Advertisement

Nikolai Gogol - The Overcoat - The Nose

نيكولاي غوغول
المعطف والأنف

نقلهما إلى العربية: د. محمد الخزاعي

المعطف والأنف / قصتان
نيكولاي غوغول / مؤلف من روسيا
نقلهما إلى العربية: د. محمد الخزاعي / مترجم من مملكة البحرين
الطبعة الأولى، 2013
المؤسسة العربية للدراسات والنشر
نيكولاي غوغول

ولد الكاتب الروائي والقصصي الروسي نيكولاي غوغول في 31 مارس 1809 في عائلة من صغار العائلات الأرستوقراطية الأوكرانية، وانتقل في سن التاسعة عشرة إلى العاصمة سان بطرسبرج، وبدأ الكتابة في سن مبكرة عندما نشر قصيدة روائية بعنوان (هانز كوجلجارتن)، التي استقبلها النقاد استقبالا سلبيا، مما اضطر غوغول لجمع وشراء ما تبقى من نسخ في الأسواق وفـر من روسيا لفترة قصيرة.
وعند عودته إلى روسيا عمل في أحد المكاتب الحكومية بينما كان يدرس الرسم، واشتغل بالتدريس في إحدى مدارس البنات الداخلية، ونشر خلال هذه الفترة مجموعتين من القصص ( أمسيات في مزرعة بالقرب من ديكانكا) (1831_1832) استمد مادتها من الفولكلور الأوكراني الثري وعاداته القوقازية.
وقبل أن ينتقل إلى جامعة سان بطرسبرج ليحاضر في تاريخ العصور الوسطى نشر مجموعة قصصية ثالثة (1835) بعنوان (مير جورود).
بعد ذلك بدأ نبوغه يتضح من خلال مجموعة من القصص من بينها (الأنف) (1836)، و(المعطف) (????)، و(النفوس الميتة) (????)، ورائعته الدرامية (المفتش العام) (1836)، التي ذاع صيتها ومثلت كثيرا خارج روسيا في عدة لغات من بينها اللغة العربية. وقدمت على المسرح في البحرين في مطلع السبعينيات، عندما أنتجها مسرح أوال وفرقة ممثلي المنامة باللغة الإنجليزية.
يعتبر غوغول واحدا من أكثر الكتاب الروس موهبة، وأحد دعائم نهضة روسيا الأدبية في القرن التاسع عشر، بسبب أسلوبه المتميز الذي جمع بين الواقعية والسخرية القاتمة، ونظرته الكوميدية الغريبة، وهي صفات تجسدت في القرن العشرين فيما يعرف بأدب اللامعقول، خصوصا في مجال المسرح، كأنما كان سابقا عصره ومبشرا لحركة لم تظهر إلا في منتصف القرن العشرين.
توفي غوغول في الرابع من مارس 1??? بعد فترة تميزت باضطرابات نفسية معقدة، بسبب نزعاته الدينية المتعصبة التي غيرت مجرى حياته تماما. فقبل وفاته بعشرة أيام أحرق الجزء الثاني من مخطوط (النفوس الميتة).
المعطف
(1)

في واحدة من دوائرنا الحكومية.... لعله من المستحسن لي أن لا أذكر هذه الدائرة بالاسم. فليس هناك من هو أشد حساسية من العاملين في الدوائر الحكومية أو الفصائل العسكرية والسفارات أو في الحقيقة أي صنف من المؤسسات الرسمية. ففي هذه الأيام يعتقد كل مواطن عادي أن المجتمع برمته يتعرض للإهانة عندما يتعرض هو شخصيا لأية إهانة.
ويقال إنه منذ زمن ليس بالبعيد أن مفتش شرطة في أحد الأقسام الإدارية قد تقدم بشكوى (لا أستطيع أن أتذكر إلى أية مدينة كان ينتمي)، وفي هذا الصدد فقد أوضح ببساطة صارخة بأن الدولة وجميع قوانينها في طريقها إلى الانهيار، وأن اسمه المقدس قد تعرض للإساءة بما لا يدع مجالا للشك.
وللتدليل على صحة ادعائه فقد أرفق وثيقة إضافية تتمثل في مجلد ضخم، يتضمن كتابات على مستوى عال من الرومانسية، حيث يظهر مأمور للشرطة بين كل عشر صفحات، وفى بعض الأحيان في حالة من السكر الشديد. ولذا، فإننا من أجل تفادي المزيد من الكراهيات، يحسن بنا أن نطلق على تلك الدائرة المعنية (دائرة ما ).
ففي دائرة ما إذن، عمل موظف مدني ما. وليس بالإمكان بأي حال أن يقال بأن مظهره كان من ذلك النوع الذي لا يغيب عن الذاكرة؛ فقد كان قصير القامة، وعلى وجهه آثار حبات جدري، وشعره يميل إلى الحمرة، كما كان ضعيف البصر، أو هكذا بدا. كان ذا صلعة في مقدمة رأسه، وكان كلا خديه قد تعرض للتجاعيد. كانت بشرته من النوع الذي تجده عند أولئك الذين يعانون من البواسير..... وليس هناك ما يستطيع المرء عمله حيال هذا، فطقس بطس برج هو الملام.
أما بالنسبة لرتبته في سلم وظائف الخدمة المدنية (فينبغي علينا أن نحددها قبل أن نمضي قدما) فقد كان ينتمي إلى تلك الفئة التي عرفت بالمستشارين الفخريين الدائمين (مستشارين بالاسم)، التي ظلت لفترة طويلة، كما نعلم جميعا، موضع سخرية وتهكم من قبل فئة من الكتاب، التي اشتهرت بشن هجومها على أولئك الذين ليسوا في موقع يسمح لهم بالرد. كان اسمه باشمتشكين، الذي يبدو بكل وضوح أنه اشتق من كلمة باشمك (التي تعنى بالروسية حذاء).
ولكن متى على وجه التحديد، وفي أي وقت من النهار، وكيف تكون هذا الاسم؛ فإن هذا شيء شديد الغموض. كان كل من أبيه وجده وحتى صهره وكذا جميع ال باشمتشكين يلبسن أحذية عالية تغطى الساق.
كانوا يجددون نعلها ثلاث مرات في العام. كان يدعى أكاكي أكاكيفيتش. قد يبدو هذا غريبا بعض الشيء للقارئ الكريم أو أنه مبالغ فيه بعض الشيء، غير أننا نود أن نؤكد له أنه ما من أحد كلف نفسه مشقة البحث عنه، ولماذا انتهت الأمور على هذا النحو ليدعى بأي اسم غير هذا الاسم. وهذا ما حصل:
ولد أكاكي أكاكيفيتش في ليلة ?? مارس، إن لم تخني ذاكرتي. كانت المرحومة والدته، زوجة لموظف في الخدمة المدنية وسيدة فاضلة، قامت باتخاذ الترتيبات اللازمة من أجل تعميده. ففي ذلك الوقت كانت لا تزال مستلقية على ظهرها في فراشها ووجهها نحو الباب، وعن يمينها وقف العراب، إيفان إيفانوفيتش يروشكين، سيد في غاية التميز كان رئيس الكتاب في مجلس الشيوخ، والعرابة، أرينا سميونوفنا بلروشكوفا، زوجة مفتش شرطة الإقليم وسيدة فاضلة من نوع نادر.
وعرضت على الأم ثلاثة أسماء: موكيا، سوسيا، أو خوزدازات، باسم الشهيد. (أوه، كلا) ما كان يدور في مخيلة والدته، (ليس بمثل هذه الأسماء الفظيعة المتداولة هذه الأيام)، وفي محاولة لإرضائها تصفحوا عدة صفحات في التقويم التابع للكنيسة الأرثوذكسية فوقعت أعينهم على ثلاثة أسماء غريبة: تريفيلي، دلا وفاركاشي. هذا محض عذاب أنزلته السماء)، تمتمت المرأة، (لا يالها من أسماء. وحياتي لم أسمع بمثل هذه الأسماء. فرادات وفاروخ لن تكون أسوأ من تريفيلي وفراخاسي)، وقلبوا صفحة أخرى من التقويم فوجدوا بافيكاخي وفاختيسي. (حسنا، من الواضح تماما أن هذا هو القدر. فمن المستحسن أن نسميه باسم والده. كان يدعى أكاكي فدعونا إذن نطلق على ابنه أكاكي أيضاً). وهكذا أصبح أكاكي أكاكيفيتش. وعمد الطفل وانفجر أثناء الحفل باكيا، وانهمرت دموعه وتبدلت ملامحه، وتيقن عندئذ بأن قدره أن يصبح مستشارا بالاسم فقط.
وسبب هذا السرد هو لتمكين القارئ للحكم بنفسه على مجرى الحوادث بأنه كان مقدرا تماما ومن المستحيل أن يكون لأكاكي أي اسم غير هذا الاسم. على وجه التحديد متى بدأ العمل في الدائرة، ومن كان المسئول عن توظيفه، فمن المؤكد أنه ليس باستطاعة أحد أن يذكر شيئا من هذا القبيل. فبغض النظر عن عدد المدراء والرؤساء الذين تعاقبوا عليه، فقد كان يرى دائما في المكان نفسه بالضبط – ويقوم بتأدية العمل نفسه - مجرد نسخ روتيني، ولا شيء سوى النسخ. ونتيجة لذلك اعتقد الجميع بأنه قد ولج إلى هذا العالم مهيئا لهذا العمل، ومجهزا ببدلته الرسمية وبقعته الصلعاء. لم يكن له أحد من العاملين في المكتب أي احترام. فعندما يدخل لم يبق البوابون جالسين فحسب وإنما لم يعيروه أي اهتمام أو يلقوا عليه نظرة، كما لو كان ذبابة منزل عادية مرقت عبر غرفة الجلوس. بعض مساعدي رئيس الكتبة كانوا يحذفون بعض الأوراق في وجهه من غير أن يتفوهوا بعبارة مثل: (أرجو أن تقوم بنسخ هذه) أو (إليك هذا العمل الصغير المثير للاهتمام) أو بعض الملاحظات الصغيرة اللطيفة التي تسمعها في المؤسسات التي تتصف بالتهذيب.
وكان يتناول كل ما كان يوضع أمامه دون أن يكلف نفسه مشقة رفع رأسه ليرى من وضعه هناك أو ليسأل نفسه فيما إذا كان من الصواب أن يفعل ذلك، فقد تسمرت عيناه على ما يجب عليه تأديته. فقد كان ببساطة يتناول الوثائق ويبدأ في نسخها. وكان صغار الكتبة يتضاحكون ويروون النكات بشأنه – على مدى ما يسمح به المكتب من امتداد – وكانوا يروون أقاصيص من اختراعهم، حتى عندما كانوا يقفون بالقرب منه، حول صاحبة مسكنه البالغة السبعين من العمر، على سبيل المثال، التي اعتادت على ضربه، كما كانوا يقولون. فكانوا يسألون متى سيكون موعد الزفاف لينثروه بقصاصات الورق، التي يسمونها الثلج.
ولكن أكاكي أكاكيفيتش لم يبد أدنى اعتراض، كأنما لم يكن هناك أحد على الإطلاق. فعمله لم يتأثر بأي حال ولم يخطئ في نسخ حرف واحد في ظل هذه المضايقات. فقط عندما تصبح النكات لا تطاق عندما يهز أحدهم كوعه مثلا، ويمنعه من العمل - كان يقول: (دعني وشأني، لماذا تعذبني؟) كان هناك شيء غريب في هذه الكلمات والطريقة التي كان يتلفظ بها. فقد كان لصوته نغمة غريبة تجعلك تشفق عليه،
لدرجة أن أحد الكتبة حديثي التعيين في الدائرة، والذي كان على وشك أن يسلك مسلك الآخرين وأن يبدأ في السخرية منه، توقف فجأة في منتصف الطريق، كما لو كان قد تسمر أو أصيب بشلل.
ومنذ تلك اللحظة رأى الأمور بمنظار آخر. فكأنما قوة خارقة أبعدته عن زملائه الذين عندما التقى بهم للمرة الأولى ظنهم رجالا على شيء من التهذيب. ولفترة طويلة فيما بعد، حتى في أشد حالاته مرحا، كان يرى ذلك الشكل ببقعته الصلعاء ويتمتم أمامه بصوت مثير للأسى (دعني وشأني، لماذا تعذبني؟) ومن خلال هذه الكلمات النفاذة كان يسمع أصوات آخرين (أنا أخوك). فكان المسكين يدفن وجهه في راحتيه، وفى مرات عدة فيما بعد كانت تنتابه قشعريرة عندما كانت تراوده فكرة كيف يمكن للناس أن يكونوا بهذه الوحشية، وكيف تخفي التصرفات المهذبة والتربية الحسنة هذه الفظاظة الشديدة، يا إلهي، في أكثر الناس المعروفين بنزاهتهم واستقامتهم...
من الصعب على المرء أن يجد إنسانا في أي مكان يحيا من أجل عمله. فالقول بأنه كان يعمل بحماسة وإخلاص يمكن اعتباره من قبيل التصريح المكبوح: كلا، كان يعمل بشغف.
ففي ذلك النسخ كان يلمح عالمه المتنوع واللطيف. وبإمكان المرء أن يرى المتعة على وجهه. كانت بعض الأحرف من حروفه المفضلة، فعندما يبدأ في كتابتها كان ينتابه شعور غامر من الإثارة، فقد كان يضحك بخفة ويغمز ويحث قلمه واضعا إياه على شفتيه، لكي تستطيع أن تخمن أي حرف كان قلمه ينسخ بعناية بمجرد النظر إليه. فلو كانت مكافأته معادلة لحماسته، فلربما تمت ترقيته إلى مستشار دولة، لدهشته الشديدة. ولكن حسبما يصف المتندرون في المكتب، فإن كل ما حصل عليه مقابل جهده وكده شارة علقها في عروة سترته، وتلك البواسير في مؤخرته. مع ذلك لا يمكن القول بأنه قد تم تجاهله تماما. فأحد المدراء، سيد مهذب كله حنان، أراد أن يكافئه لخدمته الطويلة، أصدر أوامره بأن يعطى شيئا أكثر أهمية من مجرد النسخ العادي ألا وهو إعداد تقرير لإدارة أخرى من ملف مكتمل. فكل ما يستدعيه هذا العمل هو تغيير صفحة العنوان وتغيير صيغة بعض الأفعال من صيغة المتكلم إلى صيغة الغائب. وقد سبب له هذا مشكلة وإزعاجا فائقا إلى درجة أنه بدأ يتصبب عرقا، وأخذ يمسح جبينه، وقال في النهاية: (كلا، من المستحسن أن تدعني أستمر في النسخ العادي.) وبعد ذلك تركوه يستمر في عملية النسخ إلى الأبد.
فإلى جانب هذا النسخ لا شيء بالنسبة له كان يملأ حياته. فلم يكن يعير ملابسه وهندامه أدنى اهتمام، فبدلته الرسمية من الصعب وصفها بأنها خضراء، ولكن لونها أبيض بعدة ظلال ملطخة بأصباغ حمراء.
كانت ياقته قصيرة جدا وضيقة، لكي تسمح لرقبته، التي لا يمكن أن يطلق عليها بدقة أنها طويلة، أن تبرز لعدة أميال مثل القطط المصنوعة من الجبس ذات الرؤوس المتحركة التي يحملها الباعة المتجولون من بين الأجانب بالعشرات. هناك دائما شيء ما من المؤكد أن يلصق ببدلته وهو حفنة من القش أو قطعة من خيط. إضافة إلى هذا، كانت لديه نزوة غريبة، فقد اعتاد المرور أسفل النوافذ في اللحظة التي كانت ترمى فيها الزبالة، وهذا ما يفسر كونه دائما يحمل شرائح من قشر البطيخ وما شابهه من الزبالة على قبعته. ولم يلاحظ مرة في حياته ما كان يجري في الشارع الذي يمر به كل يوم، على العكس من زملائه في الخدمة، الذين اشتهروا بعيون مثل عيون الصقور التي بلغت من حدة إبصارها أنه باستطاعتها رؤية حتى سيور السراويل المفتوحة على الجانب الأخر من الطوار، وهو شيء من الصعب أن لا يترك ابتسامة خفيفة على وجوههم.
ولكن حتى لو حدث أن لاحظ أكاكي أكاكيفيتش شيئا ما، فإن كل ما يراه كان سطورا من حروفه الأنيقة في خطه الجميل.
عندما تظهر فقط كمامة حصان من مكان مجهول وتلامس كتفه وتنفخ خده بهبة من مناخيره – عندئذ فقط يتيقن بأنه ليس في منتصف جملة ولكنه وسط الشارع. وحالما يصل منزله يجلس إلى الطاولة ويرتشف شوربة الملفوف بسرعة ويبتلع بعض اللحم والبصل، من غير أن يتذوق أي شيء على الإطلاق ويسمر كل شيء بداخله، مع كل ما يهبه المولى جل وعلا في ذلك الوقت، بما في ذلك الذباب. وعندما يشعر بأن معدته بدأت تنتفخ يقوم من الطاولة، ويحضر محبرته ويبدأ في نسخ الوثائق التي أحضرها معه. فإذا لم يكن لديه عمل من المكتب، يقوم بنسخ شيء آخر، لمتعته الشخصية - خصوصا إذا كانت الوثيقة المعنية لا تمتاز بجمال أسلوبها وإنما لكونها معنونة إلى شخص حديث التعيين أو شخص ذي أهمية.
حتى في ذلك الوقت من النهار، عندما يخبو الضوء تماما من سماء سان بطرسبرج الرمادية، وعندما يفرغ جميع الكتبة من تناول طعامهم حتى الشبع، كل حسب مرتبه وذوقه، وعندما يخلد الجميع إلى الراحة من عناء النسخ والعمل المضني، عندما يتم نسيان جهده المضني وجهد غيره الذي لا يستغنى عنه - وكذلك جميع الأشياء الأخرى التي يعود الإنسان القلق نفسه على القيام بها من تلقاء نفسه وبمحض إرادته – وأحيانا حتى أكثر مما هو حقا ضروري، فعندما يخرج موظف الحكومة المدني مسرعا ليستمتع بساعات الحرية المتبقية بقدر ما يستطيع (فالمرء يظهر قدرا أكبر من روح الشجاعة بتوجهه إلى المسرح؛ وآخر من خلال التسكع في الشوارع ليمضي وقته في النظر إلى القبعات الرخيصة في نوافذ العرض في المحلات التجارية؛ وآخر بالذهاب إلى الحفلات لإضاعة وقته في تملق فتاة جميلة، الضوء المضيء لدائرة صغيرة من الموظفين المدنيين؛ بينما آخر – وهذا يحدث غالبا – يقوم بزيارة صديق من المكتب يسكن في الدور الثاني أو الثالث في غرفتين صغيرتين وصالة ومطبخ، ومع بعض ادعاءات مسايرة الموضة على شكل مصباح أو بعض الأشياء التافهة الصغيرة التي تكلف الكثير من التضحيات، رفض دعوات العشاء أو قضاء وقت في الريف)؛ باختصار، في ذلك الوقت، عندما يتفرق جميع الموظفين المدنيين إلى شقق أصدقائهم الصغيرة للعبة ورق ورشف الشاي من الأكواب وتناول قليل من البسكويت وتدخين غلايينهم الطويلة، وأثناء توزيع الورق يقومون برواية تفاصيل أخر فضيحة حدثت في المجتمع المخملي - لا يستطيع الإنسان الروسي مقاومة الحكايات على الإطلاق -؛ وعندما لا يجدون جديدا للتحدث فيه، فإنهم يعيدون النوادر القديمة حول القائد الذي قيل له بأن ذيل حصان تمثال بطرس الأكبر لفلوكونيه قد قطع؛ باختصار، فعندما يبذل كل امرئ جهده ليتسلى فإن أكاكي أكاكيفيتش لم يتخل عن نفسه إلى أي من هذه التسليات.
لا يستطيع أحد أن يتذكر أن شاهده في حفلة. فبعد أن يكتفي ويبلغ مداه من النسخ يخلد إلى المنام، مبتسما في انتظار اليوم التالي وما سيرسله الله له لينسخه. وهكذا مضت الحياة غير الحافلة لرجل قانع تماما بروبلاته الأربعمائة في العام؛ وقد تمضي هذه الحياة بسلام حتى يبلغ المشيب لولا عدد من المصائب كانت في انتظار ليس المستشارين الفخريين فحسب، ولكن حتى مستشاري القيصر والدولة والمحاكم وجميع أنواع المستشارين، حتى أولئك الذين لا يدلون باستشاراتهم لأحد أو لا يأخذونها من أحد.
وتحتضن سان بطرسبرج عدوا رهيبا لجميع أولئك الذين يكسبون أربعمائة روبل أو ما يقارب في العام. وهذا العدو ليس سوى صقيعنا الشمالي، مع أن البعض من الناس يقول إنه مفيد للصحة. فبين الساعة الثامنة والتاسعة صباحا، في الوقت الذي تكتظ فيه الشوارع بموظفي الحكومة المدنيين في طريقهم إلى مكاتبهم، يبدأ بتوزيع وخزاته الحادة بلا تمييز على الأنوف من كل صنف، لدرجة أن الكتبة المساكين لا يعلمون أين يضعونها.
ففي مثل هذا الوقت من النهار، عندما يصيب الألم جباه حتى المهمين من المسئولين بسبب الصقيع وتنهمر الدموع من أعينهم، فالمستشارون بالاسم فقط الأقل درجة يكونون في بعض الأحيان عديمي المقاومة تماما. فإنقاذهم الوحيد يكمن في جريهم مسافة خمسة أو ستة شوارع بأكملها في معاطفهم الرقيقة البائسة، وبعد ذلك يقومون بدق أقدامهم بقوة لتدفئة أنفسهم في الردهة حتى يسترجعوا جميع ملكاتهم الحسية المتجمدة؛ لتذوب استعدادا للعمل المكتبي. ولفترة من الزمن كان أكاكي أكاكيفيتش يشعر بآلام مبرحة في ظهره وكتفيه مهما حاول أن يجزي المسافة الرسمية بين المنزل والمكتب.
وبعد مدة طويلة بدأ يتساءل فيما إذا كان معطفه سبب هذه العلة.
وبعد قيامه بإجراء فحص شامل عليه في البيت، تبين له أنه في موضعين أو ثلاثة مواضع -على وجه الدقة، على الظهر وحول الكتفين – فقد أصبح شبيها الآن بقطعة قماش جين سميكة بليت لدرجة النعومة، وغدت شفافة تقريبا وتمزقت البطانة إلى عدة قطع. والآن لابد لنا أن نبين أن معطف أكاكي أكاكيفيتش كان النكتة الدائمة في المكتب. فقد حرم من مكانة المعطف وأطلق عليه (روب دي شامبر) بدلا من ذلك. فهناك حقا شيء مثير للاستغراب فيما يتعلق بالطريقة التي صنع بها المعطف. فبمرور السنين تقلصت الياقة شيئا فشيئا، لأن قماشها كان يستخدم لترقيع أجزاء أخرى من المعطف. فهذه التصليحات لم تكن تشير أبدا إلى وجود يدي خياط، وجعلت من المعطف يبدو فضفاضا وقبيحا. وعندما تبين له ما حل به، قرر أكاكى أكاكيفيتش أن يأخذ المعطف إلى بتروفيتش، خياط يقيم في مكان ما في الطابق الثالث من سلالم خلفية، الذي بالرغم من كونه ضريرا في إحدى عينيه، وعلى وجهه أثار جدري، فقد كان يقوم بتجارة صغيرة تتمثل في إجراء تصليحات على معاطف موظفي الحكومة وسراويل وسترات الرجال – عندما لا يكون بالطبع تحت تأثير الخمر وليس في وضع يفكر في تدبير مؤامرة ما.
بالطبع، ليس من المجدي في هذا الموضع أن نضيع وقتنا بوصف هذا الخياط، وحيث إنه أصبح من المقبول إعطاء تفاصيل كاملة عن كل شخصية في أية قصة، فلذا لا بد لنا من إلقاء نظرة على هذا الرجل المدعو بتروفيتش.
في البداية كان يدعى مجرد جريجوري، وكان عبدا مملوكا لسيد أو آخر. وبدأ الناس يطلقون عليه بتروفيتش بعد أن نال حريته، ومنذ تلك اللحظة بدأ يشرب كثيراً في أيام العطل الكنسية، في البداية فقط في أكثر الأعياد أهمية، لكنه فيما بعد كان يشرب في كل عطلة مؤشراً عليها بعلامة الصليب في التقويم. وفي هذا الخصوص فقد كان وفيا لتقاليد السلف، فعندما ينشب شجار بينه وبين زوجته حول هذا كان يناديها بامرأة دنيوية وألمانية.
وحيث إننا الآن أوردنا زوجته فلا بد لنا أن نذكر شيئا بصددها. لسوء الطالع، لا يعرف عنها إلا النزر اليسير سوى أنها زوجة بتروفيتش، وأنها كانت ترتدي قبعة بدلا من شال. ومن الجلي فليس لديها ما تفتخر به فيما يتعلق بمظهرها. على الأقل لم يكن هناك سوى الحراس الذين عرفوا بأنهم كانوا يختلسون النظرات أسفل قبعتها، ويقرضون شواربهم ويصدرون أصواتا غريبة صادرة من حناجرهم.

