Advertisement

أم سند وأم هند

 أُمُّ سِنْدٍ وَأُمُّ هِنْدٍ



أُمُّ سِنْدٍ وَأُمُّ هِنْدٍ

تأليف
كامل كيلاني



أُمُّ سِنْدٍ وَأُمُّ هِنْدٍ

كامل كيلاني

رقم إيداع
تدمك:
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
رسم الغلاف: حنان بغدادي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.


الْفَصْلُ الْأَوَّلُ


(?) اسْتِقْبَالُ الرَّبِيعِ

جَاءَ أَوَّلُ أَيَّامِ «أَبْرِيلَ/نِيسَانَ»، وَكَانَ — عَلَى الْحَقِيقَةِ — يَوْمًا مُعْتَدِلَ الْهَوَاءِ صَحْوًا، أَعْنِي: أَنَّ سَمَاءَهُ صَافِيَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ الْغَيْمِ.
وَقَدْ سَطَعَتِ الشَّمْسُ؛ فَمَلَأَتِ الْكَوْنَ بِنُورِهَا وَبَهَائِهَا (حُسْنِهَا)، وَسَخَّنَتْ بَرَاعِيمَ الشَّجَرِ، أَعْنِي: كِمَامَاتِ الزَّهَرِ، وَالْبَرَاعِيمُ هِيَ: زَهْرُ النَّبَاتِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَتَّحَ.
وَأَيْقَظَتْ حَرَارَةُ الشَّمْسِ الْحَشَرَاتِ النَّائِمَةَ فِي مَخَابِئِهَا؛ فَخَرَجَتْ تَسْتَقْبِلُ الْحَيَاةَ، وَتَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ (تَمْشِي عَلَيْهَا فِي مِشْيَةٍ بَطِيئَةٍ كَمِشْيَةِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ)، زَاحِفَةً، تَسْعَى إِلَى رِزْقِهَا.
(?) شِجَارُ الصَّدِيقَتَيْنِ


وَامْتَلَأَ الْجَوُّ بِأَصْوَاتِ الْخَطَاطِيفِ، بَعْدَ أَنْ أَتَمَّتْ رِحْلَتَهَا الطَّوِيلَةَ، وَعَادَتْ إِلَى وَطَنِهَا الْقَدِيمِ. وَجَاءَ خُطَّافَانِ، فَوَقَفَتَا عَلَى مَخْزَنِ غِلَالٍ قَدِيمٍ مَهْجُورٍ نَسَجَتِ الْعَنَاكِبُ بُيُوتَهَا فَوْقَ سَطْحِهِ. وَظَلَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَدَّعِي أَنَّ الْعُشَّ مِلْكٌ لَهَا وَحْدَهَا. فَقَالَتْ «أُمُّ هِنْدٍ» — وَهِيَ، شَقْرَاءُ الرَّقَبَةِ، مُلْتَمِعَةُ الرِّيشِ: «لَيْسَ لِهَذَا الْعُشِّ مِنْ صَاحِبٍ غَيْرِي. فَقَدْ وَصَلْتُ إِلَيْهِ قَبْلَكِ، وَلَا حَقَّ لَكِ فِيهِ إِنَّهُ يُعْجِبُنِي، وَيَسُرُّنِي أَنْ أَعِيشَ فِيهِ. وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى امْتِلَاكِهِ رَضِيتِ أَمْ أَبَيْتِ — فَهَلْ تَفْهَمِينَ؟»
(?) زَوَّارَةُ الْهِنْدِ

فَصَاحَتْ صَدِيقَتُهَا «أُمُّ سِنْدٍ» قَائِلَةً: «شَدَّ مَا ظَلَمْتِنِي وَظَلَمْتِ نَفْسَكِ — يَا «أُمَّ هِنْدٍ» — وَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ وَلَا مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ تَغْتَصِبِي عُشِّي، بَغْيًا وَعُدْوَانًا. أَلَا تَعْلَمِينَ أَنَّ ابْنَةَ عَمِّي — الَّتِي كُنَّا نُلَقِّبُهَا بِـ «زَوَّارَةِ الْهِنْدِ» — قَدْ وَهَبَتْ لِي هَذَا الْعُشَّ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ فِي رِحْلَتِهَا الْأَخِيرَةِ؟
(?) وَصَيَّةُ بَنْتِ الْعَمِّ

أَلَا تَعْلَمِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لِي، قُبَيْلَ مَوْتِهَا: «لَيْسَ لِي أَوْلَادٌ يَرِثُونَ عُشِّي، مِنْ بَعْدِي. وَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكِ؛ فَاتَّخِذِيهِ دَارَكِ (مَنْزِلَكِ)، مَتَى عُدْتِ إِلَى الْوَطَنِ الْعَزِيزِ. وَلَيْسَ عَلَيْكِ إِلَّا أَنْ تُغَيِّرِي الرِّيشَ الْقَدِيمَ الَّذِي فِي دَاخِلِهِ. وَسَتَرَيْنَ الْعُشَّ — بَعْدَ ذَلِكِ — وَفْقَ مَا تُحِبِّينَ.»
(?) عِنَادٌ وَخِصَامٌ

فَرَفَعَتْ «أُمُّ هْنْدٍ» رَأْسَهَا، وَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا «أُمِّ سِنْدٍ»، وَهِيَ مُهَتَاجَةٌ غَضْبَى (ثَائِرَةٌ غَاضِبَةٌ): «لَيْسَ لِهَذِهِ الْحُجَجِ أَقَلُّ قِيمَةٍ عِنْدِي. وَلَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْعُشَّ؛ فَهُوَ مِلْكٌ لِي — كَمَا قُلْتُ لَكِ — وَقَدْ بَلَغْتُهُ قَبْلَكِ. فَكُفِّي عَنْ هَذِهِ الثَّرْثَرَةِ الْعَابِثَةِ (الْكَلَامِ الْهَازِلِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ).»
وَتَمَادَتْ «أُمُّ هِنْدٍ» الصَّغِيرَةُ فِي عِنَادِهَا، وَفَتَحَتْ جَنَاحَيْهَا لِتَمْلَأَ الْعُشَّ، فَلَا تَدَعُ فِيهِ مَكَانًا لِصَاحِبَتِهَا. وَظَلَّتْ تَدْلُكُ رِيشَهَا (تَفْرُكُهُ)، غَيْرَ مُلْتَفِتَةٍ إِلَى عِتَابِ «أُمِّ سِنْدٍ».
فَاقْتَرَبَتْ «أُمُّ سِنْدٍ» مِنَ الْعُشِّ، وَوَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ، تُحَاوِلُ الدُّخُولَ قَسْرًا (غَصْبًا مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَتِهَا وَرِضَاهَا)، وَتَقُولُ: «كُونِي عَلَى ثِقَةٍ أَنَّنِي آخِذَةٌ مِنْكِ هَذَا الْعُشَّ، رَضِيتِ أَمْ أَبَيْتِ، وَأَنَّنِي لَنْ أَتْرُكَهُ لَكِ أَبَدًا!»
(?) عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ

وَإِنَّهُمَا لَتَتَشَاجَرَانِ — وَقَدِ اشْتَدَّ لَجَاجُهُمَا (زَادَ عِنَادُهُمَا وَتَمَادِيهِمَا فِي الْخُصُومَةِ)— إِذْ جَاءَ «عُصفُورُ الْأَمَانَةِ»: وَهُوَ خُطَّافٌ مُهَذَّبُ الطَّبْعِ، جَمِيلُ الشَّكْلِ، كَثِيرُ التَّبَصُّرِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ.
فَسَأَلَ زَوْجَهُ «أُمَّ سِنْدٍ»: «مَاذَا حَدَثَ، يَا عَزِيزَتِي؟»
فَقَالَتْ «أُمُّ سِنْدٍ»، وَهِيَ غَضْبَى ثَائِرَةٌ: «إِنَّ «أُمَّ هِنْدٍ» قَدِ اغْتَصَبَتْ عُشِّي (أَخَذَتْهُ قَهْرًا وَظُلْمًا). وَهُوَ عُشُّ ابْنَةِ عَمِّي «زَوَّارَةِ الْهِنْدِ»، وَقَدْ وَهَبَتْهُ لِي (أَعْطَتْنِي إِيَّاهُ بِلَا مُقَابِلٍ) كَمَا تَعْلَمُ. وَقَدْ أصَرَّتْ «أُمُّ هِنْدٍ» عَلَى عِنَادِهَا، وَأَمْعَنَتْ فِي لَجَاجِهَا (أَسْرَفَتْ فِي خُصُومَتِهَا). فَرَأَيْتُ أَنْ أُعَاقِبَ تِلْكَ الْمُعْتَدِيَةَ الْمُغْتَصِبَةَ، وَ…» فَقَاطَعَتْهَا «أُمُّ هِنْدٍ» قَائِلَةً: «لَقَدْ وَصَلْتُ إِلَى الْعُشِّ قَبْلَكِ، وَلَنْ أَبْرَحَهُ (لَنْ أَتْرُكَهُ) عَلَى أَيِّ حَالٍ. وَسَتَرَيْنَ مَاذَا يَحِيقُ بِكِ مِنَ النَّكَالِ (مَا يُحِيطُ بِكِ مِنَ الْعَذَابِ)، حِينَ يَجِيءُ زَوْجِي: «عُصْفُورُ الْجَنَّةِ».»
(?) صَاحِبُ الْعُشِّ

فَصَاحَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» قَائِلًا: «الرَّأْيُ عِنْدِي أَنَّ «أُمَّ هِنْدٍ» عَلَى حَقِّ فِيمَا تَدَّعِيهِ (فِيمَا تَزْعُمُ أَنَّهُ حَقٌّ لَهَا)؛ فَقَدْ سَمِعْتُ — مُنْذُ نَشْأَتِي — أَنَّ الْعُشَّ يُصْبِحُ مِلْكًا لِأَوَّلِ مَنْ يَحُلُّ فِيهِ. وَلَسْتِ — يَا زَوْجِي — مُحِقَّةً فِيمَا تَزْعُمِينَهُ. وَلَنْ تَضِيقَ بِنَا الْأَرْضُ الرَّحِيبَةُ (الْوَاسِعَةُ). وَلَيْسَ يَجْدُرُ بِنَا (لَا يَحِقُّ لَنَا) أَنْ نَخْتَصِمَ فِي سَبِيلِ عُشٍّ. فَهَلُمِّي (تَعَالَيْ) — يَا «أُمَّ سِنْدٍ» — نَبْحَثُ عَنْ عُشٍّ غَيْرِهِ، فِي مَكَاَنٍ آخَرَ.»
(?) مَشِيئَةُ الزَّوْجِ

وَلَمْ يُعْجِبْ «أُمَّ سِنْدٍ» رَأْيَ زَوْجِهَا. وَلَكِنَّهَا — إِلَى ذَلِكَ — لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُخَالِفَ نَصِيحَتَهُ وَشُورَاهُ (مَشُورَتَهُ)، وَلَا أَنْ تَعْصِيَهُ فِيمَا نَصَحَهَا بِهِ وَارْتَآهُ (رَآهُ). فَبَقِيَتْ مُتَفَجِّعَةً مُتَحَسِّرَةً، حَزِينَةً مُتَكَدِّرَةً؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ شَدِيدَةَ الرَّغْبَةِ فِي امْتِلَاكِ الْعُشِّ وَالظَّفَرِ بِهِ. ثُمَّ أَذْعَنَتْ لِمَشِيئَةِ زَوْجِهَا (خَضَعَتْ لِرَأْيِهِ)؛ فَفَتَحَتْ جَنَاحَيْهَا. — وَهِيَ مَحْزُونَةُ الْقَلْبِ — وَطَارَتْ فِي الْهَوَاءِ، لِتَلْحَقَ بِزَوْجِهَا، الَّذِي سَبَقَهَا؛ حَتَّى أَدْرَكَتْهُ.
الْفَصْلُ الثَّانِي


