Advertisement

جمهرة مقالات محمود شاكر 005


الكتاب: جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر
المؤلف: محمود محمد شاكر
جمعها وقرأها وقدم لها: الدكتور عادل سليمان جمال
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة - جمهورية مصر العربية
الطبعة: الأولى، 2003 م
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم واحد متسلسل)
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مِزَقا متفرقة مبعثرة تكاد تكون خالية عندنا من المعنى ومن الدلالة، ولأنه غير ممكن أن يظل الفارغ فارغا أبدا، فقد تم ملء الفراغ بجديد من العلوم والآداب والفنون، لا تمت إلى الماضي بسبب، وإنا لنستقبله استقبال الظامئ المحترق قطرات من الماء النمير المثلج".
وفي خلال هذه الأعوام تبين لي أمر كان في غاية الوضوح عندي، وهو قصة طويلة قد تعرضت لأطراف منها في بعض ما كتبت، ولكني أذكرها هنا على وجه الاختصار (مقدمة المتنبى ص: 27).

" الجيل المفرغ"
ثم انطلقت بعد ذلك أقص القصة منذ عهد محمد على. وحفيده إسماعيل، حتى جاء الاحتلال الإنجليزي في سنة 1882، وبمجيئه سيطر الإنجليز سيطرة مباشرة على كل شيء، وعلى التعليم خاصة إلى أن جاء دنلوب (في 17 مارس 1897) ليضع للأمة نظام التعليم المدمر الذي لا نزال نسير عليه مع الأسف إلى يومنا هذا (المقدمة ص 28)، ثم بينت وسائل التدمير التي ارتكبها الاستعمار في حياتنا، وما أدى إليه من التدهور المستمر المتتابع، حتى قلت: "وكذلك كان مقدرا لجيلنا -نحن جيل المدارس المفرغ- أن يتلقى صدمة التدهور الأولى، لأنه نشأ في دوامة دائرة من التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي (المقدمة ص 26). ثم ختمت هذا الفصل بقولى: "وفي ظل هذا كله -كما قلت- انتعشت الحياة الأدبية انتعاشا غير واضح العالم. . . وأقول غير واضح المعالم، لأن الأساتذة الكبار الذي انتعشت على أيديهم هذه الحركة (ومنهم بالطبع الدكتور طه وغيره)، كانت علائقهم بثقافة أمتهم غير ممزقة كل التمزق، أما نحن -جيل المدارس المفرغ- فقد تمزقت علائقنا بها كل التمزيق، فصار ما يكتبه الأساتذة -فيما له علاقة بهذه الثقافة- باطلا أو كالباطل. فهو لا يقع منا ومن أنفسنا بالموقع الذي ينبغي له من الفهم ومن الإثارة، ومن الترغيب في متابعته، ومن إعادة النظر في ارتباطنا بهذه الثقافة. بل كان عند كثير من أهل جيلنا غير مفهوم البتة، فهو يمر عليه مرورا سريعا لا أثر له، أما الذي أخذه جيلنا عنهم، فهو
(2/1239)