(2)

وبينما كان يشق طريقه أعلى السلالم الى محل بيتروفيتش (لكي نصف هذه السلالم بدقة، لا بد أن نبين أنها كانت عبارة عن منزلقات يجري منها الماء، وكانت مشبعة بروائح قوية من الكحول تؤلم العيون، وهي مظهر دائم للسلالم الخلفية في بطرسبرج) بدأ أكاكى أكاكيفيتش يتساءل بالفعل كم سيطلب منه بيتروفيتش أجرا، وبدأ يعقد العزم على أن لا يدفع أكثر من روبلين اثنين. ترك الباب على مصراعيه حيث إن زوجته كانت تقوم بقلي نوع ما من السمك، وخلفت وراءها كمية كبيرة من الدخان في المطبخ؛ لدرجة أنها جعلت حتى الصراصير تخرج من شقوقها.
لم تستطع السيدة بتروفيتش ملاحظة أكاكى أكاكيفيتش بينما كان يمرق من المطبخ ليدخل أخيرا غرفة، حيث كان بتروفيتش يربض على لوح خشبي، طاولة خشبية عارية، ورجلاه إلى الأسفل منه كأحد الباشوات الأتراك. وكعادة الخياطين فقد كان يعمل حافي القدمين. وأول ما لفت نظر أكاكى هو إصبع القدم الضخم المشوه الظفر، والسميك والخشن كعظم ظهر السلحفاة. وتتدلى حول عنقه شلة من خيوط الحرير، وعلى حضنه تترامى بعض الخرق البالية. وفي الدقيقتين أو الثلاث الماضية كان يبذل محاولات لشك خيط في إبرة بدون أن يحالفه النجاح، مما جعله يلعن النور الخافت وحتى الخيط نفسه. وكان يتذمر وهو يتنفس. (لماذا لا تخترق أيها الخنزير ستتسبب في موتي، أيها الشيطان).
لم يكن أكاكي أكاكيفيتش في حالة من الانشراح والسعادة عندما وجد بتروفيتش في مثل هذا المزاج؛ كان هدفه الحقيقي هو أن يوصي بتروفيتش للقيام بعمل بعد أن يفرغ من معاقرة الشراب، أو على حد تعبير زوجته (بعد أن يكون قد تجرع براندي الذرة مرة أخرى، الشيطان الأعور العجوز).
عندما يكون بتروفيتش عادة في هذا الوضع يصبح سهل الانقياد بدرجة فائقة، ويوافق إلى حد بعيد على أي ثمن عن طيب خاطر، وحتى إنه يعقد الصفقة بانحناءة متمتما عبارات الشكر والامتنان. صحيح أنه بعد ذلك تأتي زوجته ودموعها منهمرة على خديها، مرددة الحكاية نفسها؛ وهي أن زوجها كان ثملا مرة أخرى ولم يطلب السعر الكافي. ومع ذلك، فمن أجل كوبك أو اثنين فإن الصفقة كانت تبرم. غير أنه في هذه اللحظة كان بتروفيتش (أو هكذا بدا) رصينا ولا أثر للخمر عليه، ونتيجة لذلك كان فظاً وعنيدا، وكان في المزاج الرائق ليطلب أعلى سعر ممكن كسعر الشيطان. وعند اكتشافه لهذا الوضع قرر أكاكي أكاكيفيتش أن ينصرف لولا فوات الأوان.
كان بتروفيتش قد فتح عينه الوحيدة وهي نصف مغمضة وحملق فيه. ووجد أكاكى أكاكيفيتش نفسه يقول: (أسعدت صباحاً، بتروفيتش)
(أسعدت صباحا، يا سيدي)، رد بتروفيتش محملقا في يد أكاكيفيتش ليرى كم من النقود كانت معه.
(لقد.... أر..... أتيت بشأن ذلك..... بتروفيتش)
يجب على القارئ أن يعلم بأن أكاكي أكاكيفيتش كان يتكلم، مستخدما في الأساس حروف الجر والحال، كما كان يلجأ إلى أجزاء من الكلام لا معنى لها على الإطلاق. وإذا كان الموضوع معقدا بشكل خاص فإنه كان يترك جملا بأكملها نصف مكتملة، لذا فهو كثيرا ما كان يبدأ كلامه بعبارة «هذا هو حقا بالفعل ما....) وينسى بعد ذلك أن يضيف المزيد؛ لاقتناعه بأنه قال كل ما كان يريد أن يقوله. (ما هذا بحق السماء!) قال بتروفيتش وهو يتفحص بعينه الوحيدة كل جزء من معطف أكاكى، بادئا بالياقة والكمين، وبعد ذلك الظهر والذيل وعروات الأزرة. وكل هذا كان شيئا مألوفا لأنه عمله، ولكن كل خياط كان يقوم بهذا الفحص عندما يكون لديه زبون.
(لقد أر.. جئت.. بتروفيتش، ذلك المعطف تعرف، القماش.. أنت ترى، إنه قوي جدا في بعض المواضع، فقط مغبر بعض الشيء. وهذا ما يجعله يبدو عتيقا، لكنه في الحقيقة جديد تماما. فقط قليل.. أنت تعلم.. على الظهر ومهترئ على أحد الكتفين، وقليل.. أنت تعرف، على الأخر. فقط عمل صغير..)
أخذ بتروفيتش (الروب دي شامبر) ووضعه على الطاولة، وألقى عليه نظرة طويلة، وهز رأسه، ومشى إلى عتبة النافذة حيث علبة النشوق المستديرة، التي رسمت عليها صورة لجنرال ما– بالتحديد أي واحد من الصعب القول، لأن أحدهم قد أحدث ثقبا بإصبعه في الموضع الذي يجب أن يكون فيه الرأس، وتم لصقه بقطعة مربعة من الورق.
أخذ بتروفيتش قبيصة من النشوق، ورفع المعطف عاليا ليتمكن من رؤيته في ضوء المصباح، ألقى نظرة فاحصة مرة وهز رأسه مرة أخرى أكثر من ذي قبل، رفع غطاء علبة النشوق ذات صورة الجنرال الملصوقة عليه، حشى أنفه بالنشوق، أعاد غطاء العلبة إلى موضعه، ووضع العلبة جانبا، وقال أخيراً: (كلا، لا أستطيع إصلاح هذا. إنه في حالة سيئة!)
عند سماعه هذه الكلمات غاص قلب أكاكى أكاكيفيتش.
(ولم لا، بتروفيتش؟) سأله بصوت طفل كله رجاء. (إنه مهترئ قليلا فقط عند الكتفين. حقا بإمكانك ترقيعه بسهولة.)
(لدي الكثير من الرقع، الكثير.)، قال بتروفيتش (لكنني لا أستطيع أن أخيطها مع بعضها. فالمعطف مهترئ تماما. فسيتساقط إلى قطع إذا ما لامسته إبرة.)
(حسنا، إذا تساقطت أجزاؤه فبإمكانك ترقيعها مرة أخرى).
(لكنه في حالة متقدمة من الاهتراء. ليس بإمكان الرقع أن تتماسك. من الصعب تسمية هذا بمعطف. هبة ريح واحدة وكل هذه ستتطاير.)
(لكن رقعه قليلا فقط. لن، أن، حسنا...)
(أخشى أنني لن أستطيع أن أفعل شيئا، يا سيدي) أجابه بتروفيتش بصلابة. (لقد بلى تماما. من الأفضل لك أن تقطعه إربا لفصل الشتاء وتجعل منه أغطية للسيقان؛ لأن الجوارب لا نفع منها في شتاء شديد البرودة. لقد اخترعها الألمان ظنا منهم أنهم سيكسبون الكثير من ورائها.)
-كان بتروفيتش يجد متعة في السخرية من الألمان-. (أما فيما يتعلق بالمعطف، فإنه ينبغي عليك أن تمتلك معطفا جديداً، يا سيدي)
كلمة (جديداً) غشيت عيني أكاكي بسحابة، وبدأ كل ما في الغرفة يدور من حوله. فكل ما يستطيع رؤيته بوضوح كان فقط وجه الجنرال الملصوق عليه ورقة لتغطيه على علبة نشوق بتروفيتش.
(ماذا تعني، بمعطف جديد؟) قال كمن هو في حلم.


(ليس لدي أي مال.)
(نعم، يجب أن يكون لك معطف جديد)، قالها بتروفيتش بصوت فظ ينبئ عن عدم وجود أية رابطة إنسانية.
(حسنا، لو كان لدي معطف جديد، كيف لي، أقصد أن أقول، إم...؟)
(تقصد، كما سيكلف؟)
(نعم.)
(يمكنك أن تقدر ذلك بثلاث ورقات من فئة خمسين روبلاً أو أكثر)، قال بتروفيتش زاماً شفتيه بطريقة درامية. كان يميل إلى المؤثرات الدرامية القوية، كما كان يهوى إبداء بعض الملاحظات التي من شأنها أن تروع السامع، وبعد ذلك مراقبة تأثيرها من طرف عينه على تعابير الشخص الآخر.
(مائة وخمسون روبلا لمعطف!) صرخ المسكين أكاكي ربما للمرة الأولى في حياته – كان معروفا عنه ما اشتهر به من صوت خافت.
(نعم، يا سيدي) رد بتروفيتش. (وحتى ذلك لن يكون الشيء الكثير لتكتب عنه إلى أهلك. فإذا أردت ياقة من الفراء وبطانة من الحرير لغطاء الرأس فإن ذلك سيكلفك ما يقارب مائتي روبل).
(بتروفيتش، أرجوك) قالها أكاكي متوسلا، دون أن يسمع، أو على الأقل محاولا أن لا يسمع نطق بتروفيتش الدرامي، (فقط اعمل ما تستطيع عمله بالمعطف، لكي أتمكن من لبسه فترة أطول.)
(أخشى أن هذا لن ينفع. من الأفضل أن لا تضيع وقتك ومالك) أضاف بتروفيتش، وبهذه الكلمات غادر أكاكى شاعرا بانسحاق تام.
وبعد أن غادر بقي بتروفيتش متمدداً حيث كان لبعض الوقت دون أن يستمر في عمله، وشفتاه مزمومتان بشكل ملفت. شعر بارتياح لعدم تقليله من احترام نفسه أو باقي مهنة صناعة الملابس.
وفي الخارج على قارعة الطريق شعر أكاكي بأنه كان في حلم. (ماذا أصنع الآن؟) قال متسائلا.
(لم يخطر على بالي مطلقا أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد، طوال عمري..) وبعد صمت قصير أضاف: (حسن والآن ماذا! إذن هكذا آلت الأمور ولم يخطر لي ببال أنها ستنتهي بهذا الشكل....) وأتبع ذلك بفترة صمت طويلة وتمتم بعدها قائلا (هكذا إذن هي الحال! حقاً، لكي أصدقكم القول، من غير المتوقع أنني سأقوم.... بعمل مثل هذا الشيء!) وبعد أن فرغ من قول هذا، بدلا من أن يتوجه إلى البيت، تمشى على طول الطريق في الاتجاه المعاكس ناسيا ما كان يفعل. وفى الطريق احتك به منظف المداخن وسود له كتفه بأكمله. وبعد ذلك سقطت عليه من أعلى المنزل الذي يبنى كمية من الليمون تملأ قبعة. وحتى هذا كان أعمى حياله أيضا، فقط عندما اصطدم برجل شرطة ورفع مطرده في وجهه ورشه ببعض النشوق كان قد أخرجه من قرن صغير على قبضته المليئة بالثواليل عندها عاد إلى رشده، وعندها فقط لأن رجل الشرطة قال:
(أليس الطوار من الاتساع بحيث لا يجعلك تحبو إلى أعلى أنفى؟)
هنا استيقظ أكاكي وعاد إلى حواسه وتمشى في اتجاه منزله.
ولم يستطع جمع أفكاره قبل وصوله إلى هناك لتقييم الوضع. وبدأ يحدث نفسه، ليس بجمل مستقطعة، ولكن بطريقة عقلانية وصريحة، كما لو كان يناقش ما حصل مع صديق عاقل يتمتع بثقته عندما يتعلق الأمر بأشياء حميمة للغاية.
(كلا، أرى أنه من المستحيل التحدث إلى بتروفيتش الآن. إنه قليل... ويبدو أن زوجته تسيطر عليه تماما. من المستحسن لي أن أنتظر حتى صباح الأحد. فبعد أن يهجع ليلة السبت من تأثير الخمر سيبدأ فاتحا عينه بنصف تغميضه وسيكون في أمس الحاجة إلى شراب ليتخلص من وجع الرأس. ولكن زوجته لن تعطيه شيئا من النقود، لذا سأصل أنا ومعي بعض المال. وهذا سيلين من صلابته، كما تعلم، ومعطفي...)
شعر أكاكي أكاكيفيتش بارتياح لهذا التفكير، ومنتظرا حتى أن يأتي يوم الأحد ذهب مباشرة إلى محل بتروفيتش. ولمح زوجة بتروفيتش تغادر المنزل عن بعد. وكما توقع، بعد ليلة السبت، فقد كانت عين بتروفيتش نصف مفتوحة، وهاهو، ورأسه متدل ويكاد يسقط على الأرض، ويبدو عليه النعاس الشديد. ومع ذلك فما إن رأى أكاكي يدخل حتى استيقظ كما لو أن الشيطان ركله ركلة حادة.
(من المستحيل، يجب أن تفصل لك معطفا جديداً) وفي هذه اللحظة ألقى أكاكي أكاكيفيتش قطعة معدنية من فئة عشرة كوبكات في كفه.
(شكرا، يا سيدي. سأتناول شرابا منعشا على حسابك)، قال بتروفيتش. (ولن أقلق بالنسبة للمعطف لو كنت مكانك. إنه لا يصلح على الإطلاق. سأخيط لك معطفا عجيبا وجديدا. دعنا نترك الأمر عند هذا الحد.)
حاول أكاكي أكاكيفيتش أن يقول شيئا حول تصليحه غير أن بتروفيتش تظاهر بعدم سماعه وأردف قائلا:
(لا تقلق سأعمل لك معطفا جديدا، يمكنك الاعتماد علي في القيام بعمل جيد. وحتى إنني ربما أحصل على مشابك فضية للياقة، كالتي يلبسونها هذه الأيام)
والآن تيقن أكاكى أكاكيفيتش بأنه لا بد أن يشتري معطفا جديدا وغاص قلبه من أين ستأتي بالنقود؟ بالطبع بإمكانه أن يعتمد على مكافأة الإجازة. لكن هذه قد وضعت جانبا من أجل شيء آخر منذ فترة طويلة. كان بحاجة إلى سراويل جديدة، وكان هناك الدين القائم لصانع الأحذية الذي يجب أن يسدده لقيامه بوضع رقبة جديدة لحذائه الطويل. وكانت هناك أيضا ثلاثة قمصان كان عليه أن يطلبها من الخياطة، إضافة إلى قطعتين من الملابس الداخلية لا يمكن ذكرها هنا من باب الحشمة واللياقة. ولأجل اختصار قصة طويلة، نقول إن كل نقوده محجوزة ولن يكون لديه ما يكفي حتى لو كان مديره كريما معه ليزيد مكافأته بمقدار خمسة وأربعين أو حتى خمسين روبلا. وما تبقى إلا الفتات، وفيما يخص تمويل المعطف، مجرد قطرة في المحيط. كما كان يعلم جيدا بأن بتروفيتش كان سيقرر فجأة بأن يتقاضى أعلى ثمن يمكن، حتى لن يكون بمقدار زوجته أن تقول عنه:
(هل جن، هذا المخبول العجوز! يوما ما سيعمل في مقابل لا شيء، والأن يجعله الشيطان يتقاضى أقل مما يسوي هو نفسه!)
كان يعلم جيدا بأن بتروفيتش سيفرض عليه ثمانين روبلا؛ لكن يبقى السؤال من أن أين له أن يأتي بهذا المبلغ؟
مقابل كل روبل كان أكاكي أكاكيفيتش يصرفه، كان يدخر نصف كوبك في صندوق صغير كانت به فتحة ضيقة من أجل وضع النقود، وكان يحفظ مقفلا. وكان يقوم كل ستة أشهر بجمع ما ادخر ويستبدله بقطع فضية. وكان يقوم بهذا منذ فترة طويلة. لذا فإن لديه نصف المبلغ ولكن أنى له بالباقي؟
فكر أكاكي أكاكيفيتش ملياً، وقرر أخيراً بأنه لا بد أن يخفض من مصروفه اليومي، لمدة سنة على الأقل: ينبغي عليه أن يتوقف عن شرب الشاي في المساء، أن يعيش بدون شمعة؛ وإذا كان عليه أن يقوم بنسخ شيء، فليذهب إلى مالكة الدار ويعمل هناك. وكان عليه أن يطأ الأرض بخفة كل ما أمكن ذلك فوق بلاط الطريق – كأن يمشى على أطراف أصابعه - ليوفر نعلى حذائه؛ وأن يتجنب أخذ غسيله إلى الغسالة كل ما أمكن ذلك، وأن يجعل ملابسه الداخلية تدوم فترة أطول، يخلعها عندما يعود إلى المنزل في المساء ويبقى في (الروب دي شمبر) القطني السميك، وهو قطعة أثرية عاملها الزمن برفق وحنان. بصراحة، وجد أكاكى أكاكيفيتش هذا الحرمان عبئاً ثقيلاً ثقيل لكنه سرعان ما وطن نفسه على العيش بدون مأكل طوال فترات المساء، حيث إن مأكله كان روحياً، وكانت أفكاره منصبة على المعطف الذي سيتملكه يوما ما. ومنذ تلك اللحظة أصبحت حياته أكثر ثراء كما لو كان قد تزوج وكان بصحبته إنسان آخر. كان كمن لم يكن بمفرده على الإطلاق، ولكن رفيقا لطيفا وافق أن يرافقه في مشوار حياته، ولم يكن هذا الرفيق سوى المعطف ذي اللبادات الصوفية السميكة والبطانة القوية التي صنعت لتبقى العمر كله. لقد أفعم بالحياة، وكرجل صاحب هدف، أصبح أكثر تصميما.
لقد اختفت الحيرة والتردد، باختصار، ذلك الجانب الغامض والمتلكئ من شخصيته، من تلقاء نفسها. ففي بعض الأحيان كانت تضيء نار في عينيه، حتى إن أفكارا جريئة مثل: (والآن ماذا لو أصبحت لدي ياقة من فراء الدلق) كانت تمر بخاطره.
جميع هذه الأفكار كانت تقريبا تدور بباله. وفي إحدى المرات كاد أن يرتكب خطأ نسخ لدرجة أنه كاد أن يصرخ (آخ) ورسم علامة الصليب على نفسه. وكان يذهب مرة في الشهر على الأقل إلى بتروفيتش ليرى أين وصل المعطف، ويستفهم عن أفضل محل لبيع القماش، وأي لون يجب عليه اختياره، وأي سعر يجب عليه دفعه. ومع أنه كان قلقا بعض الشيء، إلا أنه كان يعود إلى المنزل قانعا، مفكرا في ذلك اليوم عندما يتم شراء كل القماش ويكون المعطف جاهزا. وتطورت الأمور إلى أسرع مما كان يأمل. فقد منح المدير أكاكي أكاكيفيتش علاوة ليس مقدارها خمسة وأربعين، ولكن ستين روبلا كاملا، علاوة إضافية كانت فوق توقعاته الوحشية. وسواء كان ذلك بسبب إحساس داخلي بأنه كان بحاجة إلى المعطف أو أنه كان مجرد صدفة، وجد أكاكي أكاكيفيتش لديه مبلغ عشرين روبلا إضافياً. ونتيجة لهذا فقد مضت الأمور بشكل أسرع مما كانت عليه. فبعد شهرين أو ثلاثة شهور من المجاعة المعتدلة، فقد استطاع أكاكي أكاكيفيتش أن يوفر ثمانين روبلا. فقلبه الذي كان يضرب عادة ضربات منتظمة، بدأ يخفق بسرعة.
وفي اليوم التالي خرج مع بتروفيتش ليتسوقا. وابتاعا قماشا من النوع الجيد، فلا عجب فقد كان لا يمر شهر دون أن يتناقشا حوله، كما كانا طوال الأشهر الستة الماضية يقومان بزيارات لجميع المتاجر لأجل مقارنة الأسعار. وما هو أكثر من ذلك حتى بتروفيتش قال له بأنه لن يكون بإمكانه شراء أفضل مما اشترى في أي مكان. وللبطانة فقد اختار قماشا من النوع الخام، حيث إن الخام كان قويا ومن النوع الجيد، وإنه، حسب رأي بتروفيتش، كان أفضل من الحرير، وكان له ملمس وشكل أفضل. لم يبتاعا فراء الدلق من أجل الياقة لأن ذلك كان حقا باهظ الثمن، وبدلا من ذلك استقرا على فرو قطة، من أجود الأنواع التي وجداها في المحلات، والتي يمكن أن يحسبها المرء خطأ عن بعد فراء الدلق. ومجمل القول فقد تطلب العمل من بتروفيتش مدة أسبوعين، حيث استدعى العمل وضع كمادات، وإن كان قد فرغ من عمله في فترة أقصر بكثير. وقد طلب منه بتروفيتش أثني عشر روبلا - لأنه كان من المستحيل أن يتقاضى أقل من هذا المبلغ. فقد استخدم خيوطا من الحرير في كل مكان، وكانت كل الدرزات مزدوجة وصغيرة للغاية، وفوق ذلك فقد مر عليها بأسنانه ليعطيها أشكالا مختلفة.
(3)

