Advertisement

الأخبار

 الأخبار



الأخبار

نشأتها وتطورها

تأليف
تيرهي رانتانن

ترجمة
كوثر محمود محمد
مراجعة
ضياء ورَّاد


الأخبار

When News Was New

تيرهي رانتانن

Terhi Rantanen

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
رانتانن، تيرهي.
الأخبار: نشأتها وتطورها/تأليف تيرهي رانتانن.
     تدمك:
     ?- الأنباء الصحفية
          أ- العنوان

??????

تصميم الغلاف: وفاء سعيد.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2015 Hindawi Foundation for Education and Culture.
When News Was New
Copyright © 2009 Terhi Rantanen.
All Rights Reserved.
Authorised translation from the English language edition published by John Wiley & Sons, Inc. Responsibility for the accuracy of the translation rests solely with Hindawi Foundation for Education and Culture and is not the responsibility of Wiley. No part of this book may be reproduced in any form without the written permission of the original copyright holder, John Wiley & Sons Inc.


إحياءً لذكرى روجر سيلفرستون ????–????
شكر وتقدير


أتوجَّه بخالص الشكر لتامار أشوري، وأوليفر بويد-باريت، وديفيد بريك، وماثيو كولينز، وريتشارد كولينز، وجون إنتويسل، وجوردون جاو، وآني جاكسون، وجان موريس، ومارجوت مورس، وجون نيرون، وإيلا نيمينين، وإريك نيلين، وشاني أورجاد، ومايكل بالمر، وبيتر بوتنيس، ودونالد ريد، وروجر سيلفرستون، وإليزابيث سويزي، وهنريك أورنبيرج، وإليزابيث فان كوفرينج؛ أتوجَّه إليهم بخالص الشكر على مساعدتهم، وأتوجَّه بشكرٍ خاصٍّ لجان موريس على مراجعته للُغَتي وإنقاذي من الوقوع في شَرَك الاختلافات الثقافية.
كما أدين بالفضل لمركز أنينبرج للاتصالات في جامعة جنوب كاليفورنيا، والأكاديمية البريطانية، والاتحاد الأوروبي لوكالات الأنباء، وقسم التاريخ في الاتحاد الدولي لبحوث الإعلام والاتصالات، وأرشيف وكالة رويترز.
تيرهي رانتانن
نوفمبر ????
مقدمة


عندما كانت الأخبار «جديدة»


المُحاوِر: هل تعلم ما هي الأخبار؟تيمو (طفل في السادسة من العمر): إنها تخبرنا بما وقَعَ من أحداث في كل بلد وتتنبَّأ بالطقس.المُحاوِر: ما شكل الصور التي ترينها في نشرات الأخبار؟نينا (طفلة في السادسة من العمر): مثيرة.المُحاوِر: كيف تكون مثيرة؟نينا: كصورة حريق أو منزل محترق.المُحاوِر: ما الذي تشعرين به عندما ترين هذه الصور؟نينا: في الواقع إنها تعجبني. لا أدري لِمَ أحب الصور المفزعة والقصص المثيرة (بينانين، ????). يطرح هذا الكتاب سؤالًا بسيطًا للغاية: «ما الأخبار؟» وبطرح هذا السؤال، فإنه يخاطب الأفراد والمؤسسات التي تُعِدُّ الأخبارَ وتصنِّعها وتنتجها، ويوضح الكتابُ كيف أن الأخبار أعادَتِ ابتكارَ نفسها في لحظات تاريخية مختلفة؛ بدءًا من قصَّاصي العصور الوسطى، إلى وكالات نقل الأخبار بالتلغراف في القرن التاسع عشر، ووصولًا إلى مُدوِّني القرن الحادي والعشرين. إنه ليس كتابًا عن تاريخ الصحافة يغطِّي الحقبَ التاريخية كافةً، بل إنه ينتقي أمثلةً ولحظاتٍ شهدت تغيُّرًا، ولا هو تأريخ لتطوُّر الأخبار أيضًا؛ فباختيار لحظات تاريخية من الحاضر والماضي، يحلِّل الكتابُ مفهومَ التطوُّر في الأخبار ويقتفي أوجهَ شبه غير منظورة بين لحظات تاريخية مختلفة، ويسأل في نهاية المطاف إنْ كانت الأخبار، بمفهومها الذي نعرفه، لا تزال موجودةً.
يتناول هذا الكتاب الأخبارَ في الماضي والحاضر والمستقبل، ويوضِّح أن مفهوم «حداثة» الأخبار شهد تغيرات عدة على مدى القرون، وأن الأخبار في الأغلب هي روايات قديمة جرَى تحديثها. هذه الروايات تتَّخِذ في الوقت نفسه نَسَقًا زمانيًّا ومكانيًّا يتحدَّى فكرتَنا عن الفضاء النفسي في الماضي والحاضر والمستقبل. ويستعرض الكتاب، بدلًا من النظر في «موضوعية» الأخبار من عدمها، زمانيةَ ومكانيةَ الأخبار ليوضِّح كيف أنها لا تغيِّر من نفسها فحسب، وإنما تغيِّر أيضًا الفضاءَ المحيط بها بدورها. يتخذ هذا الكتاب من دراسات الصحافة نقطة بدء من أجل تقصِّي الآثار الاجتماعية الأوسع نطاقًا للخبر.
كُتِب الكثير جدًّا عن موضوعية الأخبار، لكن من جهة أخرى كُتِب القليل عن الأخبار كسلعة ثقافية واقتصادية واجتماعية، تتبدَّل خصائصُها الزمانية والمكانية باستمرار. يُنظر إلى الأخبار بدرجة كبيرة على أنها أنباء تردنا وحسب، حتى أنه أصبح من الصعب علينا فهم تأثيرها الأوسع. فنحن قد ننظر إلى محتوى الأخبار، لكن ما نجده في فحواها هو ما تعلمنا أن ندركه منها؛ فقد نحسب أن الأخبار ليست إلا أنباء أو معلومات وقتية تخبرنا بشيء عن العالم، لكن ما قد لا ندركه هو أن الخبر — باتِّبَاع الأعراف المتَّفَق عليها التي تجعله يُعرف كخبر — يؤسِّس إطارًا ترتبط وفقه عناصرُه السابقة التحديد بعضها ببعض. ونحن بتسليط الضوء على فحوى الخبر ومحتواه نتجاهَل عناصرَ بنيته؛ ونتيجة ذلك، أضحَتْ عناصرُ مهمة كالمكان والزمان في الأخبار مسلَّمًا بها وتُترَك بلا تحليل. وسأبرهِن على وجوب إجراء تحليل تاريخي للأخبار لفهم كيف يتغيَّر مفهومُنا عن طبيعة الأخبار مع الزمان والمكان؛ فلا يمكن فهم متى يصبح الخبر جديدًا وكيف يصبح كذلك، إلا بتأمُّل التطوُّر التاريخي للأخبار.
كان يُنظَر تلقائيًّا إلى البُعْد الزماني للخبر على أنه «توقيت الحدث» دون أي فهم للتركيبة الاجتماعية لزمان وقوعه. وثمة الكثير من الطرق التي يمكن بها أن يُعَدَّ الخبرُ جديدًا؛ على سبيل المثال، اضطلع الباعةُ المتجوِّلون وكاتِبُو الأغاني بين عامَيْ ???? و???? بنشر «القصص الجديدة» إلى جانب مدرِّبي الدِّبَبَة والمهرجين والبهلوانات والممثلين الهزليين والدجَّالين (بيرك، ????)، وكثيرًا ما كانَتْ هذه القصصُ الجديدة أنباءً قديمة، لم تبدُ مثل ما نعرفه الآن كأخبار، غير أنها ضمَّتْ عناصرَ ستُعرَف فيما بعدُ على أنها السمات المميِّزة للخبر. وقد أدَّتْ صناعة الأخبار ونشرها بصفة دورية على نطاقٍ ضخمٍ فيما بعدُ بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر؛ إلى أن تصبح الأخبارُ سمةً مهمة للوقت، وتدريجيًّا أضحى انتفاءُ وجودِ الأخبار في العصر الحديث مستحيلًا.
لكن اليوم أصبحَتِ الأخبار تُبَثُّ طوالَ الوقت على الإنترنت، ولم تَعُدْ سمةً تميِّز الوقت. وظهر شكل جديد من القصص الجديدة مع ظهور الأخبار على الإنترنت، فانتبهت الأنظار عام ???? إلى ظهور عشرات المدوَّنات، التي صار هناك الملايين منها اليوم. ويتغنَّى منشئِو هذه المدونات الحديثة — شأنهم شأن نَقَلَة الأخبار الجديدة في العصور الوسطى — بقصصهم إلى جانب العديد من المؤدِّين الآخَرين، لا في منعطفات الطرق وإنما على عُقد الشبكة العنكبوتية الدولية. لم يَعُدْ شيء يسافر، لا الأخبار ولا منتجوها ولا مستهلكوها؛ بل يلتقون جميعهم في عالم الشبكة العنكبوتية الدولية الافتراضي، وانتهى عهدُ الأخبار «الخالصة»؛ فكلُّ مَن يستطيع استخدامَ التكنولوجيا يمكنه الآن أن يتغنَّى بالقصص الجديدة.
كثيرًا ما يُنظَر إلى البُعْد المكاني للأخبار «كمكان الحدث» دونَ أيِّ فهم للتركيبة الاجتماعية لمكان أو فضاء الحدث؛ فالأخبار لا تتنقل بين الأماكن بخفةٍ فحسب، وإنما تصنع أيضًا فضاءاتٍ جديدةً، سواء ضِمْن حدود المدن أم الدول القومية أم الشبكة العنكبوتية الدولية. يمكن الإبحار في عالم الأخبار، ويمكن لمستخدمي الأخبار الإبحارُ في فضاء الخبر ليشكِّلوا شبكاتٍ جديدةً.
لا يقدِّم كتابي سردًا تاريخيًّا تقليديًّا أو يؤرِّخ للأخبار، بل يحلِّل التركيبةَ الاجتماعية للأخبار في سياقها التاريخي، ويضع نظريةً حول تطوُّر الأخبار مُستخدِمًا أمثلةً من حقب تاريخية مختلفة، ويذهب إلى أننا — عن طريق تحليل الأبعاد الزمانية والمكانية للخبر — نفهم سببَ تغيُّر تعريف الخبر. وتتأثَّر طبيعةُ الأخبار التي نحتاجها في لحظاتٍ تاريخية مختلفة تأثُّرًا كبيرًا بزمانية ومكانية الخبر، ولا يتسنَّى لنا فهم وظائف الخبر الاجتماعية إلا بدراسة هذه التراكيب للخبر.
(?) إطلالة على الفصول

الفصل الأول: البُعْد الزماني؛ كيف أضحَتِ الأخبار جديدةً

يبدو أن عبارة «الأخبار هي الجديد» تفسِّر ذاتها بقدر ما تفسِّر عبارةُ «الوردة هي وردة» ذاتها، وقد أدَّى بروز عنصر الوقت بالخبر إلى «تطبيع» أبعاد الأخبار الزمانية؛ فلا نرى كيف تتكوَّن الحداثة في الأخبار. أرى أن ثمة أربع طرق على الأقل يصبح بها الخبر جديدًا؛ أولًا: يمكن طرح الخبر في ثوب جديد. ثانيًا: يمكن بناء «الحدث» الذي يقوم عليه الخبر كنبأ جديد. ثالثًا: يمكن عرض الأخبار على أنها جديدة حتى إن كان الحدث الذي تدور حوله قديمًا؛ لأن فئة محددة من متلقِّي الخبر لم تعرف به من قبلُ. أما الملمح الرابع لطبيعة الخبر الزمانية فهو تجدُّده بصفة دورية، واستحالة «انتفاء وجود الأخبار»، أو «ألَّا يكون هناك مستجدات، أو لا يكون هناك جديد» كل ذلك يشير ضمنًا إلى الكيفية التي تُخضع بها الأخبارُ المجتمعاتِ للبُعْد الزماني، وتؤسِّس لزمان الخبر أو زمان عالمي جديد.
الفصل الثاني: الكوزموبوليتانية؛ ظاهرة أقدم مما نظن

أوضِّح في هذا الفصل أن الأخبار لم تكن في الأصل «قوميةً» أو «دوليةً» وإنما كوزموبوليتانية، بعكس ما جاءت به البحوث الأقدم عن العلاقة بين الأخبار «القومية» و«الدولية». كان يجري بالأساس تبادُل الأخبار بين المدن. وطرح المدن كنقطة البدء لتحليلي يفتح سُبُلًا جديدة لفهم المواد التجريبية التي لم تُصَغِ النظريات حولها إلا في إطار قومي-دولي؛ فأتحرَّى نشأةَ تداوُلِ الأخبار وتطوُّره في مدن أوروبا الكبرى وفيما بينها، بدءًا من القرن الثاني عشر حتى القرن التاسع عشر، وأوضِّح كيف تغيَّرَ هذا مع مجيء تقنيات الاتصالات الجديدة كالصحافة المطبوعة والتلغراف. وأدفع بأن تناقُل الأخبار يرتبط بالتحوُّل الإقليمي الذي يغيِّر من المدن ليجعل منها فضاءاتٍ كوزموبوليتانيةً أصبحت مدنًا عالمية. وهذا الفصل هو نسخة منقَّحَة من مقال نُشِر بالفعل في دورية «دراسات صحفية» المجلد ?، العدد ? (????).
الفصل الثالث: العولمة؛ عندما صارت الأخبار عالميةً

يُلقِي هذا الفصل بدَلْوه في الجدل الدائر حول توقيت العولمة ودور الأخبار المنقولة إلكترونيًّا في العولمة، وفيه أؤكد على أن الأخبار لعبت دورًا هامًّا في العولمة عبر شبكات الكَبْلات البحرية الأولى منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان استغلال الزمان والمكان على نطاق عالمي عنصرًا أساسيًّا في تسليع الأخبار، ويذهب هذا الفصل إلى أن فضاء الأخبار العالمي الجديد لم يكن بلا حدود؛ بل على العكس، بَنَتْ مؤسسات الأخبار — في إطار سَعْيها لتحقيق أغراضها التجارية — سلسلةً من الحدود المحكمة التي تحكَّمَتْ بها. وهذا الفصل هو نسخة منقَّحَة من مقال نُشِر بالفعل في دورية «الإعلام والثقافة والمجتمع» المجلد ??، العدد ? (????).
الفصل الرابع: التسليع؛ كيف تُباع الأخبار

كانت الأخبار الإلكترونية في القرن التاسع عشر سلعةً ثقافية جديدة في عصرها، غير أنها اختلفَتْ عن غيرها من السِّلَع المعلوماتية؛ لأنها أضحَتْ سريعًا سلعةً حصرية لم يتسنَّ للجميع الانتفاعُ بها. وقد ولَّد التلغراف ثورةً في حقل نقل الأخبار؛ إذ نقَلَ الرسائل بسرعة الكهرباء، فيما لم يكن من الممكن نقل السلع الأخرى إلا ماديًّا؛ الأمر الذي خالَفَ النمط الراسخ لنشر المعلومات والأخبار التي كان يتعيَّن سابقًا نقلهما ماديًّا، شأنهما شأن السلع الأخرى. وقد ولَّد ابتكارُ هذا المُنتَج الجديد سلعةً بلا وزن قدَّمتها مؤسسات الأخبار العالمية؛ الأمر الذي بشَّرَ بمجتمع معلوماتي عالمي جديد نشأ مع نشأة الشبكة العنكبوتية العالمية. ويتواصل الصراع حول طبيعة الأخبار؛ هل هي لمجموعة بعينها أم للجميع؟
الفصل الخامس: إضفاء الطابع المحلي على الأخبار؛ أماكن في الخبر

أدرس في هذا الفصل المراحلَ المبكِّرة من التطوُّر التاريخي المبكِّر للمكان في الخبر. تسلِّطُ أغلبُ الدراسات اهتمامَها على محتوى الخبر أو «الحدث»، وإنِ انصبَّ اهتمامُها على جغرافيا الخبر، كما في نهج تدفُّق الأخبار، فإنها تركِّز على الدولة القومية حيث ينشأ الخبر. ويتناول هذا الفصل كيف تأسَّسَ مفهومُ المكان في الأخبار الإلكترونية من القرون الوسطى حتى منتصف القرن التاسع عشر، وأذهب فيه إلى أن الأخبار الإلكترونية زادَتْ من الشعور بالمكان عبر تنظيم الفضاء المكاني، وأمكن لقرَّائها التمييز بين «هناك» (حيث وردَتِ الأخبار)، وبين «هنا» (حيث موطنهم). هذا الفصل هو نسخة منقَّحَة من مقال نُشِر بالفعل في دورية «الإعلام والثقافة والمجتمع» المجلد ??، العدد ? (????).
الفصل السادس: إضفاء الطابع القومي على الأخبار؛ الأخبار والدولة

أطرح ثلاثَ دراساتِ حالةٍ حول تطوُّر ثلاث وكالات أنباء؛ ألمانية وروسية وأمريكية، كلٌّ منها حالة مختلفة سياسيًّا وثقافيًّا، لكن بنهاية القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين تبرهِنُ جميعها على ضرورة أن تخدِم الأخبارُ المصالحَ القومية. ويوضِّح تاريخ مؤسسات الأخبار كيف أن أولى وسائل الإعلام الإلكترونية — التلغراف والراديو — تأسَّسَتْ بالدرجة الأولى لخدمة المصالح القومية؛ إذ هدَّدَ استقلالُ مؤسساتِ الأخبار سيطرةَ الدول على التلغراف والراديو.
الفصل السابع: الخاتمة؛ اليوم كان الأمس

يوضِّح هذا الفصل أن أخبار الأمس هي أيضًا أخبار اليوم، ويدرس الأخبارَ «الجديدة» في عصر المعلومات، ويناقش المتغنِّين بالأخبار وجامِعِيها والمدوِّنين على الإنترنت، وأَوْجُه الشبه والاختلاف بينهم. كما يبرهن على أن مفهوم «حداثة» الخبر أُعِيد ابتكاره مرة أخرى، وما نشهده اليوم هو نهاية للأخبار «الحديثة» بمفهومنا عنها في القرن التاسع عشر؛ وفي ظلِّ هذا الموقف من التغيُّر المتعدِّد، علينا أن نولي تفكيرًا جديًّا لما يشكِّل الخبرَ.
الفصل الأول
البُعْد الزماني


كيف أضحَتِ الأخبارُ جديدةً
«ما الأخبار الجديدة في السوق؟»
(ويليام شكسبير، تاجر البندقية، الفصل الأول، المشهد الثالث) ما الأخبار؟ ما آخِر الأخبار؟ هل من أخبار؟ أَمَا من أخبار؟ على الأرجح لا يوجد شيء له طبيعة زمانية كالأخبار. كلمة أخبار في حدِّ ذاتها في أغلب اللغات تُشِير إلى طبيعة الأخبار الزمنية: كلمات مثل news في الإنجليزية، وnouvelles في الفرنسية، وnovosti في الروسية وuutinen في اللغة الفنلندية وnyhet في اللغة السويدية، هي جميعها كلمات يعني جذرها «جديد»، والتعريف القاموسي للكلمة بدوره يتضمَّن إشارةً لطبيعة الأخبار الزمانية: «هي أنباء، تقارير أو روايات عن أحداث أو وقائع «مستجدة» (لا سيما المهمة أو الشائقة)، تلتقي أو تتَّحِد معًا كمعلومات «مستحدثة».» ومن أوائل استخدامات كلمة newis ما جاء في نسخة عام ???? من الإنجيل (إنجيل ويكليف، النسخة المنقَّحَة)، بسِفْر يوشع بن سيراخ (بوديلي، ???) الإصحاح ??، الآية ?? وترجمتها بالعربية: «هو يفيض الحكمة كفيشون ومثل دجلة في أيام الغلال.»1 تُعَدُّ عبارة «الأخبار هي الجديد» دالة على ذاتها بقدر ما تُعَدُّ عبارةٌ مثل «الوردة هي وردة» كذلك؛ وبالتالي، وهو ما يُعَدُّ مُؤسِفًا أيضًا، كانت طبيعة الأخبار الزمانية إما تتعرَّض للتجاهل وإما يُسلَّم بها في البحث الأكاديمي؛ لأنها كانت تُعتبَر بديهيةً جدًّا. وقد أدَّى بروز عنصر الوقت بالخبر إلى «تطبيعٍ» على أبعاده الزمانية؛ وكنتيجة لذلك، كثيرًا ما يُفهَم الوقت في الخبر على أنه الزمان في سياق عالم الميكانيكا فقط، لا في سياق تركيبته الاجتماعية.
تعتمد تمامًا طبيعةُ الأخبار في كل حقبة تاريخية على التركيبة الاجتماعية للوقت في الخبر؛ فعلى سبيل المثال، صرَّحَ الباحثون في علم الصحافة بأن ثمة ثلاثة أنواع من التوقيتات الزمنية للخبر؛ أولًا: ثمة الأخبار المؤخَّرة (ما يُكشَف عنه مؤخَّرًا). وثانيًا: ثمة الأخبار الفورية (إذاعة الخبر بأدنى قدر من التأخير). وثالثًا: ثمة الأخبار المتداولة (ذات الصلة بالشئون الحالية) (روشكو، ????). غير أن هذه التصنيفات ليست ثابتةً وتتغيَّر مع الزمان والمكان. وحتى إن كانت هذه التصنيفات تساهِم بشكل واضح في تقسيم الزمن، فهي لا تزال تعتبر الزمنَ «هبةً إلهيةً» دون إخضاعه للتحليل أو فهم التغيُّرات التاريخية التي طرأت على الأخبار.
لفهم كيفية عمل البُعْد الزماني للأخبار، نحتاج إلى النظر إلى تعريف الأخبار. وبمجرد النظر إلى التعريف القاموسي الذي عرضناه من قبلُ لهذه الكلمة، نجد أنه من المفترض أن يتكوَّن الخبر من عنصرين: أحداث تقع مؤخرًا، ومعلومات جديدة؛ وهي خطوة في الاتجاه الصحيح تُعرِّف الزمنَ كعنصر من الخبر، لكنها لا تزال غير كافية؛ لأنها تفترض وجودَ علاقة طبيعية بين الأحداث والزمن.
ثمة نهجٌ بديل، هو دراسة البحوث الأكاديمية التي تسعى لفهم طبيعة الأخبار؛ فعلى سبيل المثال، قسَّمَ جانز (????) النظرياتِ التي تدور حول طرق انتقاء بعض القصص لعَرْضِها بالأخبار إلى ثلاث فئات مختلفة: (?) المنهج القائم على الصحفي. (?) المنهج القائم على المؤسسة الصحفية. (?) المنهج القائم على الحدث. وتتناول الفئةُ الثالثة الأخبارَ على أنها تتمتَّع «ببنية اجتماعية، مؤكِّدةً على دور العنصر البشري في الخبر، والقواعد غير الرسمية التي يتبنَّاها الصحفيون في معالجة كمٍّ هائلٍ من المعلومات وفرزِها وإعادةِ ترتيبها في صورة النشرة الإخبارية التي سيتقبَّلها الجمهور» (جيتلين، ????). وتدخل في هذا المنهج أيضًا «فكرةُ الخبر كحكايةٍ وكحقيقةٍ في الأساس، وكمعلومة وكتفاصيل تسرد قصة» (شابر، ????).
يرى جيتلين (????) أن الفئة الثالثة من هذا التنظير ترتكز على الحدث انطلاقًا من منظورها للخبر ? «مرآة» أو «انعكاس» لطبيعة العالم الفعلية، لكن من جديدٍ تأخذنا حجةُ جيتلين في مسلك مغايِر لاتجاهي؛ فاهتمامي لا ينصبُّ بالدرجة الأولى على وظيفة الخبر كمرآة أو كانعكاس، ولكن على الطرق التي شكَّلته كقصةٍ لها قواعدها الخاصة؛ ومن ثَمَّ، للوصول إلى غايتي بهذا الفصل، لا ينصب اهتمامي بالدرجة الأولى على «موضوعية» الخبر. ويساعدني جانز هنا بطرح توليفة بين ثلاثة مناهج مختلفة بتعريفه للخبر على أنه ««معلومة» تنتقل من «المصادر» إلى الجمهور؛ إذ يُوجِز الصحفيون وينقِّحون ويبدِّلون ما يصل إليهم من المصادر المختلفة لتصبح المعلومةُ مناسِبةً للجمهور» (جانز، ????).
لكن التمييز بين الخبر والمعلومة لا يخلو بالضرورة من الصعوبات كما يفترض هذا التعريف؛ فأنا على العكس أرى أن التمييز بينهما يتمثَّل في البُعْد الزماني للأخبار، الذي لم يُعترَف به كعنصر أساسي في التمييز بين «المعلومات» و«الأخبار». من ثَمَّ، لأغراض هذا الفصل، أعرِّفُ الأخبارَ على أنها نمَطٌ من الكتابة يستخدم مفهومَ الزمان ومفهومَ الحدث لبناء قصة جديدة، ومن المهم ملاحظة أن كلَّ قصة جديدة ليسَتْ بالضرورة قصةً تليق كخبرٍ، والفصل بين الخبر والقصة الجديدة بتسميته «خبرًا» يغدو هنا شديدَ الأهمية.
جرَتِ التقاليدُ في الدراسات الصحفية على الفصل بين كلٍّ من الحدث ومصدر الخبر والخبر (مثال على ذلك: غاتلونج وروج، ????). يقع الحدث بمكان، بمنأًى عن مصدر الخبر، وبمنأًى عن المعنيِّين به في كثير من الأحيان، وطرْحُ مفهومِ المكان في عملية فهم «حداثة» الخبر يضيف بُعْدًا آخَر للمسألة؛ هو المسافة بين كلٍّ من مكان الحدث ومصدر الخبر والخبر؛ إذ يقع الحدث بمكان، من جهة أخرى يستغرق سفر الخبر وقتًا، ويؤثِّر أيُّ تغيُّر في المسافة واجتياز هذه المسافة على حداثة الخبر. على سبيل المثال، كلمة jour بالفرنسية التي تتشكل جذر الكلمات: journalist (صحفي)، وjournalism (صحافة)، وjournal (صحيفة)؛ هي أيضًا جذر كلمة journey (رحلة)، التي كان المعنى الأصلي لها هو يوم من السفر، وامتدَّ معنى الكلمة سريعًا ليشير أيضًا إلى شيء قد يُقاس بعدد الأيام المطلوبة لتمامه (هاريس، ????). وبدأ استخدام كلمة journalist (صحفي) عام ???? لوصف مَن يكتبون عن الأنشطة الاجتماعية «اليومية» للصحافة العامة (هاريس، ????)؛ من ثَمَّ تشكَّلَتْ في مرحلة مبكرةٍ العلاقةُ بين كلٍّ من الخبر والحدث والسفر والوقت من منطلق الأيام. من المهم كذلك ملاحظة أن القصص الجديدة تسافر عبر المسافات وتسافر عبر الزمن، وتنتقل من جيل إلى جيل عبر ذاكرة الأفراد، وتتحول في هذه العملية من قصص قديمة إلى قصص جديدة؛ لأنها تُعَدُّ خبرًا لمَن لم يسمع بها من قبلُ.
أتحرَّى في هذا الفصل الهياكلَ الزمنية التي تربط بين الحدث وبين المعلومة، وبين مصدر الخبر وبين جمهور القصص الجديدة أو القصص الإخبارية. وأوضح أن التقنيات الجديدة غيَّرَتِ العلاقةَ بين كلِّ هذه الأطراف؛ إذ لم تَعُدْ حداثةُ الخبر تشير إلى علاقة وثيقة بين المصدر والجمهور فحسب، وإنما تشير أيضًا إلى أن الحدث والمعلومة والمصدر والجمهور قد اتَّحدوا جميعًا ليصيروا واحدًا، وهذا هو الموقف الذي غيَّرَ فيه البُعْد الزماني للخبر هيكلَ الخبر تغييرًا جذريًّا.
(?) القصص الجديدة والذاكرة

كتب دارنتون (????) أن طبيعة «ما يشكِّل الخبر» تتفاوَتُ تفاوتًا كبيرًا بين المجتمعات المختلفة، ويسوق أمثلةً على ذلك من دراسات عن المقاهي في إنجلترا في الحقبة الستيوارتية، والمقاهي في بواكير جمهورية الصين، والأسواق في المغرب المعاصر، وشعر الشارع في روما القرن السابع عشر، وحركات تمرُّد الرقيق في برازيل القرن التاسع عشر، وشبكات المهرِّبين في موجول راج بالهند، وحتى الأماكن الترفيهية في الإمبراطورية الرومانية. غير أنه فيما يتَّصِل بالأخبار الشفهية، يجب أن يحضر الأفرادُ بأنفسهم معًا في المكان نفسه وفي الزمان نفسه لتبادُل القصص الجديدة؛ فعندما تجمَّعت الحشود في الأسواق أو في مدائن الكنائس كان من السهل نشر القصص الجديدة من فرد إلى العديد من الأفراد، ومنهم إلى الكثير من الأفراد الآخرين.
في المجتمعات التي لم تعرف الكتابة، انتقلت المعلومات المهمة أو ذات القدسية في كثيرٍ من الأحيان إلى الأجيال الجديدة في شكل قصة؛ كقصيدة روائية، وفي ذلك كتب بينتيكينين (????): في ضوء هذه الظروف، عمل القالب الشعري كأداة فنية تعين الذاكرة؛ إذ «يتكرَّر به ذكر تفاصيل بعينها» بدقة أكثر من السرد النثري. ولا يظل الشعر الذي صمد بالرواية الشفهية كما هو بالطبع، لكنه يميل إلى أن تطرأ تغيُّرات عليه، تسهلها مختلف العوامل الثقافية والخاصة؛ فقد تنتقل قصيدةٌ من جيل إلى التالي، لكنَّ كلَّ جيل ينظر إليها وفقَ عالَمِ مفاهيمه.
قد تُروَى القصص وتصمد بالأذهان، لكنها لا تكون بالضرورة قصةً إخبارية، حتى إن كانت قصة جديدة. ضمَّتِ القصص عناصِرَ قصص الأخبار في بنيتها (مثل: «يُحكَى أنه ذات مرة»)، لكن الزمان والمكان لم يكونا بالضرورة الملمحين الأكثر أهمية في بنية القصة؛ كانت بصورة ما قصصًا لا تحوي زمانًا أو مكانًا، فما كان يهم ليس زمان الحدث أو حتى مكان القصة، بل أن أحدًا لم يسمع بالقصة من قبلُ. لم تكمن حداثة القصة فيها، وإنما في جمهورها الذي لم يسمع بها من قبلُ ويريد أن يتذكرها، وقد تميَّزت هذه القصص بملمحَيْن بارزين؛ إذ اعتمدَتْ على الذاكرة والتكرار، فكتب كلانتشي (????) عن العصور الوسطى: خارج البلاط الملكي والأديرة العظيمة، اختزنَتِ الذاكرةُ الحية عادة حقوق الملكية وغيرها من المعارف عن الماضي. ومتى دعَتِ الحاجةُ إلى المعلومات التاريخية، لم تلجأ المجتمعات المحلية إلى الكتب والأشخاص، بل لجأت إلى المأثورات الشفهية المنقولة عن قادتهم ومؤرخيهم.
من ثَمَّ، لم يكن وجه الاختلاف بين ما يُعَدُّ خبرًا وما لا يُعَدُّ كذلك في العصور الوسطى واضحًا على الدوام. وكما يوضح شابر (????)، جرَتِ العادة قديمًا على ابتكار الأغنيات عن الأحداث العابرة والمعارك والنزاعات والغارات وجرائم القتل والمآسي على الصعيد المحلي، وعلى تذكُّرها، ربما في جميع أنحاء العالم، في صورة قصائد غنائية. فيقول شابر (????): هذه القصائد الغنائية الزاخرة بالتكرار، والمفعمة غالبًا باللازمة الشعرية، كانت تهبط على الموقف بغتةً، دون وصفٍ لشخصياته، وفي الكثير من الأحيان دون تسميتهم، لتحكي قصة قصيرة سريعة، تخلو من التكرار، تعوزها اللازمة، دون أن تحفل بالتفاصيل أو تستغرق زمنًا طويلًا.
كنتيجةٍ، كانت القصص الجديدة في صورة الشعر أو القصائد الغنائية تصمد لوقت أطول من الأخبار؛ إذ اختزنتها الأذهان، وتكرَّرت، وتغيَّرت جزئيًّا من جيل لآخَر. وقد اتَّسَم هذا الشكل من القصص الجديدة بالفعل بالاستمرارية والتكرار، وكانت هذه القصص في كثيرٍ من الأحيان قصصًا قديمةً تغدو جديدة بالتنقُّل عبر الأزمان والأماكن، لكنها في الوقت نفسه صارَتْ بلا مكان أو فضاء أو زمان خاص بها. وثمة العديد من الأمثلة عن الكيفية التي تنتقل بها قصةٌ ما عبر الزمان والمكان، وتُترجَم وتبرز بمكان آخَر كقصة جديدة (شابر، ????). غير أن هذه القصص الجديدة الشفهية كانت بصدد التغيُّر مع ظهور الكتابة. (?) القصص المكتوبة الجديدة

تحدَّدَ الزمان في المجتمعات الزراعية من خلال إيقاع الطبيعة؛ فكتب أونج أنه قبل ظهور الكتابة لم يشعر الناس بأنهم يشغلون في كل نقطة من حياتهم حيِّزًا زمانيًّا محسوبًا مجرَّدًا بأي صورة من الصور، ويبدو أنه من المستبعَد أن أغلب مَن شهدوا العصور الوسطى أو حتى عصر النهضة في أوروبا الغربية كانوا ينتبهون عادةً إلى رقم السنة في تقويمهم، سواء أكان الرقم محسوبًا من ميلاد المسيح، أم من أي نقطة أخرى بالماضي (أونج، ????). فعاشت المجتمعات كما أشار جيدينز (????) حياةً مستقلة بعضها عن بعض، واتَّبَعت تقويمها المحلي الخاص. وقد ارتبط «توقيت الحدث» بوجهٍ عام تقريبًا ? «المكان» أو اقترَنَ بأحداث طبيعية أخرى، وظلَّ الزمان مقترِنًا بالمكان؛ فيرى جورفيتش (????) أن تقويمَ المزارعين كان يعكس تغيُّرَ الزمن بتتبُّع تعاقُب المواسم الزراعية، وما زالت شهورُ العام تعكِس في الكثير من اللغات المهامَّ الزراعية ومهامَّ الشهر المعينة الأخرى؛ على سبيل المثال: شهر مايو في اللغة الفنلندية هو toukokuu ويعني شهر البذر، ويونيو هو kes?kuu أي شهر الصيف، ويوليو heinakuu يعني شهر جز التبن، أما شهر أغسطس elokuu فيعني شهر الحصاد. لم تكن هناك حاجة لقياس الوقت، وظلَّتْ أدوات قياس الوقت حتى القرن الثالث عشر والرابع عشر أدواتِ رفاهية نادرة، وكان الشكل المألوف للساعات في أوروبا العصور الوسطى هو المزولة أو الساعات الرملية أو الساعات المائية التي تتكوَّن من شمعة أو زيت في مصباح كنسي (جورفيتش، ????). وإن دعَتْ ضرورة كبيرة لمعرفة الوقت في لحظةٍ ما بعدَ مغيبِ الشمس، كان الوقت يُقاس بإضاءة مشعل (جورفيتش، ????). وكان طول الرحلات يقاس بالمدة التي يقضيها المسافرون في البحر أو على الأقدام أو على ظهور الخيل، ولم يطرأ ببالٍ تخيُّلُ رحلةٍ بين نقطتين يقيسها مسافروها بالزمان المجرد. لم يكن الزمان في المجتمعات القديمة غريبًا على الأفراد أو منفصِلًا عن حياتهم وأنشطتهم (جورفيتش، ????)، ويمكن تطبيق المبدأ نفسه على القصص الجديدة التي لم تتضمَّن ذِكرًا لزمنٍ مُقَاس.
كان الزمان — باستثناء المواقيت الزراعية — غير ذي أهمية أو شأن بالنسبة إلى الكنائس، ويميِّز لو جوف (????) بين الزمان وفق تقويم الكنيسة وأحد التقويمات التجارية في العصور الوسطى؛ إذ وَضعَتِ الكنيسة تقويمًا خاصًّا بها كرَّسته للرب وحده، ولم يُسمَح أن يكون مجالًا للتربُّح. وقدَّرَ الرهبان الوقتَ بعدد الصفحات التي قرءوها من الكتاب المقدس، أو بعدد المزامير التي أنشدوها بين فترتين لرصد السماء. أما لعموم الناس فكان ما دلَّ بصفة رئيسية على الوقت هو أجراس الكنائس التي تدعوهم بانتظام للصلاة صباحًا أو غيرها من العبادات؛ ومن ثَمَّ عندما أصبح الزمان الجمعي أكثر أهميةً، كان رجال الكنيسة لا يزالون يسيطرون على تسجيل مرور الزمان (جورفيتش، ????).
لكن طرأ تغيُّر مهم مع ظهور الكتابة؛ إذ فقَدَ تذكُّرُ القصصِ التي تُروَى أهميتَه الكبيرة، حيث صار بالإمكان اختزانها بالكتابة، ولم يَعُدِ التكرارُ ضروريًّا بهذه القصص؛ الأمر الذي ادَّخَر وقتًا وجهدًا. ولم يقتصر الانتقال من الاعتماد على الذاكرة إلى التواصُل الكتابي — الذي شهدته إنجلترا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر — على إنجلترا وحدها، مع أنه يتجلَّى أكثر هناك (كلانتشي، ????). أدَّى هذا إلى إضفاء بُعْد زماني مبكِّر على الأحداث المسجَّلة؛ أيْ إلى التأريخ، وهو سرد تاريخي متواصِل للأحداث وفق ترتيبها الزمني دون تحليل أو تفسير. ويشير كلانتشي إلى أن التأريخ بصورته التقليدية كان بمنزلة مذكرات متراكمة، اضطلع بتسجيلها الرهبان، وتعود أصوله إلى انشغال البينيديكتيين بالتنظيم الدقيق للوقت؛ فكتب يقول: كان التأريخ بصورته التقليدية «سلسلةً مرتَّبةً تاريخيًّا من الأحداث» المسجَّلة لإرشاد عمل الأديرة، وكان المؤرِّخ يحسب الأعوامَ الميلادية والشهور وبداياتها، ويصف بإيجازٍ أعمالَ الملوك والأمراء في تلك الأوقات، كما يخلد ذكرى الأحداث والبشائر والمعجزات. ومن ثَمَّ خلَتِ المؤرخات من الأسلوب؛ إذ عُنِي بمادتها لا بأسلوب تقديمها، وألحق بها العديدون الإضافات عامًا بعد عام (كلانتشي، ????).
كتب كلانتشي أيضًا أنه بالإمكان التمييز بين الأحداث التي يمكن تذكُّرها وتلك الجديرة بتذكُّرها؛ فالأخيرة وحدها التي تستأهِل حقًّا توثيقها بالذاكرة ينبغي تسجيلها. لم يهدف الكَتَبَة من الرهبان على الإطلاق إلى تشجيع إصدار الأعمال الأدبية والوثائق على نطاق واسع، بل هدفوا إلى تسجيل «نسخة مختارة بعناية» وموضوعة عمدًا من الأحداث للأجيال القادمة (كلانتشي، ????). وسيكون لهذا الفصل بين كلا النوعين بالطبع تبعات مهمة على مفهوم الخبر في المستقبل الذي لا يوثِّق سوى الأحداث الجديرة بأن تكون أخبارًا. كان على المرء إنْ أرادَ التواصُلَ مع أحد في مكان آخَر أن يبعث رسالةً أو خطابًا؛ كان يمكن أن يكرِّر الرُّسُل الرسائلَ الشفهية كلمةً كلمةً، أما الخطاب فكان لا بد أن يُكتَب. وبسبب الفجوة الكبيرة التي فصلت بين الفرد العادي غير المتعلِّم وبين النخبة المثقَّفة، احتكَرَتِ الكنيسةُ الثقافةَ الفكرية (لو جوف، ????). من هنا انحصرت الكتابة والقراءة في أوساط الكنيسة والطبقات العليا التي أمكن لأصحابها بدورهم كتابة الخطابات. وكانت هذه الخطابات تُكتَب بخط اليد، وتحوي معلوماتٍ عن حدث معيَّن أو سلسلة من الأحداث عدَّها كاتِبُها مهمةً، ورغب في نقلها عبر مسافات طويلة.
حدث دمج بين الخطابات والتواصُل الشفهي؛ فكتب دارنتون (????) أنه في باريس القرن السابع عشر كان يحتشد مروِّجُو الأخبار تحت شجرة البلوط في قلب باريس في حدائق القصر الملكي، ويتناقلون شفاهةً معلومات عن الأحداث الجارية:
وزعموا معرفة أخبارهم من مصادر خاصة (على سبيل المثال من خطاب، خادم غير كتوم، أو قول تنامَى إلى الأسماع)، لكن كانت ثمة عدة مراكز حيوية أخرى لنقل «لغط العامة»، مع تنامِي شتى الأخبار إلى المسامع، أهمها مقاعِد حديقة تويلري، وحدائق لوكسمبرج، والخطباء غير الرسميين، وكذلك زوايا قصر أوغسطين، وجسر بونت نوف، والمقاهي المعروفة بشائعاتها، والجادات التي صاح فيها باعة الصحف الشعبية المتجوِّلون بنشرات الأخبار أو تغنَّى بها عازفو الأرغن النقال؛ فلمعرفة آخِر الأخبار يمكنك أن تقف فحسب بالشارع وتفتح أذنَيْك (دارنتون، ????).
بدأت الخطابات بتاريخ ومكان للفصل بين المكان الذي أُرسِلت منه والمكان الذي تُرسَل إليه، وفي الوقت نفسه، سجَّلت الخطابات المكتوبة باليد معلوماتٍ ولم تعتمد على الذاكرة، لكن مساحة الكتابة حدَّدَها حجمُ الورق (جورفيتش، ????). واستُخدِمت الخطابات بالأساس لاستخدام الجميع ولم يقتصر استخدامُها على أفرادٍ بعينهم، وحملَتْ معلوماتٍ كانت جديدة — إن لم يكن يعلم بها متلقُّوها. غير أن التعبير عن الزمان ظلَّ يمثِّل مشكلةً، حتى في الخطابات؛ استخدم الرهبان في مراسلاتهم تعبيرًا عن الوقت متصلًا بالتقويم البابوي أو التقويم الميلادي، أما الوثائق غير الدينية فكان يصعب تحديدُ عامٍ لها؛ فكتب كلانتشي (????) أن الكلَّ كان يعلم أي عام يُقصَد — العام الحالي — وإنْ كان هناك شكٌّ في العام المقصود، كان يُشار إلى حدَثٍ بارِزٍ وقع فيه. وأورد كلانتشي مثالًا على ذلك قائلًا: العام ???? من ميلاد المسيح، العام الحادي والعشرون من ترسيم البابا إسكندر الثالث، العام السابع والعشرون من حكم الملك هنري الثاني لإنجلترا، العام الحادي عشر من حكم الملك هنري الابن، العام الثامن عشر من انتقال الأسقف جيلبرت فوليو من هيرفورد إلى لندن، عندما كلف رالف دي ديسيتو — كبير كَهَنَة كاتدرائية سانت بول — بإجراء هذا التحقيق في العام الأول من تولِّيه منصبه (كلانتشي، ????).
وضعت الكنيسة تقويمها الخاص محدِّدةً فيه الأحداثَ الهامة بطباعة روزنامات ونتائج، ثم خرجت نتائج التقويم بعد ذلك من حيِّز روزنامات الكنائس المطبوعة، وحَوَتْ دائمًا سجلًّا بأعياد القديسين، وأضيفت إليها تنبُّؤات الأبراج والطالع، ثم أُدرِجت بها أشغال الشهر (هونيج، ????). وأُطلِق في كثير من الأحيان على النشرات الإعلانية التي ركَّزَتْ على أحداثٍ بعينها اسم «العلاقات»، وفيما بعدُ «كتب الأخبار» (ستيفنز، ????). كتب ستيفنز (????) أن الأخبار كانت تنتقل سريعًا، غير أن تدوينها جرى ببطء؛ ففي الماضي نقل الرُّسُل الرسائلَ التي سافرَتْ بقدرِ ما أسرعوا بنقلها، واتَّسَم السفر — ولا سيما على الطرق — بأنه بطيء ومرهِق بل خطير أيضًا، وكانت الطرق في أوائل العصور الوسطى أراضيَ مهجورة، وتعرَّضَ المسافرون لخطر اللصوص. وكتب جورفيتش (????) أن أقصى مسافة أمكن قطعها على ظهور الجياد بغضون أربع وعشرين ساعة كانت بضع عشرات الكيلومترات، فيما كان السفر على الأقدام أبطأ على الطرق الرديئة؛ فعلى سبيل المثال، استغرقَتِ الرحلةُ من بولونيا إلى أفينيون ما يصل إلى أسبوعين، واستغرقت رحلات المعارِض التجارية من نيم إلى شامباين اثنين وعشرين يومًا، أما الرحلة من فلورنسا إلى نابولي فاستغرقَتْ أحد عشر يومًا أو اثني عشر يومًا.
على سبيل المثال، بلَغَ خطابٌ كتَبَه البابا جريجوري السابعُ في روما في الثامن من ديسمبر عام ????؛ مدينةَ جوسلار الواقعة بجبال هارتس في الأول من يناير عام ????، وبلغت أنباء وفاة فريدريك بارباروسا في آسيا الصغرى ألمانيا بعدها بأربعة أشهر، واستغرَقَ نبأ وقوع الملك ريتشارد قلب الأسد في الأَسْر بالنمسا أربعة أسابيع ليبلغ إنجلترا، واستغرقت رحلة الرسول من روما إلى كانتربيري مدةً تصل إلى سبعة أسابيع (جورفيتش، ????)؛ من ثَمَّ، واصَلَ الناس عيشَ حياتهم دون العلم ? «الأحداث المهمة» التي وقعت قبل وقت طويل.
اعتُمِد على رُسُلٍ بعينهم لنقل الأنباء، وظهرت المراسلات التجارية بين المدن الهامة بالقرن الثالث عشر. وثمة ما يُستدَلُّ به على إنشاء خدمة منتظمة يُعتمَد عليها لنقل الرسائل بين المراكز التجارية في توسكانا ومعارض شامباين التجارية (سبوفورد، ????)؛ فقد كتب سبوفورد أن تشغيل خدمة دورية لنقل الرسائل كان عملًا مكلِّفًا: لم تشتمل كلفة الخدمة على دفع الأجور لمجموعةٍ كافيةِ العدد من الرسل وإعالتهم في كل رحلة فحسب، بل استتبعت أيضًا الحصول على عدد ضخم من الجياد التي تعين إتاحتها للتبديل فيما بينها على فترات ملائمة على طول كافة الطرق (سبوفورد، ????).
كتب هول أنه ببداية القرن الثاني عشر والثالث عشر «بدأ حدوث شيء ما في أوروبا». فمنذ أكثر من ثمانمائة عام بدأت تساور الناس في بعض مدن أوروبا رغبةٌ عجيبة لم تُعرَف من قبلُ؛ رغبوا في معرفة الوقت (ناووتني، ????)؛ إذ بدأ التقويم الديني، بتعبير لو جوف، يفسح المجال لتقويم التجار والأخبار المكتوبة، وبدأت الأخبار المكتوبة — في صورة الرسائل الإخبارية — في التجلِّي في أوروبا عصر النهضة، مثلما تجلَّت في روما والصين (ستيفنز، ????). لكن رسائل الأخبار بدورها احتاجَتْ إلى نقلها، وكان هناك بحلول أوائل القرن الخامس عشر العديدُ من الخدمات المنتظمة المهمة لنقل الرسائل. وفي أوائل عشرينيات القرن الخامس عشر، كان المفترض من الرُّسُل الحاملين للرسائل التجارية من فلورنسا بلوغ وسطاء نقل الرسائل في روما التي تقع على بُعْد ثلاثمائة كيلومتر تقريبًا، في غضون خمسة أو ستة أيام، وبلوغ وسطاء نقلها في نابولي التي تقع على بُعْد قرابة ??? كيلومتر في أحد عشر يومًا، ووسطاء نقلها في باريس في عشرين إلى اثنين وعشرين يومًا، ووسطاء نقلها في براغ الواقعة على بُعْد ???? كيلومتر تقريبًا في غضون مدة لا تتجاوز خمسة وعشرين يومًا، وبلوغ وسطاء نقلها في إشبيلية التي تقع على بُعْد ألفَيْ كيلومتر تقريبًا في غضون اثنين وثلاثين يومًا (سبوفورد، ????).
ظهر «حَمَلَة الأخبار» السيَّارون بالأماكن العامة في المدن الكبرى، حيث كان الناس ينتظرون سماعَ الأخبار مقابل المال على جسر ريالتو في صورةٍ تشبه الصحفَ الرسمية. وضمت باريس إبَّان القرن السادس عشر نحو ????? راوٍ للأخبار أو حَمَلَة الأخبار السيَّارون، بعضهم عمل في تويلري، والبعض عمل بمدن أخرى على مقربة من الأسواق أو الموانئ (ستانجراب، ?????/?????). كان مروِّجُو الأخبار يحتشدون في لندن خلف كاتدرائية سانت بول، فيما احتشَدَ عادةً كَتَبَة الأخبار بالنصف الأول من القرن السابع عشر بالقرب من وستمنستر (هوير، ????).
يوضِّح سميث التحسُّن الذي طرأ على خدمات البريد بالقرن السابع عشر؛ فيذكر أنه بحلول النصف الثاني من القرن السابع عشر أمكن تناقُل الرسائل بين أمستردام وباريس في غضون ستة أيام عبر البريد العادي، وأمكن تناقُلها في غضون يومين عبر خدمة أكثر كلفةً. واعتمدت أغلب المراسلات مع لندن على سفن نقل بريد أبحرت مرتين أسبوعيًّا، أما المراسلات السريعة فقد توافرت بدورها بتكلفة كبيرة (سميث، ????). كان مديرو مكاتب البريد في كثير من الأحيان بمنزلة مراسِلين بشبكة تناقُل أخبار تشبه المكاتب الإخبارية الأحدث. منذ عام ???? تقريبًا، جمع مديرو مكاتب البريد الأخبارَ في المدن الأوروبية من مناطق عملهم وأرسلوها إلى مراكز كهامبورج أو باريس أو لندن؛ حيث جرى تحريرها وأُعِيد توزيعها (هارت، ????). كانت مدينة كوبنهاجن مركزًا للأخبار في إسكندنافيا، وكانت المواد الإخبارية ذات الطبيعة الحساسة التي لم يجُزْ نشرُها داخل البلاد تُنشَر أحيانًا خارجها؛ ومن ثَمَّ نُشِرت أخبارُ احتجاجات ستوكهولم في يناير عام ???? بالصحف الفرنسية لا السويدية، مع أن المراسِل الصحفي كان سويديًّا (هوير، ????).
كتب هوير أنه فيما يخصُّ سرد القصص حول الأحداث المجهولة أو التي لم يُعرَف سوى شطرٍ منها، سبق على ظهور الصحف ظهور النشرات والمطويات والقصائد الغنائية المطبوعة والأغاني، وكذلك المطبوعات السياسية والمنشورات التي تُوزَّع باليد وغيرها من المواد المطبوعة. وشاع تداخُل محتوى الصحف مع محتوى المنشورات الدورية وغيرها من أشكال الدعاية المطبوعة. وبَدَتْ صحف الأخبار في بادئ ظهورها كنُسَخٍ مطابِقةٍ تقريبًا للرسائل الإخبارية المكتوبة باليد؛ فحَوَتِ المعلوماتِ الموجزةَ نفسها والملاحظات والشعر المؤلَّف من بيتَيْن، وتوزَّعت محتوياتها على النحو العشوائي ذاته (هوير، ????).
(?) الأخبار المطبوعة

حلَّتْ كُتبُ الأخبار والنشراتُ محلَّ القصائد الغنائية في القرن السابع عشر (ديفيز، ????)، ويشير ديفيز (????) إلى أن الحقائق والأخبار يمكن أن تكونا فئتين متنافيتين. وقد استُخدِمت كلمة أخبار بِحُرية للإشارة إلى الكتابات التي تصف الأحداث الحقيقية أو الخيالية، والأحداث العادية أو الخارقة للعادة، والشئون التي تستجد مؤخرًا أو التي تعود إلى عدة عقود مضَتْ.
فكتب ديفيز (????) أن مؤلِّفي الروايات الإنجليزية في القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر بدءوا دومًا أعمالَهم بمقدمة يؤكِّدون بها أنهم «لا يقدِّمون سردًا خياليًّا بل سردًا واقعيًّا لسلسلة حقيقية من الأحداث.» وحتى في القصائد الغنائية، استُخدِمت كلمة novel (قصة)، وnewes (خبر) وnew (جديد) بالتبادل، وكانت القصائد الغنائية تزعم دومًا حداثتها وبيعت لهذا السبب (ديفيز، ????). كما استُخدِمت كلمة newes لوصف الكتب المكتوبة بأسلوب نثري، التي كانت تُورِد الأخبار الأجنبية والأحداث المهمة. وتكشف عناوين بعض الأعمال مثل «حقيبة زاخرة بالأخبار» (????)، و«أخبار من أنتويرب» (????)، و«أخبار من الجحيم» (????)؛ عن تفاوت في درجة واقعيتها، وتنوُّعها من كتاب هزلي إلى قصيدة غنائية إلى شروح دينية-ساخرة (ديفيز، ????). ويخلص ديفيز (????) إلى أن الروايات والتقارير الإخبارية بالقرنين السادس عشر والسابع عشر لم تُصنَّف على أنها خيالية صرف أو واقعية صرف؛ فبَدَا أن الأعمال الروائية صُنِّفت بطرق لم تقم على الفصل بين الواقع والخيال. بعبارة أخرى، أمكن أن يكون الخبر روايةً، والرواية خبرًا. يشير ديفيز (????) إلى أنه مع فجر الصحافة، اختصَرَتْ تقنياتُ نشر الأخبار الفوري المسافةَ الزمنية بين القارئ والحدث؛ مما أتاح أن تصير هذه الفجوة أصغر نسبيًّا؛ ويقول هاريس: «بحلول تسعينيات القرن السابع عشر — بالمدن الكبرى على الأقل — أضحَتِ الثقافةُ شديدةَ الهوس بالأهمية التي يشكلها الوعي باللحظة الحاضرة، لدرجة أنه صارت هناك حاجة إلى التسجيل الكتابي الفوري لهذه اللحظات؛ من ثَمَّ الْتَقى الانشغال بالأخبار، بالانشغال بما هو حديث» (هاريس، ????). وبدأت فواصل المسافة في التداعي؛ فبين ستينيات القرن الثامن عشر ونهاية ذلك القرن، اختُصِر زمن الرحلة بين لندن وجلاسكو من فترةٍ تتراوح ما بين عشرة أيام واثني عشر يومًا إلى اثنتين وستين ساعة. وكان نظامُ عربات الجياد التي تنقل البريدَ في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أكثر سرعةً، فاستغرق نقلُ البريد من باريس إلى ستراسبورج ستًّا وثلاثين ساعة عام ???? (هوبسباوم، ????). وقد جعل اختراعُ آلات الطباعة توزيعَ الصحف أكثر انتظامًا، غير أن وصولها اعتمد في كثير من الأحيان على وسائل النقل، سواء أكانت الوسيلة هي السير على الأقدام أم السفن أم ظهور الجياد. ولم تكن الأخبار آنذاك جديدة بالمفهوم الحديث للكلمة، لكنها أضحَتْ منتظمةً ومرتقَبةً؛ أيْ ظلَّتِ الأخبارُ في واقع الحال قديمة؛ تعود أحداثها لأيام أو أسابيع أو حتى شهور مضَتْ، ولا سيما إنْ كانت تَرِدُ من مكان بعيد، غير أنها كانت جديدةً بمعنى أنها لم تكن معروفةً من قبلُ، أيًّا كان قِدَمها، كما كانت في الوقت نفسه جديدة؛ لأنها صُنِّفت كأخبار وطُبِعت في شكلٍ خاص بالأخبار.
نشرت صحيفة ناطقة بالسويدية — هي صحيفة تينينجار أوتيفنه إت سالسكاب آي أوبو، الصادرة من مدينة أوبو بفنلندا في مارس عام ???? — خطابًا مُرسَلًا من لندن في فبراير من ذاك العام، وكانت خطابات المسافرين تلك من أوائل أشكال الأخبار الأجنبية، ثم تزايَدَ نشْرُ الصحف للأخبار الأجنبية «المستعارة» من صحف أخرى. وكانت الصحف السويدية تصل فنلندا بعد يوم أو اثنين — إن لم يكن بعد أسبوع أو اثنين — من صدورها، وتراوَحَ عُمْر الأخبار الأجنبية في صحيفة تينينجار أوتيفنه إت سالسكاب آي أوبو بين ستة أيام (القادمة من سانت بطرسبرج) وأربعة أشهر (القادمة من كيب تاون) (رانتانن، ????).
لم يختلف الوضع كثيرًا في الدول الأوروبية الأخرى؛ فأنباء محصلة معركة ترافلجار التي هزَمَ فيها الأسطولُ البريطاني الأسطولين الفرنسي والإسباني، ولقي الأدميرال نيلسون فيها مصرعه في ?? من أكتوبر عام ????؛ لم تبلغ لندن إلا في ? من نوفمبر. ولم تبلغ الصحفَ أنباءُ هزيمة نابليون في معركة أوسترليتز في ? من ديسمبر، إلا بعد مضي سبعة عشر يومًا، ولم تنشر صحيفة التايمز نبأَ وفاته على جزيرة سانت هيلينا في ? من مايو عام ????، إلا بعد مرور شهرين في ? من يوليو من ذلك العام (هونه، ????).
شكل ?-?: نموذج تخطيطي لإحدى دورات التواصل (دارنتون، ????).
في بعض الأحيان، لم يكن نقل الرسائل بحرًا أسرع فحسب، بل اتَّسَم فوق ذلك بأنه أسهل وأرخص تكلفةً من النقل البري؛ فيشير هوبسباوم (????) إلى أن جوته، في جولته بإيطاليا في ????–????، استغرَقَ أربعة أيام للإبحار من نابولي إلى صقلية، واستغرَقَ ثلاثة أيام ليقطع المسافةَ نفسها عودةً. كانت إمكانية الوصول إلى ميناء تعني إمكانية الوصول إلى العالم؛ إذ كانت لندن في الواقع أقرب إلى بلايموث منها إلى قرى بريكلاند في مقاطعة نورفولك (هوبسباوم، ????). غير أن النقل بحرًا لم يكن على الدوام يسيرًا. وفي بعض الأحيان كانت البقاع القريبة مكانيًّا تُعتبَر بعيدةً من حيث الزمن المستغرَق لتلقِّي الأخبار، ويتجلَّى هذا في أول خبر أجنبي نشرته عام ???? صحيفةُ سوميتار الناطقة باللغة الفنلندية في هلسنكي، ثم تمَّ نشره بعدها في دوقية فنلندا الكبرى في روسيا الإمبراطورية التي كانت مجاوِرةً أيضًا للسويد، ولا يفصلها عنها إلا بحر البلطيق (رانتانن، ????). جاء في الخبر: في تركيا، انهمَكَ تمامًا السلطان، المعروف أيضًا بالإمبراطور، في إصلاح أخطاء حكومته ومؤازَرة حركة التنوير. وفي فارس وغيرها جهة الشرق، أزهقَتِ الكوليرا الأرواحَ بلا رحمة. أما في شمال الهند، فقد أخذ الإنجليز في إشاعة الفوضى بين قبائل آسيا المختلفة. فيما لم تَرِدْ أنباءٌ من السويد لتجمُّد ماء البحر؛ ممَّا منع وصول البريد.
كتب هوبسباوم (????) أن العيب الأساسي الذي شابَ النقلَ المائي هو طبيعته المتقطعة؛ فحتى في عام ???? لم تُرسَل شحنات بريد لندن إلى هامبورج وهولندا إلا مرتين أسبوعيًّا، ولم تُرسَل للسويد والبرتغال إلا مرة أسبوعيًّا، ولم تُرسَل إلى أمريكا الشمالية إلا مرة واحدة شهريًّا (هوبسباوم، ????)، وكانت أغلب المعلومات مكتوبةً بخط اليد وتُرسَل بالبريد. كان هناك أيضًا مزيج من صور التواصُل المختلفة؛ فامتزَجَ التواصل الشفهي بكل صور التواصل الجديدة، سواء المكتوبة والمطبوعة. ويوضح دارنتون امتزاجَ صور التواصل المختلفة في باريس فيما قبل الثورة الفرنسية.
يوضِّح نموذج دارنتون (الشكل ?-?) كيف نشأت صور التواصل المختلفة في الوقت نفسه وأتم بعضها بعضًا. كان هناك العديدُ من دوائر التواصل التي تشابَكَتْ في أجزاء منها، ولكنها افترقت في أجزاء أخرى، وبدأت بانفصال بعضها عن بعض في تشكيل فئات جديدة ومميزة من القصص. (?) الأخبار الإلكترونية