الاتجاه الغامض إلى المعنى المبهم الذي تضمنته كلمة "التجديد"، وأنى هذا الرفض الخفي للثقافة التي كان ينبغي أن ننتمى إليها، وإلى الانحياز الكامل إلى قضايا الفكر والفلسفة والأدب والتاريخ التي أولع الأساتذة بتلخيصها لنا، لكي نلحق بثقافة العصر الذي نعيش فيه، وبمناهجه في التفكير، كما صوروا لنا ذلك في خلال ما يكتبونه! ! وغاب عن الأساتذة الكبار أن الزمن الدوار الذي يشيب الصغير ويفني الكبير، هو الذي سيتولى الفصل بينهم وبين أبنائهم الصغار الذين كانوا يتعلمون اليوم على أيديهم. والقصة تطول، ومع ذلك فليس هذا مكان قصها على وجهها، إذا أنا أردت أن أقيد ما كان، كما شهدته فيما بين سنة 1928 وسنة 1936، بل إلى ما بعد ذلك إلى يومنا هذا". (مقدمة المتنبي ص 37، 38).
فهذا كما ترى -هو الفصل الذي جاء فيه ذكر "التفريغ"، وهو شهادتى أنا على جيلى الذي أنا منه، وهو جيل المدارس الذي فرغ من ثقافة أمته، وتقطعت علائقه بينه وبين حضارتها على وجه بشع لا تزال آثاره هي الغالبة إلى يومنا هذا، وكما ترى وكما تستطيع أن تتحقق، ليس فيها ذكر للدكتور طه على الوجه الذي ذكره المقالح، ومن أحب من القراء أن يرجع إليه، فليرجع إليه، أقول ذلك مخافة أن يفقد الثقة بما أقول، كما سيفقد الثقة بأقوال الدكتور المقالح.
وبعد أن فرغت قلت مباشرة: "ومع ذلك، فأنا أحب أن أقرر هنا حقيقة أخرى، تعين على توضيح هذه الصورة التي صورتها، وكنت أنا أحد شهودها سنة 1928 - 1936، فصورتها فيما سلف. فالدكتور طه حسين -وهو أحد الأساتذة الكبار- سوف يشهد في سنة 1935 شهادته هو، من موقعه هو، أي من موقع الأستاذية، من وجهة نظره هو، ومن دوافعه هو إلى الإدلاء بهذه الشهادة" (المقدمة ص: 39).

كتاب الشعر الجاهلي
ثم في (صفحة 40 من المقدمة) عدت فتعرضت لكتاب الشعر الجاهلي، وأثره على جيلنا نحن، جيل المفرغين، وما ألقاه علينا وقاله الدكتور طه، وزعم
(2/1240)

أنه "منهج الشك" فقال فيما قال عن هذا المذهب بلفظه من كتاب الشعر الجاهلي "إن هذا المذهب سوف يقلب العلم القديم رأسا على عقب، وأخشى -إن لم يمح أكثره- أن يمحو منه شيئا كثيرا". وبينت ما قاله بعد ذلك مما يدل على الاستخفاف بكل شيء، وقيدته بنصه من كتاب الشعر الجاهلي. ثم شهدت بعد ذلك شهادتى على الجيل الذي أنا منه فقلت:
"والاستخفاف الذي بنى عليه الدكتور طه كتابه معروف، أما الذي كان يقوله في أحاديثه بين طلبته، فكان استخفافه عندئذ يتجاوز حده حتى يبلغ بنا إلى الاستهزاء المحض بأقوال السلف، وأما الذي كان يدور بين طلبته الصغار "المفرغين" من ثقافتهم -كما قلت- فكان شيئا لا يكاد يوصف، لأنه كان استخفاف جاهل واستهزاء خاو، يردد ما يقوله الدكتور، لا يعصمه ما كان يعصم الدكتور طه من بعض العلم المتصل بهذه الثقافة، وعلى مر الأيام، كانت العاقبة وخيمة جدا" (المقدمة ص: 40). ثم ذكرت كيف كانت العاقبة، حين كبر هؤلاء الصغار، وحاولو أن يزاحموا الاْساتذة الكبار (كالدكتور طه) في موقع الأستاذية فقلت: "ولكنهم لم يسيروا سيرة الأساتذة في معالجة القديم. . بل كان الغالب على أكثرهم هو رفض القديم والإعراض عنه، والانتقاص له والاستخفاف به، وعندئذ أحس الدكتور طه بالخطر، وهو الذي أضاء لهم الطريق بالضجة التي أحدثها كتابه، في الشعر الجاهلي" (المقدمة: 41). ثم قلت بعد ذلك مباشرة:
"كان إحساس الدكتور طه بهذا الخطر الذي تولى هو كبر إحداثه، ظاهرا جدًا، ففي يناير سنة 1935 بعد تسع سنوات من صدور كتابه في الشعر الجاهلي -بدأ ينشر في جريدة الجهاد مقالات، . . كان محصلها رجوعا صريحا عن ادعائه الأول في سنة 1926، الذي أعلنه في كتابه، وهو قوله: إن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرًا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأصداءهم، أكئر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا، لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء".
(2/1241)

