Advertisement

جمهرة مقالات محمود شاكر 004


الكتاب: جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر
المؤلف: محمود محمد شاكر
جمعها وقرأها وقدم لها: الدكتور عادل سليمان جمال
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة - جمهورية مصر العربية
الطبعة: الأولى، 2003 م
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم واحد متسلسل)
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] باءتْ بالخسران، في نواح كثيرة، ولم يَنجعْ دواؤها في شفاء الشعب الحرّ من داءِ الحريّة. وعلمت أيضًا أن الحديد والنار لم يزد هذه الثورة إلا اشتعالًا. وعلمت أنّ سعدًا ومن يلوذُ به من شباب الجيل الجديد، ومن أهل الطويّة السليمة -أو الغفلة إِن شئت- فيهم استعدادٌ كريمٌ للملاينة والمسايرة والتفاهم والتعاون، لأنهم لا يؤمنون بقدرة الشعب الأعزل على طرد غاصبٍ يملك من القوّة والسلاح والإرهاب ما لا قِبَل لأحدٍ به، بل غاصبٍ خرجَ من الحرب العالمية الأولى منتصرًا ظافرًا على ألمانيا المخيفة وتُرْكيا الباسلة. فمن هذه العناصر جميعًا وضعت بريطانيا مُسَوَّدَة المسرحية الجديدة التي ينبغي لهذا الشعب أن يشهدَهَا، لكي يَنْسَى كلمة الحرية، وكلمة الاستقلال، فإن لم ينسهما، فليفهمهما على النحو الذي تريده بريطانيا. حريّة خائِفَة ترجو معونة بريطانيا في حياطتها حتى تنمو وتعيش، واستقلالٌ مذعورٌ، لا يستطيع أن يتخلَّى عن معونة بريطانيا في التمهيد لَهُ وفي كفالته، في عالمٍ تصطرعُ فيه القُوَى المسلّحة بالحديد والنار وبالسلطان والبطش.
25 - اشتعلت نار الثورة الجامحة في يوم الأحد 9 مارس 1919، وظلت تزداد اشتعالًا يومًا بعد يوم، ولم يُجْدِ الإرهابُ والبطش شيئًا، وكانت بريطانيا قد أعدّت الفصل الأول من المسرحية الجديدة، فأرسلت إلى مصر تلك اللجنة المشهورة باسم لجنة ملنر، فقاطعها الشعب الثائر، فعادت لم تنل شيئًا مِنْه أو من ثورته، ولكنها في الحقيقة نالت شيئًا كثيرًا، لأنها لقيت رجالًا يحفظون الودّ والعَطْف والجميل، ويؤمنون بأن بريطانيا تحبّ الخير أو بعض الخير لبلادهم، ورأت أنهم مستعدّون للتفاهم والتعاون؟ ! فبدأت المسرحية بأن وضعت اللجنة مشروع معاهدة لإرضاء المصريين فيما ترى، وترسله إلى الوفد المصري بزعامة سعد، وإذا زعيم الثورة يَرَى بأسًا في أن يفاوض بريطانيا في أمر هذه المعاهدة، وإذا هو يُعدُّ مشروعا آخر يفتتحه سعد بهذه الكلمات الخالدة: "أتشرف بأن أبلغكم نبأ استلام خطابكم المؤرخ 17 يوليه 1920 وإني أبادر فأعرض على فخامتكم طى هذه مشروع اتفاق يحوى النقط التي جرت المناقشة في شأنها في أحاديثنا، وهي النقط التي يلوح لي أنكم تقبلونها. ونحن نعتقد أن المشروع
(2/927)

بالصفة التي هو عليها من شأنه أن يرضى الطرفين، فعلى هذه القواعد يمكننا أن نضع دعائم صداقة متينةٍ وتعاونٍ عمادهُ الإخلاص بين الشعبين الإنكليزى والمصري".
وبإرضاء الطرفين -أيها الإخوان- وبدعائم الصداقة المتينة والتعاون والإخلاص بين الشعبين -تمَّتْ هزيمة الثوار، وهُزمَ شعب مصر والسودان هزيمة منكَرَةً، بل هي أفظع هزيمةٍ في تاريخ مصر والسودان، بل أبشع هزيمة أصيب بها شعبٌ يجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وعلى يد مَنْ هُزمت؟ على يدِ أبنائها، وبعمل أبنائها أنفسهم، وبجهادِ أبنائها أنفُسِهم! !
26 - وبعد قليل أيها الإخوان سَارَ الشعبُ المصري وهو ينادى بالحرية والاستقلال، وزعيم ثَوْرته يفاوضُ الاحتلال في الحرية والاستقلال -ويتشعب الرأي، ويتقسَّمُ الناسُ، ويعظُمُ أمر هذه المفاوضة، ويختلف عدلى وسَعْد على رآسة المفاوضة: أهي لرئيس الوفد وكيل الأمة أم لرئيس الحكومة حاكم الأمة؟ ويشتغل الشعبُ كُلّه بكلمة المفاوضة، ولمن تكون؟ وعلى يد من تكون؟ ويتعادَى الناسُ، وتظهر العصبيّة لهذا ولهذا. ويتقدَّم الجيل الذي أنشأته بريطانيا إلى قيادة هذا الانقسام بين سعد وعدلى وثروت ومحمد محمود وأشباه هؤلاء. وتخفُّ العداوة الكامنة في الصدورِ لبريطانيا، وتتجه إلى تعادى الزعماء والقادة -كما يسمونهم- وتصْبرُ بريطانيا على هذا الانقسامِ ثلاث سنواتٍ حتى يشهَدَ الشعب مسرحيّة النزاع بين رُؤُوس الثورة الكبار، أو على الأصح من كانوا يظنونهم رؤوس الثورة. ويبدأ الشعبُ الذي أحبّ سعدًا لأنّه ثائر فيما يظنُّ، يَشْعُرُ شيئًا فشيئًا بأن معونة بريطانيا ومفاوضتها لازمة لحريته واستقلاله. وفي خلالِ ذلك استغلظ أمرُ هؤلاء المعتدلين جميعًا في عداوة بريطانيا، وتأثر الشعبُ بهذا الاعتدال، وضعفتْ عزيمته في النداء باسم الحرية والاستقلال. وتم بذلك الفصل الثاني من المسرحية البريطانية الجديدة.
27 - وجاءَ موعد الفصل الثالث من المسرحية الثانية، وهو أضخَمُها وأعظمها. وهو تصريح 28 فبراير سنة 1922 الذي يقضى بانتهاء الحماية
(2/928)

البريطانية، والاعتراف بمصر (وحدها دون السودان) دولة مستقلة ذات سيادة. مع تحفظات أربعة هي:
1 - تأمين مواصلات الإمبراطورية.
2 - الدفاع عن مصر من كل اعتداء أجنبى بالذات أو الواسطة.
3 - حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات.
4 - السودان.
وظاهِرُ هذا التصريح يدلّ كما قال مع الأسف أحد قدماء رجال الحزب الوطني -على أنه- "مكسبٌ سياسي ومعنوىٍّ، فقد ترتّب على انتهاء الحماية إعادةُ منصب وزير الخارجية الذي ألغى في عهد الحماية، وتحقيقُ التمثيل السياسيّ والقنصلىّ لمصر، كما أن الاعتراف بمصر دولة مستقلةً ذات سيادة، قد أزال العقبة التي كانت تعترض فعلًا إعلان الدستور، فبزوال هذه العقبة قد تمكنت مصر من أنه تجعَلَ نظامَ الحكْمِ فيها نظامًا دستوريًا"، ويقول أيضًا: "إن تصريح 28 فبراير سنة 1922 يكون ضارًّا لو قبلته الأمة وارتضتْ به، أو اعتبرته خاتمة الجهاد، أمّا إذا كانت ماضية في جهادها، فإنّه بلا شكٍّ فوزٌ لها في معركة من سلسلة المعارك التي يتألّف منها نضالها القوميّ الطويل". وأنا أَرَى أيّها الإخوان أن الحرية لا تتجزَّأ وأرى في هذه الكلمات التي جرى بها قلم أحد أفذاذ رجال الحزب الوطنّى -دليلًا على نجاحِ بريطانيا في بلوغ غَايتها من صرف الشعب المصريّ علمائه وجُهَّالِه، وخاصته وعامته، عن حقيقة الجهاد في سبيل الحريّة- إلى هَوّى من الأهواءِ عظَّموه أكثر ممّا يعظّمون الحرية، وآثروهُ بحرص، لم يؤثروا الحريّة بحرصٍ مثله -وهذا الهَوَى هو الذي شاءت بريطانيا أن تستغلّه أحسن استغلالٍ، ألا وهو الدستور والحُكْم النيابى. علمت بريطانيا أنّ عرَابى ثار من أجل تحقيق هذا الدستور لبلاده، وأن الجمعيّة التشريعية قبل الحرب استرعت انتباه الناس ببعض المواقف العظيمة في سبيل تحقيق الحُكْم النيابىّ، وعلمتْ أن اسم الديمقراطيّة ودَعْوَاها في هذه الفترة من الزمن يستهوى كثيرًا من العقول الراجحة المثقفة، فأتت الثورة من هذه الجهة، وأتَتْ كلمة الحريّة والاستقلال من هذا المدخَل. فلم يكَدْ سعدٌ يَقْبل دخول الانتخابات التي ضمِنها أو مَهّد لَهَا هذا
(2/929)

التصريحُ، حتى نَسِيَ الشعبُ المصريّ عداوَته الفَوّارةَ لبريطانيا، وتَابَع بعداوته أعداءَ سعد وأعداءَ الوفد المصري من المصريين، وانطفأتْ كلمة الحُرّية انطفاءً تامًّا، وسارَ الشعبُ في ظُلُماتٍ سُودٍ لا ينيرها شيءٌ إلى هذا اليوم.
28 - فَرِح الجيلُ الجديد من المثقَّفين، وقادَ الشعبَ إلى الفرحِ، بهذا الدستور الجديد، وباتت سياسة بريطانيا في فرح آخَر بانصراف الشعب إلى هذا الدستور الجديد. وصارت قيادةُ الأحزابِ المصرية جميعًا إلى جماعة المعتدلين في عداوة بريطانيا، وشاعَتْ كلمة المفاوضة والمعاهدة مكان كلمة الحرية والاستقلال، وثار الجدلُ على صفحات الجرائد وفي الكتب عن الدستور والمفاوضة والمعاهدة، وانقطع البحثُ في حقيقة معنى الحرية والاستقلال. ويومئذ ضمنت بريطانيا سيادة كلمة المعتدلين في عداوتها واستمرار هذه السيادة زمنًا طويلًا، وضمنت بريطانيا شعبًا كاملًا تشغَلُه كلمة المفاوضة والمعاهدة، ولا تشغله قليلا أو كثيرا كلمةُ الحرية أو كلمة الاستقلال، وضمنت بريطانيا صحافة يتولاها مصريون وأشباه مصريين تؤثر الاعتدال وتزيدُ الشعب إيثارًا له، وتحبُّ المفاوضة والمعاهدة وتزيدُ الناس حُبًّا فيهما، وضمنت الزمن وكرَّه على الناس وفِعْلَه في الشعوب، وضمنت تطوُّر الحياة الاجتماعية تطوُّرًا يُفْضِى بالشَّعْبِ إلى الاستهانة والتهاوُن، وإلى التَّسلية والتلهّي، وإلى السُّخْرية بالزعماء والقادة وهم يختلفون ويتنازعون على الحُكْم وعلى الأموال والمناصب، وإلى اشتغاله عن الحريّة الحقة بحياة الاستقلال الجديدة التي كَفَلَها لهم الدستور الجديد. وخلاصة ذلك كُلّه أن بريطانيا أرادت بتصريح 28 فبراير تمزيق وحدة الشعب، وصرفه عن حقيقة معاني الحرية والاستقلال- وأراد الزعَماءُ نَيْل السُّلطة التي يكفُلُها الدستور للأكثريّة. وأنتم تعلمون أيها الإخوان أن الأكثرية أخفقت في نيل ما أرادتْ على الزمن، وأن بريطانيا نجحتْ على الزمن في إدراك بُغْيَتْها من الشَّعْب العنيد الذي ابتُلِيَ بداء الحريّة. فكأنها رفعتْ يدها عن هذه الأداة المصرية (لحمًا ودمًا) في سنة 1924، البريطانية (كيدًا وهَوًى وإرادةً)، وقالتْ للناس: هذه بلادكُمْ: احكموها بأنفسكم، وتنازعوا على حكمها ما شاءَ لكم التنازع، وتنابزوا
(2/930)

بالألقابِ في سبيل هذا الحكْم، وليعادِ الأب أبناءَه، والأخُ إخوانه، والصديق أحبابه، وكونوا عباد الله أعداءً. وكان من أخبث مكر السياسة البريطانية أنها تورَّعت عن أن تنزل بالشعب عذاب التنكيل بالقوة الغاشمة، لتنزل به ما هو أبشع وأفتك من عَذَاب الأبدان، عذاب الأَرْوَاح الحائرة المضلَّلة، عذابَ الاعتدال في طلب الحرية، عذاب العداوة والبغضاء، عذاب الضعف والاستهانة والفتور، عذاب الغفلة الدائمة عن الذلّ المقيم.
29 - هذه هي غاية المسرحية الجديدة التي بدأت "بإرضاء الطرفين، وبدعائم التعاون الصادق بين الشعبين الإنجليزي والمصري" كما قال سعد زعيم الثورة! ! ولم تتمّ المسرحيَّة بَعْدُ، والشعبُ لا يزالُ ينْظُرُ إلى الممثّلين وهُمْ على المسرح، وبريطانيا من بعيد تنظُر إلى أثر هذه المسرحية في الشعب الذي أضناها علاجُه. وتعدُّ له تتمّة المسرحية في الفصل الذي يتضمَّنُ "رفع مستوى معيشة الشعوب"، "والدفاع المشترك عن حوزة الوطن"، و"الخوف من ضياعِ الحضارة الإنسانية وتدميرها في الحروب". ولكنها مع ذلك مطمئنّة بعض الاطمئنان، لأن المفكرين والسَّاسة والقَادة والصحافَة كُلَّها، أَعوانٌ لها في هذا الهدف، أعوانٌ في اللحم المصري، ومن الدم المصري، وعليهم سمة النيل الخالدة، والشَّعْب حائرٌ يسيرُ على غير هُدًى وإلى غير غاية، وهو ينظر إلى هؤلاء غير مُنْكر لهم ولا مستريبٍ فيهم أو في إخلاصهم لبلادهم. والأحرارُ الذين يعرفون معنَى كلمة الحريَّة، ويؤمنون بأنّ الحُرّية لا تنال بالمفاوضة ولا بالمعاهدة ولا بالتعاون مع بريطانيا أو أمريكا أو روسيا أو فرنسا، ويؤمنون بأنّ الاحتلال الطويل قد أَفْسَد عقولًا كثيرةً ونفوسًا كثيرة -هؤلاء الأحرار- أيها الإخوان - غائبون عن أوطانهم وعن شَعْبهم في غيابات الاضطهاد، وفي ظلماتِ طَلَب العيش، وفي سراديبِ السُّكُوت والتسليم.
30 - صورة قائمة عابسةُ عرضتُها على شباب هذا الحزبِ، لم أتناوَلْ فيها إلا الناحية السياسية والتفكير السياسيّ. وهناك صورٌ أشد قتامًا وعبوسًا في النواحِي الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية، تزيدُنا بلاء على بلاء. ومع
(2/931)

كُلّ هذا، ومع أن بريطانيا استطاعتْ أن تبعدنَا عن كلمة الحريّة في أوسع معانيها، وأن تميت هممًا وتثبّط عزائم، وتهلك نفوسًا، وبرغم سيادة المعتدلين على الرأي العامّ، وسيادتهم على الدستور، وسيادتهم على الحكومة وسيادتهم على الصحافة والأقلام، فأنا أثق بشيء واحدٍ، أثق بشعبِ مصر والسودان، كما أثق بسائر شعوب بلاد الشرق وبلاد العرب وبلاد الإسلام. وإني لأرى خلالَ هذه الظلمات نجومًا تلمع، وكواكب تتوهَّج، وعَزَائم تنبثقُ، وأمواجًا تجيشُ في قرارة هذه الشعوب. وستأتي الساعة في ميقاتِها، وسنهبُّ هبَّةً واحدة، فننفض الغبار العتيق، ونعصف بالقيود، قيودِ الاستعمار وأعوان الاستعمار. وسنهتدى إلى الطريق التي نهجها الأحرارُ في كُلّ مكان، ليسلكهَا الأحرارُ من كُلّ أُمَّةٍ. وإذا كان كيد بريطانيا في سياستها الدائبة الملحّة، لم يُردْ إلّا الشَّعبَ وحده، ولم يقصد إلا تدمير هذا الشعب وحده، فعَلَينا نحنُ أن نبدأ جِهادنا في الميدانِ الذي أرادته بريطانيا، نجاهد في هذا الشَّعْب وحده من أجل هذا الشَّعْبِ وحده، نذكره بالحرية التي نَسِيَها في مكر بريطانيا، ونُعينُه على أن ينشيء حياةً أخرى غير الحياة التي دبّرتها له بريطانيا، علينا وعليكم يا رجال هذا الحزب ويا شبابه، أن تحملوا شُعْلة الحريَّة إلى كُلّ قلب، وأن تنفثوا روح الحرية في كُلّ عَمَل، وأَن تطاردوا شيطان المستعمر في كُلّ بقعة وفي كُلّ نفس، وأن تعلّمُوا أنفسكم وتعلّموا الناس كيف يعيش الحُرُّ بالحُرّية -لا بالمال ولا بالجاه ولا بالسلطان ولا بمناصب الوزارة، ولا بعضوية البرلمان. أوقدُوا نَارَ الحرَّية وألقوا فيها خبائث العبودية والذلَّ والاستعمار، واعلموا أن مِصْر والسودان تموتُ الآن على يد فئة من أبناء مصر والسودان، فكونوا أنتم حياةَ مصر والسودان، بل حياة بلاد العرب، وبلادِ الشرق، وبلاد الإسلام.
(2/932)

المتنبي
في شهر يناير الماضي صدر عدد المقتطف وفيه كلمة قد استغرقت العدد كله عن أبي الطيب المتنبى ذهبت فيها مذهبا، ولا أدعى العصمة، ولا علو الكعب في الآداب ولا حسن المنطق في الحجة.
وقد كانت كلمتى عن أبي الطيب بدءا لطريقة انتهجتها في ترجمة الرجل، لم أتعبد فيها بأقوال الرواة تعبد الوثني للصنم. وقد ظهر العدد من المقتطف ولم أحاول بإخراجه شهرة، ولا إعلانا عن نفسي ولا أدبى. وقد احتفي الناس به في الشام والعراق ومهجر أمريكا وغيرها من بلاد العرب والعربية، وخلت صحف مصر من الكتابة عنه إلا قليلا قليلا. . . ومع ذلك فما سعيت إلى أحد أن يكتب لي عنه، أو يذكر الناس به، فقد كان من توفيق الله أن نفد عدد المقتطف في شهر ظهوره، ولم يبق من مطبوعه شيء.
وكان مما ذهبت إليه في كلمتى ما أثبته هناك من الشك في أن المتنبى كان كما زعم الرواة ابن سقاء، .. ثم سقت القول على هديه وطريقه ورجحت أنه كان عَلَوِي النسب، وترجمت للرجل على هذا الأساس. وأنا حين فعلت ذلك، وكتبت ما وفقت إليه في رد السقاءة عن المتنبى، وإظهار بطلانها، وبطلان كل هذر مما لجَّ فيه بعض من نتهم من الرواة، لم أرد (أن أنفي عنه عيبا، أو أضيف إليه مفخرا جديدا)، ولم أرد أيضا (أن أذكر المتنبى فأحسن إليه، وأحمد الخبر عنه، وأسبغ من دفاعى ستارا على عيبه) ليقول الناس عني (إني قد أوتيت الحكمة، وبلغت نهاية الفهم، وصرت مستحقا لاسم الأدب، وداخلا في جملة الموسومين عند الناس بالأدباء. . .). لقد كتبت كلمتى وتركتها، وكنت أظن أن النقاد من أهل عصرنا سيحرصون على حسن الهداية إلى الحق، كان ذلك لي أو علي ..
ولكن خاب ظنى في كثير من النقاد، فمن سكت منهم فقد تنصل، ومن
__________
(*) جريدة الأهرام 13/ 6/ 1936
(2/933)

وافقنى فقد أخجلنى، وجاء بعض من خالف بأسلوب غريب في المناظرة. فمن ذلك ما قرئ على اليوم مما كتبه الأستاذ الجليل محمد هاشم عطية -المدرس بدار العلوم. وأنا قبل أن أنقل للقارئ قوله أعترف له أنى كنت متحرجا من التعليق على قوله لسابق فضله عليّ في عام من أعوام الدراسة بالمدارس الابتدائية، ولكني رأيت الأستاذ لا يتحرج من أن يذكر في مقاله رأيا لأحد من الناس غفلا غير منسوب إلى صاحبه، ولا إلى مكانه من الكتاب الذي نشر فيه، ثم يزيد فيرد على هذا الرأي بغير طريقة النقد العلمي الصحيح، ثم يزيد فيتهكم، ثم يزيد فيرمى الناس على غير علم بإرادة ما لم يجل لهم في خاطر.
فقد أصدرت (جماعة دار العلوم) مجلتها الجليلة الموفقة "صحيفة دار العلوم" العدد الرابع من السنة الثانية، وهو خاص بذكرى أبي الطيب المتنبى. ومن الكلمات الممتعة التي فيه كلمة الأستاذ محمد هاشم عطية عن (المتنبى وكافور). ويقول الأستاذ ص 80 و 81 من هذا العدد:
". . ونحسب أننا بما سنقضى به من بعض ما لاحظناه في أكثر ما كتب عنه في أيامنا الحاضرة، سنكون أبلغ احتفالا وأسنى تكرمة على حساب أننا لا ننفي عنه عيبا، ولا نضيف إليه مفخرا، ولا ندعى أننا سنزيل من أمره لبسا، أو نحل متعقدا إلا النظر في هذه المحاولة التي يراد بها إسناد المتنبى إلى غير أبيه، واستخراجه من غير معدنه، والادعاء بأنه علوى النسب، هاشمى الأرومة، والالتجاء في ذلك إلى التأويل للحكم والاتهام للثقة، والانتحال لكل حيلة، لتحصينه من كل تهمة، وتبرئته من كل مذمة، والتصدى لاحتمال المكروه عنه. مع أنهم يعلمون أن وضع الرجل في غير موضعه، وإعطاءه ما ليس من حقه، تهجين لشأنه وذم له. يظنون أن من ذكر المتنبى فأحسن إليه، وأحمد الخبر عنه، وأسبغ من دفاعه ستارا على عيبه -فقد أوتى الحكمة، وبلغ نهاية الفهم، وصار مستحقا لاسم الأدب، داخلا في جملة الموسومين عند الناس بالأدباء، لتوهمهم أن الناس لا يتجرأون عليه، ولا يقدر منهم على مسافات خواطره، ومسبح إلهاماته إلا الذين أصفاهم ربهم بالفطن، وأعانهم بتمام البصيرة، من المنحوتين
(2/934)

على مثالهم، والمنتخبين من طرازهم. ولكن ذلك على ما فيه من المناقضة للتاريخ الثابت، والمعارضة للصريح من النصوص، ليس بمغن عنهم شيئًا، ولا بنافعهم قليلا ولا كثيرا، ولا هو من الأمانة الأدبية التي لا أظن أن التمويه بخلافها يروج على العقول في أيامنا هذه. ومع أن الشاعر أسقط عن الناس هذه الكلفة، وأعفاهم من احتمال هذه المئونة، باعترافه في شعره، وتصريحه لممدوحيه، بأنهم أولى له، وأفضل عنده من أهله الذين لم يشرف بهم، ولا تناول ما تناول من المجد بأولهم ولا بآخرهم. وقد آثرنا أن نكتفي في الاستدلال على ذلك بحياته في مصر مدة انقطاعه لكافور، ونحب قبل تلخيص هذه الصلة أن نذكرهم بتقدمة صغيرة لهذا الأمير. .". ثم مضى الأستاذ على غير هذا الغرار الجاحظى في التحرير والكتابة. وسائر كلامه ليس عندنا بشيء حتى نقف عليه أو نحاول نقله.
وقد أراد أستاذنا كما اعترف في كلامه أن ينظر (في هذه المحاولة التي يراد بها إسناد المتنبى إلى غير أبيه .. إلخ) وقد اخترط المقالة كلها، ولم يأت بشيء يُعَدُّ نظرا في الذي كتبت عن نسب المتنبى، ولا نقدا لقولى فيه. ولكن لعلى لم أفهم، فأنا أرجو الأستاذ أن يدلنى على الذي في كلمته مما هو نظر أو نقد أو إسقاط لقولى. وليعلم الأستاذ أن للنقد الذي كتبه على نفسه بهذه الجملة طريقا لابد من انتهاجها، هو أدري بها وأعلم. وأول ذلك أن يذكر رأيي منقولا منسوبا، ثم حجتى متتابعة، ثم يعمل في ذلك عمل الناقد فإن شاء رفع وأن شاء أسقط. أما الذي سلك أستاذنا من مذهب القول فهو مما لا يخفض قولى ولا يرفع قوله.
ثم شرع الأستاذ ينظر إلى الجاحظ بطرف، ويقول عني ما يقول من أنى أحاول تأويل المحكم وأتهم الثقة، وانتحل الحيلة ثم يزيد ذلك أنى أريد تحصين المتنبى من كل تهمة، وأبرئه من كل مذمة، وأتصدى لاحتمال المكروه عنه. وأنا يعجزنى أن أرد على هذا القول! !
ثم لا يكتفي أستاذي بهذا بل يستبطن نفسي، ويتولج في دخيلتى ويزعم أنى أزعم أنى كتبت ما كتبت وأنا أظن أنى قد أوتيت الحكمة وبلغت غاية الفهم ..
(2/935)

إلى آخر ما تنبأ به من أمرى فجعل لي في الخواطر مسافات، وفي الإلهام سبحات! وأنا أسأل الأستاذ مرة أخرى أن يضع يد القارئ وعينه وعقله وفكره على موضع من كتابى تكون لي فيه هذه الدعوى مقولة أو مفهومة أو متوهمة. فإلى الأستاذ الجليل محمد هاشم عطية أسوق شكري أولا، ثم نصيحتى بعد، في أن يتجنب اتهام البرئ بالظن، واعتقاله بغير حجة بينة، وليأت بالبيان عن كل جملة في كلمته الجاحظية التي نقلناها، وليضع أمام القارئ جملته التي وصفني بها، والجملة التي وردت في كتابتى فحفزته إلى اختيار الأوصاف لي وصفا وصفا، وسأدع للأستاذ أسبوعا كأسبوع المتنبى يقرأ فيه ما كتبت مرة أخرى ليقول كلمته، ويجيب سؤالى وله الشكر أولا وأخيرا.
(2/936)

حديث رمضان. عبادة الأحرار
سألتنى أن أكتب لك شيئا عن هذه الكلمة المعذبة: الصيام. فقد ضرب عليها الناس من الحكم، وصبوا عليها من الفوائد ما لو تأملته لم يعد أن يكون عرضا طفيفا من أعراض التجارب التي تمر بالصائم. ولرأيتهم يبنون فوائدهم وحكمهم على غير منطق، كالذي يزعمونه من أن الغني إذا جاع في صيامه أحس بل عرف كيف تكون لذعة الجوع على جوف الفقير، فهو عندئذ أسرع شيء إلى الجود بماله وبطعامه. ثم يزعمون أن الفقير الصائم إذا عرف أنه استوى هو والغني في الجوع قنع واطمأنت نفسه، لا أدري أمن شماتته بالغنى حين جاع كجوعه وظمئ كظمئه أم من حبه للمساواة في أي شيء كانت وعلى أي صورة جاءت! ولا تزال تسمع مثل هذه الحكم، حتى كأن ربك لم يكتب هذه العبادة إلا ليعيش الفقير، وليعيش الغني، كلاهما في سلطان معدته جائعا وشبعان .. !
ومنذ ابتلى المسلمون بسوء التفسير لمعاني عباداتهم، ومنذ أدخلوا عليها ما ليس منها، ساء أمرهم ودخل عليهم عدوهم من أنفسهم ومن غير أنفسهم، وجعل بأسهم بينهم، وتتابعوا في الخطأ بعد الخطأ حتى تراهم كما تراهم اليوم: ألوف مؤلَّفة ما بين الصين ومراكش، تستبد بهم الطغاة بل تهاجمهم في عقر دارهم شرذمة من قدماء الأفاقين، ومن أبناء الذل والمسكنة، فتمزق أنباء دينهم ولغتهم من الأرض المقدسة شر ممزق. وكل نكيرهم أصوات تضج، ثم عودة إلى موائد الشهوات ولذات النفوس ومضاجع الراحة والترف والنعيم: حرصوا على الحياة وأسباب الحياة فذلوا حتى أماتهم الذل، ولو حرصوا على الموت وأسباب الموت، لعزوا به في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ولقد كتب علينا الصيام لينقذنا من مثل هذا البلاء، ولكنا نسينا الله فأنسانا أنفسنا، حتى صرفنا أعظم عبادة كتبت علينا -إلى معنى الطعام نتخفف منه
__________
(*) جريدة الأهرام 15/ 7/ 1950
(2/937)

لتصح أبداننا، ونبذله لنواسى فقيرنا، ونجتمع عليه لتأتلف قلوبنا، ونصوم شهر رمضان فلا تصح لنا أبدان، ولا يواسى فقير، ولا تأتلف قلوب- وإذا تم بعض ذلك فسرعان ما يزول بزوال الشهر وتنتهي آثاره في النفس وفي البدن وفي المجتمع.
ولو أنصفنا هذه الكلمة المظلومة المعذبة لرأينا الصيام -كما كتب على أهل هذا الدين- طاعة خالصة بين العبد وربه، يأتيها الفقير الهالك ابتغاء رضوان الله، ويأتيها الغني الواجد ابتغاء رضوان الله، ويأتيانها جميعا في شهر رمضان، ويأتيانها فرادى في غير شهر رمضان، لا ليعيشا في معاني المعدة بالبذل أو بالحرمان، بل ليخرجا معا سواء عن سلطان الطعام والشراب، وليخرجا معا سواء من سلطان الشهوات بل ليخرجا معا سواء من سلطان كل نقيصة: من سلطان الخوف فلا يخاف أحدهما إلا الله، ومن سلطان الرياء فلا يعمل إلا لله. وليس بين الصائم وبين ربه أحد، ولا يحول بينه وبين الاستجابة لربه شيء من أشياء الدنيا، أو حاجات البدن، أو داعيات الغرائز أو نزوات العقول.
فتأمل معنى الصيام من حيث نظرت إليه: هو عتق النفس الإنسانية من كل رق: من رق الحياة ومطالبها ومن رق الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها، من رق النفس وشهواتها ومن رق العقول ونوازعها، ومن رق المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل. فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كتب عليها فرضا وتأتيه تطوعا. ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض، لتقيم فيها الحق، ولتقضى فيها بالحق، ولتعمل فيها بالحق- لا يرضى لها أن تذل لأعظم حاجات البدن لأنها أقوى منها، ولا لأعتى مطالب الحياة لأنها أسمى منها، ولا لأطغى قوى الأرض لأنها أعز سلطانا منها. وأراد الله أن يكرم هذه العبادات فأوحى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الناس عن ربه إذ قال "الصوم لي"، فلا رياء فيه لأنه جرد لله فلا يراد به إلّا وجه الله، فاستأثر به الله دون سائر العبادات، فهو الذي يقبله عن عبده، وهو الذي يجزى به كما يشاء.
(2/938)

وقد دلنا الله سبحانه على طرف من هذا المعنى. إذ جعل الصيام معادلا لتحرير الرقبة في ثلاثة أحكام من كتابه إذ جعل على من قتل مؤمنا خطأ تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ}. وجعل على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا تحرير رقبة من قبل أن يتماسا {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}. وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}. فانظر لم كتب الله على من ارتكب شيئا من هذه الخطايا الثلاث: أن يحرر رقبة مؤمنة من رق الاستعباد، فإن لم يجدها فعليه أن يعمل على تحرير نفسه من رق مطالب الحياة، ورق ضرورات البدن ورق شهوات النفس، فالصيام كما ترى هو عبادة الأحرار، وهو تهذيب الأحرار وهو ثقافة الأحرار.
ولو حرص كل مسلم على أن يستوعب بالصيام معاني الحرية، وأسباب الحرية، ومقاليد الحرية، وأنف لدينه ولنفسه أن تكون حكمة صيامه متعلقة بالأحشاء والأمعاء والبطون في بذل طعام أو حرمان من طعام -لرأينا الأرض المسلمة لا يكاد يستقر فيها ظلم لأن للنفوس المسلمة بطشا هو أكبر من الظلم، بطش النفوس التي لا تخشى إلا الله ولا يملك رقها إلا خالق السموات والأرض وما بينهما. ولرأينا الأرض المسلمة لا يستولى عليها الاستعمار، لأن النفوس المسلمة تستطيع أن تهجر كل لذة وتخرج من كل سلطان، وتستطيع أن تجوع وتعرى وأن تتألم وتتوجع صابرة صادقة مهاجرة في سبيل الحق الأعلى وفي سبيل الحرية التي ثقفها بها صيامها وفي سبيل إعتاق الملايين المستعبدة في الأرض بغير حق وبغير سلطان. واستطاع كل مسلم أن يكون صرخة في الأرض تلهب القلوب، وتدعوها إلى خلع كل شرك يقود إليه الخوف من الظلم، ويفضل إليه حب الحياة وحب الترف وحب النعمة، وهي أعوان الاستعمار على الناس.
ويوم يعرف المسلمون صيامهم حق معرفته، ويوم يجعلونه مدرسة لتحرير نفوسهم من كل ضرورة وكل نقيصة، فحق على الله يومئذ أن ينصر هذه الفئة الصائمة عن حاجات أبدانها وشهوات نفوسها، الطالبة لما عند ربها من كرامته
(2/939)

التي كرم بها بنى آدم، إذ خلقهم في الدنيا سواء أحرارا لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وفعل الخيرات.
ويومئذ ينصرهم على عدوهم ويستخلفهم في الأرض مرة أخرى لينظر كيف يعملون.
(2/940)

مع الشيطان الأخرس
قرأت الكلمة التي كتبها صديقنا الدكتور زكي نجيب محمود في الأهرام الخميس 4/ 3/ 1976، ولا أقول أنها ساءتنى، لأن الذي يسوء كثر وتفاقم حتى تبلد الإحساس به. وأحب أن أجعل الأمر واضحا كل الوضوح. فالذي يسوء مما يكتبه من يدعى الالتزام بما كان عليه السلف، كثير جدًّا أو فوق الكثير، والذي يسوء مما يكتبه الداعون إلى طرح العودة إلى ما كان عليه السلف، كثير أيضا وفوق الكثير. فمن أجل هذا تعجبت من قول الدكتور زكي "أنه يجد موجة تطغى على حياتنا الفكرية والشعورية طغيانا يزداد كل يوم قوة وصرامة، حتى ليخشى أن يقول عنه أنه طغيان يبلغ حد الإرهاب الفكري الذي لا يدع مجال الحرية في التعبير عن الرأي مفتوحا للجميع على حد سواء، فهو مفتوح على مصاريعه لأصحاب جانب واحد من جوانب القول، مغلق بالضبة والمفتاح أمام الجوانب الأخرى أو قل إنه يكاد". وهذا عجيب جدا. أوشكت أن أقول إن الدكتور زكي قد مل قراءة الصحف والمجلات، حتى صحيفة الأهرام التي يكتب فيها. فمن أجل ذلك صار لا يرى الأمر بوضوح كاف مع خبرتى القديمة بوضوح رؤيته لما يحيط به، وصدق تعبيره عما يرى. وأستطيع أن أشهد صادقا أنى أرى الأمر على غير ما يرى، فإن الجوانب الأخرى، تمارس ضروبا من الإرهاب الفكري، وضروبا أخرى من العبث بعقول الناس، وضروبا ثالثة من الحجر "الصحي"! ! لا يكاد يقارن بها ما يمارس الجانب الذي كره هو ما رآه من إرهابه الفكري.
وأنا لا أحب أن أناقش صديقي الدكتور زكي فيما يثير كراهيته لما يسميه "العودة إلى السلف في رسم الطريق الذي يراد لنا أن نسلكه في أكثر جوانب حياتنا حيوية وأهمية"، وهذا لفظه -لا أريد أن أشرحه ولا أن أحلله في هذا
__________
(*) جريدة الأهرام: 12/ 3/ 1976
(2/941)

الموضع وإن كنت قد تناولت مثله قديما في مكان آخر (1). ولكني أريد أن أنبه الصديق الكريم أن الموضوع الذي تناوله للبيان عن هذا الإرهاب هو موضوع "قطع يد السارق" وموضوع "تحريم الخمر"، قد تناوله بمجلة لا تليق به ولا بأدبه الذي أعرفه، وكنت أحب أيضا أن لا يورط نفسه في مثله وبمثل هذه السخرية الخفية المبنية على قصة هو مسئول عن صحة روايتها عن الشيخ حافظ وهبة، فإن كان الشيخ حافظ قالها كما رواها الدكتور، فهو مسئ فارق الأدب في الحديث عن حد من حدود الله سبحانه. وأما قصة واصل بن عطاء والخوارج التي أدهشت الدكتور زكي، فهي لا تدل على ضيق الأفق كما قال، بل تدل على أن الذين لا يفهمون ما أنزل عليهم من القرآن على الوجه الذي أنزل عليه، ويتلعبون بأحكام الله في كتابه، قوم بلا عقول. وواصل بن عطاء، الذي زعم له الدكتور مكانة دينية وفكرية، هو نفسه ممن أخطأوا الطريق إلى فهم ما نزله الله من القرآن وبلغ هو وأصحابه وشيعته مبلغا من الإرهاب والقسوة والفجور في الحكم، حين صارت إليهم مقاليد الحكم في خلافة المأمون.
أما الفقرة الثانية الخاصة بالمرأة، وقول من قال أنها "سهم من سهام إبليس"، فإن كان قائلها قد أساء من وجه في لفظه، فأغرب من إساءته: ما انتهى إليه الدكتور زكي في تعقيبه بقوله: "أيكون البشر على هذه الصورة الشيطانية الرهيبة؟ ألا نتقى الله في كرامة الإنسان، إذا كنا لم يكن بنا رغبة في أن نتقيه في القيم الحضارية كلها"، فهذا تعقيب في غاية الغلو، وإدراجه تحت "الإرهاب الفكري" مسألة أعجب وليس بى حاجة إلى دلالة الدكتور على أن فتنة الرجال بالنساء، مسألة لا تحتاج إلى إيضاح، وأن قائل تلك العبارة، إن كان قد أساء، فإنه لم يبلغ المبلغ الذي ظنه الدكتور في كلامه، بل وضع لفظا في غير موضعه لا أكثر ولا أقل، لا يعني به أما ولا أختا ولا زوجة ولا كريمات النساء وحرائرهن في أمتنا وفي غيرنا من الأمم.
__________
(1) وذلك في مقاله "مواقف"، يأتي ص: 1051 - 1070
(2/942)

وأما الفقرة الثالثة، التي علق فيها على خبر في تقرير صحفي نشرته الأهرام عن مؤتمر الاقتصاد الإسلامي، وما قاله أحد من سماهم "أئمة الدين": "أن رجال الشريعة، قادرون على أن يقولوا كلمتهم في كل شيء"، فأقصى ما كان ينبغي أن يقال فيها إنها عبارة سيئة أيضا عن معنى صحيح، وهو أن كتاب الله وسنة نبيه، فيهما أصول جامعة، ليستنبط منها علماء الأمة المسلمة في كل زمان طريقا صحيحا للعمل ما استطاعوا. ولا يكون عالما من علماء الأمة من يتكلم في شيء يجهله من شئون زمانه كالذي نراه اليوم ممن يتكلم في الأدب، وهو لا يحسن شيئًا منه، وفي الاقتصاد، وهو يجهل أصوله ولم يتعلمها تعلما كافيا، وفي الفلسفة وهو لا يحسن إلا ما يعرف من قشورها، والدكتور زكي أخبر بهؤلاء وقد تناولهم في بعض ما كتب، مع أنهم يتولون تعليم الفلسفة في الجامعات، كما قال.
وإذن، فالسيل قد أغرق الزُّبى، لا بهذا الذي ذكره في الفقرات الثلاث التي ظن أنها عودة إلى السلف، بل هو قد أغرق الزبى، وغطى قمم الجبال بعبث آخر يجرى في حياتنا الفكرية والعقلية على يد من يكرهون العودة إلى السلف، وعلى كل حال، فأنا سلكت نفس الطريق الذي سلكه أخي الدكتور زكي، في ترك المواجهة بالألفاظ الصريحة الدالة على المعاني الواضحة، وتحيتى إلى الصديق الكريم.
(2/943)

" يحيى حقي صديق الحياة الذي افتقدته"
علاقتى بصديقي يحيى حقي -رحمه الله- بدأت مع بدايات الحرب العالمية الثانية. أو بالتحديد في أواخر عام 1939 لتمتد حتى يوم زيارته وهو على فراش الموت في غرفة الإنعاش .. قبل رحيله ببضعة أيام، لتستمر هذه العلاقة أكثر من ثلاثة وخمسين عامًا استمرار حياتنا، فلا يقطعها إلا سفر له أو لي .. وقد بدأت هذه العلاقة بداية غير مألوفة بالنسبة لي على الأقل. إذ زارنى السفير عثمان عسل، ودارت بيننا أحاديث أحسست خلالها بأن هناك ما يريد أن يقوله، وإذ هو بقائله. وخلاصته أن هناك صديقًا عزيزًا لديه ود التعرف بى. وهو على استعداد لزيارتى. هذا الصديق هو يحيى حقى. وينبهنى عثمان عسل بأمر ربما فزعت له في حينه، وهو أن لا أشتد في المناقشة أو أغلظ في القول معه قائلًا:
"إن يحيى حقى إنسان عذْب الحديث رقيق الحاشية دمث الخُلُق .. فنان إلى أبعد الحدود فلا تشتدّ عليه".
وقد عجبت لهذا التقييم غير المتوقع .. فلا أنا مُغلظ في القول لأحد يزورنى، وليس ما أسمعه عن يحيى حقى ليستحق شدة الجدل أو المناقشة.
وجاء الاثنان يحيى حقى وعثمان عسل. وتحدثنا ساعات طوالًا وتفرّع بيننا الحديث إلى أكثر من اتجاه. حتى حان موعد انصرافهما. وخلال عبارات التوديع التقليدية. نظر إليّ يحيى هذه النظرة الوَدود الحانية وقال برقة بالغة: "أتسمح لي أن أزورك مرة ثانية؟ ".
وعلى قدر ما راعتنى منه هذه المودة وذلك اللطف، بقدر ما كانت دهشتى وعجبى لهذا الطلب الذي لم أتعوّده. فوجدت نفسي أقول له مندفعًا: "يا أخي البيت بيتك وأنا أخوك. وزيارتك لي حق لك ودَيْن عليّ. ثم إن أبغض الأشياء إلى النفس أن توضع الحدود والقيود بين البشر".
__________
(*) جريدة "الأهرام" -العدد 38728 - 18/ 12/ 1992 - ص 8
(2/944)

وفي اليوم التالى فوجئت بمكالمة من وزارة الخارجية ليكون المتحدث هو يحيى حقى حيث كان يعمل بها لتنتهي بطلب الزيارة. وفي هذه اللحظة أيقنت أن يحيى هو صديق الحياة الذي لا يمكن الإبتعاد عنه إلا بالموت و {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}.
واستمرت هذه العلاقة كما قلتُ ثلاثة وخمسين عامًا. وازدادت قوة مع الأيام إلى درجة أنه ترك بيت العائلة وأقام معى في بيتى عشر سنوات لا نفترق فيها قط، ولم يقطعه إلا زواجه الأول من والدة كريمته "نهي" ليعود إلينا بعد وفاتها مواصلًا هذه العلاقة مع إخوة كرام في مقدمتهم فتحي رضوان، وعلى محمود طه ومحمود حسن إسماعيل، ومحمد لطفي جمعه وإبراهيم صبرى ابن شيخ الإسلام مصطفى صبرى المنفي في تركيا وعثمان عسل.
كانت علاقتى بيحيى حقى مزيجًا من صلات العمل العلمي والأدبى، وخلافات في الرأي ووجهات النظر، مع تباين واضح في الأمزجة والطباع وتبادل لمحات الفكر، وجوانب المعرفة. والحق أنها كانت صُحبة عظيمة خيل إليّ بعدها أننى كنت أعرف يحيى حقى منذ عشرات السنين وذلك لدماثته وأدبه وصفاء نفسه.
كنا ننفق وقتًا طيبًا في قراءة الأدب العربي القديم شعره ونقده ونثره وتاريخه. وكان يحيى أكثر الموجودين التقاطًا للتعبيرات والألفاظ وأسرعهم حفظًا للشعر. كنا نلحظ ذلك إلى درجة أننا فسرناه أنه يريد أن يُحَصِّل في ساعات وأيام ما لم يُحصِّله في شهور وسنين. وكنت والرفاق نعجب لذلك. ويزداد عجبنا حيث نلحظ تنبهه إلى جمال العبارة العربية، واكتشافه المبكر لأسرار بلاغة العرب، وقدرته الفائقة على اختزان كل ما يعرف وتمثله فيما يكتب بأسلوبه وعباراته بغير محاكاة أو تقليد. وإنما باقتدار وفن. براعة جعلته لا يقع فيما يقع فيه غيره من النقاد والأدباء. وهو ما أكسبه شخصية متميزة ومستقلة قائمة بذاتها كامنة في نفسه لا تظهر إلا عند الكتابة أو الاحتكاك بالآخرين. وعلى امتياز يحيى حقى وتفوقه في المجالات التي اختارها لنفسه. كنت ألمح فيه شفافية من الصعب أن
(2/945)

ألمحها في غيره. إلى درجة أنه كان يستشعر أمورًا يصدق فيها دائمًا. ولعله استشعر نهايته في الأيام الأخيرة قبل وفاته حيث أكد لي بأنه يعيش الأيام الأخيرة من حياته. ولم يمض على ذلك إلا أيام دخل بعدها غرفة الإنعاش لأزوره، وتنبهه كريمته قائلة: عمى محمود شاكر. فيرد عليها وقد ضعف بصره تمامًا: أنا لا أعرف أحدًا بهذا الإسم. أعرف محمود محمد شاكر وكأن اختصار ابنته للاسم لم يقنعه. لقد كان يحيى حقى بالنسبة لي أخًا وصديقًا سرنا معًا في زمن واحد، ومشينا في طريق واحد، وكنا ننتهي إلى غاية واحدة ولم يتخلَّف أحدنا عن الآخر حتى فرّق بيننا الموت وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(2/946)

لا تنسوا ..
لا أعلم نكبة نزلت بالشرق العربي والإسلامي بلدا بلدا كانت أفحش أثرًا وأشأم عاقبة من نكبة النسيان والغفلة. لقد نسينا نسيانا تاما أن العالم كما هو في الواقع الذي نشهده بالليل والنهار، قد انقسم قسمين: قسم من الأقوياء، يقع الصراع بين قواه حتى يبلغ الحرب العالمية المدمرة، وهو إنما يصطرع ويقاتل، على القسم الثاني من العالم، وهو الضعفاء. والقسم الأول من هذا العالم يرى أنه هو السيد، وأن القسم الآخر هو العبد الذي لا ينبغي أن يطمح إلا بقدر محدود يُعِينه على أن يكون حسن الإنتاج في خدمة هذا السيد. وهؤلاء الأقوياء هم شيء واحد وإن اختلفت أسماؤهم: بريطانيا، روسيا، أمريكا، فرنسا، هولاندة، أسبانيا. وهم إن اختلفوا فيما بينهم، لا يختلفون أبدا على القسم الثاني من العالم، وهو الشرق المستعبد، ينبغي أن يظل كما هو، وأن يتعاونوا جميعا عليه حتى يبقى كما هو، ومن استطاع أن يستعمر بنفسه فعل، ومن لم يستطع فهو يؤازر أخا له على الاستعمار واستعباد الأحرار. أنه شيء معلوم بالضرورة، لأنه ظاهر بين.
بيد أننا ننسى كل هذا، وقد أنشأ المستعمر مثلا مدارسنا بيديه، ووضع لنا برامجها بنفسه وتولى الإشراف عليها حتى نشأ الجيل الذي يستولى به على أداة الحكم كلها، ومنها وزارة المعارف. فنحن نتعلم في هذه المدارس والجامعات وننسى أن أكثر ما يلقى الينا: أما علم "يصرفنا عن التأهب لقتال الغاصب المستعمر" أو علم يقرب ما بيننا وبينه ليكون التفاهم معه أقرب، والاعتدال في عدوانه أدنى وأسرع، ونحن نتكلم عن الاستعمار الاقتصادى ولكننا ننسى فنعيش بهذا الاقتصاد، وفي ظل نظامه الاجتماعي يوما بعد يوم عيشة اللاهي المستمتع، بل عيشة الذي لا يرى الحياة إلا هذا الضرب من الحياة.
إننا ننسى أن هذه الأمم المستعمرة قد نزلت بكل مكان وكل أرض،
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 7 أغسطس سنة 1951، ص 3.
(2/947)

بجيوشها تارة، وبسياستها تارة أخرى، وباقتصادها تارات أخر، وبحضارتها في كل ساعة من ساعات الحياة التي نعيشها. فإذا رأينا مثلا حوادث تتتابع وتتلاحق فجأة وفي كل مكان، فِكَرنا في كل واحدة منها هي فِكَرُنا في كل واحدة منها على حِدَة ونسينا الذي وراء الستار، نسينا الدافع الذي في يده أن يدفع، وفي يده أن يمنع. تثور إيران، ويضطرب ما بين الهند وباكستان، وتنشب معارك بين بعض البلاد وإسرائيل، وتتقابل أحزاب السودان وتتشقق، وتضطرب معاني القلق في مصر، ويقتل وزير، ويهلك منصوب على عريق من الذهب البريطاني وتقوم مشكلة دولية مفتعلة كناقلات البترول، وتدور تمثيلية المفاوضات بين انقطاع واتصال، وتظهر فجأة المادة الخامسة عشرة من الدستور، إلى ضروب أخرى من الأحداث في كل ناحية من نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية وتأتي كلها في وقت بعينه، ويشغلنا شيء منها عن شيء، وندور مع هذه الأحداث كما تدور، بلا روية وبلا تفكير.
ما معنى هذا كله؟ لا شيء. إن الشرق العربي والإسلامي، يحاول أو تحاول صحافته على الأقل، أن تفسر كل حدث من الأحداث على أنه أمر مستقل، يجعل عامة الناس يقنعون بأنهم عملوا شيئا، أو استطاعوا أن يعملوا شيئا، أو أنهم أرادوا مجرد إرادة -أن يعملوا شيئا يحقق وجودهم في هذه الدنيا. وقلما تجد من يحاول أن يرتاب في الباعث الذي يحرك كل هذه الأحداث مرة واحدة، ويجعلها في أعيننا متلاحقة متداركة، في أوقات متقاربة ومقرونة بضجة صاخبة طويلة عريضة كمهزلة قضايا الجيش! قل أن تجد من يحاول أن يرتاب أدنى ريبة، لأننا نسينا، وأريد بنا أن ننسى أن الاستعمار أو المستعمر موجود بين ظهرانينا، بجيوشه، وباقتصاده، وبسياسته، وبأسلوب تفكيره الذي ارتضاه لنا، وبحضارته التي بثها فينا واستعبدنا لها، وبأداة حكمه من زعماء ووزراء وأعوان لهم في كل مرفق من مرافق الحياة. وبأنظمة حكمه من دستورية واستبدادية وعرفية! فأي نكبة أبشع، وأي بلاء أفظع من أن تفقد الأرض التي اسْتعبِد أهلها من يحذر الناس ويقول لهم: لا تنسوا، وقبيح بكم أن تنسوا أن المستعمر الخبيث قد اختبأ وراء كل عمل يغركم ظاهره.
(2/948)

إنه ليس من المعقول أن تحدث هذه الأحداث فجأة، متوافقة في ترتيب الحدوث، بغير تدبير سابق. فإذا خفي التدبير، وعجز صاحب الرأي عن تفسير الغرض من حدوثه، فليس معنى ذلك أنه ليس تدبيرا مبيتا وأنه جاء فجأة متلاحقا لغير غرض محدود. إن صريح العقل يوجب على كل ذي عقل أن يرتاب، وأن يجعل الريبة مقرونة إلى الاستعمار وأعوان الاستعمار وأن يرى وراء هذه الأحداث شيئا واحدا، هو المستعمر نفسه. ويقتضينا صريح العقل أن ننسى الأحداث نفسها، لنذكر غاصب بلادنا، والمعتدى على حريتنا، ثم نعمل على بث الريبة في كل نفس وكل فكر، فلا نضيع أيامنا وليالينا في النزاع على أحداث لا معنى لها. إلا أن الاستعمار قد نجح في أن يشغلنا عن نفسه بأنفسنا، وفي أن يذكرنا بهذه التوافه الصاخبة، لننسى القارعة الكبرى، وهي وجوده في صور مختلفة عميقة في حياتنا بالليل والنهار.
من الغفلة أن تصطخب الأصوات، ويصطرخ المتنازعون في الدستور وغير الدستور، وفي المذاهب وغير المذاهب، وفي رفع مستوى المعيشة وغير المعيشة، وفي أخطاء وزراء الاستعمار وغير وزراء الاستعمار، ويظل اسم بريطانيا وأمريكا وروسيا وفرنسا وهولاندة وأسبانيا ضميرا غير مذكور، ومنسيا غير معروف، وغائبا غير مشهود. إن الحياة لا تعاش بالأوهام، وإنما يعيشها من أراد أن يعيش بالإرادة الصادقة، وبالرأي الصريح، وبالهدف البين، وبالحق الذي لا يتجزأ، وبالمشقة التي توهن البدن وتستهلك القُوَى. فإذا أردنا الحياة، فإنما حياتنا أن نعرف العار الذي ألبسنا ذلة الاستعمار، فلا ننام حتى ننفض عنا الذل، بإعلان العداوة لعدونا الواحد الذي يتسمى بأسماء كثيرة في هذه الأقاليم المتراحبة من تخوم الصين إلى حدود المغرب الأقصى.
اذكروا اسم عدوكم، فإن نسيانه جريمة. واعرفوا عمل عدوكم فإن جهله هو الذل، وحرضوا أنفسكم على أن تقاتلوه بالليل والنهار، في تفكيركم وأعمالكم، وفي بيوتكم وشوارعكم وفي كل شيء من أشياء الحياة له فيها أثر ظاهر أو رسم خفي. لا تنسو، فإن النسيان هو الهلاك. . . .
(2/949)

عدوى وعدوكم واحد!
أخي علال الفاسي. . .
. . . لقد أوشكت أن أقول "عدونا وعدوكم واحد"، ولكني آثرت أن أسند العداوة إلى المفرد: لأسباب كثيرة منها: أننى أحببت أن تكون هذه الرسالة كأنها موجهة إليك من كل قارئ، بل من كل عربي، فأنت تسمع أصواتهم جميعا، تعج في مسامعك بلفظ واحد: "عدوى وعدوكم واحد". وبذلك ترى آلافا مؤلفة قد رفعت لعينيك وأن تقرأ، وكل منهم مستقل بعداوته، فإن غاب واحد أو اثنان أو ثلاثة أو عشرات لم يقدح ذلك شيئا في كثرة الداعين والهاتفين. ثم هو أدل على أن استقلال كل فرد بعداوته ينطوى على عزيمة ونية ثابتة لا تتحول ولا تتأثر بتغير الأحوال، وعلى أن كلا منهم لا يرى أنه فرد مسوق في جمهور صاخب، بل يرى أن الآلاف المؤلفة من حواليه صور قد لبست الفكرة فعاشت بهم، ومشت بهم، ونطقت بهم وستعمل بهم عملا ينبغي أن يتم لأنه إرادة وعزيمة ونية وهدف، لا حياة إلا بتحقيقها جميعا.
بل لعلي آثرت هذه الصيغة ليكون قارئها في هذه الصحيفة، مستشعرًا معنى العداوة في نفسه، وهو يخاطبك من خلالها بلسانى، فإذا ألح عليه تأمل هذا المعنى فتح عينيه على حقيقة العداوة، ما هي؟ ولمن هي؟ وكيف تكون؟ والإجابة على هذه الأسئلة الثلاث هينة، ولكنها تدلس بهوانها في بادئ الرأي. فهي في الحقيقة شاقة عسيرة، تحتاج إلى تفاصيل كثيرة، لو ذهب إنسان يحصيها، ويمحص ضروبها وأنواعها، ويميز بين طيبها وخبيثها، لاحتاج إلى مجلد ضخم، لا إلى أسطر في رسالة، أو مقالة في صحيفة، أو فصل في كتاب. ما العداوة؟ أهي مجرد البغضاء والحقد؟ إذن، فهي سفه وسوء خلق. أهي مجرد الشعور بأن تكره إنسانا ما، أو ناسا ما، لأنك تحس بهذه الكراهة بلا سبب بين عندك، أو بسبب بين ولكنه لا يزيد على أن يجعلك تكره وينطقك بهذه الكراهة؟ وإذن فهي إضاعة لجهد النفس، وإفساد لصحة الرأي. والعداوة بهذه
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 24 أغسطس سنة 1951، ص 3.
(2/950)

المعاني وأشباهها لا نبل فيها ولا شرف. وأختصر هذا التفصيل إلى ما تحققته أنا في نفسي من معنى العداوة، ولست أشك أنك قد تحققت مثله، وأن كثيرين غيرنا عرفوه وأدركوه. فنحن نعادى الاستعمار -مثلا- لما فيه من بذاءة العدوان على أصحاب الحرية، ولما فيه من فجور الطغيان على الضعيف العاجز، ولما فيه من الشره على احتياز الخير لنفسه ومنعه عن أهله ومن هم أحق به، ولما فيه من خسة الهدف لأنه يعمل على إسقاط همم الناس والتغرير بهم وتنويمهم حتى لا يفيقوا فيستخرجوا حقهم بأيديهم من الغاصب، ولما فيه من لؤم الطبيعة الدافعة إلى احتقار جماعات من البشر، لا لشيء إلا لحب المال وحب السيطرة، وحب العلو في الأرض، ولما فيه من التفريق بين بنى آدم على أساس المعدة والشهوة والترف، ولآلاف من المعاني الرديئة التي لا يحصيها حصر، ولا يجهلها سليم الفطرة من الناس.
فنحن نعادى إذن هذه المعاني الخسيسة، لنحب أضدادها من المعاني النبيلة، وذلك لا يتيسر إلا بإدراك كل هذه الخساسة التي يتضمنها الاستعمار، فإذا أدركناها فعلينا أن نجتنبها في الخاص من أمورنا نحن وفي العام منها. فأول معاني العداوة إذن هو إدراك الخسيس وتجنبه، وإدراك النبيل والعمل به والحرص عليه. وتحصيل ذلك يتطلب من كل فرد يعادى الاستعمار أن يدور بعينيه وبرأيه وبفكره في كل ما يحيط به ليعرف مواضع الخسة واللؤم والبذاءة، ويفعل مثل ذلك في تمييز المروءة والنبل والطهارة وأعمال الفضيلة، ويمثل معانيها أعمالا في نفسه باتباعها، وبدعوة إخوانه إلى فعل ما يفعل، ونهيهم عن ارتكاب هذا الحشد البغيض من مثالب الاستعمار، وأخلاقه التي أنشأته ومكنت له في الأرض.
ونحن لا نعادى الاستعمار، إذا نحن لجأنا في مقاومته وقتاله إلى نفس الأخلاق التي منها نبع. ولا نعادى الاستعمار إذا عشنا حياتنا بما يعيش هو به من الطغيان على الضعيف والعاجز، ومن الشره الظالم لحقوق الناس، ومن الخسة في التغرير بهم وتنويمهم وإسقاط هممهم، ومن لؤم الطبيعة في إحتقار بعضنا بعضا، ومن حب المال والسيطرة والعلو في الأرض، ومن جعل حياتنا معدة وشهوة وترفا
(2/951)

ومتاعا لا نبالى معه أن نظلم ضعيفا، أو نجور على غير قادر، أو نغتال حق رجل منا لا فضل لنا عليه ولا ميزة، إلا أن يكون فضلا مغتصبا، وميزة ندعيها.
وإذن فالعداوة، إدراك صحيح، وعمل صادق، إذا لم يتحققا جميعا صارت العداوة لغطا نتشدق به، لا معنى له ولا خير فيه. وهي شيء ينبغي أن يحققه كل فرد بنفسه وفي نفسه أولا، مستقلا عن سواه بمجهوده وعمله، ثم يصير الأمر عمل جماعة لأن الفكرة الواحدة كالضوء مصدرها واحد، ولكنها تجمع الآلاف وتنير لهم الطريق، كل على قدر ما يستطيع، وبقدر ما أوتى من بصر ومعرفة، فكلهم يعمل، لأنه يرى ويبصر ماذا يعمل وفيم يعمل. هذه واحدة، لعلى وفقت في بيان بعض معانيها.
أما لمن تكون العداوة؟ فأظننى قد بينت عن العدو، وهو الاستعمار، ولكنه بيان غير كاف. وأشهدك على أن بيانه متعبة شديدة، فهو متلبس بكل شيء. متلبس بهذه الدول الطاغية التي تتناحر فيما بينها على غير معنى نبيل للحياة الإنسانية، والتي اعتدت على أكبر جزء من العالم لتستغله وتستعبده، وتبقيه أبدا غير مطيق للنهوض بنفسه، إلا معتمدا عليها. وهو متلبس بنفس الحضارة، التي تحاول أن تزعم نفسها حضارة إنسانية شاملة، وهي ليست إلا حضارة نابتة في جزء صغير من العالم، ويريد أن يفرضها على العالم كله بسيئاتها جميعا، وذلك الجزء الضخم من العالم لم يشترك في إيجادها ولا في رعايتها ولا في إمدادها والقيام عليها. وهي حضارة لا تقوم على فكرة تدعو إليها، بل على سيطرة تريد أن تضربها على قلوب الناس وعيونهم وبصائرهم، ولا أصل لها في هذه القلوب، وهي لا تهدى عيونهم، ولا تنير بصائرهم، بل تقودهم بعمى الشهوات والفتن والجهالة، إلى غرض واحد، هو أن يعيش هذا الضرب من الحضارة سيدا على هذه الأرض.
فنحن إذن ينبغي أن نعادى شيئا كثيرا، بل أشياء كثيرة تعترف عقول كثيرة أيضا بأنه جزء لا غنى عنه للحياة الإنسانية فيما يزعمون، ولكن هل يمنع ذلك أن يكون الحق حقا أبدا؟ مهما تنوعت أسماء الدول المستعمرة، ومهما كثرت،
(2/952)

فهي فيما ينبغي لنا أن نعرفه، دولة واحدة. ومهما تفرقنا نحن في الأرض التي خضعت لهم، فينبغي أن نكون عداوة واحدة لهذه الدولة، الواحدة الحقيقية، المختلفة الأسماء. والحضارة التي قامت في هذه الدول، نبعت فعلا من نفس الأخلاق التي جعلت الاستعمار كما وصفناه طاغيا باغيا شرها خسيس الغرض، لئيم الطبع، جريئا على إهدار الكرامة الإنسانية. فينبغي إذن أن نعاديها بنفس الأسلوب الذي نعادى به الاستعمار. وإذا ظن أصحاب هذه الحضارة أن حضارتهم ينبغي أن تشمل الأرض جميعا، بالأساليب التي يتبعونها في بثها، لتكون لهم ثمرة جهود العبيد الذين تستعبدهم لخدمتها فعلينا نحن أن نستيقن أن كرامة الإنسان لا يمكن أن تهدر، وإن إنشاء الحضارات شيء قائم في طبيعة الجنس البشرى، قد أوتى القدرة عليه منذ وجد على الأرض بلا أداة، ولا علوم، وبلا فنون، وبلا صناعات. ومن الجهل أن نعتقد أن الجنس البشرى يتقدم أو يترقى بهذه الحضارة، في حين نراه قد انقسم هذا الانقسام الشنيع إلى: طاغ ومحطم، إلى: ظالم ومظلوم، إلى: آكل ومأكول، إلى: حي يستأثر، وهالك يستغيث. ولن يضيرنا شيئا أن نعادى هذه الحضارة، لأننا بالفطرة قادرون على إنشاء حضارة أفضل منها، إذا أقمنا عداوتنا على الأصل الصحيح، وهو بغض الفساد، وحب الإصلاح، وكراهة الشر وإلف الخير، وتحقيق معاني ذلك كله في حياتنا كلها بالليل والنهار، في بيوتنا وشوارعنا، في معاملاتنا وخصوماتنا، في صغير أمورنا وكبيره، غير غافلين ولا متهاونين ولا متعجلين أيضا، فعندئذ سوف ينبثق على هذه الأرض نور جديد يمحو هذه الظلمات الباغية التي أطبقت على العالم، وسنكون نحن هداة هؤلاء -الذين عاديناهم- إلى طريق صحيح، يعرفون به كرامتهم، لأنهم عرفوا للناس كرامتهم، ويهتدون إلى السكينة التي فقدوها في عالمهم هذا، لأنهم سوف يعرفون أن للحياة معنى أكبر من معنى الاستئثار والغلبة والترف.
ولن نبلغ هذا المبلغ إلا بأن نبنى أعمال حياتنا على غير ما بنيت عليه أعمال حياتهم، ولو اتخذنا نفس أساليبهم، ونفس أفكارهم، ونفس أضغانهم على
(2/953)

الجنس البشرى فنحن إذن مثلهم في الشر، بل هم أقوى منا فيه لطول ممارستهم له، ولاجتماع قوى الشر كلها في أيديهم، بل أفظع من ذلك أننا لن ننال شيئا من الحرية، لأننا أتباع مقلدون، نشعر في أنفسنا أننا أتباع وخدم، وإننا عاجزون محتاجون إلى هذا المدد المستمر من نفس عدونا. وبئس المصير!
أما السؤال الثالث، فخيل إلى أنى أجبت عن بعضه في تضاعيف كلامي، وأنا أدع لك تفصيل وجوهه وأسبابه ووسائله فإن ذلك يسير عليك، وعلى كل إنسان صدقت عداوته لعدوه، وعرف الحق فاتبعه في نفسه قبل أن يحمل الناس عليه ويدعوهم إليه. والسلام.
(2/954)

أندية لا ناد واحد ..
من أكبر الغفلة أن يظن ظان أن السياسة المصرية، بل الحياة المصرية، كانت تستمد أصولها من قلوب المؤمنين بحق بلادهم في الحياة وفي المجد، وأنها كانت خالصة من كل شائبة تفسدها أو تحولها إلى وجهة بعيدة كل البعد عن الصراط المستقيم. حسبك أن تعلم أن في مكان ما، مستعمرا ما، حتى يملأ قلبك اليقين أنه لن يدع الأمور تجري على ما يتفق بغير تدبير ولا سياسة ولا ضبط ولا فكرة. بل ينبغي أن تعرف كل المعرفة أنه لابد له من أن يكون شديد الحرص على أن يقلل أسباب القلق والمخاوف والريب، أو أن يمحوها محوا إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وأنه من أجل ذلك ينبغي أن يكون عظيم الحذر، خفي الكيد، رفيق العمل، بالغ الأناة، واسع الحيلة. ولن يبلغ ما يريد من ذلك إلا بأن يستخفي هو عن عيون الشعوب ما وجد إلى ذلك طريقا. وكيف يستخفي إلا بأن يصطنع من أنفس الشعب ناسا يطمئن إلى أنه منه، لأنهم يمشون في ثيابه، ويتكلمون بلسانه، حتى يتشبه على الشعب فيما بعد أمر الصالح والفاسد من أبنائه. فإذا بدأوا يعملون ظنهم الشعب منه، وهم في الحقيقة عدو له. وتجري الأمور عاما بعد عام وجيلا بعد جيل، حتى إذا بلغ الأمر مداه، صار تمييز الحق من الباطل، والبرئ من المجرم، قضية معقدة تحتاج إلى فطنة وتتبع واستقصاء، وتفتيش عن خبايا الأعمال والأقوال، وعن أسرار المودات والمجالس، وعما وراء الأستار الكثيفة التي يعيش فيها كل إنسان على حدة.
كشف اللواء الجديد عن أخبار نادى الشرق الأوسط الذي ذكره جون كيمش في كتابه "الأعمدة السبعة المنهارة"، وجاء في وصفه أنه: يضم موظفين بوزارة خارجية بريطانيا، وأكثر موظفي سفاراتها ومفوضياتها في الشرق الأوسط، وموظفي حكومة فلسطين، وموظفي شركات البترول، وبخاصة
__________
(*) اللواء الجديد، 28 أغسطس سنة 1951، ص 5 - 6.
(2/955)

الموظفين والضباط السابقين الذين خدموا في الشرق الأوسط من عهد لورنس إلى الآن. . . .".
ولكن لم يزد جون كيمش على أن رفع الغطاء عن أصابع أقدام المارد المتلفع في أثياب الحياة المصرية الحديثة كلها.
وهذه الأصابع أهون ما في الأخطبوط المارد.
أين هذا النادى من معاهد التعليم الأجنبية التي تتلقى أبناء مصر وبناتها لتنفث في قلوبهم وعقولهم سحرا يدب في عروقهم ما عاشوا بين الناس؟ أنها بنيت للعلم، هكذا يقال. والحق أنها بنيت لأغراض كثيرة من الاستعمار: منها استعمار القلوب والنفوس والعقول والأهواء. ومنها تليين هذه الفطرة العاتية في الشعوب -وهي كراهة العدو. فعلم هذه المعاهد أن تسل من القلوب الغضة أسباب هذه البغضاء، حتى تألف عدوها فلا تنكره ولا تمقته، بل أكبر من ذلك: أن يستحيل عليها يوما ما أن تقاتله صادقة مستعلنة، أو تطاعنه جريئة مستبسلة. فأين إذن هذا النادى من معاهد الاستعمار أمثال الجامعة الأمريكية ومدارس الليسيه، والمدارس الإنجليزية، ومدارس الجزويت والراهبات وأشباهها، هذه تتدسس في القلوب والعقول والأفكار والبيوت، وفي كل الحياة العامة. فيا بعد ما بينهما!
أين هذا النادى من الأساتذة في الجامعات المصرية الذين نظن أننا نستوردهم لتعليمنا، وهم مستوردون من مصانع تفريخ الاستعمار، يعيشون لغير العلم، ويعملون لغير العلم، ولهم نشاط ضخم في غير العلم، وأكبر همهم أن يبثوا في أبنائنا ما يبعد كل البعد عن حقيقة معنى العلم؟
أين هذا النادى من أندية الشركات المختلفة الجنسية المتفقة الغرض على استعمار أرضنا؟ تستجلب من يصلح لها من المستأجرين صغارهم وكبارهم، وتمهد لهم وتعينهم وتمكن لهم تمكينا، رأيناه يفضى أحيانا كثيرة إلى أن نرى من هؤلاء وزراءنا ورجال سياستنا وأعوان حكوماتنا؟ وأين هذا النادى من أندية الآلاف المؤلفة من المهاجرين المستعمرين الذين استوطنوا أرضنا حتى ملكوا تجارتها وصناعتها وأرزاقها جميعا، وخالطوا الناس وعاملوهم وصادقوهم،
(2/956)

وجاذبوهم الأحاديث في شئون كثيرة، وأهدوا إليهم من الآراء والأفكار ما بلغ خطره على الحياة الاجتماعية والسياسية مبلغا يعجزك تقدير خطره عن الأمم؟
أين هذا النادى من أندية أعوان الاستعمار الذين انبثوا في الصحافة، فوجهوها وجهة معينة في هذا القرن؟ أين هذا النادى من الأقلام الدخيلة المتسترة باسم العلم والفن والأدب والسياسة، وعملها موغل في التغرير بالجمهور المتطلع إلى الفهم والمعرفة؟ أين هذا النادى من الإذاعات العامة، كالسينما والراديو والتمثيل وأشباهها، وهي جميعا ملوثة بالفساد تعمل في تحريكها أصابع لا ترى، وألسنة لا تسمع، تبث في الناس ما تبث باسم اللهو والتسلية والترفيه، وفيها السم الذي لا ينجو ذائقه؟ أين هذا النادى من أندية مبثوثة في كل منزل، وفي كل طريق، وفي كل مكتب- تعمل باسم الصداقة أو باسم الخدمة العامة، أو باسم التجارة، أو باسم العلم والأدب؟
مئات من الأندية ورثت نادى كرومر في بيت نازلى، ومئات من الأندية ورثت أندية الأسواق التجارية الماضية. فلو نحن راجعنا تاريخ الأسماء التي وقعت في يدها مقاليد الحكم، أو كانوا أعوانا لهذا الحكم، لعرفنا جذور الفساد، وعرفنا أنها غاصت في أرض خبيثة، استطعمت منها أخبث غذاء، لتكون نكبة ماحقة مستشرية في الشعب المضلل.
وأندية أخرى مثل هذه الأندية تقوم الآن في كل أرض للاستعمار فيها قدم، أو له فيها مطمع: في جزيرة العرب، في الشام، في لبنان، في العراق، في اليمن، في بلاد المغرب، بل في سائر بلاد الشرق. ويخرج من مجموع هؤلاء جميعا ناد أكبر من هذه الأندية جميعا، هو النادى المختلط الذي احتكر، أو أراد أن يحتكر، الكلام باسم هذه الأمم، ويتولى قيادتها وتصريف شئونها، ويذيع على الشعوب المغررة معاني لم تستمد أصولها إلا من الكذب والغش والفساد، ومن التجارة البشعة بمستقبل الحياة الحرة في هذا الشرق، لقاء عرض زائل من مال يثمرونه، أو شهرة يستمتعون بها، أو مجد يحلمون به.
(2/957)

ولكن حذار حذار، فإن النائم لابد له أن يستيقظ، والجاهل خليق أن يتعلم، والذاهل يوشك أن يفيق، فيومئذ لا يغني شيء عن العاقبة التي يرونها عيانا، ويومئذ يعلمون الحق علم اليقين. وذلك يوم قريب.
(2/958)

لا تخدعونا!
كتب كاتب في الأهرام يعلق على موقف روسيا من مسألة قناة السويس، وأراد أن يفسر مسلك موسكو في هذا الأمر، وزعم بعد التطويل أن الخطأ خطأ وزير الخارجية النشيط، إذ تأخر عن الاتصال بموسكو، فسبقته إسرائيل إلى الاتصال بها، فغيرت روسيا موقفها من أجل إسرائيل.
وهذا الضرب من التفسير، يراد به دائما أن نظل عالة نمد أيدينا إلى الأمم والدول، نطلب منها النصرة، ونخيل إلى أنفسنا أن لو فعلنا ذلك، لاستطعنا أن نصل إلى كثير، لولا تقصيرنا. وهذا الكاتب يخدع الناس .. فروسيا -وغير روسيا- لها سياسة هي بها أعلم، وهي إليها تسعى، ووزير الخارجية لا يعرف شيئا عن هذه السياسة، ولا يمكن أن يعرف، ومهما فعل فلن يغير شيئا منها، ولن يستطيع بلباقته المشهورة! ! أن يحول هذه السياسة إلى مصلحة بلادنا، وإسرائيل لم تكن هي التي غيرت سياسة روسيا فجعلتها تخذلنا بعد أن تظاهرت بنصرتنا. بل الحقيقة أن لروسيا أغراضا في مجلس الأمن وغير مجلس الأمن، -ولها سياسة ثابتة تعرفها- لا تغير بهذه السهولة بين عشية وضحاها من أجل إسرائيل، ومن أجل نشاطها السريع الحاسم، كما يزعم هذا الكاتب.
كان أولى بالكاتب الفاضل، أن يبين لقراء الأهرام أن الشعوب التي تطلب الحرية، ينبغي أن لا تصدق الدول التي صارت كل صناعتها في العالم أن تسلب الناس الحرية، وتأكل الأمم أكلا لا يبقى على إنسانية ولا كرامة ولا شرف. حطموا هذه الأقلام الكاذبة، فقد قادتنا زمنا طويلا إلى اليأس والانحلال. كنتم بالأمس تهللون لروسيا وأنتم لا تعلمون، ماذا تخبأ، ويتأثر الشعب بتهليلكم ويفرح ويأمل، ثم يصبح وأنتم تنوحون وتفسرون! ! ليتأثر الشعب ويحزن بنواحكم ثم ييأس. وكأنكم تريدون أن تدعوا هذا الشعب يعيش في بلبلة دائمة
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 4 سبتمبر سنة 1951، ص 5
(2/959)

بين الفرح والحزن، والأمل واليأس، حتى يتحطم في أيديكم وأيدى الاستعمار هذا ما تفعلونه عامدين وغير عامدين.
(2/960)

احذروا أعداءكم!
تكاثر الحديث فجأة عن إلغاء المعاهدة، ولم يبق لسان ولا قلم لم يجر عليه حديث إلغائها، ولكني وقفت طويلا أتردد أن أغمس قلمى أو لساني في شأنها، حتى يستقر قرارى على ما ينبغي أن أكتب أو أقول. ثم تبين لي أن ثقل الصمت أفدح من وزر الكلام. وتبين لي أنه لابد من بيان وتفسير لما نحن فيه، وإلا فنحن صائرون لا محالة إلى مصير مفزع تسوقنا إليه سياسة الاستعمار. فإذا لم نفهم الآن كل الفهم ماذا يريد بنا عدونا، فلن نجد غدا من شره نجاة، وسنظل دائما في حيث أراد بنا أن نكون، وسنسير أبدا إلى حيث يريد لنا أن نسير.
وقبل كل شيء، ينبغي أن نفرق بين الشعب والحكومة. فالحكومة في البلاد المنكوبة بالاحتلال، جزء من نظام الاستعمار، ولو زعمت أنها مستقلة في تصريف سياستها. ومن خداع النفس أن يتصور إنسان أن الحكومة تمثل إرادة الشعب، أو تفكر مثل تفكيره، وبخاصة إذا ثبت ثبوتا قاطعا أن جميع حكومات الاستعمار، لم تستنكف أن تعاونه مرات، وأن تخضع لما أراد أن يخضعها له، وأن تبقى في مناصب الحكم وهي تعمل بأمره وتحطب في هواه.
وطريقة الحكومات في البلاد المحتلة، هي أن تهادن الغاصب وتفاوضه وتعاهده، أما الشعوب فلا تعترف بالمهادنة والمفاوضة والمعاهدة، إلا أن يدعى مدع أن الحكومة تمثل الشعب، فإذا رضيت هي شيئا، فالشعب راض عنه! وهذا باطل من أساسه، لأنه مناقض لطبيعة الحق الخالد: وهو أن الشعوب لا ترضى أبدا بالاستعباد وإن جاء في صورة معاهدة.
فالحكومة والشعب شيئان مختلفان كل الاختلاف في عهد الاستعمار، ومن أجل ذلك كانت كل معاهدة بين الحكومة وبين حكومة الغاصب المستعمر، معاهدة باطلة من أساسها. والشعب لا يطالب بإلغائها، لأنها ملغاة فعلا في
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 18 سبتمبر سنة 1951
(2/961)

نظره، لا يعترف بها أبدا: لأنها معاهدة معقودة بين المستعمر وصنيعة المستعمر، فهي لا تتعدى أن تكون معاهدة عقدها المستعمر بينه وبين نفسه.
فإذا جاءت ساعة رأينا فيها الحكومة الضالعة مع المستعمر تقول: "لابد من إلغاء المعاهدة"، وسمعنا أصوات الشعب تردد الكلمة: "لابد من إلغاء المعاهدة" فربما خيل الى الناس بل الى الشعب نفسه أحيانا، أن معنى الكلمة واحد في لسان الحكومة وفي لسان الشعب. ولكن هذا باطل، وغير معقول أيضا، بل هو ما قيل فيه: "كلمة حق أريد بها باطل".
كلمة الحكومة قاصرة على الإلغاء القانوني، واستبدال معاهدة بأخرى، لأن المعاهدة التي يراد إلغاؤها قد استنفدت أغراضها مثلا. أما الشعب فلا يذهب هذا المذهب في الإلغاء القانونى للمعاهدات بين دولتين مستقلتين، بل يريد أن لا يعترف بهذه المعاهدة، ولا بإبرام معاهدة بين الحكومات الضالعة مع المستعمر وبين الاستعمار، وأن هذه الحكومات لا تمثل إرادته، وأنه أراد أن يقول إنه عازم على أن يجعل عدم اعترافه بالمعاهدات أمرا واقعا، وإنه سيقاتل المستعمر بطريقة الشعوب في طلب الحرية .. أي بقتال المستعمر في كل زاوية وطريق، بالليل والنهار، وبكل أداة يملكها، وبكل وسيلة يطيقها، رضيت الحكومات عن ذلك أو لم ترض وما أبعد ما بين المعنيين! بل هما غرضان متناقضان.
وإذن، أليس عجيبا أن تكون طائفة الساسة الذين عقدوا معاهدة سنة 1936، هم أنفسهم الذين يذمون هذه المعاهدة نفسها يطالبون بإلغائها! وهم أنفسهم أصحاب مبادئ المهادنة المعتدلة التي لا ترى محيصا من عقد معاهدة أخرى مع المستعمر! وهم أنفسهم الذين كانوا منذ أيام قلائل يفاوضون ويذهبون ويجيئون للاتفاق على نص يرضى الشعب فيما يزعمون! أنه لعجيب، ولكن لابد من تفسير:
انتهت الحرب الماضية، وعلمت بريطانيا أن شعب مصر والسودان، بل شعوب العالم العربي والإسلامي، تموج بآلاف من قوى مختزنة في الشباب وغير الشباب، وأنها توشك أن تنفجر، وأنه لابد من تبديد هذه الطاقة المختزنة قبل أن يحين انفجارها.
(2/962)

وكادت الثورة تندلع في سنة 1946، ولكن سرعان ما حولت عن وجهها، إلى الخديعة الكبرى المعروفة بتعديل المعاهدة، وشغل الناس بها زمنا طويلا، وانبعث أشقاها يتولى حوك هذه الخديعة وإطالة أمدها، وهو بطل قديم من أبطال الساسة الدجاجلة صنائع الاستعمار. وأفلح الخبيث، وفازت بريطانيا بعض الفوز. ولكن لابد من تبديد الطاقة، فإنها أكبر من أن تقضى عليها خديعة واحدة. فإذا بريطانيا تمكن لليهود كل التمكين هي وأعوانها، وإذا الدول العربية جملة واحدة تنزلق إلى ما تريد، فتدخل حرب فلسطين بجيوشها، وإذا الهزيمة المنكرة، وما تبعها من اضطهاد وتشريد واستبداد ومخاوف بالليل والنهار. ولم تكد تنتهي هذه الخديعة، حتى جاءت الانتخابات المضحكة التي انتهت بمجيئ الوفد فجأة إلى الحكم، بعد اليأس كل اليأس من عودته. وما هو إلا قليل، حتى أثيرت القضايا الكثيرة الملوثة التي شغلت القلوب والعقول، ثم انتهت أيضا بما نعلم من الركود والخيبة، وانتصار الخيانات وأصحاب الخيانات. وفجأة ينبعث من كل مكان ضجيج وعجيج في فضائح الاستبداد والظلم والاستبداد والفجور وتبديد الأموال وقضايا الحرية.
وأخيرا ينفجر في هذا الجو الصاخب الثائر، صخب أشد منه. من أين؟ من معسكر الحكومة: إلغاء المعاهدة، إلغاء المعاهدة!
في كل حادثة من هذه الحوادث التي ذكرتها، والتي لم أذكرها، فزعت الأمة كلها: شيبها وشبانها، جاهلها وعالمها، ثم انقلبت يائسة قانطة، وثارت ثم سكنت، واندفعت ثم ارتدت، وغلت ثم فترت. وضاع قسط وافر من الطاقة المختزنة في الشعب شيئا فشيئا. وبدد سخط الألسنة عزائم القلوب. يا لها من نكبة!
ثم يجئ إلغاء المعاهدة، فإذا لسان ثائر يتولى تعبئة الشعب لإلغاء المعاهدة، وهو لسان من ألسنة الحكومة الضالعة مع الاستعمار. وينطلق الشعب يردد: إلغاء المعاهدة! بيد أن الحكومة -كما قلنا آنفا- تذهب في إلغاء المعاهدة مذهبا، أما الشعب فيذهب في الحقيقة مذهبا يناقضه كل المناقضة. فيا له من إشكال عسير معقد!
(2/963)

أن كل عاقل يستطيع أن يسمع همس الاستعمار في هذا الضجيج الصاخب، ويرى أصابعه من خلال الغبار الثائر: ويرى غايته في الاحتيال على تحطيم إرادة الشعب، وتحطيم ثقته بنفسه، وتحطيم إيمانه، وتحطيم تفكيره، وتحطيم أخلاقه وتحطيم عزائمه، وتحطيم قدرته على العمل. والحكومة صنيعة له، فهي أداة من أدوات هذا التحطيم.
وكل عاقل يستطيع أن يرى تماثيل الأبطال القدماء من صنائع الاستعمار، وهي تتهاوى في قبور الثرى، وفي حفر النسيان، وفي مصارع الشيخوخة، وفي مزالق العجز والفناء.
وكل عاقل يستطيع أن يبصر في هذه الظلمة المتبلبلة أنامل الاستعمار -على اختلاف دوله وأجناسه وأهوائه- وهي تصنع للشعب دمى من الأبطال الكذبة، ليخرجوهم على أعين الناس في مسرحية مصارعة الاستعمار بأساليب الشعوب الوطنية، لكي ينخدع الشعب بهم ويطمئن إلى أعمالهم، وليحلوا بعد قليل محل الجيل الفاني من صنائعه. ويتم كل ذلك بأسلوب طبيعي، على التدريج، وبلا مفاجأة، حتى لا يكون الأمر مدعاة إلى الريبة، بل إلى الاطمئنان والرجاء تارة، وإلى الإعجاب والعذر تارة أخرى.
فما الذي يرمى إليه الاستعمار إذن، بأن يدفع صنائعه التي استحدثها في هذا العهد الأخير، لكي يتولوا هم قيادة الشعب، بلسان كلسان الشعب، يستخدم كلمة يريد بها هؤلاء الصنائع معنى، ويريد الشعب معنى آخر؟ يريدون بها معاهدة تلغى وتحل محلها أخرى، ويريد الشعب بها أنه لا يعترف بأية معاهدة مع المستعمر، ولا يريد أن يسمع ذكر معاهدة أخرى، بل يريد الحرية كاملة بلا قيد ولا شرط، ينالها بالطريقة التي تنال بها كل حرية.
هناك وجوه كثيرة لتفسير ما يريده بنا الاستعمار، ولكني سأقتصر الآن على أبشعها وشرها: تلغى المعاهدة، ويتولى الأبطال المزيفون قيادة الشعب إلى جهاد عنيف، هو راغب فيه لا يهابه ولا يتخوفه، ويصطدم بالاستعمار وجنوده بلا تردد، ويتقدمه بعض هؤلاء الأبطال صاخبين مهللين وما هي إلا خطفة البرق،
(2/964)

حتى نرى جيوش إسرائيل (فعلا) على الحدود، وينازلها الجيش المصري دفاعا عن أرضه، وتظاهر مصر دول صديقة كثيرة "حالها كحالنا ويراد بها مثل ما يراد بنا"، وتنبعث حركات كثيرة قد مهد لها في بلاد كثيرة من العالم العربي والإسلامي، وإذا الشرق الأدنى كله فورة متصلة من الاضطراب العنيف، وإذا نحن وهم جميعا في حاجة إلى سلاح ليس عندنا شيء منه، وإذا الصنائع الجبناء يمدون أيديهم مرة أخرى يطلبون الإنقاذ من بريطانيا وأمريكا وسائر دول الاستعمار، وإذا هذا الإنقاذ نفسه يصبح كالدليل على بطولة هذه الدمى، وإذا المعاهدات تعقد في كل مكان كخطفة البرق أيضا، وإذا الألسنة التي دعت لإلغاء المعاهدة، تقذف الجماهير بالألفاظ الغرارة الخداعة التي استعملت في سنة 1936، وإذا الشعب يسكن بعد هذه الجهود المضنية الطويلة، وإذا حرب أخرى تنبعث وإذا جنود الطغاة المستعمرين من كل جنس بين ظهرانينا تغدو وتروح: لها بيوتنا وأقواتنا وأرزاقنا وأخلاقنا ونساؤنا وأبناؤنا وتجارنا وموظفونا، وإذا كل طفيلى من صعاليك الأجانب يصير إلى الغنى بإفقار الشعب، وإذا الحياة كلها متاع لهم وخدم، وتذهب الأموال والأعراض والدماء لكي نعود بعد هذه الحرب الجديدة، إلى المطالبة بإلغاء معاهدة سنة 1951 (مثلا) التي "استنفدت أغراضها"، والتي "أصبحت غير ذات موضوع"، والتي "كانت نكبة"، والتي "وقعت تحت الضغط والتهديد" إلى آخر ما جاءت به ألسنة الأبطال القدماء الكذبة، الذين وقعوا معاهدة سنة 1936.
أنه خطر داهم، فعلى المخلصين في هذه البلوى نظرة الأناة لا العجلة، وأن لا يدعوا قيادة الشعوب إلى جهاد المستعمر تفلت حتى تستقر في يد الأبطال الكذبة، كما أفلتت منذ سنة 1919 وما بعدها. وليعلموا أن ساعة الجهاد والنزال هي التي نحددها نحن لأنفسنا، لا التي تحددها سياسة الاستعمار على ألسنة الدجالين والكذبة والمنافقين من صنائعها. وطريق الحرية شاق طويل، ولكنه وحده هو الطريق.
(2/965)

في خدمة الاستعمار
اقرأ أحاديث هؤلاء الذين تسميهم الصحافة "زعماء" تارة و"ساسة" تارة أخرى، فلا أدري من أي شئونهم أعجب؟ أمن حسن فهمهم لما يدور في عالم نعيش نحن فيه أداة مسخرة للاستعمار؟ أم من دقة بصرهم بما يرضى الدول التي استعمرت بلادنا من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب؟ أم من براعة ألسنتهم في عرض قضايا الأمم المنكوبة بالاستعمار، عرضا لطيفا هينا رقيقا، يعين الشعوب المسكينة على أن تسكن إلى الأمر الواقع، وإلى الاطمئنان إليه والرضا به، أم من رشاقة اهتدائهم إلى حلول يزعمون أنها ترضى طرفي النزاع؟ وطرفي النزاع -كما هو معلوم بالضرورة- هما المستعمر الذي أهدر حرية الشعوب، وكرامة البشرية، والمستعبد الذي يريد أن يسترد حريته وكرامته.
كلا، بل أخطأت، فأنا لا أعجب في الحقيقة، بل أتقزز وأشمئز، فإن الفرق بين التعجب وبين التقزز والاشمئزاز، هو من الدقة بحيث لا يعدو أن يكون فرقا في صورة التعبير عما تعانيه النفس تفاجئها المعاني المثيرة. ولعلها اختلطت عليّ، كما اختلط علينا كل شيء في هذه السنين السود.
والذي يحمل النفس على التقزز والاشمئزاز، هو أن هؤلاء الزعماء والساسة، مفروض أنهم من أنفسنا، أسماؤهم كأسمائنا، وأنسابهم في الأمة كأنسابنا، ونشأتهم فيها كنشأتنا فكان ينبغي أن يكون إحساسهم بالذل والعار والمهانة كإحساسنا، ولكن يخيل إليك إذا تكلموا، أنهم من عالم غير عالمنا أو من أرض غير أرضنا، فلو طمس اسم أحدهم من حديث يتحدث به إلى الصحافة وثبت مكانه اسم أي انجليزى أو أمريكى أو روسى أو ما شئت، لما أحسست كبير فرق، يميز بينهم وبين أحد من هؤلاء، يكون الرجل منهم كأحسن ما يكون عقلاء الرجال، ولكن فقده للإحساس بالذل والعار والهوان الذي يتمرغ فيه هو وبلاده، يجعل الأمر من الفظاعة، بحيث لا ينفع فيه إحسان ظن ولا حسن تقدير.
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 25 سبتمبر سنة 1951، ص 3.
(2/966)

ومن هذه الأحاديث، حديث على ماهر المنشور في الأهرام (السبت 22 سبتمبر الحالي) وقد سئل عن مشكلة السودان فكان جوابه: "ويخيل إلى أنه ينبغي أن نتدبر حقوق السودان وحقوق مصر، والمصالح البريطانية. ففيما يتعلق بالمصالح البريطانية، فإن الرأي عندي -حتى أثناء مفاوضات 1946 - أن تلك المصالح تلخص في مسائل اقتصادية، ومشاكل مواصلات ومطالب استراتيجية ويمكن الاهتداء إلى حل لكل من هذه المسائل يرضى بريطانيا" يا للعجب! "يرضى بريطانيا"! !
وتصوير المشكلة على هذا الوجه اللطيف البسيط غريب جدا! . ولو أنت جعلت آخر هذه الفقرة: "ويمكن الاهتداء إلى حل لكل من هذه المسائل يرضى مصر"، ثم نسبت الحديث إلى إيدن مثلا، لكان كلاما مستقيما مع السياسة البريطانية، لا لبس فيه ولا إبهام، وكلنا قد قرأ مثله للساسة البريطانيين، وفي الصحافة البريطانية، مصورا لهذه المشكلة بنفس الأسلوب، إن لم أقل بنفس الألفاظ. لم يقولوا قط أن السودان ملكا لهم، بل قالوا أن لهم فيه مصالح اقتصادية، واستراتيجية يحافظون عليها، بل هم زعموا أنهم يحافظون على رفاهية السودان واستقلاله. بل أقرب من ذلك أنهم زعموا منذ قديم أن بقاءهم في مصر نفسها ليس إلا للمحافظة على مصالحهم الاقتصادية والحربية والمواصلات البريطانية، وسلامة الأمن العالمى أخيرًا، وأن هذا البقاء ليس احتلالا بل هو بعض واجبات الصداقة المتينة بين مصر وبريطانيا! !
ولا أظن أن في الدنيا العاقلة مفكر يستطيع أن يفرق كثيرا بين الاحتلال وبين هذه الصداقة المتينة، إلا أن يكون قد زال من نفسه كل معنى من معاني الشعور بالعدل المجرد، ولا أقول أنه قد زال من نفسه كل معنى من معاني الشعور بالكرامة الإنسانية، وبالبلاء الماحق الذي نراه ماثلا في تاريخ الاستعمار، منذ انقض على بلاد الشرق كله، والعالم العربي والإسلامي، من أطرافها، حتى احتل القلب، في هذه النقطة التي يسمونها الآن: الشرق الأدنى.
ولست أدري كيف يستطيع سياسي أن يجهل أن وجود المصالح الاقتصادية،
(2/967)

