Advertisement

النمر الشجاع

















النَّمرُ الشُّجاعُ










??

نظميّة أكراد





النَّمرُ الشُّجاعُ
قصص للفتيان




من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ 2005






النَّمِرُ الشُّجاعُ


أشرقت الشَّمسُ وعادتِ النَّمِرَةُ بكلِّ رشاقتِها وجمالِ جلدِها الأصفرِ المرقَّشِ بالأسودِ وصدرِها الأبيضِ الناصعِ، عادت إلى جِرائها بلهفةٍ وحبٍّ، بعدَ ليلةٍ طويلةٍ قَضَتْها بالجري والتعب لتؤمِّنَ الطعامَ للجميعِ. إنَّها فرحةٌ منتصرةٌ فقد اصطادتْ غزالاً سميناً سحبتْه بعد أن غَرَزتْ أسنانَها وأنيابَها الحادَّةَ الكبيرةَ في رقَبَتِه.
هي سعيدةٌ لأن الجِراءَ أتمَّتْ اليومَ ثمانيةَ أسابيعَ من عمرِها، وتستطيعُ أن تطعمَها اللحمَ أوَّلَ مرَّةٍ بعد أنْ كانت تُرْضِعُها طولَ المدة الماضية، وتلازمُها وتحافظُ عليها، وتدافعُ عنها ضدَّ أيِّ عدوٍّ مُحتملٍ، لأنّها صغيرةٌ جداً بحجم القطط، وعاجزةٌ تماماً عن البقاءِ وحدَها أو الدفاعِ عن أنفسِها. في البداية كانت خمسَ كِتَلٍ صغيرةٍ من اللحم المتحرِّكِ المتموِّجِ، تصطدمُ ببعضها بعضاً كلما تحركتْ لأنّها عمياءُ لا ترى أبداً، ولا تستطيعُ فتحَ أعينها. فتحَ بعضُها عينيه بعدَ خمسةِ أيامٍ، وبقيَ بعضُها الآخرُ حتى أصبحَ عمرُها اثني عشرَ يوماً.
كانت تفكِّرُ بها وهي تسحبُ الغزالَ، كيف ستطعمُها اللحمَ؟ كيف تتذوَّقُه؟ ينبغي أنْ تأكلَ اللحمَ اللذيذَ وتكبر بسرعةٍ، وتعتمدَ على نفسِها تماماً.
استقبلتْها الجِراءُ بأفواهٍ مفتوحةٍ، وكانت ثلاثةً فقط، سألتها: أين أخواكم؟... تلفَّتتِ الجِراءُ الثلاثةُ حولها دون أن تفهمَ شيئاً. فتَّشتِ النَّمِرَةُ الأمُّ عن جِرائها فوجدتها دونَ حَرَاكٍ. حزنتْ عليها كثيراً، سحبتْها وغطّتْها بأوراقِ الأشجارِ وأغصانِها، عادتْ ومزَّقتِ الغزالَ وأخذتْ تطعمُها، قالتْ لصغارِها بحنانٍ:
ـ كُلوا جيّداً.. وسترافقونني في نزهة بينَ الأعشابِ الطويلة. فرحتْ الجِراءُ الثلاثةُ، أكلتْ جيّداً، ثم مشتْ وراءَ أمِّها بخطواتٍ بطيئةٍ متعثِّرةٍ. كانت الأمُ تسيرُ أمامَها تفتحُ لها الطريقَ بين الأعشابِ والأشواكِ، تقفُ وتلتفتُ وراءها حتى يلحقَ بها الصغارُ، وترفعُ من تعثَّرَ وسقطَ منهمْ.
كانت النزهةُ لتعلِّمَها المشيَ والحذرَ، وكانت تقومُ بمناوراتٍ تشبه دروساً في الصيد، كأنَّها تروي للجراءِ حكاياتِ صيدِ الغِزلانِ والأرانبِ والماعزِ والطيورِ التي تعيشُ فوقَ الأغصانِ حيثُ تقفزُ إلى أن تصلَ إليها وتصطادَها. وهي في كلِّ ذلكَ تراقبُ صغارَها وتتهيأُ لحمايتِها من أيِّ عدوٍّ، وتفتخرُ بقوّتِها على نحوٍ عمليٍّ. وفي قفزةٍ مفاجئةٍ قالتْ النَّمِرَةُ لصغارِها: لقد قفزتُ أكثرَ من ستّةِ أمتارٍ لأصطادَ غُراباً كان يقفُ على غُصنٍ عالٍ في تلكَ الشَّجرةِ الباسقةِ. عندما تعبتْ الجِراءُ الصغيرةُ من السَّيرِ نامتْ بينَ الأعشابِ، وكانتْ الأمُّ متيقّظةً تدورُ حولَها وتحرسُها، وبقيتْ تفعلُ ذلك حتى استراحتِ الجراءُ، ثم أخذتْها إلى النهرِ لتشربَ وتتعلَّمَ الوصولَ إليه.
الجراءُ الصغيرةُ فخورةٌ جداً بأمِّها، وهي تعلِّمُها طريقةَ الاحتفاظِ بباقي الصيدِ بجانبِ الأشجارِ، وتغطّيه بأوراقها عندما تشبعُ، وتُخفيه عن الحيواناتِ المفترسةِ الأخرى.
كلَّ يومٍ بعد عودتها من صيدها الليليّ كانتْ النَّمِرَةُ الأمُّ تمرّنُ جِراءها على المشيِ والقفزِ والهجومِ استعداداً للصيدِ والدفاعِ عن النفسِ، حتّى أصبحتْ خطواتُها أسرعَ وحركتُها أرشقَ، ثمّ أصبحتْ تتسابقُ أمامّ أمِّها بالجري حتى تجاريَها، وهاهي ذي تناورُ وتهاجمُ بشجاعةٍ تزدادُ يوماً بعد يوم. بعدَ ذلكَ أخذتْ الأمُّ تعلِّمُها كيفيةَ الإمساكِ بالفرائسِ، وطرقَ المفاجأةِ والانقضاضِ على الفرائسِ بخفَّةٍ وحَذَرٍ وصمتٍ بحيثُ لا تشعرُ الفريسةُ ولا تتوقعُ ولا تحسُّ بوجودِها إلا وقد أصبحت بمتناوَلِها وقد انقضَّتْ عليها، وقَصَمَتْ عمودَها الفِقريَّ من الأعلى.
اليوم استطاعتْ الجراءُ صيدَ أرنبٍ وسلحفاةٍ بوجود أمِّها وتشجيعها. فرحتْ النَّمِرَةُ الأمُّ كثيراًً، لقد أصبحتْ الجراءُ الصغيرةُ تعتمدُ على نفسها في البحثِ عن الطعامِ والحصولِ عليه. ولكن مفاجأةً غيرَ سارَّةٍ وقعتْ في ذلكَ اليومِ، لقد سقطَ جَروٌ صغيرٌ في النهرِ، وجرفَه التيارُ القويُّ، ولم يستطعْ السباحةَ ولم تستطعْ أمُّه إنقاذَه على الرغم من كلِّ ما بذلتْه من محاولاتٍ مستميتةٍ، إذ كلُّ محاولاتِها باءتْ بالإخفاقِ، وجرفَ النهرُ أحدَ صغارِها أمامَها دونَ أن تقوى على إنقاذِه. لم يبقَ لها سوى جروين، وعليها أنْ تحافظَ عليهما وأن تدرِّبَهما جيّداً، والتدرُّبُ على السباحة هامٌّ، فالنهرُ عدوٌّ أيضاً إذا لم نحسنْ السباحةَ. أخذَ الجروانِ الباقيانِ كلَّ اهتمامِ النَّمِرَةِ الأمِّ، وفي رحلةِ تدريبٍ وصيدٍ خرجَ النَّمِرَانِ الصغيرانِ مع أمِّهما وجريا أمامَها في الحقولِ يبديانِ مهارةً وشجاعةً ملحوظتين. وكانتْ كلَّ فترةٍ تناديهما وتحذّرهما بألاّ يبتعدا عنها. كانا جميلينِ رشيقينِ يلعبانِ تحتَ أشعّةِ الشّمسِ الدافئةِ، لا يَمَلاّنِ من الجريِ والقفزِ، كان أحدُهما ذا وجهٍ ورديّ باسمٍ، والآخرُ ذا وجهٍ أبيضَ ضاحكٍ وأنفٍ أسودَ دقيقٍ، وعينينِ واسعتينِ ولكنْ على سعتِهما لا يتمتّعُ بحاسةِ بصرٍ ثاقبةٍ، إلا إنّه يمتلكُ حاستيْ شمٍ وسمعٍ قويتين جداً مثل أخيه الذي يتمتّعُ بالمواصفاتِ ذاتِها.
كان النَّمِرَانِ الصغيرانِ يبتعدانِ أكثرَ عن والدتِهما يوماً بعدَ يومٍ، ويحاولان كلَّ يومٍ الابتعادَ أكثرَ وهما يجريانِ بسرعةٍ، ويقومانِ بتمارينِ المطاردةِ والهجومِ والانقضاضِ المفاجئِ.. يلعبانِ ويتعاركانِ تحتَ نظر أمّهما ويستكشفانِ بنفسْيهما كل ما حولَهما. كانت الأمُّ تخافُ عليهما ولذا أوصتْهما بأنْ يلعبا على مَرْمى نظرِها وقريباً منها. وأخذتْ تروي لهما الحكاياتِ التي يتعرَّضُ لها الصغارُ، إذ لا يكفي أن تكونَ سريعاً وقوّياً فلا بدَّ من الخبرةِ.
جلسَ النَّمِرَانِ الصغيرانِ يستمعانِ لكل كلمة تقولها أمُّهما بكثيرٍ من الاهتمامِ والانتباهِ لأنّهما يحبانِها كثيراً ويثقانِ بها. قالتْ لهما:
ـ احذرا الأعداءَ.
ـ ما الأعداءُ يا أمي.؟. ومَنْ هم الأعداءُ؟ ماذا يريدونَ منّا.؟ كيف نعرفُهم؟ نحنُ نلعبُ فقط ولا نسبِّبُ الأذى لأحدٍ، حتى إننا لا نقتربُ من أحدٍ.
قالتْ بتفكيرٍ ومكرٍ: ولكنَّ هذا لا يمنعُ الأعداءَ من الاعتداءِ عليكما.
ـ قال ذو الوجهِ الأبيضِ الضاحكِ والأنفِ الأسودِ: كيفَ هذا؟ و لماذا؟ نحنُ قويانِ ونستطيعُ أن نهاجمَهم.. إذا كانوا لا يعرفوننا ولم يرونا فلماذا يعتدونَ علينا ويؤذوننا.؟
ضحكتِ الأمُّ لتهدئَ من روعِهما: هذا صحيحٌ.. أنتما صغيرانِ وقد تبدوانِ طيّبينِ جداً، ولكن لا بدَّ من الدخولِ في خِضَمِّ الحياةِ: أنتَ تهاجمُ وتدافعُ.. لتعيشَ وتبقى.. هناك من يريد أن يقتلَكَ، وهناك أيضاً من تريدُ أن تأكلَه، إنّها الغابةُ وقانونُها في الحياةِ. الإنسانُ مثلاً يطمعُ بجلدِكما الذهبيِّ المرقّشِ الرائعِ.
ـ أليسَ لبني الإنسانِ جلودٌ؟.
هزّتْ الأمُّ رأسَها بأسفٍ وقالت: إن لهم جلوداً تختلف، الإنسانُ يأخذُ جلدَكم ويُخِيطُ منه معاطفَ جميلةً وقبعاتٍ دافئةً.
ـ ألا يكفيه جلدُه؟..
ـ هو يشعرُ بالبردِ أيامَ الصقيعِ والبردِ والثلجِ في الشتاءِ، فيأخذُ جلدَ النَّمِرِ ليقاومَ به البردَ، أو يأخذَه للزينةِ والتفاخرِ بجمالِه.
ـ نحن نهاجُمه أيضاً، ونأخذُ جلَده.
زفرتْ الأمُّ بألمٍ وسَرَّحَت نظرَها بعيداً: هذا ما حصلَ مع والدكما منذ أقل من عامٍ، فبينما كان يمرحُ ويتسلّقُ الأشجارَ ببراعةٍ، جاء إنسانٌ يمشي على اثنتين، منتصباً، يحملُ خشبةً طويلةً، في نهايتها أنبوبٌ حديديٌّ أسودُ: طاخْ.. طاخْ... لمعَ برقٌ، ثم صوتٌ قويٌّ. وقعَ المسكينُ مضرّجاً بدمِه، سارعَ الإنسانُ إليه وربطَه وسحبَه، علَقَه بجنازيرَ، وسلخَ جلدَه.
نزلتْ غمامةٌ من الحزنِ على وَجْهَيْ الصغيرينِ، فأخذا يفكّران بهذا الإنسانِ الذي حرمَهما من والدِهما، قبلَ أن يريا النورَ، ووعدا والدتَهما أن لا يبتعدا عنها كثيراً.
سألها ذو الوجه الورديِّ:
ـ وهل هؤلاء الأعداء يخشونك، ولا يقتربونَ منَّا، عندما نكونُ معك...؟.
قالتْ الأمُّ بحزنٍ وتسليمٍ: مع الأسفِ، لا، ولكن عندما تكونان معي سنكونُ أكثرَ قوّةً، وندافعُ عن أنفسنا، ويحمي بعضُنا بعضاً.
تدخَّل النَّمِرُ ذو الوجهِ الأبيضِ الضاحكِ والأنفِ الأسودِ قائلاً:
ـ نحن أقوياءٌ. أنا أقوى من الثعلبِ والأرنبِ والغزالِ و...
قفزَ يستعرضُ عضلاتِه وقوتَه، واقترب من أمِّه أكثرَ، التصقَ بها، يستمدُّ القوةَ منها، لأنّه كان خائفاً رغم ذلك، وكان يودّ أن يسمعَ إطراءها له.
ـ نعم أنتما قويان، وستصبحان أكثرَ قوةً، وكثيرونَ همُ الذين يخشونَكما لكنّ الإنسانَ هو الأقوى، الجميعُ يخشونه.
ـ الإنسانُ. الإنسانُ. دائماً الإنسانُ. لقد قلتُ عنه في حكايةِ البارحةِ، إن الهرَّ الذي هو من فصيلتنا يعيشُ معه بسلامٍ، وفي بيته، يشاركُه حياتَه، يُدلِّله ويطعمُه ويعطفُ عليه.
ـ نعم، روّضَه وأدّخلَه بيتَه.
ـ أمّاه. صِفيْ لنا الإنسانَ لنعرفَه ونبتعدَ عنه عندما نراه.
ـ إنّه يمشي منتصباً كما قلتُ، ويرفعُ الأماميّتينِ، إلى الأعلى... هكذا... ورفعتْ قائمتيها الأمامَيتينِ، وتركتْهما سائبتينِ. ضحكَ الصغيرانِ كثيراً عندما رفعتْ أمُهما قائمتَيها الأماميّتينِ.
تابعتِ الأمُّ: لا يمشي على أربع مثلنا، إلا عندما يكونُ صغيراًً جداًً يحبو.
سألَ ذو الوجه الورديِّ الباسمِ:
ـ هل هو كبيرٌ جداً بحجمِ هذا الجبلِ. وهل أظافُره طويلةٌ وحادةٌ كالصخورِ المدببةِ، وهل أسنانُه حادةٌ كأطرافِ الماءِ المتجمّدِ الرقيقةِ. وهل عيناه باتساعِ تلكَ البحيرةِ؟ وهل يداه طو....
أخذَ يلهثُ:
ـ لا.. أبداً، أبداً
قالتْ الأمُّ:
ـ إذنْ لماذا نخافُ منه، عندما نراه سنقتربْ منه ونحدّثُه، ونلعبُ معه ولن ندعَه يقتلُنا. سأهجمُ عليه، وآخذُ الخشبةَ الطويلةَ منه.
عندما رأتْهما خائفينِ، منفعلينِ، مسحتْ على رأسيهما وضمَّتهما وقالتْ: يا صغيريَّ، لا تخافا، قد لا تصادفانِه أبداً، هو يخافُ منا أيضاً، ولكني أنبّهكما فقط، لتأخذا حَذَرَكما.. فلنا أعداءٌ مثلَما لكلِّ مخلوقٍ أعداءٌ.
اطمأنّا وضحكا، ثم انطلقا يتسابقانِ حتى غيابِ الشمسِ.. ناما وهما يفكرانِ بالأعداءِ والإنسانِ، ويرسمانِ بمخيلتهما الصغيرةِ عشراتِ الصورِ المخيفةِ، والمعاركَ البشعةَ مع الأعداءِ، لذلك كان نومُهما قلقاً مضطرباً.
استيقظا قبلَ الفجرِ، واتفقا على أن يخرجا قبل أن تستيقظَ أمُّهما المتعبةُ من الصيدِ، ليفتشا عن هذا الإنسانِ الذي عكّرَ صفوَهما ومرحَهما وحرمَهما من النومِ. وما إن خرجا وابتعدا قليلاً حتى خافَ ذو الوجهِ الورديِّ وعادَ راكضاً لينامَ في حضنِ أمّهِ الدافئ، ولكنَّ ذا الوجهِ الأبيضِ الضاحكِ والأنفِ الأسودِ استمرَّ، لأنّه كان مُصرّاًً على أن يتعرفَ على الإنسانِ ويواجهَه. فقد أقنعَ نفسَه بألاّ يخافَ منه مطلقاً، سيتكلمُ معه، سيحتالُ عليه.. سيقولُ لـه إنّه يحبُّه وأنه يجبُ أن يلعبَ مع إنسانٍ صغيرٍ ويصبحا صديقينِ.
مشى طويلاً حتى تعبَ، وجدَ حماراً ينهقُ عند أطرافِ الحقولِ مع بزوغِ الشمسِ، ويتردّدُ صدى صوتِه في البريّةِ، سلّم عليه من بعيدٍ وسألَ: هل أنتَ الإنسانُ.؟
ضحكَ الحمارُ حتى بانت أسنانُه الخلفيةُ، ضحكَ معه النَّمِرُ الصغيرُ.. قالَ الحمارُ: أتمنّى هذا.. أنتَ ترفعُني إلى مرتبةٍ ساميةٍ، ترفعني إلى مرتبةِ الإنسانِ. ثم رفعَ الحمارُ رأسَه بقليلٍ من الكبرياءِ، وقال: نعم أنا خادمُ الإنسانِ.. خادمُه المطيعُ الذي لا يخالفُ لـه أمراً. أقضي نهاري أحملُ الأثقالَ والمحاصيلَ بين البيتِ والحقلِ، يركبني وإذا تعبتُ أو قصّرتُ لكزَني في خاصرتي وضربَني. وهو يكيلُ لي كلَّ أنواعِ السبابِ، ولا يرحُمني أبداً حتى لو كنتُ في غايةِ التعبِ.
ـ لماذا تقبلُ كلَّ هذا وتسكتُ عليه ولا تحتجُّ؟.
بكى الحمارُ، وقال له: أرجوكَ، اتركني، لا تفتحْ جروحي وتزِدْ من ألمي وعذابي، فأنا لا أستطيعُ إلاّ أنْ أكونَ هكذا، مطيعاً، أعملُ طولَ النهار بكل نشاطٍ لأرضيَ ذلكَ الإنسانَ.. إنّه عجيبٌ غريبُ الأطوارِ.. ومع هذا فإنّه طيبٌ، يطعمُني ويَسقيني ويُراعيني، ويتركُني أبيتُ في الحظيرةِ مع رفاقي آمناً.
ـ ألا تستطيعُ أن تؤمِّنَ طعامَك بنفسِك مثلي؟..
صمتَ الحمارُ وابتعد باكياً متسائلاً: لماذا يسألُ هذا النَّمِرُ الصغيرُ مثلَ هذه الأسئلةِ العقيمةِ التي لا تنفُع ولا تفيُد؟
مشى النَّمِرُ يكلمُ نفسَه: ما هذا الإنسانُ الذي لا يرحمُ، سأراه وأتفاهمُ معه وسأستعطفُه وأثيرُ نخوتَه كي يتركَ الحمارَ يعيشُ كما يحلو له.
رأى أرنباً صغيراً جميلاً، أبيض اللونِ، يركضُ مسرعاً، ناداه:
هيه أيها الأرنبُ... تعالَ أريدُ أن ألعَب معك.
أجابَه الأرنبُ وهو يعدو: متى كانت الأرانبُ تلعبُ مع مثلك؟.. ابتعْد عني.. ألا يكفي أن الإنسانَ يطارُدني ويريُد أن يصيدَني.
انعطفَ الأرنبُ بسرعةٍ واختفى بينَ الحشائشِ.
أحسَّ النَّمِرُ الصغيرُ بالجوعِ، ركضَ يبحثُ عن الأرنبِ، لكنَّ الأرنبَ كان قد اختفى تماماً. وقف النَّمِرُ لاهثاً وهو يتمنّى لو أنّه اصطادَ الأرنبَ وأكلَه ليُسْكِتَ جوعَه.
مشى النَّمِرُ طويلاً قلقاً.. رأى جملاً كبيراً فقالَ لنفسِه: آه. الآنَ وصلتُ، لابدّ أنّه الإنسانُ. لم أرَ أكبرَ منه، ولا أطولَ عنقاً، صَرخَ بأعلى صوتِه: هيه أنتَ.. هل أنتَ الإنسانُ؟!...
ببطءٍ وتأنٍ أدارَ الجملُ وجهَه باتجاهِ الصوتِ وهَدَرَ هَدْرَةً خفيفةً، وردَّ بصوتٍ أجشَّ، وعيناه تدمعانِ من شدةِ التعبِ والسهرِ: ـ إنّ ما تدعوني به شيءٌ جميلٌ، لكن أنا الجملُ الصابرُ على الجوعِ والتعبِ، أنا سفينةُ الصحراءِ، هكذا يدعونني، أبقى أياماً طويلةً دونَ طعامٍ أو ماءٍ، تكفيني بعضُ الأشواكِ الجافّةِ، أحملُ للإنسانِ كلَّ ما يريدُ أن يحملَه من أمتعةٍ وغلالٍ، ويركبُ على ظهري لمسافاتٍ طويلةٍ، يُقحمني في السباقِ، يتسلّى برؤيتي أعدو، ويراهنُ عليَّ، ويجزُّ وبَري يصنعُ منه الخيامَ والعباءاتِ. ويذلُّني أحياناً.
سألَ النَّمِرُ الصغيرُ باستنكار:
ـ كيفَ يفعلُ؟..
قالَ الجملُ: يربطُ رأسيَ إلى ذيلِ الحمارِ الغبيِّ ويتركُه يقودُني ويسيرُ أمامي، هذا ما يغيظني أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخر. يذبحُني عندما يريدُ، ويأكلُ لحمي، ويسلخُ جلدي ويقطِّعه، ويصنعُ منه أحذيةً وحقائبَ ومقاعدَ وما يشاءُ.. وكل ذلك أهونُ عليَّ من أنْ يربطَني إلى ذنبِ الحمارِ.
ـ ماذا..؟!..
قال النَّمِرُ الصغيرُ بخوفٍ:
قال الجملُ وهو يلوكُ شوكةً: أنتَ ما زلتَ صغيراً... من يستطيعُ أن يقاومَ الإنسانَ أو يرفضَ له طلباً؟!.
حزنَ النَّمِرُ على الجملِ وحالِه، وعظُمَ شأنُ الإنسانِ بنفسه، واشتدَ شوقُه لرؤيته. وأخذَ يرسمُ في خياله صورةً لآكلِ لحومِ الحيواناتِ هذا وسالخِ جلودِها ومُذِلِّها.
تعبَ كثيراً من المشي وجاعَ يريدُ أن يأكلَ، ولكنْ كيف؟.. لا بد من البحثِ عن فريسةٍ. فجأةً انبعثَ صوتُ طائرٍ بقربِه، وبعدَ دقائقَ كان يستمتعُ بلحمه الطريِّ. شبعَ النَّمِرُ الصغيرُ، ومضى مسرعاً.. يبحثُ عن الإنسانِ، أوغلَ في الغابةِ ووجدَ نفسَه أمام فيلٍ كبيرٍ ذي خرطومٍ طويلٍ بالقرب من بِركةِ ماءٍ. توقّف يراقبه وقد دبَّ الخوفُ في قلبه، وأخذَ يرتعدً، إنّه ضخمٌ جداً وهائلُ الجسمِ وقويٌّ، قال لنفسه: لا بدّ أنّه الإنسانُ، سأقتربُ منه بخفّةٍ وهدوءٍ وحذرٍ من دون أن يراني، كما علّمتني أمّي تماماً وأظنّ أنّه لن يقتلَني ولنْ يفلتَ من قبضتي. اقتربَ منه كثيراً سلَّمَ عليه بأدبٍ جمٍّ.. وهو يرتجفُ أمامَه. أحسّ بثقلِ جسمِه، تراختُ أطرافُه، وأصبحتْ ضعيفةً لا تحملُه.
ردَّ الفيلُ السلامَ بتعالٍٍ.
قالَ النّمِرُ الصغيرُ بصوتٍ منخفضٍ وأدبٍ:
ـ أودُّ التعرّفَ عليك أيُّها الكبيرُ المحترمُ، تركتُ أمّي وأخي من أجلِ أن أتعرفَ عليك، ألستَ الإنسانَ؟.
ضحكَ الفيلُ حتى اهتزّتْ خاصرتاه، ورفعَ خرطومَه إلى الأعلى، وبانَ نابُه الكبيرُ جليّاً.
بكى النَّمِرُ الصغيرُ خوفاً وهَلَعاً عندما رآه يرفعُ خرطومَه.. ظنَّه الخشبةَ الطويلةَ التي تكلمتْ أمُّه عنها، وماتَ بها أبوه.
قال الفيلُ:
ـ لا تخفْ يا صغيري، هدِّئْ من رَوعِك، أنا الفيلُ. الإنسانُ لا يشبهُني بشيءٍ، إنه جميلٌ، يمشي منتصباً شامخاً مختالاً، لـه رأسٌ يكسوه شعرٌ أسودُ أو أشقرُ أو أحمرُ أو أبيضُ.. يبدو لك لطيفاً وديعاً، خاصةً إذا كانتْ له غايةٌ أو مصلحةٌ يريد تحقيقَها.. ولكنّه..
ـ وهل هو أقوى منك؟..
سألَ النَّمِرُ ذو الوجه الضاحك الذي لم يبقَ ضاحكاً أبداً.
ـ مع قوتي التي تراها أنا أمامَه مغفلٌ ضعيفٌ لا أقوى على شيءٍ فهو يركبُ على ظهري، ويحمِّلُني أثقالَه، ويسجنُني في حدائقِ الحيوانِ، يسخرُ مني، ويجعلُني فرجةً لمنْ يريدُ. يقتلني ليأخذَ جلدي، يصنعُ منه الأحذيةَ والحقائبَ الجميلةَ، ويصنعُ من نابي مقابضَ عاجٍ للسكاكين الفاخرةِ والسيوفِ الأنيقةِ والمظلاتِ وأزراراً لثيابه وحلقاً وأطواقاً وأساور للزينة. وأتعلمُ كلَّ ما يريدُ أنْ يعلِّمَني إيَّاه... أحاربُ معه، يسوقُني أمامَه لأتلقّى كلَّ الضرباتِ بجسمي، أفعلُ كلَّ ما يطلبُه.
قالَ النَّمِرُ بخوفٍ:
ـ إنّك كبيرٌ وقويٌّ بما فيه الكفايةُ، من هو الأقوى منك لينقذَ الجميعَ من سطوةِ الإنسانِ وظلمِه.
ـ يا صغيري، لا تشغلْ رأسَك الجميلَ بهذا، ليس في هذا العالمِ من هو أقوى من الإنسانِ، إنّه الأقوى، أقوى من الوحوشِ والحيواناتِ، أقوى من الجبال والرياحِ والعواصفِ أقوى من النارِ والثلجِ والمطرِ والقمرِ.
ارتجفَ النَّمِرُ وكادَ يُغمى عليه من الخوفِ، ومع هذا بدا عازماً ومصرّاً على أن يرى الإنسانَ الذي أخذَ يشغلُه ويقلقُه ويخيفُه جداً. وصلَ إلى بستانٍ فوقفَ وراءَ سياجِه ينظرُ إلى بقرةٍ كبيرةٍ حمراءِ اللونِ، ترعى العشبَ وتأكلُ بِنَهَمٍ زائدٍ وتلذذٍ، تظلّلها الأشجارُ وتنسابُ ساقيةُ ماءٍ قريباً منها.
قال النَّمِرُ:
ـ آه إنّه مدلّلٌ مرفَّهٌ.. ماءٌ وظلٌّ وعشبٌ أخضرُ وراحةٌ.. كلُّ شيءٍ متوفرٌ لـه، لقد عثرتُ عليه، إن شعرَه أحمرُ ولكنّه غيرُ منتصبِ القامةِ؛ إنه يبدو في حالةِ راحةٍ.
شدّ عضلاتِه فأعجبَته قوتُّه، صاحَ بصوتٍ مرتفعٍ وهو يتصنَّعُ القوةَ:
ـ هل أنتَ الإنسانُ؟.
أرسلَتِ البَقَرَةُ خُواراً قويّاً، وظهرَ العشبُ الأخضرُ الطريُّ الذي يحشو فمَها. ارتختْ قوائمُ النّمِرِ قليلاً وجثمَ على الأرضِ ينتفضُ خوفاً ويتحفّزُ لمواجهةِ الاحتمالِ الأسوأ.
ـ أنا البَقَرَةُ التي تُقدِّمُ لـه الحليبَ ليشربَه ويصنعَ منه اللبنَ والقشدةَ والجبنَ والزبدةَ، ألِدُ لـه العجولَ ليسمِّنَها ويذبحَها ويأكلَ لحمَها. يدلّلنُي الإنسانُ، ويطعُمني لأعطيَه أكثرَ، ثم يذبحُني متى شاءَ ليأكلَ لحمي، ويصنعَ من جلدي حقائبَه وأحذيتَه ومفروشاتِه الجلديةَ ومعاطفَه.
ـ بأيِّ حقٍّ يصنعُ ما يصنعُه؟.. من الذي أطلقَ يدَه في المخلوقاتِ هكذا؟.
وقفَ على قائمتيه الخلفيتينِ بعد أن استردَّ قوتَه وزالَ خوفُه، وأرسلَ صوتاً قوّياً يذكَرُ بزئيرِ الأسدِ.
خارتْ البَقَرَةُ بِضَجَرٍ وقالتْ:
ـ ما لي ولهذا، اسألْه هو.
وعادتْ لتقضمَ المزيدَ من العشبِ الطريِّ بلا اكتراثٍ.
أحسّ النّمرُ بالتعبِ والجوعِ.. لقد ابتعدَ كثيراً عن أمِّه وأخيه واشتاقَ إليهما، اشتاقَ للمرحِ والجريِ والصيدِ معهما، وخشيَ أن يُضيعَ الطريقَ إليهما ولا يستطيعَ العودةَ، شعرَ بالذنبِ والندمِ والخوفِ لابتعادهِ وعدمِ التزامِه بنصائح أمِّه وما قالَتْه له وما أخذتْ منه وعداً بتنفيذِه. لا بدَّ أنّها قلقةٌ عليه وتبحثُ عنه في كلِّ مكانٍ.. لماذا فعلَ ما فعلَ؟.. ارتعدَ قليلاً وتمنّى لو أنّه إلى جانبها، وفكّرَ بالعودةِ إليها.. ولكنَّ صوتاً غيرَ معتادٍ قطعَ سلسلةَ أفكارِه، إنَّه صهيلُ حصانٍ. لقد رأى من بعيدٍ حصاناً أشقرَ يتموَّجُ جلدُه الرقيقُ تحتَ أشعةِ الشمسِ، يختالُ بكبرياءٍ، ويبدو رشيقاً، جميلاً، عاليَ الرأسِ. قال النِّمرُ الشجاعُ: الآن وجدتُه، إنّه هو بذاتِه، الإنسانُ، كم هو جميلٌ مدهشٌ وقويٌّ. مشى نحوَه وابتسمَ له، وقال بتواضعٍ جمٍّ وقد أطرقَ برأسِه:
ـ إنّني أبحثُ عنكَ ـ بَلَعَ ريقَه واستدركَ ـ لا لشيءٍ، فقط لأتعرّفَ عليك، وعلى مواهبِكَ وصفاتِكَ، ولأسألكَ بعضَ الأسئلةِ، إذا تكرّمْتَ بالإجابةِ عليها.