ثم عقبت على هذا الذي قلته بما يأتي: "قد بينت في بعض مقالاتى أن الدكتور طه قد رجع عن أقواله التي قالها في الشعر الجاهلي، بهذا الذي كتبه في سنة 1935، وببعض ما صارحنى به بعد ذلك، وصارح به آخرين، من رجوعه عن هذه الأقوال، ولكنه لم يكتب شيئا صريحا يتبرأ به مما قال أو كتب، وهكذا كانت عادة الأساتذة الكبار! يخطئون في العلن ويتبرءون من خطئهم في السر! ! ".
ثم ذكرت ما قاله الدكتور طه في مفتتح مقالاته التي كتبها ونشرها بعد ذلك في حديث الأربعاء، في الجزء الأول منه، عن شعر الجاهلية، وذكر السبب الذي دعاه إلى كتابة ما كَتَب، وهو ما صاغه في محاورة بينه وبين صاحب له من جيلنا نحن، يرفض الشعر القديم كله، وصوّر إحساس هذا الجيل تصويرا كاملا، ثم قال: "وقد تحدث إليَّ المتحدثون بأن أمثال صاحبي هذا، قد أخذوا يَكْثرون، ويظهر أنهم سَيكْثرون كلما تقدمت الأيام"، فقلت أنا تعقيبا على ذلك: "وصدق ظن الدكتور طه، فقد كان ذلك، وكان ما هو أبشع منه" (مقدمة المتنبى ص 41، 42).
ثم سقت شهادة الدكتور طه على جيلنا المفرغ، وما كان من أمره وأمرهم، منقولة من مقالاته في سنة 1935، والمنشورة في حديث الأربعاء (في ص 43 - 44) ثم قلت: "وليس من همي أن أفسر هذه الشهادة، ولا أن أوضح مدى صدقها حيث صدق توقع الدكتور طه في تكاثر عدد من وصفهم من "المثقفين" في شهادته. . ولكن الذي يجب على أن أقول إن شهادة الدكتور على اختصارها، إنما هي وجه آخر لشهادتى التي كتبتها هنا، قالها هو من موقع الأستاذيه وقلتها أنا من موقعى بين أفراد جيلى الذي أنتمى إليه، وهو جيل المدارس المفرغ من كل أصول ثقافة أمته، وهو الجيل الذي تلقى صدمة التدهور الأولى، حيث نشأ في دوامة من التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي، الذي أشرت إليه آنفا (مقدمة المتنبى ص: 45، 46).
(2/1242)

