Advertisement

فيض الخاطر الجزء الخامس


فيض الخاطر (الجزء الخامس)

فيض الخاطر (الجزء الخامس)
مقالات أدبية واجتماعية
تأليف
أحمد أمـني
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
أحمد أمـني
رقم إيداع 2012?/?15584
978 977 6416 48 2 :تدمك
مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
2012?/?8?/?26 بتاريخ 8862 برقم املشهرة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غري مسئولة عن آراء املؤلف وأفكاره
ِّ وإنما يعبر الكتاب عن آراء مؤلفه
54 عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر 11471 ،القاهرة
جمهورية مصر العربية
+ 202 35365853 :فاكس + 202 22706352 :تليفون
hindawi@hindawi.org :الإلكتروني البريد
http://www.hindawi.org :الإلكتروني املوقع
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة ملؤسسة هنداوي
للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية
العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi
Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.
المحتويات
الحياة الروحية (1 (7
الحياة الروحية (2 (13
الحياة الروحية (3 (19
الحياة الروحية (4 (23
َ بن الوْرد 29
ُ في الأدب العربي: ع ْرَوةُ
في الطريق 35
خطرات في اللغة 39
في الهواء الطلق(4 (43
في الهواء غري الطلق 49
ملاذا نعيش؟ 55
التعاون الثقافي العربي 61
الشيخ رفاعة الطهطاوي (1 (67
الشيخ رفاعة الطهطاوي (2 (73
الشيخ رفاعة الطهطاوي (3 (79
الشيخ رفاعة الطهطاوي (4 (87
الشيخ رفاعة الطهطاوي (5 (93
الشيخ رفاعة الطهطاوي (6 (101
تقدير الجمال 107
في الهواء الطلق (5 (113
في الهواء الطلق (6 (121
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
السوبرمان أو الإنسان الكامل (1 (127
السوبرمان أو الإنسان الكامل (2 (131
عبرة املوت 135
الابتكار 139
سياحة في العالم 145
أخلاق الطفولة وأخلاق الرجولة 151
نظرة في إصلاح متن اللغة العربية 155
زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث 165
محمد بن عبد الوهاب (1 (171
محمد بن عبد الوهاب (2 (177
مدحت باشا (1 (183
مدحت باشا (2 (189
مدحت باشا (3 (195
مدحت باشا (4 (203
السيد جمال الدين الأفغاني (1 (211
السيد جمال الدين الأفغاني (2 (217
السيد جمال الدين الأفغاني (3 (225
السيد جمال الدين الأفغاني (4 (233
السيد جمال الدين الأفغاني (5 (241
السيد جمال الدين الأفغاني (6 (249
السيد أحمد خان (1 (259
السيد أحمد خان (2 (267
6
1
الحياة الروحية (1(
أعجب ما في الإنسان أنه يحيا حياة واحدة هي مزيج من جملة ألوان، فلا تزال فينا طبائع
النبات ومظاهره، نبحث عن غذائنا في الأرض كما يبحث، ونعيش تحت رحمة الرياح
ً والفصول كما يعيش، وفينا أيضا طبائع الحيوان من شهوات وغرائز؛ وفينا العقل الذي
يُسيطر على هذه الطبائع الحيوانية، ولكنه يعجز عن السيطرة عليها سيطرة تامة.
ً وكما يكون نورا إلهيٍّا يَ ً هدي الطبائع والغرائز، قد يكون نارا شيطانية تثريها؛
فتجعله أفرس من أسد وأمكر من ذئب. ورقي الإنسان إنَّما هو في استطاعته أن يوازن
املوازنة الدقيقة بني ما في باطنه من عناصر نبات، وعناصر حيوان، وعناصر إنسان، وما
أشقه من عمل!
وهو — ملا في طبيعته من عناصر مختلفة نباتية وحيوانية وإنسانية — قد واجه
مشاكل لا تُحصى لا يزال طوال الزمان يحاول حلها وترقيتها.
هو من ناحيته النباتية يواجه مشكلة البيئة التي تناسبه والتي لا تناسبه؛ وغلة
ُ الأرض وحاجته منها بعد أن و ِّزعت في البقاع والأصقاع حسب طبيعتها، والأخطار التي
يتعرض لها من حشرات وديدان، وجو وعطش وغرق.
وهو من ناحيته الحيوانية قد ورث دينً ً ا ثقيلا، من غرائز جامحة، وميل إلى افتراس
ً بعضه بعضا، فكان لا بد له من تحصني للدفاع والهجوم؛ ودعاه ذلك أحيانًا إلى التعاون
لصد العدو، وأحيانً ً ا إلى التفرق لقتال بعضه بعضا، فألَّف القبيلة، ثم الأمة، وتحارب كما
1 كتبت هذه املقالات الأربع في رمضان سنة 1362.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
يتحارب جنس من الحيوان مع جنس آخر، وتنازع على الطعام وعلى الشراب وعلى الحب
ُ الجنسي كما يتنازع الحيوان؛ وساعده ما م ٍ نح من عقل على تنظيم هذا الاجتماع والافتراق،
والتعاون والتحارب؛ وعلى العموم استخدم العقل لتنظيم الغرائز الحيوانية.
ثم كان من عنصره الإنساني شوقه الشديد للعلم واملعرفة، فأخذ من مبدئه يتعلم
ويُعلِّم، ويورث ما وصل إليه من يأتي بعده من الأجيال، ويخترع اللغة لإيصال معلوماته.
ثم أخذ يُنشئ املعاهد؛ يبث فيها ما وصل إليه العلم من الأجيال السابقة، ويزيد في توسيع
دائرة املعلوم، وتقليل دائرة املجهول، ثم يستخدم العلم في حياته النباتية والحيوانية،
ويُنشئ الصناعات، وهو كلما تقدم تعقدت مشاكله، وتركبت نظمه، فأوجد الوظائف
املختلفة في املجتمعات تنظم شئونها، ويقوم كل بقسطه في ترقيتها. فالأسرة تُربي الطفل؛
َّخرج ما يحتاجه العالم؛ والدولة تشرف
ومعاهد التربية تكمل تربيته؛ ومعاهد الصناعة تُ
ِّ على هذه الأنواع املختلفة من النظم، وتوح ِّ د بينها وتوجهها.
ثم في الإنسان عنصر روحي بجانب عنصره النباتي والحيواني والعقلي، أحسه
َّ الإنسان منذ وجد، وكما أن عنصر العقل فيه مظهره العلم، فعنصر الروح فيه مظهره
الدين.
َ من طبيعة الإنسان الطموح إلى كل ما هو حق وخري وجميل، وقد وجد مصداق
َّ ذلك كله في الدين فاعتنقه، ومن طبيعته الشعور بقوة تسيطر على نفسه وعلى العالم؛
َّ ومن طبيعته الشعور بأن ً هناك روح ُ ا ع ُ ليا ليست روح ً ه إلا شرارة منها وقبسا من نورها،
وأنها تتجاوب معها، فكان ذلك هو الدين على اختلاف مناحيه ومذاهبه وأنواعه وأسمائه
َّ وشعائره، لقد شعر — منذ نشأته في بداوته إلى منتهى ما وصل إليه من حضارة — أن
في باطنه شيئًا ليس ماديٍّا وليس من جنس الأرض. وملا تقدم العلم كل هذا التقدم لم
ِّ يهتد إلى حل العلاقة بني العقل والحياة، وبني املادة ومظاهرها، وملا فرغ العلماء لعلمهم،
وبحثوا واكتشفوا القوانني، وآمنوا بالعلم كل الإيمان، ظل كثري منهم يشعرون بفراغ في
أنفسهم، وهذا الفراغ لا يملؤه إلا إيمان بقوة فوق املادة، وروح تسيطر عليها وتبعث فيها
الحياة والروح، وأنهم بهذا الإيمان يشعرون بقوة عظيمة، لاتساع نفسهم واندماجها في
ِّ العالم أجمع، وأنهم والعالم مشمولون بروح عليا تسريهم.
وكما يختلف الناس في مقدار العناصر التي يتكونون منها، فبعض الناس أكبر
َّ عناصره العنصر الحيواني، فهو أقرب شيء إلى أن يعيش بغرائزه كالحيوان، لا هم له إلا
مأكله ومشربه وملبسه؛ وبعضهم العنصر العقلي، كما يتجلى ذلك في العلماء املتخصصني
8
الحياة الروحية (1(
للبحث واملعرفة؛ كذلك بعض الناس يغلب عليهم العنصر الروحي، وهؤلاء يشعرون
ً بنقص في أنفسهم، ويشعرون أن روحا عليا تشرف عليهم، فيجهدون أن يتحرروا من
نقص نفوسهم، ويوسعوا ترقيها بالاتصال بالروح العليا، فتنشرح صدورهم، ويشعرون
ً أن قبسا من نور أضاء قلوبهم. ويحدث هذا عند نضوج الروح، فيدركون العالم على
نحو غري الذي يدركه العالم. ثم يرون التشابه في املوجودات والوحدة فيها رغم اختلاف
الأسماء والأشكال؛ وهم لا يقفون عند الظواهر، فريون الإنسانية في املذكر واملؤنث، ويرون
وحدة الإنسان مع اختلاف الألوان والأجناس؛ وهكذا تتسع روحهم حتى يروا الوحدة في
الوجود، والله في كل شيء، فيتجاوب العالم معهم ويتجاوبون مع العالم، وتتسع نفوسهم
لا إلى حد، ويرون في ذلك سعادة دونها أي سعادة؛ ويشعرون أن الظلام الذي كان يحيط
ً ا حتى صار نور ً ا ساطعا، كالذي ينظر إلى خريطة
بنفوسهم أخذ ينجذب شيئًا فشيئً
َّ ا حتى يقع نظره على بلدته فيتعر َّ فها ويتعرف البلدان الأخرى
العالم فلا يدرك منها شيئً
بالنسبة إليها، فإذا الخريطة كلها مفهومة وإذا هي ذات معنى. يرون أن املادة خيال،
والشهوات والرغبات أعراض زائلة، ولكن امتزاج روحهم بروح العالم هو الحق الذي لا
يزول ولا يفنى. ويبلغ من شعورهم بوحدة الأشياء أن يشيع الحب في نفوسهم لكل شيء،
فألم إنسان أملهم، وسعادة إنسان سعادتهم، ونجاح الإنسان نجاههم، وفشله فشلهم،
َ حتى ليبغ الأمر ببعضهم أن يأملوا أن تبلغ الإنسانية من الصحة والنضوج مدى تتمازج
فيه أرواحها، حتى يشعروا بالوحدة وبالسعادة ينالها بعضهم، وبالألم يصيب بعضهم،
ً ويعملوا ليبلغوا السعادة جميعا.
قد كان علماء النفس في حداثة عهدهم يهزءون بهذه الحالات النفسية ويرونها
ضربً ً ا من الخيال، وسبحا في الوهم، فلما نضجوا آمن بها بعضهم، واعترفوا بها في كتبهم،
وسجلوها في تجاربهم.
لقد جنى على الحياة الروحية كثرة ما أحاط بها من تخريف وتمويه، فكان بجانب
الأنبياء املتنبشون الكاذبون، وبجانب الصوفية الحقة الدجالون الخداعون، وبجانب
امللهمني الحشاشون. وكان ما أصيب به الجانب الروحي أكثر ما أصيب به الجانب
العقلي، لأن معيار العلم يمكنه في سهولة أن يعرف زيفه، وليس بهذه السهولة الجانب
الروحي.
والإنسان بتنميته جانبه الروحي يستطيع أن يدرك من الحق ما لا يدركه العلم، وأن
َّ يقوي نفسه بما لا يقويها العلم. ومن الخطأ الاستناد على العلم وحده دون الروح.
9
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
قد يكون مصلحو الشرق معذورين في دعوتهم القوية إلى البحث العلمي، ونشر
املنهج العلمي ووجوب الاعتماد عليه، لأننا في الشرق نعيش على التقليد والتخريف، حيث
يجب أن نعيش على العلم في الزراعة والصناعة والتجارة ووسائل التربية وما إلى ذلك؛
ولكن مع التسليم بهذا كله يجب ألا نهمل الروح في دائرتها. ولعل الشرق إذا اتجه إلى هذا
ً الجانب الروحي بجانب اهتمامه بالجانب العلمي فاق الغرب في ذلك؛ لأن له تاريخ ً ا قديما
ُ في الروحانيات، وهو م ِلهمها الغرب.
إن العلم له دائرته التي يجب أن نعترف له بها، ونؤسس حياتنا عليه في حدوده،
ولكن بجانب العلم الروح، وبجانب العقل القلب، وبجانب املنطق الإيمان، ولكل وجهة
هو مولِّيها، وما أحسنهما إذا اجتمعا، وما أشقاهما إذا افترقا.
ِ تعجبني قصة طريفة للأديب الكبري «هـ. ج. ولز» سماها «مملكة العميان»،
ّ خلاصتها — فيما أذكر — أن جماعة من العميان طوح بهم القدر حتى أنزلهم واديً ً ا بعيدا
ا
ً منعزلا، تحيط به من كل الجوانب الجبال الشاهقة الوعرة، فعاشوا فيه، ونسلوا عميانً
ّ مثلهم؛ وقد عو ِ ضتهم الطبيعة عن فقدان أعينهم قوة في حَّدة آذانهم، وبذلك استطاعوا أن
ِّ يكونوا لأنفسهم مدينة توافق حالتهم وطبيعتهم، ووثقوا كل الثقة بمعارفهم ومداركهم،
وآمنوا كل الإيمان أن العالم كله محدود بحدود أربعة هي سلسلة جبالهم، وشاء القدر
ً أيض ً ا أن ينزل بواديهم رجل بصري، فحدثهم يوما عن السماء الزرقاء فوقهم وجمالها،
ِّ والنجوم الساطعة وضيائها، والثلوج املعم ّ مة للجبال وبياضها وملعانها، فلم يشكوا أنه
مجنون، وجزموا أن ما يحدثهم به عن قوة عينيه ورؤيتها لهذه الأشياء ليست إلا ضربًا
من الخداع والوهم. وحاول بكل ما يستطيع من قوة وبيان أن يفهمهم أنهم عميان فاقدوا
ً البصر، وأنه بصري، فلم يزدهم ذلك إلا عتو ً ا وضلالا، وإمعانًا في الضحك منه والسخرية
به؛ وقالوا لو كان في رأس هذا الرجل عقل لتخلى عن هذه الأحلام والأوهام، ووجه همته
إلى الحياة الواقعية، والأشياء العملية، وقوي سمعه حتى يبلغ مبلغنا، واتبع الطريقة التي
سلكنا، وسار على املنهج الذي عليه أجمعنا. فلما أعياهم أمره قرروا أن سبب مصائبه
وفساد عقله يرجع إلى هاتني النافذتني في وجهه التي يزعم الإبصار بهما، وأن لا شفاء له
إلا بفقئهما؛ ولكن كان من حسن حظه أن يجد منفذًا للهرب من هذا الوادي.
لقد رمز «ويلز» بهذا إلى ضيق نظر القادة السياسيني والاقتصاديني والاجتماعيني
وجمودهم على الآراء العتيقة البالية، ووقوفهم على ما ورثوه من تقاليد من قبلهم، وعدم
إصغائهم إلى صوت كبار املصلحني الذين يدعون إلى بناء عالم جديد أساسه التفكري الحر
10
الحياة الروحية (1(
ً وسعة النظر. ولكن قصته كذلك تصلح مثلا ملن يريد أن يُخضع كل شيء في هذا العالم
للمادة وقوانينها وعلومها، وينكر الروح والله والدين والإيمان، فهو لا يريد أن يعتقد في
شيء إلا ما يعتقده سكان هذا الوادي، ولا يؤمن بما يرى هذا الشعب بعينيه — هو يسمع
ويرى، ولكن قلبه لا يرى، وروحه لا ترى، ثم هو يزعم أن ما يشعر به املؤمنون ليس إلا
ضربًا من الخيال والوهم.
إن الناس يتفاوتون في املعرفة تفاوتًا بيِّنًا، فمن الناس من إذا أراد أن يعلم حجرة
ً وما فيها نظر من ثقب الباب فرأى بساطا هنا وكرسيًا هناك، ثم زعم أنه عرفها؛ ومنهم
من علا درجة عن هذا ففتح الباب ووقف في زاوية من زوايا الحجرة في ضوء قليل وزعم
أنه رآها، وهذان موقفهما موقف العامة وأشباههما؛ ومنهم من تعمد أن يدخلها في وضح
ِ النهار، ويقف في جميع الزوايا، ويفحص ويمتحن كل ما فيها، وهذا هو العالم؛ ومنهم
من يفعل ذلك ثم لا يكتفي به، بل يحاول أن يعرف شأن الغرفة من املنزل، وموضع
املنزل من الشارع، ومكان الشارع من املدينة، ومنزلة املدينة من القطر، ومكان القطر
من العالم، وذلك هو الفيلسوف من جانب، والروحي الحق من جانب.
إن في الإنسان ملكات عدة ليس العقل وطريقه العلمي إلا إحداها؛ وخطأ العالم
الغربي في القرن املاضي كان تقوية الناحية العلمية على حساب امللكات الأخرى. ويعجبي
تعبري طريف قرأته لأحد كتاب الغرب إذ يقول: «لقد أسرع العلم في السري حتى جاوز
ً القلب بمراحل، فواجبنا أن نمنح العلم إجازة حتى يدركه القلب» — لقد نجح العلم نجاحا
ا
ً عظيما حتى استطاع أن ينفذ إلى أدق أعماق املادة، وحتى كاد يجعل العالم املادي شفافً
ً واضحا، وحتى أخضع كثريًا من قوانينه لإرادته وهذا حسن وجميل. ولكن بجانب ذلك
جعل حياة الإنسان مصطنعة سطحية، إلاهها السرعة والعجلة والآلات والأدوات، فكسب
ً أذنه وخسر عينه؛ وما ضره لو كسبهما جميعا، إذن لوجد روحه التي فقدها في هذه
الضوضاء والسرعة، وأحس الراحة والهدوء في نفسه ساعة ينعم فيها بالطبيعة والعالم
وربهما.
وكما أن كل إنسان له نوع من الاستعداد وامللكات للفن واملوسيقى والشعر والعلم،
كذلك عنده استعداد ما للإجابة الروحية، وهي أرقى من سائر كل امللكات. وكما أن كل
إنسان له قدر من الفن ولكن ليس كل إنسان فنانًا، وكل إنسان يُغنّي ولكن ليس كل
إنسان يجيد الغناء، كذلك كل إنسان روحي إلى حد ما، ولكن الروحيني حقً ا قليل. ويعجبي
شاعر هندي في قوله: «الجواهر أحجار، ولكن لا توجد في كل مكان؛ والصندل أشجار،
11
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً ولكن لا توجد في كل غاية — والفيلة كثرية، ولكن فيلا ً واحدا هو فيل امللك؛ كذلك ما أكثر
الناس ولكن قل بينهم الإنسان الحق». والنبوغ في كل ملكة موضع إعجاب، ولكن أعجب
ِّ العجب هو النبوغ الروحي. وكما قال القائل: «إن املصلح وليد املدنية، ولكن النبي أبوها».
12
الحياة الروحية (2(
عماد الأديان كلها أن وراء هذه اململكة الظاهرة في الحياة مملكة أخرى باطنة، وهاتان
اململكتان يختلف بعضهما عن بعض تمام الاختلاف؛ فاململكة الظاهرة فيها املادة بجميع
أشكالها وتطورها، من حبة الرمل إلى خلية املخ، وفيها كل مظاهر الحياة مما نرى من
جماد ونبات وحيوان، وفيها كل شؤون الإنسان الظاهرة، من زرع وتجارة وصناعة،
وتنظيم للحياة الاجتماعية، واستغلال وجمع وإنفاق، وتدبري ميزانيات، وإنشاء دواوين
وحكومات تشرف على الأعمال، وملوك أو برملانات تشرف على الحكومات، وهكذا — وكل
ما نقرأ من أحداث التاريخ فإنما هو تاريخ هذه اململكة الظاهرة — أما اململكة الباطنة
ففيها أنبياء وأولياء وقديسون وملائكة وشياطني، ويوم آخر، وبعث ونشور، وحساب
وثواب وعقاب، وجنة ونار، وروح ووحي، وإلهام وإله.
وهذه اململكة الباطنة سميت أسماء مختلفة، فبعضهم يسميها «دائرة املجهول»،
و«ما لا يمكن علمه»، وسماها القرآن «الغيب»، كما سمى اململكة الظاهرة «الشهادة»،
ِب?.
َنبَاءِ الْ َغيْ
ِب َو َّ الشَه َ ادِة?، ?لْ َك ِم ْن أ
ِب َ ?، ?ع ِال ُم الْ َغيْ
ْؤِمنُ َون ِبالْ َغيْ
ِذ َين يُ
فقال: ?الَّ
ً وما فاململكة الظاهرة قليلة القيمة جدا إذا
الخ. وترى الأديان أن هذين العاملني إذا قُ
قيست بمملكة الباطن؛ لأن الأولى ذاهبة فانية، والأخرى باقية خالدة؛ ولأن الأولى دخلها
عنصر الزمان فأضعف قيمتها وأقصر مدتها، وأما الأخرى فلم يدخلها عنصر الزمان
ّ فخلدت. وكما كان في مملكة الظاهر خداعون وكذّ ُ ابون يكذبون في العلم والخلق والتجارة
والصناعة، كان كذلك خداع وتمويه في عالم الغيب، كقصص العفاريت، وأعمال السحرة،
والأساطري املتوارثة في كل أمة، والتنجيم والطلاسم، وهكذا.
وليس الإيمان بعالم الغيب — كما يظن بعضهم — ضربًا من الأوهام ورثناه من
آبائنا الأولني أيام كانوا ضعاف العقول، أقوياء الخيال، بل هو جزء من طبيعة النفس
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
الإنسانية ملازم لها في جميع أدوار عقليتها ومدنيتها وثقافتها، والذين أنكروه أنكروه
بمنطقهم، ولم يستطيعوا التجرد منه في نفوسهم ومشاعرهم.
يشعر الناس أن هناك دائرة للمعلوم تحيط بها أسوار، وأن وراء هذه الأسوار دائرة
املجهول أو عالَم الغيب، وأنهم يريدون أن ينفذوا من هذه الأسوار للوصول إليها، فمنهم
من يصل ومنهم من ينقطع.
ووسائل إدراك مملكة الظاهر غري وسائل إدراك مملكة الباطن، فوسائل الأولى هو ما
نسميه «العلم»، وهذا العلم يعتمد — فقط — على الحواس الخمس، وهي: السمع، والبصر،
والشم، واللمس، والذوق؛ فكل املناهج العلمية، وكل الآلات واملخترعات، وكل البحوث في
الطبيعة والكمياء، والفلك، والنبات والحيوان، إنما عمادها هذه الحواس الخمس، مرهفة أو
مكبرة؛ حتى أدق العمليات الرياضية والهندسية، إنما هي أعمال الحواس الخمس تستخدم
فيها املقارنة، ثم إعمال العقل في هذه املقارنات بالاستنتاج؛ وكل النتائج العجيبة التي
وصل إليها العلم ليست إلا وليدة امللاحظات الحسية مع الاستنتاج املنطقي، وهذه هي
ً خطة العلم دائما.
أما وسائل عالم الغيب، فليست الحواس ولا املنطق، وإنما هي الرياضة النفسية،
واختطاط خطة غري الحواس الخمس، ومحاولة تخطي هذه الأسوار بها، والنفوذ من
ً خلالها لإدراك عالم املجهول؛ وهذا ما سلكه دائما الروحانيون من الأنبياء واملتصلني
بهم، فمحمد، وعيسى، وموسى، وغريهم. لم يسلكوا سبيل العلماء في بحثهم واعتمادهم
على الحواس وتجريبهم ومقارنتهم بني املواد والاستنتاج منها، إنما راضوا نفوسهم على
ٍ نحو ما لينفذوا إلى عالم املجهول. وغار حراء بالنسبة ملحمد صلى الله عليه وسلم في جهده للوصول إلى
ِ املجهول من عالم الغيب، كالعالم في معمله وتجاربه في عالم الشهادة؛ هذا منهج وهذا
منهج، وشتان ما بينهما. باملنهج العلمي من ملاحظة وتجربة واستنتاج ومنطق تكتشف
قضايا العلم، وباملنهج الروحي الذي أشرنا إليه، يحدث نوع من املعرفة أساسه ما نسميه
بالوحي أو الإلهام.
وفي القرآن قصة ترمز إلى الفرق بني نوعي العلمني: العلم املبني على املنطق، والعلم
املبني على مكاشفة الروح، وهي قصة موسى مع العبد الصالح الذي علمه الله من لدنه
ًعلما؛ فموسى سلك سبيل املنطق، وبناء املسببات على الأسباب الظاهرة؛ وهذا العبد الصالح
ً لم يسلك هذا املسلك، فخرق سفينة ليس لخرقها من سبب ظاهر، وقتل نفسا ذكية بغري
14
الحياة الروحية (2(
ً نفس، وأقام جدارا لأهل قرية أبوا أن يُضيفوهما، وكل هذا منتقد من جانب املنطق، ولكن
.
1
له ما يبرره من جانب الإلهام الروحي كما شرح في القصة
لقد ذهب كثري من علماء النفس إلى أن وسائل العلم واملعرفة تنحصر في الوسائل
َّ املعروفة من ملاحظة وتجربة، وعد ً وا ما يظهر غري ذلك نوع ً ا من املرض النفسي، أو شرودا
في الخيال؛ ولكن ظهور حالات كثرية من املعرفة، وانكشاف أمور ليس انكشافًا أساسه
َّ املنطق، عد ً ل أذهان كثري من علماء النفس، فأقروا بأن هناك إدراكا أساسه املنطق من
ملاحظة وتجربة واستنتاج، وهذا هو العادة والأغلب؛ ولكن بجانب ذلك أحوال نادرة،
يستطيع فيها الإنسان أن يدرك ويعلم، ويعرف عن طريق غري املنطق، وإن كانت نادرة؛
وأقروا بأن طريقة علمنا ومعارفنا وبحثنا واستنتاجنا هي الطريقة املألوفة العادية،
ولكن ليست هي كل وسائل املعرفة، فهناك من الوسائل ومن أنواع الإدراك ما لا يخضع
ِّ للمنطق. ومن ذلك الحني أخذ علماء النفس ينوعون اتجاههم، ويوسعون بحثهم؛ فبحثوا
في التصوف ونفسيته، وكيفية إدراكه ومعرفته، ولا يزالون في بدء هذا الاتجاه، وهذا البدء
كان بدءًا نقط من الناحية العلمية، أما الحقائق نفسها فمقررة في كل دين، معترف بها
في كل عصر.
على هذا الأساس تكون الإنسانية تسبح في دائرتني: دائرة خارجية أو ظاهرية، ودائرة
داخلية أو باطنية؛ مثل الأولى كجسم الشجرة، وجذعها وساقها، ومثل الأخرى كالحياة
ً تدب فيها فتكون وظائفها املختلفة، وتهيئها للازدهار والإثمار، ومثلها جميعا كجسم
الشمعة وقوتها على الإضاءة.
وكل ما نعني به الآن من علوم على اختلاف ألوانها، وما نعني به من تاريخ أحداث
وحروب واجتماع، وما نعني به من دعوة إلى الصدق والأمانة، والجد والعدل، كل ذلك
متعلق بالحياة الخارجية؛ أما الحياة الروحية فحياة داخل حياة، وحكومة داخل حكومة؛
وهذه غذاؤها الدين، وهو غذاء فاسد إن فسد، وصالح إن صلح.
ونرى في عضون التاريخ إشارات إلى هذا الحياة الروحية في معابد اليونان، وهيا كل
املصريني ورموزهم: فالخاصة كانوا يفهمونها على حقيقتها ويرمزون إلى املعاني التي في
صدورهم برموز مجسمة وقصص رمزية يفهمها الخاصة على أنها رمز، ويفهمها العامة
على أنها حقائق. وهكذا الشأن في تاريخ سائر الأمم والديانات.
ُ اه? الآيات.
تَ
َ ال ُم َوسى? ِلفَ
َ اقرأ القصة في سورة الكهف: ?وإِذْ قَ
1
15
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وقد حاول كشف املجهول من الحياة الخارجية والباطنية أربعة أصول؛ كل سلك
طريقه الذي يناسب طبيعته ومزاجه: العلم، والفلسفة، والدين، والفن؛ وكثريًا ما تنازعت
في الطريق، وقامت بينها املشاحنات والخصومات، ومنازعاتها دليل على أنها لم تدرك
وظائفها حق الإدراك؛ وأن كلا حاول أن يوسع طريقه على حساب غريه، وأن يتعدى
في اختصاصه على اختصاص غريه، ولو نظرت كلها إلى طريقها من طيارة لأدركت أن
الطريق املرسوم لكل منها طريق مستقل بنفسه، واضح بأعلامه، وأنها كلها تصب في
َّ دائرة وسطها، هي دائرة الحقيقة. ولو سار كل في طريقه الخاص به، ولم يتعد على غريه
لتوصل إلى الحقيقة من جانبه، وهذه الحقيقة كفيلة بأن تنكشف في نهاية كل طريق عما
يخصه، وفيها كلها كشف الحياتني الظاهرة والباطنة، والعاملني عالم الغيب والشهادة؛
ً ولكن مع الأسف نرى علما يُغري على دين، ودينًا يغري على علم، وفلسفة تُ ً غري عليهما، جهلا
بالطريق، وعمى عن الحقيقة.
إن العلم — كما قلت — أساسه امللاحظة والتجربة، ولا يكون ذلك إلا فيما يُلحظ
َّ ويجر ً ب، فإن أراد أن يتخطى أسواره إلى عالم الغيب، فقد أدواته، وتكلم كلاما سخيفً ا،
وكذلك إذا أصابه الغرور، فأنكر ما وراء السور.
والدين عماده الوحي والوصول عن طريق الروح إلى عالم الغيب بالرياضة وما
إليها، والاتصال بالشعور الأنبل إلى القوة العليا، فإذا هو تخطى الدائرة الروحية إلى
الدائرة العلمية، فتعرض لقضايا العلم بشرحها ويدلل عليها، أو ينكر على العلماء بحثهم
ونتائجهم، فقد تعدى طوره؛ وكذلك إذا أخذ يدلل على الدين بقضايا املنطق كما فعل علماء
اللاهوت وعلماء الكلام في الإسلام، فقد أتوا بفلسفة تافهة ليس فيها طعم الفلسفة ولا
طعم الدين؛ وكل هؤلاء وهؤلاء مثلهم مثل من أراد أن يشم بعينه، ويرى بأذنه، ويتذوق
بأنفه.
والفن من أدب وموسيقى وتصوير أساسه الفهم العاطفي، والشعور باما خفي وراء
املظاهر، والوصول إلى قلب الأشياء ومزجها بعواطف الفنان ومشاعره ومزاجه، وإبرازها
ً في شكل متناغم، والاستمداد من قوة الخالق ليخلق صورا وألوانًا يلهم بها العواطف النبل
والسمو؛ فإن هو لم يمس الباطن واكتفى بالسطح، أو اقتصر على استخراج السخرية
ّ والهزؤ، لم يؤد رسالته، وعد من توافه الأشياء؛ وإن هو اكتفى باستدرار املال من الأمراء
ً والأغنياء، أو كان وسيلة لإثارة املشاعر الجنسية، كان سلعة تجارية وضيعة لا سموا
روحانيً ً ا رفيعا.
16
الحياة الروحية (2(
والفلسفة أساسها التأمل والتفكري املنطقي، وشرح ما نعلم وتمييزه عما لا نعلم،
والوصول إلى جذور شجرة العلم والفن والدين لإدراك أصولها؛ فإن هي كانت لعبًا
ً بالألفاظ، وعرضا لآراء الفيلسوف ومشاعره، وتضاربها مع آراء الفلاسفة الآخرين
ومشاعرهم، لم تؤد رسالتها، وكانت فلسفة لفظية أو شكلية أو حوارية، أو ضربًا من
التعمية، أو سخافة مغلَّفة بالألفاظ الغريبة الضخمة.
وما املدنية الحقة إلى هذه الأصول الأربعة راسمة لكل أصل حدوده وطرقه، موازنة
بينها حتى لا يطغى منها أصل على أصل، مهذِّبة كل أصل حتى لا يدخله الاستبداد
والغرور، منقحة كل واحد منها حتى لا يدخله زيف أو تحوير أو تضليل.
ونفس كل إنسان فيها هذه العناصرالأربعة، مع تفاوت بني الناس في املقدرة والكفاية
والفعالية والقابلية؛ والنفس الكلية للعالم كذلك فيها هذه العناصر واضحة جلية، وهي
بجملتها وتفصيلها مظهر املدنية.
وفساد مدنيتنا التي نعيش فيها اليوم أتى من اختلال التوازن بني هذه العناصر،
وما دخل على كل عنصر من الفساد.
فالعلم تقدم وتقدم، ولكن أين له القلب؟ لقد ملأ الدنيا آلات وأدوات، ونظريات
في السياسة والاجتماع والاقتصاد، ولكن أصيب بعيبني: أولهما أن دائرته الطبيعية هي
املادة، فأداة غروره أن يبحث فيما وراء املادة بأدوات املادة، فلما لم يجده أنكره؛ وثانيهما
أن الروح لم تتقدم تقدمه وتخلفت وتخلفت، فاستُخدم التقدم العلمي لخدمة الغرائز
َّ الوحشية على شكل ممدن، فإذا كان الوحشي يقتل بالحجر أو الهراوة، فالعلم يقتل
بالكهرباء والغواصات والطائرات والغازات الخانقات؛ والوحشي يأسر خصمه ويستعبده
لخدمته، واملدني يغزو ويفتح ويستغل ويستعبد بأسلوب منظم، وفي الأمة الواحدة أنواع
وأنواع من الاستعباد؛ وكذلك الشأن في بواعث اللهو والسرور، فقد ترقت في الرقص
َّ واملوسيقى واللعب. فالغرائز بني املتوحش واملتمدن واحدة، والبواعث واحدة، والعلم نظم
الشكل وهذَّب الأسلوب فقط، وقامت عظمة املدينة على ما كان عند املتوحش من غريزة
حماية الأسرة أو القبيلة بشكل أضخم، من استعداد حربي عظيم، وتقوية الروح العسكري
ونحو ذلك؛ فالعلم — بتقدمه من غري أن يتقدم الباعث القلبي — أبقى القديم ورقّى
الشكل؛ فأصبحت املدنية على هذا الوضع وحشية مغلفة، أو همجية مفضضة.
والدين في املدنية الحديثة مظهر لا مخبر، وعمل بلا قلب، وشعائر بلا شعور،
وحركات بلا روح، ورجاله أتباع السلطة املدنية، لا قادة الحياة الروحية، ينظرون بأعينهم
إلى الأرض، ولا ينظرون بقلوبهم إلى السماء.
17
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ّ والفن تحريك للشهوة. واستجلاب للثروة، وجد في بقاء الشعور في مستواها الهزلي.
فهل هذا الذي نرى — من تدمري بلغ أقصى مداه، وقلق واضطراب وصل إلى نهايته،
وزلزلة وبلبلة قلبت العالم رأسه على عقبه — إعلان للثورة على املدنية التي لا روح لها،
ليُبنَى على أنقاضها مدنية لها روح؟
نرجو أن يكون!!
18
الحياة الروحية (3(
قصتان هنديتان رمزيتان، قرأتهما هذا الأسبوع، فأعجبت بهما لطرافتهما ودقتهما،
ً وإيحائهما إيحاء واسع ً ا شاملا.
فأما الأولى: فخلاصتها أن الإنسان الأول ملا شعر بضعفه، وبدأ يتعرف بربه، سمع
صرخة استغاثة ملأت الآفاق، فحار في تفسريها، وملا أعياه الأمر في البحث عن سرها
أظلمت نفسه، وقلق باله، حتى جن عليه الليل، فرأى في منامه أن الروح الأعلى تجلَّت له
ُ وخاطبته: إن تقبل هديتي يز ِ ل قلقك، وينجل لك ما أبهم عليهك، ويضيء ما أظلم من
َّسمى إحداها
ً نفسك. إني خلقت لك ثلاث حمامات بيضاء ناصع ُّ ا لونها تسر الناظرين، تُ
الإيمان، والثانية الرجاء، والثالثة الحب؛ فإن أنت أسكنتها معك في أرضك، واستألفتها
ً إليك، وحافظت على سكناها معك، ضمنت لك قوة في قلبك، ونورا في نفسك يكشف لك
الحق، ويهديك إلى الخري، ويحقق لك السعادة.
وانتبه من نومه، فرأى الحمامات الثلاث في أرضه تساكنه، وتتحبَّب إلى الناس وتتألف
ً لهم وتصادقهم؛ ولكن ما لبثت أن رأت قليلا من الناس يألفها ويصادقها، وكثريًا منهم
يهزأ بها، وكثريًا آخر لا يعبأ بها، وكثريًا ثالثًا يطاردها ويرجمها بالحجارة، حتى سئمت
الحمامات من سوء ما لقيت، وعادت إلى بارئها وقالت: «سبحانك ربنا، لقد مللنا من خلقك
في الأرض، فليس منهم إلا قليل أحسن استقبالنا، وأكثرهم عبسوا في وجوهنا، أو هزئوا
َ بنا، أو طاردونا — لبئس املكان مكاننا في الأرض؛ إنا نضرع إليك أن تعفينا من سكننا
هذا، وتقربنا إليك، وتسكننا في مملكتك السماوية، حتى لا نألم ولا نشقى» قال خالقها
للأولى التي اسمها الأيمان: «ذلك ما ليس في الإمكان، فليس في ملكوت السماوات مكان
ّ لك، إن أهله قد ذاب إيمانهم في تمام معرفتهم، وانكشاف الحق لهم، وتحول غيبهم إلى
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
شهادة، فعودي إلى الأرض حيث أهلها في حاجة إليك، وقد منحتك ندرة أن من تقبَّ ً لك قبولا
حسنًا سعدت نفسه، ومن آذاك أو طاردك لم يعرفني، فأظلم قلبه وشقي في حياته».
ِ «وأما أنت ِ أيها الرجاء، فكذلك لا مكان لك عند أهل السماء، فما محل الرجاء عند من
بلغوا كل رجائهم، ونالوا منتهى أملهم — ارجعي إلى الإنسان وقد منحتك قوة أن تكوني
ً باسما لهمومه، وعونًا له في محنته، وألا يخاف من املوت إذا كنت بجانبه».
«وأما أنت يا حمامة الحب فلك موقف آخر، حقً ا إن لك مكانًا في ملكوت السماوات،
ِ وأنت َ نعيم الجنة؛ ولكن ألا تعودين إلى الأرض مع حمامتي الإيمان والرجاء، فليس لها
حياة بدونك! وإذا كانت الجنة لا تستغني عنك فسأمنحك القدرة على أن تجولي في لحظة
بني السماء والأرض، وأن تخطري في ملحة بني أهل الفناء وأهل البقاء؛ وسأجعل جزاء من
َّ يتعش َّ قك ويتذوقك في الأرض أن يطمح إلى لقياك في السماء».
فأطاعت ما أمرت به، ونزلت ثلاثهن إلى الأرض يحتملن الأذى من أهلها، وظلت
ِ ا من طمأنينة َمن تألّف الإيمان، وشقاء من
الثالثة تذهب وتجيء. وكان ما وعدها ربها حقً
طارده، والتئام جراح من احتضن الرجاء، وعذاب من أطاره، وسعادة من عانق الحب،
وشقاء من أغلق دونه بابه.
وفي الحق ما الدين وراء هذه الثلاثة؟ إيمان بما وراء املحسوس لشعورنا به، فمهما غالبنا
هذا الشعور بتقويمنا للمحسوس أكبر من قيمته، ومهما غالينا في تقويم العلم واملنطق،
فتوازعنا الباطنية الطبيعية تنادينا من أعماقنا باهلل، وتحن شوقًا إلى رؤية الحمامة
البيضاء، حمامة الإيمان. ومن فقدوا الإيمان باهلل لجئوا إلى تسمة أخرى ملا أعجزهم فهمه،
من طبيعة، أو حظ، أو قدر، أو مجهول، أو مثل أعلى للعالم أو نحو ذلك! فقد تعددت
َّ الأسماء واملسمى واحد سبحانه وتعالى.
ُ والرجاء — عنصر قوي في الدين، مبناه الاعتقاد في سعة رحمة الله — لقد وجد في
ُ كل دين لون من الرجاء ولون من الخوف، وو ّ جد في كل عصر من رجاله من قوْوا جانب
ُّ الرجاء ومن قووا جانب الخوف، وأنا أشد حبًا ملن كانوا في جانب الرجاء، فهو أبعث للعمل،
وأصلح للحياة، وأدعى إلى الطمأنينة وأفتح للرغبة في بذل الجهد لصالح الأعمال. ولست
ً ا وتهديدا، حتى
أحب طريقة الحسن البصري وأمثاله، ممن ملأوا القلوب رعبًا وتخويفً
شلوا القلوب، وطريوا الحب من النفوس، وجعلوا الحياة بائسة جزينة بغيضة. والقرآن
في كل سورة يكرر: بسم الله الرحمن الرحيم، والرحمة مبعث الرجاء والحب، لا الخوف
والرعب.
20
الحياة الروحية (3(
َّ ما الحياة وما الدين بلا رجاء؟ قرأت مرة أن أحد كبار العلماء امللحدين حضرته
الوفاة وعنده بعض أصدقائه من أمثاله، فقال له أحدهم يشجعه على البقاء على إلحاده:
َّ «لا تخف، لقد قربت من النهاية، فتماسك وتقو واحتمل». فقال املحتضر: «آه! ولكن لا
َّ أجد ما أتقوى به وأعتمد عليه، ليس لدي رجاء ولا أمل في حياة أخرى سعيدة، كل ما
حولي ظلام».
وأما الحب فعماد الدين الحق، إنه في الدين يصحب الرجاء ولا يصحب الخوف، قد
يبعث الخوف اجتناب الشرور والإتيان بالشعائر، ولكنه كالشرير يجتنب الجريمة اتقاء
السلطان؛ بل الحب في الدين قد يستغني عن الرجاء والخوف.
ً وكانت حمامة الحب أجمل الحمامات شكلا، وأرشقها حركة، ففتن الناس بجمالها
أكثر مما فتنوا بحقيقتها، فصنعوا لها تماثيل كثرية وسموها الحب ولا روح لها. وكل
يوم يسيء الناس استعمال اسمها ألوف املرات في أتفه الأشياء، أو في لا شيء، ويحدث ذلك
حني تطري إلى السماء، أو تكون في مألف القليل ممن يفهم حقيقتها.
هذه قصة؛ وأما القصة الثانية فهي أن جنِّ َّ ية ظريفة ممنك يسكن الأمكان السحيقة، أحبت
ً املرح يوم ً ا، فنزلت أرض الناس ونسلت فيها؛ وشاء صغارها أن يلعبن، فصنعن «عروسا»،
َو ْ َ بنني ً لها دارا على قدرها، وأرادت الأم الكبرية أن تدخل املنزل وترى «العروس»، فصغر
باب املنزل عن حجمها؛ ففكرت فكرة شيطانية: أن تفرق أجزاءها وترسلها جزءًا جزءًا،
ففكت أصابعها وأدخلتها، ثم رأسها، ثم قلبها، ثم سائر أجزائها: فلما كانت جميع الأجزاء
في املنزل ضاق بها، واحتك بعضها ببعض، فتخاصمت الأعضاء وتحاربت، وتنازعت على
ّ الأماكن، كل يدعي ملكية مكانة، وأنه أولى به، ولا تقبل من أي عضو احتلال مكانه أو
القرب منه أو التحكك به. ثم أراد بعض الأعضاء الخروج فوجد الآخر في طريقه. وأبي
ً أن يفتح له الطريق خشية أن يحتك ببعض الأعضاء الأخرى، واحتبس الأعضاء جميعا
في بيت «العروس» الصغري املظلم، وتدافعوا من غري جدوى، واضطرب أمرهم، وأدركتهم
الحرية، وعمى على الأعضاء أمرهم وعلاقتهم بالجسم كله؛ وحينئذ نبض القلب، ووقف بني
سائر الأعضاء خطيبً ً ا قائلا: «أيها الأعضاء! إنكم كلكم مني، وقد ساءت حالكم، واضطرب
أمركم، وسأقدم لك النصح لأزيل اضطرابكم، وسأقدم لك املعونة لتخرجوا من مأزقكم،
إني شاعر بحرجكم وضيقكم، وسأعمل لرفع الحرج عنكم».
قال بعض الأعضاء: «إنا راضون عن مكاننا، غري قلقني في موقفنا».
21
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
قال القلب: «لا بأس، إنكم اعتدتم الظلام فحمدتموه، وألفتم الضيق فاطمأننتم إليه،
وستحمدون معي الخروج إلى النور، والسعة بعد الضيق».
ً وما زال بهم حتى ألف بينهم وقادهم عضو ً ا عضوا إلى الخارج، ثم جمع أشتاتهم
على أحسن ما كانوا.
قال القلب هذا لأنه وحده الذي شعر أن كل عضو جزء منه، وأن كل الأعضاء متفرقة
ً منه متجمعة حوله: وهكذا رجعها كلها إليه. وأعادها متماسكة جسم ً ا واحدا كما كانت.
ودعا القلب هذه الدعوة؛ لأنه سكن الحب؛ لأنه وحده الذي يستضيء بنوره، وينصهر
بناره؛ وهو وحده الذي ملا مسه الحب كان منه الصبر واحتمال املكاره والتسامح
والتضحية، والعمل لخري الجميع.
ً أليست دنيانا منزل «العروس»؟! كنا جسم ً ا واحدا أبناء آدم وحواء، فتفرقنا في أنحائها،
وتخاصمنا في ملكيتها، واحتبسنا فيها، وفقدنا الشعور بوحدتنا، وسددنا الطرق على
أنفسنا، وظن كل عضو أنه مستقل بنفسه، مستغن عن غريه.
إن العالم في كل أزمة كهذه ينتظر الداعي الذي يجمعه بعد تفرقة، ويأسوه بعد
جراحه، ويدعوه إلى جمع شتاته؛ وما هذا الداعي إلا نفوسه الكبرية التي يجود بها الزمان
من آن لآن، على ندرة كندرة الجوهر في الأحجار، والصندل في الأشجار. إن هذه النفوس
تشعر شعور الناس، وتحمل أعباء الناس، وتحيا للناس؛ إنها بعملها تنسج املستقبل،
وتلد الأفكار للجيل الجديد؛ إنها تسمع شكوى الشعوب من ثقل أغلالهم، واستغاثتهم من
ِّ سوء قيودهم، فتقدم أغلى شيء لديها لفك قيودهم، وتحرير عقولهم؛ إنها تعثر في أثناء
جهادها على حجر الفلاسفة الذي تقلب به معادن الناس إلى ذهب خالص؛ إنها بأقوالها
ِّ وأفعالها تحرك العالم وتحو َ له من ج ْزر إلى مد؛ إنها ترى الغرض الأسمى على ضوء نار
الحب فلا تهاب شيئًا، وتسري إلى غرضها لا تلتفت يَمنة ولا يَ ِّ سرة، محطمة في طريقها
الأصنام التي تعوق الناس عن سريها، منشدة أناشيد الإنسانية التي تملأ الناس حماسة
ً وأملا.
22
الحياة الروحية (4(
سعة النفس
ُ ا كما تختلف الحجر واملنازل والأماكن؛ فمن الناس من تضيق
تختلف النفوس سعة وضيقً
َ نفسه حتى تكون كس ّم الخياط، ومنهم من تتسع نفسه حتى تشمل العالم وما فيه.
تولد النفس ضيِّقة شديدة الضيق، ثم كل تجربة من الحواس الخمس توسع دائرتها،
وكلما زادت تجاربها زاد اتساعها.
وفائدة التربية توسيع النفس؛ فكل موضوع نتعلمه يزيد في اتساع نفسنا كما يزيد
ً في اهتمامنا. فإذا قرأنا التاريخ — مثلا — قديمه ووسطه وحديثه زاد شعورنا بالأجيال
املختلفة على تعاقبها، واتصلت نفوسنا بالعالم على توالي العصور، وارتبطت بعظماء
ً الرجال على نحو ما، فكان ذلك كله عنصر ً ا هاما لسعة النفس؛ وكذلك درس النبات،
يزيد اتصالنا بعالم النبات ويخلق فينا عينًا جديدة نقرأ بها في النبات وأنواعه وتطوره
ً وحياته ما لم نكن نقرأ، فتتسع نفوسنا من هذه الناحية اتساعا يجعل علم النبات جزءًا
منا؛ وكذلك الشأن في كل علم من جيولوجيا وفلك وطبيعة وكيمياء. كل علم بشيء يبعث
ً موجات لا سلكية من الأشياء املعلومة ويجعل من نفسنا جهاز ً ا مستقبلا لها، وعلى قدر
علمنا بالعالم حولنا تكون سعة نفسنا، وتكون مقدرة استقبالنا للموجات، ويكون تجاوب
نفسنا مع العالم.
وكما تتسع نفس الإنسان بعلمه بالشيء تتسع قدرته ونفوذه؛ فاملهندس يرى في
الأبنية ما لم نر، ويقرأ فيها من أحجارها وأخشابها وأوضاعها ما لم نقرأ، ويستطيع
أن يتخيل من الصور والأبنية والأشكال ما لم نتخيل، ويخرج إلى الوجود من املشروعات
والتصميمات ما لم نستطع؛ وشتان بني موسيقى يدرك أدق شيء فيما يسمع، ويُصغى
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ْع َجب به، وبني من ليس له أذن موسيقية فلا يميز
إلى نفسه فيستخرج من الألحان ما نُ
ً بني صوت وصوت، فضلا عن خلق ألحان جديدة!
ً هناك وسائل كثرية لتوسيع النفس، أكثرها شيوعا مزاولة الأعمال املادية مهما اختلفت
هذه املادة، فالنجار في نجارته، والحداد في حدادته، والتاجر في سلعه، والزارع في زرعه،
ٌّكل يوسع نفسه ونفوذه في ناحيته. فممارسته العمل تنمي خياله في موضوعه، فيحلم
بأشياء في ذهنه استخرجها إلى حيِّز الوجود بعمله، وكل التحسينات في الصناعات ناشئة
عن هذه السعة في النفس التي تتبعها قوة الخيال وإصلاح الإنتاج.
وكل ما يباشره الإنسان ويتصل به يكون جزءًا من نفسه؛ فبيتك الذي تسكنه، وأثاث
َّ منزلك ومالك وثروتك، كل هذا يتحد مع نفسك ويكون جزءًا منها، من تعدى عليه فقد
تعدى على نفسك، ومن عاب بيتك أو أثاثك أو صناعتك فقد عاب نفسك، ومن مدحها فقد
مدح نفسك، وهكذا.
وهكذا الشأن في املعنويات، فمن ضروب توسيع النفس وسعادتها اتصالها بنفس
ً مثلها، فقد تشعر النفس بضيق وظلام حتى تجد نفسا تألفها، فتشعر بالسعة بسد
الضيق، والنور بعد الظلمة، وتشعر بلذة التجاوب بني النفسني، والتناغم بني الروحني،
ً وهذا هو سر السعادة في الصداقة، والسعادة في الحب؛ فالنفس تشعر بسعتها، وأن نفسا
ّ أخرى انضمت إلى نفسها وتكو ٌّ نت منهما وحدة، تسعد كل بسعادة الأخرى، وتكمل كل
نفس الأخرى، وتستمد كل نفس قوة من النفس الأخرى، وربما استطاعا بامتزاجهما
ً ا لا تستطيع أن تنتجه كلتاهما ولا هما معا غري ممتزجني، كالعنصرين
أن ينتجا شيئً
ِّ يمتزجان فيكو ً نان عنصر ً ا جديد ً ا ليس أحدهما وليس هما معا متفرقني منفصلني. وعمل
الأنبياء واملصلحني أن يوحدوا الغرض بني النفوس، ويعملوا بتعاليمهم على توحيدها،
فإذا الجمعية الأولى املتلفة حول النبي أو املصلح متحدة كأنها نفس واحدة، واسعة لأن
كل نفس تشربت سائر النفوس، وإذا ما يصدر عنها مجتمعة يستدعي العجب. ومما
ينشده كبار املصلحني املتفائلني في العالم تحقيق نظم اجتماعية وسياسية إنسانية تدرك
هذه الحقيقة، فتوسع النفوس بالتوحيد بني أغراضها، والتأليف بني قواها، والقضاء
على عناصر التفريق من وطنية وعصبية ودينية وقومية وجنسية ولغوية، حتى تتسع
النفوس إلى أقصى حد ممكن، وتتجه كلها لخري الإنسانية على السواء، وإذ ذاك يقفز
املجتمع الإنساني واملدنية قفزة لم يرها التاريخ؛ لأن التاريخ في جميع عصوره كان
َّ معوقًا بالعصبيات القبلية والقومية، والحدود الجغرافية، والنزعات الوطنية والجنسية،
والخلافات الدينية، وكلها مظاهر لضيق النفس.
24
الحياة الروحية (4(
ومن مزايا الدين توسيع النفس، وهو ما عبر عنه الإسلام بانشراح الصدر؛ ولعلك
ً صادفت في حياتك أناسا ضاق صدرهم، وتغلب عليهم الشعور بأن القدر يعاكسهم،
والحظ يعبس في وجوههم، وأنه كلما سلكوا طريقً ا سد أمامهم. إن الدين كفيل بإزالة
ً هذا الشعور، وشرح الصدر وتوسيع النفس؛ فاملؤمن يشعر شعورا عميقً ا بأن قوة تؤيده
وتكتسح الصعاب أمامه، وهو يشعر بانهدام السدود والحدود في طريقه، وهو يشعر
بانعدام الزمان واملكان بضمه عالم الغيب إلى عالم الشهادة، واتصال الحياة الأخرى
بالحياة الأولى، فهو واسع الرجاء، لا يعوق نظره عائق، ينجذب إلى عالم علوي فيه
السعادة وفيه الرضا وفيه الطمأنينة. الدين الحق يغري النفسية فينقلها من عالم ضيق
ُ محدود إلى عالم فسيح غري محدود، كالذي حدث في عبَّاد الأصنام في الجاهلية ملا انتقلوا إلى
الإسلام؛ فشتان بني أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وخالد بن الوليد الجاهليني،
وبينهم أنفسهم وهم إسلاميون! ما أضيق نفسهم في حياتهم الأولى وما أوسعها في الثانية!
وكما أفادهم الدين سعة نفس أفادهم قوة نفس؛ فمحال أن كان الجاهليون من العرب
يفتحون ما فتحوا وينتصرون ما انتصروا إذا بقوا على دينهم الأول، ولو تجمعوا حول قائد
حربي كبري؛ فإن انتصارهم يرجع إلى سببني كبريين: التوفيق في اختيار قوادهم، وأهم
من ذلك العقيدة بأنهم مؤيدون بقوة من عند ربهم. الدين هو الذي فتح أمامهم الأفق،
ً وملأهم روح َّ ا للعمل؛ بل هو الذي غري ً موقفهم نحو الحياة، فجعل من الجبان شجاعا،
ً ومن البخيل سمحا، ومن الشاك مؤمنًا، ومن الجزوع مطمئنًا — قد كانت النفوس قبله
مكبلة ببعض أوهام من غضب الصم ورضاه، ومن عادات وتقاليد تشل العقل وتقيد
ً الروح، فلما آمنت بإله واحد فوق كل شيء يرضيه الخري ويغضبه الشر، سمت سموا
كبريًا. وفساد الدين يأتي من التعاليم التي تضيق النفس، وتحجبها عن عاملها العلوي
الفسيح — فالنفس إذا اعتقدت في الخرافات ضاق حيزها، وإذا امتلأت رعبً ً ا وفزعا من
النار وعذابها ارتبك حالها.
ُّ ومن أكبر ما أفسد الدين — في نظري — تزمت رجال الدين ومبالغتهم في وصف
ا
الله — تعالى — وصفً ا مخيفً ا مرعبًا، بدل أن يصفوه — كما وصف نفسه — رحمانً
ً رحيما يعفو عن كثري. وقادهم هذا النظر إلى التخويف من كل نعيم الحياة، حتى قالوا
إن الضحكة يؤاخذ عليها، والأكلة الطيبة. وضع الحساب، ونادوا أن لا غناء ولا فرح، ولا
ً سرور بالحياة — ما هذا كله؟ وكل ذلك يفسد النفس ويخلق منها مزاجا شيئًا لا يصلح
للحياة! إن الدين الحق يتفتح للحياة الدنيا كما يتفتح للحياة الأخرى، ويكون أساسه
25
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
حب الله الذي يحب الناس، وأن في الدنيا جنة وفي الأخرى جنة. إن التزمات في الدين
مغالاة في الحكمة حتى تعود سخفً ا، وحتى تحطم الحياة. الدين الحق يُدخل السرور على
القلب والنشاط على النفس؛ أما الحزن والخوف فيضيق الصدر، ويشل النفس ويبعث
السأم. أصبحت الصورة التي يرسمها رجال الدين للمتديِّن — مع الأسف — صورة رجل
ً منكس الرأس تواضعا، مملوء القلب رعبً ً ا، زاهد في النجاح في الحياة الدنيا طمعا في الحياة
الأخرى، مغمور بالكرب خوفًا من املوت وما بعد املوت، راغب عن متع الحياة، شديد
املحاسبة لنفسه في كل ما يأتي وما يذر، عابس في وجه الحياة خوف أن تضله، منهمك في
العبادة غري عابئ بحقوق الناس، يفر من الصوت الجميل، ومن امللبس الجميل، والنظافة
الجميلة، والفكاهة الحلوة، إلى نحو ذلك.
وهذه الصورة التي رسمها بعض رجال الدين وزادوا فيها على اختلاف العصور
َستغل ولا يَ ِستغل ويُ َحكم ولا
تنتهي إلى رجل ضيق الأفق حرج الصدر لا يصلح للحياة، يُ
يَ ُحك ِ م، ويذل ولا يعتز، وفي ظني أنه يشقى في الدنيا ولا يسعد في الآخرة؛ فلو أراد الله منا
العمل للآخرة وحدها، لاستغنى عن وجود الدنيا واختصرها — إنما الصورة الصحيحة
للرجل الصالح رجل أحب الله أكثر مما خافه، وأحب الناس من حبه هلل، وتفتحت نفسه
للدنيا كما تفتحت للآخرة، ربط دينه بإسعاد الناس والتخفيف من متاعبهم، يضحك
ويواسي، ويصلي ويتقن عمله، ويحسن علاقته باهلل وبالناس، ويبسم للحياة ولا بأس
باملوت إذا املوت نزل، ويرى الخري في أن يكون في الصدر في الدنيا وفي أعلى عليني في
الآخرة، ويرفع رأسه في الدنيا لأن ذلك مقرون برفع الرأس في الآخرة، يوسع نفسه حتى
تحتضن الإنسانية بأجمعها والكون وما فيه، يعتقد أن الدين في القلب لا في املظهر، والدين
املعاملة لا العبادة وحدها، وأن خري الناس عند الله أنفعهم للناس — وقد كان هذا هو الدين
ِّ الأول قبل أن يفسده املخرفون، وكانت هذه هي صورة املتديِّن قبل أن يشوها املتأخرون.
لو كان الدين أتى أوله بمثل ما أتى به آخره ما تحرر أهله، ولا انتصروا ولا غروا، وكانوا
ً طعمة لجريانهم، أذلة في أنفسهم. إن الصورة الأولى التعيسة تملأ النفس شعورا بالضعة،
ً وكما يعبر علماء النفس الآن تزيده شعورا «بمركب النقص»؛ بينما الصورة الثانية تبعث
على التسامي. ومركب النقص يفقد الثقة بالنفس وبالرب، والتسامي يبعثها. إن للنفوس
قوانني طبيعية لا تتخلف: احرم النفس طمأنينتها واملأها رعبًا وجدردها من متع الحياة
تفقد احترامها وقوتها، وأمدها باملال الذي يلزمها وأصلح الظروف التي تحيط بها تتفتح
وتحس القوة والعظمة. واعتماد النفس على إله مخيف ليس كاعتمادها على إله محب
رحيم، وشتان بني شعور ابن نحو أب يحب ويرحم، ونحو أب يخيف ويرعب.
26
الحياة الروحية (4(
إن الدين الصحيح يغذي الشعور بالتسامي والتفوق، ويعالج الشعور بالنقص،
والدين إذا فسد كان على العكس. الدين الصحيح ينقل النفس من «السوداء» والرعب إلى
الطمأنينة والسعادة. إنه يوسع النفس حتى ترى بينها وبني الناس كلها، وبينها وبني
املخلوقات كلها نسبًا كنسب الأسرة الواحدة، ربها الله.
ً ويحدث في النفوس العظيمة أن تتصل بعالم غري منظور فيتسع أفقها اتساعا
مضاعفً ا — وهي ظاهرة من الصعب إنكارها، وإن عز على العلم شرحها. وما نسميهم
بنوابغ العالم وعظمائه هم من هذا القبيل؛ خلقت نفوسهم ولها الاستعداد والقدرة على هذا
الإتصال، حتى لنرى هذا النوع — من كبار الأدباء والفنانني — يتعرضون لكتابة كتاب أو
تصوير فكرة فريتج عليهم ويصابون بالعقم، فما هو إلا أن يشعروا أن بابًا كان مغلقً ا ثم
انفتح فجأة، فاتصلت نفوسهم بعالم غري عاملهم، ورأوا ما لم يكونوا يرون. وتدفقت عليهم
الإلهامات واملعاني والأفكار، حتى كأن الرواية أو الكتاب أو القصيدة أو الصورة الفنية
أو القطعة املوسيقية تكتب نفسها؛ وهؤلاء يعالجون التعرض لهذا الوحي بأشكال شتى،
ومعالجات نفسية، يستطيعون معها أن يستقبلوه، إما بنوع من العزلة والاستغراق، وإما
َ بالتفكري في فكرة نبيلة، أو بقراءة كاتب ملهم مثلهم وتركيز النفس فيما كتَب أو نحو
ً ذلك. وليس أحد منا إلا من قرأ أو جالس عظيما فعجب كيف اتسعت نفسه هذه السعة،
ُ وكيف تتدفق منه الأفكار والآراء كأنها وحي منزل، وتفيض منه القوة حتى يُ ْعِدي بها من
قرأه أو سمعه. وعظماء رجال الدين من هذا القبيل تتسع نفوسهم لاتصالها بعالم روحي
لا يقاس به عالم املادة. ويكاد يكون عند كل إنسان نوع من الاستعداد لهذا الوحي، ولكن
َّ الفرق بني النفوس كالفرق بني حبة ظلت حبة، وحبة وجدت جوها وغذاءها فأخرجت
ً ا وأزهار ً ا وأثمارا. والتربية الصحيحة وتعاليم الدين الصحيحة هي
ً جذور ً ا وجذعا وأغصانً
التي تربي النفوس وتغذيها وتجعلها أقدر على أن تكمل نفسها وتوسع أفقها.
27

ُ في الأدب العربي: ع ْرَو ُة بن َ الو ْرد
في عصر يوم زرت أستاذنا الجليل «أحمد لطفي السيد باشا» في مصيفه في «رأس البر»،
وأخذنا نتحدث فنونًا من الحديث، حتى وصل بنا إلى الأدب، فقال:
لفت نظري وأنا أقرأ في «الأغاني» اليوم ما حكاه من أن معاوية قال: «لو كان
ُّ لعروة ولد لأحببت أن أتزوج إليهم» وأن عبد امللك بن مروان قال: «ما يسرني
ً أن أحدا من العرب ممن لم يلدني قد ولدني إلا عروة بن الورد.
كيف يكون هذا ومعاوية هو ما هو في نفسه، وفي ملكه، وفي عظمته، وفي قومه، ثم
يتمنى أن لو نال شرف الإصهار إلى عروة؟ وعبد امللك بن مروان، وهو ما هو في كل ذلك،
يتمنى أن يستعيض عن نسبته إلى معاوية وأبي سفيان وبني أميَّة — هذه النسبة التي
جلبت له امللك الضخم — بنسبته إلى عروة بن الورد؟
ِّعرف الصعلوك بأنه
ُ ومن هو عروة؟ صعلوك من صعاليك العرب. وكتب اللغة تُ
الفقري الذي لا يملك شيئًا، ولا اعتماد له إلا على الغارة والتلصص.
كيف يستقيم ذلك في الأذهان؟ أحد أمرين: إما أن تكون هذه الأقوال املنسوبة إلى
معاوية وعبد امللك غري صحيحة، وإما أن يكون فهمنا للصعاليك غري صحيح!
ِح ْر جوابًا.
ُ
ُ وجدت السؤال صعبً ً ا، والاعتراض وجيها، فلم أ
واليوم عدت إلى مكتب وذكرت السؤال فرجعت إلى ديوان عروة أتلمس الحل. وجدت
أن عروة — كما يصفونه — كان عبسيً ً ا، من قبيلة عنترة، «وكان فارسا من فرسانها،
ً وصعلوك َّ ا من صعاليكها املقدمني الأجواد، وكان يلقب بعروة الصعاليك، لجمعه إياهم،
َ وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم، ولم يكن لهم معاش ولا م َغزى».
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ووجدت أن كلمة الصعلوك تطلق على معنيني متقابلني أتم التقابل، أحدهما في
منتهى الخسة والضعة والذلة، والآخر في منتهى العزة والسمو والنبل؛ كلا املعنيني أساسه
ُ الفقر، ولذلك سِّم َي ً كلا الرجلني صعلوكا، ولكن شتان ما بينهما؛ فأما أولهما ففقري
كسول خامل، دنيء النفس، ساقط الهمة، يتلمس رزقه من السؤال، ويدور على املوسرين
يتحنَّنهم، ويستدر قوته الحقري من أيديهم، هذا صعلوك حقري. وأما الآخر فشهم شجاع،
َ يتلألأ وجهه عند الشدائد، ويطلب رزقه من سن رمحه، فإن نال ما طلب طِعم منه وأطعم،
َّ وأكل وآكل، وتزو َّ د وزود، حتى يأتي على آخره فإذا هو فقري، فهذا صعلوك نبيل.
َّ ولم آت بشيء من عندي في هذا التفريق بني الصعلوكني، فقد عبر عروة عنه تعبريًا
خريًا مما عبرت، وجلاه خريًا مما جلوت، فقال:
1
لا
حالهل
صعو
لًكا
إذا َّجن
ليهل
مصافي
ُم
الشاش
ف
آلًا
لك
مجرر
2
د
ع
الغني
من
دهره
كل
ليٍة
ل
أصاب
رقا
اهنم
صديق
ُم ِّ يسر
ُّ
ي
3
ُّ حت
الحصى
نع
جنهبالمتف
عِّر
ينام
عشاء
مث
يصبح
طاويًا
ي
4
قليل
التماس
الزاد
إلا لنفسه
إذا وه
أمسى
كالر
عيش
المِّو
جر
يعين
نساء
الحي
اميستعن
ً ه
فيضحي
طليح
ر
ا
كالبعير
المحس5
6
ولك
صعلوك
صحيفة
وجه
ه
كضوء
شهاب
القابس
المتو
نر
1 لحا: لعن، وجن الليل: أظلم، واملشاش: رأس العظم اللني الهش، ومصافي املشاش أي مفضله وملازمه،
ً وعاقد عقد الألفة بينه وبينه، واملعنى لعن الله صعلوكا حقري النفس، إذا أظلم ليله تحسس سقط الطعام
ولازم مكانه.
2 أي أن هذا الصعلوك إذا أصاب الضيافة من صديق غني حسب ذلك من نفسه غنى، أي أنه يرضى من
عيشه بقرى ليلة من صديق.
3 يحث الحصى: يفركه عن جسمه، وهذا علامة خموله ودناءة همته، فهو كثري النوم لا يسعى لرزق.
4 أي إذا هو أمسى وشبع بطنه مما أعطاه الناس سقط على الأرض من التخمة، كالكوخ الذي يتداعى
ويسقط، واملجور: الساقط.
5 أي يقضي نهار
ُ في الأدب العربي: ع ْرَوةُ بن َ الوْرد
ُم ً طلا
على
أع
ه
دائ
يزجروه
ن
بساحتهم
زرج
المنيح
المشر
ه7
فإن
بعدوا
لا يأمنون
اقر
ته
اب
تشوف
أهل
الغائب
المتنر
ظ8
فذلك
إن يلق
المنة
ي
يلقا
ه
حمًديا
وإن يستن
غويًما
فأجدر9
ً وفي هذا املعنى وتقسيم الصعلوك إلى هذين القسمني أيضا قال حاتم الطائي:
لا
ح
اله
ل
صعلوًكا
ُمناه
وهه
م
نم
العيش
أن يلقى
لو
بًسا
ومطًم
عا
ينام
الضحى
حتى
إذا اللل
ي
َجنَّه
تنبه
مثلوج
الفؤاد
مورًما10
مقًم
يا
مع
المر
ثين
ليس
ببارح
إذا نال
جدوى
نم
طعام
ومجثام11
ولكن
صعلوًكا
يساور
همه
ويمضي
على
الهيجاء
ليثً
ا
ا
مصمم12
إذا ما
رأى ويًما
مكارم
ر
أعضت
تيمم
كبراهن
ثمت
صما
م13
فذلك
إن يلق
الكرية
ه
يلقا
ه
حمًد
يا
وإن يستغن
ويًما
رفبا
م14
?? ?
ً كان عروة صعلوكا باملعنى الثاني، يلمع في وجهه ضياء الأمل والنشاط، ويترفع
ِّ غري عليهم فيستغني منهم، ويفرق ماله على من
عن املعيشة الدنيئة، ويهابه أعداؤه، ويُ
ً ا نبيلا.
حوله، ويعيش فقريً
7 ً مطلا: مشرفًا على أعدائه يغزوهم، فيزجرونه ويصيحون به — كما يصيحون بقداح امليسر عند اللعب
بها — ليبعدوه.
8 أي إن بعد أعداؤه عنه لم
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وحول هذه املعاني كلها كان شعره كله، فهو يسمى للمجد وحسن الذكر فإما مات
في سبيله وإما ناله:
ذريني
ونفسي
أم حسان
إنني
با
هقبل
ألا أملك
البع
ي
ُمشتري
أحاديث
تبقى
والفتى
غر
ي
خالد
إذا وه
أمسى
هة
امفوق
صر
ي15
ذريني
أطوف
في
البلاد
لعلني
أخليك
أو أغنك
ي
نع
سوء
محر
ض
فإن
فاز
سم
ه
للمنة
يم
ل
أك
ً ن
جزوعا
وهل
عن
ذاك من
متأخر؟
وإن فاز
سم
ه
كفم
ك
نع
مقد
اع
لم
ك
خلف
أدبار
البيوت
ومنر
ظ
كان عروة اشتراكيًا عمليًا، لا اشتراكيًا نظريًا فحسب، يذكرنا بتولستوي على بُعد
ما بينهما في البداوة والحضارة، والأمية والثقافة، والزمن بني القرن السادس والتاسع
عشر؛ ولكن الروح النبيلة فيهما واحدة فقد حمل «عروة» عبء الفقراء في قبيلته، وآلى
ألا يستريح حياته أو يجدوا كفايتهم، وألف منهم فرقة تعمل معه وتسعى سعيه، وما
نالوا فهو للجميع، ونفسه لا تهدأ من الشعور بهذا العبء:
ومن
يك
مثلي
ذا عيال
ومقًر
تا
من
المال
يطرح
نفسه
كل
مطرح
ليبلغ
عً
ذرا
أو يصيب
رغيبة
ومبغ
ل
نفس
عذراهمل
ث
ُمنجح
وليس عياله هم أولاده كما نفهم نحن اليوم، ولكن من يعولهم من أهله وفقراء
قومه، كما تدل عليه سريته.
وقد جمع «عروة» فقراء قومه حوله، وبنى لهم حظرية يقيمون فيها، وهو يغزو
بأشدائهم أعداءه وأعداءهم، فما جمع وجمعوا فرقة عليهم، وساوى بني نفسه وبينهم،
ً وسماهم اسم ً ا إن كان قبيح ً ا اليوم فلم يكن قبيحا في عهده، سماهم «أصحاب الكنيف»،
«الكنيف» الحظرية تقام من الشجر فتقي من فيها الريح والتراب والبرد.
وكان له في الهجمات والغزو
ُ في الأدب العربي: ع ْرَوةُ بن َ الوْرد
يحدثنا الرواة عن حادثة طريفة حدثت له، فقد كان «عروة» حياته في جهد متواصل
من الغزو والقتال، وهذه هي أهم وسيلة من وسائل العيش في ذلك العهد، وكان إذا
ً أصاب إبلا أطعم أصحاب الحظرية منها، وقسمها عليهم قسمة عادلة، وأخذ لنفسه
نصيبً ً ا مثل نصيب أحدهم؛ فأغار يوم ً ا ونال إبلا كثرية، وسبى امرأة، فقسم الإبل بينهم،
وأراد أن يستخلص املرأة لنفسه، فأتوا عليه حتى يطبق الاشتراكية تطبيقً ا دقيقً ا، وطلبوا
ً إليه أن يقوم املرأة بالإبل ويجعلها سهما، فمن شاء أخذها ومن شاء تركها، أما أن
يستصفيها لنفسه فلا. فغضب «عروة» أشد الغضب، وفكر أن يهد الحظرية على من
فيها، وينزع منهم ما أسدى إليهم، ويقتل من أبى عليه منهم، ولكن رجعت إليه نفسه
ِّ الخرية فقال: «إن فعلت أفسدت ما صنعت»؛ ثم نزل على حكمهم وترك املرأة لهم، وشكا
في شعره الناس ونفسيتهم، يقول فيه إنهم كسائر الناس، ضعاف إذا جاعوا، لئام إذا
شبعوا؛ وإني وإياهم كالأم والرءوم على ولدها الصغري ترضعه وتحمله، وتغذيه وتلببه،
وترهن له ماء عينيها، حتى إذا تم شبابه، وأدرك خريه تزوج، فقلبت الزوجة الأم على
ابنها، وسلبته قلبه بما تطيب له وتزين فحارت الأم في أمرها، إما أن تخسر ابنها إذا
تنكرت له، أو تصبر على الألم من أن تكون زوجته آثر عنده منها، فدفعتها الشفقة أن
تختار الثانية، وهذا ما كان منه مع أصحاب الحظرية، فذلك قوله:
ألا إن أصحاب
الكنيف
وجدتهم
كامالناس
لامأخصبوا
وتو
موا
ل
وإني
لمدفوع
إلى
ولاؤهم
بماوان
إذ نمشي
وإذ نتمل
ل16
? ? ?
فإني
وإيم
اك
كذي
الأم أرهنت
هل
ماء
عينيا
هتفدى
ونحل
م
فلا
م
ترجت
نفعه
وشبه
اب
أتت
دوناهأخرى
جد
ديتكل
ح
فباتت
لد
ح
الر
مفقين
كليها
م
وتحوح
ما
منابها
ووتو
لل17
16 ماوان: واد في شرقي املدينة، يقول: أدركتهم وهم هزلى
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
تخر
ي
من
ر
أمين
ليا
سبغبة
ط
وه
الثكل
إلا أنا
هدق
تجل
م18
?? ?
ً أكبر ميزة لعروة أنه كان رجلا، وكان يشعر بالناس أكثر مما يشعر بنفسه، واخترع
لذلك املعنى التعبري الفني الجميل «أقسم جسمي في جسوم كثرية»، أي أقسم ما يلزم
لجسمي من طعام في أجسام الناس، ثم هو لا يعبأ بهزاله إذا سمن قومه، ولا يعبأ
بالأعباء يحملها لتخفيفها عن عشريته، وقد لخص هذه النظرات في وصف نفسه بقوله:
إني
امرؤ
عافى
أنائى
شركة
وأنت
امرؤ
عافى
أناثك
و د
اح19
أتهزأ
مني
أن سمنت
ودق
ت
د
رى
بجسمي
مس
الحق
والحق
جاه20
أقم
س
جسمي
في
جسوم
كثيرة
وأحو
س
قراح
الماء
والماء
بارد21
لعل هذه املعاني النبيلة وأكثر منها هي التي جعلت معاوية يتمنى أن يصاهره،
وعبد امللك يتمنى عروة أن يكون أباه؛ وهذا سمو في تفكري معاوية وعبد امللك عظيم،
وتقدير ملعاني النبل كبري.
18 يقول تفكر في خسارته أو مجاملته، وتتخري ما تريد أن تصنع، ثم تقول هو ولدي ولا غنى لي عنه.
19 عافى إنائي شركة: أي طالب املعروف مني خلق كثري.
20 والحق جاهد: أي يجهد الناس، والحق الذي يعني
في الطريق
مررت أمس في الشارع فرأيت «عسكري املرور» يرفع يده أو يصفر، فيقف كل من في
جانب، ويتحرك كل من في جانب، ولا من يجرؤ على مخالفته، كأن في يده عصا سحرية
ترغم على الطاعة.
الحوذيون يطيعون، وسائقو السيارات بما يحملون من بكوات وباشاوات وآنسات
وسيدات يطيعون، واملارة على أرجلهم يطيعون، فما كل هذه العظمة؟
ليت هذا السحر في لسان املعلِّم، يأمر وينهي تلاميذه فيطيعون، فإني أرني لجالهم
يأمرون فيعصون، وينهون فيعصون، وهم وتلاميذهم في نزاع دائم، وحرب مستمرة،
ُ ويذهب املعلم آخر النهار كأنه ضرب مائة سوط من كثرة املحاكمة واملخاصمة.
وليت هذا السحر كان للمصلحني، فقد بح صوتهم ولم يُسمع نداؤهم، فطاملا قالوا
للأغنياء تبرعوا للفقراء فلم يتبرعوا، وللكسالى جدوا فلم يجدوا، وللحكام اعدلوا فلم
يعدلوا، وذهبت أقوالهم في الصحف واملجلات والكتب والخطب أدراج الرياح، ولو منحت
أقلامهم وألسنتهم قوة «عسكري املرور» لصلحت الأمور في لحظة، وتقدمت الأمة ألف
خطوة في ملحة.
ً وليت هذا السحر كان للآباء والأمهات في البيوت، فإنا نجد الأسرة نار ً ا متقدة، ونزاعا
َهى الأم فتخالف البنت، فلو كانت لهم سلطة في البيت
نْ
حاميًا، يأمر الأب فيعصي الابن، وتَ
كسلطة «عسكري املرور» لشملت البيت السعادة ولفّته الطمأنينة والهدوء.
وليت للحكومة هذا السحر تصدر أوامرها فلا يُتلاعب فيها، وتصدر التعليمات في
التموين وغري التموين فلا يُتحايل في العبث بها، كما لا يستطيع أن يتلاعب املارة بأوامر
«عسكري املرور».
الحق أن هذا السحر حريني في تعليله!
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
الشخصية (عسكري املرور؟) كلا! فمنهم ضعاف الشخصية ويسمع لقولهم
كأقوياء الشخصية سواء بسواء، حتى لو استعضت عن هذا العسكري بقطعة زجاج
ملونة حمراء وخضراء وراءها مصباح عادي لكان لها هذا السحر.
ً أم لأن وراء العسكري قوة القانون؟ وهذا أيضا غري صحيح، فقوة القانون وراء كل
ً الأوامر التي تصدرها الحكومة، ومع ذلك تخالف سر ً ا وجهرا، ويُتحايل على الهرب من
ً أوامرها ونواهيها حيلا لا تُحصى.
قلت ربما كان السبب أن تنفيذه تحت سمع الجمهور وبصره، فمخالفته مخالفة
صريحة وراءها العقوبة الحتمية السريعة وهي ازدراء الجمهور للمخالف؛ ثم وجدت
ً أيضا أن هذا لا يكفي، فالجمهور بحمد الله ليس له من القوة ما يخيف، وليس له من
الغرية على تنفيذ القوانني ما يُخجل من مخالفتها.
وقلت: لعل السبب تعرض املخالف للخطر! ولكن رأيت هذا الأمر يطاع حتى في
ساعة قلة الازدحام وعدم احتمال الخطر.
وأخريًا حرت في بيان السبب فتركته للقراء.
انتقل ذهني بعد ذلك — بحكم تداعي املعاني — إلى مسألة متصلة بها، وهي
هل الأوامر والنواهي تختلف قوة وضعفً ا؟ وملاذا واللغة واحدة والفعل فعل أمر، ولا لا
ً الناهية، والنحويون لم يفرقوا بني أمر وأمر، ونهي ونهي، ففعل الأمر مبني دائما، وفعل
ً النهي مجزوم أبدا؟ ومع هذا نرى دنيا الواقع تخالف دنيا النحو.
فهناك أمر عسكري املرور، وهو في القمة من الحتم والجزم وقوة التنفيذ.
وهناك أمر الطبيب ونهيه للمريض بأن يأكل كذا ويمتنع عن كذا، وهي أوامر ونواه
قوية، ولكنها لا تبلغ قوة الأول، فكثريً ً ا ما يهزأ بها املريض ولا يعريها اهتماما، ومع ذلك
فلها قوتها على قدر رغبة املريض في الصحة وإيمانه بالطبيب.
وهناك أوامر الواعظني في املساجد واملجتمعات العامة، وما أضيعها!
وهناك أوامر املعلمني لتلاميذهم بأن يلتفتوا إلى الدرس، ويؤدوا الواجبات في منازلهم
في حينها، وهي أوامر حالها كحال أوامر الوعاظ.
وهناك أوامر «العسكري» حني يجاوز املرور إلى الباعئني والبائعات، وحينئذ يفقد
سلطانه، وتصبح أوامره أضيع من أوامر املعلمني.
وهناك أوامر التسعرية في تحديد أثمان السكر والورق، وما إلى السكر والورق، ولا
أستطيع أن أقول فيها شيئًا.
36
في الطريق
وإذا كانت الأوامر تختلف هذا الاختلاف، فواجب علم النحو الحديث أن يقسم فعل
الأمر إلى أقسام متعددة، ففعل أمر بوليسي، وفعل أمر تعليمي وفعل أمر تمويني الخ،
لأن لكل عصر نحوه وتصريفه.
وانتقلت بعد ذلك من فعل الأمر في علم النحو إلى فعل الأمر في علم النفس، فمعلم يأمر
فيطاع، ومعلم يأمر فيُ َعصى، والأمران متشابهان، والتلاميذ واحدة حتى قد يكونون في
ً ستهزأ به، وقد يكون كلمهما دائرا على
فصل واحد؛ وواعظ يأمر فيُبكى، وآخر يأمر فيُ
معنى واحد؛ وأب يأمر فيطاع، وأب يأمر فيعصى.
وخرجت من ذلك إلى أن فعل الأمر وحده لا يكفي في التنفيذ، وإنما يحمل على
التنفيذ أمران ممتزجان أتم الامتزاج، فعل الأمر ونفسية الآمر، فإذا كانت نفسية الآخر
َ نفسية قوية و َجْد َت السامع تتخاذل نفسه أمام الأمر، وأحس أنه أمام قوة كهربائية
ً هائلة، فاضطر إلى تنفيذ فعل الأمر رغم أنفه؛ وإذا كان فعل الأمر صادرا من نفسية
ضعيفة، أوعز هذا الضعف إلى السامع العصيان أو الاستخفاف — ذلك أن النفس
الإنسانية مولعة بحب الأمر، لأنه مظهر السلطة؛ حتى الأطفال في ألعابهم يسرهم أن
يمثلوا في بيوتهم مع الخدم أو نحوهم موقف املعلم أو الأب في أمره ونهيه؛ والنفس
ً الإنسانية أيضا مولعة بالعصيان، لأنه إذا كان الأمر والنهي مظهر السلطة والشخصية،
فالطاعة والامتثال مظهر ضياع الشخصية؛ لذلك كانت النفس أميل إلى العصيان ما لم
تشعر بقوة الآخر وسلطان الناهي. وفعل الأمر والنهي في ذاته لا قيمة له، فهو لفظ
سيال، ينتهي بمجرد النطق، وإنما الأثر الحقيقي أثر النفس، فهي التي تضيّق على
املأمور الخناق حتى تلزمه التنفيذ.
وشيء آخر، وهو أن املأمورين واملنهيني عندهم حاسة عجيبة يدركون بها تمام
الإدراك حال الآمر والناهي من صدق أو تهريج، ومن حرارة قلب أو برودة نفس، ومن
إخلاص أو نفاق، فإن شعروا بالصدق والحرارة والإخلاص خضعوا، لأن ذلك كله قوة
ملزمة، وإن شعروا بالتهريج والنفاق تنمروا، لأن ذلك ضعف يتستر بالقوة، فإذا نفذوا
وراء الستار أدركوا حقيقة الضعف.
ثم انتبهت من تفكريي، فإذا أنا قد جاوزت عسكري املرور بمراحل، وضللت قصدي من
غري وعي، فقلت: كم يجني فعل الأمر!
37