كان... على وجه التحديد أي يوم، من الصعوبة بمكان القول، لكنه بلا شك كان أكثر الأيام ظفرا في حياة أكاكي أكاكيفيتش بأكملها، عندما قام بتروفيتش بتسليم المعطف.
أحضره في الصباح الباكر، حتى قبل أن يغادر أكاكي أكاكيفيتش إلى المكتب. لم يكن للمعطف أن يصل في وقت أفضل مما وصل، حيث إن صقيعا خفيفا بدأ يتساقط ومن المتوقع أن يزداد تساقطه. وقد قام بتروفيتش بتسليم المعطف شخصيا كما ينبغي على كل خياط جيد أن يفعل. ولم يسبق لأكاكي أكاكيفيتش أن رآه في هذه الهيئة من الوقار والجدية من قبل. فقد كان على ما يبدو يعلم بأن هذا لم يكن إنجازا وضيعا، وقد أراد فجأة أن يبين الفرق بين عمله وبين الفجوة التي تفصل الخياطين، الذين كانوا يقومون باستبدال البطانة أو ترقيع المعاطف، وبين أولئك الذين يقومون بخياطة معاطف جديدة من البداية. أخرج المعطف من لفافة كبيرة من القماش كان قد أحضرها للتو من المغسلة. وقام بعد ذلك بطي اللفافة ووضعها في جيبه لاستعمالها مرة أخرى. ثم قام بتناول المعطف في كلتا يديه بفخر، وألقى المعطف برشاقة على كتفي أكاكي أكاكيفيتش. سحب المعطف بحدة وقام بتسويته بنعومة إلى الأسفل خلف أكاكى أكاكيفيتش، وترك بعض الأزرار دون تزرير في المقدمة. أراد أكاكي أكاكيفيتش الذي لم يعد رجلا شابا أن يجربه وذراعاه في الكمين. وساعده بتروفيتش على إدخال ذراعيه، وحتى هذان كانا على القياس. باختصار، كان المعطف في قياس ممتاز بلا أدنى شك. ولم ينس بتروفيتش أن يبين بأن ذلك كان فقط بسبب أنه تصادف أن يعيش في محل صغير في أحد الشوارع الخلفية، وبسبب أن ورشته لم تكن تحمل يافطة في الخارج، وأنه عرف أكاكي أكاكيفيتش لفترة طويلة؛ لذا فقد طلب منه سعرا منخفضا جدا. فلو كان قد ذهب إلى جادة بيفسكي لكانوا جعلوه يدفع خمسة وسبعين روبلا كأجرة خياطة فقط. لم يشعر أكاكي أكاكيفيتش بتصديق بتروفيتش، وكان في الواقع متخوفا من المبالغ العالية التي كان بتروفيتش مغرما بذكرها من أجل التأثير على زبائنه. قام بتسديد الحساب وشكره وخرج مباشرة إلى مكتبه في معطفه الجديد. وتبعه بتروفيتش في الطريق، ووقف لفترة طويلة يتأمل المعطف عن بعد، ومن ثم تعمد أن ينعطف في أحد الشوارع الجانبية مغيرا مساره، لكي يتمكن من إلقاء نظرة أفضل على المعطف من الأمام أي أن يأتي المعطف في اتجاهه.
في تلك الأثناء استمر أكاكي أكاكيفيتش في طريقه إلى المكتب ويخامره شعور غامر بالسعادة. ولم تكن ثانية تمر دون أن يشعر بأن معطفه الجديد على كتفيه، وكان يبتسم عدة مرات لشعوره بالسرور. وكان للمعطف في الواقع ميزتان: أولاهما أنه كان دافئا، وثانيتهما، أنه جعله يشعر بأحسن حال. ولم يكن لديه أدنى شعور أين كان متوجها عندما وجد نفسه فجأة في المكتب. وفي الردهة خلع معطفه، وفحصه جيدا من كل جانب، ثم سلمه إلى البواب ليضعه في مكان مأمون.
لم يعلم أحد كيف بدأ الخبر ينتشر بأن أكاكي أكاكيفيتش تملك معطفاً جديداً، وأن (الروب دي شمبر) الخاص به لم يعد له وجود الآن. ففي اللحظة التي وصل فيها تدافع الجميع إلى الردهة لإلقاء نظرة على مقتناه الجديد. لقد غمروه بالتهاني وأطيب الأماني، فتبسم في البداية ومن ثم بدأ يشعر بالحرج. وعندما تجمعوا وأحاطوه، مصرين على أن يشربوا بمناسبة المعطف الجديد، ومصرين على أن أقل ما يمكنه عمله هو أن يقيم لهم حفلا من أجلهم جميعاً، فقد أكاكي أكاكيفيتش عقله تماماً، فلم يكن يعلم ما يجيبهم أم كيف يتهرب منهم. واحمرت وجنتاه خجلاً، حاول لفترة طويلة، بشكل ساذج، أن يقنعهم بأن هذا لم يكن معطفا جديدا وإنما هو حقا معطف قديم. وفي نهاية الأمر قام أحد الموظفين المدنيين، الذي لم يكن سوى مساعد الكبير الكتبة والذي لم يكن بذلك القدر من التعالي، وبإمكانه أن يرفع الكلفة حتى مع من هم أقل منه شأنا من مرؤوسيه، وقال: (حسنا إذن، سأقوم أنا بدعوتكم لحفلة. أنتم مدعوون جميعا إلى منزلي هذا المساء. يصادف هذا اليوم يوم مسماي).
وبالطبع قام الأخرون بتقديم التهاني إلى مساعد رئيس الكتبة وقبلوا دعوته بشوق. وعندما حاول أكاكى أكاكيفيتش أن يوضح موقفه ويعتذر عن قبول الدعوة، قال الجميع إن هذا لا يليق، وفي الواقع شيء معيب، وإن الرفض غير مقبول على الإطلاق. وبعد ذلك، على أية حال، شعر بسرور عندما تذكر بأن هذه الحفلة ستتيح له فرصة الخروج في معطفه الجديد ذلك المساء.
كان اليوم بأكمله بمثابة إجازة مظفرة بالنسبة لأكاكي أكاكيفيتش. فقد ذهب إلى المنزل في حالة من السعادة، وخلع معطفه، وعلقه بعناية وحذر، ووقف يتأمله لبعض الوقت معجبا بقماشه وببطانته. ثم من أجل مقارنة الاثنين أحضر معطفه القديم (الروب دي شمبر) الذي بدأ الآن يتحلل تماما. وبينا هو يتفحصه لم يتمالك نفسه من الضحك: يا له من فرق عجيب! وخلال العشاء جعلته فكرة معطفه القديم وحالته الرهيبة يبتسم. تناول وجبته بتلذذ شديد، وبعد ذلك لم يقم بنسخ أي شيء وإنما انهمك في ترف الاستلقاء في فراشه حتى بدأ الظلام يخيم. ثم، بلا أدنى تأخير، ارتدى ملابسه ووضع معطفه على كتفيه وخرج إلى الشارع. ولسوء الحظ فإن المؤلف لا يستطيع القول أين يقطن ذلك الموظف المدني الذي سيقيم حفلته، فذاكرته بدأت تخونه قليلا، وكل شيء في بطرسبرج، كل بيت، كل شارع، أصبح معشيا إلى درجة أن اختلطت الأمور في عقله، ووجد صعوبة فائقة ليقول أين كان كل شيء.
ومع ذلك، فنحن نعلم على الأقل وبالتأكيد بأن هذا الموظف المدني كان يقطن في أفضل جزء من المدينة، أي ما يصل إلى القول بأنه كان يسكن على مبعدة أميال وأميال من مسكن أكاكي أكاكيفيتش. في البداية كان على أكاكي أكاكيفيتش أن يمر بشوارع مهجورة ضعيفة الإضاءة، ولكن كلما اقترب من شقة الموظف المدني كلما زادت الشوارع حيوية واكتظاظا، وأصبحت المصابيح أقوى إضاءة. بدأ المزيد من الناس يتسارعون، وبدأ يصادف سيدات جميلات الملبس ورجالا بياقات من فرو القندس. وهنا لا تجد عربات الأجرة الرخيصة ذات الزلاجات المصنوعة من السلال الخشبية. بدلا من ذلك هناك سائقو العربات المسرعون ذوو القبعات الأنيقة، ومرتدو القبعات القرمزية المخملية وزحافاتهم الملمعة والمغطاة بجلد الدببة. فالعربات ذات الصناديق المغطاة كانت تتطاير في الشارع وعجلاتها تصدر أصواتا فوق الثلج.
قام أكاكي أكاكيفيتش بمسح هذا المشهد كما لم يشهد مثيلا له في حياته. فلعدة سنوات لم يجرؤ على الخروج في المساء على الإطلاق..
توقف عند نافذة مضيئة لإحدى الدكاكين يملؤه شعور بحب الاستطلاع؛ لينظر إلى رسم لفتاة جميلة كانت تخلع حذاءها وتظهر ساقها بأكمله، الذي لم يكن قبيح المنظر على الإطلاق، بينما وقف خلفها سيد ذو لحية جانبية ولحية صغيرة مشذبه، كان رأسه يبحث في فضول حول باب الغرفة المجاورة.
هز أكاكي أكاكيفيتش رأسه وابتسم مبتعداً. لماذا ابتسم؟ ربما لأن هذا شيء جديد لم تقع عيناه عليه من قبل، ولكن مع ذلك لأن كل فرد منا لديه شعور غرائزي. أو ربما، ككثير من الموظفين المدنيين ظن: (أوه، هؤلاء الفرنسيون! بالطبع إذا صادف وأن أحبوا شيئا، فهم حقاً، أعني، لكي أكون دقيقاً، شيئا...) ربما لم يكن يفكر في كل هذا، لأنه من المستحيل الغور في أعماق هذا الرجل لنكتشف أفكاره. أخيرا وصل إلى شقة مساعد كبير الكتبة. فهذا المساعد الكبير الكتبة عاش على أحدث موضة: مصباح يضيء السلم، وكانت شقته في الدور الأرضي.
عند دخوله الصالة، رأى أكاكى أكاكيفيتش صفوفا من الأحذية المطاطية (الكلوش) التي تلبس فوق الأحذية الجلدية.
وبينها، في منتصف الغرفة، وضع سماور يصدر فحيحا بينما هو يبعث سحابات من البخار. كانت الجدران مغطاة بالمعاطف والأردية، كان بعضها بياقات من الفرو والمخمل، ومن الجانب الأخر من الغرفة كان بإمكانه سماع طنين الأصوات، التي وضحت فجأة وارتفعت عند فتح الباب، حيث برز خادم يحمل صينية مكدسة عليها كؤوس فارغة وإبريق كريمة وسلة مليئة بالبسكويت. ولم يكن هناك من شك في أن الكتبة كانوا هناك منذ فترة طويلة، وقد فرغوا بالفعل من تناول قدحهم الأول من الشاي.
عندما علق أكاكي أكاكيفيتش معطفه بنفسه وذهب إلى الداخل، صدم لمشهد الشموع والموظفين المدنيين، وغلايين الدخان وورق اللعب. امتلأت أذناه بأصوات غير واضحة لمحادثات قصيرة آتية من جميع أرجاء الغرفة، وأصوات كراسي تتحرك إلى الأمام وإلى الخلف. وقف في وسط الغرفة بغير ارتياح، ناظرا حوله ومحاولا التفكير فيما يعمله. غير أنهم لمحوه وحيوه بأصوات عالية، وفي الحال أحاطه الجميع ليلقوا نظرة أخرى على المعطف. ومع أنه كان مأخوذا نوعا ما بهذا الاستقبال، وحيث إنه كان إنسانا بسيطا وساذجا، لم يستطع تملك الشعور بالسرور للمديح الذي أمطروا به معطفه. ومن ثم، من البديهي، أن يتركوه، وكذلك معطفه، ويوجهوا اهتمامهم لموائد لعب الورق المعتادة. فكل هذه الضوضاء والمحادثات وهذا التجمع البشري – كان كل هذا عالماً جديداً على أكاكي أكاكيفيتش. كان ببساطة لا يعلم ماذا يفعل، ولا أين يضع يديه أو قدميه أو أي جزء آخر من بدنه. أخيرا جلس بالقرب من لاعبي الورق، ناظراً إلى ورق اللعب، ومتفحصاً أولا وجه أحد اللاعبين، ثم وجه لاعب آخر. ولم يمض وقت طويل قبل أن يبدأ في التثاؤب والشعور بالضجر، خصوصاً وأن موعد نومه قد حان منذ وقت طويل.
حاول أن يستأذن في الانصراف من مضيفه، غير أن الجميع أصر عليه أن يبقى ليشرب نخب معطفه من كأس مترعة بالشمبانيا. وبعد حوالي ساعة قدم العشاء. وقد تضمن هذا بعض السلطات المشكلة، ولحم عجل باردا، وبعض المعجنات والحلويات والشمبانيا. اضطروا أكاكى أكاكيفيتش أن يحتسي كأسين، وبعد ذلك بدأ كل شيء أكثر مرحاً، بالرغم من أنه لم ينس أن الساعة قد جاوزت منتصف الليل، وأنه كان ينبغي عليه أن يغادر منذ زمن طويل.
ولكي لا يوقفه مضيفه؛ وهو في طريقه إلى الخروج، تسلل بهدوء من الغرفة، ووجد معطفه في الصالة (و لحزنه الشديد ملقى على الأرض)، فهزه ليزيل أي أثر للزغب، وضعه على كتفيه ونزل إلى الشارع خارجاً. وفي الخارج لا تزال الدنيا مضاءة. فبعض الحوانيت التي تؤوي العبيد ومختلف الأنواع من البشر يستخدمونها كأندية في جميع ساعات اليوم، كانت لا تزال مفتوحة. فتلك التي كانت مغلقة كانت أعمدة عريضة من النور تنبعث من شقوق أبوابها، تبين أنه لا زال هناك أناس يتحدثون في الداخل، ربما أغلبهم من الخادمات والخدم الذين لم ينتهوا بعد من تبادل آخر الأسرار الشخصية، وتاركين أسيادهم في جهل عما يتحدثون فيه.
وكان أكاكي أكاكيفيتش يتمشى بمعنويات وروح عالية، وفي إحدى المرات، السماوات وحدها تعلم لماذا، كاد أن يطارد امرأة ما مرت بجانبه كالبرق، وكل جزء من جسدها يظهر حركة غير عادية. غير أنه توقف في مشيه واستمر في خطواته السابقة المتمهلة، مندهشا من نفسه لقيامه بهذه الهرولة التي لا تفسير لها. وسرعان ما انبسطت أمامه تلك الشوارع الخاوية نفسها، التي تبدو منفرة حتى في النهار، فما بالك في الليل. والآن بدت أكثر وحشية وهجرا. وبدت أنوار الشوارع تخفت تدريجيا - كانت المجالس المحلية بخيلة بالزيت بعض الشيء في هذا الجزء من المدينة. بعد ذلك بدأ يمر بمنازل خشبية وأسوار لا أثر فيها لروح، سوى الثلج المومض في الشوارع، وتلك الأشكال الداكنة الكئيبة من الأكواخ الواطئة، ومصاريعها مغلقة، تبدو في سبات.
ووصل الآن إلى نقطة تقاطع مع ميدان لا نهاية له ذي منازل تكاد ترى بصعوبة على الجانب الآخر: صحراء مرعبة. وعن بعد، الله يعلم أين، بصيص نور من كوخ غفير بدا كأنه واقف على حافة العالم.
في هذه اللحظة بدأت معنويات أكاكى أكاكيفيتش تهبط بدرجة عالية. وبينا هو يمشي في الميدان، لم يستطع أن يكبت شعور الخوف الذي بدأ يتفجر في داخله، كما لو كان يتوجس بأن شرا على وشك الوقوع. نظر خلفه، ثم عن كل جانب، بدا كما لو كان محاطا بمحيط بأكمله.
(من الأفضل ألا أنظر)، قال مخاطبا نفسه واستمر في مشيه وهو مغمض العينين. وعندما فتحهما ليرى كم تبقى عليه ليمشي رأى فجأة رجلين بشاربين أمامه تماما، ولولا الظلمة لتبين ملامحهما بدقة. بدأت تجتاح عينيه غشاوة وبدأ قلبه يخفق خفقات مسرعة. (أها، هذا معطفي بالفعل)، قال أحدهما بصوت مدوَ، ممسكاً إياه من الياقة. كان أكاكى أكاكيفيتش على وشك الصريخ طالبا النجدة، غير أن الرجل الآخر عاجله بقبضة في حجم رأس كاتب على وجهه قائلا: (مجرد صرخة أخرى منك) كل ما عرفه أكاكى أكاكيفيتش أنهما انتزعا معطفه وسددا له ضربة بركبة، مما جعلته يسقط على خلفه على الثلج، وبعد ذلك لم يعد يعرف شيئا آخر. وبعد عدة دقائق عاد إلى وعيه وحاول أن يقف، لكن لم يجد من يراه. كل ما يعرفه أنه متجمد، وأن معطفه قد اختفى، وبدأ يصرخ. لكن صوته لم يصل عبر الميدان الفسيح. لم يتوقف مرة واحدة عن الصريخ بينا هو يجري في يأس عبر الميدان في اتجاه صندوق خفير، حيث رجل شرطة يقف متكئا على مطرد ناظرا إليه بحيرة في من يكون هذا الشيطان، الذي كان يجري نحوه صارخاً. وعندما وصل إلى رجل الشرطة صرخ أكاكي أكاكيفيتش ما بين أنفاس متقطعة متهماً إياه بأنه كان نائما ومهملاً واجبه، وأنه لا يستطيع أن يرى رجلا يتعرض للسرقة أمام عينيه. أجابه الشرطي بأنه لم ير شيئا عدا رجلين استوقفاه في منتصف الميدان وحسبهما أصدقاءه، وبدلا من التخلص من غضبه من الأفضل له أن يأخذ بمشورة حسنة ويذهب في اليوم التالي لرؤية مفتش الشرطة الذي سيجلب له معطفه. جرى أكاكي أكاكيفيتش إلى المنزل في حالة مروعة للغاية: فشعره - لا يزال ينمو حول صدغيه وخلف رأسه – أشعث بصورة سيئة. وصدره وسرواله وجنباه مغطاة بالثلج. وعندما سمعت مالكة البيت العجوز الطرق المخيف على الباب قفزت من فراشها لابسة فردة حذاء ومتشبثة برداء نومها مغطية صدرها من باب الاحتشام. ولكن عندما فتحت الباب ورأت أكاكى أكاكيفيتش واقفا هناك، تقلصت إلى الوراء. وبعد أن أخبرها بالذي جرى أصفقت يديها في يأس، وأخبرته بأن يذهب في الحال إلى مفتش شرطة المقاطعة، حيث إن ضابط الشرطة المحلي سيحاول بالتأكيد تأجيل الموضوع، ومقدما له شتى الوعود وموجها إياه عبر ممشى الحديقة. من الأفضل الذهاب إلى المفتش نفسه، الذي صادف أن كانت تعرفه بالفعل حيث أن -آنا-، الفتاة الفنلندية التي كانت تقوم بالطبخ لها، تعمل الأن مربية في منزل المفتش. وكانت غالبا ما تراه يقوم بجولة بين المنازل ويذهب إلى الكنيسة كل أحد، كان يبتسم للجميع، وكان في جميع الأحوال رجلا طيباً. استمع أكاكي أكاكيفيتش إلى هذه النصيحة وانسل بحزن إلى غرفته.
فأية ليلة قضاها يمكن أن يحكم عليها أولئك الذين يضعون أنفسهم موضع الغير. وفي الصباح الباكر توجه إلى بيت المفتش، لكنهم أخبروه بأنه لم يصح من نومه بعد. فعاد في الساعة العاشرة فقالوا له إنه لا يزال نائما. فعاد في الساعة الحادية عشرة فأعلموه بأنه قد خرج من البيت. وعندما عاد مرة أخرى حوالي وقت الغذاء، لم يسمح له الكتبة في صالة المدخل بالدخول بأي حال ما لم يخبرهم ما هو شأنه ولماذا جاء، وماذا حصل. لذا وجد أكاكى أكاكيفيتش نفسه، في النهاية، للمرة الأولى في حياته، متحدثاً عن نفسه وأخبرهم بعبارات واضحة لا لبس فيها أنه أراد رؤية المفتش شخصيا، وأنهم لا يجرؤون على منعه، حيث إنه أتى من دائرة حكومية وإنهم سيعرفون كل شيء عندما يتقدم بشكواه. لم يكن في مقدور الكتبة مجادلته، فقام أحدهم باستدعاء المفتش الذي كانت ردود فعله بالنسبة للسرقة غريبة للغاية. فبدلا من التركيز على النقطة الرئيسية من الرواية، بدأ يستجوب أكاكى أكاكيفيتش بأسئلة مثل: (ماذا كان يفعل في مثل هذه الساعة المتأخرة؟) أو (هل كان يقوم بزيارة إلى أحد منازل الدعارة؟) التي جعلت أكاكي يشعر بالحرج، ومضى جاهلا تماما فيما إذا كانوا سيتخذون أي إجراء. قضى ذلك اليوم بأكمله خارج المكتب - للمرة الأولى في حياته.

