Advertisement

المعطف




المعطف




حسني الناشي







المعطف
قصص








منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2005






المعطف


على وقع أنغام الفالس الهادئة، وفي جو الصالة المشحون بالفرح والألق والضياء الساطع، الذي غمر الأشياء بفيض من السعادة والانبهار، تحركت الأجسام، بخطوات قصيرة متقنة وأنيقة، تتقدم تارة، وتتراجع أخرى، انتشرت أنغام الرقصة الجميلة المحببة إلى نفسها كالسحر في أجواء المكان، ثمة أصوات لضحكات خافتة، وهمس هنا وهناك، جو الصالة المملوءة بروائح العطور المختلطة بعرق النساء الأنيقات، ورجال يتحولون إلى لعب تلهو بها الرغبات، ولمعان العيون الذي يشي بحب الحياة ترتفع حرارة الجو داخل الصالة، وكذلك العواطف، يغيب وجه الليل، ويتوسد الضوء أعماق العيون ومنابتها، بحس بالسعادة، لكن العقل بعيد عنها، غادر نحو شواطئه النائية، كعادته دائماً تحاصره رغبة مجنونة في البكاء، ثمة صوت ينبهه، يهمس في أذنه:

ـ هذه الرقصة أحبها، واخترتها كيما تشاركني سعادتي.
همس وهو يبتسم:
ـ نهى، لقد كبرت على مثل هذه الأشياء إنك تضعينني في مواقف لا قبل لي بها.
غرزت عينيها في وجهه، وفرحها يملأ المكان، قائلة بصوتها المنغم المسحور:
ـ من قال إنك كبرت، الذي يملك مثل هاتين العينين الحالمتين، ومثل هذا الوجه الساهم الوسيم، لا يكبر أبداً.!
ـ ترينني دائماً بعين الرضا.
ـ هي عين الحب!
ـ لا تبالغي.
ـ منذ اليوم الأول الذي التقيتك فيه، وحتى حصولي على الماجستير بفضلك، قلت أحدث نفسي، مثل هذا الرجل المسكون بالحزن الشفيف، والصمت المسحور الموحي بالغموض، هذا الرجل سيكون هو هدفي، ونصيبي سيكون حلمي وجنتي التي أقطف منها أزهار سعادتي، اسمعني يا عزيزي، هذه الدنيا لنا، ولن أدع أيامها تأخذ منا أكثر مما تعطينا، وها أنا أمامك، مازلت مصرة على تحقيق حلمي العتيد.
ـ ما يهمني الآن، هو أن تكملي دراستك للدكتوراه.
ـ ستكون مشرفي أيضاً، كما في الماجستير.
ـ لا أعتقد!
غطت وجهها الفاتن، سحابة حزن، ما لبثت أن تخلصت منها بسرعة، تساءلت، وشيء من الوجوم يرتسم على صفحة وجهها المشرق.
ـ لماذا يا أستاذي الظالم!
رد بهدوئه المعهود:
ـ لأني أزمع السفر، لدي عروض من بعض الجامعات، احب التغيير بطبيعتي التي لا تريد أن تهدأ في مكان.
ـ سنكون معاً!
سادت فترة صمت بينهما، أنغام الرقصة مستمرة، بدأت خطواته تتباطأ، حدق في الساعة الجدارية الضخمة، هس:
ـ الوقت يسرقنا، وعلي أن أعود إلى...
قاطعته:
ـ ستكون معي حتى نهاية الحفل.
ضغط أصابعها بين يديه، خاطبها:

ـ دعينا نعد إلى مجلسنا، وسيكمل الآخرون الرقصة.
فاجأه صوت والدتها:
ـ دكتور خالد، لماذا لم تستمر؟
رد مبتسماً:
ـ لقد تعبت، كبرنا يا سيدتي.
أشار إليه والد نهى، أن يجلس بجانبه، اعتذر، وجلس في مكان قرب الشباك المطل على حديقة البيت، نفث دخان غليونه، وعيناه تسبحان في تكوينات الصالة الكبيرة، وأثاثها الفخم المتناسق في توزيع يدل على أصالة في الذوق، ورفعة الاختيار. ما الذي تريده أيها الرجل المسكون بخيال لم يعد له وجود وذكريات، مازالت تنوء تحت نير ثقلها؟ هذه فرصة أخرى تلوح عن قرب، يقدمها لك القدر على طبق من ذهب، لن تولد ثانية، ولن تكون أكثر مما أنت عليه، إلى متى تبقى تقود هذه النفس نحو المقبرة، لتدفن بقايا العمر قبل أوانه، كم يعذبك السفر في دروب ذكرياتك، وحقول مشاعرك الممتدة بين سني العمر، وهاهي الكهولة، تحيطك عتمتها، ومازلت في مكانك الذي لا تريد أن تبارحه.
فاجأته وعيناها تشعان سحراً، وتحتدم في أغوارهما أحاسيس لم ير مثيلاً لها من قبل، بصوت حاسم خاطبته:
ـ أما زلت تحبها؟
لم يجبها، استمر في نفث دخان غليونه، اعتدل قليلاً في جلسته، بعد أن جلست إلى جانبه، ارتفع صوته الهامس الرصين:
ـ بعض الناس يدخلون التجربة مرة واحدة فقط، وآخرون يدخلون التجربة، ثم يخرجون منها، ليستعدوا ثانية لجولة أو جولات جديدة، وعندما تمضي الأمور في نصابها، وتنتهي إلى نجاح، يقولون عن هذا الإنسان، أو ذاك إنه محظوظ، أنا أعتقد أن إعادة التجربة، نوع من أنواع التسول أو الاستجداء، أو الضعف، لا أحبه، وتذكري أيتها العزيزة، أن ما بيني وبينك، فوارق من الصعوبة تجاوزها، هناك فارق العمر، وهو أكثر من عشرين سنة، ثم هناك الفارق الرهيب، الدين...
قاطعته بحسم:
ـ كل هذا أعرفه، سنخرج معاً، ونبني حياتنا في عالم لا يعير لهذه الأشياء أي اهتمام. المهم أنا وأنت قل بربك، ألست أكثر واقعية منك؟
ـ نهى عبد الأحد، كوني واثقة، لو خيرت، لما اخترت غيرك! لن أجد أحلى من هاتين العينين، ولا أجمل من هذا الشباب، ودعيني أستأذن والديك والمدعوين، وأمضي، فالجو ينذر بليلة غاضبة، وأنا لا أحب أن أقود سيارتي في مثل هذه الأجواء. تذكري أننا سنلتقي ثانية، وثالثة...
مضى برفقة الجميع نحو باب البيت الخارجي، بدأ المطر يهمي رذاذاً خفيفاً، دلف إلى سيارته بسرعة، أدار محركها، وانسحب من بين السيارات الواقفة على جانبي سيارته، في الساحة المقابلة للبيت، أخرج يده ملوحاً، مودعاً، مضى مسرعاً، همس بعد أن اشتد هياج الجو، وبدأت سيول المطر تتدفق كالشلال:
ـ وا أسفاه، لقد تأخرت كثيراً، هاهي الدنيا تمتلئ بالليل والوحشة، والمطر!
الماسحتان على سرعتهما، لا قبل لهما بمثل هذه السيول، مصابيح الشوارع، تلاشت أضواؤها في تضاعيف الجو المربد، خفف السرعة، وبدأ السير بمحاذاة الرصيف، تساءل في سره:
((من لي بمن يخلصني من ترددي، ويبعد عني هذا الخوف الذي استوطن عقلي كالمرض الذي لا سيبل للشفاء منه، لماذا يبقى أفق روحي متشحاً بالسواد والهزيمة؟ لكم حاولت أن أفتح كوة في جدار ذلك الصندوق المظلم كي تخترقه أشعة الأمل والحياة، لتنير جانباً منه، أو كله، ما هذا، يا لخيالها الظالم، إنه معي، لا يفارقني، يجلدني دون رحمة، يستبد بي، يستعبدني، ترى متى أستمع إلى صوت الحياة يتدفق عذباً رخيماً في الأعماق، متى؟
مهلاً يا رجل من هذا الواقف على رصيف الشارع في مثل هذا الوقت المتأخر، وتحت هذه السيول المتدفقة من محيطات السماء))!
انحرف جانباً، خفف سرعة سيارته، أوقفها، كما لو أنها شبح، فتحت باب السيارة وجلست إلى جانبه، بتلقائية غريبة:
ـ مساء الخير.
قالتها بعذوبة، إلا أنه رد عليها مبتسماً:
ـ صباح الخير.
ناولها منديله، بدأت تجفف شعرها الأسود الطويل الذي تهدل فوق كتفيها، مسحت قطرات الماء التي علقت بأديم وجهها، تشمم رائحة عطر امتزجت برائحة الأنثى، سألها بصوت أربكته المفاجأة:
ـ إلى أين؟
ـ الحي العربي من فضلك!
صمت وقد أفزعه طول المسافة:
كما لو أنها أحست بتردده، التفتت إليه وقد شع الوجه المدور بوهج دافق أذهله:
ـ سأعطيك الأجرة التي تريد!
ابتسم بحنان وقال بصوت هامس:
ـ لست سائق تاكسي يا عزيزتي.
ردت وهي تطوق وجهها براحتيها:
ـ إذا كنت غير راغب، سأنزل، وأنتظر سيارة أخرى.
ـ في مثل هذا الجو، سوف لن تجدي سيارة أخرى لاحظي، ربما أكون صاحب السيارة الوحيدة التي تسير في هذا الجو المفزع، والوقت المتأخر.
ـ لم أجد أحداً يوصلني إلى هدفي، ماذا أفعل؟
ساد صمت ثقيل إلا من رشقات المطر التي كانت تضرب زجاج السيارة، أين رأى هذا الوجه، إنه ليس غريباً عنه، الساعة تشرف على الثالثة بعد منتصف الليل، والمكان الذي تقصده مازال بعيداً، وعليّ أن أعود مرة أخرى إلى شقتي في حي نيسان، التوق القديم، تناهبتك السنون، هزم الربيع في أعماقك، وغادر مثقلاً بالخيبة والأوزار وهاأنت، تجلسين بجانبي، أين كنت؟ من أين أتيت، أو لم تجدي غير هذا الليل الموحش، والجو الكئيب المعتم؟ ارتعش من فيض مشاعره واصطراع أفكاره، وعذاب الظنون التي تأخذه كل مآخذ، وأنت ساكنة هادئة، كأن العالم قد خلا من كل الأحياء إلاك، كلما التقيت انسانة أحاول أن أكمل أيام حياتي معها، أجدك كالسيف تقفين بيننا يا للحياة الملغزة بالأسرار، المليئة بالغرائب والمتلفعة بالخيال، هاهو نصب المنصور يطل من بعد، بعمامته الضخمة، وصمته الأبدي، يرقب الدنيا بعينيه الحجريتين الساكنتين، استدار حول الساحة، أشارت له أن ينحرف نحو اليمين، ثم بعد لحظات:
ـ هذا هو الزقاق.
المطر تلتمع حباته على إسفلت الشارع، والبيوت ساكنة هادئة تحت تأثير هذا الجو المجنون، سمعها تقول:
ـ هاهو، توقف من فضلك.
ـ سأعطيك معطفي، ضعيه على رأسك، ريثما تصلين ثم ارجعيه إليّ، أنت أو أي أحد من أفراد العائلة، سأنتظر، أرجو أن لا تتأخري!
مضت الدقائق ثقيلة مملة، في أعماق الروح خوف غريب، ووحشة من مجهول، مشاعر متوحشة تفترس الأعماق، فتنثال الأفكار بلا توقف، المطر ينهمر، والباب الموصد لم يفتح بعد!
قرر النزول من سيارته، والتوجه نحو باب البيت، ضغط جرس الباب، لحظات ثقيلة مرت، كأنها دهر طويل، فتح الباب، بعد أن أضاءت مصابيح عديدة الممر الطويل المفضي إلى الباب الخارجي، وقف رجل كبير السن، بسمات طيبة، سأله بصوت لم يستطع أن يخفي القرف الذي ملأ نبراته:
ـ نعم، تفضل، حتى ولو في هذا الوقت المتأخر جداً.
قال بسرعة يرد على كلام الرجل الكبير:
ـ لقد أوصلت ابنتكم، وأعطيتها معطفي لتتقي به المطر، أريد معطفي من فضلك، وسأمضي سريعاً،
فتح الرجل عينيه مندهشاً، أجابه متعثراً بكلماته:
ـ أية بنت يا عزيزي، لم يدخل البيت أو يخرج منه أحد.
ـ لقد أوصلتها منذ دقائق.
ضرب الرجل كفاً بكف ثم قاطعه:
ـ أولاً ادخل معي البيت وسأريك يا ولدي أن لا أحداً هناك سواي وزوجتي المريضة.
ـ سأصفها لك.
ـ ادخل أولاً، فالجو لا يحتمل.
قاده نحو غرفة الجلوس... قال له:
ـ تفضل خذ راحتك، ريثما أهيّئ القهوة.
غاب عنه سريعاً، امتلأ جو الغرفة بالسكون والوحشة، طافت عيناه بأرجاء الغرفة، وأثاثها، رأى صوراً معلقة على الحائط، عقدت الدهشة لسانه، فوجئ بالرجل وقد عاد بالقهوة، قال وهو يشير بأصبعه نحو الصورة:
ـ هاهي صورتها، هي نفسها، أليست ابنتك؟
وضع الرجل صينية القهوة على طاولة قريبة، وجلس قبالـة ضيفه، قدم له القهوة، ثم رشف قليلاً من قهوته، ثم قال:
ـ نعم هي ابنتي، ولكنها يا سيدي، توفيت قبل سنتين.
تساءل الضيف مذهولاً:
ـ إذن، من هذه التي كانت معي؟
رد الرجل بصوت متهدج:
ـ لم يكن هناك أحد معك، وهذه ليست المرة الأولى التي نتقابل فيها معاً، هاهو الفجر يقترب، وستمضي معي إلى المقبرة، لترى بنفسك قبرها، وتقرأ شاهدتها، العالم يا ولدي مليء بالعجائب، وقد تكون أحداث هذه الليلة، إضافة جديدة لهذا الكم الهائل من الأحداث، خيل إليه أن صوت المطر قد هدأ، وأن صمتاً شاملاً بدأ يحيط بالمكان، قال الرجل الكبير:
ـ سنمضي، معاً إذا سمحت، سنحتاج إلى بعض الوقت كي نصل إلى هناك.
تساءل وهو يحدق بالطريق الممتدة أمامه، ما الذي يحدث لي، يا لها من ليلة غريبة، كان الرجل الكبير يجلس إلى جانبه صامتاً، بدأت خيوط الشمس الأولى تنتشر، وتتداخل في نسيج الضباب الكثيف، بدا الفضاء أمامه متسعاً، أشار الرجل الكبير إلى شارع فرعي، دلفا فيه، ثم سارت السيارة بمحاذاة سياج طويل تظلله أشجار اليوكالبتوس، فتح الحارس بوابة كبيرة، مضى باتجاه ساحة أعدت لوقوف السيارات ثم نزل بعد أن رأى الرجل الكبير يسبقه في النزول منها، همس لنفسه ((يا له من صباح جنائزي))، وضع الرجل الكبير يده على كتفه قائلاً:
ـ هيا يا عزيزي.
سارا معاً باتجاه السور المقابل للباب الرئيسي للمقبرة، توقف الرجل فجأة، أشار بيده المعروقة قائلاً:
ـ هذا قبرها.
بدأ يقرأ الكلمات المنقوشة بخط أسود، على شاهدة قبرها (كاميليا يعقوب متى، العمر 24 عاماً، توفيت إثر حادث دهس).
رفع بصره، التقت عيناه بعيني الرجل الدامعتين، تراجع إلى الوراء، ألقى ببصره ناحية القبر ثانية، دار حولـه، أطلق صيحة مرعبة، رأى معطفه مرمياً على الأرض، ما بين السياج والقبر، التقطه حاول أن ينظفه مما علق به من الأوحال، رأى الرجل الكبير يبتعد عنه، مضى بإثره، قال بعد أن حاذاه:
ـ لا أصدق ما يجري، وما يحدث.
أجاب الرجل بصوت متهدج:
ـ آن لك أن تعود ثانية إلى نفسك، وعالمك الحقيقي، عليك أن تنظر إلى الحياة من زاوية جديدة، حين ذاك ستعرف كيف تحل رموز الشفرة، وتصل إلى الحقيقة كاملة.

((





شيء من الحب


دفع الباب الزجاجي الضخم، ودلف مسرعاً إلى الداخل تاركاً خلفه جحيم الجو الذي يشبه الحريق، توقف ملياً وهو ينظر إليها، كانت تجلس في نفس المكان الذي تعودا أن يجلسا فيه، وهي غارقة في مطالعة كتاب، منفصلة عما حولها، جفف عرق وجهه تماماً، احتضنت روحه وجسده، تلك الرعشة الرائعة التي تمغنط وجوده كله، وتشعره بسعادة، لم يذق طعمها أبداً، أحقاً نستطيع أن نحب بهذا العنف، ونحن في هذا الخريف المتأخر من العمر؟
تساءل، وهو يتقدم نحو مجلسها. رفعت نظرها عن الكتاب، فارتسم في العينين الواسعتين، لمعان خارق، ثم افتر ثغرها عن ابتسامة رائعة همست:
ـ أهلاً حارث!
أجابها، وهو يغرق في الكرسي الواسع الوثير:
ـ صباح الخير أيها الفرح المتألق أبداً!
اتسعت الابتسامة إلى ضحكة أنيقة، ثم قالت:
ـ أرى أن الجو هذا اليوم، يكاد أن يتحول إلى حريق.
ـ ركنت السيارة بسرعة، ودخلت القاعة، وكأنني أهرب من نار تلاحقني.
ـ الجو هنا أكثر من رائع.
ـ هذا المكان، كان ملتقى الأصدقاء والمدعوين في مؤتمرات الثقافة، وفي اللقاءات الأخرى.
ثم تساءل بعد حين.
ـ ترى ماذا تقرئين؟
ـ استهوتني شخصية (ألبرتي) في غابته الرهيبة.
أجاب:
ـ أوه، إنه كتاب أكثر من رائع، ولا أدري لماذا أسماه الغابة الضائعة، الرجل الذي يتحول إلى أسطورة، يعتبر عمره غابة ضائعة، إذن فماذا نقول نحن؟
ـ أنت أيضاً كاتب معروف، أكثر من ثمان مجموعات، في القصة والرواية والنقد، والقادم أكثر.
ـ أنت تنفخين في رماد، لم أستطع الكتابة يا عزيزتي، لا أدري لماذا يهاجمني الخريف، ويشعرني بأنني على وشك الرحيل.
ـ لا تقل هذا أبداً يا حارث، ثم ضحكت وأكملت.
ـ أنت شاب في العقد السادس
ـ لولاك، لما كان لهذا العمر أية قيمة، أنت كل شيء في حياتي، هدى.
ثم صمتت، حملقت في وجهه، بعينيها المتسائلتين، ثم غضت بصرها، وبدأت تتصفح الكتاب بتؤدة.
رفعت بعد لحظات رأسها إليه، ثم شخصت بعينيها اللامعتين نحوه، كما لو كانت تريد أن تخترقه:
ـ كنت أمني النفس، بلقاء يعين روحي المتعبة الأيام القادمة، ثم لا ألبث أن أجدك تنز مشاعر تزخر بالألم والتشاؤم.
صمتت قليلاً، ثم ما لبثت أن استطردت متسائلة:
ـ من أين لروحي القوة، التي تعينها على التجاوز؟
ظل صامتاً، ثم جاء العامل بالشاي، وضعه أمامه
خاطبه قليلاً، وما لبث أن ارتشف شيئاً" منه، ثم همس:
هدى، كل العذاب الذي يفترسني، هو بسبب أنني لا أستطيع أن أفعل شيئاً، وأرى أن تضحيتك من أجل حبنا تضحية لا مبرر لها، هناك أكثر من فارق بيني وبينك، هناك عمري الذي هو ضعف عمرك، هناك عائلتي والتي لا أحس بالانتماء إليها منذ وقت بعيد، هناك الأهل أقصد عائلتك، أتساءل كيف أستطيع أن أقابل والدك وهو صديق عمري، إذا عرف ما بيننا؟
قالت بشيء من الحدة:
ـ أنت تلغي وجودي كله، أنا في الخامسة والعشرين، موظفة في موقع محترم، لي قناعاتي، وأنت أول هذه القناعات، لقد أحببتك، وأنا أعلم بكل ظروفك، فهل تراني مغفلة أو إنني لا أعرف أين تقودني قدماي.
ـ كلا يا عزيزي، نحتاج إلى شيء من الشجاعة، هذا كل ما نحتاجه.
ـ لقد ناقشت كل ظروفي بكل موضوعية، ووجدتني لا أستطيع أن أتقدم خطوة واحدة. لا أريد أن أظلمك معي، اختاري طريقك، وسيبقى لي أجمل ما في علاقتنا، ستبقى الذكريات، والمشاعر النبيلة التي جمعتنا.
ـ إنني أسمع كلاماً غريباً، الناس يتزوجون على هذه الأرض وهناك من الفوارق بينهم الشيء الكثير.
ـ نعم هذا يحدث، ولكن..
ثانية يلفهما الصمت، فيعمد إلى كوب الشاي، يحركه بين أصابعه، ثم ينظر خلال زجاج القاعة إلى واجهة الفندق الكبير، أزاح صوتها بحيرة السكون التي غطتها، خاطبته، ووجهها يقطر ألماً.
ـ أأعتبر أن هذا آخر لقاء بيننا.
قال كمن يتعبد.
ـ سأبقى مديناً لك بأجمل ساعات عمري، وأحلى مشاعري.
وقفت بعد أن وضعت كتابها في حقيبتها، وعلقتها على كتفها:
إذن انتهى كل شيء بيننا!
ـ أرجوك هدى، لا تقولي هذا، سيبقى ما كان بيننا من مشاعر مقدسة حتى آخر عمري.
لم يستطع أن يواجه نظراتها الملتاعة، رأى وجهها يحتقن بحمرة قانية، ثم وهي تتحرك قليلاً، مبتعدة عن المكان جاءته كلماتها مرتجفة خانقة:
ـ يا للأسف كنت أظن أن...
قطعت كلماتها، ثم استدارت تمضي في طريقها، ظل جالساً ينفث دخان لفافته وكأنه يحرق ما تبقى له من مشاعر، التي تحولت إلى رماد في لحظات خارقة.
4/11/2002
((





الخيمة


رميت ببصري، خلال زجاجة العربة العريضة، إلى الأفق الذي امتد أمام ناظري، بعيداً كالخيال، كان كل شيء يتراجع مسرعاً، ويختفي في ذلك المدى الخرافي الأبعاد، كل شيء يدور ويتراجع مع جنون العربة التي انطلقت بنا مسرعة كالسهم، استرجعت بصري، ثم اتكأت على مسند الكرسي الطويل تماماً، كنت متعباً، لكنني لم أخلد إلى النوم كما الآخرين، كنت أريد أن استمتع بكل لحظة من لحظات إجازتي هذه، حضنت صمتي المفعم بمشاعري الدفينة، امتزجت معه، حتى تحولت إلى كتلة تنز بالأفكار والمشاعر والرؤى، والتي كانت تملأ العقل والروح، ثم لا تني تتراجع مسرعة، كما تتراجع تلك المناظر التي تخلفها العربة، وهي في سيرها اللاهث نحو هدفها، حدقت ثانية في الطريق الممتدة أمامي، وجدتها متعرجة تارة، ومرتفعة تارة أخرى، ثم بعد حين تعود مستوية، أحسست بهزة شوق تجتاح كياني المتعب، ثم برز وجهه مشعاً أمامي، عيناه نديتان كوردتين في بداية تفتحهما، ألم أقل لك أننا سنلتقي في إجازتينا القادمتين، في المرة السابقة لم ألتق بك، كان الفرق بين الإجازتين قليلاً، لكنني صممت أن تكون هذه الإجازة هي للقائنا ولإكمال عرسك، فلقد انتظرت طويلاً، باسل أصدقني يا ولدي أما زلت تحبها؟ غام الوجه الحبيب قليلاً، ثم رفع رأسه كما هي عادته ونطق نعم مازلت أحبها كما كنت، بل أكثر، وكما تعرف يا أبي. لحظتها رأيت في وجهك المسافر أبداً تصميماً أكيداً، واجتاحتني فرحة أيقظت في أعماقي سعادة كنت قد افتقدتها منذ أن رحل (فارس)، قلت في نفسي لا حزن يبقى ولا فرح يدوم، وهاأنت أيها العزيز تبدو كقطعة الأرض الغالية على النفس، أهبك بقايا عمري لو أستطيع، لشد ما أنا مشتاق لعناقك، أواه يا خيمتي الحبيبة، متى يهدأ دفق المشاعر، لقد وعدتك أن آتيك بها، وفي المرة السابقة كنت قد هيأت كل شيء، ومع أن ثمة خوف ينسرب إلى أعماقي لأني بدأت نفس التجربة مع (فارس)، إلا أنه مضى مخلفاً وراءه حزناً لا يوصف، قبل أن يتم فرحه.... هذه المرة مصمم أنا على أن يكون فرحك مهرجاناً لكل الأقارب والأصدقاء، وان يرجع البيت إلى سابق عهده، ستغمره المسرة ثانية، وتسبح في جنباته قوافل النجوم، لكن الطريق مازالت طويلة، تمتد متعرجة كأفعى سوداء، ولكم قطعته مراراً، ذهاباً وإياباً، رأيته في كل مرة لوناً كمشاعري، سلكته والشمس تنهض من غفوتها مرة، وأخرى أراها كغيمة سوداء لا نهاية لها، لكن الطريق هذه المرة تبدو مختلفة تماماً، أحس بحجارتها تتراقص طرباً مع فيض مشاعري التي تدفقت في أعماقي شوقاً لباسل، قل لي أي الحجرات في البيت تريدها عشاً لك ولزوجتك، اختر كما تريد... آه... تلك الغرفة التي تسكنها الآن.. فهمت.. تريد أن تكون بعيداً عن كل شيء، الوقت لا يكفيك والحب أكبر من كل الأزمنة وأوسع منها، ستكون غرفتك هي جنتك الموعودة، ستنسى فيها ومعها كل ما يحزن الروح ويوقف حركة العقل، أعرف مدى حزنك على أخيك، ولكن لكل شيء نهاية، ستسبح في تيه ذلك الجمال الذي اخترت، أعرف مقدار حبك لها وهي جديرة بك، ما يهمني أيضاً أن أرى ابتسامة فرح حقيقية تطفو على وجه أمك الذي حولته الأحزان إلى أرض جرداء، يا لحزنها... صحيح أن حزن النساء ليس كحزن الرجال، أتذكر وجهها عندما كانت تسكنه النجوم، وتتألق فيه الأنوار، أذكرها جيداً وأحزن لفقدي تلك الحياة العامرة بكل وهجها وديمومتها، لكن وجهها احترق في أتون حزنها العميق، حتى لكأني أرى روحها وهي تحترق أمامي ولا أستطيع أن أفعل ما يخفف عنها، ألا تنسين يا امرأة.. ألا تتجملين بالصبر؟ لقد سفحت ثلاث سنوات من عمرك البهي حتى صرت كشجرة خريف، نادتني عيونها وهي تشرق بدمعها "اتركني كما تراني، دعني وحلمي، لن تأخذ مني شيئاً بعد الآن" آه.. تريدين أن أدخل في أتونك ثانية، لقد ودعت كثيراً من أحزاني لأجل باسل، وأريدك أن تلحقي بي، لقد نفضت من عينيَ كل دموعها، أو تتصورين أنني نسيت، وهل ثمة ما ينسى؟ (فارس) يختلج مع كل شهيق أتنفسه، يتحرك مع كل نبضة قلب، كاد السيل يغرقني تماماً، لكنني آمنت بأني يجب أن أقطع النهر عبوراً إلى الضفة الأخرى حاملاً معي بعض حبي وحزني، الحزن سيل يجرف الأشياء.. كل الأشياء، فلا تتركيه يأخذك إلى مداياته القصوى، لا تستجيبي له بهذه السهولة، لأنه سوف لن يرحمك أبداً، وفي الضفة الأخرى وجدت أن الحياة بالانتظار، فهاهو باسل يملأ الخيال بألف طفل صبوح، وتلك السعادة التي ستصبح زوجته تتراقص على أديم عينيها أحلام الآتي من الأيام، وتبقى أسرارها له كما ستكون أسراره لها، تفتحي يا امرأة، فما عاد هناك وقت للدموع، لقد سفحنا الكثير منها.. تفتحي يا امرأة.. وانهضي ثانية، فلقد ضيعتك تلك الزاوية التي حبست عمرك فيها، ثلاث سنوات، وتذكري أن لكل شيء ثمنه، ولقد دفعت الثمن، أما رأيت أن أشجار حديقة البيت قد أورقت ثلاث مرات.. هيا.. عليك أن تورقي معها هذه المرة، إنني أدلف إلى الخمسين من عمري وأشعر بالشباب يعربد في عروقي، ولولا رحيل (فارس) المبكر لما غزا القلب حزن ولا رأت العيون دموعاً، فساعديني على العبور.. هيا.. ساعديني. انتبهت إلى صوت المذياع، كان يرشح أغنية لطالما أحببتها، أخذت أردد مع نفسي كلماتها ولحنها "زرعت في ظل ودادي"، واستمرت رعشة الطرب تأخذني إلى مديات جديدة، أبصرت بعض الراكبين وقد أخذتهم سنة من النوم، بحثت في وجوههم دون اهتمام عما يشغلهم، وجدتها أو هكذا بدت لي خالية من التعبير.. ثمة فراغ أحسسته يلتهم وجوههم، فحولت بصري ناحية النافذة، وبدأت المناظر تتراجع مخلفة خطوطاً وأشكالاً متباينة في صفحة الرؤيا التي بدأت تلتمع كضياء الشمس الذي ترامى في كل الأنحاء.. عجباً.. كأني لم أعرف البكاء ولم أعانق الحزن طويلاً، يا للفرح الذي ملأ مساحة العقل وأضفى عليها كل حلاوة الزمن، مهما طال الطريق فالوصول إلى النهاية أمر محتوم ومؤكد، ستكون هذه الليلة مرفأ مضيئاً لنا، كريمة يا زوجتي العزيزة، غداً أو بعد غد، سنزف سعاداً لباسل، ابتسمي أيتها الحبيبة ولك عمري، ابتسمي ودعي الحزن ولو إلى حين، سيدتي التي اجترحت معها المعجزات، لحظة فرح واحدة ستكون معجزتك التي انتظرها ومنها تنطلقين، هذا فرح عمرنا، أتذكر سعادتك وأنت تحلمين بربيعهما، أتذكر رغباتك وحبك المستحيل يغمرهما بفيض نهر متدفق وكانت حصتي آنذاك كحصة الأسد، آن لك أن تبدئي من جديد كما بدأت، هيا ولا تلتفتي كثيراً إلى الوراء فهناك في تلك الفسحة من العمر ما يغري بالاستمرار، مدي لي يديك ثانية ودعي سفينتنا بما تبقى فيها تبحر هادئة فوق سطح الذاكرة، لقد تركتك سابقاً بعد أن يأست ولكن هذه المرة الوضع مختلف تماماً، هذه المرة أنا مصمم على عشقك ثانية.. هيا.. مزقي كل مراثيك القديمة وتعالي إليّ بثوبك الجديد، فأنا أعرف بما ينز في عروقك من لهيب، وذلك هو الجحيم الذي أريد.. أوه.. يا للزمن، وتتوقف السيارة في نهاية رحلتها.. ويترجل منها الراكبون وأنا معهم أمسك بحقيبتي الصغيرة التي رافقتني في كل أسفاري ذهاباً وإياباً، أسعى إلى بيتي بعد أن وقفت قليلاً على رصيف الشارع، شربت عينايّ كل ما وقع تحت نظرهما المتلهف، الناس والسيارات والرجال والأطفال وحتى الضجيج، كأني فارقت هذه الأشياء منذ دهور واقذف بجسمي في سيارة أجرة، أعطيت لسائقها العنوان والعيون تشرب كل ما يقع أمامها، تتوقف السيارة في بداية الشارع الذي بدأت اقطعه متمهلاً، الوقت عصراً والجو بدأت برودته تنز منه وتهاجمني، أحكمت إغلاق قمصلتي وتقدمت متجهاً إلى حيث البيت، نظرت إلى أمام، توقفت تماماً، ما هذا؟ خيمة كبيرة أمام البيت، عن بعد لمحت ناساً يخرجون ويدخلون إليها، ثمة نواح يأتي من بعيد، غرست جسدي ثانية في مكانه بعد أن تقدمت قليلاً، وحدقت جيداً، رأيت قطعة سوداء في منعطف الشارع، قرأت اسمه كان مكتوباً باللون الأبيض... باسل عبد الحميد حمدي، توزع نظري وتاه في كل الزوايا.. باسل عبد الحميد، فارس عبد الحميد.. باسل.. فارس، أحقاً ما أرى؟ جسدي يتهاوى، جسدي يموت، قوة هائلة صدمتني في لحظات، أحسست أني صرت شطرين، رأيت شطري الأول يتقدم بخطوات ثابتة نحو الخيمة، يدلف إليها، يضيع بين الناس الذين استقبلوه بود وحزن، أما الآخر فقد تحول إلى كتلة من غضب ودم ثم مضى من حيث أتى، غارقاً في شحوب المساء الشفيف...
5/1/1988

((





كلمات في دائرة مغلقة


ها، ها، ها، ها
مسح براحة يده، دموعاً علقت برموشه، جراء ضحكة كبيرة ومستمرة أطلقها في لحظة فاجأته بقوه، ولم يستطع أن يضغطها بين فكيه، كان قد نشر الرسالة أمامه، صدمته جملتها الأولى (عزيزتي الأخ)، رفع عينيه، وأشاح بوجهه عن كلمات الرسالة، ما زالت آثار الضحكة ترتسم على سمات وجهه بوضوح صارخ، همس:
ـ هل هذا خطأ مطبعي كما يقال؟ أم أنك نسيت لغتك الأم؟ كما نسيت من قبل أشياء كثيرة، كصلة الدم مثلاً، على كل حال اعترف أمام نفسي، أنك وصلت قبل أن تصل، وأنك فارقت قبل أن تفارق، وأنا أعلم الناس بك، كنت أنصت ونحن نأوي إلى حجرة نومنا، لأحادثكَ عن عوالم تريد لقدميك أن تطأ أراضيها، كذلك كنت أعرف جنونك سلفاً، وللمرة الثانية، أعترف بأنني كنت وقتئذ، أهزأ بكل ما كنت تقوله، بل وفي كثير من الأحيان أعتبرك شاذاً أو غير سوي، كنا مختلفين منذ اللحظة التي وعينا فيها عالمنا، كان عالمك بعيداً كل البعد عن عالمي، خلفت وراءك ذكريات صغيرة، نثرتها هنا وهناك، وبالرغم من كل آلام أمراضها، ما زالت الوالدة تذرف ما تبقى لها من دموع، أحسب في أحيان كثيرة، إنها ترثي نفسها بها، أمَّا الوالد فهذا رجل لا نظير له، صمته أبكى الموتى في قبورهم، وآلامه لا تظهر على سمات وجهه، إلا وهو يصارع لحظاته الأخيرة ثمَّ ينتصر عليها. سأكتب لك عن أشياء كثيرة، كما طلبت في رسالتك، ولا أدري هل ستفهم ما أعنيه بكلماتي! أم أنك ستهزأ بي وبها؟ ولا أكتمك، فأنا أشك بأنك ستفقه ما أكتبه لك في هذه الرسالة.
عشرون عاماً ونيف، هي عمر طويل، وطويل جداً، لو قيس بأحداثه الجسام، كيف أستطيع أن أناقش أو أحصي أحداث عشرين عاماً مضت! لن أخدعك، كنت وما زالت صادقاً معك، فأنا لا أخاطب أخاً لي، بل أخاطب إنساناً، يبدو لي فعلاً أنه من كوكب آخر! هل تعرف شاعراً اسمه المتنبي؟ بالتأكيد لا تعرفه ولم تسمع به، سأكتب لك ما يقوله:
وآنف من أخ لأبي وأمي