خطرات في اللغة
(1 (لاحظت أن اللغة تؤدي معانيها في دقة وإحكام في مواد العلوم كالرياضة،
َّ والطبيعة، والكيمياء، ومصطلحاتها مضبوطة قل أن يعتريها غموض أو إبهام، وقريب
من ذلك التاريخ، فاللغة قادرة على أداء معانيه وحمل رسالته أداء حسنًا، وإن لم تبلغ
في ذلك مبلغ العلم؛ فإذا نحن جاوزنا ذلك إلى الفلسفة والأدب، رأينا اللغة مسكينة
عاجزة عن أداء املعاني في وضوح وضبط وإحكام، حتى املصطلحات، من الصعب
ّ تعريفها وضبطها، فما أصعب أن تعرف «الوجود»، و«الحقيقة»، و«ما وراء الطبيعة»،
وما إلى ذلك، وما أصعب ما تعرف «الشعر» «والأدب» و«الخيال» ونحوها؛ وكذلك في
فروع الفلسفة والأدب، فمن الصعب تعريف «الجمال والجميل»، و«الفضيلة والرذيلة»،
َ و«الزمان واملكان» و«العدل والحرية»؛ ومن العسري تعريف «القصة والرواية واملثَل»؛
ً وما أكثر ما يقع الناس في الجدل والحجاج؛ لأن كلا يتكلم وفي ذهنه معنى للشيء غري
ما عند الآخر، ولو اتفقوا على التحديد لاتفقوا على النتائج! ولا أنسى حادثة رويت لي،
وهو أنه — منذ سنني — أرادت حكومة العراق التعاقد مع الحكومة املصرية باملراسلة
ً والخطابات، فكان الاتفاق مستحيلا؛ لأن كلتا الحكومتني كان لها معنى خاص في
مصطلحاتها لا تفهمه الأخرى، ولم يتم الاتفاق حتى تمت املشافهة والاتفاق على معاني
املصطلحات. وسمعت محاضرة لفاضل عراقي في التربية، فثار جدل حول املوضوع تبني
أن سببه الاختلاف في املصطلحات، فهم يطلقون اسم «املدارس الداخلية» على غري ما
نطلق، ويسمون «الفصل» ما نسميه نحن بالسنة، ويسمون الترفيعات ما نسميه نحن
بالترقيات، ويسمون «مدارس الحضانة» ما نسميه نحن برياض الأطفال؛ وهكذا.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
(2 (من أسباب وقوع الناس في الخطأ اللغوي عدم دقتهم في الاستنتاج؛ فهناك عقول
تستنتج من الجملة أكثر مما يلزم، وهناك عقول تستنتج منها أقل مما يلزم، وكلاهما
خطأ — إذا قلت: إن «الغول مرعب» فاستنتجت منه أني أقول: إن الغول موجود، فقد
اخطأت، واستنتجت أكثر مما يلزم؛ لأن الخيال قد يرعب، والوهم قد يرعب، ولو لم يكن
ً الشيء موجودا. وإذا حدثتك عن فرس بأنه أشهب، فاستنتجت أني أقول إنه موجود،
ً كان استنتاجك صحيح ً ا. ومن الناس من لا يفرق بني القضيتني — وليس الأمر مقصورا
على الجمل، بل دلالة الألفاظ على املعاني تختلف جد الاختلاف بني الأشخاص بحسب
مدنيتهم وثقافتهم وعقليتهم، فإذا قلت: «كرسي» لم يكن معناه عند الفلاح القروي
ّ كمعناه عند املدني املتحضر، وكذلك الشأن في كلمة «بيت»، و«دولاب»، و«سرير»؛ وإذا
ً قلت: «علم الحساب» فمفهومها عند الصانع املتعلم تعلم ً ا بسيطا ليس كاملعنى الذي
يفهمه العالم بالرياضيات، وهكذا، وهذا ما يجعل الناس إذا اختلفت مدنياتهم وعقلياتهم
ً وثقافتهم لا يتفاهمون تفاهم ً ا صحيحا. ومن أسباب ذلك عدم دلالة الألفاظ على معان
واحدة في الرءوس املختلفة، ولا تصدق أن معاجم اللغة تستطيع أن تشرح دلالة الألفاظ
ًشرح ً ا تام ً ا صحيحا، فلكل كلمة هالة غري معناها الأصلي يعجز املعجم عن شرحها، فدنيا
الأطفال التي تعني على شرح الألفاظ غري دنيا الرجال، ودنيا الفلاح غري دنيا املتمدن،
ودنيا الجاهل غري دنيا العالم، وكل يفسر الألفاظ حسب دنياه.
(3 (يتصل بهذا أن كل لفظ من ألفاظ اللغة يوحي بأشياء تختلف باختلاف الأشخاص
حسب بيئتهم وتجاربهم في الحياة وغري ذلك، فكلمة أبيض توحي إلى الفلاح باللبن، وقد
ْ توحي إلى الطفل بالسكْر، وقد توحي إلى سكان البلاد الباردة بالثلج، وكلمة «وزير»
توحي إلى الشرقيني بمعان غري ما توحي بها عند الغربيني؛ وكلمة «العيد» توحي إلى
الأطفال بمعنى الثياب الجديدة والأراجيح، وعند أطفال آخرين بالهدايا تهدى إليهم،
وعند الرجال بالزيارات والتهنئات الخ؛ ولكمة «البرملان» و«نظام الحكم» توحي بمعان
مختلفة في الأفراد املختلفة والأمم املختلفة. وهذا سبب آخر من أسباب الاختلاف بني
الناس في الإفهام والفهم، فوحي الألفاظ عند الناس يختلف اختلافًا كبريًا.
بل قد يكون اللفظ يوحي بمعنى عند الناس في عصر لارتباطه بحادثة أو نادرة،
فإذا نسيت الحادثة انقطع وحي اللفظ، فمنذ حني كانت كلمة «تعديل الأساس»، و«ردم
البرك»، و«الحكم الصالح» تستثري منا الضحك لإيحائها بمعان خاصة في ظروف خاصة،
فلما زال الإيحاء زال التأثري — أعتقد أنا فقدنا كثريًا من كتب الجاحظ وقطع الأدب
40
خطرات في اللغة
الاجتماعي؛ لأن بعض ألفاظها وجملها كانت توحي بمعان معروفة، فلما تقادم الزمن
جهلت فبطل سحرها — إن شئت فاقرأ رسالة التربيع والتدوير للجاحظ، وهي تدور
حول السخرية من «أحمد ابن عبد الوهاب» تشعر بغموض في بعض الجمل والإشارات،
وسبب وغموضها أنها كانت إشارات إلى أشياء مفهومة في زمنها، ثم انقطع وحيها
فغمض معناها.
ً (4 (ما وظيفة اللغة؟ يخطئ من يظن أن اللغة تؤدي غرض ً ا واحدا، وهو نقل
املعنى من ذهن، فلها أغراض أخرى كثرية قد يصعب حصرها، وقد يبعد إدراكها؛ فمن
أعجب أغراضها أنها أحيانًا تستعمل لتخدير الأعصاب، كتعزيمات السحرة مثل ألفاظ
«شمهورش»، و«جلجلوت»، ونحو ذلك، فهي لا تؤدي معنى، ولكن تخدر الأعصاب
بغرابتها وتأليف حروفها، ولذلك لا يصح أن نحاول كثريً ً ا فهم سجع الكهان فهم ً ا تاما،
ا
فهي لم يقصد منها الإفهام التام بقدر ما قصد منها التخدير، واملعاني املحلولة؛ وأحيانً
يقصد بالألفاظ مجرد ما توحيه من نغمات موسيقية لها أثرها النفسي كأثر املوسيقى
— ولذلك لم تكن تخلو الأدعية الدينية — إذا تليت في املعابد بلغة أجنبية — من أثر قد
ً يكون بالغا، لأن الألفاظ توحي بمعان سحرية موسيقية، وإن لم تفهم معانيها الأصلية،
وهذه لغة الإنسان الأول كانت صيحات متشابهة اللفظ، ولكنها أحيانًا تدل على الخوف،
وأحيانًا على الغضب، وأحيانًا على طلب النجدة، وأحيانًا على التحذير من خطر، وإنما
تختلف دلالتها باختلاف موسيقاها، وكذلك كان الشعر في أول أمره، غامض املعنى،
ًدالا باملوسيقى — فليس نقل املعنى من ذهن إلى ذهن هو الغرض الوحيد، إلا في الكتب
التعليمية في العلوم، والحوادث املحية في الجرائد، وجدول الضرب، وقانون اللوغاريتم،
ونحو ذلك، مما ليس فيه اتصال ما بني املؤلف وعواطف القارئ.
(5 (للغة أساليب مختلفة في أداء املعنى الواحد؛ فهناك دلالة تصريحية، وهناك دلالة
تضمينية، فإذا أراد أحد أن يقترض منك، فقلت له: «لا أقرضك» فهذه دلالة تصريحية،
وإذا قلت له: «ليس عندي نقود» أو «إني مدين» أو «قد كنت فكرت أن أطلب منك ما
تطلب مني»، فهذه كلها تدل على عدم الإقراض بطريق التضمني — واللغة ترتقي من
طريق الدلالة التضمينية أكثر مما ترتقي من طريق الدلالة التصريحية، وكلما ارتقى
ذوق الفرد أو الأمة شعر أن ما يناسبه هو التلميح لا التصريح. والدلالة التضمينية
لا الدلالة التصريحية — وهذا من أهم الفروق بني لغة العلم ولغة الأدب، فلغة العلم
أقرب ما تكون إلى الدلالة التصريحية، ولغة الأدب تسودها الدلالة التضمينية — لغة
41
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
املعادلات الجبرية وشرح النظريات الهندسية، وقوانني الطبيعة والكيميا لغة تصريحية،
ولغة الشعر لغة تضمينية؛ واملجازات والاستعارات والتشبيهات والكنايات كلها دلالات
تضمينية.
وقد دل البحث النفسي، على أن استمالة النفس من طريق الدلالات التضمينية
أقوى وأفعل من الدلالة التصريحية، ولذلك كانت الدلالة التضمينية لغة الخطباء
والأدباء والشعراء والوعاظ ورجال السياسة ورجال الدين؛ فالقصص ذات املغزى،
والعبرة بأخبار الأولني، والأساطري الرمزية كأساطري اليونان، وتحريك الوطنية بالشواهد
والأمثال، وتحميس الأمة للمشروعات الاقتصادية والاجتماعية، ونداء املصلحني، كل هذه
تعتمد على الدلالة التضمينية أكثر مما نعتمد على الدلالة التصريحية لهذا السبب النفسي،
وهو أن النفس أكثر استمالة من هذا الطريق. والسبب في هذا على ما يظهر أن الأوامر
والنواهي العريانة تشعر املأمور واملنهي بالضعة، ولذلك كان أقصى أنواع الزجر الأمر
الصريح، «كامش، واخرج، واذهب»، مصحوبة بالنغمة التي تدل على تعالي الآمر؛ أما في
الدلالة التضمينية فقد سمح املتكلم للمخاطب باستعمال عقله في الاستنتاج وفهم الأمر
من طريق خفي، فإذا هو استنتج الأمر فكأنما هو الآمر لنفسه، وهو إذا أمر نفسه لم
تكن هناك غضاضة عليه، وهذا يوضح لنا ما للعلاقة القوية بني اللغة والتفكري والخيال
والإرادة.
ونكتفي اليوم بهذا القدر من الخطرات اللغوية، وسنتبعها بمثلها إن شاء الله.
42
1
في الهواء الطلق(4(
كانت الرحلة هذه املرة إلى رجل كبري قد طوى مراحل الشباب، وصحب الأيام الخالية،
َّ تقوس ظهره وأعوجت قناته من طول ما حمل من أعباء العيش؛ خبر الحياة حلوها
ومرها، وعرف حياة الفلاح في حقله. واملوظف في مناصبه املختلفة، ومكنته ظروفه أن
يخالط الأعيان ويدرس أحوالهم، والطبقة الأرستقراطية ويعرف تقاليدهم، وقوانينهم
وتزمتهم، ورجال السياسة واتجاهاتهم وأساليب تفكريهم وتهريجهم، وشاهد معامع
خلافاتهم، وانغمس في تيارهم، ثم نفض يده من كل شؤونهم؛ وفي طول حياته يجاري
الحركة الفكرية والأدبية والفلسفية في الشرق والغرب، ويتذوقها وينقدها، ويدلي بآرائه
فيها.
زرته في ضاحية من ضواحي القاهرة ضحى، والجو بارد، والشمس جميلة تبعث
بدفئها فتنعش النفس، وترد الحياة.
تبادلنا التحية، وتكلمنا في الجو والبرد، والسياسة والحرب؛ ثم قال: هل لك في مشية
خفيفة في هذه الشمس اللطيفة؟ فقلت: أنعم بها وأكرم، وسحب عصاه.
وبعد قليل كنا في الهواء الطلق، والجو النقي، والسماء الصافية، والشمس الساطعة؛
وتنقلنا في الحديث إلى أن وصلنا إلى العجب من اختلاف الناس في آرائهم، وتعدد
اتجاهاتهم في تفكريهم، وكيف يُلعب بالحق ويخفى وجه الصواب؛ فحركت من الشيخ
كامن شجنه، وعميق فكره، فقال: إن الخلاف في الرأي يرجع — في نظري — إلى
1 تجد سوابق هذه السلسلة في أجزاء فيض الخاطر املتقدمة.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
أسباب كثرية؛ وهو موضوع لطيف، قرأت فيه بعض كتب إفرنجية، وجربت فيه تجارب
َّ شخصية، ولا يزال يعلق شيء منها بذهني الذي أدركته الشيخوخة، ولعلها قوسته كلما
قوست ظهري، وشيَّبته كما شيبت رأسي، فأصبح يرى الأمور كما يراها الناظر خلال
ً منظاره، ومع ذلك فمن الذي يستطيع أن ينظر إلى العالم مجردا من منظار؟ إن كل
إنسان ينظر إليه من خلال منظاره الأحمر أو الأصفر أو الأسود أو الأبيض؛ وللشباب
منظاره، وللشيخ مناظره؛ وكل إنسان ينظر إلى العالم من خلاله، وتحول بينه وبني
إدراك الحقيقة شهواته أحيانً ٌّ ا، وكل ِّ يسمي ما يراه الحق.
وقد استفدت من مطالعاتي في املنطق أن أحدد موضوعي وأحصر كلامي في نقطة
حتى أستوفيها طاقتي، سواء في ذلك إذا أردت أن أفهم أو أردت أن أتحدث، ورأيت ذلك
أجدى وأنفع؛ وأكره ما أكره تشتت الذهن في الفهم، وتشقق الحديث في القول — ففي
موضوع كهذا نرى أن أسباب الخلاف بني الناس كثرية بعضها يرجع إلى اللغة، وبعضها
يرجع إلى درجة الثقافة، وبعضها يرجع إلى اختلاف الأغراض والشهوات، وبعضها يرجع
إلى اختلاف الأمزجة، ونحو ذلك. فأحب إذا تحدثت أن أتحدث في نقطة حتى أستوفيها،
ثم أعطف على غريها، ولا أحب أن أتكلم كلمة من هنا وكلمة من هناك؛ فاختر ما تحب
أن نبدأ به.
قلت: فلنبدأ من آخرها، فذلك أشهى إليَّ.
ً قال: وهو أيضا أحب إليَّ.
وكنت ألاحظ أنه يرقب السماء والشمس، وأخريًا أدركت أنه يخشى أن تحول بينه
ّ وبني الشمس سحابة تذهب بدفئها وتعر َّ ضه للبرد والزكام، فإذا رأى سحابة قدر البعد
بينها وبني الشمس، وحسب حساب الزمن الذي تقطعها فيه، فقلت في نفسي: ياهلل من
ِ الكَبر؛ وما أقسى الوقوف على ساحل الحياة!
ثم اطمأن إذ ودع آخر سحابة تسري من الغرب إلى الشرق، واستمر في حديثه فقال:
هب أن عقل الناس كلهم وتفكريهم املنطقي واحد، فإنهم في أمزجتهم مختلفون، والفكر
َّ الإنساني لا يتكو ً ن ولا يظهر في الخارج — بالحديث أو الكتابة — إلا ممزوجا باملزاج،
ويكاد كل إنسان يكون له مزاجه الخاص به. ويتبع ذلك أن يكون لكل إنسان تفكريه
الذي يظهر في قوله أو فعله أو كتابته، ولكن — لأجل التقريب فقط — قسم الأستاذ
«وليم جيمس» املزاج الإنساني إلى قسمني هامني، ويكاد كل إنسان يكون من أحد هذين
القسمني: «غليظ العقل» و«رقيق العقل»، كما نقول: غليظ القلب، ورقيق القلب؛ ولكل
44
في الهواء الطلق(4(
منهما مظاهر، فغليظ العقل — عادة — واقعي يؤمن بما يعتمد على التجربة والاختبار
َ والحواس فقط، مادي، متشائم، ملحد، متعصب شرِه، شكاك.
وعلى العكس من ذلك أخوه «رقيق العقل» مثالي، متفائل، متدين، حر الفكر، قانع،
مطمئن إلى عقائده.
وقد يتلون الناس ألوانًا مختلفة، ولكن إذا حللت ألوانهم رأيتها ترجع في النهاية إلى
هذين اللونني.
ولهذا ترى أن الناس — فيما يختارون من املذاهب الدينية والفلسفية، بل
والسياسية، وما ينظرون إليه فيما يعرض عليهم من املسائل اليومية، ونظراتهم إلى الله
وإلى الحياة، وعواطفهم وميولهم وأخلاقهم — متأثرون بما فطروا عليه من أحد هذين
املزاجني أكثر من تأثرهم بفكرهم املنطقي املجرد.
ً من أجل هذا كان الوجود كله معروض ٌّ ا أمام الناس كلهم على السواء، ولكن كل
يقرؤه بعينه الخاصة، ويشعر به بشعوره الخاص، وكل ينجذب إلى أشياء لا ينجذب
إليها الآخر، ولا سبب لهذا إلا عقله الغليظ أو الرقيق، ومزاجه الطبيعي املفطور عليه.
هذا الشاعر الذي لا يرى في الحقل إلا جماله، لا يرى فيه املالي إلا غلته؛ وهذه جماعة
تنظر كلها إلى امرأة واحدة، ينظر أحدهم إلى جمالها الظاهر من جسمها فيهيم بها،
ّ وينظر الآخر إلى سوء حديثها وقبح معانيها فينفر منها، ويقومها الثالث حسب ثروتها
ّ وما ينتظر أن تناله من مرياث أبويها فيحبها أو يكرهها، حسب علمه بمالها، ولا يقومها
الرابع إلا بمقدار صلاحيتها لأن تكون ربة بيت، ومربية نسل، واملرأة املرأة، وإنما اختلف
ً النظر، وإنما اختلف النظر باختلاف املزاج؛ وقديم ٌّ ا قالوا: «كل يغني على ليلاه».
أرأيت الأكل أصنافًا وألوانًا، يستورد كل يوم لحديقة الحيوان من حشائش وبقول
ولحوم، ثم يأكل كل صنف من الطيور والحيوان ما يتفق وطبيعته؟!
أو رأيت الأسواق العامة للمأكل وامللبس واملشرب؟ يأتي إليها الناس فيتخريون ما
يشترون، كل حسب مزاجه، ويعجب كل كيف اختار غريه غري ما اختاره؛ كذلك الشأن
في الآراء السياسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية، إنما يقع عليها الشخص منجذبًا
بمزاجه لا بمنطقه، ثم من غفلته يظن أنه حر الإرادة حر الاختيار.
وهنا تعب الشيخ، فاقترح العودة، ثم قال: هذا سياسي من الصنف الغليظ العقل،
ً قد اتخذ السياسة مغنما، يختار املذهب الذي يرى أنه يدر الربح عليه أكثر، ويتخذ
ً السياسة مصعدا يصعد عليه في ماله وجاهه ونفوذه، وليست السياسة عنده إلا كسب
45
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
املال أو انتهاز كسبه؛ وهذا سياسي آخر من الصنف الرقيق العقل، مثالي، يرى السياسة
ً مغرما، وهي ليست إلا وسيلة إلى إصلاح قومه قدر جهده، فهو يضحي لذلك من ماله
وزمنه خدمة ملبدئه. وليس الفرق بني الاثنني إلا الفرق بني املزاجني.
َ ونجد هذين النوعني في الأمم املختلفة راقيها ومنحطها قد يختلفون في الع َرض،
ولكنهم يتحدون في الجوهر.
وكذلك الشأن في الدين.
ً وكنا قد وصلنا في عودتنا إلى حديقة جميلة في أطراف الضاحية، فوجدنا مقعدا
خشبيًا فقعدنا، فإذا نظرنا عن قرب فالحشائش الخضراء الجميلة، والنخيل التي تبهر
بقوامها اللطيف وغصونها املتهدلة، فإذا مددنا الطرف فالصحراء وما لا نهاية — وبدأ
ِ الشيخ يشكو التعب وكَبر السن فحركته ليتم حديثه، فسأل: إلى أين وصلنا؟ فقلت:
الدين.
قال: نعم، إن الدين كذلك تابع للمزاج، فمهما حارب العلم الدين، ومهما دعا
امللاحدة إلى الإلحاد، ومهما قاوموا العقيدة، فالناس في كل عصر قسمان: قسم لا يريد
أن يؤمن إلا بالحواس وقواعد املنطق الجافة؛ وقسم يدعوه قلبه إلى الإيمان. ولهؤلاء
حجج ولهؤلاء حجج، ولا نظن أن العقل هو الذي يعمل وحده في تأليف الحجج، بل
إن املزاج هو الذي يوحي إلى العقل بها وتكوينها وتشكيلها. والتصوف والزهد ليس إلا
ً مزاجا؛ ومهما حاولت أن تجعل من امللحد صوفيًا فلن تستطيع، لأن تغيري املزاج في حكم
املستحيل. فذو املزاج الذي سميناه «رقيقً ا» ينظر إلى العالم فريى فيه أشياء لا تفهم ولا
تشرح، فيهيم بها، ولايستطيع أن ينكرها، فيوليها احترامه وتقديسه، على حني أن الغليظ
املزاج يتخذ من غموضها وعدم فهمها وسيلة لجحدها. ويحترم كل الاحترام حواسه
ومنطقه، فينكر ما وراءها، ويصيح: إن الله، والخلود، والحياة الأخرى، والوحي، وما إلى
ً ذلك لا أحسها ولا أهتدي إليها باملنطق الصرف، فأنا أنكرها احتراما لحواسي ومنطقي.
ويجادله الأول: ما حواسك وما منطقك؟ إنك كلما وثقت بها زدت عمى، وهي ليست
إلا وسائل لإدراك التافه من الأمور، وخدمة الشهوات، ومن الحمق واملنطق الرخيص أن
تغمض العني عما لم تدركه حواسك وقواعد منطقك، وتحل مشاكله بإنكارك السهل،
َ فيكون مثَلك مثل من عجز عن حل مسألة حسابية أو تمارين هندسية، فأنكر وجودها
بدل أن يحاول حلها بأساليب جديدة غري التي جربها — وهكذا، وهكذا، يطول النزاع
والجدل، واملسألة في الواقع مسألة مزاج.
46
في الهواء الطلق(4(
َّ وسعل الشيخ سعلة شديدة، احمر منها وجهه ودمعت عينه، فرثيت لحاله؛ ولكن
عز عليَّ ً انقطاع حديثه، فتكلمت كلاما خفيفً ا في غري املوضوع، حتى عادت إليه نفسه،
واستراح نفسه، ثم حركته من جديد، فقلت: ولكن إذا كانت مسألة الدين مسألة مزاج،
فكيف تفسر من كفر بعد إيمان، أو آمن بعد كفر؟ أتغري مزاجه، وقد فهمت من قولك
استحالة تغيريه؟
ً فسكت قليلا ثم قال: إن أخذت بالظواهر فاعتراضك صحيح، ولكن إن دققت النظر
ً فغري صحيح. إني أعتقد — مثلا — أن الذين لبوا دعوة النبي في أول الأمر كانوا من
ذوي املزاج الرقيق الذي ينزع إلى الدين، وكانوا يتدينون في جاهليتهم، فلما جاء الإسلام
سهل عليهم التحول من دين غري صحيح إلى دين صحيح، والنزعة الدينية واحدة؛ وهناك
بعد قوم أسلموا رغبة في مغنم، أو خوفًا من سيف،أو نحو ذلك؛ وأنا لا أنظر في قولي إلى
الأشكال، وإنما أنظر إلى القلوب، ويعجبني الحديث: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية
خيارهم في الإسلام»، والحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى
قلوبكم». إن الذين يؤمنون إيمانًا تجاريًا خارجون من حسابي، وكذلك الذين يكفرون
ً كفرا تجاريًا.
وقد قرأت عن بعض العلماء املحدثني أنهم شغلوا بالعلم وتعمقوا فيه واستسلموا
له، وغمرهم تياره فكفروا بالدين، ولكن مع هذا كله ظل أمر الدين ساكنًا في أعماق
قلوبهم؛ ووصف بعضهم أحدهم — ولا أذكر اسمه الآن — فقال: «إنه كفر عقله وآمن
قلبه»، وذلك لأن مزاجه من النوع الرقيق الذي يؤمن رغم أنفه.
والآن أظنك توافقني على أن كل إنسان يُخرج من عقله وقلبه وعواطفه ومزاجه
ً خيوطا خاصة به، يؤلف منها مقدماته ونتائجه، ثم يعتقد أنها الحق، وأنها وحدها
الحق، وأنها منطق صرف، وأنها عقل بحت؛ وكذلك يفعل الآخر حسب عقله ومزاجه،
فيكون الخلاف؛ وكلما كانت هذه الخيوط أكثر اختلافًا في النوع، كان املتجادلان أشد
خلافًا في الرأي.
وإن ما ترى — الآن — حتى من الاختلاف في النزعات السياسية من نازية وشيوعية
وديمقراطية يمكن إرجاعه إلى ما ذكرت من اختلاف في املزاج، وأعني اختلاف القادة
واملؤسسني لهذه املذاهب، لا العامة والأتباع.
لقد هممت أن أمطره وابل من الأسئلة: ما قيمة التربية الأخلاقية والدينية والسياسية
— إذن — على مذهبك؟ كيف يؤسس الإصلاح إذا صحت نظريتك؟ كيف تقرب التفاهم
47
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
بني املفكرين إذا اختلفت خيوط نسيجهم؟ ونحو ذلك من الأسئلة، ولكنه بدأ يمل ثانية،
فأشفقت عليه وسايرته إلى منزله، وتحدثنا ولكن في الصحة واملرض، والأدوية ومنافعها،
لا في العقل واملزاج.
وودعته بعد أن رجوت له الصحة وتواعدنا أن يتمم لي رأيه في باقي أسباب الخلاف.
48
في الهواء غير الطلق
ً دق جرس «التليفون» صباحا:
– ألو ...
– صباح الخري ...
– أمدعو أنت لحفلة عرس فلان؟
– نعم.
– وستذهب؟
– نعم.
ّ – إذن مر ً على في الساعة الثامنة مساء لنذهب معا.
– مع السرور.
ووضعت السماعة، وكان الذي يتكلم أستاذنا الفيلسوف الذي حدثتك عنه، فأحسست
ً شعور ً ا مزدوج ً ا، سرورا بألم، ورضا بغضب.
ِكه،
لقد كنت أؤمل ليلة خفيفة فيها أكل شهي، ومنظر بهي، وغناء مطرب وتنادر فَ
وراحة من كتب، وفرار من درس؛ فإذا كل هذا الأمل يخيب من هذا الحديث القصري،
ً فقد توقعت درسا في الفلسفة، ومحاضرة في الحكمة، وإن كنت أجهل موضوع الدرس
ً ومدار البحث. فصاحبنا مهما تحدث لا يتحدث إلا فلسفة، وإذا تلقف موضوعا — مهما
كان — فهو يعمق فيه إلى ما تحت الطبيعة، أو يعلو فيه إلى ما فوق املادة، وهو قادر
على أن يفلسف كل شيء، حتى أبعد املسائل عن الفلسفة، ولكنه في حديثه خفيف الروح،
حلو النفس، جيد املحاضرة، حسن التفنن؛ وهذا ما خفف عليّ بلواي، ثم له عليّ حق
الأستاذية، والأبوة العقلية والروحية، فوطنت نفسي أن أضحي بلذة عيني وسمعي للذة
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
عقلي، وقدرت أني سأنتقل من مكتبة إلى مكتبة، وسأكون في فصل من مدرسة، وإن كان
املظهر حفلة عرس ومجال أنس، وذهبت معه وأمري إلى الله.
ُ حضارة أمم في دار، ليلها نهار، معرض فنان، وجمال ألوان، وعيد حسان، وروائح
الجنان، وموسيقى تصدح بأعذب الألحان، ووجوه فرحة، ونفوس مرحة، وفي كل ركن
وكل حجرة منظر خلاب، من مرح للشباب.
وإذا أنا وشيخي في هذا الحقل اللجب كأننا نشاز في نََغم، أو تعويذة في سلك درر.
قال شيخي: ما أنصفنا إذ أتينا، ولو علمت ما جئت، فأنا إذا وجدت هذه املناظر
فقدت نفسي. ومع هذا فهمنا في رواية تمثل على مسرح نلهو بمنظرها ولا نشترك في
تمثيلها.
وانتحينا ناحية، واسترحت واستراح الشيخ من املقابلات والتحيات والحفاوات،
وعادت إليه شهوته للكلام ورغبته في التفلسف، فقال: انظر: كل هذا بعض ما تفعله
الغريزة الجنسية. إليها يرجع الفضل في إعجابنا بالألوان البراقة، والأشكال الجذابة،
والأصوات الجميلة، بل إليها يرجع في نظري كل فن جميل. فالحفر والتصوير واملوسيقى
والشعر والنثر الفني وأوزان الشعر وأنواع البديع ما كانت تكون لولا الغريزة الجنسية.
وكل ما في اللغة والأدب من وصف الجمال والقبح. والغزل والنصيب. والهجر والوصال،
ُّ ولذة الحب وأمله مرده إليها، بل وإليها يرجع عالم البيت وعلاقاته وشؤونه من زوجية
وأبوة وبنوة. وكل ما يتصل بذلك من ملاذ وآلام، وما تلعب فيه العواطف من حب
وبُغض، ورضا وغضب، ورحمة وقسوة، وما شئت من أشكال وألوان.
– راقب الألاعيب املختلفة أمامك من مرح وضحك، وحركة وسكون، وهرج ومرج،
وأناقة في ملبس، وتأنق في حديث، وموسيقى جميلة، سارة وحزينة، وحلل كل ذلك إلى
عوامله الأولية، تره الغريزة الجنسية.
– بل أخرج من عاملنا هذا الضيق إلى العالم الفسيح، ومن هوائنا غري الطلق إلى
الهواء الطلق، تر غناء الطري: من هديل الحمام، إلى سجع القمرى، إلى عندلة العندليب،
إلى قطقطة القطا، إلى زقزقة العصفور، إلى نقنقة الدجاجة، إلى نحو ذلك، إنما تبعث
عليه الغريزة الجنسية؛ وقل مثل هذا في صهيل الفرس، وحنني الناقة، وخوار البقر.
بل خطا أستاذنا «دارون» ومدرسته أكثر من ذلك، فزعموا أن جمال الطيور
والحيوان إنما منشؤه الغريزة الجنسية والانتخاب الطبيعي، فتحجيل الفرس وبياض
50
في الهواء غري الطلق
غرته، وزركشة الطاووس، ونقش الفراشة، والنكت البيض والصفر والسود والحمر في
الطائر والحيوان إنما هي تبرج للغريزة الجنسية.
قلت: لم يبق إلا أن يقولوا كذلك في الأزهار وألوانها، وجمال الورد، وزرقة البنفسج،
وبياض الياسمني، وزركشة «البنسيه»!
قال: نعم، كذلك قالوا، حتى لو عدمت الغريزة الجنسية لم يبق من الجمال في العالم
شيء.
قلت: وجمال الطبيعة؟
ً قال: لم نكن ندرك لها جمالا لو فقدنا هذه الغريزة — ولم يصنع الإنسان أكثر من
أنه أخذ ما يفعل النبات والحيوان، فرقاه في شعوره بالجمال، وفي شعوره بالواجب، وفي
الحب الزوجي والأبوي، وفي الغناء، وفي الرقص، وفي الزينة والتزيُّن؛ وقد فعل في ترقية
كل ذلك ما فعله في املأكل واملشرب وامللبس مع تعقيد وتجميل، والأساس في كل ذلك ما
عنده وعند كل حي من الغريزة الجنسية.
َّنحى
ُ
قلت في نفسي: سبحان ربي، أفي مثل هذا الجو تثار مثل هذه املشاكل؟ وأ
من هذه امللاحة والوضاءة، وأحرم من قراءة نسخة الحسن في الوجوه، لأقرأ نسخة من
.
ُنقَ ل من سمع الألحان إلى سمع الكيان1
أرسطو، وأ
ُودعينا إلى سماط فخم، فيه كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعني.
قلت لشيخي: ما هذا؟
قال: كأنه كتاب أنيق، حسن الديباجة، محكم الوضع، متناسق، التبويب، متنوع
الأساليب، قد استوعب الأصول وأحاط بالفروع.
قلت: أرسطو ورب الكعبة.
وصمت الشيخ فلم يتابع حديثه، وكأنه ضن بالفلسفة أن يسمعها غري أهلها، أو
ِّ قال في غري محلها، فحمدت الله إذا استعضت عن الأكلة في فكرة بأكلة في نظرة. وحد ْث
تُ
ما شئت عن جمال وظرف، وأناقة ولباقة، وفكاهة حلوة على لقمة حلوة، وهمسة خافتة
تتبعها ضحكة عالية، حتى انتهينا من أكلنا هنيئًا مريئًا، وعدنا إلى مجلسنا في ركننا،
وباملتكلم رغبة في أن يتكلم أكثر مما للسامع أن يسمع، ثم قال. إلى أين وصلنا؟
1 سمع الكيان: اسم كتاب في الفلسفة اليونانية نقل إلى العربية.
51
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
قلت: إلى أن كل فن في الإنسان، وكل غناء للطيور والحيوان، وكل برقشة للنبات،
سببها الغريزة الجنسية.
ً قال: نعم، وقد فكرت طويلا في هذه الغريزة، وما القصد منها، فتبني لي أن الطبيعة
منحتها بقصد «استمرار الحياة»، وقد كانت الطبيعة سخية، فمنحت منها أكثر من
الحاجة إليها، فرصدت «للاحتياطي» منها أكثر مما يلزم، ومنحت الإنسان أكثر مما
يقتضيه بقاء النوع واستمرار الحياة، فصرف جانبًا منه في هذا الغرض الأساسي، وفاض
ما عنده فصرفه في اللعب بالعواطف وممارسة الفن، وأنفق جزءًا منه في تربية البنني
والبنات ليكمل غرضه في «استمرار الحياة»، ويجعله استمرار حياة تأخذ في الرقي
والتقدم؛ وملا كان حبُّه أكثر من الحيوان كانت تربيته لنوعه أرقى وأنفع، فاستطاع أن
يرقى ملكاته، ويربي مواهبه على مدى الزمان، حتى لتشعر بالفرق الكبري بني الإنسان
الحاضر والإنسان املاضي، ولا تشعر بفرق كبري بني القط الحاضر والقط املاضي، وبذلك
امتاز الإنسان بأن ليس الغاية من غريزته الجنسية حفظ نوعه واستمرار حياته فقط،
ً بل غايته أيضا ترقية النوع إلى أن يصل إلى درجة الإنسان الكامل — وكل القوانني التي
شرعت للزواج والطلاق وحقوق الأسرة، وعقوبة الزنا وما إليه، إنما كان الغرض منها
حماية هذه الغريزة حتى تؤدي غرضها على الوجه الأكمل، واختلاف هذه الشرائع رقيًا
ً وانحطاطا اختلاف في التوفيق في فهم الغرض الأساسي ووسائله، أو عدم التوفيق —
وقد وجد في الطبيعة من فسدت منه هذه الغريزة الجنسية كما يوجد من فسدت غرائزه
الأخرى، فهناك املعتدل في شهوة الأكل، ولكن بجانبه النهم ومن لا يشتهي الطعام، كذلك
هذا؛ فمن الناس أبو العلاء، وأبو نواس، وصريع الغواني. والإغراء في هذا الباب أقوى،
والحيل فيه أوسع، لهذا التفت التجار إلى أن يستغلوا هذه الغريزة ويستهووها بشتى
ِّ الوسائل حتى السينما والتمثيل والصحف واملجلات، والتفت املشرعون لصد هذا التيار،
ووقف الغريزة عند حدها املشروع، فكان صراع أين منه الصراع على املأكل واملشرب
وامللبس.
وبينما هذه الناحية من الغريزة الجنسية تشغل رجال الدين والأخلاق والاجتماع،
إذا بناحية أخرى منها تشغل بعض علماء النفس، فقد لفت نظرهم تعدد أنواع النساء
ِعب الغريزة الجنسية بهم ألعابًا مختلفة، ملاذا يحب هذا الرجل هذه املرأة دون
والرجال، ولَ
تلك؟ إن في مجال هذه الألعاب مناظر نفسية مختلفة: هذه امرأة تثري في الرجل خياله
ومشاعره، وأحلامه، تجذبه وتضطره أن يتحمل في سبيلها الآلام، ويتخطى العقبات،
ولها سر مجهول يجعل حبه لا يفنى ولا ينقص مهما تغريت الظروف.
52
في الهواء غري الطلق
وهناك امرأة أقل منها شأنًا تثري هذا الحب والجاذبية ولكن في إمكان الرجل أن
يتغلب عليه بسلطان عقله، لأن ما تثريه من حب هادئ غري عنيف.
وهناك امرأة تثري في الرجل إعجابه لا من طريق شخصيتها، بل من طريق ملابساتها،
كذكائها وذوقها، فالرجل ينظر إليها نظرته إلى الصديق املوائم، والأخ املنسجم.
وهناك امرأة تُلهب شعلة كشعلة القش ما تشتعل حتى تخمد، وإذا خمدت فالكراهية
والاستثقال والنفور، إلى غري ذلك من أشكال وألوان.
وشأن الرجال في نظر النساء شأن النساء في نظر الرجال؛ بل قد تكون امرأة في
نظر رجل من الصنف الأول، وفي نظر آخر من الصنف الرابع وهكذا، ولذلك يخرج من
عشرة رجال وعشر نساء أشكال عدة وعلاقات مختلفة — هل درست التوافيق والتباديل
في الحساب؟
قلت: نعم.
قال: هو هذا. ولبعض علماء النفس في ذلك بحوث تستخرج العجب، سأقص عليك
طرفًا منها في فرصة أخرى، وأزيد الآن على ما قلته أن كثريًا من أسباب السعادة الزوجية
أو الشقاء يرجع إلى هذا السر الخفي. وبدأ الناس في الانصراف فانصرفنا، وركبنا عربتنا،
وفي الطريق ظل يتدفق:
أرأيت كيف أن الطبيعة وضعت فينا هذه الغريزة، وسخت في منحها، فلعبت بنا
هذه الألاعيب في الفن والغزل، وفي الحياة ومتاعبها؟! لقد أخفت عن الأنسان سرها،
وحجبت عنه فهمها، وسخرته في خدمتها، وهو يظن أنه حر طليق يلعب ألاعيبه باختياره
وإرادته، مع أنه هو عبد لغريزته! لقد ضحكت منه الطبيعة وهو — من غفلته — يعتقد
أنه هو الذي يضحك منها! قلت: أما وقد كشفت لعبتها، فهل ترى رأي أبي العلاء.
تواصل
حبل
النسل
ما
بين
آدم وبيني
وملوي
لص
بلامي
باء
تثاءب
عمرو
إذ تثاءب
خد
ال
بعدوى
فا
مأعدتني
الؤ
ثباء
قال: لا، فرأى أبي العلاء قلب للوضع، وتحريف للجنس، والإنسان الكامل ليس من
يحارب طبيعته، بل من يرقّى طبيعته. وأرقى أنواع الحب — كحب الوجود، وحب الله
— لم ينشأ إلا مما أفاضته علينا الطبيعة من حب الجنس.
لقد كان أبو العلاء وأمثاله يرون أن الغريزة الجنسية عائق عن تحرر النفس،
وأنها مان
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
بكبتها، وأنها في الإنسان ضرورة محزنة، وعلى هذا الأساس تأسست نزعة الرهبانية،
ونظم الأديرة، وخلوات الصوفية، ولكني أرى غري هذا الرأي. نعم إن الغريزة الجنسية
َّ كم حط َّ مت من أفراد، بل كم حطمت من أمم، وجعلت حياتهم ليست إلا حياة بهيمية
َّ مزو ِّ فة، وجعلتهم يسخرون كل ملكاتهم الأخرى — من ذكاء وعاطفة وقدرة — لخدمة
هذه الغريزة، ولكني أرى أن من املمكن أن يتسامى الإنسان من طريق وجودها لا من
طريق إعدامها، ومن املمكن تحويلها من مصدر شر للإنسان إلى مصدر خري، وخريٌ
للإنسان أن يُمنح نعمة الحب فيعدلها ويلطفها، ويستخدم ما ينبعث عنها من عواطف
لخري نفسه وخري إنسانيته، من أن يحرم الحب، ولو عاش بعقله.
ومسألة أخرى عظيمة الأهمية في هذا املوضوع وهي أن الإنسان ...
وهنا وقفت العربة أمام بيت الأستاذ، فودعته وانصرفت، ونظرت، فإذا أنا قد عدت
من حفلة العرس بخفي حنني، ومن الفلسفة بملء اليدين، فخاسر أنا أم رابح؟
54
لماذا نعيش؟
في ركن من أركان «كازينو» رأس البر، جلست وحدي ومعي كتابي لعلي أسأم فأقرأ.
ورأس البر لم تزدحم بعد باملصيفني، فينعم فيها مثلي بعيش هادئ واستجمام مريح.
جلست أحملق في البحر بعد غيبة عنه طويلة، فإني لم أره منذ شهور، مع حبي له
وشوقي إليه. وكرهت أن أفتح الكتاب فالبحر نفسه كتاب مفتوح، وهو كتاب حي وما
في يدي كتاب ميت؛ وهو يوحي بأفكار مبتكرة وكتابي يوحي بأفكار تقليدية.
هذا هو البحر الذي لا تفنى عجائبه ولا العجب منه؛ لم تنل الأيام من جماله ولا
ْت على شواطئه الأجيال، ثم
َّ جلاله، كأنما خرج من حكم الزمان وعز على أفاعيله؛ وقفَ
ً طواهم الدهر جيلا بعد جيل ولم يستطع أن يمسه هو بسوء؛ في شباب دائم ونشاط
ً دائب، لم يلحقه يوما عجز املشيب ولا وهن الكبر؛ راحة املكدود، ومتعة النفس، وسلوة
العاشق، وحرية العالم، وأنس الفيلسوف، وبسمة الغواني، ودمعة املتصوف.
ً شيئان أشعر معهما — دائم َ ا — بضَعة الإنسان وحقارته، ويملؤني العجب من
قلة عقله في نزاعه وحيله ومراوغته، وذله واستعلائه، وشغله الدائم بما لا طائل تحته:
مطالعة السماء ونجومها بالليل، ومطالعة البحر وأمواجه وعظمته بالنهار.
ٍ
َ ما الإنسان الوضيع أمام هذا البحر الجليل، وما دنياه كلها بما يعتورها من هم
ٍ ونكد، ونزاع وخصام، وما شئت من أشكال وألوان، إلا كموجة واحدة من
وقلق، وغم
أمواج هذا البحر تجري ملستقر لها، فإذا وصلت إلى الشاطئ تلاشت كأن لم تكن، وظل
البحر في جماله وجلاله كأن لم ينقصه شيء.
قطع عليَّ غزلي في البحر صوت جدل يقرب مني شيئًا فشيئًا حتى يكون بجانبي.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
رجلان كهلان مثقفان كما يظهر من حديثهما، سلّما وإن لم أعرفهما، لأن املصيفني
ً وا عدوا أنفسهم جميعا أسرة واحدة. وجلسا على مائدة بجواري على البحر يتممان
إذا قلّ
حوارهما.
لم أفهم بادئ الأمر كلامهما، لأني لم أعرف «عالم الحديث» كما يعبر الإفرنج، ثم
بدأت أفهم، فقد انتقلا إلى موضوع جديد، إذ سأل أحدهما الآخر:
ٍ أتستطيع أن تخبرني بحق ملاذا أنت عائش؟
(أ):
سؤال بهرني، ولو سئلته ما عرفت له جوابًا.
(ب): ُ أصدقك أني عائش لأسرتي، فلهم أسعى وأكد، ومن أجلهم أتحمل عناء
ً ي تبعا
الوظيفة وملق الرؤساء ومخالفة الضمري، وأمل «الدرجة»، أصيِّ ً ف تبعا لهم، وأشتِّ
ً لهم، وأحب ما يحبون وأكره ما يكرهون؛ وأجتهد أن أرقيهم إلى أقصى ما أستطيع جسما
ً وعقلا ُوخلقً ا، وبذلك كانت أسرتي محور أغراضي وأساس اتجاهاتي، وشاغلة ذهني،
ومالئة فكري.
(أ): إنك بهذا لم تخرج عن أن تكون «أنانيًا» من شكل آخر، كالذي يعيش لنفسه
ْعنَى بها لأنها ملك لك،
ويجعل غرضه شخصه، فأنت تجعل غرضك أسرتك لنفسك، تُ
كما تعني ببيتك الذي تملكه ومزرعتك التي تستغلها؛ فأنت تربي أطفالك لأنك في أعماق
َ نفسك ترى أن تربيتك لهم د ِ ين عليهم في مستقبل حياتهم، يوم يأخذ الكَبر منك مأخذه،
فتحتاج إلى معونتهم ماديًا أو معنويًا، ويحملون عبئك بعد ما حملت عبئهم.
(ب): ً ما أظن هذا صحيحا، فليست هذه أنانية مطلقً ا، فأنا أرقى الأمة عن طريق
ُ ترقيتي أسرتي؛ أليست الأمة مجموعة من الأسر، فإذا عني كل رب أسرة عنايتي كان
لنا من ذلك أمة واقية في أبنائها وبناتها وحياتها الاجتماعية والاقتصادية؟! وأملي في
تربيتي أن أجمل أبنائي خريًا مني، وبناتي خريً َِ ا من أمهن، بل آمل أكثر من هذا أن أجعل
من أبنائي قادة في بعض نواحي الحياة الاجتماعية؛ وماذا تفعل الأمة الراقية أكثر مما
ً ى أمتها، فإن عددت هذا أنانية فهي أنانية راقية جدا تتحد
أفعل، فهي ترقِّي أسرتها لترقَ
بالغريية.
56
ملاذا نعيش؟
(أ): ِ إن كان كذلك ف َ لم تعني بأولادك ولا تعني بأولاد غريك، وقد يكون فيهم من هم
ً أنجب من أولادك، وأحسن استعدادا وأقوى خلقً ا وأكثر قابلية لأن يكونوا قادة؟ أليس
هذا برهان الأنانية؟!
(ب): ُ غريب هذا أتريد أن تجردني من أنانيتي، ولو ج ْر ُدت منها ما كنت «أنا»
«أنا»، وليس هناك مذهب من مذاهب الأخلاق يريد أن يمحو الأنانية بتاتًا، وكل ما يدعو
إليه أرقاها أن يؤلف بينها وبني الغرية؛ فلو عنيت بأبناء غريي وأهملت أبنائي ملا كانت
هناك حرارة البواعث الغريزية التي تدعونا بطبعها للعناية بأبنائنا، فلو ربَّى غريي
أبنائي وربيت أبناء غريي لفسد الجميع.
(أ): ً ولكن هب كل هذا صحيحا، أيصح أن تكون عنايتك بأسرتك كل غرضك في
الحياة؟ إن تركيز مخك كله في أسرتك يحرمك من الاستمتاع بأفق أوسع ومثل أعلى، إن
هذا التركيز ضار بأسرتك نفسها، فكثرة العناية بها والإفراط في الشعور باملسئولية عنها
ِّ يعو ّ د الأسرة كلها رمي حملها عليك: فلا الأم تشاركك في حمل العبء، ولا الأبناء يتعودون
ً الشعور باملسئولية؛ لأنهم يجدون كل شيء محمولا عليك، فينشئون مدللني غري صالحني
لأنفسهم ولا للحياة — ألا تعرف فلانًا وأسرته؟ كان يوقظ أولاده في الصباح ويشرف
على إفطارهم، ويرعاهم إذا لبسوا، ويرسلهم مع الخدم إلى املدارس، وإذا تأخر في عمله
تحدث في «التليفون» عن عودتهم وصحتهم، وإذا ارتفعت حرارة أحدهم ربع درجة دعا
له أمهر الأطباء، ودعته الشفقة أن يجيب لهم كل مطلب، وإذا وجد أحد أبنائه ضعيفً ا في
مادة أتى له باملدرسني الخصوصيني، وحمل كل عبء عن كل ولد. وحرم نفسه من كل
لذة ليمتعهم بكل لذة، فماذا كانت النتيجة؟ خرجوا مائعني لا يصلحون للحياة، ناعمني
ً لا يتحملون خشونة الحياة، ففقد بذلك نفسه، وفقد أولاده، وفقدتهم الأمة جميعا — إن
تركيز كل هم الإنسان في الأسرة ضاربها كضرر التخلي عنها وعدم الشعور بمسئوليتها.
ً إن الأسرة تصلح أن تكون غرضا من أغراض الحياة لا كل غرض، وليست — فيما أرى
— تصلح لأن تكون إجابة عن سؤالي: ملاذا أنت عائش؟
(ب): جاءنا مرة في امتحان الشهادة الابتدائية في اللغة العربية بيت ظريف وهو:
ّ إن على
سائلنا
أن نسأله
والعبء
لا تعرفه
أو تحمله
فقل لي
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
(أ): ً لقد شغل هذا السؤال تفكريي طويلا، وقلبت الأمر على وجوهه، وأجبت كل
ً إجابة وناقشتها؛ فقلت أولا — أعيش لنفسي، فوجدتني إذ ذاك كأخس حيوان، ووجدتني
أعيش في أضيق أفق؛ ثم قلت: أعيش لأسرتي، فكان من الاعتراض عليه ما رأيت، ثم
بحثت أن أعيش لوطني ولديني؛ وأخريً ً ا وطنت نفسي أن أجعل أملي أن أكون مصدرا
للخري العام حيث كان، فأكون كالشمس تلقي أشعتها على كل كائن، فقريًا وغني، مؤمن
أو كافر، مواطن أو غري مواطن. رأيت الباعث على العمل إن كان شخصيًا — في أي شكل
من أشكاله — يبعث على التفرق والخصومة، ورأيت الباعث إن كان عامليً ً ا علما التهم
ا
الخصومة وبعث على السلام — لقد حاولت أن أبعث هذا الباعث في نفسي، فنجحت أحيانً
ً ا، ولكني دائما أحلل أسباب الفشل وأحاول أن أتقيها، وقد رأيتني بذلك
وفشلت أحيانً
أتحرر شيئًا فشيئًا من الحقد والبغض، والحسد والطمع، ونحو ذلك، مما يتعب الناس
ً ا شديدا،
بلا فائدة؛ بل رأيتني عندما كنت أحيا للباعث الشخصي كنت أخاف املوت خوفً
وأتألم أشد الألم للكوارث املالية أو النفسية، فلما سموت بباعثي خف خوفي من املوت
ومن الكوارث، وأحسست التحرر من هذه الآلام إلى حد بعيد، وشعرت بجمود العاطفة
نحو املسائل الشخصية، وحرارة العاطفة نحو املسائل العامة — لقد أصبح يهمني أولاد
جاري، ويهمني فلاحي في مزرعتي، لا لأنهم في مزرعتي، ولكن لأنهم هم الذين أستطيع
نفعهم؛ بل إني لآلم من بؤس الفلاحني عامة، وأود أن أستطيع نفعهم، ولو كان بيدي
ميزانية الدولة لجعلت ثلاثة أرباعها للفلاحني وربعها للمدن؛ ويسرني نجاة مصر من
كوارث الحرب بقدر ما يؤملني كوارث الحرب لأي صنف؛ وأحب أن يكون لي مال لأنفع
به الناس، وجاه لأستغله في خريهم، وشهرة لأستخدامها في منافعهم؛ فإذا لم يكن من
ذلك شيء فعلت ما أستطيع على قدر ما في يدي.
(ب): ولكن ألا ترى معي أن سعة الباعث يضعف من قوته؟ فمثلك — إذًا — مثل
من رمى زنبيل سكر في النيل، فلا هو احتفظ بسكره ولا هو أحلى النيل! إنك إذا ركزت
همتك في أسرتك، وجارك فعل مثل فعلك، كان لنا من ذلك أسر راقية؛ ولكن لو كلِّف
عشرة آباء العناية بعشر أسر من غري تخصيص ما وصلت هذه الأسر العشر من الرقي
إلى الحالة التي يعني فيها كل عاقل بأسرته وحده.
58
ملاذا نعيش؟
(أ): مثلك صحيح، ولكن علته غري صحيحة، فحال الأسر هو كما ذكرت، ولكن لا
َ لسبب كمية الحب، وضيق الباعث؛ إن السبب في صحة مثلك هو أن حياة الأسر أساسها
الخصوصية، ولهذا كان لا بد أن تختص ببيت. وتعيش عيشة فيها معنى الستر، ومعنى
امللكية، ومعنى الاستقلال، فإذا انساحت عشر أسر تحت إشراف عشرة أرباب زالت كل
هذه املعاني، ولم تعد الأسرة أسرة. أما الحب وقدرة الإنسان عليه فليس كمية محدودة
بحدود الأشياء املادية — هو ليس ككمية من السكر، ولا كمية من املال، لا تتسع إلا
لشيء محدود — قارن بني أم لها ولدان وأم لها عشرة أولاد، أتظن أن الأم ذات العشرة
ُ تحب ابنها خمس حب ذات الاثنني فقط؟ هذا ليس بصحيح. إن قلب الإنسان مصدر
ُ العجائب، فهو إذا ربِّ ّ ي على الحب الواسع وسع كل شيء؛ إنه إذا روح عليه اشتعل وأضاء
ضوءًا قويًا تزول معه كل ظلمة، وينكسف له كل ضوء خافت. إنها التربية الضيقة
هي التي تحد حبنا في شخصنا أو أسرتنا أو بيئتنا، فإذا هدمت هذه وحل محلها تربية
واسعة الأفق أحببنا حبًا لا حدود له. وإنك لتعجب إذ ترى الإنسان مع هذا الحب الواسع
لم يفقد شيئًا من حبه الجزئي، فهو يحب شخصه، ويحب أسرته، ويحب أمته، ويحب
ِّ دينه؛ ولكن حبه الواسع يلو َ ن كل حب جزئي بلون خاص لطيف يتفق وسعة أفقه،
وامتداد نظره، وفيضان حبه.
ا
ً ونظر «ب» في ساعته، وشكا الجو، ولم أدر أكان هذا فرارا من أن يُغلب الحوار، أم صدقً
في الشعور بالبرودة.
َّ ما وودعا، وقد استمتعت منهما — على الجوار — بحديث طريف.
وسلّ
ً وودعت البحر حامدا له وحيه وضيفه.
59

التعاون الثقافي العربي
أمام الأمم العربية الآن مشاكل ثقافية معقدة، قد لا يواجه مثلها غريهم من الأمم، فالأمم
الغربية تواجه مشاكل ولكن ليست من جنس مشاكلنا، وإن كانت تتصل بها. لقد حددت
مسلكها في التعليم وأوضحت غايتها إلى حد ما، ولكنها في طريقها املرسوم تجد بعض
ّ املشاكل: كالرغبة في تعميم التعليم غري الأولي، ونشر الثقافة، وتعديل املناهج وإصلاح
بعض الخطط.
أما الأمم العربية فمشاكلها أعقد من ذلك؛ لأنها إلى الآن لم ترسم خططها واضحة،
ّ ا يتفق وأغراضها وآمالها، ولذلك مزقت أساليب التربية املختلفة
ولم تضع للتربية تعريفً
وحدتها، هذا تعليم ديني بحت، وهذا تعليم مدني بحت، وهذا تعليم لخدمة فرنسا،
وهذا تعليم لخدمة انجلترا، وهذا تعليم لخدمة أمريكا، وهذا تعليم لخدمة التبشري ونحو
ذلك. وكل هذا لا يقيَّد بقيود قومية مما ليس له نظري في أية أمة حية ترعى مصالحها
ولا تسمح بتمزيق وحدتها، ونشأ عن ذلك اختلاف النزعات الأساسية بني الأمة العربية
ً الواحدة، فكيف بالأمم العربية مجتمعة؛ ونشأ عن هذا أيضا اختلاف املنطق واختلاف
التفكري، هذا في منتهى الرجعية، وهذا في منتهى الحرية، وهذا في منتهى العصبية الدينية،
وهذا في منتهى العصبية اللادينية، وهذا في منتهى العصبية لأمة أوربية، وهذا في منتهى
العصبية ضد كل نزعة أوربية، حتى لكأننا في برج بابل.
قد تجد شيئًا من هذه النزعات املختلفة في الأمم الأوربية، ولكنك لا تجدها بهذه
الحدة وبهذا التناقض كما تجدها في الأمم العربية بل في الأمة الواحدة العربية؛ ويشبه
الخلاف بيننا وبينهم الخلاف بيننا في امللابس والخلاف بينهم، فكلهم يلبسون على نمط
أساسي واحد، وإن اختلفوا ففي قيمة ما يلبسون لا في شكل ما يلبسون، أما نحن فنختلف
في الأساس وفي الأشكال اختلافًا لا حد له.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
إذن، نحن في أشد الحاجة إلى الإجابة عن هذين السؤالني:
(1 (كيف نوحد أسس التعليم ولا نسمح بهذه النزعات املتباينة الضارة ولا نجيز
الاختلاف إلا في العرض لا في الجوهر؟
(2 (ما تعريف التربية الذي يجب أن ينشده العرب، ما الجملة التي تركز فيها كل
ْصب أعينهم لا ينحرفون
أغراض الأمم العربية في التربية والتي يجعلها رجال التربية نُ
عنها يَ ْمنة، لا يسرة؟
هذه إحدى املشاكل التي تواجه العرب.
واملشكلة الثانية: أن العرب يختلفون عن الغرب في شيء جوهري، وهو أن الأمم
الأوربية والأمريكية حددت نوع مدنيتها وثقافتها: عمدت إلى الثقافة اليونانية والرومانية
وغريها فغربلتها، واتخذت خريها، وامتصت عصارتها، وبنت عليها حضارتها وثقافتها،
ً وخلصت من ذلك كله، ورسمت ملدنيتها منهجا تسري عليه في كل شأن من شؤون الحياة
ومنها الثقافة.
أما العرب فلهم موقف آخر، هم بني ثروة قديمة من الثقافة العربية، فيها الخري
والشر، والغث والسمني، وحبات الدر وحبات الحصا، وثقافة غربية فيها الضار والنافع
كذلك ولا غنى لنا عنها، تحكمنا بطبيعتها وكيمياها وما تنتج من آلات وصناعات، فإن
كان على الأوربيني عبء واحد، فعلى الأمم العربية عبئان.
ا
ماذا نأخذ من تراثنا القديم وماذا ندع؟ ماذا نأخذ من الغرب وماذا ندع؟ إن لنا دينً
ولنا لغة ولنا أدبً ً ا لا بد أن نستمده من وحي آبائنا، وإن للغرب علوما وفنونًا وصناعات
لا بد أن نستمد منها لنجاري الزمن.
ِّ كيف نوفق بني املدنيتني ونمزج بني الحضارتني، ونكون لنا شخصية ممتازة لا هي
كل الشرق القديم ولا هي كل الغرب الحديث؟ كيف ننقي قديمنا ونأخذ زبدته ونفرغ
منه، وكيف نحدد ما ينفعنا من الجديد ونرسم خريطته، وننتهي من ذلك ولا يكون
علينا إلا ملء الخانات الفارغة منه؟
ثم مشكلة ثالثة: ً قد خلقت لنا املدنية الحديثة علوما لا عهد لنا بها، وفي هذه
العلوم مصطلحات فرعية لا تُحصى، في الطبيعة والكيمياء والفلك والاجتماع والنفس
والعمارة والصيدلة، وخلقت لنا ألوفًا وألوف الألوف من الأدوات والصناعات والعقاقري
ومركباتها ونحو ذلك، ولا غنى للعرب عن استعمالها، فكيف نتفق على تعريبها وتوحيد
62
التعاون الثقافي العربي
مصطلحاتها والاتفاق على الألفاظ الصالحة لها، فليس يليق أن تنفرد كل أمة عربية
ً بوضع مصطلحاتها ما دامت اللغة العربية ملك ً ا لجميع الأمم العربية وقدر ً ا مشتركا
للتفاهم بينهم؟ ما وسائل التعريب؟ ما قواعد التعريب؟ كيف ينظم التعريب؟ كيف
يبدل الجهد للفراغ من كل املصطلحات الأوربية حتى نقف مع الأوربيني على قدم
املساواة، وننتهي من املاضي، ولا نواجه في الحاضر إلا ما اخترع حديثًا واكتشف حديثًا.
ثم مشكلة رابعة: لكل أمة من الأمم الحية دائرة معارفها، بل دوائر معارفها،
تكتب بلغتها وتساير العلم في مراحله، ويعاد طبعها بني حني وآخر، ويزاد في الطبعة
الجديدة ما وصل إليه العلم الحديث بني الطبعتني؛ وكل أمة تعني في دائرة معارفها
بنوعني: القدر املشترك بني جميع الأمم، والعناية الخاصة بموضوعاتها الخاصة من
جغرافيتها وتاريخها وأعلامها؛ هذا ما علمته انجلترا وفرنسا وأملانيا وإيطاليا وغريها.
فماذا فعلت الأمم العربية في هذا السبيل؟ دائرة معارف للبستاني لم تكمل وأكل
عليها الدهر وشرب، وتقدم العلم عليها حتى أصبحت في عداد التاريخ. ثم لم تجد من
يكملها ويقدمها مع الزمن، ويطبعها طبعة جديدة تتفق والنهضة العربية يكون فيها
خري التراث العربي وخري التراث الغربي؟
ومشكلة خامسة: إذا وحدت الأمم العربية تعريف تربيتها ورسمت خطتها في
التعليم، فلا بد من الفصل بني مسألتني: قدر أساسي مشترك تتساوى فيه الأمم العربية
من حيث املناهج والخطط والغرض؛ وقدر خاص غري مشترك تحافظ فيه كل أمة عربية
على شخصيتها، فتتوسع في جغرافية بلادها وتاريخ رجالها، وتسري كل أمة في املستوى
الذي يناسب استعدادها ومقدرتها املالية.
فما هو هذا القدر املشترك، وما هو هذا القدر الخاص وكيف يحدد وكيف يرسم؟
هذه في نظري أهم املشاكل التي تواجه العرب من الناحية الثقافية، وهذه هي الأسئلة
التي يجب أن تطرح ويجاب عنها.
فكيف يكون ذلك؟
لهذا جملة وسائل:
أن يكون هناك مكتب للتعاون الثقافي تختار كل حكومة عربية من يمثلها فيه،
وهؤلاء يتبادلون الرأي في هذه املشاكل وأمثالها، ويضعون الأسس اللازمة للسري عليها،
ً وهذا هو ما بدئ به فعلا حسبما أعلم، ولا ينقصه إلا التعميم واشتراك الأمم العربية
كلها فيه، والنشاط في عمله.
63
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ولكن هذا وحده — في نظري — لا يكفي؛ فاملمثلون الرسميون عادة يُضطرون إلى
ُّ تقدير اعتبارات سياسية قد تحد ِّ من نشاطهم وتلون بحوثهم وتفكريهم.
ومن أجل هذا ينبغي أن تكون بجانب هذه الهيئة الرسمية هيئة أخرى غري رسمية،
ً ا مجردا عن الاعتبارات
ً ا حرا طليقً
فيؤلفون جمعية تعاونية تبحث املوضوعات بحثً
ً السياسية، وهذه — فضلا — عن خدمتها للفكرة تفيد فائدة كبرى الهيئة الرسمية،
وهذه الجمعية يختار أعضاؤها ممن عرفوا بالإخلاص والجد وعدم الاستهواء السياسي
والغرية على مصلحة الأمم العربية الثقافية، وتتعاون هذه الجمعية في غرضها، وتعمل
في وضح النهار، ولا يكون لها غرض إلا خدمة الثقافة ومعالجة املشاكل التي أسلفنا
الإشارة إليها.
ً وهذه الجمعية تعقد مؤتمرا كل سنة على مثال املؤتمر الطبي، كل سنة في قطر من
الأقطار العربية، سنة في القاهرة، وسنة في دمشق، وسنة في بغداد، وسنة في مكة وهكذا.
ويكون للجمعية سكرترييتها تحدد أغراض الاجتماع وموضوعات البحث، ويتعاون
أولو الخري والبر على إمدادها باملال اللازم لها: ويكون لهذه الجمعية مجلة بلا مجلات؛
فمجلة لنشر أعمال املؤتمر وأخباره، واختيار لجانه الفرعية ومبلغ نشاط الأعضاء واللجان
في نواحيها الثقافية املختلفة؛ ومجلة تكون على نمط «املختار من ريدرز ديجست» تعني
بخلاصة خري املقالات التي تنشر في الصحف واملجلات العربية بل والإسلامية من غري
العربية، فمثل هذه املجلة تقرب من أفكار الشرق، وتؤلف بني ثقافته، وترقي تفكريه،
وفي هذا خدمة للوحدة العربية الثقافية وهكذا.
ثم بجانب هذا وذاك ضروب أخرى من التعاون الثقافي لا بد منها، مثال ذلك تبادل
كبار الأساتذة والعلماء والأدباء في الأقطار العربية املختلفة، فأساتذة الشام في مصر
والعراق، وأساتذة العراق في مصر والشام، وأساتذة مصر في الشام والعراق، وهكذا في
ً الإجازات املدرسية، وفي املسامحات الصيفية، فهذا يخلق جوا علميًا بديعيًا وتعاونًا ثقافيًا
ً جليلا.
ثم انتهاز الفرص العلمية والأدبية لذلك، فمهرجان لذكرى أبي العلاء في الشام
تلقى فيه البحوث الأدبية من أساتذة الأقطار العربية، ومهرجان للإمام الشافعي في
مصر تلقى فيه البحوث التشريعية والقانونية، ومهرجان للخليل بن أحمد في العراق
تبحث فيه البحوث اللغوية، ولعمر بن الخطاب في املدينة، ولأبي الطيب املتنبي في حلب،
وللإمام الأوزاعي في بريوت، وهكذا لا ينفض مهرجان حتى يعد مهرجان آخر، وفي
64
التعاون الثقافي العربي
ً هذه املهرجانات تتلاقى الأفكار وتتوالد الآراء، وسيكون من نتيجة ذلك حتما التفكري في
الإصلاح من جميع نواحيه اللغوي والأدبي والنحوي والتشريعي ونحو ذلك.
إذا تم ذلك كله — وهو ما أرجو أن يكون بعد الحرب مباشرة — فنحن أمام نهضة
عربية وثابة، وإصلاح عربي شامل، ووضع أسس لبناء العرب في هيكل الثقافة، وبذلك
يساهمون في بناء صرح الثقافة العاملية مع البانني، ويشيدون مع املشيدين.
والله ولي التوفيق.
65

الشيخ رفاعة الطهطاوي(1(
مؤسس النهضة العلمية الحديثة
حقً ا إن «الله أعلم حيث يجعل رسالته»، هذه ألوف الطلبة في املدارس، وهذه ألوف
املجاورين في الأزهر، من منهم سيكون النابغة العظيم، والزعيم الكبري، واملصلح الخطري؟
ّ لا ندري، كلهم يتعلمون وأكثرهم يجدون، ولكن الحكم بالنبوغ والقيادة والزعامة عسري
على املتنبئني. تقيس بمقاييس الامتحان ثم يظهر خلل حكمك، فقد يكون أول ناجح
في الامتحان أول خائب في الحياة؛ وتقيس بمقاييس الذكاء، فتحكم بأن هذا أذكى من
ً ا، حتى ينعدم أو يكاد، أو يظل الذكاء حادا
امتحنت، ثم يخبو هذا الذكاء شيئًا فشيئً
ً ومع ذلك فلا نبوغ؛ وتحكم بالخمول على طالب، ثم يتطور فيكون قائد ً ا أو زعيما. إنما
عملنا أن نؤرخ النابغ بعد أن ينبغ، ونعلل نبوغه بأسرته أو أساتذته أو بيئته أو نحو
ذلك من أسباب، ولكن كم من أسرة خري من أسرته لم تنجب؛ وكم من أساتذة خري من
أساتذته لم يُخرجوا مثله؛ وكم بيئة أصلح من بيئته لم تنجح في إعداد شبيه له، وكم
ّ كلها مجموعة لم تعد للحياة نابغة. في بيتي شجرتا مانجو، أما إحداهما فقالوا احفر
ِّ لها فحفرت، وأت لها بتربة صالحة فأتيت، طع َّ مها فطعمت، واختر لها الجهة املناسبة
ُعن بها أي عناية، ثم
فاخترت؛ وأخرى رميت بذرتها رميً ً ا، وتركتها للمصادفة تركا، ولم أ
خابت الأولى حيث نجحت الثانية — إنما تنجح القواعد العامة — في التربية والاقتصاد
والزراعة ونحو ذلك — في جمهرة الأشياء وعاديِّها، أما النوابغ فشواذ خرجوا من القواعد
ُّوندوا عن التعليل.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
هذا «رفاعة» من أسرة مثلها كثري، وهو مجاور في الأزهر مثله كثري، وتهيأت له من
الظروف ما تهيأ لكثري، ولكن لم يجر على يد أحد من الخري لأمته في ناحيته ما جرى على
يده، ما السر في ذلك؟ علمه عند الله.
ُّ من أسرة في «طهطا» تعتز بشرف نسبها للرسول، ويعز ُ ها الناس لذلك، عرف
ّ كثري من أفرادها بالعلم وتولى القضاء والإفتاء، وديارهم منازل الحكام ومورد القصاد،
ُّ والحكومة على نظام ذلك العهد تمدهم بالأراضي يستغلونها ولا يملكونها، وبالأرادب
الكثرية من القمح كل عام في نظري فتحهم بيوتهم للضيوف وذوي الحاجة؛ ولكن هذا
العطاء لم يكن — كما نقول اليوم — حقً ا مكتسبًا، ولكن منحة عارضة، تتبع رغبة
الوالي وشهوته، فهو إذا شاء أطلقها، وإذا شاء منعها — وكان من سوء حظ «رفاعة» أو
من حسن حظه، لا أدري — أن قبض الوالي يده عما كان يعطي أهله، فوقعوا في الفقر
واضطر أبوه أن ينزح من البلد، ومعه رفاعة صبي صغري. ولكن ما لبث والده أن مات
فقريًا، فعاد الصبي إلى طهطا، ونزل في أخواله، وشاء الله أن يكون في هؤلاء الأخوال من
ّ مه ويعده للأزهر، فحفظ بعض املتون بعد أن حفظ القرآن ودرس شيئًا من الفقه
يعلّ
والنحو، ثم أرسل إلى الأزهر.
درس في الأزهر كما يدرس كل مجاور، وعاش فيه كما يعيش املجاور الفقري، يقنع
بالجراية ويأتدم أكثر الأوقات بالفول على اختلاف أنواعه ومشتقاته، ولكنه مع هذا يعتز
ببيته ونسبه.
ً شيء واحد ميزه عن كثري من املجاورين هو اتصاله اتصالا وثيقً ا بالشيخ حسن
ً العطار، وكان هذا رجلا ً ممتازا واسع النظر، خبريًا بالدنيا على قلة الخبريين بها من
علماء الأزهر في ذلك العصر، ولم يعجبه طريقة الأزهريني في الاقتصار على كتب النحو
ُ والفقه والتفسري والحديث، فضم إلى ذلك نظرته في كتب التاريخ والأدب، وعني عناية
كبرى بالأدب الأندلس يدرسه ويحاكيه، ويأسف على انحطاط الأدب في عصره، ويصف
شعراء زمنه بأنهم «اتخذوا الشعر حرفة محترف، وسلكوا فيه طريق معتسف، فصرفوا
ّ أكثر أشعارهم في املد ِ ح لاستجلاب املنَح، حتى مدحوا أرباب الحرف لجمع الدراهم في
الأسفاط، وكان منهم من يصنع القطعة من الشعر في مدح شخص ثم يغريها في آخر،
وهكذا، حتى يمتدح بها كثريًا من الناس، وهو لا يزيد على أن يغري الاسم والقافية، وما
ُ أشبهه في ذلك إلا بمن يفرق أوراق الك ْدية، بني يدي صفوف املصلني يوم الجمعة في
ً ا، أو عرسا، أو
املساجد، وهكذا كان حال الشاعر، فلا يكاد أحد يتخذ وليمة، أو ختانً
يبنى بناء أو يُ ً رزأ بموت محب إلا وبادره بشيء من الشعر، قائما بالشيء النزر».
68
الشيخ رفاعة الطهطاوي (1(
أما الشيخ العطار فجريا على رأيه لم يحتفظ بشعره في املديح والهجاء مما قاله
ً اضطرارا، ورجا ألا يحفظ عنه إلا «ما لطف من النسيب، وعذُب من التشبيب، مما قد
ولعت به أيام الشباب، حيث غصن الشبيبة غض، والزمن من الشوائب محض، ولأعني
امللاح سهام بالفؤاد راشقة، وتثني قدود تظل لها أعني الأحبة رامقة.
ذاك وقت
قضيت
فهيرغامي
من
شبابي
في
ستره
بالظلام
مث
لا
مبدا
الصباح
لعيني
من
مشيبي
ودعه
ت
بسلام»
وكان الشيخ حسن العطار قد أداه ظرفه ومعرفته بالدنيا أن اتصل بالفرنسيني
ّ حني دخولهم مصر، ودرس لبعضهم اللغة العربية، وأداه اختلاطه بهم أن يقف على
كثري من معارفهم الواسعة فيبهره ذلك منهم، ويتعجب مما «وصلت إليه تلك الأمة من
املعارف والعلوم وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطرق الاستفادة» ويقارن بني ذلك
وحالة العلم في الأزهر. ويرثي لحال مصر ويتوقع حصول ثورة علمية فيقول: «لا بد أن
تتغري حال بلادنا ويتجدد لها من املعارف ما ليس فيها» ويزيد «العطار» سعة في عقله
رحلته إلى الشام وإلى الآستانة، وقد أقام بها مدة طويلة وسكن في «اسكودره» وتزوج
بها ثم عاد إلى مصر.
هذا هو الشيخ العطار الذي صار فيما بعد شيخ الأزهر، وهذا هو أستاذ الشيخ
ً رفاعة الذي أثر فيه أثرا غري شائع عند الأزهر بني إذ ذاك، من ميل إلى الأدب واطلاع
على الكتب غري املتداولة، وكان التلميذ املحبوب عند شيخه العطار في بيته وفي قراءته
الخاصة وفي دروسه العامة.
وفي الحق أن الأزهر كان فيه نبع صغري متسلسل يُعني بالتاريخ والأدب، بجانب
ذلك النبع الكبري الذي يعني بعلوم اللغة والدين فقط، وكان من هذا النبع الصغري الشيخ
الجبرتي املؤرخ الكبري، وتلميذه العطار، وتلميذه رفاعة.
ظل رفاعة يتلقى دروسه في الأزهر حتى أتمها وتصدى للتدريس فيه، ثم عني في
منصب صغري هو واعظ للعسكر، ثم حدثت الحادثة الكبرى التي غريت مجرى حياته
ورسمت طريق نبوغه، ومكنته من أن يتولى زعامة النهضة، وهي بعثته إلى باريس.
تولى مصر محمد علي باشا وأراد أن ينهض بمصر في جيشها حتى يساوي جيش
تركيا ويفوقه، ونهوض الجيش يحتاج إلى تعلم الفنون الحربية وإلى الهندسة وإلى الطب
وإلى الصنا
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وخرجها، ونهوض الإدارة يحتاج إلى رؤوس تضع النظام وأيد متعلمة تنفِّذه؛ ونظر
فرأى أن كل ناحية من نواحي الإصلاح تصطدم بالحاجة إلى العلم والعلماء واملتعلمني،
وأن ليس في البلاد من ذلك إلى الأزهر وملحقاته، فلم يكن إلا الكتاتيب في القرى والبلدان
ْسلم إلى الأزهر،
تُحفِّظ القرآن وتعلِّم القراءة والكتابة على نمط عتيق، وهذه الكتاتيب تُ
وقد يكون في بعض املدن كالإسكندرية وطنطا معاهد هي صورة مصغرة من الأزهر،
والأزهر لا يعلم إلا الدين واللغة العربية على نمط القرون الوسطى، وليس في البلاد
كلها مدرسة تعلم الجغرافيا والتاريخ والرياضة والطب والهندسة والزراعة والطبيعة
والكيميا. املهندس هو املعمار الذي يتخرج من ممارسته للبناء؛ والطبيب هو الذي قرأ
شيئًا من تذكرة داود، ومنهاج الدكان، ومارس الصناعة مع املجربني؛ والرياضي هو من
حفظ «سورة الفدان»، وتعلم على الصراف أو نحو ذلك؛ وكل هذه أدوات لا تكفي لبناء
نهضة، فما الحل؟
هناك حلول ثلاثة:
(1 (إصلاح الأزهر وهو مركز التعليم والتعلم في البلاد، وتوسيع اختصاصه، فتجعل
الدراسة الدينية شعبة، وبجانبها شعبة للرياضيات والطبيعيات، وشعبة للطب، وشعبة
للهندسة الخ، وقد يبدو أن هذا الحل هو الحل الطبيعي، وفيه بقاء على مركز التعليم
وإصلاحه وتوسيعه، ولكن دون ذلك أهوال، فالرأي العام الأزهري لا يرضى عن هذا
ً التغيري، ويعده إفساد ً ا للأزهر، وإفسادا للدين، والرأي العام الشعبي يتبعه ويؤيده،
فيحدث ذلك ثورة في البلاد لا حاجة إليها، ثم إن هذا الطريق طويل، فإذا أعدت العدة
لهذا التغيري، وانتظرت النتيجة، كان لا بد من مرور سنني، والإصلاح يتطلب السرعة —
آه — ما كان أنفع هذا الوجه لو اتسع صدر الأزهر؛ وعقَ ل الناس!
(2 (والطريقة الثانية أن نترك الأزهر وشأنه، وننشئ مدارس مدنية من كتاتيب
نظامية ومدارس ابتدائية وتجهيزية وخصوصية كالطب والهندسة، ونقلد فيها املدارس
الأوربية ولا يكون لهذه املدارس أية صلة بالأزهر إلا باملدرسني الذين يؤخذون منه
لتعليم الدين واللغة العربية، ونستعني بالأوربيني من فرنسيني وإيطاليني وإنجليز نأتي
بهم ونضع في يدهم قيادة الحركة العلمية والصناعية، ونجعلهم يمرنون املصريني حتى
ينهضوا بالعبء. ولكن عيب هذه الطريقة أن كثريًا ممن نستوردهم من هؤلاء الأوربيني
قد لا يخلصون في عملهم، وقد ينظرون إلى مصلحة أممهم لا مصلحة من يعلمونهم،
70
الشيخ رفاعة الطهطاوي (1(
وقد يضيفون إلى تعليمهم قيامهم بوظيفة التجسس لأممهم؛ ثم املصريون املتعلمون على
يدهم محال أن يبلغوا مبلغهم، فكلما طالت السلسلة بعدت عن الأصل.
(3 (وثالث الوجوه أن ننشئ املدارس التي ذكرنا ونأتي بأروبيني يعلمون، ولكن
نجعل هذا ضرورة نتخلص منها في أقرب وقت، فنبعث البعوث لأوربا في مختلف العلوم
والفنون، فيتلقونها من مصادرها؛ فإذا عادوا حلوا بالتدريج محل الأوربيني، وبذلك
نكسب السرعة ونكسب الإصلاح ونتقي خطر تغلغل الأجانب.
وعلى هذا الرأي الأخري استقر الرأي، فأرسلت أول بعثة هامة سنة 1826 إلى فرنسا؛
وهم أربعون طالبًا، بعضهم لدراسة الإدارة املدنية، وبعضهم لدراسة الإدارة الحربية،
ومنهم لدراسة العلوم السياسية، ومنهم لقوة املياه، والعلوم امليكانيكية، والهندسة
واملدفعية، وصب املعادن، وصنع الأسلحة والكيميا والطب، والتاريخ الطبيعي، واملعادن.
ِّ واختري معهم عضو محافظ، يذك ً رهم دائما بالتقاليد القديمة ويصدهم عن الاندفاع
ً في تيار املدنية، فيكون إمام ً ا لهم في الصلاة، ومظهرا من مظاهر التقاليد القديمة فكان
ذلك هو «الشيخ رفاعة» رشحه لهذا أستاذه العطار.
وهل فكروا حني عيَّ ً نوه أن يكون عضو ً ا أصيلا يَُعد لشيء، أو مجرد إمام تابع للرحلة
ً يسد خانة من خاناتها؟ الظاهر أنهم أرادوه أولا ً إماما للبعثة، وهذا عمله الأساسي، فإن
تعلم وجاء بشيء فلا بأس وليكن الترجمة، ولكن أراد الله أن يكون الإمام في الصلاة
ً للبعثة إماما للحركة العلمية في مصر.
في عصر يوم الجمعة 8 من شعبان سنة 1241/18 من مارس سنة 1826 ،كان
شاب ملتح معمم سنة خمس وعشرون، ويقدره من رآه بأربعني، لأن حياته وحياة
أمثاله لم تعرف الشباب، يظهر عليه الخشوع الديني، والتواضع وطيبة القلب وخفة
الروح، يسافر مع أعضاء البعثة من مصر إلى الإسكندرية، ولا تظن أنهم اتخذوا قطار
الاكسبريس، فوصلوها بعد ثلاث ساعات، ولكنهم أخذوا زوارق صغرية كل جماعة منهم
في زورق، وسارت بهم في النيل أربعة أيام بلياليها حتى وصلوا إلى الإسكندرية، إذ لم
تكن مصر عرفت «الوابور» بعد.
71

الشيخ رفاعة الطهطاوي(2(
ركب (الشيخ) البحر من الإسكندرية، وقد خاف من البحر خوفني: خوفًا من ركوبه وقد
سمع كثريًا عن البحر وأهواله، وحفظ في الأزهر:
لا أركب
البر
ح
أخشى
علّي
مه
ن
المعاطب
طين
أنا،
وهو
ماء
والطين
في
الماء
ذائب
وقرأ في بعض الكتب قول الشاعر:
فيشتت
الأفكار
ما
قاسى
الورى
نم
هول
هذا
البر
ح
عند
روكهب
وسمع قول العامة في البحر: «داخله مفقود وخارجه مولود»، ولكنه استبشر خريًا
َ ال ْ ار َكبُ ِوا ف َيها
َ بأن بدء الرحلة كان عصر يوم الجمعة، وهو يوم مبارك، وظل يقرأ. ?وقَ
ِالله َم ْجَر َ اه َ ا وُم ْرَس َ اها?، وقرأ بعد ذلك حزب البحر واعتمد على الله واطمأن، وذكر
ِ
ِب ْسم
قول الشاعر:
ّ لما
ركبا
ن
ببح
َ ر
وكاد
م ْن
خاف
يَتْ
ْلف
على
الر
كمي
اعتما
دن
حاشاه
أن يتخلْف
ُ والخوف الثاني من دوار البحر، وقد سمع عنه
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
أول ما لفت نظر «الشيخ» هذا املركب الفرنساوي، وطار خياله، مقارن بني السفينة التي
ركبها من القاهرة إلى الإسكندرية، وهذه السفينة الفرنساوية؛ أما الأولى فسفينة قذرة،
ولكنه لم يدرك قذارتها إلا ملا ركب الثانية، كان يجلس فيها على الألواح، وكان يأكل
حيث يجلس، وينام حيث يأكل، ومن حني لآخر يشعل «النوتى» حطبًا فيملأ الجو دخانًا،
َّ ويوقد ناره يطبخ فيها عدسه، في ماعون قد اسود خارجه وداخله، وإذا تم تحلَّق هو
وصحبه حوله وغاصوا بأيديهم فيه، ثم لعقوا أصابعهم بألسنتهم وحمدوا الله؛ وكانت
موسيقى املركب لا تنقطع، فصياح لجمع شراع، وصياح لنشر شراع، وصياح لتحويل
الدفة، وصياح للمرور من «هويس»، وأوامر ونواه لا تنتهي، وشتائم وسباب كذلك لا
ً ينتهي؛ واملركب غني غنى مفرطا بالحشرات والزواحف من كل لون وشكل، تعني العابد
على إمعانه في سهره، وطول تهجده، وكثرة استغاثته باهلل.
هذا مركب النيل في مصر، وأما مركب البحر في الإسكندرية فأمره عجب، يقول
«الشيخ»: «إن أهل املركب — من الفرنساوية — كانوا يحافظون على تنظيفها وإذهاب
الوسخ ما أمكن، حتى إنهم يغسلون مقعدها كل يوم من الأيام، ويكنسونها في صف
النوم كل نحو يومني، وينفضون الفراش وغريه، ويشممونها رائحة الهواء، ويزيلون
أوخامها». و«الشيخ» يعجب من هذا كل العجب، ويثري مشكلة من أصعب املشاكل،
وهي «أن النظافة من الإيمان»، والفرنساوية نصارى، «ليس عندهم من الإيمان مثقال
ذرة»، وإخوانهم النصارى من قبط مصر أهل وخم ووسخ، فما بال هؤلاء الفرنساوية
النصارى نظفاء، وما بال املؤمنني املسلمني غري نظفاء؟ هذه أولى املشاكل.
ً وقد ظل «الشيخ» متأثرا بهذه النظرة طول رحلته، يعجب من نظافة الفرنساوية في
ً مراكبهم وفي بيوتهم وفي ملابسهم وفي شوارعهم، ويزداد عبجا إذا بلغه أن أهل فرنسا —
مع هذا — ليسوا أنظف أهل أوربا، وأن «أهل الفلمنك (هولنده) أنظف من الفرنساوية
َّ إذ تجد غالب حاراتهم مبلطة بالحجر الأبيض املتعه ّ د بالتنظيف، وبيوتهم مجملة من
ً خارجها أيض ً ا، وشبابيكهم القزاز تغسل دائما، بل وحيطانهم الخارجية».
ويحز في نفسه أن املصريني ليسوا بذاك في النظافة، ويزعم «أن أهل مصر في قديم
الزمان كانوا أعظم أهل الدنيا نظافة، ولكن لم يقلدهم ذراريهم».
وما أظن ذلك، فالوساخة في مصر داء قديم، وهم — مع الأسف — من أقل
الأمم عناية بالنظافة، في مآكلهم وملابسهم ومساكنهم وشوارعهم، ولم تبذل الحكومات
ّ املتعاقبة أي مجهود جدي في حملهم على النظافة حتى تصبح عادة، ومحل املقارنة لا
74
الشيخ رفاعة الطهطاوي (2(
يزال الآن كما كان منذ مائة عام في عهد «الشيخ رفاعة» ولا يغرناكم مائة بيت من
الطبقة الأرستقراطية في املدن يعيشون في جو نظيف، فالحكم إنما يجب أن ينظر فيه
لسائر الشعب؛ وحتى هؤلاء الأرستقراطيون لا يستطيعون أن يعيشوا نظفاء إذا كان من
حولهم غري نظيف، فهم مضطرون ملعاملة خدم يخدمونهم، وباعة يبيعون لهم، وركوب
ترام أو قطارات يسافرون فيها وهكذا. وكما لا يستطيع بيت أن يعيش نظيفً ا في حارة
قذرة، كذلك لا تستطيع طبقة مهما احتاطت أن تعيش عيشة نظيفة نظافة تامة في جو
قذر. إن الفقر املنتشر والبؤس الشائع يدفعان الأمة إلى إهمال النظافة، ولكن أهم من
ذلك عدم تدخل أولي الأمر في نظافة الشعب، وتعويده أن يقوم النظافة قيمتها الحقة؛
ً فمن نعم الله أن تكاليف النظافة رخيصة إذا وجدت نفوسا تأنف القذر.
مما يُعجب حقً ا حساسية «الشيخ رفاعة» بالنظافة، وتقويمه قيمتها الحقة، والتفاته
الشديد الدائم إلى هذه الناحية — ولو خصصت الأمة نصف ميزانيتها أو أكثر لتأسيس
الحياة الاجتماعية في مصر على أساس النظافة لعقلت.
هذا «الشيخ رفاعة» في السفينة الفرنسية «بعمته وجبته وقفطانه»، يتوضأ ويصلي
ً إماما ببعض الطلبة املصريني، ويستظرف الشبان الفرنسيون هذا املنظر، فيجتمعون
ً ملشاهدته؛ ويرون «الشيخ رفاعة» قسيسا يصلي باملسلمني ويؤمهم، فيحترمونه احترام
ً قسيسهم، ويمنحونه قدرا من إجلالهم، ويخصونه بمزيد عنايتهم.
ويزيدهم استظرافًا له أنهم يرونه عاكفً ا على دراسة اللغة الفرنسية، بيده أجرومية
فرنسية يقرؤها كما يقرأ كتاب الأجرومية في النحو العربي، ويحفظ ويمعن في الحفظ،
وينطق ببعض كلمات تستخرج ضحك الفرنسيني من أعماق صدورهم، وأصعب شيء
على «الشيخ» حرف U الفرنسية فهي ثقيلة النطق على لسانه، فلا هي بالواو التي
يعرفها، ولا هي بالياء التي يألفها، ولكنها وسط عجيب بني الواو والياء، يستصعبها
فيتجمع لها قبل النطق بها، وإذا وقع نظره عليها من بعيد وهو يقرأ أدرك علامة
الخطر. ولقد أذكرني ذلك حكاية ظريفة، فقد كنت أتبادل مع سيدة إنجليزية جميلة
ُّم الإنجليزية والعربية، وكان لها عينان تشعان الثقة والإخلاص والأمانة، وكان يصعب
تعل
عليها النطق بالعني، فكانت تقول: «إن عينكم هذه تقتلني»، فأقول في نفسي: «وعينكم
ً أيضا تقتلني».
75
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
سارت السفينة بالشيخ أربعة أيام، والبحر هادئ والجو جميل، وطمع الشيخ أن تكون
رحلته كلها من هذا القبيل، ولكن ما هو إلا أن عصفت الرياح، واضطربت السفينة،
وأخذتها أمواج كالجبال تعلو إلى أعلى القمة وتهبط في ملحة إلى أسفل القاع، ولعبت
نفوس الراكبني لعب الأمواج، فثارت ثورتها وهاجت هياجها. قال الشيخ: «فلازم أكثرنا
الأرض، وتوسل جميعنا بالشفيع يوم العرض».
ً بعد مرور خمسة عشر يوما، والبحر يهدأ ويهيج، والسفينة تسري وتلعب، والشيخ
يصلي ويقرأ الأجرومية الفرنسية، وقفت السفينة على جزيرة صقلية (سيسليا)، ففرحوا
بمنظر الأرض الباسم بعد منظر البحر العابس، وتذكر الشيخ قول الشاعر:
ل
أن
قدمي
ظهر
الأرض إن
ً ي
رأيت
الأرض أثبت
منك
ظهرا
ولكن أهل صقلية لم ينيلوه ظهر الأرض، ولم يمكنوه من النزول، إذ كانوا لا
ْ يسمحون بدخول البلد إلا بعد الحجر الصحي خوف الوباء، وإنما كانوا يسمحون
بالتعامل بالبيع والشراء، على شرط أن النقود التي يأخذها البائعون تغمس في إناء مملوء
بالخل، حتى لا تنتقل العدوى.
وظلت السفينة خمسة أيام تتزود حاجتها من ماء وفاكهة وخضر.
لقد كان «الشيخ رفاعة» ظريفً ا حقً ا، أتدري ماذا أعجبه من كل ما حوله؟ صوت
النواقيس ورناتها املوسيقية، وكانت الأيام أيام عيد، والنواقيس تدق فيدق لها قلب
الشيخ. لو غريه سمعها من رجال الدين املتزمتني لاستعاذ باهلل من صوتها وحوقل،
وسمع منها صوتًا من أصوات الكفر يقبض صدره ويُعتم نفسه، ولكن شيخنا رحب
الصدر، يتعشق الجمال حيث كان في عفة ودين.
ففي إحدى هذه الليالي الخمس دعا صديقً ا من أصدقائه من أعضاء البعثة، ممن
يعرف فيه الظرف والأدب، واقترح عليه أن يشتركا في إنشاء مقامة كمقامة البديع
والحريري، ولكن ليس موضوعها التكدي ونصب الحيلة لاقتناص مال، وإما موضوعها
ثلاثة أشياء، الأول حوار حول أن «الطبيعة السليمة تميل إلى استحسان الذات الجميلة
مع العفاف»، والثاني «سكر املحب من عيني محبوبة»، والثالث «تأثر النفوس، بضرب
ُ ا. هكذا صبا الشيخ وظرف، وأخذ ينشئ الشعر في
الناقوس» إذا كان من يضربه ظريفً
مقامته في هذه املعاني،
الشيخ رفاعة الطهطاوي (2(
أصبو
إلى
كل
ذي جمال
ولست
من
صو
بتي
أخاف
وليس
بي
في
الهوى
ارتياب
وإنا
م
شيمتي
العفاف
وقال في املعنى الثاني:
دققلت
لامبدا
والكاس
في
يده
ووجره
الخر
م
فيا
هشه
ب
َّدخهي
حسبي
نزاهة
طرفي
في
محاسنه
ونو
شتي
نم
معاني
سر
ح
عينهي
وفي املعنى الثالث يقول:
مذجاه
يضرب
بالناقوس
قلت
له:
َم ْن
لعّم
الظبي
ضربًا
بالنواقيس
وقلت
للنفس
ّ أي الضرب
يؤلمكي
ض