(4)

وصل في الصباح التالي يبدو عليه شحوب شديد، مرتديا (الروب دي شمبر) القديم الذي كان في حالة مثيرة للإشفاق أشد من ذي قبل.
مست قصة سرقة المعطف مشاعر الكثير من الكتبة، بالرغم من أن القليل منهم لم يتمالك نفسه من الضحك على أكاكى أكاكيفيتش حتى في تلك اللحظة. عندها فقط قرروا أن يقوموا بحملة لجمع التبرعات، لكن كل ما جمعوه كان مبلغا مزريا، حيث إنه بالإضافة إلى مصاريفهم الإضافية، فقد قاموا باستنفاد كل نقودهم باشتراكهم في تحمل تكاليف لوحة زيتية تمثل رسما لصورة المدير الجديد، بالإضافة إلى كتاب ما أو آخر أوصى بهما رؤساء الأقسام – تصادف كونهم أصدقاء للمؤلف. فكل ما جمعوه كان شيئا لا يذكر.
قرر أحدهم، الذي كان شديد التأثر، أنه باستطاعته مساعدة أكاكى أكاكيفيتش بإسداء نصيحة جيدة. أخبره بأن لا يذهب إلى ضابط الشرطة المحلية، حيث إن السيد الذي ربما سيستعيد معطفه بطريقة أو أخرى على أمل أن يحصل على إطراء من رؤسائه. لم يكن هناك بد من خروج أكاكي من مركز الشرطة دون الدليل القانوني الضروري بأن المعطف كان معطفه حقاً.
كانت أفضل الخطط هي أن يتقدم شخصياً إلى شخص ما مهم، وهذا الشخص المهم نفسه، بالكتابة والاتصال بأناس مناسبين، سيكون من شأنه تحريك الأمور بطريقة أسرع بكثير من المعتاد. لم يكن هناك من خيار آخر، لذا فقد عقد أكاكي أكاكيفيتش العزم على زيارة ورؤية هذا الشخص المهم.
ماذا كان يفعل هذا الشخص المهم، وماذا كان يشغل من منصب يبقى لغزا من الألغاز حتى يومنا هذا. كل ما يدعونا إلى القول إن هذا الشخص المهم أصبح مهماً فقط منذ فترة وجيزة، وإنه حتى تلك الفترة كان شخصا غير مهم. على أية حال، حتى الآن فإن مركزه لا يعتبر مركزا مهما جدا بالمقارنة مع غيره من المراكز التي لا زالت مهمة جدا. ولكن ستصادفك فئة معينة من طبقات الناس، التي تعتبر بعض الأشياء ليست بذات أهمية، بينما يعتبرها الآخرون مهمة في الواقع. لكنه حاول، مع ذلك، سلوك جميع السبل لدعم هذه الأهمية. لنضرب مثالا على ذلك: كان مسئولا عن استحداث نظام ينبغي على جميع موظفي الحكومة من الدرجات الدنيا القيام بالانتظار لاستقباله عند السلم عندما يحضر إلى المكتب، وأنه لا يستطيع أحد لأي سبب من الأسباب الدخول مباشرة إلى مكتبه؛ وأن كل شيء يجب التعامل به حسب تسلسل أهميته: فمسجل الكلية كان تحت إمرة السكرتير الإقليمي، الذي كان بدوره تحت إمرة المستشار الفخري (أو من يكون ذلك الشخص الذي يرجع إليه)، لذا فإنه بهذا الطريقة كانت الأمور تصله حسب الإجراءات الموضوعة.
ففي روسيا المقدسة في أيامنا أصابت عدوى التقليد كل شيء، وكل واحد يقلد من هو أعلى منه. حتى إنني سمعتهم يقولون بأنه عندما يعين مستشار فخري كرئيس لدائرة حكومية صغيرة فإنه يقوم في الحال بتقسيم مكتبه وتخصيص جزء منه كغرفة انتظار خاصة لاستخداماته، أو كغرفة استقبال حسبما يسميها، ويجعل اثنين من السعاة يلبسان بدلة رسمية ذات ياقة حمراء وشرائط ذهبية مطرزة يقفان في الخارج لفتح الأبواب للزوار - حتى لو اقتضى الأمر وضع طاولة كتابة لوظيفة عادية فيما يدعى بغرفة الاستقبال هذه. كان روتين هذا الرجل المهم مهيبا ومثيرا للإعجاب، لكنه كان مع ذلك يتسم بالبساطة. كان أساس هذا النظام بأكمله هو النظام الصارم. (النظام، النظام، و... النظام) اعتاد القول، ناظرا عادة بجد ووقار في عيني الشخص الذي يخاطبه، عندما كان يردد الكلمة للمرة الثالثة. ومع ذلك، لم يكن هناك سبب وجيه لهذا النظام الصارم، حيث إن الموظفين الحكوميين العشرة الذين يشكلون الآلة الإدارية بأكملها في دائرته كانوا على أية حال يرتعدون منه خوفا بما فيه الكفاية. فإذا ما رأوه قادما من بعد كانوا يتوقفون عن العمل ويقفون وقفة انتباه، بينما كان المدير يمر بهم قاصداً مكتبه. كانت محادثاته اليومية مع مرؤوسيه ببساطة تفوح بالنظام، وغالباً ما تتكون من ثلاث عبارات: ( كيف تجرؤ؟ هل تعرف من تخاطب؟ هل تدرك من الواقف أمامك؟)
مع ذلك كان في أعماقه رجلا طيباً، طيب المعشر مع زملائه ومحبا لمساعدة الأخرين. لكن ترقيته إلى درجة جنرال أفقدته صوابه تماما، فقد أصبح مشوشاً، وانحرف نوعا ما عن الطريق السوي، ولم يعد يستطيع التكيف مع هذا الوضع. فاذا ما كان بصحبة أحد ممن هم في رتبته، عندها يكون شخصا طبيعياً شديد التواضع، وفي الحقيقة أبعد ما يكون عن الغباء من عدة أوجه.
ولكن ضعه مع أناس أقل منه بدرجة واحدة، وستراه حقا مشدوهاً. لن ينطق بكلمة واحدة، ويشعر المرء بالأسى عندما يراه في مثل هذه المحنة، وكلما طالت المدة كان يشعر بأنه بإمكانه أن يقضي الوقت باستمتاع أكثر.
باستطاعة المرء أن يقرأ هذا الشوق لصحبة وحديث مثير للاهتمام في عينيه، لكنه كان كثيرا ما يشعر بإعاقة في أعماقه من فكرة: أليس هذا بكثير جداً لشخص في مثل مركزه، أليس في هذا كثير من الألفة وبالتالي يسبب ضررا لوضعه؟ لهذه الأسباب يبقى صامتا على الدوام، مخرجا فقط كلمات
أحادية الصوت من وقت لأخر، ونتيجة لهذا فقد كون عند الآخرين سمعة بأنه شخص مضجر وثقيل الدم. كان هذا هو الشخص المهم الذي كان يسعى صاحبنا أكاكي أكاكيفيتش لاستشارته، وبدا في أسوأ حالة ممكنة – فقد كان في أشد حالة من حالات الانزعاج فيما يتعلق الأمر بالنسبة له – ولكن أشد حالة من حالات الانزعاج بالنسبة للشخص المهم. كان الشخص المهم في مكتبه منهمكا في حديث مفعم بالحيوية مع صديق طفولة قديم من أصدقائه قدم لتوه من بطرسبرج ولم يره منذ فترة طويلة.
في هذه اللحظة تم الإعلان عن وصول شخص ما يدعى باشمتشكين. (من يكون هذا؟) سأل فجأة فأجابوه بأنه (كاتب من المكتبة)، (آه دعوه ينتظر، لا أستطيع رؤيته الآن)، أجاب الشخص المهم. هنا لا بد لنا من القول بأن الشخص المهم قد تفوه بكذبة حقيقية: فقد كان لديه الكثير من الوقت، فقد قال منذ زمن طويل ما كان يود قوله لصديقه، وكانت تتخلل محادثاتهما فترات من الصمت الطويل يقطعانها فقط بالضرب على أفخاذهما قائلين:
(هكذا إذن إيفان أبراموفيتش!) و(نعم بالتأكيد، ستيفان فارلاموفيتش!)
ورغم هذا، لم يزل يأمر الكاتب بأن ينتظر، لمجرد أن يظهر لصديقه (الذي ترك الخدمة منذ فترة قبل أن يستقر به المقام في منزله الريفي) كم من الزمن بإمكانه أن يجعل الكتبة ينتظرون في غرفة الانتظار. وعندما قالا كل ما لديهما بالفعل، أو بالأحرى، جلسا في مقاعدهما الوثيرة براحة وسعادة بدون أن ينبسا بكلمة واحدة لبعضهما، يدخنان سيجارهما، تذكر الشخص المهم فجأة وقال لسكرتيره، الذي كان واقفا عند الباب، حاملا كومة من الأوراق: (أه نعم الآن، أظن أن هناك كاتبا ينتظر. قل له يدخل). وبنظرة واحدة على أكاكى أكاكيفيتش المرتعد في بدلته البالية التفت إليه فجأة وخاطبه: (ماذا تريد؟) بصوت أمر فظ كان يتمرن عليه مردداً، عندما يكون بمفرده في الغرفة، أمام المرأة، مدة أسبوع بأكمله قبل تعيينه الحالي وترقيته إلى درجة جنرال.

وقبل فترة طويلة من قيام هذا الشخص المدعو أكاكي أكاكيفيتش بمعايشة شعور الفظاعة هذا الذي كان ملائما له لممارسته، والآن، لدهشته، حاول أن يشرح، بقدر ما كان يسمح لسانه بذلك، وبخليط أكثر من ذي قبل بعبارات مثل (حسناً)، و(يعني) وأن معطفه كان جديداً، وأنه تمت سرقته في أسوأ حالة من البربرية، وأنه حضر طالباً مساعدة الشخص المهم، أي من خلال تأثيره، أو من خلال عمل كذا وكيت، بالكتابة إلى مأمور الشرطة، أو إلى شخص آخر، (مهما يكن هذا الشخص) قد يستطيع الشخص المهم استعادة معطفه.
والسماء تعرف لماذا، غير أن الجنرال وجد هذا الأسلوب مألوفا جداً.
(ماذا تعنى بهذا، يا سيدي؟) قال بطريقة لا تخلو من اللذاعة: (ألست على علم بالإجراءات الصحيحة؟ أين تظن نفسك؟ ألا تعلم كيف تساس الأمور هنا؟ آن الأوان لأن تعرف أولا بأن طلبك يجب أن يقدم في المكتب الرئيسي، ثم يوصل إلى كبير الكتبة، ثم إلى مدير الإدارة، ثم إلى سكرتير مكتبي، الذي سيقوم بتقديمه إلي للنظر فيه...)
(لكن يا صاحب السعادة)، قال أكاكى أكاكيفيتش، محاولا أن يستجمع قدراً ضئيلاً من الشجاعة كان يمتلكه، وشاعراً في الوقت ذاته بالعرق يتصبب من جسده، (لقد اجترأت على إزعاج سعادتكم لأنني، حسناً، السكرتيرون، لا يعتمد عليهم كثيرا....)
(ماذا، ماذا، ماذا؟) صاح الشخص المهم. (من أين تعلمت مثل هذه الوقاحة؟ من أين حصلت على هذه الأفكار؟ يا لمواقف التمرد التي أصابت عدواها شباب هذه الأيام؟)
من الواضح أن الشخص المهم لم يلاحظ بأن أكاكي أكاكيفيتش قد تجاوز الخمسين. بالطبع، يمكن للمرء أن يطلق عليه وصف شاب، ولكن نسبيا، هذا إذا قارنته بشخص في سن السبعين.
(هل تدرك من تخاطب؟ هل تعي من هو الواقف أمامك؟ هل تفهم، أني اسألك هل تفهم؟
إني أوجه لك سؤالاً!)
في هذه اللحظة ضرب الأرض بقدمه بشدة ورفع صوته لدرجة أن أكاكى أكاكيفيتش لم يكن الوحيد الذي فقد صوابه من الذعر. وكاد أن يغمى على أكاكي أكاكيفيتش. تدحرج إلى الأمام وكان جسده يهتز، وكان بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه. ولو لم يهب البوابون إلى نجدته لوقع على الأرض. حملوه إلى الخارج بلا حراك يكاد يكون قد فارق الحياة. ألقى الشخص المهم نظرة من طرف عينيه، وهو راض جداً بأن التأثير الذي أحدثه قد فاق كل توقعاته الأشد وحشية، وقد سر تمام السرور بأن بضع كلمات منه بإمكانها أن تسلب إنساناً حواسه، على صديقه ليرى تأثير ما فعل. لم يكن بالضبط مستاء لمشاهدة صديقه وقد تملكته الحيرة، وكان قد بدأ يظهر هو الآخر علامات غير مغلوطة من الخوف.
لم يتذكر أكاكي أكاكيفيتش شيئا عن نزوله السلم إلى الشارع. فأطرافه قد فارقت الحياة. فلم يحصل في حياته مطلقاً أن تلقى مثل هذا التوبيخ من قبل جنرال – والأدهى من ذلك من قبل جنرال من دائرة أخرى غير دائرته.
مشى مترنحاً باستمرار على الطوار بينما هو يقاوم فاغراً فاه في وجه عاصفة ثلجية وصوتها يزمجر في الشارع. وكما يحدث عادة في سان بطرسبرج فإن الريح تهب من زوايا الأرض الأربع، ومن كل شارع جانبي. وفي طرفة عين كانت حنجرته تلتهب، وعندما جرجر نفسه أخيرا إلى المنزل لم يكن قادراً على النطق بكلمة واحدة. ألقى بنفسه على الفراش وكل جزء من أجزاء جسمه قد بدأت تتورم. هذا ما يمكن أن يصنعه التوبيخ (اللازم واللائق) بك أحياناً!

(5)