(?) فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ

وَكَانَا يَطِيرَانِ فِي خِفَّةٍ وَهُدُوءٍ؛ فَيُخَيَّلُ إِلَى مَنْ يَرَاهُمَا أَنَّهُمَا مُسْتَقِرَّانِ حَيْثُ هُمَا (ثَابِتَانِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَا فِيهِ)، وَأَنَّ الْهَوَاءَ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُمَا إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ. وَكَانَا يَطِيرَانِ فِي خُطُوطٍ مُنْحَنِيَةٍ بَدِيعَةٍ — عَلَى عَادَةِ الْخُطَّافِ فِي طَيَرَانِهِ — وَيَتَنَاغَيَانِ (يَتَحَدَّثُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا يُعْجِبُ الْآخَرَ وَيَسُرُّهُ) فِي لُطْفٍ، وَيَقْبِضَانِ عَلَى مَا يُصَادِفَانِهِ فِي الْجَوِّ مِنَ الْحَشَرَاتِ الرَّاقِصَةِ فِي أَشِعَّةِ الشَّمْسِ. حَتَّى إِذَا شَبِعَا، قَالَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» لِزَوْجِهِ «أُمِّ سِنْدٍ»: «لَيْسَ فِي قُدْرَتِكِ — يَا عَزِيزَتِي — أَنْ تَتَمَثَّلِي (تَتَصَوَّرِي) مِقْدَارَ مَا أَشْعُرُ بِهِ مِنَ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ، حِينَ أَهْتَدِي إِلَى وَكْرٍ (عُشٍّ) هَادِئٍ جَمِيلٍ. انْظُرِي صَوْبَ الْمَغْرِبِ، أَلَا تَرَيْنَ ذَلِكِ الْبَيْتَ الْخَرِبَ؟ أَلَيْسَ هَذَا أَصْلَحَ مَكَانٍ نَبْنِي فِيهِ عُشَّنَا، وَفْقَ مَا نُرِيدُ؟»

(?) الْعُشُّ الْجَدِيدُ

وَأَسْرَعَ الْخُطَّافَانِ فِي طَيَرَانِهِمَا، حَتَّى بَلَغَا تِلْكَ الْخَرِبَةَ؛ فَحَطَّا عَلَى نَافِذَةٍ مَهْجُورَةٍ قَدِيمَةٍ لَا زُجَاجَ بِهَا. وَجَثَمَ الْخُطَّافَانِ عَلَى حَافَتِهَا (تَلَبَّدَا بِجَانِبِهَا) فَرْحَانَيْنِ، وَقَالَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ»: «لَا جَرَمَ (حَقًّا) أَنَّ هَذَا أَصْلَحُ مَكَانٍ نَخْتَارُهُ، وَلَنْ يُكَدِّرَ صَفْوَنَا فِيهِ مُكَدِّرٌ. فَإِنَّ هَذِهِ الْغُرْفَةَ الْجَمِيلَةَ، هِيَ — كَمَا تَرَيْنَهَا — مَهْجُورَةٌ، وَأَرْضَهَا كَثِيرَةُ الثُّقُوبِ. وَإِنَّنَا بِهَا لَسَعِيدَانِ، مُسْتَرِيحَا الْقَلْبِ هَانِئَانِ (فَرْحَانَانِ).
وَسَيَكُونُ عُشُّنَا الْجَدِيدُ أَجْمَلَ مِنْ عُشِّ «أُمِّ هِنْدٍ»، وَأَرْوَحَ (أَطْيَبَ)!»
(?) فَرَحُ «أُمِّ سِنْدٍ»

فَهَشَّتْ «أُمُّ سِنْدٍ» لِزَوْجِهَا وَبَشَّتْ (ارْتَاحَتْ وَنَشِطَتْ)، وَصَفَّقَتْ بِجَنَاحَيْهَا مُبْتَهِجَةً بِهَذَا الْمَكَانِ الْخَرِبِ. وَنَسِيَتْ كُلَّ مَا حَزَنَهَا مِنْ «أُمِّ هِنْدٍ»، وَتَحَوَّلَ أَلَمُهَا أُنْسًا وَسُرُورًا، وَانْقَلَبَ تَرَحُهَا فَرَحًا وَحُبُورًا. ثُمَّ قَالَتْ لِزَوْجِهَا رَاضِيَةً، قَرِيرَةَ الْعَيْنِ: «مَا أَبْعَدَ نَظَرَكَ، وَمَا أَعْظَمَ تَوَفُّقَكَ! فَإِنَّ أَوْلَادَنَا الصِّغَارَ لَنْ يَتَعَرَّضُوا لِلرِّيحِ، فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ الْهَادِئَةِ الْجَمِيلَةِ.»
(?) غِنَاءُ الْخُطَّافَيْنِ

فَغَرَّدَ الْخُطَّافَانِ تَغْرِيدَةً عَذْبَةً مُسْتَمْلَحَةً (أُغْنِيَّةً بَهِيجَةً)، بِصَوْتِهِمَا الرَّقِيقِ. وَغَنَّى «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» فَرَحًا بِهَذَا الْفَوْزِ النَّادِرِ: «وِيتْ وِيتْ، وِيتْ وِيتْ هَذَا عُشِّي، فِيهِ أَبِيتْ وِيتْ وِيتْ، غَنِّي غَنِّي لَنْ يَكْذِبَنِي — أَبَدًا — ظَنِّي.»
(?) بِنَاءُ الْعُشِّ

ثُمَّ كَفَّ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» عَنْ غِنَائِهِ فَجْأَةً، وَوَقَفَ عَنِ التَّغْرِيدِ بَغْتَةً. وَعَنَّتْ (خَطَرَتْ) لَهُ فِكْرَةٌ طَارِئَةٌ، فَقَالَ «لِأُمِّ سِنْدٍ» زَوْجِهِ: «أَتَعْرِفِينَ فِي أَيِّ شَيْءٍ أُفَكِّرُ، يَا عَزِيزَتِي؟
إِنِّي لَأُفَكِّرُ فِي انْتِهَازِ الْفُرْصَةِ السَّانِحَةِ (الَّتِي تَعْرِضُ لِي) فَهَلْ أَنْتِ بَادِئَةٌ بِبِنَاءِ الْعُشِّ الْآنَ؟ إِنَّ الْوَقْتَ صَحْوٌ (خَالِيَةٌ سَمَاؤُهُ مِنَ السُّحُبِ)، وَالشَّمْسُ مُشْرِقَةٌ، وَالْأَرْضُ جَافَّةٌ، وَفِي قُدْرَتِنَا أَنْ نَبْدَأَ الْعَمَلَ الْآنَ. فَمَاذَا أَنْتِ قَائِلَةٌ؟»
فَقَالَتْ «أُمُّ سِنْدٍ»: «صَدَقْتَ يَا عَزِيزِي، فَهَلُمَّ (تَعَالَ) إِلَى الْعَمَلِ!»
(?) مَوَادُّ الْبِنَاءِ

ثُمَّ هَبَطَ الْخُطَّافَانِ إِلَى الْأَرْضِ، وَمَلَأَ كِلَاهُمَا مِنْقَارَهُ تُرَابًا وَحَشَائِشَ، لِيَبْنِيَا الْعُشَّ.
ثُمَّ قَالَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» لِزَوْجِهِ: «لَا يَفَوتَنَّكِ — يَا عَزِيزَتِي «أُمَّ سِنْدٍ» — أَنْ تُبَلِّلِي هَذَا التُّرَابَ بِلُعَابِكِ (بِمَا يَسِيلُ مِنْ فَمِكِ) — كَمَا كَانَ يَصْنَعُ أَبَوَانَا حِينَ يَشْرَعَانِ فِي بِنَاءِ وَكْرَيْهِمَا (عُشَّيْهِمَا) — فَلَنْ يَسْتَمْسِكَ الْبِنَاءُ بِغَيْرِ هَذَا.»
فَقَالَتْ «أُمُّ سِنْدٍ»: «صَدَقْتَ، يَا عَزِيزِي!»
ثُمَّ أَلْقَيَا مَا حَمَلَاهُ عَلَى قِطْعَةٍ مِنَ الْخَشَبِ، بَعْدَ أَنْ بَلَّلَاهُ بِرِيقِهِمَا.
وَلَقَدْ كَانَ عَمَلُهُمَا شَاقًّا مُضْنِيًا، وَلَكِنْ مَا أُوتِيهِ الْخُطَّافُ — مِنَ الصَّبْرِ وَالْمُثَابَرَةِ — هُوَ سِرُّ نَجَاحِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْمُرْهِقَةِ (الْمُتْعِبَةِ).
(?) مُثُابَرَةً الْخُطَّافَيْنِ

وَلَمَّا أَمْسَيَا، جَلَسَا يَسْمُرَانِ (يَتَحَدَّثَانِ لَيْلًا)، عَلَى الشُّرْفَةِ الْعُلْيَا مِنَ النَّافِذَةِ الْمَهْجُورَةِ، وَيَتَمَنَّيَانِ الْأَمَانِيَّ الْجَمِيلَةَ، وَيُغَرِّدَانِ (يُغَنِّيَانِ) مَسْرُورَيْنِ، وَقَدْ شَعَرَا بِالسَّعَادَةِ تَمْلَأُ قَلْبَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا قَضَيَا نَهَارَهُمَا كُلَّهُ فِي الْعَمَلِ النَّافِعِ، وَلَمْ يَتْرُكَا لَحْظَةً بِلَا جَدْوَى (بِغَيْرِ فَائِدَةٍ). وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا أَسْمَارٌ مُعْجِبَةٌ؛ فَتَحَدَّثَا عَنْ أَفَرَاخِهِمَا الْمَرْجُوَّةِ (أَبْنَائِهِمَا الَّتِي يُؤَمِّلَانِ فِيهَا)، وَكَيْفَ يَتَعَهَّدَانِهَا بِالتَّنْشِئَةِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَأَيَّ الْأَسْمَاءِ الْجَمِيلَةِ يَخْتَارَانِ لَهَا؟
ثُمَّ أَسْلَمَا أَجْفَانَهُمَا الصَّغِيرَةَ لِلرُّقَادِ، وَرَاحَا فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ.
(?) يَوْمٌ مَاطِرٌ

وَلَمَّا بَدَا أَوَّلُ شُعَاعٍ مِنْ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ، أَخْرَجَتْ «أُمُّ سِنْدٍ» رَأْسَهَا مِنْ تَحْتِ جَنَاحِهَا، وَعَيْنَاهَا لَا تَزَالَانِ فَاتِرَتَيْنِ (سَاكِنَتَيْنِ) — مِنْ أَثَرِ النَّوْمِ — ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا «عُصْفُورَ الْأَمَانَةِ»، وَهِيَ تَقُولُ: «مَا أَشَدَّ تَعَاسَتَنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ، أَيُّهَا الزَّوْجُ الْعَزِيزُ! لَقَدْ هَطَلَتِ الْأَمْطَارُ طُولَ اللَّيْلِ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا بِالْوَحَلِ. وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِنَا أَنْ نَعْمَلَ شَيْئًا طُولَ يَوْمِنَا هَذَا.
(?) فِرَاسَةُ الْخُطَّافِ