قال الحصانُ:
ـ تفضلْ سأفعلُ ما أستطيعُه.
ـ أشكرُ لكَ لطفَكَ وتفهُّمَك، هل أنتَ الإنسانُ؟.. هذا سؤالي الأولُ للتأكدِ.
ابتسمَ الحصانُ وصهلَ، ودارَ دورتينِ وهو يضربُ الأرضَ بقدميه، وعادَ ليواجهَ النَّمِرَ الصغيرَ الذي كانَ متلهِّفاً ليسمعَ الإجابةَ.
ـ هذا شرفٌ كبيرٌ لي.. شرفٌ كبيرٌ أنْ أكونَ الإنسانَ.. ولكنْ أنا الحصانُ صديقُ الإنسان المفضَّلُ، إنّه يحبُّني، ويفخرُ بي. يطعمُني بيديه، ينظِّفُني ويغسلُني بالماءِ والصابونِ ويكسوني كسوةً جميلةً.. يزيِّنُني بأحلى زينةٍ، يمتطي ظهري ويمارسُ معي رياضةَ الجريِ، نتنزّهُ معاً ونحاربُ الأعداءَ معاً، ويراهنُ عليَّ في حلقاتِ السباقِ، يطعمُني اللوزَ والسكرَ وألذَ المأكولاتِ وأنظفَ تِبْنٍ وأجودَ شعيرٍ ليس مع بقيةِ الحيواناتِ وإنما وحدي. أنا أحبُّه كثيراً، أربطُ مصيري به، وعندما أعجزُ أو أمرضُ أو أصابُ بأيِّ حادثةٍ لا يتوانى عن إطلاقِ النار عليَّ وقتلي.. إنَّه يفعلُ ذلك شفقةً بي وعليّ.
حزنَ النَّمِرُ ويئسَ وسألَ الحصانَ: كيف السبيلُ لأصلَ إلى الإنسانِ، هذا الجبارِ العتيدِ المتغطرسِ الذي لا يوفِّرُ أحداً، وليس له من أصدقاءٍ إلا نفسه؟.
ضربَ الحصانُ الأرضَ بحافريهِ الأماميينِ وصهلَ بقوةٍ، وقال بغضبٍ:
ـ لماذا تقولُ عنه إن جبارٌ متغطرسٌ؟.. بأيِّ حقٍّ تسمحُ لنفسِك بمهاجمتِه، إنّه صديقي الذي أقدِّمُ لـه حياتي، ولا أسمحُ لأحدٍ بأنْ يذمَّه أو ينالَ منه بالكلامِ أو بغيره، اغرُبْ عن وجهي أيها الـ.
ضبطَ النِّمرُ غريزتَه الهجوميةَ، وكتمَ زمجرةً قويةً وهو يقولُ:
ـ عفواً أيها الحصانُ.. أرجوكَ، أنا آسفٌ لما بدرَ مني، أنا أفتّشُ عنه لأنّني أحبُّه وأريدُ أن أتفاهمَ معه، أرجوك دلَّنّي عليه.
قال الحصانُ بطيبةٍ وتفهُّمٍ:
ـ انتظرْ قليلاً، وسيأتي إلى هنا وتراهُ.
فَرِحَ النَّمِرُ وشكرَ الحصانَ وانتظرَ بحذرٍ شديدٍ.. أخيراً سيصلُ إلى غايتِه، وسيرى الإنسانَ وجهاً لوجهٍ، ويتعرّف عليه عن قربٍ. سيكلّمُه، كما يكلّمُه صديقُه الحصانُ، وسيطرحُ عليه أسئلةً محرجةً تجعلُه يخجلُ ويتراجعُ عن كلِّ أفعالِه. ستفرحُ الوحوشُ والحيواناتُ كثيراً بما قامَ به النَّمِرُ الصغيرُ ذو الوجهِ الأبيضِ الضاحكِ والأنفِ الأسودِ الجميلِ. سيصبحُ مشهوراً تعتزُّ به أمُّه ويفخرُ به أخوه، ويَذيعُ صيته في الغاباتِ والبراري والسهولِ، بينَ الوحوشِ والحيواناتِ والطيورِ، وسوفَ يحبُّه الجميعُ، وقد ينحتونَ له تمثالاً جزاءَ عملِه الجيدِ الشجاعِ، سيصبحُ بطلاً كبيراً، لأنّه واجهَ الإنسانَ، وأقنعَه بما لم يستطعْ أحدٌ قبلَه إقناعَه به.
أفاقَ من أحلامِه وتأملا تِه مُنتشياً رافعَ الرأسِ، وسألَ الحصانَ بعزّةٍ وشموخٍ:
ـ هل يصلُ رأسُ الإنسانِ إلى تلكَ السحابةِ.؟
ـ لا.
ـ قال الحصانُ مستغرباً.
ـ وهل يستطيعُ الدخولَ من ذلكَ البابِ الكبيرِ؟
ـ وأشارَ إلى بابِ الحظيرةِ.
قال لـه الحصانُ:
ـ إنّه أصغرُ مني حجماً، ولكنّه ذكيٌ وقويٌ.
ـ أقوى منكَ أيُّها الحصانُ!
ـ أقوى مني بكثيرٍ.
ـ كيف يكونُ أصغرَ منك حجماً ويكونُ أقوى منك؟.
ـ إنه قويٌّ بعقله، وعلمه وفَهْمِه وعملِه وحيلتِه.. إنّه ماهرٌ ماكرٌ يرسمُ الخُططَ ويجيدُ التنفيذَ.
ـ وما هو عقلُه ؟
ـ قد لا تعرفُه ولن تعرفَه، إنّه سلاحُه الذي يجعلُه أقوى من الجميع، إنّه يفكرُ، يرسمُ ما يريدُ بدقّةٍ وينفّذُ ويسخِّرُ كلَّ شيءٍ لمصلحته، ومن يفكّرْ جيداً لا يُغلب أبداً. الإنسانُ لطيفٌ رقيقٌ يَقِظٌ.
ـ ألا يغلبُه الجبلُ أو النارُ أو الرياحُ أو الـ..؟
ـ لا، هو غلبَها مجتمعةً وسخرّها لخدمتِه، سخَّرَ النارَ ليتدفأ بها ويطبخَ عليها طعامَه، ثم استعملَها في الصناعةِ، وسيطرَ عليها كلّيا، فهو يوقدُها متى أرادَ ويطفئها متى أرادَ أيضاً.. النارُ ذاتُها لا تستطيُع أنْ تعترضَ أو تتجاوزَ حدودَها التي يرسمُها لها، يرفعُها ويقوّيها ويخفضُها على مزاجِه، وإن تمرّدتْ أحياناً مسببةً الحرائقَ، فإنّه يسيطرُ عليها بقوّةٍ ويُخمدُ أنفاسَها، والرياحُ سخّرها لخدمتِه كذلكَ، إنّها تديرُ ما صنعَه من عنفاتٍ بقوّتها، وتسحبُ له الماءَ من أعماقِ الأرضِ، وتطحنُ له الحبوبَ، وتدفعُ أشرعةَ سفنِه في البحارِ وتصنعُ له أشياءَ كثيرةً أخرى.
والأنهارُ سيطرَ عليها، إنّه يشربُ منها، ويسقي مزروعاتِه وحيواناتِه، يستحمُّ بمياهها، ويستعملُها لنقلِ بضائعهِ وأخشابِه، ويحجزُها خلفَ سدودٍ عاليةٍ متينةٍ يمنعُها من الجريانِ على هواها، ولا يسمحُ لها بالجريانِ إلا وفقَ ما يريدُ، إنه يفتح فوّهات السدودِ ويتحكّم بالماءِ ليستفيدَ منه عند الحاجةِ.

قال النَّمِرُ متفكِّراً:
ـ ولكنْ كيفَ يغلبُ الإنسانُ هذا الجبلَ الشامخَ الصامدَ؟..
ضحك الحصانُ وحاولَ أن يجيبَ على تساؤلاتِ النَّمِرِ الجميلِ وقال لـه:
ـ إنك تُكثرُ من الأسئلةِ لماذا؟ ولكنْ سأشبعُ فضولَكَ، إنه يحفرُ فيه الأنفاقَ ويسيّر القطاراتِ والسياراتِ، يكسِّرُ صخورَه، يستعملها لبناءِ بيوتهِ ورصفِ الأرصفةِ والشوارعِ والحدائقِ ويزرعُ فيه الأشجارَ ويبني البيوتَ.
صهلَ الحصانُ ودارَ عدةَ دوراتٍ والنّمرُ مأخوذٌ بكلِّ ما يسمعُ.
ـ لم تحدِّثْني عن الأشجارِ كيف.. يا..
ـ الأشجارُ.. إنّه يأخُذ ثمارها وأزهارَها، ويستظلُّ بظلِّها، ويربطُ حيواناتِه بها، ويضعُ أراجيحَ أطفالِه إذا رغبوا في ذلك، ثم يقطِّعها ليصنَع منها الأثاثَ والزوارقَ والكثيرَ من الحاجياتِ، ويحرقُها ليتدفأ عليها. أخذَ الحصانُ نَفَساً عميقاً وتابعَ:
ـ والبحرُ طوعُه، إنَّه يأخذُ منه السمكَ ويستخرجُ اللآلئَ، يستخدمُه لركوبِه وتنقلاتِه بواسطةِ البواخرِ الكبيرةِ، يسبحُ في مياهِهِ ويستمتعُ بجمالِهِ. الإنسانُ يأكلُ الحيواناتِ والطيرَ والسمكَ والنبات أيضاً، انظر إلى الأعلى، نظرَ النَّمِرُ إلى الأعلى مُتسائلاً: ألا تعرفُ الكواكبَ والنجومَ؟..
قال النَّمِرُ:
ـ أعرُفها جيداً، عندما كنت مع أمي كانت تحدّثُني كثيراً عنها، وأنظرُ إليها.
ـ لقد انطلقَ الإنسانُ إليها يستكشفُها، لم يتركْها بحالها. إنّه يبحثُ فيها، ينقّبُ ويدرسُ ليسيطرَ عليها ويضعها في خدمتِه، لقد سيطرَ على الأرضِ والجوِّ والبحرِ والكواكبِ.
قال النَّمِرُ حائراً:
ـ إن كلَّ ما قالتْه أمّي عنه حقيقةٌ ولكنَّها ناقصةٌ، إنَّ ما سمعتُه عنه أكثرُ بكثيرٍ مما قالتْه أو مما تعرفُه.
ولكنْ يا عزيزي، يا صديقَ الإنسانِ، مَنْ هُم أعداءُ الإنسانِ؟.. قال الحصانُ: هو.. هو.. و.. إنّ أعداءه كثيرون جداً، ولكنّه قهرهم كلَّهم، وتحصّن ضدَّهم. تحصّن من الوحوشِ، من العواصفِ والأمطارِ، من الحرِ والبردِ، من الجراثيمِ والأمراضِ التي أوجدَ لها الأدويةَ المضادّة ليقتلَها ويتغلبَ عليها، لقد سخّرَ كلَّ شيءٍ لخدمتِه وراحتِه ومتعتِه وسعادتِه، فهو سيدُ الموقفِ في كلِّ شيءٍ.
ـ ولكن قلْ لي بصراحةٍ.. من يقدرُ عليه؟.
ـ لا يقدرُ على الإنسانِ إلا الإنسانُ، إن الإنسانَ عدوُّ الإنسانِ، ولكنّ الإنسانَ لا يقدرُ على الموتِ.
ـ من هو الموتُ؟.. سأذهبُ إليه، سأكلِّمُه واستنجدُ به.
ـ هو من عند الذي خلَقَه، القادرِ عليه وعلى كلِّ شيءٍ.
ازدادَ النَّمِرُ الصغيرُ خوفاً، فهذه مشكلةُ المشكلاتِ، لا يقدرُ عليه إلا خالقُه، وواحدٌ مثلُه من جنسِه، وأنا لا أستطيعُ أن أشكوه لإنسانٍ مثلِه لأنّي أخشاه، سأشكوه إلى الذي خلَقَه. سمعَ النَّمِرُ صوتَ خطواتٍ خفيفةٍ ذواتِ إيقاعٍ منتظمٍ، جحظتْ عيناه حتى كادتا تخرجانِ من رأسِه، ومطَّ فمَه إلى الأمام، تراجعَ خطوةً..سابت قوائمُه، عندما رأى كائناً حياً يمشي على اثنتين، منتصبَ القامةِ، جميلَ الخلقةِ، رأسُه متوّجٌ بشعرٍ لامعٍ نظيفٍ، ابتسامتُه مشرقةٌ ودودةٌ ساحرةٌ كابتسامةِ أخيه وأحلى، لا شكَّ في أنّه الإنسانُ، إنّه يبدو رائعاً ولطيفاً. تقدّمَ النَّمِرُ الصغيرُ خطوتينِ ليقدِّمَ نفسَه مع شّدة خوفه، ولكنه ذكّرَ نفسَه بأنّه لا بدّ من المواجهةِ التي تعبَ كثيراً من أجلِها. رجَعَ الإنسانُ إلى الوراءِ خطوتين ومد يدَه إلى الخلفِ.
تساءلَ النَّمِرُ الجريءُ المغامرُ ذو الوجهِ الأبيضِ الضاحكِ والأنفِ الأسودِ:
ـ لماذا لا يريدُ الاقترابَ مني؟.. إنّي أر... يد... د.
ـ تراك تريك.. بم.
ـ على حين غفلةٍ، شيءٌ وَمَضَ ومرَّ بريقٌ خاطفٌ. شعرَ بشيءٍ ما في فخذه يؤلمُه بشدةٍ، سقطَ على الأرضِ، دارتْ الأرضُ به، رأى نجوماً تلمعُ.. ورأى أمَّه وأخاه.. ثم وجد نفسَه في حديقةٍ للحيوان ورجلُه مشدودةٌ إلى شيءٍ صلبٍ.. إنّه أسيرٌ ضمنَ قفصٍ حديديٍ قويّ، إنه محجوزٌ وبعيدٌ عن أعزِّ ما في الوجودِ، الحرّيةِ وأمِه وأخيه، عن البراري والسهولِ الواسعةِ والأشجارِ العاليةِ والنهرِ بمياهِه العذبةِ وعن الشّمسِ ذاتِها.
كان ينامُ كلَّ يوم، ويحلمُ بالغاباتِ والجريِ والقفزِ والصيدِ الطازجِ اللذيذِ، إنَّه يذوبُ حنيناً وشوقاً لأمِّه وأخيه، لو استمعَ جيّداً لكلامِ أمِه وأخذَ بنصائِحها، لما أصبحَ هنا في هذا القفصِ الضيقِ، يأكله الرعبُ والقهرُ والذلُّ، ويُحرمُ من حرّيتِه.
أصبح يرى صغارَ الإنسانِ كلَّ يومٍ من خلالِ القضبانِ يضحكونَ له ومنه، يرمونَ له فتاتَ طعامِهم، ويأخذونَ الصورَ معه ويغادرونَه غيرَ مهتمين بمشاعِره ولا بأسئلتِه الكثيرةِ الحبيسةِ في صدرِه التي تخرجُ عواءً مجروحاً، أو تفيضُ أحياناً مع دموعِ عينيه الغزيرةِ. وما زالَ النَّمِرُ الشجاعُ يتساءلُ: كيفَ وقعَ في هذا القفصِ؟.. لم تجرِ مواجهةٌ.. لم يهاجمْه أحدٌ وجهاً لوجهٍ.. لم يستخدمْ شيئاً من عضلاتِه وقدراتِه ومهاراتِه التي تدرَّبَ عليها.. ثم إنّه لم يؤذِ أحداً، لقد بحثَ عن الإنسانِ ليتعرَّفَ عليه.. كانت تلك مغامرةً من نوع ما.. جاءَ إلى الإنسانِ لأنّه سمعَ الكثيرَ عنه.. وكان أملُه كبيراً في أن يفهمَه.. ويتفاهمَ معه.. لم ينجحُ في شيءٍ مما تجاسرَ على فعلِه.. هل حرمَه الإنسانُ حتى من رؤيتِه والتعرف عليه؟ يا له من كائنٍ عجيبٍ.





نسمةٌ

في يومٍ دافئٍ جميلٍ، خرجتْ الملكةُ من قصرِها الباذخِ، باتجاهِ الحقولِ لتروِّحَ عن نفسِها، فقد كانتْ، شديدةَ الحزنِ، مشوشةَ التفكيرِ، الدنيا كلُّها في عينيها لا تساوي ضحكةَ طفلٍ: إذْ لم يرزقْها اللهُ بطفلٍ تسعدُ به مع زوجِها الملكِ، على الرغمِ من أنّها لم تتركْ حكيماً إلا قصدَتْه أو أُحْضِرَ إليها لترزقَ طفلاً ولكنّها لم تُفلحْ في ذلك.
سارتْ في الحقولِ بعيداً حتى أشرفتْ على ربوةٍ خضراءَ تتماوجُ فيها الخضرةُ والأزهارُ البديعةُ من كلِّ الأشكالِ والألوانِ. صعدتْ إلى الأعلى وأجالتْ نظرَها في المكانِ، فكانَ كلُّ ما حولَها يضجُّ بالجمالِ: العشبُ الأخضرُ النديُّ، والأزهارُ الملونةُ بعبيرها الفوّاحِ، والعصافيرُ، والفراشاتُ. جمعتْ بعضَ الأزهارِ في باقةٍ صغيرةٍ ونظرتْ إلى السماءِ وتمنّتْ على اللهِ أن يرزقَها بنتاً لها بياضُ أوراقِ "المارغريت" وخدودُها بحمرةِ شقائقِ النّعمانِ وعيناها بصفاءِ زرقةِ السماءِ، وشعرُها بلونِ أشعةِ الشّمسِ الذهبيةِ.. بِقَدٍ أهيفَ ممشوقٍ كالخيزرانِ، تكونُ طيبةً ورقيقةً عذبةً كنسمةِ عَطِرَةٍ.
افترشتْ الملكةُ الأرضَ ووضعتْ بين يديها الأزهارَ التي جمعتْها.. تخيَّلَت طفلةً تلعب وتقفزُ كالغزالة تحتَ أشعةِ الشمسِ الدافئةِ، فتحتْ قلبَها وذراعيها، نادتْها بكل شوقٍ وحاولتْ أن تضمَّها إلى صدرها ولكنّها ضمّتْ الفراغَ..
أخذتْ تبكي بحرقةٍ، وأخذَ نشيجُها يعلو ورأسُها بين ركبتيها.. لم تعرفْ كم مضى من الوقتِ قبلَ أن تحسَّ بيدٍ دافئةٍ تربتُ على كتفيها، أجفلتْ.. رفعَتْ رأسَها وبدتْ الدموعُ في عينيها فرأتْ أمامَها امرأةً عجوزاً تبتسمُ لها:
ـ خيراً إن شاءَ اللهُ.. ماذا أصابَكِ يا بنيتي؟.. لماذا كلُّ هذا البكاءِ؟.. إنّكِ شابةٌ جميلةٌ وغنيةٌ كما أرى، وتستطيعينَ أن تحصلي على كلِّ ما تريدين.
ـ لا يا خالةُ.. إنني لا أستطيعُ أن أحصلَ على ما أتمنّى.
ـ بالصبرِ والمثابرةِ والجِدِّ والمالِ يمكنُك هذا.
ـ لكنّ الذي أطلبُه وأتمنّاه لا يُشتري بالمالِ ولا يمكنُ الحصولُ عليه بالعملِ أو الجِدِّ.
ـ بالصبرِ..؟
ـ لا أدري يا خالةُ أرجوك.. لا أستطيعُ أن أتكلّمَ أكثرَ. أنا حزينةٌ ويائسةٌ.
ـ هل ما تريدينَه مستحيلُ التحقيقِ..؟
ما ينقصُني وأتمنّاه هو أنْ أرزقَ طفلةً أو طفلاً يملأُ عليَّ حياتي وأمنحُه حبّي وحناني.. أحسّ أنني لستُ مثلَ كل النساءِ الأخرياتِ. عندي نقصٌ.. أتمنّى أن أكونَ أفقرَ إنسانةٍ في الدنيا على أن يكون عندي أولادٌ.
لم تتمالكْ الملكةُ نفسَها وأجهشَتْ في البكاءِ.
اقتربتْ منها السيدةُ العجوزُ وجلستْ أمامها، ومسَحَتْ دموعَها بمنديلٍ حريريٍ أبيضَ مطّرزٍ، على زواياه أوراقُ أزهارٍ بيضاءَ وحمراءَ وصفراءَ وزرقاءَ. لفتَ المنديلُ انتباهَ الملكةِ وأعجبتْ به كثيراً، واستغربتْ وجودَه مع هذه السيدةِ التي يدلُّ منظرُها على الفقرِ.
قالت السيدةُ العجوزُ وهي تمسِّدُ شعرَ الملكةِ:
ـ ابتسمي، حتى أرى إشراقةَ وجهِكِ، ثم بعدها نتكلّمُ فقد أستطيعُ مساعدتَكِ.
سألتْ الملكةُ بلهفةٍ:
ـ كيف، أرجوكِ.؟
قالت العجوُز بثقةٍ كبيرةٍ:
ـ دواؤك عندي. سوفَ أعالُجك، وستُنجبينَ طفلةً بعونِ اللهِ كما تَمَنَّيْتِها، بيضاءَ البشرةِ ورديةَ الوجنتينِ، زرقاءَ العينينِ، ذاتَ شعرٍ أشقرَ هفهافٍ.
ـ أرجوكِ. سأدفعُ لك كلَّ ما تطلبينَ. سأجعلُكِ غنيّةً كملكةٍ، سأتخلّى عن كلِّ ما أملكُ.
قالت العجوزُ مداعبةً:
ـ وماذا تتركينَ لابنتِك القادمِة؟..
ـ أتركُ لها حبّي وحناني. سأعملُ لأحقّقَ لها كلَّ ما تطلبُ وتتمنّى.
ـ لا يا بنيّتي أنا لا أريدُ منك شيئاً، لستُ بحاجةٍ إلى المالِ ولا إلى أي شيءٍ آخر. كلُّ ما أريدُه أنْ أركِ سعيدةً، وقد تحققتْ آمالُكِ وأصبحتِ أمّاً. فالأولادُ زينة الحياةِ ومشاعلُها المتّقدةُ.
ـ أنا مستعدةٌ للذهاب إلى آخرِ العالمِ منْ أجلِ أنْ يكونَ لي طفلةٌ. أرجوكِ، أشيري عليّ وساعديني.
ـ اصبري قليلاً، واستمعي لشرْطي.
ـ كلُّ شروطِكِ ملبّاةٌ ومقبولةٌ.. مهما كثرتْ وكبرتْ.
ـ لي شرطٌ واحدٌ فقط.. شرطٌ وحيدٌ.
ـ ما هو؟.. أرجوكِ قولي..
ـ أن تهتمّي بطفلتِك وتُحسني تربيتَها وتعليمَها وتهذيبَها وتهيئتَها للحياة.. وإلاّ فسوفَ أستردُّها منكِ.
قالتِّ الملكةُ بفرحٍ وثقةٍ وتأكيدٍ:
ـ لكِ هذا، سأعتني بها أكثرَ من حياتي. إنّني ألتزمُ بكلِّ ما تطلبينَ. سأعتني بها.. كيف لا أفعلُ أيّتُها السيّدةُ الطيّبةُ وهي حياتي ووجودي.!
نظرتْ السيدةُ العجوزُ إلى الملكةِ بعطفٍ، ومدَّتْ يدَها إلى جيبٍ داخليٍ في ثوبِها، وأخرجتْ منه بعد تفتيشٍ بذرةً صغيرةً بيضاءَ قدَّمَتْها للملكةِ.
تناولتها الملكةُ كما لو أنها أغلى جوهرةٍ في العالمِ، وفي عينيها ألفُ سؤالٍ.
قالت العجوزُ:
ـ خذي هذه البذرةَ الصغيرةَ، واحتفظي بها إلى الغدِ، وعندما ترتفعُ الشمسُ، وتصبحُ فوقَ رأسِكِ مباشرةً وهي في أوجِ توهُّجِها. ابتلعي هذه البذرةَ مع كأسٍ من الماءِ الصافي، وانتظري النتيجةَ، أتمنّى من اللهِ أن يستجيبَ لكِ ويرزقَكِ طفلةً.
ـ شكراً لك. لن أنسى فضلَك عليّ ما حَييتُ.
ـ لا يا بنيّتي ليس لي فضلٌ في شيءٍ.. أنا أساعدُك بعونِ اللهِ.
مدّتْ العجوزُ يدَها بالمنديلِ الحريريِّ وقالتْ: تفضلّي بأَخذِ هذا المنديلِ وأبقيه معكِ، وعندما تحسّينَ بآلامِ المخاضِ، لوّحي به من نافذةِ بيتِكِ التي تشرفُ على هذه الحقولِ.. سأكونُ عندَكِ بعدَ مدّةٍ قصيرةٍ.
لم تصدّقْ الملكةُ ما سمعتْ... شكرتْ السيدةَ العجوزَ وهمَّتْ بتقبيلِ يدِها... أحسَّتْ أنّها مثلُ فراشاتِ الحقولِ بأجنحةٍ بيضاءَ... ذَهِلَتْ عن نفسها لحظةً، وحين صَحَتْ من حلمِها كانتْ السيدةُ العجوز قد اختفتْ. وَضَعَتْ الملكةُ البذرةَ في المنديلِ الحريريِّ وربطتْها بعنايةٍ فائقةٍ وخبّأتْها في صدرِها بجانبِ قلبِها، وأسرعتْ باتجاه القصرِ وهي تحملُ أعظمَ كنزٍ وأغلاه في العالمِ... تحملُ الأملَ. قالتْ في نفسِها: " إذا صحَّ ما قالته هذه السيدةُ الطيبةُ سأكونَ أسعَد إنسانةٍ في العالمِ".
عادتْ مستبشرةً فَرِحةً تحملُ الكثيرَ من الأملِ والحبِّ، لاطفتْ الجميعَ في القصرِ: الوصيفاتِ والخدمَ وحتى النباتاتِ والأزهارَ. استغربَ الملكُ تصرُّفَها وحيويَّتَها، إنّه لم يرها منذُ مّدّةٍ طويلةٍ بمثلِ هذا المرحِ والنشاطِ. فرحَ من أجلِها ولم يوجِّه لها أيَّ سؤالٍ، حتّى لا يفسدَ عليها فرحَها وسعادتَها.
لم تنم الليلَ كلَّه وهي تفكرُ بتلكَ السيدةِ وكلامِها وثقتِها بما تقولُ، وبقيتْ تعدُّ الدقائقَ والثوانيَ لاستقبالِ أجملِ يومٍ سيغيّرُ مجرى حياتِها. خرجتْ إلى حديقةِ القصرِ تقطفُ الأزهارَ، وتكلِّمُ البلابلَ، تجري في الممراتِ وتلعبُ بمياهِ البحيرةِ، تنظرُ إلى السماءِ تستعجلُ شروقَ الشمسِ.
أخيراً حانَ الوقتُ... الشمسُ في كبدِ السماءِ.. طلبتْ كأسَ ماءٍ ووقفتْ تحتَ الشمسِ العموديةِ، أخرجتْ البذرةَ البيضاءَ من المنديلِ بحذَرٍ وابتلعتْها مع الماءِ النقيِّ. أخذتْ الطمأنينةُ تتسرّبُ إلى نفسِها، وهي تمضي إلى سريرِها. استلقتْ عليه ومضتْ مع أحلامٍ جميلةٍ لم تحلمْ بمثلها أبداً.
بعد مدّةٍ من الزمنِ ظهرتْ عليها بوادُر الحملِ، لم تصدّق نفسّها، طارتْ من الفرحِ، وأعلمتْ الملكَ بحمِلها، وحكتْ له قصةَ تلكَ السيدةِ العجوزِ الطيبةِ.
أقيمتْ الأفراحُ في القصرِ وعُلِّقتْ الزيناتُ وأُشعلتْ الشموعُ، وأضيئتْ الشوارعُ والساحاتُ بأمرِ الملكِ، الذي طلبَ أن تبقى مُنَارةً حتّى تضعَ الملكةُ حملَها، ووُزِّعَتْ الثيابُ والأطعمةُ والهدايا على أفرادِ الشعبِ، وسعدتْ المملكةُ كلُّها لسعادةِ الملكةِ والملكِ.
مرّتِ الأشهرُ التسعةُ على الملكِ بطيئةً ومشوبةً بالخوفِ والرجاءِ.. وحانَ موعدُ الولادةِ.
أخرجتْ الملكةُ المنديلَ الحريريَّ ولوّحتْ به من النافذةِ المطلّةِ على الحقولِ، وما هي إلا دقائق حتّى دخلتْ السيدةُ العجوزُ وهي ترتدي أجملَ الثياب وتحملُ الكثيرَ من الزهورِ البريةِ الملوّنةِ، تفوحُ منها رائحةُ الحقولِ التي عبقتْ بها أرجاءُ القصرِ. رتّبتْ العجوزُ الأزهارَ في مزهرياتٍ عدّةٍ وزّعتها في أنحاءِ الغرفةِ، وفرشتْ السريرَ بأغطيةٍ من الحريرِ الأبيضِ الموشّى بالأزهارِ حملتْها معها، وأسدلتْ على النوافذِ ستائرَ من الحريرِ الأزرقِ الهفهافِ. وبعدما انتهتْ من عملِها ذاكَ قالتْ للملكةِ:
ـ استعدّي.. بعدَ قليلٍ ستولدُ الملكةُ الصغيرةُ. أذكّرك يا بنيّتي لا تنسي وعدَكِ لي.. آملُ أن تنفذيه بدقة ونجاح.
قالت الملكةُ السعيدةُ ودموعُ الحبِّ والعرفانِ بالجميلِ تفيضُ من عينيها:
ـ سأتركُ تربيتَها لكِ أيَّتُها الأمُّ الطيبةُ وسأبقى مَدينةً لكِ ما حَييتُ. أرجو أن تقبلي دعوتي وتقيمي معنا هنا يا أمّاه..
ـ لم تجبِ السيدةُ العجوزُ لأنّها كانت مشغولةٌ بالملكةِ.. أخذتْها ووضعتْها على سريرِها، ووضعتْ الوسائدَ خلفَ ظهرِها.
وترنّحَ القصرُ طرباً على صوتِ بكاءِ طفلةٍ صغيرةٍ، كان صوتُها عذباً أحلى من تغريدِ البلابلِ، أدخلَ الفرحةَ على كل مَنْ في القصرِ وأضفى البهجةَ على كل ما فيه.
نظرتِ الملكةُ إلى طفلتِها، كانتْ جميلةً جداً بثيابها البيضاءِ التي ألبستْها إيّاها السيدةُ العجوُز الطيّبةُ. كانتْ الطفلةُ جميلةً تعجزُ الكلماتُ عن وصفِها. إنّها كما تمنيتُ تماماً. قالتِ الملكةُ بفرحٍ غامرٍ:
ـ انظري يا أمّاه ما أجملَها.. أنظري عينيها وشعرَها..
لم تسمعْ صوتَ العجوزِ، تلفتتْ حولها فلم تجدْها.