إذا أنا لم أجده من الكرام

قل لي، أجبني، ما الذي ذكرك بنا؟ الحرب أليس كذلك؟ لقد كتبت لي في رسالتك، بأنك كنت ترى القصف الجوي، والصواريخ تنهمر علينا ليل نهار كما المطر وكنت تظن أننا دفنا تحت ركام هائل من الأتربة والأحجار والدخان، أنت يا عزيزي، لا تعرف معنى الحرب، ولم تكتو بنارها، أرجو مخلصاً ألا ترى شيئاً من هذا أو تسمع به، فالحرب بشعة، بشعة إلى الحد الذي تبدو فيه أنها تتحدى بشاعة الفناء ذاته، أنها الفناء بعينه، هل أحدثك عن الحرب؟ كيف وبأية لغة؟ يبدو لي أنني بحاجة إلى لغة جديدة بمفرداتها، حتّى أستطيع أن أنقل لك شيئاً أو صوراً من أهوالها ودمارها، ويكفي أن الصور المتلفزة التي شاهدتها، هي التي حركت مشاعرك لتبعث برسالتك إلينا، بعد كل هذه السنوات العشرين! ليس أمامي إلا أن أكتب لك وأقول إنني، أو، إننا نحترم قلقك، ولا أقول خوفك، فشتان ما بين المعنيين القلق ينتهي بانتهاء السبب، أمَّا الخوف، فجزء منه يتبرعم في الأعماق، لينمو مثل شجرة كبيرة سامقة، إن في الحياة لحظات، يبدو فيها الموت أمنية بعيدة المنال.
ها أنا ثانية أكتم ضحكة أخرى، برغم الأسى الذي يستبد بي، تسألني (هل تزوجت؟) هل سمعت شيئاً عن مومياء الفراعنة؟ اعلم أنك ستلعنني! ولكن يا عزيزي، عليك أن تعلم، أن الوالدين صارا شبحين، ولن أكتب لك عمَّا أقاسيه لكي أخفف عنهما.
فهمت من رسالتك إنك مزمع على السفر قريباً، أو ربَّما سافرت فعلاً في جولة سياحية إلى دول شرق آسيا، أعتقد أنك ضجرت من أوروبا، وتريد أن تكتشف أماكن جديدة، تزرع فيها شيئاً من عبثك الصبياني الذي لا ينتهي، أرجو أن تثق أنني لا أحقد عليك ولا أوبخك، فقد اخترت طريقك، وذلك قدرك، أمَّا أنا فقد فرضت عليّ ظروف حياتي نمط العيش الذي أمارسه، أسعدتني صورك، وما أنت عليه من صحة، ولكنك لم تنج من تلك الآثار اللعينة التي زرعها الزمن على مساحات وجهك وشعرك وكان بودي أن أرى صوراً لولدك الذي قلت عنه أنه يشبهني.
أمَّا عن زوجتك فأعترف لك أنك أحسنت الاختيار وأود أن تعذرني، فلست أملك صوراً تستحق أن أبعثها إليك. لو أنك رأيتني الآن في مكان ما، فأنا على ثقة من أنك لن تتعرف عليّ بسهولة! إنني يا عزيزي، أرقص بهدوء على بقايا إنسان كنت في يوم ما أعرفه!.
آذار/ 1993

((





سيدة الزمن الآتي


سارا متمهلين جنباً إلى جنب، يلفهما صمت شفيف كأنه الحلم، كانا قد فرغا من ضحكتهما التي طالت، فشعرا بسعادة مشوبة بشيء من التعب، توغلا في الطريق الممتدة بمحاذاة النهر، كان يرى في الأشجار التي حركت ذوائب أغصانها ريح الخريف المنعشة، كانت أوراقها تلتمع مترعة بخضرة داكنة تحت أشعة الشمس التي بدأت تستعد لرحلتها الأزلية، اقتربا من حديقة تفصل الشارع عن النهر، اختارا أحد مصاطبها فجلسا عليها وهما يحسان بمشاعر غامضة تغمر وجوديهما بفيض من هواجس متدفقة، أخرجت من حقيبتها منديلاً ورقياً ثمَّ بدأت تمسح عينيها وبقية وجهها، أمَّا هو فقد أخرج علبة سكائره وأشعل واحدة منها، قطع الصمت المخيم عليهما بعض ضحكات المارة أو كلامهم وأصوات أطفال يعبثون هنا وهناك، تأوّهت قليلاً ثمَّ قالت وكأنها تكلّم نفسها:
ـ لم أضحك بمثل هذه السعادة منذ زمن بعيد، لقد اهتز كياني كلّه، تخللتني رغبة الضحك الجامحة كما لو كانت تياراً كهربائياً سرى في عروقي كلها... اوه... أكثر من عشر سنوات، يا للعمر الذي يمضي ولا نحسّ به، يمضي كأنه سحابة تدفعها قوة غامضة...
تطامن رأسه... فاعتدل في جلسته بعد أن كان منحنياً قليلاً إلى أمام ثمَّ قال:
ـ اجتاحتني عدوى ضحكتك، فما شعرت إلا وجسمي يهتز تحت تأثيرها.
ثمَّ بعد برهة قصيرة سأل:
ـ ما الذي ذكرك بي؟
التفتت إليه بوجهها الذي لم تؤثر في سماته الأيام، أسبلت جفنيها وانساب صوتها خافتاً لكنه واضح:
ـ منذ أيام وأنا أحاول الاتصال بك، عثرت على دفتري القديم بين أوراقي، وكان رقم هاتفك أول الأرقام، قلت أحاول لعلّي أجده، كنت أدير قرص الهاتف، فأجده مشغولاً، أيقنت أن الرقم قد أبدل، ولكن ثمّة شعوراً ماكراً قال لي بأن الرقم باق كما هو، وعندما أجابتني ابنتك وطلبت مني أن أعرفها باسمي غمرني فرح رائع، قلت لها سجلي رقم هاتفي وقولي لوالدك أن يهاتفني، لا أدري أين كانت زوجتك في تلك الآونة، لكنت قد تعرفت بها، وربما زرتها...
ـ لا أخفي شيئاً عن زوجتي أو أولادي، هكذا اتفقنا منذ زواجنا وعندما أخبرتني ابنتي بالأمر، حادثتك فوراً والمسألة ببساطة أن صديقة قديمة ورائعة تريد رؤيتي، وها نحن نلتقي، والآن أريد أن أعرف ما الذي أضحكك عندما رأيتني؟
كركرت ثانية، نظر إلى عينيها، تراءى له أنهما لم يتفارقا كل هذه السنوات، في نسيجه عاشت كل هذه الأزمنة، كل الصفحات التي كان يقرؤها، يرى سماتها بين السطور، يسمع إيقاع ذكرياتها على مر الفصول، وهذا النهر المنساب أمامه، يؤدي السلام للقاء أوجدته صدفة، ليس يساويها سوى الفرحة التي تغمره وتفيض من كل كيانه، أنت مثلي عطشى... ولكن لا، لا ينبغي للوهم أن يصور لي الأشياء على غير حقيقتها، سمعها تقول بصوت هامس:
ـ أضحكتني المفارقة.
ثمَّ أكملت:
ـ في لحظة واحدة قارنت صورتك القديمة بالصورة التي أمامي، الشعر الأسود شاب كلّه أو أغلبه، الوجه امتلأ قليلاً، وانكسرت حدة السمات التي أعرفها فيه، الجسم وقد انحنى قليلاً إلى الأمام، النظارة التي زرعتها فوق أنفك، أضافت لعمرك سنوات أخر، لكني الآن وقد انحسرت ظلال اللقاء الأول، وسكنت العاصفة في الأعماق أستطيع أن أرى بشكل أفضل، إنك تلوح لي ذلك الماجد الذي عرفته منذ أيام الدراسة، لقد قالت ضحكتك الشيء الكثير، ها هي روحك تتجدد برغم ما انطوت عليه سنوات العمر من آلام تركت آثارها على الجسم والوجه والشعر، لاح لـه أنها تتكلم كإنسانة لم تذق مرارة حقيقية في حياتها، بدا وجهها بريئاً كوجه طفلة عيناها تلتمعان وتطرفان بسرعة، كفتاة تلتقي بحبيبها أول مرة، الجسم الذي بقي صامداً بوجه الزمن متحدياً صروفه ومحتفظاً برشاقته لعلها عاشت كل هذه السنوات خارج الزمان والمكان ولكن هذا محال. سألها باندفاع:
ـ نوال، كيف احتفظت بكل هذا الشباب بالرغم من...
قاطعته وقد عرفت ما يقصد:
من الخارج فقط، أمَّا الأعماق فلا تسل عنها، لا تغرك المظاهر، أنا شيخة كبيرة يا ماجد، أتساءل أحياناً باستغراب كما تتساءل أنت أو بعض صديقاتي في الدائرة، كيف لم تؤثر على سمات وجهي وجسمي كل هذه الأحداث، لأبد أنها مصادفة ترى إنساناً من الخارج له سمات الكهول ولكنه في دواخله يجري الشباب عنيفاً في عروقه، وقد ترى العكس. قطعت حديثها وسألته وهي تبتسم:
ـ قل لي كم عدد الأبناء.
ـ ثلاثة.
ضحكت وهي تقول:
ـ الله... الله، وأكبرهم؟
ـ وسام في المتوسطة.
ـ والآخران؟
أجابها ضاحكاً:
ـ لقاء في السادس الابتدائي وبسام في الثاني.
ـ وهل أنت بار بهم وبأمهم؟
أجابها مبتسماً:
ـ أرجو أن أكون كذلك.
مرّت لحظات صمت مشحونة بأكثر من سؤال، ارتفع صوتها:
ـ قبل أن تسألني سأقول لك لا أولاد ولا بنات.
تجهم وجهه قليلاً ثمَّ قال باستيحاء:
ـ ألم تتزوجي؟
ـ نعم متزوجة منذ عشر سنوات.
شعر بحرج الموقف، وحاول أن يداري ذلك بالنظر إلى النهر الذي لا يبعد كثيراً عن مجلسهما، وبأشعة الشمس التي تسكب نورها المضرج بحمرة قاتمة على رقعة واسعة منه، جاءه صوتها مشوباً برنة حزن عميقة:
ـ استشهد أخواي في الحرب، وزوجي ما زال راقداً في المستشفى يعاني من إصابات توزعت في جسمه ولكنه يتماثل للشفاء سريعاً وقد يخرج الاسبوع القادم، كنت قد جئت من زيارته قبل أن ألتقي بك بقليل.
ران صمت ثقيل عليهما، المساء بدأ ينشر ظله على كل الأشياء، قالت وهي تتهيأ للوقوف:
ـ غداً أسافر إلى بعقوبة، الوالد يعاني من السكري والوالدة من الضغط وليس لهما غيري، أحاول توزيع وقتي بين البيت والزوج والوالدين.
اجتاحته موجة إعجاب عارمة، فهتف بكل مشاعر الحب والاعتزاز:
ـ نوال... بكل مقاييس الخير في عصرنا والعصور القادمة أنت سيدة الزمن الآتي بالتأكيد.
احتبس الكلام في فمه، فشخص إليها، أحست بدفق مشاعره، وقالت وهي تخطو قبله نحو الشارع:
ـ أحاول أن أكون نافعة.
قاطعها وهو يتجاوز مشاعره بصعوبة:
ـ ما الذي أستطيع أن أقدمه لك؟
ـ أن نبقى أصدقاء.
ـ أعدك، ولكن أهذا يكفي؟
ـ لا تجعلني أشعر بالغرور، أن صديقاً حقيقياً مثلك ثروة لا تقدّر بثمن.
10/11/1986

((





بقايا رؤى من حلم مجنون


ـ آ ـ
أصيل يوم من أيام آذار المفعمة بأمواج الضوء الهابط من مكامن النور الأزلية، كل شيء يسفر عن وجه ناصع، وأسرار تتدفق بلا نهاية، وهناك في المدى المتسع، تستقر ألوان قوس قزح على صفحة سماء صافية الزرقة، لتحيلها لوحة من نهارات ملونة، تبدو كأنها حقول من الزهور، تمتد إلى مسافات خيالية، تسابق الخيال نحو تخومه الأزلية، وشارع فلسطين، مازال كما هو منذ عهد الدراسة حتى اليوم، شارع الذكريات البريئة والرسائل الملونة والعواطف المشبوبة، إنه دنيا تضج بمشاعر شتى، ترى ما الذي بقي منها؟ كل الأشياء الرائعة، مضت في سبيلها، لتخلف بعدها ذلك الأسى الغريب الذي لا يبارح النفس وتلك اللوعة التي ما برحت تسكن خلايا العقل، كأنها مرض عضال! يا للحلم المضمخ بالآهات، مازال يشعل حرائق الشوق في شرايينك، يا أنت يا قمري الملغز بالأسرار، مازلت تضرب بجنونك جدران العقل، وتمزق شغاف الروح، ترى هل يقدر لي أن أراك ثانيه، لأسمع همساتك المفعمة بشوقك الأزلي؟ وتدور العينان كما تدور عجلات سيارتك وهاجس كمس الجنون، يهتف في سمعك، ستراها، لا بد أن تراها، في لحظة ما من يوم ما، هاأنت ترسل بصرك إلى كل الأنحاء تبحث عن وجه لا يشبه الوجوه، فجاءة يهتف مأخوذاً:
ـ هي، هي، إنها لحظة نشور تبعث فيها روحي من جديد! مازن يا صديقي، دقائق ثم أعود إليك ثانية.
بجانب الرصيف، أوقف سيارته، نزل مسرعاً، سد فراغاً كانت تشغله مع ابنها وخادمتها، وقفت، حدقت، ثم تجهم الوجه الجميل واربد، عبرت سماته مشاعر سريعة، لحظات، انفرجت الشفتان عن ابتسامة تقافز الربيع كدوائر نور من كيانها المبهر، همست من بين رنين ضحكة ساحرة، قالت بلكنتها المحببة:
ـ أوه معتز، كيف الحال؟
وأنفاسه تتسارع، يرد بارتباك واضح:
ـ أنت، أنت، كيف حالك؟
يلتفت إلى الطفل الذي تعلق به، ينحني ليقبله ثم يسلم على الخادمة، أكمل بصوت تخللت تضاعيفه رنة ألم دفينة:
ـ لا أملك من وقتي إلا ما تجود به عليّ أيام الإجازات!
رمقته بنظرة متفحصة، أحست بما يدور في دواخله، قالت بذات اللكنة:
ـ أنا سعيدة برؤيتك، جميل جداً أنني أراك الآن فأنا مسافرة خلال اليومين القادمين، سألحق بزوجي إلى مكان آخر!
تساءل باهتمام:
ـ ألا أعرفه؟
غرست عينيها في عينيه، ساد صمت قصير، داعبته قائلة:
ـ صرت بديناً بعض الشيء، هل تزوجت؟ ضحكت وهي تكمل:
ـ الآن يا عزيزي اسمح لي أن أودعك.
رفعت يدها ثم حركت أصابعها، انسحبت بهدوء، مضت كطيف غامض مسحور، ظل واقفاً، يرسل بصره التائه وراءها حتى غابت عنه تماماً، رجع مهزوماً، فتح باب سيارته، قال وهو يجلس وراء المقود:
ـ آسف دكتور مازن، يبدو أنني تأخرت عليك.
أجاب مازن بهدوئه المعروف عنه:
ـ بلا أسف، نحن في جولة مفتوحة، ولكن ما الأمر؟
ثم بعد فترة صمت، أكمل سؤاله:
ـ من الفاتنة التي كنت تكملها؟
ملأ فضاء السيارة دخان سيكارته الذي بدا وكأنه موجات متلاحقة، قال وهو يحدق في الطريق بلا وعي:
ـ مازن يا صديقي لا شيء الآن سوى قبض الريح، في آخر لقاء لنا قالت: "أنت الذي بدأت".
سأل مازن باهتمام:
ـ منذ متى عرفتها؟
ـ منذ سنة تقريباً، ليتها تعرف حقيقة الأمر، ليتها ولكن هذا مستحيل، مستحيل.
خيم صمت ثقيل عليهما، السيارة تدور كوحش جريح بين منعطفات الطرق، مساحة الصمت تتسع، حاول أن يقول شيئاً لكن مازن سبقه.
ـ بعد غد سأغادر إلى وحدتي، أقترح عليك جلسة ذكريات في مكان هادئ، ستتخفف بعدها من كل همومك وسترمي برمادها في قعر الليل وستكون ليلة الاعتراف والشجون وهاهو المكان يدعونا إليه وسيحتضن دجلة أحاديثنا كما احتضن من قبل أسرار الدهور الطويلة.
ـ ب ـ
همس بعد أن أفرغ قدح البيرة في جوفه مرة واحدة.
ـ ها أنا أعود مرة أخرى إلى جحيم إسارها وجنونها وذكرياتها، إنه الهوس بعينه، لم يفارقني لحظة، لقد عذبتني رؤاها طويلاً ودفعت بي إلى حافة الجنون، مازن يا صديقي حتى وأنا بين السماء والأرض وفي المهمات الخطرة حينما كان الموت يفتح ذراعيه مرحباً، كانت عيناها البنفسجيتان تهتفان بي كأصوات تأتيني من خلف تخوم الغيب "كن حذراً وعد لي سالماً، فلن يكون لحياتي معنى بعدك أبداً".
تهدج صوته فجأة وهو يكمل:
ـ اليوم أودعها حزيناً، محبطاً، أشعر بلا جدوى الدنيا كلها، ويا له من وداع بسيط، عادي، على رصيف شارع تعب اسفلته من ضرب أقدامنا عليه، مازن هل أنت معي؟
أجاب مازن بهمس:
ـ طبعاً معك، أكمل يا عزيزي أكمل.
ـ ست سنوات أمضيتها متنقلاً بين مدن الأحلام.. لندن، باريس، براغ، موسكو، كييف، روما.. مدن وأسماء نسائها مازالت تلتمع في الذاكرة.. تانيا، مارسيل، سوزان، ريتا.. كل شيء هناك يتحول إلى حلم، كان الطيران هوايتي وحياتي منذ أيام الطفولة وحتى اليوم ثم تحول ذلك الحب إلى وظيفة وحرفة، لقد عشت حياتي مترفاً مع والدتي حتى اليوم عوضتني عن رحيل والدي المبكر وضحت بكل سنوات شبابها من أجلي، تزوجت مرغماً كي أرضي رغبتها، لا أستطيع أن أرد لها طلباً حتى لو كان على حساب حياتي نفسها، مازلت أشعر أنني ذلك الولد المدلل المنطلق في حياته، كل شيء جميل أمامي، كل شيء في متناول يدي، كنت أعتقد أنها السعادة بعينها، بل أليست هذه هي السعادة؟ ثم وجدتني بعد أن عرفتها أتغير جذرياً، بل أولد من جديد، ثم..
احتسى قدحاً آخر، قال وخيوط تعب تخالط تضاعيف صوته.
ـ هذه المرأة عصفت بكل حياتي وذكرياتي، أسلمتني إلى جنون حقيقي،...
قاطعه مازن متسائلاً:
ـ بالمناسبة ما اسمها؟
ارتفع صوت ضحكة معتز، بدت كنغمة نشاز في إطار ذلك الجو المضمخ بالأسى والضاج بالآلام، أجاب:
ـ صدقني مازن لو قلت لك أنني لا أعرف اسماً محدداً لها، هناك مجموعة أسماء كانت أدعوها مرة فينوس أو افروديت ومرة هيلين ومرة تحب أن أدعوها بأسماء مثل رباب أو رحاب ثم استقر الحال على اسم عشتار!
ضحك مازن وقال ممازحاً:
ـ والله يا معتز إنها أكثر جنوناً منك، علاقة بينك وبين امرأة رائعة كالتي رأيتها وأنت لا تعرف اسماً لها، ترى هل يصدق أحد ذلك؟
ـ تلك هي الحقيقة يا صديقي.
كانت جلستهما في شرفة من الطابق التاسع لفندق شيراتون، بدت بغداد من ذلك المكان كعالم خرافي، عالم فسيح كثير الأطراف، فجأة ارتج المكان بعنف ثم أعقب ذلك صوت انفجار هائل مفزع مصحوباً بأصوات صفارات الإنذار، أطبق وجوم واضح على الصديقين، تحول كل شيء في لحظات إلى مشاعر غريبة تتحرك في أجواء القلق والخوف والانتظار، تسارعت حركة بعض الناس نازلين أو صاعدين أو أولئك الذين استمروا في الأجواء التي اختاروها، بدأ الهدوء يعود إلى المكان، أطلق مازن ضحكة بدد من خلالها أجزاء من تلك الأجواء القاتمة، قال معتداً برأيه:
ـ إنها لعبة الصواريخ، ترى أين سقط وكم عدد الضحايا؟ لقد دخلنا السنة السابعة ودولاب الحرب مازال يدور.
أكمل بعد أن أفرغ كأسه في جوفه:
ـ دعنا الآن من سيرة الحرب فنحن نسبح في بحورها الرهيبة منذ سنوات، تبدو الآن كما لو كانت دهوراً بلا بداية أو نهاية، أكمل يا عزيزي قصتك واعلم أن كل الأشياء تمضي نحو نهاياتها المحتومة.
بصوت عميق النبرات أكمل معتز:
ـ مازن، إن الحرب مستمرة ويبدو أننا نوغل في ليلها الطويل.
كمن يتحدث إلى نفسه تناثرت كلمات مازن ثانية.
في لحظة من لحظات هذا الزمن الرديء، ستضع الحرب أوزارها كما يقولون، دعك من كل هذا ودعنا نتجول في أرجاء عالمك السحري وأحداثه التي أتوقع أن تكون بغرابة حياتنا.
بصوت خجل أجاب معتز:
ـ أخشى أن تسخر مني!
قال مازن مستنكراً:
ـ أيصح ما تقوله يا معتز، إن تاريخاً طويلاً من صداقتنا النقية كنقاء الماس تمنع مثل هذا الذي تسميه سخرية، أيسخر الإنسان من أحلى ذكرياته وتجاربه؟ هناك ثوابت في حياتنا وحياة الناس كلهم، ثوابت لا فرار منها مثل الولادة، الموت، الحب، الفراق كل حدث منها هو قدر بحد ذاته وهو قدر لا فكاك منه، كيف يسخر الإنسان من نفسه ومشاعره بل وأروع أيامه، ستجد بعد أن تنتهي من سرد أحداث قصتك هذه أنك تخففت كثيراً من ثقل أزيح عن كاهلك، هيا يا صديقي فرحم الليل يتسع لكل الولادات!.
ـ جـ ـ
تدفق صوت معتز بنبراته الحزينة موشيّاً لحظات السكون التي أحاطت بهما بشيء من الأسى، كان ينز من بين كلماته التي تدفقت بعفوية محببة.
ـ كنت عائداً من القاعدة في طريقي إلى البيت بعد أن نفذ سربنا طلعات عديدة، نثر فيها وخلالها زهوره الحمر في مواقع شتى، كنت أقود سيارتي بمنتهى السرعة حينها شعرت أنني أقود حماراً بطيء الحركة، كان الوقت منتصف النهار أو بعده بقليل، دخلت شارع فلسطين تجاوزت حي زيونة واجهني نصب الشهيد بشطريه الغامضين وتلك المهابة التي تملأ المكان من حوله حضوراً، يملأ الروح بمشاعر من الأسى تنداح إلى أعماق النفس لتستقر هناك كذكرى مؤلمة، عند ساحة بيروت، خففت سرعة السيارة ثم استدرت نحو الجهة الأخرى، دخلت شارعاً خدمياً يحاذي مشاتل الزهور والنباتات التي كانت تتوهج وتتراقص تحت ذلك الفيض الرائع من أشعة شمس آذار الرخية، تذكرت حديقة البيت، ابتسمت في سري ثم لاحت لي مكتبتي العتيدة، كل من المكتبة والحديقة تشكو الإهمال، قلت في نفسي: "غداً سأطوف في مكتبات بغداد لأقتني الجديد من الإصدارات وأما الحديقة فها أنا أحاول أن أختار لها ما يليق بحضورها الكريم". مازلت أتحرك على مهل وأنا أنقل البصر بين مساحات الخضرة المزدهية والزهور اليانعة، مازن يا عزيزي في لحظة واحدة هي نفس اللحظة التي تفصل الحياة عن الموت والليل عن النهار والشقاء عن السعادة، في تلك اللحظة وقع بصري مذهولاً على وجه امرأة كانت تجلس خلف مقود سيارة فخمة، تضع على عينيها نظارة شمسية سوداء، هاهو العالم من حولي يرتج، لقد زلزل كياني بعنف، تجمعت الفصول في فصل واحد، صار العمر لحظة انبعاث جديدة، أسفرت الحياة عن وجهها الرائع، وجه لا يمكن وصفه ولو بحثت في كل القواميس أو جمعت كل الكلمات التي تصف الجمال أو الكمال أو النقاء أو الحضور لما وجدت شيئاً يناسب ذلك الوجه. كنت قد تجاوزت سيارتها بمسافة أمتار قليلة لكنني توقفت ثم رجعت ثانية لأتوقف بجوار سيارتها، بلا تدبير ولا مقدمات وكأنني أصبت بجنون سريع، رفعت يدي مسلماً، خاطبتها بالإنكليزية وقد ظننت أنها امرأة أجنبية "هالو سيدتي" التفتت ناحيتي بلا اهتمام، خلعت نظارتها، رأيت عينيها تسيلان عذوبة ورقة، عينين لم أر مثيلاً لهما من قبل، تجاهلتني تماماً وعادت تنظر ناحية المشاتل بلا اكتراث، ركبني جنون سرى في شراييني، وجهت كلماتي إليها "من فضلك، إنني أسلم عليك، فلم لا تردين التحية؟!"
ضحك مازن ضحكة مكتومة، إلا أن معتز استمر:
ـ واجهتني بهدوء غريب، قالت بلهجة عربية كالتي ينطق بها الأجانب "من أنت، ماذا تريد؟" ابتسمت، كدت لا أصدق أنها تبادلني الحديث، رفعت يدي ملوحاً لها ، لم ترد على تحيتي والتفتت إلى الجهة الأخرى، قلت لا بد أنها تنتظر أحداً، كانت سيارتها من الفخامة بحيث تبدو كأنها جوهرة كبيرة، سرت جرثومة الجنون في عروقي فسلبت مني العقل، خاطبتها بالإنكليزية "أستطيع التحدث معك بأكثر من لغة".
رفعت يدها مقاطعة ثم رأيت شابة هندية أو باكستانية مع طفل جميل وأنيق يدخلان السيارة ثم تمضي مسرعة، أخرجت يدها كي تثبت وضع المرآة الجانبية، قلت أهمس لنفسي وأنا أنفث دخان سيكارتي "إذن فهي تراقبني" هتفت من بين ضجيج مشاعري وأمواج الجنون التي أخذتني بعيداً "اتبعها أيها الطيار الجسور فهي هدف يستحق التضحية" مضت مسرعة فانطلقت بأثرها، قال جنوني "كن حذراً، لا تدعها تضيع منك في لحظة" ثمة سيارات كانت تمرق مسرعة فتشغل المسافة التي بين سيارتي وسيارتها، آه، إنها تنعطف الآن إلى شارع فرعي في حي المهندسين، تخرج منه إلى شارع أعرض، رأيت سيارتها تنطلق كصاروخ، هكذا إذن، أعلم أنك تراقبينني، أراك من هنا تراقبين سيارتي، خلال مرآة السيارة الموضوعة أمامك سترين ما تفعله هذه الدابة التكنولوجية، إنها سريعة كالقذيفة، حافظت على المسافة التي تفصلني عنها، عادت ثانية إلى الشارع العام، مضت مسرعة كالخيال ثم وقبل التقاطع المروري، دخلت زقاقاً، دخلته وراءها، هذا الزقاق يبدو أنه يرقد في حلم جميل، أدهشتني بيوته ذات الحدائق الواسعة والأشجار السامقة، خففت السرعة وتقدمت ببطء، رأيت سيارتها تدلف إلى بيت بدا لعيني كأنه الجنة، توقفت لحظات، أشعلت سيكارة، مضيت أتقدم على مهل وأنا ألعنها في سري، تجاوزت البيت بمسافة أمتار ليست طويلة، كنت ما أزال أحدق في المرآة، رأيت سيارتها ويا للعجب خلف سيارتي ثم تجاوزتني مسرعة، هتفت مأخوذاً" سألحقك حتى ولو إلى أعماق الجحيم".
في الشارع العريض المؤدي إلى بناية الجامعة المستنصرية توقفت فجأة فأوقفت سيارتي على مبعدة أمتار من سيارتها، نزلت، أغلقت باب سيارتي مضيت نحوها وقفت أمامها لم تفتح باب سيارتها ولم تنزل منها، خلعت نظارتها ثم رفعت وجهها، تجولت عيناها على مهل بي أحسست أنني أتسامى إلى أجواء أو عوالم خيالية بل خلف تخوم الخيال، بهرتني ملامح وجهها الباذخ الجمال، أما عيناها البنفسجيتان فهما عالمان ينضحان سحراً وفتنة وغموضاً، تساءلت وأنا أطوف على سحابة مجنونة "ترى من أنت يا سيدتي، من أين جئت، وكيف التقيتك ولماذا في هذا الوقت بالذات؟" لا أدري كيف خرجت من فمي تلك الكلمات المترددة الخائفة القلقة" أود أن أقول لك كيف الصحة؟. ابتسمت أحست بحرجي، في تلك اللحظات المفعمة بالسعادة والأمل أيقنت أن الخلود صار واقفاً وأن غيوم الأسى التي استوطنت روحي منذ فترة ليست قصيرة قد غادرتها دون رجعة، كنت ما أزال ذاهلاً ولقد شعرت هي بذلك حتماً، فسألت بلهجتها المحببة "ماذا تريد؟" سيدتي كيف سأجيب على سؤالك هذا، ماذا أريد؟ بعد أن رأيتك لا أريد شيئاً يكفيني هذا الزمن القصير الذي أمضيه معك، فتحت عينيها مستغربة من صمتي، تساءلت ثانية "ها، لم تقل لي ماذا تريد ولماذا تلاحقني؟". هذه المرة عليك أن تتماسك، لا تنس إنك بملابسك الرسمية، ماذا ستقول عنك، طيار ويخشى مواجهتي، أجبتها وأنا أكثر هدوءاً من قبل لحظات مضت "لا أرجو أكثر من اللقاء لا أريد سوى رؤيتك، هل تسمحين بذلك؟" قلت ذلك وأنا أشعر أن روحي قد نزفت كل طاقاتها، قالت بالإنكليزية "بأي حق تريد اللقاء؟ هل هذا مسموح في مجتمعك؟".
ها أنا أقف أمامها كالتمثال، لقد أسقط في يدي، ماذا أقول وكيف أرد على سؤالها، لا أدري أكيد أنني لا أعرف بماذا أجيبها الآن؟. أجبتها بعد فترة صمت شعرت بها أنها استطالت كي تصبح دهوراً وبلغة إنكليزية مقتدرة "سيدتي، إن شيئاً ما زلزل كياني غيرني أعاد تكويني، كنت أبحث عنك في حدائق الزهور في عيون النساء بين أروقة الخيال، وها أنت الآن أمامي حقيقة نابضة، أخشى أن أكون مازلت أحلم أو أن موجة جنون تأخذني لترمي بي بعيداً، تساءلت بجد واهتمام: "هل يمكن أن يكون كل هذا الذي قلته واقعاً، إنني ما زلت لا أعرفك، تذكر هذا من فضلك، أليس كذلك؟" إنني أتهدم، من حقك أن لا تصدقي شيئاً مما أقول لكن كل الذي قلته هو منتهى الصدق، إنني أبحث عنك منذ زمن بعيد، لم أجدك في عواصم الدنيا التي زرتها، أنت خيال حملته في أعماقي وكنت كالنحات أضيف بعض اللمسات له في كل يوم حتى أصبح بهذا الكمال". أجابت وسمات وجهها تتوهج بمعان غامضة "أنت شاعر أو أديب أم عسكري؟"بسرعة أجبتها "كلاهما مرغوب فالعسكري ينبغي أن يكون أديباً أو شاعراً أو فناناً حتى يخفف من الضغوط التي تحيط به".
ران صمت عميق، تلفعنا بسكونه، انفصلنا عن الواقع الذي يحيط بنا، لم أعد أسمع شيئاً سوى نبض قلبي وكأنه يريد أن يغادر جسدي، ركزت نظرها على أصابع يديها التي تمسك بمقود السيارة، يبدو أنها غادرت المكان والزمان، لم أفه بكلمة واحدة أو همسة، كنت أتشرب صورتها وأختزن سمات وجهها، أتأملها من كل الجهات أوزع عليها بصري كأنها لوحة باذخة الجمال والفتنة، تمنيت أن يستمر الموقف على هذه الصورة، ترى هل يكفيني عمر أو أكثر من عمر كي أستطيع أن أتعرف على جوانب هذا البهاء الآسر كما لو أخذتني سنة من النوم أو الذهول، سمعت صوتها المنغم يخاطبني بلغة إنكليزية طلقة وبوجه جاد "غداً، هنا في هذا المكان سنلتقي". صمتت ثانية، ملأتني هواجس غريبة، انثالت تداعيات شتى في الأعماق إلا أنها عادت لتكمل وكأنها كانت تتخذ قراراً "الساعة الثامنة مساء سنلتقي، ستأتي بملابس غير هذه التي ترتديها"، ابتسمت، كدت أقول نعم سيدي كما...، تداركت الأمر، فأجبتها ممتناً بنفس اللغة التي تحدثت بها "كما تشائين سيدتي" ثم بدأت أهمس "غداً مساء، الساعة الثامنة في هذا المكان، أكيد أنني سأحيا حتى مساء غد، إنني أحلم، أحلم سيدتي، أيتها الآلهة التي تمدني بنسغ الحياة". ابتسمت ثم غمغمت "لا تبالغ..
رفعت يدها فجأة مودعة ثم انطلقت بسيارتها مسرعة واختفت في لحظات كأنها خيال، مذهولاً وقفت انظر فيما حولي، أقلب البصر بين الوجوه التي تمر أمامي، خاطبت نفسي "لا، ليس حلماً يا معتز إنها الحقيقة بكل سطوعها، تذكرت مقاطع من قصيدة ما زالت الذاكرة تحتفظ بها:
في زمن الفوضى، وعصر الحب
أشعلت نار الحب
واأسفاه، ذهبت صيحاتنا سدى
أتبع مولاتي، حاملاً رأسي
إلى الخليفة في طبق
فتقطر السماء دماً وأرجوان
ـ مازن يا صديقي الأثير، كم الساعة الآن؟
أجاب مازن بسرعة:
ـ دعنا، فنحن الآن نستلقي خارج الزمان والمكان، ولكن مهلاً سأخبر النادل أن يجهز لنا العشاء.
ـ كما تشاء، كما تشاء.
بعد الانتهاء من تناول طعامهما، سأل معتز مازناً:
ـ قل لي، ما رأيك بالسيد كلكامش؟
أجابه ضاحكاً:
ـ إنه معتوه مثلك يا عزيزي، هو يبحث دائماً عن خلود لا وجود له، يذكرك بالتفرد والاستثناء، وأنت تبحث عن حب لا نظير له في زمن غادرنا فيه الحب إلى خيامه وصحاريه العتيدة. ما الذي ذكرك بكلكامش؟
ـ سألتها مرة وكنا في جلسة صفاء وهدوء، أمسك بأصابع يديها كأنني أمسك بأيامي "عشتار، ما السعادة في رأيك؟". بلهجة العارفة الحكيمة أجابتني "ستجد الإجابة على سؤالك هذا فيما قالته امرأة الحانة لكلكامش...
أقم الأفراح في كل يوم من أيامك
ارقص، والعب، مساء نهار
أجعل ثيابك نظيفة، زاهية
واغسل رأسك، واستحم في الماء
وأفرح الزوجة التي بين أحضانك
وهذا هو نصيب البشرية.!
باهتمام سأل مازن:
ـ كيف اطلعت فاتنتك على الملحمة؟
ـ اختبرتني أنها خريجة قسم الآثار، أدهشتني ثقافتها الواسعة وأنها قارئة ممتازة ولها بعض المحاولات الشعرية، لا تنس أنها زوجة رجل ثري ولا بد لها أن تكون ذات حضور ومعرفة، سافرت كثيراً وتجيد بعض اللغات.
ـ أهي...؟
ـ لعلها من عالم آخر.
ـ د ـ
أوقفت سيارتي، في المكان الذي عينته للقاء، كانت الساعة تشير إلى الثامنة إلا دقائق قليلة، تشاغلت بالنظر إلى عقاربها وهي تقترب رويداً من موعد اللقاء القدر، عن بعد رأيت سيارتها تتهادى في خيلاء كقارب كيلوباترا وهو يشق صفحة النيل كما قرأنا في التاريخ، أبطأت سيرها، ثم توقفت، لوحت بيدها، ثم همست "هالو" أجبتها وأنا أرفع يدي "أهلاً، مساء الخير"، وأشارت إليّ، أن أجلس إلى جانبها، أقفلت أبواب سيارتي، فتحت باب سيارتها وإلى جانبها جلست، كنت في حالة غيبوبة أو كمن يستسلم لقدره، هاهو عطر الكون ينث عليك كمطر ناعم، هاهي مواسم الفرح تحيط بك، وتهتف لك، هاأنت على أعتاب زمن البشارة، زمن يبدأ منذ الأزل ولا ينتهي إلا عند الأزل، أنت في بساتين الخلود الآن تمرح في أجوائها المبهرة، أيتها المرأة الحلم، أنت الأعذب والأجمل، أنت الحياة بكل توقها وألقها وخلودها، التفت إليها كأني أفيق من حلم عميق، وجدتها صامتة، لا تنم سمات وجهها عن معنى واضح، كانت كملكة في كبريائها وغموضها الآسر، لأول مرة ألتقي امرأة، وأحس بشجاعتي تغادرني، لم يحدث لي ذلك قط، منذ أن عرفت النساء، ومنذ سنوات الصبا الأول، أحسست باللحظات تتساقط مسرعة في أعماقي، تنفست بعمق، ملأت صدري بشذى العطر الذي انتشر في المكان، أو الفضاء الضيق، ترى ما هذه الأجراس التي تقرع جدران خيالي، من الذي يدقها، أو يحركها، تساءلت، لم أنت خائف، ماذا، هل تخشاها أيها الجسور؟
ثانية نظرت إليها، ألفيتها تنظر باهتمام إلى طريقها، هادئة، صامتة، رصينة، كما لو أنها كانت عالماً من الكبرياء والغموض، والفتنة. انتبهت تماماً وأنا أراها تستدير إلى شارع فرعي ثم تهدئ من سرعة سيارتها ثم وهي تنعطف بمهارة لتدخل ممر البيت الطويل والذي تحيط به الأشجار من جانبيه، هتفت كمن ينجز عملاً مهماً:
ـ هاهو بيتنا، لقد وصلنا!
نزلت أولاً، ثم لحقت بها، تقدمتني إلى سلم صغير يؤدي إلى فسحة على شكل مثلث تمتلئ زواياه بنباتات ظلية، موضوعة بتنسيق رائع، فتحت باباً واسعاً يطل على صالة واسعة، صالة باذخة الأثاث، جلست على إحدى الكراسي الوثيرة، وأنا أحدق مبهوراً، بعدد من اللوحات الرائعة، بعد لحظات انسابت الموسيقا، هادئة عميقة، إذن هي الحركة الأولى من سمفونية الفرح (التاسعة)، بأدب جم قالت:
ـ دقائق، وسأعود ثانية.
مكثت وحيداً، كنت بحاجة ماسة، لهذا الزمن القصير، الذي منحتني إياه فاتنتي!
بدأت أكتشف، هذا العالم الساحر الماثل أمامي، على الجدار المغلف بخشب الساج اللامع نثرت لوحات عديدة، لوحة كبيرة، طالعتني بمجموعة من الوجوه الأفريقية، وجوه متسائلة شاخصة النظرات نحو آفاق غامضة، ثمة ألم يحيط بها، ويغلف سماتها الداكنة، كانت واحدة من لوحات الفنان (روبنز)، هنالك لوحة أخرى رائعة، كتب على حاشيتها، باللغة الإنكليزية (لقاء آلهة الحب) لنفس الفنان، هجست بأن شيئاً ما في اللوحتين يغلي، كبركان كان على وشك الانفجار، تبسمت ثم تمتمت "الجنون فنون! والفنون جنون!" كانت الموسيقى ما تزال تنساب إلى زوايا روحي المتعبة، وتنشر فيها خيوطاً من الهدوء والراحة، في هذه اللحظات المفعمة بشتى الأحاسيس والأخيلة، فتح باب الصالة، وأطلت منه كما القمر عندما يظهر لامعاً ورائعاً من بين حجب الغيوم الكثيفة، امرأة هي والضياء صنوان متلازمان، امرأة تهمس للكون فيبدأ بالغناء ويموج بالفرج، الله، الله يا مازن، كأن الدنيا خلت من ألوان البؤس والقهر والشقاء، كأن الدنيا غادرت أحزانها ولم يعد هناك سوى هذا الألق كأن المساء صار الزمان كله، هاهو بحر الموسيقى يمتد بين طيات حلمي الذي بدأ يشكل الحياة من جديد وينثر على شواطئها لآلئ الفرح القادم، كل شيء يتألق من حولي، أرى الدنيا بألوان جديدة، يا أنت يا أعذب الأحلام، كانت تمسك بإناء بلوري، وضعت فيه فنجاني قهوة، جلست أمامي، قالت بلهجة مجاملة رقيقة:
ـ أهلاً بك في بيتنا، أيها الصديق...
أجبت بسرعة:
ـ معتز، معتز
ناولتني فنجان قهوة، فغمت أنفي رائحة البن الممتاز والممزوج بالهيل، بدأت أرتشف قهوتي على مهل، قدمت لي سيكارة من علبة أنيقة، موضوعة على منضدة قريبة منها، قالت:
ـ خذ راحتك.
أجبت، كأنني أبتهل إليها:
ـ إنني في غاية الراحة سيدتي، شكراً لك.
ثم بعد فترة صمت قصيرة، تساءلت:
ـ بأي اسم أستطيع أن أدعو سيدتي؟
أجابتني ببساطة وكأن الأمر لا يعنيها كثيراً:
ـ خاطبني بأي اسم تحبه، ترى ما الاسم الذي تراه يليق بي؟
ـ أيام دراستي في أكثر من دولة كنت مغرماً بزيارة المتاحف رأيت تماثيل كثيرة وصور عديدة لربات الجمال وبأسماء مختلفة، رأيت ذلك في متاحف لندن وموسكو وبراغ وباري، أقول لك سيدتي الرائعة، إنني لم أجد اسماً من تلك الأسماء يليق بك، أنت، أنت كل الأسماء وكل النساء.
ابتسمت مقاطعة:
ـ سمني رباب أو ليلى أو بثينة أو لبنى هذه أسماء شائعة.
ـ كان بودي أن أتشرف بمعرفة اسمك الحقيقي.
ـ ليكن اسم آلهة أجدادك القدامى عشتار اسماً لي أما أنت فسأدعوك باسم كلكامش!
من بين ضحكة عميقة، قلت لها:
لكنني أخبرتك باسمي الحقيقي.
سألت:
ـ هل الموسيقى مناسبة؟
ـ سمفونية نشيد الفرح، مناسبة تماماً، تماماً.
في تلك اللحظات انفلتت مشاعري من أسارها، طوقتني أمواج العطر الباذخ، سرى الجحيم في كل شراييني، لم يبق في الذاكرة سوى هذا الشعاع الأخاذ لذلك الوجه الأسطوري الجمال، وجدت نفسي ضائعاً معها، ضائعاً في تضاعيف ذلك العالم المجنون كأن عواصف الكون قد هبت على عالمنا الصغير الباذخ الروعة، هاجت البحار فارتفعت أمواجها، تقاذفت وجودنا بلا رحمة، أطبق علينا هوس اللحظات الخارقة، ضعنا في عوالم مجهولة بعيدة، رأيت قاربي يتهشم وأشرعته تتمزق ثم من بين قمة الفرح الممزوج بأمواج الضياء الباذخة كدت أصرخ بصوت بدا لي خائفاً أول وهلة لكنه كبر ليتحول إلى صرخة مدوية اهتزت لها جوانب الروح الآن أرى قاربي يرسو على شاطئ رحيب وقريب لي، كنت مذهولاً، متعباً، كانت تجلس قبالتي، قلت لها في تلك اللحظات الخارقة.
ـ سيدتي، سأبقى مديناً لك ما حييت على هذا اللقاء الرائع وسأعتبره سراً من أسرار السعادة الغامرة لن أنساه أبداً.
ـ هـ ـ
أطلق مازن ضحكة كبيرة، تناثرت الكلمات من بين شفتيه:
ـ لم أكن أعرف عنك هذا النوع المرعب من الجنون.
مازن، لاحظ، أعتقد أننا لا نعرف كيف نعيش أو نحب في كثير من الأحيان، كانت جد واقعية وهي تتحدث عن أشياء أكيدة، لا شيء يبقى... لا شيء يستمر، علينا أن نتعايش مع هذه القاعدة، علاقة غريبة استمرت ما يقارب السنة، كنت أتصل بها عن طرق الهاتف ثم أذهب لزيارتها وعلى نفس إيقاع قاعدة لا شيء يبقى... لا شيء يستمر التي لم أكن قد اقتنعت بها، كانت حياتي تمضي مع هذا الخيال الساحر إلى أبعد مدى لها، لم تتغير مشاعري نحوها ولم تذبل، كنت أبحر معها إلى جزر بعيدة نائية وأغرق في عالمها، أودع كل صغائر الدنيا وأتوجه لذلك الفجر الذي ملأ حياتي بألقه الساحر، حتى الليل لم أكن أتعامل معه أو أسهر ساعاته كالآخرين، كلا، كنت أرى منه نجومه وأتجول في حقولها الزاهية، يرافقني طيفها الرائع طيلة اللحظات العارمة بالنجوى وعلى أساس قاعدة لا شيء يبقى.... لا شيء يستمر استدعيت على عجل من قبل آمر القاعدة، خاطبني بصوت حاد:
ـ مقدم طيار معتز، مطلوب للمساءلة، سيقوم بالمهمة الموكلة إليك طيار آخر!
أديت التحية، أجبت بوجوم:
ـ نعم سيدي.
كان صباحاً داكناً، أيقنت أن ظنوني التي ساورتني كثيراً كانت حقيقة، وأن هواجس شتى عكرت علي صفو أيامي، في الأعماق انبرى صوت يهتف، هناك مفاجأة، حدث غير سار، بدا كل شيء من حولي شاحباً وحزيناً، طرحت علي أسئلة كثيرة، أجبت عليها بكل أمانة وصدق، بعدها صدر الأمر لي "عليك أن تنهي علاقتك بها فوراً"، وكرجل عسكري علي أن أنفذ الأمر الصارم بلا تردد ولا معارضة.
في الأيام التي تلت عشت وحشة روحية مرعبة، بعدت عن كل الأماكن التي أتردد عليها وتذكرني بها، هجرت أيامي الرائعة إلى زمن ميت، إلا أن الروح في جسدي بدت تتململ ثم تتمرد، يا للعذابات التي كابدتها في تلك الأيام، أحسست أني على وشك مغادرة الحياة وعلى وجه السرعة، ماذا تظن؟ أية مشاعر قاسية وباردة لازمتني كقدري؟.
في الأيام الأول صت كالمعتوه، لا أدري ماذا أفعل! لقد جاء فطامي سريعاً ومفاجئاً ولم أكن أبداً مستعداً له، بدأت أتغيب، أو أفتش عن أعذار تراجعي وهروبي خلفها، إنني أصغر وأتضاءل، ملعون الكذب، ملعون الجبن، ملعونة كل الصفات التي تحط من قدر الإنسان، ماذا تظن يا مازن بي، سأقول لها إنني محاصر، محاصر تماماً، لكن شعورا مجنوناً دفعني إليها، وقفت أمامها وأنا أردد في داخلي ((إلهي، عطشت إليك نفسي، يشتاق إليك جسدي))، تخللتني نظراتها العميقة، نازعتني أفكار شتى، سأرمي كياني بين ذراعيها، كنت سأريها جراح روحي المفتوحة على كل الآفاق، خاطبتني بهدوء كما لو أنها قرأت كل الصفحات المخيفة:
ـ ألم أقل لك من قبل إنني امرأة خاصة جداً، وإنني أستطيع معرفة أفكار الناس الذين أتعامل معهم، وكنت على ثقة من أن ذلك اليوم سيجيء، وأن قاعدة لا شيء يبقى... لا شيء يستمر هي الخالدة وأنها ستبقى ما بقيت الدنيا والناس.
اعترتني حالة ضعف مفاجئة، كدت أجثو على قدمي، أمسك بيديها، أتعبد في محرابها، خاطبتها متضرعاً:
ـ عشتار، إنك لا تعلمين شيئاً عما...
قاطعتني:
ـ لا أريدك حزيناً هكذا، إنني أكره الضعف والحزن، أمقتهما، ربما في يوم من أيام هذا الزمن المتسارع سنلتقي ثانية، لكنه بالتأكيد ليس اللقاء الذي تعرفنا من خلاله ببعضنا، تذكر، أن اللحظات السعيدة ليست دائماً في متناول أيدينا.
كانت تقف أمامي كتمثال للصلابة والكبرياء، وقع بصري على عينيها البنفسجيتين، كانتا تربدان بمشاعر غامضة، كان الانفعال واضحاً فيهما، ومع كل هذا فإنها كانت رابطة الجأش تماماً.
في الطريق الذي سرت فيه، راجعاً من حيث أتيت، كان ثمة صوت حزين يردد كلمات أثيرة على نفسي:
صرخت في منازل مقفرة
دارت بها الريح
أكلت برتقالة الشمس
وفي دمي توضأت
وصليت إلى الصحراء
عمود نور لاح لي، وواحة خضراء.
ـ و ـ
في الأفق البعيد، لاحت تباشير الفجر، ثمة خيوط ضوء حمر تلتمع على صفحة السماء الداكنة، آه، هو ذا فجر يوم جديد، إنها الحياة في تجددها الأزلي، إنها تومض وتضيء وتتقدم.
كان الصديقان صامتين وذاهلين، قال مازن بصوت خفيض مثقل بإحساس عميق:
ـ هيا، معتز، هيا، لقد شربنا الليل والحب والمشاعر المشتهاة حتى الثمالة، هاهي مدينتنا الحلم تغفو، والطريق مازالت طويلة!
قال معتز:
ـ سأوصلك إلى الأعظمية، ثم أكرّر راجعاً إلى حي تموز، أحلم برقدة أطل من خلالها على تلك العوالم البعيدة، البعيدة، إنها تصير في لحظة حلماً، حلماً طويلاً بعيد المنال، أيتها المرأة المستحيل سأفرح بك حد الانتشاء، وأحزن عليك حتى تجف الدموع، وهذا كل ما أستطيعه وأقدر عليه.
صيف 1998