بدأت قيود الزمان والمكان تتغيَّر تغيُّرًا جذريًّا مع ظهور التلغراف والكَبْلات البحرية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبدأت الأخبار الإلكترونية تسافر بنفسها بسرعة الكهرباء، ولم تَعُدْ تسافر مع الرُّسُل على الطرق المتعرجة وعبر البحار العاتية، وإنما على خطوط مباشِرة تنتقل عبرها في الحال تقريبًا. ولا شك أنه كان من الممكن أن تنقطع خطوط التلغراف والكَبْلات البحرية؛ مما كان من شأنه أن يعيق بثَّ الرسائل التي لم تكن تبلغ كلَّ ربوع الأرض، غير أنها كانت نَقْلة جذرية بكل المقاييس. ويشير سميث إلى أن التلغراف أتاح إمكانية أن تغطِّي الصحف أحداثَ اليوم؛ فكتب يقول: لا تتفق تلك الحدود والتصنيفات المفاهيمية والمعرفية المقبولة في مكان آخَر، لكن بدءًا من الآن فصاعدًا ستعمل الصحافة اليومية بصيغة زمنية جديدة، في إطار الحاضر «الآني» (سميث، ????).
أتاحَتِ التلغرافات أيضًا إرسالَ الرسالة نفسها لعدة أماكن في الوقت نفسه، ونسخها لعددٍ لا حصرَ له من المرات؛ وهكذا بدأت صناعة الأخبار العالمية على نطاق واسع مع ظهور التلغراف وتأسيس أولى وكالات الأنباء (التلغراف). لكن المفارقة هي أن هذا جعل نقْلَ الأخبار الإلكترونية أكثر تعقيدًا؛ إذ برز فصلٌ أوضح بين جامِعي الأخبار ومنتجيها ومستهلكيها؛ فكان جامع الأخبار أشبهَ بعامل منجم يجمع المواد الخام (المعلومات) التي تُصنَع منها الأخبار ثم تباع للعملاء، وكانت هذه في الواقع بدايةَ تصنيع الأخبار. تمَّ مدُّ خطوط التلغراف في أغلب الدول على طول خطوط السكك الحديدية؛ ومن ثَمَّ ارتبطت زيادة سرعة النقل ارتباطًا وثيقًا بزيادة سرعة البث، مع أن كلًّا منهما باتت منفصلة عن الأخرى؛ فأدَّى ظهور السكك الحديدية، وبالتالي التلغراف، إلى زيادة التوحيد القياسي للوقت؛ مما زاد من قيمة الأخبار التي لم تَعُدْ حداثتها تُقَاس بعمرها بالأيام — كما في عصر ما قبل ظهور التلغراف — بل صارت تُقَاس بالساعات والدقائق.
قبل ظهور السكك الحديدية، أدارَتْ كلُّ منطقة (أو إقليم) كافةَ أنشطتها وفق ميقاتها الخاص، بحسب القراءات الشمسية، وأتاح ذيوع الوقت الموحَّد ظهورَ جداول زمنية للسكك الحديدية؛ أما قبل ذلك، فكان يوجد ستون توقيتًا مختلفًا للسكك الحديدية بالولايات المتحدة وحدها (كيرن، ????)، ثم تمَّ تبنِّي توقيت جرينتش عالميًّا عام ????، وأسهم هذا التوقيت العالمي بالدرجة الأولى في إدراك قيمة الزمان في الأخبار من ناحيتين: (?) وضع جدول زمني محدَّد للأخبار. (?) إكساب الأخبار قيمةً مضافة في المواقيت الزمنية المختلفة.
أمكن بحلول هذا الوقت تحديدُ مكان الأخبار وزمانها لا باليوم فحسب بل بالساعة أيضًا، وأمكن للتلغراف بحلول عام ???? إرسال عشر كلمات بالدقيقة، وأمكنه إرسال ??? كلمة بحلول عام ????، و??? كلمة بحلول عام ????. وبحلول عام ????، أمكن لطلبات شراء وبيع الأسهم في لندن أن تبلغ بورصة نيويورك في غضون ثلاث دقائق (ماكنيل وماكنيل، ????). واحتدمت المنافسة على الوصول لأحدث الأخبار؛ إذ أصبحت مسألة مَن يصل إلى الأخبار أولًا ويتمكَّن من توصليها بشكل أسرع إلى العميل مسألة ساعات، ثم دقائق، فثوانٍ. كما قورنت وكالات الأنباء بعضها ببعضٍ من حيث قدرتها على نقل آخِر الأخبار وتقديم سيل دائم من الأخبار بلا انقطاع؛ فكان يجب أن تتدفَّقَ الأخبارُ بصفة دائمة وبلا انقطاع، سواء أكان صباحًا أم مساءً، وسواء أكان في أيام العمل أم في العطلات، وصار «انقطاعُ الأخبار» أمرًا محالًا.
معنى التقسيم إلى مناطق زمنية أن الخبر نفسه يمكن أن يُطلَق عليه مجدَّدًا أنه أحدث الأنباء في مناطق زمنية مختلفة. وعندما تغلَّبت الأخبار الإلكترونية على المسافات، وأمكن نقلها آنيًّا لكلِّ أرجاء العالم، اكتسبَتِ الأخبارُ قيمةً مضافة؛ إذ أمكن تكرار بيعها عدة مرات بمناطق زمنية مختلفة، فيُبَاع على سبيل المثال الخبر الذي بات قديمًا بالفعل في لندن على أنه لا يزال جديدًا في نيويورك، ولا شك أن هذا كان ينطبق على الأخبار الجديدة كافةً. وأمكن استخدام المناطق الزمنية بشكل أكبر لجعل الخبر جديدًا عن طريق خلق مفهوم زمان يقاس بمعيار عالمي يربط بين الأفراد في شتى المواقع حول العالم.
في الأيام الأولى من ظهور التلغراف، اقترَنَ النقلُ بحرًا بنقل الرسائل بالتلغراف؛ على سبيل المثال، اغتيل الرئيس لينكولن في ?? من أبريل عام ????، واستغرَقَ نقلُ نبأ اغتياله على الباخرة نوفا سكوشا إلى محطة التلغرافات في جرينكاسل بالقرب من لندنديري في شمال أيرلندا؛ اثني عشر يومًا، وفي حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا في ?? من أبريل، وردَتْ رسالةٌ من رويترز — مؤرَّخة ? ?? من أبريل في التاسعة صباحًا، نيويورك — وبلغت مكاتب صحف لندن التي نشرته في ?? من أبريل: «أصيب الرئيس لينكولن بطلقات نارية ليلة أمس، وتُوفي هذا الصباح، ووقعت محاولة اغتيالٍ أيضًا للسيد سيوارد، ولا يُتوقَّع أن ينجو منها» (ريد، ????). تشكَّلَ ببراعة مفهوم حداثة الخبر في هذه القصة المؤرخة؛ فلا أهمية لوفاة الرئيس قبل ثلاثة عشر يومًا بما أن الخبر تحدَّثَ عن «ليلة أمس» و«هذا الصباح»، وكان الخبر إلى تلك اللحظة جديدًا في لندن، مع أن الحدث الفعلي وقع قبل وقت طويل، لكن بإعلام القارئ بزمانِ ومكانِ الخبر أصبحَتِ القصةُ الجديدة من آخِر الأنباء.
أدَّى تزايد نقل الأخبار بالتلغراف على نطاق واسع، الذي حلَّ محل نقلها بالسفن البخارية؛ إلى تغيُّرٍ تلقائي في سرعة توصيلها. على سبيل المثال، في ? من أغسطس عام ????، نقلَتْ رسائلُ التلغراف إلى لندن أولَ نبأ جادٍّ تنقله في نفس يوم وقوعه، وهو استقالة وزير داخلية الولايات المتحدة الأمريكية، وأضحت الاثنا عشر يومًا التي استغرقها وصول نبأ اغتيال لينكولن إلى لندن عام ???? غير مقبولة، وظهر أول نبأ عن إطلاق الرصاص على الرئيس جارفيلد عام ???? في صحف لندن في غضون ?? ساعة من وقوعه؛ ومن ثَمَّ كانت الفجيعة على وفاة جارفيلد في بريطانيا أوسع نطاقًا منها حال وفاة لينكولن (ريد، ????).
تؤثِّر المسافات والتغلُّب عليها بمرور الوقت على الأخبار من عدة نواحٍ؛ أولًا: يُعَدُّ الحدث الذي تدور حوله الأخبار جديدًا؛ لأنه وقع مؤخرًا وأُبلِغ عنه بعد وقوعه بوقت قصير. ثانيًا: قد يغدو الخبر نفسه جديدًا حتى إن كان الحدث قديمًا؛ لأن الجمهور لم يكن يعلم به من قبلُ؛ وبناء عليه قد يغدو حدثٌ جديدٌ قديمًا إنْ كان قد أُبلِغ عنه بالفعل، وقد تغدو الأخبار القديمة جديدةً إن لم تكن قد بلغت الجمهور بعدُ. أما الملمح الثالث من زمانية الأخبار فيكمن في استحالة «انقطاع الأخبار» أو «انعدام الجديد»،2 مما يشير إلى تأثير الأخبار الواسع النطاق في المجتمع مؤكدًا على أهمية الأخبار في تشكيل الزمان الاجتماعي. لم يحظَ الشكلُ الجديد للأخبار المنتجة صناعيًّا في حينها بقبول عالمي؛ فكتَبَ نيرون وبارنهيرست (????) أن هوراس جريلي — محرِّر إحدى الصحف البارزة؛ صحيفة نيويورك تريبيون — كان مَن تنبَّأ في ???? بأن التلغراف سيتفوَّق على عملية جمع الأخبار؛ إذ سيقوم بتعهيدها خارج الصحف ليسمح للصحف بتكريس طاقاتها بدلًا من ذلك للعمل المتأنِّي الخاص بتحليل الأخبار، غير أن جريلي رأى أنه في غضون وقت قصير أجمعَتِ الآراءُ على العكس؛ إذ تحوَّلت الصحف، بفعل رسائل التلغراف وحركات التقدُّم التي شهدها عمل المراسلة الصحفية المحلي، إلى مزيجٍ عابر من الأحداث الغريبة. وفي عام ????، ذهب تشارلز دادلي وارنر، أحد معاصري جريلي، إلى أن عامِلِي التلغراف والمراسلين الصحفيين مالوا إلى الكمِّ — لأنهم كانوا يتقاضَون أجورَهم بالقطعة، وهدفوا إلى إنتاج أكبر قدر ممكن من الأخبار — وإلى ما من شأنه أن يثير المشاعر؛ فكتب دادلي: «تمتلئ صحفنا كلَّ يوم بأخبار حوادث ووفيات وجرائم تختص بأشخاص لم نسمع بهم من قبلُ ولن نسمع بهم مجدَّدًا، وقراءة هذه الصحف لا تحمل أدنى قيمة مادية لأحد.» وخلص نيرون وبارنهيرست من ذلك إلى أن الصحف «المصنوعة» — بسبب تركيزها كعادتها على إنتاج الأخبار بالصورة الأكثر روتينيةً — لم تضطلع بتفسير الأخبار، ولم يشجِّع المحرِّرون المراسلين من بعدهم على ذلك (نيرون وبارنهيرست، ????).
(?) عندما أصبحت الأخبار جديدة

العناصر التي تشكِّل الأخبارَ هي الأحداث والمصادر والمعلومات، وعندما يُصنع الخبر كسلعة يكتسب طبيعةً زمانية ومكانية في القالب السردي لقصة تُعرَف اجتماعيًّا كخبر، ويختلف الشكل السردي للأخبار في نقطة زمنية ما اختلافًا كبيرًا عنه في نقطة أخرى عبر التاريخ وعبر الأماكن.
لا تغدو المعلومة قصةً إخبارية إلا عندما تُوضَع في قالب سردي ويتم تبادلها. يمكن اختزان المعلومة والاحتفاظ بها لأغراض أخرى، لكنها لا تصبح خبرًا إلا إذا تبيَّنَت حداثتها. وقد كانت المعلومات في التواصل الشفهي تختزنها الأذهان والذاكرة، وتبقى محض معلومة إلى أن يجري تبادلها، وعندما يتم تبادلها مع شخص لم يعرف بها من قبلُ ويقر بحداثتها، تغدو قصةً جديدة. ويمكن لأي شخص أن يختزن المعلومات عن العديد من الأشياء، من الأشياء المادية إلى المعنوية، لكن التبادل المنظَّم للقصص الجديدة كتجربة يومية حوَّلَ المعلومات إلى قصص جديدة. ويمكن لأيٍّ كان أيضًا أن يصبح مصدرًا للمعلومة، فعبر التواصل الشفهي يتحدَّث الأفراد بعضهم إلى بعض ويتبادلون القصص الجديدة بحرية. ينصَبُّ الاهتمام في كثير من الأحيان في تبادل القصص الجديدة على الحدث، لكنه ينصَبُّ أيضًا على التعليقات على الحدث أو على التعليقات على التعليقات على الحدث.
عندما كانت القصص الجديدة «قديمة» كما كانت في القصائد الغنائية أو الأغاني، ظلَّتْ مع ذلك «جديدة»؛ لأنها تشكَّلت من معلومات جديدة، من أمر لم يُعرَف من قبلُ، وكان على مصدر الخبر أن يتمتع بدراية كيفية توصيل القصص الجديدة على نحوٍ يجعلها تبدو جديدة. ومع فجر الصحافة المطبوعة، لم يكن هناك في البداية أيُّ تمييز بين القصة الإخبارية و«الرواية»، غير أن هذا التمييز بدأ في الظهور تدريجيًّا عندما فُصِل بين الكتب والوثائق، وفي الوقت نفسه أصبحَتِ الأخبارُ أكثر «واقعيةً»، فيما أصبحت الروايات أكثر «خياليةً». ولم تكن بالضرورة الأخبار التي تنشرها الصحف أخبارًا «جديدة»، غير أن توقيت ظهورها وانتظام صدورها، وزيادة توافرها جعلها أخبارًا «أحدث». ومع هذا يمكن أن يظلَّ الحدث في بعض الأحيان «قديمًا»؛ إذ كانت هناك مسافة مكانية أو زمنية بين الحدث وبين المعلومة، إلا أن نشرها وعرضها في قالب قصصي جعلَا منها معلومة «جديدة»؛ أي خبرًا.
غيَّر ظهور التلغراف بصورة كبيرة مفهومَ الزمن لا على نطاق محلي، بل على نطاق عالمي، ويقر أغلب الباحثين بالدور الذي لعبته تكنولوجيا «الاتصالات» في ذلك، مثل التلغراف، إلا أنهم يولون اهتمامًا أقل للدور الذي لعبه «الوسيط»؛ فقد أصبحت الأخبار في الوقت نفسه سلعة زائلة قصيرة الأجل ولم تَعُدِ الأذهانُ تختزنها كما كانت تختزن القصص الجديدة، بل صار نسيانها سهلًا؛ ومن ثَمَّ يتعيَّن تكرار الأخبار أكثر لأنها فقدت قيمتها مع الوقت. ومع تزايد ورود الأخبار دعَتِ الحاجةُ إلى طباعتها واختزانها؛ إذ بات من المستحيل أن تختزنها الذاكرة. كما جعلت الصحف من القصص الجديدة أخبارًا بالتأسيس للون جديد من الكتابة صُنِّف كأخبار لطبيعته الزمانية.
الوليد الجديد — أي الأخبار الإلكترونية؛ محصلة الجمع بين «خفة» انتقال الخبر بالتلغراف و«كثافة» مادة الخبر من حيث المعلومات — أدَّى إلى إكساب الأخبار طبيعةً عاجلة وزمانية. فبما أنه تعيَّنَ أن يكون الخبر جديدًا — ومن ثَمَّ عاجلًا — اكتسبَتِ الأخبار طبيعة زمانية، الأمر الذي كان سلاحًا ذا حدَّيْن؛ إذ أصبحت سلعة رائجة شهيرة، غير أنها أضحَتْ أيضًا سهلة الزوال؛ فتمتَّعَتِ الأخبارُ الإلكترونية بأجل قصير جدًّا، مثلها كمثل ذبابة مايو، التي تحيا لعدة شهور تحت الماء كيرقة، ثم تبرز منه كحشرة بالغة مجنحة لتعيش حياة قصيرة. كان إنتاج الأخبار الواسع النطاق يعني أن عملية إنتاجها باتَتْ أطول مما كانت، مع أن عملية انتقالها غدَتْ أقصر، وأن المنتج النهائي أقصر عمرًا.
بات المصدر والزمان والمكان محددات لما يجعل الخبر جديدًا؛ فهي تشكِّل معًا الحدثَ الذي تدور حوله الأخبار. وقد بدأت الأخبار بالمثل في تحديد الزمان؛ ففي أوقات محدَّدة كان يتوقَّع الجمهور تلقِّي الأخبار، سواء بقراءة الصحف صباحًا أم بالاستماع لاحقًا إلى الأخبار بالمذياع أم بمشاهدة التلفاز، وتعيَّنَ على الأفراد انتظار الأخبار التي ينتقيها لهم وسيط. كانت الأخبار تذكِّر جمهورها بأن وقت الأخبار قد حان.
تغيَّرَتِ الخصائص الزمانية للخبر تغيُّرًا جذريًّا منذ «ابتكار» الأخبار، فنرى تغيُّرها تدريجيًّا، من الأخبار الشفهية إلى الأخبار الإلكترونية. وقد غيَّرت كل أشكال التقنيات الجديدة شكلَ الأخبار، لكنها في الوقت نفسه وظَّفت بعضًا من ملامحها القديمة. ولم يكن هذا التغيُّر قطُّ نبذًا تامًّا لشكل الخبر القديم؛ فقد استمر شكل الخبر القديم مع الخبر في صورته الأحدث، وأسهَمَا معًا في إكساب الأخبار بُعْدًا زمانيًّا متزايدًا يتضح تأثيره على الأخبار في المجتمعات المعاصرة. غير أن مفهومنا عن الأخبار — كما سنذكر بإسهاب في الفصل السابع — يقوم بالأساس على مفهومنا الراجع إلى القرن التاسع عشر عن الأخبار الإلكترونية.
هوامش

(1) http://dictionary.oed.com/, last visited October 27, 2008.(2) http://dictionary.oed.com/, last visited October 27, 2008. الفصل الثاني
الكوزموبوليتانية


ظاهرة أقدم مما نظن
إذن، ما يمثِّل العالمَ الحديث في قائمة الأمثلة على ما ورائيات الجغرافيا — خريطة الدول القومية — ليس ما وراء جغرافيا تاريخ نظام العالم الحديث بأسره؛ إذ يحوي العالم الحديث ما هو أكثر مما وراء الجغرافيا (تايلور، ????).
مع أن الكثير من الأكاديميين قد أقرُّوا بوجود علاقة قوية تربط بين المدن والوسائط (منهم على سبيل المثال، بارك، ????، بارك وآخرون، ????)، فدراسات وسائل الإعلام والاتصالات تعتبِر في كثير من الأحيان الدولةَ القومية نقطةَ البدء الطبيعية الوحيدة لأي تحليل، ويرجع هذا في جزء منه إلى التقسيم التاريخي الذي يتبنَّاه صاحبُ الدراسة؛ فالكثير من الكتَّاب (من بينهم على سبيل المثال تشالابي، ????؛ وشودسون، ????) يرون أن الصحافة الحديثة ابتُكِرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية، ويصادف هذا الأمر أن هذه الفترة شهدت صعودًا للحركة القومية، ولا عجب أن الأخبار ودراستها يكتسبان بسهولة طابعًا قوميًّا. وكنتيجةٍ صِرْنا نُسلِّم بأن الأخبار والمؤسسات الإخبارية التي تنتجها (كوكالات الأنباء على سبيل المثال) تنتسب إلى جنسيةٍ ما (كما يرى سريبيرني-محمدي وآخرون، ????).
أُجرِيت أغلب الدراسات حول الأخبار لعقود في إطار يصنِّفها إما كأخبار «عالمية» أو «محلية»، وكلا النوعين تُرِكَا بلا تحليل، وهذا — بتعبير بيك — منهج يقوم على الفصل بين النوعين لا الجمع بينهما (رانتانن، ????)، ويتجاهل مستوياتهما المكانية الأخرى، ويغالي في تبسيط اعتماد أحدهما المتبادل على الآخَر وتفاصيلهما المعقدة. وأدفع في هذا الفصل بأن التمييز بين الأخبار كأخبار عالمية ومحلية قد حال بين اكتشاف كيف كانت الأخبار في بدايتها نتاج المدن المتعددة الثقافات لا الدول القومية.
سلَّط بالفعل الباحثون في الكثير من المجالات الأكاديمية كالجغرافيا وعلم الاجتماع اهتمامَهم على دور المدن في شبكات العلاقات العالمية (ومن بينهم على سبيل المثال: بروديل، ?????/?????؛ وكاستيلز، ????؛ وساسن، ?????/?????؛ وتايلور، ????). غير أن هذا لم يكن الحال فيما يتصل بالدراسات الإعلامية، مع أن المدن تُعَدُّ موضوعَ دراسة شائقًا للباحثين في حقل وسائل الإعلام والاتصالات؛ فلا تكشف الأبحاث في هذا الحقل أهميةَ وسائل الإعلام والاتصالات في بناء المدن وبقائها فحسب، بل تبرز أيضًا الدورَ الحاسم الذي لعبته في شبكات العلاقات بين المدن، وهي شبكات تسهم في العولمة، التي تُعرف في كثيرٍ من الأحيان بأنها زيادة جسور التواصل.
تشكِّل النظريات عن العولمة تحديًا لأساليب وأنماط المناهج البحثية الراسخة، وبالأخص تلك الأساليب والأنماط التي تتبنَّى الدولة القومية كنقطة البدء في دراستها (جيدينز، ????؛ وروبرتسون، ????؛ وأبادوراي، ????). وتطرح نظرية كاستيلز (????) عن شبكات العلاقات منظورًا مختلفًا حول العلاقات الاجتماعية المعاصرة البارزة (غير أنه منظور يتفق والعولمة)؛ فيفترض أن البِنى الاجتماعية والسياسية الهرمية أفسحَتْ مجالًا لتشكيل شبكات العلاقات، وهذه الشبكات — وهنا تكمن نقطة الالتقاء الأبرز في نظريته مع نظريات العولمة — تختلف في شكلها عن شكل الدول القومية. وتدل هذه المفاهيم الجديدة على تغييرٍ طرأ على الأنماط التجريبية العلمية الاجتماعية، غير أن هذه النقلة لم تجد صدًى لها بعدُ في دراسة حركات تدفُّق الأخبار العالمية.
علاوة على ذلك، لا ينصَبُّ اهتمام الدارسين لوسائل الإعلام والاتصالات على تقنيات البثِّ فحسب، بل على محتويات الأخبار أيضًا؛ فالأخبار ذات أهمية شديدة لأنها منتج معلوماتي مبكر. غير أن الدراسات حول وسائل الإعلام والاتصالات أكسبَتِ الأخبارَ «طابعًا قوميًّا» تمامًا، وذلك بحصر دراستها تقريبًا في إطار قومي، وتجاهلَتِ المدنَ كنقطة البدء لدراستها. فالمدن التي كانت مراكزَ للسلطة والتجارة — كما كتب ستيفنز (عام ????) — كانت بدورها مراكز للأخبار؛ ونتيجةً لذلك، كانت الأخبار في بدايتها كوزموبوليتانية الطابع، وليست أخبارًا قومية.
تذكِّرنا ساسن بأن إضفاء الطابع القومي على الأقاليم وفق حدود مشتركة مانعة، والوصول إلى تمركُز سلطة ونظام الحكم اللذين تتمتَّع بهما الدولُ المستقلة الآن؛ استغرَقَ قرونًا من الصراعات والحروب وإبرام المعاهدات ونقضها، فكتبت: تعايش العديد من الأنظمة الحاكمة إبَّان فترة الانتقال من نظام حكم العصور الوسطى إلى الدولة الحديثة؛ فقامت الممالك المركزية في أوروبا الغربية، والمدن الدول في إيطاليا، والمدن الروابط في ألمانيا. وحتى مع ظهور الدول القومية التي تتمتَّع بحدود وسيادة خاصة، أمكن أن تغدو صور أخرى بدائلَ حقيقية، ومثال ذلك المدن الدول الإيطالية، والرابطة الهانزية في شمال أوروبا؛ وقد عُورِض تشكيلُ الولايات المركزية والمطالبة بها معارضةً كبيرة (ساسن، ????).
يشير فيلدز (????) إلى أن الثورة التي شهدها عالم الاتصالات تتصل بالتحول الإقليمي، غير أنها ليست فكرة جديدة من نوعها؛ فقد بُرهِن على أن الثورات التي يشهدها عالم الاتصالات قد أدَّتْ إلى تحوُّلات إقليمية ومكانية على نطاق الإمبراطوريات (إينيس، ?????/?????) أو الأمم (أينشتاين، ?????/?????)، لكن ليس على نطاق المدن. ويؤكد إينيس وأينشتاين على أن طرح تقنيات الاتصالات واستخدامها — أي التحوُّل من التواصل الشفهي إلى الكتابي، ومنه إلى الطباعة، ومنها إلى التواصل الإلكتروني — قد غيَّر الأساليبَ التي نتحكَّم بها في الزمان والمكان. قسَّمَ إينيس وسائلَ الإعلام في تقسيم مشهور له إلى وسائل إعلام ذات توجُّه مكاني، وأخرى ذات توجُّه زماني. وتشمل وسائل الإعلام ذات التوجُّه الزماني مصادرَ الأخبار المكتوبة باليد، والشفهية التي تتسم بطول الأجل لكن تتميز في الوقت نفسه بانتشار مكاني محدود. أما وسائل الإعلام ذات التوجُّه المكاني فتشمل أغلب وسائل الإعلام الحديثة كالراديو والتلفاز وكذلك الصحف. وقد سهَّلَ ظهورُ الطباعة على الورق قيامَ تطوُّرٍ حقيقي طرأ على اللهجات العامية، وعبَّرَ عن حيويتها في نموِّ الحركة القومية (إينيس، ?????/?????). وفيما كانت وسائل الإعلام ذات التوجُّه الزماني تنزع إلى المجتمعات، كانت وسائل الإعلام ذات التوجُّه المكاني تنزع إلى الإمبريالية، وقد كتب كاري (????) أن «إمبريالية الصور نشرت فكرةَ القومية في جميع الأزمنة والفضاءات الجغرافية، وجميع الفضاءات والأزمنة الثقافية.» ويري جيليسبي وروبنز وإينيس أن وسائل الإعلام والاتصالات ذات التوجُّه المكاني شجَّعت تمركُز السلطة والسيطرة على المكان، وكانت هذه الفكرة أهمَّ شواغل إينيس في «مشكلة الإمبريالية» (جيليسبي وروبنز، ????).
حان الوقت لصياغة حجة جديدة حول دور وسائل الإعلام والاتصالات الجديدة في التحولات الإقليمية، بطرح المدن كمستوًى جديد للتحليل، وتعريف الأخبار لا على أنها تقنية بل على أنها سلعة معلوماتية، وهذا يتطلَّب طرحَ مفهوم جديد يربط بين الأخبار والمدن والعولمة؛ أَلَا وهو الكوزموبوليتانية.
(?) المصطلحات

يستخدم بروديل في كتابه المبتكر «منظور إلى العالم» (?????/?????) تعبيرَ «المدينة العالمية» للتوكيد على أهمية دور المدن الأوروبية في إقامة اقتصاد عالمي، ويرى أن الاقتصاد العالمي امتلَكَ «دومًا مركزَ جذب حضريًّا أو مدينة، كمصدر إمداد لأنشطته.» يركِّز أيضًا بروديل اهتمامه على الأخبار مشيرًا إلى أن «الأخبار والسلع، ورأس المال والديون، والأفراد والمعلومات والمراسلات تتدفق جميعها إلى المدن ومنها.» (?????/?????). فلم يكن بأوروبا عام ???? إلا أربع مدن يتجاوز تعدادها ??? ألف نسمة، لكن بحلول عام ???? بلغ عددها ?? مدينة، إحداها مدينة لندن التي ضمَّتْ أكثر من مليون نسمة (بورك، ????).
جدول ?-?: مقارَنة بين عدد سكان لندن وإنجلترا (المصدر: هانتر، ????).
العامعدد السكان في لندنعدد السكان في إنجلتراالنسبة المئوية للسكان في لندن???????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????
من ثَمَّ، يتبنَّى بروديل «النظرة الطويلة المدى للتاريخ»، ويعرف البندقية وأنتويرب وأمستردام ولندن ونيويورك على أنها مدن تاريخية عالمية، مع الوقت سيطرَتْ إحداها على الأخرى، ثم حلَّتْ إحداها محلَّ الأخرى؛ فكتب يقول (?????/?????): البندقية حلَّتْ محلَّها أنتويرب، التي حلَّتْ محلَّها أمستردام، التي حلَّتْ محلَّها لندن، التي حلَّتْ محلَّها نيويورك. وعندما حلَّتْ أمستردام محلَّ أنتويرب، أو عندما انتقلت مقاليد القوة من أمستردام إلى لندن، أو عندما تولَّتْ نيويورك مقاليدَ القوة من لندن في حوالي عام ????، كان هذا يعني دومًا نقلةً تاريخية ضخمة للقوى، تكشف اختلال التوازن السابق وعدم ثبات القوى للمدينة التي تستبدلها.
على عكس بروديل، يدرس كاستيلز دورَ المدن المعاصرة، ويرى (كاستيلز، ????) أن الاعتماد على شبكات الاتصالات عن بُعْد التي تتطلَّب تركُّزَ مراكز السيطرة والتحكم في أماكن تتمتع بأكثر الأنظمة تقدُّمًا، يراه عنصرًا أساسيًّا في مدينة معلوماتية معاصرة. من جهة أخرى تعرِّف ساسن (????) المدن العالمية المعاصرة كمواقع جوهرية للخدمات المتطورة ومنشآت الاتصالات عن بُعْدٍ اللازمة لتنفيذ العمليات الاقتصادية العالمية وإدارتها. ويشير كلٌّ من ساسن وكاستيلز إلى هذه الأنواع الجديدة من المدن على أنها ظاهرة حديثة برزَتْ في النصف الثاني من القرن العشرين مع ظهور «الاقتصاد المعلوماتي الجديد». وتمثِّل هذه المدن نمطَ الإنتاج الجديد القائم على المعلومات، في مقابل نمط الإنتاج الصناعي السابق (كاستيلز، ????). وأرى أهمية مفهوم ساسن وكاستيلز، لكنني أستخدم بهذا الفصل مفهومَ المدينة الكوزموبوليتانية (المتعددة الجنسيات والثقافات) لإيضاح دور المدن في أوائل مرحلة عولمة وسائل الإعلام. ميَّزَ تشالابي (????) بين ثلاث مراحل للنقلة التي شهدتها وسائل الإعلام العالمية؛ أولى المراحل هي مرحلة تدويل وسائل الإعلام التي بدأت بالقرن التاسع عشر، عندما ظهرَتْ أولى الأسواق الدولية مع ظهور التلغراف والكَبْلات البحرية. أما المرحلة الثانية فشهدتها وسائل الإعلام بدءًا من ستينيات القرن العشرين مع ظهور الابتكارات في حقل الاتصالات عن بُعْدٍ والكمبيوتر وقيام بعض الشركات العالمية التي تمتَّعت بانتشار عالمي. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة عبور وسائل الإعلام للحدود القومية، عندما تجرَّدَتِ السوقُ وتجرَّد الجمهور من النزعات القومية مع ظهور واستخدام وسائل إعلام جديدة. ويرى تشالابي أن الكوزموبوليتانية كانت ملمحًا بارزًا من ملامح المرحلة الثالثة.
أبرهِن في هذا الفصل على أن كوزموبوليتانية الأخبار سبقت مرحلةَ تدويلها (راجِعْ رانتانن، ????ب) التي أصبحَتِ العولمةُ تحديًا لها الآن، كما أدفع بأن أولى وكالات الأنباء الإلكترونية الأوروبية — بعكس ما أسفرَتْ عنه البحوث المبكرة حول العلاقة بين الأخبار «المحلية» و«العالمية» — لم تكن في الأصل «محلية» أو «دولية»، بل بالأحرى «كوزموبوليتانية»؛ إذ كانت تتبادل الأخبار بين المدن، وهو تقليد كان موجودًا بالفعل في أوروبا قبلها بقرون.
(?) المدن الكوزموبوليتانية

أستخدِمُ مفهومَ المدينة «الكوزموبوليتانية»، عوضًا عن مفهوم المدينة الكوكبية أو المعلوماتية، لإيضاح دور المدن في أولى مراحل تحوُّل وسائل الإعلام إلى وسائل إعلام كوزموبوليتانية (رانتانن، ????ب)، وهي مرحلة سبقت مرحلة تدويلها وعولمتها. وقد أشار العديد من الكتَّاب إلى الطبيعة الكوزموبوليتانية للكثير من المدن الرائدة في الماضي؛ فكتب بروديل (?????/?????) أنه «في ظلِّ سوق الأوراق المالية في أمستردام — التي كانَتْ نموذجًا مصغَّرًا لعالم التجارة — أمكن للمرء سماع لهجات العالم كافةً. وفي البندقية، إنْ راوَدَكَ الفضولُ لرؤية أناسٍ من شتَّى بقاع الأرض، كل منهم له أسلوبه في ارتداء الأزياء، فعليك أن تقصد ميدان سانت مارك أو ريالتو لتجد كلَّ أنماط البشر على اختلافاتهم» (بروديل، ?????/?????). ويشير بروديل إلى أجواء التسامح — ولا سيما التسامح الديني — التي سادَتْ هذه المدن؛ على سبيل المثال، كانت شعائر الأديان كافة تُزاوَل في لندن (بروديل، ?????/?????). ويرى نيكولاس (????) أن حجم التعداد السكاني لمدينة أنتويرب وتنوُّعه — ويدخل فيه تعداد المنشَقِّين عن الديانة السائدة بالمنفى — كان عاملًا مهمًّا ساهَمَ في ازدهار الطباعة هناك، فكثير من الأعمال الدينية الإنجليزية في فترة عشرينيات وثلاثينيات القرن السادس عشر طُبِعت في أنتويرب وهُرِّبت إلى إنجلترا. كتب أينشتاين (?????/?????): كثير من الأعمال التاريخية التي تتناول تاريخ الطباعة يتبع نهجَ تنظيم التطورات التي طرأت على نهضة الدول القومية، وهو ما يتَّسِق مع حركات التطور التي شهدها القرن التاسع عشر، غير أنه لا يتَّسِق على الأرجح بالقياس إلى عصر الطباعة اليدوية الأبكر، الكوزموبوليتاني بدرجة أكبر؛ فكانت مراكز إنتاج الكتب الكبرى على مرِّ القرن الثامن عشر مختلفةً عن العواصم السياسية المهمة كباريس وبرلين وفيينا وروما ومدريد ولندن، بل كانت مراكز إنتاجها بالأحرى هي المراكز التجارية العظمى كالبندقية وأنتويرب وأمستردام؛ فلم تكن المدينة المركزية للطباعة باللغة الفرنسية بالقرن الثامن عشر باريس، بل أمستردام.
اتسم سكان المدن الكوزموبوليتانية بأنهم أفراد متعددو الثقافات (مثال على ذلك: هانرز، ????؛ وبيك، ????)؛ تمتَّعوا بمعرفة العديد من اللغات، واستطاعوا الوصول إلى أحدث تقنيات الاتصالات واستخدامها، وكانوا متحررين من التقيُّد بمكان واحد ومنتمين لأماكن عدة. وتُعَدُّ هذه السمات متعلِّقةً بالدرجة الأولى بحالتهم الاقتصادية-الاجتماعية، التي كانوا عليها في كثير من الأحوال. لكن كما يتَّضح في هذا الفصل، قد يتمتَّع بالسمات نفسها أشخاصٌ يعارِضون النظامَ العالمي القائم وينتقدونه، ولا ينتمون بالضرورة إلى شريحة النخبة المهيمنة، بل يقصون بالفعل عنها في الكثير من الأحيان لانتماءاتهم العِرْقية أو الأيديولوجية أو الدينية. ويجعل الكوزموبوليتانيون هذه الأماكن كوزموبوليتانية بتشكيل علاقات مع أماكن أخرى؛ فيجلبون العالم إلى المدن. مؤخرًا، أثارَ الكثيرُ من الباحثين قضيةَ الكوزموبوليتانية في تحليلهم للمجتمعات المعاصرة، غير أن مفهوم الكوزموبوليتانية مفيد أيضًا في تحليل التاريخ. كتب هانرز (????) عن المدن المعاصرة مميِّزًا بين أربع فئات ضرورية لقيام المدينة الكوزموبوليتانية؛ هي: (?) الشركات العابرة للقومية. (?) سكان العالم الثالث. (?) الفنانون والصنَّاع المَهَرَة. (?) السيَّاح.
إن لم تكن نيويورك أو لندن أو باريس مجرد تجليات للثقافة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، أو حتى نُسَخ متمدنة بشكل فريد من هذه الثقافات، وإنما كيان مختلف نوعيًّا، فهذا يرجع إلى حدٍّ كبير إلى هذه الفئات الأربع. والقاسم المشترك بين هذه المدن هو أنها بصورة أو بأخرى مدن عابرة للحدود القومية؛ فأفرادها يوجدون بها ماديًّا شطرًا كبيرًا أو صغيرًا من حياتهم، لكنْ تربطُهم كذلك صلاتٌ قوية بمكان آخَر بالعالم.
أرى أن كل الفئات الأربع التي ذكرها هانرز قد نجدها في مدن القرون السالفة، وأضيف — بغرض تحليل قيام المدن الكوزموبوليتانية — المهاجرين واللاجئين السياسيين، مع أنهم قد يندرجون تحت فئات أخرى، غير أن ما تطلَّبَتْه الأزمان الماضية كان درجة من الفوضوية؛ أيْ ما يسمِّيه أينشتاين (?????/?????) «غياب أي سلطة مركزية قوية»، كالدولة القومية. (?) الأخبار المكتوبة

لطالما كان تبادُل الأخبار حيويًّا للمدن ولا يزال كذلك؛ فيرى سميث (????) أنه نشأت بالمدن الأوروبية منذ العصور الوسطى شبكةٌ رسمية من المراسلين وعملاء الاستخبارات الذين كانوا يرسلون الأخبارَ العسكرية والدبلوماسية والكنسية عبر سلسلة من الطرق المحددة. كانت أولى الصحف الرسمية — وهي رسائل إخبارية تُكتَب باليد وتُوزَّع كل أسبوع — تصدر في البندقية عام ???? (ستيفنز، ????). وأسَّسَ الساسة ورجال البلاط والتجار الذين تلهَّفوا بالأخص على معرفة ما يجري خارج بلادهم؛ نظامَ مراسَلةٍ منتظمًا مع أصدقائهم وعملائهم في المدن المهمة، فظلُّوا على اطِّلاعٍ بالأحداث التي احتاجوا إلى معلومات عنها (شابار، ????). وكما يشير أينشتاين (?????/?????) توافرت بالفعل لنشر المطبوعات شبكاتٌ واسعة النطاق وأنظمةُ تمويلٍ معقَّدَة أسَّسها تجار أواخر العصور الوسطى، وكان الرُّسُل يحملون الأخبار على هذه الطرق، سواء أكانت شفهية أم مكتوبة بخط اليد.
استثمر آل فوجر — أسرة من التجار الأثرياء — الأموالَ في بناء نظام خاص بهم لجمع الأخبار «المكتوبة بخط اليد» (????–????) بالدرجة الأولى من أجل أفرادهم وشركائهم بالتجارة، وكانت أغلب التقارير — على حد ذكر ستيفنز (????) — تُعنى بسير المعارك والكوارث والمؤامرات والأعاجيب وميلاد أبناء الأُسَر المالكة وحالات الوفاة والزيجات والأخبار المالية، بما فيها أنباء الإفلاس في بورصة أنتويرب. ويشير بروديل (?????/?????) إلى أن عهد آل فوجر شهد في الواقع عصرَ أنتويرب كمركزٍ للاقتصاد العالمي بأسره؛ إذ كانت مدينةً كوزموبوليتانية لأنها لم تضمَّ من بين أبنائها تجارًا يتمتَّعون بمكانة دولية؛ نتيجةً لذلك هيمَنَ الوافدون الأجانب على المشهد، من التجار الهانزيين والإنجليز والفرنسيين، وفوق كل شيء تجار الجنوب من البرتغاليين والإسبان والإيطاليين. وقد ضمَّتْ أنتويرب منشأةَ طباعةٍ ضخمةً قبل نشأة دار طباعة كريستوفر بلانتين (????–????)، وهو أحد المهاجرين من فرنسا (نيكولاس، ????).
غير أن تدفُّق الأخبار في أوروبا عصر النهضة ظلَّ مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بوسائل النقل، مع تطوُّر خدمات البريد بَدءًا من أواخر القرن الخامس عشر؛ فشاع الفصل بين رسائل الأخبار العادية — التي كانت تُرسَل عادةً عبر البريد المنتظم، وعادة بصفة أسبوعية — وبين رسائل الأخبار الخاصة التي شابَهَتْ بدرجة ما ملحقاتِ الصحف، وحملها رسول خاص (ستيفنز، ????). ويرى سارديلا أن بلوغ هذه الرسائل ولَّدَ وعيًا عالميًّا جديدًا، فكتب يقول: من خلال الأنباء التي تشارَكوها، استُقطِبَ معًا تجارُ القمح بالبندقية، وتجار الفضة في أنتويرب، وتجار نورمبيرج، ورأسماليُّو أوجسبورج، وشركاؤهم في التجارة حول العالم؛ إلى مجتمع قائم على هذا الوعي الجديد؛ على المصالح المشتركة: مصائر بعض السفن التي تُبحِر من الهند إلى لشبونة؛ وعلى قِيَم مشتركة: إيمان بحقوق رأس المال.
(?) آلة الطباعة وأول الأخبار المطبوعة

بلغ الطلب على المزيد من المعلومات بحلول عام ???? درجةً باتَ معها العثور على وسائل مطبوعة لتوزيع المعلومات ضرورةً اقتصادية، وكانت التكنولوجيا المطلوبة لتحويل عملية تناقُل الأخبار إلى عملية صناعية هي آلة الطباعة، التي كانت إحدى التقنيات الصناعية المبكرة؛ فبخلاف الطباعة وصنع الأدوات المعدنية، لم تطرأ على تقنيات الصناعة إلا تغيُّرات جوهرية طفيفة قبل الثورة الصناعية. وباستثناء الطباعة، لم ينشأ سوى قدر بسيط من الصناعة بالمدن قبل عام ???? تقريبًا (نيكولاس، ????).
أتاح ابتكار طابعة جوتنبرج حوالي عام ???? ميكَنَةَ طباعة أولى الكتب، ثم الصحف، وصارت ??? بلدة في أوروبا بحلول عام ???? تمتلك طابعات على غرار طابعة جوتنبرج (ماكنيل وماكنيل، ????)، وكانت هذه البلدات مرتبطة بعضها ببعضٍ. كان فرانتس فون تاكسس أول مَن أسَّس شبكة محكمة التنظيم لنقل البريد في إيطاليا، ووضع حجرَ الأساس لقيام منظومة بريدية دولية. كان نظام «ثورن أوند ثاكسيز» البريدي يغطِّي أغلب أوروبا الغربية؛ وبالتالي كان على اتصالٍ بسعاة البريد في البلدات الأوروبية كافةً، فعلى سبيل المثال، أمكن إنجاز نقل المراسلات بين إنسبروك وبروكسل في غضون خمسة أيام.1 ووظَّفت أسرة آل فوجر التجارية مراسلين لها عبر أنحاء أوروبا، وبَدَا أن رسائل البريد آنذاك بلغت وجهتها في شتى الظروف تقريبًا؛ فعلى سبيل المثال، يصف مندوب آل فوجر في أنتويرب في نهاية رسالة من أنتويرب مؤرخة بتاريخ ?? مايو ????، أحداثَ إحدى الفترات المضطربة، لكنه يُنهِي رسالته بقوله: «مع ذلك تصل الرسائل من لندن يوميًّا عبر البريد، وتُرسَل من هنا إلى هناك دون أن يعترضها عائقٌ» (بيل، ????). اتسمت آلات الطباعة الجديدة بطابع كوزموبوليتاني ميَّزَها، وتنقَّلَ أصحابها ذاتهم بين ربوع أوروبا بحثًا عن مدن جديدة يحصلون فيها على حقوق نشر المطبوعات الدورية (سميث، ????)؛ على سبيل المثال، كان أول أصحاب للطابعات في باريس ألمانيين، وبالرغم من عدم اشتغالهم بالطباعة للجامعات، اضطلعوا بنشر الكتب الكلاسيكية وكتب علم النحو التي لاقَتْ رواجًا كبيرًا بين الطلاب والمعلمين (نيكولاس، ????). كتب أينشتاين (????): اختلفَتْ متاجر هؤلاء عن متاجر غيرهم من رجال الصناعة المعاصرين لهم؛ لأنها كانت بمنزلةِ ملتقًى للطلاب والفنانين والأدباء، وملاذ للمترجمين الأجانب والمهاجرين واللاجئين، لكونها مؤسساتٍ للتعليم العالي وبؤرةً لشتى أنماط التفاعل الثقافي والفكري.
انتشرَتِ الصحف الأسبوعية الجديدة بالمدن الألمانية وفي أمستردام وغيرها من البلدان المنخفضة التي ربطت بينها حلقات وصل محكمة منتشرة عبر أوروبا وربوع العالم المعروفة (سميث، ????). كانت هناك مطبوعة أسبوعية في بازل بحلول عام ????، وفي فرانكفورت وفيينا بحلول عام ????، ثم في هامبورج بحلول عام ????، فبرلين في عام ????، فأمستردام في عام ????، فأنتويرب بحلول عام ???? (ستيفنز، ????)، ليبلغ عدد الصحف التي كانت تصدر في ألمانيا عام ????؛ ?? صحيفة (بلاك، ????). ومن المعروف أنه قبل عام ???? صدرت ??? مطبوعة إخبارية باللغة الهولندية، وكان الكثير منها يصدر أيضًا بلغات أخرى متعددة — بما فيها اللغتان الإنجليزية والفرنسية — بهدف بيعها في أنحاء أوروبا كافةً. وشُحِنت أول الكتب الإخبارية أو الصحف الإخبارية التي تصدر باللغة الإنجليزية عبر بحر الشمال من أمستردام إلى لندن عام ???? (سميث، ????)؛ لِيُمكن بعدها لقاطني لندن في ???? الاختيار من بين اثني عشر كتابًا إخباريًّا أسبوعيًّا من ثماني صفحات أو أكثر، ثم صار يُباع هناك إبَّان أوائل خمسينيات القرن السابع عشر ثمانية إصدارات أسبوعية مطوَّلة (هاريس، ????). ونقلت أولى الصحف الأخبار العامة التي كانت مجموعة من الأخبار السياسية والاقتصادية (سميث، ????)، والأخبار الأجنبية وحدها تقريبًا (ستيفنز، ????). يرى سميث (????) أن طبيعة المعلومات كسلعة وكنتاج ثانوي لأنشطة شبكات التجارة هي عينها ما قاد لنشأة حركة في أمستردام لتبادُل المعلومات المركزية في القرن السابع عشر في أوروبا بأسرها، ويبيِّن سميث ستَّ قنوات مختلفة تدفَّقت عبرها معلوماتُ الأعمال، وهي: (?) مراسلات التجار الخاصة. (?) مراسلات المؤسسات. (?) حركة رجال الأعمال من أمستردام وإليها. (?) تقارير القنصليات. (?) التقارير الدبلوماسية. (?) القنوات الخاصة (سميث، ????).
بلغَتْ أولى الطابعات إنجلترا عام ???? (ستيفنز، ????)، وبحلول عام ???? كانت لندن تتفاخر بنقل إحدى عشرة رسالة بريدية يوميًّا (ريفكين، ????). وتعود أقدم الكتب الإخبارية أو الصحف الإخبارية المتداولة في لندن التي صمدت إلى اليوم هناك إلى عام ????، وهي صحيفة كورانتي (أخبار أسبوعية من إيطاليا والمجر وبولندا وبوهيميا وفرنسا والبلدان المنخفضة) (ستيفنز، ????). وقد تأسَّست أولى الصحف المنتظمة في لندن عام ????، لتصدر بعدها هناك عام ???? أربع صحف يومية، وخمس أو ست صحف تصدر ثلاث مرات أسبوعيًّا، ولتصدر في عام ???? خمس صحف يومية على الأقل، وثماني صحف تصدر ثلاث مرات أسبوعيًّا، وعشر صحف تصدر مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًّا. بلغ عدد النُّسَخ الموزَّعة من هذه الصحف ??????? نسخة في ????، و??????? نسخة عام ????، و??????? نسخة عام ????. وبحلول عام ???? بلغ عدد الصحف ?? صحيفة صباحية، وواحدة مسائية، وسبع صحف تصدر ثلاث مرات أسبوعيًّا، وصحيفتين تصدران مرتين في الأسبوع. أما عام ????، فبلغ إجمالي عدد الصحف التي نُشِرت في لندن بجميع فئاتها ?? صحيفة (سميث، ????؛ وبلاك، ????)، وكانت بمتناول الجميع؛ فضمَّتْ لندن آنذاك ??? مقهًى عملت في توزيع الصحف، ووجد أغلبها ضرورة لتقديم مجموعة مختارة من الصحف لزبائنهم (هاريس، ????). من هنا تناولت بسخرية صحيفة لندنية من القطع الكبير، «أخبار من المقهى»، هذه الظاهرة في عام ???? (هاريس، ????):
لمَن يهوى الطريف والسارويتوق لسماع الأخبارمن كل قطر من الأقطار …فَلْيقصد المقهىإنها أمور لا يصدقها عقل. كتب باركر (????) أن المقاهي والحانات سهَّلَتْ مطالعة الصحف لقاء ثمن المشروبات التي تقدِّمها لغير القادرين على تحمُّل تكلفة شرائها، وعُدَّتْ مهارة القراءة والكتابة آنذاك مهارةً فردية وجماعية؛ فكان المتوقَّع ممَّن يستطيعون القراءة أن يقرءوها لمَن لا يستطيعون (فينسنت، ????). وقُدِّر عدد القارئين لكل نسخة جريدة بعشرين شخصًا على الأقل (باركر، ????).
(?) الأخبار بالتلغراف

اكتسبت بعض مدن وسط وغرب أوروبا كلندن وبرلين وباريس وفيينا وظيفةً مهمةً جديدة بدءًا من أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر فصاعدًا؛ إذ أضحَتْ مركزًا لشبكة سكك حديدية آخِذة سريعًا في الاتساع (هاختمان، ????). ولما كانَتْ خطوط التلغراف قد شُيِّدت على طول خطوط السكك الحديدية، لم يكن من قبيل المصادفة أن البلاد التي امتلكت أحدثَ شبكة تلغراف كانت هي نفسها البلاد التي تجري بها خطوط السكك الحديدية (هايمبرجر، ????؛ وبريجز وبيرك، ????)؛ على سبيل المثال، بحلول عام ???? امتدَّتْ خطوط التلغراف مسافة ???? ميلًا في بريطانيا، وامتدت بحلول عام ???? شبكة خطوط تلغراف لمسافة ???? ميلًا في بروسيا متشعِّبة من برلين (ستانديدج، ????)، ومكَّنَتْ أولى خطوط التلغراف التي ربطت مباشَرةً بين الأماكن، خطوطَ السكك الحديدية من العمل وفقًا للجداول المحددة لها، كما ربطت بين أسواق الأوراق المالية؛ فجرى الربط بين سوقي لندن وباريس الماليتين عام ???? (تشيري، ????). وشدَّدَ اكتمال إنشاء أوائل خطوط التلغراف الممتدة عبر حدود الدول على أهمية باريس وبرلين ولندن كمراكز اتصال في أوروبا.
جدول ?-?: بعض أوائل خطوط التلغراف التجارية والعامة والكَبْلات البحرية في أوروبا في الفترة من عام ???? إلى ????.
????بادينجتون (لندن) – غرب درايتون (خط تجاري، يمتدُّ لثلاثة عشر ميلًا)????لندن – سلاو????لندن – جوزبورت (خط عام)????باريس – روان????برلين – بوتسدام????برلين – برِسلاو – فيينا????برلين – فرانكفورت – كولن????آخن – برلين????باريس – بروكسل – برلين
كانت أسواق الأوراق المالية بالمدن الكبرى هي غالبًا المستخدِم الأول للتلغراف، أما ثاني الفئات الأكثر استخدامًا له فهي الصحف؛ إذ شهدت أوروبا بالسنوات السابقة على قيام الثورات الأوروبية عام ???? أكبر عدد عرفته من الصحف الموزعة بها، وانتشرت الصحافة المطبوعة تحديدًا في مراكز السلطة السياسية والاقتصادية بالمدن؛ فصدر بباريس عام ???? (التي رَبا تعداد سكانها على المليون نسمة) ستٌّ وعشرون صحيفة يومية، وبلغ إجمالي عدد النُّسَخ الموزَّعة منها ?????? صحيفة، تسنَّى الاشتراك بها وبِيعت بالشوارع أو أمكن الاستمتاع بقراءتها في دوائر القراءة التي لم يكن لها حصر، وأندية القراءة والمقاهي (كوخ، ????).
في فيينا، صدرت ??? مطبوعة دورية عن التيارات السياسية كافة ضمَّتْ فيما بينها ?? صحيفة يومية. أما في برلين، فظهر بين مارس عام ???? ونوفمبر عام ????؛ ??? صحيفة وجريدة مختلفة، من بينها صحيفة ناشونال زايتونج (????–????) التي أسَّسها بيرنهارد وولف (كوخ، ????)، وبلغ عدد الصحف اليومية الصباحية التي نُشِرت في لندن ثماني صحف عام ????، وإحدى وعشرين صحيفة عام ????، فيما بلغ عدد الصحف المسائية عن الأعوام ذاتها على الترتيب سبع صحف، وإحدى عشرة صحيفة (بلاك، ????). وبلغ متوسط عدد النُّسَخ الموزَّعة عام ???? للصحف اليومية في لندن بين ???? نسخة و???? نسخة، غير أن صحيفة التايمز وحدها باعت قرابة ????? نسخة (الموسوعة البريطانية، ????أ). وتغلغلت الصحافة السياسية — على حدِّ ما كتب هاوبت ولانجيفيشه — في الحياة العامة وساعَدَتْ في تنظيمها؛ فاعتمد إنشاء منظمة إقليمية على صحيفة كوسيلة للتواصل، وارتبط المشهد الصحفي المتنوع بشبكة العلاقات المتشابكة ارتباطًا وثيقًا (هاوبت ولانجيفيشه، ????).
(?) مؤسِّسو أولى وكالات التلغراف

كان مؤسِّسو أولى وكالات التلغراف في أوروبا — وهم: ميسرز هافاس، ورويتر، ووولف — مواطنين عالميين في زمانهم. ويرى سليزكين (????) أن الأقليات اليهودية، من بين جميع جماعات الشتات في القرن التاسع عشر، تميَّزت بسمات هامة كالتمدُّن والتنقُّل والثقافة والفصاحة، وهي ما أسهم في نجاحها. دانَ كلٌّ من هافاس ورويتر ووولف باليهودية، وألَمُّوا بعدة لغات، وجرَّبوا الاشتغال بعدة مهن قبل خوض مجال نقل الأخبار الإلكترونية، وفوق كل شيء لم يتقيَّدوا بحدود وطن واحد، وإنما تنقَّلوا بيُسْرٍ عبر حدود البلدان، وتمتَّعوا بقدر من الدراية بأحدث التكنولوجيا آنذاك، وهو التلغراف، الذي جمعوا بين استخدامه وبين استخدام الحمام الزاجل في المدن الأوروبية الكبرى في الأيام الأولى: كبرلين ولندن وباريس، وتمتَّعوا بقدرٍ من المعرفة في مجال النشر والصحافة والتجارة؛ فكانوا باختصار أحدثَ صيحة في عصرهم.
أقام أكبرهم شارل لويس هافاس (????–????) في البرتغال قبل أن يستقر به المقام في باريس، وكان مالكًا لمصرف انتهى به الحال بالإفلاس، وقد تمتَّع ببعض الدراية باللغة اليونانية واللاتينية وتحدَّثَ الإنجليزية والألمانية بطلاقة. اشترى في البداية شركة كوريسبوندانس جارنييه للمراسلات، وكانت الشركة قد تأسَّست عام ????، وتحوَّلت في ???? إلى بيورو بورنشتاين التي امتلَكَها لاجئ سياسي ألماني غادَرَ بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية (فريدريكس، ????؛ وفوكس، ????)، واضطلعت بنقل الرسائل بين أهم مدن أوروبا إلى الدبلوماسيين ورجال الأعمال والمصرفيين. أما هافاس، فافتتح عام ???? مكتب بيورو هافاس (الذي صار فيما بعدُ وكالة أجانس هافاس)، وكان يجاور مباشَرةً مكتبَ البريد وسوق الأوراق المالية في باريس، وبدأ المكتب أيضًا حركة ترجمة الصحف البريطانية والألمانية والإسبانية والإيطالية والروسية ونقلها إلى المدن الأوروبية الأخرى. وقد أنشأ هافاس قبل مدِّ خطوط التلغراف خدمةَ نقل الرسائل بالحمام الزاجل بين لندن وبروكسل وباريس، وقد استغرقَتْ رحلة الحمام الزاجل من لندن إلى باريس ستَّ ساعات، ومن بروكسل إلى باريس أربع ساعات، فكان يغادر لندن في الثامنة صباحًا ليجلب أخبارَ صحفها الصباحية إلى باريس في الثانية بعد الظهيرة (فوكس، ????).
أما برنارد وولف (????–????) فكان ابنًا لمالك مصرف وقد درس الطب، غير أنه نتيجةً لإفلاس والده لم يُزاوِلِ الطبَّ قطُّ، وصار ناشرًا ترجَمَ الكتب الطبية من الإنجليزية والفرنسية إلى الألمانية. وبدأ وولف العمل مع بول جوليس رويتر كزميل في نشر المطويات السياسية لدار فوسزيشن بوخهاندلونج في برلين.
وُلِد رويتر (????–????) باسم إسرائيل بيير جوزافات في كاسل ابنًا لحاخام، ثم غيَّرَ اسمه وديانته وعمل موظَّفًا بأحد المصارف وتاجرَ كتب بعدة مدن من بينها جوتة وبرلين التي التقَى فيها بوولف وغادرَا معًا عام ???? متجهين إلى باريس (باسيه، ????).
يُقال إن هافاس كان الأكثر حذرًا من بين مؤسِّسي وكالات التلغراف الثلاث الأولى في أوروبا (هوهينبيرج، ????)، وقد أقرض المال لنابليون الذي فقد أمواله بعد معركة ووترلو؛ فلا عجب أن مؤسِّسي وكالات التلغراف الثلاث التقوا في باريس «عاصمة أوروبا» أو «ملتقى أوروبا» ومنبع ومركز الثورة الأوروبية (هاختمان، ????). ومنذ الثورة في ????، «تسلَّطت كل الأنظار في أوروبا على المدينة التي اندلعَتْ فيها الثورة وقُضِيَ بها على النظام الملكي؛ إذ رغب الجميع في معرفة الجديد والأحدث في أسرع وقت ممكن» (فوكس، ????). أما رويتر ووولف فانخرطَا، على العكس من هافاس، في أنشطة ثورية في برلين؛ مما اضطرهما إلى الفرار من هناك عام ???? إلى باريس حيث بدآ العملَ في وكالة هافاس في غرف فندق هوتل دي بوليون (فريديكس، ????). عمل رويتر مترجمًا لكن بَدَا أنه افتقر إلى أي خبرة صحفية، وكتب ريد أنه ما ساعَدَه هو وولف على الحصول على وظيفة إلا إجادته للألمانية والفرنسية والإنجليزية (ريد، ????)، غير أن السبب على الأرجح هو الصلات التي جمعته بثوريِّين.
التقى رويتر في باريس عام ???? إبَّان عمله في وكالة هافاس بسيجيزموند إنجليندر (????–????)، وهو صحفي ثوري فرَّ من فيينا إلى باريس على ضوء التهديد باعتقاله وعمل لدى هافاس، وأصبح في المستقبل المهندس الرئيس لشبكة مراسلات رويتر الأجنبية، وهو رجل وصفه كارل ماركس لفريديريش إنجلز بأنه نبض وروح مكتب رويتر، وبأنه أسَّسَ عبر معارفه الثوريين شبكةً من المراسلين لرويتر (ريد، ????؛ وفريدريكس، ????؛ وفوكس، ????؛ وستوري، ????). فرَّ بالمثل ثائِرٌ آخَر من فيينا إلى باريس، وهو سيجيزموند كوليش الناشر لصحيفة دير راديكالي، وبدأ العمل لدى هافاس (دورفلر وبينسولد، ????).
أصبح وولف بعد العودة من باريس ناشِرًا صحفيًّا، ونشرت صحيفته الليبرالية ناشونال زايتونج أولَ رسالة تلغرافية لها عن الأسعار بأسواق الأوراق المالية في فرانكفورت وأمستردام في ???/??? من نوفمبر عام ????، مرفقًا بها الإعلان التالي (فوكس، ????؛ وهونه، ????): خدمة منَّا لمصالح قرَّائنا، قرَّرنا عدم إغفال أحدث تقنيات الاتصال وهي التلغراف، واتخذنا التدابيرَ اللازمة للسماح لنا بنقل رسائل التلغراف يوميًّا من باريس ولندن وأمستردام وفرانكفورت.
امتدَّتْ بعدها هذه الخدمة إلى صحف برلين الأخرى والعملاء الخاصين، وصارت الخدمة تُعرَف باسم «تليجرافيشيس كورزبوندنز بيورو» (بي وولف)، التي بدأت في نقل المعلومات عن أسواق الأوراق المالية من لندن إلى باريس، والمعلومات عن الأسعار من ستيتين وفرانكفورت وهامبورج (فوكس، ????). استمرَّ رويتر في العمل لدى هافاس إلى أن اكتسَبَ المعرفة الكافية عن وكالات التلغراف، وترك العمل بالوكالة في ربيع عام ???? ليفتتح وكالةً خاصة به تستخدم الطباعةَ الحجرية في غرفةٍ متهالِكة في شارع جان جاك روسو بالقرب من مكتب بريد باريس الرئيسي ووكالة هافاس، وعرض خدماته على الصحف في كافة أنحاء ألمانيا بأسعار زهيدة جدًّا، لكنه لم يجد ما يكفي من المشتركين للإبقاء على وكالته؛ ومن ثَمَّ استولى دائنوه على ممتلكاته في أواخر صيف عام ????، فانتقل إلى آخن حيث امتدَّ خط التلغراف لتوِّه من برلين وأتيح للجمهور. حملت شركة رويتر الجديدة اسم «إنستيتوت تسور بيفورديرونج تيليجرافيشر» (معهد نقل رسائل التلغراف)، واستخدمَتِ الحمامَ الزاجل لنقل الرسائل من بروكسل إلى آخن. لكن اضطرَّ رويتر بعد تمام إنشاء خط التلغراف بين آخن وبروكسل إلى الانتقال مجدَّدًا إلى لندن هذه المرة؛ حيث افتتح مكتبًا من غرفتين بالعنوان: ?، بنايات رويال إكستجينج، في أقرب نقطة ممكنة من سوق الأوراق المالية. حملت الشركة في البداية اسم «إس جوزافات آند كوز كونتيننتال تلغراف»، ثم تغيَّرَ في ???? إلى «رويترز تليجرام كومباني» (ريد، ????).
تأسَّسَتْ وكالات التلغراف في أهم مدن أوروبا حيث التقَى رأس المال الأوروبي مع السياسة والثقافة، وكانت بقاعًا هامة لتأسيس شبكات، قبلة لمَن أرادَ التواصل مع عالَمٍ أوسع نطاقًا. غير أن الاتصالات بين هذه المدن لم تتطوَّر جيدًا من حيث السرعة، مقارَنةً بمدن العالم المعاصرة؛ إذ تعيَّنَ حمل أغلب الرسائل يدويًّا، وكان التلغراف هو ما بدأ الوصل بينها. من هنا لا عجب أن هافاس ورويتر وولف وقع اختيارهم على باريس وبرلين ولندن كمقار لوكالاتهم، وحتى رويتر — الذي أطلق وكالته من آخن — فطن سريعًا إلى ضرورة انتقاله إلى إحدى العواصم الكبرى. ولأنه كان قد رسَّخَ قواعد نشاطه في برلين بالفعل، وقع اختياره على لندن.
ساهمت وكالات التلغراف الأولى كافة في تحقيق التواصل بين برلين ولندن وباريس بالتأسيس لحركات تدفُّق دائمة ومباشِرة للأخبار السياسية والمالية بين هذه المدن؛ وبذلك عزَّزت مكانةَ هذه المدن كحلقات وصل هامة في شبكة عالمية إلكترونية جديدة. ومع تزايد سرعة الاتصالات بين برلين ولندن وباريس وانتظامها، تعزَّزت مكانتها أكثر من أي وقت مضى؛ ومن ثَمَّ بدأ عصر مجتمع الشبكات الإلكترونية العالمية مع تأسيس أولى وكالات التلغراف التي نقلت الرسائل بين المدن الكبرى.
(?) الكَبْلات البحرية ووكالات الأنباء