والاستراتيجية، في أرض معناه إهدار ما يماثلها من مصالح، هي حق أصيل لهذه الأرض وسكانها، وأن الأجنبى المعتدى على هذه المصالح، لا يعتمد في صيانتها إلا على أن يسلب سكان الأرض مقدرتهم على أن تكون لهم مصالح تنازع مصالحه، ومعنى هذا أنه يعتمد على استعباده، ويرتكب في سبيل ذلك كل وسيلة تؤدى إلى أن يجعل سكانها في مرتبة الخدم والأذناب والماشية، فإن لم يفعل، فمنطق الاستعمار يدل على أنه مستعمر شديد الغفلة، لو سمح لأي عنصر من عناصر القوة أن تنازعه في هذا المكان، وأكبر عناصر القوة، هي: الحرية.
فتصوير المشكلة إذن خطأ كله، فمشكلة السودان أو مشكلة مصر -كما يحلو لك أن تسميها- ليست في هذه الصغائر، بل هي أكبر. هي مشكلة إهدار الحياة الإنسانية الصحيحة، والعمل على بث حياة إنسانية فاسدة منحطة، هي مشكلة ضياع الحرية، وسلب الشعوب كل مقوماتها التي تعينها على أن تكون أمما حرة، هي مشكلة تدليس الحياة على الشعوب، حتى تتصور الباطل القبيح، حقًّا جميل الصورة، هي مشكلة إحلال المنافع العاجلة التي تستهلكها الشعوب في حياتها اليومية، محل المنافع الباقية التي تحيى بها الأمم وتقوى وتستمجد.
ونحن لا نطالب بضم السودان إلى مصر، بالمعنى الذي يفهمه ساسة هذا الجيل، ولا أن يحكم السودان من القاهرة أو الخرطوم، أو بالعكس، فإن هذه كلها معاني فاسدة في التعبير، إننا -مصر والسودان جميعا- نريد أن نتحرر من المصالح البريطانية. . . اقتصادية وسياسية واستراتيجية، لتنبعث من قبورها مصالحنا نحن، اقتصادية، وسياسية، واستراتيجية، ولن نصل إلى ذلك إلا باسترداد حريتنا، التي أهدرت في كل شيء، وإنسانيتنا التي أبيدت في كل عمل، وفضائلنا التي ألغيت في كل شأن من شئون الحياة، ونحن لا ندعو إلى هذا في مصر والسودان وحدهما، بل في كل أرض من أراضي بلاد العرب والمسلمين، وغير العرب والمسلمين، افترستها الوحوش الاستعمارية الطاغية في العالم، التي جعلت المصالح الاقتصادية والسياسة والحربية مسوغا تستحل به إهدار الحرية، وإهدار الكرامة، واستعباد البشر.
(2/968)

وإذن فالمشكلة أسمى بكثير مما يتصور هؤلاء الساسة والزعماء، أنها مشكلة إنقاذ ملايين البشر من الانحطاط الخلقي والعقلي والنفسي، واسترداد ما دمره الاستعمار من مقومات الحياة الإنسانية في هذه الرقعة المترامية من الأرض وإحياء المعاني الصحيحة للحرية والكرامة والشرف، وقتل الوحش الاستعمارى الذي يريد أن يفرض على البشر، أن يرضوا بسيادته ووحشيته، لكي يضمن هو مصالحه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية التي يقتتل عليها بالليل والنهار، والتي توشك أن تدمر عليه حضارته التي يستعز بها، ويستعلى، في هذه الحياة الحاضرة.
إنها ليست مشكلة ساسة وزعماء، كساستنا وزعمائنا بل مشكلة أحرار، يتولون حلها بأسلوب الأحرار، في حل مشاكل الظلم والاستبداد، واللؤم والجشع والخسة، والكذب على الناس، والتغرير بالبشر، أنها مشكلة الحق والباطل، مشكلة النور والظلام، مشكلة الذل والكرامة.
(2/969)

حكم بلا بينة
يوشك تاريخ الإسلام أن يصبح لهوًا على الألسنة، ولغوًا في الصحف، ومرتعًا للظن المتسرع دون اليقين المتثبت، وهدفًا لكل متقحم (1) على الحق بمثل جراءة الباطل، ومخاضة يخوض فيها كل من ملك لسانًا ينطق، أو عقلا يفكر، أو قلما يخط. وإنما ابتلى زماننا بهذا لأسباب كثيرة، أولها: أن العصر الذي نعيش فيه يُعجل الناس عن تحقيق معنى الدين نفسه في حقيقة قلوبهم. وآخرها: أن المسلمين في زماننا بلغوا من العجز والقلة والهوان على أنفسهم مبلغًا مهد لشياطين الإنس والجنّ مسالك كثيرة إلى مقر الغرور في بعض الأفئدة، فسوّل لأصحابها فيما يسول أن فهموا الإسلام "فهمًا جديدًا"، فكان لهذه الكلمة سحرها حين مست مكان الغرور والكبرياء من نفوسهم، واحتملهم هذا الغرور على أن يسيئوا الظن بما يفهمون من ماضيهم، جله أو كله، وخيل إليهم سوء الظن أن ذلك هو طريق الحق لإحياء دين الله في نفوسهم وإقامة شريعته في أرضه. ثم خرج بهم مخرجًا أوقع في أوهامهم أنهم قادرون على أن يجددوا أمر هذا الدين، بمجرد النظرة الخاطفة المعتسفة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي تاريخ أسلافهم من المسلمين.
ولا أظننى أخطئ شيئا في التقدير إذا زعمت أن هذه النابتة، لم يبتل الإسلام بمثلها قط، على كثرة ما انتابه من النوابت المتتابعة على مدى عصوره كلها؛ في حال بأسه وسطوته، رفي حال ضعفه وفترته. وهي عندي أخطر النوابت جميعا وأخوفها على دين الله، لأنها نجمت في عصر قد حطم جميع القيم الإنسانية العتيقة، ودمر تراث الأخلاق التي فطر عليها ولد آدم في الآباد المتطاولة. ولا أسيئ الظن فأدعى أنهم يأتون ما يأتون عن عمد، بل أقول إن وباء هذا العصر
__________
(*) المسلمون، العدد الأول 1371 هـ/ 1951، ص: 43 - 48
(1) يرد الأستاذ شاكر على ما كتبه سيد قطب في شأن بعض الصحابة. ولم يرد سيد قطب على نقد الأستاذ شاكر، ولكن تصدّى له أحد أصدقاء سيد قطب وهو الأستاذ محمد رجب البيومى، وانظر الجزء الأول، ص: 567 - 579
(2/970)

قد أصابهم، منذ نقله الاستعمار إلى الأرض المسلمة، فنشئوا فيه لا يكادون يحسون بالذي أصابهم من آفاته، فاتسم تفكيرهم من أجل ذلك بسمة التحطيم والتدمير، وسمة الغلو والجراءة، وسمة الإصرار على تحقيق معاني الغرور الإنساني في أعمال الإنسان، وأولها الفكر.
وقد تفشت في أهل الإسلام منذ زمن قريب فاشية شديدة الخطر على تاريخ الإسلام كله، بل على دين الله نفسه. نظرت متعجلة في دين ربها، وخطفت خطفة في تاريخ أسلافها، ثم انتزعت من ذلك كله حكما يدمغ المسلمين جميعا منذ القرون الأولى من الهجرة، باطراح الدين واتباع الشهوات، فزعمت مثلا: أن الإسلام لم يطبق ولم يعمل به إلا مدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومدة أبي بكر خليفة رسول الله، ومدة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، ثم مرج أمر الإسلام واضطرب!
والخطأ في مثل هذا الحكم الدامغ يكبر عن أن يسمى خطأ؛ إنه الحالقة: حالقة الدين لا حالقة الشعر، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ تستأصل دين الصحابة والتابعين، وتستأصل أمانتهم في تبليغه، وتستأصل ما بذلوه في نشره في مشارق الأرض ومغاربها، وتستأصل تاريخهم، وتستأصل تاريخ الحياة الإسلامية كلها ثلاثة عشر قرنًا! فيا لها من بلوى تستهلك دين امرئ إذا نطق بها، وتخسف بتقوى سامع إذا لم ينكرها. ورَدُّ مثل هذه المقالة، يوجب على منكرها أحد طريقين: إما أن يسرد على القائل بها تاريخ الإسلام كله بجميع تفاصيله، ويقف به على كُلّ موضع منها، وهذا شيء لا يتيسر في كتاب واحد، فضلا عن مقالة، فضلا عن حديث. وإما أن يقفه على فسادها في صريح العقل، ويبين له ما تقضى إليه من بَهْت أمة كاملة، بل أمم بأسرها، بشيء لا يستطيع عاقل أن يحتمل وزره في فكره وتقواه ودينه. وهذا هو أيسر الطريقين، وأقربهما إلى تصحيح المقاييس، وإلى إقامة التفكير على أصل واضح وثيق.
* * *

وكلمة "الإسلام" كلمة شاملة لدين الله كله، وإذا دخلت في حكم قاطع
(2/971)

كهذا الحكم "إن الإسلام لم يطبق إلا مدة رسول الله وأبى بكر وعمر" صار حكما شاملا بطبيعته، فإذا ألقى إلى سامع، لم يجد عندئذ مناصا في العقل ولا في اللغة ولا في البيان، من تعميم الحكم في كل ما يتناوله لفظ "الإسلام". فإذا استمعه سامع كأهل زماننا الذين وصفنا قبل، كان هذا الحكم ظلا كثيفا قاتما كئيبا يلقى على العصور الأولى كلها من قتامه وكآبته، يدفع إلى الاستخفاف والتحقير والغلو في التهزؤ بأهل هذه العصور، والشك في أمورهم، ويعميه عن معرفة الحقائق، ويصرفه إلى البحث عن المثالب يتسرع إليها ويتقممها من كل كتاب ومن كل خبر، والناس أسرع شيء إلى سوء الظن، فإذا كان سوء الظن والثلب والتحقير مما يعينهم على نسبة القدرة والصلاح والعلم والفقه إلى أنفسهم فهم عندئذ أسرع إليه من السيل إلى الحَدُور (1). وإذا كانت نسبة الصلاح والعلم إلى أنفسهم مدعاة إلى صرف أنظار الناس إليهم بالتسليم والتبجيل والإعجاب، فسوء الظن والثلب والتحقير، أسرع في عقولهم وألسنتهم من النار المتضرمة في الهشيم اليابس. وماذا بعد هذه البلوى، إلا أن يصبح تاريخ الأمة المسلمة منذ اليوم السابع والعشرين من ذي الحجة سنة 23 من الهجرة (منذ قتل عمر) إلى يوم الناس هذا في سنة 1371 وقودًا لكلمة يزل بها لسان، ويتبجح بها صوت، وتستخفها أذن؟ أي إنسان يرضى لنفسه هذه الظنة الجائحة، فضلا عن إنسان عاقل، فضلا عن مسلم، فضلا عن مسلم يتقى الله، يرجو رحمته، ويخاف عذابه؟
قتل عمر وخلف أئمة الصحابة، فعاشوا زمن عثمان، وزمن على، وزمن معاوية -رضي الله عنهم-، وبقيت منهم بقية في عصر الأوائل من بني أمية، ثم خلفهم الذين اتبعوهم بإحسان من علماء الأمة وفقهائها وأهل دينها، وهم متوافرون يومئذ إلى أوائل عصر بني العباس، وكانوا هم علماء الأمة، وورثة النبوة، القائمون ببثّ دين الله في الأرض، الآمرون بالمعروف والناهون عن
__________
(1) الحدور: الأرض المنحدرة.
(2/972)

المنكر، المبلغون عنَ نبي الله ورسوله، وعن أصحابه هذا الدين إلى الناس. وبهم بلَّغ المسلمون هذا الأمر كله، وبما بلغونا من أمر الدين قامت حجة الله علينا، وإلى ما بلّغوا كان مرجع أئمة المسلمين وفقهائهم وعلمائهم طول هذه القرون. ولولاهم، ولولا ما بلّغوا لدرست سنة رسول الله، ولذهب الفقه، ولفقد الناس الحجة والبرهان في دينهم، ولما وجدوا وسيلة لتحكيم الله وتحكيم رسوله في شيء مما اختلف فيه من أمر الدين، أفيمكن في العقل أن يوصف العصر الذي كان فيه هؤلاء الأمناء على دين ربهم، بأنه عصر لم يطبق فيه الإسلام؟ ! وأين غابوا جميعا إذا كان الإسلام لم يطبق في زمانهم؟ ولو شهدوا، وصحت هذه الكلمة على زمانهم، فكيف يؤتمنون على ما بلغوا من أمر الدين؟
بل إلى أي شيء يحتَكم قائل هذه الكلمة في الحكْم على عَصْرهم؟ أليس يحتكم ويرجعُ في الحكْم عليهم إلى ما بَلغَه هو من دين الله الذي بلّغوه هُمْ إليه؟ وأنّى له أن يعرفَ الإسلامَ إلّا بما عرَّفوه هُمْ له ولمن سبقه من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ بل كيف يُعْقَل أنْ يبلِّغوا هذا الشيء الذي يستند إليه هذا القائل، ويكونونَ هم أوَّلَ الناقضين والهادمِين بإغفالهم إقامته. بل بعملهم على إقامة خلافه؟ أفي العَقْل شئٌ بعد ذلك هو أَفْسَدُ معنىً ومدخلًا ومخرجًا من هذه الكلمة الجائرة، من هذا الحكم المستأصِل لدين هؤلاء الناسِ وعلمهم وَأمانتهم؟ كبرت كلمة وساء حكمًا.
وأحبُّ أن أزيدَ الأسئلة: ما هو هذا الإسلام الذي لم يطبّق: أكفروا بأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ أتركوا صلاتهم وأضاعوها وسهوا عنها؟ أمنعوا زكاتهم واحتجنوها (1) فلم يؤدوا حق الله عليهم؟ أتركوا شهر صيامهم فأفطروه؟ أأبوْا أن يحجوا إلى بيت ربهم قانتين مسبحين مكبرين؟ أعتزلوا الجهادَ بأموالهم وأنفسهم رغبة عنه وحرصًا على الحياة؟ ! أأغفلوا أدبَ الله لهم وأدبَ رسوله؟ أنقضوا عهدَ الله فخانوا الأمانة وبغوْا في الأرض؟ أعطَّلوا أحكامَ الله
__________
(1) احتجنوها: خزنوها.
(2/973)

وفرضوا على الناس أحكامًا من عند أنفسهم؟ أشرَعوا في الدين ما لم يأذن به الله؟ أأبطلوا الحدود ونصروا الخارجين عليها والمعتدين؟ أأعرضوا بقلوبهم ووجوههم عن كل ما تضمَّنَه كتابُ الله، وما احتوته سُنَّة رسوله، وعادوا في جاهليةٍ لا يعرفُ فيها لله دين، ولا يطاعُ له فيها أمرٌ، ولا ينتهي فيها عن منكر، ولا يؤتى فيها معروف؟ أرتكَسُوا هم والأمة كلها قرنًا من بعد قرنٍ في تعطل الإسلامِ في أحكامهم، وفي أنفسهم، وفي أبنائهم، وفي الذين دخلوا في هذا الدين حتى شمل ما بين الهند فرقًا إلى المغرب الأقصى غربًا. ومن حدود الروم شمالًا إلى أقصى الأرض جنوبًا؟ أيّ عاقل يستطيع أن يقول: نعم، في جوابِ سؤالٍ واحدٍ من هذه الأسئلة، فضلا عنها كلها؟
ولو غلغَل المرءُ قليلًا فسألَ نفسه: أمن الممكن لأمّة تنقُض دينها هذا النقضَ، الذي استوجبَ ذلك الحكم، أن تفتح الأرَضين كلها، وتحدث فيها أكبرَ تغيير حدث في تاريخ الجنس البشري كله: تتغير بهمْ ألسنة الناسِ إلى العربية، ودينهم إلى الإسلام، وتنابُذُهم إلى الألفه، وتداعيهم باسم العصبية والجنسية، إلى شيء واحدٍ هو جماعة المسلمين، ويقومُ هذا الأمرُ في الأرض ثلاثة عشر قرنًا، مع شدة ما انتابَ المسلمين على مرّ القرون من النوائب، إلى أن كانت النائبة الكبرى في هذا العصر، وهي نائبة الاستعمار، ويَظَلُّ مع ذلك هذا الرباطُ الوثيق مشدودًا، لا ينحلُّ من ناحية، إلّا تداركته آلاف الأسباب من هذا التراث من نواح أخرى، أكان ممكنًا لهؤلاء الذين خافوا أمانة الله أن يبلغوا هذا المبلغ؟ اللهم اشهد، فإنها كلمة لو صحت لأزالتْ العقول من مستقرّها؟ وصدقَ الله رسولَه والمؤمنين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: 55]. وما من حرفٍ من هذه البشارة إلا أتمه الله على محمد وأصحابه وتابعيهم، إذ كانوا خيرَ أمةٍ أخرجتْ للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله في سرّهم وعلانيتهم.
(2/974)

ومن الحق على من وسوسَ في قلبه هذا الحكم الشامل: أن الإسلام لم يطبَّق إلا مدّةَ رسول الله، ومدةَ أبي بكر وعمر، أن يسأل نفسه: بم يصحُّ مثل هذا الحكم؟
إنّ بديهة العَقْل تجيبه بأنه لا يسوغُ لهُ أن يحكم على عصور كاملة بحكم شامِلٍ، إلا بدلائل بينة المعاني صحيحة الأصول؛ وشرطُ هذه الدلائل أن تكون مستقصية لأهل الإسلام جميعًا في كل أرضٍ، وأن تكون شاملةً أيضًا لكل ما يكون به إسلام الناسِ إسلامًا، وأن يكون ما يدّعى المدَّعى أنه قد أبْطِلَ أمرًا من أمور الإسلامِ التي لم يختلف عليها المجتهدون من العلماء والفقهاء، وأن يكون هذا الإبطالُ جاريًا مجرى الشريعة، ومأمورة به كلُّ جماعة يشملها الإسلام. فإذا فقد الحكم هذا الشرطَ، فإنما هو تحكُّمٌ محضٌ وبهتانٌ خالصٌ. ولست أظنُّ في العالم كله إنسانًا يوصف بالمعرفة يستطيع أن يؤيّد هذا الحكم، بمثل هذه الدلائل، على مثل هذا الشرط، مهما أوتى من العلم، ومن التتبُّع، ومن سوء النية، ومن براعة التخلُّص، ومن تمام القدرة على إظهار الباطِلِ في ثيابٍ مزوَّرة من الحق.
وإلا فإن هذا الحكم الشامل، مظلمةٌ جائرة مُبِيرة لأهل العصور الأولى من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، وقادحٌ بليغٌ في دينهم وأمانتهم، وجائحة طاغيةٌ تزيل كل ثقة بهم وبتاريخهم وأعمالهم، وناقضٌ مُدَمّر ينقضُ كل ما يشهدُ به التاريخ الذي كنا نحنُ آخرَ خلف له في هذا العَصْر.
كلا، بل أتجاوز ولا أطالب من يقضى بهذا القضاء، أن يأتي بكل هذا الشمول بل أقتصر فأدعوه إلى أن يأتي بقضية مفردة عن الإسلام، تجتمع لها هذه الشروط، مصححة صادقة خالية من التوهم والغلو. وأنا على يقين من أن أحدًا لا يطيق أن يفعل، وأن الأمر أكبر من أن يحيط به بيان مبين وعلم عالم. وإنما يؤتى الغارز فكره في هذه الضلالة المتحكمة باتخاذه الحادثة الواحدة المجردة من الاستقصاء والشمول، ومن الاختلاف في أمرها، ومن شمول العمل بها وإنفاذها في جماعات المسلمين - أساسًا لاستقصاء مكذوب وشمول متوهّم.
(2/975)

ثم أتجاوز مرة أخرى وألتمس لهذا الحكم الشامل مخرجًا آخر، أزعم فيه أن العربية والبيان والعقل تبيح مجتمعة أن يكون المراد بالإسلام في هذا الحكم جزءًا من الإسلام، وأن يكون المراد بالذين لم يطبقوه فئة واحدة من المسلمين: فكيف يمكن أن يصح؟
إن المدعى لمثله مطالب عندئذ أن يستقصى هذا الجزء المعطل في تاريخ العصور التي يشملها حكمه، يومًا بعد يوم، وحادثة بعد حادثة. وأن يدل دلالة لا يأتيها الشك أن ذلك هو الذي جرى به العمل في كل جماعة من جماعات المسلمين؛ وأن يأتي بالبرهان على أن هذه الفئة أصرت على أن تجعل هذا الجزء ديدنها في كل زمان ومكان؛ وأنها استطاعت أن تجعل ما خالف حكم الله إلزامًا عامًا للناس كلهم بتشريع من عند أنفسهم يلزم الناس جميعًا العمل به والطاعة له. وهذه هي الشروط التي يقضى محض العقل أنها هي وحدها التي تبيح لامرئ أن ينطق بحكم شامل كهذا الحكم. فإذا لم تتم له هذه الشروط، فما هو إلا التعسف الغليظ الذي لا يبصر وجه الحق إلّا في ظلمات من الباطل، إن صح وأمكن أن يكون التعسف قادرًا عندئذ على أن يبصر.
ثم أتجاوز مرة ثالثة، فأزعم أن من الممكن أن نلتمس شيئًا من الإسلام لا يدخله الخلاف، قد أطبق الخلفاء جميعًا منذ قتل عمر - رضي الله عنه - على تعطيله فما الشروط اللازمة لمثل هذا الممكن؟
ينبغي أن يثبت المرء أولا أن الخليفة قادر على أن يأمر علماء الإسلام وفقهاءهم ومفتيهم وأمراءهم وعامة الناس منهم بهذا الذي يريد تعطيله، وأنهم إن فعل أطاعوه جميعًا وعملوا بما أمر، وأن هذا الشيء من الإسلام قد عطل تمام التعطيل في الحياة الإسلامية كلها في زمنه. ومن البين أن الخليفة رجل من المسلمين، لا يملك أن يشرع للناس شرعًا يعمل به الفقهاء والقضاة والمفتون، ويخضع له عامة الناس علانية ويعملون به في أنفسهم سرًّا. وإذا بطل هذا الشرط، بطل الحكم كله، ولم يبق إلا أن الخليفة ربما قدر على أن يعطل حكما من أحكام الله، فيما يمكن أن تناله يده، وهو في بيته أو قصره أو بلدته، دون سائر بلاد المسلمين. وأن هذا الحكم لا يلزم أحدًا من القضاة ولا الأمراء أن يفعلوا
(2/976)

فعله، لأنه لا يملك أن يشرع لهم ما لم يأذن به الله. وأنا أقطع بأن تاريخ الإسلام كله ليس فيه حادثة واحدة: استطاع خليفة أن يأمر قضاة المسلمين وعلماءهم وفقهاءهم بأمر يخالف كتاب الله وسنة نبيه، فأطاعته الأمة كلها أو بعضها، وعملت بما أراد، وقضت على الناس بقضائه دون قضاء الله.
وينبغي أن يثبت المرء ثانيا أن الخليفة -أو غير الخليفة من أمراء المسلمين في بلدان الأرض المسلمة- قد استطاع أن يجعل هذا التعطيل، بهذه الشروط، عملا متوارثًا في جيل بعد جيل، وأن الأمة قد اتفقت على قبول تعطيله أبدًا وأن هذا هو الذي جرى به العمل بلا ريبة ولا ادعاء ولا توهم ولا اعتساف، وأنا أقطع أيضًا بأن هذا شيء لم يكن قط إلا بعد أن ضرب الاستعمار على هذه الأمة الإسلامية حضارته وثقافته ولون تفكيره.
فهذه الكلمة الباغية الجائرة منقوضة في شمولها وفي تخصيصها، ولا يستطيع منصف بعض الإنصاف أن يجد لها في العقل مخرجًا، ولا في التاريخ شاهدًا، ولا في الفرض المطلق وسيلة إلى تحقيق طرف منها. وهي لا تصح في أحد محمليها إلا كانت حكما على عامة الصحابة والتابعين والفقهاء وخاصتهم بالكفر البواح. فلينظر امرؤ أين يُنزل عقله؟ وفيم يورّط دينه وتقواه؟ وإلى أي قرار تهوى به كلمة تعجب هواه ويستخفها لسانه، ويتغذى بها غروره بنفسه؟
ولم أجعل همى في هذه الكلمات أن أسرد الحجج التي يحتج بها القائلون بهذا الحكم ولا أن أروى ما يعدونه مؤيدًا لهم من روايات التاريخ والكتب. فإني إن فعلت كان لزامًا على أن أقدم نفس هذه المقدمة في شروط الأحكام، ومقدمة أخرى في تمييز ما يعد تاريخًا، ومقدمة ثالثة في انتزاع الحكم العام من الحادثة أو الحوادث، وهل هو صحيح في نفسه أو غير صحيح. ثم آخذها واحدة واحدة فأبين وجه تأويلها أو فهمها أو ردها أو تجريحها إلى آخر ما ينبغي لكل من يتصدى للأحكام على أفراد في التاريخ، فما ظنك بأمم بأسرها في تاريخ كامل كتاريخ العصور الإسلامية أولها وآخرها، وكل ما رميت إليه أن أبين فساد مثل هذا الحكم الشامل، وأسباب فساده، وأن أكشف عن موضع المخافة وثقل الوزر، وجناية
(2/977)

التسرع في تعميم الأحكام بلا بينة من العقل أو الحجة أو التاريخ. وأرجو أن يتاح لي أن أتناوله مرة أخرى بالبيان والتفصيل حتى يتجلى فيه وجه الحق.
(2/978)

تاريخ بلا إيمان
أنا أعلمُ أنى استفتحتُ موضوعًا، لو شئت أن أستهلك فيه تلك الذُّبالة الخفاقة المترددة من بقيّة عمرى، لما استطعتُ أن أوفيه حَقه من البيان. فإن مادة التاريخ كلها تستقبلنى بقضها وقَضيضها، وتتذاءَبُ بين يديَّ أصنافُ الطبائع البشرية التي فطر الله الناسَ عليها -على ما علمَ هو سبحانه من اختلاف نفوسهم وساعاتهم وأيامهم وأجيالهم وعصورهم. وطبيعةُ رجُل واحدٍ حيّ، تعرفه وتعاشرهُ من ولد أبينا آدم صلى الله عليه، مشكلةٌ تعجز الفارس (1) البصيرَ أن يهتدى إلى ما يختبئ فيها من التناقض والتخَفي والتسرُّب. فما ظنُّك بإنسان لم يستبقِ لك الله منْه ما تعرفه به إلا نبذًا يسيرًا من أخبار تُروى، لا تستغرقُ سوى صفحة أو صفحات، ولقد قضى في الدنيا عُمُرًا من قبلُ، لو هو قُيّد وكتب بجميع ما أحدث فيه، لما وسعته المجلدات الضخمة؟ فانظر إذنْ أين ينتهي بك توهمك، وأنت تتحرَّى أن تتعرَّفَ خبءَ مؤلّفه من مثل هذا الإنسان، عاشت أعمارًا طوالا وقصارًا في طوايا الغيب الماضي، استنفدتها بأعمالها وخواطرها ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام -في تاريخ متقادِمٍ متطاول يمتدُّ في غيب الماضي سبعين سنة، وثلاثمائة سنة، وألف سنة، أو تزيد! ! هذا تصوُّرٌ مثبطٌ للفكر، ولكنه ضرورة لا غِنى عنها للمؤرخ، وهو أشد ضرورة لمؤرخ يكتب تاريخ أهل الإسلام، ثم هو أفدح ضرورة لأنه تاريخ -ما علمتُ- يختلف اختلافًا مبينًا صارخًا عن كل تاريخ عهده البشر في سائر تواريخهم، ثم هو الضرورة الراسخة لمن ورَّط نفسه في تاريخ أهل القرون الأولى من الإسلام. بيد أنّ المؤرخ المسلم وحده هو القادر على أن يكتب تاريخ أهل الإسلام، وغيرهم إن شاءَ، على وجه يمكن أن يوصف بالنبل والفهمِ والصدق والأمانة والثقة- إذا هو حرَصَ على أن يتأدّب بما أدَّبه به ربه من أخلاق تَلزمه في معاملته، كما تصحبهُ في
__________
(*) المسلمون، العدد الثاني، 1371 هـ / 1951، ص: 138 - 145
(1) الفارس هنا: صاحب الفراسة.
(2/979)

تفكيره وبحثه، وإذا هو مكن في قلبه ونفسه الطاعة لما تركه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أدب كان يؤدب به أصحابه ممسكا بِحُجُزِهم أنْ: هلموا عن النار!
وعلمُ ضمائر خلق الله علم قد استأثر به ربنا سبحانه علامُ الغيوب. ومع ذلك، فلست أغالى شيئًا إذا زعمتُ لك أن أكثر من ثلاثة أرباع تاريخ الدنيا، لم يجتمع ولم يتكوَّن ولم يصبح عملا في الأرض، إلا من خفيات هذه الضمائر. ونحن حينَ نرى نتائج أعمال البشر، والتي نزعمها أو نسميها تاريخًا، لا نرى إلا أثرًا شاحبًا متهافتًا مما استسرّ في جوانح خلق الله. وهذه الآثار ربما تشابهتْ عندنا تشابهًا غريبًا، مع أن الأسباب التي أحدثتها تختلف في حقيقتها وطبيعتها كل الاختلاف. فإذا خفيت الأسبابُ وتشابهت الآثار، فإجراءُ حكمٍ واحد على هذه الآثار المتشابهة خطلٌ وسوء رأي، وإعظامٌ في الفرية على الناس الماضين، وإغراقٌ في التضليل بالناسِ الحاضرين. وأنا لا أحيلك في معرفة مصداقِ ما أقول إلى التاريخ الماضي، بل إلى ما تشهدهُ بعينيك، وتسمعهُ بأذنيك، وتدركهُ ببصيرتك وفكرك من أحوال الناس الذين تعاشر، والتاريخ الذي يصنع الآن بمرأى منك ومسمع، ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم. فانظر كيف يحكُم الناس بعضهم على بعض، وكيف يفسر بعضُهم أعمالَ بعض، فإذا صح هذا عندك وتأملته، علمت لم أوثر أن أدعوك إلى تصوّر أزمنة التاريخ وخلائقه، تصوُّرًا طويلا عريضًا متراحبًا، يكاد يثبط الفكر الإنساني عن العناية به والإلحاح عليه.
وهذا الأصلُ الذي يكادُ يبلغُ مبلغَ البديهيَّ، أصلٌ متروك في التأريخ الحديث. وذلك لأن حضارة هذا القرن العشرين المتحدّرةَ من عصور المدنية الأوربية الوثنية والمسيحية، قد انبثقت من ضرورات اجتماعية وأخلاقية ودينية، لا يمكنُ أن تدع لمثل هذا الأصل مكانًا في التصوُّر، إلا شعاعًا ميتَ النور، ربما انبثَّ في بعض ما يؤلفون، محاطًا بظلمات شديدة من الجرأة والتهجم والافتراء والرجم بالغيب، والمبالغة في اعتداد المؤرخ منهم بنفسه، والإفراط في ثقته بقدرة عقله، والغلو في تحكيم ما يدَّعيه وما يفرضه على مادَّة التاريخ ورواياته، بغير بينة ولا حُجة.
(2/980)

ثم زاد هذا كله بشاعة حين نجمت طائفة المستشرقين، بأحقادها وضغائنها وسفاهة ألسنتها وسرائرها، وبدأوا يكتبون تاريخ الإسلام على أصولهم الفاسدة، ثم قام في الشرق العربي والإسلامي طائفة أخرى من أصحاب الأهواء، من بين مسلم وغير مسلم، فاتبعوهم وناصروهم، وأذاعوا بعلمهم، وأشادوا بمقدرتهم في التقصَّى وكمال مناهجهم في البحث، فنقلوا إلى العربية ثمرة هذه الأحقاد والضغائن، في كتب ألفوها، ونشرُوها وطارت بين عامة المثقفين، يتلقفها الإعجاب بها، والإفتتانُ بأسلوب قصصها وحكايتها وتحقيقها! وجاء هذا مع غلبة الحضارة المسيحية الأوربية حين تم لها سلطانها في أرض الشرق والإسلام، بالغزو الحربى والسياسي والأدبى والعلمي والاجتماعى والأخلاقى والثقافي عامة، فعشش في القلوب ثم باض ثم فرَّخ كما يقول الجاحظ. وانتهى الأمر بالعرب والمسلمين أخيرًا إلى أن يكون مصدرُ ثقافتهم وفكرهم عدوًا لهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون -تجد ذلك في كتبهم ومجلاتهم، وصحفهم، ومدارسهم ومعاهدهم، وفي معاقل دينهم كالأزهر وغيره. فسادَ من يومئذ الافتراء الكاذبُ سيادة تامة في الحياة العقلية والأدبية، وأصبح تاريخ الإسلام وأدبه وعلمه، منظورًا إليه من صميم أهله المتحمسين بعين تبغضُ، وقلب يعرض، ونفس تزورُّ عنه، ولم ينج من غائلة هذا الفساد إلا من عصم الله، وهي قلة قليلة هي اليوم في طريقها إلى الفناء، إلى الانقراض، إلى مصارع الأولين من أهل العلم والفقه والمعرفة.
من أجل ذلك البلاء المستفيض في حياتنا، وفي عقولنا، وفي دراستنا أقول دائمًا: إنه لا يغرنى من أحد دينه، ولا تقواه ولا علمه ولا جهاده ولا فضله ولا عقله، إذا لم يكن ذلك كله نابعًا من كتاب الله، ومن الحياة الإسلامية المهتدية بهدى الله ورسوله، غير مختلط ما استطاع بذلك الوباء الجائح الذي فرض علينا في صورة مدنية أو حضارة أو علم أو ثقافة. ومن أجل ذلك لم أزل أثور عند كل بثق ينبثق من هذا الشر، في شأن أبي بكر - رضي الله عنه - قديمًا، وفي شأن عثمان - رضي الله عنه -، وفي شأن صحابة رسول الله في أيام فتنة عثمان؛
(2/981)

لأن استشراء ضغائن المستشرقين، واستفحال منهج الحضارة الأوربية في الجرأة على عباد الله بالكذب المتهجم، وادعاء كل مدع ممن يحاول أن يكتب في التاريخ أو يقول: إن هذا هو حق الأسلوب التاريخي -كل ذلك قد مس النفوس والعقول، وأوقع فيها معاني لم تكن لتقع فيها، لو أن حضارة الإسلام وأخلاقه وآدابه وما نبع من هذه الأخلاق والآداب من أساليب العلم والبحث والفكر- بقيت هي السائدة في حياتنا الأدبية والعقلية والعلمية والاجتماعية.
* * *

إن المؤرخين الأوربيين، ثم المستشرقين خاصة، ثم من لفَّ لفهم من المتخطِّفين من فُتَات موائدهم من أهل هذا الشرق العربي والإسلاميّ -يزعمون أنّ للتاريخ منهاجًا أو منهاجين أو ثلاثة أو عشرة، هي كلّ ما يستطيع الباحثُ أن يعتمد عليه في دراسة كلّ تاريخ. وأنا أحبُّ أن أزعمَ أيضًا أن ليس فيها منهاج واحدٌ يصلح لدراسة تاريخ الإسلام، بل أشكُّ كل الشكّ في صلاحه لدراسة تاريخ أيّ الناس كانَ من غير المسلمين. وإذا احتاج المسلمون إلى إعادة كتابة تاريخهم، فحاجتهم لا تنتهي -أو ينبغي ألا تنتهي- إلى الشعور بفقرهم إلى إمام يقتدون به مقلدين، ثم يكونُ هذا الإمامُ منهجًا فاسدًا نشأ في تربة غريبة، ودعتْ إلى نشأته أسباب اجتماعية محدودة، وعلل أخلاقية وعقلية معينة. كلا، فإن تحكيم مثل هذا المنهاج، وفي هذا العصر الذي لوثت ثقافته منابع الفكر كلها وكدرتها، لا يؤدى إلا إلى شيء واحد: هو إفسادُ تاريخ أهل الإسلام إفسادًا يشقُّ إصلاحه. وفي الكتب الحديثة التي كتبها مسلمون متحمسون في هذا العصر، برهانٌ لمن تطلب البرهان، على مقدار ما ينجمُ من الضرر والفساد والعبث والتبديل والتحريف والافتراء، والجهل إن شئت -إذا انطلق كلّ حامل قلم، ليكتب تاريخ أهل الإسلام، على مثل هذه المناهج، وبمثل هذا القصور عن معرفة الحقائق الصريحة في الحياة الإسلامية، وبمثل هذا التقليد البشع للمستشرقين وأكثرهم من اليهود، وبمَثل هذا الإغفالِ الشديد للفرق بين الأصول التي قامت عليها حضارة هذا الإسلام وانفردت بها دون سائر الحضارات، والأصول التي
(2/982)

قامت عليها حضارة سائر أمم الأرض؛ وتناولها المؤرخون بالبحث والتنقيب والكتابة والتصوير.
وإذا كان الهاتف الذي هتف بالناس أنْ: "افهموا الإسلام فهمًا جديدًا" قذف بالمسلمين وبعقولهم وأهوائهم في متاهة لا يعلم غايتها إلا الله وحده، فإنه حين هتف أيضًا بهم أن: "افهموا تاريخ الإسلام فهمًا جديدًا"، أوشك كما قلتُ أن يهوى بتاريخ أهل الإسلام وأئمته في ظلمات مطبقة لا يطلع على خبثها إلا عالم غيب السموات والأرض. وقد مارستُ دعوَى من اتبعوا هذا الهاتف سنين، ولا أزال أمارسها وأتتبعها، فأدركتُ أن شيمة هذا العصر الوبئ، هي الغالبةُ دائمًا على أصحاب هذا الهاتف: من تحطيم، وتدمير، وغلو، وجرأة، وإصرار على التحكم، وضراوة في التهجم، وإغراق في الرجم بالغيب، وإفراط في ثقة المرء بقدرة عقله واعتداده بنفسه. ومن أجل ذلك كرهتُ كلمة التجديد هذه، وأنفتُ لنفسي أن أثق بالألفاظ التي يلقيها كثيرٌ من المتحمسين للإسلام، إذا لم أجد عمل أحدهم وتطبيقه وسيرته ونهجهُ، تؤيد دائمًا دلالة هذه الألفاظ على معانيها. هذا، إذا صحّ عندي أن منبع هذه الألفاظ هو دين الله نفسه، كما نزل في كتابه، بسياقه وبيانه وعربيته غير مؤَوَّل ولا مصروف عن وجهه وكما أوحى إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - في سيرته وعمله وتأديبه وحديثه، وكما جرت به سيرة أصحاب رسول الله، الذين أقاموا دين الله في الأرض، ولزموا طاعة الله ورسوله، وارتضاهم ربهم خلفاء في أرضه، وألزمهم كلمة التقوي وكانوا أحق بها وأهلها.
* * *

ولعلك ترانى شديد الحرص على أن أجعل أخلاقَ الإسلام وآدابَه وسننه وسائر ما يكون به الإسلام إسلامًا، هي الأصلُ الذي لا غنى عَنْه لمن يتعرَّض لكتابة تاريخ أهل الإسلام. وترانى أكادُ أقطع بأن هذا هو المنهجُ لا غيرُه من مناهج البحث، كما تعرف مناهج البحث في العصر الحديث. وأقول لك: نَعَمْ، ونِعمة
(2/983)

عين (1)، فأنا أنكر أن يكون في الدنيا شئٌ يسمى منهاجًا للبحث والفكر أو أسلوبًا أو طريقة إلا وهو منبثق من سرّ النفس الإنسانية، من تصوُّراتها ومآلفها، من عِشرتها وعهدها بما يحيط بها، من أسباب تصرُّفها في خواطرها، من دوافع نقدها للأشياء وتقديرها، من استحسانها واستقباحها، من دَواعى حبها وبغضها، من كلّ ما تعيش به في دخيلتها، وتعاشر به ما يتصل بها، بل إن العقل المجرّد نفسه، لا يستطيع أن يدرك الحق وحده، ولا أن يستقلّ بمعرفته وبالبيان عنه ولا أن ينفرد بشيء يسمى تفكيرًا، متخليًا عن جاراته من الطائع والغرائز والسلائق ومن العادات والآداب، ومما تسخطه النفس أو تحمدُه، ومما تحبه أو تكرهه، بل إن أكثر علم الناس في هذه الدنيا لا ينشق لهم طريقه إلا بما استقرَّ فيهم من أخلاقٍ وآدابٍ وسننٍ متبعة، بل إن اختلاف الأخلاق والآداب والسنن، أصلٌ أصيل في اختلاف العلم، ومفهوم العلم، وطبيعة العلم، بل إنّ الحضارات المتباينة، بعلمها وفنونها وصناعتها وآدابها، لم تتباين كل هذا التباين، إلا من جراءِ تباين الآداب والأخلاق والسنن في كل حضارة. فإذا أنا حرصتُ على أنْ أجعل أخلاقَ الإسلام وآدابه وَسننه هي الأصلُ الذي لا ينفك منه مؤرخ الإسلام، فذلك لأن المنهاجَ الذي يتبعه الباحث، لا يمكن إلا أن يكونَ صَدى لما تقوم به حياته التي يعانيها في دخيلة نفسه بالليل والنهار، وفي السرّ والعلن، وفي المنشطِ والمكره، وفي الرضا والغضب.
والتاريخ، في زماننا، ليس علمًا على الحقيقة، كما ترى في الكيمياء والحساب والهندسة، بل هو تفسيرٌ لحوادث خفية الأسباب، مطمورة الجذور، متعدّدَةِ الدوافع، كثيرة المحامل والوجوه، متعلقة كل التعلق بحياة كل فرد عاش في الفترة التي تريدُ أن تؤرخها، شديدةِ الخضوع لعوامل لا يحصيها إلا الله وحده سبحانه. فما كان هذا شأنه وتعقيده، واختلاف أسبابه، وخفاء علله ودوافعه، فإنّ منهاجَ دراسته لا يقوم أبدًا على مقاييس لا تختلُّ كمقاييس الرياضة أو التجربة؛
__________
(1) تقول: نَعَمْ ونعْمَةَ (مثلثة النون) عَيْنٍ: أي أفعلُ ذلك كرامةً لك.
(2/984)

بل هو يلقى المؤرخ بقدر هائل من الطبائع الإنسانية المتآلفة والمتنافرة، والمتآخية والمتناحرة، والمتفقة والمتناقضة، والظاهرة والغامضة، فلا معدَى له عن لقائها بقدر مثله من نفسٍ تراحبَ إدراكها للطبائع والسجايا والأخلاق. ومادامَ الأمرُ قد انتقل من المقاييس المحدَّدة الضابطة، إلى إدراك الطبائع الإنسانية البعيدة الغوْر، الخفية السرِّ، المتباينة الصور، بقدْر تباين صور البشر وألوانهم وأشكالهم وألسنتهم وأصواتهم وأهوائهم ونوازعهم -فقد انتقل المنهاج كله من التحديد الضابط الى التشتت المفزع الذي لا تدْري ماذا تأخذُ منه أو تَدع. فلا مناص إذن لأي عاقل بعض العقل من الرجوع الى شيء لا يختلف، يقومُ على أصل صحيح من هذا التقدير المخيف لاختلاف الطبائع، ومهما التمس الإنسان شيئًا يَفي بضبط هذا القدْر من التباين المتفجر، فهو خليقٌ ألا يجده. فإذا أثبته العجز عنه فآثر أن يغفله لمجرد شهوة يشتهيها، وهي أن يكتب للناس ويؤرخ لهم، فهو عندئذ خليقٌ أن يضلَّ في تقديره، وفي تصوّره، وفي حكمه، وصار كل ما يأتي به رجمًا وظنونًا وأهواءً وعبثًا وافتراءً وتكذبًا واقتفاء لما ليس له به علم: وهذا الذي كان.
وليس على الأرض العاقلة شيء يمكنُ أن يعدَّ ميزانًا عادلا لهذه الطبائع البشرية التي وصفنا، إلا ميزان واحدٌ لا غير، هو الذي أنزلهُ ربُّ العالمين إذ يقول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد: 25].
واهتداء البشر بالكتاب، وفقههم لمعانيه، واتخاذهم الميزان الذي أنزله الله على أنبيائه ورُسله، أصلا يتعايشون به في حياتهم ويتحاكمون إليه في النظر والفكر، وفي العلم والفقه، وفي المعرفة والتقدير، وفي القياس والاستنباط، هو الوسيلة الوحيدة التي تضمن لصاحب الرأي أن يكون رأيه قريبًا من الحقّ، ويكون منهاجه قادرًا بعضَ القدرة على لقاء هذه الكثرة الجياشة من الاختلاف. فإن منزل الميزان للناس ليقوموا بالقسط، هو الذي خلق الناس مختلفين، وجعل لهم هذا الميزان بإزاء هذا الاختلاف.
(2/985)

ولم يبق على الأرض العاقلة تنزيلٌ لا يأتيه الباطلُ من يديه ولا من خلفه، سوى كتاب واحد لا غير، هو كتاب الله تبارك اسمه، ثم بيان هذا الكتاب، وهو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. فهما بجميع ما نزل فيهما، وما يستنبطُ منهما، غير مؤول عن حقه، ولا مصروف عن وجهه ولا مضروب بعضه ببعض: أخرجا الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من الظلمات إلى النور، فجعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدًا. فلما أطاعوا الله وأطاعوا رسوله، واتبعوا ما أنزل إليهم وساروا بما استطاعوا مما أوحي إليهم من البينات والكتاب والحكمة أثنى عليهم ربهم بأفضل ثنائه سبحانه فقال لهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران: 110]. ثم نبأهم بعد بما نعتهم به فيما نزل على موسى - صلى الله عليه وسلم -، وفيما نزل على عيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن يكونوا هم شيئًا مذكورًا فقال لهم فيما يتلى عليهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح: 29]. صدق الله وكذب القوَّالون.
فهؤلاء الذين زكّاهم ربهم وعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وبشّرهم في أواخر ما نزل على نبيهم: بآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم، من سائر التابعين ومن تبعهم بإحسان، هم الذين كان بهم تاريخ الإسلام تاريخًا، وبما اتبعوا من آدابه وأخلاقه وسننه، وبما كانوا به بشرًا يتعاشرونَ فيتآلفون ويتنافَرون، وبما أخطأوا وأصابوا، وبما عدلوا وأسرفوا، وبما استغفروا إلى ربهم وتابوا، وبما اجتهدوا فأحسنوا أو اجتهدوا فأساءوا، وبكلّ ما تكون به الحياة الإنسانية حياةً مختلفة الأبدان والوجوه والصور والأعمار، مختلفة الطبائع والغرائز والنوازع، مختلفة الحاجات والدوافع، مختلفة المساخط والمحامد، مختلفة فيما يحبُّ وما يكره، مختلفةً فيما يغضبُ ويرضى، معدَّلة في كل ذلك
(2/986)

بضابط لم يوجد مثله في تاريخ البشر: تقوى الله، والتوبة إلى ربّ العالمين. فقاموا بذلك كله إذ ألزمهم ربهم كلمة التقوى في السر والعلن، وعادوا إليه من عند زلاتهم توابين مستغفرين بالأسحار، وعاشت هذه الأمة المنفردة في تاريخ الجنس البشريّ، وأنشأت تاريخها برضى الله عن بعض عملها، وغضبه على بعض، وبعقابه لبعض أهلها ومغفرته لبعضٍ، ولم يجعلهم ربهم أمة معصومةٌ من خطإ، ولكنهم يخطئون ويتوبون ما انفسحت آجالهم، يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة، فيرحمهم ربُّهم ويتوب عليهم، ويعاقبهم ببعض ذنوبهم {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [سورة فاطر: 45].
فمن غير الممكن، وأكادُ أقول إنه المستحيل، أن يطيق إنسانٌ لم يتأدَّبْ بما تأدبوا به في أنفسهم، وبما صار به تاريخهم تاريخًا فيه مشابه من تواريخ الأمم، ولكنه مختلفٌ عنها كل الاختلاف -أن يكون مصيبًا أو مقاربًا للصواب، أو خليقًا بأن يدرك بعضَ الصواب، إذا هو أرادَ أن يكتب تاريخهم على النهج الذي نعرفه اليوم من كتابة التاريخ، والذي تُرمى فيه الأحكام جزافًا بلا تقوى ولا ورع، ولا مخافةٍ من ظنّ السوء، ولا هيبة من بهت الناسِ بما ليس فيهم، ولا تأثم من الاجتراء على غيب لا يعلمه إلّا العليم الخبير. والذي لم يجرّبْ هذه الآداب في سريرة نفسه، غير مستطيع أن يدرك مأتَى أعمال هؤلاء الناس، ولا مقاطع أحكامهم، ولا سيرة حكامهم، ولا طبيعة حياتهم، بل هو خليق أن يخلط ما جرى في حياتهم وأيامهم، بما جرى في حياة غيرهم وأيامهم، وأن يحكم على الذي كان يجرى بينهم سهلا يسيرًا منظورًا إليه بما ينظر به إلى مجرد الاختلاف في الرأي، حكما جازمًا قاطعًا مدمرًا، كأن الله وَكَّلَ إليه الاطلاع على سرائر خلقه، وفوض إليه أن يقضى فيهم بقضائه: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة آل عمران: 129].
(2/987)

المسلمون
المسلمون فما أَذَلَّهمو ... في هذه الدنيا وهم كُثْرُ
جدُّوا فجدَّ زمانُهم بهمو ... وتغيَّروا فتغيَّرَ الدهرُ
(2/988)

" لا تسبُوا أصحَابي"
حسبُ امرئ مسلم لله أن يبلغه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسبُّوا أصحابى! لا تسبُّوا أصحابى! فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفقَ مثل أحُد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه" (1)، حتى يخشع لربّ العالمين، ويسمع لنبيّ الله ويطيعُ، فيكفّ غَرْب (2) لسانه وضراوة فكره عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم يعلم علمًا لا يشوبه شكٍّ ولا ريبةٌ، أن لا سبيل لأحد من أهل الأرض، ماضيهم وحاضرهم، أن يلحق أقلَّ أصحابه درجة، مهما جهد في عبادته، ومهما تورّع في دينه، ومهما أخلص قلبه من خواطر السوء في سرّه وعلانيته. ومن أين يشك وكيف يطمعُ، ورسول الله لا ينطقُ عن هَوًى، ولا يداهنُ في دينٍ، ولا يأمرُ الناس بما يعلم أن الحقّ في خلافه، ولا يحدّث بخبر، ولا ينعتُ أحدًا بصفة، إلا بما علمه ربه وبما نبأه؟ وربه الذي يقول له ولأصحابه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}. [سورة الزمر: 33: 35].
ثم يبين - صلى الله عليه وسلم - عن كتاب ربه فيقول: "خير الناس قَرْنى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". ثم يزيد الأمر بيانًا - صلى الله عليه وسلم -، فيدل المؤمنين على المنزلة التي أنزلها الله أصحاب محمد رسول الله، فيقول: "يأتي على الناس زمانٌ، فيغزو فئامٌ من (3) الناس فيقولون: فيكم مَن صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس فيقال: هل فيكم من صاحبَ أصحاب رسول الله
__________
(*) المسلمون، العدد الثالث، 1371 هـ/ 1952، ص: 246 - 255
(1) المُدّ: رُبْع الصاع، وإنما قدّره به - صلى الله عليه وسلم - لأنه أقل ما كانوا يتصدّقون به. والنَّصِيف والنِّصف بمعنى.
(2) غرب اللسان: حَدُّه.
(3) الفئام: الجماعة الكثيرة.
(2/989)

- صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فِئَامٌ من الناس فيقال: هل فيكم من صاحبَ مَن صاحب أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم". فإذا كان هذا مبلغ صحبة رسول الله، فأي مسلم يطيق بعد هذا أن يبسط لسانه في أحد من صحابة محمد رسول الله؟ وبأي لسان يعتذر يوم يخاصمونه بين يدي ربهم؟ وما يقول وقد قامت عليه الحجة من كتاب الله ومن خبر نبيه؟ وأين يفر امرؤ من عذاب ربه؟
وليس معنى هذا أن أصحاب محمد رسول الله معصومون عصمة الأنبياء، ولا أنهم لم يخطئوا قط ولم يسيئوا، فهم لم يدّعوا هذا، وليس يدّعيه أحدٌ لهم. فهم يخطئون ويصيبون، ولكنّ الله فضّلهم بصحبة رسوله، فتأدبوا بما أدَّبهم به، وحرصوا على أن يأتوا من الحق ما استطاعوا، وذلك حسبهم، وهو الذي أمروا به، وكانوا بعدُ توَّابين أوَّابين كما وصفهم في محكم كتابه. فإذا أخطأ أحدهم، فليس يحلُّ لهم، ولا لأحد ممن بعدهم، أن يجعل الخطأ ذريعةً إلى سبهم والطعن عليهم. هذا مجمل ما أدبنا به الله ورسوله. بيد أن هذا المجمل أصبح مجهولا مطروحًا عند أكثر من يتصدى لكتابة تاريخ الإسلام من أهل زماننا، فإذا قرأ أحدهم شيئا فيه مطعنٌ على رجل من أصحاب رسول الله سارع إلى التوغل في الطعن والسبِّ، بلا تقوى ولا ورع. كلا، بل تراهم ينسوْن كل ما تقضى به الفطرة من التثبت من الأخبار المروية، على كثرة ما يحيط بها من الريب والشكوك، ومن الأسباب الداعية إلى الكذب في الأخبار، ومن العلل الدافعة إلى وضع الأحاديث المكذوبة على هؤلاء الصحابة.
ولن أضرب المثل بما يكتبه المستشرقون ومن لف لفهم فهم كما نعلم. ولا بأهل الزيغ والضلال والضغينة على أهل الإسلام، كصاحب كتاب الفتنة الكبرى (1) وأشباهه من المؤلفين. بل سآتيك بالمثل من كلام بعض المتحمسين (2) لدين ربهم، المعلنين بالذبّ عنه والجهاد في سبيله. لتعلم أن
__________
(1) للدكتور طه حسين -رحمه الله-.
(2) يعني الأستاذ سيد قطب، -رحمه الله-، في كتابه "العدالة الإجتماعية".
(2/990)

أخلاق المسلم هي الأصل في تفكيره وفي مناهجه وفي علمه، وأن سمة الحضارة الوثنية الأوربية، تنفجر أحيانًا في قلب من لم يحذر ولم يتق، بكل ضغائن القرن العشرين وبأسوأ سخائم هذه الحضارة المتعدية لحدود الله التي كتب على عباده -مسلمهم وكافرهم- أن لا يتعداها.
أربعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هم أبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وهند بنت عتبة بن ربيعة، أم معاوية. -رضي الله عنهم- كيف يتكلم أحد الناس عنهم.
1 - "فلما جاء معاوية، وصيَّر الخلافة الإسلامية مُلكا عضوضًا في بني أميّة، لم يكن ذلك من وحي الإسلام، إنما كان من وَحْى الجاهلية" ولم يكتفِ بهذا بل شمل بني أمية جميعًا فقال: "فأمية بصفة عامة لم يَعْمر الإيمان قلوبَها وما كان الإسلام لها إلا رداء تخلعه وتلبَسُه حسب المصالح والملابسات".
2 - ثم يذكر يزيد بن معاوية بأسوأ الذكر ثم يقول: "وهذا هو "الخليفة" الذي يفرضه معاوية على الناس، مدفوعًا إلى ذلك بدافع لا يعرفه الإسلام؛ دافع العصبية العائلية القبلية. وما هي بكثيرة على معاوية ولا بغريبة عليه. فمعاوية هو ابن أبي سفيان. وابن هند بنت عتبة، وهو وريث قومه جميعًا وأشبه شيء بهم في بُعد روحه عن حقيقة الإسلام. فلا يأخذ أحدٌ الإسلام بمعاوية أو بني أمية، فهو منه ومنهم برئ".
3 - "ولسنا ننكر على معاوية في سياسة الحكم ابتداعه نظام الوراثة وقهر الناس عليها فحسب، إنما ننكر عليه أولا وقبل كل شيء إقصاءه العنصر الأخلاقى، في صراعه مع على، وفي سيرته في الحكم بعد ذلك، إقصاءً كاملا لأول مرة في تاريخ الإسلام. . . فكانت جريمة معاوية الأولى، التي حطمت روح الإسلام في أوائل عهده هي نفي العنصر الأخلاقى من سياسته نفيًا باتًّا. ومما ضاعف الجريمة أن هذه الكارثة باكرت الإسلام ولم تنقض إلا ثلاثون سنة على سُننه الرفيعة. . . ولكى ندرك عمق هذه الحقيقة يجب أن نستعرض صورًا من سياسة الحكم في العهود المختلفة على أيدي أبي بكر وعمر، وعلى أيدي عثمان
(2/991)

ومروان. . . ثم على أيدي الملوك من أمية. . . ومن بعدهم من بني العباس، بعد أن خُنقت روح الإسلام خنقًا على أيدي معاوية وبنى أبيه".
4 - "ومضى على إلى رحمة ربه، وجاء معاوية بن هند وابن أبي سفيان! " (وأنا أستغفر الله من نقل هذا الكلام، بمثل هذه العبارة النابية فإنه أبشع ما رأيته! ) ثم يقول: "فلئن كان إيمان عثمان وورعه ورقته، كانت تقف حاجزًا أمام أمية .. لقد انهار هذا الحاجز، وانساح ذلك السد، وارتدّت أمية طليقة حرة إلى وراثاتها في الجاهلية والإسلام. وجاء معاوية، تعاونه العصبة التي على شاكلته، وعلى رأسها عمرو بن العاص. قوم تجمعهم المطامع والمآرب، وتدفعهم المطامح والرغائب، ولا يمسكهم خلق ولا دين ولا ضمير" (وأنا أستغفر الله وأبرأ إليه). ثم قال: ولا حاجة بنا للحديث عن معاوية، فنحن لا نؤرخ له هنا، وبحسبنا تصرفه في توريث يزيد الملك، لنعلم أي رجل هو. ثم بحسبنا سيرة يزيد لنقدّر أية جريمة كانت تعيش في أسلاخ أمية على الإسلام والمسلمين".
5 - ثم ينقل خطبة يزعم أنها لمعاوية في أهل الكوفة بعد الصلح يجئ فيها قول معاوية: "وكل شرط شرطته، فتحت قدميّ هاتين" ثم يعقب عليه مستدركا: "والله تعالى يقول: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} والله يقول: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} فيؤثر الوفاء بالميثاق للمشركين المعاهدين، على نصرة المسلمين لإخوانهم في الدين. أما معاوية فيخيس بعهده للمسلمين، ويجهر بهذه الكبيرة جهرة المتبجحين! .. إنه من أمية، التي أبت نحيزتها أن تدخل في حلف الفضول! ".
6 - ثم يذكر خطبة أخرى لمعاوية في أهل المدينة: "أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم" ثم يعلق عليها فيقول: "أجل ما وليها بمحبة منهم. وإنه ليعلم أن الخلافة بيعة الرضى في دين الإسلام. ولكن ما لمعاوية وهذا الإسلام .. وهو ابن هند وابن أبي سفيان! ".
(2/992)

7 - "وأما معاوية بعد عليّ، فقد سار في سياسة المال سيرته التي ينتفي منها العنصر الأخلاقيّ، فجعله للرُّشى واللهى وشراء الأمم في البيعة ليزيد، وما أشبه هذه الأغراض، بجانب مطالب الدولة والأجناد والفتوح بطبيعة الحال".
8 - ثم قال شاملا لبنى أمية: "هذا هو الإسلام، على الرغم مما اعترض خطواته العملية الأولى، من غلبة أسرة لم تعمرْ روحُ الإسلام نفوسها. فآمنت على حرف حين غَلب الإسلام، وظلّت تحلم بالملك الموروث العضوض حتى نالته، فسارت بالأمر سيرة لا يعرفها الإسلام".
هذا ما جاء في ذكر معاوية، وما أضفى الكاتب من ذيوله على بني أمية، وعلى عمرو بن العاص. وأما ما جاء عن أبي سفيان بن حرب فانظر ماذا يقول:
9 - "أبو سفيان هو ذلك الرجل الذي لقى الإسلام منه والمسلمون ما حفلت به صفحات التاريخ، والذي لم يسلم إلا وقد تقررت غلبة الإسلام. فهو إسلام الشفة واللسان، ولا إيمان القلب والوجدان. وما نفذ الإسلام إلى قلب ذلك الرجل قطّ، فلقد ظلّ يتمنى هزيمة المسلمين ويستبشر لها في يوم حنين، وفي قتال المسلمين والروم فيما بعد، بينما يتظاهر بالإسلام. ولقد ظلت العصبية الجاهلية تسيطر على فؤاده. . . وقد كان أبو سفيان يحقد على الإسلام والمسلمين، فما تعرض فرصة للفتنة إلا انتهزها. ."
10 - "ولقد كان أبو سفيان يحلم بملِك وراثى في بني أمية منذ تولى الخلافة عثمان فهو يقول: "يا بني أمية. . . تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم، ولتصيرنَّ إلى صبيانكم وراثة! ". وما كان يتصوَّر حكم المسلمين إلا ملكا حتى في أيام محمد، (وأظن أنا أنه من الأدب أن أقول: - صلى الله عليه وسلم -)، فقد وقف ينظر إلى جيوش الإسلام يوم فتح مكة، ويقول للعباس ابن عبد المطلب: "والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك أليوم عظيما"، فلما قال له العباس. إنها النبوّة! قال: نعم إذن! . . .
"نعم إذن! وإنها لكلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه، فما كان مثل هذا القلب ليفقه إلا معنى الملك والسلطان".
ثم يقول عن هند بنت عتبة أم معاوية.
(2/993)

11 - "ذلك أبو معاوية. فأما أمه هند بنت عتبة، فهي تلك التي وقفت يوم أحد، تلغ في الدم إذ تنهش كبد حمزة كاللبؤة المتوحشة، لا يشفع لها في هذه الفعلة الشنيعة حق الثأر على حمزة، فقد كان قد مات. وهي التي وقفت بعد إسلام زوجها كرها بعد إذ تقررت غلبة الإسلام تصيح. "اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه. قُبّح من طليعة قوم! هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم؟ ".
* * *

هؤلاء أربعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يذكرهم كاتب مسلم، بمثل هذه العبارات الغريبة النابية! بل زاد، فلم يعصم كثرة بني أمية من قلمه، فطرح عليهم كلّ ما استطاع من صفات تجعلهم جملة واحدة، برآء من دين الله؛ ينافقون في إسلامهم، وينفون من حياتهم كل عنصر أخلاقى! كما سماه. وأنا لن أناقش الآن هذا المنهج التاريخى، فإن كلّ مدع يستطيع أن يقول: هذا منهجى، وهذه دراستى. بل غاية ما أنا فاعل أن أنظر كيف كان أهل هذا الدين، ينظرون إلى هؤلاء الأربعة بأعيانهم، وكيف كانوا -هؤلاء الأربعة- عند من عاصرهم ومن جاء بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم. وأيضًا فإني لن أحقق في هذه الكلمة فساد ما بُنى عليه الحكم التاريخيّ العجيبُ، الذي استحدثه لنا هذا الكاتب، بل أدعه إلى حينه.
فمعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، أسلم عام القضية؛ ولقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمًا؛ وكتم إسلامه من أبيه وأمه. ولما جاءت الردة الكبرى؛ خرج معاوية في هذه القلة المؤمنة التي قاتلت المرتدّين؛ فلما استقر أمرُ الإسلام وسير أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان - رضي الله عنه -. فلما مات يزيد في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لأبى سفيان: أحسن الله عزاءك في يزيد. فقال أبو سفيان. من ولّيت مكانه؟ قال. أخاه معاوية. قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين. وبقى معاوية واليا لعمر على عمل دمشق. ثم ولاه عثمان الشام كلها؛ حتى جاءت فتنة مقتل عثمان؛ فولى معاوية دم عثمان لقرابته؛ ثم كان بينه وبين على ما كان.
(2/994)

ويروى البخاري: (5: 28) أن معاوية أوتر بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه فإنه صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال في خبر آخر: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه أوتر بواحدة، فقال ابن عباس: إنه فقيه. وروى أحمد في مسنده (4: 102) عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس أن معاوية أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصر شعره بمشقص (1). فقلت لابن عباس: ما بلغنا هذا الأمر إلا عن معاوية! فقال: ما كان معاوية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متهمًا. وعن أبي الدرداء: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أميركم هذا يعني معاوية (مجمع الزوائد 9: 357). وروى أحمد في مسنده (4: 101) عن أبي أمية عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده أن معاوية أخذ الإداوة (2) بعد أبي هريرة يتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها، واشتكى أبو هريرة، فبينا هو يوضئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع رأسه إليه مرة أو مرتين فقال: يا معاوية؛ إن وليت أمرًا فاتق الله -عزّ وجل- واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أنى مبتلى بعمل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ابتُليتُ. وروى أحمد في مسنده (4: 127) عن العرباض بن سارية السلمى قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: هلموا إلى الغداء المبارك! ثم سمعته يقول: اللهمّ علم معاوية الكتاب والحساب وقِه العذاب. وروى أحمد في مسنده (4: 216) عن عبد الرحمن ابن أبي عميرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر معاوية فقال: "اللهم اجعله هاديًا مهديًّا واهد به".
هذا بعض ما قيل في معاوية - رضي الله عنه -، وفي دينه وإسلامه. فإن كان هذا الكاتب قد عرف واستيقن أن الروايات المتلقفّة من أطراف الكتب تنقض هذا نقضا حتى يقول إنّ الإسلام برئ منه، فهو وما عرف. وإن كان يعلم أنه أحسنُ نظرًا ومعرفة بقريش من أبي بكر حين ولّى يزيد بن أبي سفيان، وهو من بني أمية، وأنفذ بصرًا من عُمرَ حين ولّى معاوية. فهو وما علم! وإن كان يعلم أنّ معاوية لم
__________
(1) المشقص: نصل طويل عريض (المقص).
(2) الإداوة: إناء من جلد صغير كالقربة.
(2/995)

يُقاتل في حروب الردّة، إلّا وهو يضمر النفاق والغدر، فله ما علم. وإن كان يرى ما هو أعظمُ من ذلك؛ أنه أعرف بصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من رسول الله الذي كان يأتيه الخبر من السماء بأسماء المنافقين بأعيانهم، فذلك ما أعيذه مِنهُ أن يعتقده أو يقوله. ولكن لينظر فرق ما بين كلامه وكلام أصحاب رسول الله عن رجل آخر من أصحابه، ثم ليقطع لنَفسه ما شاء من رحمة الله أو من عذابه. ولينظر أيهما أقوى برهانًا في الرواية هذا الذي حدثنا به أئمة ديننا، أم ما انضمَّت عليه دفَّتا كتاب من عُرْض كتب التاريخ، كما يزعمون. ولينظر لنفسه حتى يرجّح رواية على رواية، وحديثًا على حديث، وخبرًا على خبر، وليعلم أن الله تعالى أدّب المسلمين أدبًا لم يزالوا عليه منذ كانت لدين الله الغلبة، حتى ضرب الله على أهل الإسلام الذّلة بمعاصيهم وخروجهم عن حدّ دينهم، واتباعهم الأمم في أخلاقها وفي فكرها وفي تصورّها للحياة الإنسانية. يقول ربُّنا سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} ويقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} ويقول {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}. ولينظر أنّى له أن يعرف أن معاوية كان يعمل "بوحي الجاهلية لا الإسلام"، وأنه بعيد الروح عن حقيقة الإسلام، وأن الإسلام لم يَعمُر قلبه، وأنه خنق روح الإسلام هو وبنو أبيه، وأنه هو وعمرو بن العاص ومن على شاكلتهم، لا يمسكهم خُلق ولا دين ولا ضمير، وأن في أسلاخ معاوية وبنى أمية جريمة أي جريمة على الإسلام والمسلمين، وأنه يخيس بالعَهد ويجهر بالكبيرة جهرة المتبجحين، وأنه ما لمعاوية وهذا الإسلام؟ وأنه ينفي العنصر الأخلاقى من سيرته ويجعل مال الله للرشى واللهي وشراء الذمم، وأنه هو وبنو أمية آمنوا على حرف حين غَلب الإسلام.
* * *

أما أبو سفيان - رضي الله عنه -، فقد أسلم ليلة الفتح، وأعطاه رسول الله من غنائم حنين كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم فقال له: والله إنك لكريم فداك أبي
(2/996)

وأمى، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرًا. ثم شهد الطائف مع رسول الله، وفقئت عينه في القتال، ولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجران، ورسول الله لا يولى منافقًا على المسلمين، وشهد اليرموك، وكان هو الذي يحرض الناس ويحثهم على القتال. وقد ذكر الكاتب فيما استدلّ به على إبطان أبي سفيان النفاق والكفر أنه كان يستبشر بهزيمة المسلمين في يوم حنين، وفي قتال المسلمين والروم فيما بعد، وهذا باطل مكذوب. وسأذكر بعد تفصيل ذلك. أما قول أبي سفيان للعباس "لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما! " فقال العباس إنها النبوة! فقال أبو سفيان: فنعم إذن. فهذا خبر طويل في فتح مكة، قبل إسلامه، وكانت هذه الكلمة "نعم إذن" أول إيذان باستجابته لداعى الله، فأسلم - رضي الله عنه - وليست كما أولها الكاتب: "نعم إذن. وإنها كلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه، فما كان مثل هذا القلب ليفقه إلا معنى الملك والسلطان"، إلّا أن يكون الله كشف له ما لم يكشف للعباس ولا لأبى بكر ولا لعمر، ولا لأصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار. وأعوذ بالله من أن أقول ما لم يكشف لرسول الله ونبيه - صلى الله عليه وسلم -.
وعن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاثًا أعطنيهنّ. قال: نعم قال: تؤمرنى حتى أقاتل الكفار كما قاتلتُ المسلمين. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعلُه كاتبًا بين يديك. قال: نعم. وذكر الثالثة، وهو أنه أراد أن يزوّج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابنته الأخرى عزّة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة فقال: "إن ذلك لا يحلُّ لي".
وأما هند بنت عتبة أم معاوية -رضي الله عنهما- فقد روى عن عبد الله بن الزبير (ابن سعد 8: 171) قال: لما كانَ يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة ونساء معها وأتين رسول الله وهو بالأبطح فبايعنه، فتكلمت هند فقالت: يا رسول الله! الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه. لتنفعني رحمُك يا محمد! إني امرأةٌ مؤمنة بالله مصدقةٌ برسوله. ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة. فقال رسول الله: مرحبًا بك. فقالت: والله ما كان على الأرض أهل خباء
(2/997)

أحبّ إليّ من أن يذلُّوا من خبائك، ولقد أصبحتُ وما على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يعزّوا من خبائك. فقال رسول الله: وزيادة. . . قال محمد بن عمر الواقدى: لما أسلمتْ هندُ جعلت تضربُ صَنمًا في بيتها بالقدوم حتى فلّذته فلذة فلذة وهي تقول: كنّا منك في غرور. وروى البخاري هذا الخبر عن أم المؤمنين عائشة (5: 40).
فهل يعلم عالمٌ أن إسلام أبي سفيان وهند كان نفاقًا وكذبًا وضغينة؟ لا أدري. ولكن أئمتنا من أهل هذا الدين لم يطعنوا فيهم، وارتضاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتضى إسلامهم. وأمّا ما كان من شأن الجاهلية، فقل رجُلٌ أو امرأةٌ من المسلمين لم يكنْ له في جاهليته مثل ما فعل أبو سفيان، أو شبيهٌ بما يروى عن هندٍ إن صحَّ.
وأما عمرو بن العاص، فقد أسلم عام خيبر قدم مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم أمّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سرية إلى ذات السلاسل يدعو بليًّا إلى الإسلام، ثم استعمله رسول الله على عمان فلم يزل واليًا عليها إلى أن توفيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم أقره عليها أبو بكر - رضي الله عنه - ثم استعمله عمر. وروى الإمامُ أحمد في مسنده (2: 327، 353، 354) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ابنا العاص مؤمنان" يعني هشامًا وعمرًا. وروى الترمذي وأحمد في مسنده (4: 155) عن عقبة بن عامر الجهني: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص. وروى أحمد في مسنده (1: 161) عن طلحة بن عبيد الله قال: ألا أخبركم عن رسول الله بشيء؟ ألا إني سمعته يقول: عمرو بن العاص من صالحي قريش. ونعم أهل البيت أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله.
فإذا كان جهاد عمرو، وشهادة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتولية رسول الله ثم أبي بكر ثم عمر، لا تدل على شيء من فضل عمرو بن العاص، ولا تدل على نفي النفاق في دين الله عنه، فلا ندري بعد ما الذي ينفع عمرًا في دنياه وآخرته؟ ولست أتصدى هنا لتزييف ما كتبه الكاتب من جهة التاريخ، ولا من جهة
(2/998)

المنهاج، ولكني أردت كما قلت أن أبين أن الأصل في ديننا هو تقوى الله وتصديق خبر رسول الله وأن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ليسوا لعانين ولا طعانين ولا أهل إفحاش، ولا أصحاب جرأة وتهجم على غيب الضمائر، وأن هذا الذي كانوا عليه أصل لا يمكن الخروج منه، لا بحجة التاريخ، ولا بحجة النظر في أعمال السابقين للعبرة واتقاء ما وقعوا فيه من الخطأ.
ولو صح كل ما يذكر مما اعتمد عليه الكاتب في تمييز صفات هؤلاء الأربعة، وصفة بني أمية عامة، لكان طريق أهل الإسلام أن يحملوه على الخطأ في الاجتهاد من الصحابي المخطئ ولا يدفعهم داء العصر أن يوغلوا من أجل خبر أو خبرين في نفي الدين والخلق والضمير عن قوم هم لقرب زمانهم وصحبتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أولى أهل الإسلام بأن يعرفوا حق الله وحق رسوله، وأن يعلموا من دين الله ما لم يعلمه مجترئ عليهم طعان فيهم.
وأختم كلمتى هذه بقول النووي في شرح مسلم (16: 93) "اعلم أن سبَّ الصحابة -رضي الله عنهم- حرام من فواحش المحرمات، سواء مَن لابَسَ الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون. وقال القاضى: سب أحدهم من المعاصى الكبائر. ومذهبنا ومذهب الجمهور أن يعزر ولا يقتل. وقال بعض المالكية يقتل". وأسدى النصيحة لمن كتب هذا وشبهه أن يبرأ إلى الله علانية مما كتب وأن يتوب توبة المؤمنين مما فرط منه، وأن ينزه لسانه، ويعصم نفسه، ويطهر قلبه، وأن يدعو بدعاء أهل الإيمان {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة الحشر: 10].
من أجل هذا أقول: إن خلق الإسلام، هو أصل كل منهاج في العلم والفهم، سواء كان العلم تاريخًا أو أدبًا أو اجتماعًا أو سياسة. وإلا فنحن صائرون إلى الخروج عن هذا الدين، وصائرون إلى تهديم ما بناه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى جعل تاريخ الإسلام حشدًا من الأكاذيب الملفقة، والأهواء المتناقضة،
(2/999)

والعبث بكل شيء شريف ورثتنا إياه رحمة الله لهم وفتح الله عليهم، ورضاه عن أعمالهم الصالحة، ومغفرته لهم ما أساءوا، -رضي الله عنهم- وغفر لهم وأثابهم بما جاهدوا وصبروا، وعلموا وعلّموا. وأستغفر الله وأتوب إليه.
* * *

طلب الدراهم من الحجارة!
قال أبو معاوية: لقد رأيتنى أنضح أول النهار، وأضرب آخر النهار على بطنى بالمعول. فقيل له: لقد لقيت مؤونة! قال: أجل، إنا طلبنا الدراهم من أيدي الرجال ومن الحجارة، فوجدناها من الحجارة أسهل علينا.
(2/1000)

ألسنَةُ المفترين
ممَّا يُسْتخرَج به الضَّحِك أن يحدّثك المحدّث أو الكاتب بشئٍ سخيفٍ لا يُعْقَل، وهو يُبْدى لكَ الجدّ كل الجدّ فيما يحدِّثُ أو يكتب. ولكنه عندئذٍ لا يريدُ إلّا إضحاكك. فإذا جاءَ امرؤ يفعَل ذَلك وهو لا يريدُ إلا الجدّ، لأنّه قد بَنَى حديثَه عليه عند نفسه وعند سامعه أو قارئه، فهذا هو المضحك المحزنُ معًا. ولكن من العجيب أن يَكون هذا السَّمْتُ الأخيرُ، هو سمْت أكثر الذين يكتبون اليوم في تاريخ الإسلام. ومن البلْوى أن يأتي هذا في زمنٍ أصبحنا فيه وأصبح الناس، وكلّ حرف مكتوبٍ يُعدُّ عندهم كأنه تنزيلٌ يتلقوْنه بالثقة والتسليم لا يكادُ امرؤ مِنهم ينظر في مأتاهُ من أين أتى، ولا في منتهاهُ إلى أين ينتهي. فإذا اجتمع إلى هذه البلوى بلْوى الهوى المخلوط بالغلوِّ، خرجَ الأمرُ كله من الضَّحِك والحزنِ، إلى الهلاكِ المطبق الذي يغتال العقول والنفوس جميعًا.
يرى الكاتب ذو الهوى خبرًا أو أخبارًا، فلا يدفعه هواهُ إلا إلى أخذ أقربها موافقة لهواه، ويمنعُه الهوى من التمييز، ويحمله التعبُّد للحرف المكتوب أن يغمِض كل بصيرةٍ عن مواضع الدَّخل والغشّ والزَّيْف فيما كُتِب، وتشتدُّ البلوى حين ينتصب لهذا التزوير المدمِّر رجالٌ يلبسون للناس ثيابَ الغيرة على دين ربهم، والحمية لماضي أمتهم، والجهادِ في سبيل إعزاز هذا الدين بأنفسهم وألسنتهم. وتجتمع عليهم وعلى الناس صواعق الهلاك، حين يخدع عامة الناس أمرُهم، فيتلقوْن عنهم معاني وأحكامًا وأخبارًا، وما شئتَ من حصائد الألسنة، على غير هُدًى ولا بيّنةٍ. فيوشك أمر الناسِ أن ينتهي إلى الردَّةِ الماحقة، والكفر المستعلِن. كما مضى مثل الأوَّلين، الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، حين استنصحوا الأحبار والرهبان فأطاعوهم على غير هدى ولا بينة ولا كتاب منير.
وقبل أن أفضى إلى الأمثلة التي تبين عن الفساد والضلال، أحبُّ أن يعلم من
__________
(*) المسلمون، العدد الرابع، 1371 هـ/ 1952، ص: 351 - 359
(2/1001)

لم يكن يعلم، أن أسلافنا -رضي الله عنهم- وغفر لهم، منذ ألفوا كتبهم، وضعوا لها قواعد يعرفها أهل هذا العلم، ويجهلها من جنح عن أصولهم وعمى عليه طريقهم. فهم منذ بدأوا يكتبون أسسوا كتبهم على إسناد الأخبار إلى رواتها، وبَرئِوا من عهدة الرواية بهذا الإسناد، ولم يبالوا بعد ذلك أن يكون الخبرُ صحيحًا أو ضعيفًا أو زائدًا أو ناقصًا أو موضوعا مكذوبا؛ لأنهم كانو يعلمون حال الرُّواة ومنازلهم من الصدق والكذب، ومن الورَع والاستخفاف، ومن الأمانة والهوى. وكأنهم أرادوا بهذا أن يجعلوا كتبهم في التاريخ وغير التاريخ سجلا لما قد قيل في زَمانهم وما قبل زمانهم، وما كان يقوله قومٌ، وما كان يقوله آخرون، مهما تعارض القولان أو اختلفا أو تناقضا. وتركوا للعلماء تمييز الحق من الباطل، والصدق من الكذب، على أساسهم المشهور، وهو معرفة الرجال الذين رووا هذه الأخبار أو تكذّبوها. هذا الطبري مثلا (توفي سنة 310) يقول في فاتحة كتابه في التاريخ: "فما يكن في كتابى هذا من خبر ذكرناهُ عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها صحيحًا، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤت في ذلك من قِبَلنا، وإنما أتى من بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدَّى إلينا". ومن عرف كتابه وكتب القوم، علم يقينًا صدق ما يقول، فإنه يأتي بالخبر لا يصحُّ أبدًا، وبالخبر الصحيح الذي لا شك فيه، ولا يعرض لهما. بتصديق أو تكذيب، ثم تراه في موضع آخر قد احتاج إلى البيان عن حال هذين الخبرين، فعندئذ يميز لك ما هو صحيح عنده وما هو باطلٌ من هذين الخبرين. فهو كما قال، إنما يؤدّى إلى الناس ما أدَّى إليه. وكان الناسُ على عهدهم أهل دين وتقوى، لا يستحل امرؤ منهم -إلا من ضلَّ- أن يحتج في دين الله، ولا في تاريخ الناس والحكم عليهم، بخبر لا يدري أصدق قائله فيما روى أم كذب. ثم جاء من بعدهم قوم خلطوا عامة الأخبار بلا إسناد إلى رواتها، فاجتمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، والصادق والمكذوب. ولكن لم يزل دين الناس يعصمهم من شر هذا الخلط المضل، فأمسكوا ألسنتهم عن الخوض في المطاعن والمثالب بلا بينة ولا حجة. فلما جاء
(2/1002)

زماننا هذا، بَشِع الأمر وقبُح. فإن الناس قد هجروا أدب دينهم، ومروءة أسلافهم، وعلم كتبهم، واقتحموا بالجهالة على الظنون المردية، واستخفهم الهوى حتى أخذوا الباطل وعارضوا به الحق بلا تمحيص ولا رواية ولا فهم. وشابهوا زمن هذه الحضارة الغالبة عليهم؛ فاجترؤا وتهوروا واستغلظوا معاني وألفاظًا يتقاذفونها في ألسنتهم وكتُبهم، وقد نفى الشيطان من قلوبهم كلّ معاني الوَرَع ومخافة العذاب يوم القيامة، حتى قذفوا بالغيب من مكانٍ بعيدٍ، واجترأوا على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأوهامهم وأهوائهم فأفحشوا القالة فيهم وفيمن تبعهمِ، بلا معرفة ولا تخوّفٍ، وربّ العالمين ينذرهم فيما يتلون من كتابه: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [سورة الأحزاب: 58].
أفتراهم يحسبون أنَّ الله حرّم عليهم أعراض عبادِه الأحياءِ، وأباحَ لهم أعراض عباده الموتَى، بعد أن أفضوا إلى ربهم بأعمالهم وغيبهم وما قدَّموا من حسنات وسيئات؟ ! ألا فليعلموا أن الميت أولى بأن تكفَّ عنه ألسنة المفترين مِنَ الحيّ، فإنه لا يدفع عن نفسه، وليتقوا عذاب ربهم، فإنّ الذي لا يملك أن يدفع عن نفسه، يدفع عنه ربُّ العالمين الذي أحصى كل شيء خلَقه ثم يحكم بينهم بالعدل وهو العليم القدير.
* * *

وأعود إلى هذا الكاتب الذي طرح لسانه في معاوية بن أبي سفيان وأبيه وأمه، وفي عمرو بن العاص، وفي عامة بني أمية، ووصفهم وصفًا آذاهم بغير ما اكتسبوا. وأنا لن أجادله في صواب ما يدَّعى أو خطئه، ولن أتعرض لتزييف أحكامه وأحكام أشباهه من الطاعنين بألسنتهم في أعراض المؤمنين حتى يخرجوهم من الدين، وينسبوهم إلى التغيير والتبديل. بل أريد أن أعرض على الناس بعض ما يروى، حتى أعرف لم ترك خبرًا وأخذ آخر؟ ولم صدق رواية وأعرض عن أخرى؟ ولم وضع قاعدة في أمر ثم أغفلها في مثله؟
كان مما جعله من سيئات معاوية - رضي الله عنه - في سياسة الحكم توليته يزيد
(2/1003)

ابن معاوية فروى أن يزيد "كان فتى شراب ولهو يبلغ فيه إلى حدِّ التفاهة، فيعني بتدليل القرود وتربيتها، أكثر مما يعني بسياسة الحكم ومصالح الرعية. . . إلى نزق وطيش وفتون". ومن المفيد أن أنقل مع هذا أيضا قول قائل آخر في صفة يزيد "ويزيد هذا شاب خليع لا يصلح أن يلى أمر مدرسة ابتدائية، بله أن يقف على منبر الرسول، ويحل مكان أبي بكر وصحبه".
وما كنت أظن قط أن عاقلا يرتضى لنفسه مثل هذا الزلل، فإن معاوية عند هؤلاء إنما دبر الأمر تدبيرًا هو وعمرو بن العاص وأشباههما (كما يقول)، حتى يأخذ الخلافة فيجعلها ملكا عضوضًا لبنى أمية أو بني عبد شمس. فالذي يفعل ذلك، ويستخلص الملك لنفسه وأهله من جمهور أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليقيم عرش بني أمية على أكبر رقعة من الأرض متباعدة الأطراف، لا يفعل ذلك إلا وهو يريد المحافظة على هذا العرش وحياطته وتدبيره حتى يصبح ملكًا متوارثًا فيما يزعمون. هذا صريح العقل فيما أظن. فهب أن معاوية - رضي الله عنه - كان فاسد الدين مبدلا مغيرا مفتاتًا على أهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، أفكان أيضا فاسد العقل والتدبير؟ ولو كان فاسد العقل والتدبير، فكيف استطاع أن يصل إلى حكم أهل الشام عشرين عامًا في ولايته وعشرين أخرى في خلافته؟ وأي فساد في عقل إنسان يجاهد بسوء نيته عشرين عامًا لإقامة ملك عضوض، ثم يورث هذا الملك شابا يصفه واصف بأنه فتى لهو وشراب يبلغ إلى حد التفاهة، يعني بتربية القرود وتدليلها أكثر مما يعني بسياسة الحكم ومصالح الرعية، إلى نزق وطيش! ! ويصفه آخر مثله بأنه شاب خليع لا يصلح أن يلى مدرسة ابتدائية بله أن يقف على منبر الرسول (- صلى الله عليه وسلم -)، ويحل محل أبي بكر وصحبه (-رضي الله عنهم-)! ! أليس هذا عجبًا عاجبًا؟ ولكن لا عجب في زماننا مع الأسف! ولا عجب مع اللجاجة والهوى وافتراء الألسنة وتهور الأقلام! ومن العبث عندي أن يجادل المرء أمثال هؤلاء. وسأتناول الآن كتابا للبلاذُرِى (توفي في نحو سنة 280)، ويقول عنه مؤرخوه إنه كان "عالمًا فاضلا شاعرًا راوية نسابة متقنا، وكان مع ذلك كثير الهجاء بذئ اللسان أخِذ الأعراض". فإذا البلاذرى هذا
(2/1004)

الذي وصفوه بما وصفوه، يروى في أول ترجمته ليزيد بن معاوية عن رواة وصفهم علماء الرجال بأنهم من الكذابين والوضاعين ومن المتشيعين الغلاة فيقول:
"كان يزيد بن معاوية أول من أظهر شرب الشراب، والاستهتار بالغناء والصيد، واتخاذ القيان والغلمان، والتفكه بما يضحك منه المترفون، من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة. ثم جرى على يده قتل الحسين وقتل أهل الحرة، ورمى البيت وإحراقه. وكان مع هذا صحيح العقدة فيما يُروى، ماضي العزيمة، لا يهم بشيء إلا ركبه" ثم ذكر أخبارًا في لعبه بالقرود وشربه الخمر. ثم ذكر بعد ذلك بإسناده قال: "قال رجل لسعيد بن المسيَّب: أخبرني عن خطباء قريش. قال: معاوية وابنه يزيد. . . .". ثم روى بعد أسطر عن المدائنى عن عبد الرحمن ابن معاوية قال: قال عامر بن مسعود الجمحي: إنا لبمكة إذ مر بنا بريد ينعى معاوية، فنهضنا إلى ابن عباس وهو بمكة وعنده جماعة، وقد وضعت المائدة ولم يؤت بالطعام. فقلنا له: يا أبا العباس، جاء البريد بموت معاوية. فوجم طويلا ثم قال: اللهم أوسع لمعاوية. أما والله ما كان مثل من قبله ولا يأتي بعده مثله، وإن ابنه يزيد لمن صالحي أهله. فالزموا مجالسكم، وأعطوا طاعتكم وبيعتكم. هات طعامك يا غلام". ويروى أيضًا: "أن سبب وفاة يزيد أنه حمل قرده على الأتان وهو سكران ثم ركض خلفها، فسقط، فاندقت عنقه، أو انقطع في جوفه شيء" ثم يعود بعد ستين صحيفة يروى أيضًا "وكان سبب موت يزيد أنه ركض فرسا فسقط عنه وأنه أصابه قطع، ويقال: إن عنقه اندقت". هذا ضرب من الرواية لا يشك شاك أن بعضه يناقض بعضًا في كتاب واحد، فابن عباس، وهو أعلم قريش بقريش، يقول عن يزيد إنه من صالحي أهله، والذي يروى خبر استهتاره بالغناء والخمر والقرود، يختم كلامه بأنه "كان مع هذا صحيح العقدة فيما يرى" أي صحيح الاعتقاد والإيمان، وأنه كان "ماضي العزيمة لا يهم بشيء إلا رَكِبه" فأين هذا من الذي استباح لنفسه أن يجعله بالغًا حد التفاهة والنزق والطيش، ومن الذي جعله "لا يصلح أن يلى أمر مدرسة ابتدائية"؟ وأين هذان من سعيد بن المسيب، الذي عده هو وأباه من خطباء قريش؟ أفيكون الفتى التافه الخليع
(2/1005)

الطياش، خطيبًا معدودًا في خطباء العرب، إلا إذا كان سعيد يعد من الخطباء أولئك المتشدقين الثرثارين كخطباء عصرنا هذا!
ثم يكون ماذا إذا وجدنا منا يروى كلام من يصف يزيد بما زعموه من شرب الخمر واللعب بالقرود، ثم يعقب فيروى أن أهل المدينة لما رجعوا من عند يزيد: "مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية (وهو محمد بن على ابن أبي طالب -رضي الله عنهما-)، فأرادوه على خلع يزيد، فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشربُ الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدّى حكم الكتاب. فقال: ما رأيتُ منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة، متحرِّيًا للخير، يسأل عن الفقه، ملازمًا للسنة. قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعًا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فيما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحقُّ وإن لم نكن رأيناه! فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة الزخرف: 86]، ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتالَ على ما تريدوننى عليه تابعًا ولا متبوعًا. قالوا: فقد قاتلتَ مع أبيك؟ قال جيئونى بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه. فقالوا: فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقامًا تحضُّ الناسَ فيه على القتال. قال: سبحان الله! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه! إذنْ ما نصحتُ لله في عباده. قالوا: إذن نُكرهك! قال: إذنْ آمُر الناسَ بتقوى الله ولا يُرضون المخلوق بسُخْط الخالق. وخرج إلى مكة". فهذه شهادة رجُل قاتل معاوية نفسه، وخليق أن يُعدّ عدوًّا له ولملكه فيما يزعمون.
فما الذي جعل هؤلاء يرجحون هذه الروايات عن فسق يزيد وفجوره، على صلاح أمره وتستُّره؟ لا أدري!
فهذه الأخبارُ كلها موجودة مذكورة مروية في كتب التاريخ، فبأي حجة
(2/1006)

يحتجُّ الآخذ فيما أخذ، والتارك فيما ترك؟ لست أدري أيضًا. فإما أن يفعل هؤلاء المتدسّسون إلى التاريخ ما فعل أوائلهم من جمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، ثم يكفوا ألسنتهم عن المعابة والإقذاع وسوء الأدب، وإما أن يأتوا الناس بحجة أو بيان يُرجّح أقوالهم فيما قالوا وما اختاروا من الروايات. وإلّا فإنَّ الله ربهم آخذهم فمحاسِبهم فمعطيهم نَصيبهم من العذاب الذي أنذر به من آذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. وأنا أكتب هذا لقوم وصفتهم بأنهم يلبسون للناس ثياب الغيرة على الدين، والحمية لماضي سلفهم. ولو كنتُ أعلم أنى أكتب للزنادقة أو للمتبرئين من دين ربهم، لكان لما أكتب شأن آخر، وطريق غير هذا الطريق. ومع ذلك، فإني سوف أرتكبُ لهم فيما بعد طريقًا أنفي به الدَّخل والفساد والتزوير في تاريخ سلفي -رضي الله عنهم- وغفر لهم ما قدموا من سيئ وأثابهم بما فعلوا من صالح. ولستُ أكتب هذا دفاعًا عن يزيد، فإن يزيد نفسه دافع يومًا ما عن نفسه فيما ترويه كتب التاريخ التي ينقلون عنها، أو قُلْ يدلسون بالنقل عنها، إذ سمع قالة الخارجين عليه والكارهين لخلافته أو ولايته إذ قالوا: "إنه رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعبُ بالكلاب، ويُسامر الخرَّاب والفتيان". وبلغه أن المنذر بن الزبير، انطلق من عنده بعد أن أكرمه وأحسن إليه، فانحاز إليهم، فقال بمثل قولهم فأكثر وقال: "إنه يشربُ الخمرَ ويسكرُ، حتى يدع الصلاة". فقال يزيد: "اللهمَّ إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيتَ، فاذكرهُ بالكذبِ والقطيعة". لم يملك يَزيدُ إلّا أن يلجأ إلى ربه ليذكر هؤلاء بالكذب وقطيعة الأرحام. وماذا ينفع الدفاعُ عن النفس مع منْ لا يتورّعُ من كذب، ولا يتجافى عن قذفِ الناس بما يعلم أنه ليس فيهم؟
وأقول مرة أخرى أن ليس همى أن أدفع عن يزيد، ولا أن أصحح كتابة التاريخ. ولكني أكشف عن أصحابِ الأهواء الذين يتغلغلون بين الناس، وينفثونَ فيهم داءَ الهوى والعصبية، حتى يقعوا في أعراض عبادِ الله بالمذمّة والإقذاع وبسطة اللسان، فاتبعوا بذلك طريق الرافضة أهل الغلوّ والعداوة لأصحاب محمد
(2/1007)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فلو شاء هذا الكاتب أن يحقق معنى العدل والدينِ فيما يكتبُ، لوجد الطريق واضحًا لا يضطرب عليه، ولكنه ركب أهواء الرافضة حيث رَكِبوا، فأخذ ما حمله له الهَوى من الطعن في يزيد ليطعن أباه - رضي الله عنه - وغفر له، وهو يعلم أنه أحدُ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. نعم ليس من أدب أهل المروءة، ولا أقول الدين أن يؤخذ الوالد بجريرة ولده، إلا ببينة لا تردُّ، ولكنه فعل. لا بل فعل أيضًا ما هو أكبر من ذلك في سبيل الطعن على رجل كان ينبغي أن يمسك لسانه عنه في الخطأ الظاهر، لأنه أحد أصحاب رسول رب العالمين، فإن لم يستطع أن يمسك لسانه فليطلقه بالاستغفار لهُ كما أمره ربه أن يستغفر لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. نعم ليس من أمانة التاريخ في شيء، بل ليس من أمانة العقل في شيء، بل ليس من أمانة الإنسان مجردًا من كل دين يتبعُه، أن يرفُضَ الروايات الصحيحة والأخبار المحكمة، لخبر مجهول لم يوجد إلا في كتاب طعَّان معروف بثلب عدوٍّ له، ويرفضها كلها لقاعدة أقامَ عليها رفضه، هي أن هذه الروايات الصحيحة والأخبار المحكمة إنما أشيعت بعد الظفر بالملك، أشاعها الأنصارُ والأتباع، كما يفعل سائر الدعاة. ثم لا يتوقى أن يكون الطعن والسلب من العدو، هو أيضًا من إشاعة الأعداء والمفترين، كما يفعلُ سائر الدعاة حين يريدون التشنيع على أعدائهم والوقيعة فيهم، وصرْف الناس عنهم، وهاك المثل.
يقول هذا الكاتب: "بَقى ما اشتهر خطأ من أن معاوية كان كاتب الوَحْى لرسول الله. فالصحيح أنّ أبا سفيان حين أسلم، رجَا النبيّ (- صلى الله عليه وسلم -) في أن يسند إلى معاوية شيئًا يعتزُّ به أمام العرب، ويعوّض عن سُبّة التأخر في الإسلام، وأنه من الطلقاء الذين لا سابقة لهم في الإسلام، فاستخدمه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الرسائل والحوائج والصدقات. ولم يقل أحدٌ من الثقات: إنهّ كتب للنبى شيئًا من الوحي، كما أشاعَ أنصارُه بعد استقرار الملك، كما يصنَعُ سائر الدعاة! ". سبحان الله! "لم يَقُل أحدٌ من الثِّقات"؟ فأين الثقات الذين قالوا إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - استخدمه "في الرسائل والحوائج والصَّدَقات"! ! وأنا لا أتعرّضُ هُنَا لفسادِ معنى هذا الكَلامِ من حيث هو كلامٌ عربيٍّ له دلالة على معانيه، بالألفاظ التي ذكرها هذا الكاتب، بل
(2/1008)

أكشفُ له ولغيره من أين أخذَ كلامَه؟ ومن هو هذا "الثّقات" الذي يروى عَنْه؟ فهذا "الثقات" رجلٌ من الرافضة كان في زمن ابن تيمية. ألف كتابًا سمّاه "منهاج الكرامة"، فانبرى له ابن تيمية يردّ عليه في كتابٍ سماه "منهاج السنة" فكان ممّا نقله من نصّ كلامه (2: 201) "وسمّوه (يعني معاوية) كاتب الوحي، ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل (وزاد كاتبنا هذا ما لا نعرف معناه، الحوائج والصدقات! ! ). وقد كان بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، أربعة عشر نفسًا يكتبون الوحي، أولهم وأخَصُّهم وأقربهم إليه عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، مع أن معاوية لم يزلْ مشركًا بالله تعالى في مدة كون النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مبعوثًا يكذّب بالوحي ويهزأ بالشرع". ولستُ أدري لم ترك هذا الكاتبُ سائرَ ما ذكره الرافضيّ، فيزعم أيضًا أنّ معاوية ظل مشركًا لم يؤمِنْ مدّة بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ كلا كلا فلعلّه استغنى عَنْه بأن جَعَله بطريق آخر "بريئًا من الإسلام والإسلامُ برئ منه"!
وقد ردّ ابن تيمية في ص 214 بقوله: "هذا قول بلا حجة ولا علم، فما الدليل على أنه لم يكتب له ولا كلمة واحدة من الوحي، وإنما كان يكتب له رسائل". وأزيد أنا فأقول: أوَ من الهين عند هذا الكاتب وأشباهه أن يكتب امرؤ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسائله؟ ! أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يملى رسائل لشغل فراغه، وقضاء حوائجه، ومجاذبة أصدقائه، والتلهي بإملاء صغائر الأمور التي يتعايش بها الناس في شئون دنياهم! ! عجيب! ولكن لا عجب في زماننا، ومن أين يأتي العجب، بل كيف يطيق إنسان أن يعجب بعد أن تبلد حسه بالعجائب تترى لا تنقطع، حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفا! وأنا لن أدلّ الكاتب على حيث قيل إن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولكني أحب أن يأتي هو الناس "بثقات" آخر ينفي أن يكون معاوية كتب الوحي لرسول الله، وأنه إنما كان يكتب له في الرسائل. . . والحوائج والصدقات أيضا!
وإذا كان قد استطاع بالأمانة والذمة أن يزيف قول من قال إنه كان يكتب الوحي لرسول الله، بأن ذلك من قول أنصار معاوية أشاعوه وأذاعوا به، أفلا
(2/1009)

يستطع أن يزيف ولو مرة واحدة كل ما رواه في كتابه عن معاوية وعن أبيه، وعن أمه، وعن يزيد وعن بني أمية، وعن عمرو بن العاص، بأنه مما أشاعه وأذاع به أعداؤهم وأعداء بني أمية؟ أو ليس صريح العقل يقتضي أن يكون المهزوم المقهور، أحرص على ذكر مثالب عدوه ومعايبه، من الغالب المنصور على ذكر مناقبه وفضائله!
ألا إن هذا الكاتب وأشباهه من أصحاب الألسنة الجريئة على الحق، يرتكب كل صعب وذلول في سبيل تحقيق معان تدور في نفوسهم، لا يجدون لها متنفسًا إلا في الهالكين الذين لا يدفعون عن أنفسهم، وهم لا يبالون في سبيل ذلك بتحقيق ولا علم، ولا بتمييز صحيح من سقيم، ولا يتخطفون من الكلام إلا ما قارب ما يريدون في أنفسهم أن يقولوه، ولا يعرفون للحجة حرمة، ولا للبرهان كرامة. وهم يتناولون ما يعرضون له من تاريخ أسلافهم، بل من أمر صحابة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - بنفس الأسلوب الذي انحدر علينا من حضارة هذا القرن، في أدب منازعات الصحف والأحزاب. أسلوب يراد به تحقيق معاني العداوة وتقريرها في النفوس، لا أسلوب تحقيق مواطن الخلاف والكشف عنها بالبيان والبرهان. وهم يريدون أن يجعلوا هذا الأسلوب علمًا وتاريخًا. بل يريدون أيضا أن يجعلوه دينًا يتدين به الناس ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل؟ {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.