صاحتِ الملكةُ:
ـ أينَ أنتِ يا أمّاه... أين أنتِ؟!
استغربَ كلُّ مَنْ هم حول الملكةِ من ندائها.
لا توجدُ أمّ.. ولا يوجدُ أحدٌ في القصرِ..
رفعتِ الملكةُ صوتَها مرّةً أُخرى:
ـ أين أنتِ أيَّتُها الأمُّ الطيبةُ؟!
لا يوجدُ صوتٌ ولا صدى، لم تجْدها ولم يرَها أحدٌ من الموجودين جميعاً في القصر.
عادتِ الملكةُ إلى نفسِها، واستغرقتْ في صمتٍ فَرِحٍ وهي تنظرُ إلى طفلتِها. أخذتِ الطفلةَ، وضمَّتْها إلى صدرِها بكلِّ الشوقِ والحبِ.
أصبحتْ الطفلةُ الرقيقةُ الوديعةُ محطَّ اهتمامِ الجميعِ: الملكةِ والملكِ وأخوتِه وأقاربِه، والوصيفاتِ والخدمِ... إنهم يراعونَها ويهتمونَ بها اهتماماً فائقاً. أخذتْ تكبرُ وتتفتّحُ وتزدادُ جمالاً وعذوبةً، كانوا يدعونَها: نسمةً لرقتها ولطفِها، أما الملكةُ فقد سمتْها زهرة. وكان هذا تيمُّناً بالسّيدةِ العجوزِ زهرةٍ وعرفاناً بجميلها.
كانت نسمةُ تطلبُ فيلبّى طلبُها مهما كانَ. وضع والدُها على رأسِها تاجاً مرصَّعاً بأندرِ الجواهرِ والدررِ، وزيّن أصابعَها الصغيرةَ بالخواتمِ والأحجارِ الكريمةِ والماسِ. ووُضِعتْ في قدميها أثمنُ الأحذيةِ المصنوعةِ من جلودِ التماسيحِ والحياتِ، مزيّنةً بسلاسلَ من ذهبٍ. كانت تَطعمُ أطيبَ الطعامِ وأجودَه وتلبسُ أجملَ الثيابِ وأفخرَها.
شُغف بها جميعُ مَنْ في القصر، وكانوا يراعونها ويطلبون ودّها ويعجبونَ بجمالِها ورقتِها وطيبتِها، فقد كانتْ لطيفةًً ودودةً تحبُّ الجميعَ. لقد أدخلتِ البهجةَ والسرورَ إلى القصرِ وحياةِ والديها، وتغيّرَ كلُّ شيءٍ في وجودِهما.
كانتْ تنزلُ إلى الحديقةِ تُطعمُ العصافيرَ والبلابلَ وتلقي الخبزَ للبطاتِ في البحيرةِ والطعامَ للأسماكِ. تلاعبُ الكلبَ وتدلّلُ القطةَ، وعقدتْ صداقاتٍ معها جميعاً، فهي محبّةٌ ومحبوبةٌ.
في أحدِ الأيامِ جاءَ لزيارةِ والدِها ملكٌ من مملكةٍ مجاورةٍ مع زوجته الملكةِ وابنِه الشابِ، نزلوا في القصرِ. كان الملكُ الشاب يمشي في الحديقةِ، رأى من بعيدٍ فتاةً كالملاكِ، لم يصدّق عينيه.. اقتربَ منها وسلَّمَ عليها.
ـ أنا زيادٌ.
ـ وأنا نسمةُ. أنا سعيدةٌ بوجودِك هنا، هل تحبُّ الطيورَ والأزهارَ والأسماكَ.
ـ كثيراً.
ساعدَها بكل ما تقومُ به.. تحدّثا معاً، تعارفا وانسجما، أُعجبَ بجمالها ولطفِ حديثِها ورقتِها.
وأخذَ ينتظرُ كلَّ يوم لينزلَ معها إلى الحديقةِ. مضى الوقتُ سريعاً واقتربتْ ساعةُ رحيلِ الملكِ الضيفِ. فطلبَ ابنه زيادٌ من والدتِه أن تخطبَ له نسمةَ. وافقتْ الوالدةُ على الفورِ لأن نسمةَ جميلةٌ وابنةٌ ملكٍ وقد أعجبَتْها كثيراً. فتكلّمَت مع والدتها طالبةً موافقتَها. كانت الملكةُ الأمُّ سعيدةً جداً من أجل ابنتها، وقلقةً لفراقِها الذي لا تستطيعُ تحمّله.. أخبرتْ الملكَ بذلكَ فبدا سعيداً منشرحاً هو الآخر، قالَ:
ـ سيعيشُ معنا هنا في هذه المملكة وفي هذا القصر وسيتولّى عرش مملكتي مع ابنتي، سيصبحُ لنا ابنةٌ وابنٌ سيكونُ هذا رائعاً.
وافقَ الملكُ. وسُرَّ الجميعُ، وبعد تناولِ الحلوياتِ والمرطِّباتِ طلبَتْ أمُ الملكِ الضيفِ زياد أن تعزف لهم نسمةُ قطعةً موسيقيةً بهذه المناسبةِ السعيدةِ تعبِّر بها عن شعورِها. استغربَتْ نسمةُ هذا الطلبَ، ونادتْ إحدى وصيفاتِها التي تجيدُ العزفَ، وأمرَتْها بأنْ تعزفَ. عزَفَتِ الوصيفةُ وأجادتْ وأُعجبَ ببراعتِها الجميعُ. صفّقوا لها طويلاً، ولكنّ الملكةَ أمَّ زيادٍ أعادتِ الطلبَ وقالتْ: أنا أريدُ أن أسمعَ عزفَ نسمةَ.
ـ أنا لا أجيدُ العزفَ يا عمّتي، إنني أتذوّقُ الموسيقى واستمعُ إليها.
سألتْ الملكةُ أمُّ زيادٍ:
ـ أينَ تلقّيتِ علمَكِ, ما هي اللغاتُ التي تُجيدينَها؟
استغربَتْ نسمةُ وعقدَتِ الدهشةُ لسانَها:
ـ أنا لا أتقنُ أيَّ لغةٍ.
أحسَّتْ نسمةُ بالخجلِ الشديدِ، إنها لم تفكِّرْ بهذا، لم تسمعْ بمثلِ هذا الكلامِ من قبلُ ولم يسألْها أحدٌ مثلَ هذا السؤالِ. قالتْ أمُّ الملكِ:
ـ لا بدَّ أنَّ لك هواياتٍ جميلةً ومفضّلةً أَخذتْ منكِ كلَّ وقتِكِ.
تلعثمتِ الصبيةُ الجميلةُ واحمرَّ، وجهُها خجلاً، ولم تدرِ بماذا تجيبُ.. صمتَتْ أمُّ الملكِ الصغيرِ زيادٍ.. لم يعجبْها حالُ هذه الملكةِ الجديدةِ.
في اليومِ التالي صادفَ عيدُ ميلاد نسمةَ، أصبحَ القصرُ كخليّةِ النحلِ، زُيّنتِ القاعاتُ، وأُشعلتِ الشموعُ، وُوزِّعتِ الأزهارُ في كلِّ أركانِ القصرِ، ومُدّتِ الموائدُ بما لذَّ وطابَ من أطعمةٍ وحلوياتٍ وفواكهَ.
قالتْ أمُّ الملكِ لنسمةَ:
ـ تعالَيْ معي سنصنعُ معاً كعكةً صغيرةً لميلادِكِ.
ـ لماذا؟.. إن الطبَّاخينَ في المطبخ يتولّون كلَّ هذا.
ـ أعرفُ. ولكنْ إذا أشرفتِ عليها أنتِ وتدخّلْتِ بوضعِ موادِها ومقاديرِها وحتى في صنعِها ستكونُ أزكى طعماً وأجملَ شكلاً، إنكِ ستَضفين ذوقَك عليها.
ـ لكنّي لا أعرفُ.
ـ حاولي.. تعلّمي..
دخلتْ نسمةُ المطبخَ، ولم تصدِّقْ أن كعكةَ الميلادِ اللذيذةَ مكوّنةٌ من البيضِ والطحينِ والزبدةِ والشوكولا...
بعد أنْ أنهى الطباخُ صنعَ الكعكةِ، حاولتْ أن تحملها وتضعَها في الفرنِ فلَذعَت النار أصابعَها. خرجت من المطبخِ متألّمةً تتأوّه من الحرقِ، وخَجِلةً من جهلِها بأصغرِ الأمورِ التي لا بدّ أن تعرفها المرأةُ. ولأوّلِ مرةٍ منذ وعتِ على الدنيا بكتْ. بكى معها كثيرون في القصرِ، وبكتْ أمُّها، وأخذتْ تطيّبُ خاطرَها.
حانَ موعُد رحيلِ الملكِ، وانشغلَ الجميعُ بالوداعِ، وعادتْ نسمةُ تفكّرُ بنفسِها، وبأنّها يجب أن تتعلَّمَ، وتتقنَ العزفَ واللغاتِ والطبخَ وأشياءَ كثيرةً أخرى. وأنّ الدلالَ واهتمامَ الآخرينَ المطلقَ بها لم ينفعاها بشيءٍ.
انتظرتْ من خطيبِها الملكِ الشابِ بعد سفرِه أن يراسلَها أو يسألَ عنها، ولكنّه لم يفعل فَذَوَتْ ولم تَعُدْ تهتمُ بالهدايا الثمينةِ ولا بالرعايةِ التي تُحاطُ بها، ولم تخرجْ للنزهاتِ أو الرحلاتِ التي تحبُّها. لم تعدْ تطربُها كلماتُ المديحِ والإعجابِ التي تسمعُها أينما حلّتْ، وأخذتْ تشعرُ بأنها نسمةٌ رقيقةٌ تعطّرُ حياةَ والديها وتسرُّ من ينظرُ إليها من بعيدٍ ولكنّها لا تفيدُ ولا تقدِّمُ خدمةً.. وعلمتْ بأنّ زياداً ابنَ الملكِ قد خطبَ فتاةً أخرى. تألّمتْ وذَبُلَتْ وذَوَتْ، ودَبَّ الضجرُ في حياتِها وانزوتْ في غرفتِها وتسرّبتْ الكآبةُ إلى نفسِها.
وفي يومٍ دافئٍ جميلٍ، اصطحبَتْها الملكةُ إلى الحقولِ لتروّحَ عنها لعلّها تعودُ إلى طبيعتها المرحةِ، وتنسى همومَها قليلاً. كانتِ الملكةُ حزينةً جداً لحزنِ ابنتِها ونحولِها وعزوفِها عن كلِّ ما كانتْ تحبُّ. رأتِ التلّةَ التي اعتلَتْها يومَ جاءتها العجوزُ زهرةُ وأعطتها البذرةَ والمنديلَ، رأتْها أمامَها خضراءَ تموجُ بالأزهارِ من كلِّ الألوانِ والأشكالِ. صعدتِ التلّةَ مع ابنتها، وافترشتْ العشبَ الأخضرَ، واستعادتْ ذكرياتِها قبلَ ثمانيةَ عشرَ ربيعاً. كانت مشوشةَ الذهنِ بعضَ الشيءِ، قطفتْ طاقةً من الأزهارِ البيضاءِ والحمراء والصفراءِ.. أعطتْها لابنتِها.
ـ كم هي جميلةٌ وعطرةٌ يا أماه.. كم هي جميلةٌ وعطرةٌ هذه الأزهارُ.
فجأةً هبّتْ عاصفةٌ هوجاءُ حملتْ (زهرةَ.. نسمة) الفتاة الجميلة، تفككتْ إلى أوراقِ أزهارٍ حمراءَ وبيضاءَ، وأشعةٍ ذهبيةٍ.. تطايرتْ مع الريحِ على مدى السهولِ الواسعةِ.
ومرّت السيدةُ العجوزُ مع العاصفةِ وضمَّتْ الزهرَ المتناثرَ إلى حضنِها، وحلَّقتْ فوقَ الملكةِ الجاحظةِ العينينِ من الصدمةِ والدهشةِ، قالتِ العجوزُ بصوتٍ رقيقٍ ذي صدى.
ـ عذراً أيَّتُها الملكة العزيزةُ.. أنا آسفةٌ لما حصلَ. انظري إليها كيف تطايرتْ مع الريحِ وتبعثرتْ إلى كلِّ الجهاتِ.. لم تنفِّذي شرطي، ليس بيدي حيلةٌ، لا بدّ أن أستعيدَ زهرةَ، لم تنفّذي شرطي، أَزِفَ الوقتُ ولاتَ حين مَنْدَم.
صرختِ الملكةُ بحرقةٍ ومرارةٍ:
ـ ماذا تقولين.. لقد أحببتُها ووضعتُها في قلبي وعيني ومنحتُها كلَّ اهتمامي.. كنتُ أرعاها وأدلّلُها وألبّي كلَّ طلباتِها، كانتْ حياتي.. كلَّ حياتي.
ـ لا أشكَ بهذا أبداً، لكّنكِ لم تعلميها شيئاً ممَّا يجبُ أن تتعلّمه في الحياةِ. لو علمتِها لكانَ علمُها سداً منيعاً يردّ عنها الخوفَ والجهلَ وجراحَ الناس وملاحظاتِهم، ويثبّتُها بوجهِ هبّاتِ الريحِ الهوجاءِ، ولكانتْ راسخةً لا تستطيعُ العواصفُ اقتلاعَها وبعثرتَها. لو أنها تعلّمتْ أيَّ عملٍ وقدّمتْ للناسِ خدمةً وفائدةً مع حبِّها ولطفِها لكانَ ذلكَ سياجاً يحميها من الرياحِ والعواصفِ والحزنِ والخوفِ وتقلُّبِ الأيامِ والأحوالِ.
ـ ماذا تقولينَ؟ ماذا.. تعملُ!.. تخدمُ!.. تقدّمُ للناسِ! إنَّها ملكةٌ.. يخدمُها الجميعُ.
ـ يا سيّدتي اعذريني، لم تستطيعي لشدّةِ حبِّكِ لها أن تقدّمي لها ما ينفعُها ويحميها، لم تعلّميها لتكونَ قويةً بنفسها لا بكِ ولا بالملكِ أبيها. عودي إلى قصرِكِ وعيشي كما كنتِ.. أما زهرةُ ففي حضني أنا.
ـ لكنها ابنتي. حياتي. لن أذهبَ. سأبقى هنا لأجمعَها وأعيدَها إلى القصرِ.
ـ لا، لن تستطيعي، إنها ابنةُ الحقولِ.. ابنةُ الحياةِ، هي نسيجٌ من الأزهارِ والأشعةِ ولونِ السماءِ وصفاءِ الطبيعةِ وحيوّيتِها. لقد ابتعدتِ الآنَ لا يستطيعُ أن يلحقَ بها أحدٌ.
اختفتِ العجوزُ، وتوقفتِ العاصفةُ، وبقيتْ الملكةُ مع دموعِها. هل يمكنكم أن تعرفوا ماذا حلَّ بالملكةِ.؟.

VCX






الملكُ والعصفورُ


يُحكى إنّه في قديمِ العصرِ والزمانِ، قررَ الملكُ عند حلولِ فصلِ الربيعِ بشمسِه الدافئةِ وطيورِه وأزهارِه أنْ يغادرَ قصرَه العامرَ بكلِّ ثمينٍ ونادرٍ، ويذهبَ في نزهةٍ إلى الحقولِ والبساتينِ للتريُّضِ والتخلُّصِ من عَناءِ العملِ ومشاكلِهِ ومتاعبِهِ.
أمرَ.. فكانَ التحضيرُ للرحلةِ قائماً على قدمٍ وساقٍ، حضرَتِ الموادُ التموينيةُ والأشربةُ والخيامُ والطاولاتُ وعدةُ الطبخِ والمواقدُ.
وانطلقَ الأوائلُ خفافاً ليختاروا أجملَ بقعةٍ وينصبوا فيها السرادقَ الذي يليقُ بالملكِ وصحبِهِ من الوزراءِ والقادةِ والأعيانِ. وانطلقَ بعدَهم حسبَ البرنامجِ المعدِّ مجموعةُ الطباخينَ والخدمُ والحشمُ والإشرافُ لترتيبِ كلِّ ما يتعلقُ بهذه الرحلةِ الميمونةِ.
وفي اليومِ التالي المقررِ لانطلاقِ الموكبِ، استيقظَ الملكُ باكراً على غيرِ عادتِهِ، وقلبُه يطفحُ بالبِشْرِ. حضرَ رفاقُ رحلتِهِ من وزراءَ ونبلاءَ وضباطٍ وأعيانٍ وأثرياءَ وتجارٍ وأقرباءَ ومقرّبينَ وهم في أجملِ ثيابٍ وأحلى زينةٍ وأصفى مزاجٍ. وبعد أن أُسْرِجَتِ الخيولُ العربيةُ الأصيلةُ اعتلوا ظهورَها. انطلقَ الملكُ في المقدمةِ يتبعُه الجمعُ الغفيرُ.
ثم جنودُ الحراسةِ والحاشيةُ الذين كانوا على أتمِّ استعدادٍ بلباسهم الرسميّ الأنيقِ، يتبعهم شاعرُ القصرِ ومطربُ الملكِ والسامرُ والمهرجُ وفرقةُ الغناءِ والفرقة الموسيقيةُ. كما انطلقتْ العربةُ التي تحملُ بنادقَ الصيدِ مع العرباتِ التي تحملُ آلاتِ الطربِ والموسيقى وعدةَ الرياضةِ، وثيابَ الفرقةِ.
كانتِ السماءُ في ذلك الصباحِ صافيةً كالذهبِ المُذابِ المحلّى بالفضةِ، قطعَ غيومٍ رقيقةٍ تهرولُ في حقولِ السماءِ الواسعةِ ورديةً رشيقةً مشرَّبةً بأشعّةِ الشمسِ. والأرضُ كانت حديقةَ أزهارٍ متصلةٍ بألوانٍ ساحرةٍ خياليةٍ تبعثُ النشوةَ والسعادةَ وتسمو بالروحِ إلى الأعالي.
انطلقَ الموكبُ في جوٍّ من الهرجِ والمرجِ الهادئ الشفيفِ: ابتساماتٌ متبادلةٌ، سعادةٌ مرفرفةٌ، وكانَ هذا يضفي على الجوِّ الربيعيِ بهجةً فوق بهجةٍ وحبوراً على ما فيه من حبورٍ، ويبعثُ نشاطاً منقطعَ النظيرِ وحيويةً وحركةً في المكانِ، وكأنَّ المرافقينَ في الموكبِ يمشونَ ويتوقفونَ ويتشاورونَ وتنطلقُ الضحكاتُ وتنتقلُ مع النسماتِ إلى السهول الفسيحة.
كانت أضواءُ الصباحِ تخترقُ أوشحةً من الغمامِ الشفّافِ، والشمسُ ترسلُ خيوطاً براقةً ذهبيةً من بواكيرِ أشعّتها، وسحاباتُ سماءِ الفجرِ كانتْ حوافّها مطرّزةً بحمرةٍ كخيوطِ الذهبِ، طفرتْ المسرّةُ والسعادةُ من العيونِ. الموكبُ يتهادى متمهّلاً، والملكُ ينطلقُ بحصانه في بعضِ المواقعِ يتبعه الفرسانُ بخيولهم، خيول تسابقُ الريحَ ثم تعودُ خبباً، تتراقصُ ألوانُها مع أشعةِ الشمسِ بزهوّ وحيويةٍ عارمةٍ.
قطعَ الموكبُ البساتينَ والحقولَ والوديانَ وتسلّقَ الجبالَ حتى أشرفَ على بقعةٍ جميلةٍ مفروشةٍ بالسندسِ الأخضرِ النديِّ الموشَّى بالأزهارِ من كل الأنواعِ والألوانِ، وروائحُها العطرةُ تمتزجُ بنكهةِ العشبِ النديِّ وتنشرُ عبيراً طيباً يسلبُ الألبابَ وينعشُ النفوسَ ويروِّحُ عن القلوبِ.
في بقعةٍ جميلةٍ كأنّها قطعةٌ من الجنةِ ترَّجلَ الملكُ للاستراحةِ.. وتبعه الركبُ المرافقُ. امتلأتِ المنطقةُ بالخيولِ والرجالِ، وعمّ الهرجُ والمرحُ المكانَ. قُدِّمتْ بعضُ الأطعمةِ الخفيفةِ وطُلِبَ ألا تعزفَ أيةُ موسيقى في هذا الجوِّ الحالمِ.
وضعَ الملكُ على كتفيه معطفاً من الفروِ الناعمِ ودخلَ منفرداً يتمشّى في الروض الملتفِّ الأشجارِ، يتأملُ جمالَ الكونِ ويعجبُ بقدرةِ الخالقِ، ويملأُ رئتيه من الهواءِ النقيِّ المنعشِ المحمَّلِ بالعبيرِ.. سرَّحَ بصرَه ساهِماً في هذا الجمالِ البديعِ، يتابعُ ضوءَ الشمسِ الذي كانَ يتناثرُ أمامَه حسبما تسمحُ به أوراقُ الشجرِ، ويرتعشُ ويضطربُ كلما حرَّكها النسيمُ.. لا يستقرُّ في مكانٍ أو على حالٍ. كان الملكُ مسحوراً بهذا الجوِّ الخلابِ، وزاد من نشوتِهِ وطربِهِ صوتُ عصفورٍ يغرّدُ على غصنِ شجرةٍ تغريداً ساحراً يستولي على النفوسِ، ويسمو بها إلى أعلى عليينَ. أحسَّ الملكُ أن قلبَه يرفرفُ في صدره مثلَ عصفورٍ صغيرٍ يسبحُ في بحرٍ من السعادةِ. شنّفَ أذنيه، ارتفعَ التغريدُ وازدادَ عذوبةً، توقفَ الملكُ خوفاً من أن يحسَّ به العصفورُ ويتوقّفَ عن الشدوِ. أسندَ ظهرَه برفقٍ إلى شجرةٍ كبيرةٍ منتشياً مسحوراً بالشدوِ، وانفتحَ قلبُه للحياةِ. كان التغريدُ مستمرّاً، وانضمّتْ إلى العصفورِ أصواتٌ أخرى ممَّا شكّل جوقةً موسيقيةً لا أحلى ولا أمتعَ. هزَّ التغريدُ الملكَ من الأعماقِ وفاضَتْ عيناه بدموعِ الفرحِ.. أحبَّ أن يرى العصفورَ الذي خفَّفَ عنه التعبَ وأدخلَ السعادةَ إلى قلبه. أحبَّ أن يغرّدَ له في قصرِه وينسيه المتاعبَ والمشكلاتِ التي تعجُّ بها حياةُ القصرِ، وأنْ يصدحَ له بمثلِ هذه الألحانِ العذبةِ في حِلِّه وترحالِه، قالَ:
سأصنعُ له قفصاً بديعاً من ذهبٍ وفضّةٍ، وأصنعُ له شجرةً من ذهبٍ وزمردٍ ثمارُها من الجوهرِ والياقوتِ يليقُ بهذا الطائرِ البديعِ وصوتِه الجميلِ.. ولكن كيفَ أُمسكُ العصفورَ؟
فكَّرَ الملكُ قليلاً، أنزلَ معطفَه الناعمَ عن كتفه ورفعَه بسرعةٍ خاطفةٍ وألقاه على العصفورِ. جمعَ الملكُ المعطفَ بخفةٍ ورفقٍ حتّى لا يؤذيَ العصفورَ أو يجعلَه يفرُّ منه.. وضمّه إلى صدرِه بحرصٍ وحنانٍ، لكن العصفورَ مرَّ خارجاً من كُمِّ المعطفِ، اضطربَ و تلجلجَ قليلاً ثمَّ خفقَ بجناحيه وارتفعَ عالياً إلى أعلى غصنٍ في الشجرةِ. نظرَ إلى الملكِ الذي تركَ معطفَه ينزلِقُ إلى الأرض وهو ينظرُ إليه.. طارَ العصفورُ عالياً حتّى غابَ عن نظرِ الملكِ المشدوهِ. بقيَ الملكُ جامداً في مكانه كسيراً متألِّماً تلفُّه خيبةُ أملٍ كبيرةٌ. قال في نفسِه:
ـ كنتُ أنوي إسعادَه ليبادلني سعادةً بسعادةٍ.. ولكنْ.. أتمنّى له كلَّ خيرٍ.
تعكّرَ مزاجُه، وأصبحتْ الأشياءُ من حوله بلونِ الرمادِ، وانكفأ محبطاً عابساً.. كيف حصلَ كلُّ هذا بلمحِ البصرِ.؟!
عادَ إلى حاشيته واجماً فأدركَ مَنْ معه حالةَ الضيقِ التي أَلمَّتْ به. تناقلتْ العيونُ الخبرَ بسرعةٍ، انكمشتْ الحركةُ، وتلاشتِ الضحكاتُ، وصمتَ المكانُ إلا من همسٍ خفيفٍ.
تقدّم منه الوزراءُ والقادةُ يستطلعونَ ما ألمَّ به، وهُرِعَ طبيبُه الخاصُّ يحملُ حقيبتَه ولكنّه جمدَ في مكانه لا يستطيعُ الاقترابَ، لقد قرأ في وجهِ الملكِ شيئاً غريباً فلم يجرؤ على سؤالِه. تقدّمَ الشاعرُ وهو من المقرَّبينَ إلى قلبِ الملكِ وألقى بين يديه أبياتاً تضمَّنَتْ سؤالاً عن السببِ الذي عكّرَ صفوَ سعادتِه. ورجا جلالتَه أن يأمرَ فيُطاعَ، وأن يريحَ نفسَه ويلقي ما بها من شواغلَ عليه وعلى هذا الجمعِ الكريمِ من أفرادِ الحاشيةِ، وانضمَّ المهرجُ الخاصُّ إلى الشاعرِ وراح يلاطفُ ويلقي على مسامعِه النكاتَ والحكاياتِ.. كان الملكُ يكتفي بالابتسامِ، وبقيَ صامتاً شارداً. تقدّمَ وزيرٌ مقرَّب منه، ركعَ أمامَه، وتوسَّل إليه أنْ يأمُرَ لتنفذَ إرادته مهما كانت كي يعودَ الانشراحُ والمرحُ.
قال الملكُ:
ـ أريدُ شيئاً بسيطاً.. ذلكَ العصفورَ. وحكى لهم قصةَ العصفورِ المغرّدِ.
قال كبيرُ الحرسِ:
ـ لتطمئنَّ جلالتُكم.. سنجندُ كل إمكانياتِنا وطاقاتِنا للتفتيشِ عنه، وسنحضرُه بين يَدَيْ جلالتِكم حيّاً أو ميتاً.
قال الملكُ بتصميمٍ وحزمٍ:
ـ أريدُ العصفورَ ذاتَه حيّاً.. ومستعدّاً للغناءِ.
قال وزيرُ الداخليةِ:
ـ قبلَ أن تغيبَ شمسُ هذا اليوم ستتمتعونَ جلالتُكم برؤيته وسماعِ تغريدِه.
ثم أصدرَ على الفورِ القرارَ رقمَ (1).
على جميعِ منتسبي وزارةِ الداخليةِ والعاملينَ فيها أنْ يلقوا القبضَ فوراً على عصفورٍ مغرّدٍ فرّ من معطفِ الفرو الملكيِّ الناعمِ وعطفِه.
اجتمع الوزراءُ والضباطُ والحاشيةُ، وأصبحَ الجنودُ والشرطةُ في وضعِ الاستنفارِ والاستعدادِ، وأُعطيتِ التعليماتُ والأوامرُ المشددةُ لخيرةِ الرماةِ في الجيشِ والأمنِ، ولأمهرِ الصيادينَ البارعينَ في الصيدِ والقنصِ، ولجميعِ المسؤولينَ عن الأمنِ والشرطةِ أن يطاردوا العصفورَ الفارَّ ويحضروه حيّاً.
ثمَّ أُعطيتِ التعليماتُ والأوامرُ المشددةُ لكلِّ المعابرِ والمنافذِ والحدودِ في البلادِ مهما نأتْ وصغُرَتْ وضاقتْ للتفتيشِ وإلقاءِ القبضِ على العصفورِ المتمرّدِ الفارِّ من العدالةِ الملكيةِ. وأُذيعَ إعلانٌ موجَّهٌ للعصفورِ يطمئنُه إلى عفوِ الملكِ وعطفِه ورحمتِه، وأنه يعدُه بوضعِه في قفصٍ من الذهبِ على شجرةٍ من الزمردِ مزينةٍ بالياقوتِ والجوهرِ، وسوفَ يعيشُ آمناً مطمئّناً في الرعايةِ الخاصةِ لجلالتِه إن هو سلَّمَ نفسَه.
ثمَّ عُمِّمَ أمرٌ على الشعبِ بكل فئاتِه وشيبِه وشبابِه، فتيانِه وأطفالِـه، نسائِه ورجالِه. بالقبضِ على العصفورِ حيّاً، ورُصِدَت جائزةٌ لمن يساعدُ في القبضِ عليه.
عادَ الملكُ وموكبُه من النزهةِ حزيناً. مرَّ اليومُ الأولُ والثاني دونَ أن تُحَقَّقَ الإرادةُ الملكيةُ الساميةُ. باتَ الملكُ قلقاً يقطعُ الردهاتِ وينزلُ الأدراجَ، ويخرجُ لحديقةِ القصرِ، ثمَّ يعودُ ليخرجَ إلى الشرفةِ، لا يستقرُّ على حالٍ. وتغريدُ العصفورِ لا يغادرُ مسامعَه، واللوحةُ الجميلةُ من الأزهارِ والأشجارِ والفراشاتِ والعصافيرِ المحيطةِ به في ذلكَ المكانِ لا تفارقُ مخيلتَه. رفضَ الطعامَ والشرابَ والأنسَ. كان الوقتُ يمضي ببطءٍ، وكلُّ من هم في القصرِ في حالةِ استنفارٍ وتوترٍ وقلقٍ.
وأخذتِ الأخبارُ تترى سريعةً لاهثةً شاحبةً.
قالتْ أخبارُ الشرطةِ:
ـ " بعدَ أيَّامٍ شاقَّةٍ من التفتيشِ الجادِّ والبحثِ المضني والسؤالِ المستمرِ والتدقيقِ التامِّ لم نقعْ له على أثرٍ.
وقالت مراكزُ الحدودِ:
ـ "لم يُرْصَدْ مرورُه من أيِّ مركزٍ حدوديٍ، ولمْ يَجْتَزْ أيّاً من المعابرِ والحدودِ البريةِ والبحريةِ والجويةِ. ولم يذكرْ أحدٌ أنه رآه أو سمعَ من رآه، ولم يُعثَرْ على اسمه في سجلاّتِ المغادرينَ.
قالتْ القواتُ العسكريةُ المسلحةُ:
ـ " لم يظهرْ على أجهزةِ الرادارِ طائرٌ، ولم يُرَ في أيِّ مرصدٍ من مراصدِنا والرصدُ مستمرٌ.
وجاءَ من عناصرِ الأمنِ والجماركِ والنفوسِ وسواها من الدوائرِ الرسميةِ: "لا يذكرُ أحدٌ أنّه فتّشَ أمتعتَه أو رأى هويتَه أو جوازَ سفرِه..ولم يذكرْ أحدٌ في مراكزِ الهجرةِ والجوازاتِ أنّه منحه جوازَ سفرٍ أو تأشيرةَ خروجٍ أو أُعطيَ إذناً بالسفرِ أو سماحاً بالمغادرةِ.
ولم يذكرْ أحدٌ من الموظفينَ في دوائرِ الأحوالِ المدنيةِ أنّه منحَ هويّةً أو إخراجَ قيدٍ لعصفورٍ من أيّ نوعٍ، ولا توجدُ له بصماتٌ أو صورٌ، ولم يجدوا قيدَ نفوس له أصلاً، وليس له أهلٌ أو أقاربُ في هذا البلدِ.. ولقد أنكرَ الجميعُ قرابتهَ أو معرفتَه. ولم ينزلْ لـه اسمٌ في أيّ قائمةٍ من قوائمِ المغادرينَ في الطائراتِ والسياراتِ ولا حتّى بعرباتِ النقلِ المجرورةِ بالخيولِ ولا بالقطاراتِ.. ولم يُحملْ على الدراجاتِ الناريةِ أو العاديّةِ، ولا على ظهورِ الدوابِّ، ولا حتّى في عرباتِ الأطفالِ.
ولم يعترفْ أحدٌ من المهربينَ، بعدَ التحقيقِ معهم جميعاً، على الرغم ممَّا لاقوه من عنفٍ وتجريحٍ. إنه هرَّبه جوَّاً أو بحراً أو برّاً.
من قوى الأمنِ وحرّاسِ الغاباتِ: " فُتِّشتْ جميعُ المدنِ والأريافِ والمزارعِ وفُتِّشتِ الجبالُ والغاباتُ والباديةُ ولم يُعْثَرْ لـه على أثرٍ. وبدأ استجوابُ الحيواناتِ والطيورِ والأسماكِ...
شعبياً، لم يعترفْ أحدٌ من أفرادِ الشعبِ أنّه أدخلَه بيتَه أو حماه أو تستَّّرَ عليه أو رآه أو قدّمَ لـه غذاءً أو ماءً أو دواءً أو مساعدةً من أيِّ نوع.
من حرس الحدودِ، إنّه لم يخترقْ الحواجزَ المنصوبةَ، ولم يُصَرَّحْ عن انفجارِ أي لغمٍ انفجرَ بأيِّ عصفورٍ.
الصيادونَ لم يصرِّحْ أحدٌ من الصيادينَ عن صيدِه أو بيعِه أو أكلِه.
المشافي لم يُبلَّغْ عن أيِّ حادثٍ لطيرٍ من الطيورِ منذ ذلكَ اليومِ المشؤومِ، ولم يدخلْ عصفورٌ إلى مشفى عامٍّ أو خاصٍّ أو عيادةٍ مهما بَعُدَتْ أو صَغُرَتْ، بشهادةِ جميعِ الأطباءِ البيطريينَ والممرضينَ والممرضاتِ.
لم تعترِّفْ أيُّ قطّةٍ بعدَ كلِّ الإغراءِ والعنفِ بأنَّها التهمَتْه أو رأَتْه.
من المدارسِ، فُتشتِ حقائبُ وجيوبُهم الأطفالِ في المدارسِ والحدائقِ والشوارعِ وحُقِّقَ معهم. وقُدمتْ لهم الحلوى والألعابُ.. ولم يعترفْ أيُّ طفلٍ من أصدقاءِ الطيور أنّه رآه أو تكلّم معه، أو رشَّ له الحبوبَ، أو قدّمَ له الماءَ، ولم يتستّرْ أيُّ طفلٍ على عصفورٍ أو يخبئْه أو يطعمْه أو يتحدثْ إليه.
فُتِّشتْ جميعُ أقفاصِ الطيورِ في البيوتِ والحدائقِ والأسواقِ وكلِّ الحدائقِ العامّةِ والخاصةِ والمزارعِ، وحُقِّقَ مع مربّي الطيورِ والدواجنِ ولا خبرَ عنه. لم يُعثرْ عليه. تمَّ التحقيقُ مع كبارِ الطيورِ والمسؤولينَ عنها وقد نَفَتْ رؤيتَه أو معرفتَه أو حتّى انتسابَه إلى نوعِها.
من الدولِ المجاورةِ، نَفَتْ الدولُ المجاورةُ منحَه حقَّ اللجوءِ السياسيِّ، ولم يدخلْها أيُّ غريبٍ مجهولِ الهوّيةِ وغيرِ معروفٍ.
خلاصةُ التقاريرِ ونتائجُ البحثِ والتقصّي والاستجوابِ كلُّها: "لم يعثرْ له على أثرٍ".
وبعدَ بثِّ الخبرِ في جميع الإذاعاتِ المسموعةِ والمرئيةِ، والصحفِ والمجلاّتِ والنشراتِ اليوميةِ، والتقاريرِ السياسيةِ، وبكلِّ اللغاتِ الحيّةِ: " ثبتَ عدمُ رؤيةِ عصفورٍ مغرّدٍ متمرّدٍ أو سماعِ صوتِه".
كان الملك حزيناً قلقاً لا يستقرُّ على حالٍ وهو يتفرّجُ على هذه الهزليةِ الحزينةِ المؤلمةِ. كبرَ الأمرُ في رأسِه وتضخّمَ، أحسَّ أنّه مغلوبٌ مدحورٌ من عصفورٍ مغرّدٍ متمرّدٍ يريدُ له الخيرَ.
لم يستطعْ أحدٌ ممن يحيطونَ به على كثرتِهم وإخلاصِهم واختلافِ مراتبِهم ومسؤولياتِهم، وعظمِ شأنِهم وحكمتِهم وحسنِ تدبيرِهم وشدةِ بأسِهم ورجاحةِ عقولِهم، ومساندهِ الشعب لهم برجالِه ونسائه وأطفالِه وكلِّ فئاتِه وهيئاته وأحزابِه ومنظماتِه وعمالِه وفلاحيه وطلابِه وتلاميذه، أن يجدَ العصفورَ الصغيرَ.
وقعَ الملكُ في حرجٍ وحيرةٍ كبيرةٍ، وهو كما يقولونَ له: يأمرُ فيطاعُ، وإنّه إذا طلبَ من الغمامِ ألا يُنزلَ مطراً لما استطاع الغمام أن ينزلَ مطراً، ولو أمرَ الشمسَ ألا تشرقَ لما أشرقتْ.
ما هذه التّرهاتُ التي تُقدَّمُ لـه وتنسجُ حولَه؟ إنّه على أرضِ الواقعِ وفي هذه المملكةِ المتراميةِ الأطرافِ، لا يقوى على القبضِ على عصفورٍ صغيرٍ؟!.
اسودّتِ الدنيا في عينيه، وتلبَّسه الحزنُ من رأسِه حتّى أخمصِ قدميه، وأصابَ المحيطينَ به همٌّ قاتلٌ وإحباطٌ شديدٌ، وركبَهم تساؤلٌ محيِّرٌ مرٌّ. ما هي الوسيلةُ لإحضارِ هذا العصفورِ وأينَ اختفى؟!.
صاح الملكُ بانفعالٍ شديدٍ:
ـ أنا بنفسي وبعينيَّ هاتين رأيتُ العصفورَ المغرّدَ وهو يخرُج من معطفي، ويغادرُه إلى غصنٍ في الشجرةِ، وقفَ يتحدّاني ثمَّ طارَ في الجوِّ متمرِّداً على أكبرِ رجلٍ في المملكةِ.. "الملكِ نفسِه"؟!.
قال كبيرُ ضباطِه بانكسارٍ وبصوتٍ ضعيفٍ:
ـ "سنحميها.. سنحمي حدودَ مملكتِنا بعدَ اليومِ، بأجسادنِا وأرواحِنا وجماجِمنا، لن ندعَها مفتوحةً تهربُ منها العصافيرُ، سوف نسوِّرُها من جهاتِها الأربعِ، بالجبالِ والأشجارِ والأنهارِ والأسوارِ العاليةِ، وسننصبُ الفخاخَ في كل السهولِ وعلى رؤوسِ الجبالِ وبين أغصانِ الأشجارِ.
صاحَ الملكُ بصوتٍ مجروحٍ مبحوحٍ:
ـ لقد طارَ العصفورُ وارتفعَ إلى الأعلى .. في الفضاءِ الأعلى؟
قالَ قائدُ حرسِه:
ـ سوفَ نسوِّرُها هي الأخرى يا جلالةَ الملكِ.
تابعَ الملكُ وكأنّه لم يسمعْ كبيرَ الحرسِ:
ـ لمْ أنصبْ لـه فخّاً، لم أطلقْ عليه النارَ، لم أهدّدْه.. لقد فرّ مني، من معطفي بالذاتِ.
كادَ ينهارُ من الإحباطِ والتعبِ، دخلتْ ابنتُه الصغيرةُ تعلو وجهَهَا ابتسامةٌ عذبةٌ مشرقةٌ، وعيناها تبرقانِ مرحاً وفرحاً. قالت بدلالٍ:
ـ يا أبي.. رأيتُ اليومَ عصفوراً جميلاً صغيراً يتنقّلُ على أشجارِ الحديقةِ، ثمَّ يعلو ويطيرُ إلى قِمم الجبالِ العاليةِ، يشدو ويغرّدُ للشمسِ وللأطفالِ. ويداعبُ الهواءَ بجناحيه، كأنّه يعزفُ على أشعةِ الشمسِ والريحِ أعذبَ أناشيدِ الحريةِ والعدالةِ. اقتربَ مني ثم طارَ بعيداً.. بعيداً.. بعيداً..
فَرَدَت الطفلةُ يديها ودارتْ عدّةَ دوراتٍ حول نفسها، مقلِّدةً العصفورَ، طارَ بعيداً ثم اختفى وانغلقتِ السماءُ وراءه بغيومٍ رماديةٍ. يا أبي ما أحلاه وما أروعَ الحريةَ التي كان يتحرّكُ في فضائها!
صمت الملكُ قليلاً.. نظرَ إلى ابنته، ثم إلى مَن حولَـه.. تسللتِ ابتسامةٌ إلى وجهِه وقالَ صدقتِ يا صغيرتي صدقتِ. حمل ابنتَه وقبَّلَها.
انفرجتْ أساريرُه أكثرَ وابتهجَ، ثم قال بهدوءٍ:
أنا وأنتِ رأينا عصفوراً اجتازَ كل الحواجزِ والسدودِ والقيودِ. أنتِ رأيتِه بعينِ الطفولةِ البريئةِ: طليقاً في فضاءِ الحريةِ، وأنا رأيتُه بعين السلطةِ والقوةِ والسطوةِ متمرّداً على الملكِ.
قالَ أحدُ الضباطِ، بعزمٍ ونكدٍ: إن الهواءَ والشمسَ والسماءَ والغيومَ وحتى الأط.. فا...لَ. جميعاً تستّرتْ عليه.. مؤامرةٌ يا جلالةَ الملكِ.
قال الملكُ بهدوءٍ:
أيُّها الجمعُ الكريمُ.. إن للحريةِ أجنحةً تحلّقُ بها وكلُّ السماواتِ مفتوحةٌ لها ولا يمكنُ منعها أو سجنُها في قفصٍ مهما غلا ثمنُه.. ومن اليومِ سأفتحُ جميعَ الحدودِ... سأحطمُ جميعَ الأقفاصِ في هذه المملكةِ لتعودَ جميعُ العصافيرِ المغرّدةِ إلى مملكتي راضيةً سعيدةً مقبلةً على الوطنِ ودوحِه، فالوطنُ يعيش في كل خليةٍ من خلاياها. ستمتلئُ الغابةُ والمملكةُ، بأناشيدِ الحبِ والحريّةِ، وسأكونُ مسروراً بالذهابِ إليها كلّما هَفَتْ نفسي إلى ذلكَ لسماعِ شدوِها العذبِ الرقيقِ. افتحوا جميعَ الأقفاصِ.. وجميعَ السجونِ التي تكبّلُ الحريةَ وتحجزُها، لأنَّ الحريةَ تنسابُ منها بيسرٍ ولينٍ كما الدمُ في الشرايين.
ضمَّ ابنته إلى صدرِه. أنتم أنفاسُ الحريةِ وروحُها الخفّاقةُ في الأعالي أيُّها الأطفالُ.


