Advertisement

جمهرة مقالات محمود شاكر 001


الكتاب: جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر
المؤلف: محمود محمد شاكر
جمعها وقرأها وقدم لها: الدكتور عادل سليمان جمال
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة - جمهورية مصر العربية
الطبعة: الأولى، 2003 م
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم واحد متسلسل)
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر

جمعها وقرأها وقدم لها
الدكتور عادل سليمان جمال

مكتبة الخانجي
(/)

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطبعة الأولى

رقم الْإِيدَاع: 2390/ 2003
الترقيم الدولي: 9 - 015 - 353 - 977 - I.S.B.N

الشّركَة الدولية للطباعة
المنطقة الصناعية الثَّانِيَة - قِطْعَة 139 - شَارِع 39 - مَدِينَة 6 أكتوبر
ت: 8338240 - 8338242 - 8338244
E-mail: pic@6 oct.ie-eg.com
(مقدمة/2)

"إنما حَمَلتُ أمانة هذا القلم لأَصْدعَ بالحق جِهارًا في غير جَمْجَمَة ولا إِدْهان. ولو عرفتُ أني أعجَزُ عن حَمْل هذه الأمانة بحقِّها لقذفتُ به إلى حيث يذِلُّ العزيز ويُمْتَهَن الكريم. . . وأنا جنديٌّ من جنود هذه العربية، لو عرفتُ أني سوف أحمل سيفا أو سِلاحًا أَمْضَى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نَذَرتُ على هذا القلم أن لا يكُفَّ عن القتال في سبيل العرب ما استطعتُ أن أحمله بين أناملي، وما أتيح لي أن أجد مكانًا أقول فيه الحق وأدعو إليه، لا ينهاني عن الصراحة فيه شيء مما ينهى الناس أو يخدعهم أو يغرر بهم أو يغريهم بباطل من باطل هذه الحياة".
الرسالة، العدد 756، ديسمبر 1947، ص 3، 14،
المقالات 1: 490
"ولهذه الفصول غرض واحد. . . هو الدفاع عن أمة برُمَّتها، هي أمتي العربية الإسلامية. . . فصار حقًا عليَّ واجبًا أن لا أتلجلجَ أو أُحْجِم أو أُجَمْجِمَ، أوأداري، ما دُمْت قد نَصَبْتُ نفسي للدفاع عن أُمَّتي ما استطعت إلى ذلك سبيلا = وصار حقًا عليَّ أن أستخلص تجاربَ خمسين سنة من عمري قضيتُها قَلِقًا حائرًا، أصارِع في نفسي آثارَ عدوٍّ خَفِيٍّ، شديدِ النِّكاية، لم يَلْفِتْنى عن هول صِراعه شيءٌ، منذ استحكمت قُوَّتى واستنارت بصيرتي".
أباطيل وأسمار، ص: 10 - 11
* * *

رحمة الله عليك يا أبا فهر، رحمة الله عليك! قَلْب الأمة الإسلامية المتوثب، وعينها الساهرة، وحصنها الحصين.
فإن تكن قد ذهبت إلى ربك راضيا مَرضِيًّا، ففي قلب هذه الأمة تعيش روحك الخالدة التي لا تفنى، وفي قلب هذه الأمة يُحْفَر قبرك الَّذي لا يُنسَى.
(مقدمة/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تقديم
1 - قصة الكتاب
الحمد لله الَّذي كرَّم هذه الأمة بنور الإسلام ليخرجها به من ظلمات الجهل والشرك والطغيان، والحمد لله الَّذي شرفها بجعلها مهبط آخر رسالاته وأتمها وأكملها، والحمد لله الَّذي بعث منها سيد العالمين شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا بإذنه وسراجًا منيرًا، وأرسله للناس كافة رحمة للعالمين، - صلى الله عليه وسلم - تسليمًا كثيرًا.
وبعد، قابلت الأستاذ شاكر -رحمه الله- أول مرة عام 1958 وأنا بعد طالب في السنة الثالثة من دراستي الجامعية وقد وضَّحتُ طرفًا من ذلك في مقالي عن كتاب طبقات فحول الشعراء (1)، وكذلك في مقدمة الحماسة البصرية (طبع مكتبة الخانجي). وعلى فارق ما بيننا من السن والعلم فقد وجد شيئًا مني ينسرب في نفسه، وأنستُ أنا به كما أنس هو بالرافعي. ولزمت داره كل يوم تقريبًا منذ مطلع الشمس حتَّى منتصف الليل، أقرأ مقالاته في الرسالة وسائر المجلات والصحف بعد أن أنتهي من عملي في رسالة الماجستير. ومضت السنون وعرفتُ عن الأستاذ شاكر ما لم أكن أعرف. وكنت شابًا طُلَعة، وكان هو شيخًا طويل الصمت، قارَّ النَّفْس، يرمى بعينيه وراء الحُجُب. ولكني كُنْتُ أحسُّ أحيانًا أن صدره يضيق بما يكتم. فقد كان يخيم علينا صمت ثقيل بعد أن نصلي المغرب ونجلس في شرفة منزله نحتسي الشاي. فإذا آنست أني مُخْرِج منه بعضَ ما أريد، أبديتُ رأيًا أو تعليقًا على بعض ما جاء في المقالات من أحداث أو رجال سماهم
__________
(1) انظر مجلة معهد المخطوطات، المجلد 42، الجزء الأول، مايو 1998، ص 95 - 140.
(مقدمة/5)

أو أشار إليهم ولم يسمِّهم. وتمضي الدقائق وكأنها ساعات، وإني لأشعر خلال ذلك بهذا الصراع المخيف بين إلحاح ما أَلِف وصلابة الأغلاق التي يضربها على ضمير نَفْسه وعناده الَّذي يأبى عليه الكلام عن نفسه، وبين إلحاح هذا الهم الجاثم على صدره يريد أن يجد له مَسْربًا، فقد كان الأستاذ شاكر -رحمه الله-، قاسيًا عنيفًا، ولكنه كان رقيقًا ألوفًا أيضًا، وكان جلدًا صبورًا، ولكنه ربما تخشَّع واستكان للجزع، وكان مستوحشًا آبدًا، ولكنه ربما أَلِفَ وانقاد، وكان كالطود رسوخًا وشموخًا، ولكني كنت أنفذ إليه أحيانا -عندما آنس في نفسه هذا الصراع بين القوتين- فأجد الزلزلة في قلبه، والاضطراب في نفسه، والتهدج في صوته. وعندئذ يشق كثافة الصمت الثقيل البهيم ويحدثني عما أثرتُ بما شاء إلى أن يشاء، ثم يعود إلى صمته المُصْمَت من جديد كأن لم يكن حديث. كان الأستاذ -رحمه الله- وديعًا رقيقًا باشًّا ألوفًا، وكان قلبه يفيض شفقةً ورقةً وحنانًا، ولكنه أصيب بكوائن بعد بوائق جعلت منه رجلًا ظنونًا منطويًا حزينًا فهو لذلك يضن بما في قلبه أن يطلع عليه أحد إلا بمقدار ما يريد هو.
ثم أزاحت ندوة يوم الجمعة صخرة عن باب كهف توارت في أعماقه كنوز لفَّفها الزمن في محاريبه، ضمت الندوة رجالًا مختلفى المشارب والأهواء، منهم الساسة والأدباء والشعراء، وعاشقو التراث، ومحبو الأدب الحديث، ورجال لا يمتون إلى العربية تخصصًا أو احترافًا، ولكنهم واسعو الثقافة. وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ رشاد مهنا، والأستاذ حسين ذو الفقار صبري، والشيخ الباقورى، والأستاذ عبد الله التَّل، والأستاذ وديع فلسطين، والأستاذ عبد الرحمن شاكر، والأستاذ محمود حسن إسماعيل، والأستاذ جلال كشك، والأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، والأستاذ رشاد عبد المطلب، والأستاذ سيد صقر، والأستاذ حسن كامل الصيرفي، والأستاذ فؤاد سيد، والأستاذ ياسين جمعة، والدكتور عبد الله غنيم والدكتور يعقوب غنيم والدكتور عبد الله محارب، والأستاذ أحمد المانع والشيخ حمد الجاسر والدكتور عبد الله الطَّيب في بعض الأحايين، والدكتور أبو همام، والدكتور إحسان عباس، والدكتور
(مقدمة/6)

محمد يوسف نجم، والأستاذ يحيى حقي، والدكتور عبد الرحمن بدوي، والأستاذ فتحي رضوان، والدكتور ناصر الدين الأسد، ناهيك عن طلبة العلم من كل حدب وصوب مثل الدكتور شاكر الفحام، والأستاذ أحمد راتب النَّفَّاح، والدكتور عبد القدوس أبو صالح، وغيرهم ممن غابت عني أسماؤهم الآن. وكنت أنا وغيري من صغار الشباب، خاصة الأستاذ عبد الحميد بسيوني، والأستاذ الحساني عبد الله، وأخي المرحوم الطناحي والأستاذ علي شاكر، -رحمه الله-، ننتشر في مجالس القوم حيث يدور الحديث في شتى المواضيع وتحتدم المناقشات وتصطدم الآراء، وينبعث من غياهب الماضي ذكر رجال وأحداث، فسمعنا ووعينا، وعرفنا ما لم نكن نعرف عن زمن لم نشهده، ساعدنا على أن نفهم حاضرًا نتمثله. وكنت شديد الانتباه لما يتعلق بالأستاذ شاكر، فعرفت -إلى جانب ما حدثني به عن نفسه كما ذكرت آنفا- أشياء أخر عنه. واستبان لي حينئذ أنني لست أمام محقق أديب فقط (1)، ولكن في حضرة رجل مناضل مصري عربي إسلامي، نافح عن مصر وهاجم ساستها، وهَوَى بِسنان قلمه طَعْنا في الاستعمار البريطاني وأعوانه من بني جلدته ونافح عن قضية مصر والسودان، وقضية فلسطين وسائر قضايا البلاد العربية والإسلامية كما سيأتي بيانه.
فلما عرفتُ ما عرفت أدركتُ أن العزلة التي ارتضاها الأستاذ شاكر لنفسه منذ سنة 1953 قد حالت بين جيلنا وبين عِرْفان نضاله في سبيل أمته، وأن هذا الجهل سيزداد إيغالا في مطارح الزمن، وستنشأ أجيال بعدنا أشد منا عمىً، وأقبح جهلًا، وأَضْيَع لِذِكْرِه. فاستجمعت شجاعتي ذات مساء في أواخر شهر إبريل سنة 1961، وقد آنست منه "انبساطا"، فقد كان يحدثني عن واقعة فَكِهَة حدثت في "دُكَّان الحاج سَعْد المجلِّد" -رحمه الله- عصر ذلك اليوم، وقلت: لي رجاء هو مِن حقِّ جيلي عليك، بل ومن حق الأجيال الآتية عليك أيضًا. ففي كل أوان، بل في كل يوم، ينشأ طالب علم لم يدرك زمنه ما كتبتَ في المجلات
__________
(1) كما عرفته من كتبه كتفسير الطبري وطبقات فحول الشعراء وغيرهما، ومن قراءتي عليه المفضليات والأصمعيات والمعلقات.
(مقدمة/7)

والصحف، وعسير عليه أن يلتمسه فيهما مع تباعد أزمانهما وندرة توافرهما في المكتبات. وسوف تُسْدِي إلى أُمَّتنا يدا لا تُنْسَى إذا جُمِعَت هذه المقالات في كتاب. فارتد إلى صمته فجأة، وتجهم وجهه شيئًا، ونحا ببصره إلى قِطْع من الليل جاثم من عن يمينه نحو رواق طويل تقوم رفوف الكتب على جانبيه، وأطال النظر في جوفه، ثم قال بهدوء، كهدوء البحر قبل العاصفة، في صوت يضطرب بعضه في بعض اضطراب الموج في تياره "أنا لا أحب أن أعيد نَشْر شيء كتبته وقرأه الناس قبلُ في مجلة أو صحيفة" (1). وقد اعتدت ألا أعاود الأستاذ شاكر في شيء يعزف عن الكلام فيه، فسكتَّ مُكْرَها، وكدت أُذكِّره بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "مَن سُئِل عمَّا يَعْلَمُه فكتَمَه أَلْجَمَه الله بلجام من نار يوم القيامة"، ولكني هبت أن أجْبهه بمثل هذا الكلام، وكدت أَفُوه بحديث آخر أَسْتَلِينه به: "زكاةُ العِلْم نَشْرُه"، ولكني أمسكتُ. ثم مضت ثلاث سنوات. وفي أواخر عام 1964 بدأ لويس عوض نشر سلسلة من المقالات بعنوان "على هامش الغفران: شيء من التاريخ"، فتصدَّى له الأستاذ شاكر يُفَنِّد مزاعمه ويُبِين عن الدوافع الحقيقية من وراء هذه المقالات. ونَشَرَ أول هذه الردود في مجلة الرسالة، العدد 1089 في 26 نوفمبر 1964 (رجب 1384). فانبعث في نفسي أملي القديم، ولكني سترته إلى حين -تحت رجاء ما ظننتُ الأستاذ شاكر يستطيع ردَّه هذه المرة بنفس الصرامة التي قابل بها رجائي السابق.
قلت له: إني أظن ظنًا أشبه باليقين أن لويس عوض سوف ينشر مقالاته هذه في كتاب وسيكون بأيدي الناس في هذا الزمان ومستقبل الأيام إلى ما شاء الله (2)، فإن لم تفعل كما سيفعل، فسوف ينتشر هذا العلم الفاسد الَّذي ضمنه كتابه بين
__________
(1) وهذا شيء كنت أعلمه عن الأستاذ شاكر، وبالغ في ذلك حتَّى أنَّه كان يكره أن يستشهد بكلام كتبه من قبل. يقول مخاطبًا محمد رجب البيومي "وأنا أكره أن أنقل كلامًا لي من مكان، ولكنك استكرهتني على نقله". وانظر مقال "ذو العقل يشقى"، مجلة الرسالة، العدد 974، سنة 1952، ص: 245، والمقالات 1: 574.
(2) وقد صدق حدسي، فقد نشر لويس عوض مقالاته في "كتاب الهلال"، العدد 181، إبريل 1966.
(مقدمة/8)

طلاب العلم الناشئين والغافلين، ويأخذونه على محمل الجد، فهو نتاج رجل "من كبار مثقفينا"، كما وصفه الدكتور مندور (1)، فإذا كان هذا ظن الدكتور محمد مندور، -رحمه الله-، وهو من هو في الأدب والنقد، فما بالك بظن أشباه العوام وأنصاف المثقفين؟ فالرأى أن تُجْمع مقالاتك وتنشر في كتاب يتداوله الناس، فيعرف من يقرأ حقيقة ما كتب لويس عوض، ومن تصدوا للدفاع عنه. وتعمدت إثارة هذا الأمر في ندوة يوم الجمعة وسرني أن بعض الحضور كانوا قد سبقوني إلى اقتراح ذلك على الأستاذ خلال مكالمات هاتفية، وكان الدكتور محمد رشاد سالم والأستاذ عبد الرحمن شاكر من أشد الناس تأييدًا وتعضيدًا. وبعد لأي وافق الأستاذ شاكر على جمع المقالات (2).
وقد ظننت أن ما صدَّر به الكتاب إيذان بهجران ما أَصَرَّ عليه من إلْفِه حيث قال: "وبعدُ، فقد قَضَيتُ دهرًا أحمل القلم وأكتبُ، ولكني ظَلِلْتُ أكره أن أنشر على الناس شيئًا قد قرأوه من قبل في صحيفة أو مجلة، حتَّى إذا كان ما كتبتُه في مجلة الرسالة منذ يوم الخميس 22 رجب سنة 1384، وجدت إلحاحًا شديدًا على جَمْع ما نُشِر وإخراجِه في كتاب. وكانت حُجَّة أصحابنا قاهرةً لِحُجَّتي، ومزيلةً لما أصررتُ عليه من إِلْفِي وعسى أن أكونَ أخطأتُ الطريقَ حين أَلِفْتُ ما أَلِفْتُ، وخِفْتُ أن أكون كتمتُ عِلْمًا يَسَّره الله لي عن طالب عِلْم. ففي كل يوم ينشأ في الناس طالبُ عِلم لم يُدرِكْ زمانُه ما كتبتُ وعسيرٌ عليه أن يلتمسَه مع تفرُّقه في الصحف والمجلات. فمن أَجْل ذلك لم أجدْ بُدًّا من الاستجابة لأصحابنا، راضِيًا عنهم، لائمًا لنفسي، معتذِرًا عما فَرَط مِنِّي".
فانتهزتُ فرصة "هذا الرِّضَى" عمن أَسْدَوا إليه هذه النصيحة، وتَبَيّنِه طريقًا كان قد أخطأه، ثم لاح له لاحِبًا مُسْتَتِبًّا، ففاتحْتُه في أمر جَمْع المقالات وإخراجِها في كتاب، لا لِمَ ذَكَرَه في تصدير الكتاب فقط، بل لكي يرى جيلي
__________
(1) أباطيل وأسمار "الطبعة الثانية" 1972، ص: 200.
(2) نشر الجزء الأول بعنوان أباطل وأسمار سنة 1965، ثم صدرت الطبعة الثانية سنة 1972 عن مطبعة المدني، القاهرة.
(مقدمة/9)

والأجيالُ التالية كفاحَه في سبيل أُمَّته منذ بدأ يحمل القلم. ولكن حظي من الإجابة لم يكن بأمثل مما كان منذ ثلاث سنوات، فأمسكت مرة أخرى.
وفى عام 1969 بدأ الأستاذ شاكر سلسلة مقالات في مجلة المجلة بعنوان "نَمَطٌ صعبُ، ونَمَطٌ مخيفٌ"، نشر أولها في العدد 147، إبريل 1969، وآخرها في العدد 159، مارس 1970. وأيقنت -مخطئًا- أنَّه جامعها ومخرجها في كتاب. ولكن خاب ظني (والظن هنا بمعنى اليقين). لله كيف كان وَقْع هذا اليقين الخاطئ! فلم تخرج في كتاب إلا بعد ست وعشرين سنة (1996)!
في صيف عام 1978 قبل سفري إلى الولايات المتحدة لأعمل أستاذًا بجامعة أريزونا أخبرني المرحوم الدكتور محمد رشاد سالم أن النية معقودة على إخراج كتاب يُهْدَى إلى الأستاذ شاكر بمناسبة بلوغه السبعين، وطلب مني أن أشارك بفَصْل فيه، ففعلتُ، وأوصاني بكتمان الأمر حتَّى لا يصل إلى سمع الأستاذ، فامتثلتُ. ولكن الأمر بَلَغ أسماعَه، وأَدَعُ الدكتور محمد رشاد سالم يحدثك عما وقع: "وكان من المفروض أن يصدر هذا الكتاب منذ سنتين، إلا أنَّه بعد أن مضتْ اللجنة في عملها واتصلتْ بالأساتذة المشاركين، وتلقَّت عددًا كبيرا من المقالات، عَلِمَ "أبو فهر" بما نحن مُقْدِمون عليه، فعَرْقَل عَمَلَنا وحَيَّرنا. وكاد أن يرفض المبدأ، حتَّى نجحنا في إقناعه والاتفاق على استمرار اللجنة" (1).
وقول الدكتور رشاد سالم "فعَرْقَل عملنا وحيَّرنا" كلام في حاقِّ موضعه إزاء إعادة نشر الأستاذ شاكر أعماله أو الكتابة عنه. فأما "عرقلة" عملي في جمع مقالاته فقد ذكرت طَرَفًا من ذلك قبلُ وأمسكتُ عن بقية هنا موضعُها. كان الأستاذ شاكر -كما ذكرت- قاسيًا عنيفًا، ولكنه كان أيضًا رقيقًا وديعًا ألوفًا حنونًا، فلم يشأ أن يقابل ما أردت من الإحسان بالإساءة والنكران، فقال متلطفًا: هذا عمل بالغ التعقيد يتطلب جهدًا ووقتًا أنت أحوج إليهما حتَّى تنتهى من رسالتي
__________
(1) دراسات عربية وإسلامية، مطبعة المدني، القاهرة 1982، ص 10 م.
(مقدمة/10)

الماجستير والدكتوراه. أما "الحيرة" فإنني عندما انتهيت من كتابة رسالة الدكتوراه في ديسمبر سنة 1968 رجع الأستاذ إلى إِلْفِه الَّذي أَلِفَ ولم يأذن لي، وقال متلطفًا أيضًا: إنك ستحتاج عما قريب إلى عمل جيِّد يمكِّنك من الترقية، ولن تستطيع أن تنالها بجمع مقالاتي، هذا فضلًا عن بعدها عن مجال تخصصك في الأدب القديم. فسكت مرة ثالثة على مضض، ولكني لم أيأس، فقد كنت، ولم أزل، "صعيديًا" مثله.
اضطلع الأستاذ جمعة ياسين جزاه الله خيرًا بمشاركته في كتاب "دراسات عربية وإسلامية" بحصر ما كتب الأستاذ شاكر من مؤلفات وتحقيقات ورتبها حسب زمان صدورها بادئًا بسنة 1926 ومنتهيًا بسنة 1982. فأسدى إلى القراء فضلًا عميمًا، وكان ذلك عونًا لمن كتبوا رسائل جامعية عن الأستاذ محمود شاكر مثل الأستاذ محمود إبراهيم الرضواني (1995)، والأستاذ عمر حسن القيام (1997)، والأستاذ إبراهيم الكُوفَحى (2000). أما بالنسبة لي فقد ذُلِّلتْ عقبةٌ كَأْداء، فقد بات كل شيء تقريبًا كَتَبَه الأستاذ شاكر حتَّى هذا التاريخ معروفًا: عنوانه ومكان نشره وتاريخه، وما علي إلا النسخ أو التصوير.
أجمعت أمري ولممت شتات نفسي وفاتحته مرة رابعة في صيف 1985 في جمع المقالات، فمواضعها وتواريخها الآن معروفة، وقد دلَّ هو بنفسه الأستاذ جمعة ياسين على أكثر أماكنها، هذه واحدة. نلتُ درجة "أستاذ" عام 1980، وبذلك لم أعد مضطرًا إلى كتابة أبحاث ذات طابع خاص يتصل بمجال تخصصي، هذه ثانية. فلم يبعد ولم يقارب، وقال "ربنا يسهِّل" وعلت وجهه ابتسامة خفيفة، ونظر إليَّ كالمتعجب من إصرارى على مدى أربعة وعشرين عامًا. ومضت السنون ولم يأذن الله بالتسهيل. ولكني استبشرت خيرًا، فقد كنت أتحسس الأخبار من أخي الأصغر الدكتور فهر، وعلمت أن الأستاذ شاكر صوَّر بعض المقالات وكذلك فعل بأشعاره. ولكن حال الأَجَل دون تحقيق الأمل، فقد توفي رحمة الله عليه في 7/ 8/ 1997.
(مقدمة/11)

2 - منهج الكتاب
وفى صيف العام التالي فاتحت الأستاذ عبد الرحمن شاكر والسيدة أم فهر والدكتور فهر بعزمي على جمع مقالات الأستاذ شاكر وشعره أيضًا فوافقوا شاكرين ممتنِّين. وأعطاني الدكتور فهر كل ما وجده مما جمعه الأستاذ، فقمت بمقابلته على سرد الأستاذ جمعة ياسين من مؤلفات الأستاذ، ثم بدأت رحلة شاقة مضنية مع المجلات والصحف التي نشرت فيها المقالات والأشعار، فاستكملت ما نقص، ثم نظرت في بعض ملفات الأستاذ الخاصة، فوجدت مقالة بخط يده وبعض أشعار لم تنشر. فلما استوى لي ذلك كله بدأت بالمقالات، ورأيت أن أرتبها حسب ورودها في المجلات والصحف، فأضع في مكان واحد كل ما نشر في مجلة الرسالة مثلًا، ثم مجلة الزهراء مراعيًا أثناء ذلك أسبقية تواريخ النشر. وقد وجدت عنتًا شديدًا في قراءة المقالات التي نُشِرت في الصحف كالبلاغ والمقطَّم والدُّستور والأهرام، فقد طَوَى الأستاذ هذه المقالات نِصفَيْن نِصفيْن، فتَهَرَّأ مكانُ الطَّي وتآكلَ، فضاع ما يقرب من سَطْريْن بعَرْض المقال في كل صفحة، ولكنني خلال زيارتى لمكتبة الكونجرس الأمريكى بمدينة واشنطن استطعت أن أحصل على "ميكروفيش" فيه المقالات كاملة واضحة، فأقمت النصوص، والحمد لله.
وبعد أن مَضَيْتُ شوطًا، رأى الأستاذ عبد الرحمن شاكر أن أدعَ المقالات إلى حين، وأبدأ بجمع أشعار الأستاذ شاكر أوَّلًا، وكان له في ذلك حُجَّة مُقْنِعة، لستُ في حِلٍّ مِن ذكرها، ففعلتُ، وقد بيَّنْت طَرَفًا مِن ذلك في مقدمة الديوان. حتَّى إذا أتممتُ مراجعة الديوان وشرحه والتقديم له، عكفت على المقالات سنتين أُخريَيْن. ولم يكن ترتيبها حسب المجلات والصحف التي نُشِرت فيها تبعًا لأقدمية تواريخها بالأمر السهل. وشاركنى أخي محمد الخانجي هذا العَنَت في صَبْر وأَناة، فقد كان يقوم بصَفِّ كل مقال أعثر عليه بغضِّ النظر عن تاريخه
(مقدمة/12)

أو مكان نشره، ثم عُدْنا بعد ذلك لنضع كلَّ مقال مع مجلته أو صحيفته التي نُشِر بها في نسق تاريخي، واستدعى ذلك كثيرًا من التقديم والتأخير خاصة في الجزء الثاني. واضطررت في أحيان قليلة أن أتخلَّى عن هذا النسق التاريخي إذا كانت هناك مجموعة من المقالات في موضوع واحد تخللها مقال أو أكثر في موضوع آخر، فكرهت أن يفرق تاريخ النشر بين تتابع المقالات، فجعلت هذه المقالات آخذًا بعضها برقاب بعض حِفاظًا على وحدة موضوعها.
حاولت جهدي أن أقرأ المقالات بدقة، فصحَّحتُ بعض ما بدا لي فيها من أخطاء، وعسى ألا أكون قد أخطأت الطريق، ووضعت التشكيل حيث ظننتُ أنَّه مُزِيل لِلَبْس أو مُعِين على فَهْم، وشرحتُ بعض ألفاظ، أوضحتُ بعضَ ما استشهد به الأستاذ مما يجرى مجرى الأمثال، أو يكون جزء من حديث شريف، أو غير ذلك. وللأستاذ شاكر شروح قليلة أثبَّتُ أمامها اسمه (شاكر).
وكنت أنوي -لتمام العمل- أن أفعل ثلاثة أشياء، أولها: أن أكتب مقدمة ضافية، كما فعلت في مجموع شعر الأستاذ. ثانيها: أن أترجم لجميع الأعلام الذين وَرَدُوا في سياق المقالات، ولو ترجمة موجزة. صحيح أن بعض هذه الأعلام معروفة كالأستاذ سيد قطب والأستاذ مصطفى صادق الرافعي والأستاذ العقاد، ولكن صحيح أيضًا أن بعضها غير معروف خاصة للأجيال التي لم تشهد هذا الزمان مثل الأستاذ صبحى البَضَّام، والأستاذ محمد رجب البيومي، أطال الله بقاءه، والأستاذ محمد عبد السلام القبَّاني وغيرهم. ثالثها: أن أجعل ذيلًا للكتاب يَضُمَّ المقالات التي نقدت بعض كتابات الأستاذ شاكر، مثل نقد كتاب طبقات فحول الشعراء للأستاذ سيد صقر -رحمه الله-، أو ردت عليه نَقْده، مثل مقالات الأستاذ سيد قطب بشأن الرافعي والعقاد، ومقالات الأستاذ بشر فارس، والأستاذ محمد عبد الغنى حسن وغيرهم كثير.
ولكن الأستاذ محمد الخانجي -لدواعي النشر- رأى أن ذلك سيضيف ما يقرب من ثلاثمائة صفحة أخرى، فَتخلَّيت عما نَوَيْتُ.
(مقدمة/13)

أما المقدمة الضافية، فسوف أضمُّ إليها المقدمَة التي كتبتُها لمجموع شعره "اعْصِفي يا رياح وقصائد أخرى" وقد نقَّحتها وزدتُ فيها دراسةً فنيةً لأسلوب شِعْر الأستاذ شاكر، فسوف أنشر ذلك جميعًا -إن أَذِن الله- في كتاب مستقلٍ. وأما تراجم الأعلام، فلن تشكِّل عبئًا كبيرًا للقارئ الَّذي يريد أن يستزيد، فأكثرها موجود في كتاب الزركلي، والموسوعة القومية للشخصيات المصرية البارزة. أما ثالث هذه الأشياء، فقد أشرتُ في الهوامش إليها، وبينَّتُ عنوانَ النَّقْد الَّذي وُجِّه إلى كتابات الأستاذ، ومكانَ نشره وتاريخَه ليرجع إليه مَن يشاء.
* * *

يقول الأستاذ شاكر -رحمه الله- في المقدمة التي صدَّر بها كتابَ الأستاذ سعيد العريان عن "حياة الرافعي":
"ولو يَسَّر الله لكل شاعرٍ أو كاتبٍ أو عالمٍ صديقًا وَفِيًّا ينقُله إلى الناس أحاديثَ وأخبارًا وأعمالًا -كما يسَّر الله للرافعي- لما أضلَّت العربية مَجْدَ أدبائها وعلمائها، ولما تفلَّتَ من أدبها عِلْمُ أسرار الأساليب وعلمُ وجوه المعاني التي تَعتِلج في النفوس وتَرْتِكض في القلوب حتَّى يُؤْذَن لها أن تكون أدبًا يُصْطَفَى، وعِلْمًا يُتَوارَث، وفنًّا يتبَلَّجُ على سَواد الحياة، فتُسْفِر عن مَكْنونها متكشِّفَة بارزة تتأنَّق للنفس حتَّى تستوي بمعانيها وأسرارها على أسباب ودواعي السرور وما قبلُ وما بعدُ".
ويقول في كلامه عن ذكرى الرافعي (المقالات: 171): "إن هذا التراث الَّذي خلَّفه الرافعي للأدب العربي، قد جعله الله أمانة بين يدي "سعيد". فهو يؤدِّي اليوم هذه الأمانة وافيه كاملة لم ينتقص منها شيء -إلا أن يُعْجِزه أن يهتدى إليه أو يقع عليه. وغدًا يجد الناس بين أيديهم كلَّ ما كتبه الرافعي حاضرًا لم يَضِعْ منه شيء منه، وكذلك يجد من يريد سبيلَه إلى معرفة الرافعي من قريب وتقديره والحكم إما له وإما عليه".
فلتَقَرَّ عَيْنًا أستاذنا الجليل، فقد يَسَّر الله لك -كما يَسَّر للرافعي- ابْنًا بارًّا
(مقدمة/14)

وصديقًا وَفِيًّا وتلميذًا مَدِينًا لك بالفضل يَنْقُل عِلْمك للناس حتَّى لا تَضِلَّ العربية مَكْنونَ عِلْمك، ولا فاضلَ أَدبك، ولا أسرارَ أسأليبك، وحتى يصبح ما خَلَّفْتَ أدبًا يُصْطَفَى، وعِلْمًا يُتَوارَث، وخُلُقًا يُحْتَذَى، وهَدْيًا لأجيال خَشِيتَ أنت عليها وعورةَ المسالك ومَتالفَ الطريق.
وعسى أن أكون قد أدَّيتُ الأمانة -التي اخترتُ أن أحملها بظُلْمي وجهلي- وافية كاملة لم ينقص منها شيء إلا ما أَهْمَلْتُ لعجزي وتقصيري، أو لم أقع عليه لسهْوِي وغفلتي، وتَشتُّتي بين البلاد وغُربتي. ولإخواني من أهل العلم والفضل سابق شكري إذا تكرموا عليَّ ودلّوني على ما عجزت عن الإهتداء إليه.
وأدعو الله أن ييسر لهذه المقالات علماء شتى، كُلًّا في مجال تخصصه، خاصة في مجال الفكر السياسي، والدراسات الاجتماعية. وأُهِيب بالمتخصصين في اللغويات linguistice وعلماء اللغة بالنظر في مقالاته الثلاث عن "علم معاني أصوات الحروف" وآرائه الأخرى المبثوثة في ثنايا المقالات، كما في مقال "الطريق إلى الحق"، "المُنْطَلِق"، "وبِشْر أيضًا" وغيرها، ثم بعد ذلك وفوق ذلك ما بثه في "نَمَطٌ صَعْب ونَمْطٌ مخيف". كما أحثُّ نُقَّاد الأدب على إنعام النظر في مقالاته الخمس بعنوان "من مذكرات عمر بن أبي ربيعة"، فهي وإن اعتمدت أشخاصها وبعض أحداثها على حقائق تاريخية، فهي أَدَبٌ مُنْشِئ Creative literature. كما أدعوهم إلى تدبُّر مقالاته الثلاث عن "شاعر الحب والفلوات: ذو الرمة"، فهي نمط فريد من الدراسة، ليس تاريخًا لحياة الشاعر، وليس تحليلًا لشعره، وإنما هي تَدسُّسٌ في مشاعره وأحساسيه وآماله وهواجسه، حتَّى لكأنك مع الشاعر مع مأساة حُبِّه يومًا بيوم. كما أدعوهم أيضًا إلى التوقَّف أمام مقالاته الثلاث "إلى أين؟ "، فهي تجمع بين السيرة الذاتية، وفن "المقال" في أرفع مناحيه. ثم فَلْيَحُطُّوا الرِّحال لوَقْفَة طويلة أمام مقالاته الثلاث "المتنبي: ليتني ما عرفتُه" وتحليله الرائع الدقيق لعملية "الإبانة والاستبانة".
وأنا أدعو النقاد الذين أخذوا بحظٍّ وافرٍ من الثقافة الغربية -وهم كُثْر، والحمد لله- للنظر في كل ذلك حسب أصول النظر الغربي، لكي يستبين أن
(مقدمة/15)

هذا الرجل الفَذّ نَسِيج وَحْدِه قد نَفَذ إلى أسرار نظريات شتى يَحْلو لنا أن ننسبها إلى علماء الغرب وحدهم، ونستشهد بكلامهم تأييدًا لما نقول، غير ناظرين إلى مرمى ليس أبعد من موضع سجودنا.
(مقدمة/16)

3 - كلمة واجبة
إذا كانت ظروف النشر قد حالت دون كتابة مقدمة دراسية لهذه المقالات النفيسة، فلأقتصر هنا على بيان جانب معين في شخصية الأستاذ شاكر، وعسى أن يكون في ذلك بيانٌ لما أسلفته في "قصة الكتاب" من كراهية الأستاذ شاكر لإعادة نشر شيء سبق له نشره.
حقق الأستاذ شاكر كُتبا معروفة، وكتب دراسات عن الأدب العربي مذكورة، ونظم أشعارًا فريدة، خاصة القوس العذراء، ولكن فعل ذلك كثيرون غيره، وإن لم يلحقوا به في هذا المضمار. غير أن أعماله قوبلت بالصمت المُنْكَر زمنًا طويلًا، وتوالت الدراساتُ والرسائل الجامعيةُ عن محقِّقِين وكُتَّاب وأدباء وشعراء دون الأستاذ شاكر علمًا وموهبة، وما كُتِبَ عنه حتَّى دخوله في العزلة التي ارتضاها لنفسه سنة 1953 لا يعدو أن يكون نقدًا لبعض ما كتب أو تقريظًا لا يتجاوز أسطرًا معدودات، ولأضرب مثالًا واحدًا بشعره، فالشعر أكثر سيرورةً وقُرَّاء من تفسير الطبري أو طبقات فحول الشعراء. قلت في مقدمة مجموع شعر الأستاذ شاكر "اعْصِفِي يا رياح وقصائد أخرى" ص: 135 - 136 ما يلي "والعجب كل العجب أن يُهْمَل هذا الشعر حتَّى الآن. فإن قلتَ: ربما كان ذلك لأنه كان مُفَرَّقًا في مجلتي المقتطف والرسالة، فعَزَّ تيسُّرُه في أيدي الباحثين. قلتُ: كذلك كان شعر بعض شعراء مدرسة أبوللو الَّذي عكف عليه الدكتور محمد مندور -رحمه الله-، وهم لا يدانون الأستاذ شاكر في شاعرية أو فكر". وإذا كان التماسُ هذا الشعر لِتفرُّقِه في المجالات أمرًا عسيرًا حال دون دراسته، فكيف نفسر موقف النُّقَّاد من "القوس العذراء"، فهي قصيدة طويلة جدًا ظهرت أول مرة في مجلة الكتاب (المجلد 11، عدد فبراير 1952)، وقدم لها الأستاذ عادل الغضبان بكلمة تقريظ قصيرة بعنوان "توطئة" ص: 154. وفي عدد مارس 1952 من نفس المجلة كتب الأستاذ جمال مرسى بدر كلامًا
(مقدمة/17)

لا يتعدى صفحة واحدة مزج فيه تقريظًا بنقد، قال ص: 380 "وقفت طويلًا عند ملحمة القوس العذراء للأستاذ الكبير محمود محمد شاكر مأْخُوذًا بمحاسن هذه الخريدة الفريدة، مُمَتِّعا الروح بما حوت من خيال رائع، ونسيج متين. غير أني لاحظت في قليل من أبيات مطلع هذه القصيدة العصماء خَلَلا أَفْقَد نغمها انسجامه"، ثم أورد ثلاثة أبيات هائية (فقضاها، رآها، سَوَّاها) ورأى أن زيادة تفعيلة فيها أخلت بوزن مجزوء الرمل. ثم نشر الأستاذ محمد سعيد المسلم في نفس المجلة (المجلد 12، عدد فبراير 1953، ص: 293 - 295) نقدًا تابع فيه الأستاذ جمال مرسي، حيث زاد أربعة أبيات من الهائية، وهي البيت السادس، وفيه زيادة كلمة، والبيت التاسع وفيه زيادة كلمة، والبيتان السابع عشر والثاني والعشرون، وكلاهما يزيد تفعيلة. ثم أورد الأبيات الثلاثة التالية لذلك وهي (فَداها، وشاها، هواها) وعلق عليها قائلًا: "فذوقي يقف إزاء هذه الأبيات الثلاثة المُدَوَّرة حائرًا! لا يدرى! كيف يرجعها إلى أي بحر من بحور علم العروض؟ ؟ أتراها بحورًا جديدة اخترعها الشاعر؟ " (ص: 294). وأورد بيتًا من اللامية فيه خلل.
ثم نُشِرَت القصيدة في كتاب مستقل من القطع الصغير سنة 1964، فكتب عنها أستاذنا المرحوم الدكتور زكي نجيب محمود (مجلة الكتاب العربي، العدد: 15، سنة 1965، ص: 11 - 15) مقالًا هو بالمدح والتقريظ أشبه منه بالدرس والتحليل.
فكما ترى لم يكتب شيء جاد عن هذه القصيدة الفريدة طوال ثلاثة عشر عامًا من تاريخ نشرها. ثم مضت سبعة عشر عامًا أُخَر حتَّى كتب عنها الدكتور إحسان عباس -أطال الله بقاءه- والدكتور محمد مصطفى هدَّارة، -رحمه الله-، دراستيْن قيمتيْن في الكتاب الَّذي أهديناه للأستاذ شاكر بمناسبة بلوغه السبعين، وطُبِع سنة 1982. ولا أَدْرِى إذا كان الأستاذان الجليلان سيكتبان عن هذه القصيدة لولا الكتاب؟ لا أدري! وقد حاول الدكتور إحسان عباس أن يُعلِّل سبب إهمال الدارسين لها بما فيهم هو نفسه، وهو تعليل لم أجد فيها مَقْنعا (ص 13 - 14).
(مقدمة/18)

فهذِي ثلاثون سنة من الإهمال والتغاضي والجحود والنكران لإنتاج علَّامة فذّ، لم يَجُد الزمن بضَرِيبة له منذ عبد القادر البغدادي.
وليت الأمر من إهمال مُسْتشنَع اقتصر على عِلْم الأستاذ شاكر وجهوده في ميادين التحقيق والأدب والشعر، بل تعداه إلى ماهو أشد وأنكى وأبشع، تعداه إلى كفاحه الطويل وجهاده العنيد في شمم وإباء وعزم ومضاء في سبيل أمته العربية: أرضها، ووحدتها، وحريتها، وقوميتها، ودينها ولغتها. فهو كما قال عن نفسه بحق -ونقلت ذلك في صدر هذا التقديم- إنه جندي من جنود العربية، نصب نفسه للدفاع عن أمته.
دافع عن مصر دفاعًا مجيدًا وهاجم ساستها هجومًا عنيفًا، واتهمهم بأنهم صنائع بريطانيا، شَنَّ عليهم وعليها غارة شَعْواء، وتمسَّك بشِعار فتى مصر مصطفى كامل -رحمه الله- "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء". يقول الأستاذ شاكر مخاطبًا من اختاروا حَلَّ القضية المصرية عن طريق التفاوض مع بريطانيا "وليعلم هؤلاء المفاوضون أنهم لا يملكون التصرف في رقاب أهل مصر الحاضرين، ولا في رقاب الأجيال الآتية، وأنهم وإن كانوا مصريين كرامًا، إلا أن مصر خالدة على وجه الدهر، وهي أكرم على أبنائها ورجالها الآتين. . . ونحن الشباب الناشيء نعرف أن الحياة لا معنى لها إذا خلت من الشرف والكرامة، وأن الشرف والكرامة عندئذ هي الموت. فَلْنَمُت كرامًا صادقين، فذلك خير من أن نعيش أذلَّاء مُسْتَعْبَدِين" (1).
ونافح عن قضية وادي النيل، فهو مصري سوداني، وإن شئت سوداني مصري، يقول واصفًا العلاقة بين شطري الوادي "فالحقيقة التي ينبغي أن لا نتمارَى فيها بالعصبية أو الكبرياء هي أن السودان سيد هذا الوادي الَّذي يمده النيل بمائه. وإذن فالسودان هو أحق الشقيقين باسم الدولة، فإما أن يسمى وادي
__________
(1) "اسلمي يا مصر"، مجلة الرسالة، العدد 694، سنة 1946، ص 1159، والمقالات 1: 313.
(مقدمة/19)

النيل كله باسم الدولة المصرية برضَى أهل السودان، أو أن يسمى هذا الوادي باسم الدولة السودانية برضى أهل مصر " (1). لذلك انتقد ساسة مصر والسودان الذين قبلوا أن يفصلوا بين قضية مصر وقضية السودان، فقد كان من سياسة بريطانيا قديما أن تمزق وحدة شعب وادي النيل، فأوجدت رجالا يتطلعون إلى مناصب الحكم كما يتطلع الظمآن إلى الماء. وكان من سياسة بريطانيا أن تلاين وتساير حتَّى يصبح السودان شيئًا قائمًا بذاته وقضية منفصلة عن قضية مصر. "وكان من سياستها أن تُغْرِي شهوات قوم من أهل السودان بالحكم أو السلطان، ففعلت، وانقسمت فئةٌ من أبنائه مُضَلَّلين بوعود كاذبة لم تتحقق. وخرجت عن بقية الشعب مؤُزرَةً بالمال فَفَجَرت ومَرَدَتْ، وبريطانيا من ورائهم تنفُخ في نيرانهم حتَّى يأتي اليوم الَّذي يجعلونهم فيه حَرْبًا على بلادهم وهم يظنون أنهم يفعلون لخيرها وفلاحها" (2). لذلك دعا شعبَ مصر والسودان إلى تأييد الوفد المصري السوداني الَّذي سيَعْرِض القضية المصرية السودانية على مجلس الأمن، وإن لم تجتمع لأعضاء هذا الوفد الصفاتُ التي ينبغي أن تجتمع لوفد مثله، "لأن الشعب المصري السوداني شعب كريم ذكيُّ الفؤاد، تجتمع قلوبُه عند المحنة يدًا واحدة على عدوِّه الباغي إليه الغوائل" (3). ومن ثم فقد وجَّه نداء إلى السيد المهدي أن يضع يده في يد أخيه السيد الميرغني ويخرجا على بريطانيا مرة واحدة، ويعلنان أن مصر والسودان أُمَّة واحدة، وأن بريطانيا كاذبة فيما ادَّعت علينا وعليهم، وأن لا حياة لأحد الشطرين إذا اقتطع عن صاحبه (4).
__________
(1) "مصر هي السودان"، مجلة الرسالة، العدد 708، سنة 1947، ص 105، المقالات 1: 357.
(2) "قضى الأمر"، مجلة الرسالة، العدد 726، سنة 1947 ص: 608، المقالات 1: 401 - 402.
(3) نفس المصدر والصفحة.
(4) "شهر النصر"، مجلة الرسالة، العدد 734، سنة 1947، ص: 836، المقالات 1: 425.
(مقدمة/20)

