّا مَا تَرَاهُ الَأَصْلَحَ وَالْأَوْفَقَ».
وَقَالَ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ»: «لِكُلٍّ مِنَ النَّصِيبَيْنِ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، لَا يُنْكِرُهَا ذُو رَأْيٍ صَائِبٍ، وَمَنْزِلَةٌ جَلِيلَةٌ لَا يَجْحَدُهَا مَنْ لَهُ نَظَرٌ ثَاقِبٌ، وَإِنَّا بِاخْتِيَارِكَ رَاضِيَانِ، وَلِرَأْيِكَ مُنْفِذَانِ؛ فَلْتَكُنِ الْخِيرَةُ وَالرَّأْيُ لَكَ يَا أَبَتَاهُ».
فَقَالَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» لِلْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»: «أَنْتَ — كَمَا تَعْلَمُ — أَصْغَرُ أَوْلَادِي، وَلَكَ شَبَابٌ مَرْجُوُّ الْمُسْتَقْبَلِ. وَالشَّبَابُ رَبِيعُ الْعُمْرِ، وَذَخِيرَةُ الْغَدِ، وَهُوَ فُسْحَةُ الْأَمَلِ، وَعُدَّةُ الْجِهَادِ وَالْبِنَاءِ وَالْعَمَلِ، وَلِذَلِكَ أَخْتَارُ لَكَ يَا بُنَيَّ أَنْ تَخْلُفَنِي عَلَى وِلَايَةِ الْبَلَدِ وَقِيَادَةِ الْأُمَّةِ، لِيَكُونَ لِلْوَطَنِ الْعَزِيزِ مِنْ شَبَابِكَ قُوَّةٌ وَفُتُوَّةٌ، وَهِمَّةٌ وَعَزْمَةٌ».
وَالْتَفَتَ السُّلْطَانُ إِلَى الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» قَائِلًا: «أَنْتَ أَكْبَرُ الْإِخْوَةِ، وَأَنَا أَخْتَارُ لَكَ ثَلَاثَةَ الْكُنُوزِ، لِتُحْسِنَ الِانْتِفَاعَ بِهَا مَا اسْتَطَعْتَ، بِمَا أُوتِيتَ مِنْ وُفُورِ عَقْلٍ، وَبُعْدِ نَظَرٍ، مُتَوَخِّيًا فِي كُلِّ عَمَلِكَ، مَصْلَحَةَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِكَ».
(??) مَشُورَةُ الْحَكِيمِ

ثُمَّ قَالَ السُّلْطَانُ لِبَنِيهِ الثَّلَاثَةِ: «مَا كَانَ لَنَا، وَقَدْ رَأَيْنَا الرَّأْيَ، وَأَعْمَلْنَا فِيهِ الْعَقْلَ وَالتَّدْبِيرَ، أَلَّا نَسْأَلَ حَكِيمَنَا «آزَادَ»، لِيُبْدِيَ لَنَا مَشُورَتَهُ فِيمَا ارْتَأَيْنَاهُ.. وَمَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ!»
فَقَالَ الْأَشِقَّاءُ الثَّلَاثَةُ، بِلِسَانِ أَخِيهِمُ الْأَكْبَرِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ»، كَمَا تَعَوَّدُوا — بَأَدَبِهِمُ الْجَمِّ — أَنْ يُنِيبُوهُ عَنْهُمْ فِي التَّكَلُّمِ بِلِسَانِهِمْ: «إِنَّ الْمَشُورَةَ يَا أَبَتَاهُ كَسْبٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ عَوَّدَنَا الْحَكِيمُ «آزَادُ» أَنْ يُسْدِيَ إِلَيْنَا النُّصْحَ الثَّمِينَ، فَلَهُ عَقْلٌ وَتَجْرِبَةٌ، وَهُوَ يَتَأَمَّلُ فِي الْأُمُورِ تَأَمُّلَ عَارِفٍ خَبِيرٍ».
وَلَمَّا سُئِلَ الْحَكِيمُ «آزَادُ» فِيمَا رَآهُ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» مِنِ اخْتِيَارِ ابْنَهِ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ»، لِيَخْلُفَهُ عَلَى وِلَايَةِ الْحُكْمِ، وَإِيثَارِ ابْنِهِ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» بِثَلَاثَةِ الْكُنُوزِ، مَسَحَ الْحَكِيمُ «آزَادُ» جَبْهَتَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السُّلْطَانِ «مَحْمُودٍ» قَائِلًا: «لَقَدِ اجْتَهَدْتَ فِي التَّفْكِيرِ وَالتَّدَبُّرِ، حَتَّى هُدِيتَ إِلَى خُطَّةٍ حَكِيمَةٍ، وَاخْتِيَارٍ مُوَفَّقٍ، وَهَذَا كُلُّ مَا فِي وُسْعِكَ، وَغَايَةُ مَا فِي ذَرْعِكَ. وَلَكِنْ لِي كَلِمَةٌ أُرِيدُ أَنْ أَخُصَّ بِهَا وَلَدَيْكَ».