في اليوم التالي أصابته حمى شديدة. فبفضل العون السخي لطقس بطرسبرج فقد تطور المرض بسرعة فائقة أكثر مما يتوقع المرء، وعندما وصل الطبيب وتحسس نبضه، فإن كل ما كان يستطيع وصفه من دواء هو كمادات لا غير – فقط لأنه أراد ببساطة أن لا يحرم المريض من المزايا المفيدة للعناية الطبية. لكنه مضى في تشخيصه بأن أكاكي أكاكيفيتش لن يستمر طويلا بعد يوم واحد ونصف يوم، مما لا شك فيه، وبعد ذلك: ستتوقف جميع حواسه. ثم استدار إلى صاحبة المنزل قائلاً:
(والآن، لا تضيعي وقتاً، وقومي بطلب تابوت من الصنوبر في الحال، حيث إنه لن يكون بمقدوره أن يحصل على تابوت من خشب البلوط.)
سواء سمع أكاكي أكاكيفيتش هذه الكلمات المشؤومة أم لم يسمعها – وسواء هزت مشاعر الأسف لحياته البائسة- لا أحد لديه أدنى فكرة، حيث إن الحمى والهذيان كانا مصاحبين له طوال الوقت. وبدث أمامه رؤى غريبة، وكانت كل واحدة أشد غرابة من الأخيرة، ومرت في موكب لا نهاية له: في إحداها كان يرى بتروفيتش الخياط، وكان يترجاه بأن يعمل له المعطف بمصايد خاصة لاصطياد اللصوص التي بدت له متجمعة تحوم تحت فراشه. وبين دقيقة وأخرى كان ينادي صاحبة البيت لتسحب واحدة منها تحت اللحاف.
وفى واحدة من الرؤى كان يتساءل لماذا كان (الروب دي شامبر القديم، التابع له معلقا هناك بينما هو يمتلك معطفا جديداً). بعد ذلك تخيل أنه كان واقفا بجانب الجنرال، وبعد أن جرى توبيخه كما ينبغي، كان يقول: (أنا آسف يا صاحب السعادة.) وفي النهاية بدأ يشتم ويلعن، وترك سيلا جارفا من البذاءة ينهمر لدرجة أن صاحبة المنزل رسمت علامة الصليب على نفسها، حيث إنها لم يسبق لها أن سمعت مثل هذا الكلام طوال حياتها، خصوصا وأن اللعنات كانت تأتي مباشرة بعد عبارات (يا صاحب السعادة). بعد ذلك بدأ يهذي تماما، حتى بدا من المستحيل فهم أي شيء، سوى أن كل هذا الخليط يتمحور حول المعطف نفسه لا غير. وأخيراً أسلم أكاكي أكاكيفيتش المسكين الروح. فلا غرفته ولا ممتلكاته ختمت بالشمع الأحمر، لأنه في المقام الأول لم تكن له عائلة، وفي المقام الثاني كانت جميع ممتلكاته الدنيوية لا تساوي كثيرا على الإطلاق: حزمة من ريش الإوز، رزمة من أوراق الحكومة البيضاء، ثلاثة أزواج من الجوارب، زراران أو ثلاثة أزره سقطت من سرواله و(الروب دي شامبر) حيث القارئ على علم به.
لمن آلت جميع هذه الأشياء، الله سبحانه وتعالى وحده على علم بذلك، ومؤلف هذه القصة يعترف بأنه قد فقد الاهتمام بها ولا يهمه أمرها. نقل جثمان أكاكي أكاكيفيتش وتم دفنه. واستمرت الحياة في سان بطرسبرج بدون أكاكي أكاكيفيتش، الذي عرفته كما لو أنه لم يكن قد وجد فيها.
وهكذا زال واختفى إلى الأبد إنسان لم يفكر أحد من الخلق في حمايته، ولم يكن عزيزاً على أحد، ولم يكن أحد يهتم بأمره لا من قريب ولا من بعيد، ولا حتى عالم التاريخ الطبيعي الذي لم يكن ليقاوم غرز دبوس في جناح ذبابة منزلية وفحصها تحت مجهره، إنسان تحمل هزء وسخرية زملائه مر غير أن يتذمر ويعبر عن احتجاجه، إنسان ذهب إلى مرقده الأخير بلا أدنى ضجة، ولكن مع ذلك (بالرغم من ان ذلك ليس قبل أيامه الأخيرة) ظهر فجأة زائر مضيء على هيئة معطف، ليضيء حياته البائسة لمجرد لحظة خاطفة، مخلوق حلت به نكبة قاسية كما تعصف النكبات بالملوك وعظماء البشر على هذه الأرض....
وبعد مضي عدة أيام على وفاته أرسل أحد السعاة حاملا أوامر إليه تدعوه إلى الحضور إلى العمل في الحال: كانت تلك أوامر المدير شخصياً. غير أن المراسل اضطر أن يعود بمفرده ليعلن بأن أكاكي لن يتمكن من الحضور إلى المكتب بعد اليوم. وعندما تم سؤاله لماذا كان ذلك، أجابهم: (لأنه فارق الحياة، لقد توفي قبل أربعة أيام). وهكذا علم المكتب بخبر وفاة أكاكي أكاكيفيتش، وفي اليوم التالي تم شغل وظيفته من قبل كاتب حديث التعيين، أطول منه بكثير، وخطه ليس في استقامة خطه، ولكنه على العكس من ذلك فاعوجاجه واضح تماماً.
ولكن من كان يتصور أن هذا لن يكون آخر ما سيسمع عن أكاكي أكاكيفيتش، وأنه كان مقدرا له أن يخلف ضجة بعد عدة أيام من موته، كما لو كان يحاول أن يعوض ما فاته من أيام قضاها يتجاهله الجميع؟ غير أن هذا هو ما حدث ليضفي على قصتنا البائسة نهاية غريبة للغاية وغير متوقعة على الإطلاق. وبدأت الشائعات تنتشر في أرجاء سان بطرسبرج بأن شبحاً في هيئة كاتب من كتبة الحكومة قد ظهر بالقرب من جسر كاينكين، وحتى أبعد من ذلك، وأن هذا الشبح بدأ يبحث عن معطف مفقود. ولهذه الغاية فقد كان يشاهد ينتزع شتى أنواع المعاطف من فوق أكتاف أصحابها، غير عابئ برتب أو درجات أصحابها، معاطف مصنوعة من فراء القطط، السمور، معاطف ذات كمادات، معاطف من فراء الراكون أو الثعالب أو الدببة، باختصار: معاطف مصنوعة من أي نوع من أنواع الفراء أو الجلود التي يستخدمها الإنسان لحماية جلده هو. وشاهد أحد الكتبة من الإدارة الشبح بأم عينيه وتعرف في الحال على أكاكي أكاكيفيتش.
لقد بلغ به الرعب والفزع مبلغه لدرجة أنه أسلم ساقيه للريح جاريا بأسرع ما تستطيع رجلاه أن تحملاه، لدرجة أنه لم يستطع أن يبصر جيداً ما حوله، فكل ما كان يستطيع إدراكه أن شخصاً كان يشير إليه بإصبع شريرة عن بعد. وبدأت الشكاوى تنهمر من جميع الأنحاء، ليس فقط من المستشارين الفخريين، ولكن حتى من بين أصحاب الرتب العالية كمستشاري البلاط، الذين تعرضوا لنوبات قاسية من البرد في ظهورهم من خلال هذا السطو الليلي على معاطفهم. وقد صدرت تعليمات إلى رجال الشرطة لاعتقال الشبح وزجه في السجن، مهما كلف الأمر وليكن ما يكن، حياً أو ميتاً، لمعاقبته ليكون عبرة لمن اعتبر – وفي هذا كاد النجاح أن يكون حليفهم. ومن أجل أن نكون أكثر دقة، كاد أحد رجال الشرطة، كجزء من تجواله المعتاد في نوبته في زقاق كيروشكين، أن يمسك بالشبح من ياقته في موضع الجريمة نفسه، في اللحظة التي كان على وشك أن يقتلع معطفا من الصوف من على كتفي موسيقي متقاعد، كان عازف ناي.
وبينما هو ممسك بالشبح من ياقته، صرخ رجل الشرطة مناديا اثنين من رفاقه ليمسكا به، ولدقيقة واحدة فقط، بينما كان يتحسس حذاءه الطويل لاستخراج علبة النشوق لتنشيط أنفه (الذي تعرض لوخزة صقيع خفيفة ست مرات في حياته). ولكن النشوق يبدو أنه كان من ذلك النوع من الخلطات التي لا تحتملها حتى الأشباح، ففي اللحظة التي كان رجل الشرطة يغطي منخاره الأيمن بإصبعه ويستنشق ملء كف في المنخار الآخر، عطس الشبح عطسة عنيفة أعمت الجميع تماما بما رش عليهم من رذاذ، جميع رجال الشرطة الثلاثة. وبينما كانوا يمسحون أعينهم اختفى الشبح في الهواء فجأة لدرجة أن رجال الشرطة الثلاثة لم يكونوا واثقين من أنهم أمسكوه بأيديهم في المقام الأول. ومنذ ذلك الحين كان رجال الشرطة شديدي الفزع من الأشباح؛ لدرجة أنهم كانوا يخشون إلقاء القبض حتى على الأحياء من بنى البشر، وكانوا بدلا من ذلك يصرخون عن بعد: (أنت يا من هناك، ابتعد من هنا). وبدأ شبح الكاتب يظهر في أماكن أبعد من جسر كيلنكين، مسببا حالة من الذعر والخوف بين ضعاف القلوب من المواطنين. ويبدو أننا، على أية حال، قد تجاهلنا الشخص المهم، الذي، في الحقيقة، يمكن أن يقال إنه السبب الحقيقي لمجرى هذه النهاية في هذه القصة، التي كانت قبل ذلك قصة حقيقية. أولاً: لإعطاء هذا الرجل حقه، يجب أن نبين أنه بعد خروج صاحبنا المسكين أكاكي أكاكيفيتش محطماً، بدأ الشخص المهم يشعر بوخزات الأسف وتأنيب الضمير. فالرحمة لم تكن شيئا جديداً عليه، ومع أنه كان واعيا ومدركاً لرتبته فقد كان كثيراً ما يحنق عليها، فقلبه لم يكن عديم التأثر بكثير من الدوافع الكريمة. فحالما غادر صديقه المكتب تحولت أفكاره نحو أكاكى أكاكيفيتش المسكين.
وكان كل يوم تقريبا بعد ذلك تبدو له رؤيا يتمثل فيها أكاكى أكاكيفيتش شاحب الوجه، الذي كان التأنيب الرسمي بحقه شيئا كثيراً. وبدأت هذه الأفكار تثير قلقه لدرجة أنه قرر أن يرسل أحد موظفيه إلى الشقة ليسأل عن حاله، وكيف يمكنه أن يقدم أية مساعدة. وعندما عاد الرسول ليخبره بأن أكاكى أكاكيفيتش قد توفى فجأة نتيجة الحمى أصيب بالذهول. وبدأ ضميره يؤنبه، وشعر ذلك اليوم بانحراف في مزاجه.
وظناً منه من أن ضرباً من التسلية الخفيفة سيجعله ينسى تلك التجربة الكريهة، ذهب إلى حفلة أقامها أحد أصدقائه دعي إليها عدد من الناس المحترمين. وقد سر بوجه خاص عندما وجد بأن جميع الحاضرين كانوا ممن هم في مستوى درجته تقريبا، لذا لم يكن هناك من احتمال لمواقف قد تسبب مضايقات. وكان لهذا تأثيره العجيب في تحسن حالته النفسية ورفع روحه المعنوية. كان في حالة استرخاء تامة، وتحدث مع الجميع بانشراح، وحاول أن يكون محببا من الجميع، باختصار قضى أمسية ممتعة للغاية. وعلى العشاء احتسى كأسا أو كأسين من الشمبانيا، وهي نوع من النبيذ يعرف الجميع بأنها لا تساعد على تعكير المزاج. وقد ساهمت الشمبانيا في تحسن حالته المزاجية التي جعلته يدخل بعض التغييرات على خططه لذلك المساء: فقرر أن لا يذهب إلى المنزل مباشرة، ولكن ليقوم بزيارة لسيدة من معارفه، كارولينا إيفانوفا، كانت من أصل ألماني وكان على علاقة حميمة بها. وهنا يجب علي أن أبين بأن الشخص المهم لم يعد شابا مثلما كان، ولكنه زوجا ورب أسرة محترما. فله من الخلف اثنان، أحدهما يشغل وظيفة بالفعل في الخدمة المدنية، والثاني فتاة جميلة في السادسة عشر من عمرها ذات تصرفات تنم عن الازدراء، كانت كل يوم تأتي لتقبل يده قائلة بالفرنسية (صباح الخير يا أبي). أما زوجته فلا تزال محتفظة ببعض نضارتها ولم تفقد شيئا من ملامحها الجميلة، كانت تسمح له بتقبيل يدها، ثم تقبل يده قالبه إياها. ومع أن الشخص المهم كان قانعا تماما بالعاطفة التي تسبغها عليه عائلته، مع ذلك لم يجد ذلك سلوكا خاطئاً أن تكون له صديقة في جزء آخر من المدينة. وهذه الصديقة لم تكن بأية حال أجمل أو أصغر سنا من زوجته، ولكن هذا سر غامض من أسرار هذا العالم، وليس من واجبنا أن ننتقده. كما كنت أقول، نزل الشخص المهم إلى الدور الأرضي، تسلق زحافته وقال للسائق: (إلى منزل كارولينا إيفانوفنا) بينما كان يلتف في معطفه الفاخر جداً شاعراً بمتعة تلك الحالة النفسية، العزيزة على كل روسي، عندما يفكر المرء في لا شيء على الإطلاق، ولكن، مع ذلك، عندما تأتي الأفكار مزدحمة في رأس الإنسان من تلقاء نفسها، وكل واحدة أكثر لطفاً من الأخيرة، ولا تتطلب من المرء أي مجهود ذهني في تحضيرها أو مطاردتها، شعر بالرضا وهو يستذكرها، دون أن يبذل أي عناء يذكر، كل اللحظات السعيدة في الحفلة، كل النكات اللطيفة التي أثارت القهقهات العالية في تلك الدائرة الضيقة: حتى إنه أعاد بعضها لنفسه بهدوء ووجدها مضحكة كالسابق، لذا لم يكن مستغرباً أن ضحك من أعماق قلبه. لكن الريح الصاخبة تطفلت على متعته أحياناً، والله وحده يعلم من أين تهب أو لماذا، كانت تلفح وجهه تماما، قاذفة بحفنة من الثلج عليه، جاعلة ياقته تقف منتفخة كالشراع، أو تقذف به فوق رأسه بقوة خارقة للطبيعة تتطلب مقدرة شيطانية للخلاص منها. وفجأة شعر الشخص المهم بقوة عنيفة تسحبه من ياقته. وعندما استدار شاهد رجلا ضئيل الحجم في بدلة بالية، وانتابه شعور بالرعب عندما تعرف عليه في شخص أكاكى أكاكيفيتش. كان وجه الكاتب شاحبا كالثلج وكان تماما كوجه رجل ميت. فاق الرعب الذي انتاب الشخص المهم كل حدود المعقول عندما التوى فم الشبح، تخرج منه رائحة القبور المخيفة، بينما هو ينفخ عليه أنفاسه ناطقا بالكلمات التالية: (آه، أخيرا وجدتك!! والآن أطبقت عليك من ياقتك! إن ضالتي هى معطفك!). كاد الشخص المهم المسكين أن يموت فزعاً. ولكن قوة الشخصية التي كان يستعرضها في المكتب -عادة ما يكون ذلك في حضور موظفين من بين مرؤوسيه– ما على المرء سوى النظر إلى وجهه المكتمل الرجولة ليقول: (هو رجل يتحداك) - في هذا الموقف – كالكثيرين من أمثاله الذين تبدو عليهم مظاهر البطولة منذ الوهلة الأولى، كان شديد الخوف لدرجة أنه بدأ يخشى (وليس بدون سبب) أنه سيتعرض لسكتة قلبية. لقد مزق معطفه بأسرع ما يستطيع، بدون مساعدة من أحد، ثم صرخ بأعلى صوته ليسمع سائقه بصوت من يتملكه الرعب: (إلى البيت بأسرع ما تستطيع!)
مدركا نغمة صوت سيده التي يستخدمها في لحظات الأزمات – نغمة عادة ما تصاحب حثاً قوياً- ومن أجل أن يحتاط للأمر انحنى في جلسته ولوح بسوطه وانطلق مسرعاً كالسهم.
ولم يستغرق الوقت أكثر من ست دقائق إلا والشخص المهم عند الباب الأمامي. كان بلا معطف، وشديد الشحوب وفاقدا لحواسه، وتوجه إلى البيت بدلا من الذهاب إلى منزل كارولينا إيفانوفنا. وتمكن بطريقة ما أن يتحامل على نفسه ويرتقي السلالم إلى غرفته، وقضى ليلة رهيبة حتى إن ابنته قالت له صباح اليوم التالي على الفطور (تبدو شديد الشحوب هذا اليوم، يا بابا). غير أن بابا لم يرد عليها، ولم يتفوه بكلمة واحدة عما حصل، ولا أين كان ولا أين كان ينوي أن يتوجه. كانت لتلك المواجهة تأثيرها البين عليه.
فمنذ ذلك الوقت كان نادراً ما يخاطب مرؤوسيه بعبارات مثل: (كيف تجرؤ، هل تعلم من هو الواقف أمامك؟) وإذا صادف أن كانت له مناسبة لأن يقول هذا، فإن ذلك لم يكن أبداً بدون السماع أولا لما سيقوله المتهم. غير أن ما هو أشد غرابة من أي شيء آخر هو اختفاء شبح الكاتب تماماً. ومن الواضح أن معطف الجنرال من حيث القياس كان الكمال بعينه. وعلى الأقل، لم يعد هناك المزيد من قصص المعاطف التي تسحب من على أكتاف أصحابها.
غير أن بعض المواطنين من بين الفضوليين وشديدي الحذر لم يكونوا قانعين، ويصرون على أن الشبح لا يزال يشاهد في الأطراف النائية من المدينة، وفي الحقيقة فإن رجل شرطة من مقاطعة كولومبا شاهد بأم عينيه شبحا يغادر منزلاً. وحيث إنه كان ضعيف البنية – فإن خنزيرا من الحجم العادي تام البلوغ كان منطلقاً من أحد المنازل الخاصة اصطدم به فأسقطه، مما أثار تسلية عظيمة لدى بعض سائقي العربات، الذين كانوا واقفين بالقرب من المشهد، مما أدى إلى سعال كل واحد منهم وقذف ما يعادل نصف كوبك من سعر النشوق على خده، وكان ببساطة لم يجرؤ على إلقاء القبض عليه، لكنه تبع الشبح في الظلام حتى توقف فجأة واستدار نحوه قائلا: (ماذا تريد؟) ولوح بقبضة يده في وجهه – قبضة لا ترى مثلها بين أيدي الأحياء. فرد عليه رجل الشرطة: (لا شيء) وتراجع مسرعا.
كان هذا الشبح أطول من الشبح الأول، كان ذا شارب ضخم،
ويبدو أنه كان متجها صوب جسر أوبوخوف، وابتلعه الظلام.
الأنف
(1)
حدث شيء في منتهى الغرابة في سان بطرسبرج في الخامس والعشرين من شهر مارس، بالنسبة لإيفان يعقوبليفيتش - وهو حلاق كان يقطن بشارع فوزنسنسكي، (طوى النسيان اسم عائلته، وكل ما تعرضه يافطة محله هو رسم رجل (جنتلمان) يغطي الصابون خده وعبارة تقول (نقوم أيضاً بالفصادة) – عندما أستيقظ مبكراً جداً في صباح أحد الأيام على رائحة خبز ساخن، وبينما هو جالس في السرير، شاهد زوجته، التي كانت سيدة محترمة ومدمنة عظيمة على شرب القهوة، تخرج مرن الفرن أرغفة الخبز المكورة التي خبزت لتوها.
(لا أريد شيئاً من القهوة هذا اليوم، يا برسكوفيا أوسيبوفنا)، قال إيفان يعقوبليفيتش، (سأكون قانعاً ببعض الرول الساخن والبصل بدلاً من ذلك). (وهنا لا بد لنا من الإيضاح بأن إيفان يعقوبليفيتش كان يعلم تمام العلم أنه من المستحيل أن يتوقع كلاً من الخبز والقهوة معاً، حيث إن برسكوفيا أوسيبوفنا لم تكن تستجيب برقة لمثل هذا النوع من نزواته). (فليأخذ العجوز المغفل خبزه، لا مانع لدي) قالت مخاطبة نفسها.
(هذا يعنى بأني سأحصل على نصيب أكبر من القهوة!)، وقذفت بقطعة من الخبز على الطاولة.
قام إيفان بارتداء معطفه على قميص نومه بغية الاحتشام في ملبسه، وجلس إلى الطاولة، وقشر بصلتين وأضاف قليلا من الملح، وتناول سكيناً وقد ارتسم على وجهه تعبير ينم على التصميم وبدأ في تقطيع إحدى قطع الخبز. عند تقطيعه الخبز إلى شريحتين بدأ التحديق في وسطها، ولدهشته وجد شيئا أبيض اللون. قام إيفان بوخز هذا لشيء بسكينه بعناية، وبدأ يتحسسه بإصبعه. (إن هذا سميك جداً، ماذا عساه أن يكون بحق السماء؟)، حدث نفسه متسائلاً.
أدخل إصبعين وسحب الشيء – أنف!
ارتمى في مقعده إلى الخلف، وبدأ يفرك عينيه ويتحسس قطعة الخبز من جميع جوانبها مرة أخرى. والأدهى من ذلك، بدا هذا الأنف مألوفاً لديه. امتلأ وجهه رعباً. بيد أن رعبه هذا لا يمكن مقارنته بسخط زوجته.
(أيها الوحش، أنف من هذا الذي بترت؟) صرخت غاضبة. (أيها الوغد! أيها السكير! سأبلغ الشرطة بنفسي، نعم سأفعل ذلك. أيها اللص! عندما أفكر في الأمر، لقد سمعت ثلاثة من الزبائن يقولون إنه عندما يأتون من أجل الحلاقة فإنك تقوم بشد أنوفهم لدرجة أنها من الغريب أن تبقى في مكانها على الإطلاق!)
لكن إيفان شعر بأنه أقرب إلى الممات منه إلى الحياة. كان يعلم بأن الأنف كان يخص مفتش الكليات كوفاليوف، الذي تعود أن يحلق له أيام الأربعاء والأحد.
(انتظري لحظة، يا برسكوفيا! سألفه في قطعة قماش وأرميه في الزاوية. لنتركه هناك لبرهة، ثم سأحاول التخلص منه..))
(لا أريد أن أعرف! هل تعتقد بأنني سأدع أنفا مجدوعاً يقبع في غرفتي.. أيها الأبله كل ما تستطيع أن تفعله هو شحذ شفرتك وتترك كل شيء يخرب. تريدني أن أبقى ساكتة! يا طائر الليل!! وتتوقع مني أن أتستر عليك عند الشرطة! أيها الخنزير القذر أيها المغفل! أخرج هذا الأنف من هنا، إلى الخارج افعل به ما شئت لكنني لا أريد هذا الشيء هنا دقيقة واحدة من الأن!)
كان إيفان يعقوبليفيتش قد فقد صوابه تماماً. فكر وفكر وأمعن التفكير، غير أنه لم يكن يدري ماذا يفعل. (علي اللعنة لو كنت أعلم ما حدث!!) قال أخيرا هارشا خلف أذنه. (لا أستطيع أن أجزم ما إذا كنت قد عدت إلى البيت البارحة ثم لا أم لا. كل ما أعلمه، أن هذا جنون. على أية حال، الخبز يخبز في الفرن، ولا تتوقعي أن تجدي أنوفا في المخابز. لا أستطيع أن أفهم شيئاً!!..)
بقي إيفان يعقوبليفيتش صامتاً. إن فكرة أن يقوم رجال الشرطة بتفتيش المكان، والعثور على الأنف وتوجيه التهمة له فيما بعد، كادت تجعله يفقد صوابه. لقد بدأ بالفعل يتصور تلك الياقة القرمزية الجميلة، التطريز بالفضة، وذلك السيف.. وبدأت الرعشة تهز جسمه. وقام أخيراً بارتداء سرواله القديم وحذائه وشتائم برسكوفيا أوسيبوفنا الصاخبة ترن في أذنيه، لف الأنف في قطعة قماش ومضى خارجاً إلى الشارع.
كل ما كان يبتغيه هو أن يتخلص منه بأي شكل من الأشكال، إما أن يخفيه بين صخرتين في رصيف قبالة بيت أحد الناس أو أن يسقطه عرضاً، فينزلق في شارع جانبي. بيد أن الحظ شاء أن يلتقي صدفة بأصدقاء أصروا أن يسألوه: (ماذا أنت فاعل؟) أو (أليس من المبكر حلاقة الزبائن، أليس كذلك؟). وكانت النتيجة أنه لم يتمكن من التخلص منهم.
وفي إحدى المرات استطاع أن يلقيه، غير أن أحد رجال الشرطة أشار إليه بمطرده – المطرد: سلاح قديم مؤلف من رمح وفأس حرب -قائلاً: (التقطه، ألا ترى بأنك أسقطت شيئا!) وما كان من أمر إيفان يعقوبليفيتش سوى أن يلتقطه ويخبؤوه في جيبه. وبدأ اليأس يستحوذ عليه، خاصة وأن الشوارع أخذت تزدحم بالمارة شيئا فشيئا الآن، بينما بدأت المتاجر والأكشاك تفتح أبوابها للجمهور.
قرر أن يشق طريقه نحو جسر سانت آيزاك ليرى ما إذا كان بإمكانه أن يرمى الأنف في نهر نيفا بدون أن يراه أحد. غير أنني هنا قد ارتكبت خطاً لعدم إخباركم شيئا ما عن يعقوبليفيتش، الذي كان من عدة أوجه رجلاً يمكنكم أن تكنوا له الاحترام.
كان يعقوبليفيتش، مثله في ذلك مثل أي روسي من الطبقة العاملة، سكيراً رهيباً. وبالرغم من أنه كان يقضي طوال يومه يحلق للناس ذقونهم، إلا أنه لم يكن يلمس ذقنه. وبإمكاننا أن نصف معطفه الطويل (لم يكن إيفان يعقوبليفيتش يرتدي معطفا رسميا على الإطلاق) بالأرقط، أي أنه كان أسود اللون ولكن تغطيه بقع صفراء ورمادية في كل مكان. وكانت ياقته لامعة، وكانت ثلاثة خيوط معلقة تشير إلى أنه كانت توجد أزرار في هذا المكان. كان يعقوبليفيتش شخصية لامبالية، وعندما كان يقول له كوفاليوف مفتش الكليات (إن رائحة يديك نتنة) وهو يحلق له، كان إيفان يعقوبليفيتش يرد عليه قائلا: (ولماذا هما نتنتان؟» يرد عليه مفتش الكليات: «لا تسلني يا صديقي العزيز، كل ما أعرفه هو أنهما نتنتان). ويرد إيفان يعقوبليفيتش بأن يأخذ قرضه من نشوق، وكنوع من الانتقام منه، يقوم بتصبين خدي كوفاليوف، وأسفل أنفه وخلف أذنيه وأسفل ذقنه، باختصار في كل مكان كان بإمكانه أن يغطيه بالصابون.
وفي هذه اللحظة كان مواطننا المحترم قد وصل إلى جسر سانت أيزاك. وأول شيء قام به هو النظر من حوله بعناية. ثم قام بالانحناء على حاجز الجسر، متظاهراً بالنظر أسفل الجسر ليرى ما إذا كان هناك الكثير من الأسماك، وقام خلسة بقذف اللفة في الماء. شعر كما لو أن ثقلاً مقداره مائتا رطل قد أزيح من على كاهله وتمكن من أن يصدر ابتسامة.
وبدلا من أن يمضي لأجل حلاقة ذقون موظفي الدولة من المدنيين، توجه نحو محل تقول يافطته (وجبات ساخنة وشاي) ليتناول كوبا من عصير الفاكهة الساخن الممزوج بالشاي والخمر. وفجأة شاهد رجل شرطة عند إحدى نهايتي الجسر في بدلة أنيقة، ذا شارب عريض معتمراً قبعة ثلاثية الزوايا وحاملا سيفاً. وأصابته قشعريرة اجتاحت كل بدنه، بينما كان الرجل يومئ إليه قائلاً: (تعال هنا، يا صديقي!)
وبتعرفه على لباسه الرسمي، رفع إيفان يعقوبليفيتش قبعته قبل أن يخطو ست خطوات وبادر بتحيته قائلاً: (أسعدت صباحاً، يا صاحب السعادة!)
(كلا، كلا، يا صديقي، لا أريد أن تخاطبني بصاحب السعادة. قل لي فقط ماذا كنت تنوي فعله على الجسر؟)،
(في الحقيقة، أيها الضابط، كنت في طريقي لحلاقة زبون وتوقفت لأرى كم كانت سرعة التيار.)
(أنت تكذب. لا تتوقع مني حقاً أن أصدق ذلك! من الأفضل لك أن تقول الحقيقة في الحال.)
(سأحلق لسعادتك مجاناً مرتين، بل ثلاث مرات أسبوعياً، صدقني سأفعل) أجابه إيفان يعقوفيليتش.
(كلا، كلا يا صديقي، لن يجدي هذا نفعاً. هناك ثلاثة حلاقين يعتنون بي، ويشرفهم أن يحلقوا لي. هيا أخبرني من فضلك ماذا كنت تنوي فعله؟)
اصفر وجه إيفان يعقوفيليتش من أثر الشحوب. بيد أنه في هذه اللحظة غطى الضباب كل شيء وغلف الكون، وغدا من المستحيل أن نقول ماذا حصل فيما بعد.