أبرَمَ هافاس ورويتر ووولف أولَ اتفاقية مشتركة حول تبادُل الأخبار المالية عام ????، ثم امتدَّت الاتفاقية لاحقًا لتشمل أيضًا الأخبار السياسية (رانتانن، ????). وقد اختصت الاتفاقيات الأولى في الأساس بمدن في بلدان مختلفة، لكنها امتدَّتْ فيما بعدُ لتشمل أقاليم تجاوزت حدود الدول القومية. سمحت خطوط التلغراف والكَبْلات البحرية بتمديد نطاق شبكات التلغراف حول العالم، وبحلول عام ???? تم تركيب أكثر من ??? كَبْل بحري نجحت في جعل كل ركن من أركان العالم تقريبًا حلقةَ وصل بشبكة اتصالات عالمية؛ فأمكن تقديم خدمات التلغراف مباشَرةً بين نقاط تبعد آلاف الأميال بعضها عن بعض. غير أن خطوط التلغراف والكَبْلات البحرية شابهت خطوط الطرق وخطوط السكك الحديدية في أنها اتسمت بنقاط الْتِقاء وطرق ثابتة، وحتى عندما نقلَتِ الخطوط والكَبْلات البحرية الرسائلَ جوًّا أو تحت البحار — مستغنية بذلك عن سعاة البريد — ظلَّتْ محطات التلغراف تقع على أراضٍ تقع في نطاق دول قومية قائمة أو ناشئة.
أضحى التلغراف في أغلب دول أوروبا مِلكية للدولة، وعندما أُبرِمت الاتفاقيات الدولية حول خطوط التلغراف في مؤتمرات ممثِّلي وزارات التلغراف وشركات التلغراف الحكومية — التي عُقِدت في باريس عام ????، وفيينا عام ????، وروما عام ???? و????، وسانت بطرسبرج عام ????، ولندن عام ????، وبرلين عام ????، وفي باريس عام ????، وبودابست عام ????، ولندن عام ???? (الموسوعة البريطانية، ????ب) — أقرَّتِ التسويات بأن خطوط التلغراف ملكية قومية، وحدَّدت المؤتمرات إطارَ التعاون بين شركات التلغراف في مختلف الدول بموجب قوانين هذه الدول، وأقرَّتْ بسلطات الدول القومية الواقعة بها واتفقت على التعاون الدولي لبث الرسائل عبر حدود الدول. تبنَّتْ وكالات التلغراف (الأخبار) ببساطة هذه السياسة، مع أن أنشطتها اتسعت لتتجاوز نطاقَ الدول الواقعة بها.
لم تكن لندن عاصمة المملكة المتحدة فحسب، بل كانت علاوةً على ذلك عاصمةً للإمبراطورية البريطانية بأسرها؛ ومن هنا كتب بوتر: شهد القرن التاسع عشر في أواخره ظهورَ نسق صحفي إمبريالي وليد، شكَّلته روابط تجارية معقَّدة بين مؤسسات الطباعة الخاصة في أرجاء الإمبراطورية البريطانية كلها. ومن الأهمية بمكان أن بروزَ لندن كمركز استمدَّتْ منه الإمبراطورية البريطانية بأكملها أخبارَها؛ قد ساعَدَ على ضمان استمرار الصحف في كل مستعمرة مستقلة من بريطانيا في تبنِّي المنظور الأساسي ذاته حول الأحداث الدولية، حتى لو تبايَنَتْ آراء محرِّري الصحف (بوتر، ????).
غدَتْ مدينةُ جرينيتش القريبةُ من لندن بموجب نظامٍ حسابيٍّ عالميٍّ موقعَ خطِّ الطول رقم صفر، وأدَّى مرصد باريس وظيفةً بديلةً مماثِلة، وكانت نتيجة التصويت في مؤتمر ميريديان الدولي عام ???? لصالح سريان توقيت جرينيتش على العالم أجمع (ريفكين، ????). وقاد الإقرار بسلطة الدول القومية إلى الإقرار بسلطة الإمبراطوريات الإلكترونية الجديدة؛ فباتَتْ لندن — التي كانت عاصمةَ المملكة المتحدة — عاصمةً للإمبراطورية الإلكترونية؛ إذ مرَّتْ بها أغلبُ الكَبْلات البحرية والرسائل. ومع إنشاء الكَبْل البحري الأسترالي عام ???? سيطرَتِ المملكةُ المتحدة على دائرة من خطوط الكَبْلات البحرية حول العالم (هونه، ????). وبحلول عام ???? تم تركيب أكثر من ????? ميل بحري من الكَبْلات البحرية، أغلبها مملوك لبريطانيا وتحت سيطرتها. أما في عام ???? — مع اندلاع الحرب العالمية الأولى — فقد قادَتْ كل الكَبْلات البحرية تقريبًا إلى لندن (ذا راديو إنداستري، ????). عزَّزَ مدُّ كَبْلات التلغراف مكانةَ لندن كمركز عالمي للاتصالات، ومن هنا استطاعت وكالة رويترز تأسيسَ شبكتها الإلكترونية الخاصة حول العالم التي كانت إلى حدٍّ كبير شبكةً هرمية، تمتَّعت فيها لندن بالسيطرة على المدن الأخرى. ويتضح هيكل هذه الشبكة العالمية من الخطة التي عرضها السير رودريك جونز، المدير العام لوكالة رويترز، في أواخر العشرينيات لهيكل المؤسسة في الخارج، الذي تُعَدُّ لندن مركزه المرتبط بمراكز إقليمية أخرى عبر خطوط التلغراف: يتحمَّلُ كلُّ مدير عام المسئولية أمام الإدارة الرئيسية في لندن عن المديرين والوكلاء والمراسلين في منطقته.
يمتد نطاق إدارة شنغهاي من المضايق، شمالًا وشرقًا، حتى الصين ومنشوريا وسيبيريا وكوريا واليابان والفلبين وبورنيو وإندونيسيا.
تشمل إدارة بومباي الهند وبورما وسيلان وسيام والتبت وأفغانستان وفارس وبلاد ما وراء النهرين وتركستان.
إدارة القاهرة مسئولة عن مصر والسودان والحبشة وفلسطين وجزيرة العرب.
إدارة ملبورن تغطي أستراليا ونيوزيلندا وجزر المحيط الهادي.
إدارة كيب تاون مسئولة عن اتحاد جنوب أفريقيا ونامبيا وموزمبيق وروديسيا وما بعد نهر زمبيزي وصولًا إلى البحيرات العظمى.
إدارة نيويورك مسئولة عن فريق العمليات والهندسة الكهربية في الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا الجنوبية وأُتاوا، كما في كندا.
تخضع مباشَرةً للإدارة الرئيسة في لندن القارةُ الأوروبية من هلسنكي إلى مدريد، ومن أوسلو إلى إسطنبول، كما يخضع لها شرق وغرب ووسط أفريقيا وأمريكا الجنوبية وغيرها من المناطق غير المتضمنة في أيٍّ من تلك الإدارات السبع.2 تكشف هذه البنية سمتَيْن بارزتين مثيرتين للاهتمام؛ أولًا: لم تكن مراكز خطوط التلغراف الإقليمية بالضرورة عواصم لبلدانها، بل كانت مراكز للتجارة اتصلت بعضها ببعض عبر خطوط التلغراف والكَبْلات البحرية. ثانيًا: لم تكن هذه المراكز مراكزَ للبلدان الواقعة بها أو حتى البلدان المجاورة لها فحسب، بل كانت إلى جانب ذلك مراكزَ للدول التي ربطت بينها التقنية. بعبارة أخرى صنعت خطوطُ التلغراف خارطةً ذهنية جديدة غُضَّ الطرفُ بها عن الاختلافات السياسية والثقافية، وترابطت في ظلها الدول بعضها مع بعض على نحوٍ يكاد يكون عشوائيًّا. ونرى هنا أصولَ أول مجتمعات الشبكات الإلكترونية العالمية التي قامَتْ على التلغراف، غير أن بنية هذه الشبكة الجديدة التي تغاضَتْ عن الحدود القومية كان مكتوبًا لها أن تواجِه حركةَ إكساب الأخبار طابعًا قوميًّا. هكذا صارت لندن عاصمةَ الأخبار للعالم، واحتفظت بالمكانة حتى ناطحتها نيويورك، ويشهد على ذلك مسئول أمريكي عام ????: لا شك أن لندن هي مركز كَبْلات التلغراف في العالم؛ وبما أنها كذلك، فهي مركز الأخبار في العالم، وتعود المكانة التي تتمتع بها بريطانيا حول العالم في جزء منها إلى أن لندن هي أكبر مركز لنشر الأخبار في العالم (روجرز، ????ب).
تكشف الأخبار ذاتها مكانةَ لندن المركزية هذه؛ فتُظهِر دراساتُ حركةِ تدفُّقِ الأخبار (على سبيل المثال: سريبيرني-محمدي وآخرون، ????) الدول القومية التي تَرِدُ منها الأخبارُ، لكنْ بإمعان النظر سنجد أن أغلب الأخبار تَرِدُ في واقع الحال من المدن لا من الدول القومية؛ فالدول القومية لا تغطِّيها حركةُ تدفُّق الأخبار بالتساوي لأن الأخبار تَرِد بالأحرى من بعض المدن. لم تكن المدن نقطةَ البدء إلا لعدد قليل جدًّا من الدراسات، التي يؤكِّد القليلُ المتاح منها على المركز المسيطر لهذه المدن. جدول ?-?: أهم عشر مدن إخبارية للصحف الألمانية بين عامَيْ ???? و???? (المصدر: ويلكي، ????).
??????????براج????ستراسبورج????فيينا????وارسو???لاهاي???نيدرإلبا???فرانكفورت???فيينا???كولونيا???أنتويرب???البندقية???لاهاي???أمستردام???البندقية???ريجنسبورج???أمستردام???روما???كوبنهاجن???بوندن?باريس???????????????????????باريس??باريس????فيينا??لندن????لندن???فيينا???لاهاي???لاهاي???كوبنهاجن???فرانكفورت???سانت بطرسبرج???كوبنهاجن???نابولي???ستوكهولم???وارسو???إيطاليا???درسدن???ماين???روما???ميلانو????????????????????لندن??????باريس??????هامبورج?????برلين?????مدريد?????سانت بطرسبرج?????فيينا?????القسطنطينية?????فيينا?????فرانكفورت?????نابولي????????????
من بين هذه الدراسات دراسةٌ أجراها ويلكي عام ????، قارَنَ فيها عددَ القصص الإخبارية التي تَرِدُ من مختلف المدن الأوروبية بين عامَيْ ???? و????، وتُظهِر أبحاثُه مركزَ بعض المدن وكذلك التغيُّر الذي طرأ على موقفها، وهو ما يدعم نظرية بروديل عن الهيمنة والانحسار.
شكل ?-?: أهم مراكز نقل التلغرافات الأجنبية الرئيسية في الصحف الروسية في عام ???? (بالنسبة المئوية) (المصدر: رانتانن، ????).
تُظهِر دراسة أخرى للصحف الروسية بالقرن التاسع عشر — على سبيل المثال — أن لندن كانت مركزَ الأخبار الرائد منذ نشرها للأخبار إلكترونيًّا لأول مرة عام ????، وتأتي في المرتبة التالية باريس، فبرلين، ففيينا؛ إذ أصدرَتْ هذه المدن ثلثَيِ الأخبار الإلكترونية. لكن عندما اندلعَتِ الحربُ انخفضت نسبةُ إصدارها لها وبدأت الأخبار تَرِدُ من جبهات القتال. غير أن المدن استعادَتْ تفوُّقها بمجرد انقضاء هذه الأزمة؛ فكان نصف رسائل التلغراف التي تُنشَر بالصحف الروسية يَرِدُ من لندن وباريس وبرلين وفيينا، حتى مع بداية القرن العشرين. علاوة على ذلك، بدأت هذه المدن الأربع الرائدة العملَ كمراكز لبثِّ الأخبار بإرسالها من منابعها في المدن الأخرى، ويتضح بمزيدٍ من التمعُّن أن نسبة كبيرة من تلغرافات لندن وردَتْ بالأساس من نيويورك وبومباي وشنغهاي (رانتانن، ????).
(?) ما وراء الدولة القومية: من المدن إلى المدن

ما زال تاريخ وسائل الإعلام ووسائل الاتصالات يحكي بالدرجة الأولى قصصَ الأمم وعلاقات بعضها ببعض، وهذا نهج مفيد لكنه يجعل فهمنا قاصرًا؛ فهذه القصص تغدو بسهولة مكرَّرةً، ومن ثَمَّ تعوق ملاحظة الباحثين للشبكات التي تتجاوز حدودَ الدول القومية. ينطبق هذا بالأخص على شبكات ما قبل ظهور التلغراف، التي اعتمدَتْ بالدرجة الأولى على تبادُل الأخبار بين مدن لم تكن كلها من العواصم.
حتى أول الأخبار المنقولة بالتلغراف تجاوزَتْ حدودَ الدول القومية بسهولة، فقد بنى مؤسِّسو وكالات التلغراف الأولى أنفسُهم أعمالَهم على تبادُل الأخبار بين المدن في مختلف البلاد، وكان هذا هو النهج التقليدي الذي سار عليه الأمر؛ فتدفَّقت الأخبار السياسية والمالية بين مدن أوروبا الكبرى، وكان تبادلها حيويًّا للحفاظ على مكانة هذه المدن كمراكز، وكانت أكثر المدن ترابُطًا عبر الشبكات هي أيضًا الأكثر نفوذًا؛ كانت — بتعبير بروديل — مدنًا عالمية.
لم تكن الجنسيات أو الديانات بهذه المدن هي الفارق الأهم بين أفرادها، بل كانت هناك فوارق أخرى تفصل بينهم كالثروة والنوع والعِرْق. وقد احتضن الكثير من هذه المدن العالمية عوالمَ عديدة بداخلها؛ لأنها استقطبت من بقاع أخرى الناسَ الذين قَدِموا للإقامة والعمل بها؛ فاتَّسَمَتْ بدرجة من الفوضوية؛ ومن ثَمَّ بدرجةٍ من التسامح وقبول الاختلاف، وتمتَّعَتْ بحياة وبعالَم خاص بها، وتطلَّعَتْ إلى المدن الأخرى — وليس القرى — بحثًا عن الإلهام، فقد اختلفَتِ الحياة بالمدن على نحوٍ واضح عنها في القرى.
ومن أهم أوجه الاختلاف تلك التمتُّعُ بشبكات مترابطة لا تنحصر في وسائل النقل فحسب، بل تدخل بها أيضًا وسائلُ بثِّ الرسائل، وقد توافرَتْ في عهد ما قبل التلغراف هاتان السمتان معًا؛ فتعيَّن إرسال الرسائل إما سيرًا على الأقدام وإما على متن عربات الجياد، لكن نجمت عن ذلك فترة بينية ما بين المغادرة بالرسالة والوصول بها. هذا لا يعني أن المدن آنذاك لم تكن مترابطة على نطاق واسع، بل ربطت بينها بالفعل روابط على مستوى العالم، غير أن تقنية التلغراف غيَّرت هذا؛ إذ أمكن نقل الأخبار آنيًّا، ومن ثَمَّ وُلد منتج جديد وهو الأخبار التلغرافية التي جمعت بين المحتوى (الأخبار) والتكنولوجيا، ولا شك أن الأخبار «ابتُكِرت» قبل ظهور التلغراف بوقت طويل، غير أن هذا المزيج هو ما أكسبها حداثتها هنا.
كانت الأخبار التي تُرسَل إلكترونيًّا من نتاج المدن؛ حيث توافرت التكنولوجيا ومنتجو المحتوى الإخباري في الوقت نفسه. فكتب كاستيلز عن الكيفية التي تجسِّد بها المدنُ العالمية منطقَ فضاء تدفُّق المعلومات المتناقض: بالرغم من بلوغ الأخبار كلَّ رَبع من ربوع الأرض ثانيةً بثانية وعلى مدار الساعة، فهي تعتمد على التقارب المكاني لمراكز قيادتها المختلفة، وعلى التفاعُل المباشر بين أصحابها المجهولين. وبناء على أنظمة الاتصالات عن بُعْدٍ وأنظمة المعلومات التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، فهي في حاجة إلى بنية تحتية تقنية لا تتوافر إلا بتكتُّل الاقتصادات والوصول إلى العمالة الماهرة النادرة (كاستيلز، ????).
توافرت بالفعل البنيةُ التحتية اللازمة لإنتاج الأخبار الإلكترونية بمدن القرن التاسع عشر؛ كتب أيضًا كاستيلز (????) أن الإنتاج الجديد القائم على المعلومات يتَّسِم بملمحين أساسيين؛ أولًا: تَنصبُّ التقنيات الجديدة على معالجة المعلومات، فالتغيُّر الحقيقي — مقارَنةً بأحد أشكال الإنتاج الصناعي — يتمثَّل في أن المعلومة هي المادة الخام والمنتَج في الوقت نفسه. ثانيًا: تترتَّب أهم آثار الابتكارات التقنية على العمليات لا على المنتجات، لكننا نجد من جديد أن المنتج قد اختلَفَ بالفعل مع ظهور الأخبار المنقولة بالتلغراف، ونجد أننا نتحدَّث هنا أيضًا عن أول أشكال السلع المعلوماتية. مع ظهور التلغراف في أوروبا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ظهرت المدن الإعلامية الجديدة — التي أضحَتْ فيما بعدُ مدنًا عالمية — وقامت بناءً على أولى صور الاتصالات عن بُعْدٍ؛ فغدت مدينة برلين وباريس ولندن أكثر مدن أوروبا اتصالًا، أولًا باتصال إحداها مع الأخرى، ثم باتصالها بسائر أنحاء العالم بوصفها مراكز حيوية له. غير أن التكنولوجيا لم تكن الرابط الوحيد الذي جمع بين هذه المدن، فقد أضحَتْ — مع مدِّ أول خطوط التلغراف، فتأسيس وكالات أنباء هافاس ووولف ورويتر بعدها — مراكز لمزوِّدي المعلومات. ولم تعمل وكالات الأنباء تلك التي سبقت زمانها في بداياتها كوكالات أنباء قومية، بل قدَّمت الأخبار لعملائها في مدن منشَئِها وفي المدن الأخرى بأوروبا؛ ولم تتحوَّل إلى وكالات أنباء قومية إلا فيما بعدُ.
طرْحُ المدن كنقطة انطلاق لتحليلنا للأخبار يتيح أسلوبًا جديدًا لفهم المواد التجريبية التي صِيغت في نظرياتٍ من قبلُ باستخدام إطار قومي-دولي؛ إذ انقسمت عادة وكالات التلغراف بوصفها المصدر العالمي الأول للأخبار الإلكترونية إلى فئتين: وكالات دولية ووكالات قومية. ومع أن هذا الفصل بين النوعين ساعَدَ على فهم بعض ملامح عملهما، فقد حالَ دون ملاحظة إغفال هذه الدراسات لملامح أخرى هامة. وتكشف الدراسة المتأنية لبدايات تاريخ وكالات التلغراف في القرن التاسع عشر أن الطابع القومي الذي اكتسبته الأخبار كان نتاجًا لتطوُّرها وليس سببًا له؛ إذ أدارت وكالات التلغراف الأولى أنشطتها بالدرجة الأولى لعملاء المدن التي تقع بها، وأسَّسَتْ في بادئ الأمر علاقاتٍ مع المدن الأخرى خارج حدود بلدانها.
الفارق بين الأخبار المنقولة إلكترونيًّا وأخبار ما قبل النقل الإلكتروني هو أن التلغراف أضحى في أغلب الدول الأوروبية مملوكًا للدول وخاضعًا لسيطرتها؛ إذ إنَّ استخدامه بالدرجة الأولى كوسيط للدول القومية يصبُّ في مصلحة الحكومات. من هنا انتقَلَ التلغراف إلى العالمية بالربط بين الدول القومية؛ لأن ممثِّلي الحكومات امتلكوا القرارَ بشأن استخدامه بين الدول، وحتى إن أرادَ ميسرز هافاس ووولف ورويتر استكمالَ مزاولة نشاطهم كحلقة وصل بين المدن، كانوا سيُعَدُّون مخالفين لمدِّ القومية.
إن الصحوة التي شهدتها المدن العالمية هي بلا شك عصر المعلومات المعولمة. حول ذلك كتبَتْ ساسن (?????/?????) أن إدراج المدن العالمية في دراساتنا يضيف ثلاثة أبعاد مهمة؛ أولًا: يقود إلى تحليل الدولة القومية إلى مجموعة متنوعة من العناصر. ثانيًا: ينقل اهتمامنا من سطوة المؤسسات الكبرى على الحكومات والاقتصادات إلى الأنشطة والترتيبات المنظمية اللازمة لبناء شبكة عالمية من المصانع والأسواق والحفاظ عليها. ثالثًا: يسهم هذا في تسليط الضوء على الفضاء المكاني وعلى النظام الاجتماعي-السياسي الحضري المتصل بتلك الأنشطة. باختصار، تقنيات الإعلام والاتصالات الحديثة في المدن العالمية تصنع فجواتٍ في الحدود القومية التي أحكَمَها عصر الصناعة. وكتبت ساسن (????) أن تقنيات شبكات الاتصال الجديدة، ولا سيما الإنترنت، عزَّزت من قبيل المفارَقة من الخريطة الحضرية لتلك الشبكات التي تجاوز حدود الدول، فكتبَتْ: بذلك يمكن لهذه التقنيات أيضًا أن تساعِد على تشكيل فضاءات عامة عابرة للحدود لهذه الأنواع من العوامل، ويمكنها ذلك (?) دون الحاجة للاحتكاك بمؤسسات عالمية، و(?) عبر صور من الإقرار لا تتوقَّف على الكثير من التفاعل المباشر والعمل المشترك على الأرض (ساسن، ????).
يعني هذا فيما يتعلَّق بالأخبار أن المنظمات والأفراد ووسائل الإعلام ذاتها صارَتْ أقل اعتمادًا على جامعي الأخبار المحليين، غير أنه بإمكانها عوضًا عن ذلك الاعتماد على شبكات رقمية داخل المدن ذاتها، وفيما بين المدن. لهذا السبب، على سبيل المثال، لم يَعُدِ المواطن بمعناه الأصلي (كلمة civitas تعني باللاتينية مدينة) — كشخص يقطن مدينةً ما — بحاجة للجوء إلى الأخبار التي تقدِّمها مؤسسة إخبارية قومية، بل يمكنه مباشَرةً اللجوءُ إلى وسيط بمدينة أخرى عبر الإنترنت. من السهل ملاحظة استخدام الشبكات الرقمية الخاصة في الكثير من المواقف، منها استخدام الشركات المالية واستخدام جماعات الشتات في المدن الكوزموبوليتانية لوسائل إعلام ووسائل اتصالات تتجاوز نطاق مواقعهم؛ هكذا صارت الشركاتُ العابرة للحدود القومية بصورة متزايدة أقلَّ اعتمادًا على الشبكات القومية/المحلية. كما يمكن ملاحظة هذا في عدم إقدام باكستانيي بريطانيا في لندن بالضرورة على مشاهدة محطة بي بي سي، بل يلجئون عوضًا عن ذلك إلى موقع جريدة دايلي باكستان في لاهور، أو موقع جريدة باكستان لينك في لوس أنجلوس، غير أن هذا لا يعني تحرُّرَهم تمامًا من قيود الدول القومية التي يُقِيمون بين حدودها، بل يشدِّد من جديد على أهمية المدن لأيِّ تحليل للأخبار، سواء أكانت دراسة تاريخية أم معاصرة.
هوامش

(1) www.thurnundtaxis.de/frs_home.html, accessed October 27, 2008.(2) Sir Roderick Jones papers. A note on Reuters. For private information only. Printed by Waterlow and Sons Limited, London, Dunstable, and Watford. Reuters’ archive, box file 97. الفصل الثالث
العولمة


عندما صارت الأخبار عالمية
في عصر الاتصالات الإلكترونية التي لا تعرف الخصوصية، يغدو «الحاضر» فترةً زمنية ممتدة، قد تتسع — بل لا بد لها أن تتسع — لتشمل الأحداث حول العالم (كيرن، ????).
يرجح أن المؤسسات الإخبارية هي الأقل ظهورًا بين المؤسسات الإعلامية كافةً. ولأنها أدارَتْ أنشطتها بالماضي كشركات بيع بالتجزئة تبيع الأخبار لوسائط أخرى، فكثيرًا ما تُغفَل أهميتها، وهي بالأساس جزء من عملية إضفاء المهنية على الأخبار في القرن التاسع عشر، عندما أضحَتِ الأخبارُ سلعةً متداولة عالميًّا. ستبدو في الواقع وسائلُ الإعلام الإلكترونية، بما فيها المؤسسات الإخبارية، مثالًا رائعًا يُضرَب للمؤسسة الحديثة التي وصفها جيدينز بأنها «قادرة على الوصل بين المحلي والعالمي على نحوٍ لم يكن بالإمكان تصوُّره في المجتمعات الأكثر تشبُّثًا بالتقليدية، وهي تؤثر — بتحقيق ذلك بصفة معتادة — على حياة الملايين من الأفراد» (جيدينز، ????).
من المفارقات أن واضعِي النظريات عن العولمة في أعمالهم قد أقرُّوا وأغفلوا في الوقت نفسه الدورَ الذي لعبته المؤسسات الإخبارية في تاريخ العولمة؛ فأغلبهم يشير إلى الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الجماهيرية في عملية العولمة، فيما يغفلونها في الوقت نفسه من جانبين على أقل تقدير؛ فأولًا: ينصَبُّ اهتمامهم بالدرجة الأولى على الحاضر، بينما يتجاهلون تاريخَ العولمة الثقافية. وثانيًا: يشدِّدون — كنتاج لهذا — على أهمية الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الحديثة في العولمة، ولا سيما التلفاز.
من الواضح — كما كتب جيدينز — أن انتشار مؤسسات العصر الحديث على مستوى العالم كان سيغدو مستحيلًا لولا جمع المعارف، ممثلًا في «الأخبار» (جيدينز، ????). وقد كانت وكالات الأنباء هي أولى مؤسسات وسائل الإعلام الجماهيرية الإلكترونية التي بدأت ممارسةَ نشاطها على مستوى العالم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أما إقدام الباحثين من خارج أوساط الدارسين للاتصالات على التجاهل شبه التام لوكالات الأنباء مع ذلك، فيرجح أنه يرجع إلى عدم وضوح التطور التاريخي الذي شهدته، حتى للباحثين في حقل الاتصالات.
لم نشهد إلا في سبعينيات القرن العشرين انتشارًا وجيزًا للدراسات عن وكالات الأنباء. ويقسِّم بويد-باريت (????) الدراسات التي أجريت على وكالات الأنباء وفق ثلاثة مناهج: (?) تحليل محتوى الأخبار. (?) دراسة الهيكل والوظيفة. (?) دراسة تاريخ تطور وكالة الأنباء. وقد شارَكَ كلٌّ من هذه المناهج بإسهام في دراسة العولمة، ومع هذا لا يفي أيٌّ منها على نحوٍ مُرضٍ بأغراض هذا الفصل؛ فالفئة الأولى من الدراسات، تحليل المحتوى، تعود إلى أوائل خمسينيات القرن العشرين («ذا فلو أوف نيوز» ????)، ويمكن وصفها بأنها دراسات لحركات تدفُّق الأخبار، وقد أوضحَتْ هذه الدراسات أن الأغلبية الساحقة من الأخبار العالمية تتدفَّق من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، وتنتجها أربع وكالات عالمية كبرى، هي: وكالة بريتيش رويترز وأسوشيتد برِس الأمريكية ووكالة يونايتد برِس إنترناشونال ووكالة فرانس برِس الفرنسية، واستُخدِمت كثيرًا مصطلحاتٌ مثل الاختلال والتبعية لوصف العلاقة بين الوكالات العالمية والمحلية (ماكبرايد، ????).
الفئة الثانية من دراسات وكالات الأنباء، وهي دراسة الهيكل والوظيفة، يمكن أن تندرج إلى حدٍّ كبير تحت منهج الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام، ويؤكد الاقتصاد السياسي الذي تشكِّله الاتصالات والثقافة — كما كتب جارنهام (????) — على أنه يدخل في كل صور الاتصال الوسيطة استخدام عدد محدود من الموارد المادية؛ بعبارة أخرى إنَّ فهْمَنا للعالم، وتباعًا فهْمَنا لقدرتنا على تغييره، سيتحدَّد بالطرق التي يتشكَّل بها الوصول إلى هذه الموارد المحدودة والسيطرة عليها. من هنا انصبَّ اهتمام أغلب دراسات الاقتصاد السياسي لوكالات الأنباء على ملكيتها واقتصاداتها، وقد امتزجت في بعض الأحيان بتحليل محتوى الأخبار الذي تقدِّمه وكالات الأنباء (على سبيل المثال: هاريس، ????).
تعود جذور الفئة الثالثة من الدراسات، التي ينصَبُّ اهتمامها على التطور التاريخي لوكالات الأنباء؛ إلى أوائل القرن العشرين، وقد شكَّلَها بالدرجة الأولى عددٌ كبير من تواريخ المؤسسات بذات الشركة. وإحدى الدراسات الأكاديمية الشاملة النادرة لمنظومة الأخبار العالمية بالقرن التاسع عشر أطروحة جونيلا إنجمار في ????. كانت أطروحة إنجمار أول عمل أكاديمي يتناول الاتفاقيات المبرمة بين وكالات الأنباء بالقرن التاسع عشر، وهي تسلِّط الضوءَ أيضًا على دور الحكومات القومية في تشكيل منظومة الأخبار العالمية، غير أن الكثير من أبحاث العلوم الاجتماعية تتسم بالتسليم بحتمية تاريخية إلى حدٍّ واضح ومؤسِف؛ ومن ثَمَّ أسهم هذا المنهج في إضافة بُعْدٍ تاريخي مهم لأبحاث وكالات الأنباء.
كلٌّ من المناهج الثلاثة التي عرضتُها لدراسة وكالات الأنباء تتميَّز بالطبع بمواطن قوة خاصة بها في تحليل عملية العولمة، غير أنها أغفلَتْ كذلك بعضَ الأبعاد الهامة؛ إذ تفتقر دراسات حركة تدفُّق الأخبار للمفاهيم النظرية المترابطة وتصبُّ اهتمامها على محتوى الأخبار. أما الدراسات التي تُعنى بالاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام فقد صبَّتِ اهتمامها بالدرجة الأولى على ظروف إنتاج الأخبار المعاصرة والهيكلين الاقتصادي والسياسي الأوسع للمجتمعات. أما المنهج التاريخي في دراسات وكالات الأنباء فسلَّطَ الضوءَ بالدرجة الأولى على شركات بعينها.
وقد أشار شليزينجر (????) إلى أن الدراسات التي تتناول تاريخ وسائل الإعلام تهتم عمومًا اهتمامًا جمًّا بتبيان الكيفية التي تسهم بها المؤسسات الإعلامية في تشكيل الثقافة القومية والاقتصاد والحكومة. وقد تزايد الإقرار بالإطار العابر للقوميات — بل العالمي أيضًا — للتحليل الإعلامي، لكن من المؤسف أن الدراسات التاريخية لوسائل الإعلام لم تتطرَّق للأبعاد العالمية لتطوُّر وسائل الإعلام.
لا يشكِّل أيٌّ من المناهج المذكورة أعلاه منهجًا كاملًا وافيًا لإجراء دراسة من المنظور التاريخي لوكالات الأنباء وعملية العولمة، والمطلوب هو تجاوز الحدود القاصرة على حقول دراسة بعينها؛ تلك الحدود التي فصلَتْ بين المناهج البحثية المختلفة لدراسة وكالات الأنباء؛ فالفصل بين دراسات وكالات الأنباء وتقسيمها إلى حقلَيْ دراسة منفصلَيْن كما أوضحت في أعمالي السابقة — إلى دراسات تعنى بالاتصالات الدولية ودراسات تعنى بتاريخ الصحافة — قاد إلى تشكيل مفاهيم خاطئة عن أنشطتها (رانتانن، ????). من المستحيل دراسة وكالات الأنباء على أنها مؤسسات إعلامية عالمية تبيع الأخبار لا لشتى وسائل الإعلام فحسب، بل لشركات الأعمال والمصارف والحكومات أيضًا، دون أن تلتقي الحدودُ الفاصلة بين حقول دراستها بعضها ببعض. ولا يمكن فهم طبيعة وكالات الأنباء بالنظر إلى محتوى الأخبار أو من حيث اقتصاداتها السياسية أو تاريخ مؤسساتها، بل يجب لفهم طبيعتها المعقدة تبنِّي منظور شامل، يلتقي به مختلف المناهج القائمة، يدرج وكالات الأنباء في سياق عناصر العولمة المختلفة كالتسليع، والتركيب الوطني والدولي، والزمان، والفضاء والمكان. ولم يفلح أي من المناهج المطروحة هنا في الجمع بين هذه العناصر، مع أن جميعها تسهم في فهم الكيفية التي تتحوَّل بها الأخبار إلى سلعة في تجارة عالمية.
(?) الأخبار كنشاط تجاري

طالما تبادَلَ الناس الأخبارَ متى اجتمعوا، وقد كتب ستيفنز (????) أنه نشأت بالأسواق بين الأخبار والتجارة علاقة تكافلية؛ أما الأخبار فتساعد التجار في الأسواق على تخطيط استراتيجياتهم، وأما السلع المتداولة هناك فتجذب الزبائن، ومن ثَمَّ تجذب الأخبار. إذن نشأت العلاقة بين الأخبار والسوق في مرحلة مبكرة جدًّا.
كتب بينيديكت أندرسون (????) أن الكتب كانت أولى السلع الصناعية الحديثة المنتجة على نطاق واسع، ويرى أن الكتب يمكن مقارنتها بأوائل المنتجات الصناعية الأخرى التي يمكن قياسها بكميات رياضية كالرطل أو الشحنة أو القطعة، مثل المنسوجات والطوب اللبن والسكر، كما يرى أن الكتاب هو سلعة منفصلة مستقلة يعاد إنتاجها بالصورة نفسها على نطاق واسع، وهو في هذا كان مبشرًا بالسلع المعمرة في زماننا، ويذكر أن الصحف ليست إلا «صورة استثنائية» من الكتاب؛ هي كتاب يمكن أن يباع على نطاق ضخم لكن يتمتَّع برواج سريع الزوال.
شهد القرن التاسع عشر تحوُّل الأخبار إلى سلعة تجارية، فيشير بالداستي (????) إلى أن محرِّري الصحف الذين ناصروا حزبًا ما نظروا إلى قرَّائهم باعتبارهم ناخبين، وبنهاية القرن لم يَعُدِ المحررُ والناشر ينظران إلى القارئ كناخب فحسب، بل كمستهلك أيضًا؛ ومن هنا وُلدت الصحيفة «الحديثة» بكثير من البلدان بحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد عرَّف جروث (????) الصحيفة «العالمية» بأنها: (?) صحيفة تُنشر بصفة دورية. (?) طباعتها مميكنة. (?) تتاح للعامة. (?) تتسم بمحتوًى شامل جامع. (?) يحمل محتواها أهمية عامة. (?) تضم معلومات عن الأحداث الحالية. (?) يجري تشغيلها كنشاط تجاري. في هذا الصدد كتب هابرماس (????) أن تاريخ كبرى الصحف اليومية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يُثبِت أن الصحافة في حدِّ ذاتها باتَ بها من التلاعب إلى درجة أن «اصطبغت بطابع تجاري»؛ ومن هنا تغيَّرت العلاقة بين الناشر والمحرر، وأضحى عمل التحرير متخصِّصًا تحت ضغط نقل الأخبار بتقنيات فنية متطورة، وأمسى تحرير الصحف عملًا صحفيًّا بعدما كان عملًا أدبيًّا (بالداستي، ????). أما شودسون (????) فكتب أن الصحف حتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر خدمت الأحزاب السياسية ورجال التجارة؛ إذ باعت — مع «الصحافة الرخيصة» — منتجًا لجمهور قرَّائها بوجه عام من ناحية، ومن ناحية أخرى باعت جمهور القرَّاء لشركات الدعاية، والمنتج الذي باعته للقرَّاء هو «الأخبار».
مع أن اكتساب الأخبار لطابع تجاري بدأ متزامنًا بالعديد من البلدان، فقد أغفل الباحثون دورَ «وكالات الأنباء» في عملية تحوُّل الأخبار إلى سلعة عالمية تُباع وتُشترَى على نطاق جماهيري؛ فيشير هابرماس (????) إلى مجانسة الأخبار على يد الوكالات الصحفية التي يسيطر عليها التنظيم الاحتكاري، لكنه لا يلتفت فيما عدا ذلك إلى وكالات الأنباء. أما شودسون (????) فيقرُّ أولًا بأن ظهور وكالة أسوشيتد برِس يفسِّر على نحو واضح سببَ تحوُّل الخبر بمجرد ظهوره إلى «خبر واقعي تمامًا غير منحاز»، لكنه فيما بعدُ يرفض هذا التفسير. لكن السؤال المهم هنا ليس: هل أضحَتِ الأخبار أكثر موضوعيةً مما كانت من قبلُ أم لا؟ أتفق مع الباحثين الذين ينظرون إلى الخبر على أنه تركيبة اجتماعية وليس انعكاسًا طبيعيًّا لما يجري في العالم (بالداستي، ????)، وتمييزه على هذا النحو مهم لأغراض هذا الفصل؛ فقد غدَتِ الأخبارُ — كما كتب بالداستي (????) — في القرن التاسع عشر مُنتَجًا مصنوعًا يعكس متطلبات الأطراف التي تدخل في إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه.
لم تغدُ الصحفُ وحدها في القرن التاسع عشر مُنتَجًا مصنوعًا، بل صارت الأخبار بدورها مُنتَجًا يُصنع ويشبه الكتب من العديد من النواحي، وعنى إكسابها طابعًا تجاريًّا — من بين ما عناه — أنها أضحت أكثر أهميةً للصحف؛ ومن ثَمَّ شغلت المزيدَ من عواميد الصحف أكثر من أي وقت مضى، غير أنها اختلفت عن الكتب من جانب واحد؛ وهو أنها لم تكن معمِّرة، وقد استمدَّتْ قيمتها من ميزة مقابلة؛ لأنها كانت غير معمِّرة وتُستهلَك على الفور.
باتت الصحف قصيرةَ الديمومة لأن الأخبار بدورها باتت قصيرةَ الأجل؛ ومن ثَمَّ احتاجت الصحف الحديثة العالمية التجارية إلى الأخبار وتنافست على الوصول إلى أحدثها، فصدرت في بادئ الأمر عدة مرات بالأسبوع، ثم باتت تصدر يوميًّا؛ ومن هنا تطلَّبت مزيدًا من الأخبار عن سابقاتها. وقد كانت وكالات الأنباء هي ما أطلق حركة إنتاج الأخبار على نطاق واسع عالمي، فباعت الأخبار للصحف التي قدَّمتها بدورها لعملائها. وكما كتب بالمر (????)، لم يكن من الممكن أن تغطِّيَ أيُّ صحيفة كلَّ أصناف المعلومات — من المعلومات السياسية إلى الاقتصادية إلى الأخبار الأجنبية — على وجه تامٍّ، وبالسرعة والموثوقية اللتين تميَّزت بهما وكالات الأنباء التي أضحت شركات تجارة بالجملة تبيع الأخبار للبنوك والتجار وللدوائر الحكومية والصحف. بدأ تأسيس أولى وكالات الأنباء منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى الآن، ومع تأسيس وكالة الأنباء الأولى حاكَى العديدون نموذجَها بمختلف الدول، حتى غدَتْ وكالات الأنباء موجودة بأغلب دول أوروبا المتقدمة بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر، وتزامَنَ هذا مع ظهور الصحف العالمية.
يتعيَّن علينا دراسة وكالات الأنباء إنْ أردنا فهمَ الكيفية التي تتحوَّل بها الأخبار إلى سلعة، وعلينا هنا أن نطرح بعض الأسئلة: كيف جعلت وكالات الأنباء من الأخبار سلعةً؟ وما الذي تطلَّبه تحديدًا تحوُّلُ الأخبار إلى سلعة تجارية؟ وما الذي اختلف بتأسيس أولى وكالات الأنباء؟ هنا نصل إلى مفهومَيِ الزمان والمكان اللذين خلَتْ منهما المناهج التقليدية السابقة في دراسة وكالات الأنباء.
(?) الأخبار والزمان

يقرُّ أغلبُ الدارسين بأن وسائل الإعلام الإلكترونية قد غيَّرت من مغزى المكان والزمان والحدود المادية بوصفها متغيِّرات لعمليات الاتصال (مايروفيتز، ????). ويرى هارفي (????) أن تَشْييء الزمان والمكان سمح للزمان بالقضاء على المكان، ويسمِّي هارفي هذه العملية بعملية انضغاط الزمكان، وهي بمنزلة تطوُّر يمكن من خلاله إعادة تنظيم الوقت على نحوٍ يقلِّص قيودَ المكان، والعكس صحيح. ومن هنا كتب جيدينز (????) أن تنظيم الوقت هو أساس التحكُّم في المكان؛ ومن ثَمَّ لا ينفك الزمان والمكان متصلين، فكتب: أخذ العصر الحديث بشكل متزايد مع بدايته يخلص الفضاء من قيود المكان بتعزيز العلاقات مع الآخرين «الغائبين»، البعيدين مكانيًّا عن أيِّ تفاعُل وجهًا لوجه. يأخذ المكان في العصر الحديث في التحوُّل بشكل متزايد إلى صورة وهمية؛ بعبارة أخرى تخترق الأمكنةَ مؤثراتٌ اجتماعية بعيدة تمامًا عنها وتشكِّلها.
تزامَنَ الاختلاف الجوهري الذي طرأ على العلاقة بين الزمان والمكان مع النقلة من ثقافة الطباعة إلى الثقافة الإلكترونية، وحظي التلغراف بوصفه التقنية الجديدة التي أتاحت الثقافة الإلكترونية بالاهتمام الأكبر. من هنا يعتبر كاري (????) التلغرافَ نقطةَ تحوُّل في عالم الاتصالات؛ إذ غيَّر على سبيل المثال لا الحصر طبيعةَ اللغة، وطبيعةَ المعارف التقليدية، وطبيعةَ بِنى الوعي ذاتها؛ فيرى مايروفيتز (????) أنه مع ابتكار التلغراف واستخدامه بدأَتِ الفروق المعلوماتية بين مختلف الأماكن تتآكل، ودُمِّرت خصوصية المكان والزمان. نشأَتِ العلاقة الوثيقة بين الأخبار والزمان في القرن التاسع عشر، ولا شك أن الأخبار كانت دومًا جديدة؛ أي أنها لم تتوافر من قبلُ. لكن من جهة أخرى لطالما احتاجت الأخبار قبل ابتكار التلغراف إلى حامل لها؛ فسافرت بسرعة حاملها، ثم طرأت نتيجةً للتقدُّم الذي شهدته وسائلُ النقل تغيُّراتٌ كبرى على عملية انضغاط الزمكان، بعبارة أخرى تقلَّصت المسافة من حيث الوقت المستغرَق للانتقال من مكان لآخَر (مايروفيتز، ????). فعلى سبيل المثال، استغرقت الرحلةُ من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية عامين سيرًا على الأقدام، وأربعةَ أشهر على ظهر عربات الجياد، وأربعةَ أيام فقط على متن القطار (لاش وأوري، ????).
كان التلغراف هو ما فصل بين الرسالة وحاملها، وعزَّزَ العلاقة الوثيقة بين الأخبار والزمان، علاوةً على أن استخدامَ إشارة التلغراف أتاح التزامُنَ بين التوقيتات المحلية وتوقيت جرينيتش؛ فأُبرِمت أولُ اتفاقية دولية حول توحيد المناطق الزمنية عام ???? (لوي، ????). وأدى التلغراف إلى تغييرات كبيرة طرأت على العلاقة بين الزمان والأخبار؛ لأن قيمة الأخبار أمكن قياسها نسبةً إلى الزمان الذي بات يُقاس كمًّا.
يقدم تاريخ وكالات الأنباء العديدَ من الأمثلة على الكيفية التي أضحَتْ بها السرعة شديدةَ الأهمية مع استخدام التلغراف في نقل الأنباء، ففيما مضى قبل ظهور التلغراف، كان يمكن أن تكون الأخبار قديمةً تمامًا؛ على سبيل المثال، في بداية القرن الثامن عشر استغرق نقل الرسائل من إنجلترا إلى ماساتشوستس على أقل تقدير ?? يومًا، ولم تبلغ الأنباء غير الرسمية بوفاة الملك ويليام عام ???? رعاياه الأمريكيين إلا بعد مرور ثلاثة أشهر تقريبًا على وفاته (ستيفنز، ????). غير أن وكالات الأنباء بمساعدة التلغراف اختصرت الأسابيع إلى ساعات.
من هنا أضحت السرعة مع ظهور التلغراف ملمحًا أساسيًّا للطبيعة الحصرية السلعية للخبر؛ ومن هنا عرف بوشر (????) الأخبار كمُنتَج يحتفظ بقيمته ما دام حديثًا، وكتب إليوت وجولدينج (????) عن مفهوم حصرية السلعة التي تعتمد عملية إنتاجها على عنصرين هما السرعة والابتكار: بعالم الصناعة، حيث تشكِّل المنافسة على الأسواق والمنافسة داخل الأسواق ضغوطًا متزايدة على المؤسسات، أضحت السرعة إحدى أهم ركائز مؤسسات الإعلام الإخباري، ومن المحتم إمداد الأسواق بالمعلومات قبل المنافسين. وتؤثِّر ضرورةُ جمع المعلومات ومعالجتها ونشرها على جناح السرعة على نوع السلع المنتجة.
باتت وكالات الأنباء تستخدم التلغراف على نطاق كبير، ومع أن أولى وكالات الأنباء التي تأسَّست قبل ظهور التلغراف ظلَّتْ مضطرةً للاعتماد على البريد أو الحمام الزاجل، فإنها قد تبنَّتْ تقنيةَ التلغراف الجديدة فور طرحها للاستخدام. وإذا كان القراء يستهلكون الصحفَ بمعدل يومي أو نصف يومي، فستبدأ الصحف في شراء الأخبار من وكالات الأنباء على فترات أقصر، وأمكن لوكالات الأنباء بمساعدة التلغراف إرسال البرقيات ليس يوميًّا فحسب، بل كل ساعة، وأمكنها في الوقت المناسب إرسالها كل دقيقة وكل ثانية. كان تدفُّق الأخبار الفوري في بادئ الأمر نتاجَ وكالات الأنباء بالقرن التاسع عشر، ولم تضطلع وسائل الإعلام الإلكترونية بذلك إلا لاحقًا في هذا القرن؛ فأمكن لوكالات الأنباء موافاة القارئ بالخبر مباشَرةً على النحو الذي قدَّمته به إلى عملائها بالشركات والحكومات، غير أن وقت المستهلك بالقرن التاسع عشر لم تشغله الأخبار بقدر ما تملأ قناة سي إن إن يومنا اليوم. وهنا نتطرَّقُ إلى مسألة المكان الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالزمان بحيث يستحيل الفصل بينهما. (?) الأخبار والمكان

كما أشرتُ آنفًا، ارتبطَتِ الأخبار بالمكان ما دامت الحشود تجتمع بالأسواق لتبادلها، فالأخبار كانت مرتبطة بالأماكن، وكان يمكن أن تتقادم الأخبار أو أن تَرِدَ من نقاط نائية، غير أن مَن تبادَلَها هم الناس، وأغلب الأخبار كانت عن أماكن مألوفة لديهم؛ ومن ثَمَّ كانت عملية تبادل الأخبار علاقة اجتماعية تقوم على التواصل وجهًا لوجه، تقع في سياق مجتمعي وترتبط بالمكان.
من المهم أيضًا الإشارة عند هذه النقطة إلى العلاقة الوثيقة بين المكان والأخبار؛ فيرى ساك (????) أن المكان والاستهلاك مرتبطان لسببٍ واضح؛ أَلَا وهو أن عملية الاستهلاك يجب أن تقع في مكان، بعبارة أخرى يجري استهلاك السلع بموقع ما. وأغلب الأخبار التي تُوزَّع على الأسواق تتسم بعلاقة واضحة بينها وبين حياة موزِّعِيها ومُستقبِلِيها بمواقعهم؛ فالمكان — بعكس الفضاء — مألوف وواقعي وملموس؛ ومن هنا جاء التعبير الإنجليزي «ما من مكان كالمنزل» (رالف، ????). كانت الأخبار محليةً من حيث إنها اتصلت بالحياة اليومية بمحل معيشة الناس.
كتب أوجيه (????) أن مصطلح الفضاء المكاني هو مصطلح أكثر تجريدًا من مصطلح المكان الذي يوحي غالبًا للذهن بحدث محدَّد وقع بمكان ما. وعندما بدأ إرسال الأخبار من الأماكن النائية عبر وسائل الإعلام الجماهيرية، بدأت الأخبار تفقد صلتها المباشِرة بحياة الأفراد العادية؛ فكما يشير شيفلبوش (????)، السلع لا تغدو بلا وطن إلا عندما تخلق وسائلُ النقل الحديثة فاصلًا مكانيًّا محدَّدًا بين مكان إنتاج السلعة ومكان استهلاكها، وأضاف أن السلع تفقد هويتها المحلية وحاضرها في الفضاء الفاصل الذي تغطِّيه السلعةُ في طريقها من محل إنتاجها إلى السوق.
أوجد استخدام التلغراف ارتباطًا حقيقيًّا ليس بين الأخبار والزمان فحسب، بل بينها وبين المكان كذلك؛ فعلى الرغم من أن التلغراف نقل الأخبار كما تُنقَل السلع على متن القطارات أو السفن، فقد كان ابتكارًا ثوريًّا من حيث إنه نقل الأخبار دون حامِل لها وبسرعة الكهرباء الآنية.
اختلفت الأخبار الإلكترونية عن غيرها من المنتجات من جانبين؛ أولهما: أنها لم تَعُدْ بحاجة إلى حامل لها، وثانيهما: أنها لم تُنقل بكميات كبيرة كالطوب أو الذُّرة، وإنما أمكن إرسال كل رسالة إخبارية عبر التلغراف في الوقت نفسه إلى عدة أماكن مختلفة حول العالم؛ حيث تنسخها وكالات الأنباء في نشراتها الإخبارية لعملائها. كان التلغراف آنذاك تقنية شديدة الأهمية، غير أن وكالات الأنباء هي ما حوَّلت رسائله إلى مُنتَج إعلامي جماهيري؛ وهي الأخبار.
من هنا، باتَ تبادُل الأخبار في بادئ الأمر «تفاعُلًا وسيطًا». ويصف طومسون هذا النوع الجديد من العلاقات بأنه «شبه تفاعل» يجري عبر وسيط (طومسون، ????)؛ إذ إن الأخبار التي تبادَلَها الأفراد سابقًا وجهًا لوجه باتَتْ تنتقل الآن عبر وسائل الإعلام. بَيْدَ أن كلمة «شبه» قد تعني: «يمكن القول» أو «تقريبًا» أو «على وجه التقريب» أو «نادرًا»؛ مما يوحي بأنه تفاعل أدنى من أن يكون حقيقيًّا، غير أنني أشدد على أنه كان بمنزلة نوع جديد من العلاقات الاجتماعية لم يحلَّ محلَّ التواصُل وجهًا لوجه، وإنما أبرز الوساطة كمفهوم مهم؛ فالأخبار عينها غدا مُستقبِلوها للمرة الأولى أناسًا لم تجمعهم معرفة شخصية بعضهم ببعض، وإنما جمعتهم علاقة اجتماعية تتوسَّطها وسائل الإعلام الجماهيرية (هارفي، ????)، وبات مكانُ تبادُلِ الأخبار الذي جمعت فيه بين الأفراد معرفةُ بعضهم ببعض فضاءً إلكترونيًّا مجرَّدًا تربط بين أطرافه وسائلُ الإعلام الجماهيرية؛ فشبه التفاعل الذي يجري عبر وسيط — على حدِّ ما كتب طومسون (????) — هو تفاعُلٌ في طبيعته أحادي الحوار، بمعنى أن التواصُل يتدفق في الأغلب باتجاه واحد. لكن إن نظرنا إلى كلمة «شبه» على أنها تعني بالمقام الأول «كما لو يمكن القول» لأمكننا فهم هذا النوع الجديد من التبادُل على أنه علاقة «اجتماعية»، حتى إن لم تَعُدْ مُباشِرة وجهًا لوجه.
من هنا أضحَتِ الأسواق المحلية أسواقًا قومية تحوَّلت بدورها إلى أسواق عالمية، فتجاوزت الأخبار بإرسالها من بلد إلى آخَر الحدودَ القومية وأصبحت عالمية إذ أمكن الانتفاع بها في أي مكان؛ فترجمتها وكالات الأنباء في كافة الدول التي استقبلت البرقيات للغة الدولة القومية ونقلتها لعملائها بعد مراجعتها وتحريرها، وبالتالي أدَّتْ كافة وكالات الأنباء دورًا مزدوجًا بالسوق العالمية؛ فمن ناحية لعبت دورَ الموزِّع للأخبار القومية، ومن ناحية أخرى استقبلت الأخبار العالمية، وتنطوي هذه العلاقة على نقاط اتصال وانفصال بين الأخبار المحلية والدولية.
ربط التلغراف بين الدول الأوروبية في خمسينيات القرن التاسع عشر، غير أن المحيطات فصلَتْ بين القارات، لكن جرى تجاوُز هذه العقبة لأول مرة عام ????، عندما تمَّ تركيب كَبْل بحري بين مدينتَيْ كاليه ودوفر. بعد عشر سنوات، تمَّ الربط بين أوروبا وأمريكا بكَبْل تلغراف يمتدُّ تحت المحيط، وأعقب هذا تركيب كَبْلات تصل بين القارة الأفريقية والهند في ستينيات القرن التاسع عشر، ثم بين الصين وأمريكا الجنوبية واليابان في سبعينيات القرن التاسع عشر.
من هنا خلقَتْ تقنية التلغراف الجديدة حلقاتِ اتصال فورية بين القارات التي تواصلت من قبلُ على نحوٍ غير منتظم مع فترات تأخُّر طويلة. لكن يجدر تذكُّر أن هذا التواصل انحصَرَ بين المراكز الكبرى أو العواصم أو المدن الصناعية الكبرى، وأضحت وكالات الأنباء الأوروبية الثلاث الأبرز — وكالة هافاس بفرنسا ووكالة رويترز ببريطانيا ووكالة وولف بألمانيا (كونتيننتال تليجرافن كومباني) — وكالاتٍ عالميةً في الأعوام الأولى من نشاطها، فيما واصلَتْ وكالات الأنباء الأخرى نشاطَها في إطار محلي، وهو اختلاف جوهري؛ فوكالات الأنباء المحلية عملت في نطاق بلادها، فيما اتسع نشاط وكالات الأنباء العالمية لتمتد إلى خارج بلادها. صادف أن فرنسا وبريطانيا وألمانيا تمتعت بشبكات تلغراف واسعة النطاق؛ فبلغت حصة الشركات الخاصة من كَبْلات التلغراف على مستوى العالم ????? عام ???? (بلغت حصة بريطانيا من هذه النسبة ?????)، وامتلكت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية ما يربو على ??? من إجمالي كَبْلات التلغراف الحكومية (هيدريك، ????).
اعتمدت الصحف على وكالات الأنباء التي اعتمدَتْ بدورها على اتساع شبكات التلغراف، فاتبعت من ثَمَّ امتداد كَبْلات التلغراف. ولا شك أن وكالتَيْ أنباء رويترز وهافاس استفادَتَا أكبرَ استفادة من شبكات الكَبْلات المحلية التي امتلكَتَاها، أما وكالة وولف فمدَّتْ نشاطها لقارات أخرى. فقد أسَّس جوليوس رويتر على سبيل المثال وكالته في لندن عام ???? قبل شهر من افتتاح كَبْل التلغراف الممتد بين كاليه ودوفر، الذي يُعَدُّ أول حلقة وصل تحت البحار يشهدها العالم، كما افتتحت وكالة رويترز — بناءً على تتبُّعها لتقدُّم امتداد خطوط كَبْلات التلغراف — مكاتبَ لها في الإسكندرية عام ????، فبومباي عام ????، ثم في ملبورن وسيدني عام ????، فكيب تاون عام ????، وكانَتْ وكالةَ الأنباء الوحيدة التي تموِّل كَبْلات التلغراف؛ ومن هنا كان شعار جوليوس رويتر «تتبع كَبْلات التلغراف» (ريد، ????).
كتب إليوت وجولدينج (????) أن مفهوم حصرية السلعة يقوم على ملمحين متصلين من ملامح عملية الإنتاج؛ وهما السرعة والابتكار، ويريَان أن الابتكار تستتبعه آثارٌ مهمة على عملية إنتاج الإعلام الإخبارية؛ فبقدر ما يُعَدُّ ابتكار السلعة في مجال الصناعة مزيةً في مناخٍ تسوده المنافسة، يتيح ابتكارُ قصة إخبارية مزايا لمؤسسات الإعلام الإخباري؛ ومن ثم تهدف كل مؤسسة إعلام إخباري إلى إمداد عملائها بقصة إخبارية لا يتسنَّى لمؤسسات الإعلام الإخباري المنافسة تقديمها.
لم يرتبط الابتكار عادةً إلا بمحتويات قصة إخبارية؛ قصة عن حدث لم يكن معروفًا من قبلُ، غير أن ثمة عاملًا آخَر أغفلته الأبحاث السابقة، وهو المكان. تطرَّقَتْ في الواقع دراساتُ حركات تدفُّق الأخبار بشكل غير مباشِر لهذه المشكلة عن طريق تكويد مصادر الأخبار، لكن من المؤسف أنها سلَّطت اهتمامها على الدول القومية (فدرست على سبيل المثال نسبةَ الأخبار التي تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية، راجع سريبيرني-محمدي وآخرون، ????)، ولم تركِّز على الأماكن التي وردت منها الأخبار؛ فيمكن أيضًا أن يشمل مفهومُ حصرية السلعة الأماكنَ أيضًا.
شكل ?-?: الأخبار الإلكترونية عام ????. برقية نُشِرت بإذن من أرشيفات وكالة رويترز.
عنصر المكان مهم في الخبر؛ لأن الأحداث تقع بمكان، وأسوق مثالًا على ذلك: نقل الأخبار في روسيا الإمبراطورية في القرن التاسع عشر؛ إذ لم تحمل نشرات الأخبار التي قدَّمتها وكالات الأنباء الروسية آنذاك عناوينَ أخبار، بل ظهرت بترتيب عشوائي لا يفصل بينها إلا إشارة لمكان نقل الخبر (وليس الدولة) والتاريخ (على سبيل المثال: تورينو، ?? ديسمبر، ????)، واتبعت الصحف النهجَ نفسه ونشرت في كثير من الأحيان نشراتِ الأخبار كما وردَتْ بالضبط؛ من هنا أضحى المكان والتاريخ هما الملمحين الأهم والأبرز لكل برقية إخبارية (رانتانن، ????)، وأصبحَا المعيارَ الجديد لتقييم الأخبار.
لا يعدو تعريف إليوت وجولدينج لمكونات الخبر الجديد ذلك؛ فالخبر الجديد في أبسط صوره هو خبر يفتقر إليه المنافسون. وقد كانت وكالات الأنباء في القرن التاسع عشر أول مَن صنع حركة العولمة الإلكترونية بنقل الأخبار من أماكن بعيدة، وأضحى من المهم نقلُ الأخبار بسرعة أكبر من المنافسين، ليس من المناطق المحلية فحسب، بل من المناطق البعيدة أيضًا.
أسوقُ مجدَّدًا أمثلةً على ذلك من روسيا الإمبراطورية؛ فعلى سبيل المثال، في الأيام الأولى لم تنشر الصحفُ الروسية في كثير من الأحيان البرقياتِ، بل اكتفَتْ بإعلان «لم نتلقَّ اليومَ برقياتٍ». كانت الصحف الروسية تتلقَّى البرقياتِ من المدن خارج أوروبا، وكانت أبعد نقاط وردَتِ البرقياتُ منها، هي ماكاو وطنجة وهونج كونج ونيويورك، غير أن الأنباء ظلَّتْ تصدر بصورة متقطعة نسبيًّا من هذه البقاع، ووردت غالبية البرقيات من أبرز مدن بثِّ الأخبار كلندن وباريس وبرلين وفيينا، وأسرعها ورد من نيويورك (عبر كَبْل المحيط الأطلنطي)، غير أنها تطلَّبت فترة تتراوح ما بين يوم وثلاثة أيام لتسليمها؛ لكن تقلَّصَ تدريجيًّا متوسطُ الوقت المستغرَق لنقلها إلى يوم واحد. وانخفض عدد البرقيات التي تَرِدُ من أبرز مدن نقل الأخبار بأوروبا مع بداية القرن العشرين، وظهرت مراكز غير أوروبية جديدة لنقل الأخبار (رانتانن، ????).
كتب مايروفيتز (????) أن وسائل الإعلام الإلكترونية تخلق مجتمعاتٍ لا تتمتع «بحس المكان»، لكن تكشف دراسات عملية إنتاج الأخبار عن مفهومٍ للمكان أضحى في القرن التاسع عشر أكثرَ أهميةً في إنتاج الأخبار الإلكترونية عن ذي قبل؛ إذ ولَّدَ انتقالُ الأخبارِ من البقاع النائية وتغلُّبها بذلك على عقبات المكان صورةً جديدة من الابتكار فيما يتصل بالحصرية السلعية للأخبار، وتنافست وكالات الأنباء بعضها مع بعضٍ على نقل الأخبار من البقاع النائية بأسرع ما يمكن؛ فباتَ المكان سلعةً يُتاجَر بها.
(?) تسليع الفضاء الإلكتروني العالمي