وَلَقَدْ صَدَقَتْ فِرَاسَتِي أَمْسِ، حِينَ نَبَّهْتُكَ إِلَى الطُّيُورِ، وَهِيَ تَطِيرُ عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْأَرْضِ.»
(??) أَمْطَارُ الرَّبِيعِ

فَقَالَ لَهَا «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ»، وَكَانَ — كَمَا قُلْنَا — آيَةً فِي الدَّمَاثَةِ (غَايَةً فِي اللِّينِ وَالرِّفْقِ) وَحُسْنِ الْخُلُقِ: «لَا عَلَيْكِ (لَنْ يُصِيبَكِ أَذًى)، يَا عَزِيزَتِي. فَلْنَسْتَرِحِ الْيَوْمَ إِذَا لَمْ يَكُفَّ الْمَطَرُ عَنِ الْهُطُولِ. عَلَى أَنَّ السُّحُبَ سَتَنْقَشِعُ بَعْدَ قَلِيلٍ؛ فَإِنَّ أَمْطَارَ الرَّبِيعِ — فِيمَا حَدَّثَتْنِي أُمِّي — لَا تَلْبَثُ إِلَّا وَقْتًا يَسِيرًا.»
(??) أَيَّامُ الْغَيْمِ

وَصَمَتَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» لَحْظَةً، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَائِلًا: «انْظُرِي يَا عَزِيزَتِي. لَقَدْ خَفَّ الْمَطَرُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا رَذَاذٌ (مَطَرٌ ضَعِيفٌ) يَتَحَدَّرُ نُقَطًا رَفِيعَةً مُتَلَأْلِئَةً فِي الْفَضَاءِ. وَلَقَدْ طَالَ شَوْقُنَا إِلَى ذَلِكِ الْمَنْظَرِ الْأَخَّاذِ؛ فَإِنَّنَا — كَمَا تَعْلَمِينَ — قَدْ لَبِثْنَا فِي رِحْلَتِنَا زَمَنًا طَوِيلًا، دُونَ أَنْ نَنْعَمَ بِرُؤْيَةِ الْمَطَرِ، وَالسَّمَاءِ الْغَائِمَةِ، وَالسُّحُبِ الْكَثِيفَةِ (الْغَلِيظَةِ) الْمُلَبَّدَةِ (الْمُلْتَصِقِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ).»
(??) انْقِطَاعُ الْمَطَرِ

وَبَعْدَ قَلِيلٍ انْقَطَعَ الْمَطَرُ، وَصَحَّتْ فِرَاسَةُ «عُصْفُورِ الْأَمَانَةِ». فَاسْتَأْنَفَ — هُوَ وَزَوْجُهُ — عَمَلَهُمَا بِهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَأَقْبَلَا عَلَى عُشِّهِمَا يَبْنِيَانِهِ جَادَّيْنِ. وَمَا زَالَا يُثَابِرَانِ عَلَى الْعَمَلِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ كَامِلَةً — مِنَ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ إِلَى الْمَسَاءِ — حَتَّى أَتَمَّا بِنَاءَ الْعُشِّ، وَفْقَ مَا يُرِيدَانِ، وَأَثَّثَاهُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْحَشَائِشِ وَرِيشِ الطُّيُورِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ


(?) أَغَارِيدُ السُّرُورِ

وَلَا تَسَلْ — أَيُّهَا الْقَارِئُ الْعَزِيزُ — عَنْ مِقْدَارِ سُرُورِ «أُمِّ سِنْدٍ» وَابْتِهَاجِ زَوْجِهَا «عُصْفُورِ الْأَمَانَةِ»، حِينَ أَنْجَزَا عَمَلَهُمَا الشَّاقَّ. وَقَدْ أَنْسَاهُمَا الْفَوْزُ وَالنَّجَاحُ مَا عَانَيَاهُ فِي بِنَاءِ الْعُشِّ؛ فَظَلَّا يَطِيرَانِ حَوْلَهُ هَاتِفَيْنِ، وَيُحَلِّقَانِ صَائِحَيْنِ. وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمَا الْفَرَحُ؛ فَرَدَّدَا أَغَارِيدَ الْغِبْطَةِ وَالسُّرُورِ.
(?) اسْتِحْمَامُ الْخُطَّافَيْنِ

ثُمَّ ذَكَرَا أَنَّهُمَا جَدِيرَانِ بِالنَّظَافَةِ وَالِاغْتِسَالِ؛ فَأَسْرَعَا — عَلَى عَادَتِهِمَا كُلَّ يَوْمٍ — إِلَى غَدِيرٍ صَافِي الْمَاءِ، فَاسْتَحَمَّا فِيهِ، وَغَمَرَا صَدْرَيْهِمَا فِي مَائِهِ فَرْحَانَيْنِ، وَظَلَّا يُرَفْرِفَانِ بِأَجْنِحَتِهِمَا مُبْتَهِجَيْنِ. ثُمَّ طَارَا إِلَى سِلْكٍ بَرْقِيٍّ، فَجَثَمَا عَلَيْهِ، لِيُجَفِّفَا جِسْمَيْهِمَا الْمُبَلَّلَيْنِ بِالْمَاءِ.
(?) حُبُّ الْوَطَنِ

وَكَانَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» يَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ وَالسَّعَادَةِ، بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ وَاجِبَهُ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ. وَدَارَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ «أُمِّ سِنْدٍ» شَتَّى الْأَحَادِيثِ وَالذِّكْرَيَاتِ، فَقَالَ لَهَا فِيمَا قَالَ: «أَتَذْكُرِينَ — يَا «أُمَّ سِنْدٍ» — كَيْفَ كَانَتْ حَيَاتُنَا مُوحِشَةً كَئِيبَةً فِي غُرْبَتِنَا عَنْ وَطَنِنَا الْمَحْبُوبِ؟ وَكَيْفَ اشْتَدَّ حَنِينُنَا — فِي تِلْكَ الْهِجْرَةِ الْبَعِيدَةِ — إِلَى رُؤْيَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ، وَالتَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إِلَى هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ الزَّرْقَاءِ؟ لَقَدْ وُلِدْنَا هُنَا — يَا «أُمَّ سِنْدٍ» — وَتَعَارَفْنَا جَمِيعًا فِي جَنَبَاتِ هَذِهِ الرِّحَابِ، وَامْتَلَأَتْ نُفُوسُنَا بِذِكْرَيَاتِ هَذَا الْبَلَدِ الْحَبِيبِ إِلَيْنَا.
فَلَا عَجَبَ إِذَا اشْتَدَّ حَنِينُ قَلْبَيْنَا، وَهَفَتْ إِلَيْهِ خَوَاطِرُ كِلِيْنَا.»
فَقَالَتْ «أُمُّ سِنْدٍ»: «صَدَقْتَ — أَيُّهَا الزَّوْجُ الْعَزِيزُ — فَإِنَّ حُبَّ الْوَطَنِ يَمْلَأُ قَلْبِي حَنِينًا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ أَرْوَحَ لِنَفْسِي مِنْ هَذَا الْبَلَدِ الَّذِي نَشَأْتُ فِيهِ. وَلَيْسَ يَعْدِلُهُ فِي حُسْنِهِ بَلَدٌ آخَرُ، بَالِغًا مَا بَلَغَ مِنَ الْحُسْنِ وَالرَّوْعَةِ وَالْبَهَاءِ. وَلَنْ تَسْتَطِيعَ بِلَادُ الدُّنْيَا قَاطِبَةً أَنْ تُسَلِيَنِي عَنْ هَذَا الْوَطَنِ الْحَبِيبِ، أَوْ تُذْهِلَنِي عَنْهُ (تُنْسِيَنِي إِيَّاهِ).»
(?) ذِكْرَيَاتُ الْهِجْرَةِ

وَمَا أَتَمَّتْ «أُمُّ سِنْدٍ» قَوْلَهَا، حَتَّى هَاجَتْهَا (أَثَارَتْ نَفْسَهَا) ذِكْرَيَاتُ الْهِجْرَةِ؛ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهَا، حُزْنًا عَلَى فِرَاقِ الْوَطَنِ فِي زَمَنِ الْخَرِيفِ الْقَادِمِ.
•••

وَلَا تَعْجَبْ — أَيُّهَا الْقَارِئُ الذَّكِيُّ — مِنْ حَنِينِ الطُّيُورِ إِلَى أَوْطَانِهَا؛ فَإِنَّ الْوَطَنَ حَبِيبٌ إِلَى نَفْسِ كُلِّ مَنْ يَعِيشُ فِيهِ مِنْ طَيْرٍ وَحَيَواَنٍ، كَمَا هُوَ حَبِيبٌ إِلَى نَفْسِكَ وَإِلَى نُفُوسِ غَيْرِكَ مِنْ بَنِي الْإِنْسَانِ. وَقَدِيمًا قَالَ «أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الرُّومِيِّ» الشَّاعِرُ الْمُبْدِعُ، مُنْذُ أَلْفٍ وَمِئَتَيْنِ مِنَ السِّنِينَ:
«وَلِي وَطَنٌ آلَيْتُ أَلَّا أَبِيعَهُوَأَلَّا أَرَى غَيْرِي لَهُ — الدَّهْرَ — مَالِكَاوَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَالِ إِلَيْهِمُمَآرَبُ قَضَّاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَاإِذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ، ذَكَّرَتْهُمُعُهُودَ الصِّبَا فِيهَا، فَحَنُّوا لِذَلِكَا.»(?) نَوْمُ الْخُطَّافَيْنِ

وَلَقَدْ بَذَلَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» قُصَارَى جُهْدِهِ فِي تَسْلِيَةِ «أُمِّ سِنْدٍ»، وَتَهْوِينِ أَمْرِ الْهِجْرَةِ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا فِيمَا قَالَ: «إِنَّ أَمَامَنَا كَثِيرًا مِنَ الْمَبَاهِجِ وَجَالِبَاتِ السُّرُورِ، قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ الشِّتَاءُ. وَلَا تَزَالُ عِنْدَنَا فُسْحَةٌ مِنَ الْوَقْتِ تُخَفِّفُ مِنْ آلَامِ الْهِجْرَةِ — يَا «أُمَّ سِنْدٍ» — فَلَا تَجْزَعِي، وَلَا يَشْغَلْ بَالَكِ شَيْءٌ الْآنَ، وَلْنَنْعَمْ بِالرُّقَادِ (لِنَسْتَمْتِعْ بِالنَّوْمِ) هَنِيئًا فِي عُشِّنَا الْجَدِيدِ.»
وَمَا زَالَ يُرَفِّهُ (يُخَفِّفُ) عَنْهَا، حَتَّى أَنْسَاهَا مَا شَعَرَتْ بِهِ مِنَ الْأَلَمِ، وَاسْتَسْلَمَتْ لِلرُّقَادِ، فَنَامَتْ، وَنَامَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» إِلَى الصَّبَاحِ.
(?) أَوْلَادُ «أُمِّ سِنْدٍ»

وَلَمَّا جَاءَ الْغَدُ، لَمْ تَبْرَحْ «أُمُّ سَنَدٍ» عُشَّهَا. وَمَرَّتْ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ، وَهِيَ شَدِيدَةُ الْفَرَحِ بِبَيْضَاتِهَا الْأَرْبَعِ الْأُولَى، الَّتِي وَضَعَتْهَا فِي عُشِّهَا، وَهِيَ بَيْضَاتٌ صَغِيرَةٌ، بِهَا نُقَطٌ شُقْرٌ وَسُمْرٌ. وَقَدْ بَاضَتْهَا «أُمُّ سِنْدٍ» فَوْقَ الرِّيَاشِ الَّتِي فِي عُشِّهَا. وَكَانَتْ «أُمُّ سِنْدٍ» تَرْقُدُ عَلَيْهَا حَانِيَةً، مُشْفِقَةً (خَائِفَةً) أَنْ يُصِيبَهَا أَقَلُّ سُوءٍ.
(?) طَعَامُ الْخُطَّافِ

وَكَانَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» يَذْهَبُ مُنْفَرِدًا إِلَى الْخَارِجِ، لِيَجِيئَهَا بِالْقُوتِ، وَلَا يَدَّخِرُ وُسْعًا فِي جَلْبِ الذُّبَابِ الصَّغِيرِ، وَالْحَشَرَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِشي تَسْتَطِيبُهَا زَوْجُهُ.
(?) أَرْبَعَةُ مَنَاقِيرَ

وَمَا زَالَ يَتَعَهَّدُهَا، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْعُشِّ أَرْبَعَةُ مَنَاقِيرَ كَبِيرَةٌ وَهَكَذَا امْتَلَأَتِ الْغُرْفَةُ بِهَذَا النَّسْلِ النَّجِيبِ.
وَفَرِحَ الْأَبَوَانِ بِصَيْحَاتِ أَوْلَادِهِمَا الْأَعِزَّاءِ، وَظَلَّا يَتَعَهَّدَانِهَا بِالتَّنْشِئَةِ (التَّرْبِيَةِ) حَتَّى تَمَّ لَهُمَا مَا أَرَادَاهُ.
(?) حِوَارُ الْإِخْوَةِ

وَصَاحَ «زَوَّارُ الْهِنْدِ» — ذَاتَ يَوْمٍ — وَهُوَ أَكْبَرُ أَبْنَاءِ أَبِيهِ سِنًّا: «لَقَدْ مَشَيْتُ عَلَى رِجْلِي يَا أَخِي، وَسَأُحَدِّثُ أَبِي بِهَذَا النَّبَأِ حِينَ يَعُودُ إِلَيْنَا.»
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ «زَوَّارُ السِّنْدِ»: «خَفِّضْ مِنْ صَوْتِكَ — يَا أَخِي — فَقَدْ كِدْتَ تَخْرِقُ آذَانَنَا بِصُرَاخِكَ!»
فَقَالَتْ «سُنُونِيَّةُ» لِإِخْوَتِهَا: «لَقَدْ غَابَ أَبِي، كَمَا غَابَتْ أُمِّي، فِي هَذَا النَّهَارِ. فَمَتَى يَعُودَانِ؟»
فَأَجَابَتْهَا «جُحَيْجِيَّةُ» وَهِيَ تَبْكِي: «صَدَقْتِ، يَا أُخْتِي. وَلَقَدِ اشْتَدَّ انْزِعَاجِي لِغَيْبَتِهِمَا، وَلَمْ نَتَعَوَّدْ مِنْهُمَا ذَلِكِ مِنْ قَبْلُ. وَأَخْشَى مَا أَخْشَاهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهُمَا مَكْرُوهٌ، أَوْ يَكُونَا — لَا قَدَّرَ اللهُ — قَدْ مَاتَا.»
(??) قُدُومُ الْأَبَوَيْنِ

وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ سَمِعَ الْأَطْفَالُ الصِّغَارُ حَرَكَةً خَفِيفَةً.
فَصَاحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: «أَبِي! أُمِّي! عَجِّلَا بِالْحُضُورِ؛ فَإِنِّي جَائِعٌ!»
ثُمَّ قَالَ «زَوَّارُ الْهِنْدِ»: «غَرِيبٌ أَنْ يَغِيبَ أَبَوَانَا عَنَّا، طُولَ هَذَا الْوَقْتِ!»
وَلَمْ يُتِمَّ كَلِمَتَهُ، حَتَّى صَاحَ «زَوَّارُ السِّنْدِ» وَ«سُنُونِيَّةُ» «وَجُحَيْجِيَّةُ»، مَسْرُورِينَ: «وَا فَرْحَتَاهُ! لَقَدْ جَاءَ أَبَوَانَا الْعَزِيزَانِ، فَمَا أَسْعَدَنَا بِمَقْدَمِهِمَا، (حُضُورِهِمَا)!»
(??) زَادُ الْخَطَاطِيفِ

وَكَانَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ» وَ«أُمُّ سِنْدٍ» قَدْ أَحْضَرَا فِي مِنْقَارَيْهِمَا زَادَ أَوْلَادِهِمَا (طَعَامَهُمْ)، فَقَالَا: «لَبَّيْكُمْ — أَيُّهَا الْأَعِزَّاءُ — فَقَدْ جِئْنَا، وَمَعَنَا مَا تَشْتَهُونَ مِنْ لَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ.»
وَفَتَحَ الْأَوْلَادُ مَنَاقِيرَهُمْ، وَتَهَافَتُوا عَلَى الطَّعَامِ — فِي شَرَهٍ عَجِيبٍ — حَتَّى شَبِعُوا.
ثُمَّ أَغْمَضُوا أَعْيُنَهُمْ مُتَهَيِّئِينَ (مُسْتَعِدِّينَ) لِلنَّوْمِ مَسْرُورِينَ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ


(?) حَادِثٌ مُفَاجِئٌ

فَقَالَتْ «أُمُّ سِنْدٍ»: «لَعَلَّكُمْ — أَيُّهَا الْأَعِزَّاءُ — لَبِثْتُمْ (مَكَثْتُمْ) عُقَلَاءَ رَاشِدِينَ، فِي أَثْنَاءِ غَيْبَتِنَا الطَّوِيلَةِ. وَمَا أَظُنُّكُمْ تَعْرِفُونَ السِّرَّ فِي إِبْطَائِنَا عَلَيْكُمْ. فَقَدْ حَدَثَ لَنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ (وَقَعَ لَنَا مَا لَمْ يَكُنْ يَدُورُ فِي أَنْفُسِنَا، وَعَرَضَ لَنَا مَا لَمْ نَظُنُّهُ وَلَمْ نَتَوَقَّعْ حُدُوثَهُ).»
(?) قِصَّةُ «أُمِّ هِنْدٍ»

فَفَتَحَ الصِّغَارُ أَعْيُنَهُمْ، وَطَارَ النَّوْمُ مِنْ أَجْفَانِهِمْ، وَأَقْبَلُوا عَلَى أُمِّهِمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى حَدِيثِهَا مُنْصِتِينَ، فِي لَهْفَةٍ بَالِغَةٍ، وَشَوْقٍ شَدِيدٍ.
فَقَالَتْ لَهُمْ «أُمُّ سِنْدٍ»: «إِنِّي قَاصَّةٌ عَلَيْكُمْ مَا حَدَثَ لَنَا مِنَ الْعَجَائِبِ، بَعْدَ أَنْ تُفْسِحُوا لَنَا مَكَانًا فِي الْعُشِّ؛ فَقَدْ جَهَدَنَا التَّعَبُ.»
•••

فَالْتَصَقَ الصِّغَارُ، بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَفَسَحُوا لِأَبَوْيِهِمْ مَكَانَيْنِ فِي عُشِّهِمُ الصَّغِيرِ.
(?) صَوْتُ اسْتِغَاثَةٍ

ثُمَّ قَالَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ»: «قُصِّي عَلَيْهِمُ الْقِصَّةَ — يَا «أُمَّ سِنْدٍ» — فَإِنَّكِ أَطْلَقُ مِنِّي لِسَانًا، وَأَدَقُّ وَصْفًا، وَأَحْسَنُ بَيَانًا!»
فَأَنْشَأَتْ «أُمُّ سِنْدٍ» تَقُولُ: «أَصْغُوا إِلَيَّ، أَيُّهَا الْأَعِزَّاءُ: لَقَدْ كُنْتُ مَارَّةً — فِي أَثْنَاءِ طَيَرَانِي — عَلَى مَنْزِلٍ كَبِيرٍ؛ فَسَمِعْتُ — فَجْأَةً — صَوْتًا يَرِنُّ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ (فِي طَبَقَاتِ الْجَوِّ): «أَغِيثُونِي! أَدْرِكُونِي!»
(?) مَنْظَرٌ هَائِلٌ

فَرُحْتُ أَجُولُ بِبَصَرِي — فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْفَضَاءِ — فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. وَجَثَمْتُ عَلَى سَطْحِ الْمَنْزِلِ؛ فَلَمْ أُبْصِرْ كَائِنًا كَانَ.
فَعَوَّلْتُ عَلَى الْمُضِيِّ فِي سَبِيلِي. وَبَيْنَا أَنَا طَائِرَةٌ فِي طَرِيقِي إِلَيْكُمْ، إِذْ أَبْصَرْتُ مَا فَزَّعَنِي وَهَالَنِي (رَعَبَنِي)، وَمَلَأَ قَلْبِي أَسًى وَحُزْنًا.
أَتَعْرِفُونَ أَيَّ هَوْلٍ رَأَيْتُ؟
رَأَيْتُ خُطَّافًا صَغِيرًا شُدَّتْ رِجْلُهُ إِلَى خَيْطٍ مُعَلَّقٍ فِي الْفَضَاءِ، وَرَأْسُهُ مُنَكَّسٌ إِلَى أَسْفَلَ، وَهُوَ يُحَاوِلُ الْخَلَاصَ فَلَا يَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَلَا يَظْفَرُ بِطَائِلٍ (لَا يَنَالُ فَائِدَةً)، وَيَهُمُّ بِالطَّيَرَانِ، فَيُرْجِعُهُ الْخَيْطُ إِلَى الْوَرَاءِ؛ فَيُغَوِّثُ (يَطْلُبُ الْمَعُونَةَ) مُسْتَنْجِدًا؛ فَلَا يُنْجِدُهُ أَحَدٌ!»
(?) حُزْنُ الْأَفْرَاخِ

وَمَا وَصَلَتْ «أُمُّ سِنْدٍ» إِلَى هَذَا الْحَدِّ مِنْ قِصَّتِهَا، حَتَّى امْتَلَأَتْ قُلُوبُ أُفْرَاخِهَا الصِّغَارِ فَزَعًا وَرُعْبًا، وَإِشْفَاقًا عَلَى ذَلِكَ الْخُطَّافِ التَّاعِسِ الْمِسْكِينِ. وَتَأَلَّمَتْ لَهُ «سُنُونِيَّةُ» وَ«جُحَيْجِيَّةُ» وَ«زَوَّارُ الْهِنْدِ» وَ«زَوَّارُ السِّنْدِ»، وَعَقَدَ الْخَوْفُ أَلْسِنَتَهُمْ، وَبَدَا عَلَى سِيمَاهُمْ (ظَهَرَ عَلَى مَرْآهُمُ) الْأَلَمُ وَالْحُزْنُ، وَأَرْهَفُوا آذَانَهُمْ لِسَمَاعِ بَقِيَّةِ الْقِصَّةِ.