(2)

صحا مفتش الكليات كوفاليوف مبكراً جداً وأحدث رنة بشفتيه. وكان دائماً ما يصدر هذا الصوت عندما يستيقظ، ولو سألته لماذا، فلن يستطيع أن يقدم إجابة مقنعة. تمدد كوفاليوف وطلب أن تحضر له المرآة الصغيرة الموضوعة على الطاولة. أراد أن ينظر إلى نقطة ظهرت على أنفه مساء الأمس، ولمفاجئته البالغة لم يجد بدلا من أنفه سوى سطح منبسط. وفي منتهى الهلع طلب كوفاليوف بعض الماء ليفرك عينيه بفوطة. لم تكن غلطة: لقد اختفى أنفه. وبدأ يقرص جسمه ليتأكد من أنه لم يكن نائماً، غير أن كل شيء يوحي بأنه كان في كامل يقظته. وقفز مفتش الكليات كوفاليوف من سريره وهز نفسه: مع ذلك لم يكن هناك أثر لأنف! وطلب ملابسه واندفع خارجا بسرعة إلى رئيس الشرطة. ولابد لنا، الآن، أن نقول كلمات بحق كوفاليوف، ليرى القارئ أي نوع من مفتشي الكليات كان هذا الرجل. لن يكون بإمكانك حقاً أن تقارن هؤلاء المفتشين، الذين وصلوا إلى هذا المنصب من خلال حصولهم على مؤهلات، مع أولئك النفر الكثير من المعينين في القوقاز. فهاتان الفئتان متمايزتان تماماً.
مفتشو الكليات من بين الحاصلين على الدبلوم من الهيئات العلمية... بيد أن روسيا بلد مليء بالغرائب، فإذا ما أنت أبديت ملاحظة بشأن أحد مفتشي الكليات، فإن كل مفتش من ريجا إلى كمتشاتكا سيأخذ هذه الملاحظة على أنها تمسه هو شخصياً. وينطبق هذا الشيء على كل الناس الذين يحملون ألقابا ويشغلون درجات حكومية. وكان كوفاليوف ينتمي إلى تلك الفئة القوقازية من السكان.
كان مفتشاً لمدة عامين فقط، ولم يكن ينسى ذلك لدقيقة واحدة. ولأجل أن يعطي نفسه أهمية وأن يحمل مكانته مزيدا من الثقل، لم يكن يطلق على نفسه مفتش الكليات وإنما (الرائد). وإذا صادف امرأة في الشارع تبيع قطعا أمامية للقمصان فإنه يبادرها قائلا: (اسمعي يا عزيزتي، تعالي لزيارتي بمنزلي. فشقتي تقع في شارع سادوفايا. وكل ما عليك فعله هو السؤال ما إذا كان الرائد كوفاليوف يقطن هناك، وسيدلك أحدهم على الطريق.) وإذا كانت المرأة على قدر من الجمال فإنه كان يهمس في أذنها بتعليمات سرية ثم يقول: (اسألي فقط عن الرائد كوفاليوف، يا عزيزتي.) لذا فإننا خلال هذه القصة، سنقوم بتسمية مفتش الكليات هذا، (بالرائد).
تعود الرائد كوفاليوف على التجوال يوميا في جادة نفسكي.
كانت ياقة قميصه دوما في غاية النظافة ومنشاة جيداً. وكانت لحيته من النوع الذي تجده بين المساحين الريفيين والمهندسين المعماريين والجراحيين العسكريين، بين ذلك النوع من الناس الذي تربطه صلات برجال الشرطة، أو أي شخص في الحقيقة متورد الخدين ويجيد لعبة الهويست (ضرب من ألعاب الورق). كانت هذه اللحية من النوع الذي ينمو في منتصف الخد حتى يصل أسفل المنخرين. وكان الرائد كوفاليوف دائما ما يحمل معه الكثير من الأختام التي نقشت عليها صور شعارات أو حفرت عليها كلمات مثل: (الأربعاء، الخميس، الاثنين) وما شابه ذلك. وقد جاء الرائد كوفاليوف إلى سان بطرسبرج ليجد له مركزا يتناسب مع رتبته. فإذا حالفه الحظ، سيجد وظيفة نائب محافظ، وإذا فشل في ذلك فإن وظيفة كاتب إداري في إحدى الدوائر المهمة لا بأس بها. ولم يكن الرائد كوفاليوف ضد الزواج، طالما أن عروسه كانت تساوي مائتي ألف روبل. والآن بإمكان القارئ أن يحكم بنفسه على الرائد، فبدلا من أن يرى أنفا حسن الصورة ومعقول الحجم، فإن كل ما يراه هو مساحة منبسطة ناعمة منافية للطبيعة تماما.
وكما لو أن هذا لم يكن بتلك الدرجة من السوء، فلم تكن هناك عربة على مرأى منه، فاضطر أن يعود للبيت ماشيا، لافا نفسه في معطفه ومغطياً وجهه بمنديل، جاعلاً الناس تظن أن أنفه كان يدمي. (ربما كنت أحلم! كيف أكون على هذه الدرجة من الغباء لأخرج وأفقد أنفي؟)
وبهذه الأفكار دخل إحدى المقاهي ليلقى نظرة على نفسه في مرآة. لحسن حظه كانت المقهى فارغة سوى من بعض الندل الذين كانوا يكنسون ويعيدون ترتيب الكراسي. كان البعض منهم مغمض العينين يحمل صواتاً مليئة بالفطائر الساخنة. وكانت صحف يوم أمس ملقاة على الطاولات والمقاعد ومغطاة ببقع من القهوة. (حمداً لله، لا يوجد أحد هنا، فبإمكاني النظر إلى نفسي)، قال في سره.
تقدم نحو المرأة بحذر شديد وحملق فيها (اللعنة؛ أية خدعة هذه؟) صاح باصقاً على الأرض. (لو كان هناك ما يحل محله فقط، لكن لا شيء هنا!)
عض شفتيه في ضيق، وغادر المقهى مصمماً على أن لا يبتسم أو ينظر إلى أحد، وهذا شيء ليس من طبعه على الإطلاق. فجأة توقف مسمراً في بقعة بالقرب من الباب الأمامي لأحد المنازل، وشاهد منظراً لا تصدقه عين. اقتربت عربة من رصيف المدخل. فتحت الأبواب على مصراعيها وقفز سيد في بزة عسكرية وانطلق صاعداً درجات السلم. إن شعور الفزع والدهشة الذي تملك كوفاليوف، عندما تعرف على أنفه، يتحدى أي وصف كان.! فبعد هذا المشهد الغريب أصبح كل شيء رأساً على عقبا لم يستطع البقاء على قدميه، بيد أنه صمم على الانتظار حتى يعود الأنف إلى العربة، بالرغم من أنه كان ينتفض وشعر بحمى شديدة تنتابه. وبعد حوالي دقيقتين خرج الأنف بالفعل. وكان يرتدي بزة عسكرية مذهبة كتلك التي يلبسها كبار ضباط البحرية ذات ياقة عالية وسروال من الشمواه ويتقلد سيفاً على جنبه. ويستطيع المرء أن يتعرف على الرتبة العالية لمستشار الدولة، من خلال ريش قبعته. وكان من الجلي جداً أن الأنف كان يقوم بزيارة لشخص ما. التفت يمنة ثم يسرة ونادى الحوذي صارخا (هيا بنا!) ركب العربة وانطلق.
وكاد كوفاليوف المسكين أن يفقد عقله. ولم يستطع أن يجد تفسيراً لما رأى. كيف يستطيع أنف حقاً كان بالأمس في منتصف وجهه، لم يكن بإمكانه أن يتمشى أو يسوق عربة، أن يتحول فجأة إلى هيئة أخرى في بدلة عسكرية! جرى خلف العربة، ولحسن الحظ لم تقطع مسافة طويلة وتوقفت خارج كاتدرائية كازان. مضى كوفاليوف مسرعا داخل صحن الكاتدرائية، وشق طريقه خلال حشد من المتسولات اللاتي كن يثرن ضحكه للطريقة التي كان يغطين وجوههن فيها، تاركين شقا لأعينهن، وسلك إلى الداخل. لم يكن هناك سوى نفر قليل من المصلين، كانوا جميعهم واقفين عند المدخل. شعر كوفاليوف بدرجة عالية من الاضطراب لم يكن معها في حالة تسمح له بأن يصلي، وفتشت عيناه في كل ركن وزاوية بحثاً عن أنف في بدلة عسكرية. وأخيراً وقعت عيناه عليه وهو واقف بالقرب من أحد الجدران الجانبية.
كان الأنف مختفياً تماماً داخل الياقة العالية، وكان يصلى وتعبير خشوع عميق باد عليه.
(ما هى أفضل طريقة للاقتراب منه؟)، تساءل كوفاليوف. (من خلال بدلته، قبعته، ومظهره الكلي، نستطيع الحكم بأنه مستشار دولة. ولكن علي اللعنة لو أعلم)
حاول أن يثير انتباهه بالسعال، بيد أن الأنف لم يقطع خشوعه لثانية واحدة واستمر راكعا نحو المذبح.
(سيدي العزيز)، قال كوفاليوف مستجمعا شجاعته، (يا سيدي العزيز..)
(ماذا تريد؟)، أجاب الأنف ملتفتاً نحوه.
(لا أعرف أفضل طريقة للتعبير، يا سيدي، غير أنه يبدو لي كشيء مثير للغرابة.. ألا تعرف أين تنتمي؟ وأين أجدك؟ في كنيسة، من بين جميع الأماكن. أنا على ثقة بأنك ستتفق معي بان..)
(أرجو أن تغفر لي، ولكن هلا أخبرتني عم تتحدث؟ أوضح.)
(كيف لي أن أفصح بوضوح؟) تساءل كوفاليوف. استجمع قواه مرة أخرى وقال: (بالطبع، تصادف أني رائد. ستتفق معي أنه من غير المناسب لمن هو في رتبتي ووضعي أن يتجول بلا أنف. من المناسب لامرأة عجوز تبيع البرتقال المقشر على جسر فوسكرسنسكى أن تتجول بلا أنف. وحيث إنني أمل أن أترقى قريباً... علاوة على ذلك، فإنه تجمعني معرفة بعدد من السيدات من ذوات المكانة العالية: فمدام تشختاريف، على سبيل المثال، حرم مستشار دولة... بإمكانك أن تحكم بنفسك.. حقاً لا أعرف ما أقول، يا سيدي العزيز... (هز كتفيه وهو يقول هذا). اسمح لي، ولكن ينبغي أن تنظر إلى هذا الأمر على أنه مسألة شرف ومبدأ. بإمكانك أن ترى بنفسك..)
(لا أستطيع أن أرى أي شيء.) أجاب الأنف. (أرجوك أدخل في صميم الموضوع)
(يا سيدي العزيز)، استمر كوفاليوف بصوت لا يخلو من جرأة، (لا أدري ماذا تعني بذلك. من الواضح لأي إنسان أن يرى بنفسه.. إلا إذا أردت أن.. ألا تدرك بأنك أنفي أنا!)
نظر الأنف إلى الرائد وعبس قليلاً. (يا صديقي العزيز، إنك مخطئ. أنا شخص لي كياني الخاص. أضف إلى ذلك فأنا لا أرى ما يجمعنا وبحكمي على أزرار بدلتك، أستطيع القول بأنك تنتمي لدائرة حكومية مختلفة.)
بهذه الكلمات صده الأنف ومضى في صلاته.
كان كوفاليوف على درجة من الاضطراب لم يكن يدري ماذا يعمل أو يفكر. في تلك اللحظة سمع صوتا لطيفا لحفيف فستان سيدة، سيدة عجوز، مطرز بشريط، مرت بجانبه مصحوبة بفتاة نحيلة لابسة فستانا أبيضا يكشف عن قوامها الرشيق بدرجة كبيرة، ومرتدية قبعة صفراء فاتحة كعجينة الحلوى. ويتبعهما خادم طويل القامة ذو لحية ضخمة، مرتديا ما بدا كعدد من الياقات، وفتح علبة نشوقه. اقترب كوفاليوف ورفع ياقة قميصه القطنية عالياً، وعدل من وضع الأختام المتدلية من سلسلة ساعته الذهبية، وعلت ابتسامة على وجهه بأكمله، وحول انتباهه نحو الفتاة التي انحنت لتصلي كزهرة الربيع، رافعة يدها الصغيرة بأصابعها الشفافة تقريبا إلى جبينها.
واتسعت الابتسامة على وجه كوفاليوف عندما شاهد، تحت قبعتها، ذقنا صغيرا مستديرا متألق البياض، وخدين متوردين بلون أول وردة من ورود الربيع.
وفجأة نهض إلى الخلف كمن اكتوى: تذكر بأنه بدلا من الأنف، لم يكن لديه شيء، وانهمرت الدموع من عينيه. واستدار نحو الأنف وهو في بدلته وتذكر بأنه كان يتخفى في بدلة مستشار دولة، وأنه كان مدعياً ووغداً، وأنه لم يكن حقاً سوى ممتلكاته الخاصة، إنه هو... غير أن الأنف كان قد غادر بالفعل: لقد تمكن من أن ينساب خلسة، ربما ليقوم بزيارة لأحد الناس.

وقد أدى هذا الوضع بكوفاليوف إلى حالة من اليأس التام. مضى خارجا، ووقف برهة تحت سقف معمد، ناظرا حوله بعناية على أمل أن يرى الأنف. لقد تذكر بجلاء بأنه كان مرتديا قبعة ذات ريشة وزياً مطرزاً بالذهب. غير أنه لم يلاحظ معطفه، أو لون عربته، أو خيوله، أو ما إذا كان هناك خادم يتعلق خلفها. يضاف إلى هذا أنه كانت هناك عربات عديدة تمر من هنا وهناك، لذا فإنه من الاستحالة التعرف على أي منها، وحتى لو استطاع ذلك، فإنه لن يستطيع بأية حال من الأحوال أن يجعلها تتوقف.
كان يوماً جميلا ومشرقاً. وكانت جادة نفسكي مكتظة بالناس. فمن مقر قيادة الشرطة حتى جسر انيجكوف كانت الناس تمشى زرافات على الرصيف في ألوان متعددة. وكان باستطاعته أن يرى عن قرب مستشار القصر الذي كان يناديه بالعقيد، خصوصاً عندما يكون هناك أحد على مقربة منهما. وكان هناك ياجن، رئيس الكتبة في مجلس الشيوخ، وصديق حميم كان دائما ما يخسر في لعبة الهويست في مجموعة من ثمانية لاعبين. ورائد آخر، مفتش الكليات، من فئة القوقازيين، حياه ملوحا بيده واقترب منه ليحادثه.
(انطلق عليك اللعنة!) صاح كوفاليوف مناديا دروشكيه (عربة أجرة تجرها الخيول). (أيها السائق خذني حالا إلى رئيس الشرطة.)