((





الليلة الثالثة


"وإذا غرقوا في اليم، فإنهم ثانية يقومون، وإذا ضاع المحبون، فلن يضيع الحب ولن يكون للموت سلطان".
دبلان توماس

انداح الليل مسرعاً، واشرأبت خيوطه السود كنسيج عنكبوتي، تغطي منافذ النور مسدلة ستارة قاتمة على كل ما يحيط به وأسرع الخيال، يطارد الذكريات، يقتنصها، ثم يستعيدها هماً وحزناً، هذا هو الليل الثالث، يمر به يجرح مشاعره، ويطلق هواجس مخيفة في أعماقه، يفترس رؤاه بألوانه الكابية، يخلف في الذاكرة غضباً وأعاصير من القلق، تأتي على ما تبقى له من إرادة وقوة. مضت ليلتان، وهاهي الثالثة وهو منغرس في هذه الحفرة، متشبثاً بأمل أن يستطيع الوصول إلى جسد أخيه الملقى على أرض موحلة، بين عشرات ممن سقطوا معه. أحزانه تلسعه كالسياط، في الليلتين اللتين مضتا. حاول كثيراً، زحف على الأرض، تاركاً الموضع الذي تجمعت فيه مياه الأمطار المنهمرة منذ الليلة الفائتة.
رأى القمر، يتوارى خلف سحب سود مسافرة عبر مسافات شاسعة، على البعد، امتدت غابات النخيل موشحة بسواد الليل الممزق بضوء الانفجارات، ودويها المرعب، لم يبعد في ذهنه سوى أمر واحد، الوصول إلى المكان الذي يرقد فيه الجسد، منذ يومين عساه يكمل واجباً فيرافق المعزين، وهم يودعونه إلى مثواه الأخير.
سيفاجأ والدي، ويصمت طويلاً، أنا أعرفه رجلاً صلب العود، دموعه تحجرت في عينيه، منذ أن ودع أخي الكبير قاسماً، ووسده بيديه في حفرته، الوالدة الحبيبة أي هم يرتسم على وجهك الحزين ليتني أراك وأضمك إلى صدري.
وهاب، آه لو يعلمون الآن، ها أنت ملقى أمامي، لا تفصلني عنك سوى أمتار قليلة ولا أستطيع الوصول إليك. آه يا أرض الحرام. هذه ليلة الحسم، لن تبقى في مكانك أكثر مما بقيت، عشت ليلتين لم أذق فيهما راحة، دموعي ممتزجة مع دموع السماء، أيقنت الآن أن لا فائدة من البكاء، ثمة متسع من الوقت، سأبكيك هناك، بين الأهل والأقارب والأصحاب، ستبقى ذكراك في كل مكان أرحل إليه، أما الآن فلي منك العذر، أنا في طريقي إليك، غداً، عندما أحمل جثمانك مع الحاملين، ستبرق في الذاكرة. كل الأماني الحلوة التي حلمنا بها، وستكمل الدموع بقية القصة.
اهتز المكان، بفضل سقوط قذيفة، مد جسده سريعاً على الأرض، وضع رأسه بين يديه، غطته موجة من الطين والتراب، تشمم رائحة البارود المحترق من حوله، زخت فوقه، رشقات من الرصاص.
ـ سيدي، أرجوك، امنحني هذه الفرصة، لن أتأخر طويلاً سآتي به.
تفرس في وجهي ثم قال:
ـ لك ما تريد، إنني أقدر ما أنت فيه، خذ حذرك، فالمكان خطير.
ملأته رغبة عنيفة لرؤية والديه، وأصدقائه، حنين طغى على كل ما حوله، هدأت قليلاً أصوات الرعب، رفع رأسه، نفذ بصره خلال الظلام المقطع بوهج القذائف، رأى أخاه على مبعدة منه، التفت إلى ساعته، رأى عقاربها تشير إلى الثالثة فجراً، همس هذا أوان العمل الآن، سأختزل هذه المسافة اللعينة التي تفصلني عنك.
شعر بالعطش والجوع، يعذبانه، وتعب يسري في جسده كالمرض، برودة الجو، تخللت كل مسامات جسده، رفض ذاته مرة واحدة، أزاح كل ضعفه، اتكأ على يديه، ثم بدأ يسحب جسده، رويداً رويداً حتى استوى خارج الموضع، زحف قليلاً باتجاه جسد أخيه، على الضوء الخافت المتسرب عبر مسافات الزمن، بدأ المحاولة "في الليلة الماضية، وما قبلها، لم استطع أن أفعل شيئاً، منعني هذا الرشق اللعين من التقدم نحوك، ومنذ منتصف هذه الليلة، خفت حدته، وهاب ها أنا آت إليك، فاعذرني إن تأخرت عنك "رفع جسده مرة أخرى، توقف عن الزحف، أحس بتعب مفاجئ، انتابته موجة كالجنون، أطبق بأسنانه على سبابته بقوة، بدا يخاطب نفسه ((إيه مهدي)) أتشتهي شيئاً، وهناك جسد وهاب، ملقى على الأرض منذ يومين مضيا، أتحس بالعطش، وجسمه معرض للعراء، أينهشك الجوع، وهناك دماءه تسقي ما حولها، رباه، ما هذا الجنون.
زحف بسرعة، تناثر الهول من حوله، انقلب متعباً على ظهره، تجولت عيناه في الفضاء المفتوح بلا نهاية، رأى القمر حزيناً منكسراً، تغيبه غيوم داكنة، يخرج منها كفارس مهزوم، هدأ قليلاً، استعاد بعضاً من الراحة، انكفأ ثانية على صدره، بدأ الزحف، لا يدري كم مضى عليه من الزمن، مدّ بصره المثقل بالفجيعة والحزن، انهمرت دموعه، استولى عليه حنين مضمخ بالذكريات، نسى كل شيء، هتف بألم:
ـ ها أنا خيراً بجانبك، وهاب يا أخي لا تدري كم عانيت منذ ليلتين، وبعضاً من هذه الليلة، اعذرني، أراك أمامي ولا أستطيع الوصول إليك، سأغرس روحي بجانبك شراعاً يحملك إلى مرافئ الحب والخلود، أبحث فيك عن ذاتي التي امتزجت مع ذاتك، أذكر أيام الطفولة والصبا وسنين النار، التي التهمت من قبلك قاسماً، وها هي تأتي أخيراً عليك، لن تعرف روحي الفرح بعد الآن، ستبقى ألماً يرافقني ما حييت؟ وهاب أما تسمعني؟ أما فيك خلجة ترد عليّ؟ لا بأس عليك. سأمضي بك، ستصحبني، محمولاً على كتفي، الفجر آت، لأسرع في العمل.
تحسس الجسد الثاوي بجانبه، وضع يده على الوجه المغطى ببقايا الطين، أزاح مشاعره جانباً، استبدت به رغبة العمل، وضع يديه تحت جسد أخيه، رفع قليلاً حتى استوى جالساً، انحنى إلى الأمام ثم طوق الجسد البارد، وبدأ يسحبه رويداً رويداً، رأى الظلام يتبعثر في كل الأنحاء، والقمر مازال يختفي ويظهر من بين ركام الغيوم المسافرة، بدأ خطواته الأولى، قطع أمتاراً قليلة، حاول أن يسرع، غطته أحاطت به رشقات من الرصاص باغته على حين غرة، عض على شفتيه، انحنى ثانية على جسد أخيه الذي انزلق من بين يديه، منطرحاً على الأرض الموحلة، غام كل ما حوله، ضج خياله بهوس مرعب، رأى والديه يبتسمان، ثم يقهقهان، خاطبهما بلغة الصمت، أبي، أمي هذا وهاب، وذاك قاسم، وأنا مزروع بينهما كشجرة تساقطت أوراقها.
تسارعت أنفاسه، اشتد صوت الدوي، أسند ظهره إلى الأرض، همس كالمأخوذ، (لسوف نسافر معاً، كما عشنا الحياة معاً) من بين تهاويم الخيال، والجسد الذي تمزق في أكثر من موضع، رأى غيوماً، تعبر المستحيل كخيول مسرعة، وبينها قمر متعب ذابل الضوء، يتنقل فوق ظهورها، ثمة أصوات قريبة، بعيدة، وخيوط ضوء بدت تتسلق ستر الظلام، وعينان مفتوحتان، تنظران في أفق غامض.
سنة 1986

((





وداع تشريني


في الطريق الذي تطرز بقطرات مطر تشرين، سار جنباً إلى جنب، كانا صامتين، وقع أقدامهما على الإسفلت يشكل مع وقع قطرات المطر صوتاً لـه غموض يدغدغ الأعماق، كانت بثوبها الأبيض وطولها الفارع، وسكون الموقف يوحي بعالم مليء بالأسرار، وكان هو صامت، تتدافع في داخله ينابيع الذكريات.. كنهر تصب فيه روافد عديدة. لم يرها منذ ثلاث سنوات، تقابلا في ديوان الوزارة صدفة بعد أن انقطعت أخبارها عنه وضاع هو في زحام مرعب، عرف منها ما أراد، تداعى في أول الأمر ثم تماسك أخيراً، لم تخف حالته عليها، أما هي فكانت كمن فقد دمه مرة واحدة، طلب أن يراها.. صمتت ثم وافقت بهزة من رأسها.. قال يثير فيها الماضي كله:
ـ في نفس المكان والشارع..
قالت بأسى:
أما زلت تتذكره؟
ـ إنني أزوره دائماً.
في الشارع الذي يمتد من باب الجامعة المطل على شارع فلسطين والذي طالما سارا فيه تتداعى أحلامهما وتكبر، أخذهما صمت رائع، كان اللقاء قدراً بينهما، أخذه التيار، تذكر تمردها لكن زوج أمها أجبرها والشاب الذي تقدم لطلب يدها تتوفر فيه شروط العصر، قالت بعد أن أتعبها الصمت وهي تحس بقلق لذيذ:
ـ أنجبت منه طفلة. وهو الآن في الجبهة.
أكملت بصوت أخاذ:
ـ معلومات لا بد من معرفتها، بل أنا أريدك أن تعرفها.. أما السعادة فأمرها مختلف، هناك أكثر من وسيلة.. البيت والسيارة والسفرات وعالم الفيديو والأصدقاء وغير هذا وذاك تزين الحياة ببعض البهجة وإلى حين. أما الخيال، هذا المسافر الجوال الذي لا يكل ولا يمل يطاردني وأطارده كأنه قدري. يذهب بعيداً فأخاله يتلاشى وانتهى، وبين كل هذا فأنا لم أعد أعرف هل أنا سعيدة أم لا؟ بل إني لا أسأل نفسي مثل هذا السؤال..
التفتت إليه وعيناها السوداوان بحيرتا شوق وعذاب
ـ وأنت.. ما جديدك؟
لم يجبها، ظل صامتاً، كان يريد أن يسمع فقط.. ثمل.. تمايل، تدفق حوله نهر الحنين الذي صار مستحيلاً.. ارتفع صوته كما لو كان أت من بعيد:
ـ ليس لي جديد إلا أنت
قالت تعاتبه وتقطع عليه مسار الذكريات:
ـ أقصد عملك، حياتك..
ـ موظف في نفس الوزارة، في إحدى دوائرها المليئة بالروتين، ما زلت أبحث عن خيط يشدني لواقعي بعد أن تركني أجمل ما فيه ومضى.
ـ سامر، أرجو أن تسمعني، ليس لنا حق في أن نظلم بعضنا أو مشاعرنا، قد تكون هذه المشاعر أثمن ما نملك، بل هي كذلك فعلاً، لكن اليأس والقنوط لا يجب أن يخيما على روحينا وحياتنا، الثقة بالحياة كبيرة، قرأت مرة لشاعرك الذي تحبه هذا المعنى:
إن أجمل الأطفال هو الذي لم يولد بعد...
وأجمل الغابات تلك التي لم نسافر إليها...
وأجمل الساعات تلك التي لم نعشها بعد...
وبضحكة أنيقة قالت:
ـ مع الاعتذار للشاعر إذا كنت قد أضفت أو حذفت.

ضغطته رغبة في أن يلثم جبينها، تجاهل رغبته، قال بأسى:
ـ صرت شاعرة.
ـ الفضل لكتبك، ألم تعرني كثيراً منها؟ ما زلت أحتفظ ببعضها، اقرأها في أوقات خاصة، أشم فيها رائحة الماضي، رائحة أحلى سنوات العمر. قطعت حديثها فجأة، سألته باهتمام:
ـ بالمناسبة ما هي أخبار الحرب، متى يكون السلام؟
رد بألم واضح:
ـ لا أحد يعرف، ولكن لكل شيء نهاية.
ثم بانتباه مفاجئ:
ـ لماذا أنت قلقة؟
ـ ألست محقة في قلقي عليه، لم يبخل عليّ بشيء، رجل دافئ ومثقف، ليتك تلتقي به، إني واثقة أنك ستعجب به، لكن...
قال بحذر:
ـ ماذا؟
قالت وهي تنظر إلى لا شيء:


ـ لكن هذا القلب اللعين لا يريد أن ينسى.
انتقل حذرها إليه فقال بتوجس:
ـ سوف يأتي الوقت الذي تنسين فيه كل الأشياء.
بغضب.. أو ما يشبه الغضب أجابت:
ـ كل الأشياء، كيف ينسى الإنسان؟ من أين له بتلك الطاقة؟ وهل هناك ما ينسى فعلاً؟. تصور إني أسميت ابنتي سامرة حتى يبقى اسم سامر ماثلاً أمامي في كل لحظة.
قال بمزيج من الفرح والامتنان:
ـ آه.. سامرة.. هل هي حلوة مثل...
تضاحكت بعبث واضح وقالت كأنما تريد أن ترى تأثير الأشياء عليه:
ـ أبوها جميل، وأمها حلوة كما ترى فلماذا لا تكون هي كذلك؟
سألها بصوت ذبيح:
ـ لمياء.. أصدقيني هل يحبك أبو سامرة كما كنت تتخيلين الحب؟
طال صمتها هذه المرة، كأنما أخذتها غفوة مفاجئة، بعد حين ارتفع صوتها:

ـ يحبني نعم، ولكن كما أريد أو أتمنى.. لا.. اسمع يا سامر، كنت حلمي وما زلت، لم أفتح قلبي لغيرك، ولكن للحياة صيغ مختلفة كما يبدو، هناك العلاقات الاجتماعية ولها قوانينها كما تعلم، إنني أكلم إنساناً أعرف مدى إدراكه وثقافته، الذي يخفف عني أنك أو غيرك لا يستطيع أن ينفر منه، فهو كما قلت لك لطيف في كل شيء، تبقى مشاعرنا، لا نملك السيطرة عليها في كل الأحوال، لقد طالبتني بلقاء، وهاأنا أسير معك في رياض ذكرياتنا، لم أنسها يوماً، ولم أنسَ كل كلمة قلناها، لكنها الحياة يا عزيزي سامر.
صمتت قليلاً، كأنما الحديث أتعبها، عادت ثانية تقول وكأنها تواجه ذاتها:
ـ لا بد لك أن تعرف أنني لم أنم ليلة أمس، كان هناك سؤال أو رغبتان تتجاذبان ثم تتنافران كقطبي مغناطيس، هل أقابلك أم لا؟ لم أفكر كما تفكر الأخريات، أنت تعلم أني لست من هذا المستوى، ثق لو أني صارحته بذات نفسي وما يمور في أعماقي من رغبات ومشاعر لشاركني بأقصى صدق، ستلتقيه يوماً ما وتعرفه وتعجب به، وتذكر دائماً أن الحياة قد تصلح بطريقة ما ما تفسده الأيام، لكنها المرة الأخيرة التي سأراك فيها على هذا النحو، قد نلتقي ثانية ولكن في ظروف أخرى. ليست لدي فكرة عنها الآن، والآن ستمسح لي أن أفارقك عزيزاً على نفسي كما كنت، فقد أرجع إلى البيت وأجده قد عاد من الجبهة، فهذه أيام إجازته... وداعاً وشكراً.
توقف في مكانه مسمراً، وابتعدت هي رويداً رويداً.. ودعها بثقة العارف من أنه لن يراها ثانية أبداً.

21/10/1982

((





انتباهـــة


فتحت له الباب، فبادرها متسائلاً باهتمام:
ـ ما الأخبار؟ كيف حاله؟
أجابته، وعيناها تنأى عنه:
ـ لا جديد، حالته تسوء يوماً بعد آخر.
أشارت إليه بالدخول، ثم قالت:
ـ تفضل.
خطا إلى الداخل، ثم استدار ليدخل الغرفة الفسيحة، توجه نحو السرير الذي يرقد عليه المريض، وقف أمامه، رآه شبحاً ممدداً على فراشه، وجهه، يذكر بالفناء والعدم، كانت يداه مسبلتين إلى جانبيه، وأنفاسه تتسارع تارة، ثم تعود لتبطئ تارة أخرى، أحس برهبة الموت المخيمة على هذا الكائن، كانت هي تجفف جبهته وتمرر المنديل الورقي على شفتيه، خاطبها بصوته الثابت:
ـ إنه أسوأ بكثير مما كنت أظن.
تهدل شعرها الأسود الغزير على كتفيها، أزاحت بعضاً من خصله عن جبينها وعينيها، فبدأ وجهها متعباً ومتجهماً، لكنه لم يفقد سحره القديم، ركزت نظراتها على وجه زوجها، ثم همست بأسى:
ـ توقفت ساقاه تماماً، لم يعد يحركهما، قال الطبيب الذي رآه يوم أمس، إنه العجز في الكليتين يكاد أن يكون كاملاً، ونسبة اليوريا في الدم تجاوزت 120.
كمن يداري مشاعر تدفقت مسرعة في أعماقه حاول أن يزيحها جانباً قدر ما يستطيع، تساءل مرة أخرى:
ـ وهذه الأدوية التي تتكدس هنا؟
أشار إلى طاولة، وضعت بجانب سرير المريض، أجابته:
ـ إنها مقويات من مختلف الأنواع.
ـ هل يتناولها في أوقاتها المحددة؟
أجابته وكأنها تنشج:
ـ إنني أصارع وأتحايل عليه كي يأخذ كبسولة واحدة، منذ الليلة الماضية امتنع عن كل شيء حتى الطعام القليل، أما الماء فإنني اسقيه بواسطة الملعقة الصغيرة.
ثم أشارت إلى كرسي قريب ليجلس عليه، تلاقت نظراتهما للحظات، إلا أنها أدارت وجهها نحو الجسد الممدد، ثم خاطبته:
ـ سأحضر لك الشاي.
أشار رافضاً، ثم تساءل:
ـ والآن ما العمل؟
ـ لا أدري، لقد أدخلته ثلاث مستشفيات، استدعيت له أكثر من طبيب، يبدو أن لا أمل في شفائه.
ـ إذا كنت تريدين نقله إلى المستشفى، فعلينا أن نتصل بالإسعاف، ثمة خطورة أكيدة في نقله بسيارة عادية، وأعتقد أن المغذي يفيده كثيراً في مثل حالته هذه.
هاجمتها عيناه (شبت، كما شبت أنا، وبان على قسمات وجهك حصاد السنين الماضية، لكن جنوني بك، ما زال يعربد في الأعماق كما هو بل وأكثر، لم تضعفه السنون التي انصرمت، تخليت عني في اللحظة التي كنت احتاجك فيها إلى جانبي، واخترت كمال هذا، لقد تعودت أن ألطم الدنيا على أنفها، أشتبك معها، أقاتل حتى أمسك بيدي ما أريد، لكنني خسرت المعركة معك، لأنها معركة اختيار وليست شجاراً، وكنت أعلم أنك لن تسعدي معه، هل تذكرين آخر مرة التقينا فيها قبل مرضه، في سفرة المكتب الذي نعمل فيه إلى بحيرة الحبانية، تكلمت العيون طويلاً، قلت ما أريده، وقلت أنت ما تريدينه كذلك، ثم رأيته يتداعى، أتعبه السكري، نخره كما تنخر حشرة السوس عموداً من الخشب، لكم حذرته في حينها، ولأكثر من مرة، لكنه لم يرعو، لن أقول أبداً من يضحك أخيراً، كلا، لن أكمل ما تبقى من هذا المثل، لكنني صاحب حق فيك، وها نحن نتقابل منذ أن أعجزه المرض عن الحركة، قبل أكثر من شهر، وكل ما قدمته لك، لك أنت أولاً، أما الزمالة القديمة والتي حرصت عليها لأجلك، فتلك قصة أخرى). قطعت عليه تداعياته:
ـ لقد حرك رأسه.
ثم خاطبته بنعومة، وهي تنحني عليه:
ـ كمال، كمال، تنبه قليلاً، كلم هشام، كلمه أرجوك.
كانت تتوسل إليه، بهره المنظر، توزعت نظراته الجائعة الملتاعة على جسدها المنحني فوق المريض، ثم حطت على مؤخرة ظهرها، كانت تتطلع إليه وهي تتضرع كأنها تتعبد، كانت تتلفع (بروب) وردي، طرز بزهور ناعمة، فبدت من خلاله كأنها حديقة صغيرة رائعة، نهض واقفاً ثم خطا إلى الأمام، صار بجانبها، انحنى قليلا،التفتت، فصافحت وجهها أنفاسه الحارة اللاهثة، توسلت بعينيها وهي تقول "هشام كلمه، قل له أي شيء، لعله يتنبه، إنني متعبة، متعبة يا رب".
أحرقت وجهه أنفاسها الحارة الناعمة، رأى شفتيها، تنفرجان عن آهة حرى طويلة، قال بصوت أجش، سحقته الرغبة ولونه الخوف بألوان شتى.
ـ كمال، يا كمال، ألا تقول شيئاً، هل تحتاج إلى طعام أو ماء أو أي حاجة أخرى؟ قل كلمة يا رجل، افتح عينيك، قل كلمة.
انفرجت شفتا المريض، فبانت أسنانه صغيرة منسجمة كأسنان طفل، أطلق آهة خفيفة، تراجعت هي قليلاً إلى الخلف، وبدأت تنظر إلى وجه زوجها، نظرات تائهة، تهاوت على كرسي قريب منها، وهي تكفكف دموعاً انسابت على وجهها، جففتها بمنديل ورقي كان بين أصابعها، جلس قبالتها، التقت العيون "سراب، سراب، هذا الذي نسجته بيديك، تأملي ما نحن فيه، أليست الحياة مهزلة، الفناء فيها ينتظر خطواتنا، إنها البوابة الكبيرة التي سيمر الجميع عبرها ودون استثناء".
حركت أصابعها، دعكتها مع بعضها، سمع طقطقتها وهي تتشابك بعضها ببعض، ثم همست:
ـ لا فائدة من كل شيء.
أجابها بصوته الواضح القوي:
ـ لا تيئسي، هناك دائماً أمل أو فرصة وإلا لأصبح كل شيء بتفاهة بعوضة!
ـ سأعطيه ماء.
ـ حاولي.
انحنت بالقدح عليه، حاولت أن ترفع رأسه، ثم جذعه، فلم تستطع، قام يساعدها، وضعت حافة القدح بين شفتيه، خاطبته:
ـ كمال، اشرب، اشرب شيئاً من الماء، قليلاً منه سيفيدك، هيا يا كمال، ماذا دهاك؟ حتى الماء قاطعته، نشجت وهي ترجع رأسه إلى الوسادة والقدح إلى المنضدة، ثم حاولت أن تجلس على الكرسي، فجأة أمسك بها، هاجمها في اللحظة التي كانت فيها تتهاوى، أمسك بكتفيها، قالت مستنكرة:
ـ هشام، ما هذا؟
أجاب بصوت مرتجف:
ـ لا عليك، لحظات وسأجعله ينتبه!
كان يعمل بسرعة، أصابعه تفك أزرار الروب واحدة بعد أخرى.
ـ لا، هشام، لا.
دفعته بيدين واهنتين، لكنه همس:
ـ لا عليك يا عزيزي سامرة، سينتبه، ثقي إنه سينتبه.
أحسها كما لو كانت قطعة من الإسفنج بين يديه، خارت قواها، تسارعت أنفاسها، تجمع الزمن في لحظة جنون هائلة.
ساد صمت ثقيل، كانت وطأته رهيبة على كل الأشياء، فتح المريض عينيه أول الأمر، حرك رأسه باتجاههما، تنفس بعمق، اتسعت الحدقتان، بعد أن رأى الصورة كاملة، رفع رأسه قليلاً، قال هشام وهو ينظر إليه خلل شعرها الغزير:
ـ ألم أقل لك لقد بدأ ينتبه!
حاول المريض أن يقول شيئاً، أن يتفوه بكلمة، أن يخرج صوتاً، ها هو يرفع رأسه إلى أقصى حد يستطيع، ثم وبسرعة يهوي نحو الوسادة.
ران هدوء موبوء على جو الغرفة، صمت يطلق الموت خلله ضحكات ساخرة، لا نهاية لها.