كما أشرتُ من قبلُ، كانت وكالات الأنباء هي ما بدأ تبادُل الأخبار على نطاق عالمي بالتغلُّب على عقبات الزمان والمكان؛ فبينما امتلأ الزمان والمكان بالعقبات، ظلَّ الفضاء الإلكتروني الجديد عَصِيًّا على تلك العقبات؛ ومن هنا كتب ساك (????) أنه عندما يجري التحكُّمُ بالفضاءات المكانية، تنشأ المناطق الإدارية. ومع استيلاء القوى العالمية المسيطرة بنهاية القرن التاسع عشر على فضاءات «مفتوحة» شاسعة بالقارات الأخرى، أضحَتِ الأخبار عالميةً. وفي هذا الصدد، يرى كاري (????) أن تقنية الكَبْل والتلغراف، مدعومة بالأسطول البحري، هي ما حوَّلَتِ الاستعمارَ إلى حركة إمبريالية؛ ومن هنا تتبعت وكالات الأنباء خطوطَ الكَبْل والتلغراف، ولا عجب أن وكالات أنباء القوى العالمية كانت الأولى في بدء نقل الأخبار للقارات الأخرى.
شكل ?-?: توزيع المناطق الإدارية لوكالات التلغراف العالمية (بموجب اتفاقية عام ????) (إنجمار، ????؛ باللغة الإنجليزية: رانتانن، ????).
مع استعمار القوى العالمية لمناطق شاسعة من العالم، استعمرَتْ وكالات الأنباء هي الأخرى أخبارها عبر تشكيل مناطق إدارية محظورة على غيرها. أولى الاتفاقيات القائمة التي يمكن التثبُّت منها في هذا الشأن وُقِّعت بين وكالات الأنباء العالمية الثلاث — هافاس، ورويترز، ووولف (كونتيننتال تليجرافن كومباني) — عام ????. عُدِّلت الاتفاقية ورُوجِعت بصفة دورية وشكَّلتِ الأساسَ لاتحاد احتكاري قوي احتكَرَ سوق الأخبار، وقسَّمَ بين أعضائه سوقَ الأخبار العالمية، ودام لأكثر من سبعة عقود.
كان المصطلح الأهم آنذاك، الذي يرجع استخدامه إلى اتفاقية عام ???? المبرَمة بين وكالة هافاس ورويترز ووولف (كونتيننتال تليجرافن كومباني) — والذي تكرَّرَ بالاتفاقيات كافة من بعدها — هو «حق الانتفاع الحصري» لترويج الأخبار في المناطق الإدارية لكل وكالة أنباء. وسارت الاتفاقيات بين الوكالات الثلاث على نهج محدَّد يقضي بأن تتمتَّع وكالات الأنباء العالمية بحقوق انتفاع حصرية بالنسبة إلى الأخبار في مناطقها الإدارية، وكانت الاتفاقيات — كما كتب إنجمار (????) — احتكارًا للمبيعات يقضي بأن يتمتَّع الطرف الذي يبسط سيطرته على المنطقة بحق حصري لبيع الأخبار هناك.
تمنحنا اتفاقية عام ???? فكرةً عن الكيفية التي قسَّمَ بها هذا الاتحاد الاحتكاري سوقَ الأخبار العالمية. أفردَتِ الاتفاقيةُ لوكالة رويترز حق السيطرة الحصري على إنجلترا وهولندا ومستعمراتهما؛ بينما شملت حصة وكالة وولف من الاتفاقية ألمانيا وإسكندنافيا ومدينتَيْ سانت بطرسبرج وموسكو؛ أما وكالة هافاس فتمتَّعَتْ بحقوق حصرية في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال. ثم اتَّسَعَ نطاقُ مبدأ حق الانتفاع الحصري ليشمل مناطق أخرى؛ فلم تتناول اتفاقية عام ???? مناطقَ العالم القديم فحسب، لكنها شملت أيضًا العالَمَ بأسره. وخصَّصت اتفاقية عام ???? بين هافاس ورويترز أمريكا الجنوبية لوكالة هافاس، فيما خصَّصَتِ الهند والصين واليابان لوكالة رويترز. بحلول عام ????، كانت مناطق العالم كافة قد جرى تقسيمها بين وكالة هافاس ورويترز ووكالة وولف (كونتيننتال تليجرافن كومباني) إضافةً إلى وكالة أسوشيتد برِس الأمريكية ومكتب كوريزبوندانز بيورو النمساوي المجري كشريكَيْن بحصة صغرى، وكانت المناطق الوحيدة التي لم تخضع للتقسيم هي ألاسكا وروسيا (باستثناء موسكو وسانت بطرسبرج بهما) والحبشة والكنغو والجزيرة العربية وأفغانستان وفارس وسيام (رانتانن، ????). في الوقت نفسه، تخلَّتْ وكالات الأنباء المحلية عن حقِّ نقل الأخبار للخارج إما بصورة مباشرة وإما عبر أي وكالة منافِسة، وتعيَّنَ عليها عوضًا عن ذلك أن ترسل الأخبارَ وتستقبلها عبر وكالة الأنباء العالمية (أو نظيراتها) الموقعة على الاتفاقية، كما اضطرت لدفع عمولات طائلة للوكالات العالمية، وليس العكس.
من هنا لم يَعُدِ الفضاءُ الإلكتروني — شأنه شأن الزمان والمكان — سلعةً يُتاجَر بها فحسب، بل أضحى أيضًا فضاءً محتكرًا قُسِّم إلى مناطق إدارية، وهذا التقسيم الإداري — على حدِّ تعبير ساك (????) — استراتيجية ترتكز على المكان لتجعل منه أداةَ نفوذٍ؛ فلم يَعُدْ يجري تبادُل الأخبار علانيةً بالسوق المفتوحة، أو تتاح بيسر لمتناول الجميع، بل بات يُنظَر إليها كغيرها من السلع، وكان هناك حرص أكبر على حمايتها؛ ومن هنا فُرِضت قيودٌ على الوصول لمصادر الأخبار، إضافةً إلى أماكنها. وبتشكيل اتحاد احتكاري للأخبار، حصرَتْ بشكل كبير وكالات الأنباء الجديدة العالمية المنافَسةَ بتثبيت أسعار الأخبار وتقاسم أسواقها وحصد أرباحها. ويصادف أن حركة الاتحادات الاحتكارية الحديثة في مجال الصناعة تعود إلى سبعينيات أو ثمانينيات القرن التاسع عشر، عندما أدَّتِ التحسينات التي شهدتها وسائلُ النقل والتصنيع ونمو التجارة الحرة إلى اتحاد الشركات المنفصلة جغرافيًّا بعضها مع بعض (خان، ????). باستعمار الفضاء الإلكتروني، احتكرت وكالات الأنباء العالمية نقلَ الأخبار في مناطقها الإدارية، وغدت نموذجًا أوليًّا لمؤسسات الاتصالات العالمية بالمستقبل.
(?) الفضاء الإلكتروني العالمي

يرى هارفي (????) أن حركة انكماش الخارطة العالمية الأبرز وقعت في الفترة ????–???? من خلال الابتكارات التي طرأت على وسائل النقل، والتي حطَّمت حواجزَ المكان عبر الزمن، وهو ما تزامَنَ جزئيًّا مع المرحلة الثانية من العولمة في أوروبا، التي يصفها روبرتسون (????) بالمرحلة الأولية (????–????). ومع أنه لا يأتي على ذكر الاتصالات الدولية إلا متأخرًا في سياق ما يسميه بمرحلة الانطلاق (????–????)، وكانت وكالات الأنباء قد بدأت بالفعل تمارس نشاطَها في وقت سابق على هذه المرحلة، ولعبَتْ دورًا مهمًّا في الوصل بين الأماكن حول العالم لتشكِّلَ بذلك فضاءً إلكترونيًّا عالميًّا جديدًا.
كانت وكالات الأنباء، بمساعدة التلغراف، أولَ وسيط عالمي يطلق نشرَ الإمكانات الإلكترونية؛ فقد نجحَتْ في التغلُّب على العقبات الجغرافية التي أعاقت من قبلُ نقلَ الأخبار بسرعة من البقاع النائية، وعندما شرعت في استخدام التلغراف — ولا سيما الكَبْلات البحرية — أحرزَتْ إنجازًا غير مسبوق؛ فأطلقت حركةَ تبادُلِ الأخبار الإلكترونية من بقاع مختلفة بصفة دورية، وكانت هذه البقاع تتواصَلُ من قبلُ بعضها مع بعض لكن بوتيرة أقل؛ فأبحرت السفن بين القارات غير أنها واجهَتْ على الدوام عامِلَ التأخُّر المفاجِئ الذي كان يمكن أن يستغرق أيامًا أو أسابيع أو شهورًا؛ أما في العهد الإلكتروني الجديد، فقد اختلَفَ مفهومُ الزمان والمكان.
نتج هذا الفضاء الإلكتروني العالمي الجديد عن علاقات اجتماعية قائمة على وسائل الإعلام الجماهيرية، وارتكَزَ على هذه العلاقات؛ ومن هنا كتب ليفيفر (????) أن الأنشطة المكانية تدخل فيها علاقة المحلي بالعالمي. وقد ولَّدت وكالات الأنباء علاقةً قائمة على وساطة إلكترونية بين بقاع في مختلف أرجاء العالم، غير أن هذه البقاع تبايَنَتْ من حيث قِيَم تبادُلها وفقًا لموقعها وزمن النقل (أي الزمن المستغرَق بين «الحدث» ونقل خبره)؛ فتعيَّنَ أن يكون الزمن المستغرَق لنقل الخبر من البقاع النائية قصيرًا نسبيًّا، وتعيَّنَ بالطبع أن يكون أقصر من المدن الرائدة في نقل الأخبار على مستوى العالم كلندن وباريس وبرلين وفيينا. ومن المهم أن نتذكَّرَ أن وكالات الأنباء العالمية أرسَتْ قواعدَها لتبادُل الأخبار في الفضاء الإلكتروني العالمي بالربط بين هذه الأماكن. من جهة أخرى، تعيَّنَ على وكالات الأنباء القومية توفير الأخبار عن البقاع الواقعة داخل حدودها القومية تبعًا للمواقيت الإخبارية التي تحدِّدها وكالات الأنباء العالمية؛ أي تنتج الأخبار سريعًا وبصفة دورية باتِّبَاع النهج العالمي لإنتاج الأخبار، أيًّا كانت المواقع الجغرافية أو الاختلافات الثقافية أو الإمكانات التكنولوجية، وإنْ فشلَتْ عُدَّتْ غيرَ مواكبة للعصر الحديث، ووُصِمت بالتخلُّف أو الرجعية، وطُرِدت من الفضاء الإلكتروني العالمي الجديد. يستخدم أوجيه (????) مصطلح اللامكان لوصف بعض الأماكن كالمطارات أو مراكز التسوق غير العلائقية أو التاريخية التي لا صلة لها بالهوية. ويرى رالف (????) أن وسائل الإعلام الجماهيرية تنتج هويات واسعة النطاق من أماكن لا تضم إلا انتماءات سطحية لأبعد الحدود؛ مما لا يُفسح مجالًا للداخلية التشاركية، ويقضي على الداخلية الوجودية بتحطيم قواعد الهوية الخاصة بالمكان. وفي حركة تدفُّق الأخبار العالمية، يغدو المكانُ بسهولةٍ لا مكانًا وهميًّا يُشار إليه فقط في سياق حدثٍ وقع فيه، وقد يفقد هويته المحلية الأصلية.
هذا يقودنا مجدَّدًا لقضايا التفاوت والهيمنة بين وكالات الأنباء التي تُهمَل بسهولة عندما نتحدَّث عن أشياء «مجردة» كالزمان والمكان؛ فنجد على سبيل المثال مورلي وروبينز (????) يتحدثان عن «فضاء عالمي تغدو فيه الفواصل والحدود غيرَ مُحكَمة». وفي الدراسات التي تتناول وكالات الأنباء، أبرَزَ منهجَا الاقتصاد السياسي وحركةُ تدفُّق الأنباء مفهومَيِ التفاوت والهيمنة اللذين ينبغي ألا يُغفلَا في مناقشة الفضاء العالمي الإلكتروني الجديد في القرن التاسع عشر، فلم يَعُدِ الفضاءُ الإلكتروني مفتوحًا عندما غَدَا الزمان والمكان سلعةً في عالم الأخبار كما تبيِّن الاتفاقيات بين وكالات الأنباء الدولية، وبات بدوره سلعةً. ثم أطلقَتْ عولمةُ الأخبار الإلكترونية حركةَ تسليعها المكثفة، وأضحى الفضاء العالمي فضاءً مقصورًا تحدُّه فواصلُ وحدود محكمة.
الفصل الرابع
التسليع


كيف تُباع الأخبار
يرى السير رودريك (من وكالة رويترز) أنه من المؤسف أشد الأسف أن النظرةَ إلى تربُّح وكالات الأنباء من بيع الأخبار على أنه عمل غير أخلاقي أو ما شابه لم تنتهِ تمامًا بعدُ. قد يتربَّح المرء من جميع الأنشطة الأخرى تقريبًا — من بيع الكحوليات والمخدرات والأسلحة والتوابيت والمياه والمأوى والروايات — لكن لا يسعه أن يتربح من الأخبار، فما المانع؟ (دبليو تيرنر، في خطاب إلى السيد مولوني، ?? مايو، ????.)1«لا تسرقِ الأخبار» (السيد رويجت، الجلسة العامة الرابعة بمؤتمر الخبراء الصحفيين التابع لعصبة الأمم، ?? أغسطس، ????).2 ما المانع من بيع الأخبار؟ كيف يختلف بيع الأخبار عن بيع الكحوليات أو المخدرات أو الماء؟ وإنْ حسمتَ أمرك ببيعها، فما الذي يجعلها صالحةً للبيع؟ ما الذي نشتريه عندما نشتري الأخبار؟ هل المهم هو «موضوعية» الأخبار كما يزعم الصحفيون والباحثون في مجال الصحافة؟ أم المهم هو رغبة الجماهير في الاطِّلَاع على أحدث الأنباء؟
متى خضعتِ الأخبار للدراسة كان محتواها هو أكثرَ ما يجذب اهتمام الدارسين، وأودُّ في هذا الفصل أن أصبَّ اهتمامي على استكشاف اقتصاديات الأخبار، وعندما نحوِّل اهتمامنا إلى دراسة هذه الاقتصاديات، يغدو هدف الدراسة مختلفًا؛ فتكون المؤسسات المنتجة للأخبار ذات الأهمية الأولى.
بالمثل، عند السعي لدراسة اقتصاديات الأخبار، علينا أن نفهم ماهية الأخبار. تناول الكثير من الدراسات السابقة الأخبارَ كلَوْنٍ أدبي، لكن من جديد أكرِّر أن هذه ليست غاية هذا الفصل؛ فالأخبار كلونٍ أدبي وشكلها لا علاقة لهما بمقاصدي إلا «ككلٍّ» بوصفهما ما يميِّز الخبر عن غيره من السلع الثقافية. علينا أن نفهم «السببَ» الذي يجعل الأخبار تتطلَّب شكلًا محدَّدًا، أن نفهم مجموعة الخصائص الشاملة التي تحوِّلها إلى سلعة يمكن أن تُباع وتُشترَى.
(?) اقتصاد الأخبار

أحرز تشارلز هافاس وبرنارد وولف وجوليوس رويتر — شأنهم شأن الشركات التي تعتمد على الإنترنت اليوم — إنجازًا غير مسبوق لا يتصوَّره عقلٌ، بالمزج بين تقنية التلغراف الناشئة في أوائل القرن التاسع عشر — التي تُعَدُّ بمنزلة الإنترنت في زمانهم — وبين فكرة الأخبار كعمل تجارة بالجملة. وكأنَّ هذا لم يكن إنجازًا ثوريًّا بالدرجة الكافية، فقد بدأ ثلاثتهم بيعَ منتجهم الجديد — وهو الأخبار المنقولة إلكترونيًّا — لا على الصعيد المحلي فحسب، بل على الصعيد العالمي أيضًا، وبذلك أسَّسوا لممارسات الأعمال التي دامت إلى اليوم، وأثَّروا على كل منظمة إعلامية عالمية جديدة انطلقت منذ تأسيسهم شركاتهم. بدأ ثلاثتهم في عصر التصنيع حقبةً اقتصادية جديدة — يسمِّيها كواه (????) حقبةَ «الاقتصاد العديم الوزن» — حيث تبلغ الأهمية الاقتصادية للمعلومات مبلغها في الوقت المعاصر.
كانت الأخبار المنقولة إلكترونيًّا في القرن التاسع عشر مقارَنةً بالأخبار في العصور السابقة سلعة ثقافية جديدة في زمانها، غير أنها اختلفت عن السلع الأخرى؛ لأنها غدَتْ سريعًا سلعةً حصرية لا يمكن للجميع الاستفادة منها، وتأمُّلها من هذا المنظور هو منهج مختلف جدًّا عن مناهج الدراسات الصحفية التي تُعنى بدرجة كبيرة بمحتوى هذه الأخبار، سواء أكان بموضوعيته أم باتباعه أفضلَ مبادئ الكتابة الصحفية. أما هنا فنحن نسعى لاكتشاف ما الذي حوَّل الأخبار إلى سلعة عديمة الوزن يمكن بيعها وشراؤها على نطاق واسع.
يمكن إرسال رسالة إخبارية واحدة بالتلغراف لعدة بقاع مختلفة من العالم في وقت واحد بعكس السلع الثقيلة التي يتعيَّن نقلُ كلٍّ منها على حدة لوجهة مختلفة، ويمكن بعدها بالطبع نسخ هذا المنتَج المعلوماتي الجديد العديم الوزن — الأخبار الإلكترونية — لعدد غير محدود من المرات حول العالم مقابل تكلفة إضافية بسيطة (كتكلفة الترجمة إن دعَتِ الحاجة إليها) ليستخدمه عددٌ لا حصر له من العملاء (رانتانن، ????).
خلق مؤسِّسو وكالات التلغراف الأولى هذا النوع الجديد من السلع بالمزج بين الجديد والقديم؛ بالمزج بين المعلومات وتقنية جديدة هي التلغراف؛ ومن هنا أضحت السرعة مع التلغراف ملمحًا أساسيًّا لتحويل الأخبار إلى سلع يمكن أن تباع وتُشترَى، فباتت ملكيةً تتسم بخصائص محددة، أهمها هو حداثتها، فهي كما كتب بوشر (????): سلعة قيِّمة ما دامت جديدة، ولِتحتفظ بهذه السمة يجب أن يعقب نشرُها الحدثَ نفسه مباشَرةً.
لكن حتى إن أمكن تعريف هذه السلعة الجديدة على أنها سلعة لا وزن لها، فقد كانت مع ذلك سلعة ثقيلة، بل بالغة الثقل في بعض الأحيان؛ لأنها سلعة ثقافية بدأت مع ظهور التلغراف في تجاوُز الحدود الثقافية والقومية، وكانت مثقلة بمحتواها الذي قد تتشاركه أماكن كثيرة، غير أنها كانت مثقلة في الوقت نفسه بالتناقضات. والكل عُني بالأخبار، ليس الأفراد فحسب، بل أيضًا الحكومات والشركات والدول والأحزاب وغيرها من الكيانات المنظمة. (?) السلع الخاصة والعامة

يمكن تصوُّر الأخبار الإلكترونية سلعةً ثقافيةً بقدر ما نَعُدُّ نواتجَ أخرى للصناعات الثقافية المعاصرة كذلك. تُعرَّف الصناعات الثقافية عادةً على أنها مؤسسات تشترك أغلبها بصورة مباشِرة في إنتاج المضمون الاجتماعي؛ إذ إنها تنتج محتوًى يمكن مشاركته (هيزموندهيج، ????). وثمة نوعان من السلع الثقافية؛ السلع العامة والخاصة، وتميِّز النظريةُ الاقتصادية عادةً بين النوعين. تُعرَّف السلع العامة على أنها سلع لا يُتنازَع عليها؛ لأنه بالإمكان تكرار استخدامها من قِبَل مستخدمين عديدين في شتَّى المواقع دون أن تنخفض قيمةُ المعلومة الأصلية (كواه، ????)، وهي سلع غير حصرية؛ أي أنه يستحيل منع مستخدِمِيها من الوصول إليها فورَ إنتاجها. كما أن ثمة خيارًا ثالثًا من السلع، هو مزيجٌ (بين السلع العامة والخاصة)؛ إذ يتسم بإحدى سمات السلع العامة (كأنْ لا يُتنازَع عليها أو تكون غير حصرية) دون سماتها الأخرى (هوسكينز وماكفادن وفين، ????).
كانت الأخبار الإلكترونية في بادئ الأمر سلعًا لا يُتنازَع عليها؛ إذ أمكن أن يستخدمها شتَّى جمهورها الكُثُر دون أن يتنازعوا عليها، ولا يمكن استخدام الأخبار بصفة متكرِّرة من قِبَل الشخص نفسه؛ لأنها لا تحتفظ بقيمتها إلا إذا كانت جديدة؛ ومن ثَمَّ فهي سلعة جمعية تسمح بالتشارك في استهلاكها عندما لا يؤثِّر استهلاك شخص إضافي على تكاليفها خَلَا تكلفة إرسالها (هوسكينز وماكفادن وفين، ????)، فأمكن لشتى المستهلكين الانتفاعُ بالأخبار في الوقت نفسه في مواقع شتَّى في مناطق زمنية مختلفة؛ فالأخبار كانت لا تزال جديدة لهم، وحتى إن علم بها مستهلكون في مواقع أخرى فلم تتراجع قيمتها.
لهذا السبب عُرِّفت الأخبار دومًا كسلعة عامة، غير أنها كانت سلعة خاصة أيضًا؛ لأن الشركات أنتجتها وباعتها لعملائها الذين لم تكن غالبيتهم جمهورًا من الأفراد، بل شركات ومؤسسات أخرى دفعت لقاء الحصول على خدماتها، ثم باعتها مجدَّدًا أو أعادَتْ نشرها. كانت الأخبار سلعة يُتنازَع عليها؛ لأن هذه الشركات دفعَتِ الأموال لقاء الحصول عليها ولم تُرِدْ نشرَها قبل الانتفاع منها. أضحت الأخبار حصريةً لأن هذه الشركات اتخذت جميع التدابير لحمايتها، وما إن يتم تسليمها لجمهورها، حتى تغدو من جديد سلعة غير حصرية لا يُتنازَع عليها.
غير أن الأخبار كسلعة عامة لم تكن ما هدَفَ إليه هافاس ووولف ورويتر، بل على العكس، عندما بدأ نقل الأخبار إلكترونيًّا في القرن التاسع عشر، كان ما قام به ثلاثتهم هو تحويل الأخبار إلى منتج صناعي وإلى سلعة، وهي عملية بدأت بالفعل مع ظهور الطباعة عندما بدأ الدجَّالون ومن بعدهم الصحف في بيع القصص الجديدة. غير أن هذه العملية بلغَتْ مستوًى جديدًا تمامًا مع عمل وكالات التلغراف؛ فصارت الأخبار المنقولة إلكترونيًّا «سلعةً خاصة» حصرية يُتنازَع عليها، تملكها شركاتٌ معروف ملَّاكها، وسُمِّيت تيمُّنًا بأسماء مؤسِّسيها؛ رويتر وهافاس ووولف، وما إلى ذلك. وجمعت وكالات التلغراف الأخبار الإلكترونية وباعتها لعملائها من الشركات والصحف والحكومات.
حوَّل مؤسِّسو وكالات التلغراف الأولى المعلوماتِ إلى أخبار بجمعها ومعالجتها، ثم نقلها إلى مشتريها، وعدُّوها مملوكةً لهم لأن إنتاجها تكلَّفَ المال والعمالة؛ وتمثَّلت قِيَم الخبر في حداثته ودِقَّته وتوافره في المكان الذي يضمُّ عددًا كافيًا من العملاء الراغبين في دفع الأموال لقاء الحصول عليه وقت الحاجة إليه؛ ومن ثَمَّ عدَّتْ وكالات التلغراف الأولى ذاتها مؤسساتٍ تتألَّف من رأس المال والعمالة التي تنتج سلعةَ الأخبار. كانت المادة الخام هي المعلومات التي تُجمَع وتُحوَّل من بعد ذلك إلى المنتج النهائي، وهو الخبر الإلكتروني الذي يُجلَب للمشتري؛ ومن هنا زعمت وكالات التلغراف أنها منتجة الخبر، ومن ثَمَّ تمتَّعت بحقوق ملكيته.3 كانت الأخبار الإلكترونية تفقد عنصرَ الحداثة بها أو «يذهب عنها»، لكن على نحوٍ مختلف عمَّا قد يحدث عندما تفقده منتجات الألبان على سبيل المثال؛ لأن ثمة مَن قد استهلكها بالفعل. فيرى كواه (????) أنه مع أن المنتجات المعلوماتية يمكن نشرها إلى ما لانهاية، فإن الأخبار الإلكترونية تفقد قيمتَها وتصبح غير قابلة للنشر وتتناقص قيمتها إنْ استهلكها شخصٌ قبل الآخرين؛ ومن ثَمَّ تشبه الأخبارُ الإلكترونية غيرَها من السلع من حيث إنها قد تفقد قيمتَها إنْ استقبلها مستهلِك قبل الآخَرين. ومن ناحية أخرى، إن أُرسِلت لجميع المستهلكين في آنٍ واحد — سواء في ذلك الشركات والبنوك والصحف والحكومات والأفراد — فلا تفقد قيمتها؛ لأن بإمكان العديدين استخدامها بالوقت نفسه.
كانت الأخبار المنقولة بالتلغراف مبتكرةً من حيث طريقة استخدامها، فأمكن للكثيرين استخدامها بعدة طرق. وقد تغدو الأخبار جديدةً من ناحيتين مختلفتين، كلٌّ منهما يسهم في قيمتها كسلعة يُتاجَر بها؛ أولًا: يُفترَض بالأخبار أن تُعلِم مُستقبِلِيها بأمرٍ لم يُعرَف من قبلُ، غير أن هذا لا يعني ضرورة الجهل التام به، بل يعني أن كل خبر يجب أن يضيف معلومةً ما لم تُعرَف من قبلُ. ثانيًا — وهو ما يتحقَّق بصورة متزايدة، غير أن الحال كان كذلك بالفعل في القرن التاسع عشر: يُفترَض أن يكون الخبر مستجدًّا، بمعنى أن يكون الفاصل الزمني بين «الحدث» الذي يرتكز عليه الخبر وبين استقبال الخبر أقصرَ ما يمكن، وقد أسهم التلغراف في هذا باختصار المكان والزمان؛ فمع استخدامه بدأَتِ الأخبارُ تسافِر بنفسها، وأضحَتْ من ثَمَّ جديدةً على نحوٍ لم يسنح قطُّ من قبلُ.
احتاج عملاء أولى وكالات التلغراف إلى استقبال الخبر مبكرًا، وآثروا استقباله قبل سواهم، وبعد استقباله سنح لهم إجراء التعديلات عليه وإضافة المعلومات إليه، وسنح لهم — في حال الصحف — نشره، وباتت الأنباء المنقولة عبر التلغراف منتجًا متداولًا على نطاق واسع؛ لأنه بلا وزن ويمكن بسهولة نسخه عدة مرات عبر التلغراف، واضطر عملاء وكالات التلغراف إلى القبول بمعاملتهم جميعًا على قدم المساواة؛ فلم يكن بإمكان أيٍّ منهم الحصول على الأخبار بسرعة أكبر. أمكن نشر الأخبار التي أرسلتها وكالات التلغراف كما هي، كما كان الحال كثيرًا في أيامها الأولى، غير أن الصحف سنح لها استخدام النبأ كمادة خام تجعل منه خبرًا خاصًّا بها ليصبح بعد ذلك ملكًا لها.
اتسمت السلع الإلكترونية التي أنتجتها وكالات التلغراف بالكثير من مواطن الضعف؛ أولًا: اختلفت الآراء حول أوجه الخلاف بين المعلومة والخبر؛ إذ عُدَّتِ المعلومةُ سلعةً عامة، ومن ثَمَّ لا يُتنازَع عليها وتكون غير حصرية. من جهة أخرى، مع أن وكالات التلغراف الأولى أقَرَّتْ بأنه لا يوجد حق حصري أو احتكار للمعلومات — أي أن الجميع يتمتَّع بحق جمع المعلومات — فإنها زعمت أن لها حقوقًا حصرية على الأخبار؛ السلعة التي أنتجَتْها من المعلومة. ثانيًا: اختلفَتِ الآراءُ حول حجم حقوق حصرية الخبر؛ إذ كانت وكالات الأنباء مهددة بفعل بيعها الأخبار إلى عملائها بفقدان تلك الحقوق الحصرية على الخبر؛ لأنه عندئذٍ يغدو ملكًا لمشتريه الذي قد يفعل به أي شيء يحلو له، بما في ذلك بيعه لطرف ثالث. ثالثًا: غدَتِ الأخبار سلعة عامة عند شراء الأفراد للصحف، وتملَّكَ الجميع حقًّا بالانتفاع منها؛ فكانت الطبيعة الحصرية للأخبار محل نزاع في كل مراحل إنتاج الأخبار المنقولة إلكترونيًّا وفي نهاية المطاف فُقدت تمامًا.
حاولت وكالات التلغراف الأولى بيع الأخبار لأكبر عدد ممكن من عملائها الذين تشكَّلوا بالأساس من المصارف والشركات والأفراد والحكومات، غير أنها سرعان ما بدأت في البيع للصحف، ولم يَعُدْ ثمة ما يدعو لأن تتوقَّف أنشطتهم عند بلد واحد، فعلى العكس أمكن استخدام الأخبار المنقولة إلكترونيًّا في عدة مواقع إن تُرجِمت. وكان أصحاب وكالات التلغراف الأوروبية الأولى متعددي المشارب الثقافية في زمانهم؛ فتنقَّلوا بسهولة بين البلدان الأوروبية، وفور تأسيس مكاتب الأخبار الخاصة بهم في باريس وبرلين ولندن، تابعوا بيع الأخبار عبر حدود البلدان، وسنح هذا عبر التلغراف الذي اختصَرَ المكان والزمان، وقلص أهمية المكان، حتى لو كانت تكلفة إرسال الأخبار إليه أعلى.
اكتشف مبكرًا أصحابُ أولى وكالات الأنباء التي تُنقَل إلكترونيًّا في إطار سعيهم لإيجاد حلٍّ للطبيعة المتناقضة للأخبار الإلكترونية؛ أن بإمكانهم بيْعَ منتجهم لأسواق أخرى خارج سوق بلادهم أو خارج سوق مسقط رءوسهم، حيث يمكنهم إعادةُ بيع الخبر في هذه المواقع التي ظلَّ بها الخبر جديدًا لأنه لم يُستخدَم من قبلُ؛ ومن هنا أصبحت الأخبار المنقولة إلكترونيًّا سلعةً عالمية في مرحلة مبكرة، وأمكن لأصحاب وكالات التلغراف عن طريق إرسال الخبر بمساعدة التلغراف لسوق أخرى — من لندن إلى نيويورك على سبيل المثال — أن يُعِيدوا بيعَه لمجموعة أخرى من العملاء الذين تنافسوا للحصول على أحدث الأخبار؛ ومن ثَمَّ غدَتِ الأخبارُ منتجًا دوليًّا يمكن بسهولة نقله من سوق إلى أخرى، وتأكَّدت وكالات التلغراف بقيامها بذلك من أن يسنح نَسْخ الأخبار بهذه السمة الأساسية — حداثتها — في مناطق زمنية مختلفة.
(?) التكاليف

يمكن تقسيم التكاليف الرئيسية لجمع الأخبار إلى فئتين: (?) تكاليف إرسال الخبر. (?) الرواتب. كما يتضح من الجدول ?-?، تشكِّل مختلف تكاليف نقل الأخبار ??? من الميزانية السنوية، فيما تشكِّل الرواتب ??? منها. جدول ?-?: ميزانية إحدى الخدمات الإخبارية العالمية (المصدر: بينيه، ????).
?الميزانية سنويًّا بالدولارالنسبة المئوية?????????رسوم الكَبْلات والبث اللاسلكي?????????معدات التلغراف والأسلاك المؤجرة?????????رسوم التلغراف والهواتف المحلية???????رواتب عمال الميكانيكا والإدارة????????رواتب الصحفيين?????????رواتب المراسلين العاملين بدوام جزئي وباعة المعلومات السرية???????الضرائب (الفيدرالية والحكومية والأجنبية)???????ضرائب دخل الموظفين الأمريكيين بالخارج??????الإيجارات???????تكاليف السفر???????التوريدات والمستلزمات المكتبية (بما فيها الطابعات التلغرافية)???????
(?) الشركات

عندما يغدو إجراء الصفقات أرخصَ عبر المؤسسات منه عبر الأفراد، تنشأ المؤسسات (سيلي براون ودوجويد، ????). يمكن تطبيق القاعدة نفسها على إنتاج الأخبار؛ فمتى كان شراء الأخبار أرخصَ من إنتاجها ذاتيًّا، تنشأ وكالات الأنباء، وعندما يغدو إنتاج الأخبار أرخص لمؤسسةٍ منه لفرد (مثل ميسرز هافاس ورويتر ووولف)، تنشأ المؤسسات. دعت الضرورة لوجود وكالات الأنباء لأداء مهمة جمع المعلومات وتحويلها إلى خبر، وكان يمكن للأفراد أو مؤسسات الصحف القيام بذلك بأنفسها، غير أن تكاليف إنتاج الأخبار كانت أقل عندما اضطلعت بذلك وكالات الأنباء التي أُتِيحت لها المعلومات، وأُتِيحت لها العمالة المؤهَّلة لجمع المعلومات وتحريرها، وأُتِيحت لها التقنيات الحديثة.
أمكن لوكالات الأنباء أيضًا «تجميع» مصادرها بشراء الأخبار بعضها من بعض، ومن ثَمَّ ادِّخَار تكاليف جمع المعلومات ونقلها؛ ولهذا السبب جمع هافاس ورويتر ووولف في البداية بين مصادرهم، إذ كان من المنطقي ألَّا تغطي خدماتهم جميعًا بالضرورة المنطقةَ ذاتها، فاعتمدوا على تبادُل الأخبار فيما بينهم لتوفير خدماتهم لعملائهم، غير أنه كان من الضروري أن يتشاركوا جميعًا مفهومَ الخبر ذاته، وهو توحيد منتجهم بحيث يُعَدُّ في كل مكان خبرًا.
(?) التقنيات الحديثة

تؤثِّر التكنولوجيا من خمس نواحٍ على الأقل على الأخبار؛ فأولًا: تُضفِي على الخبر أحدَ عناصره الضرورية، وهو حداثته، والمسألة هنا لا تنحصر في الوقت المستغرَق بين وقوع الحدث الذي يتناوله الخبر ونشره، بل يدخل فيها أيضًا فقْدُ الخبر لقيمته على نحوٍ أسرع من غيره من السلع الثقافية. ثانيًا: تسمح التقنيات الحديثة ببيع الأخبار في مناطق زمنية مختلفة؛ ومن ثَمَّ تتيح بيعها عدة مرات في أسواق مختلفة. ثالثًا: تسمح التكنولوجيا بنقل الأخبار عن البقاع النائية وكأنها قريبة. رابعًا: تؤثِّر التكنولوجيا على تسعير الخبر، فلتكاليف نقل الخبر تأثيرٌ مباشِر على آلية تحديد سعره؛ الأمر الذي احتلَّ أهميةً كبيرة في الأيام الأولى من ظهور كَبْلات التلغراف، عندما توقَّفت تكاليف نقل الخبر على المسافة التي يقطعها. خامسًا: تؤثِّر التكنولوجيا على شكل الخبر، فتعيَّن في الأيام الأولى من ظهور التلغراف أن يصبح الخبرُ قصيرًا قدرَ الإمكان توفيرًا لبعض تكاليف إرساله؛ مما أسَّسَ ما يُدعَى ? «أسلوب البرقية» الذي تعيَّنَ بموجبه صياغة الخبر على أقصر نحو ممكن.
علاوة على ذلك، تحتاج الأخبار لتقنيتين تخدمان شكلين من أشكال دورة توزيعها؛ فما إن تُصنَع السلعة — أي الخبر — حتى يجب أن تنتقل إلى عملائها — أي الصحف — وهنا تُستخدَم تقنيةُ التلغراف والتلغراف اللاسلكي ? «بث» الخبر، ثم «ترسل» الصحفُ الخبرَ لجمهور قرَّائها بطباعته و«نقله» ليُبَاع أو يُوزَّع مباشَرةً على المشتركين بها. احتاجت السلع الإلكترونية في عصر حركة التصنيع — على العكس من عصر المعلومات — إلى بثها ونقلها، وأدَّى هذان المطلبان كلاهما معًا إلى تأخُّر وصول الأخبار مقارَنةً بطبيعتها الآنية التي تميِّز عصر المعلومات.
(?) الشكل

يجب التعرف على الخبر بوصفه خبرًا، فهذا يضفي عليه وضعًا خاصة تفتقر إليه ألوانُ الأدب الأخرى، ويجب أيضًا الفصل بينه وبين المعلومات التي يمكن الحصول عليها مجانًا، وينبغي أن يلزم أسلوبًا محدَّدًا (مَن قال ذلك؟ ومتى قاله؟ وأين قاله؟) لأنه يُستخدَم على نطاق عابر للقوميات. كما يجب أن يتكوَّن الخبرُ على نحوٍ يتيح بسهولة لشتى وسائل الإعلام في شتَّى بقاع العالم أخْذَ المقتطفات منه ونسخه وإعادة صياغته كليًّا أو جزئيًّا، وهذا يتصل في واقع الحال بما يُسمَّى بالموضوعية التي لا تتعلَّق بمدى موضوعية الخبر نفسه، بل بالكيفية التي يعبر بها عن آراء مختلفة، بحيث تستخدمه وسائل إعلام شتى في مختلف أنحاء العالم. وفوق كل شيء يجب أن يتَّسِم الخبر بموثوقيته، فبهذه السمة يتَّصف هذا المنتج الثقافي عينه؛ فلا يمكنه أن يزيِّف الحقائق (كأنْ يزيِّف إعلانَ انتهاء الحرب العالمية الأولى)، حتى إنْ سنح له الانحياز (وفقًا للمنظور الذي يمثِّله).
(?) الأسواق

يمكن بسهولة بفضل التقنيات الحديثة إعادة إنتاج الأخبار وإرسالها إلى العديد من العملاء في آنٍ واحد، غير أن هذا عامل يولد صراعًا، فالكل يرغب في الحصول على الأخبار أولًا، ومن جهة أخرى لا يملك الجميع الحصول عليها أولًا؛ إذ عندما يغدو جمع الأخبار وتحريرها وإرسالها أرخص للعملاء من الأفراد، يضطلع هؤلاء الأفراد بأنفسهم بذلك (مثال على ذلك الأخبار المحلية). وعندما تغدو تكلفة جمع الأخبار وتحريرها وإرسالها باهظةً، تنشأ المؤسسات المشتركة أو تُشترَى الأخبار من مورِّد لها، أي من وكالة أخبار؛ لتصبح سوق الأخبار في نهاية المطاف — شأنها شأن أي سوق أخرى — مرتهنةً بحجم الطلب، وعندما تتشبَّع السوق بالأخبار، فلن تستمر إلا المؤسسات التي يمكنها إنتاج أنواع مختلفة من الأخبار (الأخبار المالية، على سبيل المثال).
تمتَّعَتْ وكالات الأنباء عادةً بسوق مزدوجة تخدم فئتين مختلفتين تمام الاختلاف من العملاء؛ تتشكَّل الفئة الأولى من الأفراد كالمصرفيين وسماسرة الأسهم والتجار الذين ينصَبُّ اهتمامهم بالدرجة الأولى على المعلومات المالية، إضافةً إلى الدبلوماسيين وحاشية الملوك الذين ينصَبُّ اهتمامهم على الأخبار الأجنبية. وكانت الأخبار المالية في الأساس معلوماتٍ ماليةً عن الأسعار في أسواق الأوراق المالية. أما الفئة الثانية من العملاء، فهي الصحف التي لم تكن بحاجة إلى الأخبار المالية فحسب، بل إلى الأخبار السياسية أيضًا، ويتضح من إمكان تمتُّع الأخبار بفئتين من العملاء مدى مرونتها كمُنتَج؛ إذ يمكن استخدامها لأغراض متعدِّدة بعدة أشكال. وقد وُجِدت هذه السوق المزدوجة منذ نشأة وكالات الأنباء، وأدَّت إلى تأسيس وكالات الأنباء المالية كَبْلومبيرج، أو وكالات الأنباء المالية بالدرجة الأولى كوكالة رويترز التي تصف نفسها اليوم بأنها وكالة معلوماتية.
لا تزال أغلب الوسائل الإعلامية تتمتَّع بسوق محلية تحدِّدها حدود الدولة، وتتمتَّع الأخبار المحلية بمكانة خاصة بالسوق؛ ومن هنا يمكن للأخبار أن تتمتَّع بعدة أسواق محلية، ويمكن أن تُستخدَم عدة مرات في مختلف الأسواق؛ لأن أسواقها تقع في مناطق زمنية مختلفة، ولأن كل وسيط محلي يقع في بقعة مختلفة يمكن أن يضيف عنصرًا أو منظورًا محليًّا للأخبار، وهو ما يُعرَف بعملية «تدويل» السوق بالمعنى المبتكر للكلمة؛ فلا تغدو السوق في الواقع دولية، وإنما تتشكَّل من سلسلة من الأسواق المحلية المختلفة، بَيْدَ أن هذا يعني أن كل وكالة أخبار تتمتَّع بعدة أسواق محلية وأجنبية، وأن الأخبار يمكن أن تُستخدَم بها جميعًا.
(?) الأسعار

ينطوي تسعير الأخبار على مشكلات بسبب طبيعتها المزدوجة بوصفها سلعةً عامة وخاصة؛ إذ تتغيَّر طبيعة الأخبار خلال عملية إنتاجها، فتكون بدايةً سلعةً عامة لأن معلوماتها كانت في أغلب الأحوال مجانيةً، مع أن توقيتها قد يشكِّل فارقًا في سعرها (الأولوية الأولى). وعندما تغدو المعلومة خبرًا تصبح حصريةً وسلعةً خاصة، وتبقى كذلك حتى نشرها أو إلى أن تغدو من جديد سلعةً عامةً وينتفي عنها وصفها كخبر لتتحوَّل من جديد إلى معلومة.
يتوقَّف تسعير الأخبار أيضًا على المنافسة، فقد اعتاد الكثير من وكالات الأنباء احتكارَ الأخبار؛ ومن ثَمَّ لا تواجه منافَسةً في سوقها المحلية، ويُبرَّر هذا اللجوءُ للاحتكار كثيرًا بالحاجة إلى الأخبار كسلعة عامة يمكن للصحف كافة شراؤها، ويمكن من ثَمَّ للجماهير بصورة غير مباشِرة شراؤها، وللسبب نفسه تُدعم الأخبار وتقنيات الأخبار بصور مباشِرة وغير مباشِرة. وإن لم تُحتكَر — كما في السوق الأمريكية — تُتَّخَذ عادةً تدابيرُ احتكارية تمنع المنافَسةَ الحرة (على سبيل المثال، لا يُسمَح لأعضاء وكالة أسوشيتد برِس بشراء الأخبار من شركات أخرى، ولا يُسمَح لهم ببيع الأخبار لغير الأعضاء بالوكالة).
(?) حصرية الأخبار

عندما ابتكَرَ ميسرز هافاس ورويتر ووولف نشاطَهم التجاري الجديد، يرجح أنه لم تكن لديهم أدنى فكرة عن مدى صعوبة حماية السلعة المعلوماتية الجديدة التي أوجدوها؛ إذ اتسمت الأخبار المنقولة إلكترونيًّا بعمر أقصر من غيرها من المنتجات الثقافية كالكتب أو الصور الفوتوغرافية؛ ومن ثَمَّ وُصِفت بأنها سلعة مرتهنة بالزمن لا قيمةَ لها إلا إنْ كانت جديدة (بوشر، ????). وهي السلعة الأكثر قابليةً للهلاك من بين السلع (رينجز، ????)، وتفقد قيمتها أسرع كثيرًا من غيرها من السلع الثقافية؛ ولذا فليس هناك ما يُسمَّى بأخبار الأمس.
تحتاج الأخبار المنقولة إلكترونيًّا في العديد من مراحل دورتها — حسبما يرى مالكوها — إلى حمايتها؛ إذ تباع أثناء هذه الدورة وتُشترَى ويختلف مالكها، لكن بكل مرة يختلف بها مالكها، تختلف هيئتها ليتعيَّن علينا من جديد إثارة قضية حصريتها؛ فهي تتسم بطبيعة متقلِّبة، وتتبدَّل هيئتها على الدوام لتتحوَّل إلى شيء لا يشبه بالضرورة هيئتها السابقة.
سعَتْ وكالات التلغراف بالعديد من الطرق إلى وضع الحلول لمشكلة الملكية العامة والخاصة، ومن بين الحلول التي استخدَمَتْها الفصلُ بين المعلومات والأخبار. يمكن تعريف المعلومة على أنها بالأساس ملكية عامة؛ أي متاحة للجميع. غير أن الأمر لا يكون أبدًا بهذه السهولة عند التطبيق؛ ومن هنا عرَّفت وكالاتُ التلغراف ومِن بعدها وكالاتُ الأنباء الأحداثَ على أنها معلومات، وارتَأَتْ أنَّ الكل يملك حقَّ معرفة الحدث الذي يُصنَّف في إطار المعلومات العامة. ولم تنظر هذه الوكالات إلى الوقائع — قبل التثبُّت منها — على أنها ملك لها إلا إنْ حجبَتْها سرًّا لغرض خاص. بَيْدَ أن الوقائع كانت تدخل في إطار ملكيتها عندما تتكشف وتُجمَع سريعًا وتُصاغ بشكل مناسب بوصفها نتاجًا لجهود ونفقات بُذِلت في ذلك، لتغدو من ثَمَّ ذات قيمة تجارية بحكم إمكان استهلاكها سريعًا قبل أن تُعرَف للعموم (روزووتر، ????). فلا تعني حصريةُ الأخبار — كما نشرت أسوشيتد برِس عام ????4 — التمتُّعَ بحق حصري أو باحتكار كل الإعلانات عن الحدث، بل يعني تمتُّع المؤسسات بحقوق حصرية على الملكية التي صنعتها؛ أي على رسالتها عن الحدث لمَن يسعون إلى شراء هذه الرسالة. يشير رأي آخَر في هذا الشأن إلى الجهود التي توظِّفها وكالات الأنباء لتحويل المعلومات إلى ملكية، ويذهب أيضًا السير رودريك جونز من وكالة رويترز إلى أنه لا يمكن التمتُّع بحقوق ملكية على الحدث الإخباري، وإنما يمكن التمتُّع بها على المعلومات التي تتحوَّل إلى ملكية فقط؛ فكتب:لكن بالنظر إلى مبدأ النشاط البشري، والأعمال البشرية، وإنفاق المال، ومبدأ حق الملكية؛ قد يشير شخص ما لوهلة إلى أن هذا المنتج لا حاجةَ لحمايته. لا يمكن أن يوجد حق لامتلاك الحدث الإخباري؛ فالحدث الذي يتناوله الخبر مِلْكٌ للجميع، بل يجب أن تئول الملكيةُ إلى مُنتَج مَن يأخذ الحدثَ فينقله بصورة معيَّنة من جزء من العالم إلى أحد ربوعه الأخرى؛ وبهذا ترتبط العمالة والتكلفة والنشاط التجاري معًا، وما وجبَتْ حمايته هو نتاج هذا النشاط والتكلفة المبذولة والعمالة.5 تتسم الأخبار بموطنَيْ ضعف يهدِّدانها تهديدًا شديدًا، ويتمثَّلان في بيع وكالاتِ التلغراف الأخبارَ لعملائها من جهة، وفي نشر عملائها للأخبار من جهة أخرى. في الحالة الأولى، عندما باعت وكالات الأنباء الأخبار لعملائها، كان التحكُّم في هذه العملية أسهل منه في الحالة الثانية، وذلك عبر استخدام آليات محدَّدة في اتفاقيات الوكالات مع عملائها. كما حمى نظام توزيع الخبر — التلغراف — المنتجَ؛ لأنه كان من الصعب سرقته في طريقه إلى العملاء، لأنه انتقل دون حامل له بسرعة الكهرباء. كما أتاح التلغراف إرسالَ الأخبار لمستقبِل مُعرَّف مسبقًا؛ ليؤمِّن بذلك وصولها بأمان إلى العملاء الذين دفعوا وحدهم لقاء الحصول عليها. شكَّل الزمن من جديد المسألةَ الحاسمة، وصار يُقصَد به الفترة الزمنية التي تعقب نشر الخبر. ما مدى سرعة فقد الخبر لقيمته بعد نشره ليتحوَّل إلى معلومات متاحة للجميع؟ على سبيل المثال: في أستراليا امتدَّ زمن حقوق الملكية في كثير من الأحيان إلى ?? ساعة بسبب حرص الصحف المسائية على نشر برقيات الصحف الصباحية، غير أنه حتى هذا الإجراء لم يكن كافيًا، وقد أوضح النائب العام لغرب أستراليا عام ???? أنه: في الوقت الراهن … لا يُسمَح لأية صحيفة بإعادة نشر البرقيات التي ظهرت على صفحات صحيفة أخرى، إلا بعد مضي اثنتين وسبعين ساعة، أو مرور ثلاثة أيام من أول نشر لهذه البرقيات في الصحيفة التي استقبلَتْها ودفعت الأموال لقاء الحصول عليها. غير أن هذا الشرط على ما يبدو لا يمنع بعضَ الصحف المحلية من استخدام البرقيات التي تستقبلها صحف العاصمة دون الدفع مقابلها أو الإقرار بأخذها منها بأية صورة؛ فتقرصِن ببساطة هذه البرقيات التي تُبرَق إليها بواسطة مراسلين فور صدورها في صحف بيرث، ويُعِيدون نشرها ضمن أعدادها المعتادة بعد انقضاء فترة حماية الخبر التي تدوم لثلاثة أيام (بوتنيس، ????).
عندما اتفقت صحيفة شيكاجو تريبيون مع صحيفة التايمز اللندنية على التمتُّع بحق الاستخدام الحصري في الولايات المتحدة للمقالات المحفوظة بحقوق النشر عن حرب البوير، واصَلَ مراسل الأسوشيتد برِس في لندن شراءَ صحيفة التايمز المباعة في الشوارع كلَّ صباح، وإرسالَ موجز بمحتواها إلى مكتب أسوشيتد برِس في نيويورك كجزء من حصة أخبار اليوم، وقُوبِل احتجاجُ صحيفة شيكاجو تريبيون على ذلك بالتجاهل، وعُورِض ثم رُفِض التماسُها بتوجيه إنذار قضائي للأسوشيتد برِس والتعويض عن خسائرها «بما أن حق النشر الحصري بموجب قانون العرف والعادة ينتهي مع النشر في لندن؛ ومن ثَمَّ لا توجد حماية بخلاف ما يكفله القانون صراحةً» (روزووتر، ????). لم تحظَ الأخبارُ — كما يشير بوتنيس (????) — بحماية خاصة في التشريعات المتصلة بحقوق النشر في كثير من البلاد، ولا عجب في ذلك بما أن تلك لم تكن الحالةَ الأولى التي تسبق بها التقنيات الحديثة التشريعات. وثمة منظوران متعارِضان هنا حول حصرية الأخبار؛ يَعُدُّ المنظورُ الأول الأخبارَ سلعةً عامة عند نشرها، ولا يمكن أن تلحق بها أي حقوق نشر (بوتنيس، ????). وعلى هذا النهج سارت الأمور في عهد ما قبل التلغراف، عندما نسخت الصحف إبَّانه أخبارَها من صحف أخرى، فلم تُول أهمية لكون الأخبار مستخدمة من قبلُ، بما أن الصحف التي نشرتها أولًا تمتَّعت بموقف متفوِّق ببساطة؛ لأنها كانت الأولى في نشر الخبر. من هنا لم تكن أغلب الأخبار الأجنبية في الصحف بعهد ما قبل التلغراف إلا أخبارًا «مستعارة» من صحف أخرى مُلحَقة بإشارة إلى مصدرها سيرًا على نهج الممارسات الصحفية السليمة (على سبيل المثال، رانتانن، ????).
أما المنظور الثاني — حقوق الملكية الفكرية في الأخبار — فقد نُوقِش في الكثير من البرلمانات والمؤتمرات المتخصِّصة، وسيستمر النزاع حوله في المحاكم لأعوام حول العالم؛ إذ جعلت تقنية العصر الجديدة آنذاك — التلغراف — مسألةَ حصريةِ الأخبار أكثر تعقيدًا؛ لأن الرسائل كانت تنتقل فورًا إلى عدة أماكن في الوقت نفسه مجاوزة الحدود القومية. ومع الاتصالات الإلكترونية، باتَتْ إعادة إنتاج الأخبار ونقلها أكثر سهولةً من ذي قبلُ، لكن للسبب نفسه تحديدًا أضحَتِ السيطرةُ عليها أكثر صعوبةً بكثير من ذي قبلُ.
تتصل مسألة حقوق الانتفاع الحصرية بالأخبار غالبًا بملكيتها، وقد عُدَّ «شكل» ملكيتها يومًا ما عاملًا مهمًّا في هذا الشأن؛ فعندما كانت الأخبار ملكيةً خاصةً، كان يُنظَر إليها كأيِّ سلعة تُباع وتُشترَى، لكن مع تملُّك الدول لها أضحَتْ تابعةً للدولة؛ ومن ثَمَّ باتَتْ ملكية «عامة»، ولم تَعُدْ تستهدف بالدرجة الأولى جنْيَ الأرباح. لكن مع ظهور الملكية التعاونية، باتَتْ ملكيةً يتقاسمها أعضاءُ الاتحاد وحدهم دون غيرهم.
مع أن أغلب وكالات الأنباء — أيًّا كانت صورة ملكيتها للأخبار — اتَّفَقَتْ على حماية أخبارها بموجب قوانين حقوق النشر، فقد اختلفت فيما بينها اختلافًا جوهريًّا حول طبيعة الأخبار؛ حول إن كانت سلعةً تُصنَع بالدرجة الأولى لجنْيِ الأرباح لملَّاكها، أم سلعةً يتقاسمها الجميع. غير أن هذين المنظورين لم يكونَا بالضرورة متناقضين تمامًا، بل عُدَّا أيضًا مكملين أحدهما للآخَر، لكن عندما عُدَّا كذلك تطلَّبَ الأمرُ إجراءاتٍ أخرى لحماية حصرية الأخبار.
(??) احتكار الأخبار عالميًّا ومحليًّا