ووادي النيل -مصر والسودان- هو البلد الَّذي وُلِد فيه الأستاذ شاكر، وعاش في شطره الثاني والده الشيخُ محمد شاكر أربع سنوات تولى فيها منصب قاضي القضاة، ولكن وادي النيل ما هو إلا جزء لا يتجزأ من الأمة العربية. والأستاذ شاكر مؤمن بهذه الأُمَّة وبوحدتها واستقلالها "لا يحتلُّ عراقَها جنديٌّ واحد، ولا تخضع جزيرتها لسلطان ملوك البترول (1)، ولا ينال نيلَها من منبعه إلى مصبه سلطانُ بريطاني أو غير بريطاني. ولا تقع شامُها ولُبْنانها تحت سطوة غاصِب، ولا يعبث في أرجها مَغْرِبها فرنسي خبيثُ القول والفعل مجنونُ الإرادة. هذا كلُّه شيء لا يملك كائنٌ مَن كان أن يُجْبِرنا على خِلافه أو على الرِّضَى بِه" (2).
"وينبغي أن لا نرضى منذ اليوم أن نُفَرِّق قضيةَ العرب ونجعلها قضايا ممزَّقة: هذه قضية مصر والسودان، وتلك قضية فلسطين، والأخرى قضية طرابلس وبرقة، والرابعة قضية تونس، والخامسة قضية الجزائر، والسادسة قضية مراكش، والسابعة قضية العراق. بل إن هذه القضايا كلها قضية واحدة لا تنفكَّ منها واحدة عن أختها أبدًا" (3).
والأُمَّة العربية أيضًا جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية. فأهمَّه ما تتعرَّض له البلادُ الإسلامية من البلاء، يقول عن باكستان "انظروا فهذه دولة باكستان، قد اجتمعت فيها كلمة المسلمين على أن يكونوا أمة عدتها مئة مليون، فإذا عُبَّاد البُدِّ (بوذا) قد دمروا عليهم من كل مكان يذبحونهم ويقتلونهم ويفتكون بالنساء
__________
(1) لا يعني الأستاذ شاكر حكام البلاد، فيما أخبرني، وإنما هؤلاء الأجانب الذين يأخذون بترول بلادنا ليديروا بها مصانعهم لتغزو منتجاتها أسواقنا. ولكن انظر 1: 416.
(2) "شعب واحد وقضية واحدة"، مجلة الرسالة، العدد 730، سنة 1947، ص: 723، والمقالات 1: 412، وانظر أيضًا العدد 732 من الرسالة، سنة 1947، ص 777، والمقالات 1: 415، ومواضع أخرى كثيرة.
(3) المقالات 1: 413.
(مقدمة/21)

والأطفال. . . وانظروا، فهذه أندونيسيا تجمع هيئة الأمم المتحدة على تركها فريسة الطغاة البغاة من شِرْذِمَة الخلق الذين يسمون بالهولنديين" (1).
أما قضية فلسطين، فكانت شغله الشاغل، وكان يعتبرها فِلْذَة أكباد العرب (2) ويسميها "أم المشاكل العربية" (3).
وكان يرقب ما يجرى منذ وعد بلفور فيرى أنذال الأمم يطأون ديارها بعد الحرب العالمية الأولى، ثم أخذوا يسيلون عليها منذ ذلك اليوم لإنشاء دولة يهودية في ربوعها بعد طرد أهلها العرب. ويرى أمريكا تعين اليهود بالمال واللسان والقلب، ويرى بريطانيا تسهل هجرة آلاف اليهود سرًا إلى ربوع فلسطين (4)، وتصبر على إذلال اليهود لها صبرًا لم يعرفه تاريخ دولة عظمى. ويرى الدول الكبرى تلوذ بالصمت وتغمض عيونها مما ترى، فلا تتحرك دفاعًا عن الحرية أو الهضيمة التي تراد بإنسانية شعب فلسطين العربي. كان الأستاذ شاكر يرى كل هذا، والعالم العربي الإسلامي ساكن قار، لا يملك إلا الإستنكار. وكان الأستاذ شاكر يرى إلى أين ستصير الأمور ببصره النافذ وبصيرته المتوقدة، فكتب مقالًا
__________
(1) "نحن العرب"، مجلة الرسالة، العدد 720، سنة 1947، والمقالات 1: 384.
(2) "لبيك يا فلسطين"، المقالات 1: 481.
(3) "ويحكموا هُبُّوا"، مجلة الرسالة، العدد 757، سنة 1948، والمقالات 1: 498.
(4) من أوفى الدراسات المدعمة بالوثائق عن دور بريطانيا في تهويد فلسطين هي دراسة الدكتور علي أبو الحسن بعنوان: دور بريطانيا في تهويد فلسطين: أقذر دور في التاريخ. نشر دار الوحدة العربية بيروت 1977. وبتوَلِّي السير آرثر وشوب Sir Arther Wauchope أصبحت هجرة اليهود "غزوا" ففي سنة 1932 سمح بهجرة 9553 يهوديًا، وسنة 1933: 327 ,30 يهوديًا، وفي سنة 1934: 359 , 42 يهوديًا، وفي سنة 1935: 854 , 61 يهوديًا، أي 93 , 144 يهوديًا في خلال أربع سنوات. انظر فصلا بعنوان The Dark Path of Repression في كتاب Nevill Barbour,Nisi Dominus: Asurvey of the palestine Controversy (London: George G.Harrap and Company limited,1948),pp.188 - 93
ومن أفضل الكتب الأجنبية عن مأساة فلسطين ودور بريطانيا المخزى كتاب ضخم بقلم الكاتب البريطاني المنصف ج جفريز، ترجمه في أربعة أجزاء الأستاذ أحمد خليل الحاج، ونشرته دائرة الثقافة والإعلام حكومة الشارقة، الإمارات العربية المتحدة 2000.
(مقدمة/22)

سنة 1946 - أي قبل قرار التقسيم بعام- بعنوان "من وراء حجاب". جَهَدَه التعبُ ليلة فتَغشَّتْه نَعْسَة، وسَبَح في غَمْرة رؤيا، وإذا به يُفْضِي في غَمْرَة هذه الرؤيا إلى مقصورة في مسجد، هي مقصورة أبي جعفر الطبري، كان الشيخ نائما فهاب الأستاذ شاكر أن يُوقظه، ونظر حوله فرأى أوراقًا كتبها تَتِمَّة لتاريخه المعررف باسم "تاريخ الأمم والملوك". فتناولها الأستاذ شاكر فإذا بها تبدأ من سنة 1365 هجرية (الموافق 1946 ميلادية). وهذه هي أول التتمة:
[ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة بعد الألف]، 1946.
ذكر ما كان فيها من الأحداث: فمن ذلك إجماع المجلسين الأمريكيين على فتح فلسطين لشذاذ المهاجرين من اليهود. وكتب إليَّ السُّدِّي، وهو مقيم هناك بأمريكا، أن موقف الرئيس ترومان الَّذي ادَّعاه من إيثاره العقل على الهوى في هذا الأمر، إنما كان حيلة مَخْبُوءة أراد أن يغرر بالبلاد العربية والإسلامية، ثم يفاجئها بحقيقته. وهو في ذلك إنما يعمل للظفر بمعونة اليهود في الانتخاب الآتي للرياسة. ولما كان هواه هو الَّذي يُصَرِّفه، فقد علم أنَّه طامع في الرياسة حريص عليها، وأن اليهود في أمريكا هم أهل المال، أي أهل السلطان، أي هم الأنصار الذين إذا خذلوه ضاع. قال السُّدِّي: وقد سمعت بعض أهل العقل والرأى في أمريكا يستنكرون ما كان منه ومن قرار مجلسيْه، ويَرَوْن أن الديمقراطية اليوم قد صارت كلمة يراد بها التدليس على عقول البشر ليبلغ بها القوِىَّ مأربه من الضعيف المغرور بهذه الرقية الساحرة التي يُدَنْدِنُون بها في الآذان. وقد أخبرني الثقة أن الرئيس ترومان قد أوحى إلى بعض بطانة السوء أن العرب والمسلمين قوم أهل غفلة، وأن دينهم يأمرهم بالصبر ويُلِحُّ فيه، فهم لا يلبثون أن يستكينوا للأمر إذا وقع، ولا يجدون في أنفسهم القدرة على تغييره أو الانتقاص منه، وأن الزمن إذا تطاول عليهم في شيء أَلِفوه ولم ينكروه، فإذا دام دخول اليهود فلسطين وبقى الأمر مُسنَدًا إلى الدولة المنتدبة (وهي بريطانيا)، وانفسح لحمقى اليهود مجال الدعوى والعمل والتبجُّح، وألَحَّ على العرب دائمًا إجماعُ الدنيا كلها (أي الديمقراطية) بأن الدولة اليهودية في فلسطين حقيقة ينبغي أن تكون وأن تتم كما
(مقدمة/23)

أراد الله، فيومئذ يُلْقِي العرب السَّلَم ولا يزالون مختلفين حتَّى ينشأ ناشِئهم على إِلْف شيء قد صبر عليه آباؤه، فلا يكون لأحد منهم أدنى همة في تغيير ما أراد الله أن يكون، مما صبر عليه آباؤهم وأسلافهم -وهم عند العرب والمسلمين- أهل القدوة".
[ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة بعد الألف]، 1947.
ذكر ما كان فيها من الأحداث: فمن ذلك ما كان من اجتماع ملوك العرب وأمرائهم ووزرائهم. . . . وقَرَّ قرارهم على أن يعلنوا للناس جميعًا وينذرونهم بما رأوا وأجمعوا عليه. . . . الثاني: أن فلسطين ستجاهد، ومن ورائها بلاد العرب والمسلمين تظاهرها بالمال والولد. الثالث: أن الفتك والغدر والاغتيال ليس من شيمة العرب ولا من دين المسلمين، وأن حوادث الاغتيال الشنيعة المنكرة التي اقترفها اليهود ينبغي أن تقابل بالصدق والصراحة، لا بالغيلة والغدر".
[ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمائة بعد الألف] 1949 م.
ذكر ما كان فيها من الأحداث: اشتعلت نيران الحروب في الشرق كله، واجتمع رؤساء الدول العربية والإسلامية في مكة المكرمة ووحَّدوا قيادة الجيوش العربية. ولكن لم يلبث سفير بريطانيا في مصر وسفير أمريكا أن أرسلا برقية إلى المجتمعين في مكة يطلبون وَقْف الحركات الحربية التي سموها (ثورة)، ورغَّبوا إلى ملوك العرب ووزرائهم أن يتمهلوا حتَّى يصدر تصريح مشترك من الدولتين الكبيرتين، على شريطة أن تمتنع البلاد العربية من متابعة السياسية الروسية التي تتظاهر بمؤازرة العرب والمسلمين. وبعد أيام صدر هذا التصريح، وهو ينص على أن للعرب ما أرادوا من وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وعلى العرب أن يتولوا بأنفسهم مفاوضة يهود فلسطين على السياسة التي يريدونها، وأن بريطانيا وأمريكا لن تتدخلا في الخلاف الناشب بين الفريقين، وأن الدولتين الكبيرتين ستمنعان كل مساعدة تُرْسَل من بلادهما إلى فلسطين من مال أو سلاح. . . . ".
[ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بعد الألف]، 1955 م.
ذكر ما كان فيها من الأحداث: كثرت حوادث الاغتيال والفتك في كثير
(مقدمة/24)

من البلاد العربية والأجنبية، وقتل من العرب وأنصار العرب من سائر الأمم خلق كثير، واستفحل الشر استفحالًا عظيمًا، حتَّى ثارت الصحف الإنجليزية والأمريكية وطالبت حكوماتها بإعلان قرار واحد بأن الرأي العام والسياسة العامة في سبيل السلام تقتضي أن تُبْذَل النصرة الكاملة للعرب وللقضية العربية، وأن تتعاون الدول على رد العُدْوان الصهيوني الَّذي صار طغيانًا شديدًا في جميع بلاد الأرض، وأنه ينبغي على الدول جميعًا أن تضحي في سبيل ذلك بكثير من المصالح المالية، وهي قيود اليهودية التي جعلت كل الأمم ترسف في أغلالها".
هذا الكلام -على طوله- مختصَر من هذا المقال الفريد الَّذي اخترق به الأستاذ شاكر حُجُبَ الغيب، وجعله حقيقة لا مراء فيها بجعله أحداثًا ماضية سلفت أتم بها شيخ المؤرخين تاريخه. ولأُذكِرنَّ القارئ مرة أخرى أن هذا المقال كتبه الأستاذ شاكر سنة 1946.
فكلام الأستاذ شاكر عن موقف الرئيس ترومان وأهمية أصوات اليهود في انتخابات الرئاسة صحيح لا ريب فيه، وتسهيل أمريكا مع بريطانيا هجرة يهود أمريكا كلام لا باطل فيه. وقد تصدَّى الرئيس ترومان لمحاولة إنجلترا -بعد إعلان قرار انتهاء حماية بريطانيا على فلسطين- بوضع قيود على هجرة اليهود (ويا للسخرية). وأنا أُحيل القارئ هنا إلى كتاب فرانسيس وليمز (1) الَّذي أورد فيه الرسائل المتبادلة من الرئيس ترومان ورئيس وزراء بريطانيا وِنْستون تشرشل (مع أن تشرشل كان صهيونيًا حتَّى النخاع) ليرى مدى دفاع ترومان عن هجرة يهود العالم لا أمريكا فقط إلى فلسطين. وبالرغم من أن وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك كانت دومًا تنصح الرئيس ترومان بعدم اتخاذ موقف متشدد من هذا الأمر، إلا أنَّه جعل نصح مستشاريه دَبْر أُذنه. فقد كانت أصوات اليهود في الانتخابات تستحوذ على نفسه وفكره وفؤاده. فأكد ترومان لِوَيْزمان Weizmann خلال زيارته لأمريكا أنَّه سيبذل ما في وسعه لإنشاء الدولة اليهودية والاعتراف بها، وأن
__________
(1) Francis wiliams.A Pime Minister Rrmember: The War and Post-War Memoirs of the Rt.hon.Earl Attlee(Londan: Heinemann,1961),pp.181 - 201.
(مقدمة/25)

"النجف"- تكون جزء من الدولة اليهودية (1). وفي الرابع من أكتوبر سنة 1946 أيَّد الرئيس ترومان في إعلان يوم كيبور ضَمَّ النجف إلى الدولة اليهودية (لاحظ أن الدولة اليهودية لم تكن قد تكونت بعد، وحين صدر قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947 لم يجعل هذا القرار النجف جزءًا من الدولة اليهودية) وإنشاء ثلاث عشرة مستعمرة زراعية في النجف (2). وفي خلال أسبوعين من هذا الإعلان ضمت القوات اليهودية "النجف" إليها وبلغ من استهانة ترومان بالعرب وتملقه ليهود أمريكا أنَّه أذاع هذا الإعلان في يوم من أيام اليهود الدينية وهو يوم كيبور، ولم يكتف بوَعْده أن تكون صحراء النجف جزءًا من الدولة اليهودية، بل تجاسر في جرأة وقحة فرسم خريطة الدولة اليهودية المرتقبة لتضم تسع مناطق من مناطق فلسطين السِّت عشرة: بيسان (70 % من سكانها عرب)، عَكّا (96 % من سكانها عرب)، طبرية (67 % من سكانها عرب)، صفد (87 % من سكانها عرب)، حيفا (53 % من سكانها عرب)، الناصرة (84 % من سكانها عرب)، يافا (29 % من سكانها عرب)، غزة (98 % من سكانها عرب)، بئر سبع (99 % من سكانها عرب). بالإضافة إلى ذلك من الممكن أن تضم الدولة اليهودية أيضًا منطقتين أخريين: طولكرم (83 % من سكانها عرب). ورام الله (78 % من سكانها عرب)، علاوة على جزء من مقاطعة هبرون (96 % من سكانها عرب). ومعنى ذلك أن لا يبقى للفلسطنيين سوى ثلاث مناطق. ومعناه أيضًا أن 75 % من مساحة الأراضى الفلسطينية يسيطر عليها اليهود في الوقت الَّذي كانوا لا يملكون سوى 7 % من الأرض. وفي 14 مايو سنة 1948 أرسل إلياهو إيثال ممثل الوكالة اليهودية في الولايات المتحدة بصفته ممثلًا "للدولة اليهودية" (لاحِظ هنا أيضًا أن الدولة اليهودية لم تُخْلَق رسميا بعد) رسالة إلى البيت الأبيض يطالبه فيها بالاعتراف بالدولة اليهودية، وما هي إلا ساعات، وبالضبط في الساعة الخامسة
__________
(1) M.W.Weisgal and L.Carmichael,eds.,Chairman Weizmann: A Biography by Several Hands (London: Weidenfeld and Nicholson,1963).pp.303 - 308.
(2) Ibid.pp.301 - 303
(مقدمة/26)

والدقيقة السادسة عشرة من شهر مايو سنة 1948 أعلنت الولايات المتحدة على لسان رئيسها ترومان الاعتراف بالدولة اليهودية (1). ولا يغيب عن فطنة القارئ أن عام 1948 كان عام انتخابات الرئاسة الأمريكية.
ثم حمل الأستاذ شاكر على العرب وأوروبا وأمريكا بأسلوبه الساخر المعهود. أما العرب فهم كما قال قُرَيْط بن أُنَيف:
لكنَّ قَوْمِي وإنْ كانوا ذَوِي عددٍ ... ليسوا مِن الشرِّ في شيءٍ وإنْ هانا
فقد أجمع ملوكهم وأمراؤهم ووزاؤهم أن "الفتك والغدر والاغتيال ليس من شيمة العرب ولا من دين المسلمين، وأن حوادث الاغتيال الشنيعة المنكرة التي اقترفها اليهود ينبغي أن تُقابَل بالصدق والصراحة". نعم يجب أن تُقابَل بصدق المستضعفين وصراحة الأذلاء الغافلين. فالعرب لن يغتالوا اليهود في مدنهم وقراهم ولن يفعلوا فعل اليهود في دير ياسين (*) في 10 أبريل 1948 حيث قضت عصابة الأرجون في مذبحة بشعة على كل سكان القرية البالغ عددهم 400 شخصًا لا يحملون سلاحًا (2). ولن يتدنى العرب ويرتكبوا ما ارتكبه اليهود في قرية كولونيا يوم 12 إبريل 1948، ففي خلال نصف ساعة فقط حسب رواية شاهد عيان هرب أكثر أهل القرية تحت نيران عصابة بالماخ Palmach فنجا منهم من نجا وقتل من لم تسعفه قوته أو سِنَّه على الفرار (3). ولن يهاجموا غيلة المدن
__________
(1) Walid Khalidi.From Haven to Conquest (Washington: The Institute for palestine Studies,1987),p.ixxxii.
وهذا كتاب نفيس، ولا أدري إذا كان قد ترجم إلى العربية أم لا، فإذا لم يكن فَلْيترجَم.
(*) المصادر عن مذبحة دير ياسين وغيرها مما ذكرته كثيرة، ولكني هنا أستشهد بما كتبه شهود العيان.
(2) Jacaues de Reynier,A Jerusalem un drapeau Flottait sur la ligne defeu (Neuchatel: Editious de la Baconniere,1950),pp.69 - 79.
(3) Harry Levin,Jerusalem Embattled: A Diary of the City Under Siege,Mach 25 th,1948 to July 18 th,1948 (London: Victor Gollancz Ltd,1950)pp.64 - 67.
(مقدمة/27)

التي ينسحب منها البريطانيون نظرا لانتهاء مدة الانتداب، كما فعل اليهود وهاجموا يافا واستولوا عليها يوم 21 إبريل 1948 (1) ونهبوا كل ما وقعت عليه أعينهم في المحال والمنازل (2).
ثم يسخر الأستاذ شاكر من ضعف العرب وتشتتهم وعدم يقظتهم لما يراد بهم، فهل صحيح أن رؤساء الدول العربية "وحَّدوا قيادة الجيوش العربية"، وبذلك شكَّلوا خطرا محققًا تُخْشَى مَغبَّته على يهود فلسطين، جعل بريطانيا وأمريكا تسارعان وترجوان العرب وقف "الحركات الحربية" حتَّى يتدبرا الأمر وسوف يكون في ذلك مَرْضاة للعرب؟ وبالفعل بعد أيام أصدرتا تصريحًا أعلنتا فيه "إن للعرب ما أرادوا من وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين. . . . وأن الدولتين الكبيرتين ستمنعان كل مساعدة ترسل من بلادهما إلى فلسطين من مال أو سلاح". فجيش التحرر العربي الَّذي أرسلته الجامعة العربية كان لا يضارع جيش الصهيونين عددًا أو عُدَّة وسلاحًا. ثم أين كان ملوك العرب وأمراؤهم عندما كان اليهود يقومون بتنطيم قواتهم المحاربة. ومن يقرأ التقرير الَّذي أعدته لجنة تقصي الحقائق الإنجليزية الأمريكية (3) The Anglo-American Committee of Inquiry سنة 1946 يرى مدى القوة العسكرية اليهودية، يذكر التقرير أن التنظيم العسكري المعروف بالهجاناه Hagana كان يتكون من:
1 - أربعين ألف مستوطن يهودي.
2 - جيش مدرب ذي كفاءة عالية في الحركة السريعة قوامه ستة عشر ألف جندي.
3 - قوة حرس مستديمة وهي البالماخ Palmach قوامها ألفا حارس للمحافظة
__________
Roland Dara Wilson,cordon and search: with 6 th airborn division in palestine (aldershot: gale and polden limited,1949),pp.191 - 199.
(2) Jon Kimche,seven fallen pillars: the middle east 1915 - 1950(landon: secker and Warburg,1950),pp.217 - 218.
(3) see the chapter entitled "the zionist military organization 1946 quoted from the report of the anglo-american committee of enquiry: from haven to conquest,pp.595 - 600
(مقدمة/28)

على السلام وستة آلاف مدربين تدريبًا عسكريًا عاليًا. ولكن هذا التقرير -كما لاحظ الأستاذ وليد الخالدى- أهمل جزء هامًا من تنظيم الهجاناه وهو شرطة المستعمرات اليهودية Jewish Settlement Polics، وقوامها 410 ,15 شرطيًا. وكانت القوات البريطانية تقوم بتدريبهم، وكلما تم تدريب مجموعة منهم ضمتها الهجاناه الى صفوفها، واستبدلت بهم آخرين، فتقوم القوات البريطانية بتدريب هذه المجموعة الجديدة دون أن تنتبه لما يحيكه تنظيم الهجاناه (1).
ثم يسخر الأستاذ شاكر أيضًا من غفلة ملوك العرب واحتسابهم أن الدول الأوروبية وأمريكا وصحافتهما متعاطفة جميعا مع القضية العربية وأن هناك خيرًا يرجى منها جميعًا إذا دخلوا معهم في حوار ومفاوضات، خاصة أن الصحف الإنجليزية والأمريكية ثارت لأنه "قُتِل من العرب وأنصار العرب من سائر الأمم خلق كثير" وطالبت حكومتيهما "رد العدوان الصهيوني الَّذي طَغَى طغيانًا شديدًا في جميع بلاد الأرض، وأنه ينبغي أن على الدول جميعًا أن تضحى في سبيل ذلك بكثير من المصالح المالية، وهي قيود اليهودية التي جعلت كل الأمم ترسف في أغلالها". وبطبيعة الحال لم تَثُر الصحف البريطانية ولا الأمريكية بسبب اغتيال أنصار العرب، ولعل خير مثال على ذلك هو اغتيال الكونت برنادوت count folke bernadotte ممثل الأمم المتحدة. فقد كان برنادوت يرى أن خطة التقسيم فيها إجحاف للجانب العربي واقترح إدخال بعض التعديلات، فحشدت القوى الصهيونية كل قواها الإعلامية والسياسية في أوروبا وأمريكا لشَنِّ هجوم لارحمه فيه ولا هوادة. وفي زيارة له لفلسطين موفدًا من قبل الأمم المتحدة أعد الصهيونيون لسيارته وسيارة الوفد المرافق له كمينًا (17 سبتمبر 1948) وأطلقوا عليه الرصاص فأردوه قتيلًا، ويعلق صديقه الجنرال آجى لَنْدستروم الَّذي كان يرافقه في مهمته على هذا الحادث بقوله: "أنا على يقين أن الإغتيال كان متعمدًا، وخُطِّط له بعناية، فالمكان الَّذي أوقفوا فيه سيارتنا اختير بعد تدبر،
__________
(1) Ibid,p.Lxxviii.
(مقدمة/29)

والجنود الذين اندفعوا نحو السيارة، لم يكونوا يعرفون أي سيارة يستقلها فقط، بل كانوا أيضًا يعرفون أين كان يجلس وأي مقعد كان يحتَّل" (1).
وبطبيعة الحال لا تستطيع دول العالم "أن تضحِّي في سبيل ذلك (أي ردَّ العُدْوان الصهيوني) بكثير من المصالح المالية". فاليهودية العالمية قد سيطرت على أكثر المؤسسات المالية في الدول التي تعيش فيها وتنتمي إليها.
وكما يرى القارئ من هذا العرض الموجز -الوافي إن شاء الله- أن الأستاذ شاكر قد تنبأ سنة 1946 بما سوف يحدث خلال السنوات التي تلت هذه السنة فكأنما "كُشِف عنه الحجاب". فتنبُّه الرجل وفطنتُه، تتبُّعه اليقظ لما يرى من أحداث واستماتته في الدفاع عن أمته جعله يعلق الأسباب بالنتائج، ويرى ما هو آت لأنه أحدَّ إليه البصر منذ بدأ ناشئًا لا يكاد يُرَى، فما زاغ البصر وما كذب الفؤاد ما رأى.
وحتى لا تخرج هذه الكلمة الواجبة عن القصد فسوف أكتفي ببيان هذا القدر من جهاد الأستاذ شاكر في سبيل قضية مصر وقضية مصر والسودان، وقضايا الأمة العربية خاصة فلسطين، وقضايا العالم الإسلامي، ولن يفوت القارئ بأيسر نظر في هذه المقالات الجهاد الَّذي خاضه الأستاذ شاكر في سبيل الحرية، والحضارة العربية والإسلامية، وفي هجومه على الحضارة الغربية، والدول الأوربية وأمريكا والأمم المتحدة، لا يملُّ ولا ييأس رغم التدهور الَّذي كان يزداد يومًا بعد يوم. كان عظيم الثقة بالأمة العربية وحضارتها، وأنها لا جرم منبعثة مرة أخرى لترث سائد الحضارات، وتسود العالم كما سادته من قبل.
ولما كانت مصر أقوى الدول العربية وأكثرها تقدُّما، وكانت هي البلد الَّذي يعيش فيه الأستاذ شاكر، فقد أرَّقه ما آل إليه أمرها من الاضمحلال والفساد وما اعتراها من الضعف والوهن، وما ترزح تحته من أعباء الاحتلال، وترسف في القيود والأغلال التي ربضت بها إلى الأرض فما تطيق حراكًا. فصلاح مصر
__________
(1) General Aage Lundstrom,the Death of Count Folke Bernadotte.Quoted in Haven to conquest,op.cit.,pp.789 - 794
(مقدمة/30)

وقوتها صلاحٌ للأمة العربية وشدٌّ لأَزْرها. أيقن الأستاذ شاكر أن هذا الإصلاح في كافة مجالاته "موقوف على شيء واحد، على ظهور الرجل الَّذي ينبعث من زحام الشعب المسكين الفقير المظلوم، يحمل في رجولته السِّراج الوهَّاج المشتعل من كل نواحيه، الرجل المصبوب في أَجْلاده من الثورة والعنف والإحساس بآلام الأمة كلها، وآلام الأجيال الصارخة من وراء البنيان الحيِّ المتحرك على هذه الأرض الَّذي يسمى في اللغة: الإنسان" (1). كتب هذا الكلام في أعقاب ثلاث مقالات كتبها الدكتور هيكل والدكتور طه حسين والأستاذ أحمد حسن الزيات، وبلغ من ازدراء الدكتور طه لحالة الفساد التي انتشرت في مصر أن اقترح ساخرًا إنشاء "مدرسة المروءة" حتَّى يتعلم جيل ذلك الزمان غير ما نشأ عليه من سفاسِف الأخلاق، وتحطَّمت عنده مكارمُ الإنسانية النبيلة، وامتاز عظماؤه وصغاره باعتبار الأخلاق ضربًا من التجارة يُلَبِّسها الغشُّ والخِلاب والمواربة. ولكن الأستاذ محمود شاكر رأى أن التهكم في هذا الزمن المائج بصنوف العذاب والآلام والبلاء لا يجدي في الإصلاح شيئًا، وإنما الإصلاح موقوف على خروج رجل فرد من عُرْض الشعب عانى ما يعانيه الناس آنذاك. ثم كتب الأستاذ محمود المنجورى مقالًا (2) في العام (سنة 1940) الَّذي نُشِرت فيه المقالات السالفة الذكر تحدث فيه عن عهد الاحتلال وما صنعت سياسته في أخلاق مصر وتعليمها، وكيف حطم بجوره وعُدْوانه كل الصلات القوية التي يعتمد عليها ترابط الكيان الاجتماعي، فتمزقت الجهود المصرية في الإصلاح، واستبدت الشهوات الجارفة بأخلاق الطبقات على اختلاف مراتبها، ففشل الاجتماع المصري في إرادته، وقام على أساس فاسد من الأخلاق حتَّى صار أكثر ما يرمي إليه كل شخص غرضًا فرديًا لا سَهْمَ له في البناء الاجتماعي للأمة، ومن هنا استبدَّ مَن آنس في نفسه قوَّة، فصار كل فرد بأنانيته
__________
(1) من مقاله بعنوان "الإصلاح الاجتماعي" المنشور بمجلة الرسالة، عام 1940، انظر المقالات 1: 54 - 55.
(2) نشر في "السياسة الأسبوعية"، العدد 155، سنة 1940.
(مقدمة/31)

يريد هدم عمل الأوَّل لينفرد بالأحدوثة والصِّيت. وامتدت هذه العدوى إلى الحكومات المصرية التي تعاقبت فشَرَعت ووَعَدت وسارت، ثم خَلَفتْها أختُها لتنقض كل ذلك وتبدأ من جديد بلجانها ومشروعاتها، وهكذا دواليك. ويتعجب من ذلك الأستاذ شاكر متساءلًا "فهل في الذين يصير إليهم السلطان الوازع العامل من يستطيع أن يتجرَّد لمكافحة هذه الأوبئة، ولو كان في كفاحها كفاحٌ لنفسه وشهواته وأغراضه؟ " هيهات! وهو سؤال يعرف الأستاذ شاكر سلفًا إجابته قبل أن يلفظ به، والسؤال الحقيقي عنده هو "هل تَجِدُ مصر أخيرًا طبيبها المغامر؟ ليتها تجد" (1). فهو لا يزال يؤمن أن الإصلاح لن يكون إلا على يد رجل مغامر طَبٍّ خبير بأدواء هذا الشعب المسكين. ولكن هذا الشعب المسكين ما هو إلا جزء من أمة كلها تعاني ما يعانيه، غير أنَّ في هذا الشرق ميراثًا نبيلًا من السمو والفُتّوة والقدرة على البقاء، ولكنه يفقد "زعيمه الَّذي يُهبّ من جماعاته كالأسد تنفرج عنه الأجمة الكثيفة عالي الرأس حديد النظرة، تتفجر القوة من أعضائه" (2).
وظلت مصر والعالم العربي والأستاذ شاكر في انتظار خروج هذا الرجل، وطال الانتظار ولكن الأستاذ شاكر لم يخامر قلبه شك قط، بل كلما امتد الزمان وطال البلاء تحوَّل ما كان يذكره مجرد ذِكْر ورجاء إلى يقين قاطع بيِّن. ففيما يشبه النبوءة كتب في مقال بعنوان "لَمنْ أكتب" هذه الأسطر بنور البصر المُوحَى من البصيرة "لَمنْ أكتب؟ لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولِمَ أكتب؟ ولكني أحسُّ الآن من سِرِّ قلبي أني إنما كنت أكتب، ولازلت أكتب، لإنسان من الناس لا أدري من هو، ولا أين هو؟ أهو حيٌّ فيسمعني، أم جنين لم يُولَد بعدُ سوف يُقَدَّر له أن يقرأني؟ ولست على يقين من شيء إلا أن الَّذي أدعو إليه سوف يتحقق يومًا على يد مَن يُحْسِن توجيه هذه الأمم العربية والإسلامية (3) "فأنا
__________
(1) انظر مقال "العيد"، مجلة الرسالة، 1940. وانظر المقالات 1: 76.
(2) انظر مقال "هذه هي الساعة"، مجلة الرسالة، 1940، وانظر المقالات 1: 204.
(3) انظر مجلة الرسالة، 1948، وانظر المقالات 1: 556.
(مقدمة/32)

أكتب لرجل أو رجال سوف يخرجون من غِمار هذا الخَلْق، قد امتلأت قلوبهم بالقوة التي تنفجر من قلوبهم كالسيل الجارف، تطوح بما لا خير فيه، وتروي أرضا صالحة تنبت نباتًا طيبًا. . . . سوف ينفرد رجل يقود الشعوب بحقِّها لأنه منها: يشعر بما كانت تَشْعُر به، ويألم لما كانت تألم له، وينبض قلبه بالأماني التي كانت تنبض في قلوبها. وهو وحده الَّذي يعرف كيف يرفع عن عيونها حجاب الجهل، ويطرح عن كواهلها قواصِم الفقر، ويملأ قلوبها بما امتلأ به قلبه من حُب هذه الأرض التي تعيش فيها مضطهدة ذليلة خائفة. إنه الرجل الَّذي خُلِطت طينتُه التي خُلِق منها بالحرية، فأبَتْ كل ذَرَّةٍ في بدنه أن تكون عبدًا لأحد ممن خلق الله على هذه الأرض. فهو يُشْرِق من جميع نواحيه على أجيال الناس كلها كما تشرق الشمس ترمي بأشعتها هنا وهنا. ولا يملك الناس إلا أن يَنْصِبُوا لها وجوهَهم وأبدانهم ليَذْهَب عنهم هذا البَرْدُ الشديد الَّذي شَلَّهم وأمسك أوصالهم عن الحركة. وهو يسير بينهم فتَسْرِي نَفْسُه في نفوسهم، فتموج الحياة فيهم بأمواجها التي لا يقف دونها شيء مهما بلغتْ قوَّته وجبروته" (1). ثم يختم المقال مؤكدًا أن هذا الرجل آت لا محالة، فقد بلغ السيل الزُّبَى، وتأصل الفساد واستشرى، واستشعر الناس أن شيئًا سوف يقع ما له من محيص، وأنه مُواتٍ قريب، "ألا إن هذا الشرق لينتظر صابرًا -كعادته- هذا الرجل. وإني لأحسُّ أن كل شرقي يتلفَّت لا من حَيْرة وضلال، بل توقُّعًا لشيء سوف يأتي قد أَتَى زمانه" (2). "فأنا إن كتبتُ، فإنما أكتب لأتعجَّل قيام هذا الرجل من غِمار الناس، لينقذنا من قبور جثمت علينا صَفائحها منذ أمد طويل. وليس بيننا وبين هذا البعث إلا القليل" (3).
وبعد أربع (4) سنوات من كتابة هذا المقال خرج جمال عبد الناصر من غمار
__________
(1) المصدر السابق 1: 556.
(2) نفس المصدر 1: 558.
(3) نفس المصدر 1: 559.
(4) خلال هذه السنوات لم يكتب الأستاذ مقالات سياسية في مجلة الرسالة، وليس معنى ذلك أنَّه توقف عن كتابة المقال السياسي، فقد نشر ست مقالات سياسية في "اللواء الجديد" بين عدد 7 أغسطس 1951، وعدد 25 سبتمبر من نفس السنة.
(مقدمة/33)

هذا الشعب المسكين وخرج معه رجال من غمار هذا الخلق، فاستبشر الأستاذ شاكر، فقد صح ما توقَّع وتحقق ما به تنبأ. فكان من أشد المؤيدين لهؤلاء الرجال خلال الشهور الأولى من ثورة 23 يوليو 1952، وكان له دور فعال -لا يعلمه إلا قليل- في مسألة الإصلاح الزراعى، فكما ذكرت قَبْلُ أن الأستاذ رشا مهنا -الَّذي عُيِّن وصيًّا على العرش- كان من أصدقاء الأستاذ شاكر ومِن روَّاد ندوته. وقد أسرَّ للأستاذ شاكر أن جماعة الإخوان المسلمين يقفون ضد إصدار قانون الإصلاح الزراعي ويمارسون شتى أنواع الضغوط لإيقافه، ولكن الأستاذ شاكر استطاع أن يقنع الأستاذ رشا مهنا ببطلان حجج الإخوان المسلمين الذين تبنَّوا هذه الدعوى، وأبان له تاريخ محمد علي وأسرته من بعده في الاستيلاء على أراضي المصريين دون وجه حق، ودون سبب شرعي أو مبرر تاريخي. وبذلك اكتسب أنصار الإصلاح الزراعي مؤيدًا قويًا، فقد نافح عنه الأستاذ رشاد مهنا مسلَّحًا بما زوَّده به الأستاذ شاكر -وهو من هو في تاريخ السياسة المصرية- بالحجج الدامغة والبراهين التاريخية الناصعة.
ولكن سرعان ما تبيَّن للأستاذ شاكر وغيره من الشعراء والمفكرين الأحرار أن النظام الملكي الفاسد الَّذي ولَّى أفسح مكانًا لآخر طاغٍ مستبدٍّ. فكتب بعد ما يَقْرُب من خمسة أشهر من قيام ثورة 1952 مقالًا -استجابة لدعوة الأستاذ أحمد حسن الزيات- في مجلة الرسالة (5 يناير 1953) بعنوان "فيم أكتب". والمقال يُشْعِر أن الأستاذ شاكر يتحدث عن العالم العربي عامة وما نزل به من بلاء المحتل قرابة قرن أو يزيد، ولكن القارئ اليقظ لن يفوته هجوم الأستاذ شاكر على النظام السياسي الجديد، وأنا ناقِلٌ منه هنا فقرات لترى مصداق ما أقول: "ومنذ ذلك اليوم والأحداث في الشرق العربي الإسلامى آخِذٌ بعضها برقاب بعض. وحركت الأحداثُ المتتابعة نَواعسَ الآمال، فهبَّت تمسح عن عيونها النوم المتقادم. ثم حملقت في أكداس الظلام المركوم. فأوهمتها اليقظة أن الظلام من حولها يُومض من بعيد ببصيص من نور، فتنادت الصيحات بانقشاع الظُّلَم: وافرحتاه! وصرختُ وأنا في محبسي: واحسرتاه، أَعْمَى رأى الظلامَ نهارا! "
(مقدمة/34)

ولك أن تسأل أي أحداث تلك التي حركت نواعس الآمال في الشرق العربي الإسلامي بين سنة 1948 (وفي السنة التي كتب فيها الأستاذ شاكر آخر مقال سياسي في مجلة الرسالة بعنوان "لِمَن أكتب" وبين سنة 1952 التي قامت فيها الثورة المصرية؟ أهي جلاء بريطانيا عن مصر والسودان؟ أهي تبنيِّ الأمم المتحدة لقضية مصر والسودان؟ أم هي احتلال فلسطين والهزيمة المنكرة للجيوش العربية، أم هي المجازر التي ارتكبها الصهاينة ضد عرب فلسطين العُزَّل؟ أم هي جلاء فرنسا عن الجزائر؟ أي هذه الأحداث حرك نواعس الآمال فهبت الشعوب تمسح عن عيونها النوم المتقادم؟ واقرأ المقالات الست التي أشرتُ إليها في الهامش السابق، والمنشورة في "اللواء الجديد" سنة 1951 فكلها تتحدث عن النوازل التي داهمت الشرق الإسلامي من جراء الاحتلال وفساد الساسة الذين صنعهم الاستعمار ليقودوا بلادنا. ولا يُفْلِت القارئ مغزى كلمة "وصرخت وأنا في محبسي"، فالأستاذ شاكر لا يلقى الكلام على عواهنه، فكل كلمة يكتبها هي في حاقِّ موضعها عما استقر في ضمير نفسه، فهو يعرف حق الكلام، ويلتزم مقاطعه ومطالعه وحدوده، وما يوجبه اللفظ من المعاني وما يتناوله من دقيق الاستنباط، فهي صرخة سجين "طعين أفنى الليالي انتظارًا" كما يقول في رائيته. وإذا كنتَ في شك مما أقول فاقرأ هذه الفقرة من نفس المقال: "ثم وَجَدْتُنِي فجأة في موج متلاطم من الضلالات، تتقاذفه ضلالات العلم المكذوب، وضلالات الرأي المدلس، وضلالات السياسة الخداعة، وإذا الأرض من حولي تعجُّ بترتيل مظلم مخبول، وإذا السماء تهتف بتسبيح كالح مزور، وإذا صوتي يضيع في سمعي، فهو إِذَنْ في أسماع الناس أَضْيَعُ، وتردَّد في صدري شِعر الحَكَميُّ، فاستمعتُ له وسكتُّ:
مُتْ بداء الصمت خَيْرٌ ... لكَ عن داء الكلامِ
إنما السَّالِمُ من أَلْـ ... ـجَمَ فاهُ بِلِجامِ
والأستاذ شاكر لم يسكت أبدًا من قبلُ، فقد هاجم دون وَجَل شرذام الساسة الذين لوَّثُوا تاريخ الحياة الإسلامية والعربية، وأصحاب السلطان الذين وصفهم
(مقدمة/35)

بأنهم "حثالة التاريخ الإنساني"، وأعمل مِعْولًا لم يفلَّ أبدًا في صَرْح الاحتلال. فما الَّذي جدَّ الآن يجعله يؤثر "السلامة والسكوت"! ولكن أنَّى لهذه النفس التي تَأْبَى أن تَتهضَّم أن تركن للصمت، وأنَّى لهذه النفس التي حملت سلاحًا مغموسًا في المداد تدافع به عن الحرية وكرامة الإنسان أن تستكين، وهي نفس إذا أُخِذَت بالعَسْف والاقتسار انقلب الَّذي فيها ضاريًا لا يُطيق ولا يُطاق. لذا يخاطب الأستاذَ الزيات في آخر المقال بقوله "وإذنْ قد كُتِبَ عليَّ أن أنصب وجهي لهذا الشقاء الصَّيْخُود، لا أبالي أن أحترق، ولا أحفل أن أعود سالمًا ولا آبه لما يصيبني، مادام حقًا علي أداؤه. . . . فمنذ حملتُ إليك هذا القلم، استجابة لدعوة لم أجد ردَّها من الأدب ولا من الوفاء في شيء، عرفتُ أنى سوف أكتب كما كنت أكتب قديمًا، لأتعجل انبعاث رجل من غمار أربعمائة مليون من العرب والمسلمين، تسمع يومئذ لحكمته الأجِنَّة في بطون أمَّهاتها، وتهتدي بهديه الذرارِي في أصلاب الآباء والأمَّهات، ولكنك بعدُ قد أنزلتني بحيث يقول القائل:
حيث طابتْ شرائعُ الموت، والمو ... تُ مِرارًا يكون عَذْبَ الحِياضِ" (1)
خاب ظن الأستاذ شاكر في الرجل الَّذي خرج من غمار الشعب المصري المسكين، ظنَّه رجله المنتظر ولكن لأَيْا ما تبيَّن غير ذلك، فولَّى وجهه شطر الأمة الإسلامية كلها ينفضها بناظريه يترقَّب خروج هذا الرجل من غمار أربعمائة مليون من العرب والمسلمين. رأى الأستاذ شاكر بعد ثورة 1952 بلاء نازلًا يخوضه الناس كأنه رحمة مُهْداة. ورأى حيث تلفَّتَ وجوها تكذِب، ووجوهًا مَكْذُوبًا عليها. وسمع أصواتًا تَخْدَع، وآذانا مَخْدُوعة بما تَسْمَع، وقرأ كلامًا مَغْموسًا في النفاق، وشاهد بطشًا وبغيًا. فأوجس في نفسه خيفة واستشعر خطرًا مُحَوِّمًا، ومن ثم تستطيع أن تفهم لماذا قال إنه نصب وجهه لهذا الشقاء الصيخود،
__________
(1) انظر 1: 587 من المقالات.
(مقدمة/36)

لا يبالي أن يحترق ولا يحفل أن يعود سالمًا، ثم استشهد بهذا البيت عن شرائع الموت التي أنزله إياها الأستاذ الزيات حين دعاه أن يكتب بعد انقطاع دام خمس سنين. ولولا خشية الإطالة لأتيتك بأدلة أخرى من المقالات الثلاث التي أعقبت هذا المقال، وهي: أبصر طريقك، باطل مشرق، غرارة ملقاة، وهي آخر ما كتب في 23 فبراير 1953 وهو في محبس عزلته التي ارتضاها لنفسه منذ ذلك التاريخ. فقد عزم على أن يدع قلمه قارًّا حيث هو في سِنَة لا تنقطع حتَّى يعلوه صدأ لا ينجلى. وكان قبلُ قد نذر على قلمه أن لا يكفَّ عن القتال في سبيل العرب ما استطاع أن يحمله وما أتيح له أن يجد مكانًا يقول فيه الحق ويدعو إليه، ولكن مجلة الرسالة التي وصفها بأنها "ملاذ الأقلام الحُرَّة التي لا تَثْنيها عن الحق رهبةٌ، ولا تصدَّها عن البيان مخافةٌ" قد بات عسيرًا أن يجرى قلمه على صفحاتها، فقد أُغْلِقت مجلة الرسالة بعد آخر عدد كتب فيه مقاله "غرارة ملقاة" في 23 فبراير 1953. وإذا كان الأستاذ شاكر قد كفَّ قلمه عن الكتابة، فلم يكف لسانه عن الكلام ونقد النظام السياسي آنذاك فاعْتُقِل مرتين خلال حكم الرئيس جمال عبد الناصر، أولاهما استمرت تسعة أشهر من 9 فبراير سنة 1959 إلى آخر أكتوبر من نفس السنة، وثانيتهما دامت ثمانية وعشرين شهرًا من 31 أغسطس عام 1965 إلى 30 ديسمبر 1967. وكانت الذريعة التي تعلق بها النظام بشأن الاعتقال الثاني أن الأستاذ شاكر كان يرمي إلى إثارة فتنة طائفية بمقالاته التي كتبها ردًا على لويس عوض.
فانظر الآن أي ضرب من الرجال هو! شاعر فذٌّ تجاهل شعره النقاد، ولم يلتفت أحد منهم إلى "القوس العذراء" إلا بعد ثلاثين سنة من نشرها. وباحث عبقري أتى بمنهج فريد في كتابه "المتنبي" لم ينتبه إليه أحد، وكاتب واسع الثقافة يقوم بكل علوم العربية لم يقدره أحد حق قدره، ومجاهد سياسي أفنى حياته يدافع عن وطنه وعروبته، وتراثه وحضارته وعربيته، فذهب قوله باطلًا وضاع صوته مختنقًا، ولم يجن من حياته إلا شقاء انتهى به إلى ظلام السجون.
جعل الرَّجُل كل ذلك ظهريًا، وعاش في عزلة فرضها على نفسه غير مبال
(مقدمة/37)

بشيء، ذكره الناس أو نسوه، وقنع بطلاب العلم وأهله الذين كانوا يترددون عليه للنهل من علمه، وضنَّ على جيله وما تلاه من أجيال بعلمه القديم أن يبعثه من رفاته التي قبروها بتجاهلهم وجحودهم. ولم يغب عنه أن هذه العزلة قد فعلت أفعالها بالأجيال التي تعاقبت فحالت بينهم وبينه، يقول "وضعت اسمي في صندوق مغلق، لا يعرف ما فيه إلا عدد من قدماء القراء. أما الأجيال الحديثة فهي تمرُّ عليه بلا مبالاة، ثم لا تجد ما يحفزها على الكشف عما يحتويه الصندوق المغلق، والكاتب إذا وضع قلمه صدئ، وإذا حجب اسمه عن القراء، نُسِى اسمه، وانطمس رسمه، ودخل في حيز الموتى، وإن كان يعد في الأحياء" ص 1071.
وإذا كانت هذه العزلة قد حجبته عن جيلنا والجيل الَّذي سبقنا، فما بال الأجيال الَّذي تلتنا؟ ألم تكن مقالاته في الرد على لويس كفيلة بنزع الغشاوة عن العيون فتبصر هذا المجاهد السياسي الَّذي شرع قلمه رمحًا حديد السنان مدافعًا عن أمته وعروبته وإسلامه غير عابئ بما يصيبه، ولا يبالي أن يعود من رحى هذه الحروب سالمًا أو مُكَلَّمًا مثخنًا بالجراح، أو مكبلًا بالقيود في غياهب السجون؟ ألم تكن مقالاته "نَمَطٌ صعب ونمط مخيف" زعيمة أن تجعل النقاد ودارسي الأدب يقتفون خطاه في تحليل القصائد العربية القديمة؟
وأين كانت مجامع اللغة العربية منذ تأسست حتَّى انتخابه عضوًا مراسلًا بمجمع اللغة العربية بدمشق 1980، وعضوًا عاملًا بمجمع اللغة العربية بمصر سنة 1982؟ فهذي أربعون سنة أو تزيد أغفلته المجامع كأنه غير جدير بعضويتها، وقل مثل ذلك في كل مؤسسات مصر الثقافية والتعليمية التي كانت ستفيد من خبرته لو أفسحت له مكانا حين كانت تعج بأشباه المثقفين وأدعياء العِلْم.
وأين كانت الهيئات التي تمنح الجوائز للعلماء والأدباء ورجال الفكر كِفاءَ ما أسهموا به في تقدم أمتهم والتمكين لبقاء حضارتها؟ هل ضُرِب بينها وبين عطائه الَّذي لم ينقطع أربعين حولًا كَرِيتًا بالأَسداد حتَّى عام 1981؟
(مقدمة/38)

وأين كانت الجامعات ومعاهد العلم هذه السنين ذوات العدد، فلم توجه طلابها لدراسة إنتاجه البعيد الغور في أعماق الفكر والمتراحب الآفاق في أجواء الشعر والأدب والنقد واللغة حتَّى سنة 1985؟
إذا استطعت أن تكون مُقْسِطًا، وأجبت في حَيْدة دون أن تهوى في مزالق الأهواء فهمتَ لماذا آثر الأستاذ شاكر أن يعيش رهين بيته، وقد صار إحساسه المبهم القديم بانغماسه في "حياة فاسدة من كل وجه" متصاعدًا يقينًا لاشك فيه، وفهمت أيضًا قصة الكتاب التي حكيتُها في صدر هذا التقديم.
وبعد،
فقد خالفتُ الأستاذَ محمود شاكر مرتين، مرة في حياته في صدر شبابي بِنَشْري شعر الأحوص الأنصاري، ومرة بعد مماته بعد أن ولَّى الشباب وأَنَفْتُ على العمر بنشري مقالاته، وكنت محقًا في الأولى، وما أخطأتُ في الثانية، فلعله -طيب الله ثراه- يفيء إلى الحق في هذه كما عاد إليه في تلك.