الشيخ رفاعة الطهطاوي(3(
رؤيتك أمة جديدة فتح عني لك جديدة، فالحكم على املسائل الاجتماعية يعتمد أكثر ما
يعتمد على املقارنة، ولا مقارنة إذا اقتصر الإنسان على النظر إلى أمته وشؤونها، فنشأته
فيها واعتياده من صغره رؤية مظاهرها يضعف قوة النقد عنده، ويعوقه عن إدراك
ً مزاياها وعيوبها، فإذا هو رأى أمة أو أمم ً ا غري أمته ازداد علما، وازداد قوة على النقد،
وكان أقرب إلى صحة الحكم.
ومن أنفع هذا الباب النظرات الأولى للراحل، فهي تحصر وجوه الخلاف قبل أن
َّ يألفها ويعتادها، تكون مادة صالحة له إذا هو قيدها وتعمق دراستها. فكم من الطريف
أن نصغى إلى الأوروبي الذي يزور مصر لأول مرة ويحدثنا عن أثرها في نفسه، كذلك
ّحضا رأى أوروبا للمرة الأولى وتحدث عما لفت نظره
من الطريف أن نسمع مصريًا قُ
وأثار عواطفه.
فإذا رأينا الشيخ رفاعة الذي نشأ في صميم الصعيد وشب في صميم القاهرة، وتعلم
في صميم الأزهر يتحدث عن الباريسيني والباريسيات كان بلا شك حديثًا عجبًا.
ما الذي أعجبه في فرنسا وما الذي كرهه، وما الذي ود أن ينقل من ذلك إلى مصر،
وما الذي حمد الله أن لا ينقل، ما الذي أحسه عند املقارنة بني مصر وفرنسا ووجوه
ً ضعف مصر وقوتها؟ أصبح ذهنه مشغولا ً دائما بكلمات خمس: مصر، الغرب، الإسلام،
فرنسا، النصرانية، استخدمها في كل نظراته وأحكامه.
أعجبه من الباريسيني ذكؤاهم ودقة فهمهم، وسعة اطلاعهم وميلهم الشديد ملعرفة
ما جهلوا، وقلة الأميني بينهم، ورغبتهم في الابتكار «فكل صاحب فن يحب أن يبتدع
في فنه شيئًا لم يُسبق إليه، أو يكمل ما ابتدعه غريه» ثم حب الاستطلاع، «فهم يحبون
الرحلة يستطلعون فيها الناس والبلاد، ويحبون الغرباء ليستمعوا منهم أحوال بلادهم
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وعوائد أهلهم»؛ ثم حب التجديد، «فهم يكرهون الاستمرار على حال واحد في امللبس،
وفي امللاهي، وفي التفكري، وفي السياسة». وأعجب ما أعجبه منهم حريتهم في تفكريهم
والتصريح بآرائهم في حكومتهم، والجهر بما يعتقدون في الدين والعلم والسياسة، كما
ً أعجبه جدا املنشآت العامة لنفع الفقراء واملرضى من مستشفيات وملاجئ.
وهذه صفات رآها فتمناها لبلاده، ولكن أين له الحرية التي يتمتع بها أهل باريس
ِّ لينقد قومه وحكومته ويقول في صراحة ما يتمنى؟ إنما هو يلو ِّ ح ويلمح.
ً وعجب جدا من خفتهم وطيشهم، وشدة انفعالهم، فسرعان ما ينتقلون من فرح
إلى حزن، ومن حزن إلى فرح، وقد تربى هو تربية وقار وحشمة، ورأى شيوخه في
ً الأزهر جادين دائما، يمشون متئدين وعليهم سيما الرزانة، ويجلسون كأن على رءوسهم
الطري، ويتحركون بحساب، ويخطون الخطوة بحساب، فما هذه الخفة في الحركة عند
الباريسيني، وكيف يجري هذا الرجل صاحب املقام الرفيع واملركز الاجتماعي الخطري
ً في الشارع كالأطفال، ليدرك موعدا أو يلحق عربة؟ وكيف يفرطون — حتى رجالهم
وعجائزهم — في اللهو واللعب، ويصرفون أموالهم في حظوظ نفوسهم، ويسرفون في ذلك
َ على أنفسهم غاية السرف؟ إنهم لخلْق عجيب، ولكنهم مع ذلك أهل جد لا يملون العمل،
وسواء في ذلك غنيهم وفقريهم.
ّ ا جما، فأين هذا من كرم
ً
ُ لم تعجب الشيخ ماديتهم، فهم بخلاء يحبون املال حبَّ
العرب! وأين هذا من كرم «الصعايدة»؟ ومن مادية الفرنسيني مواساتهم بأقوالهم
وأفعالهم لا بأموالهم، وهم لا يهبون ولا يُ ّ عريون إلا إذا وثقوا باملكافأة، ثم هم يحكمون
َّ العقل حيث يحك ً م الدين، فهم أسوأ حالا من املعتزلة في قولهم بالتحسني والتقبيح
العقليني، وهو لا يؤمنون باملعجزات ولا خوارق العادات، ويؤمنون بالسببية واملسببية
إلى أقصى حد؛ فالأمة ترقى بالعدل وتضعف بالظلم، وللعمارة أسباب تنتجها لا محالة،
وللخراب أسباب تنتجه لا محالة، ويعتقدون — والعياذ باهلل — أن عقول حكمائهم
أعظم من عقول أنبيائهم، وأكثرهم لا يؤمن بقضاء ولا قدر — لا. لا. هذا كله لا يعجبي.
ً وشيء آخر لم يعجبه أبدا، وهو أحوال النساء الباريسيات ... والرجال عندهم عبيد
النساء، فأين هذا من الشرق الجميل حيث النساء عبيد الرجال (على أيامه)، وهؤلاء
َ النساء هفواتهن كثرية، وقلة عفافهن واضحة، وغرية الرجال عندهم ضعيفة، وخاصة في
ُ الطبقات العليا والسفلى، «وقد جرب في بلاد فرنسا أن العفة تستولي على قلوب النساء
املنسبوبات إلى الرتبة الوسطى من النساء، دون نساء الأعيان والرعاع، فنساء هاتني
80
الشيخ رفاعة الطهطاوي (3(
املرتبتني تقع عليهن الشبهة» الخ، فأين هذا مما عندنا في الصعيد، حيث الغرية عند
ُ الرجل تبلغ حد الجنون، وويل ملن سمع عنها قالة سوء أو حامت حولها شبهة.
ولكن — والحق يُقال — في الباريسيني فضيلة، وهي عدم تغزلهم في املذكر، «فمن
محاسن لسانهم وأشعارهم أنها تأبي تغزل الجنس في الجنس، فلا يحسن في اللغة
ً الفرنسية قول الرجل عشقت غلاما، فإن هذا يكون من الكلام املنبوذ، ولذلك إذا ترجم
أحدهم كتابًا من كتبنا يقلب الكلام إلى وجه آخر، فيقول في ترجمة تلك الجملة عشقت
غلامة أو ذاتًا ليتخلص من ذلك، فإنهم يرون هذا من فساد الأخلاق، والحق معهم، وذلك
أن أحد الجنسني له في غري جنسه خاصة من الخواص يميل بها إليه، كخاصة املغناطيس
ً في جذب الحديد — مثلا — وكخاصة الكهرباء في جذب الأشياء، ونحو ذلك، فإذا اتحد
الجنس انعدمت الخاصة، وخرج عن الحالة الطبيعية».
هذه بعض نظرات «الشيخ» إلى باريس أول ما نظر، وظلت هذه النظرات ثابتة
ً عنده، لم تتغري إلا قليلا ً ، بل كانت الأيام تزيدها قوة؛ ولقد أراد يوما أن يستوثق من
آرائه هذه فيعرضها ويسمع نقدها، فعرضها على اثنني من أصدقائه الفرنسيني، فأما
ً أحدهما فنقدها بأن الشيخ نظر إلى بعض املسائل متأثرا بأوهام املسلمني، ولعله يشري
إلى نقد الشيخ رفاعة لعقيدة الفرنسيني في القضاء والقدر، وإنكار املعجزات، كما نقد
نظرته إلى النساء الفرنسيات، وتعميمه الحكم على نساء فرنسا كلها بما شاهده من
بعض نساء باريس، وأما الثاني فكان ظريفً ا رقيقً ا، وقال: لا يهمني ما حكمت ولكن
يهمني ما عتقدت، فما دمت تكتب ما تعتقد فلا ضرر، وإنما الضرر أن تشايع غريك،
ويحملك الحياء والخجل على أن تكتب أو تقول ما لا تعتقد.
فكرتان تعارضتا في ذهن محمد علي باشا ورجاله، وكل فكرة مزاياها وعيوبها، أمن
الخري أن يسكن هؤلاء الطلبة املبعوثون في بيت واحد وعليهم مشرفون، أو يفرقوا
في «البانسيونات» الفرنسية؟ مزية الفكرة الأولى أنها أحفظ للطلبة من العبث، وأنها
أحرى أن تجعل الطلبة محافظني على عوائدهم املصرية، فإذا رجعوا إلى بلادهم لم
يكونوا قد بعدوا عنها كثريًا فيفيدونها بعلمهم، ويندمجون فيها بسلوكهم، وعيبها أن
َّ الطلبة املصريني متى اجتمعوا تكلموا بالعربية، فلم يتقدموا في الفرنسية، وضعف علمهم
بأحوال الفرنسيني وشؤونهم، مما قد يكون فيه فائدة لأمتهم؛ ومزية الفكرة الثانية
طلاقة ألسنتهم وكثرة استفادتهم وتجاربهم، وعيبها تعرضهم لخطر التهتك، والانغماس
81
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
في الشهوات، وتطبُّعهم بطابع الفرنسيني، وبعدهم بذلك عن أهلهم، وتقليد الفرنسيني في
أحاديث السياسة والطعن في الحكومات، مما يسبب مشاكل ملصر في املستقبل.
ً حار بني الفكرتني، فاختار الأولى أولا، فنزل املبعوثون أول الأمر بيتًا سمي «بيت
ً الأفندية»، لا يخرجون منه ليلا ً ولا نهارا إلا يوم الأحد. وإذا خرجوا فبإذن من الضابط
للبواب، ويأتي املعلمون الفرنسيون إلى البيت ليعلموا الطللبة، كل طائفة متماثلة تدرس
ًمعا، وتنفق عليهم الأموال عن سعة حتى كان يعدهم الفرنسيون من الأغنياء.
ثم ملا تجلت عيوب هذه الطريقة وأحسوا عدم تقدم الطلبة في اللغة والعلم لجئوا إلى
ٌّ الطريقة الثانية، فوزع الطلبة على «البانسيونات» وفرقوا على املدارس كل وما يناسبه،
وأطلق لهم شيء من الحرية ولكن في نظام دقيق؛ فيخرجون يوم الأحد، ويوم الخميس
بعد الدروس، وبعض الأيام بعد العشاء، ولكن لا بد أن يعودوا إلى مساكنهم قبل الساعة
التاسعة في الصيف، والثامنة في الشتاء؛ وفي كل شهر يمتحنون ويكتب تقرير عن كل
َّ طالب، ومقدار ما حصله ومدى تقدمه، ويكافأ من ظهرت نجابته بهدية من الكتب أو
ٌ ا أن يدوروا في الأزقة — وإذا عصى أحد
ً بعض الأدوات املدرسية؛ وهم ممنوعون منعا باتً
هذه الأوامر حبس وعذِّب، وإذا أتى بأفعال غري لائقة أو شهد املعلمون أنه لا يرجى
ً تقدمه أعيد — حالا — إلى مصر، والكل في ذلك سواء لا يستثنى أحد. ومحمد علي باشا
ً بنفسه يطلع على التقارير الواردة، ويتصرف فيها بما يرى، ويرسل دائما إلى الطلبة
ُ يشجع امل ِجّد وينذر الكسول، ويراقب كل صغري وكبري. وفي آخر كل عام تأتي التقارير
الوافية عن كل طالب، ويَُمَّرن كل طالب أثناء تعلمه على التأليف أو الترجمة، ويرسل
ذلك ملصر للاطلاع عليه.
وضعت برامج مختلفة لتعليم كل طالب حسب دراسته الأولى، والغرض الذي من أجله
أرسل. وكان البرنامج الذي وضع للشيخ رفاعة شاقًا غريبًا، لأنه أعد للترجمة من
الفرنسية إلى العربية، وعليه أن يَُعّد لترجمة الكتب في العلوم املختلفة، في الجغرافيا
والتاريخ والطب والهندسة والتعاليم العسكرية، وهو لا يستطيع الترجمة في علم من
العلوم إلا إذا ثقف فيه، فيجب أن يثقف هذه الثقافات املختلفة ليستطيع التعريب فيها،
لذلك كان برنامجه الذي ألزم به ما يأتي:
يجب أن يتعلم الفرنسية، نحوها وصرفها وإملاءها قراءة وكتابة، وقد استمر في
ذلك ثلاث سنني، وفي أثناء تلك السنوات يقرأ كتبًا معينة في فلسفة اليونان والتاريخ
العام.
82
الشيخ رفاعة الطهطاوي (3(
ِّ وعني له كتاب في الحساب يقرؤه ويعرف مصطلحاته وكذلك في الهندسة.
واختري له كتاب واسع في الجغرافيا التاريخية والطبيعية والرياضية والسياسية،
قرأه على أستاذ فرنسي.
َّ ويتمرن في كل ذلك على الترجمة من الفرنسية إلى العربية.
ويقرأ كتابًا في املنطق الفرنسي، وكتابًا في املعادن، وكتبًا مختلفة في الأدب الفرنسي،
فيقرأ لفولتري، وراسني، وروسو.
ويقرأ في السياسة، والحقوق الطبيعية، وروح الشرائع ملنتسكيو.
ويقرأ على الأستاذ كتابًا في علم الطبيعة وكتابًا في فن العسكرية.
ويقرأ املجلات العلمية والجرائد السياسية اليومية.
ُ وهكذا كلِّف كثريًا، وقرأ هو لنفسه كثريًا، وشغف بالكتب السياسية والاجتماعية
يقرأ منها كثريًا، إذ رآها تفتح أمامه أبوابًا واسعة.
وكان مسيو جومار مدير البعثة يحبه ويعطف عليه، ملا رأى من جده ونبوغه،
فأعانه وشجعه وسهل له مصاعبه.
ثم استفاد فائدة أخرى كان لها أثر كبري في حياته، ذلك أنه صادف في باريس
َ أيام وجوده بها علَمني من أعلام الاستشراق، الأستاذ سلفستر ده سلس والأستاذ كوزين
ده برسيفال؛ فأما الأول فمدير مدرسة اللغات الشرقية، واسع الاطلاع في اللغة العربية
والفارسية، نشر كتبًا عربية كثرية؛ وألّف شرح مقامات الحريري املتداول بني أيدينا،
ً واملطبوع في مصر مرارا، وألف في النحو العربي على طريقة جديدة، وألف كتاب «الأنيس
املفيد، للطالب املستفيد» املطبوع في مصر من غري ذكر ملؤلفه الخ؛ وكذلك الأستاذ كوزين
نشر كثريًا، وترجم من العربية «صقلية تحت حكم املسلمني» الخ. وكلاهما كان بحاثة،
صادقهما الشيخ رفاعة واستفاد منهما منهج املستشرقني في البحث، واستفادا منه بعض
معارفه في اللغة العربية، فلما عاد إلى مصر قلدهما في بعض شؤونهما كما سيأتي.
كان عليه أن يتم هذا البرنامج كله في خمس سنوات، وما كان يستطيع ذلك لولا
همته وصدق عزمه واتكاؤه على نفسه، فقد أفرط في املطالعة بالليل حتى ضعفت عينه
اليسرى، واحتاج إلى تطبيبها، ونصحه الطبيب ألا يطالع فأبى؛ وصرف أكثر مرتبه
الخاص في شراء الكتب التي أغرم بها، وفي الاستعانة بمعلمني فرنسيني غري الذين رتَّبتهم
له الدولة.
ّ فإذا مل القراءة والدرس، استجم بنوع من الدراسة آخر لا يقل عن القراءة أهمية،
وهو دراسة الحالة الاجتماعية في فرنسا، ومدى تقدمها وأسباب نهضتها، ما قوانينها،
83
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ما عاداتها، ما تجارتها، ما وسائل اعتناء أهلها بصحتهم، كيف يعطفون على مرضاهم؟
ما حالاتهم الاقتصادية؟ ما علومهم وفنونهم ونظام التدريس عندهم؟ ما هي املؤسسات
العلمية غري املدارس، كاملكتبات والأكاديميات؟ حتى امللاهي والتمثيل وصالات الرقص
بجميع أنواعها — كل هذا درسه بأمعان، وقيده بالكتابة، واختزنه في ذهنه، وأجاله في
عقله على أساس ما يمكن أن يصنع من ذلك في مصر.
وهو في كل ذلك محتفظ بدينه، محتفظ «بعمته وقفطانه» يهرول بهما في شوارع
باريس على كثرة ما لقي في ذلك من عناء، فكلما مشي لفت الأنظار إليه بغرابة شكله
وطرافة زيِّ ً ه؛ ولا ينسى يوما حكاية ظريفة وقعت له فتصرف فيها تصرفًا ظريفً ا مثلها،
إذ كان يسري ليلة في زقاق في باريس، فمر بحانة لعبت الخمر بمن فيها من رجال ونساء،
وصادف مرور الشيخ خروجهم وهم يصيحون «الشراب الشراب»، ولاحت التفاتة من
أحدهم فرأى الشيخ يسري في «جبته وقفطانه» فصاح به: يا تركي يا تركي، وقبض على
ثيابه، فجذبه الشيخ رفاعة بلطف وساقه إلى «بار» كان بالقرب منه، ودخل به وقال
ً لصاحب البار: «من فضلك أعطني بهذا كأسا».
صاحب البار: ليس بيع الرجال في بلادنا، إنما ذلك في بلادكم.
الشيخ رفاعة: وهل هذا رجل؟ وهل من يفعل بنفسه ذلك آدمي؟
وضحك الجميع وانصرف الشيخ.
في آخر السنوات الخمس عقد للشيخ الامتحان النهائي، حضره جمهرة من الأساتذة
الفرنسيني، ومعهم مسيو جومار؛ وتقدم لهم الشيخ رفاعة ومعه اثنا عشر كتابًا أو
رسالة ترجمها من الفرنسية إلى العربية أثناء إقامته، ففحصها املمتحنون؛ ثم قدمت له
كتب عربية طلب منه أن يقرأ صفحاتها ويترجمها إلى الفرنسية شفاها وعلى البديهة؛
وأحضرت كتب مترجمة من العربية إلى الفرنسية فأعطى الفرنسيون الكتب الفرنسية
والشيخ رفاعة الكتاب العربي وطلب إليه أن يقرأها في نفسه وينطق بترجمتها بالفرنسية،
وقد أعجبوا بتفوقه، ولكن أخذوا عليه أن نطقه الفرنسي لم يصقل الصقل الكافي، وأنه
في الترجمة أحيانًا يعبر عن الجملة الواحدة الفرنسية بجمل كثرية عربية، وربما ترجم
ً الكلمة بجملة فرار ً ا من املصطلحات، وربما غري مجازا فرنسيًا بمجاز آخر عربي، وأنه
يراعي روح املعنى أكثر مما يراعي حرفية اللفظ، ونصحوه أن يراعي ذلك في املستقبل،
84
الشيخ رفاعة الطهطاوي (3(
ً وأعلنوا نجاحه في اغتباط وفرح، وكتبوا تقرير ً ا مفصلا ملحمد علي باشا يثنون عليه،
ويبينون مدى نجاحه في كل ما عهد إليه، إلا الرسم، فقد تصلبت أصابعه ولم يرزق
الخفة في يده، ويتنبأون له بمستقبل باهر في خدمة أمته بما يؤلِّف ويترجم.
إلى هنا كان الشيخ قد أتم مرحلة الاستعداد، وفارق باريس إلى مصر ليحمل عبئه
ويؤدي رسالته، وفي صدره هوى حبيبتيه مصر وباريس فيقول:
لئن
طلقت
بار
ًيسا
ثلاثًا
فامهذا
لغير
وصال
مر
ص
فل
ك
منه

الشيخ رفاعة الطهطاوي(4(
ً شتان بني الشيخ راحلا ً إلى باريس والشيخ عائدا من باريس، كان معصوب العينني،
فعاد مفتوح العينني؛ كان يرى أن مصر أم الدنيا. فإذا هو يراها ذيل الدنيا، ولكن
يجب العمل لتكون رأسها، كانت دنياه هي الأزهر وحي الأزهر، فإذا دنياه الدنيا كلها في
حاضرها وغابرها ومستقبلها، بما شاهد وبما قرأ من جغرافيا وتاريخ وسياسة واجتماع؛
ً كانت غايته أن يكون عاملا، ومعنى العالم في نظره أن يتقن النحو والبلاغة والأصول،
ِحفْ ُظ شيء من الشعر؛ وكان مثله الأعلى الشيخ الفضالي والشيخ القويسني،
َّ فإن تظرف فَ
وأن يجلس على مقعد بجوار عمود من أعمدة الأزهر وحوله الطلبة الكثريون يشرح لهم
أغمض الجمل وأعقد التراكيب، فإذا انتهى أقبل عليه الطلبة يتخاطفون يده لتقبيلها،
فإذا هو يرى في فرنسا أن كلمة «العالم» املطلق لا مدلول لها، إنما هناك عالم جغرافيا
وعالم تاريخ وهكذا، وأن شيوخ الأزهر لم يعودوا مثله الأعلى، فإن علم الأزهر نقطة من
بحر العلم، وطريقة تعليمهم نقطة سوداء في مناهج التعليم، وليس مثله الأعلى أن يجلس
بجوار عمود، ولكن مثله الأعلى ورسالته الكبرى أن يغزو الجهل والأمية في مصر كلها،
ِّ وأن يخلق فيها حركة تعليم تقلب أوضاعها وتنري أذهانها، وتبصرها بالدنيا وتفهمها
أين هم لأنفسهم وأين هم من الأمم الأخرى — وكان يرى الشيوخ يتملقون الولاة والأمراء
ً ا رخيصا ليستدروا منهم كيس نقود أو خلعة سنية، فصار يرى أنه لا يستطيع
تملقً
أن يكف عن املدح، وإلا فسد برنامجه، فليمدح ملشروع جليل، ولإنشاء مدرسة، ولعمل
خريي، ولرسم الطريق للأمراء ليتوجهوا بأعمالهم نحو الخري العام.
وأخريًا كان يحس من نفسه الضعة إذا جالس واليًا وأمريً ً ا أو عظيما، وكان يحس
النقص إذا جلس في مجلس يُتكلم فيه عن شؤون الدنيا، فارتفعت نفسه، فمن فخر بلغة
فهو يملك ناصية الفرنسية، ومن فخر بعلم دنيوي فليس يمكن أن يباريه، ومن فخر
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
بمعرفة الدنيا وشؤونها فأين هو منه وقد قرأ جغرافية العالم وسياسته، وجالس أذكى
ً الناس عقلا وأرقاهم مدنية، وعاش في أوساط قد لا يبلغها كبري. وهكذا سمت نفسه
َّ وشعر بقو ّ ته في غري كبر ولا غرور، يرتفع عن بني قومه ولكن يأخذ بيدهم، ويحس قوته
فيصرفها في نفع أمته، ويحذق فهم التيارات السياسية في مصر، وعقلية الشعب وعقلية
الولاة، فيعرف كيف يتجه بسفينته.
خمس سنوات في فرنسا جعلت منه إنسانًا آخر، ولكن كم من مئات ومن ألوف
ً قضوا أعوام ً ا وأعواما في انجلترا وفرنسا وأملانيا وعادوا نكبة على أوطانهم، ولم يفيدوها
ِّ حتى بكف شرورهم عنها، وصدق الأثر: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في
الإسلام». ولو كان لنا في كل مجموعة من البعثة مبعوث مثل رفاعة لتغري وجه مصر.
كان من العادات الظريفة التي اندثرت أن يجتمع الجم الغفري من العلماء والأمراء
ِ والأغنياء والتجار في ليلة من ليالي رمضان في بيت السادات في «ب ْر ِ كة الفيل»، ويجلس
الشريف الحسيب النسيب وشيخ السادات مجلسه الفخم الوقور يمنح الرتب والألقاب
ّ ملن شاء من الزوار، ولكن ليست رتبة «بك» ولا «باشا» ولا نحو ذلك، إنما هي ألقاب
ُ ى يستمدها من الوحي الصوفي والإلهام اللدنَّى، فهذا أبو الأنوار، وهذا أبو الوفاء،
ُوكنَ
وهذا أبو البركات، وهذا أبو الخري؛ ففي ليلة من هذه الليالي الرمضانية كان من الزوار
شيخنا الشيخ رفاعة، فتفرس فيه شيخ السادات، ونظر إليه بقلبه، ثم قال له: «اذهب
ُ فأنت أبو العزم»، وكذلك كان، وكانت كنْية موفَّقة، فأبرز صفات «الشيخ رفاعة» عزمه.
عاد الشيخ رفاعة إلى مصر سنة 1247هـ، وقد عرفه محمد علي باشا بما كتبه عنه مدير
البعثة من تقارير، وعرفة إبراهيم باشا حني قابله في الإسكندرية، لأنه سمع به حني
زيارته باريس، ولأنه كان يعرف أسرته في طهطا، وقد عرف ما نكبت به من انتزاع ما
في يدها من أطيان، وقطع ما يصرف لها من غلال، فأراد أن يكفِّر عن ذلك، فمنحه 36
فدانًا في الخانكة (الخانقاه)، فكان ذلك مبدأ ثروته ونعمته — أرض لطيفة قريبة من
القاهرة يستطيع الشيخ أن يديرها ويرفِّه عن نفسه فيها.
عيّ ً نه محمد علي باشا مترجما في مدرسة الطب، وكانت بأبي زعبل، وكان ناظرها
كلوت بك، وكانت محاولة أولية ملدرسة الطب أنشئت بجانب املستشفى هناك، وكان يؤخذ
ً تلاميذها من املكاتب ومن الأزهر، لا يعرفون لغة، ولا يعرفون إلا القراءة والكتابة وقليلا
88
الشيخ رفاعة الطهطاوي (4(
ّ من الحساب الأولي، وكان املدرسون الذين يدرسون الطب إما فرنسيني أو إيطاليني، فكيف
يكون التفاهم بني الطلبة واملدرسني؟ لا بد من مترجمني يعرفون العربية والفرنسية
والإيطالية، فيلقي الأساتذة الدروس بلغتهم والطلبة سكوت لا يفهمون شيئًا، فيترجمه
املترجمون إلى العربية، ثم يشرح املترجمون للأساتذة ما ترجموا ليثق الأساتذة من صحة
الترجمة، ثم يمليه املترجمون على الطلبة بالعربية، ثم يحفظه الطلبة، ومن أظهر التقدم
من الطلبة واستطاع أن يفهم من الأساتذة بعض الشيء جعل مشرفًا على الطلبة الضعاف
ً مساعدا للأستاذ واملترجم.
ً وهؤلاء املترجمون أيضا مشكلة أخرى، فهم طائفة من السوريني أو الأرمن أو
نحوهم مثل مسيو رفاييل ومسيو عنحوري، قد يجيدون اللغة الأجنبية، ولا يجيدون
العربية؛ فاقتضى الأمر أن يؤتى ببعض علماء الأزهر لتصحيح ما يترجمه املترجمون،
وسبَّب وجود علماء الأزهر مشكلة ثالثة، وهي أن التشريح حرام، وهو يُعمل في السر،
ويخشى أن يطلع عليه علماء الأزهر فيفضحوا املدرسة ويولِّبوا عليها الرأي العام، وليس
ِ لهذه املشكلة من علاج إلا أن يختار من الأزهر الشيوخ املرنون، كالشيخ الدسوقي
ْر َجْون ألا يفشوا السر.
والشيخ الهراوي، ويُ
ً هذا هو الوضع للمدرسة أيام عني بها «الشيخ رفاعة» مترجما، فكان أول مترجم
ً مصري يجيد العربية والفرنسية وله إملام بالطب، وقد عني مرءوسا للمسيو عنحوري،
َّ فلما رأى منه (مسيو عنحوري) هذه املقدرة تخلى له عن مكانه.
وعهد إلى الشيخ رفاعة إلى جانب الترجمة أن يعلِّم بعض الطلبة الإعداديني اللغة
ً ا على ذلك 1223 قرشا في الشهر، مع
الفرنسية والجغرافيا، وصدر الأمر بأن يعطي مرتبً
ً إضافات، كبدل انتقال ونحو ذلك. مرتب ضخم في ذلك العصر، فاثنا عشر جنيها كانت
ً قدرتها الشرائية أكثر من ستني أو سبعني جنيها في عصرنا، حتى قبل أن يرخص ورق
النقد.
ولهذا نرى الشيخ ينزوج بنت خاله الشيخ محمد الأنصاري، ويتبحبح في املعيشة،
فيكون له بيت في «املهمشة» بالقرب من شبرا، وفيه حديقة لطليفة فيها أثر الذوق
ٍ الفرنسي، وفي البيت جوار ٌ وعبيد ُ من ملك يمينه — فلم يكن أبطل الرق بعد — وفي ذلك
أثر للذوق الشرقي.
ً عمل في مدرسة الطب ما شاء الله أن يعمل، وأحس الطلبة روح ً ا جديدا في املدرسة،
ورقيً َّ ا في لغتهم اقتربوا به من أساتذتهم، وقرب إليه بعض خيار الطلبة يشجعهم
89
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
دهم للبعثة، وكان من هؤلاء محمد علي باشا البقلي — جراح مصر الشهري
ويمرنهم ويَ ُعُّ
— فكان يقبِّ ُّ ل يد الشيخ كلما رآه، ويعد نفسه صنيعة من صنائعه، فلولاه ما نبغ، ولولاه
ما كان مبعوثًا؛ بل أخذ الشيخ في هذه الفترة يضع الرسائل في الطب يساعد بها الطلبة
ويراجع الكتب العربية القديمة من قانون ابن سينا وتذكره داود لوضع املصطلحات
الطبية.
ولكن لم يلبت بهذه املدرسة إلا نحو سنتني، ثم صدر الأمر بنقله من مدرسة الطب
ً بأبي زعبل إلى مدرسة «الطوبجية» بطره، وكان ناظرها رجلا أسبانيًا اسمه «ساكورا»
َّ بك، واسمه في الأصل «الدون أنطونيو ده سيجويرا» عربه الشيخ رفاعة إلى «ساكورا»،
ً وكان في الأصل ضابطا برتبة كولونيل في املدفعية، عهد إليه تأسيس هذه املدرسة
وتنظيمها لتخريج ضباط للجيش وللبحرية، يؤخذ طلبتها من املكاتب، ويتعلمون بها
الفنون العسكرية والحساب والجبر والهندسة ولغة أجنبية.
فعني الشيخ رفاعة ليترجم الكتب العسكرية والرياضية، بعد أن كان يترجم الكتب
الطبية، وطلب إليه أن يترجم فن إحداث الجراح، بدل ما كان يترجم فن تضميد الجراح —
فليكن — ها هو الشيخ يعكف على ترجمة كتاب في الهندسة يدرس في مدرسة «سانسري»
ً بفرنسا، وها هو يقلب أيضا الكتب القديمة في الهندسة يستخرج مصطلحاتها، وها هي
مطبعة بولاق تطبعها وتوزعها على طلبة مدرسة الطوبجية.
ولكن الشيخ لم يعجبه مسيوبا كورا بك، ولم تحسن العلاقة بينهما. وتأتي سنة
1250هـ، فيحدث في مصر طاعون شنيع، ويكثر املوتى وتضطرب الأحوال في القاهرة،
ويغلو السعر حتى تكون كيلة القمح بتسعة قروش، فيسافر الشيخ بلا إذن إلى بلده
طهطا.
ً مكث في بلده ستني يوما، هل استراح فيها وسكن إلى أهله وأهل بلده بعد غيبة
ّ طويلة؟ هل فك َّ ر في الطاعون وكثرة املوتى؟ هل صده عن العمل تضايقه من مسيوسا
كورا؟ لا شيء من ذلك، ها هو كتاب في الجغرافيا أعجب بقراءته ملا كان في باريس،
وأعيدت منه طبعة جديدة أدخلت عليه تعديلات جديدة، وهو كتاب ضخم واسع مؤلفه
«ملطبرون» Brun-Malte دنماركي الأصل، نفي من بلاده فأقام في باريس، فعكف على
دراسة الجغرافيا طول حياته، واعتصر منها مؤلفً ا في ستة أجزاء ضخام، أقام في تأليفه
ً تسعة عشر عاما، وفيه أرقى املعلومات وأوسعها عن العالم (في عصره) لو ترجم إلى
َّ العربية لوسع من آفاق أهل العربية وفتح عيونهم للعالم.
90
الشيخ رفاعة الطهطاوي (4(
ً في هذه الستني يوما دأب على ترجمة الجزء الأول منه، وعاد به في يده، وقابل محمد
علي باشا وقدمه إليه وشرح له قيمته، فشكره ومنحه منحة، وأنعم عليه بلقب صاغ،
إذ كانت كل الرتب عسكرية، فأصبح «الصاغ رفاعة»؛ وشكا له من عمل في مدرسة
ً الطوبجية ومن مسيوسا كورا، وقدم إليه مشروعا ملدرسة الألسن وصف فيه برنامجها
وما يصح أن تؤديه ملصر من الخدمة إذا أسست على أساس صحيح، وأنه هو أنفع
لهذا العمل والإشراف عليه، فكان ذلك، ونقل من مدرسة الطوبجية إلى مدرسة الألسن،
يؤسسها وينظمها ويتولى الإشراف عليها. وهنا أعطى القوس باريها وتجلت عظمته
ومواهبه فيها.
ما مدرسة الألسن التي خلقها الشيخ رفاعة، وما الغرض منها؟؟
ِّ لقد عرف الشيخ رفاعة في باريس مدرسة اللغات الشرقية، أسست لدراسة لغات
ِ الاستشراق، وكان يسميها في كتابته مدرسة الألسن، لَما ذاع في العربية من اللسان العربي
واللسان العجمي، وملا جرى على ألسنة العامة: «يتكلم بالسبعة ألسن». ولكن موقف
مصر في اللغات غري موقف فرنسا، فوجب أن تؤسس في مصر مدرسة للألسن تواجه
مطالبها وتناسب موقعها.
لقد نجحت فكرة محمد علي باشا في البعثات، وعاد أعضاؤها يتكلمون الفرنسية،
ُون للنهضة املصرية الواسعة
ويجيدون ما تخصصوا له من املسائل الفنية، ولكنهم لا يكفْ
النطاق، إن مصر محتاجة ملن ينقل لها خري ما وصل إليه العلم الحديث في كل فروعه،
فلا بد من تكوين طائفة كبرية من الشبان يحذقون العربية ولغة أخرى حية، وخاصة
الفرنسية، وإلى ذلك يثقفون ثقافة فنية خاصة، هذا في الرياضة، وهذا في القانون، وهذا
في الجغرافيا والتاريخ؛ حتى إذا عهد إليهم ترجمة كتاب كانوا مثقفني بعلمه ولغته،
وهؤلاء املتخرجون على هذا النحو يستطيعون أن يقوموا بترجمة الكتب في الفروع
املختلفة، ويصح أن يكونوا معلمني في املدارس التجهيزية والخصوصية، ويصح أن
يكونوا موظفني في مصالح الحكومة التي تحتاج إلى من يجيدون لغة إلى لغتهم الأصلية،
فيكونوا نواة لنهضة صحيحة — إننا بالبعثة ننقل املصريني إلى أوروبا، وبهذه املدرسة
ننقل علم أوروبا إلى مصر. الترجمة، الترجمة، هي أساس النهضة ملصر، وهي مبعثها
من مرتدها، والفاتحة لعيونها، لقد تقدم العلم الإسلامي، بعد وضع أساس النهضة
بالترجمة في العصر العباسي، فوجب أن تكون نهضتنا الحديثة مؤسسة على الترجمة
الحديثة، ولهذا لقبوا محمد علي باملأمون الثاني.
91
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ثم في هذا العمل — إذا نجح — فائدة أخرى، وهي إيجاد عدد كبري ممن يحذق
اللغات الأجنبية، فنستطيع بهم أن نستغني عن كثري من الفرنج الذين يحتلون هذه
املناصب، كما نستريح من مشاكلهم.
فلنأخذ الطلبة من النابهني في املكاتب، وندرس لهم خمس سنوات أو ستًا اللغات
العربية والفرنسية والتركية، ومبادئ الرياضيات، والتاريخ والجغرافيا، ولنختر لهذه
الدراسة خري من عندنا من فرنسيني وترك وعلماء أزهر، ولنخلص النية في تعليم هؤلاء
الطلبة، فعليهم تتوقف النهضة، وهم معقد الأمل.
هذا هو مشروع مدرسة الألسن كما تصوره الشيخ رفاعة، وكما صادق عليه محمد
علي باشا، وصدر الأمر بإنشائها، وأعدت عدتها، وفتحت، وتولى نظارتها «الشيخ رفاعة».
92
الشيخ رفاعة الطهطاوي(5(
من يظن أن «خمارة شبت» كما يسميها العوام، أو «فندق شبرد» كما يسميه املتعلمون
ِّ اليوم هو الذي كان مدرسة الألسن، حيث كان الشيخ رفاعة ومساعدوه وتلاميذه يخمرون
الخمرية الأولى للنهضة العلمية والأدبية؟
ً ومن يظن وهو يمر الآن على هذا النزل أن له تاريخ ً ا طويلا، وأن قد تقلبت عليه
أوضاع شتى فتداول عليه الجد والهزل، واحتلته الأرستقراطية والديمقراطية، وكان
أحيانًا حرما آمنًا لا يستطيع أن يقربه أحد، ثم كان كبرج بابل يرطن فيه بالفرنسية
ّ والإنجليزية والعربية والتركية، وتدو ّ ي في أرجائه اللغات دوي النحل، ثم أصبح مثابة
لكل أرستقراطي عابر. لقد كان بيتًا للأمري أحمد بك الدفتردار زوج الأمرية نازلي هانم
كريمة محمد علي باشا، ثم مدرسة للألسن، ثم جعله محمد علي فندقًا للإنجليز، ثم ضار
فندقًا ملن يشاء، وهكذا الأماكن «تشقى كما تشقى الرجال وتسعد»، فهذا البهو الفسيح
ا
كان يخطر فيه الشيخ رفاعة وحوله الطلبة يعرضون عليه مشاكلهم اللغوية، وأحيانً
يخطب فيهم فيجلجل صوته، ثم كان يجلجل فيه صوت الجازبند، يرقص على نغماته
مهفهفو الشبان، مع الفيد الحسان.
سافر الشيخ إلى الأقاليم يفتش في املكاتب عن نجباء التلاميذ يختار منهم من يصلح
ليكونوا تلاميذ ملدرسة الألسن، وكانت قد انتشرت هذه املكاتب في الأرياف، وأسست على
نظام جديد، فيه شيء من الثقافة املدنية كالحساب وما إليه، وسميت «مكاتب الأرياف
الأمريية» وبلغ عدد طلبتها خمسة عشر ألفً ا، اختار «الشيخ» منهم خمسني، ولكن لوحظ
أن أكثر من اختارهم من الصعيد، فهل كان هذا «محسوبية» من الشيخ وعصبية لأهل
بلده وإقليمه؟ قد يكون ذلك، فاملحسوبية داء قديم، وكما يصح أن يفسر هذا التفسري
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً ا آخر نبيلا، وهو أن إقبال الناس على تعليم أبنائهم كان
السيء يصح أن يفسر تفسريً
َّ ا، وكثري ممن تعلموا في ذلك العصر تعلموا بالإكراه، وكان من يؤخذ ليتعلم يودع
ضعيفً
بالصياح والعويل، كما يودع من قبل في الجندبة اليوم، وقد يقبل الناس أن يتعلم أبناؤهم
في مكاتب بلادهم، أما أن يسافروا إلى مصر بعيدين عن أنظارهم ولا يعرفون عاقبة
أمرهم، فهذا ما لا يقبلون؛ والشيخ رفاعة صعيدي له في قومه جاه، وله في بلده وما
حوله حسن سمعة، فالناس يطمئنون أن يسلموا أولادهم له، وليس له من هذه الوجاهة
في الوجه البحري ما لم في الوجه القبلي، فلعل علة كثرة الصعايدة في الدفعة الأولى من
تلاميذ مدرسة الألسن، حتى إذا اطمأن الناس إلى هذه املدرسة رأينا التلاميذ من الأقاليم
املختلفة لا فرق بني صعيديِّهم وبحريِّهم.
خمسون تلميذًا داخلية في مدرسة الألسن يأكلون ويشربون ويلبسون وينامون
ويتعلمون على حساب الدولة، ومعهم ثلاثة مدرسني فرنسيني، ومدرسون من علماء
الأزهر لتدريس اللغة العربية، ومدرسون للمواد الأخرى وعلى رأسهم الشيخ رفاعة.
ليس من السهل إنشاء مدرسة كهذه، فهي تسبب مشاكل لا تنتهي: طلبة من الأرياف
َ «بعبَلهم»، لم يروا إلا زرعهم وضرعهم وبيتهم املتواضع الذي تنام فيه الجاموس والبقر
بجوارهم، وفيهم للتزوج وله أولاد، وفيهم من لم يبلغ الحلم، يدخلون فجأة هذا القصر
املنيف، ويراد منهم أن يعيشوا عيشة نظامية نظيفة، ويجلسون أمام مسيو «بتيري»
يتعلمون منه الفرنسية! يا لها من معجزة! والشيخ علي الفرغلي الأنصاري يخلع حذاءه
ِّ ويشمر ويتوضأ، ويخلع جبنه، ويفرشها على الأرض، ويصلي الظهر في حجرة واحدة مع
مسيو «ديزون».
وأحمد عبيد الطحطاوي الطالب في املدرسة يبصق على أرض الحجرة املصنوعة من
«الباركية» — عقليات مختلفة في الطلبة، وعقلية متباينة في الأساتذة، ويُطلَب من كل
ّ هذه العناصر املتناقضة أن تكون وحدة.
لا بأس، فالشيخ رفاعة قادر على كل ذلك، وقد مر بهذه الأدوار كلها وعرف
عقلياتها، فهو مستطيع مواجهتها ومعالجتها، هو ملتقى العقليات املختلفة والتقاليد
الاجتماعية املتباينة.
غريب أمر الشيخ في املدرسة — رزقه الله صحة جيدة لا تمل، ورزقه قلة النوم،
ورزقه الطبع الفرح املرح الذي يستعذب النكتة ويضحك لها من أعماق قلبه ويشارك في
صنعها، بكل ذلك يملأ جو املدرسة، هو أب رحيم لكل الطلبة، وأخ كريم لكل الأساتذة.
94
الشيخ رفاعة الطهطاوي (5(
ً ا أن يعقد درسا بعد العشاء
هو حركة دائمة لا تتقيد بميعاد ولا جرس، يحلو له أحيانً
أو في ثلث الليل الأخري فيفعل والطلبة في إقبال على التحصيل، والأساتذة في إقبال على
الدرس.
ً فإذا نال الطلبة قسطا لا بأس به من الفرنسية والعربية مرنهم على الترجمة، ولكن
لا يمرنهم بموضوعات تكتب في كراساتهم ثم تطرح، بل في كتب نافعة يترجمون منها
ما استطاعوا، فإذا وقفوا في فهم جملة أو لم يستطيعوا ترجمتها رجعوا إلى الشيخ
فساعدهم، ثم عرضوا ما ترجموا على أستاذ اللغة العربية يصحح لغتهم، وخاصة الشيخ
محمد قطة العدوي، فقد كان ساعده الأيمن في هذه املدرسة بفضل ما منح من قدرة على
التدريس بلغة سهلة، وعبارة فصيحة وقدرته الفائقة على تصحيح عبارات الطلبة فيما
ً يترجمون. فإذا أتموا الكتاب أو الكتب روجعت ثم قدمت إلى املطبعة لتطبع، فتكون أثرا
ً خالدا.
ْ فأنت يا أبا السعود أفندي ترجم َ لنا هذا الكتاب وسِّمِه «نظم اللآلى في السلوك، فيمن
حكم فرنسا من امللوك»؛ وأنت يا خليفة أفندي محمود ترجم لنا «إتحاف ملوك الزمان
ُ في تاريخ شارلكان»، فإذا فرغت منه فترجم «املْشرق في املنطق»؛ وأنت يا محمد أفندي
مصطفى البَيَّاع ترجم لنا «مطالع الشموس في وقائع كرلوس» ملك السويد؛ وأنت يا
أحمد أفندي عبيد ترجم لنا «الروض الأزهر في تاريخ بطرس الأكبر» وهكذا.
واسمعوا ما يقوله هذا الأخري في كتابه؛ لأنه يدل على منهج العمل: «كنت تحت
إرشاد مدير مدرسة الألسن، املؤيد برعاية امللك املبدى، السيد رفاعة أفندي، فأجاد تربيتي
كغريي، حتى حسن حالي وسريي، وتعلمت بإرشاده اللغتني الفرنساوية والعربية ...
فبعد أن رأى في التعليم حسن حالي، واجتهادي في نيل املعالي بني أمثالي، اقتضى رأيه
املؤيد، وحزمه املعضد، أن أترجم كتابً ً ا من كتب التاريخ، فاختار ملكا من ملوك الإفرنج
تعلو همته على املريخ، وهو تاريخ بطرس الأكبر، الذي فضله أشهر من أن يذكر، ملؤلفه
الشهري املسمى فولتري، الذي يعد بني أكابرهم أعظم حجة، وإن كان عن الأديان بعيد
املحجة، فجاء التعريب بحمد الله على أحسن حال، وأتم منوال، وقد شرعت في نقله
من الفرنساوية إلى العربية، مع إعانته لي في حل مشكلاته، وما عسر عليَّ من غوامضه
ومعضلاته ... وقد صرفت في ترجمته على صعوبته الهمة، وسهرت في مطالعته وفهمه
ً الليالي املدلهمة ... مع ما يضاف إلى ذلك من كون هذا التاريخ معدودا من التواريخ
السياسية املشحونة بالوقائع والحوادث البوليتيفية، ومؤلفه من كبار املتفلسفني من
95
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
العيسوية، ومن عظماء فصحاء الدولة الفرنساوية، ولا أقول مع ذلك إنه خلى من الخلل،
َ أو عِر ّي من الخطل، فإن ذلك ليس في طاقة الإنسان، الجامع في اشتقاقه حروف النسيان.
ً وبعد سنوات تخرجت هذه الدفعة الأولى، فشهدت مصر منها نموذجا لم تشهده من
قبل، شباب متعلم لغة عربية ولغة أجنبية، ومثقف ثقافة أدبية — جغرافية وتاريخية.
وكل ذلك تَعلّمه في مصر لا في أوروبا، ولذلك تلقفتهم املصالح املختلفة التي تحتاج إلى
ً هذا النمط من املوظفني، فكنت ترى — فيما بعد — هؤلاء املتخرجني في الدفعة الأولى،
يشغلون مناصب هامة مختلفة، هذا عبد الله افتدى أبو السعود أكبر رجال الترجمة
في مصر، ومدرس التاريخ العام بدار العلوم، وهذا محمد أفندي عبد الرازق كاتب سر
ُ الحضرة الخديوية، وهذا شحاته عيسى أفندي قد تخصص بعد في العلوم الرياضية
والحربية، وكان ناظر مدرسة أركان حرب، وهذا أحمد عبيد أفندي وكيل مجلس التجار
باملحروسة، وهذا حسن فهمي أفندي وكيل السكك الحديدية بالأقطار الصعيدية، وهذا
السيد عثمان الدويني القاضي، وهذا مصطفى رضوان مدرس اللغة الفرنسية بمدرسة
الطب، الخ الخ، ولو رأيتهم يوم دخلوا املدرسة بجلابيبهم وسذاجتهم ورأيتهم يوم
تخرجوا بعد سنوات قلائل، لأخذ منك العجب كل مأخذ، وهتفت بحياة «الشيخ رفاعة».
ّ وقد استفاد هو نفسه من هذه التجربة الأولى، فأخذ يصلح الأخطاء ويوسع
ّ الاختصاص وينوع العمل.
فألحقت بمدرسة الألسن مدرسة تجهيزية تعد الطلبة للدخول بها بدل أبناء
املكاتب، وأدخلت اللغة الإنجليزية ضمن اللغات التي تدرس فيها، وتوسع في قبول الطلبة
حتى بلغ من فيها مائة وخمسني طالبًا، وأنشئت باملدرسة فروع مختلفة، مدرسة فقه
وشريعة إسلامية يدرس بها القانون الفرنساوي والفقه الإسلامي، ومدرسة محاسبة
ومدرسة إدارة أفرنجية، وكل هذه املدارس يسومها ويديرها الشيخ رفاعة، ويُحل فيها
املصريني أساتذة محل الأوروبيني.
سبع عشرة سنة يعمل في هذه املدارس، كالنحلة لا يََم ّل، فأمور إدارية، وقيام
بترجمة كتب، وإشراف على ما يترجمه غريه، وفي كل حني يُضم إليه عمل آخر جديد،
فيعهد إليه الإشراف على جريدة الوقائع املصرية، والكتبخانة الإفرنجية، ومخزن عموم
ِّ املدارس، ويفتش على املدارس، ويشرف على الامتحانات العامة في آخر السنة، ويحبر
ّ الخطب تخطب فيها، حتى كو ً ن جيلا ً جديدا هو — من غري شك — أثر مجهوده ونتيجة
إخلاصه، وتغري وجه مصر من الناحية العلمية والأدبية، فجعله ما ألفه وترجمه هو
96
الشيخ رفاعة الطهطاوي (5(
وتلاميذه بني مطبوع وغري مطبوع، نحو ألفي كتاب، هي خمرية نهضتنا، وعماد ثقافتنا.
َّ يدين له رجال الأدب بما كون لهم من أمثال إبراهيم بك مرزوق الناظم الناثر املشهور،
ومحمد عثمان جلال، صاحب العيون اليواقظ ومترجم قصص لافونتني، وقبول وورد
جنة الخ، وصالح مجدي؛ ويدين له رجال القانون بما أخرج لهم من أمثال قدري باشا
مقنن الشريعة الإسلامية بكتبه الأحوال الشخصية، وقانون العدل والإنصاف، ومرشد
الحريان؛ ويدين له الرياضيون بأمثال محمد بك الشيمي وتأليفه في الحساب والهندسة،
إلى ما لا يحصى من رجال الفكر في كل فرع من فروع العلم.
زهت له الدنيا، فهو ناجح في عمله، والولاة مقبلون عليه مقدرون لجهده، واملنح تتوالى
عليه، فكلما تقدم تلاميذه ومنحوا ألقابًا لم يرض أولو الأمر إلا أن يمنحوه ألقابًا أعلى
منهم، حتى تقدم مرة بجزء آخر من ترجمة كتاب ملطبرون إلى محمد علي باشا فمنحه
رتبة مريالاي ورفع مرتبه إلى 13000 قرش صاغ في الشهر، ومنحه 250 فدانًا في بلده
طهطا إحسانًا بإحسان.
ا
ً ولكن الدنيا لا تدوم على حال، والعيش — أبدا — حلو ومر، «والدهر ذو غلطة حينً
وذو لني»؛ فهذا عباس باشا الأول يأتي فيقف حركة التعليم ويبطل املصانع واملعامل،
رغبة — فيما زعم — في الاقتصاد، ولم يُ ً بق للتعليم إلا مدارس قليلة جدا، وكان فيما
ألغى مدرسة الألسن والشيخ رفاعة، وإذ كان الشيخ أكبر منبع للتعليم، كان أحق الناس
باملقت، وإذ كان أحب شيء إلى الشيخ العلم والتعليم، فأبغض الناس إليه من يلغي العلم
والتعليم. وجاء رجال السوء الذين يزينون للرؤساء كل ما يهوون، ويخترعون املنطق
لكل ما يرغبون، فإذا قالوا أسود، أتوا إليهم بألف دليل على أنه أسود، وإذا قالوا أبيض،
أتوا إليهم بألف دليل على أنه أبيض، وإذا قالوا أسود أبيض لم يعدموا ألف دليل آخر
على أنه أسود أبيض. كالذي يروي أن طاهيً ً ا سأل سيده يوما:
ماذا نطبخ اليوم؟
السيد: والله لا أدري، أنطبخ باذنجانًا؟
الطاهي: الله! نعم ما ذكرت، إنه لذيذ الطعم، مفيد للجسم.
97
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
السيد: ولكنه يتعب معدتي.
الطاهي: صدقت، ما أثقله، وما أعسر هضمه، وما أقل فائدته.
السيد: يا رجل! إنك من لحظة تمدحه وتقر بفائدته!
الطاهي: اسمع يا سيدي، أنا خادمك أو خادم الباذنجان!
كذلك شم هؤلاء رغبة الوالي في إقفال املدارس، فاستطاعوا أن يجدوا ألف دليل على
ضرر العلم وضرر التعليم، وطعنوا في الشيخ رفاعة بأنه قليل الفائدة، عقيم الطريقة.
فإذا الأمر يصدر بنفيه إلى الخرطوم تحت ستار غنشاء مدرسة ابتدائية هناك
وتعيينه ناظرها ومعه طائفة من املغضوب عليهم ولا الضالني. ولم يكن الأمر أمر اختيار
كما هو شأننا اليوم، نقبل الوظيفة أو نرفضها، إنما الأمر أمر جزم يقبل الوظيفة، أو
ينفى إلى أسوأ من الخرطوم بلا وظيفة.
الشيخ في الخرطوم بعد باريس، ولم تكن الخرطوم كما نعهد اليوم، نظافة شوارع،
وجمال مساكن، ومدنية وأبهة، إنما كانت مدينة صغرية لا عناية فيها بالصحة، ولا
وسائل متوفرة للعيش، وهو ناظر مدرسة ابتدائية في السودان بعد أن كان ناظر التعليم
كله في مصر، وكل يوم يتخطف املوت أحد معاونيه، حتى لم يبق إلا نصفهم أو أقل،
ً والشيخ يستغيث ولا مغيث، فيشفي غليله في قصائد الاستغاثة، يستغيث أولا بالأمراء،
ً فإذا فشل استغاث بالأولياء والأنبياء، ها هو يستغيث — أولا بحسن باشا كتخدا مصر
بقصيدة في ستة وثمانني بيتًا، يصف فيها الوشاة فيقول:
مهازيل
الفضائل
خَادعوني
وهل
في
رحبم
ه
يكبو
جوادي؟
و ُز ْخ ُر
ُف قولِهم
إذ مَّوهوه
على
تزييفه
نَادى
المنادي
قياس
مدارسي
— قالوا
— عقم
ي
بمصر،
فا
مالنتية
ج
من
بعادي؟
ويعجب
كيف
يقوم
لمصر
بمثل
هذه
الأعمالمث
يجازى
مل
ث
هذا
الز
جاء
على
عدد
التواتر
ُم ْع
َرباتي
تفي
بفن
الشيخ رفاعة الطهطاوي (5(
رحلت
بصفة
ق
المغبون
عنها
وفضلي
في
سو
ا
اه
في
المزاد
وام
السودان
قط
مقام
مثلي
ولا َسلْماي
فيه
ولا سعادي
ويحز في نفسه فرقة أولاده:
ُت
أطفًالا
صغًار
َ ا بطهطا
دون ع ْودي
واعتيادي
ودق
فارقْ
أفِّكر
فيهموا
ًرسا
وج
ًر
ها
ولا َسَمري
يطيب
ولا رقادي
أريد
وصالهم
والر
ده
يأبى
وماصلتي
ويطع
م
في
عنادي
ً وكان الشيخ ماكرا حقً ا، فقد وضع القصيدة على وزن وقافية:
لقد
أسمعت
لو
ناديت
حيًا
ولكن
لا حياة
لن
م
تنادي
فلما لم يُ ْجِد ِّ ه ذلك أخذ يخمس قصيدة لسيدي عبد الرحيم البرعي في مدح النبي
مطلعها:
ْعدمه
ِّلخ
الغرام
ل
ٍ صب
ُع
دمه
دم
ِ ه
حيران
توجُده
الذكرى
وتُ
يقول فيها:
ٍ «رفاعة»
يشتكي
من
عصبة
َس ِخرت
لما
رأت أبر
ح
الر
عفان
قد
ز َخرت
فارعف
ُظلاةم
نفس
عدلّك
ادخرت
وهاك
وجره
أ

الشيخ رفاعة الطهطاوي(6(
يعود الشيخ رفاعة من السودان إلى مصر في أول عهد سعيد باشا، ولكن لا تعود مدرسة
الألسن — فسعيد لم يُِعد نهضة التعليم كما كانت في عهد محمد علي وإبراهيم، وإن
َّ توس ً ع بعض الشيء عما كان عليه في عهد عباس الأول — وإنما يعود ناظرا ثانيًا أو
ً بعبارة أخرى وكيلا ملدرسة حربية كانت بالحوض املرصود، وكان ناظرها سيف باشا أو
سليمان باشا الفرنساوي — مؤسس الجيش املصري ومنظمه، وقائد الجيوش في حروب
ً محمد علي وإبراهيم، وصاحب التمثال في امليدان املسمى باسمه — وكان جبار ً ا عنيدا،
وقف أمام نابليون وهو ضابط فقال له: هل أنت سيف الذي حدثوني عن غطرسته؟
فأجاب: إذا كان هذا كل ما تريد أن تقوله لي عدت إلى فرقتي، ثم أعطى ظهره له ورجع
إلى مكانه، فرقاه نابليون لجرأته؛ وهو الذي عمل الأعمال الحربية العظيمة في مصر، من
تمرين املماليك ثم تمرين املصريني حتى حذقوا الحرب وتفوقوا على الجيش العثماني؛
ْ هذا هو الناظر الأول الذي عني ناظره الثاني الشيخ رفاعة فاع َج ْب لهذا الوضع الذي لا
مبرر له إلا أن الشيخ رفاعة «مريالاي».
ّ ومع هذا فقد وسع «الشيخ» نفوذه العاملي. فقد وضع مشروع مدرسة بالقلعة
تدرس فيها الفنون الحربية واملدنية وأقره عليها سعيد باشا، فاختار لها املدرسني،
ّ وراعى في كل ذلك ما يشوق الأهلني للإقبال عليها وإدخال أبنائهم فيها؛ ثم امتد نفوذه
فأعيد قلم الترجمة، وهو أشبه شيء بمدرسة الألسن، وجعل مشرفًا عليه؛ وأحيلت عليه
ً نظارة مدرسة املحاسبة والهندسة امللكية واملعمارجية؛ وأحبه سعيد باشا وقربه جدا
إليه، واستمد الشيخ منه نفوذه يوجهه في التعليم ونشره.
وهنا ذكر الشيخ عهده باملستشرق ده ساسى، واملستشرق كوزن، وما يقوم به
املستشرقون من أعمال قيّمة في خدمة اللغة العربية بنشرهم أمهات الكتب، فوضع
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً مشروعا للعناية بتصحيح الكتب القديمة القيمة، وطبعها بمطبعة بولاق وعرضه على
سعيد باشا فأجازه؛ وجرد الشيخ محمد قطة العدوي، والشيخ إبراهيم الدسوقي،
والشيخ نصر الهوريني وغريهم، واشترك معهم في اختيار الكتب التي تطبع والقيام على
تصحيحها وطبعها؛ فطبع بإرشاده تفسري الفخر الرازي، ومعاهد التنصيص، وخزانة
الأدب، ومقامات الحريري، وغري ذلك من الكتب الدينية والأدبية والتاريخية، فكان هذا
دعامة أخرى من دعائم النهضة: تأسيس الكتب بعد تأسيس الرجال؛ وأعانه على ذلك
معرفته الواسعة بالكتب العربية غرامه باقتنائها، وإنشاؤه لنفسه مكتبة واسعة غنية
بالنوادر.
ا
ً لم تكن كل الأمور ميسرة كما نراها اليوم، بل كان الطريق لكل عمل وعرا محفوفً
باملصاعب، فإنشاء مدرسة أو إلغاؤها منوطان بالوالي نفسه، فلا بد من قصائد مديح
َّقدم للوالي في لفائف من حرير لينشئ مدرسة، ولا بد من
ودعوات صالحات وملق أنيق، تُ
أول الكتاب وآخره من ثناء مستطاب، ودعاء للأنجال، وتزلّف ملدير املطبعة ونجله ليتم
طبع الكتاب، ولا بد ولا بد في كل شيء، من كل شيء؛ والشيخ ماهر في كل ذلك، يعرف
ِّ من أين تؤكل الكتف، ويأتي البيوت من أبوابها، فيسه ّ ل عسريها ويحل عقدتها.
ومسائل العلم نفسها عسرية كمسائل الولاة والأمراء، فالعلم الحديث قد تقدم،
والعلم العربي قد وقف منذ سبعة قرون، وهو إذا أراد ترجمة كتاب حديث اصطدم
باملصطلحات: ماذا منها عرفه القدماء وماذا منها لم يعرفوه؛ وماذا يضع من الكلمات
ملا لم يُ ً عرف، هل يضع الكلمات الأجنبية كما هي بعد صقلها صقلا عربيًا، أو يبحث لها
عن لفظ عربي؟
َّ لقد حري ُ ه ذلك منذ كان في باريس وعندما عهد إليه ترجمة كتاب في «الفولكلور»
أو عادات الشعوب، سماه «قلائد املفاخر، في غريب عوائد الأوائل والأواخر»، يتمرن فيه
على الترجمة، فاصطدم بأسماء البلاد الإفرنجية والرجال والأشياء، وكان هو لم يعرفها
فريجع إلى املعاجم التي تشرحها، فبم يترجمها؟
ّ ا يضمنه كل الأسماء
لقد اهتدى إلى فكرة لطيفة، هي أن يجعل للكتاب ملحقً
ً الإفرنجية التي وردت في الكتاب ويرتبها على حسب حروف املعجم، ويضع لها اسما
مأخوذً ً ا من اللفظ الإفرنجي، ويصقله صقلا عربيً ّ ا: فللبرازيل «إبرزيلة» بسكون املوحدة
وكسر الراء بعدها مثناة تحتية فزاي مكسورة فلام فتاء تأنيث، ثم يأخذ في شرحها
102
الشيخ رفاعة الطهطاوي (6(
ِّ وتاريخها؛ وأومريوس أو هومريوس، ويضبط الكلمة ويعرف به؛ وكذلك البارومتر،
والسبكتاكل ويقال له التياترو اسم للعبة ببلاد الفرنج يلعب فيها تقليد سائر ما يقع،
ويأخذ في شرحها في نحو صفحة، وهكذا.
ويود أن كل مترجم كتاب يجرد هذه املصطلحات ويعربها كما فعل، ويجمعها في
أول الكتاب أو آخره حتى يكون للغة العربية بعد ذلك معجم جامع لكل املصطلحات
الإفرنجية، وأسماء البلاد والأشخاص والأشياء؛ وهذا نص كلامه العجيب: «وقد شرحنا
َّ الكلمات الغريبة التي توجد في هذا الكتاب وعربناها بأسهل ما يمكن التلفظ به، حتى
َّ يمكن أن تصري على مدى الأيام دخيلة في لغنا كغريها من الألفاظ املعربة عن الفارسية
واليونانية؛ ولو صنع نظري ذلك في كل كتاب ترجم في دولة أفندينا ولي النعم الأكرم
لانتهى الأمر بالتقاط سائر الألفاظ املرتبة على حروف الهجاء، ونظمها في قاموس مشتمل
على سائر غريب الألفاظ املستحدثة التي ليس لها مرادف أو مقابل في لغة العرب، فإن
هذا مما يفيد التسهيل على الطلاب، وبه تحصل الإعانة على فهم كل علم أو كتاب».
ُمنية تمنّاها، وخطة أملاها منذ 116 سنة، لو سرنا عليها لحللنا أكثر مشاكل
أ
التعريب التي نعانيها اليوم.
ُ وظل يكافح في هذا الباب كفاح الأبطال، فقد عهد إليه منذ عودته بأعمال مختلفة
تتصل بعلوم مختلفة، فأخذ في كل منها يواجه مشكلة مصطلحاتها، ويضع ما ندين
له ببعضها اليوم — يترجم في الهندسة ويضع بعض مصطلحاتها، وكذلك في الطب،
والجغرافيا، والتاريخ؛ ويترجم القانون الدني الفرنساوي ويضع مصطلحاته، وهكذا.
ْ بلغ «الشيخ» أو َج ْ ه في عهد إسماعيل ملا عادت الحركة العلمية قوية نشيطة؛ بلغ أو َجه
ُ ا أخرى، فبلغ مجموع ما منحه 736 فدانًا، واشترى
املالي، فقد منحه إسماعيل 250 فدانً
هو 900 فدان أخرى، فكان ما يملكه 1636 فدانًا، غري العقارات العديدة في القاهرة
ّ وطهطا؛ فقد كان في عهد يكافأ فيه الرجل النافع بما يوسع رزقه، ويوفر جهده لعمله؛
ّ ومع ذلك فهذا الباب أتفه مقوماته، فقد ذهب الشيخ رفاعة وأصبحت أطيانه املوقوفة
ً مصدرا لنزاع لا ينتهي، ولم يخلِّده إلا مجهوده العلمي وآثاره الباقية.
ويبلغ أوجه العلمي، فهو عضو من أعضاء «قومسيون املدارس»، يضع برامجها،
ويشرف على التعليم والامتحان فيها، ويقول فيه علي باشا مبارك: «كانت مجامع الامتحان
لا تزهو إلا به»، وهو ينشئ أول مجلة مصرية هي «مجلة روضة املدارس»، يلتف حوله
في تحريرها أدباء مصر وعلماؤها.
103
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ويرى أن ليست هناك كتب للمدارس تصلح ملواجهة النهضة الجديدة والعقلية
الحديثة؛ فالكتب الأزهرية لا تناسب الطلبة، والكتب الأدبية القديمة مملوءة بالغث
والسمني، والدنيا كلها تؤسس تعليمها على النعرة الوطنية، والتعريف بمزايا الوطن
وتاريخه، وتستنهض همم الناشئني لخدمته، ولا شيء من ذلك في الكتب العربية.
إذن فليقم هو بكل هذه املهمات.
يؤلّف كتابًا في النحو على نمط جديد، محتذيًا فيه حذو الفرنسويني في تسهيل
أجروميتهم، ويسميه «التحفة املكتبية» في القواعد والأحكام والأصول النحوية بطريقة
مرضية، ويضع بعض القواعد في شكل جداول يسهل حفظها.
ويضع ملطالعة املدارس كتاب «مباهج الألباب املصرية في مناهج الآداب العصرية»،
وهو أول كتاب عربي ينزع إلى الناحية الوطنية، فيذكر معنى الوطن، ومصر ومزاياها؛
َّ وتشغل ذهنه املنافع العامة فيخصص لها أكثر الكتاب، فيذكر كيف تؤدى في البلاد
املتمدنة، ونبدأ مما قام به بعض رجال املسلمني في سبيل املنفعة العامة، وواجب الأغنياء،
ً وكيف يربي الأولاد، وفصولا في الاقتصاد املصري: من منابع الثروة وتقسيم الأعمال إلى
منتجة للأموال وغري منتجة؛ ويعود إلى املنافع العامة ويقسمها ويبني تاريخها في الأمم
وتاريخ مصر إزاءها إلى عهد محمد علي، ويذكر الإصلاحات التي عملها، ثم يذكر الآمال
التي يأملها في املنافع العامة في املستقبل.
ثم خاتمة فيما يجب للوطن الشريف على أبنائه من الأمور املستحسنة.
وهو — في كل ذلك — يجمع بني ثقافته الإسلامية وثقافته الفرنسية.
وينزع إسماعيل إلى تعليم البنات، وتنشأ أول مدرسة لهن في مصر، ولا يرضى عن
ذلك الرأي العام املصري املتدين، فيقف الشيخ رفاعة في كتبه يحبذ تعليم البنات، ويرد
ُح ً جج املعارضني، فيقول: «ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معا لحسن
معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، فإن هذا مما
يزيدهن أدبً ً ا وعقلا ً ، ويجعلهن باملعارف أهلا، ويصلحن به ملشاركة الرجال في الكلام
ُ والرأي، فيعظمن في قلوبهم ... وليمكن للمرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأعمال
والأشغال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها ... وهذا من شأنه أن يشغل النساء
عن البطالة، فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء،
وافتعال الأقاويل؛ فالعمل يصون املرأة عما لا يليق، ويقربها من الفضيلة؛ وإذا كانت
البطالة مذمومة في حق الرجال، فهي مذمة عظيمة في حق النساء، فإن املرأة التي لا
104
الشيخ رفاعة الطهطاوي (6(
عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جريانها، وفيما يأكلون ويشربون، ويلبسون
ويفرشون وفيما عندهم وعندها، وهكذا. وأما القول بأنه لا ينبغي تعليم النساء الكتابة،
وأنها مكروهة في حقهن ارتكانًا على بعض الآثار، فينبغي ألا يكون ذلك على عمومه؛ ولا
نظر إلى من قال إن من طبعهن املكر والدهاء واملداهنة، فتعليم القراءة والكتابة ربما
حملهن على الوسائل الغري املرضية ... فمثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء على
هذه الصفات املذمومة، وكم من نهي وردت به الآثار كمقاربة السلاطني والتحذير من
الغنى، وقد حمل كل ذلك على ما يعقبه شر وضرر محقق؛ وتعليم البنات لا يتحقق
ضرره، وكيف ذلك وقد كان من أزواجه صلى الله عليه وسلم من يكتب ويقرأ، كحفصة
وعائشة. الخ الخ.
ألست ترى معي أن هذه نظرة صادقة، ودعوة جريئة كانت قبل «قاسم أمني» بنيّف
ً وثلاثني عاما؟! وقد ملأ «الشيخ» هذا الفراغ بتأليف كتاب للمطالعة يصح أن يوضح في
يد الفتى والفتاة سماه «املرشد الأمني للبنات والبنني».
وقد يكون «الشيخ» في شعره ضعيفً ا أشبه ما يكون بشعر الفقهاء، وقد لا يبلغ في نثره
ً ع، ويشد أنواع البديع شدا؛ وينبو ذوقه
ً مبلغا عاليًا، فكثريًا ما يتعثر في السجع املتصنّ
أحيانًا في كتابه «املرشد الأمني للبنات والبنني» في تعرضه ملوضوعات لا يصح أن توضع
في يد البنات، كفصله في «البكارة والثيوبة» ونحو ذلك؛ ولكن من العدل إذا قسناه أن
د َ فيه «من فك الخط»
نقيسه بزمنه، وبمن قبله لا بمن بعده — فقد نشأ في زمن يَُعُّ
كاتبً ّ ا، وعالم الأزهر الذي يقرأ «املطول» و«الأطول» في البلاغة لا يحسن أن يكتب خطابًا
ِّلأمه أو أبيه.
على أن قيمة «الشيخ» الكبرى ليست في أسلوبه، أو شاعريته أو ناثريته، إنما هي
ا
في أنه نشر العلم في أوساط فسيحة، وأسس نهضة علمية متوثِّبة، وفتح للمتعلمني آفاقً
َّ واسعة لم يكن لهم بها عهد، وذو ّ قهم معنى العلم الصحيح، وشوقهم للاستزادة منه،
َّ وبصرهم بعيوبهم، وأبان املناهج لتكميل نقصهم؛ وليس ذلك بقليل على رجل.
ً أربعة وأربعون عاما تقريبًا منذ عاد من باريس وهو في هذا العمل الدائب والحركة التي
لا تنقطع في التعليم والتأليف والترجمة والنشر، حتى أوفى على الخامسة والسبعني، وقد
دهمه الدهر الذي لا يرحم، فلفع بالشيب رأسه، وأحنى قوسه.
105
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وفي ليلة فاجأه مرض «البروستاتا» أو التهاب املثانة فعولج حتى شفي، ثم عاوده
واشتد عليه؛ وفي أول ربيع الثاني سنة 1290/29 مايو سنة 1873 حصر بوله، تسمم
دمه، أسلم لخالقه روحه — سرى البرق بنعيه — اهتزت مصر ملوته، احتشد لتشييع
جنازته الألوف املؤلفة من رجال املعارف والأمراء والنبلاء وتلاميذ املدارس. وازدحمت
الشوارع بالناس يردون بعض جميله: يذكره الأزهريون على أنه ابنهم، واملتعلمون
املدنيون على أنه أبوهم، والجالية الفرنسية على أنه أخوهم، واملصريون كلهم على أنه
مؤسس نهضتهم؛ وكلهم بتوجع لفقده، ويشيد بذكره. وسار املشهد من منزله باملهمشا،
حتى إذا قارب املدينة كان ينتظره شيخ الأزهر وعلماؤه وطلبته، فاشتركوا في تشييع
الجنازة، ووضع النعش في القبلة الجديدة، ولا يكون ذلك إلا لعظيم، وأخذ الأفاضل في
رثائه بالقصائد والخطب، ثم حمل إلى «بستان العلماء»، حيث طويت صحيفته، وبقيت
آثاره خالدة تعظم وتتزايد وتتوالد — رحمه الله، فقد صنع لأمته كثريًا.
106
تقدير الجمال
عجب بعض الناس إذ ذكرت أن الشيخ رفاعة الطهطاوي — الرجل الأزهري الصالح
ّ — تغزل في صوت النواقيس حينما رست سفينته على «نابولي»؛ وعجب صديقي الدكتور
إسحاق موسى الحسيني إذ سمع مني لأول مرة إعجابي بجمال عيون سيدة كانت
تعلمني، ونقدني بعض إخواني في لجنة التأليف أن أذكر مثل هذا في بيئة أكثر فيها
الخلعاء من ذكر الجمال وصور الجمال، حتى استهتر الشباب وانغمسوا في اللهو،
َّ وأفرطوا في التهتك. قالوا — فالواجب يقضي أن نصدهم عن هذا التيار، ولا نجاريهم في
هذا امليدان، ولا يأتي ذكر الجمال على لساننا، فإنهم إذا اتجهوا للجمال لم يقفوا عند
حد، وجرفهم التيار حتى يغرقهم. وأرى أن هذا سوء تقدير للجمال، وظلم له؛ وكأن
ً الفضيلة أن يكون الإنسان حجرا لا يأنس بجمال، ولا ينفر من قبح، وكأن من يقدره
يرتكب جريمة يجب عليه أن يتستر منها. وفي رأيي أن شرور العالم كلها تنشأ من سوء
تقدير الجمال لا من حسن تقديره، والذين يستهترون ويفرطون في اللهو إنما أتاهم ذلك
ِ من ق َصر نظر إلى الجمال، لا من سعة نظر فيه، ومن انحطاط في فهمه لا من سمو في
إدراكه — ومن الخطأ أن نعد الجمال من كماليات الحياة، فإنه من ضرورياتها، وأن
نعده متعة من متع ساعات الكسل والفراغ، فإنه لا بد أن يملأ حياتنا؛ ومن قصر النظر
أن نقصره على أنواع من الزينة، وعلى ضروب من الأشكال، وعلى أنماط من املظاهر،
فمداه أوسع من أن يحده حد. وهو أعمق من أن يكتفي فيه بالسطح، وهو أقوم من أن
يكون ملهى في لحظات من الحياة.
ما الدنيا إذا فقدت الجمال، وفقدنا شعورنا بالجمال؟! إنها — إذن — لا تستحق
ُ الحياة فيها ساعة، فما يقومها ويجعلها تستحق البقاء إلا أن كل شيء فيها مزج قصد
َ النفع منه بقصد التجميل: «ولكم فيها جمال حني تريحون وحني تسرحون، وتحمل
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بَالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم، والخيل والبغال
والحمري لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون».
لولا الجمال والشعور به لبقيت الكهوف واملغارات هي مساكن الإنسان الآن كما
كانت مساكن الإنسان الأول، ففيها كل الفناء في أنها تقي الحر والبرد، وتسد الحاجة،
وما طورها هذا التطور البديع إلا القصد إلى التجميل، وعن هذا نشأ فن املعمار وهندسة
البناء واملدن، ولولا الجمال لكانت البيوت حجارة مرصوصة في غري نظام ولا ترتيب، ولا
فرق بني أعظم املدن وأحقر بيوت الفلاحني إلا الجمال والشعور به والقصد إليه.
ولولا الجمال ما كانت الحدائق والبساتني، ولا كان حب الأشجار والأزهار، ولا كان
َّ هناك فرق بني رائحة البنزين ورائحة الياسمني، فما فرق بينهما إلا الشعور بالجمال؛
ً بل ولا كان فرق بني لون الجراد والقنفذ، ولون الطاووس والفراش، ولانعدمت تماما
مملكة الألوان بما فيها من زينة وإبداع.
ولولا الجمال لاختفى كل فن، فلا أدب ولا تصوير، ولا نقش ولا موسيقى، ولاختفى
كل أسماء الفنانني، وملا كان أبو نواس واملتنبي، والجاحظ والحريري، وشكسبري وموليري
وجوته، ولا إسحاق املوصلي وبيتهوفن، ولا رفائيل، إلا أسماء ميتة ملدلولات ميتة، ولكانت
أصوات سوق النحاسني كموسيقى أشهر املوسيقيني، ولكانت أصوات البوم والغربان
كأصوات البليل والكروان؛ ولا كانت كتب إلا كتبًا في التجارة والحياة العملية؛ بل وما كان
الإنسان إلا آلة حقرية، يعمل وينتج ويستهلك كآلة النسيج أو آلة الطباعة، على شرط ألا
يكون في نتاجها أثر من آثار الزينة والجمال.
ولولا الشعور بالجمال ما كان في كل ما حولنا من مناظر طبيعية جمال: فشروق
الشمس وغروبها، وبريق النجوم وملعانها، والبحار وأمواجها، والسماء وزرقتها، لا قيمة
لها في نظر فاقد الشعور بالجمال، كما لا قيمة لها في نظر العميان.
دقق النظر فيما شئت من مأكلك ومشربك وملبسك ومسكنك، تر أن الاحتفاء فيها
بالجمال أضعاف الاحتفاء فيها باملنفعة، ولولا ذلك لقنع من مأكله ببرشامة، ومن ملبسه
بما يقيه الحر والبرد من أي صنف ولون، وعلى أي وضع، وهكذا.
ِّ فإن أنت انتقلت من الحس ً يات إلى املعنويات، رأيت جمالا ساميًا، وحسنًا فائقً ا،
فللعدل جماله، وللحق جماله، وللتضحية جمالها، وللشجاعة جمالها؛ ولو أنت قدرت كل
ذلك بميزان املنفعة وحدها لضاع منها أكبر قيمتها، وكنت كمن يقدر الوردة الجميلة
بثمنها، والشجرة الجميلة بغلَّتها.
108
تقدير الجمال
إن تقدم الإنسانية في املدنية والحضارة، والدين والعلم، والاختراع والخلق، يدين
للشعور بالجمال أكثر من أي شيء آخر، فلولاه ما تحرر الإنسان من سيطرة الطبيعة
عليه، ذلك أنه ملا استيقظ في نفسه الشعور بالجمال نظر إلى العالم حوله نظرة عجب
وإعجاب، فكان هذا مفتاح بحثه، ومفتاح عليه، ومفتاح فك القيود التي قيدته بها
الطبيعة، بل ومفتاح تحرره من القيود الثقيلة التي قيده بها النظام الاجتماعي من
ً استبداد وظلم واعتساف. لقد تنبه شعور الإنسان بالجمال رويد ً ا رويدا، فرأى وجه
ً الظالم قبيح ً ا فنفر منه، ووجه الرق ذميما فاشمأز منه، بقدر ما استجمل العدل والحرية
والإخاء واملساواة، فهانت عليه التضحية في سبيل جمالها؛ ولولا شعوره بهذا الجمال
ً لكان هو والحيوان سواء. فلئن كانت السلطات املختلفة — دائما — تنسج جمال الأغلال،
ً فالشعور بالجمال يعمل — دائما — على نقض ما أبرمت، وفك ما غلَّت.
ِّ والفرق بني أمة راقية وأمة منحطة هو الشعور بالجمال، هو ينظفها، وهو يمدنها،
وهو ينظم مدنها، وهو يرقِّي عقلها، وهو الذي يحقق العدل فيها، وهو الذي يحسن
العلاقة بني أفرادها، وبني أفرادها وحكوماتها؛ فامنحني الشعور بالجمال تمنحني كل
شيء، واحرمنيه أحرم كل شيء — ولو أنصف رجال التربية مللئوا برامج املدارس بما
يربي الشعور بالجمال، كما ملئوه بما يربي العقل — في زعمهم — ورحم الله مربيتي
ِّ الإنجليزية، فقد كان أكبر همها أن تزين حجرتها بالأزهار الجميلة والصور البديعة، ومن
ِّ حني لآخر تغري أوضاعها حتى تجدد ذوقها؛ فإذا دخلت الحجرة ولم ألحظ ذلك التغيري،
ولم أبدأ الحديث بتحبيذه أو نقده، صرخت فيَّقائلة: «يجب أن يكون لك عني فنيَّة، وأذن
موسيقية».
قد يفسد الدين رجال الدين، فيضطهدون العلماء، ويعذبون الفلاسفة، ويقيمون
محاكم التفتيش، ويشعلون نار الحروب الصليبية، ويتعصبون تعصبًا زريًا، ولا ينقذ
الإنسانية من هذا كله إلا الشعور بالجمال، يستقبح العصبية، ويستجمل التسامح،
ويسمو بالدين عن السفاسف.
لقد تأسست الأديان — فيما تأسست — على شعور الإنسان بالجمال، فالكنائس
الفخمة البديعة بما فيها من فن ونقش وتصوير وموسيقى، والكتب السماوية — بما
ً فيها من شعر — كانت عاملا كبريًا من عوامل الاستجابة للدين. والإسلام — مع بعده
عن التصاوير والتماثيل ومحاربته لها — استخدم الشعور بالجمال من واد آخر، فقد
لفت النظر إلى مناظر الطبيعة الجميلة على أنها آية من آيات قدرة الله وعظمته وجلاله
109
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ِجبَ ِ ال
َلى الْ
َف ُرِفَع ْت َ* وإِ
َلى َّ السَم َ اءِ كيْ
ْت َ* وإِ
َف ُخِلقَ
َلى ْالإِِبِل َكيْ
ُ نظُر َون إِ
فَ َلا يَ
َ
وجماله: ?أ
َمِر إِذَا تََلاَها *
َف ُس ِط َح ْت َ ?. ?و َّ الشْمِس َو ُض َح َ اه َ ا * والْقَ
ْر ِض َكيْ
َلى ْالأَ
ِصبَ ْت َ* وإِ
َف نُ
َكيْ
ْر ِض َوَم َ ا ط َح َ اها *
ْغ َش َ اه َ ا * و َّ السَم َ اءِ وَما بَنَ َ اه َ ا * و ْالأَ
يِْل إِذَا يَ
َ ا جَّلاَه َ ا * واللَّ
َه ِار إِذَ
َوالنَّ
ِتي
ِك الَّ
لْ
َه ِار َوالْفُ
يِْل َوالنَّ
ْر ِض َو ْ اخِتَلا ِف اللَّ
ِق َّ السَم َ او ِ ات َو ْالأَ
ٍس َوَم َ ا سَّو َ اها?. ?إِ َّن ِفي َخلْ
َونَفْ
ْر َض بَ ْعَد
ِ ا بِه ْالأَ
ْحيَ
َ
أ
َنز َل اللهُ ِم َن َّ السَم ِ اءِ م َّ ن ماءٍ فَ
َ
َ اس َوَما أ
ُع النَّ
بَ ْحِر ِبَما يَنفَ
ْجِر ِي في الْ
تَ
ْر ِض
ُمَس َّخِر بَْ َني َّ السَم َ اءِ و ْالأَ
ِ اح َو َّ الس َح ِ اب الْ
ْصرِ ِيف ِّ الريَ
َّث ِف َيه ِ ا م ُ ن ك ِّل َدابٍَّة َوتَ
َم ْوتَِه َ ا وبَ
ْوٍم يَ ْعِقلُ َون?. الخ.
َلآيَ ٍ ات لِّقَ
ومعجزة الإسلام الكبرى تتوقف على الشعور بجمال أسلوب القرآن، وفنِّه في أداء
أغراضه وحسن تصويره ملعانيه، وقصده مع هذا جمال البساطة؛ وكم للبساطة من
جمال!
وملا تقدم املسلمون في الحضارة غذَ ً وا شعورهم بالجمال من الناحية الدينية أيضا،
َّ فجملوا املساجد، وأدخلوا املوسيقى في الأذان وقراءة القرآن.
ثم الصوفية من كل دين جعلوا أسمى أغراضهم الفناء في الحب، وهل هناك حب
إلا لجمال؟ إذا رقى الشعور بالجمال في أمة ثارت على كل قبيح في مادة أو معنى، ولم
تقنع إلا أن يحيط بها الجمال في نفسها وفي بيتها وفي قوانينها وفي نظام حكومتها، وفي
كل شيء حولها.
وإذا سما الشعور بالجمال في إنسان أدرك أن الفضيلة فضيلة لجمالها، لا لأي
صفة أخرى. فالجمال انسجام، والقبح نشاز؛ جمال الأدب في انسجام لفظه مع معناه،
وانسجام ذلك كله مع الكاتب والقارئ؛ وجمال املوسيقى في انسجام الأصوات، وانسجام
الأصوات مع النفس، والشعور املرهف بالجمال يرى الفضيلة إنما كانت فضيلة لجمالها،
وجمالها أتى من انسجامها مع املجتمع، وسريها معه في طريق الرقي.
قد تصدر الفضيلة عن عرف وعادة، فتكون عرضة للخطأ والفساد، ككل عرف
وعادة؛ وقد تصدر عن عقل فيحسب العقل ما في العمل من خري وشر، ولذة وألم،
ومنفعة ومضرة، فيكون شأنها شأن كل أحكام العقل فاترة جامدة، عرضة لأن يلعب
بها املنطق الذي يستطيع أن يبرهن على الشيء ونقيضه؛ إنما القيمة الحقة للفضيلة في
أنها تصدر عن عشق وهيام، ولا عشق ولا هيام إلا عن شعور بالجمال — أمثال هؤلاء
هم الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم لعقيدتهم وفضيلتهم وحريتهم، ولولا العشق ما
كانت التضحية، ولولا الجمال ما كان العشق.
110
تقدير الجمال
أفبعد هذا كله — يا أخي — تنكر على شعوري بالجمال، وتنصحني بستره؟!
111