BB





احذرِ الحيّةَ
يُحكى أنْ:‏
كانَ للخلدِ عينانِ ذهبيتانِ جميلتانِ واسعتانِ. وبفضلهما كان يعيشُ فوقَ الأرضِ سعيداً.‏
وفي أحدِ أيامِ الربيعِ، جلسَ تحتَ شجرةِ لوزٍ مزهرةٍ، أسندَ رأسَه إلى جذعها، وعرّضَ وجهَه وجسمَه لأشعةِ الشمسِ الدافئةِ، وأخذَ يعبُّ من هذا الدفءِ الذي يبعثُ الخَدَرَ اللذيذَ. وأخذَ يترنَّمُ بلحنٍ جميلٍ.‏
ـ تر لا.. لا.. لا.. لا..‏
أتى الربيعْ‏
بجوه البديعْ‏
وعيناه الجمليتانِ تلتقطانِ الصورَ البديعةَ للطبيعةِ الرائعةِ التي تحيطُ به: فراشاتٌ ملونةٌ، ترفرفُ بأجنحتِها الشفافةِ، أزهارٌ من مختلف الألوانِ والأجناسِ، بعضُها تتفتحُ مشرئبةَ الأعناقِ وأخرى ترمي أوراقَها إلى الأرضِ وتتمايلُ محدثةً مع الحشائشِ موسيقى عذبةً.. عشبٌ أخضرً نضرٌ مازالتْ قطراتُ الندى عالقةً بأهدابِه، يتموّجُ مع النسيمِ.. إنّ سعادتَه بالغةٌ بكلِّ ما حوله.‏
"تر لا.. لا.. لا.. لا..‏
الشمس سواحة‏ْ
والعطور فواحةْ‏
والماء غزير‏ْ
والعشب نضيرْ."‏
لم يحسَّ إلا ّورأسُ الأفعى بجانبِ رأسِه. حيَّته بتحيةٍ جميلةٍ مراوغةٍ.‏
ـ جعل أيامك كلها سعادة ومسرة وغناء.. تبدو سعيداً؟!‏
ـ إني في غايةِ السعادةِ. كأنّي في عرسٍ. انظري لم يبقَ أحدٌ في الكونِ لم يشتركْ بهذا العرسِ الساحرِ، أكادُ أطيرُ من الفرحِ والسعادةِ.‏
سألت الحيّةُ بخبثٍ:‏
ـ عرسَ مَنْ تقصدُ..؟‏
ـ عرسَ الطبيعةِ.. عرسَ السماءِ والأرضِ.. وكلِّ الكائناتِ الموجودةِ على هذه الأرضِ. جاءَ الربيعُ، إنّه إحساسٌ غامرٌ بالحياةِ.‏
ـ أو..و..و هذا اليومُ رائعٌ. ولكنّ هناك عرساً آخر.‏
ـ تفضّلي استريحي بجانبي.. استمتعي بضوءِ الشمسِ. وبالجمالِ المحيطِ بنا. بعد نومٍ طويلٍ في باطنِ الأرضِ والعتمةِ والرطوبةِ.‏
ـ أشكركَ. إنّي في عجلةٍ من أمري.. أريدُ أنْ أذهبَ.. ورائي أعمالٌ كثيرةٌ. كانت مرتبكةً.‏
ـ ما هي أعمالُكِ الكثيرةُ؟! هذا اليومُ جميلٌ جاءَ بعدَ شتاءٍ باردٍ وطويلٍ..‏
أجّلي عملَكِ وعيشي هذه المسراتِ والمتعَ.‏
ـ لا... عليَّ أنْ أذهبَ.‏
ـ إلى أين.؟‏
ـ إلى عرسِ الأرنبِ الأبيضِ ذي القبعةِ الحمراءِ. ألا تعرفُه.؟‏
ـ بلى إنّه لطيفٌ.‏
ـ بل إنّه صديقٌ عزيزٌ، وابن صديقٍ عزيزٍ. لقد دعاني لأرى بيتَه وأساعدَ في ترتيبه، ووضعِ اللمساتِ الأخيرةِ على الزينةِ. ولكنْ مع الأسفِ..‏
تأوّهتْ وُبحَّ صوتُها، وأخذتْ تفحُّ وتنشجُ وتتلوّى..‏
استغربَ الخلدُ‏
ـ ما بكِ أيّتها العزيزةُ. لماذا البكاءُ في مثلِ هذا اليومِ الرائعِ؟؟!. أرجو أن لا تُفسدي سعادتَكِ وسعادةَ الآخرين.
استدركَ الخلدُ وحكّ رأسَه بكفِّ يدِه ثم قالَ:‏
ـ لكنْ منذ متى أنتِ تحبينَ الأرنبَ حتى يدعوَكِ لترتيبِ بيته؟!!.
ـ هذا شأنهُ. لماذا تحشرُ نفسَكَ.؟ ثم إنّي لا أريدُ إزعاجَ أحدٍ وإفساَد جمالِ هذا اليومِ. بل أحبُّ السعادةَ وأتمنّاها للجميعِ.‏
قال الخلدُ مجاملاً:‏
ـ أعرفُكِ جيداً، وأعرفُ حبَّك للخيرِ.‏
ازدادَ بكاؤها.‏
ـ ماذا أصَابَكِ. لماذا كلُّ هذا البكاءِ. إن قلبي يتمزّقُ من أجلكِ يا عزيزتي.‏
من خلالِ دموعِها قالتْ الحّيةُ:‏
ـ آه.. أنا التّعِسَةُ الوحيدةُ في هذا العالمِ.. كلّكم سعداءُ، وتحسُّون السعادةَ.. أمّا أنا فلا أعرفُها ولا تعرُفني.. إنّي أسمعُ اسمها أينما حللتُ.. لم أرَها ولم أصادفْها ولم أشعرْ بها طيلةَ حياتي.. لم تقتربْ مني أبداً.‏
ـ لماذا كلُّ هذا الحزنِ والتشاؤمِ والنظرةِ السوداءِ؟ السعادةُ للجميعِ. من يسعَ إليها يجدْها.. اقتربي منها أنتِ. ابحثي عنها.‏
ـ إنّي دائمةُ التفتيشِ عنها. لم أجدها. لعلّها لا توجدُ في الأماكنِ التي أكونُ فيها، تحتَ الأرضِ، أو بينَ أكوامِ الحجارةِ. أو في المنازلِ القديمةِ الطينيةِ المتداعيِة إنّي أحاولُ الالتصاق بالأرضِ أو في جوفِها.‏
ـ حاولي رفعَ رأسِكِ، انظري إلى الأمامِ.. الأفقُ واسعٌ.. ابحثي عنها ستجديها.‏
ـ أوه. يا عزيزي الخُلْد. أنت ترى أيُّها الطيبُ، كلما زحفتُ مدّةً أرفعُ رأسي وأديرُه في كل تجاهٍ، لعلّي أراها، إنني أفتّشُ عنها باستمرارٍ، لكنّي مع الأسفِ لم أصادفْها حتى الآن.‏
ـ لا اسمحي لي أن أقولَ لكِ: إنّكِ متشائمةٌ أكثرَ من اللازم.. السعادةُ ليستْ حيّةً أو أرنباً أو غزالاً أو عصفوراً.. السعادةُ كنسمةِ العطرِ ترفرفُ في كلِّ مكانٍ جميلٍ وتتغلغلُ في النفوسِ، إنّها كسحابةٍ ورديةٍ شفافةٍ نرتاحُ لرؤيتها، نشمُّ عبيرَها ونستظلُّ بها، ونعيشُ معها في تفتُّحِ زهرةٍ، في سقسقةِ ساقيةٍ، في تغريدِ بلبلٍ، في ضحكةِ طفلٍ..‏
ـ إنّك تخرّفُ. تتخيّلُ. تحلِّقُ تعيشُ مع الخيالِ والحلمِ.. ولا تحسُّ بمعاناةِ الآخرين.‏
ـ إنّي أقولُ الحقيقةَ التي ألمسها بنفسي، انظري إليَّ، إننّي في غايةِ السعادةِ والانشراحِ والهناءِ، لماذا لا تكونينَ مثلي. كل ما يحيطُ بنا جميلٌ.. كل ما في الطبيعةِ يغنّي، يرفرفُ، يزقزقُ، يثغو، يطربُ ويعملُ بآنٍ معاً.. انظري إلى هذه النحلاتِ الجميلاتِ. كم هنّ سعيداتٌ يعملنَ ويمرحنَ يقبّلنَ الأزهارَ..‏
سحَبَ الخلدُ نفسَه إلى الأعلى وأسندَ ظهرَه بشكلٍ مريحٍ وتابع:‏
ـ لماذا لا تشاركينَ في هذا المهرجانِ الحافلِ.. هذه هي السعادةُ الحقَّةُ موضوعةٌ بين يديكِ.. المسيها.‏
كُنْ جميلاً ترَ الوجود جميلاً‏
قالتْ بحزنٍ:‏
ـ أنا محرومةٌ من الصفاءِ والمتعةِ.‏
ـ كيف بربّكِ.. وضّحي لي ذلك.‏
ـ هل نسيتَ أيّها الأحمقُ الأنانيُّ.. الذي يتكلّمُ كثيراً عن السعادةِ ويتبجَّحُ بها، إنّني لا أملكُ عينين كالآخرين لأرى بهما كل ما يحيطُ بي.‏
ـ هذا من فعلتك الرديئةِ..
ردّ الخلد بسرعةٍ.‏
ـ لا يا صديقي.. بل قُلْ هذا ما جنته علي أمّي.‏
ـ لا بل هذا تكوينٌ ونفسيةٌ رديئةٌ. لن تكوني غيرَ ما كانت عليه أمُّك.‏
مهمّتك الغوايةُ والتضليلُ والتشكيكُ بل التغريرُ بالآخرين.‏
ـ مهلاً.. رويدك.. رويدك.. من أين لك هذا‍‍؟‏
صاحتِ الأفعى ثم انتحبتْ وأخذتْ تتلّوى بألمٍ وانكسارٍ وتشهقُ وتقولُ:‏
ـ يا عزيزي الخلد.. أيُّها الصديقُ الودودُ. لقد قصدتُك لأننّي بحاجةٍ لمساعدتك. إني بحاجةٍ إلى عينين لمدّةٍ قصيرةٍ. لا لشيءٍ إلاّ لأرى ما يحيط بي. فقد أصادفُ السعادةَ مرةً في حياتي المديدةِ والخاليةِ من كلِّ بهجةٍ أو متعةٍ أو جمالٍ. أتمنّى أنْ أعيشَ يوماً واحداً جميلاً مشرقاً، فهو خيرٌ عندي من سنةٍ مظلمةٍ. يومٌ واحدٌ وأموتُ.. لا أريدُ هذه الحياةَ الطويلةَ الخاليةَ من رؤيةِ الجمالِ.‏
ـ ما تقولينه صحيحٌ. ولكن.‏
ـ أرجوكَ.. أتوسَّلُ إليكَ أن تعيرني عينيكَ. بعد أن حبَّبتَ إليَّ الحياةَ.‏
ـ لا. لا. لا أستطيعُ. وأنا بماذا أرى إذا أعرتُكِ عينيَّ.‏
ـ ألمْ أقلْ لكَ. كلُّكم أنانيون، تحبّونَ أنفسَكم.. لا تتخلّونَ عن أنانيتكم ولو ساعةً واحدةً. لا تفكرون إلاّ بمصالحِكم وراحتِكم.‏
خفّفتْ الأفعى من حدّةِ لهجتِها وصوتِها، وقالتْ برجاءٍ:‏
ـ لجأتُ إليكَ لأنّكَ طيبٌ ومتعاونٌ وتحبُّ الخيرَ للجميعِ. بل أنتَ أطيبُهم وأكرمُهم، ومع هذا ترفضُ أنْ تساعدَني لأرى نفسي مرةً واحدةً مثلَكم، مثلَ خلقِ اللهِ ولو مدة وجيزة..‏
بدلعٍ.. ولطفٍ شديد:‏
ـ أعرْني عينيكَ أرجوكَ وسأعيدُهما فِي أسرعِ وقتٍ. حدّدْ أنتَ الوقتَ، سألتزمُ به، ولن أنسى فضلَكَ ما حييتُ. ستبقى صديق العمرِ. سأبقى ألهجُ بذكرِكَ وشكرِكَ.‏
أخذتْ تضربُ الأرضَ بذنبِها بقوةٍ وتفحُّ وتتأوَّهُ.‏
قال لها الخلدُ بشفقةٍ وحنانٍ:‏
ـ كفى أرجوكِ. لا أتحمَّلُ عذابَكِ وشوقَكِ لرؤيةِ الكونِ. سأعيرُكِ عيناً وأتركُ الأخرى لي.. بالتساوي. هذا عدلٌ. أليس كذلك. هيه.. افرحي اضحكي..هل أنتِ سعيدةٌ الآن.؟!‏
قالت بدلالٍ وخبثٍ:‏
ـ ما حاجتي لعينٍ واحدةٍ. بعد كلِّ هذا العمرِ من الظلمةِ، آخذُ عيناً واحدةً. أرى الدنيا من جانبٍ واحدٍ. من زاويةٍ واحدةٍ، لا أريد أن أرى أنصافَ الأشياءِ. أن أرى كل شيء مشوّهاً غائماً. لا أريدُ. الأفضلُ أن أبقى كما أنا. كيف أرى وأجدُ السعادةَ بعينٍ واحدةٍ. ستفرُّ منّي؟!..‏
كيف أستطيعُ مساعدةَ الأرنبِ؟.. هل أرتّبُ جانباً واحداً من بيته؟..‍ قد أحطِّمُ له مقتنياتِه الجميلةَ الجديدةَ.. كيف أحضرُ بينَ الجميعِ بعينٍ واحدةٍ؟.. سأصبحُ أضحوكةً.. سأخجلُ من نفسي.‏
ضربتِ الأرضَ بذنبها بقوةٍ حتى قطعتْ جزءاً منه. تأوّهتْ وتألمتْ وتلوّتْ بكتْ بكاءً يقطِّع نياطَ القلوبِ. بكى معها الخلدُ شفقةً ومحبةً.‏
استغلّتْ عطفَه وتجاوبَه وحزنَه عليها:‏
ـ أرجوكَ. أرجوكَ.. أتضرّعُ إليكَ. أيّها الطيّبُ الكريمُ. يا صاحبَ القلبِ الرقيقِ ما دمتَ قرّرتَ أنْ تعطينَي عيناً. أعطني الأخرى.. ستنامُ في دفءِ الشمسِ تحلمُ بكل ما رأيتَ.. وتسمعُ موسيقى الطبيعةِ مدةَ غيابِي القصيرِ، وما إن تستيقظ حتى تجدَني أمامَك شاكرةً جميلكَ وحسنَ صنيعِكَ وتضحيتَكَ. استعطَفته طويلاً.. أشفقَ عليها وأحسّ بألمِها.‏
"أعطاها عينيه.."‏
صاحتْ بأعلى صوتِها بعد أن وضعتْ عيني الخلدِ في رأسها.‏
ـ ياألله.. ما أجملَ الحياةَ! ما أروع ما أرى! هذه الأزهارُ الساحرةُ. العشبُ الأخضرُ النديُّ، الأشجارُ المزهرةُ، الشمسُ المشرقةُ، العصافيرُ المزقزقةُ المتقافزةُ، أوه.. هذه العصافيرُ.. كم ابتلعتُ منها دونَ أن أراها أو أعرفَ شكلَها أو لونَها كنتُ أحسُّ بطعمِ ريشِها ولحمِها الشهيِّ في فمي. ضحكتْ.‏
كم هي مغفلةٌ صغيرةٌ كانتْ تظنُّني غصناً، وما إن تقف عليَّ مطمئنةً حتى أبتلعَها.‏
سألَ الخلدُ باستنكارٍ:‏
ـ ماذا تقولينَ..؟‏
ـ يا صديقي اعذرْني.. إنّني معذورةٌ حقاً. أنا لا أراها، كنتُ أحاولُ التعرُّفَ عليها وسماعَ موسيقى زقزقتِها.. ليس لي عينانِ. كنتُ أتعرّفُ عليها بفمي.‏
ـ والآنَ هل أنتِ سعيدةٌ راضيةٌ؟.
قال الخُلدُ بفرحٍ ولذةُ العطاءِ تنيرُ قلبَه ووجهَه.‏
ـ شكراً لك أيّها الصّديقُ الطيّبُ جداً. ابقَ مكانَكِ، وسأعودُ إليكَ بسرعةِ البرقِ.‏
ـ كيف بسرعةِ البرقِ، وأنت تزحفينَ على بطنِكِ.؟‏
ـ لا عليكَ سأطلبُ من الغزالِ الذهبيِّ أن يوصلَني بسرعةٍ.‏
نادت ِالغزالَ، التفتَ يَمْنَةً ويَسْرَةً لم يرَ أحداً.‏
قالتْ بفرحٍ وغنجٍ:‏
ـ أنا هنا.. أنا صديقتُك الحيةُ.‏
ـ ما هذا؟‏
بَحلَقَ الغزالُ بها مندهشاً.‏
ـ ما أصابَكَ.. لماذا كلُّ هذا الاندهاشِ. ألم ترَ عينينِ جميلتينِ في حياتِكَ. لقد استعرتُهما من صديقي المخلصِ الخُلدِ.‏
ردَّ الغزالُ بأسى وأسفٍ:‏
ـ مسكينٌ.. يا له من مغفَّلٍ.. يا للخسارةِ.. خسارتُه كبيرةٌ. خسارتُه أبديةٌ.‏
ـ لماذا كلُّ هذه الترّهاتِ.. هل تشكُّ بوفائي؟ سأفي بوعدي الذي قطعتُه له وأعيدُ له عينيه. ولكي أسرعْ في ذلك يا صديقي.. يا عزيزي الرشيقَ.. هلا أعرتَني ساقيكَ لوقتٍ قصيرٍ، لساعةٍ واحدةٍ فقط حتى ألحقَ بسرعةٍ عرسَ الأرنبِ الأبيضِ ذي القبعةِ الحمراءِ، إنه صديقُ الجميعِ وأحملُ لـه هديّتي. وسلامَ الجميعِ وتحياتِهم.. لقد تأخرتُ. وأريدُ أن أعودَ بسرعةٍ.. لأكونَ على موعدي مع الخُلدِ لأردَّ لـه عينيه، وإليكَ ساقيكَ الرشيقتينِ، ستبقى معه تتحدّثانِ وتتسليانِ مدّةَ غيابي. سأعودُ شاكرةً سعيدةً بمدةٍ قصيرةٍ.‏
صاحَ الغزالُ بتهكّمٍ:‏
ـ هيهات. إن الخُلدَ على ما أظنُّ..‏
ـ لا تظنَّ شيئاً.‏
ـ أنا يا عزيزتي الناعمةَ الرائعةَ.. لا أعطي ولن أعطيَ ساقيَّ لأحدٍ..‏ إنَّها سلاحي الوحيدُ وسببُ سلامتي..‏
ـ لماذا كلُّ هذا التعنُّتِ. قلتُ لكَ لساعةٍ فقط.‏
ـ إنّني ضعيفٌ جداً دونهما كما تعرفين ومستهدَفٌ. فهما يسلِّماني وينقذاني من المفترسين والصيادين.. وأيضاً المحتالين.. "غمزَ بعينهِ"‏
ومن دونهما أصبحُ عاجزاً لا حولَ لي ولا قوة، لقمةً سائغةً لكلِّ مشتهٍ. ليس لي جحرٌ مثلكِ أختبئُ فيه ومن يسلِّم سلاحَه فهو أحمقُ مغفّلٌ. أليس كذلك يا عزيزتي الماهرةَ..؟!‏
ـ أرجوكَ.. اسمعني.‏
أخذتْ تبكي أمامَ الغزال. لكنّه تركَها، وانطلقَ يعدو مسرعاً كالسهمِ المارقِ. ابتلعتْ خيبتَها وصاحتْ:
ـ هذا الأنانيُّ السيئُ.‏
حاولتْ مع الكلبِ والقطِ على الرغمِ من الجوِّ المشحونِ بينهما. قالا لها اذهبي للدجاجة قد تعيرك ساقيها.‏
ـ أوه.. لا.. اللعنةُ عليها. كم مرةٍ حاولتْ ابتلاعي وأنا صغيرةٌ. لقد ابتلعتِ الكثيرَ من الحيّاتِ الصغيراتِ. إنها عدوةٌ. لا. لن أذهبَ إليها ولو زحفتُ على بطني إلى آخرِ الدهرِ.‏
انسابتْ تسعى مغلوبةً، بعد أن فقدتِ الأملَ في استعارةِ ساقين أو كسبِ ساقين..‏
أخذتْ ترفعُ رأسها بين مسافةٍ وأخرى سعيدةً بعينيها ولتلفتَ النظرَ إلى عينيها الجميلتين الذهبيتين وتستطلعَ ما حولها. وتصطادَ العصافير.‏
تباطأتْ بالعودةِ وأخلفتْ وعدهَا الذي قطعتَه على نفسِها. وتمتّعتْ بمنظر الشمسِ وهي تغربُ مشكِّلَةً مع الغيومِ أجملَ اللوحاتِ على صفحةِ السماءِ الزرقاءِ، رأتِ الطيورَ تَأوي إلى أعشاشِها فوقَ الأغصانِ، والماشيةَ تعودُ إلى زرائبها.‏

قالتْ:‏
ـ ما أجملَ الحياةَ! سأعيشُها بسعادةٍ. أظنّ أنّي لن أعودَ إلى الخلدِ المغفّلِ أبداً. أحسّتْ بالبردِ والتعبِ بعدَ جولةٍ طويلةٍ. دارتْ حولَ نفسِها ودخلتْ جُحراً راضيةً بما كسبتْ.‏
أخذَ الخلدُ يرتجفُ من بردِ المساءِ، ولم يجدْ مَنْ يساعده على العودةِ إلى بيته، وقررّ أن يحفرَ جُحراً بالقربِ من شجرةِ اللوزِ حيث كانَ يجلسُ ليدفأ وينتظرُ عودةَ الحيّةِ.‏
قلق، طولَ الليل لم ينم، أخذَ يضربُ أخماساً بأسداسٍ، خشيَ أن يكونَ جرى للحيّةِ مكروهٌ أعاقَها عن تنفيذِ وعدِها. مع إشراقةِ الشمسِ أحسّ بالدفءِ. خرجَ وجلسَ في المكانِ ذاتِه. لتجدَه الحيّةُ. لكنّها لم تَعُدْ. مرّ يومٌ وآخرُ وتتالتِ الأيامُ وهو ينتظرُ يتألمُ وينتظرُ. يلومُ نفسَه ويؤنِّبُها. حقيقةً كما يُقالُ "اتّقِ شرَّ من أحسنتَ إليه". ثم يحفرُ في المساءِ جُحراً آخرَ غيرَ الأولِ لأنّه كانَ لا يستطيعُ الاهتداءَ إلى جحرِه القريبِ الذي حفرَه بالأمسِ، كلَّ يومٍ كان يعاني من الخروجِ من جُحرِه لتراه الأفعى وفي آخرِ النهارِ يحفرُ غيرَه.‏
تشرقُ الشمسُ وتغيبُ ثم تشرقُ وتغيبُ وهو ينتظرُ. مرَّ الربيعُ وجاء الصيفُ بأيامه الحارّةِ، لقد استحالَ أملُه يأساً. وانطفأتْ بهجةُ الحياةِ والألوانِ في نفسِه، أصبحتُ أيامُه ولياليه سوداءَ مجلّلةً بالحزنِ.‏
ذاتَ يومٍ كانَ يحفُر سمعَ حفيفَ الأعشابِ الجافةِ وهسيساً يقتربُ، مرّتِ الحيّةُ تزحفُ قريباً منه عادَ إليه الأملُ، أملٌ يفوقُ الوجودَ رحابةً واتساعاً. انبعثَ ساطعاً في ظلامِ أيامِه الدامسِ، وقفزَ بلهفةٍ ممزوجةٍ بالفرحِ والغضبِ في آنٍ معاً وبالعتبِ الكبيرِ. قال بفرح ٍوهدوءٍ:‏
ـ هذي أنت أيّتُها الصديقةُ.. لقد تأخرتِ.. انتظرتُك طويلاً. طويلاً جداً، تألّمتُ وبردتُ ويئستُ من عودتِكِ ولكن هاأنتِ ذي. الحمدُ لله أنّكِ عدتِ، لقد خفتُ عليكِ وقلقتُ.. لابدَّ أن بيتَ الأرنبِ بعيدٌ جداً، هل ضللتِ الطريقَ، أم أصابَكِ مكروهٌ، أم نسيتِ نفسَك في ضيافتِهِ. لكنّني لا أراكِ.. وأنا مشتاقٌ لرؤيتِكِ ورؤيةِ النورِ.. أرجوكِ أسرعي ردّي عليّ عينيّ.. إني ضائعٌ تائهٌ حزينٌ دونَهما، أتخبّطُ في الظلامِ ما أقسى أن يُحرمَ الواحدُ من عينيه.. لقد تذكّرتُكِ كثيراً. كلامُك ما زالَ يعملُ عمَلَه في خاطري.‏
ـ ماذا تقولُ. أيّ عينين؟‏
ـ أقصدُ عينيَّ اللتين أعرتُهما لكِ.‏
ـ ما هذا؟ هل جُنِنْتَ أم أصابَكَ الخَرَفُ؟‏
ـ إنني أطلبُ عينيّ اللتين.. في الربيعِ.. الأرنبُ الأبيضُ ذو القبعةِ الحمراءِ. ماذا أقولُ.‏
ضحكتِ الأفعى بنعومةٍ وخبثٍ وقالتْ ساخرةًً:‏
ـ هل أنا حمقاءُ حتى أعودَ للعتمةِ.‏
قالَ الخُلدُ بأسى شديدٍ. ولكن يا صديقتي لقد وعدتِني. لا يليقُ بكِ أن تُخْلِفي الوعدَ.. وليس من العدلِ والإنصافِ أن تتركينيَ أعمى.‏
ـ نعم.. نعم استدركتْ لقد وعدتُكَ.‏
ـ لقد بَعُدَ العهدُ.. بيني وبين الوعدِ.. كدتُ أنسى سأردُّهما إليكَ قريباً..‏
قالَ بجزعٍ:
ـ قريباً؟‏
خاطبتِ الأفعى نفسَها:
ـ كيف رماني القدرُ وعدمُ حرصي في طريقِهِ.‏
قالَ الخلدُ بغضبٍ:‏
ـ لا بل الآنَ وبسرعةٍ.. أريدُ عينيَّ.. أريد عينيَّ.‏
ـ اهدأ.. اهدأ أيُّها الصديقُ الطيّبُ.. إنّني أحسُّ معاناتِكَ فقد عشتُها طويلاً.‏
قالتْ ذلك بخبثٍ ثم هَمَسَتْ:‏
ـ سأعيدُهما إليكَ على شرطٍ.‏
ـ ما هو، قولي بسرعةٍ؟.‏
ـ هو شرطٌ صغيرٌ. وأنتَ بارعٌ حاذقٌ صادقٌ.‏
ـ نعم.. نعم.. قولي .. ما هو شرطكِ؟!‏
ـ أن تحفرَ أربعينَ جحراً على خطٍّ واحدٍ مستقيمٍ، عند ذلك، أردُّهما إليكَ. عندما أرى أكوامَ الترابِ على سويّةٍ واحدةٍ في خطٍ مستقيمٍ أردُّ إليكَ عينيك أقسمُ لكَ على ذلك بشرفِ أمي العزيزةِ. سأمرُّ يومياً لأرى وأتحقّقَ.‏
ـ لكن لماذا؟!‏
ـ سأنامُ في كل جحرٍ ليلةً من ليالي أربعينية الشتاءِ.. قالت ذلك ثم تركته وانسابتْ بلينٍ وخبثٍ وهي تضحكُ.‏
تنهّدَ الخُلدُ بحسرةٍ.. هذه المراوِغةُ الكاذِبةُ ماذا صنعتُ لها. ومرَّ شريطُ حياتِهِ أمامَه. ومضاتُ الفرحِ والتألّقِ المشرقِ لم يبقَ منها إلا لحظاتُ الانتظارِ البائسةِ المرّةِ ثم المراوغةُ والاحتيالُ.‏
بدأ العملَ بنشاطٍ وكلّما أخذَ منه التعبُ مأخذاً تذكّرَ ما هو فيه من ظلمةٍ وظلمٍ فيستأنفُ العمل ليعيشَ على شيءٍ من الأملِ بعودةِ عينيه.‏
لكنّه لم يُكوّن أربعينَ كومةً من الترابِ على استقامةٍ واحدةٍ أو أربعينِ جحراً على خطٍ مستقيمٍ واحدٍ. لماذا..؟ تسألونَ لماذا..؟‏
لأنّه لا يرى منذُ سرقتِ الحيةُ عينيه، فقدَ الرؤيةَ والتمييزَ. إنه يعيشُ خللَ الترابِ والظلامِ. لم يتعلّمِ الخلدُ الهندسةَ والحسابَ عندما كان يملكُ عينين وهو أيضاً لا يملكُ مسطرةً وكانتِ الحيّةُ تمرُّ به وهو جالسٌ ليستريحَ بعد أن يضنيَه التعبُ تقولُ له ساخرةً:‏
ـ الحُفَرُ ليستْ على خطٍ مستقيمٍ. كان عليكَ أن تتعلّمَ الهندسةَ، لو تعلمتَ الهندسةَ لحقّقتَ الشرطَ واستعدتَ عينيكَ.‏
ـ أعيديهما إليَّ أرجوكِ، وسوفَ أتعلّمُ الهندسةَ والحسابَ. أَعِدُكِ‏
ـ ولِمَ لا أتعلم أنا الهندسةَ الآن وقد أصبحَ لي عينان أيّها الصديقُ الطيّبُ.‏
وتمضي ضاحكةً ساخرةً. وهو يبقى مبهوتاً يفكّرُ بسذاجته وغدرها وعدم وفائها بوعدِها. لم ييأسْ. ولكنّه أخذ يشكُّ كثيراً بالوعودِ.‏
ـ أخذتِ الحيّةُ الخبيثةُ تتمتّعُ بعيني الخلدِ الجميلتينِ، والخُلدُ الطيّبُ يعيشُ في باطنِ الأرضِ أعمى، يحفرُ ويكوّمُ الترابَ خارجَ جحره عسى أن يعملَ أربعينَ كومةً من الترابِ متساويةً على استقامةٍ واحدةٍ لتراها الحيّةُ وتنفذُ وعدَها وتعيدُ إليه عينيه ليرى جمالَ الحياةِ ويستمتعَ بنعمةِ البصرِ ويعودَ إليه الأملُ في رؤيةِ يومٍ ربيعي جميلٍ وأشجارِ اللوزِ المزهرةِ وأعراسِ السماءِ والأرضِ قبلَ نهايةِ العمرِ.‏
وفي كلَّ ربيعٍ يضاعفُ نشاطَه.‏
إلى اليوم لم ينصفْ أحدٌ ذاك الخلدَ الطيّبَ الذي قدّمَ عينيه راضياً ليُدخِلَ السعادةَ والبهجةَ إلى قلبِ الأفعى الخبيثةِ المحتالةِ التي غدرتْ به ولم تفِ بوعدِها الذي قطعته على نفسِها. وأقسمتْ على الوفاءِ به.‏
يتسلّى بعمله وينسى عينيه ولكنّ الأملَ يعاودُه، وينيرُ ظلامَ روحِه.‏
الطيورُ تحسُّ به وتحوم حوله، وترسلُ لـه الأزهارُ والأغصانُ الخضراءُ مع أشعةِ الشمسِ رسالةً ودعاءً وحناناً غامراً وعطفاً كبيراً.‏
وكانَ الغزالُ يمرُّ به ويحسُّ بالمرارةِ والأسى من أجله، ويقولُ له:‏
ـ يا صديقنا الطيّبَ.. إذا سَرَقَتْ منكَ البصرَ فلا تدعها تسرقُ منك البصيرةَ والأملَ. والتمسِ العزاءَ بالإيمانِ.‏