{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.

عادل سليمان جمال

دبي، دولة الإمارات العربية
ليلة النصف من شعبان 1423 هـ. الاثنين 21 أكتوبر 2002 م
(مقدمة/39)

نموذج من خط الأستاذ محمود محمد شاكر
__________
(*) انظر "الاستعمار البريطاني لمصر"، محاضرة بخطه لم تنشر من قبل - ص 911 من المقالات.
(مقدمة/40)

جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر

جمعها وقرأها وقدم لها
الدكتور عادل سليمان جمال

[المجلد الأول]
(1/)

جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر
(1/2)

الرسول - صلى الله عليه وسلم -
قرأتُ في عدد الرسالة الَّذي صدر بتاريخ الاثنين 13 ربيع الأول سنة 1353 بابًا من القصص الشعري عن (إسلام حمزة) - رضي الله عنه - وقد وضع هذه القصة واضعُها (1) وهو يَقْصِد بها -إن شاء الله- خيرًا. إلا أن طريق الخير إلى ما قصد إليه قد التوى به التواءً يذهب بكل ما عَمِد إليه، فإنه وضع على لسان الرسول شعرًا نزهه الله عنه بقوله {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}، ثم يلي ذلك أنَّه قد وضع على لسانه ما لم يقله - صلى الله عليه وسلم -.
وليعلم صاحب هذه القصة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار" ويقول "من حَدَّث عني بحديث يرى أنَّه كَذِبٌ فهو أحد الكاذبين". فكيف بصاحبنا وهو يُنْطِقُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بما لم يقُلهُ، ثم يكون ما أنطقه به من الكلام مَصُوغًا في القالب الَّذي نزَّه الله عنه نبيه - صلى الله عليه وسلم -؟
وهذه المسألة مما يريد بعضُ الناس أن يحتال لها بمنافق الكلام ليستحِلَّ ما لا يَحِلُّ أبدًا. وهم يراودون الناس فيها عن عقولهم أولًا ثم عن إيمانهم ثانيًا، لينقادوا لهم في الرضا بها والمتابعة عليها. . . .
والمسألة لو تناولت أحدًا غير صاحب الرسالة لقلنا عسى ولعلَّ. . . .
ولنظرنا في المخرج الذين يتأولونه نظر المنطق، ولكنها تتناول إنسانية وحدها قد جعلها الله بمنزلة فوق منازل سائر البشر، وإن لم تخرج عن منزلة البشر في أعراض الحياة وما يكون فيها وما يأتي منها.
إن إنسانية الأنبياء وحدها هي الإنسانية التي أوجب الله على من حضرها من الناس أن يؤمن بها أولًا، ثم يحافظ على رواية سيرتها ثانيًا، ثم يحترس ويتدبر
__________
(*) الرسالة، السنة الثانية (العدد 52)، 1934، ص: 1095
(1) هو الأستاذ فريد عين شوكه، انظر العدد 51 من الرسالة، السنة الثانية، ص: 1077
(1/3)

فيما ينقل عنها أو يصف منها، لأن نسبة شيء من الأشياء إليها قد يكون مما يتوهم أحدٌ منه وهمًا يخرج -فيما يُقبل من أمر الدنيا- بحقيقة الرسالة التي أرسلوا بها عن القانون الإلهي الَّذي عَمِلوا به ليحققوا كلمة الله التي تعلو أبدًا، وتُزْهِر دائمًا، وتبقى على امتداد الزمن روح الحياة البشرية وميزان أمر الناس في هذه الدنيا.
وليس يقال في قصة صاحبنا أو غيرها أَنَّ ما أُنْطِقَ به الرسول لا يتناول تشريعًا أو أدبًا أو حكمة، وإنما يتناول الكلام المُتَعَاطَى بين الناس فليس به من ثَمَّ بأسٌ. . . . ليس يقال مثل هذا لأن التشريع حين يوضع ويراد به سدُّ أبوابٍ من الشر والفتنة يأتي منعًا مصمتًا لا مَدخلَ فيه ولا ثغر حتَّى يدفع المُحَزِّيين (1) والمفسدين والعابثين ويضرب على أيديهم من كل ناحية. ولو كان الأمر على غير ذلك لتناول كل لصٍّ مفتاحَ الباب الَّذي يريد أن يدخل منه إلى عقول الناس ليستغرَّهم ويزلزلهم من جنة الإيمان إلى جحيم الإلحاد في الدين من الطريق الخفي الَّذي لا تُبْصِر فيه العامة ولا تَهدى به إلى أرشد أمرها في الحياة.
فنحن هنا نتقدم إلى الأستاذ صاحب القصة بأن يتدبر ما شاء، فهو سيدع ما سلك إلى سبيل أهدى، فإن الأدب الَّذي له نعمل لم يقتصر ولم يضق حتَّى ندَع ما أحل الله إلى ما نهي عنه، ونترك سبيل الرشاد إلى سبيلٍ تنحدر بنا إلى هاويةٍ لا قرار لها، ولا عَاصِمَ منها.
__________
(1) المحزبون: الذين يُحزِّبُون القوم، أي يجعلونهم أحزابًا ليتعصبوا لما جمعوهم له.
(1/4)

الرافعي
رحمةُ الله عليكَ! رحمةُ الله عليكَ!
رحمة الله لقلبٍ حزينٍ، وكبدٍ مَصدُوعة!
* * *

لم أَفْقِدكَ أيها الحبيبُ ولكنِّي فقَدْتُ قَلْبي.
كنتَ لي أملًا أستمسِكُ به كلما تَقَطَّعَتْ آمالي في الحياة.
كنتَ راحةَ قلبِي كلما اضطربَ القلبُ في العناء.
كنتَ اليَنْبُوعَ الرَّويَّ كلما ظَمِئَ القلبُ وأحرقه الصَّدَى.
كنت فجرًا يتبلَّج نورُهُ في قَلْبي وتتنفس نسماته، فوَجدتُ قلبي. . . .
إذ وجدتُ عَلاقتي بكَ.
لم أفقدكَ أيها الحبيبُ ولكني فقدتُ قلبي.
* * *

جزعي عليك يمسك لساني أن يقول، ويرسل دمعي ليتكلم. والأحزانُ تجدُ الدمعَ الَّذي تذوب فيه لتهونَ وتضَّاءَل، ولكنَّ أَحزاني عليك تجد الدمع الَّذي تروَى مِنْه لتنمو وتَنْتَشر.
ليس في قلبي مكان لم يرفَّ عليه حبي لك وهوَاىَ فيك، فليس في القلبِ مكان لم يحرقه حزني فيك وجَزَعي عليك. هذه دموعي تُتَرْجِم عن أحزانِ قلبي، ولكنها دموع لا تُحْسِنُ تتَكَلَّم.
__________
(*) الرسالة السنة الخامسة (العدد 202) 1937
(1/5)

عشتُ بنفسٍ مُجْدِبة قد انصرفَ عنها الخصب، ثم رحمَ الله نفسي بزهرتين تَرِفان نضْرة ورواء. كُنْتُ أجدُ في أنفاسهما ثروة الروضة الممْرعة فلا أحسُّ فقر الجدْب!
أما إحداهما فقد قطفتْها حقيقةُ الحياة، وأما الأخرى فانتزعتها حقيقةُ الموت، وبقيت نفسي مجدبة تستشعِرُ ذلَّ الفقر.
* * *

تحت الثرى. . . . عليك رحمة الله التي وسعتْ كلَّ شيء، وفوق الثرى. . . . عليَّ أحزان قلبي التي ضاقت بكل شيء؛ تحت الثرى تتَجَدَّدُ عليكَ أفراحُ الجنَّة؛ وفوق الثرى تتقادمُ عليَّ أحزان الأرض!
تحت الثرى تتراءى لرُوحِك كل حقائق الخلود وفوق الثرى تتحقَّقُ في قلبي كلُّ معاني الموت. لم أفقِدْك أيها الحبيب ولكنِّي فقدت قَلْبي
* * *

حضَرَ أَجلك، فحضرتني همومي وآلامي.
فبين ضلوعي مأتم قد اجتمعت فيه أحزاني للبكاء؛ وفي روحي جنازة قد تَهَيَّأَت لِتَسير؛ وعواطفي تُشَيِّعُ الميت الحبيب مُطرقة صامتة؛ والجنازة كلها في دمي -في طريقها إلى القبر وفي القلب. . . . في القلب تُحْفَرُ القبورُ العزيزة التي لا تُنْسَى
* * *

في القلب يجد الحبيب روحَ الحياة وقد فرغ من الحياة؛ وتجد الروح أحبابها وقد نأى جُثْمَانها.
في قلبي تجد الملائكة مكانًا طَهَّرَته الأحزان من رجس اللذات.
وتجِدُ أجنحتها الروح الَّذي تهفهف عليه وتتحفَّى به.
هنا. . . . في القلب، تتنزَّل رحمة الله على أحبابي وأحزاني، ففي القلب تعيش الأرواح الحبيبة الخالدة التي لا تَفْنَى، وفي القلب تُحْفَزُ القبور العزيزة التي لا تُنْسَى.
(1/6)

لم تُبْقِ لي بَعدَكَ أيها الحبيب إلا الشوقَ إلى لقائك.
فقدتُكَ وَحْدِي إذ فقدك الناس جميعًا.
سَمَا بكَ فرحك بالله، وقعدت بي أحزاني عليكَ.
لقد وجدتَ الأنْسَ في جوارِ رَبِّك، فوجدتُ الوحشة في جوار الناس.
لم أفقدك أيها الحبيب ولكني فقدتُ قلبي
لم تُبق لي بَعدَك إلا الشوق إلى لقائك
رحمة الله عليك، رحمة الله عليك!
(1/7)

بين الرافعي والعقاد
- 1 -
قرأت ما كتب الأستاذ سيد قطب في العددين السالفين من الرسالة، وكنت حَرِيًّا أَلَّا أعبأ بما يكتبُ عن الرافعي في أوانٍ حولِ وفاته، وقد تهيأ أهله وأحباؤه وأصحابه تتلفَّتُ قلوبهم لذكراه الأولى بعد أن سَلَّه الموت من بينهم اغترارًا.
والأستاذ سيد قطب قد أبى له حسن أدبه، وجميل رأيه، ومروءة نفسه، ونُبْل قلبه، وشرف مقصده، وإشراق نقده إلَّا أن ينبش ماضي الرافعي وما سلف من أمره، ليستخرج حلية يتحَلَّى بها إذ يكتب عن خصومةٍ بين رجلين: أما أحدهما -أنسأ الله في أجله وأمتع به- فما برح يتلطف للناس بما يستجيد من عمل يجدد به مَطَارِفَ آخرته؛ وأما الآخر -رحمةُ الله عليه- بين يدي ربه يتقرب إليه بعمل قد أبلى به أثوابَ دُنْياه. فلولا أن الميت لا يدفع عن نفسه في ساعة موته مثل الَّذي كان يدفع في أيام حياته، وأن ذكر الحي أقرب إلى الناس من ذكر الميت -لكان جديرًا بنا أن ندع الأستاذ المهذب الفاضل يتكلم بالذي يهوى على ما خيَّلَتْ له. فليس للأدب اليوم من الحرمة، ولا فيه من النبل، ولا عليه من الحياطة والحرص ما يحفز أحدًا للمراصدةِ دونَه أن يُمتَهن أو يُسْتَرْذَل.
هذا. . . . وقد جعل الأستاذ الفاضل يستثير دفائن الإِحَن (1)، والأحقاد التي كانت بين الرافعي والعقاد، ليتخذ منها دليلَهُ الَّذي يفزعُ إليه في أحكامه! ! على الرافعيِّ. لا بل على قلب الرافعيِّ ونفسه وإيمانه بعمله وعقيدته فيه! ! ثم لم يرض بذلك حتَّى نفخ فيها من روح الحياة، ما جعلها ممَّا يكتب الأحياء عن الأحياء للإِيلام والإثارة، لا للجرح والتعديل والنقد؛ وكأن الفتنة عادت جَذَعَةً (2) بين الرافعي نفسه وبين العقاد. ولقد بدا لبعض الناس رأيٌ فيما كتب الأستاذ
__________
(*) الرسالة، السنة السادسة (العدد 254) 1938، ص: 781 - 783
(1) الإحن: جمع إِحْنَة، وهي الحقد والضغينة
(2) جذعة: يقال: أعدتُ الأمَر جَذَعًا، أي جديدًا كما بدأ، ولا يكاد يُسْتَعمل إلا في الشرِّ.
(1/8)

المهذب، ولكنا نفيناه إذ سُئلنا عنه، فنحن نعلم أن العقاد لا يرضى اليوم أن يكتب مثل هذا الَّذي كُتب عن الرافعي. ولقد ساء ظن امرئ بالعقاد ألا تكون للموت في نفسه حرمة، حتَّى يكون هو يعين عليه أو يرتضيه أو يسكت عنه إلا سكوت الغَضَبِ والاستهانة.
فنحن إذ نكتب في ردِّ كلام هذا الأستاذ الفاضل سيد قطب لا نبغي أن نسدِّدَ له الرأي فيما يحب أن يرى، فما علينا ضَلَّ أو اهتدى، ولا أن نقيم مذهب الرافعيِّ على أصله وقد ذهب سَببُه وبقى أدبه؛ ولا أن نسوء العقاد حفيظة نتوارثها له عن الرافعي أو من ذات أنفسنا، فما من شيمتنا مثلُ ذلك؛ كلَّا، بل نكتب لنميط الأذى عن حُرَم الموت، وكفى بالموت حقًّا وجلالًا.
ورحم الله الشعبيَّ فقد كان يقول: "تعايش الناس زمانًا بالدين والتقوى، ثم رُفِعَ ذلك فتعايشوا بالحياء والتذمم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس اليوم إلا بالرغبة والرهبة. وأظنه سيجئ ما هو أشد من هذا". ولقد جاء وفات ما نحن فيه ظنونَ الشعبي. فما يتعايش الناس اليوم إلا بثلْبِ الموتى!
والا فما الَّذي رمَى في صدر الأستاذ سيد قطب بهذه الغضبة الجائحة من أجل العقاد؟ ألم يكتب الرافعي للعقاد يوم كان يملك يكتب ويقول؟ أو لم يكتب العقاد للرافعي ما كتب؟ ثم نامت الثائرة ما بينهما زمنًا كان حده الموت. يقول الأستاذ: إنه -هو لا العقاد- "كان مستعدًّا للثورة والحنق، لو تناول بعض هؤلاء -يعني الرافعي ثم مخلوفًا- أدَبه! بمثل هذا الضيق في الفهم، والاستغلاق في الشعور. . . .". أفكان كلام سعيد العريان -وهو يؤرخ أحقادًا قد سلَّها الموت إذ سَلَّ أسبابها- هو الَّذي أثار هذا الحيّ المستعد للثورة على ذلك الميت العاجز عن دفع الثورة؟ ثم ما الَّذي يحمله على أن يُلبسَ هذه الثورة جلد النقد؟ والعجب أن يثير ما كتب "سعيد" حيًّا ليس شيئًا في الخصومة بين الرافعي والعقاد، وهو ليس يثير العقاد أحدَ طرفي الخصومة، وهو الَّذي يملك أن يقول لسعيد أخطأ أو أصاب. . . .! أشهد أن ما بالأستاذ قطب النقد، ولا به الأدب، ولا به تقدير أدب العقاد أو شعره. فما هو إلا الإنسانُ وجهٌ يكشفه النور ويشف عما به، وباطن قد انطوى على ظلمائه فما ينفذ إلى غيبه إلا عِلْمُ الله.
(1/9)

وأنا أقدِّمُ بين يدي كلامي حقيقة لابدَّ من تقريرها عن الرافعي والعقاد، وذلك أن الرافعي -رحمه الله- لو كان يرى العقاد ليس بشيء البتة، وأن أدبه كله ساقط ذاهب في السقوط، وأنَّ وأن. . . . مما كان يكتب ليغيظ به العقاد من جراء العداوة التي ضربت بينهما -لما حمل الرافعي عناء الكتابة في نقد العقاد وتزييف أدبه وإبطال أصل الشعر في شعره. ولو كان العقاد يرى الرافعي بعض رأيه الَّذي كتب لما تكلف الرد على الرافعي ولا التعرض له. وكم من رجل كتب عن الرافعي وعن العقاد ونال منهما وأوجع! ولأنه ليس يدخل في حسابهما، ولا يقيمان لأمثاله وزنًا، ولا يعبآن بقوله ونقده وثورته- فقد تركاه يقول فيكثر فيملُّ فيسكُت. ولم يكن بين أحد منهما وبين مثله كالذي كان بين الرافعي والعقاد.
فالرافعي والعقاد أديبان قد أحكما أصول صناعتيهما، كلٌّ في ناحيته وغرضه، وأفنيا الليالي والأيام والسنين في ممارسة ما هو فيه وإليه، وكلاهما يعلم عن عمل صاحبه مثل ما يعلم عنه، ولا يُظن بأحدهما أنَّه يجهل قيمة الآخر. فلما كانت العداوة بأسبابها بينهما بدأت قوَّة تعارضُ قوة، ورأيٌّ يصارع رأيًا، وكان في كليهما طبيعة من العنف والعُرام (1) والحدَّة، وَولِعَ العقادُ بإرسال العبارة حين يغضب على هينتها صريحة لا صنعة فيها، وأُغرى الرافعي بالسخرية والمبالغة في تصوير ما نصبه لسخره وتهكمه على طريقة من الفن؛ فمن ثمَّ ظهرت العداوة بينهما في النقد. وفي أذيالها أذى كثير وغبارٌ ملؤه القواذع والقوارص من اللفظ، وعلى جنباته صورٌ ينشئها أحدهما لصاحبه للكيد والغيظ والحفيظة، لا يراد بها إلا ذلك. ولقد شهدتُ أن الَّذي كان يكتبه الرافعي عن العقاد لم يكن عندي مما يحملني على الحط من منزلة العقاد التي كان ينزلها في نفسي، بل أستيقن أن الَّذي يكتبه إنما يراد به النيل من غيظ العقاد لا من العقاد نفسه. وعلى مثل ذلك كُنْتُ أجد ما يكتبه العقاد عن الرافعي، فلم يكن نيل العقاد من الرافعي -وأنا أحبه- مما يحملني العداوة له أو يدفع بي إلى الغيظ والحنق والثورة.
وخليق بنا وبآدابنا أن نطوى الآن سيئة رجلين قد تفارط أحدهما في غيب الله. وبقى الآخر تحوطه الدعوة الصالحة بطول البقاء وامتداد الأجل وسداد العمل.
__________
(1) العُرام: الشِّدَّة والبأس.
(1/10)

والكلمة الأولى من كلمتي الأستاذ سيد قطب، إنما تدور رحاها ورحى (بغضائه) للرافعي -أو كما قال- عن نفي الإنسانية من ذلك الإنسان رحمة الله عليه، وخلوه من النفس، وفقدانه الطبع، وفقره إلى الأدب النفسي -وما إلى ذلك من لفظ قد ضل عنه معناه، وتهافت عليه حده- وأنه كان (رحمة الله عليه) ذكيًّا قوي الذهن، ولكنه كان مغلقًا من ناحية الطبع والأريحية، وأن أدبه كان أدب الذهن لا أدب الطبع، فيه اللمحات الذهنية الخاطفة، واللفتات العقلية القوية، ولكن الذي ينقصها أنه ليس وراءها ذخيرة نفسية، ولا طبيعة حية، إلى غير ذلك مما حفظه الأستاذ من شوارد اللفظ، وأوابد المعاني. . . . وأسمع جعجعةً ولا أرى طحنًا (1).
وأنا كنت أتنظر بالأستاذ أن يأتي في كلمته الثانية بشيء من النقد يُنسى إليه ما قدم في الأولى من سوء العبارة وشُنْعَة (2) اللفظ في ذكر الرافعي الميت؛ ولكن خاب الفأل، وجاءت الثانية تدل مَنْ يَغْفُل عن الدلالة البينة، على أن هذا الأستاذ الجليل لا يزال يستملي ما يكتب من بغضائه. وهان شيئًا أن يكره الأستاذ الجليل رجلا كالرافعي حتى جمله الشلّ من بغضه؛ ولكن الأمر كل الأمرِ حيث ذهب يزعم فيما يكتب أن هذه البغضاء التي يستملى منها هي النقد، وأن أحكامه على الرافعي إنما هي أحكامُ قاضٍ، لزم المتهم حتى أنطقه وأشهد عليه لسانه، فاستوعب كلامه واستنبط الحجة عليه من ألفاظه، واستوثق للتهمة من قوله، ثم بنى (الحيثيات) من فحوى عباراته، ثم حكم وما حكم على المتهم إلا كلامُه، ولا شهد عليه إلا لسانُه.
فلهذا كان علينا لزامًا أن ننظر في الذي أتى من كلام الرافعي. ثم قوله فيه، واستنباطه الدلائل منه، وتحليله نفس الرافعي من لفظه حتى جعله مستغلق الطبع مسلوب العقيدة، ثم هو فوق ذلك لا يزال يبدئ ويعيد في كلامه ذِكرَ أصدقاء الرافعي وأصحابه ويسخر منهم ويتحداهم، ويحملهم على مركب وعر، ويضطرهم بين خُطَّتى خَشفٍ (3) في أحكامه على الرافعي، ويخيرهم أن يختاروا
__________
(1) طحنا: الطحن: الطحِين، فعيل في معنى مفعول أي المَطْحُون، "أسمع جَعجعة ولا أرى طِحنا" مَثَل.
(2) شنعة: الشنعَة، شَنُع الأمر شَناعة وشُنْعا وشُنُوعا: قَبُحَ، فهو شنيع، والاسم: الشُّنْعَة.
(3) خُطتا خَشف: أمران فيهما الهوان والبلاء والمكروه. وجاءت هذه العبارة في شعر عبد الله ابن الزَّبير (انظر ابن سلام: 176).
(1/11)

للرافعيّ طرفا من طرفين يحسب أنه يُلزمهم شناعةَ شناعاته التي سمَّاها أحكامًا على الرافعي. وسنتولّج فيما لا نحب، لا كرامةً للأستاذ الجليل أو استجابة لدعائه، بل لنميط الأذى عن نَفْسٍ مطمئنة لحقت بالرفيق الأعلى راضية مرضية.
ولولا أن يُقال هَجَا نميرًا ... ولم نَسْمَع لشاعرهم جوابا
رغبنا عن هجاء بني كُلَيب ... وكيف يُشاتِم الناسُ الكلابا
(1/12)

بين الرافعي والعقاد
- 2 -
نقل الأستاذ الأديب سيد قطب في كلمته الثانية بعض ما نقده الرافعي في قصيدة للعقاد في ديوانه بعنوان (غزل فلسفي؛ فيك من كل شيء)، وذلك حين يقول في حبيبته:
فيك منّي ومن الناس ومن ... كلّ موجودٍ وموعودٍ تُؤام
فقال الأستاذ قطب: فلا يرى الرافعي في هذا البيت الفريد إلا أن يقول: "قلنا فإن (من كل موجود) البق والقمل والنمل والخنفساء والوباء والطاعون والهيضة وزيت الخروع والملح الإنجليزي إلى واوات من مثلها لا تعدّ، أفيكون هذا كله في حبيب إلا على مذهب العقاد في ذوقه ولغته وفلسفته؟ ".
ثم يعودُ فيقول: "إن هذا المثال هو مصداق رأيي في أن الرافعي أديب الذهن لا أديب الطبع، وأنه تنقصه "العقيدة"! التي هي وليدة الطبع أولًا؛ فأيّ "طبع" سليم يتجه إلى تفسير بيت غزليّ في معرض إعجاب شاعر بحبيبته، واستغراق في شمول شخصيتها بأن "كلّ موجود" هو البق والقمل والنمل .. إِلخ" غافلًا عما في هذا الإحساس من "حياة" "واستكناهٍ"! لجوهر الشخصية، و"خيالٍ بارع" تثيره طبيعة فنية، فيرى في هذه المرأة من متنوّع الصفات ومختلف النزعات وشتى المزايا عالمًا كاملا من كل موجودٍ وموعود.
أحد أمرين:
إما أن الرافعي ضيق الإحساس مغلق الطبع بحيث لا يلتفت إلى مثل هذه اللفتات الغنية بالشعور.
__________
(*) الرسالة، السنة السادسة (العدد 254)، 1938، ص: 808 - 811.
(1/13)

وإما أنه يدرك هذا الجمال، ولكنه يتلاعبُ بالصور الذهنية وحدها، غافلًا عما أحسّه وأدركه.
وهو في الحالة الأولى مسلوب "الطبع" وفي الثانية مسلوب "العقيدة! " فأيهما يختارُ له جماعة الأصدقاء".
ثم أتمَّ الأستاذ علينا نعمة نقده بأن قال "إن هذا المثال يمثل تلاعب الرافعيِّ بالصور الذهنية، واستغلاق طبعه دون تملي الإِحساس الفني".
وقد آثرنا أن ننقل في كلامنا كل هذا لا نبدِّله ولا نحرِّفه لنقطع بذلك مادة الشك في صحة النقل من كلام الأستاذ قطب، وليجتمع للقارئ فكرُه على رأي متصل حين ينظرُ في أعقاب كلامنا بالتعرُّف أو الإنكار.
ونحن حين قرأنا قصيدة العقاد لأول مرة في مجلة المقتطف (يناير سنة 1933) زعمنا أنها قصيدة مؤلَّفة من مادة غير مادة الشعر، وأن الغزل الفلسفي الذي فيها حديث يتهالك، والفلسفة منطق يتماسك، فهي على ذلك ليست من شعر ولا فلسفة. وهذا هو بديهة الرأي لمن يقرأ هذه القصيدة ويتدبر معانيها، ويقيسها إلى غرض صاحبها فإنه سماها أول ما سمى "غزلًا فلسفيًّا" ثم أتبع هذا -وفي رأسها- مما يشبه التفسير لهذا العنوان، وما يتضمن فحوى القصيدة، ويحدد جملة معانيها، وذلك قوله: "فيك من كل شيء".
ولسنا الآن بسبيل نقد القصيدة كلها، وبيان ما أشرنا إليه قبل في أثنائها وتضاعيفها، وإنما نجتزئ بالقول في البيت الذي نقده الرافعي، ثم عقب على نقده الأستاذ سيد قطب بما شاء له "طبعه" المفتوح غير المغلق، و"عقيدته" الكاملة غير المسلوبة و"خياله البارع" غير المتخلف.
وهذا البيت بعينه:
فيك مني ومن الناس ومن ... كلّ موجودٍ وموعودٍ تُؤام
إنما هو تكرار لقوله في صدر القصيدة: "فيك من كل شيء" حين أراد الشاعر أن يزيده بيانًا ووضوحًا، ويجلوه جلاء المرآة ليصف شخص صاحبته، أو كما قال الأستاذ القطب (لاستكناه جوهر شخصيتها! ).
(1/14)

وقد ذهب الرافعي في نقد هذا البيت مذهب العربي حين يسمع الكلام العربيَّ لا ينحرف بألفاظه إلى غير معانيها حتى يتسع في معاني الألفاظ بغير دلالة ظاهرة أو مُسوِّغ مُضْمر ولا يقبض من معانيها إلا بمثل ذلك مما يجيز انقباض بعض اللفظ عن سائره. وقد قال العقاد لصاحبته في الغزل: "فيك من كلِّ شيءٍ" و"وفيك من كل موجود". والعرب والفلاسفة جميعًا يزعمون أن لفظ (كلّ) إذا دخَل على النكرة أوجب عموم أفرادها على سبيل الشمول دون التكرار. فكذلك أوجب الشاعر على صاحبته أن يشمل (جوهر شخصيتها) جزءًا من كلِّ ما يمكن أن يسمى (شيئًا)، ومن كل ما يسوغ أن يسمى (موجودًا وموعودًا). وهذا الإطلاق من (فيلسوف يتغزَّل) يقتضي شمول الأفراد من (كلِّ شيء)، ومن (كلِّ موجود). وليس يشك أحد -ممن لم يسلبهم الله "الطبع" و "العقيدة" ولم يحرمهم "الخيال البارع" -في أن ما ذكره الرافعي في كلامه- من البق إلى الملح الإنجليزي- شيء من الأشياء وموجود من الموجودات. والفيلسوف حين يتغزل لن يريد هذا بغير شك، ولكن أين تذهب بمعنى اللفظ (كلّ) في العربية؟ وفي حدود الألفاظ التي تدور على ألسنة الفلاسفة؟ وأي دلالة توجب قبض معنى الشمول من هذا اللفظ؟ أو أيُّ مُسَوِّغ يجيز الحد من الإحاطة التي يقتضيها هذا الحرف في مجرى قول الشاعر "فيك من كل شيء" وفيك "من كل موجود"؟ !
هذا بعض القول في فساد ألفاظ هذا البيت، وبطلان معنى الفلسفة فيه. ولا يفوتني في هذا الموضع أن أدل على موضع الضعف في فهم الأستاذ قطب لكلام الرافعي. فالرافعي يقول: "قلنا، فإن من -كل موجود- البق. . . . إلخ"، والأستاذ الأديب البارع يقول وكأنه يشرح معنى الرافعي: "فأي طبع سليم يتجه إلى تفسير بيت غزلي. . . . بأن "كل موجود" هو البق والقمل. . . . إلخ"؟ غافلا عما في هذا الإحساس من "حياة" و"خيال بارع"، تثيره طبيعة فنية، فيرى في هذه المرأة من متنوع الصفات وشتى المزايا عالمًا كاملًا من كل موجود وموعود". والرافعي -رحمه الله- لم يقُل إن (كل موجود) هو البق. . . إلخ، وإنما
(1/15)

قال إن من (كل موجود)، أي من أفراد الموجودات ما يسمى بقّا. . . . إلخ، فالحرف (من) في كلام الرافعي ليس هو الحرف (من) الذي في شعر العقاد حتى يجوز ما ذهب إليه الأستاذ قطب بما ساء من تعليقه.
وقد أطلت القول في تقرير نقد توحى بصحته سلامة الفطرة، وحسن الذوق، وصفاء القريحة، ويوجبه اصطلاح المنطق، وحَدُّ الكلام، وإتقان الفلسفة، ويقتضيه ما ذهب الشاعر يسرده مما هو "في صاحبته" معددًا مبينًا مفصلًا حتى انتهى إلى إجمال المعاني في هذا البيت. فقد قال لها: فيك من الشمس والبدر، ومن الربيع والشتاء، ومن غناء الطير ونوح الحمام، ومن انسياب الماء، ومن طبائع الوحش، ومن حركة الأسماك، وفيك من جوارح الطير، ومن النعام، ومن نار الحياتَيْن، ومن الموت الزؤام، ومن نقص الدنيا، وكمال الآخرة، ومن الملائكة، ومن الشياطين، ومن الخمر، ومن القوت، ومن الماء، ومن الجوع، ومن الأرض، ومن السماء، ومن عمل الأيام والدهور، ومن الهندسة ومن الفن. . . . ثمَّ.
" فيك مني ومن الناس ومن ... كل موجود وموعود تؤام"! !
أفلا يدل هذا على أن الشاعر الفيلسوف كَلَّ (1) التفصيل فرَمى بالجملة في (كل شيء) من (موجود وموعود) بعد الذي تعب في بيانه وتفصيله وذكره وتعداده؟ ؟ وأي شيء بقى له لم يعدده من متنوع الصفات ومختلف النزعات وشتى المزايا والعالم الكامل! إلا هناتٌ هينات كذا وكذا. . . . وما ذكر الرافعي.
هذا. . . وقد اقتصر الأستاذ على نقل بعض كلام الرافعي في نقد هذا البيت ونحن نتمه للقراء بعد ذلك:
"إن ذلك المعنى الذي بَنى عليه هذا المسكين غزلَهُ الفلسفي قد مرّ في ذهن أعرابيّ لم يتعلّم ولم يدرس الفلسفة، ولا قرأ الشر الإنجليزي والفرنسي والألماني والفارسي، وليس له إلا ذوقه وسليقته وطبيعته الشعرية، فصفى المعنى تصفية جاءت كأنما تقطر من الفجر على ورق الزهر بقوله: زهر الآداب ج 2 ص 261
__________
(1) كَلَّ: تَعِب
(1/16)

فلو كنتِ ماءً كنتِ مَاءَ غَمَامَةٍ ... ولو كُنْتِ درًّا كُنْتِ مِنْ دُرّة بِكرِ
ولو كنتِ لهوًا كنتِ تعليل ساعةٍ ... ولو كنت نومًا كنتِ إغفاءَة الفَجْرِ
ولو كنت ليلًا كنت قمراء جُنِّبَتْ ... نُحُوسَ ليالي الشَّهْرِ، أو ليلةَ القدرِ
(ولو كُنْتِ كُنْتِ) هذا أبدع عنوان لأجمل قصيدة في فلسفة الغزل. وانظر كيف جعل الأعرابي حبيبته أصفى شيء، وأغلى شيء، وأسعد شيء، وكيف صورها شعرًا للشِّعر نفسه. ثم قابِلْ هذا الذوق المصفى بذوق من يجعل حبيبته من كل شيء، ومن كل موجود وموعود تؤامًا وزؤامًا وبلاء عامًا" انتهى كلام الرافعي.
فإن شئت أن تعرف كيف يتناول الشعراء هذا المعنى المغسول من الشعر "فيك من كل شيء" فانظر حيث يقول جرير، وهو فيما نعلم أول من افتتحه:
ما استوصف الناس (من شيء) يروقُهم ... إلا أرى أُمَّ عمرو فوْقَ ما وَصَفوا
كأنها مُزْنَة غزاء واضحة ... أو دُرَّة لا يُوارِي ضَوْءَها الصَّدَفُ (1)
وقد أحسَنَ جرير تحديد المعنى وتجريده من اللغو (من شيء يروقهم) وجعل في صاحبته من ألوان الجمال ما تهفو إليه نفوس الناس على اختلاف أذواقهم وتباين أنظارهم. وكأن أبا نواس نظر إلى هذا المعنى حين قال:
لكِ وجهٌ مَحَاسنُ الخَلْقِ فيه ... ماثلات تدعو إليه القُلوبا
على أن جريرًا قد ناقض وأحال وأفسد ما استصلح من شعره حين رجع فقال في البيت الذي يليه: "كأنها مزنة. . . أو درة" فإن هذا الحرف (كأن) للتشبيه، والتشبيه يدعى قصور المشبه عن المشبَّه به، وهو قد ادعى أنه يرى صاحبته فوق ما يصف الناس (من شيء) يروقهم أو يروعهم أو يفتنهم.
ثم جاء مسلم بن الوليد بعقب جرير يقول:
__________
(1) المزنة: السحابة البيضاء، ورواية الديوان: غرَّاء رائحة.
(1/17)

مِثَالُها زهرةُ الدنيا مصورَّةً ... في أحسن الناس إدبارًا وإقبالا
أَسْتَوْدِعُ العينَ منها كما برزت ... وجها من الحسن لا تُلقى له بالا
فالعين ليست ترى شيئًا تُسَرُّ به ... حتى تُريني لما استودعتُ تمثالا
ففارق مسلم جريرًا حيث جعل صاحبته (زهرة الدنيا مصورة) أي محاسنها وتهاويل جمالها، وأنه يجد عندها تمثالًا لكل حسن تسر به العين.
ثم جاء أبو نواس فألبس الشعر والمعنى من توليده وحسن مأخذه ولطف عبارته فقال:
لها من الظرف والحسن ... زائدٌ يتجدَّدْ
فكل حُسْن بديع ... من حُسنها يتولَّدْ
ثم جاء أبو تمام فَقَصَّر، ولم يحسن اختيار اللفظ، وأضعف روح الشعر فيه فقال:
انْظُرْ فما عايَنْتَ في غيره ... من حَسَن فَهْوَ له كُلُّهُ
وتناوله البحتري، فزاد فيه معنى، ولم يجوِّد نسجه فقال:
وأهيف مأخوذ من النفس شكله ... ترى العينُ ما تحتاجُ أجمعُ فيه
فالزيادة في قوله "مأخوذ من النفس شكله" وهي جميلة لولا شناعة قوله (مأخوذ)، ولو عدل فيها إلى مثل نهجه في صفة الخمر:
أُفرغتْ في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كلِّ نفس
لأجاد وبزَّ من سبقه. وقد فطن ابن الرومي إلى معنى البحتري فاتخذه لنفسه وسبَق حين قال:
وفيكِ أحسنُ ما تسمو النفوسُ له ... فأين يرغَبُ عنكِ السَّمْعُ والبَصَرُ
وقد قصر ابن الرومي في الشطر الأول عن المعنى الذي أراده البحتري، ولكنه جاوز البحتري ورمى به خلفه في مقابلة قوله (ترى العين ما تحتاجُ أجمعُ فيه) بما قال (فأين يرغبُ عنك السمعُ والبصرُ). ثم أدار ابن الرومي هذا المعنى ونفَّلَهُ (1) من سواه حين قال:
__________
(1) نفّله: اكتسبه من غيره.
(1/18)

لا شيءَ إلا وفيه أحسنهُ ... فالعينُ منه إليه تنتقلُ
فوائد العين منهُ طارفةٌ ... كأنما أُخرياتهُ الأُوَلُ
ولقد كنت أتعجب لبيت العقاد كيف نزل مع كل هذا الشعر، وكيف خفى عنه موضع التقييد من مثل قول جرير "من شيء يروقهم"، وقول مسلم "زهرة الدنيا" و"شيئًا تُسرُّ به" وما إلى ذلك، ووجهتُه مع سائر القصيدة فلم يزل مختلًّا ناقصًا معوجًّا لا يستوي. وزادني عجبًا قوله في نهاية الشعر (تُؤام)، ولم أجد للفظ معنى ولا رأيت له وجها يتوجهُه مع مقاصد الغزل الفلسفي حتى وقعت لي أبيات ابن الرومي فإذا قوله (تؤام) ترجمة للفظ آخر هي لفظ (معًا) في قول ابن الرومي ينحو إلى هذه المعاني بعينها:
فالعين لا تنفكُّ من نَظَرٍ ... والقلب لا ينفكُّ من وَطَرِ
ومحاسن الأشياء فيكِ (معًا) ... فَملَا لتِيك مَلالَتي بَصرِي
مُتعاتُ وجهك في بديهتها ... جُدُد وفي أعقابِها الأخَرِ
فكأنّ وجهكِ من تجدُّدِه ... مُتنقل للعين في صُوَرِ
وقول ابن الرومي (ومحاسن الأشياء فيك معًا) هو عمل الشعر في معنى غسيل قدَّم به العقاد لقصيدة غزل فلسفيّ وهو قوله: "فيك من كل شيء" ورحم الله الصولي الذي يقول:
أعرفُ مِنها شَبهًا ... في كل شيء حسَنِ
فقد أتى بالمعنى عاميًّا لطيفا مَجْفُوًّا غير صنيع، وهو على ذلك أرق من فيك مني ومن الناس. . . .
فهذا مذهب الشعر من لدن جرير إلى يومنا هذا ولم نستقصه في غرض واحد من أغراضه، وذاك مذهب العربية في معاني ألفاظها، وسبيل الفلاسفة في تحديد معانيها، وفي ثلاثتها قصَّر بيت العقاد وفسد واستحال معناه وتهالك منطقه. فمن أين يمكن وصف الرافعي -إذا نقد هذا البيت- بأحد أمري الأستاذ قطب: إما أن يكون ضيق الإحساس مغلق الطبع بحيث لا يلتفت هذه اللفتات الغنية
(1/19)

بالشعور. . . . (وأين وأنى وكيف نجدها يا أستاذ الأستاذين؟ ) وإما أنه يدرك هذا الجمال ولكنه يتلاعب بالصور الذهنية وحدها، غافلا عما أحسه وأدركه. . . . وما ندري كيف كان يحسه الرافعي -رحمه الله-؟
أكان يحسه ويدركه بقوة الجوع والعطش في البيت الذي يليه:
كيف بي أُعزلُ إن أغنيتني ... أنت، حتى عن شرابي والطعام!
وأخيرًا، فقد خير الأستاذ قطب أصدقاء الرافعي بين أن يحكموا عليه بإحدى كلمتيه أن يكون رحمة الله عليه مسلوب "الطبع" أو مسلوب "العقيدة". وقد تبين بعد الذي قلنا أن نقد الرافعي نقد "محكم" في سياق العربية، وفي جوهر الشعر ونزيد فنقول إن قارئ القصيدة (غزل فلسفي) حين يقرؤها إلى أن ينتهي إلى هذا البيت: "فيك مني ومن الناس. . . ." لا يجد فيها من "الحياة" ولا من "الخيال" ولا من "غنى الشعور" ولا من "الإحساس الفني" -إلى آخر ما يتنبل له الأستاذ قطب- ما يجعل نقد هذا البيت بعينه دليلا على ضيق الإحساس واستغلاق الشعور، والغفلة عن الجمال، وفساد الإنسانية في قلب ناقده.
وعلى هذا فقد سقط الدليل الأول من أدلة أحكامه على الرافعي وبان في ذلك ما امتاز به الرافعي من الدقة وصدق الإحساس في إدراك معاني الشعر وما فيه من غضارة ورُوقة وجمال.
(1/20)

بين الرافعي والعقاد
- 3 -
ثم ماذا؟ ثم يقول الأستاذ سيد قطب في ثالث أدلته على أحكامه: "يقول العقاد في طرافة ودُعابة عن حِسان شاطئ استانلي! !
ألقى لَهُن بقوسه ... قُزحٌ وأدبر وانصرفْ
فلبسنَ من أسلابه ... شتى المطارف والطُّرفْ
فلا يجد الرافعي في هذه الطرافة إلا أن يتلاعب بالألفاظ فيقول: فقزح لا يلقى قوسه أبدًا إذ لا ينفصل منه. قال في اللسان: "لا يفصل قُزَح من قوس". فإذا امتنع فكيف يقال: "أدبر وانصرف". أما قزح العقاد، فلعله الخواجة قزح المالطي مراقب المجلس البلدي على شاطئ استانلي الذي قيلت فيه القصيدة.
ثم يقول إن هذا المثال "فيه تلاعب وروغان، وهو في هذه المرة (التلاعب) أخسُّ من السابقة، ففي الأولى كان تلاعبًا بصور ذهنية، وهو هنا تلاعبٌ بألفاظ لغوية! ".
أوَّلا، فمن ذا الذي يغفُل عن طرافة هذا "الخيال" الذي يتصور "قُزحًا" ملقيًا بقوسه لهؤلاء الحسان، وهن يتناهبن هذه الأسلاب، بينما هو مدبر منصرفٌ، مغلوب على أمره، لا يستطيع النصفة ممن غلبَ جمالهنَّ جماله! ألا تستحق مثل هذه الطرافة، ومثل تلك الحيوية! من الناقد إلا أن يذهب إلى القاموس أو اللسان، ينظر هنالك، هل يفصل قوس عن قزح أو لا يفصَل؟ ثم يكمل الكلام بتهكم بارد لا يرد على الفطرة المستقيمة في معرض هذا الجمال! !
__________
(*) الرسالة، السنة السادسة (العدد 255)، 1938، ص: 851 - 854
(1/21)