جرأة العلماء. . .
دخل عمرو بن عبيد على أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وكان أعظم ملوك الدنيا في عصره فقال:
يا أمير المؤمنين: إنّ الله -عز وجل- يَقفك ويُسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر، وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة، وإن الله -عز وجل- لا يرضى منك إلا بما ترضاه لنفسك؛ ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يُعدل عليك فإن الله -عز وجل- لا يرضى منك إلا بأن تعدل في الرعية. يا أمير المؤمنين إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور، ووالله ما يحكم وراء بابك بكتاب الله، ولا بسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
(2/1010)

أنباء وآراء

أحمد محمد شاكر إمام المحدّثين
في الساعة السادسة بعد فجر يوم السبت 26 من ذي القعدة سنة 1377 (14 من يونية سنة 1958)، فقد العالم الإسلامي إمامًا من أئمة علم الحديث في هذا القرن، هو الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر، المحدث المشهور، وهو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوى في زماننا، دراسة وافيه، قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى. وكان له اجتهادٌ عُرف به في جرح الرجال وتعديلهم، أفضى به إلى مخالفة القدماء والمُحْدثين، ونصر رأيه بالأدلة البيِّنة، فصار له مذهب معروف بين المشتغلين بهذا العلم، على قلتهم.
وقد تولى القضاء في مصر أكثر من ثلاثين سنة، فكانت له أحكام مشهورة في القضاء الشرعيّ، قضى فيها باجتهاده غير مقلد ولا متبع، وكان اجتهاده في الأحكام مبنيًّا على سعة معرفته بالسنة النبوية، التي اشتغل بدراستها منذ نشأته إلى أن لقى ربه.
وهو أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر من آل أبي علياء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبوه الإمام العلامة الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقًا، وجدُّه لأمّه هو العالم الجليل الشيخ هارون عبد الرازق، وأبوه وأمه جميعًا من مديرية جرجا بصعيد مصر.
وولد الشيخ أحمد، -رحمه الله-، بعد فجر يوم الجمعة 29 من جمادى الآخرة سنة 1309، الموافق 2 من يناير سنة 1892، بمنزل والده بدرب الإنسية، بقسم الدرب الأحمر، بالقاهرة. وسمَّاه أبوه: "أحمد شمس الأئمة،
__________
(*) مجلة المجلة العدد 19، يوليه سنة 1958، ص 119 - 122
(2/1011)

أبو الأشبال"، وكان أبوه يومئذ أمينًا للفتوى مع أستاذه الشيخ العباسيّ المهديّ، مفتى الديار المصرية.
فلما صدر الأمر بإسناد منصب قاضى قضاة السودان، إلى والده الشيخ محمد شاكر، في 10 من ذي القعدة سنة 1317 (11 من مارس سنة 1900)، عقب خمود الثورة المهدية، رحل بولده إلى السودان، فألحق ولده "أحمد" بكلية غوردون، فبقى تلميذًا بها حتَّى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية في 26 من أبريل سنة 1904، فألحق ولده من يومئذ بمعهد الإسكندرية الَّذي يتولاه.
وكان السيد أحمد منذ عقل وطلب العلم، محبًّا للأدب والشعر، كدأب الشباب في صدر أيامه، فاجتمع في الإسكندرية وأديب من أدباء زمانه في هذا الثغر، هو الشيخ عبد السلام الفقى، من أسرة الفقى المشهورة بالمنوفية، فحرَّضه على طلب الأدب، وحرَّض معه أخاه عليًّا، وهو أصغر منه، وصار يقرأ لهما أصول كتب الأدب في المنزل زمنًا طويلًا. ثم أراد الشيخ عبد السلام أن يختبر تلميذيه، فكلفهما إنشاء قصيدة من الشعر، فعمل علي، أطال الله بقاءه، أبياتًا، أما أحمد فلم يستطع أن يصنع غير شطر واحد ثم عجز؛ فمن يومئذ انصرف أخوه عليّ إلى الأدب، وانصرف هو إلى دراسة علم الحديث بهمة لا تعرف الكلل منذ سنة 1909 إلى يوم وفاته. ولكنه لم ينقطع قط عن قراءة الآداب: حديثها وقديمها، مؤلفها ومترجمها، كما سيظهر بعد من الكتب التي تولى نشرها في حياته -رحمه الله-.
وكان أول شيوخه في معهد الإسكندرية الشيخ "محمود أبو دقيقة"، وهو أحد العلماء الذين تركوا في حياة الفقيد أثرًا لا يمحى؛ فهو الَّذي حبب إليه الفقه وأصوله، ودربه وخرجه في الفقه حتَّى تمكن منه. ولم يقتصر فضل هذا الشيخ على تعليمه الفقه، بل علمه أيضًا الفروسية وركوب الخيل، والرماية والسباحة، فتعلق السيد أحمد بركوب الخيل والرماية، ولم يتعلق بالسباحة تعلقًا يذكر.
أما أعظم شيوخه أثرًا في حياته، فهو والده الشيخ محمد شاكر؛ فقد قرأ له
(2/1012)

ولإخوانه التفسير مرتين، مرة في تفسير البغوي، وأخرى في تفسير النسفي. وقرأ لهم صحيح مسلم، وسنن الترمذي والشمائل، وبعض صحيح البخاري. وقرأ لهم في الأصول: جمع الجوامع، وشرح الإسنوى على المنهاج، وقرأ لهم في المنطق: شرح الخبيصى، وشرح القطب على الشمسية، وقرأ لهم في البيان الرسالة البيانية، وقرأ لهم في فقه الحنفية كتاب الهداية على طريقة السلف في استقلال الرأي وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين. وكثيرًا ما خالف والدُه في هذه الدروس مذهبَ الحنفية عند استعراض الآراء وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح. وهكذا قال السيد أحمد في ترجمة والده. وقد ظهر أثر والده هذا ظهورًا بينًا في دراسة الشيخ أحمد للحديث، وفي أحكامه التي قضى بها في مدة توليه القضاء بمصر.
وكان لوالده أعظم الأثر في توجيهه إلى دراسة علم الحديث منذ سنة 1909، فلما كانت سنة 1911 اهتم، السيد أحمد، بقراءة مسند أحمد بن محمد بن حنبل -رحمه الله-، وظل منذ ذلك اليوم مشغولا بدراسته حتَّى ابتدأ في طبع شرحه على المسند سنة 1365 من الهجرة (سنة 1946 من الميلاد)، كما بيَّن ذلك مختصرًا في مقدمة المسند.
ولما انتقل والده من الإسكندرية إلى القاهرة وكيلا لمشيخة الجامع الأزهر في ربيع الآخر سنة 1327 (29 من أبريل سنة 1909)، التحق السيد أحمد، هو وأخوه السيد على بالأزهر، فكانت إقامته في القاهرة بدء عهد جديد في حياته، فاتصل بعلمائها ورجالها، وعرف الطريق إلى دور كتبها في مساجدها وغير مساجدها، وتنقل بين دكاكين الكتبية. وكانت القاهرة يومئذ مسترادًا لعلماء البلاد الإسلامية، وكان من التوفيق أن حضر إلى القاهرة من المغرب الأقصى السيد عبد الله بن إدريس السنوسى، عالم المغرب ومحدثها، فتلقى عنه طائفة كبيرة من صحيح البخاري، فأجازه هو وأخاه برواية البخاري، ورواية باقي الكتب الستة. ولقى بها أيضًا الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي، فأخذ عنه كتاب بلوغ المرام، وأجازه به وبالكتب الستة، ولقى أيضًا الشيخ أحمد بن الشمس
(2/1013)

الشنقيطى، عالم القبائل الملثمة، فأجازه هو وأخاه بجميع علمه. وتلقى أيضًا عن الشيخ شاكر العراقى، وكان أسلوبه في التحديث أن يسأله أحد طلَّابه عن مسألة، فيروى عندئذ كل ما ورد فيها من الأحاديث في جميع كتب السنَّة بإسنادها، مع بيان اختلاف روايتها. فأجازه وأجاز أخاه علما بجميع كتب السنة. ولقى أيضًا في القاهرة من علماء السنة الشيخ "طاهر" الجزائرى عالم سورية المنتقل، والسيد "محمد رشيد رضا"، صاحب المنار، ولقى كثيرًا غير هؤلاء من علماء السنة، يطول ذكرهم بالتفصيل.
وهذا اللقاء المتتابع للعلماء، هو الَّذي مهد لهذا العالم أن يستقلّ بمذهب في علم الحديث، حتَّى استطاع أخيرًا أن يقف في منتصف هذا القرن علمًا مشهورًا لا ينازعه في إمامة التحديث إلّا قليل.
* * *

ولما حاز شهادة العالمية من الأزهر في سنة 1917، عُين مدرسًا بمدرسة ماهر، ولكن لم يبق بها غير أربعة أشهر، ثم عين موظفًا قضائيًّا ثم قاضيًا، وظلّ في القضاء حتى أحيل إلى المعاش في سنة 1951 عضوًا بالمحكمة العليا، ولكنه لم ينقطع في خلال ذلك عن دراساته، وعن المشاركة في نشر التراث الإسلامي، في الحديث والفقه والأدب.
وأول كتاب عرف به الشيخ أحمد محمد شاكر، وعرف به إتقانه وتفوقه، هو نشره رسالة الإمام الشافعي، عن أصل تلميذه الربيع بن سليمان، الَّذي كتبه بخطه في حياة الشافعي من إملائه. ونشره رسالة الشافعي يُعَدُّ من أعظم الآثار التي تولى العلماء نشرها في هذا العصر.
ثم شرح سنن الترمذي شرحًا دقيقًا، ولكنه لم يتمَّه، وشارك في نشر شرح "سنن أبي داود"، ونشر كتاب جماع العلم للشافعي، وشارك أيضًا في نشر المحلى لابن حزم، وشرح صحيح ابن حبان، ولم ينشر منه غير الجزء الأول.
* * *

أما عمله الَّذي استولى به على الغايات فهو شرحه على مسند أحمد بن
(2/1014)

حنبل، أصدر منه خمسة عشر جزءًا فيها من البحث والفقه والمعرفة ما لم يلحقه فيه أحد في زمانه هذا.
ونشر من كتب الأدب والشعر، كتاب لباب الآداب لأسامة بن منقذ، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والمفضَّليات للمفضل الضبيّ، والأصمعيات للأصمعى، وشاركه في نشرهما ابن خاله الأستاذ عبد السلام محمد هارون، ونشر كتاب المعرَّب للجواليقى نشرًا علميًا دقيقًا.
وشارك أخاه الأستاذ "محمود محمد شاكر" في نشر تفسير الطّبريّ، فتولى جزءًا من تخريج أحاديثه إلى الجزء التاسع، وعلق على بعضها إلى الجزء الثالث عشر، ثم وافته منيَّته، ولم ينظر بعد في أحاديث الجزء الرابع عشر.
* * *

وكان قبل وفاته، -رحمه الله-، قد شرع في اختصار تفسير القرآن لابن كثير، وسمَّاه "عمدة التفسير"، وصل فيه إلى الجزء الخامس من عشرة أجزاء. وقد قصد فيه الإبانة عن معاني القرآن، بما يوافق حاجة المتوسطين من المثقفين، مع المحافظة على ألفاظ المؤلف ما استطاع.
أما سائر الكتب التي تولى نشرها فهي كثيرة يطول ذكرها. وله في جميع ما نشره وألَّفه تعليقات دافع فيها عن أحكام الإسلام وآدابه دفاعًا تفرَّد به، ونطق فيه بالحق الَّذي يراه، غير متهيب ولا متلجلج.
وأما أهم ما ألفه فهو كتاب نظام الطلاق في الإسلام دلّ فيه على اجتهاده وعدم تعصبه لمذهب من المذاهب، واستخرج فيه نظام الطلاق من نصّ القرآن، ومن بيان السنَّة في الطلاق، وكان لظهور هذا الكتاب ضجة عظيمة بين العلماء ولكنه دافع فيها عن اجتهاده دفاعًا مؤيدًا بالحجة والبرهان، ومن قرأ الكتاب عرف كيف يكون الاحتجاج في الشريعة، وظهر له فضلُ هذا الرجل وقدرته على ضبط الأصول الصحيحة، وضبط الاستنباط فيها ضبطًا لا يختل.
فرحم الله فقيدنا، وبعث في هذه الأمة من يخلفه للنهوض بما ابتدأه.
(2/1015)

" قُرَىَ عَرَبِيَّةَ"
كلمة تقديم لعلامة الجزيرة المرحوم الشيخ حمد الجاسر
[بلية البلايا في تراثنا القديم، التصحيف، وخاصة في أسماء المواضع، حيث لا توجد قرينة في الكلام توضح الوجه الصحيح، ولا أستثنى من ذلك سوى ما استثناه الله جل وعلا وهو القرآن الكريم، حيث قال جل ذكره: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فحفظه الله من كل ما قد يؤثر في بقائه على أصله الصحيح، الَّذي أنزله عليه.
أما ما عداه -مما لا يتصل بأصول الدين الحنيف- فحسب الباحث أن يرجع إلى أي كتاب من الكتب القديمة، ليرى العجب العجاب من بلايا التصحيف في أسماء المواضع، ففي "صحيح البخاري" -وهو أصح كتاب بعد كتاب الله، أشياء من ذلك يجدها الباحث في اختلاف رواة ذلك الكتاب العظيم في اسم "العشيرة" الموضع الَّذي غزاه المصطفى، عليه الصلاة والسلام، وفي غيره من المواضع، وفي كتب سيرته - صلى الله عليه وسلم - لابن إسحاق، بتهذيب ابن هشام، و"طبقات ابن سعد" وغيرهما من المؤلفات، مما نكتفي بالإشارة إليه، إذ لا يتسع المجال للحديث عنه. وحسب القارئ أن يطلع على بحث أستاذنا العلامة الجليل أبي فهر، محمود بن محمد بن شاكر، هذا البحث الَّذي نقلل من قيمته حينما نقدمه للقارئ- حسبه أن يطلع على هذا البحث الممتع حقًّا، ليدرك كيف يسير بعض علمائنا -قدس الله أرواحهم- في بيداء من الأوهام والحيرة، من جراء ذلك الداء الوبيل، داء التصحيف والتحريف! وهم -أعلى الله ذكرهم في منازل الأبرار من عباده- لا يضيرهم أن يوصفوا بعدم الإحاطة، ولا يضرهم أن لا يوصفوا بأكثر مما يتصفون به من علم غزير، وخلق سام كريم، يتلاءم مع ما وهبهم الله، وما وصفهم به، لأنهم أرفع قدرًا، وأعلى مكانة من أن
__________
(*) مجلة العرب، الجزء التاسع - السنة الثانية، ربيع الأول 1388 هـ، 1968 م. ص 769 - 797
(2/1016)

تبلغ بهم مطامح النفس، ومطامع الترفع إلى بلوغ منازل أخرى، لا ينقص من أقدارهم عدم بلوغها، ولا يسمو بغيرهم أن ينالوها، سموًا لا يبلغ درجة التفاضل، ومعاذ الله أن يوجد بين أمة تدين بهذا الدين الكريم، ممن يؤمن حق الإيمان بما قاله نبينا، عليه أزكى الصلاة والتسليم، ومن ذا الَّذي لا يؤمن بقوله، وهو الصادق الأمين: "خير القرون قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وإنما الفهم موهبة إلهية، حباها الله أناسًا قد تبلغ منزلتهم منها من السمو والرفعة أعلاها؛ وإن لم يبلغوا في الفضل منزلة من فضلهم الله، لسابقتهم في الإسلام. وبمنزلتهم منه، قال جل ذكره: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}.
وقديمًا قالوا: كم ترك الأول للآخر! ] (1)
حمد الجاسر

قرى عربية
1 - " قُرَى عَرَبيةَ"، اسم موضع في بلاد العرب، يأتي في بعض الكتب المطبوعة والمخطوطة مصحفًا. فهو في أكثر المواضع "قُرَى عُرَنية"، وفي مكان آخر "قُرَى عُيَيْنَة"، ومن قديم الاختلاف في ضبطه أيضًا "قُرى عَرَبِيَّة" بالتنوين، أو "قُرى عَرَبِيَّة" بالإضافة وترك التنوين، أما الإشكال الأكبر فهو في تحديد مكان "قُرَى عرَبِيَّةَ" وعلى أي شيء يدلّ اسم هذا المكان؟
* * *

2 - فأبو عبيدٍ البكريُّ في "معجم ما استعجم" (931 - 932)، لم يزد بيانُه على أنَّه قُرًى بالحجاز معروفة، ثم استدلّ ببعض الأخبار والآثار التي ستأتي (رقم: 10، 15، 23).
__________
(1) أقول: هذا عجز بيت لأبى تمام وصدره:
* يقول مَن تَقْرَعُ أَسْماعَهُ *
(2/1017)

3 - وأما ياقوت فلم يذكر لها مادة في معجم البلدان، ولكنه ذكر مادة "عُرَيْنَة" وقال: "بلفظ تصغير عُرنَة"، ثم قال: "وعرينة، موضع ببلاد فَزَارة. وقيل: قُرًى بالمدينة. و"عُرَيْنة" قبيلة من العرب". ولكن نقل بعد ذلك نصًا سيأتي (رقم: 20) وذكر فيه "قُرى عربيَّةَ" وأنه مضبوطٌ بخط العبدريّ في فتوح الشام، بفتح العين والراء، والباء الموحدة، وياء مشددة "قُرَى عَربيَّةَ" ولم يزد على ذلك شيئًا.
* * *

4 - أما السمهوديّ، فقد جاء بالطامّة في كتابه "وفاء الوفا"، ففي الفصل الثامن من الباب السابع من كتابه، حيث ذكر بقاعَ المدينة وأعراضها مرتبة على حروف المعجم، ما نصه: "عُرَينة، كجهينة، قرى بنواحي المدينة في طريق الشأم".
- وعن مُعاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قُرَى عُرَينة، فأمرنى أن آخذ حَظَّ الأرض (انظر ما سيأتي رقم: 5 و 6).
- وقال الزهري، قال عمر: "ما أفاء الله على رسوله" هذه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة قُرى عُرينَة، وفَدَك وكذا وكذا (انظر ما سيأتي رقم: 7 - 10).
- ووُجِدَ على حجر بالحِمَى كما سبق (1): "أنا عبد الله الأسود، رسولُ عيسى ابن مريم الى أهل قُرى عُرينة".
وسيأتي ما يدلّ على تصحيفه في الخبرين الأولين. أما الخبر الثالث الَّذي أشار اليه فهو في كتابه في الفصل الأول من الباب الثالث، وسأذكر مكانا آخر وقع في كتابه ذكر "قُرى عُرَينة" (رقم: 43).
* * *

ولكى أصل الى الفصل في أمر "قُرى عربية" أسوق الأخبار التي وقفت عليها فيما بين يديّ من الكتب.
5 - روى يحيى بن آدم في كتاب الخراج ص: 619 - 622:
- (619) قال يحيى، قلت لشريك: ذكرت عن جابر عن محمد بن زيد،
__________
(1) لم يسبق ذكر ذلك.
(2/1018)

عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قُرَى عَرَبِيَّة أقاسمهم حظّ الأرض. قال: قد ذُكر ذلك.
- (620) حدثنا يحيى قال، حدثنا أبو حماد الحنفي، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن زيد، عن معاذ بن جبل قال: بعثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قُرَى عَرَبِيَّة، وأمرني أن آخذ حظَّ الأرض.
- (621) حدثنا الأشجعى، عن سفيان بن سعيد، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن زيد، عن مُعاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قرَى عَرَبيَّة، وأمرنى أن آخذ حظَّ الأرض، قال الأشجعى: قال سفيان: الثُّلث والرُّبُع.
- (622) حدثني ابن مبارك، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله "قُرًى ظاهِرَة" (سورة سبأ: 118) قال: قُرَى عَرَبيَّةَ -قال يحيى: وأما "قُرَى عربيَّةَ" فإنه يعني أرضًا بعينها يقال لها "قُرى عَربِيَّةَ" (انظر ما سيأتي رقم: 13).
* * *

6 - وروى أحمد في مسند معاذ بن جبل من المسند (5: 228/ ثم 5: 244) قال:
- حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن محمد بن زيد، عن معاذ قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قُرَى عَربيَّةَ، فأمرنى أن آخذ حظَّ الأرض -وقال عبد الرزاق: يعني: عن سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن زيد، في حديث معاذ (ص: 228).
- حدثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن زيد، عن معاذ قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قُرى عَرَبِيَّة فأمرني أن آخذ حَظَّ الأرض -قال سفيان: حَظُّ الأرض الثُّلث والربع (ص: 244).
* * *

7 - وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: 9 "وأما فَدك فان إسماعيل بن إبراهيم حدثنا، عن أيوب، عن الزُّهري في قوله: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ
(2/1019)

عَلِيْه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [سورة الحشر: 6] فقال: هذه لرسول الله خاصة، قرى عربية، فدك وكذا وكذا.
قال أبو عبيد: وهي في العربية "قرَى عربيةً" بتنوين، إلا أن يكون كما قالوا "دارُ الآخرة" و"صلاة الأولى"، والمحدِّثون يقولون: "قرى عربية" بغير تنوين (انظر ما سيأتي رقم: 23، 24).
* * *

8 - وروى البلاذرى في فتوح البلدان: 39
- حدثنا سريج بن يونس قال، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن الزهري في قوله تعالى: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلِيْه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [سورة الحشر: 6]، فقال: هذه قرى عربية، لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدَك وكذا وكذا.
* * *

9 - وقال ابن أبي حاتم في آداب الشافعي: 146
- قال الزهري، قال عمر، قال الله -عز وجل-: {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلِيْه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [سورة الحشر: 6]، فهذه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصّة، قرى عربية، وفدك وكذا وكذا.
(سنن أبي داود، في صفايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 3: 195 رقم: 2966، ومعالم السنن للخطابي 3: 17، ومختصر السنن لابن القيم 4: 214، وسنن النسائي الخبر بطوله 7: 136، 137).
* * *

10 - ونقل البكرى في معجم ما استعجم: 929
- من حديث الزهري قال، قال عمر في قول الله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلِيْه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [سورة الحشر: 6]، قال هذه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة قرى عربية، وفدك وكذا وكذا -وهي قرى بالحجاز معروفة.
(2/1020)

11 - وروى الطبريّ في تفسيره (28: 24 بولاق):
- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمى قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة الحشر: 6]. قال: أمر الله -عزّ وجل- نبيَّه بالسَّير إلى قُريظةَ والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كثيرُ خيلٍ ولا ركاب، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيلٌ ولا ركاب يوجَف بها: قال: "والإيجاف" أن يوضعوا السير -وهي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان من ذلك خيبر، وفدك، وقُرَى عربيَّةَ، وأمر الله رسوله أن يُعِدَّ لينبع.
- وخرَّجه السيوطي في الدر المنثور: 6: 192، بمثله من طريق ابن مردويه عن ابن عباس، ولم ينسبه للطبريّ.
* * *

12 - ووجدت في مختصر المزنيّ بهامش الأم للشافعي (3: 180):
- "والفيء هو ما لم يُوجَف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في "قُرى عربية" أفاءها الله عليه، أربعة أخماسها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون المسلمين.
- وفيه أيضًا (3: 183):
- وفُتح في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوحٌ من قُرَى عربيّةَ وعدها الله رسوله قبل فتحها. . .".
إلا أن رسم الكلمة في كتاب "الأم" من هذه الطبعة، في باب "جماع سنن قسم الغنيمة والفيء"، هو:
- "قُرى عُرَينة"، وذكر الشافعيّ أنها هي التي أفاء الله على رسوله، وأنها خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون المسلمين (الأم 4: 64).
- ثم جاء في الأم (4: 64) "وقد كان في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوح في غير "قُرَى عُرَينة التي وعدها الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - قبل فتحها. . . .".
(2/1021)

- ثم قال "وقد كان في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - فيء من غير قُرى عُرينةَ، وذلك مثل جزية أهل البحرين".
- وهذا الَّذي جاء في متن كتاب الأم للشافعي، يصححه ما جاء في مختصر المزني من نفس الطبعة، ويزيد تصحيفه ثبوتًا، ما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب آداب الشافعي ومناقبه كما سلف (رقم: 9)، وكما سيأتي (رقم: 21)، وسائر الأخبار في تفسير آية "الفيء" (انظر رقم: 7 - 11).
* * *

13 - وقال الطبريّ في تفسيره (22 - 58 بولاق) عند تفسير قوله تعالى: {قُرًى ظَاهِرَةَ} [سبأ: 18]:
- يعني قُرى مُتَّصلة، وهي قُرى عَرَبيَّة.
- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "قرى ظاهرة" يعني: قرى عربية بين المدينة والشام.
- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: {قُرًى ظَاهِرَةَ} يعني: قرى عربية، وهي بين المدينة والشام (انظر ما سلف رقم: 5، من حديث يحيى بن آدم في كتاب الخراج، في تفسير الآية عن سعيد بن جبير أيضًا).
- ونقل هذا ابن كثير في تفسير هذه الآية، ثم عقب بقوله: "قرى ظاهرة" أي بينة يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى.
* * *

14 - وروى أبو جعفر الطبري في تفسيره (6: 507، رقم: 7233، من طبعة دار المعارف).
- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، حدثنا أسباط، عن السدى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة آل عمران: 72] كان أحبار
(2/1022)

قرى عربية اثنى عشر حبرًا، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: نشهد أن محمدًا حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا ..
- وخرجه السيوطي في الدر المنثور (2: 42) من طريق ابن جرير، وابن أبي حاتم، وفيه "قرى عربية": أيضًا.
- إلا أن البغوي نقل في تفسيره بهامش ابن كثير (2: 165):
- "قال الحسن، وقتادة، والسُّدى: "تواطأ اثنا عشر حبرًا من يهود خيبر وقرى عيينة.
- وهذا تصحيف غريب جدا، ولكنه غير مستنكر على مطبوعة المنار من هذين التفسيرين، ولم يأت ذلك في كتاب آخر وقفت عليه.
بيد أن ما أتى به البغوي، ساق إلينا فائدة جليلة، بزيادته ذكر "خيبر" في هذا الأثر.
* * *

15 - وفي التاريخ الكبير للبخارى (2/ 1/ 237):
- "قال أحمد بن سليمان، أخبرنا حسين بن إسماعيل قال، حدثني درباس وعمرو، ابنى دَجاجة، عن أبيهما: أنَّه خرج فإذا عثمان، فقال عثمان: لا يسكن قرى عربية دينان".
- رواه ابن أبي حاتم مختصرًا في الجرح والتعديل 1/ 2/ 441، ونقله البكرى في معجم ما استعجم: 930.
* * *

16 - وفي المحبَّر لابن حبيب: 115:
- "ثم سنة سبع، فيها خرج - صلى الله عليه وسلم - في المحرم إلى خيبر، فحاصرهم بضعة عشر يومًا، وارتحل منها إلى قرى عربية، فلم يلق كيدًا".
* * *

17 - وفي المحبر أيضًا: 126:
(2/1023)

- "أنَّه - صلى الله عليه وسلم - ولَّى الحكم بن سعيد بن العاص على قرى عربية" (انظر رقم: 48).
* * *

18 - وفي جوامع السير لابن حزم: 24 (والتعليق عليه ص: 458)
- (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ولَّى الحكمَ بن سعيد بن العاص بن أمية على قرى عُرينة، وهي فدكُ، وغيرها. (انظر رقم: 48).
- وهذا تصحيف، يدلُّ عليه ما بعده وما قبله، وسائر الأخبار في أمر فدك.
* * *

19 - وذكر ابن حزم في جمهرة أنساب العرب: 73، الحكم بن سعيد قال: (ولَّاه عليه السلام قُرى عَرَبية) (انظر رقم: 48).
* * *

20 - وقال ياقوت في معجم البلدان، مادة (عرينة).
- (وقرأت بخط العبدريّ في فتوح الشام لأبى حذيفة بن معاذ بن جبل (الصواب: عن معاذ) قال في كلام له طويل: (واجتمع رأي الملأ الأكابر منّا أن يأكلوا قرى عربية ويعبدوا الله حتَّى يأتيهم اليقين).
- وقال في موضع آخر، في بعثة أبي بكر عمرو بن العاص إلى الشأم ممدًّا لأبى عبيدة: وجعل عمرو بن العاص يستنفر من مرّ به من البوادي وقرى عربية.
- قال ياقوت: ضبط في الموضعين بفتح العين والراء، والباء الموحدة وياء مشددة).
* * *

21 - وقال ابن أبي حاتم في كتاب آداب الشافعي ومناقبه: (145)
- عن الربيع بن سليمان قال، قال الشافعي، وذكر (القرى العربية فقال: كانت اليهود في قرى العرب، والعرب حولهم، وهي فدك وخيبر وهي قرى اليهود بنوها في بلاد العرب، وهي أشراف (1) بلاد العرب، لأن العرب بعيدة المطلب.
__________
(1) يأتي تفسير "أشراف بلاد العرب" في رقم: 41.
(2/1024)

- قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: يعني القرى التي أفاء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا خيل ولا ركاب (انظر ما سلف: 7 - 12).
22 - ونقل البكرى في معجم ما استعجم: 15، عن يعقوب بن السكيت، عن الأصمعى:
- وقرى عربية، كل قرية في أرض العرب، نحو خيبر، وفدك، والسوارقية (1)، وما أشبه ذلك ..
* * *

23 - وقال الزبيديّ في طبقات النحويين واللغويين: 149، في ترجمة قتيبة النحويّ:
- (وحدثنا محمد بن موسى بن حماد قال، حدثني سليمان بن أبي شيخ الخزاعي قال، حدثنا أبو سفيان الحميريّ قال: قال أبو عبد الله كاتب المهدي (صوابه: أبو عبيد الله): (قرَى عربية) فنوّن، فقال: شبيب بن شيبة، إنما هي (قُرى عربيةَ) غير منونة. فقال أبو عبد الله (أبو عبيد الله) لقتيبة النحوى الجعفي الكوفي: ما تقول؟ فقال: إن كنت أردت القرى التي بالحجاز يقال لها (قرًى عربيةَ) فإنها لا تنصرف، وإن كنت أردت قرى من قرى السواد، فهي تنصرف. فقال: إنما أردت التي بالحجاز. قال: هو كما قال شبيب).
- وهذا الخبر نقله البكرى بنصه في معجم ما استعجم: 930، ونقله السيوطي مختصرًا في بغية الوعاة في ترجمة (قتيبة الجعفي) (انظر ما سلف رقم: 7).
* * *

24 - وقال البكرى في "معجم ما استعجم": 929
__________
(1) السوارقية: لا وجه لذكرها في (قرى عربية)، فهي تقع جنوب المدينة. ولا صلة لها بالقرى التي ذكرت هنا، هكذا عَلَّق الشيخ حمد الجاسر -رحمه الله-. وانظر كلام الأستاذ شاكر -رحمه الله- على السوارقية في رقم 41 الآتي.
(2/1025)

- (قرى عربية) على الإضافة لا تنصرف، منسوبة إلى العرب (انظر ما سلف رقم: 7).
* * *

25 - وذكر ابن خرداذبه في "المسالك والممالك": (128، 129) أعراض المدينة، فعدَّها (وقد اختصرت كلامه)، ومثله في (الأعلاق النفيسة) لابن رسته: 177:
(تيماء، وهي بين الشأم والحجاز، ودومة الجندل، وهي من المدينة على ثلاث عشرة مرحلة، والفرع، وذو المروة، ووادي القرى، ومدين، وخيبر، وفدك، وقرى عربية، والوحيدة، ونمِرة، والحديقة).
* * *

26 - وفي النبذ الملحقة بالمسالك والممالك، من كتاب الخراج لقدامة (ص: 248):
- وأعراض المدينة وأعمالها وعماراتها: ظبية (في الأصل طيبة) ويثرب، وتيماء، ودومة الجندل، والفرع، وذو المروة، وادي القرى، مدين، خيبر، فدك، قرى عربية، ساية، رهاط .. ) ثم انظر ما سيأتي من رقم: 48، إلى رقم: 53).
* * *

27 - وبَيَّن من هذا الَّذي جمعته أن (قرى عُريْنة) لم ترد على هذا الوجه مضبوطة إلا في كتاب وفاء الوفا للسمهودى (انظر رقم: 4) واستدلّ على ذلك بخبر معاذ بن جبل (رقم: 5، 6) وخبر الزهري في الفيء (رقم: 7 - 10).
والخبر الأول رواه يحيى بن آدم، من طرق، ورواه أحمد أيضًا من طريقين، وهو ثابت في المطبوع والمخطوط من أصولهما (قرى عربية (لا عرينة) وزاد يحيى بن آدم ما يؤكد ذلك، بخبره الَّذي رواه عن سعيد بن جبير (رقم: 622) في تفسير قوله تعالى: {قُرًى ظَاهِرَةً}، فجاء مطابقًا لما رواه الطبري في تفسير هذه الآية من طريقين آخرين (رقم: 13)، وهو ثابت على هذا الوجه في الطبري المطبوع والمخطوط.
(2/1026)

- وأما الخبر الثاني من الزهري، فهو (قرى عربية) في كتاب الأموال لأبي عبيد، وفي فتوح البلدان للبلاذري، وفي آداب الشافعي لابن أبي حاتم، وفي معجم ما استعجم للبكرى، وفي تفسير الطبري، وفي الدر المنثور، وفي مختصر المزني، ويزيده ثبوتًا تعقيب أبي عبيد عليه (رقم: 7) بقوله: (هي في العربية (قرى عربية) بتنوين، والمحدِّثون يقولون (قرى عربية) بغير تنوين، فلو كانت (قرى عرينة) لم يكن لها سوى وجه واحد، وهو بالإضافة وترك التنوين، ويزيده ثبوتًا مرة أخرى إتيان ابن أبي حاتم به، بعقب ما نقله عن الربيع بن سليمان عن الشافعي في تفسير (القرى العربية) وهي التي بناها اليهود في بلاد العرب، وأنها هي التي أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - (رقم: 21).
فبان بهذا أن السمهودى قد صحّف أو نقل عن كتاب مصحف لا خير فيه، ثم ضبط هذا الضبط (قرى عرينة)، كجهينة، من عند نفسه، لا عن أصل صحيح أو رواية ثابتة.
* * *

28 - أما ياقوت في معجم البلدان (رقم: 3)، وأظن السمهودى قد نقل عنه، فإنه أغمض كلامه إذ قال: (وعرينة، موضع ببلاد فزارة، وقيل قرى بالمدينة. وعرينة قبيلة من العرب)، فهو لم يصرح بذكر (قرى عرينة، بل أتى في نفس المادة بعقب هذا الكلام بأنه رآها (قرى عربية) مضبوطة بخط العبدرى في فتوح الشأم (رقم: 20) فقد أبرأ الرجل ذمته، ودلَّ على توقفه وتشككه.
* * *

29 - وأقدم ضبط في هذه الأخبار، هو ما جاء في خبر أبي عبيد الله كاتب المهدي، وشبيب بن شيبة وقتيبة النحوى الجعفي الكوفي (رقم: 23)، ونقله البكري في معجم ما استعجم، والسيوطى في بغية الوعاة، فأبو عبيد الله معاوية ابن عبد الله بن يسار الأشعرى، كاتب المهدي، ولد سنة 100، وتوفي سنة 170، وشبيب بن شيبة المنقرى توفي سنة 162. وهو خبر يقوم على الاختلاف في تنوين (قرى عربية) وترك تنوينها، على نحو ما كان من كلام أبي عبيد في الأموال (رقم: 7). وقد بنيت أنَّه لا وجه للاختلاف إذا كانت (قرى عرينة)
(2/1027)

كما أسلفت (رقم: 27)، هذا على أن أبا عبيد القاسم بن سلام قديم أيضًا، فقد ولد سنة 154 وتوفي سنة 224.
30 - ويلي ذلك في الصحَّة والقدم، مع وضوح الضبط، ما رواه ابن أبي حاتم عن الشافعي (ولد سنة 150، وتوفي سنة 204) في تفسير (قرى عربية) (رقم: 21)، ودلَّ بذلك على أنها منسوبة إلى العرب، كما قال البكري في صدر كلامه عن (قرى عربية) (رقم: 24)، وزاد أيضًا أنها لا تنصرف، نفيًا لقول من يقول (قرى عربية) مصروفة، منونة.
* * *

31 - ويلى هذا، على تأخره، ما رآه ياقوت مضبوطًا بخط العبدرى في فتوح الشام، إذ قال في مادة (عرينة) (رقم: 20)، بعد الخبرين اللذين ساقهما: ضبط في الموضعين بفتح العين والراء، والباء الموحدة، والياء المشددة).
* * *

32 - وإذن، فإجماع هذه النصوص كلها، مما نشر مطبوعًا عن أصوله الصحيحة أو السقيمة، على أنها (قرى عربية) ثم تظاهُرُ الأدلة على أن (قرى عربيةَ) نسبة إلى (العرب)، ثم وضوح الدلالة على أنها لو كانت (قرى عرينة) فلا وجه للكلام في تنوينها وترك تنوينها كل ذلك قاطع على أن الصواب (قرى عربية) غير مصروف، وأن ما جاء في كتاب السمهودى وهم امرئ مصحّف غير ضابط، وقاطع أيضًا على أن ما جاء في نص الأم المطبوع (رقم: 12) وفي جوامع السير لابن حزم (رقم: 18)، وفي تفسير البغوي بهامش تفسير ابن كثير (رقم: 14)، بلفظ (قرى عيينة)، كل ذلك تصحيف لا خير فيه، وثبت أنها (قرى عربية) لا غير.
* * *

33 - ولكن يبقى إشكال آخر، هو ما يدل عليه (قرى عربية) فإن كتاب ياقوت، وكتاب البكرى، وكتاب السمهودي، وكتاب ابن خرداذبه، لا تكاد
(2/1028)

تأتي بشيء شافٍ يحدد رسم (قرى عربية) من أعراض المدينة، والأخبار تأتينا أيضًا بشيء لا يكاد يعتمد عليه في تحديد موقع ما يسمى (قرى عربية) فمن أجل ذلك آثرت أن آخذ دلالة الأخبار خبرًا خبرًا، حتَّى أرى ما يُفضى إليه الرأي في تحديد مدلول (قرى عربية).
* * *

24 - فأول شيء خبر الفيء، فالذي في كتاب الأموال (الخبر: 7)، والبلاذري في فتوح البلدان (رقم: 8) فتفسير (قرى عربية) فيهما أنها (فدك، وكذا وكذا) ومثلهما ما جاء في جوامع السير (رقم: 18).
فهذه الأخبار دالة على أن (قرى عربية)، كانت تطلق على فدك، وقرى أخرى غيرها، وهي التي أفاء الله على رسوله خاصة دون المسلمين.
* * *

35 - ولكن خبر الفيء نفسه روى بزيادة "واو" تجعل الأمر مختلفًا بعض الاختلاف، وذلك ما رواه ابن أبي حاتم (رقم 9)، وما نقله البكري (رقم: 10) ففيهما أن الفيء: (قرى عربية، وفدك وكذا وكذا) وهذه الزيادة إن لم تكن خطأ في أصل هذه الكتب، فهي دالة على أن (قرى عربية) موضع بعينه غير فدك.
ويعضد ذلك ما جاء في خبر الطبري (رقم 11) في شأن الفيء أيضًا: (فكان من ذلك خيبر، وفدك، وقرى عربية). ويعضده مرة أخرى ما ذكره ابن خرداذبه، عند ذكر أعراض المدينة (رقم: 25) وقدامة أيضًا (رقم: 26)، فقالا: (. . . خيبر وفدك وقرى عربية).
- ويعضده أيضًا ما رواه أبو جعفر بن جرير في تفسير آية الفيء (28: 24 بولاق) قال:
- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري في قوله: {أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [سورة الحشر: 6] قال: صالح النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل فدك، وقرى قد سماها لم أحفظها، وهو محاصر قومًا آخرين، (يعني محاصرة خيبر، كما في رقم: 16)، وأرسلوا إليه بالصلح. قال: (أَؤجَفْتُمْ
(2/1029)

عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ}، يقول: بغير قتال، قال الزهري: فكانت بنو النضير للنبي خالصة لم يفتحوها عنوة بل على صلح".
وقوله: (وقرًى قد سماها لم أحفظها) من كلام معمر، وجائز أن يكون (قرى عربية) نفسها، وجائز أيضًا أن يكون ما جاء مبهمًا مكنيًّا عنه في حديث الزهري كله (رقم: 7 - 10) في قوله: (فدك وكذا وكذا)
- وكل ذلك دال على أن (فدك) غير (قرى عربية).
* * *

36 - وفي الأخبار التي ذكرتها ما يدل أيضًا على أن (خيبر)، غير (قرى عربية) وذلك خبر ابن عباس في الفيء (رقم: 11)، حين عدّ خيبر مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فقال: (فكان من ذلك خيبر، وفدك، وقرى عربية).
- ثم ما رواه البغوي عن الحسن وقتادة والسديّ (رقم: 14) (بعد تصحيحه)، إذ قال: (تواطأ اثنا عشر حبرًا من يهود خيبر، وقرى عربية).
- ثم جاء في المحبر (رقم: 16). خرج - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر .. وارتحل منها إلى قرى عربية).
- ثم ما جاء أيضًا في ابن خرداذبه (رقم 25) في قوله: { .. خيبر، وفدك، وقرى عربية).
- ثم ما جاء في الخراج لقدامة (رقم: 26) في قوله ( .. خيبر، فدك، قرى عربية).
* * *

37 - وتلخيص هذا أن (قرى عربية) في بعض الأخبار هي (فدك) وقرى أخرى غيرها -وفي بعضها الآخر أن (قرى عربية) غير (فدك) وغير (خيبر) وأنها اسم مكان بعينه.
* * *

38 - وأيا ما كان، فإن تتبع صفة هذا الموضع، لا غنى عنها في طلب الدليل على مكانه من أرض العرب.
(2/1030)

- فمن ذلك أنها أرض بعينها يقال لها (قرى عربية) كما سلف (رقم: 5)، في بيان يحيى بن آدم.
وأنها (قرى الزهري بالحجاز معروفة)، كما قال البكري في حديث (رقم: 10)، وفي خبر قتيبة النحوى وشبيب بن شيبة (رقم: 23).
- وأنها (قرى متصلة) بين المدينة والشام، كما روى الطبري عن ابن عباس والضحاك، كما مضى (13) وزاد ابن كثير أنها: (بينة يعرفها المسافرون يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى).
- وأنها قرى بالمدينة، كما قال ياقوت (رقم: 3)
- وأنها من أعراض المدينة، كما دل عليه كتاب "المسالك والممالك" (رقم: 25)، وكتاب قدامة (رقم: 26).
- وإنها قرى بنواحي [المدينة] (1) في طريق الشام، كما ذكر السمهودي (رقم: 4).
* * *

39 - وهذه الصفات لا تكاد تحدد شيئًا، ولكنها تدل في مجموعها على أن (قرى عربية) كانت تطلق أحيانا على (فدك) وقرى غيرها، وأن هذه القرى من الحجاز، وأنها من أعراض المدينة، وأنها قرى متصلة بين المدينة والشأم: وإذا صح ما قاله عرَّام في حد الحجاز "معجم ما استعجم: 10" من أعمال المدينة هي فدك، وخيبر، ووادي القرى والمروة، والفرع، والجار" - وما قاله محمد ابن عبد الملك الأسدى "معجم ما استعجم: 10" من أن (الحجاز) اثنتا عشرة دارا هي المدينة، وخيبر، وفدك، وذو المروة، وداربليّ، ودار مزينة، ودار جهينة. ." ثم قارن ذلك بما قاله ابن خرداذبه (رقم: 25)، وما قاله قدامة (رقم: 26) فظاهرُ الرأي أن تكون "قرى عربية" تخص أحيانا قرى بعينها من الحجاز من أعمال المدينة، وأحيانا أخرى تعم ما بين المدينة والشام من القرى المتصلة، كما ذكر الطبري عن ابن عباس.
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق، انظر رقم 4 في كلام السمهودي.
(2/1031)

40 - والذي يرجح هذا، ويزيده عندي يقينا، ما رواه ابن أبي حاتم (50) عن الشافعي (رقم: 21) في تفسير "قرى عربية" وأنها هي قرى اليهود التي بنوها في بلاد العرب، وهي أشراف بلاد العرب -وما قاله الأصمعي في تفسير "قرى عربية" (رقم: 22)، من أنها كل قرية في أرض العرب، نحو خيبر، وفدك، والسوارقية، وما أشبه ذلك- وإن كان نص الأصمعى أعم، لأنه يدخل في تفسير "قرى عربية": (السوارقية) وهي ليست في الطريق بين المدينة والشام، بل في طريق بين مكة والمدينة، ولا أعلم أكانت من قرى اليهود أم لم تكن؟
41 - وفي خبر الشافعي (رقم: 21) أنها أيضًا (أشراف) جمع (شرف)، وهو ما أشرف من الأرض، أي ما علا حوله، أو دنا منه، وكأن الشافعي أراد بالأشراف (المشارف) و (مشارف الأرض) أعاليها، وهي أخصب الأرض، ولذلك قيل: "مشارف الشام" وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، والريف عندهم: ما قارب الماء، من أرض العرب، فكان فيها خصب وزرع ونخيل. فإذا صح ذلك، وهو صحيح، كان كل ما سكنه يهود من أرض العرب، وأقاموا به وسكنوه، جائزًا أن يكون (قرى عربية) كما قال الشافعي. وقد قال ياقوت في معجمه مادة (الشرف): (والمشارف من قرى العرب، ما دنا من الريف، وهي مثل خيبر، ودومة الجندل، وذو المروة)، فالأشراف والمشارف واحد، فيما أرجح.
- و"دومة الجندل" كما قال السمهودى وغيره: "من القريات، من وادي القرى، وأنها "قرى بين الشام والمدينة" وذكر ابن سعد (1/ 1/ 44) أنها طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة". و"ذو المروة"، أيضًا، من وادي القرى، فهذا يشبه أن يكون داخلا في قول الشافعي "أشراف بلاد العرب" وأن "دومة الجندل" و"وادي القرى"، وغيرهما من القرى التي سكنتها يهود وازدرعتها، هي داخلة في حدّ "قرى عربية".
(2/1032)

42 - هذا على أنى لم أجد تحديدًا شافيًا لما كان يسمى (وادي القرى)، فالبكرى لم يذكره محددًا، ولم يعقد له بابًا في كتابه "معجم ما استعجم". أما ياقوت، فقد ذكره في (القرى) وفي (وادي القرى) وأحال على ما كتبه في (القرى). وكل ما قاله في صفته هو ما يلي:
(ووادي القرى، واد بين الشام والمدينة، وهو بين تيماء وخيبر، وبه قرى كثيرة، وبها سمى وادي القرى. قال أبو المنذر: سمى (وادي القرى) لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة، وكانت من أعمر البلاد، وآثار القرى إلى الآن بها ظاهرة، إلا أنها في وقتنا هذا كلها خراب، ومياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد). ثم قال:
(قال أبو عبيد الله السكونى: وادي القرى، والحجر، والجناب، منازل قضاعة، ثم جهينة وعذرة وبليّ، وهي بين الشام والمدينة، يمر بها حاج الشام، وكانت قديمًا منازل ثمود وعاد، وبها أهلكهم الله، وآثارها إلى الآن باقية، ونزلها بعدهم يهود، واستخرجوا كظائمها، وأساحوا عيونها، وغرسوا نخلها، فلما نزلت بهم القبائل، عقدوا بينهم حلفًا، وكان لهم فيها على اليهود طعمة وأكل في كل عام، ومنعوها لهم من العرب، ودفعوا عنها قبائل قضاعة) - وهذا مختصر مما في "معجم ما استعجم": 1: 43).
ويوهم سياق الكلام أن اليهود هم الذين منعوا وادي القرى من العرب، والصواب أن الذين منعوها لليهود هم بنو عذرة، للحلف الَّذي بينهم وبين يهود. وقد ذكر ذلك النابغة الذبياني في شعره، فقد أراد النعمان بن الحارث الغساني أن يغزو بني عذرة بوادي القرى، وكان النابغة لهم محبًّا ومادحًا، فنهاه عن ذلك، وقال في أبياته:
تجَنب بني حُنّ فإن لقاءهم ... كريه، وإن لم تلق إلا بصابر
و(بنو حُنّ)، هم بنو عُذْرة، ثم قال:
وهُمْ منعوا وادي القرى من عدوهم ... بجمْع مُبِير للعدو المُكاثِرِ
وهُمْ منعوها من قضاعة كلُّها ... ومن مُضَرِ الحمراء، عند التغاوُرِ
(2/1033)

43 - وأما السمهوديّ في "وفاء الوفاء"، فإنه عقد باب (وادي القرى)، وليس فيه تحديد شاف بل قال:
(واد كثير القرى بين المدينة والشام)، ثم نقل عن الحافظ ابن حجر: (هي مدينة قديمة بين المدينة والشأم، وأغرب ابن قُرقول فقال: إنها من أعمال المدينة).
(قال السمهودي): ولا إغراب فيه، بتصريح صاحب "المسالك" به، كما سبق في تبوك، وسبق أن (دومة الجندل) من أعمال المدينة، وأنها بوادي القرى (انظر ما كتبته رقم: 41) ثم قال:
(وسبق في (ذي المروة)، أن بعضهم عدّه من وادي القرى، وأنه إن ثبت فهو غير (وادي القرى) المذكور، وسبق في (بلاكث) و (برمة) ما يؤيده. وعليه أهل المدينة اليوم، لأنهم يسمون ناحية ذي المروة، وناحية ذي خشب (وادي القرى)، ولعلها (قرى عرينة) الصواب: (قرى عربية، كما أسلفنا).
- وهذا نص مهم جدًّا، لأن السمهودي تنبه هنا إلى أن (قرى عربية) توشك أن تكون دالة على هذه القرى جميعها.
* * *

44 - وصفة (وادي القرى) كما جاء في صفة أبي المنذر (رقم: 4) (سمى وادي القرى) لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة (هو نفس صفة (قرى عربية) التي ذكرها الطبري (رقم: 13)، ويطابق ما لخصته آنفًا (رقم: 38، 39)، وذلك كما قال الطبري: قرى متصلة بين المدينة والشام).
* * *

45 - وشيء آخر يدل على مثل ذلك، فقد قال ابن حبيب في "المحبّر" (رقم: 16):
(ثم سنة سبع، فيها خرج - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر، فحاصرهم بضعة عشر يومًا، وارتحل منها إلى (قرى عربية) فلم يلق كيدا).
وإجماع أهل السير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من أمر خيبر، ارتحل
(2/1034)

متوجهًا إلى (وادي القرى) قال ابن إسحاق (سيرة ابن هشام: 3: 353):
(فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر، انصرف إلى وادي القرى، فحاصر أهله ليالى، ثم انصرف راجعًا إلى المدينة).
وكذلك قال البلاذري في "فتوح البلدان": 41، الطبري في تاريخه: (3: 96)، وابن سيد الناس في "عيون الأثر" (2: 143)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (4: 212)، والمقريزى في "إمتاع الأسماع" (1: 331)، وغيرهم.
فصح بذلك أيضًا أنهم كانوا يطلقون (قرى عربية) على (وادي القرى) أيضًا.
* * *

46 - وبقى نص آخر، يحتاج إلى بعض التفصل، ذلك ما نقله ياقوت في معجمه عن خط العبدرى (رقم: 20) في بعث أبي بكر - رضي الله عنه - عمرو بن العاص، إلى الشأم مُمِدًّا لأبي عبيدة:
- (وجعل عمرو بن العاص يستنفر من مرّ به من البوادي وقرى عربية) وقد ذكر البلاذرى في فتوح البلدان (114، 115) أن أبا بكر عقد ثلاثة ألوية لفتح الشأم، منها لواء عمرو بن العاص، ثم ذكر عن أبي مخنف: أن عمرو ابن العاص إنما كان مددًا للمسلمين، وأميرًا على من ضم إليه) و (أن يسلك طريق أيلة عامدًا لفلسطين).
وجاء في الطبري (في سنة ثلاث عشرة) أن أبا بكر بعث عمرًا قِبَل فلسطين، فأخذ على طريق (المعرفة) إلى (أيلة).
وطريق (المُعرفة) هو الَّذي كانت تسلكة عير قريش إلى الشام، وفيه سلكت عيرهم حين كانت وقعة بدر، وهذه الطريق، كما استظهرت من صفة ابن خرداذبه في "المسالك والمالك" (150، 191) للطريق من دمشق إلى مكة هي: (من المدينة، إلى ذي خشب، إلى السويداء، إلى المرّ، إلى ذي المروة، إلى الرحيبة، إلى وادي القرى، إلى الحِجر).
(2/1035)

و (ذو خشب) يعد من وادي القرى، و (السويداء) بعد ذي خشب على ليلتين من المدينة على طريق الشام، و (مُرّ) واد في بطن إضم، وهو كما قال ابن سعد 1/ 96/1: (بين ذي خشب وذى المروة)، وهو من منازل جهينة، وجهينة كما سلف (رقم: 39، ثم رقم: 42) بوادي القرى، ثم (الرُّحيبة) وكأنها (الرحبة)، إلا أن يكون تصغيرًا، من بلاد عذرة، قرب وادي القرى.
وأيضًا، فقد روى ابن عساكر في تاريخه (1: 446 - طبعة المجمع العلمي بدمشق: (أن أبا بكر قال لعمرو بن العاص في فتح الشام: إني قد استعملتك على من مررت به من بليّ، وعذرة، وسائر قضاعة، ومن سقط هنالك من العرب، فاندبهم إلى الجهاد في سبيل الله .. ).
وقد سلف في (رقم: 39، ورقم: 42) أن منازل بليّ، وعذرة وقضاعة، هي (وادي القرى)، بين المدينة والشام، وإذن فالذين استنفرهم من البوادي و (قرى عربية) فيما ذكره العبدرى، هم أنفسهم من استعمل عليهم عمرو بن العاص من بليّ وعذرة وقضاعة، واستنفرهم في طريقه إلى فلسطين، كما قال ابن عساكر، وهم أنفسهم أصحاب (وادي القرى).
- فهذا إذن، دليل آخر على أنهم يريدون بقولهم: (قرى عربية)، وادي القرى، وسائر القرى الممتدة المتصلة بالشام.
* * *

47 - وأما صدر الكلام الَّذي وجده ياقوت بخط العبدرى (رقم: 20) فقد أوجدنيه الأستاذ عبد الله الوهيبى، في أخبار الردة في "فتوح البلدان" 101، وتاريخ ابن الأثير 142، وهو بإسناده في فتوح البلدان.
- حدثني عبد الله بن صالح العِجْلي، عن يحيى بن آدم، عن عوانة بن الحكم، عن جرير بن يزيد، عن الشعبى قال: قال عبد الله بن مسعود: "لقد قمنا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مقامًا كدنا نهلك فيه، لولا أن من الله علينا بأبي بكر. اجتمع رأينا جميعًا على أن لا نقاتل على بنت مخاضٍ وابن لبون، وأن نأكل قرى عربية، ونعبد الله حتَّى يأتينا اليقين".
(2/1036)

ومعني هذا الخبر أن العرب لما ارتدت، وتنازع الصحابة أمرهم بينهم، كادوا يجمعون على المقام في المدينة وما حولها، وهي قرى عربية، يأكلون مما تنبت أرضها، ويعبدون الله حتَّى يأتي أمر الله، وهذا واضح الدلالة على أن المراد بقوله: "قرى عربية"، أعراض المدينة وهي خيبر، وفدك، ووادي القرى، كما سلف من قول ابن خرداذبه، وابن رسته (رقم: 25).
* * *

48 - هذا، وبعد الانتهاء مما سلف، تفضل الأخ الأستاذ عبد الله الوهيبى، فأوقفني على عدة نصوص فاتتنى وأنا أسردها هنا:
- في الاستيعاب لابن عبد البر، في ترجمة "عمرو بن سعيد بن العاص"! "واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن سعيد، على قرى عربية، منها تبوك وخيبر وفدك. . . .".
ومثله في ترجمته أيضًا في أنساب الأشراف للبلاذرى (4: 128)، وانظر ما سلف (رقم: 17 - 19).
- ثم جاء في الاستيعاب أيضًا في ترجمة "خالد بن سعيد بن العاص": "وكان خالد على اليمن، وأبان على البحرين، وعمرو على تيماء وخيبر وقرى عربية، وكان الحكم يعلّم الحكمة" انظر ما سلف (رقم: 17 - 19).
49 - وقال أبو حيان في "البحر المحيط" في تفسير سورة الحشر (8: 245).
- "وقال ابن عطية: أهل القرى المذكورون في هذه الآية، هم أهل الصفراء، وينبع، ووادي القرى، وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية".
قلت: وهذا يشبه أن يكون تفسيرًا واضحا مطابقًا لقول الأصمعى والشافعي وبيانهما فيما سلف (رقم: 21، 22).
50 - وفي كتاب "البدء والتاريخ" لابن طاهر المقدسي (5: 25) في ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وميراثه، قال:
(2/1037)

- (وله - صلى الله عليه وسلم - من الضياع: قرى عربية، وفدك، والنضير، وكثير من خيبر).
* * *

51 - وفي كتاب الخراج لأبي يوسف: 70:
- (وأما الخوارج، فإنهم أخطأوا الحجة، وجعلوا (قرى عربية) بمنزلة (قرى عجمية)، ولم يأخذوا بما اجتمع عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول عمر وعلى).
ويعني بذلك أنّ أرض الحجاز والمدينة ومكة واليمن وأرض العرب كلها، أرض عُشر، وإن فتحت عنوة، أما (قرى عجمية)، وهي قرى العجم، فإن ما افتتح منها فهو أرض خراج. قال أبو يوسف: (وقد بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افتتح فتوحًا من الأرض العربية، فوضع عليها العشر، ولم يجعل على شيء منها خراجًا).
- وهذه الفتوح هي التي ذكرها الشافعي -رحمه الله- فيما سلف (رقم: 12) وأبان عنها فيما نقله آنفا (رقم: 21). فقول أبي يوسف أن الخوارج جعلوا (قرى عربية) بمنزلة (قرى عجمية)، إنما يعني هذا، ويعني أيضًا ما أشار إليه الشافعي في بيانه، وما قاله الأصمعي آنفا (رقم: 22) من أن (قرى عربية) كل قرية في أرض العرب) فكذلك (قرى عجمية) هي كل قرية في أرض العجم.
* * *

52 - وفي "شرح ابن الأنبارى" للقصائد السبع (106 - 107) في شرح قول امرئ القيس:
وتيماء لمْ يترك بها جِذْع نخلةٍ ... ولا أجما إلَّا مشيدًا بجندلٍ
قال: (وتيماء، من أمهات القرى، قرى عربية).
- وهذا واضح الدلالة على أن (تيماء)، من قرى عربية، فهو لذلك دال
(2/1038)

على أن قرى عربية اسم جامع لقرى العرب التي كانت شمال المدينة، والتي سكنها يهود.
* * *

53 - وبقى خبر عن أبي هريرة رواه ابن عساكر "مختصر تاريخ ابن عساكر" 1: 350)، والسيوطى في دلائل النبوة (1: 25):
- (عن أبي هريرة: بلغنى أن بني اسرائيل، لما أصابهم ما أصابهم من ظهور بخت نصر عليهم، وفرقتهم وذلتهم تفرقوا، وكانوا يجدون محمدًا منعوتًا في كتابهم، وأنه يظهر في بعض (القرى العربية)، في تربة ذات نخل، فلما خرجوا من أرض الشأم، جعلوا يقترون (1) كل قرية من تلك القرى العربية بين الشأم واليمن، يجدون نعتها نعت يثرب، فينزل بها طائفة منهم، ويرجون أن يلقوا محمدًا فيتبعونه، حتَّى نزل من بني هرون ممن حمل التوراة بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم مؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أنَّه جاء، ويحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم، وكفروا به وهم يعرفون).
- وصفة هذه القرى العربية، شبيهة بصفة (قرى ظاهرة) (سبأ: 18) فيما ذكرته آنفًا من خبر سعيد بن جبير (رقم: 5)، وما جاء في تفسير الطبري (رقم: 13)، وأنها هي (قرى عربية).
54 - وعندي أن هذا كله يوشك أن يدل على أن (قرى عربية) كانت تشمل القرى العربية ما بين الشأم إلى المدينة، كما فسرها الطبري في تفسير قوله تعالى: (قرى ظاهرة) (سبأ: 18)، وأن (قرى عربية) و (وادي القرى) كانا يستعملان أحيانا، ولاسيما في القديم من الرواية، للدلالة على معنى واحدٍ، وأن هذه الدلالة عند عمومها تشمل خيبر، وفدك، ووادي القرى، وبرمة التي بين خيبر ووادي القرى، (وفاء الوفا)، وذا المروة وذا خشب، والهمج، وهو ماء بين خيبر وفدك (ابن سعد 2/ 1/ 65، "وفاء الوفا" في (فدك) وهمج - وظبية، والصفراء، ويثرب، وتيماء، ودومة الجندل، ومدين، وينبع، وبلاكث،
__________
(1) اقترى البلاد: إذا تتبعها وخرج من أرض إلى أرض وسار فيها ينظر أحوالها.
(2/1039)

وسائر ما كان من القرى في شمال المدينة، وما نزلت به هو من أرض العرب فسكنته وغرسته وبنت فيه بيوتها وآطامها وأسواقها.
55 - وقد بقى خبران لم أتعرض لهما، أولهما: خبر الطبري، وشبيهه الَّذي جاء في تفسير البغوي (رقم: 14) في شأن النفر الاثنى عشر من أحبار يهود، الذين جاءوا من خيبر وقرى عربية، وقد تواطأوا على الدخول في دين الله أوّل النهار، ثم يكفرون آخره، وهذا الخبر لم أجده مفسَّرًا مبسوطًا في مكان آخر، وقد ذكر أصحاب السير اجتماع نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان من أمرهم.
وقد ذكر ابن اسحق أن (سورة آل عمران) التي ذكر الله سبحانه فيها مقالة أحبار يهود: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} [سورة آل عمران: 72]، إنما نزلت خاصة في الذين كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتعنتونه، وعدَّ منهم (أبا ياسر بن أخطب)، وأخاه (حيى بن أخطب)، وهما من بني النضير (ابن هشام 2: 160 - 2: 194، 197)، وعبد الله بن صيف، من بني قينقاع، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف، من بني قريظة (ابن هشام 2: 161، 162 وتفسير الطبري 6: 504، رقم: 7223)، وهؤلاء الثلاثة من الذين تواطأوا على أن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره.
فأما (حيي بن أخطب) وأخوه، فهما من بني النضير، و (صفية أم المؤمنين)، هي بنت (حيي بن أخطب) سيد قريظة والنضير (صحيح مسلم -كتاب النِّكَاح- باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها). وإذ كان ذلك كذلك، فأرجِّح أن أموال (حيى بن أخطب) ومنازله كان بعضها في فدك، وقرى عربية (وهي التي نزلت فيها آية الفيء، كما أسلفنا، فهذه الآية نزلت في بني النضير، بلا شك، و (سورة الحشر) التي منها هذه الآية، كان ابن عباس يقول هي (سورة بني النضير).
ولما أجلى بنو النضير إلى خيبر، كانت لحيي أيضًا أموال بها، لأن (صفية
(2/1040)

أم المؤمنين) كانت يوم خيبر عند (كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق) فصارت من سبايا خيبر، وكانت يومئذ في حصن بني أبي الحقيق، وهو القموص). و (كنانة) هذا، كان أيضًا من بني النضير (ابن هشام 2: 160).
فأنا أرجح أن اليهود، من بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير، وسائر طوائفهم كانوا مفرقين شتى متداخلين في القرى التي كانت شمال المدينة، في خيبر، وفدك، ووادي القرى، وقرى عربية وغيرها، فأظن لذلك أنّ المذكورين في خبر ابن هشام، هم أنفسهم المذكورون في خبر المتواطئين من يهود خيبر وقرى عربية، كما جاء في خبر الطبري (انظر ما سيأتي رقم: 56).
وقد رأيت ما يصحّح هذا القول في شأن قريظة والنضير، وأنهم كانوا خارج المدينة في كتاب ابن القيم "أحكام أهل الذمة" ص: 839 قال: (وأما قريظة والنضير، فكانوا خارجًا من المدينة، وعهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشهر من أن يخفي على عالم).
* * *

56 - وأما الخبر الثاني، فهو خبر دجاجة، عن عثمان - رضي الله عنه - (رقم: 15) وقول عثمان: (لا يسكن قرى عربية دينان)، وهذا الخبر لم أجده في أخبار عثمان - رضي الله عنه -، والذي عندنا في أمر إجلاء اليهود، هو إجلاء عُمر يهود خيبر، وغيرها لقوله - صلى الله عليه وسلم - لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)، فأجلاهم عمر إلى (تيماء). فإذا صح أن عثمان قال: (لا يسكن قرى عربية دينان) فإنه لا يعني خيبر بلا شك، ولا يعني أيضًا (فدك)، ولا منازل بني النضير القريبة من شمال المدينة، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خرج إلى بني النضير سنة أربع، فسار بعضهم إلى (خيبر) فكان منهم (سلّام بن أبي الحقيق)، و (كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق) و (حيي بن أخطب) (ابن هشام 3: 201).
وإذا لم يكن يعني هذه القرى القريبة من شمال المدينة، فأرجح أن قول عثمان: (لا يسكن قرى عربية دينان)، إنما يراد به بعض الأماكن البعيدة عن شمال المدينة إلى حد الشام من القرى الظاهرة المتصلة التي ذكر الطبري أنها
(2/1041)

(قرى عربية) (رقم: 13)، نحو (تيماء) ودومة الجندل، ومدين، وما قارب ذلك (1).
* * *

57 - فمن هذا كله، من الَّذي علقته في هذه الكلمات، وعما أغفلته من الاستنباط والمراجعة، يتبين لي أن أدق تفسير لقولهم (قرى عربية) هو أقدم تفسير، وهو قول الشافعي في ذلك: (هي قرى اليهود بنوها في بلاد العرب، والعرب حولهم، وهي أشراف بلاد العرب، (أي مشارفها)، وهي فدك وخيبر)، وقول الأصمعى، وهو أوضح: قرى عربية، كل قرية في أرض العرب، نحو خيبر، وفدك، والسوارقية، ما أشبه ذلك) (رقم، 21، 22) وذلك ما فسّرته آنفًا (رقم: 54).
وظني أن اليهود لما نزلوا أرض العرب، وانساحوا ما بين المدينة والشأم، كانوا يسمون بلاد جزيرة العرب يومئذ "عربية" أي أرض العرب، ثم قالوا للقرى التي سكنوها في مهبطهم من الشأم إلى يثرب "قرى عربية" اسمًا جامعًا، أي قرى أرض العرب، وقولهم (عربية) وهم يعنون بلاد جزيرة العرب، أشبه بأن يكون من كلامهم ونهج لسانهم، وإذ كانوا غرباء على لسان العرب، فقد سموها على سليقة لسانهم بلفظ عربي مستجلب. ثم لما طال عليهم الأمد، وسموا كل قرية باسم أنشأوه أو ورثوه ممن كان معهم من العرب نحو (تيماء) و (دومة الجندل) و (خيبر) و (فدك)، ظل قولهم (قرى عربية) اسما جامعًا لهذه الأرض كلها من شمال المدينة إلى الشأم: ولكن العرب لما جاوروهم وعقدوا بينهم حلفًا، بدأوا يضيقون بهذه التسمية التي تشبه أن لا تكون عربية خالصة
__________
(1) وذكر خليفة بن خياط في تاريخه (المطبوع في بغداد ج 1 ص 62 وفي دمشق ص 72 والمخطوط سنة 479 ص 238 - في سياق ذكر عماله عليه الصلاة والسلام: وعمرو بن سعيد بن العاص على قرى عربية، خيبر، ووادي القرى، وتيماء، وتبوك، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرو عليها. اهـ. والنسخة الخطية موثقة ومصححة، وقرأها علماء أعلام. أقول: هذا الهامش علقه الشيخ حمد الجاسر، -رحمه الله-.
(2/1042)

(قرى عربية) وإن احتملها لسان العرب، فقالوا لهذه القرى (وادي القرى)، إذ كانت أكثر هذه القرى تقع في الوادي الطويل الممتد المتفرع ما بين الشأم إلى المدينة.
فلما أخذت كل قرية تتسع وتكبر، ويزداد عدد أهلها، وتكون لها شهرة بثمر أو سوق أو تجارة، انفردت كل واحدة منها باسمها وطار صيتها، وجعل لفظ (وادي القرى) أو (قرى عربية) يضيق أحيانًا فيطلق على مكان بعينه، يجمع عدة قرى متقاربة، وربما جاء وقت بعد ذلك، لا أستطيع أن أحدده، وإن كنت أرجح أنَّه كان بعد الإسلام بدهر، فخص (وادي القرى) و (قرى عربية) بناحية بعينها أو ناحيتين من هذه القرى الممتدة المتصلة ما بين الشأم إلى يثرب. ومن أجل ذلك كما رأيت، اضطرب قول المؤلفين في تحديد ما كان يسمى (وادي القرى) أو (قرى عربية) وصارا بذلك اسمين مبهمين يدلان دلالة مبهمة غير محددة تحديدًا شافيًا.
هذا غاية ما أحببت أن أقيده، وعسى أن أكون قد بلغت بعض التوفيق في جمع هذه الأخبار وتصحيح دلالاتها، والبيان عن معنى (قرى عربية) وتمحيصه، والحمد لله وحده.
(2/1043)

كانت الجامعة. . . هي طه حسين
ما هو دور طه حسين في رأيك (1)؟
سؤال ضخم الإجابة عنه في أسطر قلائل، تكليف بما لا يطاق. ومع ذلك فسأحاول أن أقول لك شيئًا أتمم به ما تناثر في بعض ما كتبت، حين كانت الضرورة تدعونى إلى التحدث عن الدكتور طه حسين وآرائه في الأدب.
كان -رحمه الله- ينشر "حديث الأربعاء" في صحيفة السياسة، وذلك في حدود سنة 1923، وكنت يومئذ فتى صغيرا في المدارس الثانوية، فكنت أقرأ ما يكتب وأتتبعه. وكنت قبيل ذلك أيضًا أقرأ كتاب "الكامل" للمبرد وكتاب "الحماسة" لأبى تمام على شيخى وأستاذى -رحمه الله- إمام العربية في زمانها "سيد ابن علي المرصفي" في بيته، وكان الشيخ لا يكاد يقرأ الصحف، ففي بعض حديثي معه ذكرت له ما كان يكتبه الدكتور طه حسين. فعرفت يومئذ منه أن الدكتور طه حسين قرأ عليه أيضًا ما شاء الله أن يقرأ من كتاب الكامل للمبرد. فحفزنى ذلك على أن أسعى إلى لقاء الدكتور طه حسين وإلى السماع منه. فمن يومئذ عرفته معرفة عن قرب. عرفته محبا لعربيته حبا شديدا، حريصا على سلامتها، متذوقا لشعرها ونثرها أحسن التذوق، وعلمت أن هذا الحرص وهذا التذوق كان ثمرة من ثمار قراءته على المرصفي. فإني لم أر أحدا كان يحب العربية ويحرص على سلامتها، ويتذوق بيانها، كشيخنا المرصفي رحمة الله عليه، ولم أر لأحد تأثيرا في سامعه كتأثير الشيخ في سامعه.
ومضت الأيام منذ سنة 1923 إلى سنة 1925، فيومئذ صدر المرسوم بإنشاء "الجامعة المصرية" مكونة من عدد من الكليات إحداهن "كلية الآداب"
__________
(*) مجلة الكاتب، السنة الخامسة عشرة، العدد 168 - مارس 1975، ص 28 - 35.
(1) السائل هنا هو الأستاذ سامح كريم في مقابلة أجراها مع الأستاذ شاكر -رحمه الله- في فبراير 1975، وقد أشار الأستاذ إلى هذه المقابلة في مقاله الأول عن "المتنبي ليتني ما عرفته" انظر 2: 1123
(2/1044)

وصار الدكتور طه حسين أستاذ الأدب العربي في "قسم اللغة العربية" في "كلية الآداب". ولكن لم تكد تمضي سنة على إنشاء الجامعة حتَّى صرنا إلى أمر غريب جدا: لا يكاد يذكر اسم "الجامعة" حتَّى ينصرف ذهن كل سامع إلى "كلية الآداب" وحدها، ثم إلى الدكتور طه حسين وحده، هذا مع أن عدد طلبة "كلية الآداب" كان يومئذ يعد بالعشرات، وكان عدد طلبة "قسم اللغة العربية" من هذه الكلية يكاد يعد على الأصابع. أي أنك تستطيع أن تقول بلا تجوز كثير: أن طه حسين كان عند الناس هو الجامعة، وكان الجامعة عندهم هي طه حسين!
وهكذا أيضًا كنا نراها نحن طلبة كلية الآداب، وقسم اللغة العربية من هذه الكلية خاصة. وبين أن الفضل في ذلك راجع كله إلى الدكتور طه حسين، وإلى ما أثاره يومئذ من صراع عنيف في الحياة الأدبية لذلك العهد. ولا تتوهم أنى أريد بهذا أن أثنى على الدكتور طه حسين، بل أنا شاهد أقرر لك حقيقة كانت مصورة حية في الأذهان منذ خمسين سنة لا أكثر ولا أقل. وهي صورة غريبة قل أن تتكرر. وقد بقيت حية على عنفوانها بضع سنوات، ثم بدأت في الركود شيئًا فشيئا بضع سنوات أخر. حتَّى انسلخت عنه الجامعة واستقلت بصورتها المعروفة اليوم عند الأمة العربية وانسلخ الدكتور طه أيضًا عنها .. وصار هو طه حسين بصورته المعروفة اليوم عند الأمة العربية لا مصر وحدها.
واصبر على قليلا ولا تتعجل. إن هذا السؤال الضخم الَّذي سألتنيه بغتة، كان ينبغي أن أتهيأ للرد عليه أياما طوالا جدا، لأني امرؤ أحب الكلمة المعبرة عن حقيقة المعنى القائم في نفسي، ولكني مع حبى لها أخافها وأتهيبها ويأخذنى عندها من الذعر، ما يأخذ المحمول في يد جبار يريد أن يلقى به في نار متضرمة. ولقد رميتنى أنت في أشد الحرج، لأنى أجد أن هذه الألفاظ القلائل التي حرصت آنفا على أن أؤدى بها شهادة شاهد عيان، لم تبلغ عندي الغاية التي أحسها في قرارة نفسي، وأريد الإبانة عنها.
ويا للعجب! سؤال من سبع كلمات تلقيه علي عفوا، يريد أن يبعث الحياة في صورة غربية مذهلة، مضى عليها خمسون سنة! خمسون سنة بقيظها
(2/1045)

وزمهريرها، وبنورها وظلامها، وبصحوها وغيومها، وبصفاء أيامها وغبارها، لا تمشي على صورة ناضرة حتَّى ترد نضرتها إلى ذبول كئيب وتحيل إشراق لونها إلى شحوب مفزع. ومع ذلك فأنا مطالب اليوم أن أرفع إلى عينيك وإلى أعين الأجيال الحديثة بعد خمسين سنة، صورة كانت على إبانها صورة حية غربية مذهلة! ومن لي بأن أؤدى ما أنا مطالب بأدائه؟ ولكن لا مناص ولا مهرب.
وهل تدري لماذا أقطع حديثي وأقول لك هذه الكلمات؟ لا أظنك تدري، لأنك لم تكن حيا منذ خمسين سنة، ولو كنت حيا يومئذ، ولم تكن قادرا على استيعاب زمانك استيعابَ يقظة، لا استيعاب لجاجة ودعوى وسفسطة لبقيت أيضًا لا تدري شيئًا، وسأحاول أن أقرب لك الأمر ما استطعت حتَّى تعلم لم قلت لك هذه الكلمات.
أن هذه الصورة الغريبة المذهلة، التي توهجت بألوانها في مصر، ثم في أضيق من ذلك: "في كلية الآداب"، ثم في أضيق من ذلك. في "قسم اللغة العربية" من كلية الآداب، ثم في سنوات قلائل: سنة 1925 وما بعدها، لم تكن صورة على رقعة أفردت لها خاصة، بل كانت صورة صغيرة جدا، صغيرة جدًّا لا تكاد ترى من بعد قريب، وهي في حيز رقعة واسعة مترامية الأطراف، ما بين تخوم المغرب الأقصى، إلى النهاية حدود الصين، ومن أعلى حدود تركية إلى أقاصي الأطراف في بلاد أندونسية أي في الرقعة التي يقع عليها اسم "العالم العربي" و"العالم الإسلامي" معا، وليس هذا فحسب، فهناك أبعاد أخرى غير أبعاد المكان وهي أبعاد الزمن أي أقصى تاريخ هذه الرقعة منذ بدأت إلى العصر الجاهلي، إلى عصور الإسلام الَّذي نعيش فيه.
ودعني أسألك كما سألتنى: هل أكون صادقا إذا أنا اقتصرت على أن أرفع لعينيك هذه الصورة الغريبة المذهلة، مقتطعة من جوف هذه الرقعة المترامية الأطراف في الزمان والمكان، لا لشيء إلا لكي أحيي ذكر طه حسين في هذه المناسبة التي حدثتنى عنها، مؤديًا بذلك بعض حقه على؟
وستقول: لا بلا ريب.
(2/1046)

فأقول لك: وإذن فقد شققت عليَّ كل المشقة، ورميت بي في أشد الحرج، حين سألتني عما سميته "دور طه حسين" في حياة هذه الأمة المنساحة في أبعاد الزمان والمكان كما وصفتها لك.
وإذا كان جواب هذا السؤال عسيرا محرجا لي كما ترى، فهل تراه حسنا أن أدفع عن نفسي المشقة والحرج، وأفزع بالهرب منهما إلى ما هو أيسر وأروح، فأتعلق بما انتهى إليه أمر طه حسين من الشهرة في هذا العالم الرحب، فأقول لك كما قال من يحمل العلم: إن ضخامة أثر طه حسين في حياة العالم، خليق أن يجعلنا نسمى الزمن الَّذي عاشه طه حسين بيننا "عصر طه حسين"؟ ليس هذا هزلا محضا! بل هو شر من الهزل المحض؟
ومع ذلك كله فأنا أستعفيك من ركوب هذا المركب الصعب، ولكني لن أخذلك وسأحاول أن أستبقى هذه الصورة الغريبة المذهلة في مكانها، غير مقتطعة من رقعتها المتراحبة، فأبين لك لم توهجت هذه الصورة؟ وكيف كان توهجها في حيزها الصغير جدا؟ ثم أحدثك عن أثر هذا التوهج على الرقعة التي هي جزء منه، ولكني في الحقيقة لا أدري من أين أبدأ، ولكن لا مفر من بدء.
في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) انتفض هذا العالم الرحب الَّذي حدثتك عنه وهو العالم العربي والعالم الإسلامي، وبدأت أول انتفاضة في مصر في مارس 1919، وتتابعت الانتفاضات على درجات مختلفة في جميع بلاد العرب والإسلام، وحدثت الدرجة العظمى، بالحرب التركية في سنة 1922، على عهد مصطفى كمال، ثم زلزل هذا العالم كله، حين ألغى الخلافة الإسلامية في سنة 1924، وبإلغائها صار هذا العالم الَّذي كانت فيه الخلافة تجمعه أو تشده إليها بحبال واهية .. ولكنها حبال على كل حال! صار خلائق مشتتة في يم متلاطم، تمد أيديها إلى شيء تتعلق به طلبا للنجاة وخوفا من الغرق، وكانت مصر خاصة والبلاد العربية عامة، ملتقى أنظار العالم الإسلامي في طلب النجاة والخوف من الغرق، مع أنهم جميعا غرقى في هذا اليم المتلاطم.
وفي هذا الذهول الغامر، ما بين سنة 1919 إلى 1924 نزع العالم العربي
(2/1047)

بفطرته السليمة إلى التشبث بالحبال الباقية التي تربط بعضه ببعض، وهي اللسان العربي الممثل في الشعر والنثر، لأنه لا أمة بلا لغة، وصار مفهوما واضحا عند الجماهير، أن إحياء اللغة العربية هو إحياء الأمة العربية، وإحياء اللغة العربية وإحياء الأمة العربية هو إحياء البلاد الإسلامية. كان هذا واضحا جدا لمن يريد أن يبصر.
ولكن ثورة مصر .. انفرط عقدها بصدور تصريح 28 فبراير 1922، ويتولى سعد زعلول الوزارة في سنة 1924، ولكنها لم تخمد بعد، فكان الجيل الَّذي عاش تلك الأيام يتشبث بلغته، ويقاوم عناصر الهدم الخبيثة التي أطلقتها وزارة الاستعمار البريطاني، وهيئات المبشرين (وهما شيء واحد) ويتولى العمل لها رجال من أهل جلدتنا معروفون بأسمائهم. وفي هذا الجو الَّذي أحببت أن أوجزه لك في هذا الحديث الملهوج أنشئت الجامعة المصرية في سنة 1925، وألقى الدكتور طه حسين كلمته "في الشعر الجاهلى" وهاجت الحياة الأدبية كلها في مصر ثم في سائر بلاد العرب والمسلمين. والذي هاج الحياة الأدبية وأثارها هو في الحقيقة ما سماه "المنهج"، والذي ذكر أنَّه أحد مذهبين في البحث بقوله: "نحن بين اثنتين .. أما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء .. وأما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث"، ، ثم يقول هذه الكلمات المفزعة: "والفرق بين المذهبين في البحث عظيم، فهو الفرق بين الإيمان الَّذي يبعث على الإطمئنان والرضى، والشك الَّذي يبعث على القلق والاضطراب وينتهي في كثير من الأحيان، إلى الإنكار والجحود. المذهب الأول يدع كل شيء تركه القدماء لا يناله بتغيير ولا بتبديل، ولا يمسه إلا مسا رفيقا، أما المذهب الثاني فيقلب العلم القديم رأسا على عقب، وأخشى إن لم يمح أكثره، أن يمحو منه شيئًا كثيرًا"، ثم ما انتهى إليه فيما سماه بحثا، إلى أن: "الشعر الجاهلي" أو كثرة هذا الشعر الجاهلى لا تمثل شيئًا، ولا تدل على شيء إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال".
هذا نص كلام الدكتور طه حسين بألفاظه، فوضع علم المتقدمين كله موضع
(2/1048)

البحث والإنكار والجحود، وقلب العلم القديم رأسا على عقب، والانتهاء إلى محو أكثر العلم القديم، وبطلان الشعر الجاهلى وهو عماد اللسان العربي كله بعد القرآن والحديث، كل ذلك أفزع القلوب التي كانت تحس وتسمع وترى وتقرأ ما يكتبه أعوان الاستعمار والتبشير يومئذ، فاختلط الأمر، وصار طه حسين عند عامة الناس، واحدا ممن يمثل هذا الاتجاه الَّذي يتولاه فلان وفلان من خبثاء المبشرين الذين يكتبون بالقلم العربي.
لقد لقى طه حسين يومئذ ما لقى، ونسب إليه ما أقطع بأنه برئ منه، والدليل على براءته عندي هو أنَّه منذ عرفته في سنة 1924، إلى أن توفي في 28 أكتوبر 1973، كان كما وصفته في أول حديثي؛ محبا للسانه العربي أشد الحب، حريصا على سلامته أشد الحرص، متذوقا لروائعه أحسن التذوق، فهو لم يكن يريد قط باللسان العربي شرا، بل كان من أكبر المدافعين عنه، المنافحين عن تراثه كله إلى آخر حياته. ومحال أن يحشر من هذه خصاله في زمرة الخبثاء ذوى الأحقاد من ضعاف العقول والنفوس، الذين ظهروا في الحياة العربية لذلك العهد، بظهور سطوة "الاستعمار" وسطوة "التبشير" وهما صنوان لا يفترقان.
ودليل آخر، وذلك أنَّه حين انجلى غبار ما أثاره طه حسين بكتابيه: "في الشعر الجاهلى" في سنة 1926 و"مستقبل الثقافة في مصر" سنة 1939، وهما كتابان لا قيمة لهما من الوجهة العلمية، انجلت بعد ذلك نفسه، وناقض به ما كتبه وما قاله كل ما في هذين الكتابين من فساد. ومرد ذلك إلى هذه الخصال التي كادت تكون في نفسه، وفي حبه للعربية وحرصه على سلامتها، وما هداه الله إليه من حسن التذوق لروائع البيان.
ولهذه الخصال الثلاثة، ولمكانه في "الجامعة"، ولمجيئه في تلك الحقبة من حياة الأمة العربية والإسلامية، وللمخاوف التي أثارها بما قاله في الجامعة، يعود الفضل كله في شهرة طه حسين، وفي ارتباط حياته بحياة هذه الأمة العظيمة من العرب والمسلمين، وفي توهج هذه الصورة الغربية المذهلة التي وصفتها لك.
(2/1049)

ولكن يبقى شيء واحد ينبغي أن أختم به هذا الحديث. وهو هذا التوهج الَّذي كان في تلك الحقبة من الزمان، وأثره على سائر الرقعة التي وقع فيها.
لم تكد تمضي عشر سنوات على ظهور كتاب "في الشعر الجاهلي" أي في سنة 1935 حتَّى أدرك طه حسين إدراكا واضحا جدا أن اللسان العربي قد صار في محنة، لا في نفسه، بل في هذه الأعداد الهائلة من المثقفين الذين رفضوا الأدب العربي كله، ورفضوا القديم كله شعره ونثره، لا في مصر وحدها، بل في كثير من البلاد العربية، وأن أعدادهم إلى تكاثر كلما تقدمت الأيام، فأخذ يعبر عن ذلك بألفاظ محزنة باكية، وحاول أن يتألف هؤلاء النافرين ويردهم إلى الطريق القديم، وإلى أدبهم القديم "لكي يظل قواما للثقافة، وغذاء للعقول، لأنه أساس الثقافة العربية. فهو إذن مقوم لشخصيتنا محقق لقوميتنا، عاصم "لنا من الفناء في الأجنبى، معين لنا على أن نعرف أنفسنا".
هذه بعض كلماته -رحمه الله-. ومعنى ذلك أن طه حسين في تلك السنوات، قد فزع فزعا شديدا لانصراف الناس عنه وعن عربيته التي يحبها، وعن لغته التي يحرص على سلامتها، وعن بيانها الَّذي يعتز به، ومعنى ذلك أيضًا أن الدكتور طه حسين في سنة 1935، عَلِمَ عِلْمَ اليقين أن الَّذي أثاره بألفاظه المفزعة سنة 1925، قد خرب البنيان الَّذي كان يظن يومئذ أنَّه سوف يبنيه بعد أعوام قلائل، وبلا مجاز ولا تشبيه. أدرك طه حسين أن الَّذي قاله في سنة 1925 مفض إلى ضعف اللغة العربية، وإلى أن تصير الأمة العربية أمة لا لسان لها إلا العامية السوقية، بلا تاريخ، وبلا علم، وبلا ماض.
ثم شهد الدكتور طه حسين بعد ذلك في أواخر أيامه تقوض القديم كله، مع تكاثر أعداد المثقفين، فكان يقول الكلمة بعد الكلمة معبرا عن حزنه وعن لوعته، بل قل مكفّرا عن خطه العظيم، الَّذي قدر الله أن يقوله في ساعة عظيمة من حياة هذه الأمم فكان له أثر عظيم في تدمير أمانيه وأماني كل مخلص لأمته.
(2/1050)