xxx





الشجرةُ وأسرةُ العصافيرِ

حطَّ عصفورٌ على غصنِ شجرةٍ باسقةٍ ملتفَّةِ الأغصانِ في واحةٍ غنَّاءَ لا يوجدُ بين أشجارِها أكبرُ من تلك الشجرةِ، نقرَ بعضَ أوراقِها مداعباً، وتنقلّ بين أغصانِها بمرحٍ ثم انتقى مكاناً عند التقاء غصنين كبيرين من أغصانِها، جعلَه مثلَ سريرٍ مريحٍ. أعجبَه المكانُ كثيراً وأعجبته إطلالتُه الرائعةُ على الأشجارِ والمروجِ الخضراءِ الواسعةِ، قريباً من ضفةِ نهرٍ عريضٍ غزيرِ المياهِ، يكثرُ حولَه الطعامُ ونُقَعُ الماءِ والجمالُ فرأى في كل ذلك صحبةً حسنةً.
طارَ مزقزقاً سعيداً ليجلبَ أولَ قَشَّةٍ لبناءِ عشّه في ذلك المكانِ، وعندما بدأ العملَ فرحتْ به الشجرةُ كثيراً، وكانت تبدو فخورةً لاختيارِه لها مسكناً وبناءِ عشِّه في قلبِها وبين أوراقِها الزمرديةِ.
نشطَ العصفورُ في بناءِ عشِه، وسرعانَ ما أصبحَ العشُّ جاهزاً مريحاً ودافئاً وأنيقاً. حلَّقَ في الجوِّ عالياً وكأنَّه يعلنُ انتصارَه وفرحَه الكبيرَ للكونِ كلِّه، ومضى في الفضاءِ سريعاً كمنْ يحملُ بشرى.. بعد وقتٍ عادَ ومعه عصفورةٌ جميلةٌ، حطا على الشجرةِ ثم اقتربا من العشِّ ودخلاه معاً وهكذا أصبحَ بيتاً لهما. ملأتِ العصفورةُ الصغيرةُ الملوّنةُ العشَ بهجةً. كانتْ تذهبُ مع العصفورِ في جولاتٍ بعيدةٍ.. ينطلقان في الفضاءِ الرحبِ ويحومانِ فوقَ الكثيرِ من الأمكنةِ، يرتفعانَ عالياً وينعطفانِ يَمْنَةً ويَسْرَةً كأنَّ الفضاءَ أرجوحةٌ لهما. وعندما يعودان إلى الشجرةِ يغرّدان تغريداً ساحراً كأنّهما جوقةٌ كاملةٌ: يلحِّنان ويعزفان ويغنّيان ويطربان أيَّما طربٍ، ويهزُّ صوتاهما الشجرةَ من الأعماقِ فتترنّحُ هي الأخرى طرباً. مرَّت أيامٌ عدّةٌ ووضعتِ العصفورةُ بيضَها في العشِّ واحتضنته بكل دفئها وعواطفها. ظلّلتِ الشجرةُ عليها بأوراقِها لتحميَها من الشمسِ والريحِ والحشراتِ والزواحفِ لا سيما الحيّات، وشعرتْ بأنّها شريكٌ للعصفورةِ في هذه المَهمّةِ النبيلةِ.
فقستِ البيوضُ. وخرجتْ منها الفراخُ زُغْباً تفتح مناقيرَها الصغيرةَ كأنّما تعتاد الشمسَ والهواءَ وتنتظرُ شيئاً، وكانت الأمُّ تذهبُ وتعود مسرعةً تحملُ الطعامَ وتزقُّها به وتفرحُ عندما ترى حواصلَها ممتلئةً. وحين اشتدَّ عودُ الفراخِ أخذتْ تعلِّمها التنقُّلَ الحذرَ بين الأوراقِ ثم الطيرانَ الرشيقَ من غصنٍ إلى غصنٍ، في حضنِ الشجرةِ العطوفِ المفتونةِ بضيوفِها الصغِار، والموسيقا الرائعةِ التي تجعلُها نادياً كبيراً يجلبُ السرورَ وأنواعَ الزوّارِ. شيئاً فشيئاً أصبحتِ العصافيرُ الصغيرةُ تغادرُ العشَّ والشجرةَ وتمضي بعيداً مع الأب والأم مؤلِّفةً سِرباً متناغماً متناسقاً، وفي أثناءِ غيابِها كان الهدوءُ يخيِّمُ على الشجرةِ إلى درجةٍ تشعرُ معها بالوحدةِ وبشيءٍ من الوَحشةِ، ولكنّها تبقى على موعدٍ مع أسرةِ العصافيرِ تنتظرُ عودتَها بشوقٍ ولهفةٍ.
في الأمسياتِ الدافئةِ المقمرةِ، حين يغمرُها القمرُ بضيائه الأبيضِ الرائعِ، كانتِ العصافيرُ تنامُ مطمئنّةً، ومع ضوءِ الصباحِ يطيبُ للعصفورِ الأبِ أن يسامرَ الشجرةَ ويحدّثَها عن رحلاتِه وتنقله مع أسرابٍ من فصيلتِه فوقَ المدنِ والأريافِ والجبالِ والبحارِ والصحارى، يصفُ لها البلادَ الدافئةَ التي يقضي فيها فصلَ الشتاءِ كسائحٍ مؤقّتِ الإقامةِ. وما إنْ يحلّ فصلُ الربيعِ بشمسِه الدافئةِ وتفتّح أزهارِه واخضرارِ أشجاره حتى يعودَ إليها مرَّةً ثانيةً وبه شوقٌ كبيرٌ.. يحكي عن رحلةِ الخريفِ ورحلةِ الربيعِ وما يلاقي فيهما من تعبٍ ومخاطرَ وأهوالٍ، ثم يهمسُ للشجرةِ بشكرِه على الحنانِ والرعايةِ والصبرِ عند الغيابِ.
كانتِ الشجرةُ تقولُ له وهي تتخيّل كلَّ ما يحكيه:
ـ ولكنَّ السفرَ والتنقُّلَ شيءٌ ممتعٌ ومفيدٌ.. إنّه حياةٌ حافلةٌ بالمباهجِ والمعارفِ والجمالِ.
ـ هذا صحيحٌ.
كانت الشجرةُ تستمعُ باهتمامٍ كبيرٍ، وتفكّرُ في هذه الرحلاتِ، وتذهبُ بخيالها بعيداً في الفضاءِ الفسيحِ والسماءِ العاليةِ لترى بعينِ خيالِها ما يحدِّثها عنه العصفورُ الصديقُ.
قالتِ الشجرةُ مستزيدةً شغوفةً:
ـ احكِ لي عن البحارِ والأنهارِ والآثارِ، عن الجبالِ والسهولِ، عن الأطفالِ والمدارسِ والحدائقِ والملاعبِ والساحاتِ، عن الناسِ في كل الأماكنِ التي زرتَها أو مررتَ بها، عن جميعِ مغامراتِك، والأفراحِ والصعوباتِ التي تعرّضتَ لها.
قال العصفورُ بلطفٍ:
ـ حسناً. حسناً. كلَّ يومٍ سأتكلمُ عن بعضِ ما سألتِني عنه، الصيفُ أمامَنا طويلٌ.
كانتِ الشجرةُ الباسقةُ لا تملُّ من حديثه بل تستزيدُه، وتظلُّ تحلمُ بكلِّ ما سمعتْه منه. ـ تقول لنفسها ـ يا لَـه من سعيدٍ جنسُ العصافيرِ.. إنّه يتنقّلُ من مكانٍ إلى مكانٍ، ويرى الكثيرَ مما في الدنيا وأنا مسمرةٌ في مكاني لا أعرفُ شيئاً. كم مرةٍ حلمتْ أنّها تحلّقُ في السماءِ.. تعلو وتعلو وتقفُ على الذرا العاليةِ وتنظرُ إلى السهولِ والغاباتِ من الأعلى، ترى وجهَ الأرضِ تحتَها بألوانِه الزاهيةِ. ما أروعَ أن تكونَ طائراً بجناحين وتتحركَ بحرّيّةٍ عندما تريدُ وتذهبُ حيثما تشاءُ.. كم أتمنّى أنْ أفعلَ هذا ولو مرّةً واحدةً فقط.
واعتادتِ الشجرةُ في كلِّ صباحٍ أن تسألَ عن المدنِ وكيف هي. عن البيوتِ وما أشكالُها، وكيف يعيشُ الناسُ فيها، لترسخَ الصورةُ الجميلة التي ينقلُها لها العصفورُ في نفسِها.
اشتدّتْ أواصرُ الصداقةِ بين العصافيرِ والشجرةِ، حتى أصبحَ الجميعُ كلاًّ واحداً لا يستغني أحدُهما عن الآخرِ. لقد غمرَتْها العصافيرُ بالأنسِ والمحبةِ، وهي وسّعتْ لها مكاناً متميزاً في قلبِها وحمَتْها من الحرِّ والبردِ والهواءِ، واحتضنَتْها، وهكذا أصبحتْ نبضَها وحياتَها.
بسرعةٍ مرّتِ الأيامُ السعيدةُ، وبدأتْ رياحُ الخريفِ، تهبُّ قوّيةً سمعتِ الشجرةُ العصفورَ يقول لأسرتِه:
ـ صديقتُنا الشجرةُ بدأتْ تشيخُ، وتصفرُّ أوراقُها وتتساقطُ، لا بدّ من أن نستعدَّ للرحيلِ قبلَ حلولِ الشتاءِ الباردِ برياحِه العاتيةِ وأمطارِه الغزيرةِ.
حزنتْ الشجرةُ كثيراً، وعزَّ عليها فراقُ العصافيرِ وما آل إليه أمرُها من الجفافِ والاصفرارِ. انطوتْ على نفسها واستسلمتْ للخريفِ وازدادتْ أوراقُها اصفراراً وتساقُطاً، ولم تَعُدْ ذلك الفرحَ الزاهيَ بالخضرةِ والزقزقةِ والحركةِ والغناءِ.
العصفورةُ الرقيقةُ الحنونُ والعصفور الوفيُّ وعدَاها بالعودةِ واللقاءِ في الربيعِ القادمِ.. كان بودِّهما، مع صغارِهما أن يقضوا كلَّ أيامِ السنةِ معها، لولا البردُ الذي لا يرحمُ، فالعصافيرُ لا تستطيعُ تحمُّلَ هذا الطقسِ، وقال العصفورُ والعصفورةُ للشجرةِ الحزينةِ:
ـ حتى أنتِ أيّتُها العزيزةُ القويّةُ تتعرينَ من أوراقِكِ في الخريفِ وتبردينَ في الشتاءِ وترتجفينَ وتنامينَ نوماً عميقاً هو أقربُ إلى السُّباتِ أو الموتِ.
لم تتعزَّ الشجرةُ بهذا الكلامِ عن فراقِ العصافيرِ، ولم تنقطعْ عن الحزنِ والبكاءِ.
سألَها العصفورُ بشفقةٍ وودٍّ:
ـ لماذا كلُّ هذا البكاءِ.. ونحِنُ سنعودُ إليكِ.. ونحبُّكِ كما تحبّيننا.. نحنُ أيضاً نحسُّ مثلَكِ بألمِ الفراقِ.
ـ أبكي صداقتَكم والأيامَ السعيدةَ التي مرَّتْ عليَّ بوجودكم، أبكي أنسَكم وبهجتَكم.. وكذلك مصيري من بعدِكم.
ـ أنتِ جميلةٌ وراسخةٌ ومعطاءُ، يستظلُّ بكِ الناسُ وتؤمُّكِ العصافيرُ وتتمتعُ بالإقامةِ معك وتنعمُ بعطفكِ. أنتِ أمُّ الجميعِ القويةُ الشفوقُ.. انظري.. أنا بحجمِ ورقةٍ من وريقاتِ أغصانِك لا أكثرَ.
وأخذَ يغرّدُ، وضحكَ ليُدخِلَ السرورَ إلى قلبِها..
قالتِ الشجرةُ:
ـ ما هذا التواضعُ؟ إنَّكَ يا عزيزي على الرغم من صِغَرِ حجمِك تملكُ حريّتكَ كاملةً غير منقوصةٍ، أما أنا فلا أعرفُ من الحرّيّةِ إلا الاسمَ. إنّكَ تطيرُ وتحلِّقُ في أعالي السماءِ متى تشاءُ وتذهبُ إلى حيث تريدُ، وتصلُ إلى أيِّ مكانٍ تشاءُ. تستطلعُ وترى وتتعلّمُ، لا تمنعُك حدودٌ ولا قيودٌ.. أمّا أنا..
مسحتْ دموعَها وتابعتْ:
ـ أنا خُلقتُ وغُرِستُ في هذه الأرضِ وفي هذا الموضعِ بالذات لا أتزحزحُ ولا أتحرّكُ، كلما نما غصنٌ أحسّ أنّي انطلقتُ قليلاً وارتفعتُ في الأفقِ، ورأيتُ أبعدَ، ولكن إلى حدّ قليل ومحدودٍ جداً لا أتجاوز محيطي.
تنهّدتْ بحسرةٍ وألم:
ـ لم أتعرَّف إلى مدينةٍ أو قريةٍ، لم أرَ بحراً أو بحيرةً أو نهراً.. سكتتْ ثم استدركتْ: إن هذا النهرَ الذي يمرُّ من أمامي ويمتدُّ مدى رؤيتي.. إنه يمضي من أمامي لاهثاً، يسقيني ويجري مسرعاً راكضاً في السهولِ والبساتين يمرُّ بالقرى والمدن.. يسقي الأشجارَ ويداعبُ الأزهارَ ويعانقُ السواقي ويسيرُ معها، يوغلُ في السهولِ يسقيها ويسقي العطاشَ فيها. إنه دائمُ الجريانِ والعطاءِ يوزِّع عطاياه بفرحٍ، وقد ينضمُّ إلى غيرِه من الأنهارِ حتى ينتهي إلى بحيرةٍ أو بحرٍ.
قال العصفورُ:
ـ نعم إنّه يعطي مثلك، يعطي من نفسِه بكلِّ حبٍ وطيبةٍ، وهذا أسمى أنواعِ الحبِّ. أنتِ بيتُنا ومستقرُّنا، نما أولادي بحضنك وسوف ينمو أولادُهم وأولادُ أولادِهم بحضنكِ أيضاً.. لا تنسي أنّك تعيشين لعقودٍ وربما لقرون ونحن نمضي سريعاً.
تنهّدَ العصفورُ بحزنٍ: أنا معرّضٌ للموت من شدّةِ الحرِّ في الصحارى أو عند نقصِ الماءِ أو في مهبِّ العواصفِ وتساقطِ الثلجِ والبردِ أو بطلقةٍ من بندقيةِ صيادٍ أو بفخٍ يُنصب لي. وربما ابتلعتني أفعى في عشي.. إنّ المخاطرَ تحيقُ بي من كل جانبٍ.. أنا صغيرٌ وضعيفٌ وعمري قصيرٌ.
تعزّتِ الشجرةُ قليلاً وانتعشتْ وقالتْ للعصفورِ بحبٍّ وإعجابٍ:
ـ إنّكَ ترى في عمرِك القصيِر هذا أكثرَ مما أرى في عمري الطويلِ، إن عمراً قصيراً غنياً يفضُل بعشراتِ المراتِ عمراً طويلاً فارغاً.. لكن لكلٍّ غايةٌ ولكلِّ كائنٍ حيٍّ نهايةٌ.
ـ لا تقولي عن نفسِك هذا ولا تُنقصي من قيمتك أيّتها الراسخةُ العطاءِ.
ـ ماذا أعطي أنا؟
ـ تعطين الكثيرَ.. الكثيرَ.
كان يجب أن أقولَ هذا أنا. أنا ماذا أعطي.. أنا الصغيرُ الخفيفُ الضعيفُ.
ـ أنت تعطي الجمالَ والرشاقةَ والبهجةَ، تجعلُ للزمنِ معنى، وتجعلُ الطبيعةَ تتحركُ وتنطقُ، تنقّي التربةَ من الديدانِ وتقلبها بـ ..
ـ رويدَكِ.. رويدك.. أنت لا تنقطعين عن العطاء في كل حياتِك وحتى بعدَ موتِك.. بل ربما تصبحين بعد الموتِ أكثرَ فائدةً، فخشبُكِ تُصنعُ منه الموائدُ والكراسي والأسرّةُ والمكاتبُ والمقابضُ وأطرُ اللوحاتِ الفنيةِ الجميلةِ والمقاعدُ المدرسيّةُ.. ما أجملَ أن تكوني سريراً تضمين إلى صدرِك طفلاً صغيراً كما احتضنتِ مئات بل آلاف العصافيرِ... إنّكِ في القادمِ من السنين ستزورين المدارسَ والمصانعَ والمعاملَ ودورَ الحكومة وهكذا تتحركين مثلنا.
أَكْملْ، قالت الشجرةُ بحزن. لكن العصفورَ صمتَ فتابعتْ هي:
ـ قد أصبحُ أخمصَ بندقية تقتلُ طفلاً أو امرأةً أو شيخاً.. هل هذا عملٌ جيدٌ؟. والأسوأُ من هذا أن أصبحَ مقبضاً لفأسٍ يقتلع الأشجارَ من بني جنسي وأسرتي ويقتلها. أليس هذا مخزياً ومؤلماً ومعيباً..
ـ يا عزيزتي.. لكلٍّ ما في هذه الحياةِ جانبٌ حسنٌ وآخرُ سيئُ.. ما دمتِ بهذه الطّيبةِ وبهذا الضّميرِ النّقّيِ لن تكوني إلا جميلةً مفيدةً.
ـ أتمنّى أن أُحرقَ ألفَ مرةٍ ويتمتعَ الناسُ بدفئي ولا أكونَ شريرةً.
كفكفتِ الشجرةُ دموعَها وتساقطتْ أوراقُها بكثافةٍ، واستعدّتْ لوداعِ أصدقائها أسرةِ العصافيرِ. لم يبقَ عليها الكثيرُ من الورق ليحميَها من البردِ الذي أخذَ يقرصُها. اعتذرتْ لـه عما سبّبته من ألمٍ. وتمنّتْ لـه عَوداً حميداً في الربيعِ القادمِ. ووعدته بأن تنامَ طولَ الشتاءِ تحلمُ بصوتِه وأحاديثِه، وتستمعُ لموسيقى تنبعثُ من تغريدِ العصافيرِ التي سوفَ يصطحبُها معه. وأنّها سوف تبرعمُ وتتفتحُ براعمَها أزهاراً وتكتسي بالورقِ الأخضرِ الغضِّ وتلبسُ أحسنَ زينتِها وتستعدُّ لاستقبالِ العصافيرِ في أحضانِها.
طارَ سربُ العصافيرِ ملوِّحاً.. لوّحتْ الشجرةُ بحزنٍ وتساقطَ المزيدُ من ورقِها، أغمضتْ عيونَها، واستدعت السهولَ والأنهارَ بخيالِها، ونامتْ محتضنةً ذكرياتِها العذبةَ الدافئةَ وأحلامَها الجميلةَ.

]]]