من المثير للدهشة أن احتكار الأخبار — الذي كان يُنظَر إليه عادةً على أنه يتصل بالدرجة الأولى بمؤسسات احتكارية خاصة أو حكومية — قد شكَّلَ مشكلة في سوقين من كبرى الأسواق المحلية على مستوى العالم؛ في سوق الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا (رانتانن، ????)، حيث جرَتِ العادةُ منذ وقت طويل على اتهام وكالات الأنباء التعاونية باحتكار سوق الأخبار المحلية؛ فليس هناك — كما أوضح شمانسكي (????) — ما ينبئ عن تفوُّق أخلاقي على الإطلاق في نمط الملكية التعاونية؛ إذ كانت ببساطة الوسيلة التي مارَسَ بها أعضاءُ أسوشيتد برِس الأمريكية سياسةَ التمييز في الأسعار وسياسة العضوية المقصورة.
من جهة أخرى، لا يمكننا فهم احتكار الأخبار إنْ فصلنا بين السوقين الأجنبية والمحلية؛ فعندما أضحت الأخبار المنقولة إلكترونيًّا سلعةً محتكرة بالسوق العالمية، تكرَّرَ المنوال نفسه في السوق المحلية. بعبارة أخرى، النقطة المشتركة الحاسمة بين كلتا السوقين هي تحوُّل الأخبار إلى سلعة حصرية، ليس بالسوق العالمية فحسب بل بالسوق المحلية أيضًا، وقد فشلت الدراسات السابقة على ذلك في استيعاب أن هذه العملية تحدث في الوقت نفسه بكلتا السوقين.
الاضطلاع بصناعة الأخبار على نطاق عالمي يزيد من المخاطر التي تتعرَّض لها؛ فرغم أن وكالات التلغراف الأولى باعت الأخبارَ أحيانًا للصحف المستقلة مباشَرةً، فإنها لم تستطع حماية حصرية منتجها. ومنذ تأسيس وكالات التلغراف في شتى المواقع، وضع هافاس ورويتر ووولف نظامًا لبيع الأخبار المنقولة إلكترونيًّا على نطاق عالمي، وبما أنه لم يكن هناك آنذاك نظام لحماية حقوق النشر، وضعت وكالات الأنباء نظامًا لتبادُل الأخبار عبر الحدود القومية، وهو نظام وُصِف فيما بعدُ باتحاد إخباري احتكاري دولي، وقام على اتفاقية بين هافاس ورويتر ووولف طرفًا، وبين وكالات الأنباء الأخرى طرفًا آخَر.
قام هذا النظام على مبدأ عدم التنافس وعدم حصرية الأخبار بين الوكالات الثلاث، وعلى مبدأ التنافس وحصرية الأخبار بينها وبين الشركات الأخرى؛ فعُدَّتِ الأخبارُ المنقولة إلكترونيًّا في البداية غيرَ حصرية لا يُتنازَع عليها، وأمكن تبادُلها بحرية بين وكالات هافاس ورويتر ووولف، ثم باتَتْ تُعتبَر حصريةً يُتنازَع عليها وتُباع للأطراف الأخرى. وقد وقَّعت الوكالات الثلاث بصفة دورية اتفاقياتٍ أُبرِمت فيما بينها ومع الأطراف الأخرى لتنظيم حركة البيع العالمية للأخبار المنقولة إلكترونيًّا والرقابة عليها، ووُقِّعت أولى هذه الاتفاقيات في باريس عام ????، ووُقِّعت آخرها عام ????، ثم أنهى العقدُ المُوقَّع بين وكالة رويترز والأسوشيتد برِس في نيويورك عام ???? اتفاقَ الوكالتين على الانتفاع الحصري بالأخبار العالمية.
مع أن ميسرز هافاس، ورويتر، ووولف قد أسَّسوا جميعًا شركاتهم الخاصة، فإن ملكيتهم الخاصة شهدت تحديًا منذ البداية؛ ومن هنا كانت فكرة إنشاء وكالة أخبار تعاونية مهمة (على سبيل المثال، بويد-باريت، ????؛ بويد-باريت ورانتانن، ????)؛ لأن هذه الوكالات أمَدَّتْ عملاءها بالأخبار المحلية والدولية بسعر أقل من السعر الذي سيتكبده العملاء لتوفير الأخبار لأنفسهم؛ مما قلَّصَ بالمقابل تكلفةَ توفير الأخبار للجمهور، وأسهم في تشكيل الشعب الواعي، وهو المطلب الضروري للديمقراطية. أيضًا خدمت هذه الوكالات نطاقًا عريضًا من العملاء؛ إذ خدمت وسائل الإعلام (من الإعلام المطبوع إلى الإلكتروني، ومن الكبيرة إلى الصغيرة، ومن المؤسسات والأفراد المحدودة النطاق إلى المؤسسات والأفراد المتعددة الثقافات والجنسيات، تلك المؤسسات السياسية والحكومية والاقتصادية والمالية)، وقدَّمَت هذه الوكالات الأخبارَ في شكل يمكن تنقيحه والإضافة إليه وإعادة استخدامه في الوقت ذاته بالعديد من الدول؛ مما لا يسهم فحسب في عولمة الأخبار، بل أيضًا في التجربة العالمية التي خاضتها الجماهير حول العالم.
نجحت الحكومات في العديد من الدول الأخرى في السيطرة على حركة نقل الأخبار، مبرِّرة في الكثير من الأحيان إجراءاتِها بالإشارة إلى أنها تصبُّ في الصالح العام؛ وسيطرت على وكالات الأنباء التي عملت في كثير من الأحيان كوكالات قومية احتكرت سوقها المحلية وتملكتها، فقامت روسيا وألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية والعديدُ من دول البلقان قبل الحرب العالمية الأولى، بضمِّ وكالات أنباء حكومية؛ تمتعت — شأنها شأن وكالات الأنباء الخاصة والتعاونية — بعملاء من الدول الأجنبية دفعوا مقابل الحصول على خدماتها، وكانت وكالاتِ أنباء مملوكةً للحكومات التي سيطرت عليها أو موَّلتها أو مارست كل هذا، وحصلت في كثير من الأحيان على رسوم خاصة مقابل نقل الأخبار من وكالة تلغراف حكومية. وبفضل المكانة المتميزة التي تمتَّعت بها باتَ من الصعب على الوكالات الخاصة أو التعاونية منافستها على الصعيدين الوطني والدولي.
تصاعَدَتْ أصوات في أستراليا وفي العديد من الدول الأخرى بأن الحكومات تحتاج إلى الاضطلاع بدور ريادي في توفير الأخبار المنقولة عبر التلغراف وفي نشرها، بتأسيس خدمات إخبارية مجانية يموِّلها القطاعُ العام (بوتنيس، ????). وغازلَتْ عدة حكومات أسترالية العقولَ بفكرة أن تتيح الحكومةُ الأخبارَ الخارجية المهمة للجمهور انطلاقًا من كونها الوسيلةَ الوحيدة لضمان التوزيع العادل للمعلومات الهامة، غير أنها — كما يوضِّح بوتنيس — لم تنجح في مساعيها؛ لأن الملكية الخاصة للأخبار كانت ضرورةً هامة كفلها قانون حقوق النشر (بوتنيس، ????).
(??) الاحتكار المحلي

يقوم نموذج وكالات الأنباء التعاونية — حيث تشترك الصحف في ملكية وكالة أنباء — على فكرة عدم التربُّح، ولكن يتشارك أعضاءُ هذه الشراكة الأخبارَ. وقد كانت أولى مؤسسات الأخبار التعاونية على مستوى العالم هي وكالة أسوشيتد برِس الأمريكية التي تأسَّست عام ???? (بلوندهايم، ????)، عندما أسَّست ستُّ صحف بمدينة نيويورك مؤسسةً لتقاسُم تكاليف جمع الأخبار عبر «زوارق الأخبار» التي التقَتْ بالسفن القادمة من أوروبا. خضعت وكالة أسوشيتد برِس لاحقًا للتنظيم بموجب قوانين الشركات في ولاية نيويورك؛ إذ كانت مؤسسة تعاونية غير هادفة للربح، لا يتشارك في ملكيتها حَمَلَةُ أسهم، وانتفت عنها صور الملكية التجارية الأخرى، ويُنتخَب أعضاؤها في الأساس بالحصول على موافقة ما لا يقل عن أربعة أخماس أعضاء المؤسسة، لكن بإنهاء عمل الأعضاء، تسقط عنهم جميع الحقوق والمزايا (نيوز أجانس، ????). وقد صُدِّر هذا النموذج بحماس لسائر دول العالم مع توسُّع الولايات المتحدة؛ فصُدِّر أولًا إلى أمريكا الجنوبية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم انتقل إلى سائر العالم بعد الحرب العالمية الثانية (كوبر، ????).
أُبرِمت اتفاقيةٌ رسمية لجمع الأخبار بصورة تعاونية عام ????، عندما اتفقَتْ ستُّ صحف صباحية بنيويورك (صحيفة ذا كوريير آند إنكوايرر، إكسبرِس، هيرالد، جورنال أوف كوميرس، صن، تريبيون) على تقاسُم تكلفة الأخبار المنقولة عبر التلغراف، غير أن هذا التحالُف بمصادفةٍ ما صارَ يُعرَف باسم أسوشيتد برِس — أو باسم نيويورك أسوشيتد برِس في السنوات اللاحقة (روزووتر، ????؛ سويندلر، ????). اتضح منذ البداية، كما يشير سويندلر، أن الصحف التي أسَّست هذا الاتحاد أرادَتْ أن تُبقِي الأخبارَ قيدَ سيطرتها المحكمة، وقد صرَّح رئيسٌ للاتحاد فيما بعدُ: «لا ننوي تفويضَ أيِّ سلطات … جمْعُ الأخبار هو نشاطنا، ولا نعتزم أن يشاطرنا إياه أحدٌ» (جراملينج، ????؛ انظر أيضًا ستون، ????).
ومن سنة ????، عدَّلت لوائح المنظمة الرسمية (روزووتر، ????) حدودَ سيطرة الأعضاء بالاتحاد وعزَّزتها، وكان نصها: (?) جميع الأخبار المنقولة عبر التلغراف — عدا بعض الاستثناءات المنصوص عليها — تُتاح لجميع الأعضاء.
(?) لا يتم قبول أعضاء جدد بالاتحاد دون الموافقة بالإجماع.
(?) يمكن بيع الأخبار التي يحصل عليها الأعضاءُ أو وكلاؤهم لأطرافٍ أخرى بغرض تحقيق النفع العام للاتحاد.
(?) لا يحقُّ للصحف الأعضاء الحصولُ على الأخبار من الصحف غير الأعضاء أو من أي اتحاد إخباري آخَر، ولا تُفصِح عن الأخبار لهذه الصحف (سويندلر، ????).
تقوم فكرة وكالات الأنباء التعاونية على تقاسُم تكاليف إنتاج الأخبار بين الأعضاء، غير أن حماية هذه السلعة التي أضحَتْ من ثَمَّ عامةً — لكنها عامة بين الأعضاء فحسب — تتطلَّب وجود مبدأ حصرية الأخبار، فمع أنها سلعة عامة، فإنه لا يمكن السماح لمَن لم يدفعوا لقاءها بالمشاركة في ملكيتها؛ ومن هنا — كما يشير سويندلر (????) — تابَعَ اتحاد أسوشيتد برِس الجديد في ولاية إلينوي (الذي تأسَّسَ عام ????) أنشطتَه بسياسة تشبه في جوهرها سياساتِ الاتحادات السابقةَ عليه: (?) نصَّتْ قوانينه الخاصة على العضوية الحصرية، وعلى عدم تأسيس العلاقات مع الصحف أو وكالات الأنباء الأخرى.
(?) ولا يتم قبول أعضاء جدد به في النطاقات التي يتمُّ نشر صحف الاتحاد بها بالفعل، إلا بموجب القوانين الخاصة بالأعضاء المحليين أو مجالسهم.
(?) يُحظَر على أي عضو قبول الأخبار أو تقديمها لأي أطراف خارجية أو نشرها قبل موعد النشر.
شجَّعَتْ سياسة الحصرية المحلية التي انتهجتها وكالة أسوشيتد برِس على رفع عدة قضايا ضدها؛ فكما كتب سويندلر (????)، قاضت صحيفة نيويورك صن وكالة أسوشيتد برِس عام ???? عقب قرارٍ اتخذَتْه صحفٌ أخرى تابعة للوكالة بعدم التعامل مع نيويورك صن لكونها صحيفة «خصم». ورُفضت مساعي نيويورك صن للحصول على أمر زجري وجرَتْ تسويةُ الدعوى المدنية خارجَ المحكمة، غير أن صحيفة نيويورك صن استغلَّتْ تشريعَ مكافحة الاحتكار الفيدرالي (قانون شيرمان) لعام ???? وقانونًا صادرًا بإلينوي لمكافحة حركات المقاطعة عام ????؛ لمتابعة ملاحقة الوكالة قضائيًّا بدعوى سعي وكالة أسوشيتد برِس إلى «جمع العقود أو التآمُر لاحتكار جمع الأخبار وبيعها». وقاضَتْ صحفٌ أخرى وكالةَ أسوشيتد برِس بعد عدم قبولها بالاتحاد، أو بسبب عدم توفير شركات التلغراف التجارية مرافقَ مكافئة لكل البرقيات الصحفية (سويندلر، ????). رُفِعت دعوى قضائية أخرى عام ???? عندما علَّق اتحادُ أسوشيتد برِس عضويةَ صحيفة شيكاجو إنتر أوشن بعد تبادُلِها الأخبارَ مع صحيفة نيويورك صن التي أُعلِن من قبلُ كونها خصمًا للاتحاد؛ مما دفع صحيفة شيكاجو إنتر أوشن إلى السعي للحصول على أمر زجري وطلب تعويض، واستئناف القضية من المحكمة الأصلية، حيث أيَّدت محكمةُ الاستئناف إجراءاتِ الاتحاد، فرفعت الصحيفةُ القضيةَ إلى المحكمة العليا (انظر: روزووتر، ????؛ سويندلر، ????؛ بلانشارد، ????). وقد رفعَتْ وزارة العدل عام ???? دعوى مدنية ضد الأسوشيتد برِس بناءً على قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار، بدعوى أن أنشطة الوكالة مثَّلت جمعًا للعقود وتآمُرًا يقيِّد الأخبارَ والمعلومات والاستخبارات التجارية بين الولايات العديدة، في محاولةٍ لاحتكار جزء من هذه التجارة، ومثَّلت أيضًا جمعًا للعقود وتآمُرًا لاحتكارها (بلانشارد، ????؛ رانتانن، ????). وقد أوضحَتْ كلُّ هذه الدعاوى القضائية بالأمثلة أن الأخبار أضحَتْ نشاطًا تجاريًّا، وقد غَدَا تحديدُ إنْ كانَتْ تجب مساواتها بأي نشاط تجاري آخَر؛ مثارَ خلاف.
(??) هل هي نهاية عهد اقتصاد الأخبار؟

غيَّرَتْ حركة تصنيع الأخبار القصصَ الجديدة وحوَّلتها إلى أخبار يمكن أن تُشترَى وتُباع على نطاق واسع، وقد شملت هذه العملية حركةَ المهنية، وفيها انفصلت أدوارُ ناقلِي الخبر وموفِّرِي محتوى الخبر ومحرِّريه بعضها عن بعض. وفي الوقت نفسه، صار للأخبار محتوًى وشكل وإطار زمني فريد. كان المنتَج الجديد — الأخبار — جاهزًا للانتقال إلى الأسواق العالمية الجماهيرية.
كانت الأخبار منذ البداية مُنتَجًا يصعب تسعيره. ومع أنه كان من الممكن بيعها للكثيرين، فقد كانت سلعةً خفيفةً فقدت قيمتها بسهولة. كذلك كان من الصعب تبيانُ السمة الفريدة جدًّا للأخبار التي جعلَتْها مختلفةً عن غيرها من السلع المعلوماتية. لِمَ كان المرء يشتري الأخبار؟ من أجل محتواها، أم سرعتها، أم موثوقيتها، أم علامتها التجارية، أم مكانتها؟ المؤسسات الجديدة التي وقفت خلفَ الأخبار — أيْ وكالات الأنباء — أضفَتْ عليها مكانةً وانتظامًا وعلامة تجارية، فلم تَعُدْ أخبارًا من أيِّ مصدر، بل من مصدر مميَّز وموثوق به.
عندما اتَّسَع نطاق التكنولوجيا وسيطرت عليها الدول أو الشركات الكبرى كان تحوُّل الأخبار إلى أخبار حصرية أسهل، ومع تطوُّر أحدث تقنيات الإعلام والاتصالات باتَتْ «سرقة» الأخبار في الطريق أسهل كثيرًا؛ ففي العصور الوسطى كانت القصص الإخبارية في الغالب قصصًا يتشاركها الناس، أما الأخبار التي يحملها الرسلُ فكانت حصرية وسهلة السرقة. وفي عصر التصنيع، أُرسِلت الأخبار عبر خطوط التلغراف، وكانت سرقتها في الطريق أصعبَ بكثيرٍ؛ لأنها كانت تُرسَل عبر سلك، لكنها في كثيرٍ من الأحيان كانت تتعرَّض للسرقة لدى نشرها. أما في عصر المعلومات، فباتَتِ الأخبار متعددةَ المشارب وتنتقل بطرق كثيرة من مصادر عدة إلى درجة أنها صارت تقريبًا تفقد طبيعتها الأبدية وأصالتها على الفور؛ صارت الأخبار تتمتَّع بعمر أقصر، وفقدت قيمتها على نحو أسرع من ذي قبلُ، وفوق كل شيء بات من السهل سرقتها لأنها متاحة إلكترونيًّا.
تزايدَتْ صعوبة الفصل فصلًا واضحًا بين الأحداث والمعلومات والمصادر والأخبار؛ فأغلب الأحداث منظَّمة وتغدو «إخبارية» حتى قبل أن تقع، وتتوافر المعلومات من حولنا بكل مكان، وتشبه في شكلها الأخبار. ومصادر الأخبار متنوعة بشكل ضخم، ويمكن لأيٍّ مَن كان أن يصبح مصدرًا للأخبار بفضل تقنيات الإعلام والاتصالات الجديدة، علاوةً على أن الأخبار متاحة مجانًا على نواصي الشوارع، وفي نقاط الالتقاء على شبكة الإنترنت. وعلى المرء أحيانًا أن يرفض المزيدَ من الأخبار في دورتها القائمة على مدار الأربع والعشرين ساعة المزدحمة بالأحداث والأخبار والمصادر والمعلومات.
هوامش

(1) A letter from W. Turner to Mr Moloney on May 23, 1935. Sir Roderick Jones papers, Section 2, Box file 2. Reuters’ archive.(2) Sir Roderick Jones papers, Section 2, Box file 3, Reuters Archive.(3) US District Court In Equity No. 4 14–59. The AP (complainant) against INS (defendant) January 30, 1917. Brief on behalf of complainant. Sir Roderick Jones papers, Section 2, Box file 2. Reuters’ archive.(4) US District Court In Equity No. 4 14–59. The AP (complainant) against INS (defendant) January 30, 1917. Brief on behalf of complainant. Sir Roderick Jones papers, Section 2, Box file 2. Reuters’ archive.(5) R. Jones (1927) Statement. Conference of Press Experts, Fourth Plenary Meeting, League of Nations. Geneva, August 25, 1927. Sir Roderick Jones papers, Section 2, Box file 3. Reuters’ archive. الفصل الخامس
إضفاء الطابع المحلي على الأخبار


أماكن في الخبر
القصص، سواء أكانت عن الحياة اليومية أم الأدبية منها، تخدمنا كوسائل نقل عام (دي سيرتو، ????).
سلَّطَ الباحثون في وسائل الإعلام والاتصالات الكثيرَ من الاهتمام على «محتوى» الأخبار، عوضًا عن الاهتمام بقضايا أخرى. وكما يشير فيرجسون (????)، فإن «نموذج هارولد لاسويل لعملية الاتصال (التي تحاكِي تركيبتها تركيبةَ الخبر) يغفل الملامحَ الزمانية والتاريخية/السياقية للخبر؛ فالتركيبة التي تتكون من قائل الخبر وقناة نقل الخبر والأشخاص الذين نُقل الخبر إليهم والأثر الذي تحقق من وراء نقل الخبر، هذه التركيبة لا تتضمن «متى» نُقل الخبر ولا «أين».»
أيضًا كتب شودسون (????): يُفترَض بقصة الخبر أن تجيب على الأسئلة التالية: «مَن؟» و«ماذا؟» و«متى؟» و«أين؟» و«لماذا؟» لكن «فهم الأخبار بوصفها ثقافةً» يتطلَّب سؤال أي فئة من الأشخاص يمكن أن يندرجوا تحت فئة «مَن»، وأي فئة من الأشياء تندرج تحت فئة «ماذا»، وأي جغرافيا وأي مفهوم للوقت يمكن أن يندرجَا تحت سؤالَيْ «أين» و«متى»، وما الذي يُعَدُّ شرحًا يجيب عن «لماذا».
لم يتجاهل الباحثون في حقل الاتصالات عنصرَ «المكان» فحسب، بل تبنَّوا أيضًا مفهومًا تقليديًّا له — بتعبير هالين (????) — «يبدو «المكان» للباحثين في حقل الاتصالات حقيقةً بسيطة، هي مباشِرة بقدر ما هي غير مهمة.» غير أن حقل البحث في مجال الاتصالات شمل حالات درس فيها الباحثون المكان. تطرَّقَ كاري (????) بشكل غير مباشِر إلى المكان في فصله فصلًا مؤثِّرًا بين النقل ووجهات النظر التقليدية عن عملية الاتصال، عندما أشار إلى المقاسمة والمشاركة والاشتراك وتشاطُر اعتقاد مشترك على أنها السمات المميزة للاتصال التقليدي، ويرى كاري (????) أن نموذج التواصُل ليس قائمًا على «اكتساب المعلومات»، لكنه فِعل «مفعم بالحركة ينضَمُّ فيه القارئ إلى عالم من القوى المتصارعة كمشاهد لمسرحية»، وإحدى الطرق التي ينضمُّ بها القارئ لهذا العالم هي الشعور بالمكان.
من ثَمَّ فإن مفهوم المكان لا غنى عنه للدراسات الإعلامية ودراسات الاتصال، وتشير الأعمال النظرية للعديد من المنظِّرين حول العولمة (من بينهم جيدينز، ????؛ وهارفي، ????) إلى أن مفهوم المكان صار أكثر أهميةً من أي وقت مضى؛ بتعبير جيدينز (????): «يمكن تعريفُ العولمة على أنها تكثيف العلاقات الاجتماعية القائمة حول العالم التي تربط بين «البقاع المحلية» البعيدة بعضها عن بعض على نحوٍ تتشكَّل فيه الوقائع المحلية بأحداث تقع على بُعْد أميال كثيرة، والعكس.» لكن يُغفَل بسهولة أن الأخبار المنقولة إلكترونيًّا بالقرن التاسع عشر قد أسهمَتْ بالفعل في حركة العولمة، وزادت من ثَمَّ شعور قارئ الخبر بالمكان، فبدأت الأخبار المنقولة إلكترونيًّا في القرن التاسع عشر في بناء الجسور بين شتى الأماكن، بتقريب الأماكن التي وقعت فيها الأحداث من قارئ الخبر.
تفتقر الأبحاث حول وسائل الإعلام والاتصالات في كثير من الأحيان للبُعْد التاريخي؛ إذ تسلِّط أغلب أبحاثها الضوءَ على القرن العشرين، ومن ثَمَّ تغفل أن الوسائط الإلكترونية الأولى التي ظهرت في القرن التاسع عشر — أيْ وكالات الأنباء — هي ما غيَّرَ مفهومَيِ الزمان والمكان، وأصبحت أداة مبكرة للعولمة، وقد كانت وسائل الإعلام الإلكترونية في القرن التاسع عشر هي الأولى في فصل الزمان عن المسافات بنقل الأخبار من البقاع النائية آنيًّا (رانتانن، ????).
لسوء الحظ، عندما خضع المكان للدراسة الفعلية في حقل الأخبار، انحصرَتْ دراسته في الدراسات الجغرافية التقليدية؛ فبدأت دراسات حركة تدفُّق الأخبار منذ خمسينيات القرن العشرين (منها على سبيل المثال دراسة «تدفُّق الأخبار» ????، لسريبيرني-محمدي وآخَرين) في دراسة جغرافيا الأخبار، فتأمَّلتْ مسألة «المكان» في إطار الدول التي اشتملت عليه، وتتبَّعتِ الحدود الجغرافية للدول (القومية) كما رسمتها على الخرائط. بعبارة أخرى، اهتمَّتْ دراساتُ حركة تدفُّق الأخبار بالدرجة الأولى بالكيفية التي تمثَّلت بها مختلف الدول في الأخبار مقارَنةً بأحجامها وتعدادها، وحتى هذا الاهتمام تحدَّدَ في إطار النسب المئوية. وتجاهلت عادةً دراساتُ حركات تدفُّق الأخبار أهميةَ المكان ودورَ الخبر في تشكيله، ولم ينتقل المكان لاحتلال أهمية بحثية إلا بفضل الجدل الدائر حول تضاؤل هيمنة الدول القومية في ظلِّ حركة العولمة.
(?) منهج بديل: جغرافيا العقول

يصنف المكان لفئات مهمة بقدر أهمية الدول أو تربو عليها في الأهمية، كالأقاليم والمدن والقرى والشوارع والطرق والمنازل (رالف، ????). وكما يشير علماء الجغرافيا في العصر الحديث، يمكن تفسيرُ الجغرافيا من المنظور الظاهراتي على أنها دراسة للعلاقات بين الأفراد والعالم الذي يحيَوْن فيه (رالف، ????)، وهذه هي «جغرافيا العقول» (كرانج، ????). تقف جغرافيا الظواهر على طرف النقيض من الجغرافيا التقليدية التي يرى سوجا (????) أنها تختص بالدرجة الأولى بتجميع الحقائق التي تَصِفُ تمايزَ مناطق سطح الأرض، وتختص بتصنيفها والتعبير النظري المبسَّط عنها؛ بتعبير إنتريكين (????): يتوقَّف الاختلافُ بين تفسير الجغرافي للعالم وبين تفسير الفرد له في الحياة اليومية بالدرجة الأولى على درجة الوعي الذاتي لواضِع التفسير واختياره لمعايير تفسيره؛ ومن ثَمَّ قد لا يلتقي اهتمامُ الجغرافي بوضع وصف دقيق للعالم مع أهداف الفرد الذي يعنيه لعب دور في العالم.
وجه الاختلاف الرئيس بين الجغرافيا التقليدية وجغرافيا الظواهر هو أن جغرافيا الظواهر تتمحور حول تجارب الأفراد، وحول شعورهم حيال الأماكن، بينما تعبِّر الجغرافيا التقليدية عن منظور خارجي يزعم الموضوعية لأنه يعتمد على الخرائط؛ ومن ثَمَّ فقد حَذَتْ دراسات حركة تدفُّق الأخبار — التي صنَّفَتْ محتوى الأخبار إلى فئاتٍ، وأحصَتِ الأخبارَ بناءً على المنبع الجغرافي الذي نبعَتْ منه — نهجَ الجغرافيا التقليدية؛ فعَدَّتِ الأخبارَ غيرَ موضوعيةٍ إنْ وردَتْ بصورة أو أخرى من بلد نسبة إلى حجمه الجغرافي؛ إذ طالما دارت جغرافيا الأخبار في دراسات حركة تدفُّق الأخبار حول جنسية الخبر، وحول الأقاليم الجغرافية عوضًا عن الأماكن. غير أن دراسة المكان في الخبر بتطبيق مفهوم رالف الخاص بجغرافيا العقول لا يمكن أن تقتصر على الجغرافيا بمفهومها التقليدي، بل تشمل أيضًا علاقة الأفراد بالأماكن. ولعل هذا المنهج قريب من مفهوم كاري عن الاتصال التقليدي الذي يَعُدُّ هذا الاتصالَ «عمليةً مفعمةً بالحركة ينضمُّ بها قارئ الخبر إلى عالم من العوالم.» وإن نظرنا في الكيفية التي تصل بها الأخبار بين الأفراد، فسنجد أن المكان عنصر ضروري لأنه — على حدِّ قول هايدجر — «هو محل الوجود في العالم» (هارفي، ????). (?) لا شعور بالمكان

يوضِّح مايروفيتز (????) في كتابه المؤثِّر «لا شعور بالمكان» أن وسائل الإعلام الإلكترونية لا تؤثِّر فينا بالدرجة الأولى من خلال محتواها، وإنما عبر تغيير «جغرافيا الموقف» في الحياة الاجتماعية؛ ومن ثَمَّ كتب (????): أثَّرَتِ التغييرات التي طرأت على الأماكن في الماضي في العلاقة بينها على الدوام؛ فقد أثَّرت في المعلومات التي يجلبها الأفراد إلى الأماكن، وفي المعلومات التي يمتلكها الأفراد في بعض الأماكن، غير أن وسائل الإعلام الإلكترونية زادَتْ على ذلك درجةً؛ فهي تقود تقريبًا إلى انفصالٍ شبه تامٍّ عن المكان المادي والمكان «الاجتماعي»؛ فعندما صرنا نتواصل عبر الهاتف أو الراديو أو التلفاز أو الكمبيوتر لم يَعُدْ مكاننا المادي يحدِّد «مكانَنا» الاجتماعي و«هويتَنا» الاجتماعية.
من هنا، يخلُص مايروفيتز (????) إلى أن «لا شعورنا بالمكان» قد تزايَدَ؛ لأن «عالمنا بدأ يغدو غيرَ مُدرَك لدى الكثير منَّا، لأننا صرنا للمرة الأولى في تاريخ عصرنا الحديث بلا مكان نسبيًّا؛ أيْ صرنا جزءًا من عالم متَّحِد الأركان.» وتشبه أفكار مايروفيتز هنا أفكار جيدينز (????) وهارفي (????) اللذين يضيفان بُعْدًا آخَر للعالم الذي أخذ في التقلُّص الذي انتبَهَ إليه مايروفيتز وآخَرون (انتبه له ماكلوهان بالأساس)؛ فيشير هارفي وجيدينز لانضغاط المكان والزمان أو انفصال أحدهما عن الآخَر كجزءٍ لا يتجزأ من عملية العولمة، ويتحدث هارفي من ناحيةٍ (????) عن «انضغاط الزمكان» وعن تشييء وتعميم مفهومَيِ الزمان والمكان، وفناء المكان بفعل الزمان. أما جيدينز (????)، فيرى أن المسألة ذات صلة بانفصال المكان عن الزمان أو تباعد أحدهما عن الآخَر، ويرى أنه في ظل العصر الحديث باتَتِ المسافةُ بين الزمان والمكان أكبرَ مما هي عليه في أكثر المجتمعات الزراعية تقدُّمًا. أما ووترز (????)، فقد انتقَدَ مفهومَ جيدينز؛ لأنه يرى أن انفصال المكان عن الزمان يوحي بأنهما يغدوان ممتدين، في حين أن العلاقات الاجتماعية بالأحرى هي التي بدأت تمتد عبر مسافات كبيرة. علاوةً على ذلك، يذهب ووترز إلى أن تقنيات الاتصالات الجديدة تضمن أن العلاقات الاجتماعية الممتدة عبر العالم أضحت أكثر تماسكًا وقوة، ولا تتسم بالضعف كما يشير جيدينز، في حين أن مفهوم هارفي عن تقلُّص الحدود المكانية للعلاقات الاجتماعية (بحيث تغدو المسافات المكانية غير هامة) يناسب نموذجَ العولمة بدرجة أكبر. كتب مايروفيتز كتابه في أوان يسبق بكثير هذا الجدل الدائر حول العولمة، وتجاهَلَ فيه عنصرَ الزمان، غير أنه أشارَ في الواقع إلى الظاهرة نفسها، إلا أنه يزيد على جيدينز وهارفي بافتراضه أن تبعة انضغاط الزمكان هي «اللاشعور بالمكان». لقد عزَّزت الأخبارُ المنقولة إلكترونيًّا في القرن التاسع عشر في بادئ الأمر شعورَ قارئِ الخبر بالمكان من خلال جلب الأخبار في الوقت نفسه من العديد من الأماكن، فبدأ القارئ يغدو أكثر وعيًا بالمكان، وقد وعى به على نحو جديد؛ إذ قرأ الأخبار في منزله في حين أنها أتَتْ من بقاع نائية.
الأخبار الأجنبية تحدث في مكانٍ خلاف مكان قارئها، ولا تُفهَم إلا إنْ فهمَ قارِئُها الاختلافَ بين مكانه ومكانها، ونحن ننظر إلى «الأخبار الأجنبية» و«الأخبار المحلية» على أنهما فئتان منفصلتان، بينما يعرِّف قاموسُ أوكسفورد للُّغة الإنجليزية كلمةَ أجنبي foreign بعدة طرق؛ وأحد التعريفات التي يسوقها للأجنبي هو أنه «شيء بعيد عن الوطن»، ويصف تعريفٌ آخَر الأجنبي بأنه «المناقِض للمحلي»، وتعريفٌ ثالث يصفه بأنه «شيء مختلف، وغريب، وغير مألوف». كما يتحدَّد تعريفُ الأخبار الأجنبية بعلاقتها بالعديد من جوانبها؛ فتُعرف (?) كأخبار محلية خارج البلاد، (?) وكأخبار أجنبية داخل البلاد، (?) وكأخبار أجنبية خارج البلاد (سريبيرني وآخرون، ????). وقد يكون مصدرُ القصة الإخبارية أجنبيًّا والعناصر التي تدور حولها أجنبية، وعادةً ما يكون مصطلحَا «الأخبار الأجنبية» و«الأخبار المحلية» مكافئين لمصطلح «الأخبار الأجنبية» في مقابل «الأخبار القومية». ويستند هذا المنهج إلى اعتبار الدول القومية نقطةَ بدء بديهية للدراسة، وإلى القبول بلا تحفُّظٍ بأن القصة الإخبارية الجديدة إما قصة «أجنبية» وإما «محلية»، بناءً على معرفة إن كانَتْ أحداثها قد وقعَتْ خارجَ الدولة التي يوجد بها وسيطُ نقلِ الخبر أم لا. وقد أوضحْتُ في عمل آخَر لي (رانتانن، ????) أنه منهج خاطئ؛ لأن الأخبار الأجنبية والمحلية تتشابكان بقوة بقدر ما يلتقي «العالمي» مع «المحلي»، وتُعَدُّ هاتان الفئتان من الأخبار مهمتَيْن؛ لأنهما تؤثِّران في تحديد العناصر التي تجعل الخبر خبرًا.
التمييز بين الأجنبي والمحلي خاطئ على اعتبار أن هذا التمييز يقتضي مُسبَقًا أن الأخبار الأجنبية وحدها تَرِدُ من المسافات البعيدة، أو من مكان «مجهول» الثقافة، لا لسبب إلا أنه أجنبي. غير أننا إن تأمَّلْنا المسافات الفاصلة بين البقاع داخل دولة قومية واحدة، فسنجد أنها تكون في كثير من الأحيان أكبر من المسافات الفاصلة بين بقعتين في دولتين قوميتين مختلفتين؛ فعلى سبيل المثال، قياسًا بالأميال، تبعد لندن عن إدنبرة أكثر مما تبعد عن باريس، مع ذلك تُعَدُّ الأخبارُ من إدنبرة أخبارًا «محلية»؛ لأنها تَرِد من المملكة المتحدة، فيما تُعَدُّ الأخبارُ من باريس «أجنبيةً». من ثَمَّ، عندما نتحدَّث عن المسافات والتغلُّب عليها، لا نشير إلى فاصل تقني فحسب، بل نشير كذلك إلى فاصل ثقافي. وهكذا، ذكَّرَتِ الصحفُ والأخبارُ بصفة دورية ومتكررة أبناءَ البلد الواحد بأنهم ينتمون إلى نفس الدولة القومية، كما أشار أندرسون (????) في تنويهٍ شهيرٍ له.
غير أن الانتماءات لا معنى لها إلا إنْ كان الخبر يطرح للقارئ نقطةً تعيِّن هويته، وهي ما أتاح للقرَّاء — وما زال يتيح لهم — أن يكونوا بشتَّى الأماكن في وقت واحد؛ مما يعزِّز شعورَهم بالمكان. ويستخدم بيك (????) مصطلحَ تعدُّد الأماكن للتعبير عن موقف يُتاح به للأفراد الوصولُ إلى العديد من الأماكن لا إلى مكان واحد فحسب؛ إذ يشير لمَن يسافرون فعليًّا، لكن بإمكاننا بسط نطاق مفهومه لجمهور الخبر، ووجه الاختلاف بالطبع هو أن جمهور الخبر يمكث بمنزله بينما تكون الأخبار هي ما يسافر.
من هنا نتطرَّق إلى مسألة العلاقات الاجتماعية التي تتوسَّطها وسائلُ الإعلام الجماهيرية (طومسون، ????؛ توملينسون، ????)، فإن قَبِلْنا بأن جميع العلاقات تقوم عبر وسيط (كاللغة على سبيل المثال)، تظل أمامَنا مسألةُ الاختلاف بين العلاقات التي تقوم على وساطة وسائل الإعلام الجماهيرية والعلاقات غير القائمة على وساطتها؛ فيرى توملينسون (????) أن الرئيس الذي نراه على شاشات التلفاز لا يمكنه أبدًا أن يغدو مألوفًا لنا كما يكون جيراننا أو حتى كما يكون شخص في نقطة نائية نتحدَّث إليه عبر الهاتف، وأحد الأسباب التي يسوقها توملينسون لذلك هو أن الرئيس الذي نراه على شاشات التلفاز لا يبدو لنا أبدًا كشريك في محادثة، ومن جهة أخرى حتى عندما يتشارك شخصان في محادثة على الهاتف، يكونان على وعْيٍ كبير بالاختلاف بين موقعَيْهما. وفي العلاقات التي لا تقوم على حوارٍ كقراءة الأخبار، تغدو الفجوةُ بين موقع الخبر وموقع قارِئه أكبرَ؛ فقارئ الخبر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموقعه فيما يقرأ الخبر؛ ومن هنا لم يتوهَّم قرَّاءُ الأخبار المنقولة إلكترونيًّا المطبوعة في الصحف بالقرن التاسع عشر أنهم في مكانين بالوقت نفسه؛ إذ تجلَّى الفارق بين ما هنا وما هناك من خلال المكان والتاريخ الخاصين بكل قصة إخبارية، ولم تَقُمْ محادثة بين الأخبار وقرَّائها، بل قامت العلاقة على عقد ضمني بأن يعيَ القرَّاءُ الاختلافَ بين موقعهم وموقع الخبر.
لكن لأن الأخبار تقع بمكانٍ ما، فهي تحثُّ القرَّاءَ على الانشغال بمكان آخَر، ويستخدم روبوثام (????) تعبيرَ أوكلي «تغيير المشهد» (أو «الانحراف عن الوجهة») في وصفه لقراءة سيمون دي بوفوار للكتب في صغرها كوسيلة للانتقال إلى عوالم أخرى، ليعبِّرَ عن أثر الكتب على سيمون دي بوفوار. ويشير روبوثام إلى أن دقة اللغة الفرنسية تجعل كلماتها تحثُّ على عمليات ذهنية لا تزال غامضةً في الوعي الإنجليزي، وأفضل تعبير يصِفُ فكرةَ تغيُّرِ المكان مع قراءة الخبر في تحليلي هو تعبير «تغيير المشهد» (عوضًا عن الانحراف عن الوجهة الذي يُوحِي بالتباس المكان)، مع أنه حتى هذا المصطلح يفوِّت التعبيرَ عن قدرة الوعي بالأماكن الجديدة دون تغيير المكان ماديًّا في الواقع، التي تتيحها قراءةُ الخبر.
(?) الموطن كمكان

لا غنى عن المكان لفهم العالم (ساك، ????)، فالأفراد يحيَوْن بالأماكن، ويفتقدون الأماكن التي أقاموا أو مكثوا بها، ويحتاجون إلى الأماكن الخاصة بهم حيث يشعرون بالراحة، ولا يتخذون — كما يشير كرانج (????) — مواقعهم بها فحسب، بل يعرِّفون أيضًا أنفسهم في إطار شعورهم بالمكان. ويقترب مفهوم الموطن جدًّا من مفهوم المكان؛ فالموطن هو نقطة البدء لكل شيء آخَر، ويشير التعبير «ما من مكان أفضل من المنزل» there’s no place like home إلى الألفة والمشاعر التي نقرنها بمنازلنا بوصفها أماكن خاصة بنا. ويكتب كرانج (????) عن الأماكن أنها «عماد للتجارب المشتركة بين الأفراد وللاستمرارية على مدار الزمن.» بعبارة أخرى تغدو الفضاءات أماكن وهي تكتسب «كثافة زمنية»؛ فهي تتمتع بماضٍ ومستقبل يربطان بين الأشخاص من حولها، والعلاقات التي يخوضها الأفراد تربط بينهم وبين المكان، وتمكِّنهم من تعريف ذاتهم وتشاطُر التجارب مع الآخرين وتشكيل المجتمعات فيما بينهم. وحتى إن كانت مواطن الأفراد/أماكنهم هي أكثر مكان يعرفونه، فالزيارات للأماكن الجديدة تُشعِرهم بالقرب أكثر من مواطنهم، وكثيرًا ما يتحدَّثون عن شوقهم للعودة إلى الأماكن التي زاروها، ويختزنون صورًا ذهنية لهذه الأماكن و/أو يعودون حاملين الصور أو التذكارات لها لتذكِّرهم بها، وحتى إن لم يزوروها بأنفسهم، فقد تساعدهم معرفتهم بشخص من هناك (سواء أكان قريبًا أم صديقًا أم صديقًا بالمراسلة) على بناء رباط يجمعهم بها. ومع أنهم قد تجمعهم روابطُ بأماكن بخلاف مواقعهم، فإن مواقع وجودهم والبقاع النائية عنهم تشكِّلان فئتين مختلفتين، مع أن كلتا الفئتين قد تستحضرهما أذهانهم؛ فالأفراد يحتاجون للشعور بالأمن حيث موطنهم، بَيْدَ أنهم في الوقت نفسه قد يساورهم فضولٌ تجاه الأماكن الجديدة. كتب كرانج (????) أن كل قصص الأسفار تعكس بناءَ وطنٍ إما يُفتقَد وإما نعود إليه، ومع ألفة موطن المرء، فقد يغدو مقيَّدًا ومملًّا؛ ومن هنا يشتاق الأفراد إلى الأماكن الأخرى لتحرير أنفسهم، وبتحديد مواطنهم يمكنهم أيضًا تحديد موقعهم في الفضاء المكاني الذي يدركونه بالتمييز بين المعلوم والمجهول.
إذن يميِّز الأفراد بين مكانهم والأماكن الأخرى، مع أن كليهما يكونان حاضرين في تجربة الوجود البشري؛ فيرى هايدجر أن «الوجود البشري» يتضمَّن دومًا مكانًا (دريفوس، ????)؛ فنحن نحيا في موقعنا الحاضر، لكن تتزايد قدرتنا على بلوغ الأماكن البعيدة عبر وسائل النقل والاتصالات؛ ومن هنا يستخدم هايدجر المصطلح الألماني entfernung (الذي يقترب معناه من التعبير الإنجليزي desevernce: بمعنى «إزالة الفواصل») الذي يشير به إلى محو المسافات بين الأشياء القريبة والبعيدة (دريفوس، ????). يهدف مصطلح إزالة الفواصل — على حدِّ ما كتب سكانل (????) — إلى «فهم جوهر ما يسميه هايدجر بإزالة الفواصل الذي يقترب معناه من إزالة المسافات، أو التخلُّص من البُعْد، أو التقريب، أو المجيء إلى نطاق قريب». كما يصف سكانل إمكانية أن يغيِّر الراديو الصفةَ المكانية للأشياء، وأن يقرِّب الأشياء بحيث تبلغ نطاق اهتمامنا، وأن يُمكِّن المرء والجميع من الوصول إلى العالم (العالم الشاسع البعيد عن متناولنا) ويجعله في متناولنا. ومع أن هايدجر لم يكتب إلا القليل عن وسائل الإعلام في كتابه «الوجود والزمان»؛ إذ لم يُشِرْ إلا بملاحظات عابرة إلى الراديو والصحف (انظر على سبيل المثال: هايدجر، ????)، فقد انصبَّ فكره بالدرجة الأولى على قضية المكان؛ حيث تثير مسألة إزالة الفواصل المسافية قضيةً جوهرية، أَلَا وهي: إلى أي مدًى يشكِّل الآخَر وجودنا؛ فالمكان الذي لا ننتمي إليه يوحي لنا بغرابته عنَّا لأنه ليس مألوفًا لنا. والتغلب على المسافات للغالبية العظمى من سكان العالم ممكنٌ بالدرجة الأولى عبر العلاقات الاجتماعية التي تتوسَّطها وسائلُ الإعلام الجماهيرية؛ ومن هنا نتطرَّق إلى دور الأخبار في بناء المكان. (?) السمات الخارجية للمكان في الخبر

كتب شابار (????) أن المسافرين كانوا يتعرضون لوابل من الأسئلة المتلهفة عن الأخبار التي حملوها من المناطق التي زاروها؛ إلى حد أن نقل المسافر للأخبار التي جمعها عُدَّ على أقل تقدير ضربًا من حُسْن الخلق — إن لم يكن واجبًا — كمقابل لحُسْن ضيافته. ومن الطرق القياسية التي استدلَّ بها المرء على الطريق إلى وجهته عبر أوروبا القرون الوسطى الاحتفاظُ بيوميات للرحلة يدوِّنها على مخطوطة سُجل فيها على الترتيب الأماكن التي جرى المرور بها، مع إشارةٍ إلى المسافات التي فصلت بينها (سبافورد، ????). وأشارت الخطابات والبطاقات البريدية دومًا إلى الفارق بين مكان صدورها والمكان المُرسَلة إليه؛ لأنها بدأت في كثير من الأحيان بإشارة إلى مكان وتوقيت صدورها (على سبيل المثال: «هلسنكي، ? يونيو، ????»، مثال آخَر على ذلك: البطاقاتُ البريدية التي طُبِعت عليها أسماء الأماكن التي وردت منها، ولم تُطبَع بها أسماء البلدان التي وردت منها قطُّ تقريبًا). وقد سارت على النهج نفسه كتب الأخبار والرسائل والصحف، مع ذلك لا تحوي المسارد التاريخية الإعلامية القياسية الكثيرَ من المعلومات عن أهمية المكان، وكأنه ليس عنصرًا بالخبر، مع أن كل قصة إخبارية بدأت بمكان وتوقيت صدورها؛ مثال على ذلك كتابُ أخبار بعنوان «نسخة من خطاب مزدوج من نبيل إنجليزي من خلف البحار … يشمل الأحداث الحقيقية … لوفاة ريتشارد أتكينز في حريقٍ بروما، في الثاني من أغسطس عام ????»، أو كتاب من عام ???? بعنوان «أخبار من أوستند، الهجوم والحصار الشديد الذي ضربه الأرشيدوق ألبيرتوس وقواته … وأخبار أخرى من أوستند»، أو أخبار منشورة في كورونتوس تحت عنوان يشير إلى مكان وتوقيت صدورها جاءت كالتالي: «من البندقية، ?? يناير» (شابار، ????). وتضمَّنَ اسمُ العديد من الصحف — منها على سبيل المثال صحيفة لندن جازيت التي صدرت أول مرة عام ????، وكانت تصدر مرتين أسبوعيًّا — مكانَ طباعتها (هاريس، ????).
شكل ?-?: برقيات من وكالة رويترز، نُشِرت في ? من مايو عام ????، نُشِرت بإذن من أرشيفات وكالة رويترز.
لكن قبل ابتكار عناوين الأخبار كان المكان والتاريخ هما ما فصلَا الأخبار المنقولة بالتلغراف بعضها عن بعض (التي أُضِيفَ إليها فيما بعدُ توقيتُ صدورها بالساعة، كأنْ يُكتَب الواحدة والنصف مساءً كما يوضِّح الشكل ?-?)، وأصبحت الأخبار المنقولة إلكترونيًّا تحكي قصةَ سفر في العصر الحديث يلعب فيها المكان والزمان دورًا متزايدًا. وفي تحليله لمفهوم المكان، كتب لوكرمان (في مقتبس نقله عنه رالف، ????) عن فكرة المكان، ولا سيما من حيث علاقته بالأشياء والأماكن الأخرى، ويرى أن المكان يمكن وصفه من حيث سماته الداخلية (الموقع) واتصاله الخارجي بالمواقع الأخرى (الموقف)؛ ومن ثَمَّ للأماكن امتدادٌ فضائي وفراغ داخلي وخارجي أيضًا. وينصب اهتمامي في الجزء الأول من دراستي للأخبار على الامتداد الفضائي للأماكن؛ أي الكيفية التي تتصل بها الأماكن بالأماكن الأخرى. هذا التدفُّق للأخبار من شتى الأماكن، والمنشورة عشوائيًّا، التي لا يفصل بينها سوى التاريخ والزمان والمكان يستأهل نظرة عن كثب بشكل أكبر. لا شك أن الأخبار لم تَرِد جميعها عبر التلغراف، فقد ظلَّ بعضها يَرِد على متن السفن؛ فاستغرق على سبيل المثال وصولُ الأنباء من القسطنطينية وأثينا إلى مكتب وكالة رويترز في لندن سبعة أيام، فيما وصلت من برلين وتريستي في اليوم نفسه، وغدا الزمان والمكان أكثر ارتباطًا أحدهما بالآخَر في الأخبار على نحوٍ أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فولَّدت حركة تدفُّق الأخبار الإلكترونية انطباعًا بوجود فضاء عالمي تتصل فيه على الدوام وفي آنٍ واحد جميعُ الأماكن بعضها ببعض، وهذا يُعَدُّ أهم الإنجازات التي تمخضت عن نقل الأخبار إلكترونيًّا؛ فقد أَوحى بأنه أُتي بالعالم ليكون بين يدَيِ المرء في الحال.
لم تجمع الأماكن التي وردت منها هذه الأخبار قواسِمَ مشتركة إلا أنها كانت جميعًا جزءًا من شبكة رويترز، وبالرغم من الفوارق المسافية بينها، فقد اتصل بعضها ببعض لتشكِّل فضاءً عالميًّا من الأخبار. تدفَّقت الأخبار بغزارة دون انقطاع يوميًّا، وبعدما تسارعت وتيرة نقلها، تدفَّقت بغزارة كل ساعة، وتعددت أسماء الأماكن التي وردت منها، غير أنها تدفَّقت بلا نهاية وعلى نحوٍ متكرِّر بدرجة ما.
وقد كان هذا التكرار من أهم اكتشافات دراسات حركة تدفُّق الأخبار؛ فمع أن أغلب هذه الدراسات ينصبُّ اهتمامه على الحقب المعاصرة، فقد أظهرت الدراسات للحقب السابقة عليها كالقرن التاسع عشر على سبيل المثال أن مدنَ لندن وباريس وفيينا وبرلين كانت آنذاك مراكزَ نقل الأخبار الرائدة الجديدة (رانتانن، ????)، وأكَّدت هذه الدراسات على أن تركُّز الأخبار في هذه العواصم الهامة زادَ من أهمية هذه العواصم كأماكن؛ ولا شك في صحة هذا، وفي أنه كان من المؤشرات الأولى على قيام «مجتمع شبكي عالمي» (كاستيلز، ????) يتشكَّل بالدرجة الأولى من المدن الكبرى، لكن بدأت بالوقت نفسه أسماءُ هذه الأماكن تفقد أهميتها لأنها تكرَّرت مرارًا وتكرارًا.
هذا التكرار السريع والمستمر لأسماء هذه الأماكن يقرِّبنا من مفهوم مايروفيتز عن «اللاشعور بالمكان» أو مفهوم أوجيه (????) عن اللامكان أو انعدام المكان أو ما يصفه رالف (????) ? «الفضاء الخالي من المعنى»، غير أن هذه المصطلحات لا تُستخدَم عادةً إلا في سياق العصور الحديثة جدًّا؛ أي في سياق زماننا المعاصر، لا في سياق عصر حديث على غرار القرن التاسع عشر. ويميِّز أوجيه بين «المكان» (الذي تحيط به لحظاتٌ تاريخية وقبسات من الحياة الاجتماعية)، واللامكان (حيث يجتمع الأفراد على نحوٍ متماثل، ولا يمكن أن تتخلَّله حياةٌ عضوية) (باينون ودونكرلي، ????). وينظر باومان (????) إلى اللامكان على أنه فضاء استهلاكي يتشارَك فيه المستهلكون فضاءاتِ استهلاكٍ ماديةً، لا يتفاعل فيها أحد مع الآخَر، كما في الحفلات الموسيقية أو قاعات العروض أو المنتجعات السياحية أو مواقع الأنشطة الرياضية أو مراكز التسوق أو المقاهي؛ ومن هنا كتب باومان (????): تجمع اللاأماكن قواسِمَ مشتركة مع الفئة الأولى لدينا من الأماكن العامة ظاهريًّا، لكن التي لا توحي بألفة مع ذلك، والتي تثني العزم عن «الاستقرار» بها؛ مما يجعل فكرة الإقامة بها أو اتخاذها مقرًّا مستحيلةً بكل الصور.
مع أن باومان (????) يخلُص إلى أن: «اللاأماكن لم تشغل من قبلُ حيزًا فضائيًّا كبيرًا إلى هذا الحد في أي وقت من تاريخ العالم»، فإن القرن التاسع عشر قد يطرح مثالًا على النقيض مما خلص إليه؛ فالشائع بين اللاأماكن هو أنها تتسم بالتنقُّل، ويكمن وجه الاختلاف بين اللاأماكن المعاصرة واللاأماكن في القرن التاسع عشر في الطرق التي تمزج بها بين التنقُّل وعدم التنقُّل؛ ففي القرن التاسع عشر، سافرت الأخبار للمرة الأولى بنفسها من دون حامل لها عبر التلغراف، في حين لم يتنقل قرَّاؤها. أما في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين فباتَتِ الأخبار وقرَّاؤها متنقلين، ويمكن للقرَّاء التنقُّلُ أثناء استهلاك الأخبار لعدة مواقع كما يحدث على الإنترنت؛ ومن هنا كتب ماتلارت (????): للمكان دلالة رمزية من ثلاث نواحٍ؛ فهو يتصل بالهوية وبالعلاقة مع الآخَر وبالتاريخ؛ فيدل على علاقة مَن يحتلونه بأنفسهم، وعلى علاقتهم مع الآخرين بالمكان نفسه، وعلى علاقتهم بتاريخهم المشترك. وتضاعُف أعداد «اللاأماكن» هو سمة من سمات عالمنا المعاصر، ومن سمات أماكن المرور (كالطرق السريعة، والممرات الجوية) وشبكات الاستهلاك (كمتاجر التسوُّق الكبيرة) وشبكات الاتصال (الهاتف والفاكس والتلفاز)، ووضع المستهلك أو المتنقل الوحيد ينطوي على علاقة تعاقدية مع المجتمع، وهذه اللاأماكن المعيشة التي تولد اتجاهات عقلية وأنواعًا من العلاقات مع العالم هي من سمات عالمنا المعاصر التي تتكشف وتُعرَف باختلافها عن مراحل العصر الحديث الأبكر.
جَمَعَتْ بين الخبر وقرَّائه في القرن التاسع عشر علاقةٌ تعاقدية مماثلة لعلاقة المستهلك أو المتنقل الوحيد في القرن العشرين؛ إذ وعى القارئ بمكانه وظلَّ به، لكن الأخبار دعته ? «تغيير المشهد» من حوله؛ إذ دعاه اسم المكان الذي يَرِد في مقدمة أي قصة إخبارية لذلك، وهذا بالطبع بناءً على أن القارئ على معرفة بالمكان، غير أن أسماء الأماكن الواردة في مقدمة الأخبار الإلكترونية لا تتيح فرصًا كبيرة للتعرُّف على المكان بخلاف تمييزه؛ فعناوين الأخبار المطبوعة والمنقولة إلكترونيًّا (أو بالأحرى تواريخ إصدارها) مالَتْ أكثر إلى منظور الجغرافيا التقليدية؛ أي إلى منظور الغريب عن المكان أو منظور اللامكان، غير أن المكان بهذه التسمية يشكِّل الفضاءَ الإخباري العالمي، وهو فضاء يشكِّله العالم الذي نحيا فيه، العالم على نحوٍ منطقي، بالرغم من عشوائيته الموضوعية. بعبارة أخرى، إن أسماء الأماكن في بداية الأخبار المنقولة إلكترونيًّا هي في موقعها لتمييزها، غير أن القصة الإخبارية نفسها هي ما تبني المكان وتبني تعريفه. (?) السمات الداخلية للأماكن في الأخبار

لفهم أهمية المكان في الخبر، من المهم الغوص في قلب الخبر وسَبْر سماته الداخلية لنرى كيف يُبنَى الخبر. تقع الأحداث بمكان في موقع محدَّد؛ مما يجعل المكان جزءًا لا يتجزَّأ من البناء الإخباري للحدث، ويرى بيل (????) أن المكان والزمان يشكِّلان معًا خلفيةً للحدث الإخباري. ومع أن بيل يضع تحليله للأخبار الإذاعية اليوم، فإن منهجه يمكن تطبيقه على أخبار القرن التاسع عشر؛ فهو منهج يتيح فرصةً للذهاب لما وراء البقاع المهمة بالخبر كالمدن والبلدان على غرار التحليل الذي سلكناه في الجزء السابق. والمثال التالي برقية من السيد رويتر بمناسبة زيارة دوق روسيا الأكبر قسطنطين لباريس عام ????.
سأتبع نهج بيل لإيضاح بناء الزمان والمكان في هذه البرقية.
شكل ?-?: برقيةٌ من وكالة رويترز في ?? ديسمبر ????، ونُشِرت بإذنٍ من أرشيفات وكالة رويترز.
أول مكان يَرِد ذكرُه هو مكتب السيد رويتر دون الإشارة إلى مكانه بلندن؛ لأنه معروف بديهيًّا. في الواقع، يمثِّل مكتب السيد رويتر ما يشار إليه في حقل بحوث حركة تدفُّق الأخبار ? «المصدر»، أو الوكالة التي تنقل الخبر، أما أول موقع جغرافي يَرِد اسمه مع «التوقيت» (التاريخ) ويبدأ به الخبر فهو باريس؛ لا شك أن المكان في الخبر يختلف باختلاف الشخص. وكما أشرت من قبل، تتناول دراسات حركة تدفُّق الأخبار الخبرَ على مستوى الدول (القومية)، وتفصل بين أنماط الأخبار الأجنبية المختلفة على أساس موقعها، وأول مكان يَرِد ذكرُه في القصة الإخبارية يُعرِّف الخبرَ إما كمحلي وإما كأجنبي؛ ومن ثَمَّ إنِ استخدَمْنا في هذه الحالة أنماطَ الخبر التي تستخدمها دراساتُ حركة تدفُّق الأخبار، فستُصنَّف البرقيةُ على أنها نبأ محلي بالخارج لدى القارئ الروسي (الدوق الروسي الأكبر يزور باريس)، فيما ستُصنَّف كنبأ أجنبي في بلد القارئ الفرنسي (دوق روسي في بلده)، وتُصنَّف لدى القرَّاء الآخرين كنبأ أجنبي يشمل مدينةً أجنبية وفاعلًا أجنبيًّا؛ إذ تعبِّر أسماءُ الأماكن في كثيرٍ من الأحيان — كما يشير هالين (????) وبيل (????) — عن الفاعل عوضًا عن الإشارة إلى المكان؛ فاعل سياسي وليس منطقة جغرافية.
جدول ?-?: بنية الزمان والمكان في الخبر.
المكانالزمانمكتب السيد رويتر?? من ديسمبرباريسمساء الإثنين، ?? من ديسمبر(قسطنطين دوق روسيا الأكبر)اليوم في الساعة الواحدة والنصف(الإمبراطور)الساعة الثانية مساءً(الأسرة الإمبراطورية)بعدهاالسفارة الروسيةبعد ذلكقصر تويليريهذا المساءالأوبرافيما بعدُالسفارة الروسيةغدًامارسيليامساء الغد في الثامنة مساءً
بالمثل يعبِّر الفاعل في الخبر في كثير من الأحيان عن مكان ما؛ ومن ثَمَّ يعبِّر في هذه الحالة الدوقُ قسطنطين الأكبر أو أفرادُ الأسرة الإمبراطورية عن فاعل ومكان، ويعبِّر الدوق الأكبر في الوقت نفسه عن روسيا الإمبراطورية في فرنسا.
اسم مكان الحدث يعبِّر عن المستوى الأعم من المكان، فالأخبار تبني في الأذهان أماكنَ أصغر تسمح للقارئ بتحديد موقع الحدث من حيث علاقته به، ولا شك أن الأماكن على المستوى الأعم تحمل مدلولًا مختلفًا لكل قارئ؛ فمَن يقيم في باريس أو مَن زارها يعرف مكانَ الأوبرا أو قصر التويليري، أما القرَّاء الآخَرون فقد يألفون أو لا يألفون هذه الأماكن من القراءة أو السماع عنها، والقارئ المقيم بباريس أو الذي سبقت له زيارتها يَعِي على الأرجح مكانَ السفارة الروسية، مع أنه قد يكون لا يعرف أنها مرادفة للدولة الروسية كما هي في هذه الحالة، وكما يُعَدُّ قسطنطين دوق روسيا الأكبر مرادفًا للدولة الروسية. تنتمي مارسيليا لنفس فئة الأماكن مثل باريس، وهي مألوفة للعديد من القرَّاء كمدينة فرنسية، لكن لا يعلم المزيدَ عنها إلا القليلُ جدًّا من القرَّاء ممَّنْ لم يُقِيموا بها أو يزوروها أو تجمعهم علاقةٌ بها؛ فلا تجعل الأخبارُ للمواقع معنًى إلا ببناء أماكن في الأذهان كالأوبرا وقصر التويليري والسفارة الروسية في هذه القصة، وهذه عناصر اللامكان التي أضحَتْ بالواقع معالِمَ لأي عاصمة، فجميعُ العواصم تحوي أماكنَ يميِّزها الجميع.
ما تجدر ملاحظته هو أن جميع الأماكن في البرقية (عدا مدينتَيْ باريس ومارسيليا) هي أماكن عامة تُكوَّن في الذهن وتُعرَف عبر التجارب المشتركة وعبر دخولها في تشكيل رموز ومعانٍ مشتركة (رالف، ????)؛ فالأوبرا والسفارة الروسية وقصر التويليري تشترك جميعها في أنها رموز للسلطة والنفوذ، ومدى اشتراكها في تكوين رموز هو مسألة مختلفة لكنها تشتهر كمعالم باريسية حتى لمَن لم يزوروا باريس، وتتيح الأخبارُ بذكر أسماء الأماكن العامة فرصةً للتعرُّف عليها.
من المهم أيضًا ملاحظة كيف يتَّحِد الزمان والمكان في الخبر معًا؛ إذ يتداخلان تداخُلًا وثيقًا ويتشابكان عبر الخبر بأسره. أول توقيت يَرِد هنا هو تاريخ وصول البرقية بمكتب السيد رويتر، وبما أنه التاريخ نفسه الذي يَرِد في السطر التالي من الخبر (باريس، الإثنين، ?? من ديسمبر)، فهو يدل على أن البرقية صدرت في اليوم نفسه، ولا شك في أن هذا كان أمرًا شديدَ الأهمية في حقبة سعَتْ فيها وكالاتُ الأنباء إلى إقناع عملائها بأن بإمكانها نقل الخبر بأسرع ما يمكن. والقصة الإخبارية بأسرها بُنِيت حول مفهوم الحاضر، فبعضُ الإشارات في القصص الإخبارية تؤرِّخ الحدث — كما كتب بيل (????) — في الزمان المطلق أو في توقيت قائم على التقويم التاريخي (كتاريخ ?? ديسمبر في هذه الحالة)، فيما يؤرِّخ بعضُها الآخَر الحدثَ وفقَ علاقته بالأحداث الأخرى (مثال على ذلك: كلمة «ثم»، و«فيما بعدُ»)، وبعضها الآخَر يؤرِّخه بحسب علاقته بالحاضر، فيجعل من الحاضر نقطةً مرجعية له («هذا المساء»، «غدًا»). وتوحي التواريخ والأوقات وظروف الزمان المستخدَمة بأن القصة الإخبارية حدثَتْ في ماضٍ قريب جدًّا، إن لم تكن تحدث الآن بالفعل؛ ومن هنا تستخدم القصة الإخبارية الزمنَ الماضي غير أن التعابير المستخدَمة بها توحي إلى القرَّاء بأنهم يتتبعون الدوق خطوةً بخطوة، وهذا يشدِّد على الطابع الآني لبرقيات التلغراف.
(?) المكان واللامكان