أهذا هو النقد الذي هو "أقرب إلى المثال الصحيح"؟ وما قلته في المثال الثاني يقال بنصه هنا، فلترجع إليه جماعة الأصدقاء.
ثم يعود فيقول عن هذا المثال أنه يمثل "تلاعبه بالألفاظ اللغوية، والوقوف بها دون ما تُشِعُّه في الخيال من صور طريفة" انتهى كلام الأستاذ الجليل.
* * *

ومن أعجب العَجَب أن يُعدَّ اعتراض الرافعي ونقده هذا البيت تلاعبًا بالألفاظ اللغوية، ولا يكون هذا الشعر نفسه قد بُنى على التلاعب في غير طائل، وعلى تكلف اللفظ لترميم قافية البيت. وأول ما نقول في هذا أننا نخالف بعض رواة العربية ثم الرافعي في أن يلزم أحد هذا الحرفين صاحبَه على كل حالة وفي كل ضرب من ضروب القول.
وبيان ذلك أن لأصحاب العربية في هذا الحرف (قُزَح) ثلاثة أوجه من الرأي:
الأول: أن (قُزَح) اسم شيطان، أو اسم ملك موكل به.
والثاني: أن (القُزَح) هي الطرائق والألوان التي في القوس، والواحدة قُزْحة.
والثالث: أن يكون من قولهم: قزح الشيء، وقحزَ إذا ارتفع.
قلت: وكأنهم أرادوا أن يجعلوه معدولا به عن (قازح)، وهو المرتفع ففي الوجه الأول لا يضير أن ينفصل الحرفان، إذ كان (قوس) اسم جنس، و (قزح) اسم علم بعينه، وأضيف أحدهما إلى الآخر إضافة نسبة. فهو بمنزلة قولك (كتاب محمد). ومن هنا جاز أن يبدلوا تسمية العرب الأوائل فقالوا له: "قوس الغمام" و"قوس السحاب". ويقول ابن عباس - رضي الله عنه -: "لا تقولوا قوس قُزَح، فإن قزح من أسماء الشياطين. وقولوا (قوس الله) -عز وجل-. وعلى هذا يجوز قول القائل: "ألقى قُزح قوسه" بإضافة القوس إلى ضميره، على أن الشيطان، أو المَلَكَ الموكل بالقوس قد ألقى (قوسه).
وأما الوجه الثاني والثالث فلا يجوز الفصل معهما البتة على إرادة (الاسم) الذي تعرفُ به هذه الطرائق المتقوّسة التي تبدو في السماء. فإن الحرفين على
(1/22)

حالتهما ينزلان منزلة الكلمة الواحدة إذ ذاك. وللقول في هذا مجال ليس هنا مكانه ولا أوانه.
ونحن نرى أن العقاد قد ذهب -وإن لم يرد ذلك- إلى الوجه الأول، وأن شعره يحمل على رأي جائز في العربية.
هذا، وقد ذهب الرافعيُّ نقد بيت العقاد إلى رأي أصحاب اللغة في امتناع الفصل بينهما، وأن الحرفين كالكلمة الواحدة على تتابعهما. وعلى ذلك لا يقال "ألقى (قُزح) قوسه" وأولى إذن ألا يقال إن (قُزَح) أدبر وانصرف، لأنه ليس بذاته يدُلّ على معنى، أو يقع اسمًا لشيء بعينه، فهو إذن لا يجوز عليه الإسنادُ إسناد الخبر أو الفعل كالإلقاء والإدبار والانصراف. فأين التلاعبُ في هذا الرأي باللفظ اللغويّ؟ ولو قد كان وقع في بعض كلام الرافعي فصل أحدهما عن الآخر لأمكن أن يقال إنه يتلاعب باللفظ، ولكن ذلك لم يكن. .!
وأما الأستاذ العقاد فقد نقد رواية قمبيز في سنة 1932، وجعل من ملاحظاته أن هذه الرواية "لم تخلُ من مخالفة للنحو والصرف في القواعد المنصوص عليها"، وأتى في هذا الموضع من نقده بما خطأ فيه شوقي، وليس بخطأ.
يقول شوقي على لسان أحد المجان (ص 32).
أَلقَدَحَا أَلْقَدَحا ... الخمر تنفي التَّرَحا
قصرًا أرى أم فَلَكا ... وشجرًا أم قُزحَا
ثم علق (شوقي) في الوجه (32) نفسه فقال: "قالوا: إن قزح لا يفصل من قوس، ولكن الناظم لم ير بأسًا في فصله لسهولته وكفاية دلالته" انتهي. ونحن نجيز هذا في العربية ولا ننكره.
قال ذلك شوقي في التعليق، ثم جاء الأستاذ العقاد في كتابه (رواية قمبيز في الميزان) يقول ص 15 ". . . . ويقول (قُزَح) ولا تذكر قُزَح إلا مع قوس". وَبينٌ أن كلام الأستاذ العقاد ليس عربي العبارة، فإن أصحاب العربية منعوا (فصل) قُزَح من قوس، ولم يمنعوا (ذكر) قزح إلا مع قوس. والفرق بين اللفظين كبير. وبينٌ أيضًا أن هذا ليس نقدًا فإنه لم يأت بأكثر من تكرار ما ذكره شوقي في تعليقه،
(1/23)

وكان الوجه أن يبين فساد رأي (الناظم) إذ لم ير بأسًا في الفصل للعلة التي ذكرها.
ومع ذلك. . . . فقد كان نقد العقاد في يونية سنة 1932، ولم تمض ستة أشهر أي في يناير سنة 1933 حتى فصل العقاد نفسه بين (قزح) وقوس في شعره هذا! ! فلعل هذا أن يكون بالتلاعب بالألفاظ اللغوية أشبه، وبتصريف النقد على الهوى أمثل. وأما بيتا العقاد:
ألقى لهنَّ بقوسه ... قزحٌ وأدبر وانصرف
فلبسن من أسلابه ... شتى المطارف والطرف
فقد بنيا على ألفاظ يدفع بعضها بعضا عن معنى يولده -من لفظ (القوس) التي هي من آلات القتال. وكان سبيل التوليد هكذا: القوس من آلات القتال، واستعيرت للطرائق في السماء مضافة إلى (قُزَح)، فيكون ماذا لو أنشأ من لفظ هذا القوس صورة للقتال بين (قُزَح) وبين جميلات شاطئ استانلي؟ ويكون ماذا لو زعم أن الجميلات انتصرن على (قُزَح) صاحب القوس، فألقى سلاحه ثم أدبر وانصرف؟ ويكون ماذا لو جعل ألوان (قوس قزح) أسلابًا كأسلاب المحاربين في القتال ظفر بها الجميلاتُ بعد انهزام (قزح)؟ ويكون ماذا لو زعم أنهنَّ اتخذن هذه الألوان مطارف وطرفا يلبسنها ويتحلين بها؟ وهكذا
وهو توليد كما ترى، وتوليد من لفظ واحد. ونحن لا نرى بأسًا -وإن كنا لا نرتضيه- أن يأتي الشاعر بالمعاني مولدة من ألفاظ اللغة، فإن من بعض اللفظ في العربية لما يُضرم الفكر ويُؤرث المعاني ويستفزُّ الخيالَ إلى أعلى مراتبهِ. على أن هذا لا يتحقق إلا أن تستقيم الطريقة للفكرة، ويتراحب المجال للمعاني، ويسمو المدى بالخيال، على أن تصحَّ المقابلةُ بين معاني اللفظ وسائر الصور التي تتولد منه.
والمقابلة في هذا الشعر فاسدة باطلة. فهي مقابلة بين (قزح) وبين الجميلات على شاطئ استانلي، ثم بين الطرائق المقوسة ذات الألوان في السماء (القوس) وبين ما ترتديه الجميلات من مطارفهن. وكان حق المقابلة أن يكون (قزح) هذا
(1/24)

مشتهرًا بالجمال موصوفًا به، حتى إذا ما ذكر في معرض الكلام عن الحسان الجميلات تمت المقابلة بينه وبينهن. فإن لم يكن ذلك كذلك، فلا أقل من أن يكون في الشعر ما يدل على سبب (حالة الحرب) التي أنشبها الشاعر بين حسان شاطئ استانلي، وبين العم (قزح)، ثم ما كان من علة لإلقاء سلاحه ثم انهزامه وإدباره.
فأما إذ لم يكن (قزح) جميلًا، ولم يأت الشاعر بسياق جيد لهذا التوليد، فقد بطلت الأفعال التي أسندها إلى (قزح) من إلقاء قوس وإدبار وانصراف، وما أضافه إليه من الأسلاب، وصار كله لغوًا لا فن فيه. وهذا الضرب خاصة من ضروب الشعر الذي يتضمن التصوير والوصف لا يأتي جيده إلا على دقة الملاحظة، وتقدير النِّسب بين الألفاظ والمعاني والصور. فلو اقتصر الشاعر فجعل (قزح) يهدى إلى الحسان تحاسين قوسه، فاتخذن منها (شتى المطارف والطرف) لكان أجود وأقرب الى الإتقان. أما إعلان الحرب بينهما فليس جيدًا ولا براعة فيه كما رأيت.
وقد أجاد ابن الرومي -ويقال إنها لسيف الدولة- إذ يقول:
وقد نشرت أيدي الجنوب (مطارفًا) ... على الجو دُكنًا، والحواشي على الأرض
يطرّزُها (قوس السحاب) بأصفر ... على أحمر في أخضر وَسط مُبيض
كأذيال خوب أقبَلَت في غلائل ... مُصَبغة والبعض أقصر من بعض
وهو قريب جيد في الوصف
ونحن لا نذهب مع الأستاذ قطب فيما يتخير من اللفظ لوصف هذا الشعر وما فيه، بذكر (الطرافة) و (الدعابة) و (الخيال) و (الحيوية) و (معرض الجمال)، وما إلى ذلك من ألفاظ لو أقيم ضدها مكانها لقام، إذ كان لا يبين أسبابها ولا يوجه معانيها ولا يأتي كلامه في مثل ذلك إلا على طريقة صاحب كتاب
(1/25)

(الوشى المرقوم في حل المنظوم) إذ يقول: "أولا فَمَنْذا الذي يَغْفُل عن طرافة هذا "الخيال" الذي يتصور "قزحًا" ملقيًا بقوسه لهؤلاء الحسان. . . . إلخ".
وقد وضح الآن أن ليس في كلام الرافعي تلاعب بالألفاظ اللغوية، وأنه ليس في هذه الألفاظ ما يجعلها "تشع في الخيال صورًا طريفة"، وذلك لما ذكرنا من تخالف ألفاظها وتدافعها وبُعد صورها عن جودة التوليد، إذ كانت هذه الصور مولَّدة من اللفظ على غير نسق متصل أو طراز جميل.
ثم .. أتى الأستاذ قطب بالمثال الرابع فقال: "ويسمع العقاد صيحات الاستنكار لِلَهْوِ الشواطئ، وما تعرض من جمال، فيصيح صيحة الفنان الحي المعجب بالحيوية والجمال:
عيد الشباب، ولا كلا ... م، ولا ملام، ولا خَرف
فإذا الرافعي يقول: "إن غاية الغايات في إحسان الظن بأدب العقاد أن تقول إن في هذا البيت غلطة مطبعية، وأن صوابه:
عيد الشباب، فلا كلا ... م، ولا ملام، (بلا قرف)!
ثم يقول بعدُ إن هذا المثال يغنيه الرافعي عن الحديث فيه "فهو لم يزد على أن أورد البيت، ثم استغلق دون استيعاب ما يعبر عنه من روح الفنان الحي، الموكل بالجمال حيثما وجد، وكيفما كان، الهازئ بخرف التقاليد، وقيود العُرْف، ولم يجد ما يقوله إلا "بلا قرف" وهو قول لا تعليق لنا عليه".
ثم يعود فيقول: إن هذا يمثل هروب الرافعي "من مواجهة النقد الصحيح إلى المراوغة وكسب الموقف -في رأيه- بنكتة أو تهكم أو شتيمة".
وأنا لا أعجب لكلام الأستاذ سيد قطب، لأنه على طريقته في حل المنظوم، وإن أعجب فعجبي لصاحب "وحي الأربعين" كيف ارتضى أن يثبت البيت في قصيدته، وفي عقب هذه القطعة بالذات، وينتقل من الوصف والتأمل وإمتاع النظر، وإمداد الفكر بأسباب من الجمال، أو كما يقول الأستاذ قطب من الطرافة والدعابة والخيال والحيوية! إلى صيحة الاستنكار والتفزع بقوله: "فلا ملام
(1/26)

ولا كلام" (1) ثم الغضب الذي لا يتورع في قوله: "ولا خرف". إن هذا الانتقال ليس من منطق الفن ولا من نهجه وسبيله.
وما أظن الرافعي أراد أن ينقد البيت -لأنه ليس بسبيل مما يحسن أن يُنقد، وإنما وضعه هكذا للعقاد وهو يريد ما قلناه في كلمتنا الأولى مما جرَّته العداوة التي اضطرمت بينهما.
* * *

وبعد فقد قرأت كلمة الأستاذ الجليل المهذب سيد قطب في البريد الأدبي من العدد السالف من الرسالة، وقد أعلن فيها بعض رأيه فيما نكتب، وحكم بحكمه على ما قلناه، وحاول أن يتهكم، ووعظ وذكر. ونحن ندعه لما به عسى أن يرى يومًا غير هذا الرأي، وله الشكر أحسن أو أساء.
__________
(1) هكذا كتب شيخنا محمود شاكر، أما سياق الكلمات في البيت فهو "فلا كلام ولا ملام".
(1/27)

بين الرافعي والعقاد
- 4 -
وبعد، فقد فرغنا في الكلمات السالفة من الحديث فيما هو "بين الرافعيّ والعقاد"، ممّا جاء في كلام الأستاذ الفاضل سيد قطب. ثم رأينا الأستاذ يبدأ ضربًا من القول هو إلى رأيه في كلام الرافعي وحده، ليس يدخله ذكر العقاد إلا قليلا. وقد كان بدء حديثنا محددًا بالرافعي والعقاد معًا. فنحن نرى أن عملنا قد انتهى إلى نهايته في هذا الغرض من القول، ولذلك، ليس يضيرنا الآن أن نسكت إلى حين يفرغ الأستاذ سيد قطب مَمَّا يسر الله له القول فيه مما يسميه نقدًا.
وأول ما يجب علينا أن نقوله للأستاذ الفاضل بعد الذي كتبناه أنه يسئ بنا الظن بلا دليل ولغير عِلة. يتزعم أن في حديثنا (غمزًا ولمزًا وتعريضًا به) وكذا وكذا، ونحن نكرم أنفسنا وقلوبنا وضمائرنا وألسنتنا عن هذا الضرب من القول، ولو أردناه لمضينا على عادتنا من التصريح دون التلويح، ولقلنا له من القول ما هو حق لا كذب فيه .. حق يدافع عن حقيقته بالبيان والحجة والوضوح، والأدب الذي يعفُّ عن دنيات المعاريض وسفاسف الأخلاق.
وليعلم الأستاذ قطب أني إذا أحببت لا أغلُو، ولا أتجاوز حد الحب الذي يصل القلب بالقلب، ويمد الروح بالروح، ويجعل النفس في فرح متصل بسببه، أو حزن آت بعلته، فهذا أخلق الحب أن يخلو من سوء العصبية، وفساد الهوى، وقبح الغرض. فلا يجدني أرفعُ الرافعي عن الخطأ، ولا أجله عن الضعف، ولا أنزهه عما هو في عمل كل إنسان حي ناطق يأمل ويتشهي. مما يسمى بأسمائه حين يعرض ذكره. وفي كل أحد ممن خلق الله على صورة (الإنسان) ضروبه من الشمائل والسجايا والأخلاق والآداب، ليس يطلع طلعها إلا الله -جل
__________
(*) الرسالة، السُّنّة السادسة (العدد 256)، 1938، ص: 902 - 903
(1/28)

جلاله-، ورب رجل صافٍ كنور الفجر يخبأ من ورائه مظلمة من سواد الليل.
ولقد عرفنا الرافعي زمنًا -طال أو قصر- فأحببناه ومنحناه من أنفسنا ومنحنا من ذات نفسه، ورضيناه أبًا وأخًا وصديقًا وأستاذًا ومؤدبًا، فلم نجده إلا عند حسن الظن به في كل أبوته وإخائه وصداقته وأستاذيته وتأديبه. ولقد مات الرافعي الكاتب الأديب وهو على عهدنا به إنسانًا نحبه ولا ننزهه، ثم جاء الأستاذ سيد قطب بحسن أدبه يقول في الرجل غير ما عهدناه. . . . يؤوّل كلامه ويأخذ منه ويدع ويتفلسف ويحلل ويزعم القدرة على التولج في طويات القلوب وغيب النفوس فيكشف أسرارها ويميط اللثام عما استودعن من خبيئاتها، ثم هو في ذلك لا يتورع ولا يحتاط، ولا يَرعى زمام الموت (1)، ولا يوجب حق الحي.
لقد كتب الأستاذ ما كتب، فقرأ كلامه من قرأ، أَفَيجدُ في هؤلاء من يقول له أصبتَ؟ ومن يقول له أحسنت؟ ومن يزعم أن ليس له مندوحة عما اتخذ من اللفظ في ذكر الرافعي وصفته والحديث عنه وعن أدبه وشعره؟ أما يجدر بالأستاذ الفاضل أن يعود إلى بيته هادئ النفس مخلى من حوافز الحياة الدنيا، فيقرأ ما كتب مرة أو مرتين. ثم يرى هذا الذي ترك الدنيا بالأمس وحيدًا، وخَلَّف من ورائه صغارًا وكبارًا من أبنائه وحفدته وأصحابه واللائذين به، ثم يراهم يقرأون ما يكتب عن أبيهم وجدهم وصاحبهم بالأمس، ثم يراهم والدمع يأخذهم بين الذكرى المؤلمة والألم البالغ! ولو فعل، لعرف كيف أخطأ ومن أين أساء، ولوجده لزامًا عليه أن يقدر عاطفة الحي، إن لم يعظِّم حرمة الموت، وهذا أمر لا نطيل القول فيه ولا نكثر من لوم الأستاذ عليه، فإن مرجعه إلى طبيعته وما تضمره نفسه، وإلى تقديره لعواطف الناس.
ومهما يكن من شيء، فسندع الأستاذ سيد قطب يقول ما يقول، ويذكر من رأيه في الرافعي ما يذكر، ويصف أدب الرجل وذهنه وقلبه ونفسه بما يوحى إليه،
__________
(1) زمام الموت: كذا الأصل، والصواب: ذمام (بالذال) وذِمام الموت: حُرمَته.
(1/29)

لا نعقب على شيء منها حتى يفرغ، وحتى يستوفي مادته، ويضع بين أيدينا كل حججه في فن الرافعي. فيوم ينتهي نبدأ نحن القول في الذي قال. . . . لا نرد بذلك عليه قوله، أو نسدد له رأيه، فما لنا بذلك حاجة ولا لنا فيه مأرب، ولكنا نريد إذ ذاك أن نضع رأيه بمنزلة الرأي يقول به فئة من الناس، أو شبهة تحيك في صدر جماعة من الأدباء، فعلينا أن نبين مواضع الخطأ إذا أخطأ، ومكان الصواب إنْ أصاب، وذلك غاية ما نستطيع.
أما ما يوعدنا به الأستاذ الفاضل، وما يسخر به ويتهكم، وما يضمر لنا من (بقايا) كلماته! ! فليقل فيه ما شاء كما يشاء، وسنرده على قدره وفي حد طاقتنا وآدابنا، ولو اجتمع للأستاذ كل سلطان يستطيع به أن يسئ، فأساء إلينا بمثل الذي أساء به إلى الرافعي رحمة الله عليه، فنحن لا نزال -مع كل ذلك- نحترمه. . . . إذ ليس في طاقتنا أن نفعل شيئا إلا أن نحترمه كل الاحترام.
(1/30)

بين الرافعي والعقاد
- 5 -
" تحرقك النار أن تراها، بله أن تصلاها"
منذ تسعمائة سنة قال الخفاجي حين ذكر البلاغة:
"لم أر أقل من العارفين بهذه الصناعة، والمطبوعين على (فهمها) و (نقدها) مع كثرة من (يدعي) ذلك، ويتحلى به، وينتسب إلى أهله، ويماري أصحابه في المجالس، ويجاري أربابه في المحافل. وقد كنت (أظن) أن هذا شيء مقصور على (زماننا) اليوم، ومعروف في (بلادنا) هذه، حتى وجدت هذا (الداء) قد أعيا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وأبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قبله وأشكالهما حتى ذكراه في كتبهما، فعلمت أن (العادة به جارية)، و (الرزية فيه قديمة). ولما ذكرته رجوت الانتفاع به من هذا الكتاب، أملت وقوع الفائدة به، إذ كان (النقص) فيما أبنته شاملًا، و (الجهل) به عامًّا، والعارفون به قُرحة الأدهم (1) بالإضافة إلى غيرهم، والنسبة إلى سواهم".
* * *

ومع ذلك. . . فالأستاذ سيد قطب أحد (الأخصائيين! ! ) في اللغة التي نعبر بها.
عاد الأستاذ الفاضل سيد قطب بحديثه عن الرافعي، ثم عقب عليه بالحديث عني وعما كتبت في الكلمات السالفة. وكنت عزمت أن أدعه حتى يشفى ذات صدره من الرافعيّ ومني؛ وكنت أجمعت الرأي على أمر، ثم هأنذا أتحلل من عزيمتي. . . ومرة أخرى أقول كما قلت في الكلمة الأولى: إني سأتولج فيما لا أحب. . لا كرامة للأستاذ أو استجابة لدعائه بل لميط الأذى. . . . بل لميط الأذى حسبُ.
__________
(*) الرسالة، السنة السادسة (العدد 257)، 1938، ص: 933 - 935
(1) القُرْحَة: بياض يسير في وجه الفَرَس، وهي دون الغُرَّة. والأدهم: الأسود. وقرحة الأدهم تضرب مثلا للشيء العزيز.
(1/31)

ولقد علم من لم يكن يعلم أني كتبت ما سلف هادئًا لا أهاجم، إلا أن أترفق وأستأنى وأتصبر على كلام ينفد معه صبر الحليم. . . . وأنا وإن كنت لا أبالي بشيء مما يصف الأستاذ الكامل به كلامي فأنا لازلت أحفظ للقراء عهدهم قِبَلَ الكتَّاب، فلا أدع القارئ عُرضَة لرجل يفهم القول الرفيع بالفهم الوضيع، ولا لرجل يسيء القول في الناس ويأبى عليهم أن يقولوا له أسأت فأجمِل. ولا لرجل يرى الظل ممدودًا له -زمن القيظ- فيتجنبه إلى وقدة الشمس. . .
فهكذا أبى الأستاذ أن يأوى إلى مأوى يقيه، وتجرد يختال علينا، ويقتال (1) إلى نفسه جريرة شر. وما ظني برجل يصف الرافعي بألفاظ ملفقة، وهي على ذلك بينة الدلالة على قبح الغرض، سافرة عن شُنْعَة الإساءة، قليلة التذمم في حق الأحياء بَلْهَ الأموات ممن لم تجف عن قبورهم بعدُ دموع أزواجهم وأطفالهم وذراريهم ومن يَمُتون إليهم بالحب والمودة والإخاء؟
وما ظني وظنك وإنسان قد حُمِّل القلم ليستملى، فيتنزل عليه القول من بغضاء مربدة باغية لا تتقي سوء المقال ولا مأثور الكلام؟
وما ظني وظنك بفهم يتعالى على سلاليم من القوارص والقواذع، لا تجد لها في الذي تعرف سببًا قديمًا أو علة محدثة تسوِّغ الأذى أو تحمل عليه؟
ما ظني وظنك بهذا الرجل الذي نترفق به ونستر (نفسه ودافعها في الحياة) بالإشارة اللطيفة، فيأبى إلا أن يترجم القول إلى غير معناه. . . . إذ يسمى ما كتبت له (شتائم). . . . شتائم .. ! أنف في السماء. . . . أأنا يدور في نفسي أن أكتب للأستاذ الفاضل ما يسمى (شتائم)؟ لأنا يا سيدي الأستاذ قطب أحسن ظنًّا بك من هذا. ولقد قلتُ ما قلتُ من أن الناس كانوا يتعايشون بالدين والتقوى ثم رُفِع ذلك -كما قال الشعبيّ- فتعايشوا بالتذمم والحياء؛ ثم رفع ذلك، ثم تعايشوا بالرغبة والرهبة، ثم رفع ذلك، وجاء زمان يتعايش الناس فيه (بثلب الموتى). . . . وهو زماننا هذا. ولو قد كنت (أخصائيًّا! ) في اللغة التي يعبر بها لما زعمت أنى (رحت أتهمك بمجانبة الدين والتقوى، والحياء والتذمم) فأنا لم أقصد إلى
__________
(1) اقتال قولا: اجترَّه إلى نَفْسه مِن خير أو شرّ.
(1/32)

ذلك، فهو أمر قد فرغ من الحكم فيه صاحبنا الشعبيّ. وما كان قصدي إلا أن الذي كتبت أنت عن الرافعي الذي مات وسكت، والعقاد الذي بقى يتكلم، بل عنهما معًا في قران واحد، هو ثَلب للموتى وزُلفى للأحياء. وحق لي أن أقول ذلك فقد جمعتَ بين الرجلين، فوضعتَ الميت موضعًا لا يتنزل إليه حيٌّ في الضعة، ورفعت الحي مكانًا لا يسمو إليه أحد في الرفعة، وضربت الكلام من هنا ومن هنا حتى استبان الغرض ..
أيريد (الأخصائي! ) الفاضل أن نبين له موضع الإشارة في كلامنا هذا. . . .؟ إذن فليسمع.
حين قرأت الكلمة الأولى من حديثه في الرسالة، لم أشك ساعة أنه يختدع القارئ عن نفسه يبتغي أن يُفهمه أنه يريد النقد، والنقد حسب، ولا شيء غير النقد! وألح في ذلك إلحاح الظنين (1) في الإكثار مما ينفي الظِّنُّة عنه، غافلا عن أن تكلف نفي التهمة بالإلحاح يثير الشك ويوقظ الريبة في نفس من أراد الله له الخير. . . . ثم يشرع الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) يأتي بالشواهد من كلام الرافعي في نقد (وحي الأربعين للعقاد) ليثبت صدق ما ذهب إليه من الآراء في الرافعي. كان يشك في "إنسانية" الرافعي، ويزعم أنه خواء من النفس.
ثم قرأ ما كتب الأستاذ سعيد العريان فعدّل حكمه قليلا! ولم يعد يستشعر البغض والكراهية للرجل وأدبه، ولكن بقى الأساس سليما. . . . فما هو؟
كان ينكر على الرافعي "الإنسانية" فأصبح ينكر عليه "الطبع".
وكان لا يجد عنده "الأدب الفني" فأصبح لا يجد عنده "الأدب النفسي".
وكان الرافعي ذكيًّا قوي الذهن، ولكنه مغلق من ناحية الطبع والأريحية.
والرافعي أديب الذهن الوضاء، والذكاء اللماع!
والرافعي مغلق القلب متفتح العقل وحده للفتات والومضات. وهذا في المقالة الأولى، ثم نزل درجة بالرافعي في الكلمة التانية، ثم لم يكد يرمي الثالثة حتى زعم أنه حين عاد بعد ذلك فقرأ رسائل الأحزان أحس أنه (خُدع! ) في
__________
(1) الظنين: المتهم.
(1/33)

قياس ذكاء الرافعي! ومعرفة طبيعته ودرجته! ولكنه يحس الغضاضة في هذا التراجع فيعزّيه "الصدق"! الذي يعبر عنه حين ينصت لإحساسه ويصور حقيقة رأيه. . . . وتأويل ذلك عنده في مقاله الثالث أنه أخطأ في عدم! تحديد (الذهن). . . . فمن الذهن ما هو سليم أو مريض، وما هو مشرق أو خابٍ، وما هو متفتح أو مغلق، (أو كما قال). . .
لقد قال في الكلمة الأولى ما رأيت، ثم قال في الثالثة ما رأيت من تراجعه، ولقد كان هذا التراجع في الثالثة مطويًّا تحت الكلمات في الأولى وفهمناه وأدركناه، وكان آخر الرأيين هو الغرض الذي يسعى إليه. وإلا فما أظن أحدًا يستطيع أن يعقل أن (ناقدًا) قد فرض على نفسه النقد -أي التتبع والاستيعاب وصدق النظر- يصف رجلا "بالذهن الوضاء" "والذكاء اللماع" والقوة في الذهن، والتفتح في العقل، ثم لا تمضي عشرة أيام. . . . فيقرأ أحد كتب هذا الرجل، فيعود يقول في صفته إن ذهنه مريض غير سليم، "خاب غير مشرق"، "مغلق غير متفتح".
أيريد الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) بيانًا هو أوضح من هذا على سوء غرضِه .. ؟ الناقد رجل عَدل مُنصِف لا يزال يتتبع شوارد اللفظ، وأوابد المعاني يستنبئها أخبار أصحابها ويستنبط من قلوبها أسرار كتابها، ويكشف عنها خبيئة قائليها .. ، ثم يحكم مميزًا مقدرا لا يجورُ فيتجاوز الغاية، ولا يحيف فيقعُ دون المدى. وقد حكم هذا (الأخصائيُّ! ! ) في كلمته الأولى حكمه الأول حين (استطاع أن يكون ناقدًا، لا يكتفي بالتذوق والاستحسان أو الاستهجان، ولكن يعلل ما يحس ويحلّله)! ! كما قال في بدء كلامه.
أو ليس يقتضي هذا -على الأقل- أن يكون قرأ كل ما طُبع من كتب الرافعي دون ما تفرق من كلامه في الجرائد والمجلات على كثرتها .. ؟ بلى.
أو ليس يقتضي هذا -على الأقل أيضًا (أن يكون حين حُكمه قد استردَّ شتات ما بقى في نفسه من آثار كلام الرافعي فيها؟ قالوا بلى.
أو ليس يقتضي حق النقد والحكم -على الأقل أيضًا- ألا يصفَ الرافعي بالذكاء اللماع، والذهن الوضاء. . . . وهذا الكلام المفخم -إلا أن يكون ذلك من آثار ما قرأ له من شيء. . . .؟ قالوا بلى.
(1/34)

إذن فكيف -في عشرة أيام يا سيدي- يستطيع كتاب واحد للرافعي هو "رسائل الأحزان" أن يقلب -هذا (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها)، وهذا الذي (استطاع! ! أن يكون ناقدا) -رأسا على عقب، فلا يكتفي بسلب النعوت المفخمة (كالوضاءِ واللماع والمتفتِّح) فيترك الذهن هكذا مجردا، بل يضع مكانها أضدادها فيجعله ذهنا (مريضًا خابيًا غير لمّاع ولا وضاء، مغلقًا غير متفتح".
هآه. . . . إني لأشك كل الشك في براءة الأستاذ مما غاظه من كلمتي الأولى مما سماه (شتائم). ولقد شهدت مرة أخرى "أن ما بالأستاذ قطب النقد، ولا به الأدب، ولا به تقدير أدب العقاد وشعره، فما هو إلا الإنسان وجه يكشفه النور ويشف عما به، وباطن قد انطوى على ظلمائه فما ينفذ إلى غيبه إلا علم الله". ولا زلت أقول له: "إنه لو عاد إلى داره مخلى من حوافز الحياة الدنيا" فقرأ ما كتب قراءة الناقد لوجد الاختلاط في لفظه بينًا، والغرض من ورائها متكشفًا. ولو شئنا أن نقول لقلنا فلم نكذب: إن كلامه لمشترك بين ضربين من العقل أحدهما ظاهره نعرفه ولا ننكره لأنه مما عهدناه زمانًا، والآخر ظاهر أيضًا. . . نعرفه وننكره، لأنه مما استحدث الرافعي رحمة الله عليه.
وأما الأديب الكبير! الّذي لقى الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) فضرب لنا الأمثال "بالجماعة الذين يجلسون في المأتم ويرجمون الناس بالحجارة. فإذا رجمهم الناس صاحوا وولولوا، وملأوا الدنيا تسخطًا ونعيًا على الأخلاق، لأن الناس لا يقدرون حرمة المأتم، وهم الذين استهانوا بهذه الحرمة حينما رجموا المارة". فإن شاء أن يختفي في ألفاظ الأستاذ (الأخصائي! ) فهو عتيق جُبنه، وإن شاء أن يظهر من ورائه فسيرى كيف عرفناه من لفظه ومن أمثاله.
وأيما كان. . . . فالمثل فاسد من وجوهه كلها. . . . فإن الأستاذ سعيد حين كتب لم يرجم أحدًا، وإنما كتب تاريخًا، وحين قال إن رد العقاد على الرافعي سباب وشتائم، فهو لم يكن إلا كذلك، ولا يمكن أن يقال فيه إلا ذلك. . . . إذ ليس فيه شيء مما يسوغ أن يعد ردًّا أو نقدًا. . . . حتى ولا على طريقة الأستاذ (الأخصائي! ) في حل المنظوم ووصفه بالدعابة والطرافة والحيوية. . . وما إلى ذلك من اللفظ الذي لا يتخذه ناقد إلا بعد الإبانة عن محجته وسبيله. أو كما قال
(1/35)

الأستاذ (الأخصائي! ) في كلمته الأولى "في الناقد الذي لا يكتفي بالتذوق والاستحسان والاستهجان، ولكن يعلل! ما يحس ويحلله".
ومع ذلك فهل يرى أحد أن (حل المنظوم) في ألفاظ ملفقة مذيلة، ثم نعته بالطرافة والحيوية. . . . إلخ، هو التعليل والتحليل الذي يتخذه النقاد أسلوبًا لهم؟ .
ومع ذلك أيضًا. . . . فلو فرض أن "سعيدًا" رجم المارة، والمارة ههنا هم الأستاذ العقاد وحده، فلم تطفل الأستاذ (الأخصائي) فقاذف الأستاذ العريان؟ ولِمَ لَم يدع ذلك للمرجوم نفسه. . .؟
ثم وراء ذلك كله. . . . تطفل (الأستاذ الأخصائي! ) للقذف والرجم، فلِمَ لَم يخص سعيدًا وحده دون أصدقاء الرافعي وأصحابه يتحداهم ويتناولهم بالأذى غير متذمم. . . . كأن أصدقاء الرافعي وأصحابه هم الذين كتبوا لسعيد ما كتب! !
* * *

وبعد فهذه كلمة كتبناها لنقرر حقيقة واحدة هي أن الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها)، كان في أول حديثه عني -حين انتهى من حديث الرافعي- يضطرب ويؤخذ ويتناوح كأنه قصبة مرضوضة معلقة على عود هش قد يبس. . . أريد أن أقول بلفظ آخر إنه كان يضطرب لأن حججه التي يتعلق بها حجج فاسدة، وإن أصل كلامه عن الرافعي خائر يتصدع، وإن فكره في الذي كتب لم يستقر على شيء صحيح لا يختلف عليه.
وسيرى فيما يستقبل (1) من كلامنا أنه قد عجز كل العجز عن الإتيان بشئ يمكن أن يسمى نقدًا. وسيرى أيضًا أن النقد الذي نأخذ أنفسنا به لا يجور على العقاد، ولا يميل بنا إلى الرافعي. ويكفيه مما مضى في كلامنا وكلامه أن يعلم أنه نزه العقاد ورفعه أرفع درجة، وأننا لم ننزه الرافعي ولم نقل فيه بعض ما يقول هو في الشاعر الكبير صاحبه.
__________
(1) لم يكتب الأستاذ شاكر بعد ذلك شيئا في أمر العقاد والرافعي، ولم يواصل رده على سيد قطب.
(1/36)

من صاحب العصور إلى صاحب الرسالة
أخي الأستاذ الزيات:
السلام عليك ورحمة الله، وبعد فإني أحمد الله إليك وأستعينه وأسأله لك التوفيق والسَّداد. أبيتَ أيها الرجل إلّا كرمًا من جميع نواحيك، فما كدتَ تستقبل العام السابع من عمر "الرسالة" حتى عدت عليّ بفضل من ثنائك وحسن ظنك، فذكرت "العصور" ثم أثنيت فأغنيت.
لقد وافتني كلمتك، وأنا بعدُ أنفض عن يديّ غبار "العصور" وأتخفف من أثقالها التي حملتها راضيا غير كاره، لأنقلب إلى هذه الغرف العزيزة التي نشأت في حجور الشيوخ من سكانها أستخبرهم علم ما أجهل، وأستنبئهم أخبار ما مضى، لأستوحِيَ الظن فيما يستقبل، وأجدّد بعاديِّ (1) قوتهم قوة النفس التي لا تهدأ ولا تنام.
لابد من كلمة -أيها الشيخ الجليل- وقد كان الصمت أولى بي وأحبّ إليّ. لابدّ من كلمة أعتذر بها للذين استقبلوني بفرحة المحبّ أمتع باللقاء على غير ميعاد. فأنت تعلم أني يوم عزمت على إصدار "العصور" لم أكن قد أعددت لها من مال إلا ما ادخرته في نفسي من جهد أعوام طالت في معاناة العلم والأدب، وبقية من خلق ضننت بها أن تذيع في أطرافها ونواحيها مهزعات العصر الحديث التي صرّفت الأخلاق في وجوه الغي والضلال، وأطلقت دنيَّات الغرائز من عقال الشرائع، وأرسلتها ترعى حمى أبى الله ورسوله أن يكون مرعى لمن آمن بالله واليوم الآخر.
ولكن لابد من مال مَشكوك معترف به، مصدّق على الاعتراف به من "محافظ البنك الأهلي"، وإن قليل ما عندي من هذا المال لا يغني غناءه في
__________
(*) الرسالة، السنة السابعة (العدد 287)، 1939، ص: 67
(1) العادي: نسبة إلى قوم عاد، والعرب تنسب إليهم كل ما هو قوِي وعظيم وقديم.
(1/37)

عمل أوّلُه استهلاكٌ بغير نتاج وأنت أخبر بهذا الأمر. فلم يبق إلا الصديق الذي يعين على نوائب الحق. . . . فبدأنا إصدار "العصور" يَعُولها الجِدُّ من قِبَلي، والعون من قبل الأصدقاء الكُتاب من أصحاب مذهبنا، والمَدَد من "جيب" الصديق الذي أبدى بشاشته، واستظهرها بعاجل البر، وسِرنا على اسم الله. فما كان إلا كلا ولا (1) حتى قلت كما قال الأول:
سعتْ نُوَب الأيام بيني وبينهُ ... فأقلعن مِنَّا عن ظلوم وصارخ
فإني وإعدادي لدهري "محمدًا" ... كملتمس إطفاء نار بنافخ
وأبيتُ أن أخفض عن نفسي أو أرُدّ غُلَواءَها، فرددتُ المالَ إلى صاحبه غير منقوص ولا مُهْتَضَم. وقلتُ إنّ أمرًا قضاهُ الله لابُدّ له من تمامٍ وأجل، وما شاءَ الله كان وما لم يشأ لم يكنْ. وخيرُ الأمر أن ألجأ إلى الله ثم أستعين بما عندي على قضاءِ الحق الذي يقتضيه ما أقررت به على نفسي، وما أقررتها عليه في كلمة العدد الأول من "العصور". فلم أبخل ولم أتراجع، وأقدمتُ على إصدار العدد الثاني مستبشرًا مؤملًا راجيًا معتمدًا على ثقتي بالله، ثم ثقتي بحسنِ التقدير الذي لقيته. فلم يلبث أن لقَى العدد الثاني من "العصور" حفاوة الناس في كثير من بلاد العربية، ولكن هذه الحفاوة المستبينة في بيع مجلة -تكاليفها أكثر من دخلها بهذا البيع- لا يمكن أن تكونَ هي الرُّقية التي تجذب إليَّ رقاب المال من كهوف "البنك" فأحويها وأروضها وأتصرَّف فيها تصرُّف الناس فيما هُم به "ناس"! !
وقلت: عسى أن يقضي الله لأمرٍ ضاق بالفرج، وتوجهت بقلبي إلى الله، وبوجهي إلى من أتوسم فيه سمة "الخزانة" المُعَدَّة لاحتِجان المال (2). ولكني وجدت القفل بعد القفل على الخزانة، وافتقدت المفتاح الذي يتسنى له كل مُغْلَق. إن هذا المفتاح ليس عندي، ولستُ أملكه، وما أحسبنى أرتضى -بعد أن جربت- أن أملكه أو أَحوزه. إنه لا يملكه إلا من قدّم رهينةً، والخُلُق
__________
(1) كلا ولا: أي لحظة قصيرة خاطفة، أي بقدر الوقت الذي تستغرقه في نطق هذين الحرفين.
(2) احتجان المال: إصلاحه وجمعه وضم ما انتشر منه.
(1/38)

لا يُعترف به في باب الرهائن، ولست أملكُ غيره، فلا رهينةَ، أي لا قَرضَ ولا معونة. وإنه لا يملك المفتاح بعدُ إلا اللص الذي يلين له ما أُعْضِل من قُفْل غَلِق وأنا بحمد الله لم أُخْلَق على طبيعة السارق بل سُويت على هيأة المسروق، كلّ من شاء أن يأكلني أكلني؛ قد رضيتُ أن أحوطَ جوهري بالعَرَضِ المُضيَّع.
ومع ذلك فقد أعددت العدد الثالث للطَّبْع، وتصرَّفتُ في وجوه التدبير، ثم وُفّقت إلى من أرضى عنه ويرضى عني. . . . ولكن أبى خُلُق الدُّنيا معي أن يتم جميل تستودعنيه، أو معروف تربّبه عندي. فرجعت عَودي على بدئي راضيًا عن الله شاكرًا لله واثقا بالله، أستعينه وأستحفظه، وأشكره ولا أكفره.
لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير مُتَّهم
وأنا لا أزال أقول: يَصنَعُ الله، يصنَعُ الله، إن لله تدبيرًا يصرّفنا به كيف شاء إلى مواقع علمه ومنازل حكمته. وأنا مذ كنت، كنت مطية القدر حيثما وجهني استقبلتُ المضيقَ والطريقَ بنَفس مسلمةٍ وجهها لله، بأن الزّمامَ في يد الله.
فإن تسأليني، كيف أنتَ! فإنني ... صَبورٌ على رَيْب الزمانِ صَليبُ
يعزُّ علي أن تُرى بي كآبة ... فيشمتَ عادٍ أَو يُسَاءَ حَبيبُ
وعلى ذلك فأنا مُنتظِرٌ، و"العصور" إلى جانبي تنتظِر! وشكر الله لك، وجزاك خَيرًا من صديق.
* * *

(الرسالة) تألم الرسالة أشد الألم أن يُثبط هذا القلمَ البارع وهذا الفكر الرشيد مثبطات المادة، وتدعو الله مخلصة أن يلهم أهل المال معونة أهل العلم حتى لا تتخلف "العصور" عن صفها في الجهاد إلا ريثما تواتيها العدة. وعسى أن يضن القواء بهذه الثروة الأجية على الضياع فيعينوها على الصدور بإسلاف (1) الاشتراك.
__________
(1) الإسلاف: الإقراض الذي لا منفعة فيه للمُقْرِض غير الأجر والشكر.
(1/39)

من مذكرات عمر بن أبي ربيعة ذات النطاقين
(قال عمر بن أبي ربيعة بعَقِب حديثه):
. . . . فوالله لقد جَهدَنا البلاء -يا أهل مكة- ولقد صبرنا على حصار الحجّاج سبعة أشهر أو تزيد عن غير حصن ولا منعة، وإنّ أحدَنا ليُرى وقد لحقت بَطنُه بظهره من الجوع والطَّوَى، ولولا بركة تلك العين (يعني زمزم) لقضينا، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إنها مباركة، إنها طعامُ طُعمٍ" لقد أشبعنا ماؤها كأشد ما نشبع من الطعام، وما ندري ما يُفْعَلُ بنا مُنذُ اليوم. فلقد خَذَل "ابنَ الزُّبَير" أصحابُه خذلانًا شديدًا، وما من ساعة تمضي حتى يخرج من أهل مكة من يخرج إلى الحجاج في طلب الأمان. ألا شاهتْ وجوه قوم زعموا أنْ سينصرونه، يحمون "البيت" أن يُلحَد فيه، ثم ينكشفون عنه انكشافة كما تَتفرق هذه الحمامُ عن مَجْثمها على الرَّوْع. . . .
وخرجتُ، ومكة كأنها تحتَ السَّحَر خليَّة نحل مما يدوِّي في أرجائها مِنْ صوت داعٍ ومكبر وقارئ، وصَمَدت (1) أريد المسجد فأسمع أَذان "سعد" مؤذِّنِ ابن الزبير فأصلي ركعتي الفجر، فيتقدم ابن الزبير فيصلي بنا أتمَّ صلاة، ثم يستأذن الناس ممن بقى من أصحابه أن يُوَدّع أمه "أسماء بنت أبي بكر الصديق" فأنطلق وراءه وما أكادُ أراهُ مما احتشدَ الناس في المسجد، وقد ماجوا وماجَ بهم يتذامرون ويحضَّضُون ويُحرّضون، وزاحمت الناس المناكب أرجو ألا يَفوتني مَشهد أسماء تستقبل ولَدها وتودِّعه ولقد تَعلمُ أنه مقتول لا مَحَالة، فما أكاد أدركهُ إلا وقد انصرف من دارها يريد المسجد، وإذا امرأة ضَخْمة عجوز عمياء
__________
(*) الرسالة، السنة السابعة (العدد: 297)، 1939، ص: 539 - 541
(1) صَمَدَ المكانَ وإليه: قَصَدَه
(1/40)