مواقف. .!
قبل كل شيء، ولكى أكون واضحا؛ وحتى لا يختلط الأمر على قارئ، أحب أن أقص القصة على وجهها. كنا في ذوات الثلاثين، نكتب معا في مجلة الرسالة في أول عهدها، فنشأت بيننا مودة ومحبة، ومضت الأيام، وهجر صاحبي الأدب؛ وانصرف إلى دراسة الفلسفة وتدريسها والكتابة فيها، فلم أنقطع عن متابعة ما يكتب، كان له في الأدب طريق متميز، وصار له في الفلسفة أيضًا طريق متميز؛ ولم يفتنى فيما يكتب إلا القليل فيما أظن. وتطاولت الأيام، حتَّى قرأت لأخي وصديقي الدكتور زكي نجيب محمود مقالة في مجلة "العربي". وكان يومئذ في الكويت، فلم أصبر حتَّى كتبت إليه رسالة أسأله فيها عما أراد بما كتب؟ كانت مقالة غربية على، لأنى وجدتها غامضة الأسلوب غامضة المعاني، وعهدى به كان أبدا واضح الأسلوب واضح المعاني، في الأدب وفي الفلسفة معا. فتفضل الصديق الكريم، ورد على برسالة يقول فيها: "ما دمت أنت قد رأيت المقالة غامضة غير مفهومة، فهي إذن غامضة غير مفهومة" أو كلاما هذا معناه؛ فعجبت لقوله، وساءني، فآثرت أن أسكت عنه! ومضت الأيام؛ وهيأ الله لي أن أزور الكويت، وهو مقيم يومئذ، وقبل أن ألقى الصديق الكريم، وقع في يدي كتابه "تجديد الفكر العربي"، فأخذت أقرؤه حتَّى فرغت منه، وتعجبت ما شاء الله أن أتعجب، فهو بهذا الكتاب قد ردنى إلى زمان قديم جدا؛ أبي زمان المراهقة الفكرية، أيام كنا نقرأ ونفكر بلا مبالاة. عجبت له كيف استطاع أن يعود القهقرى إلى صدر الشباب، بعد هذا الزمان الطويل من مفارقة الصبا! ثم سعيت إلى لقاء الصديق القديم؛ فلما لقيته كدت أسأله عن سر ذلك، ولكني طويت فجأة كل ما قام في نفسي، كما طويت ذلك الكتاب منذ ساعات، وقنعت بلذة المودة واللقاء بعد دهر طويل من الفراق.
ومنذ أيام، أخذت كتابه الجديد "المعقول واللا معقول في تراثنا الفكري"؛
__________
(*) مجلة الكاتب، السنة الخامسة، العدد 170، مايو 1975 - ص 22 - 36.
(2/1051)

وقرأته، فازددت تعجبا، لأنى رأيته يزداد مع الأيام بعدا عن وضوح الأسلوب ووضوح المعاني، في مواضع كثيرة. ولكن لم تكد تمضي أيام، حتَّى جاء الدكتور زكي يفسر لي، وللناس، سر هذا الغموض في الأسلوب والمعاني، فإنه نشر في صحيفة "الأهرام" (الجمعة 7 مارس 1975) مقالة عنوانها: "نريدها ثورة فكرية"، يدعو فيها الدولة (فيما أظن؛ أو فيما فهمت) الى إحداث هذه الثورة الفكرية ويختمها بقوله:
"شيء في مناخنا الفكرى؛ يردنا عن إحداث هذه الثورة. فما زالت الكلمة المسموعة هي لغير الراغبين في ثورة فكرية كالتي أتصورها، فعليهم أن يراوغوا في التعبير عما يريدون، اجتنابا منهم لوجع الدماغ، تاركين لقرائهم أن ينزعوا المعاني من بين السطور".
وهذا بيان كاف! وإذن فبُعْدُ الدكتور زكي، في هذه الأيام، عن وضوح الأسلوب ووضوح المعاني؛ مرده الى هذه "المراوغة في التعبير عما يريد"، اجتنابا لوجع الرأس والدماغ! وهذا موقف غير مفهوم في الحقيقة، وهو أيضًا موقف غير لائق به. غير مفهوم، لأنه منذ سنوات يقف على منبر لا يزاحمه فيه أحد في صحيفة "الأهرام"، لا، بل يقف هو ومعه آخرون على هذا المنبر غير مزاحمين، بلا حرج عليهم أن يعلنوا رأيهم في صراحة وعلانية. وغير لائق، لأن أسوأ ما تصاب به أمة، أن يكون كتابها وأدباؤها ومفكروها على مثل هذا المذهب البغيض: "أن يراوغوا في التعبير عما يريدون، تاركين لقرائهم أن ينزعوا المعاني من بين السطور"! ! هذا إهدار لكرامة القراء، وإهدار لشجاعة العقل، وإهدار لأمانة القلم. وأي ثورة هذه التي يدعو إليها، إذا كان الداعى نفسه لا يملك إلا المراوغة في التعبير عما يريد! ثم لا يستنكف أن يعلن أن ما يكتبه إنما هو "مراوغة في التعبير". هذا أعجب العجب! هذا موقف غير مقبول من رجل حرفته، كما يقول هو: "هي الأستاذية في الفلسفة؛ التي تقتضيه ألا يرسل القول إرسالا مهملا بغير تحديد" (المعقول واللامعقول ص: 30).
وأنا بطبيعتى أكره هذا الطريق. لا من حيث أنا إنسان عاقل مفكر حر
(2/1052)

وحسب، بل أيضًا لأنى منذ آمنت بأن الله وحده لا شريك له، وأنه أرسل إلى الناس رسولا يبين لهم طريق الهدى من طريق الضلال، علمت أن هذا البلاغ الَّذي هو القرآن، وهو الحق، لم يكره أحدا على الإيمان؛ لأن الإكراه والسيطرة خليقة أن تدعو الناس إلى المراوغة، والمراوغة مفسدة للحياة البشرية؛ ومتلفة للعقل الإنساني -ومن أجل ذلك نهى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن ارتكاب طريق الإكراه والسيطرة، فقال له: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}، وقال له، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، ثم زاد فأمره أن يدع الناس أحرارا في اختيار طريق الإيمان وطريق الكفر فقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، كل ذلك كان طريقا مستقيما ومنهجا متبعا، لأن سلامة الحياة الإنسانية، وسلامة العقل؛ وسلامة النفس؛ لا تنال ولا تدرك إلا بالوضوح: وضوح اللفظ، ووضوح الرؤية، ووضوح التعبير، ووضوح المعاني، ووضوح الطريق، وبهذا وحده فارقت حضارة أهل الإسلام سائر الحضارات؛ ما سبق منها وما أتى بعدها. ومن أجل ذلك كان الأسلوب الَّذي أبان عنه الدكتور زكي كريها إلى نفسي. وكنت أتمنى، بعد هذا العمر الطويل، أن يكون كريها أيضًا إلى نفس صديقي الدكتور زكي، مهما لقى في سبيل ذلك من عنت، ومن وجع الرأس والدماغ. وعلى كل، فهذا موقف لا أحبه له ولا أرضاه.
* * *

موقف ثان، فيه نفس السمات؛ سمات الإبهام والغموض؛ بلا داع يدعو إلى ذلك، فأنا حين قرأت كتابه الأول "تجديد الفكر العربي" وفرغت منه، أحسست، (ولا أدري كيف! ) أنَّه كتبه وفي نفسه مرارة مؤذية من شيء لقيه في حياته. وبهذه المرارة أطلق أحكاما قاطعة على "أسلاف" هذه الأمة، فهو يقول مثلا (التجديد ص: 59 وما بعدها): "إني إذ أقرن ما أطالعه من حكايات الخرافة الساذجة عند أسلافنا، وخصوصا في عصور ضعفهم، بما أسمعه بأذنى من حكايات الخرافة يرويها بعض رجال العلم فينا اليوم؛ تأخذنى الدهشة العميقة:
(2/1053)

هل زاد هؤلاء الرجال الذين ظفروا في ميادين العلوم الطبيعية والرياضية بأعلى الدرجات العلمية، على أولئك الأسلاف السذج شيئًا في درجة التصديق؟ هل زاد هؤلاء على أولئك شيئًا إلا صفحات من علوم "حفظوها" ليلقنوها لطلابهم تلقينا، لقاء الرواتب التي ينفقونها على مظاهر الحياة، فيبدون للأعين وكأنهم اختلفوا عن سائر العامة العوام في نظرتهم اللاعلمية إلى تسلسل الأحداث. . . فهل أقول إننا في حياتنا الثقافية ما زلنا في مرحلة السحر التي تعالج الأمور بغير أسبابها الطبيعية وإننا لولا علم الغرب وعلماؤه، لتعرت حياتنا الفكرية على حقيقتها، فإذا هي حياة لا تختلف كثيرا عن حياة الإنسان البدائى في بعض مراحلها الأولى". وبهذه المرارة أيضًا يصف جماهير الأمة العربية قديما بأنهم "دراويش بالوراثة"، ليسقط هذه الصفة على "جماهيرنا اليوم"، مشيرا إلى محنة يعيشها اليوم في حياتنا الثقافية والفكرية، بلا إبانة عما يقصد بذلك كله (التجديد ص: 163 وما بعدها).
وتنتقل هذه السمة من الكتاب الأول إلى الكتاب الثاني (المعقول واللامعقول ص: 185 - 187)، فإذا هو يتناول هؤلاء أنفسهم بالرمز الغامض، وذلك في الفصل الَّذي كتبه عن "إخوان الصفا"، يقول: "نمضى مع إخوان الصفا في حديثهم الممتع، الَّذي هو جدير بأن يذكر لمعاصرينا -لا أقول من عامة الناس- بل لمعاصرينا الأجلاء أساتذة الفلسفة في الجامعات، الذين شالوا الدنيا وحطوها من الغضب، حين ساير كاتب هذه الصفحات شعبة من الفلسفة المعاصرة. . . هكذا ربما صاح في وجهي أنصار "الجوانية" من أساتذة الفلسفة المعاصرين لنا في مصر بالذات. . . فإذا رأينا هذا، عجبنا أشد العجب من نفر من الزملاء؛ سواء منهم من جعل تدريس الفلسفة في الجامعات العربية حرفته؛ أو من اكتفى بثقافة عامة، سمعوا من مؤلف هذا الكتاب دفاعا عن موقف كهذا، فاتهمه بالكفر من اتهم، وبالجهل آخرون. .". كلام مر متفجر.
وكنت أتمنى ألا تكون المرارة التي يجدها صديقي الكريم، مدعاة إلى مثل هذا الغموض في التعبير وفي الإشارة لأنى أرى البيان أولى بالعلماء من الكناية.
(2/1054)

وأنا أخشى أن يكون صديقي إنما كتب هذين الكتابين بمرارة: للرد على هؤلاء الذين آذوه، لا للبحث الصادق عن طريق لتجديد الفكر العربي، وللبيان عن الجزء المعقول واللامعقول في تراثنا الفكرى، فهذا أيضًا موقف لا أحبه، لأنه عندي غير معقول! وكان أولى به عندي أن يصرح. ولقد أحس هو نفسه، بأن هذا الغموض مرغوب عنه، فإن حديثه الجميل عن "عبد القاهر الجرجانى"، أنَّه كان قد أبدى رأيا في النقد الأدبي، فهاجمه من هاجمه؛ قال: "فما هو إلا أن مرت على ذلك بضعة أعوام، واذا بعجيبة من عجائب الحياة الثقافية المعاصرة في مصر؛ تظهر في الأفق بلا حياء، وهي أن نسبت هذه الفكرة عينها، للرجل عينه الَّذي كان قد تصدى لكاتب هذه الصفحات أول الأمر بالمعارضة والمجادلة"، وهذا شيء قبيح بلا ريب وظلم مفزع ثم أدرك الدكتور زكي أن هذا الغموض في الإشارة لا داعى له، فلجأ إلى التصريح فقال: "ولماذا أخفي الأسماء؟ أنَّه الدكتور محمد مندور، ومات الدكتور مندور، ونهض له مناصرون يبرزون أهم ما استحدثه في النقد الأدبى، فإذا بينه فكرة "القراءتين" هذه: قراءة أولى للتذوق، وقراءة ثانية للتحليل والتعليل! ! "؛ ثم عقب على هذا بكلمات حزينة مؤلمة قال: "لكن ما فائدة الندم على لبن مسكوب! لنمض في طريقنا، طاوين الصدر على ضروب من العنت والإهمال لقيناها، ولم يعد لنا في هذه المرحلة من العمر أن نرد ونعترك؛ وإنما هي ذكرى أليمة تنزو". أي مرارة من الظلم أو أي حيف لقى في حياته! ومع ذلك كله فقد أحب له أن تكون مواقفه كلها كهذا الموقف من التصريح والإبانة عن مواطن الفساد في حياتنا الأدبية، بلا غموض وبلا رموز.
وموقف ثالث، أعجبنى من ناحية، ولم يعجبنى من نواح أخرى. أعجبنى لأنه بعد قليل من التأمل يبدو واضحا جدا. لأنه موقف انحياز كامل من جميع نواحيه إلى ما يسميه "ثقافة الغرب"، كقوله آنفا: "لولا علم الغرب وعلماؤه؛ لتعرت حياتنا الفكرية على حقيقتها"، ومواضع أخرى متفرقة، صرح فيها بهذا الانحياز التام. وهذا أمر مريح، ولا غضاضة عليه في التصريح به.
(2/1055)

ولكن هذا فيه كل الغضاضة أن يقول في (المعقول واللامعقول: ص: 28): "وأنى لأقرر عن نفسي أنى حين هممت بهذه الرحلة (أي رحلة المسافر الغريب في أرض غريبة، كما يقول في ص: 10، 16) في دنيا تراثنا الفكرى، لم أجعل غايتى تقويم التراث، ومن أكون أنا حتَّى أجيز لنفسي مثل هذا التقويم، لتراث كان بالفعل أساسا لحضارة شهد لها التاريخ؟ لكني جعلت غايتى شيئًا آخر، أظن من حقى إذا أردته، وهو البحث في تراثنا الفكرى عما يجوز لعصرنا الحاضر أن يعيده إلى الحياة، ليكون بين مقومات عيشه، ومكونات وجهة نظره. وبهذا يرتبط الحاضر بذلك الجزء من الماضي الَّذي يصلح للدخول في النسيج الحي لعصرنا الَّذي يحتوينا راضين به أو مرغمين".
ومع كل هذه الصراحة المحمودة، فقارئ الكتابين ينتهي إلى شيء واحد، هو أن كاتبهما لم يفعل شيئًا سوى أن نصب نفسه مقوما لجميع ما سماه "التراث"، رافضا لأكثره، قابلا لشيء قليل جدا منه. فهو يقول مثلا في (تجديد الفكر العربي: 294 - 299):
"إني لأنظر فأرى سلسلة الخصائص التي يراد لها أن تقتلع من جذورها من تربتنا الثقافية، قبل أن يتاح لنا استنبات زرع جديد، إنما تترابط حلقاتها، فإذا سلمت بالأولى، كان لزاما أن تسلم بالثانية فالثالثة فالرابعة. وأولى هذه الحلقات، وأعمقها جذورا، وأكثرها فروعا، هي نظرة العربي إلى العلاقة بين الأرض والسماء، بين المخلوق والخالق؛ لين الواقع والمثال؛ بين الدنيا والآخرة، بين المعقول والمنقول -هذه كلها ظلال من موقف واحد وحقيقة واحدة. ونظرة العربي في صميمها هي أن السماء قد أمرت، وعلى الأرض أن تطيع، وأن الخالق قد خط وخطط، وعلى المخلوق أن يقنع بالقسمة والنصيب، وأن المثال سرمدى ثابت، وعلى الواقع أن يقسر نفسه على بلوغه، وأنه إذا تعارضت الدنيا والآخرة؛ كانت الآخرة أحق بالاختيار؛ وأن المنقول إذا ما تناقض مع المعقول، ضحينا بالمعقول ليسلم المنقول. . . ." ثم يمضي في احتجاجه حتَّى يقول: "جذور ينبغي أن تقتلع من أصولها، إذا أردنا للمواطن العربي أن يولد من جديد، فإذا خلت التربة من هذه الشوائب، بذرنا بذورا أخرى لتُنْبِت نبتا آخر".
(2/1056)

وهذا كله كلام محفوف بالغموض، وبالإشارات المبهمة لشيء مبهم، إنه هو نفس الأسلوب الَّذي اختاره الصديق الكريم: "اجتنابا لوجع الرأس والدماغ". وأنا لا أحب أن "أنزع معانيه من بين السطور". كما أمر، ولكن أقل التأمل يدل دلالة واضحة على أنَّه قد قوم "أصل التراث" كله تقويما لا مرية فيه، فوجده غير صالح. بل هو أيضًا مضر بالتربة، فقضى أن يقتلع من جذوره، لأنه "أعمقها جذورا، وأكثرها فروعًا"، وإذن: فما معنى تواضعه الخادع؛ حين استنكر أن يكون قد أجاز لنفسه تقويم التراث؟ هذا طريق محفوف بالخطر، وهو أيضًا موقف غير لائق.
وموقف رابع: ذلك أن الدكتور زكي أستاذ متميز في الفلسفة، والمذهب الذي يتبعه مذهب قائم على تحليل الألفاظ والقضايا، وهو قد لقى العنت والظلم في سبيل مذهبه. وقد كان حريصا في مواضع من كتابه المذكورين أن يحلل بعض الألفاظ ويحددها على الوجه الَّذي يريده. من ذلك لفظ "العقل" (تجديد الفكر العربي: 308 وما بعدها)، فإنه قال: "وأول التوضيح أن نبين في جلاء ماذا نريد بقولنا "عقل"؟ فلا يجدينا شيئًا أن نقذف بهذه الكلمات المحورية قذفا، لنبنى عليها أقوالا على أقوال، كأنما هي من الوضوح بحيث لا يسأل عن تحديدها، مع أنَّه إذا لم تكن أمثال هذه الكلمات غامضة مبهمة، فأين تجد الغموض والإبهام؟ ". فهذا التزام صريح بالمذهب.
بل إنه في الكتاب الثاني (المعقول واللامعقول: 159، 160)، كان أشد التزاما بالمذهب، فإنه تناول الجاحظ في فصل مهم جدا، أحسن في أكثره، فجعل يتنقل بنا من موضع إلى موضع في كتب الجاحظ: حتَّى انتهى إلى رسالته "في الجد والهزل". فاتفق أن جاء في هذه الرسالة معنى كان الدكتور زكي قد استعمل له نفس اللفظ الَّذي استعمله الجاحظ. وذلك أن صديقي الدكتور زكي كان قد شبه بعض الألفاظ التي يتداولها الناس "بالظرف الخالى"؛ وهي ألفاظ يظن الناس أنهم قد فهموا دلالتها، مع أنها إذا حللها الفيلسوف ليرى ما في جوفها، إذا هي فارغة. وكان الجاحظ قد ذكر أمر آدم عليه وعلى نبينا السلام،
(2/1057)

وذكر قول الله تعالى: {وَعَلَمَ آدَمَ الأَسْمَاْءَ كُلَّهَا}، ثم قال الجاحظ في بيان ذلك: "ولا يجوز أن يعلمه الاسم ويدع المعنى، ويعلمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا معنى لغو: كالظرف الخالى، والأسماء في معنى الأبدان، والمعاني في معنى الأرواح، اللفظ للمعني بدن، والمعني للفظ روح. ولو أعطاه الأسماء بلا معان، لكان كمن رهب شيئًا جامدا لا حركة فيه، وشيئا لا حِسَّ فيه، وشيئا لا منفعة عنده".
فلما وقف صديقي على هذا الَّذي قاله الجاحظ، علق عليه تعليقًا ثائرا مثيرا؛ وملتزما بمذهبه، لأنه وجد ما يؤكده في كلام الجاحظ؛ فقال:
"كان كاتب هذه الصفحات قد أخذته الحماسة المشتعلة ذات حين، معتقدا أن الناس عامة، والأمة العربية خاصة، قد ملأت لغتها بألفاظ لا تدل، وبأسماء لا تسمى، فكانت النتيجة أنهم كتبوا، وقالوا ثم قالوا: لكن حصيلة الفكر أضأل جدا من هذا الدوى الهائل الَّذي أحدثوه. ولقد أورد هذا الكاتب تشبيه "الظرف الخالي" في كتاب صدر له سنة 1953 وعنوانه: "خرافة الميتافيزيقا" فأقامت جماعة من الناس ظنت أن في جماجمها ثقافة، وكتب أحدهم، وقد ظن أن أعواما قضاها في أوربة قد زودته بالسلاح المرهف الَّذي يرد به على "الكفرة"، فكان أن علق هذا الرجل على التشبيه بعينه، ليبين للناس إلى أي حد ذهب الضلال بصاحب "خرافة الميتافيزيقا". . . مسكين أنت يا عثمان (1)، يا ابن بحر، يا جاحظ! لو كان حظك قد شدك من زمنك في القرن التاسع (يعني في القرن الثالث الهجرى) لتعيش مع المعاصرين لنا في القرن العشرين"! ! كلام مرير لاذع.
وهذا؛ وإن كان يدخل في "الموقف الثاني" الَّذي لا يعجبنى، إلا أنَّه يدل على مقدار حرص الدكتور زكي على تحليل الألفاظ وتحديدها، وعلى التزامه بمذهبه الفلسفي، وما لقى في سبيل ذلك من الظلم المبرح. فبأي معنى يكون له
__________
(1) كذا بالأصول، الصواب: يا أبا عثمان.
(2/1058)

كل هذا الحرص، وكل هذا الالتزام، ثم يدع قراء كتابيه في حيرة من أمر ألفاظ أخرى "محورية" كما يقول؟ . وهذه الألفاظ "المحورية" كثيرة في الكتابين، ولكن هناك ثلاثة ألفاظ يدور عليها ما في الكتابين جميعا؛ وهي أيضًا من أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة الناس في أيامنا هذه، وهي أيضًا ألفاظ محدثة، ينطبق عليها أشد الانطباق، ما قاله الدكتور آنفا "كأنما هي من الوضوح بحيث لا يسأل عن تحديدها، مع أنَّه إذا لم تكن أمثال هذه الكلمات غامضة مبهمة، فأين تجد الغموض والإبهام؟ ". وهذه الألفاظ هي: "التراث" و"الثقافة" و"الحضارة" فلو التزم الدكتور زكي بمذهبه الفلسفي، لكان من حق قرائه عليه أن يعرفوا؛ على الأقل، ماذا يريد هو باستعمالها؟
لم يغب هذا عن الصديق الكريم، ولكنه أتى بشيء عجيب جدا في سبب إغفالها، فإنه أشار في (تجديد الفكر: 66) إلى أن في ذهنه معاني كلية، يريد التحدث عنها، كمعني "الثقافة" ومعني "التراث"، وقال: "فما أسهل أن أسوق ألفاظا كهذه بمعانيها المجردة الخالية من التفصيلات والعناصر" -ومع ذلك فلم يكلف نفسه مشقة تحديدها أو تحليلها، بل العجب العاجب أنَّه لما بلغ (ص: 69) ذكر "الثقافة" ثم قال: "إن سؤالا ليفرض علينا نفسه قبل هذا السؤال، وهو: ماذا تعني بالثقافة؟ ولقد طرح هذا السؤال؛ وتنوعت الإجابات عنه؛ حتَّى أصبح موضوعا تمجه النفس، ولذلك فلست أنوى الوقوف عنده لا طويلا ولا قصيرا، وسأترك للقارئ حرية كاملة في أن يفهم من الكلمة ما يشاء".
كيف يكون هذا؟ وأي معنى إذن لالتزام المرء بمذهب فلسفي يقوم على تحليل الألفاظ والقضايا؟ وهل يصح أن يضرب الفيلسوف عرض الحائط بمذهبه، لأن تنوع الإجابات، جعل اللفظ أو القضية "موضوعا تمجه النفس": هذأ أمر غريب جدا. وهل تحل المشكلة، بأن يبيح الفيلسوف للقارئ أن يكون حرا حرية كاملة في أن يفهم من "الكلمة" ما يشاء؟ هذا هدم لأصول المذهب، وهو حرى أن يوقع القراء في التخبط والخلط؛ ولاسيما إذا كان "اللفظ" هو
(2/1059)

المحور الَّذي يدور عليه كل ما في الكتابين. وأنا أنقل إليك مواضع منهما، تغير فيها معنى "الثقافة" تغيرا مبنيا. من ذلك قوله في (تجديد الفكر ص: 71):
"فحياة الناس هي ثقافتهم، وثقافتهم هي حياتهم، لا حين ننسلخ عن الحياة، ليضطلع بها محترفون يطلقون على أنفسهم اسم: المثقفين". هذا معنى مبهم، ثم يقول بعد قليل في الكتاب نفسه (ص: 81).
"لم تكن اللغة في ثقافة العرب، "أداة" للثقافة؛ بل كانت هي الثقافة نفسها"، فهذا معني ثان أشد غموضا وإبهاما من الأول. ثم يقول في الكتاب الثاني (المعقول واللامعقول ص: 105)؛ عند ذكر مقتل أبي مسلم الخراساني، وما أعقب ذلك من أمر بعض الخوارج على الدولة كالراوندية، يقول:
"لا يعقل أن يكون مقتل رجل كأبى مسلم الخراساني، مبررا كافيا لمثل تلك الردة إلى ديانات الفرس فيما قبل الإسلام، وبمثل تلك السرعة وذلك الاتساع (وهذه كلها مبالغات مضنية مع الأسف! ) مما يدل دلالة قوية على أن الإسلام لم يكن عند القوم أكثر من غطاء خارجى، أبعد ما يكون عن ثبات الجذور؛ فكانت تكفيه أقل هبة من هواء ليطير، فتنكشف العقائد الراسخة من تحته (وهذا أوغل في المبالغات المضنية أيضًا)، وإذا قلنا "العقائد"؛ فقد قلنا "الثقافة" أيضًا"، وهذا معنى ثالث غارق في الابهام والغموض. وهي ثلاث صور مختلفات لمعنى "الثقافة"، وفي الكتابين صور أخرى أعجب وأغرب!
وأنا لا أدري لم هان على صديقي الدكتور زكي مذهبه الفلسفي الصارم، في مسألة "الثقافة" و"التراث" و"الحضارة"، على وجه الخصوص؟ ولا أدري ما معنى الحرية التي تركها لقارئه، حتَّى يقع في حيرة مضللة؛ وهو يتحسس المعاني التي يريدها بهذه الألفاظ؟ هذا موقف لا يرضى ولا يليق من رجل "حرفته هي الأستاذية في الفلسفة، والتي تقتضيه ألا يرسل القول إرسالا مهملا بغير تحديد" (المعقول واللامعقول ص: 30).
وموقف خامس: وأنا كما ترى، لا أريد أن أناقش الدكتور زكي فيما قاله،
(2/1060)

أو فيما انتهى إليه، في هذين الكتابين، فهو حر في أن يقول ما شاء، وأن يختار مما يسميه هو "ثقافة" أو "تراثا" ما شاء أيضا. ولقد شاء أن يجعل رحلته الأولى في "التراث"، في ميدان المعركة التي نشبت بين أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، وبين معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - (المعقول واللامعقول ص: 29 وما بعدها).
وأنا لا أريد هنا أن أصحح له وقائع التاريخ كما رواها في كتابه، ولا أريد أيضا أن أحجر عليه القول فيما اختاره، أو فيما انتهى إليه، أو في الطريقة التي عالج بها هذا المشهد الذي رآه. ولكن الشيء الذي لا أستطيع أن أغفل الإشارة إليه، لأنه واجب كل مفكر، هو الالتزام التام بالتحري والفحص، قبل مشيئة القول ومشيئة الاختيار.
فهو قد اختار كتاب "نهج البلاغة"، ليتخذ ما فيه من الأقوال المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي ينبوعا يستخرج منه صورة للإمام على في القرن الأول من الهجرة، يقول: "ولننظر كم اجتمع في هذا الرجل من أدب وحكمة وفروسية وسياسة" (المعقول واللامعقول ص: 30). فإذا كان ذلك كذلك، أفليس من وسائل "العقل" أن يتثبت المرء من أن هذا الكلام المنسوب إلى علي - رضي الله عنه - هو كلامه، بلا ريب في ذلك؟ هل يختلف في مثل هذا عاقلان؟ لا، بلا ريب، وإذا كان الدكتور زكي، كما وصف نفسه: "بعيدا عن التخصص الدقيق الكامل في تراثنا العربي" (المعقول واللامعقول ص: 115)، ألم يكن أسلم له في طريقه أن يسأل، وأن يحاول أن يفكر على الأقل، حتى يتثبت من صحة نسبة ما في هذا الكتاب من الأقوال إلى علي - رضي الله عنه -؟ إنه إذا بطل أن يكون هذا الكلام صحيح النسبة إلى عليّ، كان استخراج صورة عليّ منه ضربا من العبث، لا أكثر ولا أقل.
وكتاب "نهج البلاغة"، هو مجموع أقوال وخطب، جمعها الشريف الرضى المولود سنة 359 من الهجرة والمتوفى سنة 406 من الهجرة، أو جمعها أخوه الشريف المرتضى المولود سنة 355 من الهجرة والمتوفى سنة 430 من
(2/1061)

الهجرة، ونسب ما فيه إلى أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، الذي توفي سنة 40 من الهجرة. ومعنى ذلك أن بين جمع هذه الأقوال وبين وفاة علي - رضي الله عنه - نحو أربعة قرون. وهذه الأقوال لم يروها الرضى أو أخوه المرتضى بإسناد متصل ينتهي إلى على فكيف نثق بهذه الرواية المرسلة بلا إسناد صحيح، مع هذه الدهور المتطاولة التي تفصل بين علي أمير المؤمنين، وبين جامع هذه الأقوال؟
وأنا أستطيع أن أؤكد لصديقي الكريم أن النظرة الأولى إلى جملة ما في الكتاب من الكلام، تقطع بأن كثرته الكاثرة لم تجر على لسان علي - رضي الله عنه - قط، وأنه، بعد الفحص الأول المدقق، لا يكاد يسلم منه لعلي - رضي الله عنه - إلا أقل من العشر. فإذا كانت النسخة التي طبعها الشيخ محمد عبده، تقع في نحو 400 صفحة، فلا يكاد يصح منها إلا أقل من أربعين صفحة. وهذا القدر المنسوب إلى على، يكاد يكون كله في السنوات الأخيرة من حياته، منذ بويع بالخلافة لخمس ليال بقين من ذي الحجة سنة 36 من الهجرة، إلى أن قتل - رضي الله عنه - لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة 40 من الهجرة، أي في أقل من أربع سنوات. وهذا أمر لا يكاد يصدق: أن يكون قيل كله في هذه الفترة القصيرة من الفتنة والاضطراب، وأن يكون الرواة قد استطاعوا أن يجيدوا روايته في هذه الفترة من الفتنة والاضطراب. هذا فضلا عما في الكتاب من أقوال لا يليق صدورها عن رجل مثل عليّ في دينه وعلمه وتقواه.
ودليل آخر، فإن هذا الكتاب "نهج البلاغة"، فيه من غريب ألفاظ اللغة قدر كبير جدا، وقد أفرد علماء الأمة كتبا تسمى "كتب الغريب"، عنيت بتفسير غريب ما في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وغريب ما روى عن كبار الصحابة. فمن ذلك مثلا كتاب "الغريب" لأبي عبيد القاسم بن سلام (توفي سنة 224 من الهجرة)، فإن شرح حديث أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -، يقع في نحو مئتى صفحة من المطبوع، ويقع شرح حديث أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - في خمسين صفحة من المطبوع، أي أن حديث على فيه ربع حديث عمر، فإن صحت نسبة ما في "نهج البلاغة" إلى على، لكان شرح غريبه من اللغة، يقع في
(2/1062)

أضعاف أضعاف ما روى عن عمر، على الأقل. ومعنى ذلك أن علماء الأمة الذين تتبعوا شواهد اللغة، قبل مولد الشريف الرضى أو أخيه المرتضى، لم يقفوا على هذا القدر المفرط الموجود في "نهج البلاغة". ولو كان تحت أيديهم مثل هذا القدر، لما أغفلوه البتة. وهناك أدلة أخرى على بطلان نسبة ما في هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين.
وحسبى هنا أن أختم القول في "نهج البلاغة"، بذكر ما قاله الحافظ الذهبى (673 - 748 هـ)، حيث ذكر الشريف المرتضى فقال: "وهو المتهم بوضع كتاب "نهج البلاغة"، وله مشاركة قوية في العلوم، ومن طالع كتابه "نهج البلاغة"، جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين، ففيه السّب الصراح والحطّ على أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، وفيه من التناقض، ومن الأشياء الركيكة، والعبارات التي من كان له معرفة بنفس القرشيين من الصحابة، وبنفس غيرهم من المتأخرين، جزم بأن أكثره باطل". وهذا أهون ما يقال في هذا الكتاب.
فكتاب كهذا الكتاب، يدل صريح العقل والنظر، وصريح النقل والتثبت، على أنه كتاب قريب النسب، كان غير لائق بالدكتور زكي أن يتسرع إلى التقاطه، دون أن يفحصه، ويتحرى عنه، فيجعل ما فيه من كلام كثير الغثاثة، وقد كتب أكثره بعد دهور متطاولة، ممثلا لعلي بن أبي طالب وممثلا أيضا للقرن الأول من الهجرة، وهو القرن الذي يجمع أجلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم ألوف، وليس على إلا واحدا منهم، وإن فاقهم بما فضله الله به وكرمه، من العلم بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإغفال تحديد معنى "التراث" عند الدكتور، وترك التثبت من صحة الأقوال والأفعال المنسوبة إلى الرجال، ثم الإقدام مع ذلك على الأحكام القاطعة في المعاني والصور، موقف لا أرضاه لمفكر عريق متميز، كأخي الدكتور زكي، أراد أن يضع لنا منهجا، ويمهد لنا طريقا يفضى إلى الفصل والتمييز بين "المعقول واللامعقول في التراث العربي".
وموقف سادس: وذلك أنى كنت دائم التخوف على أخي الدكتور زكي، وأنا أقرأ كتابيه، من أن تكون له أفكار أعدها إعدادا قبل قراءة "التراث"، وقبل
(2/1063)

الغوص في "الثقافة"، فبجانب ما هو معروف به من سلامة النظر، ومن الأستاذية التي لا تنكر في الفلسفة. وهذا الذي خفته هو الذي وقع، ولولا ذلك لما كان معقولا أن يقول في (المعقول واللامعقول ص: 117) إنه يستند فيما يكتب "إلى انطباعات أحسستها، إذ كنت أقلب صفحات التراث، أكثر مما استندت إلى مقدمات موثوق بصحتها، لتنتج نتائج موثوقا بصدقها أيضًا". ولا أدري كيف يغيب عن الدكتور أن مرتكب هذا الطريق يسير على غرر، ويضيع وقته ووقت الناس في كتابة ما يكتب، وأن التزام مثل هذا الطريق يفضى بالكاتب إلى التسرع في فهم الكلام وفي الاستنباط منه، وإلى صرف الكلام عن وجهه الصحيح إلى الوجه الذي أعده إعدادا قبل القراءة، وإلى ترك التثبت من صحة النص الذي بين يديه، مع قدرته، لو تأنى إلى معرفة وجه الخطأ فيه، أو إلى ما دخله من تصحيف أو تحريف.
مثال ذلك أنه يقرر تقريرا لا يشك هو في صحته، وبلا دليل يدل عليه، أن "الثقافة" العربية التي عاش بها العربي، تجعل له موقفا واحدا في الحياة: "وقفة من يجعل الثبات للسماء، والفناء للأرض. ففي السماء الأصول، وعلى الأرض الأشباح والظلال. أنها ثنائية حادة بين الغيب والشهادة، بين الروح والجسد، بين الإنسان والله. . . فإذا كانت هذه هي الصورة الكونية، فلابد أن تكون كذلك هي الصورة لحياة الإنسان في مجتمعه، فلصاحب السلطان أن يريد، وعلى الناس أن يطيعوا. الكلمة عندنا لصاحب القوة، والقول النافذ لصاحب الجاه" (تجديد الفكر ص 294 - 296). وهذه الفكرة التي لا نجد دليلا واحدا يدل عليها، إنما هي فكرة ثابتة سابقة على قراءة "التراث"، وهي أيضا منتشرة في الكتابين جميعا. فلننظر الآن كيف طلب الدليل على صحتها من "التراث" في الكتابين جميعا. قال في (تجديد الفكر ص: 46 - 48).
"لم يكن في ساحة الفكر عند الأسلوب حوار حر إلا في القليل النادر"، لماذا؟ يقول: لأننا "قوم على الفطرة، فأي عجب إذا سلكنا أنفسنا مع الفطرة فيما فطرها عليه فاطر السماء والأرض! ". وكيف كان ذلك؟ يقول: "قد ورد
(2/1064)

في التراث أن من الكائنات ما لا يصلح إلا بأمير يؤمر عليه، وتلك هي -كما ورد في العقد الفريد: الناس، والفأر، والغرانيق، والكراكى، والنحل، والحشرات. . . كلها تأبى بحكم فطرتها أن يكون الأمر حوارا بين أفرادها، وتريده أوامر ونواهي وزواجر تهبط من الأعلى ليصدع بها الأسفل، وطوبى لمن كان لهم الأمر، ناسا كانوا أو حشرات". ولماذا كان ذلك كذلك يقول: "لأن الأمر والنهي -كما يقول الجاحظ- لذة أين منها الحواس .. فسرورك إذا كنت صاحب أمر أو نهي، سرور من طراز فريد، حين ينحدر أمر من شفتيك، فإذا هو نافذ، وحين توقع بخاتمك، فإذا الطاعة على الناس قد وجبت، بل، فإذا الحجة "العقلية" قد ألزمت كل ذي حجة. ولا تقل إنْ لم يَكُن في الأمر إلا بصمة الخاتم .. لا تقل ذلك، لأنك إنما تقوله لجهلك باللذة الكبرى .. إذا جلست من الناس مجلس الأمر والنهي، (اقرأ الحيوان للجاحظ 1: 205). إنه إذا نزلت الأوامر والنواهي من أهل الطوابق العليا إلى أهل الطوابق السفلى، ". . فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد، والنواهي بالتعظيم (البداية والنهاية لابن كثير 1: 5) "، انتهى باختصار.
ولأنى لم أنصب نفسي لمناقشة قضايا الكتابين، فإني سأصرف النظر عن موضوع "الفطرة"، وعن استدلاله بما جاء في "العقد الفريد": وعن الأسلوب الذي ساق فيه حكما غريبا عن "الأسلاف" وجعله شيئا مقررا مفروغا من صحته وسلامته. وإنما عملى هنا أن أنظر فيما نسبه إلى الجاحظ وإلى الحافظ ابن كثير، والكلام السالف الذي نقله عن الجاحظ، إنما هو استخراج وتأويل للفظ كلامه، جعله حجة مؤيدة للفكرة السابقة التي اعتقدها، وفسر كلامه على مقتضاها. ولكنه أتى بنص كلام الجاحظ في الكتاب الثاني (المعقول واللامعقول ص: 168)، قال:
"أأقول إنه خلق عربي متأصل -لا فرق بين أقدمين ومحدثين .. أن يتحكم بعضنا في رقاب بعض؟ .. إننا نسأل ههنا عن "العلة"، لأنه هو الوضع الشاذ الذي يتطلب التعليل، يقول الجاحظ: "أين تقع لذة درك الحواس، الذي هو
(2/1065)

ملاقاة المطعم والمشرب، وملاقاة الصوت المطرب، واللون المونق، والملمسة اللينة، من السرور بنفاذ الأمر، وبجواز التوقيع، وبما يوجب الخاتم من الطاعة، ويلزم من الحجة" (الحيوان 1: 205)، وأرجو أن يلاحظ القارئ معنى الجملة الأخيرة من هذه العبارة، جملة: ". . يلزم من الحجة" أن الحجة تكون ملزمة إذا وقعها صاحب الأمر والنهي فينا، وختم عليها بخاتمه، وليذهب إلى جهنم عقل يقيس إلزام الحجة بمقاييس منطقه، ليرى أين تكون المقدمات العقلية التي تلزم بالنتيجة"، انتهى، مع بعض الاختصار.
ومرة أخرى أقول: إني لست بصدد المطالبة بالدليل على صحة ما جعله "خلقا عربيا متأصلا"، من تراث العرب وثقافتهم، ولكني أحب أن ألفت النظر إلى هذا الأسلوب المتوهج الثائر الفرح بما ظفر به في كلام الجاحظ، مما ظن أنه يؤيد فكرته السابقة عن "التراث العربي"، وإلى تكرار ما ظفر به في الكتابين جميعا. والسؤال الآن هو: هل أراد الجاحظ هذا المعنى الذي فهمه من عبارته؟ هل يصح في سياق نص كلام الجاحظ: أن الحجة العقلية في تراثنا تكون ملزمة للعقلاء من الناس، إذا وقعها صاحب السلطان، وختمها بخاتمه؟ هل هذا صحيح أن يكون الجاحظ قال ذلك أو عناه؟
وهذه الجملة التي قالها الجاحظ، مأخوذة من "كتاب الحيوان". في هذا الكتاب نشره وحققه الأستاذ عبد السلام هارون، وبذل فيه من الجهد قدرًا بالغًا. ومع ذلك فقد قال في مقدمة الكتاب ما نصه: "ليس يوجد في عصرنا من يستطيع أن يخرج هذا الكتاب مبرأ من العيب، سليما من التحريف"، وصدق فيما قال. ومن أجل ذلك تجده قد ألحق بكل جزء من أجزاء الكتاب، استدراكًا لما فاته، مما تجاوزه النظر، أو غمض الطريق إلى تصحيحه. وهذه الجملة التي نقلها الدكتور زكي، هي مما وقع فيه التحريف والتصحيف، بدلالة العقل، ثم بدلالة السياق، ثم بدلالة تاريخ هذه الأمة العربية، ومعلوم أن الجاحظ لم يكن ممن يلقى القول على عواهنه. فهو يتحدث عن كل صاحب سلطان في هذه الدنيا، في كل ملة من الملل، وفي كل زمان ومكان، وفي كل طائفة أو أمة،
(2/1066)

وفي القديم والحديث، وفي الشرق والغرب، وعما يجده صاحب كل سلطان من لذة خفية بنفاذ أمره في الناس -ويقول إن كل من ولى أمرًا من أمور الناس، فبحق هذه الولاية يأمر وينهى، (بلا غضاضة في ذلك على عربي أو أعجمي أو أوربى! ). وصار بهذه الولاية مستوجبا أن يطاع في الأمر والنهي، وإلا بطلت الولاية ولم يكن لها معنى، ولم يكن للناس حاجة إلى حاكم أو وال أو رئيس أو وزير. وبهذا الحق المفروغ من التسليم به في جميع أمم الدنيا منذ كانت إلى أن تنقضى مدتها، وجب على كل مرءوس أن يطيع رئيسه في الأمر والنهي، فلفظ "الطاعة". عند الجاحظ لا يزيد على هذا: أن ينفذ أمر الرئيس، وأمر الرئيس لا يكون صحيحا موجبا للطاعة إلا بتوقيعه على الأمر، وعبر الجاحظ عن ذلك فقال: "بما يوجب الخاتم من الطاعة". ويبقى الجزء الآخر بعد صدور الأمر والتوقيع، وهو "التنفيذ"، كما نقول اليوم. وهذا "التنفيذ" هو الذي عبر عنه بقوله: "ويلزم من الحجة"، كما جاءت في نسخ كتاب الحيوان، ولكن كلمة "الحجة" وقع فيها تحريف النساخ، لأن صوابها هو "الخدمة"، وصواب العبارة كلها إذا هو:
"من السرور بنفاذ الأمر، وبجواز التوقيع، وبما يوجب الخاتم من الطاعة، ويلزم من الخدمة".
ولفظ "الخدمة"، بمعنى السعي في إنفاذ ما أمر به السلطان، أو صاحب الولاية، لفظ دائر في جميع كتب "التراث"، كما يسمونها، وهو يأتي في كل كتاب مقرونا بلفظ "الطاعة"، والجاحظ، والأمر لله وحده، جزء من "التراث"، يجرى كلامه على عادة أهل هذه اللغة، وعلى ما ألفته الأمة التي هو منها. والجاحظ أحرص من أن يقول أن "خاتم الولاة" يلزم الرعية التسليم لهم فيما سماه الدكتور "الحجة العقلية"، ولولا أن الدكتور زكي كان قد اعتقد في نفسه هذا الاعتقاد، بأن الأمة العربية يمكن أن توصف بأنها تسلم لولاة الأمر ما قالوا وأن أمرهم يصبح بتوقيع خاتمهم "حجة عقلية" يلزم الناس التسليم لها، ولو ناقض الأمر حجة العقل -لولا ذلك، لكان الدكتور خليقا أن ينتبه إلى موطن
(2/1067)

التصحيف والتحريف في هذه الكلمة. والدليل على أنه يقرأ ما يقرأ، وهو قادر على النظر في وجوه التصحيف والتحريف في الكلام أنه نقل نصا عن كتاب "الخصائص" لابن جنى (1: 215)، وذلك في (المعقول واللامعقول ص: 236)، يقول فيه: "ألا ترى أن الشاعر قد يكون راعيا جلفا، أو عبدا عسيفا، تنبو صورته، وتمج جملته" فتوقف عند قوله "جملته"، وكتب معلقا عليها: [ربما كان الصواب: خلقته]، ومع الأسف، فإني أقول أن الذي في "الخصائص" هو الصواب المحض، وأن التغيير الذي اقترحه لتصويب عبارة ابن جنى لا محل له. ولو لم يكن الدكتور قادرًا على النظر في النصوص وتصويبها، وأنه شديد العناية بالألفاظ الدالة على المعاني، لما كتب هذا التصويب. فكيف حرص على تصويب ما لا خطر له في بحثه، وكيف فاته ما كان خليقا أن يحرص على تصحيحه؟ لا شيء، إلا أنه فرح بكلمة تؤيد رأيه السابق فصرفه الفرح عن التأمل وتصحيح ما هو خطأ محض.
هذه هي القضية في شأن نص الجاحظ -وبقيت القضية الأخرى في شأن نص ابن كثير، وهي قضية غريبة جدا؛ فإن الدكتور زكي نقل جملة من كلام الحافظ ابن كثير في سياق تدليله على أننا، نحن العرب، قوم على الفطرة، وأن الفطرة توجب علينا أن الكائنات كلها لا تصلح إلا بأمير يؤمر عليها، وحكم هذه الفطرة يوجب ألا يكون بيننا حوار، بل تريد أوامر ونواهي تهبط من الأعلى إلى الأسفل ليصدع بها، فإذا نزلت الأوامر من أهل الطوابق العليا إلى أهل الطوابق السفلى" .. فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد والنواهي بالتعظيم (البداية والنهاية لابن كثير 1: 5) فجعل الدكتور هذه الجملة حجة لتأييد رأيه في أنه "خلق عربي أصيل -لا فرق بين أقدمين ومحدَثين، أن يتحكم بعضنا في رقاب بعض".
وحقيقة الأمر، هي أن هذه الجملة مقتطعة من مقدمة الحافظ ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" حين ذكر منن الله على عباده، بأن "أرسل رسله إليهم"، وأنزل كتبه عليهم، مبينة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل
(2/1068)

كل شيء في المبدأ أو المعاد إلى يوم القيامة، فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد؛ والنواهي بالتعظيم". وبين أن الحافظ يتحدث عن تصديق أخبار الله تعالى في كتابه، وعن أوامره سبحانه في كتابه؛ وعن نواهيه تعالى جده في كتابه القرآن العظيم. وهذا بمعزل عن توقيع سلطان أو أمير أو حاكم بخاتمه- ولا يمكن أن يقال إن التصديق بأخبار الله تعالى في كتابه، والانقياد والتعظيم لأوامره ونواهيه ينسحب على أوامر خليفة أو أمير أو صاحب سلطان أو عالم أيا كان. فإن في تراثنا أن عدى بن حاتم الطائيّ كان نصرانيا، فوفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب: فقال: يا عدي، اطرح هذا الوثن عن عنقك! قال عدى: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة. فقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، قال قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال قلت: بلى! قال: فتلك عبادتهم"، فدل هذا على أن الانقياد والتسليم والتعظيم، إنما هي لله وحده، ولرسوله الذي أرسله بهذا الكتاب مبلغا له، ومبينا عنه، وأنه لا أحد بعد ذلك يجب علينا الانقياد والتسليم لأوامره، حتى يصح أمره "حجة عقلية" ملزمة إذا وقعها وختم عليها بخاتمه.
هذا حق كلمة الحافظ ابن كثير، وهذا هو معناها، فنقل هذه القضية من طاعة الله؛ إلى طاعة البشر؛ أمر لا يعقل ولا يقال: ولا يصح نسبته إلى "التراث". إن صاحب "خرافة الميتافيزيقا"، وصاحب المذهب المعروف بالتدقيق في تحليل الألفاظ والقضايا، كان خليقا ألا ينقل هذه الجملة من معنى بعينه، إلى معنى آخر، لولا أنه فارق طريقه ومذهبه؛ ولجأ إلى الاستناد إلى "الانطباعات"، وإلى "مقدمات غير موثوق بصحتها، تنتج نتائج غير موثوق بصحتها أيضا"؛ كما قال عن نفسه.
هذا موقف غريب جدا، وأغرب منه أن يكون طريقا إلى البحث عن "تجديد الفكر العربي"، وعن "تمييز المعقول واللامعقول في تراث العرب". وهذا هو
(2/1069)

ما خفته عليه، وأنا أقرأ الكتابين: أن تكون له أفكار أعدها إعدادا قبل قراءة "التراث" وقبل الغوص في "ثقافة" العرب، فيحمله ذلك على أن يجانب ما هو معروف به من سلامة النظر؛ ودقة التحليل؛ ومن الأستاذية التي لا تنكر في الفلسفة.
وفي الكتابين بعد ذلك مواقف كثيرة جدا، مردها إلى هذه الأفكار السابقة قبل القراءة، التي تلوى النظر عن الصواب، وتفسير النصوص على غير معناها. وقد اقتصرت على "المواقف" دون النظر في صحة قضايا الكتابين، ودون التحليل لهذه القضايا، لأنى أكره أن أناقش قضايا كتبت على أسلوب غامض غير مكشوف، يترك للقارئ أن "ينتزع المعاني من بين السطور"؛ فأنا أحب المكاشفة، ولا أرضى إلا المصارحة بالرأي، والاستقامة في التعبير. هكذا موقفي وموقف تراثى وثقافتى وحضارتى من تراث اليونان والغرب وثقافتهما وحضارتهما. وليس بين الحق والباطل، ولا بين الصدق والكذب، ولا بين العلم والجهل، ولا بين الصواب والخطأ- من حاجز، إلا ترك الاستقامة، وإلا تغليب الهوى على العقل، وإلا مفارقة التثبت، وإلا إيثار السلامة على المعاناة.
(2/1070)

في الطريق إلى حضارتنا
ألقيت في جامعة الملك عبد العزيز بجدة
في يوم الأربعاء 23 ربيع الآخر سنة 1394/ 15 مايو سنة 1974
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
لا أملك إلا الشكر الجزيل على هذه الدعوة التي جاءتني من جامعة الملك عبد العزيز، موجهة من صاحب المعالى وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة الشيخ حسن عبد الله آل الشيخ. وقد عشت أكثر من أربعين سنة في عزلة ضربتها على نفسي حتى استحكمت، وصارت كأنها طبيعة فطرت عليها، أنظر إلى العالم من حولى وأحس به من خلالها. فلما جاءتنى هذه الدعوة الكريمة أحدثت في إلفي الطويل لهذه العزلة انتقاضا ناسفا لما أبرمته السنون الطوال فتصدعت أسوار العزلة التي اخترتها ورضيتها لنفسي، تصدعت على غير توقع، فلم يخطر ببالى قط أن يدعونى أحد لأنى منذ هجرت الكتابة في المجلات والصحف أكثر من عشرين عاما، كنت قد وضعت اسمى في صندوق مغلق، لا يعرف ما فيه إلا عدد قليل من قدماء القراء. أما الأجيال الحديثة، فهي تمر عليه بلا مبالاة، ثم لا تجد ما يحفزها على الكشف عما يحتويه هذا الصندوق المغلق، والكاتب إذا وضع قلمه صدئ القلم، وإذا حجب اسمه عن القراء، نسى اسمه، وانطمس رسمه، ودخل في حيز الموتى، وإن كان يعد في الأحياء. فلما جاءتنى هذه الدعوة الكريمة، فكأنها فرضت عليَّ أن أجلو ما صدئ من قلمى، وأن أسترد لنفسي صورة أبدو فيها حيا بعد طول الرقاد في حيز الموتى من الماضين. . . وحب الحياة شهوة خفية في كل قلب، فإذا كان اللسان معبرا عن ظاهر الشكر لهذه الدعوة إلى الحياة فإن الباطن شكر لا يكاد ينتهي إلى غاية.
__________
(*) مجلة الثقافة، العدد العاشر - يولية 1974، ص 4 - 10
(2/1071)

من العسير على أن أضمن هذه الدقائق القليلة، قدرا كافيا من الحديث عن أهم ما يدور في العالم العربي والإسلامي. فإن هذا العالم قد مضى عليه أكثر من قرن كامل وهو يموج بالحركة ويغلى بالفكر، حتى تجمعت في هذه السنوات الأخيرة دلائل كثيرة على أن هذا العالم لن يهدأ حتى يحتل مكانته التي يستحقها بتراثه العظيم، وبمساحته المترامية الأطراف، وبسكانه الذين يزيد عددهم على ثمانمئة مليون من البشر، وبما أودع الله في أرضه من الذخائر والكنوز، ما استغل منها وما لم يستغل بعد -ولا يستطيع أحد أن يغمض عينيه عن قوة عالمنا هذا مرة أخرى، بعد المعركة التي هزت قواعد العالم الآخر، العالم المتفوق الذي كان يستغل غفلتنا منذ أكثر من قرنين، استغلالا لا شرف فيه ولا أمانة ولا رحمة ولا إنسانية. ومع ذلك فواجبنا نحن اليوم أن نعلم علم اليقين أن هذه القوة التي فاجأت العالم وهزته هزا عنيفا، لم يكن مصدرها تفوقنا نحن بحضارتنا الموروثة، على هذا النوع الغريب من الحضارة الممثلة في القوى الحربية والصناعية والعلمية التي يمتلك زمامها العالم الذي نسميه عالم المستعمرين. بل كل الذي حدث هو أننا استطعنا أن نستفيد فائدة جليلة من حركة الصراع بين القوى الكبرى في عالم الاستعمار، فاشترينا بأموالنا السلاح المتفوق من إحدى القوتين العظيمتين في العالم، لنواجه به سلاحا متفوقا أيضا يستمده عدونا من القوة الأخرى، ثم بلغنا درجة كاملة من حسن الاستعداد للمعركة، ومن دقة التوقيت لساعة اللقاء. هذه واحدة. أما الأخرى فهي أننا استطعنا أيضا بالجرأة والاتحاد أن نحبس عن عالم الاستعمار أهم مصدر من مصادر قوته وتفوقه، أو على الأصح، أهم مصدر من المصادر التي يعتمد عليها تفوقه الحربى والصناعى، وهو النفط. ومنذ عهد غير بعيد لم يكن في قدرتنا أن نفعل هذا الذي فعلناه، ولا أغالى إذا قلت أنه كان يعد ضربا من الأحلام التي لا مكان لها في عالم الحقيقة.
ورب قائل يقول، وهو صادق فيما يقول: إننا لم نصل إلى (شراء السلاح المتفوق) ولم نبلغ القدرة على (حبس النفظ) إلا بجهود متواصلة طويلة الأجل، بلغت غايتها من التدبير والحزم ومن الفكر والعزم، وبأسباب كثيرة من وسائل
(2/1072)

المعرفة والعلم. وأقول: نعم، وصدقت ولكن ينبغي أن نكون على بينة من أن هذا القدر من الجهود، لا يستطيع أن يدفع حقائق مخيفة (ظاهرة) كل الظهور. أهمها أن العالم العربي الإسلامي والعالم الإفريقى والآسيوى اللذين يرتبطان به ارتباطا يكاد يكون ارتباطا عضويا، لا يعيش اليوم في حضارة متفوقة ينبع تفوقها من داخله، بل يعيش مستهلكا لإنتاج حضارة عدو متفوق، عدو ماكر يأخذ من هذا العالم بلا حساب، ويعطه بحساب دقيق مقتر لا يرحم، ولا يتعفف عن ارتكاب أخبث الجرائم في حق الإنسان وفي حق الإنسانية.
نحن من أجل ذلك ينبغي أن نكون على حذر دائم اليقظة، حتى لا تغرر بنا هذه الجهود المتواصلة التي بذلناها حتى تطمس الحقيقة الظاهرة الأخرى، وهي أن (شراء السلاح المتفوق) يتوقف على أمرين: على مال متوافر، وعلى رغبة البائع في بيع هذا السلاح المتفوق. فإذا كان مالنا لا يفي بشرائه، أو كان يفي به إلى أجل محدود، ولكنه لا يضمن المدد المستمر الذي يعوض ما يستهلك منه في الحرب أو في الاستعداد لها، فإننا نكون عندئذ على شفا جُرف هار يفضى بنا إلى التمزق والضياع. فهذا خطر لا ينبغي لعاقل أن يسقطه من حسابه، ونحن إن شاء الله قادرون على حسابه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لأن المال مالنا وفي أيدينا القدرة على تدبيره وتصريفه. ولكن يبقى خطر آخر لا نستطيع أن نملكه قادرين عليه، وهو رغبة البائع الذي يبيعنا السلاح المتفوق، فهذه الرغبة متعلقة بمصالحه، ونابعة من إرادته، ونحن لا نستطيع أن نملك مصالحه إذا رأى هو أن بيعه السلاح لنا ضار بهذه المصالح، ولا نملك أيضا أن تستمر إرادته طبقا لما نريده نحن. فإذا علقنا حياتنا على إرادة لا نملكها، فقد وقعنا في براثن خطر لا يرحم، هو أن تكون إرادة بائع السلاح هي التي تملكنا وتملك مصيرنا، وتملك تدميرنا بين القبض والبسط في أي ساعة يشاء هو، ونحن عندئذ في قبضته بلا إرادة ولا مشيئة.
أما (حبس النفط) وهو الذي هز العالم الاستعمارى هزة دكت كثيرا من قواعده، وأذهلته فترة طويلة، وأحدثت في خططه ومقاصده اضطرابا شديدا، فإنه قوة مخوفة، كان عالم الاستعمار يحاول جاهدا منذ سنين طويلة أن يثبط عزائمنا،
(2/1073)

ويضرب على آذاننا وعلى أبصارنا غشاوة حتى لا نسمع دويها أو نبصر مدى ما هي قادرة على بلوغه، والأمر الذي لا شك فيه أننا قادرون على (حبس النفط) ما صحت عزائمنا على حبسه قهو قوة نملكها ولا تملكنا، ولكن ينبغي أن لا يغيب عنا أن حبس النفط وحده قوة سلبية من ناحية، وقوة ذات أثر إِيجابى من ناحية أخرى. قوة سلبية لأنها لا تنتج بمجردها إنتاجا صحيحا في حياتنا، وهي قوة ذات أثر إيجابى في عالم الاستعمار، لأنها توجب عليه أن يخفض من تفوقه الحربى والصناعى لأن عالم الاستعمار استغفلنا دهرا طويلا، يأخذ المقادير الوافرة من نفطنا بأبخس الأثمان، لكي يستخدمها في تصعيد هذا التفوق المذهل في أدوات الحرب وإنتاج الصناعة لبيع ذلك كله بأفحش الأثمان، وليعيش هو في رغد مترف لا نهاية له ولا لآثاره السيئة في الحضارة، وليتركنا نعيش في قيود من المهانة والضنك والاضطراب والتفكك، تحول بيننا وبين ما هو حق لنا في أن نمارس الحياة الصحيحة وأن نعطى العالم حضارة شريفة بريئة من آثام هذه الحضارة الباغية التي تريد أن تنفرد بالبقاء والخلود في عالم لا يضمن البقاء ولا الخلود للحضارات إذا هي ضلت الطريق السوى. وقد ضلت حضارة الاستعمار ضلالا بعيدا عن كل طريق سَويّ، وهي اليوم تبذل كل جهودها في اتقاء المصير المكتوب عليها بضلالها بيد أنها لن تستطيع ذلك، لأن داءها داء عضال، يعميها عن علاجه ودوائه ما هي فيه من التفوق ومن الغنى ومن السطوة ومن الترف الذي أصبح هدفا لجماهيرها لا تستطيع أن تتخلى عن طلبه طلبا ملحا لا ينقطع ولا يفتر.
وعالم الاستعمار يعرف هذه الحقيقة معرفة واضحة، وهو يعيش أيامه الباقيات في خوف وفزع من هذا المصير المرهوب، المفضى إلى تقوضه ودماره. وهو يعرف أيضا أن الحضارة دول، يتداولها الجنس الإنساني مرة بعد مرة، وأقواما بعد أقوام، فما من حضارة بادت إلا قامت على أنقاضها حضارة أخرى جديدة الشباب، تملك أسباب التفوق والاستمرار. وهو يعلم أيضا علم اليقين، أن عالمنا العربي والإسلامي يرتبط به العالم الإفريقى والأسيوى ارتباطا عضويا، هو المؤهل
(2/1074)

للقيام بأعباء تجديد عمارة الأرض، بحضارة متميزة بنقائها وبراءتها من الأدواء الكامنة التي أدت إلى تقوضه ودماره.
وعالم الاستعمار عالم غير غافل، وهو متمكن كل التمكن من وضوح الرؤية، ومن تملك أسباب العمل ووسائله، فهو لا يتردد في سعيه سعيا حثيثا باستخدام أخبث الوسائل، إلى استبعاد شبح التقوض والدمار. فمن أفحش وسائله حرصه المتتابع البين حينا، والغامض حينا آخر على أن يخرب حياتنا وذلك بإدخال عناصر الفساد إلى عالمنا: بإفساد إرادتنا وإفساد عقولنا، وإفساد ثقافتنا، وإفساد ضمائرنا، وإفساد أذواقنا، وإفساد صورة ماضينا، وإفساد حاضرنا، أي بإفساد حياتنا كلها ليفسد مستقبلنا، ويحرص أيضًا على أن يوهمنا إيهاما مستمرا بأن مصيرنا مرتبط بمصيره، لكي يبلغ بنا حدا من العجز والتردد وتشتت القوى، يضمن له إطالة مدى بقائه غالبا متسلطا مسيطرا على هذا العالم كله بتفوقه الحربى والصناعى والعلمي.
وإذا كنا قد استطعنا، في هذه الفترة الأخيرة، أن نحدث في فكر عالم الاستعمار رجة شديدة الدوى باقتدارنا على (شراء سلاح متفوق) وعلى (حبس النفط) فإن هذا غير مُغن على طول المدى، وهو غير مضمون ضمانا مستمرا، لأنه غير متعلق بإرادتنا تعلقا صحيحا من جميع الوجوه وأثره في حياتنا أثر موقوت بميقات. ونحن مكلفون تكليفا محتوما أن نصحح وضع السلاح والنفط تصحيحا يقوم على أساس لا يختل، نملكه ولا يملكنا. وذلك بأن نصبح قادرين، في عالمنا نحن، على صنع السلاح المتفوق، حتى لا يكون مصيرنا معلقا على إرادة بائع السلاح الذي يملك القبض والبسط في ساعة العسرة = وأيضا أن يتخطى نفطا كل السدود التي ضربت عليه لكي يظل في حياتنا سلعة فحسب، سلعة تدر المال الوفير علينا، دون أن تكون لنا قدرة على استخدامه في الوجوه التي يستخدمها فيه عالم الاستعمار، ومعنى ذلك أن نحاول بالعزم والحزم والقوة أن نحرج نفطنا من حيزه المضروب عليه، لكي يصبح عاملا إيجابيا منتجا، يتيح لنا التسلط على أسباب التفوق الصناعى والحربي معا. وهذا بلا ريب
(2/1075)

هدف لا غنى لنا عنه، وينبغي أن يكون واضحا كل الوضوح في أفهامنا وفي نظرنا، وفي تخطيطنا، وأن تتعلق به إرادتنا تعلقا لا يتخلله عجز أو تردد.
عالم الاستعمار يعلم علم اليقين أن عالمنا نحن، سوف ينتهي عاجلا أو آجلا إلى الإصرار على محاولة تحقيق هذا الهدف، فمن الغفلة أن نظن أنه سوف يتركنا اليوم نعمل بإرادة طليقة تكفل لنا بلوغ ما نريد. وهذه قضية واضحة، وإن كان بعض الصخب واللجاجة قد أخفى عنا كثيرا من معالمها البينة، وسوف تزيدها الأيام جلاء وبيانا.
وإذن، فنحن نعيش اليوم في حومة الصراع، صراع لن يفتر ولن ينقطع. صراع إرادة كانت مغلولة اليدين زمنا طويلا، وقد آن لها أن تفض أغلالها بالحزم والعزم حتى تتحرر، وإرادة ظلت طليقة دهرا طويلا، ولكن دُولَة تاريخ الحضارات قاضية عليها أن تلحق بأخواتها من الحضارات التي بغت في الأرض وضلت الطريق المستقيم.
وقد أَلِف كثير من الكتاب أن يعدوا هذا الصراع المستمر، صراعا بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية، أي بين الحضارة التي يتصور عالمنا أنه يمثلها، وبين الحضارة التي يمثلها اليوم عالم الاستعمار. ولكني لا أرتاب في أن وضع القضية في هذه الصورة خطأ بيَّن، ساقنا إليه قلة احتفالنا بتحديد معاني الألفاظ، وغفلتنا عن دلالاتها الصحيحة، وكل تهاون في تحديد معاني الألفاظ وفي تحديد دلالاتها، مؤد إلى تيه لا ينتهي الضلال في فيافيه. وليس من الحكمة ولا من العقل أن نعود أنفسنا وأبناءنا عادة مميتة قاتلة، وهي عادة التهاون في العمل أو في الفكر. وإذن فلا مناص لنا من أن نعرف على وجه التحديد معنى هذا اللفظ المألوف الذي نستعمله في غير مكانه. وكل ما نسميه (حضارة) مما تداولته أمم الأرض منذ أقدم الأزمان دال على أن (الحضارة) بناء متكامل، لا تستحقه أمة إلا بعد أن تجتاز مراحل كثيرة معقدة التركيب، حتى تنتهي إلى أن يكون لأهلها سلطان (كامل) على الفكر، وعلى العلم، وعلى عمارة الأرض، وعلى أسباب هذه العمارة من صناعة وتجارة، وعلى أسباب
(2/1076)

كثيرة من القوة، ترغم سائر الأمم على الاعتراف لها بالغلبة والسيادة، وإذا صح هذا، وهو صحيح إن شاء الله، فالذي لا شك فيه أن عالمنا نحن اليوم ليس له سلطان (كامل) على هذه الأصول والشروط التي يستحق حائزها أن يسمى ما هو فيه (حضارة)، والذي لا شك فيه أيضا أن عالم الاستعمار الذي نصارعه، هو المستحق اليوم، والى أجل محدود، أن يسمى ما هو فيه (حضارة) لأنه يملك هذا السلطان على الفكر والعلم وعمارة الأرض وعلى الصناعة والتجارة وعلى أسباب قوة باغية ترغم العالم على أن يعترف له بالغلبة والسيادة. وإذن فمن المغالطة المعيبة أن نلهج نحن بوصف هذا الصراع الذي لا شك في أنه كائن ومستمر بأنه صراع بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية. ومن الضرر البالغ أن نظل في غيبوبه تحول بيننا وبين الفهم الصحيح لطبيعة هذا الصراع الذي لا خفاء فيه ولا لبس في أنه واقع ومستمر.
وإذا كنت قد استطعت في هذه الألفاظ القليلة أن أوضح ما يكتنف قضية الصراع من الغموض الذي نتورط نحن فيه بسلامة نيتنا، والذي سعى عالم الاستعمار بأساليب مختلفة أن يجعلنا ننغمس في أمواجه المضطربة بمكره وبسوء نيته، فإني أعلم أنى قد أثرت بهذا الوضوح سؤالا ينبغي أن يردده كل من يسمع كلامي أو يقرؤه .. وهو سؤال لا مفر منه، ولا غنى عنه أيضا. يقول السائل: فخبرنا إذن، ما هي حقيقة هذا الصراع الذي يدور في عالمنا بيننا وبين عالم الاستعمار؟
وجواب هذا السؤال أمر "عسير" كل العسر. لأنه في زماننا هذا أصبح محتاجا إلى حيطة مضنية في إزالة كل لبس يخالط معنى (الحضارة) وفي تحديد حقيقتها تحديدا صارما في أذهان عالمنا هذا -وأصبح محتاجا أيضا إلى دقة بالغة في تفسير ما عنيته بقولي آنفا: (إن الحضارة بناء متكامل، لا تستحقه أمة إلا بعد أن تجتاز مراحل كثيرة معقدة التركيب) وسأحاول في جمل قليلة مفيدة، إن شاء الله أن أبلغ بالوضوح إلى مطلع ينير لنا الطريق. أما لفظ (الحضارة) فعسى أن أكون قد حددته تحديدا واضحا مجزئا حيث قلت: (إن الحضارة بناء متكامل،
(2/1077)

يمكن أصحابه من أن يكون لهم سلطان (كامل) على الفكر والعلم وعمارة الأرض، وعلى الصناعة والتجارة وأسباب القوة التي ترغم على الاعتراف لها بالغلبة والسيادة. وهو على إيجازه واختصاره لا يحتاج إلا إلى استدراك ضرورى، وهو أن حضارة الأمة مرتبة لاحقة، لابد أن يسبقها أساس ترتبط به ارتباطا لا فكاك منه البتة. وبهذا الأساس تتميز حضارة من حضارة تميزا جوهريا وتتميز به غلبتها وسيادتها حتى يصح أن توصف بأنها حضارة شريفة كريمة، أو حضارة لئيمة المنبت خسيسة الأصل.
وهذا الأساس هو الذي عنيته بقولي آنفا "إن الحضارة بناء متكامل لا تستحقه أمة إلا بعد أن تجتاز مراحل كثيرة معقدة التركيب". فأساس الحضارة هو هذه (المراحل الكثيرة المعقدة التركيب) وهذه المراحل هي الشيء الذي يحتاج إلى تفسير دقيق صحيح. وقد وقع أهل زماننا على اصطلاح سموا به هذه المراحل المعقدة وهو لفظ (الثقافة) وينبغي أن أكون واضح العبارة عند هذا الموضع لأنه هو منبع الخطر الذي لم نزل نعانيه في هذا القرن الأخير، وهو المدخل الخبيث إلى كل وسائل التدمير التي يُكاد بها لعالمنا هذا. فأول كل شيء، أجده لزما على أن أعيد ما قلته مرارا منذ حملت هذا القلم الذي طال صدأه بانقطاعى عن الكتابة، وهو وجوب الفصل فصلًا تاما بين (العلم) بمعناه الحديث وبين (الثقافة)، لأن العلم تراث إنساني ممتد من أقصى الجهود التي نعرف تاريخها إلى يوم الناس هذا، وإلى غدهم فيما يستقبل، ولكن الذي ينبغي أن نحذره فهو أن ندخل نحن أو أن نقبل من عدونا أن يدخل، على مفهوم "العلم" شيئا وهو عنه بمعزل، ومع ذلك فأنا لا يمكن أن أدعى أن هذا الفصل سهل يسير لأن التداخل بين (الثقافة) وبين (العلم) واقع لا شك فيه، ولكن أكثر فروع (العلم) يسهل فيها تميز هذا التداخل، وبعضها يحتاج إلى جهد -وصبر وتبصر، حتى يخلصها الدارس البصير شيئا فشيئا، لتصير علما خالصا يستحق أن يقال فيه أنه تراث إنساني مشترك دائم النمو، ودائم التغير أيضا، طبقا للمناهج التي يهتدى إليها العقل الإنساني وما يتبع ذلك من مناهج التطبيق التي تجعل العلم قادرا على المشاركة
(2/1078)

في صياغة الحضارة في صورة أو في صور متحركة دائبة السعي إلى أهداف الإنسان في هذه الحياة.
فإذا صار بينا هذا الفصل بين "العلم" الذي تسيطر عليه قوى (الحضارة) وبين المراحل المعقدة التركيب، والتي لا تقوم الحضارة إلا على أساس منها، وهي "الثقافة" فالذي لا شك فيه أن عالم الاستعمار إنما يدير الصراع كله بيننا وبينه على هذا الأساس الذي هو شرط ضرورى لقيام أية حضارة وهو الثقافة، وإذن فالصراع بيننا وبين عالم الاستعمار صراع بين "الثقافة العربية الإسلامية" وبين "الثقافة الأوربية المسيحية الوثنية"، هذه هي القضية على وجهها الصحيح. وسبب هذا الصراع وهدفه: هو الحيلولة بيننا ويين أن تتجدد "الثقافة العربية الإسلامية" حتى تصبح قادرة أو حتى نصبح نحن قادرين بها على أن نسير في الطريق الصحيح الذي يصل بنا إلى أن تكون ثقافتنا حاملة للقوة المتحركة التي تدفعنا إلى أول الطريق الذي تلتقى عنده "الثقافة" وحركتها الدافعة الدافقة، بالأسباب التي تجعلها قادرة على تملك السلطان الكامل على الفكر والعلم وعمارة الأرض، وعلى الصناعة والتجارة، وعلى القوة التي سيتاح لنا نحن أن نصنعها بأيدينا، فنرغم العالم على الاعتراف لنا بالغلبة والسيادة، أي بالأسباب التي تجعل (الحضارة) شيئا واقعا في حياتنا، أنشأناه نحن، وفي أيدينا الحق الكامل في إنمائها حتى تتفوق، ونحن وإن كنا لا نعيش اليوم في "حضارة عربية إسلامية" نمثلها تمثيلا صحيحا يكفل لنا أو يؤدى بنا إلى هذا السلطان، إلا أننا بلا شك ورثة لحضارة عربية إسلامية كانت فيما مضى تملك هذا السلطان، ونحن بلا شك أيضا ورثة لثقافة عربية إسلامية أصولها قائمة بصورة ما في عالمنا هذا، وفي قدرتنا أن نجلوها ونحييها ثم نحيى بها مرة أخرى ونضع بعد ذلك أقدامنا على الطريق إلى "حضارة عربية إسلامية" جديدة نستطيع أن نحققها للعالم، كما حققناها من قبل على هذه الأرض بلا ريب في ذلك. وشرط ذلك أن لا ندع لحظة أو خطرة تمر، إلا ونحن عاملون دائبون على تأسيس حياتنا على أصل محكم من فهم المراحل المعقدة التركيب، التي ينبغي أن نمر بها ونزيل الركام
(2/1079)

والأنقاض والتراب الذي غطى على (ثقافتنا) حتى نملك ثقافتنا ونأخذها بقوة واقتدار، في هذه الفترة الحرجة التي تعانيها حضارة عالم الاستعمار في ساعة تقوضها ودمارها. وقبل كل شيء ينبغي علينا، ولاسيما ناشئتنا، أن نعرف تمام المعرفة أن الشعار الذي ترفعه الحضارة الغربية، وتلح على إذاعته وبثه في العالم كله، بادعائها أنها "حضارة عالمية" إنما هو شعار مزيف وغش فاضح، تريد أن تفرضه فرضا على العقول حتى تستسلم، وتنفذه إلى غيب الضمائر حتى تتخدر. وحقيقة الشعار، كما هو واضح في دنيانا، أنها حضارة خاصة بأقوام بأعيانهم، يرون أن لها الحق كل الحق في السيطرة على العالم، وإذلاله وترويضه واستغلاله لتطيل بناءها على الأرض.
هذه هي الحقيقة المجردة من الزيف والغش. والحقيقة الأخرى أنها تريد أن تبيد (ثقافة) كل شعب من شعوب عالمنا هذا، لتحل محله قشورا مزيفة من ثقافتها هي، بشعار آخر يتولى إذاعته وبثه أصحاب دعوات خبيثة، بكثرة إلحاحهم على إقناع جماهير قرائنا وناشئتنا في عالمنا العربي الإسلامي وهو شعار (وحدة الثقافة الإنسانية).
وتعريف (الثقافة) ليس سهلا ميسورا كما نتوهم عند أول النظر. لأن مفهوم الثقافة لا يتم إلا بعد مراحل متداخلة متطاولة الأزمان، يقطعها الشعب بين مئات من فترات الارتفاع والانخفاض والتقدم والتأخر والحركة والسكون، والوضوح والغموض وهو في خلال ذلك يجيش ويتجمع حتى يتحقق له أسلوب حياة مركب شديد التعقيد يكاد يستعصى على التحليل الصحيح الواضح لمقوماته المميزة، التي ترى، ولكن لا يحيط بها الوصف إحاطة كاملة. وأضرب مثلا قريبا. فأنت ترى رجلا بعينه، فتعرفه وتميزه، ولكنك إذا أردت أن تصفه لصديق لك لم يره قط من قبل، فإنك لا تستطيع أن تبلغ بالألفاظ التي تصف بها ملامح وجهه وحدها إلى درجة تجعل هذا الصديق قادرا على معرفة هذا الرجل إذا رآه في مكان ما، فيقول: هذا هو الرجل بعينه، الذي وصف لي. ولكنك إذا زدت مع وصف ملامح الوجه صفة بعض الأشياء المميزة لحركته في مشيته مثلا، ولون
(2/1080)

ثيابه، وما يحمله في يده، وما شئت من أمثال هذه المميزات، كان خليقا أن يعرفه لأول وهلة يراه فيها: هذا مثل أردت به تقريب تصوير هذه الصعوبة في الحديث عن (الثقافة).
ولفظ الثقافة مستحدث في لغتنا، بل في لغات العالم أجمع، وقد وقع الاختلاف في تحديدها وتعريفها حتى صار اختلافا يخرج من النقيض إلى النقيض، وكأنها ليست لفظا قابلا للتحديد والتعريف. بل رمزا غامضا لحركة دائمة في حياة كل شعب، في أحواله المختلفة، في حالة تفجره وغليانه حتى يصبح مؤسسا لحضارة في طريقها إلى العمل والتميز والتفوق، أو في حالة سكونه حين يصبح وارثا لحضارة قد فقدت قدرتها على العمل والتميز والتفوق. وهذه الحالة الأخيرة، هي الحالة التي تكون فيها ثقافة الشعب قد تفككت بتفكك أفراد الشعب في أنفسهم وما يتبع ذلك من تفكك المجتمع المكون من هؤلاء الأفراد. ومع كثرة الاختلاف في تحديد لفظ (الثقافة) في زماننا فنحن نجد أنهم يحاولون أن يضعوا مميزات تميز ثقافة شعب من ثقافة شعب آخر، وتكاد تنحصر هذه المميزات في (العقائد) و (الأخلاق) و (العادات) و (التقاليد) و (الأفكار) و (اللغة) ولا شك في صحة هذه المميزات من ناحية النظر المجرد، ولكنها مميزات مبعثرة. وقد أراد بعض الغربيين أن يجمعها في سياق واحد فقال: إن ثقافة الشعب ودين الشعب، مظهران مختلفان لشيء واحد لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب. وقال أيضا: (إن السير إلى الإيمان الديني عن طريق الاجتذاب الثقافي ظاهرة طبيعية مقبولة)، وهو تعبير صحيح في جوهره يجمع هذه المميزات المبعثرة في إطار واحد، ويجعل تمييز ثقافة من ثقافة واضحا من خلال النظر في أصول التدين الذي هو فطرة في طبيعة الإنسان حامل الثقافة ومؤديها إلى من بعده.
ومع ذلك فإني أحب أن أوضح هذا بعبارة أخرى فأقول إن ثقافة كل شعب هي تراثه البعيد الجذور في تاريخه المنحدر مع أجياله ينقله خلف عن سلف. وهذا التراث مكون من أفكار ومبادئ يحملها أفراد الشعب على اختلاف طبقاتهم
(2/1081)

وطبائعهم، في زمن ما من حياتهم، ومن تطبيق هذه الأفكار والمبادئ حتى تصبح أسلوبا لحياة المجتمع المكون من هؤلاء الأفراد. ولم أرد بهذا تعريف الثقافة ولكني أردت تحديد حركتها في جيل بعينه يعيش زمنا محدودا وفي خلال هذا الزمن نفسه تكون حركة الثقافة دائمة التغير في تطبيق الأفكار والمبادئ، وينشأ في أحضان هذا الجيل جيل آخر من أبنائه يتلقى عن الأفراد وعن المجتمع، فيتأثر بما تلقى، ولكنه لا يزال ينمو وتنمو معه أفكار أخرى تزيد أفكار الجيل السابق غنى أو تعدلها، أو تنقص منها، أي أنه يجدد أسلوب حياة مجتمعه فيصير مجتمعا ثانيا يمثل مجتمع الآباء من وجوه، ويعطى مجتمعه هو لمحة جديدة تميزه بعض التمييز عن مجتمع الآباء. وهكذا دواليك على طول امتداد حياة هذا الشعب.
ورحم الله عمر بن الخطاب ورضى عنه. فإن هذا العبقري الدقيق النظر قال فيما قال: (الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم) -وهذه من جوامع الكلم التي جرت على لسان هذا العبقري - رضي الله عنه - وضمنها تجربته هو التي مر بها: فإنه حين انتقل من الجاهلية إلى الإسلام في صدر شبابه، مارس هذا التحول الثقافي في نفسه ثم مد الله عمره حتى ولى الخلافة، ورأى ناشئة جديدة من أبناء الصحابة لم تشهد الجاهلية (أي لم تشهد ثقافة المجتمع الجاهلي الصرف) ولكنها نشأت في مجتمع مسلم جل أفراده قد انتقلوا من ثقافة الجاهلية إلى ثقافة الإسلام، ثم رأى هذه الناشئة التي تلقت عنهم وتأثرت بهم، وهي تتحرك وتنمو وتطبق أفكار الإسلام الحي، لتنشيء مجتمعا جديدا وارثًا لمجتمع الصحابة ورآه وهو يتميز من مجتمع الصحابة بعض التميز، لكي يتهيأ بحركته وفورانه واندفاعه إلى إنشاء حضارة جديدة في أرض العرب وسائر الشعوب التي دانت يومئذ بالإسلام ودخلت دخولا تاما في ثقافته، حضارة جديدة سوف تسود بعد قليل وتملك السلطان المطلق على الفكر وعلى العلم وعلى عمارة الأرض، وعلى الصناعة والتجارة وعلى أسباب القوة التي سوف ترغم العالم على الاعتراف لها بالغلبة والسيادة. وهكذا كان. فهذه الكلمة التي قالها عمر، من أروع الكلمات
(2/1082)

الدالة على عمق النظر وبعده في حركة دين الإسلام في نشأته، ثم في انتشاره، ثم في تحقيقه عن طريق ثقافته، حضارة نسميها اليوم (الحضارة الإسلامية): بمفهومها التاريخي الواسع المتراحب.
ولعل هذا الاستطراد البسيط قد كشف شيئا من فكرة المفكر الغربي الذي قال: (إن ثقافة الشعب ودين الشعب مظهران لشيء واحد، وإن الثفاقة في جوهرها تجسيد لدين الشعب). ودين الإسلام يزيد هذه الفكرة وضوحا وجلاء لأنه هو الدين الوحيد في هذه الدنيا الذي يشتمل على جميع الأصول التي تقوم الثقافات الإنسانية على بعضها دون جميعها، فإن الله تعالى جده أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة، على اختلاف قبائلهم وشعوبهم، وعلى اختلاف ألسنتهم وألوانهم وهيأ للجنس البشري كله أن ينتقل به من فوضى الملل والعقائد والعادات والتقاليد، أي من فوضى الثقافات، إلى ثقافة هي في جوهرها قابلة لتصفية سائر الثقافات القديمة، ثم احتوائها لتكون ثقافة متعددة الوجوه على غير اختلاف في الأصول. ومعنى ذلك أن الله تعالى قد ضمن كتابه الذي جاء للناس كافة، أصولا جامعة للعناصر الحية التي تقوم عليها ثقافات البشر المختلفة، من عهد أبينا آدم -عليه السلام- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وضمن هذا الكتاب، وضمن الحكمة التي هي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جميع الأسباب التي تحرك "الثقافة" وتعدها للنمو المتجدد الذي يتيح لها إنشاء الحضارة المتميزة الشاملة.
وذلك أن أن الله جلا جلاله قد اصطفي لكلامه سبحانه اللسان العربي المبين، فأنزل به كتابا عربيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله، وهو القرآن، واصطفي من البشر نبيا عربي اللسان فأنزل على قلبه هذا الكتاب وآتى هذا النبي العربي الحكمة المبينة عما أجمله القرآن، وآتاه جوامع الكلم التي هي حديثه وسنته - صلى الله عليه وسلم -. واختار لتحقيق هذه الأصول التي اشتمل عليها كتابه واشتملت عليها سنة رسوله، مجتمعًا عربيًا مستخلصا مستصفى من المجتمع العربي الجاهلي وهم -أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، ثم وصفهم سبحانه في محكم كتابه
(2/1083)

فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، فحدد بذلك مكانهم في معترك ثقافات العالم التي عاصرته أو سبقته، ثم وصف عملهم في تصفية الثقافات كلها بقوله سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}.
وكانت هذه الأمة العربية الجاهلية أمة ذات ثقافة منحدرة من عهد أبيهم إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-، وما كان إبراهيم ولا ولده إسماعيل يهوديًا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، أي أن الحنيفية التي طبقها أبناء إبراهيم وإسماعيل قرونا طوالا وتداولها التغيير والتبدل حتى انتهت الى العصر الجاهلي الذي أظله الإسلام، كانت قد صارت تراثا ثقافيا لهذا المجتمع الجاهلي يعبر عنه أسلوب حياته عند نزول القرآن. فجاء الله بالإسلام لينفي من هذا التراث الحنيفي كل ما دخله من الفساد والتغير على تطاول القرون، وليتم مكارم أخلاق هذا المجتمع الجاهلي الوارث للثقافة الحنيفية، وليحمل هذا الجيل الذي اصطفاه من جيل الجاهلية أمانة حمل هذا الكتاب بقوة، وأمانة حمل السنة باقتدار وفهم، وأمانة تطبيقه في مجتمع جديد، وأمانة تبليغه ذلك كله لأبنائهم ولسائر من يدين به من البشر من غيرهم، ليحملوه أيضا ويبلغوه ويطبقوه في مجتمع متجدد تتسع رقعته، وتتجدد حاجاته زمانا بعد زمان.
وهذا الدين قد انفرد بخصائص لم تكن قط في ملة سبقته، باشتماله على تفاصيل كل ما يحتاج إليه الجنس البشري في كل عصر وزمان، لم يقتصر على العقائد والعبادات وحدها، بل اشتمل على كل صغيرة وكبيرة في حياة الفرد الخاصة، وعلى آدابه في معاشرة الأهل والولد والعشرة والزوج والصديق والقريب والبعيد، وفي جميع معاملاته الخاصة والعامة واشتملت على أصول ما يحتاج إليه في تشريعه واقتصاده وسياسته وعلمه وفلسفته، وحروبه وجهاده، وعلى أصول حياة الجماعة وعلى روابط هذه الجماعة بسائر الجماعات التي تجاورها أو تهادنها أو تحاربها، لكل شيء من ذلك هدى هو نص في الكتاب والسنة، وهدى هو
(2/1084)

دليل عقلي للاستنباط من الكتاب والسنة، مع تجدد حاجة كل مجتمع إلى هدى يهتدى به، حتى لا يخرج عن الطريق السوى الذي اختاره الله لعباده الذين أسلموا له وآمنوا به وبرسوله ثم لم يرتابوا.
إن الله سبحانه قد جاءهم بالدين الجامع الذي فيه صلاح أمر الدنيا وصلاح أمر الآخرة. ومعنى هذا أن دين الإسلام قد ضمن لكل شعب يدين به عناصر جامعة شاملة للحياة الإنسانية، تتضمن أصولا جامعة في الكتاب والسنة يجب عليه أن يتحرى أفراده العمل بها في ذوات أنفسهم، ويجب عليه أيضا أن يطبقها في مجتمعه، ويجب عليه أيضا أن يلتمس لكل ما يجد في حياته ومعاملاته هديا مستنبطا من الكتاب والسنة، ويجب عليه أيضا أن يلتمس فيها ضوابط تصحح طريق آدابه وعلومه وفنونه وأفكاره ومعارفه. وكذلك ترى أن ثقافة كل أمة مسلمة هي دينها بهذا المعني الجامع لحقيقة هذا الدين الذي انفرد عن سائر الملل بخصائص لم تشاركه فيها ملة من قبل.
ولكن هذا الأمر كله لم يترك سدى، يتناوله كل من دان بهذا الدين على اختلاف شعوبهم وألسنتهم، بلا ضابط يضبطه، كلا فإن كتاب هذا الدين هو كلام الله الذي لا يتبدل في نصه حرف واحد، والسنة المبينة لجمله بجوامع الكلم، هي كلام رسوله الذي لا ينطق عن الهوى. بل هو وحي يوحى وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (أوتيت الكتاب ومثله معه)، فهما بمنزلة واحدة في وجوب الطاعة لهما، والعمل بهما والاحتكام إليهما عند اختلاف المختلفين. وكلاهما جاء بلسان عربي مبين، فمن آمن بهما وبما جاء به، فهو يعلم علم ضرورة أنه لا مفر له من أن يكون متقيدًا بلفظ كلام الله سبحانه ومتقيدا بلفظ حديث رسوله - صلى الله عليه وسلم -، في طلب الهدى منهما، وفي استنباط المعاني والأفكار والمبادئ والأحكام من كليهما، وفي الاحتكام إلى نفس ألفاظهما عند الاختلاف، كل ذلك واجب في كل زمان ومكان.
وإذن فاللغة التي نزل بها كلام الله وجاء بها حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي الأصل الأول الذي لا يمكن أن ينفصل عن ديننا ولا عن ثقافتنا، وعن طريقها
(2/1085)

وحده، يستطيع الفرد المسلم، من أي جنس كان، أن يتخذ من الأصول الجامعة في هذا الدين نبراسا لنمو الأفكار والمبادئ عن طريق النظر والاستنباط من نصوص هدى الكتاب والسنة، وعن طريقها أيضا يتم الاحتكام إِلى الكتاب والسنة عند اختلاف العقول في نظرها واستنباطها، وعن طريقها أيضا نستطيع أن نخلص الثقافة العربية الإسلامية التي نحن ورثتها من كل ما شابها أو خالطها، ونجلوها ونحييها ونحيى بها ونجدد ونتجدد بها، ولا طريق لنا غير هذه اللغة المذهلة التي نحن ورثتها، فإن لم نفعل، وإن لم نعرف طريقنا إِلى إِحياء هذه اللغة في قلوبنا وألسنتنا وحواضرنا وبوادينا ولهوتنا ومدارسنا، فإن أقدامنا ستقودنا إلى طريق مهلكة وضياع.
وقد أبان الإمام الشافعي -رحمه الله- عن هذا المعنى أحسن إبانة، فيما رواه الخطيب البغدادي عنه في كتاب (الفقيه والمتفقه) قال: (لا يحل لأحد أن يفتى في دين الله، إِلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالناسخ والمنسوخ منه، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن = ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر وما يحتاج إليه منه للسنة والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفا (أي مطلعا) على اختلاف أهل الأمصار = وتكون له بعد هذا قريحة. فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتى في الحلال والحرام. وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتى).
ولا تحسبن أن هذا الكلام البارع الذي قاله الإمام الشافعي قاصر على الفتيا في الحلال والحرام، بل هو خاص يراد به العام، كما يقول الأصوليون، فالذي قاله شرط لازم لكل ناظر في كتاب الله وسنة رسوله ولكل مهتد بهديهما، فقيها كان أو فيلسوفا، أو متكلما، أو أدبيا، أو كاتبا أو مؤرخا، أو داعيا أو واعظا، أو ما شئت من العلوم والفنون التي تجمعها (ثقافة) أو (حضارة).
واللغة والشعر -اللذان ذكرهما. الشافعي، وجعلها شرطا للناظر المتكلم في كتاب الله وسنة رسوله، هي لغة العرب الجاهليين الذين تحداهم القرآن بلفظه،
(2/1086)