في الهواء الطلق (5(
كانت رحلتنا هذه املرة إلى «الأهرام» في ليلة اكتمل فيها البدر، فصبغ العالّم بلونه الزاهي
َ الجميل، وامتلأ الوادي بفيضان النيل، فكان في ضوء القمر فضة مذابة، و َرق النسيم
َور َ اق الجو، فكان كل ذلك متعة النفْس وجلاء القلب.
وكنا أربعة خامسنا عاملنا، قد تخصص في علم النفس، ودرسه في مصر وفي أوربا،
وفي املدارس النظرية واملدارس العملية، وشغف به حتى شغله عن كل شيء؛ فهو قليل
الكلام إلا إذا عرض شيء نفساني، فهو يتدفق ويتدفق؛ وإذا تحدثنا في شخصية من
الشخصيات السياسية أو املالية أو العلمية، أخذ يحللها نفسيًا، ويرجع مظاهرها إلى
ً عناصرها الأولى، كما نحلل نحن عددا حسابيًا كبريًا إلى عوامله الأولية. وإذا روينا حادثة
ِّ اجتماعية حدثت، أخذ يشرحها وينظر في أعماقها ودقائقها، كأن هذا العلم وضع على
عينيه «مكرسكوبًا» دقيقً ا.
قال له أحدنا: يا دكتور، هل لك في هذا الجو الهادئ الجميل أن تحللنا، وتشرح
ِ ط علينا علمك ومكرسكوبك، وتقرأ لنا نفوسنا كما يقرأ عاملم الكف
لنا نفوسنا، وتسلِّ
أكفنا، فهذا درس عملي لذيذ، وفرصة سانحة تكشف لنا كثريًا من نفوسنا، وقد تفيدنا
في أخلاقنا.
الدكتور: لا شك أن هذا عمل لذيذ مفيد، وحقيقة إنها لفرصة سانحة، فقد كنتم
ّ أصدقائي منذ صباي، واطلعت على نفوسكم وتصرفاتكم في املواقف املختلفة، واختزنت
ُغضبكم أو
منها الشيء الكثري في ذاكرتي، مما يسهل لي الحكم عليكم؛ ولكني أخشى أن أ
ْ غضب بعضكم، فكشف النفس أمر لا يستحب ككشف الجسم، وقد يحسن أن يكون ذلك
ُ
أ
ً ا منفرد ً ا مع كل منكم، حتى لا يطلع عليه الآخرون فيألم لذلك؛ والناس جميعا في
حديثً
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
كل مكان يودون أن يظهروا بمظهر الكمال، وتعريه نفوسهم كشف لعوراتهم، والناس
في مصر أشد حساسية في ذلك، فهم يكرهون النقد، ويكرهون الناقد أكثر من غريهم،
َ ولذلك ضعف النقد، وركن الناقد إلى السلامة، سواء في ذلك النقد السياسي والأدبي
والاجتماعي. وملا عدت إلى مصر من أوربا أدركت هذا املعنى في وضوح؛ فقد بدأت أنقد
ُ في مصر كما كنت أنقد في أوربا، فصدمت صدمة قوية عنيفة جعلتني أتردد في النقد. ولا
أدري سبب ما رأيت من تأخر النقد، فقد كان النقاد في مصر أقدر وأجرأ منهم اليوم،
ولا يصح تعليل ذلك بالحرب وإعلان الأحكام العرفية، فإن هذا إذا صدق في السياسة لم
يصدق في الأدب والفن، وحتى قُبيل الحرب لم نكن في هذا الباب خريًا منا الآن.
(أ): كيف لا تدري السبب — يا دكتور — وأنت متخصص في علم النفس الفردي
والاجتماعي، ولا شك أنك صادفت مثل هذه الأعراض وحللتها وشرحتها.
الدكتور: ِ ليس الأمر أمام العالم بهذه السهولة، فعالَم النفوس من أعقد العوالم
َعرض علينا حالات فردية كنا نحار في تفسريها
وأدقها، وفي كثري من الأحيان كانت تُ
— أنا ومن يعمل معي من أساتذتي وزملائي — ونذهب فيها كل مذهب، وأخريًا نقرر
عجزنا عن حلها. هذا في حالة نفسية فردية، فكيف في حالة اجتماعية! ولكن — على
العموم — يخيل إليَّ أن سبب ضعف النقد في مصر وغضب املنقودين يرجع إلى أن
رقي الثقافة العامة في أوربا جعلتهم يدركون أن كل فرد له مزاياه وعيوبه، فإذا كشفت
عيوب شخص فلا بأس، فهذا أمر طبيعي؛ ثم فشو الروح الرياضي في الأمم جعلتهم
في ألعابهم يتلقون الضربات في سماحة، ويتلقون النقد في سماحة مثلها؛ ثم إن معدل
ً «مركب النقص» في مصر أكبر منه في أوربا، ولذلك كان النقد يزيد في املنقود هنا شعورا
بهذا النقص، فيغضب ويتألم، ألا ترى أن الرجل الواثق بنفسه لا يؤمله النقد كما يؤلم
من فقد الثقة بنفسه، وهكذا؟!
(أ): لكن هذا يا دكتور يصح أن يكون سببًا في ضعف النقد في مصر عنه في أوربا،
ً ولكن لا يعلل ضعف النقد في مصر عنه في مصر أيضا منذ سنوات.
الدكتور: هذا صحيح، وفي ظني أن هذا يرجع إلى أسباب اجتماعية وتاريخية أكثر
ً منه إلى أسباب نفسية، وإن كانت هذه الأمور مرتبطة ببعضها ارتباطا كبريًا، فغلبة
الرجعية، وعدم استجابة جمهور الأمة لدعاة التجديد، وغري ذلك من أسباب ليس هنا
موضعها، كانت سببًا في ذلك.
114
في الهواء الطلق (5(
(ب): ً قد خرجنا عن موضوعنا بعض الشيء، فحلل نفوسنا، ولك علينا عهدا لا
نغضب، وأنت من جانبك لا تتعمق في مشرطك، ولا تبالغ في جرحك، واستعمال الإيماء
أحيانًا، والكناية أحيانًا، ففي ذلك كفاية.
(جـ): أما أنا فأنصحك أن تقول كل شيء عني في صراحة من غري تلميح؛ فإن
ُ أنت مدحتني وه ً ديت إلى محاسني ومزاياي، كان علمك صحيح ً ا وكلامك صحيحا، وإن
ذممتني ونقدتني كان علمك سخيفً ا وكلامك سخيفً ا؛ وأنا راض في الحالني، فالحكم عليك
لا عليَّ.
(ضحك الجميع).
الدكتور: ً وليكن، ولكن اسمحوا لي أن أتكلم كلام ً ا عاما بعض الأحيان، وكل منكم
يطبقه — إن شاء — على نفسه. ومن محاسن الصدف أنكم الأربعة تمثِّلون أصناف
ً الناس ونماذجهم الأصلية؛ فأولا: «أ و ب» من النموذج الذي يسميه علماء النفس
Introversion ،ولا أدري كيف أسميه بالعربية، فمعناه الحرفي «تحويل الظاهر إلى
الباطن»، وهذا الصنف من الناس — عادة — من خصائصه أن يعيش في نفسه أكثر
مما يعيش في خارجها، يميل إلى الدرس والبحث، فإذا غلب عليه هذا املزاج فهو أميل
ً إلى الفلسفة والعكوف على أفلاطون وأرسطو وسبينووا وأمثالهم؛ ومن هذا الصنف أيضا
فريق املتصوفة الذين يغرقون في أنفسهم ويحللونها ويشرحون مقاماتهم وأحوالهم، هم
َ — عادة — خ ُجولون في أوساطهم، يكرهون املجتمعات والحفلات الصاخبة، يشعرون
ً شعور ً ا بالغ ً ا بالألم التافه، ولا يشعرون شعور ً ا عظيم ِّ ا بالفرح العظيم، يفضلون أن
يجلسوا في حجراتهم يحلون مشكلة اجتماعية أو نظرية رياضية على شهود ألعاب
رياضية أو حفلة موسيقية.
ً وأما «حـ و ء» فمن الصنف الآخر الذي يسميه علماء النفس أيضا Extraversion،
ومعناه الحرفي «تحويل الباطن إلى الظاهر»، وهذا الصنف من الناس — عادة — لا
يستطيعون الصبر على الخلو إلى أنفسهم مدة طويلة، ولا يستطيعون أن يصبروا على
البحث العميق الطويل، يحبون الناس واجتماعاتهم، وقد يشتركون في عمل الحفلات
والولائم والإعداد لها، ويحبُّون الاشتراك في النوادي، يلفتون الأنظار إليهم في تصرفاتهم،
ويحبون الظهور، وأن يُ ً كتب اسمهم في الجرائد دائما — يكرهون الفلسفة واسمها،
ويكرهون العزلة؛ ويحبون من الروايات الكوميديا ويكرهون التراجيديا، ويعجبهم من
املوسيقى النغمات املرحة ولا تعجبهم النغمات الحزينة، وهكذا.
115
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ومنشأ ذلك خلقة وطبيعة وظروف أكثر منها أي شيء آخر.
أتذكر يا فلان (أ) أنك كنت ضعيفً ا في صغرك، لا تشترك مع الأطفال في لعبك! أولا
ً تذكر يوم كنا في املدرسة الثانوية معا، وكان إخواننا في الفصل يطلقون عليك لقب «مالك
الحزين»، وقد نما هذا الشعور عندك، فطلقت الجمعيات، واحتضنت الكتب، وشعرت
َّ بمركب النقص عندك، فمنحتك الطبيعة «التعويض»، وكان هذا التعويض أن تخلق من
ً نفسك عاملا غري العالم الخارجي تسمح فيه، ثم نمت عقليتك على حساب امللكات الأخرى،
وعلى حساب الاشتراك مع الأصحاب في الألعاب والحفلات، فتفوقت على زملائك في العالم
والعقل، وضعفت عنهم في املواهب الأخرى: في الألعاب الرياضية، في الحفلات السارة، في
ُ الأعمال الاجتماعية؛ ولتر َّ ضي نفسك بهذا التعويض قومت الحياة العقلية أكبر من قيمتها،
كما قومت الأنواع الأخرى من الحياة أقل من قيمتها، ولم تكتف بذلك، بل سبحت في عالم
َ من الخيال الفلسفي، وجعلت مثَلك في الحياة عزلة عن الحياة العملية إلى حياة فكرية
مجردة تسخر فيها بحياة الناس العملية — حتى إنّا ملا دعوناك إلى هذه الرحلة معنا
أتيت بضغط يشبه الإكراه. أليس كذلك؟
وعلى العكس من ذلك أخونا (حـ)، فقد نشأ — كما أعرف وتعرفون — في صحة
ُ جيدة ووسط مَو ٍ ات، وملا كان معنا في املدرسة الثانوية كان رئيس فرقة الكرة، وكنا إذا
ِّ فكرنا في حفلة فهو منظ ُ مها، وهو املَه ِّرج فيها، وكان لا يحتبس في بيته للمذاكرة إلا عند
ً الضرورة القصوى؛ فلما أتم دراسته كان — كما ترون — رجلا يعرف الدنيا، ويلعب
بالبيضة والحجر كما يقولون، لا يعترف بالهزيمة إذا كانت، يلعب بالحياة كما كان
ُ يلعب الكرة في مدرسته، إذا غِلبت فرقته مرة ضحك، واستعد أن يغلب في املرة القادمة؛
وبينما أخونا «أ» يُ َح ِّضر ً درسا في حجرته في نظرية «الأوساط» عند أرسطو، إذا بأخينا
«حـ» يُ ِّطبق نظرية «الأوساط» في حفلة رقص.
(ضحك من الجميع).
(أ): إذن فما رأيك في أخينا «د»، وأخينا «ب»، فقد نسيتهما وصببت كل كلامك على
«أ» و«حـ».
116
في الهواء الطلق (5(
الدكتور: الواقع أني لم أنسهما، ولكن بدأت بالكلام في «أ» و«حـ» لأنهما نموذجان
متقابلان يشرحان فكرتي في وضوح، وباقي إخواننا ليسوا إلا صورة مكبرة أو مصغرة
َّ منهما، أو ملونة لونًا آخر غري لونهما، ولكن الأساس واحد.
فأخونا «د» عكس أخينا «أ»، أخونا «أ» بمركب النقص، وأخونا «د» مصاب «بمركب
ا
التسامي»، وكلاهما عيب، ومركب التسامي في نظر علماء النفس ليس إلا دخانًا كثيفً
يلُ ّف مركب النقص. فاملصاب بمركب التسامي تظهر عليه أعراض معينة، فهو يشعر
بنقصه، ولكنه يمنع الناس أن يدركوها كما يدركها هو، ووسيلة ذلك الظهور بالتسامي
والظهور بمظهر العظمة، ألا ترى أن الكلب الكبري حقً ا، العظيم حقً ا، لا ينبح إلا عند
الضرورة، وأما الكلب الصغري الحقري فينبح ويقفز لأتفه الأشياء يعلن بذلك عن نفسه،
ويغطي شعوره بنقصه؟! كذلك الرجل العظيم حقً ا لا يفخر بعظمته، لأنه يشعر أن
أعماله كافية في التعبري عنه؛ واملرأة الواثقة بجمالها لا تبالغ في حيلها وزينتها كما
ّ تبالغ من شعرت في نفسها بشيء من العيب أو القبح؛ والغني الكبري العريق في الغنى
ُ لا يتظاهر بما يتظاهر به «امل َحدث في الغنى»؛ وهكذا كل شاعر بنقص في ناحية من
النواحي يحتاج إلى عمل إشارات كثرية تجعل الناس يؤمنون به ولا يطلعون على عيبه،
شأنهم في ذلك شأن الطفل الصغري يشعر بالخوف فيأتي بإشارات وحركات يتظاهر
ً فيها بشجاعته. الا ترون أن صاحبنا يحاول أن يفرض رأيه علينا فرضا، ولا يسمح لأحد
أن يقترح رأيً ً ا بجانبه، ويريد أن يشعر دائما بشخصه، وهو الذي اقترح رحلتنا اليوم
ونفذها، لا يحاسب نفسه كثريًا على تصرفه ولا على من اجتاحهم أثناء سريه، يضحينا
ً دائما لطموحه، ويشك في قيمة الناس فيكتسحهم؟!
(د): كلب في عينك قليل الأدب، لم يبق إلا أن تمثلني بالكلب، وما الكلب إلا أنت
وعلمك الفارغ، كلمات تحفظها وتطبقها على ما يصلح لها وما لا يصلح، وشقشقة
ً ألفاظ من مركب النقص ومركب التسامي لا حقيقة وراءها؛ إن كنت متكلما حقً ا، فحلل
ّ لنا نفسك وبني علاقتها بالكلب.
الدكتور: آسف كل الأسف، وهذا ما كنت أخشاه من أول الأمر، ولكن ما كنت أتوقع
ُ أن يبلغ الأمر هذا املبلغ، فما ذنب طبيب إذا عِرض عليه مريض فرأى عنده سرطانًا؟
ً ا إذا قال إنه ورم بسيط، ولكني نسيت أمرا تعلمته، وهو أن الإنسان لا
أيكون منصفً
يسمح لطبيب النفس أن يشرحه ويعني مرضه كما يسمح لطبيب الجسم، ولهذا سبب
ليس محله الآن، وكل ما أقوله إني آسف ومعتذر.
117
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
(أ): غلطتك يا دكتور ليس في التشخيص، ولا في الشرح، ولكن في أنك قد فاتك
التعبري الرقيق والتشبيه الفنَّي، فقد كان يمكنك التعبري عن هذا املعنى تعبريًا أرق؛ وأنت
يا «د» ليس لك الحق في الغضب، فقد تعاقدنا أول الأمر على ألا تغضب، والجو أمامنا
فسيح، وفيضان النيل أمامنا بالغ منتهاه، فخذ من الدكتور ما يعجبك، وارم ما لا يعجبك
في النيل أو في الهواء الطلق.
(الجميع): وهو كذلك فأكمل لنا «ب»، وبذلك ينتهي الحديث في صفاء.
الدكتور: أما أخونا «ب»، فهداه الغرق في نفسه إلى النزعة الدينية. فنشأ مرهف
الحس في وسط كثري التدين، ولست أنسى والده وصلاحه وكثرة صلاته وصيامه، وامتلاءه
عقيدة بحقارة الدنيا ونعيمها، وكثرة ذكره للموت. وتطلعه لحياة أخرى فيها الكمال
املطلق؛ وفي هذا الوسط نشأ أخونا «ب» فنما شعوره القوي بالدين، وضعف اعتماده
على وسائل الدنيا فقوي اعتماده على الله. يعتقد أنه بَيَْدٌق في يد القدر. يرى أن النفس
ً دائما أمارة بالسوء، فهو يتطلع إ الاستعداد من قوى روحية أخرى تعينه على السلوك
املستقيم، فهو ينال ملاذ الحياة بحذر، ويخاف من النسيم أن يجره إلى الإثم، ومن الإثم
أن يجره إلى النار، فحيى ضمريه وشعوره من هذه الناحية حتى تسلط على كل أفعاله!
ً فمقياس العمل عنده دائم ُ ا الجنة والنار، أضعف نفسه الخوف فهرب من أداء الواجبات
الدنيوية، وركز نظره إلى الحياة الأخرى يضع فيها آماله. ولا أريد أن أطيل حتى لا
ً يغضب أيضا.
فلعلكم ترون من هذا هذه الفرصة السعيدة التي جمعتنا؛ وكان اجتماعنا أشبه
باجتماع النماذج البشرية كاملة، فمنا اثنان محكومان بعقلهما، أحدهما محكوم بعقل
منطقي فلسفي، والآخر بعقل عملي، ومنا اثنان محكومان بعواطفهما أحدهما محكوم
بعواطف دينية، والآخر بعواطف دنيوية.
ولكن أرجو أخريًا ألا يكون أخونا «د» لا يزال غاضبًا.
(د): لا! هذه فورة وقتية وزالت.
َحِّدثك وحدك عن سيكولوجية الغضب،
ُ
الدكتور: لعلي أستطيع في فرصة أخرى أن أ
والأسباب التي تدعوك إليه.
118
في الهواء الطلق (5(
(د): كلا، لا أريد سيكولوجيتك ولا تحليلك، فأنا أعرف بنفسي منك.
(أ): ولكن يا دكتور، هل هذه العناصر الأربعة أساسية غري قابلة للتحول، أو يمكن
تحويل عنصر إلى عنصر؟
الدكتور: أرى أنه لا يمكن ذلك، فلا يمكن تحويل «أ» إلى «د»، ولا «ب» إلى «جـ»،
ولو استحال النحاس إلى ذهب. وكل ما في الأمر أن هذه العناصر الأربعة ضرورية في
ٍ الحياة، نافعة للمجتمع، ولكل غرض، وكل يتخذ لإدراك غرضه أدوات وآلات ووسائل وما
يصبو إليه الأخلاقي واملصلح الاجتماعي ليس أن يحول الإنسان من عنصر إلى عنصر،
ولكن أن يُبقى على غرضه وعنصره، ويحاول أن يجعله يتخذ من الوسائل ما يتفق
وصالح املجتمع؛ فقد يتخذ صاحب الغرض وسائل خسيسة ضارة بمجتمعه لتحقيق
غرضه، فيأتي املصلح ويهيئ الفرص للناس أن يتخذوا لغرضهم وسائل شريفة تفيد
ً املجتمع. فغرض الشهرة — مثلا ً — والقصد إلى التسامي ليس شرا في ذاته، ولكن يتفق
ً في هذا العنصر بعض العظماء جد ً ا وبعض املجرمني جدا: الأول اتخذ وسائله في الشهرة
الإتيان بأعمال تنفع أمته، والثاني اتخذ وسائله الإجرام، وشتان ما بينهما وإن اتحد
العنصر. والنبي الذي يُبعث، واملصلح الذي ينبغ، من أكبر الرجال الذين يعرفون نفسيات
ُ الأتباع، فيعرفون كيف يرشدون كلا إلى الناحية التي خلق عليها من غري أن يغريوا من
تكوينهم الأساسي، وعنصرهم الأولي.
(أ): ولكن يا دكتور كيف تسنَّى لهذه العناصر املتباينة أن تتصادق؟ فنحن كما
حللتنا ماء ونار، وحرارة وبرودة، وعذوبة وملوحة، ومع ذلك نحن أصدقاء متحابون لا
يستغني بعضنا عن بعض، ونشعر كأننا عروة لا تنفصم، ووحدة لا تتجزأ؛ إذا غضب
أحدنا لا يلبث أن يصفو، وكان مقتضى الظاهر أن نتخاصم وأن نتعادى، لا أن نتصافى.
الدكتور: ً لهذا أيضا سبب سيكولوجي عميق يرجع إلى أصول أبانها علماء تحليل
النفس، فهل أنتم على استعداد للبقاء هنا إلى الصباح؟
ْ وحدنا إذا علق الآخرون عائق فتحدثني
(أ): لا، ولكن على أن تعدني أن نتقابل غدا
عن سر ذلك!
الدكتور: وهو كذلك.
ً وكانت الساعة قد بلغت الثانية صباحا، وقد تسلطن القمر في عرشه، فركبنا سيارتنا
وعدنا من حيث أتينا.
وملا عدت إلى بيتي أبيت إلا أن أقيد أهم ما كان، حتى لا يطويه النسيان.
119

في الهواء الطلق (6(
ُ تلاقينا كما تواعدنا، وكنت ّ والدكتور وحدنا، فلم أشأ أن أشعب الحديث، واقتحمت
ً املوضوع اقتحام ِّ ا، فقلت: حدثني — إذن — كيف تكون الصداقة مع اختلاف الطباع
ً والأمزجة والثقافة؛ وقديم ِّ ا قالوا: شبيه الشيء منجذب إليه — وقالوا: حد َ ثني م ْن صديقك
َ ا وم ْن لا يأبه
َك َم ْن َ أنت! ولذلك حريني أمر جمعيتنا بالأمس؛ فقد رأينا فيها متدينً
ِّحدثْ
ُ
أ
ً بدين، ورجلا نظريً ً ا ورجلا عمليً ً ا، ورجلا يُ َحك ً م بالعقل، ورجلا ً يحكم بالعاطفة، وحليما
وغضويًا، ومتفلسفً ا ورجل مال؛ فكيف أتفق لهؤلاء أن يتصادقوا، وأن تنعقد بينهم
الألفة على اختلاف منازعهم ومشاربهم؟
الدكتور: لقد علّمتنا التجارب أن الصداقة تفرخ تحت حرارة الإعجاب، فما لم يكن
إعجاب لم تكن صداقة؛ فأنت تعجب بصديقك من ناحية ما، أو من جملة نواح، وهو
كذلك. وهذا الإعجاب من شأنه توسيع النفس والشعور باللذة فيما تُعجب به، فأنت
تتغذَّى من صديقك بالنواحي التي أعجبت بها، وتتلذذ هذا الغذاء، وتشعر أن نفْسك
ِّ سه، وهو يشعر هذا الشعور نحوك؛ وقد تضحي ببعض فوائدك
َّ اتسعت لتتشرب نفْ
َّ ومسراتك من أجله، ولكن هذه التحضية في الواقع ليست إلا تضحية لذة للذة أكبر منها؛
فأنت تُ ً ضحي — مثلا — بشيء من راحتك أو مالك لصديقك لتنعم بلذة أكبر منها، وهي
ما تتلذذه من مواضع الإعجاب، أو ما تتلذذه من تضحية صديقك لك.
ً ثم هذا الإعجاب من جانب قد يكون مناقضا للإعجاب من الجانب الآخر، فيكون
أدعى إلى التصادق؛ فإذا كنت حسن الحديث، وكان صديقك حسن الاستماع، وأعجبت
ُعجب بك لحسن حديثك، كان ذلك سببًا من أسباب الصداقة، إذ
به لحسن استماعه، وأ
َّ تلاقت فيكما الرغبتان، قد شعرت أنت بمركب النقص عندك في الرغبة الكلامية، وأحس
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
هو بمركب النقص في الرغبة السكوتية، فأعجب كل منكما بصاحبه لأنه يكمل نقصه.
ً فليس صحيح ً ا دائما أن شبيه الشيء منجذب إليه، بل قد يكون التناقض سبب الانجذاب،
كالكهرباء السالبة واملوجبة؛ ومثل هذا في الحياة الواقعية كثري، فكثريًا ما يقع اختيار
الزوج على زوجته لأنه غضوب وهي حليمة، أو هو مسرف وهي مقتصدة، أو هو رزين
وهي مرحة، أو نحو ذلك أو عكس ذلك ثم يكون الزواج موفقً ا، وسبب التوفيق هذا
التناقض؛ ولو كان الزوجان غضوبني أو مسرفني أو رزينني، لكانت عيشتهما لا تطاق،
فخري أن ينضم إلى النار ماء، من أن ينضم إلى النار نار؛ ومن هذا ترى — يا أخي — أن
عجبك من اختلاف الأصدقاء في الطبع واملزاج يساوي عجبك من تصورك أن الصداقة
ً تتطلب الاتحاد في امليول دائما.
ُ فأساس الصداقة — كما ذكرت — الإعجاب، وليس الاتحاد في موضوع الإعجاب؛
ومصداق ذلك أنك ترى بعض الناس تغلب عليهم عقيدة أن الناس كلهم أشرار خائنون
ً لا شرف لهم، وأن ما يصدر عنهم مما يظن فيه الخري واملنفعة العامة ليس إلا خداعا
يسترون به أنانيتهم وحبهم لأنفسهم، أمثل هؤلاء لا يستطيعون أن يصادقوا لأنهم فقدوا
الإعجاب، ففقدوا بفقده الصداقة.
وقد تتم الصداقة بني شخصني أو أكثر، وتتأكد الصداقة بتأكيد الإعجاب، فإذا فتر
الإعجاب فترت الصداقة.
ً وليس دائما أن تكون الصداقة مبنية على الإعجاب بالنيل والفضل والأخلاق الجميلة:
فقد تكون الصداقة صداقة شريرة مبنية على الإجرام، أو على شرب الخمر، أو تعاطي
كيف من الكيوف، وقد تكون صداقة نبيلة أساسها البطولة أو النبوغ أو الفضيلة، وسواء
كان هذا أو ذاك فالأساس هو الإعجاب؛ فاملتصادقان على احتساء الخمر سبب صداقتهما
ٍّ إعجاب كل بمقدرة الآخر على السكر، وتلذذه من أن يرى صاحبه عونًا له على بلوغ
غايته، ونحو ذلك.
َرة والأنانية؛
ِّ ومما يساعد على الصداقة ويقويها الإيثار والتضحية، ومما يضعفها الأثّ
ً فمحب نفسه جدا لا يمكن أن يصادق، وتعليل ذلك متصل بما سبق، وهو أن الأناني
ًجد ّ ا قل أن يرى خريًا إلا في شخصه، بل هو يكره ويمقت مواضع العظمة من غريه
لأنها تشعره بنقص نفسه. ولذلك تجد خري أنواع الصداقة عند من تعاونوا على نوع من
ً أنواع الخدمة الاجتماعية، لأن لهم غرض ً ا واسع ً ا خارجا عن أشخاصهم، وهو تحقيق نوع
من الخري ملجتمعهم؛ فكما رأوا أن صاحبًا لهم مصدر لهذا النفع زاد الإعجاب فتأكدت
الصداقة.
122
في الهواء الطلق (6(
ً وسكت الدكتور قليلا، فقلت: إذا كان أساس الصداقة الإعجاب فقط، وجب أن
يتحقق كلما وجد، وهذا ليس بصحيح، فكثريًا ما أعجب بإنسان ولا تكون صداقة، فأنا
أعجب بعدل عمر بن الخطاب، وبطولة خالد بن الوليد، وفصاحة عليٍّ ونحو ذلك، ثم
لا تكون هناك صداقة؛ بل كثريًا ما يكون الإعجاب بني الأحياء ولا صداقة، فقد أعجب
بعقل كاتب إنجليزي أو فرنسي، أو أسلوبه أو بطولته، وقد أعجب بإجادة ممثل على
ٍ املسرح، أو بجمال غانية، أو بصوت مغن ً أو مغنية ثم لا تكون هناك معرفة فضلا
عن صداقة كم من الناس يعجبون بصوت (عبد الوهاب) أو (أم كلثوم)، أو بكوكب
من كواكب السينما ولا معرفة ولا صداقة؛ وكم من املفكرين يعجبون «بريناردشو»، أو
«ويلز» أو «برتراندرسل» أو نحوهم من الأدباء واملفكرين، وكل ما بينهم هو صلة روحية
لا أستطيع أن أسميها صداقة!
بل أستطيع أن أذهب إلى أبعد من ذلك، فأرى أن الإعجاب قد يكون ومعه الكراهية
والنفور لا الصداقة، فقد أعجب بفصاحة خطيب أو بلاغة أديب، ولكي أكرهه لثقل
ٍش. والخلاصة أن
ِ روحه؛ وأعجب بقدرة ُ عظيم لكفايته املالية وأكرهه لأني أعلم أنه م ْرتَ
الإعجاب وحده لا يكفي في تكوين الصداقة.
الدكتور: إن الجزء الأول من اعتراضك، وهو الإعجاب بالأموات، والإعجاب بالعظماء
الأحياء عن بُ ٍعد ٌ سهل الرد عليه، وربما كان سبب اعتراضك عدم التفاتك إلى نقطة هامة
ً فيما ذكرت، وهو أن يكون الإعجاب متبادلا من الجانبني، فإنك إذا أعجبت بعمر أو خالد
ٍ أو علي، أو أعجبت ببرناردشو أو ويلز، او عبد الوهاب أو أم كلثوم، فليس هناك إعجاب
متبادل، وإنما هو إعجاب من جانب واحد؛ وبذلك لا تتم الصداقة.
وأما اعتراضك بأنه قد يكون الإعجاب مع الكراهية، فهو صحيح، ولكنه يؤيد رأيي،
لأن كراهة شخص من بعض النواحي مع الإعجاب به من نواح أخرى تضعف قوة
الإعجاب، فالكراهية والإعجاب متقابلان، والإعجاب يدعو إلى التصادق، ثم تلتهم الكراهية
ً هذا الإعجاب فتقف حائلا دون التصادق.
وأريد أن أزيد شيئًا أكمل به وجهة نظري، وهو أن الصداقة إذا تأسست على
ً ي دائم َ ا، وإلا ه ُزلت ثم ماتت؛ غذاؤها اتصال الأصدقاء ليتجدد
الإعجاب فيجب أن تغذَّ
الإعجاب، فإذا لم يتيسر فمبادلة الكتب أو تبادل الأحاديث التليفونية أو نحو ذلك من
ُ أنواع الاتصال، لأنه إذا لم يكن اتصال قد َ م الإعجاب وه ْزل حتى يُنسى فتُنسى معه
الصداقة — والحديث املأثور: «تهادوا تحابوا» لا يزال صحيح املعنى، وليست قيمة
123
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
الهدية بني الأصدقاء في ثمنها، وإنما فيما يحيط بها من معان؛ فتقديم الهدية معناه أني
لا زلت أذكرك، وأني على استعداد للتضحية في سبيلك، وأني أوثرك بما تحب، إلى غري
ٍ ذلك من معان َ نبيلة تؤكد الصداقة وتنميها، فالصداقة شجرة و ْرٍد لا بد من ريِّها، وإلا
جفَّت.
وقد قرأت في هذا املعنى حكاية لطيفة حدثت، وهو أن سيدة أوربية متزوجة من
ً غني كبري اعتاد أن يهديها في عيد ذكرى زواجها وردة صفراء جميلة، رمزا إلى الحب
ً والإعجاب، فجاء عام ً ا من أعوامها وأهداها في ذلك العيد صكا بعشرين ألف جنيه،
ً فغضبت جد ً ا، وأملت جدا، إذ لم يهدها الوردة الصفراء، لأنها رأت أن الوردة الصفراء —
لا العشرين ألفً ا — هي التي تغذي روحها؛ فاملال عند غني قد يُمنح صدقة، وقد يؤجر
َّ به على عمل، وقد يقدم ملائدة ميسر؛ ولكن الوردة الصفراء — رمز الحب — لاتعوض
حب؛ وكيف يوزن الحب باملال، وهو إذا وضع
ولا تقدر بمال، ولا تقدم إلا من محب ملن يُ ُّ
في كفة ووضعت الدنيا كلها في الأخرى ما تأثرت الكفة الأولى؟!
قلت: لا يزال في نفسي شيء مما ذكرت، فقد تتوافر الشروط التي قلتها من إعجاب
متبادل، وكثرة اتصال ونحو ذلك، ثم لا تكون صداقة.
ُ الدكتور: أرجو أن تنتظرني حتى أتم عرض رأيي، فإذا سكت فإنما أفكر في جمع
ما يكمل فكرتي، وقد يكون جواب اعتراضك فيما سأذكر، فنستغني عن الأخذ والرد، لا
ً سيما واملوضوع عريض، وتحديده والإملام بكل أطرافه ليس أمرا هينًا؛ فأشكال الصداقة
متعددة، وطباع الناس وأمزجتهم مختلفة، وحصرها كلها تحت قاعدة عامة في منتهى
الصعوبة.
وما أريد أن أقوله الآن هو أنه يجب أن يُ ُ ضاف إلى ما ذكرت أن يكون هناك تناغم
بني املتصادقني، وأن يكون هناك غرض واحد مشترك في شأن من الشؤون، ولست
أريد بالتناغم اتحاد الطبع أو املزاج، فقد سبق أن بيَّنت خطأ ذلك، وإنما أريد بالتناغم
الانسجام، كالانسجام بني الدف واملزمار والندى في الجوقة املوسيقية؛ بل إن هذا التناغم
هو الذي يفسح الجو للصداقة أكثر مما يفسح لها الاتحاد؛ ثم الاشتراك في الغرض معناه
أن يكون للمتصادقني نوع من الغاية املتحدة يسعون لتحقيقها، وتدعوهم هذه الغاية
ُ إلى تعلم خلق الأخذ والعطاء، وهو خلق لا بد منه في تكوين الصداقة؛ ويتجلى هذا املعنى
— معنى الاشتراك في الغرض وتبادل الأخذ والعطاء — في املتصادقني من حزب سياسي
واحد، أو حزب اجتماعي، أو لجنة من لجان الخدمة العامة.
124
في الهواء الطلق (6(
ً ثم إذا استعرضنا الصداقات وجدناها أشكالا وألوانًا، فهي كدرجات في سلم طويل،
ّ تبتدئ باملعرفة، وتنتهي بالعشق والهيام، وبني هاتني درجات لا عد لها؛ ثم هناك طباع
تُ ً صادق من أول نظرة، وطباع متحفظة لا تصادق إلا ببطء وذلك أدعى أن تحتفظ أيضا
بصداقتها ببطء.
ً وإلى جانب ذلك كله هناك صديق تعتبره كالغذاء الروحي لا تستغني عنه أبدا،
ً وتشعر أنك في أشد الحاجة إليه دائما، ويصعب عليك أن يمر اليوم ولا تراه؛ وصديق
كالفاكهة تحبها في موسمها، وتشتاق إليها حينًا بعد حني؛ فهناك صديق تتلمسه إذا دعا
داعي املرح، وصديق آخر تتلمسه إذا دعا داعي الجد.
قلت: هل انتهيت؟
الدكتور: تقريبًا، فإن شئت فاسأل.
قلت: كيف تعلل ما نرى من ظاهرة غريبة، وهو أن صديق الصديق قد يكون
ً ا واحدا لشخصني متعاديني؟
صديقً ا، وأحيانًا نرى صديقً
الدكتور: هذا صحيح، وتعليله ليس عسريًا بعد الذي ذكرت؛ ذلك أن نواحي الأخلاق
ً في الإنسان متشعبة متنوعة، فإذا كان صديق الصديق مشتركا معك في نواحي الإعجاب
املتبادل، والتناغم والاهتمام بغرضك، كان صديقً ً ا لك أيضا — ولكن يحدث أن يكون
شخصان متعاديان لعدم الإعجاب وعدم التناغم وعدم اتحاد الغرض، ومع ذلك هما
يلتقيان معك في نقطة فيها تبادل الإعجاب، كثلاث دوائر، لا أدري اسمها في الهندسة
ولكن أستطيع أن أرسمها لك هكذا ، فمساوى املساوى مساو، ولكن ليس شبيه
ً الشبيه شبيه ً ا دائم ً ا؛ فقد يخالف رجل رجلا في البياض والسواد، والطول والقصر،
والعقلية الفلسفية والعملية، ولكنهما يلتقيان معك في شيئني عندك لكل منهما شيء،
يلتقي الأول معك في حب الفن، وهو ليس عند الآخر؛ ويلتقي الآخر معك في نوع من
الخدمة العامة لا يقوم بها الأول.
أواضح ما أقول؟
قلت: نعم! ولكن — يا دكتور — ألا ترانا قد بعدنا بعض الشيء عن موضوعنا
الأصلي، وهو سؤالنا الأول: كيف تصادق هؤلاء املتخالفون!
الدكتور: بعد هذه القواعد العامة التي ذكرتها، لم يبق إلا التطبيق على «أ» و«ب»
ُه َ أنت بنفسك، فقد أحسست التعب من
و«د» و«جـ»، وهذا ليس بالعسري عليك، فتولّ
طول تفكريي في هذا املوضوع، وعرض نظرياته، فتعال بعد ذلك نتحدث فيما لا يتعب
الفكر.
125
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
قلت: أنا أحوج إلى هذا منك؛ فأنت تتكلم في موضوعك بعد أن مرنت عليه.
وتحدثنا فيما لا يهم القارئ. ثم افترقنا وذهني مأخوذ بهذا الحديث املثري للتفكري.
126
السوبرمان أو الإنسان الكامل (1(
من قديم أولع الإنسان أن يتصور إنسانًا أعلى، إنسانً ً ا كاملا، إذ رأى الإنسان الذي
ً ا ناقص ً ا، فصور صورا مختلفة كمل بها نواحي النقص املختلفة؛
يشاهده ويعامله إنسانً
ً فآلهة اليونان صور للإنسان الكامل في بعض نواحيه، والجن يعملون أعمالا يتشوق
الإنسان أن يعملها ولكنه لا يستطيعها فيتصور الجن تعلمها، والسندباد البحري يقوم
برحلات تصعب على الإنسان العادي فيتخيلها سهلة ميسرة ملثل السندباد.
ويأتي الزمان ببطل من ناحية من نواحي العظمة، فيفيض عليه الإنسان من خياله
ما يكمل نقصه؛ فعنترة بطل شجاع ولكن البطولة الواقعية لا تشبع شهوة الإنسان،
ولا تحقق رغبته كلها في إنسان كامل في الشجاعة، فيخلع عليه من خياله ما يكمل هذا
النقص، فهو يبيد قبيلة بأسرها ويقف أمام الأعداء مهما كثر عددهم وتعددت أسلحتهم؛
وكذلك فعل مع الأبطال في النواحي املختلفة، فكمل نقص الفكاهة في «جحا»، والحكمة
عند زرادشت وبوذا، والكرم عند حاتم، ولم يقنع بما فعله نابليون في الواقع فنسب
ً إليه أفعالا من نسج خياله؛ وإذا قرأ أن بعض الناس عمروا مائة سنة أو مائة وعشرين
لم يكفه ذلك وغذى شهوته في التعمري بنسبة العمر غري املعقول إلى بعض الأشخاص،
ُ فمنهم من عمر ثلاثمائة عام أو أكثر؛ ولم يرضه طول الإنسان العادي فنسب لآدم وحواء
ً وعوج بن عنق طولا يبلغ مئات الأقدام حتى كان عوج بن عنق يشوي اللحم في الشمس
من إفراطه في الطول وهكذا.
وكان شأنهم في املستقبل شأنهم في املاضي، فلم يرضهم الحاضر كيفما كان، ولم
يرضهم الحاكم كيفما كان، فهو مهما عدل لا بد أن يعتريه النقص الإنساني فيظلم ولو
بعض الظلم، فتصوروا مدنًا يسود فيها العدل التام، وتخيلوا لذلك ما يسمى باليوتوبيا
ً أو املدينة الفاضلة، وليس هذا موضوع كلامنها، ولكنهم تخيلوا أيضا إنسانً ً ا كاملا يأتي
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
فيحكم الأرض بالعدل الكامل كما يؤملون، وعلى هذا نشأت فكرة املهدي املنتظر عند
ً بعض املسلمني، يأتي فيملأ الأرض عدلا ً كما ملئت جورا، وكان لها نظائر في الأمم
الأخرى.
وهكذا وضع — في كل العصور — صورة لإنسان كامل، إما من جميع نواحي
الإنسان، وإما من ناحية من نواحيه كالبطولة والحكمة والعدل والعفة.
ً ا مختلفة تبعا لاختلاف الواصفني وتصورهم له.
ْرمان أوصافً
ُ وقد وصف السوبَ
ْرمان في إيمانه بالأنبياء الذين هم
ً وكان الشرق من أكثر الناس ذكرا وإيمانًا بالسوبَ
صورة للإنسان الكامل، اختارهم الله من بني خلقه ليكونوا صلة بينه وبينهم تبلغهم
أوامره ونواهيه، وهؤلاء الأنبياء بحكم رقيهم وسموهم يستطيعون أن يتلقوا عن الله ما
لا يستطيعه سائر الخلق.
وكان للصوفية مجال كبري في السوبرمان، فدار الإنسان الكامل على لسانهم، وكان
أول من استعمله «ابن العربي»، وألف عبد الكريم الجيلاني كتابًا بهذا العنوان «الإنسان
الكامل» نحا فيه منحى الصوفية؛ وخلاصة نظرهم أن الإنسان الكامل هو من يرقى
بنفسه حتى يتصل باهلل الذي خلق الإنسان على صورته، يفنى فيه ويسلك ي حياته
الطريق املوصل إلى ذلك، وهذا الطريق هو الذي سار فيه الأنبياء والأولياء والصالحون،
وهو إذا وصل إلى هذه الغاية استطاع أن يدرك ما لا يدركه الناس، ويعرف ما لا يعرفون،
ويتذوق ما لا يتذوقون، ويتحرر من الحجاب الذي أسبلته عليه الحواس والشهوات،
ولهم في ذلك كلام طويل.
وكان الأوربيون قد انغمسوا في دراسة الحياة الواقعة ونسوا الإنسان الكامل، حتى
ْرمان كان له من القوة والأثر ما أحيا الفكرة في أوربا
جاء نيتشه فألف كتابًا في السوبَ
من جديد، حتى ظنوا الفكرة جديدة.
وكانت قد ذاعت في الأفكار الأوربية نظرية النشوء والارتقاء وما يتبعها من الانتخاب
ْرمان بذلك وتأثر نيتشه بها فيما كتب
الطبيعي وبقاء الأصلح، فتأثرت النظرة إلى السوبَ
عنه.
ْرمان» من السماء إلى الأرض، وجعله إنسانًا يُ َّكون ويربَّي
لقد استنزل نيتشه «السوبَ
ويرقى إلى أن يصل إلى الغاية.
كان الإنسان الكامل في نظر «نيتشه» على العكس منه في نظر الصوفية، هو في نظر
الصوفية روحاني إلهي سماوي، وهو في نظر «نيتشه» أرضي مادي ملحد.
128
السوبرمان أو الإنسان الكامل (1(
قد اشتق «نيتشه» صورة الإنسان الكامل من القوة، فالقوة عنده كل شيء، والإنسان
الكامل أكبر فضائله الرجولة والشجاعة والإقدام، لا التواضع ولا الرحمة ولا تأنيب
الضمري، وأسمى ما في الإنسان الكامل قوة إرادته وثبات عاطفته، فهو إذا أراد غامر
وجاهد ولم يرحم، وإذا نفّذ ما أراد لم يندم؛ إن الإنسانية الكاملة تتجلى في النشاط
والقدرة والقوة في كل أشكالها، والإنسان الكامل لا يحتقر الجسم بل لا بد أن ينميه
ً ويقويه، إذ لا روحا قوية في جسم ضعيف، وفلسفة الإنسان في الحياة نتيجة حالته
الجسمية ونتيجة نوع مأكله ومشربه وقوة هضمه. قوة الجسم وقوة العقل وقوة العاطفة
هي مقومات الإنسان الكامل، ويجب أن يكون بني هذه القوى توازن تام، فلا تطغى
إحداها بل تتوازن وتنسجم، ولا يكون ذلك حتى يكون هناك غرض يسعى إليه الإنسان
الكامل، فهذا الغرض هو الذي يشرح مقدار الاعتدال بني القوى الثلاث أو الطغيان.
لهذا وجب في نظره أن يقضي على كل دعوة دينية أو فلسفية تدعو إلى الرأفة
والرحمة والعطف على الفقراء واملجرمني، فالعاجز واملريض والجاني والضعيف والذليل
واملتواضع كل هؤلاء رقع في ثوب الأمة يجب أن يعمل على إزالتها لينسجم الثوب.
ويجب أن تكون غاية الأمة العمل على إيجاد هذا الإنسان الكامل، وأن تجعل نفسها
ً جسرا يخطو عليه، ولا تهتم بالأوساط والضعفاء بمقدار ما تهتم بالسادة، فإذا رأينا من
ً تظهر عليه مخايل القوة والإنسانية الكاملة تداخلنا في زواجه ممن تظهر عليها أيضا
مخايل القوة، حتى يكون النتاج قويًا كما نفعل في انتخاب الحيوان واستيلاده، ثم يجب
ِ ِّ أن تتربى هذه الصفوة من الأناسي الكاملني في مدرسة قاسية عنيفة، يتحملون فيها
الأعباء الثقال، ولا ينعمون فيها بالترف والرفاهية ويتعلمون فيها قوة الإرادة، وكيف
ُّ مروا ويجب ألا يكون في املدرسة تنسك ولا زهد
َ
ُمروا، وكيف يطاعون إذا أ
يطيعون إذا أ
ولا احتقار للجسد.
َّ ولا بأس أن يضحي العدد من العامة إذا اقتضى الأمر إيجاد هذه الصفوة املمتازة،
فهم الذين سيخلقون الأمة بعد — ولهذا كانت دعوته دعوة أرستقراطية، ودعوة سيادة
طبقة لا دعوة مساواة في الحقوق والواجبات، فيجب أن تتعاون الأمة على إيجاد غايتها،
َّ وغايتها هي الإنسان الكامل، ولذلك مجد الحرب لأنها وسيلة من وسائل وجود الإنسان
الكامل، وهي خري لأن الخري في نظره ما يزيد الشعور بالقوة، والذي يميز الإنسان الكامل
حبه للمغامرة والجهاد، ولا شيء تتجلى فيه هذه املظاهر كالحرب.
لقد كان «نيتشه» وهو يصف الإنسان الكامل يستملي صورته من الإسكندر الأكبر
ونابليون وأمثالهما، ويستكمل ما فيهما من نواحي الضعف، ولهذا أشاد بذكر نابليون
129
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
في كتابه «هكذا قال زرادشت» أكثر من مرة فيقول: «ما أروع منظر نابليون وقد
وهب امللايني أنفسهم له كي يتخذ منهم وسائل لأغراضه، فإذا ما سقط منهم جندي
تغنى باسم نابليون قبل أن يسلم الروح»، ويقول في موضع آخر: «ولقد أنتجت الثورة
الفرنسية «نابليون» على عبئها وفوضاها».
ولكن هل هذه الصورة هي صورة الإنسان الكامل حقً ا؟ لقد يظهر أن تعاليم
ً نيتشه سادت في أملانيا، واتخذتها إنجيلا، وصبغت التربية بصبغتها، فمجدت الحرب كما
َّمجدها نيتشه، واتخذت ملايني البشر قنطرة للإنسان الكامل، وآمنت بالقوة وجعلتها
ً غرضا، فكانت هذه كلها مقدمة نتج عنها وعن أمثال هذه النزعات في الأمم الأخرى ما
يعانيه العالم اليوم.
فهذا «السوبرمان» كما وصفه نيتشه ومن جرى على أثره لم يحقق أنشودة
الإنسانية.
عيب هذه النظرة أنها اشتقت صورة الإنسان الكامل من الواقع، من نظرية النشوء
والارتقاء، من البحث في علوم الاجتماع، وبنت حكمها على أن الإنسان قد تم بناؤه على
ً هذا الشكل، وليس قابلا ً للتشكل أشكالا أخرى جديدة غري هذه الأشكال املألوفة، مع أن
نظرة إلى ماضي الإنسان وحاضره ترينا الفرق الكبري في تشكله، وعلى هذا فسيختلف
مستقبله اختلافًا كبريًا عن حاضره.
ً وعيب هذه النظرة أيضا أنها اقتصرت على الجانب املادي والاجتماعي والاقتصادي
في الإنسان، وعالجته كما يعالج العلماء الحجر والنبات والحيوان، وتجاهلت أن فيه
ً عنصرا آخر روحيًا ناميًا غري هذه العناصر املادية؛ وكلما ارتقى الإنسان أحس أن له
جانبني، جانبًا ماديًا يشارك فيه الجماد والنبات والحيوان، وجانبًا آخر روحيًا يحققه
كلما رقى، وسيتحقق في مستقبله أكثر من ماضيه، ولهذا سيكون «الإنسان الكامل» في
نظره غري الذي رسمه نيتشه.
130
السوبرمان أو الإنسان الكامل (2(
لم يوفق نيتشه في هذا التصوير، وإن وفق في إثارة هذا املوضوع، وفي ثورته على الأخلاق
القديمة، وتوجيه الأنظار إلى البحث في صفات الإنسان الكامل، فإنه لا بد أن يكون للناس
مثل أعلى يَ ْصبون إليه، ويطمحون أن تكون نفوسهم قريبً ُ ا منه، والأديان كلها عنيت
بتصويره في أشخاص أنبيائها.
َّ وكل من صو َّ ر السوبرمان انتزعه من مخيلته، ومنحه من الصفات ما يحب، وجرده
مما يكره، وكانوا يختلفون في تصويره بساطة وتركيبًا، ويختلفون كذلك في تصويره
ً حسب ثقافتهم ورقي عقولهم، فالناس في حالتهم الأولى تصوروه ماردا عملاقًا طويل
العمر، وهي نظرة ظاهرة البطلان، وآخرون، وإن تقدموا بعض الشيء، منحوه كل
ً صفات املدح الإيجابية ونفوا عنه كل صفات الذم السلبية، وهذا التصوير أيضا لا يمكن
أن يوافق الواقع، فقد أثبت علم النفس أن ذلك غري ممكن، وأن العبقرية إنما تنمو في
بعض الفضائل على حساب فضائل أخرى، وليس يمكن أن تنمو الفضائل كلها إلى درجة
العبقرية في خطوط متوازية متساوية.
ثم إن صفات الإنسان الكامل يجب أن تنحصر في صفات الإنسان من حيث هو
إنسان، فالصفات التي يشاركه فيها غريه لا تصح أن تكون من خصائص الإنسان
الكامل؛ فالطول لا يصح أن يكون ميزته، فمهما بلغ الإنسان لم يبلغ طول الجبال؛ ولا
طول العمر يصلح، فهو مهما طال لا يبلغ طول عمر الأحجار وبعض الأشجار؛ والقوة
الجسمية لا تصلح، فهي مهما بلغت لا تبلغ قوة الأسد.
فصفات السوبرمان إنما يجب أن يبحث عنها في حياته النفسية الباطنة، في ضمريه،
في نحو ذلك مما لا يشاركه فيه غريه.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
يرى الأستاذ «أوسبنسكي» أن من أول شروطه أن يكون روحيًا لا ماديًا، أن يكون
ً فيه شيء من غموض التصوف، أن يكون متصلا بنفسه بما وراء املادة، فذلك يجعله
ينظر إلى العالم املادي نظرة غنية خصبة، فلا يصح أن يكون «السوبرمان» مجرد رجل
أعمال كبري، ولا فاتح عظيم، ولا سياسي قدير، ولا عالم متبحر؛ بل يجب أن تكون فيه
ً نفحة من الأولياء والقديسني، أن يكون ملهم ً ا، أن يكون متصلا بدائرة الخفى والغيب
ً واملجهول، أن يكون فيه ميزات غري مألوفة وغري عادية — أن يكون بعيدا عما يقرره
أصحاب نظرية النشوء والارتقاء من نظرهم للإنسان على أنه قرد راق، ولا على أنه تاريخ
متطور.
ويرى أن هذه النظرة الروحية حقة وجميلة، وشرط أساسي للسوبرمان، ولكن صد
عنها الناس وصدفت عنها املدنية الحديثة والعلم الحديث، ملا شوهت به من عفاريت
وخرافات؛ ولكن هذا ليس عيبً ً ا في الفكرة، فالشر — دائما — هو تحويل الشيء العظيم
ً ا عظيما
إلى شيء صغري حقري، وليس هناك شر عظيم، وليس الشر ولا الرذيلة إلا شيئً
أفسده الناس بتخيلهم الباطل، فخيالهم الباطل وتصورهم الفاسد هو الذي أفسد الدين
العظيم، واملدنية العظيمة، والعلم العظيم، ونشأ من هذا الخيال الفاسد دين فاسد،
ومدنية فاسدة، وعلم فاسد.
ويقول: إن هذا الفساد يأتي على وجهني: إما من وضع الفاسد موضع الحق، كوضع
ز السمك؛ وإما من تزيني الباطل وزخرفته، حتى يرى الناس جماله املزيف ويفترون
به، ويغريهم جماله به فيظنونه حقً ا.
إن هذا الاتصال باملجهول صعب تصوره وصعب التعبري عنه، إنما قارب التعبري
عنه الفن من شعر وموسيقى وتصوير، كما قارب التعبري عنه الدين والتصوف. وإذا
كان من مقومات السوبرمان هذه النزعة الإلهامية أو التصوفية أو ما شئت فسمها، كان
من الواضح ألا يكفي في تكوينه قوة العقل وقوة املنطق، بل يجب أن يضاف إلى عقله
الواسع الكبري عواطفه الواسعة العظيمة الراقية، على شكل يصعب تصويره والتعبري
عنه — ومن أجل هذا نراه ينزع إلى نوع من الحياة غري العادية وغري املألوفة للإنسان
العادي، كما نقرأ في سرية محمد واملسيح، وبوذا، يشغل تفكريهم وعواطفهم أشياء لا
تشغل الناس، ويقدرون ويسرون ويأملون مما لا يأبه الناس له في العادة.
ومن أجل هذا يساء فهمه ويساء تقديره، فريمى تارة بالجنون، لأن فيه هذه النزعة
املجهولة، وبأنه ساحر أو مسحور، ولا يستطيع أن يفهمه ولا يؤمن به من قصر نظره
132
السوبرمان أو الإنسان الكامل (2(
ً على املادة، ولو كان عاملا ماديًا، أو أخلاقيًا ماديًا، أو عالم نفس ماديًا، أو رجل أعمال لا
يفهم من الحياة إلا املال والربح والخسارة أو نحو ذلك؛ ولا يؤمن به إيمانًا حقً ا إلا من
آمن بهذه النزعة الروحية، وكان لديه استعداد لفهمها أو لديه أثارة منها.
ً د تقليدا
ومن ناحية أخرى، هذا السوبرمان بهذه النزعة الروحية عرضة لأن يقلَّ
مزيفً ا عن طريق الشعوذة، كما قص علينا من سحرة فرعون، وكما روى التاريخ من
ادعاء مسيلمة، ونحوهم في التاريخ كثري في كل الأمم وفي كل الأديان. والتفرقة بني
الصحيح واملزيف في هذا الباب من أعقد الأمور، لأن املزيفني يستغلون جهل الناس
باملجهول فيكثرون من ادعائهم، ويتقنون دعاويهم وتقليدهم.
هذا العنصر من الروحانية ومن الاتصال باملجهول، أو كما يسميه املسلمون الاتصال
بالغيب، يجعل فهمنا للسوبرمان من أعقد الأمول وأصعبها، كما أن ما لحق بالفكرة من
التزييف جعلت الفلاسفة املحدثني من الغربيني يعتبرون هذه الأفكار ضربًا من السخف
والتخريف، ولكن ظهرت بوادر فلسفة تؤمن بها وتدرسها، وترى ما ورد في الأديان من
ً املعجزات ورموزا ملعان نفسية.
ثم يجب ألا ننظر إلى السوبرمان على أنه فرد ترقى حتى صار إنسانً ً ا كاملا؛ إنما
يجب أن ننظر إليه من حيث هو خلاصة للإنسانية، ومظهر لوجوهها املختلفة، هو كثمرة
الشجرة، نتيجة لكل شيء فيها، من جذورها وساقها وأغصانها وزهورها.
هو بطبيعة تكوينه وبطبيعة نزعاته ينظر إلى الأشياء على غري ما ينظر الناس، قد
أضيئت له الدنيا حني أظلمت أمام الناس، كأنما منح عينًا جديدة لها خاصية في النظر
جديدة، أو كأنما عيناه قد منحتا من الخواص ما لم تمنحه عيون الناس.
قال بعض املفكرين: هب أن السوبرمان كما ذكرت، وأنه خلاصة حياتنا، فما قيمته
ً لنا، وما نفعنا به، وما علاقتنا بوجوده؟ إننا على هذا الأساس لسنا إلا أرضا ينبت فيها
زهره، وطينًا يصاغ منه تمثاله، وفقراء ننظر إلى قصره البديع، وفي ظلام ننظر — عن
بعد — إلى ضوئه املحيط به، نصرف حياتنا في جمع معلومات عن هذا العالم وشؤونه،
ونرقى العلم في جميع نواحيه بعد الكد والعناء، ثم يأتي السوبرمان ويقول: إن علمكم
ً ليس إلا ضلالا ً وتافها وقليل القيمة، وأنه ينظر إلى العالم فريى حقيقته بعينه الجديدة
وملكاته الخاصة؛ ثم تأتون وتشايعونه على رأيه!
ً ولكن مع إقرارنا بصعوبة إدراكنا للسوبرمان وفهم حقيقته، فليس يعيش منفصلا
عنا، وعلاقتنا به علاقتنا بالشمس تسطع علينا، وبالنور يضيء ظلامنا بشرط أن يكون
133
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
لنا عيون تنتفع بضوئه، وإذا عميت العيون فليس الذنب ذنب الضوء، وهو ليس يحتقر
العلم وصنوف املعارف، بل يؤمن بها ويشجعها، ولكنه يرى أن الجانب العلمي وحده
— مهما صح واتسع — ليس يكفي لتفسري هذا العالم، وأن العقل العلمي املنطقي على
أحسن حالاته إنما يكفي في وضع تصميم بيت وبنائه، في تحصيل الغذاء ونحوه، في
معرفة أن اثنني واثنني أربعة، ونحوها ومركباتها، في الأرض وجيولوجيتها وجغرافيتها
ونحو ذلك، في املعلومات السطحية للظواهر الطبيعية والكيماوية، في كل ذلك يكون
ً ا ومفيدا، ولكن إذا تخطى هذه الدائرة املحدودة وأراد أن يحل
العقل املنطقي محقً
املسائل الكبرية من مشكلات هذا العالم: هل يسري العالم ويخبط في سريه خبط عشواء،
أو هو سائر على نظام مرسوم؟ هل هو وحدة مترابطة متناغمة، أو هو مجموعة من
الأشياء املختلفة غري املتناغمة وإن كانت متلاصقة؟ ما الحياة؟ هل هي عارض من
عوارض املادة كإفراز املعدة، أو هي شيء وراء املادة؟ هل الإنسان حر الفكر مختار
أو هو مجبور مقيد بإرادة فوقه؟ ما حقيقة هذا الكون، وهل للكون وجود أو هو من
ّ نسج حواسنا وعقلنا؟ هذه الأسئلة ومئات أمثالها حري ً ت الإنسان قديما وحديثًا، وحاول
أن يحلها بشتى الحلو فعجز، وبالعقل املنطقي وحده ففشل؛ فكان ذلك لا بد أن يكون
ً «السوبرمان» مسلح ً ا أيض ً ا بأكثر من سلاح املنطق، ومزودا بقوى للإدراك غري القوي
العادية املألوفة، إن الحجرة يمكن رؤيتها من أوضاع مختلفة وأشكال مختلفة يختلف
معها مقدار فهمنا لها. فكذلك نظر الناس إلى الحياة، بعضهم لا ينظر إليها إلا بحواسه،
وبعضهم يضيف إلى الحواس عقله املنطقي، وبعضهم يضيف إلى ذلك كله ما منحه من
قوة مدركة غري الحواس وغري املنطق، هي قوة الإلهام أو ما شئت فسمها، وهذا من أهم
العناصر في «السوبرمان».
وسأتحدث عن بعض مميزات أخرى «للسوبرمان» في فرصة أخرى إن شاء الله.
134
عبرة الموت
مهداة لروح املرحوم الأستاذ عبد العزيز البشري عقب وفاته
ِز ْع، ومع أن املوت هو النتيجة الحتمية الطبيعية
من قديم والإنسان أمام املوت مرتاع فَ
للحياة لم يتقدم الإنسان أي خطوة في سبيل تهوين أمره وتلطيف وقعه؛ ومع أنا إذا
ً نظرنا إليه من الناحية الاجتماعية لا من الناحية الفردية وجدناه أمرا لا بد منه لحياة
الجيل الحاضر والجيل املستقبل، إذ الأرض يستحيل البقاء عليها والعيش فيها، إذا لم
َّ يكن املوت — مع كل ذلك — فهذا التفكري املعقول لم يخفف الشعور بهول املوت، وعده
املصيبة الكبرى.
أمامه تنهار كل القيم: فاملال والجاه واملنصب واللذائذ تتضاءل كلها أمامه،
فيستهونها واجدها، ويستقل شأنها فاقدها.
وفي كل يوم عبر، فهو لا يرحم شابً ً ا لشبابه، ولا عظيما لعظمته، ولا أبًا لحنوه، ولا
ً صحيحا لصحته — سواء عنده كل شيء؛ فلو نظرت إليه الارستقراطية لانقلبت شيوعية.
وكلما كان امليت أعظم، كانت العبرة به أعظم؛ ومن أجل ذلك وقف الناس وقفة
اتعاظ بموت الجبابرة أمثال: الإسكندر، ودارا، وتيمورلنك، ونريون، ونابليون؛ إذ رأوا أن
جبروتهم انهار أمام املوت كما ينهار السائل الفقري، واملسكني الحقري، فإذا الدنيا كلها،
والجبرت كله، والعظمة كلها فقاقيع مسها الهواء فزالت، وكأن الحياة لعبة في الهواء، أو
كتابة على ماء.
وفي الأدب العربي قصة طريفة، بعثرت فجمعناها، ورويت روايات مختلفة فاخترنا
خريها؛ وهي أن الإسكندر ملا مات اجتمع حول جثته جمع من الفلاسفة من تلاميذ
ً أرسطو، فقال عظيمهم: ليقل كل منكم قولا يكون للخاصة معزيً ً ا، وللعامة واعظا.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
فقام أحدهم وضرب بيده على التابوت وقال: أيها املنطيق ما أخرسك، أيها العزيز
ما أذلك، أيها القانص كيف وقعت موقع الصيد في الشرك؟ من هذا الذي يقنعك؟
وقام ثان فقال: هذا القوى الذي أصبح اليوم ضعيفً ا، والعزيز الذي أصبح اليوم
ً ذليلا.
ْمَمن، ومدائك لا ترام، وعطاياك لا
وقال ثالث: قد كانت سيوفك لا تجف، ونقمتك لا تُ
تبرح، وضياؤك لا يخبو؛ فأصبح ضوؤك قد خمد، ونقمتك لا تخشى، وعطاياك لا تُرجى؛
نْتضى، ومدائنك لا تُمنح.
وسيوفك لا تُ
ً وقال رابع: هذا الذي كان للملوك قاهر ً ا، أصبح اليوم للسوقة مقهورا.
وقال خامس: قد كان صوتك مرهوبً ُ ا، وكان ملْكك غالبًا، فأصبح الصوت قد انقطع،
وامللك قد اتضع.
وقال سادس: كنت كحلم نائم انقضى، أو كظل غمام انجلى.
َ وقال سابع: لئن كنت أمس لا يأمنك أحد، لقد أصبحت اليوم وما يخافك أحد.
وقال ثامن: ههذه الدنيا الطويلة العريضة طويت في ذراعني.
وقال تاسع: كفى للعامة أسوة بموت امللوك، وكفى امللوك عظة بموت العامة.
وقال عاشر: قد حركنا الإسكندر بسكونه، وأنطقنا بصمته.
وهذه القصة إن شك فيها املؤرخ، لا يشك في قيمتها الأديب واملعتبر.
وفشت هذه القصة وهذه الأقوال في أوساط الفلاسفة من املسلمني، فلما مات عضد الدولة
البَُويْهي، وكان ما كان، ضخامة ملك وعزة جاه، وهو الذي لقب بشاهنشاه؛ ولي اململكة
َّ وقد استلوى الخراب عليها فعم َّ رها، وانبث فيها اللصوص واملفسدون فأمنها، ونَ َّظم
املخبرين، فعنده أخبار العالم الإسلامي في سرعة البرق، ورتَّب الجواسيس حتى خاف
ّ ل وشرد
تَ
الرجل امرأته والسيد خادمه، وهو شديد لا يلني، وقاس لا يرحم، ما أكثر من قَ
لسبب يستوجب ولغري سبب، حتى رووا عنه أنه أولع بجارية شغلته بجمالها وحسن
حديثها عن بعض شؤون امللك، فأغرقها حتى لا يعود ملثلها، وزهت له الدنيا فاغتر بها،
ّد ً ر — وقصده املتنبي فرأى ملكا
ووصف نفسه في شعره بأنه — مالك الأملاك غلاب القَ
كبريً ً ا، ونعيم ً ا عظيما، وقدرة قادرة، وسطوة قاهرة، فصرخ:
وقد
رأيت
الملوك
قاطبة
وِسرتْ
ُت
حت
عبرة املوت
وَم ْن
مناياهم
براحته
يأمر
اه
فيهم
وينه
ا
اه
أبا
شجاع
بفارس
عضد
الدولة
فا
ن
خسرو
شهنش
ا
اه
أسي
امًا
لم
تزده
معرفة
وإنما
لذة
ذكرناها
إلى أن يقول:
وإنهل
رشقَها
ومر
غبها
ونُ فسه
تستل
ق
دنيا
اه
ت
َّم
جعت
في
فؤاده
همم
ملء
فؤاد
الزمان
إحداها
ِ وكان في ملكة ك ْر َ مان وفارس وعمان والعراق واملوصل وديار بكر وحران ومنبج،
خضعت له وخافت منه واستكانت له، وفزع منه الصغري والكبري ثم ماذا؟
أصابه املرض وهو في السابعة والأربعني، فأذل نفسه وأحقر شأنه واستُدعى له
مهرة الأطباء فعجزوا عجزه وذلُّوا ذله، فأخذ يقول الشعر ينعي نفسه:
قتلت
صند
ادي
ر
الجال
فلم
أدع عدوا
وم
ل
أمهل
على
ظة
ن
خق
لًا
وأخليت
دور الملك
من
لك
نازل
فر
شدتم
ه
رغبًا
وبددتم
ه
رشقًا
فلا
م
بلغت
النجم
عزا
ورفعة
وصارت
ركاب
الخلق
أجمع
لي
رقا
رماني
الردى
سًم
ها
فأخد
مجر
متي
فاهأنذا
في
حر
جتي
ع
ً اطلا
ُملْقَى
ثم جعل يقول: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه، إلى أن مات.
استرعى هذا املنظر عقول الناس: بناء شامخ سقط في لحظة، وقوة هائلة تحطمت
َ في ملحة، واعتداد بالنفس ذهب مع الريح، ووقف القدر، يسخر ممن زعم أنه غلاَّب القدر.
وإذ ذاك ذكر فلاسفة بغداد القصة التي رويت لهم عن موت الإسكندر، وم
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
َ وبدأ أبو سليمان فقال: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغري مثقالها، وأعطاها فوق
قيمتها؛ وحسبك أنه طلب الريح فيها فخسر روحه.
وقال ثان: من استيقظ للدنيا فهذا نومه، ومن حلم بها فهذا انتباهه.
ً وقال ثالث: ما رأيت غافلا ً في غفلته، ولا عاقلا في عقله مثله؛ لقد كان ينقض جانبًا
وهو يظن أنه مبرم، ويغرم وهو يرى أنه غانم.
وقال رابع: أما إنه لو كان معتبرًا في حياته ملا كان عبرة في مماته.
وقال خامس: الصاعد في درجاتها إلى سفال، والنازل من درجاتها إلى معال.
وقال سادس: من جد للدنيا هزلت به، ومن هزل راغبًا عنها جدت له. انظر إليه
كيف انتهى أمره، ووضع شأنه، وإني لأظن أن فلانًا الفقري الزاهد الذي مات بالأمس
أعز ظهريًا من هذا الذي ترك الدنيا شاغرة، ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة.
ً وقال سابع: إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإن ريحا زعزعت هذا الركن لعصوف.
ُ وقال ثامن: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك، وهلا اتخذت دونه جنة
ُتيت وكنت قويًا
تقيك؟ ماذا صنعت بأموالك والعبيد، ورجالك والجنود ... من أين أ
ًصارما ... إن فيك لعبرة للمعتبرين، وآية للمستبصرين.
وعلَّق ظريف على املوقفني فقال: إن الفرق بني الكلامني كالفرق بني امللكني.
إن كان هذا ففيم غرور املغتر، وطمع الطامع، وسطوة الظالم، وطغيان املستبد، وخيلاء
املعجب؟
ورحم الله الحسن البصري إذ يقول: ما أكثر املعتبر وأقل املعتبر.
138
الابتكار
أصل «ابتكر» في اللغة معناها بادر إلى الشيء، وابتكر الفاكهة أكل باكورتها ونحو ذلك
َ — وهذا كل ما في كتب اللغة قديمها وحديثها. ثم استعملها املحدثون في معنى الابتداع
َ والخلْق فقالوا: بحث «مبتكر»، وفكرة «مبتكرة» يريدون أنها جديدة مبتدعة لم يسبق
إليها.
أما املعاجم الإفرنجية فقديمها لم يذكر هذا املعنى للكلمة الإفرنجية املقابلة لكلمة
َّ الابتكار. وأما املعاجم الحديثة التي تجاري الزمان وتساير الإنسان فقد أدخلتها وعرفتها
وقالت في تعريفها: «هي القدرة على إدراك فكرة جديدة، وإنتاج آراء أو مخترعات أو
أعمال جديدة في الفن أو الأدب».
ً وقفت عند هذا التعريف طويلا بعد أن قلبت املعاجم العربية والإفرنجية، وتنقل
بي الخيال من فكرة إلى فكرة حتى كان من ذلك هذه املقالة.
قلت: إن الفرق بني الشرق والغرب في كل شيء كالفرق بني مساجمنا في كلمة
«الابتكار» ومعاجمهم، معاجمنا جامدة واقفة، ومعاجمهم سائرة متحركة، معاجمنا
ِّ مقلد ّ ة يع ِّر َّ ف الأخري منها الشيء والكلمة كما عرفها الأول، رغم تقدم العلم والإنسان
واللغة، ومعاجمهم تتقدم بتقدم العلم والإنسان واللغة.
شأننا في العلوم كلها شأننا في اللغة، تقليد تام ولا ابتكار. قلِّب قواعد النحو وأمثلته
تجدها هي هي عند سيبويه وابن مالك وابن عقيل، واستعرض قواعد البلاغة وأمثلتها
تجدها هي هي في عبد القاهر والسكاكي وكتب املدارس، فزيد أسد وزيد كالأسد، ورأيت
ً أسدا في الحمام، وله لبد أظفاره لم تقلَّم، وزيد كثري الرماد، وجبان الكلب، والدنيا
قائمة قاعدة، واملخترعات والحياة الجديدة مستعدة لأن تمدنا بأمثلة جديدة واستعارات
ً جديدة، ونحن جامدون على القديم. والفلسفة كانت عندنا تقليدا للفلسفة اليونانية،
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وكان الفيلسوف من يفهمها بَلْه أن يبتكرها، والتأليف العربي الواسع الضخم كان عبارة
ِّ عن جمع متفرق لا خلْق ما لم يكن.
ّ وكنا نقلد القديم فلما غزتنا املدنية الغربية كان كل ما فعلنا أن حولنا وجهتنا
من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الأوربية، ومن الأدب العربي إلى الأدب الغربي، وغاية
فيلسوفنا أن يفهم ما كتبه الأوربيون، وغاية أديبنا أن يقلد ما ابتدعه الأوربي من نوع
القصة وموضوعها وأسلوبها أو من موضوع الشعر ونمطه؛ وشأننا في املعاني والأفكار
والآداب والفنون شأننا في املخترعات وفي الصناعات والأدوات، ننتظر «الأوتوموبيل»
حتى يبتدع فنركبه، و«الراديو» يخترع فنستخدمه، والآلات الصناعية تبتكر عند غرينا
فنشحنها إلى بلادنا ونشحن معها من يعلمنا كيف نركبها ونستخدمها، وإذا فسدت
بحثنا عن أوربي يصلحها — والفرق بني الراقي منا وغري الراقي ليس فرقًا في التقليد،
فكلاهما مقلد، وإنما الفرق فيمن نقلده — فالفلاح غري الراقي يقلد قدماء املصريني في
أدوات حرثه وزرعه، واملزارع املتعلم الراقي يقلد الأوروبي في أدواته وفنِّه، وكلاهما مقلد.
والأديب املحافظ يقلد بديع الزمان والحريري، والأديب املجدد يقلد شكسبري أو فولتري
أو نيتشه أو جوته وكلاهما مقلد، فأين املبتكر؟
سألني مستشرق مرة — وكان يزور مصر — هل أجد في مصر فيلسوفًا له فلسفة
خاصة من أمثال برجسون وبرتراند رسل يدعو إلى مذهب في الفلسفة جديد، نبع من
ِّجوه املصري وتفكريه املصري، فقلت له — مع الأسف — لا. وسألني سائح أمريكي
هل في مصر مصلح ديني الآن يقوم بدعوة جديدة لها أسسها ونظمها، فقلت له — مع
الأسف — لا. ولو سألني سائل عن فنَّان له طريقته املبتكرة التي لم يقلد فيها شرقيًا
ً قديما ولا غريبًا حديثًا لقلت له — مع الأسف — لا.
راعني هذا التفكري، وأفزعتني هذه النتيجة، وتساءلت بعدها هل هذا التقليد وقلة
الابتكار من طبيعة عقلنا أو من سوء تربيتنا؟
ً لقد وصلت إلى الإجابة سريعا، فآمنت أنه ليس من طبيعة عقلنا، ولا من أصل
خلقتنا، فنحن في إدراك الأمور وفهمهما والحكم عليها لسنا أقل من غرينا إن لم نَفْقهم،
والطالب الشرقي يتعلم مع الطالب الغربي في مدرسة واحدة وجامعة واحدة فنراه يفهم
كما يفهم الآخر وينقد كما ينقد، ويحكم على الأشياء كما يحكم، ويساويه أو يفوقه في
كل مظاهره العقلية، وفي هذا ما يكفي للإقناع بأن املسألة ليست مسألة طبيعة العقل،
وإنما املسألة مسألة تاريخ مملوء بالأوزار والأثقال، وتربية لا تبعث روح الإبداع، وجو
مسمم يخنق القدرة على الابتكار.
140
الابتكار
في تاريخنا القديم أحداث عظام خطرية كان لها الأثر الكبري في جمودنا حتى اليوم،
لا أستطيع الآن استقصاءها وإنما أذكر أمثلة منها؛ فالناظر في تاريخ املسلمني يعجب
من الحركة العقلية املبتكرة في القرون الثلاثة الأولى التي اخترعت فيها العلوم العربية
والأفكار الحية، من مثل الخليل بن أحمد، ذي العقلية الجبارة في اختراع النحو والعروض
ووضع املعاجم، ومن أمثلة املعتزلة الذين بحثوا البحوث الجديدة وأثاروها، وأبدوا رأيهم
ّ املستقل فيها، كالنظام والجاحظ، فهذا العصر يَُعد الابتكار طابعه وخاصته. وأرى أن
ِّ وقفة الخليفة املتوكل في القضاء على املعتزلة ونصر املحدثني، كان لها أسوأ الأثر في
مهاجمة الابتكار ونصرة التقليد، ذلك أن منهج املعتزلة كان منهج التفكري الحر في
حدود أصول الدين، وبحث املسائل كما يؤدي إليه العقل الطليق إلا من قيد الإيمان
باهلل ورسوله، فاستطاعوا بذلك أن يبحثوا كل شيء في العال من إلهيات وطبيعيات،
ويختلفوافي بحوثهم اختلافًا جريئًا محبوبًا يخالف التلميذ شيخه ويجادله وقد يُفحمه،
ِّ ومنهج املحد ً ثني غري هذا املنهج تماما هو منهج نقل وأمانة في النقل، ووقوف عنده
واملحافظة على الجملة، بل على اللفظة، بل على الحرف، فإن انحرف في كلمة خرج على
القداسة، وهو أسلوب طبيعي معقول مقبول في حدود الحديث وحده، ليس في ذلك
غلط، وإنما الغلط جاء من تعميم هذا املنهج وتطبيقه بشدة وقسوة على سائر العلوم،
ِّ فاضطهد الاعتزال ووضعت في يد املحدثني السلطة والقوة، فأثّروا بسلطانهم وقوتهم
ُ ومنهجهم على كل العلوم، فانغمس أهلها في الرواية، وعِّودوا عادة النقل وتقديس الألفاظ
والشيوخ والافتخار بكثرة ما يروى، وطبعت العلوم كلها بطابع الحديث، حتى التاريخ
وحتى الأدب وحتى الفكاهة وحتى الفقه وحتى الشعر.
ً هذا املنهج كان معقولا في الحديث، وكان يجب أن يقصر على الحديث، فتعميمه
على كل العلوم كان سببًا في العقلية العربية والإسلامية وقعت في فخ التقليد، وحرمت
الابتكار إلا في القليل النادر، فنحن لا نعد كثريًا من أمثال ابن خلدون املبتكر، ولكن نعد
كثريًا من أمثال السيوطي املقلِّد.
ونشأت الأجيال والأجيال على هذا املنهاج، وأصبح التخلص منه عسريًا يحتاج إلى
قوات كبرية وسنني طويلة. ومن أجل ذلك ملا دعا دعاتنا إلى الانتباه وعدم التقليد، وقعنا
في تقليد آخر هو التقليد الأوربي، لأن ملكة التقليد لا تزال ساكنة في النفوس.
ً وسبب آخر تاريخي أيضا، وهو توالي الاستبداد والظلم على العالم الإسلامي من
القرن الرابع الهجري إلا في فترات قصرية، فالعسف ومصادرة الأموال، وكسب املال من
141
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
طريق امللق واملدح، وإشباع شهوة الحكام، كل هذا هو ملخص تاريخ املسلمني، وكل
هذا يضعف الشخصية، ويجعلها شخصية ذليلة مقلدة لا مبتكرة. والقارئ في التاريخ
الأوربي يرى أن الأوربيني عند مرورهم في مثل هذا الطور من الحياة لم يبتدعوا ولم
َّ يبتكروا، وجرى عليهم قانون التقليد كما جرى علينا، وعظموا أرسطو أكثر مما عظمنا،
وقلدوا في الفلسفة وفي الصناعة وفي الفن كما قلدنا، إنما ظهر الابتكار يوم تحرروا،
فالحرية السياسية أنتجت الحرية الفكرية والاجتماعية والأدبية والصناعية — وكان ذلك
قانونًا طبيعيً ً ا يسري عليه العالم دائما.
هذه هي املسئولية التاريخية في املوضوع. وبجانب ذلك مسئولية التربية، فالتربية
َ التي تقيس الطالب بمقدار ما حصله لا ما هضمه، وبمقدار اطلاعه لا مقدار خلْقه
وابتداعه، وبمقدار حفظه لا بمقدار نقده، والتربية التي تقدس الكتاب ولا تقدس
َ التجربة، واملدرس الذي يحاسب الطالب على ما أملى ويؤاخذه على ما خلَق، والامتحان
الذي يرتب املمتحنني حسب كثرة استذكارهم لا حسب كفايتهم، كل هذه الضروب من
ِ التربية تنتج التقليد، وتميت الابتكار، تخلق ق َّ ردة مهرة، ولكن لا تخلق أناسي قادة، تخرج
ً نسخا مطبوعة من كتب، ولكن لا تَخلق كتابًا خطيً ً ا مبتكرا، هي آلة تصنع املتشابهات
والأمثال لا صنع يد تخرج عديم املثال؛ إن هذا النوع من التربية ينتج الطري، ولكنه
حبيس في قفص، ومهما أتقنَ ْت فغايتها طري جميل في قفص جميل.
ّ إنما التربية الصحيحة هي التي تكو ِّ ن املبتكر، وتكو ِّ ن القادة املبتدعني، وتكون
الشخصية الواسعة، الشخصية الناقدة، الشخصية الخالقة، هي التي تحول «مركب
النقص» في الناشئ إلى «التسامي».
كثريًا ما تساءلت ماذا كان يكون أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وعليّ وخالد وأمثالهم
من رجال الإسلام لو لم يكن محمد؟ كانوا يكونون كنظرائهم في الجاهلية، إغارة وخمر
وميسر وفخر بالنسب وبالكرم، ثم لا شيء، وإنما تربية محمد لهم هي التي خلقت
ً شخصياتهم وجعلتهم رجالا خالدين، يبتكرون ويبتدعون ويواجهون الأحداث العظيمة
ً بقلوب عظيمة وعقول مفتحة، ويحلون ما يعرض من املشاكل حلولا مبتكرة لا على مثال
سابق؛ وكذلك كان يكون شأننا لو وجدنا املربي الصالح الذي يستطيع خلق الشخصيات،
فالوالدات لا يزلن يلدن، والطبيعة لا تزال تمنح كل أمة في كل عصر عقولها الطبيعية
املمتازة وفنانيها املمتازين والأيدي املمتازة، ولكنها بذور صالحة لا تجد تربة، ومادة
خامة لا تجد من يصنعها بل تجد من يتلفها — إن العدة للجيش لا تكفي لنجاحه
142
الابتكار
ونصره، إنما ينصر إذا امتلأ عقيدة بقوته، وأن الله معه، وأن امللائكة تؤيده، وأن الواجب
يدفعه، وأن الجنة تنتظره.
وسبب ثالث قد يضاف إلى الأسباب التاريخية وإلى التربية، وهو املجتمع، فقد يكون
ً ا للابتكار، وقد يكون جو ً ا مشجع ً ا على الابتكار — يكون جوا خانقً ا إذا سخر
ًجوا خانقً
الناس فيه من الفكرة الجديدة وصاحبها، وإذا صفقوا للمتبع واستعاذوا باهلل من املبتدع،
ّ وإذا حاربوا كل من آتاهم بما لا تهوى أنفسهم فحك ّ موا تقاليدهم ولم يحكموا عقولهم،
وإذا كان مقياس التقدير هو امللق والخداع والنفاق لا الكفاية املمتازة، فاملال ينهال
ً على النوع الأول انهيالا، والحرمان والاضطهاد ينصب على الثاني انصبابً ً ا؛ ويكون جوا
ً مشجع ً ا إذا أعجب بمن يأتي بالفكرة الجديدة، وإذا وجدت الفكرة عقولا واسعة تتقبلها
وتمنحها وتكافئ عليها.
ً لقد أقمت في أوربا أشهرا فأحسست — مع قصر املدة — بمعنيني واضحني، الأول
ً أن الناس في الأمة يحب بعضهم بعض ً ا أكثر مما نحب، وقد دعاني هذا أن أكتب مرة مقالا
«الشرق ينقصه الحب»، واملعنى الثاني أن الناس يحاولون أن يبحثوا في كل شخص في
مجتمعهم عن صفته املمتازة أو موهبته الفائقة ليظهروها ويشجعوها ويصفقوا لها،
ونحن نبحث عنها ولكن لنَ ْكِبتَها ونخمدها بشتى الوسائل.
هذه — في نظري — هي الأسباب الهامة في غلبة التقليد عندنا وقلة الابتكار.
ً وهذه الأسباب بنت حولنا سدا كسد ذي القرنني، بعض أحجاره من مخلفات
تاريخنا، وبعضها من مخلفات تربيتنا، وبعضها من مخلفات بيئتنا، وما زالت تتراكم
وتعلو حتى حصرت الفكر، وحجبت عنا نور الشمس — وفي تشخيص الداء الدواء، وقبل
ْملا الكنائن.
ِّ الرماء تُ
143