(?) نَكْبَةُ «أُمِّ هِنْدٍ»

فَاسْتَأْنَفَتْ «أُمُّ سِنْدٍ» حَدِيثَهَا، قَائِلَةً: «لَقَدْ عَرَفْتُهَا مِنْ صَوْتِهَا — أَيُّهَا الْأَعِزَّاءُ — وَأَدْرَكْتُ أَنَّهَا صَدِيقَتِي «أُمُّ هِنْدٍ»، الَّتِي طَالَمَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْهَا، وَذَكَرْتُ لَكُمْ أَنَّهَا اغْتَصَبَتْ عُشَّنَا، بَعْدَ أَنْ أَوْرَثَتْنَاهُ ابْنَةُ عَمِّي، وَهُوَ فِي مَخْزَنِ الْغِلَالِ الْقَدِيمِ.
(?) صَفْحُ الْكَرِيمِ

وَلَمَّا عَرَفْتُهَا، طَافَتْ بِرَأْسِي فِكْرَةُ الِانْتِقَامِ مِنْهَا.
وَهَمَمْتُ بِتَرْكِهَا وَحِيدَةً فِي هَذَا الْمَأْزِقِ، جَزَاءً لَهَا عَلَى مَا أَسْلَفَتْ (مَا قَدَّمَتْ) مِنْ بَغْيٍ وَعُدْوَانٍ وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا نَسِيتُ هَذِهِ الْفِكْرَةَ الْخَاطِئَةَ، وَصَفَحْتُ عَنْ زَلَّةِ صَدِيقَتِي، وَغَفَرْتُ لَهَا عِنَادَهَا، وَذَكَرْتُ أَنَّ الْأَخَوَاتِ جَدِيرَاتٌ أَنْ يَتَنَاسَيْنَ الْإِسَاءَاتِ، وَيَذْكُرْنَ الْحَسَنَاتِ، لَا سِيَّمَا فِي الشَّدَائِدِ وَالْمَآزِقِ وَالْمُلِمَّاتِ.
(?) أَسْرَابُ الْخَطَاطِيفِ

فَامْتَلَأَ قَلْبِي بِالرَّحْمَةِ لَهَا، وَالْعَطْفِ عَلَيْهَا، وَصِحْتُ — بِأَعْلَى صَوْتِي مُغَوِّثَةً (مُسْتَنْجِدَةً) بِأَصْدِقَائِي مِنَ الْخَطَاطِيفِ. فَلَبَّيْنَ دُعَائِي — فِي الْحَالِ — وَغَصَّ الْفَضَاءُ بِأَسْرَابِهِنَّ (امْتَلَأَ بِجَمَاعَاتِهِنَّ)، وَضَاقَ بِهِنَّ عَلَى رُحْبِهِ (بِرَغْمِ اتِّسَاعِهِ).
(?) نَصِيحَةُ عَجُوزٍ

فَصِحْتُ فِيهِنَّ قَائِلَةً: «هَأَنْتُنَّ أُولَاءِ تَرَيْنَ مَا أَصَابَ أُخْتَكُنَّ «أُمَّ هِنْدٍ»، فَخَبِّرْنَنِي: كَيْفَ نَصْنَعُ لِإِنْقَاذِهَا؟»
فَقَالَتْ خُطَّافٌ عَجُوزٌ مُجَرِّبَةٌ، اجْتَازَتِ الْبَحْرَ الْكَبِيرَ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّ مَرَّاتٍ: «الرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ نَطِيرَ جَمِيعًا، وَنَصِيحَ بِأَعْلَى أَصْوَاتِنَا لِنُنَادِي «عِصَامًا»: ذَلِكُنَّ الصَّبِيَّ الْمُهَذَّبَ الطَّيِّبَ الْقَلْبِ؛ لِيُنْقِذَ هَذِهِ الْأُخْتَ الْعَزِيزَةَ. وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا مُلَبِّيًا دُعَاءَنَا؛ فَهُوَ يُحِبُّنَا، وَيَعْطِفُ عَلَيْنَا، وَيَتَوَدَّدُ دَائِمًا إِلَيْنَا.»
فَقُلْتُ لَهَا: «صَدَقْتِ فِيمَا قُلْتِ — أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ الْحَكِيمَةُ الْعَاقِلَةُ — وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ يَضِيعَ الْوَقْتُ سُدًى (بِلَا فَائِدَةً). وَهَا هِيَ ذِي «أُمُّ هِنْدٍ» تَكَادُ تَخْتَنِقُ، وَمَا أَظُنُّ «عِصَامًا» فِي بَيْتِهِ الْآنَ.»
فَقَالَتِ الْخَطَاطِيفُ الْأُخَرُ: «صَدَقْتِ — يَا «أُمَّ سِنْدٍ» — فَمَاذَا تَرَيْنَ مِنْ وُجُوهِ الرَّأْيِ؟»
(??) تَعَبُ «أُمِّ سِنْدٍ»

وَلَمَّا بَلَغَتْ «أُمُّ سِنْدٍ» هَذَا الْحَدَّ مِنَ الْقِصَّةِ، شَعَرَتْ بِالتَّعَبِ.
فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا، بِصَوْتٍ خَافِتٍ: «لَقَدْ أَصَابَنِي الْجَهْدُ وَالْإِعْيَاءُ، وَجَفَّ حَلْقِي، فَتَمِّمْ أَنْتَ لَهُمْ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ، أَيُّهَا الزَّوْجُ الْعَزِيزُ.»
(??) الْمَنَاقِيرُ الصُّلْبَةُ

فَقَالَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ»: «لَقَدْ كَانَتْ أُمُّكُمْ — أَيُّهَا الْأَعِزَّاءُ — أَذْكَى خُطَّافٍ رَأَيْتُهُ فِي حَيَاتِي. فَقَدْ صَاحَتْ فِي أَصْدِقَائِنَا قَائِلَةً: «الرَّأْيُ عِنْدِي — أَيُّهَا الْإِخْوَانُ — أَنْ نَقْطَعَ هَذَا الْخَيْطَ.»
فَقَالُوا لَهَا: «وَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكِ، يَا أُخْتَاهُ؟»
فَقَالَتْ لَهُمْ: «إِنَّ مَنَاقِيرَنَا صُلْبَةٌ مَتِينَةٌ — كَمَا تَعْلَمُونَ — فَلْنُسْرِعْ إِلَى الْخَيْطِ، وَلْنَضْرِبْه بِمَنَاقِيرِنَا — مُتَعَاقِبِينِ — ضَرَبَاتٍ قَوِيَّةً، حَتَّى نَقْطَعَهُ!»
فَصَاحَ الْخَطَاطِيفُ جَمِيعًا: «مَرْحَى لَكِ، أَيَّتُهَا الذَّكِيَّةُ الرَّشِيدَةُ! فَلْنَأْخُذْ بِرَأْيِكِ السَّدِيدِ.»
(??) «عُصْفُورُ الْجَنَّةِ»

وَجَاءَ «عُصْفُورُ الْجَنَّةِ» فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ؛ وَهُوَ زَوْجُ «أُمِّ هِنْدٍ» وَحَفِيدُ «أَبِي الْفِدَاءِ» الْمُلَقَّبِ «بِعُصْفُورِ الْفِرْدَوْسِ»، صَاحِبِ الْأَمِيرِ السَّعِيدِ، كَمَا تَعْلَمُونَ. فَتَجَلَّى أَمَامَنَا حُبُّه وَإِخْلَاصُهُ وَوَفَاؤُهُ لِزَوْجِهِ؛ وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنْهَا مُتَودِّدًا، وَظَلَّ يُؤَسِّيهَا (يُصَبِّرُهَا) وَيُطَمْئِنُهَا، وَيُسْرِّي عَنْ نَفْسِهَا، وَيُؤَكِّدُ لَهَا قُرْبَ خَلَاصِهَا مِنَ الْمَأْزِقِ الْحَرِجِ.
(??) قَطْعُ الْخَيْطِ

وَلَقَدْ أَخَذْتُ نَفْسِي بِعَدِّ النَّقَرَاتِ وَإِحْصَائِهَا — لِأَنَّنِي وَجَدْتُ فِي هَذَا سَلْوَى وَتَعْزِيَةً — فَرَأَيْتُهَا قَدْ نَيَّفَتْ (زَادَتْ) عَلَى الْمِئَةِ. ثُمَّ رَأَيْتُ «أُمَّ هِنْدٍ» تَثِبُ (تَنُطُّ) وَثْبَةً قَوِيَّةً؛ فَتَقْطَعُ الْخَيْطَ، وَتَنْطَلِقُ مِنْ إِسَارِهَا، وَتَقَرُّ عَلَى سَطْحِ الْبَيْتِ!»
(??) شُكْرُ «أُمِّ هِنْدٍ»

وَلَمَّا انْتَهَى بِهِ الْكَلَامُ إِلَى هَذِهِ الْخَاتِمَةِ السَّارَّةِ، فَرِحَ أَوْلَادُهُ بِخَلَاصِ «أُمِّ هِنْدٍ»، وَأُعْجِبُوا بِرَأْيِ أُمِّهُمُ السَّدِيدِ.
فَقَالَ لَهُمْ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ»: «وَلَوْ سَمِعْتُمْ شُكْرَ «أُمِّ هِنْدٍ» لِأُمِّكُمْ عَلَى صَنِيعِهَا (مَعْرُوفِهَا)، لَبَكَيْتُمْ مِنْ فَرْطِ التَّأَثُّرِ؛ فَقَدْ أَثْنَتْ عَلَيْهَا بِمَا هِيَ أَهْلُهُ.»
ثُمَّ خَتَمَتْ ثَنَاءَهَا قَائِلَةً: «لَنْ أَنْسَى لَكِ — مَا حَيِيتُ — ذَلِكِ الصَّنِيعَ الَّذِي تَفَضَّلْتِ بِهِ عَلَيَّ، وَلَنْ أَنْسَى لَكُمْ — يَا أَصْدِقَائِي — هَذَا الْعَطْفَ النَّبِيلَ طُولَ عُمْرِي. فَقَدْ كُنْتُ — لَوْلَا عِنَايَتُكُمْ — هَالِكَةً، لَا مَحَالَةَ — وَمَا كُنْتُ أَدْرِي مَصِيرَ أَوْلَادِي مِنْ بَعْدِي!»
(??) خُطْبَةُ «عُصْفُورِ الْجَنَّةِ»

وَقَدْ بَكَى «عُصْفُورُ الْجَنَّةِ» حِينَ سَمِعَ كَلَامَ زَوْجِهِ؛ فَبَذَلْنَا جُهْدَنَا فِي تَعْزِيَتِهِ، وَتَهْوِينِ الْمُصَابِ عَلَيْهِ، حَتَّى سُرِّيَ عَنْهُ (كُشِفَ عَنْهُ الْهَمُّ)، وَسَكَنَ رُوعُهُ (اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ)، وَأَفْرَخَ رَوْعُهُ (زَالَ عَنْهُ رُعْبُهُ وَذَهَبَ خَوْفُهُ).
ثُمَّ صَعِدَ إِلَى ذِرْوَةِ السَّطْحِ، وَشَكَرَ لَنَا صَنِيعَنَا شُكْرًا بَلِيغًا يَدُلُّ عَلَى أَلْمَعِيَّةٍ نَادِرَةٍ. وَقَدْ خَتَمَ خِطَابَهُ الرَّائِعَ بِقَوْلِهِ: «… فَلَكُمْ مِنَّا — أَيُّهَا الْأَعِزَّاءُ الْأَصْفِيَاءُ — حُبُّنَا الْخَالِصُ، واعترافنا بِفَضْلِكُمْ إِلَى الْأَبَدِ.»
وَقَدْ حَيَّيْنَاهُ عَلَى بَلَاغَتِهِ أَحْسَنَ تَحِيَّةٍ. ثُمَّ سَارَ «عُصْفُورُ الْجَنَّةِ» مَعَ «أُمِّ هِنْدٍ» — بَعْدَ أَنْ وَدَّعَانَا — شَاكِرَيْنِ!»
فَصَاحَ الْأَفْرَاخُ الصِّغَارُ مُعْجَبِينَ بِمَا سَمِعُوا: «يَا لَهَا مِنْ قِصَّةٍ شَائِقَةٍ! فَشُكْرًا لَكُمَا، أَيُّهَا الْوَالِدَانِ الْعَزِيزَانِ!»
الْفَصْلُ الْخَامِسُ


(?) قِصَّةُ «أَبِي الْفِدَاءِ»