وفوض إليهم الحكم على أنه كلام مفارق لكلام البشر بهذا اللفظ العربي المبين، وإن هذه المفارقة التي فوض إليهم الحكم بها ظاهرة في لفظ القرآن، وجعل هذه المفارقة هي القاضية عليه بأن يقولوا أنه (كلام الله سبحانه) لا كلام نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وهي القاضية عليهم بأن يعلموا أنه معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه لا يؤمن أحدهم حتى يقر بأن القرآن هو كلام الله المنزل من عنده وأن مبلغ هذا القرآن نبى مرسل أرسله إليهم بلسانهم وجعل هذا شرط الإيمان بالله وبرسوله ولم يجعل سائر معجزاته التي أوتيها كما أوتيها الأنبياء من قبله شرطا للتسليم بأن هذا الرجل نبى مرسل، - صلى الله عليه وسلم -.
والشعر الذي جعل الشافعي البصر به شرطا أيضا للناظر والمتكلم في كتاب الله وسنة رسوله، هو شعر هذه الجاهلية التي اختار الله من رجالها صفوة آمنت لتحمل أمانة هذا الدين بلسانه العربي المبين لا على معنى المعرفة به بل على معنى البصر النافذ في إدراك وجوه الشعر المختلفة، لأن الشعر هو محصلة البيان الإنساني الذي مَنَّ الله به على الإنسان فقال: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} فجمع سبحانه (القرآن) و (البيان) في سياق واحد لأن بيان القرآن هو المعجز لبيان الإنسان، ومجرد التحدى ببيان القرآن، دال على أن هذه الجاهلية التي أظلها الإسلام قد بلغت أقصى حدود القدرة الإنسانية على البيان، ولذلك فوض الله إليها أن تكون هي الحكم على أن بيان القرآن مفارق لبيان البشر، وأنه معجز للخلق جميعا على اختلاف ألسنتهم واختلاف القدر المكنونة في طبائعهم في الإبانة عن أنفسهم، في كل زمان ومكان.
وإذن، فهذه اللغة الشريفة النبيلة التي كرمها الله بكلامه المنزل من فوق سبعة أرقعة هي بلا ريب حاملة ديننا، وحاملة ميراثنا من ثقافة الأمة الإسلامية وحضارتها على امتداد أربعة عشر قرنا، وهي اللغة التي ينبغي أن نجدد حياتها، ونحييها على ألسنتنا وأقلامنا بلا هوادة في ذلك ونمحو بها أمية الشعوب العربية والإسلامية، ونرفع بها غشاء الجهل عن جماهير الأمة المسلمة، لكي نستطيع أن نصفي بنقائها وصفائها ميراث ثقافتنا السالفة وحضارتنا الغابرة، ولكي نستطيع أن نجدد ثقافتنا مرة أخرى في زماننا، حتى نجتاز المرحلة الصعبة المرهقة العنيفة التي ينبغي
(2/1087)

أن نقطعها حتى نبلغ الحد الفاصل بين الثقافة والحضارة، وتتمكن مرة أخرى من أن تسيطر بسلطانها على الفكر والعلم، وعلى هداية الأمم، وعلى عمارة الأرض وعلى الصناعة والتجارة، وعلى كل أسباب القوة التي ترغم العالم مرة أخرى على أن يعترف لنا بحضارة مجددة شريفة لها الغلبة والسيادة، بلا بغى ولا عدوان ولا إذلال ولا ابتزاز ولا مهانة ولا تحقير لمن يجاورنا أو يعايشنا أو يهادننا أو يعادينا.
والصراع الدائر اليوم بين الثقافة العربية الإسلامية التي نحن ورثتها وبين الثقافة الغربية المسيحية قد جمع أكبر همته في ميدان اللغة لأنه يعرف هذه الحقيقة التي بينتها، فبدأ دعوة هذه الأمم العربية المتفرقة إلى اتخاذ العامية الإقليمية لغة سائدة في كل إقليم عربي لكي يحطم هذا الأصل الحامل لثقافتنا وديننا، وليزيد في تمزيق حياتنا وتدميرها، وبلغ دعاته بعض مأربهم. ولا يتسع الوقت لبيان حقائق هذه المعركة، ولكني أذكر لكم أن كاتبا مسيحيا (1) كتب منذ سنوات يتمنى أن يرى عاملا عسكريا سياسيا يفرض اللغة العامية على العرب، ثم قرأت لكتاب عرب مسلمين كلاما يطالبون فيه بإسقاط اللغة الفصحى. فهذا نذير، من نذر، بأن قيام "العامل العسكري السياسي" الذي يرجوه الكاتب المسيحي ليس بالأمر البعيد.
هذه النذر المخيفة التي أحببت أن أختم بها كلمتى، تدل على جزء من هذا الصراع المر بين ثقافتنا وثقافة عالم الاستعمار (2)، يوجب علينا جميعا أن نعيد النظر في أساس التعليم كله من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة، كما فعلت كل أمم الحضارة الحديثة وكما فعلت كل الحضارات السالفة، لكي نجدد حياة هذه اللغة الحاملة لتراث ثقافتنا العربية الإسلامية والتي لا نستطيع بغيرها أن نجدد ثقافة عربية إسلامية تقطع الطريق إلى حضارة عربية إسلامية متجددة. ومعنى ذلك أن
__________
(1) هذا الكاتب -الذي لم يفصح الأستاذ -رحمه الله- عن اسمه- أظن ظنا أشبه باليقين أنه سلامة موسى.
(2) انظر مزيدا من تصوير هذا الصراع في كتاب "أباطيل وأسمار".
(2/1088)

تكون هذه العربية الشريفة لغة العلم والفكر بلا تردد في ذلك، وعلى المثقفين اليوم منا أن يلتزموا بجعلها لغة الدراسة في كل فرع من فروع المعرفة، مهما لاقوا من صعوبات في سبيل ذلك. وكلما عظم التحدى عظم الحافز، وطلب السهولة والتخفف من الأعباء أكبر عدو مهلك للثقافات وللحضارات. هذه مهمتكم، فخذوها بقوة، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واعلموا أن الذي حققناه مرة، نحن قادرون على تحقيقه مرة أخرى بإذن الله.
واللهم أنا نبرأ إليك من كل حول وقوة، فأعنا بحولك وقوتك.
(2/1089)

تعقيبات أدبية ولغوية

الأندلس تاريخ اسم وتطوره
كتب الدكتور الطاهر أحمد مكي في عدد الثقافة (22 - يوليه 1975)، كلمة جيدة عن "الأندلس: تاريخ اسمه وتطوره"، ذكر فيها أن الباحثين المحدثين من العرب، يرون أن اسم "الأندلس"، قد أخذه العرب من كلمة (Vandalos) وهم "الوندال" وأن كتابتها بالجرمانية (Wandal) وجمعها (Wandalos) وأن الحرف الأول منها وهو (W) ينطق بما يشبه الواو في اللغة العربية، فيكون نطق هذا الجمع بالعربية "وندلس"، ثم قال:
وانقلاب الواو همزة لا تعرفه اللغة العربية أبدا، ثم عقب على ذلك بقوله: "إن تصور أن يكون لفظ Wandalos قد أخذ طريقه إلى اللغة العربية مباشرة، أمر بعيد الاحتمال". فمن أجل ذلك، بحث لها عن مدخل، فانتهى إلى أن هذا اللفظ قد انتقل إلى العربية عن طريق اللغة البربرية، ثم أفاض في توجيه دخول هذا اللفظ إلى البربرية وعن افتراض تحوله في اللسان البربرى من الواو إلى الهمزة طبقا للقواعد الصوتية في اللغة البربرية، ثم ختم ذلك بقوله: "فهي إذن دخلت اللغة العربية عن طريق اللغة البربرية، وليس من اللاتينية، أو الجرمانية، أو اللاتينية المتكلمة في أسبانية مباشرة. وبذلك يمكن حل المشكلة صوتيا وتاريخيا، فإن غياب حرف V أو W من كلمة أندلس، لا يمكن تفسيره إلا في ضوء هذا الفهم".
كان الدكتور الطاهر في غنى عن كل ما كتبه عن اللغة البربرية، وعن اتجاهاتها الصوتية، وعن افتراض ما افترضه في تحول الواو همزة في اللغة البربرية. بيد أن الذي حمله على ارتكاب هذا الطريق البعيد، هو ما اعتقده اعتقادا جازما، من أن "انقلاب الواو همزة لا تعرفه اللغة العربية أبدا". والأمر في الحقيقة على خلاف ما اعتقد، وذلك أن قلب الواو همزة قياس مطرد في العربية بلا شك.
__________
(*) مجلة الثقافة -السنة الثانية- العدد 23، أغسطس 1975، ص 9 - 10
(2/1090)

وتلخيص القول في ذلك: أن "الواو" إذا كانت في أول الكلمة، فلها ثلاثة وجوه: إما مضمومة، وإما مكسورة، وإما مفتوحة، فإذا كانت الواو مضمومة، فيكاد يكون قياسا مطردًا في العربية أن تقلب الواو همزة. فمن ذلك في القرآن العظيم، في سورة المرسلات: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ}، وهي من "الوقت"، وقرأ أبو عمرو وابن ورداك: {وَإِذَا الرُّسُلُ وقِّتَتْ} بواو مضمومة، وهو الأصل. وقالوا في "وجوه" جمع "وجه" "أجوه"، وغيرها كثير.
وإذا كانت الواو الأولى مكسورة، فقياس مطرد أيضا أن تقلب همزة، نحو قولهم في "وسادة" "إسادة" وفي "وشاح"، "إشاح" وغيرهما كثير أيضا.
وأما إذا كانت الواو الأولى مفتوحة، وهو الذي عندنا هنا في "وندلس" و"أندلس"، فقلب الواو المفتوحة قليل في العربية، وليس قياسا مطردا، ومع ذلك فهو كثير أيضا على الوجهين، أي أن تقلب الواو الأولى المفتوحة همزة، وأن تقلب الهمزة المفتوحة واوا. وذلك نحو: قولنا "وحد" فتقول "أحد" بفتحتين، وهو من "الوحدة" بلا ريب، وقولهم أيضا: "امرأة وَناة"، أي كسول، بطيئة القيام فيها فتور من طول النعمة، فقالوا: "امرأة أناة"، وقالوا للجبل الصغير "وَجَم" بالواو، فقالوا فيه "أَجَم" وقالوا: "وَسِنَ الرجل" و"أَسنَ"، إذا غُشِىَ عليه من نتن ريح البئر، وقالوا: "وَكدت العهد" و"أَكدته"، وقالوا "وَلَته حقه" و"أَلَته حقه" أي نقصه حقه، وقالوا: "ورَّخْتُ الكتاب"، و"أَرخته"، وقالوا "وَرشْتُ بين القوم، وأرشت بينهم"، أي أفسدت ما بينهم وحَرَّشت بعضهم على بعض، وقالوا: "ما وَبَهْت له، وما أَبَهْت له" أي ما فطنت له، أو ما باليت به لقلته وتفاهته، وقالوا "وج" وهو اسم بلدة الطائف بالحجاز و"أج" بفتح الهمزة، وقالوا "وَجْه، أَجه" لوجه الإنسان، وغير هذا كثير، فضلا عن قلب الواو همزة إذا كانت في وسط الكلمة أو في طرفها.
وإذن فالأمر على خلف ما يعتقد الدكتور الطاهر، من إنكاره قلب الواو همزة، وأن العربية لا تعرف هذا القلب أبدا.
(2/1091)

وإذن فأقرب شيء إلى الاحتمال، هو ما رآه الدكتور الطاهر بعيد الاحتمال، أن يكون لفظ "وندلس" قد دخل إلى العربية دخولا مباشرا بقلب الواو الأولى المفتوحة همزة. والذي ألجأ سلفنا الفاتحين من العرب أصحاب اللسان العربي إلى إبدال الواو الأولى المفتوحة همزة، أنها جاءت بعدها نون ساكنة، ومخرج الواو من طرف الشفتين، ومخرج النون الساكنة من الخياشيم، فثقل ذلك على ألسنتهم لقرب المخرجين، ولارتداد النفس من الشفتين عكسا إلى الخياشيم، ولأن الواو المفتوحة أخفى من الواو المضمومة والمكسورة في النطق، ولأن الهواء المندفع من الحلق عند نطق الواو المفتوحة آت من عند مخرج الهمزة في أقصى الحلق، فمن أجل ذلك كله آثروا أن يقلبوها همزة صريحة من أقصى الحلق، ليندفع هواؤها إلى مخرج النون الساكنة من الخياشيم سهلا بلا مؤونة على أداة النطق.
ولهذه الأسباب نفسها، رأيت أصحاب اللسان العربي فيما استظهرته وتتبعته، قد كرهوا أن تجتمع الواو والنون متجاورتين في أول الكلمة الواحدة من عربيتهم، وتكون الواو أصلا في الكلمة، والنون التي تليها أصلا أيضا في الكلمة.
وإذن، فالذي لا شك فيه، هو أن لفظ "وندلس"، قد دخل اللسان العربي مباشرة، بعد إخضاعه للقانون الصوتى العربي، ليدخل بعد أن يصقله الذوق العربي دخولا سهلا ساريا على أصول لغته.
وللأخ الدكتور الطاهر أجزل الشكر على الفوائد الكثيرة التي تضمنها مقاله عن "الأندلس".
(2/1092)

المتنبي ليتني ما عرفته
- 1 -
أخي الدكتور عبد العزيز الدسوقى
. . . . وبعد، فكاذب أنا إن قلت لك أن ثناءك على لم يهزنى، فأنا كأنت وكهو وكهي، كلنا مما يغره الثناء، أو تأخذه عنده أريحية وابتهاج أو تغمره فيه نشوة ولذة. ولكن غرورى وأريحيتى وابتهاجى ونشوتى ولذتى، سرعان ما تنقلب علي غما لا أجد متنفسا يفرج عني لأنى أعلم من حقيقة نفسي ما يجعلني دون كل ثناء وإن قل، أعلمه عيانا حيث لا يملك المثنى علي أن يراه عيانا كما أراه. وليت شعرى، أكان شيخ المعرة صادقا حيث يقول عن نفسه.
إذا أَثْنَى على المرءُ يوما ... بخير ليس فيَّ فذاك هاجِ
وحقى أن أُساءَ بما افتراه ... فلؤمٌ في غريزتىَ ابتهاجِى
وعسى أن يكون الشيخ قد صدق عن نفسه بعض الصدق. لقد عد ثناء المثنى عليه بما ليس فيه افتراء، ثم أقر مع ذلك أنه يبتهج لما افتراه وكان حقه أن يستاء، لولا لؤم الغريزة. فمعنى هذا إذن: أن الشيخ كان إذا جاءه ثناء عليه بما هو فيه، فإنه يبتهج له، ولا يعد ابتهاجه هذا لؤما في غريزته. أما أنا فأعد ابتهاجى بالثناء على بما هو في وبما ليس فيَّ، لؤما في الغريزة لأنى أعلم أن الذي فيَّ من الخير مغمور في بحر طام من النقيصة والعيب. ومع ذلك، فأنا أشكر لك ثناءك، لأن الشكر واجب لا مصرف عنه. وترك الشكر لؤم آخر في الغريزة.
أشكره لك لأنك بثنائك على، ذكرتنى عيبى وتقصيري ونقيصتى لأستغفر الله وأتوب إليه هذه هي الأولى.
أما الثانية: فإني وجدتك في مواضع متفرقة من كلامك في شأن كتابي وكتاب الدكتور طه عن المتنبي تكثر من أن تتنصل من إرادة إغضابى أو إرادة
__________
(*) الثقافة، السنة الخامسة - العدد 60، سبتمبر 1978 ص 4 - 19
(2/1093)

إساءتى. فمن الذي أنبأك أيها العزيز الكريم أنى أعد الذي يظهرنى على أخطائى، أو الذي لا يعجبه ما أكتب، مريدا لإساءتى، مثيرا لغضبى، طالبا للغض مني أو من كتابي؟ من أنبأك هذا، حتى تبالغ في التنصل من اعتماده، وفي البراءة من إرادته؟ لقد قدمت بين يدي كتابى عن المتنبي قصة هذا الكتاب. وبينت أنها: "لمحة من فساد حياتنا الأدبية". فكان مما أشرت إليه أنه كان من عادة "الأساتذة الكبار"، وهي عادة بثت في حياتنا الأدبية إلى هذا اليوم فسادا ساحقا: أنهم كانوا يخطئون في العلن. ويتبرأون من أخطائهم في السر. (المتنبي 1: 42). وأشرت أيضا إلى أنهم كانوا لا يصبرون على من يدلهم على الخطأ، ويستنكفون كبرا أن يؤوبوا إلى الصواب. ثم أزيدك الآن أيضا: أنهم كانوا لا يتورعون عن الإيقاع بمن يدلهم على الخطأ، ويتعقبونه بالأذى من وراء حجاب: ومَنْ طلب الأمثلة على هذا وجدها على مَدّ يده!
بيد أنى، من يوم عقلت أمر نفسي، قد أنكرت جميع السنن التي سنها "الأساتذة الكبار"، أنكرتها كفاحا ومواجهة وبلا مواربة. فبئس المرء أنا إذن، إذا أنا أنكرت سنة كريهة ثم ركبتها! كانوا، رحمهم الله جميعا، لا يحبون إلا الثناء المحض المصفّى الخالص من كل شائبة. فإذا جاءهم غير ما يحبون، تنمَّروا لمن أتاهم به تنمُّرَ من لا بيت على دِمنة - (والدمنة: الحقد الدفين المضمر الملتهب بالغيظ). وهم يتخلّقون، في غير موضع التخلُّق، بما قاله بشار الأعمى في صفة عمر بن العلاء، فاتح طبرستان في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور. وكان عمر قبل ذلك جزارا، ولم تعبه الجزارة، بل كانت له أسوة حسنة بفاتح مصر عمرو بن العاص - رضي الله عنه - فإنهم يزعمون أنه كان جزارا في الجاهلية، قبل أن يسلم. قاتل عمر بن العلاء الديلم قتالا مريرًا حتى كسر شوكتهم وأخضعهم، فلذلك ولاه المنصور ثم المهدي من بعده، طبرستان مرات، منذ سنة 141 من الهجرة إلى سنة 167، كان عمر عاقلا داهية جوادا شجاعا شديد البأس، فقال بشار للخليفة في شأنه:
فقلْ للخليفة إن جئته ... نَصيحا ولا خير في مُتَّهَمْ
(2/1094)

إذا أيقظتْكَ حروبُ العِدَى ... فنَبهْ لها عُمَرًا، ثم نَم
فتى لا يبيِتُ على دمنة ... ولا يشربُ الماء إلا بِدَمْ!
"لا يشرب الماء إلا بدم"، هذه حقيقة أخرى أيضا، تستطيع أن تجد عليها الدلائل الكثيرة في تاريخ صراع "الأساتذة الكبار". فالأمر كما ترى تخلُّق منهم بما قال بشار، ولكنه تخلُّق في غير موضع التخلُّق. ولا تحسبنى أريد بهذا الاستطراد أن أبشع إليك "أمر" "الأساتذة الكبار" تبشيعا أو أنفرك منهم تنفيرا لا! ليس يعنينى أن تستبشع أو تستسيغ، ولكني أعبر عن نفسي، ثم أقول لك: إني شهدت فأجفلتُ، فعرَفت، ففزِعتُ، فهالنى الأمر، فأنكرتُ .. أنكرت جميع هذه السنن التي كانوا يسنونها لنا في حياتنا الأدبية.
فمن أجل ذلك أجدنى لا أغضب إذا دلنى أحد على خطأ قارفته، ولا أستنكف أن أعترف بخطأ ارتكبته، ولا أستتر من عيب اجترحته. ولا يسوؤنى أن ينقدنى ناقد ظالمًا أو غير ظالم، ولا أعده غضًّا لشأنى ولا وضيعة تحط مني أن يقول قارئ أو كاتب أو ناقد جهارا وعلانية ووجها لوجه: إن كتابى لا يعجبه، أو إنه كتاب لا قيمة له. لم أكتب شيئا قط، وأنا أتلفت يمينا وشمالا، أراقب ما يُعقِبه على كلامي من رضى أو سخط ولم أخط حرفا إلا وأنا على ثقة ويقين من أن الناس مختلفون فيه لا محالة بين قادح ظالم، وبين مادح ظالم يظلمني ويظلم نفسه بالغلو في الثناء. واعلم إذن، إن كنت لا تعلم، أن أحب الأمرين إليّ: أن تنقدنى مخالفا لي، أو مظهرا لخطأ كان مني، أو دالا لي على طريق جُرْت عنه غرورا بنفسي أو اتباعا لهواى. ثم اعلم بعد ذلك أيضا أنى لا أبيت ليلة طاويا ضلوعى على حفيظة تؤرقنى، من إساءة أحد يسئ إلي متعمدا أو غير متعمد.
هكذا كنت، وهكذا كانت سيرتى، ولا ينبغي لي غير ذلك، لأنى منذ قديم، منذ ريعان شبابي، أنكرت سنة "الأساتذة الكبار" وكرهتها مستبشعا لها، كراهة لم تزل قائمة في نفسي، وإن قصر قلمي، أو تورع، في الدلالة على خبثها وبشاعتها وعلى فسادها أيضًا وإفسادها للناس
(2/1095)

لن تستقيم لنا حياة أدبية، ولن تصح، ولن يرجى لها صلاح حتى تقوم على قواعد راسخة ثابتة من طلب الحق صرفا، ثم الإبانة عن الحق بلا مداجاة، ثم الإفصاح عن حقيقة ما في النفس بلا مواربة، بلا تخوف، بلا ترقب. القائل بالحق لا يحتاج إلى التنصل من إرادة الإساءة. فإن المخطئ مخطئ وإن جل شأنه، والمصيب مصيب وإن خفي في الناس مكانه، هذه هي الثانية.
أما الثالثة: فجملة قرأتها في كلمتك الثالثة، (الثقافة: مارس 1978)، حيث تقول: "إنه لشيء محزن أن يصل (اللدد في الخصومة) حدا يجعلنا نسلب طه حسين أخص خصائصه، ونتجاهل أجمل قدراته، ونصفه بأنه (رجل جاهل)، (ليس له بصر بتذوق الشعر) ". هذا النص كلامك. شيء محزن حقا، ولكن هل هذا صحيح؟
ذكر خبر الخصومة
أنت بلا شك تعنينى، وتعني أنى فعلت ذلك وقلته: فهل تأذن لي أن أقف على كلماتك هذه وقفة، لا يحبسنى عليها ولع بجدل أحسنه، أو صراع عقلي أجيده، كما وصفتني، لا، بل تجلية للحقيقة كما كانت، وكما جاءت في كل ما كتبته قديما وحديثا وذكرت فيه الدكتور طه وهذا لا يضيرك، ولا يفيد أحدا إن شاء الله، وإن كنت أعده مملا! !
ذكرتَ "اللدد في الخصومة" بيني وبين الدكتور طه، ورتبتَ عليه ما رتبتَ، فأحب أن تعلم، قبل كل شيء، إنه لم تكن بيني وبينه (خصومة) قط، حتى يكون فيها (لدد) وأنت الآن تضطرنى الى تعقب هذه (الخصومة) من عند جذورها الأولى، الى أن كتبت كتابى عن المتنبي، ثم ما كان بعد ذلك بيننا إلى أن قضى الدكتور طه نحبه. وهذا الذي ألجأتنى إليه، يقتضينى أن أتحدث عن نفسي ويقتضينى مرة أخرى أن أعيد ما استفتحت به "قصة هذا الكتاب" حيث قلت (المتنبي 1: 10، 11):
"الحديث عن النفس شيء أكرهه، ولكنه يكون أحيانا ضرورة لا غنى عنها. فالجيل الذي يستقبل اليوم هذا الكتاب، لم يشهد تلك الأيام الغابرة، ولا يعلم
(2/1096)

عنها علما يغنى أو يفيد. بل لعله يعلم عن هذا الغابر أشياء قليلة، على غير الوجه الصحيح الذي كانت عليه، وإنما اكتسبها الجيل الحاضر من الثرثرة التي تنشر أحيانا في بعض الصحف والمجلات. وقد التزمت في هذا الحديث أن أقص ما لا مناص منه: على الوجه الذي كان، بلا إخفاء للحقائق التي وقفت عليها يومئذ، لأنها هي التي أثرت فيما أكتب، وهي التي كونت رأيي في الجيل الذي عاصرته، وفي آثار هذا الجيل في الأجيال التي جاءت معه أو بعده، متأثرة به أو وارثة له". هذا ما قلته وما فعلته، وكذلك أنا فاعل الآن:
عرفت الدكتور طه عن قرب، وهو يكتب بحديث الأربعاء في صحيفة السياسة (سنة 1923، 1924) وذلك قبل أن أفارق المدارس الثانوية، واحدة. ثم فارقتها، عند أول إنشاء الجامعة، فكانت له عندي يد لا تنسى يوم تقدمت إلى الجامعة أحمل شهادة (البكالوريا) من القسم العلمي، لألتحق بكلية الآداب، قسم اللغة العربية، وبإصراره هو استطاع أن يحطم إصرار مدير الجامعة يومئذ أو أحمد لطفي السيد الذي كان، كعادته، ملتزما بظاهر الألفاظ ويرى أن لا حَقَّ لحامل بكالوريا القسم العلمي في الالتحاق بالقسم الأدبى، فبفضل الدكتور طه صرت طالبا عنده في قسم اللغة العربية بالجامعة، ثانية. وكان الدكتور طه في السابعة والثلاثين من عمره، وأنا في السابعة عشرة من عمرى، فهو بمنزلة أخي الأكبر، وكان توقير السن، فيما مضى من زمننا نحن، أدبا نرتضعه مع لبان الطفولة، ثالثة. ثم عرفت الدكتور طه عن قرب أشد قرب، كنت طالبا، وكان أستاذا، وكانت هيبة الأستاذية وتوقيرها أدبا ننشأ عليه منذ نعومة أظفارنا، رابعة. وقصصت القصة كلها واضحة في كتابي (المتنبي 1: 17 - 26)، ولكن كلمتك التي كتبتها، تضطرنى الآن أن أرجع على نفسي باللائمة. لعلى أسأت العبارة عما أريد. لعلى أوقعت في سياق القصة خللا مضللا. لعلى أجملت حيث كان ينبغي التفصيل. فهل تأذن لي أيها العزيز، أن أجعل القصة أشد وضوحا؟
منذ بدأ الدكتور طه محاضراته في الجامعة، في شأن الشعر الجاهلى، إلى أن
(2/1097)

انتهى منها، نشأت عندى أنا قضيتان: وأرجو أن تقرأ هذا بشيء من التدقيق، ومعذرة أيضا من هذا التوسل:
القضية الأولى
القضية الأولى: "قضية الشعر الجاهلى": وهي قضية قد أكثرت من ترديد ذكرها في مواضع مختلفات في أكثر ما أكتب، لأنها هي القضية التي أحدثت في حياتي، وفي طلبى للعلم، تغييرا حاسما، فيما بعد سنة 1926، وأنا يومئذ في السابعة عشرة من عمرى. وهي بلا شك، مرتبطة ارتباطا ما بالدكتور طه، وبسماعى محاضراته في الشعر الجاهلى، وأظن أن هذا "الارتباط"، وخاصة بعد أن قطعت دراستى في الجامعة فجأة، هو الذي أوهم أنه كانت بينى وبين الدكتور طه (خصومة)، ظلت تنسحب، عند كثير من الناس، على كل ما أكتبه وأذكر فيه الدكتور طه. وليس هذا بصحيح البتة، لأن "قضية الشعر الجاهلى" كانت، ولم تزل إلى اليوم، "هي قضيتي أنا وحدي، بيني وبين نفسي، ليس لأحد فيها ذنب ولا جريرة. ومن أجل ذلك لم أكد أفرغ من قصتى في الجامعة، ومن قصة انقطاعى عن الجامعة وفراقها بعد سنتين، (المتنبي 1: 9 - 36)، حتى قلت بعد ذلك مباشرة في أول ص: 27:
"ومرت بي الأيام والليالى والسنون، ما بين سنة 1928 وسنة 1936، التي كتبت فيها هذا الكتاب "المتنبي"، وهمى مصروف أكثره إِلى قضية الشعر الجاهلى إِلى طلب اليقين فيها لنفسي، لا لمعارضة أحد من الناس (وأعني الدكتور طه بلا شك)، مشت بي هذه القضية في رحلة طويلة شاقة، ودخلت بي في دروب وعرة شائكة، وكلما أوغلت انكشفت عني غشاوة من العمى".
ثم عدت فذكرتها في كتابى مرة أخرى زدتها وضوحا فقلت: ". . وفي خلال ذلك، لم يكن لي مطلب سوى مطلب واحد: أن أجد برد اليقين في نفسي، في شأن "الشعر الجاهلى". وفي شأن ما نسميه "إعجاز القرآن"، (المتنبي 1: 47، 48).
ثم عدت فذكرتها ونكرت فراقى للجامعة، وذكرت ما كان من سبب طلبى
(2/1098)

للعزلة فقلت: ". . . حتى أستبين وجه الحق في "قضية الشعر الجاهلي": بعد أن صارت عندى قضية متشعبة كل التشعب"، (المتنبي 1: 24).
فالأمر إذن، كما ترى بين جدا. "قضية الشعر الجاهلي"، هي قضيتى أنا وحدي. ومعناها عندي معنى قائم في نفسي أنا وحدي. ومهما يكن من شأن المآزق المهلكة، والمتالف المبيرة التي لم أنج من شرها وعقابيلها إلا بتوفيق من الله وحده وعصمته، فأنا وحدي أشقيت نفسي بها، ولم يكن للدكتور طه فيها جريرة، ولا كان له فيها ذنب جناه على حتى أخاصمه على هذه الجناية.
أما الذي قلت لك من أن للدكتور طه بهذه القضية "ارتباطا ما": فسأبينَه، لأزيل الضباب الذي يخلط بين معنيين متباينين، ولتعَلم أيضا أن هذا الارتباط لا يمكن أن يكون سببا في (خصومة)، ولا كان فيه ظل من (خصومة)، مع أنى أظنه كان واضحا في مقدمة كتابي "المتنبي". ما علينا أيها العزيز.
الأمر وما فيه هو أن الدكتور طه أراد أن يثيرنا نحن طلبة الجامعة يومئذ، بمسألة غربية، هي "مسألة الشعر الجاهلي". وهذه "المسألة" من حيث هي مسألة شك في صحة الشعر الجاهلي وفي صحة نسبته إلى أهل الجاهلية، ثم الإفضاء منها إلى أن الشعر الجاهلي منحول موضوع، وأنه شعر إسلامي صنعه الرواة في الإسلام، هذه "مسألة" كنت أعرفها قبل أن أدخل الجامعة، وقبل أن يلقى علينا الدكتور ما ألقى، لأنى كنت قرأتها في مقالة الأعجمى مرجليوث، وقصصت القصة في كتابى ثم قلت: "إني لم ألق بالا إلى هذا الذي قرأت: وعندي ما عندي من هذا الفرق الواضح بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي"، (المتنبي 1: 16). ثم قلت أيضا في شأن هذا الأعجمى وزمرته "لم يكن لمثل هذه الآراء في الشعر الجاهلي وقع في نفسي يثيرنى اللهم إلا ما يثير تقززى. فما أسرع ما أسقط كلامهم جملة واحدة في يم النسيان"، (المتنبي 1: 18).
ثم جاءنا الدكتور طه يردد أقوال مرجليوت وآراءه وحججه، بجوهرها ونصها، أستغفر الله، بل زاد عليها تعليقاته وحواشيه، فلم يزد الأمر عندي على أن يكون ما أسمع من المحاضرات "حاشية" على متن من المتون، ولكنها
(2/1099)

"حاشية" من نوع مبتكر مبتدع جديد مباين للحواشي التي كانت مألوفة يومئذ عند طلبة الأزهر. ولما كان "المتن" معروفا عندي من قبل قرأته ولم ألق إليه بالا، بل قذفته في يم النسيان، كما قلت: فإن "حاشية الدكتور طه على متن مرجليوت" (وهي المعروفة عند الناس باسم كتاب: في الشعر الجاهلي)، كانت خليقه أن تلقى نفس هذا المصير، لولا شيء سأحدثك عنه فيما بعد. وهذه "الحاشية" لم تكن تتضمن شيئا ذا بال سوى "مسألة الشك في صحة الشعر الجاهلي"، وإذن فهي لم تكن قادرة في ذاتها على إثارتى أو إثارة خصومة بيني وبين صاحبها الدكتور طه ولم يكن لها عندي أثر سوى ما بينته في كتابى حيث قلت: "تتابعت المحاضرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة مرجليوث، ويزداد وضوح الفرق لكن طريقتى في الإحساس بالشعر الجاهلي وبين هذه الطريقة التي يسلكها الدكتور طه في تزييف هذا الشعر" (المتنبي 1: 21). وانظر أيضا ذكر حواشي الدكتور طه في كتابي (المتنبي 1: 20، 144، 145).
إذن، فبين أن "مسألة الشعر الجاهلي" بهذا القدر الذي وصفته لك آنفا، هي أولا وقبل كل شيء، مباينة تمام المباينة للذى أسميه "قضية الشعر الجاهلي"، ثم هي ثانيا بهذا القدر نفسه، مسألة كانت في ذاتها غير قادرة على أن تنشيء بيني وبين الدكتور طه (خصومة). وأيضا، لم يكن لها، لا بالفعل ولا بالقوة في نفسي أو في قلبي أو في عقلي، أو في شيء مما أكتب، أثر يمكن أن يحرك (خصومة) وإذا كنت ممن يخاصم الناس على آرائهم، لا ممن يخاصم الآراء نفسها: وكان لمثل هذه "المسألة" قدرة على إنشاء (خصومة): فأولى الناس كان بخصومتى هو مرجليوث نفسه صاحب "المسألة" وصاحب "المتن". أما الدكتور فلم يكن سوى ناقل لهذه "المسألة" وصاحب "حاشية" على هذا "المتن"، لا أكثر ولا أقل. وببديهة العقل، لا ينال الناقل صاحب الحاشية من خصومتى عندئذ، إلا قدر ضئيل كتاب لا يستحق أن يسمى (خصومة). وإذا كان ذلك كذلك، فالدكتور طه ينبغي -بلا شك، أن يكون بنَجوَة من خصومتى، أو من ضراوتها، أو من جَوْرها على الأقل.
(2/1100)

وأحب أن أصدقك القول عن نفسي. لو أن الأمر في "مسألة الشعر الجاهلي" لم يكن كما كان: لكان يكون ممكنا، على وجه من الوجوه أن تقع بيني وبين الدكتور طه (خصومة ما) وذلك إن صح فعلا أنه شك أولا من عند نفسه: ثم أداه شكه إلى "مسألة" إبطال صحة رواية الشعر الجاهلي. ولكن هذا لم يصح البتة: ولن يصح لأنه لم يزد على أن جاء فنقل مسألة إبطال صحة رواية الشعر الجاهلي، من الإنجليزية إلى العربية، نقلا لا يستره ساتر، ولا يقبل في شأنه تأويل أو انتحال عذر، وببطلان هذا، بطل أيضا معنى (الخصومة) بيني وبينه.
ومن الدليل أيضا على بطلان كل (خصومة) بيني وبين الدكتور طه، جرتها "مسألة الشعر الجاهلي"، أنى لم أكتب يومئذ، ولا بعد ذلك اليوم، وإلى يوم الناس هذا: شيئا يمكن أن يعد ردا مباشرا على ما تضمنته "حاشية الدكتور طه على متن مرجليوث"، وذلك لأن هذه "المسألة" برمتها كما هي في المتن والحاشية، كانت، ولم تزل، هي عندي مسألة فارغة بذرتها ثرثرة، وشجرتها ثرثرة، وثمرتها ثرثرة، أي هي مسألة لا طعم لها. وهذا حسبك: إن شئت متفضلا، في نفي كل شبهة تؤدى إلى الظن بأنه كانت بيني وبين الدكتور طه (خصومة) قديمة، من أجل آرائه التي كان يرددها في "مسألة الشعر الجاهلي" وهو حسبك أيضا في إزالة كل وهم عن (خصومة) كانت، يحدثها اقتران هذه "المسألة" بما كان من أمر مفارقتى الجامعة، بعد سنتين من بدء حديثه فيها. فهذا بيان موجز عن القضية الأولى، ومعذرة إن أطلت أو كررت.
القضية الثانية
أما القضية الثانية التي نشأت عندي أنا، أي عندي أنا وحدي مرة أخرى، وكانت محاضرات الدكتور طه سببا في نشأتها يوم كنت طالبا عنده في الجامعة، فهي "قضية السطو" على أقوال الناس وآرائهم وأعمالهم، ثم ادعاء تملكها تملك عزيز مقتدر، ثم الاستعلاء بهذا الملك المغصوب والاستطالة به على الناس. وأبشع من ذلك: أن ينكشف أمر هذا الغصب والسطو. ويتسامع به الناس:
(2/1101)

ويدل الكتاب والعلماء على الأصل المغصوب كتابة موثقة منشورة، فلا يبالى الساطى بشيء من ذلك كله: بل يزداد جرأة وتيها وادعاء واستعلاء واستطالة، كأن الذي قيل عن سطوه لم يُقَل، وكأن ظهور سطوه فضيلة ترفع من قدره تنوه به في المجامع، أما أنا، مع أسفي واعتذارى، فلم أزل أعد هذا المسلك احتقارا للناس أي احتقار، وإزراء بهم وبعقولهم أي إزراء، وإنزالًا لهم منزلة من لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل ولا يحس. هكذا نظرى أنا، كان، ولم يزل إلى هذا الأمر. هذه هي "القضية" كانت، ولم تزل، حية في نفسي منذ خمسين سنة: (وانظر كتابي المتنبي 1: 25).
وقبل أن أحدثك بخبر هذه "القضية" وأنا في الجامعة سنة 1926، أجدنى مضطرا أن أخبرك بشيء كان قبل ذلك، يجعل "القضية" أوضح وأبين. كنت في سنة 1923، وسنة 1924، أقرأ على شيخى سيد بن على المرصفي إمام العربية في زماننا، وهو شيخ الدكتور طه أيضا. وكنت في ذلك الوقت أقرأ ما كان يكتبه الدكتور طه في صحيفة السياسة، وهو "حديث الأربعاء"، فجاء يوما على لساني وأنا عند الشيخ ذكر الدكتور طه، فعرفت من الشيخ أنه كان يقرأ عليه بعض ما كنا نقرأه عليه. وبهذا النسب القريب، كما يقول أبو تمام (1)، تاقت نفسي إلى معرفة الدكتور طه. فسعيت إليه سعيا، وعرفته من يومئذ عن قرب. كنت صغيرا، وكان هو في نحو الخامسة والثلاثين من عمره، ومع هذا التفاوت في السن: فقد قربنى الرجل إليه حتى اطمأن قلبي وانطلق لساني، فبجرأة الشباب كنت أخالفه أحيانا كثيرة فيما يكتب، وبجهل الشباب أيضا أحاوره وأجادله بقليل علمي. وكان بينًا عندي، وعنده أيضا، أن مقالاته في "حديث الأربعاء" كانت تنطوى على "استلهام" شديد مفرط من آراء طائفة الأعاجم المستشرقين، على حد تعبيرك أنت أيها العزيز، أو على "استعارة" منهم مغرقة ملتهمة، على حد
__________
(1) وذلك في قوله:
أو يَخْتَلِفْ نَسبٌ يؤلفْ يَيننا ... أدَبٌ أقمناهُ مقامَ الوالِد
(2/1102)

تعبير شاعرنا القديم الذي هجر الشعر وتفرغ للكتابة، الأستاذ كمال النجمى، أو على "استلال في خفة" على حد تعبير الأستاذ كمال أيضا. ومع كل ذلك: فقد استمرت مودتى لأستاذتا الدكتور طه صافية، لم يكدرها خلافي عليه، أو جهل شبابي عليه أحيانا. ولم يكن لهذا "الاستلهام"، أو لهذه "الاستعارة" أو لهذا "الاستلال في خفة": أثر يبلغ من قوته أن يحدث بيني وبينه (خصومة)، لا في نفسي ولا في نفسه هو أيضا. وظل الأمر بيننا سهوا رهوا (أي ساكنا لينا كنسيم الصبا)، حتى جاء عهد التحاقى بالجامعة، فغمرنى الدكتور طه بفضله، وقيدنى يإحسانه، وأحسن الشهادة لي عند مدير الجامعة، ثم أصر إصرارا حتى غلبه، فبإصراره صرت طالبا في الجامعة، وقصصت بعض القصة آنفا وفي كتابى (المتنبي 1: 20، 21).
وهكذا كان الأمر بيني وبينه قبل دخولى الجامعة وقبل إنشائها، والدكتور طه يومئذ لم يكن سوى كاتب أديب يكتب في الصحف والمجلات، وأنا يومئذ قارئ لما يكتبه، أقرؤه في البيت أو الشارع، أو على ظهور المقاهي.
ولكن الأمر سوف يختلف اختلافا بينا حاسما حين ضمتنى وإياه أسوار الجامعة.
في الجامعة
كنت يومئذ فتى شابا غض الإهاب: فلما أنشئت الجامعة والتحقت بها، كان للفظ الجامعة معنى في نفسي، أنا الآن، بعد أكثر من خمسين سنة، يغلى بي ارتيالى وشكى: أأنا مخطئ في هذا المعنى أم مصيب؟ أقولها لك، ودمعة من عيني تنحدر على الخدين من ألم الذكرى! وقاتل الله النابغة الذبيانى الشاعر الجاهلي، ما أصدقة حيث قال، وكأنه إنما عنانى أنا، يقرعني تقريعا يوغل بي في مهاوى اليأس:
إن يكُ عامر قد قال جَهْلا، ... فإن مَظِنة الجهلِ الشباب
ولا تذهبْ بحِلْمك طامِيات ... من الخُيلاء ليس لهن بابُ
فإنك سوف تَحلُمُ، أو تَناهي ... إذا ما شِبتَ أو شاب الغرابُ
لقد شبتُ وما شاب الغراب بعد، فكيف وأني وأيان لي الحِلْم أوْ التناهي عن
(2/1103)

الجهل! وإني لأسأل نفسي اليوم: أبجهل مني لا حلم فيه، كان يومئذ للفظ "الجامعة" هذا المعنى في نفسي أخالنى لست أدري، بعد طول التجريب وبعد المشيب. ولكن هكذا كان، واحسرتاه! "أم كان شيئا كان، ثم انقضى"، كما يقول العرجى.
دخلت الجامعة ومعي هذا المعنى يتسع ويتراحب يوما بعد يوم، حتى بلغ مبلغا يرتد عنه البصر خاسئا وهو حسير. دخلتها ومعى فورة الشباب وأحلامه وتهاويله. دخلتها ومعى كل ما قرأته وسمعته من أدب أمتى وتاريخها وأخلاق علمائها وعظمة رجالها. . . والآن أقول لك ما لم يكن يخطر لي يومئذ على بال: دخلتها ومعى أيضا "متن مرجليوث" في "مسألة الشعر الجاهلي" مطروحا في قرارة يم النسيان. ألقيت بكل سمعى مصغيا إلى أستاذنا الدكتور طه، وهيبة الأستاذية تملأ قلبي وهو يردد كلماته، وأنا واقع أيضا في أسر كلماته، ولكني في الأسر كنت أعرف وأنكر، وينبسط قلبي وينقبض، ثم يوما بعد يوم. وبغتة، ومن قرارة يم النسيان، طفا "متن مرجليوث" كتابا مفتوحا، اقرأ "المتن" بعيني، وأسمع "الحاشية على المتن" بأذنى، وأخذنى ما أخذنى من الحيرة والدهشة والارتياح، ثم انقشع عني الظلام. . .
فأصبحتُ والغولُ لي جارة، ... فيا جارتا، أنتِ، ما أَهْولَا!
"والغول لي جارة"، ليست رمزا ولا مجازا بل كانت عندي حقيقة (1) مفزعة، تدخل معى قاعة المحاضرات يوما بعد يوم، وكل يوم أقول لنفسي عسى، ولعل! وأتوقع أن يذكر الدكتور طه، اسم مرجليوث مرة، وينسب إلى الرجل رأيه في "مسألة الشعر الجاهلي"، مجرد إشارة! وذهب توقعى باطلا هذرا. لم أسمع منه إلا: "انتهى بي البحث"، ثم "انتهى بي البحث"، ثم "انتهى بي البحث" وإذا كل شيء منه هو يبدأ، وإليه هو ينتهي! كيف يكون هذا، "والمتن" أمامى أقرؤه بعينين مبصرتين، وكل شيء يقوله الدكتور طه من هذا "المتن" وحده يبدأ، وإلى "المتن" وحده ينتهي، يا لحيرتى وعجبى!
__________
(1) كما كانت عند تَأبط شرا، صاحب البيت الذي استشهد به الأستاذ شاكر.
(2/1104)

لو مرة واحدة ذكر الدكتور طه اسم مرجليوث، لنجوت بها من هذه "الغول" التي كانت تفزعني وتتشبث بي "جارة" لي في قاعة المحاضرات وخارج هذه القاعة! "فيا جارتا أنا ما أهولا! "، ويومئذ، ومن هذا الهول الذي كان يصحبنى ويتهددنى، نشأت عندي "القضية الثانية" "قضية السطو" التي ذكرتها وأن أكشف عن "لمحة من فساد حياتنا الأدبية" في كتابي (المتنبي 1: 17 - 26).
* * *

تفاقم أمر "قضية السطو" في نفسي، واستبدت بي جارتى "الغول" حتى لم تدع لي ولا لقلبي سكينة، وسِرتُ على الجمر حافيا، وأنا أسمع يوما بعد يوم قعقعة معنى "الجامعة" في نفسي وهو يتقوض، يريد أن ينقض. وفي خلال ذلك كان مني ما كان. يوم وقفت أجادل الدكتور طه في "المنهج" و"الشك"، حتى انتهرنى، ثم استدعانى فدخلت عليه، فعاتبنى "وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه أن محاضراته التي نسمعها مسلوخة كلها من مقالة مرجليوث، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني كنت على يقين من أنه يعلم أنى أعلم، من خلال ما أسمع من حديثه، ومن صوته، ومن كلماته، ومن حركاته أيضًا" هكذا قلت في كتابي (المتنبي 1: 22). ثم قلت أيضا: "ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانا بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائى بعد المحاضرات، فيأخذنى يمينا وشمالا في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن سطوه على مقالة مرجليوث: صارف همى كله إلى موضوع "المنهج والشك"، وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموى والعباسى قراءة متذوقة مستوعبة ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والإسلامي .. ولكني من يومئذ أيضا لم أكف عن إذاعة هذه الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور طه وهي أنه سطا سطوا كريها على مقالة المستشرق الأعجمى. فكان بلا شك، يبلغه ما أذيعه بين زملائى. وكثر كلامي عن الدكتور طه نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتى، بعض الأساتذة كالأستاذ "نلينو"
(2/1105)

والأستاذ "جويدى" من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافيء بيني وبين الدكتور طه زمانا، الى أن جاء اليوم الذي عزمت فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها"، (المتنبي 1: 23، 24)
أخشى أن يكون هذا هو الذي أوقع في نفسك أيها العزيز، أنه كانت بينى وبينه (خصومة) قديمة منذ ذلك الزمان وأنا في الجامعة. سوف أتمم لك التاريخ الغابر خطوة خطوة. نعم ظل أمرى كما وصفت آنفا، سنتين، وأنا لم أفارق الجامعة بعد. وأزيدك الآن أيضا، أنى، مع كل ذلك، لم أنقطع عن زيارة الدكتور طه في بيته خلال هاتين السنتين المرة بعد المرة والذي بينى وبينه "سهو رهو"، كما حدثتك عن شأنى وشأنه قبل أن يكون أستاذا في الجامعة. أما "قضية السطو" فكانت قضيتى أنا وحدي، تعمل عملها في هدم معنى "الجامعة" في نفسي فلا أنا أجترئ على مصارحته بها، ولا هو يفاتحنى في شأنها وهو يعلم علما ليس بالظن ماذا أقول في فناء الجامعة، وماذ أقول للأساتذة لم كان يفعل ذلك ويصبر على؟ أمر يحتاج إلى تفسير، وأنا لست بصدد التفسير ولكني ملتزم برواية التاريخ لا غير. وأيا ما كان الأمر فهل ترى في هذا ظلا من (خصومة)؟
وكذلك، فأنا أزيدك أيضا من أخبار هاتين السنتين يوم قبل مدير الجامعه أن التحق بكلية الآداب، وبمحضر الدكتور طه نفسه، أخذ على عهد: أن أدرس اللغة الفرنسية، لأن طلبة القسم العلمي في الثانوية، كانوا لا يدرسون سوى الإنجليزية، وزملائى في كلية الآداب كلهم من طلبة القسم الأدبى الثانوى وقد درسوا هذه اللغة سنتين، فكان لزاما على أن أحصل ما حصلوه فيها: وأن أحضر أيضا معهم دروس اللغة الفرنسية في كلية الآداب، لكي أمتحن فيها كما يمتحنون، ومرت الأيام والشهور، ودنا موعد الامتحان، وأنا في حيرة من أمرى، أي حيرة استنكفت أن أسأل الدكتور طه أن يشير على ماذا أفعل؟ وذات يوم دعانى وقال لي: غدًا تمر علي في بيتى. فعلتُ: وبقيتُ معه طويلا في حديث
(2/1106)

متشعب. وأخيرا سألني: ماذا فعلت في دروس الفرنسية؟ قلت: الآن أستطيع أن أقرأ قراءة مقاربة، وأن أفهم فهمًا لا بأس به ولكني لا أستطيع البتة أن أعبر عن نفسي في الامتحان الشفوي، لا ينطلق لساني. فقال وبعدين يا محمود! قلت الأمر اليك. فأطرق يفكر. ثم قال: إذا كنت لا تستطيع أن تجيب عما تسأل عنه بالفرنسية، فهل تستطيع أن تجيب بالإنجليزية؟ قلت: نعم بلا شك. قال: إذن فعند الامتحان الشفوي تعالى إلي. ولم يزد، وانصرفت. فلما جاء الامتحان ودنا دروى، ذهبت إليه في مكتبه، فأخذ بيدي، وسار بي إلى لجنة الامتحان، ووقف الأستاذ الفرنسي إجلالا له، وبعد تقدمة قدمها قال: إنه يقرأ بالفرنسية ما شئت فإذا سألته عن شيء مما يقرأ، فأرجو أن تقبل منه أن يجيبك بالإنجليزية. وأخذت الأستاذ الدهشة، وبعد تردد ومحاورة قبل، وامتحنني.
فهل ترى، أيها العزيز، في هذا ظلا من (خصومة)؟
* * *

ودارت الأيام وأنا أغدو وأروح إلى الجامعة وجارتي "الغول" لا تفلتني ولا تفارقني، وصليل المعاول وهي تضرب في معنى "الجامعة" يتردد في نفسي، واسمع هدة انهيارها. وبغتة تهاوي كل شيء وهلكت قدرتي على الصبر فانقطعت عن الدراسة واستحصدت (1) عزيمتي على أن أهجر مصر كلها لا الجامعة وحدها، غير مبال بإتمام دارستي الجامعية، طالبا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في "قضية الشعر الجاهلي"، بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب، (المتنبي 1: 24) هكذا قلت.
انقطعت عن الذهاب إلى الجامعة فجأة. لم أر أحدًا من زملائي البتة. وعزمت على أن أسافر إلى مكة والمدينة طلبًا للعزلة، ولم أخبر أحدًا فقط بعزيمتي إلا رجلا واحدا، كان قد أطال المقام في مصر، وصار بعد سفيرا للسعودية، وهو الشيخ "فوزان السابق"، -رحمه الله- كان صديقًا لأبي وإخوتي، وكان يعرفني
__________
(1) استحصدت: اشتدت وقويت.
(2/1107)

أوثق معرفة. استمع الرجل إلى وكان وديعا طيب النفس، فبعد لأي قَبل أن يُعِيننى، وأخذت عليه العهد أن لا يخبر أحدا من أهلى بما عزمت عليه. ورحت أسعى سعيا حثيثا حتى استخرجت شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية، بعد دفع رسوم "البدلية"، كما كانوا يسمونها. وأعانني الشيخ فوزان حتى استخرجت جواز سفر بعد جهد جهيد. فلما وضعت الجواز في جيبى واطمأن قلبي، ذهبت إلى أبي -رحمه الله- فكاشفته بجلية أمرى .. لم تأخذه دهشة المُنْكِر، خيل إلي أنه كان يعرف! ظللت أياما بين يديه، يحاورنى ويحاول أن يقنعني بالإقلاع عما عزمت عليه. لا هو يقتنع بما أقول وبما أمنى النفس به مختالا ولا أنا أقتنع بما يقول، وأخيرا ذكر لي بيت النابغة الذي مر آنفا:
ولا تَذْهب بحِلْمكَ طامِياتٌ ... من الخُيلاء ليس لهن بابُ
وقال: ستجد الأبواب مغلقة دون أمانيك بالضبة والمفتاح وستعود إلينا، بعد أن تضيق كما ذهبت، فافعل ما تشاء. وأَلْقَى حَبلى على غاربى، ووافق على سفرى، وبدأت أعد العدة وجمعت جميع كتبى وعبأتها. ولكن من الطريف أنى أقصيت منها جميع كتب الدكتور طه، وهبتها لصديق لي -رحمه الله- .. فلم أكد استقر في مدينة جدة بالحجاز، وهدأت نفسي، حتى عدت فاشتريتها جميعا من مكاتب جدة. كان سخفا مني، ولكن هكذا كان! !
وذات يوم في الصباح الباكر دخل على زميلى وصديقي الأستاذ محمد الخضيرى، يستطلع أمر غيبتى عن الجامعة. وكان قد سأل عني مرات بالهاتف ولم يجدنى. فلما جلس، أفضيت إليه بالأمر كله، ففزع قائما، وكاد يبكى. فلما أخبرته بجميع ما في نفسي، أطرق وسكن، وبقى قليلا ثم انصرف. وفي العشية فوجئت بمقدم الأستاذ نلينو، ولكن هدوءه وبشاشته وهو يسألنى عن أبي كعادته كما جاء يزوره نفت الشك عن قلبي. فأخبرت أبي بمجيئه. فلما التقيا وجلسا، فوجئت بالأستاذ يتكلم ويذكرنى وصوته يتهدج ويتقطع من الغضب والأسف، فرجف قلبي رجفة وقمت من فورى ذاهبا على وجهي أحث الخطى، من دارنا في الحلمية الجديدة، ولم أنتبه إلا والمؤذن يوذن لصلاة المغرب، من
(2/1108)

مسجد قريب في منطقة الدقي فصليت المغرب ثم انقلبت راجعا إلى البيت بعد صلاة العشاء.
أخبرني والدى أن الأستاذ نلينو جاء نائبا عن الدكتور طه، وأن الدكتور طه استحسن ذلك لأنه كان أستاذه وهو اليوم أستاذى أيضا، وقال: إنه دعا الأستاذ نلينو والأستاذ جويدى على الغداء عندنا بعد غد. جاء هذا الغد، وعدت إلى البيت بعد الظهر، لأجد الأستاذين نلينو وجويدى ومعهما أكثر من عشرين ضيفا، كلهم كان يعرفني، وهم من الأساتذة في دار العلوم، ومدرسة القضاء الشرعى، وفي الأزهر، وآخرين من أساتذتنا الكبار في ذلك العهد.
وبعد الغداء وقعت بين المطرقة والسندان. كل يتكلم مُسَفِّها لي ضِمنا أو علانية، وأنا أرد مرة وأسكت مرات حتى بلغ مني الجهد. وأخيرا وقف الأستاذ نلينو فجأة، ووجه الحديث إلى أبي، وقال إن واجبه ديانة (غريبة! ) أن يمنع ولده من السفر. فقال له أبي -رحمه الله-: لا آمر ولدى في شيء، وقد حاولت أن أقنعه بالحجة بعد الحجة فلم يقتنع. وها هو ذا بين يديك، فإن استطعت أن تبلغ في إقناعه ما لم أبلغ، فقد شفيت صدرى وأرحتنى، أما القسر فلا قسر عندي يا أستاذ نلينو. فالتفت إلى نلينو، وأطبق على إطباقا خانقا، فلم أجد لي مخلصا من قبضته إلا المصارحة. فقلت له: نعم أنا مقتنع بكل ما تقوله عني وعن تسرعى وتهورى ومخاطرتى بمستقبلي، ولكني لم أكن كما وصفت إلا لشيء واحد، هو أن معنى "الجامعة" في نفسي قد أصبح أنقاضا وركاما، فإن استطعت أن تعيد لي البناء كما كان، فأنا أول ساكن يدخله لا يفارقه. قال: ما هذا؟ ماذا تعني؟
قلت: أنت تعلم أنى بقيت معك في الجامعة سنتين لم أبرح، وتعلم ما كنت أقوله عن "مسأله الشعر الجاهلي" التي نسمعها في محاضرات الدكتور طه، وأن هذا الذي نسمعه ليس إلا "سطوا" مجردا على مقالة مرجليوث، وأنت وجميع الأساتذة تعلمون صحة ذلك. وفي خلال السنة الماضية، نُشرت كُتُب ومقالات في الصحف تكشف ذلك أبين كشف -ولكن لم يكن لهذا الكشف عندكم في الجامعة صدى إلا الصمت. فهدا الصمت إقرار من الجامعة وأساتذتها بهذا
(2/1109)

المبدأ، مبدأ "السطو". قد مضت على سنتان صابرا، أما الآن، فلم أعد قادرا على التوفيق بين معنى "الجامعة" في نفسي، وبين هذا المبدأ الذي أقررتموه، فتقوض معني "الجامعة" وأصبح حطاما. فكيف تطالبوننى بأن أعيش سنوات أخرى بين الحطام والأنقاض؟ وأي خير أرجوه، أو ترجونه مني، إذا أنا فعلت ذلك راضيا أو غير راض؟ شيء واحد: أن يعلن الدكتور طه أن الذي يقوله في "مسألة الشعر الجاهلي"، هو قول مرجليوث بنصه، وليقل بعد ذلك أنه يؤيده ويناصره ويحتج له، أو لا يقل. فإذا فعل، فستجدنى غدا أول طالب يرابط في فناء الجامعة قبل أن تشرق الشمس. أما مع هذا الصمت، فإن نفسي لا تطيق أن تسكن الديار الخربة!
وجم نلينو، وأحسست بنظرات العيون تنفذ كالسهام في جميع أعضائى، وبغتة قال الشيخ عبد الوهاب النجار -رحمه الله-: إن هذا الفتى كان في رأسه أربعة وعشرون برجا، فطارت ولم يبق إلا برج واحد، عسى أن ينتفع به يوما ما، فيسترد الأبراج التي طارت! وسكت. وحيرتنى كلماته. ولم أدر ما عناه، أهو راض عما قلت أم غير راض؟ ثم بدأ نلينو يتكلم مرة أخرى هادئا معرضا عني، وعرض على والدى حلا آخر لإنقاذى ولكني لم أستجب لهذا الحل. وبعد يومين كنت على ظهر الباخرة التي تقلنى إلى مدينة جدة، فنزلتها، وشددت الرحال إلى بيت الله الحرام، فقضيت عمرتى، ثم عدت إلى جدة بعد أيام، فأجد أول رسالة تلقيتها من أبي وفي آخرها يقول: "زارنى في عصر اليوم الذي سافرت فيه إلى السويس، الأستاذ نلينو والدكتور طه حسين"، ولم يزد على ذلك شيئا، وختم الرسالة.
لقد أضنيتنى، أيها العزيز، وحملتنى على أن أقص قصة طويلة أنا راغب عنها، ولا خير فيها لأحد. ولكن .. أنتَ قطعت اللجام بالحسام، فلم يبق في يدي ما أكبح به جماح القلم، وقد كنت من قبل قادرا على كبح جماحه وأنا أكتب "لمحة من فساد حياتنا الأدبية" هي مقدمة كتابى "المتنبي" حيث قصصت بعض القصة كارها، ولكن ما أبشع قصة (الخصومة) وأكرهها إلى
(2/1110)

نفسي. فالآن هل ترى من (خصومة) كانت بينى وبين الدكتور طه منذ عرفته إلى أن فارقت مصر كلها، لا الجامعة وحدها، في سنة 1928؟
بعد الجامعة
مضت السنوات منذ سنة 1928، وأمر الجامعة وكل ما فيها لا يعنينى. وكان ما توقعه أبي، فعدت أدراجى من الحجاز إلى مصر، لم أر الدكتور طه ولا أحدا من زملائى في الجامعة أو أساتذتى منذ ذلك اليوم إلى أن كان يناير سنة 1936، التي خرج فيها كتابي "المتنبي". ثم جاء أسبوع الاحتفال بمرور ألف سنة على وفاة أبي الطيب، بدار الجمعية الجغرافية في النصف الثاني من سنة 1936، فلقيت الدكتور طه مرتين متتابعتين، فقابلنى بالحفاوة والبشاشة، "ثم أخبرني أنه قرأ كتابي كله، وجاء بثناء لم أكن أتوقعه، وأطال وأفاض: (على مشهد من جميع أساتذتى في الجامعة) وغمرنى ثناؤه حتى ساخت بي الأرض، فمات لساني في فمى، فلم أستطع أن أنبس بحرف واحد، وهو آخذ بيدى لا يرسلها، إلى أن ركب، وافترقنا"، قلت ذلك وذكرت تمام القصة في كتابي، (المتنبي 1: 133، 134، 137، 138) -ثم في يناير سنة 1937، أي بعد أقل من عام، ظهر كتاب الدكتور طه "مع المتنبي"، وساءني الكتاب، وردنى إلى سنة 1928 وما قبلها، وإلى كل ما عنيته يومئذ من غوائل جارتى "الغول" وكذلك عادت "قضية السطو" على أعمال الناس في قلبي جَذَعَةً أي نارا حية بعد أن طفئت وخبا أُوارها.
كتبت اثنتى عشرة مقالة في صحيفة البلاغ بعنوان: "بيني وبين طه" بنيت الكلام فيها، منذ فاتحة المقالة الأولى على قول صريح بلا مواربة ولا مداهنة، أن كتابه "مع المتنبي"، "سطو" على كتابي أولا وتقليد لمنهجه، ثم على كتاب الدكتور عزام، ثم على كتاب الأعجمى بالاشير، وعلى كتب أخرى متفرقة. وكنت على نية متابعة هذه المقالات، فحدث ما بغَّض إلى هذا الأمر كله، فطرحت كتابي وكتاب الدكتور طه جانبا، وضقت بهما وبالمتنبى نفسه ذرعا. فكففت عن متابعة الكتابة، وذكرت سبب ذلك في كتابى "المتنبى 1: 142،
(2/1111)

143". وكنت أنوى في ختامها أن أثير "قضية السطو على أعمال الناس برمتها، لأن أمرها كان قد استشرى في ذلك الوقت، وإلى اليوم، بين أسوار الجامعة وخارج الأسوار".
بعد أيام، منذ كففت، اتصل بي الأستاذ نلينو مرات بالهاتف: يسأل عن أبي، وكان مريضا، ويسأل عني فلم يجدنى. كانت وفاة الرافعي -رحمه الله-، وهو أستاذى وصديقي، قد بلغت مني، فنسيت نلينو أو تناسيته -وبينما أنا أفارق محطة مترو مصر الجديدة، وكانت في شارع عماد الدين يومئذ، لقيت نلينو وجها لوجه، وتصافحنا وسرنا حتى جزنا الزحام إلى الرصيف الهادئ، فابتدرنى قائلا: قرأت كتابك ثم مقالاتك في صحيفه البلاغ. ثم ضحك كعادته حتى استغرب (1) وقال: لم تتغير أنت، ولم يتغير الدكتور طه، (يعني ما كان من أمرى وأمره في الجامعة). ثم قال: إنه سألنى عنك مرات، وهو يحب أن يراك، فواجب عليك أن تزوره، قلت: نَعَمْ، ونِعْمَة عَيْن (2)، وسوف أفعل إن شاء الله. ولم يذكر كتاب الدكتور طه بكلمة، فسألته: وهل قرأت كتابه؟ قال: نعم. قلت له: فما رأيك إذن؟ وكنت أعني رأيه فيما كتبته أنا في صحيفة البلاغ، إلا أنه فاجأنى قائلا: كان ينبغي للدكتور طه أن يحتفظ به في درج مكتبه بضع سنوات، وهو يعيد النظر فيه، ثم ينشره بعد ذلك. قنعت بهذا، وسرنا نتحادث حتى افترقنا. ولكني لم أف بما وعدته به من زيارة الدكتور طه.
ومضت ثلاث سنوات أو أكثر، وفي يولية سنة 1940، دق جرس الهاتف، وإذا المتحدث هو الدكتور طه نفسه، فعاتبنى عتابا مُرا على انقطاعى عنه، ثم حدثني عن مقالة كان قرأها قبل أيام في الرسالة، كتبتها بعنوان: "ويلك آمن! "، وحرضنى على أن أتابع القول على هذا المنهج، ثم دعانى إلى زيارته، فزرته بعد ذلك مرات. ثم توفيت زوجة صديق لي، كان أديبا كاتبا، ومدرسا أيضا، وتركت امرأته صغارا في المهد وفوق المهد قليلا، فلم يطق من يومئذ أن يذهب
__________
(1) استغرب: أغرق في الضحك حتى بدأت أواخر الأسنان.
(2) أي أفعل ذلك وكرامة، وقد مر شرحه.
(2/1112)

إلى المدرسة ويرى أشباههم الصغار، وأراد أن ينقل إلى الوزارة نفسها ويترك التدريس كان الدكتور طه يومئذ مستشارا لوزارة المعارف، فرأيت لزاما على أن أقضى حق صديقي، فاتصلت بالدكتور في بيته لأزوره، واتفقنا على الموعد.
كان هذا الصديق قد تناول الدكتور طه تناولا شديدا في بعض ما كتب من قبل، وأنا أعلم من خلائق الدكتور طه ما أعلم، فأخذت لذلك حذرى. لم أفاتحه فيما جئت له إلا بعد أن أنبأته أنى جئت في حاجة قضاؤها في سلطانه وناشدته أن يستجيب لي مهما بلغ أمرها من الصعوبة. فقال خيرا، حتى استوثقت من الأمر لم أذكر اسم الصديق، ولكني حدثته عن نكبة صديق لي مدرس في المدارس، وبلغتُ الجهد في نَعْت نَكْبته، وأحسنت وصف أخلاق صديقي وقدرته وامتيازه ومعرفته وخبرته وسألته أن يأخذه معه في مكتب المستشار، أي في مكتبه هو. فقال: سأفعل، لكن من هو هذا الذي حدثتنى عنه؟ فذكرت له اسمه، فانتفض غاضبا وقال: لا، كيف يكون هذا؟ محال! غير ممكن، إنك خدعتنى! فقمت غاضبًا وقلت لقد أعطيتنى العهد، وإذ لا عهد، فالسلام عليكم، ووليت منصرفا ولم أعقب. فنادى سكرتيره بأعلى صوته، وأمره بأن يردنى: فرجعت. فأجلسنى وقال: مالك أيها الصعيدى! فقلت مسرعا ببقية الغضب التي في نفسي: إنك ترفضه، لا لأنه كتب عنك، بل لأن ما كتبه ذكَّرك بما كتبت أنا عنك! (وأعني مقالاتى عن المتنبي). فقال: لا، يا شيخ، أتظن هذا؟ وانفثأ غضبه وظل يضحك ملء فيه. بدأ يحدثني عن هذه المقالات، وكيف كان يقرؤها؟ وعما كان يحدث بينه وبين بعض أصدقائه كلما ظهرت مقالة في البلاغ، وقال ما قال عن هذه المقالات، فأدهشنى ما قاله، وعلى كل حال لعله رأى فيها غير ما رأيت أنت أيها العزيز. ثم ختم الحديث بأن قبل شفاعتى في صديقي واستجاب لكل ما طلبته على بعض المضض. وصار موظفا عنده في مكتبه. وبعد أسبوعين أو ثلاثة زرته في مكتبه، فصارحنى بأنى قد أخلصت له النصيحة في هذا الصديق، وأثنى عليه ثناء مذهلا.
(2/1113)

حسبنا هذا القدر من التاريخ الممل، ذكرته واضحا لمن يتأمله، وفيه من جوانب فضل الدكتور طه ما ينفي كل (خصومة) متوهمة، ولم أنس قط يدا كانت للرجل عندي. ومنذ سنة 1940 ظل الود بيني وبينه إلى أن أفضي إلى ربه غفر الله لنا وله. وكان في حياته يقرأ كل ما أكتبه وأذكر فيه "قضية الشعر الجاهلي"، فلم أجد عنده ولا عندي (خصومة) تبلغ بي أو به حد "اللدد في الخصومة". وإذا كان، أيها العزيز، بعض ما في كلامي وألفاظي، وأنا أذكره قد ارتفع بك إلى إستخراج (خصومة) تنسبها إلي، فهذا ليس يجرى عندي على هذا الوجه. و (الخصومة) على الوجه الذي دل عليه كلامك، ليست مما أتعامل به فيما أكتب. فما من شيمتى أن أخاصم أشخاص الرجال على آرائهم أو أفعالهم، فإذا خاصمت فأنا أخاصم الآراء والأفعال نفسها، ولا أتجاوز بخصومتى إلى أصحابها والفاعليها. . نعم، إن "الأساتذة الكبار" قد سنوا في (الخصومة) سننا جرت عليها حياتنا الأدبية، فألفها الناس حتى لم يعد أحد ينكرها أو يعيد النظر فيها، فكأنك معذور كل العذر، إذ جعلت تقيس سُنَّتى في الكتابة على سُنَّتهم، ولكني لست من "الأساتذة الكبار" في شيء بحمد الله.
قضية السطو
كذلك. . "قضية السطو"، وهي إلى هذا اليوم قضية جارية في حياتنا الأدبية، حاولت في مقدمة كتابى "المتنبي" أن أكشف عن جذورها وأصولها وبعض أساليبها، ثم قلت: "والقصة تطول، ومع ذلك فليس هذا مكان قصتها على وجهها، إذا أنا أردت أن أقيد ما كان كما شهدته فيما بين سنة 1928 وسنة 1936، بل إلى ما بعد ذلك إلى يومنا هذا"، (المتنبي 1: 38) وإذا كان طول إلفها قد جعلها مستساغه، أو بعيدة عن التناول، أو في ضل وارف يسترها عن أعين الناظرين، فذلك لا ينفيها، أو لا يحجبها عن العين الفاحصة التي تتدسس إلى الأعماق. ومع ذلك، فأنا أحب أن أجعلك على بينة من أمرها عندي. فقد ذكرت لك أنها إحدى قضيتين نشأتا عندي، وأنا في الجامعة،
(2/1114)

أستمع الى محاضرات الدكتور طه في "مسألة الشعر الجاهلي"، وكانت هذه القضية قضيتى أنا وحدي، فيما بيني وبين نفسي. ففارقت الجامعة سنة 1928 وهي معى حية مبصرة. ثم عشت منذ ذلك الحين زمنا طويلا إلى يومنا هذا، وأنا أرقبها وأشاهد آثارها، وأتتبع وسائلها وأساليبها في كل ما أقرأ أو أسمع. ولكني لم أنصب نفسي لدلالة الناس على هؤلاء الذين يسطون على أعمال الناس بجرأة خارقة، ولا أنا حاولت أن أتعقب هؤلاء فأكشف أمرهم علانية، كان ينبغي أن أفعل، ولكني لو فعلت ذلك، لكان على أن أستهلك أيامى وليالى وعمرى كله، ولأحفيت إذن آلافا من الأقلام في تسطير هذه الخبائث على آلاف من القراطيس والأوراق. لم أصبر نفسي على كشف الأساليب الملتوية البارعة في السطو على أعمال الناس، لأننى كنت يومئذ في شغل عنها، بما هو أجدى على: من تقويم نفسي، ومن تخليصها مما داخلها من الفساد بفساد الزمان الذي نشأت فيه.
كانت "قضية السطو"، فيما قبل سنة 1928، تسير على استحياء، وكان ما بقى من أخلاق الناس في الناس، يكف من خطواتها في حياتنا الأدبية. ولكن لما ثارت "مسألة الشعر الجاهلي" في الجامعة، وعلم من لم يكن يعلم أن الذي قيل فيها إنما هو سطر مبين على مقالة مرجليوث اختلف الأمر اختلافا شديدا. فالجامعة وجميع أساتذتها يومئذ، قد علموا علما يقينا أن كتاب "في الشعر الجاهلي" قائم على "السطو" على مقالة مرجليوث بحذافيرها. ومع ذلك، فقد ابتلعت الجامعة وأساتذتها هذا "السطو"، ثم تستروا عليه، لا بل حاطوه بالرعاية وبالعصبية. فكان ذلك إقرارا بالصمت، لهذا المبدأ، فمن يومئذ، أخذ من كان بالأمس يستحي أن يوصم بالسطو، يخلع برقع الحياء عن وجهه شيئا بعد شيء. واستحدث كل منهم وسيلة من الوسائل، وأسلوبا من الأساليب، تجعل هذا "السطو" يبدو ضربا من "التجديد" في دراسة الأدب وفي إنتاج الأدب. وبدأ السطو من بعض "الأساتذة الكبار" تزداد أساليبه خبثا ونكرا، ودهاء ومكرا، يوما بعد يوم، تحت سيطرة "الإرهاب الثقافي" الذي تولى كِبْرَهُ "الأَساتذة
(2/1115)

الكبار" (1). وتُسَهِّل من أمره ما كان يَسْتصعب، وبدأ الكبار يستغلون الصغار أيضا، ويدربونهم على السطو الصريح بأساليب تخفي شيئا من معالمه، ودارت العجلة. . ورحم الله أبا العلاء إذ قال:
ولا تُعَلِّم صغيرَ القوم معصيةً ... فذاك وِزْرَ إلى أمثاله عَدَلَكْ
فالسِّلْكُ، ما اسطاع يوما ثَقْبَ لؤلؤةٍ! ... لكنْ أصاب طريقًا نافِذا فسَلَكْ
دارت العجلة، ولم تزل تدور، وجاء جيل بعد جيل، أصاب طريقا نافذا فسلك! واستقر الأمر على ذلك في حياتنا الأدبية إلى اليوم، لا أقول لك في البحث الأدبي، بل في الفن كله وفي الموسيقى أيضا، وفي الإنتاج الأدبي والعلمي بلا استثناء، إلا من عصم الله، وهم قليل.
وليت الأمر وقف عند ذلك القدر من المكر والدهاء في "السطو"! ليته وقف، ولكن انحدر بعد إلى هوة "السطو الحر" وقرارته، (الحر! غريبة، كيف جاءت هذه الصفة هنا؟ ). انحدر إليها بلا قناع، إلا قناع الزمن الذي يُشْدِلُه على أعمال الناس بالتقادم! مثال ذلك: كتاب كان صاحبه يحميه حيا، فلما هلك هلكت معه الحماية، وأسدل الزمن عليه قناعه. يأتي أستاذ فيعيد نشره بنصه كما كان، ولكن عليه اسمه هو، ويرتفع الأمر الى المحكمة، فتحكم بأنه "سطو"، دون أن تلجأ الى خبير من أهل هذا العلم، لأن الأستاذ قد أغنى المحكمة عن إرهاق الخبير! كان سطوا حرا، سطرا سطرا. ثم مات الأمر، وابتلعته حياتنا الأدبية ابتلاعا حرا؟ بلا استنكار، لا باليد ولا باللسان ولا بالقلب. وإذا بلغ الأمر هذا المبلغ. فلا ريب في أن "السطو" الخفي المتقن، الذي يلبس طيلسان الجامعة، أو برد الأستاذية، أو يختال في ثياب موشاة من البحث العلمي = خليق أن يعد عندنا في حياتنا الأدبية، تسابيح عبادة في محراب الفنون والآداب.
من أجل ذلك، لا أجدني منصفا، إذا توقفت عند مقالتك الثانية، وعند
__________
(1) كِبْر الأمر: مُعْظَمه.
(2/1116)

ما ذكرته فيها من استنكارك على أن أجعل في كتابي "المتنبي" فصلا بعنوان "كتابان في علم السطو"، متهما فيه الأستاذين الجليلين: الدكتور طه والأستاذ عبد الوهاب عزام بالسطو على ما في كتابي وعلى كتب غير كتابي عن المتنبي. فهذه قضية لا أحب أن أناقشها هنا، بأكثر مما سطرته في المقدمة (المتنبي 1: 106 - 165)، وفي مقالاتى التي نشرتها في الجزء الثاني من كتابي بعنوان "بيني وبين طه"، فإذا كان ما كتبته لم يقنعك، فأنا وأنت كما قال المقنع الكندى:
وإنَّ الذي بَيْنِي وبَيْنَ بَنِي أبي ... وبَيْنَ بني عَمِّى، لَمختِلفٌ جِدًّا!
وحسبي أن أختم القول "قضية السطو" بكلمتين أقتبسهما عرضا.
الاقتباس الأول
من صحيفة الأخبار في 27 فبراير 1978، من كلمة كتبها الأستاذ جلال الدين الحمامصى "دخان في الهواء". يقول: "لصوص الفكر: عندما تحدثتُ عن لصوص الفكر الذين يسطون على الكتب، ويأخذون بعض أفكارها ويؤلفون منها القصص السينمائية، لم أكن أظن أن هذا الموضوع يشغل بال الكثيرين، لا في مجال السينما وحدها، بل وفي كل المجالات، فأساتذة الجامعة يشكون من أن اللصوصية امتدت إلى بعض الطلبة، فيسطون على مؤلفاتهم بكاملها ويصورونها، ويبيعون النسخ لزملائهم بأرباح طائلة. والدكتور صليب بطرس يقول:
"إن الإنتاج الفكرى المصري أصبح في معظم الأقطار العربية نهبا للصوص الفكر، يسَّرت لهم السرقة فنون الصنعة الطباعية الحديثة التي انتشرت على نطاق واسع في السنوات الأخيرة كما يسرت لهم تفادى أغلى الأجزاء في صناعة الكتاب، وهي حق المؤلف، وعملية الجمع. فلا يبقى بعد ذلك إلا التصوير والورق والحبر وهي تقل عن نصف التكلفة الكلية بكثير. ومن ثم يصبح اللص في مركز يمكنه من بيع الكتاب المزور بأقل مما يبيعه ناشره الأصلى بكثير جدا".
وردود الفعل لكلمتى كثيرة، وهكذا نجد أن اللصوصية لم تعد مقصورة على
(2/1117)

مجال واحد، بل أنها تمتد. وتمتد وتصبح القاعدة في كل شيء. وما ذلك إلا لأن الاعتداء على حقوق الآخرين لا يجد من يمنعه. على أنى أقول إن أخطر أنواع هذه اللصوصية، هي السطو على فكر الآخرين وتقديمه في أفلام لأن المفروض أن مؤلف القصة أو كاتب السيناريو والحوار، إنما يحاضر المشاهدين في موضوعات عامة وترتكز على المبادئ، والقيم الأخلاقية. وما أتعس شعبا يكون المحاضر فيه من أقطاب لصوصية الفكر". هكذا قيل في (فبراير سنة 1978).
فهذا كما ترى، أيها العزيز، داخل دخولا ما في "السطو الحر" الذي حدثتك عنه، ولكنه خسيس!
الاقتباس الثاني
من كتاب جيد للدكتور فؤاد زكريا، عنوانه "التفكير العلمي"، نشره في شهر (مارس سنة 1978)، عقد في أواخره بابا بعنوان "شخصية العالم"، وجعل الفصل الأول في "الروح النقدية" فقال (ص: 288، 289):
"والوجه الآخر لموضوع النقد هذا هو أن نعترف بفضل الآخرين على أعمالنا. فنحن ندين لمن نقرأ لهم بقدر كبير من معارفنا بل أن كثيرا من أفكارنا الشخصية التي يبتدعها كل منا وفي ذهنه أنه مصدرها الوحيد، لا تثار في أذهاننا إلا لأن قراءة بحث أو كتاب معين، قد أوحي إلينا بها، ولو بصورة غير مباشرة، أو أثار فينا حاسة النقد والهجوم، فيكون له الفضل في هذه الحالة بدورها، حتى ولو كان ذلك فضلا سلبيا. ومن هنا: فإن العلماء والكتاب في البلاد المتقدمة التي رسخت فيها التقاليد العلمية، يحاولون بقدر ما في وسعهم، رد الفضل إلى أصحابه. وربما رأيت المؤلف منهم يعدد في مقدمة كتابه أسماء مجموعة ضخمة من الأشخاص، بعضهم ناقشه مناقشة قصيرة حول الموضوع، وأحيانا يذكر الأستاذ فضل تلاميذه الذين ألهموه بأسئلتهم واستفساراتهم كثيرا من أفكاره. أما الإشارة إلى الاقتباسات من المراجع الأخرى، فقد أصبحت تقليدا ثابتا لا يخالف فيه أحد.
وفي هذه الحالة بدورها، نجد أن هذا التقليد الجليل لم يستقر في بلادنا تمام
(2/1118)

الاستقرار، بل أن مخالفته قد تتخذ في بعض الأحيان أبعادا مؤسفة، كما يحدث في حالات "السطو" على أعمال الآخرين التي ينسبها المرء إلى نفسه دون وازع من ضمير. ومن المؤكد أن حياتنا العلمية لن تستقيم إلا إذا أصبح الاعتراف بفضل الآخرين، حتى في الأمور البسيطة، قاعدة لا يخالفها أحد. وربما احتاج الأمر في البداية إلى قدر من الشدة، بحيث يَلْقَى من يرتكبُ عملا من أعمال السرقة العلمية جزاء رادعا. وبعد ذلك يمكن أن يتحول السلوك العلمي القويم إلى عادة متأصلة في النفوس، فلا نحتاج إلى فرض جزاءات. ولكن النظرة المدققة إلى أوضاع التقاليد العلمية في العالم العربي لا توحي بالتفاؤل، إذ يبدو أن الأجيال الجديدة أقل تمسكا بهذه التقاليد حتى من الأجيال السابقة. ومن ثم فإن الخط البيانى للروح النقدية السليمة، وللأخلاق العلمية بوجه عام، يتجه إلى الهبوط. وهو أمر مؤسف ينبغي أن نتداركه حتى لا تتسع الهوة بيننا وبين البلاد المتقدمة التي يزداد علماؤها تمسكا بالتقاليد العلمية جيلا بعد جيل". هكذا يقول أستاذ من أساتذة الفلسفة بعد مضى أكثر من خمسين سنة على إِنشاء الجامعة!
وأنا أقتصر على هذين الاقتباسين بلا تعليق، فإن ما أسلفته هنا وفي كتابي دال عليه، وصدق أبو العلاء، فإن الجيل بعد الجيل "أصاب طريقا نافذا فسَلَكْ"، وغفر الله للأساتذة الكبار! ! ولكن الأمر أجل وأفحش مما يتصور الأستاذ الحماصى والدكتور فؤاد، كالذي قال الشاعر في هجاء رجل يقال له "الأشنعى":
لَعَمْرُكَ إن الأَشْنَعِيَّ وشَأْنهُ، ... لكالصُّبْحِ، ما يزداد غَيْرَ بياضِ
أو كالذي قال أبو تمام:
أيقظت هاجِعَهمْ، وهل يُغْنِيهمْ ... سَهْرُ النواظرِ والعقول نيامُ
أو كالذي قال ابن الرومى:
يرى الموارط ذو عين فيحذرها ... والعمى فيها إلى الأذقان والركب
وحسبي أن أختم هذه القضية، "قضية السطو" هنا، بما قلت في ختامها في كتابي
(2/1119)

"أتلفت اليوم إلى ما أشفقت منه قديما من فعل "الأساتذة الكبار". لقد ذهبوا بعد أن تركوا، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، حياة أدبية وثقافية قد فسدت فسادًا وبيلا على مدى نصف قرن، وتجددت الأساليب وتنوعت، وصار السطو على أعمال الناس أمرا مألوفا غير مستنكر، يمشي في الناس طليقا عليه طيلسان (البحث العلمي) و"عالمية الثقافة" و"الثقافة الإنسانية"، وإن لم يكن محصوله إلا ترديدا لقضايا غريبة، صاغها غرباء صياغة مطابقة لمناهجهم ومنابتهم ونظراتهم في كل قضية، واختلط الحابل بالنابل. قُلْ ذلك في الأدب والفلسفة والتاريخ والفن أو ما شئت، فإنه صادق صدقا لا يتخلف. فالأديب مصور بقلم غيره، والفيلسوف مفكر بعقل سواه، والمؤرخ ناقد للأحداث بنظر غريب عن تاريخه، والفنان نابض قلبه بنبض أجنبى عن تراث فنه"، وارحمتاه! !
كذلك. . . وهذه هي القضية! ولم أزل أقول عن كتاب الدكتور طه، والأستاذ عزام، أنهما "كتابان في علم السطو" لا جَرَم! وسَمِّهما أنت بعدئذ ما شئت: "استلهاما" أو "استعارة" أو "استلالا في خفة"، أو بابا من أبواب "الاجتهاد" الذي تصورت أنى خُلِقْت لأغلقه، فالمهارة البارعة في تغيير بعض معالم المتاع المسروق أو أكثرها لا تخرجه ولا سارقه من حد السرقة.
وطال الأمد على لُبَد (1). . . ونحن لم نزل في الثالثة، فأنت أيها العزيز، تقول: "إنه من المحزن أن يبلغ بنا اللدد في الخصومة حدا يجعلنا نسلب طه حسين أخص خصائصه، ونتجاهل أجمل قدراته، ونصفه بأنه (رجل جاهل)، ليس له بصر بتذوق الشعر".
بطلت (الخصومة) آنفا، فالآن كيف؟ أنت تعرفني بلا شك، وتعرف الدكتور طه أيضا، أليس كذلك؟ فهل تتصور أنه لو كان الدكتور طه عندي (رجلا جاهلا)، هل تتصور أنى كنت أخاطبه أو أبالى به؟ لعلك قست أمرى وأمر الدكتور طه، على ما كان مني يوم حملت القلم بعد هجر له طويل،
__________
(1) هذا مثل، وأكثر ما يروى: طال الأبَد على لبد، ولبد آخر نسور لقمان بن عاد السبعة، وكان أطولها عمرا، فضربت به العرب المثل.
(2/1120)

فذكرت في مقالاتي إنسانا ينطبق عليه هذا الوصف انطباقا كاملا (1)، فأوغلت في كتابة اسمه إيغالا يوهم إني أخاطبه أو أبالى به، لا، يا سيدي، فأمر الدكتور طه غير أمر هؤلاء الذين يشترون قلما بقرش من الخردواتي، فيكتبون، فيكثرون، فيعدون في الكُتَّاب! ! أمران مختلفان جدا، وزمنان مختلفان كل الاختلاف أيضا. ومع ذلك، فأنا قد نبهت مرارًا في مقالاتى أن هذا الذي أكثرت ذكر اسمه ليس إلا دمية يحركها محرك، وأن الدمية في ذاتها ليس لها قيمة تذكر، وأن اسمه الذي أذكره لا يعنينى، بل الذي كان يعنينى هو "هيئات التبشير" و"دوائر الاستعمار" التي تحرك هذه الدمى في حياتنا الأدبية وترشدها إلى الطريق. كان همى هو كشف الغطاء عن هذه الحقيقة لا غير. فإذا كنت قست هذا على هذا فالقياس فاسد: كما يقول أصحاب المنطق.
(رجل جاهل)! لم أستعمل هذا قط في حديثي عن الدكتور طه: فليس لك بحق أن تقول إني قلته، لا استخراجا من فحوى كلماتى ولا استئناسا بأنى خاطبت مرة (رجلا جاهلا)!
يقول أبو عثمان الجاحظ: "طلبتُ علم الشعر عند الأصْمَعِى، فوجدته لا يحسن إلا غريبه. فرجعت إلى الأَخْفش، فوجدته لا يتقن إلا إعرابه. فعطفت على أبي عبيدة، فوجدته لا يحسن إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب، كالحسن بن وهَبْ ومحمد بن عبد الملك الزيات.
أفيحل لأحد منا أن يستخرج من كلام أبي عثمان أن الأصمعى (رجل جاهل)، وأن الأخفش (رجل جاهل)، وأن أبا عبيدة (رجل جاهل)؟ أو على الأقل أن كلا منهم (رجل جاهل بالشعر)؟ ونعم أنا ذكرت الدكتور طه وكتابه "مع المتنبي" فقلت فيه أحيانا: "إنه يتهجم على غير بصيرة في الرأي، وأن في بعض كلامه فوضى وإطالة وتهويلا وثرثرة، وفي بعض كلامه اضطراب وفساد
__________
(1) يعني لويس عوض انظر ما كتبه عنه في "أباطيل وأسمار".
(2/1121)

مفسد، وفيه تعسف غليظ وفيه تحميل للفظ ما لا يحتمله اللفظ، وفيه سوء نقل عن الكتب، وأنه كثير المغالطة: شديد اللدد، غير مستقيم الرأي، وأنه في بعض المواضع متخلف النظر، وأنه يجهل نفسية المتنبي كل الجهل، وأنه لا يعلم أسرار الألفاظ التي يستخدمها الرجل في شعره"، إلى آخر ما قلت في مواضع متفرقة من مقالاتى التي تضمنها الجزء الثاني من كتابي. كل هذا قلته وأشد منه، ولكني لا أقول إنه (رجل جاهل) كل ما قلت من ذلك محدود بمواضع نقدى لنصوص من كلامه، لا ينسحب شيء منه انسحابا مطلقا على كل كلام يكتبه، ولا على شخصه من حيث هو أستاذ من الأساتذة الكبار. وما من أحد من الناس يخلو من عيب في بعض شأنه، فإطلاق العيب على كل شأنه مجازفة، ولكن الأساتذة الكبار قد سَنُّوا من السنن سنة المجازفة، فكأنك أيضا معذور لأنك لم تملك إلا أن تقيس سُنَّتى في الكتابة على سُنة "الأساتذة الكبار" وأنا لست منهم في شيء بحمد الله وتوفيقه.
* * *

نحن لم نزل في الثالثة. فسياق كلامك أنى وصفت الدكتور طه بأنه " (رجل جاهل)، (لا بصر له بتذوق الشعر) ". وظاهر عندي أن مسألة "التذوق" مما تشغلك شغلا حتى ترددها تردادا، ولذلك، فأنا أظنها انزلقت منك في خلال هذه الجملة، حيث كان ينبغي أن تكفها وتحبسها.
نعم، أنا قلت مرارا لا أحصيها في كتابي وفي مقالاتى عن كتاب الدكتور طه "مع المتنبي" أن الدكتور: "لا بصر له بالشعر"، ولكني لم أقل قط أنه "لا بصر له بتذوق الشعر"، والجملتان غير متكافئتين في المعني، حتى تغنى إحداهما عن الأخرى أو تقوم مقامها. وأنا أعلم أن أهل زماننا يتساهلون في كل شيء، ويتساهلون خاصة في التعبير، بلا تحديد ولا تحليل لألفاظ اللغة. وكنت أحب لك أن لا تتابعهم على هذا التساهل. ولكني أعلم أيضا أن هذه هي أيضا إحدى السُّنن التي سنّها "الأساتذة الكبار"، فغلبت على الناس وعلى ألسنتهم، فأصابت منهم موقعا أغفلهم عن حقيقة الفساد الذي يجره هذا التساهل. فهل تأذن لي أن أبين عن نفسي؟
(2/1122)

في شهر فبراير سنة 1975، جاءني الأخ الأستاذ سامح كريم مندوبا عن مجلة الكاتب يسألنى سؤالا بمناسبة المشاركة في الاحتفال بذكرى وفاة الدكتور طه. وكان السؤال: "ما هو دور طه حسين في رأيك؟ ". وقد أجبته ونشرت الإجابة في مجلة الكاتب عدد مارس 1975 بعنوان "كانت الجامعة هي طه حسين". بدأت الإجابة بالقصة التي ذكرتها آنفا عن قراءتى على الشيخ المرصفي، وما عرفته منه من قراءة الدكتور طه عليه من قبل، قلت في مجلة الكاتب:
"فحفزنى ذلك على أن أسعى إلى لقاء الدكتور طه وإلى السماع منه (وذلك في سنة 1923)، فمن يومئذ عرفته من قرب. عرفته محبا لعربيته حبا شديدا، حريصا على سلامتها، (متذوقا) لشعرها ونثرها أحسن (التذوق). وعلمت أن هذا الحرص وهذا (التذوق)، كان ثمرة من ثمرات قراءته على المرصفي، فإني لم أر أحدا يحب العربية ويحرص على سلامتها كشيخنا المرصفي رحمة الله عليه. وكررت ذكر تذوقه في موضع آخر وقلت: ثم انتهى أمر الدكتور طه إلى أن صار من أكبر المدافعين عن اللسان العربي إلى آخر حياته، وأنه محال أن يحشر في زمرة الخبثاء ذوى الأحقاد من ضعاف العقول والنفوس الذين ظهروا في الحياة العربية لذلك العهد، بظهور سطوة "الاستعمار" وسطوة "التبشير"، وهما صنوان لا يفترقان ثم قلت:
"ودليل آخر، وذلك أنه حين انجلى غبار ما أثاره الدكتور طه بكتابيه: "في الشعر الجاهلي" و"مستقبل الثقافة في مصر"، وهما كتابان لا قيمة لهما من الوجهة العلمية، انجلت بعد ذلك نفس الدكتور طه، وناقض بما كتبه وبما قاله كل ما في هذين الكتابين من فساد. وَمَرُّد ذلك إلى هذه الخصال التي كادت تكون طبيعة في نفسه: من حبه للعربية وحرصه على سلامتها، وما هداه الله إليه من حسن (التذوق) لروائع البيان".
فهل تظن أن قائل هذا في الدكتور طه، يمكن أن يقول فيه "أنه (رجل جاهل)، ليس له بصر (بتذوق) الشعر هذا عجب أي عجب؟ ونعم أنا أقول
(2/1123)