زيارةٌ لكوكبٍ آخرَ

تناولتُ كتاباً من المكتبةِ وخرجتُ مسرعاً.. في كلِّ يومٍ في مثلِ هذا الوقتِ أخرجُ إلى الحقولِ البعيدةِ عن القريةِ، أجلسُ على صخرةٍ كبيرةٍ عاليةٍ أقرأُ في كتابٍ أو أرسمُ لوحةً.. أرى غروبَ الشمسِ عن كَثَبٍ تتفنّنُ الغيماتُ الرقيقاتُ برسمِ لوحاتِها البديعةِ على صفحةِ السماءِ وتساعدُ الشمسُ في تلوينها وتجمِّلُها بألوانِها من أحمرَ إلى برتقاليّ وأصفرَ ورماديٍّ مشرّبٍ بالحمرةِ وورديّ شفّافٍ، تتحرّكُ وتتماوجُ، تبتعدُ وتقتربُ، تتآلفُ وتتباعدُ.. تتمايلُ أمامي وترقصُ، أرى وجوهاً جميلةً وحيواناتٍ وديعةً وأخرى مفترسةً فاتحةً أشداقَها.. كلّ هذا أراه من خلالِ تشكّلِ الغيومِ. وأبقى في هذا الاستعراضِ الذي لا أجملَ ولا أحلى حتّى تغيبَ الشمسُ نهائياً وتسحبَ آخرَ أشعتِها ويتسللَ الظلامُ بشفافيةٍ متدرِّجةٍ إلى العَتْمَةِ حتى يهبطَ الليلُ بكثافةٍ.
في هذا الوقتِ الساحرِ، كنتُ أسطّرُ أفكاري وخواطري على صفحةِ السماءِ الصافيةِ قبلَ تسطيرِها بالكلمةِ واللونِ. وأحسُّ أنني حرٌّ طليقٌ لا يقيّدنُي شيءٌ، حرّيّتي وسعُ الأفقِ، أسرحُ وأمرحُ، أفكّر، أركض كما يحلو لي.. أداعبُ الأعشابَ والأزهارَ.. أتأملُ كلَّ ما يحيطُ بي بشغفٍ، أحسُّ أنني أرى كلَّ شيءٍ أولَ مرَّةٍ، كلُّ ما على الأرض يتجدّدُ ويتخلَّقُ ويتشكّلُ، فالتجدّدُ قانونُ الطبيعةِ وسِمَةُ الحياةِ.
في استغراقي سمعتُ حركةً، دُهشتُ.. تلفّتُّ نحو مصدرِ الصوتِ، رأيتُ شيئاً غريباً أزرقَ بلونِ السماءِ يجثمُ على الأرضِ بشكلٍ مواربٍ يشبهُ الصحنَ المفلطحَ ذا مقدمةٍ دقيقةٍ.
نزلتُ بسرعةٍ وقد أخذتِ الشمسُ تسحبُ آخرَ أذيالِها. درتُ حولَه، لمستُه. ما هذا؟.. لم يطلْ استغرابي وتساؤلي فقد أقبلَ علىَّ شابان وفتاةٌ لهم أشكالٌ غريبةٌ ووجوه بيضاءُ حليبيةُ اللونِ مربعةٌ، وبعينٍ واحدةٍ واسعةٍ تتوّسطُ الجبهةَ تشعّ بألوانٍ متماوجةٍ خضراءَ وبرتقاليةٍ وصفراءَ، لهم شعورٌ كثيفةٌ شقراءُ وأفواهٌ صغيرةٌ ورقابٌ طويلةٌ، أطرافُهم ثخينةُ كجذوعِ الأشجارِ وقاماتُهم باسقةٌ، يرتدون ثياباً فضيّةً لامعةً. اقتربوا مني أكثرَ، تشجّعتُ ومشيتُ نحوَهم ممَّا شجَّعَهم على الاقترابِ أكثرَ، رفعوا أيديهم بالتحيّةِ فرددتُ عليهم بمثلها. أشارَ لي أحدُ الرجلين أنْ اصعدَ إلى الصحنِ، قلتُ بصوتٍ واثقٍ:
ـ أنتم ضيوفُنا، تفضّلوا بقبولِ دعوتي للعشاءِ في بيتنا.
تقدّمتِ الفتاةُ برشاقةٍ وقالتْ بنبرةٍ صافيةٍ ولكنةٍ غريبةٍ:
ـ السلامُ عليكم.
ـ وعليكمُ السلامُ.
ـ وقفتُ مستغرباً.
ـ نحن ندعوكَ، إذا لم يكن لديكَ مانعٌ، لتقومَ بزيارةٍ قصيرةٍ إلى كوكبِنا، سنتعارفُ ونتبادلُ الحديثَ خلالَ الرحلةِ ثمَّ نعود إلى هنا لنلبّي دعوتَكَ.
أحسستُ بالراحةِ والأمانِ، وكنتُ شغوفاً بمعرفةَ كلِّ جديدٍ وطريفٍ، فكرتُ، غداً يومُ عطلةٍ، يمكنني تلبيةُ الدعوةِ. قلتُ مبتسماً:
ـ سألبّي دعوتكم، إذا كانتْ سريعةً، حتّى لا يفتقدَني أهلي...
تهلّلتْ وجوههُم، وصدرتْ من عيونِهم ومضاتٌ قزحيةٌ لامعةٌ تنمُّ عن الرضا والسعادة.
تقدّم شابٌ من الصحنِ، كبسَ زرّاً على يمينه فنزلَ درجٌ صغيرٌ بعدّة درجاتٍ، صعدَ الشابُّ وخلفَه الفتاةُ ثمَّ أنا فالشابُ الآخرُ، بعدَها رُفِع الدرجُ وأُغلِق الصحنُ وأصبحَ مغزليَّ الشكلِ بمقدّمةٍ حادّة. جلسَ الشابّانِ في المقدّمةِ، وجلستُ مع الفتاةِ في المقعدينِ الخلفيينِ، وبقيَ مقعدٌ في المؤخّرةِ خالياً.. مقاعدُ لدنةٌ مريحةٌ.. ربطنا الأحزمةَ وارتفعَ الجسمُ الأزرقُ بليونةٍ ويسرٍ من دونِ ضجيجٍ أو اهتزازٍ.
في مقدّمةِ الصحنِ "المركبةِ" لوحةٌ ممتلئةٌ بالأزرارِ، تشعُّ منها أضواءٌ ملوّنةٌ، أخذتْ تضيءُ وتنطفئ وتتبدّلُ ألوانُها، وعدّادٌ بأرقامٍ سريعةٍ تندرجُ وتتبدلُ، فتنزلُ أرقامٌ بدلَ أرقامٍ بسرعةٍ خاطفةٍ. تشيرُ إلى مدى ارتفاعِ درجاتِ الحرارةِ والبرودةِ، مقاومةِ الرياحِ، الأغلفةِ الجويةِ الكثيفةِ والشفافةِ، بعد ذلك ظهرتْ شاشةٌ صغيرةٌ مثلُ شاشةِ التلفازِ. أخرجتُ سماعةً من يدِ الكرسيِّ الذي أجلسُ عليه ووضعتُها على أذني كما أشارتْ جارتي. ظهرتْ على الشّاشةِ صورةُ رجلٍ حليبيِّ اللونِ مربّعِ الوجهِ بعينٍ برتقاليةٍ شديدةِ اللمعانِ، قالَ بابتسامةٍ عريضةٍ مشرقةٍ: أهلاً بضيفِنا الكريمِ، على الرّحبِ والسّعةِ، أود أن نتعارفَ.
تكلمتُ بهدوءٍ وثقةٍ:
ـ أنا المهندسُ عادلٌ من قريةِ المحبّةِ، أكتبُ قصصاً للأطفالِ، مستقبلِ بلادِنا المشرقِ، أرسمُ لوحاتِ كتبي، فالرسمُ هوايتي المفضلةُ منذ الصغرِ.
قالت الفتاةُ بصوتٍ عذبٍ:
ـ أنال 15 مختصّةٌ بعلمِ الأدويةِ، ولي أبحاثٌ كثيرةٌ في هذا المجالِ، أمارسُ هواياتٍ كثيرةً أحبُّها إليَّ لعبةُ التنس.
تنحنحَ الشابُّ الذي يجلسُ إلى يمينِ قائدِ المركبةِ:
ـ أنا س 4، طبيبٌ اختصاصيٌّ بعلمِ الوراثةِ والجيناتِ.
ثم رفع الشابُّ الآخرُ يده بدورِه محيّياً بفرحٍ:
ـ أنا ك 6، قائدُ هذه المركبةِ، ومهندسُ ألكترونٍ. كان الجوُّ ودّياً ومريحاً. قال الطبيب س 4:
ـ إن كوكبَكم رائعُ الجمالِ ومتنوعٌ، بأشجارِه وسهولِه وبحارِه وأنهارِه وجبالِه وغاباتِه وصحاراه... بثلوجِه وأمطارِه وإشراقةِ شمسِه الساطعةِ، إنّه آسرٌ أخاذٌ، كم أنتم سعداءُ ومحظوظون بهذا التنوّعِ الكبيرِ.
ثم طلبَ إليَّ أنْ أنظرَ، وأشارَ إلى النافذةِ، نظرتُ من النافذةِ التي على يساري، رأيتُ الأرض من الأعلى، كانت رائعةً بل مدهشةً... فعلاً إنها خلابةٌ، كلما ابتعدنا تغيّرَ المنظرُ، وأخذَ شكلاً أوسعَ وأعمَّ، الفضاءُ يبتلعُ المشهدَ حتى بدتِ الأرضُ كبيضةٍ كبيرةٍ ملّونةٍ بكلِ الألوانِ، تشعُّ مثلَ ماسةٍ رائعةٍ، ثم بدأتْ تصغرُ.. وتصغرُ. كبستِ الفتاةُ زراً، امتدتْ طاولةٌ صغيرةٌ، عليها علبةٌ فيها قطعةُ لحمٍ مع خضراواتٍ وفاكهةٍ غريبةٍ وقطعةُ خبزٍ صغيرةٌ بنيّةُ اللونِ، وأربعُ حبّاتٍ في زجاجةٍ صغيرةٍ شفّافةٍ، حمراءَ، وصفراءَ وبرتقاليةٍ وبيضاءَ، وكأسٌ ممتلئةٌ حتى نصفِها بسائلٍ أبيضَ كالحليبِ.
ـ تفضّلْ، تناولْ طعامَكَ، قالتِ الفتاةُ مع ابتسامةٍ رقيقةٍ. وكما أشارتْ لي، ابتلعتُ الحبوبَ مع السائلِ الأبيضِ الذي كان لذيذَ الطعمِ. انتهينا بسرعةٍ من تناولِ الوجبةِ. شعرتُ بنشاطٍ وحيويةٍ، كان ذهني صافياً، أصبح عندي طاقةٌ كبيرةٌ، أودُّ القيامَ بأيِّ عملٍّ مهما كان صعباً. أعطتني الفتاةُ كتاباً مصوّراً ضخماً، قرأتُ فيه بواسطةِ عدسةٍ مُتَرْجِمَة كانت تريني الكلامَ باللغةِ العربيةِ.
قرأتُ معلوماتٍ عن كوكبِهم، وعن طبيعةِ الحياةِ، ونمطِ المعيشةِ، عددِ المصانعِ والمعاملِ والمدارسِ، عددِ الأطفالِ والشبابِ والنساءِ والشيوخِ، نسبةِ العلماءِ من بين المتعلمين، الإنتاجِ وغزارتِه وجودتِه، القوةِ الاقتصاديةِ، وكلُّ ذلك كان موثّقاً بالأرقامِ الدقيقةِ. كنتُ أقلّبُ صفحاتِ الكتابِ بكثيرٍ من المتعةِ لمعرفةِ كلِّ ما عندَهم.
مدّتِ الفتاةُ يدها بلطفٍ وأخذتِ الكتابَ وقالتْ:
ـ أرجو أن تنظرَ إلى الشاشةِ، حيث سأعرضُ عليك كلَّ ما في الكتابِ مصوّراً لترى المعاملَ والمصانعَ والمنتجاتِ الصناعيةَ، المستشفياتِ والمدارسَ والمزارعَ والمنتجاتِ الزراعيةَ والتجاريةَ وحركةَ الأسواقِ والنقدِ... ثم الأعيادَ والمناسباتِ والتقاليدَ الشعبيةَ، لتكونَ لديكَ فكرةٌ وافيةٌ عن كوكبِنا الذي يختلفُ كثيراً عن كوكبِكم. كلُّ شيءٍ مصوّرٌ لا تحتاجُ الكتابَ؟ قلتُ: الكتابُ هو الأمتعُ والأبقى والأقربُ إلى النفسِ والعقلِ.
بعد العرض، قلتُ لها بتفكيرٍ:
ـ فعلاً إن كل شيءٍ عندكم مختلفٌ كلَّ الاختلافِ عما في كوكبنا.
ـ ستراه على الواقعِ، وعندها سنسمعُ رأيَكَ مع المقارنةِ والتعليقِ.. رأيَكَ الذي سندرسُه ونهتمُّ به كثيراً.
مدّت الفتاةُ يدَها إلى زرٍ وكبسته، تسطّحَ المقعدُ وأصبحَ كالسريرِ، ثم غفوتُ. صحوتُ على وهجٍ شديدٍ، ضوءٌ أحمرُ مبهرٌ غمرني، ناولتني نظارةً سوداءَ وضعتُها على عينيّ وقالتْ: لقد دخلنا منطقةً لأشعةِ الشمسِ مباشرةً وقريبةً، لقد شارفنا على الوصولِ فمركبتنا تسيرُ بسرعةِ الضوءِ.
ـ ماذا..؟ يا إلهي بسرعةِ الضوءِ، شيءٌ لا يصدَّقُ، كوكبُكم بعيدٌ جداً عن الأرضِ.
قبلَ أن تجيبَ وقد ارتسمتْ ابتسامةٌ عذبةٌ على وجهها الحليبيِّ المربَّعِ.
حطّتِ المركبةُ بهدوءٍ ويسرٍ على صخورٍ سوداءَ فاحمةٍ. نظرتُ من النافذةِ، قلتُ في نفسي، كيف يمكننا النزولُ على هذه الصخورِ المدببةِ السوداءِ؟ لم يطلْ تساؤلي.. فقد انفتحتِ المركبةُ على عنقٍ طويلٍ، نسمةٌ باردةٌ عذبةٌ استقبلتنا، مشينا بضعةَ أمتارٍ لنقفَ أمامَ مصعدٍ من البللورِ الشفافِ، بعد أن دخلنا انغلقَ بابُه بسرعةٍ وهبطَ بنا. انفتحَ بابُ المصعدِ على قاعةٍ واسعةٍ جدرانُها مزينةٌ برسومٍ لطيورٍ غريبةٍ قرنفليةٍ بأجنحةٍ كبيرةٍ مروحيةٍ وأزهارٍ كالشموعِ وأشجارٍ ضخمةٍ عاليةٍ، أوراقُها ناريةٌ وجذوعُها خضراءُ داكنةٌ مفروشةٌ بسجادٍ أبيضَ مع مقاعدَ ورديّةِ اللونِ.
أخذَ كلُّ منّا مقعداً وجلسَ عليه، تحرّكتْ بنا القاعةُ إلى الأسفلِ مدّةَ دقيقةٍ ثم توقفتْ، فُتِحَ بابٌ في المقدّمةِ، خرجنا إلى ممرٍ طويلٍ جدرانُه زجاجيةٌ، بدا من خلفِ الزجاجِ أجنّةٌ وأطفالٌ صغارٌ ثم فتياتٌ وشبانٌ من الجنسين. قال الطبيبُ س 4: هؤلاء الأجنّةُ نحفظُهم من أجل غاياتٍ علميةٍ وتجريبيةٍ. شهَقْتُ وانفعلتُ، كنتُ أريد الكلامَ، لكنّه تابع كلامَه بهدوءٍ: أمّا الشبابُ والفتياتُ فجميعُهم متطوعون، حفظناهم هنا حتى يبقوا شباباً لعشراتِ السنين، ثم نخرجُهم حسب المدةِ التي عيّنوها في طلبهم. سألتُ:
ـ لماذا؟
ـ ليقفوا على مدى التطورِ والتقدُّمِ في كلِّ المجالاتِ، وليجروا دراساتِهم ويقدّموا خبراتِهم ونتائجَ أبحاثِهم للأجيالِ اللاحقةِ وفقَ معرفةٍ وتجربةٍ دقيقتين.
ـ وهل الخبرةُ لا تقدَّمُ إلا على هذا الشكل.؟.
ـ لقد جاءنا الكثيرُ من المتطوعين من علماءَ وأطباءَ ومهندسين وكتابٍ وفنانين... ممن كان لهم شأنٌ كبيرٌ في مجتمعاتِهم، ونحنُ الآنَ نستنسخ بعضَ العلماءِ والمتفوقين في كل مجالٍ لنغنيَ حضارتنا ونزيدَ من تطوّرِ مجتمعِنا.
ـ لماذا لا تربّون العلماءَ والمتفوقين وتزيدوا إلى الخبراتِ خبراتٍ أكثرَ تطوراً وتقدّماً، أليس هذا أجدى من الاستنساخِ وأكثرَ إنسانيةً.؟
نظرَ إلي نظرةً باردةً كأنّه لم يفهمني أو لا يريدُ الكلامَ في هذا الموضوعِ. وتبعَ ذلك صمتٌ مطبقٌ. وصلنا إلى قاعةٍ كبيرةٍ مستطيلةٍ، جدرانُها مغطّاةٌ تماماً بالستائرِ وفيها مقاعدُ عريضةٌ.
خرجَ من بابٍ جانبيٍّ رجلٌ ضخمٌ ملتحٍ يضعُ على رأسه قبعةً كبيرةً وينتعلُ حذاءً ذا سيورٍ عاليةٍ، يلفُّ حولَ وسطه زُناراً فسفورياً عريضاً، عينُه واسعةٌ كبِركةٍ صافيةٍ تلمعُ بوميضٍ متعدّدِ الألوانِ. قال: أهلاً، رحّبَ بي وشدّ على يدي، ثم قدمت لنا فتاةٌ جميلةٌ وأنيقةٌ، ترتدي ثياباً هفهافةً بيضاءَ وحذاءً بكعبٍ عالٍ، وشعرُها مصفّفٌ ينسدلُ على كتفيها، قدّمتْ لنا عصيراً بلونٍ برتقاليٍّ شاحبٍ، كان بارداً ومنعشاً. تقدّم الرجلُ الضخمُ، ورجاني أن أقفَ على سجّادةٍ حمراءَ وسطَ القاعةِ إذا كان هذا لا يزعجني، امتثلتُ لطلبه عن طيبِ خاطرٍ.
دخلَ عند ذلكَ عددٌ من الرجالِ والنساءِ يرتدون ألبسةً مثلَ لباسِ الرجلِ الضخمِ وأخذَ كلُّ منهم مجلسَه، وفي يدِ كلِّ واحدٍ جهازُ كمبيوتر صغيرٌ، وضعوا نظارةً سوداءَ على عينيّ، ثم سلّطوا علي الأضواءَ: حمراءَ، زرقاءَ، بيضاءَ ساطعةً، ثم حزمةً متعددةَ الألوانِ، وتناوبتِ الأضواءُ تقتربُ وتبتعدُ.
رأيتُ نفسي على الحائطِ المقابلِ من القاعةِ مكبَّراً شفافاً كأنني مصنوعٌ من الكريستال النقيّ، رأيتُ قلبي متوهِّجاً كالذهبِ في أشعةِ الشمسِ القويّةِ، ينبضُ والدمُ يندفعُ خارجاً منه إلى الشرايين حتى النهاياتِ الشعريةِ الدقيقةِ ثم يعودُ في أوردتي وقد كمدَ لونُه وتعكَرَ، بعد أن يغذي كلَّ خليّةٍ من خلايا جسدي مهما صَغُرَت وبسرعةٍ كبيرةٍ.
ثم رأيتُ رئتيَّ ودخولّ الهواءِ إليهما وما تقومُ به كلُّ رئةٍ حتى خروجِ الهواءِ من الأنفِ أو الفمِ، ثم رأيتُ الكليتين وما تقومانِ به من أعمالٍ خارقةٍ من تنقيةٍ وتصفيةٍ وطرحٍ، ثم الكبدَ هذا العضوَ الجبارَ وما يقومُ به من أعمالٍ وخدماتٍ للجسم ودورَه العظيمَ والكبيرَ في الحياةِ والوجودِ.
ثم الطحالَ وكيفَ يدفنُ كل الكريّاتِ التالفةِ، ثم الأمعاءَ الغليظةَ والدقيقةَ والامتصاصَ ودخولَ نواتجِ الامتصاصِ إلى الدمِ، ثم الدماغَ، كيف يُصدرُ الأوامرَ والإشاراتِ عن طريق الأعصاب. كتبوا، سجلوا، صوّروا، كبسوا أزراراً، جمعوا وطرحوا وقسّموا... كانتْ إشاراتٌ ضوئية متسارعةٌ ومتعدّدة تتلاحقُ عند تدفُّقِ الدماءِ وعودتِها. لونُ الدمِ أثارَ جدلاً بينهم ونقاشاً حامياً حيث ارتفعتْ أصواتُهم واختلطتْ.عيونُهم كانت تدورُ بسرعةٍ في محاجرِها، تومضُ وتكمدُ، كانوا منهمكين مهتمين إلى أبعدِ الحدودِ وجباههُم تنضحُ عرقاً. أُغلِقَتِ الأجهزةُ وأطفِئتِ الأنوارُ ثم تقدّمَ الرجلُ الضخمُ وأخذني من يدي بلطفٍ ومودةٍ، أجلسني على أريكةٍ مريحةٍ وهو يكثرُ من الاعتذارِ عن التعب الذي سببوه لي.
بعد استراحةٍ قصيرةٍ أسقوني فيها المرطبات.. دخلنا إلى قاعةٍ كبيرةٍ تتوسّطُها طاولةٌ مستديرةٌ. جلسَ الرجلُ الضخمُ في وضعٍ مقابل لي، وجاء لفيفٌ آخرُ من السيداتِ والرجالِ، قُدّم لنا شراب خمري اللون بكؤوسٍ صغيرةٍ جداً، كان الشرابُ شديدَ الحلاوةِ مركّزاً.
أحسستُ أن عقلي يتوهّج دافقاً بالمعرفةِ والعلمِ، وذاكرتي قويّةٌ، وُجِّهتْ إليّ أسئلةٌ كثيرةٌ متلاحقةٌ وسريعةٌ، أجبتُ عنها بسهولةٍ ويسرٍ، كأنّ المعلوماتِ التي تعلمتُها كلَّها كانت حاضرةً أمامي وطوعَ أمري. بعدها وقفتُ وتكلّمتُ مطوّلاً عن الأرضِ موطني وعن قريتي وعن الولاداتِ والوَفَيَاتِ، عن متوسّطِ عمرِ الإنسانِ عندنا، وعن الطعامِ وأنواعِه وأشياء كثيرةٍ لا حصرَ لها.
بعد الانتهاءِ من هذه الجلسةِ الموسَّعَةِ الغنيَّةِ الحافلَةِ بالمعرفةِ جاءت الفتاةُ ل 15 التي رافقتني في الرحلةِ، أخذتني إلى غرفةٍ هادئةٍ مريحةٍ ذاتِ أنوارٍ خافتةٍ، تركتني ومَضَتْ بعد أن تمنّتْ لي وقتاً مريحاً، أخذتُ حماماً دافئاً وغيرتُ ثيابي، ثم دخلتُ سريري ورحتُ في نومٍ عميقٍ.
استيقظتُ على موسيقى هادئةٍ عذبةٍ، كنتُ نشيطاً قويّاً. وجدتُ ثياباً مرتّبةً على طاولةٍ صغيرةٍ، ارتديتُها بسرعةٍ، كانت بيضاءَ مع حذاءٍ أبيضَ وقبعةٍ بيضاءَ. قَرَعَتْ ل 15 البابَ ودخَلَت وبلطفٍ زائدٍ، قالتْ:
ـ الآنَ لديكَ لقاءٌ مع بعض العلماءِ والأطباءِ وأنا سأكونُ معهم إذا لم يكنْ لديكَ ما يمنعُ من ذلك. سيكون هذا لوقتٍ قصيرٍ، ثم نقومُ بجولةٍ ميدانيةٍ كما وعدتُكَ، وسأتشرّفُ بمرافقتِك.
ـ أنا طوعُ أمرِك.
قلت لها بانشراحٍ.
خرجتُ معها إلى ممرٍ مضيء، ثم دخلنا قاعةً مظلمةً بستائرَ قاتمةٍ سميكةٍ، كرسيٌّ عريضٌ يتوسطُ القاعدةَ له ساعدٌ طويلُ متحرِّكٌ ومثبّتٌ به حزامٌ جلديٌّ عريضٌ، وفي الزاويةِ طاولةٌ مستطيلةٌ عليها مئاتٌ من أنابيبِ الاختبارِ، مصفوفةٌ على حواملَ بيضاءَ، وحوجلاتٌ ومصابيحُ حراريةٌ، ثم أداةٌ بيضاءُ مستطيلةٌ لها بابٌ عريضٌ، وجهاز كمبيوتر موصولٌ بجهازٍ آخرَ، وتلفازٌ بشاشةٍ كبيرةٍ، ومن الغرفةِ تنبعثُ رائحةٌ واخزةٌ قويةٌ. قادتني الفتاةُ إلى الكرسيّ وأسندت ذراعي إلى الساعدِ وربطتها من الأعلى والأسفلِ بشريطٍ مطاطي.
دخلَ عددٌ من النساءِ والرجالِ يرتدون ثياباً خضراً فضفاضةً ونظاراتٍ قاتمةً على العين الواحدةِ التي تتوسطُ الجبهةَ، ويضعونَ الكماماتِ على أنوفِهم وقبعاتٍ خضراءَ صغيرةً على رؤوسهم، ألقوا التحيةَ، ثم تقدَّمَ كبيرُهم وأخرجَ من محفظةٍ صغيرةٍ معلقةٍ في زُناره لصاقةً، وضعَها على ذراعي قليلاً ثم رفعَها، كانت ملطّخةً بالدمِ، لم أحسَّ بأيِّ وخزٍ أو ألمٍ، استغربتُ من أينَ جاءَ الدمُ على اللصاقةِ؟!.. فكّوا الأربطةَ وتركتُ الكرسيَّ.
وجلستُ على مقعدٍ واسعٍ مريحٍ، ووضعتُ اللصاقةَ على لوحٍ زجاجيٍ أبيضَ وسلّطوا عليها الأضواءَ، سجلوا وكتبوا، وحسبوا وقاسوا.. عاملوا بقعَ الدمِ بكثيرٍ من السوائلِ الموضوعةِ في الزجاجاتِ المصفوفةِ على الطاولةِ المستطيلةِ ثم حرقوا اللصاقةَ.
بدأتْ أرقامٌ وإشاراتٌ تظهر على الشاشةِ تومضُ ثم تختفي، الاهتمامُ يزدادُ والتساؤلاتُ تكبرُ، وانتابني شيءٌ من القلقِ. استُدعيَ عددٌ من الرجالِ الضخامِ الملتحين بقبعاتٍ كبيرةٍ وأحذيةٍ ذواتِ سيورٍ عاليةٍ وزنانيرَ فسفوريةٍ، وُضعتْ أمامهم على الشاشةِ بقعُ الدمِ الحمراءُ. توجّه إليّ العالمُ الأكبرُ بينهم، وكان التقاني أولَ مرةٍ حين وصولي، وأظنّ أنّه أستاذُ الجميعِ، بعد أن اطّلعَ على كلِّ ما أجروه وقاموا به. توجّه إلي بابتسامةٍ عريضةٍ وسأل بلطفٍ:
ـ هل الجميعُ عندكم، دماؤهم حمراءُ.؟
أجبتُ بسرعةٍ وتأكيدٍ:
ـ طبعاً.. وهل هناك دماءٌ غيرُ حمراءَ.؟
ـ نعم بالتأكيد، عندنا الأمرُ مختلفٌ، الدماءُ، أي دماؤنا بلونٍ أبيضَ، سندرسُ سبب ذلك وتأثيرَه ونتائجَه، ونُجري المقارناتِ والدراساتِ اللازمةَ. قدّم اعتذارَه عن التعبِ الذي سبَّبَه.. وتمنّى لي وقتاً طيّباً، وانسحبَ مع الجميعِ.
خرجتُ بدوري مع الفتاةِ من بابٍ آخرَ لأبدِّل ثيابي. لبستُ ثياباً فضيّةَ اللونِ لامعةً وحذاءً طويلاً، وقفازاتٍ بيضاءَ وقبعةً فضيَّةً. خرجنا إلى ممّرٍ طويلٍ به نوافذُ واسعةٌ تطلُّ جميعُها على حديقةٍ فيها ألعابٌ جميلةٌ للأطفالِ من عرباتٍ وأراجيحَ وقلاباتٍ وقطاراتٍ وطائراتٍ ترتفعُ على أعمدةٍ قويةٍ وسيّاراتٍ تسيرُ في حلبةٍ دائريةٍ، وزوارقَ شراعيةٍ تطفو في بحيرةٍ، وكثيرٍ من أنواعِ الألعابِ الأخرى. هذا ما استطعتُ رؤيتَه خلالَ مسيري في الممرِّ، عند نهايته وقفتْ عربة تتّسعُ لاثنين، جلستْ ل 15 وأنا بجانبها، ضغطتْ زراً فانزلقتِ العربةُ بسرعةٍ وسهولةٍ. قالتْ:
ـ سنذهب أولاً إلى مدرسةٍ للأطفالِ لأنّك تحبُّ الأطفالَ وتهتمُّ بهم وتكتبُ لهم، آملُ أن تكونَ مسروراً بهذه الزيارة.
ترجّلنا، مشينا في شارعٍ مظللٍ بالأشجارِ الباسقةِ، كان الشارعُ نظيفاً لا أوساخَ ولا أوراقَ، لا غبارَ ولا ذبابَ، الهواءُ نقيٌّ ومنعشٌ. انتهينا إلى ساحةٍ واسعةٍ فيها أشجارٌ ووردٌ وشجيراتٌ صغيرةٌ خضراءُ، وطيورٌ من كلِّ الأصنافِ والأنواعِ والألوانِ، تطيرُ من غصنٍ إلى غصنٍ ومن شجرةِ وردٍ إلى أخرى وتحطُّ على الأرضِ وعلى أكتافِ الأطفالِ وأكفّهم وتنقرُ الحبَّ من دونِ خوفٍ. وفراشاتٌ ترفرفُ بأجنحتها الملونةِ تشكّلُ مجموعاتٍ متنقلةً. ورأيتُ أطفالاً كالزهور نظافةً ونضارةً وترتيباً، موزعين في الحديقة يحفرون بمعاولَ صغيرةٍ، يزرعون ويسقون، ويشدّون الشتلات إلى قصباتٍ طويلةٍ لتبقى الشتلةُ منتصبةً. وأطفالاً آخرين بأيديهم حاوياتٌ صغيرةٌ يجمعون بها الحشراتِ والحشائشَ والأزهارَ ليقوموا بتجاربَ عليها، وآخرين يأخذون عيناتٍ من التربةِ، وبعضاً منهم يسمِّدون الأرضَ، وفريقاً آخر يخطط المساكبَ والأحواضَ بأشكالٍ هندسيةٍ متناسقةٍ تُعَدُّ للزراعةِ.
كلٌ مستغرقٌ في عمله يؤديّه بجدّ وهمّة عالية.. بينهم مشرفٌ بثيابٍ بيضاءَ ينتقّلُ بين المجموعاتِ ويساعدُ في العملِ. هناك مجموعةٌ تُعنى بالطيور، ترشّ الحبوب أمامها، وأخرى تعمل في أحواض الأسماك الصغيرة والكبيرة، تغيّر المياهَ حولها، وتنظّفّ الأحواضَ، وتضع لها الطعامَ، تفحصها وتفصلُ الأسماكَ المريضةَ عن السليمة وتنقلها في أحواضٍ خاصةٍ حتى تشفى. في آخر الحديقةِ مجموعةٌ تعمل قربَ بيوتِ الأرانبِ الصغيرةٍ ذات الفراءِ البيضاءِ تنظّف بيوتَها وتضع لها أوراقَ الخسِّ والجزرِ في آنيةٍ، وأخرى عند بيوتِ الكلابِ تقومُ بغسلها وتقديمِ الطعامِ لها.
بعد هذه الجولةِ، اجتمعَ الأطفالُ حولنا وتكلّمنا حول العناية بالنباتاتِ والحيواناتِ والطيورِ والفوائدِ المتبادلةِ، وحولَ صحّةِ الأطفالِ الجسديةِ والنفسيةِ ورفعِ سويّة أدائهم العامِ.
كان وقتاً ممتعاً ومفيداً قضيناه في هذه الزيارة... قدم لي الأطفالُ طاقةً من الأزهارِ مما هو في حدائقهم التي زرعوها واعتنوا بها، شكرتُهم وتمنّيتُ لهم المزيدَ من العمل المفيد البنّاء واعتذرتُ لأنني لم أكن أحملُ شيئاً لهم، فلم أكن أتوقعُ زيارتَهم، ولذلك ألقيتُ لهم قصيدةً جميلةً رشيقةً، استمعوا إلى موسيقاها باهتمامٍ، بالغٍ وما إن انتهيتُ من إلقائها حتى أخذوا يردّدون نغمها وإيقاعها بأصواتٍ جميلةٍ عذبةٍ، كأنّهم بلابلُ صداحةٌ. كان ذاك لقاءً لا أنساه أبداً وسأتكلّم عنه كثيراً. ودّعتُهم وأنا أفكّر بحسنِ صنيعهم وتربيتهم العمليةِ وفائدةِ عملهم ذاك، ثم دخلنا إلى بناءِ المدرسةِ، حيث كانَ التلاميذُ في الصفوفِ. دخلنا أحدَ الصفوفِ كان قاعةً واسعةً، جدرانُها مزينةٌ بأجملِ رسومِ الحيواناتِ من أرانبَ وغزلانٍ وقططٍ وسلاحفَ وطيورٍ. رسمها الأطفالُ أنفسُهم، كانت الطاولاتُ موزعةً بنظامٍ في القاعةِ وكل اثنين يجلسان إلى طاولةٍ عليها دفاترُ للرسمِ وأقلامٌ وألوانٌ. الجميع منهمكون في عملهم دونَ ضجيجٍ مع موسيقى هادئةٍ تنبعثُ في القاعةِ. حييناهم ومررنا بين الطاولاتِ.. هذا يرسمُ حقلاً وآخرُ حديقةً وآخرُ منزلاً، وهذه ترسم بقرةً ورفيقُها يرسمُ سرباً من العصافيرِ تطيرُ في سماءٍ صافيةٍ. كانت رسوماً رائعةً متقنةً بألوانٍ متجانسةٍ، تكلّمنا عن جمالها وتناسق ألوانِها ودّقةِ مقاييسها.
ودّعنا فناني المستقبلِ بحرارةٍ وحبّ وقُدِّمتْ لي لوحةٌ مدهشةٌ لفتاةٍ تقدِّم المساعدةَ لقطٍ مريضٍ. وكانتْ هدّيتي لهم قصةَ الأرنبِ والسلحفاةِ التي أحبّها الأطفالُ كثيراً وقالوا إنهم سيقصّونها على رفاقهم.
توجهنا إلى صفٍّ آخر، لم يكنْ صّفاً مشابهاً لما ألفناه من صفوفِ الدراسةِ عندنا، التلاميذُ هنا يجلسون حول طاولاتٍ صغيرةٍ، كل اثنين إلى طاولة ويقومون بتجربةِ ما أخذوه في حصّةٍ سابقةٍ ليتأكّدوا ويتحقّقوا بأنفسهم من المعلوماتِ ونتائجِها, وعقولُهم مفتوحةٌ لمتابعةِ العملِ وتحقيقِ النتائجِ.
سلّمنا على العلماءِ الصغارِ وتمنّينا لهم المزيدَ من العطاءِ المثمرِ والمستقبلِ المشرقِ بهم. ثم تحوّلنا إلى قاعةٍ أخرى وكان بها عددٌ من الأطفالِ متحلِّقين حولَ طاولةٍ ومعهم أستاذُهم، ينظرون باهتمامٍ إلى شيءٍ أمامَهم، يلبسونَ قبّعاتٍ بيضاءَ ونظاراتٍ زجاجيةٍ ليحمي كل منهم عينَه الواحدةَ، وكماماتٍ على أنوفهم حتى لا تنتقل إليهم الجراثيمُ والأمراضُ. رأينا أرنباً مثبّتاً على لوحٍ خشبيٍّ والأستاذُ يشرح لهم.. عن سيرِ الدمِ والأعصابِ في جسمِ الأرنبِ وعن الأعضاءِ وعملِها وما تقومُ به من وظائفَ لخدمةِ الجسمِ وباقي الأعضاءِ والخلايا. ثم انتشروا بين طاولاتِهم ليقومَ كل واحدٍ بالتجربةِ بمفردِه ويسجّلَ ملاحظاتِه وإضافاتِه على الموضوعِ ورأيَه حولَه، ثم الأمراضَ التي يمكن أن تصيبَ كلَّ عضوٍ والأدويةَ المستعملةَ.
ودَّعْنا الأطفالَ أطباءَ المستقبلِ وتمنّينا لهم كلَّ خيرٍ وتقدّمٍ من أجلِ خدمةِ البشريةِ في كلّ مكانٍ في الوجودِ.
ثم دخلنا إلى قاعةٍ فيها أطفالٌ أكبرُ سناً من الأطفالِ السابقين يلبسون ثيابَ العملِ الصفراءَ وبأيديهم المفكّاتُ والمفاتيحُ ينكبّون على جهاز كبيرٍ يفكّكونه ثم يعيدون تركيبَه، ويدرسونه تركيباً وتشغيلاً، وكلٌّ يقدّم اقتراحاتِه لتطويرِه وتعديلِه وتصغيرِ حجمِه وزيادةِ قوتِه والاستفادةِ منه على الوجهِ الأكملِ والأوسعِ، وتمنّينا للمخترعين المزيدَ من النجاحِ والتفوّق.
اتجهنا إلى قاعةٍ منفصلةٍ كبيرةٍ استقبلتنا الموسيقى بإيقاعاتِها الجميلةِ قبلَ وصولنا.. كانت القاعةُ كبيرةً تحتوي صفين، صفاً من الفتياتِ الرّشيقاتِ بثيابِ رقصٍ على يمينِ القاعةِ وصفاً آخر من الفتيانِ ممشوقي القامةِ، مفتولي العضلاتِ، يتدرّبون مع الموسيقى على الحركاتِ الرشيقةِ وتناسقها مع الإيقاعاتِ بخفّة الفراشاتِ، ثم اختلطوا يؤدّون رقصةً رائعةً. كنا نتابعُهم باهتمامٍ ومتعةٍ حتى انتهوا، صفّقنا لهم وشكرنا لهم ذوقَهم الرفيعَ واتزانَ حركاتِهم وخفّتَها وتناسقَها وتمنّينا لفناني المستقبلِ السموَّ بفنِّهم الرفيعِ الذي هو البلسمُ الشافي لكلِّ الأنفسِ المتعبةِ.
قاعات وقاعات والأطفالُ فيها متألّقون مجدّدون يعملون بحبٍّ ومرحٍ وإقبالٍ.. لأنهم اختاروا ذلكَ برغبتهم ومحبّتهم لما يقومون بدراستِه وتعميق مواهبهم وتنميتها وتهذيبها.
كانت مدرسةً رائعةً بكلّ ما فيها من تلاميذَ ومشرفين ومعلمين وتجهيزاتٍ وتقنياتٍ ومختبراتٍ وإمكانياتٍ، في كل الصفوفِ كانت تُستخدمُ أحدثُ التقنياتِ المتطوّرةِ، وتقدَّم الخدماتُ الجلّى للأطفالِ، وتأخذُ بيدهم نحو مستقبلٍ زاهرٍ ومجتمعٍ متوازنٍ وحياةٍ رائعةٍ تتوفّر مقوماتُها لجميعِ سكانِ الكوكبِ.
كان يوماً جميلاً أحسستُ أنني حلّقتُ في الملكوتِ الأعلى.. سبحتُ مع أحلامي. عندما أعودُ لبلدي سأكتبُ عن كل ما رأيتُ لأنقله لأطفالِ بلدي المتميزين بكل إمكانياتهم ليبنوا لنا مستقبلاً مشرقاً. في نهايةِ الجولةِ ودّعناهم ولكنّهم رَجَونا أن نتناولَ مع الأطفالِ وجبةَ آخرِ النهارِ. كان طعاماً غنياً منوّعاً يحوي الخضارَ واللحومَ والفواكهَ والأجبانَ والألبانَ. والسكاكرَ, راتباً غذائياً كاملاً. ليبقوا أصحّاءَ أقوياءَ، فالعقلُ السليمُ في الجسم السليمِ. بعد تناولِ الطعامِ حدثتُ الأطفالَ عن أطفالِ كوكبنا وإمكاناتِهم وإخلاصِهم لعملِهم وعاداتِهم. وتكلّمتُ لهم عن شيءٍ جديدٍ عليهم لا يعرفونه أبداً، عن فصولِ السنةِ الأربعةِ (الربيعِ، والصيفِ، والخريفِ، والشتاءِ).
الربيع بدفئه وأزهارِه ونباتاتِه وعصافيرِه وفراشاتِه واعتدالِ جوّه، ثم الصيفِ بحرِّه وشمسهِ ونضوجِ فواكهِه وخضارِه، والخريفِ أيضاً باعتدالِ مناخِه، وعن الفواكهِ التي تنضجُ فيه، وغيومِه ثم الشتاءِ بأمطارِه وثلوجِه وبردهِ وصقيعهِ والكثير عن كوكبنا الجميلِ وغناه بالبترولِ والمعادنِ. واندهشتُ عندما قامَ طفلٌ وقال:
لقد أحضرنا الكثيرَ من كوكبكم.. نباتاتٍ وأعشاباً وحشراتٍ وتربةً ومياهاً وقمنا بدراستها وستظهرُ النتائج قريباً، سنستفيدُ من كل هذا.
في اليوم التالي جاءني مهندسُ الإلكترون ك8 وكان مرتدياً ثياباً جميلةً زرقاءَ بلونِ البحرِ مع حذاءٍ طويلٍ أزرقَ فيروزي وقبعةٍ كبيرةٍ بنفس اللونِ وكان مشرقاً نشيطاً. أحضر لي الثيابَ ذاتها التي يرتديها.. ركبنا عربةً مع فتاة قويّةِ البنيةِ صارمةِ القسماتِ، كانت تجلسُ في المقدّمةِ وخلفَها مقعدان متلاصقان، ركبنا متجاورين وسارتِ العربةُ على سكّةٍ بسرعةٍ كبيرةٍ.
وسنزورُ اليومَ الكثيرَ من المعاملِ والمصانعِ للصناعاتِ الثقيلةِ والخفيفةِ.
نزلنا بعد فترةٍ قصيرةٍ إلى شارعٍ عريضٍ جداً ونظيفٍ، بلونٍ رماديٍ مخطّط بالطولِ ثم بعد كلّ عدةِ أمتارٍ مخططّ بالعرض والأرصفةُ كانت بلونٍ أصفرَ. صعدنا حافلةً واسعةً كصالةٍ أنيقةٍ بها مقاعدُ مريحةٌ، سارتْ تتلوّى كأنّها تسير على جليدٍ ناعمٍ، لا صوت محرّكات ولا اهتزاز، قالتْ مرافقتُنا الصارمةُ القسماتِ:
ـ إنها تسيرُ بالطاقةِ الشمسيةِ.
قال ك8:
ـ نحن في جميعِ المعاملِ والمصانعِ والحافلاتِ وكل مرافقِ الحياةِ، نستفيدُ من الطاقةِ الشمسيةِ الهائلةِ، هل أنتم تستفيدون منها وتسخّرونها لمثل هذه الأغراضِ.
ـ ليس كثيراً، كما هي الحالُ عندكم...
قالت الفتاةُ الصارمةُ القسماتِ:
ـ ماذا... كيف تسيرُ سياراتُكم ومعاملُكم ومصانعكم؟..
ـ بواسطة البترولِ والكهرباءِ.
ـ ما هو البترولُ.. والكهرباءُ؟..
ـ سأتكلّم لكِ عنه مطوّلاً لأنّه يحتاجُ إلى وقتٍ لأشرحَ لكِ عن استخراجِه وتصفيته وتنقيته. وفي كل مرحلةٍ ينتج منتَج يختلفُ عن الآخر من حيثُ القوامُ والاستعمالُ.
ـ إذن سنذهبُ أولاً إلى معاملِ القطاراتِ والسياراتِ والدراجاتِ. دخلنا بناءً مطلياً باللونِ الأبيضِ واسعاً ومنبسطاً على مساحةٍ كبيرةٍ من الأرضِ، تحيطُ به الحدائقُ، وكانتِ المقاعدُ موزعةً تحتَ الأشجارِ وأمامَ أحواضِ الأزهارِ. دخلنا من بابٍ كبيرٍ عالٍ، سألت ك8: هل هو مصنعٌ حقاً؟.. لم أسمع ضجيجَ المحرّكاتِ ولا صوتَ طرقٍ ولا قرقعةً أو فرقعةً، وليس هناك دخان ولا غبار.
ـ سترى بنفسكَ كلَّ شيءٍ عندما تصلُ...
دخلنا قاعةَ المعملِ الكبيرةَ كان فيها أشخاصٌ ب" أفرولات" زرقاءَ، يتحرّكون خلفَ آلاتهم بهدوءٍ تامٍ، يعملون بصمتٍ وراحةٍ، كلُّ تركيزهم منصبٌّ على أعمالهم. تصلُ إليهم القطعةُ التي يعملونَ بها عبرَ سكّةٍ زجاجيةٍ يقوم العامل بما يترتّب عليه ثم تنزلقُ القطعةُ إلى المرحلةِ التاليةِ، وهكذا حتى تمرّ على جميعِ المراحلِ. جميعُهم يعملون حسبَ توقيتٍ محددٍ لا يمكن تجاوُزه لتبدأ المرحلةُ اللاحقةُ. لا يجوز التأخيرُ أو التقديمُ ولا البطءُ أو السرعةُ كلٌّ مختصٌّ بجزءٍ صغيرٍ من الآلة التي يصنعُها، العملُ مستمرٌّ بدقّةٍ. خرجنا إلى قاعة أخرى حيث كانت تجمعُ القطعُ المصنّعةُ في القاعةِ الأولى والعمل بنفس الوتيرةِ والدقةِ والاهتمامِ.
وفي القاعةِ الثالثةِ تُجرّبُ القطعُ التي جُمعتْ لتصبحَ سيارةً عدةَ مرّاتٍ وتسيرُ على طريقٍ دائريةٍ. ببطءٍ، ثم أسرعَ وأسرعَ إلى سرعةٍ كبيرةٍ جداً، وعند التأكد من صلاحيّتها تُرسلُ ليركَّب الجسمُ الخارجيُّ. ثم ترسلُ إلى المستودعاتِ وأمكنةِ العرضِ وتصبحُ صالحةً للاستعمالِ.
زرنا مصانعَ الطائراتِ والقطاراتِ والدراجاتِ الناريةِ والهوائيةِ ثم زرنا منشآتٍ ثقافيةً ومشافيَ ومزارعَ.. وأمضيتُ أوقاتاً مفيدةً مثمرةً تعلّمتُ الكثيرَ ورأيتُ كلَّ جديدٍ وطريفٍ، ووقفتُ على آخرِ التطوّراتِ الحديثةِ.
طلبتُ من الصديق ك8 أن يلبّيَ رغبتي، قلتُ لـه:
ـ إنني أودُّ العودةَ إلى و طني إني أحنّ إليه واشتقتُ لأهلي... ودّعني وقال: سنلتقي غداً، اليومَ سأنقلُ رغبتك.
نمتُ مسروراً أحلمُ بقريتي الجميلةِ والسهولِ الواسعةِ.
في الصباح جاء الشابان س4 و ك8، والفتاة ل 15، ارتديتُ ثيابي على عجلٍ، قدمّوا لي بعضَ الهدايا، واسطواناتٍ عن رحلتي وما رأيتُ حتى أعرضها في بلدي ليروا ما رأيتُ، فنتعلمَ ما يفيدنا ونتركَ غيرَه.
صعدنا إلى الأعلى مررنا على كلِّ الأمكنةِ التي أتينا منها ثم ركبنا مركبةً زرقاءَ بلونِ السماءِ وفقَ ترتيبِ صعودنا في الرحلةِ الأولى. أقلعتِ المركبةُ بهدوءٍ ثم أسرعتْ، شعرتُ أن سرعتها أكبرُ لأنّها هابطةٌ. وصلنا بعد رحلةٍ قصيرة كانتْ ممتعةً. أشارتْ إليَّ الفتاةُ لأنظر من النافذةِ، بدت لي الأرضُ جميلةً... جميلةً أكثرَ مما أتصوّرُ. لقد اشتقتُ لكلّ شيءٍ فيها.. كانتِ الدموعُ تنسابُ من عينيّ بغزارةٍ، لقد سبقني الحنينُ.
حطّتِ المركبةُ بكلّ هدوءٍ، وقد وصلنا في مثل الوقت الذي انطلقنا فيه.. وقتَ الغروبِ، كانت لديَّ رغبةٌ شديدةٌ في اعتلاء الصخرةِ ورؤيةِ الغروبِ المدهشِ.
ولكنّ الشوقَ إلى أهلي وقريتي غلبني فأسرعتُ لرؤيةِ أمي وأبي وإخوتي، أحسستُ كأنيّ غائبٌ منذ وقتٍ طويلٍ. اتجهتُ إلى القريةِ بصحبةِ الفتاةِ ل 15، والطبيبِ س4 وبقي ك8 عند المركبةِ لتجهيزها لرحلةِ العودةِ.
أقبلنا على القريةِ، اقتربنا أكثرَ، ماذا أرى... لقد تغّير بيتُنا، كبرتْ شجراتُ حديقتنا وارتفعتْ، ناديت بصوتٍ عالٍ وحب: أمي... أبي... أين أنتما؟.. خرجت أمي وقد ابيضَّ شعرُها وكثرتِ التجاعيدُ وحُفِرَت أخاديدُ على صفحةِ وجهها... خرج إخوتي يتبعون أمي مسرعين مستفسرين.. أصبحوا كباراً، أكبرَ مني.. لم أستطع التعرّفَ إليهم للوهلةِ الأولى.
ركضتْ نحو والدتي، قبّلتُ يديها، ضمّتني إلى صدرها بكل الحبِّ الذي عهدتُه فيها. قبلّتني وقبلّتها، انهمرتْ دموعُها غزيرةً وقالت وهي تشرق بدمعها: سامحَكَ اللهُ يا عادلُ يا حبيبي، أين كنتَ كلَّ هذه المدةِ الطويلةِ.؟ لم تسألْ عنا أو تكتبْ لنا عن أخبارِكَ. لقد بحثنا عنك طويلاً، ولم ننقطع عن السؤال والبحثِ، انقطعتْ أخبارُك حتى إننا يئسنا من عودتِكَ.. ولكنّ أملي كان كبيراً بأني سأراك. تقدم إخوتي بلهفةٍ وحبٍ، تبادلنا القبلاتِ والأشواقَ، وكان الشابُّ والفتاةُ ينظران إلينا بحيرةٍ وتساؤلٍ، قلت منفعلاً موجِّهاً الكلامَ إلى الدكتور س4:
ـ قلتم لي رحلةٌ قصيرةٌ.. هل رأيتم ما جرى لهم. كم من الزمنِ مرَّ...
قال الشابُّ بفرحٍ:
ـ هم أصبحوا كباراً وأنت ما زلت شاباً.
ـ هل كنتَ تعرفُ؟.. ماذا صنعتم بي. لا أريدُ ولا أحبُّ أن أبقى شاباً وأرى أخوتي الصغار أكبرَ مني. أرى والدتي وقد هَرِمَتْ، أريد أن أعيشَ معهم يوماً بيوم وساعةً بساعةٍ، ننمو ونكبرُ ونهرمُ معاً. تجمعُنا الألفة والحبُّ والحنانُ ونعيشُ الحياةَ بأفراحِها وأتراحِها، حلوِها ومرِّها.
التفتُّ إلى أمي السعيدةِ الحزينةِ في نفسِ الوقتِ:
ـ أين والدي يا أماه؟.. لقد اشتقتُ إليه كثيراً، أريدُ أن أعتذرَ لـه عن تأخري عنه، وعما سببتُ لـه من قلقٍ وانتظارٍ وألمٍ، وأتحدثَ معه طويلاً، أتشاور معه في أمورٍ كثيرةٍ، أنا بحاجةٍ إلى رأيه. مسحتْ أمي بطرفِ كمِّها دموعاً غزيرةً فاضتْ من عينيها الذابلتين، وانسابتْ في أخاديدِ وجهها متزامنةً مع كلامي وسؤالي.
ـ يا بني.. رحمَ اللهُ والدكَ، لقد انتظرَكَ كثيراً، مرضَ.. ذوى.. وماتَ.
بكيتُ بحرقةٍ لم أبكِ بمثلها في حياتي، تلبسّني حزنٌ عظيمٌ ثقيلٌ، كل ما في العالم لا يعوّضني عن خسرانِ والدي.
لم يستطعْ أحدٌ من الموجودين أن يخففَ عنّي، ويوقفَ موجَة البكاءِ التي انخرطتُ فيها.
خرجت امرأةٌ من البيتِ المجاورِ على الضجّةِ والبكاءِ، اقتربتْ مني وقالتْ:
ـ أعرفُكَ يا عادلُ رجلاً مؤمناً وعاقلاً، وهذا قضاءُ الله وقدرُه، نظرتُ إلى وجهها وتفرّستُ في ملامحها من خلال دموعي، صوتُها لم يكن غريباً عليَّ.. جاءني ذلك الصوتُ حنوناً صادقاً. لقد تعرّفتُ إلى ملامحها.. إنها خطيبتي التي أحببتُها حباً جارفاً وكان موعدُ زفافنا قريباً. لقد غزا الشيبُ شعرَها وذبلتْ، انطفأ بريقُ الشبابِ في عينيها.. انطفأ عمرُها.
بكت وبكيت...
نظرتُ إلى رفاق الرحلة بعتبٍ وحزنٍ ومرارةٍ: سامحكم اللهُ. كنتُ أحبُّ أن أُمضيَ عمري معهم أحس بدفء الحياةِ معهم. الحياةُ والشبابُ لا يساويان شيئاً من دون حبّ الوالدين والأخوةِ والأحباءِ. حياتي أصبحتْ جامدةً قاسيةً خاليةً من الأحاسيسِ والعواطفِ، كما هي عندكم، صارت حياةً آليةً مملّةً وسخيفةً لا تستحقُّ البقاءَ وغيرَ جديرةٍ بأن تعاشَ.
نظرتُ إلى وجه س4، وقد ازدادَ بياضاً بعد كلِّ ما رأى وسمعَ، وانطفأ لمعانُ عينه، وذبلَ وانكمشَ، وتفكّكَ مثل كأسٍ من الزجاجِ سقطَ من علٍ.. انتثرَ فوقَ الأرضِ وانداحَ قليلٌ من الدمِ الأبيضِ فوقِ الترابِ أمام بيتِنا وفي ضوءِ القمرِ الأبيضِ الساطعِ أخذ يرسلُ ما يشبه الأشعةَ النفّاذة. قالت ل15، انظر س4 لقد أحسّ بالذنب لأنه صاحبُ الفكرةِ بأخذِكَ لزيارةِ كوكبِنا، لقد كانَ يراقبُك من زمنٍ، لقد دفع الثمنَ.. والآن بقيَ هو عندَكم.
نقدم أسفَنا، وأرجو أن تقبَلَه، لا بدّ من العودة لقد تأخرتُ. انطلقتْ الفتاةُ مسرعةً تلوّحُ للجميع وتركضُ باتجاه الصحنِ الطائرِ العجيبِ، أو المركبةِ التي تنتظرها لتعيدَها إلى كوكبِها الجميلِ.