طُوالة كأنْ سرحةٌ (1) في ثيابها، قد أمسكت بعُضادتي الباب تصرف وجهها إليه حيثما انتقل، فوالله لكأنها تثبتُه وتُبصرُه، وقد برقَت أسرَّةُ وجهها تحت الليل برق العارِض (2) المتهلل، ثم تنادى بأرفع صوت وأحنِّه وألينه، قد اجتمعت فيه قوة إيمانها وحنينُ قلبِها: "يا عبد الله! يا بُني، إني أُمك التي حملتك، وإني احتسبتك فلا تَهِن ولا تجزع. يا بني ابذُل مُهجة نفسك، ولا تَبعد إلا من النار. . . يا عبد الله! لا تبعد إلا من النار، أستودعك الله يا بُني! " ثم تدور لتلج الدار فكأنها شِرَاعٌ قد طُوِى.
رحمة الله عليكم يا آل أبي بكر، لأنتم أصلبُ الناس أعوادا وألينهم قلوبًا. وأحسن الله عزاءك يا ذاتَ النطاقين، فلقد تجملتِ بالصبر حتى لقد أُنسيت أنك أمٌّ يجزع قلبها أن يَهلكَ عليها ولدُها فيتقطع عليه حَشاها.
وانصرفتُ عنها بهمِّي أَسعَى، فوالله ما رأيت كاليوم أَكْسَبَ لعجب وأجَدّ لحُزنٍ من أُم ثكلى يحيا ظاهرُها كأنه سراجٌ يَزهرُ، ويموتُ باطنها كأنه ذُبَالةٌ توشكُ أن تنطفئ، وذهبتُ ألتمسُ الوُجوه وأحزانها، فما أَرَى وُجُومَها وقُطُوبَها وانكِسَارَها ورهقَها وصُفرَتها إلَّا ذِلّة النفس وخضوعَها واستكانتها وضعفَها وعلَّتها، وأن المؤمنَ حين يحضُرُه الهمُّ أَشْعَثَ أغبرَ يَردُّه إيمانُه -حين يؤمن- أبلجَ يتوقَّد، ليكون البُرهانَ على أنَّ الإيمانَ صيقَلُ الحياة الدُّنيا، يَنْفي خَبَثَها ويجلو صَدَأَها، فإمّا رَكِبها من ذلك شيءٌ، عادَ عليها يُحَادثها ويصقُلها حتى يتركها بيضاءَ نقيَّة. . . .
وما بلغتُ المسجدَ حتى رأيتُ ابن ذاتِ النِّطاقين قائما بين الناس كأنه عمودٌ من طُولِهِ واجتماعه، ووثاقَة بنائِه، وحضَرته وهو يقول: "أيها الناس، عجِّلوا الوِقاع، ولا يرعِكُم وَقْع السيوف، وصونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، فلينظرْ رجلٌ كيف يضرب، لا تخطئوا مضاربكم فتكسِرُوها، فإن الرجُلَ إذا ذهب
__________
(1) السرحَة: الشجرة الطويلة العظيمة.
(2) العارِض: السحاب يعترض في الأفق.
(1/41)

سلاحُه كان أعزَلَ أعضبَ (1) يؤخَذُ أخذًا كما تُؤخذ المرأة. لِيَشْغَلْ كل امرئٍ قِرْنَه، ولا يُلهينكم السوًالُ عني: أين عبد الله بن الزبير؟ ألا منْ كان سائلًا عني فإني في الرَّعيل الأول". . . . ثم يدفَعُ أسدٌ في أَجَمةٍ، ويحيصُ أصحابُ الحجاج حيصة (2) في منازلهم من الرعب، فلقد رأيتُه يقفُ ما يدنو منه أحدٌ، حتى ظننت أنه لا يُقْتَلُ، حتى إذا كان بين الركن والمقام رمي بحجر فأصاب وجْههُ فبلغ منه حتى دَمِىَ، وسال دَمه على لحيته، وأُرعشت يده. . . . وغشيهُ أصحابُ الحجاج من كلّ ناحية وتغاوَوا (3)، عليه، وهو يقاتلهم جاثما أشد قتال حتى قُتِل.
وارحمتا لك يا بنتَ أبي بكر! ! أيُّ كبِدٍ هي أشد لوعة من كبدك! لقد والله رُحمتِ رحمةً إذ كف الله منك البصر، لئن لم تكوني، تحزعين لموته، لقد كنتِ جزعتِ لما مثلوا به وحزوا رأسهُ، ورفعوه على خشبةٍ منكسًا مصلوبًا. . . .
وما كدتُ حتى أقبلتْ أسماءُ بين يديها كفنٌ قد أَعدته ودخنته (4)، والناسُ ينفرجون عن طريقِها في أعينهم البكاء، وفي قلوبهم الحزن والرعب، قد انتُسفت، وجوههم كأنما نُشروا من قُبورهم لساعتهم، وسكتت الأوصالُ، وجالت، الأحداقُ في مَحاجرها وكأنها همَّت تخرُج، وتمشي أسماء صامدة (5) إلى الخشبة صمدًا وكأنها ترى ابنها المصلوب، وكأنها تستروِح رائحة دَمِهِ، حتى إذا بَلَغَتْهُ -وقد وجم الناس وتعلقت بها أبصارهُم ورجفت بهم قلوبُهم- وقفتْ، وقد وجدت رائحة المسك تحت ظِلاله فقالت: "يا بني طبتَ حيًّا وميّتًا، ولا والله ما أجزعُ لِفراقك يا عبد الله، فمن يَكُ قُتِلَ على باطل فقد قتلتَ على حق، والله لأثْنِيَنّ عليك بعلمي: لقد قتلوك يا بُني مُسلمًا محرمًا ظمآن الهواجر مصلّيًا في ليلك ونهارك".
__________
(1) الأعضب: أصله في الحيوان، وهو المكسور القَرْن.
(2) حاص (كسار): رَجَع، وفي حديث أَنَس يوم أُحُد "وحاص المسلمون حيصَةْ"، أي جالوا جولة يطلبون الفرار.
(3) تَغَاوَوْا عليه: تجمّعوا عليه، وهي بالعين المهملة أيضا.
(4) دَخن الثوبَ: جعل فيه الدُّخْنَة، وهو بُخُور تُدَخن به الثياب والبيت.
(5) صَمَد المكانَ وإليه: قَصَدَه.
(1/42)

ثم أقبلتْ وجهها السماءَ ومدّت بيديها تدعو: "اللهمَّ إني قد سلَّمته لأمرك فيه ورضيتُ بما قضيتَ له، فأثبني في عبد الله ثوابَ الشاكرين الصابرين. اللهمّ ارحم طولَ ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب، وبرَّهُ بأبيه وبي".
ووجم الناس وجمةً واحدةً، وخشعوا خشعةً لكأن السماءَ والأرض صارتا رتقًا فما يتنفسُ من تنفّس إلا من تحتِ الهم والجهد والبلاء. وكأنّ مكة بيتٌ قد غُلِّقتْ عليه أبوابهُ لا ينفُذُ إليه أحد ولا يبرحه أحد. وكأن الناس قد نزعت أرواحهم وقامت أبدانهم وشخصت أبصارهم، وبدت أسماءُ بينهم وكأن وجهها سراج قد نُصّ على سارية، لا يزال يزهر ويتلألأ، ثم تتلفت كأنما تتطلع في وجوه هذه الأبدان الخوالد (1)، وأضاء ثغرها عن ابتسامة. والله لقد بلغتْ من العمر وما سقطت لها سنٌّ، ومازال ثغرها ترف غروبه (2) ثم قالت: "يا بَنيَّ، لشد ما أحببتم الحياة وآثرتم دنياكم، فخذلتم أخاكم، وفررتم عن مثل مصرعه. يا بني يغفر الله لكم، وجزاكم الله عن صاحبكم خيرًا".
وأطرقت أسماءُ إطراقةً ثم رفعت رأسها تُومِئُ إلى الخشبة، فوالله لقد رعدت فرائصى حتى تَزَايلتْ أوْصالى، وصَرَّ الناسُ كأنما تقصفت أصلابُهم (3)، وإذا هي تقول: "أَلَا مَنْ مُبلغ الحجّاج أن المُثْلَة سبّة للحىّ وما تضرّ الميّت. ألا مَنْ يبلِغ الحباجَ عنِّي أن الشَّاةَ إذا ذُبحَتْ لم تألم السلْخ".
وحامتْ أسماءُ وطافت بين الناس وبين هذه الخشبة ساكنةً صابرةً، لا يُرَى إلّا بريق وجهها يومِضُ كأنه سيف صَقِيل، ثم طفقت تردّد "يا بَني، أمَا آن لهذا الراكبِ أن ينزل؟ أما آن لهذا الراكب أن ينزل! يا بَني ليستأذنْ أحدُكم حَجَّاجَكمُ هذا أن يَدفَع إلي هذه العظام. أَدوا عني، يرحم الله من أَدَّى عنِّي".
فيجئ الرسول من قِبل الحجاج يأبى عليها أن تُدفَعَ إليها عظَامُ ابنها
__________
(1) الخوالد هنا: بمعنى الساكنة كالجبال والحجارة والصخور.
(2) الغروب: جمع غرب، وهو الماء على الأسنان يكسبها بَرِيقا.
(3) صر: صدر عنهم صوتا كالصرير، وجاءت هذه العبارة في شعر العطوى:
وليس صريرُ النَّعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلابُ قَوْم تَقَصَّفُ
(1/43)

المصلوب، ويَجئُ على أثره موكلون قد وكلهم بجثَّته يقومون عليها يحرسونها، كأنما خَشِى أن يَحيا ميت قد حُز رأسه أن تمسهُ يَدُ أُمِّه. فوالله، فوالله لقد سمعت أسماءُ وخُبِّرتْ فما زادت على أن وَلتْ عنهم كما جاءت ما تقطر من عينيها قطرةُ دمع، وما تُجاوز قويًّا إلا جاوزتهم كأنهم فُسطاط يتقوَّض، حتى ولجت بابَها وغلقَته عليها.
وانطلقتُ أنفضُ الناس بعيني، فرأيت أخي الحارث (ابن عبد الله بن أبي ربيعة) وابن أبي عتيق (هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق) ما في وجهيهما رائحة دم من الحزن والفرقِ. فقلت: ما هذا أوان جزع، انطلقوا بنا -يرحمكم الله- إلى دارها نواسيها ونترفقُ لها، فوالله لقد تخوَّف أن يذهبَ بها الحزن عليه، وإنه لفالق كبدَها ما لَقِيته. ويطرق الباب ابن أبي عتيق، فيجيبُ الصوت من داخل: قد أسمعتَ فمهْ. فيقول: أنا ابن أبي عتيق يا أمَّاه. ويؤذن لنا فندخل دارها تَجِفُ قلوبنا من الروع والرّهبة، ونأخذ مجلسنا عند بنت أبي بكر الصديق خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوج حواريه -عليه السلام-، وكأن قد تركنا الدنيا وراءنا وأقبلنا على الآخرة.
استضحكت أَسماءُ حتى بدت نواجذُها وقالت: "مرحبا بكم يا بَنّي، جئتم من خلل الناس تعزون أمكم في عبد الله. يرحم الله أخاكم لقد كان صواما قوَّاما ما علمتُ. وكان ابن أبيه الزبير أوّل رجل سل سيفه في الله، وكان أشبه الناس بأبي بكر.
يا بَني، والله لقد حملتُه على عُسرَة، والمسلمون يومئذ قليل مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطَّفَهُم الناس، ولقَدْ سعيت به جنينا بين بيت أبي بكر وغار ثور بأسفل مكة في هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبي بكر - رضي الله عنه - آتيهما تحت الليل بما يصلحهما من الطعام، ويسكن الطلب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتيتهما بسفرتهما وسقائهما ونسيت أن أتخذَ لهما عِصامًا (1)، فلما ارتحلا
__________
(1) عِصام السقاء والقربة هو رباطها وسيرها التي تُحمل به.
(1/44)

ذهبتُ أُعلِّق السُّفرة فإذا ليس لها عِصامٌ، فوالله ما أجدُ ما أعلقهما به، ووالله ما أجِدُ إلا نطاقي وأنا حُبلى مُتِمٌّ. فيقول أبو بكر يا أسماءٌ شقيه اثنين؛ فأشقه فأربط بواحد منهما السقاء وبالآخر السفرة؛ فلذلك ما سمّاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ذات النطاقين" يعني في الجنة. وأعود بعبد الله يرتكض في أحشائى، قد احتسبتُ نطاقي في سبيل الله، فوالله ما أجدني احتسبتُ بنىّ عبدَ الله اليوم إلا كما احتسبت نطاقي ذاكم. وأَعود إلى دار أبي بكر ويأتي نفرّ من قريش فيهم أبو جهل فوقفوا ببابها، فأخرج إِليهم فيقولون: أين أبوك يا بنت أبي بكرٍ؟ فأقول: لا أدري والله أين أبي، فيرفع أبو جهل يده -وكان فاحشا خبيثًا- فيلطم خدي لطمة يطرح منها قُرطى فتغُول بي الأرض الفضاء، فوالله لما لقيتُ من حَجّاجكم هذا أهون عندي مما لقيتُ من لطمة أبي جهل وأنا بعبد الله حاملٌ مُتم. يا بَنى إني آخرُ المهاجرين والمهاجراتِ، لم يبق على ظَهرها بعد عبد الله منهم غيري، فلا والله ما حَسنٌ أن يَجزَعَ من هاجَرَ -وإنّ شأن الهجرة لشديدٌ- وما حَسنٌ أن يجزع من شَهد المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكيف وقد أربيت (1) على المائة.
يا بني جزاكم الله عني وعن أخيكم خيرًا، قوموا لشأنكم وذرونى وشأنى يرحمكم الله".
وودَّعنا وانصرفنا، ولا والله ما نجد لأسماء في الرجال ضَرِيبة (2) فأين في النساء؟ ولكنها كانت تصبر صبر المهاجرين الأولين على الجهد والبلاء.
وما كان صبح خامسة من مقتل ولَدها حتى استجابت لدعوة ربّها رضي الله عنها وأرضاها، وهي أم حنث تكتم حنينها ولكأنه عجل بها موته فقطع نياطها وصدع فؤادها، وفلق كبدا عليه حنينها إليه. . . .
__________
(1) أربى: زاد وأَوْفَى.
(2) الضريبة: النظير والشبيه.
(1/45)

منهجي في هذا الباب
عهد إليّ الأستاذ "الزيات" أن أتولى تحرير هذا الباب (1) من "الرسالة"، فأجبت إرادته بالتسليم، وأنا أجد المعاني في نفسي حائرة لا تكاد تقر، فقد لحقتني إرادته والحياة من حولي تفترني حتى ما أحس من فورتها إلا القليل، والنفس منبوذة على حدود النشاط في كسل مجدب بالقحط والظمأ لا يهتدى إليه رِىٌّ ولا شِبَع. وإذا كانت النفس كذلك لم يأت خيرها إلا من طول الإحساس بالحرمان والألم، فهي تريد أن تتكلم من نوازعها بألفاظ ثائرة ضائعة حائرة كأنما تبحث عن نفسها في معانيها. . . . ثم لا تتكلم، وهي على ذلك لا تطيق التأمل في المادة التي تعرض لها إلا بمقدار من الرغبة في البحث عن نفسها في سر نفس غيرها لتجد عند ذلك أسبابًا تهتاج بها وتضطرب وإذا لم تجد النفس لذتها المؤلمة إلا في انتزاع الآلام المحرقة مما ترى وتسمع وتتخيل، فكيف تعيش أفكارها إلا في دخان من الأحزان الصامتة صمتَ الفكرة المختنقة التي لا تجد أنفاسها ولا جو أنفاسها. هكذا أَجدُني.
وهذه النفس المنبوذة بما جنت وبالذي لم تجن من شيء، هي النفس التي أريد أن أتولى بها النظر فيما يعرض لي من شؤون الأدب في أسبوع من أسابيع "مصر"، ولقد تشاكلا ووقع حافرٌ على حافر في حَلْبة مغلقة. فنفسي الآن هي نفسي التي لا أكاد أجمعها وألم أشتاتها إلا قليلًا، وما هو إلا أن أراها مبعثرة تَفِرّ مني أوابدها في كل وجه، وأقف أنا أتلفَت. . . . أنظرها وهي تغيب في ظلام الأحزان، وتترك عندي أطيافًا من الذكرى تطوف في تأملاتي مرسلة من مزاميرها ونايها أنغامًا حزينة مهجورة متفجعة كأنما تقول: هذا مكان كان أهله ثم بادوا، وهكذا أيضًا أَجِدُني.
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 339)، 1940، ص: 24 - 26
(1) هذا الباب هو "الأدب في أسبوع".
(1/46)

في بعض الإنجيل هذه الكلمة: "من وجد نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها"، أفيكون معنى ذلك أن النفس الإنسانية لا توجد باقية أبدًا إلا وهي مستهلكة، وأن الأشياء الشريفة التي تهلك هي بعينها التي تُحيى، وأنه لا معنى للشيء الحىِّ إلا أن يجتمع فيه معنى الأشياء الشريفة، الموت والحياة معًا، وأن استغراق النفس واستهلاكها في الأحزان النبيلة وتعذيبها بها هو استحياؤها وتنعيمها، وأن العمل المهلك والفكر المهلك هما العمل الإنساني الجليل الذي خُلِقَتْ من أجله الحياة على الأرض! وعلى ذلك لا تكون النفْس حيَّة أبدًا إلا وهي سائرة بالحياة في مَسبَعَةٍ (1) من الموت، يتخطفها كل شيء حتى الأسباب التي يستوجب بها الحىّ صفة الحياة! إذن ما أعجب الحياة.
* * *

وإذن فقد فرَّت مني المعاني التي أحمل نفسي الآن على علاجها، واستجهلتني الآلام في عواصفها حتى ذهبت هذا المذهب الحزين من القول لأقدِّم به الكلام في هذا الباب الذي عقده "الزيات" للأدب، ومع ذلك فإني لأرى الصلة التي تصل أصل هذا الباب بالأصل الذي في نفسي، فإن تتبع "الظواهر الأدبية" ينبغي أن توفر له أسباب الاستقرار النفسي حتى يستطيع الكاتب أن يجمع إليه المعاني ويضرب عليها الحصار حتى يفندها أو ينقدها أو يحصيها أو يبين عن غامضها أو يكشفَ أستارها أو يقدم لها بالنظر والفكر والتوهم ما يوجب بعض النتائج التي تفضي به الآراء إليها، وبذلك يمكنه أن يوجد للأدب ميدانًا تستعرض فيه أعماله التي يدأب الأدباء والكتاب والشعراء وأصحاب الرأي في صنعها وتجويدها. فإذا تناول هذا الأمر بالنفس التي لا تستقر ولا تهدأ كان عمله أقرب إلى الثورة -أي إلى الفوضى- من حيث يريد أن ينظم، ومع ذلك فإن الخير كل الخير أن نحاول الحياة كما تحاولنا بالاقتسار والعنف، وأن نقبل عليها وهي مدبرة بالبرهان على إمكان احتمالها جافية كانت أو ناعمة، ومؤلمة كانت أو مريحة،
__________
(1) المسبعة: الأرض تمتلئ بالسباع، وهي كل حيوان مفترس.
(1/47)

ومنصفة كانت أو باغية، وأن نأخذها من حيث نرى الرأي أنه هو أجدى وأنفع، وأيضا فإن المصدر الحىّ للأدب إنما هو النفس، فهو يصدر عنها موسومًا بسمتها، إمّا مستقرة هادئة مفكرة في جو من الراحة، وإما ثائرة لمّاحة متخطفة في مسبح الأحلام والآلام والأماني المعذبة بالحرمان، فليس إذن من المُنْكَر أن ينصب امرؤ لا تهدأ نفسه لمثل هذا الباب الذي وصفناه وأن يتناول هذا الأدب بما يتداولُه من الإحساس المشبوب والنظر الخاطف والرأي العنيف أو أي ذلك كان. وأحب أن أعهد قبل أن نكلم، فإني رأيت الأدباء قد أكل بعضهم بعضًا بألسنة كظهر المبرد، وتشاحنوا بينهم للكلمة التي لا ترفع ولا تضع، وتنابذوا على الأهواء الغالبة المستكلبة، ومن كان ذلك هجيراه (1) ودأبهُ، فهو عند النقد أو الاعتراض كالوَحش الجوع (2) الغرثانِ قد أُجْهِض عن أشلاء فريسته، يكاد يَنْقَد عليه إهابُه من الغيظ والحِقد والرغبة في الإيقاع بمن يصرفه عن أحلام مَعِدته. وهذا أسوأ الخلق وأبعده عن صريح نهج الأدب، وأقله غناءً في تهذيب الأديب، وما أظن أن في الدنيا العاقلة أديبا تخيّل له أوهام "العبقرية" الطائفة به أنه قد سبق السهو والخطأ وبقى النقد والنقاد لَقًى وراءه يتلوذون بظلاله -في طلب البركة! ومع ذلك فإن بعض من عناه القدر فرمى في غيل الأدب العربي يتصيد، . . . . يقتات من أوهام العبقرية حتى حبط بوهمه في نفسه، واستكرش ونفش بما أكل حتى تضلَّع، ثم استلقى على الأفياء يتخيَّل أن الأدب كله قد وقف عليه من عند قدمه إلى رأسه يُهدهده حتى ينام في ظلال هذا الملك الهنئ. ومن كان هذا مثاله من الأدباء، وعرضنا لبعض قوله بالنقد، فلا يتخيلن أنَا نعنيه هو بذاته- فهو موفور الأحلام على نفسه إن شاء الله -وإنما نعرض للقول على أنه كلام مقول فيه السهو والخطأ، وتتعاوره الصحة كما يتعاوره السقم، وأنه كلامٌ مصبوبٌ على الناس وعلى أسماعهم وأذهانهم، فنحن بنقدنا كلامه، إياهم نريد، وإياهم
__________
(1) الهجيرَي والدَّأب والعادةُ بمعنى.
(2) جوّع: هكذا في الأصول، وهو جمع لا مفرد، والسياق يقتضي الإفراد، والغرثان والجائع سواء.
(1/48)

نخاطب، وعسى بعدُ أن يكون له في هدأةٍ من نفسه رأيٌ يتابعنا به إن أصبنا أو يسدِّدنا ببيانه إن أخطأنا، وما نألو في الاجتهاد، ولكن ربما حُرم الإنسان التوفيق فيما يأتي وما يذر.
هذه واحدة فيما نبدأ به، أما ما يقع بين الأدباء من المجادلات والمنافرات، فحقها من هذا الباب التسجيل، فإن بقى لنا في القول مقال نقوله -نتعقب به الأصل الذي يقع عليه الاختلاف والتنافُر- لم نقصر في تحقيق البيان وتحريره، متعاونين في جعل الحقيقة أسرع إلى إثبات وجودها والدلالة على نفسها حتى تتجلى.
وأما الشعر والشعراء وما يلوذ بهما، فأنا حين أغمض عيني لأجمع على خيالي ورأيي وفكري، أنتهي إلى مثل الغيبوبة من الحسرة واللهفة والألم. فقد فرغ الشعر من بيانه ومعارضه وصاريته الفاتنة، ووقع إلينا أوزانا تَتخلَّج بما تحمِلُ تَخلج المجنون في الأرض الوحلة، وما أظنه يعتصم في هذه الأيام بشاعرين أو ثلاثة، ولكل منهم مذهب، وكل قد قذفت به الحياة في مهنتها وابتذالها حتى صار أكثر فراغه مستهلكا على صناعة أو وظيفة تطعمه العيش وتحرمه لذته، ومع ذلك فيهم يقولون ويتكلمون والسامعون ينصرفون عنهم لسوء رأيهم في الشعر الحاضر أول، ثم لكثرة ما يسمعون من كلام لا يحرك عاطفة لأنه لا يصدر عن عاطفة، وما يزال ذلك يتوالى عليهم، حتى إنهم لا يكادون يعرفون الشعر إلا هكذا ثقيلًا غثًّا باردًا، فكيف لا ينصرفون عنه، ومن ذا الذي يرضى أن يحمِل نفسه إلى "ثلاجة" وهو يُعَد في العقلاء. فكذلك ضاع شعر هؤلاء الثلاثة في غثاثة الكثرة، ثم فترت أنفسهم ولا تزال تفتر -إلا أن يشاء الله- لما يحسون من غفله السامعين عنهم، وليس كلهم يستطيع أن يقول كما قال صاحبهم الأول:
لم يَبقَ من جُل هذا الناس باقيةٌ ... ينالها الفهمُ إلّا هذه الصُّوَرُ
أهزُّ بالشعر أقوامًا ذوى وَسَن ... في الجهل، لو ضُربوا بالسيف ما شعروا
علىَّ نَحتُ القوافي من مَقَاطِعها ... وما عليَّ لَهم أن تَفْهَم البَقَر
وكذلك نخشى أن يأتي على الناس زمان يضيع فيه الشعر الجيد أو يرفع حتى
(1/49)

من صدور هؤلاء الثلاثة. ولست أدري الآن كيف يتاح لي أن أنهج مع الشعر والشعراء نهجًا يكون رضا ومَقنعا وباعثًا علي تجويد الأساليب والمعاني حتى ينقذ الشعراء فنهم من الضياع؟ فلندع هذا إلى حينه، وإلى رأي الشعراء في "مطالبهم"، فقد صار لكل أصحاب صناعة مطالب وحتى النساء، فكيف لا يعرف الشعراء مطالبهم وحقوقهم وهم أرهف إحساسا وأنبل مقصدًا وأبين بيانًا! !
وأما الكتب التي تصدر في خلال الأسبوع أو قبله بكثير أو قليل فسننهج لها نهجًا مخالفًا لمنهج العرض الكامل أو النقد الشامل، فإن هذا أحق به باب "الكتب" و"النقد" وإنما نعرض لها من حيث يتوجه لنا الرأي في غرض الكتاب الذي يرمى إليه، وأين يقع منه. وربَّ كلمة واحدة في صدر كتاب أو ذيله، لم يعرضْ لها الكاتب إلا شاردًا أو كالشارد، ثم تكون هي تربو بمعانيها على الكتاب كله وعلى أغراضه أيضا، فربما وقفنا عند هذه وقفةً تَجيش لها النفس من نواحيها، فنحتفل لها أشد احتفال وأعظمه لتكون كالعَلَم علي المعاني النبيلة التي تضيع في خرائب الكتب.
وبقيت كلمة. . . .، فقد أحسن "الزيات" إذ تنبه إلى هذا الباب -الآن- من أبواب مجلته وقد أغفله كل هذه السنين. فإن الحرب والثورة وما في معناهما هي اضطراب عنيف يهز أعصاب الحياة ويقضقض أوصالها، فلا جَرَم إذن أن تدور الرؤوس وعقولها دورات كثيرة حول نفسها، فتختلّ الأوزان والمقاييس في كل شيء، وأن تبدأ الحياة بعد الحروب بدءًا جديدًا، ويكون الناس إذ ذاك كالناشر من باطن الأرض وقد خرج من أكفانه ليرى ظاهرها كل شيء غريب وغير مفهوم، ومع ذلك فهو جديد لذيذ لا يملُّ وإن كان كله خطأ وفسادًا واستحالة وسببًا من أسباب الفناء، وكذلك يكون الأدب والأدباء بعدَ الحرب، كما أخرجت الحرب الماضية ثم الثورة المصرية سنة 1919 جيلًا من الأدباء استفحل أمرهم وذاع صيتهم وضربوا في الأدب بأسهم مفلولة محطمة، ومع ذلك. . . .
فهذا الباب في هذه الأيام -إلى ما بعد الحرب- يصوِّر بعون الله وتوفيقه
(1/50)

وهدايته الطريقَ الذي كان عليه الأدب إلى اليوم، ثم أين انتهى وكيف؟ ثم غيب ذلك كله موقوف على نوع الحرب وأساليبها وما تُبدع من فنون الشر، وما تثير من طبائع الإنسان -من أنثى وذكر-، وما تحفِزُ أو تُبِير (1) من أحلام الإنسانية المتحدرة من أطباق الماضي البعيد مع الإنسان الوارث الحي على هذه الأرض.
__________
(1) تُبِير: تهلِك.
(1/51)

الإصلاح الاجتماعي
من عادتي -إذا ما استبهمَ علي نَفاذُ الرأي- أن أعدل بأفكاري إلى الليل، فهو أحصنُ لها وأجمع. فإذا كان الليلُ، وهدأتِ النائرةُ، وأَوَى الناسُ إلى مضاجِعهم، واستكنت عقاربُ الحياةِ في أجحارِها، تفلتُّ من مكاني إلى غرفتي أُسدِلُ ستائرها وأغلِّقُ أبوابها ونوافذها، وأَصنعُ لنفسي ليلًا مع الليل، وسكونا مع السكون، ثم أقعد متحفزا متجمعًا خاشِعًا أملأ عيني من ظلام أسود، ثم أدعُ أفكاري وعواطفي وأحلامي تتعارف بينها ساعة من زمان، حتى إذا ماجت النفس موجها بين المد والجزر، ثم قرَّت وسكنت، وعاد تيارها المتدفق رهوًا ساجيًا كسعادة الطفولة، دلفت إلى مكتبي أستعين الله على البلاء.
وأمسِ، حين أيقظني من غفوتي داعي "الرسالة" جمعت إليَّ ما عزمت على قراءته من الصحف والمجلات والكتب -التي هي مادة هذا الباب- وطفقت أقرأ وأقرأ، ولا أكتم أني كنت أقرأ في هذا اليوم -على خلاف عادتي في أكثر هذه الأيام- قراءة المتتبع اليقظ الناقد المتلقِّف لأضع يدي على أغزر الأصول مادة وأعظمها خطرًا وأشدها بِنية. . . . وأدسمها شحما، فإنّ حق القراء علينا أن نتخذ لهم صنيعًا ومائدة تكون أشهى وأمرأ وأقرب متناولًا وأردَّ على شهواتهم فائدة. فلما فرغت من إعداد ما أعددت لهم وأويت إلى ليلى المختلق المزيف، جعلت أستعيد في نفسي ما قرأت، وأين وقفت منه، وما تنبهت له مما تعودت أن أستشفُّه من وراء الألفاظ المعبرة، ومن تحت السياق المهدِف إلى غرضه -مما هو بأخلاق الكُتاب وعاداتهم ونوازعهم وخفايا نفوسهم ألصق منه بأغراض الكاتب فيما كتب. فما كدت أقدح الظلام بعيني وأفكر في هذا الأمر وأستدرجه إلى نفسي حتى رأيتني أكاد أنفر من مكاني لما عراني من سوء الرأي وقسوة الظن، فإن طول تغلغلي في معاني الكُتاب والشعراء، أو في معاني أنفسهم، يدلني على أن أكثر من يكتب إنما يدفع بعض الكلام إلى قلمه ليعبر عنه، غيو محتفل بما يقول، فكذلك يخرج الكلام متخاذلًا مفككا كأنه ناقة من وباء مرض، ويخيل
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 340)، 1940، ص: 62 - 64
(1/52)

إلي أن أكثر كتابنا إنما يتناولون المعاني والأغراض من عَيبةٍ (1) جامعة غير متخيَّرة ولا منتقاة ولا مصنفة، وأنهم إنما يعرض لهم اشتهاء القول فيقولون للشهوة المستبدة لا للرأي الحاكم، وأنهم إنما يكتبون ليبقوا كُتابًا في عقول الناس وعيونهم من طول ما تعرض عليهم المقالات متوجة بالأسماء مذيلة بها، وأن الكلام عندهم هو أهون عليهم من ضغطة النائم المتلفف زرَّ الكهرباء فإذا هو نور مستفيض. لابد للعرب والعربية أن يبرأ هؤلاء من أمراضهم ثم يقولون، وأن يعتدوا بجمهرة القراء اعتداد من لا غنى له عنهم ولا فقر بهم إليه، فبذلك أيضًا يصلح ما فسد من القراء الذين يقرأون الأسماء دون معاني هذه الأسماء. ويومئذ لا يشكو الكُتاب من بوار أسواقهم، لأنهم يعرضون للناس الحَسَن الذي ينشئ في القلوب الإحساس بالحُسن والرغبة في اختيار الأحسن، ويتشوق الناس الجميل لأنه جميل يسمو بالروح في سُبحات المثل الأعلى من الجمال الروحاني. . . ثم لا يجيزون إلا الجميل. وكذلك يترافد الكاتب والقارئ ويمدُّ أحدهما الآخر بأسباب حياته وخلوده لكن خوافق الأدب السامي الرفيع. هذا هو بعض الرأي أدعو إليه كتابنا، والأدب على شفا جرف هار إلى البوار والبلى والفساد.
* * *

والآن، وقد تحدَّثت النفس ببعض كلامها، أعود إلى "أدب الأسبوع" ويخيل إلى أن "وزارة الشؤون الاجتماعية" هذه التي استحدثت بعد أن لم تكن، قد كان من فضل اسمها أن أيقظ أكثر كتَّابنا إلى حقيقة ملموسة كانوا يَغُضُّون دونها أبصارهم لما تلبس صاحبها من لباس الخزي والعار: وهي بقاؤنا بين الأمم أمة لا قوام لها من نفسها وأصلها وتاريخها، وأن مركز مصر الاجتماعي والسياسي والشرقي أيضًا قد سما في ظن الناس ولكنه في حقيقته أقل مما يُحمل عليه من الزينة والتألق والزخرف المستجلب بالإيحاء وإرادة الاستغلال. فقد كتب الدكتور هيكل في "السياسة الأسبوعية" عدد (152) كلمة في "نهضة الإصلاح في مصر" استقصى بها تاريخها وقواعدها وأغراضها من عهد الثورة الفرنسية إلى هذا الوقت. وكذلك كاتب الدكتور "طه حسين" في "الثقافة" عدد (52) يقترح
__________
(1) العَيبة: وعاء من أَدم يكون فيه المتاع.
(1/53)

إنشاء "مدرسة المروءة". وجاء "الزيات" في ختام فاتحة "الرسالة" لعامها الثامن يشكو إلى الله: "إن كبراءنا عطلوا في أنفسهم حاسة الفن فَلَم يعودوا يدركون معنى الجميل، وإن أدباءنا قتلوا في قلوبهم عاطفة الأدب فليسوا اليوم من كرمها في كثير ولا قليل، كان زعماءنا تفرقت بهم السبل بتفرق الغايات، فِلكُلّ غاية دعوة ولكل دعوة سبيل". وكل هذه تلتقي على أصل واحد، وهو أن الحياة الاجتماعية لا تزال تحبو في مدارجها، وأن "لين العظام" يُخشى أن يطول علينا بقاؤه في صدر الحياة حتى نقعد دون شبابها، وأن الإصلاح لابد أن يتعجل حدوثه. . . . ولكن كيف يكون ذلك؟ ! .
وقد ساق الدكتور طه حديثه عن المروءة ساخرًا من هذا الجيل الذي طبع على سفاسف الأخلاق، وتحطمت عنده مكارم الإنسانية النبيلة، وامتاز عظماؤه وصغاره باعتبار الأخلاق ضربًا من التجارة يلبِّسها الغش والخِلابُ والمواربة وتلقِّي التاجر للبائع بالدهان حتى يكون هو في باطنه أظلم شيء، وظاهره يتلألأ بمعاني الشرف والأمانة والنزاهة وإرادة الموافقة وتغليب منفعة المشتري على منفعته، وغير ذلك من حيل التُّجار والسماسرة. فأراد أن يمزح، فيدعو إلى اقتراحه إنشاء مدرسة للمروءة ليسخر من "تنازع الاختصاص" في وزارتنا بل في أعمالنا كلّها. وهذا كله في مدرجه جيد لا يحاول أحد أن ينازع عليه أو يختلف فيه، ولكن التهكم في هذا الدهر المائج بصنوف العذاب والبلاء لا يكاد يجدي شيئًا في الإصلاح. وهل يظن الدكتور طه أن كل هؤلاء الذين أقامتهم الأمة المسكينة على حياطة شؤونها ومرافقها وأسباب عيشها -لا يستشعرون من ذلك ما نستشعر، ولا يجدون من معانيه مثل الذي نجد؟ أجل؛ ولكنهم كالذي يصف هو فيما سبقَ من الحديث، فمن أين يأتي الشفاء إذا كان كلُّ الطبيب هو بعض المريض! إن أعمال الإصلاح الكبرى لن تأتي من وزارة الشؤون الاجتماعية، ولا وزارة المعارف، ولا غيرهما إذا بقى الشعب ينظر إلى هذه كلها ليرى ما تعمل. والرأي لا يمكن أن يتجه في هذا الأمر إلى تسديد وزارة المعارف ووزارة الشؤون الاجتماعية وتوقيفها على ما يجب عمله باقتراحات ومذكرات وبيانات. . . . إلى آخر هذه الجموع. إن عمل الإصلاح الآن موقوف على شيء واحد، على ظهور
(1/54)

الرجل الذي ينبعث من زحام الشعب المسكين الفقير المظلوم يحمل في رجولته السراجَ الوهَّاج المشتعل من كل نواحيه، الرجل المصبوب في أجلاده من الثورة والعنف والإحساس بآلام الأمة كلها، وآلام الأجيال الصارخة من وراء البنيان الحي المتحرك على هذه الأرض الذي يسمى في اللغة "الإنسان". وليس ظهور هذا الرجل بالأمر الهين، ولا إعداده بالذي يترك حتى يكون؛ بل هنا موضع للعمل وللإنشاء. وكبرُ ذلك مُلقًى على الأدباء والكتاب والشعراء، وعلى كل إنسان يحترم إنسانيته؛ فالأدباء ومن إليهم قد وقع عليهم التكليف أن يرموا بما يكتبون إلى إيقاظ كل نائمة من عواطف الإنسان، وإلى إثارة كل كامنة من نار الهداية المحاربة التي لا تخمد، ولا يكون ذلك شيئًا إلا بأن يعدّ كل أحد نفسه كالجندي عليه أبدًا أن تكون حماسته هي روح الحرب فيه، فهو يمشي بها في كل عمل، ولو في نقل البريد من مكان إلى مكان. إذن فأول الإصلاح الاجتماعي هو إدماج عواطف الفرد في مصالح الجماعة على أَتم صورة من صور الحماسة أي القوة التي تنبعث من الدم لتطهير الدم؛ وهذا بعض ما نتوافى عليه مع الدكتور هيكل إذ يقول في مقاله الذي أشرنا إليه آنفًا "لم يفكر أحد في مشكلاتنا الاجتماعية واضعا نصب عينيه غاية قومية يريد أن يحققها، بل ترانا إذا فكرنا في الأمر كان الدافع لتفكيرنا فيه عواطف الشفقة أحيانا، والبر بالإنسان أحيانًا أخرى، وهذه عواطف قد تحمد في الأفراد، لكنها لا قيمة لها في حياة الجماعة ويوم فرض الله الزكاة في الإسلام وقرن بها الصدقة لم يقم الشارع ذلك على أساس العاطفة الفردية، بل أقامه على أساس النظام الاجتماعي".
والكتابة هي زكاة العلم، فيجب أن تقوم على هذا الأصل الفردى المتحمس المتدفق بتياره في أعصاب النظام الاجتماعي، فإذا اتخذها كتابنا على هذا وتكلموا بقلوبهم قبل ألسنتهم وأقلامهم كان ذلك قمينًا أن يبعث الرجل الذي سوف يضئ للحياة الاجتماعية سُدَف (1) الجهل والضعة والبغى والاستبداد.
__________
(1) سُدَف: جمع سدفة، وهي الظُّلمَة.
(1/55)

أبو العباس السفاح أمير المؤمنين (1)
أثار الأستاذ العبادي في "الثقافة" عدد (47) مشكلة ابتغَى حلها، وذلك أنه وصف حلية "أبي العباس أمير المؤمنين" أول خلفاء بني العباس كما رواها المؤرخون من أنه كان "ذا شعرة جعدة، طويلًا أبيض، أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية" وكان "شابًّا متصوِّنًا عفيفًا حسن المعاشرة، كريمًا معطاءً" إلى نهاية ذلك من كريمات الخصال. ثم استبعد أن يكون بهذا الإنسان الرقيق أهلًا لتلك الصورة البشعة الطاغية التي تخلعها عليه معاني هذا الحرف "السفَّاح" من الجريمة وسفك الدَّمِ والرغبة في ذلك والمبالغة فيه. واحتفل الأستاذ للحوادث التاريخية فلم يجد فيها ما يسوِّغ أن يكون "أبو العباس أمير المؤمنين" سفاحًا سفاكا للدماء، وزاد أن ثقات المؤرخين كالطبري والدينوري لم يذكروه إلا مجردًا من هذه الصفة، ثم رجح بدليل بياني جيد أن السفاح محمول هنا على الأصل اللغوى أي الكريم المعطاء الذي يتلف الأموال ولا يبخل بها. ولكن الأستاذ "أحمد أمين" رد عليه بعض أدلته في العدد (49) فردها الأستاذ العبادي عليه في العدد (50) وهكذا إلى العدد (52). وأنا قد أعجبت كل الإعجاب ببحث الأستاذ العبادي، وإن كنت أخالفه كل المخالفة، وذلك لأنه مبنى على منطق تاريخي جيد، ولأنه أراد أن يفرق فرقًا جيدًا بين كتب التاريخ وكتب الأدب القديمة من حيث الحجة في برهانات التاريخ. فإنا نجد كتبًا من أعظم كتب الأدب تحمل على الخلفاء من غث الأخلاق ما تناقضه سير هؤلاء الخلفاء كالذي يروون عن الرشيد -وهو بالمنزلة من الشرف والعلم والسياسة وطول الانبعاث للغزو والحجِّ- من معاقرة الخمر والملاهي والاطلاع على الحرم واستباحة الأعراض وغير ذلك مما لا يمكن أن يصح بوجه من الوجوه.
هذا، وإني أخالف الأستاذ العبادي، فإنه حين رده الأستاذ "أحمد أمين" رجع عن تفسيره لفظ "السفاح" بالكرم والسخاء لغير علة ظاهرة وأصرّ على أن
__________
(1) وتأتي بقية الكلام على أبي العباس السفاح، ص: 68
(1/56)

"أبا العباس أمير المؤمنين" لم يلقب "بالسفاح" البتة في حياته، ولا ذكر ذلك عنه أئمة المؤرخين، وأصر مع ذلك أيضًا على أن صفات أبي العباس وحليته تنفي عنه أن يكون سفَّاكا للدماء؛ ولا كل هذا! فإن هذه الصفات لم يُروَ لنا إلا أقلها حتى يمكن أن نجعلها أصلا يستشف خلق أبي العباس من ورائها، وإن الرقة والدعة والجمال ولين الخلق تخفي وراءها أحيانًا قسوة لا تدانيها قسوة، كالذي يكون في النساء، فإنهن قد عرِفن بين الناس بالرقة "وهن أغلظ أكبادًا من الإبل" وإن المرأة إذا ثارت لم يبلغ مبلغها في القسوة (أقْعد) الوحوش في باب الوحشية ومع ذلك. . . . فهي الزهرة غِبُّ الندى، وهي النسيم في السَّحَر، وهي. . .
وكنت أحب أن أستوفي هنا القول في تحقيق هذه الصفة لأبي العباس أمير المؤمنين، ولكني رأيت أن الكلام قد جاوز حده، وأن الدليل يقتضيني إثباتَ كثير مما يُخِلّ تركه بالفائدة فموعدنا الكلمة التالية إن شاء الله.
(1/57)

أسواق النخاسة
مازلت أُضحك إِبْلي كلما نظرَت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم!
أسيرُها بين أَصنام أشاهِدُها ... ولا أشاهِدُ فيها عِفَّةَ الصنم
هكذا يقول المتنبي في صفة أصحاب السلطان الأدبي والسياسي من أهل عصره، ولا يزال هذا ينطق إلى اليوم على البلاد الشرقية والعربية إلا قليلًا قليلا. لقد أذكرتني أشياءُ رمت إلى ما كنت أَسُوس النفس على تناسيه ونبذه والتباعد عنه، ولكن صِناعة الأدب هي من بين الصناعات أشدُّها التحاما بالحياة. . . . لا، بل الأصول النفسية التي تقوم عليها وبها أسواق المجتمع الإنساني، وهي ترمي بالأديب في تنّور متسعِّر من نزاع الغرائز والشهوات والأحقاد، وهو بين اثنتين: إِما أن ينحط في هوى غرائزه التي تثيرها هذه النار الآكلةُ، فيفسد بفسادها، وإما أن يتحصن دونها، فيروض غرائزه الوحشية، حتى تألفَ وتنقاد لحكم العقل النبيل والعواطف السامية. فكذلك يوطن نفسه على الحرمان والألم والتفرد والوحشة. . . . ثم على الصراع الذي لا رحمة فيه ولا هوادة بين تَضَرُّم النزغات المستبيحة، وبين زهادةِ النفس المتورعة المطمئنة. وكان أحق الناس بالتسامي ومطاولة الغرائز في هذه الحرب الموقدة - الأدباء، فالأدب في أَصله تنزيهٌ للنفس وكبحٌ من جماحها، ورفق في سياستها، فإذا انقلب الأدب تضرية للوحوش الرابضة في الدم من الطبائع والغرائز، خرَج عن أصله وفقدت ألفاظه معانيها، وصارت أسواق الأدب تعتمد في معاملتها على البغي والظلم والعدوان والتهجم والاستبداد. وفقدت كل معاني الحرية والعدل والإنصاف والتمييز بين الخبيث والطيب، وهي أصول الفطرة الأدبية السامية.
إن الأديب الحر ينتفض تَقَزُّزًا واشمئزازا كما انبعثت روح حقارة المجتمع من
__________
(*) الرسالة السنة الثامنة (العدد 341)، 1940، ص: 101 - 103
(1/58)

وراء الرّمم الأخلاقية المموَّهة بالنفاق، والتي أقيمت عليها أصنام منصوبة للعظمة الباطلة الجوفاء، وهو أشد انتفاضًا وانتقاضًا حين يرمى بصره إلى الأدب والعلم وهذه المعاني السامية فيرى الأدباء والعلماء أذلّاء مستعبدين قد خضعت أعناقهم للحاجة والضرورة والبؤس، فهم نواكس الأبصار إلى الأرض بين يدي فئة منهم قد أخذوا عليهم أفواه الطرق المؤدية إلى بعض الرزق، حين واتاهم القدر ببعض السلطان والجاه والسيطرة، وأقامتهم الشهرة الذائعة أنصابًا تهوى إليها الأغراض، وتناط بها الوسائل، وتعتمد عليها الحكومات في تقدير العلم والأدب وأهلهما والعاملين عليهما، وكذلك لا يستطيع أديب أو عالم أو فيلسوف أن يجتاز إلا بإجازة من أيديهم وبأختامهم، وإلا أن يشهدوا له شهادة التقدير، وأن يعبُروا له السِّعر في "تسعيرة" السوق الأدبي الذي أقامتهم الحظوظ عليه حكّامًا ومقوِّمين.
إن الشهرة والشهادة هما شيئان لا قيمة لهما في العلم والأدب، فبناءُ العلم على نجاح التجربة واستواء المنطق وإقرار العقل، وبناء الأدب على صدق الإحساس وحدة الإدراك وسمو العاطفة وقوة الحشد وبراعة العبارة والأداء. فإذا لم تكن الشهرة من هذا تستفيض وعنه تَشرع، فما غناؤها على صاحبها إلا بعض الأباطيل التي تنفش في عقول الأمم الضعيفة والأجيال المستعبدة بالأوهام والتهاويل. والشهادة ما هي إلا إجازة الدولة لأحد من الناس أنه قد تحرَّر من طلب العلم والأدب على القيود التي تتقيد بها المدارس والجامعات في أنواع بعينها من الكلام، وأنه قد حصل في ورقة الامتحان ما فُرض عليه تحصيله بالذاكرة، ثم ترفع الشهادة يدها عن معرفة ما وراء هذا التحصيل وما بعده وما يصير إليه من الإهمال أو النسيان أو الضعف أو الفساد. فحين يغادر أحدهم الجامعة حاملًا شهادته مندمجًا في زحمة الجماعة تفقد الشهادة سلطانها الحكومي -أو هكذا يجب أن يكون- ولا يبقى سلطان إلا للرجل وأين يقع هو من العلم أو الأدب أو الفن؟ وهل أصاب أو أخطأ؟ وهل أجاد أو أساء؟ وهكذا فهو لا ينظر إليه إلا مغسولًا غفلًا من "مكياج" الدبلوم والليسنس والماجستير والدكتوراه .. وما إليها، وإذَن، فأوْلى ألا ينظر إليه عن شهادة قوم لم يكن سبيلهم إلى التحكم في أسواق العلم والأدب إلا الشهادات المستحدثة، والشهرة النابغة على حين فترة
(1/59)

وضعف واختلاط وجهل كان في الأمة حين كان أقلُّ العلم وأشَف (1) الأدب يرفعان صاحبهما درجات من التقدير والإجلال والكرامة.
إن هذه التجارة التي تقوم على استعباد العلم والعلماء والأدب والأدباء تجارة باغية ينبغي أن تَفْنى نخاستها وأن تغلق أسواقها، وينبغي أن يتحرر الأدباء والعلماء المستعبدون قليلًا من أغلال الضرورات المستحكمة ليحاربوا بغي هذه التجارة بالنبل والسمو والترفع، وليهتكوا تلك الأستار الحريرية الرفيعة المسدلة على بيوت الأوثان الجاهلية التي تستعبد الأحرار باستغلال ضراعة الضرورة والحاجة والفقر، ينبغي. . .
وينبغي لكاتب هذا الباب الجديد في "الرسالة" أن يرفع القلم عند هذا القدر الآن، ويعود إليه بالتفصيل والبيان فيما يستقبل.