سياحة في العالم
ً قرأت هذه الأيام كتاب الدكتور مشرفة «مطالعات علمية»، ووقفت طويلا عند مقال له
َّ عنوانه «سياحة في فضاء العاملني»، وقد أعد لهذه السياحة مركبًا من أشعة النور يسري
بسرعة الضوء، فيقطع في الثانية 186000 ميل، وسيصرف نحو يوم في سياحته حول
املجموعة الشمسية، فيصل إلى الشمس في ثمان دقائق، ويمر على املستري واملريخ وزحل
الخ؛ فإذا جاوز املجموعة الشمسية إلى أقرب نجم من مجموعة أخرى قطع املسافة
ُّ بينهما في أربع سنني، وسريى في هذا العالم مجموعات من السُدم، كل سديم مؤلف من
مئات آلاف امللايني من النجوم، بينها مسافات تقدر بعشرات السنني الضوئية. وسريى
ً أن محيط الكون يقدر بنحو سبعة آلاف مليون سنة ضوئية؛ أي أننا إذا أرسلنا شعاعا
من الضوء فإن هذا الشعاع يعود إلينا بعد سبعة آلاف مليون سنة، بعد أن يكون قد
طاف حول الكون كما يطوف السائح حول الأرض، ويعود إلى حيث ابتدأ.
قرأت هذا فرأيتني أملك خريًا من هذه املطيَّة، وأسرع من هذا الضوء، وهو خيالي
وفكري الذي يستطيع أن يرحل إلى هذه العوالم في لحظة، ويطوف حول الكون في ملحة.
ومن اين لي بآلاف امللايني من السنني والعمر قصري واملدى طويل؟!
لقد ركبت خيالي وطفت هذه العوالم في رحلة عجيبة حقً ا، وعدت بنتائج بهرتني:
ً لقد رأيت في هذه الرحلة أن أرضنا التي ملأتنا صراخ ً ا وصياحا لا تساوي في هذه العوالم
َّرة من الرمال؛ وأني على مسافة قصرية من رحلتي لم أتبينها
قطرة من البحار، ولا ذَ
في خريطة الكون لضعة شأنها وحقارة أمرها، فهي بما عليها من جبال وبحار وأنهار
َ ا، وصدق الأثر: إن دنيانا عند الله لا تزن جناح
ونبات وحيوان وإنسان لا تساوي شيئً
بعوضة.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
كان من غرور الإنسان أن أعتقد أنه أرقى مخلوق في العالم، وأن العالم كله مخلوق
له، وكان ذلك لأنه لم ينظر إلا إلى أرضه ونفسه، وكان ينظر إلى النجوم كأنها حبات
ا
درر لامعة؛ فلما رحلْ ُت هذه الرحلة رأيت عوالم وعوالم لا يشعر أهلها بأن هناك شيئً
اسمه الأرض، ولم يسمعوا بشيء اسمه الإنسان، لأن الأرض أصغر من أن تُذكر بجانب
ضخامة عواملهم، والإنسان أحقر من أن تُ ُ عرف حياته لضخامة حياتهم! — لو كان خلق
ُم كله للإنسان لكان أقل ما يقال فيه أنه تبذير حتى من الناحية الاقتصادية،
هذا العالَ
ً كإسراف من يبني قصر ً ا فخما لنملة، بل مدينة عظيمة لبعوضة — لقد ظن الإنسان
بعقله القاصر أن العوالم الأخرى فارغة من الحياة، ولا حياة إلا في أرضه، وعلل ذلك
بأن بعض النجوم ملتهبة لا تصلح للحياة، أو أنها لا تحوي العناصر الضرورية للحياة،
كأن الحياة قاصرة على نوع حياته، ولا حياة إلا على نمطه — لقد رأيت في رحلتي أن
كل العوالم مائجة بالحياة، وأن كل عالم له حياة تناسبه، ومحيط ينسجم معه؛ ولكن
رأيتها كلها تخضع لسنَّة النشوء والارتقاء، فأنواع الحياة كلها تتدرج إلى العقل والحياة
املفكرة، وإن اختلف منطقها. وقد رأيتها قطعت مرحلة منطقنا وتفكرينا منذ ملايني
من السنني، لأن الأرض من أحدث املخلوقات، فتفكريها من أكثر أنواع التفكري سذاجة؛
ْ ولذلك ملا عرض ُت عليهم نوع تفكرينا ونظمنا الاجتماعية، أمعنوا في الضحك بأكثر مما
نضحك من تصرفات حشرة، وكانوا أكثر إمعانًا في الضحك حني حدثتهم بأخبار الحرب
العاملية، فقد ضحكوا أولا من تسميتها العاملية، وقالوا ما أقبح جهلكم حني تنسبون ذلك
إلى العالم، وما أسخفكم حني تحاربون ملطمع دنيء، وما أحمقكم حني لا تستطيعون أن
تحلوا مشكلة صغرية كهذه إلا بالقتل والتدمري والتخريب، فتعالجون حل مشكلة بخلق
مشاكل أعظم منها!! حقً ا إنكم لبُدائيون، وحني تصلون إلى ما وصلنا إليه نكون نحن قد
َ وصلنا إلى السمو الأعلى، فالنسبة في سرينا لا تزال محفوظة. ومسافة الخلف بيننا ستظل
بعيدة.
ّ كانت هذه الرحلة كأنها عصا سحرية غريت معالم تفكريي، فأرضنا في هذا العالم
ً كأنها خلية صغرية من خلايا جسمنا بباقي الخلايا، ولو استطعنا يوما أن نتفاهم مع
مخلوقات العوالم الأخرى لكان الاتصال أتم، وسرينا أسرع. ولكن هل من وسيلة لأن
تتفاهم النملة مع الإنسان، والبعوضة مع الفيلسوف؟ إن أرضنا بناسها وحيوانها ونباتها
وجبالها ليست إلا موجة صغرية على شاطئ املحيط، ونحن محصورون في حدود ضيِّقة
من كلمات «أنا» و«نحن» وجميع ضمائر املتكلم، كما أننا محبوسون في حدود حواسنا
146
سياحة في العالم
ا
التي لا تدرك من العالم إلا اللذة والألم؛ وإنما يستطيع التجرد من ذلك كله أحيانً
الفلاسفة واملتصوفة والشعراء، فيخترقون حجب املظاهر، ويحسون — في لحظات —
ون محيط العالم في ملحة، ويغرقون في بحر العالم من
ُّ
السمو عن هذه الجزئيات، فيلف
ّ غري اختناق، ويفقدون أنانيتهم ليندمجوا في حياة العالم من حيث هو كل، ويدركون لذة
ذلك بنوع من الإدراك لا يدانيه الإدراك بالعواطف ولا الإدراك بالعقل، ولا أي نوع آخر
من الإدراك، ويشعرون أن العالم كله يتناغم مع نبضات قلوبهم، وخلجات نفوسهم، وإذ
ذاك يدركون أن الله — فوق ما يستعني به جماهري الناس في مطالبهم الحقرية — هو
قلب العوالم الذي ينبض بحياتها، وهو إرادتها املحركة لها، ويرون أن املوت ليس إلا
ذوبانًا في وعاء الأبدية!
ً لم أصادف في رحلتي إلا قليلا من أهل الأرض، ليس منهم الذين قضوا حياتهم
بني مزارعهم ومصانعهم لا عمل لهم إلا أن يحسبوا دخلهم وخرجهم، وليس منهم من
اقتصروا على الحاجات الحسية والحياة املادية؛ وإنما رأيت طائفة من الشعراء ليس
ُّوا للخمر واللذات الجسمية، ولا أبو تمام والبحتري
َ منهم أو نواس ومدرسته الذين غن
ً ومدرستهما ممن غنوا للملوك واستجدوا الأغنياء، فهؤلاء جميعا التصقوا بالأرض ولم
ً يرفعوا أعينهم إلى السماء؛ وإنما وجدت أبا العلاء حائرا يبحث عن سر النجوم وينشد:
أمنيه
ت
شهب
الدجى
أم محسة
ولا عقل
أم في
آلها
الحس
والعقل
ويقول:
ايليت
شعري
وهل
ليت
بنافة
ع
ماذا
وراءك أو ام
أنت
اي
فلك
مكغاض
في
إثرك
الأقوام
واختلف
ً وا
قدما
— فما
أوضحوا
حقًا
ولا تركوا
شمس
تغيب
ويقفوا
ر
إثاهقمر
ونور
صبح
يواف
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ِّ ورأيت ابن الشبْل البغدادي يطوف حول العالم ويقول:
بربِّك
أيا
ه
الفلك
ُ الم
ُ دار
أقصد
ذا المسير
أم اضطرار
مدارك
لق
لانفي
أي شيء
ففي
أفهامانمنك
انبهار؟
ومعهم طائفة من شعراء العرب وغريهم من الأمم ممن ترفعوا عن ضوضاء الأرض
ونزعات التنازع، وحلَّقوا فوق الخصومات، ونظروا إلى الإنسانية كوحدة، بل إلى العالم
َّ وا للناس ليسموا سمو َ هم، وينشدوا مثَلهم — وقد سبقهم إلى ذلك درجات
كوحدة، وغنّ
شعراء الصوفية، وعظماء رجالها الذين أدركوا وحدة الوجود، وجمال الخلق والخالق،
ً وأحاطوا بالعوالم علما، ووصلوا إلى قلبها ينبغض وروحها تختلج، ونفذوا من مظاهرها
السطحية إلى تياراتها الخفية. وقابلت الأنبياء الذين قطعوا اللاأبدية إلى الأبدية في خطوة،
وأدركوا الحق وعشقوه وهاموا به، ورأوا أعراض الحياة لا قيمة لها والخري في السمو
الأبدي، ويوم يجيء موت الأعراض تبقى الحياة متصلة بالرفيق الأعلى.
وفي طريقي للعودة عرجت على طائفة من الفلكيني واملنجمني كانت ميزتهم أنهم
ِ اكتشفوا حقارة الأرض وع َظ ُ م السماء، وشغلوا باملسافات والأبعاد وتحليل الأشعة ورسم
الخرائط الجوية، ولكنهم وقفوا عند املظاهر، ولم ينفذوا منها إلى قلبها النابض، ولذلك
لم أرهم إلا حني قاربت الأرض.
عدت بعد رحلة ممتعة كاد ينعدم فيها الزمان واملكان. وملا قاربت الأرض كدت
أختنق من الهواء، لأني اعتدت أن أعيش في غري هذا الهواء؛ شعرت شعور من يسكن
الكوخ بعد أن سكن القصر، ومن يعيش في أرض قاحلة بعد أن أقام في البساتني الناضرة؛
َّ وكلما قاربت مس الأرض أحسست ضوضاء وجلبة مختلطة غري منسجمة صدعت رأسي،
وأصمت أذني.
وأدركت أني وإن خلق جسمي من تراب، وسيعود إلى تراب، فإن حبي الذي يلتهب
في قلبي، وفكري الذي يجول في رأسي، ونفسي التي تحل في جسمي، تتصل بالخلود،
وتنتقل من خلود إلى خلود، تسطع عليها العوالم الأخرى، كما تسطع النجوم على الأرض،
وتستمتع بالاتصال بالأرواح الأخرى، وتسعد بالعمل على فك الأرواح املقيَّدة من أغلالها،
وتبديد الظلام الذي يحيط بها، والأخذ بيدها لخري الإنسانية حتى تسمو إلى ا
سياحة في العالم
ُ وأعجب ما كان مني يوم عدت من رحلتي، أني برمت بكل ما حولي، قرأت الجرائد
فاستسخفت كل ما أقرأ: أخبار الحروب تافهة وحقرية لأن الإنسان الذي يقوم بها حقري،
يَات والحفلات، والحركات
ومكان الحروب جزء من الأرض الحقرية؛ فلما قرأت أخبار الوفَ
والتنقلات، والجرائم والسرقات والسياسات، رأيتها أسخف وأسخف، فعلى بُعد خطوات
من رحلتي انقطعت هذه الضوضاء كلها، وكانت كلها أهون من فقاقيع على سطح املاء
وجلست عصر هذا اليوم إلى الناس أسمع حديثهم في الغنى والفقر، وصنوف السعادة
والشقاء، وامللذات والآلام، والجمال والقبح، فلم يقع ذلك كله من نفسي في قليل ولا كثري،
ً لأني كنت لا أزال مبهورا بجمال ما رأيت، وعظم ما شاهدت في السياحة، فكان كل هذا
َّ الحديث وموضوعاته أقل في سمعي من طنني ذبابة!
ِم َني?، فكأن هذه الآية لم تدخل سمعي
َعالَ
ِـه َر ِّب الْ
َح ْمُد ِللَّ
وسمعت قارئًا يقرأ ?الْ
قبل الآن، فقد فهمت أن العاملني، هي هذه العوالم العظيمة التي ليست املجموعة الشمسية
ْخلُ ُق َم َ ا لا
ً إلا عاملا صغريً َ ا منها، وما قد علمنا من العوالم أقل بكثري مما لم نعلم، ?ويَ
ُم َون?.
ْعلَ
تَ
ً وقلت: ليت الذين يختالون تيه ُ ا، ويخطرون عجبًا، ويمسون حواجبهم، وينفخون
أشداقهم، وليت الذين يتجاوزون قدرهم، ويعدون طورهم، ويفترون بمالهم وجاههم،
ّ ويعتزون بعلمهم أو فنهم أو أدبهم؛ وليت العتاة والطغاة واملستبدين، ومن يرددون
َّ أنا وحي، ومن يتحك ً مون في أممهم اغترارا بسلطانهم أو قوة جيشهم؛ ليت كل هؤلاء
يرحلون معي هذه الرحلة العاملية، فريون منها قيمة الأرض التي يفخرون بزخرفها
ِّر ٍ ي الذي يطمحون إلى السيادة على بعض منها؛ إذن لتصاغرت إليهم نفوسهم،
ووزنها الذَّ
وأقلعوا عن غرورهم، وتضاءلت منهم أمانيهم ومطامحهم، وطارت نُعرة رأسهم، واعتدل
َصَع ِّ ر خدهم.
ورأيت أني إن بقيت على هذه الحال لم أصلح للحياة، ولم تنسجم نفسي مع ما حولي
َومن حولي، فكلما وقع نظري على شيء قارنته بالعوالم الأخرى فاستصغرتُه؛ ورأيتني
كاملجنون وسط عقلاء، أو العاقل وسط مجانني، يتصرفون فلا أفهم كيف يتصرفون،
وأتصرف فلا يفهمون ما أعمل، وأتحمس لأشياء لا يأبهون بها، ويتحمسون لأشياء لا
آبه بها، وكأن لي عيونًا غري عيونهم، وآذانًا غري آذانهم؛ ورأيت أن العيش على هذا املنوال
ً محال، فإما أن أرحل إلى العوالم الأخرى وأعيش فيها أبدا، وكيف وقد علقت بالنفس ثاء
الجسم الثقيل كما يقول ابن سينا، وإما أن أنسى رحلتي، وأعود إلى حياة الأرض سريتي،
149
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ِ وأزود العوالم الأخرى لَم ّ اما كلما شغلني أمر، أو ضغطني هم ً ، ففضلت الثانية مرغما،
فلا رأى ملن لا يطاع!!
150
أخلاق الطفولة وأخلاق الرجولة
لاحظ الطفل، وأمعن النظر في تصرفاته، وراقب البواعث على حركاته وسكناته، تخرج
بنتيجة حتمية، وهي أنه أناني مفرط الأنانية، يرى أن أهم ما في الوجود شخصه، وكل
شيء حوله يجب أن يكون له؛ ما يصدر عنه من أعمال فإنما هي لجسمه، وللذة يلتذها
جسمه، ليس يهمه أي شيء يتصل بغري شخصه، لا يعنيه من أمه إلا أن ثدييها وعاء
للبنه؛ كل ما له من عمل، وكل ما له من شعور، وكل ما له من فكر، وكل ما له من
ً رغبات، فإنما هي موجهة نحو ذاته؛ فإذا أحس فراعا من الزمن ليس فيه شيء مما
َرَسَم
ُ بكى، لو كلف أن يرسم خريطة العالم كما يرى، واستطاع ذلك، لَ
ُّ
يشتهي ويلتذ
شخصه فقط، وكان هو العالم وحده وما عداه من شيء فلخدمته.
ا
ً لاحظه بعد ذلك وهو ينمو، تجده يتحول من «أنا» قليلا ً قليلا إلى «نحن» شيئً
فشيئًا، فهو يبدأ يشعر بأسرته بجانب شخصه، ثم بتلاميذ مدرسته بجانب نفسه،
ويتعلّم دروس الأخذ والإعطاء بعد أن كان درسه الوحيد هو الأخذ، ويضم إلى العمل
لشخصه العمل لغريه، ويعتاد ألا يعمل فقط ما يحب، بل يعمل أيًا ما يجب، ويعمل ما
تقتضيه التقاليد، ويعمل خوف الاستهجان أو العقوبة أو نحو ذلك — يتعلم ذلك كله
في أسرته وفي مدرسته، وفي ألعابه وفي شارعه؛ ويتولد فيه شعور وتفكري ورغبات للعمل
َد ْت فيه من قبل هذه الأمور للعمل لشخصه.
للغري، كما تولَّ
فُقه في الحياة العامة، وخرج من املدرسة
ُ
ويَرقَى فيه الشهور ب «نحن» إذا اتسع أ
ّ وتولى ً عملا ً ، وعامل الناس وتبادل معهم املنافع واملصالح، فيشعر بأن هناك أناسا غري
أسرته وغري مدرسته وغري معارفه، وأنه مرتبط ببعضهم في التعامل، ويشعر بأن هناك
ُ مسئولية ملقاة على عاتقه نحو من يعمل معهم، وأنه خاضع لقوانني البلاد، وله ربواط
بقومه وأهل دينه ونحو ذلك، كما يشعر أنه يجب عليه العمل، لا كما يحب كالطفل، ولا
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
طاعة للتقاليد أو خوفًا من العقوبة كالفتى، ولكن ليحصل رزقه يقوت به نفسه أو أهله
َ أو م ْن ُ يحمل عبئهم؛ وهكذا تراه يبع ُ د بعض الشيء من «أنا» ويقرب من «نحن»، ولكن
في حدود ضيقة معينة.
فإذا نحن سمونا لدراسة «الرجال» وعظماء الناس، رأينا استغراقًا وعمقً ا في «نحن»،
وضمروا في «أنا»؛ رأينا الرجل العظيم الناضج يصل إلى منزلة يرى معها أن لا قيمة
لحياته إلا إذا ارتبطت بحياة الناس والعمل لإسعادهم، لا يقتصر على علاقاته الطيبة
بمن حوله في الأعمال العادية، ولكن يضع نصب عينه العمل لترقية الناس روحيًا ونفسيًا
وماديًا؛ لا يرى أن مسئوليته هي نحو أسرته فقط، ولا أصدقائه فقط، ولا قريته أو
مدينته فقط ولكن لأمته خاصة، وللإنسانية عامة إن وسعه الجهد والكفاية؛ هو واسع
النظر، عميق الفهم، رحب الصدر، متسامح أمام ما يشمل العقل من العصبية الوطنية
والدينية والخلافات، الحزبية؛ يختبر حاجات الناس وأسباب شقائهم في الناحية التي
د لها، ثم يوجه إرادته لرفع الشقاء عنهم، وجلب السعادة لهم ما أمكن، ويحمل
ُ هو م َعٌّ
ُسرة
مسئولية ذلك في لذة وسرور وتضحية، ولا بأس إن كان فقريًا، ولا بأس إن لم تُنبته أ
َّ ح بقوة، فهو يشعر أن نُبل غرضه قوة فوق قوة املال،
أرستقراطية، ولا بأس إن لم يتسلَّ
وفوق الأسرة النبيلة، وفوق أسلحة الناس.
ُعطوا كثريًا
ِّ إذا كانت جماهري الناس يعملون للأجر، ويقومون العمل باملال، فإن أ
ً عطوا قليلا ً عملوا قليلا، ويفاضلون بني عمل وعمل بقدر ما يدر
ُ
عملوا كثريًا، وإن أ
ّ هم العمل، ويقومون العمل بمقدار ما
من ربح، فإن هؤلاء العظماء يعملون لأنهم يلذُّ
يحقق من خري لأمتهم وللإنسانية أجمع؛ يدأبون في العمل، ويعرضون حياتهم للخطر
في سبيل مرض يكتشفونه وداء يعالجونه به، أو في سبيل تحرير العقول من أغلالها،
أو تحرير العقيدة مما أفسدها، أو يحاربون الظلمة والطغاة لتحقيق العدل في الأمة أو
العالم، يحتملون في ذلك العذاب ألوانًا، لأن عشقهم للحق غلب حبهم للذات، وهيامهم ب
ُسرتي»،
«نحن» أضعف حبهم لـ «أنا». فإذا قال الطفل «أنا»، وقال الإنسان العادي «أ
ُمتي»، أو «عاملي»؛ وإن تلذذ الناس بالعمل يربح، تلذذ هو بالفكرة تنجح؛
قال الرجل «أ
َ وإن تساءلوا عند العمل: ماذا نجني من د ْخل؟ تساءل هو: ماذا يستلزم العمل من جهد؟
َّ قد منحهم الله قوة من فو َ ته، وقدرة على الخلْق من قدرته: يخلقون النافع فيما
ً حولهم، ويبتدعون الجمال ينشرونه في دائرتهم، فهم — دائما — مصدر نفع وجمال.
152
أخلاق الطفولة وأخلاق الرجولة
َّحددوا غرضهم في الحياة، فعلموا أنهم لا يصلون إليه إلا إذا فهموا حق الفهم دنياهم
التي يعيشون فيها، وطبائع نفوس الناس في الاستجابة للإصلاح والنفور منه.
ُّ ون تحمل التبعات كما يلتذ الجبناء الهرب منها، يواجهون الصعوبات بابتسام،
يلتذّ
ُّ ويتقبلون الهزيمة ريثما يستعدون للوثوب؛ أقوياء في خصومتهم. صابرون في هزيمتهم،
كرماء سمحاء في انتصارهم؛ آلوا على أنفسهم أن يكونوا قوة محاربة للشر املحيط بهم
حتى ينهزم، وأن يكونوا ضوءًا يدافع الظلام حتى ينجاب، يكرهون من أعماق نفوسهم
املرض والجهل والفقر، والسخافة والتخريف، وكل عيوب البشرية، ومع هذا يمزجون
كراهيتهم لهذه الأشياء بالعطف على املنكوبني بها حتى ينقذوهم منها.
كافأتهم الطبيعة على حسن صنيعهم براحة ضمريهم وطمأنينة بالهم، لأن الطبيعة
َ ة الارتقاء، فأثابت من جرى على
فرضت أن يكون الإنسان اجتماعيًا، وفرضت أن ينبع سنَّ
َ سننها، وعاقبت م ْن ً خالف قوانينها؛ فإذا رأيت سأم ً ا وضجر ً ا بالحياة، وميلا إلى الانتحار،
وجنونًا بعد عقل، وشقاوة نفس بعد سعادة، فثم — ولا شك — قانون طبيعي خولف،
وطريق مستقيم عدل عنه.
ثم الأمر في النفس ليس كالأمر في الجسم فقد ينضج الجسم ويكتمل، والنفس لا تزال
على حالها نفس طفل؛ فالشاعر كان محقً ا حني قال: «جسم البغال وأحلام العصافري»،
وفي الناس حولنا أشكال وألوان من هذا القبيل، رجولة جسم وطفولة نفس، ومقياس
ً ذلك الذي لا يتخلف هو ضمري «أنا» و«نحن»؛ فإن رأيت لا شيء إلا «أنا» رأيت طفلا
ً ا و«أنا» قليلا ً رأيت رجلا، والرجال قليل.
مهما كان جسمه وسنه، وإن رأيت «نحن» كثريً
هناك من ليس أمامه في الدنيا إلا جسمه، يبحث حياته عن الأكل الطيب وامللبس
الطيب والنعيم الطيب، وذلك كل تفكريه، وكل سعيه، وكل غرضه؛ ركزوا في صحة
ً جسمهم ونعيمه كل شعورهم، وكل عواطفهم، وكل ملذاتهم؛ فإن عملوا عملا خارج
هذه الدائرة فلهذه الغاية، تعرفه بالإفراط في العناية بنوع ما يأكل، ومقدار ما يأكل،
وبهندامه وبمرآه في املرآة، وبالحذلقة في حركاته وسكناته ونحو ذلك، ثم لا شيء؛ فهذا
طفل كبري.
ُ وإن شئت فع ً د من هذا القبيل ناسكا راهبًا لا يفكر في أحد من بني آدم حوله، ولا
يهمه حال قومه سياسيًا ولا اجتماعيًا، ولا يعنيه شقوا أم سعدوا، ولا يحمل تبعة شيء،
ولا يُ ً صادق أحد َّ ا، ولا هم ً له في الحياة إلا نفسه وعبادته؛ أليس هو الآخر طفلا كبريًا
شغلته «أنا» عن «نحن»؟
153
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
َ وهناك م ْن يَ ُحد العالم بحدود نفسه، إذا فكر فكر فيها، وإذا عمل عمل لها، لا
يعنيه من العمل إلا مقدار ربحه منه، خسر الناس أو كسبوا، لا يمنعه من الغش في عمله
ً إلا خوف العقوبة، فإن أمنها عمل ما شاء لريبح مالا ً ، أو يكسب شهرة، أو يحقق غرضا
من أغراضه لنفسه، تعلم درس الأخذ ولم يتعلم درس العطاء، وليست الدنيا كلها وما
فيها إلا قنطرة يعبر عليها للوصول إلى غايته، فهذا كذلك طفل كبري.
َ وهناك من يهرب — كالطفل — من كل تبعة، لا يقتحم الحياة ولكن ينتظر القدر،
َّ ولا يزاحم ولكن ينتظر الحظ، إن عرض له شيء متعب تنحى عنه إلى شيء مريح.
وهناك أسوأ من هذا: من رفع نفسه فوق الناس، فهم لم يخلقوا إلا له، ولم تُخلق
عيونهم إلا لتقع على مطلبه، ولا آذانهم إلا لتصغى إلى كلمته، ولا أيديهم إلا للعمل في
خدمته، يسري في الحياة على ما يهوى، ويحب أن يسري الناس فقط على ما يهوى، فهذا
ً أيضا طفل كبري؛ وكم في الناس من أطفال كبار، وهم في طفولتهم أشكال وألوان.
ً ارسم خط ً ا مستقيما رأسيًا، وضع في أسفله «أنا» وفي أعلاه «نحن»، وامتحن نفسك:
كيف أنت في عملك، هل لا تنظر إلا إلى شخصك، أو تراعي فيه مصلحة قومك؟ وكيف
أنت في علاقتك بالناس وعلاقة الناس بك، وهل تؤدي زكاة مالك، وزكاة علمك، وزكاة
فنك، وزكاة كفايتك، أو تشح بكل ذلك، فلا تنفقه إلا ملال أكثر تحصله، أو جاه تبتغيه؟
وكيف أنت في نيَّاتك ومقاصدك، هل يؤملك بؤس الناس وشقاؤهم وفقرهم، فتتعاطف
معهم، وتعمل جهدك لإسعادهم، أو أنت وبيتك، ثم على الدنيا العفاء؟ وحدد بذلك كله
ً مركزك من الخط املستقيم، فإذا قربت جدا من «أنا» فهذا دليل الطفولة ولا محالة، وإن
ً قربت جدا من «نحن» فأنت رجل.
هذا هو التقويم الصحيح للناس، وهو — مع الأسف — غري ما تواضعوا عليه،
إنهم يقدرون الرجل بماله وبجاهه وبمنصبه، وبكل شيء إلا قيمته الحقيقية؛ ولو راعيت
هذا املقياس الحق الذي ذكرنا لرفعت من شأن عامل بسيط على صاحب مصنع كبري،
ً ا في الدرجة الثامنة على موظف في الدرجة الأولى، ومعلما أوليًا على سري كبري،
وموظفً
ً وكناس ً ا مخلصا على طبيب غري مخلص، وجنديً ً ا مجهولا على قائد مشهور. ولكن أتى لنا
ً ن لتضع مكانه نظاما للقيم نظيفً ا؟
املدنية الحقة التي تهدم نظام القيم املتعفِّ
154
نظرة في إصلاح متن اللغة العربية
اللغة العربية لغتنا، فيجب أن تخضع لحياتنا، تنمو بنمونا، وتسري مع زمننا وزمن من
يأتي بعدنا، تسايرنا في تقدمنا وتكون أداة طيِّعة لتطورنا، لا أن تقسرنا على أن نرجع
إلى الوراء، ونعيش عيشة القرون الوسطى. ولغة كل أمة عنصر من عناصر تكوينها،
ورقيها أو انحطاطها، لها الأثر الكبري في تكوين النزعات والأخلاق فيها؛ فإن اللغة متن
الأدب، والأدب غذاء العقول والأرواح، وهو الطابع الذي يطبع الأمة بطابع السمو أو
الضعة، واملرة أو الذلة.
ونظرة واحدة إلى تاريخ اللغة العربية وموقفنا منها الآن، يبني لنا مدى، الخطر
الذي يحيط بنا؛ وهو يتلخص في أن جماعة من العلماء في صدر الدولة العباسية ساحوا
بني قبائل العرب يجمعون منهم مفردات اللغة، وكان برنامجهم ألا يأخذوا عن حضرى
قط، ولا عمن خالط الحضر من أهل التخوم، وكلما أمعنت القبيلة في البداوة كانت أولى
بالنقل عنها، كقيس وتميم وأسد ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيني، وأودعوا كل
ذلك كتبهم التي صارت نواة ملعاجم اللغة، وهم — من غري شك — يشكرون كل الشكر
على ما بذلوا من جهد وكابدوا من عناء. ولكن موضع الخطأ فيهم أنهم ومشايعيهم رأوا
أن اللغة العربية ليست إلا هذا الذي جمعوه، لا يصح أن تزيد ولا تنقص، وكانت النتيجة
الطبيعية لهذه النظرة أنهم يريدون ألا يستعمل الناس أيام الدولة العباسية البالغة
ً مبلغ ً ا عظيما من الحضارة إلا ما كان يستعمله هؤلاء البدو في معيشتهم البدوية، ومحال
ً ذلك — لهذا رأينا اللغة غنية غنى مفرط ً ا في أدوات البدو ووسائل معيشتهم، فقرية جدا
في حاجات املدنية ووسائلها، ولهذا اضطر غريهم — بعد أن ضغطت عليهم املدنية —
ً إلى التعريب بعد أن أعرضوا عنه، نزولا على حكم الطبيعة وتطور العمران، وخلطوا
ما أحذوه عن القبائل بما عربوه من الأمم املمدنة، فأضاعوا بذلك القاعدة الأولى التي
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
رسموها لأنفسهم، وهي الأخذ عن العرب الخلص فقط، ولو كانوا أدركوا هذه النتيجة
ً لسمحوا لأنفسهم من أول الأمر بالأخذ عن القبائل التي اختلطت بالعجم أيضا، فهم على
الأقل أولى من العجم الصرف الذين عربوا عنهم.
على كل حال أدرك الناس أن متن اللغة البدوي لا يكفي للحياة الحضرية إذ ذاك،
فأكملوه بالتعريب وبتوسيع الاشتقاق وبالقياس، وسايرت حركة الاجتهاد في اللغة حركة
ً الاجتهاد في التشريع؛ ثم أصيب العرب بالضربة الشنيعة في الأمرين معا، وهو إقفال
باب الاجتهاد في التشريع وباب الاجتهاد في اللغة، وهو حكم قاس لا يمكن تنفيذه فيهما
إذا ماتت الأمة، وماتت اللغة (لا قدر الله)، فلما لم تمت الأمة تحايل بعض العلماء على
فتح باب الاجتهاد في التشريع بوسائل ضعيفة وحيل سخيفة. فلما لم تنجح هذه الحيل
كانت الضربة املخجلة، وهي إهمال التشريع الإسلامي والاعتماد على التشريع الأوروبي
إلا في حدود ضيقة كالأحوال الشخصية. وأما في اللغة فكذلك نمت اللغة العلمية على
ِ حساب اللغة العربية، واستعمل الناس في حَرفهم وصناعاتهم وحياتهم اليومية الكلمات
التي يرون أنفسهم في حاجة إليها، ولو أخذا من اللغات الأجنبية محرفة، ولم تبق اللغة
العربية الفصيحة إلا في تعليم التلاميذ ريثما يؤدون الامتحان، أو على أقلام الخاصة
الذين يشعرون بضيقها وكثريًا ما يفرون عند كتابتهم من وصف الحياة الواقعية من
جزمة وطربوش وجاكتة إلى كلمات عامة: كحذاء وقلنسوة ولباس ونحو ذلك، مما تكون
فيه الحقيقة في واد والكلام في واد، ولو استمررنا على ذلك لكانت نتيجة اللغة نتيجة
التشريع.
ولا علاج لهذا الأمر إلا فتح باب الاجتهاد لأن إقفاله كان هو الداء.
وإذا ثبت لنا الاجتهاد بدأنا بذكر بعض مقترحات متواضعة نقبعها بغريها إن شاء
الله:
ً فأولا: نظرة واحدة إلى اللغة العربية ترينا أنها واسعة سعة عظيمة أكثر مما يلزم في
ً ا شديدا أكثر مما يلزم في مواضع أخرى، كالثوب يطول
بعض املواضع، ضيقة ضيقً
ً أحد كمية أمتارا، ويقصر كمه الآخر فلا يكون إلا شبرًا.
والسبب في ذلك هو ما ذكرت أن اللغة العربية كانت لغة قبائل مختلفة بدوية، فما
كان منها يتصل بحياة البدو من الإبل وحياتها وصفتها، والأرض وأنواعها، والخيام
ٌّ وما إليها، فغني ً غنى مفرطا يدل على ذكاء العرب ومقدرتهم ودقة ملاحظاتهم، حتى
ً ا من ملابسات حياتهم إلا لحظوه ووضعوا له اسما، وكانت كل قبيلة تفعل
يتركوا شيئً
156
نظرة في إصلاح متن اللغة العربية
ذلك؛ فلما جمع العلماء اللغة من قبائل مختلفة تنوعت الأسماء املتعددة للشيء الواحد،
وهذا علة ما نسميه باملترادفات — وما كان منها يتصل بحياة الحضر كامللابس
الحضرية والأطعمة الحضرية فقليل، وأكثره جاء من التعريب في العصر العباسي. فإذا
ً أتينا إلى زمننا ورأينا الحضارة الغربية ومنتجاتها رأينا من الطبيعي قصور ً ا واضحا،
فإذا قارنا الناقة وأنواعها وأجزاءها بالطيارة وأنواعها وأجزائها، والعقاقري البدوية
بالعقاقري الحضرية، والصناعة اليدوية بالصناعة الحضرية الخ، وجدنا الغنى املفرط
في الأولى والفقر املدقع في الثانية، وهكذا. وعلاج ذلك في نظري أمور:
• التخفف من كثري من مفردات اللغة التي في املعاجم، فلا بد من طرح بعض
ِّ الألفاظ وإماتتها إلا أن تودع في كتب مؤرخة للغة، وهذا عمل ضروري لتفسح
ً مجالا للكلمات الجديدة في املسميات التي نحن في حاجة إليها؛ وإلا فإذا نحن
ً أبقينا القديم كما هو وأضفنا إليه الجديد لتضخم متن اللغة تضخما يعجز
عنه أي متعلم. وأولى الكلمات بالإماتة هي:
ُ (أ) الكلمات الحوشية التي يمحها الذوق ويكرهها السمع، والتي عبر عنها أصدق
تعبري الصفي الحلي إذ يقول:
إنا
مالحز
يبون
والدردبيس
والطخا
والنقاخ
والعلطبيس
لة
غ
تِف
ن
ُر
المسامع
منا
ه
حن
ي
تروى
وتشمز
ئ
النو
فس
وقبيح
أن ير
ذك
النر
افو
الـح
ـشي
منها
ويترك
المو
أنس
أين
وقلي
هذا
كثيب
قديم
ومقالي
عقنقل
قدموس
لخ
للأصمعي
جوب
الفياف
ٍ ي
في
نشاف
تخف
منه
الرؤوس
إنا
م
هذه
القلوب
حديد
ولذ
ذي
الألفاظ
مغناطيس
فلننزل على حكم الصفي الحلي ونستبعد هذه الألفاظ وأمثالها. وكما يكون
ً عملنا في املعاجم التفتيش عما يصلح، يكون من عملنا أيضا النفتيش عمالا
يصلح، وتقرير استبعاده وعدم إدخاله في املعاجم الجدي
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
لقد مضى الزمن الذي كنا نعد فيه كثرة املترادفات مفخرة للغة، واضطرتنا
ً كثرة مخلوقات املدنية أن نحمد الله إذا وجدنا لكل مادة في الحياة اسما
ً واحدا يصطلح الناس عليه، ويتفاهمون به. نعم إن بعض املترادفات ليس
مترادفًا لدلالته على وصف أو نحو ذلك، ولكن الكثري منها لا يدل على شيء
غري الذي يدل عليه اللفظ الآخر فلا حاجة إليه — ونعم، إن كثرة املترادفات
ضروري للشعر العربي الذي تلتزم فيه القصيدة وحدة القافية والروى،
ولكن هذا في نظري عيب آخر يضاف إلى عيوب املترادفات، فوحدة القافية
والروى في القصيدة الطويلة أضعفت من الشعر إلا على يد املهرة، وجعلت
ً الشعراء يشدون املعاني شدا ليعثروا على القافية لا أن يأتوا بالقافية التي
تلائم املعنى، وما علينا لو تعددت القوافي في القصيدة الواحدة، فذلك أروح
ً للسمع، وأفسح مجالا للشاعر.
(جـ) كذلك حذف كلمات الأضداد والقضاء عليها بتاتًا مثل قولهم: «ولي إذا أقبل
ُ وولي إذا أدبر؛ وشعبت الشيء إذا أصلحته، وشعبته إذا شققته؛ وأفدت املال إذا
أعطيته غريي، وأفدته استفدته؛ وقسط جار، وقسط عدل؛ والغريم املطالب،
والغريم الطالب، ونحو ذلك من مئات الكلمات. فهذا أسخف شيء في اللغات
وهو مفسد للقصد منها، فإن اللغة موضوعة للإبانة عن املعاني، فلو جاز
وضع لفظ واحد للدلالة على الشيء وضده لضاعت قيمة اللغة، وكان هذا
ً ا، واللغة لم توضع لتكون ألغازا. وعلة وجود
تعمية لا إبانة، وتغطية لا كشفً
الأضداد في اللغة العربية أن العلماء جمعوا الكلمات من القبائل املختلفة، فقد
تكون الكلمة دالة على معنى في لغة، وعلى ضده في لغة أخرى، فكانت كل
قبيلة حكيمة في نفسها؛ فلماذا يريدوننا أن نجمع بني املتناقضات؟ وكما ولد
ً اختلاف القبائل هذا التضاد، ولد أيضا كثرة املشترك في اللغة، فكم معنى
ً للعني وللخال وغري ذلك مما يجعل الذي يريد أن يفهم نصا من النصوص
ً حائرا بني جملة معان كلها صالح، ولكن لا يستطيع الجزم بأحدها. ولعل
القارئ لشرح ابن الأنباري للمفضليات يرى في كل قصيدة الاختلاف في فهم
املعاني لكثرة هذا املشترك، ولكن لا أريد حذفه بتاتًا كما أريد حذف املتضاد،
فالحاجة إليه شديدة، ولكن أريد التخفف منه قدر الإمكان.
158
نظرة في إصلاح متن اللغة العربية
هذه أمثلة من أمثلة تضييق الواسع. وأما الناحية الأخرى، وهي توسيع الضيق،
فأبوابها التعريب والاشتقاق والقياس، وكلها اتبعت في العصر العباسي، ثم كان الخطأ
في التضييق على أنفسنا في استعمالها مع شدة حاجتنا إليها.
أما التعريب، فقد سار مجمعنا اللغوي وبعض العلماء عليه سريً ً ا محمودا، وقضوا
جزءًا كبريًا من وقتهم في تعريب املصطلحات العلمية والفنية، وليس عليهم إلا أن
يستمروا في طريقتهم في تعريب أدوات الصناعة وسائر أدوات الحضارة، مع توسع في
املنهج الذي يسريون عليه، وقد أفرد لذلك بحثًا آخر. وأما الاشتقاق والقياس فكلاهما
يتدخل في الآخر في بعض صوره، فلأجمع بينهما في الكلام، وأسق بعض الأمثلة ملا
أريد منهما:
(1 (إنا نعرف صيغ الزوائد، كأفعل وفعل وفاعل وانفعل وافتعل واستفعل الخ،
ً ونعرف املراد منها في الأعم الأغلب؛ فيقولون إن فاعل للمشاركة مثلا، وافتعل لاتخاذ
ً شيء كاختتم اتخذ خاتما، واستفعل للطلب كاستغفر الله، وتفاعل لحصول شيء
ً تدريجا كتزايد النيل، وتواردت الإبل، إلى آخر ما قالوا.
ُ ولكن وجه العيب أنهم قصروا ذلك على ما سمع، ولم يبيحوا لعلماء اللغة أن
يتوسعوا في هذا الاستعمال متى احتيج إليه وكان جاريًا على أساليب اللغة. ما الذي
يمنع من أن أقول خابرته كما قالوا نابأته واملعنى في الاثنني واحد؟! وما املانع أن أقول
ُّ استلفت َّ نظره وفيها معنى طلبت إليه أن يوجه نظره؟! ونحو ذلك. إن أكثر املتزمتني
ّ في اللغة لا هم ِّ لهم إلا أن يخطئوا كل ذلك لأنه لم يرد في املعاجم؛ والذي أريد: أن يكون
كل هذا قياسيًا متى انطبق على القواعد الصرفية ودعت الحاجة إليه. وكذلك الشأن في
ِ املصادر، فقد نصوا على أن الفعل إذا دل على حرفة فقياس مصدره فعالة كالخياطة
َعلان يدل على التقلب كالجولان
والحياكة، فلنعم ذلك إذا شئنا كالبرادة والنقاشة؛ وفَ
َّ والغليان فنقيسه في مثله متى احتجنا إليه، ولو لم ينصوا عليه؛ وصيغة فعال تطلق
َّراد،
يّ ِ ال، فلم لا نقول إذا احتجنا قْرد وقَ
ِّ على صاحب الحيوان ومروضه، فقالوا: فيل وفّ
وكلب وكلاّب، وهكذا؟!
ً (2 (كذلك من أصعب الأبواب وأكثرها خلطا في اللغة العربية املذكر واملؤنث، فيؤنَّث
املذكر، فيقال: هو رواية للشعر وعلامة، ونسابة، ويذكر املؤنث فيقال هي كاعب وناهد؛
وهناك ألفاظ يطلق فيها اللفظ الواحد على الذكر والأنثى من غري تغيري كقولهم: شاب
أملود، وجارية أملود، وبعري ظهري، وناقة ظهري، أي قوي، وجمل ضامر وناقة ضامر.
159
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وهناك الحرية في أسماء هل هي مؤنثة أم مذكرة؟ كالدرع والرمح والرحم، فلا بد
ً من الإمعان في الكشف عليها، وقد لا تجد نصا؛ وهناك ما يذكر ويؤنث على السواء،
كالسلاح والصاع والسكني والدواء والسوق والعسل والروح — فيجب العمل على
تسهيل هذه الصعاب املربكة والجرأة في تنظيمها، ووضع قواعد عامة لها، ولو خالفنا
فيها بعض النصوص، من مثل:
(أ) جواز تأنيث كل مؤنث بإلحاق تاء التأنيث به، فنقول: هي كاعبة وناهدة،
وشاب أملود وجارية أملودة، وجمل ضامر وناقة ضامرة.
(ب) كل ما لم يرد فيه نص فالأنثى بالهاء واملذكر من غريها، من غري توقف على
نص.
(جـ) كل ما ليس مؤنثًا حقيقيًا كأسماء الجماد إذا لم تكن فيه علامة التأنيث كالدلو
والبئر والأرض والسماء والنجم يجوز تذكريه وتأنيثه، كما روى صاحب املصباح عن
ابن السكيت وابن الأنباري إذ قالا: «إن العرب تجترئ على تذكري املؤنث إذا لم تكن
فيه علامة التأنيث».
وعلى الجملة فالواجب تنظيم هذا الباب بالقواعد التي ذكرت ونحوها، وإزالة
ّ الصعاب التي شوهت اللغة وجعلت تعلمها عسريًا.
كذلك يجب ألا نفهم أن اللغة العربية التي نملكها هي عمل العرب في البادية
ً وحدهم، بل إن اللغة العربية هي عمل هؤلاء مصموما إليه عمل الأدباء والعلماء الذين
عانوها وعالجوها إلى اليوم؛ وبعبارة أخرى يجب أن نفهم أن اللغة ليست ما جمعه
ً الخليل وابن دريد والجوهري ونحوهم من ألسنة العرب وحدهم، بل اللغة أيضا ما
استعمله ذوو الذوق العربي من أمثال أبي تمام والبحتري واملتنبي وأبو العلاء ومن
ً أتى بعدهم على منوالهم، فإذا استعمل هؤلاء لفظا أو تعبريًا لم يرد في املعاجم،
ووجدناه يسد حاجة من حاجاتنا استعملناه وعددناه عربيًا، فالألفاظ التي استعملها
أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني — من مثل: ندر الرجل، وتندر إذا جاء بالنادرة،
وندر بفلان وتنادر عليه إذا جعله موضع نادرته — عربية كالتي نطق بها الأعرابي؛
وإذا استعمل املقرى «التذكرة» بمعنى الرقعة التي يكتب فيها ليتذكر فهي عربية؛
والألفاظ الاصطلاحية التي استعملها ابن خلدون ليسد بها حاجته في علم الاجتماع
عربية ويجب أن تدخل في املعاجم.
160
نظرة في إصلاح متن اللغة العربية
وهذا كله يسلمنا إلى القول بغربلة ما سموه الدخيل، وإدخال ما يصلح منه في
ً معاجمنا كالأصيل تمام ً ا بلا تفرقة إلا إذا وضعنا معجما تاريخيًا، وقد قام الأستاذ
ً «دوزي» في ذلك مقاما حسنًا بمعجمه الذي وضعه في معاني الكلمات املستحدثة التي
رودت في كتب املتأخرين.
هذا رأيي في التوسيع والتضييق، وليس ما ذكرت إلا أمثلة قليلة يمكن التوسع
فيها إذا قبل املبدأ.
ثانيًا: من أشق الأمور على دارس اللغة العربية وزن الفعل الثلاثي ماضيه ومضارعه
من أوزان الفعل الستة، واملتخصص في دراسة اللغة يشيب ولا يستطيع الجزم بصحة
نطقه في هذا الباب أهو من باب نصر أو ضرب أو ذهب الخ، ولو ترك هذا الأمر على
حاله ما أمكن النطق الصحيح الدائم مهما طال الزمن وكثر الدرس، بل في كثري من
الأحيان نشك فنرجع إلى املعاجم في بعض الصيغ فلا تنص أو تختلف أو تحيز! ومما
يزيد الأمر صعوبة أن الفعل الواحد يكون له وزن أو وزنان إذا كان بمعنى خاص،
وله وزن آخر أو وزنان إذا كان بعنى آخر، ويضطرب الباحث بني هذه النصوص،
وإذا لم يضطرب فلا يستطيع إحصاءها واستيعابها والأمن من الزلل فيها.
وقد أدرك هذه الصعوبة بعض العلماء قبلنا فاجتهدوا فيها، فقد روى القاموس
في مقدمته عن أبي زيد الأنصاري: «إذا جاوزت املشاهري من الأفعال التي يأتي ماضيها
ُ على فعل فأنت في املستقبل (أي في الفعل املضارع) بالخيار إن شئت قلت يفعل (بضم
ِ العني)، وإن شئت قلت يفع ِ ل (بكسرها) فتقول: حشر يحشر ُ ويحشر ِ ، وعكف يعكف
ُ ويعكف الخ».
وهو اجتهاد حسن لا بأس به، ولكن يجب أن يكون لنا من الحق ما لأبي زيد،
فننظم الأفعال الثلاثية كلها ولا نقتصر على ما كان من باب «فعل»، ولا نجيز أن يكون
مضارع فعل من باب ينصر أو يضرب، فإن هذه توسعة ضارة لا حاجة إليها، بل
نكتفي بوزن واحد وليكن وزن يضرب. فإذا جاز لأبي زيد أن ينظم بعض التنظيم،
فنحن أحوج ما نكون إلى التنظيم الكامل وأقدر منه.
وهناك أبواب أخرى في اللغة العربية مسبِّبة للخلط والاضطراب، كباب التعدي
واللزوم، وباب العدد، واملصادر وكثرتها وبعثرتها، وجموع التكسري واضطرابها الخ،
وكلها تحتاج إلى ضبط ولو بتضحية.
وأخريًا: لا بد من تقرير فتح باب الاجتهاد في اللغة لتنظيمها وضبط الفوضى فيها، وهذا
ُ لا يكون إلا بالاعتقاد أن اللغة ملكنا لا أنا ملك لها، نتصرف فيها كما يتصرف امللاك
161
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
في أملاكهم، بالهدم والبناء والتغيري والتبديل؛ إنما يجب أن يكون التصرف تصرف
العقلاء لا السفهاء، فنربط جديدنا بقديمنا، ولا نبني إلا ما نحن في حاجة إليه، ونبنيه
على خري وجه يحقق الغرض املطلوب، ونختار في بنائه خري البناة.
إن الوضع الذي وضعنا فيه أنفسنا إزاء اللغة وضع خطأ لقد وضعناها وضع الإلهة
املالكة املقدسة ووضعنا أنفسنا منها وضع العبد الذليل الخاضع. والوضع الصحيح أننا
نحن السادة وهي العبدة الطيعة، وليس يصح أن ننتظر رأيًا من أبي زيد، ولا كلمة من
ً الأصمعي، ولا تخريجا من الأشموني، لنلجأ إليه ونعتصم به في الإصلاح، فعقولنا أقدر
على فهم حاجتنا، ونظرنا وتفكرينا أقدر على تنظيم بيتنا.
إني لأعجب من أن كثريًا من املصلحني تنبهوا إلى خطر الجمود في التشريع ونادوا
بالاجتهاد فيه مع الاحتفاظ بالأصول الكلية في الدين، ولكن لم أجد داعيًا إلى الاجتهاد
ً في اللغة، مع أن للجمود فيها خطرا لا يقل عن خطر الجمود في التشريع! ومصداق ذلك
ً انصراف أكثر املتعلمني عنها متى نالوا حظا من لغة أجنبية، وقلة من يجيدها قراءة
وكتابة كأنها لغة إضافية لا لغة أصلية.
ثم لا خطر من هذا الاجتهاد مطلقً ا متى أحكم طريقه، ومتى حوفظ على مقومات
اللغة. وليست مقومات اللغة في هيئتها وبناء كلماتها وطريقة الاشتقاق منها ونحو ذلك،
بل إن تنظيمها وتحديد الفوضى فيها يرفع من شأنها ويزيد من حيويتها، ويكثر من
سواد من يجيدها.
وهنا سؤال يصح أن يوجه، وهو ملن يكون هذا الحق في الاجتهاد؟
والجواب: أن شأن اللغة شأن غريها من الفقه وسائر العلوم والفنون، كل متمكن
من فرع دارس له متخصص فيه نضج فيه ذوقه، له الحق أن يقترح وينادي بنظريته
التي يراها حقً ا، واملتخصصون في هذه املادة ينظرون إلى رأيه ونظرياته ويقررونها أو
ِّ يرفضونها أو يع ً لونها، ثم بعد ذلك الهيئات الرسمية في التشريع تأخذ ما تراه صحيحا
من أقوال هؤلاء العلماء، وتتخذ منها قانونًا لها، واملجامع العلمية املعترف بها من الأمة
تقرر صحة النظرية العلمية أو خطأها، وتدخل في عداد العلم ما ثبتت صحته وهكذا؛
فكذلك الشأن في اللغة لكل كاتب وشاعر أن يستعمل من الكلمات اللغوية ما يؤدي غرضه
ويعرضه على الناس ليجاروه أو يرفضوه، واملجامع الرسمية كمجمعنا ومجمع دمشق
ً تأخذ من هذا كله ومما يعرضه عليها أعضاؤه بجدهم وبحثهم ما تراه صالح ُّ ا، وتعده
ً وتذيعه على الناس ليكون دستورا. ثم لا بد أن يكون هناك اتصال بني املجمع والحكومة
162
نظرة في إصلاح متن اللغة العربية
ً اتصالا تشريعيً ً ا؛ فإذا قرر املجمع مثلا رسم الألف اللينة في الآخر ألفً ا مطلقً ا، فلا قيمة
ً لهذا القرار إلا أن تصدر وزارة املعارف بذلك أمرا لاستعماله في مدارسها وكتبها وإلزام
املعلمني باتباعه، وهكذا حتى يكون للإصلاح نتيجة فعلية؛ ولنتبع في ذلك ما اتبعته الأمم
الحية في إصلاح لغتها وكتابتها وننتفع من تجاربها، ونتجنب أخطاءها، والله املوفق.
163

زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر
الحديث
مقدمة
طلع القرن التاسع عشر والعالم الإسلامي في ظلمة حالكة، ومحنة شاملة: جهل مطبق،
وظلم فادح، وفقر مدقع.
هذا سائح فرنسي زار مصر في آخر القرن الثامن عشر وهو مسيو فولني Volney،
وأقام بها وبالشام نحو أربع سنوات يقول: «إن الجهل في هذه البلاد عام شامل، وهي في
ذلك مثل سائر البلاد التركية، يشمل الجهل كل طبقاتها، ويتجلى في كل نواحيها الثقافية
من أدب وعلم وفن؛ والصناعات اليدوية فيها في أبسط حالاتها، يندر أن تجد في القاهرة
من يصلح ساعتك إذا فسدت، فإن عثرت على أحد منهم فهو إفرنجي».
وهذه الحكومة املصرية تخشى من الرأي العام في تعليم الرياضة والطبيعة، فتستفتي
شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد الإنيابي «هل يجوز تعليم املسلمني العلوم الرياضية
كالهندسة والحساب والهيئة والطبيعيات وتركيب الأجزاء — املعبر عنها بالكيمياء —
وغريها من سائر املعارف؟» فيجيب الشيخ في حذر: «إن ذلك يجوز مع بيان النفع من
تعلمها» — كأن هذه العلوم لم يكن للمسلمني عهد بها، ولم يكونوا من مخترعيها وذوي
التفوق فيها.
ً كان العالم الإسلامي منعزلا، لا يتصل بأوروبا إلا فيما تعانيه تركيا من مشاكلها
السياسية، فليس هناك اتصال بني الشعوب الإسلامية والشعوب الأوربية؛ لقد أغلقت على
ً العالم الإسلامي الأبواب منذ الحروب الصليبية، وأخذ يأكل بعضه بعضا — وقفوا في
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
علمهم فليس إلا ترديد بعض الكتب الدينية واللغوية، وفي صناعاتهم فلا اختراع، بل
ولا إتقان للقديم، وفي آلاتهم وفنونهم العسكرية فهي على نمط الأقدمني؛ وسكان املدن
ُبعدوا عن الاشتراك في الشؤون السياسية والحربية، فلا تراهم في جيش ولا
والريف قد أ
في قيادة جيش، ولا تعرض عليهم املشاكل السياسية، ولا أرى لهم فيها، إنما هم مزرعة
ُّ الحكام ومستغل الولاة والأمراء، كلما تفتَّ ً حت شهواتهم فعلى الرعية أن يجدوا سبيلا
َ مللئها باملال يجمعونه من ع ُ رق جبينهم وصنع أيديهم. مركز الخلافة — وهو الآستانة —
مفك منحل، والولايات من مصر والشام والعراق والحجاز متدهورة منحدرة، قد أمات
نفسها توالي الاستبداد عليها، يقودها في العلم رجال الدين وهم أجهل الناس بالدنيا
ِّ وشؤونها واتجاهاتها، كل هم َّ هم كلمة تعرب، أو جملة في كتاب تفسر، أو حفظ متن،
أو وضع حاشية على شرح، وهذا كل عاملهم؛ أما الدنيا وكيف تسري، والشعوب وكيف
تظلم، والعدل وكيف يُطلب، فموكولة إلى الله تعالى يفعل فيها ما يشاء؛ يخدمون كل
وال، ويلينون مع كل ظالم؛ حتى «نابليون» ملا دخل مصر لم يجد فيها قنطرة يعبر
عليها لحكم مصر إلا مجلس العلماء، وقال: «إنه استعان بهم ليتقي أكبر العقبات لأن
أكثرها دينية — ولأنهم لا يعرفون أن يركبوا حصانًا ولا أن يقوموا بأي عمل حربي، وقد
استفدت منهم كثريًا، واتخذتهم وسيلة للتفاهم مع الشعب، وألّفت منهم ديوان القضاء».
ً يأكل بعضهم بعض ً ا ويلعن بعضهم بعضا. هذا الشيخ الدواخلي — أحد أكابر
العلماء ونقيب الأشراف — يزدحم الناس على بابه، ويتزاحم العلماء على مائدته، فإذا
غضب محمد علي باشا عليه لكلمة بلغته عنه، وأمر بالقبض عليه ونفيه إلى دسوق،
ً هرع هؤلاء العلماء الفضلاء يكتبون العرائض يملؤونها ذم ً ا في الدواخلي وتشنيعا عليه،
ِّ يعددون عليه ذنوبًا أكثرها في الحقيقة محامد، ويقيمون الأفراح شماتة به، ويعملون
الولائم ويتضاحكون عليه، فيصرخ «الجبرتي» الرزين، ويعلق على هذا الحادث بقوله:
«إنهم قد زالت هيبتهم من النفوس، وانهمكوا في الأمور الدنيوية، والحظوظ النفسانية،
والوساوس الشيطانية، ومشاركة الجهال في املآثم، واملساعة إلى الولائم، في الأفراح واملآتم،
يتكالبون على الأسمطة كالبهائم، فتراهم في كل دعوة ذاهبني، وعلى الخوانات راكعني ...
وعلى ما وجب عليهم من النصح تاركني.
166
زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث
أمور
يضك
ح
السفهاء
منها
ويبكي
من
عواقبها
اللبيب»
ويشمت «الجبرتي» بهذا الشيخ الدواخلي لأنه فعل مثل هذا الصنيع مع السيد عمر
مكرم.
ويقودها في السياسة وال تركي يسيطر عليها بطائفة من الجند، ولا يطيل املكث
إلا ريثما يغتني هو وجنوده من الأمة بالسلب والنهب والرشا، حتى صبح اسم الحكومة
والوالي والجند مرعبً ً ا مفزعا؛ مقرونًا في النفس بمعنى الظلم والعسف واغتصاب املال.
وأعجب من هذا كله إلف الشعوب الإسلامية هذه الحالة السيئة والاستنامة إليها،
وكراهيتهم لكل إصلاح؛ فإذا أريد إصلاح الجندية ثارت الانكسارية؛ وإذا أريد إصلاح
القانون غضب العلماء؛ وهي مع ذلك يسودها الغرور، فهي تشعر أنها خري ما في الدنيا،
وقوتها فوق كل قوة، والله ناصرها على كل عدو، ولا خوف عليها من أي شعب آخر أو
ملة أخرى، أليس الله قد رد أعداءها في الحروب الصليبية، ومحا كيد من يكيدها ويعتدي
عليها؟! فالعلم ليس إلا ما في كتبهم وعند علمائهم، والقوة الحربية ليست إلا فيهم، وما
على السلطان إلا أن يرفع البريق النبوي حتى تلتف حوله جنود الأرض وجنود السماء
فيمحقون كل قوة، ويذلون كل جبار. يقول بعض املماليك املصريني عند ما بلغه نزول
الحملة الفرنسية: «دعوهم فإذا جاءت جميع الجيوش الإفرنجية فسندوسهم بخيولنا».
ً وعلى الجملة فقد كان العالم الإسلامي — إذ ذاك — شيخ ً ا هرما حطمته الحوادث،
وأنهكه ما أصابه من كوارث، من حروب صليبية، وما تبعها من فساد نظام، واستبداد
حكام، واستئثارهم باملغانم، وفوضى أحكام، وخمود عام، واستسلامه للقضاء والقدر،
وترديد قول الشاعر:
دع المقادير
تجري
في
أعنتها
ولا تبيتن
إلا خالي
البال
فقد الدين روحه، وصار شعائر ظاهرية لا تمس القلب ولا تحيي الروح، وسادت
الخرافات وانتشرت الأوهام، وأصبح التصوف ألعابًا بهلوانية، ووسيلة النجاح في الحياة
ليس الجد في العمل ولكن التمسح بالقبور والتوسل بالأولياء. فهم الذين يُنجحون
في العمل، وهم الذين ينصرون في الحروب، والشوارع والحارات مملوءة بالدجالني
واملشعوذين.
هذا ما كان عليه الحال في الشرق. أما الغرب فقد حمل معه بذور الإصلاح أيام
ً الحرو
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
بها الريح حينًا، ودب إليها الفساد حينًا، ولكنها تحملت الشدائد حتى استوى أمرها
وكونت لها شخصيتها. رفعت ثوراتها من شأن الشعوب وجعلتها فوق شأن الحكام،
فبينما كان الحكام في الشرق كل شيء ولهم كل الثروة وكل العظمة، وللشعوب كل الفقر
ِّ وكل الجهل، كان النداء يدوي في الغرب بأن الأمة كل شيء، وأن الحاكم إنما له حق
البقاء في مركزه ما خدم شعبه. وسلبوا القيادة العلمية من رجال الدين وسلّموا زمامها
لرجال الدنيا، يطلقون لعقولهم العنان، ويبحثون ما شاءوا، وقصروا رجال الدين على
قيادتهم في الأمور الروحانية واملسائل اللاهوتية، ولكن ليس لهم قيادة في العلم ولا في
السياسة؛ فاتجه العلماء إلى الطبيعة يبحثونها في كل مناحيها، ويحاولون الوقوف على
أسرار الكون، ويبنون حياتهم العملية على ما اكتشفوا منها في صناعاتهم وتجارتهم،
ويستخدمون الهندسة والفلك والكيمياء والرياضة وامليكانيكا في بناء السفن واملدفعية
والقوى الحربية، وسببت عندهم املخترعات والصناعات والآلات ثروة كبرية لكثري من
الأفراد ساعدت على تأسيس شركات تقوم بأضخم الأعمال؛ وهذا التقدم في الصناعات
رفع من شأن أفراد الشعوب، وجعل لهم الكلمة العليا في حكوماتهم، وحررهم في الفكر
والعمل، فتضاعف التفكري، وتضاعف الاستكشاف، وتضاعف الإنتاج.
هذا هو الشرق، مصره لا تعرف أن تصلح ساعة، وجيوشه تعبأ على طريقة الحروب
الصليبية، وأسلحته هي ما كانت عليه منذ خمسة قرون، ومشايخه يبحثون في الكتب
ِ ليستخرجوا فتوى بح ِّل تعلّم الحساب أو حرمته، وشعوبه أكواخ حقرية فقرية قذرة
لعامة الناس، وقصور فخمة ضخمة ملئت بالجواري الحسان، وكل أسباب الترف والنعيم
لعدد محدود من الولاة والأمراء، وكل ما في البلاد من خري فلهؤلاء السادة، وكل ما في
البلاد من شقاء فعلى رءوس الشعب.
وهذا هو الغرب، ثورة من شعوبه على الحكام ونظام الطبقات لتسترد حريتها،
ُّ وثورة على النظام الاقتصادي لتنظم الضرائب وتحرر التجارة وتحد من تدخل الحكومة
في الأعمال الاقتصادية، وتنشط الزراعة والصناعة بشتى الوسائل، ثم ثورة صناعية نتج
عنها توسع في استخراج الفحم والحديد وصناعة الآلات.
هذا هو الحال عندما اصطدم الشرق بالغرب حول أوائل القرن التاسع عشر — لقد
ِ كان الغرب يتهيب الشرق لَما وقر في نفسه من عظمته أيام الحروب الصليبية، ولكن ما
لبث التجار والجواسيس والرحالة الغربيون يكشفون لأممهم حال الشرق حتى اقتنعوا
168
زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث
َّ بضعفه؛ وكانت أكبر ناحية تفوق فيها الغرب على الشرق — عدا ما ذكرنا — هي الناحية
البحرية؛ فإن كانت بعض دول الشرق قوية في جنودها، باسلة في قتالها، فليس لها ما
تعتمد عليه من أساطيل بحرية قوية كالتي للغرب.
ً لقد غزا الغرب الشرق مسلحا بالعلم الواسع في شتى نواحيه، في السياسة والاجتماع
ً والاقتصاد، وبنفسية الشعوب وجغرافية العالم وتاريخه، ومسلحا بالأدوات الحديثة في
ً الحروب بر ً ا وبحر ً ا، وبالأساليب الحربية على آخر طراز، ومسلحا برءوس الأموال تمده
ً بها الحكومات والشركات، ومسلحا برجال العلم ينزلون مع الجيش يدرسون وينقبون
عن الزراعة والصناعة والحضارة القديمة والفن وما إلى ذلك.
ً وحيثما غزا الغرب قطرا فسرعان ما يبث فيه أسباب حضارته من سكك حديدية
تمد، وبريد ينظم، وزراعة تصلح، ومالية تضبط، وهو املشرف على كل ذلك يسخرها
كما يشاء حسبما يشاء؛ ولا يكتفي بنشر حضارته املادية بل ينشر حضارته العلمية
والأدبية، فاملدارس الوطنية تدرس لغته وآدابه وفنونه وعلومه، وهذه تزاحم الثقافة
القديمة للبلاد شيئًا فشيئًا، والعادات الغربية تكتسح العادات القديمة، وعلى الإجمال
تنبث املدنية الغربية في البلاد املفتوحة بخريها وشرها.
ً كل هذا نبه الشرق مذعورا من سباته العميق، والتفت وراءه فرأى ماضيًا قريبًا
يستدعي الخجل: من إهمال مصالح البلاد وفساد مرافقها، وضعف ثغورها؛ ورأى
ً حاضر ً ا خائر ّ ا لا يقف أمام قوة، ولا يصد ً تيارا عنيفً ا، وليس يملك شيئًا إلا أن يلعن من
أوصله إلى هذا الحال. وما غناء اللعن باللسان أمام قوة السنان؟
وكانت هذه حال العالم الإسلامي أجمع حول أوائل القرن التاسع عشر، سواء في
ذلك ما غزى من الأقطار وما ينتظر الغزو القريب، لأن القوى الغربية تتسابق، وسقوط
الأقطار الشرقية يتلاحق.
ِ صيب بها الشرق في هذه الآونة قلة رجاله الخبريين بالدنيا
ُ
وقد كانت أكبر مصيبة أ
وشؤونها، والسياسة وألاعيبها، املاهرين في معالجة املشاكل، الحازمني في تصريف الأمور،
ً وحتى كان إذا وجد أمثال هؤلاء لم يجدوا تأييدا من الرأي العام الجاهل، فمن نادى
باملساواة في العدل بني الرعية من غري نظر إلى جنس أو دين اتهم بمحاربته للمسلمني،
ومن نادى بتنظيم الجيش على الأساليب الحديثة اتهم بالتفرنج والخروج على التقاليد،
ومن نادى بتأسيس مجلس شورى اتهم بمحاربة السلطان، والحض على الثورة، والعبث
بالنظام؛ وهكذا.
169
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ُ وكانت هذه الخيبة التي مِن َي بها سببًا في التفكري في حالته والحزن على ما أصابه،
ونزعة بعض املفكرين وكبار الرجال في الإصلاح، فنبغ رجال قليلون في سائر الأقطار
يعالجون الإصلاح بوسائل مختلفة، كل ينظر إليه من زاوية خاصة؛ ولعل أشهر الزعماء
ً في العصر الحديث وأكبرهم أثرا كان محمد ابن عبد الوهاب في الحجاز، ومدحت باشا في
تركيا، والسيد أحمد خان في الهند، والسيد جمال الدين الأفغاني في مصر، والسنوسي في
طرابلس، وخري الدين باشا في تونس.
وسنذكر كلمة عن كل رجل من هؤلاء وغريهم نبني بها وجهة نظره في الإصلاح،
ِّ وما قدر له من خيبة أو فلاح، فربما جهل كثري من شباب الجيل الحاضر تاريخهم، مع
قرب العهد بهم، وتأثرنا في حاضرنا ومستقبلنا بأعمالهم.
170
محمد بن عبد الوهاب (1(
م1791–1703/هـ1306–1115
َّ هو زعيم الفرقة التي تسمى الوهابية، وتعتنق مذهبه الحكومة الحاضرة في الحجاز.
نشأ في بلدة تسمى «العيينة» في نجد، وتعلم دروسه الأولى بها على رجال الدين
َّ من الحنابلة، وسافر إلى املدينة ليتم تعلمه؛ ثم طوف في كثري من بلاد العالم الإسلامي،
فأقام نحو أربع سنني في البصرة، وخمس سنني في بغداد، وسنة في كردستان، وسنتني في
همذان؛ ثم رحل إلى أصفهان ودرس هناك فلسفة الإشراق والتصوف، ثم رحل إلى «قم»،
ثم عاد إلى بلده واعتكف عن الناس نحو ثمانية أشهر، ثم خرج عليهم بدعوته الجديدة.
وأهم مسألة شغلت ذهنه في درسه ورحلاته مسألة التوحيد التي هي عماد الإسلام،
والتي تبلورت في «لا إله إلا الله»، والتي تميز الإسلام بها عما عداه، والتي دعا إليها
ً «محمد» صلى الله عليه وسلم أصدق دعوة وأحرها؛ فلا أصنام ولا أوثان، ولا عبادة آباء وأجداد، ولا
َ أحبار ولا نحو ذلك. ومن أجل هذا سَّمى هو وأتباعه أنفسهم «باملوحدين»؛ أما اسم
الوهابية فهو اسم أطلقه عليه خصومهم، واستعمله الأوروبيون، ثم جرى على الألسن.
وقد رأى أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثري من بلاد العالم الإسلامي أن هذا
التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى قد ضاع، ودخله كثري من الفساد.
فالتوحيد أساسه الاعتقاد بأن الله وحده هو خالق هذا العالم، واملسيطر عليه،
ِّ وواضع قوانينه التي يسري عليه، واملشرع له، وليس في الخلق من يشاركه في خلقه ولا
في حكمه، ولا من يعينه على تصريف أموره؛ لأنه تعالى ليس في حاجة إلى عون أحد مهما
كان من املقربني إليه؛ هو الذي بيده الحكم وحده، وهو الذي بيده النفع والضر وحده،
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ا
ِّ لا شريك له؛ فمعنى لا إله إلا الله: ليس في الوجود ذو سلطة حقيقية تسري َ العالم وفقً
ملا وضع من قوانني إلا هو، وليس في الوجود من يستحق العبادة والتعظيم إلا هو، وهذا
َّلا اللهَ
ْعبَُد إِ
َّلا نَ
َ
َ ا وبَيْنَ ُك ْم أ
نَ
َلى? َكِلَمٍة َسَواءٍ بَيْنَ
ْوا إِ
َعالَ
ِ اب تَ
ِكتَ
ْه َل الْ
َ
ْل يَا أ
هو محور القرآن: ?قُ
قُولُ ْ وا اشَه ُدوا
ْوا فَ
َولَّ
ِإن تَ
ْربَابً ِّ ا م ُ ن د ِون ِالله? فَ
َ
بَ ْع ُضنَا بَ ْع ًضا أ
ِخذَ
َ ا وَلا يَتَّ
َك ِبِه َشيْئً
َوَلا نُْشرِ
ُ ا م ْسِل ُم َون?.
نَّ
َ
ِبأ
إذن فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد املطلق الخالص من كل
ج ّ إليها، وتقدم لها النذور،
شائبة إلى الإشراك مع الله كثريًا من خلقه؟ فهذه الأولياء يُ َح ُّ
ويعتقد فيها أنها قادرة على النفع والضر؛ وهذه الأضرحة لا عداد لها تقام في جميع
ُّ أقطاره، يشد الناس إليها رحالهم، ويتمسحون بها، ويتذللون لها، ويطلبون منها جلب
الخري لهم ودفع الشر عنهم؛ نفى كل بلدة وليّ وأولياء، وفي كل بلدة ضريح وأضرحة
تُ ْشرَك مع الله تعالى في تصريف الأمور ودفع الأذى وجلب الخري، كأن الله سلطان من
ْر َجون في
َّ تقرب إليه بذوي الجاه عنده وأهل الزلفى لديه، ويُ
سلاطني الدنيا الغاشمني، يُ
َّلا
ْعبُ ُد ُه ْم إِ
َ إفساد القوانني وإبطال العدل؛ أليس هذا كما كان يقول مشركو العرب: ?ما نَ
ِ ا ع َند ِالله?؟!
َع ُ اؤنَ
?ى َ ? وقولهم: ?ه ?ـُؤَلا ُ ءِ شفَ
َلى ِالله ُزلْفَ
ِّربُونَا إِ
ِليُقَ
بل وا أسفاه! ألم يكتف املسلمون بذلك بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد؛
َ فهؤلاء أهل بلدة «منفوحة» باليمامة يعتقدون في نخلة هناك أن لها قدرة عجيبة م ْن
قصدها من العوانس تزوجت لعامها؛ وهذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرُّك، وفي
ُ كل بلدة من البلاد الإسلامية مثل هذا؛ ففي مصر شجرة الحنفى، ونعل الكلْشنى، وبوابة
املتولي1؛ وفي كل قطار حجر وشجر، فكيف يخلص التوحيد مع كل هذه العقائد؟
إنها قصد الناس عن الله الواحد، وتشرك معه غريه، وتسيء إلى النفوس، وتجعلها
ذليلة وضيعة مخرفة، وتجودها من فكرة التوحيد، وتفقدها التسامي.
وأساس آخر يتصل بهذا التوحيد كان يفكر فيه «محمد بن عبد الوهاب»، وهو أن
الله وحده هو مشرع العقائد، وهو وحده هو الذي يحلل ويحرم، فليس كلام أحد حجة في
ْم
ُه ِّم م َن ِّ الد ِين َما لَ
ُه ْم ُشرَ َك َ اءُ شرَ ُعوا لَ
ْم لَ
َ
الدين إلا كلام الله وسيد املرسلني، فاهلل يقول: ?أ
1 شجرة الحنفي: شجرة كانت في جامع الحنفى يتبرك بها. ونعل الكلشنى: نعل قديمة في تكية الكلشنى
يزعمون أن املاء إذا شرب منها ينفع للتداوي من العشق. وبوابة املتولي مملوءة باملسامري تعلق بها
الشعور والخيطان ليذكر بالخري من علقها. وهكذا.
172
محمد بن عبد الوهاب (1(
ِن بِه اللهُ?؛ فكلام املتكلمني في العقائد، وكلام الفقهاء في التحليل والتحريم ليس حجة
ذَ
ْ
يَأ
ٍ علينا، إنما إمامنا الكتاب والسنة، وكل مستوف أدوات الاجتهاد له الحق أن يجتهد، بل
عليه أن يفعل ذلك ويستخرج من الأحكام — حسب فهمه لنصوص الكتاب وما صح من
السنة — ما يؤديه إليه اجتهاده. وإقفال باب الاجتهاد كان نكبة على املسلمني، إذ أضاع
شخصيتهم وقوتهم على الفهم والحكم، وجعلهم جامدين مقلدين يبحثون وراء جملة في
كتاب أو فتوى من مقلد مثلهم، حتى انحط شأنهم وتفرقوا أحزابً ً ا يلعن بعضهم بعضا،
ولا منجاة من هذا الشر إلا إبطال هذا كله، والرجوع إلى الدين في أصوله، والاستقاء من
منبعه الأول.
وهكذا شغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك، والتوحيد في
التشريع فلا مصدر له إلا الكتاب والسنة.
هذا هو أساس دعوة محمد بن عبد الوهاب، وعلى هذا الأساس بُنِيَت الجزئيات.
ِ اقتفى في دعوته وتعاليمه عالًما كبريًا، ظهر في القرن السابع الهجري في عهد
السلطان الناصر هو «ابن تيمية»، وهو — مع أنه حنبلي — كان يقول بالاجتهاد ولو
َّ خالف الحنابلة، وكان حر التفكري في حدود الكتاب وصحيح السنة، ذاق اللسان، قوي
ً الحجة، شجاع القلب لا يخشى أحدا إلا الله، ولا يعبأ بسجن مظلم، ولا تعذيب مرهق،
فهاجم الفقهاء واملتصوفة، ودعا إلى عدم زيارة القبور والأضرحة وهدمها، وألف في ذلك
الرسائل الكثرية، ولم يعبأ إلا بما ورد في الكتاب والسنة، وخالف إمامه أحمد بن حنبل
إذا أداه اجتهاده إلى ذلك.
فيظهر أن «محمد بن عبد الوهاب» عرف ابن تيمية عن طريق دراسته الحنبلية،
فأعجب به، وعكف على كتبه ورسائله يكتبها ويدرسها. وفي املتحف البريطاني بعض
رسائل لابن تيمية مكتوبة بخط ابن عبد الوهاب، فكان ابن تيمية إمامه ومرشده وباعث
تفكريه، واملوحى إليه بالاجتهاد والدعوة إلى الإصلاح.
دعا مثله إلى رد البدع، والتوجه بالعبادة والدعاء إلى الله وحده لا إلى املشايخ والأولياء
والأضرحة، ولا بوساطة توسل ولا شفاعة، وزيارة القبور إن كانت فللعظة والاعتبار، لا
للتوسل والاستشفاع، فهم لا يملكون شيئًا بجانب الله وقوانينه الثابتة التي لا تتخلف
والتي نظم الله بها كونه؛ فالذبح للقبور والنذور لها والاستغاثة بها والسجود عندها
شرك لا يرضاه الله، وهو هدم للتوحيد — الذي جاء به الإسلام — من أساسه، ومثل ذلك
َّ تجصيص القبور وبناية الأضرحة، وتشييد الأبنية عليها وكسوتها بالحرير املذهب وما
إلى ذلك، فكل هذه لا يعرفها الإسلام.
173
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
فكانت دعوة ابن عبد الوهاب حربًا على كل ما ابتدع بعد الإسلام الأول من عادات
وتقاليد، فلا اجتماع لقراءة مولد، ولا احتفاء بزيارة قبور، ولا خروج للنساء وراء
الجنازة، ولا إقامة أذكار يغنَّى فيها ويرقص، ولا «محمل» يتبرك ويتمسح ويُحتفَ ل به
ً هذا الاحتفال الضخم، وهو ليس إلا أعوادا خشبية لا تضر ولا تنفع.
كل هذا مخالف للإسلام الصحيح يجب أن يزال، ويجب أن نعود إلى الإسلام في
صفاته الأولى، وطهارته ونقائه، ووحدانيته واتصال العبد بربه من غري واسطة ولا
شريك؛ فلا إله إلا الله معناها كل ذلك. والكتب اململوءة بالتوصلات كتب ضارة بالعقائد،
كدلائل الخريات، وما في البردة من مثل قوله:
ايأكرم
الخق
ل
مالي
نم
ألوذ
ب
َ ه
سواك
عند
حدوث
الحادث
العمم
وقوله:
إن لم
تكن
في
معادي
آخذًا
بيدي
ف
ً ضلا
وإلا فقل
يا
زلَّة
ق
الَدم
وقوله:
َ فإن
من
جودك
الدنيا
وضَّرتها
ونم
عولكم
عمل
اللوح
والقمل
ونحو ذلك، أقوال فاسدة كاذبة، فلا التجاء إلا إلى الله، ولا اعتماد في الدنيا والآخرة
إلا عليه.
لقد كان محمد بن عبد الوهاب ومن نحا نحوه يرون أن ضعف املسلمني اليوم
وسقوط نفسيتهم ليس له من سبب إلا العقيدة، فقد كانت العقيدة الإسلامية في أول
عهدها صافية نقية من أي شرك، وكانت لا إله إلا الله معنا السمو بالنفس عن الأحجار
والأوثان وعبادة العظماء وعدم خوف من املوت في سبيل الحق، ولا خوف من استنكار
املنكر والأمر باملعروف مهما تبع ذلك من عذاب، ولا قيمة للحياة إذا بذلت في رفع لواء
الحق ودفع الظلم، وهذا هو الفرق الوحيد بني العرب في الجاهلية والعرب في الإسلام،
وبهذه العقيدة وحدها غزوا وفتحوا وحكموا. ثم ماذا؟
ِّ وا من سمو التوحيد إلى حضيض الشرك، فتعددت
ثم لم يتغري
محمد بن عبد الوهاب (1(
فالزرع ينجح لرضا ولي ويخيب لغضبه، والبقرة تحيا إذا نذرت للسيد البدوي أو مثله،
وتموت إذا لم تنذر، وهكذا في الأمراض والعلل والغنى والفقر، كلها لا ترجع إلى قوانني
الله الطبيعية وإنما ترجع إلى غضب الأرواح ورضاها. ومثل هذه النفوس الضعيفة التي
تذل للحجر والشجر والأرواح لا تستطيع أن تقف أمام الولاة والحكام الظاملني تأمر
بمعروف أو تنهاهم عن منكر، فذلوا للحكام والأغنياء كما ذلوا للأخشاب والأحجار. وما
ً زال كل قرن يمر تزداد معه الآلهة عددا وتزداد النفوس ذلة، حتى وصلت الحال بالأمة
الإسلامية إلى فقد سيادتها، وانهيار عزتها. ولا يلح آخر الإسلام إلا بما صلح به أوله،
فلا بد من العودة إلى الحياة الإسلامية الأولى حيث التوحيد الصحيح والعزة الحقة، ولا
بد من هدم هذه البدع والخرافات باللني إن نجح، وبالقوة إن لم ينجح، والله املستعان.
لم ينظر محمد بن عبد الوهاب إلى املدنية الحديثة وموقف املسلمني منها، ولم يتجه
في إصلاحه إلى الحياة املادية كما فعل معاصره محمد علي باشا، وإنما اتجه إلى العقيدة
وحدها والروح وحدها؟ فعنده أن العقيدة والروح هما الأساس وهما القلب، إن صلحا
صلح كل شيء وإن فسدا فسد كل شيء، وطبيعي أن يكون هذا هو الفرق بني رئيس
الدين في نجد ورئيس الحكم في مصر.
َّ أما بعد، فإن التوحيد الصحيح املطلق املجرد عن شائبة كل تجسيم، املنزه عن كل
تشخيص، الذي يصل العبد بربه من غري وساطة ولا وسيلة، مطلب عسري لا يستطيعه
إلا الخاصة أو خاصة الخاصة، أما من عداهم فيشعرون بالتوحيد لحظات ثم سرعان
ما يتدهورون ويشوب عقيدتهم نوع من التشخيص، وأسلوب من التجسيم على نحو ما،
ثم يتخذون من الصالحني وسائل وزلفى — كان ذلك في الجاهلية وكان ذلك في الإسلام
بعيد البعثة إلى الآن.
فاملؤرخون يروون أن أهل الطائف ملا أسلموا كان لهم بَنيَّة على اللات، فأمر النبي
ً بهدمها فطلبوا منه أن يترك هدمها شهر ِّ ا لئلا يروعوا نساءهم وصبيانهم حتى يُدخلوهم
الدين، فأبى ذلك عليهم وأرسل معهم املغرية بن شعبة وأبا سفيان بن حرب وأمرهما
بهدمها.
وفي الحديث أن العرب كانت لهم في الجاهلية شجرة تُسمى «ذات أنواط» كانوا
يعلِّقون بها سلاحهم ويعكفون حولها ويعظمونها، فسأل بعض املسلمني رسول الله أن
يجعل لهم كذلك «ذات أنواط» فنهاهم عن ذلك.
175
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وملا جاء عمر شعر أن بعض الناس أخذ يحن إلى العادات الجاهلية القديمة، فرآهم
يأتون الشجرة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها فبلغ ذلك
عمر فأمر بها فقُطعت.
وملا رأى عمر كعب الأحبار يخلع نعله ويلمس برجليه الصخرة عند فتح بيت
املقدس، قال له: «ضاهيت والله اليهودية يا كعب».
وهكذا ما لبث بعض الناس حتى تراجع عن التوحيد املطلق الذي جاء به الإسلام،
لأن التحرر من املادة بكافة أشكالها، والإفلات من قيود الحس، والتسامي إلى الله فوق
املادة وفوق الحس وفوق التشخيص يتطلب منزلة رفيعة من السمو العلي تعجز عنه
الجماهري.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا
القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك»
ثم سرعان ما اتخذ املسلمون قبور الصالحني وغري الصالحني مساجد، ولم يكن
الصحابة الأولون يشدون الرحال إلى املشاهد، ثم كان ذلك، وهكذا كلما مضى زمن كثرت
فيه أصناف التعظيم للقبور والأضرحة وكثري من الأشجار والجماد.
وظهر الدعاة واملصلحون على توالي العصور يحاولون أن يردوا الناس عن هذا
ويرجعوهم إلى التوحيد وحده، وكلما دعا داع إلى ذلك عذب وأهني ورمي بالكفر والإلحاد
كما فُعل بابن تيمية، فقد ألف الرسائل في هذا املوضوع وانتقد حال املسلمني في
استغاثتهم بالقبور ورحيلهم إليها، وطوافهم بالصخرة في بيت املقدس، ورحيلهم إلى
مشهد الخليل ومشاهد عسقلان، وتعظيمهم حتى بعض آثار النصرانية، فعذِّب وسجن؛
وأتى بعده بقرون محمد بن عبد الوهاب هذا فدعا مثل هذه الدعوة فرمي بالكفر. وأخريًا
جاء الشيخ محمد عبده فدعا إلى العدول عن التوسل والشفاعة والزيارة للقبور، وملأ
دروسه في التفسري وتفسريه لجزء «عم» بمثل هذه الدعوة، فلقي من أهل زمنه ما لم
يغب عن أذهاننا بعد.
هذا هو جوهر الدعوة التي دعا بها محمد بن عبد الوهاب فماذا كان شأنها
ومصريها؟
176
محمد بن عبد الوهاب (2(
كانت جزيرة العرب عندما دعا محمد بن عبد الوهاب دعوته — التي شرحناها في العدد
ً املاضي — أشبه شيء بحالتها في الجاهلية، كل قبيلة تسكن موضعا يرأسها أمري منها:
هذا أمري في الأحساء، وهذا أمري في العسر، وهؤلاءأمراء في نجد الخ، ولا علاقة بني الأمري
والأمري إلا علاقة الخصومة غالبً ً ا. ثم تتوزعها — أيضا — الخصومة بني البدو والحضر،
فمن قدر من البدو على خطف شيء من الحضر فعل، ومن قدر من الحضر على التنكيل
ببدو فعل؛ والطرق غري مأمونة، والسلب والنهي على أشدهما، وسلطة الخلافة في الآستانة
تكاد تكون سلطة اسمية، ومظهرها تعيني الأشراف في مكة وإمدادهم ببعض الجنود
وكفى.
لقد بدأ «محمد بن عبد الوهاب» يدعو دعوته — التي ذكرناها — في لني ورفق بني
قومه. ثم أخذ يرسل الدعوة لأمراء الحجاز والعلماء في الأقطار الأخرى، حانا لهم على
استنهاض الهمم في مكافحة البدع والرجوع إلى الإسلام الصحيح.
كم من املصلحني دعوا مثل هذه الدعوة، ولكنها مرت بسلام، وإن شابها شيء
فسجن الداعي أو التسهري به، ورميه بالكفر أو الزندقة، ثم ينتهي الأمر ويعود الناس
ً سريتهم الأولى؛ بل نرى من قام بمثل هذه الدعوة — فعلا — في املغرب كالشيخ أبي
العباس التيجاني، فقد أمر بترك البدع ونهى عن زيارة القبور، وكثرت أتباعه حتى بلغت
مئات الألوف، ولكن لم يلفت الناس والحكام أمره كما لفتهم محمد بن عبد الوهاب؛
وكذلك الشيخ محمد عبده دعا مثل هذه الدعوة فأجابه بعضهم وأنكر عليه بعضهم، ثم
أسدل الستار. فما السبب في نجاح الدعوة الوهابية دون الأخرى؟
السبب في هذا ما أحاط بالدعوة الوهابية من ظروف لم تتهيأ لغريها.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
فقد اضطهد في بلده العيينة، واضطر أن يخرج منها إلى الدرعية مقر آل سعود؛
وهناك عرض دعوته على أمريها محمد بن سعود فقبلها، وتعاهدا على الدفاع عن الدين
الصحيح ومحاربة البدع، ونشر الدعوة في جميع جزيرة العرب باللسان عند من يقبلها،
وبالسيف عند من لم يقبلها؛ وإذ ذاك دخلت الدعوة في دور خطري، وهو اجتماع السيف
ً ا، ودخول الناس أفواجا فيها،
واللسان، وزاد الأمر خطورة نجاح الدعوة شيئًا فشيئً
ُ وإخضاع بعض الأمراء بالقوة لحكمها، وكلما دخلوا بلدة أزالوا البدع وأقاموا تعاليمهم،
حتى هددت الحركة كل جزيرة العرب. وملا مات الأمري ومات الشيخ تعاقد أبناء الأمري
وأبناء الشيخ على أن يسريوا سرية آبائهم في نصرة الدعوة متكاتفني، وظلوا يعملون حتى
غلبوا على مكة واملدينة.
وشعرت الدولة العثمانية بالخطر يهددها بخروج الحجاز من يدها، وهو موطن
ً الحرمني الشريفني اللذين يجعلان لها مركزا إسلاميً ً ا ممتازا، تفقد الكثري منه إذا فقدتهما.
ِّ فأرسل السلطان محمود إلى محمد علي باشا في مصر بأن يسري جيوشه ملقابتلة
الوهابيني؛ وكما أرسلت الجيوش ملقاتلتهم أرسلت الدعاية من جميع الأقطار الإسلامية
َ للنيل من هذه الدعوة وتكفري مبتدعيها، وحَمل علماء املسلمني عليها حملات منكرة،
وألفت الكتب الكثرية في التخويف منها والتشنيع عليها.
وهكذا حدثت الحرب بالسيف والحرب بالكلام، كل هذا خدم الدعوة الوهابية بلفت
الأنظار إليها، ودورانها على كل لسان. وزاد من شأنها أن الوهابيني انتصروا على حملة
محمد علي باشا الأولى بقيادة الأمري طوسون.
ُ ثم أعد محمد علي باشا العدة القوية الكبرية، وسار بنفسه وحاربهم بخري سلاحه،
فانتصر عليهم، وأتم النصر ابنه إبراهيم باشا، وانهزمت قوة الوهابيني؛ ولكن بقيت
الدعوة إلى أن هيئ لها في العهد الحاضر اململكة السعودية الحاضرة في تاريخ طويل لا
يعنينا هنا، وإنما يهمنا الدعوة وما تم لها.
ُحكمت ضدها، وتسلق الناس بالدولة العثمانية، وميلهم الشديد أن
إن الدعاية التي أ
تظل بلادها وحدة لا ينفصل عنها جزء، جعلت عامة املسلمني في أقطار العالم الإسلامي
يفرحون بهزيمة الوهابية، ولم لم يفهموا جوهر دعوتها. وشيء آخر كان كبري الأثر في
تنفري عامة املسلمني من هذه الحركة، وهو أنها حيث استولت على بلد نفَّذت تعاليمها
بالقوة ولم تنتظر حتى يؤمن الناس بدعوتها؛ فلما دخلوا مكة هدموا كثريًا من القباب
الأثرية كقبة السيدة خديجة؛ وقبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد أبي بكر وعلي؛ وملا دخلوا
178
محمد بن عبد الوهاب (2(
املدينة رفعوا بعض الحلى والزينة التي كانت على قبر الرسول؛ فهذه كلها أثارت غضب
كثري من الناس وجرحت عواطفهم، فمنهم من حزن على ضياع معالم التاريخ، ومن حزن
على الفن الإسلامي، ومنهم من حزن لأن مقبرة الرسول صلى الله عليه وسلم وفخامتها مظهر للعاطفة
الإسلامية وقوة الدولة؛ وهكذا اختلفت الأسباب واشتركوا في الغضب، والوهابيون لم
يعبئوا إلا بإزالة البدع والرجوع بالدين إلى أصله.
قد اهتموا بالناحية الدينية وتقوية العقيدة، وبالناحية الخلقية كما صورها الدين،
ُ ولذلك حيث سادوا قلت السرقة والفجور وشرب الخمور وأمن الطريق وما إلى ذلك؛
ولكنهم لم يمسوا الحياة العقلية ولم يعملوا على ترقيتها إلا في دائرة التعليم الديني، ولم
ينظروا مشاكل املدنية الحاصرة ومطالبها. وكان كثري منهم يرون أن ما عدا قطرهم من
الأقطار الإسلامية التي تنتشر فيها البدع ليست ممالك إسلامية، وأن دارهم دار جهاد؛
فلما تولت حكومة ابن سعود الحاضرة كان لا بد أن تواجه الظروف الحاضرة، وتقف
أمام منطق الحوادث، ورأت نفسها أمام قوتني قويتني لا معدى لها عن مسايرتهما، قوة
رجال الدين في نجد املتمسكني أشد التمسك بتعاليم ابن عبد الوهاب واملتشددين أمام
كل جديد فكانوا يرون أن التلغراف السلكي واللاسلكي والسيارات واملجلات من البدع
التي لا يرضى عنها الدين، وقوة التيار املدني الذي يتطلب نظام الحكم فيه كثريًا من
وسائل املدنية الحديثة كما يتطلب املصانعة واملداراة، فاختطت لنفسها طريقً ً ا وسطا
َّ ا بني القوتني، فقد عدلت نظرها إلى الأقطار الإسلامية الأخرى وعدتهم مسلمني،
شاقً
وبدأت تنشر التعليم املدني بجانب التعليم الديني، وتنظم الإدارة الحكومية على شيء من
النمط الحديث، وتسمح للسيارات والطيارات واللاسلكي بدخول البلاد والاستعمال وما
ً إلى ذلك، وما أشقه عملا: التوفيق بني علماء نجد ومقتيضات الزمن، وبني طبائع البادية
ومطالب الحضارة.
َّ لم تقتصر الدعوة الوهابية على الحجاز والجزيرة العربية، بل تعدتها إلى غريها من كثري
ً ا صالحا وفرصة سانحة لعرض الدعوة
من الأقطار الإسلامية، وكان موسم الحج ميدانً
على أكابر الحجاج واستمالتهم إلى قبولها، فإذا عادوا إلى بلادهم دعوا إليها. فنرى في
زنجبار طائفة كبرية من املسلمني يعتنقون هذا املذهب، ويدعون إلى ترك البدع، وعدم
ُّ التقرب بالأولياء.
َّ وقام في الهند زعيم وهابي اسمه السيد أحمد، حج سنة 1822م، وهناك آمن باملذهب
الوهابي وعاد إلى بلاده، فنشر هذه الدعوة في بنجاب وأنشأ بها شبه دولة وهابية، وأخذ
179
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
سلطانه يمتد حتى هدد شمال الهند، وأقام حربًا عوانًا على البدع والخرافات، وهاجم
الوعاظ ورجال الدين هناك، وأعلن الجهاد ضد من لم يعتنق مذهبه، ويقبل دعوته،
وأن الهند دار حرب؛ ولقيت الحكومة الإنجليزية متاعب كثرية شاقة من أتباعه حتى
استطاعت إخضاعهم.
ً وكذلك حضر الإمام السنوسي مكة حاجا، وسمع الدعوة الوهابية واعتنقها، وعاد إلى
الجزائر يبشر بها، ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد املغرب كما سيأتي بيانه.
وفي اليمن ظهر أعلم علمائه، وإمام أئمته وهو الإمام الشوكاني املولود سنة
1172هـ، فسار على نفس هذا النهج، وإن لم يتلقه عن ابن عبد الوهاب، وألَّف كتابه
القيِّ ً م «نيل الأوطار» شارح ُ ا فيه كتاب ابن تيمية «م ً نتقى الأخبار»، عارضا الأحاديث
ً النبوية، مجتهدا في فهمها، وفي استنباط الأحكام الشرعية منها ولو خالف املذاهب الأربعة
كلها؛ وحارب التقليد ودعا إلى الاجتهاد وثارت من أجل ذلك حرب كلامية شعواء بينه
وبني علماء زمنه، كان أشدها في صنعاء، وألَّف في ذلك رسالة سماها «القول املفيد في
:
حكم التقليد»؛ ودعا في قوة إلى عدم زيارة القبور والتوسل بها، فقال في نيل الأوطار1
«وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، (منها)
َ اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وع ُظ َم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع
ً ودفع الضرر؛ فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنُجح املطالب، وسألوا منها
ِ ما يسأل العبَ ُّ اد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة فإنهم
لم يََدُعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا هلل وإنا إليه راجعون.
َ «مع هذا الفكر الشنيع والكفر الفظيع، لا نجد من يغضب هلل، ويغار حِّمية للدين
ً الحنيف لا عامل ً ا ولا متعلما، ولا أمريً ً ا ولا وزير ً ا ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما
لا يشك معه أن كثريً ِ ا من هؤلاء القبور بني أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمني من قبَل
ً خصمه حلف باهلل فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني.
تلعثم وتلكأ، وأبى واعترف بالحق؛ وهذا من أبني الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق
شرك من قال إنه تعالى تاني اثنني وثالث ثلاثة.
1 جزء 3 ص 134 من الطبعة الأمريية.
180
محمد بن عبد الوهاب (2(
«فيا علماء الدين، ويا ملوك املسلمني، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء
لهذا الدين أضر عليه من عبادة غري الله، وأي مصيبة يصاب بها املسلمون تعدل هذه
املصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكاره هذا الشرك املبني؟»
ً وقد مات الإمام الشوكاني سنة 1250 بعد أن أبلى في هذا بلاء عظيما، وخلَّف تلاميذ
كثريين يدينون برأيه.
ّ وفي مصر شب الشيخ محمد عبده فرأى تعاليم ابن عبد الوهاب تملأ الجو، فرجع
إلى هذه التعاليم في أصولها من عهد الرسول إلى عهد ابن تيمية، إلى عهد ابن عبد
الوهاب؛ وكان أكبر أمله أن يقوم في حياته للمسلمني بعمل صالح، فأداه اجتهاده وبحثه
إلى نفس الأساسني اللذين بنى عليهما محمد بن الوهاب تعاليمه وهما: (1 (محاربة
البدع وما دخل على العقيدة الإسلامية من فساد بالإشراك مع الله تعالى الأولياء والقبور
َّ والأضرحة، و(2 (فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه ضعاف العقول من املقلدين؛ وجرد
نفسه لخدمة هذين الغرضني، ولكنه امتاز بميزة كبرى عمن عداه، وهي ثقافته الواسعة
الدينية والدنيوية، ومعرفته بشؤون الدنيا وأسسها وتياراتها، وذلك بتربيته الدينية الأولى
املستمرة، وبانغماسه في الأمور السياسية واطلاعه على الثقافة الفرنسية، ورحلاته إلى
َّ أوربا يخالط علماءها وفلاسفتها وساستها. فلما تعرض ملثل ما تعرض له ابن عبد
َّ الوهاب فلسف الدعوة، وركزها على أسس نفسية واجتماعية، كما شارك في تركيزها على
الأسس الدينية؛ ففي دروسه في التفسري التي كان يلقيها في الرواق العباسي بالأزهر،
ِّ كان ينتهز كل إشارة لآية ولو من بعيد تندد بالشرك فيفيض في الحملة على عبادة
الصالحني، وزيارة القبور والشفاعة والتوسل وما إلى ذلك، فيُ ً طيل الوقوف — مثلا —
ِذ َين
ُه ْم َك ُح ِّب ِالله َ ? والَّ
ُّونَ
َند ً ادا يُ ِحب
َ
ِم ُ ن د ِون ِالله أ
ِخذُ
ِ اس َمن يَتَّ
َ عند قوله تعالى: ?وِم َن النَّ
َّن اللهَ
َ
ِـه َجِم ًيع َ ا وأ
ِللَّ
َّوةَ
َّن الْقُ
َ
َ اب أ
َعذَ
َرْو َن الْ
يَ
ُموا إِذْ
ِذ َين َظلَ
َرى الَّ
ْو يَ
ِـه َ ? ولَ
لَّ
ٍّا لِّ
د ُحب
َشُّ
َ
َ آمنُوا أ
ِ اب?، فيقسم الشيخ الأنداد إلى قسمني: هؤلاء الشفعاء الذين اتخذهم الناس
َعذَ
َشِد ُيد الْ
وسيلة للقرب من الله يستقضونهم في الحوائح، وهؤلاء الذين يقلدون في الدين ويتخذ
ً قولهم شرعا من غري حجة ولا برهان. وتظهر فلسفته للمذهب في بيان الأضرار النفسية
من هذه العقائد، فهي تورث الذل وتُخضع الناس للحكام الظاملني، وتحط بالنفوس إلى
الدرك الأسفل، ثم هي تضر اجتماعيًا باعتماد الناس على هؤلاء الأولياء بتركهم القوانني
الطبيعية التي جعلها الله أسبابًا لا بد منها لحصول املسبب. فالزراعة إنما تنجح بالحرث
والتسميد والبذرة والسقي، لا بالاستغاثة بولي؛ والحرب إنما تكسب باتخاذ سلاح مجهز
181
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
على آخر طراز كسلاح العدو، وإعداد العدة الكاملة كما يفعل العدو، لا بالاستعانة بأهل
القبور؛ وفضيلة املسلم أن يستعني بعد ذلك كله باهلل وحده يطلب منه أن يثبِّت قلبه،
ً ويلهمه التوفيق. وهكذا كان يفيض في هذين الأساسني، مفندا آراء من يقول بالتوسل
والشفاعة والتقليد.
وينتهز فرصة وجود جماعة من العلماء عنده في يوم مولد، ودعوته للعشاء عند
أحد املحتفلني، فيبني لهم أن هذه املوالد كلها منكرات، ويتمنى لو صرف ما يُصرف في
املوالد على تعليم الفقراء، ويناظرهم في ذلك مناظرة تنتهي بانصراف العلماء إلى العشاء
في املولد، وامتناع الشيخ وحده.
ويضع الشيخ تفسريًا لجزء «عم» للناشئة فيلتمس كل وسيلة للحملة على كل ما
يشوب التوحيد من شرك بعبادة املشايخ والقبور والأضرحة والتخريف، راجيًا أن ينشأ
الشباب نشأة دينية صحيحة خريًا مما عليه آباؤهم — وأعانه في هذه السبيل تلميذه
وصديقه السيد محمد رشيد رضا في مجلة املنار، فقد ملأها كذلك بمثل هذه الدعوة،
ومثل هذه الحجج يُِسمع بها املسلمني في جميع الأقطار الإسلامية.
وفي تركيا قامت الحكومة التركية الكمالية بمحاربة هذه البدع والخرافات فأغقلت
ِّ التكايا وكانت عش التدجيل، وطاردت املشايخ، واضطهدت املهرجني؛ ولكن الفرق بني
هذه الحركة وما قبلها أن كل الحركات السابقة كانت مؤسسة على الدين والإصلاح
الديني، والرجوع إلى الأصول الدينية، أما هذه الحركة فمؤسسة على العقل املطلق،
وفكرة الإصلاح الاجتماعي من غري أن يكون الوازع عليها الرغبة في الإصلاح الديني.
وأخريًا وقد مضى على هذه الدعوة الإصلاحية من عهد محمد بن عبد الوهاب إلى الآن
عشرات السنني، واشترك في تنظيم الغزة عشرات من الأبطال، فماذا كانت النتيجة؟
ظل عامة املسلمني في جميع الأقطار الإسلامية — كما هم — من حيث الالتجاء في
قضاء الحوائج إلى املشايخ والقبور والأضرحة، وظلَّت على عادتها في الاحتفال بها وإن
قل بهاؤها ورونقها، وإنما تأثر بهذه الدعوة الخاصة أو خاصة الخاصة، كما تأثر بها
ناشئة الشباب املثقفني بحكم ثقافتهم ونمو عقليتهم، فلم يلجئوا إلى املزارات واملشايخ
ً كما كان يلجأ آباؤهم؛ ولكن أخشى ألا يكون كثري منهم يلجأ إلى الله أيضا كما كان يلجأ
آباؤهم.
والآن ننتقل إلى نوع آخر من الإصلاح كان مظهره مدحت باشا في تركيا.
182
مدحت باشا (1(
م1833–1822/هـ1301–1238
وهذا مصطلح آخر من جنس آخر؛ محمد بن عبد الوهاب مصلح ديني، وهذا مصلح
اجتماعي؛ ذاك في نجد، وهذا في استنبول؛ ذاك لا شأن له بالسياسة ولا باملدنية الحديثة،
إنما همه إصلاح العقيدة؛ وهذا منغمس في السياسة لا مشكلة أمامه غريها؛ ذلك برنامج
إصلاحه الرجوع إلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبته لنعتقد ما يعتقدون، ونعمل ما يعملون،
ونترك ما يتركون؛ وهذا يرى الإصلاح في الرجوع إلى املدنية الحاضرة ومناهجها في الأمم
الحية لنختار منها ما يصلح لنا ويتفق ومواقفنا، دارسني في إمعان كيف شق الأوربيون
طريقهم إلى الحياة الاجتماعية والسياسية، وكيف تعثروا وكيف نهضوا، فنتعلم من
خطئهم وصوابهم، ونقتبس خري ما أنتجته عقولهم.
لقد ولد في عهد السلطان محمود، ونضج شبابه في عهد السلطان عبد املجيد، وبدأت
كهولته في عصر عبد العزيز، وانتهت في عهد عبد الحميد.
َ جاء والدنيا مدبرة عن الدولة العثمانية، وحركة الج ْزر تلي حركة املد، واململكة
تنقص من أطرافها، ويدب الفساد في داخلها.
يقع الظلم على سكانها املسلمني والنصارى على السواء، ولكن املسلمني ينادون
بالإصلاح في هدوء وإشفاق، والنصارى من ورائهم أمم تحميهم، وتتخذ ظلمهم وسيلة
للتدخل في شئؤون الدولة بدعوى حمايتهم، والعمل على تحريرهم، فأصبحت الدولة وكل
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
يوم تقتطع منها ممالك، وكل يوم تعقد معاهدات تَنقض حقوقها تفرض عليها بالتهديد
والوعيد.
حكام في كل ولاية يحكمون البلاد بعقول ضيقة وشهوات واسعة، فخفخة في
ا
املظهر، وسخف في املخبر؛ لا يقيدهم قانون، ولا يردعهم عدل، ولا يرون للشعوب حقً
إلا أن تؤمر فتطيع، وتُنتهب فتصبر؛ بل لا يكفيهم الصبر على املصيبة، وإنما يتطلبون
املدح والثناء عليهم في ظلمهم وطريقة حكمهم، فمن امتعض من ذلك فهو ثائر، ومن
شكا فهو كافر، فأورث ذلك الهجرة عند من احتفظ بإبائه، والذل والهوان عند من لصق
بأرضه.
لا عناية بصحة ولا تعليم، فالأمراض فاشية، والجهل عميم، واملسلمون في ذلك
ً أسوأ حالا من املسيحيني، لأن الجمعيات املسيحية في الأمم الغربية تعني مسيحيي الشرق
بفتح املدارس لهم، ونشر التعليم بينهم، واملسلمون حائرون بني إقدام على التعلم في هذه
املدارس مع التعرض ملا يمس دينهم، وبني الاحتفاظ بدينهم ومعه الاحتفاظ بجهلهم.
والفقر ضارب أطنابه بني الشعوب لضعف وجوه الاستغلال، فلا زراعة صالحة،
ٍ ولا صناعة ناجحة، فهذه كلها تدار بيد أضعفها الفقر، وعقل أضره الجهل، وعقيدة
أفسدها التخريف؛ ثم عدم اكتراث الناس ملا تنتجه أيديهم وأرضهم إذ ليس يحميه عدل
حكامهم.
الجنود في الدولة لا تزال قوية شجاعة على رغم كل ذلك، تحتقر املوت وتستعذ
به؛ وحالتها املعنوية عالية رفيعة، ولكن لا نظام لها على النمط الحديث، ولا نظام في
التموين بالآلات والعدد والغذاء؛ فإن انتصروا في بعض املواقع فبفضل قوة إيمانهم وسمو
ُ روحهم، وعلى الرغم من سوء تغذيتهم، وضعف عَّدتهم؛ وتلك حال لا تبشر بخري دائم.
ً والأمم الحية حولهم كل يوم تعد جديد ً ا من الآلات، وتستكمل نقصا في النظام، وتتخذ
الأساليب الخفية والظاهرة في الظفر بالأعداء؛ فكيف ينفع بقاء القديم وسري الأمور في
مجراها العتيق؟
وهذه الدول من حولها أحست ضعفها، وشعرت بدنو أجلها، فهو كل يوم تنصب
الشباك حولها، وتتقن صنعها في دقة ومهارة، ولكل دولة أساليبها في الحبائل، وطرقها
ً في الصيد، وكل دولة تصطنع من الدولة رجالا هم عيونها وعدتها ووسائلها.
واململكة خليط من عناصر مختلفة يختلف جنسها وتختلف لغتها، ويختلف دينها،
ولكل عنصر هوى، ولكل جنس أسباب متصلة بأمم أخرى تستهويها وتستنجدها.
184
مدحت باشا (1(
فلا املالية صالحة، ولا الإدارة صالحة، ولا الجيش صالح، ولا الأمة متحدة النوازع
والآمال والآلام.
ً وزاد الأمر سوءًا أن السلطان عبد العزيز جاء ناقما على الحالة التي وصلت إليها
الأمة، وانتقد أخاه عبد املجيد في تصرفاته، وفي إسرافه في شهواته، وفي تبذيره للمال،
وعدم نظره إلى شؤون الدولة كما ينظر إلى نفسه، فأعلن أنه آت لإصلاح املفاسد، والأخذ
بيد الشعب، والاقتصار على زوجة واحدة، والاقتصاد في نفقات الحريم، ولكن سرعان ما
تبددت هذه الوعود، وخطا في سبيل البذخ والترف والنعيم والإسراف أضعاف ما كان
ينتقده من أخيه! وارتكب في عهده غلطتني كبريتني: استفزازه عواطف رعاياه املسلمني في
أنهم أولى بالتفضيل في مزايا الدولة في املعاملة واملناصب ونحو ذلك، وأن ليس يصح أن
يساويهم رعاياه املسيحيون في ذلك، فأوقد بذلك شعور البغضاء والحقد وحب الانتقام
بني عناصر الأمة الواحدة، ومهد الطريق للدول الأوربية أن تتدخل في حماية أهل دينها.
والغلطة الثانية: وقوعه في الدين من املصارف الأجنبية لقلة دخل الدولة وكثرة
إسرافه. نعم، إن بعض هذا املال أنفق في إصلاح الجند والبحرية، ولكن كثريًا منه أنفق
في بناء قصوره العديدة الفخمة وما تحوي من أسباب الترف والنعيم — مع أنه ملا أراد
سعيد باشا والي مصر الاستدانة بعث إليه بكتاب طويل مملوء بكل الحجج التي يمكن أن
ً تقال في سوء عاقبة الاستقراض وضرره باملمالك — فكان هذا أيضا وسيلة من وسائل
التدخل الأجنبي؛ هذا إلى اعتداده بنفسه، واستبداده برأيه، وتركيز أعمال الحكومة كلها
في شخصه؛ فهو مرجع كل شيء، لا يسمح نصيحة ناصح، ولا رأي مجرب، ويخشى
الذكاء والعلم والثقافة الواسعة ومعرفة بواطن الأمور، لأنها كلها تؤدي إلى مراقبة أعماله
ومحاسبته على إسرافه.
وجاء السلطان عبد الحميد فزاد في الطنبور نغمة بل نغمات؛ لقد لعب خوفه على
شخصه برأسه، وقد سمع من التاريخ أن كثريًا من أجداده خلعوا أو قتلوا، وهذا بالأمس
القريب عبد العزيز خلع وقيل قُتل، فليحذر أن يمثل به هذا الدور؛ ثم ذكاء نادر،
َّ ومال كثري وسلطان كبري، كل هذا يوجه للمحافظة على شخصه أن يمس بسوء، فلا
تُذكر امللة والأمة في الصحف واملجلات، بل تذكر «الذات الشاهانية» متوجة بالألقاب
الضخمة الفخمة، فهو السلطان الأعظم والحاقان الأفخم، وسلطان البرين والبحرين،
وإمام الحرمني الشريفني، وهو ظل الله في أرضه، املحفوف بألطافه الصمدانية، وعنايته
الربانية.
185
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ويصادر الكتاب إذا كان فيه «الأئمة من قريش»، وتمنع «العقائد النسفية» من
ً الطبع لأن فيها فصلا في الإمامة وشروط الخلافة؛ وكل كتاب يطبع في الشام أو العراق
أو الآستانة لا بد له من «رخصة جليلة»؛ ويجمع كتاب كان يدرس في «مكتب الحقوق»
ويحرق لأنه وردت فيه جملة مضمونها أنه إذا اختلت دولة من الدول يكون للدولة
املجاورة الحق في طلب إصلاحها.
وخطيب الجمعة يتحرى الحديث الذي يذكره في الخطبة، فلا يكون مما ينهي عن
ظلم، ولا مما يشري إلى حق رعية على راع، ولا نحو ذلك؛ ولذلك يغلب أن يكون الحديث:
«إن الله جميل يحب الجمال».
والجواسيس لا عداد لها، والجاسوسية سبيل الارتقاء، وعشرة آلاف جندي يقفون
للمحافظة على حياة السلطان وإظهار أبهته وجلاله إذا خرج للصلاة يوم الجمعة.
والقصر مملوء باملشعوذين والدجالني من املشايخ، يختلقون رؤيا يزعمون أنهم رأوها،
ً أو يفسرون حلما، أو يوقعون بمن يقف في سبيل دجلهم، والأمور تدار واملشاكل السياسية
تحل، بمثل هذه الرؤى، وآراء هؤلاء الطغام.
في هذه الأجواء عاش مدحت باشا وكافح وجاهد حتى مات.
ما أشق الإصلاح على من يعمل فيها! فأنفاسه معدودة عليه، وحركاته وسكناته
تسجلها الجواسيس، وهم لا يكتفون بما يعمل، بل يزيدون عليه ما لم يعمل، ويؤولون
ً ما يصدر عنه تأويلا يزيد في ربحهم وقربهم. يخلص في عمله، فيقال إنه يرمي إلى أخطر
غاية، ويعزل من عمله فيقال إنه يدبر املكايد، ويبعد لعمل خارج العاصمة فيقال إنه
يسعى للاستقلال بولايته، ويعمل للدستور فيقال إنه يريدها جمهورية؛ وهكذا وهكذا،
في كل خطوة عقبة، وفي كل فكرة وساوس، وفي كل حركة دسائس، وليس يحتمل مثل
هذا إلا أولو العزم الذين يدأبون مهما عذِّبوا، ويعملون مهما اضطهدوا، عقيدة تتملكهم
ً أنهم ليسوا ملكا لأنفسهم ولا لأسرتهم، إنما هم ملك لفكرة استحوذت عليهم، ومبدأ غمر
مشاعرهم؛ أما غريهم فسرعان ما يعودون من منتصف الطريق، سائلني الله السلامة،
مكتفني بأول عذاب نالهم ليستريح ضمريهم، ويلقوا التبعة على غريهم. وكان مدحت
ُ من هؤلاء الذين في خلُقهم حميَّ ٍ ة، وفي طبعهم تحد للشر، وثبات على الجهاد، وجلد على
َّ تحمل الألم حتى يلفظ آخر أنفاسه وعار عليه أن يتأوه.
186
مدحت باشا (1(
ً ولد مدحت في استانبول؛ وكان أبوه «الحاج حافظ محمد أشرف» عاملا دينيًا تولى بعض
ّ أيامه القضاء الشرعي في بعض الولايات، فأنشأه أبوه تنشئة دينية، فحفظه القرآن وهو
في العاشرة، ولقب بالحافظ، وهو لقب لكل من يحفظ القرآن من الأتراك، فكان اسمه
الحافظ أحمد شفيق؛ أما مدحت الذي غلب عليه فهو اسم ديواني. والتحق بالديوان
الهمايوني يتعلم الخط الديواني، وتنقل مع والده في الولايات التي تولى فيها القضاء
يتعلم في مكاتبها؛ حتى إذا عاد والده إلى الآستانة ألحقه بأحد أقلام الحكومة يساعد
الكتبة ويتعلم منهم بعض الوقت، والبعض الآخر يقضيه في جامع الفاتح، وكانت فيه
حلقات الدروس تشبه حلقات الأزهر، لكل شيخ حلقته وتلاميذه. فكان يتعلم هناك
اللغة العربية والفارسية والدروس الدينية والنحو واملنطق والفقه والبلاغة والفلسفة
التي كانت تسمى الحكمة؛ وظل على هذه الحال إلى أن ناهز العشرين، تلميذًا في دواوين
الحكومة وتلميذًا في جامع الفاتح.
وهي ثقافة — كما ترى — ضعيفة، فلا تاريخ ولا جغرافيا ولا رياضة ولا لغة
أجنبية، ولكن قد يعلم الزمن العقل املستعد أكثر مما تعلمه املدارس النظامية والبرامج
الثقافية، ولذلك نراه يشعر بنقصه الثقافي إذا كبر فيطالع بنفسه الكتب. وملا جاوز
الخامسة والثلاثني رأى الحاجة الثقافية والسياسية ماسة إلى تعلم لغة أجنبية، فتعلم
اللغة الفرنسية، فكان يدرها وهو يشتغل في (وظيفته).
وشيء آخر أفاده إفادة كبرى في ثقافته العملية، وهو سياحته في أوربا لدرس النظم
السياسية والاجتماعية التي أصلحت من شأنها، وعالجت بها أمثال املفاسد التي تعانيها
تركيا؛ فحصل على رخصة للسفر سنة 1274 وسنه إذ ذاك نحو ست وثلاثني، فأنفق في
سياحته هذه نحو ستة أشهر، زار فيها باريس، ولندن، وفينا، وبلجيكا؛ وكانت زيارته
زيارة درس واستطلاع، كيف تنظم الدول ماليتها، وكيف تسوس أمورها، وما نظام
الحكم وما علاقة شعوبها بملوكها، وما أهم وسائل العمران عندهم، إلى غري ذلك من
الأسئلة التي ملأت ذهنه، وأراد أن يتطلب الإجابة عنها عن كل مملكة زارها — وفي
الوقت عينه أراد من سياحته أن يتقن اللغة الفرنسية التي تعلمها على كبر، فتم له ما
أراد لعقله املتفتح وهمته العالية، واستقامته التي أخذها عن دينه.
ً ولذلك كان مزيجا غريبًا، محافظة على الصلاة وسبحة، ومعرفة بشؤون الدنيا،
واطلاع واسع على تيارات العالم وأسس املدنية الحديثة، ودروشة ويقظة.
ً أول ما لفت الأنظار إليه في تركيا أنه شب صريح ً ا لا يتقن فن املجاملة، حادا لا
ً يكظم غيظه، حارا في تنفيذ ما رأى في وسط بارد بطيء، مخلص لفكرته، على حني
187
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
أن كثريًا ممن حوله إنما يخلص لشخصه؛ تربى في مدرسة كبرلي باشا ورشيد باشا
وعالي باشا، وتعلم منهم القوة والتصميم، والقدرة على التنفيذ؛ فلما خلفهم من لا يملأ
ً كراسيهم اصطدم بهم. تولى محمد باشا القبرصلي «صدرا أعظم»، وكان بينه وبني
مدحت إحن وأحقاد، واندلع لهيب الثورة إذ ذاك في البلقان، واحتاجت إلى رجل شديد،
فرماها القبرصلي باشا بمدحت، لعله يفشل أو يقتل فيستريح منه، وإن نجح فلا بأس،
فأقل ما فيها أنه أبعده عن وجهه. فسافر مدحت ومعه قوة عسكرية، وقضى ستة
أشهر في قمم الجبال ومغاورها يقبض على أشقيائها، وأثبت إدانة أربعة منهم وأعدمهم،
وحبس ثمانني أرسلهم إلى الآستانة، وهدأت للفتنة ووضع مشروع الإصلاح، فكان ذلك
مما لفت الأنظار إلى قوته وحزمه.
كما لفت الأنظار إلى حسن إدارته عندما عني واليًا في الصرب وبلغاريا، وقضى فيها
ً أربع سنوات كان فيها مجددا حقً ا، يختلف عن سائر الولاة العثمانيني: بث املدارس في
أنحاء الولاية، وأنشأ املستشفيات، وأصلح من الطرق نحو ألفي ميل، وبنى نحو 1400
جسر، فإذا أعوزه املال الرسمي حض الأهالي على التبرع فأجابوه، بعدما ملسوا قيمة
ً الإصلاح في تحسني حالهم؛ وأهم ما تمتاز به إدارته — مما كان جديدا في نظر العثمانيني
— عدم تفرقته في سياسته وإدارته وعدله بني مسلم ومسيحي، ثم شدته املتناهية على
العصاة ومثريي الدسائس، ومعاقبته لهم بما يؤمن البريء، ويردع املسيء؛ فأصبحت
بفضله هذه املقاطعة على فقرها وكثرة فتنها مضرب املثل في الغنى والأمن أيام حكمه
من غري أن يكلِّ ً ف الدولة مالا.
ً كل هذا كان إرهاصا بما سيكون إذا أسندت إليه شؤون الدولة.
188
مدحت باشا (2(
إن ضعف الدولة العثمانية الذي ذكرنا، وعدم كفاية السلاطني املتأخرين، صحبه مشاكل
في منتهى التعقيد، فعناصر الدولة متعددة، ويكفي البلقان وحده — بما يشمل من
البوسة والهرسك وسربيا وألبانيا واليونان وبلغاريا ورومانيا — وما يقطن فيه من أمم
عديدة أن يقض مضجع أية دولة مهما بلغت من القوة، وخاصة بعد ما جاءت عدوى
القومية فأثارت نوازع كل عنصر من هذه العناصر نحو الاستقلال، فكيف بالدولة
العثمانية، وكيف ذلك مع ألاعيب الدول املختلفة وإثارتها لهذه العناصر؟ هذا إلى تعدد
املذاهب الدينية النصرانية وما بني كنائسها من خلافات لا تنتهي. ونشأ عن هذا كله ما
سمي «املسألة الشرقية» ويعنون بها «النزاع بني عناصر الأمم التركية من جهة، ودخول
الدول العظمى في هذا النزاع لتحقيق آمالها املتناقضة من جهة أخرى».
وسوء الحالة الداخلية والحالة الخارجية يتمخض — عادة — عن عدد من املفكرين
في هذه املشاكل، ويقترحون ما يرون من ضروب الإصلاح؛ ومن هذا نشأت أنواع من
الإصلاح متسلسلة تسمى في عرف الأتراك «التنظيمات الخريية»، ويريدون بها الإصلاحات
التي يراد بها إنقاذ الدولة العثمانية من ضعفها، وعلاج مشاكلها في الداخل والخارج، من
عهد السلطان محمود. وكان من أشهر هذه الإصلاحات أو التنظيمات القانون املعروف
بخط «كلخانه» الذي صدر سنة 1839 في عهد السلطان عبد املجيد، والذي سعى إليه
محمد أمني عالي باشا، وكان أهم ما يتضمن هذا «الخط» حماية النفس وامللكية، من
غري تفرقة بني جنس أو دين، وإلغاء نظام الالتزام، ومساواة الرعايا مهما اختلف دينهم
أمام القانون، وأن جميع املجرمني يجب أن يحاكموا محاكمة علنية، واملساواة في الفرص
أمام الجميع لتولي الأعمال الحكومية، وتجنيد غري املسلمني، وإصلاح الإدارة والبوليس
والضرائب والطرق، وإنشاء البنوك الخ.
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ولكن هذه الإصلاحات كان يعترض تنفيذها صعوبات جمة أهمها السلطان —
ُّ وأكثر السلاطني كان يرى أن هذه الإصلاحات تحد من إرادته — ورجال الدين لغضبهم
على التشريع املدني، وبعض الرعايا الأجانب لأن هذه املساواة تحرمهم من امتيازاتهم
القديمة، وبعض الدول الأجنبية لأنها لا يسرها أن تصلُح الدولة. فكانت كل «التنظيمات»
التي توضع لا تلبث أن تصبح حبرًا على ورق.
ً وفي هذا الوسط الشائك جدا حاول مدحت باشا أن يضع إصلاحه، فرأى أن الإصلاح
الذي يجب أن يسود اململكة العثمانية هو الحكم الديمقراطي على نمط ما رأى في انجلترا
وفرنسا، ومظهر هذا الحكم هو الدستور، وإشاء املجالس النيابية، وتمثيل كل عنصر
من عناصر الدولة وكل قطر من أقطارها في هذه املجالس؛ وبعبارة أخرى أن تحكم الأمة
نفسها بنفسها لا أن يحكمها السلطان بإرادته ونوازعه واملقربني إليه الذين يخدمون
أغراضه.
كان يرى أن كل الأمم الأوروبية مرت بهذا الدور الذي تمر به الدولة العثمانية، ولم
ينقذها إلا الحرية، فهي التي تربي الأمم، وتحيي النفوس، وترد للمرء حقوقه وتشعره
بشخصيته، وتضمن له العدل؛ والحرية هي التي تولد الدستور الذي يبث الطمأنينة بني
أفراد الأمة، ويسوي بني الأفراد على اختلاف دينها وعناصرها، فيؤلِّف بني قلوبها، وهو
الذي يفسح الفرص لكل كفء قادر، ويسد الطريق أمام كل دساس ماكر.
لقد عانت إنجلترا وفرنسا ما نعاني، ووقع على أفرادها الظلم كما يقع علينا، ولكنها
نجت من ذلك كله بتحرير شعوبها، ووضع دساتريها، والحزم في السري عليها؛ ذلك
حال إنجلترا قبل دستورها وبعده، وحال فرنسا قبل ثورتها وبعدها، هدموا الاستبداد،
وأحلوا محله حياة الحرية الصحيحة، فلو فعلنا ذلك وأعلن السلطان الدستور، وسرنا
عليه في حزم لانتظمت إدارتنا وماليتنا، وشعرت عناصر الدولة املختلفة بالتساوي بينها
ومشاركتها في الحكم وتحقيق العدل فاطمأنت، ولو فعلنا ذلك لم تجد الدول املختلفة
وسيلة للتدخل في شؤوننا فكفت يدها، وإذا تدخلت ظهر تعنتها فلم تجد رأيً ً ا عاما
يسندها — بهذا الدستور يصبح الحكام في كل ولاية مسئولني أمام البرملان، وبعبارة
أخرى أمام الأمة، فيفتح الحاكم عينه ويحد من شهوته، ويتحرى العدل وإلا طار من
منصبه.
ِ الدستور علْم ينشر بني الشعب، وغنى يسبب طمأنينة الشعب، وعدل بني أفراد
الشعب، ويقظة للرأي العام، وتفتح للملكات، ونشاط للقدر التي كبتها الاستبداد.
190
مدحت باشا (2(
فلا حياة للدولة العثمانية إلا بدراسة النظم الديمقراطية في الأمم الأوروبية، واختيار
أنسبها مما يتفق وحالة الدولة وظروفها ومركزها، ثم سن تشريع لها، ثم إحاطته بسياج
من القوة حتى لا نتلاعب به أيدي العابثني املفسدين.
إلى هذا انتهى مدحت بعد طول درسه وتفكريه وتقليبه وجوه الإصلاح املختلفة.
لم يكن مدحت باشا وحده هو الذي يفكر هذا التفكري، بل كان حوله شباب أحس
إحساسه وشعر شعوره، وأنكر الاستبداد، وحاول الخلاص منه، وعكف على قراءة التاريخ
والسياسة، والنظم الأوروبية، ووجدت جمعية في باريس على رأسها مصطفى باشا فاضل
تنقد الدولة العثمانية، ونظام الحكم فيها، وتجاهد بطلب الإصلاح. ومصطفى فاضل هو
صاحب الخطاب املفتوح املشهور الذي ترجمه فتحي زغلول باشا «من أمري إلى سلطان»
والأمري هو مصطفى فاضل هذا، والسلطان هو السلطان عبد العزيز، والخطاب هو أول
خطاب من نوعه يوجهه أمري عثماني إلى السلطان في مثل هذه الصراحة والقوة.
كان رأس هذه الحركة وعقلها املفكر وحكيمها الرزين هو مدحت باشا. وجاء
دور التنفيذ، يريد مدحت باشا ورجاله وشبابه الحكم الديمقراطي والدستور والحرية
ويصطدمون بالسلطان عبد العزيز وحاشيته وأعوانه، فهم لا يريدون ذلك — يرى
مدحت أن لا أمل للحياة إلا بالشورى، ويرى عبد العزيز أن الشورى تسلبه سلطانه؛
يرى مدحت أن الدستور لا بد منه، فهو يعيد إلى الأمة حقها في الإشراف على الحكم،
ويضمن العدل واملساواة، ويبعث الإخاء، ويحمي الأمة من شهوات الأمراء والسلاطني،
ويوحد بني عناصر الأمة املختلفة؛ ويرى عبد العزيز وحاشيته وكثري من رجال الدين
وبعض رجال السياسة أن الحكم النيابي لا يصلح للدولة العثمانية لاختلاف العناصر
وعدم التجانس، وميل كثري من الطوائف املسيحية إلى ترويج مصالح الأمم التي ترتبط
ً بها، وعدم بلوغ الأمة حدا من العلم يهيئها لهذا الحكم وتفضيل مصلحة الوطن على
املصلحة الشخصية الخ.
إذ ذاك ظهر الصراع بأجلى مظاهره، وانجلى الغبار عن معسكرين متميزين
بأعلامهما وجنودهما: هذا معسكر مدحت باشا على رأس حزب كبري من الكبراء والوزراء
والأمراء وطائفة كبرية من الشباب، وهذا معسكر على رأسه السلطان عبد العزيز، وحوله
الحاشية ومحمود باشا نديم رئيس الوزارة، وهو يمد السلطان بكل ما يحتاج إليه
من أموال الدولة، ينفق منه أقله في املصلحة العامة، وأكثره في شهواته، ثم يؤيده كثري
من املعممني من رجال الدين قد اشتريت ذممهم بما أغدق عليهم من أموال الأمة، فهم
يسمون كل حركة تدعو إلى الإصلاح فتنة، ويقولون: سلطان غشوم خري من فتنة تدوم.
191
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً وكان لكل معسكر ً ا أيض ُ ا أدباؤه وكتابه وشعراؤه، فمع مدحت باشا كتاب من
الطبعة الأولى يحررون في الصحف الفرنسية والتركية والعربية. وأبدع ناممق كمال أدبًا
تركيًا يتغنى بالحرية في أسلوب جديد، جميل في بساطة، واضح في قوة؛ وأدب آخر رجعى
يشيد بذكر السلطان ويهجو دعاة الحرية والإصلاح، ومنهم كتاب جريدة «الجوائب».
والدول الأوروبية نفسها تدخل في هذا املعترك؛ فانجلترا تعطف على مدحت لأنها
بحكم نظامها تميل إلى الديمقراطية وإلى الدستور، ولأن في صلاح تركيا وهدوئها ما يعوق
مطامع روسيا؛ وروسيا تؤيد السلطان ومحمود نديم، وسفريها في تركيا «ايغناتيف»
يثري الفتن والثورات حتى يحقق مطامع روسيا إذ ذاك.
ويركز مدحت برنامجه في كلمات فيقول: «إن التبذير في الدولة قد بلغ درجة لا
تطاق، فاملالية ترسل الأموال إلى املابني، فيصرفها السلطان في ملذاته، والنظار يبيعون
الوظائف بيع السلع؛ فالوالي يشتري وظيفة من الصدر الأعظم ويذهب إلى الولاية فيستغل
أهلها بأنواع الظلم حتى خربت الولايات، ووقعت الدولة في أزمة شديدة، ولا سبيل إلى
الخلاص منها إلا بتبديل الإدارة الحالية، وتبديلها يكون بإنشاء مجلس نيابي، وجعل
النظار مسئولني أمامه، وأن يكون هذا املجلس قوميًا، فلا يفرق في انتخابه بني املذاهب
والعناصر — وأن يوضع الولاة في الولايات تحت املراقبة الشديدة فلا يعبثون بمصالح
الرعية».
كل هذه املعاني تركزت في كلمة واحدة اسمها «الدستور».
ها هي الدعوة تنتشر والنفوس تغلي، وأخطاء السلطان عبد العزيز املتتابعة تزيدها
غليانًا.
ُبعد الصدر الأعظم محمود باشا نديم حبيب السلطان عبد
تحت ضغط الحوادث أ
العزيز لأنه يمده بما شاء من أموال الدولة، وحبيب الحاشية كذلك، وحبيب سفري روسيا
ُ في الآستانة، وحبيب ذوي املناصب من رجال الدين، وعني مدحت باشا صدرا أعظم، وهو
املكروه من كل هؤلاء، واملحبوب من الطائفة التي تغلى لطلب الإصلاح.
فما استقر على كرسيه حتى أعاد املنفيني الذين نفوا لاتهامهم بمشايعة حركة
الإصلاح، وأعاد تأسيس ميزانية الدولة على أساس ثابت لا أساس صوري كما فعل
محمود نديم، وضيق على السلطان عبد العزيز وحاشيته فلم يمدهم باملال الذي
يشتهون، وبت في املشاكل الخارجية بما أصلحها، وتوجه إلى الإصلاحات الداخلية فاهتم
بربط البلاد البعيدة بالدولة، فوضع مشروع خط حديدي يربط العراق بالدولة بإنشاء
192
مدحت باشا (2(
ً خط بني بغداد وطرابلس الشام. واختار مهندسا فرنسيًا لذلك كلفه وضع املشروع
ورسمه وتخطيطه واكتشاف أقرب طريق إلى ذلك، ووضع الخرائط له في نظري مائتي
ألف لرية، ودبر املال لذلك املشروع بالاتفاق مع انجلترا على دفع ثلاثة ملايني من اللريات
في نظري نقل بريد الهند على هذا الخط، كما وضع مشروع إنشاء الخطوط التلغرافية
في بلاد الحجاز، وإنشاء طريق حديدي بني دمشق وبغداد، وامتداد الأسلاك التلغرافية
ً بني دمشق والحجاز واليمن، وفعلا أحضرت الأخشاب والأدوات لإنشاء خط بني القدس
وجدة؛ ورأى أن ذلك لا يكلف الدولة كثريًا، فتلغرافات الحجاج تعوض النفقات في سنني
قلائل.
ووضع املكاييل واملوازين على أساس عشري، ووحدها بني أجزاء الدولة، وعارض
أشد املعارضة في منح الخديوي اسماعيل باشا فرمانًا يبيح له عقد قروض من الدول
الأجنبية وقال: «إنه إذا أبيح له ذلك تدخل الأجانب في شؤون القطر املصري، وضاع
ً استقلاله الإداري والسياسي مع ً ا، وتدخل الأجانب يوما ما في شؤون تلك البلاد بحجة
حفظ أموالهم»، فعل هذا مع أن السلطان كان قد وعد اسماعيل باشا بإصدار هذا
الفرمان.
ِ نمط جديدة في الوزارة لم يألفه عبد العزيز، فقد أل ّف ُ أن طاعته غنْم وإشارته حكم.
ً ولذلك لم يلبث مدحت في الوزارة إلا خمسة وسبعني يوما اعتزل العمل بعدها وضاعت
كل مشروعاته، وخسرت الحكومة مائتي ألف لرية للمهندس الفرنسي واضع مشروع خط
بغداد من غري أن تستفيد شيئًا.
ً ثم رأيناه وزيرا للعدل في وزارة أسعد باشا، ثم في وزارة شرواني زاده محمد رشدي
باشا، فمكنته هذه الوزارة الأخرية أن يعكف على وضع النظم واللوائح لإصلاح الدولة.
ً ا في مظهره شديدا في جوهره، قال فيه: «لقد
وكتب مدحت إلى عبد العزيز كتابًا لينً
صرحتم جلالتكم في خطاب العرش بأنكم تلتزمون خطة الإصلاح املنشود، ومع هذا
فقد ساء الحال، وأنتجت كثرة تغيري موظفي الدولة القلقلة والاضطراب، وضل أكثرهم
الطريق، ولم يسريوا وفق مقصدكم، بل خرجوا عن جادة الاستقامة وأفسدوا ما أحدثه
الإصلاح، واختلت مالية البلاد، وحدا ذلك بالناس إلى نشر الأراجيف في داخل البلاد
وخارجها، وخاف الناس أن ينتج هذا انقراض الدولة ...
«قد اضطرتنا وطنيتنا إلى عدم السكوت والوقوع فيما لا تحمد عقباه، فلجأنا إلى
أعتابكم الشاهانية ... ولا يخفى على حكمة جلالتكم أن الدواء الشافي لهذا العلة هو
193
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
اجتثاث أسبابها التي نعرفها حق املعرفة، فإذا أزيلت الأسباب زال املرض ... فإذا
ً أصدرتم خطا همايونيً ً ا جديدا حتمتم به اتباع القوانني والنظم واملساواة بني الغني
والفقري والكبري والصغري في نظر القانون، وأرجعتم املنشآت الخريية إلى أصلها (وكان
السلطان استولى عليها)، وصرفتم الأموال في سبيل ما خصصها له الواقفون، وأعدتم
مرجع أمور الدولة إلى الباب العالي (الوزراء) فيقر قراراته ويعرضها على جلالتكم،
ً ولم تستأثروا جلالتك بشيء من حقوق الدولة املالية وامللكية ولم تصرف املالية قرشا
ً واحدا إلا برأي الباب العالي، وحددت وظائف كبار املوظفني وأصاغرهم، وجعل الوزراء
مسئولني عن نتائج أعمالهم، وحتمتم ذلك على خواصكم ورجال حاشيتكم — إذا تم ذلك
كله حصلت النتيجة املطلوبة بعون الله تعالى، ووصلت الدولة إلى الطريق الذي ترجوه
جلالتكم.
هذه الأقوال هي نتيجة أفكارنا، وربما أخطأنا ... ونحن نطلب من جلالتكم تخليص
الأمة — التي قد أصبحت مصالحها بني يديكم — من أزمتها الحاضرة وعلى كل حال
فالرأي لكم».
في هذا الكتاب مجمل أفكار مدحت باشا ونظرته إلى الإصلاح.
أعد مدحت باشا هذا التقرير، وهو وزير عدل. وعرضه على الوزارة فاتفقت كلمتهم
عليه، واتفقوا على أن يرفعه الرئيس إلى السلطان عبد العزيز، فقابله ولم يستطيع أن
َّ يفاجئه، فحدث السلطان أحاديث مختلفة ثم تدرج إلى ذكر هذا الكتاب، فلما سمع كلمة
الإصلاح والشورى والدستور هاج هائجه وأصدر أمره في الحال بعزل مدحت باشا من
الوزارة، وإبعاده بتعيينه واليًا لسلانيك؛ وبعد أيام عزل شرواني وعينه واليًا لحلب،
ً وبذلك أبعد الاثنني اللذين يذكران الإصلاح. ولم يمكث مدحت طويلا في سلانيك فعزل
بعد ثلاثة أشهر، وأخذ يصلح في مزرعته، ويفكر في أمته.
194
مدحت باشا (3(
هذا مدحت باشا — في مزرعته — يفكر، كل محاولته في الإصلاح ضاعت سدى، لصلابة
السلطان عبد العزيز الذي يأبى أن يسمع كلمات «الشورى، والدستور، والعدل، والحرية،
والأمة»؛ وكل من نطق بهذه الكلمات كان عرضة للنفي والتشريد والقتل والعزل كما
حدث له.
ُ إن السبب الوحيد لتذمر املسيحيني في الدولة هو فقدانهم الحرية، فمتى منحوها
عطفوا على الدولة وشعروا أنهم جزء منها.
َوسبب ضعف املسلمني هو فقدان الحرية، فمتى شعروا بحريتهم أقدموا على عملهم
ونشطوا، وكسبوا، وتعلموا، واستخدموا ذكاءهم ومواهبهم لإسعاد أنفسهم وأسرتهم
وهيئتهم الاجتماعية.
وفقدان الجميع الحرية يملؤهم خوفًا، ويفقدهم رجولتهم ويخلقهم بأخلاق العبيد:
من ذلة وضعة، وعدم الالتفات إلا إلى املأكل وامللبس ينالونه من أخس الطرق. وليس
الذي وقعنا فيه من طبيعة الإسلام في شيء، فالإسلام يسوي بني الغني والفقري في الحقوق
والواجبات، وبني الوزير وراعي الغنم، ويجعل أمرهم بينهم شورى؛ وهذا السلطان يكره
كلمة الشورى كما يكره املوت. والإسلام جعل من أهم قواعده الأمر باملعروف والنهي
عن املنكر؛ وهذا السلطان لا يسمح لأحد أن يأمر بمعروف ولا أن ينهي عن منكر.
إن الشورى الإسلامية نظمت في العصرالحديث بما يسميه الأوروبيون البرملان، والأمر
باملعروف والنهي عن املنكر تشكل في املدنية الحديثة بحرية الصحف في النقد، وحرية
الأفراد والجماعات في التأليف وإبداء الآراء في صراحة، يستحسنون ما يرون، ويستنكرون
ما يرون، ويخطبون كما يشاءون، فلا أحد معصوم، ولا الحكومة معصومة، ولا الولي
ْ معصوم؛ وإنما الذي يقومهم ويخيفهم ويلزمهم الجادة يقظة الرأي العام وحريته في
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
النقد، وهذا هو ما سمي في القرآن: بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. كل هذا واضح
وجلي ولا بد منه، ولكن إرادة السلطان عبد العزيز هي الصخرة التي تتكسر عندها كل
هذه الآراء.
أرض الدولة العثمانية أخصب أرض في العالم، وهي مع ذلك أفقر أرض، لهجرة
كثري من أهلها بالظلم، وإقال كاهل من بقي بالضرائب. ولا شركات، ولا مصانع؛ فالقطن
كثري في البلاد ومع هذا فالأقمشة القطنية تجلب من أوروبا، حتى الطرابيش التي نضعها
على رءوسنا، وعلب الكبريت التي نشعل بها نرياننا نجلبها من الخارج؛ وكل املواد
الأساسية متوفرة عندنا، ولكن لا عدل، ولا أمن على املال، فلا شركات ولا صناعات.
ولا يتأتى العدل إلى بالقوانني العادلة، واملحاكم العادلة، وهذه لا تكون إلا بالحرية، أي
ُ ا، وعالي باشا د َّست
ً الدستور. كل من جاهر بالإصلاح أبعد؛ ففؤاد باشا مات محتقرا مهينً
َّ له الدسائس حتى عزل من منصبه، وهما ماهما في الكفاية والاستقامة؛ وإما يقرب أمثال
ِّ محمود نديم الشره الجاهل الذي يقدم مال الدولة للسلطان، ثم ينتهب لنفسه ما نالته
يده.
رحم الله فؤاد باشا وعالي باشا، فقد رأيا أن السلطان لا يسمع لقولهما في الإصلاح،
ِّ ففكرا في حيلة لطيفة: أن يشوقا السلطان عبد العزيز لزيارة أوروبا، وينتهزا فرصة
زيارته للعواصم الأوروبية فيبينا له ما وصلت إليه من النظام والتقدم، ويشعراه من
طرف خفي بأن سبب هذا كله حسن الإدارة وصلاحية الحكم، لعله إذا عاد تحفزت نفسه
لحسن التقليد، فأصغى إلى املصلحني وشجعهم على الإصلاح، وسار في أموره غري سريته،
ً ا، وأكثر تبذيرا في ملذاته. عاد
والتفت إلى رعيته؛ ولكن خاب فألهما فقد عاد أشد إسرافً
ووعد ثم أخلف ما وعد؛ وكل ما فعل أن حقد عليهما لأنهما أشارا عليه بانتخاب مجلس
في كل ولاية يجدد كل سنة ملشاركة الوالي في أعماله، وبذل النصح له، فرأى أنها فكرة
شيطانية يراد منها التدرج إلى البرملان أو الدستور، ذلك الشبح املخيف. وكل ما جنته
البلاد من هذه الرحلة إنشاؤه مصانع ومتاجر باسم خزانته الخاصة لا باسم الشعب.
ثم هذا السلطان يستدين ويستدين؛ فقد كانت ديون الدولة في آخر أيام السلطان عبد
املجيد 25 مليون لرية، فبلغت بعد 12 سنة — بفضل عبد العزيز — 250 مليون لرية،
فما مصري الدولة إذا استمر الحال على هذا املنوال؟! يظهر أن لا أمل في الإصلاح مع
وجود «عبد العزيز»، بل لا أمل حتى ولو أصدر لوائح الإصلاح، وأوامر إنشاء القوانني
للمحاكم والنظم للمدارس، فقد جربناه فرأيناه يطأطئ للعاصفة حتى تمر، فإذا مرت
عاد سريته الأولى، وحل ما عقد، ونقض ما أبرم.
196
مدحت باشا (3(
لم يبق إلا أمر واحد، وهو تهيئة النفوس لعزله، ووضع الخطط املحكمة لإنزاله عن
ْم ُت
عرشه؛ ومع الأسف لا يمكن أن يتم ذلك إلا بالجيش، وفي هذا خطورته، ولكن قد تعلّ
في جامع الفاح أن الضرورات تبيح املحظورات. فإذا تمت الأمور وعزل عبد العزيز،
ُعلن — يوم توليته — الدستور، شعر
وأقيم مكانة سلطان جديد أقامته الأمة بقوتها، وأ
بأن الأمر بيد الأمة فأطاعها، وأنه مدين لعرشه بالدستور فاحترمه، وسارت الأمور سريًا
حسنًا: دستور نافذ، وسلطان مطيع؛ وبدأنا حياة جديدة كلها خري على الأمة، وسرنا في
الطريق الذي سارت فيه الأمم الحية، نأخذ محاسنهم، ونتجنب أخطاءهم، فإذا الحياة
سعيدة، والعدل شامل، والدستور حام، فلنسر على بركة الله.
َّ هكذا فكر مدحت، وهو يشرف على الإصلاح في مزرعته، والفؤوس تضرب في الأرض،
والنواعري تبكي بدموع غزار.
ً سارت الأمور أول الأمر كما فكر تماما، فها هو يدبر الحركة ويتصل بالشبان
والشيوخ الذين سئموا هذه الحال، ويتفق معه في الرأي حسني عوني باشا (سر عسكر
الدولة)، وهما يتصلان بناظر البحرية وشيخ الإسلام، ويتفق الجميع على خلع عبد العزيز
في يوم معني. حتى إذا جاء اليوم أتى الأسطول فرسا أمام سراي طوملة بنجه، واجتمعت
العساكر فأحاطت بالقصر، ودخل على السلطان من أبلغه خبر العزل، فاستخف بهذا
الخبر، فأشهدوه العساكر والأساطيل والجموع املحتشدة فاستسلم، وأنزلوه من السراي،
ووضعوه في قصر فخم ومعه والدته وثلثمائة أنثى، بني زوجات وجوار مملوكات
ووصيفات وخادمات؛ واختصروا حاشيته فاستغنوا عن 1200 سائس و1000 طبلكار
(حامل طبليات الطعام) و600 قواربي وأمثالهم من الخدم، وقطعت مرتباتهم للضائقة
ُ املالية التي حلت بالدولة. وبعد بضعة أيام و ً جد السلطان مقتولا، فقيل إنه قتل، ويرى
الأكثرون، ويقرر الأطباء العديدون، ويؤكد ذلك مدحت، أن السلطان أخذته العزة فقطع
شريانًا من ذراعه بمقراض فمات من ذلك.
ومهما كان فقد بويع السلطان مراد، فلم تمض عليه أيام حتى ظهر جنونه واختلط
ُ عقله؛ فوِّليَ السلطان عبد الحميد بعد ثلاثة أشهر، وحمل «مدحت» عبء هذه الأحداث
الفظيعة والربكة الشنيعة؛ وهو في أثناء مرض السلطان مراد يجتمع بأعوانه ويدرس
قوانني أوروبا ونظمها ويختار أنسبها.
وكان في ذلك يضع إحدى عينيه على النظم الأوروبية والأخرى على حالة الدولة، فما
كل ما يصلح لأوروبا يصلح لها؛ وفي ذلك يقول: «إن أخذ القانون من أوروبا ووضعه
197
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
لنا لأنه أفادهم يشبه أخذ آلة من الآلات عندهم للنسيج وجلبها إلى بلادنا وليس عندنا
فرد يقدر على إدارتها والاستفادة من سرعتها.
ً وفضلا عن ذلك فكثري من القوانني لا يوافق كل الولايات في دولتنا؛ فالقانون الذي
يوافق ولايات حلب وسوريا وبغداد لا يوافق ولايات بروسه وأزمري وأدرنه؛ وقد يكون
ً القانون في بعض الولايات عدلا ً ، وفي بعضها ظلما، فيجب النظر إلى هذه املسألة عند
تغيري القوانني.
وإن مسألة استقلال املحاكم، وأصول جباية الأموال، وقوانني الإدارة وغريها من
القوانني والنظامات، قد استعملها الإفرنج فأفادتهم بسبب رقي الأهالي ومدنيتهم؛ فقانون
ً الأراضي مثلا يقضي علينا بتعيني املهندسني، ومعرفة مقادير أراضي بلادنا وأصحابها
ً ووضع الضرائب اللازمة، وهذا لا يتم بواسطة كاتب واحد يتقاضى 150 قرشا في الشهر،
فالإفرنج يعينون لكل قرية لجانًا ومهندسني يمسحون الأراضي ويقدرون الضرائب،
ونحن لا نعرف لليوم عدد سكان بلادنا ولا مقدار أراضينا.
فيجب تدريب الرجال وإلقاء أزمة الأمور إليهم بالتدريج ... كما يجب تخصيص
الأعمال لكل طائفة؛ ففي أوروبا للمالية اختصاصها، وللحربية اختصاصها، وكذلك
للداخلية والعدل أما عندنا فالأمور كلها منوطة بالوالي».
وهكذا عكف هو وأعوانه على هذا الإصلاح الذي يتلخص في اختيار خري النظم
ْت
ِلفَ
َ
ً الأوروبية واختيار أوفقها لحالة الدولة الاجتماعية، والأخذ بيدها تدريجا، كلما أ
خطوة انتقل بها إلى ما بعدها.
ُ ويعد القانون الأساسي للدولة ويرتب نظام مجلس املبعوثان، فما و ّلي السلطان
ً عبد الحميد حتى كان ذلك كله معدا، وتولى مدحت باشا الصادارة. وبعد أربعة أيام
من صدارته بادر السلطان إلى إقرار القوانني، وأعلن الدستور املؤسس على الشورى،
واملؤسس على اشتراك جميع الرعايا في شؤون تحسني الدولة من غري تفرقة بني عنصر
ودين؛ ونُ ِّظم للدولة مجلسان: مجلس ينتخب من الأهالي ويسمى بمجلس املبعوثان،
ومجلس تعني الدولة أعضاءه ويسمى مجلس الأعيان. وتُلى هذا الدستور املشتمل على
119 مادة بالآستانة في محفل عام (14 من ذي الحجة سنة 1293هـ)، وأمر بأن
يكون العمل بمقتضاه في جميع أنحاء اململكة العثمانية، وأطلقت املدافع عن القلاع
البرية والبحرية، واستبشر الناس خريًا، وأقيمت الأفراح والليالي امللاح. وكان يتضمن
هذا الدستور حقوق الدولة وواجبات الوزراء ورجال الإدارة، واختصاص كل مجلس من
198
مدحت باشا (3(
املجلسني، وتنظيم املحاكم والديوان العالي واملالية الخ، وكل الدلائل تبشر بالخري. هذا
مدحت أبو الدستور رئيس الوزارة، وهذا السلطان عبد الحميد أتى بإرادة الأمة وهو
مدين لها بجلوسه على العرش، مدحت يؤيده، وهو يؤيد مدحت، والكل يخضع للنظام
والحكم الديمقراطي، فماذا ينتظر بعد ذلك إلا الخري!!
هكذا قال الناس، وهكذا قال مدحت.
لعله أخطأ إذ بلغ في التفاؤل أكثر مما يلزم، وكذلك أكثر عظماء الرجال تسحرهم
الفكرة، ويلعب بلبهم املبدأ فلا يرون منه إلا النواحي البراقة، كالفنان يرى في شجرة
الوردة أزهارها ولا يرى أشواكها. استخف بقوة الرجعيني، ولم يعرف لطهارته أساليب
ِ دسائسهم، واقتنع بالبسمة على وجوههم، ولم ينفذ منها إلى الغل في أعماق صدورهم،
ولم يقدر قوة العدد العديد الذي كان يغتني من الظلم وسيفتقر بالعدل؛ والذي كان
يثري من كلمة ملق أو تسويد سطر بوشاية، فأصبح خائفً ا من العدل أن يجرده من
ثرائه وينزله من جاهه؛ والذين يبشرون أنفسهم بالحظ لأنهم فقدوا أن ينالوا شيئًا ببذل
الجهد.
ً وشيء آخر هام فاته، وهو أن من عاش طويلا ً في ظل العبودية لا يتعلم سريعا
مزايا الحرية، وأن الأمم السابقة إلى النظم الديمقراطية لاقت الأهوال قبل أن تعتدل،
وتأرجحت كثريًا قبل أن تتوسط، والذي نفعها أنها لم يكن يطمع فيها طامع، فقضت
مدة التجربة وهي آمنة مطمئنة؛ أما هذه الدولة فلا ينتظر مدة تجربتها أحد، فإذا بدأت
َ تجرب قالوا لا تصلح، وإذا أخطأت لم يقولوا إنه ع َرض مفارق بل قالوا طبع ملازم.
فهذا مجلس املبعوثان يجتمع فيشتط بعض أعضائه في القول من غري حساب حتى
يثري بأقواله مشاكل ومخاوف ما كان أغناهم عنها، وكل ولاية تظن أن مبعوثيها نائبون
عنها لا غري وليسوا نائبني عن الأمة، وأن عليهم أن ينفذوا جميع رغائبها ولو كانت
غري عادلة، ولو كانت لا تتفق ومصلحة الدولة من حيث هي كل؛ ويحمل البريد إلى كل
مبعوث ما ينوء بفتحه بله قراءته: هذا يطلب عزل خصمه وتوليته بدله، وهذا يلتمس
رتبة ونيشانًا، وهذا راغب في وظيفة، وهذا راغب في ترقية، حتى بلغ الحال أن مكاريا
سرقت دابته فبعث إلى مبعوث ولايته أن يأمر بإعادتها إليه.
وربما كان هذا طبيعيًا والنظام جديد، والجهل عتيد، ولا بد من فترة تمر يفهم
فيها أن املصلحة العامة مقدمة على املصلحة الخاصة، وأن مبعوث الولاية نائب الأمة
ً أولا وولايته ثانيًا، وأنه كلما خفف ناخبوه مطالبهم زادوه مقدرة على نفع أمتهم؛ ولكن
199
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
أنّى لهم بمن يصبر على سخاتهم، ويفسح الصدر ملرانهم، والأعداء كثريون في الداخل
والخارج وهم لهم باملرصاد؟!
وزاد الأمر سوءًا أن الروسيا إذ ذاك لم يرضها هذا الحال، فاحتجت على ذلك وتأخرت
َّ في الاعتراف بالنظام الجديد، ولعبت بالبلقان فحركته، وثارت الثورات في أنحائه، فثورة
في الصرب، وثورة في الجبل الأسود والبوسنة والهرسك، والحروب قائمة، وانتصارات
الدولة لا تفيدها عند الدول، وانتصارات عدوها يفيده؛ والدولة فقرية في املال بما أسرف
عبد العزيز، وفقرية في رؤساء القواد، فقد قتل حسني عوني باشا وغريه معه بيد أثيمة،
وروسيا تريد فصل البلغار عن الدولة، ولكل دولة مطامع؛ ومدحت يتحمل كل هذه
الأعباء الداخلية والخارجية في صبر عجيب، فنهاره في تنظيم الشؤون الداخلية، وليله في
املشاكل الخارجية، وفي ذلك يقول: «تحملت من املتاعب من يوم جلوس السلطان مراد
ما يفوق القدرة البشرية، وكنت أقول ليست هذه الحياة لي بل للأمة، وقد وقع الوطن في
مصائب داخلية وخارجية، فواجب أن أسعى في تخليصه من مخالبها».
وفيما هو كذلك سلّم إليه أحد رجال املابني خطابًا فتحه وقرأه، فإذا فيه عزله
ً وإبعاده إلى خارج الدولة فور ّ ا من غري أن يعرج على أهله، وذلك بعد شهرين من
صدارته. فألح مدحت على رجل املابني أن يراجع السلطان في بيان السبب؛ فعاد وقال:
إن السلطان يقول إن املادة 113 من الدستور تخول السلطان حق إبعاد الذين ترى
ع
نظارة الضابطة سوء حالهم، وقد قام ناظر الضابطة إلى جلالة السلطان تقريرين وقَّ
ً عليهما وهما هذان. ففتح مدحت أحدهما فإذا فيه: «أن جاسوس ً ا سمع ضابطا يقول
لصاحبه في إحدى املقاهي إن مدحت سيكون رئيس جمهورية» فاكتفى مدحت بهذا ولم
يفتح الثاني، وقال: «إن بلادي التعيسة كمريض حضره نُ ُط ُس الأطباء، وعالجوه حتى
ُّ كاد يبل ّ من مرضه، فاندس عدو له فسقاه سما قضى على حياته». وصدع بالأمر وركب
الباخرة «عز الدين» لتوه من غري أن يرى أهله.
وخاف السلطان من الرأي العام، فطلعت الجرائد ومن ضمنها «الجوانب» ترمي
مدحت بأفظع التهم، هذه تقول إنه ضبطت أوراق تدل على خيانته، وهذه تقول إنه أراد
أن يجعلها جمهورية، وهذه تقول إنه قد أوقع الدولة في مشاكل خطرية؛ وأدى الشعر
َّ رسالته، وأنشئت فيه قصائد هجاء بليغة، وأظهر كثري من املعممني ابتهاجهم، وقالوا
إنه يريد فصل السلطة الدنيوية عن السلطة الدينية — والذي يقارن بني الجرائد منذ
أربعة أيام وبينها اليوم يعجب لهذا الانقلاب الغريب من مديح رنان إلى هجاء رنان.
200
مدحت باشا (3(
ُ وسكت الناس بني الدهشة والعجب، والشك واليقني؛ وشرِّد رجال مدحت ممن أخلصوا
ً له وملبادئه. ووسط هذه البلبلة الفكرية صدر الأمر الشاهاني بتعطيل الدستور تعطيلا
مؤقتًا، ولكن ألا تعرف — أيها القارئ الكريم — مدة هذا التعطيل املؤقت؟ ثلاثون سنة!!
ً لم يكن الرأي العام حذر ُ ا فخِّد ً ر، ولا عاقلا ُفخدع، ولا قويًا فامتهن.
201