الآن وقد قلت مرارا كثيرة في مقالاتى "بيني وبين طه" وغيرها أن الدكتور طه "لا بصر له بالشعر، لأن البصر بالشعر يحتاج إلى أشياء كثيرا جدا، أظن (أي استيقن هنا) أن كثيرا منها يفتقر إليه أستاذنا الدكتور طه. وهناك فروق كبيرة بين "المعرفة بالشعر"، "العلم بالشعر"، و"البصر بالشعر" فالأمر كما ترى، درجات تفرق بينها فروق ظاهرة أحيانا ودقيقة أحيانا أخرى. وهذا رأي في معرفة الدكتور طه بالشعر تستطيع أن تقول فيه أنى مخطئ، بلا ضير عليك في ذلك. وسواء كنت مخطئا أو مصيبا، فإنه لا يتيح لك البتة، أن تستخرج منه -وهو بهذا القدر من التحديد- أنى أقول أن الدكتور طه رجل جاهل لا بصر له بتذوق الشعر بإقحام "التذوق" إقحاما يخرج عبارتى عن معناها ومرماها. وبيان ذلك أن التذوق معنى عام مجمل مشترك الدلالة بين الناس جميعا: لكل واحد منها نصيب، وهو يقل ويكثر ويعلو ويسفل، ويصقل ويصدأ، ويجود ويفسد ولكنه على كل حال حاسة لا غنى عنها للإنسان.
وقد بينت بعض رأيي في "التذوق" في كتابي "أباطيل وأسمار"، حيث قلت:
"كل حضارة بالغة تفقد دقة التذوق، تفقد معها أسباب بقائها. والتذوق ليس قواما للآداب والفنون وحدها، بل هو أيضا قوام لكل علم وصناعة، على اختلاف بابات ذلك كله، وتباين أنواعه وضروبه. كل حضارة نامية تريد أن تفرض وجودها، وتبلغ تمام تكوينها: إذا لم تستقل بتذوق حساس حاد مرهف نافذ، تختص به وتنفرد، لم يكن لإرادتها في فرض وجودها معنى يُعْقَل، بل تكاد هذه الإرادة أن تكون ضربا من التوهم والأحلام لا خير فيه. فحسن التذوق، يعني سلامة العقل والنفس والقلب من الآفات. فهو (أي التذوق)، لب الحضارة وقوامها، لأنه قوام الإنسان العاقل المدرك الذي تقوم به الحضارة. وهذا شيء لا يكاد يختلف فيه اثنان فيما أظن"، (أباطيل وأسمار: 34).
وإذن، فلفظ "التذوق" لفظ مبهم مجمل الدلالة، ولكل حي عاقل مدرك منه نصيب يقل أو يكثر، ويحضر في شيء ويتخلف في غيره، وتصقله الأيام
(2/1124)

والدربة، وترهفه جودة المعرفة، والصبر على الفهم، والمجاهدة في حسن الإدراك. فبهذا القدر من دلالة اللفظ المجمل المبهم حين نقول "التذوق"، أقول إن الدكتور طه كان حسن "التذوق" للشعر أو لروائع البيان. وبهذا القدر أيضا صار الدكتور طه أديبا كاتبا متميزا من سواه في التعبير عن نفسه، أخطأ أو أصاب، غالط أو استقام، أو جز أو ثرثر، صح كلامه أو فسد، رضينا عن أسلوبه أو كرهناه. فلو صح أن أقول في الدكتور طه: "أنه رجل جاهل لا بصر له (بتذوق) الشعر"، لكان معنى هذا إخراجه من حيزه الذي هو فيه إلى حيز لا يكون فيه أديبا أو كاتبا، أي في حيز من لا يعتد به في الأدب أو في الكتابة. وهذا بلا شك، شيء لا يخطر ببالى، ولا يدل عليه شيء من حديثي عن الدكتور طه في كتابي هذا، ولا في سائر ما كتبت.
فانظر الآن، كيف فعل بنا أتباع سنة "الأساتذة الكبار" في التساهل في التعبير عن أنفسهم أحيانا، وفي نقل ما ينقلون بغير لفظه من كلام غيرهم؟ أنا لست من الأساتذة الكبار في شيء بحمد الله وستره، فأنا أرجو أن لا تُجْرِى عليَّ أو على كلامي سُنَّتهم، وأَجْرِ هذه السنة على كلامهم هم: "فأول راض سنة من يُسَيِّرها". ويحسن هنا أن أضع عبارتى التي أحزنتك، فاستخرجت منها عبارتك الحزينة عن رأيي في الدكتور طه، حين ذكرت المقالات التي كتبتها بعنوان: "بيني وبين طه"، فقلت:
"وحين بدأت أكتب، كنت قد حددت طريقى تحديدا كاملا، وهو أن أواجه الدكتور طه بثلاث حقائق:
= الحقيقة الأولى: أنه في أكثر أعماله "يسطو على أعمال الناس سطوا عريانا أحيانا، أو سطوا متلفعا بالتذاكى، والاستعلاء والعجب أحيانا أخرى".
= الحقيقة الثانية: أنه لا بصر له بالشعر، ولا يحسن تذوقه على الوجه الذي يتيح للكاتب أن يستخرج دفائنه وبواطنه، دون أن يقع في التدليس والتلفيق.
(2/1125)

= والحقيقة الثالثة: إن منطقه في كلامه كله مختل، وأنه يستره بالتكرار والترداد والثرثرة" (المتنبي 1: 140).
فأنا أقول في الدكتور طه: "لا بصر له بالشعر، ولا يحسن تذوقه على وجه يؤدى إلى كيت وكيت -فصارت العاقبة، عاقبة التساهل: "رجل جاهل لا بصر له بتذوق الشعر" وبالتساهل أيضا صار "التذوق" المقيد بقيد، "تذوقا" جامحا مطلقا بلا قيد، فاكتسح في طريقه أخص خصائص الدكتور طه، وأجمل قدراته"! غفر الله لنا ولك، أيها العزيز.
وقبل أن أسلت نفسي من هذه الثالثة، أحب أن أقول لك: أنى كنت أتمنى أن تصدر مقالاتك الخمس هذه الجملة: "أنه لشيء محزن أن يصل اللدد في الخصومة حدا يجعلنا نسلب طه حسين أخص خصائصه، ونتجاهل أجمل قدراته، ونصفه بأنه رجل جاهل لا بصر له بتذوق الشعر". لأنك لو كنت فعلت ذلك، كان أبين عن طريقك في النظر إلى كتابي وكتاب الدكتور طه، وعن فصلك في القضية بيني وبينه. فالرحي لا تدور إلا على قُطْب، وهذه الجملة هي القطب، فكان تقديمها أولى من تأخيرها، لأنه منك قضاء فاصِلٌ بأنى بنيت ما كتبته على خصومة تحملنى على الجور حملا. هكذا أظن.
ولا أدري، منذ الآن هل تستطيع أن تصدقنى أو لا تستطيع، إذا أنا قلت لك: أنى منذ وقعت في المحنة، محنة "قضية الشعر الجاهلي" ورميت بنفسي في أهوالها التي كادت تفضى إلى الهلاك، لم يعصمنى فيها إلا آية سورة المائدة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. فمنذ خمسين سنة، قذفتنى القواذف في المعمعة، فأنا أخوض الغمرات في قضايا الفكر والنظر وأطأ على أشواك الاختلاف والتناقض، وتتخطفني خطاطيف الشكوك والريب، وأقف على شفا حفرة من النار، لو زلت بي قدم
(2/1126)

لهويت على نار لا قرار لها سبعين خريفا. ولولا إخباتى لله بالطاعة فيما أمرنا به من القيام بالقسط، والاحتراز من الجور، وكف النفس عن تحكيم الشنآن (1) في كل قضية من آلاف القضايا التي يَعُبُّ عُبابها في بحار الفكر والنظر، لكنت قد هلكت منذ دهر طويل هلاكا لا مخلص منه. فهل تظن بعد ذلك أنى أكفر نعمة الله عليّ بنجاتى من ماحقات الدين، فأعمد إلى تحكيم الشنآن والخصومة في شيء هين لا خطر له، مثل كتابي وكتاب الدكتور طه عن المتنبي، فاتخذ الجور في الخصومة مذهبا، لا لشيء إلا لأسلب الدكتور طه بعض خصائصه وقدراته؟ ؟ هل تظن؟ رحم الله شيخ المعرة:
أَطَلبتُم أدبا لديَّ؟ ولم أزلْ ... منه أُعانِى الحجر والتَّفْليسا
وأردتمونى أن أكون مُدَلِّسا؟ ... هيهاتَ! غيري آثرَ التدليسا؟
__________
(1) الشنآن: البُغْض.
(2/1127)

المتنبي ليتني ما عرفته
- 2 -
أيها العزيز، كانت نيتى، كما تعلم، أن أجعل ما أكتبه، تعقيبا على مقالاتك الخمس، مقالة واحدة، ولكن القلم جمح بي جماحا أنا غير راض عنه، فاجتزأت بالقدر الذي نشرته، وأجلت الباقى. ومع التأجيل تتغير طبيعة سرد الأفكار. ومضت أيام، وحل ميعاد كتابة المقالة الثانية، فكعادتى، عدت أقرأ ما كتبته في المقالة الأولى، ولم أكد أنتهي إلى آخر ما ختمت به المقالة، وهو بيت شيخ المعرة:
وأردتمونى أن أكون مُدَلِّسا؟ ... هيهاتَ! غَيْرى آثر التدليسا!
حتى رأيتنى بما كتبت، قد وقعت في ردغة التدليس، (والردغة: الوحل الكثيف المتماسك الذي يعسر الخلاص منه). وذلك أنى من شدة إلحاحي على نَفْى كل (خصومة) بيني وبين الدكتور طه تظن أنت أنها أدت لي إلى الجور عليه في الكتابه عنه، كدت بفعلى هذا أن أوهم القارئ أن الخلاف بيني وبينه كان، ولم يزل، مقصورا على "مسألة الشعر الجاهلي"، وما ارتكبه هو في سبيلها، وما اقترفته الجامعة وأساتذتها يومئذ من التستر على فعلته التي فعل. وهذه هي ردغة التدليس التي وقعت فيها. ولكى أُزيل هذا التدليس الذي أوحت به مقالتي الأولى، رأيته واجبا عليّ أن أبين الأمر بيانا واضحا.
لم تكن بيني وبين الدكتور طه نفسه (خصومة) ما منذ عرفته إلى أن أفضى إلى ربه. نعم، ولكن نَفْى هذه (الخصومة) لا يعني البتة إني راض كل الرضى أو بعضه عن سائر أعماله وآرائه، فالعكس هو الصحيح، الدكتور طه أديب كبير، له كتب كثيرة مختلفة الأنواع، وله آراء كثيرة مبثوثة في ثنايا كتبه، وله أساليب في البحث والنظر والاستنباط، وله قدرة متميزة على تصوير آرائه وأبحاثه وسائر
__________
(*) مجلة الثقافة، السنة السادسة - العدد 61، أكنوبر سنة 1978، ص 4 - 18.
(2/1128)

ما يعالجه في كتبه ومقالاته. فأنا أحب أن تكون على بينة من رأيي، لكي تبنى حكمك وقضاءك بيننا على بصيرة.
ليس الأمر أمر (خصومة)، ولكنه أمر خلاف، خلاف بعيد الجذور. يبلغ حد التباين الكامل في الأصول. وهذا التباين الكامل في الأصول يفضى إلى تباين كامل في الآراء التي تنبع من هذه الأصول. وهذا التباين كان معروفا واضحا عندي وعند الدكتور طه على السواء منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الأجل المُسَمَّى. وأنا لم أكتب شيئا كثيرا في نقد أعمال الدكتور طه وآرائه مدة حياته، ولكن الذي كتبته على قِلَّته كان يحمل في ثناياه وجوه التباين في الأصول، وفي طريقة تناول الأدب والتاريخ، وفي أسلوب تكوين التفاصيل التي تبنى عليها الصورة التي يصورها الكاتب بقلمه وبيانه، فمن أجل ذلك كان حكمى واضحا صريحا على كثير مما كتبه في التاريخ والأدب، ككتابه "على هامش السيرة"، وكتابه "الفتنة الكبرى"، وسائر هذه الفصيلة، وأنها بُنِيَت بناء فاسدًا كل الفساد، بفساد التفاصيل التي أعدها ونظر فيها واستخرج منها مادة كتابته، ولما جئت إلى النظر في كتابه "مع المتنبي"، كان بينا فيما كتبت، مقدار الاختلاف بين الأصول التي يصطنعها الدكتور طه، وبين أصولى التي أبنى عليها ما أكتب. ودع عنك مسألة الاستلهام أو الاجتهاد، أو الاستعارة، أو "الاستلال في خفة" فإنها ليست كل المسألة. ليست الجوهر، بل هي العرض، كما يقول أصحاب المنطق.
كنت أحب أن تتوقف عند هذا، لأن قضاءك كان محتاجا إليه، لتنصف في القضية. ولكنك أغضيت عن التباين في الأصول، فلم تجد تفسيرا لما تجده عندي إلا (الخصومة) الداعية إلى الجور. وعلى كل حال، فعسى أن أكون قد أزلت بهذه الكلمة القصيرة، ما أوقعتنى فيه المقالة الأولى، من التدليس عليك أو على القراء. لا (خصومة) بيني وبين الدكتور طه، نعم، ولكن بيني وبينه خلاف يبلغ حد التباين في الأصول، يجعل حكمى على كثير مما كتب أشد مما هو ظاهر فيما كتبته في كتابى "المتنبي" أو غيره من المقالات. وهذا حسبنا إن شاء الله. ونعود الآن إلى ما كنا فيه، بعد أن فرغنا من الثالثة.
(2/1129)

أما الرابعة: فهي أيضا في مقالتك الثالثة، (الثقافة: مارس سنة 1978) والتي جعلت عنوانها: "قضية التذوق الفني بين شاكر وطه حسين". وقبل كل شيء، أحب أن أثبت هنا نص الحكم الذي قضيت به عليّ في أثنائها حيث قلت: "والأستاذ شاكر مولع بهذا الجدل، مولع بهذا الصراع العقلي". . ولا أدري هل أستطيع، إعتابا لك وترضية، أن أغسل عقلي ونفسي وقلبي من أوضار هذا الذي طُبِعت عليه وأُولِعتُ به؟ ولكني سأحاول ما استطعت، مستعينا بحول الله وقوته على تكذيب أبي الطيب في قوله: "وتأبى الطباع على الناقل"، وما ذلك على الله بعزيز.
هذه المقالة الثالثة محيرة لي أنا. أربعة أسطر فيها لا أكثر، حركت فيّ تاريخا كاملا، حاولت أن أقص طرفا منه فيما مضى، حتى أطلت وأمللت. وكان الذي جر هذا أن ابتداء الأسطر الأربعة يتضمن لفظا مجلوبا من التوهم المحض، وهو (الخصومة)، وأنها بتمامها وختامها تتضمن ألفاظا بنيت صياغتها على التساهل في التعبير عن المعاني، فضلا عن التساهل في فهمها من كلامي، وذلك حين نسبت إليّ أنى وصفت الدكتور طه بأنه (رجل جاهل لا بصر له بتذوق الشعر). أما الآن، فأنا في حيرة أشد حيرة، لأن موضع التعقيب مبثوث في أسطر المقالة كلها، أي في أكثر من ثلاثمئة سطر. فمن أجل ذلك رأيت أن ألخص ما فيها تلخيصا أرجو أن يكون معينا لي ولمن يقرؤه.
1 - ذكرت في رأس مقالتك هذا العنوان: "قضية (التذوق الفني) بين شاكر وطه حسين"، ثم قلت في فاتحته إن من أخطر القضايا التي تهمك قضية (التذوق الفني)، لأنها قضية جمالية -وأنك لا تهتم، في المقام الأول عند دراسة الشعر، إلا بهذا (التذوق الفني الجمالى)، ثم لما فرغت من عرض أصل القضية بيني وبين طه قلت: "وقضية التذوق الفني من أعقد القضايا في مجال الدراسات الإنسانية". ثم عرضت بعد ذلك ما تظن أنه رأيي أنا في (التذوق) من نص نقلته من كلامي، ثم قلت: "وقبل أن أناقش هذه (القضية الجمالية) أرجو أن لا يغضب أستاذنا الجليل محمود شاكر، وألا يعتبره دفاعا عن طه
(2/1130)

حسين، فقد أفضى إلى ربه، ولا يحتاج إلى دفاع مني أو من غيري. . هذه واحدة. وأخرى، أننى لن أتناول تصور الدكتور طه يرحمه الله (للتذوق الفني) للشعر، ولا للأسس النظرية لمناهجه المتطورة في النقد، فهي معروفة للقراء، وفي كتب مطبوعة أكثر من طبعة".
2 - ثم قلت: "ونحن نلاحظ عيبا أساسيًا في منهج الأستاذ شاكر حول هذه القضية. فهو يتصور أنه المبتدع الأول لفكرة (التذوق الفني)، وأن تطبيقها على شعر المتنبي الذي تم على يديه، ليس له نظير في القديم ولا الحديث". ثم نقلت بعد ذلك نصا طويلا من كلامي، منتزعا من سياق استدلالى على سطو الدكتور طه على بعض ما في كتابي، وعلى تقليده لي في بناء كتابه، ثم في مواضع بعينها مما وقفت عنده من شعر أبي الطيب، وهذا النص مذكور في كتابي (المتنبي 2: 96، 97)، ثم عقبت عليه بقولك: "وبصرف النظر عن الغلو الذي يبدو في هذا الكلام، فإن وضع القضية على هذا النحو، هو الذي أوقع أستاذنا في هذا العيب الأساسى".
3 - ثم عقبت على هذا بما يأتي: "وفكرة التذوق الفني معروفة منذ أقدم العصور. . والأساس النظرى لعملية (التذوق) كما حددها الأستاذ شاكر معروف، منذ حدد ابن سلام الجمحي، المتوفى في الثلث الأول من القرن الثالث الهجري؛ في مقدمة كتابه "طبقات الشعراء" الأسس الموضوعية لتذوق الشعر". وجئت بنص ابن سلام. ثم قلت أيضا: "ويحدثنا ابن الأثير في المثل السائر. ." وجئت بنصه، ثم قلت: "وهذه كلها معروفة في القديم والحديث".
4 - ثم لما بلغت معى إلى التسليم جدلا بكل ما جاء في كتابي حول كتاب طه، قلت إنه لا يصدق إلا على 98 صفحة في الطبعة الأولى التي أربت على 700 صفحة، ثم قلت: "ومع ذلك، فمعظم الانتقادات التي جاءت في كتاب الأستاذ شاكر، يدور حول أمور بعيدة عن (التذوق الفني)، مثل الحديث عن نسب أبي الطيب، وعلاقته بجدته، وقرمطيته، أو الخلاف حول ترتيب القسم الأول من ديوانه، وهي أقرب إلى الجدل العقلي، منها إلى (التذوق الفني)،
(2/1131)

والأستاذ شاكر مولع بهذا الجدل العقلي، مولع بهذا الصراع العقلي. ولقد صرفه هذا الولع في كتابه إلى مجموعة من الأقيسة المنطقية والقضايا العقلية، أخضع الشعر لسطوتها، ليثبت أمورا لا علاقة لها بقضية (التذوق الفني)، مثل علوية أبي الطيب، وسجنه لإظهار هذا النسب، وحبه لخولة أخت سيف الدولة، وترتيبه لقصائد القسم الأول. ثم جاء (التذوق الفني) شيئا ضئيلا على هامش هذه القضايا العقلية. وبذلك أصيب منهج الدراسة بالضمور في جانب، والتضخم في جانب آخر. أما كتاب طه حسين، فعلى العكس من كتاب الأستاذ شاكر، اهتم أولا بالدراسة (الفنية) و (التذوق الجمالى)، وجاءت القضايا الفكرية على هامش هذا (التذوق الفني)، وهو منهج "مستقيم في النقد والدراسة الأدبية".
5 - ثم قلت: "على أن تصور محمود شاكر (النظرى للشعر) يحتاج إلى مراجعات وملاحظات. فلو تأملنا النصوص التي سقناها في هذه الدراسة من كلامه، لاكتشفنا للوهلة الأولى أنه يتخذ الشعر وثيقة نفسية، يستخرج منها حياة أبي الطيب وطبائعه وعواطفه وآماله وآلامه وأحزانه -كما يتخذ منه وثيقة تاريخية تسهم في تعديل أخبار الرواة القدماء أنفسهم أو تجريحها، أو استخلاص الصدق من نصوصها، ونفي ما زيفه (التذوق). وهذا مفهوم غير خصب (للتذوق الفني)، يحول العمل الأدبي إلى وسيلة لخدمة غاية خارجية. وبذلك يتحول الأدب إلى وثائق تاريخية، أو اجتماعية، أو نفسية، أو يصبح انعكاسا مباشرا لحياة الناس وأهوائهم ونزواتهم، واصطراعهم في الحياة". انتهى التلخيص.
وهذا التلخيص لا يغنى بطبيعة الحال، عن قراءة المقالة كاملة. وأنا لم آت بهذا التلخيص المخل لكلماتك، لكي أناقشها وأناقش الآراء التي تضمنتها المقالة: بل لأجعل القارئ على بينة صريحة من المحور الذي تدور عليه المقالة وما فيها من الآراء، والمحور كما هو ظاهر، هو لفظ "التذوق الفني الجمالى".
والبلوى، أن لفظ (التذوق الفني والجمالى) عندك، ناشب نشوبا غريبا في جميع أسطر المقالة، وفي جميع الآراء التي تضمنتها، وفي جميع الأحكام التي
(2/1132)

أصدرتها عليّ! والبلوى أيضا أن لفظ (التذوق) عندي أنا، ناشب هو الآخر نشوبا غريبا في مقدمة كتابي "المتنبي"، وفي كثير مما كتبت منذ زمان طويل. والفرق بين لفظى ولفظك، أن لفظى هو دائما عندي عار من كل زينة، (التذوق) لا غير، ولفظك عندك هو دائما في أتم زينة، (التذوق الفني والجمالى). وأنا أخشى أن أقترب من لفظك في زينته، لأنى إن فعلت ذلك، سقطت فجأة في جوف المنطقة الملتهبة، منطقة الجدل والصراع العقلي! فلم أجد لي مذهبا سوى الاقتصار على لفظ (التذوق)، كما استعملته أنا، ولم أزل استعمله.
وواضح جدا أنى ملتزم بأن أقول "التذوق" عاريا، وأنك مغرى بأن تقول "التذوق الفني والجمالى" في أتم زينته. ولا بأس عليّ ولا عليك إن شاء الله، ولكن البأس يحتدم احتداما حين تعد معنى اللفظ العارى، وهو "التذوق" عندي، مطابقا تمام المطابقة لمعنى اللفظ المتأنق عندك، وهو "التذوق الفني الجمالى"، فالتماسا لبركة العلماء القدماء والمحدثين، وتعرضا لنفحاتهم، أسلك مسالكهم في تدبر معنى "التذوق"، ثم لا أمس لفظك المتأنق، إلا بقدر اشتراكنا في لفظ "التذوق". ثم صدقنى أنى لا أفعل ذلك إلا التماسا للبركة وتعرضا للنفحات، واتقاء للفحات اللهب، لا إيثارا للجدل، ولا ولعا بالصراع العقلي، معاذ الله الذي أسأله أن يحط عني وعنك الخطايا.
و"التذوق" مصدر قولك "تذوقت الشيء تذوقا"، ومرده إلى "الذوق"، وهو مصدر قولك "ذاق الطعام أو الشراب ذوقا"، وهذا "الذوق" عمل من أعمال اللسان، حين يلتمس صاحبه تعرف طعم مأكول أو مشروب، وعمل اللسان في تبين طعوم الأشياء المختلفة أو المتشابهة، لا يختلف في ذاته ولا يتعدد. فالذوق، إذن، مصدر دال على حدث (أي فعل) معين متميز غير مبهم. وهو في هذا شبيه بقولنا: "جلس جلوسا" و"قعد قعودا" وأضرابهما. فالقعود والجلوس كلاهما دال على حدث معين متميز غير مبهم: لا يختلف أحدهما أو يتعدد، باختلاف الأفراد الذين يفعلونه، مهما تعددوا واختلفوا.
(2/1133)

ولا يختلف ولا يتعدد أيضا باختلاف عمل الأفراد في الجلوس والقعود، أو بتعدد صور جلوسهم وقعودهم. والذي يقال في "ذاق الشيء ذوقا" يقال مثله في "تذوَّقْتُ الطعام أو الشراب تذوُّقا" ولا فرق، إلا أن هذه الصيغة الأخيرة تدل على تكرار عمل اللسان مرة بعد مرة، في طلب تعرف طعم المأكول أو المشروب، لا غير. هذه حقيقة معنى "الذوق والتذوق" في أصل اللسان العربي.
ثم لما نقل هذان اللفظان من مدارج الحقيقة إلى معارج المجاز، تغيرت دلالتهما تغيرا تاما. بيان ذلك: أن معنى نقلهما من الحقيقة إلى المجاز، هو صرف اللفظين عن التعلق بالجارحة وهي اللسان، وعن الأجسام التي هي المأكول والمشروب وما يجرى مجراهما = ثم توجيههما إلى التعلق بالمعاني المجردة التي لا أجسام لها أو إلى التعلق بأجسام لا عمل للسان في تبين طعومها البتة. وفي الحالين تسقط الجارحة، وهي اللسان، عن لفظ "الذوق" و"التذوق"، ويسقط أيضا "الجسم" الذي يقع عليه فعل هذه الجارحة من المأكول والمشروب عند تعلقهما بالمعاني المجردة التي لا أجسام لها. فإذا تعلقا بجسم لا عمل للسان فيه، بل كان العمل فيه لجارحة أخرى غير اللسان، اكتسب لفظ "الذوق" أو "التذوق" معنى مبهما غير محدد من فعل هذه الجارحة الأخرى في ذلك الجسم بعينه، على وجه من الحقيقة لا المجاز. وفي الحالتين جميعا يصبح فقط "الذوق" أو "التذوق"، مصدرا يدل على حدث مبهم غير معين ولا متميز. وبذلك تغيرت دلالة اللفظين تغيرا تاما، وأصبحت قابلة للوقوع على أنواع متعددة مختلفة.
فإذا قال القائل: "ذُقْتُ القوس" وهي الأداة التي يرمى بها الرامى بالسهام، فالقوس جسم، ولكنه لا يدخل في معنى شيء من الأشياء التي يحاول المرء أن يتعرف طعمها باللسان، فبديهة اللغة، وبديهة متكلميها، تُسقِط عندئذ عن لفظ "الذوق" جارحةَ الذوق، وهي اللسان، وتُكْسِبه قدرا غير محدد من فعل جارحة أخرى، وهي اليد، لأن مراد القائل بقوله: "ذقت القوس"، إنما هو ما يعمد إليه بيده من اختبار جسم القوس، من حيث خفتها وثقلها، أو خشونتها وملاستها،
(2/1134)

أو لينها وشدتها عند نزع الرامى عليها بالسهم. بل ربما اشتركت العين أيضا في تبين طولها وقصرها، واستوائها واعوجاجها، إلى آخر ما يتطلبه اختباره جودة القوس وصلاحها لأحسن رَمْى الرامى بسهامه. فهذا هو المطلوب من "ذوق القوس". فلفظ الذوق في هذه الحالة، حين سقط عنه عمل الجارحة وهي اللسان، صار دالاًّ على حدث مبهم غير معين ولا متميز، ولكنه بوقوعه على "جسم" تعمل فيه جارحة أخرى، وهي اليد، اكتسب قدرا مقدورا من التحديد. أزالت عنه بعض الإبهام الذي أستغرقه وأكسبته قدرا مقدورا من التعين والتميز. ولكن الإبهام لم يزل عنه زوالا تاما. هذه هي الحالة الأولى.
أما إذا قال القائل: "ذقت العذاب، وأنا أفعل كذا وكذا"، اختلف الأمر اختلافا فاصلا، فإن "العذاب" الذي وقع عليه "الذوق" إنما هو معنى من المعاني المجردة لا جسم له، ولا تعمل فيه جارحة اللسان ولا جارحة أخرى من الجوارح. هذا فضلا عن أن "العذاب" معنى من المعاني متعدد الحقائق، متعدد الصور فبديهة اللغة وبديهة متكلميها، تُسْقِط عندئذ عن لفظ "الذوق" عمل الجارحة إسقاطا تاما، لأنه تعلق بشيء ليس بجسم له طعم من مأكول أو مشروب. وبإسقاطها يدخل اللفظ في الإبهام دخولا صريحا. وزيادة على ذلك فإن "العذاب" المتعدد الحقائق والصور، يكسبه قدرة على التعدد والتنوع في مواقعه على ما يقع فيه، فإذا كان إسقاط الجارحة هنا قد جعل "الذوق" مصدرا دالا على حدث مبهم غير متعين ولا متميز، فإن وقوعه على "العذاب" وهو معنى من المعاني لا جسم له، يغرقه إغراقا في الإبهام وانعدام التعين والتميز. لا، بل إن تعدد الحقائق والصور التي يحملها لفظ "العذاب" تزيد زيادة كثيفة في إبهامه وعدم تعينه وتميزه، وهذا غاية الغايات في الإبهام إلا أن الذي حَسَّنه وجعله مقبولا أن "العذاب" على إبهامه مما تدركه الحواس إدراكا لا مرية فيه. ومن هنا أشبه الحالة الأولى بعض الشبه وهذه هي الحالة الثانية.
ومن البين أن الذي قلته في لفظ "الذوق" عندما نقل من مدارج الحقيقة إلى معارج المجاز، يصدق كل الصدق على لفظ "التذوق" لأنه فرع عنه، جاء
(2/1135)

للدلالة على تكرار عمل اللسان في "الذوق" مرة بعد مرة، طلبا لدقة التعيين والتمييز في الطعم والنكهة. و"النكهة" من عمل الأنف لأنها تتبين الرائحة مع الطعم. وهذا حسبنا من التماس البركات، والتعرض للنفحات. وعسى أن أكون قد وفقت بعض التوفيق فيما كتبت آنفا، فإن أحد أسباب كتابته أنى أردت أن أزيل الغموض عن الصفات التي وصفت بها لفظ "التذوق" في أواخر مقالتي السالفة، حيث قلت: "إن التذوق معنى عام مشترك الدلالة بين الناس جميعا، يعلو ويسفل، ويصقل ويصدأ، ويجود ويفسد، ولكنه على كل حال حاسة لا غنى عنها للإنسان" = وحيث قلت أيضا: "إن التذوق لفظ مبهم مجمل الدلالة، ولكل حي عاقل مدرك منه نصيب، يقل ويكثر، ويحضر في شيء ويتخلف في غيره، وتصقله الأيام والدربة، وترهفه جودة المعرفة، والصبر على الفهم، والمجاهدة في حسن الإدراك". فلعله صار واضحا بعض الوضوح ما أردته بقولي إنه "معنى عام مشترك الدلالة بين الناس جميعا"، وبقولي: "إنه لفظ مبهم مجمل الدلالة".
وهذه الألفاظ التي تدل على حدث مبهم غير متعين ولا متميز، هي في طبيعتها ذات نماء سابغ متوهج، وذات غنى مفعم وثراء مكنوز، ولكنها أيضا، وهو ما يهمنى هنا، ذات خطر مرهوب على جميع مذاهب القول والفكر والنظر. فإن فيها من القوة الغامضة ما يجعلها قادرة قدرة مطلقة على تضليل المتكلم والسامع جميعا، وهي التي تتيح لفكرة "التأويل" (أعني تأويل اللفظ المفرد والكلام المركب، وإخراجه من معنى ظاهر إلى معنى باطن) = أن تسيطر سيطرة كاملة على العقل أحيانا. وهذه القوة الغامضة، والقدرة المطلقة على التسلط، كانت ولم تزل من أكبر أسباب ضلال المتصوفة والمتكلمين والفلاسفة وأشباههم، فيها ضلوا وأضلوا، وهي أيضا العامل الحاسم أحيانا في توسيع هوة الاختلاف بين المختلفين في الرأي وفي تفسير الألفاظ والتراكيب، لأنها تعين على تشقيق الكلام وتفريعه تفريعا يغرق الاختلاف في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض من الأهواء ونوازع النِّحَل
(2/1136)

المختلفة. يضاف إلى هذا أننا، نحن البشر، لا نرتاب أقل ارتياب في أن "اللغة" هي أداة التفكير، وأداة البيان. هذه حقيقة واقعة لا يختلف فيها أحد. ولكننا بالتدبر والتأمل نعلم أن "ألفاظ اللغة"، أي لغة كانت، ليست محددة المعاني تحديدا قاطعا حاسما في كل لسان، وعند كل أحد، وفي كل زمن من أزمنة هذا اللسان = ونعلم أيضا أن "تركيب ألفاظ اللغة"، وهي الجمل وأساليب دلالتها المختلفة، ليست هي الأخرى محددة تحديدا قاطعا حاسما واضحا في كل لسان، وعند كل أحد، وفي كل زمن من أزمنة هذا اللسان. ومعنى ذلك أن ادعاءنا أن "اللغة هي أداة التفكير. وأداة البيان، قضية غامضة، قضية موهمة، قضية إذا امتحنتها وجدتها غير مطابقة للواقع"، ومع ذلك فنحن بهذه "اللغة" نفكر، وبها نتفاهم! قضية مشكلة! ولكن هكذا كان، وهكذا خلقنا! وأنا أحب أن أعفيك، أيها العزيز، من المشقة، فأحيلك على ما كتبته في كتابي "أباطيل وأسمار" (ص: 514 - 517 وما بعدها)، حيث قلت ذلك في حديث طويل عن "اللغة"، وعن لفظ "الدين" وغيره من الألفاظ، أحيلك أيضا إلى ما أشرت إليه في مواضع متفرقة من الكتاب، تقوم على هذا الأصل من الرأي. فلو أذنت متفضلا فاطلعت عليه، لكان ذلك عونا لنا على ما نتلمسه أنا وأنت من الحق تلمسا.
وأنا أحدثك عن نفسي، فأنا منذ حاولتُ تلمُّس طريقى في المسالك الوعرة الشائكة التي قذفت بي فيها المقادير المقدرة، أطبقت عليّ الشكوك والريب في معاني الألفاظ التي نستعملها والتي استعملها من قَبْلُ أسلافنا، وفعلنا ذلك، وفعلوا بلا مراجعة، لوضوحها فيما نظن. يومئذ لم يكن لي مطلب سوى مطلب واحد، هو أن أجد برد اليقين في نفسي في شأن "الشعر الجاهلي"، وفي شأن ما نسميه "إعجاز القرآن"، كما قلت في كتابي، (المتنبي: 1: 47، 48). ويومئذ تبينت لي مشكلة "اللغة" ومتشابهاتها ومبهماتها تبينا كاملا، حين وقعت في حومة الاختلاف بين المختلفين، وأطبقت عليَّ الشكوك المدمرة، وتنازعتنى هذه المتشابهات المبهمات حتى كادت تمزقنى، فلم أجد لي سبيلا إلى النجاة
(2/1137)

بنفسي، ولا منفذا إلى برد اليقين في نفسي، إلا طرح الاستهانة بخطر اللغة، وخطر الألفاظ والتراكيب التي تجرى على الأقلام والألسنة سهلة واضحة كل الوضوح فيما نتوهم. وهذه الاستهانة داء قديم عند البشر، ولكنها كانت عند أسلافنا -رحمهم الله-، محدودة بحدود صارمة من الجد والإخلاص للعلم والمعرفة، لم تمنع عنهم شر خطرها كل المنع، ولكنها كفت منه: وهيأت لفئة منهم أن تكون ظاهرة بالحق على سائر الفئات الأخرى التي استهانت بخطر المبهمات والمتشابهات، كالمتصوفة والمتكلمين وغيرهم فضلّوا وأضلوا، كما قلت.
أما اليوم، فيؤسفني أن أقول لك، أيها العزيز، أن أكثر هذه الحدود الصارمة التي كانت عند أسلافنا، قد طمست وأمحت معالمها، بإعراضنا عما كان عتدهم، واستخفافنا بما كانوا يلتزمون به استخفافا مزريا بنا وبهم جميعا. ومن أخطر ذلك سُنَّة الاستهانة الجامحة باللغة، وبالألفاظ، وبالتراكيب ودلالاتها على المعاني، ثم إهدارها جميعًا إهدارًا كاملًا، واطراح التدبر والتأمل في المبهمات والمتشابهات اطراحا طائشا أحيانا. هذه السُّنة، هي إحدى السُّنن التي سَنَّها "الأساتذة الكبار" في حياتنا الأدبية، واستشرى الأمر وتفاقم على مر السنين، وتكاثرت الجراثيم الفتاكة، وعز الطبيب المداوى، وأصاب جيلنا "طريقا نافذا فسَلَكَ" (1)، وقد تخفف من كل عبء يعوق حركته من حد أو التزام أو معاناة، أي تحرر من كل قيد يقيده. وحين أقول "حياتنا الأدبية" فإني لا أعني الأدب وحده، أو الشعر وحده، بل أعني كل ما كانت "الكلمة" أصلا فيه من أدب وشعر ودين وفلسفة وعلم، إلى آخر هذه السلسلة المتشابكة.
ولذلك، فهي قضية يطول شرحها، كما ترى أيها العزيز، ولكنك وقفت معى ولم يأخذك فيها الملل أو التبرم بي، ولم تستحوذ عليك سُنَّة من سُنن "الأساتذة الكبار" في إهدار الألفاظ ودلالاتها، والاستهانة بها وبخطرها،
__________
(1) جزء من عجز بيت لأيى العلاء، استشهد به الأستاذ -رحمه الله- في المقالة السابقة ص 1116.
(2/1138)

واطراح التدبر في مبهماتها ومتشابهاتها تخففا من الأعباء، وتفلُّتا من القيود = فأنا عندئذ على ثقة من قدرتك على استبانة ما أوجزته هنا، استبانة تغنينى عن كل شرح وتفصيل. وقبل كل شيء، فأنا لم أكتب هذا إلا لك وحدك، أما قراء هذه المجلة، فلست على ثقة من أمرهم حين يقرأون هذا الكلام، على هذا السياق، لأنى لا أعلم عن أحد منهم شيئا يغنى. فإذا سخطوا عليّ، فهين سخطهم في مرضاتك، وإذا رضوا عني، فبفضلك أنت كان رضاهم، وهذا اعتذار مني إليهم. وأيا كان الأمر، فإني إنما اضطررت اضطرارا إلى ركوب هذا المركب، إذ ليس عندي ولا عند القراء مني، ما كان خليقا أن يعفيك ويعفيهم من كل مشقة. ليس عندي قليل ولا كثير مما عند الدكتور طه: الذي أعفاهم وأعفاك من أن "نتناول تصوره (للتذوق الفني)، أو الأسس النظرية لمناهجه المتطورة في النقد، فهي معروفة للقراء، وفي كتب مطبوعة أكثر من طبعة"، كما قلتَ آنفا في الفقرة الأولى مما لخصتُه من مقالتك الثالثة. ليس عندي شيء من هذا، ولا أنا بهذه المنزلة الموجبة لإعفائك وإعفاء القراء.

القول في "تذوق الشعر"
والمسألة الآن في تحرير القول في اللفظ المشترك بيني وبينك، حيث أقول أو تقول: "تذوَّقَ الشعر" أو "تذوَّقتُ هذا الشعر". وأبدأ هنا بلفظ "الشعر" الذي يتعلق به "التذوق"، متجنبا استعمال هذه التحف التي ألطفنا بها زماننا، من ألفاظ مشكلة غامضة غير مستقرة، مثل "الشكل" و"المضمون" وأخواتهما وبنات عماتها وبنات خالاتها. ولكى يكون حديثي عن "الشعر" واضحا في ففسك، فأسألك أن تكون على ذُكْر دائم غير متقطع من أن "الشعر" كلام، وأن "الكلام" أصلا هو اللفظ المسموع لا المكتوب، فإن أكثر حديثي هنا يتضمن ما يوجب أن يكون هذا المعنى حاضرا في الذهن، وإن لم أكتبه. وأنت بلا شك تدرك، لماذا سارعت فسألتك أن تفعل ذلك، وإن كان مثل هذا السؤال غير لائق أحيانا، ولكن لولا ذلك لما سألتك.
(2/1139)

القول في "الشعر"
ولفظ "الشعر" في لغتنا، وفي سائر اللغات التي عرف له فيها اسم متميز، قديم موغل في القدم، محدود الدلالة عند جميع واضعيه، قبل أن تكثر فيه لجاجة عصرنا وثرثرته، في لغتنا وفي غير لغتنا. هو لفظ موضوع وضعه الأوائل والأسلاف القدماء للدلالة على ضرب من ضروب "الكلام"، يفترق افتراقا ظاهرا واضحا عن سائر ضروبه التي تجرى على ألسنة المتكلمين باللغة. ولولا أنهم قد وجدوا هذا الفرق الظاهر وجدانا ظاهرا في أنفسهم لما كان بأحد منهم حاجة إلى تخصيص ضرب من "الكلام" الذي يجرى على ألسنتهم باسم متميز. . فإن الله تعالى حين خلق هذا الخلق، أنعم عليهم بالقدرة على "النطق" أي على "الكلام المسموع"، وأودعهم قدرة كامنة أخرى هي أجل وأعظم، وهي القدرة على "البيان" بهذا الكلام المركب، عن كل ما يمكن أن يجول في أنفسهم وفي ضمائرهم، وهذا الذي يجول في الأنفس والضمائر غيب مستور لا يمكن تحديده أو تفسيره تفسيرا واضحا، وكيف يجئ وكيف يذهب؟ وبهذه القدرة الكامنة قضى ربك أن يلتمسوا في بعض صور "الكلام"، قدرا من الكلام المركب أبلغ وأخفى وأغمض في الإبانة عن دخائل نفوسهم. أي هو قدر زائد على ما هم محتاجون إليه من "الكلام" في التفاهم والتعايش وقضاء الحاجات الحاضرة وكذلك فعلوا ما قضى ربهم عليهم.
وصار في "الكلام" ما هو مطلوب بالضرورة للتفاهم والتعايش وقضاء الحاجات، وصار فيه أيضا ضرب آخر من "الكلام" موسوم بالتجويد في ألفاظ اللغة وتراكيبها، تعبيرًا عن أغمض ما يجول في أنفسهم، أو في أنفس بعضهم، من معان لا تلجئهم إليها الضرورة إلى الحاضرة في التفاهم والتعايش وقضاء الحاجات. وهذا الضرب الأخير، كما هو ظاهر، متضمن بطبيعته للمعاني المختلفة الوجوه والغايات، والتي تنبع أصلا من القلب والعقل والنفس ومن تجارب الحي في الحياة. وعلى مر الزمن، صار الفرق واضحا وضوحا لا يكاد يخفى بين كلامين: كلام التعايش والتفاهم، وكلام البيان عن النفس. وعلى مر
(2/1140)

الزمان أيضا وصفوا هذا الأخير من الكلامين بأنه "كلام بليغ مبين"، وبأشباه لهذه الصفات، على ما في هذه الصفات من الغموض عند النظر، وإن كان معناها في الحقيقة ظاهرا في سر الأنفس ظهورا لا مرية فيه.
ولو استمر أمر أصحاب كل لغة على هذا القدر من الفرق الذي تدركه السرائر بين الكلامين المسموعين لما كان بهم حاجة إلى زيادة ضرب ثالث من "الكلام" على هذين الضربين، يفردونه باسم متميز كما انفرد ما ينطقونه باسم متميز وهو "الكلام"، ولاقتصروا على "الوصف" المميز بين كلامين لا غير. ولكن ظهر على مر الأيام ضرب آخر منبثق من "الكلام البليغ المبين" المسموع، تميز بميزة زائدة ظاهرة تقع في الأسماع والأنفس موقعا آخر، فميزوه باسم متميز محدود هو "الشعر". وهذه الميزة الزائدة على ما في "الكلام البليغ المبين"، هي ما يدركه السمع فيه من التناسق والتوازن في وقع الكلمات المركبة، ومن تتابع تساقطها على سمع السامع تتابعا تستلذه الأذن أولا، وتنسرب ذبذبة من هذه اللذة تخامر القلب والعقل والنفس وسائر القوى التي يكون بها إدراك معاني "الكلام". وهذا موضع الفرق الحاسم لا غير، بين "الشعر" وبين كل "كلام بليغ مبين". مهما كثرت اللجاجة في زماننا، في البحث عن فروق أخرى، يراد لها أن تطغى على هذا الأصل العتيق المتقادم في إدراك البشر = الأصل الذي دعاهم، أو ألجأهم، إلى وضع لفظ "الشعر" للدلالة على ضرب متميز منبثق من "الكلام البليغ المبين"، ولا يفارقه إلا بهذا القدر من التناسق والتوازن، لا غير.
وحديثنا عن لفظ "الشعر" على هذا الوجه، يصرفنا صرفا إلى قَسِيمه وضريعه، وهو لفظ "النثر". وهو في جميع اللغات التي عرفت لفظ "الشعر"، لفظ متأخر الوضع، أي هو اصطلاح متأخر لاحق، لم يكن بأحد حاجة إلى وضعه، لولا اهتداء الناس منذ أقدم عصورهم إلى تسمية ضرب خاص متميز من "الكلام البليغ المبين" باسم منفرد هو "الشعر" للدلالة على ميزته الظاهرة في تركيبه وبنائه ونظامه، ولذلك فقد أصاب أسلافنا حين عرفوه بأنه "كلام موزون مقفي" غاية الإصابة. فلما تقدم بهم الزمان، احتاجوا إلى وضع اسم للكلام البليغ
(2/1141)

المبين المستجاد، فسموه "النثر"، اختصارا. ولذلك فلفظه في أكثر اللغات مأخوذ من لفظ يدل على نقض الشيء أو تفريقه وتغيير نظامه وحركته، لأنهم حين وضعوه اصطلاحا موجزا، كانوا ينظرون بعين إلى ما يتميز به "الشعر" من التناسق والتوازن والاتساق وإذا تأملت هذا بعض التأمل، لم تجد لما يسمونه في زماننا: "الشعر المنثور" معنى يفهم، لأن لفظ "النثر" مغن عن ذلك كل الغناء، ولأنه ممكن أن يحتمل "النثر" كل ما يحتمله "الشعر" من معان وخصائص، ولأنه لا يزيد عندئذ عن أن يكون "كلاما بليغا مبينا" قد استعار من ضريعه وقسيمه بعض ما جدَّ عنده، ثم ظل، كما كان، مفارقا ذلك الضرب من "الكلام" الذي يقتصر فيه الناس على التفاهم والتعايش وقضاء الحاجات.
وإذا كان ذلك كذلك فلفظ "الشعر" إذن، ليس يدل دلالة صريحة على معنى من المعاني المجردة، بل هو في حقيقته: حروف مركبة في كلمات، وكلمات مركبة في جمل، جمل مقدرة التناسق والتوازن فيما بينها ولكنه ينفرد عن (النثر) بعدئذ، بضرب خاص من التناسق والتوازن مقدر محدود، يكمن في سره نَغَمٌ متساوق يتحدر في تركيب الحروف والكلمات والجمل. وهو بهذا التكوين المتميز الذي يفرق بينه وبين "النثر"، أي "الكلام البليغ المبين" تنتظم فيه المعاني المختلفة الوجوه والغايات، نابعة من أقصى أغوار القلب والعقل والنفس وتجارب الحياة. وهذا قدر كاف في الحديث عن "الشعر" بل لعل قليله كان يغنى عن كثيره.

القول في "التذوق"
فإذا عدنا إلى قولنا: "تذوقَ الشعر" أو "تذوقتُ الشعر"، فإن بديهة اللغة وبديهة متكلميها تسقط عن لفظ "التذوق" هنا عملَ الجارحة، وهي اللسان، فيغرق الحدث أي الفعل الذي يدل عليه عندئذ في الإبهام، وينعدم معه التعين والتميز، وتعلقه هنا بلفظ "الشعر"، وهو على كل حال أشبه بأن يكون معنى من المعاني لا جسم، ولا تعمل فيه جارحة بعينها من الجوارح، فهو بذلك لا يستطيع
(2/1142)

أن يكسب لفظ "التذوق" شيئا يعين على توضيح بعض إبهامه، أو يَسْتَحْيي شيئا مما انعدم من تعينه وتميزه. وكذلك ترى أن "التذوق" هنا حدث (أي فعل) واقع في صميم الحالة الثانية التي ذكرناها آنفا، أي في صميم الغموض والإبهام الذي انعدم معه التميز والتعيين. وأصبحنا نحتاج إلى إعادة النظر في دلالة هذا التركيب.
ويحسن هنا أن نتوقف قليلا عند وقوع "الذوق" و"التذوق" على معنى من المعاني المجرَّدة وتعلُّقه به. فإن "العذاب" مثلا معنى من المعاني المجرَّدة، ولكن تعلُّق "الذوق" به في قولنا: "ذقت العذاب"، إنما صح وحسن، لأن "العذاب" معنى تدركه الحواس إدراكا لا مرية فيه. كما قلت آنفا، ولكنك إذا قلت: "ذقت الفهم" أو "ذقت الكذب" أو "ذقت الإيمان"، وثلاثتها معان مجردة، فهو كلام ساقط مرذول، لأنه فقد التجانس والتطاعم بين طرفيه. ولا يخرجه من رذالته وسقوطه إلا أن تجلب إليه عاملا آخر يعين على التجانس والتطاعم بين طرفيه، فتقول "ذقت لذة الفهم"، و"ذقت وبال الكذب" و"ذقت حلاوة الإيمان"، وما أشبه ذلك من صريح اللفظ أو متشابهه، فيعتدل الكلام عندئذ ويستقيم ويتطاعم طرفاه بهذه الواسطة، وتذهب عنه رذالته وسقوطه. وهذا أمر بين إن شاء الله.
ولنطرح الآن الإلف جانبًا، لأن الإلف يضلل كما يضلل الهوى، ولنُقْبِلْ بأنفس بريئة من سطوة جواذبه ونوازعه، على النظر والتدبر فيما نقوله: "تذوقت هذا الشعر"، أو "تذوق الشعر". و"التذوق" هنا ببديهة اللغة وبديهة متكلميها: حدث مبهم غير متميز ولا متعين، إذ سقط عنه عمل الجارحة، وهي اللسان، سقوطا لا رجعة فيه، وبقى خِلْوا من كل بديل يقوم مقام هذه الجارحة في كشف الإبهام عن صاحب هذا الحدث (أي الفعل)، وينجده بعض النجدة بإكسابه شيئا يدنيه من التعين والتميز. وبيان ذلك أننا حين قلنا: "ذقت العذاب"، فإن "الذوق" صار خِلْوا من الجارحة صاحبة الحدث، وهي اللسان، وصار حدثا مبهما غير متعين ولا متميز، وبلا صاحب يُحْدِثه. ولكن "العذاب"،
(2/1143)

وهو معنى من المعاني المجردة، أكسبه صاحبا مبهما بعض الإبهام، يقوم مقام الجارحة الساقطة عنه، وهو الجسم المحس للعذاب، أو النفس المحسة للعذاب، أو ما شئت = وأكسبه أيضا بعض ما يميزه ويعينه، بالذي هو مضمر في لفظ "العذاب" من إدراك الحواس للوجع والألم واللذع وأشباه ذلك. فهل استطاع "الشعر" هنا، أن يكسب "التذوق" صاحبا يقوم مقام الجارحة التي سقطت عنه؟ ! أو أن يمنحه بشيء مضمر فيه (أي في الشعر) تدركه الحواس، بعضِ ما يدنيه من التعين والتميز؟ أظن أن لا.
فإذا كان لفظ "الشعر" غير قادر بنفسه على شيء من ذلك، كما نرى حتى الآن، فقد وقعنا اضطرارا في حيز هذه المعاني العاجزة عن إحداث التجانس والتطاعم بين طرفي الكلام، مثل "الفهم" و"الكذب" و"الإيمان"، ودفعنا النظر دفعا إلى طرح "تذوقت هذا الشعر" على ركام من الكلام الساقط المرذول الذي فقد التجانس والتطاعم بين طرفيه. ولا تجزع أيها العزيز، لهذا المصير، فقد تعاهدنا أن نقبل على هذا الأمر بأنفس بريئة من جواذب الإلف ونوازعه، أي أن ننخلع انخلاعا من "دروشة" الصوفية وأشباههم.
هل ينفع "الشعر" أنه، كما قلنا أحرف مركبة في كلمات، وكلمات مركبة في جمل، وأنه على الجملة "كلام" بليغ مبين، وأنه لولا "اللسان" لما كانت الأحرف والكلمات والجمل والكلام البليغ المبين وأن "اللسان" هو أداة إبلاغه إلى سمع السامع؟ ونعم، هذا عمل اللسان بلا ريب ولكنه عمل لا ينفع "الشعر" شيئا، لأنه، قبل كل شيء، عمل مباين كل المباينة لعمله الأول وهو "التذوق". ثم يزيد الأمر خبالًا أننا، بلا شك حين نقول "تذوقت الشعر" مجرد تذوق أنفس الأحرف، وأنفس الكلمات، وأنفس الجمل، ونفس الكلام المركب منها مجردة جميعها من المعاني. ثم يزيده خبالا على خبال: أن الأحرف والكلمات والجمل والكلام المركب من جميعها، ليس اللسان سببا في إحداثها وتكوينها وتركيبها بل المُحْدِث والمُكَوِّن والمركب فاعل آخر غيره، وإنما اللسان واسطة للأداء والتبليغ، ليس غير، وإذن فعمله هذا في "الشعر" فضلة زائدة معينة للفاعل
(2/1144)

الأول، فهو عمل مموه غير صريح الفعل، ولا أصيل النسبة إلى "الشعر". وعندئذ، فقد بقى لفظ "التذوق" هنا حدثًا لا صاحب له، فاقدا للعامل الذي يحدث التجانس والتطاعم بين طرفي الكلام، أي لما يُكْسِبه التعين والتميز ويخرجه من الإبهام المطلق.
وأخرى، هل ينفع "الشعر" أن أحرفه وكلماته وجمله ومعانيه أيضا، يجرى فيها جميعا تناسق أو توازن مقدر، ويكمن في سرها نغم مُتَساوِق يتحدَّر في تكوينها وتركيبها تحدُّرا يدركه السمع، حين يتتابع تساقُطها على سمع السامع تتابعًا تستلذه جارحة السمع، وهي الأذن؟ عسى أن يكون ذلك نافعا بعض النفع، إذا كان لفظ "الشعر" مقصور الدلالة على ما يميز كلاما من كلام من هذا الوجه ليس غير. فكون لفظ "التذوق" معلقا بلفظ "الشعر" من حيث هو نغم مستكن في أحرفه وكلماته، لا أكثر ولا أقل. فبهذا المعنى وحده يتجانس طرفا الكلام ويتطاعمان، ويخرج قولنا "تذوق الشعر" من الرذالة والسقوط، لأن صريح معناه هو "تذوقت نغم هذا الكلام"، لا غير، بلا عمل للتذوق في معانيه ولا في تركيبه. وهذا بلا ريب، ليس إلّا جزءا يسيرا جدا مما نعنيه حين نقول: "تذوقت الشعر" وإذن فهو غير مُغْنٍ ولا نافع كل النفع.
وأشياء أخرى كثيرة يمكن أن تقال أيضا، إذا نحن أمعنا إمعانا في التأمل والتدبر والتحليل ونحن في حالة البراءة من سطوة الإلف الذي يملك القدرة على أن يضللنا كما تضللنا الأهواء. وأيًّا ما كان، فهذا القدر كاف في أن يدلنا منذ الآن على أننا مهما جئنا به من وجوه التبرير والتحليل فسوف ننتهي إلى شيء واحد مصمت محدد، وهو أن قولنا: "تذوقت الشعر"، لفظ مشكل مجمل مبهم الدلالة غارق في الإبهام لأن صاحبه الأول، أي فاعله على الحقيقة؛ وهو جارحة "اللسان"، قد سقط عن هنا سقوطا لا رجعة فيه: ولأن لفظ "الشعر" لفظ عاجز عجزا عن أن يُكْسِبه صاحبا جديدا معينا متميزا، يمكن أن يتولى إحداث هذا الفعل يكون بديلا من صاحبه الذي سقط عنه، والذي كان معلوما مفهوما وإن لم يُذْكَر لفظه الذي يدل عليه حين نقول: "تذوقت العسل أو الطعام" وهو
(2/1145)

جارحة "اللسان" التي هي جزء لا ينفصل عن الفاعل الذي أسند إليه ههنا "التذوق"، وهو أنا أو أنت أو هي، الذي تدل عليه "التاء" الأخيرة في "تذوقت".
وإذن، فقد أصبح قولنا "تذوقت الشعر" قولا مهددا تهديدا مخوفا، بأن يُؤخَذ، بمرة واحدة وبِرُمَّته، فيُلْقَى على ركام مطروح بعضه فوق بعض من الكلام الساقط المرذول الذي فقد التجانس والتطاعم بين طرفيه، وليس ينجيه من هذا المصير الكئيب، إلا أن نتلمس صاحبا شهم الشمائل نافذ الجراءة يخف إلى نجدته، لا لينتشله من الغرق في معاطف الإبهام والغموض بل لينتاشه قبل كل شيء من دنس الهلاك قبل أن يهوى في قرارة السقوط والخساسة.
وهذا مطلب شريف، لأنه لفظ عزيز على وعليك أيها العزيز. ولكي نهتدي إلى هذا "الصاحب" الذي يملك من النخوة والشهامة والجراءة، ما يحفزه ليثب مسرعا إلى استنقاذه من التهلكة الموبقة، أراه لزاما أن نريح هذين اللفظين "تذوقت الشعر" من كل عناء يوجبه التنقير والتفتيش عن هذا "الصاحب"، وذلك يقتضينا أن نرفه عنهما بتنكُّب طريق التدبر والتأمل والتحليل: الذي يؤدى بنا إلى إنهاكهما إنهاكا مفضيا بهما إلى التلف والبوار. وتنكبُ هذا الطريق، فيما أرى، واجب على كل ذي مروءة، لأنه طريق مسدود على سالكه، في نهايته هوة لا ينجو عليها ناج، مهما حاول وأراغ المهرب.
أما الطريق الآخر، فلست أحب أن أشق عليك فتشدّ رحالك بأنس الصحبة، فأغرر بك في سلوكه معى، فإن للصاحب في السفر ذمة ينبغي أن يرعاها صاحبه، بأن يكاشفه بغوائل الطريق وجوائحه (1) قبل ارتكابه. فهذا طريق قديم كنت قد سلكته منذ دهر طويل، في زمن محنة "الشعر الجاهلي"، التي ألقت بي بغتة في الأمر المخوف المهوب الذي تنخلع عنده القلوب، وهو إعادة النظر في شأن "إعجاز القرآن". نعم، قد نجوت قديما، بحمد الله وبرحمته، من غوائله ولمَّا
__________
(1) الجوائح: المصائب المهلكة.
(2/1146)

أَكَدْ، ولكني لم أكد أفارقه حتى انطرحت وحيدا، لاهثا داميا قد أثخنتنى الجراح، عند طرف منه قد أفضى بي إلى محجة واضحة المناهج بعض الوضوح. ولذلك فأنا أوثر اليوم أن أعاود السير فيه وحدي، بيني وبين نفسي لأنى أخشى أن يكون معالمه عندي قد درست وامحت، وخفي عني مدب أقدامى قديما فيه، وتهدمت بعض الصُّوَى (1) التي كنت نصبتها منارا حيث سرت، لكي أهتدى بها وأستدل على مذاهبى التي بلغت لي يومئذ طريقا قاصدا، كان لي موئلا ومفازا ونجاة وسلامة. ولذلك فأنا أخشى عليك أن تكون لي فيه صاحبا، بل كن لي مراقبا يرقب خطاى من بعيد، فإن وجدتنى قد أشرفت على تهلكة، فنادنى حتى ينقذنى من الضياع صوتك، فهذا معروف تفعله بأخيك، ليس عندي جزاؤه، ولكن عند ربك جزاؤه. وكل ما أملك أن أدعو الله أن يجنبك كل محنة كمحنتى التي بدأت أَصْلَى نارها منذ سنة 1928.
كانت "محنة"، وكان على أن أنجو أو أهلك فيمن هلك. تناهشتنى الشكوك والريب، ووجدتنى يومئذ مخذولا لا معين لي من داخل نفسي ولا من خارج نفسي. لا عِلْمَ عندي ينصرنى، ولا كتاب أعرفه يغيثنى. غدرت بي نفسي، ونكثت عهدها الكتب، وأحاطت لي الشكوك القواصم، وأطبقت على ظلمات بعضها فوق بعض، أخرج يدي فلا أكاد أراها. وكدت ساعة أن أنفض كل شيء نفضة واحدة، ضنا بنفسي على الهلاك، وطلبا للنجاة، ولكن لاح لي في الظلمات بصيص من نور، فامتثلت للحكمة المضيئة التي جرت على لسان الشاعر الجاهلي، الحُصَين بن الحُمام المُرِيّ:
تأخرتُ أسْتبقى الحياةَ، فلم أجدْ ... حياةً لنفسي مثل أن أَتقَدَّما
فلم أبال شيئا وتقدمت، "فأما لهذا وأما لذا"، كما يقول أبو الطيب. أحسبنى قد وقعت مرة أخرى منساقا إلى رواية تاريخ قديم غَبَرَ، لا يغنى ولا ينفع، ولكن عذرى أن كلامك قد صادف قلبا محزونا فتذكر:
__________
(1) الصوى: معالم تنصب في الطريق يهتدى بها المسافر.
(2/1147)

تذكر شيئا قد مضى لسبيله، ... ومن حاجة المحزون أن يتذكرا
كما يقول النابغة الجعدى، فاعذرنى مشكورا.
كان عليّ يومئذ، فيما رأيت، أن أنبذ علما كثيرا علمته، لا نبذ استخفاف به، أو إغفال له، أو استهانة بمن علَّمنيه، بل نبذ تخوُّف عليه مما أنا مقدم عليه، وتخوف على نفسي من مغبة سطوته عليّ، وهو على كل حال حاضر عتيد (1) لا يغيب عني وضعه، إن وجدت إليه حاجة فإنه يسعفني. ومحال أن يتخلى المرء عن كل علم، فهذا غرور بالعقل والنفس موغل في الجهالة، وكذب مغموس في لجج الباطل. فلابد إذن من علم أستعين به وأهتدى، وأنا موقن بسلامته من كل آفة، فلم أجد علما يقينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: إلا القرآن العظيم، فبه وحده اهتديت، وقصتى بعدئذ تطول وتتشعب، وتختلف فيها المسالك، وتتعدد عندي المطالب. وأخيرا وجدتنى ملتمسا مطلبا واحدا لا أستطيع أن أتجاوزه، حتى أجد في نفسي عنه بيانا شافيا أطمئن إليه. .
ما هو هذا "الكلام" الذي ميزنا الله به عن سائر خلقه وهم من حولنا صموت لا ينطقون؟ من أين يأتي؟ وكيف؟ ومم يتكون؟ وكيف يتخلق ويتصور؟ فإذا الجواب عن هذه الأسئلة مطلب مستعص على الغوص، مفض الى الحيرة، لأن حقيقته غائرة في قلب الأسرار المحجبة، أسرار "الخلق" التي لا يعلم علمها وخَبْأَها إلا الذي له وحده "الخلق والأمر" سبحانه. بيد أن "الكلام" شيء كائن بأمره كسائر ما هو كائن بأمره، فهو إذن آية كسائر آيات خلقه في السموات والأرض. فإن يك مستعصيا جواب هذه الأسئلة جوابا حاسما كاشفا عن حقيقته وأسراره، فإنه، من حيث هو آية من آيات الله، غير مستعص على التأمل والتدبر، بل هو واجب علينا أن نوفي هذه الآية حقها من التدبر والتأمل، لأنه هو سبحانه أمرنا أن نفعل حيث قال: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، فامتثالا وطاعة فعلت ما أمر الله به.
__________
(1) عتيد: حاضر قريب.
(2/1148)

ومنذ قليل قلت: "إن الله سبحانه حين خلق هذا الخلق، أنعم عليهم بالقدرة على "النطق"، أي "على الكلام المسموع" وأودعهم قدرة أخرى هي أجل وأعظم، وهي القدرة على "البيان" بهذا الكلام المركب عن كل ما يمكن أن يجول في أنفسهم وفي ضمائرهم. وهذا الذي يجول في الأنفس والضمائر غيب مستور لا يمكن تحديده أو تفسيره واضحا، كيف يجئ؟ وكيف يذهب؟ ". وعلى طول التأمل وجدت هاتين القدرتين توأمين لا يملكان أن يفترقا، لأن عمل الأجل الأعظم، وهو القدرة على "البيان"، معتمدا اعتمادا كاملا شاملا على أدناهما، وهو القدرة على "النطق" بالكلام المركب. ثم وجدت أيضا أنهما قدرتان متداخلتان لا سبيل إلى تمييز إحداهما من الأخرى إلا بآثارهما فيما يصدر عنهما من الكلام، أما تخليص إحداهما من الأخرى، فأمر ممتنع امتناعا حاسما على كل طامع.
وكل قدرة يملكها الإنسان، فلها في بنائه مكمن تستقر فيه، هو أداة صالحة لإظهار فعلها وعملها، كاللسان والأذن والأنف والعين واليد، والعقل أيضا على ما يكتنفه من الغموض = إلا هاتين القدرتين التوأمين المتداخلتين، فقد رأيته معجزا أن نلتمس لهما في هذا البناء الإنساني مكانا تستقران فيه، أو تنتسبان إليه انتسابا صريحا لا يشوبه تردد أو ارتياب. وفوق ذلك، فهاتان القدرتان العجيبتان الغامضتان قد انفردتا بخصائص غريبة كل الغرابة، تميزها بها عن سائر القُدَر الإنسانية. الأولى: أن لهما من خارجهما مترجم يترجم عنهما، وهو "اللسان" صاحب القدرة على "الذوق" وفاعل "الذوق"، فهو مؤد عنهما ما تفعلان، لا غير. والثانية: أن لهما من خارجهما مستقبلا يستقبل ما يؤديه عنهما "اللسان"، وهو "الأذن" صاحبة القدرة على "السمع" وفاعلته، فهي مستقبلة لما تفعلان لا غير، والثالثة: أن لهما مددا لا ينقطع يأتيهما من خارجهما، أي من جميع القوى الإنسانية المُدْرِكة المُحِسَّة، وعلى رأسها العقل والقلب والنفس. وهذا المدد وحده هو الذي يحركهما لأداء عملهما. ولولا هذا المدد المستمر، لبقيتا عاجزتين خامدتين لا تملكان قدرة على فعل شيء البتة. وطبيعة
(2/1149)

هذا المدد الذي لا ينقطع، وطبيعة تكون مادته، عمل غريب جدا، مستعص على التحديد والتفسير، ولكننا نجد آثاره كائنة ظاهرة في كل ما يمكن أن يسمى "كلاما" قابلا للإدراك والفهم.
وأعجب من ذلك وأغرب: أن جميع قوى الإنسان المدركة والمحسة، مقصور أثر ما تفعله وتحدثه وتدركه وتحسه على صاحبها وحده. وليس لقوة واحدة منها حافز يحفزها على تبليغ ما تحدثه أو تحسه إلى غير صاحبها البتة، ولا لإحداهن وسيلة قادرة على التبليغ والأداء. فالذوق واللمس والشم والسمع والبصر، جميعهن قوى تفعل أفعالها، وتدرك الطعم والجسم والرائحة والصوت والصورة، ولكن غير مستكين في طبيعة إحداهن حافز يحفزها إلى تبليغ شيء مما تجد إلى غير صاحبها، ولا تملك إحداهن وسيلة إلى هذا التبليغ. ومعنى ذلك إنه ليس عند أحد من أصحابها مترجم يترجم عنها، وليس عند أحد من البشر مستقبل يستقبل ما يمكن أن ينقله عنها مترجم. أي هي قُوى صُمّ بُكْم لا تبين، ولا تستطيع أن تفصح بما عندها إلا لصاحبها وحده، دون سائر إخوانه البشر.
وإذا اختصرنا الطريق اختصارا، ونظرنا في الأمر من وجه آخر، فسوف ننتهي إلى ما هو أعجب. فنحن نجده وجدانا ظاهرا لا شك فيه: أن هاتين القدرتين الغامضتين الكامنتين في مكان مبهم من أنفسنا نحن البشر، هما وحدهما القادرتان على احتمال كل ما تعمله قوى الإنسان أو تدركه. وأيضا، هما وحدهما القادرتان عن الإفصاح عما تفعله أو تدركه هذه القوى الصم البكم المقصورة على صاحبها وحده. وأيضا، هما وحدهما المالكتان لشيئين: مالكتان لوسيلة عند صاحبها مُترجِمة مُبْلِغة عن هذه القوى الصُّم البُكْم، تؤدى عنها بعض ما تدركه إلى إنسان آخر غير صاحبها = ثم مالكتان لمستقبل عند غير صاحبها يستقبل الترجمة ويبلغها ويؤديها إلى هذا الإنسان الآخر، وهذان هما "اللسان" و"الأذن"؟ . وعندئذ ينشأ سؤال محير بالغ الخطر، محفوف جوابه بالمبهمات من كل جوانبه. هذا المستقبِل، وهو الأذن، إلى أي قوة كامنة في الإنسان الآخر، تؤدى ما تحمل، أو تبلغها ما حملت؟ إلى أخوات هذه القوى
(2/1150)

الصُّم البُكْم نفسها في الإنسان الآخر؟ وبقليل من النظر، يظهر بُطْلان الجواب عن ذاك السؤال، إذا أجبت بنعم. فليس معقولا أو ليس موجودا أصلا: أن السمع يؤدى ما يسمعه من صفة الرائحة أو الطعم، يؤدى إلى أنفس السامع نفس الرائحة، أو يؤدى إلى لسانه نفس الطعم! ! وقس على ذلك سائر القوى الصُّم البُكْم التي يستعصى عليها إدراك شيء مما يحمله السمع من الأسماء والصفات. كل هذا الوجه باطل لا يعرج عليه.
وإذا بطل هذا، لم يبق إذن إلا أن السمع يؤدى ما يسمع إلى العقل أو القلب أو النفس، وثلاثتهن جميعا قوى مركبة معقدة مبهمة الأفعال غامضة التصرف، وإن كنا نجد آثار أفعالها وتصرفها واضحا وضوحا لا نشك فيه. كيف يكون ذلك؟ هذا سر من أسرار "الخلق" التي استأثر بعلمها خالق هذا الخلق، ومُودِعه من حكمته وتدبيره ما أودع. وإن كان هذا التفويض إليه سبحانه لا يعجب أهل زماننا و {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}. وعلى كل حال، فقد ألفنا أن نسند إلى ثلاثتهن إدراك جميع ما نسمعه (القلب والنفس هنا رمزان جامعان لقوى كثيرة معقدة خفية في الإنسان).
والذي اصطلح البشر على تسميته "العقل"، أخطر الثلاثة شأنا، وأجهرهن صوتا. و"العقل" على غموض أفعاله وتصرفه، هو أظهر العوامل، بل لعله العامل الأول الذي يمد هاتين القدرتين الغامضتين الكامنتين، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان)، بالمدد الذي يحركهما إلى أداء عملهما في تركيب ما نسميه "الكلام". ولكن هل هذا الذي نقوله أو نتصوره صحيح من كل وجه صحة تنفي عنه كل شك أو تردد أو ارتياب؟ هل يستطيع "العقل" مثلا أن يدرك ثم يبين إبانة ما عن "حلاوة الطعم" التي يجدها اللسان، مجردة من هذين اللفظين اللذين أنشأتهما عندنا "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان"؟ هل يستطيع "العقل" معزولا عزلا تاما عن هاتين القدرتين أن يقول: هذا أبيض، وهذا أسود، قبل أن يوجد عنده لفظ يدل على السواد أو البياض؟ هل هذا أو ذاك
(2/1151)

من عمل "العقل" منفردا بالإدراك؟ وعشرات من الأسئلة عن المعاني المفردة والمعاني المركبة، وكلها أسئلة لا يملك امرؤ أن يجيب عنها بقولٍ فَصْل جوابا غير قابل للقوادح التي تفسده أو تبطله، مهما ادعى ذلك المرء لنفسه من البسطة في العلم، ومهما سولت له نفسه أنه قادر على التغلغل في أسرار "الخلق" التي استأثر بها فاطر السموات والأرض ومن فيهن.
ومع كل هذا الغموض الذي يحيط بعمل العقل من نواحيه، فالتأمل يضطرنا اضطرارا إلى أن نسلم مرة بأن هاتين القوتين الغامضتين، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان) عاجزتان عجزا مطلقا عن أداء عملهما في إنشاء الكلام وتركيبه، لولا مدد العقل = وأن نسلم مرة بأن هذا "العقل" غير مطيق لأداء عمله في التفكير والتبين والتمييز إطاقة ندركها، لولا ما تمده به هاتان القوتان الغامضتان، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان)، من الألفاظ التي عنهما وحدهما تنشأ، وبفعلهما وحدهما تتركب، فيما نتوهم. فإذا سلمنا بذلك، فهذا إذن تداخل بين هذه القوى الثلاث ممتنع على الفصل، أي هو تداخل يدور في حلقة مفرغة، لا ندري من أين يبدأ، ولا إلى أين ينتهي. وكذلك يمكن أن يقال عن "القلب" و"النفس" ما قيل في العقل، وإن كان عملهما أشد غموضا من غموض عمل العقل وتصرفه. وهما، من ناحية أخرى، أشد تعلقا بالعقل، والعقل أشد تعلقا بهما.
وإذن، فهذه خمس قُوى: القدرة على النطق، القدرة على البيان، العقل، القلب، النفس، جميعهن قوى متداخلة تداخلا ممتنعا على الفصل، وجميعهن قوى متعانقة تعانقا ظاهرا، ولكن أعمالها جميعا تدور في حلقة مفرغة، وجميعها متغلغل بعضها في بعض تغلغلا باطنا لا يمكن تفسيره أو توضيحه أو تحديده. ويبقى شيء آخر أن هذه القوى المتداخلة بجميعها تتلقى عن الحواس الخمس الظاهرة أفعالها، في ذوق وملمس وشم وسمع وبصر، وتشترك جميعا في إدراك معناها وتبينه وتميزه. وهذا واضح كل الوضوح بعد الذي قلناه آنفا في شأن تداخل هذه القوى تداخلا ممتنعا على الفصل.
(2/1152)

ولكن يبقى بعد ذلك شيء مهم جدا، وهو الذي يعنينا هنا أول ما يعنينا. فأي هذه القوى الخمس المتداخلة المتعانقة المتغلغل بعضها في بعض، أيها أعظم شأنا، وأجل خطرا. ولكى نفضى إفضاء سريعا نافذا إلى جواب هذا السؤال، نأخذ هذه الخمس المتداخلات، فنعزل منها القوتين الغامضتين، وهما "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان". فماذا يكون مصير الثلاث الأخر؟ يسقطن جميعا من فورهن هاويات من ذُرَى الشَّرَف (1) التي استوت عليها، لكي تلحق بالقوى الصُّم البُكْم التي لا تطيق أن تفصح لنا عن عملها، بل عن وجودها، أي إفصاح. وإذا أرادت، فإننا نحن أنفسنا لا ندري عندئذ كيف ندرك ما تريد أن تفصح به، ولا ندري أيضا ما هي الوسيلة التي يمكن أن تملكها لتكون مترجمة مبلغة عنها، ولا من يكون المستقبِل الذي يستقبل الترجمة ويؤديها إلى إنسان آخر غير صاحبها. ومعنى ذلك أن "العقل" و"القلب" و"النفس" جميعا ينقلبن إلى قوى مصمتة صامتة عاجزة لا تبين، ولا نطيق نحن البشر عندئذ إدراك شيء من عملها هي، ولا تستطيع أن تبلغنا شيئا مما تدرك، بطل عمل "العقل" و"القلب" و"النفس" بطلانا لا رجعة فيه!
وإذن، فهاتان القدرتان النفيستان الغالبتان الغامضتان الكامنتان فينا حيث لا ندري ولا نعلم، "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان"، هما أشرف القوي وأنبلها وأعظمها سلطانا في بناء الإنسان، لولاهما لخرب البنيان: لولاهما لالتحق الإنسان التحاقا مطلقا لا رجعة فيه ولا مخلص منه بسائر خلق الله من الأنعام والبهائم العجماوات أو الجماد. لولاهما لسقط عنه التكليف، ولأشفق الشيخ أبونا آدم إشفاق السموات والأرض والجبال، حين عرض عليهن ربهن الأمانة، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، و {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، ومع ذلك، وبما حمل من الأمانة، كرم الله بنيه، وجعل منهم الأنبياء والصديقين والشهداء وأولى العلم الذين يشهدون مع الله قائما بالقسط ومع
__________
(1) الشرف: المكان العالى.
(2/1153)

ملائكته أنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم. فأي شرف هذا وأي تكريم؟ سبحانك، تباركت ربنا وتعاليت.
وما بلغتُ هذا المبلغ من ظهور سلطان هاتين القدرتين الغامضتين على جميع ما في الإنسان من قُوى، حتى استبان لي أن حياة هذه القُوى حياة يمكن أن نتبينها نحن، متوقف كل التوقف على وجودهما في الحلقة المفرغة التي اندمجن فيها جميعا، والتي لا تقبل الفصل وتستعصى على التقسيم. وإذن، فهاتان القدرتان أحقهن جميعا أن تكون أول من يبلغه السمع من الكلام المسموع. أحق من العقل، ومن القلب، ومن النفس، أي هما أحق قُوَى الإنسان جميعها بذلك. فهذا جواب السؤال عن "الأذن": إلى من تبلغ ما تسمع؟
والذي نجده في أنفسنا عند سماع الكلام البليغ المبين من الشعر وغيره، شاهد على صحة ذلك مقبول الشهادة إن شاء الله. يسمع أحدنا البيت المستجاد من الشعر فتأخذه بغتة عند سماعه هِزَّة وأريحية، ثم يردده في نفسه مرة بعد مرة، فربما مضت الأيام والليالى وهو لا يزال يتوغل في استحسان لفظه وما يتفجر منه من المعاني، ثم ينتبه مرة إلى عيب يشوبه أو يشينه. فالهِزَّة والأريحية توشك أن تكون من وقع هذه الألفاظ المركبة جملة واحدة على أوتار هاتين القدرتين الغامضتين الساريتين في الحلقة المفرغة، وهما صاحبتا السلطان فيها = أما الاستحسان وتفجُّر المعاني من الألفاظ، فيوشك أن يكون من اشتراك قُوَى الحلقة المفرغة جميعا، وهي تحت سلطان هاتين القدرتين في تقليب الألفاظ المركبة وتفليتها والتدسس في ثناياها وأغوارها مرة بعد مرة = وأما ظهور ما يشوبها من عيب أو يشينها، أي الحكم عليها، فيوشك أن يكون إعلانا لسطوة العقل وقدرته المطلقة على التبين والتمييز، حين استوى له، بعد لأي، أن يظهر سلطانه على جميع قُوى هذه الحلقة المفرغة. وهذه المراتب الثلاث في تجربتى، كادت تكون واضحة عندي كل الوضوح.
ولما بلغتُ هذا المبلغ، وجدته ظاهرا عندي أن "القدرة على النطق"، "والقدرة على البيان"، تعتمد إحداهما على الأخرى اعتمادا شاملا كاملا، كما
(2/1154)

قلت آنفا، وأنهما قدرتان توأمان متداخلتان لا سبيل إلى تمييز إحداهما من الأخرى إلا بآثارهما فيما يصدر عنهما من الكلام، وأن تخليص إحداهما من الأخرى أمر ممتنع امتناعا حاسما على كل طامع. فعندئذ آثرت أن أدمجهما معا في كلام واحد دال على قدرة مركبة، وأن أُغلِّب الأجلَّ الأعظم، وهو لفظ "القدرة على البيان"، اختصارا، وفرارًا أيضا من التثنية لغير ضرورة ملزمة، وأكبر من ذلك، إيثارا لما امتن الله به على عباده حيث قال: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [سورة الرحمن: 1 - 4].
ولما بلغت هذا المبلغ تأملت المراتب الثلاث التي ذكرتها آنفا، فوجدت أن لهذه القدرة المركبة الخفية المندمجة في الحلقة المفرغة، وهي "القدرة على البيان"، عملين يتجاذبانها: الأول عملها في إنشاء الكلام وتركيبه وإذاعته، وهذه هي "الإبانة"، والثاني عملها في استقبال الكلام المسموع الآتي من خارج، ثم تقليبه وتفليته والتدسس في ثناياه وفي أغواره مرة بعد مرة، وهذه هي "الاستبانة". وهي تعمل هذين العملين، والسلطانُ في الحلقة المفرغة سلطانُها الأعظم. فإذا ما أصابت هذا السلطان فترة أو وَهْن، انبعث العقل بسطوته يبسط سلطانه على الحلقة المفرغة مستقلا بالتبين والتمييز، منتهيا لإصدار أحكامه على هذا الكلام: وصارت هي من أعوانه في عمله كما كان هو من أعوانها قبل في عملها. فإذا أصدر حكمه فهي بإحدى المنزلتين: إما أن تقبل حكمه بالاستحسان أو الاستهجان طائعة راضية مستبشرة = وإما تسخط هذا الحكم بالاستحسان، أو الاستهجان وتألف أن تطيعه، وتستعلى عليه أحيانا بكبريائها، متهمة إياه بالتقصير في التبين والتمييز.
لما بلغتُ هذا المبلغ رأيتنى محتاجا إلى التوقف طويلا، متثبتا من أمرى في شأن "الإبانة" و"الاستبانة". أما "الإبانة"، فلها عندي حديث طويل متشعب، وفي الحديث عن "الاستبانة" طرف منه مجزئ، و"الاستبانة" كما قلت "هي العمل الثاني الذي تزاوله القدرة على البيان"، حين تتهيأ هذه القدرة لاستقبال الكلام المسموع الآتي من خارج، وتهتز له حين تتلقاه، ثم تشرع من
(2/1155)

فورها في تقليبه وتفليته والتدسيس في ثناياه وفي أغواره مرة بعد مرة. تتحسس ما أنشأه غيرها من أحرف وكلمات وجمل وتراكيب، بما أنست هي من القدرة والدربة على إنشاء مثله وتركيبه. وهذا عمل خفي غامض موغل في الغموض، تَعْسُر الإحاطة به أو تفصيله -ولكن أحدنا، إذا هو أطال تأمل ما يختلج في نفسه حين يسمع، مثلا، شعرا بارعا، أو يعيد ترديده في نفسه، أو يقرؤه على مُكْث مرة بعد مرة، فإنه واجد وجدانا خفيا حركة خفية من عمل هذه القدرة، نابضة في أقصى حسه. فإذا ألح، استبان له بعض عملها استبانة لا تكاد تخفى أحيانا.
فما الذي تطلبه هذه القدرة حين تشرع في "استبانة" الكلام الذي جاءها من خارج؟ هي الآن لمَّا تزل صاحبة السلطان الأعظم على جميع قُوى الحلقة المفرغة التي تعمل معها تحت سلطانها، وعلى رأسها "العقل". أكبر الظن أنها تطلب أول ما تطلب، أثر أختها وضريعتها عند الإنسان الآخر في هذا الكلام، في أحرفه وكلماته وجملة وتراكيبه التي تم التعبير بها عن معان متعانقة جالت في نفس صاحبها. وصاحبتنا تعلم علما ليس بالظن: أن الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب تنشأ عندها هي عن آلاف مؤلفة، وحشود حاشدة، وجماهير غفيرة، وموج لُجّى من أعمال الغرائز والطبائع والسجايا والشيم والشمائل والعواطف والشهوات والأهواء والنوازع، جموع بعد جموع تجيش في نفس صاحبها، من بين ثائر متفجر، وهامد الأنفاس. كلهم له عليها حق لازم، لأنه جزء لا يتجزأ من ضمير صاحبه وغيبه وحقيقته التي يتميز بها وينفرد عن سائر إخوانه من البشر. كلهم يطالبها أن تستعد للبيان عنه إثباتا لوجوده. وهي لا تملك إلا أن تستجيب لكل طالب حق. واستجابتها أن تتهيأ هيئة تعين على تميز صاحبها وانفراده عن غيره، وتعبئ قدرتها على الإنشاء والتركيب تعبئة تجعلها عند الحاجة صالحة للدلالة على كل منهم، وعلى وجوده أو حضوره. فكذلك تصبح "قدرة على البيان" متميزة بالدلالة على ضمير صاحبها وغيبه وحقيقته التي ينفرد بها عن غيره من البشر.
(2/1156)

معنى ذلك، أنها حين تمارس إنشاء الكلام وتركيبه، تحمل الأحرف والكلمات والجمل والتركيب ومعاطف المعاني التي تبين عنها أمشاجا متداخلة من الدلالات، ثم تفصل عنها حاملة آثارا مفصحة، أو مستكنة، أو عالقة، أو ناشبة في ثنايا الكلام وفي طواياه وفي أغواره، دالة دلالة على ما يتميز به صاحبها من أعمال الغرائز والطبائع والسجايا والعواطف والأهواء والنوازع، قديمة أو متجددة، ظاهرة أو باطنة. لا، هذا جزء يسير من عملها وخصائصها. فأكبر من ذلك أن هذه القدرة الخارقة الغامضة الغريبة المطيقة للتشكل، قادرة على أن تعبئ نفسها تعبئة صالحة للدلالة -بالأحرف والكلمات والجمل والتراكيب- على هيئة صاحبها وحركته وشمائله وسمته وعلى مئات من السمات الظاهرة والخفية التي يتميز بها صاحبها، تفصل عنها مغروسة في الكلام، ومغروسة أيضا في المعاني أحيانا.
وإذن، فهذه القدرة حين تلتمس هذه الآثار في كلام أتاها من خارج، فهي تمارس عملا خاطفا لأول وهلة في الاهتزاز له، ثم تبدأ تقلب وتفلى وتتدسس في الثنايا والأغوار، وتتحسس ذلك مرة بعد مرة، فترتاح ارتياحا لمهارة أختها الأخرى، أو ترضى رضا، أو ترفض، أو تنفر. فإذا فتر سلطانها في الحلقة المفرغة، اهتبل "العقل" هذه الفترة، فجاء بسطوته ليفرض سلطانه على الحلقة المفرغة، وشرع يفصل ويبين ويميز، ثم حكم، مستقلا بالحكم. فإما رضيت صاحبتنا عن حكمه أو أنكرته.
فهذا طرف من حديث "الاستبانة"، حين توقفت يومئذ عنده متثبتا. ولكني وجدت اللفظ غير كاف في الدلالة، ووجدت أهل زماننا قد أكثروا من ذكر "تذوق الجمال" و"تذوق الموسيقى"، "تذوق الشعر"، و"تذوق الفن"، فرأيته أحسن دلالة على ما تفعله "القدرة على البيان" من لفظ "الاستبانة" فآثرته عليه. وقد سألتنى أن أجد مكانا صالحا أقف عنده من حديثي هذا، فكأنه الآن أصلح مكان للتوقف، ثم أتابع القول في "التذوق" فيما بعد إن شاء الله. وأنا أرجو أن أكون قد استطعت أن أتبين بعض مدب أقدامى في هذا الطريق الموحش القديم، وأرجو أيضا أن أكون صادقا فيما عبرت عن نفسي، أو قصصته.
(2/1157)

وأنا أقول "أرجو أن أكون صادقا"، تخوفا على نفسي من أن أكون قد كذبت أو لفقت فإني رأيت القصاص المبدع والكاتب المطبوع، الأستاذ إبراهيم الوردانى قد فزع فزعا شديدا حين قرأ كلمتى السالفة، ثم أبدى عن فزعه في صواريخه، في صحيفة الجمهورية، يوم الخميس (19 من شوال 1398/ 21 من سبتمبر 1978، فقال إنه قرأ شيئا "مرعبا مخيفا، تدوخ له النفس، بل تتطاير". ولعل فزعه كان لما وجد فيه من ذكر "عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين"، وما كان من سطوه على أعمال الناس وادعائها والاستطالة بها استطالة باذخة، ثم نقل بعض كلامي وختم كلمته بقوله:
"عزيزى القارئ، أنقل عن الكاتب، ويأخذنى الدوار. فالكاتب هو "الأستاذ محمود محمد شاكر - 70 سنة". ورغم قلة شهرته، وعدم ذيوع صيته، إلا أن له في الأروقة الأدبية، ومنذ زمان، لقب الإمام الزاهد، بل الإمام الكبير الزاهد، حتى ولو لمحناه دائما يؤم للصلاة، ولا أحد من خلف ظهره). . . نعم. . نعم. . تهلع النفس أن يكون كذوبا ملفقا، ولكن الهلع الأكبر أن يكون صادقا أمينا".
وأنا أقول لأخى إبراهيم: لا تهلع أن أكون كذوبا ملفقا، فإن أكن ما تخاف، فإنما أنا رجل من الناس، فإن أك كاذبا فعليّ كذبى. وما عليك إلا تدخلنى في غمار الناس وتستريح، فلست "إماما" حتى تهلع، إنما الإمام من يتخذ المؤذنين يؤذنون له على المنائر وأسطح المنازل وأفواه الطرقات. لا مؤذن لي. فإن أكن مصليا، فصلاتى في غار ضيق لا أخافت بها ولا أجهر، والغار لا يتسع لمأموم واحد، فضلا عن زحام المأمومين! وإن يكن هلعك الأكبر لما يصيب "عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين" إذا كنت أمينا وصدقت، فاكفف من هلعك: فإنه غير مجد عليك شيئا، وخذ نفسك بما أمر به الفرزدق "النوار" أم ولديه، حين ماتا ابناها منه، فجزعت عليهما حتى كادت تتلف، فقال لها ضنًّا بها على التلف:
(2/1158)

فما ابناكِ إلا مِن بني الناس، فاصْبرِي ... وهل يُرْجِعُ الموتى حنينُ المآتمِ؟
رفِّه، يا أخي، عن نفسك، فالأمر كله أهون من ذلك، فإن الدكتور طه حسين في نفوس الناس أعظم وأجل من أن يصاب بشيء تكرهه، ولا يعمل فيه قدح قادح كذب ولفَّق، أو صدق وأدَّى الأمانة.
(2/1159)

المتنبي ليتني ما عرفته
- 3 -
في سحيق الأزمان والآباد التي لا يعلم مدتها إلا عالم الغيب والشهادة سبحانه، كان أبونا الشيخ، آدم -عليه السلام-، منجدلا في طينته، حتى إذا ما نفخ الله فيه من روحه، قام على رجليه حين قام، طيع الشفتين، مطلق اليدين، ممشوق القوام معتدله، مصورا في صورة تباين كل ما يحيط به من خلقه سبحانه. قام منذ أول نهضة نهضها على الأرض، و"القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة"، مودعة فيه مُعَدَّة، مهيأة للعمل من فورها، ليتلقى "التكليف" منذ أول وهلة.
هذه هي النشأة الأولى في لحظة خاطفة مضيئة، شهدها رجل واحد، ثم ضاعت وأظلمت في غمرة الآلاف المؤلفة من الدقائق والساعات والأيام والليالى والشهور والسنين والقرون الغوابر والأحقاب. أسدل عليها الحجاب، واستسرت في أعماق الأزمان والآباد والدهور السحيقة. لحظة انتهت، وانتهى بانتهائها كل ما وجده آدم في نفسه، حين أدرك نفسه، إذ أبصر وسمع وعقل واستجاب للتكليف. انقطع كل أمل أن تبقى هذه اللحظة ميراثا متجددًا حاضرا واضحا في نفوس أبنائه إلى آخر الدهر. لم يكن لنا سبيل إلى علم شيء عنها بوسيلة من الوسائل، ولولا الخبر الصادق الذي لم يبق على ظهر هذه الأرض خبر صادق غيره لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لعجز العقل عن تصورها أو توهمها عجزا قاطعا لكل رجاء. والذي نقرؤه عن "نشأة اللغة" عند البشر، بحثا عن اليقين الذي يعين على تصور هذه اللحظة الخاطفة المضيئة، موسوم كله بالقصور والبطء والتردد والتسكع، مُغلَّف كله بالغموض والعجز والحيرة وتكاثف الظلمات. ولذلك، فكل تفسير يراد به الوصول إلى حقيقة هذه "القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة"، سوف يظل محفوفا بأسباب الزلل،
__________
(*) الثقافة، السنة السادسة، العدد 63، ديسمبر سنة 1978، 4 - 17.
(2/1160)

مهددا بالمجازفة على غير هدى. ولكن أبناء آدم -عليه السلام- كلما فتح لهم باب من المعرفة فتح لهم به باب من الغرور، وكلما فتح لهم باب من العلم فتح لهم به باب من البغي والجدل، هكذا نحن، إلا من عصم الله.
وأنا أحدِّث هنا عن نفسي، فمنذ بدأت قديما في تدبر هذه الآية من آيات الله في أنفسنا، لم أزل أزداد على تدبرها وتأملها دهشة متصلة وحيرة لا تنقطع. وبين الدهشة المتصلة والحيرة التي لا تنقطع آثرت منذ قديم أن لا أتكلم، لا مبينا عن دهشتي وحيرتي ولا مفسرا لأسباب دهشتي وحيرتي. ولذلك، فلم أكد أقف في مقالتي السالفة عند حديث "الإبانة" و"الاستبانة"، (وهما العملان اللذان تتولاهما آية الله فينا، وهي "القدرة على البيان") لم أكد أقف، ثم أسلم ما كتبت الى رئيس التحرير حتى عدت على نفسي باللائمة والتقريع. فأنا حين كتبت ما كتبت، لم ألتزم بأن أكتب مبينا عن دهشتى وحيرتى، أو مفسرا لدهشتى وحيرتى. ولو كنت فعلت ذلك لكان أدنى إلى الصواب، وإن كنت عندئذ قد خرجت خروجا عما ألزمت به نفسي هذا الدهر الطويل. فالآن جاوز الحزام الطبيَين كما يقال في المثل (1) وأطعت من كان ينبغي على أن أعصيه. سولت لي نفسي أن تجاوز هذا القدر الذي كان لزاما على أن أمسك نفسي عليه، فأرمى بنفسي في تيه ملتبس المعالم من النظر والاستنباط وتقرير الحقائق. ليتني ما فعلت! ولكن هي النفس!
والنفْس كالطفل، إنْ تُهمله شبَّ على ... حُبّ الرضاع، وإنْ تَفْطِمْهُ ينفطمِ
كما يقول البوصيرى، وأنا في خلوتى لم أفطم قط نفسي عن شيء من النظر والاستنباط .. كان الأمر مقصورا على الخلوة، فالآن صرت إلى العلانية. من الذي أضل خطاى فأخرجنى من خلوتى؟ المتنبى؟ ليتني ما عرفته! ولكن،
__________
(1) يُضْرَب عند بلوغ الشدة منتهاها. والطبى للحافر والسِّباع: كالضرع للشاة والناقة وغيرهما.
(2/1161)

ما جدوى التمنى! لابد مما ليس منه بد. فلنعد، إذن إلى حديث "الإبانة" و"الاستبانة" و"التذوق"، وإن كان التوقف والانقطاع، فلنعد إلى بعض التكرار، لأريح القارئ من بعض العنت والمشقة.