تسلق داخلاً الدروشكيه وصاح: (أيها السائق سق كالشيطان!). (هل مأمور الشرطة موجود؟)قال حال دخوله القاعة.
(كلا، إنه ليس موجوداً، يا سيدي) قال البواب. (غادر منذ بضع دقائق مضت فقط.)
(هذا يومي حقا)
(نعم) أضاف البواب، (لقد فاتتك رؤيته قبل قليل فقط. لو كنت هنا قبل دقيقة للحقت به.) ركب كوفاليوف الدرويشكه، والمنديل لم يزل ملتصقاً بوجهه، مرة أخرى، وصاح بصوت ملؤه البؤس: (هيا بنا!)
(إلى أين؟) سأل السائق.
(قدماً!)
(قدماً؟ ولكن هذا طريق مسدود – بإمكانك فقط أن تتجه يمينا أو شمالا)
جعل هذا السؤال الأخير كوفاليوف يتوقف ويفكر. لرجل في مركزه كان أفضل شيء أن يذهب أولا إلى مكتب أمن المدينة، لا لأنه مرتبط بالشرطة، ولكن لأن الأمور تحل هناك بشكل أسرع من أية دائرة من دوائر الحكومة. لم يكن هناك معنى من ذهابه مباشرة إلى رئيس الدائرة، حيث يدعى الأنف أنه يعمل، وحيث يستشف المرء من الأجوبة التي حصل عليها قبل أن يعتبر الأنف أن لا شيء على درجة من التقديس يجد فيها صعوبة لإقناع رؤسائه بأكاذيبه الفاضحة، بأن عينيه لم تقعان قط على كوفاليوف من قبل.
فبينما كان كوفاليوف على وشك أن يقول للسائق أن يذهب مباشرة إلى مكتب الأمن، خطرت بباله فكرة مفادها أن الوغد والمدعى الذي تصرف بلا حياء ربما يستغل التأخير ويهرب من المدينة، وفي تلك الحالة لن تكون هناك أية فائدة وسيطول الأمر لشهر آخر، لا سمح الله. وأخيراً نزل عليه الإلهام من أعلى. قرر أن يتوجه فورا إلى مكاتب الجريدة لينشر إعلاناً يوضح فيه تفاصيل الأنف، وأن على كل من صادفه أن يسلمه حالا إلى كوفاليوف، أو على أقل تقدير أن يخبره أين يجده. وقرر أن هذا أفضل مسلك، أمر السائق أن يذهب به في الحال إلى مكاتب الجريدة. وخلال الرحلة بأكملها لم يتوقف لحظة عن لكم السائق على ظهره صارخاً فيه. (أسرع، عليك اللعنة، أسرع!)
(ولكن يا سيدي...) رد السائق هازاً رأسه ولاشطاً بعنانه حصانه الذي كان له شعر طويل كشعر كلب من فصيلة السبنييل طويل الشعر قصير القوائم. أخيراً توقفت الدرويشكه وانطلق كوفاليوف الذي انقطع نفسه إلى إحدى غرف الانتظار، حيث يجلس كاتب أشيب الشعر بنظارة، لابسا معطفا عند طاولة وقلمه الحبر بين أسنانه يعد قطع نقود نحاسية.
(من المسئول عن الإعلانات هنا؟) صاح كوفاليوف، (أه، صباح الخير.)
(صباح الخير، أجاب الكاتب الأشيب الشعر، رافعاً عينيه لثانية واحدة، ثم ناظراً مرة أخرى إلى الأسفل إلى كومة النقود الصغيرة المنبسطة على الطاولة.
(أرغب في نشر إعلان.)
(لحظة واحدة، لو سمحت) أجابه الكاتب بينما هو يكتب الرقم بيد واحدة ويحرك حبتين على الأباكوس باليد الأخرى.
كان خادم يقف عند الطاولة، وبالحكم على بدلته المطرزة بالذهب ومظهره الأنيق، بدا من الواضح أنه يعمل في بيت لأحد النبلاء، ولكي يظهر بأنه بإمكانه التحدث مع الرفيع والوضيع رافعاً الكلفة، بدأ يتحدث كمن يقرع جرساً:
(صدقني بأن هذا الجرو الصغير لا يستحق ثمانين كوبيكا. فأنا لن أدفع فيه أكثر من ستة عشر. غير أن الكونتيسة مغرمة به ولا يهمها أن تدفع مائة روبل لمن يعثر عليه. فإذا كنا سنكون صادقين مع بعضنا، سأقول لكم بصراحة لا يوجد حساب للذوق. أفهم بأن يدفع أحد هواة تربية الحيوان أي مبلغ قد يصل خمسمائة، أو حتى ألف لكلب الأيائل أو بودل، طالما أنه كلب جيد.)
كان الكاتب العجوز يصغي له بوقار بينما هو يقوم بعد كلمات الإعلان.:
كانت الغرفة مكتظة بالعجائز، أصحاب المحلات، حمالي المنازل، وجميعهم ممسكون بإعلانات.
في أحد هذه الإعلانات كان سائق عربة (في حالة وعي) يبحث عن وظيفة، وفى آخر عربة قلما استخدمت استوردت من باريس عام ???? معروضة للبيع، وفي آخر خادمة لها من العمر سبعة عشر عاما ذات خبرة في الغسيل، على استعداد للقيام بأعمال أخرى، تبحث عن وظيفة. وعرضت إعلانات أخرى عربة للبيع – في حالة - جيدة سوى أن أحد زمبركاتها مفقود، ومهر (شاب) ونشيط رمادي اللون يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، منزل ريفي مجهز بوسائل حديثة بما فيها إسطبل لحصانين وأرض تصلح لزراعة البتولا أو غابة التنوب. وإعلان آخر يدعو مشترين محتملين لنعال أحذية ليحضروا إلى غرفة مزادات ما بين الساعة الثامنة والثالثة يومياً. لكن مفتش الكليات كوفاليوف لم يكن باستطاعته أن يشم أي شيء، لأنه كان يغطي وجهه بمنديل – على أية حال لم يكن بإمكانه أن يشم شيئاً لأن أنفه قد اختفى إلى مكان لا يعلمه إلا الله. (سيدي العزيز، هل لك أن تأخذ تفاصيل إعلاني من فضلك. ليس بمقدوري الانتظار أكثر من ذلك.)
قالها وقد بدأ صبره ينفذ.
(لحظة، لو سمحت! روبلان وثلاثة وأربعون كوبيكاً. أنا جاهز تقريباً. روبل وستة وأربعون كوبيكاً.) تمتم الكاتب الأشيب الشعر بينما هو يدفع بأوراق إلى العجائز من النسوة والخدم الواقفين حوله. وأخيرا التفت إلى كوفاليوف قائلاً: (ماذا تريد؟)
(أريد...) ابتدأ كوفاليوف حديثه. (شيء شديد الغرابة يدور هنا، سواء كان ذلك مقلباً من المقالب الكريهة أو مجرد حالة من حالات التزوير ليس بإمكاني الجزم بذلك بعد. كل ما أريد أن أفعله هو أن أقدم مبلغاً كبيراً من المال كمكافأة لأول شخص يعثر على الوغد..)
(الاسم، من فضلك.)
(لماذا تريد ذلك؟ لا أستطيع أن أخبرك. كثيرون يعرفونني - السيدة تشختاريف على سبيل المثال، المتزوجة بمستشار دولة، السيدة بالاجيا بودتوتشين، زوجة ضابط أركان. سيعرفون من هو صاحب الإعلان، لا سمح الله! أكتب فقط (مفتش كليات)، أو من الأفضل، (رائد).
(وهل كان الشخص المفقود عبد من عبيد منزلك؟)
(عبد منزل؟ لن تكون الجريمة بمقدار النصف من الخطورة! إنه أنفي الذي اختفى.)
امم، اسم غريب، وهل سرق السيد أنف كثيراً؟)
(أنفي، أحاول أن أقول. أنت لا تفهم! إنه أنفي الذي اختفى انه مقلب شيطاني سقاني إياه أحدهم.)
(كيف اختفى؟ لست أفهم.)
(لا أستطيع أن أخبرك كيف. لكن حاول أن تفهم من فضلك. إن أنفي يطوف بجميع أرجاء المدينة هذه اللحظة، مدعيا بأنه مستشار دولة. لهذا السبب جئت أطلب منك نشر إعلان تعلن فيه بأن على أول شخص يمسكه أن يعيده لمالكه الأصلي في أسرع وقت ممكن. تصور أن تكون بلا ذلك الجزء الظاهر من جسمك! لو كان الأمر مجرد إصبع رجل صغير، للبست حذائي ولن يكون أحد أكثر مني حكمة. كل خميس أقوم بزيارة السيدة تشخترايف (متزوجة من مستشار دولة) والسيدة بودتوتشين، التي تتخذ من ضابط أركان زوجاً لها – ولها ابنة في منتهى الجمال أيضاً. جميعهن من بين أصدقائي المقربين، لك أن تتصور فقط كيف ستكون الحال.. في وضعي هذا كيف أستطيع القيام بزيارة أي منهن؟
زم الكاتب بشدة على شفتيه ليبدو أنه في تفكير عميق. (لا أستطيع نشر إعلان كهذا في جريدتنا). قال بعد صمت طويل.
(ماذا؟ ولم لا؟)
(سأخبرك. يمكن للجريدة أن تشوه سمعتها. لو بدأ كل واحد يعلن عن أنفه الهارب، لست أعلم كيف سينتهي بنا المطاف؟ وهناك ما يكفي من الأخبار الملفقة والإشاعات التي تجد طريقا للنشر...).
(ولكن كيف تجد هذا الأمر على هذه الدرجة من السخف؟ أنا لا أعتقد ذلك بالتأكيد.)
(هذا ما تعتقده أنت. غير أنه في الأسبوع الماضي كانت لنا حالة مشابهة. حضر أحد الكتاب بإعلان، مثلك تماما. كلفه ذلك روبلين وثلاثة وسبعين كوبيكاً، وأراد أن يعلن عن كلب أسود من نوع البودل. ولكن ماذا تعتقد كان غرضه الحقيقي؟ في نهاية المطاف رفعت ضدنا دعوى تشهير؛ كان المقصود بكلب البودل السخرية من أمين صندوق يعمل في الحكومة – لا أستطيع أن أتذكر الوزارة التي عمل فيها.)
(ولكنني أود أن أنشر إعلانا عن أنفي وليس عن كلب من نوع البودل، هذا كل ما في الأمر!)
(كلا، لا أستطيع قبول هذا النوع من الإعلانات.)
(الكنى فقدت أنفى !)
إذن يجدر بك أن ترى طبيباً بشأنه. سمعت أن هناك نوعاً من الأخصائيين الذين بإمكانهم أن يركبوا لك أنفا من أي نوع تريد. على أية حال يبدو عليك أنك من ذلك النوع من الناس المرحين، وأرى أنك تريد أن تمزح قليلا.)
(أقسم لك بكل ما هو مقدس، إني أخبرك الحقيقة. وإذا أردت حقاً فسأريك ما أعنى.)
(لو كنت مكانك لما أزعجت نفسي.) استمر الكاتب متناولا قرضة من النشوق.
(ولكن إذا لم يكن هناك إزعاج) أضاف متكئاً إلى الأمام من باب الفضول، (فلا مانع لدي من إلقاء نظرة سريعة.)
وأزال مفتش الكليات منديله عن وجهه.
(حسنا) يا للغرابة! إنه مسطح تماما كقرص من الكعك المقلي - مسطح بشكل يصعب تصديقه).
(هذا القدر لاعتراضاتك والآن رأيت بأم عينيك ولا مجال لرفضك. سأكون ممتنا لك بشكل خاص لهذا المعروف الصغير، إنه سرور حقيقي أن أتعرف عليك.)
من الواضح أن الرائد قد قرر بأن قليلا من المجاملات قد تجعل الحيلة تنطلي.
(بالطبع، لا توجد مشكلة بشأن نشر الإعلان)، قال الكاتب. (غير أني لا أفهم ماذا ستجني من وراء ذلك. إذا أحببت، لماذا لا تعطيه لأحدهم ممن يمتلك حاسة صحفية، ومن ثم يستطيع أن يكتب مقالة هائلة وينشرها في جريدة "النحلة الشمالية" (وهنا أخذ قرضة أخرى من النشوق) لكي يستفيد منها الشباب (وهنا قام بمسح أنفه). أو شيء قد يثير اهتمام الرأي العام.)
تبخرت آمال مفتش الكليات تماما. نظر إلى أسفل الصفحة حيث دليل المسارح. فقد أثار اسم ممثلة على قدر من الجمال اهتمامه، وكاد أن يرسم ابتسامة على وجهه، وتحسس جيبه ليرى فيما إذا كانت لديه ورقة نقدية من فئة خمسة روبلات، حيث يعتقد أن ضباط الصف فقط من يجب أن يشغلوا المقاعد الأمامية في المسرح. غير أنه عندئذ تذكر أنفه، وعلم أنه ليس بإمكانه التفكير في الذهاب إلى المسرح. وبدا من الواضح أنه حتى الكاتب قد تأثر بورطة كوفاليوف الرهيبة، وأحس بأنه لن يجرحه بكلمات قليلة تعبيرا عن التعاطف معه لرفع معنوياته.
(حقاً، لا أستطيع أن أعبر لك عن مدى أسفي لما حصل. ما رأيك في قرضة من النشوق؟ إنها مفيدة للصداع – وتقوي القلب. إنها تشفي البواسير أيضا).
بهذه الكلمات قدم لكوفاليوف علبة نشوقه، رافعاً غطاءها الذي رسمت عليه صورة امرأة معتمرة قبعة. وجعلت هذه الحركة غير المقصودة كوفاليوف يفقد صبره كلية.
(لست أفهم كيف تستطيع أن تمزح في وقت كهذا)، قال غاضباً: (هل بلغ بك العمى لهذه الدرجة بحيث لا تستطيع أن ترى أنني لا أملك ما أستطيع أن أستنشق به؟ أنت تعلم ماذا تفعل بنشوقك. لا أحتمل النظر إليه، وعلى أية حال كان بإمكانك أن تقدم لي نشوقا فرنسياً حقيقيا، وليس تلك النوعية القذرة من ماركة برجينيسكى.)
بعد هذا الإعلان مضى إلى الخارج في حالة من الغضب الشديد من مكاتب الجريدة، متوجها إلى مفتش الشرطة المحلية.
(عاشق متعصب للسكر، حيث تكتظ قاعة منزله وغرفة سفرته بمكعبات السكر التي يقوم التجار بإهدائها إليه للتقرب منه والتودد إليه). وصل كوفاليوف في الوقت الذي كان فيه المفتش ينوي أن يتمدد ويشخر، قائلا: (حان الوقت الآن لاسترخاء لمدة ساعتين). ومن الواضح أن مفتشنا قد اختار وقتا غير مناسب بالمرة ليقوم بزيارته.
كان المفتش راعيا كبيرا للفنون والصناعة، ولكنه كان محبا فوق كل ذلك لأوراق النقد الحكومية. (ليس هناك ما هو أفضل من أوراق النقد) كان كثيراً ما يردد. (فهذه لا تحتاج إلى إطعام، ولا تشغل حيزا كبيرا من المساحة، ويمكن أن تنزلق بيسر في الجيب. كما أنها لا تنكسر عندما تقع من يدك.)
رحب المفتش بكوفاليوف ببرود شديد وأخبره بأن فترة ما بعد الغداء ليست من الفترات المناسبة لبدء التحقيقات، حيث إن الطبيعة نفسها فرضت على الإنسان الراحة بعد الوجبات (من هذا استنتج مفتش كلياتنا أن المفتش كان ضليعاً في حكمة الأقدمين)، وأن الرجال المحترمين لا تجدع أنوفهم، وأنه لا نهاية للموظفين من رتبة رائد الذين يقومون بالتجول، ولا يهتمون كثيراً بملابسهم الداخلية، والذين كان من عادتهم زيارة الأماكن السيئة السمعة للغاية.
أصابت هذه الحقائق المتعارف عليها كوفاليوف في الصميم. وهنا لا بد لنا أن نبين أن كوفاليوف كان إنساناً يتميز برهافة حس عالية. فهو لم يكن يمانع مطلقاً من قيام الناس بإبداء ملاحظات شخصية بحقه، غير أن الأمر يختلف عندما يتعلق بالتشهير برتبته أو طبقته الاجتماعية.
بالنسبة له فإنه لا يعنيه الأمر من أن يقولوا ما يشاءون عن صغار الضباط على خشبة المسرح، أما فيما يتعلق بضباط هيئة الأركان، فإن هؤلاء ينبغي أن يستثنوا من هذا الهجوم.
أصيب كوفاليوف بالهلع من جراء هذا الاستقبال الذي لقيه من قبل المفتش؛ لدرجة أنه هز رأسه وفتح ذراعيه وقال بطريقة متعالية: (بصراحة، وبعد تلك الملاحظات التي أبديتها، والتي أجدها تتسم بطابع هجومي شديد، ليس لدي المزيد مما أقوله..) وغادر المكان. ووصل المنزل وهو لا يكاد يشعر بأن قدميه تحملانه. وكان الظلام قد خيم بالفعل. وبعد تحرياته التي لم تثمر شيئا بدا المكان كئيبا وحزينا. وعند دخوله القاعة شاهد خادمه إيفان مستلقيا على الكنبة وهو يقذف ببصاقه إلى أعلى السقف، متمكناً من إصابة البقعة نفسها بدرجة جيدة من النجاح. وأدى عدم اكتراث الرجل بإثارة غضب كوفاليوف الذي ضربه على جبهته بقبعته قائلاً: (أيها الخنزير السمين أليس لديك ما تقوم به أفضل من هذا؟)
قفز إيفان في الحال وأسرع ليخلع معطف كوفاليوف. توجه الرائد إلى غرفته منهكا ومكتئباً، وألقى بنفسه على أحد المقاعد ذات الذراعين، وبعد بضع تنهدات قال:

(ياالهى! يا إلهي ماذا فعلت لأستحق هذا؟ لو فقدت ذراعاً أو ساقاً لما كان الأمر بمثل هذا السوء. حتى بدون أية آذان لن تكون الحال في غاية اللطف، غير أنها لن تكون نهاية العالم. ولكن أن يكون المرء بلا أنف، يعلم الله أنه ليس بالسمكة ولا بالطير. شيء يجب أن يقذف من خلال النافذة. لو جدعت أنفي أثناء الحرب، أو خلال مبارزة، على الأقل سيكون لدي ما أقوله. ولكن أن أفقده بلا سبب على الإطلاق ومقابل لا شيء، ولا حتى من أجل كوبيك واحدا لا، مستحيل على الإطلاق.. لا يمكن أن يذهب هكذا؟ كلا! لا بد أن ذلك كان حلماً، أو ربما أننى شربت من تلك الفودكا التي اعتدت أن أمسح بها ذقني بدلاً من الماء: ذلك المغفل إيفان لا يمكن أن يضعه في الخزانة.)
ومن أجل أن يبرهن لنفسه أنه لم يكن ثملاً، قام الرائد بقرص نفسه بشدة لدرجة أن صرخ من شدة الألم الذي أقنعه حقاً بأنه مستيقظ، وأنه ممتلك لكامل حواسه. وزحف خلسة إلى المرأة وفرك عينيه على أمل أن يبرز أنفه في مكانه الطبيعي، غير أنه قفز في الحال مبتعداً وتساءل (ذلك الفراغ مرة أخرى!)
كان الأمر مستعصياً على الفهم تماماً. لو أن زراً أو ملعقة من الفضة، أو ساعته، أو أي شيء من ذلك النوع هو ما افتقد، لكان الأمر مفهوماً. ولكن أن يفقد أنفه في شقته، قام الرائد كوفاليوف بموازنة جميع الأدلة وقرر أن أكثر التفسيرات احتمالا هو أن السيدة بودتوتشين، زوجة ضابط الأركان، التي أرادت أن تزوجه ابنتها، هي الملومة ولا أحد سواها.
في الواقع أنه كان يجري وراءها ولم يتمكن من التقدم لطلب يدها. وعندما كانت زوجة ضابط الأركان تقول له بصريح العبارة إنها تقدم له يد ابنتها، كان ينسحب بأدب، متعذراً على أساس أنه لا يزال شاباً، وأنه سيكون في الثانية والأربعين من العمر فقط. لذا، لكي تنتقم لنفسها، استأجرت زوجة ضابط الأركان بعض الساحرات لكي تطيرنه، وأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن لأنفه أن يجدع - فلم يزره أحد في شقته، وحلاقه إيفان يعقوبليفيتش لم يحلق له إلا الأربعاء الماضية، وما تبقى من اليوم ويوم الخميس بأكمله كان أنفه سليماً ولم يمس. تذكر كل ذلك بوضوح. إضافة إلى ذلك، سيتألم كثيراً ولن يندمل الجرح ويصبح في نعومة كعكة مقلية (بان كيك) في مثل هذه المدة الوجيزة. وبدأ يخطط لما سيفعله: إما أن يرفع قضية على زوجة ضابط الأركان مطالباً بتعويض لما لحق به من أضرار، أو أن يذهب إليها شخصيا ويتهمها في وجهها. وهو في هذه الحالة الفكرية تبدد تركيزه وانصرف عن أفكاره لمرأى ضوء منبعث من شقوق الباب، مما يعنى أن إيفان قد أضاء شمعة في الصالة. بعد ذلك في الحال برز إيفان بشخصه، حاملاً شمعة أمامه، لذا فقد أضاءت الغرفة بأكملها. وكانت أول ردود فعل كوفاليوف أن يمسك منديلا ليغطي المكان العاري، حيث كان بالأمس فقط أنفه قابعاً فيه ليمنع ذلك المغفل من الوقوف والتحديق فيه. وما إن غادر إيفان المكان حتى سمع صوتا غريبا في الصالة:
(هل يقطن هنا مفتش الكليات كوفاليوف؟)
(تفضل بالدخول، الرائد كوفاليوف موجود بالبيت) قال كوفاليوف قافزا على قدميه ليفتح الباب.
دخل ضابط شرطة وسيم الطلعة، متورد الخدين، بلحية ليست بالفاتحة أو الداكنة – ضابط الشرطة نفسه الذي كان يقف على جسر سانت أيزاك عند بداية قصتنا.
(هل أنت السيد الذي فقد أنفه؟)
(نعم، أنا هو.)
(لقد تم العثور عليه.)
(ماذا تقول؟) صاح الرائد كوفاليوف. لم يستطع الكلام من شدة الفرح. نظر إلى ضابط الشرطة بعينين مفتوحتين وضوء الشمعة يومض على خديه الممتلئين وشفتيه الثخينتين.
(كيف عثرت عليه؟)
(في منتهى الغرابة. قبضنا عليه بينما هو يهم بالرحيل في العربة المتجهة إلى ريجا. كان جواز سفره باسم أحد الموظفين المدنيين. من غريب الصدف، أنني ظننته أحد السادة في البدء. غير أنني لحسن الحظ كنت أضع نظارتي لذا تبين لي أنه أنف بالفعل. إني أشكو من قصر نظر شديد، وإذا صادف أن وقفت أمامي، فلن أتمكن إلا من رؤية وجهك، أو لحيتك، أو أي شيء آخر. إن حماتي تعاني من العلة نفسها.
استشاط كوفاليوف غيظا.
(أين هو سأذهب حالأ للمطالبة به.)
(لا تنفعل يا سيدي، أنا أعلم مدى رغبتك في استرداده، لذا فقد أحضرته معي. يا لشدة الغرابة، ولكن المجرم الرئيسي في هذه الحادثة الصغيرة يبدو أنه ذلك الحلاق المحتال صاحب المحل الواقع في شارع فوزنيسنسكي، إنه في مركز الشرطة الآن. كنت أرقبه منذ فترة طويلة بسبب ريبة السكر والسرقة، فقط قبل ثلاثة أيام ضبط يسرق دستة من الأزرار من محل. ستجد أنفك على الحالة نفسها التي تركته فيها عندما فقدته.)
وقام ضابط الشرطة بإدخال يده في جيبه وأخرج الأنف ملفوفا في قطعة من الورق.
(هذا هو!) صاح كوفاليوف، (لا يوجد خطأ! لا بد أن تبقى وتتناول كوبا من الشاي.)
(أود ذلك، غير أنهم يتوقعون عودتي في السجن... لقد ارتفعت أسعار الأطعمة بشكل صاروخي... إن حماتي تقيم معنا وكذلك جميع الأطفال، إن أكبرهم يبشر بالخير، إنه متقد الذكاء، غير أننا لا نملك المال لإرساله إلى المدرسة...)
فطن كوفاليوف إلى ما يرمى إليه وسحب ورقة نقدية من على الطاولة وضغطها في يد الضابط. انحنى ضابط الشرطة قليلا وخرج إلى الشارع حيث سمعه كوفاليوف يخبر أحد الفلاحين الأغبياء، الذي كان يجر عربة على الرصيف ما كان يظنه فيه.
عندما غادر ضابط الشرطة، بدأ مفتشنا يشعر بالانشراح، وبعد دقائق معدودات فقط بدأ يعود إلى وعيه، كانت فرحته غامرة. احتوى الأنف بعناية بين يديه وبدأ يخضعه لفحص دقيق.
(نعم، إنه هو، إنه هو!)، قال الرائد كوفاليوف، (وهناك البشرة التي ظهرت بالأمس على الجانب الأيسر.) كاد الرائد أن يضحك من شدة الفرح.
لكن لا شيء يدوم في هذا العالم. حتى الفرح يبدأ في التلاشي بعد دقيقة واحدة فقط. بعد دقيقتين، ولا يزال ضعيفاً، حتى يبدأ في النهاية ليكون جزءا من حالتنا الذهنية اليومية لمعتادة، مجرد موجة صغيرة ناشئة عن صخرة صغيرة تندمج بالتدريج مع سطح الماء الناعم. بعد قليل من التفكير، توصل كوفاليوف إلى نتيجة مفادها أن كل شيء ليس على ما يرام مرة أخرى، ولم تزل مشكلة الأنف ووضعه في موضعه الصحيح باقية.
(ماذا لو لم يلتصق؟)
بشعور من الهلع لا يمكن التعبير عنه اندفع إلى الطاولة، وسحب مرآة بالقرب منه، خشي أن يلصق الأنف وهو معقوف. بدأت يداه ترتعشان. وبعناية فائقة وحذر شديد دفع بالأنف في موضعه. ولكن أواه! فالأنف لا يلتصق. سخنه قليلا ضاغطاً إياه على فمه ونافخاً فيه، ثم قام بضغطه مرة أخرى على السطح الأملس بين خديه. غير أنه رغم محاولاته العديدة فإن الأنف لا يلتصق. (ابق في مكانك، أيها الأبله!) قال له. ولكن يبدو أن الأنف قد قٌد من خشب ووقع على الطاولة بصوت غريب شبيه بصوت الفلين. ارتعش وجه الرائد بتشنج. (ربما استطعت خياطته) قال بقلق. ولكن رغم المحاولات العديدة لوضع الأنف في موضعه، باءت جميع محاولاته بالفشل. نادى إيفان وطلب منه أن يستدعي الطبيب، الذي صادف أنه يقطن في العمارة نفسها في واحدة من أفضل الشقق في الدور الأول. كان هذا الطبيب رجلاً وسيماً ذا لحية شديدة السواد، وله زوجة جميلة بصحة جيدة. كان صباح كل يوم يقوم بتناول بعض التفاح، وكان في غاية الدقة في جعل فمه نظيفا، حيث كان يقضي ثلاثة أرباع الساعة على الأقل يغسله كل يوم، مستخدماً خمسة أنواع من فرش الأسنان. وصل في الحال. وعندما سأل الرائد فيما إذا كانت لديه هذه المشكلة منذ زمن طويل، دفع الطبيب ذقن كوفاليوف وضغط بإبهامه على الموضع الذي كان يشغله الأنف بحدة، إلى درجة أن الرائد اصطدم بقوة بالجدار بمؤخرة رأسه. أخبره الطبيب بأن لا يقلق وجعله يقف بعيدا قليلا عن الجدار ويحنى رأسه أولا إلى اليمين. وقام بقرص المكان الذي كان يوجد فيه الأنف متمتماً بعبارة مبهمة (هممم!) ثم أمره أن يحرك رأسه جهة اليسار وأصدر (هممم) أخرى. وأخيراً دفعه مرة ثانية مما جعل رأس كوفاليوف يهتز كالفرس عندما تفحص أسنانه.
بعد هذا الفحص هز الطبيب رأسه قائلا: (لا فائدة. من الأفضل أن تبقى كما أنت، وإلا فالحالة ستسوء. بالطبع، من الممكن أن ألصقه، ويمكنني أن أفعل ذلك بسهولة. ولكنني أؤكد لك أنه سيبدو مخيفاً).
(إن هذا رائع حقاً! كيف أمضي حياتي بلا أنف؟) قال كوفاليوف.
(مهما فعلت فلن تبدو أسوأ من ذلك، والله يعلم، إن هذا سيء بما فيه الكفاية. كيف لي أن أمضي هكذا كمخلوق عجيب! إني أخالط أناسا طيبين. إني مدعو لأمسيتين هذا اليوم. إني أعرف تقريبا كل الناس الطيبين - السيدة تشخترايف، زوجة مستشار دولة، السيدة بود توتشين، زوجة ضابط أركان. فبعد سلوكها الأخير فلا علاقة لي بها، سوى عندما أبعث الشرطة لمطاردتها).
مضى كوفاليوف متوسلاً: (أرجوك أن تفعل لي هذا المعروف – أليست هناك أية طريقة أخرى؟ حتى لو جعلته يلتصق، لن يكون ذلك في غاية السوء، وإن كانت هناك مخاطرة في أن يقع، فإني أستطيع أن أبقيه في محله بيدي. أنا لا أرقص، وهذا في حد ذاته يساعد، لأن أية حركة عنيفة قد تجعله يقع. ولك أن تطمئن في أنني لن أتباطاً في التعبير عن تقديري – بقدر ما يسمح به جيبي بالطبع....)
قال الطبيب عندئذ بصوت ليس بالعالي ولا بالخافت، ولكن بطريقة مقنعة وملفتة للأسماع: (إني لا أمارس فني بدوافع مادية بحتة. إن هذا مناف لقوانين سلوكي وجميع أخلاقيات المهنة. صحيح أني أتقاضى نظير زياراتي الخاصة، ولكن من أجل أن لا أجرح مشاعر مرضاي برفضي أخذ نقودهم. بالطبع بإمكاني ان اضع انفك في مكانه لو شئت ولكنى أعطيك كلمة شرف، إذا كنت تعرف ما ينفعك، ستكون النتيجة أسوأ بكثير لو قمت بالمحاولة. دع الطبيعة تأخذ مجراها. اغسل المنطقة بماء بارد قدر ما تستطيع وصدقني أنك ستشعر بإحساس حسن كما لو كان لديك أنف. والآن فيما يتعلق بالأنف، ضعه في جرة من الكحول، ومن الأفضل أن تنقعه في ملعقتين من الفودكا الحامضة والخل الساخن وستحصل على مبلغ لا بأس به من المال. سآخذه أنا إن كنت لا تريده.)
(كلا! لن أبيعه بأي ثمن) صاح كوفاليوف يائساً، (أفضل أن أفقده مرة أخرى بدلا من ذلك.)
(إذن أنا أسف)، أجاب الطبيب منحنيا وهو خارج، (أردت أن أساعدك... على الأقل حاولت جاهداً ما فيه الكفاية.)
بهذه الكلمات خرج الطبيب وهو في حالة من الشموخ والتعالي. ولم يكلف كوفاليوف نفسه النظر إلى وجهه، وشعر بدوار لدرجة أنه لم يشعر سوى بطرفي كميه ناصعي البياض البارزين من كمي معطف السهرة الأسود.
وفي اليوم التالي قرر – قبل الذهاب إلى الشرطة - أن يكتب رسالة إلى زوجة ضابط الأركان يطلب منها أن تعيد إليه كل ما كان يخصه بلا أدنى ضجة. وكانت الرسالة على النحو التالي:
(عزيزتي السيدة ألكسندرا جريجوريفنا،
لا أستطيع أن أفهم هذا السلوك الغريب من جانبك. يمكنك أن تثقي، مع ذلك، بأن هذا لن يقيدك شيئاً وأنك بالتأكيد لن تجبريني على الاقتران بابنتك. إضافة إلى ذلك، لك أن تقري عيناً، أنه فيما يتعلق بأنفي، فأنا على علم بكل تاريخ هذه الحكاية منذ بدايتها، كما أنني على علم أيضا بأنك، ولا أحد سواك، المحرض الرئيسي. فانتزاعه من موضعه الصحيح، وهربه نتيجة لذلك، وتخفيه كموظف مدني وظهوره مرة أخرى في حالته الطبيعية، لم تكن سوى نتيجة لعمل من أعمال السحر والشعوذة التي قمت بها أو أولئك الذين يمارسون هذا الفن الشريف للغاية. أشعر أنه من واجبى أن أحذرك أن الأنف المذكور أعلاه إن لم يعد في موضعه الملائم هذا اليوم،فإني مضطر لطلب حماية القانون.
وأبقى يا سيدتي العزيزة،
خادمك المخلص جدا
بلاتون كوفاليوف