أوضحتُ في هذا الفصل أن الأخبار المنقولة إلكترونيًّا تخلق الإحساس باللامكان، وتخلق إدراكًا جديدًا للمكان بالوقت نفسه؛ فعندما نتأمَّل الأماكنَ في سطر تاريخ الإصدار في مقدمة القصص الإخبارية الإلكترونية، ونلاحظ الكيفية التي تتدفَّق بها الواحدة تلو الأخرى، سيكون من السهل أن نتَّفق مع مفهوم رالف وأوجيه عن انعدام المكان أو اللامكان. يزعم رالف (????) أن الهويات الجمعية للمكان هي المستوى الأكثر سطحيةً من هويته، الذي لا يَدَعُ مجالًا لإظهار سماته الداخلية التشاركية ويبلي أي سمات داخلية للمكان بتدمير أسس هويته. كما يتحدث رالف عن اتجاه غير أصيل في تصوير المكان عبر وسائل الإعلام التي تشجِّع بصورة مباشِرة أو غير مباشِرة الشعورَ باللامكان، ويعرف رالف أثر وسائل الإعلام بأنه تأثير يقوض من هوية المكان إلى حدٍّ تبدو عنده الأماكن متشابهة بالرغم من اختلافها، وتقدم التجربة الخاوية من المعنى ذاتها.
تدفُّقات الأخبار لا تفسح تقريبًا مجالًا لتعريف المكان إلا من خلال تعرُّف القارئ الذي يعرف اسمَ المكان على هذا المكان. تبدو جميع الأماكن التي تثيرها القصص الإخبارية متشابهة وتوحي بانطباع مشابه، لكنها تشكِّل معًا فضاءَ الأخبار العالمي المتاح للقارئ في مختلف المواقع. أهم مزايا الأخبار المنقولة إلكترونيًّا التي يتم تجاهُلُها في الكثير من الأحيان هي أنها تضع العالم بين يدَيِ القارئ؛ ومن ثَمَّ فهي تعمل بوصفها أولى أدوات العولمة. كتب دي سيراتو (????) عن السكك الحديدية أنها تسمح لنا بالتنقُّل عبر المكان، وأن قطاراتها تسمح لنا برؤية العالم من مسافة بعيدة. الأخبار الإلكترونية — شأنها شأن سائر القصص الإخبارية — تفيدنا كوسيلة نقل، غير أن قرَّاءها لا ينتقلون (إلا إنْ كانوا مسافرين)، بل يمكثون بأماكنهم، ويسمح اسم مكان الحدث الذي يَرِد بالقصة الإخبارية للقارئ بتصوُّر المكان، لكنه — كما يشير دي سيراتو عن السفر — لا يتيح لمسه؛ فكلما زادَ مجال الرؤية قلَّ ما نلمسه به، غير أن الأخبار بعكس رحلات السفر ليست لها إلا نقطة مغادرة ونقطة وصول. وتختفي الأماكن البينية — كما يسمِّيها شيفلبوش (????) — التي تنتقل عبرها الأخبار؛ لأن الأخبار نفسها هي التي تسافر وليس القارئ، ويتيح انتفاء الزمان والمكان في الأخبار المنقولة إلكترونيًّا محاكاةَ الحدث كما لو أنه يحدث في الحاضر، والذي يصنع الفارق بين الأخبار ونقطة بدئها هو القارئ الذي يقف في المكان البيني بين الاثنتين.
عندما نتأمَّل الأماكنَ في الأخبار، نرى كيف تطرح الأخبارُ نقاطًا للتعريف عن طريق إرشاد القارئ عبر الأماكن بتسميتها. أسماء الأماكن في الأخبار هي في الأغلب أسماء لأماكن عامة مهمتها أن تكون وسيلة لإزالة الفواصل للقارئ، وتمحو المسافات بين المكان هناك وبين القارئ هنا. الأماكن التي تَرِد في الأخبار هي في كثير من الأحيان أماكن عامة يمكن العثور عليها في كل المدن الكبرى تقريبًا، وهي رمز للنفوذ كالمباني الحكومية والسفارات. هذا التعميم للأماكن يشبه تعميمها في أدلة المسافرين، غير أن وجه الاختلاف بين الأخبار وأدلة المسافرين يتمثَّل من جديدٍ في تنقُّل القارئ أو عدم تنقُّله؛ لأن المسافرين يقصدون بالفعل أماكنَ جديدةً، بينما تحاكِي قصصُ الأخبار السفرَ فحسب ويبقى قرَّاؤها في أماكنهم.
نجد في الأخبار المنقولة إلكترونيًّا تناقُضًا بين مصدر الأخبار ومكان القارئ؛ فقرَّاء هذه الأخبار يكونون في أماكنهم، لكن الأخبار تَرِدهم من بعيد. وتسعى هذه الأخبار إلى بناء الجسور بين الأماكن بالإيحاء باللحظة الراهنة، وبالرغم من سعيها هذا تكون حياةُ القرَّاء اليومية في مكان آخَر، في موطنهم، وهم يَعُون ذلك. هذا «الوجود المنقسم» (سوجا، ????)، الذي زادت منه قصص الأخبار في محاكاتها للسفر، يبيِّن الجوهرَ الوجودي للبشر في العصر الحديث أو ما بعد الحداثي، وهي ظاهرة بدأت مبكرًا مع ظهور أول الأخبار المنقولة إلكترونيًّا في القرن التاسع عشر.
الفصل السادس
إضفاء الطابع القومي على الأخبار


الأخبار والدولة
الأخبار الحقيقية الموضوعية هي أسمى مفهوم أخلاقي نشأ في أي وقت في أمريكا ومُنِح للعالم (كينت كوبر، المدير العام لوكالة أسوشيتد برِس (كوبر، ????)).
كتب بيليش أن في الأمم القائمة ثمة إشهارًا دائمًا ? «راية» السيادة القومية، أو تذكيرًا دائمًا بها (بيليش، ????)، وإحدى طرق تذكير المواطنين بتبعيتهم القومية هي وضع الأعلام بالخبر. تُعَدُّ القصص الإخبارية القومية بمنزلة رايات تذكِّر دومًا المواطنين بأجندتهم القومية، وقد أشار الكثير من المؤلفين من قبلي، وأشهرهم بينيديكت أندرسون (????)، إلى دور وسائل الإعلام في بناء الأمة. على حد ما كتبه أندرسون، تسمح قراءةُ الصحف المتزامنة للأفراد الذين لا يعرف بعضهم بعضًا، بتخيُّلِ أنفسهم ينتمون إلى الأمة نفسها؛ وتقوم حجة أندرسون القوية هنا على سلوك مستهلِكِي الأخبار لا على سلوك منتجيها. غير أن الدراسات في حقل وسائل الإعلام والاتصالات ذهبت إلى العكس تمامًا؛ فترى أن الأخبار القومية — ولا سيما المؤسسات التي تنتجها — لا تُعَدُّ جديرةً بأن تُؤسَّس فحسب، بل تستحق كذلك حمايتها، دون تحليل نقدي لدورها على أنها صانعة أوهام. من هنا يقرُّ الكثير من وثائق اليونسكو في الخمسينيات والثمانينيات (انظر اليونسكو ????؛ سريبيرني-محمدي وآخرون، ????) بأهمية وكالات الأنباء القومية و/أو الصحف القومية ودورها في إنتاج الأخبار التي تحمي صالح الدول القومية الموجودة بها. ومن المثير للاهتمام أن الأخبار القومية تُعَدُّ في الوقت نفسه في جوهرها أكثر «موضوعيةً» من الأخبار الدولية أو الأخبار القادمة من الدول القومية المجاورة.
من هنا كان مفهوم موضوعية الخبر متَّصلًا دومًا بجنسية الخبر؛ ولذا يُعَدُّ إكسابُ الأخبار طابعًا قوميًّا ابتكارًا حديثًا نسبيًّا بدأ مع صناعة الأخبار؛ فيرى جين تشالابي (????) أن المفهوم الحديث للأخبار ? «توصيف موضوعي للحقائق» هو ابتكار إنجليزي أمريكي يرجع إلى القرن التاسع عشر؛ إذ كانت الأخبار قبل هذا الوقت كوزموبوليتانية تتركَّز بطبيعتها بالدرجة الأولى في المدن الكبرى، ووَضْعُ الأخبار الذي نراه «طبيعيًّا» اليومَ كان وليدَ ابتكارٍ يرجع لمائتَيْ عام، قام بالوقت نفسه في العديد من الدول ذات الأنظمة السياسية المختلفة. وأعرض في هذا الفصل ثلاثَ دراسات حالة حول تطوُّر وكالات الأنباء الألمانية والروسية والأمريكية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ كلٌّ منها تختلف عن الأخرى من المنظور السياسي والثقافي، لكنها تستخدم الحجج المنطقية نفسها فيما يتعلَّق بإكساب الأخبار طابعًا قوميًّا. كان التنافُس بين وكالات الأنباء وتدخُّل حكومات الدول التي تقع بها في عملها هو ما أرغمها على أن تصبح وكالاتٍ قومية، وما جعل الأخبار تتحوَّل إلى أخبار قومية وعالمية.
(?) التاريخ المبكر في أوروبا

أسَّس ميسرز هافاس، ورويتر، ووولف أولى وكالات التلغراف الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر في باريس وبرلين ولندن، واعتبر ثلاثتهم في بادئ الأمر وكالاتِهم شركاتٍ خاصةً، وعدُّوا الأخبارَ المنقولة إلكترونيًّا سلعةً خاصة أُنتِجت لتحقِّق الأرباحَ. نقلت هذه الوكالات منذ البداية الأخبارَ من «المدن» وإليها، وما تجدر ملاحظته في بواكير نسق هذه المدن هو أنها كانت في بادئ الأمر مدنًا كوزموبوليتانية وليست قومية أو دولية.
كانت هذه التجارة عبر حدود المدن التي قامت على سلعة بلا وزن — هي الأخبار الإلكترونية — غيرَ مسبوقة. لعلَّ هافاس ورويتر ووولف قد توهَّموا أنهم يبسِّطون من تدابير تجارتهم، لكن عمليًّا ثبت أن هذا يعقِّدها. لكن حتى لو كانوا قد توهَّموا في بادئ الأمر أنهم يديرون نشاطًا تجاريًّا يتجاوز الحدودَ القومية بين المدن التي تقع بها وكالاتهم والمدن الأخرى، فما لبث أن عارضت حكومات دولهم هذا، إضافةً إلى أنهم هم أنفسهم والوكالات المنافِسة لهم اعترضوا عليه؛ ونتيجةً لذلك أسَّسَتِ الوكالاتُ الثلاث نظامًا من التعاقدات (????–????) قسَّم تدريجيًّا سوق الأخبار العالمية بحسب مناطق مصالحها، وأضحى نظام تبادُل الأخبار الدولي قويًّا إلى حدِّ أن الحكومات نفسها ارتأَتْ ضرورةَ أن تصبح طرفًا في النشاط الإخباري، سواء أكان ذلك بصورة مباشرة أم غير مباشرة.
حتى الآن لا توجد دولة لم تتدخل حكومتها في مرحلةٍ ما في عملية نقل الأخبار، في وقت الأزمات الداخلية أو الخارجية عادةً؛ وقد أخذ هذا التدخُّل شكلين رئيسين: عبر التقنيات الحديثة أو عبر وكالات الأنباء، وفي كلتا الحالتين كان يمكن أن يكون التدخُّل مباشِرًا أو غير مباشِر، لكنه تمَّ دومًا باسم المصلحة القومية، وقام ضد المصلحة القومية لدولة أخرى؛ ومن ثَمَّ سرعان ما اعترَضَ إكسابُ الأخبار طابعًا قوميًّا عمليةَ إكسابها طابعًا كوزموبوليتانيًّا. ويُعرف إكساب الأخبار طابعًا قوميًّا — بعكس إكسابها طابعًا كوزموبوليتانيًّا — بأنه موقف تدعم فيه الحكومات باسم المصلحة القومية مؤسساتٍ كشركات التلغراف ووكالات الأنباء لتخدم هذه الشركاتُ والوكالات بالدرجة الأولى مصالحَ دولة قومية بعينها، وقد يتم هذا بصورة غير مباشرة عبر تملُّك الحكومات لشركات التلغراف أو وكالات الأنباء، أو منحها الترخيص أو الخصم من رسومها، أو تمويلها أو دعمها سياسيًّا؛ أو بصورة مباشِرة عبر تأسيس وكالات أو شركات التلغراف أو الاستحواذ عليها.
(?) الدولة والأخبار

منذ نشأة وكالات الأنباء قبل ما يزيد عن مائة وسبعين عامًا، دار الكثير من الجدل حول الصورة المُثْلى لملكيتها، ولم يُنظَر إلى دور الدولة عادةً إلا في إطار صور ملكيتها لوكالة الأنباء. جرى تقسيم وكالات الأنباء في كثير من الأحيان في الماضي إلى ثلاث فئات أساسية بناءً على صورة ملكيتها؛ فقُسِّمت إلى وكالات: (?) أنباء خاصة. (?) تعاونية. (?) حكومية. كانت غالبية وكالات الأنباء الأوروبية الأولى من الوكالات الخاصة التي سُمِّيت في كثيرٍ من الأحيان باسم مؤسِّسيها (على سبيل المثال: وكالة فابرا في مدريد، ووكالة هافاس في باريس، ووكالة رويترز في لندن، ووكالة ستيفاني في روما، ووكالة توورا في فيينا، ووكالة وولف في برلين)، وفيما بعدُ سُمِّيت تقريبًا جميع وكالات الأنباء نسبةً إلى جنسيتها (على سبيل المثال وكالة التلغراف الروسية، ووكالة الأنباء السويدية، ووكالات الأنباء النرويجية)؛ مما أوضح أن جنسية الخبر كانت العنصر الأساسي به.
الوكالات الحكومية قديمة كقِدَم صور مِلكية وكالات الأنباء الأخرى. كانت أولى وكالات التلغراف الخاصة هي وكالة هافاس (????)، وأولى وكالات الأنباء التعاونية هي وكالة أسوشيتد برِس (????) في نيويورك، أما أولى الوكالات الحكومية فهي وكالة كيه كيه تيليجرافين كوريزبوندانز بيورو في فيينا، التي بدأت عام ???? في توزيع المقالات على الصحف التي تولَّتْ نشرَها الحكومةُ النمساوية المجرية (دورفلر وبينسولد، ????). ومع أن دور الدولة اختلف من بلد إلى آخَر، فسرعان ما حظيتْ وكالات الأنباء التي تديرها الحكومات باعتراف واسع النطاق في ألمانيا وروسيا وإيطاليا ودول البلقان على سبيل المثال. ومن جهة أخرى، فإن الكثير من وكالات الأنباء التي اعتُبِرت وكالات خاصة جمعتها مع ذلك علاقاتٌ وثيقة مع حكومات الدول التي عملت بها، وتُعَدُّ وكالة رويترز خيرَ مثال على ذلك، فقد تمتَّعت هذه الوكالة الكائنة بلندن بمعوناتٍ حكومية كبيرة على مدار القرن العشرين (ريد، ????).
ومع أن أولى وكالات الأنباء في أوروبا كانت وكالات خاصة، فإنه لم يمضِ وقتٌ طويل قبل أن تغدو الحكومات والدولة في مختلف البلدان طرفًا في أنشطتها؛ فقد احتاجَتِ الحكوماتُ أولًا: إلى الأخبار السياسية والاقتصادية والمحلية والأجنبية لأخذ القرارات عن دراسة بشكل أكبر، وثانيًا: احتاجَتْ إلى ناقل لتوزيع أخبارها وآرائها (رانتانن، ????)، وثالثًا: وربما الأهم، استفادَتِ الحكومات بدرجة كبيرة من المساعدة في بناء صورة إيجابية لها داخل البلاد وخارجها (بويد-باريت، ????)؛ ومن ثَمَّ كان هناك العديد من الأسباب التي دعَتْ لضرورة إضفاء الطابع القومي على الأخبار، وإمكانية فعل ذلك عبر التدخُّل المؤسساتي.
غير أنه من الخطأ النظر إلى العلاقة بين الحكومات ووكالات الأنباء على أنها علاقة تسير في اتجاه واحد؛ فهي في الواقع علاقة ثنائية الاتجاه، وثمة العديد من الأسباب التي دَعَتْ وكالات الأنباء لتكون في حاجة للحكومات؛ فأولًا: احتاجت وكالات الأنباء بطبيعة الحال إلى الحكومات كعميل لها لاستيفاء رسوم الاشتراك التي تحتاجها بشدة، وقد كانت الدولة بعكس أغلب الصحف الخاصة عميلًا يعول عليه للمدى الطويل. ثانيًا: احتاجت وكالات الأنباء إلى الأنباء عن الحكومات ومنها، واحتاجت إلى الوصول إليها قبل أي جهة أخرى، ولهذا السبب أرادَتِ التمتُّعَ بحقوقٍ حصرية للحصول على أخبار الحكومات الرسمية (بويد-باريت، ????؛ رانتانن، ????). ثالثًا: احتاجَتْ وكالات الأنباء إلى دعم السلطات الحكومية في مواجهة منافسِيها في الأسواق المحلية والأجنبية، وكثيرًا ما كان التدخُّل الحكومي — سواء المالي والأيديولوجي، المباشر وغير المباشر — عامِلًا يحسم المنافسة مع مؤسسات الأخبار الأجنبية والمحلية.
كما كتب رانتانن وبويد-باريت (????) كثيرًا ما قلَّلَتِ الأبحاثُ السابقة حول وكالات الأنباء من طبيعة ملكيتها المعقدة. تقسيم صور ملكية وكالات الأنباء إلى ملكية خاصة وتعاونية أو حكومية هو ببساطة غير كافٍ؛ فأولًا: قد تُدرَج وكالة الأنباء الخاصة في أسواق البورصة؛ ومن ثَمَّ تكون نوعًا ما وكالةً «عامة» (وهو ما تحقَّقَ مع وكالة رويترز عندما غدَتْ وكالةَ أخبار عامة عام ????)، علاوةً على أن وكالة الأنباء الخاصة قد تنتفع — كما انتفعَتْ غالبيةُ هذه الوكالات — من الإعانات الحكومية المباشِرة أو غير المباشِرة. ثانيًا: ثمة أنماط مختلفة من الهياكل التعاونية؛ أي أن ملكية وكالة الأنباء قد تنحصر بين مجموعة من وسائل الإعلام المختلفة، لكنها تظلُّ وكالةَ أخبار خاصة.
على سبيل المثال: تأسَّست وكالة أسوشيتد برِس سابقًا كوكالة أخبار تعاونية غير هادفة للربح من أجل الصحف، لكن كان بمقدورها إقصاء الصحف من عضويتها إن كانَتْ صحفًا منافسة لأعضائها الفعليين، وبعض وكالات الأنباء التعاونية لم تضمَّ في عضويتها إلا الصحف، وبعضها الآخَر ضمَّ هيئات تمثيل حكومية وخاصة وعمالية. ثالثًا: يمكن لوكالات الأنباء الخاصة العمل كوكالات غير هادفة للربح، فيما قد تسعى الوكالات الحكومية لِجَنْيِ الأرباح، كما أن درجة تدخُّل الحكومات في وكالات الأنباء الحكومية تتبايَن تبايُنًا كبيرًا، بقدر ما تتبايَن الإجراءات السياسية التي تشدِّد أو تحدُّ في كثيرٍ من الأحيان من التدخُّل في أنشطة وكالات الأنباء اليومية (رانتانن وبويد-باريت، ????).
تتدخل الدولة في أنشطة وكالات الأنباء عادةً عبر التقنيات؛ ومن ثَمَّ لا يمكننا فهم إضفاء الطابع القومي على الأخبار إلا بدراسة ملكية وكالات الأنباء وملكية تقنيات نقل الأخبار وآليات التحكم بهما معًا، وليس أي منها بمعزل عن الأخرى كما فعلنا سابقًا. يُنظَر عادة إلى ملكية وكالة الأنباء على أنها العامل الأهم والوحيد الذي يؤثِّر في استقلالها، لكن بما أن الأخبار وتقنيات نقلها تترابطان ترابطًا وثيقًا، فقد تمارِس الدولة سيطرتها على الأخبار عبر تقنيات نقل الأخبار؛ فأغلب وكالات التلغراف تملكها الحكومات، ومع صدور قانون التلغراف في بريطانيا لعام ???? الذي خوَّلَ لمكاتب البريد شراءَ شركات التلغراف كافةً في المملكة المتحدة وإدارتها؛ أضحَتِ الولايات المتحدة وكندا الدولتين الوحيدتين اللتين ظلَّتْ بهما وكالات التلغراف تابِعةً لملكية خاصة (دو بوف، ????). اكتسبت شركات التلغراف الطابعَ القومي من البداية تقريبًا؛ ومن ثَمَّ فأيًّا كانت صورةُ ملكية وكالة الأنباء، ستظل متصلةً على الدوام بالدولة عبر تقنيات نقل الأخبار.
بما أن خطوط التلغراف ربطت البقاع بالدول المختلفة، ومن ثَمَّ شكَّلت العلاقات بينها؛ لم يمضِ وقت طويل قبل أن يُسفِر هذا عن السيطرة على هذه الخطوط باسم الدولة. اعتُبِرت خطوطُ التلغراف ملكيةً قومية، غير أن التعاون الدولي تطلَّبَ العملَ مع الدول الأخرى، ومن ثَمَّ عُقِد أولُ مؤتمر دولي لخطوط التلغراف في سانت بطرسبرج عام ????. كان من الصعب التحكُّم في خطوط التلغراف التي انتهَتْ في دول أخرى وعبرت أقاليم في بلدان أخرى، فكانت كَبْلات التلغراف تُصادَر في حالة الحرب، كما حدث عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى وقطَعَ الإنجليزُ كَبْلاتِ التلغراف الألمانية في القناة الإنجليزية، واستولَوْا على الكَبْلات في أماكن أخرى (هيدريك، ????). كان التلغراف من منظور الدولة تقنيةً «يسهل» التحكُّمُ فيها بالمقارنة بالموجات اللاسلكية التي لم تتطلَّب خطوطًا أو كَبْلاتٍ لعملها، بل كل ما تتطلَّبه هو الموجات الهوائية التي لا يمكن أن تتبع جبرًا الحدودَ القومية للدول، بل «تنتشر». غير أن موجات الراديو شأنها شأن خطوط التلغراف سرعان ما أضحَتْ ملكيةً حكومية — وإنْ كان ذلك لفترة وجيزة — في الولايات المتحدة الأمريكية.
أتناوَلُ في هذا الفصل ثلاثَ دراسات حالة لأقدِّم دليلًا تجريبيًّا على نظريتي عن إضفاء الطابع القومي على الأخبار، وتتمثَّل هذه الدراسات في وكالات أنباء تتبع ثلاثَ صور ملكية مختلفة، لكنَّ كلًّا منها تواجِه مرحلةً تتدخَّل فيها الحكوماتُ في عملها باستغلال الصفة القومية للخبر كذريعة، أو تستخدم فيها الوكالات ذاتها الصفةَ القومية للخبر لطلب التدخُّل من الحكومات.
(?) التدخُّل الأول: وكالة وولف تغدو حكومية

من أشهر الأمثلة الأولى على التدخُّل الحكومي في عمل وكالات الأنباء محاولةُ وكالة رويترز في ???? اختراقَ سوق وكالة وولف بتأسيس مكاتب فرعية بسوق وكالة وولف، وسَعْيُ وكالة رويترز فوق ذلك عام ???? لشراء وكالة وولف بأسرها. كان من الطبيعي في السنوات الأولى أن يؤسِّس كلٌّ من هافاس ورويتر ووولف مكاتبَ فرعية لهم في عدة بلدان، وقد كانت المنافَسةُ بين الوكالات الأخرى من ناحية وبين هذه الوكالات الثلاث من ناحية أخرى أحدَ الأسباب الرئيسية التي دعَتْ إلى تحوُّل وكالة وولف إلى وكالة أخبار حكومية.
وقَّعَ رويتر ووولف أولَ عقد بينهما يغطِّي الأنباءَ المالية فقط عام ????، وامتدَّ هذا العقد عام ???? ليشمل الأخبار السياسية وليشمل هافاس؛ وبموجب شروط اتفاقية عام ????، احتكَرَ هافاس نقلَ الأخبار إلى مدينة أوسبورج وفورتسبورج وشتوتجارت. وفي الوقت نفسه، أخذ رويتر في توسيع نطاق شبكته، فأسَّسَ مع هافاس وكالةَ أخبار في بروكسل تتبعها مكاتب فرعية في أنتويرب وجينت. واشترى رويتر وكالةَ أخبار ديلامار في أمستردام، وأسَّسَ مكاتبَ فرعية لوكالته في هامبورج وفرانكفورت وهانوفر (باس، ????). استاء وولف استياءً شديدًا من توسُّع رويتر في سوقه، وعقد اتفاقيةً سريةً مع الحكومة البروسية قضَتْ بأن تعدَّ كل رسالات التلغراف السياسية رسالاتٍ رسميةً؛ ومن ثَمَّ يُمنح نقلها في جميع خطوط التلغراف الحكومية الأولويةَ على البرقيات الصحفية من وكالة رويترز وغيرها من وكالات المراسلة الصحفية (ويليامز، ????).
لكنَّ رويتر الذي عاش وعمل من قبلُ في برلين وآخن، وكان على دراية بالسوق أكثر من أي شخص آخَر؛ زاد على ذلك وأسَّسَ مكتبَ تيليجرافيشن بيورو نورد دويتشلاند الذي ترأسه هوفرات ألبرتس في برلين، كما أسَّسَ مكتبَ سيديوتشين كوريزبوندانز بيورو في ميونيخ، الذي تبعته عدة مكاتب فرعية، ووقَّعت عام ???? حكوماتُ هانوفر الملكية تسويةً تقضي بمدِّ كَبْل على جزيرة نورديرني، بشرق جزر الفريزيين، قبالة ساحل هانوفر الشمالي، ومُنِح رويتر حقَّ تأسيس مكتب في هانوفر (ستوري، ????). افتُتِح كَبْل جزيرة نورديرني لنقل الأخبار عام ????، وسمحت اتفاقيةٌ جديدة بمدِّ خطَّيْن أرضيَّيْن جديدين — يشيدهما رويتر من هانوفر لهامبورج وبريمين وكاسل — للاستخدام الحصري لوكالته (ويليامز، ????)، وفي غضون عام بات مكتب هانوفر يدرُّ على رويتر ربحًا قوامه ألفَيْ جنيه استرليني شهريًّا من رسوم البرقيات التي يسدِّدها العملاء الخارجيون وحدهم (ستوري، ????). وكما يشير باس (????) أحرَزَ رويتر نجاحًا كبيرًا في مدن تحالُف الهانسا التي تميل إلى الطابع الكوزموبوليتاني؛ حيث حصدت وكالته قاعدةً ثابتة من العملاء، كانت أهمَّها لرويتر قاعدةُ عملاء هامبورج التي لم يتخلَّ عنها إلا بموجب اتفاقية عام ????، غير أن وولف اضطرَّ في المقابل لدفع ????? مارك له سنويًّا لقاءها (إنجمار، ????).
لجأ ريتشارد وِينزل مديرُ أعمال وولف نتيجةً لتوسُّعات رويتر إلى الحكومة البروسية في ?? من يونيو عام ???? طلبًا للمساعدة، فعقد كلٌّ من الحكومة البروسية والمصرفيين ذوي الميول «القومية»، فون أوبنهايم وفون ماجنوس وفون بلايخرودر، مع وولف اتفاقًا تأسيسيًّا جديدًا يهدف إلى حماية سوق الأخبار المحلية من التدخُّل الأجنبي؛ ومن ثَمَّ تأسَّست شركة جديدة، كونتيننتال تليجرافن كومباني، ضمَّتْ من بين حَمَلَة أسهمها الحكوماتِ والبنوكَ ووولف ووينزل وثيودور ويمل. لكن بعد مضي تسعة أعوام قطَعَ مؤسِّس الوكالة بيرنهارد وولف كلَّ العلاقات مع الشركة (هونه، ????)، وعُقدت اتفاقيةٌ جديدة لاحقة بين وكالة كونتيننتال تليجرافن كومباني والحكومة ضَمنَتْ للوكالة الجديدة بعضَ المزايا، أهمها إعطاء الأولوية لرسائلها في نقل الرسائل التلغرافية، وقد مكَّنَتْ هذه المزية شركةَ كونتيننتال تليجرافن كومباني — إلى جانب تمتُّع الشركة بحق حصري لنقل الأخبار الرسمية — من هزيمة أعدائها في الداخل، ومكَّنَتْها من أن تصبح أكثرَ قدرةً على التنافُس في الأسواق الدولية؛ إذ تعهَّدَتِ الشركةُ من جانبها بمنح السلطات نُسَخًا مجانية من كل مراسلاتها، ووافقت الوكالة على إخضاع برقياتها لرقابة مُسبَقة قبل نشرها (ناويوكس، ????؛ رانتانن، ????؛ باس، ????).
عقب اتفاقية هجومية-دفاعية بين وكالة كونتيننتال تليجرافن كومباني ورويتر عام ???? (بالمر، ????)، تقدَّمَ رئيس الوزراء الإيطالي فرانسيسكو كريسبي عام ???? بطلب للمستشار الألماني بسمارك يهدف إلى تشكيل تحالُفٍ ضد وكالة هافاس، وذلك بين وكالة كونتيننتال تليجرافن كومباني ومكتب أوسترو هنجاريان كوريزبوندانز بيورو ووكالة أخبار ستيفاني الإيطالية (وجميعها وكالات خاضعة للسيطرة الحكومية آنذاك)؛ من أجل زيادة حرية عمل هذه الوكالات، لا سيما في منطقة البلقان. كانت وكالة ستيفاني تقع في نطاق سيطرة وكالة هافاس، وتعتمد اعتمادًا تامًّا عليها، وقد رأى بسمارك وكريسبي أن اعتماد وكالات الأنباء الرسمية الألمانية والإيطالية على وكالة الأنباء الفرنسية مذلًّا (بالمر، ????). لكن من المفاجئ أن النتيجة المتوقَّعة كانت تحالُفًا أقصى وكالة ستيفاني وجمع بين رويتر ووكالة كونتيننتال تليجرافن كومباني ومكتب كوريزبوندانز في مواجهة وكالة هافاس؛ إذ رأى بسمارك أنه بالرغم من أن رويتر وهافاس كلَيْهما مصنع أكاذيب (إنجمار، ????)، وبالرغم من أن «رويتر لم يكذب أقل من هافاس»، فقد كان رويتر عجوزًا عن هانوفر؛ ومن ثَمَّ شريكًا أفضل من هافاس.
لم ينجح أيٌّ من هذه الإجراءات في تحطيم ريادة رويتر وهافاس بالنسبة إلى وكالة كونتيننتال تليجرافن كومباني. يُظهِر هذا قدرةَ وكالات الأنباء، فحتى الحكومات عجزت عن إحداث تغييرات كبيرة في المنظومة التي صنعتها وكالات الأنباء الأكثر نفوذًا، بَيْدَ أن ما قامَتْ به هو تأسيس نهج يُنظَر من خلاله إلى تدخُّل الحكومات في نقل الأخبار على أنه مبرَّر باسم المصلحة القومية، الأمر الذي أدَّى إلى تأسيس المزيد من وكالات الأنباء الخاضعة للسيطرة الحكومية حول العالم.
توقَّفَ نشاط وكالة كونتيننتال تليجرافن كومباني مع صعود الحزب القومي الاشتراكي إلى السلطة. كانت الحكومة الألمانية تملك بالفعل ??? من حصة الوكالة، وانتقلت ملكية سائر الأسهم الخاصة المتبقية لها، وأُدمِجت الوكالة في وكالة أخرى جديدة عام ???? وتأسَّست وكالة جديدة هي وكالة دويتشه ناخريشتنبيرو، ومع أن هذه الشركة كانت شركةً مساهمة اسميًّا، فقد خضعَتْ تمامًا للسيطرة الحكومية (رايتز، ????).
(?) التدخُّل الثاني: وكالات الأنباء في سانت بطرسبرج تغدو حكومية

ثمة مثال آخَر هو مدينة سانت بطرسبرج التي ضمَّتِ العديدَ من وكالات الأنباء الخاصة والتعاونية التي قامت منذ عام ????، ولكن استحوذت عليها في نهاية المطاف حكومةُ بطرسبرج عام ????؛ ويرجع هذا بالدرجة الأولى إلى تبعية هذه الوكالات لوكالة كونتيننتال تليجرافن كومباني في برلين (رانتانن، ????)، ومنذ ذاك الوقت لم يتوقَّف قيامُ وكالات الأنباء الحكومية في روسيا التي ظلَّتْ قائمةً إلى اليوم.
بدأَتْ وكالات الأنباء في روسيا الإمبراطورية — شأنها شأن نظيراتها في العديد من البلدان — كشركات خاصة، استحوذَتْ عليها فيما بعدُ الحكومةُ الروسية، وقد سِيقَتْ مبررات داخلية وخارجية للإجراءات الحكومية هناك، وكثيرًا ما استُخدم أحدها لتبرير الآخَر. تُعَدُّ روسيا من العديد من النواحي مثالًا متطرِّفًا وغير تقليدي على ملكية الحكومات لوكالات الأنباء؛ حيث سيطرت الدولة على تقنيات نقل الأخبار ووكالات الأنباء معًا لأغلب الوقت، لكن حتى عندما فعلَتْ يمكننا أن نرى حقبًا شهدت حالات مزج بين شركات الأخبار الحكومية والخاصة، بَيْدَ أنه من المنصف أن نشير إلى أن روسيا من عهد الحكم الإمبراطوري وصولًا إلى اليوم شهدت تدخُّلًا حكوميًّا بدرجة استثنائية في عمل تقنيات الأخبار ونقلها.
بدأت وكالة وولف عام ???? في نقل البرقيات السياسية إلى ثلاث صحف في سانت بطرسبرج تقاسَمَتْ تكلفةَ الحصول على خدمات الوكالة، ثم بدأ رويتر في نقل الأخبار لمدينة سانت بطرسبرج، وكنتيجة نشبت منافَسةٌ بين كلَيْهما. تقدَّمَ وولف بطلب تأسيس وكالة أخبار خاصة به في سانت بطرسبرج، غير أن الحكومة الروسية قرَّرت محاباة أحد روَّاد الأعمال المحليين بمنحه الإذن بتأسيس وكالة التلغراف الروسية التي أسَّسها قنسطنطين تروبنيكوف عام ????، الذي كتب في التماسه بتأسيس وكالته: في الوقت الراهن، جميع البرقيات السياسية والحكومية يجري استلامها من «بروسيا» فقط، ولن نتطرَّق في ظلِّ هذه الظروف إلى الجدل بأن روسيا خاضعة تمامًا لتبعية وكالة تلغراف «أجنبية». علاوةً على أننا هنا نواجِه المشكلاتِ التاليةَ؛ أولًا: تنقل وكالة الأنباء البروسية لروسيا برقيات الأخبار كما ترتئي؛ ومن ثَمَّ يمكنها أن تتصرَّف بعكس ما يصبُّ في «الصالح الروسي»، ووفق ما يصب في صالح بروسيا فقط. ثانيًا: الأخبار التي تَرِد من شتى الدول إلى بروسيا تُفسَّر فقط في إطار احتياجات بروسيا؛ وكنتيجةٍ تُدرج روسيا على المستوى نفسه مع الدول الأخرى، في حين أن مصلحة روسيا يجب أن تُولى بلا شكٍّ الأهميةَ الأولى في رسائل الأخبار التلغرافية (رانتانن، ????).
تلقَّى تروبنيكوف البرقيات الإخبارية من رويتر، واختفت البرقيات الإخبارية الواردة من وكالة وولف من الصحف الروسية، لكن بحلول العام التالي استاءت بعض الصحف من مستوى خدمات وكالة تروبنيكوف، وأسَّست وكالتها الخاصة، وقرَّرت الانضمام إلى عملاء وولف من جديد، وباتت وكالة وولف المصدرَ الرئيس للأخبار الإلكترونية المنقولة من الخارج، بعدما نقلت الحكومةُ الإذنَ الذي منحته لوكالة تروبنيكوف إلى وكالة وولف التي تمتعت بحقوق حصرية على الأخبار الإلكترونية الواردة إلى سانت بطرسبرج وموسكو. تأكَّدَ هذا الوضع في اتفاقية عام ???? بين هافاس ورويتر وكونتيننتال تليجرافن كومباني التي عرَّفت سانت بطرسبرج وموسكو كمنطقتين خاضعتين لنطاق سيطرة وكالة كونتيننتال تليجراف كومباني، وأرغمت كل وكالة أخبار تأسَّست في سانت بطرسبرج على عقد اتفاقية مع وكالة كونتيننتال تليجرافن كومباني. في نهاية المطاف، سوَّغَ هذا الوضع — الذي باتَتْ به وكالةُ كونتيننتال تليجرافن كومباني الموردَ الوحيد للأخبار من الخارج — رغبةَ الحكومة الروسية في إحكام سيطرتها أكثر على تناقُل الأخبار. وقد كانت الحكومة الروسية بمنح الحقوق الحصرية لوكالة أخبار واحدة في فترة محدَّدة وتمويل أنشطتها، بموقفٍ خوَّل لها الاستحواذَ على وكالات الأنباء إنْ شاءت؛ ومن هنا أشارت مذكرةٌ من وزارة المالية الروسية عام ???? إلى أن: وكالة التلغراف الروسية ليسَتْ عضوًا مكافئًا في اتحاد وكالات الأنباء الدولي الاحتكاري، بل هي مكتب فرعي تابع لوكالة وولف في برلين التي تتلقَّى عبرها وكالةُ التلغراف الروسية الأخبارَ وترسلها؛ ومن ثَمَّ قد تختصر وكالةُ وولف برقياتِ الأخبار الواردة من سانت بطرسبرج أو تعدِّلها تمامًا، وهكذا تمرُّ الأخبارُ من روسيا إلى الدول الأجنبية عبر وسيطٍ «ألماني» مضلِّل. وترد الأخبار من الخارج إلى بلدنا على نحوٍ مماثِلٍ، وهو موقف لا يمكن القبول به، حيث إن تجارتنا الخارجية لا يمكنها التمتُّع بالاستقلال التام ما دامت الأخبارُ التلغرافية حول التجارة تحت سيطرة أيدٍ «أجنبية» (رانتانن، ????).
سُوِّغت نشأة وكالات الأنباء الحكومية بحجج مماثِلة استُخدِمت في روسيا وفي أماكن أخرى بدءًا من القرن التاسع عشر، وقد كتب أحد المديرين التنفيذيين لوكالة التلغراف الإعلامية الروسية — التي سُمِّيت وكالة إيتار تاس بدءًا من عام ???? — في مقال بعنوان «عبيد رويترز» شكوى مريرة يشكو فيها من اتساع سيطرة وكالة رويترز في السوق، وعجز وكالة إيتار تاس عن منافستها: ليس من قبيل المصادفة أنه تمَّ تبنِّي تدابير في العديد من الدول لمنع نشاط وكالة رويترز المستقل في العديد من المناطق. فضاؤنا المعلوماتي مفتوح تمامًا؛ أي إنه يمكن لكلِّ هذه الوكالات [الأجنبية] إدارة أنشطتها هنا كما تشاء؛ هذه هي القضية برمتها، وعلى هذا النحو تُبنَى «إمبراطوريات معلومات أجنبية في منطقتنا» (رانتانن، ????).
(?) التدخُّل الثالث: الحكومة الأمريكية تدعم وكالة أسوشيتد برِس ويونايتد برِس عبر التقنيات

يختلف الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية اختلافًا شديدًا عنه بالدول الأخرى؛ إذ لم تمتلك الحكومة الأمريكية خطوطَ التلغراف كما امتلكتها حكومات الدول الأوروبية. انطبق الوضع نفسه على وكالات الأنباء في الولايات المتحدة الأمريكية التي انقسمت على الدوام إلى وكالات تعاونية أو خاصة، ولم تتبع ملكية حكومية قطُّ؛ فعلى سبيل المثال: ترجع أصول وكالة نيويورك أسوشيتد برِس إلى بعض الصحف في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر التي تشاطَرَتْ إدارةَ أنشطتها من مكان مشترك، ثم اشتركت دوريًّا أغلب هذه الصحف فيما بعدُ في اتحادات شركات لخدمات نقل البريد السريع على ظهور الجياد. استُخدِم التلغراف لأول مرة في نقل الرسائل عام ????، وهو العام الذي شهد تأسيس وكالة نيويورك أسوشيتد برِس (شفارزلوزا، ????)، وقد زعمت بعدها على الدوام وكالات الأنباء الأمريكية باستقلالها التام عن الحكومة الأمريكية. وبشهادة كينت كوبر المدير العام لوكالة أسوشيتد برِس في ????:فيما يتعلَّق بوكالة أسوشيتد برِس، لا شك أن الوكالة لا تجمعها أيُّ علاقة بالحكومة الأمريكية، ولم تجمعها علاقة بها قطُّ، ولم تسعَ الوكالة قطُّ — ولا تسعى — إلى معاملة خاصة من قِبَل أي حكومة.1 لكنْ حتى بالولايات المتحدة كانت هناك حالات تدخَّلت فيها الحكومة الأمريكية في نقل الأخبار لكن على نحو أقل وضوحًا منه في ألمانيا وروسيا، على سبيل المثال. وبالرغم من كل شيء، نجحت وكالات الأنباء الأمريكية في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه وكالات الأنباء الألمانية والروسية؛ إذ نجحت في أن تصبح وكالات الأنباء الرائدة بعد الحرب العالمية الأولى، وقد سبق هذا التغيُّرَ في مكانتها حملةٌ خدمَتْ تقنيات نقل الأخبار المملوكة للولايات المتحدة الأمريكية والأخبار المملوكة لها. جدول ?-?: الدول المسيطرة على منشآت كَبْلات التلغراف العالمية عام ???? (المصدر: مجلس الشيوخ الأمريكي، تقرير اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة الشئون البحرية، ????).
الدولةالحصة بالنسبة المئويةالأميالالمملكة المتحدة????????الولايات المتحدة الأمريكية?????????فرنسا??????ألمانيا????????الدنمارك?????إسبانيا?????اليابان?????إيطاليا?????
في بداية القرن العشرين، كانت المملكة المتحدة لا تزال الرائدة في حقل تقنيات الاتصالات الإلكترونية، وبحلول عام ???? كان قد جرى مدُّ كَبْلات بحرية تمتد لأكثر من ????? ميل بحري، أغلبها يخضع لملكية وسيطرة بريطانيا؛ الأمر الذي أدَّى إلى تدخُّل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لأن «الحكومة البريطانية وجدت نفسها بموقف يخوِّل لها مراقبةَ تبادُل المعلومات بين أكثر الشعوب تحضُّرًا؛ ومن ثَمَّ سيطرت لأكثر من خمسين عامًا على الاتصالات الدولية» (ذا راديو إنداستري، ????). وقد كان ترتيب البلدان المسيطرة على منشآت كَبْلات التلغراف العالمية كما هو مُوضَّح في الجدول ?-?. يوضِّح الجدول ?-? الأوضاعَ بعد الحرب العالمية الأولى، أما في منتصف القرن التاسع عشر فكانت الأوضاع مختلفة تمامًا. عندما أُتِيحت الأخبارُ المنقولة عبر التلغراف لأول مرة في الولايات المتحدة، سيطرت الشركات البريطانية على محتوى الأخبار وتقنياتها، وقد كان هذا الوضع من منظور الحكومة الأمريكية مكلِّفًا جدًّا ومليئًا بالمعوقات، وبالطبع خارجًا عن السيطرة القومية؛2 الأمر الذي كان مثيرًا للقلق بوجه خاص في أمريكا الجنوبية حيث تمتَّعت الحكومة الأمريكية بمصالح سياسية ومالية متنامية. وقد ورد في شهادة بهذا الشأن أمام إحدى لجان مجلس النواب عام ????: في عام ????، كان على جميع الرسائل المنقولة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أمريكا الجنوبية المرور عبر أوروبا، عبر خط كَبْل بريطاني، وهيمنت «بريطانيا» على التجارة بالسيطرة على وسائل الاتصالات. لا شك في أن «لندن» هي مركز كَبْلات التلغراف العالمي؛ وبما أنها كذلك، فهي مركز الأخبار في العالم، وتعود مكانة بريطانيا بين العالم في جزء منها إلى أن «لندن» هي مركز نشر الأخبار الأعظم في العالم (روجرز، ????ب).
(?) ظهور تقنية جديدة

أدَّتِ التكنولوجيا الجديدة في ذاك الزمان — وهي التلغراف اللاسلكي — إلى تغييرات؛ إذ كانت وسيلةً فعَّالةً لنشر الأخبار على نطاق مساحة شاسعة بتكلفة أقل من التلغراف. وعلى عكس التلغراف، أتاحَتِ الاتصالات اللاسلكية أو التي استخدمت موجات الراديو للمستخدمين نقلَ الرسائل ليتم استقبالها في وقت واحد في عدة وجهات مختلفة؛ فأمكن أن تستقبل الرسائلَ سلطاتُ التلغراف، أو أمكن تسليمها إلى مستقبلِيها، أو أمكن أن يلتقطها مستقبلوها عبر أجهزة الاستقبال الخاصة بهم (يونسكو، ????).
استُخدِمت تقنيةُ اللاسلكي لأول مرة بنجاحٍ لنقل الأخبار من قِبَل صحيفة ديلي إكسبرِس في دبلن بأيرلندا، لنقل نبأ سباق زوارق كينجستون ريجاتا في يوليو عام ????؛ وامتدت حلقة وصل لاسلكية لأول مرة على امتداد الأطلنطي بين بولدو وكورنوول وكيب بريتون في جلاس باي بنوفا سكوشا في ديسمبر عام ???? (ديزموند، ????). وبدأت بحلول عام ???? خدمة نقل أخبار باستخدام موجات الراديو عبر الأطلنطي بين أيرلندا ونوفا سكوشا. وقبل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى كانت شبكتها البحرية العالية الطاقة العابرة للقارات والممتدة عبر المحيط الهادئ تؤدِّي عملها، وقد تألَّفت هذه الشبكة من محطات في أرلينجتون بفرجينيا، وسان دييجو بكاليفورنيا، وداريان بمنطقة قناة بنما، وبيرل هاربور بهاواي، وجزيرة جوام بجزر ماريانا، وجافيت في جزر الفلبين (ذا راديو إندستري، ????). غير أن هذا لم يكن كافيًا؛ إذ كان من المهم إنشاء شبكة أكثر شمولًا تخضع لسيطرة الولايات المتحدة. وكما جاء في شهادة والتر إس روجرز:تحتاج الولايات المتحدة إلى مزيد من كَبْلات التلغراف، وتحتاج إلى منشآت اتصالات لاسلكية؛ إذ سيكون انتقالُ ملكية وسائل الاتصال اللاسلكية عبر الأطلنطي وعبر المحيط الهادئ إلى «سيطرة» شركة مملوكة لأيدٍ «أجنبية» أو ? «حكومة أجنبية» جرمًا ستغدو الصحف أكثرَ المتضرِّرين منه؛ فهذه السيطرة الأجنبية ستحدِّد شكلَ خدمات الصحافة «الأمريكية» وأسعارها، وقد تُسفِر عن مَنْح الأفضلية في الخدمات والأسعار لوكالات الأنباء المنافسة للوكالات والصحف «الأمريكية».3 على صعيد المحيط الهادئ، لم يصل بين الولايات المتحدة والشرق الأقصى إلا كَبْل تلغراف واحد، وقد كانت أسعار نقل الأخبار عبر الكَبْلات التلغرافية باهظةً إلى حدٍّ حالَ بين استخدامها، فتراوح سعر الكلمة في البرقية التلغرافية بين ?? سنتًا — نظير خدمة كانت عرضةً لكل أشكال التأخير — وثلاثة دولارات كرسمِ سرعة لقاء الخدمات المستعجلة وضمانًا للنقل السريع. وفي ظل هذه الظروف، لم يكن بالإمكان التمتُّع بخدمة أخبار منتظمة عبر المحيط الهادئ؛ ومن ثَمَّ تلقَّى الشرقُ الأقصى — بما فيه جزر الفلبين — الأخبارَ الدولية (بما فيها الأخبار من الولايات المتحدة الأمريكية) عبر لندن واليابان، ووردت الأخبار من الشرق الأقصى عبر المسار غير المباشِر نفسه.4 لكن للمرة الأولى في تاريخ الاتصالات الإلكترونية بالولايات المتحدة، عُنيت الحكومة الأمريكية بالتقنية الجديدة من بداياتها، كما ذُكِر آنفًا: كانت إنجلترا على مدى التاريخ سيدةَ البحار، وكانت لا تزال تتحكم في وسائل النقل الدولية، وبسطت سيطرتها على حقل الاتصالات منذ وقت طويل بفضل كَبْلاتها التلغرافية. فيما بدأت تقنية التلغراف اللاسلكي تهدِّد عهد البرقيات الكَبْلية، لكن إنْ سيطرَتْ إنجلترا أيضًا على هذه المعجزة الأحدث، فستتملك من البداية اثنتين من ضرورات السيطرة الثلاث على العالم (يونج، ????).
كان من الضروري أيضًا ألَّا تعتمد الشركات الأمريكية على صورة واحدة من وسائل الاتصال؛ «فجميع الدول ذات الثقل في عالم اليوم تتمتَّع بأكثر من نظام اتصال دولي واحد» (وينتربوتوم، ????). جدول ?-?: الاختلاف بين الأسعار الماضية والحالية للكلمة في برقيات الاتصالات الدولية من الولايات المتحدة الأمريكية (المصدر: سارنوف، ????).
إلىالسعر السابق للكلمة (بالدولار الأمريكي)السعر الحالي للكلمة (بالدولار الأمريكي)نسبة الادِّخار للكلمةإنجلترا???????????فرنسا???????????ألمانيا????????????إيطاليا???????????النرويج????????????السويد????????????اليابان????????????هاواي????????????البرازيل???????????الأرجنتين???????????فنزويلا?????????كولومبيا????????????ليبريا????????????
في اليوم التالي لإعلان الولايات المتحدة الحربَ على ألمانيا في أبريل عام ???? ودخولها الحرب العالمية الأولى، أعلن الرئيس الأمريكي ويلسون توجيهَ أوامره للبحرية الأمريكية بالاستحواذ على كل محطات اللاسلكي في الولايات الأمريكية، وعلى ممتلكاتها التي لم تكن قد خضعت بالفعل لسيطرة الجيش الأمريكي (آرتشر، ????). كما تدخَّلَتِ الحكومة الأمريكية في إنتاج محتوى الأخبار، وشرعت إدارة خدمات اللاسلكي والتلغراف، التي عُرِفت باسم كومباب، في نقل الأخبار الأمريكية إلى الخارج في سبتمبر عام ???? (كريل، ????).
غير أن السيطرة الحكومية على الاتصالات اللاسلكية استمرت بعد الحرب العالمية الأولى بوقت طويل؛ فحتى عام ????، ظلَّتْ خدمةُ الاتصالات التابعة للبحرية الأمريكية تتولَّى نقل جميع الأخبار في منطقة المحيط الهادئ، بما أن السعر التجاري لنقل الأخبار ظلَّ باهظًا إلى حدٍّ حال بين توافر أيِّ خدمةِ نقلِ أخبارٍ على مستوًى مقبول؛ فعلى سبيل المثال: بعثَتْ وكالة أسوشيتد برِس في المتوسط يوميًّا قرابةَ ألف كلمة من سان فرانسيسكو إلى هونولولو، وقرابة ??? كلمة إلى مانيلا، وقد استحوذت شركة راديو كوربوريشن أوف أمريكا على أنشطة نقل الاتصالات اللاسلكية التي اضطلعت بها خدمة الاتصالات التابعة للبحرية الأمريكية في يوليو عام ???? (فورث باسيفيك ساينس كونجرس، ????). قلَّصَ ظهورُ خدمة البرق اللاسلكي سعرَ البرقيات إلى سعر أقل بنسبة ??? منه لدى شركات نقل البرقيات الكَبْلية المنافسة (سارنوف، ????).
كانت سوق الاتصالات اللاسلكية على وشك الانقسام على غرار هافاس ورويتر ووولف؛ فاشترت شركة راديو كوربوريشن أوف أمريكا التي كانت شركة جنرال إلكتريك المساهم الأكبر بها الأسهمَ البريطانية في شركة أمريكان ماركوني (التي كانت خاضعة لسيطرة بريطانية)، وقبلت بتقسيم العالم بحيث تستأثِر شركة ماركوني بالإمبراطورية البريطانية، وتستأثِر الولايات المتحدة بأمريكا اللاتينية، ويتم تقسيم كندا بين كلتَيْهما، ويغدو بقية العالم مفتوحًا لكلتَيْهما (هيدريك، ????)؛ مما ضمن لشركة راديو كوربوريشن أوف أمريكا احتكارًا فعليًّا على وسائل الاتصالات اللاسلكية الدولية لأمريكا. كانت السيطرةُ الحكومية على محطات الاتصالات الأرضية اللاسلكية الورقةَ الرابحة التي أرغمت البريطانيين على البيع، لتصبح الاتصالاتُ الدولية المهمةَ الرئيسية لشركة راديو كوربوريشن أوف أمريكا (تشيتروم، ????). وبحلول عام ???? نجحت شركة راديو كوربوريشن أوف أمريكا في تأسيس ما لا يقل عن خمس دوائر لاسلكية عبر أطلسية من الولايات المتحدة إلى المملكة المتحدة والنرويج وألمانيا وفرنسا، وعبر هاواي إلى اليابان (سارنوف، ????). وكنتيجةٍ تواصَلَتِ الولايات المتحدة يوميًّا مع ?? دولة؛ فأرسلت الرسائل اللاسلكية من نيويورك إلى المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والنرويج والسويد وهولندا وبلجيكا وبولندا وتركيا وليبريا وبورتوريكو وسانت مارتين وفنزويلا وكولومبيا وجويانا الهولندية (جمهورية سورينام الآن) والبرازيل والأرجنتين، وكانت الرسائل اللاسلكية تُبعث من سان فرانسيسكو إلى هاواي واليابان وجزر الفلبين وجزر الهند الشرقية الهولندية (إندونيسيا الآن) والهند الصينية الفرنسية (كمبوديا ولاوس وفيتنام الآن)، وعبر جزر الفلبين إلى هونج كونج وشنغهاي والصين (سارنوف، ????).
ظلَّتْ خدمة الاتصالات التابعة للبحرية الأمريكية أبطأ كثيرًا من الخدمة التي تقدِّمها وكالة راديو كوربوريشن أوف أمريكا (اللاسلكية بالكامل)، أو شركة كوميرشال كَبْل كومباني (الكَبْلية بالكامل)، وكلتاهما مارست نشاطها بين الولايات المتحدة والشرق الأقصى؛ فكانت طوكيو تستقبل الرسائل العاجلة المرسَلة من شركة يونايتد برِس عبر شركة راديو كوربوريشن أوف أمريكا في غضون مدة زمنية تقل بدقائق قليلة عن اثنتي عشرة ساعة، إلا أن المزية الوحيدة لخدمة الاتصالات الخاصة بالبحرية الأمريكية كانت في الواقع هي أنها وفَّرت ستة سنتات للكلمة بالمقارَنة بثاني أزهد سعر متاح؛ فبلغ سعر الكلمة المرسلة عبر خدمة نقل الأخبار اللاسلكية التابعة للبحرية الأمريكية من نيويورك إلى طوكيو (عبر الخطوط الأرضية والكَبْلات البحرية التي كانت متمِّمة لها) ?? سنتًا، فيما بلغ سعر إرسالها عبر شركة راديو كوربوريشن أوف أمريكا ?? سنتًا، وبلغ سعر إرسالها عبر الكَبْلات التلغرافية ?? سنتًا.5 لا شك أن الكونجرس الأمريكي اعتزَمَ أن تكون موجات اللاسلكي هي وسيلة النقل المشتركة لهذه التقارير الإخبارية، بما أن قيمتها الرئيسية تكمن في حريتها من سيطرة الرقابة الحكومية، إلا أن وزارة البحرية الأمريكية لم تكن قد تخلَّصَتْ من سيطرة سياسة الحرب وارتَأَتْ أنها المسئولة عن نقل أيٍّ مما يَرِدُ بهذه التقارير مما قد يضرُّ بدولة صديقة؛ وبسبب هذه السياسة ووفقًا لبعض التعليمات العامة، حجَزَ بعض مسئولي البحرية الأمريكية بعضَ الأخبار عن الدول المُرسِلة.6 حثَّ الكونجرس الأمريكي البحريةَ الأمريكية على السماح باستخدام منشآتها اللاسلكية لنقل الرسائل التجارية والإخبارية بين النقاط التي لا يمكن أن تخدم بها المحطات الخاصة، واشترط ألَّا يُسمَح بنقل رسائل الأنشطة التجارية العامة بسعرٍ أقل من السعر المسموح به للمحطات الخاصة، وأن يُمنَح سعر أقل لنقل الأخبار. وبموجب هذه السلطة، أعلنَتِ البحرية الأمريكية سعرًا للرسائل الجديدة المتجهة من سان فرانسيسكو إلى مانيلا بلغ ستة سنتات، وسعرًا بلغ ثلاثة سنتات للرسائل من سان فرانسيسكو إلى هونولولو.7(?) مبررات إضفاء الصبغة القومية على الأخبار

مثَّلَتِ الحرب العالمية الأولى أيضًا طفرةً لكلٍّ من شركة أسوشيتد برِس وشركة يونايتد برِس اللتين استمرتا في التوسُّع خارج البلاد. سيقت بالدرجة الأولى المبررات لاقتحام سوق الشرق الأقصى بثلاث طرق مختلفة: (?) أن المسألة كان يُنظر إليها من المنظور البريطاني لا من المنظور الأمريكي. (?) أن الاتصالات الكَبْلية عبر لندن شديدة البطء. (?) أن وكالات الأنباء ارتأَتْ أن أسعار نقل الرسائل إلى آسيا باستخدام الكَبْلات التلغرافية باهظة إلى حدٍّ حال دون استخدامها. وحسب تعبير شاهِد على هذه الفترة الزمنية لاحقًا: قبل أعوام، كانت الأنباء الصادرة والواردة في الشرق الأقصى خاضعةً فعليًّا لسيطرة وكالة رويترز — وكالة أخبار «بريطانيا» العظمى — وقبل قرابة خمسة أعوام أو يزيد، عُقِدت اتفاقية بين اليابان ووكالة رويترز، تنسحب الوكالةُ بموجبها تمامًا من اليابان، وتستحوذ اليابان تمامًا على الأنباء الصادرة من اليابان والواردة إليها. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى كانت وكالتا رويترز وكوكوساي المصدرَ الوحيد للمعلومات التي حصل عليها الشرق الأقصى من هذا البلد. كانت أنباء وكالة رويترز يُعِدُّها «رجل إنجليزي في نيويورك»، ويحرِّرها وينقِّحها «رجل إنجليزي في لندن»، وتُرسَل عبر شبكة كَبْلات غير مباشِرة إلى أفريقيا، ثم يعاد إبراقها إلى شنغهاي، ثم يحرِّرها وينقِّحها «رجل إنجليزي» من جديد، وفي «شنغهاي» حمل أبناء هذا البلد الكراهيةَ للأمريكيين في بداية الحرب وفي الأعوام التي تلَتْها (ماكلاتشي، ????).
وكما جاء في هذه الشهادة، كانت التجارة تتبع وسائل الاتصالات والنقل (وينتربوتوم، ????)، وقد عُدَّتْ إقامةُ خطوط اتصالات أفضل وأسرع وأرخص بالشرق الأقصى مهمةً، ليس من منظور وكالات الأنباء فحسب، بل من منظور الحكومات كذلك. وقد واجهَتْ وكالتَا أسوشيتد برِس ويونايتد برِس في الشرق الأقصى وضعًا مماثِلًا للوضع الذي واجهتَاه في أمريكا الجنوبية قبل الحرب. عقدت وكالة أسوشيتد برِس اتفاقيةً مع وكالة أخبار يابانية — وكالة كوكوساكي — التي كانت وكالة حكومية انحصَرَ نشاطُها في العمل تحت سيطرة وكالة رويترز التي امتلكَتِ السيطرةَ على سوق الأخبار بالشرق الأقصى، فيما لم يُسمَح لوكالة أسوشيتد برِس بإدارة أنشطتها هناك، بعكس وكالة يونايتد برِس التي أُتِيحت لها حريةُ العمل هناك؛ ومن ثَمَّ حثَّتِ الحكومةُ الأمريكية وكالات الأنباء الأمريكيةَ على التعاون معًا إعلاءً للمصالح القومية. وكما كتب والتر روجرز: اقترحتُ على الاتحادات الصحفية الكبرى حول العالم أن تُعنى بحقل الاتصالات بطرح فكرة بَسْط نطاق الخدمات الإخبارية، وقد انصبَّ اهتمامي بوجه خاص على نقل الخدمة الإخبارية من الولايات المتحدة إلى الشرق؛ بحيث تعمل بصفة دائمة لتسنح فرصة ما لنشأة تفاهم بين كلتا ضفتَيِ المحيط الهادئ. وأعتقد أن السيد ستون من وكالة أسوشيتد برِس، والسيد هوارد من وكالة يونايتد برِس؛ يراسلان حلقات وصل متعددة حول العالم حول فكرة إقامة مركز لنشر الأخبار (روجرز، ????ب).
(?) مَزْجٌ مثيرٌ للجدل بين الصبغة الكوزموبوليتانية والصبغة القومية