تتمة القول في التذوق
خليط هائل يموج بعضه في بعض من الحب والبغض، والصدق والكذب، والشك واليقين، والعفة والدعارة، والود والمداهنة، والاستقامة والمراوغة، والغضب والرضى والتقوى والفسق، والشجاعة والجبن، والنشاط والسأم، والطمع والقناعة، والصبر والجزع، والألم واللذة، والحزن والفرح، والغش والأمانة، والأنفة والاستكانة، والطيش والحلم، والطلاقة والعبوس، والسفه والوقار، والخسة والنبل، والعقل والجنون، والحقد والصفاء، والجفاء واللين، والفطنة والغفلة، والسكينة والهلع، والحياء والقحة، والدماثة والشراسة، والقسوة والرقة، والزهو والتواضع، والخبث والطيبة .. وألوف مؤلفة من الخواطر والهواجس، والهواتف والوساوس، والنوازع والشهوات والغرائز والطبائع، والأهواء والعواطف، والشيم والشمائل. وبحور متلاطمة من أفكار مركبة، وصور مصورة، متجددة الظهور والاختفاء، والثورة والخمود، تتصادم وتأتلف، وتتزاحم وتنفض، تضيئ وتنطفيء، وتثب وتغوص، وتعدو وتدب، وتعوى وتغمغم، وتقدم وتهرب .. هول هائل يجول في النفس ليلًا ونهارا، في مستقر قوى الحلقة المفرغة، (المكونة من العقل والقلب والنفس والقدرة على البيان) .. كل منها يطالب "القدرة على البيان" أن تهيئ نفسها وتتشكل، وأن تعبئ نفسها تعبئة صالحة عند الحاجة للدلالة على وجوده وحضوره في الضمير قديما أو متجددا، ظاهرا أو باطنا، مجملا أو مفصلًا.
حتى إذا ما جاء وقت "الإبانة"، وهو أول عمل لهذه القوة الغريبة الغامضة المطبقة للتشكل، مارست إنشاء الكلام وتركيبه على أسلوب مطبق لأن تحمل أحرفه وكلماته وجمله وتركيبه ومعاطف معانيه أمشاجا متداخلة مما تتميز به نفس
(2/1162)

صاحبها أو ضميره، ثم تفصل عن لسانها حاملة آثارا مفصحة، أو مستكنة، أو عالقة، أو ناشبة، في ثنايا الكلام، وفي طواياه، وفي أغواره، دالة على صاحبها دلالة مميزة له من سائر إخوانه من البشر.
حتى إذا ما جاء وقت "الاستبانة"، وهو العمل الثاني لهذه القوة الغريبة الغامضة تلقت "الكلام" الذي يأتيها من خارج، والذي أنشأته أخت لها عند إنسان آخر، انبعثت هذه القوة تمارس عملها الثاني ممارسة خاطفة لأول وهلة، فتهتز لما تلقته، ثم تبدأ تقلب "الكلام" وتفليه بسرعة مذهلة، متدسسة في الثنايا والطوايا، والأغوار، طالبة باحثة عن الآثار التي علقت بالأحرف والكلمات والجمل والتراكيب التي جاءتها من خارج، يعاونها في ذلك جميع صواحباتها في الحلقة المفرغة، (وهي العقل والقلب والنفس). وهذه "الاستبانة" نجدها في أنفسنا وجودا ظاهرا لا خفاء فيه، إذا ما أحسن أحدنا التنبه لهذه اللحظة الخاطفة التي يتم فيها عمل "القدرة على البيان"، إذ هي عندئذ صاحبة السلطان الأعظم على قوى الحلقة المفرغة، وقبل أن تتراخى قبضتها عن صولجانها، ليتاح للعقل أن يهتبل الفرصة ليبسط سلطانه على قوى الحلقة المفرغة، وليتولى عمله في التبين والتمييز ليقضى فيما سمعن جميعًا قضاء فاصلا، ثم يحكم مستقلا بالحكم.
وهذه "الاستبانة" التي تتولاها "القدرة على البيان"، وهي مسيطرة على قوى الحلقة المفرغة، تتطلب ما تتطلب في كل كلام تتلقاه من خارج، هذه الآثار التي ذكرتها آنفا. وهي تفعل ذلك في سرعة خاطفة خارقة لكل مدى تبلغه السرعة، وفي "زمن" مختطف كومضة البرق لا يمكن إدراكه أو تثبيته، ثم تتراخى قبضتها على صولجانها، لكي يمارس أخوها العقل سلطانه القاهر على قوى الحلقة المفرغة، في تبين الكلام وتمييزه. وهو أيضًا يفعل ذلك في سرعة مذهلة، وفي زمن مختطف أيضًا كومضة البرق لا يمكن إدراكه أو تثبيته. ولكن طبيعة العملين: "عمل العقل في التبين والتمييز، وعمل القدرة على البيان في الاستبانة"، وطبيعة السرعة عند كل منهما، مختلفان اختلافا صريحا، نجده في
(2/1163)

أنفسنا بالتأمل المستغرق، ولكننا نعجز عن أن نحدده تحديدًا قاطعًا ظاهرًا يبين عن قدر هذا الاختلاف أو نوعه.
ولذلك يقع التداخل والخلط عندنا بين أحكام "القدرة على البيان" في "زمن" الاستبانة، وبين أحكام العقل عليه في "زمن" التبين والتمييز لأنهما زمنان مختطفان متلاحقان متداخلان غير قابلين للإدراك والتثبيت.
بل يبلغ الأمر مبلغا أبعد من ذلك بكثير، وهذا عجب وفوق العجب: إن الكلام المركب من الأحرف والكلمات والجمل، تحمل في تركيبها أشياء أخرى غير آثار الطبائع والغرائز والأهواء والنوازع التي يطول جولانها من السرائر والضمائر المغيبة. نعم هي قادرة بفضل هذه القوة الغريبة النفسية العجيبة المنشئة للكلام، أن تُحَمِّل الأحرف والكلمات والجمل ضروبا أخرى من الدلالات الخفية والظاهرة، والكامنة والمنسابة، تدل على هيئة صاحبها، وعلى حركاته عند إنشاء الكلام، وعلى شمائله الظاهرة، وعلى سمته، وعلى صوته، حتى كأنك ترى صاحب الكلام ماثلًا أمامك، يشير، أو يتحرك، أو يهمس، أو يصرخ، أو يتلوى، أو يثنى جيده، أو يرفع رأسه فعل المندهش أو المستنكر، أو يميل جانبا كفعل الذي يسرّ إليك سرا، أو يغضى، أو يطرق، أو يسكت سكتة كالمتردد بين أن يتم كلامه أو يكف عن الكلام، أو يشيح بوجهه فعل المستنكف .. مئات لا تعد من السمات الظاهرة والخفية التي يتميز بها متكلم عن متكلم. كل ذلك ممكن أن تراه أو تحسه وهو يطل ملثما أو سافرا من خلل الأحرف والكلمات والجمل، مغروسا في حافاتها وحواشيها، بل مغروسا أيضًا في معاطف المعاني التي يدل عليها هذا الكلام المركب. عجب وفوق العجب! وهذا شيء تحسه أحيانا إحساسا خاطفا في الشعر وفي غير الشعر، ولكنا لا نطيل الوقوف عليه متأملين، بل نتجاوزه تجاوز المستهين الغافل.
هذه جملة من القول. حاولت أن أصورها لك، أيها العزيز، بهذه اليراعة (1)
__________
(1) اليراعة: القلم هاهنا.
(2/1164)

المتقصفة العاجزة عن ملاحقة حركة هذه اللحظات الخاطفة من عمل "القدرة على البيان" في زمن "الاستبانة". ولا أدري، هل أنا متعجل مسئ، تدفعنى العجلة إلى الإخلال بسياق حديثي، أم ترانى عصيبا إذا أنا قلت لك الآن، هاهنا: إني أعد "القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة" حاسة سادسة في بناء الإنسان، هي أولى بالتقديم من الحواس الصُّم البُكْم المقصورة على صاحبها وحده، أولى من السمع، ومن البصر، ومن الذوق، ومن اللمس، ومن الشم، بالإثبات .. بل لعلها أولى بأن تعد جارحة كامنة في البناء كله، أشرف وأكرم من اليدين والرجلين والأذن والأنف والعينين واللسان، وهي الجوارح الظاهرة. لا يعيبها أن لا مَكْمَن لها تستقر فيه نعلمه وندركه، ويكون أداة صالحة لإظهار فعلها وعملها، كاللسان والأذن، مثلا، في السمع والبصر، لا، بل لعل مكمنها في الحقيقة هو هذا البنيان كله الذي يسمى "الإنسان"، والأداة الصالحة لإظهار عملها وفعلها هو بناء الإنسان نفسه، وكل ما في هذا البنيان خدم لها. ولأن "الإنسان" لو سلب هذه "القدرة على البيان" سلبا تاما، لعاد من فوره بهيمة من البهائم، لا معنى لإطلاق يديه، ولا لقدرة شفتيه على الحركة، ولا لاعتدال قوامه واستوائه، ولخرج يمشي على أربع، بلا فرق ظاهر بينه وبين سائر إخوانه من البهائم، وإذن، فقد خرب البناء كله، وسقط عنه "التكليف"، وزادت السوائم سائمة ترعى ما أخرج لها ربها من الأرض. وإن شئت الآن فتدبر هذه الآية: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}، ثم هذه الآية {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}، ثم هذه الآية: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ}، آيات ثلاث فيهن الحديث عن "خلق" الإنسان وإنشائه، ويقترن بذكر "الخلق" ذكر "البيان"، و"الأسماء" و "القلم"، وتأمل قوله سبحانه "علّم" في ثلاثتهن، فسترى الخبر الصادق يلوح كأنه نور ساطع يكشف عن حقيقة هذا "الإنسان" التي طمستها القرون والكتب، وعسى أن تقول معى: لولا البيان، لخرب هذا البنيان!
(2/1165)

وعسى أن يكون صوابا أن أدمج السياق الأول في هذا السياق الثاني. فإن تكن كل حاسة من الحواس الخمس الصُّم البُكْم المقصورة على صاحبها وحده، (وهي الحواس المشتركة بين الإنسان والبهائم)، لها مَكْمَن وأداة صالحة لظهور عملها، هو جارحتها. فإن هذه الحاسة السادسة الخفية المبهمة المفصحة البريئة من الصَّمَم والبَكَم، لها هي أيضًا مَكْمَن هو بناء الإنسان، وهو أيضًا جارحتها، أي هو بجملته الأداة الصالحة لإظهار عملها، وعملها هو "البيان"، الذي يتميز به الإنسان من سائر البهائم. ومن أجل هذا المميز الغريب الحاسم، فارقها كل المفارقة في إطلاق يديه، وفي طواعية شفتيه للحركة، وفي استواء قوامه واعتداله ولأن هذا البناء كله هو الأداة الصالحة لإظهار عمل هذه الحاسة السادسة، صار ممكنا أن يكون كل ما تنشئه هذه الحاسة إنشاء، وهو "الكلام"، قابلا لظهور كل فعل باطن أو ظاهر من أفعال هذا البناء العجيب، وهو "الإنسان"، ويظل الأمر بعد ذلك عجبا وفوق العجب!
ولأنى حددت هذه القدرة النبيلة الغربية المذهلة حاسة من الحراس وجارحة من الجوارح، لم أبال بأن استبدل لفظ "التذوق"، الذي هو أصلا من عمل جارحة اللسان، مكان لفظ "الاستبانة" الذي هو أحد عملين تتولاهما هذه الحاسة السادسة، بل هو جزء لا يمكن أن يتجزأ من عملها الآخر "الإبانة" أي إنشاء الأحرف والكلمات والجمل، وتركيبها تركيبا دالا على المعاني الجائلة في الضمير المستور، على الهيئات الظاهرة التي يشف عنها هذا البناء الذي تكمن فيه، ثم تخرج جميعها حاملة آثارا مفصحة عن صاحبها المتميز عن إخوانه من البشر، بخصائصه الدالة عليه وعلى تفرده. وهذه الآثار موجودة حاضرة في "الكلام المركب" حضورا مستكِنًا في غضونه، أو عالقا بأحرفه وتركيبه، أو ناشبا في ثنايا الكلام، وفي طواياه، وفي أغواره القريبة والبعيدة.
ولم آخذ هذه الكلمة، وهي "التذوق"، عن تراث أسلافنا -رحمهم الله-، ولكني أخذتها عن المحدثين من كتابنا وأدبائنا، حيث وجدتهم يقولون: "تذوق الشعر"، و "تذوق الجمال" و"تذوق الموسيقى" و"تذوق الفن". والذي
(2/1166)

حملنى على أن أوثر هذا اللفظ وأجعله دالا على العمل الثاني من أعمال "القدرة على البيان" وهو "الاستبانة" هو أنى وجدت في نفسي أن عمل "الاستبانة" عندي وأنا أتأمله أشبه بعمل جارحة اللسان في تذوق الطعوم مرة بعد مرة، ثم أشبه بما يتسم به عمل اللسان في التذوق من سرعة الفعل، وسرعة انقضاء الفعل، وسرعة الحكم على الشيء الذي وقع عليه الفعل، أي هذا الشعور الخاطف بالحلاوة أو المرارة، أو الملوحة، أو الغضانية أو اللذع، وسائر ما يتولى اللسان الحكم عليه من طعوم الأشياء.
حسبنا هذا القدر من المسير في الطريق الموحش المهجور الذي رمت بي فيه، كما قلت، "محنة الشعر الجاهلي"، حين أخذتني قديما فقذفتنى قذفا في الأمر المخوف المهوب، الذي تنخلع عنده القلوب، وهو إعادة النظر في شأن "إعجاز القرآن" .. والآن، ليت شعرى هل استطعت أن أثير فيك بإلحاحي على التجزئة والتقسيم والتوضيح والتكرار، إحساسا ما يعمق هذه الأعجوبة التي أودعت في بناء الإنسان، ملثمة بالأسرار المتلونة بألوان من البوح والكتمان، تحجبه بالوميض المتتابع الذي يُعْشِى نظر المتأمل من تعاقب الإضاءة والإظلام، لا أدري، ولكني أجد في إحساسى عجزا فادحا عن ملاحقة هذه البروق الخاطفة المتواترة التي تنشأ على التأمل، ثم أحس عجزا أفدح عن تثبيت ما أراه في كلمات. بيد أنى أشعر الآن، مخطئا أو مصيبا أنى قد جعلت أمر "الاستبانة" التي تتولاها حاسة "القدرة على البيان"، ظاهر المعالم بعض الظهور فيما أتوهم، وأن بلوغي هذا المبلغ في تبين بعض معالمها، هو الذي جعلني أوثر أن أستبدل لفظ "التذوق" مكان لفظ "الاستبانة". ولما فعلت ذلك، كنت قد أصبت للفظ "التذوق" صاحبا يمكن أن يقوم مقام صاحبه الأول، وهو جارحة اللسان. وهذا الصاحب الجديد هو أيضًا جارحة أخرى (أو حاسة أخرى)، هي "القدرة على البيان"، وكذلك أوشك أن يسلم قولنا: "تذوقت الشعر" من الهلاك، بعد أن كان مهددا بأن يرمى على ركام من الكلام الساقط المرذول الذي فقد التجانس والتطاعم بين طرفين.
(2/1167)

والذي يجعل قولنا "تذوقت الشعر" يسلم كل السلامة من المعاطب والمتالف، أن الشعر "كلام"، وهذه الحاسة السادسة هي التي تنشيء كل "كلام"، وهذا عملها الأول وهو "الإبانة". ثم هي نفسها التي تتلقى كل "كلام" يأتيها من خارج لتستبينه، وهذا هو عملها الثاني، وهو "الاستبانة". وهي وحدها، دون سائر الحواس الصم البكم المقصورة على صاحبها وحده، ودون سائر أخواتها في الحلقة المفرغة، هي وحدها المالكة لوسيلتين: مالكة لوسيلة عند صاحبها مترجمة مبلغة عنها هي نفسها وعن جميعهن، وهذه الوسيلة هي جارحة "اللسان" صاحب التذوق. ومالكة أيضًا لمستقبِل عند صاحبها وعند إنسان آخر غير صاحبها، يستقبل "الكلام" ويؤديه إلى أخت لها كامنة في بناء الإنسان الآخر، وهي جارحة "الأذن" صاحبة السمع. وهذا "اللسان" جارحة من جوارح الحواس الخمس الصُّمّ البُكْم المقصورة على صاحبها، المشتركة بين الإنسان والبهيمة. ولكنه حين تم بناء الإنسان، وصار البناء بجملته مكمنا لهذه القوة العجيبة النبيلة التي لولاها لخرب البناء، صار لهذا "اللسان" نفسه عمل آخر حاسم الدلالة، هو الترجمة عن هذه القوة المركبة من توأمين متداخلين لا يمكن الفصل بينهما، هما "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان". وعندئذ صار "اللسان" بهذه القوة الغريبة النبيلة ألصق وألزم، وسما بالتصاقه بها سموا حاسما باذخا، حين صار صاحب "النطق" عنها، وصاحب الترجمة، وصاحب التبليغ، حتى كاد يخرجه سموه بها عن أن يكون هو صاحب التذوق، في أصحاب خمس من الحواس الصُّمّ البُكْم! ولذلك سموا اللغة نفسها "اللسان"، وقالوا: "إنما المرء بأصغرية قلبه ولسانه"، أي بيانه.
اشتد لصوق "اللسان" بالقدرة على البيان لصوقا يستعصى على الفصل والانفصام، لأنه هو الآن مترجمها الوحيد في البناء كله، ولأنه هو وحده المبلغ عنها كل ما تنشئه من "كلام"، ولأنه هو وحده مظهر عملها المنفرد بالدلالة على كمونها في هذا البناء. فكذلك صار عملاه في "النطق" و"التذوق" عملين أخوين شقيقين متعانقين ثاويين في وطن واحد، وكاد يكون هذا الوطن
(2/1168)

مِلْكا خالصا للقدرة على البيان و"النطق" هو أسنى الأخوين شرفا، وأعلاهما سلطانا وغلبة على "اللسان" والنطق هو قرين "الإبانة" أحد عملي "القدرة على البيان" فلا جرم أن يكون أخوه الضعيف القاصر، وهو عمل "اللسان" في "التذوق" قرينا لعملها في "الاستبانة"، لشدة التشابه بين العملين، (التذوق، والاستبانة) في طلب التمييز بين الأشياء، وفي تبين الخصائص الكامنة فيها، ثم في سرعة الفعل، وفي سرعة انقضاء الفعل، وفي سرعة الحكم على الشيء الذي وقع عليه الفعل كما قلت آنفا.
وإذن، فبحمد الله وتوفيقه، خرج قولنا: "تذوقت الشعر" من المأزق الذي كان فيه لفظا مشكلا مبهم الدلالة غارقا في الإبهام، كما قلت في المقالة السالفة، وخفت إلى نجدته صاحب له، شهم الشمائل نافذ الجراءة لم يكتف بأن ينتشله من الغرق في معاطب الإبهام والغموض أو بأن ينتاشه من دنس الهلاك هاويا في قرارة السقوط والخساسة، بل زاد فرفعه إلى مكان على من الشرف والسمو. وأي مكان أشرف وأسمى وأنبل، من أن يكون لفظ "التذوق" بديلا له الحق الخالص في النيابة عن لفظ "الاستبانة" وهي العمل الذي تتولاه أنبل قدرة في بناء الإنسان، وهي "القدرة على البيان". وقد أصاب كُتابنا وأدباؤنا المحدثون قدرا عظيما من التوفيق، حين جرى لفظ "التذوق" على ألسنتهم متأثرين بما يقابله في الأدب الأوربى الحديث. ولكن العجب العاجب عندي أن يقع هذا اللفظ في اللغات الأوربية الحديثة! من أين جاءهم؟ وأنا شديد الشك في أن يكون أغتام (1) الأعاجم وأجلافهم في القرون الوسطى قد أصابوا هذا القدر من التوفيق اللطيف الخفي من عند أنفسهم. ولا أظنه ينفعهم شيئًا زعمهم أنهم ورثة آداب اليونان الأوائل وورثة حضارتهم لأنى لم أقف في قراءتى على شيء يدل على أن عظماء اليونان قد قالوا في مباحثهم عن الشعر والخطابة واللغة: "تذوق الشعر" أو "تذوق الجمال" أو "تذوق الفن". ولو كان ذلك، لوجدنا أثره في كتب
__________
(1) أغتام: جمع أغتم، وهو الذي لا يُفْصِح شيئًا لعُجمَته.
(2/1169)

أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الفلاسفة، ولكن هذا على كل حال موضع توقُّف، لأن بضاعتى في شأن اليونان بضاعة مُزجاة، ولعلى أجد عند أخي الأستاذ الجليل الدكتور عبد الرحمن بدوي، أثارة (1) من عِلْم، فهو الخبير حق الخبير بهذا الشأن، وأقول له أن أكبر ظني أن هذا اللفظ قد انحدر إليهم مع ما انحدر إليهم من لسان العرب في الأندلس أو في غير الأندلس، حيث كان كُتابنا العرب القدماء، بل عامة الناس أيضًا، يكثرون من استعمال لفظ "الذوق السليم"، ثم يسندون إليه الفصل في أمور كثيرة منها الحكم على ألفاظ الشعر والنثر، كما سأبين فيما بعد.
* * *

قضية "التذوق" عندي
وبعد، فأنت ترى أنى آثرت لفظ "التذوق" على لفظ "الاستبانة"، لكي أدل به على ما تتولاه تلك الحاسة السادسة فينا، من تطلب الآثار العالقة في الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني الناشبة في حواشيها وأغوارها، والتي تدل دلالة ما على ما في ضمير صاحبها الذي أنشأها من ألوف مؤلفة زاخرة من الغرائز والطبائع والأهواء والنوازع والعادات والأخلاق، بل تدل أيضًا على الهيئة والسمت والحركة وسائر السمات الظاهرة والخفية. ومعنى ذلك أن "الكلام" مُحَمَّل بدلالات مميزة، تجعل صاحبه متفردا بخصائصه عن سائر إخوانه من البشر المتكلمين. وأنا أدرك تمام الإدراك أن هذا كلام سهل أن يقال. ولكن ليس من السهل التسليم به، فإن من يبتغى الوصول إلى التثبت من صحته، أو إلى اختباره وتحقيقه، مكلف أن يخوض في العنت والمشقة والحيرة خوضا. . . وإذن فأنا لا أستطيع أن أنكر أنى أقول قولا ليس سهلا أن يقتنع المرء بصحته على وجه يعينه، أو يحثه على مراجعة نفسه، أو على محاولة اختباره في شيء مما يقرؤه أو يسمعه.
__________
(1) أثارة: بقية من عِلْم تُؤثَر وتُرْوَى.
(2/1170)

وهذا عيب، ولكنه ليس عيبي أنا وحدي. ففي كل لغة ألفاظ كثيرة جدًا تدل على المعاني المجردة التي لا تتجسد. ولكننا إذا أدخلنا هذه الألفاظ في الجمل المركبة، لم نجد مناصا من استعمال ألفاظ أخرى من الأفعال والصفات، تجعل الحديث عن هذه المعاني المجردة حديثا عن متجسد يكاد يرى بالعين، ويمس باليد .. وهذا التجسيد يقربنا إلى إدراك مضمون الحديث عنها، نعم، ولكنه يباعد بيننا وبين القدرة على الاحتفاظ بالأصل الأول، وهو أننا نتحدث عن معان مجردة لا تتجسد ولا تُرَى ولا تُمَسّ. . . وغياب القدرة على الاحتفاظ بهذا الأصل الأول (المعنى المجرد)، يباعد هو أيضًا بيننا وبين الشعور بوجوب العودة إلى مراجعة ما نجده في أنفسنا، أو ملاحظة ما يجرى في أنفسنا، مما له علاقة بهذه المعاني المجردة التي لا تتجسد. وبذلك يصبح الطريق إلى الامتناع، أو إلى مراجعة النفس، أو إلى محاولة اختبار ما نسمع أو نقرأ، طريقا مسدودا في أغلب الأحيان. وكذلك كان فقد كان حديثي كله يجعل "القدرة على البيان" وهو معنى مجرد مغرق في التجريد، شيئًا متجسد الصورة، متجسد العمل، فصار ما قلته في شأنها سهلا في السياق، ولكن ليس من السهل التسليم به لأول وهلة. وهذا ليس عيبى ولكنه عيب اللغة، لأنها، اضطرارا، تُجسد ما لا يَتَجَسَّد.
ومع ذلك، فالذي قلته على عيبه هذا، ليس أمرًا مجهولا لا يعرفه أحد: بل العكس هو الصحيح. فما من أحد منا إلا وهو يمارسه مرات بعد مرات. يمارسه حين يسمع من يكلمه (أو حين يقرأ شعرا، أو نثرا، أو رسالة). فيمس في دخيلة نفسه أن صاحبه كاذب، وإن كان ظاهر ألفاظه لا يدل على الكذب، أو أنه مراوغ، أو أنه حقود، أو أنه خبيث، أو أنه حيي، أو أنه عفيف، أو أنه رقيق، أو أنه منافق = فإذا سألته من أين عرف ذلك؟ لم يجد جوابا، ولم يدر ماذا يقول، وأحال الأمر كله إلى أنَّه: هكذا أحس! والعامة الذين لم يتعلموا قط، يفاجئونك أحيانًا كثيرة بالحكم على حديث رجل، بل على الرجل نفسه، حكما تنكره ويعيبك أنت المتعلم أن تعرف صحته، إلا بعد تجارب قد تطول، مع أنك كنت شاهده معهم. وكذلك طفلك الصغير، يكشف أحيانا ما تضمره في نفسك،
(2/1171)

وأنت تتحدث حديثا عليه سمة الصدق كاملة فيما تظن، أما هو فقد يفاجئك باكتشاف ما لم تكن تتوقع أن يكشفه.
ونحن الذين نتحدث عن الشعر وعن تذوق الشعر، نقول أن الشرط الأول في جودة الشعر (أو جودة الفن عامة) أن يكون الشاعر "صادقا". وهذا شرط صحيح بلا ريب. ولكن ما السبيل إلى معرفة ذلك؟ أن يقول لنا الشاعر بلسانه أنه صادق، أو يكتب على رأس كل قصيدة "أنا صادق"؟ أم أقنع أنا بأن أفترض افتراضا أنه صادق، فيكون عندئذ صادقا! كلا هذين باطل لأول وهلة. لم تبق، إذن، وسيلة لمعرفة صدقه إلا من خلال الشعر نفسه، أي من خلال أحرفه وكلماته وجمله وتراكيبه ومعانيه. ومن أين يعرف صدقه في هذا؟ وكيف؟ ينبغي هنا أن نحترس من الوَهْم الذي يجعل مجرد مطابقه ما يقوله الشاعر لما نعتقده نحن أو نتوهمه دليل على صدقه في شعره. فهذا باطل أيضًا، لأن مخالفته كل المخالفة في الاعتقاد أو التوهم، ممكن أيضًا أن يكون فيما قاله صادقا كل الصدق وإن لم يقع كلامه عندنا موقع الرضى والقبول والتسليم. فلم يبق إلا طريق واحد: أن يكون الكلام المركب من الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب، وما تؤدى إليه من المعاني، كلها حاملًا لآثار عالقة في جميعها، أستطيع أنا أو أنت بالاعتماد على "التذوق" الذي وصفته لك، وكما وصفته لك، أن نحسه إحساسا ما، وبطريقة واعية منظمة بصيرة، قادرة على الاعتماد على هذه الحاسة السادسة التي تنشيء "الكلام" فينا، والتي تطيق أن "تتذوق"، الكلام الآتى إليها من خارج. ومناقشة هذه القضية للتوصل إلى غاياتها البعيدة، وإلى كشف النقاب عنها، وإلى إزالة الإبهام المحيط بلفظ "التذوق"، كما استعمله أدباؤنا وكُتابنا المحدثون بمجرد التوفيق من الله، لا بالنظر والاستنباط والتحصيل والتقرير، مسألة تحتاج إلى إفاضة وتتبع واستيعاب.
وقضية نشوب جميع الطبائع والعواطف والغرائز والأهواء وجميع السمات الظاهرة والباطنة، في الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني أيضًا، قضية صادقة عندي كل الصدق، بعد أن عانيت في سبيلها معاناة لا أستطيع أن
(2/1172)

أسترجع أهوالها وأقيدها لك منه هذا المكان، ولذلك فسوف أنقل شيئًا مما كتبته قديما في مجلة المقتطف (المجلد 97، ص: 57، شهر يونيه 1940) (1) حين شرعت في كتابة مقالات لم أتمها بعنوان: "علم معاني أصوات الحروف: سر من أسرار العربية، نرجو أن نصل إلى حقيقة في السليقة العربية" قلت:
"وأنا أريد بقول "معاني أصوات الحروف" ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف من المعاني النفسية التي يمكن أن تنبض بها موجة اندفاعه من مخرجه من الحلق أو اللهاة إلى الحنك أو الشفتين أو الخياشيم، وما يتصل بكل هذه من مقومات نعت الحرف المنطوق. وليست المعاني النفسية، أو العواطف، أو الإحساس، هي كل ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف. بل هو يستطيع أن يحمل أيضا صورا عقلية معبرة عن الطبيعة وما فيها من المادة، وما يتصل بذلك من أحداثها أو حركاتها أو أصواتها أو أضوائها، أو غير ذلك مما لا يمكن استقصاؤه، إلا بعد طول الممارسة لوحي الطبيعة في فطرة الإنسان. . . ." ثم قلت: "هذا جهد كنت بذلته قديما. والنفس ساكنة قارة هادئة .. ولكن الأيام انتزعتنى ورمت بي إلى حومة تتسعّر وتضطرب وتطغى بضجيجها على فترة النفس واجتماعها على الهدأة والهوينى والسكون، فكذلك ذهب أكثر ما تلقنته من المعاني نهبا ضائعا بين النسيان والغفلة وقلة المبالاة وطول الإهمال".
وهذا الذي كتبته قديما، أشد إيغالا في أعماق القضية، من كل ما تناولته في كلماتى اليوم. ومع ذلك، فإن في الواقع مؤيدا هو أشد دلالة على صدق القضية عندي. فالخط، مثلا، (وهو عمل من أهم أعمال اليد في تقييد "الكلام" وتثبيته بالتسطير على الورق وغيره)، يحمل في طوايا رسمه دلائل كثيرة عميقة على صاحبه الذي كتبه بيده ويحمل دلائل على أخلاق الكاتب وعاداته وطبائعه وحالاته وهيآته وسماته المختلفة المتباينة. وقد استطاع المتخصصون في قراءة ما وراء "الخط"، أن يصيبوا صوابًا كثيرا موفقا في قراءتهم لهذه الدلائل العالقة الناشبة في
__________
(1) هكذا ذكر الأستاذ شاكر -رحمه الله-، والصواب: المجلد 96، مارس 1940، ص 320. انظر المقالات هنا 2: 708 - 709
(2/1173)

حواشى الخط وفي طواياه، وفي أغواره، وفي تعيين بعض تكوينه الذي يتميز به من غيره من الناس، وفي تمييز صاحب خط من صاحب خط آخر، وإن تشابه الخطان كل التشابه، بل ميزوا التقليد المتقن الخفي البارع من أصله الذي قلده، أو ميزوا الصادق من الكاذب. ومعنى ذلك أن "الخط" المسطور قابل لحمل هذه الدلائل الخفية المغرقة في الخفاء، وأن التوصل إلى استخراج هذه الدلائل ممكن أيضًا لمن تطلبه على وجهه الصحيح. هذا على أن أحدنا، وإن لم يكن خبيرا بقراءة "الخط" خبرة المتخصص، قد يصله كتاب من صديق، فيقع في نفسه وهو ينظر في خطه: إن صديقه قد كتب ما كتب على عجل، وأن أحرفه محفوفة بالملل، وإنه كتبه مجرد إبراء للذمة، وإن كان الكلام الذي سطره وكتبه يعبر ظاهره عن أشد الاهتمام وأشد العناية، وأشد الحرص على الصداقة. فإذا لقى صديقه الذي كتب هذا إليه، فأعلمه بما وقع في نفسه من دلالة خطه، قال له نعم، صدقت، هكذا كنت حين كتبت إليك. وأنا أحدثك بهذا عن واقع لا عن توهم.
فإذا كان هذا صادقا في شأن "الخط" وهو عمل من أعمال جارحة صماء بكماء لا تبين، فماذا تظن بأشرف قوة مبينة في بناء الإنسان، لم تستو لها قامته وتعتدل، ولم تطلق له يده، إلا لكي تكون اليد خادمة تقيد ما تنشئه هذه القوة العجيبة النبيلة، التي لولاها لَلَحِقَ من فوره بالبهائم على خلقتها وهيأتها يسعى على أربع. أيمكن أن يكون "الخط" -وسائر الفنون الدنيا: من نحت وتصوير وموسيقى جميعًا- قادرا على حمل آثار العواطف والأخلاق والشمائل، ثم لا تكون الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني التي تقيد بالخط، وهي الدالة على الفن الأعلى المتفرد بالسمو على سائر الفنون: الشعر والنثر والكتابة، غير قادرة على حمل هذه الآثار نفسها؟ أممكن هذا؟ كلا، هي على ذلك أقدر وأثبت وأقوم وأصدق شهادة. هي "الوثيقة الجامعة"، التي تميز إنسانا من إنسان (لا شاعرا من شاعر وبَس، أي، وحسب)، وعليها تنعكس صور حياته كلها ظاهرة وباطنة. و"التذوق" عندي هو الطريق إلى بعث هذه الصور، وإلى استنطاقها، وإلى حل رموزها المعقدة، وإلى بث الحياة في هامدها حتى تعود "إنسانا" يمشي ويتحرك ويتكلم ويغضب ويرضى، ويكذب ويصدق، ويخون
(2/1174)

ويؤدي الأمانة، ويستقيم ويراوغ ويتهلل ويعبس، ويزهو ويتواضع، ويتألم ويبتهج، ويأنف ويستكين، ويسرق ويتصدق، ويعف ويفجر، إلى آخر ما لا يحصى مما يكون به الإنسان إنسانا، لا شاعرًا وبَس. هذا هو "التذوق" عندي، وقد أعفيت نفسي منذ بدأت من الحديث عما يريده الأدباء والكتاب بقولهم "التذوق"، ولكنه عندي معنى مغرق في الإبهام، قولا وتطبيقا.
فأنا أسألك الآن، أيها العزيز، أن تقرأ هذا، إن شئت، ببعض التأمل والتدبر، وتراجع قولك في مقالتك الثالثة "على أن تصور محمود شاكر النظرى للشعر: يحتاج إلى مراجعات وملاحظات. فلو تأملنا النصوص التي سقناها في هذه الدراسة من كلامه، لاكتشفنا للوهلة الأولى أنه يتخذ الشعر وثيقة نفسية يستخرج منها حياة أبي الطيب وطبائعه وعواطفه وآماله وآلامه وأحزانه، كما يتخذ منه وثيقة تاريخية، تسهم في تعديل أخبار الرواة القدماء أنفسهم أو تجريحها، أو استخلاص الصدق من نصوصها ونفي ما زيفه التذوق. وهذا مفهوم غير خصب للتذوق الفني، يحول العمل الأدبى إلى وسيلة لخدمة غاية خارجية. وبذلك يتحول الأدب إلى وثائق تاريخية أو اجتماعية أو نفسية، أو يصبح انعكاسا مباشرا لحياة الناس وأهوائهم ونزواتهم واصطراعهم في الحياة". وأنا لا أنتفي من شيء مما قلت، بل هو الحق كل الحق كما قلته، ولا أعده عيبا، ولا خدمة لغاية خارجية، بل هي غاية في الصميم.
ولكن، لو أنت فعلت ما سألتك، لاكتشفت للوهلة الأولى أيضًا أنك تستعمل لفظ "التذوق الفني" في أتم زينته، وأنى استعمل لفظ "التذوق" عاريا متجردا من كل زينة، وأنك تعد معنى اللفظ العارى المتجرد عندي وهو "التذوق" مطابقا تمام المطابقة للفظك المتأنق في أتم زينة عندك، وهو "التذوق الفني". ثم لاكتشفتَ أيضًا أنهما غير متطابقين في المعنى البتة، بل كل ما في الأمر أن لفظ "التذوق" لفظ مشترك بيني وبينك، له عند كل واحد منا معنى يصعب معه أن يتطابقا كل المطابقة. ثم لاكتشفتَ أيضًا أنك بذلك قد ظلمتنى حين جعلت معناتك في لفظ "التذوق" واقعة على معناته عندي .. وأنت أَلَبُّ وأَفْطَنُ من أن أدلك على الفروق بينهما، وأنا ممتنع عن الدلالة على ذلك، لأنى عاهدتك منذ
(2/1175)

أول الأمر قلت: "وأنا أخشى أن أقترب من لفظك في زينته، لأنى إن فعلت ذلك، سقطت فجأة في جوف المنطقة الملتهبة، منطقة الجدل والصراع العقلي". لن أفعل، فالأمر كله بعد ذلك إذن مفوض إليك ظلمتَ أو أنصفتَ. وهذا التفويض أقل ما يجب عليّ من حقوق صداقتك لي ومودتك.
* * *

تاريخ "التذوق" عندي
أنت متذوق للشعر، وأنا متذوق للشعر، وآلاف مؤلفة من المثقفين وغيرهم، قديما وحديثا متذوقون للشعر، أوه، نسيتُ، وحتى لا أُعَدّ متجنيا أو مقصرا، والدكتور طه حسين أيضًا متذوق للشعر. و"التذوق" عند جميعنا قائم في النفس، ولا يجمع بيننا في الحقيقة إلا هذا اللفظ "التذوق". أما وسائل "التذوق" وأسبابه وطرائقه وأساليبه، فمختلفة بيننا اختلافا يكاد يبلغ من الكثرة عدد المتذوقين. ولا يستطيع أحدنا أن يلزم الآخر بما يجده قائما في نفسه من وسائل "التذوق" وأسبابه وطرائقه وأساليبه. هذا مستحيل إن شاء الله، وكل ما يمكن أن يكون، أن يقع من جميعنا، أو من بعضنا، اتفاق على مظهر أو أكثر من مظاهر "التذوق"، وعلى غير تواطؤ منا أو من بعضنا. أما الاتفاق على طبيعة "التذوق" وعلى وسائله ودرجاته وأبعاده، اتفاقا قاطعا لكل شبهة اختلاف أو تباين أو تضاد، فهذا ما لا يكون البتة. وهذا تفسير آخر يزيد ما قلته قديما وضوحا، إذ قلت في المقالتين السالفتين: "إن التذوق معنى عام مشترك الدلالة بين الناس جميعا، وهو يقل ويكثر، ويعلو ويسفل، ويصقل ويصدأ، ويجود ويفسد، ولكنه حاسة لا غنى عنها للإنسان" (1)، وقلت أيضًا: "إن التذوق لفظ مبهم مجمل الدلالة، ولكل حي عاقل مدرك منه نصيب يقل ويكثر، ويحضر في شيء ويتخلف في غيره، وتصقله الأيام والدربة، وترهنه جودة المعرفة والصبر على الفهم والمجاهدة في حسن الإدراك" (2).
وقد فرغت في المقالة السالفة من الدلالة على أن لفظ "التذوق"، مصدر
__________
(1) انظر ص 1124 من هذا الجزء.
(2) نفس الجزء ص 1124 - 1125
(2/1176)

دال على حديث (1) (أي فعل) مبهم غير متعين، ولا متميز، قابل للتعدد والاختلاف والتنوع، أي أنه، كما قلت، كسائر أخواته من الأحداث المبهمة، هي ذات نماء سابغ متوهج، وذات غنى مفعم، وذات ثراء مكنوز -وأنها أيضًا ذات خطر مرهوب، لما فيها من قوة غامضة تجعلها قادرة قدرة مطلقة على تضليل السامع والمتكلم. وقد نشأت أنا في زمن كانت فيه هذه اللفظة "التذوق" شائعة كثيرة الاستعمال في الصحف والمجلات، فتَلَقَّنْتها تَلَقنا وأنا في أول الصبا وخفت على اللسان ونشبت فيه كسائر ما نتلقنه مع الصغر. فكان إبهامها وقبولها للتعدد والتنوع بنمائها وغناها وثرائها يثير في النفس لذة ونشوة واهتزازا ونحن نحاول أن "نتذوق" الشعر والنثر، ثم سائر الفنون الدنيا، كالتصوير والموسيقى. ولكن التفكير في حقيقة "التذوق" ما هو، لم يكن داخلا في منطقة الوعى، ولا غائبا أيضًا عن منطقة الوعى. (استطراد: أرجو أن لا تتذكر أن هناك شيئًا حادثا شبيها بهذا في مسألة "غيبة الوعى" و"عودة الوعى" (2)، لأننا هنا نتكلم في فن الأدب والشعر، لا في فن التمثيل والتهريج، وأيضا لأن الله عافانى من أن أسلك نفسي في عقد "الأساتذة الكبار"، فلذلك لم أتعلم هذه الفنون لا صغيرا ولا كبيرا، فليس بيني وبينها عمل. وكذلك لفظ "الوعى" هنا، ليس بينه وبين هذا اللفظ عندهم عمل. لا تنس ذلك أيها العزيز).
فمنذ الآن، سأقص عليك القصة كاملة "قصة التذوق"، لأني رأيتك قد جُرت على فيها جَوْرا ما كان ينبغي أن يكون. جور هو أشد من جورى الذي زعمته على صاحبك الدكتور، سأبين لك تاريخ "التذوق" عندي، وبعض معانيه عندي أيضًا، ومنهجى الذي ملكته وطبقته في جميع ما كتبت. ومن خلال ذلك تعلَم، إن شاء الله، إني لم أظلم الدكتور طه حبة خردل في كل ما كتبته عنه أو وصفته به، بل لعلى أسأت أبلغ الإساءة، حين تغاضيت عن كثير مما كان ينبغي أن أقوله فيه قديما وحديثا.
__________
(1) كذا بالأصول، والصواب: حَدَث.
(2) يشير الأستاذ شاكر -رحمه الله- إلى كتابى الأستاذ توفيق الحكيم، غفَر الله له.
(2/1177)

لعلك تذكر أنى قد تحدثت في مقدمة كتابى (المتنبي 1: 11 - 15): وقلت إني حفظت "المعلّقات العشر الجاهلية" صغيرا، وإن معرفتى بها لم تزد قط على أن تكون زيادة في ثروة معرفتى بالعربية وبشعرائها وشعرها = وإن قراءتى بعض أصول كتب الأدب والشعر على الشيخ سيد بن علي المرصفي، شيخى وشيخ الدكتور طه من قبلى، نقلتنى من هذا الطور إلى طور آخر، أوغل بي في الحفاوة بالشعر الجاهلي، وفي الحرص على قراءته وتتبع قواصيه ونوادره = وإن قراءتى على الشيخ أوقفتنى على شيء مهم جدًا، شغلنى، واستولى على لبى وعلى نفسي، فعدت أدراجى أقرأ دواوين الشعراء الجاهليين، ديوانا ديوانا، شاعرا شاعرا، ومن لم أجد له منهم ديوانا جمعت لنفسي ما بقي من شعره وقرأت شعره مجتمعا. وهذا المسلك في ترتيب القراءة، جعلني أجد في الشعر الجاهلي شيئًا لم أكن أجده من قبل وأنا أقرأ الشعر الجاهلي متفرقا على غير نظام، مبعثرا بين الشعراء المختلفين: أو وأنا أحفظ هذه "المعلقات العشر الجاهلية"، وإدراسها (1) معاني ألفاظها، مع اختلاف معانيها وأغراضها". (المتنبي 1: 14). وهذا الذي وجدته فيه فاستولى عليّ، كان يومئذ شيئًا لا أملك التعبير عنه ولا أحسنه، لأنه كان شيئًا غامضا مستبهما يجول في نفسي لا أكاد أتبين معالمه. فلذلك صار أمر التعبير عنه تعبيرا واضحا متعذرًا على كل التعذر وقلت أصف ذلك: "فما هو إلا "التذوق" المحض والإحساس المجرد. وبهذا "التذوق" المتتابع الذي ألفته مرة بعد مرة، صار لكل شعر عندي مذاق وطعم وشذا ورائحة، وصار مذاق الشعر الجاهلي وطعمه ورائحته بينا عندي، بل صار يتميز بعضه من بعضه (2) دالا يدلنى على أصحابه" (المتنبي 1: 15).
وأنا عند هذا الموضع أتلفت إلى الماضي التفاتة لابد منها. حق لازم في عنقى أن أفرد الفضل كله في تنبهي إلى أول الطريق، إلى شيخى سيد بن علي
__________
(1) كذا في أصول مجلة الثقافة، والصواب: وأدارِسها وأتتبع، كما في مقدمة كتاب "المتنبي" 1: 14.
(2) كذا في أصول مجلة الثقافة أيضًا، والصواب: بَعض، بغير هاء.
(2/1178)

المرصفي، فإنه، بعد الله سبحانه، هو الذي هدانى وسدد خطاى على أول الطريق. كانت للشيخ -رحمه الله- وأثابه عند قراءة الشعر وقفات، يقف على الكلمة، أو على البيت، أو على الأبيات، يعيدها ويرددها، ويشير بيديه وتبرق عيناه، وتضيئ معارف وجهه، ويهتز يمنة ويسرة، ويرفع من قامته مادًا ذراعيه، ملوحا بهما يهم أن يطير، وترى شفتيه والكلمات تخرج من بينهما، تراه كأنه يجد للكلمات في فمه من اللذة والنشوة والحلاوة يفوق كل تصور. كنت أنصت وأصغى وأنظر إليه لا يفارقه نظرى، ويأخذنى عند ذلك ما يأخذنى وأطيل النظر إليه كالمبهوت، لا تكاد عيني تطرف وصوته يتحدر في أقصى أعماق نفسي كأنه وابل منهمر تستطير في نواحيه شقائق برق يومض إيماضا سريعا خفيفا ثاقبا. أيام لم يبق منها إلا هذه الذكرى الخافتة! فإذا كف عن الإنشاد والترنم أقبل يشرح ويبين. ولكن شرحه وتبيينه لهذا الذي حركه كل هذا التحريك، كان دون ما أحسه وأفهمه ويتغلغل في أقاصى نفسي من هيئته وملامحه وهو يترنم بالشعر أو يردد، كان دون ذلك بكثير، وكنت أحس أحيانا بالحيرة والحسرة تترقرق في ألفاظه وهو يشرح ويبين، كأنه كان هو أيضًا يحس بأنه لم يبلغ مبلغا يرضاه في الإبانة عن أسرار هذه الكلمات والأبيات. هكذا كان شأن الشيخ -رحمه الله-، أي علَّامة ذوَّاقة كان!
هكذا حال الشيخ كان في بيته، وأنا أقرأ عليه الأدب والشعر يومئذ وحدى. أما حاله وهو يلقي دروسه العامة التي يحضرها الجمع من طلبة العلم، والتي كان يحضر أمثالها من قبلنا الدكتور طه قديما فيمن يحضر دروسه في الأزهر، فكان مختلفا كل الاختلاف. كان ملتزما بالجد والوقار يتخللهما دور قليل من مزاح لاذع جارح أحيانا، ولكنه كان لا يقصر في الإبانة والشرح، ولا في التوقف عند الأبيات أو الكلمات الجياد الحسان المحكمة، فهذا موضع الفرق بين الذي أخذته أنا عن الشيخ، والذي أخذه عنه الدكتور طه، وما كان على كل حال بقادر أن يأخذ عنه ما أخذت، فإن الذي أخذته عنه وأحدث في نفسي ما أحدث، لا يبلغ السماع بالأذن منه شيئًا، لأنه وليد المشاهدة والعيان، لا وليد الألفاظ والكلمات! ما علينا أيها العزيز.
(2/1179)

شيئًا فشيئا، منذ تلك الأيام الغوابر، بدأت أحس في الشعر الجاهلي، وفي غير الشعر الجاهلي، شيئًا ينبعث منه، دبيب حركة تترك في نفسي آثارا خفية غريبة. فإذا عدت استبطنه مترنما به، متأملا في طواياه، عاد دبيب الحركة، حركة لا أدري ما هي؟ فهذا هو الذي قلت إنه كان من ديدنى بعد ذلك أن أحدث عنه أساتذتي الكبار الذين خالطهتم وعرفتهم يومئذ وتأخذنى النشوة وأنا أفاوضهم فيما أحس به: "فكان يعرض منهم عني من يعرض. ويربت على خيلاء شبابى من ربت بيد لطيفة حانية"، كما وصفت ذلك في كتابى (المتنبي 1: 12، 15). ومن أغرب ما لقيت من الإعراض عما أقول، إعراض الشيخ المرصفي نفسه عن حديثي مرات، وهو نفسه الذي أثارنى إلى هذا وحركنى هو وحده دون سواه! ولكني لم أكف عن الإلحاح عليه، حتى كانت نهاية إعراضه عني، حين فهم عني ما كان لسانى يعجز عن بيانه وعن التعبير عنه. فإذا هو بعد ذلك راض عني مقبل عليّ، يفيدنى الفوائد، ويسدد لي خطاى في هذا الطريق الوعر المسالك والمضايق، المتشابك المناهج والشعاب. كان هذا أول ممارستى للذى سميته فيما بعد "التذوق"، مكان "الاستبانة"، ولكنها على ذلك كله، كانت ممارسة جاهلة جافية غامضة بلا منهج صحيح آوى إليه وأستعين به. كان ذلك في سنة 1925، وما بعدها.
وبعد سنة دخلت الجامعة، وكان من أمر الدكتور طه وأمرى ما كان، حتى كان اليوم الذي اضطررت فيه اضطرارا أن أقف الموقف الذي دفعت إليه بغتة أجادل الدكتور وأناقشه في "مسألة الشعر الجاهلي"، صارِفا همي كله إلى موضوع "المنهج" و"الشك" وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموى والعباسى قراءة "متذوقة" مستوعبة لنستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإِسلامى، قبل الحكم على الشعر الجاهلي بأنه شعر صنعته الرواة المسلمون في الإِسلام، كما بينت ذلك في كتابى (المتنبي 1: 23) ثم في مقالتي الأولى هنا أيضًا. وفي غضون هذا الموقف المتطاول بيننا حتى فارقت الجامعة. كان اللفظ الناشب في لسانى وفي ألسنة الكُتَّاب، وهو "التذوق" بمعناه المشهور الغامض
(2/1180)

المبهم الدلالة القابل للتنوع والتعدد بلا شيء يعين على تميزه وتعينه -كان هذا اللفظ محور المفاوضة بيني وبينه، كما كان من قبل محور المفاوضة بيني وبين أساتذتى الكبار، على رأسهم شيخى المرصفي، فيعرض عليّ من يعرض، ويربت على خيلاء شبابى من يربت، ولكني كنت في خلال مفاوضتى لجميعهم، أغرق هذا اللفظ إغراقا في أشباه أقولها، هي "وراء التذوق"، بيد أنني كنت لا أحسن العبارة عنها إحسانا يعين عليّ.
وقد حدثت الدكتور طه مرارا، وأنا أجادله يومئذ فأطيل، بالذي كنت أجده في نفسي ولا أحسن العبارة عنه، أي بما هو "وراء التذوق"، فكان يصغى إلى أحيانا كثيرة، ثم ينتهي إلى أن يمصمص بطرفه لسانه، وبزهوه وخيلائه وإفراطه في الإعجاب بنفسه، لا يكون رده عليّ إلَّا سخرية بي وبما أقول. كان زهوه يجعله لا يصبر، فلم يفهم عني مرة واحدة كل الفهم أو بعض الفهم. لم أكن أبالى بسخريته، فقد ألفتها منذ قديم، وألفت استخفافه بالناس جميعًا سوى نفسه، "شِنْشِنَة أَعرِفُها مِن أَخْزم"، كما يقال في المثل، (والشنشنة: الخليقة والسجية المغروزة في الطبيعة). هذا، على أنه كان له يومئذ كل العذر في خيلائه واستخفافه، لأن ذيوع صيته بفعل المعارضة التي لقيها كتابه "في الشعر الجاهلي"، بلغ مبلغا مثيرا، فهو طائر محلق في جو السماء، كل شيء يقع عليه بصره يتضاءل ويصغر، كلما أمعن في العلو والتصعيد وهو معذور أيضًا، لأنه كان يومئذ في الثامنة والثلاثين من عمره، وكان يحس أنه أصبح مشروعا معدا ناضجا، قابلا للتنفيذ، أي هو في طريقه إلى أن ينقلب أستاذا كبيرا، فلابد له من التشبع بسُنن "الأساتذة الكبار" في الزهو والعجب والاستخفاف. ومع الزهو والعجب والخيلاء" لم أجد عنده صبرا أو استجابة، أو محاولة، لفهم ما أقول، كاستجابة المرصفي شيخى وشيخه هو أيضًا. ذهب كل كلام بيني وبينه هذرا باطلا، هكذا ظننت يومئذ! ولكن. . ولكني قد قصصتُ قصة تذكُّره لهذا الحديث البعيد، وظهور أثره فيما كتبه في جريدة الجهاد سنة 1935، حين أحس أن العرش يهتز من تحته، قصصتها في كتابى (المتنبي 1: 41 - 47) وفي مواضع أخرى، ثم ما فوجئ به عند ظهور كتابى عن المتنبي سنة 1936، حيث استبان له أنى
(2/1181)

طبقت في هذا الكتاب منهجا في "تذوق الشعر"، يشبه أن يكون قريبا من شيء سمعه قديما مني، ثم ذهل عنه في غمرة الأحداث والأزمان. ويومئذ بدا له أن يفعل ما فعل، مما قصصته أيضًا في مقدمة كتابى (المتنبي 1: 147 - 158)، وفيه قصة "السطو" كاملة على اختصارها، فإن شئت فأعد قراءتها، فعسى أن تجد فيها شيئًا يزداد وضوحًا بعد هذا الحديث. (انظر أيضًا المقالات في الجزء الثاني من ("المتنبى").
فارقت الجامعة سنة 1928، وانطوى الماضي كله بما فيه، وبمن فيه أيضًا. ذهبت بعيدا وحيدًا لا رفيق لي غير "قضية الشعر الجاهلي"، كما شرحتها لك آنفًا، والتي لم تلبث أن أنشأت لنفسها صاحبة لا تفارقها، هي إعادة النظر في شأن "إعجاز القرآن". كان لفظ "التذوق" فاشيا في الألسنة والأقلام. لا يكاد أحدنا يشك في أنه معنى مفهوم واضح مفروغ منه. ومع الأيام الطوال الموحشة، وشيئا فشيئا، بدأ ما كنت أجده في نفسي عند قراءة الشعر الجاهلي وغير الشعر الجاهلي، والذي سميته لك آنفا "ما وراء التذوق"، والذي كان ما أقوله عنه غير مبين ولا واضح، والذي أنكره على أساتذتى من قبل، ورفضه الدكتور طه رفضا كاملا -أخذ هذا يدفعنى إلى سلوك طريق آخر، يعتمد على جس الكلمات والألفاظ والتراكيب جسا متتابعا بالتأمل، ثم على الرجوع إلى أصولها في المعاجم مع التدقيق في مكنون معانيها المختلفة، ثم في دلالاتها وظلال دلالاتها عند كل شاعر أو كاتب، ثم دخلت في مقارنات كثيرة بين المتشابهات والمتباينات، وشيء كثير بعد ذلك كان يفرض نفسه على طريقي فرضا. يومئذ بدأ لفظ "التذوق"، بمفهومه الذي عهدته، بدأ يتزعزع من حيث نشب من نفسي ومن لسانى، ورأيته لفظا مبهما مجمل الدلالة، لفظ غامض مظلم، مضلل بتعدد صوره واختلافها وتنوعها، ولكني لم أستطع أن أطرق بعيدا، لأن الذي أجده في نفسي مما سميته "ما وراء التذوق"، كان لا يزال صاحب سلطان عليّ مطاع، فكان يقبضنى عن الطيش والمجازفة بطرحه، فبينهما صلة خفية أحسها، وإن كنت غير قادر على تبينها.
(2/1182)

وهذا الذي استولى عليّ وخامرنى في شأن "التذوق"، رماني بغتة في حومة الارتياب وفوجئت بلفظ آخر هو لفظ "البلاغة" الذي يدور عليه القول في "إعجاز القرآن"، والذي يوصف به الكلام فيقال: "كلام بليغ"، فإذا هو أيضًا عندي الآن لفظ مبهم شديد الإبهام ونفرت جهنم، بين شدقيها تريد أن تبتلعنى. ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، بيد أنى كلما أعدت النظر، وجدت "الذوق" حقيقة كامنة في نفسي، ووجدت "البلاغة" أيضًا حقيقة ظاهرة تفرض سلطانها على نفسي، ولكني كلما حاولت أن أعرف لهما بيانا أو حدا، بلغ في الاعياء كل مبلغ. وبدا لي يومئذ أن أعيد قراءة عبد القاهر الجرجانى فيّ كتابيه "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز". أكببت على قراءة الكتابين، وبغتة رأيت أو تبيَّنتُ أن عبد القاهر قد وقع في نفس ما وقعت فيه. رأيته قد وقع في الحيرة من لفظ "البلاغة"، ورآه لفظا مبهما شكلا ليس له بيان ولا حد يعين على تصور "البلاغة" ما هي؟ فيومئذ انبعث انبعاثا ليكشف عن إبهام "البلاغة"، فألف كتابه "أسرار البلاغة"، عمد فيه إلى تحليل الألفاظ المتصرفة بأمر المعاني، مبينا عن وجوه حسنها وقبحها، وخطئها وصوابها، وسموها وسقوطها غير مقطوعة عن أصلها في الكلام المؤلف المركب. ثم ألف أيضًا كتابه "دلائل الإعجاز"، عمد فيه إلى تحليل الجمل أي الكلام المركب الذي يحتمل تركيبه آلافا من الوجوه، فكان كتاباه هذان، أول كتابين في "تحليل اللغة" بلغ فيهما غاية قَصَّر عنها كل من جاء بعده، وهذان الكتابان هما أصل "علم البلاغة"، كما سميناه (وسترى ذلك مبينا في كتابى: مداخل إعجاز القرآن) (1).
كان فضل عبد القاهر يومئذ عليَّ فضلا عظيما، لأننى حين فهمت حقيقة الدواعى التي حملته على وضع كتابيه الجليلين، أدركت من فورى أن مسألة "التذوق"، مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة "البلاغة" في الأمرين جميعًا، في إبهامهما، وفي أنهما حقيقتان متعلقتان بمدارك الفطرة في الإنسان. ولما رأيته قد
__________
(1) نشر بعد وفاته -رحمه الله-، مطبعة المدني، القاهرة 2002
(2/1183)

استطاع بتحليل الألفاظ والجمل والتراكيب، أن يجعلها تكشف اللثام عن أسرار المعاني القائمة في ضمير منشئها، فأزال إبهام "البلاغة"، ظننت أنه من المستطاع أيضًا بضروب أخرى من تحليل الألفاظ والجمل والتراكيب أن أصل إلى شيء يهدينى إلى كشف اللثام عن أسرار العواطف الكامنة التي كانت في ضمير منشئها، فأزيل إبهام "التذوق". وإذا كان تحليله قد أفضى به أن يجعل نظم "الكلام" دالا على صور قائمة في نفس صاحبها، فعسى أن أجد أيضًا في ضرب أو ضروب من التحليل، ما يفضى بى إلى أن أجعل "الكلام" ونظمه جميعًا دالا على صورة صاحبها نفسه. والتبست على الطرق مرة، واستبانت مرة، ثم بدأت بعد زمن تتضح لي بعض المعالم. وكان مما أعاننى على وضوح هذه المعالم، ما كنت دخلت فيه من قبل، من جس الكلمات والألفاظ والتراكيب جسا متتابعا، إلى آخر ما وصفته آنفا. وعلى الأيام بزغ لي بعض الضياء، وأنارت بعض الشعل، ووضعت لنفسي منهجا، انتهيت إلى أن سميته "التذوق"، كما حدثتك آنفا، وجعلت أمارسه في جميع ما أقرأ من الكلام لا في الشعر وحده والأمر يطول، ولكن هذه خلاصته أكتبها على مشقة.
ولم أجاوز حد تطبيق منهجى هذا في القليل الذي كتبته، مما نشرته وعما سوف أنشره بعد قليل إن شاء الله، ولكنه تطبيق لا أكثر ولا أقل. وما دمنا في حيز التاريخ فسأقفك على كلامين، أحدهما يصف الشعر الجاهلي في أول أمرى حين قرأت كما حدثتك، والآخر يصف الشعر الجاهلي بعد ذلك بزمان طويل، لما كتبت مقدمة كتابى المتنبي 1: 14) في سنة 1977، وضعت قديم إحساسى بالشعر الجاهلي في سنة 1927 وما قبلها فقلت:
1 - "وجدت يومئذ في الشعر الجاهلي ترجيعا خفيا غامضا كأنه حفيف نسيم، تسمع حسه وهو يتخلل أعواد نبت غميم متكاثف = أو رنين صوت شجى ينتهي إليك من بعيد في سكون ليل داج، وأنت محفوف بفضاء متباعد الأطراف وكان هذا الترجيح الذي آنسته مشتركا بين شعراء الجاهلية الذين قرأت شعرهم، ثم يمتاز شاعر "من شاعر" بجرس ونغمة وشمائل تتهادى فيها ألفاظه، ثم
(2/1184)

يختلف شعر كل شاعر منهم في قصيدة من شعره، وبدندنة تعلو وتخف تبعًا لحركة وجدانه مع كل غرض من أغراضه في هذا الشعر".
هكذا كنت أجد الشعر الجاهلي، قبل أن أنتهي إلى المرحلة التي وجدت عندها منهجا أستطيع أن أعيد عليه قراءة هذا الشعر، وإن كنت قد كتبته بعد انقضاء خمسين سنة. ولكني في سنة 1961، وصفت هذا الشعر نفسه في مقدمة كتاب صديق لي، -رحمه الله- (1) فقلت:
2 - ولقد شغلنى "إعجاز القرآن" كما شغل العصر الحديث، ولكن شغلنى أيضًا هذا "الشعر الجاهلي" وشغلنى أصحابه، فأدانى طول الاختبار والامتحان والمدارسة إلى هذا المذهب الذي ذهبت إليه، حتى صار عندي دليلًا كافيا على صحته وثبوته. فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم، رأيتهم في هذا الشعر أحياءً يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق وغاضبهم تربد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادى على رجليه، ورأيت الجماعات في مبداهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون .. كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس، وبحة المستكين وزفرة الواجد، وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني، كأنى لم أفقدهم طرفة عين، ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم، ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض، ولا شيء مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا، ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شيء مما يكون به الحي حيا على هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم: جزيرة العرب".
وأظن، أيها العزيز، أنك مستطيع أن تجد الفرق بين هذين النعتين للشعر الجاهلي ظاهرا علانية، وأن أولهما عليه وسم باد يلوح، يدل على أنه نعت من أثر
__________
(1) كتب الأستاذ شاكر هذه المقدمة لكتاب الظاهرة القرآنية، لمالك بن نبي سنة 1958
(2/1185)

"التذوق المحض والإحساس المجرد"، كما قلت آنفا، وأن هذا "التذوق" يومئذ كان تذوقا ساذجا بلا منهج، كالذي هو ناشب في الألسنة وأقلام الكتاب المحدثين .. وأن ثانيهما عليه سمة واضحة تدل على أنه نعت من أثر "التذوق" أيضًا، ولكنه تذوق له معنى آخر غير المعنى المألوف، وأنه "تذوق" قائم على منهج مرسوم، له أسلوب آخر في استبطان الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني، ثم في استدراجها ومماسحتها وملاطفتها ومداورتها حتى تبوح لنا بدخائل منشئيها ومخبآت صدورهم، بل حتى تكشف اللثام عن صورهم وملامحهم ومعارف وجوههم سافرة بلا نقاب. أظنه فرقا ظاهرا بين نعتين، في زمنين متباعدين، لكل زمن منهما طبيعة تميزه عن الزمن الآخر. أليس كذلك؟
ولمجرد الحذر مما يخاف على الحديث إذا هو اختلف سياقه وتباعدت أطرافه، فيصبح عندئذ مهددا بأن تخفي أسباب التشابك بين معانيه، أو متوعدا بأن تتهتك أو تسقط بعض الروابط الجامعة بين أوصاله فيتفكك أو ينتشر، أحب أن أختصر لك مجمل حديثي في نظام واحد، متدانى الأطراف محذوف الفضول. فهذه القوة المركبة الكامنة في بناء الإنسان، والتي سميتها "القدرة على البيان"، مندمجة اندماجا لا انفصام له في حلقة مفرغة مكونة منها ومن العقل والنفس والقلب. ولها في هذه الحلقة عملان متداخلان لا ينفصلان هما: "الإبانة" و"الاستبانة" و"الإبانة" هي قدرتها على إنشاء "الكلام" وتركيبه، بليغا كان أو غير بليغ. و"الاستبانة" هي قدرتها على تفلية "الكلام" وجسه والتدسس في طواياه، وحين تتلقاه من خارج، بليغا كان "الكلام" أو غير بليغ. وهذه "الاستبانة" بجملتها هي التي سميتها "التذوق".
وكلامى، خفت، يوشك أن يوهم أن "التذوق" عمل آخر مستقل من أعمال هذه القدوة، مقصور على استبانة دفائن الكلام الدالة على آثار العواطف والنوازع والطبائع الناشبة فيه، وعلى التقاط الملامح العالقة التي يمكن بالملاطفة أن تحسر اللثام عن بعض معارف ضمير منشئها وصورته وهيئته، وخفت أيضًا أن
(2/1186)

يظن ظان أن هذا عمل آخر هو غير عملها في استبانة صور المعاني القائمة التي كانت في نفس منشئها، والتي هي في الحقيقة ما نسميه "البلاغة". وخفت أيضًا أن يتوهم متوهم أن أحد العملين ممكن أن يتم بمعزل عن العمل الآخر. ليس كل ذلك صحيحا أو ممكنا، لأن صاحب "الإبانة" و"الاستبانة" واحد غير قابل للتجزئة، وهو "القدرة على البيان" ولأن طلب "الاستبانة" لجميع ما تطلبه في "الكلام" المتلقى من خارج متداخل ممتزج في حيز واحد هو نفس "الكلام" المتلقى من خارج، ولأن جميع ذلك حدث واحد متلازم أيضًا في زمن واحد مختطف متلاحق لا يمكن تثبيته أو تقسيمه. وإذن، فهو على التحقيق عمل واحد خاطف لا يتجزأ، وإنما نحن الذين نتولى الفصل بين شيء منه وشيء بعد تمام العمل الواحد جميعه، على قدر ما عندنا من الرغبة وتوجيه العناية إلى إبراز شيء منه دون شيء.
وأظنه صار قريبا ممكنا أن نتخطى كلاما كثيرا ونفضى إلى نتيجة موجزة، هي أن "التذوق" يقع وقوعا واحدا، في زمن واحد، على كل "كلام"، بليغا كان أو غير بليغ. ثم يفصل عن "الكلام" ومعه خليط "واحد" ممزوج متشابك غير متميز بعضه من بعض. وفي هذا الخليط أهم عنصرين.
العنصر الأول: ما استخرجه "التذوق" من العلائق الباطنة الخفية الناشبة في أنفس الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني. وهذا في جملته يجعلنا قادرين على أن نستخلص منه ما يحدد بعض الصفات المميزة التي تدل على طبيعة منشيء الكلام، أي على بعض ما يتميز به من الطبائع والشمائل، أو ما شئت من هذا الباب.
والعنصر الثاني: ما استخرجه "التذوق" من العلائق الظاهرة بين أنفس الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني، وهذا في جملته يجعلنا قادرين على أن نستخلص منه ما يحدد بعض الصفات المميزة التي تدل على طبيعة الكلام نفسه، أي على ما يتميز به من "السذاجة" و"البلاغة" أو ما شئت من هذا الباب.
(2/1187)

والإحساس بهذين العنصرين الخليطين إحساس سريع، خاطف، ناقد، لطيف، دقيق، دفين، قائم في النفس لأول وهلة عند سماع كل كلام أو قراءته، من العسير عليّ أن أتقصاه هنا أو أعبر عنه تعبيرا واضحا في كلمات قلائل، ولكن كل أحد قادر على تبينه بالأناة والتوقف. وبالتأمل والدربة، فيما أظن. ولكنه على كل حال، إحساس خفي مكنون مقنع بقناع من الكتمان. يحتاج إلى ما يهتك عنه هذا القناع حتى يسفر ويستبين وينجلى، ثمَّ يبوح بما عنده.
ولكن ليس أمر "التذوق"، في الحقيقة، محفوفا بمثل هذه القسوة والصرامة التي ألجأتنى إليها طبيعة حديثي عنه، وطبيعة اللغة التي تجعلنا "اضطرارا" أن نجسد ما لا يتجسد. فما من إنسان حي عاقل مدرك، صغير أو كبير، جاهل أو عالم، قَل علمه أو كثر، إلا و"التذوق" حاضر في دخيلته حضورا ما، لأنه "إنسان" قد أودع الله في بنائه هذه الأعجوبة النفيسة الغالية التي صار بها إنسانا، وهي "القدرة على البيان". فهو، إذن على هذا "التذوق"، لأنه ما من شيء يسمعه أو يبصره أو يحسه أو يذوقه، أو يتوهمه أيضًا، إلَّا وهو محتاج فيه إلى "القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة" أي "التذوق"، لأنه غير قادر على إدراك أي معنى أو تصوره، إلا عن طريق هذه القدرة وأدائها لعمليها أداء ما فالتذوق إذن، ضرورة لكل حي منا، منذ يولد إلى أن ينقطع أجله على هذه الأرض.
وهذا الإلف الطويل لقيام "التذوق" فيه وأدائه لعمليه، منذ يولد إلى أن يكبر ويعقل يؤهله، بلا وعى منه حاضر فريد واضح الإرادة، أن يكتسب قدرة على سرعة استخلاص قدر لا بأس به من هذا الخليط الذي امتزج فيه العنصران جميعًا، وعندئذ، ولأول وهلة، ينفصل شيء بعد شيء من هذا الخليط وكأنه انفصل من تلقاء نفسه، ويبرز للمرء واضحًا جليا، ولا يحس البتة أنه بذل في تبينه جهدا أو تعمد بذله. وهذا هو "التذوق" الساذج الذي لم يتم عن منهج مرسوم أو قصد أو عناية. ولكن يبقى في الخليط الممزوج من العنصرين بعد ذلك شيء "كثير"، يحتاج إلى منهج وقصد وعناية أي يحتاج إلى إرادة واضحة، وإلى تنبه وبصر،
(2/1188)

وإلى حرص على تمييز شيء من شيء، وإلى عناية متوجهة إلى غرض واحد أو أغراض متنوعة. وهذا غير ممكن أن يتم من تلقاء نفسه على وجه صحيح، ولا أن يتم كله دفعة واحدة. ويحتاج أيضًا إلى ترديد الكلام وترجيعه، وإلى إعادة النظر فيه مرة بعد مرة بعد مرة، وإلى التقاط شيء من هذا الخليط، وإلى فصل بعض من بعض، وإلى ضم شكل إلى شكل، وإلى ملاحظة الفروق بين المتشابهين أحيانا، أو تحديد ضرب من التشابه بين غير المتشابهين ظاهر أحيانا أخرى. وأشياء أخرى كثيرة لا يضبطها إلا المنهج والقصد والعناية.
وهذا الذي وصفت هو "التذوق" بعنصريه "التذوق" الواقع على طبيعة الكلام نفسه، أي على ما يتميز به من "السذاجة" أو "البلاغة" أو ما شئت من هذا الباب، والذي كان مبهما كل الإبهام، فجاء عبد القاهر الجرجانى فألف كتابين: "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز"، ليزيل الإبهام عن لفظ "البلاغة": أي عن أحد عنصرى "التذوق"، وهو نفسه "التذوق" الواقع على طبيعة منشيء الكلام، أي على بعض ما يتميز به من الطبائع والشمائل أو ما شئت من هذا الباب، وهذا العنصر الثاني هو الذي حاولت جاهدا أن ألتمس لنفسي طريقا إلى إزالة إبهامه، فإن أنا قد وفقت فيه إلى بعض الصواب، فبفضل الله وتسديده، وإن أكُ قد أخطأت الطريق وأسأت، فأسأل المغفرة واسع المغفرة سبحانه.
(2/1189)

من هؤلاء!
الذي يسرى اليوم في حياتنا الأدبية من السموم الفتاكة شيء "كثير" لا يحاط به، ومع ذلك فالأطباء والصيادلة قليلون وهم مع قلتهم منصرفون كل الانصراف عن تتبع هذه السموم وعن تحليلها، وعن تنبيه الناس إلى خطرها وفتكها، وعن تحذيرهم من هذه الأقراص الجميلة الشكل الذكية الرائحة من خارج، وباطنها تفوح منه أخبث الروائح. وهي اليوم تباع في كل مكان ولا يسأل أحد عن مصدرها، أو عن الجهات التي تخصصت في صناعتها وتصديرها، أو عن التكنولوجيا الحديثة التي عبأتها أحسن تعبئة وهيأتها للاستئثار بإقبال الشباب والفتيات في هذا العالم العربي والإِسلامى الذي نعيش فيه، واتخذت وسائل الإعلام جميعًا للإعلان عنها يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة.
لا أدري من يكون؟ ولكن هكذا يقول، عن رواية "أولاد حارتنا" للأستاذ نجيب محفوظ.
وربما تبادر إلى الظن أن كتابة الحوار على الأقل باللغة العامية، إن لم نقل كتابة الرواية كلها، كانت تكون أقدر على تحقيق هذا الهدف (أي أن يشد اهتمام القارئ البسيط ويأسره ليتمكن بعد ذلك من إثارة تفكيره! هكذا يقول).
ولكن نجيب محفوظ يقصر استخدامه للعامية على الأغنيات والأمثال الشعبية التي يقتبسها، بالإضافة إلى بضع كلمات ومصطلحات تجري على الألسنة في الحياة اليومية، ولو نقلت إلى اللغة الفصحى لبعدت عن هذه الحياة بعدا كثيرا (فالمائدة تظل طرابيزه، والأريكة كنبة، والعربة التي يجرها حصان عربة كارو. . . الخ). وكل ما خلا ذلك مكتوب باللغة الفصحى التي يتردد فيها أحيانا إيقاع قرآنى (مثل التعبير الوارد على صفحة 344: يؤدي الإتاوة صاغرا) أو في صيغ عتيقة مثل "فوه" بدلا من "فمه" و"فيه" بدلا من "فمه" و"فاك" بدلا
__________
(*) مجلة الثقافة، السنة السادسة، العدد 62، نوفمبر سنة 1978، ص 14 - 16
(2/1190)

من "فمك" ص: 55، 69، 76، على عكس الصيغ المألوفة التي ترد على سبيل المثال ص 119، 507. وقد تعجب أيضًا لوجود تعبير عامى مألوف "مافيش فائدة" على هذه الصورة: "ما فيها فائدة" (أي الدنيا)، ص 448. وربما كأن هنا إشارة إلى تعبير منسوب إلى سعد زغلول (غريبة هذا علم واسع جدًا! ؟ ) ولكن النص في جملته -بصرف النظر عن المواضع القليلة- نص سهل ومقروء. وهذا أمر يتفق مع ما يقصده المؤلف. لقد طالما وجه اللوم إلى نجيب محفوظ بسبب تمسكه بالفصحى، ولكنه لم يحد عن رأيه أبدا، ولم يحاول أن يجعل منه مذهبا متزمتا (عيب عليك يا نجيب، لماذا لا تحيد عن رأيك! ). لقد وجد لغة الكتابة التي أمامه هي اللغة الفصحى (عجيبه: شوف إزاى)، ووجد من طبائع الأمور أن يستعملها فيما يكتب. والواقع أن استعمال العامية يمكن أن يصدم كثيرا من القراء بدلا من أن يؤثر فيهم تأثيرا مباشرا. إذ ليس من المألوف أن تتناول الموضوعات الجادة. أضف إلى هذا دور الفصحى بوصفها وسيلة التفاهم في العالم العربي كله. ونجيب محفوظ لا يكتب لمواطنيه المصريين وحدهم. وأخيرا فإن اللغة الدارجة تعد في رأيه علامة "على الجهل، وهي لن تصلح للاستعمال في عمل فني يهدف إلى نشر الروح العلمية" انتهى، (ونجيب محفوظ مخطئ في رأيه بلا شك! ) (انظر مجلة الثقافة، العدد 61، من ص 26 - 34).
وظاهر أن هذا الأعجمي الألماني شديد الحب لنجيب محفوظ، وهو أشد حبا للمصريين، لأنه يريد أن يكون ما يكتبه نجيب عاملا مهما (يشد اهتمام القارئ البسيط ويأسره، ليتمكن بعد ذلك من إثارة تفكيره! ) -لا بل هو أشد حبا للمصريين من سلفه الألماني العظيم (الذي لا أظن أن أحدا يعرف اسمه في بلاد ألمانيا اليوم! ) وهو: "ولهلم سبيتا"، الخبير بتكنولوجيا اللغة في القرن التاسع عشر والذي ألف كتابا يدعو فيه المصريين بالشفقة والرحمة التي في قلبه، ليتخذوا العامية لغة للكتابة والتأليف. و"ولهلم سبيتا" هذا فدائى عظيم، عرض نفسه للمتالف في سبيل مصر! ولذلك قال في مقدمة كتابه:
(2/1191)

"وأخيرا سأجازف بالتصريح عن الأمل الذي يراودنى على الدوام طول مدة جمع هذا الكتاب، وهو أمل يتعلق بمصر نفسها، (انظر، ما أشد حبه لمصر)، ويمس أمرا هو بالنسبة لها وإلى شعبها يكاد يكون مسألة حياة أو موت (شوف إزاي) (فكل من عاش فترة في بلاد تتكلم العربية، يعرف إلى أي حد كبير تتأثر كل نواحي النشاط فيها، بسبب الاختلاف الواسع بين لغة الحديث ولغة الكتابة). "راجع كتاب الدكتورة نفوسه زكريا: تاريخ الدعوة إلى العامية وكتابى: أباطيل وأسمار".
وهذا الألماني الجديد، ليس أقل منه مجازفة وفدائية في سبيل مصر ونجيب محفوظ خاصة وإلا فلماذا جازف هو الآخر، بعد هلاك سلفه منذ مئة سنة (توفي ولهلم سنة 1883 م)؟ ودعنا من قصة "العامية" في البلاد العربية، ولكن المهم الذي ينبغي أن تعلمه، هو أن هذا الأعجمي الألماني الفاضل، مجاهد عظيم، فإنه من كبار الدعاة في لغته الألمانية نفسها، إلى طرح اللغة الألمانية الفصيحة التي كتب بها شعراؤها وعلماؤها وفنانوها وقصّاصوها، وإلى استبدالها باللغات العامية الألمانية المختلفة، وإلى إحياء ما مات منها منذ قرون! هكذا ينبغي أن يكون شأن فدائيته! !
من الغرائب أيضًا أن هذا الرجل العظيم شديد التنبه للعيوب الفادحة في "فصحى نجيب محفوظ"، فقد وقع على ما لم يقع عليه الأب جاك جومييه، ولا ساسون سومبخ اليهودي، ولا شومان، ولا فاتيكيوتيسى، وسائر العلماء والمفكرين العظماء الذين درسوا "أولاد حارتنا" دراسة مستفيضة. ونبهنا إلى أنه يتردد في "فصحى نجيب محفوظ" "إيقاع قرآنى" (مثل التعبير الوارد على صفحة 344: يؤدي الإتاوة صاغرا). ويعني بهذا الكشف الجديد (الإيقاع القرآنى لفظا واحدا وهو "صاغرا"، فوقوع هذا اللفظ وحده في أي كلام، يجعل في الكلام "إيقاعا قرآنيا"، والدليل على ذلك أن لفظ "الإتاوة" لم يرد في القرآن البتة، ولفظ "يؤدي" مع أنه جاء في بعض الآيات في ذكر "أداء الأمانة"، فإنه أيضًا لفظ يجرى في العامية قديمها وحديثها كقولهم "يؤدي له خدمة" أما
(2/1192)

"صاغرا"، فهي وحدها التي جاءت في قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة: 29]. فبالإحساس الدقيق المتوهج الذي يتمتع به هذا الخبير بتكنولوجيا اللغة العربية فصيحها وعاميها، وبتكنولوجيا الشعوب العربية والإِسلامية: استطاع أن يحس بما لم يحس به أحد، ولا نجيب محفوظ نفسه، أن هاهنا في هذه الكلمات الثلاث "إيقاعا قرآنيا"! مصدره لفظ واحد! لفظ واحد! هو "صاغرا! " (وبالذمة بقي، ده مش فكر تكنولوجى خفيف الدم! ! ).
زلة كبيرة، كان على نجيب محفوظ أن يحترس كل الاحتراس في فصحاه. ليطرد من هذه الفصحى كل لفظ جاء في القرآن، فإن هذا الخبير بتكنولوجيا اللغة في القرن العشرين قد أفتاه بأن كل لفظ ورد في القرآن يوشك أن يجعل في كلامه "إيقاعا قرآنيا" غير مرغوب فيه. وأنا أحب أن أشارك في "لوم نجيب محفوظ بسبب تمسكه بالفصحى"، وخاصة بعد أن قامت في مصر منذ قديم جهة ذات اختصاص في هذا الأمر، وهي تبذل اليوم جهودا عظيمة في سبيل تنقية (اللغة العربية المعاصرة) من مثل هذه الألفاظ، ويتولى العمل في هذه السبيل أساتذة جلودهم عربية، وبين أشداقهم ألسنة عربية، وهم يتأهبون لإصدار معجم تكنولوجى يتضمن (اللغة العربية المعاصرة)، بعد طرد مثل هذه الألفاظ من لغة الكتابة والحديث. كان على نجيب محفوظ أن يستشير هذه الجهة قبل أن يقدم على استعمال ألفاظ في كتابته، تشينها شينا عظيما عند الخبراء التكنولوجيين المحدثين. والأستاذ نجيب قادر على الوصول إلى تلك الجهة المختصة، فإنها جامعة مشهورة معروفة (1)، تتدفق عليها الأموال والصدقات من كل المحبين للعرب وللغة العرب، وللإسلام، من جميع أقطار العالم غير العربي وغير
__________
(1) يعني الأستاذ شاكر الجامعة الأمريكية بالقاهرة. واسم المعجم الذي أصدرته هو: معجم اللغة العربية المصرية، من تأليف الدكتور سعيد بدوي والدكتور مارتن هاينز.
(2/1193)

الإِسلامى. هناك سيجد نجيب من يرشده أيضًا إلى "الصيغ العتيقة" التي ينبغي أن يصون نفسه عن خبائثها، مثل: "فوه وفاه، وفيه"، فإن إخلاء كتابته من هذه الخبائث كفيل بأن يطفئ ظمأ الظامئين، وأن يحقق أماني المتمنين، الذين يتطلعون تطلعا إلى "ترجمة هذه الرواية إلى اللغات الأوربية"! هذا واجب عليه حتى لا يتكرر مرة أخرى ما حدث لألبرتو مورافيا، حيث بقي هذا العمر الطويل، وهو لا يعرف كاتبا عربيا واحدا، لأنه لم يُتَرجَم من أعمال هؤلاء الكتاب شيء إلى اللغة الفرنسية أو الإِنجليزية أو الإيطالية، أو كما قال مورافيا! .
ملاحظة: ألبرتو مورافيا كاذب، لأننا نعرف كاتبا عربيا مشهورا على الأقل، ترجمت آثار حضرته إلى الفرنسية والإِنجليزية والروسية (1) .. إلخ، ولما ظهرت هذه الكتب أحدثت في عالم هذه اللغات ضجة تسامع بها كل حي ينتسب إلى هذه اللغات. وبترجمة آثار حضرته دخل أدب الأمة العربية في آداب "اللغات الحية" دخولا لا شك فيه! ! مورافيا كاذب، أو أصم لا يسمع، أو أعمى لا يقرأ.
أما سائر المقالة (الثقافة، العدد: 61)، ففي أسطرها روائح كثيرة تفوح، روائح من صنف آخر، روائح لم أزل أشمها تفوح من تحت الثياب، منذ عرفت في شبابي عن قرب كبار هؤلاء الخبراء التكنولوجيين، منذ عهد المبشر البروتستانتى زويمر القس، إلى ويلككس، إلى أن تمصرت هذه الروائح في ثياب كثيرة ذكرتها في كتابى "أباطيل وأسمار". أما الآن فقد فشت هذه الثياب فشوا واسعا، وتجنست بجنسيات عربية وإسلامية كثيرة، وفيها الغَناء، إن شاء الله، عن جميع هؤلاء الغرباء الخبراء بتكنولوجيا اللغة العربية فصيحها وعاميها، وبتكنولوجيا العالم العربي والعالم الإِسلامى. ومع ذلك، فأنا أرى أن على نجيب محفوظ منذ الآن، أن يحيد عن رأيه في التمسك بالفصحي، وأن يدخل في عصر التكنولوجيا اللغوية الحديثة، وإلا فاته الركب، وبقي بقاء سرمدا مع
__________
(1) هذا الكاتب هو الأستاذ توفيق الحكيم -رحمه الله-.
(2/1194)

مخلفات القرون البائدة. هل تقبل، يا أخي أن تكون عاجزا كل هذا العجز، حتى يقول لك الخبير الذي تجب عليك طاعته: "لقد وجد لغة الكتابة التي أمامه هي اللغة الفصحي، ووجد من طبائع الأشياء أن يستعملها فيما يكتب"، وجدت، فانسقت انسياقا! أهكذا يكون موقف الأساتذة الكبار مثلك! عار عليك باق، فاغسل عنك هذا العار.
ولكن بيني وبينك يا أخي نجيب، المسألة كلها جاءتك وجاءتنا في ثياب الجد الركين، إلا أن اللغة العامية لا تعرف لهذه الثياب اسما إلا اسما واحدا هو: "تهميش"! وأظنه لفظا لا يغيب عنك مهما اشتد تمسكك بالفصحي، وإعراضك عن العامية. (كده ولا أنا غلطان! وشوف إزاى أنا باستعمل العامية)، لكي أدخل في عصر التكنولوجيا الحديثة! أليس هذا موقفا حضاريا! !
(2/1195)

قضية اللغة العربية
جزء صغير من الحقيقة المفزعة
* اللغة لست عِلمًا .. بل هي شيء فوق العلم
* لغتنا في خطر داهم .. ونحن أيضًا
دعت كلية الآداب بجامعة الإسكندرية إلى عقد مؤتمر للغة العربية، تم عقده في 30 صفر إلى 4 ربيع الأول سنة 1402 هـ "26 - 30 ديسمبر سنة 1981 م". اشترك في هذا المؤتمر نحو من ستين عضوا، يمثلون تسع عشرة كلية، تنتمي إلى عشر جامعات مصرية، وسبع جامعات عربية من السودان والسعودية ولبنان، ومعهم غيرهم من أساتذة العربية في مصر وغيرها من البلاد العربية. وكان مقرر المؤتمر الدكتور محمد مصطفى هدارة، وكيل كلية الآداب للدراسات العليا والبحوث.
عدد ضخم، ولولا ما نحن فيه اليوم، لتضاعف العدد تضاعفا يذهل ويخيف!
تناول المؤتمر قضية ضعف العربية على ألسنة أبنائها، من أول نشأة الطفل في بيت أمه وأبيه، ثم في المرحلتين الإبتدائية والثانوية، إلى أن ينتهي من دراسته الجامعية شابا، أو رجلا على الأصح، في نحو الخامسة والعشرين من عمره، ثم يلتحق بهيئة التدريس الجامعية، أو غيرها من الهيئات والأعمال.
قدم أساتذة المؤتمر أربعة وأربعين بحثا .. درست في المؤتمر العام، ثم في لجانه الخمس المتخصصة، وتخللتها مناقشات طويلة كثيرة دارت بين أعضاء المؤتمر نفسه.
منذ أول يوم في المؤتمر، كانت الصورة قاتمة جدًّا، ومفزعة جدًّا، وظلت كذلك حتى صدرت توصياته تحمل نذير الخطر، وتتلمس في الظلام الدامس سبيلا إلى النجاة منه. ويكفي أن تلم بمجمل الوصايا الخمس، بأبوابها الثمانية
__________
(*) مجلة الهلال، عدد مايو، سنة 1982، ص 24 - 31.
(2/1196)

والأربعين، حتى تدرك فداحة الخطر الذي يهدد العربية، وأبناء هذا اللسان العربي:
فالأولى، تتعلق بمرحلة التعليم قبل الجامعي، وفيها سبعة أبواب.
والثانية، تتعلق بالمناهج وطرق التدريس في الجامعة، وهي أحد عشر بابا.
والثالثة، تتعلق بتكوين الطالب الجامعي، وهي سبعة أبواب.
والرابعة، تتعلق بتكوين المدرس الجامعي المتخصص، وهي ثلاثه أبواب.
والخامسة، وهي أخطرهن، تتضمن وصايا جامعة شاملة لكل ما في حياتنا، وهي عشرون بابا.
* * *

إحساس غامض مبهم ممزق، ولكنه عميق مزلزل، أستشفه من وراء هذا المؤتمر، ومن تحت أكثر ما أقرؤه أحيانا في الصحف والمجلات والكتب، وما أسمعه في الإذاعات والمجالس. إحساس يرتجف ذعرا بما أصاب العربية اليوم على ألسنة أبنائها من الضعف والخلل والتفكك.
"العربية في خطر داهم"، حقيقة واقعة .. نعم. ولكنها جزء يسير من الحقيقة المفزعة الكبرى. لأن الخطر الذي يحيط بالعربية، لا يحيط بها منفصلة عن أصحابها، أصحاب اللسان العربي نفسه وراثة وإنتماء، ثم هو لا يحيط بأصحاب اللسان العربي، منفصلا عن حاضرهم، ولا عن مستقبلهم في هذه الدنيا الواسعة المتصارعة، ولا عن تاريخهم العريق الغائر في أغمض الآباد المتقادمة على طول القرون ولا عن حضاراتهم الغابرة والباقية التي بسطوها على أوسع رقعة من الأرض، من أقصى المغرب غربا، إلى جوف الصين شرقا، ومن قلب أوروبا شمالا إلى أطراف القارتين الإفريقية والآسيوية جنوبا، واستقرت فيها عشرات من القرون، تضئ ثم تكمن ثم تضئ.
"العربية في خطر داهم". جزء يسير من الحقيقة المفزعة الكبرى، ولكنه الجزء المهدد الذي ينهار البناء كله بانهياره، فإذا انهار، أصبح الحاضر كله، والمستقبل كله، ركاما وأطلالًا وملاعب يستبيحها من يشاء بما يشاء كما يشاء.
(2/1197)

ومع أن هذا هو ما تجده مستكنا في صريح الدعوة إلى هذا المؤتمر وفي وصاياه، فإنه انعقد أياما ثم انفض، وتلقته بعض أجهزة الإعلام خبرا ضئيلا ينشر ثم يطوى، وكأنه كان لغوًا لا يحرك ساكنًا، ولا يثير أحدا، ولا ينذر بخطر، ولا يستحق أن ينال أسطرا قلائل من الآلاف المؤلفة من الأسطر التي تحوزها مشاكل الاقتصاد والإسكان والمرور، أو كرة القدم على الأقل. وهذا وحده نذير بشرّ لا يعلم إلَّا الله مداه.
أمر محزن أن تبلغ الاستهانة بشأن اللغة هذا المبلغ. موقف لا مثيل له في تاريخ أمم العالم، لأنه يخالف طبيعة الإنسان الذي ميزه الله من سائر خلقه باللغة والبيان، في قصة طويلة معقدة، منذ دب على الأرض أبونا آدم -عليه السلام- .. وتكاثر أبناؤه حتى عمروا وجه الأرض، واختلفت ألسنتهم وألوانهم، وصاروا شعوبا وقبائل وأممًا تتعارف وتتناكر على مر آلاف مؤلفة من السنين.
ضعف في اللغة يستشرى جيلا بعد جيل، واستهانة بما يصيب اللغة تتفاقم جيلا بعد جيل. موقف فريد مناقض للطبيعة، تقفه أمة العرب ومن ينتمون إليهم بالدين الواحد والحضارة الواحدة، أو باللسان الواحد والحضارة الواحدة وإن خالفوهم في الدين.
كيف تم هذا كله؟ لابد من تفسير لما حدث كيف حدث، وإلاّ فلا علاج لعلة لا يعرف الطيب أسبابها ولا نشأتها ولا تاريخها، وكفى بالطيب جهلًا أن يعالج أعراض الداء، والداء في مكمنه حي طليق مسيطر مستبد.