تموز 1997
((





دموع في شارع مزدحم


داهمته موجة ضجر عاتية، اجتاحته على حين غرة، وبلا مقدمات، رفع جسمه اللحيم بصعوبة من الكرسي الذي كان يجلس عليه. تجاوز باب المحل، اتكأ على جانب السيارة العتيقة التي تقف أمام باب محله. شملت نظراته الشارع المزدحم بالناس والباعة وأعداد السيارات الواقفة والمنطلقة على جانبي الشارع، موجة الضجر ما زالت تغطيه، وتسيطر على كل وجوده، فجأة فتح عينيه على سعتهما، ثم أغمضهما بسرعة، وعاد ثانية يحدق في الوجه الذاهل، القادم، من تخوم الذكريات القديمة، تساءل باهتمام ممزوج بمشاعر فرح بدت تنتشر بين طيات مشاعره المحتدمة، من أرى؟ عبد المنعم، أيعقل هذا؟ أين اختفى كل هذه السنوات الطويلة؟ ثم ما هذا الذي أراه، رجلاً شاب شعره، وزاغت نظراته، وتهدلت كتفاه، ترى هل يعرفني؟ يبدو أنه ذاهل عن كل ما يحيطه، تحرك من وراء باب السيارة، وقف أمامه، قاطعاً عليه الطريق، هتف بفرح واندهاش:
ـ عبد المنعم
رفع الرجل رأسه بسرعة، وكأنه فوجئ بالموقف، صاح كمن بوغت:
ـ من، من؟
سأله ثانية وابتسامة حب ملأت الوجه الكبير:
ـ ألا تعرفني، أمعقول هذا يا عبد المنعم؟
صمت الرجل قليلاً، ثم قال برجاء:
ـ دعني أراك، فبصري لا يساعدني.
اقترب منه، فتح عينيه على سعتهما، كأنه كان في إغفاءة عميقة، وعاد يقول بصوت أكثر وضوحاً وثباتاً:
ـ من أنت؟ لا تؤاخذني: أشياء كثيرة في هذه الدنيا، لم أعد أعرفها.
ـ قبل أن أقول لك من أنا، تعال معي، لنجلس قليلاً من الوقت، هذا محلي، تفضل، شاي أم بارد؟
رد بصوت هامس:
ـ دعني أجلس أولاً، والشاي أفضل.
جلسا على كرسيين متقابلين، تفصل بينهما منضدة صغيرة، نثرت عليها بعض قطع غيار سيارات، قال مجاملاً:
ـ الله بالخير
رد عبد المنعم بود:
ـ الله بالخير عيوني
ـ عبد المنعم، اسمعني جيداً، منذ عام 1953 فارقتك، وها أنا التقيك بالصدقة ثانية، وكأني أرى بداية صباي وشبابي.
أجابه مرتبكاً بعض الشيء وبرجاء واضح:
ـ آه، أرجوك، قل لي، من أنت؟
ـ عبد المنعم، بعد أن نشرب الشاي، سأسألك نفس السؤال، من أنا؟
ـ دعني أراك جيداً، ما زال وجهك غريباً عني، لكني أحس بك قريباً مني، ففي صوتك شيء يذكرني بالماضي، ماذا قلت، عام 1953؟
تنفس بعمق، ثم ضحك بهدوء، ارتشف شايه بسرعة، وعاد يقول، وكأنه يحدث نفسه:
ـ سنة 1953، ذلك تاريخ يبدو بعيداً لعينيّ المتعبتين، اسمع يا أخي، منذ خمس سنوات، أصبت بداء النسيان، أشياء كثيرة، وأحداث، وأشخاص، لم أعد أتذكرهم، شيء واحد لا أنساه، هو أولادي الأربعة، وهم الآن في الجبهة.
ـ الله يحفظهم
هز يده هزة سريعة، ثم قال مؤكداً:
ـ نعم، الله يحفظهم، وكل الشباب الذين معهم.
ـ إن شاء الله تفرح بأحفادك.
رد بهدوء واستسلام:
ـ إن شاء الله، إن شاء الله، ولكن قل لي من أنت؟
ـ لن أقول لك الآن، وأجزم أنك ستتذكرني، ستتذكرني بالتأكيد.
ـ كيف لي تذكر ما قبل أكثر من عشرين عاماً، وأنا لا اذكر حوادث الأمس؟
خاطبه برجاء:
ـ عبد المنعم، لا تنزعج، قل لي من كان معك في محلة الطوب المقابلة لوزارة الدفاع؟
ضرب عبد المنعم جبهته بسرعة، ثم رد قائلاً وكأنه بعث من جديد:
ـ إذن أنت من هناك، من المنطقة التي عشنا فيها الطفولة، وأيام الصبا الحلوة، أحقاً ما تقول؟
ـ أنا لست من محلة الطوب، ولكني من منطقة (السيف) في الفضل، إلا أننا كنا نلتقي في محلتكم، هل تذكر رحومي؟
رفع بصره إلى سقف المحل، بدا عليه أنه يحاول أن يتذكر، همس:
ـ رحومي، نعم رحومي، وآخر معه، اعتقد اسمه، اسمه...
قال كي يساعده:
ـ رؤوف
تهلل وجهه، زالت عنه موجات الهم، ومضت عيناه سروراً، كما لو أنه طفل، وجد لعبة جميلة:
ـ أي نعم، رؤوف، رحومي ورؤوف، ولكن قل لي من أنت؟ ما اسمك؟
ـ لقد كنا نسبح معاً في نهر دجلة، بجانب المستشفى، كنا نركض، ونتصارع على صفحة الشاطئ الرملي.
رفع رأسه ثانية نحو السقف، ثبت نظراته على المروحة السقفية، قال وقد انتصب واقفاً:
ـ أنت، أنت وهاب
ثم هجم عليه، احتضنه، قبله في وجهه وجبهته، رجع إلى كرسيه، ودموع تترقرق في عينيه...
ـ وهاب، لقد أرجعت لي هذا اليوم، أحلى الذكريات، اليوم تخلصت من النسيان، بل إني ودعته إلى غير رجعة، إنني سعيد بك، ويملاني فرح، لم أعرفه منذ فترة، ثم تساءل مستنكراً:
ـ وهاب، أين جسمك الرشيق؟ لكن لا، أين ذهب جسمي أنا الآخر، وماذا بقي منه؟
مسح دموعاً براحة يديه، ثم قام، تساءل وهاب:
ـ إلى أين؟
ـ تأكد، سنلتقي على الدوام، لكنني الآن على موعد مع بعض الأخوان، نتوجه إلى البصرة.
تساءل وهاب:
ـ ماذا هناك؟
ـ اسأل عن الأولاد.
احتضن أحدهما الآخر، همس وهاب من بين نشيجه:
ـ في أمان الله يا عبد المنعم، تذكر أننا سنلتقي وعلى الدوام.

((





السلَم


* المرأة...
من مكاني هذا عودت أن أراقبك، وأتحسس مشاعرك وأشاهد أحزانك، وهي تطفو على سمات وجهك المثقل بالأسى... أنا حزينة مثلك، بل وقد أكون أكثر حزناً منك، ولكنك تثير في أعماقي صورة ذلك الشاب الوسيم المليء بالحياة والحركة، عصاك تتوكأ عليها عند قيامك أو جلوسك لم تعد تفارقك، صارت جزءاً من شخصيتك ووجودك،ويدك وهي تمتد إلى مفتاح المذياع تحركه يمنة ويسرة تفتش عن إذاعة تسمع أخبارها، وتندمج مع أخيلتك وتسافر مع أحزانك، ثم أرى دموعك وهي تسح على خديك، بكاء صامت وقاس لا تحتمله نفسك التي تعودت الحياة الحلوة والمنطلقة، سويعات غيابك عن البيت لأمر ما، أخلو إلى نفسي، أعذبها بأفكاري، أستثير مشاعر الحزن والأسى في الأعماق فتتفجر براكين ألمي وتنز إلى العيون دموعي.
أمسك ما أستطيع بمشاعري أمامك، وأخفف قدر ما أستطيع عنك ولكن هيهات... إني أراك فيهم وأراهم فيك، ضياء شبيهك تماماً، وعلاء يحمل توهجك القديم، وفضاء أكثرهم التصاقاً بك، والأخبار ما زالت متضاربة، الإذاعات تجمع على ذلك والمراقبون كذلك والمعارك تستعر.
وتستمر معارك ضارية في ذلك المثلث الذي يقع في أقصى الجنوب، ورغم كل هذا فأنا خائفة عليك كخوفي عليهم، لا سعادة بدونكم.
مضت الأيام مثقلة بالهموم، بطيئة، مظلمة،وتمضي الأخيلة معها، أخيلة تحرق لحظات العمر كما تحرق النار أوراق الحطب اليابسة، وثمة لحظات لراحتك تلك التي تمضيها مع بعض أصدقائك الذين يمرون عليك بين الحين والآخر تتبادلون فيها الأحاديث، تقلبون الآراء ولا تخرجون بنتيجة.
ويهتف أحدهم مستسلماً وما تشاؤون إلا أن يشاء الله، ويقول آخر، الخير فيما اختاره الله.
ويبقى صمتك أكبر من كل الكلمات، وتعود إلى المذياع ثانية وثالثة، لقد أصبح سلوتك، وحتى حين تتناول الطعام، أعلم أنك لا تحس بطعمه ولا بمذاقه وينتهي يومك كسابقه، تنهض من كرسيك متثاقلاً تتقدمك عصاك ثم تصعد الدرجات إلى غرفتك بعد أن تقف وراء سياج السطح تتأمل الليل والسكون، وأشجار الحديقة التي تسامقت واشتبكت أغصانها فصارت جزءاً من الليل، وتمرق السيارات عبر الشارع فتثير أصواتها مشاعر شتى في الأعماق، وتحاول النوم تصارعه أو يصارعك ثم لا تلبث أن تستسلم لسلطانه.
* الرجل...
أتظنين إنني غافل عما يدور حولي يا امرأة، أو تدركين كم أقاسي من أجلك؟
نعم، أنا في قمة أحزاني، فأولادي هناك في تلك الساحات التي تغطيها بقع الدماء والأشلاء، هناك حيث يسود قانون الموت بكل بشاعته، ومع كل هذا لا يفوتني أن أرمي بنظري إليك لأرى ما أنت عليه، أي حزن مهيب يملأ جوانح نفسك ووجدانك، أي أسى مثقل بأحزان مريعة لا تعرفها سوى مشاعر الأم، ليس حزنك كحزني... أعرف هذا، نعم المصدر واحد ولكن الآلام مختلفة كأني بك وأنت تعودين إلى ذكرياتك عنهم قديمها وجديدها، أطفالاً وفتياناً وشباباً يتدفقون بالعطاء، هم حاضرك ومستقبلك، هم الأمل الذي يزودك بالطاقة والاستمرار. أيتها الأحزان اللعينة لماذا تتكاثفين بهذه الأشكال الكابية في هذا الليل الذي يبدو بلا آخر؟ تطويك الأحزان كما تطويني وما عاد للحديث بيننا من معنى، لقد قلنا كل شيء وأعدناه ولا فائدة مرة أخرى من أن نعود لنقول ما قلناه سابقاً.
ـ كم الساعة الآن؟
ـ العاشرة.
وينطفئ النور، فتقوم متثاقلة متعبة لتتصل بدائرة الكهرباء، وتسألني إن كنت أريد شيئاً، فأهز رأسي بالنفي. "لا يهمني سوى راحتك، ولكن أين تجدين هذه الراحة؟"
يطبق الظلام على البيت، فتشعل شمعة وتعود لتسألني إن كنت بحاجة إلى شيء...
ـ سأعمل شايا، هل تأكل ما يسد سغبك؟ إنك تقتلني بوضعك هذا.
وأحدق بعينيها اللامعتين، لو أستطيع لفديت أحزانك بما تبقى لي من عمر، أمنيات كلها أمنيات.
ـ تأخر عمال الكهرباء، وأنا لا أطيق الظلمة.
ـ ولا أنا يا عزيزتي، سيأتون، سيأتون حتماً. أنا متعب، سأذهب لأحاول النوم.
قالت:
ـ سألحق بك بعد قليل.
أصعد درجات السلم وأتوجه إلى السطح، أقف أمام السياج الذي يطل على حديقة البيت، رباه، ماذا أرى؟
اسمع طرقاً على الباب، تلحق بي وتقف إلى جانبي تخاطبني هلعة:
ـ من يطرق الباب الآن؟
حدقت خلل الأشجار، رأيت سيارة تقف أمام البيت، ما هذا الذي تحمله؟ إنه، إنه...
لم تعد قدماي تقويان على حملي، رباه، إنه تابوت، نعم تابوت أو شيء يشبهه، هل جاؤوا بواحد منهم؟ من هو ضياء أم علاء أم فضاء؟
سمعنا أصواتاً ثم طرق الباب بقوة أكثر من السابق.
* ا لزوجان...
نزلت مسرعاً، ولكني أحسست بقواي تتضاءل وتتلاشى، اتكأت على عصاي، أمسكت هي بيدي وحذرتني من السقوط، أحسست بها تتماسك وتقوى وهي تردد "اللهم اجعله خيراً".
ـ من هذا الذي يطرق بابنا الآن؟
توجهت نحو الباب ومنه إلى الخارج، كانت بجانبي حاولت قطع الممشى إلى الباب الخارجي للبيت.
ارتفع صوت غليظ...
ـ مساء الخير يا عم.
رددت وأنا أفتح الباب:
ـ مساء الخير يا ولدي، ما الأمر؟
رد وهو يضحك:
ـ لا شيء، نحن عمال الكهرباء، جئنا لكي نعيد النور إلى البيت.
سحب العاملان الآخران السلم الذي كان فوق السيارة والذي تصورته تابوتاً، أحسست بأني لا أستطيع الوقوف، فتهاويت إلى الأرض مصحوباً بصوت زوجتي الذي جسم أحزان الدنيا كلها بين نبراته.

((





يوم في حياة المواطن

((عبد الله المدهوش))


ـ 1 ـ
حزن بارد قاس، يسكن عقلي، ويفترس أعماقي، ويسري في عروقي، كأنه مرض عضال، لا خلاص منه ولا شفاء، حزن يدمر هدوئي، وينهش بقايا إرادتي، أحاول التحايل عليه، فلا أحقق إلا مزيداً من الألم، يضاعف ذلك الحزن، ويكثف غيومه، انثر نظراتي بين الفينة والأخرى على كل الأشياء، والتي لا أرى فيها إلا مناظر، كأن البصر قد تعود على رؤيتها ملايين المرات من قبل، أعود ثانية إلى عملي، فأجد فيه بعض العزاء، ولطالما سألت النفس: "لم هذا الحزن؟ لم هذا العذاب؟" فلا أجد إجابة تنتشلني من بعض ما أنا فيه.
وينبعث صوت أجش هازئ، يسخر مني قائلاً "لقد مضى ذلك السحر في لحظة واحدة هي كل الزمن الذي عشته، مهما امتدت حياتك، ومهما حاولت أن تملأ هذه الحياة، فلقد مضى العمر، وعليك أن تعود نفسك على تلك الحقيقة، ولعلك بعدئذ، تخلد في نهاية الأمر إلى شيء من الهدوء، هو في الحقيقة، رماد أيامك الآتية".
وأستشيط غضباً، وألعن اليأس والحزن وكل الآلام، وأشعر بأنني أتعملق وأمتد إلى كل الجهات في لحظات قليلة، ثم أصرخ بكل طاقات صوتي:
لا، لن يقتلني الحزن، ولن يأتي على ما تبقى من أيامي القادمة.
ـ 2 ـ
اليوم، ستكمل السنة ما تبقى من ساعاتها، ولحظاتها، ماضية إلى مستقرها، أو نهايتها، ها أنا أستعيد للمرة الألف، كيف حدث ذلك اللقاء الغريب، والذي تحول إلى قدر شمل كل حياتي ووجودي.
كانت ظهيرة قائظة، وكنت على وشك مغادرة محلي، عندما توقفت تلك السيارة الفارهة قبالتي، ثم نزلت منها امرأة كأنها سحابة ضوء، وقفت أمامي، بعد أن خلعت نظارتها، ومسحت وجهها بمنديل ورقي، ثم خاطبتني بدون مقدمات:
ـ أريدك أن ترافقني لتصليح أجهزة التبريد في البيت.
لم أدرك تماماً، ما قالته في حينها، فلقد كنت أعاني من حالة ضياع، تكاد أن تكون كاملة، فتحت عينيّ على سعتهما، لاحتضن صورة الوجه الرائع، بكل ألقه وكبريائه، ثم انتبهت في لحظة واحدة كأنها السحر، تساءلت:
ـ ماذا؟
خرجت من فمي، سريعة، مذهولة، إلا أنها ابتسمت، كما لو أنها أحست بما أعانيه، ثم تفحصتني، كما يتفحص الفنان شيئاً أثار انتباهه، همست:
ـ سأعيد عليك ما قلته، أريدك أن ترافقني إلى البيت، لتقوم بتصليح جهازي التبريد، كانا قد تعطلا منذ فترة وجيزة، هل هذا واضح؟
قلت بسرعة:
ـ نعم، واضح، واضح جداً.
حدقت في عينيّ ووجهي باهتمام أثار فضولي، ثم قالت:
ـ عجيب، أنت تشبهه تماماً.
ثم استطردت متسائلة:
ـ متى يمكنني المرور عليك، اعتقد أن الخامسة عصراً، وقت مناسب، أليس كذلك؟
أجبت:
ـ نعم، كذلك.
ـ سأكون في الخامسة تماماً، أمام محلك.
رفعت يدها محيية، ثم مضت مسرعة نحو سيارتها، وغابت بعد لحظات كما الحلم.
ـ 3 ـ
شرعت أنثر ساعات الزمن وأجزائه، هنا وهناك، أتحايل على الوقت، أتشاغل بالنظر إلى الطريق، أعد السيارات التي تمرق أمامي، أتأمل وجوه الناس، ثم أعود ثانية، لأوغل في أعماقي، محاولاً التخفيف عن مشاعرها وهواجسها المتلاطمة، كموج بحر هائج.
بدأت أجمع ما أحتاج إليه من الأدوات، وأضعها في حقيبة قديمة، طالما رافقتني في تأدية أعمالي السابقة، نفثت دخان أكثر من سيجارة، مخففاً بعضاً من قلقي، الموعد يقترب، ثم تتوقف السيارة، وتهبط منها سحابة الضوء ثانية، تحييني بابتسامة رقيقة، ثم تقول بصوتها الناعم:
ـ هل أنت مستعد؟
أرد عليها بسرعة قائلاً:
ـ تمام الاستعداد.
ـ هيا إذن.
تسبقني خطواتها، وأمضي خلفها حاملاً حقيبة الأدوات، أفتح باب السيارة، ثم أجلس جوارها، انطلقت السيارة بنا، وأنا ذاهل عما يحيطني، سابحاً في ذلك الجو البارد، المضمخ بعطرها النفيس، ودون أن تلتفت، تهمس:
ـ عجيب، إنك تشبهه تماماً!
انتبهت للجملة التي سمعتها من قبل، أجبتها متسائلاً:
ـ أشبه من؟
لم تكترث لسؤالي، لكنها عادت بعد لحظات تتساءل:
ـ هل هذه مهنتك منذ زمن طويل؟
ـ تعلمتها منذ صغري، كنت أدرس وأعمل.
قالت بنفس الهدوء:
ـ عظيم، وهل أكملت دراستك؟
أجبتها:
ـ نعم، تخرجت في كلية الآداب، قسم الاجتماع، منذ سنتين، لم أبحث عن وظيفة، فعملي هذا يدر عليّ أفضل من أي وظيفة.
أجابت:
ـ عظيم، عظيم.
تشجعتُ وتساءلتُ:
ـ أشبه من، من فضلك؟
أجابت وكأن الأمر لا يعنيها:
ـ تشبههُ.
قالت ذلك و صمتت، ثم ما لبثت أن استدارت، لتدخل زقاقاً، انتصبت على جانبيه بيوت فخمة وحدائق واسعة وأشجار كثيفة تحيط بتلك البيوت، أوقفت سيارتها أمام باب بيت، بدا لي كالخيال، أشارت إليّ، ثم قالت:
ـ ابق مكانك.
توجهت إلى باب البيت، فتحته على مصراعيه، ثم رجعت إلى سيارتها، لتمرق كالسهم خلال الممر الطويل.
شملت نظراتي الحديقة الواسعة، والمتناسقة، وكذلك خضرتها الداكنة، قطعت عليّ تأملاتي قائلة:
ـ تفضل.
فتحت باب البيت، دخلتُ وراءها، توقفنا أمام صالة كبيرة، كانت مفروشة بذوق يدل على الرفعة والتناسق، ثم أشارت إلى جهاز التبريد، وقالت:
ـ هذا.
توجهت نحو الجهاز، أدرت مفتاح التشغيل، فأنهمر هواءه كالشلال، فحصت المقياس، ثم مررته على درجات البرودة، فوجدته صالحاً هو الآخر، قلت في نفسي متسائلاً: "الجهاز على أفضل ما يكون، إذن، ما السر يا ترى وراء كل ذلك؟"
أبقيت الجهاز مفتوحاً، ونظمت درجة برودته، ثم جلست على أحد الكراسي القريبة مني، تطلعت في أرجاء تلك القاعة الباذخة، لم أسمع حركة في البيت، تدل على وجود أحد فيه، سوى صوت المكيف الذي بدأ يهدر، تملكتني رغبة في أن أمضي إلى الباب، وأسرع بالخروج من هذا المكان، في تلك اللحظات التي هممت بها فعلاً أن أمضي من حيث أتيت، دخلت هي إلى القاعة، وبادرتني قائلة:
ـ آسفة، تأخرت بعض الوقت.
كانت تحمل صينية فيها قدح عصير، قدمته إلي، فشكرتها، ثم جلست قبالتي صامتة، قلت وأنا أحدق في عينيها:
ـ الجهاز يعمل على أفضل وجه، ولا يوجد به عطل.
ردت بغير اهتمام متسائلة:
ـ هل هذا معقول؟
أجبتها:
ها هو أمامك.
لفنا صمت، أحسسته ثقيلاً عليّ، ارتفع صوتها:
ـ يبقى إذن الجهاز الآخر
ـ أين هو؟
انتصبت واقفة وهي تقول:
ـ تفضل معي.
مشت أمامي، لحقت بها، تسلقت السلم برشاقة، وقفت أمام باب دفعتهُ بلطف، انفتح على غرفة نوم باذخة، لفت انتباهي صورة رجل كبير السن، معلقة على الجدار المقابل، أشارت بيدها إلى الجهاز وقالت:
ـ هذا هو، تفضل.
توجهت نحو الجهاز، أمسكت مفتاح التشغيل، أدرته، انبعث هواءه بارداً وسريعاً، التفت كي أقول لها أن الجهاز سليم، لكنني لم أجد لها أثراً، تتابعت دفقات جهاز التبريد، فبدأ جو الغرفة بالتغيّر شيئاً فشيئاً، كانت هناك مجموعات من التحف، نثرت بسخاء في أرجاء الغرفة، وكان سرير النوم يتوسطها، لمحتُ صورتي بالمرآة الكبيرة، تخللت أصابعي شعر رأسي، كانت لحظات حرجة، تلك التي تتابع منذ دخولي هذا البيت، ثمة مشاعر تتدفق في الأعماق، هي مزيج من القلق، والخوف، والترقب، تساءلتُ:
ـ هل يعقل أحد، أن تعيش شابة رائعة كهذه، وحيدة، في بيت بهذا الحجم والاتساع؟ ثم إذا كان أحد معها، فأين هو؟
ساورني شعور بأن هذه الشابة، اصطادتني اصطياداً، وها أنا أقبع في الفخ!
في هذه الآونة، كانت قد ظهرت ثانية بملابس شفافة، وبيدها كأس مترعة، تقدمت نحوي باسمة الثغر:
ـ خذ.
دفعت إلي بالكأس، في تلك اللحظات أحسست بعطش الدنيا يفترسني، تناولت الكأس، ابتسمت وقالت:
ـ الجهاز على أفضل ما يكون.
هزت رأسها وقالت كأنها لا تدري:
ـ عجباً، كيف ذلك؟
قلت:
ـ ها هو أمامك.
في هذه الآونة ناولتني صورة صغيرة، نظرت إليها مدققاً، تساءلت:
ـ من هذا؟
قالت بجد:
ـ أنت!
هززت يدي التي تحمل الصورة، وضحكت، قلت:
ـ أنا؟
أجابت:
ـ نعم، ألا ترى أنه يشبهك؟
تأملت الصورة ثانية، رأيت شاباً في الثلاثين من عمره، عادي الشكل تماماً، وبفكين كبيرين، مددت أصابعي، أتلمس فكيّ، وقلت:
ـ لا يمكن أن أكون شبيهاً بهذه الصورة!
ارتفع صوتها وهي تتساءل:
ـ لماذا أيها المحترم؟
ببساطة قلت:
ـ إني أجمل بكثير من هذا الشكل الموجود في الصورة.
مدت يدها، وسحبت الصورة من يدي قائلة:
ـ هكذا إذن، تفضل معي.
خرجت من الغرفة، لحقتُ بها إلى غرفة جانبية، دخلتها، فدخلتُ بإثرها، كانت تتوسط الغرفة مائدة طعام، صفت عليها بعض أطباق من الحلوى والمقبلات الأخرى، وبرز من بين الصحون الكثيرة، زجاجة شراب تحيط بها بعض الكؤوس الصغيرة، مدت يدها، رفعت الزجاجة، ثم صبت سائلها في قدحين، قدمت لي واحداً منها، أشارت إلى أحد الكراسي القريبة، قالت:
ـ تفضل، اجلس.
بعد لحظات، رفعت كأسها محيية، فرفعت أنا الآخر كأسي، رداً لتحيتها، كان السكون شاملاً، وكنت أحاور نفسي "لو حدثتُ أحداً عما يحصل لي في هذه الآونة، فهل ثمة من يصدقني؟ لسوف أركب الموجة حتى النهاية". قطعت عليّ خيط تداعياتي، قائلة وهي تبتسم:
ـ غريب، لم نتعارف لحد الآن!
حدقتُ في عينيها الواسعتين، لمحتُ في عمقيهما أشياء كثيرة، قلتُ مجاملاً:
ـ مهما يكن، فإنني أتشرف بمعرفتك.
بدا تأثير الشراب واضحاً عليها، فلقد تخففت بعض الشيء من هدوئها السابق:
ـ الاسم، من فضلك.
أجبتها مداعباً، ومتجاهلاً سؤالها:
ـ إنك تذكرينني بامرأة أكنُ لها إعجاباً كبيراً.
ـ هل هي حبيبتك؟
ضحكت، ثم داعبتها قائلاً:
ـ عرفيني باسمك، وسأقول لك من هي هذه المرأة.
أجابت بعذوبة:
ـ اسمي عطري.
هتفت:
ـ الله، إنه اسم غريب ورائع، عطري من العطور ومفرده عطر.
أردفت:
ـ ها، من هي هذه المرأة؟
قلت بجد:
ـ كليوباترا!
ضحكت طويلاً، ثم قالت:
ـ ما الذي ذكرك بها؟
على الفور أجبت:
ـ في وجهك شيء يذكر بالجمال الفرعوني، لذا سأناديك باسم كليوباترا مع اعتزازي باسمك الذي تحملينه.
ـ لم أعرف بأنك محدث لبق.
ـ تأكدي، إنني أقول الحق فقط.
صبت كأساً أخرى، رفعتها إلى فمها، ثم قالت:
ـ تذكر، إنني لم أتعرف على اسمك حتى اللحظة!
بلهجة مرحة، أجبتها:
ـ عزيزتي كليوباترا، اسمي المواطن عبد الله المدهوش.
ارتفعت ضحكتها ثانية، وبدت تأثيرات الشمول عليها واضحة، أحسست أنني أتخفف كثيراً، وأزيح ترددي بثقة وسرعة، قالت:
ـ لسوف أدعوك باسم انطونيو، هل يرضيك هذا الاسم؟
ـ جداً.
ناديتها منغماً الكلمة:
ـ كليوباترا...
فردت من بين ضحكتها الساخرة:
ـ أي حلم من لياليك الحسان.
ثم قالت:
ـ تذكر، إنني قارئة جيدة، كنت في الصف الثالث في قسم اللغة العربية، وتركت الكلية في حينها.
لماذا لا تأكل؟
ـ إنني أأكل فعلاً. كم الساعة الآن يا ترى؟
ـ حدقت لحظات في وجهي، سألتني باهتمام:
ـ هل تحترم الزمن؟
ـ وهل يستطيع أحد أن يتجاهل هذا البعد الرهيب؟
فهمست كما لو كانت تحدث نفسها:
ـ أما أنا، فإنني استلقي خارج الزمان والمكان.
ثم تساءلت:
ـ بودي أن ترد عليّ بقناعة كاملة، ما أجمل الأشياء في هذه الحياة؟
بدا لي إن كلماتها تتساقط متثاقلة، قلت:
ـ لا أستطيع الإجابة عن سؤال كهذا.
ـ لم؟
ـ لأنه لا يمكن حصر الأشياء الجميلة في هذه الحياة.
ـ هكذا إذن.
ـ هل لديك اعتراض على ما قلت؟
لم تجب، لكنني قطعت الصمت الذي ران علينا:
ـ لو سألتك نفس السؤال، فبماذا تجيبين؟
قالت بسرعة:
ـ الحزن!
ـ لماذا الحزن؟
ـ من الأحزان تنبع كل أنواع السعادة التي يحس بها الإنسان، لا تستطيع أن تتذوق أي شيء جميل، إذا لم تعرف فعلاً طعم الحزن.
قامت متثاقلة، وكان الهدوء شاملاً، كأنه ستارة شفافة تغلف وجودينا، التفتت إليّ قائلة:
ـ خذ راحتك، أما أنا فسأحاول أن أنام قليلاً.
كالحلم مضت خارج الغرفة، بقيتُ وحيداً ورأسي ثملة، قلتُ "أفضل ما أفعله هو أن أغسل رأسي بالماء البارد". كان الحمام قريباً مني، خرجتُ بعد قليل أكثر هدوءاً، ومضيتُ إلى ستارة الشباك، أزحتها قليلاً، نظرت خلال الزجاج، ترامت الحديقة أمام بصري واسعة ورؤوس أشجارها تنوس بهدوء، تساءلت "آه، لو أعرف كم الساعة الآن؟".
الوقت يمضي، وثمة وسن يداعب الجفون، مضيت إلى حجرة النوم، أخذت مكاني إلى جانبها، لا أدري كم مضى من الوقت، حين استيقظت كالمذعور، ثمة صداع خفيف، يربك لحظات الهدوء التي تحيطني، مضيت مسرعاً إلى الحمام، غسلت وجهي ورأسي، ثم التقطت بعض حبات من العنب، ورجعت إلى الغرفة ثانية، كانت هناك آثار دماء على يدي، ابتسمت بألم وأنا انظر إليها وكلماتي تتساقط في أعماقي "أيتها النمرة المفترسة".
أحست بي، فنهضت، مسحت وجهها بيديها، ثم عدلت شعرها الذي انسدل على كتفيها بغير انتظام، مضت خارج الغرفة، وعادت بعد دقائق قلية، كانت أكثر إشراقاً، ابتسمت قائلة:
ـ سنشرب القهوة ثم نمضي.
بهدوء أجبت:
ـ كما تشائين يا عزيزتي.
أبدلت ثيابها بسرعة، قالت:
ـ هيا.
ـ لو أعرف كم الساعة الآن؟
نظرت طويلاً في وجهي، ثم قالت بابتسامة رائعة:
ـ أنطونيو، لعنة الله عليك!
أجبتها ممازحاً:
ـ شكراً على هذا الإطراء يا عزيزتي كليوباترا.
ـ 4 ـ
انطلقت السيارة بنا في شوارع هادئة، كانت ساعة السيارة تشير إلى الخامسة صباحاً، بدأت الحياة تدب في الشوارع، تأملت كل الأشياء التي تقع تحت بصري، التفت إليها، خاطبتها:
ـ لسوف يكون هذا اللقاء الذي تم بيننا، ذكرى لا يأتي عليها الزمن.
ثم برجاء قلت:
ـ هل سنلتقي ثانية؟
وهي تحدق في الشارع المنسحب تحت عجلات سيارتها:
ـ دع كل ذلك للصدفة.
توقفت السيارة قريباً من باب محلي، ابتسمت قائلة:
ـ بلا وداع.
رفعت يدها محيية، وانطلقت ثانية، بأقصى سرعة، لتغيب بعد لحظات في عمق الشارع الممتد أمامها، كأنه بلا نهاية.
كنت ما زلت تحت تأثير أحداث الليلة الماضية، أشرت إلى سيارة أجرة، ركبت بجوار السائق، أعطيته العنوان، وجدت والدتي تنتظرني عند باب البيت، سألتني صارخة:
ـ أين كنت يا هذا؟
أجبتها:
ـ كنت موقوفاً في مركز الشرطة، لأنني بلا هوية!
2/12/2001
((





تعامل


علي أن أجد حلاً مع هذا اللعين قبل فوات الأوان.
قال ذلك بصوت سمعه أبو رائد، الذي كان يجلس بجانبه وهو يتهيأ لشرب شايه، فخاطبه متسائلاً:
ـ أبو يوسف عن أي شيء تتكلم؟ هل هناك ما يشغلك؟ هل أستطيع أن أساعدك في عمل شيء ما؟مد يده ليثبت حزامه على دشداشته الواسعة قائلاً:
ـ لا، لا كنت أتكلم مع نفسي.
كان جو المقهى هادئاً، إلى حد ما، ربما لأن الوقت كان يقترب من الثانية بعد الظهر، في هذه الآونة يغادر كثير من رواد المقهى إلى بيوتهم وتبقى حلقات لاعبي الطاولة والدومينو التي تسمع أصوات قطعها وهي ترتطم بالمناضد التي عليها مختلطة بأصوات ضحكات محشرجة أو أصوات توسلات تناشد الزار أن يأتي بما يريد اللاعب.