هل يبقى الاتهام؟
يستطيع الآن قارئ مجلة العربي أن يطمئن، لأنى وضعت بين يديه قضيتى أنا صغيرا، وقضية جيلى الذي سميته "الجيل المفرغ"، وأن أمر "تفريغ" هذا الجيل الذي أنا منه من ثقافة أمته ومن أسس حضارته التي ينتمى إليها، منسوب كله إلى الاستعمار وقوى التخريب المختلفة التي سيطرت عليه، وعلى مجتمعه، وعلى مدارسه، ونشأته مفرغا غير قادر على مجرد الفهم لثقافة أمته العظيمة التي صار هو خلفا، لا يطيق الصبر على ما تركه له السلف من آبائه، لا بل لعله يرفضه بتظاهر وتعالم وسخف أيضا. أليس هذا واضحا جدا فيما اختصرته لك بألفاظه من مقدمتى لكتابى عن "المتنبى"، والتي جعلتها أساسا لقصة هذا الكتاب الذي نشرته في يناير سنة 1936، وجعلتها أيضا صورة لفساد حياتنا الأبية؟ أليس واضحا؟
وهذا الجيل "المفرغ"، هو الجيل الذي تلقاه الدكتور طه في الجامعة منذ سنة 1925 وأنا واحد منه، فشهدت شهادتى عليه ثم قلت إن الدكتور -حين تلقى هذا الجيل المفرغ والأجيال التي تليه من المفرغين- أخطأ خطأ شنيعا، حين قال له ما قال في قضية الشعر الجاهلي، وبالصورة التي قالها مثبتة في كتابه الشعر الجاهلي، وفي كتابه المعدَّل الأدب الجاهلي، ثم تهوره (وأنا آسف لهذا التعبير، ولكني لا أجد غيره مناسبا)، ثم تهوره حين طالبهم باتباع ما زعمه مذهبا وأنه هو الذي سوف يقلب العلم القديم رأسا على عقب، "وأخشى -إن لم يمح أكثره- أن يمحو منه شيئا كثيرا"، كما قال في كتابه في الشعر الجاهلي ص: 3.
ثم قلت بوضوح إن الدكتور طه قد تبين هذا الخطر الذي تولى كبره، بعد تسع سنوات لا أكثر، فكتب أو أملى، شهادة على هذا "الجيل المفرغ"، بعد أن فارق الجامعة، وبدأ يسامى الأساتذة الكبار، وفيهم الدكتور نفسه، ويجابهه برفض كل شيء. كتب الدكتور طه هذه الشهادة في سنة 1935 على هذه الأجيال المفرغة، فكانت شهادة من أستاذ كبير، شهدها من موقع الأستاذية،
(2/1243)

وكانت فحواها مطابقة لشهادة واحد من هذه الأجيال التي تلقت "التفريغ" في نظام دنلوب ومدارسه، شهدها من موقعه في هذا الجيل "المفرغ".
فهل في شيء من هذا ما يدل على أنى وصفت الدكتور طه واتهمته، بأنه هو الذي فعل ذلك "التفريغ"؟ وإذا كان الأمر الآن واضحا لقارئ مجلة العربي، فماذا يقول لهذا الكاتب الذي يحمل شهادة الدكتوراه، فيقول عني إني أول من أطلق اتهام الدكتور طه بتهمة وضعها بين قوسين، هي: (إذا كان هناك تخريب في الثقافة المصرية، فإن المسئول عن هذا التخريب هو طه حسين، لأنه بتشككه في الثقافة العربية قد أحدث نوعا من التفريغ في العقل العربي)؟
وهذا الكاتب -كما قلت- بين ثلاثة أمور: إما أنه لم يقرأ لي شيئا قط، وإما أنه قرأ ولم يفهم، وإما أنه فهم شيئا عن طريق التوهم، لا عن طريق الاستنباط من لفظى وكلامى. ولا أحب أن أدع قارئ مجلة العربي مترددا في اختيار خصلة من هذه الخصال الثلاث، فلذلك سوف آتيه بالدليل القاطع على أنه لم يقرأ ما كتبت عن الدكتور طه، وإنما هي ألفاظ تلقاها من تخاليط جالس على مقهي من مقاهي الثرثرة. وذلك أنه قال بعد ما نسبه إليّ مباشرة ما يأتي:
"لقد كان طه حسين زميلا أزهريا للأستاذ شاكر، سبقه إلى ذلك المعهد العتيد، وتعلم على مشايخه الأجلاء أساليب الحوار، وطرائق الرفض والقبول، وكانت ظروفه الاجتماعية، وتكوينه النفسي، يهيئانه لغير ما تهيأ له الأستاذ شاكر".
فالذي يقول مثل هذا الخلط، لا يمكن أن يكون قرأ ما كتبت ولم يفهمه، ولا أن يكون فهم شيئا عن طريق التوهم ولا عن طريق الاستنباط، لأنى قصصت في خلال كلامي عن "التفريغ" جزءا من تاريخ حياتى، منذ كنت طالبا صغيرا في مدارس دنلوب، ثم في القسم العلمي حتى نلت شهادة البكالوريا (الثانوية العامة)، ثم دخلت الجامعة، ثم فارقتها، وفارقت أرض مضر مدة سنتين، ثم عدت لأسير سيرتى التي أنا فيها من يومئذ إلى الآن، فهل هذا هو "الأزهر"؟ ولا أستطيع أن أتوهم أن حاملا للدكتوراه لا يستطيع أن يفرق بين "مدارس دنلوب" التي فرغتنى وفرغت جيلى، وبين لفظ "الأزهر".
(2/1244)