معهد الصحراء بيت الحكمة
كتب صديقي "إسماعيل مظهر" -في مقتطف يناير سنة 1940 - كلمة بليغة يصف فيها "رهين المحبسين"، محبِس الصحراء، ومَحْبس النسيان، وهو معهد الصحراء القائم على مشارف الصحراء المترامية، في "مصر الجديدة"، وقد شيده "الأسد المصريُّ" الملك فؤاد رحمة الله عليه من ماله خاصة، ليكون مأوى للعلماء الذين يدرسون طبائع الصحراء ومعادنها وأجواءها، ولكنه لم يتم بناؤه لما عرض من مرض الملك العالم ثم وفاته على شدة الحاجة الى جُرأته وإخلاصه وعزمه، وإنفاذ هذا العزم بالبصيرة والحكمة والمثابرة.
وكنت كلما صحبت أخي "إسماعيل" لبعض الرياضة، تهاوينا إلى البيداء المقفرة الصامتة بأحزانها الحائرة، وسرنا نتقاوَدُ (2) في جوفها فترمى بنا أرُجلنا إلى بناء شامخ قد أقْعى على ربوة من الأرض كأنما يتجمّع للوثبة، ومع ذلك فأكاد أجد في سمعي بيان هذا الأعجم الصموت، وهو يُهمهِمُ بأنَّاته من ذلّ الوحشة والأسر والنسيان والخراب، فأنشد "إسماعيل" قول الرضيّ:
__________
(1) أشف الشيء: اليسير القليل منه.
(2) نتقاود: يقود بعضنا بعضا قُدُما.
(1/60)

ولقد رأيتُ "بديْر هِنْدٍ" منزلًا ... أَلِمًا من الضَّرَّاءِ والحَدَثانِ
أغضى كمستَمِعِ الهوانِ، تغيَّبَتْ ... أنصارُهُ وخلا من الأعوانِ
وكان هذا البناء المسكين همةً من همم الملك النبيل -رحمه الله-. ولقد سمعت أنه قد أحاطه بما يزيد على عشرة أفدنة ليقوم فيها، وفي متنزهاتها، وليؤدي أهله إلى صحراء مصر المجهولة حقَّها من الدرس والكشف والاستنباط، هذا، وقد ضَرَع "إسماعيل" إلى خليفة "فؤاد" في ملكه وعلمه وعزمه وبصيرته، إلى "الفاروق" صاحب مصر الأعلى وحاميها وهاديها إلى الخير، أن يُتمّ ما بدأ الملك الأول من البناء، وأن يعيد لملكه الزاهر تاريخ العرب والعربية في عصر المأمون الذي أنشأ "بيت الحكمة"، وجعله مُسْتَقر النَّقَلة من العلماء الذين استوعبوا نقل حكمة "يونان" إلى اللسان العربي؛ فأسسوا للعلم ملكًا لم يطاوله في العصور إلا عظمة المأمون. . . قال:
"ومعهد الصحراء -يا مولاي- عظيمٌ متسع الأرجاء اتساع العقل الخالد الذي فكر في إنشائه، فهل نطمع في أن يضم إليه بضعة علماء يقفون جهودهم على ترجمة علوم أوربا إلى اللغة العربية؟ وفي مصر -يا مولاي- علماء أقعدهم النسيان عن العمل ومنعهم الخجل عن السؤال، وعزّ عليهم أن يهينوا العِلْمَ باستجداء العطف. أَنطمعُ -يا مولاي- أن تفيضَ عليهم من فضلك الواسع ما يسدُّ حاجتهم من حطام الدنيا، ليكونوا نواة لبيت الحكمة في عهدك، فيتركوا للأجيال القادمة آثارًا لا يبزها من حيث الأثر في العالم العربي إلّا عظمتك، ولا يفوقها في الجلالة إلّا جلالتك؟ ".
وكل أديب وعالم ومفكر في العالم العربي يضم صوته إلى صوت "إسماعيل" في هذه الضراعة النبيلة إلى "وارث مُلْك مصر، ومجد العرب"، ويستيقن في قلبه أن "الفاروق" سيحمي العلم والأدب بحماية ملكية ترفع عنه الظلم والاستعباد، وتحرر العلماء والأدباء من غطرسة الأدعياء المتشدقين بقليل العلم ومنقوص الأدب، مما أطاقوه وحملوه بفضل الرحلة إلى أوربا بضع سنين، تزودوا فيها بالمعاشرة والمخالطة -لا بالدرس والمثابرة- بعض ما جهله أصحاب
(1/61)

الفضل والعلم والأدب من قومهم لقعودهم بالضرورة والعجز عن مثل الذي ساروا إليه، وهم بالعلم والأدب أَقْوَم، وعليه أحرص، وطبائعهم إليه أشد انبعاثًا.

الشباب والسياسة
في يوم الخميس السالف (4 يناير سنة 1940) ألقى بهي الدين بركات باشا محاضرة عظيمة القدر درس فيها معنى "السياسة" وحق "الشباب" في المساهمة في أصولها وفروعها، ودافع عن حرية الشاب في أن يهتم "بالعمل العام الذي يتصل في وقت من الأوقات بتسيير دفة الحكم في البلاد". وهذا هو تعريف السياسة عنده، وبذلك يخرج منها النزاع الحزبي الذي شهدته السياسة المصرية خاصة، على وجه من التنابذ والتعادي والتسفيه والاعتداء على حرية الفرد وحرية الجماعة. فإذا أُخرج هذا الضرب من معنى السياسة أوجب العقل أن يكون لكل أحد الحق في أن يشارك أصحاب الرأي في آرائهم، بل إن الشعور بالحرية الفطرية توجب عليه أن يشارك بالرأي وأنْ يُضَحِّيَ في سبيل المبدأ الوطني العام الذي لا تقوم الدولة إلا بقيام معانيه في أعمال الأفراد والجماعات، وقد ناقش المحاضرُ جماعةً من الأساتذة ولكنهم في مناقشتهم كانوا لا يزالون متأثرين بالمعنى (المصريّ القديم) للسياسة، وغفلوا عن الغرض الذي رمت إليه محاضرة المحاضر في الفصل بين ما كان وما يجب أن يكون عليه معنى السياسة، وكيف يشارك الشباب فيها بالرأي والعمل. والسياسة -كما قال عزام بك في موقفه- لا يمكن أن تكون بحثًا فلسفيا مجردًا، لأن الإيمان بعقيدة ما يقتضي التضحية في سبيل الدفاع عنها، فإذا كانت السياسة عملًا قوميا يراد به المصلحة العامة ومجد الوطن، فهي أمر يستحق كل تضحية. وأما إذا صارت السياسة إلى المعنى الذي شهدناه في مصر من الخلاف الحزبي على مطامع الحكم فهي أمر لا يستحق أتفه التضحية.
ونحن نعتقد أن الإنسان الحر لا يعرف معنىً لهذا السؤال القديم: "هل ينبغي أن يشتغل الشاب بالسياسة أو لا ينبغي؟ " فهو سؤال عليه سيمياء الذل والعبودية! إن كل أحد في مصر وغيرها من بلاد العالم -شابًّا أو شيخًا، غنيًّا
(1/62)

أو فقيرًا- عليه دَيْن للأرض التي تَغْذُوه وتَعُوله وتُؤْويه وتمده وتحفظ له نسله جيلًا بعد جيل، وأداءُ هذا الدَّيْن لا يكون إلا عملًا في حفظها وحياطتها والمدافعة عنها بالسلاح والعلم والعمل والفكر والنفس، فإذا أخلَّ أحد بشيء من ذلك خان أمانة هذا الديْن وأسقط مروءته.
وكيف يمكن أن يمتنع الشاب أو الطالب عن الاشتغال بالسياسة؟ أيمتنع عن قراءة الصحف والكتب لئلا يعرض له الفكر في ذلك والتمييز بين صوابه وخطأه والعمل على بيان مواضع الخطأ ومعاونة الصواب على الاستمرار؟ أم يقرأ أخبار الأمم وأحداثها فإذا أقبل على أمر بلاده طوى الصحيفة واستغفر؟ أم يقرأ ويقرأ ولا يكون إلا كالخزانة، يُلقِي فيها ما يلقي ليحفظ ويصان من لصوص الفكر التي يطلقها عقله في آثارها؟ أم يقرأ ويفكر، ثم يحبس آراءه بين جدران الجمجمة إلى أن يذهب بها الإهمال؟ وكذلك تضعف النفس وتصدأ وتتآكل، لأن الإيمان والعمل هما جلاءُ النفس وصقلها لتبقي أبدًا مشرقة.
إن الشباب -ولابد- مشتغل بالفكر في السياسة، ونصرة مذاهب الحق فيها -كما هو- مشتغل بالعلم والأدب والفن، ولكن الإشكال كله في انفساخ القوة الخلقية التي يجب أن يقوم عليها العلم والأدب والفن والسياسة، وكل عمل فتربية الخلق أوَّل. ثم ارموا -بالشباب- حيث شئتم فإنهم عصام الشعب، وهم ذادة الوطن، وهم أصحاب المستقبل.

المرأة والرجل
لشدّ ما اجترأت المرأة في هذا العصر! ! وإذا أخذت المرأة أسلحتها -من الزينة والتطرية (1) والجمال والفتنة، وجيَّشت غرائزها- من الحذر والحيلة والضعف والإغراء، لم يبق للرجل إلا أن يستقتل أو يفر. . . وقد أقامت "وزارة الشؤون الاجتماعية" مناظرة بين الأستاذ "محمد فريد أبو حديد" والسيدة "زاهية مرزوق" وكان غرضها هو "كيف ننهض بالأسرة؟ ". والظاهر أن السيدة
__________
(1) التطرية: يعني بها الأستاذ: المكياج أو التواليت، وهي كلمة استحدثها انظر ص 199.
(1/63)

الكريمة قد اعتقدت في قلبها معنى "حرية المرأة" بالإصرار والتعصب فأخذت تنتزع رجولة الرجل شيئًا فشيئًا حتى ليخيل لسامعها أنه مخلوق وحشي منطلق من كل قيود النبل، فهو عندها أناني لا يؤثر على نفسه، وهو معنى متجسم للفوضى في بيت الأبوة والأمومة، وهو جاهل متحامل على ضعف المرأة لا يرحمها ولا يحس بآلامها، وهو فاجر متوقح يستجر الأخطاء ويجنيها ثم يرمى المرأة بها وينسَلُّ منها.
وأنا لا أريد الآن أن أدافع عن الرجل، ولكني أريد أن أسأل السيدة الكريمة ومن يذهبُ مذهبها من النساء: إذا كانت هذه صفة الرجل في أنفسكن، وإذا تحدثتن بمثله فبلغ الأسماع في بيوت العقائل، فوقع في آذان الأم والزوجة، والفتاة الجاهلة الطياشة، فاعتقدنه ومالت إليه أهواؤهن، فبأي عين تنظر المرأة إلى زوجها والفتاة إلى خاطبها؟ وأيُّ معاملة يلقاها الرجل بعدُ على أيديهن وبألسنتهن! كلا يا سيدتي، إن المرأة هي تجني أكثر الذنب فيما نعلم، ثم تتنصل، وهي كل الأنانية إلا أن يتصل أمرها ذلك بمصدر الأمومة في غرائزها، فهي عندئذ مثال الإيثار والتضحية، وهي صاحبة الفضائل كلها إذا أُثيرت أمومتها وإحساسها بالمحافظة على النوع الإنساني، وأما بغير ذلك، فهي المرأة بضعفها وأنوثتها وحاجتها إلى عون الرجل وتضحيته ورحمته. وليس للمرأة عمل إلا أن تعمل دائمًا على أن تجعل الرجل في عينيها تمام إنسانيتها، وبذلك تستصلح منه ما عسى أن يكون فاسدًا، وتتم ما وقع إليها ناقصًا، ويبنى البيت -بَيتهما- على أساس من القوة الداعية للبقاء، فمن الرجل الرحمة والإخلاص، ومن المرأة الاحترام والعفاف، ومنهما النسل الجميل المحفوف بالفضيلة من جميع نواحيه.

أبو العباس السفاح
لم تتسع كلمة هذا الأسبوع لتحقيق لقب السفاح أبي العباس عبد الله بن محمد أمير المؤمنين، فأرجأنا ذلك إلى العدد القادم ..
(1/64)

التقليد
لم أكد أفرغ من قراءة ما تيسر لي أن أقرأه في هذا اليوم وما قبله حتى عاودني الفكر في أصول ما قرأت من كلام الكتّاب والشعراء، ووقفت أستعيد في نفسي تلك التيارات الكثيرة التي تموج بنفوسهم من تحت اللفظ والعبارة والمعنى والغرض. ولقد ظننت -حين أقدمت على قبول كتابة هذا الباب من الرسالة- أن انبعاثي للكتابة وطول ممارستي لمادتها كفيلان بنهنهة النفس عن بعض ثورتها، ولكني أخطأت، فإن أكثر ما حملت نفسي على قراءته يكاد يؤرِّث النار كلما خبت، ويعيدها جَذَعة (1) كلما طفئت، ويدفعني إلى مثل الحريق من الألم والحسرة والغضب للأدب العربي أن يكون إلى مثل هذا الضعف والفساد والقبح مصيرُه وعقباه.
إن أصحاب هذا اللسان العربي والناطقين به قد أصابتهم في عصور متتابعة مصائبُ الجهال والغفلة والضعف فتحطمت عروش الدولة في بلادهم كلها وعدا عليها كل عادٍ من ذؤبان الأمم فاستذلوهم وأخذوهم وفتكوا بهم وقَضْقَضُوا أوصالهم بالعنف والاستبداد تارة، وبالرِّفق والسياسة المتدجِّية، تارة أخرى. ثم جاءت أيام بعثت من تحت الليل جمرات تفرقت ثم اجتمعت ثم استطار شرارها فرمى في كل هامدة بعض الحياة، وكذلك ثارت أحلام النائمين بتحاسينها وتخاريجها وفنونها فانتفضوا يطلبون تحقيق أنوار لياليهم في سواد أيامهم، ولكنهم قاموا وهبوا على غير نظام ولا تدبير ولا تعبئة فانتشرت القوى الجديدة وتمزقت، فضعفت وأخفقت، ولم يكن منها ما كان يُرْجَى لها من الغلبة والظفر والسيادة، وبقي الضعف في هذه الأمم العربية هو عمادها وعماد أعمالها في عصر من القوة الأوربية الطاغية يمتد ويتراحب وينساح في الأرض كلها متدافعًا متدافعًا لا يقف ولا يفتر.
ومن بلاء الأمم الضعيفة بنفسها أن انبعاثها إلى التقليد -تقليد القوي- أشد
__________
(*) الرسالة السنة الثامنة (العدد 343)، 1940 ص: 143 - 145
(1) جَذَعَة: عادت كما بدأت، ولا يقال ذلك إلا في الشر.
(1/65)

من انبعاثها لتجديد تاريخها بأسباب القوة التي تدفع في أعصابها عنفوان الحياة. والضعف يجعل محاكاة القوى أصلًا في كل أعماله. فلما فسدت قيادة أصحاب الرأي عند هذه الأمم الضعيفة، وكان لابد للمستيقظ من أن يعمل، كان عمل الأفراد متفرقين منسحبًا على أصلين: ضعفٌ أورثهم إياه ضياع كيان الدولة السياسي، وضعف كرثهم (1) به تفرُّق القيادة وشتات الأغراض، فلا جرم أن يكون كل عمل موسومًا بسمَةٍ من ضعفٍ مُظَاهر بضعف صاحبه، ولا جرم أن يكون أعظم أعمالنا هو تقليد أعمال الناس على الهوى والجهل والدهشة المتصرفة بغير عقل.
هذا كل شيء تحت أعيننا وبأيدينا: بيوتنا، مدارسنا، أبناؤها، رجالنا، نساؤنا، علمنا، أدبنا، فننا، أخلاقنا. . . كل ذلك على الجملة والتفصيل قد وُسم بميسم الضعف والتفرق وانعدام التشاكل بين أجزائه التي يتكون من مجموعها معنى الأمة، وكلها تقليد قد تفرقت في جمعه أهواء أصحابه من هنا وهنا. والتقليد بطبيعته لا يتناول من الأشياء إلا ظاهرها، فكل مآخذنا من أجل ذلك ليست إلا مظهرًا.
هذه المرأة -وهي فن الحياة الذي يَشْتهِي أبدًا أن يبدع حتى في الأذى- ما تكادُ ترَاها عِندَنا إلا دُمْيَة ملفّقةً من الحضارات وبدعها. . . ثيابها، زينتها، حليها، تطريتها (2)، شعرها، تطريف (3) بنانها، مشيتها، منطقها. . . كل ذلك أجنبي عنها متكلف منتزع من مظاهر غانيات باريس وعابثات هوليوود، ليس له من جنسها ولا أصلها شبَةٌ تَنْزِع إليه، وأسمَجُه أنه ملفَّق لا يتشاكل تشاكل المصدر الذي اجتلب منه بالتقليد.
وهذا الكاتب وهذا الشاعر -وهما فن الحياة الذي يعمل أبدًا في تجديد معانيها بالتأثير والبيان- لا تجد فيما يكتب أكثرهم إلا المعاني الميتة التي نقلت
__________
(1) كل أمر أثقل الإنسان وشقّ عليه فقد كَرَثَه (من باب ضرب).
(2) يعني بها الأستاذ "المكياج"، وهي كلمة استحدثها.
(3) أراد بها "المانوكير"، وهي كلمة استحدثها الأستاذ، انظر ص: 199.
(1/66)

من مكانها بالاعتناف والقسر فوضعت في جو غير جوها فاختنقت فمات ما كان حيا من بيانها في الأصل الذي انتزعت منه.
وهكذا. . . هكذا كل شيء تأخذه العين أو يناله الفكر، إنما هو دعوى ملفقة وتقليد مُسْتَجْلَبٌ وبلاءٌ من البلاء. ولا نزال مقلدين حتى يستطيع الأحرار -وهم قلة مشردة ضائعة- أن يبسطوا سلطانهم على الحياة الاجتماعية كلها، ويردوا إلى الأحياء بعض القلق الروحي العنيف الذي يدفع الحي إلى الاستقلال بنفسه والاعتداد بشخصيته، والحرص على تجديد المواريث التي تلقاها من تاريخه، ويغامر في الحضارة الحديثة بروح المجدد لا بضعف المقلد، فعندئذ ينتزع من الحضارة الأسباب التي تنشأ بقوتها الحضارات، ولا يكون موقفه منها موقف المسكين الذليل المطرود من المائدة. . . ينتظر وفي عينيه الجوع ليتقحَّم من فتاتها (1).

صورة النفس
عرضت لي مقالة في مجلة الثقافة عدد (54) عنوانها "الأدب صورة النفس" كتبها الأستاذ "محمد مندور"، وقد استوقفني عنوانها قبل أن أقرأها، لأن هذه هي الحقيقة التي نقولها ولا نصل فيها إلى حق. وقد تغاوى (2) النقاد عليها ومع ذلك فما تظفر من أقوالهم إلا بالمُبهم بعد المُبهم، ولا نجد لأكثرهم شرحًا لها يفي بمدلولها أو بسرها أو يزيل الإبهام عن مسالكها. . . يقول الأستاذ: "وإذن، فالآثار الأدبية والفنية تطلعنا بغير تحفظ على أسرار واضعيها النفسية بأسلوبها الخاص. . . ونحن نقصد بذلك إلى البحث عن نفس الكاتب والشاعر في تضاعيف ما يكتب. . . وعمل الناقد إذن عمل كشف عن أسرار لا تقع تحت البصر لأول نظرة، وسبيله إلى ذلك لا يمكن أن يكون إلا حسًّا باطنيًّا ترهفه التجارب والمعرفة الطويلة بمختلف النفوس. . . .". وكل هذا جيد من القول،
__________
(1) تَقَحَّم الأمر: رمى بنفسه فيه على غير رويّة.
(2) تغاوى النقاد عليها: أي تناولوها واحدا بعد الآخر، وتقال أيضًا بالعين المهملة.
(1/67)

وهو كالشرح على عنوان المقالة. ولكني رأيت الأستاذ ينظر في آثار أدبية لأستاذين جليلين هما: أحمد أمين وطه حسين، وشرع يتكلم عن بعض آثارهما. تكلم عن مقال "في فيض الخاطر" هو: (صديق). فإذا كل الذي قاله وصف يمكن أن يقع على كل كلام، فيقول: "سترى كيف حطم الأستاذ هذا الصديق، فرده إلى عوامله الأولية؟ وقد تقاصرت جمله متجاوبة كأنها ذرات مادية نتجت عن هذا التحليل". . . والنتيجة! والنتيجة أن الأستاذ أحمد أمين أو أسلوبه أسلوب تحليلي، وفيه قوة مخيفة! والأستاذ طموح متقلقل في شتى السبل، لأنه كتب عن الشمس وعن الليل، يستقرى ما يجوب في ظلام الليل، وما تغدقه الشمس؛ ولا يصف جمالها أو وحشته! وهكذا، ولا أدري كيف أستخرج شيئًا من كل الذي كتبه يدل على الذي أراده مما نقلناه آنفًا؟ ولا كيف عمل هو في الوصول إلى هذه الأحكام التي دمغ بها الآثار الأدبية وأصحابها؟ ولا كيف كان عمله في التحليل النفسي الذي أحس به إحساسًا باطنيًّا! !
إنه لابد لمن يتناول مثل هذا الموضوع أن يفصل القول، فلا يجمله، لأنه بلا شك موضوع جليل، والكلام فيه سلوك في مجهل غامض يحمل على الإبانة والإيضاح، وإلا كان الكلام فيه على هذا تقصيرًا لا ينفع، ويكون أنفع منه أن يترجم لنا الأستاذ كلام النقاد الأوربيين الذين مارسوا هذا العمل وأفرغوا له أوقاتهم واستوعبوا الأصول التي يُسَار عليها في معالجته، وكذلك تتم خدمته للأدب والأدباء. . .

أبو العباس السفاح (1)
كنت أحب أن أستوعب في هذا التعليق كل الرأي الذي عرض لي في أمر أبي العباس السفاح أمير المؤمنين، ولكني رأيته قد خرج عن أن يكون من مادة هذا الباب، فلذلك اقتصرت على أشياء أرجو أن تعين الأستاذ العبادي في تحقيقه الذي بدأه، وعسى أن يكون في هذا القول بعض الصواب الذي يسعى إليه.
__________
(1) انظر أول الحديث عنه ص 56.
(1/68)

فمن ذلك أن أبا العباس السفاح، وأبا جعغر المنصور أَخَوان وليا الخلافة العباسية لأول أمرها، وكان أبو العباس أصغر من المنصور بعشر سنين، وأن اسم أبي العباس وأبي جعفر في نسبهما هو "عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس"، فأبو العباس هو "عبد الله الأصغر"، وأبو جعفر هو "عبد الله الأكبر". فإذا كان ذلك كذلك، وأبو جعفر قد لقب بالمنصور وأن الذي لقبه بذلك أبوه فيما نعلم، فلا غَرْو أن يكون أبو العباس كذلك ملقبًا، وأن يكون أبوه قد لقبه كما لقب أخاه.
وإذا كان أبو العباس "عبد الله" هو الأصغر فالتلقيب هو أولى به للتفريق بينه وبين أخيه أبي جعفر "عبد الله" وهو الأكبر الذي ولد أولًا وسمى "عبد الله" من قبله، ويؤكد أمر هذا التلقيب سيرورته بعد في خلفاء بني العباس جميعًا إلى انقضاء دولتهم، فكأنه كان من "تقاليدهم" وتعاليمهم.
وأيضًا فإنه قد وردَ في الحديث عن أبي سعيد الخُدْري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يخرج منا رجل في انقطاع من الزمن وظهور من الفتن يقال له (السفاح) يكون عطاؤه للمال حَثْيًا"، وأئمة الحديث لا يصرفون هذا الاسم إلى أبي العباس، وإنما هو نبوءة كبقية النبوءات التي وردتْ في القرآن الكريم والحديث النبوي لا يدرى تأويلها إلا أن تكون. . .، ولكن الدعوة العباسية فيما يظهر قد جمعتْ بين هذا الحديث وأحاديث أُخر هي من باب النبوءات أيضًا وجعلت منها حديثًا اتخذته في الدعوة إلى إقامة الخلافة في بني العباس، فكانوا يروون للناس عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: "والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لأدال الله من بنى أمية، ليكونن منا السفاح والمنصور والمهدي"، وهم الخلفاء العباسيون الثلاثة على التتابع. ولا شك في أن هذا كان قبل قيام الدعوة بالفتح بزمن طويل. فلعل الإمام "محمد بن علي" قد لقَّب ولديه بهذين اللقبين تفرقة بينهما، وتفاؤلًا بالذي يروون في أحاديث الدعوة العباسية.
وإذا كان ذلك كذلك فمعنى اللقب إذن ليس من "سفح الدم" -وهو بهذا المعنى مجاز مقصورٌ لغرض بعينه- لكنه من الكرم والعطاء والبذل كما ورد في الحديث الذي سقناه آنفًا من أن "عطاء السفاح للمال حثْيًا" لأنه لا يصح في
(1/69)

العقل أن يلقب أحد ولده بهذه المذمة القبيحة وهو ينصبه للناس خليفة، وقد لقب أخوه من قبل بالمنصور. نعم قد سمت العرب في جاهليتها بالأسماء المنكرة، ولكن الإسلام جاء فحسم ذلك كله، ولم يبق من التلقيب والتسمية بالمنكر من الألفاظ شيء في أكثر البادية العربية، فكيف في الحضر ثم في أعظم بيوت الحضر، وهو بيت العباس؟ وقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة فهو قد غير أسماء كثير من الوافدين عليه من أصحابه "كزحم بن معبد" فسماه بشيرًا، وجميلة امرأة عمر بن الخطاب وكان اسمها "عاصية" وخلق كثير.
وعلى هذا الأصل نرى أن الناس في صدر الإسلام سموا "السفاح" فمنهم: السفاح بن مطر الشيباني، وهو ممن ولد في النصف الثاني من المائة الأولى للهجرة وكان من أصحاب الحديث، والسفاح أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن الزبيدي لأمه وهو من التابعين، وقد روى عن أبي هريرة وغيرهما. ولا شك أن التسمية هنا منصرفة إلى المدح لا إلى الذم، فصفة أبي العباس السفاح هي إلى العطاء والكرم كما ذهب الأستاذ العبادي أولًا، ثم رجع حين تعقبه الأستاذ أحمد أمين.
أما النص الذي نقله الأستاذ عن اليعقوبي من أنه قال: عبد الله بن علي الأصغر وهو السفاح"، وهو عمّ أبي العباس والمنصور، فإن أصله منقول من ابن سعد في طبقاته حين ذكر أولاد علي بن عبد الله بن عباس فقال: "عبد الله بن علي الأكبر. . . وعبد الله بن علي الأصغر السفاح الذي خرج بالشام"، فهذا هو الأصل ولا يرى فيه إرادة التلقيب كالذي يرى من نص اليعقوبي، وإنما هي صفة كالسفاك والقتال. نعم، وأنا لا أدري كيف ادعى الأستاذ العبادي أنه اشتهر بذلك فانتقلت هذه الصفة إلى أبي العباس أمير المؤمنين، فإن الطبري وأئمة المؤرخين قد ذكروا عبد الله بن علي عم أبي العباس وأبي جعفر في أكثر من خمسين موضعًا ولم يلقبه أحدهم بهذا اللقب، فكيف يمكن أن ندعي أنه اشتهر به حتى كان من جراء هذه الشهرة أن اختلط على الناس وعلى الأدباء وعلى فلان وفلان كالجاحظ وابن قتيبة فوضعوا صفة "عبد الله بن عليّ" صفة "لعبد الله بن محمد" على قرب العهد. وكيف جاز أن يقع في ذلك الجاحظ في روايته، وهو أدق العلماء
(1/70)

رواية، وهو الذي رد أكثر رواية الهيثم وابن الكلبي وغيرهما من أصحاب الأخبار؟
وخبره الذي رواه وذكر فيه السفاح في البيان والتبيين ج 1 ص 93 أخبره به "إبراهيم بن السندي" وقد قال فيه ج 1 ص 326:
"وكان إبراهيم بن السندي يحدثني عن هؤلاء بشيء هو خلاف ما في كتب الهيثم بن عدي وابن الكلبي، وإذا سمعته علمت أنه ليس من المؤلف المزور، وكان عبد الله بن علي وداود بن علي يعدلان بأمة من الأمم. ومن مواليهم إبراهيم ونصر ابنا السندي، فأما نصر فكان صاحب أخبار وأحاديث، وكان لا يعدو حديث ابن الكلبي والهيثم، وأما إبراهيم فإنه كان رجلًا لا نظير له. . . وكان. . . وكان. . . من رؤساء المتكلمين وعالمًا برجال الدعوة وكان أحفظ الناس لما سمع وأقلهم نومًا وأصبرهم على السهر".
فرواية الجاحظ فيما نرى أقوم من رواية غيره، وهي دليل على صحة الصفة التي وصف بها أبو العباس أمير المؤمنين، والجاحظ قد أدرك صدر الدولة العباسية، ولم يكن بين مولده ووفاة أبي العباس السفاح كبير دهر حتى يكون ممن يختلط عليه الحق في مثل هذا الأمر، وبخاصة وهو يروي ما يروي عن الثقات في معرفة أخبار رجال الدولة.
أما سكوت الطبري وغيره -من متأخري المؤرخين عن صدر الدولة العباسية- فليس يعد دليلًا على بطلان هذا اللقب. وإن دل على شيء فربما دل على أنهم جانبوه وتباعدوا عنه وتركوه لما كان قد انتشر في عصرهم من معنى السفاح على أنه السفاك للدماء، وخفاء معنى هذا اللفظ الأول وهو الكريم الباذل الفياض الذي يكون عطاؤه للمال حثيًا.
هذه كلمةٌ صغيرة إلى الأستاذ العباديّ أرجو أن أكون قد بلغت بها بعض رضاه في التعقيب على رأيه الذي انتهى إليه ووقف عنده. ولعله يعود إلى الذي كتبه فإن له بالعلم بصيرة نافذة مسددة إن شاء الله.
(1/71)

العيد
أيتها الأيام السعيدة الهاربة من عمل الدنيا ببراءتها من الشقاء، أيتها الأيام الصغيرة المتلألئة في ظلام الزمن بأفراح السعادة، أيتها الأيام الذاهلة عن معاني الآلام!
أنت هكذا أبدًا، وهكذا أبدًا تعودين. . .
ولكن هل تستطعين أن تمنحي الناس جميعًا بعض سعادتك وأفراحك ولذاتك البريئة؟
هل تستطيعين أن تمنحي العقول المتغَضِّنة من الهم والكِبَر أفكارًا غضَّة ناعمة كأحلام العذارى؟

الحرب
كانت أيام العيد هدنة سكنت فيها الأخبار المحاربة بمعانيها في أذهان الناس وعواطفهم، وانقطعت الصحف الأخبارية أيامًا عن الظهور، فانقطع أكثر الحديث عن الحرب المخيفة بأوهامها قبل حقائقها، وهدأ الناس.
أذكرتني هذه الأيام المسالمة بتأثير الحرب في الأدب، وحملت إليّ صورًا كثيرة مما قرأت في الصحف والمجلات الأدبية، ولا أدري، فيخيَّل إليّ أن المجلات الأدبية منذ بدأت الحربُ إلى اليوم قد أفرغت كثيرًا من صفحاتها للحرب، وشرحت صدرها لكثير مما يتعلق بها، ومع ذلك لا أكاد أجد إلا القليل من هذه الأحاديث يصلح أن يكون من أغراض المجلات الأدبية، وإنما هو بأغراض الصحف اليومية الأخبارية أليق وألصق. ومن الوهم المتفشِّي أن يدّعي مدع أن أثر الحرب لابد أن يكون كذلك، وأن مثل هذه الأحاديث هي سمة الحرب على أدب الأدباء، فإن أثرها في فكر العامة لا يكاد يخرج عن مثل ذلك. أما أثرها على الأدباء فهو أشد تغلغلًا في طوايا النفس، وأشد هزًّا لعواطف
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 343) 1940، ص: 181 - 183
(1/72)

الإنسانية. فإذا أقررنا أن الحرب إنما تتدافع في صدور الأدباء والشعراء ورجال الفن لتكون كالتيار الذي يتدافع بالبحر فينشئ له الأمواج المتصارعة المتدفقة مخافة أن يركد فيأسن، لم نجد بُدًّا من اعتبارها كالمدد للمعاني الخائفة التي تنزوي في كهوف النفس الإنسانية السامية الطامحة، تجرّؤها وتذمرها وتؤلبها من هنا وهنا لتتعارف وتتساند وتندفع إلى غمارها مجدة إلى المثل الأعلى الذي هو أحلام النفوس الرفيعة الدائبة أبدًا إلى الأغراض النبيلة.
فإذا كان ذلك كذلك، فأثر الحربِ إنما هو تنبيهٌ للمعاني والأغراض التي تحيك في صدور الأدباء والشعراء، وتطريقٌ للمسالك الغامضة التي يراد منهم أن يمهدوها ويكونوا أدلاء للناس في مجاهلها ومنكراتها. إن الصحف اليومية الأخبارية عليها أن تمد الناس بأخبار الحرب وصفاتها وصفات بلادها المتحاربة، وعواقبها الدانية أو البعيدة لأحداثها، ولكن مهمة الأدباء الذين يمارسون تحرير المجلات الأدبية أن يتعقبوا مَعاني أسْمَى من هذه المعاني المبتذلة التي توضَعُ عن أفكار الناس حين تضع الحرب أوزارها، عليهم أن يسبقوا أحداث الحرب بتمهيد جديد إلى حياة أخرى تبرأ من الغرائز الدنيئة التي دفعت العالم إلى هذا الشر البغيض الذي لا غرض له إلا استبداد السلطان، واستعباد الناس بعضهم لبعض. وإذن فهم -لابد- يبحثون عن العلل والأمراض التي داخلت المدنية الحديثة، فجعلت قوة الافتراس فيها هي الأصل الذي بنيت عليه عقائدها وأعمالها، غير متحيزين إلى فئة بعينها، فإن الأسلحة المشرعَة الآن في جميع الصفوف لن تعرف بعدُ معنًى إلا معنى الحرب وحدها بوحشيتها وجوعها وقرمها. . . لن تعرف إلا الدَّمَ وشهوة الدم، وتنقرض العواطف الرقيقة التي تملأ النفس ورعًا وتقوى وحنانًا. وإذا استبان لهم مكنون هذه العلل استطاعوا أن يمهدوا السبيل للحياة الجديدة المبرأة من أسبابها الباغية، فمنعونا شرها ثم شر الآثار والعواقب التي تأبى شياطين الحرب إلا أن تزينها للباقين والناجين من أحلاسها (1).
__________
(1) أحلاسها: شرورها اللازمة. المفرد: حِلْس، وأصله كساء يوضع على ظهر الدابة، فهو ملازم لها أبدًا، فقيل للفرسان المقاتلين الذين يلزمون ظهور خيولهم: أحلاس الحرب.
(1/73)

هذا هو عمل الأدباء والشعراء على الاختصار والإجمال. أما أن يتوهم متوهم أن أثر الحرب إنما يكون إذ يلوك أخبارها وأحداثها ويمضغها في لفظه وعبارته مضغ الكلأ، فذلك شيء لا يقع عليه إلا عقل العامة الذين لا ينفذون في المعاني إلا على الوهن والضعف والفساد. إن أفكار الأدباء التي تسمو بألفاظها ومعانيها سمو الروح بين خوافق السماء، وإن أحلام الشعراء التي تختالُ في زينتها رقيقة ناعمة أو ثائرة مُتفجرة -هي أحبُّ إلى نفوس الناس في زمن الحرب، لأنها تنفيس عنهم من كرب الحروب، وإخراج لهم من حمأة الدم الذي ينشر رائحته مع كل نَفَس، ثم هي التمهيد الصحيح لتهذيب النفس الإنسانية وتربيتها والتسامى بها عن المعنى الحيواني الضاري الذي تنشّئه الحروب في مهد من الأشلاء والدم.

العقل المصري! !
كتب الأستاذ (محمود المنجوري) كلمة في السياسة الأسبوعية (155) يريد أن يكشف بها عن (طبيعة العقل المصري، ومدى تأثرها بالانقلابات) الاجتماعية أو السياسية أو الدينية. وساق حديثه فيها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية. ونحن نتجاوز عن بعض الخطأ الذي وقع الأستاذ فيه عصبيَّة للعقل المصري كما يسمّيه، كدعواه أن إنشاء الأزهر كان نتيجة للأسباب الفكرية والاجتماعية والروحية -التي نشأت في مصر فيما يرى- فأريدَ إقامة الدعوة الفكرية المتميزة عن صواحباتها في سائر العالم الإسلامي بإنشاء هذا المعهد العلمي العظيم. ولا شك في أن هذا تأويل غير جيد لحقائق التاريخ، فإن الفاطميين هم أنشأوا هذا المسجد الجامع لأول فتحهم لمصر، ولم يكن للعقل المصري إذ ذاك كبير شأن ولا صغيره في دفع الفاتحين إلى إقامة هذه العمارة في مصر، وإنشاء الأزهر كان لغرض في نفس الفاطميين أصابوه أو أخطأوه. . . فليس ذلك من شأننا هنا.
وأيضًا فأنا إلى اليوم لا أكاد أعرف شيئًا يمكن أن يسمى "العقل المصري" أو "العقل الإنجليزي" أو "العقل الفرنسي" وهلم جرّا، حتى يوضع في كفة
(1/74)

وحده أعدت له في موازين العقول، وليس قيام المدنيات بأجزائها على "العقل" حتى يمكن أن يقال إن العقل المصري هو الذي استطاع أن يبقى خالدًا والمدنيات من حوله تفنى وتبيد. حقًّا إن مصر -وغير مصر من الأمم التي كانت منزلًا لمدنيات كثيرة متباينة- قد احتفظت مع هذه المدنيات بأشياء امتازت بها، ولكن هذه الأشياء المميزة لم يكن مرَدُّ أكثرها إلى العقل بل كان مردها إلى الطبائع التي أنشأتها إرادة الإقليم المسيطرة على الطبائع الإنسانية، وإلى العادات المتوارثة التي لم تقاومها هذه المدنيات مقاومة الحرب والإبادة، فلذلك بقيت هذه المميزات قائمة سائرة متعارفة، فيخيل لبعض من لم يَغُرْ إلى أعماق هذه المخلفات أنها ظواهر عقلية مع أن الحق غير ذلك. .
ونحن نجد الجنس من الناس ينزل أرضًا غير أرض، فما يمضي الجيل أو الجيلان حتى تفنى المميزات الجنسية في نسلهم من أبنائهم وأحفادهم، ويبدأ الوطن الجديد بطبيعته المستبدة في تحويل هذا النسل إلى طبائعه التي تلائم تربته وسماءه وجوه وحاجات سكانه، فكذلك المدنيات إذا نزلت أرضًا خضعت لما يخضع له الإنسان الحي المتحدر من أصلاب قوم غير سكانه الأوائل، وجعلت تتميز بضرورات الإقليم الطبيعية.
ولماذا يريد كثير من الكتّاب أن يجعلوا عقول أممهم بدْعًا في العقل الإنساني؟ لا أدري، وما يكاد يدري أحد من هؤلاء ما هو العقل، وكيف يتميّز في الإنسان، أو كيف يتبيَّن في الأفكار أو المدنيات مكان العقل من مكان غيره من الغرائز والطبائع والدوافع وما إلى ذلك من الأشياء التي تشترك في نتاج الفرد ثم في إنشاء المدنيات الاجتماعية؟ ولو استطاعوا لأبانوا لنا -على كثرة ما يقولون- عن موضع واحد يقولون فيه هذا "صنع العقل" الفلانِيّ. إن العقل المصري كغيره من العقول يقبل كل شيء، ولكن طبائع الإقليم تريد أشياء وتنفي أشياء لأنها لا تستطيع البقاء في سلطانها. إن جوهر الأشياء كلها لا يتغير في العقل بعد العقل، ولكن الأعراض هي التي يصيبها التبدُّل والتغيير لأنه من طبيعتها أوّلُ، ولأن العقل لا يعمل فيها عملًا إلا للتدبير والتصريف وحسب.
(1/75)

وقد عرضَ الأستاذ (المنجوري) في مقاله هذا إلى عهد الاحتلال وما صنعت سياسته في أخلاق مصر وتعليمها، وكيف حطم بجوره وعدوانه كل الصلات القوية التي يعتمد عليها ترابط الكيان الاجتماعي، فتمزقت الجهرد المصرية في الإصلاح، واستبدَّت الشهوات الجارفة بأخلاق الطبقات كلها، ففشل الاجتماع المصري في إرادته، وقام على أساس فاسد من الأخلاق حتى صار أكثر ما نرمي إليه غرضًا فرديًا لا قيمة له في البناء الاجتماعي، ومن هنا استبد المستبد وصارت السيطرة الفردية في كل أعمالنا هي المبدأ، فلم يقم بيننا التعاون على أساس صحيح، وكذلك تنازعت الشهوات أعمالنا فصار الآخر بأنانيته يريد هدم عمل الأول لينفرد بأحدوثته وَصِيته، كالذي رأيناه في الحكومات الكثيرة التي تعاقبت على الدولة المصرية فشرعت ووعدت وبدأت وسارت، ثم جاءت أختها من بعدها لتقف كل ذلك وتبدأ من جديد بلجانها وتقريراتها واقتراحاتها، تريد أن تخالف وأن تنشئ وأن توجد، ثم هكذا دواليك حتى غدت وعود الحكومات عند المصريين خاصة والشرقيين عامة إلى مثل التي يقول فيها كُثَيِّر عزَّة:
تَمَتَّعْ بها ما ساعفتك، ولا تكن ... عليك شجى في الصدر حين تبينُ
وإن هي أعطتك الليان، فإنها ... لآخرَ من خُلّانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمَخْضُوبِ البَنَان يَمينُ
فهذه أمراض وأوبئة لا تزال تنتشر، ولابد من مكافحتها مكافحة صارمة بغير هوادة. فهل في الذين يصير إليهم السلطان الوازع العامل من يستطيع أن يتجرد لمكافحة هذه الأوبئة، ولو كان في كفاحها كفاح لنفسه وشهواته وأغراضه؟ هل تجد مصر أخيرًا طبيبها المغامر؟ ليتها تجد. . .