وقف أبو يوسف أمام عدة الشاي، في أقصى المقهى، ودار وجهه حيث رد السلام على أحد القادمين، بدأ يستعد ليملأ قدح الشاي لكي يقدمه إليه.
عندما رجع ثانية جلس على كرسي بجانب الباب الذي يؤدي إلى غرفة صغيرة، كان يستعملها أبو يوسف مخزناً وأحياناً ينام فيها إذا تجاوز الوقت منتصف الليل.
لمحه من خلال زجاج واجهة المقهى وتساءل:
ـ أليس له أهل؟ أم، أب، يسألون عنه أو يهتمون به. كيف يتركونه ضائعاً في الشوارع وفي هذه الظهيرة القاتلة الحر؟ أجزم أن هذا الطفل سيكون مجرماً (خطيراً) في المستقبل، علي أن أسلك معه طرقاً جديدة كي أصادقه وإلا.... لمحه يدخل المقهى فأشار إليه، تقدم الطفل نحوه، وقف أمامه:
ـ كيف الحال يا هاشم، قال أبو يوسف، فرد عليه الطفل:
ـ ماذا تريد؟
ضيّق أبو يوسف عينيه وتصفح هذا الوجه الغريب، رأى عينيه تدققان النظر في كل شيء أمامه، وجهه أسمر. لفحته شمس قاسية فبانت آثارها واضحة على يديه وصفحة وجهه كان شعره أشعثاً ومنامته ممزقة في أكثر من مكان.
ـ هاشم، هل تشرب شاياً. سأصب لك، قاطعه:
ـ لا، أريد حامضاً.
ـ اجلس، سأصب الحامض.
ارتفع صوت من أقصى المقهى:
أبو يوسف.. شايك عيني شايك
رد عليه: لحظة من فضلك
ـ هاشم متى يبدأ الدوام في المدرسة؟
رد الطفل بلا مبالاة واضحة:
ـ لا أدري
ذهب أبو يوسف ليقدم الشاي للزبون الجديد ثم رجع مسرعاً وخاطب الطفل:
ـ اسمع هاشم هل تعمل في المقهى تنظف الأرض والمناضد وسأعطيك...
رد عليه بغضب:
ـ لا أريد أن أعمل عندك.
ـ أنت مثل ابني


رد عليه ثانية
ـ ولماذا لا يعمل ابنك معك؟
لعن أبو يوسف في سره هاشماً.
ـ إذن لماذا ترمي الحجارة على المقهى؟
قال الطفل باستغراب
ـ أنا لم أرم أي حجارة نحو المقهى.
ـ آه، يا ابن اللعينة.
قام هاشم يريد الخروج، فقال له أبو يوسف:
ـ كن عاقلاً
سوف تفتح المدارس وتذهب لتكمل دراستك. أنت في أي صف يا هاشم؟
ـ في الصف الرابع
أية مدرسة أيها اللعين تستطيع أن تربيك وأي معلم يستطيع أن يتحمل عدوانك هذا؟)
كانت مشكلة أبو يوسف أن هاشماً يرمي الحجارة على أي شيء أمامه بل وأحياناً يستعمل مصيادة من الخشب الصغير ليرمي بها من يشاء دون اعتبار لكبير أو صغير، وكم من مرة أصابت حجارات صغيرة واجهة المقهى أو رأس أبي يوسف، وفي أكثر من مرة كان أبو يوسف يلحق بالطفل ويعنفه وأحياناً يمسكه من أذنيه وعندما ضربه مرة قال له هاشم:
ـ سوف أعلمك...
كانت فرصة جيدة أمامه ليحسن علاقته مع الطفل ولكنه انصرف إلى زبائنه وإلى مقهاه.

(2)
المساء يتثاءب بكسل والمقهى بالجالسين أو الخارجين أو الذين يقفون ببابه، كان أبو يوسف يقدم شاياً لأحد رواد المقهى عندما صاح.
ـ آخ.
نظر إليه فوجده يبتسم ابتسامة شيطانية، قال محبطاً:
آه لو أستطيع أن أكسر ساقيك يا هذا، ولكنك لن تفلت من عقاب قريب، حك رأسه في المكان الذي ضربته الحجارة الصغيرة، ومضى يلعن هاشماً والحظ الذي جاء به وعائلته إلى هذه المنطقة.
نظر أبو يوسف إلى مصابيح الكهرباء، ووجدها تتوهج بقوة تارة وتضعف تارة أخرى، قال في سره: علي أن أحضر الشمعات الآن خوفاً من انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ. في هذه الآونة انقطع التيار الكهربائي، فأشعل أبو يوسف شمعتين كانتا مثبتتين على منضدة أمامه، على وهج النار المتراقص نظر إلى باب المقهى، فرأى الطفل يدخل إليها ثانية أشار له:
ـ أخرج.
ولكنه ظل يتقدم نحوه وقف أمام المنضدة، استدار أبو يوسف بسرعة وأمسك بأذنيه:
ـ لماذا تضربني يا لعين؟ إن فعلتها ثانية فسوف أقطع أذنيك.
بسرعة فاجأ الرجل، نفخ الطفل على الشمعتين فأطفأهما، ثم رفع إحدى الشمعتين ورمى بها نحو قوري الشاي الكبير وانفلت مسرعاً نحو باب المقهى، بعد دقائق عاد التيار الكهربائي فأضاء نور مصابيح المقهى ثانية، ظل أبو يوسف يتميز غيظاً لا يساوره أي شك من أن عقاباً (شديداً) لا بد أن يناله هذا الطفل كي يوقف عدوانه.
كان عليه أن ينظف القوري من الشاي الذي أتلفه الشمع وأن يشرف على خدمة رواد المقهى.
كان أبو يوسف يراقب باب المقهى بحذر شديد وهو يتطلع إلى اللحظة التي يدخل فيها هاشم إلى المقهى، قرر أن يعاقبه. رآه يستعمل مصيدته فقام من مكانه وخرج من باب المقهى، رآه الطفل يتقدم نحوه إلا أن أبا يوسف توقف ثم رجع إلى مقهاه، خشي أن يمسك الطفل في الشارع، فيتعرض إلى لوم الآخرين، عليه أن ينتظر... أن يدخل هاشم إلى المقهى ليعاقبه العقاب الذي يستحقه، رآه يدخل المقهى وهو يحمل بيده علبة سكائر مفتوحة يعرض على الجالسين لفائفها كي يشتروا منها توجه أبو يوسف نحوه وقال له:
ـ أخرج
نظر إليه الطفل، ثم قال له:
ـ أريد شاياً.
غمغم أبو يوسف (هذه فرصتي: تعال يا عزيزي، تعال معي ستشرب الشاي الذي يزهق روحك وروح الذين خلفوك) سحبه إلى الغرفة الصغيرة التي يستعملها أبو يوسف مخزناً لعدة شاي المقهى، سد عليه الباب، ضربه حتى كلّ أبو يوسف، نظر إليه فوجده واقفاً لا يبكي، لا يصرخ، لا يتكلم، بصق في وجه الطفل وسد الباب عليه وخرج، جلس أبو يوسف على كرسيه متعباً وهو ينظر إلى باب الغرفة الصغيرة قال مخاطباً نفسه (أخشى أن يفعل شيئاً داخل الغرفة، يكسر استكانات الشاي، أو يفتح كيس السكر ويغطي به الأرض) قام متثاقلاً وهو يتأفف أيها الكلب.
فتح باب الغرفة الذي أغلقه قبل قليل بالمفتاح، فوجد الطفل مقرفصاً في زاوية منها، خاطبه بلهجة لاذعة وأمره في آن واحد:


ـ هيا أخرج، إذا فعلت في المرة القادمة ما يسيء سأكسر رأسك، هيا أخرج.
قام الطفل بهدوء، توجه نحو باب المقهى، وقف منتصباً بثقة كاملة، أخرج مصيدته ووضع فيها نواة صغيرة ورمى بها نحو أبي يوسف، ثم استدار ومضى لا يلوي على شيء.

العدد 1250 الأربعاء 15/1/2003.

((





إنه المطر


خلل زجاجتي نظارته الطبية، راقبها باهتمام مشوب بالقلق والحذر، انزلقت نظراته عليها، كما لو كان يراها لأول مرة، سرت في أغواره مشاعر شتى، تخيلها تتحول إلى غيمة معتمة، تغطي سماء روحه المعذبة، وتسكن أقصى زوايا نفسه. كانت منشغلة عنه، منصرفة لعملها، تنحني لتلصق قرص العجين داخل التنور الملتهب، ووجهها يتألق ويتوهج مع الحرارة المتصاعدة من فتحة التنور، تأخذ فسقة أخرى، تفرشها ثمَّ تزرعها داخل الفوهة المتأججة والتي مازالت تطلب المزيد، تنحني ثانية، تسحب رغيفاً ناضجاً عيناها تتألقان وتكونان مع الوجه الساحر، صورة تفجر في أعماقه خوف الدنيا بأجمعه. أمَّا هذا الجسم اللدن، الذي لم يفقد حيويته طوال السنوات الماضية والتي انسربت من عالمه كما الخيال، فقد عرف يوماً كل أسراره، وأذاب في رحابه دفق الشباب وهوسه، والذي يبدو لـه الآن حلماً يحاول التخلص من تأثيراته المرعبة عليه، أية كلمات احتاجها لكي أقول لك ما أحس به، أعرف أنك على علم بما أعانيه، ولكن غموضك يقتلني، أنه العذاب الذي يعبث بي ويدمرني، وأقسى من ذلك تلك الأيام التي أمضيتها في ذلك (المشفى) الكريه، بعد أن دهستني سيارة، وكادت أن تودي بحياتي، عطلت أفضل وأجمل ما في وجودي، أفقدتني قدرتي في ممارسة حقي الطبيعي كرجل مثل بقية الرجال. تحولت بعد تلك الحادثة إلى شيء أهملته الحياة، حاولت مراراً أن أتسلق أحزاني صاعداً إلى سماوات جديدة، أطل منها على أفق جديد، ابدأ رحلتي ثانية منه، لكنني كنت أحبط في نهاية كل محاولة، ليس هناك، في كل هذه الدنيا، ما يستطيع أن يعوضني منك، أنت سمائي، وأنت واحتي، ترى أتحسين عذاباتي، كما أحسها أيتها السيدة التي ظلمتها معي؟ نبهه صوتها وهي ترمي إليه رغيفاً حاراً:
ـ هاك، أمسك:
رفع يديه المعروقتين، أمسك برغيف الخبز، وضعه فوق الصحيفة التي كانت يتشاغل بقراءتها، رد هامساً:
ـ شكراً.
ـ أعرف أنك تحب الخبز الحار.
ابتسم ابتسامة رضية، ثمَّ أردف:
ـ مضى زمن السعادة الحقيقية.
أجابته وهي منشغلة بعملها.
ـ يوم ما، سنعوض كل ما فات، المهم صحتك.
أخذ قطعة من الرغيف، وضعها في فمه، رآها تهش بعض دجاجات اقتربت منها، قالت بلا اهتمام:
ـ ما الأخبار هذا اليوم؟
أجابها، وهو يرفع الصحيفة أمام عينيه، قائلاً:
أخبار الانتفاضة مستمرة. صمت قليلاً ثمَّ أكمل:
ـ الزوراء يتغلب على القوة الجوية بهدفين نظيفين.
رفعت رأسها، لاح بريق أخاذ في العينين المتوهجتين، انفرجت أسارير وجهها ثمَّ انطلقت في ضحكة عالية.
قال مأخوذاً بسحرها:
ـ إنك تسعديني بهذا الفرح الغامر، الذي يبدو عليك، اللهم زد وبارك.
ـ ألا تعلم بأني أشجع الزوراء، يعني أنا زورائية، وأنت من تشجع؟
فاجأه السؤال، لم يدري كيف يرد عليها، لم يهتم يوماً بهذا النوع من الرياضة، كان الكتاب عالمه الذي أحبه منذ صغره، قال مداعباً:
ـ أشجعك أنت، أنت رياضتي وفرحي وسعادتي.
أرتسم على صفحة وجهها المتورد، وجوم مفاجئ، ابتعدت نظراتها عنه، ثمَّ عادت ثانية لعملها. كمن أصابه مس من الجنون، انفجرت كل البراكين الخامدة في أعماقه، استحال إلى لهيب مدمر، نشر الصحيفة أمامه، غطى بها نصفه الأعلى، كي لا تتنبه لما يعتمل في عالمه المتفجر الآن. هتفت أعماقه بشوق مجنون، قولي لي يا امرأة، قولي شيئاً مازلت بحاجة إلى شموسك كي تذيب جليد روحي، وتظهر لك وجهي القديم، بكل ألقه وعنفوانه، وجهي القديم المشرق بحبك، وجهي الذي رسمت على أديمه كل سنوات عمرك، بآمالها الكبيرة، وأمنياتها المتألقة، كلماتك التي لم أنس شيئاً منها وأنا في قمة ألمي، عندما يتحول العالم في لحظات إلى هشيم وعدم، كنت أسمعهم يقولون (أن الصدمة عنيفة، لقد قاسى كثيراً، أنه لا يستطيع الكلام، يحتاج إلى راحة، أنتم لا تعرفون شيئاً عن عواصف ألم ممضة, كانت تتسرب إلى أعماقي، تسلبني القوة والإرادة، وتغتال ذلك الرجل الذي كنته في يوم ما).
جرس الهاتف يقطع تداعياته، ينهض متثاقلاً، ويتجه إلى داخل البيت، دقائق قليلة، عاد بعدها إلى كرسيه، لم تسأله عن الشخص الذي هاتفه، إلا أنه بادر إلى القول:
ـ إنها طيبة، تقول إنها ستتأخر، لأنها ستذهب مع زميلاتها لزيارة صديقة مريضة.
تساءل بعد مدة صمت قصيرة.
ـ ألم ينتهِ عذابك بعد؟
قالت بحيوية:
ـ لم تبق سوى هذه.
وانحنت تلصق قرص العجين على سطح التنور الداخلي، سمعته يقول وكأنه ينشج:
ـ إنني متعب، إنني هشيم.
استدارت ثمَّ تقدمت نحوه، وضعت وجهه بين كفيها الدافئين، تشمم عن قرب رائحة جسدها بعمق، وضع رأسه على صدرها، سمعته ينتحب، خاطبته بقوة:
ـ لا أحب هذا الضعف فيك، اصمد، لقد عرفتك دائماً قوياً ومتجاوزاً.
قاطعها:
ـ إنني أبكي من أجلك يا سلوى، أعرف مدى معاناتك و..
ثانية تقاطعه قائلة:
ـ لا تفعل هذا ابداً، ثق، سكون كل شيء على ما يرام، ولكن مع الصبر والأمل والتصميم، ثمَّ لم تقل لي، ماذا أخبرك الطبيب؟
ـ قال أنها مسالة وقت، ونصحني بتناول الأدوية التي وصفها لي، أتعبتك كثيراً، ليتني مت.
ـ أرجوك كف عن كل هذا، أنا على ثقة من أنك ستكون على ما يرام تماماً.
عادت ثانية إلى تنورها، جمعت أرغفة الخبز، وضعتها في السلة، ثمَّ مضت إلى داخل البيت.
ظل ساكناً في جلسته، يراقب خضرة الحديقة وأشجارها التي بدأت تورق من جديد، اجتاحته موجة فرح طاغية، أنها الحياة تتفجر من جديد في شرايين الكون كله، هتف بفرح الأطفال:
ـ إنه المطر، إنه المطر.
انفلت إلى وسط الحديقة، فاتحاً ذراعيه، اسلم نفسه إلى القطرات التي بدأت تهمي عليه بلا انقطاع.

((





أبديات أزلية


وجدتني ضائعاً، وحزيناً في خضم أحداث ألمت ببيتنا، وأحاطت بحياتنا، لتحيلها رماداً غطى الوجوه والنفوس بغلالة من الكآبة المعتمة، حتى الفرحة التي كنت سأحتضنها في دواخلي، لمدة طويلة، فرحة نجاحي في الامتحانات العامة، وآمال الدراسة في الجامعة، والتي بذلت من أجلها الكثير من الجهد المضني والمستمر، طوال أيام العام الدراسي، كل هذه الأمنيات وتلك المشاعر، وجدت لها مستقراً، فانزوت ساكنة منكسرة في تلك الأعماق التي غمرها الأسى، وأنشب العذاب أنيابه فيها، كوحش مفترس.
لم تفارقني صورة عمي، وهو يغادرنا ملفوفاً بالعلم، كان عزيزاً علي، وكريماً معي، كنت أعتبره، وعمي ماجداً، صديقين لا غنى لي عنهما، وكان خالد قد تزوج منذ مدة ليست طويلة، التحق بعدها بوحدته العسكرية ليمضي إلى نهايته غير المتوقعة، وبهذه السرعة الغريبة. والتي لم تكن تخطر على بال أحد منا.
قرر أبي أن يبقي زوجة أخيه معنا. وأن تكون جزءاً أصيلاً من العائلة، رحب عمي ماجد برأي أبي، واعتبره عين العقل والحكمة، من غرفتي في الطابق الثاني، كنت أتأمل ما يجري أمام ناظري، ثمة مشاعر تفترس الروح، وتنشر بين مساماتها قلقاً، طالما كان يتعبني ويؤرقني. أبي بعصبيته المستمرة، وغضبه المدمر، بدأ أقل تهيباً، واهدأ حالاً من ذي قبل، كنت في أحيان كثيرة أقف بينه وبين والدتي، أدرأ عنها تجاوزاته غير المبررة، وكنت أتلقى ضرباته بهدوء، حتى ينفث آخر ما يتبقى من ذلك الجنون الذي يحوله في لحظات إلى كائن آخر لا صلة له بالأصل البتة، ثمة قلق جديد، بدأ يضرب في صحراء روحي، ويوغل في ليل أعماقي، كانت صحة والدتي تتردى، دعوتها أكثر من مرة وبإلحاح لزيارة الطبيب، إلا أنها رفضت بعناد الذي يريد أن ينتحر قائلة:
(لا أريد لهذا العمر أن يمتد بي طويلاً، دعني أغادر هذه الدنيا غير آسفة عليها).
هكذا إذن سيدي الوالد، تحولت إلى سبب أكيد ومهم لنشر التعاسة والآلام في ربوع هذا البيت الذي ربما لا يستحق ما لحق به من عناء ودموع.
كانت (علياء) زوجة المرحوم خالد، قد بدأت مرحلة جديدة من حياتها، إنها الآن حامل. لكنها لم تتغير كثيراً، بقيت صامتة وغامضة، تغور أسرار الدنيا في عينيها الواسعتين، لا يعرف أحد ما يجول في تلافيف عقلها، ثمة ابتسامة باهتة مرسومة على شفتيها الرقيقتين، لا أجد لها تفسيراً لطالما ذكرتني بابتسامة (الموناليزا) أكثر من مرة لمحت ماجداً، يحاول التقرب إليها، أو مداعبتها، وحتى أنت يا أبي، أرى في عينيك ما يعلن عن شغفك بها، ورغبتك في امتلاكها، لقد رأيتها، تشيح بوجهها عنك، في هذه الآونة، كان وقتي موزعاً بين دراستي في الكلية، وبين العمل في محل والدي لبيع الأقمشة، هذا الواقع كان يتعبني، إلا أنني وجدت فيه بعضاً من الراحة، التي كنت بحاجة إليها، لأنه يبعدني عن جو البيت، الذي بات يشكل الهم الكبير، من بين كل ما أشعر به، وأتألم منه، ها هي والدتي تذوي وتنهار، ثم تتلاشى ببطء، كانت تعاني بصمت قالت لي إنها سترحل مطمئنة علي، غسلت يديها وجبينها بدموعي، لفظت أنفاسها بهدوء، وعيناها تحدقان بي، ويداها تمسكان بيدي، حزنت عليها بكل ما أوتيت من طاقة، ما زالت صورتها الحبيبة، لا تفارق خيالي، دفعني حزني وشعوري بضياع أثمن ما في هذا الوجود، إلى الابتعاد عن أبي، لم أكن ألتقيه، إلا لماماً لا أطيق التحدث معه، اعتبرته المسؤول الأول عن عذاباتها وأحزانها، ورحيلها المبكر، تمر أيامي صامتة بطيئة، بدا لي البيت كأنه مقبرة، أحاول الهروب منه قدر ما أستطيع، لا أكاد أعود إلا في وقت متأخر، كي لا أرى أحداً، أو أتحدث معه، انقطعت صلتي بالبيت، وكان يداهمني شعور مريع بالغربة، في هذا الجو المكفهر، وضعت علياء ابنتها، لا أعرف من أسماها (خالدة) كان عمي ماجداً، يحاول أن يكون أكثر قرباً من علياء. وكنت ألمح عليه سيمياء الفرح والبهجة، حدست أنه يهيئ نفسه لمرحلة جديدة، شهور قليلة مرت أعلن رغبته في الزواج من علياء.
جرى كل شيء بهدوء وسرعة، بعيداً عن أي مظهر من مظاهر الفرح المتعارف عليها في مثل هذه المناسبات، دخلت علياء ثانية حياة جديدة بنفس الهدوء والغموض اللذين عرفا عنها. ثمة تساؤل يلح علي، إلى أين تمضي بناء الحياة؟ لم أجد جواباً لسؤالي هذا، يبدو أن أبديات الحياة، أزلية فعلاً، ولسوف تستمر، ما استمرت الحياة ذاتها، مضيت في طريقي، أدرس وأعمل في محل والدي، الذي انقطع عن المجيء إليه منذ مدة طويلة، بدا منطوياً على نفسه، يحاول الابتعاد عنا جميعاً، كان جو البيت أكثر هدوءاً، وكانت علياء تقوم بدور سيدة البيت، والحريصة على من فيه، ألمح في عينيها، والحريصة على ما فيه، ألمح في عينيها، ما يثير في نفسي قلقاً وخوفاً معاً ستأتي به الأيام القادمة، مازلت وحيداً، تمضي أيام عمري صامتة ساكنة، تحمل في ثناياها أصداء أحداث لا أستطيع التكهن بها، والتخلص من هواجسها.
في مساء كئيب وحزين، كنت أطالع آخر صفحة من رواية، أعيد قراءتها بين أوقات متباعدة، توقفت عند جملة تثير في أعماقي أسئلة كثيرة، يقول بطل الرواية المأزوم (معذرة يا صديقي، كأننا لا نفهم حقائق الأماني إلا في أخريات العمر).
أتساءل بحرقة، لماذا علينا أن لا نفهم هذه الحقائق، إلا في أخريات العمر؟ ولماذا لا نفهمها، ونحن في عز الشباب أو بداية مرحلة الكهولة؟ لماذا أيها المأزوم؟ لماذا في أخريات العمر؟
في تلك اللحظات الغارقة ما بين قلقي وتساؤلاتي المضنية، فتحت باب غرفتي، رفعت رأسي، شخصت إليها، كانت تحمل بين يديها صينية مليئة بالفاكهة، وقفت صامتة، وعيناها توزع نظرات تختلط فيها الرقة والصرامة، على كل جنبات الغرفة، ثم استقرت على واجهة المكتبة، وقفت أواجهها، أخذت ما كان بين يديها وضعته على منضدة قريبة، ثم تمتمت بالشكر، فتحت عينيها على سعتهما، سلطت نظراتها المفترسة علي محاولة في ذات الوقت الاقتراب مني رويداً رويداً، إنها الآن تلامسني، تضع يديها فوق كتفي، أنفاسها الحارة تلهب وجودي، همست بصوت خلته كالفحيح: (وإلى متى ستبقى بعيداً عنا يا سرمد)؟
تأملت وجهها كادت أن تأخذني المفاجأة بعيداً، حاولت أن استرد وبسرعة بعضاً من هدوئي، رأيت وجهها يربد كالبحر الهائج، ثم يكتسي بحمرة عميقة، رفعت يديها عن كتفي، انسحبت إلى الخلف بهدوء، وهي ما تزال تسلط علي جحيم نظراتها، انسابت أخيراً من الغرفة، وأغلقت الباب وراءها، امتلأ جو الغرفة بما تخلف من عطرها الأنثوي، نهضت ثانية كالممسوس،حدقت في الفراغ الذي أحاط بي، ثم انفلت خارجاً من البيت، راعتني سحنة والدي، وهو يتفرس بي كأنني فارقته منذ دهور، عندما عدت إلى البيت في ساعة متأخرة، من تلك الليلة، كان كل شيء قد انتهى، قال لي أحدهم، إن عمي ماجداً قتل! شهقت، اختنقت بحزن كثيف، ملأ صدري، تحاملت على ألمي، دخلت البيت أتأمل الوجوه بعيون متسائلة، ما الذي حدث؟ لماذا هذا البيت المنكود بالذات؟
كما الحلم غادرنا عمي، لاحقاً بأخيه خالد، بعد مشاجرة بين أصدقاء، تدخل بينهم ليفضها بالتي هي أحسن، لكنها كانت نهايته، إذ أصيب بطعنة سكين في جنبه الأيسر، لفظ أنفاسه الأخيرة بعدها، قبل أن يصل إلى المستشفى.
يا للغرابة، من أنت؟ تساءلت بألم دفين، كالعادة لم أجد جواباً، أو أجوبة شافية، تذكرت تلك الجملة التي قرأتها في الرواية، هل من المحتم علينا، أن نبلغ من العمر أخرياته، كي نفهم حقائق الحياة؟
تلك إذن أبديات الحياة، وأزلياتها التي لا تنتهي، تبقى مرافقة لأيامنا، منذ البدء وحتى المستحيل الأخير، ها أنا أتأمل نفسي، وما يحيط بي، أتساءل بحيرة، ماذا أستطيع أن أفعل، لإنقاذ ما تبقى من تاريخ هذا البيت.
إن ذاكرتي لا تعي غير الألم، يبدو أنني أتهيأ لأسى جديد، ن والدي يضمحل يوماً بعد آخر.
ذات يوم، حاولت أن أكون أفضل مما أنا عليه، شعرت أنني ابتسم، لقد نسي وجهي الفرح منذ زمن طويل، ربما لم تعد سماته تتقبله بسهولة ويسر.

((





شيء اسمه الماضي


جذبتني المفاجأة وأدخلتني في تضاعيف ذلك العالم الذي بدأت مشاعري تتخفف منه شيئاً فشيئاً، لاحت لي صورتها؟، بابتسامتها العذبة المعهودة، ووجهها ذي السمات الطفولية الأخاذة، تركز انتباهي كله في عيني، شدت الصورة كل المشاعر المضطربة وركزتها في خيالي الذي كبر فجأة حتى صار عالماً رحيباً، بدأ عقلي يصحو من غيبوبة طويلة، غيبوبة امتدت عذاباتها القاسية سنوات عدة، لم أفق منها إلا اللحظة، سنوات سقطت جافة صفراء من شجرة العمر التي هرمت وشاخت جراء رحيلها المبكر، وخلال تلك السنوات جفت ينابيع الحياة في أعماقي، واستسلمت روحي لذلك العالم الكابي المخيف، فأوغلت فيه حتى ظننت أني أعيش حلماً مفزعاً، لم يدر بخلدي يوماً أنه سيحدث بهذا العجالة.
امتد بصره ثانية نحو الصورة فطفق يحدق في العينين الباسمتين كانتا كتابها المفتوح والذي كنت أقرأه متى شئت وأنى شئت، ترى لماذا وضعت صورة والدتك في هذا المكان وأمام مدخل البيت مباشرة؟
الأكيد أنك تريدين مفاجأتي، كان الباب مفتوحاً وأول ما وقع البصر عليها، هذه شهادة حبك الرائعة نحوها يا عزيزتي، بل هي هديتك الثمينة لهذا البيت الذي سكنته الوحشة منذ وقت طويل، وأعلم أن شبابك الغض قد تحمل تلك الآلام وتجاوز أياماً صعبة وجافة، واعترف الآن أنني كنت بعيداً عنك وعن كل أصدقائي وأحبتي، وضعت في مهاد حزني اللانهائي، والآن يستيقظ عقلي ومعه جسدي وأحاول التحرر من إسار ماض علينا أن نتجاوزه وأقول لك، لابد من تغيير ينبغي لهذا الزمن المتوحش أن يمضي كما تغادر سحابة إلى مآلها الأخير خطا إلى داخل الحجرة الواسعة وجد كل شيء فيها قد تغير بدأت الأشياء أمامه متناسقة وأنيقة تشمم رائحة طعام تملأ جو البيت لكن الاهتمام بقي محصوراً في الهوس الذي أحدثته اللوحة الكبيرة في كيانه، والتي تطالعه وتحاصره من كل الجهات والزوايا كمن يتحدث إلى نفسه (أكيد أن الشباب أقدر على إحداث التغيير) انسل صوتها المشحون بالعاطفة من أعماق خياله المتوهج.
فؤاد لا تنس حديقتنا إنها جنتنا التي أقمنا صرحها بأيدينا أتذكر كيف كنت أجفف عرق وجهك، وأنت تعمل بين سواقيها تارة، وتنتقل بين أشجارها تارة أخرى؟
مذعوراً التفت إلى الوراء وخلل فتحة الباب الكبيرة جلست كل جزء من أجزائها؟، تراجع قليلاً إلى الخارج وقفت عند المسافة التي تفصل البيت عن الحديقة حاول أن يقاوم نشيجاً لم يستطع أن يمنع نوباته العنيفة أن تتخلل كيان جسدي المنهك وعلى وقع دفق الذكريات، تحرك مأخوذاً بالخراب الذي ضرب أطنابه في زوايا الحديقة وممراتها وسواقيها بلا رحمة فاجأني نبات الحلفاء بمنظره الوحشي يغطي أجزاء واسعة من مساحتها، أما أشجارها فقد تشابكت فروعها في إهمال واضح، وتهدلت أغصانها بفوضى لا نظير لها هو الخراب يطالعني من كل الأنحاء والزوايا ولولا عناية (حنان) المشغولة أبداً والموزعة بين البيت والجامعة، لما وجدت شيئاً يستحق الذكر الآن.
سحق عقب سيجارته بقسوة واضحة وسمع صوتها ينطلق من زاوية ما.. لقد أهملت كل شيء من بعدي يا عزيزي ألم تعدني أن تبقي كل ما أحببناه على روعته، وبنفس البهاء الذي كانت عليه؟
ها أنت تكبرين ثانية في خيالي تملئين آفاق الروح وتنشرين الحياة كالنبع فيما حولك، إنها الصحوة التي تحتويني وأشعر بدفقها يهدر في أعماقي، صحوة تمتد إلى مساحات لا نهاية لها، إن الصدأ القديم بدأ يتآكل، رفع عينيه نحو السماء تخيلها خيمة حرير هائلة، وفي المدى المتسع، لمح طيوراً تنطلق بعيداً، وتلتمع تحت خيوط أشعة الشمس كما لو كانت نجيمات بعيدة تسبح في أفلاكها حملت إليه نسيمات رخية روائح قداح الحدائق المجاورة تنبه إلى ابنته وهي تقف بجوار الباب تنفرج أساريرها عن فرح عميق يلون وجهها بدفق الشباب الرائق، تذكرني بوجه أمها المغروس في الذاكرة.
وجد الحياة تتدفق من جديد في زوايا كيانه المتعب تلاحقت أنفاسه، رفع يديه إلى أعلى بحركة سريعة ثم أفردهما كطير يتهيأ للانطلاق، وجدها أمامه هتف:
ـ ثقي بي يا عزيزتي سيكون كل شيء على ما يرام، لقد انتهى إسارنا إننا نقف تحت أشعة شمس جديدة وأما أنت أيتها البعيدة القريبة ستبقين مناراً لنا وهذه (حنان) تملأ حياتي بشبابها الغض، وأحلامها الواسعة إن عالماً يضيء ثانية ويهم بالصعود نحو القادم من الأيام، ثمة ضوء يتوهج أمامي، وأشياء تتوالد من جديد، وغموض رائع مليء بأسرار كثيرة تنبسط على مساحات حياتنا القادمة، إنني أخرج من شرنقتي، أولد ثانية وأضيء كأنني نجم في طور التكوين.