مدحت باشا (4(
هذه الباخرة «عز الدين» تمخر البحر لتقذف به في ثغر من ثغور أوروبا، وقد ضاعت
كل آماله؛ فكل ما حزر من تقديره الثورة ونتائجها، والدستور وثباته، والسلطان عبد
الحميد وخضوعه لإرادة الأمة، قُضي عليه في لحظة، وزال من الوجود في ملحة، وعادت
الدولة إلى ما كانت عليه قبل جهاده املتواصل، وكدحه املتتابع، وكل ما في يده الآن غضب
ُّ السلطان عليه وعلى أتباعه، وبعده عن أهله وتجرده من ماله.
لو أن أي إنسان عادي آخر مكانه للعن الإصلاح واملصلحني، وترك الدولة تجني
ُّ جزاء ظلم سلاطيتها، وانتظر حتى يتشفى بمنظر الفساد يهد أركانها، ويفتخر بأنه
نصح فلم ينتصحوا، وأنذر فلم يصغوا، فارتاحت نفسه بصدق ما تنبأ، وحدوث ما أنذر.
ولكن لم يكن مدحت في شيء من هذا، فما مرت هذه الخواطر بنفسه حتى طاردها،
وأخذ يفكر من جديد في وسائل إصلاح ما كان، وعجب من نفسه فوصفها بقوله: «إن
حب الإصلاح قد اختلط بدمي فكان كاملرض املزمن لا يُبرأ منه».
ً فكر سريع ً ا، ووصل إلى النتيجة سريعا، فرأى أن روسيا تحارب بلاده وتجمع
لها جيوشها الجرارة، ويذهب القيصر بنفسه إلى ميدان القتال لتحميس الجند، والدول
كلها تتنبأ بنصرتها، فواجبه — إذن — أن يؤلِّب الدول على روسيا ما استطاع، ويبني
لكل منها الأضرار التي تنالها من هزيمة الدولة العثمانية، وتعديل خريطتها. فهو في
أسبانيا يتصل بساسة إنجلترا وفرنسا، ويحاول إقناعهم بآرائه، ثم يذهب إلى انجلترا
لهذا الغرض، ويُبرق إلى املابني يقول: «قد سعيت مدة إقامتي في عاصمة بلاد الإنجليز
بما يعود على دولتنا بالنفع ويرفع شأن حكومتنا، وحاولت إقناعهم بعقد صلح يحفظ
الدولة وعظمتها، وأفتخر أني وفِّقت إلى ذلك بعض التوفيق»؛ ثم يذهب إلى فيينا لهذا
الغرض ويبرق فيقول: «أنا اليوم في (فيينا) أبذل الجهد لترويج نفس املساعي ... وآمل
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
إخباري بما يوافق مصلحة الأمة لأستعني به على أمنيتي الوحيدة، وقد وقفت حياتي
لتخليص الدولة من ورطتها، وأنا قادر على القيام بأعباء ما يطلب مني، ومصلحة الوطن
تضطرني إلى ذلك».
ُّ وكانت تعترضه صعوبة أن بعض الدول ترد ً عليه بأنه ليس مفوضا، ولا له صفة
ً رسمية يتكلم بها، وأنه ليس إلا رجلا منفيًا، فطلب من الدول تصحيح موقفه لإتمام
ً مساعيه فلم يجد سميعا!
َّ وأغرب ما في الأمر بعد ذلك أن يزف إليه «ناظر التشريفات» بشرى أن السلطان
ذكره بمحضره، وسأل عنه كيف يعيش؟ فقال «ناظر التشريفات»: إنه في حالة بؤس
ينتقل من بلد إلى بلد، ويعيش بالقرض، فظهرت رقة قلب السلطان بكى، وقال أرسلوا
له ألف لرية؛ ثم يختم الخطاب بأنه يطلب منه شكر السلطان، وتضرعه إليه بالعفو عنه.
ةٌ كملقه؛ ولكن
َ ظن املسكني «ناظر التشريفات» أن كل النفوس ذليلة كذلته، مِلقَ
هذا الخطاب وقع من نفس مدحت الأبيَّة موقع السهم املسموم في الفؤاد الجريح، فهاج
وثار، ورد عليه فقال: «لقد عبرتم للسلطان عن حالي بأنها حال بؤس ينتقل من بلد إلى
بلد، تستدرون بذلك شفقته، وهذا وصف لا يوصف به إلا فاقد الشعور أفَّاق، لا رجل
مثلي عمل ما عمل، وتولى الصدارة بجدارة.
وأنا كما وصفتم من أسباب عيشي وفقري، فقد اقترضت عشرة آلاف فرنك من
خرستاكي في نابولي فنفدت، وأنا اليوم أسعى في قرض جديد أسد به رمقي ورمق أسرتي
في الآستانة، ولكني فخور بذلك، فقد ولدت عاري الجسد، وسأموت عاري الجسد، وأنا
ابن الحاج أشرف أفندي ونعم النسب، ومع هذا فلا أنتسب إلا إلى الله، وذخريتي أني
عاهدته ألا أقول إلا الحق، ولو أوصلني إلى مثل ما ألاقيه الآن من الشدائد.
وما الذي فعلت من إجرام حتى أطلب العفو؟! لقد سعيت في تولية السلطان مراد
بعد عبد العزيز، فلما مرض سعيت أن يجلس مكانه السلطان عبد الحميد، وكان جلوسه
مقرونًا بإعلان الدستور ووضع خطط الإصلاح.
ومنذ خروجي من الآستانة وأنا أفكر في الدولة وسبيل إنقاذها من املهالك، ولا أفكر
في نفسي، فماذا في هذا مما يعتذر منه؟
لقد بلغت السادسة والخمسني، ولا أمل لي في الحياة! فلم يتجاوز أسلافي الستني،
ً فأيامي معدودة، وجل رجائي أن أعيش منفردا، وأدعو لولي النعم الأعظم».
هذه خلاصة كتاب أقل ما يوصف به أنه يعبر أصدق تعبري عن قوة مدحت وعظمته
ورجولته وسمو نفسه.
204
مدحت باشا (4(
لقد وصف «ناظر التشريفات» هذا الخطاب ملا قرأه بأنه كالعروس عطلت من
َ حليها، وعِريَ ُت ً من ثيابها، ولكن أين يكون الجمال إذا لم يكن هذا جميلا؟ وفي الحق أن
هناك عيونًا لا ترى الجمال الحق في الإباء والشمم، وإنما ترى الجمال املتصنع في النفاق
وامللق.
ً كان يوما يصطاف في الريف عند صديق له من دوقات الإنجليز، وإذا بسفري الدولة
العثمانية في إنجلترا يقابله، ويبلغه أن السلطان سمح له أن يقيم مع أسرته في جزيرة
«كريد». فذهب إليها وعاش فيها مع أسرته نحو شهرين. ثم عني واليًا لسوريا، ثم
لأزمري، ثم كانت مأساته التي ختمت بها حياته كما سنبينه بعد.
هذا هو العمود الفقري في حياة مدحت، وله بجانب هذا أعمال فرعية في الولايات التي
تولاها، وهي أعمال خالدة لا تزال تذكر من أهل البلاد التي عمل فيها بالحمد والثناء.
َ لقد وِليَ العراق، وولي سلانيك، وولي الشام، وولي أزمري، وكان له في كل أولئك
ً خطة واحدة، يعمد — أولا — إلى الأشقياء الذين يعيشون بالأمن فيضربهم ضربة
تنخلع منها قلوبهم وقلوب أمثالهم، فإذا الأمن شامل والهدوء عام. ثم ينشر العدل بني
الناس فيطمئنون على أنفسهم وأموالهم؛ ويعمل بالشورى فيحيط نفسه بمجلس من
خرية الولاية يستشريهم في أمورها، ويجرئهم على قول الحق في صراحة، ويعلمهم كيف
يعالجون املشاكل؛ ثم يصلح الطرق ويربط الولاية بشبكة محكمة، لأن ذلك يعني على
الإسراع في ضبط أمورها؛ ثم يضع الخطط لاستغلال منابع الثروة في البلاد على خري
وجه، كل ولاية بما يناسبها، حتى يزيد نتاجها على نفقاتها، ويأخذ من املال الناتج
لإنشاء املدارس ونشر التعليم، وهو بعمله هذا يضع نواة العلم في بلاد فشا فيها الجهل
وكادت تعم الأمية.
تولى العراق سنة 1285هـ/سنة 1870م في عهد السلطان عبد العزيز فأخضع
ّ رؤساء العشائر بعد عنادها، ودوخ العصاة وطاردهم في أوكارهم، ثم أصلح أداة
الحكومة، فأقبل الزرع على زراعتهم، والعمال والصناع على عملهم وصناعتهم، وأنشأ
َّ أول مطبعة في بغداد، وشجع على إنشاء جريدة سماها «الزوراء»؛ وحث الشركات
ِّ على العمل: فشركة تسري البواخر بني بغداد والبصرة، وشركة تسري الترام بني بغداد
َّ والكاظمية؛ وقرب املسافة بني بغداد والبصرة بتحويل مجرى دجلة، وبث املهندسني
ً الزراعيني يدرسون حالة البلاد الزراعية، وأنشأ منتزه ً ا عاما في بغداد سماه «بستان
ِ الأمة» «ملَّ ْت باغجة سي».
205
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً ومن طريف آرائه أنه عرف أن «بالنجف» كنوزا مدفونة، فيها كثري من الأحجار
الكريمة، كانت تزين بها الأضرحة واملشاهد، قد أخفيت أيام هجوم الوهابيني وهدمهم
ّ للقبور، فأخرجها مدحت، وقومها الخبراء بما يزيد على ثلثمائة ألف لرية؛ فاقترح مدحت
بيعها وإنشاء خط حديدي بثمنها بني النجف وإيران (لأنه كان قد اشترك في التبرع بها
كثري من الفرس)، فلم يوافقه العلماء على ذلك فبطل املشروع. كذلك من طرائفه أنه
ً ف مجلسا للشورى في بغداد يرجع إليه في أمور الولاية، ولم تكن الناس تألف الجهر
ألّ
ُّ بالرأي والشجاعة في القول، ولا تعد ً لهم بجانب الوالي شخصية، فجمعهم يوما وقال
لهم: إني أرى الحاجة ماسة إلى استئذان الباب العالي في زيادة الضرائب لتنفيذ ما نرى
ً من وجوه الإصلاح فماذا ترون؟ قالوا جميعا موافقون، هذا هو الرأي، وهي الحكمة؛
ً فكتب بذلك محضرا وختمه جميعهم؛ ثم جمعهم في اليوم الثاني وقال: لقد فكرت في أمر
زيادة الضرائب فتراءى لي أنها ظلم فادح لا يستطيعه الناس، ولكن محضر أمس أرسل،
فإذا رأيتم هذا الرأي صوابًا كتبنا آخر ألحقناه به، وبيَّنا الأسباب املوجبة لنقضه، فقالوا
ِن ْع َم الرأي ما رأيت؛ ووقّعوا على الثاني كما وقعوا على الأول. فأمسك باملحضرين هذا بيد
وهذا بيد، وقال: والله ما أرسلته ولكن أردت أن أختبركم، فما قيمة املجلس إذا رجعتم
ً دائم ً ا إلى رأيي وحده؟! ثم ألقى عليهم درسا قاسيًا في الحرية وفوائدها، والشخصية
وتكوينها، والاستقلال في الرأي ومزاياه.
وكانت ولايته للشام أصعب، فقد تولاها في العهد الحميدي بعد حوادثه مع عبد
العزيز واتهامه بالجمهورية، وعداء السلطان واملابني والوزراء له، كلهم يتربص به
الدوائر. ثم مشاكل الشام أعقد من مشاكل العراق، فهذه مشاكلها بدو وعشائر، وعلاقته
بإيران ونحو ذلك؛ أما مشاكل الشام فأخطر: أمور لبنان تتصل بفرنسا، وأمور الدروز
تتصل بإنجلترا؛ ولكل دولة مصالح ومدارس وكنائس، وغري ذلك. فكان أول ما لفت
َكر من «أن مسلميها قد فشا بينهم الجهل ... ومدارس الإفرنج تتقدم كل يوم
نظره ما ذَ
ً تقدم ً ا ملموسا، وليس للحكومة سوى بعض مدارس ابتدائية يقرأ فيها الأحداث القرآن،
فكتب أفكر في أمر تعليم أبناء املسلمني وإصلاح مدارسنا».
فشكل الجمعيات، وجمع الإعانات، وفتح املدارس، وأصلح املساجد وجعلها مدارس،
ووضع عقوبة لوليّ أمر الطفل إذا بلغ ابنه السادسة ولم يرسله إلى املدرسة، واستعان
بأموال الأوقاف في أمور التعليم، وتأسست في عهده «جمعية املقاصد الخريية» وانتشرت
شعبها في البلاد.
206
مدحت باشا (4(
وملا حاول الإصلاح الاقتصادي والإداري اصطدم بالدول، فكانت فرنسا صاحبة
امتياز لبنان، وكانت الحكومة العثمانية خصصت لها خمسة وعشرين ألف لرية من إيراد
جمارك الشام، فكتب إلى رئيس الوزارة بقطع هذا املبلغ فغضبت فرنسا؛ وهكذا وهكذا
من مشاكل، والدسائس تحاك حوله، وتشاع الإشاعات بأنه يريد الاستقلال بسوريا،
ويستدل على ذلك بأن هاتفً ا هتف «فليحي مدحت باشا»، وأن كاتبًا كتب «الخديوي
مدحت». ولذلك لم يتمكن من الإصلاح في الشام كما تمكن منه في العراق، مما لاقى من
العناء في الداخل والخارج. فياهلل للمصلحني.
وأخريًا نقل إلى أزمري، فلم يطل بها مقامه حتى كانت املأساة.
فبعد خمس سنني من وفاة السلطان عبد العزيز تحركت مسألة وفاته من جديد،
وأشيعت الإشاعات أنه لم ينتحر وإنما قتل بإياز مدحت وأصحابه. وبلغ مدحت وهو في
أزمري أنه يراد القبض عليه والتحقيق معه، وكتب إليه صديق له «فاخرج إني لك من
الناصحني». وعرض عليه بعض أصدقائه من الأروبيني ركوب باخرة معدة وسفره إلى
الخارج فرفض وقال: «كيف أرتكب الفرار لجريمة لا نصيب لها من الصحة».
وبينا هو نائم في داره إذا بالجنود تحيط به، ويقبض عليه ويرسل إلى الآستانة
ملحاكمته بتهمة الاشتراك في قتل عبد العزيز.
من عهد أن تولى السلطان عبد الحميد، وهو لا يأمن جانب مدحت، ومن لف لفَّه،
ويخشى جد الخشية أن يعيدوا معه تمثيل دور عبد العزيز؛ وبلغت به الخشية حد
الهوس، فكل قوى اململكة من مال ورجال وسمع وبصر مسخرة للمحافظة على شخصه،
ومراقبة مدحت وأمثاله، لأن من قدر على البدء كان أقدر على الإعادة — وأخريًا اهتدى
هو وأعوانه — للقضاء على مدحت وأصحابه، إلى هذه التهمة، فدبِّرت محاكمتهم، ورتبت
شهودهم، ورسمت خطة الإيقع بهم. وبعد محاكمة صورية حكم عليهم بالإعدام، فتوسط
الإنجليز وبعض سفراء الدول فاستبدل بالإعدام النفي، ووضعوا في باخرة سارت بهم
إلى جدة ومنها إلى الطائف1 .وأهينوا من يوم خروجهم من الآستانة بالتضييق عليهم في
مأكلهم وملبسهم ومنامهم؛ وسجنوا في قلعة الطائف ثلاث سنني، وأجرى عليهم العذاب
ألوانًا؛ وكلما مر عليهم زمن وهم أحياء زادوهم تضييقً ا حتى يموتوا؛ ومن اشتد من
الضباط عليهم رقى، ومن أخذته الشفقه عليهم أبعد. ومدحت يرسل الكتب إلى أهله
1 انظر مذكرات مدحت ومحاكمته ليوسف كمال حتاته بك.
207
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً يطلب منهم مالا يقتات به، ويبذل كثريًا من الحيل في إيصالها إليهم، فإذا أرسلوه لم
يصل إليه. وثمانية من سادة القوم منهم مدحت يعيشون على صحن من «شوربة»
مصنوعة من املاء وورق الفجل في الصباح ومثله في املساء، يريدون بذلك أن يميتوهم
ًجوعا فلا يموتون. وأخريً ً ا ضاق ولاة الأمور بهم ذرعا فقرروا أن يَ ُّسموهم، ولكن مدحت
وصحبه يكتشفون املؤامرة.
َ فلما أعيتهم الحيل أوغروا بخنقه فخنق. وكان آخر ما كتب إلى أهله كتابًا جاء فيه:
«سيكون هذا املكتوب آخر ما أكتب فيما أظن.
فقد أخذوا منا الأقلام واملداد والورق، وضيَّقوا علينا الخناق، وقصدوا تسميمنا
ً واحدا بعد واحد، ولكن ظهرت نيتهم.
ً ولا بد أن يصلوا يوما ما إلى غرضهم. فإذا جاءكم خبر وفاتي قبل كتابي فلا
تحزنوا. وأنا أرجو من الله املغفرة فقد مت فداء الوطن، وأستودكم الخالق الباقي»
قضى مدحت حياته كلها في الإصلاح الاجتماعي، يختار من املدنية الحديثة أحسن ما
وصلت إليه من تنظيم الحكم على أساس الشورى التي تتفق وتعاليم الإسلام، ويأخذ
خري أساليبها في نشر العلم وتنظيم الحياة الاقتصادية للبلاد، ويراعي في ذلك كله مستوى
الأمة ومقدرتها على الامتصاص، فيعجل ما أمكن، ويؤجل ما لم يمكن إلى أن يمكن،
ّ ويحور ما يأخذه حتى يتفق وعقلية شعبه، ويلتذ من العذاب يصيبه في هذه السبيل
ً لأنه ربطه بعقيدته الدينية؛ فالدين في نظره ليس صلاة وصوما فقط، ولكنه مع ذلك
عمل الخري لشعبه، ولا خري أرقى من الأخذ بيد الأمة لتفهم حقوقها وواجباتها وتثور
ً ا مستبشرا، وهو
على من يقف عقبة في سبيل تقدمها — ومن أجل هذا كان هادئًا مطمئنً
في منفاه يرتقب املوت من ساعة إلى ساعة، يقول لأهله في بعض كتبه: إني أقرأ القرآن
ْؤِمن
ِن ِالله َ ? وَمن يُ
َّلا ِبِإذْ
ن م ِصيبٍَة إِ
َص َ اب ِم ُّ
َ
َ وأستعيد حفظه، وأستعذب تكرار آية ?ما أ
بَُه? وأعدها أكبر عزاء لي، وأهزأ بما أسمع من هجاء وافتراء فقلت سلّمت كل
لْ
ِباهللِ يَ ْهِد قَ
أموري لربي. إن الحياة محدودة وهي كألعوبة، ومحنتنا يكافئنا عليها ربنا، ولنا أسوة
في الأنبياء والأولياء الذين قتلوا أو سجنوا فصبروا على ما أصابهم.
َّ فإذا فرغ من عباداته، دون بعض مذكراته.
َ وقد خدم ْت َ أفكاره شناعة وفاته أكثر مما خدمها جهاده في حياته، فقد أملت النفوس
ً الخرية مما أصابه أمل َّ ا ممضا، وتأججت النار في أفئدتهم وأفئدة من يتصل بهم، وكانت
208
مدحت باشا (4(
أحداث الظلم املتوالية تغذيها بالوقود، فلما التهبت النريان التهمت عبد الحميد كما
ُ التهمت من قبل ً عبد العزيز؛ بل لعلها أيضا هي التي التهمت فكرة الخلافة من أساسها
فيما بعد.
والآن ننتقل بأجهزتنا إلى مصلح آخر من صنف آخر، هو السيد جمال الدين الأفغاني.
209

السيد جمال الدين الأفغاني (1(
م1897–1839/هـ1314–1254
لئن كان محمد بن عبد الوهاب يرمي إلى إصلاح العقيدة، ومدحت باشا يرمي إلى إصلاح
ً الحكومة والإدارة، فالسيد جمال الدين يرمي إلى إصلاح العقول والنفوس — أولا — ثم
إصلاح الحكومة، وربط ذلك بالدين. «مدحت» يرى إصلاح الشعب عن طريق إصلاح
الحكومة؛ وجمال الدين يرى إصلاح الحكومة عن طريق إصلاح الشعب. مدحت يقول:
إن الحكومة راع وإذا صلح الراعي صلحت الرعية، والغاية «الدستور» فإذا وضع ونفذ
فالخري كل الخري للأمة؛ ويقول جمال الدين: «إن القوة النيابية لأي أمة لا يكون لها
قيمة حقيقية إلا إذا نبعت من نفس الأمة، وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو مري،
أو قوة أجنبية محركة له، فهو مجلس موهوم موقوف على إرادة من أحدثه»، فالعقول
ً والنفوس — أولا — والحكومة ثانيً ً ا والغاية هما معا.
ماذا تنفع الحكومة الصالحة إذا كان الشعب غري صالح؟ لقد علمنا التاريخ، أن
الحكومة لا تستقيم إلا إذا كان في الأمة رأي عام يخيفها، ويلزمها أداء واجباتها، والوقوف
عند جدها، فإذا لم يكن ذلك فالطبيعة البشرية تملي على الحكام أن يستأثروا باملنافع،
وغاية ما يتوقع من الحكومة الصالحة غري املؤسسة على قوة الأمة ويقظتها أن تكون
موقوتة بوقتها، فإذا زالت حل محلها من لا يصلح؛ إذ لا شأن للأمة في اختيارها، ولا
رقابة لها على أعمالها.
ً يقول حول سنة 1296هـ: «هبوا أن مجلسا نيابيًا أنشئ فستجدون أن حزب
الشمال لا أثر له، وسيفر الأعضاء كلهم إلى حزب اليمني، وسيكونون كلهم آلة صماء ...
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وسريى كل عضو أن الدفاع عن الوطن ومناقشة الحاكم الحساب قلة أدب، وسوء تدبري،
وقلة حنكة، وتهور». لا! لا! العقول والنفوس هي املقدمة، والحكومة الصالحة النتيجة.
أفغاني الأصل، شريف النسب، ينتمي إلى الحسن بن علي (ولشرف النسب في هذه البلاد
حرمة وإجلال تفوق ما في غريها من الأقطار). جمع إلى شرف النسب عزة السيادة؛
فقد كان أهل بيته سادة على عمالة من أعمال أفغان. ولكن ما لنا ولهذا كله، فقد تنبت
النبتة الطيبة في الأرض السبخة، والنبتة الفاسدة في الأرض الصالحة، فإذا نبتت النبتة
الصالحة في الأرض الصالحة اكتفينا بالتسجيل. فأسرة جمال الدين لم تنبت إلا جمال
الدين، وأسرة محمد عبده لم تنبت إلا محمد عبده، وما أكثر الأسر التي تشبه أسرتيهما
أو تفوقهما ومع هذا لم تنبت شيئًا. فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
تعلم — كما يتعلم شباب زمانه في بلاده — الفارسية والعربية على طريقة تشبه
الطريقة الأزهرية، ولا تمتاز عنها إلا بدراسته الواسعة في الفلسفة الإسلامية والتصوف
كما هي عادة الفرس إلى اليوم، فكان ذلك نواة ثقافته؛ ودرس في الهند الرياضة على
الطريقة العصرية، وساح سياحة طويلة في الأقطار الإسلامية إلى مكة، فأكسبه ذلك
تجارب عملية واسعة، وخبرة بحياة الشرق. ووقعت بلاده في منازعات سياسية على من
يتولى امللك، فانغمس فيها وتشيع لجانب منها ونام منه مقام الوزير وانتصر وانهزم،
وملس تدخل الدول، فعلمه ذلك كله السياسة وخصومتها ودهاءها وألاعيبها.
وتعلم الفرنسية وهو كبري؛ أتى بمن يعلمه الحروف الهجائية ثم انفرد بتعليم
نفسه نحو ثلاثة أشهر يحفظ من مفرداتها حتى استطاع أن يقرأ من كتبها ويترجم
منها، ثم توسع في ذلك أثناء إقامته بباريس ومع هذا فلم يحذقها كل الحذق.
كم من الناس علموا أكثر مما علم، وقرأوا أكثر مما قرأ، ورطنو أكثر مما رطن،
ولكن لم يكن لأحد منهم شخصية كشخصيته. ذكاء متوقد، وبصرية نافذة، وتوليد
للأفكار واملعاني من كل ما يقع تحت سمعه وبصره، واستقصاء للفكرة حتى لا يدع
ً فيها قولا لقائل. «له سلطة على دقائق املعاني وتحديدها وإبرازها في صورها اللائقة بها،
كأن كل معنى قد خلق له. وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش،
فنظرة منه تفكك عقدها. كل موضوع يلقى إليه يدخل للبحث فيه كأنه صنع يديه فيأتي
على أطرافه، ويحيط بجميع أكنافه، ويكشف ستر الغموض عنه، فيظهر املستور منه.
وإذا تكلم في الفنون حكم فيها حكم الواضعني لها؛ ثم له باب في الشعريات قدرة على
212
السيد جمال الدين الأفغاني (1(
الاختراع، كأن ذهنه عالم الصنع والإبدع، وله لسن في الجدل، وحذق في صناعة الحجة لا
يلحقه فيها أحد إلا أن يكون في الناس من لا نعرفه ...
أما أخلاقه فسلامة القلب سائدة في صفاته، وله حلم عظيم يسع ما يشاء الله أن
يسع، إلى أن يدنو منه أحد ليمس شرفه أو دينه، فينقلب الحلم إلى غضب، تنقض منه
ّ الشيب، فبينما هو حليم أواب، إذا هو أسد وثاب، وهو كريم يبذل ما بيده، قوى الاعتماد
على الله، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر.
َ أما خلْقه فهو يمثل لناظره عربيً ً ا محضا من أهالي الحرمني، فكأنما قد حفظت
له صورة آبائه الأولني من سكنة الحجاز. ربعة في طوله، وسط في بنيته، قمحي في
لونه، عصبي دموي في مزاجه، عظيم الرأس في اعتدال، عريض الجبهة في تناسب، واسع
العينني عظيم الأحداق، ضخم الوجنات، رحب الصدر، جليل في النظر، هش بش عند