المنطلق
قرأت في العدد 341 من "الرسالة" أغنية -أو هكذا سمّاها صديقنا- بعنوان "الناى". قال الأستاذ بشر فارس: وهي على بحرين مختلفين رغبة في
(1/76)

تنويع مجرى النغم، والبحر الأول وضعه الشاعر، وأجزاؤه: "فاعلاتن مفاعلتن" مرتين وليكن اسمه "المنطلق" انتهى.
وصديقنا بشر شخصية جوالة في معاني الدعَة والرقة واللطف والظرف والابتسام والمرَح، وسائر هذه الكلمات الراقصة بألفاظها قبل معانيها. وهو كالبحر الذي زعم أنه اخترعه وسماه "المنطلق". . . فهو منطلق في كل أشياء الحياة بأحلام كأحلام الليل جميلة هادئة ساكنة. . . ولكن إذا فجأها النهار تطاردت له هاربة وقد تركت آثارها أخاديد نديّة كذكريات الحبيب الهاجر في قلب العاشق. . .
وهذا البحر "المنطلق" كما يسميه، قد أرسله على مثل هذه الأبيات:
"جَنِّبوا الناي عن أُذني ... أُذُني زلزلتْ طَرَبا
مثلَ قلب تُحَدِّثهُ ... سرَّه السرْدُ فاضطربَا"
وقد زعم "بشرٌ" أنه وضعه، ونحن نُسلِّم لبشر ما يقول، ولكن أصحاب العَروض هم أبدًا كبحورهم لا يهدأون، فقد زعموا أن الأخفش قد تدارك على الخليل بحرًا سموه "الشقيق" يزعمونه أخا "المتقارب"، وسموه المحدث والمخترع والخبب إلى غير ذلك وعُرف عندنا باسم "المتدارك" -أي الذي تداركه الأخفش على الخليل بن أحمد- وأصل تفاعيله عندهم: "فاعلن، فاعلن، فاعلن، فاعلن" مكررة، وله عروضان تامة ومجزوءة، فالعروض المجزوءة هي: "فاعلن، فاعلن، فاعلن" مكررة.
وهذه العروض المجزوءة من بحر المتدارك، هي زنةُ شعر بشر قد دخلها من رِقَّتِه ما جعلها تتأوّد عند قوافيها لتستريح؛ فالبحر ليس إذن "منطلقًا"، ولكنه "خليع المتدارك".
وسائر أبيات القصيدة في قوله مثلًا:
"أوتار الخاطر تغمزها ... أَنَّاتُ الناي فترتجف"
هي أيضًا من عروض المتدارك التامة دخلها التشعيث والخبن كقول ابن حَمديس:
(1/77)

صادَتكَ مَهاةٌ لم تُصَدِ ... فلواحظُها شركُ الأسَدِ
من توحى السِّحر بناظرة ... لا تنفثُ منه في العُقد
هذا في مخترع "بشر" ولكن ما بال هذا الصديق يريد أن يزلزل أذنه، ونحن لم نفرغ بعد من حديث الزلازل التي هدمت ما هدمت في الأناضول، لماذا أيها الصديق؟ ولماذا تريدنا أن نشعر أن أذنك وحدها -دون سائرك- هي التي تطرب، ولا يكون طربها إلا زلزلة.
كفي. . . كفي، فإني إذا نقدت "بشرًا" فلن أجد الراحة بعد، وإن كنت أظن أني لم أفهم الشعر كله جيدًا. . . فلعله شعر جديد، والجديد على من بدأ الشيب يغزوه يبليه ويخيفه فينتشر عليه فهمه فلا يفهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. . .
(1/78)

الغذاء العقلي والروحي للشباب
ألقى الدكتور طه حسين في قاعة الجامعة الأمريكية كلمة أُريد عليها، كما قال في أول كلامه، فاستغرقت هذه الكلمة من الوقت ساعة أو أشفَّ قليلًا، افتتحت بالتصفيق الشديد للدكتور طه حين خرج على الناس ليتكلم! !
ولستُ هنا في مقام التلخيص لهذه الكلمة، ولكني بالمكان الذي يجب عليَّ فيه أن أشقّ للقراءِ موضع الرأي الذي ينبغي لهم أن يشغلوا أفكارهم به ولو ساعةً من نهارٍ، كما شغل الدكتور طه سامعيه ساعةً من ليل يوم الإثنين 29 يناير سنة 1940. وليس في القراء الذين يعرفون الدكتور طه من يجهلُ أن أوّل ما يتكلم به الدكتور إِنْ هو إلا أن يجعل مَردّ كل شيء إلى "يونان" ومدن يونان. . . فلا شك إذن في أن أول نظام عرف للغذاء العقليّ والروحيّ للشباب، إنما كان في المدن اليونانية والحضارة اليونانية والعقلية اليونانية! ! فهذا شيءٌ مفروغٌ منه قد جعله الدكتور طه مذهبًا لا يحيدُ عنه، وأسلوبا لا يسلُك غيرَه، ولا بأس بذلك. . . فأنا أعتقد أن اختلاط المدنيات المتعاقبة على الأزمان المتقادمة، قد جعلت لصاحب الرأي سعةً يذهبُ فيها حيث يشاء. فلو قلت أنا مثلًا: إن أول نظامٍ عرفه التاريخ لتنظيم الغذاء الروحي والعقلي للشباب، إنما كان بالصين، وقد فصَّله لنا ما بقي من آثار "كونفوشيوس" فيلسوف الصين الأكبر، لوجدت من الدليل ما أستطيع أن أقيم بها عِوَجَ الرأي، وأردُّ به على مخالفيّ رد إِلزامٍ وخضوعٍ. . . وكيف لا أستطيع ذلك وفي كل كلمةٍ من كلام هذا الفيلسوف العظيم توجيهٌ لقوى الشاب الصينيّ إلى الخير المحض، وهو الذي يقول: "من حق الشاب أن ننظر إليه بعين الاحترام، فما يدرينا أن علمه في المستقبل سيكون فوق علمنا في الحاضر؟ أمّا من أسند في الأربعين أو الخمسين من عمره ولم يشتهر بعلمٍ من العلوم، فلا يستحق أن ننظر إليه بعين الاحترام". وقد جَعَلَ كل جهده في تدبير شؤون الدولة الصينية، يقول: "إن الاضطراب قد مزّق البلاد بالفوضى، فمن
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 344)، 1940، ص: 222 - 224
(1/79)

الذي يُعيدُ نظامها"، "لا يمكن أن أعاشر الطيور والوحوش. . . وإذا أنا لم أعاشر هذه الأمة، فمن أعاشر؟ لو كانت البلاد تحت سياسة عادلة لما كنت في حاجة إلى أن أُحاول إعادة نظامها". . .
هذا وغيره من تاريخ الأمة الصينية وتاريخ فيلسوفها يعلمنا أن أول نظام كان إنما كان بالصين، فإن شئت أن أقول الهند وأسوق الدليل فعلت. فأنت ترى أن المذهب يتسع في الحضارات القديمة لكل رأي يحتمل به صاحبه إن شاء. واليونان من الأمم القديمة ذات الحضارات القديمة، وإنما نفَعَها وجعَلَها مثابة لبحثِ كلُّ باحثٍ يريدُ أن يردَّ إليها مذهبًا من المذاهب، بقاءُ كثير من آثارها. ثم قيام أوربا الحديثة بإحياء ما طَمّ عليه الزمن من مدنيتها، وأخفى أمر الحضارات الأخرى ضياع أكثر آثارها أو بقاؤها في قبر من الإهمال والنسيان، وهمود النشاط في البلاد الشرقية التي هي أحق بإحياء آثارها. هذا قليل من كثير يمكن أن يقال في مثل هذا الأمر من أمور التاريخ القديم.
وبعد هذه المقدمة، ساق الدكتور طه حديثه ببراعته التي لا يستعصى عليها غامض ولا بعيد ولا متشامخ. وأنا وإن كنت أظن أن الدكتور طه لم يوفق في كلمته كل التوفيق ولم يمس أغراضها إلا مسًّا رفيقًا غامضًا بعيدًا، فإني أعترف بأنه قد استطاع بحسن تحدُّره في المعاني أن يثير من الآراء ما يجبُ أن يُثَار في أفكار هذا الجيل، حتى يمكن بعد ذلك أن نستصلح من أمورنا ما أفسده طغيان الجهل واستبداد الحاكمين، وتوالي المصائب المرهقة على شعب نائم لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أسبابها، ولا أن يذودَ الوحوش الضارية التي فَرَضَتْ عليه بالاستعباد أقسى ما يمكن أن تبتدعه من ضروب الفتك والعدوان.

الدولة والثقافة
فأهم ما تناوله الدكتور في حديثه هذا هو بيانُ موقف الحكومة من الأمة التي رضيتها أن تقبضَ على زمام الأمر فيها تصرفه بما ينفع الناس ويزيدهم قوة على قوتهم. فالأمم كلها قد أسلمت إلى حكوماتها أمر القيام على الثقافة والتعليم، وأعطها من حُرِّ مالها ما تستطيع أن تنشيء به نظامًا كاملًا للتعليم يكون فيه رضى
(1/80)

الشعب وحياطته وتوفير أسباب النهوض العقلي له، وحماية أفراده من أمراض الجهل وأوبئته التي تهد قوى الشعوب وتفتك بالعقول التي خلقها الله لتعمل في تدبير الحياة الإنسانية للوصول بها إلى الكمال الممكن على هذه الأرض.
وإذا كانت الحكومة -أو الحكومات- تأخذ من الشعب الأموال المتوافرة الكثيرة بالضرائب التي تفرضها عليه في كثير من مرافق حياته كتجارته وزراعته، لتتخذ هذه الأموال في تدبير الجيش وإعداده وتسليحه وتقويته ليدفع عن الأمة شر المطامع الأجنبية التي لا تلبث أن تغزو البلاد إذا وجدت منه ثغرًا مُضاعًا تنفذ إليه منه، فمن العبث أن تهمل شأن الفرد الذي يقوم به معنى الجيش، والذي هو المدد الأول للجيش بروحه وعقيدته وفكره وقوته. فالجيش الذي يتكون ويتجمع من شعب جاهل معذب بالجهل محطم بالضعف العقلي والخلقي، لا يمكن أن يكون جيشًا مؤتمنًا على ثغور البلاد يحميها من غوائل الحروب.

الأغنياء والفقراء
وإذا كانت الحكومات جميعًا لا تفرِّقُ في إمداد الجيش بين طبقات الشعب كلها ناظرة إلى الغني والفقر، فمن الخطل الذي ليس بعده خطلٌ أن يقوم نظام تعليم هذا الشعب على التفريق بين الغني والفقير، فكلاهما قد فرض عليه أن يبذل دمه وماله وقوته وجهده في الدفاع عن أوطانه التي تحكمها هذه الحكومة، فمن حقه على الحكومة أن تمده بالأسباب التي يستطيع أن يدافع بها عن هذا الوطن. والأسلحة المختلفة هي بعض أدوات الدفاع، ولكن الأداة الكبرى في الدفاع إنما هي الرجل الذي يحمل هذه الأسلحة، فيجب أن ينصرف أعظم هَمِّها إلى أحياء الرجل في طبقات الشعب غنيها وفقيرها على السواء بالحرص على إعطاء الشعب غذاءه كاملًا من الألوان المختلفة من الثقافات المتعددة، كلٌّ على قدر طاقته ورغبته واستعداده، مكفولًا له الحرية في الاختيار مع التسديد والحياطة والنصح.
والحكومة حين تنظر إلى قوى الدفاع تفرض الضرائب على نسبة الأموال التي يملكها الشعب غير مفرقة بين الغني والفقير في نسبة الضريبة التي تتقاضاها منه
(1/81)

اقتسارًا وفريضة، فكذلك يشترك الغني والفقير على السواء في تحمل واجبات الحرب. فأولى إِذن أن يشترك الغني والفقير معًا في القيام بأعباء التعليم والثقافة ونشرهما والمساواة في منحهما للغني والفقير على المساواة بغير تفريق. وليست تفرق الحكومات على الحقيقة بين الغني والفقير بقانون موضوع، وإنما هي تفرق بما هو أعظم خطرًا من القانون الوضعي لأنه قانون الطبيعة وقانون القدر. فالغني يستطيع أن يدخل أبناءه جميعًا بيوت العلم من الابتدائي إلى العالي مستعينًا على ذلك بماله الذي استخلفه الله عليه، والفقير لا يستطيع أن يفعل مثل ذلك فيبقي أبناؤه طعامًا للجهل الضاري وبقايا من فرائس الفقر المتوحش.
ومن العجيب الذي لا يعجب إلا منه أن يكون في أمة من الأمم رجل تفضى إليه ثلاثة آلاف جنيه في العام، وليس له من الولد إلا ثلاثة أو أربعة يتكلف في تعليمهم ما لا يزيد عن مائة جنيه في العام كله، ورجل آخر يكون ما لا يدخل عليه مائتا جنيه في العام وله من الولد مثل الذي للأول فهو يدفع مائة مثل مائته أي نصف دخله! فما بالك إذن بالذين ينصبّ عليهم من الأموال ما لا يستطيعون التصرف فيه إلا أن يسفكوه على اللذات والمنكرات من النساء والخمر والقمار وحالِقات (1) المال والخُلُق وليس لهم ولدٌ، ثم يكون في الأمة آلاف مركومة من الإنسانية إلى ملايين تنسل وتلد وتمد الأمة بأسباب حياتها من الأبناء والبنات ولا يملك أحد ما يقوت به نفسه فضلًا عما يقوت به ولده، فضلًا عما يدفعه لوزارة المعارف أجرًا للتعليم. . .! إذن فواجب الأمة أن تحمل الحكومات على تغيير نظام التعليم ونظام الضرائب، فتحصل الضرائب من الشعب كله على نسبة رأس المال والدخل، ليستخدم هذا المال المجموع من الضريبة في تعليم الشعب كله على المساواة بين غنيه وفقيره، ويلغى من وزارة المعارف نظام التحصيل، "تحصيل المصروفات المدرسية من أولياء أمور التلاميذ" ويكون التعليم كله من أوله إلى نهايته مجانًا مبذولًا معرضًا لكل مستطيع وطالب وراغب بغير تفريق.
__________
(1) الحالقات: المُفْنِيات، يقال: وقعتْ في القوم حالِقة فلم تدع شيئا إلا أهلكته، ومنه سُمّيت المنِيَّة: حَلاق.
(1/82)

وأحب أن أقول للدكتور طه، ولغيره من كتابنا، إنه حقٌّ عليهم أن يقوموا بالدعوة، وبالكتابة في مثل هذا الغرض النبيل الذي ينفع الناس ويرفع عن أعناقهم نِير العبودية التي يفرضها الجهل مرة والفقر مرات كثيرة. فإن كلمة الدكتور طه التي ألقاها، إنما سمعها عدد من الناس-أكبر الظن فيهم أنهم قد طرحوا عبء التفكير فيها حين خرجوا من باب "قاعة يورت التذكارية"، كما تطرح الأعباء المثقلة. وليس شيء يحمل الحكومة على الجادة وعلى سواء السبيل كالصحافة وكتابها إذا أخلصت وتطهرت من الغرض والهوى والحقد والبغي والعدوان. . . فهل يمكن أن يكون هذا في مصر؟
فإن تسألينا: كيف نحن؟ فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحَّر

عناصر الثقافة المصرية
وقد حدد الدكتور طه ألوان الغذاء الروحي والعقلي الذي يجب أن يقدم للشباب، فجعله مركبًا من ثلاثة عناصر: العنصر المتحدرُ من تاريخ مصر القديم -الفرعوني- وهو الفن، والعنصر المتغلغل في مصر الإسلامية، وهو الدين والأدب والفن العربي الإسلامي، والعنصر المتلبس بحياتنا الحاضرة منذ اتصلنا بغيرنا من الأمم التي نتعاون معها أو ننافسها، وهو العنصر الأوربي الجديد، وسترى بعد ما هو عند الدكتور طه.
أما العنصر الأول، وهو الفن الفرعوني القديم، فأنا أدعه للكلمة الآتية، فإن اللَّبس كثير فيه، وقد زلّ على مزالقه أكثر أصحابنا ممن فُتنوا به عن صواب الرأي. وأنا أحب أن أتناوله بالبيان الذي يدفع عن مصر شرًّا كثيرًا ويحقق لها ما نتمناه جميعًا من الخير.
وأما العنصر الإسلامي من الدين والأدب والفن، فقد أجاد الدكتور طه في الدعوة إلى العناية به لأنه أصل المدنية، ومن جَهِل في بلاد مصر -أو بلاد العربية على اختلافها- تاريخ الإسلام فقد حطّ في مَهوًى ينقطع به حبله الذي يصله إلى قومه وإلى حضارته وإلى مستقبل هذه الحضارة التي سوف تنبعث بنورها مرة ثانية في جنبات الشرق فيما أرى. ولكن الدكتور طه بعد أن تكلم عن الاجتماع العربي
(1/83)

أو الإسلامي الذي عاشت عليه الأمة المصرية هذه الأجيال ولم تجد به بأسًا -كما يقول- عاد فاستدرك عليه بقوله: "بشرط أن يتابع تطور المدنية الحديثة". فأنا والدكتور طه وكل عربي قد درب بالحضارة وجرَّبها يعرف أن البناء الاجتماعي هو أصل المدنية، وأن الاجتماع إذا صلح استطاعت كل القوى أن تعمل في بناء الحضارة بعقائدها وآرائها وإيمانها وفلسفتها، فإذا أردنا أن نجعل النظام الاجتماعي الإسلامي في العمل والتشريع والسياسة هو النظام فمن الخطأ الذاهب في الفساد أن نخضعه لتطور مدنية أخرى قد بُنى اجتماعها على المسيحية في التشريع والسياسة والأخلاق. فمصر والشرق الإسلامي إذا أراد أن ينهض فلابد له -كما قال الدكتور طه- أن يستمد نهضته من أصول الاجتماع الذي يربطه به التاريخ والدم والوطن واللسان والدين والوراثة، وإذا ساير فإنما يساير في فكرة مطلقة وهي "النهضة والحضارة والمدنية الإنسانية" على الطريق الذي يوافق طبيعة هذا الاجتماع. أما المدنية الحديثة فقد بنيت على غير ذلك وقد تطورت على أصوله، وليس بعد خطبة الملك جورج ملك الإنجليز ما يدع موضعًا للشك، فقد خطب الملك يوم 25 ديسمبر سنة 1939 في الاحتفال بعيد ميلاد المسيح -صلوات الله عليه- فذكر الاتحاد الإنجليزي الفرنسي للحرب ضد ألمانيا النازية فكان مما جاء في خطته (ترجمة الأهرام): "إني أومن من أعماق قلبي بأن القضية التي تربط شعوبي معًا، وتربطنا بحلفائنا المخلصين الأمجاد هي (قضية المدنية المسيحية). وليس ثمة قاعدة أخرى يمكن أن تبنى عليها مدنية صحيحة".
ونحن ننظر إلى المدنية الأوربية هذا النظر، وكلام الملك جورج هو من أدق التصوير لحقيقة الحضارة الأوربية في نظر كل باحث نصراني أو يهودي أو مسلم. فإذا أردنا أن نتابع تطوّر هذا الضرب من المدنية بتبديل اجتماعنا -الذي دعا إليه الدكتور طه في حديثه- ليطابقه، فكأنما ندعو إلى "تنصير الإسلام". وما أظن الدكتور طه يرضى أن نصير هذا المصير!
والعجيب بعد ذلك أن يذكر الدكتور طه العنصر الثالث وهو الحضارة
(1/84)

الحديثة الأوربية، فلا يدعو إلى الأخذ بشيء مما فيها دعوة صريحة إلا في الذي يتصل بالخلق ليكون عندنا الرجل الصريح الذي يتحرى ألا يكذب نفسه قبل اجتنابه الكذب على الناس، والرجل الذي يستطيع أن يقول: "لا" أو "نعم" حين يريد أن يقولها، لا حين يكره عليها! !
ألا إن أخلاق المدنية الأوربية قد استعلنت جميعها في هذا البغي المتفجر في الحرب التي لا يعلم خَبْأها إلا عالم الغيب والشهادة، وإن أردنا أن نأخذ -أي أن نقلد- فلنأخذ من تاريخنا، من ديننا، من أخلاق رجالنا .. من الذين استطاع أحدهم أن ينكر على عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، ويقول له: "اتق الله يا عمر"، فيقوم رجل يستأذن عمر في أن يأمره فيه بأمره، فينهاه عمر ويقول: "دعه، فلا خير فيكم إذا لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم". فالرجولة هنا ليست أن يقول الرجل، ولكن أن يتقبل صاحب السلطان هذا القول بالخضوع والرضا، فهل فينا من يقبلها يا دكتور طه. . . أو في النفاق الأوربي المتلبس بالرجولة طبقًا للمنافع في أكثر أمره إلا مَنْ عصم الله. . .؟ لا أدري.
(1/85)

الفن
كنت أرجأتُ الحديث عن "الفنّ الفرعوني" الذي أراد الدكتور طه حسين أن يجعله أحد العناصر في "الغذاء الروحي والعقلي للشباب" في عصرنا هذا، وهو رأْي متداولٌ قد دعا إليه فلان وفلان ممن استطارتهم العصبية فعصفت أعاصيرها بعماد الرأي وحسن البصر وكمال التقدير لما ينبغي أن نقيم عليه حضارتنا المصرية الإسلامية. والعصبية هي دليل الضعف، وهي الآفةُ التي تتخون الرأي، وهي الهدْم الذي يأتي بنيانَ العقل والعاطفة من القواعد حتى يدمّره تدميرًا. وسنوجز القول ما استطعنا، فإن الإفاضة والشرح والبيان مما لا يتسع لها هذا الباب.
فالفنان هو القلب النابض الذي يُفضي إليه الدمُ الحي الذي تعيش به حضارة أُمته في عصره، وهو الفكر القلق النافذ المتلقف الذي ينقد الحياة الاجتماعية في عصره يألفها أو يُنكرها، وهو العبقرية المارِدة التي لا تخضع إلا لناموس الحياة الأعظم. والفنان بطبيعته الإنسانية فكرة معبرة عن حقيقة الاجتماع الإنساني الذي يعيش عليه، وعن طبيعة الأرض التي يمشي فيها، والسماءِ التي يَستظلُّ بها، وكل أولئك ينشيء للفنان أفكارًا وأَخيلة وأحلامًا تستمد غذاءَها من ينبوعها الذي يتفجر بين يديه ولعينيه وفي قلبه.
ونحن لو تتبعنا الآثار الفنية وتاريخها في كل أجيال الناس من الهند والصين والعرب والترك والروم، وكل الأمم القديمة، وسائر الأمم الحديثة لم نخطئ أَثر الحياة الاجتماعية في الأثر الفني، ولا أثر الطبيعة الجغرافية في جوّه الفني. ونعني بالحياة الاجتماعية كل ما تقوم عليه من الدين وعقائده وشرائعه، وما يتميز به العصر من الأخلاق والعادات والوراثات والأساطير الشعبية التي انحدرت إليه من القدم، ثم سائر أسباب الحضارة المعاصرة بكل مادتها وألوانها وحقائقها وأباطيلها. وأما الطبيعة الجغرافية، فهي صورة الأرض بنباتها وأنهارها وفدافدها (1)
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 345)، 1940، ص: 259 - 262
(1) الفدافد: جمع فَدْفد، وهي الصحراء لا شيء بها.
(1/86)

وحيوانها وغابها وما إلى ذلك، وجو السماء بصفائه والتماعه وشمسه وقمره ونجومه وسحابه وثلوجه وصيفه وشتائه وربيعه، وغير ذلك مما يولّد في نفس الفنان ألوانًا من أخيلة الفن التي يريد تحقيقها أو تمثيلها أو إبداعها، والأثر الفني لا يمكن أن يكون خاليًا من تأثير هذين العنصرين المميزين.
فالفن -ولا شك- نتيجة من نتائج الاجتماع الإنساني والطبيعة التي تحتضنه فهو يتأثر بها تأثرًا بينًا، لمكان الإحساس المرهف البليغ من الفنان القدير المتمكن. فأعظم الآثار الفنية التي يعدها الجيل الأوربي -مثلًا- في طليعة العبقرية الفنية، هي الآثار العظيمة الخالدة، التي نشأت وربت وترعرت وامتدت تحت ظلال الكنيسة والعقائد المسيحية، التي عاش في مدنيتها الفنانون الذين أبدعوها، وتأنقوا فيها وبالغوا في إتقانها، ونحن لا نحتاج هنا إلى أن نضرب المثل بفلان وفلان من الفنانين الإيطاليين والفرنسيين وغيرهم، ولا أن نعدِّد آثارهم التي بقيت إلى اليوم أصلًا للفن الأوربي الحديث. وهذه الآثار كما يشاهدها المشاهدون تختلف باختلاف الطبيعة الجغرافية التي هي سببٌ ثان في إنتاج الفنان. فكذلك الفنون الصينية والهندية تتميز بالاجتماع الوثني الذي يعيش فيه الفنان الصيني أو الهندي، وبطبيعة البلاد الهندية والصينية. ونحن لا نشك أن عظم الفنون والآثار عامة قد كان نتيجةً لازمة للعقيدة الدينية -وثنية كانت أو إلهية- وللطبيعة الجغرافية التي تمد عليها من ظلالها، وأن الدين والعقيدة هما عماد الاجتماع وأصله وأعظم مؤثر في توجيه أغراضه وحياطتها وتدبيرها وتوليدها، فهما إذن أصل قائم في الحضارة التي تدين بهما مهما تطورت بعد ذلك وخرجت عليهما فأهملتهما. وذلك لأن الشعوب تحتفظ من الأديان بخصائص كثيرة لا يمكن أن تؤثر فيها تطوراتُ الحضارة المدنية الخاضعة للعلم والسياسة وما إليهما.

الفن الفرعوني
فالفن الفرعوني -بغير شك- ليس إلا نتاجًا مركبًّا من الوثنية المصرية الفرعونية والطبيعة المصرية الرائعة القوية، وأثرها بيِّن في هذه الأبنية الضخمة
(1/87)

بتماثيلها الغريبة المتقنة المختلفة الدلالات على المعاني الدينية المصرية القديمة، وعلى الأصول الاجتماعية الخاضعة للوثنية الفرعونية التي كان يعيش عليها الشعب المصري القديم. فهذه الديانة القديمة الجاهلية التي عبدت أوثانها وتقدست بعقائدها الباطلة، وخضعت لأساطيرها الرهيبة المخيفة، واستمدت تهاويلها من الإيمان بجَبْريَّة هذه الأوثان والقوى الطبيعية المختلفة كالشمس والنيل والتمساح وكذا وكذا من الأوهام الغالية، هي التي أنتجت هذا الفنَّ المصري القديم بمعابده وتماثيله وكتابته الهرغليفية المعبِّرة أدقَّ تعبير عن حقيقة المدد الفني للآثار المصرية الفرعونية.
والفنَّان الفرعوني لم يستطع أن ينشيء هذه الآثار الهائلة الغريبة التي بقيت هذه القرونَ الطوال تتحدى الزمانَ المُتطاوِل عليها، ولم يمنحها هذا الجبروتَ الهائل والاستبداد الطاغي إلا بالقوة التي أنشأتها ودبرتها له عقائدُه الوثنية الرهيبة، وإيمانُ المجتمع المصري بها إيمانًا خاضعًا مُتعقبًا أيضًا، وأعانتها الطبيعة الجغرافية المصرية العظيمة بشمسها وقمرها وصيفها وشتائها، وصحرائها التي تحفُّ بالنيل العنيف المتدفق بسلطانٍ طاغٍ كسلطان الفراعنة الملوك. كل أولئك أثار الفنانَ وأمد إحساسه المرهف بالمادة التي استطاع أن يصوغ فيها فنه الوثني العبقري.
وعلى ذلك فيجب أن نقرر أن الفن المصري الفرعوني -على دقته وروعته وجبروته- إن هو إلا فنٌّ وثَنىٌّ جاهلىٌّ قائمٌ على التهاويل والأساطير والخرافات التي تمحقُ العقل الإنسانيّ، فهو إذن لا يمكن أن يكون مرة أخرى في أرض تدين بدين غير الوثنية الفرعونية الطاغية -سواء أكان هذا الدين يهوديًّا أم نصرانيًّا أم إسلاميًّا أم غير ذلك من أشباه الأديان.

تمثال نهضة مصر
وهذا "تمثال نهضة مصر" القائم في "ميدان المحطة"، والذي أقامه المَثَّال القدير "مختار"، أنا أراه فلا أرى فيه إلا تقليدًا فاسدًا لآثار حضارة قد دثرت وبادت ولا يمكن أن تعود في أرض مصر مرة أخرى بوثنيتها وأباطيلها وأساطيرها
(1/88)

وخرافاتها. نعم، هو تقليد رائع يدل على قدرة الفنان الذي نحته، ولكنه لا معنى له الآن في مصر الإسلامية. هل يستطيع الفنان الذي نحته وأقامه أن يعيد في مصر تاريخ الوثنية الجاهلية، واجتماع الحضارة الفرعونية، وما يحيط بذلك من الأبنية الضخمة التي شادها أوائله، والتي كانت وحيًا للفنان الفرعوني الذي عبد الشمس وخضع لفرعون وأقر له معاني الربوبية، وآمن بالأباطيل والأساطير والتهاويل الدينية والوثنية الضخمة الهائلة المخيفة التي قذفها في قلبه أبالسة عصره من الجبارين والطغاة؟ وهل يستطيع أن يجعل في أرض مصر شعبًا وثنيًّا مُتَعَبِّدًا للفراعنة والجبابرة بالخوف والرهبة والرعب حتى يتأثر بمعنى هذا الضرب من الفن المصري القديم؟ ولكن أفي مصر الآن من الشعب من يستطيع أن يجد له معنًى أو تأثيرًا أو اهتزازًا إلا من القدم أو أخيلة القدم؟ كلا. . . كلا.
لقد ذهب كل هذا، لقد دثر، لقد باد. إن الأصول الفنية التي يكون بها الفن فنًّا قلما تتغير، وهي ممكنة دانية في كل الآثار على اختلاف أنواعها وبلادها وأراضيها وأديانها، ولكن روح الفن هي دين المجتمع وعقائده وطبيعة أرضه وسائرُ أسباب حضارته، وهي التي تمنح الفنان القوة والقدرة على الإبداع، وهي التي ترفع فنه أو تضعه.
وإذن فدعوة الدكتور طه إلى الاستمداد من الفن الفرعوني -كما استمد "مختار"، ثم دعوته إلى جعل اجتماعنا اجتماعًا إسلاميا، ثم استمدادِنا أيضًا من الفن الإسلامي- تناقضٌ عجيب في أصل الرأي، لا يمكن أن يكون ولا أن يُعمل به إلا إذا شئنا أن نوجِدَ لمصر حضارةً مقلّدة ضعيفة ملفَّقة من أشياء ليست نتيجة ولا شبه نتيجة للاجتماع المصري الإسلامي الحديث الذي ندعو إليه ويدعو إليه الدكتور طه حسين! !

وبشر أيضًا! !
يقول بشار بن برد لخَلَف بن أبي عمرو في حديث جرى بينهما معابثة ومزاحًا:
أرْفق بعمرو إذا حركتَ نسبته ... فإنه عربيٌّ من قواريرِ
(1/89)

وصديقي "بشر" قارورة عطر نشوان من نفحات روحه، قارورةٌ عربيةٌ معربدةٌ تختال بطيبها تيَّاهةً من الخفة والطرب. وأنا أرفق به ولكنه يأبى -كرمًا منه- ألا أن يتحطم في يدي ليسكب طيبَه عليها فيعبَقُ بها، ويبقى أبدًا يتضوع منها نسيما يسكر، ويَعْلَق بهذا القلم من عِطْره أثرٌ خالد كرائحة الحبيبة في ذكرى المحب، و"للرسالة" بعد ذلك من شذاه ما يفور وما يتوهج وما يسطع من نضخ عبيره.
وبشر -هذا الإنسان الرقيق- يتجهم لي ويملأ عليّ "بريد الرسالة" زلزلة ورعدًا وبرقًا وصواعق. . . ويبصرني بفروق اللغة بين "وَضَع بحرًا" و"اخترعه"! ! وأنا بلا شك لا أستطيع أن أشغل نفسي بتبصيره بمنطق اللسان العربي. ثم لا يكتفي بهذا بل هو يغلو في تقديري فيعدني من "الخَلْق" الذي يقف على معاني الألفاظ العربية من "الإكباب على قراءة الصحف اليومية"! ! كلا، بل يجوز ذلك فيعلِّمني مجاز العربية وحقائق بيانها ودقائق ألفاظها! ! أوَّه، بل هو يعرِّفني بالقرآن لأني "من عامة الناس في هذا الزمان" ممن يفهمون القرآن -كلام الله- بما يغلب عليهم من عامية العصر! ! ولا يكون كل ما يكتبه "بشر" من علمه هذا "إلا على جهة التسلي والتلهي"! بلى، فهو يرحمني ويشفق على أن يدخل بي في المقاييس العربية الدقيقة الغامضة التي تستهلك قوةَ العقل والإدراك، فهو يأخذني من قريب! ! وأنا قد أخطأتُ وأسأتُ وأثمتُ وحَبِط عملى، ومَحَقني اندفاعي إلى شعر بشر "أتلمس" -هكذا قال بشر- أتلمس له الخطأ! !
ولا كلّ هذا أيها العزيز، {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ}، وأنا يا بشر لا أطاولك في علم ولا فقه ولا بيان ولا معرفة، فأنت أنت، وأنا حيث أنا من العجز والبلادة، ورحم الله امرءًا عرف قَدْر نفسه.
ومن جَهِلتْ نَفْسُه قدرَهُ ... رَأَى غيرُه منْه ما لا يَرَى
وأنا يا صديقي أقل شأنًا وأضعف من أن أجرى في عنانك، ولكنك -إذ كتبت ورددت وأعطيتني فوق ما أستحق في نفسي- تحملني على المركب
(1/90)

الصعب، فكان أولى بك أن تهملنى، فأما إذ أبيت فلا بأس عليك إذا أنا أقحمت نفسي معك، فاصبر على هذا البلاء "فالحرُّ يظلم أحيانًا فيَظَّلم".
وقد زعموا -أيها العزيز- أنه كان رجل عِبَادِىٌّ بالحيرة البيضاء، فلاقى ضحضاحًا من الماء لابد له أن يجوزه ويخوض فيه، فاستعان الله وأقبل على الماء -وهو إلى الكعبين حسبُ- فلما دخله صاح: "الغريقَ، الغريق! " يستنجد أصحابه، فتناولوه يسألونه: ما دعاك إلى هذا وليس غرقٌ؟ فقال: "أردت أن آخذ بالحزم".
وأنت -أيها الصديق- تأخذ بهذا الحزم، فتهرول إلى "لسان العرب"، و"أساس البلاغة" و"الألفاظ الكتابية" تحشد لي ما جاء فيها من مادة العربية في قولهم "زلزل" ولا تكتفي بهذا بل تسعى إلى "الأغانى" (طبعة بولاق! ) تقلب أوراقه، تستخرج تراجم المغنين وأصحاب الملاهي كإسماعيل بن جامع وإبراهيم ابن ميمون الموصلي -وغيرهما في دواوين العربية وأصولها- فتفلِّي ألفاظها وتجري عينيك وراء إصبعك على حروف الكلمات عساك تقع على جملة يكون فيها "زلزل" وما يخرج منها وما يتداعى إليها، ولا تكتفي أيضًا فتتناول من بين كتبك أحد فهارس القرآن الكريم -"وهو الحجة العليا في مثل هذه المشكلات" -كما قلت وإن لم تقل- فتجد اللفظ في آيات بينات منه. فتجمع ذلك كله في مقالك -أو ردِّك عليَّ- حشدًا بارعًا عظيما تُضاهي به عمل "المستشرقين" الثقات الأثبات المتضلّعين المتقنين المجيدين! الذين لا يدعون للحرف مكانًا إلا نبشوه وتقصوه ورموا بعضه فوق بعض "أخذًا بحزم العبادي. . . ." الذي عَرَفْت. وهو أسلوب فاسد عندنا لا يعول عليه في الحجة، وإنما هو أسلوب ضروري حسن حين راد منه المقارنة والتدبر لاستخراج المعاني من الألفاظ وبيان سرها من الحقيقة والمجاز ودقة التصوير للأغراض التي نصبت لها هذه الألفاظ.
والنصوص التي جمعتها وحشدتها ورتبتها تختلف في حقائقها ومجازها في العربية، وأنت لم تشرح حرفًا واحدًا منها تبين عن وجه مجازه على العبارة التي وقع عليها، ولو كنت فعلت ذلك أو أحسنته لطويت كل الذي نشرته عليّ وعلى
(1/91)

القراء. . . تعلمني به ما غاب عني من "القرآن وهو في صدري، والتفسير والحديث واللغة وهي شواغلى" -كما تقول- وأنا لا أضن عليك، أيها الصديق، بما يجعل لحشدك هذا -الذي رُعْتنا به حين قذفته علينا- قِرانًا ونظامًا يسلك فيه ويمضي عليه، ويَعرف به من لا يعرف سرّ البيان وكيف يكون مجازه على طريق اللسان العربي المبين! !
فأصل الحرف "زلزل" من "زلّ الشيء إذا زلق فتحرك فتدأدأ، فمر مرًّا سريعًا في ذهابه عن مستقره". فلما ضعَّفت العرب الحرف، فقالوا: "زلزل وتزلزل"، ضاعفوا معنى هذه الحركة، فكان معناها الحركة الشديدة العظيمة والاضطراب والتزعزع، وتكرار هذه الحركة مرة بعد مرة، حتى كأن بعض الشيء يَزِلُّ عن مكانه، فينقضّ على بعض ويتساقط ويتقوض. وإذن، فشرط مجاز هذا الحرف أن يكون لشيء يتحرك حركة عظيمة شديدة، فالرجل يتزلزل، والأقدام والأيدي والرؤوس والقلوب وما إليها من أعضاء الإنسان المتحركة حركة ما، وكذلك الحيوان كالإبل جاء راعيها بها "يزلزلها" أي يسوقها سَوقًا عنيفًا كأنها تزلّ معه مرة بعد مرة، والمكيل في مكياله كالبُرّ والشعير، كلٌّ يتزلزل لأنه يحرك فيتحرك، والدار والأرض والدنيا كلها تتزلزل لأنها تتحرك أو يجوز عليها الحركة فيتهدم بعضها على بعض، والنفس كذلك لأنها تضطرب في حيزوم المحتضر اضطرابًا شديدًا يتجلى في الكرب الذي يلحقه والضيق الذي يأخذه، فينتزع الأنفاس، ويضطرب القلب بالنبض الشديد، ويزيغ البصر، وتتحرك اليد والرجل في الحشرجة حركة كثيرة شديدة بتردُّد النفس في نزاع الموت والحياة. ومع ذلك فأنا أدع أشياء كثيرة لا أتناولك منها أيها الصديق.
أما الأُذن. . . فالإنسان من بين جميع الحيوان هو الذي لا يحرك أذنيه البتة، لا في طرب ولا غضب، فما بالك وهي ليست مجرد حركة، وإنما هي حركة شديدةٌ مهدِّمة لأنها زلزلة. فإذا علمت ذلك وتلقَّيته وتدبرته وأحكمته ولم يأخذك العناد عليه عرفت أنه لا يمكن أن تقول "أُذني زلزلت" لأن الزلزلة تتطلب أصلها المقرر وهو الحركة والانتقال والزّلةُ بعد الزّلة من مكان إلى مكان ولو على وجه
(1/92)

المبالغة. فدع أذنك من آذان خلق الله الذين صورّهم فأحسن صورهم إن شئت. وأنا لا أصنع في كلامك هذا تعبًا فأتلمس لك الخطأ كما تزعم، ولكن انظر يا بشر كيف يتكلم الشعراء عن الآذان وعن الزلزلة؛ يقول بشار في مغنية:
لعمرُ أَبي زُوَّارِها الصِّيدِ، إنهم ... لفي مَنظر منها وحسنِ متاعِ
"تُصلّي لها آذانُنا" وعُيوننا ... إذا ما التقينا والقلوبُ دَوَاعِ
إذا قَلّدَت أطرافَها العودَ "زَلْزَلَتْ ... قلوبًا" دَعَاها للوساوِس دَاعِ
يَروحون من تغريدها وحديثها ... نَشاوَى، وما تسقيهم بصُواعِ
لَعوبٌ بألباب الرجال وإن دنت ... أطيعَ التُّقى والغيُّ غير مُطاعِ
فانظر صلاة الآذان بالخشوع والإنصات والسجود للصوت، وتأمل زلزلة أوتار العرد التي تزلزل القلب بوقعها وتوقيعها. وكيف أتم المعنى بذكر الوساوس وهي قلق واضطراب. . . وأما أنت أيها العزيز.
فلا تذهبْ بحلْمِك طامياتٌ ... من الخُيلاءِ ليس لهن بابُ
فإنك سوف تَحْلُمُ أو تَناهَى ... إذا ما شبتَ أو شاب الغرابُ
(1/93)

الهجرة
يا نبيَّ الله! !
إنّ الإسلامَ قد قَعَدَ به أَهْلُه، والزمنُ بالناس يعدُو، والحياةُ في العالم فكْرٌ يتحقَّق، وهي عندنا حُلُمٌ يَتبدَّد، هذه أُمَّتُك تملأ الأرْض، ولكن قد فرغت قلوبها من الإيمان، والإيمانُ في دِينك قولٌ وعملٌ، كانت به المعجزةُ الإسلامية ولكنه عندنا قولٌ وجدَلٌ، تكون به الفُرقةُ الجاهليّة. . .
فاللهمَّ هِجْرةً كهجرَةِ نبيِّكَ بالعزِم والإيمان
اللهمَّ جهادًا كجهادِهِ يُجدِّد القلوبَ والأوطان

الشباب والأدب
الطفل حياةٌ صغيرة غضَّةٌ ليِّنةٌ تقبلُ التشكل وتطاوِعُ على ضغط البيئة التي تكتنفها وتُطيفُ بها وتميل عليها، وبيئةُ الطفل هي أخلاق أبويه، ومعاملتهما وحديثهما وما يحيط بهما من الأقارب والأصحاب والخدم وكل من يعود البيت من زوّاره. وقد حُمِّل الإنسان طبيعة التشكل من أَوَّل عمره ليكونَ بعدُ إنسانًا اجتماعيًّا مقتدرًا على التصرُّف في نظام الجماعة بما لا يخرجه من جوّها ويقذفه وراءَ حدودها التي ضربتها عليها الأحوال الاجتماعية التي يتميز بها الجيل من الناس الذين يعاشرهم. وتتصل بهذه الطبيعة من قريب طبيعة أخرى هي التقليد، ليسوغَ له أن يَثْقف الحياةَ ويتلقَّفَ أسبابَها وطرائقها وأساليبها في مدًى قصير، فلا ينقطع دون إدراك الطلائع الإنسانية السابقة التي بدَرت أمامَه في الحياة ومارستها وعملت لها وجددت فيها بعضَ ما يمكن تجديده في نظامِ الجماعات. ولا يزال الإنسان -من أول عمره- خاضعًا خضوعًا تامًّا لهاتين الطبيعتين ولقانونهما المستبدّ، حتى يأتي عليه زمان يستطيع أن يتحرر في بعض نواحيه بالخضوع في بعض النواحي للتشكل والتقليد في زحمة الجماعات وضغطها لقانون آخر هو
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 346)، 1940، ص: 300 - 302
(1/94)

قانون الاستقلال الفكري والعملي الذي تقوم عليه رجولة الإنسان وقوته، ولكنه مع ذلك يبقى أبدًا متلبسًا بأسباب القوانين الأولى التي تخضعه وتأثيرها. فهو إذن لا يبلغ مرتبة الاستقلال إلا بعد أن يكون قد قبل من الأَشكال -بالضعف والتقليد- ما لا يستطيع أن ينفك منه أو أن يتفصَّى (1) من قيوده التي تحبسه على ضروراتها. . .
فمن هنا يَبين مقدار الخطر الذي تنذر به هذه الفترة الأولى من حياة الإنسان، ونحن لا نستطيع أن نحدد عمر هذه الفترة، ولكنها تستمرُّ على الأقل إلى نهاية رَوْقِ الشباب ما بين العشرين والثلاثين، بل ربما جاوزت إلى نهاية العمر إذا ما انتكست الحياةُ في الحيّ وصار إلى حيوانية آكلة شاربة غير مفكرة!
فالشاب حين يخرج إلى الحياة العقلية والفكرية تستهويه أسماءُ المفكرين من الكتاب والشعراء والفلاسفة فتستهيمه وتذهب بهواه وعقله إلى الأخذ عنهم والاقتداء بهم والسير على مناهجهم، ولا يزال كذلك في تحصيل وجمع وتأثر واتباع حتى يتكوَّن له قِوَامٌ عقليٌّ يجرّئه على الاستقلال بفكره ورأيه ومذهبه. فالقدرة والأسوة هي مادة الشباب التي يتم بها تكوينه العقليّ على امتداد الزمن وكثرة التحصيل وطول الدُّرْبَةِ، فإذا كان ذلك كذلك فالكتَّاب والشعراء والفلاسفة وأصحاب الرأي وكل من يعرض نتاجه العقلي للشباب، ويكون عُرضةَ الاقتداءِ والتأسّي والتأثر -يحملون تبعة تكوين العقول الشابة التي ترث علومهم وأفكارهم ثم تستقل بها وبإنتاجها الخاص، وكذلك يكون هذا الإنتاج الخاصُّ ضاربًا بعرق ونسب إلى الأصل الأول الذي استمد منه واتبعه وتَلَقَّى عنه.
هذا. . .، فتبعة الكتُّاب والأدباء أمانة قد تقلدوها وحملوها، ثم ارتزقوا منها أيضًا وأكلوا بها وعاشوا في الدنيا الحاضرة بأسبابها، فهم على اثنتين: على أمانة قد فرض عليهم أن يؤدوها إلى من يخلفهم من الشباب الذي يتبعهم ويتأثر آدابهم، وعلى شكر للمعونة التي يقدمها لهم الجيل الشاب الذي يبذل من ماله ليشترى
__________
(1) يتفصى: يتخلص من القيود بفصمها.
(1/95)

منهم ما يكتبون وما يؤلفون وما يقدمون للتاريخ من آثارهم ليكسبوا به خلود الاسم وبقاء الذكر.
وشبابنا اليوم قد تهدَّمت عليه الآراء، وتقسَّمته المدنية الأوربية الطاغية، وهو لا يجد عصامًا يعصمه من التدهور في كل هوة تنخسف بين يديه وهو مقبل عليها بشبابه ونشاطه واندفاعه وعنفوان قوته في الشوط الذي يجريه من أشواط حياته. والمدارس في بلادنا لا تكاد تعطيه من الرأي أو من الفن أو من الأدب ما يبلُّ أدنى ظمأه إلى شيء من هذه الأشياء، وإذن فليس يجد أمامه إلا المجلات والصحف والكتب التي يقدمها له أصحاب الشهرة من كتَّابه الذين تُرفَع له أسماؤهم في كل خاطرة وعند كل نظرة. وهو لا يَنى يستوعب منهم أساليبهم وأفكارهم وآراءهم وما يدعونه إليه من موائدهم.
فهل ينصف هؤلاء الكتاب هذا الشباب؟ أتراهم قد عرفوا قدر أنفسهم عند الشباب فعبَّأوا له قواهم احتفالًا بشأنه وحرصًا على مصيره الذي هو مصير الأمة ومصير مدنيتها؟ أنا لا أرى ذلك إلا في القليل ممن عرفهم الشباب وجعلهم نصب عينه، واتخذ أساليبهم فتنة يهوى إليها.