((





تـوق


هذه لحظات، تتعرى الأعماق عن أسرارها، تنضو عنها، أسمالها القديمة البائدة، الآن، ترحل الآلام الكابية، وكل الاحباطات، التي ترسبت بين خيوط نسيج الروح، تغادر مهزومة، تطاردها زغاريد منطلقة من خيالات قديمة، وجديدة، كانت تشده إلى قاع لا قرار له. كما لو أنه يوغل في حلم رائع، ما الذي يحدث؟ أبسبب تلك النسيمات التي لامست وجهه نسيمات باردة، كأنها الأبر، تنغرز داخل جسده المتعب، يا للفرح المفاجئ يجيء ويروح، بلا مواسم أو مواعيد كما المرض، أو الحب، أو..
ابتسم كأنه يعتذر لنفسه، أو لشخص ما، يقف قبالته، عن هذا الذي فاجأه في لحظة انبعاث مفاجئة! قفزت إلى ذهنه جملة كان قد قرأها منذ زمن، يبدو له الآن بعيداً، أجرى عليها تعديلاً يسيراً، ردد بصوت مسموع لم تغادره تماماً خيوط كابية قديمة، علقت به:
(يا للحياة، من مهنة شاقة).
مضى إلى سيارته الواقفة على مبعدة منه، في الممر المفضي إلى الباب الحديدي المفتوح على مصراعيه، مد يده إلى جيبه، يبحث عن مفتاح التشغيل، أصغى إلى صوت قطرات مطر، تناثرت حوله بغته، ملأت روحه بارتعاشات غامضة، مشاعر غريبة، انبثقت في تلك اللحظات، كما تنفجر عين ماء من أعماق الأرض، من دون مقدمات، أسلم نفسه لتلك اللحظات العارمة همس:
(أنا بحاجة إلى شيء من هذا الجو الساحر) انسابت بعض قطرات المطر، على جبينه ووجهه، أحس بالبرد، ينفذ نحو عظامه، ليلة باردة، وأنت وحيد هنا، ووحيد هناك، سوى الأم التي تنتظر الآن، وتتألم، كما هي العادة، وخيبة قديمة تلتمع في عينيها الذاويتين، وسؤال فقد معناه، سؤال قديم وجديد، رددته عليك، أكثر من ألف مرة ومرة، ثمَّ استكانت مهزومة، تجتر مرارتها وخيبتها بسببك، متى تتزوج يا بني؟ متى تتزوج يا ولدي؟ متى، متى، أرى، أبناءك، وأضمهم إلى قلبي وتلتمع في العينين دموع، أخاطبها وأنا أبعد بصري عنها، أمي سيدتي، عزيزتي، لا تحلمي، أنت تعلمين جيداً، وتعرفين، لقد اخترت بعدها الوحدة، والحزن، والفراغ. أنا من النوع الذي يختار مرة واحدة، أي أن تكون أو لا تكون، لقد حسمت المعركة مع نفسي، بقناعة راسخة، وإرادة لا تتغير.
قطع تداعياته، دخول سيارة مسرعة إلى الممر، وتوقفت خلف سيارته، سيارة فارهة، تشع في ذلك الجو المضبب، كأنها جوهرة كبيرة، نزل منها شاب، محتقن الوجه، محمر العينين، تقدم منه، ووقف أمامه كالمارد:
ـ مساء الخير.
رد بوجوم، وهو يتشمم رائحة الشراب النفاذة
تساءل الشاب، يغرز عينيه في وجهه المتبرم.
ـ هل هذه عيادة الدكتور إياد يوسف؟
قال يجيبه بنبرة ثابتة.
ـ أنا هو، اعتقد أنك لم تقرأ اللوحة، تفضل.
أجابه بصوت تخالطه رعشة واضحة.
ـ نحن بحاجة ماسة إليك يا دكتور!
ـ ها أنت ترى، أن العيادة أغلقت، والساعة تجاوزت التاسعة، وأنا متعب تماماً.
في هذه اللحظات، نزل شابان آخران من السيارة، أحدهما يحمل جسماً ملفوفاً ببطانية، بدا منفعلاً، ومهزوزاً أمَّا الآخر، فقد وقف بجانبه، ينتظر حدوث حركة ما.
شملت نظراته الشباب الثلاثة، طفق يردد في أعماقه:
((يا للجو الذي ينذر بالمفاجآت!))
تساءل بحزم.
ـ ما الأمر؟
قال الشاب الذي يحمل البطانية بكلتا يديه، وفي تضاعيف صوته ما يدل على الهياج.
ـ الأمر جلل يا دكتور. ونريد مساعدتك، جبسي في خطر أكيد!
أكمل صاحب الأنفاس المخمورة.
ـ لقد دهسته سيارة، سنعثر على سائقها حتماً، أمَّا الآن، فهو بحاجة إلى علاج سريع.
خاطبهم بهدوئه المعهود:
ـ إذا جئتم غداً، صباحاً أو مساءً فسأكون..
قاطعوه بصوت واحد كأنهم اتفقوا عليه.
ـ الآن يا دكتور، الآن لا يوجد متسع من الوقت ليوم غد!
أردف الشاب المخمور:
ـ عليك أن تقوم بواجبك، ثمَّ خذ المبلغ الذي تريده.
هكذا إذا ليس أمامك، إلا الإذعان لرغبتهم، ها أنت محاصر، وعليك أن تتصرف بحكمة، استدار نحو باب العيادة، فتحه، ثمَّ دخل، أضاء المصابيح، تباعاً دخلوا بعده، وأولهم حامل الجسم الملفوف بالبطانية، خاطبه بلهجة آمرة:
ـ ضعه هنا، على هذه المنضدة.
قال ذلك، وهو يرتدي قفازيه، ثمَّ أكمل:
ـ إذا استطاع الوقوف، فقد يكون ثمة رجاء، أمَّا إذا..
قاطعه الشاب بصوت مسموع وكلمات سريعة، وهو يضع حمله على المنضدة، ويكشف أطراف البطانية عنه..
ـ حاول يا دكتور، حاول رجاء.
((ها هو الكلب أمامك، دقق النظر فيه، إنه كتلة مدماة، فم مفتوح، لسانه يتدلى من بين فكيه، يتنفس بصعوبة، ويغالب آلاماً لا تطاق بالتأكيد، أعترف بأنه كلب جميل بحق، عيناه براقتان، شعره الأحمر الطويل، طرزته بعمق الدماء الداكنة التي تناثرت على مساحات واسعة منه)).
مد يده يتحسس بعض مواقع من جسده حاول أن يساعده على الوقوف، تساءل بصوت خفيض:
يا للعجب، مازال حياً، آه، أسف، لا فائدة، كان بودي أن أفعل شيئاً.
تساءل الشاب المخمور:
ـ ألا تستطيع أن تخيط جراحه؟
ـ لقد نزف دمه، كسر عموده الفقري، كذلك ساقاه الخلفيتان، آسف، فات الأوان، ثقوا، لو كان ثمَّة أمل، لما تأخرت.
خيمت على المكان لحظات وجوم ثقيلة، صمت داكن، صراخ صامت يكاد أن يمزق أوردتهم، تفحص وجوههم بنظرة سريعة، رآها تنذر بالشؤم، في لحظة واحدة امتدت الأيدي نحو الكلب، رفعته بعناية، أخرج المخمور من جيبه أوراقاً مالية رماها على المنضدة، التي تلطخت بدم الكلب، مضوا بحملهم إلى الخارج، من موقفه، رأى سيارتهم تتراجع بسرعة نحو الشارع، ثمَّ سمعها تهدر بعيداً، التفت إلى الأوراق التي لوثتها دماء الكلب، هز رأسه، ثمَّ خلع قفازين، ورماهما في سلة النفايات، غسل يديه، أطفأ المصابيح وأغلق الباب بهدوء، مضى إلى سيارته، وأعماقه تضطرم بأحاسيس شتى.

((





قصص قصيرة


(ينبغي أن يكون الكلام دالاً على المراد، لا أكثر ولا أقل)
كونفوشيوس
صمت
التقيا.. سارا معاً.. جلسا على مصطبة في ركن قصي في المنتزه، تخللت خيوط الشمس الغاربة، ذؤابات الأشجار المحيطة بهما، مخلفة خطوطاً لامعة على الساحة الخضراء، وباتجاهات مختلفة، اقترب منها، حدق طويلاً في سمات الوجه الهادئ قالت متسائلة، وقد استفزتها نظراته الصارمة.
ـ ماذا؟
نهض واقفاً واستدار شابكاً يديه خلف ظهره ثم مضى مبتعداً، بخطوات متسارعة مخلفاً وراءه عالماً يموج بالحيرة والغضب.
رحيل
كان على مبعدة أمتار منه، حاول التقدم نحوه، رآه يرفع يده محذراً، ثم وبصوت مرتجف، لكنه واضح النبرات، أمره بعبور الشارع إلى الجهة المقابلة، بدا له عن بعد أن قطاراً ضخماً يتقدم مسرعاً نحوه، كأنه القدر، توقف للحظات بمحاذاته لينطلق بأقصى سرعته ثانية، راعه الجو الموحش الذي أحاط به، تابعت عيناه المذهولتان في ذلك الغبش عرباته، وهي تبتعد وتتلاشى كنقطة ضوء صغيرة في ذلك الفراغ اللانهائي.
خطوات
نسي طرف المدينة وأزقتها القديمة، مضت خطاه تضرب في دروب موحشة سرقت الحيرة سمات وجهه، ودفعت بقلبه إلى نهايات الألم.ثمة مشاعر قديمة تنهض في الأعماق، أصوات تقرع على جدار الصمت. فغمت أنفه رائحة الأرض التي غسلتها قطرات مطر أخضر، يمتلئ السمع بقرع الطبول ثانية.
تحدي
خاطبته وهي ترفع سبابتها الرشيقة بوجهه، وقد توهجت عيناها، عاكسة ما يضطرم بداخلها.
يوماً ما، سأقضي عليك بيدي هاتين.
ـ وحدث أن جاء ذلك اليوم، وجدت نفسها ميتة بين ساعديه، ضحكا طويلاً ثم ناما هادئين.
صداقة
ـ أريدك صديقاً رائعاً في زمن عزت فيه الصداقة والعلاقات الإنسانية النقية.
ـ أستطيع أن أكون صديقاً وحبيباً تعتزين به.
ـ الحب كلمة فقدت الشيء الكثير من محتواها لقد غادرنا منذ أمد بعيد. الصداقة أبقى، ماذا تقول؟
ـ قالت بنفاذ صبر
ـ وداعاً.

((





مواجهة


يالغرابة ما يحدث!
القلق والضيق ينشران ظلالهما في كل زاوية من زوايا البيت الصغير.الحياة تتغير وتتحول ألوانها الرائعة إلى لون واحد كاب، يذكر بكل ما يزعج الإنسان ويرعبه.
منذ ثلاثة أيام وحينما اخترق هذا الفأر الكريه سياج البيت ونفذ إلى غرفه وممراته، بدأ يطارده من مكان لآخر، وفي الوقت الذي كان يظن أنه على وشك الإجهاز عليه، يختفي فجأة كأنه يذوب وسط الفراغ الذي يحيط به، يتزامن كل هذا مع ما تقوم به زوجته من ملاحظة مستمرة بطريقتها هي، إنها الفوضى بعينها لكنها لا تجد له أثراً، أما هو فقد حاول أن يصطاده بوساطة مصيدة معدة لصيد الفئران، الغريب أنه لم يقترب منها ولم يحاول أن يتناول شيئاً مما فيها من الحبوب أو كسر الخبز اليابس.
ثم كانت المحاولة الأخرى، أمسك بمضرب ثم حاول أن يهوي عليه، وتكون النهاية، لكن حذر الفأر فوت عليه الفرصة هذه المرة أيضاً.
عند منتصف الليل، أيقظته زوجته، قالت له:
ـ إن الفأر يتجول مطمئناً بين الغرف كلها ويقضم ما يصادفه، تساءل بضيق واضح:
ـ ما العمل؟ أنى لي أن أجده وبأي طريقة ستكون نهايته؟
تثاءب منزعجاً، وقد أحس بسلطان النوم يطبق عليه، تمنى لو أن بحوزته قوة خفية يستطيع وبلحظات أن يمسك به ليقضي عليه بطريقته الخاصة ولينفس بعض الشيء عن ذلك الحقد الذي يملأ كيانه، أيستعصي عليك هذا المخلوق الكريه يا رجل؟
لقد أوشك هذا اليوم أن يظفر به لكنه انزلق كالخيال من تحت المضرب، وخطا إلى ركن ما أو زاوية قريبة، ومن يدري ربما يراقب الآن خطواتي أو ربما يهزأ بي، غداً سيكون يوماً حاسماً بالنسبة لك أيها الكريه، سأنتقم منك بطريقة أنفس من خلالها عن غضبي الذي يطحن بقايا إرادتي وما تبقى لي من قوة. التفت إليها، رآها تغرق في نومها، لقد أتعبك هذا اللعين كما هو الحال معي، لكن لقاء الغد، سيكون حاسماً أيتها العزيزة.
هتف بصوت ممتلئ بروح الفرح والانتصار:
ـ لقد دخل المخزن، هيّا أغلقي الباب علي سأمسك به بعد قليل، هذه المرة لن يفلت مني أبداً.
كان يلف على كف يده اليمنى قطعة من قماش سميك، الآن يتأكد من عدم وجود منفذ يمكنه من الاختفاء فيه، ها نحن في هذا المكان الضيق، لقد طاردتك بهمة لا تفتر طيلة الأيام الثلاثة الماضية، سحب من أمامه كيس الدقيق ثم أزاح صفيحة السمن وركز نظره على الزاوية المقابلة له، رآه يحرك ذيله الأسود الرفيع، أطبق بسرعة خاطفة على الفأر. أحس بشعور من التقزز وهو يرفعه بكفه الملفوفة بقطعة القماش السميكة، سمع زوجته تتساءل:
ـ هل قضيت عليه؟ لماذا لا ترد علي يا حامد؟
قال باشمئزاز:
ـ لقد أمسكت به، وها هو بين أصابعي، سأقضي عليه حالاً يا سعاد.
ملأه شعور بالقرف، وهو ينظر إلى هذا الكائن القميء، مطبقاً عليه أصابع كفه اليمنى. حدق في وجهه المثلث الصغير وعينيه المدورتين في أعلى وجهه كأنهما عينا بومة صغيرة، أصابته رعشة سرت في ثنايا جسده المتعب، خاطبه أهذا أنت؟ لقد أفسدت علينا حياتنا وحولتها إلى ساعات من الضيق والقلق والإزعاج، أتدري ماذا سأفعل بك وما هي الطريقة التي سأقضي بها عليك؟.. سأحرقك وأحولك إلى رماد.
ما زال يحدق في وجه الفأر، فجأة سرت في عروقه رعدة خوف، حاول إزاحتها والتخلص منها، لكنها سلبت منه شيئاً من اعتداده بنفسه.
ثانية يرتفع صوت زوجته:
ـ ماذا تفعل يا حامد؟ هيا اخرج، ألم تقض عليه بعد؟
أحس بإطرافه تتراخى وخدر كالسم يسري في كل عروقه، أصابع يده تتراخى أيضاً ورأسه تدور كأنها على وشك الانفصال عن جسده تساءل وهم ثقيل يملأ صدره فيفقده روح المبادرة التي كان عليها قبل مدة قصيرة، تنبه على صوت زوجته الحاد الذي يطالبه بالخروج إليها، فتح فمه كي يرد عليها:
ـ سعاد لا أستطيع أن أفعل، ها.. ها.. ها
أحس ثانية أنه يفقد القدرة على النطق، في هذه اللحظات كان الفأر قد قفز وبسرعة خاطفة من بين أصابعه الرخوة منطلقاً كالرصاصة إلى داخل الفم المفتوح.
رفع يديه وهو يرفع رأسه إلى الأعلى، أحس بعينيه تخرجان من محجريهما، رفس الأرض، تشبث بالحائط القريب منه، دار حول نفسه، ما زال الفم مفتوحاً الصدر يعلو ويهبط بسرعة خارقة، لم يعد يستطيع التنفس، أمسك بمقبض الباب لا يدري كيف أداره، خرج كالمجنون منطلقاً إلى فضاء البيت، شاهدته زوجته، لم تصدق ما رأته عيناها، صرخت بأعلى صوتها، أشار هو إلى فمه، تهاوى الرجل على الأرض، حاولت الإمساك به إلا أنه راح يتقلب على الأرض كالممسوس، رفيع يديه، ناداها بعينيه المتجمدتين، تباطأت حركة الجسم الضخم ثم رويداً تهمد حركاته، صرخات حادة تطرق سمعه من بعيد ثم لم يعد يشعر بشيء، ثمة عينان مفتوحتان على مدى غامض بعيد.
((





مختبر الحياة


أدخل.
أدار المقبض بهدوء، ثمَّ دفع الباب بشيء من التردد، خلل الفرجة الضيقة، وقف ينظر متأملاً الغرفة الواسعة بأجهزتها العديدة، وبأصوات الأجهزة التي تداخلت في سمعه كمنبهات العربات، تلك التي تطرق سمعه طيلة ساعات اليوم.
امتلأ أنفه بروائح مزعجة، شخصت عيناه إليها، كانت مشغولة تماما، تمسك بأنبوبة اختبار ترجّها بين الحين والآخر، ثمَّ تراقب حجم السائل لتدون بعد ذلك بعض الملاحظات على ورقة موضوعة على حافة المنضدة الطويلة، كمن أحست بوجود شخص ما على مقربة منها، التفتت ناحيته، كان قد تقدم ووقف وسط المسافة التي تفصل الباب عن موضعها أمام الأجهزة، اعتادت أن تقول لأي مراجع يقصد غرفتها بتودد وحنان.
ـ تفضل.
تقدم منها، وقف قبالتها، في هذه الأوان كان صوت الجهاز يملأ جو الغرفة الواسعة بأزيزه المزعج قال بصوت خافت لين:
ـ مساء الخير.
ردت وهي ما تزال منشغلة بعملها:
مساء النور، أهلاً.
انداح صمت شفيف فرض عليها أن تدير رأسها ناحيته بسرعة، حدقت في الوجه الشاحب والعينين الصغيرتين اللامعتين، كان يبدو متعباً فاجتاحتها موجة عطف غامرة، خاطبته:
ـ ألديك تحليل، هل من خدمة أقدمها لك؟
ظل صامتاً وعيناه تتجولان في أديم الوجه المبتسم، فتح أخيراً فمه وأشار إلى كرسي قريب وقال برجاء.
ـ هل أستطيع الجلوس؟
بحماس واضح، وهي تقرب الكرسي منه:
ـ بالتأكيد، تفضل اجلس، هل أنت متعب؟
تساءلت وقد انهمر اهتمامها بالشخص الذي جلس أمامها، سألها قائلاً:
ـ ألم تعرفيني بعد؟
فاجأها السؤال، إلا أنها ردت عليه بهدوئها المعتاد بعد أن تفرست ثانية في الوجه الشاحب والعينين الشاخصتين نحوها:
ـ آسفة، هل تعرفني؟
لأول مرة، لمحت شبح ابتسامة ترتسم على الشفتين الرقيقتين، أزاحت بعض توتر أحاط بالوجه المتعب، أجابها متسائلاً:
ـ أعرفك! وهل نسيتك يوماً يا دنيا؟
سحبت كرسياً، أراحت جسدها الفتي عليه، خاطبته وشيء من القلق بدأ ينساب نحو أعماقها:
ـ أرجوك، من أنت؟
رد بسرعةٌ
ـ أنا محمد، محمد يا دنيا، ألا تذكرينني؟
توقف الجهاز بعد انتهاء المدة الزمنية المقررة له، ساد صمت ثقيل لم يبدده سوى دقات خفيفة على باب الغرفة، فقامت تفتحها، سمعها تقول:
ـ انتظر من فضلك، إنني مشغولة.
ثمَّ مخاطبة الجالس قبالتها:
ـ هل رأيت إنني لا أملك من وقتي شيئاً، إنه العمل فقط، فقل لي حاجتك،
استرد نشاطه اعتدل في جلسته، قال بصوت أكثر دقة ووضوح:
ـ الأول تعرفينني، ثمَّ أقول لك حاجتي، أنا محمد بن رياض، جاركم في حي القاهرة.
التمعت العينان السوداوان وانفرجت شيئاً فشيئاً، أسارير الوجه الذي علته عتمة المفاجأة، ثمَّ هتفت.
ـ محمد، آه كيف حال الأهل والوالدة؟
أجابها بسرعة:
ـ رحمها الله.
ندت عنها آهة، تساءلت بألم واضح:
ـ متى، متى؟
ـ منذ سنتين تقريباً.
ـوالوالد، كيف حاله؟
رد بذات الصوت الهادئ وبنفس السرعة كأنه يريد أن ينهي هذا الموقف والتخلص من إساره:
ـ هو بخير.
وضعت يديها في حجرها، وتمتمت:
ـ ياله من زمن، مضت الأيام بكل ما فيها، الطفولة والصبا وهاهو الشباب يخب بنا مسرعاً رفع يده، ثمَّ همس:
ـ الطفولة، أجمل ما في العمر، حياة الإنسان الحقيقة في طفولته.
هزت رأسها موافقة على قوله، ثمَّ سألته:
ـ كيف عرفت مكاني، وما الذي ذكرك بنا؟
ـ تعبت كثيراً، حتّى عرفت أنك تعملين في (مختبر الحياة) نسكن الآن في حي الأعلام، بيننا مسافة بعيدة.
قالت مجادلة:
ـ أهلاً بك يا محمد، تذكرتك تماماً، لم تكن تلعب مع الأولاد بسبب.. صمتت فجأة، لكنه أكمل:
ـ لقد أجريت عملية خطرة في القلب تكللت بالنجاح، وها أنا بصحة جيدة كما ترين، كنت ممنوعاً من ممارسة أية فعالية، وكنت أراقب أقراني وهم يتقافزون في الساحة القريبة من بيوتنا، مازلت أحب لعبة كرة القدم، وكنت أتمنى أن أشاركهم اللعب، ولكن ليس كل ما يتمنى المرء...
ـ أسعدتني زيارتك، وكذلك تمتعك بالصحة، لكن قل لي، ماذا تعمل الآن؟
ـ لدي ورشة صياغة، تدر علي ربحاً لا بأس به، إنني أعيش في حدود ما أستطيع، قالت بحبور:
ـ جميل، لكن لم تقل لي، ما الخدمة التي يمكنني تقديمها لك؟
ـ قال بسرعة:
ـ جئت أخطبك!
مرقت كلماته، شاطرة خيالها بعنف لم تتوقعه، طفقت تحدق في عينيه الخجلتين، ثمَّ ارتفع صوت ضحكتها، ضحكة رقيقة، كشفت عن أسنانها البيض، دمعت عيناها، فسحبت منديلاً ورقياً، مسحت به عينيها ووجهها همست:
لقد فاجأتني:
ارتفع صوته ثانية:
ـ كنت ومازلت، ومنذ ذلك الصباح الذي خرجت فيه إلى مدرستك مع بعض زميلاتك، أقول لك، منذ ذلك التاريخ، ولم أكن قد سجلت بعد في المدرسة، تعلقت بك، أقول لك أحببتك، وها أنا أمامك، لقد أكملت دراستي في ثانوية التجارة، وكذلك خدمة العلم، وأعمل بجد لكي أكون جديراً بك.
تساءلت:
ـ وما هذا الذي تلبسه؟ الشباب يلبسون البدلات الحديثة والقمصان الملونة وأنت ترتدي هذا الثوب القصير، لماذا؟
ـ هذا جزء من خياراتي.
ثمَّ عابثته قائلة ووجهها ينطق بالسعادة:
ـ لكنني أكبر منك سناً.
ـ لا أهمية لذلك، ولا أعيره أي اهتمام.
ـ محمد، اسمع يا عزيزي، أنني مخطوبة لإنسان أحبه، وهو الآن ينتظرني خلف الباب، واعتقد أن انتظاره قد طال كثيراً، فتح فمه مدهوشاً، تألقت عيناه بلمعان خاطف أخاذ، احمر الوجه طارداً بقايا الشحوب الذي ران عليه، هز رأسه هزات عنيفة، ثمَّ وقف وعيناه مسمرتان في الوجه المبتسم.
نهضت لتقف أمامه، وضعت يدها على كتفه قالت بصوت يقطر حناناً وعذوبة:
ـ محمد، أرجو أن تكون على ما يرام.
أدار رأسه ناحية الباب، مسح وجهه بيديه، ثمَّ التفت إليها، قال بصوت متهدج:
ـ مبارك، وليساعدني الله.
ثمَّ انفلت خارجاً من الغرفة مخلفاً وراءه شيئاً من الوجوم والصمت والذكريات.

((





مملكة الصمت


لعل خطواتي البطيئة، وأنا أتجه نحوها، هي التي جعلتها ترفع رأسها المعصوب، ثم تركز نظرها الكليل علي، كانت تجلس متكئة على جذع نخلتها الأثيرة، والتي تطلق عليها اسم (مبروكة) فتحت فاهها الخالي تماماً من الأسنان وقالت متسائلة:
ـ ما بك يا ولد؟ لماذا تبطئ في مشيك هكذا؟
بركت أمامها، أخذت يديها المعروقتين بين يدي، رفعتهما إلى فمي، ثم قلت:
ـ جدتي العزيزة، أريد أن أتزوج.
ضحكت كأنها سمعت نكتة ظريفة، وأجابت:
ـ ومن يمنعك عن هذا الأمر، أهو والدك؟
أجبتها مسرعاً:
ـ كلا، كلا، إنما أريد مساعدتك.
رنت إلي بحنان ثم ما لبثت أن قالت:
ـ وأنا مستعدة، أنت تعلم أنك احب إخوانك عندي، اذكر حاجتك.
ـ أريد مائة ألف دينار، ولدي مثلها، ستكفيني لعقد قراني وشراء ما أحتاجه.
تساءلت:
ـ من الفتاة التي وقع اختيارك عليها أيها الملعون؟
ـ خديجة يا جدتي، خديجة بنة الحاج عباس جارنا.
ردت بتأكيد:
ـ نعم الأسرة ـ ونعم الفتاة، لم أعد أرها منذ زمن
ـ لأنها كبرت.
قالت وهي تهز رأسها:
ـ نعم، نعم، إنهن يكبرن هذه الأيام بسرعة.
رجعت ثانية أقول:
ـ ماذا قلت يا جدتي، هل ستساعدينني بالمبلغ الذي طلبته منك.
ـ نعم يا كمال، نعم، اذهب لأبيك، لي عنده مثل المبلغ الذي طلبته، خذه منه، وأكمل به زواجك.
شخص إلي بعينين محمرتين، سطع فيهما غضب أرعبني، لكنه تحامل على نفسه وقال بصوت خفيض:
ـ ما كان لك أن تصدقها أنها..
صمت لحظات ثم عاد ليوجه لي الكلام ثانية:
ـ ألا تعلم أنها تجاوزت الخامسة والتسعين من العمر، إنها والدتي وأنا أعرف بها، وأعلم أنك تحبها، فهي التي قامت على تربيتك منذ أن غادرت والدتك الدنيا، قبل أكثر من عشرين عاماً.
لم يدخل قلبي كلام والدي، لكنه فتح بقسوة، جروح الذكريات ذكرني بأمي وحنيني الغريب لخيالها، لقد ماتت في أعماقي بموتها كل الأشياء الجميلة، تساءلت بهمس يشبه النشيج (إلى أي زمن يظل الحلم يمتزج بالواقع؟).
جدتي العزيزة، ثانية أرجع إليك، رأيتك ميتة باردة، وأنت مازلت عند نخلتك الأثيرة، تتكئين عليها، لا أدري إن كنت تحلمين لكنك تسمعين وقع خطواتي، رفعت يدك ملوحة، ثم قلت بثقة العالم ببواطن الأمور:
ـ أعلم بكل ما دار بينك وبين والدك لا عليك يا ولدي، اذهب لأخيك الكبير فاضل، وقل له إن جدتي كانت قد أعطتك مائة ألف دينار، خذها منه، ورتب أمورك بعدها.. رفعت رأسي وأنا أنأى بعيداً عن كل الأصوات، كانت أعماقي تضح بأنين غريب، لكني تحاملت على نفسي، ومضيت لأخي أبلغه رسالة الجدة العزيزة.
واجهني وكلماته تكاد تتحول إلى صراخ:
ـ هذه العجوز الخرفة، إنها تهرف بما لا تعرف عن ماذا تتحدث؟
وكيف تصدق أنت ما تقوله امرأة تجاوزت المائة من عمرها؟
ها أنت تموت، لأنك تصدق الآن أن البراءة صفة نادرة بين الناس، وإن الصدق عملة لم تعد للتداول، يا للريح الرمادية التي تصفر من حولي، وتسقط في الأعماق كألم لا يطاق، وهاأنا مرة أخرى، أقف أمامك، ترى ماذا ستقولين؟
ـ لا تظن بي الظنون يا ولدي أنا أعرفكم جميعاً، اذهب لأخيك جمال، إن لي بذمته مبلغاً لا بأس به قد يفيد.
هززت رأسي، قالت:
ـ حسناً، خذه منه، لقد أعطيته له قبل أيام ليقضي به أمراً، لا أعلم إلى الآن ما هو. وأنا في الطريق إليه، قلت في نفسي، إنني سأكمل هذه الدورة، أو هذه المهزلة، لأرى نهاية طرقاتها التي تشابكت أمام بصري كأنها المتاهة.
وقفت صامتاً، أرقب سمات وجهها الغائرة خلف تجعدات الجلد الذي بهت لونه، وكأنه يذوي أو يحتضر، لكنها وبعينين تعبران عن رماد عمرها الآفل، ومن بين تزاحم مشاعرها قالت:
ـ لا بأس عليك، لا بأس ها أنت ترى أنه الظلام، ينسكب على وجوه بعض الناس دائماً سيبقى الصدق، وحده هو الذي يزيح اليأس والكذب. وحده هو الذي يبقى.
جثوت أمامها، أخذت رأسها بين يدي وقبلت جبينها، ثم مضيت بخطوات ثقيلة نحو مملكة صمتي وأحلامي.

((





عشاء لقطة مي


مأخوذاً، تابعت عيناه، قطرات المطر التي انهمرت هنا وهناك، ورقشت صفحة الماء المنساب بهدوء ودعة، بدوائر صغيرة، ما لبثت أن اتسعت متسارعة لتضيع في ذلك المجرى الهادئ العريض.
تحرك خيط السنارة في يده، فتنبهت عليه حواسه المستوفزة بسرعة، ما زال يراقب قطرات المطر التي ما لبثت أن انقطعت، كما لو كانت ومضات برق سريعة، انتشر بعدها ضوء شمس لين، غمر كل ما حوله، وانعكس على سطح الماء، مغازلاً بعذوبة رائعة، ذلك المجرى الذي بدا وكأنه استأنس به، ثمة سحابات تتحرك باتجاه الجنوب، وهاهي أجراس روحك ترتعش بخوف لم تستشعره من قبل. حاول أن يهدأ من روعه، آلمتك كلماتها على ما فيها من رقة وليونة، وهي تستخف بك صياداً، لا ورجلاً. (لن تكون هذه المرة أفضل من مثيلاتها السابقات، لن تصطاد شيئاً أو في الأقل بعض سمكات صغيرة، ستكون عشاء لقطة مي. كبرت يا رجل، داهمتك الشيخوخة على عجل، ها، ها، ها، آه لا أحد يعرف متى يكبر الرجل إلا زوجته).
تحرك الخيط بين أصابعه، فأعاده إلى حالة التوتر التي كان عليها (الصيد عالم غامض، لا يعرف الآخرون أسراره، إن الذي يجربه ويعيش لحظاته، هو الذي يكتشف خريطة غموضه، ويأنس لسويعاته المتوترة، المفعمة بآلام الروح، وهي تنتظر الصيد، كما تنتظر الأم وليدها (هكذا تحرك نفسك، وأنت ترخي الخيط، ليأخذه التيار بعيداً عنك، ثم يعود كل شيء إلى هدوئه الذي كان عليه. نظر إلى يمينه، على مبعدة منه، كان شبح صديقه يتحرك، يقوم ويقعد، يبدو أنه يصارع صيداً محترماً، لابد من أنه سيصطاد سمكة كبيرة أو أكثر، كما هو الحال في المرات السابقة، الحظوظ لا العقول، آه، اللهم أبعدني عن كل ما يجعلني أسيء إلى صديقي، لا لست حاسداً، لكني أطمح إلى أن أدخل بيتي ومعي صيدي الذي وعدت به تلك المرأة، المرأة التي هي صباي وشيخوختي، ألمي وفرحي، كبريائي وخضوعي، قوتي وضعفي، إنها جهاتي التي أرى خلال كيانها فصول حياتي، ابتداءً من ربيعها وانتهاء بخريفها، أأرجع بلا صيد؟.. إلا من سمكات صغيرة، ستعود لتتندر ثانية، إنها سمكات تليق بأن تكون عشاء لقطة مي العزيزة، آه لو أنك تحافظ على صحتك، وتقضي وقتك بما يفيد، أليس هذا أفضل من تبديد وقتك بهذا العبث الذي تسميه صيداً؟.. ويجذبك الخيط حتى لكأنك توشك أن تسقط في النهر، فتمسك بكلتا يديك به، والذي بدا وكأنه سينقطع، حاول أن تشده ثانية إليك ثم اسحبه على مهل، تأكد من أن سنارتك تلك لابد من أنها قد ألقمت فم السمكة طعمها، ولسوف تخترق أسنانها الحادة أعماق فمها، عليك أن تحاصرها حصار الصياد الماهر، الذي خبر أسرار هوايته ثم تسحبها على مهل، وعندما تضعها هناك أمامها، لن يكون بعدها ثمة شك، في قدرتك التي ستعترف بها صاغرة، لسوف يمتلئ وجهك بسمات كبرياء المنتصر، ثم تكون ليلة تتأكد بعدها، أن السنين لن تنال منك مهما عدت عليك، ها أنت ثانية ترتعش، بل إنك على وشك أن تهوي في النهر، إثر هذه الهزة المريعة، اثبت في مكانك وابدأ العمل فوراً، فالصيد آت إليك، عليك أن تبدأ بسحب الخيط، وأن تثبت قدميك في مكانهما، وتحصر قوتك في يديك، اقرع أيها الزمن الملعون طبول الفرح، فالصيد قادم والروح ترقص فرحاً، الآن ستمحى كل إحباطاتك السابقة، ما هذا، الخيط لا يطاوعك، بل إن قواك لا تسعفك، إنه وضع لا طاقة لك به وصديقك مازال بعيداً عنك، لا يستطيع أن يمد لك يد المساعدة، الاعتماد على النفس شجاعة، هيا اسحب، استنفر قواك المختفية خلف شحوب السنوات السالفة، أطلقها من عقالها، انهض أيها الرجل، نهوضاً تتكسر له أضلاع الماضي كلها، وإلى غير رجعة، أطفئ كل نيران التردد الذي أحاق بك، اسحب الخيط إليك، يطاوعك، يأتيك بصعوبة ولكنه آت إليك، الصيد آت، إنه يجيء نحوك، إنه قريب منك، لقد أخذ التعب منك كل مأخذ، ولكن لا بأس عليك، اسحب و بقوة وكن هادئاً حتى تحين فرصة توجيه الضربة الأخيرة لرأس صيدك، الضربة التي ستفقدها قدرة التحرك، غابت كل الجهات من حولك، وبقيت جهة واحدة هي التي تدرك أبعادها، إنها جهة النهر والخيط الذي تتعلق به آمالك، يلزمك أن تخرج من ذلك الجسد الذي أوشك أن يتهاوى إثر خيباته الماضيات، الصيد لذيذ لكنه صعب، قالها النهر لك أكثر من مرة، وها أنت الآن تجلس وتتأمل المسافة التي تفصلك عن الأمس وتلف بقايا الخيط على يديك، تعذبك آلامهما، لكنك ينبغي أن تتجاوز، الصيد قريب، هاهو أمامك: إنها سمكة كبيرة، أكبر من فرحك بها، كانت حلماً، وها أنت تسحبها بكل ما تبقى لك من قوة، هل يمكنها أن تقول إنها عشاء لقطة مي؟.. المسافة تقصر والسمكة تكبر بين عينيك، ما زلت تسحب الخيط لكن بهدوء، هاهي أمامك، سمكة رائعة كبيرة، كبيرة جداً، أكبر من أحلامك كلها، تمد يدك لتسحب بقاياها، لكن ما هذا، إنها تنفلت بقوة من بين يديك قاطعة الخيط، كأنها عملاق انطلق من قمقمه، ثم وبسرعة خاطفة تغوص ثانية في الماء الذي بدت دوائره تتسع ليعود بعد برهة قصيرة إلى هدوئه، وسط صمت شامل عميق.