وَسَكَتَ سَكْتَةً قَصِيرَةً، ثُمَّ وَجَّهَ نَظَرَهُ إِلَى الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» وَالْأَمِيرِ «أَحْمَدَ» قَائِلًا لَهُمَا: «لِكُلِّ مِنْكُمَا التَّهْنِئَةُ بِمَا نَالَ، وَلَكِنْ عَلَى كُلٍّ مِنْكُمَا أَنْ يُثْبِتَ جَدَارَتَهُ وَكِفَايَتَهُ، حَتَّى يُحَقِّقَ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ، وَصِدْقَ الْأَمَلِ فِيهِ».
فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ «حُسَيْنٌ»: «أَمَّا أَنَا فَأُعَاهِدُ أَبِي وَأُعَاهِدُكَ عَلَى أَنْ أَصُونَ الْكُنُوزَ الثَّلَاثَةَ مِنَ الْعَبَثِ، وَأَحْفَظُهَا مِنَ الضَّيَاعِ، وَلَا أَسْتَخْدِمُهَا إِلَّا فِي سَبِيلِ الْخِدْمَةِ الْعَامَّةِ، وَمِنْ أَجْلِ نَفْعِ النَّاسِ جَمِيعًا، وَلَا أَسْتَغِلُّهَا لِمَغْنَمٍ شَخْصِيٍّ، أَوْ مَأْرَبٍ غَيْرِ شَرِيفٍ».
فَرَبَّتَ الْحَكِيمُ «آزَادُ» كَتِفَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَثْلَجْتَ صَدْرِي بِمَا أَسْمَعْتَنِى إِيَّاهُ، وَعَلَيْكَ أَنْ تَفِيَ بِوَعْدِكَ، وَلَا تُفَرِّطَ فِي عَهْدِكَ».
وَقَالَ الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ»: «وَكَذَلِكَ أَنَا أُعَاهِدُ أَبِي وَأُعَاهِدُكَ، أَيُّهَا الْحَكِيمُ الْمُوَقَّرُ، عَلَى أَنِّي إِذَا وُلِّيتُ الْحُكْمَ، جَعَلْتُ الْعَدْلَ مِيزَانِي، وَتَوَخَّيْتُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْجَمِيعِ؛ حَتَّى تَتَحَقَّقَ بَيْنَ أَهْلِ الْوَطَنِ كُلِّهِمْ مُسَاوَاةٌ وَكَرَامَةٌ، وَيَشْعُرُ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّ جُهْدَهُ لِوَطَنِهِ، وَأَنَّ خَيْرَ وَطَنِهِ لَهُ، وَيَحْيَا الْجَمِيعُ فِي وِئَامٍ وَسَلَامٍ».
فَقَالَ الْحَكِيمُ «آزَادُ»: «بُورِكْتَ — أَيُّهَا الْأَمِيرُ «أَحْمَدُ» — مِنْ فَتًى شَهْمٍ هُمَامٍ، وَأَرْجُو أَنْ يَبْلُغَ بِكَ الوَطَنُ آمَالَهُ الْجِسَامَ»
وَشَكَرَ السُّلْطَانُ «مَحْمُودٌ» لِلْحَكِيمِ «آزَادَ» مَا أَسْدَى مِنْ نُصْحٍ عَظِيمٍ، وَإِرْشَادٍ كَرِيمٍ.
وَطَابَتْ نَفْسُ الْأَمِيرِ «أَحْمَدَ» بِأَنْ يَخْلُفَ أَبَاهُ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ مُهِمَّةِ الْحُكْمِ فِي الْبِلَادِ.
وَقَرَّتْ عَيْنُ الْأَمِيرِ «حُسَيْنٍ» بِأَنْ تَكُونَ الْكُنُوزُ الثَّلَاثَةُ فِي حَوْزَتِهِ، يُصَرِّفُ اسْتِخْدَامَهَا بِحِكْمَتِهِ.
وَهَكَذَا فَرِحَ كُلٌّ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْأَشِقَّاءِ، بِمَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ نَصِيبٍ، وَكَانُوا يَتَنَاصَرُونَ فِي الْخَيْرِ، وَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ، وَيَتَبَادَلُونَ أَخْلَصَ الْحُبِّ وَأَعْمَقَهُ، وَأَجْمَلَ الْوُدِّ وَأَصْدَقَهُ، وَتَحَقَّقَتْ لَهُمْ أَسْعَدُ الْآمَالِ، فَقَضَوْا حَيَاتَهُمْ فِي أَرْغَدِ عَيْشٍ وَأَهْنَإِ بَالٍ.. وَصَفَتْ لَهُمُ الْأَوْقَاتُ، وَحَالَفَتْهُمُ الْبَهَجَاتُ وَالْمَسَرَّاتُ، فَعَاشُوا أَيَّامَهُمْ فِي ثَبَاتٍ وَنَبَاتٍ، وَخَلَّفُوا الصِّبْيَانَ وَالْبَنَاتِ، وَوَفَّقَهُمُ اللهُ فِي الْغَدَوَاتِ وَالرَّوْحَاتِ.