لم يعنِ إضفاءُ الصبغة القومية على الأخبار بالضرورة إخضاعَ الأخبار للسيطرة الحكومية أو التدخُّلِ الحكومي المباشِر فحسب — ولا يعني ذلك — بل استُخدِمَ كمبرر أيديولوجي للتدخُّل الحكومي. وفي حالات متعددة، استخدم مديرو وكالات الأنباء النزعةَ القومية للتبرير لتأسيس وكالاتهم أو وجودها، وحتى وكالات هافاس ورويترز ووولف التي بدأت كمؤسسات غير قومية لم يمضِ وقت طويل قبل أن تبدأ في العمل كمؤسسات قومية. بَيْدَ أن وكالة رويترز بالأخص من بين الوكالات الثلاث لم تعمل قطُّ كوكالة أخبار قومية معترَف بها رسميًّا؛ إذ قامت مؤسسة أخرى هي وكالة برِس أسوسييشن (التي تأسست عام ????) بهذه الوظيفة في المملكة المتحدة.
تُعَدُّ العلاقة المربكة بين الدولي والوطني من التناقضات التي تنطوي عليها أغلبُ مؤسسات الأخبار، فقد زعمَتْ هذه المؤسسات أنها مؤسسات قومية ذات مهمة تجاه وطنها، وفي الوقت نفسه زعمت أنها مؤسسات دولية لا تتحيَّز لأي بلد؛ ومن هنا كتب السير رودريك جونز عن وكالة رويترز:8 تُعَدُّ هذه الوكالة في أقاصي الأرض وكالة «بريطانية» نموذجية تدير أنشطتها في إطارٍ من المصداقية والمسئولية، وبوصفها كذلك بذلَتْ على الأرجح في إطار سعْيِها التقليدي لمزاولة نشاطها جهودًا أكثر مما بذلت أيُّ مؤسسة خارجَ البلاد لخلق مناخ «بريطاني» عام ونشر الأفكار «البريطانية»؛ وكانت لقرابة نصف قرن الموزِّعَ الوحيد للأخبار على امتداد الشرق والشرق الأقصى كله، أو الخدمةَ الإخبارية المسيطرة أو العظمى — في السنوات الأخيرة — ومن ثَمَّ تبرز بكل مكان — من البحر المتوسط إلى أقاصي شواطئ اليابان — كتعبير يومي على مدار الساعة عن الطموح والنفوذ البريطاني، ليس من خلال الصحافة فحسب، بل في البورصات والأسواق كذلك.
لكن كان من المهم كذلك الزعم بأن وكالة رويترز غير بريطانية حتى يتسنى لها بيع الأخبار للعملاء من غير البريطانيين؛ لهذا يناقض جونز نفسه في تصريح آخَر يضطر فيه لاستخدام صفة «كوزموبوليتانية» بدلًا من صفة «دولية»:مع أن وكالة رويترز «بريطانية» الأصل، فهي خدمة إخبارية «كوزموبوليتانية» من منطلق تحرُّرها التام من قيود التحيُّز وعدم الحيادية؛ فهي تتسم بالاستقلال والحصافة والموضوعية والحيادية التامة، وبإضافة هذه السمات إلى اشتهارها بالدقة والتحرُّر على نحوٍ منقطع النظير، تغدو مقبولةً للأجانب من أبناء كل جنس.9النزاع المتنامي بين وكالة أسوشيتد برِس الأمريكية ووكالة رويترز في أوائل القرن العشرين ارتكَزَ بدرجة كبيرة على قضية جنسية الخبر؛ فانتقدت وكالة أسوشيتد برِس نفوذَ وكالة رويترز من حيث إنها مثَّلت العالم من المنظور البريطاني؛ ومن هنا انصبَّ تحديدًا انتقادُ كينت كوبر المدير العام لوكالة أسوشيتد برِس — الذي هب لمناوئة هيمنة وكالة رويترز — لوكالة رويترز على كون شركة رويترز شركةً بريطانية، واستغلَّ كوْنَ الوكالة شركةً بريطانية كمسوِّغ للإجراءات القانونية التي اتَّخَذَها ضدها؛ فزعمت وكالة أسوشيتد برِس من جانبها أن جنسيتها الأمريكية تقود إلى خدمة أخبار أفضل، فكتب كوبر: أقِرُّ بفضل وكالة أسوشيتد برِس على تأسيس ما تبيَّن أنه المبدأ الأخلاقي الأسمى في «أمريكا» وحول العالم؛ وهو ضرورة أن تكون الأخبار صادقة وموضوعية (كوبر، ????).
تبنَّى كوبر — شأنه شأن جونز — المنظورَ القائل إن الخبر الصادق والموضوعي لا يصدر إلا عن البلد الذي تقع به الوكالةُ التي تنقله؛ ونتيجةً لذلك أضحَتْ جنسيةُ الخبر العاملَ الأول في تحديد موضوعيته. غير أن كوبر وجونز لم يكونَا وحدهما مَن تبنَّى هذه الحجة؛ فقد استُخدِمت العديد من المرات على مرِّ السنوات منذ تأسيس أولى وكالات الأنباء. ومن الحجج المشابهة لها الزعمُ القائل بأن الدول يُساء تمثيلها في الأخبار لأن وكالات الأنباء التي تقع في دول أخرى تنشر الأخبار عنها، وقد تكرَّرَ استخدامُ هذه الصورة الثانية من تلك الحجة في عدد من المناسبات، آخِرها كان في جدل اليونسكو في الثمانينيات حول النظام العالمي الجديد للإعلام والاتصال، حيث انتقدت دول العالم النامي وكالات الأنباء الغربية؛ لأنها شوَّهتها مستنِدةً في اتهامها إلى جنسية هذه الأخبار (كاثبرت، ????)، غير أن كوبر — الذي تعرَّضَتْ وكالته لاحقًا لنقد مماثِل من دول العالم النامي على نحوٍ مخالف للتوقُّعات — كان هو مَن كتب: حدَّدت وكالة رويترز أي الأخبار تصدر عن «الولايات المتحدة الأمريكية»، فحدَّثَتِ العالمَ عن الهنود في عدائهم مع الغرب، وعن الإعدامات غير القانونية في الجنوب، والجرائم الغريبة في الشمال، واتُّهِمت على مدى عقود بأنها لم تبعث بأي أنباء مشرفة عن «الولايات المتحدة الأمريكية». وانتقد رجال الأعمال الأمريكيون وكالةَ أسوشيتد برِس؛ لأنها سمحت لوكالة رويترز بالإنقاص من مكانة «الولايات المتحدة» بالخارج (كوبر، ????).
أما الحجة الأخرى التي استُخدِمت مرات عدة ضد وكالات الأنباء الأخرى، فكانت علاقاتها بالحكومات، وهي حجة مقارِبة جدًّا للحجتين الأولى والثانية حول جنسية الخبر؛ فمن ناحيةٍ، ترتبط جنسية الخبر بحكومة الدولة ارتباطًا وثيقًا ولا يمكن الفصل بينهما لأن كلًّا منهما من حيث المبدأ يجب أن تكون ممثلة لأمتها. ومن جهة أخرى، يُنظَر إلى جنسية الخبر على أنها مختلفة ومستقلة عن حكومة الدولة القومية، وهذا الاستقلال عن حكومة الدولة ينبغي أن يضمن حياديةَ الخبر، على النحو نفسه الذي تغدو به الأخبارُ أكثرَ حياديةً إن وردت من البلد التابعة له وكالة الأنباء التي تنقلها. كان يُنظَر إلى وكالات الأنباء على أنها أقلُّ استقلالًا إنْ كانت مدعومةً حكوميًّا أو مملوكةً للحكومة، وأوضح الأمثلة على ذلك وكالات الأنباء في البلدان الشيوعية سابقًا؛ مثالُ ذلك وكالةُ أنباء الاتحاد السوفييتي السابق التي كانت تذيع رسميًّا الأخبارَ من الحكومة السوفييتية. المثير للاهتمام هنا — وهنا يكمن تناقُضٌ آخَر — هو أن وكالة أنباء الاتحاد السوفييتي قامَتْ، شأنها شأن العديد من وكالات الأنباء المملوكة للحكومة، على أساس أن وكالات الأنباء الأجنبية شوَّهت الأخبارَ؛ لأنها لا تقع في البلد المعنية به الأخبار. ومن جهة أخرى، مع أن التلغراف حرَّر وكالات الأنباء من القيود الجغرافية، فقد عجز عن تحريرها من قيود الدولة القومية، الأمر الذي باتَ مستحيلًا مع أهمية الأخبار للدول القومية؛ ونتيجةً لذلك — مع أن أولى وكالات الأنباء بدأت عملها كوكالات أنباء غير قومية — لم يمضِ وقتٌ طويل قبل أن تغدو قضيةً قومية في كل مكان.
(?) الوظائف العديدة لوكالات الأنباء القومية

كما أشار بويد-باريت (????)، تؤدِّي وكالات الأنباء القومية وظائفَ مهمةً؛ فهي أولًا: تتيح خدماتٍ إخباريةً محلية ودولية بسعر مقبول لوسائل الإعلام القومية والمحلية، ويهدف مجموع أخبارها بطبيعة الحال إلى أن يكون شاملًا من حيث تمثيلها وخدمتها لمصالح مختلف القطاعات المهمة بالدولة القومية. ثانيًا: هي مصدر مهم ومتميز للأخبار للمؤسسات القومية السياسية والاقتصادية والمالية، كما تعمل كقناةٍ لنقل خدماتِ وكالات الأنباء الدولية إلى وسائل الإعلام المحلية والداخلية، وتعود بالأخبار المحلية والقومية إلى وكالات الأنباء الدولية؛ ومن ثَمَّ فقد تؤثِّر في تمثيل الدول القومية التي تتبعها على المستوى الدولي.
خضع دور وكالات الأنباء القومية لدراسة كافية، لكنه لم يخضع لتقييم نقدي وافٍ إلا في الدول ذات أنظمة الحكم الشمولية. التقسيم التقليدي لوكالات الأنباء إلى وكالات دولية وقومية سلَّمَ بأن وكالات الأنباء تحتاج إلى تأدية وظائف في مصلحة الدولة؛ ومن جهة أخرى، لم تشكِّك إلا أحدث المناقشات حول العولمة في كون المستوى القومي نقطةَ البداية البديهية للدراسة. ليس هناك ما يستلزم الافتراضَ مسبقًا أن وكالات الأنباء أو أي مؤسسات إعلامية أخرى ينبغي أن تخدم بالضرورة مصالحَ الدول القومية. من جهة أخرى، يثبت تاريخ وكالات الأنباء أن أولى وسائل الإعلام الإلكترونية تحوَّلت في أغلب الدول إلى أدوات للدولة القومية، الأمر الذي حدث بسبب هشاشة استقلالية وكالات الأنباء؛ إذ اعتمدت على التقنيات المطلوبة لاستقبال الأخبار وبثها.
نتيجةً لذلك، كانت هناك في أغلب الدول فتراتٌ خضعَتْ فيها وكالات الأنباء للسيطرة المباشِرة أو غير المباشرة لحكومات الدول التي وقعت فيها، ويمكن العثور على فترات كهذه في أبعد الدول عن التصور كالولايات المتحدة الأمريكية حيث احتُفِي دومًا باستقلال وسائل الإعلام عن الحكومة؛ فخضعت وكالتا الأخبار الأمريكيتان — وكالة أسوشيتد برِس التعاونية من جهة، ووكالة يونايتد برِس الخاصة من جهة أخرى — للحكومة الأمريكية بالرغم من اختلاف صورة ملكيتهما. واستطاعت الحكومة الأمريكية التدخُّل في عملهما باستغلال التكنولوجيا وعبر إقناع مديرِي وكالات الأنباء بأنهم جميعًا يتشاطرون مصالح مشتركة، ولم تقبل وكالات الأنباء بالتدخُّل الحكومي باسم قضية كبرى مشتركة فحسب، بل اعتنقته كذلك. وقد أخذ التدخُّل الحكومي في كثيرٍ من الأحيان شكلًا خفيًّا جدًّا أوحى بأنه مشروع مشترك وليس تدخُّلًا حكوميًّا.
توضِّح دراسةُ التطور التاريخي لوكالات الأنباء مدى تأثير الجانب القومي، وقد آمَن الرئيس الأمريكي ويلسون بعد حضور مؤتمر سلام عام ???? في باريس بأن التفوُّقَ في المستقبل ستحدِّده ثلاثةُ عوامل مهمة: البترول الخام، ووسائل النقل، ووسائل الاتصالات (يونج، ????)؛ وهو ما كان الأمر عليه. استمرت المعركة على جنسية الأخبار الإلكترونية التي بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر لمائة عام أخرى، وقد تُحدِث التقنية الأحدث وهي الإنترنت تغييرًا؛ وإن صحَّ هذا، فهو لن يتحقَّق إلا بمعركة أخرى.
هوامش

(1) Editor & Publisher, August 13, 1927, 7.(2) A message from New York via London to South America required from six to fifteen hours, while directly from New York it required only two or three hours. The rate between New York and Valparaiso, via the European route, was $6.00 per word. World War I brought down the full rate of the direct service to $0.50. A Half-Century of Cable Service to the Three Americas 1928, 22 and 39.(3) Editor & Publisher, July 17, 1919, 9.(4) Editor & Publisher, December 24, 1921, 6.(5) Editor & Publisher, July 1, 1922, 6.(6) Editor & Publisher, March 12, 1921, 6.(7) Ibid.(8) Sir Roderick Jones papers. A note on Reuters. For private information only. Printed by Waterlow and Sons Limited, London, Dunstable, and Watford. Reuters archive, box file 97.(9) Sir Roderick Jones Papers. Broadcast address in Johannesburg by Sir Roderick Jones on February 26, 1935. Reuters archive, box file 13. الفصل السابع
الخاتمة


اليوم كان الأمس
يقول الشباب إنهم يتجنَّبون الوقائعَ الجادة، ومن اللافت أنهم يشاهدون أخبارًا أقل؛ فقد تضاءَل عددُ المشاهدين من الشباب لنشرات الأخبار على جميع القنوات على مدى الأعوام الخمسة الماضية.
يلعب كلٌّ من التلفاز والصحف دورًا ثابتًا في حياة مَن تربو أعمارُهم على خمسة وخمسين عامًا، فهم يشاهدون نشرات الأخبار ويقرءون الأخبارَ يوميًّا تقريبًا، وهم الشريحة الأهم التي تستهدفها الأخبارُ، ويشكِّلون الغالبية العظمى من مشاهِدي الأخبار المحلية، ويعتقدون أن قراءة إحدى الصحف يوميًّا مهمة (تحقيق لمحطة بي بي سي، ????).1 كتبتُ هذا الكتابَ في العديد من المواقع حول العالم، ومن بين المواقع التي أمضيتُ فيها وقتًا في كتابته عام ???? قريةُ سان فيليسيز دي لوس جاليجوس في إسبانيا، وهي قرية نائية يقطنها ??? شخص على مقربة من الحدود مع البرتغال. كنت أحمل جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي، لكن لم يكن الاتصالُ بشبكة الإنترنت متاحًا، ولم تَلُحْ للعيان ساعةٌ عامة إلا في برج الكنيسة بميدان القرية. كانت أجراسُ الكنيسة تدق كلَّ ساعة تذكرةً بالوقت، وبما أنه كان توقيتَ مهرجان إل نوفينو إحياءً لذكرى تحرُّر سكان القرية من الضرائب التي فرَضَها دوق ودوقة ألبا2 في ?? من مايو عام ????، دوَّت الأجراس أكثر. فأيُّ مكان أفضل من هذا للتفكير في تغيُّر البُعْد الزماني للأخبار من العصور الوسطى إلى عصر المعلومات؟ إحدى البقاع الأخرى التي أمضيتُ بها وقتًا في كتابة هذا الكتاب عام ???? أيضًا كانت ولاية لوس أنجلوس في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث كنتُ أرى يوميًّا فوق رأس سائق الحافلة رقم ?? ساعةً رقمية تحمل تاريخَ اليوم والتوقيتَ، ويتغيَّر عليها الوقت بمرور الدقائق؛ ومع هذا كنتُ أرى العديدَ من الراكبين معي ينظرون في ساعاتهم، ويفكِّرون في التوقيت الخاص بهم وأحداث حياتهم الخاصة التي حدَّدت الزمانَ لهم.
كنَّا نسمع على متن الحافلة رسالةً مؤتمتة تخبرنا بالمحطة التالية، أو إذا طلبها أحد الراكبين، وكان بعض الراكبين معي يستمعون إلى الموسيقى عبر سماعات الرأس، وبعضهم يقرأ الصحف، والبعض الآخَر ينظر في شاشة التلفاز التي تعرض موادَّ ترفيهيةً لأجهزة التلفاز المتنقلة من قناة ترانزيت تي في، وخريطةً حية لمسار الحافلة تحمل نقاطًا حمراء توضِّح محطات وقوف الحافلة التالية. عرضت قناة ترانزيت تي في الإعلاناتِ ومقاطعَ عن الطهي وأحجيات الكلمات المتقاطعة والأخبارَ بالإسبانية والإنجليزية، وعُرِضت نشرات الأخبار من وكالة رويترز، وظهر ببداية كلِّ قصة إخبارية محلُّ وقوع أحداثها. لم يصدر عن التلفاز صوتٌ، لكنني قرأت على شاشته خبر الزلزال الذي وقع في الفلبين مؤرَّخًا بالتاريخ والساعة.
كيف اختلفت تجربتي عن تجربة المسافر بمكان آخَر أو عنها في عصر سابق كالعصور الوسطى؟ لم تكن المسافرة لتنتقل عبر الحافلة، لكنها كانت لتسافر بين حشد إما على الأقدام وإما محمولة على عربة جياد؛ وستتحدث — على العكس مني — إلى المسافرين معها، وتتبادل المعلومات معهم حول المكان وحول التجارب التي ربما يكونون قد خاضوها هناك، ولعلها تسلي المسافرين معها بابتكار قصص مسلية، ستكون «قصصًا جديدة» بالطبع لأن المسافرين معها سيفضِّلون القصصَ الجديدة على القديمة.
من آنٍ لآخَر قد يلتقِي هؤلاء المسافرون بآخَرين في الحانات أو مع تغيير الجياد ليتبادلوا معهم الأخبار الجديدة، وقد يصغون إلى منشدي الأخبار في أركان الشوارع بالبلدة، غير أنهم لن يفطنوا بالضرورة لمدى قِدَم هذه الأخبار؛ لأن الزمان آنذاك لم يكن يقاس على فترات قصيرة كما يقاس اليوم؛ فكانت حداثة الخبر تقاس بما إن كان قد سُمِع من قبلُ أم لا.
لن تكون هناك صور متحركة أو قصص تتحدَّث من تلقاء ذاتها كتلك التي تُعرَض على الشاشة في رحلتنا على متن الحافلة في زماننا؛ فالقصص الإخبارية لم تَرِد آنذاك بين المسافرين دون سابق إنذار أو دون دعوة، كما لم تطرح إطارًا زمنيًّا آخَر يختلف عن حاضر المسافرين. وكان المسافرون يَهْنَئون بجهلهم بالمناطق الزمنية المختلفة، وبغفلتهم عن الأحداث التي تقع في اللحظة نفسها في بقاع نائية عن موقعهم؛ وعندما وعوا تلك الأحداث كان هذا عبر قصص تحكي عن أشياء وقعت قبل زمان طويل بالفعل، وكان تأثير الأحداث على حياة الأفراد المباشِرة تأثيرًا ضئيلًا، بما أنه لم يكن هناك زمانٌ مشتركٌ يجمع بين حياتهم وبين الأحداث التي تقع في البقاع النائية.
اختلفَتِ الأخبارُ وآليات انتقالها اختلافًا كبيرًا مع ظهور أحدث تقنيات الإعلام والاتصالات كالإنترنت، وبالرغم من اختلاف الباحثين حول آثار هذا التغيير على الصحافة، فهم يتفقون بوجه عام على أن اختلافًا جوهريًّا قد بدأ يطرأ عليها. يحيا الكثير منَّا اليومَ في ظلِّ العصر الرقمي، مع أن جميع صور الأخبار السابقة ما زالَتْ حيةً؛ من الأخبار الشفهية إلى المكتوبة إلى المطبوعة إلى الإلكترونية. وقد ضاعَفَ التقاربُ التكنولوجي طُرُقَ جمع الأخبار ونقلها، ومزَجَ بين جميع صورها السابقة مع أحدث صورها، لينشأ مع طرح التقنيات الجديدة كمٌّ من الأخبار يربو على أي وقت مضى. تخلق قابليةُ التواصُل بتكلفة زهيدة بين المجموعات بعضها مع بعض، أو الفرد مع آخَر أو الفرد مع الجماعة أو الجماعة مع الفرد؛ المشكلاتِ لمَن يحاولون التكسُّبَ ببيع الأخبار، ومَن يحاولون استهلاكَ الأخبار المتزايدة بلا توقُّف. كان التأثير الأكبر على نقل الأخبار عبر الإذاعات والأقمار الصناعية في السنوات الأخيرة هو التأثير الذي ولَّده ظهورُ تقنيات جديدة، ولا سيما الإنترنت والتلفاز الرقمي.
يمكننا بالمقارنة بين حقبتين متباعدتين هما العصور الوسطى وعصر المعلومات؛ إيضاح أوجه الاختلاف والشبه بينهما، والاستفهام عمَّا اختلف وما لم يختلف، وقد كرَّسْتُ هذا الفصلَ لهذه المهمة ولمهمة إيضاح الخيارات التي تنشأ عن التطورات الحالية. ويذهب الفصل إلى أننا بحاجة إلى إعادة تشكيل مفهوم الأخبار لأنها انعدمت بمفهومنا القديم عنها؛ فحاضرنا اليوم يتحدَّى مفهومَنا عن الأخبار من أربع نواحٍ مختلفة؛ فأولًا: أخذَتِ الأخبارُ بصورتها التقليدية تفقد جمهورَها. ثانيًا: أخذت التقنيات الجديدة تُستخدَم في جمعها ونقلها وإبداء الآراء حولها. ثالثًا: بدأ مفهوم الزمان في الأخبار يتغيَّر. وفي النهاية، يؤدِّي كلُّ هذا إلى تغيير الدور الذي يلعبه الخبر في المجتمعات المعاصرة.
(?) الأخبار القديمة تخسر جمهورها

تُظهِر بحوث بالفعل أن الشباب في الدول الأوروبية الغربية بدءوا يتحوَّلون من استخدام وسائل الإعلام التقليدية إلى استخدام الإنترنت، الذي يصل لمتناول الشباب في المجموعة العمرية ما بين خمسة عشر عامًا وأربعة وعشرين عامًا بنجاح أكبر مما تحرزه وسائل الإعلام التقليدية في الوصول إليهم، ولا سيما الصحف. ولَجَ ??? من البالغين في المملكة المتحدة الإنترنتَ في الأشهُر الثلاثة السابقة لفبراير عام ????، وتزداد هذه النسبة بدرجة كبيرة بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم ما بين ستة عشر عامًا وأربعة وعشرين عامًا؛ إذ يلج الإنترنتَ ??? من هذه المجموعة العمرية.3 وفي المملكة المتحدة أجابَ ??? ممَّن سُئِلوا حول ذلك بأنهم ما زالوا يجدون التلفازَ مصدرًا مفيدًا للأخبار، في مقابل ??? للصحف، و??? للراديو، و??? للإنترنت و??? للمجلات (هارجريفز وتوماس، ????). فوق ذلك، توضِّح الأبحاث أن الأفراد «يتصفَّحون» بصورة متزايدة العديدَ من مصادر الأخبار عوضًا عن الاعتماد على الدوام على مصدر أخبار واحد، ويرون أن منطقتهم المحلية هي أقل المناطق التي تَرِدهم الأخبارُ عنها، ولا ترى إلا نسبة ضئيلة من الأفراد قوامها ??? منهم أن الأخبار التليفزيونية تمثِّل جميع قطاعات المجتمع على نحوٍ عادل (هارجريفز وتوماس، ????). بعبارة أخرى، نحن نشهد نهايةَ عهد جمهور الأخبار التقليدية، ولا سيما بين الشباب (هارجريفز وتوماس، ????).
أشار الكثير من الباحثين إلى أن مستوى الاهتمام العام بالأخبار التقليدية يشهد انخفاضًا منتظمًا؛ ففي الولايات المتحدة انخفَضَت نسبة جمهور مشاهدي نشرات شبكات الأخبار على التلفاز من ??? في ستينيات القرن العشرين، إلى ??? عام ????، ثم إلى ??? بحلول عام ????. وأضحت الأخبار على الإنترنت — التي كانت فيما مضى عالَمًا خاصًّا للذكور البيض من الشباب — تجذب عددًا متزايدًا من الأقليات، فتزايدت نسبة الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية الذين يلِجون الإنترنتَ بانتظام بقرابة النصف على مدى الأعوام الأربعة الماضية (بنسبة تتراوح ما بين ??? و???). واتَّسَع عدد مستخدمي الإنترنت ليشمل الأمريكيين الأكبر عمرًا، فذكَرَ قرابة ثلثَيِ الأمريكيين في العقد الخامس وأوائل العقد السادس من العمر (??? من الأمريكيين) أنهم يلجون الإنترنتَ، وارتفعت نسبتهم من ??? عام ????. وما زال عدد قرَّاء الصحف بين الشباب محدودًا نسبيًّا؛ فذكر ??? فقط من الشباب تحت سن ثلاثين عامًا أنهم قرءوا صحيفةً في اليوم السابق على إجراء المقابلة معهم، وهي نسبة أقل بدرجة طفيفة من نسبتهم عام ???? التي بلغت ???، وتقف على طرف النقيض من نسبة الأمريكيين الأكبر عمرًا البالغة ??? ممَّن زعموا قراءة صحيفة باليوم السابق على سؤالهم عن ذلك؛ إذ يميل الشباب إلى قراءة مجلة أو كتاب للتسلية يوميًّا أكثر مما يميلون إلى قراءة الصحف.4 صارت الصور الأخرى من الأخبار — كنشرات الأخبار التليفزيونية التي تُعرَض على مدار ?? ساعة والأخبار على الإنترنت، وحتى الأخبار الشفهية — تلعب دورًا أكبر؛ ففي المملكة المتحدة لا يزال التلفاز إلى حدٍّ كبير المصدرَ الأول للأخبار لدى الغالبية (لدى الثلثين من تعداد السكان). وقد تضاعفَتْ ثلاث مرات نسبةُ مَن يرون أن الإنترنت هو مصدرهم الأول للأخبار، إلا أنها لم تبلغ إلا ??، فيما انخفضت نسبةُ مَن يعتمدون على الراديو كمصدرهم الأول للأخبار بنسبة الثلث، بينما يقل احتمال مشاهدة الجماعات العِرْقية الآسيوية والسوداء لأخبار شبكات التلفاز وسماع أخبار محطات الراديو بالأخص، عنه بين تعداد السكان بوجه عام، ومن جهة أخرى، تزيد احتمالات أن تشاهد كلتاهما أخبارَ التلفاز ?? ساعة، في حين يحتمل بدرجة أكبر بكثير أن تستهلك الجماعاتُ العِرْقية الآسيوية الأخبارَ التي تَرِد من شبه القارة الهندية عبر محطات التلفاز وعبر الإنترنت (فيليبس، ????). ويحظى الإنترنت بشعبية كبيرة بين الشباب (???)، وبين النساء (???)، كما يتمتع بشعبية كبيرة جدًّا بين أبناء العِرْق الآسيوي؛ إذ يستخدمه ??? منهم. ولما كانت الأخبار المنقولة شفهيًّا مصدرًا أكثر انتشارًا بين النساء والشباب؛ يصف ??? من الشباب من عمر ?? عامًا إلى عمر ?? عامًا التواصُلَ الشفهي بأنه مصدر مفيد للأخبار. ويرى الباحثون أن الإنترنت بدأ يبرز ? «موطن» للأخبار لمَن يشعرون بأن وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية لا تخدمهم على المستوى المطلوب (هارجريفز وتوماس، ????).
يستخدم ربع مستهلكي الأخبار على الإنترنت في الولايات المتحدة مواقعَ أجنبية تُنشَر في بلد بخلاف بلد إقامتهم (بيست وآخرون، ????)، وتَرِد ثلث زيارات مواقع الصحف التقليدية في الولايات المتحدة من خارج حدود المنطقة الجغرافية التقليدية لتوزيع أخبارها خارج نطاق الإنترنت، وترتفع نسبة هذه الزيارات للمصادر القومية الكبرى للأخبار كموقع محطة بي بي سي التي نقلت أن أكثر من ??? من حركة المرور لديها على الإنترنت تَرِد من خارج المملكة المتحدة (بيست وآخرون، ????). وتتشكَّل غالبية جمهور الأخبار على الإنترنت — الذي تمثِّل نسبته تقريبًا ربعَ إجمالي الأمريكيين — من الشباب الذين يتمتعون بثقافة أرفع من المجتمع ككل. ويُعرِب مَن يعتمدون على الإنترنت كمصدر الأخبار الرئيس لهم عن آراء سلبية تجاه مصادر الأخبار السائدة، وهم من أشد الناقدين لأداء الصحافة، وتذكر نسبة تصل إلى ??? ممَّن يعتمدون في الأغلب على الإنترنت للحصول على الأخبار أنها تحمل آراءً سلبية تجاه شبكات الأخبار الفضائية مثل سي إن إن وقناة فوكس نيوز وإم إس إن بي سي، في مقابل ??? من إجمالي السكان، و??? فقط من مشاهدي قنوات التلفاز الإخبارية.5 وتشير كل هذه البحوث إلى أنه طرأ العديدُ من التغيُّرات الجذرية مؤخرًا، ليس على استهلاك الأخبار فحسب، بل على إنتاجها كذلك.
(?) هل من أخبار جديدة؟

منذ بداية الثمانينيات، أخذت الصحف اليومية الأمريكية في تجربة أجهزة الكمبيوتر الشخصية وأجهزة التلفاز والفاكس وحتى المخابرات الهاتفية المنتظمة كبدائل لتوفير المعلومات لعموم الأفراد (بوشكوفسكي، ????). وقد استُخدِمت الشبكة العنكبوتية العالمية منذ نشأتها في أوائل التسعينيات بصورة متزايدة كوسيط إخباري؛ فبدأت موجة الصحافة الثانية عبر الإنترنت عام ???? عندما صدرت النسخة المعيارية من الشبكة العنكبوتية العالمية من قِبَل منظمة سيرن، أو — وهو الأهم — عندما بدأت الشبكة العنكبوتية العالمية تتاح عبر متصفح مجاني قائم على نظام ويندوز في عام ????، هو متصفح موزايك (بريك، ????). غير أن الشبكة العنكبوتية العالمية لا تنتج الأخبارَ، لكنها تمثِّل صورةً جديدة من صور استخدام التقنيات الحديثة في نقل الأخبار واستقبالها، أما إتاحة محتوى الأخبار فهو دور منفصل. وأناقش هنا الطرقَ المختلفة التي تخدم بها الشبكة العنكبوتية العالمية كأداة للأخبار، ومنها: (?) إتاحة الأخبار على الإنترنت كخدمة إضافية عبر وسائل الإعلام الإخبارية التقليدية. (?) محركات البحث. (?) المدونات.
(?) وسائل الإعلام الإخبارية القديمة في ثوبها الجديد

سارعَتْ وسائل الإعلام التقليدية كالصحف أو وكالات الأنباء بالبدء في استخدام هذه التقنية الجديدة؛ على سبيل المثال: بحلول عام ????، أمكن للقراء عبر الإنترنت الوصول إلى قرابة ???? صحيفة أمريكية، وإلى أكثر من ????? صحيفة تصدر من خارج الولايات (بيست وآخرون، ????). ووفقًا لاتحاد الصحف العالمي، تزايَدَ عدد جمهور قرَّاء الصحف على الإنترنت بنسبة ???? (فيولهيراد، ????) تقريبًا في السنوات الأخيرة. وتُظهِر أحدث الإحصائيات لعام ???? كيف تبدَّلَ الموقفُ سريعًا، فتزايَدَ عددُ المستخدمين لموقع Mail Online ذاك العام بنسبة ???? عامًا بعد عام ليبلغ عددها ???????? مستخدمًا. في الوقت نفسه، تزايَدَ عددُ قرَّاء موقع Telegraph.co.uk بنسبة ??? ليبلغ ???????? قرَّاء، وتزايَدَ عددُ قرَّاء موقع Sun Online ليبلغ ???????? قارئًا ليرتفع بذلك عدد قرَّائه بنسبة ??? من يناير عام ????، كما تزايَدَ عددُ قرَّاء صحيفة التايمز على الإنترنت Times Online بنسبة ??? ليصل إلى ???????? قارئًا، فيما ظلَّ موقع Guardian.co.ok الموقع الذي سجَّلَ حركةَ المرور الكبرى؛ إذ بلغ عدد قرَّائه ???????? قارئًا، ليبلغ ارتفاع نسبتهم بذلك ??? عامًا بعد عام (كيس، ????). لم تكن الأخبار التي استقبلتها تلك المواقع جديدةً بالضرورة؛ على سبيل المثال: عندما انطلق موقع نيويورك تايمز على شبكة الإنترنت عام ????، عرض بالدرجة الأولى مقالاتٍ من صحيفة نيويورك تايمز المطبوعة (بوشكوفسكي، ????). وكان المحتوى الذي عرضته هذه المواقع في جزء كبير منه مجرد تكرار للمحتوى الذي وُجِد في منتجات وسائل الإعلام الإخبارية ذاتها خارج الإنترنت، ولم تتقاضَ إلا نسبةٌ قوامها ?? من مصادر الأخبار على الإنترنت رسومَ اشتراكٍ نظيرَ عرض محتوياتها (تشياي وسيلفي، ????). خلصت دراسة فان دير فورف لأربع دول أوروبية إلى أن الصحف على الإنترنت ما زالت تبحث عن دور لها، وهي تؤدِّي عدةَ وظائف في الوقت نفسه؛ فالصفحات الأولى بها «تروِّج» للصحيفة المطبوعة، وتطرح موادَّ إخبارية مختصرة، وترشد القارئ إلى المحتويات الأخرى على الموقع نفسه، كما ترشده أحيانًا إلى مواقع أخرى، وتغطِّي الموادُّ الإخبارية التي تُعرَض في الصفحة الأولى بصورة أو بأخرى المناطقَ الجغرافية نفسها التي تغطِّيها الصفحةُ الأولى للصحيفة المطبوعة لكن بصورة أقل تنوُّعًا. وتختلف صحف الإنترنت عن الصحف المطبوعة من حيث الوظائف التي تؤدِّيها، أكثر مما تختلف عنها من حيث المحتوى (فان دير فورف، ????).
ما الجديد إذن في استخدام وسائل الإعلام القديمة للشبكة العنكبوتية العالمية؟ يخلص بوشكوفسكي (بوشكوفسكي، ????) إلى أنه على ما يبدو هناك ثلاثة آثار محتملة على أقل تقديرٍ لبيئة الإنترنت على شكل الخبر ومحتواه؛ أولًا: عوضًا عن التوجُّه الصحافي، تبدو الأخبارُ على الإنترنت ذات توجُّهٍ يركِّز على المستخدم. ثانيًا: عوضًا عن كونها بالدرجة الأولى خطابًا فرديًّا أحاديًّا، يبدو أنها بدأت بصورة متزايدة تتجه لأَنْ تشمل الأخبارَ الأحادية الخطاب في إطار حوار مستمر أوسع نطاقًا. ثالثًا: تبدو الأخبار على الإنترنت — علاوةً على تسليطها الضوءَ على المحلي والوطني — ذاتَ طابع محلي. رابعًا: أضيفُ أن مفهومَ ما كان يُعرَف على نحوٍ محض بأنه خبر — أو مصدر خبر — سواء أكان دوليًّا أم قوميًّا أم محليًّا؛ قد أخذ في التغيُّر سريعًا.
(?) محركات البحث

يقسِّم فان كوفرينج (????أ) تاريخَ محركات البحث إلى ثلاث حقب مختلفة؛ أولى الحقب هي حقبة «ريادة الأعمال» في حقل التقنيات من عام ???? إلى أواخر عام ????؛ وثانيها هي حقبة تتميز ? «ابتكار بوابات البحث والتكامُل الرأسي» من أواخر عام ???? حتى نهاية عام ????، وفيها حاولت شركات إعلامية وشركات توريد خدمات إخبارية شبكية كبرى أن تشقَّ طريقَها إلى حقل محركات البحث بالشراء؛ أما آخِر المراحل فهي مرحلة «دمج وتكامل «افتراضيَّين»»، وقد استمرت من عام ???? حتى يومنا الحالي. أُطلِق على محركات البحث في البداية «وسائل ملاحة مساعدة» تخدم في مساعدة مستخدمي الإنترنت الذين يحتاجون الإرشاد، وفي عرض تاريخ تصفُّحهم للإنترنت (متى كانوا على الإنترنت) (لي وليبناو، ????). والخدمات مثل إيه أو إل وياهو نيوز وجوجل نيوز هي محركات بحث كبرى تنقب خصوصًا عن الأخبار. لا يتطلب محرِّكُ بحث جوجل نيوز محرِّرين بشريين — بعكس محرك بحث إيه أو إل، ومحرك بحث ياهو نيوز — ويرتِّب محرك بحث جوجل نتائجَ البحث بناءً على عدد الروابط التشعبية الواردة التي يتلقَّاها الموقع (كارلسون، ????). وينقِّب عن ???? مصدر إخباري تُحدَّث باستمرار ويتصفحها، وتتاح هذه الخدمة على مستوى العالم بأربعين لغة أو بنسخ محلية.6 لا تقوم محركات البحث إلا بانتقاء الأخبار من المواقع القائمة، ولا تجمع بنفسها الأخبارَ أو تنتجها؛ ومن هنا يصف ماثيسون محركات البحث بأنها تمجيد لمبادئ وكالات الأنباء والتلغراف (ماثيسون، ????). بَيْدَ أن وكالات الأنباء تنتج بنفسها الأخبار، وقد كتب كارلسون (????) أن محركات البحث عن الأخبار تتيح للمستخدِم القدرة على البحث بنفسه عن المعلومات في اتجاهين؛ فكتب: لا يوجد منتج إخباري منفصل عن مستهلك الخبر، بل توجد قاعدة بيانات من القصص الإخبارية ينتقي مستهلك الخبر منها من خلال التنقيب بين العناوين؛ مما يطرح نشاطًا على مستوًى جديد لجمهور الخبر، مع اختياره موضوعًا وقصصًا تتناول الموضوع الذي يختاره من اللائحة التي يجلبها محرك البحث؛ تحضُّ هذه العملية على إعادة التفكير في دور جمهور الخبر في الصحافة. يتضمَّن مفهوم سلطة العرض ضمنًا أن يفرض الصحافي تسلسلًا تأويليًّا على الخبر، لكن على النقيض؛ فإن تشديد جوجل نيوز على حرية الوصول إلى المعلومات، وعلى تعدد صور الخبر، يقوم على النظر إلى جمهور الخبر على أنه يشكِّل بنفسه بيئةَ الخبر الخاصة به. وهذه الفجوة بين جمهورٍ ينتقي الأخبار من مُنتَج مشكل مسبقًا، في مقابل جمهورٍ يبحث عن الأخبار بموجب شروط بحث مساعدة، هي أساس التعارُض بين وسائل الإعلام التقليدية ومحركات البحث عن الأخبار.
يرى هيندمان وتسيوتسيليكليس وجونسون (????) أنه قد تهيمن على المعلومات السياسية على شبكة الإنترنت مجموعةٌ من المواقع المتصلة اتصالًا كثيفًا؛ فيما يرى باترسون (????) أن محرِّكَ بحث جوجل نيوز لم يكن ليُؤسَّس على ظهر الوجود لولا قيامه بنَسْخ محتويات الأخبار التي تعرضها وكالات الأنباء بالدرجة الأولى. ووفقًا لدراسة أجراها باترسون في عام ????، تبين أن بوابات البحث/محركات جمع الأخبار لا تتدخل بدرجة ملموسة في تعديل محتوى الأخبار التي تعرضها وكالات الأنباء؛ إذ اتضح أن ??? في المتوسط من نصوصها التي خضعت للدراسة كانت تكرارًا للنصوص التي تعرضها وكالات الأنباء. وبحلول عام ????، ارتفَعَ متوسطُ استخدام المحتوى الإخباري لوكالات الأنباء بالحرف الواحد من قِبَل هذه الخدمات إلى ???. ويخلص باترسون (????) إلى أن حجم تنوُّع الأخبار الدولية الجديدة على الإنترنت يتزايد ظاهريًّا، بينما نجد أن حجم تنوُّعها الفعلي يتضاءل أو يبقى ثابتًا. ودراسة المقارنة المطولة هذه التي تتناول قصصَ أخبار دولية تعرضها مواقع إخبارية كبرى — تستند في الأساس إلى قصص وكالات الأنباء — تكشف عن ندرة الصحافة التي لا تعتمد على النقل، واعتماد كبار مورِّدي الخدمات الإخبارية على الإنترنت على تقارير وكالات الأنباء وكتاباتها. شكل ?-?: أعداد زوَّار مواقع الأخبار الأمريكية الكبرى على الإنترنت (المتوسط الشهري)، عام ???? مقارَنةً بعام ???? (المصدر: تقرير وضع وسائل الإعلام الإخبارية لعام ????. www.stateofthenewsmedia.org/2008/narrative_online_ownership.php?cat=4&media=5 تاريخ الزيارة: ?? أكتوبر، ????).
يتجلَّى بصورة غير مباشرة اعتماد شركة جوجل على وكالات الأنباء التقليدية عبر القضايا العديدة التي رُفِعت على الشركة (باترسون، ????)؛ فأعلنت وكالة الأنباء الفرنسية عام ???? مقاضاةَ شركة جوجل في الولايات المتحدة وفي فرنسا لتعدِّيها على حقوق نشرها باستمرار؛ إذ زعمت وكالة الأنباء الفرنسية أن خدمة جوجل نيوز أدمجَتْ ضمن منتجاتها الصورَ وعناوينَ الأخبار والمقتطفاتِ الإخبارية التي تَرِد في بداية المقالات الخاصة بوكالة الأنباء الفرنسية، كما احتجَّتِ الوكالة بأن شركة جوجل أزالت إشعارات حقوق النشر وتعليقات الملكية على الصور من على موادها، مُنتهِكةً بذلك القانون الفيدرالي. رُفعت القضية نظير تعويض قيمته ???? مليون دولار، وزعمت جوجل من جانبها أن عناوين أخبار وكالة الأنباء الفرنسية لم تكن «جديدة ومبتكرة» بالدرجة الكافية لحمايتها بموجب قانون حماية حقوق النشر، قائلة: «عناوين الأخبار التقليدية لوكالة الأنباء الفرنسية تعبِّر عن حقيقة واقعية وتتسم بالبساطة، ولا تحمل إلا فكرة واحدة ليست خاضعة للحماية من الناحية القانونية.» غير أن شركة جوجل سرعان ما قبلت بإزالة المحتويات الإخبارية الخاصة بوكالة الأنباء الفرنسية من موقعها، كذلك زعمت جوجل أن الروابط التي تعرضها والتي تؤدِّي إلى المحتويات الخاصة بوكالة الأنباء الفرنسية تدرُّ الأرباح على وكالة الأنباء الفرنسية لا الخسائر؛ مما يرفع احتمال نظر المحاكم الأمريكية إلى جمع وكالة جوجل للأخبار ? «استخدام عادل» لمواد الوكالة الفرنسية الخاضعة لحقوق النشر (باترسون، ????). توصَّلت شركة جوجل ووكالة الأنباء الفرنسية إلى اتفاقية حول استخدام مواد وكالة الأنباء الفرنسية في أبريل عام ????، وصرَّحَ بيان الشركتين عن الاتفاقية بأنها «ستسمح باستخدام المحتويات التي تعرضها وكالة الأنباء الفرنسية بطرق جديدة ومبتكرة تحسِّن بصورة كبيرة تجربةَ المستخدم للمحتويات الإخبارية الخاصة بوكالات الأنباء على الإنترنت» (أوتس، ????). ويشير فان كوفرينج (????ب) إلى أنه لا عجب على الإطلاق في أن وكالة الأنباء الفرنسية قبلت بالتسوية نظرًا للأهمية المتزايدة التي تحتلها حركة المرور على الإنترنت — التي توجِّهها محركات البحث — لأغلب مؤسسات الأخبار، وأمكن لجوجل أن تكون نظريًّا بمثابة رقيبٍ فعليٍّ على الأخبار.
من ثَمَّ لا عجب في أن وكالة الأسوشيتد برِس آثرت التفاوض مع جوجل عوضًا عن مقاضاتها لاستخدامها لموادها الخاضعة لحقوق النشر، وقد زعمت جوجل أنها ليست مضطرة لتعويض منافذ الأخبار على وضع الروابط المؤدية إلى محتوياتها؛ لأن جوجل نيوز هو جامع للأخبار. لكن في النهاية وافَقَتْ جوجل على تعويض وكالة أسوشيتد برِس نظيرَ استخدام قصصها الإخبارية وصورها، بَيْدَ أنها زعمت أن المحتويات الإخبارية لوكالة أسوشيتد برِس ستكون الأساس لمنتج جديد يغدو مكملًا فقط لجوجل نيوز؛ وهكذا ارتأت جوجل أن الصفقة تدعم موقفها الأساسي وهو استخدامها العادل للمحتويات الإخبارية (ماكارثي، ????).
جدول ?-?: أكبر المواقع المتصلة بالصحف الأمريكية مرتَّبة بحسب ظهورها على جوجل نيوز، أبريل عام ???? (المصدر: www.newsknife.com. تاريخ الزيارة: ?? أكتوبر، ????).
?أسوشيتد برِس?نيويورك تايمز?فويس أوف أمريكا?رويترز?سي إن إن?بي بي سي نيوز، المملكة المتحدة
يدعم الجدول ?-? بيانات باترسون ويؤيِّد زعمَه القائل بأن وكالتَيِ الأخبار العالميتين اللتين احتفظَتَا بمكانتيهما كمورد رائد للأخبار لوسائل الإعلام على الإنترنت؛ هما وكالتا رويترز وأسوشيتد برِس. إنْ صحَّ هذا، فقد صار لدينا وكالتا أخبار عالميتان على الإنترنت عوضًا عن خمس وكالات أنباء عالمية/دولية. غير أن الاعتماد المتبادل بين وكالات الأنباء ومحركات البحث بدأ يغيِّر مفاهيم جمهور الخبر، الذي يبدو أنه صار ينظر اليوم إلى مواقع تجميع الأخبار كمصادر للأخبار وليس كجامعة لها (بريك، ????). ومن المثير للاهتمام أن المواقع الإخبارية التابعة لكبرى منظمات الأخبار القومية في الولايات المتحدة حصدت تصنيفًا أعلى بدرجة كبيرة من تلك المنظمات ذاتها؛ على سبيل المثال: أعطى ??? بالكامل من مستخدمي الإنترنت الذين سنح لهم تقييم موقع CNN.com الموقعَ درجةً مرتفعة من حيث المصداقية في مقابل ??? فقط منحوا الدرجة ذاتها لوكالة سي إن إن، أما في حالة شبكة إيه بي سي نيوز، فقد صنَّفَ ??? من مستخدمي الإنترنت موقعَ الشبكة على أنه يتمتَّع بمصداقية كبيرة في مقابل ??? منحوا أصواتهم لمؤسسة إيه بي سي نيوز نفسها.7(?) المدونات

المدونات هي شكل من أشكال الكتابة تنفرد به شبكة الإنترنت، وتعتمد على ما يمكن أن يُعَدَّ السمةَ الرئيسية لها؛ وهي الروابط التَّشعُّبيَّة. كتب ماثيسون (????) أن المدونات تتسم بامتلائها بالروابط التشعُّبية المؤدية إلى مواقع أخرى، وأن مصطلح «مدونة» وإفادات المدونين الأوائل تشير إلى أن هذا النوع من صفحات الإنترنت نشأ كسجلٍّ لأحدث عمليات التصفُّح التي يُجرِيها مستخدم المدونة، وهو سجلٌّ يُتاح لعناية الآخرين، وأبرز صورة لتنسيق مادته على صفحة الإنترنت كانت الترتيب القائم على التسلسل الزمني لا الترتيب الهرمي (ماثيسون، ????). غير أن العديد من المدونات اليوم بالإضافة إلى تمتُّعها بتنسيق رئيسي قائم على التسلسُل الزمني، تتسم بأنها تضمُّ روابطَ في الشرائط الجانبية الخاصة بها ترتِّب محتوياتها ترتيبًا هرميًّا وبحسب موضوعاتها، وهي مهمة منشودة إلى حدٍّ كبير، ويفي بها شكل المدونة والروابط التشعبية بها على نحو جيد، ولا شك أنها كانت مزية بيعية كبيرة لبعض المدونات، بما أن مجموعة المواد نفسها أمكن الوصول إليها واستطلاعها بأكثر من طريقة (موريس، ????).
الأخبار هي الملمح الأهم في التدوين؛ فكشفَتِ استطلاعاتُ رأيٍ أُجرِيت عبر الهاتف عن أن أغلب المدونين في الولايات المتحدة قد انصبَّ اهتمامُهم على وصف تجربتهم الشخصية لجمهور ضئيل من القرَّاء، وكشفت أيضًا عن أن فئةً قليلة منهم يَنصبُّ اهتمامها على تغطية أخبار السياسة والإعلام والحكومة والتقنيات. أغلب المدونين لا يرون أنهم يضطلعون بعمل صحفي، ويزعمون تغطيتهم للعديد من الموضوعات المختلفة، لكن عندما طُلِب منهم اختيارُ الموضوع الرئيس الذي يتناولونه، ذكر ??? منهم أن «حياتهم وتجاربهم» هي الموضوع الرئيس الذي تتناوله مدونتهم. حلَّتِ الموضوعاتُ السياسية والموضوعاتُ التي تتناول الحكومةَ الأمريكية بعدها في المرتبة الثانية بفارق كبير؛ إذ ذكر ??? من المدونين أن شئون الحياة العامة هي الموضوع الرئيس الذي تتناوله مدوناتهم. ثم شكَّلَتِ الموضوعاتُ المتصلة بالمجال الترفيهي نوعَ المدونات الأكثر شعبيةً بعدها، الذي اندرج تحته ?? من المدوِّنين، وتلتها موضوعاتُ الرياضة (?? من المدوِّنين)، فموضوعات الأخبار العامة والأحداث الحالية (?? من المدوِّنين)، فالأعمال (??)، فالتكنولوجيا (??)، فالموضوعات الدينية والروحانية والإيمانية (??)، ثم الهوايات الخاصة أو المشكلات الصحية أو الأمراض (كلٌّ منها اندرج تحته ?? من المدوِّنين). ومن بين الموضوعات الأخرى التي ذُكِرت، الموضوعاتُ التي تتناول الآراءَ وخدمات التطوع والتعليم وفن التصوير والقضايا والهوايات والمنظمات. وتتسم المدونات وفقًا للاستطلاع بطابع فريد شأنها شأن أصحاب المدونات، ويُعنى أغلب كاتبي المدونات بالتعبير عن ذواتهم بصورة مبتكرة، وبتوثيق تجاربهم الخاصة، وتبادل معارفهم العملية أو التواصل مع أصدقائهم وأُسَرهم (لينهارت وفوكس، ????).
كتب ماكينتوش (????) أن العديد من المدوِّنين يرون أن الصحفيين المحترفين يسلكون منهجَ المراوغة؛ من حيث إنهم لا يُعرِبون بوضوح عن آرائهم الشخصية ومعتقداتهم للسماح للقارئ بالتوصُّل إلى قرار حول مدلول الخبر بناءً على ما يكشفون عنه. ووفقًا لدراسة أُجرِيت حديثًا، فإن غالبية المدونات تجمع المعلومات من مكان آخَر، وتضيف فحسب تعليقاتٍ عامةً لها وتُجرِي تحليلًا لها، فيما لا يمكن أن يُوصَف إلا عدد قليل من المدونات بأنه يتيح شهادات من واقع المشاهدة. ومع أن ساحات المدونات يسيطر عليها مواطنون يُعرِبون عن أفكارهم، فإنها في الواقع تعتمد بصورة مكثفة على مواقع إخبارية متخصِّصة، وقصص أخبار يسوقها صحفيون تابعون لمنظمات إعلامية متخصِّصة (ريس وآخَرون، ????). وكشفت دراسة امتدَّتْ لأسبوع أن مصادر القصص الإخبارية على هذه المواقع تميل إلى الاختلاف عنها في الصحافة السائدة، وتبيَّنَ أن المدونات التي يتولَّى تدوينها غير الصحفيين هي التي تتمتَّع بشعبية كبرى؛ إذ تشكِّل ??? من القصص الإخبارية، وتنشأ نسبةٌ قوامها ??? تقريبًا من القصص الإخبارية من مواقع مثل: YouTube وTechnorati، وهي مواقع تقدِّم بدورها محتوًى يُنتِجه المواطنون. في المقابل، تشكِّل مقالات وسائل الإعلام السائدة ??? فقط من المقالات التي تَرِد على هذه المواقع، فيما شكَّلت الأخبار من وكالات الأنباء كوكالة أسوشيتد برِس ورويترز ?? من هذه الأخبار.8 غير أن وسائل الإعلام القديمة أخذت بصورة متزايدة في استخدام أسلوب المدونات لتغيير طبيعتها في نقل الأخبار (كاولينج، ????)؛ كان أول استخدام شهير لهذا الأسلوب في تغطية الأنباء العاجلة في الولايات المتحدة هو تقرير مدونة تشارلوت أوبزرفر عن الإعصار بوني في عام ????، وبحلول منتصف عام ????، أحصى معهد الصحافة الأمريكي أكثر من ??? مدونة ينشرها بالدرجة الأولى صحفيون. قادت الأغلبية الكاسحة من الروابط بين المدونات التابعة لوسائل الإعلام التقليدية بوجهٍ خاصٍّ إلى مواقع أخرى تابعة لوسائل الإعلام السائدة (سينجر، ????)، وشملت نسبة قوامها ??? بالكامل من مواقع المائة صحيفة الكبرى في الولايات المتحدة مدونات صحفيين في مارس عام ????، لترتفع نسبتها بذلك عن نسبة ??? عام ????، وذلك وفقًا لبحثٍ أجرَتْه مجموعةُ بيفينجز جروب. وفي عام ????، آخِر الأعوام التي أُتِيحت بيانات عنها في هذا الصدد، قفزت حركة المرور على مواقع كبرى الصحف إلى صفحات المدونات؛ فتزايَدَ عددُ الزائرين لصفحات المدونات على مواقع الصحف العشر الأكثر شعبيةً وفقًا لبياناتٍ وردت من تصنيفات موقع Nielsen/Net Ratings بنسبة ???? من ديسمبر عام ???? إلى ديسمبر عام ????، ويشكِّل مجموع هؤلاء الزوَّار ??? من حركة المرور إلى هذه المواقع.9جدول ?-?: النسب المئوية للمواقع التي يديرها المواطنون الأمريكيون، والتي تحوي على الأقل رابطًا واحدًا يؤدي إلى أنواع مختلفة من المواقع. (المصدر: تقرير وضع وسائل الإعلام الإخبارية لعام ???? www.stateofthenewsmedia.org/2008/narrative_overview_audience.php?cat=3&media=1. تاريخ الزيارة: ?? أكتوبر، ????).
?مواقع مدوناتمواقع أخبارمواقع شاملةروابط تؤدي إلى مواقع مؤسسات أخبار تقليدية (صحف، تلفاز، وما إلى ذلك)?????????روابط تؤدي إلى مواقع أخبار مُنشَأة من قِبَل مواطنين?????????روابط تؤدي إلى مدونات مُنشَأة من قِبَل مواطنين?????????روابط تؤدي إلى مواقع أخبار تجارية????????روابط تؤدي إلى مواقع مدونات تجارية????????عدد المواقع??????
كما يشير ماثيسون (????)، يكاد نص الخبر أن يكون بديلًا عن الحدث، ويصنع مكانته بادِّعَاء معرفته ? «ما حدث»، ليجعل بذلك الصحف «الحَكَمَ على الأحداث في المجتمع» (زليزر، ????). أما المدونات، فعلى العكس هي مصدر معلومات «لم يخضع لتنقيح، يستبِدُّ بالرأي بلا خجل، ويصدر على نحو متقطع، ويتسم بأنه شخصي» (بالسر، ????). ويوضِّح ماثيسون أن هذا التمييز بين الأخبار والمدونات مهم؛ لأنه يسمح لنا بالتفكير إنْ صحَّ هذا عنهما، وإن كان الخبر «محرَّفًا بصورة أقل» يتيح لنا بدرجة أكبر المشاركةَ في تصوُّر الحدث من «قصة إخبارية منمقة» (ماثيسون، ????).
ثمة آراء متناقضة حول تأثير المدونات على الصحافة؛ فيرى سينجر من ناحيةٍ أن المدونات قد أخذت تغدو مقبولةً، وأنها باتَتْ أداة تقويم للممارسات والأساليب الصحفية التقليدية، ومن جهةٍ أخرى زعم كتَّاب آخَرون أن المدونات تتحدَّى نقلَ الأخبار بصورتها التقليدية (ماثيسون، ????؛ كاولينج، ????)، وذلك عبر الأساليب التالية: (?) إفساح مجال للتفكير الصحفي الذي لا تفسح له الصحافةُ التقليدية المؤسساتية مجالًا كبيرًا.
(?) إتاحة أساليب تغذية راجعة جديدة لوسائل الإعلام الإخبارية السائدة.
(?) تقليص اعتماد وسائل الإعلام السائدة على المصادر الرسمية.
(?) تشكيل علاقات تفاعل جديدة بين مجموعات القراء لا تحدُّها الحدودُ المكانية، وتحدُّها الحدود الزمنية بصورة أقل.
(?) عكس عمليات تنقيح الخبر التقليدية.
(?) إتاحة مساحة أكثر ديمقراطيةً وأكثر إتاحةً للتفاعل.
يُنظَر كثيرًا للتدوين على أنه أداة تمكين لجمهور الأخبار التقليدي بإتاحته لهم القدرة على أن يصبحوا معلِّقين على الأخبار. وكما كتب سينجر، ستُصبِح مسألةُ «مَن يضطلع بدور الصحافي» على الإنترنت أكثر استفزازًا مع تزايُد تقلُّب الأدوار والأساليب والممارسات الصحفية (سينجر، ????)؛ الأمر الذي يشكِّل تحدِّيًا لمهنة العمل الصحفي والتعليم الصحفي. (?) تغيُّر مفهوم الزمان في الخبر