في زمان الغفلة
منذ أربعة قرون ماضية، كان العالم العربي والإِسلامى أرضا واحدة، تحيى حضارة واحدة، تمدها ثقافة واحدة، من أقصى المغرب إلى حدود الصين، ومن أطراف تركية دار الخلافة إلى أغوار أفريقية وآسية، أمة واحدة وارثة لأسلافها، ولكن الورثة كانوا في غفلة، استناموا إلى ميراثهم الجليل الضخم، فهمدوا همود الجمرة تحت الرماد.
وفي زمان غفلتهم واستنامتهم، دبت الحياة دبيبها في ناحية أخرى على
(2/1198)

أطراف دولتهم. حركة حياة لم يلقوا إليها بالا في أول الأمر، مع أن الله تعالى كان قد أنذرهم قبل ذلك بقليل، فسلَّط الهمج البرابرة على طرف من أطراف دولتهم في أرض الأندلس، بعد أن عمروها ثمانية قرون "93 - 897 هـ/ 712 - 1492 م" فأبادوا ملكهم، واستباحوا حضارتهم، ونهبوا ما في أيديهم من ثروة وعلم وبشر، ودمروا أكثر ما شيدوه من بنيان. عظة وعبرة، لم تجد مستمعا ولا مستجيبا.
والآن، وهم في غفلة واستنامة، كان قدر الله سبحانه يعد لهم بعد المغل "المغول" والتتر الذين انصبوا عليهم من الشمال الشرقي. مغل العصور الحديثة وتترها من الشمال الغربى ليرسلهم عليهم .. لن يكونوا مغلا جهلة كأهل الشمال الشرقي، بل مغلا مدربين قد استفاقوا من جهالة ظلوا غارقين في مستنقعها اثنى عشر قرنا، "هي القرون الوسطى، كما يسمونها". بعد أن أيقظتهم حضارة العالم العربي والإِسلامي، وأمدتهم بما يحييهم. وبعد أن وضع لهم نيكولو مكيافيلى "874 - 933 هـ / 1469 - 1527 م" دستورهم الأخلاقى السياسي. الذي لا تزال تسرى شروره في شرايين الحضارة الأوروبية الحديثة إلى هذا اليوم.
بدأ زحف المغل "المغول" المحدثين على دولة الخلافة الإِسلامية بحذر شديد، وبدأ تطويق العالم العربي الإِسلامى من سواحل البحار البعيدة في أفريقية وآسية والهند وجزيرة العرب. ثم بدأ التغلغل في حواشى الأرض اليابسة من أطراف العالم الإِسلامى. ومرت السنون، وشيئا فشيئا نفذت سطوة المغل المحدثين في كيان دولة الخلافة، وبدأت دولة الخلافة تفقد سلطانها على نفسها، وأحس العالم الإِسلامى بالنكبة إحساس التوجس المبهم، وخامر الآذان دوى خفي ينبعث من تقوض أركان دولة الخلافة، وخالط الفزع الغفوة، وبدأ التحدى الأكبر واضحًا في ناحية، مبهما في الناحية الأخرى.
لن أقص تفاصيل تاريخ غريب مخيف، ولكني أشير إلى جزء يسير من حركة أمة فزعت من خطر، فأخذت تمسح النوم عن عيونها بأيد فيها فتور النعاس
(2/1199)

الغالب. حاولت أن تهب من رقدتها، لتنفض عن نفسها غبار القرون، فماذا فعلت؟ ولم أخفقت؟
كان لدوى الأركان المتقوضة في مركز دولة الخلافة، ذبذبة تغلغلت في قلب العالم العربي الإِسلامى حتى بلغت أطرافه البعيدة. وبالتوجس المحض من الخطر المرهوب المحجوب، بدأت أمة كاملة مترامية الأطراف تحاول أن تواجه تحديا عن عدو مبهم، بدأ يقوض أركان دولتها. وبرد الفعل الفطرى، تحركت طائفة قليلة مبعثرة في أرجاء عالم متراحب. تحركت تدافع عن بقائها بلا تدبير سابق، ولا هدف واضح، وما هو إلا التوجس الغامض من شر خطر داهم مستطير، ولكنه محجوب لا يعرف ما هو على التحقيق.
كان أول ما انبعث هؤلاء الأفراد القلائل بفطرتهم للدفاع عنه هو اللغة والدين، وهما أساس ثقافة الأمة، ثم سائر العلوم التي هي أصول الحضارة التي ورثتها، وعاشت بها وفيها قرونا طويلة. كان الطريق الذي هدتهم إليه الفطرة، هو بعث الأصول التي قامت عليها الثقافة والحضارة، بالرجوع إلى منابعها الصافية الأولى، بعد أن غمرها النسيان والغفلة بأتربة سفت عليها قرونا حتى طمرتها، وسلبتها بريقها ونضرتها.
لا أستطيع هنا أن أسرد كل ما حدث عند هذا التوجس في كل ناحية من نواحي هذا العالم الضخم المتراحب، ولذلك رأيت أن أختار خمسة رجال عظام لا أكثر، أحسوا بذبذبة النكبة، فانتفضوا لها، وكان لهم في بقعة من قلب العالم العربي الإِسلامى طريق واضح في البعث والإحياء، دلت عليه كتبهم وأعمالهم دلالة واضحة. لن أستوعب تاريخهم أو آثار كتبهم وأعمالهم، وإنما هي الإشارة والتنبيه لا غير، إلى هذا الإحساس الغامض بالنكبة، وطريقهم الذي سلكوه لدفعها عن بلادهم وأمتهم، بلا تبين واضح للعدو أو للهدف.

هؤلاء الخمسة
قبل كل شيء، ينبغي أن نعلم أن حياة هذا العالم العربي الإِسلامى، كانت تسير على نمط مألوف معروف، لا يكاد يستنكره أحد: في العقيدة العامة التي
(2/1200)

تسود الناس، وفي الدراسة في جميع معاهد العلم العريقة، وفي التأليف والكتابة، وفي حياة الناس التي تعيش بها عامتهم وخاصتهم من تجارة وصناعة. كل ذلك كان نمطًا مألوفًا متوارثًا، فجاء هؤلاء الخمسة (1)، ليحدثوا يومئذ ما لم يكن مألوفًا، وشقوا طريقًا غير طريق الإلف. وبيان ذلك يحتاج إلى تفصيل، ولكني سأشير إليه في خلال ذكرهم إشارة تعين على تصور موضع الخلاف.
1 - "البغدادي"، ولد عبد القادر بن عمر البغدادي ببغداد "1030 - 1093 هـ - 1620 - 1683 م". وفي الثامنة عشرة من عمره، "سنة 1048 هـ" خرج في إتمام طلب العلم، فرحل إلى الشام، ثم فارقها بعد سنتين "سنة 1050 هـ" قاصدا مصر. فلقى بها العلماء وتلقى عنهم وصحبهم، واتسع اطلاعه على ذخائر الكتب القديمة التي لم يكن يعني بها علماء زمانه، وفي سنة 1080 هـ، رحل إلى دار الخلافة بالقسطنطينية، لما فيها من ذخائر الكتب العربية التي حازتها، ولقى بها عالما جليلا، حاز مكتبة عربية من أجل المكاتب، وهو الوزير الأعظم أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله محمد، المعروف بكوبرلى، ولا تزال مكتبته باقية بها إلى يومنا هذا، فأقام مع صاحبه سبع سنوات إلى أن عاد إلى مصر سنة 1092 هـ ثم وافاه أجله في أوائل سنة 1093 هـ.
كان طريق البغدادي واضحا. لم يكن في أيدى طلبة العلم سوى ما ألفوه من كتب الفقه والنحو والبلاغة وحواشيها، فأداه اطلاعه إلى معرفة الضعف الغالب على أهل زمانه، وهجرهم شعر الشعراء الفحول وأخبارهم وتاريخهم. فعمد إلى ما في كتب النحو التي يعرفونها من شواهد الشعر العربي القديم، جاهليه وإسلاميه، فألف ثلاثة كتب تدور كلها على شرح شواهد الشعر، وضمنها روائع الشعر، وأخبار الشعراء، ونوادر التاريخ. فكان ذلك مقدمة لبعث التراث الأدبى وإحيائه، ووضعه بين أيدى الناس .. تتبين ذلك واضحا في كتبه الثلاثة: "خزانة الأدب، ولُب لُباب لسان العرب" .. وهو شرح شواهد الكافية للرضى في النحو،
__________
(1) تحدث الأستاذ شاكر عنهم أيضًا في "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا".
(2/1201)

عدة مجلدات، وشرح شواهد الشافية للرضى أيضًا، وهو مجلد واحد، وشرح أبيات مغني اللبيب لابن هشام، في عدة مجلدات (1).
* * *

2 - "المرتضى الزبيدى" ولد محمد بن عبد الرزاق الحسينى ببلدة بلجرام بالهند "1145 - 1205 هـ/ 1732 - 1790 م" درس العربية وسائر العلوم على علماء الهند. ثم رحل إلى الحجاز "سنة 1163 - 1166، ثم فارقها إلى مصر ولقى مَنْ بها مِنَ العلماء، ونفض ما في مكتباتها من الكتب العتيقة، وبقي بها إلى أن توفي -من سنة 1167، إلى سنة 1205 هـ. ولم يكن طلبة العلم يعرفون من كتب اللغة إلا قليلًا. كالمصباح المنير .. ومختار الصحاح، ثم القاموس المحيط للفيروزبادى على قلة، وكان الزبيدى محيطا بعلوم كثيرة، فكثر عليه طلبة العلم، وأدرك ضعف ما بأيديهم من كتب اللغة، فأراد أن يضع تحت أيديهم كتابا جامعا في اللغة فألف معجمه الكبير "تاج العروس"، وهو شرح لقاموس الفيروزبادى جمع فيه ما تفرق في الكتب، وأشار فيه إلى كثير من دواوين الشعر المحفوظة في المكاتب. وألف لهم أيضًا شرحا على كتاب متداول هو كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالى، فذاع صيته، وطارت شهرته في الآفاق، ووفدت عليه الوفود من بلاد الإسلام كلها، وكاتبه العلماء والملوك من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب والجزائر والسودان. فكان تأليفه وكانت دروسه بعثا للتراث اللغوى والدينى وإحياء لما خفي منه على الناس.
* * *

3 - "ابن عبد الوهاب" ولد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمى النجدى "1115 - 1206 هـ/ 1703 - 1792 م" ببلدة العيينة بنجد، ورحل إلى الحجاز والشام والبصرة، وفتح عينيه على ما يعم نجدا والبلاد التي زارها من البدع التي حدثت، وما غمر العامة والخاصة من الأعمال والعقائد الحادثة، والتي
__________
(1) وأضيف إلى ذلك: حاشية على شرح "بانت سعاد" في ثلاثة مجلدات.
(2/1202)

تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وهي ركن الإِسلام الأكبر فلما عاد إلى نجد، لم يقنع بتأليف الكتب. ورأى أن خير الطرق هو أن يتجه إلى عامة الناس في نجد، ليردهم عن البدع المستحدثة، ويسلك بهم طريق السلف في العمل والعقيدة، ولم يزل دائبا في دعوته، يدعو ويعلم ويكتب، حتى استجاب لدعوته أمير بلدة الدرعية بنجد، الأمير محمد بن سعود في سنة 1175 هـ. فمن يومئذ صارت دعوته قوة متحركة فاتحة في قلب جزيرة العرب، وأحدث ظهور هذه القوة رجة شديدة الدوى في جنبات العالم العربي والإِسلامى، وتلفت الناس يمينا وشمالا، في الهند ومصر والعراق والشام وتركيا والمغرب والسودان. ولشدة وقع هذا الدوى وعنفه، انقسم الناس في أمره بين مؤيد له لصواب ما أتى به، ومعارض له لمناقضته الإلف الذي ألفوه .. وكاد العالم الإِسلامى كله يتحرك ويندمج بعضه في بعض بكل تراثه الضخم، وبكل مواريث حضارته العظيمة، ولكن كان قدر الله أغلب، وحصرت اليقظة الإِسلامية كلها بلا معين، بين أركان الجزيرة العربية الفقيرة يومئذ، وسدت المنافذ، ومزقت الأوصال، وصار الاندماج حلما من الأحلام، يراود الأمة العربية الإِسلامية إلى يوم الناس هذا.
ذلك، لأن مغل "مغول" العصر الحديث وتتره كانوا أكثر يقظة، وأوضح هدفا، وأسرع حركة، وأغنى غنى، وأقدر على النهب والسلب والفتك والتدمير، وفي أيديهم دستور حضارتهم الذي وضعه الخبيث مكيافيلى ينير لهم طريق العمل.
* * *

4 - "الشوكانى"، ولد محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكانى ببلدة شوكان، من بلاد خولان باليمن، ونشأ بصنعاء، مقر حكم المذهب الزيدى، وهم ينتسبون إلى "زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه -" .. وهم يعدّون من فرق الشيعة. تفقه الشوكانى على مذهب الإمام زيد، وبرع في علمه حتى آل إليه القضاء والإفتاء ولكنه عندئذ خلع ربقة التقليد، وانتصب للاجتهاد، فزيف ما لا يقوم عليه دليل من الكتاب والسنة، فثار
(2/1203)

عليه جماعة من المقلدين في ديار الشيعة، فجادلهم وصاولهم، والتزم بعقيدة السلف، وحرم التقليد، وذهب في بيانه مذهب الحافظ ابن عبد البر حيث قال: "التقليد غير الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع قول القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا تعرف وجه القول ولا معناه، وتأبى مَن سواه وإن تبيّن لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه، وأنت قد بان لك فساد قوله. فهذا يحرم القول به في دين الله.
فكان قيام الشوكانى، في محيط الشيعة الزَّيدية، صبحا جديدًا يوشك أن يهز قواعد التعصب الذي درج عليه أصحاب المذاهب من أهل السنة، فضلا عن أتباع الفرق المختلفة وعلى رأسها الفرقة الغالية من الشيعة المعروفة باسم "الاثنا عشرية" المكفرة للصحابة وللأمة كلها، باختيارها أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان -رضي الله عنهم-، دون علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
أوجزت القول في هؤلاء الأربعة العظام، لأن استجابتهم للتحدى المبهم كانت مقيدة في كتب خلفوها، أو أعمال كان لها دوى لا تزال آثاره باقية إلى اليوم، ولأن بشائر البعث والإحياء في كتبهم وأعمالهم أظهر من أن تخفي على أحد، ولا يكاد يجادل فيها إلا من وقع في شرك الرفض لماضيه كله، أو من يغمض عينيه ويعمد إلى الاستخفاف بها بلا تدبر، بل بالتهور واللجاجة. وإذا كنا بالأمس منذ قرون قلائل، صرعى غفلة وفي وَسَنٍ غالب، وعلى الأبواب عدو مدرب، كان أكثر يقظة، وأسرع حركة، وأغني غني، وأقدر على السلب والنهب والتدمير والفتك كما وصفت، فنحن اليوم أيضًا صرعى غفلة أبشع من غفلتنا الأولى، لا نكاد نحس كما أحس أسلافنا، والعدو لا على الأبواب، بل هو متغلغل منتشر يسرح في صميم هذا العالم العربي الإِسلامى المترامى الأطراف، وقد تفوق على أسلافه تفوقا لا يكاد يصدق، في اليقظة المفترسة، وفي وضوح الهدف، وفي سرعة الحركة، وفي الغنى الباذخ، وهو أقدر قدرة ضارية على النهب والسلب والتدمير والفتك، ولا يزال بين يديه، بل ملء قلبه وعقله دستور
(2/1204)

مكيافيلى، وقد اتسع وتطور به ونما واستفحل خبثه، وتوحشت ضراوته، وتشعب شره تشعبا لا يكاد يصدق.
لذلك وجدت أن الرجل الخامس الذي اخترت أن أذكره في الخمسة العظام، يحتاج خبره إلى تفصيل لم أحتج لمثله وأنا أكتب عن أصحابه الأربعة العظام، فقد جاءوا جميعًا يومئذ ليُحدِثوا شيئًا لم يكن مألوفا، ولكى يشقوا بأنفسهم طريقا غير طريق الإلف، ولكنه انفرد عنهم بأن طريقه في عمله كان أخفى من طريقهم، ولأن تقييد عمله بالكتابة كان أشق، ولأن عمله كان تحت بصر العدو وسمعه لم يغفل عنه طرفة عين، فلما انقضّ علينا وظفر بنا، سار بنا مسارًا يزيد عمله علينا خفاء، بل يفضى إلى ما هو أعظم من الخفاء، أي إلى الطمس الكامل لجميع السبل المؤدية إلى استبانة ما كان من عمله، كيف كان؛ وستأتي القصة كلها واضحة إن شاء الله.
(2/1205)

الفقيه الجليل ورموز التكنولوجيا
تحدث الأستاذ محمود محمَّد شاكر في العدد الماضي من "الهلال" عن "قضية اللغة العربية" وأربعة من كبار العلماء والأدباء والمفكرين الإِسلاميين، كان لهم شأن عظيم في بعثها وإحيائها وحمايتها من أعدائها الغزاة ..
ويكمل الأستاذ شاكر حديثه الشائق، بهذه الصفحات عن "الجبرتى الكبير" والد المؤرخ الجبرتى ..
ويرى الأستاذ شاكر أن للجبرتى الكبير شأنا عظيمًا في العلم والأدب، وأنه أحد الورثة العظام لحضارة الأمة العربية، وتراثها العلمي والأدبى.
* * *

"الجبرتى الكبير" (1): ولد حسن بن إبراهيم بن حسن بن علي الجبرتى العقيلي بالقاهرة "1110 - 1188 هـ / 1698 - 1774 م"، وأصله من بلاد الجبرت، من بلاد الزيلع في أرض الحبشة. جاء جده الأعلى الشيخ عبد الرحمن الجبرتى إلى مصر، في أوائل القرن العاشر الهجرى "سنة 900 هـ، وما بعدها بقليل"، فاستوطن مصر، وصار شيخ رواق الجبرت بالأزهر، وتولى مشيخة الرواق أولاده وحفدته من العلماء من بعده وانتهت المشيخة إلى الشيخ العلامة إبراهيم بن حسن الجبرتى، فتوفي سنة 1110 هـ بعد شهر واحد من مولد ولده حسن".
كفلت حَسنا جَدته أم أبيه، وكانت موفورة الحظ من الغني، وكان الوصى عليه رجل من ذوى الدين والمهابة، هو الإمام العلامة الشيخ محمد النشرتى. فما أتم حسن العاشرة من عمره، حتى حفظ القرآن وجَوَّده، ودخل كآبائه في عداد طلبة العلم بالأزهر، فقرأ على أئمة عصره الكبار من العلماء والشيوخ، فأتقن علوم
__________
(*) مجلة الهلال، عدد يونيو، سنة 1982، ص 50 - 55. وهذه الفقرة الأولى من تقديم المجلة.
(1) وتحدث عنه أيضًا في "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا".
(2/1206)

العربية والدين، حتى برع في جميع علوم المعقول والمنقول، وفاق أقرانه، حتى زاحم شيوخ عصره فباحثهم وجادلهم، وصار معدودا في شيوخ الأزهر وعلمائه المتقنين.
كان مما درسه وأجاده من العلوم المألوفة في الأزهر يومئذ علم الجبر والمقابلة والأعداد الصم والمساحة والحساب. ثم علت به همته فتعلم تجويد الخط بجميع أشكاله وصوره، ثم زاد فتعلم النقش على الفصوص والخواتم على أستاذ كبير من أساتذة عصره، ثم زاد أيضًا فتعلّم التركية والفارسية، وقرأ بهما وأقتنى الكتب المكتوبة بهما، وكانت غير متداولة، وفيها التصاوير البديعة الصنعة الغريبة الشكل كما سيأتي. . .
وجاءت سنة 1144 هـ، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وكان قد صار معدودا في كبار علماء الفقه والعربية وعلم الكلام وسائر العلوم المألوفة في عصره، فحدث تحول غريب جدًا، غير مألوف في حياة أمثاله من الشيوخ يومئذ. وإن لم يفارق طريقه في الفقه والإفتاء وإقراء العلوم المألوفة لعلماء عصره إلى آخر حياته.
شيء غريب غريب! ! في الرابعة والثلاثين من عمره، وبلا سبب ظاهر، بدأ هذا العالم الفقيه الجليل يولى وجهه شطر الرياضيات، فكان في زمانه رجل معروف بمدارستها هو الشيخ محمد النجاحي .. فاتجه إليه ولازمه وقرأ عليه ما كان يحسنه من كتب بعينها، وهي كتاب الرقائق للسبط الماردينى، وكتاب المجيب والمقنطر ونتيجة اللاذقى، وكتاب الرضوانية وكتاب الدر لابن المجدى، ومنحرفات السبط الماردينى، و"إلى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي"، كما يقول ابنه الجبرتى المؤرخ.
ولا شك في أن الشيخ حسن لم يكد يفرغ من تحصيل ما عند النجاحي، حتى استقل بأمر نفسه، وأقبل على ذخائر الكتب المحفوظة في مكاتب القاهرة العامرة يومئذ بالكتب، ووقف على أصول كتب الرياضيات وسائر الصناعات بهمة لا تفتر، كما يدل عليه ما سيؤول إليه أمره، ولكن ابنه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتى، لم يحدثنا عن ذلك حديثا شافيا، لأنه كان يومئذ نطفه في صلب أبيه،
(2/1207)

فقد ولد بعد ذلك بسنين في سنة 1168، أي بعد أربع وعشرين سنة. ولكنه قال ما يشعر بذلك وسأسوقه بلفظه:
"وإلى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي .. وعند ذلك انفتح له الباب، وانكشف عنه الحجاب، وعرف السمت والارتفاع، والتقاسيم والأرباع، والميل الثاني والأول .. والأصل الحقيقي والمعدل، وخالط أرباب المعارف، وكل من كان من بحر الفن غارف .. وحل الرموز، وفتح الكنوز، واستخرج نتائج الذر اليتيم، والتعديل والتقويم. وحقق أشكال الوسائط، في المنحرفات والبسائط، والزيج والمحلولات، وحركات التداوير والنطاقات، والتسهيل والتقريب .. والحل والتركيب، والسهام والظلال، ودقائق الأعمال، وانتهت إليه الرياسة في الصناعة، وأذعن له أهل المعرفة بالطاعة، وسلم له عطارد، وجيمشيد الراصد، وناظره المشترى، وشهد له الطوسي والأبهرى "وهما من أئمة علوم الرياضيات القدماء"، وتبوأ من ذلك العلم مكانا عليا، وزاحم بمنكبه العيوق والثريا".
ولا تشغلك الآن هذه الألفاظ الغريبة عنك، فكلها من المصطلحات القديمة المتوارثة في علوم الرياضيات والفلك ورفع الأثقال والكيمياء، وسائر هذه العلوم، التي هجرها أهلها، ولكنها شغلت دوائر العلم في ديار عدوهم قديما وحديثا وإلى هذه الساعة. والأمر على كل حال ظاهر لا خفاء به.
ظل الشيخ حسن فيما بعد سنة 1144 دائبا لا يفتر في كشف اللثام عن علوم مستكنة في بطون الأوراق والكتب، فبعد قليل قدم إلى مصر عالم متضلع من العلوم الرياضية والمعارف الحكمية والفلسفية، "كما يقول ابنه المؤرخ"، هو الشيخ حسام الدين الهندى، فنزل بمسجد مصر القديمة "مسجد عمرو بن العاص - رضي الله عنه -"، واجتمع عليه بعض طلبة العلم، فترامى خبره إلى الشيخ حسن في القاهرة، فذهب إليه للأخذ عنه: "فاغتبط به الشيخ وأحبه، وأقبل عليه بكليته". وذلك بلا شك لما وجد عنده من الفهم بعلوم قل أهلها، وبعد عهدهم بها. فلم يزل به الشيخ حسن حتى نقله إلى داره بالقاهرة وأفرد له مكانا، وأكرمه ورفهه، ثم قرأ عليه أمهات الكتب القديمة في الرياضيات والفلك والجغرافيا وعلم
(2/1208)

المساحة والهندسة، وسائر علوم الحكمة. وبقي الحسام الهندى عنده إلى أن عزم على الرحلة عائدا إلى بلاده في الهند.
وبعد قليل قدم إلى مصر من السودان، عالم بعلوم الرياضيات والحكمة، على مذهب المغاربة في هذه العلوم، وسكن أولا بدرب الأتراك في القاهرة، هو العلامة الإمام محمَّد بن محمَّد الغلاتى، فحمله الشيخ حسن إلى داره، وقرأ عليه أصول الكتب التي يحسنها في الرياضيات والآلات وغيرها، وبقي عنده إلى أن مات في داره سنة 1154، وكان قبل موته قد جعله وصيا على تركته وكتبه.
* * *

كانت هذه السنوات العشر، "1144 - 1154 هـ"، هي أخطر السنوات في حياة الشيخ حسن الجبرتى، فإنه سلك كل سبيل، وشقى شقاء طويلًا حتى استطاع بذكائه وإصراره وحسن تصوره لما يعانيه، أن يحل لنفسه رموز الكتب العتيقة وألفاظها، وبهذا الجهد والعنت استطاع أن يكشف اللثام عن أسرار العلوم القديمة التي لم يبق في أهل زمانه من يعرفها معرفة تحقيق صحيح كامل، أو قريب من الصحة والكمال. وينبغي أن نعلم أن هذه الكتب العتيقة كانت، بلا شك، هي السجل الأعظم الذي سطرت فيه أبحاث أسلافنا من علماء الحضارة العربية الإسلامية في عصور ازدهارها. فهي تمثل العلم النظرى من ناحية، والتطبيق العملي الذي أدى إلى ظهور أعظم حضارة باذخة رآها العالم الذي نشأت في قلبه وفي زمانه. وهذا التطبيق العملي، هو وليد العلم النظرى، وهو لب الحضارة ومظهرها الحي، وهو ما يسمونه اليوم "التكنولوجيا".
وسترى بعد قليل، أن الشيخ حسن، لما فرغ من حل هذه الرموز التي تضمنتها ألفاظا الكتب العتيقة، دخل بيديه وبنفسه وبتلامذته في طور آخر، هو طور التطبيق العملي. وعسى ألا يكون تطبيقه الجديد هو التطبيق العملي الأول، ولكنه على كل حال، استطاع أن يستوعب أسرار العلم النظرى ومناهجه ويفهمها فهما دقيقا مقاربا للصواب، ثم انبرى بعد ذلك لتطبيقه، منتفعا بالبقايا الباقية في
(2/1209)

زمانه من التطبيق القديم. وهذه البقايا متمثلة في أساتذة كل فن وصنعة ممن حوله من المعاصرين. وهؤلاء الأساتذة هم الذين كانوا يزاولون أعمالهم من طريق التوارث بدقة ومهارة أحيانا، وإن كانوا قد وقعوا في الجهالة، بعد أن انقطع الحبل بينهم وبين تراثهم العتيق المكتوب المسجل، وبلا قدرة أيضًا على أن يسجلوا شيئًا من براعاتهم ومهاراتهم التي اهتدوا هم إليها في خلال التطبيق المتوارث. وذلك لجهل أكثرهم بالقراءة والكتابة، فضلا عن اللغة التي يقيد ببها العلم النظرى الذي قيده بها أسلافهم العظام.

النكبات الثلاث
وأنا محتاج هنا أن أقف بك وقفة قصيرة المدى، ملتزمًا بالإيجاز، حتى تكون الصورة بعد ذلك واضحة عندك بعض الوضوح.
على أوسع رقعة من الأرض عرفها الإنسان، من حدود الصين إلى الأندلس، ومن حدود الدولة البيزنطة شمالا إلى أواسط قارة أفريقيا وأقصى آسية جنوبا، انتشرت ثقافة واحدة ذات لغة واحدة، تأوى إليها جميع ألسنة أجناسها المختلفة، فأقامت هذه الأمة العربية الإِسلامية أعظم حضارة عرفها البشر، منذ عهد الحضارة العربية البائدة التي نسميها اليوم خطأ، حضارة الفراعنة. ومضت عليها خمسة قرون، وحيث سرت في هذه الرقعة المتراحبة، لم تزل تسمع أصوات الأساتذة المعلمين، وصرير الأقلام على الطروس، في كل قرية أو رستاق أو مدينة، ولم تزل ترى في كل مسجد أو بناء أو بيت مكتبةً تضم العشرات أو المئات أو الآلاف، أو الآلاف المؤلفة من الكتب المسطورة على اختلاف فنونها. فاجتمع لهذه الأمة من الكتب المدونة، ما لو وضع معه كل ما تركته أمم العالم القديم من الكلام المسطور، ما بلغ ركنا، في غرفة، من قصر فيه مئات الغرف.
وأترفت جماهير من هذه الأمة بغناها وسطوتها وعلمها، فعصوا ربهم في بعض أمورهم به، فسلط عليهم من أنفسهم من سلط، ثم أنذرهم بثلاث نكبات عظام لعلهم يبصرون:
(2/1210)

النكبة الأولى: زحوف حملة الصليب آتية إلى شمال دولتهم من سنة 489 - 690 هـ / 1095 - 1291 م، حتى سقطت دولتهم بفتح عكا آخر حصن للصليبيين في السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 690 هـ.
النكبة الثانية: وجاءت على أثرها وهي جحافل التتر آتية من الشمال الشرقي من سنة 638 هـ "1240 م"، فداست البلاد حتى بلغت وأسقطت الخلافة سنة 658 هـ "1258 م" حتى ارتدت على أدبارها عند عين جالوت بفلسطين سنة 658 هـ "1259 م"، ولكن شرها لم ينقطع جملة واحدة، في قصة طويلة.
النكبة الثالثة الكبرى: وهي التي استمرت سنوات، حتى زال ملك الإسلام من الأندلس جملة بسقوط غرناطة في أيديهم سنة 897 هـ "1492 م".
وكانت جحافل هذه النكبات الثلاث، جحافل من الجهلة الأغتام الغلاظ، فدمروا وقتلوا ونهبوا، فهدموا الآثار، وأفنوا البشر، وحرقوا الكتب، وأغرقوها في الأنهار، كما هو معروف معلوم.
موجات طاغية من الجهلة المدمرين، استمرت أربعة قرون، تهلك آلافا مؤلفة من العلماء والأساتذة في كل علم وفن، وآلافا أخرى من الكتب في كل علم وفن، فضلا عما أبادته فتن الباطنية والشيعة وأشباههم في قلب الدولة فضلا عما أبادته المجاعات والطواعين والأوبئة المتتابعة فضلا عن الفقر والجهل الذي كان أثرا لابد منه، بعد هذا السلب والنهب والقتل في هذه الرقعة المترامية الأطراف.
ولكن ما كادت تنقشع بعض سحب النكبتين الأولى والثانية، حتى انتفض العالم الجريح المثخن مرة أخرى، لا من قلبه، بل من عند طرفه الشمالى المزاحم لديار الدولة البيزنطة، أي من حيث انصبت جحافل حملة الصليب من قبل.
فمنذ عهد الغازى عثمان خان "699 - 726 هـ / 1298 - 1326 م"، بدأت تتجمع هناك قوة جديدة، وقلب العالم العربي الإسلامي تمزقه النكبات الصغار المتتابعة. وتوطدت أقدام القوة الجديدة في أرض الدولة البيزنطية، حتى بلغت غايتها، فأسقطت الدولة كلها بدخول جيوش الغازى محمد الفاتح القسطنطينية، في يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857 هـ/ 29 مايو
(2/1211)

1453 م واكتسحت هذه القوة قلب أوربة، واتسعت رقعة العالم العربي الإسلامي اتساعا لا مثيل له، ولكن. .
ولكن توالى النكبات الكبار والصغار على مدى أربعة قرون، كان قد قضى على جمهرة العلماء الكبار والأساتذة العظام في كل فن وصناعة، وأوشكت الحضارة أن تبقى بلا قادة من مثقفيها إلا ما قَلَّ. ومعنى ذلك أن حبال الصلة بين العقول التي كانت تسجل الثقافة وتنميها وتفسرها. . وبين العقول والأيدى التي كانت تقيم صروح الحضارة، قد بدأت تتهتك وتبلى، فلا الثقافة تمدّ الحضارة بما ينميها من البحث والتنقيب والتمحيص، ولا الحضارة تحرك الثقافة وتغذيها بما يزيد أبحائها وتنقيبها وتمحيصها حدة ونقاء وإشراقا، وكاد يذهب عصر الإبداع.
وبدأ عصر العزلة، عزلة البقية الباقية من العلماء وتلامذتهم، فاقتصروا على محاولة المحافظة على التراث المسجل الذي انتهى إليهم، وعزلة البقية الباقية من الأساتذة الكبار الذين يعملون في بناء الحضارة، فاقتصروا على أن يورثوا تلامذتهم أسرار صناعاتهم وفنونهم بلا كتاب مكتوب. وكاد كلاهما يكون بمعزل عن الآخر، بمعزل عن الاستفادة الصحيحة من التراث الكبير المسجل، وعن إمداد التراث المسجل بشيء جديد يحرك المحافطين على التراث المكتوب إلى البحث والتنقيب والتسجيل.
وبتفانى الأجيال جيلا بعد جيل في عصر العزلة، استبهم على المثقفين أنفسهم بعض ما يحافظون عليه من التراث المكتوب، وصار أشبه بالرموز التي تحتاج إلى مفسر، وكذلك تساقط أيضا في توارث الصناعات والفنون جزء مهم من أسرار هذه الفنون والصناعات، وصارت هي أيضا تحتاج إلى مفسر. وأوشك اللسان العربي أن يصبح وسيطا غير صالح لإيجاد التفاهم بين الطرفين. ولولا دوى القرآن في الأذان، ولولا كلمة التوحيد التي نزلت في جذر قلوب الأمة رجالا ونساء، لَتَفارَطَ عقد هذه الأمة العظيمة تحت النكبات كما تتفارط حبات عِقد وَهَى سِلْكُه وهلك. وهذا حسبى في هذه الوقفة. وإن كنت أجدني مقصرا.
(2/1212)

الجبرتى الكبير
جاء زمن الشيخ حسن الجبرتى "1110 - 1188 هـ / 1698 - 1774 م"، بعد تدهور متتابع، وكاد اللسان العربي العظيم يفقد سلطانه على حضارته. أصبحت معاهد العلم ومدارس الثقافة محصورة في بضعة كتب هي وحدها الزاد الثقافي للأمة، ألفها الناس وتداولوها. ولكنها لم تكن سوى خلاصة منتقاة من زاد ثقافي متقادم متراحب كان نابضا بالحياة، وقد قضى على ما نجا منه تدمير البرابرة الجهلة، أن يظل حبيسًا أكثره بين الجدران وعلى الرفوف في خزائن الكتب، ومع ذلك فهذه الخلاصة تحملها أيدى نيام من الشقاء والنصب قد أنهكتهم النكبات، لا يدل على أنهم ينبضون بالحياة إلا ومضات تلوح وتخفى في تقارير وحواش يسجلونها على كتب هذه الخلاصة. ومضات مضيئة، تسجل فترات قصارا من اليقظة والذكاء والقدرة والتنبه. ومع ذلك أيضا، كان هذا النبض محصورا في طائفة محدودة من فحول علماء ذلك الزمان، ولكنه معزول أيضا عن أمة ضخمة جدا غارقة في الجهالة والفقر والضياع، يجهل جمهورها الأكبر القراءة والكتابة، إلا محفوظا يسيرا يتردد خافتا، بقية من ميراث عظيم يوشك أن يبيد.
فإذا كان الشيخ الجبرتى، وهو أحد الورثة العظام لحضارة أمته العريقة العظيمة. . قد هب فجأة وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وانتبه عقله المتوقد بعد غفوة طويلة، فانبرى لهدفه بكل ما في قلبه من همة ودأب وذكاء. وآثر أن يقضى عشر سنوات "من سنة 1144 إلى سنة 1154 هـ". . متلددا متحيرا يحاول أن يفك رموز جزء يسير من ميراثه الضخم العظيم. . "حتى انفتح له الباب وانكشف عنه الحجاب" كما يقول ابنه المؤرخ العظيم في عبارة غير كاشفة إلا عن دهشة وحيرة. إذا كان هذا كما وصفت، فلا تعجب، فإنه جاء بعد قرون أهلكت آلافا مؤلفة من العلماء المسجلين والمفسرين، وآلافا تفرقها من الأساتذة الخبراء بأسرار فنونهم والحاذقين، وأيضا بعد أن فقد اللسان العربي سلطانه على حضارته أو كاد.
(2/1213)

ومع ذلك، فهذه مشيئة الله وحده، جاء الشيخ الجبرتى متأخرا لقدر لا يعلمه إلا مقدر المقادير، فهذا الجهد الذي بذله عاكفا على حل رموز ميراثه العظيم المسطور في خزائن الكتب، والطريق الذي سوف يسلكه بعد ذلك للإحياء والبعث، كان قد سبقه إلى مثله منذ قرون من ليس وارثًا لهذا الميراث العظيم، وفي كهوفه المظلمة أكب على حل هذه الرموز إكبابا، فاستخرج منها ما أطاق أن يفهمه من عربيتها بأسلوب مختلف، ولكنه كان مفسرا خبيثا ينتهب كل شيء تحت الليل والظلام، ولا يدل أحدا على موضع الكنز الذي يأخذ منه ما يأخذ.
ولكن هذه قصة أخرى مخزية دنيئة، سوف أقصها عليك وأنا أسرد قصة الشيخ الجبرتى. .
(2/1214)

الألفاظ المكشوفة في هذا الكتاب طبيعية وينبغي ألا يجهلها البشر
الحديث هذه الأيام عن كتاب ألف ليلة وليلة، مؤسف ومحزن في الوقت نفسه، وفي ظنى أن المعلن حتى بهذه الكيفية المؤسفة المحزنة حول هذا الكتاب أقل بكثير إذا قيس بمثيله غير المعلن. والذي ربما يكشف عن جوانب سيئة رهيبة مخيفة. . تضاف إلى غيرها من الجوانب التي تندرج في النهاية تحت عنوان فساد حياتنا الثقافية بوجه عام. هذا الفساد الذي لم يكن وليد هذه الأيام وإنما يرجع تاريخه إلى عشرات السنين.
لذلك أرى أن المسألة قبل أن تكون احتراما للتراث الذي ينبغي علينا احترامه والمحافظة عليه هي احترام لعقولنا التي تمتهن بمثل هذا الأسلوب. . الذي من صُوَرِه أن ينظر أحدنا إلى الأشياء نظرة مختلة. وفي الأغلب والأعم يعلم البعض كنه هذه النظرة. ومع ذلك نجد أن هذا البعض يشاء -قاصدًا أو غير قاصد- التأثر بهذه النظرة، ويستطيب له مواصلة السير مع صاحب هذه النظرة المختلة. وتكون النتيجة التي لا مفر منها هي أن تتسم أحوالنا بأنها ولدت في غيبة تامة من التفكير العقلي والنظرة الصحيحة، والرؤية الهادئة. وهكذا تكون أغلب أفعالنا، وتكون النتيجة المنتظرة. . فسادا وتضليلًا وزيفا وغشًّا لأمور واضحة أمامنا.
مثلا إن ما يثار حول كتاب ألف ليلة وليلة، وخلاصته أن في هذا الكتاب من الألفاظ المكشوفة ما يمكن أن يفسد عقول شباب وشابات هذه الأمة. ولذلك يقدم الكتاب للمحاكمة. هذا الذي يثار حول هذا الكتاب يقدم دليلًا جديدًا لهذا السخف اخترناه لمسيرة حياتنا الثقافية.
هذه القضية كانت تتطلب منا معالجة أخرى غير ما تعاملنا به معها. كانت
__________
(*) مجلة القاهرة، العدد الرابع عشر. الثلاثاء 7 مايو سنة 1985 م- 17 شعبان سنة 1405 هـ، ص 7.
(2/1215)

تتطلب منا -إذا أردنا تحري الدقة- بحثا هادئًا يبدأ بقراءة أجزاء هذا الكتاب نفسه، والوقوف طويلًا عند صفحاته، وتأمل عباراته وسطوره، واستخراج هذه الألفاظ التي ترى أنها مفسدة للعقول، كل لفظ حسب موقعه من السطر والصفحة والجزء، ولنرى بعد ذلك حاصل ما يجتمع لدينا من هذه الألفاظ. عندئذ سوف نجد أن ما يجتمع لدينا لا يزيد عن الصفحة أو الصفحتين على أكثر تقدير من الألفاظ المتكررة منتشرة على صفحات المجلدات الأربعة من كتاب ألف ليلة وليلة.
وتأتي الخطوة الثانية بأن نسأل عما لدينا من ألفاظ مكشوفة جمعناها من الكتاب وهل هذه الألفاظ المكشوفة معروفة لنا أم مجهولة؟ وهل لكوننا لا نستعمل هذه الألفاظ في كتاباتنا معناه اتهامها ومحاكمتها؟
بعد ذلك تأتي الخطوة الثالثة وهي حول بحث درجة تأثير هذه الألفاظ المكشوفة كل على حدة. إذا فعلنا ذلك فسوف لا نجد لها أي تأثير. بل إننا إذا قمنا بمقارنة هذه الألفاظ المكشوفة التي نستهجنها ونطالب بمحاكمتها بغيرها من الصور والتراكيب التي تزخر بها كتابات هذا الزمان نجد أن هذه الألفاظ أرحم بكثير مما تقرأه من صور وتراكيب مصنوعة وموضوعة على الصفحات بأسلوب معين يجعل لها أكبر التأثير بالنسبة لأبنائنا وبناتنا.
أقول ذلك بالنسبة للكلمة المقروءة أما بالنسبة للكلمة المسموعة أو المشاهدة فالأمر جد فادح وخطير. وإلا فليجلس أحدنا ساعة أو بعض ساعة أمام شاشة التليفزيون، ولا أقول الفيديو بالطبع، بعد هذه الساعة سوف يحكم أن ما جاء في كتاب ألف ليلة وليلة أرحم بكثير مما يشاهد. وإذا فعل هذا الأمر مع الإذاعة فأسلم أذنيه لما يصدر عن المذياع لاكتشف أن أمر ألفاظ ألف ليلة وليلة أرحم.
وليس معنى هذا أن نلغي من حياتنا الفيديو أو التليفزيون أو المذياع ومن قبلها كتابات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم. بالقطع لا. والسبب أن الحياة مليئة بالأشياء المتلفة، وأنت لا تستطيع أن توقفها. فقط
(2/1216)

ما يمكنك صنعه ألا تسمح لنفسك بالتعامل مع ما تراه متلفا من الأشياء أو تسمح بالتعامل وبالكيفية التي تريد.
هذا هو الأسلوب نفسه الذي ينبغي أن نفعله بالنسبة لكتاب صدر منذ ألف سنة ككتاب ألف ليلة وليلة. من حق بعضنا أن يقرأه أو لا يقرأه. لكن الذي ليس من حقنا جميعا أن نحكم بإلغائه أو بحرقه!
فالثابت أن هذا الكتاب وجد منذ مئات السنين، وخلال هذه السنين قرأه الناس، ولم يحدث مرة أن قيل إن هذا الكتاب أفسد عقل جيل أو عرض إلى انحلال مجتمع.
إن غاية ما يراه البعض في اتهامهم لهذا الكتاب هو أن به ألفاظًا مكشوفة تنتشر على صفحاته! هذه الألفاظ في رأيي لا خوف منها. فهي ألفاظ العلم نفسه. وإذا كان لها تأثير ضار، فكيف يستخدمها علماء اللغة وأصحابها. أقول إنها ليست ألفاظا ضارة وإنها ألفاظ طبيعية وعادية يستخدمها البشر في كل مكان. وليس من مصلحة البشر أن يجهل مثل هذه الألفاظ. فهي ضرورة من ضرورات الحياة. . العلمية منها أو الاجتماعية.
ومن هنا أرى أن ما يثار الآن حول كتاب ألف ليلة وليلة مثل من أمثلة فساد حياتنا الثقافية بوجه عام.
(2/1217)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنْ كُنْتَ لَسْتَ مَعِى، فَالذِّكْرُ مِنْكَ مَعى ... يَرَاكَ قَلْبى وَإنْ غُيِّبْتَ عَنْ بَصَرِى
الْعَينُ تُبصِرُ مَنْ تَهْوَى وتَفْقِدُهُ ... ونَاظرُ الْقَلْبِ لَا يَخْلُو منَ النَّظَرِ
رحمك الله "أبا السامى" (1) ورضى عنك، وغفر لك ما تقدّم من ذنبك، وجزاك خيرًا عن جهادك {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)}.
* * *

كتب "سعيدٌ" -لا أَخلَى الله مكانه وخُطِّئَ عنه السوء- هذا الكتابَ الذي يسعى بين يديه، يردُّ به إلى الحياة حياةً استدبرت الدنيا وأقبلت على الآخرة بما قدّمتْ من عمل، وثَمَّ الميزانُ الذي لا يخطئ، والناقد الذي لا يجوز عليه الزيف، والحاكم الذي لا يقدح في عدله ظلم ولا جور، والبصيرُ الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، قد استوت عنده دُجُنَّة السر ونهارُ العلانية. وقد فرغ الرافعي -رحمه الله- من أمر الناس إلى خاصة نفسه، ولكن الناس لا يفرغون من أمر موتاهم، ولو فرغوا لكان التاريخ أكفانًا تُطوَى على الرمم،
__________
(*) هذا المقال هو المقدمة التي كتبها الأستاذ شاكر وصدر بها كتاب سعيد العريان، عن الرافعي بعنوان "حياة الرافعي" رحمهم الله جميعا. وصدرت طبعته الأولى سنة 1938
(1) كذلك كانت كنيته. واسم ابنه البكر: محمود سامى الرافعي، وإنما سماه كذلك تشبيهًا له باسم الشاعر محمود سامى البارودى، وإليه كان ينظر في صدر أيامه (شاكر).
(2/1218)

لا أثوابا تُلقَى على الميت لتنشره مرة أخرى حديثا يُؤْثر وخبرًا يُرْوَى وعملا يتمثل وكأنْ قد كان بعد إذ لم يكن.
وهذا كتاب يقدّمه "سعيدٌ" إلى العربية وقرّائها، يجعله كالمقدّمة التي لابد منها لمن أراد أن يعرف أمر الرافعي من قريب.
لقد عاش الرافعي دهرًا يتصرف فيما يتصرف فيه الناس على عاداتهم، وتُصَرِّفُه أعمالُ الحياة على نهجها الذي اقتسرتْه عليه أو مهدته له أو وطَّأت به لتكوين المزاج الأدبيِّ الذي لا يعدمه حيٌّ ولا يخلو من مسِّه بشرٌ.
وأنا -مما عرفت الرافعي -رحمه الله- ودنوت إليه ووصلت سببًا مني بأسباب منه- أشهد لهذا الكتاب بأنه قد استقصى من أخبار الرافعي كثيرًا إلى قليل مما عُرِف عن غيره ممن فرَط من شيوخنا وكتابنا وأدبائنا وشعرائنا؛ وتلك يدٌ لسعيد على الأدب العربي، وهي أُخرى على التاريخ. ولو قد يَسَّر الله لكل شاعر أو كاتب أو عالم صديقًا وفيًّا ينقله إلى الناس أحاديثَ وأخبارًا وأعمالا كما يسَّر الله للرافعي، لما أضلَّت العربية مجدَ أدبائها وعلمائها، ولما تفلَّت من أدبها علمُ أسرارِ الأساليب وعلمُ وجوه المعاني التي تعتلجُ في النفوس وترتكض في القلوب حتى يؤذَن لها أن تكون أدبا يصطفى وعلما يتوارث وفنًّا يتبلّجُ على سواد الحياة فتسفر عن مكنونها متكشِّفة بارزة تتأنق للنفس حتى تستوى بمعانيها وأسرارها على أسباب الفرح ودواعي السرور وما قبلُ وما بعدُ.
والتاريخ ضربان يترادفان على معناه، ولكل فضل: فأوله رواية الخبر والقصَّة والعمل، وما كان كيف كان وإلى أين انتهى؛ وهذا هو الذي انتهى إلينا من علم التاريخ العربي في جملته، وعمود هذا الباب صدقُ الحديث، وطولُ التحرّى والاستقصاء والتتبع، وتسقُّط الأخبار من مواقعها، وتَوخِّى الحقيقة في الطلب حتى لا يختلط باطلٌ بحق. وأما التاريخ الثاني فإيجاد حياة قد خرجت من الحياة، وردٌّ ميت من قبر مغلق إلى كتاب مفتوح، وضمُّ متفرق يتبعثر في الألسنة حتى يتمثل صورة تلوح للمتأمّل، وهذا الثاني هو الذي عليه العمل في الإدراك البيانى لحقائق الشعراء والكتاب ومَن إليهم؛ ومع ذلك فهو لا يكاد يكون شيئا إلا
(2/1219)

بالأول، وإلا بقى اجتهادا محضا تموت الحقائق فيه أو تحيا على قدر حظ المؤرّخ والناقد من حسن النظر ونفاذ البصيرة، ومساغِه في أسرار البيان متوجها مع الدلالة مقبلا مدبرا، متوقيًا عثرةً تكبُّه على وجهه، متابعًا مَدْرجة الطبائع الإنسانية -على تباينها واختلافها- حثى يُشرف على حيث يملك البصر والتمييز ورؤية الخافي وتوهم البعيد، ويكون عمل المؤرخ يومئذ نكسة يعود بها إلى توهم أخبار كانت وأحداث يخالها وقعتْ، ويجهد في ذلك جهدا لقد غني عنه لو قد تساوقت إليه أخبار حياة الشاعر أو الكاتب واجتمعت لديه وأُلقيت إليه كما كانت أو كما شاهدها من صَحِبه واتصل به ونفذ إلى بعض ما ينفذ إليه الإنسان من حال أخيه الإنسان.
وبعدُ، فإن أكثر ما نعرفه من أدب وشعر في عصور الاندحار التي مُنيت بها العربية يكاد يكون تلفيقًا ظاهرًا على البيان والتاريخ معًا، حتى ليضل الناقِدُ ضلال السالك في نفق ممتد قد ذهب شعابا متعانقة متنافرة في جوف الأرض؛ ثم جاء العصر الذي نحن فيه فأبطلت عاميتُه البيانَ في الأدب والشعر من ناحية، ودلسهما ما أُغرى به الكثرةُ من استعارة العاطفة واقتراض الإحساس من ناحية أخرى؛ فإني لأقرأُ للكاتب أو الشاعر وأتدبر وأترفق وأترقى. . . وإذا هو عَيْبة ممتلئة قد أُشْرِجَتْ على المعاني والعواطف فلو قُطع الخيط الذي يشدّها لانقطعت كلُّ شاردةٍ نافرةً إلى وطنها تشتدّ؛ وبمثل هذا يخوض المؤرخ في رَدَغة مستوحِلة يتزلَّق فيها ههنا وثمّ، ويتقطع في الرأي وتتهالك الحقائق بين يديه حتى يصير الشاعر وشعرُه والأديب وأدبه أسمالا متخرِّقة بالية يمسح بها المؤرّخ عن نفسه آثار ما وحِل فيه!
وقد ابتُلى الأدبُ العربي في هذا العصر بهؤلاء الذين أوجفتْ بهم مطايا الغرور في طلب الشهرة والصيت والسماع، فخبطوا وتورّطوا ظلماءَ سالكُها مغترّ، وقد كان احتباسهم وإمساكهم عما نصبوا وجوههم له، واصطبارُهم على ذل الطلب، وممارستُهم معضلَ ما أرادوه، وتأنِّيهم في النية والبصر والعزم عسى أن يحملهم على استثارة ما ركبه الإهمال من العواطف التي تعمل وحدها إذا تنسمت روح
(2/1220)

الحياة، واستنباط النبع القديم الذي ورثته الإنسانية من حياتها الطبيعية الأولى ثم طمتْ عليه أدرانُ المدنيات المتعاقبة.
والشعر والأدب كلاهما عاطفة وإحساس ينبعان من أصل القلب الإنساني؛ هذا القلب الذي أُثبت من داخل بين الحنايا والضلوع ليكون أصفى شيء وأطهرَ شيء وأخفى شيء، وليمس كل عمل من قريب ليصفيه ويطهره ويسدل عليه من روحه شفًّا رقيقًا لا يستر، بل يصف ما وراءه صفة باقية بقاء الروح، ويبرئها من دنس الوحشية التي تطويها في كفن من بضائع الموتى؛ فأيما شاعر أو أديب قال فإنما بقلبه وجب أن يقول ومِن داخله كُتِبَ عليه أن يتكلم، وإنما اللسان آلة تنقل ما في داخل إلى خارج حَسْب؛ فإن كلفها أحد أن تنقل على غير طبيعتها في الأداء -وهي الصلة التي انعقدت بينها وبين القلب على هذا القانون- فقد أوقع الخللَ فيها ووقع الفسادُ والتخالف والإحالة والبطلان فيما تؤدّيه أو تنقله.
وقد نشأ الرافعي من أوّليته أديبًا يريد أن يشعر ويكتب ويتأدّب، وسلخ شبابه يعمل حتى أمكنته اللغةُ من قيادها وألقت إليه بأسرارها فكان عالمًا في العربية يقول الشعر، ولو وقف الرافعي عند ذلك لدرج فيمن درج من الشعراء والكتاب والعلماء الذين عاصروه، ولو أنه استنام إلى بعض الصيت الذي أدركه وحازه واحتمله في أمره الغرور لخف من بعدُ في ميزان الأدب حتى يرجح به مِن بعدُ مَنْ عسى أن يكون أخفَّ منه؛ ولكن الرافعي خرج من هذه الفتن -التي لفّت كثرةَ الشعراء والأدباء والتقمتهم فمضغتهم فطحنتهم ثم لفظتهم- وقد وَجد نفسَه واهتدى إليها، وعرف حقيقة أدبه وما ينبغي له وما يجب عليه. فأمَرَّ ما أفاد من علم وأدب على قلبه ليؤدّى عنه، وبرئ أن يكون كبعض مشاهير الكتاب والشعراء ممن يُطيح بالقول من أعلى رأسه إلى أسفل القرطاس، وللقارئ من قنابله بعد ذلك ما يتشظَّى في وجهه وما يتطاير. لهذا كان الرافعيُّ من الكتاب والأدباء والشعراء الذين تُتخذ حياتُهم ميزانًا لأعمالهم وآثارهم، ولذلك كان كتاب "سعيد" عن حياته من الجلالة بالموضع الذي يسمو إليه كل مبصر، ومن الضرورة بالمكان الذي يلجأ إليه كل طالب.
(2/1221)

عرفت الرافعي معرفة الرأي أول ما عرفته، ثم عرفتُه معرفة الصحبة فيما بعد، وعرضْت هذا على ذاك فيما بيني وبين نفسي فلم أجد إلا خيرًا مما كنت أرى، وتبدَّت لي إنسانيةُ هذا الرجل كأنها نغمة تجاوب أختها في ذلك الأديب الكاتب الشاعر، وظفرت بحبيب يحبنى وأحبه، لأن القلب هو الذي كان يعمل بيني وبينه وكان في أدبه مسُّ هذا القلب؛ فمن هنا كنت أتلقى كلامه فأفهم عنه ما يكاد يخفي على من هو أمثلُ مني بالأدب وأقْوم على العلم وأبصَر بمواضع الرأي.
وامتياز الرافعي بقلبه هو سر البيان فيما تداوله من معاني الشعر والأدب؛ وهو سرُّ حفاوته بالخواطر ومذاهب الآراء، وسر إحسانه في مهنتها وتدبيرها وسياستها كما يحسن أحدهم مهنة المال ورَبَّه والقيامَ عليه؛ وهو سر علوِّه على من ينخشُّ في الأدب كالعَظْمة الجاسية تنشبُ في حلق متعاطيه، لا يُبقى عليه من هوادة ولا رفق، وبخاصة حين يكون هذا الناشب ممن تسامى على حين غفلة يوم مَرِج أمرُ الناس واختلط، أو كان مرهقًا في إيمانه مُتهمًا في دينه؛ إذ كان الإيمان في قلب الرافعي دمًا يجرى في دمه، نورًا يضئُ له في مجاهل الفكر والعاطفة ويسنِّى له ما أَعسر إذا تعاندت الآراء واختلفت وتعارضت وأكذبَ بعضُها بعضًا.
هذا، وقد أرخيت للقول حتى بلغ، وكنتُ حقيقًا أن أغور إلى سرّ البيان واعتلاقه من العاطفة والهوى في قول الشاعر والكاتب والأديب لأسدِّد الرأي إلى مرماه، وقد يطولُ ذلك حتى لا تكفي له فاتحة كتاب أو كتابٌ مفرد، فإن البيان هو سرُّ النفس الشاعرة مكفوفا وراءَ لفظٍ، وما كان ذلك سبيله لا يتأتى إلا بالتفصيل والتمييز والشرح، ولا تُغني فيه جملة القول شيئًا من غناء. وحقيقٌ بمن يقرأُ هذا الكتاب أن يعود إلى كتب الرافعي بالمراجعة فيستنبئها التفصيل والشرح، وبذلك يقع على مادة تمدّه في دراسة فنون الأسلوب، وكيف يتوجهُ بفنّ الكاتب، وكيف يتصرف فيه الكاتب بحسٍّ من قلبه لا يخطئ أن يجعل المعنى واللفظ سابقين إلى غرض متواطئين على معنى لا يجوران فيجاوزانه أو يقعان دونه.
(2/1222)

رحمة الله عليه، لقد شارك الأوائل عقولهم بفكره، ونزع إليهم بحنينه، وفلج أهلَ عصره بالبيان حين استعجمتْ قلوبهم وارتضخت عربيتُهم لُكنةً غير عربية، ثم صار إلى أن أصبح ميراثًا نتوارثه، وأدبًا نتدارسه، وحنانًا نأوى إليه. رحمة الله عليه!
(2/1223)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله وَحْدَه لا شريكَ له، أَنْزَل الكتابَ بالحقّ، لا يأتيه الباطلُ من بين يدَيْه ولا من خَلْفِه. وصلّى الله على خِيرتِهِ مِنْ خَلْقِه، محمّدٍ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - تسليما كثيرًا، بلَّغَ الرسالةَ، وأَدّى الأمانةَ، وتَرَكَ الناس على المَحَجّةِ الواضحة بِنُورِ القرآنِ الذي لا يَخْبو نُورُه، وضياء السنَّةِ التي لا يَخْفُتُ ضِياؤها.
وبعدُ:
فماذا يقول القائل في عَمَل قام به فَرْدٌ واحِدٌ، لو قامتْ عليه جماعةٌ لكان لها مَفْخَرة باقيةً؟ فمن التواضُع أَنْ يُسَمَّى هذا العملُ الذي يَعْرِضُه عليك هذا الكتابُ "مُعْجَمًا نَحْويًّا صرْفيّا للقرآن العظيم".
فمعلومٌ أَنَّ جُلَّ اعتماد المعاجم قائمٌ على الْحَصْر والترتيبِ.
أمّا هذا الكتاب، فالْحَصْر والترتيب مُجَرَّد صورةٍ مُخطَّطة يعتمِدُ عليها.
أمّا القاعدة العُظْمى التي يقوم عليها، فهي معرفةٌ واسعةٌ مسْتوعِبةْ تامّةٌ لدقائِقِ عِلْم النحوِ، وعِلْم الصرف، وعِلْم اختلافِ الأساليب.
ولولا هذه المعرفةُ لم يَتَيِسَّرْ لصاحبهِ أَنْ يوقِّع في حصْره من حروف المعاني وتصاريفِ اللغة على أبوابها من علم النحو، وعلم الصرف، وعلم أساليب اللغة.
وهذا العملُ الجليلُ الذي تولّاه أستاذنا الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة والذي أَفْنَى فيه خمسةً وعِشرين عاما طوِالًا، والذي يَعْرِض عليك منه هذا القسمَ الأوّلَ إنما هو جُزْءٌ مِنْ عَملٍ ضَخْمٍ لم يَسْبقْه إليه أحدٌ، ولا أظنّ أنّ أحدًا من أَهْلِ زماننا كان قادرًا عليه بمفرده. فإنّ الشيخ قد أُوتى جَلَدًا وصبرًا ومعرفة، وأمانةً في الاطّلاع، ودِقَّةً في التحرِّى لم أَجدها متوافرةً لكثير ممّن عرفت.
__________
(*) هذا التصدير كتبه الأستاذ شاكر في الجزء الأول من "دراسات لأسلوب القرآن الكريم" للشيخ العلامة محمد عبد الخالق عضيمة. طبع مطبعة السعادة، القاهرة 1972.
(2/1224)

وحروف المعاني التي يتناولها هذا القسمُ الأوّلُ من جَمْهَرَةِ علم القرآن العظيم (1)، أَصْعَبُ أبوابِ هذه الْجَمْهرةِ، لكثرتها وتَداخُلِ معانيها. فقلّ أن تخلُوَ آيةٌ من القرآن العظيم من حرْفٍ من حروفِ المعاني.
أمّا المشقَّةُ العظيمةُ، فهي في وجوهِ اختلافِ مواقع هذه الحروفِ من الْجُمَلِ؛ ثمّ اختلافِ معانيها باختلافِ مواقعِها، ثمّ ملاحظةِ الفروقِ الدقيقة التي يَقْتضيها هذا الاختلافُ في دلالته المؤثِّرةِ في معاني الآيات. وهذا وَحْدَه أساس عِلْمٍ جليل من علوم القرآن العظيم.
وسترى في هذا القسم العَمَلَ المُتْقَنَ الذي تولّاه أستاذنا الجليل، مواضِع كثيرة من الاستدراكِ على النحاة منذ سيبويه إلى ابن هشام، ولكن ليس معْنَى هذا أن نَبْخَس الشُّيُوخَ الأوائلَ نَصِيبَهم من التَّفوُّقِ الهائلِ الذي يُذْهِل العقول، ولكن مَعْناه أنّ الأساس الذي أَسَّسوه في أزْمِنَتهِم المتطاولةِ كان ينْقُصُه هذا الْحَصْرُ الدقيق لكلِّ ما في القرآن العظيم من حروفِ المعاني، وكان هذا الْحَصْر خارجا يومئذٍ عن طاقَتهم، فإن الذي أعان عليه هو الطباعةُ التي استحدثت في زماننا. والناظر في كُتُبِ القدماء لا يُخطئه أن يرى أنّهمِ قاموا بِحَصْرٍ غير تامٍّ، بيْدَ أنّ هذا القَدْرَ الذي قاموا به هو في ذاته عَملٌ فوق الجليلِ وفوق الطاقةِ.
ويظنّ أستاذنا الشيخ عضيمة أنّ الأوائلَ قد شَغَلَهم الشِّعْرُ عن النظَر في شواهدِ القرآن العظيم، وأظنّ أنّ الذي تولّاه أستاذنا من حصْرِ هذه الأشياءِ في القرآنِ العظيم، وتنزيلها في منازِلها من أبواب علْم النحو وعلْم الصرف، وعلْم أساليب اللغة، مقدّمة فائقةُ الدلالة، لعَمل آخر ينبغي أن تتولّاه جماعةٌ منظَّمةٌ في حصْرِ ما في الشِّعْرِ الجاهليّ والإسلاميّ من حروفِ المعاني، ومن تصاريفِ اللغة، ومن اختلافِ الأساليب ودلالتها. والذي ظنّ الأستاذ أنّ القدماء قد فَرَّغوا هِمَمَهُمْ له، هو في الحقيقة ناقصٌ يحتاج إلى تمامٍ، وتمامه أن يُهيِّئَ الله للناس منْ يقوم لهم في الشِّعْرِ بمثلِ ما قام به هو في القرآن العظيم.
__________
(1) "الجمهرة": هذه اللفظة وضحتها لما نسميه في هذا الزمان "دائرة المعارف" أو "الموسوعة" (شاكر).
(2/1225)

وإذا تمّ هذا كما أتمّ الشيخ عَملَه في القرآن العظيم، فعسى أن يكونَ قد حان الحِينُ للنظَر في "إعجاز القرآن" نظرًا جديدًا، لا يتيسّر للناس إلا بعْد أن يَتِمّ تَحليلُ اللغة تحليلا دقيقًا قائمًا على حصْرِ الوجوهِ المختلفة لكلِّ حرْفٍ من حروفِ المعاني، وتصاريف اللغة. لأنّ هذه الحروفَ وهذه التصاريف، تُؤثِّر في المعاني، وتُؤثِّر في الأساليب، وتُحدِّد الفُروق الدقيقةَ بين عبارةٍ وعبارة وأَثَرها في النفْسِ الإنسانيّة وأَثَر النفْسِ الإنسانيّة فيها، وفي دلالاتها.
وإذا كان أستاذنا الجليل قد تواضع فظنّ أنّه قد وضع أساسًا عِلْميًّا ثابتًا للحكْم على أساليب القرآن، وموقعها من النحو والصرف، فإني أظنّ أنّه قد فات ذلك وسبَقه، فهيّأ لنا أساسًا جديدًا للنظر في "إعجاز القرآن" نظرةً جديدةً تُخْرِجه من الْحَيِّزِ القديم، إلى حيِّزٍ جديدٍ يُعين على إنشاءِ "علم بلاغة" مسْتَحْدَثٍ. فإنّه مهما اختلف المختلفون في شَأْنِ "البلاغة" فالذي لا يمكن أن يدْخلَه الاختلافُ هو أَنّ تركيبَ الكلام على أُصولِ النحو والصرف، هو الذي يُحْدث في كلامٍ ما ميزةً يفوق بها كلامًا آخر. وهذا لا يتيسَّر معْرفَتُهُ إلّا بتحليل اللغةِ وتحليلِ مفرداتها وأدواتها، وروابطها، التي هي حروف المعاني، عَملٌ لا يُنْتَهى فيه إلى غاية، إلّا بعد الْحَصْرِ التامِّ للغة وتصاريفها، ولاسيما حروف المعاني، وبعد معرفةِ الفُروقِ الدقيقةِ التي تُحدثها هذه الحروفُ في مواقعها، وبعد معرفةِ أَثَر هذه الفروقِ في تفضيل كلامٍ على كلام.
والشيخ -حفظه الله- لم يترك مجالا للاستدراك على عمله العظيم. فكلّ ما أستطيع أن أقولَه، إنّما هو ثَناءٌ مسْتَخْرَجٌ من عَمل يُثْنِى على نفْسِه، ولكن بقي ما نتهاداه في هذه الحياة الدنيا، وهو أن أَدعُو الله له بالتوفيق، وأن يزيدَه من فَضْله، وأن يُعينَه على إتمامِ ما بدأَ، وأن يجعل هذا العمل ذخيرة له يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون.
(2/1226)

ذكريات مع محبى المخطوطات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، وصلى الله على سائر الأنبياء منذ آدم إلى عيسى بن مريم -عليهم السلام-.
لست خطيبا ولا متكلما وإنما أنا كاتب. أعبر باللسان وأصوغ بالقلم. وقد جئت ولم أُعِدّ شيئا لأقوله في هذا المؤتمر. ولما بقيت أياما في تعب شديد -حاولت أن أكتب- والموضوع كما تعلمون متعلق بالمخطوطات -فجرى قلمى بما لا أستطيع أن أحدثكم عنه. بعد أن كتبت أوراقا وجدتنى أتحدث عن نفسي، لا عن المخطوطات. والمضطر يركب الصعب من الأمور. وأنتم قد جئتم هنا لتقعوا في الاضطرار؛ لأنكم تريدون أن تسمعونى، وأنا جئت مضطرا لأن الشيخ أحمد زكي يماني استخرجنى من بلادى، ومن بلاد أحبها، لا أحب أن أفارقها إلى بلاد بينها وبين أمتى العربية والإسلامية ثأر قديم جدا. جئت كارها، ولكن جئت أيضا مطيعا لصداقة عزيزة عليّ، لا أستطيع أن أتخلى عما تطلبه مني. والكلمة التي كتبتها لا تصلح للسماع، لأنى أستغرق صفحة أو صفحتين تقريبا في الحديث عن نفسي، وعن تاريخى، وعن نشأتى، لأقول أنى بالتجربة انتهيت إلى أننا في زمان الادعاء والتظاهر فيه هما الأصل. فإذا أنا تحدثت عن المخطوطات في حضرة الأساتذة صلاح المنجد والشيخ حمد الجاسر، ممن لهم خبرة، فإنما أنا مدع لا أكثر ولا أقل. وبضاعتى في شأن المخطوطات بضاعة مُزجاة. نعم نشأت من صغرى في الحادية عشرة والثانية عشرة، على يد رجل كان خبيرا بالكتب وهو أمين أفندى الخانجى. صحبته طويلا ولكنه لم يستطع لا هو ولا من سألتهم فيما بعد، لم يستطع أحد منهم أن يعدنى لأن أكون من
__________
(*) أهمية المخطوطات الإسلامية: أعمال المؤتمر الافتتاحي لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن 1992، ص 23 - 28
(2/1227)

الرجال العاملين في ميدان المخطوطات العربية، لأن هذا الميدان محتاج إلى صفات معينة وأنا لا أملك من هذه الصفات شيئا. نعم قد نشترك في الأصل، ولكن طبيعتى لا تستطيع أن تخضع لغير ما أردته أنا وما اهتممت به. وسأدع الكلام الذي كتبته جانبا لأنه في الحقيقة لا يستحق أن يُقرأ فضلا عن أن يُسمع على ملأ من العلماء والفضلاء كانوا يتوقعون مني شيئا، ويطلبون مني فائدة، ويظنون بى علما، وأنا لست من العلم في شيء. بل أنا كما يقول أبو العلاء:
مَن يَبْغِ عندي نَحْوا أو يُرِد لغةً ... فما يُساعف مِن هذا ولا هذِى
يَكفيكَ شرا من الدنيا ومَنْقَصَةً ... ألا يَبينُ لك الهادِى من الهاذِى
فأرجو وقد جئت من بلاد بعيدة أتوكأ على عصا بيمينى وأعتمد على ابنتى بشمالى -ولكن بين ضلوعى نار لم تنطفيء بعد من بقية شباب ذهب- وسأختصر كلامي وأقصره على رجال ممن عرفتهم في مجال المخطوطات. وهم جميعا يشتركون في صفة واحدة يعرفها صلاح المنجد وحمد الجاسر -يعرفونها في أنفسهم. ولأن طول مصاحبتى لهؤلاء الرجال لم تكن رغبة في الاستفادة من علمهم في المخطوطات ولكن كانت رغبتى في مراقبتهم: كيف يتعبون وكيف يعملون.
فمن هؤلاء هذا الذي ذكرته لكم والذي نشأت على يديه، وهو أمين أفندى الخانجى. وقد حدثني أنه مِن حَىّ بحَلَب، وكان قد شَدا شيئا من العلم -قليلا جدا من العلم. وكانت له رغبة في أن يكون عالما، ولكنه كان صغيرا جدا، وعلى قدر بسيط جدا من المعرفة. ففي تجواله في المنطقة التي يسكنها رأي النساء يوقدن المواقد بأوراق الكتب- بل ببعض الكتب المجلدة. وفجأة استيقظت نفسه، فأراد منعهم (1) من أن يفعلوا ذلك، فاستحطب لهم حطبا يوقدون به مواقدهم، وأخذ منهم هذه الأوراق أو هذه الكتب التي كان بعضها مجلدا. واستمر على هذا دهرا، وإذا عاد إلى بيته بهذه الأوراق كان يقرؤها، وهو
__________
(1) الحديث عن النساء، ولكن الضمائر التي تشير إليهن جاءت بصيغة التذكير.
(2/1228)

لا يستطيع أن يفك رموزها لكنه بالإصرار وبالحب وبالجذوة التي تتوهج في قلبه ظل يزداد حرصا على هذه الأشياء ويجمعها.
ثم بعد أن شبّ عن الطوق، رأي نفسه مغرما بحيازة هذه المخطوطات وبقراءتها دون أن يكون قاصدا للعلم، وإنما هي محبة خالصة لهذا الذي يقرأه. فانتهى به الأمر بعد ذلك إلى أن أصبح أخبر الناس بالمخطوطات. عندئذ قرر أن يكون كُتْبيا أو ورَّاقًا. وأنا أشهدكم أن الجيل الذي نشأت فيه، قد اعتمد اعتمادا كاملا في كل فن على ما نشره أمين أفندى الخانجى. كل الكتب القديمة التي نشرها أصول لا يَستغني عنها طالب علم. فكانت صناعته في البحث عن المخطوطات، هي أن يأخذها وينشرها. وفي ذلك الوقت كانت ثروته لا تحتمل أن ينفق على طباعة هذه الكتب، فكان كلما طبع بضعة كتب أفلس. ثم تردد ذاهبا إلى تركيا، إلى أن جاء الى مصر. وبقيت أنا مع أمين أفندى الخانجى في جو أشعر أن هناك ضوءا في قلب هذا الرجل يضئ لي الطريق - لا طريق المخطوطات: بل أضاء لي طريق العلم.
ولي معه تجارب كثيرة، منها تجربتى في كتاب طبقات فحول الشعراء. كان عندنا في مصر جمَّاع للكتب ثرِىّ تُركى لا يقرأ ولا يكتب اسمه طلعت باشا. كان يحب أن تكون له مكتبة كما لفاضل مكتبة، ولأحمد تيمور مكتبة. أنفق على أمين الخانجى ما يشاء، فجال في البلاد العربية، وجاء الى مصر ومعه كتب كثيرة أودعت الآن في دار الكتب المصرية. فحدث أن كان يوم من الأيام، كان معه صندوق فيه ورق دشت فأعطانى منه ورقة. وكنت حديث عهد بالعلم، ولكني كنت أيضا حديث عهد بكتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام، فأخذت الورقة. قال لي: "إيه الكتاب ده؟ " قرأتها، ثم قلت له: "هذه طبقات ابن سلام". وبدأنا نفرز هذا الورق الى أن استخرجنا النسخة التي آلت فيما بعد إلى تشستر بيتى؛ لأن أمين أفندى الخانجى باعها ليهودي كان يشترى منه الكتب، فباعها هو الآخر لمكتبة تشسشر بيتى.
ولي معه قصص كثيرة ولكن هذه قصة تخصني؛ لأني نشرت هذا الكتاب
(2/1229)

فيما بعد -بذلت فيه جهدى، وأنا لا أحب أن أُسَمَّى محققا لأسباب كثيرة، وإنما أنا قارئ كتب ولذلك لا أكتب على كتبى "حققه" فلان بل أكتب "قرأه" فلان؛ لأن المطلوب من نشر الكتب هو أن يكون الكتاب مقروءا حسب موضوعه، يهتدى الإنسان في قراءته إلى المعنى الذي أراده مؤلفه. أما طبقات فحول الشعراء فأنا في الحقيقة قرأته ثم شرحته شرحا وافيا. لأن هذا الكتاب عُمدة لا يَستغني عنه طالب علم. وهو أول كتاب أُلِّف في الإسلام في طبقات الشعراء وفي النقد أيضا.
ثم ذهب أمين أفندى الخانجى -رحمه الله-، وشببت عن الطوق، وعرفت رجلا آخر كان عالما متمكنا من علوم لا يعرف أحد أنه متمكن فيها، وهو أحمد تيمور باشا. كان فيما عرفته متمكنا من علم النحو تمكنا كاملا ولكنه لا يكتب فيه شيئا. لم يكتب فيه كلمة واحدة. فأحمد تيمور باشا كما وصفته -وهو عالم ناهيك من عالم- كان أحرص الناس على اقتناء المخطوطات، يبذل في سبيلها مالا كثيرا، ولكن الذي لاحظته -ليس جمع الكتب- الذي لاحظته شيئا آخر وهو أنه إذا أخذ الكتاب بين يديه، تغيرت أسارير وجهه واستضاءت، وكأن نورا قد سطع بمجرد إمساكه المخطوط، إذا جاءه أمين أفندى بمخطوط جديد. شيء هائل، تحس أن هذا الرجل ليس إنسانا -تتغير صورته من إنسان جالس يتكلم، إلى إنسان مأخوذ ومضئ في وقت واحد، وتبرق عيناه وكأنها لؤلؤة مضيئة أو درة يتيمة.
والرجل الثاني الذي عرفته ولقيته لماما هو أحمد زكي باشا شيخ العروبة. ولم يكن في مثل علم تيمور باشا. ولكنه كان أيضا محبا للكتب، فالصورة التي أراها في تيمور أراها في أحمد زكي. وكانا في حلبة المخطوطات يتسابقان، كلاهما يتتبع عمل الآخر وما اقتناه ويريد أن يفوقه. ولكن يختلف الخُلُقان: تيمور باشا كان سخيا لا يضن على أحد بشيء. أما أحمد زكي فكان ضنينا بالطبع -لا أريد المذمة- كان ضنينا وكان لا يتورع عن سرقة الكتاب. ومن الطرائف أنه في آخر حياته أوقف مكتبته ونقلت إلى مدرسة الغورى القريبة من الأزهر، وعُيِّن لها
(2/1230)

صديق لنا كان أيضا محبا للكتب هو الشيخ محمود زناتى، فأخبرته عن خُلق زكي باشا أنه يسرق الكتب، فحاذِرْ. فقال: "كيف يعني؟ كيف يسرق الكتب؟ " قلت: "طَيِّب يا شيخ محمود، جرِّب بنفسك". فحدثني أن أحمد زكي باشا غافله في يوم من الأيام وأخذ كتابا ووضعه تحت إبطه وأخفاه -فقال له الشيخ محمود عند انصرافه: "تعالى يا باشا - طلع الكتاب". يسرق نفسه! كانت أخلاقا ظريفة.
ولقيت رجالًا كثيرين ممن يحبون المخطوطات بشغف زائد ولكن كان أغربهم رجل طويل القامة مستقيم. هذا لم يكن متعلما تعلُّما كافيا لكنه كان يجالس العلماء. وممن جالسهم طويلا وأحبهم الشيخ زاهد الكوثرى -رحمه الله- وكان علّامة خبيرا بالكتب، حافظا أسماءها ومواقعها، فاكتسب منه رشاد (1)، لأنه كان أيضا محبا للكتب. كان رشاد فقيرا فكان يدور على المطابع كلما رأى كتابا يُطبع أخذ منه ملزمة، فأخيرا انتهى إلى حب الكتاب المطبوع -وكان أيضا له ذاكرة قابضة باسطة لا تترك شيئا أبدا ولذلك كان يمشي بيننا وكأنه فهرس كامل لمطبوعات العالم. وصحبناه طويلا الى أن قضى نحبه -رحمه الله-.
وهكذا كان ينبغي أن أقدم رجلا عظيما أيضا وهو الشيخ محمد عبد الرسول. كان مديرا للمخطوطات في دار الكتب. وكان رجلا صامتا لا يتكلم. فإذا تكلم -إذا سألته سؤالا- تفجر بعلم واسع يستغرق كل هذه الكتب. لا يوجد في دار الكتب كتاب مطبوع لا يعرفه، ولا مخطوط لا يعرفه. وكان محبا أيضا للمخطوطات وحريصا عليها أشد الحرص، وأنا إلى الآن لا أمسك مخطوطا حتى أذكر هذا الرجل، لأنه علّمنى شيئا كثيرا جدا -أدناه أنه علمنى فروق الخطوط وأزمنتها سواء كانت مشرقية أو مغربية. لم يكن هذا همي، ولكن أحببت هذه المعرفة بحبي للشيخ عبد الرسول. تعلمت منه كيف أحكم على هذا المخطوط- كُتِب في القرن الكذا أو الكذا، خطوط متنوعة، خطوط البغداديين غير خطوط
__________
(1) يعني الأستاذ رشاد عبد المطلب، -رحمه الله-، توفي سنة 1975.
(2/1231)

المصريين. وكل هذا يعرفه الشيخ عبد الرسول. تعلمت منه شيئا كثيرا أدناه هذا العلم: علم معرفة الخطوط وأزمانها، وشغلت به. ولكني كنت أيضا في شيء آخر، ولقد وصفت نفسي، ولا أحب أن أعيد ما كتبت، وصفت نفسي: ماذا كنت أريد أنا من هذه الدنيا أو من هذا العمل؟ فكان للشيخ عبد الرسول أثر عظيم في نفسي في معرفتى بالكتب وحبى للمخطوطات. لا حُبَّ جمع ولا شراء ولا اقتناء. مكتبتى من أكبر المكاتب الخاصة في مصر ولكن ليس فيها كتاب مخطوط. الأشياء التي أريدها أصورها من دار الكتب أو الجامعة العربية -والشيخ حمد أكرمنى كثيرا بصور من مخطوطات ودلنى عليها ولم أكن أعرفها، لأنى فعلا غير متتبع لشأن المخطوطات ولكن قرأت تراجم الأمة والعلماء وأعرف هذا كله- منها كتاب هنا في دار المتحف البريطاني.
الشيخ حمد جاءنى بهذه النسخة لأحققها، وطبعتُ منها جزءا واحدا من "أنساب قريش" -وهي نسخة فريدة- مع أن صاحب فتح البارى، الإمام ابن حجر، رأيتُ في شرحه للبخاري أنه راجع ست نسخ من "جمهرة نسب قريش" ليقف على نسب جاء في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ست نسخ في القاهرة في القرن السابع، أين ذهبت هذه؟
هذه خطرات مفككة، ولكني عرفت هذه الأشياء كلها عن طريق رجال صحبتهم وعرفتهم -منهم الشيخ حمد- ومنهم علامتنا صلاح المنجد. عظام لم يبق منهم إلا هذه البقية. كان من أغرب الناس أيضا الشاعر الشيخ عبد المطلب الأستاذ بدار العلوم -كان له اهتمام غريب -وهو شاعر- سموه "الشاعر البدوي" من تقليده لشعر القدماء- ولكني حين زرته في بيته وجدت عنده صوانا كاملا من مخطوطات في علم القراءات فقط، مع أنه شاعر، وكان لا يُعْرَف عنه هذا- لا يعرفه عنه غيري. كان أكبر جزء من مكتبته في علم القراءات القرآنية وحده.
ثم الفضل الأكبر للرجل الثاني فقد كان شيخى وأستاذى الذي علمنى العربية وهو الشيخ سيد بن على المرصفي. مات منذ دهر طويل، أكثر من خمسة
(2/1232)

وخمسين سنة. كان عالما لا يُبارى، وكان في حالة فقر شديدة في أول أمره وهو عالم من علماء الأزهر. وكان في أول أمره فقيرا شديد الفقر. وكرهه الأزهريون لأنه كان لا يدرس إلا الأدب، كتاب "الكامل" للمبرد و"الحماسة" لأبي تمام، فأغفلوه إلى أن جاء والدى وكيلًا للأزهر، وكان يعرف فضل الشيخ المرصفي فبحث عنه. وأقص عليكم قصته كما رواها والدى: في غرفه أو غرفتين في حوارى الأزهر العتيقة عرف بيته وذهب إليه فوجده جالسا وحوله الكتب ومحيطا نفسه بدائرة من العسل حتى لا يزحف البق إليه. فعينه والدى مدرسا للأدب، وأنا أدركت الشيخ عندما كنت طالبا في المدارس الثانوية وصاحبته، وهو الذي علمنى العربية وقرأت عليه كتاب "الكامل" للمبرد و"الحماسة" لأبي تمام وفصولا من "أمالى" أبي على القالى. هذا الرجل اشتغل أول أمره مصححا في دار الكتب. وقد نشر كتابا واحدا وهو الجزء الأول من كتاب "الخصائص" لابن جنى، وهي الطبعة الأولى، قبل أن يطبعه كاملا الشيخ النجار في ثلاثة أجزاء. فهذا الرجل بقي في دار الكتب سنين يشتغل مصححا وكانت له خبرة بجميع كتب الأدب التي كانت في دار الكتب، وكان أيضا لا يحب أن يبوح بعلمه -أشياء معينه لا يخبر أحدا بها. مما قرأته عليه في شرح كتاب الكامل أنه رجع إلى مخطوطة في دار الكتب من ديوان ابن مقبل. لما توفي الشيخ، بحثت عن هذه النسخة في دار الكتب فلم أهتد إليها إلى هذا اليوم.
عندي كلمة أقولها علانية أمامكم جميعا: إن هذه المخطوطات التي يراد فهرستها في مثل هذه الدول -الدول التي نحن فيها الآن- يصح أن تُسْتَرَدّ. فأنا عرفت من والدى -الذي جاء من الصعيد إلى القاهرة في أواخر القرن الثالث عشر الهجرى- أن مكتبة السلطان حسن كانت أكبر المكاتب في مصر، وكان الأمين الذي يحرسها واحد تاجر قصب، له دكان تحت درج المسجد، وكانت الأعاجم تأتيه في لباسهم وزيهم يعطون له ملاليم، فيدخل المسجد ويأتيهم بالكتب، إلى أن بقيت مكتبة السلطان حسن خاوية على عروشها. كنت أحب أن نبدأ فعلا في حركة لاسترداد هذه المخطوطات. لابد من استردادها اليوم
(2/1233)

أو غدا. قال شوقى لكارنافون الذي سرق نصف ما أخرجه من قبور الملك توت عنخ آمون: -
فمَنْ سَرَقَ الخليفةَ وهْوَ حَيٌّ ... يَعِفُّ عن الملوكِ مُكَفَّنِينا؟
(2/1234)

[تعقيب]
شيء مخجل، شيء مخجل جدا، أن يكون أول ما أكتبه لمجلة "العربي"، متعلقا بكلام نشر بها، وأن يكون هذا الكلام مما لا يُحسن السكوت عنه، لا لأنه يتعلق بى، بل لأنه يعطى قارئ هذه المجلة المتزنة الواسعة الانتشار، معلومات أقلّ ما يقال في شأنها إنها خطأ وإنها مضللة وقارئ مجلة العربي -كما أعلم- يثق ثقة مطلقة بما تمده به من معارف ومعلومات لأنه كان قد تعود ذلك منها منذ سنين، فأنا أخشى أن يكون كلامي هذا، مما يزعزع ثقة قارئها بها، فلذلك أحب أن أقدم بين يدي كلامي، عذر المجلة في نشر مثل هذه الأخطاء.
فهذه المجلة، كما تحترم قراءها، تحترم أيضا كُتابها، وُتحسِن الظن بهم، وأن هؤلاء الكُتاب لا يقدمون إليها إلا خلاصة صحيحة لعلمهم. وأنا على ثقة من أن جهازها لا ينشر كل ما يكتبه إليها الكاتبون ممن هبَّ ودب، بل تتحرى أن تنشر ما يكتبه المعروفون المشهود لهم بالأمانة والتمحيص، وعلى رأس هؤلاء -بطبيعة الحال- حملة شهادة الدكتوراه، الذين قطعوا مرحلة طويلة في ممارسة علومهم، وتمرسوا بالدقة والأناة والأمانة فيما يبحثون، وفيما يكتبون. وكاتب هذه المقالة التي نشرتها مجلة العربي، حامل لهذه الدرجة العلمية الرفيعة، فجهاز المجلة لا يستطيع أن يفترض الشك فيما يكتب، بل إن التجربة، تدلهم على أن حَمَلة هذه الدرجة العلمية أمناء فيما كتبوا قديما، وفيما يكتبون لها اليوم، فأجازوا المقالة وهم على ثقة من أن كاتبها لم يخط حرفا مما كتب، إلا بعد أن مرّ ما كتبه بمرحلة التمحيص: الأمانة والإعداد السليم، كما عوّدهم بقية الأساتذة الكُتاب الذين ينشرون فيها ما يكتبون. . ولكن لكل جواد كبوة. فهذا عذر مقبول إن شاء الله.
__________
(*) مجلة "العربي"، العدد 284 - يوليو 1982، ص 18 - 24. ولم يضع لها الأستاذ شاكر عنوانا، فجعلته كما ترى. وحق موضع هذه المقالة أن يكون بعد مجلة "الهلال"، ولكننى لم أحصل على المقالة إلا بعد طبع جميع المقالات، ولو جعلتها في حاق موضعها لأدى ذلك إلى إعادة ترقيم صفحات المقالات التي تتلوها، وأيضا صفحات فهرس الأعلام، وهذا أمر فيه من المشقة ما فيه.
(2/1235)

كلام منقول بنصه
كتب الدكتور عبد العزيز المقالح، مقالا في عدد شهر جمادى الآخرة سنة 1402 (إبريل سنة 1982)، بعنوان "دفاع عن العقل والضمير العربيين: طه حسين، والشك على الطريقة الأزهرية"، وهو يفتتح هذه المقالة، بأنها تحية للدكتور طه في ذكراه الثامنة، وأنها ليست دفاعا عنه ضد الاتهامات الباطلة الكثيرة، ولا دفاعا عن صمت تلاميذه المنتشرين على طول الساحة العربية إزاء هذا الهجوم، ولكنها محاولة متواضعة للدفاع عن العقل العربي والضمير العربي، وعن بوادر النهضة الفكرية والثقافية، وعن ذلك الرجاء الذي كاد يقترب ثم ابتعد، ويوشك الآن على الانطفاء! هذا نص مقدمته. وهذا كلام حسن، ونية أحسن من الكلام. (ص 54 من مجلة العربي).
ولكنه لم يكد يتجاوز هذه المقدمات حتى قال (ص: 55 من المجلة) ما يأتي:
"ومن بين الاتهامات المبالغ فيها، والمسئول عنها طه حسين التهمة الثقيلة التالية: (إذا كان هناك تخريب في الثقافة المصرية، فإن المسئول عن هذا التخريب هو طه حسين؛ لأن تشككه في الثقافة العربية، قد أحدث نوعا من التفريغ في العقل العربي) "، فوضع الدكتور المقالح هذا الاتهام بين قوسين، ومعنى ذلك عند كل قارئ أنه كلام منقول بنصه، أو على الأقل تلخيص أمين لكلام مكتوب منشور، قرأه الأستاذ الدكتور ولخصه بأمانة. هذا واضح فيما أظن، ولا يختلف عليه أحد. ثم قال بعقب هذا الكلام المحفوف بالقوسين:
"الذي أطلق دخان هذه التهمة، أستاذ جليل، وباحث يحترم قراءه، ويحترمه قراؤه، وهو الأستاذ محمود محمد شاكر. وهي تهمة تعطى لطه حسين من التأثير السلبى والخطورة السلبية، أكثر مما تعطه للاستعمار والصهيونية وقوى التخريب المختلفة. وهي تمنح ذلك الشيخ الضرير قدرة خارقة لم تكن عفاريت الأساطير في القصص القديمة تمتلك بعضا منها، وفي تقديرى أن مثل هذه المبالغات في إلقاء التهم، وفي هدم الحسنات والسيئات معا، هي التي تشكل
(2/1236)

بحق نوعا من التفريغ في العقل العربي المعاصر، وتجعل القارئ العربي الذي لم يعد يكتفي بتكوين معارفه الثقافية، من كتابة ما يكتبه الأستاذ شاكر وأمثاله، تجعله حائرا متشككا غير قادر على المقارنة بين فكر رافض لا يقوم على أساس من البحث والتمحيص، وبين فكر لا يتوقف عن الجدل حول أغلب الأفكار المطروحة من قبل العصر، بين الدعوة إلى الغربة الروحية والعقلية، وبين الاكتفاء بالخواء العقلي والروحي".
وأنا قد نقلت هذا الكلام بنصه، لأنه كلام لا يحتمل التجزئة، لتناسقه أولا، ثم لأنها عادتى في وضع النصوص بين يدي من يقرأ كلامي، بلا عبث، بلا تحريف. عادة يعرفها عني كل من قرأ ما أكتب.

في الطبعة الجديدة "للمتنبى"
وقبل كل شيء، فليس من عادتى أيضا أن أرفع الناس فوق منازلهم، ولا أن أضعهم دون منازلهم، لا نصا بكلام أكتبه، ولا استنباطا يمكن أن يستنبطه قارئ لما أكتب، إلا أن يتوهم متوهم أشياء، فأنا بالطبع غير مسئول عن هذا التوهم. كل ما أملك هو قلم أعبّر به عن رأي أكتبه، أكتبه بألفاظ محددة صريحة، بلا رموز ولا إشارات ولا مخاتلة. هذا كل ما أملك، وهذا كل ما سأفعله هنا الآن، لأنه غاية قدرتى.
فإذا جاء كاتب، كالدكتور المقالح هذا يقول إني أتهم الدكتور طه بتهمة تعطيه من التأثير أكثر مما تعطى للاستعمار والصهيونية وقوى التخريب المختلفة، وتمنحه قدرة خارقة لم تكن عفاريت الأساطير تملك بعضًا منها فهذا الجائى، بلا شك عندي، لم يقرأ لي شيئا قط، أو قرأ ولم يفهم، أو فهم شيئا عن طريق التوهم، لا عن طريق الاستنباط من لفظى وكلامى. فأنا قد عرفت الدكتور طه وقرأت له منذ كنت صغيرا في الرابعة عشرة من عمرى سنة 1923 م، إلى أن توفي سنة 1973 م، عرفته قارئا وتلميذا له في الجامعة، ثم رجلا بيني وبينه من المودة، مع بعد الشقة بيننا والاختلاف، زمنا أطول من مدة القراءة والتلمذة. فليس إذن بمستساغ ولا معقول أن أخالف عادتى فأرفعه فوق منزلته عندي،
(2/1237)

ولا أن أضعه دون منزلته في نفسه، وأنسب إليه هذه الخوارق التي ذكرها الدكتور المقالح. لا أدري كيف توهم الأستاذ الدكتور هذا التوهم! هذا شيء! ! .
أما "التهمة" التي ذكرها ووضعها بين الأقواس، فهي إشارة إلى ما كتبته في مقدمة كتابى "المتنبى"، الذي كتبته قديما سنة 1936، فلما أعدت طبعه سنة 1977، كتبت هذا المقدمة وسميتها "قصة هذا الكتاب -لمحة من فساد حياتنا الأدبية"، وتعرضت فيها لما سميته "التفريغ" وهو اللفظ الموجود في التهمة التي بين الأقواس.
وأنا مضطر هنا أن أتعرض لبيان ما في هذه المقدمة، لأنها هي التي جلبت عليَّ هذا السَّيل من الألفاظ التي استعملها الدكتور المقالح، وأعطت قراء مجلة العربي، معلومات لا أصل لها عندي، أي فيما كتبت مطبوعا منشورا في كتاب! !
بدأت هذه المقدمة من ص 9 إلى ص 26، وفيها قصتى مع الدكتور طه، وكتاب الشعر الجاهلي، وأنا طالب في الجامعة وتلميذ للدكتور طه، حتى تركت الجامعة في سنة 1928 ووصفتُ الدكتور طه بألفاظ صريحة بلا عبث ولا مخاتلة، وليس في هذا القسم ذكر لما سميته "التفريغ".
ثم قطعت هذا الجزء من المقدمة، وابتدأت في حديث آخر من ص 27 إلى أواخر ص 39 وبدأت هذا الفصل هكذا!
"ومرت الأيام والليالي والسنون، ما بين سنة 1928، وسنة 1936، وهي السنة التي كتبت فيها هذا الكتاب "المتنبى"، وهمي مصروف أكثره إلى قضية الشعر الجاهلي، وإلى طلب اليقين فيها لنفسي، لا معارضة لأحد من الناس (وأعنى الدكتور طه بالطبع). ومشت بى هذه القضية في رحلة طويلة شاقة، ودخلت بى دروب وَعِرة شائكة، وكلما أوغلت، انكشفت عني غشاوة من العمى، وأحسست أنى أنا والجيل الذي أنا منه، وهو جيل المدارس المصرية، قد تم تفريغنا تفريغا يكاد يكون كاملا من ماضينا كله، من علومه وآدابه وفنونه. وتم أيضا هتك العلائق بيننا وبينه، وصار ما كان في الماضي متكاملا متماسكا،
(2/1238)