هل يليق بعد هذا أن يدلى هذا الحامل للدكتوراه، بمعلومات عن حي من الأحياء، تَحْمِل هذا القدر من العبث وقلة الاحتفال بالقراء. هل يمكن أن يكون هذا الحامل للدكتوراه قد قرأ شيئا وفهمه؟ بلا ريب، لا، فالذي في كتابى الذي يوهم القارئ أنه قرأه، وفي غيره من كتبى، قصصت ما أصابنى من "المدارس" التي سيطر عليها الاستعمار وشيطان "دنلوب" فكيف يأتي هذا الأتى، فيجعلني زميلا لأستاذى الدكتور طه في "الأزهر".
وأنا أختم هذا التصحيح، بكلام ليس من كلامي، بل من كلام هذا الأستاذ، قدمه بين يدي الفقرة التي نقلها عند أول المقالة (العربي ص: 55) يقول: "كما أنه ليس من حق أحد بل لا يليق بأحد -أن يختلق على مخالفيه الرأي من الأقوال والأفعال، ما لم يقولوا، ولم يفعلوا كما يحدث وحدث في الكتابات التي تناولت آثار طه حسين وجهوده الفكرية والثقافية، فقد وصل الزيف والتضليل في بعض تلك الكتابات إلى درجة لا تسئ إلى طه حسين وحده فحسب، وإنما تسئ كذلك إلى الفكر العربي والضمير"، هكذا قال ثم عقب بذكرى وذكر التهمة الثقيلة التي بينت لقارئ مجلة العربي حقيقتها فيما سلف، وأنى لم أختلق شيئا على الدكتور طه، ولا نسبت إليه ما نسبه إليَّ هذا الحامل للقلم وللدكتوراه.

تهمة أكبر
ومع ذلك، فأنا لا أنفي عن نفسي أني اتهمت الدكتور طه حسين لا بتلك التهمة السخيفة بل بتهمة أشنع وأبشع من التهمة التي اختلقها هذا الكاتب، فإن مقدمة كتابى "المتنبى" (من ص 3، إلى ص 164) مبنية على شيئين: على قصة الكتاب كيف كتبته، وعلى ظواهر فساد حياتنا الأدبية، وأكبر ظاهرة تعرضت لذكرها، هي قصة "السطو" على أفكار الناس وأقوالهم، وقلت إنها سُنّة سَنَّها الأساتذة الكبار، وإن هذا "السطو" أتى على أيديهم في صورتين.
الأولى: سُنَّة "تلخيص" أفكار عالم آخر "أعنى العالم الأدبى" ويقضى
(2/1245)