يمكننا أن نصف جميع الأخبار على الإنترنت بأنها تتسم باحتوائها على الروابط التشعُّبية وبتعدُّد الوسائط بها، وبأنها تسمح بالتفاعل (ديوز، ????) أيًّا كانَتِ الفئةُ التي تنتمي إليها. ومن هنا فهي بشتى أنواعها تسهم في تغيير مفاهيمنا عن الزمن، ولأنها ترتبط بعضها ببعضٍ تتبدل أوجه الاختلاف بين الحدث والخبر وجمهور الخبر؛ فالروابط التشعُّبية تغيِّر بنيةَ الخبر. وثمة شبكات علاقات قائمة ليس بين الخدمات الإخبارية بعضها وبعض فحسب، بل بداخل الأخبار نفسها؛ فعلى حد تعبير بولتر فيما يتعلَّق بأوجه الاختلاف بين الكتابة التقليدية والكتابة على الكمبيوتر: «إنْ كانت التراكيب الأفقية والهرمية تسيطران على الكتابة الحالية، فأجهزة الكمبيوتر تضيف اليوم بُعْدًا تركيبيًّا ثالثًا، وهو شبكات المعلومات كهيكل تنظيمي واضح ومؤثِّر.» يقرُّ بولتر بأنه حتى شبكات العلاقات التي تنطوي عليها الكتابة التقليدية هي عامل تنظيمي خفي أشبه «بالقراءة بين السطور» (بولتر، ????). وقد انتهجَتْ مصادر الأخبار التقليدية هياكلَ تنظيمية مماثِلة تنظِّم أخبارَها — كما يتَّضح من الفصل الخامس — كانت أكثر وضوحًا كجنس أدبي (مثل: أين، متى، مَن، ماذا)، غير أن الروابط التشعبية على الإنترنت تضيف بُعْدًا بنائيًّا ثالثًا متعدِّد الأزمنة والأمكنة.
يرى بولتر أن الزمن هو وقود الكمبيوتر بقدر ما يُعَدُّ الفحمُ وقودَ المحرك البخاري؛ فهو يرى (????) أن الكمبيوتر هو التقنية التي ستشكِّل عصرنا، كما كانت الساعات والمحركات البخارية التقنية التي شكَّلت أوروبا الغربية في القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر (لي وليبناو، ????). يكمن وجه الاختلاف بين الساعات وأجهزة الكمبيوتر في أن «الساعات العادية لا تنتج إلا سلسلة من الثواني والدقائق والساعات المتطابقة، أما الكمبيوتر فهو يحوِّل الثانيةَ أو الميكروثانية أو النانوثانية إلى معلومة» (بولتر، ????)؛ ومن ثَمَّ لم يَعُدِ الزمانُ نقطةً مرجعية ثابتة منفصلة بمعزل عن الحدث، بل صار الزمان «معلومةً» يترجمها المعالج المركزي للكمبيوتر مباشَرةً إلى البرامج (بولتر، ????).
ندخل مع الكمبيوتر عصرَ «الأزمنة المتعدِّدة» (تيركل، ????). وكما كتب ريفكين (????): لكل برنامج متتاليات وفترات استمرار وإيقاعات وزمن خاص به، ومع أن الساعة أسَّست لمفهوم الفترات الزمنية الاصطناعية كالساعات والدقائق والثواني، فإنها ظلَّتْ مرتهنةً بالإيقاع البيولوجي؛ فهي نظير لليوم الشمسي، وشاهد على أننا نشعر بتعاقُب الوقت في دائرة تحاكي دوران الأرض. في المقابل، الزمان من منظور الكمبيوتر ليس مرتهنًا بالطبيعة، فهو يخلق سياقًا خاصًّا به؛ هو ساعة رقمية تعرِض الأرقامَ في الفراغ، وزمانها غير مرتهن بنقطة مرجعية لإيقاع بيولوجي. الزمان من منظور الكمبيوتر هو زمان حسابي مجرد يسعى إلى فصلنا من تلابيب العالم الطبيعي ومتواليته.
يرى ساندبوذي (????) أن أساليبنا الزمانية والمكانية في إعمار العالم ليست أدواتٍ جامدةً واحدة لا علاقة لها بالتاريخ. ويُقال إن الزمان الخطي المتسلسل (الذي يسير في خط مستقيم) هو سمة تقليدية للثقافات التي تعتنق الزمن الأحادي، فيما أن الزمان غير الخطي (المتعدِّد الطبقات) هو سمة تقليدية للثقافات التي تعتنق الزمان المتعدد. في إطار الزمن الأحادي، تُنجَز مهمة واحدة على حدة، بينما في إطار الزمن المتعدد، تُنجَز مهام عديدة في آنٍ واحد (لي ووايتلي، ????). ويرى مامفورد (????) أن الساعة لا المحرك البخاري هي الاختراع الرئيس في العصر الصناعي الحديث الذي فُصِل به فصلًا واضحًا بين وقت العمل ووقت الرفاهية، كالعمل على سبيل المثال خمسة أو ستة أيام أسبوعيًّا من التاسعة صباحًا إلى الخامسة مساءً، ليغدو سائر الوقت وقتًا شخصيًّا (لي وليبناو، ????). ضُبِطت الساعات في هذا العصر على توقيت جمعي، حتى عندما غَدَا بعضها ساعات تُرتدَى. كان التوقيت الجمعي هو أحد نواتج العصر الصناعي مقارنةً بالعصر الزراعي. الأخبار شأنها شأن الساعات تُستهلَك استهلاكًا عامًّا وخاصًّا؛ ففي العصور الوسطى، تَغنَّى مُنشِدو الأخبار بها لجمهورهم في الشوارع، وقُرِئت أولى الصحف جهارًا على الجماعات الصغيرة في الساحات المفتوحة وفي المقاهي. ثم أصبحت قراءة الأخبار تدريجيًّا ذات طابع خصوصي أكثر، فصارت تُقرَأ في كثير من الأحيان على موائد الإفطار قبل أن يتوجَّه قرَّاؤها إلى العمل، وتكرَّرت نشرات أخبار الراديو على مدار ساعة، وأدَّت مهمة الساعات على أبراج الكنائس وأعلَمَتْ جمهورَها بالتوقيت إلى جانب أحدث الأخبار، ثم صارت فيما بعدُ نشرةُ أخبار التاسعة بالتلفاز مؤشرًا على الساعة بكلِّ مكان حوى تلفازًا، وتجمَّعت الأُسَر لمشاهدتها. وحتى عندما استُهلِكت الأخبار بمعزل عن الآخرين في المنازل، تمتَّعَتْ بجمهور ضخم قرأ الأخبار ذاتها وسمعها وشاهدها في الوقت نفسه. ومع أن الأخبار دارت حول حدث، فقد صارت بحد ذاتها حدثًا؛ إذ حدَّدت المؤسسات الإعلامية موعدَ نشرها، ومع أنه سُنح للأفراد اختيار توقيت معرفة الأخبار، فإنه لم تسنح الأخبار طوال الوقت، وإنما أصبحت دوريةً يُرتقَب صدورها، وأشارت إلى التوقيت كما أشارت الساعات إليه.
أشار العديد من الكتَّاب إلى أن الإنترنت ولَّد مفهومًا جديدًا للزمان لا يُنظر وفقه إلى الزمان على أنه يسلك مسلكًا خطيًّا متسلسِلًا، فكتب ساندبوذي (????) أنْ ليس هناك وجودٌ في مناطق الالتقاء التي لا حصرَ لها على شبكة الإنترنت لزمان موحَّد يُعَدُّ بطريقة أو بأخرى زمانًا طبيعيًّا، ويمكن في إطاره لشركاء عمليات التواصُل أن يفترضوا جدلًا أنه بديهي. إن الزمان على الإنترنت لم يَعُدْ زمانًا خطيًّا متسلسلًا متناغِمَ التركيب كما كان في عهد السكك الحديدية وبرقيات التلغراف، بل يوجد كزمان متعدِّد الطبقات (هونجلادروم، ????). يسوق هونجلادروم مثالًا على ذلك أجهزةَ الكمبيوتر التي تأتي مزوَّدةً بواسطة اتصال عبر الإنترنت بأحد الخوادم التي تستخدم بروتوكول توقيت الشبكة، والتي تخبر العميل بالتوقيت الزمني وفقًا للمنطقة الزمنية التي يحدِّدها المستخدم. لا تُضبَط ساعاتُ تلك الكمبيوترات بحيث تشير لأي منطقة محلية، بل تُضبَط عبر شبكة الإنترنت بالاتصال بخادم بروتوكول توقيت شبكة في نقطة نائية جدًّا (هونجلادروم، ????).
يشير نيجرابونتي (????) إلى أن الكمبيوتر — ولا سيما البريد الإلكتروني — قد غيَّرَ إمكانيةَ وصول الأخبار إلى الأفراد؛ فأفقدَتْ شبكاتُ الأخبار التليفزيونية التي تعمل على مدار أربع وعشرين ساعة نشراتِ الأخبار في التاسعة أهميتَها؛ الأمر الذي تزايد مع ظهور الإنترنت المتاح بكل مكان وفي جميع الأوقات أيًّا كانت المنطقة الزمنية لجمهور الخبر؛ فالإنترنت بتعبير لي وليبناو (????) يعمل دائمًا، ويتيح تدفق الأخبار على الدوام.
يختلف توقيت عرض الأخبار على الإنترنت عنه في سواه؛ لأن الأيام والساعات لم تَعُدْ تشير إليها الأخبار كما أشارت إليها من قبلُ على الراديو وأجهزة التلفاز. صارت الأخبار متاحة على الدوام على الإنترنت ويمكن للمستخدم أن يبدأ في قراءتها في أي وقت، وبتعبير إحدى الشابات: «يشبه انتظارُ نشرة الأخبار المسائية على التلفاز العودةَ إلى عصور الظلام، فالأخبار صارت تحيط بنا اليوم» (هارجريفز وتوماس، ????).
لم يَعُدْ هناك زمانٌ للأخبار لأنها صارت متاحةً في جميع الأوقات؛ ومن ثَمَّ فقدت قيمتَها الماضية التي اعتمدت على ندرتها، وحتى لو كان الخبرُ هو التقريرَ الأول من نوعه عن حدثٍ ما، فإن تقارير أخرى تعقبه مباشَرةً؛ وكنتيجة لذلك باتَتِ الأخبارُ تَرِدُ في الوقت نفسه في كل مكان وفي اللامكان، وبتعبير أحد الشباب: «الأخبار هي التي تجدنا ولسنا مَن نجدها» (هارجريفز وتوماس، ????).
طبيعة الأخبار بوصفها مليئةً بالروابط التشعبية تجعل زمانها متعدِّد الطبقات؛ إذ يتصل الخبر بالعديد من الأخبار الأخرى إلى حدِّ أن توقيته لا يكفُّ عن التغيُّر مع تحديثه؛ وهذا النوع من الأخبار له توقيته الخاص بصرف النظر عن المنطقة الزمنية التي نبع بها أو يُستهلَك بها. ومع أن الأخبار ما زالت تُؤرَّخ وتُؤقَّت، فإن توقيتها لا يتوقف عن التغيير مع تحديثها، ولا يثبت أبدًا كما كان يثبت عندما أُتِيحت الأخبارُ المطبوعة لأول مرة؛ أمكن لقارئ الأخبار المطبوعة دومًا تمييز الاختلاف بين موعد إرسال الخبر وموعد قراءته له، أما في حال الأخبار على الإنترنت، فتوقيت إرسال الخبر واستقباله لا ينفكان عن التغيير في وقتٍ واحدٍ، وليس هناك توقيت محدَّد لهما. وبعكس نشرات الأخبار التي لا يتجلَّى بها الزمان في الخبر نفسه، يضيف الإنترنت توقيته الخاص إلى الشاشة نفسها التي يُعرَض عليها الخبر.
تغيِّر الروابط التشعبية كذلك العلاقةَ بين الحدث والخبر؛ فبوجود الكمبيوتر يتقلَّص زمنُ إرسال الخبر الواقع بين الحدث وصدور خبره. وفي كثير من الأحيان يقع الحدث ويصدر الخبر عنه في وقت واحد، غير أن ثمة مجالًا أشمل ينطبق عليه هذا. بعبارة أخرى، يختفي وجهُ الاختلاف بين الخبر والحدث عندما يغدو الخبر حدثًا ويغدو الحدث خبرًا؛ فالروابط التشعبية في الخبر تصل باستمرار بين مواقع الأخبار والأحداث المختلفة ليغدو في نهاية المطاف من الصعب تمييز الحدث وتمييز الخبر.
في ظلِّ وجود الإنترنت، باتَتِ الأخبار متاحةً في جميع الأوقات، ولم يَعُدِ الأفراد بحاجةٍ لانتظار الأخبار؛ لأنها بكل مكان، حتى مع التنقل. ولم تَعُدِ الأخبار مؤشرًا على الوقت؛ لأنها تتدفق باستمرار. ولم تَعُدْ للزمان أهمية بالخبر كما كانت له من قبلُ؛ فجميع القصص تُعرَض وقت حدوثها نفسه تقريبًا، ولم تَعُدْ هناك حاجة لبناء العلاقة بين مصدر الخبر والحدث والزمن في إطارٍ متتابع متسلسل؛ فالأخبار تتصل بأخبار أخرى وهذه الشبكة من الأخبار تُحدِّث ذاتها باستمرار دون الحاجة إلى تحديد مصدرها.
(?) الغد

لا يمكن في الحقيقة تعريف الأخبار إلا بأنها معلومات جديدة مثيرة لاهتمام الآخَرين، لكن في عصرنا الحالي، يمتلك الأفراد العديدَ من الطرق للتزوُّد بالمعلومات (هارجريفز، ????).
وهنا تطرأ مشكلتان؛ أولًا: الأخبار موجودة في كل مكان، ولأنها كذلك فقد فقدَتْ جزءًا من قيمتها السابقة. فليس هناك مَن يرغب في دفع الأموال لقاء خدمة أخبار عامة، غير أن الجميع يريد التمتُّع بهذه الخدمة. ثانيًا: صار التقسيم التقليدي لباعة الأخبار بين باعة بالجملة وباعة بالتجزئة — حيث اضطلعت وكالات الأنباء ببيع الأخبار بالجملة لوسائل الإعلام — عتيقَ الطراز؛ لأن الكل تقريبًا صار ينتج الأخبار ويستهلكها؛ ومن ثَمَّ أصبح من الصعب تعريف الأخبار، إذ قد تأخذ أيَّ شكل؛ من القصص الإخبارية إلى القصص الجديدة إلى المعلومات إلى التعليقات، أو قد تأخذ كل هذه الأشكال معًا في آنٍ واحد.
أثَّرَ ما نعدُّه خبرًا في الدارسين ومراسلي الأخبار وجماهير الأخبار على حدٍّ سواء، ومع أن مفهومنا عن الخبر يعود إلى القرن التاسع عشر، فقد يحسب الجميع أنه يعرف ما هو الخبر؛ ومن هنا فلا عجب أن وسائل الإعلام بكل مكان تسأل جماهيرها أن تزوِّدَها بالأخبار أو تبيعها لها، وتتوقَّع من وراء ذلك أن جماهير الأخبار صارت تعي ماهية الأخبار ويمكنها «العثور عليها». لكن لو أصبح جمهور الأخبار جامعًا للأخبار، فماذا يكون موقف الصحفي من ذلك؟ فيما مضى، كان الصحفيون وحدهم هم المدرَّبين، ومن ثَمَّ المؤهَّلين «للعثور» على الأخبار «الموضوعية» و«تنقيحها»، لكن ماذا يكون دورهم الجديد في ظلِّ هذا الوضع الجديد الذي يطلبون في ظله من جماهير الخبر أن يزوِّدوهم بالأخبار؟ صار الجميع في يومنا هذا مُلِمِّين بحقل الأخبار إلى حدِّ أن الصحفيين المتخصصين — وفق تعريفنا لهم منذ القرن التاسع عشر — يفتحون الأبواب للجميع للانضمام إلى صفوفهم. لكن كما يشير لاوري (????)، يندر جمع الأخبار في أوساط المدوِّنين، فيما كان عملًا روتينيًّا بين الصحفيين، وفوق ذلك لا يهتم أي نمط من أنماط الأخبار على الإنترنت بجمع الأخبار بالدرجة الأولى، فكلُّ هذه الأنماط تعتمد ببساطة على جامعي الأخبار التقليديين.
نحتاج إلى التفكير بجدية في الكيفية التي نعرِّف بها الأخبار؛ فإنْ لم يَعُدْ تعريفها يتمثَّل في مفهومنا الذي يعود إلى القرن التاسع عشر عن حداثة الخبر وموضوعيته، فماذا يكون تعريفها؟ إن كانت على سبيل المثال أوجه الاختلاف بين الخبر والتعليق عليه تختفي كما يحدث على المدونات، فأين يكون الخبر الذي يعتمد على «الحقائق» من ذلك؟ وهل ثمة دور جديد يضطلع به المعلِّق على الخبر الذي يثقِّفنا بالأخبار؟ أم أننا نعتمد جميعًا على الأخبار أيًّا كان مصدرها ونشكِّل عنها آراءنا؟
تقنيات الاتصال ووسائل الإعلام الجديدة تجعل الاحتمالات أوسع نطاقًا، ويتوقَّف على الكل — أفرادًا وجماعات — الوصولُ إلى هذه التقنيات إنْ لم تكن متاحةً. لعل هذا هو الصراع الذي سيشهده عصر المعلومات؛ إذ لم يَعُدِ الصراعُ يتعلَّق بالاستيلاء على وسائل إنتاج الأخبار كما كان في العصر الصناعي، بل صار يتعلَّق بالاستحواذ على أدوات تقنيات الاتصالات والإعلام. لكن ما هو المحتوى الأهم: المعلومات أم الأخبار؟
أرى أنه قد بدأت تطرأ هنا أربعة تطورات على الأقل؛ أولًا: بدأت أوجه الاختلاف بين الحدث والخبر تختفي. ثانيًا: بدأت أوجه الاختلاف بين المعلومات والأخبار تختفي. ثالثًا: بدأت أوجه الاختلاف بين الخبر والتعليق عليه تختفي. رابعًا: بدأت أوجه الاختلاف بين الأخبار والمواد الترفيهية تختفي؛ وكل هذا يغيِّر طبيعةَ الأخبار التي نعرفها.
لم يَعُدْ من المستغرب أن تغدو الأحداثُ في الخبر بصورة متزايدة مسبقةَ الإعداد، ولا سيما الأحداث العامة؛ فعلى سبيل المثال: وظَّفت حكومةُ حزب العمال في المملكة المتحدة «خبراءَ علاقات عامة» لإبلاغ الصحفيين بما تعدُّه مهمًّا وتوجيههم له، وفوق ذلك — وفقًا للتقديرات — وظَّفت مصلحة الاتصالات والمعلومات الحكومية البريطانية عام ???? قرابة ???? مسئول إعلامي، وعيَّنت طاقمًا مساعدًا لهم، ورصدت لهم ميزانيةً تناهز مئات ملايين الجنيهات الاسترلينية (ميلر ودينان، ????). وقد تزايَدَ عددُ هؤلاء في عام ???? إلى ???? مسئولًا صحفيًّا ومسئولَ علاقات عامة في الوزارات الرئيسة على مستوى الحكومة البريطانية، وأُضِيف إليهم ???? موظَّفًا للعمل في المنظمات غير الحكومية والوكالات التي يموِّلها دافعو الضرائب؛ ونتيجةٍ لذلك، يغدو بمقدورنا هنا التحدُّث عن سلطة خامسة، أو مجموعة محترفة جديدة من اختصاصيِّي العلاقات العامة الذين يعرفون كيف يصنعون الخبر (بيري، ????)، وقد عمل كثير منهم صحفيين؛ ومن ثَمَّ يتمتَّعون بخبرة «في العمل في كلا الجانبين»؛ لذا فإن أغلب أحداث الأخبار السياسية «تُعَدُّ خبرًا» قبل أن تغدو حتى خبرًا. ويتناول الصحفيون في كثير من الأحيان موادَّ مُعَدَّة مسبقًا صِيغت بالفعل من قبلُ كخبر في صورة يسيرة الاستخدام.
ثانيًا: بسبب تناقُص أوجه الاختلاف بين الحدث والخبر وظهور صحافة المواطن، تزايَدَت صعوبةُ الفصل بين الخبر والمعلومة؛ مما يضطر باعة الأخبار الراغبين في جَنْيِ الأرباح منها إلى التأكيد على أن المنتج الذي يبيعونه هو خبر وليس معلومة؛ فإنْ صُنِّف كمعلومة، فيجب أن تكون معلومةً حصريةً تتسم بالموثوقية، تصدر في اللحظة المناسبة ولا تتاح مجانًا في مكان آخَر؛ ومن هنا تزايَدَت صعوبةُ جَنْيِ الأرباح من الخدمات الإخبارية العامة لأن معلوماتها/أخبارها متاحة بكل مكان في كل الأوقات. لكن حتى وسائل الإعلام «القديمة» كالصحف رفعت إنتاجها من الأخبار، وتُمنَح الأخبارُ في العديد من المدن الكبرى اليوم لكل من يتجشم عناءَ الْتقاط صحيفة مجانية في طريقه إلى العمل أو في العودة منه، وهذا مثال على التضخُّم في إنتاج الأخبار.
أحد حلول هذه المشكلة هو عرض أخبار بحسب الطلب تكون فريدة من نوعها، كالأخبار المالية على سبيل المثال، أو قد تُوجَّه إلى مجموعة خاصة من الأفراد كالأقليات اللغوية. لكن تتصل المشكلة في هذا السيناريو بعموم الأفراد وحقهم في المعرفة؛ ومن هنا فلسنا بالضرورة بمنأًى عن العصر الذي يملك فيه أصحابُ السطوة التمتُّعَ بخدمة إخبارية خاصة بهم، فيما يعتمد العامةُ على صورة حديثة من «القصص الجديدة» التي تعود إلى العصور الوسطى.
الاختلاف الثالث الذي بدأ يضمر هو الاختلاف بين الأخبار والتعليق عليها. لم تتسم الأخبارُ يومًا ? «الموضوعية» التامة، لكنها اتسمت بالدرجة الأولى بالواقعية. أما صحافة المواطن — ولا سيما المدونات — فتمزج بصورة متزايدة بين الأخبار والتعليق عليها، ولا تزعم الحيادية، بل على العكس تقرُّ صراحةً بانحيازِ آرائها. ولا شك أنها في ذلك تقف على طرف النقيض من أغلب وسائل الإعلام الإخبارية التي تزعم «موضوعيتها» و«حياديتها»، حتى إنْ لم تكن كذلك. ومع فيضان المعلومات/الأخبار، تنشأ الحاجة إلى تعليقٍ واعٍ ومدروسٍ عليها.
الاختلاف الرابع الذي بدأ يُطمَس هو الاختلاف الكائن بين الأخبار والمواد الترفيهية، وهذا لا يعني أن الأخبار اليوم صارت تغطِّي بصورة متزايدة الموضوعات الإخبارية التافهة فحسب، بل يؤثِّر هذا أيضًا في طريقة عرضها؛ ومن هنا صار مقدِّمو الأخبار اليوم يسعَون إلى الظهور بمظهر غير رسمي، وإلى تجاذُب أطراف الحديث حول الأخبار. في الواقع، أعلنَتْ شركة ياهو مؤخَّرًا أنها ستوظِّف منشدًا للأخبار، وفي هذا الصدد صرَّح متحدِّث الشركة: «سيولِّد هذا المشروعُ سبقًا صحفيًّا إخباريًّا من نوع جديد تمامًا، فتابعونا. كلُّ ما يمكنني قوله هو أن هذا المراسِل سيترككم تتراقصون طربًا» (والينشتاين، ????).
من ثَمَّ فإن استهلاك الأخبار جرى تسهيله قدر المستطاع؛ فيمكننا الوصول إلى الأخبار على متن الحافلات، وفي المحطات، وفي مقاهي الإنترنت. أضحتِ الأخبار معتادةً إلى حدٍّ كبير، ولم يَعُدِ الاختلاف بينها وبين الأجناس الأدبية الأخرى واضحًا على الدوام؛ فعندما تناوَلَتِ الأخبارُ الموضوعاتِ غيرَ الجادة، الْتبسَتِ الفواصلُ بين الأخبار والمواد الترفيهية.
(?) الأمس كان اليوم

سوف أُنهِي كتابي بثلاثة أمثلة:
المثال الأول

بين عامَيْ ???? و????، عرض الباعة المتجولون والمشعوذون وتجارُ القصائد الغنائية القصصَ الجديدة في أزِقَّة الشوارع بجوار مدرِّبي الدِّبَبَة والبهلوانات والمهرجين والممثلين الكوميديين والدجَّالين (بيرك، ????). لم تكن قصصهم بالضرورة جديدةً، ولم تَبْدُ مثلَ ما نعرفه اليوم كخبر، لكنها ضمَّتْ عناصر صارت فيما بعدُ تُعَدُّ سماتٍ مميزةً لجنس الأخبار الأدبي، ولم يُرَ أن ثمة اختلافًا كبيرًا يفصل بين القصص والأخبار وبين الحقيقة والخيال. كانت الخطابات الشخصية تُعَدُّ قصصًا جديدةً، ويجري تبادُلها بوصفها كذلك مع الآخرين، وجرى تبادُلُ القصص الجديدة داخل المدن التي كانت شبكاتُ التواصُل بين بعضها مهمةً لمكانتها.
المثال الثاني

قبل مائة وأربعين عامًا، الْتقَى كلٌّ من ميسرز هافاس ووولف ورويتر في باريس في ?? من يوليو عام ???? لمناقشة نشاطهم التجاري الجديد، أَلَا وهو بيع الأخبار المنقولة إلكترونيًّا. كان ثلاثتهم قد أسَّسوا وكالات تلغراف حملت أسماءهم، وهنا تحالفوا لتوقيع أول عقد انتفاع حصري بالأخبار بينهم، قسَّمَ بينهم السوقَ العالمية للأخبار المنقولة إلكترونيًّا. وبعد قرابة تسعين عامًا، في ?? من فبراير عام ????، الْتَقى السير رودريك جونز من وكالة أخبار رويترز بالسيد كينت كوبر من وكالة أسوشيتد برِس، وعندما أخبر الأخيرُ الأولَ بأن وكالة أسوشيتد برِس ترفض توقيعَ عقد مع وكالة رويترز، قال السير رودريك: «سيد كوبر، أحتاج إلى عقد؛ سأوقِّع على أي عقد تصوغه!» وفي نهاية المطاف، وقَّعَا عقدًا يضع نهايةً لتبادُل الأخبار الحصري الذي قام في عام ????.10المثال الثالث

تطوَّرت مدونات ما بعد الحداثة بحيث تجاوزت كونها مذكراتٍ تكتب على الإنترنت يدير بها الأشخاصُ حسابًا (أو مدوَّنة) عن حياتهم الشخصية. وكما كانت الحال مع القصص الجديدة في العصور الوسطى، «أنشَدَ» المدوِّنون في العصر الحديث قصصَهم إلى جانب مؤدِّين آخَرين، لا عند زوايا الشوارع، بل على الشبكة العنكبوتية العالمية، ولم تَعُدْ هناك حاجةٌ لأن «يسافر» شيءٌ بعد الآن، لا الأخبار، ولا الصحفيون، ولا الأفراد؛ فكل هؤلاء يلتقون في ظلِّ العالم الافتراضي بالشبكة العنكبوتية العالمية؛ كما انتهى عهد الأخبار «الخالصة»، فكلُّ مَن يملك الوصول للتقنيات الحديثة يمكنه اليوم أن يصبح مراسِلًا إخباريًّا أو معلِّقًا صحفيًّا.
ما الذي حدث فيما بين المثال الأول والمثال الأخير؟ في المثال الأول، لدينا تجار للأخبار، يبيعون الأغاني التي ينشدونها عند زوايا الشوارع في مدنهم، وينشدونها لجمهور ضئيل العدد. أما في المثال الثاني، فنرى أولى شركات الأخبار العالمية الناشئة تبيع أخبارَها لوسائل الإعلام وتؤسِّس لأسواقها الحصرية؛ مما نتج عنه جمهور أخبار يتزايد بسرعة كبيرة، ويصل عدده إلى ملايين الأفراد حول العالم، قرءوا الأخبار في البداية بالصحف، ثم صاروا يستمعون لها على أجهزة الراديو، ثم صاروا يشاهدونها على التلفاز في منازلهم بالدرجة الأولى وأثناء السفر، وسنح لهم حمل الصحف أو جهاز الراديو معهم في طريقهم إلى العمل أو اللهو. أما في المثال الثالث، فبتعبير مدير محطة بي بي سي للأخبار العالمية: «لم تَعُدْ مؤسساتُ الأخبار تمتلك الأخبارَ» (سامبروك، ????)؛ إذ لم يَعُدْ جمهور الخبر يقرأ الصحفَ نفسها بالوقت نفسه، ويصغي للنشرات الإخبارية نفسها، أو يشاهد أخبار التلفاز نفسها، بل صار يسافر في أركان العالم الافتراضي إلى نقطةٍ ما على شبكة الإنترنت، ويقرأ أو يشاهد الأخبارَ متى ارتأى الوقت مناسبًا لذلك، وانقسمت جماهير الأخبار الضخمة إلى أفراد يقفون على طرق سريعة في العالم الافتراضي، ليس مع مجموعة من الأفراد هذه المرة، بل وحدهم، وهم جاهزون للمضي.
سعيتُ للبرهنة على مرِّ كتابي أننا لسنا في حاجةٍ إلى دراسة حركة تحديث الأخبار فحسب، بل في حاجة لتقصِّي تطوُّرها التاريخي أيضًا من وسائل الإعلام والاتصالات رجوعًا إلى عهد العصور الوسطى. وبالأخذ في الاعتبار تطوُّر الأخبار على مرِّ التاريخ، بدءًا من باعة الأخبار الجائلين في العصور الوسطى، وصولًا إلى المدوِّنين في عهد عصر المعلومات؛ يمكن القول بأننا نشهد اليوم نهايةَ الأخبار «الحديثة» بمفهومنا لها في القرن التاسع عشر. وفي ظلِّ التغيُّرات المتعدِّدة التي يشهدها هذا الموقف، يجب أن نولي تفكيرًا جادًّا لما يشكِّل الخبر؛ فالكل يحسب أنه يعي ماهيةَ الأخبار، لكن في حقيقة الأمر، لا يمكن لأحدٍ تعريفُ مفهوم الأخبار في القرن الحادي والعشرين؛ إذ أخذت الحدود الفاصلة تلتبس من جديد، وقد تغدو الأخبار من جديد مجردَ قصص جديدة.
هوامش

(1) www.bbc.co.uk/commissioning/marketresearch/audiencegroup5.shtml, accessed October 27, 2008.(2) www.turismocastillayleon.com/cm/turcyl/tkContent?pgseed=1186761552562&idContent=8650&locale=es_ES&textOnly=false, accessed October 27, 2008.(3) www.bbc.co.uk/commissioning/marketresearch/audiencegroup2.shtml, accessed October 27, 2008.(4) News Audiences Increasingly Politicized. Online News Audience Larger, More Diverse (2004). The Pew Research Center for The People and The Press Report. Available at http://people-press.org/reports/display.php3?PageID=833, accessed May 22, 2008.(5) Internet news audience highly critical of news organizations. views of press values and performance: 1985–2007 (2007). The Pew Research Center for The People and The Press Report. Available at http://people-press.org/reports/display. php3?ReportID=348, accessed May 22, 2008.(6) http://news.google.co.uk/nwshp?hl=en&ned=uk, accessed October 27, 2008.(7) http://people-press.org/reports/display.php3?ReportID=36, accessed October 27, 2008.(8) www.stateofthenewsmedia.org/2008/narrative_online_citizen_media.php?cat=6&media=5, accessed October 27, 2008.(9) Ibid.(10) A letter from W. Turner to Mr Moloney on May 23, 1935. Sir Roderick Jones papers, Section 2, Box file 2. Reuters’ archive. ثبت المراجع


Anderson, B. (1991) Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. Verso, London.
Appadurai, A. (1990) Disjuncture and difference in the global cultural economy. Public Culture 2(3), 1–23.
Archer, G. L. (1938) The History of Radio to 1926. The American Historical Society, New York.
Augé, M. (1995) Non-Places: Introduction to an Anthropology of Supermodernity. Verso, London.
Baldasty, G. J. (1992) The Commercialization of News in the 19th Century. University of Wisconsin Press, Madison.
Barker, H. (2000) Newspapers, Politics and English Society. Longman, Edinburgh.
Basse, D. (1991) Wolff’s Telegaphisches Bureau 1849 bis 1933. Agenturpublizistik zwischen Politik und Wirtschaft. Kommunikation und Politik 21. K. G. Saur, Munich.
Bauman, Z. (2000) Liquid Modernity. Polity, Cambridge.
BBC Commissioning (2006) Available online at www.bbc.co.uk/commissioning/marketresearch/audiencegroup5.shtml. Accessed October 27, 2008.
Beale, P. O. (2005) England’s Mail. Two Millennia of Letter Writing. Tempus Publishing, Stroud.
Beck, U. (2000) What is Globalization? Polity Press, Cambridge.
Beck, U. (2002) The cosmopolitan society and its enemies. Theory, Culture and Society 20(19), 17–44.
Bell, A. (1991) The Language of News Media. Blackwell, Oxford.
Benét, V. (1933) The United Press. Fortune, May, 67–104.
Best, S. J., Chmielewski, B., and Krueger, B. S. (2005) Selective exposure to online foreign news during the conflict with Iraq. Harvard International Journal of Press/Politics 10(4), 52–70.
Beynon, J. and Dunkerley, D. (eds) (2000) Globalization. The Reader. The Athlone Press, London.
Billig, M. (1995) Banal Nationalism. Sage, London.
Black, J. (2001) The English Press 1621–1861. Sutton Publishing, Stroud.
Blanchard, M. A. (1987) The Associated Press antitrust suit: a philosophical clash over ownership of First Amendment rights. Business History Review 61(1): 43–85.
Blondheim, M. (1994) News Over the Wires: The Telegraph and the Flow of Public Information in America, 1844–1897. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Boczkowski, P. (2004) Digitizing the News. Innovation in Online Newspapers. MIT Press, Cambridge, MA.
Bolter, J. D. (1984) Turing’s Man. University of North Carolina Press, Chapel Hill.
Bolter, J. D. (1991) Writing Space. The Computer, Hypertext, and the History of Writing. Lawrence Erlbaum Associates, Hillsdale, NJ.
Boyd-Barrett, O. (1980) The International News Agencies. Constable. London.
Boyd-Barrett, O. (1986) News agencies. Political constraints and market opportunities: the case of the “Big Four.” In: Kivikuru, U. and Varis, T. (eds) Textbook on Approaches to International Communication: Textbook for Journalism Education. Finnish National Commission for UNESCO, No 68, Helsinki, 67–93.
Boyd-Barrett, O. (1998) “Global” news agencies: Trends and issues over 150 years. In Boyd-Barrett, O. and Rantanen, T. (eds) The Globalization of News. Sage, London, 19–34.
Boyd-Barrett, O. (2000) Constructing the global, constructing the local. In: Malek, A. and Kavoori, A. P. (eds) The Global Dynamics of News. Ablex, Stamford, CT, 299–321.
Brake, D. (2008) A private interview on the Internet. London, May 20.
Braudel, F. (1979/1984) The Perspective of the World [Le temps du monde], trans. Siân Reynolds. Collins, London.
Briggs, A. and Burke, P. (2005) A Social History of the Media: from Gutenberg to the Internet. 2nd edn, Polity Press, Cambridge.
Brown, L. (1985) Victorian News and Newspapers. Clarendon Press, Oxford.
Bücher, K. (1908) Die Entstehung der Volkswirtschaft. H. Laupp, Tübingen.
Bücher, K. (1915) Unsere Sache und die Tagespresse. J. C. B. Mohr (P. Siebeck), Tübingen.
Burke, P. (1994) Popular Culture in Early Modern Europe. Revised reprint. Scolar Press, Aldershot.
Carey, J. W. (1989) Communication as Culture. Essays on Media and Society. Unwin Hyman, Boston, MA.
Carey, J. W. (1998) The Internet and the end of the national communication system: uncertain predictions of an uncertain future. Journalism and Mass Communication Quarterly 75(1), 28–34.
Carlson, M. (2007) Order versus access: news search engines and the challenge to traditional journalistic roles. Media, Culture and Society 29(6), 1014–1030.
Castells, M. (1989) The Informational City. Information Technology, Economic Restructuring, and the Urban-Regional Process. Blackwell, Oxford.
Castells, M. (1996) The Rise of the Network Society. Blackwell, Oxford.
Certeau de, M. (1984) The Practice of Everyday Life. University of California Press, Berkeley.
Chalaby, J. K. (1996) Journalism as an Anglo-American invention. European Journal of Communication 11(3), 303–326.
Chalaby, J. K. (1998) The Invention of Journalism. Macmillan Press, Basingstoke.
Chalaby, J. K. (2005) From internationalization to transnationalization. Global Media and Communication 1(1), 28–32.
Cherry, C. (1977) The telephone system: creator of mobility and social change. In: De Sola Pool, I. (ed.) The Social Impact of the Telephone. MIT Press, Cambridge, MA, 112–127.
Chyi, H. I. and Sylvie, G. (2001) The medium is global, the content is not: the role of geography in online newspaper markets. Journal of Media Economics 14(4), 231–248.
Clanchy, M. T. (1979/1994) From Memory to Written Record. England 1066–1307. Blackwell, Oxford.
Cooper, K. (1942) Barriers Down. The Story of the News Agency Epoch. J. J. Little and Ives Company, New York.
Cowling, J. (2005) Digital news: genie’s lamp or Pandora’s box? Paper given at IPPR Seminar News and Information: Where Next? The Professionals’ View. London, May 27, 2005.
Crang, M. (1998) Cultural Geography. Routledge, London.
Creel, G. (1920) How We Advertised America. The First Telling of the Amazing Story of the Committee on Public Information that Carried the Gospel of Americanism to Every Corner of the Globe. Harper and Brothers, New York.
Cuthbert, M. (1980) Reaction to international news agencies: 1930s and 1970s compared. Gazette 42(26), 99–110.
Czitrom, D. J. (1982) Media and the American Mind. From Morse to McLuhan. University of North Carolina Press, Chapel Hill.
Darnton, R. (1995) The Forbidden Best-Sellers of Pre-Revolutionary France. W. W. Norton and Company, New York.
Darnton, R. (2000) An early information society: news and the media in eighteenth-century Paris. The American Historical Review, 105(1), 1–35.
Davis, L. J. (1980) A social history of fact and fiction: authorial disavowal in the early English novel. In: Said, E. D. (ed.) Literature and Society. Johns Hopkins University Press, Baltimore, MD, 120–148.
Davis, L. J. (1983) Factual Fictions. The Origins of the English Novel. University of Pennsylvania Press, Philadelphia.
Desmond, R. W. (1937) The Press and World Affairs. D. Appleton-Century Company, New York.
Deuze, M. (2003) The Web and its journalism: considering the consequences of different types of new media online. New Media and Society 5(2), 203–230.
D?rfler, E. and Pensold, W. (2001) Die Macht der Nachricht. Die Geschichte der Nachrichtenagenturen in ?sterreich. Molden Verlag, Vienna.
Dreyfus, H. L. (1995) Being-in-the-World. A Commentary on Heidegger’s Being and Time, division I. MIT Press, Cambridge, MA.
Du Boff, R. B. (1984) The rise of communications regulation: the telegraph industry. Journal of Communication 34(3), 52–66.
Eisenstein, E. L. (1979/2005) The Printing Revolution in Early Modern Europe. 2nd edn. Cambridge University Press, Cambridge.
Eisenstein, E. L. (1997) The Printing Press as an Agent of Change. Communications and Cultural Transformations in Early-Modern Europe. Cambridge University Press, Cambridge.
Elliot, P. and Golding, P. (1974) Mass communication and social change. In: De Kadt, E. and Williams, K. (eds) Sociology and Development. Tavistock, London, 229–254.
Encyclopaedia Britannica (1911a) Newspapers. 11th edition, Vol. XIX. Cambridge University Press, Cambridge, 544–581.
Encyclopaedia Britannica (1911b) “Telegraph,” 11th edition, Vol. XXVI. Cambridge, Cambridge University Press, 510–540.
Entrikin, J. N. (1991) The Betweenness of Place. Towards a Geography of Modernity. Johns Hopkins University Press, Baltimore, MD.
Ferguson, M. (1990) Electronic media and the redefining of time and space. In: Ferguson, M. (ed.) Public Communication. The New Imperatives. Future Directions for Media Research. Sage, London, 152–172.
Feuilherade, P. (2004) Online newspapers tempt readers. Available online at http://news.bbc.co.uk/1/hi/technology/3767267.stm, accessed May 22, 2008.
Fields, G. (2004) Territories of Profit: Communications, Capitalist Development, and Innovation at G. F. Swift and Dell Computer. Stanford Business Books, Stanford, CA.
The Flow of News (1953) The International Press Institute, Zurich.
Fourth Pacific Science Congress (1929). Batavia-Bandoeng (Java), May-June. Historical review of the development of the telegraph-telephone and radio services in the Pacific by the post-telegraph and telephone service in the Netherlands Indies. N. V. Drukkeru Maks and V. S. Klits, Bandoeng.
Frédérix, P. (1959) Un siècle de chasse aux nouvelles: de l’agence d’information Havas à l’Agence France-Presse. Flammarion, Paris.
Fuchs, F. (1919) Telegraphische Nachrichtenbüros. Dietrich Reimer, Berlin.
Galtung, J. and Ruge, M. H. (1965) The structure of foreign news. the presentation of the Congo, Cuba and Cyprus crises in four Norwegian newspapers. Journal of Peace Research 2(1), 64–91.
Gans, H. (1979) Deciding What’s News. Pantheon, New York.
Garnham, N. (1994) Capitalism and Communication: Global Culture and the Economics of Information. Sage, London.
Giddens, A. (1990) The Consequences of Modernity. Polity Press, Cambridge.
Gillespie, A. and Robins, R. (1989) Geographical inequalities: the spatial bias of the news communications technologies. Journal of Communication 39(3), 7–18.
Gitlin, T. (2003) The Whole World is Watching. Mass Media in the Making and Unmaking of the New Left. University of California Press, Berkeley.
Gramling, O. (1940) AP: The Story of the News. Farrar and Rinehart, Inc., New York.
Groth, O. (1928) Die Zeitung. J. Bensheimer, Mannheim.
Gurevich, A. J. (1972) Categories of Medieval Culture. Routledge and Kegan Paul, London.
Habermas, J. (1989) The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Polity Press, Oxford.
Hachtmann, R. (2001) The European capital cities in the revolution of 1848. In: Dowe, D., Haupt, H.-G., Langewiesche, D., and Sperber, J. (eds) Europe in 1848. Revolution and Reform, trans. David Higgins. Berghahn Books, New York, 341–370.
A Half Century of Cable Service to The Three Americas, 1878–1928. All America Cables Inc, New York.
Hallin, D. C. (1986) Where? Cartography, community, and the cold war. In: Manoff, R. K. and Schudson, M. (eds) Reading the News. Pantheon Books, New York, 109–145.
Hannerz, U. (1996) Transnational Connections: Culture, People, Places. Routledge, London.
Hargreaves, I. (2000) Is there a future for foreign news? Historical Journal of Film, Radio and Television 20(1), 55–61.
Hargreaves, I. and Thomas, J. (2002) New News, Old News. Broadcasting Standards Commission, London.
Harris, M. (1978) 1620–1780. In: Boyce, G., Curran, J., and Wingate, P. (eds) Newspaper History: from the 17th Century to the Present Day. Constable, London, 82–97.
Harris, M. (1990) A few shillings for small books: the experiences of a flying stationer in the 18th century. In: Myers, R. and Harris, M. (eds) Spreading the Word: The Distribution Networks of Print 1550–1850. St Paul’s Bibliographies, Winchester, 83–108.
Harris, P. (1977) News dependence: the case for a new world information order. Unpublished final report to the United Nations Educational, Scientific, and Cultural Organization of a study of the international news media.
Hart, J. A. (1970) The Developing Views on the News Editorial Syndrome 1500–1800. Southern Illinois University Press, Carbondale, IL.
Harvey, D. (1989) The Condition of Postmodernity: An Enquiry into the Origins of Cultural Change. Blackwell, Oxford.
Harvey, D. (1993) From space to place and back again: reflections on the condition of postmodernity. In: Bird, J., Curtis, B., Putnam, T., and Tickner, L. (eds) Mapping the Futures. Local Culture, Global Change. Routledge, London 3–29.
Haupt, H.-G. and Langewiesche, D. (2001) The European revolution of 1848. Its political and social reforms, its politics of nationalism, and its short- and long-term consequences. In: Dowe, D., Haupt, H.-G., Langewiesche, D., and Sperber, J. (eds) Europe in 1848. Revolution and Reform, trans. David Higgins. Berghahn Books, New York, 1–24.
Headrick, D. R. (1991) The Invisible Weapon: Telecommunications and International Politics 1851–1945. Oxford University Press, Oxford.
Heidegger, M. (1995) Being and Time. Blackwell, Oxford.
Heimbürger, H. (1938) Svenska telegraphverket. Det statliga telefonv?sendet 1881–1902 Televerket, Vol. 1. Stockholm.
Hesmondhalgh, D. (2002) The Cultural Industries. Sage, London.
Hindman, M., Tsioutsiouliklis, K., and Johnson, J. A. (2003) Googlearchy: how a few heavily linked sites dominate politics online. Paper presented at the annual meeting of the Midwest Political Science Association. Available online at www.johnkeane.net/pdf_docs/teaching_sources/google/google.pdf, accessed November 1, 2008.
Hobsbawm, E. (1975) The Age of Capital 1848–1875. Weidenfeld and Nicolson, London.
Hohenberg, J. (1973) Free Press, Free People: The Best Cause. Free Press, New York.
H?hne, H. (1977) Report über Nachrichtenagenturen 2. Die Geschichte der Nachricht und ihrer Verbreiter. Nomos Verlagsgesellschaft, Baden-Baden.
Hongladarom, S. (2002) The web of time and the dilemma of globalization. The Information Society 18(1), 241–249.
H?nig, E. A. (1998) Printing and the Market in Early Modern Antwerp. Yale University Press, New Haven, CT.
Hoskins, C., McFadyen, S., and Finn, A. (1997) Global Television and Film. An Introduction to the Economics of the Business. Clarendon Press, Oxford.
Hoskins, C., McFadyen, S., and Finn, A. (2004) Media Economics. Applying Economics to New and Traditional Media. Sage, Thousand Oaks, CA.
H?yer, S. (2003) Newspapers without journalists. Journalism Studies 4(4), 451–463.
Hunter, J. P. (1989) News and new things. In: Desan, P., Parkhurst Ferguson, P., and Griswold, W. (eds) Literature and Social Practice. University of Chicago Press Chicago, 114–136.
Hunter, J. P. (1990) Before Novels. The Cultural Contexts of Eighteenth- Century English Fiction. W. E. Norton and Company, New York.
Ingmar, G. (1973) Monopol p? nyheter. Ekonomiska och politiska aspekter p? svenska och internationella nyhetsbyr?ers verksamhet 1870–1919. Esselte Studium, Uppsala.
Innis, H. (1950/1972) Empire and Communication. University of Toronto Press, Toronto.
Kahn, A. E. (1968) Cartels and trade associations. In: Sills, D. L. (ed.) International Encyclopedia of the Social Sciences. Macmillan, New York, 320–325.
Kern, S. (1983) The Culture of Time and Space 1880–1918. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Kiss, J. (2008) Newspaper ABCs. Soaring online user figures offer solace- and challenges. Available online at www.guardian.co.uk/media/2008/feb/25/ pressandpublishing.abcs, accessed May 22, 2008.
Koch, U. F. (2001) Power and impotence of the press in 1848: France and Germany in comparison. In: Dowe, D., Haupt, H.-G., Langewiesche, D., and Sperber, J. (eds) Europe in 1848. Revolution and Reform, trans. David Higgins. Berghahn Book, New York, 559–584.
Lash, S. and J. Urry (1994) Economies of Signs and Space. Sage, London.
Lee, H. and Liebenau, J. (2000) Time and the Internet at the turn of the millennium. Time and Society 9(1), 43–56.
Lee, H. and Whitley, E. A. (1999) Time and information technology: monochronicity, polychronity and temporal symmetry. European Journal of Information Systems 8(1), 16–26.
Lefebvre, H. (1991) The Production of Space. Blackwell, Oxford.
Le Goff, J. (1980) Time, Work and Culture in the Middle Ages. University of Chicago Press, Chicago.
Lenhart, A. and Fox, S. (2006) Bloggers: A portrait of the Internet’s new storytellers. A Pew Research Center for The People and The Press Report. Available online at www.pewinternet.org/PPF/r/186/report_display.asp, accessed May 22, 2008.
Lowe, D. M. (1982) History of Bourgeois Perception. University of Chicago Press, Chicago.
Lowery, W. (2006) Mapping the journalism-blogging relationship. Journalism 7(4), 477–500.
MacBride, S. (1980) Many Voices, One World: Towards a New and More Efficient Information and Communication Order. Kogan Page, London.
Matheson, D. (2004) Weblogs and the epistemology of the news: some trends in online journalism. New Media and Society 6(4), 443–468.
Mattelart, A. (2000) Networking the World 1794–2000. University of Minnesota Press, Minneapolis.
McCarthy, C. (2006) Google reveals payment deal with AP. Available online at http://news.zdnet.com/2100–9588_22–6102109.html, accessed May 22, 2008.
McClatchy, V. S. (1919) Statement. Hearings before the Subcommittee on the Merchant Marine and Fisheries. House of Representatives. 66th Congress 1st Session. Government Printing Office, Washington, DC, 4–21.
McIntosh, S. (2005) Web review: blogs: has their time finally come-or gone? Global Media and Communication 1(4), 385–388.
McNeill, J. R. and McNeill, W. H. (2003) The Human Web. A Bird’s Eye View of World History. W.W. Norton and Company, New York.
Meyrowitz, J. (1985) No Sense of Place: The Impact of Electronic Media on Social Behaviour. Oxford University Press, Oxford.
Morley, D. and Robins, K. (1995) Spaces of Identity: Global Media, Electronic Landscapes and Cultural Boundaries. Routledge, London.
Morris, J. (2008) A personal interview on blogging. London, May 15.
Mumford, L. (1934) Technics and Civilization. Harcourt, Brace, and Co, New York.
Naujoks E. (1963) Bismarck und das Wolffsche Telegraphenbüro. Geschichte in Wissenschaft und Unterricht, 14(22), 605–616.
Negroponte, N. (1995) Being Digital. Vintage Books, New York.
Nerone, J. and Barnhurst, K. (2001) The Form of News: a History. Guilford Press, New York and London.
Nicholas, D. (2003) Urban Europe, 1100–1700. Palgrave Macmillan, Basingstoke.
Nowotny, H. (1994) Time: Modern and Postmodern Experience, trans. N. Plaice. Polity Press, Oxford, Cambridge.
Oates, J. (2005) AFP sues Google. Agence France Presse is suing Google for linking to its news stories. Available online at www.theregister.co.uk/2005/03/21/afp_sues_google/, accessed May 22, 2008.
Ong, W. J. (1982) Orality and Literacy. The Technologizing of the World. Routledge, London.
Palmer, M. (1976) L’agence Havas et Bismarck. L’echec de la Triple Alliance Télégraphique (1887–1889). Revue d’histoire diplomatique July/December, 321–357.
Palser, B. (2002) Journalistic blogging. American Journalism Review July/August. Available online at www.ajr.org/article.asp?id=2571, accessed May 22, 2008.
Park, R. E. (1922) The Immigrant Press and Its Control. Harper and Brothers, New York.
Park, R. E., Burgess, E. W., and McKenzie, R. D. (1967) The City. University of Chicago Press, Chicago.
Paterson, C. (2006) News Agency Dominance in International News on the Internet. Papers in International and Global Communication No. 01/06. Centre for International Communications Research, Leeds University. Available online at http://ics.leeds.ac.uk/papers/cicr/exhibits/42/cicrpaterson.pdf, accessed May 22, 2008.
Pennanen, S. (2007) Lapset uutisten katsojina—5-6 vuotiaiden k?sityksi? ja kokemuksia uutisista. [5- to 6-year-old children’s impressions and experiences on TV news]. Tiedotustutkimus 30(2), 17–31.
Pentik?inen, J. Y. (1989) Kalevala Mythology, trans. and ed. Ritva Poom. Indiana University Press, Bloomington.
Perry, J. (2007) Whose news: Who is the political news gatekeeper in the early 21st century? Unpublished PhD dissertation. Department of Media and Communications. London School of Economics and Political Science.
Philips, P. (2007) New news future news. Available online at www.ofcom.org.uk/media/speeches/2007/07/nnfn, accessed May 22, 2008.
Potter, S. J. (2003) News and the British World. The Emergence of an Imperial Press System, 1876–1922. Clarendon Press, Oxford.
Putnis, P. (2002) New Media Regulation: The Case of Copyright in Telegraphic News in Australia, 1869–1912. Paper prepared for Communications Research Forum, Canberra, October 2002.
Quah, D. (2003) The Weightless Economy, available online at http://econ.lse.ac.uk/~dquah/tweirl0.html, accessed July 26, 2004.
The Radio Industry. The Story of its Development (1928) A. W. Shaw Company, Chicago.
Rantanen, T. (1987) ‘STT:n uutisia’ sadan vuoden varrelta. Weilin & G??s, Espoo.
Rantanen, T. (1990) Foreign News in Imperial Russia: The Relationship between International and Russian News Agencies, 1856–1914. Federation of Finnish Scientific Societies, Helsinki.
Rantanen, T. (1992) Mr Howard Goes to South America: The United Press Associations and Foreign Expansion. Roy W. Howard Monographs in Journalism and Mass Communication Research, 2. School of Journalism, Indiana University, Bloomington.
Rantanen, T. (1994) Howard Interviews Stalin. How the AP, UP and TASS Smashed the International News Cartel. Roy W. Howard Monographs in Journalism and Mass Communication Research, 3. School of Journalism, Indiana University, Bloomington.
Rantanen, T. (1997) The Globalisation of News in the 19th Century. Media Culture and Society 19(4), 605–620.
Rantanen, T. (1998) After Five O’Clock Friends. Kent Cooper and Roy W. Howard. Roy H. Howard Monographs in Journalism and Mass Communication Research, 4. School of Journalism, Indiana University, Bloomington.
Rantanen, T. (2002) The Global and the National. Media and Communications in Post-Communist Russia. Rowman and Littlefield, Lanham, MD.
Rantanen, T. (2005) Cosmopolitanization Now! An interview with Ulrich Beck. Global Media and Communication 1(3), 247–263.
Rantanen, T. (2006a) Flows and contra-flows in transitional societies. Russia and China compared, In: Thussu, D. K. (ed.) The Global Media Bazaar: Contra-Flow in Cultural Products. Routledge, London, 165–181.
Rantanen, T. (2006b) News agencies. their structure and operation revisited. Paper presented at the EANA Conference in Geneva, September.
Rantanen, T. and Boyd-Barrett, O. (2001) State news—a time for reevaluation? Medien und Zeit, 16(4), 38–45.
Read, D. (1994) Reuters: news agency of the British Empire. Contemporary Record 8(2), 195–212.
Read, D. (1999) The Power of News. Oxford University Press, Oxford.
Reese, S. D., Rutigliano, L., Hyun, K., and Jeong, J. (2007) Mapping the blogosphere: Professional and citizen-based media in the global news arena. Journalism 8(3), 235–261.
Reitz, J. (1991) Das Deutsche Nachrichtenbüro. In: Wilke, J. (ed.) Telegraphenbüros und Nachrictenagenturen in Deutschland. Untersuchungen zu ihrer Geschichte bis 1949. K. G. Saur, Munich, 213–264.
Relph, E. (1976) Place and Placelessness. Pion, London.
Rifkin, J. (1987) Time Wars: The Primary Conflict in Human History. H. Holt, New York.
Rings, J. (1936) Amerikanische Nachrichtenagenturen. Drück der Limburger Vereinsdrückerei, Berlin.
Robertson, R. (1992) Globalization: Social Theory and Global Culture. Sage, London.
Rogers, W. S. (1919a) Statement. Hearing before a Subcommittee on Naval Affairs. US Senate. 66th Congress. First session on the government ownership or control of radiotelegraphy and cable communication in its military and commercial aspects, In: Use of Naval Stations for Commercial Purposes. Part 1. Government Printing Office, Washington, DC, 2–20.
Rogers, W. S. (1919b) Testimony. Hearing before the Committee on Foreign Affairs. House of Representatives. 66th Congress, first session on H.R. 9822. In: Use of Naval Stations for Commercial Purposes. Government Printing Office, Washington, DC, 103–118.
Roschko, B. (1975) Newsmaking. University of Chicago Press, Chicago.
Rosewater, V. (1930) History of Cooperative News-gathering in the United States. D. Appleton and Company, New York.
Rowbotham, S. (2000) Promise of a Dream. Penguin Press, London.
Sack, D. (1992) Place, Modernity, and the Consumer’s World. Johns Hopkins University Press, Baltimore, MD.
Sambrook, R. (2006) How the net is transforming news. Available online at http://news.bbc.co.uk/1/hi/technology/4630890.stm, accessed May 24, 2008.
Sandbothe, M. (1997) The Transversal Logic of the World Wide Web. A Philosophical Analysis. Paper given at the 11th Annual Computers and Philosophy Conference in Pittsburgh (PA). Available online at www.sandbothe.net, accessed May 22, 2008.
Sandbothe, M. (1998) The temporalization of time in modern philosophy. In: Baert, P. (ed.) Time in Modern Intellectual Thought. Elsevier, Amsterdam. Available online at www.sandbothe.net, accessed May 22, 2008.
Sandbothe, M. (1999) Media temporalities of the Internet: philosophies of time and media in Derrida and Rorty. AI and Society 13(4), 421–434.
Sarnoff, D. (1928) The Development of the Radio Art and Radio Industry since 1920. A lecture delivered before the Harvard Business School, April 16, 1928, Boston.
Sassen, S. (1991/2001) The Global City. Princeton University Press, Princeton, NJ.
Sassen, S. (1994/2006) Cities in a World Economy. Pine Forge Press, Thousand Oaks, CA.
Sassen, S. (1996) Losing Control. Columbia University Press, New York.
Sassen, S. (2004) Local actors in global politics. Current Sociology 52(4), 649–670.
Scannell, P. (1996) Radio, Television and Modern Life. A Phenomenological Approach. Blackwell, Oxford.
Schivelbusch, W. (1978) Railroad space and railroad time. New German Critique 5(14), 31–40.
Schlesinger, P. R. (1995) Europeanisation and the Media: National Identity and the Public Sphere, Arena Working Paper, 7. Norwegian Research Council, Oslo.
Schudson, M. (1978) Discovering the News: A Social History of American Newspapers. Basic Books, New York.
Schudson, M. (1995) The Power of News. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Schwarzlose, R. A. (1989) The Formative Years, from Pretelegraph to 1865. The Rush to Institution, from 1865 to 1920. Northwestern University Press, Evanston, IL.
Seely Brown, J. and Duguid, P. (2002) Local knowledge: innovation in the networked age. Management Learning 33(4), 427–437.
Shaaber, M. (1929) Some Forerunners of the Newspaper in England, 1476–1622. University of Pennsylvania Press, Philadelphia.
Shmanske, S. (1986) News as a public good: cooperative ownership, price commitments, and the success of the Associated Press. Business History Review, 60(1), 55–80.
Singer, J. B. (2005) The political j-blogger: “Normalizing” a new media form to fit old norms and practices. Journalism. 6(2), 173–198.
Slezkine, Y. (2004) The Jewish Century. Princeton University Press, Princeton, NJ.
Smith, A. (1978) The long road to objectivity and back again: the kinds of truth we get in journalism. In: Boyce, G., Curran, J., and Wingate, P. (eds) Newspaper History: From the 17th Century to the Present Day. Sage/Constable, London, 153–171.
Smith, A. (1979) The Newspaper. An International History. Thames and Hudson, London.
Smith, W. D. (1984) The function of commercial centers in the modernization of European capitalism: Amsterdam as an information exchange in the seventeenth century. The Journal of Economic History 44(4), 985–1005.
Soja, E. W. (1989) Postmodern Geographies. The Reassertion of Space in Critical Social Theory. Verso, London.
Spufford, P. (2002) Power and Profit. The Merchant in Medieval Europe. Thames and Hudson, London.
Sreberny-Mohammadi, A. with Nordenstreng, K., Stevenson, R., and Ugboajah, F. (1985) Foreign News in the Media. International Reporting in 29 countries. Reports and Papers on Mass Communication, No 93, United Nations Educational, Scientific, and Cultural Organization, Paris.
Standage, T. (1998) The Victorian Internet: The Remarkable Story of the Telegraph and the Nineteenth Century’s Online Pioneer. Weidenfeld and Nicolson, London.
Stangerup, H. (1973/74) Avisens historie, Vols 1–3, Politikens Forlag and J. W. Cappelens Forlag, Copenhagen.
The State of the News Media 2008. An Annual Report on American Journalism. Available online at www.stateofthenewsmedia.org/2008/narrative_online_citizen_media.php?cat=6&media=5, accessed May 22, 2008.
Stephens, M. (1988) A History of News. Harcourt Brace College Publishers, Fort Worth, TX.
Stone, M. (1921) Fifty Years a Journalist. Doubleday, Page, and Co., New York.
Storey, G. (1951) Reuters’ Century 1851–1951. Parrish, London.
Swindler, W. F. (1946) The AP anti-trust case in historical perspective. Journalism Quarterly, 23(4): 40–57.
Taylor, P. J. (2004) World City Network. A Global Urban Analysis. Routledge, London.
Thompson, J. B. (1994) Social theory and the media. In: Crowley, D. and Mitchell, D. (eds) Communication Theory Today. Polity Press, Cambridge, 27–43.
Thompson, J. B. (1995) The Media and Modernity: A Social Theory of Media. Polity Press, Cambridge.
Tomlinson, J. (1994) A phenomenology of globalisation? Giddens on global modernity. European Journal of Communication 9(2), 149–172.
Turkle, S. (1984) The Second Self: Computers and the Human Spirit. Simon and Schuster, New York.
UNESCO (1953) News Agencies. Their Structure and Operation. United Nations Educational, Scientific, and Cultural Organization, Paris.
UNESCO (1956) The Problems of Transmitting Press Messages United Nations Educational, Scientific, and Cultural Organization, Lausanne.
Van Couvering, E. (2008a) The history of the Internet search engine: navigational media and the traffic commodity. In Spink, A. and Zimmer, M. (eds) Web Search: Interdisciplinary Perspectives. Springer Verlag, Berlin, 177–206.
Van Couvering, E. (2008b) A personal interview on search engines. London, April 17.
Van der Wurff, R. (2005) Introduction: impacts of the Internet on newspapers in Europe. Gazette, 67(1): 5–7.
Vincent, D. (1989) Literacy and Popular Culture: England 1750–1914. Cambridge University Press, Cambridge.
Wallenstein, A. (2007) Yahoo news to tilt to a lilt. Available online at www.reuters.com/article/internetNews/idUSN2238102420070222, accessed May 22, 2008.
Waters, M. (1995) Globalization. Routledge, London.
Wilke, J. (1984) Nachrichtenauswahl und Medienrealit?t in Vier Jahrhunderten. Walter de Gruyter, Berlin.
Williams, F. (1953) Transmitting World News. United Nations Educational, Scientific, and Cultural Organization, Paris.
Winterbottom, W. A. (1929) Testimony before the Committee on Interstate Commerce. US Senate, 71st Congress, 2nd Session. In Commission on Communications. Government Printing Office, Washington, DC, 287–307.
Young, O. D. (1929) Testimony before the Committee on Interstate Commerce. US Senate, 71st Congress, 2nd Session. In Commission on Communications. Government Printing Office, Washington, DC, 20–47.
Zelizer, B. (1993) Journalists as interpretive communities, Critical Studies in Mass Communication 10(2): 219–37.