((





الحلم


(1)
دعيت لاجتماع تربوي في قاعة الغربية المتوسطة، لإيضاح بعض المعلومات الإحصائية عن مدرستي، اصطحبت بعض الأوراق معي، ولأني أحفظ أكثر المعلومات بسبب التعود والتكرار، تركتها جانباً آخر الأمر، في السنوات السابقة، كان المعاون هو الذي يقوم بالمهمة، هذه المرة وجدتني مشتاقاً لكي أطل بعد هذا العمر على بعض المناطق التي كنت أرتادها يوماً كالطائر المحلق ومعي رفاق الصبا، بلا هموم ولا متاعب، في الصباح، وقبل مغادرة البيت لمحت ابتسامة على وجه زوجتي، قالت تداعبني:
*أراك سعيداً... على غير عادتك... هل هو يوم إجازة يا أبا سامي؟..
-لم أجبها، شملتني إغفاءة كأنها الحلم، رسمت صورة ابتسامة زائفة على وجهي وأنا أنظر إلى المرآة أمامي، تساقطت مشاعري دموعاً في الأعماق وبدأ الألم ينطق كأني أرى نفسي أول مرة، هذا الشيب الذي جلل الشعر كالغطاء، والنظارة التي لازمتني منذ زمن بعيد، لتعب في العينين، عانيته ولا أزال، حتى أصبحت جزءاً من وجهي، أما جسمي، هذا الذي كنت أظنه لا يشيخ، دبت فيه أعراض الوهن، آه إن الشعور بالشيخوخة أمر مؤلم، لكن روحي ما زالت تثب كأنها الحصان الجامح، تطمح وتريد، تغني في لحظات، تحب بعنفوان الشباب وتوهجه، أشرب كأسي بلذة المفتون، أعشق لذائذ الحياة، كل هذا وأنا أشرف على نهاية الرحلة، يتدفق في أعماقي شعور بالشباب كأنه مد البحر، أود أن أعود كما كنت صبياً لأرتاد الأماكن نفسها، أصادف ذات الأحباب الذين مضوا، أو الذين سيلحقون بهم.
(2)
انتهى الاجتماع، شيعت المدرسة التي ضمت بين صفوفها وساحاتها بعضاً من سنين العمر، مع إحساس ثقيل داهمني وكأنه يصيح بي، هذه المرة الأخيرة التي تراها فيها، كنت مع مجموعة من الزملاء، أخذ كل منا مساراً له، نظرت إلى ساعتي وهمست بفرح مفاجئ ((هناك متسع من الوقت، كان الاجتماع قصيراً، فليكن المشي وسيلتي للوصول إلى المدرسة، عبر طرقات أسترجع من خلالها، وبها بعض ذكريات الأمس البعيد)). بدأت بشارع الكفاح، ابتسمت في سري، شارع غازي، هكذا كنا نسميه، هو العقل،عالم الإنسان الفسيح، ومخزن ذكرياته.. لا ينسى –إن أراد- شيئاً، وصلت إلى محلة الفضل وانحرفت من خلال سوقها إلى شارع الشيخ عمر، بعد أن ألقيت نظرة دامعة على مدرسة الفضل، رنت في أذني أصوات السيارات والباعة، والعربات، وضجيج صبية، احتضنت نظراتي كل العوالم والأشياء، وشملت كل هذه الحيوات المختلفة، طفت على سحابة حملتني إلى أيام كنت خلالها لا أعي من الدنيا إلا جانبها البهيج، وأحلم بخيالات تعبر بي أجواء الواقع إلى مدن الأحلام، مررت في الطريق بساحات وشوارع وأماكن حلت محل الطرق والأزقة التي سكنا فيها، ثملت، بدأت أستنطق الصور التي أرى، وأعتصر الخيال كي أرحل بعيداً، العجيب أني لم أحس بتعب أو إنهاك برغم المسافة التي قطعتها، كنت مفتوناً، دخنت لفافاتي بلذة ونشوة، والتمعت في الذهن وألحت عليه بعض الأغاني التي كنا نرددها بشغف وحب، لا أدري لماذا انسابت ألحانها مع الخيال أمانة أيها القمر المطل ((يا شراعاً))، وأغنيتي التي أعشقها ((كم بعثنا مع النسيم سلاماً)).
(3)
أشرفت على الطريق الذي يفضي إلى مدرستي في منطقة ((باب الشيخ)) أحسست بالنهاية فجأة تداهمني، تجمع التعب كله في قدمي وسرى في جسدي، شعرت بوجهي يستطيل ألماً وحسرة، هزني منظر البناية التي التهمت جزءاً كبيراً من العمر وما زالت؛ منحنا الذين فيها، والذين قبلهم دم العمر، أعطينا زهو السنوات، صرنا سلالماً، عبروا وما زالوا يعبرون عليها.

(4)
قال لي أحد الزملاء، وأنا أجلس على الكرسي تعباً بعد دخولي الإدارة:
تلفنوا لك أكثر من مرة، يطلبونك بإلحاح في البيت.
ارتجفت قليلاً، طحنني ألم ساحق، شعور خبيث داخلني بأن شيئاً ما قد حدث، خفت الهاتف فلم أشأ أن أبادر إلى استعماله، أقنعت نفسي بأنهم سيهاتفونني عما قليل، لم أنتظر طويلاً إذ رن صوت الهاتف، رفعت السماعة بحذر وخوف، سمعت صوت زوجتي المرتعش ألماً وخوفاً:
-أبو سامي...
بالإحساس نفسه أجبتها:
-نعم... أم سامي...
*أين كنت؟..
قطع صوتها نحيبٌ مخيف، أحسست بدموعها عن بعد تحرقني، تفجر صوتها رهيباً:
-أخبرونا أن سامياً قد أصيب، وهو يرقد الآن في مستشفى...
سقطت سماعة الهاتف من يدي، ما زال صوتها يملأ أذني ويدوي في خيالي، لاحظ الزملاء الحالة، أشرت بيدي أن لاشيء، أخذتني إغفاءة قصيرة، رحت في حلم بحجم الخيال، استرجعت الهدوء الذي لفني وأنا في طريقي إلى المدرسة، ملأتني مشاعر شتى، سمعت أصواتاً عديدة، اختلطت في الخيال كسحب بيض متناثرة في أديم مشرق، ثم جاءني صوت أحسست به بعيداً، بعيداً، لكنه برز من بين ضجيج روحي قريباً وحبيباً إلى النفس ((كم بعثنا إلى النسيم سلاماً)).

((





المستحيل(1)


بتردد واضح، مدت يدها لتصافحني، احتضنت كفي أصابعها الرخصة بنحو غامر، كان وجهها قد شحب قليلاً، ووضح في عينيها لمعان من ذلك النوع الذي يشي بفرح طفولي، أو حزن قديم، أو ربما هو قلق اجتاحها بعنف، هو عنف المفاجأة التي لم تكن تتوقعها فتدفق فوق قسمات الوجه العذب، وأضاع حلاوة افتقدتها فيه منذ أن عرفتها في يوم ما من تاريخ بدا لعيني اللتين ما زالتا تطوفان فوق سمات وجهها المأخوذ والذي هز كياني كله، وملأني بمشاعر شتى أيقظت في لحظات قليلة الماضي كله، فاستسلمت لذلك الارتعاش الغامض الذي سحبني إلى عوالم أخرى بعيدة.
كانت قد انفصلت عن زميلاتها ومجموعة الطالبات اللواتي كن برفقتها ظلت واقفة أمامي تشخص إلي بنظرات حائرة، أحسست بحرج موقفها وترددها لكني تحركت وسط ذلك الضجيج الذي يرتفع من كل أرجاء المكان المزدحم بالطلاب والطالبات في جو ربيعي أخاذ، بدت الأشياء من خلاله ملتمعة سعيدة تتراقص في هذا الفيض السحري بنشوة غامرة ثمة خيوط فرح باهت بدأت تتسلل نحوي بوجل وخوف واضحين أغمضت عيني قليلاً لكن ضجيج الأصوات اجتاحني ثانية عندها شعرت بضرورة التحرر من ذلك المكان والخروج السريع من هذا الإسار الذي بدأ يضغط علي بدون رحمة، مضيت أضرب بقدمي دون هدف أقلب الطرف هنا وهناك، اكتشفت على مهل مني، وفي لحظات ساحرة، أن السعادة حقيقة واضحة المعالم كما الحزن، كما الحياة نفسها، دسست عيني بين الوجوه، وجوه الذين يتوافدون إلى هذا المكان، تسبقهم أصوات أغانيهم وأناشيدهم والذين غصت بهم ساحات المتنزه وحدائقه الواسعة ثم لم أصدف أول الأمر أني أراها أمامي قلت: (لعل شبيهة لها، خدعت النظر والخيال في لحظة، كالتي تفصل الحياة عن الموت).
أيقنت أن الخيال يتجسد ليصبح (فائزة) وإن الربيع ينبت من بين ما ينبت ثمار المستحيل! لعل لا تدري نسير، كما لو أن قوة خفية تحركنا، الآن إنني أحاصرها من كل الجهات. ولكن أين دفق الشباب وجنونه يا عادل؟.. أين ذلك التوق الذي يهزأ بالمستحيل فيجعله ممكناً، تشابكت في الأعماق مشاعر شتى، بدأت تنحت إرادتي تملؤها بخوف وقلق لذيذين. ها نحن نلتقي ثانية، وصمتنا أكبر من كل الأصوات التي تحيط بنا، فائزة، عن أي حزن أحدثك، وكيف لي ذلك؟...
عن أي خوف سكن العقل، كالوحش وظل يعوي هناك كل هذا الزمن؟...
عن أي ليل ونهار أبدأ حديثي، وكيف مضى ذلك التاريخ، مضرجاً بألمي وإحباطاتي؟.. إن كلماتي تسقط متعبة داوية في داخلي؟.. يا ويل قلبي، هل يستطيع أن يبوح بكل مافيه ولديه.
ها أنا ذا أطفو على أمواج الذكرى، أستعيد رؤى لم يبق منها سوى خيوط، خيوط باهتة متشابكة، لا أجرؤ أن أمد يدي إليها، كي ألمسها خشية أن تتمزق، أو تنقطع، أي موقف وضعتني الصدفة فيه؟.. لأرى ما أنا فاعل في لحظات الزمن القادم!
كنا قد انفصلنا عما يحيطنا، قادتنا أقدامنا دون وعي منا، نحو السدة الترابية التي تحيط بالمتنزه، على الشارع الإسفلتي، وقفنا ننظر إلى فراغ كبير ومتسع، يحده عن بعد خيط داكن الخضرة من النخيل والأشجار، يبدو من هذا المكان، كخيوط الذكريات أو الخيال يحن يعانق القلب، أو يمسه بذلك التأثير السحري فتورق في النفس، أشجار الحياة ودفقها المستمر. دنوت إليها، وجدتها تشخص نحو الفراغ، تحدق فيه بوجه جامد القسمات، لا يعبر عن شيء محدد، التفتت وشبح ابتسامة يتسلل من بين شفتيها، ظننت بها رغبة لقول شيء ما، لفض دائرة الصمت التي طوقتنا، لكنها تراجعت أو هكذا خيل إلي، قلت أحادث النفس، أحاورها، لأتغلب على طوفان مشاعري إلا أنها بدأت تتحرك منحدرة نحو الجهة الأخرى من المتنزه، سرت إلى جانبها مطرقاً، يداي تتشابكان خلف ظهري، ونظراتي تضيع هنا وهناك، كنا نسير، كما لو أن قوة خفية تحركنا، تتلاشى الآن شيئاً فشيئاً، الأصوات التي ما انفك ضجيجها يلاحقنا، ويبقى الصمت يكبر ويتسع كغيمة سوداء، أو كقدر مستبد، يلاحقنا بقسوة وعنف.
انحدرنا إلى الطريق التي تؤدي إلى الجانب القريب من النهر، حيث حدائق الزهور بكل ألوانها، تتراقص تحت أشعة الشمس الناعمة، بدأ ماء النهر أمامنا داكناً، أو ربما حزيناً، وثمة طيور تحوم في هذا المدى الواسع وهناك صمتنا الذي نما وكبر، وأصبح كستارة ثقيلة تلفنا بها، فضعنا بين تضاعيفها، رأيتها تحاول، لكنها تفشل أيضاً، قلت أداري خيبة هاجمتني كموجة برد، بمواسم الفرح التي لا تخلو من بعض الكدر، كيف أحرر النفس واللسان من هذا الوجوم الذي أطبق عليهما؟؟...
أتعبنا الوقوف، فجلسنا على مصطبة قريبة من النهر، متباعدين بعض الشيء ومتعبين تماماً، وفي الأعماق صوت يصرخ، أو ينحب، لا أدري، لكني أسمعه بوضوح، وربما تسمعه هي كذلك، أن لا فائدة من كل هذا، ابتسمت ابتسامة مهزوم، وأنا أراها تنأى عني وتبتعد، كأنها سحابة تدفعها ريح غامضة نحو عوالم مجهولة.
فائزة!... كم شروق وغروب مضيا منذ افترقنا، ترى ما قيمة حلم ثقيل يسير بخطا بطيئة نحو المستحيل؟.. كانت تتشاغل بالنظر إلى مياه النهر أو تتعمد أن تبعد نظراتها، كي لا تلتقي بعيني الحائرتين، همست: (يا لهذا اللقاء الذي يقع في زمن الأسى والعناء؟).
فجأة التفتت إلي، وباغتتني بنظرة صارمة، كأني بها وهي تقول:
-عادل، افترسنا زمن صعب، تخللت أنيابه الوحشية أعماقنا، أود أن تعلم، أن الحياة لم تمض بالسهولة التي تظن. التقطت بعض حصيات قريبة منها، ثم بدأت ترشق صفحة الماء بها، وهي تراقب الدوائر التي تحدثها، همست بأسى:
-كالزمن، كالزمن تماماً يبدأ صغيراً ثم يكبر ويتسع، ويتلاشى من هذا الكون الغامض!
ابتسمت كأني وجدت الأخص، أردت أن أقول، ولكن ماذا أقول؟ نعم، نعم إن الزمن هذا الخارق الصعب الذي..
لكن صوتاً حاداً وملتاعاً قطع علي تداعياتي...
-ماما، أين أنت كنت أبحث عنك!
-التفتت إليه كالممسوسة ووجهها يشتعل بحمرة قانية:
عادل، أهذا أنت يا حبيبي...
قامت إليه مسرعة، احتضنته بعنف، أمسكت بيديه، قبلته في جبينه وبين عينيه، تشبثت به كطوق نجاة، ثم التفتت إلي وهي تزيح خصلة من شعرها تهدلت فوق وجهها، أشارت مودعة، شيعتها بنظرات ذاهلة، حتى توارت مع طفلها بين الأشجار.

((





آدم


كنا نرهف السمع، كي نفهم كل كلمة يقولها آمر وحدتنا، كان صوته حاداً وقاطعاً في آن واحد. تصافحت نظراتنا وهو يوجه الكلام إلي اخترناك ورفاقك من بين اللواء وكتائبه وسراياه وفصائله، وانتخبت دبابتك (آدم1)، البطلة من بين رعيلك لتقوم بالمهمة، وأقول لكم إنها مهمة خطرة وشاقة جداً، ولكننا اخترنا الأفضل والأكثر شجاعة وتجربة، غداً وعند خيوط الفجر الأول، سيندفع رعيلكم، تتقدمه (آدم 1) نحو عقدة الساتر لتجتاحه وتفسح الطريق أمام دبابات رفاقك، كن حذراً ومقداماً كما عهدناك، تذكر الساعة الخامسة فجراً.
في مواجهات سابقة وخطرة، نجوت منها بما يشبه الأعجوبة، هذه المرة، أنت محاصر أيها البطل، بموت حقيقي، لقد عرفت الموت من خلال مواجهته معرفة خبير، جرب التعامل معه على كل المستويات وفي كل ساحاته، تجسد أمامي في أكثر من صورة ولون، رافقني كما لو كان ظلي، كنت أراه ساخراً أو ضاحكاً ملء شدقيه، مرة، وصاخباً مجنوناً في مرات عديدة، أو جاداً رصيناً وهو يلتقط أهدافه دون رحمة، بل إنني لكثرة ما صادفته، وتعودت على تصرفاته، صرت أتحدث إليه، أخاطبه، أهمس في الفضاء الضيق الذي كان يجمعنا في أوقات كثيرة، ومع كل هذه الرفقة، لم أتآلف معه أو أحتفظ بمشاعر محايدة نحوه، لكن هذه المرة، الوضع مختلف واللقاء كذلك، ستحتدم المعركة بيننا، بحيث تصبح كل الأشكال شكلاً واحداً، وكل الألوان لوناً واحداً، أعتقد أنك ستسعد بها، أيها الكريه البشع.أتساءل بإصرار، لماذا تلاحقني بلا هوادة؟.. ماذا تريد؟.. وماذا تبغي؟ ألا تعلم أن العمر ما زال في ربيعه؟.. هناك متسع من الوقت يا هذا! هناك آمال لم تتحقق بعد، وهناك طموحات ينبغي لي أن أغذ السير نحوها، هناك الأخوة والأخوات والأصدقاء الذين ينتظرون عودتي، هناك قريتي الرائعة الهادئة الغافية على شاطئ الفرات الرائع، تتدفق نواعيرها بالخير لتروي الحياة، آه، لماذا أتذكر الآن كل هذه الأشياء؟ أما مدرستي الابتدائية فلها في الذاكرة حيز خاص جداً، كان الطريق إليها شاقاً وعسيراً، وكانت قدماي تتجمدان من شدة البرد في فصل الشتاء، وأنا أطوي لك الطريق الموحش الطويل، كان مدير المدرسة، رجلاً مخيفاً، نهابه ونبتعد عن طريقه، إلا أني رأيت منه شفقة ورحمة، لم يخطر ببال أحد من أولئك الصغار الذين يجلسون معي في الصف ذي الجدران الطينية الباردة، لقد عمل هذا المدير الإنسان، المستحيل حتى نقلت إلى مدرسة قريبة من بيتي، كان طريق النهر قد جمع كثيراً من الأصدقاء، ونحن ندلف إلى بدايات الشباب، ذكريات ساذجة وأحلام بريئة، تلك أيام أتذكرها الآن بمنتهى الحب والزهو والألم، كانت أجمل الأيام وأحلاها وأكثرها براءة ونقاء، كان كل ما يحيط بي في تلك الفترة من سنوات العمر، يدعو إلى الدعة والهدوء وكنت قد بدأت أطالع الكثير من الكتب والمجلات التي كانت تقع تحت يدي، كان أخي الكبير يجلبها معه إلى البيت، كان شديد الولع بمطالعة الكتب والمجلات التي كانت تصلنا في ذلك العهد البعيد عني الآن، الله.. الله، ماذا أرى؟... وماذا يجري أمام ناظري؟، إنه والدي، رباه أتساءل، ما الذي جاء بك أيها الحبيب إلى هذا المكان الموحش؟، أكاد أجن، إنه يخاطبني، يقترب مني يربت بيده المعروقة على كتفي، يقبلني في جبيني، يهتف في سمعي ولدي كمال، كن حذراً وحافظ على نفسك، لا تمزق ما تبقى لي من قلب، اعذرني يا أبي وقل لي كيف وصلت إلى هنا؟.. أنا أعلم أنك قد رحلت عنا منذ سنوات، فما الذي جاء بك؟.. أهي القيامة ياوالدي، رباه، إنني أجن، تلك أمي تضع يديها فوق رأسها صارخة، ولدي كمال، هل صممت على اللحاق بأخيك ياسر؟.. في هذا المدى المسكون بالموت والوحشة، انطلق صوت صديقي ورفيقي في السلاح غني عبد الله:
- انتظر، ها أنا قادم إليك.
لحق بي، طوقني بين ذراعيه، وضعت رأسي على صدره العريض، بدأ دبيب راحة يسير في شراييني، كنت أسمع دقات قلبه المتسارعة، الفجر آت، ومشاعري كمطر يهطل على كياني من كل الجهات، قلت من بين ركام تلك المشاعر:
-غني، لقد زارني والدي، رأيته يناديني ويطلب مني أن أكون حذراً ودموع كبيرة تملأ عينيه، كذلك رأيت والدتي وكانت تخاطبني بألم (كمال هل ستلحق بأخيك) ياسر؟...
-قل لي ما هو الوقت الآن؟... وكم بقي على موعدنا؟..
-مازال هناك بعض الوقت، يفصلنا عن فجرنا القادم.
هتفت مسكوناً بمشاعر غامضة:
-غني، أريدك خلفي كما هو الحال في المرات السابقة، لقد قاتلنا معاً طوال السنوات الماضية وواجهنا الموت مرات عديدة، هذه المرة أرى أن الأمر مختلف!... إن هذه العقدة التي يسيطر عليها العدو منذ فترة طويلة لابد لها أن تنتهي.
أجابني مطمئناً:
-سأكون معك، وخلفك، إن دبابتي كانت ولسوف تبقى دائماً بمعية(آدم 1)، البطلة، وأنت تعلم كيف يصوب غني عبد الله نحو الهدف، وخلفنا ذلك الرعيل البطل بشبابه الذي خبر المعارك طيلة السنوات السابقة.
-لدينا خارطة الألغام، عرفنا بها من أسير كانت قواتنا قد أسرته قبل يومين، سأختار الحافة القريبة من الساتر، وعندما اقترب من تلك العقدة، سأنطلق بأقصى سرعتي.
دلفا داخل الموضع القريب، دخنا بصمت ثم شربا شاياً ثقيلاً، كانت ثمة رشقات من مدافع رشاشة تمزق الصمت الشفيف المحيط بهما، كان الوقت يمضي سريعاً وكنت أدخن بإفراط، صارت سكائري هي ملهاتي! في هذه الآونة، قام غني بعد أن أطفأ سيكارته قائلاً:
-سأحاول أن أنام، بعض الوقت؟.. أفزعني كلامه، صرخت به:
-ماذا تقول، تنام، كيف تنام؟...ومن أين يأتيك النوم؟..
رفع يده مبتسماً وكلماته تتساقط بطيئة:
-حاول أن تنام ولو لدقائق، وداعاً.
وحيداً، أتساءل بألم، لماذا تزورونني كلكم هذه الليلة، هل تودعونني. غريب هذا الذي يحدث كيف تسنى للأحياء والأموات أن يلتقوا، كي يقوموا بزيارتي! رأيت والدي وأخي ياسراً، كذلك أصدقائي أيام طفولتي وكذلك أيام الدراسة في الجامعة، الله... الله، أين أنت يا نوال؟.. ترى ماذا تفعلين الآن؟... هل تزوجت وأنجبت؟... هل سميت ابنك (كمال) كما وعدتني بذلك؟، وأنت يا سامرة، يا ألمي الذي لا يبارحني، لقد مضيت دون أن تقولي كلمة واحدة، وبرغم الجرح الناغر في الأعماق، فإن حبك لم يبارح العقل والقلب أبداً، سامرة، لماذا تنظرين إلي بعينين حزينتين؟.. هل تعلمين ما سأقوم به بعد حفنة من زمن يمضي سريعاً؟.. وهل تعرفين ماذا سيحدث لي في القادم من هذا الزمن الغريب؟.. أريد أن أعرف لماذا تحاصرونني جميعكم بهذه النظرات الحزينة المنكسرة؟.. أهو الوداع الأخير؟... ربما، لكن شيئاً ما يهتف في أعماقي، إنني سأخرج من هذا الموقف سليماً معافى كما في المرات الكثيرة السابقة، إن (آدم1) ستكون وكما كانت، فرسي الأصيلة، التي أنجز بها ومن خلالها تلك المهمة الخطرة. خلال فتحة الموضع، شملت نظراتي المكان المحيط بي، رأيته كئيباً يتلفع بسكون مرعب ومريب، ينشر ظله على ساحات الأفق الواسعة، خرجت من الموضع، هبت أنسام باردة، تخللت عظامي، فأحكمت إغلاق قمصلتي على جسدي، توجهت نحو دبابتي، وضعت يدي على برجها وسرفتها، مسحت على الحديد البارد بيد رقيقة، تخيلتها جواداً أدهم، أمتطيه الآن، ليطير بي نحو عوالم بعيدة، جميلة، ملونة، عوالم، لا تعرف الموت ولا الدماء، ولا الأشلاء، ترى ما الذي ذكرني الآن (بأنتيكونا).
هذه البطلة التي رفضت أمر خالها الملك، لتقوم بدفن جثة أخيها، أية أفكار تهب على عقلي المتعب الآن. ينبغي لي أن أرتاح، نعم، أن أحصل على شيء من الراحة، أيقظني من تداعياتي، صوت الملازم الأول جمال قائلاً:
-هيا، لم يبق لنا غير دقائق قليلة تفصلنا عن المهمة، الجميع على أهبة الاستعداد يا كمال.
سمعت صوت غني، واضحاً وقاطعاً.
-أنا اخلفك تماماً يا كمال، تقدم يا بطل.
أغلقت البرج بعد أن أخذ الملازم جمال ورفاقه أماكنهم معي، ثم بدأت بتشغيل المحرك، دوى صوته مزمجراً في وسط ذلك السكون الذي بدأ يتمزق بفعل أصوات الدبابات الذي ارتفع هديرها في كل الأنحاء، غيرت الأرقام بوساطة العتلة، وبدأت بالضغط على دواسة الوقود، كانت ساقاي متصلبتين، كأنهما قطعتا حديد، حاولت التريث قليلاً، تنفست بعمق، سمعت ملازم أول جمال يخاطبني:
-هيا يا بطل وكن هادئاً.
أمسكت بعصا الاستدارة، وعاودت الضغط على دواسة الوقود ثانية، متجاوزاً مشاعري بكل تناقضاتها، اهتزت الدبابة أول الأمر ثم ما لبثت أن انطلقت في طريقها، صاح ملازم جمال:
-بأقصى سرعة ياكمال، بأقصى سرعة.
-نعم ياسيدي.
ضاع الزمن، تلاشت لحظاته، تساوى كل شيء أمامي، تماسكت تماماً وأنا أنظر إلى الطريق، هو المكان يقترب، بل إنه يجري نحوي، صوت غني أسمعه عبر جهاز الصوت:
تقدم يا كمال، تقدم، أنا معك، أنا معك...
بدأ الدوي رهيباً وشديداً، تحول الفجر إلى جحيم بلون الدماء، شددت العتلة، فانزاح مؤشر الأرقام إلى أقصاه، هي السرعة القصوى إذن، صوت غني مازال يملأ آفاق روحي، ماذا يحدث؟.. أتجاوز الفتحة من بين أمواج الهول الذي يفجر في كل الجهات ثم أشعر بجوادي يتمايل، صرخت ملتاعاً.
-هيا ارموا بأنفسكم إلى الخارج، بسرعة.
وجدت نفسي بجانب الساتر من الجهة الأخرى، كم مضى علي من الوقت؟.. كيف مرت الساعات؟.. عدت أتخيل ذلك الهول الرهيب، ثم لم أعد أشعر بشيء، فتحت عيني مرة أخرى، فتشت عن آدم، لم أجد أمامي سوى ركامٍ من حديد أسود، قلت أحادث الفراغ:
-لقد انتهى الأمر، ثم أغمي علي ثانية.
أفقت، بعد ساعات طويلة، وجدت نفسي ممدداً على سرير، حاولت النهوض، لكن غني وضع يده على جبهتي هامساً:
-لقد كنت أكثر من بطل، كما نعرفك دائماً، إنها إصابة بسيطة في الساق، سنكون قريبين منك، لقد سقط الساتر واستولت عليه قواتنا وهذه بشارتك.
حاولت الابتسام، إلا أن ألماً في الساق اليسرى سرى إلى كل جسدي، وسد علي مسارب السعادة التي تخللت كياني المهدود كله.





مت مرتين(2)


أمام العيون التي كانت تحيطه بنظراتها، بدأ متماسكاً ورصيناً، وهادئاً، على الرغم من أمواج الحزن التي كانت تهدر في أعماقه، طفق يردد كلمات التعزية بصوت خافت متعب، كان كمن ينوء تحت ثقل لا طاقة له به، مجلس الفاتحة في يومه الثالث، وإلى جانبه يجلس والده، يمسك بمسبحته التي لا تفارقه، تنفرط حباتها الصفر الكبيرة، من بين أصابعه فتتلاشى أصواتها المكتومة في ذلك الجو الملبد بدخان السكائر والأحاديث المعادة والسعال المتقطع هنا وهناك، كان الوقت عصراً، والليل بدأ مبكراً، وبرغم المدافئ الكثيرة والمنتشرة في أرجاء المضيف الواسع، فإن برد هذه الليلة، سيكون قارساً وقاسياً، أطفأ عقب سيكارته في المنفضة، وهو يشخص لأخيه، الذي يتقدم نحوه بسرعة، وعلى وجهه تبدو سمات قلق واضح، همس في أذنه:
-دكتور، أم همسة تريدك على عجل!...
تساءل بصوت ينضح بالقلق، وعيناه تدوران في فراغ لا يرى من خلاله سوى ألم جديد يضاف لآلامه الكثيرة، تساءل:
-أحمد، ما الخبر؟..
أجابه بصوت جاف وخشن:
-يبدو أن الطفلة (آية) ليست على ما يرام.
استأذن والده، والجالسين معه، وغادر إلى داخل البيت مضى متعباً ومهموماً نحو الغرفة التي تتجمع فيها بعض النساء من قريباته، وجد زوجته تنشج بصوت مسموع، هتف من بين هواجسه:
-ما الخبر؟..
أجابته بكلماتها المتقطعة:
-نفس الأعراض، حرارتها ترتفع باستمرار، أمجد إنني خائفة.
تقدم نحو طفلته، انحنى عليها، وضع يده على جبينها، أخافته حرارتها وشحوبها فتح عينيه متوجساً شراً، تتابعت كلماته:
-علينا أن نغادر إلى بعقوبة فوراً، وإذا لزم الأمر، فسوف نمضي في طريقنا نحو بغداد.
ارتفع صوت زوجته الملتاع:
-هل أفقدها هي الأخرى، بعد أختها همسة؟
داهمته موجة سوداء كالحة، غطت روحه بستارة كابية، وملأته بالخوف والمرارة، خاطبها، وهو يضع يده على جبهته:
-سأعود حالاً، بعد أن استأذن الوالد والجالسين، جهزي نفسك.
-2-
داخل السيارة التي انطلقت مسرعة، خيم صمت ثقيل عليهما، بدا حزيناً وذاهلاً يراقب الشارع والعربات التي تمرق أمامه وخلفه، قطرات مطر، ترشق زجاج السيارة، أدار مفتاح الماسحة، همس بعد أن ترامت إليه شهقات زوجته المكتومة وأنفاسها اللاهثة:
-أرجوك شذى، تماسكي، سوف نرى ونسمع ما يقوله الطبيب في مستشفى بعقوبة، وإذا لزم الأمر، فبغداد ليست بعيدة عنا لا خيار أمامنا، أطبق عليهما ثانية، ذلك النوع من الصمت الثقيل، الذي يوحي بكل المفاجآت غير السارة، وبرغم الأمطار التي بدأت تسح على زجاجة السيارة الأمامية، وتكون ما يشبه الستارة فإنه انطلق بسرعة لا تتفق مع خطورة السير في مثل هذه الأجواء، كانت المسافة بين قريته ومدينة بعقوبة ليست طويلة، إلا أنها تراءت له كما لو كانت بلا نهاية تأوه، ثم همس:
-كم أنا متعب، فالأيام التي قضيتها في مجلس الفاتحة، والأيام التي سبقتها، أرهقتني تماماً، لأول مرة أحس بتعب الحياة ثقيلاً، ثقيلاً، فوق كتفي، وأن سنوات العمر قد تناسلت لتصبح دهوراً طويلة، أو أنها، وفجأة، تتحول تلك الأيام والشهور، إلى قطع من الحجارة الثقيلة، أربعون سنة، لا أرى الآن منها، سوى دكنتها وآلامها، يا بنيتي الحبيبة همسة، كنت شمس حياتنا، أي مرض هذا الذي طواك في غفلة عنا، لقد مت معك، ودفنت روحي بين تضاعيف التراب الذي أهيل على جسدك الرقيق، وهذه آية، تذوي أمامي تتلاشى، إنني أموت ثانية، لم يعد أمامي، سوى الوحشة، وها أنا أغوص في أعماقها، وأتساءل مأخوذاً، متى يزول هذا الشحوب المقيت عن وجه الحياة، لتستعيد ألقها وعنفوانها، متى، متى؟...
-3-
أمام مستشفى بعقوبة توقف، كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة ليلاً، دخلا بسرعة، زوجته تحتضن طفلتها، ثم توقفا عند باب غرفة الطبيب الخافر، دقائق قبل أن يدخلا عليه، أمر الطبيب بعدها، أن تنقل الطفلة إلى ردهة الأطفال، وتعطى المغذي إضافة إلى خافض الحرارة، تأمل طفلته الذاوية على سرير المرض، انهمرت أحزان الدينا في دواخله، لكنه استطاع أن يتجاوز الحالة بسرعة، خاطب الطبيب برجاء:
-دكتور، من فضلك، انصحني، هل نذهب بها إلى بغداد؟..
رد الطبيب والحيرة تملأ سمات وجهه:
-اعتقد أنه من الأفضل أن نفعل ذلك، عسى أن تجد هناك ما يساعد الطفلة على مغادرة محنتها، هنا لا يوجد لدينا أكثر من هذا الذي فعلناه.
-4-
في الخارج انقطع نزول المطر، إلا أن السماء كانت ما تزال ملبدة بالغيوم، والبرد قارس، وجيوش الحزن تفترس نفسه، ونفس زوجته بلا رحمة، همس بسخرية مريرة، وهو يقود سيارته بحذر مخاطباً زوجته:
-يالها من ليلة حب دافئة، عليك أن تضيفيها إلى ليالينا السابقات.
ردت عليه بنبرة باكية:
-لم يعد هناك وجود لشيء جميل في هذه الحياة.
رد يواسيها، بعد أن تجاوز قليلاً دائرة الألم التي تمزقهما:
-هذا هو منطق الحياة، الفرح يقابله الحزن، والليل يقابله النهار والحياة والموت وجهان لمسيرة واحدة، إنها الأضداد تتزاحم أبداً، ثم بعد هنيهة تساءل:
-كيف حالها الآن؟...
همست:
-لا أدري، عسى أن نصل إلى أقرب مستشفى في بغداد.
-سأمر أولاً على مستشفى الزهراوي، قد نجد فيه، ما يخفف عنها إلى حين طلوع النهار.
-5-
أمام باب المستشفى، أوقف سيارته، دخلا مسرعين، قال المعين:
-الطبيب نائم، سأوقظه حالاً.
جاء الطبيب مسرعاً، وهو يعاني وطأة النعاس البادي عليه، قال بعد أن أنهى الفحص:
-انسداد في الأمعاء، عليك أن تذهب بها إلى مستشفى الأطفال، ستجد هناك عناية كافية.
-6-
ياله من فجر مقرور وقاس، وساعات مثخنة بأحزان الكون، وأنت وزوجتك مثخنان بأحزان الكون، وأنت وزوجتك مصلوبان هنا حول سرير الطفلة، قال أحد الأطباء وقد كان زميل دراسة:
-لا أخفي عليك، الحالة ليست مطمئنة، ولكننا نفعل ما بوسعنا، إنه انسداد الأمعاء, وتحتاج إلى وقت كي تتماثل للشفاء، المهم الآن أن تعود ثانية إلى وعيها.
وقف الطبيب يراقب الطفلة ويتحسس يدها، ثم يضغط على اليد اليسرى، ينظر إلى ساعة يده، التفت قائلاً:
-هون عليك، ماذا بوسعك أن تفعل؟..
-إلى آماد بعيدة سيبقى هذا الألم يعتاش على دمي.
توقفت نظراته على وجه زوجته الشاحب المتعب، رآها امرأة أخرى، امرأة شاخت وكبرت وتهدل كتفاها وانتفخت عيناها، غاب ذلك البريق الحبيب من عينيها وملامحها، قامت عن كرسيها، ودعته للجلوس، أومأ لها أن تبقى في مكانها كانت العيون تتركز نظراتها على الجسد الصغير الممدد على السرير أمامهما، تساءل كم مضى من الوقت حينما دخلا هذه الغرفة؟.. نسيا كل شيء، لم يذوقا طعاماً أو شراباً، تعلق البصر بالجسد الضئيل الراقد بلا حركة، والسابح بين موجات الحياة والموت، أحقاً أن للموت أكثر من مذاق؟.. عاد الطبيب ثانية إلى الغرفة، وضع يده على جبين الطفلة، أمسك بيدها اليسرى، وهو ينظر إلى ساعته، من مكانه راقب سمات وجه الطبيب، خيل إليه أن شيئاً ما تخلل تلك السمات، وأن بريقاً خاطفاً لمع في عينيه، رآه يحيط وجه الطفلة بكلتا يديه، ثم يحدق في الفراغ برهة، ليعود ثانية يغرس بصره في الوجه الصغير، سرت رعشة تضرب مكامن الروح بنبالها القاسية، همس: "قل شيئاً يا رجل، انطق بكلمة واحدة، ألا تحس بعذابنا، إن أنفاسي تكاد تنقطع".
عاد ثانية يتفرس في وجه زوجته الغارق في متاهة الألم والوحشة ثم إلى وجه الطفلة، بدت عيناها من تحت دثارها، ذاوية، تذكره بحالة شقيقتها قبل أن تلفظ أنفاسها، سحت على وجهه دموع، كأنها علامة استسلام لذلك الهول المتربص بكل شيء، حادث نفسه لا أمل، لقد فعلنا كل ما نستطيع أن نفعله من أجلها، في هذه الآونة، التفت إليه الطبيب، أخذ يده، ضغطها بين كفيه، قال بصوت يدل على الهزيمة.
-اعذرني، الموت أقوى منا.
ثم خرج مسرعاً.
لم تستطع قدماه على حمله، تهاوى على أرض الغرفة، كتلة من الخراب والأسى، سمع صرخة زوجته تمزق السكون الذي أحاط بهما، انخرط في بكاء صامت ثقيل.
نيسان/ 1996
((