فَقَالَ «زَوَّارُ الْهِنْدِ»: «لَقَدْ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ «أَبَا الْفِدَاءِ» — الْمُلَقَّبَ بِـ «عُصْفُورِ الْفِرْدَوْسِ» جَدَّ «عُصْفُورِ الْأَمَانَةِ» — كَانَ صَدِيقًا لِتِمْثَالِ الْأَمِيرِ السَّعِيدِ، وَقُلْتَ لَنَا إِنَّهُ كَانَ مَضْرِبَ الْمَثَلِ فِي الْإِيثَارِ وَالْوَفَاءِ. وَلَكِنَّكَ نَسِيتَ أَنْ تُفْضِيَ إِلَيْنَا (تُخْبِرَنَا) بِقِصَّتِهِ، أَوْ تَذْكُرَ لَنَا شَيْئًا مِنْ أَخْبَارِهِ!»
(?) ذُيُوعُ الْقِصَّةِ

فَقَالَ «عُصْفُورُ الْأَمَانَةِ»: «صَدَقْتَ، يَا وَلَدِيَ الْعَزِيزَ. لَقَدْ فَاتَنِي ذَلِكَ، وَلِي مَوْفُورُ الْعُذْرِ إِذَا نَسِيتُ؛ فَقَدْ خُيِّلَ إِلَيَّ — لِكَثْرَةِ مَا سَمِعْتُ هَذِهِ الْقِصَّةَ — أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي الْعَالَمِ، مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوَانٍ وَحَشَرَةٍ وَإِنْسَانٍ، عَلَى عِلْمٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَنَسِيتُ أَنَّكَ وَإِخْوَتَكَ حَدِيثُو الْعَهْدِ بِهَذِهِ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ عَجَبِي لَا يَنْقَضِي إِذَا ذَكَرْتُ أَنَّ أُمَّكَ لَمْ تَقُصَّهَا عَلَيْكَ — مُنْذُ وِلَادَتِكَ — كَمَا تَفْعَلُ أُمَّهَاتُ الْخَطَاطِيفِ جَمِيعًا.»
(?) الْأَمِيرُ الْمُحْسِنُ

فَاشْتَدَّ شَوْقُ «زَوَّارِ الْهِنْدِ» وَإِخْوَتِهِ إِلَى سَمَاعِ تِلْكَ الْقِصَّةِ الشَّائِقَةِ، وَأَنْشَأَ وَالِدُهُنَّ يُحَدِّثُهُنَّ بِهَا، فَيَقُولُ: «كَانَ يَا مَا كَانَ، فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَغَابِرِ الْأَوَانِ، أَمِيرٌ مَعْرُوفٌ بِطِيبَةِ الْقَلْبِ، مَوْصُوفٌ بِالرِّفْقِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْعَطْفِ عَلَى الطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِرِّ بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ بَنِي الْإِنْسَانِ.
(?) التِّمْثَالُ الذَّهَبِيُّ

فَلَمَّا مَاتَ، أَقَامَ لَهُ عَارِفُو فَضْلِهِ تِمْثَالًا كَبِيرًا؛ عِرْفَانًا لِمُرُوءَتِهِ، وَتَخْلِيدًا لِعَظَمَتِهِ، وَكَسَوُا التِّمْثَالَ جِلْبَابًا رَقِيقًا، نَسَجُوا خُيُوطَهُ مِنْ خَالِصِ النُّضَارِ (مِنَ الذَّهَبِ الْحُرِّ).
وَاخْتَارُوا لِهَذَا التِّمْثَالِ — مِنْ زُرْقِ الْيَوَاقِيتِ النَّفِيسَةِ الْبَرَّاقَةِ — أَغْلَى يَاقُوتَتَيْنِ؛ فَصَنَعُوا مِنْهُمَا عَيْنَيِ التِّمْثَالِ، عَلَى أَكْمَلِ مِثَالٍ.

وَاهْتَدَوْا — بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ — إِلَى دُرَّةٍ كَبِيرَةٍ مُؤَتَلِقَةٍ (لَامِعَةٍ) مِنْ أَنْفَسِ الْعَقِيقِ الْأَحْمَرِ، فَجَعَلُوهَا عَلَى مَقْبِضِ سَيْفِهِ، حِلْيَةً تَبْهَرُ بِمَرْآهَا عَيْنَ مَنْ يَرَاهَا.
(?) الْفَرَاشَةُ الصَّفْرَاءُ

وَكَانَ «أَبُو الْفِدَاءِ» الْمُلَقَّبُ بِـ «عُصْفُورِ الْفِرْدَوْسِ» يُحَلِّقُ — ذَاتَ لَيْلَةٍ — فِي الْجَوِّ (يَرْتَفِعُ وَيَسْتَدِيرُ فِي طَيَرَانِهِ كَالْحَلْقَةِ)، وَكَانَتْ رِفَاقُهُ الْخَطَاطِيفُ قَدْ سَبَقَتْهُ إِلَى السَّفَرِ، مُنْذُ شَهْرٍ وَنِصْفِ شَهْرٍ، ذَاهِبَةً عَلَى عَادَتِهَا فِي الْهِجْرَةِ السَّنَوِيَّةِ إِلَى «مِصْرَ».
وَلَمْ يُعَوِّقْهُ عَنِ الذَّهَابِ مَعَ رِفَاقِهِ إِلَّا فَرْطُ مَحَبَّتِهِ وَوَفَائِهِ لِنَبْتَةٍ ظَرِيفَةٍ مِنْ عِيدَانِ الْقَصَبِ الطَّوِيلَةِ، تَعَرَّفَ بِهَا، وَسَكَنَ إِلَيْهَا فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ مُسْرِعًا فِي طَيَرَانِهِ — حِينَئِذٍ — خَلْفَ فَرَاشَةٍ كَبِيرَةٍ صَفْرَاءَ.
(?) فِي جِوَارِ الْقَصَبَةِ

فَشَغَلَهُ جَمَالُ تِلْكَ الْقَصَبَةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَوَقَفَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا مُبْتَهِجًا بِلُقْيَاهَا، وَلَمْ يُفَارِقْهَا مُنْذُ رَآهَا، وَظَلَّ نَاعِمًا بِهَا طَوَالَ فَصْلِ الصَّيْفِ.
وَلَمَّا أَقْبَلَ الْخَرِيفُ، هَاجَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى «مِصْرَ».
وَحَاوَلَ «أَبُو الْفِدَاءِ» أَنْ يُغْرِيَ الْقَصَبَةَ بِالطَّيَرَانِ مَعَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ إِلَى هَذَا سَبِيلًا؛ لِأَنَّ النَّبَاتَ عَاجِزٌ عَنْ مُفَارَقَةِ مَكَانِهِ.
وَاشْتَدَّ شَوْقُهُ إِلَى السَّفَرِ لِلتَّمَتُّعِ بِرُؤْيَةِ الْأَهْرَامِ وَالنِّيلِ، بَعْدَ أَنْ وَدَّعَ الْقَصَبَةَ آسِفًا عَلَى فِرَاقِهَا، عَاتِبًا عَلَيْهَا أَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْ مُصَاحَبِتِهِ فِي رِحْلَتِهِ.
(?) تِمْثَالُ الْأَمِيرِ

وَهَبَطَ فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ عَلَى تِمْثَالِ الْأَمِيرِ، وَتَهَيَّأَ لِلرُّقَادِ بَيْنَ قَدَمَيِ التِّمْثَالِ. وَإِنَّهُ لَيَهُمُّ بِالنَّوْمِ (يَعْزِمُ عَلَيْهِ وَيَقْصِدُهُ)، وَاضِعًا رَأْسَهُ تَحْتَ جَنَاحَيْهِ — عَلَى عَادَةِ الْخَطَاطِيفِ حِينَ تَنَامُ — إِذَا بِقَطْرَةٍ مِنَ الْمَاءِ تَسْقُطُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَتْبَعُهَا قَطْرَةٌ ثَانِيَةٌ، ثُمَّ تَعْقُبُهُمَا قَطْرَةً ثَالِثَةٌ.
فَلَمْ يَرَ بُدًّا (مَهْرَبًا) مِنْ مُفَارَقَةِ التِّمْثَالِ، مُعْتَزِمًا أَنْ يَأْوِي إِلَى رَأْسِ مِدْخَنَةٍ عَالِيَةٍ.
(?) دُمُوعُ التِّمْثَالِ

وَلَكِنَّهُ لَمْ يَهُمَّ بِالطَّيَرَانِ، حَتَّى حَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ إِلَى عَيْنَيِ التِّمْثَالِ؛ فَرَأَى الدُّمُوعَ تَتَرَقْرَقُ فِيهِمَا (تَدُورُ فِي بَاطِنِ الْجَفْنَيْنِ مِنْهُمَا) عَلَى خَدَّيْهِ.
(?) قِصَّةُ الْأَمِيرِ

فَاشْتَدَّ عَجَبُ «أَبِي الْفِدَاءِ» مِمَّا رَأَى، وَسَأَلَهُ عَنْ قِصَّتِهِ.
فَقَالَ التِّمْثَالُ فِيمَا قَالَ: «لَقَدْ عِشْتُ حَيَاةً سَعِيدَةً، وَلَمْ تَذْرِفْ عَيْنَايَ (لَمْ تُسِيلَا) دَمْعَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّنِي لَمْ أَعْرِفْ مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ النَّاسُ مِنْ بُؤْسٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. فَلَمَّا حَانَ حَيْنِي (مَوْتِي)، وَانْتَقَلْتُ مِنْ عَالَمِ الْأَحْيَاءِ إِلَى عَالَمِ الْأَمْوَاتِ، أَصْبَحْتُ أَرَى — وَأَنَا عَلَى هَذَا الِارْتِفَاعِ الشَّاهِقِ (الْعَالِي) — مَا يُبْكِينِي مِنْ مَصَائِبِ النَّاسِ، وَيَكَادُ يَذُوبُ لَهُ قَلْبِي الْمَصْنُوعُ مِنَ الرَّصَاصِ.