]]]







الوقتُ والحلمُ
الوقتُ... الوقتُ... الوقتُ..
كلمةٌ، لا تملّ أمي من ترديدِها. وهي آخرُ ما بقي صداه في البيتِ وفي أذني بعد أن صفقتِ البابَ وراءها، كانت تشيرُ إلى ساعتها التي تقفُ مثل شرطيِّ المرورِ وتحذِّرني من ضياعِ الوقتِ.
عندما خرجتْ من البيتِ تسللتُ إلى غرفتها، كانت ساعتُها الحمراءُ الكبيرةُ اللامعةُ ذاتُ العينِ الزجاجيةِ الواسعةِ التي تشبهُ البحيرةَ، تتربّعُ بكبرياءٍ وصلفٍ وغرورٍ على الطاولةِ المجاورةِ لسريرها، شامخةً تترنّمُ بإيقاعاتها التي أكرهُها. تك... تك... تك.. كأنّها محركٌ لسيارةٍ قديمةٍ، وعقاربُها تدورُ بثقلٍ وعجرفةٍ. إنها تحطّمُ الأعصابَ، بصوتِها الرتيبِ المملِّ الذي لا تغيِّرُه.
أمسكتُ بها ونزعتُها من مكانها، قلّبتُها بين يدي وصرخت:
ـ أيها الوقتُ... إذا كنتَ ولداً قوياً وواثقاً من نفسك.. أخرجْ إليّ وكلّمني وجهاً لوجه. أخرجْ ولا تبقَ جباناً مختبئاً، خلفَ هذا الزجاجِ الباردِ.
لكنَّ الوقتَ بقيَ يتكتكُ ببرودٍ وكبرياءٍ غيرَ مكترثٍ بي، وكأنّه لم يسمعْ شيئاً ممَّا قلتُ. مسحتُ على وجه الساعة فلم أحسَّ سوى ببرودةِ الزجاجِ وملمسِ المعدنِ القاسي.
نقرتُ بيدي على الزجاجِ بشيءٍ من القوّةِ وأنا أصرخ:
ـ أخرجْ إليَّ أيها المتمترسُ خلفَ الزجاجِ... أخرجْ...
ضربة قوية بالملعقة، وتحطّمَ الزجاجُ. يا لها من لحظةٍ ممتلئةٍ بالخوفِ والدهشةِ، لقد حطّمتُ زجاجَ الساعةِ.
لمستُ العقاربَ المتحرِّكةَ، التي طالما تمنيتُ أن ألمسَها، كان ذلك صعباً، أمَّا الآن فهي بين يديّ. إنها شريطٌ معدنيٌ رقيقٌ. لمستُها عدّةَ مَرّاتٍ، أدرتُها في كل الاتجاهات، لم تقاومْ بل كانت تطاوعني وتدورُ معي كما أريدُ، أدرتُها، عبثتُ بها، رنّتْ بصوتٍ عالٍ قويٍ رن... رن... ر..ن...
أجفلتُ من الصوتِ المفاجئ، كدتُ أموت خوفاً، لقد انكشفَ أمري. غطّيتُها بيدي، فاستمرّتْ بالرنينِ، طمرتُها تحتَ غطاءِ السريرِ السميكِ.. لم تصمتْ، ضربتُها بقوَّةٍ بيدي.. ضربتُ بها أرضَ الغرفةِ، صمتَتْ، وخَمَدَ صوتُها، لا رنين ولا تكتكة، ولا أي حركة الآن، كأنّ العقاربَ ماتَتْ. تبعثرتْ من الساعةِ قطعٌ صغيرةٌ مستديرةٌ كالعجلاتِ المسننةِ، وأخرى مستطيلةٌ، واسطوانيةٌ، وبراغٍ وبطارياتٌ وقطعُ زجاجٍ وإطارٌ معدنيٌّ واسعٌ. وقطعةٌ مدورةٌ نُقشت عليها الأرقامُ بمسافات متساويةٍ ومدرّجةٍ. منذ قليل كانت متكبرةً مغرورةً، يا لها من غبيةٍ بلهاءَ. هي لا شيء لا شيء أبداً. كنتُ أظنُّ أن الوقتَ الذي يقلق راحتي ويقيّدني ويمنعني عن كلّ ما أحبّ وأتمنى، مختبئاً في داخلها، لكن لا يوجدُ شيءٌ...
هل هذه القطعُ المعدنيةُ البسيطةُ التي لا قيمةَ لها هي الوقتُ الذي سبّبَ لي الكثيرَ من الألمِ والإحراجِ وعدمِ الراحةِ؟!.
رثيتُ لحالِ الوقتِ الذي هو لا شيء، مجرد قطعٍ معدنيةٍ لا قيمةَ لها، هل هذا هو الوقتُ فعلاً؟ غريبٌ... إنّه لا شيء، وكل شيء في الوقتِ ذاته!
قلّبتُ القطعَ بين يديّ، رثيتُ لحالها. وأخذتُ أسأل نفسي وألومُها، لماذا كسرتُ الساعةَ المسكينةَ؟..
خرجتُ من غرفة والدتي، ولديّ شعورٌ مختلطٌ مشوّشٌ. أشعر بالذنبِ لأنني كسرتُ الساعةَ، وأشعرُ بالفخرِ لأنني انتصرتُ على الوقتِ ودحرتُه...
لجأتُ إلى غرفتي، اختبأتُ، وأنا أحملُ بداخلي همّاً عظيماً، وخجلاً من فعلتي.
لماذا استعرضتُ عضلاتي على ساعةٍ معدنيةٍ لا حَوْلَ لها ولا قوة. أحسستُ بندمٍ شديدٍ وذنبٍ كبيرٍ. شعرتُ أن وجهي يتوهّجُ حرارةُ. لماذا حطمتُ الساعةَ؟ فقط لأكتشفَ الوقتَ وأتحدّاه. أم حتّى لا يُحسَب علي الوقتُ وأستمتعَ باللعبِ... لماذا فعلتُ ذلك؟ راجعتُ اللحظاتِ التي سبقتْ خروجَ أمي من البيتِ:
كنتُ أريدُ أن آخذَ درّاجتي لألعبَ في الحديقةِ، أو آخذَ طائرتي الورقيةَ الكبيرةَ أطيّرها بالجوِّ. أفرد كتلةَ الخيطانِ كلها، وأراها وهي تحلّقُ وتحلق، ما أجملَ هذا، لكنني لم أستطعْ أن أتمتّعَ بطائرتي وتحليقِها، أو آخذَ سنارَة الصيدِ، وأذهبَ إلى البحيرةِ لأصطادَ سمكةً صغيرةً أضيفُها إلى حوضِ الأسماكِ لتعيشَ بينها.
ربَّما كان انزعاجي من الوقتِ، ربَّما كان اعتراضُ أمي على ذلك ومنعُها لي وتركيزُها على الوقت هو الذي دفعني لتحدي الوقتِ وفعلِ ما فعلتُ.
والآن هاهو ذا الندمُ والشعورُ بالذنبِ يكبلانني، وانتظارُ العقاب أمامي، قلقٌ كبيرٌ يرهقني. كنتُ أتمنّى أن أنالَ عقابي بسرعةٍ وأستريحَ. والأسوأ من كل هذا أن أمي ستزعلُ مني وتغضبُ عليّ ولن تكلّمني، وهذا يؤلمني أشدَ الألمِ. عندما تغضبُ أمي أرى الدنيا سوداءَ ضيّقةً.
سمعتُ حركةَ مفتاحٍ في البابِ.. خفتُ وانكمشتُ، وازدادتْ ضرباتُ قلبي... جفَّ حلقي، ركضتُ هنا وهناكَ، أبحثُ عن مكانٍ أختبئ فيه. فُتِح البابُ. ها... ليستْ أمي، إنه والدي. اندفعتُ نحوَه والدموعُ في عينيّ، اعترفتُ لـه، وأنا أترجَّح بين الخوفِ والبكاءِ. اعتذرتُ لـه عن فعلتي الشريرةِ وقلتُ لـه:
ـ إنني سأوفرُ مصروفي وأشتري لأمي ساعةً مثلَها تماماً.
بكيتُ... أخذني من يدي بهدوءٍ وحبٍّ، وقالَ بصوته الدافئ الحنونِ:
ـ يا ولدي ما ذنبُ هذه الساعةِ، إنها تساعدُنا على تنظيمِ أوقاتِنا، وتذكِّرُنا بمواعيدنا، وتجعلُنا نعرفُ متى نعودُ إلى البيتِ، ومتى نخرُج إلى العملِ، إنها تضبطُ أوقاتَ طعامِنا، يوقظُنا رنينُها المتواصلُ من نومِنا العميقِ لنتهيّأَ لأعمالِنا والتزاماتِنا.
قلتُ بخجلٍ وندمٍ لوالدي الذي كان ينظرُ إليّ بعتبٍ المحبِّ:
ـ أحسستُ بأنّها هي المسؤولةُ التي تمنعني من اللعبِ، كانت أمي تهدّدني بالوقتِ، أردتُ أن أعاقبَ الوقتَ وأسكتَه، إنّه يلاحقني، ويتحكمّ بكل شيءٍ لي، حتّى النوم واللعب.
قال والدي: لكنَّ الوقتَ لكَ وعليكَ.. أليس كذلك يا ماجد؟!.
ـ سامحني يا والدي، لن أعودَ لمثل هذا أبداً. أحبُّ أن ألعبَ، أحبُّ اللعبَ أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخرَ. لا أريدُ أن أتقيّدَ بوقتٍ وأنا ألعبُ، الآنَ سوفُ أغيّر عادتي، لقد اكتشفتُ ما بداخلِ هذه الساعةِ، ولن يسببَ لي الضيقَ والضجَر بعد الآن.
أعرفُ أنك ولدٌ عاقلٌ ومجتهدٌ وتحبُّ اللعبَ، وهذا شيءٌ طبيعيٌ. كل الأطفال يحبّونَ اللعبَ، ولكنّ للعبَ وقتَه وللعمل وقتَه. لا نستطيعُ أن نعطيَ للعبَ كلَّ الوقتِ، إذا فعلنا ذلك، ماذا نتركُ لغيره من الواجباتِ ومتطلباتِ الحياةِ.؟
ـ اذهب الآن يا بنيّ لتكتبَ واجباتِكَ، وتقرأَ دروسَك وتفهمَها. يا ماجد أنت نشيطٌ، ولديك طاقةٌ كبيرةٌ، وتحبُّ الابتكارَ، وكلُّ هذا جيدٌ، ولكنَّكَ كثيرُ الحركةِ، وتعطي للعب اهتماماً كبيراً. اصرفْ نشاطَكَ بتوازنٍ، ساعةٌ لك وساعةٌ لعملك.
ـ سأفعلُ يا أبي. لكنْ أمي... ماذا أقولُ لها، وماذا ستفعل؟ أخشى أن تغضبَ مني وتعاقبَني.
ـ أنا سأهتمُّ بهذا الأمرِ، وسأتكلّمُ معها، وأطلبُ منها أن تسامحَكَ. اذهبِ الآنَ واهتمَّ بدراستك.
دخل ماجدٌ غرفتَه، ووضعَ كتبهَ وأقلامَه على الطاولةِ، ورتّبها حسبَ برنامجِ الدروسِ حتّى لا ينسى شيئاً، وشرعَ يعملُ. وعندما أتمّ واجباتِه الدراسيةَ شعرَ بارتياحٍ كبيرٍ. قامَ إلى ألعابه، جمعَها كلَّها، ووضعَها أمامَه، نظرَ إليها؟ ثمَّ نظرَ إلى كتبِه ودفاترِه. قال في نفسه: لكل منها وقتٌ.
أحسَّ أن شيئاً ما في داخله قد تغيّر.
تنحنح... قلّد صوتَ والده، ورفعَ رأسَه، وقال:
ـ أنت أيها الدبُّ الكبيرُ، تعال لأنزلك عن دراجتك التي تمتطيها منذ دخلتَ هذا البيت. سأزيحُ من أمامك هذا الطبلَ الكبيرَ الأجوفَ مثلَك. إنك تجلسُ هكذا دونَ اعتراضٍ أو تذمّرٍ، حتّى إنك لا تفكرُ بقرعِ الطبلِ إلا عندما أدفعُك لهذا وأديرُ المفتاحَ.
أنزلـه عن الدراجةِ، وخلعَ سراويله التي يرتديها وسترتَه وقال:
ـ أيها الدبُّ الغبيُّ الخاملُ، اذهبْ، اسبحْ، أركضْ في الحقولِ، تذوّقْ طعمَ العسلِ الذي تحبُّ، وابحثْ لك عن مكانٍ بين الأشجارِ على ضفةِ النهرِ. أليسَ هذا أفضلُ من البقاءِ هنا؟!
فتح البابَ وأطلقَه إلى الحديقةِ.
عاد ليأخذ العصفورَ الملوّنَ ذا المنقارِ الأحمرِ.
ـ ألا تحبُّ أن أطلقك، لتغرّدَ بين الأشجارِ ولتبنيَ لك عشاً وتلتقطَ طعامَك من الحقولِ.
أدارَ المفتاحَ، وتركه يجري في أرضِ الغرفةِ ثمَّ يرتفعُ ويحلّقُ ويطيرُ.
انطلق عبرَ النافذةِ وحطّ على شجرةِ اللوزِ في الحديقة، وراحَ يغرّدُ. تناول الدميةَ من زاويةِ الغرفةِ.
ـ جاء دورُك أيتها الدميةُ ذاتُ الثيابِ الأنيقةِ الملونةِ، والشعرِ الأشقرِ، والشفاهِ القرمزيةِ. لماذا تبتسمينَ دائماً كالبلهاءِ؟.. هل لأنّك محنطةٌ ضمنَ هذا الإطارِ؟ أخرَجَها من علبتها وأركبَها دراجةَ الدبِّ الصفراءِ الكبيرةِ وألبسها قبعةَ الأرنبِ الصوفيةَ البيضاءَ وأطلقها بالممرِّ المؤدّي إلى الحديقةِ، وصاح مخدّراً.
ـ انتبهي لنفسِك. لا تسيري بدراجتك بين السياراتِ. خذي يمينَ الشارعِ. اذهبي إلى الحدائقِ والملاعبِ، تمتّعي بالحياةِ. افتحي صدرَك للشمسِ والهواءِ. اعملي. كوني موجودةً. لماذا كل هذا الكسل؟!
ـ التفتَ إلى القطِّ الأبيضِ السمينِ على طرفِ السجادةِ. بعيونهِ الزرقاءِ الصافيةِ.
ـ أنت أيها القطُّ المدللُ، إنَّك لا تتقنُ أيَّ عملٍ حتّى صيدَ الفئرانِ والحشراتِ، تفتخرُ بشعرِك الأبيضِ، وقلادتِك الحمراءِ. سأطلقك مع هذا الكلبِ الأكثرِ دلالاً منك، ليتولى أمرَكَ، ويحرّك همّتك، ويبعثَ بقلبك الخوفَ والرعبَ، ويجعلَك تركضُ، المهمُّ أن تتحركَ.
سمعَ صوتَ أمه تنادي.
جفلَ، وألقى ما بيده. يا الله. الآنَ ستدخلُ غرفتَها، وتكتشفُ أن ساعتَها العزيزةَ ليست في مكانها... يا لله استرْ.
ارتبكَ كثيراً، مشى إلى الأمام، ثمَّ عادَ إلى مكانه، ركضَ نحو البابِ ليرى أمَّه، لكنَّه تراجعَ قبل أن يفتحَه. توجَّه إلى النافذةِ فتحها. جاء صوتُ أمِّه أكثرَ جديةً.
ـ ماجد. هل أكملتَ واجباتِكَ؟ اقتربَ وقتُ العشاءِ.
ما زالتْ تتكلمُ عن الوقتِ من المؤكد أنها لم تدخلْ غرفتَها بعدُ.
ـ نعم. نعم. أنهيتُ واجباتي. عندي بعضُ الأشياء أريدُ أن أصفِّيها.
ـ سأحضرُ العشاءَ... لا تتأخرْ.
ـ بعد قليلٍ، سأكونُ جاهزاً.
ـ أسرعَ إلى كتبه مرتبكاً مشوشاً، أين أمُّه الآن..؟ قد تكونُ دخلتْ غرفتَها.
خشي أن يكون والدُه قد نسيَ الموضوعَ من أصلِه، ولم يكلِّمْها بشأنِه.
شعرَ بالتعبِ والنعاسِ. إنَّه خائفٌ، لا يستطيعُ الخروجَ من غرفته، كيف سيقابلُ أمَّه، ماذا يقولُ لها؟.
تناول الطائرةَ البيضاءَ الكبيرةَ، ذاتَ الأجنحةِ والذيلِ الأزرقِ، التي أهدتها لـه أمه في عيدِ ميلادِه. أخرجَها من علبتها. مسحَ عليها بيده، أمَّا أنتِ فلكِ شأنٌ آخر يختلفُ.
ثبّتهَا فوقَ كرسيّه الصغيرِ، وربطَ مظلّةَ والده الكبيرةَ السوداءَ بمسندِ الكرسيِّ. وأخذَ غِطاءَ السريرِ الخارجيِّ، ووضعه فوقَها كالمظلَّة، جلسَ على الكرسيَّ. وربطَ نفسَه بحزامه الجلديّ. أدارَ محرِّكَ الطائرةِ، وانتظرَ حتّى حمي... كان هو قد دخلَ عالماً آخر.
انطلقَ عبرَ النافذةِ بسرعةٍ كبيرةٍ، حركت الهواءَ أمامَه بقوةٍ، وما إن أصبحَ فوق الشارعِ، حتّى طارتْ قبعةُ شرطيِّ المرورِ الواقفِ على الناصيةِ. وحلّقَ شالُ امرأةٍ تسيرُ مع زوجها على الرصيفِ وطارَ سِربُ حمامٍ خائفاً وحلّقَ عالياً.
ارتفعَ وارتفعَ، رأى مدينتَه من الأعلى جميلةً منظّمةً: الناسُ في الأسواقِ يتسوّقون، العمالُ في المعاملِ، والحافلاتُ تنسابُ في الشوارعِ العريضةِ. ثمَّ رأى الشاطئَ، والسفنَ الراسيةَ فيه، والرافعاتِ العملاقةَ ذاتَ الأعناقِ الطويلةِ كالزرافات، تحمل صناديقَ البضائعِ الكبيرةَ، وتضعها في عنابرِ السفنِ. العمالُ يتحركون بكلّ همّة ونشاط.
حلّقَ فوقَ الملاعبِ الواسعةِ: حدائقُ منسّقةٌ خضراءُ. نهرٌ يتلوى بين الحقولِ. قطارٌ يسيرُ على سكّته الحديديةِ، يجتازُ البساتينَ ويدخلُ في نفقٍ طويلٍ. حلّقَ أعلى وأعلى، انتفخَ الغطاءُ، وأصبحَ كمظلةٍ كبيرةٍ. أطفالٌ يلعبون ويلهون بالحدائقِ، أحسَّ بالراحةِ والمتعةِ والشوقِ لرؤية مدنٍ وقرى أخرى. حلّق فوق جبلٍ عال كادَ يلامسُ قمّتَه، ثمَّ سهول ووديان ومزارع.
جفلَ وصرخَ... أغمضَ عينيه، من هولِ ما رأى.. بيوتٌ ومدارسُ ومساجدُ مدمّرةٌ تشتعلُ بها النيرانُ. هبطَ قليلاً... ثمَّ هبطَ أكثرَ... أطفالٌ يبكون ويصرخون. ينقلون بسياراتِ الإسعافِ. بعضُهم ملقى بالشوارعِ، الرعبُ يملأ وجوهَهم المعفّرةَ بالترابِ والدمِ. ما هذا الذي يجري هنا؟.
فركَ عينيه ماذا...؟ طائراتٌ تقصفُ مسببةً الدمارَ والحرائقَ... ألسنةُ اللهبِ ترتفعُ، بيوتٌ تُدمَّرُ وتنهارُ فوق رؤوسِ أصحابها... سياراتُ إسعافٍ تزعقُ... سياراتُ إطفاءٍ تولولُ.
سياراتُ الإسعافِ تُمنع من الوصولِ لإنقاذِ الضحايا.
أشخاصٌ يُخرجون أشلاءَ أطفالٍ ونساءٍ وشيوخٍ من تحتِ الأنقاضِ.
دماءٌ تنزفُ وأرواحٌ تُزهقُ.
هناك جرافاتٌ تقتلعُ أشجار الزيتونِ والأشجارَ المثمرةَ من جذورها تجرفُ التربةَ. تدمّرُ كلَّ أسبابِ الحياةِ. تهدمُ البيوتَ.
أطفالٌ مشردون في الشوارعِ والساحاتِ، يجولون بين ركامِ الأبنيةِِ يفتشون عمَّا يأكلونه. بعضُهم ينامُ في العراءِ يفترشُ الترابَ.
أحسّ بالألمِ الشديدِ والخزي من هذه الأعمالِ الهمجيةِ البربرية.
نظرَ إلى الأسفلِ، رأى دبابةً، تطلق نيرانَها بحقدٍ وغلٍّ كبيرين على مبان بعماءٍ تام، دونَ تمييزٍ، تصيب أطفالاً ونساءً.
رأى بعضَ الحجارةِ تلمعُ وتنطلق بالجوِّ كحمائمَ بيضاء، لتوصل رسالةً نقيةً صادقةً وساطعةً وتقول بصوتٍ عالٍ:
ـ إنّي أحتجُّ. إنّي أحتجُّ. أحتجُّ على هذا القتل والتدميرِ. لا أستطيعُ أن أقتلَ أو أدمِّرَ. ولكني أحتجُّ.
في الطرفِ الآخرِ، موجٌ من الناس يحملون على أكتافهم تابوتاً مكفّناً بعلمٍ.
انظروا... وعوا... إننا بشرٌ نستحقُّ الحياةَ فوق أرضنا وفي وطننا.
نريد أن نعيش آمنين. ككلِّ خلقِ الله... بأيِّ حقٍّ نقتلُ وتسلبُ منا الحياةُ التي منحنا إيّاها الله. انظروا إلينا سلاحُنا حجرٌ ودريئتنا صدورُنا المشرعةُ. وسلاحهُم كلُّ وسائلِ الدمارِ والموتِ.
هطلتْ دموعُ ماجد غزيرةً فياضةً، لكنَّها لم تطفئ شيئاً من هذا الغلِ المحمومِ، الذي يتساقطُ قذائفَ تدمِّرُ البيوتَ، وتمزّقُ الأجسادَ وتُزهقُ الأرواحَ، وتزرعُ الرعبَ والقهرَ في النفوسِ، التي تنتظرُ دورَها في الاستشهادِ دفاعاً عن كل ذرةِ ترابٍ، الترابُ الذي أصبح مجبولاً بالدمِ والأشلاءِ، مسكوناً بالأرواحِ.
نظرَ إلى الشمسِ، كان الوقتُ غروباً، وجدها حمراءَ مدمَّاةً كأنّها مصابةٌ بجروحٍ، أصبحتْ ملطخةً بالدمِ، بالقهرِ والدمارِ.
طائرةٌ حاقدةٌ كادتْ تصيبُ طائرتَه بقذيفةٍ، لا يدري كيف انحرفَ عنها بسرعةٍ ونجا من غلّها الذي يحملُ الموتَ العشوائيَّ، لكنّها أصابتِ الجناحَ الأيسرَ من طائرته، اشتعلتْ النارُ به، اضطربتِ الطائرةُ وأخذتْ تميلُ نحو الجناح المحترقِ. الدخانُ غطّى الجوَّ حولَه، أصبحتِ الرؤيةُ صعبةً. أشعلَ كلَّ الأضواءِ، وزادَ السرعةَ كثيراً، امتدّ الحريقُ إلى جسمِ طائرته. أحسّ بوهجِ النارِ وحرارتها تلفحُ وجهَه. خافَ أن تلتهمَ جسمَ الطائرةِ، وتمتدَّ إلى المحركاتِ، زاد سرعتَه، فكّر بالهبوطِ الاضطراريّ، رأى من بعيدٍ شبّاك غرفته ما زالَ مفتوحاً، والهواءُ يلعبُ بالستارةِ. دخلَ من النافذةِ بأعجوبةٍ متعباً لاهثاً. اصطدمَ بكرسيٍّ أوقعه أرضاً. أحسّ بالوجع. فركَ عينيه... أين كنتُ؟ كان خائفاً يرتجفُ. أسنانُه تصطكُّ... وتساءلَ: أين كنتُ؟! محرِّكُ طائرته يهدرُ ببطءٍ فوق الكرسيِّ الصغير... إنه كابوس مرير. نظر إلى ألعابه... تذكّرَ الأطفالَ والنساءَ والدماءَ...
عاد إلى ألعابه بحزمٍ وتصميمٍ والدماءُ تغلي في عروقِه من هؤلاء المجرمين القتلة؟..
آه... الآن أنتِ أيّتُها الدبابةُ المرقشةُ، حانَ دوركِ لن أتساهلَ معك، سحبها بعنفٍ.
ـ بالله عليكِ قولي، ماذا تصنعين هنا بين الكتبِ والدفاترِ، وهذه الألعاب الوديعةِ؟. هل وُجدتِ من أجل هذا؟ تحتمين بالغرفِ وتنامين بين الدبِّ والقطِ والأرنبِ، أليس هذا عيباً، ألا تشعرين بالعارِ والانكسارِ.
كان الأجدر بك أن تعملي سيارةً لنقل القمامةِ خيراً من البقاء بلا عملٍ طوال هذه المدةِ. لقد صدأتِ وفقدتِ جاهزيتكِ.
ـ أنت أيُّها الجنديُّ الأخرقُ، لماذا ترتدي ثيابَ القتالِ، وخوذتُك الحديديةُ يعلوها الغبارُ، منذ تعرفت عليك، وأنت على وضعك، لم تحرّكْ ساكناً، لم أسمعْ لك صوتَ احتجاجٍ. لم تأت بحركةٍ. حتّى إنك لم تفكّرْ بتنظيفِ سلاحِك وتَفَقُّدِه. هكذا تعلّمتَ وتدرّبتَ وأقسمتَ؟.
هل تنتظرُ الأوامرَ، أم استعذبت الراحةَ والكسلَ؟.. أليس لك عقلٌ وطولٌ وعرضٌ، هل نسيتَ أنّكَ إنسانٌ؟. فلم تفكّرْ في أن تجلسَ أمامَ التلفازِ وتستمعَ إلى نشرةِ أخبارٍ واحدةٍ وتحللَ الأمورَ، لترى ما يجري في هذا العالمِ المتناحر الغارقِ بالدماءِ، الملطخِ اليدين والوجهِ بجرائمِ القتلِ والتدميرِ الوحشيِّ. حتّى إنك لم ترَ في نومك وأحلامِك أرواحَ الناسِ والأطفالِ البريئةَ الشهيدةَ تحومُ تتألمُ وتتظلّم لما جرى لها بغيرِ حقٍ.
لم تهتمَّ لحالِ الجرحى والمشوّهين. الموتُ على مدارِ الساعةِ في وطننا. نزيفٌ مستمرٌّ، ولا تتحركُ فيكَ شعرةٌ كأنك لا تسمعُ ولا ترى ولا تعي ما يدورُ حولك. الأطفال يُحرمون من التعلّمِ واللعبِ، ومن الثيابِ والطعامِ، من الهدوءِ والأمانِ، كلُّ أطفال العالمِ يعيشون طفولَتهم، يمارسون هواياتِهم، يذهبون إلى الحدائقِ والمتنزهاتِ والمسارحِ... لهم بيوتٌ هادئةٌ آمنةٌ. حتّى العناكبُ والفئرانٌ والحيّاتُ والعصافيرُ، لهم بيوتٌ آمنةٌ أليس هذا حقاً أيها الجنديُّ؟!.
أيها الجنديُّ الكسولُ كثيرٌ من أطفالِ وطننا، ينامون ويستيقظون على أصوات القصفِ والتدميرِ والموتِ والدمِ. لم يبقَ لهم آباءٌ وأمهاتٌ. مدارسُهم مدمرةٌ.
بالله عليكَ ألا تستحي، ألا تخجلُ من نفسك. إنّه عارٌ على جنديٍّ مثلِكَ أن يبقى متفرّجاً. أظنُّ أنّ هذه الإداناتِ كافيةٌ لتخجلَ وأصنعَ بك ما يلزمُ.
حرِّكْ دبابتكَ هذه التي لم تقمْ بوظيفتِها. اركبْها وتحرّك بسرعةٍ. لتؤدّيَ واجبَكَ، وتقدِّمَ روحَك ودمَك من أجل تحريرِ بلدك وإنقاذِ الأرواحِ البريئةِ.
هُرِعَ الجنديُّ إلى دبابته بعزيمةٍ صلبةٍ، أدارَ المحرِّكَ، وانطلقتِ الدبابةُ وفوقها الجنديُّ. لتقومَ بالدورِ الذي خُلقتْ من أجله. مدفعُها بدأ يطلقُ. أمّهُ تنادي:
ـ ماجدُ حانَ وقتُ العشاءِ.
ـ نعم يا أمي الوقت... إني قادمٌ. خرجَ من غرفته بشجاعةٍ. تقدّم من أمّه، تأسّف وطلبَ السماحَ. وقال لها ستريني ماجداً آخرَ. لقد أخذتُ من الوقتِ درساً لا أنساه أبداً. وسأستفيدُ من كلِّ دقيقةٍ. ووقفَ أمامَها باحترامٍ... أمي... أطلبُ عفوَكِ.
ـ لا عليكَ يا حبيبي. الساعةُ تعوّضُ. وأنتَ تغيّرتَ كثيراً.