عزيزي السيد كوفاليوف،
ببساطة لقد أصابتني رسالتك بالذهول. لأكون صريحة معك، لم أتوقع مطلقاً شيئاً من هذا القبيل يصدر منك، خصوصاً تلك الملاحظات التي لا مبرر لها. أود أن أفيدك بأنني لم أستقبل على الإطلاق ذلك الموظف المدني الذي أشرت إليه في منزلي، سواء كان ذلك بتخطيط مسبق أم لا. صحيح إن فيليب إيفانوفيتش بوتانتشيكوف تعود أن يزورنا. ومع أنه كان يرغب في التقدم لطلب يد ابنتي، وبالرغم من أنه كان في كامل وعيه، وسيداً محترماً ومتعلماً، لم أعطه أي سبب للتفاؤل. ثم إنك تمضي لتشير إلى أنفك. فإذا كنت بهذا ترمي إلى أننى أردت أن تظهر بمظهر الأبله، أي أن أصدك برفض رسمي، فإنه إذن كل ما أستطيع قوله هو إنني مندهشة غاية الدهشة أنك تتحدث هكذا، حيث إنك تعلم جيداً أن مشاعري مختلفة تماما. وإذا كنت راغبا في التقدم رسميا لطلب يد ابنتي، فسأكون مسرورة لإعطاء موافقتي، لأن هذه كانت على الدوام رغبتي الأثيرة، وعلى هذا الأمل أبقى تحت تصرفك
ألكساندرا بود توتشين
(كلا)، قال كوفاليوف عندما فرغ من قراءة الرسالة. (انها غير ملومة. مستحيل! شخص مذنب لا يمكن أن يكتب رسالة كهذه.)
إن مفتش الكليات كان يعلم عم يتحدث بشأن هذه القضية، حيث إنه سبق أن أرسل إلى القوقاز عدة مرات للقيام ببعض التحريات القضائية. (كيف حدث هذا إذن بحق السماء؟ مستحيل أن أفهم شيئاً من هذا، قال تاركاً ذراعه يسقط بجانبه.
في تلك الأثناء بدأت الإشاعات تنتشر في العاصمة، لا داعي أن نذكر، أنها لم تكن بلا إضافات لتزيينها. في ذلك الوقت بدا كل الناس منشغلين بهذه الحالة الفوق طبيعية، فقط منذ فترة وجيزة، كانت بعض التجارب في المغناطيسية تثير اهتمام الناس. إضافة إلى ذلك، فإن حكاية الكراسي الراقصة في شارع كونوشيني كانت لا تزال ماثلة في ذاكرة الناس، لذا لم يكن أحد مندهشاً بشأن قيام أنف مفتش الكليات كوفاليوف بجولات اعتيادية في جادة نفسكي في الساعة الثالثة من بعد ظهر كل يوم. قال البعض إنه شاهد الأنف في متجر جنكر، وإن هذا أدى إلى تجمهر المارة في الخارج، الأمر الذي اضطر معه لاستدعاء الشرطة.
فإحدى الشخصيات التي يبدو من مظهرها أنها محترمة جداً وذات ذقن وشارب، كانت تبيع الكعك المتعفن خارج المسرح، قامت بجمع مجموعة من المقاعد الخشبية الصلبة، وقامت بتأجيرها مقابل ثمانين كوبيكا للمرة الواحدة ليقف عليها الناس.
وقام أحد الضباط المتقاعدين برتبة عقيد بمغادرة منزله مبكراً صبيحة أحد الأيام، وبعد مشقة عظيمة تمكن من أن يشق طريقه وسط الزحام إلى المقدمة. ولضيقه الشديد، بدلا من أن يشهد أنفا في فترينه المتجر، كل ما استطاع مشاهدته مجرد فانيلة عادية من الصوف، وصورة مطبوعة لفتاة تحاول تعديل جوربها، بينما يقف شاب متأنق ذو لحية قصيرة وصديري خلف شجرة يسترق النظر نحوها - وهذه الصورة كانت معلقة في الموقع نفسه منذ أكثر من عشرة أعوام. غادر المكان وهو غاضب وسمع يقول: (إن تضليل الناس بمثل هذه الحكايات اللامعقولة يجب أن لا يسمح به).
وتناقلت الإشاعات فيما بعد بأن أنف الرائد كوفاليوف لم يعد يشاهد يتمشى في جادة نفسكي، ولكنه اعتاد أن يتمشى في منتزه تافريتشسكي، وأنه كان يمارس هذه العادة لمدة طويلة.
وعندما كان يقطن خزرزف –ميرزا بسبب هذه الظاهرة الغريبة للطبيعية. وذهب بعض الطلاب من كلية الجراحين لمشاهدتها. وقد كتبت سيدة معروفة ومحترمة بهذا الشأن إلى حارس المتنزه، تطلب منه أن يري أطفالها هذه الظاهرة النادرة، وإن أمكن، إعطاؤهم دروساً وتعليقات تثقيفية في الوقت ذاته. وقد أتت هذه الأحداث كنعمة لأولئك الأعضاء البارزين في المجتمع (الذين لا غنى عنهم لأية حفلة ناجحة) المغرمين
هنالك، أثيرت دهشته بتسلية السيدات، والذين نضبت مخازن حكاياتهم تماماً بمرور الزمن.)
وقد انزعج بعض المواطنين المحترمين من ذوي المبادئ السامية من جراء ذلك. وقد قال أحد السادة الساخطين بأنه لا يستطيع أن يفهم كيف تستحوذ أمثال هذه الحكايات الغريبة على اهتمام الناس، وتكون عملة رائجة في مثل هذا القرن المستنير، وأن هذه اللامبالاة التامة من قبل السلطات كانت فوق تصوره.
من الواضح أن هذا النوع من السادة، الذين يريدون أن يحملوا الحكومة مسؤولية كل شيء، حتى مشاجراتهم اليومية مع زوجاتهم. وبعد ذلك... ولكن هنا مرة أخرى أصبحت هذه الحادثة مغلفة بالضباب، وما تلاها من أحداث بقيت سراً غامضاً تماماً.

(3)

هذا العالم حافل بالحماقات المشينة للغاية. ففي بعض الأحيان تقع أحداث من النادر أن تعتقد أنها ممكنة الحدوث: مثال ذلك، ذلك الأنف بعينه، الذي قام بالتجوال متنكراً كمستشار دولة وأثار الصخب في المدينة، عاد فجأة وكأن شيئاً لم يكن، وقبع حيث كان من قبل، أي بين خدي الرائد كوفاليوف.
كان هذا في السابع من أبريل. استيقظ وصادف أنه كان يلقى نظرة في المرأة - وهناك كان أنفه! أمسكه بيده ليتأكد – بيد أنه لم يكن هناك أي مجال للشك. (أها)، صاح كوفاليوف، ولو لم يأت إيفان في تلك اللحظة، لرقص فرحا في أرجاء الغرفة حافي القدمين.
طلب بعض الصابون والماء واغتسل وألقى نظرة في المرأة مرة ثانية: كان الأنف في مكانه. ألقى نظرة أخرى وقام بتنشيف نفسه - نعم، لا يزال الأنف هناك!
(أنظر، يا إيفان، أعتقد أن هناك نفطة على أنفي.)
وقال محدثاً نفسه: (يا إلهي ! لنفترض أن رده سيكون:
(لا توجد نفطة فحسب وإنما لا يوجد أنف أيضا!). غير أن إيفان أجاب: (إن أنفك لا غبار عليه، يا سيدي، لا أستطيع أن أرى أية نفطة.)
(الحمد لله على ذلك) قال الرائد كوفاليوف لنفسه وطقطق أصابعه.
في هذه اللحظة كان إيفان يعقوبليفيتش الحلاق يتسكع عند ناصية الشارع، ولكن بشيء من الخوف، كقطة ضربت لتوها لقيامها بسرقة بعض الشحم.
(قبل أن تبدأ، هل يداك نظيفتان؟) صاح كوفاليوف من الجانب الأخر من الغرفة.
(نظيفتان لدرجة الكمال)
(إنك تكذب.)
(أقسم بحياتي، يا سيدي، إنهما نظيفتان!)
(هممم، دعنا نرى إذن!)
جلس كوفاليوف. وغطاه أيفان يعقوبليفيتش بفوطة وفي لمحة بصر قام بتحويل لحيته بأكملها وجزءاً من خديه إلى ذلك النوع من الكريمة التي تقدم في حفلات أعياد ميلاد التجار.
(حسن، علي اللعنة) تمتم إيفان يعقوبليفيتش لنفسه، بادئاً عند الأنف. أحنى رأس كوفاليوف على أحد جنبيه ونظر إليه من زاوية مختلفة. (إنه هو بعينها لن تصدق ذلك مطلقاً...) مضى مستمراً وهو يتأمل الأنف لبعض الوقت.
وأخيراً، وفي غاية اللطف، وبرقة بإمكان القارئ أن يتخيلها على أكمل وجه، رفع إصبعين من أصابعه وأمسك طرف الأنف. هذه هي الطريقة التي كان يحلق بها إيفان يعقوبليفيتش لزبائنه.
(هيا بنا، هل لك في ترك أنفي!) صاح كوفاليوف.
ترك أيفان يعقوبليفيتش ذراعه تسقط على جنبه ووقف وهو في أشد حالات الرعب والإحراج أكثر من أي وقت مضى في حياته وأخيراً بدأ يدغدغ كوفاليوف بعناية تحت ذقنه بموسى حلاقته.
وبالرغم من أنه لم يوجد سوى عضو تنفس واحد ليمسكه من دون غيره من سائر الأعضاء، لدعمه الأمر الذي جعل عملية الحلاقة في غاية الصعوبة، اضطر إلى الضغط بإبهامه المتجعد على خده ولثته السفلى (بهذه الطريقة متمكناً من الحصول على نوع من القوة المساندة) واستطاع أن يحلق ذقنه.
وعندما تهيأ كل شيء، أسرع كوفاليوف بارتداء ملابسه واستقل عربة إلى المقهى. ولم يكد يصل إلى الداخل حتى صاح، (أيها النادل، كوباً من الشوكولاتة)، وذهب رأساً إلى المرآة. نعم، كان أنفه هناك في موضعه! واستدار بمرح، وضيق عينيه ونظر بتعال إلى اثنين من الجنود، كان لأحدهم أنف أصغر من زر الصدرية. ثم ذهب إلى الوزارة حيث سبق له أن قدم التماسا لمنصب نائب المحافظ. (إذا ما فشل في الحصول على هذا المنصب كان سيتقدم إلى وظيفة إدارية.)
وبينما هو يعبر صالة المدخل ألقى نظرة ثانية إلى المرآة: كان أنفه لا يزال هناك في موقعه!
ذهب بعد ذلك لزيارة زميل آخر من مفتشي الكليات (أو رائد) صاحب نكتة ذي شقة متواضعة، كان كوفاليوف يقابل سخرياته قائلاً: (لقد اعتدت على قفشاتك الآن، أيها المسف!)
وفي الطريق حدث نفسه: (إذا لم ينفجر الرائد ضاحكاً عندما يراني، فمن المؤكد أن كل شيء في وضعه الصحيح.) لكن مفتش الكليات لم يبد أية ملاحظة.
(حسن جدا، اللعنة!) قال كوفاليوف مستغرقا في تفكيره. وفي الشارع قابل السيدة بود توتشين، زوجة ضابط الأركان، التي كانت بصحبة ابنتها، وحاولتا أن تنحنيا له مبديتين علامة تعجب وسرور: ومن الواضح أنه لم يعان من جرح دائم. وكان له معهما حديث مطول، وجعلهما تلاحظان إخراجه لعلبة نشوقه، ووقف لمدة طويلة بشكل ملفت للنظر وهو يحشو فتحتي أنفه متمتما لنفسه: (هذا سيلقنكما درسا، أيتها الفرختان الهرمتان! ولن أتزوج ابنتك، ببساطة بدافع الحب، كما يقولون! إذا لم يكن عندك مانع!!)
ومنذ ذلك الوقت كان بإمكان الرائد أن يتمشى في جادة نفسكي، ويزور المسرح، في الواقع يذهب إلى أي مكان، كأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق. وكأن شيئاً لم يكن قد حدث،
بقي أنفه في منتصف وجهه ولم تصدر منه أي بادرة للتجوال. بعد ذلك كانت معنوياته عالية للغاية وكان دائم الابتسام، يطارد الفتيات الجميلات، وفي إحدى المناسبات توقف عند محل صغير في ممر تجاري يدعى جوستيني دفور ليبتاع شريطة لميدالية، لا أحد يعلم لماذا، حيث إنه لا ينتمي لحاملي الأوسمة من طبقة الفرسان.
كل هذا حدث في الجزء الشمالي من عاصمة إمبراطورتينا المترامية الأطراف! والآن فقط، بعد تفكير عميق، نرى بأن الكثير من هذه الأحداث في قصتنا مغرق في الخيال ولا أساس له من واقع الحال. فإلى جانب أنه من غير المعقول أن يختفي أنف بمثل هذه الطريقة الخيالية، ثم يعاود الظهور في أجزاء مختلفة من مدينتنا في هيئة مستشار دولة، من الصعب الاعتقاد بأن كوفاليوف كان على هذه الدرجة من الجهل بأن يصدق بأن الجرائد ستقبل بنشر إعلان عن الأنوف. أنا لا أقول هذا معتبراً أن مثل هذا الإعلان باهظ الثمن ومضيعة للمال: فهذا هراء، إضافة إلى ذلك فأنا شخص محب للمال. ولكن كل هذا مثير للغثيان، ليس بالشيء الحقيقي، الأمر الذي يجعلني أشعر في غاية الانزعاج!
وعندما يفكر المرء، كيف استطاع الأنف أن يتجلى في رغيف خبز، وكيف استطاع إيفان يعقوبليفيتش...؟ كلا، لا أستطيع فهم ذلك، وأي جزء منها. غير أن أغرب ما في الأمر هو أن معظم الأشياء الغريبة هو أن
يتناولها الكتاب. ذلك، يجب أن أعترف، فوق إدراكي. إنه فقط، كلا، كلا، لا أستطيع فهمه على الإطلاق!

أولاً: لا فائدة منه للوطن بأي حال من الأحوال، ثانيا: لا فائدة... ببساطة لا أعرف كيف يمكن للمرء أن يفسرها.... على أية حال، عندما يقال كل شيء ويفرغ منه، يجب على الإنسان أي يقر في هذه اللحظة أو في غيرها، وربما تستطيع أن تجد... عندئذ لن تجد كل شيء ليس في جانب اللامعقول، أليس كذلك؟
مع ذلك إذا توقفت لتفكر لبرهة، هناك ذرة من الحقيقة فيها. مهما تقل، فإن هذه الأشياء نادرة الحدوث، يجب أن أعترف، لكنها تحدث.