1
ُ اللقاء، قد وفاه الله من كمال خلقه ما ينطبق على كمال خلُقه
فهم رسالته وما تتطلب من جهاد، وما تقتضيه من أعباء، فلم يرتبط بأسرة ولم
يستعبده مال، وعاش لأفكاره ومبادئه، تكفيه أكلة واحدة في اليوم كله، وإن أفرط في
الشاي والتدخني. أعد نفسه للنفي في كل لحظة؛ فنافيه لا يتعبه إلا شخصه. ملابسه على
جسمه، وكتبه في صدره، وما يشغله في رأسه، وآلامه في قلبه.
ولقد طوف في فارس والهند والحجاز والآستانة، وأقام فيها، ولكن لعل أخصب
زمنه، وأنفع أيامه، وأصلح غرسه، ما كان في مصر مدة إقامته بها من أول محرم سنة
1288 إلى سنة 1296هـ (مارس سنة 1871/أغسطس سنة 1879 .(ثمان سنني كانت
من خري السنني بركة على مصر، وعلى العالم الشرقي، لا بجمال مظهرها وحسن رونقها،
ً وسعادة أهلها، ولكن لأنه فيها كان يدفن في الأرض بذورا تتهيأ في الخفاء للنماء، وتستعد
للظهور ثم الازدهار، فما أتى بعدها من تعشق للحرية وجهاد في سبيلها فهذا أصلها،
وإن وجدت بجانبها عوامل أخرى ساعدت عليها وزادت في نموها.
ّ لقد جر ً ب «السيد» أن يبذر بذورا في فارس والآستانة فلم تنبت، ثم جربها في مصر
فأنبتت.
1 من وصف الشيخ محمد عبده له.
213
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً كان من حسنات رياض باشا أن أعجب «بالسيد» ورأى فيه عاملا لا من جنس
ّ العلماء، يعرف الدين ويعرف الدنيا ويجيد الفهم ويجيد القول؛ فمكن له من البقاء في
مصر وسعى عند الحكومة فقررت له عشرة جنيهات شهريًا.
كانت هذه السنون الثمان من أشق السنني على مصر، إذ كان حالها حال أسرة
ً يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، ولكن ربها أسرف فيما ينفق، ولم يكتف بدخله الكثري
فأنفق أضعاف ما كسب مما كان يستدين، حتى إذا بلغ الغاية في الدين أخذ الدائنون
يحجرون عليه، ويتدخلون في شؤونه، ويشرفون على مصادره وموارده، ولا يتركون له
شيئًا من حرية التصرف؛ فإذا الأسرة بائسة بعد نعيم، وشقية بعد سعادة، وإذا هي
مغلولة الأيدي والأرجل والأعناق تحاول الخلاص فلا تجده، وتتلمس طريق الحرية فلا
تهتدي إليه.
فقد توالت القروض التي عقدها اسماعيل باشا، ففي املدة الواقعة بني سنة 1864
وسنة 1875 بلغت الديون نحو خمسة وتسعني مليونًا من الجنيهات، فجاءت بعثة
كيف Cave سنة 1875 لفحص مالية مصر، واقترحت لضرورة إصلاحها إنشاء مصلحة
ً للرقابة على ماليتها، وأن يخضع الخديوي ملشورتها، ولا يعقد قرضا إلا بموافقتها.
وأنشئ صندوق الدين سنة 1876 يتسلم املبالغ املخصصة للديون من املصالح
املحلية، فكانت حكومة أجنبية داخل الحكومة املصرية. وأنشئ نظام الرقابة الثنائية
ً في هذه السنة أيضا، وكان من مقتضاه أن يتولى الرقابة على املالية املصرية مراقبان:
أحدهما إنجليزي ملراقبة الإيرادات العامة للحكومة، والآخر فرنسي ملراقبة املصروفات؛
وأنشئت لجنة مختلطة لإدارة السكك الحديدية وميناء الإسكندرية. وجاءت لجنة تحقيق
عليا أوروبية سنة 1878 ملراعاة مصالح الدائنني الأجانب، وتدبري املال اللازم لوفاء
الأقساط املطلوبة لهم.
وتطورت الرقابة الثنائية إلى تأليف وزارة مختلطة برئاسة نوبار باشا يدخلها
.
وزيران أوروبيان أحدهما إنجليزي لوزارة املالية، والآخر فرنسي لوزارة الأشغال2
ولا شك أن املال عصب الحياة، فاملشرف عليه مشرف على كل شيء، فتوفري املال
ِّ لسداد الديون يتطلب الإشراف على جميع الإدارات التي تغل املال، وهذه الإدارات تحصل
2 انظر تفصيل ذلك في كتاب عصر اسماعيل لعبد الرحمن بك الرافعي جزء 2.
214
السيد جمال الدين الأفغاني (1(
املال من الفلاح، فلا بد أن يكون آمنًا على ماله، مهيأة له وسائل إصلاح زراعته، يَُع َ ام ُل
بالعدل في تحصيل الضرائب منه، فلا بد من الإشراف على هذه الشؤون كلها من أجل
املال. وهكذا من أشرف على املال أشرف على كل شيء.
كل هذا حدث مدة إقامة «جمال الدين» في مصر، وكان من طبعه الانغماس في
السياسة، ونمى هذا الطبع نشأته في بيت حكم، وانغماسه فيها أيام تنازع الأسرة املالكة
في الأفغان، فكانت هذه الأحداث املصرية حافزة له على أن يعيد ما بدأ به من الاشتغال
بالسياسة، وحافزة للناس في مصر على أن يجاوبوا حركته.
كان نشاطه التعليمي ذا شعبتني: دروس علمية منظمة يلقيها في بيته في «خان الخليلي»،
ّ ودروس عملية يلقيها بني زو ُّ اره في بيته وفي بيوت العظماء حني يرد زيارتهم، وفي «قهوة
البوستة» بالقرب من «العتبة الخضراء»، وحيثما تيسر له في املجتمعات.
فأما دروسه في بيته، فكان يلقيها على طائفة من مجاوري الأزهر وبعض علمائه،
َ أمثال الشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سلْمان، والشيخ إبراهيم اللقاني، والشيخ
سعد زغلول، والشيخ إبراهيم الهلباوي.
كان أكثر الكتب التي قرأها على هؤلاء وأمثالهم كتب منطق وفلسفة وتصوف
وهيئة، مثل كتاب الزوراء للدواني في التصوف، وشرح القطب على الشمسية في املنطق،
والهداية، والإشارات، وحكمة العني، وحكمة الإشراق في الفلسفة، وتذكرة الطوسي في علم
الهيئة القديمة، وكتابًا آخر في علم الهيئة الجديدة.
هي كلها كتب فلسفة على نحو ما يتصور الفلاسفة القدماء وفي العصور الوسطى؛
فكانوا يعدون املنطق مقدمة الفلسفة أو مدخلها، ومن فروعها الألهيات والطبيعة والفلك
والطب وما إلى ذلك.
ويظهر لي أن هذه الكتب لم تكن لها قيمة في ذاتها؛ فقد كان الشيخ حسن الطويل
ًمثلا يقرأ بعض هذه الكتب في الأزهر، وإنما كانت قيمتها في أن كل فصل من فصولها،
أو جملة من جملها، كان تكأة يستند عليها الشيخ في شرح أفكاره وآرائه، والتبسط في
ً مناحي الفكر، والتطبيق على الحياة الواقعة، ونظرته إلى العالم كوحدة، مازجا التصوف
بالفلسفة بالهيئة بغري ذلك. وهذا هو ما أقنع الشيخ محمد عبده من الشيخ وطمأن
ّ نفسه إذ قال: إنه «بعد حضوره في الأزهر سنني مل الدروس املعتادة، وصارت نفسه
ً ا جديد ً ا، وتميل إلى العلوم العقلية، وكان الشيخ حسن الطويل ممتازا في
تطلب شيئً
215
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
الأزهر بعلم املنطق فحضره عليه ولكن لم يكن يشفي ما في نفسه، بل كانت تتشوف
ً دائما إلى علم غري موجود ... وقرأ الشيخ حسن الطويل شيئًا من الفلسفة، ولكن لم يكن
يجزم بأن املعنى كذا، بل كان درسه احتمالات، حتى جاء السيد جمال الدين فوجد عنده
طلبته وأقصى أمنيته».
فهذه الكتب التي قرأها إنما قيمتها في نفس جمال الدين، والدنيا تتلون بلون منظار
الرائي، والطبيعة كلها مفتوحة أمام أعني الناس كلهم، ولكن لا يفهم منها إلى القليل.
ما هذا الشيء الجديد الذي وجده «محمد عبده» عند «جمال الدين» فاطمأن إليه
واهتدت نفسه؟ هو ما عند جمال الدين من أصول كلية هي عماد الفلسفة، يرجع إليها
َ كل ما يقرأ من صفحات الكتب، وهي الح َك ُم في صحة ما يصح، وبطلان ما يبطل، ثم
شخصية قوية تجزم في الحكم ولا تتردد تردد الشيخ حسن الطويل، ثم ربط جزئيات
الحياة العلمية والعملية كلها برباط واحد، يفتح النوافذ كلها بعضها على بعض حتى
تتألف منها وحدة، فالتصوف، والفلسفة، والدنيا العامة، ودنيا الشخص، هذه كلها لا
يصح أن يكون كل منها حجرة مغلقة على نفسها، بل لا بد أن تتقابل وتتناغم، وتؤلف
ً دورا موسيقيً ً ا واحدا، فإذا تم هذا صح نظر الإنسان وزال عنه كثري من الشك املؤلم
والحرية املضنية، وبت فيما ينفع وما يضر، وما يعمل وما يدع، ووضحت أمامه الأعلام،
واستنارت السبل، أما جملة تصح وجملة لا تصح، ومؤلف أخطأ ومؤلف أصاب، ومنطق
في الكتاب ولا منطق في العمل، ونظرية في التصوف يقضها نظرية في الحكمة، وأقوال في
الزهد يسلم بها في حينها، وأقوال في الحث على الانغماس في الحياة يسلم بها في حينها
ً أيضا، فهذه كلها نظرة البدائيني الذين لا يستطيعون أن ينظروا إلا إلى السطح دون
الأعماق، والأعراض دون الجوهر، والأشكال دون الحقيقة.
وفوق هذا كله كان يأخذ بيد تلاميذه فريفعهم إلى مستوى يسيطرون فيه على
الكتاب ولا يستعبدهم الكتاب، ويسمون عن قيود الألفاظ والجمل إلى معرفة الحقيقة في
ذاتها ولو خالفت الألفاظ والجمل.
وكانت طريقته في التدريس عكس طريقة الشيخ محمد عبده. كان جمال الدين
يحدد موضوع الدرس فقط من الكتاب، ثم يفيض في شرح املوضوع من عنده حتى
ٌِّ يحيط به من جميع أطرافه، وبعد ذلك يقرأ نص الكتاب فإذا هو واضح ظاهر، بني فيه
ً موضع الخطأ والصواب. أما الشيخ محمد عبده فكان يقرأ النص أولا ِّ ويتفهمه ويفهمه،
ثم يفيض في التعليق عليه وفي بسط املوضوع من عنده.
هذه هي مدرسته النظامية في بيته.
216
السيد جمال الدين الأفغاني (2(
ً أما مدرسته الثانية غري النظامية فكانت أكبر أثر ً ا وأعم نفعا، وهي التي كان يتلقى
عليه فيها زواره في بيته، وعظماء الرجال عند زيارته لهم في بيوتهم، وخاصة املفكرين
واملثقفني عند تحلقهم حوله في «قهوة البوسطة»، وجمهور الناس عند اجتماعهم به في
املناسبات.
في هذه املدرسة تلقى دروسه أمثال: محمود سامي البارودي، وعبد السلام املويلحي،
وأخيه إبراهيم املويلحي، ومن الشباب أمثال: محمد عبده وإبراهيم اللقاني، وسعد زغلول،
وعلي مظهر، وسليم نقاش، وأديب إسحاق؛ وغريهم.
َّ وفي هذه املدرسة حول مجرى الأدب ونقله من حال إلى حال. كان الأدب عبد
ّ الأرستقراطية، لا هم له إلا مدح امللوك والأمراء، والتغني بأفعالهم وصفاتهم مهما كانوا
ً ظلمة فجارا؛ فكل حاكم سيد الوجود في زمانه، آت باملعجزات في أعماله، معصوم من
الخطأ فيما يأتي به، يبتز مال الناس غصبًا فلا يلام على ما غصب ولكن يُمدح على
ما أنفق، ويقتل من شاء فلا يُسأل عمن قتل ولكن يشاد بفضله إذا عفا. الفن والأدب
والشعر والنثر موسيقى لطربه، وبهلوان لتسليته، وعبيد مسخرة لنهش أعدائه، ومدح
أوليائه. الأديب الصغري مداح للغني الصغري، والأديب الكبري مداح للأمري الكبري — فأتى
جمال الدين فسخر الأدب في خدمة اشعب؛ يطالب بحقوله ويدافع عن ظلمه، ويهاجم
ِّ ا من كان، يبني للناس سوء حالهم ومواضع بؤسهم، ويبصرهم
من اعتدى عليه كائنً
بمن كان سبب فقرهم، ويحرضهم أن يخرجوا من الظلمات إلى النور، وألا يخشوا بأس
الحاكم، فليست قوته إلا بهم، ولا غناه إلا منهم، وأن يلحوا في طلب حقوقهم املغصوبة،
وسعادتهم املسلوبة. فخرج على الناس بأدب جديد ينظر للشعب أكثر مما ينظر إلى
الحاكم، وينشد الحرية، ويخلع العبودية، ويفيض في حقوق الناس وواجبات الحاكم،
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ويجعل من الأديب مشرفً ً ا على الأمراء، لا سائلا يمد يده للأغنياء، وهذه نغمة جديدة لم
يعرفها املسلمون منذ عهد الاستبداد.
قال الشيخ محمد عبده في وصف حال مصر قبل مجيء «جمال الدين»: «إن إهالي
ً مصر قبل سنة 1293هـ كانوا يرون شؤونهم العامة بل والخاصة ملكا لحاكمهم الأعلى
ومن يستنيبه عنه في تدبري أمورهم، يتصرف فيها حسب إرادته، ويعتقدون أن سعادتهم
وشقاءهم موكولان إلى أمانته وعدله، أو خيانته وظلمه، ولا يرى أحد منهم لنفسه رأيًا
ً يحق له أن يبديه في إدارة بلاده، أو إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه صلاحا
َّ لأمته، ولا يعلمون من علاقة بينهم وبني الحكومة سوى أنهم مصرفون فيما تكلفهم
الحكومة به وتضربه عليهم. وكانوا في غاية البعد عن معرفة ما عليه الأمم الأخرى سواء
كانت إسلامية أو أوروبية — ومع كثرة من ذهب منهم إلى أوروبا وتعلم فيها من عهد
محمد علي باشا الكبري إلى ذلك التاريخ، وذهاب العدد الكثري منهم إلى ما جاورهم من
البلاد الإسلامية أيام محمد علي باشا الكبري وإبراهيم باشا، لم يشعر الأهالي بشيء من
ثمرات تلك الأسفار، ولا فوائد تلك املعارف. ومع أن اسماعيل أبدع مجلس الشورى في
مصر سنة 1283 ،وكان من حقه أن يعلّم الأهالي أن لهم شأنًا في مصالح بلادهم، وأن
لهم رأيًا يرجع إليه فيها، لم يحس أحد منهم ولا من أعضاء املجلس أنفسهم بأن له
ذلك الحق الذي يقتضيه تشكيل هذه الهيئة الشورية، لأن مبدع املجلس قيده في النظام
ُ ا فكره السليم بأن هناك وجهةَّ خري غري التي يوجهها إليها
َّ وفي العمل، ولو حدث إنسانً
ً ا للروح، أو تجريدا
الحاكم ملا أمكنه ذلك؛ فإن بجانب كل لفظ نفيًا عن الوطن، أو إزهاقً
من املال».
ً كان الأدب ظلا لهذا املوقف، وصورة صادقة لهذا املنظر، فأدباء مصر أمثال السيد
علي أبو النصر، والشيخ علي الليثي، وعبد الله باشا فكري تتصفح آثارهم فماذا ترى؟
ً ا له، أو اعتذارا إليه، أو
ً غزلا ً في حبيب، أو رسالة إلى صديق، أو مدحا لأمري، أو استعطافً
ً وصف سفينة، أو شكرا على هدية. أما مصر وحالة شعبه، وبؤس قومه، وظلم حكامه،
وحقوق الناس، وواجبات حكومته، فلا تعثر منها على شيء.
فلما جاء جمال الدين قلب هذا الوضع وفتح للناس منافذ للقول، وسلك في ذلك
مسالك مختلفة:
ّ (1 (كون جماعة من الكهول والشبان حبب إليهم الكتابة ورسم لهم خطتها، وأوحى
إليهم باملعاني الجديدة التي يكتبونها، وشجعهم على إنشاء الجرائد، يكتب فيها ويستكتب
218
السيد جمال الدين الأفغاني (2(
لهم من توسم فيه املقدرة. مثال ذلك أنه شجع «أديب إسحاق» — بعد أن اتصل به
ً اتصالا وثيقً ً ا وتتلمذ له طويلا — على أن ينشئ جريدة اسمها «مصر»، وكان جمال
الدين يرسم له خطة السري فيها ويكتب بنفسه بعض مقالاتها باسم مستعار هو
«مظهر بن وضاح»، ثم أوعز إليه بالانتقال إلى الإسكندرية، وأنشأ بها صحيفة يومية
اسمها «التجارة»، وكان جمال الدين يستكتب لهاتني الصحيفتني الشيخ محمد عبده،
وإبراهيم اللقاني، وأمثالهما، هذا إلى ما يكتبه جمال الدين بنفسه. وكان مما كتبه مقالان
أحدهما في الحكومات الشرقية وأنواعها، والثاني سماه «روح البيان في الإنجليز والأفغان»
ً كان لهما صدى بعيد. ولقيت الصحيفتان رواجا كبريًا، ولفتت إليهما الأنظار بروحهما
الجديد، ثم أغلقهما «رياض باشا».
وكذلك فعل في توجيه الكتاب إلى الكتابة في الوقائع املصرية وأمثالها، فربى بذلك
طائفة من الكتاب تحسن — الكتابة — وتحسن اختيار املوضوعات التي تمس حياة
ً الأمة في صميمها؛ فيكتب «أديب إسحاق» — مثلا — تحت عنوان «أوروبا والشرق»:
«قُضى على الشرق أن يهبط بعد الارتفاع، ويذل بعد الامتناع، ويكون هدفًا لسهام املطامع
واملطالب، تعبث به أيدي الأجانب من كل جانب ...» الخ.
ويقول الشيخ محمد عبده: «إن الحاكم — وإن وجبت طاعته — هو من البشر
الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم؛ ولا يرده عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته، إلا
نصح الأمة له بالقول والفعل».
ويتصل به الكاتب الإسرائيلي الفكة «يعقوب مصنوع» فينشئ مجلة هزيلة اسمها
«أبو نضارة» ينتقد فيها سياسة اسماعيل باشا.
كل هذا كان النواة الأولى في الشرق للصحافة الشرقية والكتاب الذين يعالجون
شؤون الوطن وحالة الشعوب.
وفي الحق أن الظروف التي أحادت بجمال الدين كانت مساعدة على ذلك: فالحال في
مصر هي كما وصفنا من قبل، والنفوس جازعة من املراقبة الثنائية ونحوها، وإسماعيل
نفسه يشجع نقد التدخل الأجنبي وإن لم يشجع نقد شخصيته، فكان يسره مقالات
أمثال «الوقائع املصرية» و«مصر» و«التجارة»، ولا يسره أمثال «أبو نضارة»، فكان الأمر
أن البلاد أصبحت مستودع «بنزين»، وجمال الدين «عود ثقابها»، فلما أشعله اشتعلت،
ولولا هذه الظروف لخابت دعوته في مصر كما خابت في فارس والآستانة.
(2 (ومسلك آخر سلكه جمال الدين في مدرسته الشعبية، وهو أحاديثه التي كان
ينثرها هنا وهناك في املقهى، وفي املحافل، وفي بيوت الزيارة. وكان رحمه الله قليل
219
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
الاحتفال بالأكل، قليل النوم، كثري السهر، قوي الشهوة للكلام، تواتيه املعاني ويطاوعه
اللسان، فكان يجد مادة للكلام في كل شيء: في السجارة يشعلها، وفي أي منظر يراه، وفي
الطفل يسأله فيجيب أو لا يجيب، وفي حادثة زواج أو حادثة طلاق. وهكذا يستطيع أن
يخلق أمتع الحديث من الشيء العظيم والشيء التافه ومن كل شيء. وكانت مصر — بحمد
الله — مليئة بالأحداث في هذا الزمان، فكانت تغنيه أحداثها العظام عن خلق الأحاديث
املرتجلة، وكان له القدرة على أن يلهب مستمعه، فلا يزال يروح على الفح حتى يلهبه،
فإذا جليسه يرى بعد الجلسة راحته في السري لا في الركوب. وفي العمل لا في السكون،
ُ كأنه يريد أن يجاوب جسمه قلبه، ويناغم عمله نفسه.
وكان له مذهب في الكلام يتفق مع شهوته؛ وهو أن يحدث من يفهم ومن لا يفهم،
ومن يستعد ومن لا يستعد، كالسحاب ينزل الغيثفتنتفع به الأرض الصالحة وتسوء به
الأرض الفاسدة، ولا عيب على السحاب. يقول الشيخ محمد عبده في هذا: «كان السيد
جمال الدين يلقي الحكمة ملريدها وغري مريدها، ومن خواصه أنه يجذب مخاطبه إلى ما
يريد، وإن لم يكن من أهله، وكنت أحسده على ذلك، لأنني تؤثر فيَّ حالة املجلس والوقت،
ً فلا تتوجه نفسي للكلام إلا إذا رأيت له محلا ً قابلا ً واستعداد ً ا ظاهرا».
وهذا هو السر في وجود مدرسة في مصر عجيبة تحسن السمر والحديث، وتشقيق
الكلام وحسن الاستطراد، وتأخذ على السامع لبه، من أمثال محمد عبده، وسعد زغلول،
والهلباوي، ولطفي السيد، وكلهم من تلاميذه في هذا الباب.
قال سليم بك العنحوري: «كان من ديدن «جمال الدين» أن يقطع بياض نهاره
في داره، حتى إذا جن الظلام خرج متوكئًا على عصاه إلى مقهى قرب الأزبكية، وجلس
في صدر فئة تتألف حوله على هيئة نصف دائرة، ينتظم في سمطها اللغوي والشاعر
واملنطقي والطبيب والكيماوي والتاريخي والجغرافي واملهندس والطبيعي، فيتسابقون
ً د إشكالها فرد ً ا فردا،
ُ إلى إلقاء أدق املسائل عليه، وبسط أعوص الأحاجي لذيه، فيحل عقَ
ً ويفتح إغلاق طلاسمها ورموزها واحدا واحد، بلسان عربي مبني لا يتلعثم ولا يتردد، بل
يتدفق كالسيل في قريحة لا تعرف الكلام، فيدهش السامعني، ويفحم السائلني، ويبكم
املعترضني، ولا يبرح هذا شأنه حتى يشتعل رأي الليل شيبًا ... فيقفل إلى داره بعد أن
ينقد صاحب املقهى كل ما يترتب له في ذمة الداخليني في عداد ذلك الجمع الأنيق».
ً ويقول في موضع آخر: إنه في خلال سنة 1878 .زاد مركزه خطرا لأنه تدخل في
السياسة، وأخذ يقرب منه العوام، ويقول لهم في أثناء كلامه ما معناه: «إنكم معاشر
220
السيد جمال الدين الأفغاني (2(
املصريني قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون منذ
زمن امللوك الرعاة حتى اليوم، وأنت تحملون عبء نري الفاتحني، وتعنون لوطأة الغزاة
الظاملني، تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتنزل بكم الخشف والذل، وأنتم صابرون
بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم — التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهم —
بالعصا واملقرعة والسوط، وأنتم صامتون. فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حيوية،
وفي رءوسكم أعصاب تتأثر فتثري النخوة والحمية، ملا رضيتم بهذا الذل وهذه املسكنة
... تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس، ثم العرب والأكراد واملماليك الخ؛
وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، وأنتم كالصخرة امللقاة في الفلاة لا حس لكم ولا
صوت.
انظروا أهرام مصر، وهيا كل منفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوه، وحصون دمياط،
َ فهي شاهدة يمنَعه آبائكم وعزة أجدادكم.
ً وا من غفلتكم! اصحوا من سكرتكم..! عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء.
ُهبّ
ومنذ ذلك الحني طارت شرارة الثورة العرابية».
بهذا انقلب «الشيخ» من معلم في حجرة إلى معلم أمة: يخاطب العامة والخاصة،
ورجل الشارع واملتربع في دست الوزارة.
ومن تمام برنامجه في هذا الباب أن انضم إلى املحفل املاسوني الاسكتلندي لأنه
يضم كثريًا من علية القوم، لعله بذلك يتمكن من إيصال أفكاره إليهم، ويضم طائفة من
َ املصريني والأجانب، فلعل حرية القول فيه تكون أتم، ولكن ما دخ َل «السيد» فيه حتى
ثارت ثائرته، وأخذ يهاجمه في تصرفه، وينقده بخطبه املتوالية، غاظة من املحفل أنه
وجد أعضاءه لا يحبون أن يتكلموا في السياسة فقال: «أول ما شوقني للعمل في «بناية
الأحرار» عنوان كبري خطري: حرية — مساواة — إخاء، وأن غرضها «منفعة الإنسان —
سعي وراء دك صروح الظلم — تشييد معالم العدل املطلق»، ولكن كنت أنتظر أن أسمع
وأرى في مصر كل غريبة وعجيبة، ولكن ما كنت لأتخيل أن الجبن يمكنه أن يدخل من
بني اسطوانتي املحافل املاسونية!
إذا لم تتدخل املاسونية في سياسة الكون — وفيها كل بَنْاء حر، وإذا كانت آلات
البناء التي بيدها لا تستعمل لهدم القديم وتشييد معالم حرية صحيحة وإخاء ومساواة،
وإذا كانت لا تدك صروح الظلم والعتو والجور، فلا حملت يد الأحرار مطرقة، ولا قامت
لبنايتهم زاوية قائمة».
221
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وهكذا نقدها في عدم تدخلها في السياسة، وتنازع أعضائها على الرياسة، ورغبتهم
في إغماض عينهم على ما يقع على الأمة من ظلم.
ً ا استقال من هذا املحفل، وأنشأ محفلا ً آخر تابعا للشرق الفرنسي؛ وسرعان
وأخريً
ما بلغ أعضاؤه أكثر من ثلثمائة عضو من نخبة املفكرين والناهضني املصريني؛ وكان
َّ في هذا املحفل مطلق الحرية، نظ ُ م شَعبه للأعمال املختلفة: فشعبة للحقانية، وأخرى
ُ للمالية، وثالثة للأشغال، ورابعة للجهادية وهكذا لكل وزارة ومصلح شعبة، تدرس كل
شعبة شؤون وزارتها أو مصلحتها، وتعرف ما يقع من الظلم ووجوه الإصلاح فيها، ثم
كل شعبة تتصل بالوزير املختص وتبلغه رغباتها في أسلوب حازم صريح، فكان لذلك
.
هزة في الأندية واملجتمعات1
وهكذا اتسعت دائرة نفوذه وأعماله، فقد بدأ يدرس في حجرة، ثم أخذ يسيطر على
عقول مستمعيه في «قهوة»، ثم ها هو يريد أن يسيطر على الوزارات ومصالح الحكومة
ّ بمحفله. وكان يدرس في بيته كتب الفلسفة والحكمة، فإذا به في مجتمعاته ومنتدياته
يشرح حالة الأمة الاجتماعية، ويبني حقوقها وواجباتها، ثم إذا به آخر الأمر يضع يده في
صميم الحياة السياسية.
خلقة فيه ظهرت منذ كان شابًا يلعب دوره في نصرة أمري على أمري في ولاية الأفغان،
ّ لا يقنع حتى يتزعم، ولا يهدأ حتى يضع يده على الأزرار التي تصرف الأمور، ولكنها
أزرار مشحونة بالكهرباء مثرية للاضطراب، هو لا يعبأ بها ولكنها على رغمه تنال منه.
ماذا كان يريد السيد جمال الدين في مصر؟
يريد في دراسة النظامي توسيع عقول الطلبة، وتفتيح آفاق جديدة في فهم العالم،
وتعليم الحرية في البحث، وإيجاد شخصيات من الطلبة تبحث وتنقد وتحكم؛ خالفت
النص أو وافقته، خالفت املعروف املألوف أو وافقته.
ويريد في درسه العلم أن يتحرر الشعب من العبودية للحكام، ويفهموا موقفهم
من الحاكم، وموقف الحاكم منهم: كل يعرف حدوده ويؤدي واجبه، فإذا تعدى الحاكم
هذه الحدود قال له الشعب: «لا» بملء فيه — يريد تكوين رأي عام واسع الثقافة قوي
ّ حازم، يفهم الأمور الداخلية والخارجية، ويكون لكل ما يعرض من الحوادث العظام
رأيًا يقنعه ثم يفرضه على أولي الأمر حتى لا يتلاعبون به، يفهم أن من حقه أن يعيش
1 خاطرات جمال الدين ملحمد باشا املخزومي.
222
السيد جمال الدين الأفغاني (2(
عيشة صالحة ينعم بدخله وله غلة جهده، فإذا أخذت الحكومة منه الضرائب فعلى قدر
ما تستدعيه املصالح العامة لا الشهوات الشخصية، ولذلك كان من حقه الإشراف على
وجوه الدخل والخرج.
ويريد في السياسة أن يقتنع الشعب بحقه في الحكم؛ فإذا فهم ذلك — وهذا ما عمله
جمال الدين وصحبه — طالب باملجلس النيابي، فيعطاه بناء على فهمه وطلبه وقدرته
لا على أنه منحة تمنح له، فإذا أعطيه بجهده كان أجدر باملحافظة عليه، وحرص عليه
حرصه على دمه، فاستقر وثبت، ولم تستطع سلطة ما أن تلغيه أو تهمله:
استدعاه الخديوي توفيق باشا إلى سراي عابدين وقال له: «إني أحب كل خري
للمصريني، ويسرني أن أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجات الرقي والفلاح؛ ولكن مع
الأسف إن أكثر الشعب خامل جاهل، لا يصلح أن يلقى عليه ما تلقونه من الدروس
والأقوال املهيجة، فيلقون أنفسهم والبلاد في تهلكة».
فأجاب جمال الدين: «ليسمح لي سمو أمري البلاد أن أقول بحرية وإخلاص إن
الشعب املصري كسائر الشعوب لا يخلو من وجود الخامل والجاهل بني أفراده، ولكنه
غري محروم من وجود العالم والعاقل، فبالنظر الذي تنظرون به إلى الشعب املصري
ينظر إليكم، وإن قبلتم نصح هذا املخلص، وأسرعتم في إشراك الأمة في حكم البلاد
عن طريق الشورى، فتأمرون بإجراء انتخابات نواب عن الأمة تسن القوانني وتنفذها
2 ثم خرج من عنده
باسمكم وإرادتكم يكون ذلك أثبت لعرشكم وأدوم لسلطانكم»
يخطب في هذا املوضوع ويستحث تلاميذه وأعوانه على الكتابة فيه في حماسة وقوة.
لقد رأيناه أول عهده في مصر يرى أن مجلس النواب لا قيمة له ما دام املصريون
على ما هم عليه من قلة التنبه، وضعف اليقظة، وقلة الشجاعة. ثم رأيناه آخر عهده يلح
ِّ في طلب الحكم النيابي يحرض عليه. فلعله رأى من الأحداث واستبداد الحكام، ونضج
ّ الأمة في السنني الثمان ما غري رأيه وعدل خطته.
لقد كان الأمري توفيق في آخر أيام اسماعيل باشا يقدره ويدين بمبادئه. وكان السيد
يلتقي به في املحفل املاسوني، ويتوسم فيه الخري إذ ولى بعد اسماعيل، ولكن الخديوي
توفيق ملا تولى الحكم سعى إليه الساعون، وأوعز إليه املوعزون، فاجتمع مجلس الوزراء
وقرر نفي السيد جمال الدين «لأنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة
2 خاطرات جمال الدين.
223
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
على فساد الدين والدنيا»، فمثُلت لنا من جديد رواية سقراط، وقبض عليه وعلى خادمه
الأمني الفيلسوف الأمي أبي تراب في 6 رمضان سنة 1296 ،24 أغسطس سنة 1871،
وأودعا في باخرة سارت بهما إلى بمباي. وكان هذا آخر العهد بالأستاذ في مصر، وإن لم
يكن آخر عهدها بآرائه ومبادئه.
224
السيد جمال الدين الأفغاني (3(
أقام السيد في حيدر أباد في الهند منفيًا لا يسمح له بمفارقتها، ولا يستطيع أن يشترك
ً ا مع زائر، أو قراءة في كتاب، أو ردا على سؤال.
في عمل إلا حديثً
وفي هذه املدة ألّف كتابه املشهور في «الرد على الدهريني» وعنوانه «رسالة في
إبطال مذهب الدهريني، وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين أساس املدنية، والكفر فساد
العمران». وقد كتبها بالفارسية ثم ترجمت إلى الأردية، ثم ترجمها الشيخ محمد عبده
بمعاونة عارف بالفارسية وهو تابع السيد جمال الدين، عارف أبو تراب.
ّرد في هذه الرسالة على «داروين» ومذهبه في النشوء والارتقاء، وعلى أمثاله ممن
ذهبوا مذهبه.
وقد يعجب القارئ من تعرضه ملثل هذا البحث وهو يتطلب كما — فعل «داروين»
ً — تخصصا في العلوم الطبيعية من جيولوجيا، وفسيولوجيا، وبيولوجيا، وأمبريولوجيا
(علم تكوين الأجنة) وغري ذلك.
ولكن عذر السيد أن مذهب «داروين» قد أثار موجة من الإلحاد قوية — وإن لم
ً يكن داروين نفسه ملحدا — وطغا في عصره مذهب املادية القائل بأن العالم له أساس
واحد هو املادة، ولا شيء وراءها، وكل شيء في الحياة مظهر من مظاهرها حتى الفكر
والعاطفة؛ واملادة لا تحد ولا تفنى، وقوانينها أبدية لا تتغري، وهي قديمة أزلية أبدية،
وليس في هذا العالم شيء يعتريه الفناء، وإنما تتغري الأشكال؛ وبناء على ذلك فلا نفس
ولا روح، ولا دين، ولا إله.
وهذا املذهب قديم تراه في البوذية، وعند قدماء املصريني، وعند بعض فلاسفة
اليونان، وظهر في العصور الحديثة في الثورة الفرنسية؛ ودعا إليه كثري من الفلاسفة
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً في انجلترا، وفرنسا، وأملانيا؛ وعرفه العرب قديما وسموا أصحابه «الدهريني» وحكى
مذهبهم الجاحظ والشهرستاني وغريهما من مؤرخي املذاهب.
وبانتقال الآراء الغربية إلى الشرق انتقل فيما انتقل مذهب النشوء والارتقاء. ومذهب
املاديني؛ فترجم في مصر «شبلي شميل» مذهب بخنر سنة 1884 ،وأثار حركة كبرية
حوله. وفي الهند ظهرت طائفة تعتنق هذا املذهب وتسمى طائفة «النيتشرية» نسبة
إلى نيتشر nature) وهي كلمة إنجليزية معناها الطبيعة) وترددت هذه الكلمة وقرعت
أسماع الكثريين، كما قرعت سمع جمال الدين أيام إقامته في حيدر أباد، وسأله الأستاذ
محمد واصل مدرس الفنون الرياضية بمدرسة الأعزة بحيدر آباد في خطاب يقول فيه:
«يقرع سمعنا في هذه الأيام صوت «نيشر»، «نيشر»، ويصل إلينا من جميع الأقطار
الهندية، ولا تخلو بلدة من جماعة يلقبون بهذا اللقب «نيشري» فما حقيقة النيشرية وما
مذهبهم، وفي أي وقت ظهروا؟» فكان من ذلك تأليف هذه الرسالة.
ولكن ليس أقوم ما فيها الرد على داروين، وإنما أقوم ما فيها إثبات قيمة الدين،
وضرورته للإنسان، وأثره في رقيه، وأثر الإلحاد في انحطاطه. وهذا هو ما يبلغ فيه جمال
الدين الذروة.
وخلاصة رأيه في هذا املوضوع أن الدين — على العموم — أكب عقول البشر ثلاث
عقائد، وأودع نفوسهم ثلاث خصال، كل منها ركن لوجود الأمم، وعماد لبناء الهيئة
الاجتماعية.
العقيدة الأولى: التصديق بأن الإنسان ملك أرضي وأنه أشرف املخلوقات.
والعقيدة الثانية: يقني كل ذي دين أن أمته أشرف الأمم، وكل مخالف له فعلى ضلال
وباطل.
والثالثة: جزمه بأن الإنسان ورد هذه الدنيا لتحصيل كمال يهيئه للعروج إلى عالم أرفع
وأوسع من هذا العالم الدنيوي، والانتقال من دار ضيقة الساحات، كثرية املكروهات،
جديرة بأن تسمى «بيت الأحزان» إلى دار فسيحة الساحات، خالية من املؤملات، لا
تنقضي سعادتها، ولا تنتهي مدتها.
أما الخصال الثلاث فهي: الحياة، والأمانة، والصدق.
ويشرح أن هذه الأسس التي أتت بها الأديان هي علة العمران، وعليها تتوقف
سعادة الإنسان، وأن املاديني أو الدهريني أو النيشريني تؤدي تعاليمهم إلى إنكار هذه
226
السيد جمال الدين الأفغاني (3(
الأسس فتنزل الإنسان منزلة الحيوان، وتفقده الوازع على الخري، وتُعده لحياة جامدة
ضيقة جافة لا قلب لها، ولا سمو فيها، وفي هذا انتكاس لخلقه، وهدم لكيانه، وحرمان
مما أعده الله له.
وفي الإسلام مزايا على سائر الأديان:
أولها: صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهرها من لوث الأوهام. فمن أهم أصوله
الاعتقاد بأن الله منفرد بتصريف الأكوان متوحد في خلق الأفعال، وأن من الواجب
طرح كل ظن في إنسان أو جماد — علويًا كان أو سفليًا — يكون له في الكون أثر من
نفع أو ضر، أو إعطاء أو منع، أو إعزاز أو إذلال، ...؛ أو نحو ذلك من خرافات كل
واحدة منها كافية في إعماء العقول وطمس أنوارها.
وثانيها: أن الإسلام فتح أبواب الشرف للأنفس كلها، وأثبت لكل نفس صريح الحق
َّ في السمو ... ومحق امتياز الأجناس، وتفاضل الأصناف، وقوم الناس بالكمال العقلي
والنفسي؛ فالناس إنما يتفاضلون بالعقل والفضيلة لا بأي شيء آخر. وقد لا نجد من
الأديان الأخرى ما يجمع أطراف هذه القاعدة.
وثالثها: ً أن الإسلام يكاد يكون منفردا بني الأديان بتقريع املعتقدين بلا دليل، وتوبيخ
املتبعني للظنون ... فهو كلما خاطب خاطب العقل، وكلما احتكم احتكم إلى العقل،
تنطق نصوصه بأن السعادة من نتائج العقل والبصرية. وأن الشقاء والضلالة من
لواحق الغفلة وإهمال العقل، وانطفاء نور البصرية.
ورابعها: أن الإسلام أوجب تعليم سائر الأمة وتنوير عقولها باملعارف والعلوم، وفرض
ْصب املعلم ليؤدي عمل التعليم، وإقامة املؤدب الآمر باملعروف الناهي عن املنكر
نَ
ُم َنكِر?،
َه ْوَن َعِن الْ
َمْع ُر ِوف َويَنْ
ُم ُر َون ِبالْ
ْ
َلى الْ َخْريِ َويَأ
يَ ْدُع َون إِ
َّمةٌ
ُ
تَ ُك ِّن م ُ نك ْم أ
َ فقال: ?ولْ
ا
ْوَم ُه ْم إِذَ
ُه ِوا في ِّ الد ِين َولِيُ ِنذ ُروا قَ
قَّ
يَتَفَ
لِّ
ةٌ
ُه ْم َط ِائفَ
ٍة ِّمنْ
َر ِم ُ ن ك ِّل ِفْرقَ
ْوَلا نَفَ
لَ
وقال: ?فَ
ُر َون?.
ُه ْم يَ ْحذَ
َعلَّ
ِه ْم لَ
يْ
َر َجُعوا إِلَ
َى الإسلام، وكل ركن منها له الأثر البالغ في تقويم
وعلى هذه الأركان الأربعة بُنِ
املدنية وتشييد بناء النظام، وتدعيم السعادة الإنسانية، وقد دارت حالة املسلمني رقيًا
ً وانحطاطا حسب تمسكهم بهذه العناصر وتخليهم عنها.
هذا ما عمله «جمال الدين» في حيدر أباد.
227
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
فلما حدثت في مصر «الثورة العرابية» نقلته حكومة الهند من حيدر أباد إلى كلكتا،
ً وألزمته الإقامة فيها مخفورا مراقبًا حتى انتهت الثورة بدخول انجلترا مصر، فأبيح له
الذهاب حيث شاء (في غري الشرق)، فيذكر مستر «بلنت» Blunt أنه ذهب إلى أمريكا
ً ليتجنس بالجنسية الأمريكية، وأقام بها أشهرا ولم ينفذ ما اعتزمه — ولم يذكر ذلك
.
غري بلنت من مترجميه ولا الشيخ محمد عبده1
ثم رأيناه في لندن سنة 1883 ولم يطل الإقامة بها، ثم سافر منها إلى باريس،
وكان قد كتب إلى تلميذه وصديقه الشيخ محمد عبده، ليوافيه بها من منفاه في بريوت
ففعل.
ما برنامجه؟ ماذا ينوي من العمل بعد ما جرب، وبعد ما نال من الأحداث ونالت
منه؟
ها هو والشيخ محمد عبده يتشاوران فيما يصنعانه من الإصلاح.
فأما الشيخ محمد عبده فكاد يدب إليه اليأس من الجيل الحاضر، بعد أن خبر
الناس في حوادث عرابي وغدرهم، وقلة وفائهم، وتكالبهم على مصالحهم الشخصية،
فأشار على السيد جمال الدين أن يذهبا إلى مكان بعيد غري خاضع لسلطان دولة تعرقل
سريهما، ثم ينشئان فيه مدرسة للزعماء يختاران لها التلاميذ من نجباء الناشئني من
الأقطار الإسلامية، ومن يتوسمان فيهم الخري، ثم يربيانهم على منهج قويم يختارانه،
ويعدانهم للزعامة والإصلاح، قال: «فلا تمضي عشر سنني حتى يكون عندنا كذا وكذا
من التلاميذ الذين يتبعوننا في ترك أوطانهم، والسري في الأرض لنشر الإصلاح املطلوب
فينتشر أحسن انتشار».
ً لم يعجب «السيد» هذا الرأي، ورأى فيه خور ً ا في العزيمة، وجنوحا إلى السلامة،
2 ووضع
ومبالغة في التشاؤم من الحاضر، وقال للشيخ محمد عبده: «إنما أنت مثبط»
ً وأنا أستبعد رواية مستر «لنت»لأن السيد ملا خرج من الهند سافر بحرا عن طريق البحر الأحمر فلما
1
كان في بورسعيد كتب إلى الشيخ محمد عبده كتابًا لا تزال محفوظة صورته الفوتوغرافية يقول فيه: أنا
الآن في «برط السعيد» أذهب إلى لندرة ... إن أخبار العالم كانت قد انقطعت عني مدة سبعة أشهر ولذا
لا أدري مستقر العارف (وهو تابعه) أخبره بسفري.
2 ولعل هذه الفكرة هي التي أوحت للسيد محمد رشيد فيما بعد بإنشاء مدرسة الدعوة والإرشاد في
مصر.
228
السيد جمال الدين الأفغاني (3(
«السيد» خطته، وهي إنشاء جريدة عربية في باريس، تُنشر منها في العالم الإسلامي،
تفهمه حقوقه وواجباته وتشعل وطنيته؛ فكان ذلك. وكان من هذا جريدة «العروة
الوثقى» يكون «للسيد» فيها الأفكار واملعاني، وللشيخ محمد عبده التحرير والصياغة،
ومريزا محمد باقر يعرب لها عن الصحف الأجنبية كل ما يهم العالم الشرقي، وكان
وراء هذه املجلة جمعية سرية منبثة في جميع الأقطار الإسلامية، اختري أعضاؤها من بني
املسلمني املثقفني املتحمسني لدينهم. ووضع لها يمني يقسمه من يدخل فيها ويتعهد فيه
(بأن يبذل ما في وسعه لإحياء الأخوة الإسلامية، وإنزالها منزلة البنوة والأبوة الصحيحتني،
ً وألا يقدم إلا ما قدمه الدين، وألا يؤخر إلا ما أخره الدين، ولا يسعى قدما واحدة يتوهم
ً فيها ضررا يعود على الدين جزئيًا كان أو كليً ً ا، وأن يطلب الوسائل لتقوية الإسلام عقلا
وقدرة، وأن يوسع معرفته بالعالم الإسلامي من كل نواحيه بقدر ما يستطيع» الخ.
وأنشئت للجمعية فروع في البلدان املختلفة، وكل فرع يجتمع للمذاكرة، وفي آخر كل
اجتماع يتبرع الأعضاء بشيء من املال في صندوق صغري له ثقب ضيق يضع فيه كل ما
تيسر خفية، حتى لا يعلم من أدى أقل ومن أدى أكثر — ولعل هذا الباب هو ما كان
ينفق منه على الجريدة والقائمني بها، فقد كانت ترسل أكثر أعدادها مجانًا.
ً أصدرا من الجريدة ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، ظهر العدد الأول في 15
جمادى الأولى سنة 1301/13 مارس سنة 1884 ،وظهر للعدد الأخري في 26 ذي الحجة
سنة 1301/17 أكتوبر سنة 1884.
ماذا كان الغرض من هذه الجريدة؟
لخصت الجريدة أهم أغراضها في أول عدد من أعدادها فيما يأتي:
(1 (بيان الواجبات على الشرقيني التي كان التفريط فيها موجبًا للسقوط والضعف،
وتوضيح الطرق التي يجب سلوكها لتدارك ما فات.
ويستتبع ذلك بيان أصول الأسباب ومناشئ العلل التي أفسدت حالهم وعمت عليهم
طريقهم. وإزاحة الغطاء عن الأوهام التي حلت بهم.
(2 (إشراب النفوس عقيدة الأمل في النجاح، وإزالة ما حل بها من اليأس.
(3 (دعوتهم إلى التمسك بالأصول التي كان عليها آباؤهم وأسلافهم، وهي ما تمسكت
به الدول الأجنبية العزيزة الجانب.
ً (4 (الدفاع عما يرى به الشرقيون عموم ً ا واملسلمون خصوصا من التهم، وإبطال زعم
الزاعمني أن املسلمني لا يتقدمون في املدنية ما داموا متمسكني بأصول دينهم.
229
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
(5 (إخبار الشرقيني بما يهمهم من حوادث السياسة العامة والخاصة.
(6 (تقوية الصلات بني الأمم الإسلامية، وتمكني الألفة بني أفرادها، وتأمني املنافع
املشتركة بينها، ومناصرة السياسة الخارجية التي لا تميل إلى الحيف والإجحاف بحقوق
الشرقيني.
أراد السيد أن يدعو إلى إصلاح املسلمني دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا. وإذ كان الإسلام
تمتزج فيه العقائد بالنظم الاجتماعية، بالنظم السياسية كانت دعوته شاملة لهذه املناحي
الثلاثة.
كان املثل الأعلى له حالة املسلمني في عهد الخلفاء الراشدين، من حيث العقيدة
والصفات الخلقية والنظام السياسي.
فريى أنهم كانوا موحدين حقً ا، معتزين بدينهم، لا تفرقهم املذاهب والنحل،
مترابطني برباط الأخوة، فيهم خلق الإباء والشمم، يبذلون أعز شيء في سبيل عقيدتهم
وعزتهم، ينشرون بينهم العلم ما استطاعوا، ويأمرون باملعروف، وينهون عن املنكر في
غري هوادة.
ثم دخل الفساد على توالي الزمن من خمسة أبواب: من عقيدة الجبر؛ والخطأ في
فهم القضاء والقدر حتى صرفت النفوس عن الجد في الأعمال؛ ومما أدخله الزنادقة
ً على تعاليم الإسلام في القرنني الثالث والرابع، فجعلوا املسلمني شيعا وأحزابًا، وأضعفوا
ّ قوة الدين بما أدخلوا من تعاليم فاسدة؛ ومما أحدثه السوفسطائية من أفكار، وعدهم
الحقائق خيالات تبدو للنظر؛ ومما عمله كذبة املحدثني من وضع أحاديث ينسبونها إلى
رسول الله وفيها السم القاتل لروح العمل والإباء، وفيها ما يستوجب ضعفً ا في الهمم،
ً وفتورا في العزائم، ومن ضعف التربية والتقصري في إرشاد الجمهور إلى أصول دينهم،
ونشر العلم بينهم. وزاد في بعض املقالات أسبابًا أخرى أهمها تفكك الروابط بني أجزاء
الأمة، فلا ترابط بني العلماء بعضهم وبعض، ولا بني العلماء والأمراء، ومنها أن الدين
ُه َّ م ما
دوا لَ
ِعُّ
َ
َ الإسلامي جعل أمته أمة مجاهدة قوية محاربة، يأمرها الله بقوله: ?وأ
َّوٍة ِ ?، فلما استهانت بهذا الأمر؛ ولم ت ٌعد لكل موقف عدته ذلت بعد عزة
ِّ م من قُ
ْ استَ َط ْعتُ
وضعفت بعد قوة.
ً وكان يختار بعض هذه الأسباب ويوسعها تفصيلا، أو يفردها في مقال. كما فعل
في مقال القضاء والقدر. وكان من عادته أن يلهب النفوس بأسواط النقريع، ثم يدخل
230
السيد جمال الدين الأفغاني (3(
ً الأمل عليها بأن هذه عوارض يمكن أن تزول ما سلم الأصل، مذكر ً ا دائما بحالة املسلمني
في العهد الأول، وعزتهم الأولى.
وكان مثله الأعلى كذلك حكومة إسلامية واحدة تأتم بالإسلام وتعاليمه، وملا رأى
أن ليس في الإمكان خضوعها لأمري واحد اكتفى بالدعوة إلى أن ترتبط أجزاؤها بروابط
محكمة، ويكون لها مقصد واحد، وتحكم الأقطار كلها بحكومات إمامها القرآن، وأساسها
العدل والشورى، واختيار خري الناس لتولي الأمور. يقول في ذلك بعد أن دعا إلى اتفاق
ً الأمم الإسلامية: «لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخص ً ا واحدا، فإن
هذا ربما يكون عسريًا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم
الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخرين ما استطاع، فإن حياته
بحياته وبقاءه ببقائه». وكثريًا ما كان يضرب املثل بالإمارات الجرمانية في توحدها بعد
.
3
تشتتها، ويدعو إلى حلف بني الدول الإسلامية يتزعمه أكبرها وأقواها
وخشى أن هذا النظام الذي يدعو إليه يثري الشقاق بني املسلمني وغريهم من أهل
الديانات الأخرى في الأقطار الإسلامية، فقال: «لا يظن أحد من الناس أن جريدتنا هذه
بتخصيصها املسلمني بالذكر أحيانًا ومدافعتنا عن حقوقهم نقصد الشقاق بينهم وبني
من يجاورهم في أوطانهم، ويتفق معهم في مصالح بلادهم، ويشاركهم في املنافع من
أجيال طويلة، فليس هذا من شأننا، ولا مما ندعو إليه، ولا مما يبيحه ديننا، ولا تسمح
به شريعتنا الخ».
وقادة هذا التفكري في نوع الحكومة التي يأملها، والأخلاق التي يرجوها من العزة
والشمم والقوة، أن يناهض — في الجريدة — الاحتلال الأجنبي في الأقطار الإسلامية —
وخاصة في مصر — بكل قوته، ويؤلِّب عليه في غري هوادة. وقد شغل هذا أكبر جزء
من الجريدة من كتابة مقالات ورواية أخبار وتعليق عليها، واستعمل لهذا الغرض أشد
أنواع التعبري، وأعنف أساليب التهييج، واستغل حوادث املهدي في السودان لإثارة الشعور
ً وإهاجة النفوس. واستعمل إلى جانب الجريدة رسلا متخفني يذهبون إلى الأقطار املختلفة
مزودين بالتعاليم التي لا يستطيع نشرها في الجريدة، فرسول إلى موسكو، ورسول إلى
الحجاز، حتى أرسل الشيخ محمد عبده مرة — وهو محكوم عليه بالنفي — إلى مصر
وتونس.
3 انظر الجزء الأول من تاريخ الشيخ محمد عبده للسيد رشيد ففيه كثري من تفاصيل ذلك.
231
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
كان من نتيجة ذلك أن أحس من بيده السلطة على الحكومات الهندية واملصرية
ً الخطر من الجريدة، فأمر بمنعها من الدخول، وأصدرت وزارة نوبار قرارا بالتشدد في
منعها.
فلما أحست الجريدة شدة املراقبة، واستحالة وصول الأعداد إلى أصحابها إلا في
القليل النادر، وفي كثري من التحايل احتجبت.
احتجبت والأسى يحز في نفس القائمني عليها؛ فلا من دعوهم لبوا الدعوة فثاروا
يطلبون أن يكون أمرهم بيدهم، ولا الجريدة استطاعت أن تستمر في دعوتها حتى تؤدي
رسالتها.
وبهذا انتهت مرحلة أخرى من حياة «السيد» مدتها ثلاث سنني قضاها في باريس
كلها عناء، وكلها جهاد، انتهت بما أحزنه وخيب أمله، وإن كانت املعاني لا تنعدم كما
أن املادة لا تنعدم.
232
السيد جمال الدين الأفغاني (4(
حادثان هامان حدثا في السنني الثلاث التي كان فيها «السيد» في باريس، أحدهما اتصاله
ً بالفيلسوف الشهري «رينان» وإعجاب كل منهما بالآخر ودخولهما معا في معركة — وإن
لم تكن حامية — حول الإسلام والعرب؛ وقد فتحت صدرها لهذه املعركة جريدة «الديبا»
الفرنسية الشهرية.
فقد ألقى الأستاذ «رينان» في السربون محاضرة دارت حول نقط ثلاث:
(1 (خطأ املؤرخني في قولهم علوم العرب، وفنون العرب، وتمدن العرب، وفلسفة
ً العرب، مع أن هذه الأشياء نتاج الأمم غري العربية أكثر منه نتاجا للأمة العربية، فالتمدن
أكثر من نتاج الفرس، والفلسفة أكثرها من نتاج النصارى النسطوريني والوثنيني
الحرانيني، والفلاسفة الذين ظهروا في دولة الإسلام كالكندي والفارابي وابن سينا وابن
رشد لم يكن منهم من العرب إلا الكندي، فنسبة الحضارة واملدنية والعلم والفلسفة إلى
العرب خطأ، وعدم دقة في التعبري.
(2 (أن الإسلام لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها، بما
فيه من اعتقاد في الغيبيات وخوارق العادات والإيمان التام بالقضاء والقدر. ومن اشتغل
بالفلسفة من املسلمني اضطهد أو أحرقت كتبه أو كان في حماية خليفة أو أمري مؤمن
في الظاهر غري متدين في الباطن، ومع ذلك فما وصل إليه هؤلاء في الفلسفة ليس له
قيمة كبرية، فهو ليس إلا فلسفة اليونان مشوهة، والفلسفة التي أخذناها عن املسلمني
في أسبانيا كانت فلسفة رديئة الترجمة، مشوهة الأصل، لم نستفد منها الفائدة الحقة
إلا بعد ترجمتها ترجمة جديدة من منابعها الأصلية. ومع هذا يقول «رينان»: «إن في
ً دين الإسلام تعاليم ومبادئ عالية القيمة رفيعة املقام، وما دخلت في حياتي مسجدا
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً من مساجد املسلمني إلا شعرت بجاذبية نحو الإسلام، بل وتأسفت ألا أكون مسلما ...»
ولكنه حجب العقل عن التأمل في حقائق الأشياء ... وعقول أهل البلاد الإسلامية قاصرة،
وما يتميز به املسلم هو بغضه للعلوم واعتقاده أن البحث كفر، وقلة عقل لا فائدة فيه.
(3 (أن العنصر العربي بطبيعته أبعد العقول عن الفلسفة والنظر فيها؛ فالزمن الذي
كان يسود فيه العنصر العربي — وهو عهد الخلفاء الراشدين — لم تكن فيه فلسفة،
ولم يظهر البحث العلمي ولا الفلسفة إلا حني انتصرت الفرس ونصروا العباسيني على
الأمويني وسلموهم زمام امللك، ونقلوا الخلافة إلى العراق، مهد التمدن الفارسي القديم.
وختم محاضرته بالإشادة بقيمة العلم ودعوة الأمم كلها شرقية وغربية إلى الهجوم
عليه، «فالعلم روح كل هيئة اجتماعية، وبه تتقدم الأمم، وبه يتحقق العدل، وبه يستخدم
العقل القوة ... وهو لا يساعد إلا على التقدم املؤسس على حرمة الإنسان وحريته».
نشرت هذه املحاضرة في جريدة «الديبا» فأثارت خواطر املسلمني واملستشرقني
والباحثني في شؤون املسلمني.
فكان ممن رد عليه الأستاذ «مسمر» رئيس البعثة املصرية بفرنسا إذ ذاك، وفي رده
كاد يسلم باملسألة الأولى، وهي أن املدنية العربية ليست مدنية العرب وحدهم بل مدنية
الأمم املختلفة التي دخلت في الإسلام، وفي املسألة الثانية قال إنه ليس في دين الإسلام
وتعاليمه ما يمنع املسلمني من التقدم العلمي، وقد تقدم املسلمون في عصور مختلفة ولم
يمنعهم دينهم من أن يتفوقوا على املسيحيني في بعض تاريخهم، وكل سائح الآن يسيح
في البلاد الإسلامية يشعر بنهضة الشرق وأخذه بأساليب التقدم والإصلاح، من غري أن
يصدهم دينهم عن ذلك. ثم قال: «ومن الغريب أنه قبل أن يلقى املسيو رينان خطبته
بيومني ألقى بعض العلماء العظام أمام املحفل نفسه محاضرة اشتملت على مكتشفات
العرب في علم الحياة — وقد نشرت هذه املحاضرة في املجلة العلمية ... وهي محاضرة
ترشدنا إلى حقيقة التمدن الإسلامي في القرون املتوسطة، فلو اطلع املسيو رينان عليها
وعلى ما كتبه «سديو» و«دوزي» في مؤلفاتهما عن العلوم والآداب والفنون والصنائع
املنسوبة إلى العرب، وعرف ما عملته هذه الأمة في العلم، مما لا يحصى عدده، بينما كانت
أوروبا منغمسة في التوحش والجهالة ما نسب إلى العرب ما نسب، وهذا العلم تقدم
ً بمعونة الدين لا رغما عن الدين. فإذا كان الإسلام سمح للنساطرة واملجوس واليهود في
دولته بهذا التقدم العلمي الذي ذكره مسيو رينان فلماذا لا يكون سببًا في حمل ملايني
املسلمني الآن على الأخذ بأسباب العلم — وأما املسألة الثالثة فلم يعرها مسيو مسمر
كبري اهتمام في الرد.
234
السيد جمال الدين الأفغاني (4(
وقد تحمس الشباب املسلم في باريز ملقال رينان ورد مسمر فاجتمعوا وكلَّفوا أحدهم
حسن عاصم «حسن باشا عاصم فيما بعد» تعريب املحاضرة والرد عليها فعربهما، وقال
ً في أول ذلك: «ملا كان الذب عن الدين فرضا على الإنسان، وحب الوطن من الإيمان، اجتمع
جم غفري من طلبة العلم املصريني املقيمني بفرنسا وكلفوا أخاهم العبد الفقري «حسن
عاصم» بتعريب الخطبة التي ألقاها رينان ... طعنًا في دين الإسلام والأمة العربية،
وبتعريب ما كتبه الفيلسوف الكبري صاحب الفكر الصائب املسيو مسمر ... والغرض أن
َّ نقف على الطعن والرد كل من كان على دين الإسلام أو من الأمة العربية، ويمكنهم تفنيد
ً كلام املسيو رينان فيفعلون إظهارا للحق»؛ كما عرب محمد مختار أحد طلبة العلوم
الطبية بباريس املحاضرة التي أشار إليها مسيو مسمر.
بعد بضعة أسابيع من نشر محاضرة رينان رد الأستاذ جمال الدين عليه في «الديبا»
ً أيضا، ولكن كان رده هادئًا في بعض نقطه، فلعله لذلك لم يعجب حسن عاصم ولا
إخوانه، ولذلك لم يهتموا بترجمته إلى العربية أو نشره، فقد مدح رينان على بحثه
وإنصافه وقال إنه استفاد من محاضرته استفادة كبرية، ثم قال: «إن املحاضرة تشتمل
على نقطتني أساسيتني:
(1 (أن الديانة الإسلامية كانت — بما لها من نشأة خاصة — تناهض العلم.
(2 (أن الأمة العربية غري صالحة بطبيعتها لا لعلوم ما وراء الطبيعة ولا للفلسفة.
«فأما عن النقطة الأولى، فإن املرء ليتساءل، بعد أن يقرأ املحاضرة عن آخرها،
َ أصَدر هذا الشر عن الديانة الإسلامية نفسها أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت بها
ُ الديانة الإسلامية في العالم، أم أن أخلاق الشعوب التي اعتنقت الإسلام أو حملت على
ً اعتناقه بالقوة، وعاداتها وملكاتها الطبيعية هي جميع ِ ا مصدر ذلك؟ لا ريب أن ق َصر
الوقت املخصص للمسيو رينان قد حال دون إجلائه هذه النقطة.
ثم أخذ يبني أن ما وقع للمسلمني وقع مثله في الأديان الأخرى، «فرؤساء الكنيسة
الكاثوليكية املبجلون لم يلقوا أسلحتهم بعد كما أعلم، وهم عاكفون على محاربة ما
.
1
يسمونه بالتدليس والضلال (يعني العلم والفلسفة)»
1 وقد وقع في رده على هذه النقطة بعض جمل جريئة سنعرض لها بعد.
235
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
قال: «وأما النقطة الثانية فالكل يعلم أن الشعب العربي خرج من حال الهمجية التي
كان عليها وأخذ يسري في طريق التقدم الذهني والعلمي، ويفل السري بسرعة لا تعادلها
إلا سرعة فتوحاته السياسية، وقد تمكن في خلال قرن من التكيف بالعلوم اليونانية
ً والفارسية ... فتقدمت العلوم تقدم ً ا مدهشا بني العرب، وفي كل البلدان التي خضعت
لسيادتهم، وقد كانت روما وبيزنطة املدينتني الرئيسيتني لعلوم اللاهوت والفلسفة، بل
مبعث أنوار املعارف الإنسانية كلها ... ثم جاء الوقت الذي وقف فيه علماء هاتني
ُصبُهم التي أقاموها للعلم، ودرجت كتبهم القيمة
املدينتني عن البحث، وتهدمت فيه نُ
في طي النسيان، وقد كان العرب في ذلك الجهل حني شرعوا يتناولون ما تركته الأمم
املتمدنة، فأحيوا تلك العلوم الندثرة ورقوها وخلعوا عليها بهجة لم تكن لها من قبل،
أوليس هذا دلالة بل برهانًا على حبهم الطبيعي للعلوم؟
صحيح أن العرب أخذوا عن اليونان فلسفتهم كما أخذوا عن الفرس ما اشتهروا
به. بيد أن هذه العلوم التي أخذوها بحق الفتح قد رقوها ووسعوا نطاقها ووضحوها،
ونسقوها تنسيقً ا منطقيًا، وبلغوا بها مرتبة من الكمال تدل على سلامة الذوق وتنطوي
على التثبت والدقة النادرين. وقد كان الفرنسيون والإنجليز والأملان لا يبعدون عن رومة
وبيزنطة بُ ْعد العرب عنهما، وكان من السهل عليهم أن يستغلوا كنوز علوم تلك املدينتني،
ولكنهم لم يفعلوا، حتى جاء اليوم الذي ظهر فيه منار املدنية العربية على قمة جبال
البرانس يرسل ضوءه وبهاءه على الغرب، فأحسن الأوروبيون إذ ذاك استقبال أرسطو
بعد أن تقمص الصورة العربية، ولم يكونوا يفكرون فيه وهو في ثوبه اليوناني على
ً ا آخر ناصعا على مزايا العرب الذهنية وحبهم الطبيعي
مقربة منهم أوليس هذا برهانً
للعلوم؟
«وبينما يسلم مسيو رينان بأن البلدان الإسلامية في غضون خمسة قرون من
ً سنة 775م إلى أواسط القرن الثالث عشر كانت تحتوي علماء ومفكرين عظاما، وأن
العالم الإسلامي إذ ذاك كان يفوق العالم املسيحي في الثقافة الذهنية، إذ يقول إن
أكثر الفلاسفة الذين شهدتهم القرون الأولى للإسلام كانوا كنابهي السياسيني من أصل
َحّراني، أو أندلسي، أو فارسي، أو من نصارى الشام. ولست أريد أن أغمط علماء الفرس
صفاتهم الباهرة، ولا أن أغض الطرف عن الدور الجليل الذي لعبوه في العالم الإسلامي،
ولكن أرجو أن يسمح لي أن ألاحظ أن الحرانيني كانوا عربًا، وأن العرب ملا احتلوا أسبانيا
لم يفقدوا جنسيتهم بل ظلوا عربًا، وأن اللغة العربية كانت إلى ما قبل الإسلام بعدة قرون
236
السيد جمال الدين الأفغاني (4(
لغة الحرانيني وكونهم قد حافظوا على ديانتهم القديمة وهي «الصابئة» ليس معناه أنهم
لم ينتموا إلى الجنسية العربية، وقد كانت أكثرية نصارى الشام عربًا غسانيني اهتدوا
بهدي النصرانية. أما ابن باجة، وابن رشيد، وابن طفيل فلا يمكن القول بأنهم أقل
ً عربية من الكندي بدعوى أنهم لم يولدوا في جزيرة العرب، وخصوصا إذا اعتبرنا أن لا
سبيل إلى تمييز أمة عن أخرى إلا بلغتها.
«ثم ماذا يكون لو قصرنا نظرنا على الأصل الذي ينتمي إليه العظيم ولم نأبه للنفوذ
الذي سيطر عليه، والتشجيع الذي لقيه من الأمة التي عاش فيها؟ لو فعلنا ذلك لقلنا
إن نابليون لا ينتمي إلى فرنسا، وملا صح لأملانيا أو إنجلترا أن تدعي كلتاهما الحق في
العلماء الذين استوطنوها بعد أن رحل أصولهم إليها من بلدان أخرى».
ثم تعرض لأسباب انطفاء هذه الشعلة، وختم رده بقوله: «إن العقل لا يوافق
الجماهري، وتعاليمه لا يفقهها إلا نخبة من املتنورين، والعلم على ما به من جمال لا
يرضي الإنسانية كل الإرضاء، وهي التي تتعطش إلى مثل أعلى، وتحب التحليق في الآفاق
املظلمة السحيقة التي لا قبل للفلاسفة والعلماء برؤيتها أو ارتيادها».
ً رد عليه الأستاذ رينان وبادله مدحا بمدح، وإعجابًا بإعجاب، وقال: «تعرفت بالشيخ
ر
جمال الدين من نحو شهرين فوقع في نفسي منه ما لم يقع لي إلا من القليلني، وأثّ
في تأثريًا قويًا؛ وقد جرى بيننا حديث عقدت من أجله النية على أن تكون علاقة العلم
بالإسلام هي موضوع محاضرتي في السربون ... والشيخ جمال الدين نفسه خري دليل
يمكن أن نسوقه على تلك النظرية العظيمة التي طاملا أعلناها، وهي أن قيمة الأديان
بقيمة من يعتنقها من الأجناس، وقد خيّل إليّ من حرية فكره، ونبالة شيمه، وصراحته
ً — وأنا أتحدث إليه — إني أرى أحد معارفي من القدماء وجها لوجه، وأني أشهد ابن
ً سينا، أو ابن رشد، أو واحدا من أولئك امللحدين العظام الذين ظلوا خمسة قرون يعملون
على تحرير الإنسانية من الإسار.
ثم قال: «ولست أرى في البحث النفيس الذي عالجه الشيخ إلا نقطة يصح أن
نختلف فيها حقيقة ... فلسنا بالتأكيد ننكر ما لرومة على تاريخ الإنسانية من نفوذ، ولا
ما كان للعرب من نفوذ، ولكن هذه التيارات الإنسانية العظيمة في حاجة إلى تحليل؛ إذ
ليس كل ما كتب باللاتينية يزين تاج شهرة روما، ولا كل ما كتب باليونانية من عمل
اليونانيني، ولا كل ما كتب بالعربية نتاج عربي، ولا كل ما نشأ في بلد مسيحي من تأثري
املسيحية، ولا كل ما ظهر في البلدان الإسلامية من ثمار الإسلام ...
237
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
«لقد خالني الشيخ غري منصف في أني لم أوف الكلام حقه، ولم أقل في املسيحية ما
قلته في الإسلام، وأن الاضطهاد بني املسيحيني لا يقل عما كان بني املسلمني، وهذا قول
الحق؛ فجالليو لم يلق من الكاثوليك خريًا مما لقيه ابن رشد من املسلمني ... وإذا كنت
لم أطل القول في هذه الحقيقة فلأن آرائي في هذا الشأن معروفة لا حاجة بي إلى تكريرها
على مسمع محفل علم بكل أعمالي وآرائي ... ولست أريد من املسيحي ترك عقيدته
املسيحية ولا من املسلم ترك الإسلام؛ ولكن أريد من املسيحيني واملسلمني املتنورين أن
ً يهتموا بالعلم اهتماما لا تعوقه العقيدة، وقد تم هذا في نصف البلدان املسيحية ونرجو
ً أن يتم مثله في الإسلام. وإن يوما يتم ذلك فيه ملا أرحب به أنا والشيخ ونطرب له
ً جميعا».
واستمر في تأييد رأيه الذي قاله في املحاضرة ثم ختم مقاله بقوله: «ويلوح لي أن
الشيخ جمال الدين قد زودني بطائفة من الآراء الهامة تعينني على نظريتي الأساسية
وهي أن الإسلام في النصف الأول من وجوده لم يحل دون استقرار الحركة العلمية في
الأراضي الإسلامية، ولكنه في النصف الثاني خنق الحركة العلمية وهي في خظريته فكان
.
2
هذا من سوء حظه»
وهذه النتيجة الأخرية — من غري شك — فيها كثري من التعديل لآراء رينان السابقة،
ً وهي تؤدي حتما إلى أن ذلك ليس من طبيعة الإسلام، ولو كان من طبيعته ما شجع
الحركة العلمية في أوله ولا آخره.
وإلى هنا أسدل الستار عن هذه الرواية التي سيعاد تمثيلها — على وجه أشد —
بني مسيوها لوتو والشيخ محمد عبده. وما أقوى الردود! ولكن أقوى منها رد املسلمني
عليها بتبؤئهم مكانة عليا في العلم والفلسفة.
وأما الحادثة الثانية فسياسية، ذلك أن بعض ساسة الإنجليز — وقد أحسوا حملة جريدة
العروة الوثقى وتهييجها الرأي العام على انجلترا — رأوا أن يتفاهموا مع القائمني عليها
فبعثوا إلى السيد جمال الدين في ذلك، فأرسل مندوبه الشيخ محمد عبده وقال: «رأينا أن
2 لخصنا هذه املقتبسات — من ترجمة حسن أفندي عاصم وترجمة السيد جمال الدين ورد رينان —
ً من مجموعة أعارنا إياها صديقنا الأستاذ مصطفى عبد الرازق باشا مشكورا.
238
السيد جمال الدين الأفغاني (4(
يذهب الشيخ محمد عبده (املحرر الأول لهذه الجريدة) إلى لندرة إجابة لدعوة من يرجى
منهم الخري مللتنا، ومن يؤمل فيهم حسن النية (إشارة إلى مستر بلنت) ...
قابل محرر الجريدة كثريًا من رجال السياسة الإنجليزية وحادثهم محادثات طويلة
في املسألة املصرية، ومن هذه املحادثات ما نشر إذ ذاك في الجرائد الإنجليزية، واكتفى
السيد جمال الدين في العدد الرابع عشر من العروة الوثقى بذكر محادثات كانت بني
الشيخ محمد عبده ووزير الحربية الإنجليزية لورد «هرتنكنن» خلاصتها أن وزير
الحربية سأل الشيخ محمد عبده: ألا يرضى املصريون أن يكونوا في أمن وراحة تحت
ً سلطة الإنجليز، وهي خري من سلطة الأتراك ومن جاء على أثرهم، خصوصا وأن الجهالة
عامة في أقطار مصر، وأن كافتهم لا يفرق بني حاكم أجنبي وحاكم مصري؟!
ّ وردالشيخ محمد عبده بما خلاصته أن في املصريني من يحبون أوطانهم حب الشعب
الإنجليزي لبلاده، وأرض مصر من زمن محمد علي انتشرت فيها العلوم واملعارف، وأخذ
كل منها نصيبًا على قدره، ولا تخلو قرية مصرية من قارئني وكاتبني يقرءون الجرائد
العربية ويوصلون ما فيها إلى من لم يقرأ، والنفرة من ولاية الأجنبي من طبيعة البشر،
.
ً فضلا عما لتعاليم الإسلام في هذا الشأن3
وقد أخذت الجريدة هذا الحديث وسيلة للتهييج وإثارة الشعور. وعلى كل حال فلم
تأت هذه الأحاديث بنتيجة من التفاهم، واستمرت الجريدة في خطتها حتى حجبت كما
أسلفنا.
3 تجد بسط ذلك في الجزء الأول من تاريخ الإمام.
239

السيد جمال الدين الأفغاني (5(
ماتت جريدة العروة الوثقى، ولكن لم يمت أثرها، فقد أحيت روح كثري من املتنورين في
َّ العالم الشرقي، وأيقظتهم من سباتهم، وبصرتهم بسوء حالهم مع الاحتلال، وعلَّمتهم
ُ كيف يكتبون ويخطبون ويدعون إلى الشعور بالقومية الذي سمي بعد بالاستقلال؛ فإن
قلنا إنها كانت أول شرارة في الشرق لإلهاب الشعور بالكراهية للحكم الأجنبي لم نُبعد،
فقد كتبت في الجامعة الإسلامية والرابطة الشرقية واملسألة املصرية والسودانية والهندية،
وعالجتها كلها في حماسة وتهييج بالغني، ونظرت إلى كل ذلك في ضوء السياسة الدولية
العامة، والتفتت إلى الشعوب تحركها وتثري شعورها، والحكومات املختلفة تبني لها
أضرارها من احتلال الشرق؛ وهكذا وهكذا.
لم تتأثر بالدعوة وقتئذاك الشعوب ولا الحكومات الأجنبية ولا املحلية، وإنما تأثرت
ً بها طبقة قليلة من املستنريين في الأقطار الشرقية املختلفة تأثرا كان نواة للحركات
الوطنية بعد. ولست أزعم أنها كانت النواة الوحيدة، ولكن كانت النواة الأولى.
على كل حال عطلت الجريدة وانفرط عقد التأمني بأمرها. فالشيخ محمد عبده
ومريزا باقر يعودان إلى بريوت، والسيد جمال الدين إلى فارس بناء على دعوة من الشاه
ناصر الدين. تلقاه الشاه والعلماء والأمراء في حفاوة، ولكن سرعان ما دبت الغرية إلى
نفس الشاه وأحس خطره فتنكر له، فاستأذن السيد في الرحيل ورحل إلى سان بطرسبرج
عاصمة روسيا، وأقام نحو ثلاث سنني من سنة 1886 – سنة 1889.
ملاذا اتجه إلى روسيا وماذا عمل في هذه املدة؟
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
إن معلوماتنا عنه في هذه الفترة قليلة، وأكبر الظن أنه شغل فيها بشيئني:
(1 (حال املسلمني الروسيني وعددهم نحو ثلاثني مليونًا وكانوا يعاملون في عهد
القياصرة معاملة ظاملة جائرة، فلعله حاول باتصاله برجال الحكم إذ ذاك أن يلطف
من ظلمهم ويخفف من جورهم. وقد عرف عنه أنه سعى عند القيصر في طبع املصحف
وبعض الكتب الدينية ملسلمي الروس فأذن له في ذلك.
(2 (ما كان لروسيا من أثر كبري في سياسة الشرق ومناهضتها للسياسة الإنجليزية
في آسيا، وضغطها الشديد على الدولة العثمانية، والعمل على إتعابها، وتقطيع أوصالها؛
ومع هذا التنافس واملخاصمة على الشرق بني انجلترا وروسيا فإن كثريًا من السياسيني
يرون أن هذه املنافسة أفادت إنجلترا وفرنسا وإيطاليا أكثر مما أفادت روسيا. فلولا
ضغط الروس على الدولة العثمانية ما سهل على فرنسا الاستيلاء على الجزائر وتونس،
ولا على إيطاليا الاستيلاء على طرابلس، ولا على انجلترا الاستيلاء على مصر.
على كل حال انغمس «السيد» أثناء إقامته في روسيا في السياسة الدولية وحرض
روسيا على سياسة إنجلترا. ونشر في الجرائد الروسية مقالات في السياسة الأفغانية،
والفارسية، والعثمانية، والروسية، ونقد السياسة الإنجليزية، وقابل القيصر فسأله عن
آرائه في الشرق، ثم سأله عن سبب خلافه مع الشاه، فقال إنه الحكومة الشورية، أدعو
إليها ولا يراها. قال القيصر: الحق مع الشاه؛ فكيف يرضى ملك أن يتحكم فيه فلاحو
مملكته. قال السيد: أعتقد يا جلالة القيصر أنه خري للملك أن تكون ملايني رعيته
أصدقاءه من أن يكونوا أعداءه يترقبون له الفرص. فلم يعجب القيصر هذا الحديث،
وقام: علامة الإذن له بالانصراف.
ثم سافر إلى أوروبا على نية أن يزور معرض باريس سنة 1889 ،وفي أثناء سفره
من روسيا إلى باريس نزل بمونيخ في أملانيا، وتقابل مع شاه الفرس ناصر الدين، فعرض
عليه العودة معه إلى فارس، واعتذر إليه عما كان، ووعده أن يمهد له طريق الإصلاح
ً الذي يقترحه، فرفض السيد أولا وقبل أخريًا.
ها هو السيد في طهران، يلتف حوله جمهور من العلماء والعظماء، ويتبلور فيه ما
في نفوس الخريين من ميل إلى الإصلاح، فيسعى هو ومن التف حوله إلى وضع املشروعات
في إصلاح الإدارة، وإقامة العدل، وتقنني القوانني؛ وفوق ذلك تنظيم الحكم النيابي للبلاد.
والحركة تشتد وتمتد، والشاه يظهر الاستعداد لقبول هذه املطالب، والنفوس العاملة
242
السيد جمال الدين الأفغاني (5(
تفرح لقرب النصر، والأمل في الخري، ولكن سرعان ما اكفهر الجو وأنذر بالصواعق؛
فقد وسوس الصدر الأعظم للشاه أن الحكم النيابي يسلبه سلطانه، والنظام الإداري
والقانوني املقترح أعلى من مستوى الناس، ونحو ذلك من مقالات السوء التي سمعنا
مثلها في مصر أيام إقامة «السيد» فيها، وفي تركيا أيام مدحت، وفي كل مكان وزمان
يدور فيهما النزاع بني دعاة الإصلاح ودعاة الرجعية.
َّ فتجهم الشاه له وأحس «السيد» الخطر منه، فخرج إلى مقام «عبد العظيم» أحد
ً أحفاد الأئمة — على بعد نحو عشرين كيلو من طهران — والفرس يعدون مقامه حرما
من دخله كان آمنً ً ا. اتخذه السيد مركزا لدعايته وخطبه وتهييج الرأي العام لطلب
الإصلاح، وبعض العلماء والوزراء والضباط يحجون إليه ليسمعوا خطبه، ويصغوا إلى
آرائه، ويعودون وقد شحنوا قوة كهربائية بقدر تحملهم للشحنة، وكلهم ثائر هائج
ً يريد الإصلاح. وأقام على ذلك أشهرا والبلاد يزداد غليانها، ومركز الشاه والحاشية يزداد
ً خطرا، واملنشورات تذاع، والكتب الغفل من الإمضاء تصل إلى الشاه بالعدل أو العزل،
وبالحكم النيابي أو تولية غريه.
فما راع «السيد» إلا خمسمائة جندي مسلحون يهجمون عليه غري حافلني بحرم
ً الشيخ عبد العظيم ولا بمرض السيد مرض ً ا شديدا. وكما يصف هو: «سحبوني على
الثلج إلى دار الحكومة بهوان وصغار وفضيحة لا يمكن أن يتصور دونها في الشناعة ...
ً ثم حملني زبانية الشاه — وأنا مريض — على برذون، مسلسلا، في فصل الشتاء وتراكم
الثلوج والرياح الزمهر يريَّة؛ وساقتني جحفلة من الفرسان إلى خانقني»، (ومنها سافر
إلى البصرة) يعاني ألم املرض الذي اشتد عليه من هذا الحادث وكاد يودي به لولا لطف
الله.
ً فلو رأيته نم لرأيت رجلا ُ أكلت منه حَّمى الحمية حمى املرض، وقد تجمع دمه
في رأسه يحتقن، وفي وجهه يلتهب، وفي عينه تقذف بالشرر، كيف يهان هذا الهوان
وهو الرفيع النسب، العزيز الحسب؛ العظيم الجاه، العالي املنزلة في دينه وشرفه وعقله،
ورغبته في الخري، كيف يرجوه الشاه أن يأتي بلده ويعده أن ينفذ إصلاحه، ويعلي كلمته،
ثم يعامله معاملة العبد يطرد، والذليل يصفع. والحقري يُهان.
لقد آلى أن ينتقم منه شر انتقام، وألا تهدأ نفسه حتى ينزله عن عرشه، وقد بَ َّر
فيما أقسم. فأخذ يكتب إلى علماء الدين املسموعي الكلمة يهيجهم على الشاه، ولا يتورع
أن يصفه بأقبح الصفات، ويبني ضرره على الأمة، ويثري عاطفتهم الدينية، ليشغبوا عليه
243
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
حتى يخلع. وكان الشاه قد تعاقد مع شركة إنجليزية على احتكارها «التنباك» فانتهز
الفرصة وأبان الضرر على الأمة من هذا الاحتكار، وأهاب برجال الدين أن يذودوا عن
وطنهم، فاستمعوا إليه، وهاجوا على الشاه، وهيَّجوا عليه، حتى اضطر إلى فسخ العقد،
ً ودفع نصف مليون لرية تعويضا للشركة، فكانت هذه أول خطوات الانتقام.
ثم ملا عادت إليه عافيته سافر إلى لوندرة، وحاضر نبلاء الإنجليز وكبراءهم في
مصائب الشاه على فارس، وساهم في إخراج مجلة شهرية اسمها «ضياء الخانقني»
تصدر بالعربية والإنجليزية، كان يكتب فيها مقالات بإمضاء «السيد الحسيني» يفضح
فيها حكومة الشاه، وسوء الإدة، وانتشار الرشوة، وتعذيب الأهالي، ويحرض فيها العلماء
على عمل صغري، وهو أن يصدروا فتوى بعدم التعاون مع الشاه، فإذا هو طريد، ويختار
من الألفاظ والجمل في مدح العلماء وقوتهم أضخمها وأقواها، وفي ذم الحكومة والشاه
أهجاها وأقساها.
وهذه زلة كبرية من السيد جمال الدين دعاة إليها حدته وحبه للانتقام؛ إذ كيف
أجاز لنفسه التشهري بحكومة شرقية إسلامية في بلاد أجنبية تتخذ من أقواله حجة
للتدخل الذي طاملا حاربه في «العروة الوثقى»، وكيف استباح أن يفضح هذه العيوب،
ويغسل هذه الأثواب القذرة على مشهد من كل الناس.
لقد كان مدحت باشا في موقف كهذا أنبل من السيد وأكرم، إذ نفاه «عبد الحميد»،
وأخذه رجاله من دست الوزارة إلى السفينة، لا مال ولا ثياب ولا أهل. ومع هذا فما وضع
رجله في أوروبا حتى أخذ يسعى في دفع الشر عن أمته، ويتكلم الكلام الكثري في فضل
الأتراك على أوروبا، ولا ينطق بكلمة في ذم عبد الحميد الذي عامله معاملة الشاه لجمال
الدين. الحق أنها غلطة من غلطات «السيد» دعا إليها حدة مزاجه.
لقد رجاه سفري فارس أن يكف عن الطعن في الشاه وعرض عليه املال الكثري،
فقال: لا، حتى يلقى الشاه منيته.
تجمع عند السلطان عبد الحميد من الأسباب ما حمله على أن يدعو «السيد» إلى
الآستانة، فهو يخشى أن ينضم إلى حزب تركيا الفتاة، فيكون قوة كبرى إلى قوتهم،
ً خصوصا وقد كان السيد اجتمع في باريس ببعض رجال هذه الجمعية، وأطلعوه
على خطتهم في إصلاح الدولة العثمانية فراقه مذهبهم، وشجعهم على عملهم، وسمي
َّ جمعيتهم «الجمعية الصالحة» وبلغ السلطان ذلك عنه. ثم إن الشاه وسط السلطان في
كف أذى جمال الدين عنه، لهذا وذاك رجاه السلطان عبد الحميد أن يزور الآستانة فأبى،
244
السيد جمال الدين الأفغاني (5(
ثم سلط عليه حيله ومكايده، ووعده ومنّاه، وأطعمه وأمله حتى قبل، وما إن وضع رجله
في الآستانة حتى كان في قفص من ذهب أحكم بابه، لقد وعده السلطان أن له حرية
الخروج من الآستانة إذا شاء، ولكن كان كل ذلك خدعة.
ً أمر السلطان عبد الحميد باستقباله استقبالا حسنًا، وأجرى عليه 75 لرية شهريًا،
ً ا في نيشان طاش، بالقرب من يلدز، وجعل تحت أمره عربة وخدما
وأنزله بيتًا ظريفً
ً وحشما، بعضهم للخدمة والتجسس، وأحاطه بكل أنواع الرعاية املادية.
لقد خيل إليه أنه بمعونة السلطان يستطيع أن يوسع دائرة إصلاحه؛ فيضع خطته
لجامعة إسلامية، يؤلف بها بني فارس والأفغان وتركيا وولاياتها بنوع من الاتحاد أو
ِ الحلْف، ثم يرسم منهج إصلاح الإدارة في الدولة العثمانية وإصلاح التعليم، وفاته أن
جو الآستانة في عهد عبد الحميد لا يصلح أن تنمو فيه بذرة صالحة، وكان له في مدحت
وأشباهه العظة البالغة. ولقد زار الآستانة الشيخ محمد عبده بعد وفاة السيد وفي عهد
عبد الحميد، فقال فيها: «إنه لم ير بيئة في العالم — ولم يكن يعقل وجود بيئة —
ً كالآستانة في سوء تأثريها في العقل والفكر والقلب، وإن ذهنه فيها كان ممسوحا كأنه
لم يكن فيه شيء من العلوم والآراء، ولهذا كان أحرار الترك معذورين في شرودهم منها،
وتوطني أنفسهم على كل ما يمكن أن يلقاه الإنسان من ضروب البلاء واملحن».
قابله السلطان في يلدز، فرأى منه شخصية غريبة جريئة في القول والحركة جرأة
لم يشهدها من أحد قبل. يطلب منه السلطان أن يترك مهاجمة الشاه فيقول «السيد»:
إني لأجلك قد عفوت عنه، فريتاع السلطان ملثل هذا القول — والسيد في حضرته يلعب
بحبات السبحة، فإذا لفت نظره رئيس املابني إلى ذلك بعد خروجه قال له: «إن السلطان
يلعب بمستقبل امللايني من الأمة، أفلا يحق لجمال الدين أن يلعب بسبحته كما يشاء»؟!
فيفزع رئيس املابني ويهرب من سماعه هذه الكلمة خشية أن يكون قد سمعها أحد.
لقد تحدث إلى السلطان كذلك في الحكم الشورى للدولة العثمانية، فخدعه السلطان
بتظاهره بحسن الاستعداد له، وفرح السيد بهذا التظاهر، واتفق معه على العمل لتكوين
ُ الجامعة الإسلامية، وعرض عليه السلطان منصب شيخ الإسلام فأبى إلا إذا عِّدل النظام
ً من أساسه أولا َّ . وكرر مقابلته للسلطان والحديث إليه، وكون أخريًا فكرة عن السلطان
عبد الحميد بأنه ذكي واسع الاطلاع على السياسة الأوربية وألاعيبها، واسع الحيلة في
العمل على ضرب بعض الدول ببعض، ولكنه جبان يفسد عليه جبنه ذكاءه ومعرفته.
ً كانت املدة الأولى من إقامته في الآستانة محفوفة بعطف السلطان عليه ولو ظاهرا
ِبحزم جدك السلطان «محمود»
ُ — يزوره السيد ويشري عليه بالإصلاح، قال له مرة: «خذْ
245
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وأقص الخائنني من خاصتك الذين يكتمون عنك حقائق ما يجري في الولايات، وخفف
ً الحجاب عنك، واظهر للملأ ظهورا يقطع من الخائنني الظهور، وأعتقد أن نعم الحارس
ِدُم َون?.
َ? وَلا يَ ْستَقْ
ِخُر َون َس َ اعةً
ْ
أ
ُه ْم َلا يَ ْستَ
َجلُ
َ
َ ا جاءَ أ
ِإذَ
الأجل ?فَ
ولكن ذهب كل ذلك مع الريح، ووجد له في الآستانة خصم لدود، هو أبو الهدى
الصيادي الذي أتقن من الحيل والدهاء والدسائس واملؤمرات والغلبة على عقل السلطان
ما لا ينفع معه إخلاص جمال الدين وصراحته ونصحه، ففسدت حياة السيد، وفسد
ما بينه وبني السلطان، وضاع كل أمل له في التعاون معه على الإصلاح، وأصبح يقول
في مجالس خاصته: «إن هذا السلطان سل في رئة الدولة». واقتصرت قيمة السيد مدة
إقامته في الآستانة — وهي أربع سنني وأشهر — على ما كان يلقيه على زواره وسماره
من أحاديث وآراء، إلى دسيسة بني حني وآخر تحاك حوله، ويصرف الزمن في نقضها.
1 وتحريكه
وكل تراثنا منه في هذه الفترة بعض من أحاديثه اللطيفة وآرائه الطريفة
عقول سامعيه إلى التفكري الحر في الإصلاح وفي الشؤون الاجتماعية.
في هذه الفترة كانت تظهر من أحاديثه آثار الأسف والحزن، إذ يستعرض ماضيه
فريى ما كان منه من جهاد طويل في تحريك الشعوب الإسلامية ثم لم ينبض لها عرق،
ٍ وفي رجال عقد عليهم الأمل ثم غدروا، وفي شاد خان، وفي جريدة عطلت، وفي سلطان لا
أمل فيه، وفي بيئة خانقة. ماذا في يده بعد حياة طويلة قضاها في الكفاح وفي النفي، وفي
الحبس، وفي الطرد، وفي التفكري والتحرير، وفي إيقاظ العقول النائمة والنفوس الخائرة؟
ٌ لا شيء إلا أنه أسد في حديقة الحيوانات، ينشد حرية نفسه فلا يجدها، بعد أن كان ينشد
حرية الأمم الإسلامية كلها ويأمل أن يجدها.
يزوره شكيب أرسلان، ويدور الحديث حول ما روي من أن العرب عبروا املحيط
ً الأطلانطيقي قديما، وكشفوا أمريكا، فيقول السيد: «إن املسلمني أصبحوا كما قال لهم
الإنسان كونوا بني آدم أجابوه إن آباءنا كانوا كذا وكذا، وعاشوا في خيال ما فعل آباؤهم،
غري مفكرين بأن ما كان عليه آباؤهم من الرفعة لا ينفي ما هم عليه من الخمول
والضعة. إن الشرقيني كلما أرادوا الاعتذار عما هم فيه من الخمول الحاضر قالوا: أفلا
ً ترون كيف كان آباؤنا؟ نعم! قد كان آباؤكم رجالا، ولكنكم أنتم أولاء كما أنتم، فلا يليق
1 روى كثريًا منها املخزومي في خاطراته وشكيب أرسلان في ترجمته.
246
السيد جمال الدين الأفغاني (5(
بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلا أن تفعلوا فعلهم»، «إن املسلمني قد سقطت هممهم،
ونامت عزائمهم، وماتت خواطرهم، وقام شيء واحد فيهم هي شهواتهم»؛ «هذا محمود
سامي البارودي عاهدني ثم نكث معي وهو أفضل من عرفت من املسلمني».
ولكن أحيانًا تنقشع عنه سحابة اليأس، ويعود إلى أمله في الشرق واملسلمني، ويعود
إلى ذكر الداء والدواء، والأمل في العلاج، ككل النفوس البشرية، تتردد بني الحزن والسرور،
واليأس والأمل، وكالطبيعة تتردد بني الصحو والغيم، والإرعاد والإبراق ثم الإشراق.
فها هو في رفقه من صحبه يحللون أدواء الشرق ويستوصفونه العلاج، فيقول إن
الدواء هو ما يسري عليه الغربيون من العزة والجري على قول الشاعر العربي: «عش
ً عزيزا أو مت وأنت كريم»، فإذا كان هذا بعيد املنال، فلا بد من تربية جيل جديد تربية
ً دينية صحيحة، يتولى أمرها أناس يأخذون على أنفسهم عهدا ألا يقرعوا بابا لسلطان،
ولا يضعضعهم الحدثان، ولا يثني عزمهم الوعيد، ولا يغرهم الوعد باملنصب، ولا تلهيهم
التجارة ولا املكسب، بل يرون في املتاعب وتحمل املكاره لنجاة الوطن من الاستعباد غاية
املغنم وفي عكسه املغرم.
قيل له: وهل هذا في الإمكان؟
قال: «إن الأزمة تلد الهمة، ولا يتسع الأمر إلا إذا ضاق، ولا يظهر فضل الفجر إلا
بعد الظلام الحالك — وعلى ما أرى قد أوشك فجر الشرق أن ينبثق، فقد ادلهمت فيه
ظلمات الخطوب وليس بعد هذا الضيق إلا الفرج، سنة الله في خلقه».
ثم استطرد في هذا املجلس إلى بيان الخطر مما تستعمله بعض الأمم الأجنبية في
الشرق من إضعاف اللغة القومية وقتل التعليم القومي، والتنفري من آداب الأمم الشرقية
لتُحل محلها لغتها وآدابها، مع أنه لا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا
آداب لهم، ولا عز لقوم لا تاريخ لهم، ولا تاريخ لهم إذا لم يقم منهم من يحي آثار
رجال تاريخها فتعمل عملهم وتنسج على منوالهم». وكانت محاضراته في مجالسة تدور
حول موضوعات هامة تخلقها املناسبة، كلها ترمي إلى الإصلاح في العقيدة وفي الاجتماع
وفي اللغة. وبني حني وآخر تثار حفيظة السلطان عليه بما يدبره أبو الهدى الصيادي
ً وصحبه، فيزور الآستانة — مثلا — الخديوي عباس ويريد مقابلة جمال الدين، ولا
يكون هذا إلا بإذن، فريفض السلطان ويأمر جمال الدين ألا يقابله، فيقول لرسول
الخديوي: «إني كضيف للسلطان أسريٌ ملضيفي في منزله، ولكني أذهب كل يوم إلى
«الكاغدخانة» للتنزه فإن شاء أن يحضر الخديوي إلى هناك فليفعل. فذهب الخديوي
247
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وقابله على انفراد، فأطرى الخديوي السيد وأبدى له إعجابه به وحياة تحية لطيفة،
وهذا كل ما كان. فأطار الجواسيس إشاعات في الجو، وملأوا التقارير بأن جمال الدين
قد تعاقد مع الخديوي عباس على تأسيس دولة «عباسية»، ووضعوا بيتني نسبوها إلى
جمال الدين هما:
شاد
الخلافة
في
بني
العباس
عباس
لكن
نعه
ت
السفاح
ولأنت
خر
ي
مملك
ستشيا
ده
بالبر
شايعباس
ايصفاح
وقامت الدنيا وقعدت، واستدعى السلطان جمال الدين وسأله، فقال إن الأمر بسيط،
فقد كتبت التقارير أنا كنا وحدنا وليس معنا ثالث، فمن سمع هذا القول؟ وهل إذا كان
ً هذا الخبر صحيحا أقوله أنا أو يقوله عباس؟ ثم أقسم أن شيئًا من ذلك لم يحدث، وأنه
ً في حياته لم ينظر شعرا، وانتهى الأمر، ولو — في الظاهر — بعد جلبة طويلة وضجة
مفتعلة.
وحدث أن الشاه ناصر الدين — الذي كان بينه وبني السيد الخصومة التي عرفنا
— قد قتل، وكان القاتل أحد تلاميذ جمال الدين، وممن كانوا يزورونه في الآستانة،
ُوروي أنه عندما طعن طعنته قال: «خذها من يد جمال الدين»، وروي عن جمال الدين
أنه ملا بلغه ذلك قال كلمات تدل على الإعجاب بالقاتل، فذلك كله أرعب السلطان عبد
الحميد وخاف منه على حياته، فضيق عليه في مقابلاته ومنع زيارته إلا بإذن، فغضب
جمال الدين وعزم على الرحيل من الآستانة ووعد بإعطائه التصريح بذلك من املفوضية
الإنجليزية، ولكن السلطان كان يخاف منه في الخارج أكثر مما يخافه في الداخل، وهو
تحت سمعه وبصره أهون، فاسترضاه ورجاه في البقاء واستعان بإثارة إبائه العار من
الالتجاء إلى دولة أجنبية فعدل. ثم حلت املشكلة نفسها بمرضه بالسرطان في فمه ثم
وفاته، وشاعت الإشاعات املختلفة حول موته من إهمال مقصود في معالجته والاتفاق
مع طبيب السلطان للتخلص منه.
ُ ا ما كان فقد مات وشيعت جنازته كأقل الناس — لم يسر فيها إلا أفراد
وأيً
معدودون غلبتهم الجرأة والوفاة، ود
السيد جمال الدين الأفغاني (6(
ما تعاليم السيد في كلمة؟ وما أغراضه في جملة؟
يقول لوثروب ستودارت الأمريكي Stoddard Lothrop» :إن خلاصة تعاليم جمال
الدين تنحصر في أن الغرب مناهض للشرق، والروح الصليبية لم تبرح كامنة في الصدور
كما كانت في قلب بطرس الناسك، ولم يزل التعصب كامنًا في عناصرها، وهي تحاول
بكل الوسائل القضاء على كل حركة يحاولها املسلمون للإصلاح والنهضة.
ومن أجل هذا يجب على العالم الإسلامي أن يتحد لدفع الهجوم عليه ليستطيع
الذود عن كيانه، ولا سبيل إلى ذلك إلا باكتناه أسباب تقدم الغرب والوقوف على عوامل
تفوقه ومقدرته».
ويقول «جولد زيهر»: إن جمال الدين كان — كما يرى براون — فيلسوفًا، كاتبًا،
خطيبًا، صحفيًا؛ وفوق ذلك كان سياسيًا، يرى فيه محبوه وطنيًا كبريً ً ا، وخصومه مهيجا
خطريًا؛ وكان له أثر بالغ في النزعات الشورية التي حدثت في عشرات السنني الأخرية في
الحكومات الإسلامية، وكان يرمي إلى تحرير املمالك الإسلامية من السيطرة الأوروبية،
وإنقاذها من الاستغلال الأجنبي، وإلى ترقية شؤونها الداخلية بالإدارات الحرة املنظمة؛
كما كان يرمي إلى جامعة تنتظم الحكومات الإسلامية، ومنها إيران الشيعية، لتتمكن
بهذا الاتحاد من منع التدخل الأوروبي في شؤونها».
ويقول السيد جمال الدين عن نفسه: «لقد جمعت ما تفرق من الفكر، وملمت شعث
التصور، ونظرت إلى الشرق وأهله، فاستوقفتني الأفغان وهي أول أرض مس جسمي
ترابها، ثم الهند وفيها تثقف عقلي، فإيران بحكم الجوار والروابط، فجزيرة العرب:
من حجاز هو مهبط الوحي، ومن يمن وتبابعتها، ونجد، والعراق، وبغداد وهارونها
ومأمونها، والشام ودهاة الأمويني فيها، والأندلس وحمرائها؛ وهكذا كل صقع ودولة من
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
دول الإسلام وما آل إليه أمرهم، فالشرق الشرق؛ فخصصت جهاز دماغي لتشخيص
دائه، وتحري دوائه، فوجدت أقتل أدوائه داء انقسام أهله وتشتت آرائهم، واختلافهم على
الاتحاد واتحادهم على الاختلاف (فعملت على توحيد كلمتهم وتنبيههم للخطر الغربي
املحدق بهم).
ويقول الشيخ محمد عبده: «أما مقصده السياسي الذي قد وجه إليه كل أفكاره
وأخذ على نفسه السعي إليه مدة حياته — وكل ما أصابه من البلاء أصابه في سبيله —
فهو إنهاض دولة إسلامية من ضعفها، وتنبيهها للقيام على شؤونها حتى تلحق الأمة
بالأمم العزيزة، والدولة بالدول القوية، فيعود للإسلام شأنه، وللدين الحنيفي مجده،
ويدخل في هذا تقليص ظل بريطانيا في الأقطار الشرقية».
فيكادون كلهم يجمعون على أن له غرضني واضحني:
(1 (بث الروح في الشرق حتى ينهض بثقافته وعلمه وتربيته وصفاء دينه، وتنقية
عقيدته من الخرافات، وأخلاقه مما تراكم عليها، واستعادة عزته ومكانته.
(2 (مناهضته الاحتلال الأجنبي حتى تعود الأقطار الشرقية إلى استقلالها مرتبطة
بروابط على نحو ما؛ لتتقي الأخطار املحدقة بها.
ً مني مع َ ا، فلما مات تفرق العلَمان وتداول املصلحون
َ كان في حياته يحمل في يديه العلَ
ُ بعد ً على حمل واحد منهما — هذا أو ذاك — لا على حملهما معا. فالشيخ محمد عبده
ً — مثلا — أكبر تلاميذه وأقدرهم — خلفه في حمل العلَم الشافي لا السياسي. لقد تبني
ً بعد أن اشتغاله بالسياسة في العروة الوثقى ونحوها إنما كان مدفوعا إليه بقلب جمال
الدين لا بقلبه هو، ولذلك اقترح عليه بدل إنشاء الجريدة إنشاء مدرسة للزعماء كما
ً تقدم. فلما استقل بنفسه كان عمله في بريوت عملا تعليميًا صرفًا؛ وملا عاد إلى مصر كان
ِّ برنامجه التعليم والتثقيف بأوسع ما يستطيع وأنمه؛ ولذلك اقترح على أولي الأمر بعد
َّ عودته أن يعني ً ناظرا لدار العلوم أو أستاذًا فيها، فخشوا من اتصاله بالتلاميذ لتاريخه
املاضي، وعينوه قاضيًا أهليًا ليكونوا بمأمن من جانبه، بل رأيناه يلعن في كتاباته السياسة
وحروفها ومشتقاتها كراهية لها، بل رأيناه يصرح بأن الواجب الأول على املصلح تثقيف
الشعب وتهذيبه، ثم الاستقلال يكون الخاتمة؛ بل رأيناه يضع خطة إصلاحه بأن يتعاون
مع الإنجليز ويصادقهم، ويتفاهم معهم لينال منهم — بأقصى ما يستطيع — إعانته
فيما ينشد من إصلاح داخلي تثقيفي. وهذا سبب ما كان بينه وبني «مصطفى كامل»
250
السيد جمال الدين الأفغاني (6(
والحزب الوطني من خصومة؛ بل ربما كان هذا سببً ً ا أيضا فيما نلاحظه من بعض
الفتور في العلاقة بينه وبني أستاذه السيد جمال الدين، فقد كتب من مصر للسيد —
ً لا من الإمضاء وتلميحا لبعض الأشخاص من غري ذكر
ُ ا غفْ
وهو في الآستانة — خطابً
أسمائهم؛ فهاج السيد وكتب إلى الشيخ محمد عبده جوابًا من نار على هذا التصرف،
يؤنبه فيه على الجبن والخوف، ويقول: «تكتب ولا تمضي وتعقد الألغاز؟ ... أمامك املوت
ولا ينجيك الخوف ... فكن فيلسوفًا يرى العالم ألعوبة ولا تكن صبيً ً ا هلوعا»؛ ولعل هذا
آخر ما كان بينهما من تواصل.
وما كان بالشيخ محمد عبده من جبن، ولكن الجسم امللتهب يشعر بالجسم املعتدل
ً باردا، وقد كتب السيد جوابه هذا وقد ملكته الحدة، وكم ملكته.
على كل حال اختط الشيخ محمد عبده لنفسه خطة اقتنع بها كل الاقتناع، وهي
َ رفع أحد العلَمني دون الثاني، فأخلص ملبدئه وبذل في ذلك جهده وصحته وعقله وماله،
واتجه إلى كل نواحي الثقافة يغذيها وينميها ويصلحها بقدر ما يستطيع إنسان أن
يعمل، مع ما يوضع في سبيله من عقبات من الخديوي ومن الجامدين من رجال الدين،
ومن دسائس الدساسني؛ فكانت حياته موزعة بني الإشراف على التعليم في مدارس
الجمعية الخريية الإسلامية، وإصلاح الأزهر ودرسه التفسري فيه، وتأليف جزء «عم»
لناشئة املدارس، وجده في إصلاح الأوقاف واملساجد، وتحريره املقالات في مجلة املنار
لتثقيف العقل وهدايته إلى فهم الدين، ورد على مهاجمي الإسلام، كما فعل في رده على
ً هانوتو، رد ً ا حارا قويًا بأحر وأقوى من رد السيد جمال الدين على رينان، وسفره إلى
تونس والجزائر يحاضر في إصلاح العقيدة الدينية وإصلاح الطرق التعليمية وهكذا. كل
ذلك في حدود خطته التي رسمها والتي رآها أوفق لنفسه، وكل ميَّسر ملا خلق له.
َ أما الذين رفعوا العلَم الآخر — علم مناهضة الحكم الأجنبي — فهم عبد الله نديم،
ثم مصطفى كامل وفريد، ثم سعد زغلول، فساروا على مثل دعوة السيد جمال الدين،
مستخدمني ما استجد من أساليب، وما استعمله الغرب من وسائل.
هذا في مصر ومثله في سائر أقطار الشرق، من زعماء حملوا لواء الإصلاح الثقافي،
ُ وزعماء حملوا اللواء السياسي مما يطول ذكره؛ وقد نعرض — فيما نكتب بعد —
لبعضه. ولو انتبه «السيد» اليوم من رقدته لحمد من الشرق سريته، وإن كان أكبر الظن
ً أنه يحتد عليه لبطئه؛ فقد كان — رحمه الله — حارا حاد املزاج لا يرضيه من الإصلاح
السري على الأقدام ولا ركوب القطارات، بل لا يرضيه بعض الرضا إلا ركوب الطائرات
251
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وحرب الدبابات. يقول الشيخ محمد عبده في وصفه: «إن طموح إلى مقصده السياسي،
إذا لاحت له بارقة منه تعجل السري للوصول إليه؛ وكثريًا ما كان التعجل علة الحرمان
... وهو شجاع مقدام لا يهاب املوت كأنه لا يعرفه، إلا أنه حديد املزاج؛ وكثريًا ما هدمت
الحدة ما رفعته الفطنة».
ثم كان أشبه الناس في سياسته بعلي لا بمعاوية، كانت سياسة معاوية عنوانها:
«إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثري من الباطل». أما «علي» فلا يريد الخوض
في الباطل ليصل إلى الحق، بلا لا يريد إلا الحق من طريق الحق، وإفا فلا كان. وهكذا
كان جمال الدين. قال الشيخ محمد عبده: «ماذا كان يضر السيد لو مهد لإصلاحه —
وهو في الآستانة — بالسعي عند السلطان في إعطاء أبي الهدى الصيادي خمسمائة جنيه
ونيشان لابنه أو لأخيه، فإذا رأى أبو الهدى أن «السيد» يخدمه فإما أن يواتيه، وإما ألا
يناويه» ولكن أنى للسيد أن يطلب هذا الباطل وهو يعتقد أن أبا الهدى سافل دنيء إذا
طلب له مشيئًا فالشنق.
وملا كان السيد يحكي لخاصته إقناعه للسلطان بأن حادثة الخديو عباس دسيسة،
وأن السلطان اقتنع بذلك، وأخبره أن هذا من دسائس أبى الهدى، قال له عبدالله نديم:
ليتك عندما صرح السلطان بذلك ذكرت له دسائسه وضرره. فغضب عند ذلك جمال
الدين، وقال: «أعوذ باهلل أن أكون من املنافقني، أو أن أفعل ما أنكر على الغري، أو أن
ً أكون همازا مشاء بنميم».
وهكذا يريد الحق غاية، ويريد الحق وسيلة، والدنيا علمتنا أن سياسة معاوية هي
التي نجحت، وأن سياسة الدنيا تقوم على املصالحة وأخذ شيء بترك شيء. فمن أراد
ً الحق كاملا وإلا لا، فلينشد ذلك في املثل الأعلى للخلق لا في السياسة، أو فلينتظر حتى
تخضع السياسية للخلق.
بقيت مسألة هامة في تاريخ السيد، وهو اتهامه بالإلحاد — وقد أشرنا إليها في مقال
سابق. ولرمي السيد بالإلحاد تاريخ طويل، فقد رمي به في الآستانة عند زيارته لها أول
مرة، فقد خطب في دار الفنون خطبة ذكر فيها أن املعيشة الإنسانية أشبه شيء ببدن
الحي، وأن كل صناعة بمنزلة العضو، فامللك كاملخ، والحدادة كالعضد، والزراعة كالكبد
... الخ، ولا حياة للجسم إلا بالروح، وروح املعيشة الإنسانية النبوة والحكمة.
فاتهموه بالإلحاد لهذا، وشنعوا عليه بأنه يقول إن النبوة صناعة، وشغبوا عليه
حتى نُصح بالخروج من الآستانة.
252
السيد جمال الدين الأفغاني (6(
فلما جاء إلى مصر اتهمه بعض العلماء كالشيخ عليش وبعض العامة بالإلحاد،
ِّ والإلحاد في نظر هؤلاء ومثالهم شيء هني، يكفي ألا يسري سريتهم، ولا يلبس لباسهم،
وأن يدخن السيجار، ويجلس في املقهى، ويلتف حوله بعض اليهود والنصارى، ليحكموا
عليه بالإلحاد. وكما أن عقيدة كل إنسان لها لون خاص، فكذلك تصوره للإلحاد يتكيف
بذهنه.
ثم ملا ترجم سليم بك عنحوري للسيد جمال الدين في كتابه «سحر هاروت» رمي
ً السيد أيضا بالإلحاد فقال: «إنه برز في علم الأديان حتى أفضى به إلى الإلحاد والقول
ً بقدم العالم، زاعم َّ ا أن الجراثيم الحية املنتشرة في الفضاء ترقى وتتحور إلى ما نراه من
َ أجرام، وأن القول بوجود محرك أول حكيم و ْهٌم نشأ عن ترقي الإنسان في تعظيم املعبود
على حسب ترقيه في املعقولات ... الخ».
وقد قابله الشيخ محمد عبده، وعاتبه على نشره مثل هذا القول من غري تحر
وتدقيق، فكتب سليم بك في الجرائد يصحح فيه قوله، ويقول: إني قابلت الشيخ محمد
عبده، فأوضح لي بدلائل ناهضة وبراهني داحضة، أن ما تتناقله الألسن من هذا القبيل
َحل والبدع
ما كان إلا من آثار الحسد، وأن السيد كان أثناء مناظراته الجدلية يشرح النِّ
ً وأقوال املعطلني شرحا وافيً ً ا، ثم يقيم الحجج على بطلانها؛ فلعل سامعا سمع منه هذا
القول في مثل هذا املوقف فنسبه إليه، وقال إنه لم يسمع من السيد هذا الكلام وإنما
ً تلقاه عن بعض املصريني والسوريني. ونقل كلاما للسيد اطلع عليه في وجوب الدين،
وضرورة الاعتقاد بالألوهية، ومزايا الإسلام، وختم مقاله بقوله: «إننا سارعنا لإذاعة هذا،
ً شأن املؤرخ العادل، وقياما بحق الأدب، وضنا بفضل هذا الرجل الخطري من أن تناله
ألسنة من لا يعرفونه خطأ وافتراء والله يتولى الصادقني».
ثم رأينا ما اتهمه به «رينان» بعدما جالسه في باريس فكتب كلمته التي نشرناها
من قبل، وهذا أدق موقف؛ فرينان فيلسوف واسع الذهن دقيق التعبري، لا يلقي الكلام
ً على عواهنه، خصوصا وقد ورد في رد السيد جمال الدين عليه ما يفيد أنه سلم للمسيو
رينان بأن الإسلام كان عقبة في سبيل العلم.
ولكن في رأيي أن السيد عبر تعبريًا غري دقيق في تفرقته بني طبيعة الدين الإسلامي
ً وسرية املسلمني، خصوصا وأنه أخذ على رينان تقصريه في أنه لم يبحث إذا كان هذا الشر
نشأ عن الديانة الإسلامية نفسها، أم عن الصورة التي تصور بها الإسلام، أم عن أخلاق
بعض الشعوب التي اعتنقت الإسلام؛ وقراءتنا لرده تشعرنا بأنه وقع في هذا اللبس، وأنه
253
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
كان يدور حول فكرة أن للدين دائرة، وللعلم دائرة، ويجب أن يسبح كل في دائرته من
غري طغيان، وأن الدين يجب ألا يعارض العلم فيما ثبتت صحته علميًا — وهذه الآراء
ً الواضحة في ذهننا الآن، والواضحة في تعبرينا، لم ترد واضحة في رده، فكان رد ً ا مهوشا،
كما كانت محاضرة رينان نفسها كذلك.
وليس من شك في أن السيد كان حر التفكري قويًا على الجدل، متشعب طرائق
ً الحجج، فمن املمكن جدا أن يكون في مجالسه مع رينان تبحبح في بعض الأقوال التي
من هذا القبيل، والتي تحدث لكثري من كبار املفكرين في بعض اللحظات، فحكم رينان
عليه هذا الحكم الشامل خطأ.
ثم كان «السيد»، كما يحكي عنه الشيخ محمد عبده وبعض خاصته، متصوفًا يدين
بعقيدة املتصوفة، وهي مبهمة غامضة تنتهي بوحدة الوجود، والتعبري عنها قد يلتبس
— إلا على الخاصة — بالإلحاد، ومن أجل هذا رمى يحيى الدين ابن العربي وأمثاله
بالكفر لعدم الدقة في الوزن.
إن حياة «السيد» مملوءة بالدعوة الحارة إلى الدين، وإلى التوحيد. في كتاباته في
«الرد على الدهريني» وفي العروة الوثقى، وفي مجالسه الخاصة.
ً يذكر بعض خاصته أنه سمع رجلا كبريًا تكلم كلمة في حق النبي فأمر «السيد»
من معه من الأفغانيني بضربه فضربوه حتى خرج يزحف.
ً وحكى املخزومي مجلسا شهده، إذ زار رجل جمال الدين في بيته في الآستانة وجرى
الحديث فقال هذا الرجل: «إني قرأت كتب الفلاسفة فثبت لي أن الله غري موجود ولا
يعتقد به إلا حيوان». فضاق صدر السيد ولم يجبه، ودعا الحاضرين إلى حديقة البيت
وكان فيها أنواع من الطيور والدجاج، فتصايحت الديكة وغردت الطيور، فقال السيد:
«كيف لا يفضل أضعف حيوان أعجم يذكر الله إنسانًا ناطقً ا ينكر وجود الله»؟! كيف
يجرؤ على إنكار واجب الوجود من يأكله الدود؟! إذا لم يتعظا لإنسان بما فوقه من
ً أجرام فليتعظ بما تحته من رفات الأجسام! فخرج الرجل امللحد خجلا من غري أن يودع.
لا يمكن أن تصدر هذه الكتابات وهذه الأقوال وهذه الغرية من ملحد، إلا أن يكون
ع والنفاق. ولم يكن عيب جمال الدين نفاقه، إنما كان عيبه
ُّ
قد بلغ الغاية في التصن
إفراطه في صراحته، وعدم استطاعته كتمان ما يعتقد، ويقول: «لا يكون الكمال النسبي
في البشر إلا متى كثر إعلانهم وقل كتمانهم». وأكثر متاعبه في الحياة كان سببه جهره
بما يصح أن يكتم وإعلانه ما يجب أن يُسر، فأخلاق مثل هذه تؤكد أنه لو كان السيد
254
السيد جمال الدين الأفغاني (6(
ً ملحدا يرى الحق والخري في الإلحاد لدعا إليه في صراحة وجرأة وشجاعة من غري ما
مواربة ولا إيماء.
لقد كان يؤمن بالأصول، ويترك لعقله الحرية التامة في الفروع، ويصل في ذلك
ُ إلى نتائج غريبة عن أذهان الجامدين املتزمتني فريْمى بالإلحاد؛ فكان ينفر من التقليد
ويدعو إلى الاجتهاد، ويُذْكر في مجلسه قول للقاضي عياض ويتمسك به راووه فيقول
ً «السيد»: سبحان الله! إن القاضي عياضا قال ما قاله على قدر ما وسعه عقله وتداوله
فهمه، وناسب زمانه، فهل لا يحق لغريه أن يقول ما هو أقرب للحق وأوجه وأصوب من
قول القاضي عياض وغريه من الأئمة! إذا كان القاضي عياض وأمثاله سمحوا لأنفسهم
أن يخالفوا أقوال من تقدمهم فاستنبطوا وقالوا ما يتفق وزمانهم فلم لا نستنبط ونقول
ما يوافق زماننا؟!
ُ «ما معنى باب الاجتهاد مسدود، وبأي نص سّد، أو أي إمام قال لا يصح ملن بعدي
أن يجتهد ليتفقه في الدين، ويهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث والاستنتاج بالقياس
على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمان وأحكامه!
«إن الفحول من الأئمة اجتهدوا وأحسنوا، ولكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا
بكل أسرار القرآن، واجتهادهم فيما حواه القرآن ليس إلا قطرة من بحر، والفضل بيد
الله يؤتيه من يشاء من عباده».
ويرى أن التفرقة بني أهل السنة والشيعة أحدثتها مطامع امللوك لجهل الأمة،
وجميعهم يؤمنون بالقرآن ورسالة محمد، ففيم الخلاف ولم القتال؟
ويقول إن الأديان الثلاثة كلها أساسها واحد وإنما يوسع شقة الخلاف بينها اتجار
رؤساء الأديان بها.
ويفيض في اشتراكية الإسلام ويقارن بينها وبني اشتراكية الغرب، فريى أن اشتراكية
الغرب بعث عليها جور الحكام واعوامل الحسد في العمال من أرباب الثراء، أما الاشتراكية
ُ التي كانت في الإسلام فملتحمة مع الدين ملتصقة مع الخلق، باعث عليها حب الخري كما
في أعمال عمر وأبي ذر.
ويعرض في مجلسه للحديث عن الرجل واملرأة والسفور والحجاب فيطيل القول
في ذلك. وخلاصة رأيه أن املرأة في تكوينها العقلي تساوي الرجل، فليس للرجل رأس
وللمرأة نصف رأس، والتفاوت الذي بينهما لم يأت إلا من التربية وإطلاق السراح للرجل
وتقييد املرأة للبيت ولتربية الجيل، ومهمتها في هذا أهم وأسمى مما يقوم به الرجل من
255
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
كثري من الصناعات؛ ويخطئ من يطلب مساواة الرجل باملرأة في كل شيء، فلكل وظيفته،
وعلى تعاونهما — كل في عمله — يقوم املجتمع، ولا مانع أن تعمل املرأة في الخارج
إذا فقدت عائلها واضطرتها ظروفها إلى ذلك، ولكن بنية صالحة وذيل طاهر. ثم قال:
«وعندي أن لا مانع من السفور، إذا لم يتخذ مطية للفجور».
ويقول: «إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية، فإن كان ظاهره املخالفة
وجب تأويله. وقد عم الجهل وتفشى الجمود في كثري من املتردين برداء العلماء حتى اتهم
القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة — والقرآن بريء مما يقولون — والقرآن
ً يجب أن يجل عن مخالفة العلم الحقيقي خصوصا في الكليات».
وهو واسع الصدر ينقد «شبلى شميل» في آرائه امللحدة التي جاوز فيها مذهب
دارون، ومع ذلك يقدره لصبره على البحث وجرأته في الجهر بما يعتقد ولو خالف
ً الناس. وهكذا وهكذا مما يراه املتزمتون خروجا عن املألوف، فما أقرب ما يقذفون بكلمة
الإلحاد.
سنة مألوفة في الكون، لا يأتي مصلح سابق لزمنه إلا رمي بالزندقة أو الكفر أو
الجنون، ثم أوذي ممن يسعى في الخري لهم، وممن يضحي بسعادته لسعادتهم، ولا
َّ يقد ّ ر حق قدره إلا بسعد أن يهدأ الحسد بموته، وتتجلى صحة دعوته بعد زمنه.
لقد قصدت الآستانة سنة 1928 بعد وفاته بإحدى وثلاثني سنة، فرأيت واجبًا أن
أزور قبر هذا الرجل العظيم، وأستعيد عنده ذكرى عظمته وسلسلة أعماله، فسألت عنه
ً الكثري فلم يعرفه، ورأيت رجلا أفغانيًا يعمل خازنًا ملكتبة الشهيد علي، فوصف مكانه
لي، فذهبت مع صديقي «العبادي» عصر يوم الأحد 8 يوليه إلى «ماجقة» أو «متشكة»،
فوجدت في ربوة على مدخل البوسفور مقبرة قد انتثرت فيها املدافن، ودلنا شيخ املقبرة
على مدفن السيد، فعلمنا أن قبره كان قد تشعث ولم يعن به أحد، وكادت تضيع معامله
ولم يفكر فيه أحد من أهل الشرق الذين أفنى فيهم حياته، إنما ذكره مستشرق أمريكي
حضر إلى الآستانة سنة 1926 ونقب عن قبره حتى وجده، فبنى عليه تركيبة جميلة من
الرخام، وأحاطها بسور من حديد، وكتب على أحد وجوه التركيبة اسم السيد وتاريخ
ولادته ووفاته، وفي وجه آخر كتابة تركية ترجمت لنا كما يأتي: «أنشأ هذا املزار الصديق
ِّ الحميم للمسلمني في أنحاء العالم الخري الأمريكاني املستر شارلس كرين سنة 1926.«
وقفنا على قبره وقلنا: هنا رقد محيي النفوس ومحرر العقول، ومحرك القلوب،
وباعث الشعوب، ومزلزل العروش، ومن كانت السلاطني تغار من عظمته، وتخشى من
256
السيد جمال الدين الأفغاني (6(
لسانه وسطوته، والدول ذات الجنود والبنود تخاف من حركته، واملمالك الواسعة الحرية
ً تضيق نفسا بحريته.
هنا خمد من كان يشعل النار حيث كان، في الأفغان، في مصر، في فارس، في باريس،
في لندرة، في الآستانة.
هنا باذر بذور الثورة العرابية، ومؤجج النفوس للثورة الفارسية، ومحرك العالم
الإسلامي كله ملناهضة الحكومات الأجنبية، واملطالبة بالإصلاحات الاجتماعية. هنا من
حارب إسماعيل وتوفيقً ا في مصر، وناصر الدين في فارس، وانجلترا في باريس، وحارب
الجهل والأمية والذلة في الشرق، والجاسوسية والنفاق في الآستانة. ولم ينتصر عليه شيء
إلا املوت.
لقد أجللناه وأعظمناه، والتهبت نفوسنا لذكراه، فكيف كان محضره ومرآه، رحمه
الله.
257