شواطئ نائية


انساب الصوت العميق إلى فضاءات روحها الملتاعة وأحاسيسها الراعفة بشتى الأفكار التي روعتها وأدمت أعماقها، وتعلقت عيناها المتألقتان في سمات وجهه الذي اكتسى برقة طالما أحبتها وفي ذات الوقت أخافتها قال وهو يبعد نظراته عنها:
-نكمل مشروعنا الذي بدأناه منذ أيام!...
ثم بعد مدة صمت قصيرة، تابع:
-نحن الآن أصدقاء، أصدقاء، فقط هكذا اتفقنا في حينه، وكما تعلمين فإن للصداقة...
انقطع الصوت الذبيح بعد أن امتص صمت روحها، وأقلق لحظات راحتها، مضت تخاطب أشجار الحديقة الباسقة، وكانا يجلسان على أرجوحة، تعودت أن تهزها بقدميها هزاً خفيفاً تسرح من خلاله، مع خيالاتها البعيدة. رأته وقد أطلق خيطاً طويلاً من دخان سيكارته، وتاهت نظراته في أفق الحديقة المترامية. همس كمن يستغيث من أمر عظيم، وهدأة الليل، تنسج ألوانها العميقة الداكنة حولهما:
لابد من مراجعة للذات بين الحين والآخر، تلك عادة لو تحققت، فإنها تعني الكثير بالنسبة لي ولك.
ساد صمت قصير خدشه حفيف أوراق الأشجار المحيطة بهما، كانت في هذه الآونة تحدق في فراغ لا نهائي، تساءلت في سرها (متى وكيف بدأت هذه الهواجس الشريرة، تستوطن مخيلتك وتعشش في ظلام أفكارك التي لم أسمع بها من قبل، ترى أهذا حصاد عشرين عاماً من الحب والتضحيات؟.. عن أي شيء تبحث يا رجل؟.. أية شواطئ نائية جرفتك إليها أفكارك المستحيلة هذه؟). كانت تتعذب بصمت فداهمتها رغبة عنيفة للانضمام في نوبة بكاء طويلة، تزيل مافي صدرها من دخان كاد أن يطبق على أنفاسها، لكنها في لحظة سريعة وشجاعة قررت أن تنازله بالعقل والمنطق، وكانت لا تزال تثق بأن سحابة الشك والجنون التي تغلف عقله هذه الأيام، لابد أن تتلاشى وتزول، التفتت إليه، وكان ما يزال ينفث دخان سيجارته قائلة بصوت يمتزج في تضاعيفه الجد والهزل:
-هل أعددت برنامجاً جيداً لتعذيبي؟...
ثم استطردت بعد هنيهة:
-في أوقات كثيرة ماضية، كنت أحس بأنك تريد أن تقول شيئاً يقلق راحتك ويثخن أعماقك جراحاً على أية حال حاولت تجاهل كل ذلك، مستعينة بحبي لك تارة وبصبري العجيب تارة أخرى، والآن يبدو لي أنك مصمم على أن تسيء لكرامتي ومشاعري بتعمد واضح.
ضحكت ضحكة قصيرة، أحست كما لو أنها كانت ضحكة مهزوم، هزت الأرجوحة بقدميها، مخففة بعض قلقها ثم خاطبته بكبرياء وثقة:
- أعرف عم تبحث وللأسف لا يوجد عندي ماتبحث عنه، بل لا توجد في حياتي صفحات مجهولة بالنسبة لك، فلقد كتبت أنت كل صفحاتها، ومنحتك منذ أول يوم عرفتك فيه، أحلى وأجمل ما تمنح المرأة للرجل، وهبتك العقل والروح وليس لدي ما أقدمه، بل ليس باستطاعتي أن أعطيك أكثر مما أعطيت، أود أن تبقى ذلك المتفائل الذي أعرفه، أرى الآن شريط حياتنا منذ أول يوم التقينا فيه، وأرجو أن تبقى ألوانه زاهية كما كانت وكما هي في الحقيقة، أسندت رأسها على حافة الأرجوحة ثم تساءلت مكملة ما بدأت به من حديث، وكان هو قد أشعل سيجارة أخرى خاطبته هامسة وكان الليل يقطر سكوناً عميقاً:
عم تفتش؟.. هيه، عن قصة حب أم عن قصة عبث كنت في يوم ما بطلتها باستطاعتي أن أحدثك عن الكثير في هذا المجال فأنت تعلم جيداً، أن لي خيالاً خصباً يسعفني تماماً بما أريد، أيسرك هذا؟...
مدت ساقيها إلى أمام ومضت تنتظر ما سيقوله:
-لقد فهمت الموضوع على غير الشكل الذي أقصده تماماً، فلا أحد يشك في نفسه إلى الحد الذي يؤذيها وأنت كما تعلمين كل حياتي ما أريده بالضبط.. رفعت يدها وقالت بصوت قاطع وحاد:
ما تريده وما أنت مصمم عليه أعرفه تماماً، أنت تريد أن تعرف إن كانت لي قصة حب مع إنسان آخر، عرفته قبلك، كما يحدث عادة لأغلب الفتيات في سنوات الصبا المبكرة، حيث الخيالات والأحلام تمتزج معاً بحيث لا تعرف الواحدة منا، أين الحقيقة وأين الحلم، أؤكد لك أن تلك المشاعر لا تنسى بل لا يوجد في حياة الإنسان ما ينسى عادة، أليس؟ أجابها بصوت من رعشة القلق التي راودته قبل لحظات:
-كنت صادقاً معك إلى أبعد حدود الصدق والوضوح لقد سردت لك كل عبث أيامي الأولى وأجدني متخففاً تماماً من تلك الذكريات السابقة بكل تفاصيلها وهي ترنو إلى أصيص أمامها قالت في سرها ((لقد بدأت المعركة، ولابد لي من مواجهتها دون خسارة ثقته ورضاه)). كانت من تعلم جيداً أنه يحبها إلى الحد الذي لا تستطيع هي أن تصفه ولكنها في ذات الوقت تعلم أن كلمة صغير لا تقع في اهتمامه موقع القبول تستطيع أن تحرك بقعة مجنونة في أعماقه فيتحول في لحظات إلى وحش كاسر لذا كان عليها أن تتدبر أمرها بشكل هادئ وتختار كلماتها اختياراً دقيقاً بحيث لا تتأثر تلك البقعة بمايحول الموقف إلى انفجار.
خاطبت نفسها ثانية ((تدبري أمرك جيداً)). التفتت إليه وفاجأته، ممزقة الصمت الذي ران عليهما:
-سأقول لك وثق بما أقول، لا توجد في حياتي أسرار غريبة كما يخيل إليك، أو كما تتصور ويدمي دواخلي الآن، أن أقف أمامك كمتهمة عليها، شاءت أم أبت، أن تدلي بما عندها من معلومات ولولا حرصي الشديد على إرضائك لما تفوهت بكلمة واحدة وبعد كل هذه السنين الطويلة من الألفة والثقة والحب، قطعت كلامها ضحكة قصيرة مخنوقة بمشاعر شتى ثم أكملت:
-حسناً، اسمع يا عزيزي، في يوم ما، من تلك الأيام التي نسميها أيام الصبا المبكر، حيث تختلط الخيالات بالأحلام، فلا تعرف الواحدة منا، ما إذا كان الذي أمامها وهما أم حقيقة، كان جار لنا، تعرفت إليه أو هو الذي تعرف بي، تفتحت مشاعرنا الساذجة على عالم ساحر ومضى كنت التقيت به صباحاً ونحن في الطريق إلى المدرسة ونلتقي ثانية ظهراً بعد انتهاء الدوام، كنا من العفوية والسذاجة بحيث أن الكلمات كانت عبارة عن همهمة وكان الخوف يأخذ منا كل مأخذ ومع هذا كنا نسعد في تلك اللقاءات البريئة السريعة. كنت في أحيان أخرى، لا أستطيع لقاءه بسبب مجموعة الزميلات اللواتي كن معي، ماذا قلنا، وعم تحدثنا؟ لا أذكر شيئاً من ذلك، كان الخجل يلفنا، والخوف من رؤية أحد لنا، يفسد علينا حلاوة اللقاء لا أذكر من ملامحه الآن شيئاً واضحاً إلا أنه كان مؤدباً ودافئاً كان يهديني أوراداً فتجف بين أوراق دفاتري وكتبي ومرة أعطاني رسالة لم يكتب فيها سوى كلمات ساذجة من قبيل (أنا أحبك، وأنت حياتي). فوجئت في يوم يبدو الآن بعيداً تماماً كأنه غرق في زحام الزمن كانت العائلة قد انتقلت إلى مكان آخر، ومضت تلك العلاقة العابرة إلى نهايتها من دون أن تترك في دواخلي ما يستحق الاعتبار، ثم امتدت بنا الحياة ورحل بنا الزمن، فجأة وجدتك أمامي في رحاب الجامعة، فكنت مطابقاً للصورة التي استوطنت كياني، صورة الرجل الذي حلمت به والبقية من القصة أنت تكملها!...
صمتت قليلاً شعرت أن لا رغبة لها في قول أي شيء آخر، إنها متعبة تماماً أما هو فبدأ منفعلاً من الجو الذي خيم عليها كان صوتها رخيماً وهي تنطق كلماتها التي كانت تلامس أعماقه المضطربة أحس بالصغر أمام هذا الوجود الرائع إنه يعلم الآن كم عانت وهي تستعيد ذكرياتها البكر، ملأه حنين جارف لاحتضانها لكنه يعرف جيداً أن حالتها لا تسمح بذلك، مد يده بتردد وخوف واضحين فأمسك يدها، سمعها تنهنه، سحبت يدها لتمسح دموعاً كانت قد طفرت من عينيها في لحظة عذاب خارقة.

الثورة الأسبوعي 18/1/2003

((





الورد لغة(3)


من مكانه هذا والذي لا يبعد عنهم كثيراً راح يحدق في الوجوه التي أمضها الانتظار فبدت كابية القسمات ذابلة السمات وكانت أشعة الشمس تستبيح الأشياء بلا رحمة ويشعر الآن بحالة من التبخر تغزو جسده كالحمى الخبيثة يسح عرقه عابراً تضاريس جسمه إلى كل أجزائه الأخرى ما زال الوقت يتدلى كريهاً وبطيئاً يهتف ساخراً من كل شيء أواه أيها الأصدقاء كم هي ظالمة صداقاتكم وكم أنتم زائفون.
وهو يتطلع إلى الجهة الأخرى تغمره لحظات من الفرح يطفو فوقها يغادر لحظات من الفرح يطفو فوقها يغادر مكانه تحمله خطواته المتسارعة عبر الشارعين متحدياً سيل السيارات الذي لا ينقطع يقف الآن بين أشجار اليوكالبتوس يدنو نحو أغصانها المتشابكة يقطع بعضاً من وريقاتها التي بهتت خضرتها ثم يفركها بين كفيه ويستنشق رائحتها بعمق هناك حوض ماء إلى يمينه تنطلق منه نافورات ثلاث يتجمع ماؤها وسط الحوض مكوناً بركة ماء صغيرة اقترب منه واضعاً وجهه قبالة الرذاذ الذي انتشر من حوله كغلالة شفافة وضع يديه في ماء الحوض اغترف شيئاً منه مسح وجهه وشعر رأسه يشعر بالضجة تبرد قليلاً في عروقه فاستسلم إلى ما يحيطه بلذة طفولية ساحرة افتقدها منذ زمن بعيد كانت ذرات الماء تداعب مساحات من وجهه الصحراوي وتفرش كالأمل بين عينيه بدا باب مستشفى اليرموك الكبير والذي فتح على مصراعيه بعيداً عنه حداً تأمل ما حولـه رأى على مبعدة أمتار منه محلاً لبيع الزهور همس لابد من هدية أقدمها لصديقي الراقد في المستشفى وليس كالزهور هدية رائعة توجه نحو المحل وقف أمام واجهته الزجاجية العريضة يتأمل بهدوء ولذة محتوياته الأنيقة قوة ما تسحب بصره إلى هناك إلى نقطة حيث يمتزج الحلم بالواقع وتنهال مع الخيال صور ورؤى لا حصر لها ((أغمض عينيك قليلاً وتأمل بعمق ذلك الوجه القادم من تخوم الذكريات العزيزة وأيام الصبا الأولى أحقاً ما أرى أحقاً ألتقي بك في مثل هذا الوقت وبهذه المصادفة الغريبة حسيب عبد الله معلمي الفاضل قبل أكثر من ربع قرن الآن أحس بوطأة السنين وتخثرها في الأعماق لحظة هدوء أحتاج إليها الآن لأسترد أنفاسي لحظة هدوء هي جرعة دواء مهدئ إلا أن العروق بدأت تنتفض لذلك الزهو الذي أعاد إلى الذاكرة رائحة تلك الأيام المجيدة).
وينداح فرح الطفولة كله في أعماقه ويغمر الوجود من حوله بفيض من ارتعاشات عذبة أمسك مقبض الباب دفعه ثم دلف إلى الداخل طالعته شجيرات الظل وهي تحيط بالمدخل الأنيق ثم يغمره جو المحل بمشاعر ساحرة ويلتقط السمع أنغام موسيقى هادئة تنساب من جنبات المحل كله وعلى استحياء منه ينساب بصره نحو الوجه الهادئ الرصين ثم يتحول البصر إلى باقات الزهور والتي تتماوج ألوانها في تناسق رائع في سلالها الأنيقة ثم تلقي عليه التحية بدا لك غير صوتك ويمتلئ سمعك بذات النبرات التي تحتضن الذاكرة إيقاعاتها الحبيبة:
أهلاً أهلاً عليكم السلام.
يضع كتاباً كان بين يديه على المكتب الصغير الأنيق الذي يجلس خلفه ثم ينهض واقفاً بعد أن خلع نظارته ووضعها فوق الكتاب يرتفع صوته ثانية فيفجر مواطن الحنين في أعماقه كلها.
تفضل اجلس.
ويشير إلى كرسي قريب منه وأنت تضيع في قسمات الوجه المتعب ترد:

شكراً شكراً جزيلاً لك يا أستاذ.
في لحظة واحدة تنز الفكرة حيث تمتزج بحميمية مشاعر الرجل بمشاعر التلميذ.
بودي الحصول على باقتي زهور!
ينقطع وريد الكلمات تهتف ملتاعاً (أكمل أيها الرجل الذي شابت سوالفه أغمض عينيك وقل كلمة واحدة أبعد عنك أمواج الذكريات فالرجل بدأ يحس بما تعانيه).
ويخرج الصوت من الشرنقة نعم قلت باقتين واحدة لصديق يرقد في هذا المستشفى.
وتشير إلى الجهة المقابلة وتحاول أن تكمل لكن ابتسامته تقاطعك ابتسامته التي لم تتغير كما هي تلتصق بزاوية فمه فتشع على سمات وجهه عذوبة لا تنسى.
دونك المحل ففيه من الزهور التي تستطيع أن تختار منها ما تريد.
ثم يتساءل كمن تذكر.
قلت باقتين؟..
نعم.
وقبل أن يجيبه يعتذر ثم ينشغل بشخصين دخلا المحل كان يحادثهما بذات الرزانة وذلك الهدوء الذي عرف بهما لم تتغير كثيراً سيدي ما زالت عيناك تطلان على الحياة بنفس الحب والوداعة ووجهك الذي بدت جبهته عريضة وعالية أكثر من ذي قبل لكأنك النقاء بعينه من بين معلمينا كنت الأحب معلم اللغة الإنكليزية ويرن في أذنيك صوت مراقب الصف يؤدي لـه التحية وهو يطلب من التلاميذ بلغة إنكليزية علمنا إياها أن يقفوا احتراماً له ثم يقف أمامنا في تلك الصباحات التي لا تنسى وكل مافيه يفيض بالحب والإخلاص ثم يطلب منا الجلوس بلغته المقتدرة ويبدأ الدرس وتستدير نحوه جاذباً نفسك بصعوبة من ذلك المجال الممغنط والذي اختصر الزمان والمكان بقوة خارقة وها هو الحاضر تحتويك لحظاته ثانية.
الورود البيض قليلة كما أظن
يتساءل مبتسماً:
لماذا الأبيض؟..
ثم يستطرد.
نعم للأزهار لغاتها وألوانها تبعث في الروح حياة أخرى إنها جزء رائع مما تنعم به الحياة علينا.
يصمت فجأة ثم يشير إلى مجموعة من الباقات كانت ألوانها تتوهج تحت الإضاءة الباذخة لمصابيح النيون.
هناك باقات اللون الأبيض فيها أكثر من غيرها.
وتوبخ نفسك لا يمكن أن تزعج الرجل أكثر مما فعلت ثم تشير بيدك هذه من فضلك والأخرى التي بجانبها.
يبتسم بود وهو يضع الباقتين على المنضدة ثم يثبت على غلافيهما الشفافين شريطاً ملوناً يحمل اسم المحل وعنوانه ويقدمها إليه تمد يدك بتردد تخاطبه بصوت هامس تنطلق كلماتك لتخب مختالة بذلك الزهو الذي يضج بالحب والعرفان.
أستاذي الفاضل أنت لا تتذكرني طبعاً فالمعلم لا يتذكر كل تلاميذه ولكنهم يتذكرونه ويحبونه كما الوطن ولاسيما إذا كان من طراز الأستاذ حسيب عبدالله تراه ينأى بعينيه بعيداً عنك يوغل في عمق المفاجأة ويحادث السكون الذي خيم على كل شيء حوله بسرعة يلتفت إليه تنتشر الابتسامة على الوجه الحبيب.
لا تستغرب أستاذي الجليل فوجئت بوجودك هنا وأنا أتهيأ إلى عيادة صديق عزيز يرقد في المستشفى المقابل لمحلك اسمح لي باسم سنين الحب والبراءة أن اقدم لك هذه الباقة.
تتجمد الكلمات في فمه تفر مذعورة وما زال يحدق في العينين الوديعتين إلا أن الرجل يسارع لاحتواء الموقف فيقول باسماً:
ماذا يمكنني أن أقول سوى أنني ممتن لك أيها العزيز هديتك هذه عززت ثقتي بالحياة والناس سأتذكر. هذا الموقف طويلاً واذكر الإنسان الرائع الذي أود أن أتعرف عليه.
أجابه متأثراً برقته:
نبيل هادي
كمن يستذكر همس بعد لحظات:
نعم، نعم نبيل هادي نبيل فعلاً.


((





بعض عزاء


تجشأ بصوت مسموع كأنه النفير، فاجأته الحالة، فلم يستطع السيطرة عليها أو احتواءها أطلق شحنة من الهواء ممزوجة برائحة نفاذة لاذعة، مالبثت أن انتشرت في ذلك الجو المحدود بفضل الهواء المتدفق من فتحة النافذة، سمع همهمة وراءه التفت إلى السائق وقبل أن يعتذر إليه رآه يسدد إليه نظرة سريعة مستخفة به، وساخرة منه، كأنه يقول له:(اعلم أنك ثمل يا هذا، منذ اللحظة التي ركبت فيها السيارة وجلست إلى جانبي).
ملأ أعماقه خجل شديد، سيطر عليه وشلَّ حركته فقرفص في كرسيه محدقاً إلى الطريق الممتدة أمامه، توزع بصره بين السيارات التي كانت تمرق أمامه مسرعة، قال بصوت منخفض (عظيم كل شيء في هذا الكون يتحرك ويمضي مسرعاً نحو مستقره).
في هذه اللحظات بدأ إسفلت الشارع لامعاً مغسولاً بماء المطر كان يعكس أضواء السيارات كأنه مرآة هائلة، قطع عليه تداعياته صوت خشن يأمره بلهجة حادة(أغلق النافذة، الهواء بارد) أمسك بمقبض الزجاج ودفعه إلى الخلف ثم اتكأ ثانية على كرسيه (ماذا تقولون يا أولاد عني من المؤكد أنكم تنتظرون عودتي، ومعي العشاء الذي وعدتكم به، وها أنا ذا في الطريق إليكم بعد قليل ستقف السيارة أمام المطعم، وسأختار الدجاجة التي تليق بأفواهكم الحلوة) تلك أضواء المطعم تبدو واضحة من هنا. أما أنت أيتها الصابرة المتعبة ما الذي يخطر ببالك الآن؟.. أعلم بما ترددينه، إنني أحفظ كلماتك تماماً (ارحم نفسك يا رجل، فالعمر لا يتسع لكل هذا الذي تفعله، قلل ما استطعت من هذا الذي تشربه) يبتسم في سره (لقد قلت لك مراراً إن الأمر ليس ضاراً إلى الحد الذي تتصورينه، لقد كان الشراب صديقاً لايفارقني كل ليلة، وأكيد سيأتي يوم أفارقه فيه على مضض، فإما هو، وإما الطعام، لن يكون هناك مجال للاختيار).
قبالة المطعم وقفت السيارة قطع الشارع نحو الجهة الثانية مسرعاً، وهو يزرر سترته، أحس بوخزات البرد تتوزع جسده فرك يديه وهو يخاطب عامل المطعم، أن يهيِّئ له لفافة الطعام.
كان عليه أن يقطع طريقاً (طويلة) بعض الشيء إلى البيت، مد بصره إلى ساعته، رآها تتجاوز الحادية عشرة هذه الرحلة الليلية طالما أتعبته، هناك خيوط خوف بدأت تتسلل إلى أعماقه، خوف غامض لم يعهده من قبل. تراءى له الطريق بلا نهاية، كأنه يراه للمرة الأولى (لم هذا الخوف؟.. هذا شعور غريب لم أألفه من قبل، ربما هو الشراب، ولكن يبدو أن الأمر حقيقة لقد بدأ الخوف يغرز دبابيسه في عروقي).
توغل في الشارع وهو يغمغم بكلمات أغنية قديمة كان يحاول أن يسمع صوته بوضوح، رفع بصره نحو السماء، كانت قطع الغيوم الداكنة تتحرك في مسارات مختلفة، عاد ليلتفت إلى الجهة الأخرى من الطريق، كانت مناظر الحقول التي تحاذي الشارع داكنة كئيبة، وهي أيضاً مهجع موحش يُؤوي الكلاب السائبة، في هذه اللحظات يبدو الشارع مظلماً، إلا من خيوط نور شاحبة وبعيدة، يزيد في قسوة الطريق خلوه من المارة في هذه الساعة من الليل، أصوات نباح كلاب تعكر صمت المكان، وسكونه القلق، أسرع في سيره، قال يخاطب نفسه، (إنها حالة من الانفعال لم أعهدها من قبل، ما هذا؟.. إنها مجموعة من الكلاب تتجمع لتقطع الطريق علي، هاهي تقترب نحوي رويداً رويداً، كما لو أنها كانت بانتظاري، ترى هل تشممت رائحة الطعام؟). في هذه اللحظات، سمع صوت صفارة حارس ليلي، بدت له بعيدة كأنها آتية من عالم آخر، يالها من لحظات غريبة، راحت السكرة، وجاءت الفكرة تذكر، وهو في قمة خوفه وقلقه، تلك الحادثة التي وقعت له وهو في السابعة من عمره، عندما هاجمه أحد الكلاب وأنشب أنيابه في ساقه، تذكر كيف كان العلاج مؤلماً مرهقاً(منذ ذلك التاريخ كرهت الكلاب، واليوم أيعقل أن يبعث بي الخوف وأنا في هذا الخريف من العمر؟.. لا خيار أمامي سوى أن أتقدم إلى أمام) فظن إلى أنه مطوق، فالكلاب تحيط به، هز يده بتصميم (شمّت رائحة الطعام. ولكن هيهات أن أفرط بعشاء الأولاد. إن أحبتي إياد وسهاد وميعاد بانتظاري الآن).
تقدم مسرعاً، لكن أحد الكلاب قفز من جانبه، كأنه يختبر شجاعته في تلك اللحظة ارتطم به كلب آخر، تقهقهر مأخوذاً إلى الجانب الآخر من الشارع، أطبقت يداه على لفافة الطعام توقف قليلاً كي يسترد بعضاً من أنفاسه اللاهثة. غمر الشارع نور مصابيح سيارة آتية نحوه، استبشر خيراً إلا أنها ما لبثت أن اختفت عند دخولها أحد الأزقة. فاضت نفسه بالمرارة (هذه ليلة لا تنسى. لا أحد في هذا الوقت يمكن أن يمد لي يد المساعدة، أين الناس؟.. أين حراس الليل؟.. في أي مكان أنا من هذا العالم المخيف؟ لا أحد سوى الكلاب.
لم يعد يفصلني عن البيت إلا مسيرة دقائق قليلة، مسافة لم تعد طويلة، التقط حجراً قريباً منه مضى ببطء يتقدم، لكن أحد الكلاب هاجمه وجهاً لوجه، تراجع بسرعة مذعوراً وإلى الخلف وهو يسدد له الحجر بكل قوته، حاول أن يلتقط حجراً آخر، إلا أن الكلب هاجمه بسرعة من دون أن يترك له فرصة لذلك، شعر بألم يخزه في ساقه.صرخ بكل صوته، في هذا الوقت رمى كلب آخر بثقله عليه، فقد السيطرة على نفسه. إنه يسقط بين الكلاب مذعوراً. ممزق اليد والساق، تدافعت عليه الكلاب، طرحته أرضاً، مزقت ملابسه وأجزاء من جسده، أفلتت يداه لفافة الطعام مكرهاً حاول الوقوف ثانية، تراءت له مجاميع الكلاب وهي تبتعد عنه، ولفافة الطعام بين أنيابها، يحاول كل كلب أن يستأثر لنفسه بالطعام، سريعاً نشبت، المعركة كانت ضارية وقاسية، النباح يملأ الجو ضجيجاً، أرسل نظرة بائسة، شملت المكان كله، خاطبها قائلاً: (تقاتلي تقاتلي، فربما كان في ذلك بعض عزاء لي).

العدد 195 الأربعاء 19/12/2001 (الإعلام).

((





فضاءات فسيحة


نهض متباطئاً من كرسيه، بعد أن وضع كتاباً كان يقرأه على منضدة صغيرة أمامه، وهو يردد... (ثمة ضوء قليل، ثمة ألم عظيم).
عقارب ساعته تشير إلى الثانية عشرة تقريباً قبل منتصف الليل، كان ضجيج الزقزقة يثيره تماماً، ويغتصب لحظاته المضيئة التي كانت تشده إلى كتابه، ولطبيعة العلاقة الوثيقة القائمة بينه وبينهن فإنه في أغلب الأحيان يعرف ماتريد هذه المخلوقات النزقة والحبيبة إلى نفسه، لذا فإن تلبية رغباتهن كانت تسعده دائماً، عند توجهه ناحية الشباك الذي ثبت القفص الضخم خلفه مباشرة، أثاره صراخ حاد من بين جلبة الأصوات المختلطة ببعضها والتي يبدو كما لو أن هذه الكائنات قد هوجمت بقسوة، ابتسم في سره، إنه يعرفه، ويعرف سبب صراخه، غمغم وهو يشعر بفيض من سعادة دافقة.
-أيها الرمادي الملعون، أعرفك جيداً، إنك لا تهدأ أبداً، ترى ماذا فعلت وماذا يحدث الآن في بيتك الذي يرتفع الضجيج من كل أركانه.
فتح مصراعي الشباك، فانهمر صوت الزقزقة داخل الحجرة الواسعة، كشلال ضوء يسطع بألوان زاهية، يستطيع الآن أن يمد يده عبر المساحة المتاحة، خلل العوارض الحديدية التي تؤطر الشباك، ليرى ما سبب هذا الشغب. وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل، تذكر إنه لم ير طيوره منذ ليلة أمس، وهو على ثقة من أنها تود لو تراهن وقد خلت الدار من وجودهن، يعلم جيداً أنها لا تعيرهن أي اهتمام، بل إنه وجدها في مرات عديدة تمنع الماء عنهن وكانت شكواها مستمرة ولا انقطاع من إزعاجهن لها، شمل القفص بنظرة سريعة، وجد الفوضى شاملة، كل شيء في غير مكانه، قدح الماء مقلوب ومركون في مكان قصي من القفص، فتات الطعام منثورة في أجزاء متفرقة من القفص، وخارج الأواني المعدنية الصغيرة المخصصة لها، والرمادي الملعون ما زال يصرخ بلا كلل ولا ملل. يصعد إلى أعلى القفص ثم ينزل إلى قاعدته ثانية، أحس بحزن شفيف يجتاح روحه بسبب بعض البيضات التي تكسرت جراء الفوضى الشاملة التي تنتشر في أرجاء القفص، قال كأنه يتحدث إلى طيوره.
حتماً كان العدد سيزيد لو...
وتراجع بسرعة وهو يقطع خيط أفكاره، ثم يعود يتساءل ثانية، ما قيمة (لو)، لا يكره شيئاً كما يكره هذه الكلمة ويمقتها، إنها شعار الضعف والتخاذل في كل الظروف والمواقف، حدق ثانية إلى الطيور وتساءل:
-من الذي يقود هذه الفوضى داخل هذا المكان الصغير؟.. إنه الخراب بعينه.
كانت اللؤلؤة هذه البيضاء المتعالية، العاتية، سريعة الحركة، إنها تشمل المكان كله بحركاتها السريعة تتبعها بعض من رفيقاتها المقربات لها وما تبقى فقد تجمع على شكل حلقات، كان أمراً خطيراً قد حدث وإن هناك حاجة لاتخاذ قرار ما بالنسبة لمصير هذه المخلوقات، ما زال صوت الزقزقة يملأ سمعه، على مهل فتح باب القفص وأدخل يده المدربة، أمسك بقدح الماء وسحبه ثم مضى به إلى داخل البيت، رجع ثانية مسرعاً وثبت قدح الماء في مكانه المخصص، سحب أواني الطعام الصغيرة ووضعها في أماكنها وأغلق الباب بسرعة، ظن أن الطيور ستتدافع وتتجمع حول قدح الماء وإن أصواتهن لا تلبث أن تتلاشى، مضى ثانية ليأتي بقطع من الخبز والطماطم المقطعة والخضر المفرومة، أفرحه أن الطيور بدأت تتدافع نحو منهل الماء، تقدم الرمادي أولاً ومعه اللؤلؤة البيضاء، شربا أولاً ثم تبعتهما الشقراء المشعة وبعدها الصديقات الواحدة بعد الأخرى أما الأسمر الداكن فكان كالعهد به، هادئاً ورزيناً، دقائق وعاد ثانية ليفتح باب القفص ثم يوزع الطعام في الأماكن المعدة له.
غمره هدوء رائع وهو يرى طيوره تلتقط شيئاً من الطعام المقدم لها ومع انشغالها بشرب الماء ونقر الطعام فإن أصواتها لم تنقطع، تلك التي تجمعت في حلقات وشغلت فضاء القفص بكامله كانت تتقاسم الصراخ فيما بينها بدون انقطاع. أصغى باهتمام لهذا الهوس الغريب وتساءل...
-ماذا يحدث في هذا العالم الصغير جداً..؟
عذبته أفكار متباينة، أطلق آهة طويلة ثم غمغم قائلاً:
-آه لو كانت توليهن بعض الاهتمام، ليس لديك ما تفعلينه سوى النوم، أيها العمر المحسوب باللحظات ما الذي تبقى منك، عرضت الصداقة فرفضتها عرضت السلام وقلت لها لابد من هدنة طويلة بيننا فهذه الحرب تبدو بلا نهاية.
صرخت إنني أرفض، أرفض لا جدوى من كل شيء، اعترف بأننا فشللنا... نعم فشلنا حتى في أن نقيم علاقة معرفة بسيطة كما الناس الآخرين، أيتها الظالمة اغتصبت أجمل سني حياتي وأجهضت أزهى أحلامي ماذا بوسعي الآن أن أفعل، بل ماذا بوسع المهزوم أن يفعل. لا شيء.. لا شيء سوى الخيبة ، قلت ليس كالطيور مسرة، الغريب أنني عرفت في يوم ما من هذا العمر القصير الحب معها، أعترف بأنني أحببتها بكل براءتي وقد تكون سذاجتي أو قل رعونتي، حتى إذا صرنا زوجين بدأ الحلم بالتبدد والأمل والضياع.
أوووه... كم الساعة الآن؟.. كنت أردد شطراً من قصيدة مترجمة كلما افترسني الغضب ونضب معين الحلم في الأعماق (ثمة ضوء قليل، ثمة ألم عظيم). لم أستطع أن أحقق معها شيئاً من طموحاتي، فصار المستحيل حياتي، ومضى الخيال إلى شطآن نائية مجهولة.
تنبه ثانية إلى صوت الزقزقة التي سحبته من تداعياته المؤلمة فضاق بها وهمهم (هذه الطيور اللعينة لا تريد أن تهدأ)، كانت الأشجار التي تؤطر الحديقة من أركانها الثلاثة قد تسامقت وتشابكت أغصانها وبدت في هذا الجو ومن هذا المكان كما لو أنها مدخل غابة، منذ فترة بعيدة فقد الاهتمام بها وبأشياء كثيرة، كان القمر في هذه الليلة يسيل ضوءه على كل الأشياء ويغمرها بذلك الفيض السحري الأخاذ فيحيلها إلى عوالم ترفل بالهدوء والبهجة، سره أن ينظر إلى القمر ويطيل التحديق إليه، رآه خلف الأشجار والسحر الذي غمر نفسه فارساً أبيض الوجه يمتطي صهوة جواده الأدهم، فارساً رائعاً مكتمل البهاء والنور، ثمة شيء يتفتح داخل النفس، غيوم سود تغادر أعماقه، سعادة مفاجئة هبطت عليه كنثيث مطر ربيعي، سعادة تسللت إلى كل عروقه فامتزجت مع دمائه، أصاخ السمع لهدير الحياة العارم يتدفق مع مسارب روحه، هتف بامتنان مخاطباً الكون الذي بدا أمامه متفتحاً فسيحاً بلا نهاية أو حدود...
-هل بدأ تاريخ جديد في حياتي ومنذ اللحظة، هل مضت أيام الجفاف إلى غير رجعة.
هاهي سيول الحياة تتدفق دون هوادة لقد افتقدت روحه ومنذ زمن بعيد هذه اللحظات النادرة(الآن لم أعد غريباً عليها، إنني أعود ثانية إليها أعود لأحضانها الدافئة بعد فراق طويل... طويل سأرسم بيدي مساحة الأيام المشرقة القادمة) إن هذا اللهيب الذي يستعر الآن في عروقه سيحرق تردده وضعفه بل إنه سيدمر كل جبنه (ها آنذا أقف على شاطئ جديد، أهتف بكل مافي صوتي من قوة.. أيتها الطيور الرائعة، أيتها الكائنات البريئة، اللحظة أولد من جديد ماكان في الماضي لن يتكرر ثانية، سأفتح باب القفص وها أنا ذا أفرد جناحي ليمضي كل منا إلى فضاءاته الفسيحة ولسوف نردد معاً:
(ثمة أمل عظيم،, ثمة ضوء كثير).
((



المحتوى

المعطف 5
شيء من الحب 18
الخيمة 23
كلمات في دائرة مغلقة 30
سيدة الزمن الآتي 34
بقايا رؤى من حلم مجنون 41
الليلة الثالثة 69
وداع تشريني 75
انتباهـــة 82
دموع في شارع مزدحم 89
السلَم 95
يوم في حياة المواطن ((عبد الله المدهوش)) 101
تعامل 118
إنه المطر 126
أبديات أزلية 132
شيء اسمه الماضي 139
تـوق 143
قصص قصيرة 149
مواجهة 152
مختبر الحياة 157
مملكة الصمت 164
عشاء لقطة مي 169
الحلم 174
المستحيل 179
آدم 185
مت مرتين 194
شواطئ نائية 202
الورد لغة 209
بعض عزاء 216
فضاءات فسيحة 221


((

(1) الثقافية العدد 206 الأربعاء 6/3/2002
(2) ثقافية العدد 252 الأربعاء 29/1/2003.
(3)الثورة الأسبوعي 31-8-2002 الأفق الثقافي.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

-222-

-3-