الأستاذ منهم عمره كله في هذا "التلخيص"، دون أن يشعر أنه محفوف بالأخطار، ودون أن يستنكف أن ينسبة إلى نفسه نسبة تجعله عند الناس (أي عند العرب) كاتبا ومؤلفا وصاحب فكر، وهذا ضرب من التدليس كريه (مقدمة المتنبى ص: 163)، وهذه خصلة شنيعة.
والأخرى: سُنَّة "السطو" المجرد، حين يعمد الساطى إلى ما سطا عليه فيأخذه ويمزقه، ثم يغرقه ويفرقه في ثرثرة طاغية، ليخفي معالم ما سطا عليه، وليصبح عند الناس صاحب فكر ومذهب يعرفه به، ونسب إليه كل فضله (مقدمة المتنبى ص: 163) وهذه خصلة أشنع من الأولى.
ثم قلت: "أتلفَّت اليوم (سنة 1977) إلى ما أشفقت منه قديما من فعل الأساتذة الكبار، لقد ذهبوا بعد أن تركوا، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، حياة أدبية ثقافية قد فسدت فسادا وبيلا على مدى نصف قرن، وتجددت الأساليب وتنوعت، وصارت "السطو" على أعمال الناس أمرا مألوفا غير مستنكر، يمشي في الناس طليقا عليه طيلسان "البحث العلمي" و"عالمية الثقافة"، "والثقافة الإنسانية"، وإن لم يكن محصوله إلا ترديدا "لقضايا غريبة، صاغها غرباء صياغة مطابقة لمناهجهم ومنابتهم ونظراتهم في كل قضية، واختلط الحابل بالنابل، قُل ذلك في الأدب والفلسفة والتاريخ والفن أو ما شئت، فإنه صادق صدقا لا يتخلف، فالأديب "عندنا" مصور بغير قلمه والفيلسوف "عندنا" مفكر بعقل سواه، والمؤرخ "عندنا"، ناقد للأحداث بنظر غريب عن تاريخه، والفنان "عندنا" نابض قلبه بنبض أجنبى عن تراث فنه (مقدمة المتنبى ص 164).
وهذه الخلاصة التي ختمت بها مقدمتى ومنذ أولها -نتيجة لأشياء ذكرتها، وأطلت في ذكرها وأسبابها ونتائجها، وعلى رأسها قصتى أنا مع الدكتور طه حسين في الجامعة، حين سمعت بأذنى من فم الدكتور طه كلاما كنت قد قرأته بالإنجليزية في إحدى المجلات، كتبه مستشرق غريب الشكل والعقل والأطوار يقال له "مرجليوث" فإذا الذي أسمعه، هو نفس ما قرأته قبل أن أسمع ما سمعت، ولكى سمعته بلفظ عربي مُسْتجاد، وبإلقاء أستاذ بارع تصغى إليه
(2/1246)

فيأسرك لفظه وإلقاؤه، وهو الدكتور طه حسين أستاذ الأدب العربي عند أول دخولى الجامعة، ولكن فتنة هذا الأستاذ الكبير، لم تمنعنى يومئذ (سنة 1926) -وأنا طالب صغير- أن أقول لزملائى وأساتذتى وللناس: إن هذا "سطو" غير لائق على مقالة المستشرق الأعجمي، وإن الجامعة مكان للبحث والمناقشة، لا مكان للسطو على أعمال الناس، واشتد الأمر عليَّ وعلى من يحيط بى "حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي بعض الأساتذة الأجانب كالأستاذ نلّينو، والأستاذ جويدى من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان ذلك، ولكنهما يُداوِران، وطال الصراع غير المتكافئ بيني وبين الدكتور طه زمانا، إلى أن جاء اليوم الذي عزمت فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها، غير مبال بإتمام دراستى الجامعية، طالبا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في قضية الشعر الجاهلي بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب "مقدمة المتنبى ص 23، 24".

ليس شكا أزهريا
وقد قصصت القصة كلها واضحة في مقالاتى في مجلة الثقافة المصرية حين تفضل الدكتور عبد العزيز الدسوقى فكتب عن كتابى "المتنبى" في طبعته الثانية سنة 1977، وقلت فيها ما قلت، من اتهامى للدكتور طه بالسطو على عمل من الأعمال، واستنكرت أن يكون ذلك في "جامعة" "وأن الجامعة" "إذا قبلت هذا السطو" وسكتت عنه، فإنها تفقد هيبتها، وطالبت أساتذتى الذين أرادوا أن يحولوا بيني وبين ترك الجامعة، في قصة طويلة أن ينصحوا الدكتور طه أن يصرح بنسبة هذا الذي قاله إلى صاحبه مرجليوث، فإذا فعل عدت إلى الجامعة ونقضت عزمى على السفر، هذه واحدة.
وبهذه الواحدة يتبين أن الذي قاله المقالح، من أن الدكتور طه شك شكا أزهريا! ! كلام لا أصل له، فهو ليس شكا أزهريا ولا ديكارتيا، ولا أرسطوريا (! ! ) بل الذي في كتاب (في الشعر الجاهلي) إنما هو "سطو" لا غير، وكان الله يحب المحسنين، ومن الدليل على ذلك أيضا أن الدكتور طه نفسه، لم يؤلف
(2/1247)