السيد أحمد خان (1(
1898–1817
هو في الهند أشبه شيء بالشيخ محمد عبده في مصر بعد مفارقته للسيد جمال الدين
وعودته من نفيه، الإصلاح عندهما إصلاح العقلية بالتثقيف والتهذيب، والنظر إلى الدين
ً نظرة سماحة ويسر، والاستقلال يأتي بعد ذلك تبع ِّ ا؛ فلا استقلال لجاهل ولا مخرف،
إنما عماد الاستقلال العلم، العلم بالدنيا وبالدين، العلم بكل شيء أتت به املدنية الحديثة
من طبيعة وكيميا، ورياضة وفلك، ونفس واجتماع ونظام الحكم والإدارة؛ ذلك كله إلى
دين يحي القلب ولا يقيد العقل، ويغذي النفس ولا يشل التفكري. والإسلام إذا فهم على
أصوله كفيل بذلك؛ فليس فيه ما يمنع الإنسان أن يصل في العلوم ونظم الدنيا إلى غايتها،
ِّ بل فيه ما يبعث على ذلك ويشجعه، وفيه ما يحيي القلب، ويوجه الإنسان في حياته وفي
علمه وفي تفكريه إلى الخري. ثم كلاهما كان يرى أن السلطان في مصر وفي الهند في يد
الإنجليز، ولهم من القوة املادية من الأسلحة والذخائر في البر والبحر، ومن القوة العلمية
والسياسية ما لا تستطيع الهند ومصر مقاومته. قد يستطيعون املقاومة إذا اتحدوا،
ولكن كيف يكون اتحادهم مع جهلهم وضعف خلقهم، بل كيف يكون ذلك مع فساد
أمرائهم — إذ ذاك — وبحثهم عن منافعهم الشخصية ولو على حساب الأمة؛ — قالا
— إذن فالأولى مساملة الإنجليز والتفاهم معهم، وأخذ ما نستطيع لخري الشعب منهم؛
ِفهم الإنجليز أن عليهم واجب النهضة بالشعوب التي يحكمونها عقليًا كما ينهضون
لنُ
بها ماديًا، وأنهم مسئولون على جهل الأمم التي يحكمونها، كما هم مسئولون عن فقرها،
ِ وأن العلم والثقافة وإنارة الأذهان في مصلحة املستعم َ ر واملستعمر، ولنأخذ منهم ما
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ه في خري
نستطيع أن نأخذه من طريق الإقناع واملساملة واملصالحة، وما نأخذه نستغلُّ
الشعوب وثقافتها خري استغلال، والزمن — بعد — كفيل بإظهار النتائج.
ثم كلاهما عانى من املتاعب ما عانى الأخر من جهتني: فمساملة املستعمرين لا
ترضى — عادة — دعاة الوطنية والاستقلال، ويرون فيها خيانة. وقد يرى بعضهم أن
لا مفاوضة ولا مطالبة ولا مساملة إلا بعد الجلاء، وكل من يطلب شيئًا دون هذا بائع
لوطنه يستحق أن يهاجم وينقد ويؤنب — ومن جهة أخرى هناك الطبقة الجامدة من
العلماء التي ترى العلوم الحديثة التي أتت بها املدنية الأجنبية مفسدة، والقول بأن
قوانني الدنيا في الزراعة والاجتماع والصحة واملرض وكل شيء مبني على السبب واملسبب
كفر بالقضاء والقدر، وإنكار سلطة املشايخ والأولياء والأضرحة زندقة. فهؤلاء وهؤلاء
يشنون الغارة على مثل الشيخ محمد عبده والسيد أحمد خان، فيختطون هم دعوتهم
وسط هذه الأشواك الحادة. وقد يمد الأمراء دعاة الرجعية بوسائلهم للنيل إلى أقصى حد
من املصلحني من هذا القبيل لأنهم نقموا عليهم الالتجاء إلى معونة الأجنبي دونهم، ولو
التجئوا إليهم — مع الأسف — ما نفعوهم. كل ذلك كان في مصر وفي الهند، لأن طبيعة
الأشياء واحدة، وقوانني الطبيعة لا تتخلف.
كانا على غري رأي السيد جمال الدين في الإنجليز والاحتلال؛ كان السيد يكره الإنجليز
ويشنع عليهم ما استطاع، بحكم ما لقي منهم في الأفغان والهند ومصر وباريس، حتى
ً لقد عاتبه بعض أصحابه يوم ً ا وقال له: إننا نراك عادلا في حكمك على الأشخاص والأمم،
تذكر بالخري حسناتهم، وبالشر سيئاتهم، ولا نراك تفعل ذلك في الإنجليز. قال السيد:
«ليس من ينكر أن الإنجليز — كأمة — من أرقى الأمم، تعرف معاني العدل، وتعمل بها،
ولكن في بلادها، ومع الإنجليز أنفسهم»، ثم ذكر له ما فعلته في الهند ومصر. ولخص
رأيه مرة أخرى وقال: «إن الشرقيني تصرفوا في أملاكهم وأراضيهم وبلادهم تصرف
السفيه املبذِّر، ثم قُضى عليهم أن يكون الحاكم لهم هو الغرب، والغرب — في الحقيقة —
ليس من مصلحته إصلاح سرية الشرقي ولا منعه من السفه، بل من أمانيه أن يتمادى
الشرق في غيه وإسرافه، ليطول عهد الحجر عليه». فلما كانت عقيدة جمال الدين هذا
كانت سريته في حياته ما ذكرنا.
أما السيد أحمد خان والشيخ محمد عبده فرييان أن الإنجليز خصوم شرفاء
ً معقولون، يمكن التفاهم معهم، وأخذ أشياء من أيديهم تدريجا ملصلحة الأمة، حتى إذا
نضجت الأمة أمكنها الحصول على حقوقها كاملة، حيث لا تستطيع أن تنال شيئًا منها
مع الجهل والغفلة.
260
السيد أحمد خان (1(
هو السيد أحمد خان ابن السيد محمد متقى خان من أسرة أرستقراطية نبيلة، رحل
أجداده من بلاد العرب إلى هراة ومن هراة إلى دلهي في عهد «أكبر شاه»، وقد ولد صاحبنا
في 17 أكتوبر سنة 1817 وتوفى والده وهو في التاسعة عشرة من عمره، بعد أن ثقفه
َ ثقافة دينية على عادة أهل زمنه وبلده. وقد جَرت أسرته على عادة التحرج من الاتصال
بالإنجليز وخدمتهم، ولكنه خالف أهل بيته والتحقق بخدمة الحكومة أمينًا للسجلات في
القلم الجنائي في دلهي، ثم عني منصفً ا (قاضيًا مدنيًا) في «فاتح بور» من إقليم «أكرا»
ثم منصفً ا في «بجنور» Bignaur ،وإذ هو في هذا العمل في هذه املدينة اندلعت نار الثورة
الهندية سنة 1857 ،وقام الهنود بحركة عنيفة، يخربون السكك الحديدية ويذبحون
الإنجليز حيثما وجدوهم، ويدمرون ما وصلت إليه أيديهم، فكانت ثورة جائحة عنيفة
ً أشد العنف، وهاج الرأي العام على الإنجليز هياج ً ا شديدا. ولكن كان رأي السيد أحمد
هادئًا متزنًا، مخالفً ا للرأي العام، فرأى أن هذه الثورة لا تأتي بنتيجة، وأن آخرة أمرها
عودة الإنجليز إلى السيطرة ثانية من غري فائدة إلا ضحايا الطرفني، وأن قتل الإنجليز
— وخاصة املدنيني — عمل غري إنساني. لذلك وضع خطة بذل فيها الجهد مع بعض
أصدقائه لحماية الإنجليز من القتل، وإنجاء من تصل إليه أيديهم منهم، فنجا على يده
ويد أصدقائه كثري، وضحى في ذلك بالكثري من ماله وباضطهاد أقاربه حتى لقد طعن
بعضهم بالخنجر بيد الثائرين، وماتت أمه لهول الصدمة من وقع هذه الحوادث الأليمة.
فلما هدأت الثورة عرف له الإنجليز فضله، وحفضوا له جميله، وكافئوه ماديًا وأدبيًا.
ومن ذلك الحني تأكدت الصلة بينه وبينهم، فاستخدمها فيما وضع من خطة إصلاح.
ومع هذا فقد وضع رسالة في أسباب هذه الثورة باللغة الأردية وترجمت إلى
ْر َع فيها
الإنجليزية كان فيها قاضيًا منصفً ا، لم يتحيز فيها للهند ولا للإنجليز، ولم يَ
عداوة عدو ولا صداقة صديق، فرد على بعض الجرائد الإنجليزية فيما ذهبت إليه من أن
ّ الثورة سببها تهييج الأفغان أو الروس للهنود، وتدبري املؤمرات والدسائس منهما، وعد
ذلك سخافة من القول لا قيمة لها، وأن حركة الثورة حركة شعبية صادرة من صميم
الشعب، سببها أن كثريًا من املآسي يشعر بها الشعب من سنني، ثم لا تصل إلى السلطات
العليا، ولا تعلم بها حتى تعالجها؛ فبينما الحكومة من جانبها تتبع خطتها املألوفة من
جهل سعيد بما يدور في أذهان الشعب وما يشعر به من آلام، إذا بالشعب من جانبه يتهم
الحكومة بعلمها بمآسيه وسوء القصد من تصرفها، كما أن الشعب يعتقد أن الحكومة
تتدخل في عقائده وشعائره الدينية، وتؤيد — ولو في الخفاء — حركات التبشري في البلاد
ً ... إلى آخر ما ذكر من أسباب كان فيها صريح ً ا مخلصا يقول ما يعتقد.
261
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
على كل حال إنما يهمنا منه دعوته إلى الإصلاح وعمله في سبيله.
لقد نظر فرأى أن بالهند نحو سبعني مليونًا من املسلمني فشا فيهم الفقر والجهل
ً والبؤس والقلق، من تعلم منهم فتعلم ديني عقيم لا يفتح نظرا ولا يبعث حياة.
وهم خاضعون لرجال دين لا يفهمون من الدين إلا رسمه؛ يريدون أن يخضعوا املدنية
الواسعة لعقليتهم الضيقة، ولا يعترفون بتغري زمان وتلون حياة، وتقدم علم؛ يعيشون في
ركود العالم حولهم مائج، يرون أن املدنية الحديثة بعلمها ونظمها ووسائلها ومقاصدها
مدنية كفر لا يصح للمسلم أن يستمد منها ولا أن يتعاون مع أهلها، وأنهم إذا فتحوا
ُ صدورهم لها طاحت عقائدهم وأخرجتهم من دينهم. في كل بلد أو إقليم «ملا»، وهذا
امللا أو العالم الديني يتسلط على عقول أهله، فإذا فتح املبشرون مدارس حرم هؤلاء
العلماء على املسلمني أن يرسلوا أبناءهم إليها ثم لا يفتحون هم مدارس مثلها، بل إذا
فتحت الحكومة مدارس فكذلك حرموها على أبناء املسلمني؛ والندوس يرسلون أبناءهم
إلى هذه وتلك فيتثقفون ويصلحون للحياة ويشغلون املناصب الحكومية، واملسلمون
بمعزل عن الوظائف لأنهم في مدارسهم الدينية البدائية بمعزل عن الحياة. فاملدارس
مملوءة بالنصارى والوثنيني، وفيها القليل النادر من املسلمني؛ وكانت نتيجة هذا أن
ً أعمال الحكومة املتنوعة — وخصوصا املناصب الكبرى منها — أصبحت وليس في يد
املسلمني منها إلى ما ندر.
وحركات الإصلاح الديني التي قام بها بعض رجال الدين كانت دعوات سلبية أو
قليلة القيمة العملية. ففي سنة 1804 قام الحاج شريعة الله يؤلف حزبًا إصلاحيًا قوامه
أن صلاة الجمعة لا تصح في الهند لأنها ليست دار إسلام، ولذلك سمي حزبه «جماعة
اللاجمعة»، وما أكثر ما أخذت هذه املسألة من تفكريهم ووقتهم، وخلافهم وجدلهم،
ودخل فيها امللايني من مسلمي بنجاب.
وجاء مصلح آخر اسمه كذلك: «السيد أحمد» (1782–1831 (فحج واعتنق مذهب
ابن عبد الوهاب، وجاء إلى الهند داعيًا بدعوته من تحريم زيارة الأضرحة والشفاعة
بالأولياء ونحو ذلك مما ذكرنا قبل، وزاد على ذلك دعوته أن الهند دار حرب لا دار
إسلام، وأن الجهاد فيها واجب على املسلمني، فاصطدم هو وأتباعه بالحكومة الإنجليزية،
وكانت خصومة، وكانت ضحايا، ولم تكن هناك نتيجة ذات قيمة.
لم يعجب السيد أحمد خان هذا كله وتساءل في حزم ما علة هذا الجهل وضيق
العقل والفقر وسوء الحال؟ وأجاب في حماسة: إنه التربية، ومن ذلك الحني ابتدأ يضع
262
السيد أحمد خان (1(
منهج التربية التي يريدها. وصادف ذلك أن ثورة سنة 1857 كشفت لعقلاء املسلمني في
الهند حالهم ووجوب تغيري موقفهم وشعورهم بتخلفهم عن الطوائف الأخرى، فتناغم
ِّ تفكري «السيد أحمد» واستعداد الرأي العام للتنور فأنتج هذا التناغم حركة إصلاح تعد
ُّ نقطة تحول في تاريخ املسلمني في الهند.
ً قال لقومه يوم ً ا: «انظروا إلى انجلترا، لقد كانت ثروتها تتمشى يوم ً ا فيوما مع
تربيتها، كلما زادت تربيتها زادت ثروتها، وقد كانت منذ قرن وأمامها من العقبات
والصعاب التي تعوق التربية أكثر مما عندنا، ولم يكن لها إذ ذاك سكك حديدية ولا آلات
ميكانيكية للطباعة ولا نحو هذا، إنما كان لها سعة نظر وقوة إرادة.
«لو أن الهند سنة 1856 كانت تعرف العالم وتعرف قوتها وقوة خصمها من
الإنجليز، وتزن الأمور بميزان صحيح وتدرك نتائج الأمور، ما حدثت الحوادث الأليمة
التي حدثت سنة 1857 — ألا إن الجهل سبب لكل شر».
وأول ما بدأ به خطته في التربية إنشاؤه جمعية أدبية علمية في عليكره — حيث كان
قاضيًا بها سنة 1861 — كان الغرض منها نشر الآراء الحديثة في التاريخ والاقتصاد
والعلوم وترجمة أهم الكتب الإنجليزية في هذه املوضوعات إلى اللغة الأردية، وقد كان يرى
أن تعلم هذه العلوم باللغة الإنجليزية لا يكفي إلا في تثقيف عدد قليل لا يجزي، إنما الذي
يفيد فائدة كبرى نقل هذه العلوم إلى لغة البلاد حتى يشترك في تفهمها والاستفادة منها
أكبر عدد ممكن، ولذلك كانت خطته التي بدأ بها وسار عليها، نقل هذه الكتب الهامة
من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الأردية، ولم يمنعه إعجابه بالإنجليز ولغتهم وثقافتهم من
أن يكون صلبً ً ا حازم ً ا شديدا في طلبه نقل الكتب الإنجليزية للشعب لا نقل الشعب للغة
الإنجليزية.
ولكن سرعان ما هاج عليه الرجعيون واملتزمتون من رجال الدين يتهمونه بإفساد
العقول وإفساد الدين وإفساد الوطنية، واشتبك في حرب عوان معهم انتهت بانتصاره
بوضعه الحجر الأساسي لكلية فيكتوريا بغازي بور.
وحدث حادث كان له أكبر الأثر في إصلاحه، ذلك أنه في سنة 1869 ،وهو في نحو
الثانية والخمسني من عمره، تقرر إرسال ابنه «محمود» إلى إنجلترا — عضو بعثة —،
فانتهزها «السيد أحمد» فرصة وسافر معه؛ وحدثت له على السفينة طرائف رويت عنه
ِّ من أحاديث في الدين تحدث بها مع أصدقائه من الإنجليز يدل على غريته على الإسلام
مع سعة عقل، وابتهج حني مروره على شاطئ جزيرة العرب لأنها مبعث النبي.
263
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
نزل إنجلترا وقابل كثريً َّ ا من عظمائها، منهم توماس كارليل، وقد حدثه «السيد»
ً طويلا في محمد، ولعله كان لذلك أثر محمود في كتابة «كارليل» الفصل البديع عن محمد
البطل في كتابه «الأبطال». وأخذ «السيد» يدرس نظم التربية في إنجلترا، ولفت نظره
َّ تربية الشعب الإنجليزي وثقافته أكثر مما لفت نظره تربية الخاصة. لقد دون إعجابه
بخادمة املنزل تقرأ وتكتب، وبربة املنزل لها رأي في السياسة العامة. وبالحوذى يقرأ
الجريدة ويحتفظ بها ليتم قراءتها عند انتظار راكب، ونادى إذ ذاك بفكرته املتغلبة على
ً ذهنه قائلا: «إن الذين يريدون إصلاح الهند الحقيقي يجب أن يجعلوا نصب أعينهم
نقل العلوم والفنون والآداب الأوروبية إلى لغة البلاد الأصلية، وأحب أن يكتب هذا الرأي
ً بأحرف كبرية جدا على جبال الهملايا لتذكرة الأجيال القادمة. إن تقدم الغربيني إنما
جاء من أنهم عالجوا الآداب والعلوم بلغتهم، ولو كانت العلوم والفنون تعلم في إنجلترا
باللغة اللاتينية أو اليونانية أو العربية أو الفارسية لظلوا جاهلني جهل الهند، فما لم
نهضم العلوم والفنون ونتمثلها بلغتنا فستظل في حالتنا السيئة».
ولعل قارئ هذا يطفر ذهنه — إذا قرأ هذا النداء — إلى حالة البلاد العربية، ويقول
َّ كما قال «السيد أحمد» ما لم تتوحد اللغة العربية والعامية في الأمم العربية وتنتقل
العلوم والفنون إلى لغة الناس التي يتكلمون بها في بيوتهم وشوارعهم ومعاملاتهم
وسمرهم، فلا أمل في إصلاح حقيقي. ورحم الله أستاذي «علي بك فوزي» فقد زرته في
الآستانة وجلست معه جلسات طويلة، أستفسر فيها عن ثورة تركيا ونتائجها ومحاسنها
ومساويها، فقال لي مرة: «حبذا لو تعلمتم التركية لا لأن أدبها رفيع املقام، ولكن لتروا
كيف استخدم الأتراك لغتهم وآدابهم لإصلاح عقولهم وشؤونهم». وعقّب على ذلك فقال:
«لا أمل في إصلاح مصر ما دام هناك لغة للعلم، ولغة للكلام، فإما أن ترقى لغة الكلام،
وإما أن تنحط لغة العلم حتى يتحدا، وحينئذ فقط يكون التفكري الصحيح والرقي
الشعبي».
ً ا لشرقي كبري، فسألني سؤالا غريبًا: «هل هو
وكنت مرة أقدم أديبًا مصريًا كبريً
َ يكتب للخاصة أو للعامة؟ فقلت: للخاصة، قال: وم ْن من الأدباء يكتب للشعب؟ قلت: لا
أحد، قال: وا أسفاه!
واهتم «السيد أحمد» بدراسة نظام التربية في املدارس الشعبية وفي الجامعات
الإنجليزية، وكان مما قاله: «إن الطفل في مدارس انجلترا يتربى ويتثقف، وأما في مدارس
الهند فيتعلم، وشتان بني التربية والتعليم، وإن الشاب في الجامعات الهندية يفقد أخلاقه
264
السيد أحمد خان (1(
بسكناه في أوساط املدن مع املغريات املتعددة، كما أنه ليس في هذه الجامعات عناية
بالأخلاق والآداب والدين، وأساتذتها ومدرسوها يعتقدون أن واجباتهم تنتهي بانتهاء
دروسهم، وآمال الشبان ومطامحهم محصورة في وظائف حكومية، من غري تفكري في
واجب لأنفسهم ولا لأمتهم».
يجب تغيري كل ذلك، ووضع منهج ملسلمي الهند غري املنهج الذي يسريون عليه.
265

السيد أحمد خان (2(
ً عاد السيد أحمد من إنجلترا وهو عاقد العزم على إصلاح حال املسلمني في الهند عقلا
ودينًا ولغة وخلقً ا واجتماعيًا، سواء في ذلك خاصتهم وعامتهم، مصمم على أن يغزو
الجهل والجمود بكل ما يستطيع من قوة، وأن يحمل املسلمني بكل الوسائل على أن
ً يتقبلوا املدنية الحديثة في علومها وفنونها قبولا حسنًا، ويستخدموها في ترقية حياتهم،
وأن يبذل الجهد في التوفيق بني الإسلام واملدنية؛ فالإسلام في جوهره وأصله معقول
واسع الصدر لأحكام العقل غري مناهض ملا يثبته العلم، فإذا نقَّى مما لحقه وليس منه
أمكن أن يُقبل املسلمون على العلم الحديث من غري حرج.
وضع من أول خططه بعد عودته أن ينشئ في الهند جامعة تكون للمسلمني
كأكسفورد وكمبردج في إنجلترا، تربي الخاصة، ثم هم يربون العامة، وما زال يكد
ويسعى ويجمع املال ويكافح العقبات توضع في سبيله، وأخريًا فاز بإنشاء كلية عليكره
ً املشهورة وحدد لها أغراضا ثلاثة:
(1 (أن تعلم املسلمني الثقافة الغربية والشرقية في غري تعصب ولا جمود.
(2 (أن يعني فيها بحياة الطلبة الاجتماعية فيجدوا فيها سكنًا يقيهم شرور للدن
ومفاسدها، فيطمئن الآباء — حني يرسلون أبناءهم إليها — على أنهم في بيئة صالحة
لخلقهم مرقِّية لآدابهم.
ً (3 (أن يعني في نظام الكلية بترقية العقل وتربية البدن وتهذيب الخلق معا، وبعبارة
أخرى أن يكون الغرض منها «التربية» لا التعليم فقط.
وتم بناؤها واستقبلت طلبتها تعلِّمهم على املنهج الذي اختطه، ونجحت في خلق جيل
من املسلمني جديد مثقف ثقافة واسعة مع سعة في العقل وسماحة في الدين؛ وانتشر
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
خريجوها في أقطار الهند يحملون رسالة جامعتهم ويضيئون ما حولهم، وأصبحت كلمة
ً «عليكره» لا تدل فقط على كلية أو جامعة، وإنما تدل أيضا على نوع من العقلية الراقية،
والصبغة الخلقية والاجتماعية الخاصة.
لقد أخذ الوطنيون املسلمون على خريجي هذه الجامعة وطلبتها أنهم لا يشتركون
في الحياة السياسية مع فضلهم وسعة عقلهم وغزارة علمهم، حتى أنهم لا يُضربون
يوم تضرب الجامعات الإسلامية لغرض سياسي، ولكن هذه الصبغة هي التي صبغ بها
السيد أحمد طلبته، إقبال على العلم وبُعد عن السياسة.
فلما فرغ من هذه الجامعة أخذ يعمل في اتجاه آخر، فأنشأ مجلة دورية سماها
«تهذيب الأخلاق» عالج فيها املشاكل الاجتماعية والدينية في جرأة وصراحة، وأخذ يفسر
ً القرآن، ويدعو إلى أن القرآن — إذا فهم فهم ً ا صحيحا — اتفق مع العقل، وأن النظر
الصحيح فيه يوجب الاعتماد على روحه أكثر من الاعتماد على حرفيته، وأنه يجب أن
يفسر على ضوء العقل والضمري.
وتظرف أكثر من ذلك، فكان يقول بأن الوحي كان باملعنى دون اللفظ، ذاهبًا في
ذلك مذهب علماء املسلمني املتقدمني الذين حكى قولهم السيوطي في الإتقان إذ قال:
َ «وذكر بعضهم» أن جبريل إنما نزل باملعاني خاصة، وأنه صلى الله عليه وسلم عِلم تلك
املعاني وعبر عنها بلغة العرب، وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالى: «نزل به الروح
.
1
الأمني على قلبك»
إذ ذاك هاج عليه كثري من رجال الدين، وهيجوا عليه العامة وتعرضت حياته
ا
للخطر، وأراد أحدهم أن يطعنه مرة بخنجر فنجا منه بأعجوبة، ومع هذا ظل ثابتً
جريئًا في دعوته كما هو لم يتزحزح، ولم يداج ولم يمار، بل ربما كان بعد ذلك أقوى
وأصرح فيما يقول وما ينشر، لا يعبأ بنقد ولا تهديد بقتل، ولا بأي ضرب من ضروب
التخويف.
وكما كانت ناحيته الدينية جريئة خطرية كذلك كانت ناحيته السياسية، فكان يرى
أن الغرض الذي يجب أن يرمي إليه السياسي الهندي هو أن تكون الهند كلها أمة واحدة،
وأن الإسلام والهندوكية والنصرانية يجب أن تكون عقائد دينية في نفوس معتنقيها
فقط، ولكن هذه العقائد كلها يجب ألا تؤثر في الوطنية، فيجب أن يكون عند كل طائفة
1 وردت هذه العبارة في الإتقان ص 54 جزء أول باملطبعة السكستلية.
268
السيد أحمد خان (2(
عقيدتها الخاصة بها ووطنيتها العامة عند كل الطوائف، أما النزاع الطائفي الديني،
والنزعة إلى تقسيم الهند حسب الأديان ونحو ذلك، فكلها أفكار باطلة، وليس يؤدي إلى
الاسقتلال الحق إلا حصر الدين في العقيدة، وتعميم الشعور بالوطنية بني كل الأفراد
وفي كل امللل. وقال: «في قطر كالهند تتقسمه الطبقات، وتتوزعه النزعات الدينية الحادة،
ولم تنتشر فيه التربية الصحيحة التي تعد الناس كلهم سواء في الحقوق والواجبات، أرى
بل أعتقد أن الانتخاب والتمثيل في شتى املجالس ضرره أكبر من نفعه»، ولهذا رفض أن
يشترك في املؤتمرات السياسية والأحزاب على اختلاف ألوانها، فأغضب رجال السياسة
كما أغضب رجال الدين، ولم يعبأ بهؤلاء ولا هؤلاء. ووجه كل همه في أحب الأعمال إليه
من اشتراك في املجلس الأعلى للتعليم، واملجلس الأعلى للخدمة الاجتماعية، والإشراف على
سري كلية عليكره.
ً ثم كانت له فكرة عظيمة نافعة، وهي أن يجمع مؤتمرا كل عام يجتمع فيه قادة
املسلمني في الأقاليم الهندية املختلفة، كل عام في مدينة، يلقون فيه الخطب واملحاضرات
عن الشؤون الإسلامية وأمراض املسلمني وعلاجها، ويصدرون القرارات التي يرونها
نافعة في ذلك. وكان الغرض الذي يرمي إليه «السيد» منه بث روح الائتلاف بني املسلمني
في البلاد الهندية، وتبادل الآراء في خري الوسائل لترقيتهم، والتعاون على الأعمال املفيدة
من إنشاء املدارس أو النهوض بها أو نحو ذلك، وقد نفذ الفكرة ونجح املشروع ورأس
السيد املؤتمر خمس سنوات قبل أن يتوفاه الله، ثم استمر يجتمع بعد حياته برياسة
بعض أصحابه وأتباعه.
لقد سيطرت روحه على املؤتمر في حياته وبعد مماته، وهي روح تدعو إلى الهجوم
ً على املدنية الغربية، وأخذ كل شيء حسن فيها، وخصوصا العلوم والآداب «إن النور
اليوم يأتي من الغرب بعد أن كان يشرق من الشرق، فيجب أن نأخذ من أوروبا
علومها ومدنيتها، ونسري مع الزمان في مضمار الحياة العصرية، وذلك لا يفقد املسلمني
شخصيتهم ودينهم، إنما يفقدهم ذلك الجهل لا العلم» «إن التعليم كان في الزمن املاضي
دينيً ً ا محضا لا يعبأ بالدنيا وما فيها، وقد تطرف في الأولى وأخل بالثانية، فحبذا الجمع
بني الدين والدنيا».
ً «إن العلم اتخذ شكلا ً جديدا، فلم تعد طبيعيات أرسطو، ولا نظريات ابن سينا ولا
جبر الخيام ولا كيمياء جابر بكافية، وهي لا تصلح للدراسة إلا من الناحية التاريخية».
واهتم املؤتمر بالتربية وشؤونها، ينتقد التعليم ومناهجه ويقترح الإصلاح ويضع نصب
269
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
عينه كلية عليكره «حتى تصل إلى درجة تساعد على ترقية النشء وتهذيبه، وحتى تصل
إلى درجة تكون فيها منبع العلوم ومحط الرحال للطلبة من جميع الأقطار الإسلامية؛
وليس من البعيد عند ذلك أن ينبغ فيها أمثال ابن سينا وابن رشد وغريهما من العلماء
السابقني ينشأون في مهد العلوم الحديثة ويبحثون فيها وينهضون بها، فأن هؤلاء
الناشئني بمساعدة املباحث والتجارب الكيمياوية والطبيعية والفنون املصرية والقواعد
الطبية يعيدون لنا سالف مجدنا القديم، فيكون فيهم ابن موسى جديد يخترع آلات
جديدة، وطوسى آخر يكتشف كواكب ويحدد دوائرها ويضع كتبًا في علم الهيئة الحديثة
وهكذا».
«والذي نريده أن ينشأ أولادنا في عالم من الحرية بعيدين عن املضار والأوهام
الفاسدة والعادات السخيفة التي تحيط بهم من كل جانب».
عليكم بالعلم، فإذا شئتم أن تتعلموا وتستفيدوا فانسلخوا من كثري من عاداتكم
القديمة وأخلاقكم الوخيمة، واهتدوا بنور العلم في طريق حياتكم التي تسريون فيها:
«يجب علينا أن نشارك الأمم الغربية في معارفهم وأن نزاحمهم في مساعيهم باملناكب
والأقدام في كل خطوة يخطونها لكسب علم أو اختراع عمل، ولا منقذ لنا من براثن الفقر
ومخالب الجهل إلا اقتطاف علومهم وإدخال مدنيتهم ليكون هناك شيء من التكافؤ بيننا
وبينهم، حيث لا حافظ لنا من الهلاك في هذا املزدحم الشديد إلا التكافؤ».
هذه أقوال من أقوال أصحابه وأتباعه الذين حملوا الراية بعده في املؤتمر الهندي
.
2
الإسلامي وكلها من روحه ومستمدة من تعاليمه
ً لقد ظل حياته يكافح في سبيل املسلمني في الهند كفاح ً ا شديدا وهو صابر على
رميه بأشنع التهم من كفر وإلحاد وفقدان وطنية، وأنه آلة إنجليزية، شجاع في مقابلة
ً كل ما يقف في سبيله يجتاحه اجتياحا، يرى أن املسلمني مرضي لا يشعرون بمرضهم إلا
إذا ذاقوا طعم العافية؛ فقراء لا يشعرون بفقرهم وسوء مسكنهم وغذائهم إلا إذا أكلوا
الطعام الهني وناموا على الفراش الوثري في املسكن الفسيح، فعمل على أن يذوقوا العافية
والغنى ليدركوا ما كانوا عليه من مرض وفقر، وكذلك كان.
فقد رأى مسلمو الهند ناشئة جديدة عاقلة مفكرة مهذبة تصلح للحياة، ورأوا كلية
عليكره تنتج في البلاد حركة فكرية بديعة، وتؤلف الكتب القيمة في أسلوب جديد قويم؛
2 أنظر طائفة كبرية من خطب املؤتمر نشرت في جريدة املؤيد سنة 1901 وسنة 1902.
270
السيد أحمد خان (2(
وأخذت الحياة تدب بني املسلمني بعد خمودها، فآمنوا إذ ذاك بأن «السيد أحمد» مصدر
نعمة وبركة، لا كارثة ونقمة. وإن اختلفوا معه في بعض آرائه.
ثم كانت له جولة إصلاح عظيمة في اللغة الأردية؛ لقد كانت هذه اللغة قبله كاللغة
العربية في عهد الظلام: عشق وغرام ومديح، وأسلوب مزركش الظاهر فارغ الباطن،
فنقلها إلى آفاق واسعة، وأصبح من موضوعاتها السياسية والاجتماع والأخلاق والدين
والتاريخ والأدب في أسلوب متني فيه القوة والسلاسة والصفا، والسعة، غزير باملعنى،
خال من التصنع.
ً لقد بدأ «السيد» حياته في اللغة الأردية شاعر ً ا، فكان شاعرا عاديًا لم يلفت النظر
ً إليه، فلما اتجه إلى النثر ملك ناصيته وفتح فيه فتحا مبينًا، وبدأ ذلك في جريدته التي
ُ أنشأها واسمها «سيد الأخبار»؛ فلما أنشأ بعد جريدة «تهذيب الأخلاق» بلغ في ذلك
الغاية. وأئتم به كثري من الكتاب وأصحاب الجرائد فعالجوا بهذه اللغة موضوعات لم
تكن تعالج فيها من قبل، وبذلك أخذ الأدب الأردي يشق طريقه إلى التقدم؛ يقول هو في
ذلك:
ً لم آل جهدا في ترقية العلم والأدب باللغة الأردية على صفحات جرائدي
املتواضعة، واتخذت في ذلك أسلوبًا يجمع بني السهولة والجزالة لا تعقيد فيه
ولا تكلف، تجنبت فيه الألفاظ الرنانة، والاستعارات والكنايات الوهمية التي
تنحصر في الشكل ولا تتصل بالقلب، وجهدت في تشويق القارئ إلى ما أكتب
فيه، ونقل مشاعري وعواطفي إلى مشاعره وعواطفه.
وتعددت موضوعات كتاباته فطرق كل موضوع، وعالجه معالجة من يلقى عليه
ً ضوءًا كاملا ً لا يتركه حتى يكون واضحا جليًا في جميع جوانبه.
َّ ثم وجه الناس إلى العناية بهذه اللغة وأدبها، ونقل كثريًا من خري الآداب الأجنبية
إليها. وكان له رأي في الترجمة إلى اللغة الأردية بديع، وهو عدم التقيد بالحرفية في
ً الترجمة، ويرى أن هذا أسلوب واه ضعيف؛ وإنما الواجب أخذ الأفكار وعرضها عرضا
ً جديدا بطريقة تتفق وذوق الهنود وتلائم أفكارهم. ولم تكن اللغة الأردية تشتمل على
مصطلحات علمية، فجد في صياغة اللغة صياغة تتناسب مع العلم، ووضع ما استطاع
من املصطلحات؛ وسار على هذا املنهج طلبته.
قال الأستاذ شبلي النعماني عالم الهند العظيم: «طاملا كان النزاع بيني وبني السيد
ً أحمد شديدا في آرائه الدينية، وطاملا فندت آراءه، ومع هذا لا أنكر فضل أسلوبه العالي
271
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
الذي استخدمه في شرح أفكاره، فكان أسلوبً ً ا رائعا منقطع النظري، مملوءًا بالفكاهة
الحلوة، والتنادر الظريف.
ً حدث مرة أن مولوي على بخش نقده نقد ً ا مرا، ثم ذهب إلى مكة بقصد الحج وأخذ
فتوى من علماء مكة بتكفريه، فكتب السيد أحمد في «تهذيب الأخلاق»:
ً ما أعجب إلحادي، قد جعل مني كافر ً ا وجعل منه حاجا مؤمنًا — إني لفي
ُ شوق شديد لأن أرى فتواه، إنه كما قال الأول: إذا خرب بيتي بيت الأوثان،
ِخرج أحسن الورود في
قام على أنقاضه بيت الإيمان. إن إلحادي كالأمطار، تُ
البستان، وأحسن الكلأ في الوديان.
وملا صدر الأمر بإغلاق جريدة «تهذيب الأخلاق» كتب في آخر عدد منها:
طاملا طرقت باب النيام ليستيقظوا، فإن فعلوا فذلك ما أبغي، وإن تخبطوا
عند انتباههم وترنحوا يمنة ويسرة فمرحلة لا تستوجب الرضا، ولكنها مع
ذلك تستوجب الأمل في يقظة املستقبل، وليتها تكون.
ً وعندما ترى الأم طفلها مريضا تلح عليه أن يشرب الدواء املر، وهو يلح
ً دعيني يا أماه قليلا فسأشربه بنفسي.
ً وأنا كذلك سوف أطرق باب النيام دائما ليستيقظوا، وسأصيح بالأطفال
املراض اشربوا اشربوا حتى يتجرعوا.
لا أكل ولا أمل.
وظل كذلك يدق الباب، ويلح في شرب الدواء حتى أدرك الناس أخريً ً ا جدا أنه قام
بعمل جليل في لغة قومه وعقليتهم وتعليمهم وتربيتهم، مهما عابوه في بعض تعاليمه
الدينية، وبُعده عن التدخل في السياسة القومية.
فلما زار البنجاب في آخر حياته استقبل استقبال امللوك الظافرين، والغزاة الفاتحني،
بل املصلحني الناجحني، وأنساه نعيم الآخرة شقاء الأولى.
وملا بلغ الحادية والثمانني من العمر أسلم روحه لخالقه، فبكاه الأوروبيون
والهندوس واملسلمون على اختلاف عقائدهم وطبقاتهم ومذاهبهم السياسية والاجتماعية،
وأشد ما بكوه من أجله، شجاعته التي لا تحد في تنفيذ خطته، وصراحته البالغة في
الجهر برأيه، وعدم اعتداده بنقد الناقدين على اختلاف ألوانهم، وإصراره على ألا يسمع
272
السيد أحمد خان (2(
إلا لصوت ضمريه؛ ينقد الإنجليز في ترفعهم، واملواطنني في تخلفهم، ورجال الدين في
جمودهم، ورجال السياسة في تخيلهم، على حد سواء، ويبكونه أكثر من ذلك لأنه مصلح
عملي، لا يكفي بالنظريات واملبادئ يثريها، ثم يهدأ ضمريه لأنه قد أدى واجبه، بل لا يزال
يسعى ويكدح وراء مبادئه حتى يخرجها في بناء وفي طلبة وفي معمل وفي مؤتمر وفي
مجلة وفي درس، وهي ميزة ندر أن تكون في املصلحني، ولذلك كانت نتيجته في إصلاحه
عملية كسريته؛ فلو رأيت مسلمي الهند أيام سلمهم، ورأيتهم أيام تسلمهم لوجدتهم قد
ارتفعوا درجات في العلم، وفي الفكر، وفي الخلُق، وفي اللغة، وفي الصلاحية للحياة؛ حتى
ً لو قلنا إن تاريخ املسلمني في الهند قد تحور واتخذ اتجاه ً ا جديدا في حياته وبحياته لم
ْع ُد الصواب.
نَ
ثم نرى في بعض املصلحني عيبًا كبريًا؛ وهو أنهم لا يربون من يحمل علَمهم، ويكمل
خطتهم، وكثريًا ما يكون سبب ذلك اعتدادهم بأنفسهم مع شخصيتهم القوية التي لا
تسمح لشخصية عظيمة أخرى أن تظهر بجانبهم، فتلتف حولهم الشخصيات الضعيفة
التي تتقن امللق والنفاق، وتغذي بأقوالها وأعمالها عظمتهم واعتدادهم بأنفسهم، وتنفر
ً منهم الشخصيات القوية لأنها ترى في نفسها ندا أو شبه ند، لأن كرامتها تأبى أن تنزل
عن رأيها لرأيهم، أو تتصنع النفاق للقرب منهم، فإذا مات مثل هؤلاء مات إصلاحهم إلا
من الرؤوس أو ثنايا كتب التاريخ — ولم يكن «السيد أحمد» من هذا الطراز، فهو قوي
جبار في اعتناقه آراءه ومبادئه والجهر بها والعمل عليها، ولكنه سمح النفس مع الناقد
الشريف، باذر الحب للنفوس حوله حتى تنمو وتقوى، مشجع لأتباعه وتلاميذه أن يروا
رأيهم، ويستعملوا حقهم في صراحتهم، كما يستعمل حقه في صراحته.
ولذلك كان حوله وبعده من يكمل خطته، ويسلك منهجه، ويحمل رايته، ويصلح
ُخذ عليه من مثل سراج علي، والسيد أمري علي.
ما أ
(1 (مدرسته
273
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
(1-1 (سراج علي
كان من أهم مدرسة «السيد أحمد خان» وأصحابه املشاركني له في العقلية نوع الإصلاح
وإن خالفوه في بعض التفاصيل مولوي سراج علي، والسيد أمري علي.
فأما «سراج علي» فمن أهم مواقفه الدفاع عن الإسلام من ناحية خاصة غري الناحية
التي عرض لها رينان والسيد جمال الدين، وغري ما عرض له هانوتو والشيخ محمد
عبده.
َ ذلك أن بعض الإنجليز في الهند أثاروا مسألة هامة ومنهم مستر ملْ ُك َ ولم م ُّكل
MacColl Malcolm نشر في مجلة Review Contemporary في عدد أغسطس سنة
ً 1881 مقالا بعنوان «هل الإصلاح ممكن تحت نظام الحكم الإسلامي؟» ذكر فيه أن
الإسلام صلب جامد غري قابل للتغري، ومبادئه القانونية والدينية والسياسية والاجتماعية
ً مؤسسة على أراء ثابتة قاطعة محدودة لا تقبل زيادة ولا نقصا، ولذلك ليس فيها من
املرونة ما يجعلها صالحة ملواجهة الأحوال الطارئة، ولا لتغري الظروف والبيئة املتجددة،
فالتشريع عندهم راكد، ونظام الحكومة ثيوقراطي يديرها الخليفة أو السلطان نيابة
ً عن الله، إلى آخر ما قال شرحا لهذه النظرية، التي تنتهي بأن الإصلاح في ظل النظام
الإسلامي غري ممكن، وقد وافقه على هذا الرأي بعض من إنجليز الهند وكتبوا مؤيدين
رأيه.
فانبرى «سراج علي» لتنفيذ هذا الرأي في جرأة وصراحة قد لا يوافق على بعض ما
يقوله بعض املسلمني إذ فيه نزعة «السيد أحمد» الجريئة، فقال:
إن الإسلام كما شرحه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم له من املرونة ما يمكنه أن يعدل
نفسه وفق التقدم السياسي والاجتماعي للعالم، والتشريع الإسلامي كما جاء
في القرآن لا يمكن أن يقال فيه إنه غري قابل للتقدم.
«وكما كان اتساع الدولة الإسلامية بعد الرسول داعيًا إلى وجود املجتهدين
كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغريهم، ليواجهوا مطالب الحياة
الاجتماعية، ويشرعوا لها تطبيقً ا على الأصول الإسلامية، فكذلك نحن الآن.
فتغري الإقليم والأخلاق واملعاملات والتاريخ والحضارة في الأقطار الإسلامية
يجب أن يواجه باجتهاد من جنس الاجتهاد السابق، يراعى فيه ما حدث
للمسلمني من تغري سياسي واجتماعي، فليس التشريع منطقً ا صرفًا، ولا
274
السيد أحمد خان (2(
نظريات محضة، وإنما هو علم تجارب واستنتاج من الواقع، فيجب أن تقابل
ظروفنا ببحث واجتهاد في حياتنا كما قابل أبو حنيفة والشافعي وغريهما
الحالة في أزمانهم، وليس ذلك مخالفً ا لروح الدين في شيء؛ واملذاهب التي
واجهت املاضي وكانت صالحة له لا يمكن أن تطبق بحذافريها على العصر
الحاضر من غري أن يدخلها التعديل الذي يقتضيه الحال.
وليس أحد من املجتهدين السابقني حتَّم طريقته في الاستنتاج والاستنباط،
ولا قال إن كلمته هي الأخرية، بل إنهم — رحمهم الله — لم يوجبوا ذلك
على معاصريهم، فكيف يوجبونه على املستقبل مع تغري الظروف والأحوال
والأوضاع؟! إنما الذي قال ذلك بعد املقلدون الذين لم يكن لهم من صدق
النظر وعمق التفكري واملعرفة بأحوال الزمان ما للمجتهدين، وسلبوا أنفسهم
حق الفكر، ونادوا بعدم الاجتهاد. وجاء بعد ذلك بعض املستشرقني أمثال
ِ مستر س ْل Sell فأخذوا أقوالهم بدعوى أن هذا هو الإسلام وهم في ذلك
مخطئون، ولو رجعوا إلى املجتهدين أنفسهم ومصادر الدين الأولى ما وقعوا
في هذا الخطأ؛ فهؤلاء الحنابلة أنفسهم قرروا وأكدوا أنه يجب أن يكون في كل
زمان مجتهد لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين
على الحق حتى يأتي أمر الله»، ولأن الاجتهاد فرض كفاية في كل عصر، لأن
الحوادث غري متناهية، وهذا أحد املتأخرين من علماء الهنود مولوي عبد العلي
ُ شارح كتاب «م َسلّم الثبوت» يقول: «إن من الناس من حكم بوجوب خلو
(العالم من مجتهد) بعد العلامة النسفي، وقالوا إن الاجتهاد املقيد ختم به،
والاجتهاد املطلق ختم بالأئمة الأربعة، حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء
الأئمة، وهذا كله هوس من هوساتهم لم يأتوا فيه بدليل، ولا يعبأ بكلامهم،
وإنما هم من الذين حكم الحديث بأنهم حكموا بغري علم فضلوا وأضلوا.
واستمر سراج علي فقال: إن أصول الأحاكم في الإسلام القرآن والسنة والإجماع
والقياس، أما القرآن فلم يقل إنه أتى ليعلم القوانني الاجتماعية والسياسية ولا القوانني
املدنية في شرح وتفصيل، وما تعرض له منها كان لبيان فساد بعض العادات العربية،
ككثرة تعدد الزوجات، وسهولة الطلاق والرق، ومهاجمة الأخلاق الفاسدة التي تضر
املجتمع؛ وأكثر الأحكام التفصيلية التي استنتجها الفقهاء في القانون املدني والجنائي
والسياسي إنما استنتجوها من ألفاظ مفردة، وآيات وردت في السياق، ومع الأسف كان
275
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
اعتمادهم على التمعن في الألفاظ والجمل أكثر من اعتمادهم على روح الآيات — لقد
ذكروا أن آيات الأحكام في القرآن نحو من مائتي آية من ستة آلاف آية في القرآن، وأنا
أعتقد أن نحو ثلاثة أرباع هاتني املائتني، ترجع إلى تعسف في الاستنتاج، من اعتماد
على لفظ أو إمعان زائد في شرح. وعلى الجملة فالقرآن لم يتدخل — في نظري — في
الأمور السياسية، ولا في تفاصيل القوانني املدنية والجنائية، إذ إنما يهمه التعاليم الدينية
والقواعد العامة الأخلاقية، ومن أجل هذا بدأ املتنورون من علماء املسلمني في العالم
الإسلامي — وخاصة في تركيا والهند في القرن التاسع عشر — يعتقدون بحريتهم في
وضع النظم السياسية والاجتماعية والقانونية من غري أن يكونوا مخالفني للدين.
وأما الحديث فبحر واسع تعرض ملوضوعات مختلفة اجتماعية وسياسية وقانونية
جمعت كلها في كتب الحديث.
ولكن في الحق أن كثريًا من الصحابة لم يكونوا يرون جمع الحديث وتدوينه، وإن
ً كان بعضهم الآخر — وخصوصا في الجيل التالي — قد حرص على جمعه. ونما الحديث
ً نموا كبريً ً ا وكثر الوضع فيه حتى أصبح بحرا لا ساحل له، واشتمل على حق وباطل،
وحقائق وأساطري، وأصبح كل مذهب في العقائد وكل نظام سياسي واجتماعي يؤيد
بالأحاديث املوضوعة، كما توضع لخدمة غرض خليفة أو أمري، واستخدام اسم الرسول
صلى الله عليه وسلم في تغطية السخافات واختراع الأباطيل وخدمة الاستبداد.
ً وجمع الحديث في الكتب الستة جاء متأخرا في القرن الثالث الهجري، ونقده
ً وتمحيصه لم يكن مؤسسا على معقولية الحديث، ولا على أحداث التاريخ ولا على امتحان
صوابه، إنما اقتصر على الرواة والسند وتلقِّى بعضهم من بعض ونحو ذلك من الأوضاع
الشكلية.
فليس — إذن — من الحق أن نقرر أن الأحكام املستمدة من الحديث غري قابلة
ً للتغيري والتعديل، خصوصا إذا علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه لم يطلب من أصحابه
تدوين حديثه الشفوي، وأنه لم يتدخل في النظم السياسية والقانونية ما لم تصطدم
بروح الإسلام وتتعارض مع مبادئ الأخلاق.
وأما الإجماع — وهو اتفاق علماء الأمة في العالم الإسلامي على أمر لم يرد فيه كتاب
ولا سنة — فقد أنكره داود الظاهري ومحيي الدين بن العربي وابن حبان وابن حزم،
ً وقيل أن أحمد بن حنبل أنكره إلا أن يكون إجماعا للصحابة، وأنكر مالك الإجماع إلا
إجماع أهل املدينة، كما أنكره النظام من املعتزلة الخ الخ وقد اهتز هذا الأصل وتزعزع
بكثرة من هاجمه من العلماء وبقولهم بعدم وقوعه وعدم إمكانه.
276
السيد أحمد خان (2(
ً بقى القياس وهو في الحقيقة ليس منبع ً ا مستقلا لاعتماده على الكتاب والسنة
والإجماع، وقد أبنا رأينا فيما يعتمد عليه القياس، فكيف يقال إن أحكامه غري قابلة
للتغري؟!
ومع هذا فما وصل إليه علماء الفقه الإسلامي وواجهوا به تقدم الزمان يستدعي
الإعجاب، وبعضه صالح إلى الآن، وبعضه يحتاج إلى إعادة النظر فيه وتعديله كبعض
مسائل الزواج والطلاق، كما تحتاج املسائل الاجتماعية والسياسية والقانونية إلى نظرة
جديدة تتفق وتطور الزمن وتغري الظروف، ويقوم بها املتأهلون للاجتهاد بجودة ثقافتهم
وصحة نظرهم ومعرفتهم بزمانهم.
وليس في تعاليم القرآن ومبادئ الرسول صلى الله عليه وسلم ما يمنع من الرقي الروحي، وحرية
التفكري في وجوه الإصلاح والإبداع في كل مرافق الحياة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية
أو عقلية أو خلقية، بل كل هذه النواحي من الإصلاح قد شجع عليها القرآن، مثل قوله
ِذ َين َهَد ُ اه ُم اللهُ
?ـِئ َك الَّ
ُولَ
ُه? أ
ْح َسنَ
َ
ِبُع َون أ
يَتَّ
ْو َل فَ
ِمُع َون الْقَ
ِذ َين يَ ْستَ
ِّشرْ ِعبَ ِاد * الَّ
بَ
تعالى: ?فَ
ِ اب?.
بَ
لْ
ُولُ ْ و الأَ
?ـِئ َك ُه ْم أ
ُولَ
َ? وأ
ِبقُوا الْ َخْريَ ِ ات?.
ْ استَ
?فَ
ُم َنكِر َويُ َس ِار ُع َون ِفي
َه ْوَن َعِن الْ
َمْع ُر ِوف َويَنْ
ُم ُر َون ِبالْ
ْ
يَ ْوِم ْالآ ِخِر َويَأ
ْؤِمنُ َون ِباهللِ َوالْ
?يُ
?ـِئ َك ِم َن َّ الص ِال ِح َني?.
ُولَ
الْ َخْريَ ِ ات َوأ
َلى الْ َخْريِ?.
يَ ْدُع َون إِ
َّمةٌ
ُ
تَ ُك ِّن م ُ نك ْم أ
َ?ولْ
فهذه الآيات تحث العقل على التفكري في الرقي في مناحي الحياة املختلفة والإسراع
إليه، وقد شجع رسول الله على الاجتهاد وإعمال العقل عندما قال معاذ إن لم أجد كتابًا
ولا سنة أجتهد رأيي؛ ولم يقف في سبيل أي تغيري صالح، ولم يشأ أن تكون الأحكام
جامدة راكدة.
ثم عرض ملا قاله املستر ملكولم من قوله إن الحكومة الإسلامية حكومة ثيوقراطية
تخضع لقانون إلهي لا يتغري، غاضة النظر عما حدث في العالم من تغري في القرون
املتوالية، واقفة في وجه كل إصلاح يقتضيه الزمان.
فرد عليه بأن الحكومة الإسلامية ليست ثيوقراطية، وقد كانت في عهد الخلفاء
الراشدين حكومة ديمقراطية مؤسسة على اختيار الخليفة، ولم يكن في أيامهم قانون
دستوري مكتوب يحتم طريق السري على نظام خاص إلا ما توحيه أصول القرآن. ثم
استعرض الأدوار التي مرت عليها الحكومات الإسلامية ونظم الحكم فيها، وأبان خطأ
277
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
ً الباحثني من مثل ملكولم من عدم تفرقتهم بني تعاليم القرآن وأقوال الفقهاء، قائلا إن
املسلمني يقدسون القرآن، ولكن لا يقدسون أقوال الفقهاء؛ وإذا رجعنا إلى القرآن لم
ً نجد نص ً ا واحد ً ا يفرض نوع ً ا من الحكومة خاصا، بل إن رسول الله نفسه لم يشأ أن
ينص على من يخلفه، وترك ذلك للمسلمني يرون ما فيه املصلحة لهم، وليس في تعاليم
القرآن ما يمنع أن ينظر املسلمون في نوع حكومتهم ونظامها حسب مقتضيات الزمان
وتغري الظروف، وكل ما يطالبهم به هو اتباع مبادئه الروحية والأخلاقية.
وختم هذا البحث بقوله إن الإسلام — متى فهمناه على أنه تعاليم القرآن ومبادئه
الأساسية — دين قابل لكل تقدم، فيه من املرونة ما يواجه بها التغريات الاجتماعية
والسياسية، وفيه كل الحيوية التي تخدم التقدم السريع واملعقولية، أما تعاليم الفقهاء
فليست باملعصومة، وإذا كان فيها ما يدعو إلى الركود فلا علينا إذا نبذناها، واسترشدنا
بالقرآن نفسه.
وهكذا خصص «سراج علي» جزءًا كبريًا من حياته في الرد على ما ينشر في املجلات
والكتب بالإنجليزية في املطاعن على الإسلام من هذا القبيل.
فكتب في نظر الإسلام في العلاقة بني املسلمني وأهل الأديان الأخرى، وفي دار الإسلام
ً ودار الحرب، ومن رأيه أن هذا التقسيم ليس جامعا، وأن الهند ليست دار إسلام ولا
دار حرب. وكتب في الرق في الإسلام وفي نظام الحرب، ودافع عن تركيا املسلمة وضرر
الامتيازات الأجنبية ومعاملة املسلمني للمسيحيني واملسيحيني للمسلمني الخ، مما يطول
3
لو لخصنا رأيه في كل ذلك.
ولعل القارئ يدرك من هذا التلخيص تطرف «سراج علي» في بعض آرائه، وخاصة
ما يتعلق منها بطريقة استنباط التشريع من القرآن ومهاجمته للحديث، ثم إن هذا
الرأي في جملته ينتهي إلى نتيجة خطرية، وهي حصر الدين في القيادة الروحية، والهداية
ً الأخلاقية، وإقامة الشعائر الدينية، ثم بعد ذلك يكون عقل املشرعني حرا في درس حياة
الأمم وما وصل إليه التقدم القانوني والسياسي والاجتماعي، والاستفادة والاقتباس منه
حسب حاجات الزمان ومقتضيات الظروف؛ وهذه صبغة تتجلى في هذه املدرسة، مدرسة
السيد أحمد خان وسراج علي والسيد أمري علي، ولهذا لم يوافقهم عليها كثري من املسلمني،
وإن وافقوهم وحمدوهم في نواحي الإصلاح الأخرى، كما حمدوا لهم غريتهم الدينية،
3 نشر ذلك كله بالإنجليزية وليس لنا إلا أننا لخصناه وعربناه.
278
السيد أحمد خان (2(
ودفاعهم املجيد عن الإسلام، وردهم هجمات كثري من كتاب الأوروبيني مما كان له أثر
حميد عند املنصفني منهم ورجوعهم عن موقفهم.
(1-2 (السيد أمري علي
أما «السيد أمري علي» فمصلح عملي من جنس «السيد أحمد»، بل ربما كان أكثر منه
ً تقديرا للحياة الواقعية ومواجهتها.
لقد قابل «السيد أحمد» في إنجلترا، ثم قابله في الهند، وطاملا تجادلا لاختلاف وجهة
نظرهما في إصلاح مسلمي الهند، فالسيد أحمد يرى أن الإصلاح وسيلته التربية والتعليم
فقط من غري انغماس في أية ناحية من النواحي السياسية؛ والسيد أمري علي يرى أن
التربية وسيلة صحيحة، ولكن لا بد بجانبها من علاج الشؤون السياسية للمسلمني في
الهند، ووضع خطة لها إزاء خطة الهندوكيني، وإلا ضاع املسلمون بجانب الهندوكيني؛
لا بد من وضع غرض سياسي وتنظيم خطة وتحديد مطالب ورسم طرق السري، والسيد
أحمد يأبى ذلك ويقول لا شيء إلا التربية. ولهذا سار كل منهما على مبدئه، فالسيد
أمري علي يؤسس سنة 1878» الجمعية الوطنية الإسلامية» للدفاع عن حقوق املسلمني
وتحديد الوضع السياسي لهم، ويدعو «السيد أحمد» للعمل معه فيأبى.
وأخريً ً ا جدا، وفي آخر حياة «السيد أحمد» يؤمن بصحة نظرية السيد أمري علي،
بفضل حوادث الهندوكيني، فيؤسس «جمعية الدفاع الإسلامية».
يمتاز «السيد أمري علي» بثقافته الغربية والشرقية الواسعة، فقد تعلم العربية
والفارسية، ثم اتصل في شبابه بأدباء الإنجليز في الهند، فدرس الآداب الإنجليزية دراسة
عميقة. لقد قرأ بإمعان أكثر روايات شكسبري، والفردوس املفقودة مللتن، وحفظ «شيلي»،
وقرأ لكيتس، وبريون، ومور، وكل روايات ولتر سكوت، وكتاب جيبون في أسباب سقوط
الدولة الرومانية إلى غري ذلك.
هذا إلى دراسته القانونية، وحصوله على درجة جامعية فيها من الهند قبل سفره
إلى إنجلترا، ثم ذهابه إلى إنجلترا عضو بعثة، وثقافته الواسعة فيها، ودراسته الأدبية
والتاريخية لتغذية نفسه؛ ثم كان له من بروز شخصيته، ونبالة نفسه، واعتداده بأنه
شريف النسب تنتمي أسرته إلى النبي العربي، ما جعله يظهر في الأوساط الإنجليزية،
ويؤكد صلات الصداقة بينه وبينهم ويتعرف الحياة الاجتماعية الإنجليزية أدق معرفة.
َّ كل هذا مكن له في شق طريقه إلى الإصلاح.
279
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
وكان حسن استعداده الأدبي، ودراسته الآداب الإنجليزية في سعة وعمق، مما مكن
له في السيطرة على أسلوب إنجليزي أدبي ممتاز، استخدمه في نشر كتبه الإسلامية
اململوءة حماسة وغرية على الإسلام.
ففي أواخر سنى دراسته في إنجلترا أصدر كتابًا عن «محمد وتعاليمه» كان له
ُسبورن Osborn:
صدى بعيد في الأوساط الأوروبية والهندية. وقد قال عنه املستشرق أ
«إن هذا الكتاب يستحق الإعجاب حقً ا؛ وقد كتب بأسلوب يدل على ملك كاتبه لناصية
اللغة الإنجليزية، أسلوب قل من يستطع أن يجاريه من الإنجليز املثقفني، أسلوب خلا
من العيوب التي وقع فيها مثقفو الهنود ... ويجب أن يهنأ مسلمو الهند على أن يكون
منهم من بلغ هذه الدرجة، ومن املستحيل على من فاتحة أعماله هذا الكتاب ألا يكون
له في مستقبله أثر فعال عميق في قومه، أما موضوع الكتاب فإننا نخالفه في كثري من
مسائله. وسنعرض وجهة نظرنا ووجه خلافنا فيما بعد».
واستعمل قلمه البليغ هذا في كتابيه الكبريين «مختصر تاريخ العرب» و«روح
الإسلام»، ففي الأول لخص تاريخ املسلمني، وعنى بوصف حالتهم الاجتماعية في أسلوب
ُ سهل جذاب؛ وفي الثاني عني بوصف الدين الإسلامي، عن الإسلام، وقد أفرغ فيها —
كما قال املؤلف — قلبه.
ثم كتبه املختصرة في الدعوة إلى الإسلام.
ونشر هذه الكتب بالإنجليزية البليغة كان له أثر كبري لم يسبق إليه، وهو تعريف
الأوروبيني بالإسلام ومحاسنه من مسلم متحمس، إذ لم يكونوا يسمعون عن الإسلام إلا
من مستشرقني.
وملا عاد إلى الهند خدم القضاء بمنصبه وتأليفه في القانون الإسلامي، وخاصة في
ً الأحوال الشخصية، مستعملا ً فيها مرونته العقلية، متأثرا بمدرسته من أن له ولأمثاله
الحق في الاجتهاد في الأحكام.
ً ثم قاد الحركة السياسية الإسلامية في الهند، ودافع عنها ولقي في ذلك عناء شديدا،
َّ وكان في كثري من الأحيان يضطهد من املحافظني الإنجليز، وإن كان يشجع من أحرارهم،
ويكره من الهندوكيني لاصطدامه معهم في إصلاح املسلمني، ويخاصم من كثري من
املسلمني أنفسهم لأنه متزوج إنجليزية، ويتبع النمط الإنجليزي في معيشته الخاصة.
ومع هذا سار في طريقه في الإصلاح والعمل، يؤلف الجمعيات املختلفة لذلك، ويقول
في بعضها: «إن غرضه ترقية الشعور الطيب بني الهنود على اختلاف طبقاتهم وعقائدهم،
وفي الوقت عينه حماية مصالح املسلمني، وتبصريهم السياسي بشؤونهم».
280
السيد أحمد خان (2(
ً هذه هي الدعوة التي كان يدعو إليها دائما، يسالم الهندوكيني والإنجليز ما ساملوه
َّ وما حفظوا حقوق املسلمني، فإذا تعدى أحد عليهم دافع في شدة وإخلاص، فهو يقول
في إحدى خطبه: «إن املسلمني في الهند لهم حقوق سياسية واضحة أمام الحكومة وأمام
َج ْب هذه املطالب أخشى أن تنقلب مطالبهم إلى عصبية حادة، إن
الهندوكيني، فما لم تُ
مطالبهم حقة، وهم لا يطلبون غري ما فيه العدالة، إنهم يطالبون بتمثيلهم السياسي
ً تمثيلا ً يتفق وعددهم وأهميتهم وتاريخهم، تمثيلا ً عادلا مؤديًا لتمثيل الأكفاء. إن املسلمني
يأبون أن يمتاز عليهم الهندوكيون في أي حق من الحقوق السياسية، فإذا سوى بني
الجميع فاملسلمون يرحبون بالإصلاح».
واستعمل نفوذه وقلمه ولسانه في إنهاض املسلمني لإدراكهم حقوقهم واملطالبة بها،
سواء منهم من كان في الهند، ومن كان في إنجلترا — هذا من جهة — ومن جهة أخرى
منازلته من أراد انتقاص حق املسلمني؛ وكتاباته الكثرية القوية لساسة الإنجليز في الهند،
وكبار ساستهم في إنجلترا، ورده على الجرائد الإنجليزية كالتيمس وجازيت وغريهما.
ً واستمر في ذلك في صراحة وجرأة حتى أبلغ يوما على لسان صديق له «أن حكومة الهند
فقدت ثقتها به».
ً ونشطت سياسته أيضا في مناصرة الدولة العثمانية بعد خروجها من الحرب املاضية
َّ مهزومة، فطالب بالإبقاء على كيانها، وحرك الرأي العام املسلم في الهند لعطفهم عليها
وتأييدهم لهم، وكتب في ذلك وخطب؛ وله موقف لاذع في جمعية من الجمعيات، إذ اقترح
ً خطيب أن تكون الآستانة مدينة حرة، وتكون مركزا لعصبة الأمم، فرد عليه في بديهة
حاضرة بقوله: إن فلسطني أولى بذلك، لأنها «مدينة السلام في الأرض» والدعوة إلى الخري
العام للناس منذ نحو ألفي عام.
وإلى جانب حياته العلمية والسياسية النشيطة كان نشاطه في إصلاح الحياة
الاجتماعية ملسلمي الهند، وأهم ما التفت إليه من الإصلاح ودعوته لإصلاح الأوقاف في
الهند من مطالبته بالاستيلاء عليها من الحكومة، وإصلاح وجوه الصرف فيها وتنظيمها،
ً وقد لاقى في ذلك عناء شديدا؛ ثم دعوته إلى إصلاح املرأة وتعليمها؛ وقد رأس املؤتمر
الإسلامي الذي أسسه السيد أحمد خان في بعض السنني بعد وفاة السيد أحمد، وكان مما
دعا إليه فيه هاتني الدعوتني، قال في مؤتمر سنة 1900» :إن بالأوقاف وخرياتها انتشرت
العلوم، وتقدمت املعارف، وأدت وظيفة نافعة في جميع الأقطار الإسلامية، وكان لها نفع
عظيم في البلاد الهندية، ولكن تغريت الأحوال وخرجت أوقاف كثرية من يد املسلمني إلى
281
فيض الخاطر (الجزء الخامس)
أيدي الغري، وتلاعبت بها الأيدي ... ولهذا أدعو املسلمني إلى السعي في هذا املوضوع،
طالبًا من الحكومة أن تعني بمسألة الأوقاف وإحاطتها بما يحفظها، فهي فخر املسلمني
وحصنهم الحصني تجاه الفقر والأيام العسرية الخ.
وقال عن املرأة: «لقد أتى على املسلمني زمن كان النساء فيه يلقَّبن بأمهات الرجال»،
فهل يمكننا الآن أن ننعتهن بهذه الصفة؟ كلا إنهن آلة في أيدي الرجال يوجهونهن كيف
شاءوا — وإذا كنا نريد أن نرتفع في سلم املدنية والارتقاء، وأردنا أن يحترمنا الناس، فلا
بد لنا من تربية بناتنا حتى يصلن إلى أن يكن «أمهات رجال» — إني أعتقد أن تربية
البنات يجب أن تسري جنبًا إلى جنب مع تربية البنني، لأننا إذا أهملنا النصف املكون
لحياتنا الاجتماعية ساءت النتيجة؛ إذ ينفر الجزء املتعلم من الجزء الجاهل، ويبعد عن
مصاحبته ومعاشرته ما استطاع، ويحاول أن يسري في تيار لا يرضي الشرف، أو ينحط
بفكره ليعاشر ذلك الشريك املنحط في حياته.
ولذلك أرى من اللازم الضروري أن يسعى مسلمو الهند في تعليم بناتهم من هذا
الوقت، وأن يضعوا أمام أعينهم النموذج الذي يسريون عليه إلى الأمام». الخ الخ.
ومن أنبل أعماله الأخرية ما كان منه في الحرب بني إيطاليا وتركيا والعرب في
طرابلس، فقد علم أن جمعية الصليب الأحمر تعني أكثر ما تعني باملجروحني من
النصارى، وليس من يقوم بجرحى املسلمني، فسعى لتأليف جمعية تجمع املال من
الخريين، وتنظيم وحدات علاجية لجرحى العرب والترك، واستمر يكافح في هذا العمل
سنني، وعندما سأله املشرف على فرق العلاج هل وظيفته فقط أن يعني بجرحى
املسلمني؟ قال له: «إن وظيفتك الأولى أن تعني بجرحى العرب والترك، ولكن هذا لا
يمنعك أن تمد يد املعونة لجرحى النصارى واليهود في ساعات الضيق والحرج».
وهكذا كان عمله وعمل جمعيته في مساعدة الجرحى والبائسني في حرب البلقان
وفي الحرب العظمى املاضية.
لقد كان أهم ما يمتاز به السيد أمري علي «الإخلاص للعقيدة»، عقيدته في دينه، وعقيدته
ً في قومه، وعقيدته في وطنه، ورأى أن مواهبه في لسانه وفي قلمه فصقلهما صقلا بلغ
بهما الغاية، فهو في لسانه خطيب بارع، وفي قلمه بليغ ساحر، فلما أن بلغ بهما هذا
املبلغ وضعهما في خدمة عقيدته، يكتب عن الإسلام وعن محمد فتصل كتابته إلى كثري من
الأوروبيني الذين لم يسمعوا عن الإسلام ومحمد إلا التافه من القول، وتصل إلى مواطنيه
282
السيد أحمد خان (2(
ً فريون معلومات مألوفة قد عرضت عرض ً ا جديدا حتى كأنها جديدة، ويوم يصل إليهم
ً كتابه عن «محمد» يسامحون من املدارس يوم ً ا احتفالا بهذا الكتاب واعترافًا بحسن أثره.
ثم يستعمل لسانه وقلمه في خدمة قومه من املسلمني فيحركهم ويجمع شملهم
ويدفعهم ملطالبتهم بحقوقهم، فيفقد بذلك كثريًا من املال كان يصح أن ينهال عليه، ومن
ألقاب الشرف كان يمكن أن ينالها بمركزه ومواهبه وجاهه، ولكنه كان راضيًا بما في
ً يده مع راحة الضمري، وكارها طعم الغنى والألقاب مع عصيان الضمري، وهو من تأليفه
ودفاعه وإصلاحه وثمرة عمله في غنى وشرف لا يساويهما أي غنى أو شرف.
لقد تقدم إلى قبره يوم مات كثري من أصدقائه من الأوروبيني واملواطنني يحملون
أكاليل الزهر، من بينها إكليل من جمعية كان يرعاها شبكت به بطاقة كان مكتوبًا فيها:
بجهد هذا الراقد كم طعم جائع، وكسى عار، وصح مريض، وبفعاله كم اطمأن
شارد، وضمت أم طفلها إلى صدرها لولاه لهلك، ووجد الفلاح اليائس الذي
خربت الحرب أرضه ما أعاد إليه أمله، وأسعفه باملال يمهد أرضه ويبذر بذره
ويستعيد بذلك رزقه.
ولو استطعنا إكمال البطاقة لقلنا: «وبقلمه ولسانه كم حييت نفوس، وتنبهت عقول،
واهتدى ضال، وأصلح فاسد، واستقام معوج، واستردت للمسلمني حقوق، وتعلمت بنات
سعد بهن أزواج، وسعدت بأبنائهن الأمة».
283