(??) الْأَرْمَلَةُ الْفَقِيرَةُ

وَهَأَنَذَا أَرَى فَقِيرَةً أَرْمَلَةً (امْرَأَةً مَاتَ زَوْجُهَا)، تَكْسِبُ قُوتَهَا بِعَرَقِ جَبِينِهَا، وَلَا تَكَادُ تَظْفَرُ بِالْكَفَافِ مِنَ الرِّزْقِ (بِمَا كَفَّ عَنِ النَّاسِ وَأَغْنَى) إِلَّا بِشِقِّ النَّفْسِ (بِمَشَقَّتِهَا). وَهِيَ دَائِبَةٌ عَلَى الْعَمَلِ، لِتُدَاوِي — بِمَا تَنَالُهُ مِنْ أَجْرٍ ضَئِيلٍ — وَلَدَهَا الْعَلِيلَ. وَلَوِ اسْتَطَعْتُ لَأَهْدَيْتُ إِلَيْهَاَ تِلْكَ الْعَقِيقَةَ الثَّمِينَةَ الَّتِي تُحَلِّي مَقْبِضَ سَيْفِي. وَلَكِنَّنِي عَاجِزٌ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ، كَمَا تَرَى.
فَهَلْ تُبْلِغُهَا (تُوصِلُهَا) إِلَيْهَا مَشْكُورًا مَأْجُورًا، لِتَسْتَعِينَ — بِثَمَنِهَا — عَلَى مُدَاوَاةِ ابْنِهَا؟»
(??) أَشْرَارُ النَّاسِ

فَقَالَ «أَبُو الْفِدَاءِ»: «مَا أَحْوَجَنِي إِلَى اللِّحَاقِ بِإِخْوَانِي الَّذِينَ سَبَقُونِي إِلَى «مِصْرَ»! عَلَى أَنِّي سَأَبْقَى مَعَكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، تَلْبِيَةً لِأَمْرِكَ، وَإِعْجَابًا بِمُرُوءَتِكَ، وَمُشَارَكَةً لَكَ فِي عَاطِفَتِكَ، وَمُعَاوَنَةً لَكَ عَلَى إِنْجَازِ أُمْنِيَّتِكَ بِرَغْمِ قَسْوَةِ الْجَوِّ، وَاشْتِدَادِ الْبَرْدِ، وَكَرَاهِيَتِي لِلْأَطْفَالِ، بَعْدَمَا رَأَيْتُ مِنْ بَعْضِهِمْ مَا بَغَّضَهُمْ إِلَيَّ.
وَمَا أَنْسَ لَا أَنْسَ وَلَدَيْنِ مِنْ أَشْرَارِ الْإِنْسِ، رَمَيَانِي فِي الصَّيْفِ الْمَاضِي بِالْحِجَارَةِ حِينَ رَأَيَانِي، وَلَوْلَا مَا تَمَيَّزْنَا بِهِ — مَعْشَرَ الْخَطَاطِيفِ — مِنْ مَهَارَةٍ وَبَرَاعَةٍ نَادِرَتَيْنِ فِي الطَّيَرَانِ، لَأَلْحَقَا بِي أَذًى بَلِيغًا.
وَلَكِنَّنِي لَنْ آخُذَ الطِّفْلَ الْمَرِيضَ بِذَنْبِ غَيْرِهِ مِنْ أَشْرَارِ الْإِنْسِ. وَسَأَكُونُ سَفِيرَكَ (رَسُولَكَ) إِلَيْهِ؛ فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِ وَلَا تَبْتَئِسْ (لَا تَشْتَكِ وَلَا تَكْتَئِبْ).»
(??) الْعَقِيقَةُ الثَّمِينَةُ

فَشَكَرَ لَهُ التِّمْثَالُ أَرِيحِيَّتَهُ (سَعَةَ خُلُقِهِ وَارْتِيَاحَهُ إِلَى الْخَيْرِ)، وَحَمِدَ لَهُ عَطْفَهُ وَمُرُوءَتَهُ وَكَرَمَ أَخْلَاقِهِ.
وَأَمْسَكَ الْخُطَّافُ بِالْعَقِيقَةِ الثَّمِينَةِ، وَانْتَزَعَهَا بِمِنْقَارِهِ الصُّلْبِ مِنْ مَقْبِضِ السَّيْفِ، ثُمَّ طَارَ بِهَا — وَهِيَ فِي مِنْقَارِهِ — حَتَّى بَلَغَ بَيْتَ الصَّبِيِّ الْفَقِيرِ، وَوَضَعَهَا فِي مَكَانٍ أَمِينٍ بِالْقُرْبِ مِنْ سَرِيرِ الْمَرِيضِ الْمَحْمُومِ (الَّذِي أَصَابَتْهُ الْحُمَّى).
(??) ثَوَابُ الْخَيْرِ

وَلَمَّا عَادَ إِلَى التِّمْثَالِ، وَأَخْبَرَهُ بِقِصَّتِهِ، شَكَرَ لَهُ التِّمْثَالُ صَنِيعَهُ (مَعْرُوفَهُ). وَأَحَسَّ «أَبُو الْفِدَاءِ» بِالْحَرَارَةِ وَالدِّفْءِ يَسْرِيَانِ فِي جَسَدِهِ بِرَغْمِ بُرُودَةِ الْجَوِّ. فَسَأَلَ التِّمْثَالَ عَنِ السِّرِّ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ التِّمْثَالُ: «إِنْ لِكُلِّ صَنِيعٍ مِنَ الْخَيْرِ ثَوَابَهُ، وَاللهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.»
وَمَا لَبِثَ أَنْ اسْتَسْلَمَ لِلْكَرَى (لِلنَّوْمِ) فِي دَعَةٍ (رَاحَةٍ) وَاطْمِئْنَانٍ.
(??) الْكَاتِبُ الْبَائِسُ

وَلَمَّا جَاءَ الْيَوْمُ التَّالِي، أَقْبَلَ عَلَى صَدِيقِهِ التِّمْثَالِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي السَّفَرِ إِلَى «مِصْرَ». وَلَكِنَّ التِّمْثَالَ رَجَاهُ مُسْتَعْطِفًا أَنْ يَبْقَى مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى؛ لِيُعَاوِنَ فَتًى بَائِسًا مِنَ النَّابِغِينَ، مَشْغُولًا بِكِتَابَةِ قِصَّةٍ مَسْرَحِيَّةٍ بَارِعَةٍ، وَلَكِنَّ الْجُوعَ يَعُوقُهُ (يُؤَخِّرُهُ) عَنْ إِتْمَامِهَا، وَيَكَادُ يَقْتُلُهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: «لَيْتَكَ تَأْخُذُ إِحْدَى عَيْنَيِّ لِتَحْمِلَهَا إِلَيْهِ؛ فَهِيَ — كَمَا تَرَى — يَاقُوتَةٌ زَرْقَاءً مِنْ أَنْفَسِ اللَّآلِئِ النَّادِرَةِ، لِيَسْتَعِينَ — بِثَمَنِهَا — عَلَى إِنْجَازِ مُهِمِّهِ.»
وَتَرَدَّدَ الْخُطَّافُ فِي تَلْبِيَةِ أَمْرِ صَاحِبِهِ، وَبَكَى رَحْمَةً لَهُ وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ التِّمْثَالَ أَلَحَّ فِي الرَّجَاءِ؛ فَلَمْ يَسْتَطِعْ «أَبُو الْفِدَاءِ» مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ.
وَطَارَ «أَبُو الْفِدَاءِ» وَفِي مِنْقَارِهِ عَيْنُ التِّمْثَالِ، بَعْدَ أَنْ نَقَرَهَا وَانْتَزَعَهَا مِنْ مَكَانِهَا. وَمَا زَالَ يَطِيرُ بِهَا حَتَّى بَلَغَ حُجْرَةَ الْفَتَى النَّابِغَةِ؛ فَوَضَعَهَا بِحَيْثُ تَقَعُ عَلَيْهَا عَيْنَاهُ.
وَكَانَ لِهَذِهِ الْيَاقُوتَةِ الثَّمِينَةِ أَكْبَرُ أَثَرٍ فِي تَشْجِيعِ الْمُؤَلِّفِ الْفَتَى، وَانْتِعَاشِ أَمَلِهِ، وَمُضَاعَفَةِ نَشَاطِهِ فِي تَجْوِيدِ عَمَلِهِ.
(??) الْفَتَاةُ الْبَائِسَةُ

وَعَادَ الْخُطَّافُ إِلَى صَاحِبِهِ التِّمْثَالِ؛ لِيُودِّعَهُ، مُسْتَأْذِنًا فِي السَّفَرِ إِلَى «مِصْرَ». وَلَكِنَّ التِّمْثَالَ أَلَحَّ عَلَيْهِ فِي الرَّجَاءِ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ لَيْلَةً ثَالِثَةً، لِيَنْتَزِعَ الْجَوْهَرَةَ الْبَاقِيَةَ مِنْ عَيْنِهِ الْأُخْرَى، وَيَحْمِلَهَا إِلَى فَتَاةٍ فَقِيرَةٍ فَقَدَتْ عَائِلَهَا (كَافِلَهَا الَّذِي يُنْفِقُ عَلَيْهَا)، وَكَادَ الْيَأْسُ — مِنْ بَعْدِهِ — أَنْ يَقْتُلَهَا. فَقَدْ أَعْوَزَهَا الْكِسَاءُ وَالطَّعَامُ (أَعْجَزَهَا أَنْ تَحْصُلَ عَلَى الْمَلْبَسِ وْالْمَأْكَلِ)، وَحَرَمَهَا الْبَرْدُ وَالْجُوعُ طِيبَ الْمَنَامِ.

وَتَرَدَّدَ «أَبُو الْفِدَاءِ» فِي نَقْرِ عَيْنِهِ الْأُخْرَى، مُشْفِقًا عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَى؛ وَلَكِنَّهُ اضْطُرَّ إِلَى الْإِذْعَانِ (الْخُضُوعِ) لِأَمْرِ صَاحِبِهِ التِّمْثَالِ، وَنَقَرَ عَيْنَهُ الْأُخْرَى، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى الْفَتَاةِ، لِتَغْنَى (لِتَعِيشَ) بِثَمَنِهَا طُولَ الْحَيَاةِ.
(??) وَفَاءُ الْخُطَّافِ

وَلَمَّا عَادَ الْخُطَّافُ إِلَيْهِ، قَالَ لَهُ: «لَنْ أَتْرُكَ صُحْبَتَكَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا، لَأًؤَسِّيَكَ فِي مِحْنَتِكَ بَعْدَ أَنْ فَقَدْتَ عَيْنَيْكَ جَمِيعًا.»
وَحَاوَلَ التِّمْثَالُ أَنْ يَثْنِيَهُ (يَرْجِعَهُ) عَنْ عَزْمِهِ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي الرَّجَاءِ أَنْ يَتْرُكَهُ لِيُتِمَّ رِحْلَتهُ السَّنَوِيَّةَ إِلَى «مِصْرَ».
وَلَكِنَّ وَفَاءَ «أَبِي الْفِدَاءِ» أَبَى عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ ذَلِكَ الْمُحْسِنَ الْكَرِيمَ، الَّذِي جَادَ بِأَنْفَسِ مَا يَمْلِكُ فِي سَبِيلِ مُعَاوَنَةِ الْبَائِسِينِ.
(??) الْجَائِعَانِ الصَّغِيرَانِ

وَاقْتَرَحَ عَلَيْهِ التِّمْثَالُ أَنْ يَرْتَادَ (يَطْلُبَ) شَوَارِعَ الْمَدِينَةِ وَبُيُوتَهَا، لِيُفْضِيَ إِلَيْهِ بِأَنْبَاءِ فُقَرَائِهَا وَمَنْكُوبِيهَا؛ لَعَلَّهُ يَسْتَطِيعُ إِسْدَاءَ الْمَعُونَةِ إِلَيْهِمْ. وَمَا لَبِثَ «أَبُو الْفِدَاءِ» أَنْ رَأَى طِفْلَيْنِ صَغِيرَيْنِ نَائِمَيْنِ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ، تَحْتَ الْجِسْرِ، وَهُمَا يَتَضَوَّرَانِ جُوعًا، وَقَدْ أَقْبَلَ الْعَسَسُ (الَّذِينَ يَحْرُسُونَ النَّاسَ لَيْلًا). فَلَمَّا رَآهُمَا الْعَسَسُ أَيْقَظُوهُمَا مِنْ رُقَادِهِمَا؛ فَذَهَب الطِّفْلَانِ يَجُوبَانِ (يَقْطَعَانِ) شَوَارِعَ الْمَدِينَةِ، وَالْمَطَرُ يَنْهَمِرُ (يَنْسَكِبُ) عَلَيْهِمَا، وَقَدْ عَزَّ عَلَيْهِمَا الْمَلْجَأُ وَالْمَأْكَلُ وَالْكِسَاءُ.
فَلَمَّا أَفْضَى الْخُطَّافُ بِقِصَّتِهِمَا إِلَى صَاحِبِهِ التِّمْثَالِ، رَجَاهُ أَنْ يَنْتَزِعَ قِطْعَةً مِنْ ثِيَابِهِ الذَّهَبِيَّةِ؛ لِيَمْنَحَ الطِّفْلَيْنِ مَا يُقِيمُ أَوَدَهُمَا، وَيُعِيدَ الْحَيَاةَ إِلَيْهِمَا.
(??) خَاتِمَةُ «أَبِي الْفِدَاءِ»