بعد ذلك كتابا واحدا يحمل ذرة من هذا "الشك" الذي زعم أنه منهج، ويزعمه له أمثال الدكتور المقالح، وهذه بالطبع غريبة من الغرائب.
أما "الثانية" فإني نشرت كتابى عن "المتنبى" أول مرة، في المقتطف (يناير سنة 1936)، وبعد سنة أو أكثر (سنة 1937) فاجأنى الدكتور طه بكتابه "مع المتنبى" فرأبت وأنا أقرؤه، أنه لم يفارق عادته التي اعتادها، وأنه وضعنى تحت إبطه وهو يملى كتابه، فيسألنى عن منهجى في كل قضية تخص المتنبى، فإذا فرغت سار على الدرب فرحا ومتفكها ومعاكسا ومستخرجا لغيظى، إلى آخر ما قصصت من القصة، قصة السطو على كتابى، وأيضا لم يؤلف بعد ذلك كتابا عن شاعر من الشعراء، غير كتابه "مع المتنبى" يحمل ذرة واحدة من هذا المنهج" الذي يزعم للناس أنه هو منهجه في دراسة الشعراء. وهذه بالطبع أيضا غريبة من أغرب الغرائب! !
ولكن يومئذ (سنة 1937)، لم أصبر عليه صبرى عليه في قضية سطوه على مرجليوث، بل نشرتُ مقالات متتابعة في جريدة البلاغ، مرة في الأسبوع من 3 فبراير سنة 1937 إلى مايو سنة 1937 واتهمته بالدليل والبرهان على أن عادته في "السطو" لم تزل قائمة في نفسه لا يستطيع أن يفارقها، وزدت الأمر وضوحا في مقدمة كتابى التي كتبتها سنة 1977، قلت ذلك في حياته، كما ترى مع وجود تهمة "السطو" بلفظها وبلا كناية، وسكت الدكتور طه حسين لأنه لم يستطع أن ينفي عن نفسه التهمة، ولا استطاع ذلك يومئذ "تلامذته المنتشرون على طول الساحة العربية إزاء هذا الهجوم الذي يُكال لأستاذهم العميد" كما يقول المقالح (مقالات البلاغ، منشورة في الجزء الثاني من كتابى المتنبى).
وقلت في جميع ذلك إن الدكتور طه وسائر الأساتذة الكبار الذين تعودوا "السطو" هم الذين نشروا هذه السُنة، فصارت سُنة سيئة متبعة إلى يومنا هذا -بلا حياء- في جميع حياتنا الثقافية والأدبية والفنية وشرح هذه القضية يطول، وهي قضية أخرى غير القضية التي يذكرها المقالح، فلم أتعرض لها بتفصيل، لأنه
(2/1248)

لم يذكرها في دفاعه عن "الدكتور طه" كما لم أتعرض لما حُشِيَتْ به مقالته من الأخطاء التي لا تخصنى.
والآن، أدع لقارئ مجلة العربي حرية الحكم والتعبير، فهو حر في اختيار اللفظ الذي يناسبه، في وصف ما كتبه الأستاذ الفاضل حامل الدكتوراه وأشباهه. أما أنا فأكتفي بأن أقول إنه كلام خطأ كله، وإنه كلام مضلل، وأسأل الله العافية من البلاء، وأستعفي قارئ مجلة العربي، ليعفو عما جلبته عليه بالإكثار والإملال، ولكن عذرى أنى لا أحب العبث بعقول القراء، فأكثرت وأمللت لكي أوضح وأصحح، لا لكي أتباهى وأتبجح.
(2/1249)