]]]





الصيف الشاب

جلسَ أحمدُ بجانب جدتِهِ المريضةِ، نظرَ إليها بحبٍّ، ودقّقَ في قسماتِ وجهها الوديعِ. استوقفته حفرٌ وأخاديدُ في ذلك الوجهِ الشاحبِ، امتدتْ إلى ما حول عينيها الغائرتين، وفمِها الأَدْرَدِ المزمومِ. قال بحنانٍ: لماذا يا جدتي، أصبحَ وجهُك أصفرَ نحيلاً ومرضتِ؟!
ابتسمتْ لـه بحبٍ وعطفٍ:
ـ يا حبيبي، إنه الزمنُ، لقد كبرتُ.
ـ من هو الزمنُ يا جدّتي، لم أره أبداً.
ـ يا صغيري إنه يأتي متسللاً كمن يمشي على رؤوسِ أصابعه ولا يحسُّ به أحدٌ ثم يذهبُ بسرعةٍ من دون أن يراه أحدٌ.
ـ هو الذي أضعفَكِ حتى مرضتِ؟.
ـ لا تشغلْ رأسَكَ الصغيرَ بكلِّ هذا.
ـ لا بدّ إنه شريرٌ. سأشكوه لوالدي أو للشرطةِ فهم أقوياء يستطيعون مطاردَتَه والإمساكَ به ومعاقبتَه على ما فعلَه بكِ.. عندها تستريحين منه وتشفين، أو أشكوه لأمّهِ وأبيه، أليس له أبٌ وأمٌّ يا جدّتي؟.
ابتسمت الجدةُ، وضمّتْ حفيدَها إلى صدرِها، لتخفِّفَ عنه الألمَ وثقلَ التساؤلِ والحيرةِ، وهمستْ في أذنه: لقد عشتُ طويلاً يا صغيري، سنواتٍ عديدةً مديدةً. إنني أحملُ تلك السنواتِ على ظهري، لذلك تعبتُ.. تعبتُ. كيف تريدُني أن أكونَ بعد كلِّ هذا العمرِ؟ هل أستطيعُ أنْ أقفزَ وأركضَ مثلكَ وأنا أحملُ ستينَ سنةً على ظهري، أليستْ ثقيلةً؟
ـ إنّك لا تحملين شيئاً على ظهرِك يا جدّتي
بلى.. إنك لا ترى الزمنَ.. أنتَ ما زلتَ صغيراً، تركضُ وتقفزُ خفيفاً رشيقاً لأنّكَ لا تحملُ إلا بضعَ سنواتٍ خفيفة على ظهرِكَ.
ـ أنا لا أحملُ شيئاً على ظهري يا جدّتي.
سرحَ أحمدُ قليلاً واستغرقَه تفكيرٌ عميقٌ.. اتسعتْ عيناهُ ثم قال لجدّته:
ـ هل سأصبحُ كبيراً مثلَكِ وعلى ظهري الكثيرُ من السنين وأتعبُ من حملِها وأمرضُ.؟
ـ ما زالَ أمامَك عمرٌ طويلٌ، ستكونُ شاباً قوياً. أتمنّى أن تعيشَ مئةَ سنةٍ.
ـ ولكنّها ستكونُ أثقلَ يا جدّتي.
ـ لا يا صغيري. هذا لا يحصلُ إلا عندما يتعبُ الإنسانُ كثيراً ويمرضُ. أنا عشتُ عملتُ وأنجبتُ وربّيتُ.
سأشفى قريباً وأعوُد معافاةً كما كنتُ إنها وعكةٌ لا بد أن تزولَ وأعودَ لأحكيَ لك حكاياتٍ جميلةً.
ابتسمَ أحمدُ وامتلأ أملاً، وتمنّى أن تشفى جدّتُه بأسرعِ وقتٍ.
ـ ولكن أخشى أن لا تشفي قريباً، لكِ مدةٌ طويلةٌ وأنتِ مريضةٌ.
ـ سأشفى إن شاءَ اللهُ.. عندما تضحكُ و تلعبُ يذهبُ التعبُ عني وأشفى.
سآخذُ دوائي بانتظامٍ وسوفَ أتحسّنُ.
سمعَ أحمدُ صوتَ رفاقه يدعونَه للعبِ، وقفَ مشدوداً بينها وبين صوتِ الأطفالِ، طلبتْ منه جدّتُه أن يلعبَ معهم. ذهبَ أحمدُ مع رفاقه إلى الحقولِ، لكنّه بقي واجماً معكَّرَ المزاجِ، لم يحسَّ برغبةٍ في اللعبِ ومشاركتِهم الركضَ والمرحَ. جلسَ منفرداً تحتَ شجرةٍ وأخذَ ينظرُ بعيداً في الأفقِ البعيدِ.
هبّتْ نسمةٌ قويةٌ سمعَ خلالَها صوتَ تقصُّف الأعشابِ الجافةِ الصغيرةِ، واقتربَ منه شابٌ وسيمٌ، فارعُ الطولِ، مورَّدُ الخدين، شعرُه بلونِ سنابلِ القمحِ الناضجةِ، صافي العينين، له أنفاسٌ دافئةٌ عطرةٌ، يلبسُ ثياباً خفيفةً رقيقةً.. سلّم عليه ثم استأذنه وجلسَ إلى جانبه. أحسَّ أحمدُ بالراحةِ والألفةِ وانجذبَ إلى هذا الزائرِ القويِّ الوسيمِ وأحبَّه.
ـ اسمح لي أن أسألكَ: لماذا لم تلعبْ مع رفاقك، لماذا أنتَ منفردٌ.
ـ إني أفكّرُ بجدّتي المريضةِ، والزمنِ الذي عبثَ بوجهها وقوّتِها وصحّتِها حتى مرضتْ.. إنّني أحبُّ جدّتي ولا أحبُّ الزمنَ.
كان أحمدُ يتكلَّمُ بسرعةٍ واندفاعٍ مع كثيرٍ من الألمِ والدموعِ تطفرُ من عينيه.
ـ لماذا لا تحبُّه.. إنكَ تظلمه.؟
قال الشابُّ الوسيمُ.
ـ لا هو الظالمُ.. هو الذي يتسلّلُ على رؤوسِ أصابعه كالحرامي.. بل هو حر..ا.. مي، أليس هذا عيباً؟!.
ضحكَ الشابُّ بصوتٍ مرتفعٍ. عندها وقفتِ الشمسُ في كبدِ السماءِ، وتوقّفَ الهواءُ ليستمعَ إلى الحديثِ الدائرِ، ارتفعتْ حرارةُ الجوِّ. وسالَ العرقُ على جبينِ أحمدَ، أصبحَ نزقاً. فتحَ زرَ قميصِه العلويّ وقالَ بشيءٍ من الحدّةِ: لماذا تدافعُ عنه وتقولُ إنني أظلِمُه؟! هل تعرفُه أنتَ، أم تتفوهُ بكلامٍ لا معنى له.؟
قال الشابُّ مؤكّداً:
نعم أعرفُهُ.
ـ مَن هو قلْ بسرعةٍ. لماذا يتصرّفُ هكذا.؟؟
ـ إنه نسيجٌ مني ومنكَ ومن كل ما في الكونِ.
ـ إني لم أفهمْ شيئاً مما قلتَ. قالتْ عنه جدّتي كلاماً غيرَ هذا الذي قلتَ، إنه لصٌ متسلّلٌ، هل أنتَ أعرفُ من جدّتي. ثم هي لا تقولُ إلا الصدقَ والحقَّ وأنا رأيتُ أفعالَه على وجهها. تعالَ معي لترى بعينيك.
ـ إن جدّتك صادقةٌ وكل ما قالته صحيحٌ.
ـ إذن.. لماذا يفعلُ ذلك؟
ـ انظر يا صديقي إلى ساعتك.
ـ ما لها ساعتي؟
ـ أنظر إليها.. إن الثواني تتقافزُ منها هاربةً مهرولةً، كلُّ ستين واحدةٍ منه تشكّلُ حزمةً هي الدقيقةُ، وكل ستين دقيقةً تشكّلُ حزمةً أكبرَ هي الساعةُ. و...
ـ ما لي ولهذا. أنا أعرفُ ما تقولُه عن الثواني والدقائقِ والساعاتِ والأيامِ...
ـ هذا هو الزمنُ.
ـ هل تريدُ أن تقول: إن الزمنَ هو هذه الدقائقُ والساعاتُ والأيامُ.
ـ نعم بكلّ تأكيدٍ.
ـ أنا لا أحبُّ الزمنَ وسأتخلّى عن ساعتي إذا كانت تمتُّ للزمنِ بصلةٍ.
ـ انتظر يا صديقي.. إننا نتجاذبُ أطرافَ الحديثِ ونتفاهمُ.." أنا آسفٌ لم أعرّفك على نفسي "أنا الصيفُ".
لفحتْ أنفاسُه الحارةُ وجهَ أحمدَ.
ـ تشرّفنا أنا أحمدُ. تصافحا.
وتابعَ الصيفُ كلامَه:
ـ أنا صيفٌ شابٌ، حللتُ منذ أيامٍ. في كل عامٍ يأتي عليكم صيفٌ جديدٌ..
وعندما أكبرُ أهرمُ وانتهي ويأتي بعدي الخريفُ. وهو أيضاً يعيشُ معكم وبينَكم لينتهيَ ويليه الشتاءُ، وفي نهايةِ الشتاءِ يولدُ الربيعُ.. ثم أنا من جديدٍ.. ونحن الأربعةُ نشكّلُ العامَ. العامُ مكوَّنٌ من الفصولِ الأربعةِ.
ـ لماذا لا تعودُ مرة أخرى،
سألَ أحمدُ مستفهماً
ـ إنّ الذي يذهبُ يا صديقي لا يعوُد أبداً، هذا هو قانونُ الكونِ والحياةِ. الأمس موتٌ وغداً حياةٌ واليوم حاضرٌ ووجودٌ. اليومُ الذي يذهبُ يتلاشى ولا يعودُ.
ـ كيف يتلاشى؟
ـ تستطيعُ أن نقولَ إنّه يموتُ وينتهي.
ـ كيفَ يموتُ اليومُ. أنا لم أرَ في حياتي أياماً تموتُ، ولم أسمعْ بهذا أبداً إلا منكَ والآنَ.
ـ قد لا يلمسُ الناس هذا ولا يرونه. ولكنّهم يحسّون ذلك بإدراكهم وعقولِهمْ، لأنّ هذا يتمُّ بهدوءٍ واستمرارٍ وبشكل خفيٍّ.
قال أحمدُ بابتهاجٍ ونصرٍ:
ـ هذا ما قالته جدّتي
تنهّدَ الصيفُ، وأطلقَ زفيراً حارّاً.
ـ نحن في أيّ يومٍ.
ـ إنّه السبتُ أجاب أحمدُ بسرعةٍ.
ـ هل تستطيعُ يا أحمدُ أنت والناسُ الأقوياءُ والضعفاءُ، الكبارُ والصغارُ كافةً، أن تعيدوا يوم أمسِ أي البارحةَ يومَ الجمعةِ بكلّ ما حصلَ فيه؟ أن تعيدوا وقائعَه وساعاتِه وتفاصيلَ ما حدثَ فيه: حوادثَه، حرَّه، نباحَ كلابهِ، صهيلَ خيولهِ، ولادةَ أطفالِه، موتَ شيوخِه، تفتُّحَ أزهارِه ونضجَ ثمارِه، إشراقةَ شمسِه، تغريدَ بلابله، انسيابَ نسيمهِ، مواءَ قططهِ، لعبَ أطفالِه، أصواتَهم وصخبهَم وحركاتِهم.. الأنفاسَ التي تدخلُ وتخرجُ من صدورهم.
فكَّر أحمدُ ثم أجابَ بعد قليلٍ:
ـ لا.. لا.. لا أظنُّ أنَّ.. لا. طبعاً لا..ماذا تقصدُ بكلِّ ما قلتَ.؟
قال الصيفُ بهدوءٍ:
ـ أنا متأكدٌ.. أنْ لا. يا أحمدُ يومُ الجمعةِ يعودُ ولكنّه يومٌ آخرُ مختلفٌ تماماً وإن كان الاسمُ واحداً: يومُ الجمعةِ.. موقعُه من الأسبوعِ هو الموقعُ ذاتهُ ولكنَّه مختلفٌ بكلِّ أحداثهِ: بطولهِ. بحرِّه. بنسيمِه. بزهورِه. بنباتاتِه، بغيومِه، ببردِه. في يومِ جمعةٍ قد تتفتّحُ زهرةٌ وفي يومُ جمعةٍ آخرَ تذبلُ وتتلاشى.. قد يأتي يومُ جمعةٍ في الصيفِ أو في الربيعِ أو الشتاءِ أو الخريفِ.. قد يكونُ حارّاً خانقاً أو لطيفاً معتدلاً، أو قارسَ البرودةِ أو مثلجاً. قد يحملُ معه وفي طياته الفرحَ أو الحزنَ والمرضَ أو الصحةَ، القوةَ أو العجزَ. يحدثُ في يومِ جمعةٍ ولادةٌ أو وفاةٌ، تُنشأُ فيه مبان أو تدمَّرُ، وقد تحدث فيه فيضاناتٌ وزلزالُ أو أعاصيرُ، أو يكون مشمساً صافياًً.
أخذ العرقُ ينسابُ من جبهةِ أحمدَ وعنقِه تنهَّدَ.
ـ إنّني مقتنعٌ بكل كلمةٍ نطقتَها. هناكَ اختلافٌ كبيرٌ.
تابعَ الصيفُ بعد أن أخذَ نفساً عميقاً:
ـ إن الأيامَ مختلفةٌ تماماً وإن كانت تحملُ الأسماء ذاتها، تختلف عن بعضها بعضاً كما يختلفُ الأشخاصُ.
ـ أريد أن توضِّح َلي أكثرَ.
ـ إن الزمنَ كالإنسانِ تمرُّ به الساعاتُ والأيامُ والفصولُ والسنينَ ويأتي غيرُها مختلفٌ عنها. لكنّ الإنسانَ يموتُ والزمنُ باقٍ.
ـ لا.. لا.. قفزَ أحمدُ مذعوراً.
ـ إنها الحقيقةُ يا صاحبي.. اهدأ قليلاً. ليسَ هناك ما هو مميّزٌ... الكلُّ متساوٍ.. إنها العدالةُ الإلهيةُ. أنظرْ إلى الأشجارِ.
ـ ما لها الأشجارُ.. إنها كبيرةٌ عملاقةٌ لن تموتَ أبداً.
كشَّرَ الصيفُ، وانحدرتْ تجعيدةُ غضبٍ بينَ عينيه، ووقفتِ الشمسُ، وانطلقتْ سحابةُ غبارٍ حرّكتها الريحُ القويةُ. هدأ الصيفُ بعد قليل وقال بصوتٍ واثقٍ: تموتُ.. هذه هي الحياةُ وهكذا جُعلت. لو كان جدُّ جدِّك ما زالَ حيّاً وجدُّه وكلُّ الأولين السابقين لما بقيَ مكانٌ لحيّ، تصوّر ماذا يصبحُ حالُ الدنيا لو بقيَ الناسُ أحياءَ إلى الأبدِ. كيفَ تتسعُ البيوتُ لكلّ هذا الخلقِ وأيُّ طعامٍ يكفيهم، وأيُّ ماءٍ يسقيهم، وأي لباسٍ يكسوهم، هل تظنُّ أن هذه الأرضَ ستقدرُ على حملهم؟ كل منّا خُلقَ ليؤديَ رسالةً وعندما يؤديها ينتهي دورُه.
ـ ولكن أنا لا أحبُّ الزمنَ ولا أحبُّ الموتَ.. لا أحبُّهما حتى لو كان كلامُك صحيحاً.
ـ إن الحقيقةَ صعبةٌ للغايةِ. قد لا نحبُّ هذا كلُّنا ولكنْ إعلم أنّها الرحمةُ. هي تكرارُ الحياة وتجدُّدها وانبعاثُها. لولا هذا لما تفتحتْ براعمُ ولما أحسستَ بجمالِ الكونِ ولكانت الحياةُ مملّةً سخيفةً خانقةً. لولا تجدُّدُ الأيامِ وتعاقبُ الليلِ والنهارِ والفصولِ وتبدُّلُ وجهِ الأرضِ خلالها وتنوعُ الأزهارِ والثمارِ والخضراواتِ، وبرودةِ الجو وسخونتِه، بردهِ ودفئه، أمطارِه وثلوجِه، لأصبحتِ الحياةُ رتيبةً مقيتةً ثقيلةً لا يتحمّلُها أحدٌ. في تعاقبِ الأيامِ تجديدٌ للحياةِ وتجميلٌ لها.. بهذا التجدّدِ تصبحُ حلوةً ممتعةً، نشتاقُ لدورتها ونتمسَّكُ بها كثيراً، ولا نغادرُها إلا مرغمين.
ـ أنا أحبُّ الحياةَ مع أهلي وأخوتي وجدتي.
ـ قلتُ لكَ منذ قليل إننا لا نستطيُع أن نبقى على حالٍ واحدةٍ إلى الأبدِ.
قال أحمدُ بتصميمٍ:
ـ أريدُ أن أغلبَ الزمنَ. هل أستطيعُ؟.
قهقهَ الصيفُ حتى اغرورقتْ عيناه بالدموعِ وقال: تستطيعَ ذلك إن كنتَ قادراً.
ـ كيف.. دلّني.. سأحفظُ جميلكَ دائماً.
ـ استفدْ من كل دقيقةٍ لك. استثمرْها في عملٍ مفيدٍ. لا تكسلْ وتضعفْ أمامَ الصعابِ. ولا تتهاونْ بالواجباتِ إذا تهاونتَ أو كسلتَ تجاوزَك الزمنُ وترككَ خلفَه تتحسرُ على ما فاتَكَ، وقد تصبحُ خارجَ أسوارِ الحياةِ. انظرْ.. انظرْ أمامَك.. هناكَ.. ماذا ترى هناك.؟
ـ إنها أسرابٌ من النمل.
ـ إنها تعملُ بجدٍّ ومثابرةٍ لتؤمّنَ قوتَها وتخزنُ في الصيف ما تحتاجُ إليه في فصلِ الشتاءِ الباردِ حيث لا مواسمَ ولا تستطيعُ أن تعملَ في الشتاءِ. الفراشاتُ تعملُ، العصافيرُ تعملُ، الضفادعُ تعملُ النحلُ يعملُ. كلُّ حيٍّ يعملُ ليعيشَ، من أصغرِ مخلوقٍ إلى أكبرِ مخلوقٍ كلٌ يعملُ. في هذا الكونِ لم يُخلقْ شيءٌ عبثاً لكلٍّ وظيفتُه وقيمتُه وما كلّف به. ومن دون العملِ لا تحلو الحياةُ ولا تتكاملُ ولا تزدهرُ.
قال أحمدُ معترضاً:
ـ يوجدُ حشراتٌ ضارة عملُها كلُّه ضررٌ أو هي طفيليةٌ من دونِ عملٍ مطلقاً. مثلُ الضفادعِ والعصافيرِ والحيَّاتِ.
ـ لا.. لا.. من قالَ هذا؟ الضفادعُ تلتهم الذبابَ والبعوضَ وتأكلُهما، وهما يسببان الكثيرَ من الأمراضِ الضارةِ والقاتلةِ أحياناً أنّها تعيشُ وتقومُ بدورٍ في الحياةِ. والعصافيرُ الصغيرةُ تنقّي الحقولَ من الديدانِ التي تأكلُ المزروعاتِ وتتلفُ جذورَها وتقضي على المحاصيلِ. لو لم يكن هناكَ عصافيرُ وطيورٌ أخرى هل يستطيعُ الآلاف من الناسِ القضاءَ على هذه الديدانِ؟.
ـ نعم. بالإمكان التخلّصُ منها بالمبيداتِ الحشريّةِ.
ـ ولكن يا صديقي المبيداتُ قد تبيدُ النافعَ والضارَّ وتخلّفُ ما يؤذينا ويضرُّ بصحتنا، وهي لا تستطيعُ قتلَ جميعِ الديدانِ في الأرضِ لأن مفعولَها لا يدومُ طويلاً. ثم إن للديدانِ وظيفةً، ولكلّ كائنٍ حيّ دورٌ عضويٌّ وحيويٌّ. إن العملَ مستمرٌ بشكل دائمٍ ولا ينقطعُ أبداً.
سأله أحمدُ بعد أن اقتنعَ بكلامه ووثقَ به:
ـ قل لي. كيف أتغلّبُ على الزمنِ؟.
ـ بالعملِ والجدِّ والاجتهادِ حتى لا يمحو الزمنُ كلَّ أثرٍ لك. انظرْ حولك دائماً بوعيٍ وتفهّم واجتهدْ. جميع الخالدين في هذا الكونِ هم الذين كانوا يعملون بجدٍّ واهتمامٍ كبيرين ويخلّدون وجودَهم بالعملِ. وهذا لا يتحقّقُ إلا بالتّعبِ والصبرِ والانتباهِ الشديدِ والإبداعِ. إنّ لهم من وضوحِ الرؤيةِ، وعلوِّ الهمةِ، وسموِّ الغايةِ ما يجعلُهم فوقَ صغائرِ الأمورِ ويتجاوزون ما لا يستطيعُ غيرُهم من الناسِ العاديين أن يتجاوزوه. إنهم صنّاعُ الحياةِ والمتغلّبونَ على كلّ صعابِها.
ـ أصبحتَ تتكلّم بالألغازِ.
إنّ اكتشافَ النارِ ثم من بعدُ اختراع الدولابِ أكبرُ نصرٍ للبشرية، وكذلك اكتشافُ الكهرباءِ واختراعُ الهاتفِ والمذياعِ والتلفازِ والحاسوبِ.. إلخ.. كلّها ابتدأتْ وتطوّرتْ ونَمَتْ وخرجتْ من عقولِ العلماءِ والمفكرين بالعملِ والمثابرةِ والاجتهادِ.
هؤلاء المخترعون ألم يقهروا الزمنَ ويتغلّبوا عليه وبقيتْ أسماؤهم وأعمالُهم بعد موتِهم؟.
ـ كم هي أعمالُهم رائعة.. إنهم جديرون بالحبِّ والاحترامِ بل بالتقديسِ.
انظرْ إلى مخترعِ التلفازِ والحاسوبِ، ألم يضعوا العالمَ كلَّه بكلِّ ما فيه بين أيدينا.
ـ ياه.. ما أجملَ ما تقولُ.. إن حديثَك ممتعٌ شائقٌ. سأعملُ واهتمُّ وأثابرُ وأتابعُ وأخترعُ لأبقى وأتغلّبَ على الزمنِ.
تابعَ الشابُ:
ـ هذا شيءٌ جيدٌ، المخترعون، والمكتشفون.. كانوا أطفالاً مثلَك ومثلَ رفاقك ولكنّهم فتحوا عقولَهم وبصائرَهم وعملوا واجتهدوا وجرّبوا، أخفقوا ونجحوا... لكنهم ثابروا وصبروا حتى وصلوا إلى ما يريدون. علينا أن نقتديَ بهم وندرسَ آثارَهم ونتابعَ أعمالَهم نكملها أو نطوّرها وإلا.. تخلّفنا وكنّا الأحياءَ الموتى.
ـ لماذا تقول الموتى أحياء.. كيف يكون الموتى أحياء؟.
ـ الذي لا يعملُ ولا ينتجُ كالميت وهو حيٌّ. يا أحمدُ قل لي: أين المخترعون والعلماء الذين تكلّمنا عنهم؟ لقد ماتوا.. ولكنهم أحياءٌ بيننا بمخترعاتهم وذكرِهم وما حقّقوا من راحةٍ وسعادةٍ للبشريةِ، إن دورَهم في الحياةِ عظيمٌ وجهدُهم واضحٌ لا ينكره أحدٌ.
ـ هذا صحيحٌ ورائعٌ.. صحيحٌ ورائعٌ. سأذهبُ إلى جدّتي وأخبرُها بأنني عرفتُ كيف أغلبُ الزمنَ. شكراً لك أيها الصديقُ.
ركضَ أحمدُ بسرعةٍ كبيرة نحو القريةِ والصيفُ الشابُّ ينظرُ إليه بغبطةٍ كبيرةٍ. لقد فعلَ شيئاً مفيداً في الوقتِ الذي قضاه مع هذا الصبيِّ الذي قد يصبحُ شخصاً مهمّاً، ويتركُ بصمتَه على وجهِ الزمنِ.
]]]




?



النَّمِرُ الشُّجاعُ 7
نسمةٌ 39
الملكُ والعصفورُ 61
احذرِ الحيّةَ 81
الشجرةُ وأسرةُ العصافيرِ 105
زيارةٌ لكوكبٍ آخرَ 119
الوقتُ والحلمُ 155
الصيفُ الشابُّ 177

- 2 -

- 193 -