وَمَا زَالَ «أَبُو الْفِدَاءِ» يَنْتَزِعُ مِنْ ثِيَابِ صَاحِبِهِ قِطْعَةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيَهَبُهَا لِفَقِيرٍ بَعْدَ آخَرَ؛ حَتَّى فَنِيَ الْكِسَاءُ الذَّهَبِيُّ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ، وَأَشْرَفَ «أَبُو الْفِدَاءِ» عَلَى التَّلَفِ (قَرُبَ مَوْتُهُ)؛ فَأَقْبَلَ عَلَى التِّمْثَالِ يُقَبِّلُهُ مُوَدِّعًا إِيَّاهُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ هَوَى (سَقَطَ) عَلَى قَدَمَيْهِ — مِنْ فَوْرِهِ (لِلْحَالِ) — مَيِّتًا.
(??) قَلْبُ التِّمْثَالِ

وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ، وَتَسَاقَطَ الْجَلِيدُ؛ فَتَحَطَّمَ قَلْبُ التِّمْثَالِ.
وَلَعَلَّهُ انْشَقَّ حُزْنًا لِمَصْرَعِ صَاحِبِهِ «أَبِي الْفِدَاءِ».
•••

وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي مَرَّ مُهَنْدِسُ الْمَدِينَةِ بِالتِّمْثَالِ الْمُحَطَّمِ؛ فَاقْتَرَحَ عَلَى أُولِي الْأَمْرِ أَنْ يُزِيلُوهُ، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ لَا نَفْعَ فِيهِ، وَلَا فَائِدَةَ تُرْجَى مِنْ بَقَائِهِ.
(??) مَلَكٌ كَرِيمٌ

وَجَاءَ مَلَكٌ كَرِيمٌ، فَحَمَلَ قَلْبَ التِّمْثَالِ وَجَسَدَ الطَّائِرِ الْمَيِّتِ إِلَى السَّمَاءِ: تَكْرِيمًا لَهُمَا عَلَى مَا بَذَلَاهُ، وَتَخْلِيدًا لِذِكْرَاهُمَا، وَتَقْدِيرًا لَهُمَا عَلَى مَا صَنَعَاهُ بَعْدَ أَنْ جَادَ كِلَاهُمَا بِأَنْفَسِ مَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَيَاةِ.»
(??) دَهْشَةُ الْخَطَاطِيفِ

فَلَمَّا أَتَمَّ «زَوَّارُ الْهِنْدِ» قِصَّتَهُ، أُعْجِبَ بِهَا أَبْنَاؤُهُ، كَمَا أُعْجِبْتَ بِهَا أَنْتَ، وَكَمَا أُعْجِبَ بِهَا — مِنْ قَبْلِكَ — الشَّاعِرُ الْمُبْدِعُ «أُسْكَار وَيِلْد»، فَصَاغَ مِنْهَا تِلْكَ الْقِصَّةَ الرَّائِعَةَ، بَعْدَ أَنِ افْتَنَّ فِي إِبْدَاعِهَا كُلَّ الِافْتِنَانِ، وَأَحْسَنَ فِي تَصْوِيرِ حَوَادِثِهَا كُلَّ الْإِحْسَانِ، وَخَلَّدَهَا بَيَانُهِ السَّاحِرُ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ.
(??) طَعَامُ الْعَشَاءِ

وَأَحَسَّ الْخَطَاطِيفُ أَلَمَ الْجُوعِ؛ فَسَأَلُوا أَبَاهُمْ أُنْ يُحْضِرَ لَهُمْ شَيْئًا مِنَ الزَّادِ.
فَقَالَ لَهُمْ فِي صَوْتٍ خَافِتٍ: «خَفِّضُوا مِنْ أَصْوَاتِكُمْ — أَيُّهَا الصِّغَارُ — فَإِنَّ أُمَّكُمْ نَائِمَةٌ؛ لِتَسْتَرِيحَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِمَّا أَنْقَضَ ظَهْرَهَا (مِمَّا أَثْقَلَهُ حَتَّى جَعَلَهُ مَهْزُولًا مِنْ جُهْدٍ مُضْنٍ)، وَاصْبِرُوا قَلِيلًا، حَتَّى أُحْضِرَ لَكُمْ طَعَامَ الْعَشَاءِ.»
خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ


وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ عَلَى حَادِثِ «أُمِّ سِنْدٍ» وَذَاعَ أَمْرُهُ بَيْنَ الْخَطَاطِيفِ كُلِّهَا، وَتَوَثَّقَتْ أَوَاصِرُ الصَّدَاقَةِ وَالْحُبِّ بَيْنَ «أُمِّ هِنْدٍ» وَ«أُمِّ سِنْدٍ»؛ فَأَصْبَحَتَا مُتَلَازِمَتَيْنِ، لَا تُطِيقُ إِحْدَاهُمَا فِرَاقَ صَاحِبَتِهَا الْأُخْرَى.
•••

وَيُقَالُ — وَقَدْ أَكَّدَتِ الْخَطَاطِيفُ هَذَا الْقَوْلَ — إِنَّ «أُمَّ هِنْدٍ» حِينَ عَادَتْ مِنْ رِحْلَتِهَا فِي الْعَامِ التَّالِي، بَنَتْ عُشَّهَا فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ الْمَهْجُورِ، بِجِوَارِ «أُمِّ سِنْدٍ»؛ حَتَّى تَنْعَمَ بِحَدِيثِهَا، وَتَقَرَّ عَيْنًا بِجِوَارِهَا، وَلَا تُفَارِقَهَا لَحْظَةً وَاحِدَةً بِقَيِةَّ حَيَاتِهَا.
الْخُطَّافُ


نشأته

طائر ذكي نشيط، في مثل حجم العصفور، أو قريب منه، لا يجنح إلى الدَّعة (لا يميل إلى الهدوء)، ولا يرتاح للسكينة، ولا يألفهما، ولا يطيق الكسل، ولا يخلد (لايركن) إلى الراحة، ولا يعرفهما، إلا إذا جَنَّ عليه الليل، أو حان الوقت لتغذية أفراخه الصغار.
لونه

ويتميز لونه بسواد يضرب (يميل) إلى الزُّرقة، ولكنه يلمع في أعلاه، ثم يتحول — في صدره وتحت جَناحيه — إلى بياض شاهق.
فإذا انتهى إلى زوره وجبهته، انقلب إلى دُكنة (حمرة ضاربة إلى السواد)، ثم تنتهي رقبته الحمراء بخط أزرق.
هجرته

وهو مثال عجيب للصبر والدءوب والمثابرة على السعي وراء رزقه، لا يعرف الكلال (الإعياء والتعب)، ولا يتسرب إلى نفسه السأم ولا الملال.
•••

وهو لا يبالي أن يهجر موطنه إلى أبعد المواطن، إذا أعوزه الرزق (أعجزه إدراك القوت وعزَّ عليه الظَّفَرُ به).
في سبيل القوت

وهو يستهين ببُعد الشُّقَّةِ (يستخِف مستهزئًا بالمسافات الشاسعة لا يبالي بُعدها)، مجتازًا مئات الأميال — بل آلافها — ليظفر بما يبتغيه من القوت (ليفوز بما يطلبه من الطعام)، مثابرًا (مواظبًا مداومًا) طول يومه طائرًا، لا يهدأ ولا يقرُّ (لا يثبت ولا يسكن) له قرار.
طعامه

وهو يقتات بما يصادفه في طيرانه في الجو من أسراب البعوض والذباب، وما إلى ذلك من الحشرات الأخرى الهائمة في أجواز الفضاء، أعني: الذاهبة في طبقات الجو إلى غير غاية.
ومن عادته أن يفتح فاه — وهو طائر — حتى إذا امتلأ فاه (فمه) بالحشرات أطبقه عليها توًّا (حالًا)، عائدًا إلى عُشِّهِ، لِيَغْذُوَ بها أفراخه الصغار.
طيرانه

وهو دائم الطيران في الجو — بلا انقطاع — في خطوط متعرجة ملتوية، منسابا في أجواز الفضاء (ذاهبًا كل مذهب في طبقات الهواء)، صاعدًا هابطًا، مرتفعًا منخفضًا، يمنة ويسرة، في انحدار وارتفاع، لا يكل ولا يمل.
على وجه الماء

وهو يداعب (يلاعب) الهواء والماء كليهما بجناحيه، ويحلو له أن يرفرف على سطح الماء مزهوًّا (معجبًا) فرحان، ثم يغطس في رشاقة عجيبة، وخفة نادرة.
فإذا أتم استحمامه راح يطفرُ (يقفز مرتفعًا) على وجه الماء دانيًا (مقتربًا) من صفحته ضاربًا عليها برشاش خفيف. وربما حَسَا الماء (تناوله بمنقاره) في أثناء طيرانه.
فتك العواصف

ولعل أخشى ما يخشاه ويرتاع له: عصف الرياح (شدتها) وهبوب الزوابع، فهو — لضآلة جسمه — عاجز عن مقاومتها، وكثيرًا ما يذهب ضحية لها. وربما فتكت العواصف بجماعات كاملة من أسرابه.
مسكنه

ويتخذ عشه بالقرب من المساكن، في بعض الغرف الخربة العالية من المنازل المهجورة، أو في أعلى المداخن، أو تحت الجسور، وربما اتخذه في بعض الأشجار.
وهو يجمع له ما تناثر من القش، وما تَفَتَّتَ من الأغصان، وما جَفَّ من الحشائش، بعد أن يختارها بمقادير متناسبة، ثم يخلطها بلعابه اللزج، ليبتني بها عشه، بعد أن يكسبها قوة، فلا تلبث أن تستمسك وتقوى.
فإذا تم له ذلك، راح يُؤَثِّثُ عُشَّهُ بما تناثر من الورق والدريس والشعر، وما إلى ذلك مما يجمعه بمنقاره ومخالبه.
صوته

وللخطاف صفير، حلو الجرْس (عذب الصوت)، عميق التأثير في نفس سامعه، مستطيل النغمة. وليس متقطعًا كصفير العصفور، وكلاهما يختلف عن صوت الحمامة حين تهدل (حين تقرقر) بصوت لين ترتاح الآذان لسماعه، وتهشُّ النفوس لترداده (تسرُّ بتكراره مرة بعد أخرى).
وتختلف أصوات الطيور باختلاف أجناسها — حسنًا وقبحًا — من الضد إلى الضد، حتى تبلغ المسافة أقصاها (نهايتها) إذا قابلنا بين نعيب البوم والغربان، وشدْو البلابل والكِرْوان.
ذيله وجناحه

وكما يختلف صفير الخطاف عن صفير العصفور، يختلف ذيلاهما كذلك. فذيل العصفور أقصر من جسمه، ولكن ذيل الخطاف يكاد يساوي جسمه في الطول، ثم ينتهي بريشتين طويلتين على جانبيه.
والخطاف إذا وقف، اقترب جناحه من نهاية ذيله المتشعب.
على وجه الأرض

وقلما يُرى الخطاف سائرًا على وجه الأرض، لضَعف رجليه، وعجز مخلبيه عن المشي. على حين يُرى العصفور والحمامة، يسير كل منهما على قدميه حينًا، ويطير كلاهما في الجو مرفرفًا بجناحيه حينًا آخر، لقدرته على المشي والطيران جميعًا.
ويمتاز العصفور والحمامة بأن كليهما لا يتركنا — في فصل الشتاء — كما يتركنا الخطاف.