ناقد يتكلم
وأنا أدع أحد الكتاب من إخواننا الشآميين يتحدث عن بعض ما نحن بسبيله، وهو الأخ "قسطنطين زريق" في كتابه "الوعي القومي" فقد قال في ص (162 - 163):
"لسنا نعيش اليوم في عصر ترف عقلي ورفاهية فكرية. في عصور الترف والرفاهية قد يسمح للكاتب أن يقول: "لي الحق أن أكتب ما أريد وأعبر عما في نفسي كما أشاء". . . إن عصرنا عصر أزمة فكرية وضيق عقلي. وكما أنه لا يسمح للناس في زمن الأزمة المالية أن يبذروا أموالهم في سبيل شهواتهم الخاصة وأمورهم التافهة، فكذلك يجب ألا يسمع لقادة الفكر في عصر الضيق العقلي والأزمة الفكرية أن يبددوا قواهم على المسائل الطفيفة والأبحاث الجزئية.
(1/96)

فعلى كل منا عندما يهم بكتابة مقال أن يتساءل بصراحة: "إلى ماذا أرمي؟ أتراني أُضيف بمقالي فوضى إلى هذه الفوضى الفكرية التي يتخبط فيها عالمي، وأقذف بعنصر جديد إلى العناصر التي تتطاحن في محيطي، فأزيد في بلبلة أمّتي واضطرابها الفكري أم أنا أعمل لتوجيه قوى هذه الأمة العقلية نحو فكرة صائبة أو عقيدة واضحة؟
فإذا لم تكن غايته من هذا النوع الأخير، فخيرٌ له وللأمة أن تظل كلماته مدفونة في نفسه، وأن يبحث له عن طريق آخر يخدم بها أمته ولغته". اهـ
إن هذه الكلمات القلائل التي ختم بها الأستاذ زريق بحثه عن الأدب الذي يقود الأمة وشبابها إلى إنقاذ المدنية العربية والإسلامية والشرقية من رَدَغَة الخبال (1) التي تورط أهلها في أوحالها ومستنقعاتها -حقيقة بأن تكون من "محفوظات" كبار الأدباء الذين يرمون عن أقلامهم آراءَ وعقائد وأساليب لا يمكن أن تكون مما يحتملها مخلص لأمته، ينظر إلى المستقبل الذي هو ثمرة الماضي والحاضر، ونتاج اللّقاح الفكري الذي تتقبله عقول الشباب حين تبدأ تتفتح عن أكمامها لتعمل عملها في إنتاج الثمار إما غضًّا شهيًّا وإما فجًّا متعفنًا موبوءًا.

هل يمكن؟
فهل يمكن أن يكون أدباؤنا ممن يتقبل النصح الخالص الذي لا تحمل عليه ضغينة أو رياء أو حيلة؟ وهل يمكن أن يعرف أحدهم أن ليس في الدنيا أحد هو أعلى من أن يتعلم، ولا أحد أقل من أن يُعلم؟ وهل يمكن أن تفرَغ النفوس التي تتخذها الكبرياء من الروح النّافشة التي لا طائل تحتها؟
لقد جعلت مقامي في هذا الباب مقام المذكِّر الذي يحب أن يؤدي واجبه لمن يقرأ كلامه، فأنا لا أستطيع إلا أن أتكلم بكلامي وإن أغضَب من لا يرضى إلا بما يرضيه من الملق والدهانِ والمماسحة، وقد انقضت أسابيع طوال من أسابيع الأدب وأنا أزداد كل يوم شكًّا في مقدرة أدبائنا على الإنتاج الأدبي الرفيع
__________
(1) رَدَغَة الخبَال: جاء في الحديث: مَن قال في مؤمن ما ليس فيه حَبَسه الله في رَدَغَة الخبَال، فسَّرها أهل الحديث بأنها عصارة أهل النارِ، والأصل في هذا الحرف: الطِّين والوَحْل.
(1/97)

الذي يمكن أن يخلد في تاريخ الأدب، وقد تتبعت أقوال هؤلاء وأساليبهم فلم أجد إلا كل ما يحفزني على المصارحة والنصح وإبداء الرأي مكشوفا غير مكفَّن.
وأنا لو كنت أحمل نفسي على تتبع هؤلاء واحدًا بعد واحد أنقد أقوالهم على التفصيل دون الجملة، ثم أقيد ما أريد بالكتابة في هذا الباب من "الرسالة" لما كفاني القدر الذي أكتبه ولما استطعت أن أستوعب الرأي في كل ذلك على أسبوع أسبوع، فلذلك تجنبت جهدي أن أعرض لأشياء كانت تقتضيني أسابيع في تقصيها وتفصيل أجزائها، وبيان مكان الفساد منها، والدلالة على قلة عناية هؤلاء بقرائهم، وصغر احتفالهم بالأدب الذي اتخذوه لهم صناعة عرفوا بها عند الناس، حتى صاروا للشباب أئمة بهم يقتدون. نعم، وكأنهم لا يعرفون أن ما يخرجونه للناس إن هو إلا غذاء جيل من الشبان يأخذ عنهم ويحتذى عليهم، فإن يكن في الذي يأتون به فساد فهو إلى إفساد الشباب الجديد أسرع، وفي طبائعه اللينة أعمل وأوغل؛ فأيُّما خطأ صغير منهم فهو عدة أخطاء كبار في الذين يلونهم من الشباب المقلد المسكين.
إن أمثال الدكتور طه حسين والأستاذ أحمد أمين والدكتور زكي مبارك والأستاذ الزيات وفلان وفلان من كبار الأدباء هم من هذه الأمة الشابة من الناس بمنزلة السراج الذي يضئ للشباب معاني الحياة المظلمة بالجهل، فإذا انقلب السراج فإنما هو الحريق وانتشاره ومعمعته ومضغُه قوة الشباب بفكين من نارٍ حُطَمة.

الرحلتان
ويذكرني هذا ما يقطع عليّ نهاية الرأي. فقد قرأت أخيرًا مقالتين، إحداهما للدكتور طه، والأخرى للأستاذ أحمد أمين، وهما بهذا العنوان "رحلة". وقد تعود الأستاذان أن يتقارضَا المقالات منذ أسابيع طويلة، وأكثرا في ذلك إكثارًا لا يمكن أن يُغْضَى عنه، وكنتُ أحبُّ ألّا أعرضَ لَهُ لعلّه ينتهي إلى نهايته، فإذا هو شيء لا ينقطع. فمن يوم أن كتب الأستاذ أحمد أمين ما كتب وسماه "مدرسة الزوجات" وقارضه الدكتور طه "بمدرسة الأزواج" ثم "مدرسة المروءة" ثم
(1/98)

"مدرسة. . . ." إلى آخر هذه الأشياء، وافتتنا بهذه الطاحون التي تدور على دقيق مطحون قد فُرِغ منه -من ذلك اليوم وأنا لا أرى فيما يكتبان إلا استسلامًا للقلم وبدواته وبوادره، واجتلبا في ذلك من الرأي ما لا يستقرُّ ولا يتماسكُ.
وفي هاتين الرحلتين رأيتُ العجب! ! فالدكتور طه مثلًا قد أطال في تحقير مصر والزراية عليها وعلى أرضها بما احتمله عليه الغضب الذي رغب في إنشاء مدرسة له يسميها "مدرسة الغضب". رحل الدكتور طه بالسيارة في الطريق الزراعية فغاظه التراب الذي يثور من حوله فيطلق لسانه بهذه الأسئلة "لماذا ندفع الضرائب" وفيم تنفق الدولة أموالنا؟ وماذا تصنع الدولة؟ ولماذا ننشيء الدولة؟ ".
فليخبرنا الدكتور طه عن السبيل الذي نتَّقي به الزراية على أرض مصر! ماذا تصنع الدولة في طريق عن جانبيه تلك الأرض الخصبة الواسعة التي تُسْقَى لتطعم أهل مصر من خيراتها؟ كيف تتقي الدولة مرور الناس والدواب وأرجلهم تحمل أوحال الأرض الخصْبَة فتمرُّ بها على الطريق الزراعي الممهَّد، فتأتي الشمسُ المصرية الملتهبة فتجفف الوحل فيثور ترابًا؟ إن هذا كلام يقال في البلاد الباردة التي لا تفعل الشمس فيها ما تفعل في أرض مصر الغبراء، هناك في "قرية من قرى السفوا أو الدوفنييه أو الكانتال، على قمة جبل من هذه الجبال التي ألف الدكتور طه الاعتصام بها إذا أقبل الصيف، والتي فارقها في الصيف وقلبه يتقطع حسرات" أو كما قال. . .! إن مثل هذا يجب أن يلغى من آراء أدبائنا، إن لم يكن من أجل أنفسهم فمن أجل مَن يتولاهم من الشباب. وليس أكثر آراء الأستاذ أحمد أمين في هذا المقال بأقل ابتعادًا عن الحق من الذي عرضنا له.

جناية! !
والأستاذ أحمد أمين هو الذي حمل على الأدب العربي، وحقر الشعر الجاهلي، ودفع بحجته في وجوب نبذ هذا الأدب وذلك الشعر الجاهلي لأنه كان جناية على أدبنا. وأنا كنت هممت أن أؤدى واجبي للأدب العربي بإظهار فساد هذه الآراء التي لم تنضج ثمراتها، ثم رجعت عن ذلك، رغبة أن يترك مثل
(1/99)

هذا الرأي حتى يفني في نفسه، لعلمي -بالاستنتاج- أن الأستاذ ليس أديبًا ناقدًا، والناقد أديب مضاعَف، وقدرته على الأدب أكبر من قدرة الأديب المحض. وقد أحببت أن أقف على كلمة في مقالة الأستاذ أحمد أمين "رحلة" تدلك على أن رأي الأستاذ في الأدب العربي والشعر الجاهلي رأي لا يؤخذ به، فقد قال: "وهاهم أولاء رفقة كأنّ أخلاقهم سكبتْ من الذهب المُصفَّى، وكأن شمائلهم عصرت من قطر المزن" وهي جملة لا ينطلق بها أديب متمكن البتة، فما ظنك بأديب ناقد، وأنا لا أعرف كيف يعصر قطر المزن (أي الماء)، وهو لا يمكن أن يُعصر. ونحن لا نشك في أن الذنب ليس للأستاذ الجليل، وإلا فهو ذنب الشيخ اليازجي صاحب "نجعة الرائد، وشرعة الوارد، في المترادف والمتوارد". . . إلخ، الذي ذكر هاتين العبارتين بنصهما وترتيبهما في فصل "كرم الأخلاق ولؤمها ص 70 الطبعة الثانية، وهما من حشد الشيخ الذي لا يقوم على أصل من البيان والبلاغة.
أَجَلْ، إن كثيرًا مما وقع في كتاب الشيخ اليازجي -على جلالته- إنْ هو إلّا مجازات واستعاراتٌ كأخيلِة المحموم مادَّتها من الهذيانِ اللغويِّ الذي لا يَصِل إلى الحقيقة بأسباب من منطق العقل. والبلاغةُ ليست إلّا حفظ النسبة بين الحقيقة اللغوية والمجاز البياني، فكل ما لم يكنْ كذلك من المجاز والاستعارة فهو لَغْوٌ يتشدقُ به من ليس لَهُ طبعٌ أدبيٌّ رفيع. وجهدُ اليازجيّ كان حشدًا من كلامِ العصور المتقدمة في العربية، فأخذ من الجيد والردئ على غير نقد أو تمييز.
فكان واجبُ الأستاذ أحمد أمين -الزاري على الشعر الجاهلي وواصمه بالجناية على الأدب العربي- أن ينقُد مثل هذه العبارات الضعيفة المتهالكة التي لا تتصل بسبب إلى البلاغة العربية على اختلاف عصورها لا أن ينقلها إلى كلامه. وإلا فلينظر الأستاذ إلى أثر هذه المجازات في بيان الشباب الذي يحبُّه ويعجب بأدبه، ويتلقى كلامه بالإجلال وحب الاقتداء.
(1/100)

الشعر والشعراء
أخشى أن يكون أهمَّ أركان الشعر إحساسُ الشاعر بمعانيه إحساسًا كاملًا نافذًا متغلغلًا، لا يدعُ للمنطق العقلي المجرّدِ عملًا في تكوين شعوره. وليس معنى ذلك أن يَتَعرَّى الشعر من المنطق العقلي المجرد، بل معناه أن ينقلب المنطق العقلي -بكماله وتمامه وقوته واستوائه واستقامته- حاسة دقيقة مدبِّرة تعمل في حياطة الإحساس والقيام عليه وتصريفه في وجوهه على هُدًى لا يضل معه، فلا يشرُد عن الغرض الذي يرمى إليه في التعبير عن الصور التي تنشأ لهذا الإحساس. وإذن فأكبَرُ عمل المنطق العقلي في الشاعر أن يُمِدَّ الإحساسَ، بما ليسَ لَهُ من الاستواءِ والاستقامةِ والسدَاد، وكذلك تتداعَى إليه الألفاظُ التي يريدُ التعبير بها مقترنًا بعضها إلى بعض، بحيث لا تخرج هذه الألفاظ في الكلام حائرة قلقة، تجول في عبارتها من انقطاع الرباط الذي يربطها بالمعاني التي أحسها الشاعر، فهاجتْه فغلبته فأراد التعبير عنها تعبيرًا صافيًا مهتزًّا متغلغلًا قويًّا، فيه صفاءُ الإحساس، واهتزازه وتغلغله وقوته.
وأداة المنطق العقلي هي اللغة، والعقل بغير اللغة لا يستطيع أن يستوى ويتسلسل ويتصل، ولا أن تتدفق معانيه في مجراها الطبيعي.
فالمنطق العقلي كما ترى هو خزانة اللغة التي تمول الإحساس، فهو يتقاضاها ما تستطيع أن تمده به من المادة التي تمكنه من الظهور والانتقال. فربما أخذ من اللغة ما هو "موصل ردئ" للإحساس، وربما أخذ منها ما هو "موصِّل جيد" يستطيع أن يسرى فيه إلى قارئه أو سامعه، فإذا عرفت هذا أيقنت أن الشعر يتصل أول ما يتصل بإحساس قارئه وسامعه، فيهزه بقدر ما تحمل ألفاظه من إحساس قائله. فإذا أَخفق أن يكون أثره كذلك، فمرجع هذا إلى أحد أمرين:
إما أن الشاعر لم يُوَفَّق إحساسُه في الاستمداد من لغته ما يطابق الإحساس ويكون "موصِّلًا جيدًا" له، لأن منطقه العقلي لم ينبذ إليه من مادته ما هو حق
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 347)، 1940، ص: 343 - 347
(1/101)

المعاني التي يتطلبها إحساسه، هذه واحدة. أو لأن مادة هذا المنطق العقلي أفقر من إحساس الشاعر، فهي لا تملك عندها ما يكفي للتعبير عن إحساسه، فهذه أخرى. ولهذه العلة الأخيرة تجد كثيرًا من عامة الناس ليسوا شعراء، ومع ذلك فربما كان أحدهم أدق إحساسًا وأعمق وأعنف، ويكون إحساسه أحفلَ بالمعاني وأغنى، وإنما يقطعهُ عن الشِّعر هذه العلَّة، وهي فقر المنطق العقلي من اللغة التي هي مال له. أو انقطاع المنطق العقليّ دون الوصول إلى المنطقة التي ينقلب فيها هذا المنطق -بكماله وتمامه وقوته واستوائه واستقامته- حاسة دقيقة مدبِّرة تعمل في حياطة الإحساس والقيام عليه وتسديده للغرض الذي يرمى إليه في التعبير عن معاني الإحساس، كما قدمناه آنفًا.
وأما الأمر الثاني -الذي يُخْفِقُ بسببه الشعر في التأثير- فمرَدُّهُ إلى القارئ أو السامع. فإذا كان إحساسُ السامع أو القارئ ضعيفًا بليدًا غثًّا، فمهما يَأتِه من شعر حافل قويٍّ عنيف دقيق العبارة عن إحساس شاعره -فهو لديه شيءٌ فاتِرٌ ضعيفٌ لا يهزُّه ولا يبلغُ منه ولا ينفذُ فيه، وهذا الضرب من العامة الذين لا يتأثرون بالشعر لا يُعتد بهم ولا ينظر إليهم، ولكن هناك ضربٌ آخر يكون بليغ الإحساس جيد التلقي، صالحًا للتأثر بما ينتقل إليه من هزة الإحساس فيهتزُّ لها ويطرب، وقد يكون مع ذلك خِلوًا من اللغة التي يعبِّر بها الشعر، إذ ليس له منطقٌ عقليٌّ سامٍ متخير للكلام يختزن اللغة لنفسه إذا فكَّر، ولفهمه إذا حُدِّث أو أُنشد؛ فهو ربما سمع الشعر الجيد فلم يبلغ منه المبلغ الذي أريد له هذا الشعر، وكثر هؤلاء في عصرنا هذا حتى سقط الشِّعر ولم يحفلْ به إلا قليلٌ؛ وهم لم يكونوا كذلك إلا لفساد التعليم وقلة احتفاله باللغة وبيانها وأسلوب مجازها، ولأن الجهلاء والسخفاء هم سوادُ الناس، وفساد الطبائع فيهم راجعٌ إلى هذين: فمخالطة الجهالة تورث الجهالة والخبال، وترك التعلُّم وسوء التعليم ذريعةٌ مفضيةٌ إلى الجهل والبلادة، فكيف -مع هذين- يخلص أحدهم من فقر العقل وبلادة التأثر بالشعر البليغ الحافل بالإحساس المشبوب العنيف؟
فأنت ترى: أن اللغة المتخيرة المرصدة للتعبير عن الإحساس تعبيرًا مسددًا
(1/102)

بالمنطق العقلي الذي لا يزلُّ على مدارج المجاز فتنقطع صلاتُه بحقائق المعاني التي وضعت لها هذه الألفاظ اللغوية. . .، ثم المنطقُ العقلي الذي يختزن هذه اللغة، ويستطيع أن يتحوَّل حاسة دقيقة مدبرة تقوم على الإحساس وتحوطه من الضلال. . .، ثم المعاني التي يتمثلها إحساس الشاعر حين يَهيجه ما يؤثر فيه تأثيرًا قويًا عنيفًا -هذه الثلاثة هي، مادة الشعر الجيد، فإذا سقط أحدها أو انحط أو ضعف، سقط الشِّعرُ بسقوطه أو انحط أو ضعف.
وأنا أقول: إن أكثر شعر العصر العربي الحاضر قد انحط وضعف وسقط، لأن أكثر الشعراء قد بلغ منهم العيب مبلغًا أفسد كل ما يعتدُّ به من آثار "الشاعرية" التي بقيت فيهم، ولم يخلص لأحد منهم جميع هذه الثلاثة التي ذكرنا. ولكن بقي لشاعرين أو ثلاثة ما يمكن أن يُلحقهم بأهل المرتبة الأولى من الشعراء العبقريين، وهذه المرتبةُ الأولى إنما نتخيلُها ولا نكاد نعرف أحدًا استوى عليها، فملك فيها بيان العربية وشعرها يصرفهما كيف شاء، فيكون في تاريخ اللسان العربي عبقرية جديدة كامرئ القيس، ومسلم بن الوليد، والمتنبي، وأبي نواس، والبحتري، وأبي تمام، وغيرهم ممن يعد لسانًا وحده. . .

شاعر! !
وأحد هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين سيدفعون أنفسهم في مجاز العربية حتى يبلغوا المرتبة الأولى -فيما نتوهم- هو "محمود حسن إسماعيل": فهو إنسان مرهف الحسّ دقيقه، متوهِّجُ النفس، سريع التلقى للمعاني التي يصورها له إحساسه، وإن إحساسه لينشئ له من هذه الصور والمعاني أكثر مما يستطيع أن يطيق صبره، وهو -إذ فقد الصبر على مطاولة هذه المعاني من إحساسه- تراه يثبُ وثبًا من أَول المعنى إلى آخره لا يترفَّق، كأن في إحساسه روح "قنبلة". فلذلك تجد المنطق العقلي في شعره متفجرًا أبدًا لا يبالي "أوقع على اللفظ من اللغة، أم وقع اللفظ عليه"، ولكنه على كل حال منطق يقظٌ حساس بعيد الوثبة، يحاول دائمًا أن يضبط هذا الإحساس الذي لا يهدأ ولا يستقر. وسينتهي -بعد قليل من المصابرة والمرابطة لإحساس مشاعره- إلى القدرة على متابعة إحساسه وكبحه وتزجيته على هدْى واحد مؤتلف غير مختلف، وذلك حين يجتاز الشاعر
(1/103)

السن التي هي علة التوقد الدائم والاهتزاز المتتابع تتابع البرق إذا خفق وومض وضرب بعضه بعضًا بسياط من الضوء في عوارض السحاب. . . وأما لغته، فقد ملك منها ما يكفيه بقدر حاجة بعض إحساسه، فإذا امتدت يده إلى خزائن العربية التي لا تنفد، وتداخل في أسرار حروفها بالمدارسة الطويلة، وتآمرت -ثلاثتُها- على تسنية الأبواب له واحدًا بعد واحد، حتى يستطع أن يستوي على سَرارة (1) المرتبة الأولى للشعر غير مدافع.
هذا. . . وإن في كثير من شعره الذي نشره إلى اليوم، ما يجعلني على ثقة -إن شاء الله - من أنه مدرك ذلك لا محالة، فهو قد استولى على كل ما هو به شاعر، ولا أظن ظن السوء بقدر الله أن يكون هو قاطعه دون المنهج الذي تعبَّد بين يديه، ولم يبق له إلا قليل حتى يبلغ الذروة العليا.

قصيدة الزلزال
وقد قرأت قصيدته (*) الأخيرة في "فاجعة تركيا" -كما سماها- ثم سمعتها، فوجدت لزامًا عليّ في هذا الباب أن أثبت بعض رأيي في الشعر والشاعر، ثم في "محمود حسن إسماعيل" خاصة، ثم في هذه القصيدة، وقبيح أن يجهل مريدو الشعر الجيد هذه القصيدة الفذة، التي تكشف عن السر المستكن وراء هذا الشاعر. وإذ قد عرضنا مرة لبعض الشعر الأسود المظلم، فلا بد إذن من أن نمحو آيته ببعض آيات الشعر المشرق المضئ.
وقد كان "زلزال الأناضول" عذابًا من العذاب الأكبر بأهواله، حتى قالوا إنه أشد ما عرف من الزلازل وأخطرها وأفظعها موقعًا وأثرًا، وقد كان ما تنشره الصحف اليومية من أخباره هولًا هائلًا مفزعًا يكاد يجعل الولدان شيبًا. فلا شك إذن أن يكون هذا الرعب الراجف في إحساس شاعر فزِعٍ "كمحمود" رجفة يُرعد بها رِعدة طائرة مدوية مصلصلة مجلجلة.
__________
(1) سرارة كل شيء: أكرمه وخياره.
(*) وهي طويلة تزيد على ثمانين بيتا، فلذلك لم نستطع أن نستوفي الكلام عنها وإنما دللنا على منهاجها وروعتها (شاكر).
(1/104)

وأنت إذا بدأت القصيدة:
هات الشدائد للجريحةِ هاتها ... فالصبر في الأهوال دِينُ أُساتها
واحشُد صروفك يا زمان فربما ... لهبُ العظائم شُب من نكباتها
ولعلها خمرٌ تدور فيستقى ... خَمْرَ الكفاح الشرقُ من كاساتها
رأيت الأمر والنداء، نداء الفزع الطامي بطغيان أمواجه على إحساس الشاعر، فلم يملك إلا إسلام نفسه إلى اليأس، فيستزيد من البلاء ويطلبه فيقول: "هات الشدائد" ثم يعود فيقول: "هاتها" ليثبت إيمانه بالصبر على هذا البلاء، فهو إيحاء، إذ قد يئس أن يصرف عن إحساسه ما طغى به عليه هول ما سمع من صفة الزلزال. ويَدُلُّك على أن هذا المطلع قطعة من اليأس، عودتُه إلى الشك في هذه الشدائد الموقدة بنارها ولهيبها، والتي زلزلتْ أمة من الناس فكانوا كما قال الله تعالى في صفة زلزلة الساعة: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}. فكذلك عاد الشاعر يشك بعد طغيان البلاء عليه أن ينقلب كل ذلك الرعب الذي اضطرب به الناس سُكرًا يجزِّئ هذا الشرق المغلوب على الكفاح، في زمن يرمى من أهواله شدائد ترجف بالشرق رجفة كأشد ما رَجفتْ زلزلة الأناضول، فلذلك قال: "ولعلها خمر. . . .".
هي أمةٌ زلزلتَ جَنبَ مِهادها ... ونفختَ ريحَ الموت في جَنباتها
وهذا البيت يكاد يكون الحد الفاصل بين يأس الشاعر الذي طغى عليه حتى أنساه روح الزلزلة التي كانت في إحساسه، وهو نفسه الذي يردُّه مرة أخرى فزعًا ثائرًا متوثبًا تتقاذقه تهاويل إحساسه في رعب بعد رعب.
شَوَّهتَ صَفحتها بمديةِ جازِر ... الرحمة انتحرت بحدِّ شَباتِها
مجنونةُ الحدّيْن لو هي لَوَّحتْ ... لانهَدَّ رُكن الأرض من حركاتها
ذئبية الشهوات جاع حديدُها ... وأراق جوع الوحش في لَهَواتها
وهنا موضع يوقف عنده، فإن المعنى الذي أراده الشاعر، والصورة التي
(1/105)

نشأت من شدة إحساسه بهول الزلزلة طغتْ فلم يستطع المنطق أن يضبط اللغة على قياسها، فهو يريد أن يقول: إنه ورى هذه المدية الصقيلة الذئبية الجائعة المهلكة المجنونة فيرى على حَدَّيْها وصفحتيها من فِرِندها وضوئها ومائها ما ينسابُ ويتريَّق ويتلألأ ويرمي بأضوائه كأنه ضوء جائع يريد أن يلتهم كل ما يلقاه، وذلك قوله: "وأراق جوع الوحش في لهواتها" فقوله: "وأراق" هنا لا توافق المعنى، وقد أوقعه عليها اختلاط "فرند المُدْيَة" -وهو ماؤها- بالمعنى الذي أراده، ولو قال: "يذكى سعار الوحش في لهواتها" أو ما يقارب ذلك لكان أجود. ثم يمضي الشاعر في تصوير ما تخيله -حين فجأت الزلزلة الأناضول-:
والناسُ غَرْقى في السكون سَجتْ بهم ... سِنَة يَنامُ الهوْلُ في سَكناتِها
بَيْنا همُ فَوْق المهودِ عَوَالمٌ ... غشَّى ضبابُ الصمت كل جهاتها
وإذا بقلبِ الأرض يرجفُ رجفةً ... دُكَّ الصباحُ وذابَ في خَفَقَاتِها
وانشقَّت الدُّنيا لديه فلم يَجِدْ ... أرضًا يغيثُ النورَ في رَبَواتها
فَطوَى المدائن والقرَى وهَوَى بها ... في سدْفَة تهوي على ظلماتِها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبنى اللحودَ على المهودِ وهدَّها ... فَنَضَا ستورَ الموت عن عَوراتها
زأرت جراحُ الأرضِ فاهتاجَ الردى ... وتنهد الزلزال في ساحاتها
وإذا الذي أتى به في وصف الزلزلة إلى آخر القصيدة شيء هائل مخيف تقشعر
(1/106)

له الأبدان، وتراه متدفقًا طاغيًا لا تكاد تقف على كلمة منه إلا مرتاعًا قد قفَّ شعرك (1) عن هول ما تنقل إليك ألفاظه من معاني إحساسه الثائر المتفجر:
أنفاسه لهبُ الجحيم وخطوه ... خطو المنايا السود في فجآتها

إلى بعض القراء
. . . وبعد، فإن العالِمَ الثقةَ الثبت المحقق الدكتور بشر فارس قد عَلِمَ فَعلَّمَ! ! وأنا أشكرُ له ما علّمني، فأنا لا أحب أن أكون كالذي قيل في أمره: "لا تناظرْ جاهلًا ولا لجوجا فإنه يجعل المناظرة ذريعة إلى التعلُّم بغير شكر". ثم بصَّر "بشر" أيضًا بما كنت أَجهل من العروض واللغة والبيان، فأوغَرَ صدري، فنثرت حول قَهْري ما ملكت من نُفاية الكلام وكذلك طوّقتُ نفسي به زينة وحِلية أتبرّج بها للناس أو كما قال! وهو كذلك. . .
فأنا أحمد الله الذي كفاني شر الغرورِ والخيلاء، ولم يجعلني كالجاهلة الخرقاء التي زعموها تأنَّقت بما ليس فيها، ولا هو من طباعها، حتى ضربوا بها المثل فقالوا: "خرقاءُ ذات نِيقة" (2)، والحمد لله الذي لم يجعلني ممن يتزين بما ليس تملكه يداه، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زُور" (3)، والحمد لله الذي جعلني جاهلًا يعرف أنه جاهل، ومن أين لمثلي العلم؟ أليس قد "ذهب العلم إلا غبارات في أوعية سوء" كما قال ابن شُبرمة في رواية بشر فارس عن ابن شبرمة: (بريد "الرسالة" العدد 346).
وقد قرر الأستاذ بشر أنه بصرني بأمور ثلاثة، وأني سلمت مرغمًا بأنه بصرنى بما كنت أجهل من أمرها! ! وإذا قرر الأستاذ بشر فقد وجب عليّ وعلى الناس التسليم بما قرر، أليس ذلك كذلك. بَلى، {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} ومع ذلك، فمن غَلَبة الجهل علينا أن البحر الذي وضعه وسماه
__________
(1) قَفَّ الشَّعْرُ: قام من الفزع.
(2) قال الميداني في مضرب هذا المثل: "يضرب للجاهل بالأمر وهو مع ذلك يدعى المعرفة".
(3) "كلابس ثَوْبَىْ زور" مثل، انظر الميداني 3: 35.
(1/107)

"المنطلق"، لا يزال عندنا وعند أصحابنا من علماء العروض هو من "مجزوءة المتدارك" أدْخَل الشاعر الأستاذ على ضربها العرج أو الفساد أو الخبن أو ما شئت فسمِّه، ثم ألزمها ذلك في سائر أبياته، ثم قال إنه وضع بحرًا. ومن غلبة جهلنا أيضًا أننا نعده وزنًا ثقيلًا غثًا كسائر الأوزان الممكنة التي تركتها العرب لثقلها على السمع، فلم تجزها في شعرها، ومن غلبة جهلنا أيضًا أننا لا نزال ندعى أن لن يوجد في أصحاب الألسنة العربية من الشعراء المجيدين من يتابع النظم على هذا الوزن الجافي من "مجزوءة المتدارك"، وكذلك أهملناه وسنهمله.
وأما حديث "الزلزلة"، فلا نزال نقول إن كل حرف من حروف العربية ينقل إلى المجاز، فهو يتطلب دائمًا حقيقته، وإلا فسد مجازه. فإذا كان أصل الحرف "زلزل" وحقيقته: أن يزلَّ الشيء عن مكانه مرة بعد مرة، أي أن ينتقل ويتحرك ويسقط ويخرج عن الموضع الذي يستقر عليه، فلابد في كل مجاز لهذا الحرف أن يكون ما يقع عليه فعل الزلزلة - (أي نائب الفاعل أو المفعول) - شيئًا منتقلًا من مكان إلى مكان أو شيئًا يجوز أن ينتقل من مكان إلى مكان، فهذا هو شرط المجاز أو الاستعارة في هذا وأمثاله، وإذ ليست الأذن كذلك، فقولك "زلزل الطرب أُذُنى" مجازٌ فاسدٌ لأن الأذُن ثابتة لا تتحرك.
وإذا قال كتاب "خلاصة الطبيعة في الصوت! ! " في باب "شرح عمل الأذن" إن الصوت يهزُّ غشاء طبلة الأذن حين تصكُّها الأمواج الهوائية التي يُحدثها مصدر الصوت، فليس معنى "يهز الغشاء" هنا أنه ينقله من مكان إلى مكان آخر، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غشاء طبلة الأذن مثبتًا لا يتحرك أي لا ينتقل من مكانه، وإنما هو اهتزازٌ يلحقه، فليس في الدنيا "ناى" أو غيره يستطيع أن يجعله يتحرك أي ينتقل من مكانه، ولو كان في قلب هذا "الناى" عشرون فرقة من فرق "الجازبنْد". . . ولو كان ذلك فتحرك الغشاء قليلًا عن مكانه لتمزَّق وانخرَق، وكان الصَّمم، وإذن فليس يجوز في العربية أن يقال "زلزل الطرب أو الناى غشاءَ طبلة أُذُني"! وإلا فهو مجازٌ فاسدٌ أيضًا.
(1/108)

وأما ما يقال من أن الزلزلة والطرب على مجاورة في لغتنا! ! فهو شيء لا أصل له، وهي عبارة لا تؤدى إلى معنى، وهو كلام "يدخل بعد العِشاءِ في العرب".
وأخيرًا. . .، فمن عظة نبينا - صلى الله عليه وسلم - قوله: "من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يُباهي به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار". ونحن نعوذ بالله أن نخالف عن أمر نبينا، أو نكون ممن يستخف بما أنذر به، فنباهي الأستاذ بشر بما نعلم، وإذن فلست أجهل حديثي هذا إلا للقراء وحدهم لأضع به عن نفسي أمانة العلم. . .
حتى إذا ما الصباحُ لاحَ لهم ... بيَّن ستُّوقَهم من الذهب (1)
والناس قد أصبحوا صيارفة ... أعلم شيء بزائف النسب
فأستأذن القراء وأستغفرهم، فأنا امْرُؤٌ لا يحب أن ينصب نفسَه لمَن هو عنده نفسُه أكبرُ من نفسه والسلام.

ابن شُبرمة! !
وما دمنا في حديث أمانة العلم، فقد رأيت أن الأستاذ المحقق "بشر فارس" روى خبرًا عن ابن شبرمة القاضي قدمناه آنفًا وهو: "ذهب العلم إلا غبارات في أوعية سود". وقد رأيت صاحب العقد الفريد (ج 1 ص 205 طبعة بولاق أيضًا! ) قد أورده بهذا النص عينه، وهو يبدو لنا نصًا عربيًا مظلم النور.
وتحرير رواية الخبر: "ذهب العلم إلا غُبَّراتٍ في أوعية سوء" بضم الغين المعجمة وفتح الباء المشددة. والغبّرات جمع غبّر، وهو آخر الشيء وعقابيله وما يبقى منه. يريد ابن شبرمة: أن العلم لم يبق منه إلا قليل قد وقع في صدور رجال من الفخار والخزف لا تضئ ولا تقبل الضوء.
وقد ورد هذا الحرف (غبرات) في حديث عمرو بن العاص يقول لعمر بن الخطاب: "إني والله ما تأبّطتني الإماءُ، ولا حملتني البغايا في غبّرات المآلي".
__________
(1) الستوق (بفتح السين وضمها): الزَّيْف البهرج الذي لا خير فيه، وهو مُعَرَّب.
(1/109)

والمآلي خرق للنساء يكون فيها الدم، وغبّراتها بقايا الدم. ومن ذلك أيضًا قول أبي كبير الهُذَلي يصف ابن زوجته تأبط شرًّا الشاعر الفاتك:
حَملتْ بِهِ في ليلةٍ مَزْؤودةٍ ... كرْهًا وعقدُ نِطاقِها لم يُحللِ (1)
فأتتْ بِهِ حُوشَ الفؤاد مبطنًا ... سُهدًا إذا ما نام ليل الهَوْجَل (2)
وَمُبرَّأ من كل "غُبّر حَيْضة" ... وفساد مرضعة، وداءٍ مُغْيل (3)
فهذا تحقيق رواية الخبر على التحرير والدراية، فمن كانت عنده نسخة من (العقد الفريد طبعة بولاق! ) فليصححه
__________
(1) مزؤودة: فَزِعة، نسب إليها الفزع لأنه وقع فيها.
(2) حوش الفؤاد: وَحْشِيّ الفؤاد حديده. المبطَّن: الضامر البطن، وهو مدح. السُّهُد: الذي لا ينام الليل، من حذره وتوقُّده. الهوجل: الوَخِم الثقيل، ونسب النوم لليلة لأنه يقع فيها.
(3) مُغْيِل: من الغَيْل، وهو أن تُغْشَى المرأة وهي تُرْضِع، فذلك اللبن الغَيْلُ، ومنه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - "لَهَمَمْتُ أن أنهي عن الغَيْلَة".
(1/110)

من مذكرات ابن أبي رَبيعة الحقيقة المؤمنة
" قال عمر بن أبي ربيعة". . . فبادرت أعدو يكادُ ينشقُّ عليَّ جِلْدى من شدَّة العَدْو، فقد أَكلتْ مني السنُّ وتعرَّقتْنى (1) أَنيابُ الكِبَر؛ فما جاوزت رَوْضة قصر أمير المؤمنين حتى تقطعت أنفاسي من الجهد، وتلقاني الآذِنُ: ما عدا بِكَ يا أبا الخطاب؟ فقلت: إِيذَن لي على أمير المؤمنين [هو الوليد بن عبد الملك]، فقد نزل بنا ما لا ردَّ له، وتبعتُه. . . والله إِنَّ فرائصي لتُرْعدُ وكأني محمومٌ قد جرت عليه هبَّةُ ريح باردة. . . وغاب الآذنُ: فما هو إلا أمير المؤمنين يستقبلني كالفزِع، وقد خرج إليّ فقال: أي شيء هو يا ابن أبي ربيعة؟
قلت: والله ما أدري يا أمير المؤمنين، فما كان إلّا ومحمد بن عروة [بن الزبير] تحت سناكبها، فما زالت تضربه بقوائمها، وما أدركناه إلا وقد تهشم وجهه وتحطمت أضلاعه! ! .
وكأنما فارقتني الروح، فما أشعر إلا وأمير المؤمنين قائم على رأسي ينضح الماءَ على وجهي، وقد قُرِّبتْ إليَّ مَجْمرَةٌ يسطعِ منها ريح المندَلِ الرطِب، فلما أفقتُ ورجَعَتْ إليّ روحي سألني أمير المؤمنين أن أقصَّ عليه الخبرَ. . .
قلت: خرجنا أنا ومحمد بن عروة وهشامٌ أخوه نريد منزلنا من قصر أمير المؤمنين، نرجو أن نتخفَّف من بعض ثيابنا، فقد أنهكنا الحرُّ. . . فنظر محمد إلى مرآةٍ من فِضِّة مُجلوّةٍ معلقةٍ في البيت، ثم قال: أتذكُر يا أبا الخطاب حَجَّتنا تلك قلت: أيَّتهنَّ؟ فقد أكثرتَ وعمَّك الحجَّ، فقال: سرعان ما نسى الشيخ، لقد كبرت والله يا أبا الخطاب! وقد حدثني أبي بالذي كان منك، فقد كنت تسايره
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 348)، 1940، ص: 383 - 385
(1) تعرق فلانٌ العَظْمَ: أخذ عنه اللحم
(1/111)

وتحادثه، فلم تلبث أن سألته: وأين زينُ المواكب (1) يا أبا عبد الله؟ فقال لك: أمامَك، فأردت تركضُ راحلتك تطلبُني، فقال لك: يا أبا الخطاب، أوَ لسنا أكفاءً كِرامًا لمحادثتك، ونحن أولَى أن تسايرنا، فقلت له: بَلَى، بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله! ولكني مُغرًى بهذا الجمال اتّبعهُ حيث كان، ثم عدلتَ بِراحلتك وضربتها وأقبلتَ إليَّ، وجعل أبي يتعجب منك وَيضحك، وقد استنار وجهه. . . إحدى سوآتك هي والله يا أبا الخطاب. . .
فضحكت لقوله وتناقلنا الحديث وإذا هو ساكنٌ ساجٍ كأنما غشيَته غاشية همٍّ، فقلت: ما بك يا محمد؟ فزفر والله يا أمير المؤمنين زفرة كأنما انشقت لها كبدي، ثم قال: أرأيت هذا الجمال الذي تبعته يا أبا الخطاب، يوشك أن يكون طعامًا يلحسه تراب القبر فما ترى إلا عظما أغبر من جمجمة تقذف الرعب من محجريها. لقد روَّعني والله يا أمير المؤمنين حتى تطيَّرتُ وما بي الطيرَة، فأردت أن أصرفه عن بعض وهمه أن يكون الصيف قد أوقد عليه حرّه فحيّره. فانطلقنا جميعًا [يعني هو وهشام ومحمد] إلى سطح البيت نستظل بظلته ونستروح النسمات وأقبلنا نضحك ونعبث ونلهو من بعض اللهو، وإذا طائر يحوم يصفق بجناحيه ثم رنّق فكسرهما من الإعياء ثم سقط ثم درج ثم اضطرب قد كاد يقتله الظمأ. فجرى إليه "محمد" ليأخذه فَيبُلّ ظمأه. فخفّ الطائر فهوى إليه محمد ليدركه، فما نرى والله محمدًا .. قد اختطفه أجَله فجذبه فهوى به إلى اصطبل الدواب، فيقعِ بينها فيثيرها فتهيج، وإذا "زين المواكب" تحت سنابكها تضربه، فما أدركناه والله يا أمير المؤمنين إلا جثة قد ذهب رأسها، وما نرى إلا الدم. . . رحمة الله عليه، لقد. . .
قال أمير المؤمنين: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فكيف نحتال لهذا الأمر يا ابن أبي ربيعة؟ قلت: فيم الحيلة يا أمير المؤمنين وقد ذهب القدر بما يُحتال له! فقال: أههنا أنت يا عمر، نمت وسار الركب، هذا أبوه أبو عبد الله شيخ كبير يوشك أن يصاب في نفسه، قلت: يا أمير المؤمنين، هذا
__________
(1) كان محمد بن عروة يُسَمّى زين المواكب، ربما لجماله وبهائه.
(1/112)

مصابه في ابنه، فما مصابه في نفسه إلا أن يكون الخبر إذ يبلغه؟ وسأحتال له. قال أمير المؤمنين: مهلًا يا عمر، لقد علمت أن أبا عبد الله [عروة بن الزبير بن العوام] كان قد اشتكى رجله وما زال يشتكي، فبينا نحن الساعة جلوس إذ دخل علينا "أبو الحكم" الطبيب النصراني، فاستأذنت أبا عبد الله أن يدَع "أبا الحكم" حتى يرى علة رجله، فما راعنا إلا "أبو الحكم" يقول إنها الأُكلة، وإنها قد ارتفعت تريد الركبة، وإنها إذا بلغت الركبة أفسدت عليه جسده كله فقتلته، فما بُدٌّ من أن تقطع رجله الساعة خشية أن تدب الأكلة إلى حيث لا ينفع القطع ولا البتر.
فوجَمتُ والله لهذا البلاء، وقد اختلف به القدَر على شيخ مثل أبي عبد الله في إدبارٍ من العمر، وأخذ أمير المؤمنين بيدي وقام. فدخلنا مجلس الخلافة وإذا وجوه الناس قد جلسوا إلى عُرْوة أبي عبد الله يواسونه ويصبّرونه ويذكرونه بقدَر الله خيره وشرِّه، وإذا فيهم سليمان بن عبد الملك أخو أمير المؤمنين، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد حضره ولده هشام فأرَمَّ (1) قد انتُسف لونه من الحزن على أخيه والرحمة لأبيه. وأقبل أمير المؤمنين وأنا معه على عرْوة، فتفرق الناس إلى مجالسهم، وإذا عُرْوة كأنْ ليس به شيء، يرفُّ وجهه كأنه فِلْقة قمر وهو يضحك ويقول: لقد كرهت يا أمير المؤمنين أن يقطعوا مني عضوًا يَحط عني بعض ذنوبي، فقد حُدّثنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}، فكل سوءِ عملناهُ جزينا به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألستَ تمَرضُ؟ ألستَ تَنْصَبُ؟ ألست تحزَن؟ ألست تصيبك الَّلأْوَاءُ (2)؟ قال: بلى يا رسول الله. قال - صلى الله عليه وسلم -: فهو ما تُجزَون به، فإن ذاك بذاك. لَوَدِدْت يا أمير المؤمنين أنها بقيتْ بدائها فهي كفَّارةٌ تحتُّ الذَّنْبِ.
__________
(1) أَرَمَّ: جلس ساكنا لا يتحرك.
(2) الَّلأوَاءُ: الشِّدِّة.
(1/113)

قال أمير المؤمنين: غفر الله لك، غفر الله لك، وما أعجبُ لصبرك، فأمُّك أسماء بنت أبي بكر الصديق "ذات النِّطاقين" وأبوك حَوَاريُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمته الزبير بن العوام، فرضى الله عنك وأرضاك يا أبا عبد الله.
فما كدنا حتى أقبل أبو الحكم، وهو شيخ نصرانيٌّ طويل فارعٌ مَشبوحُ (1) العظام، قد تخدَّد لحمه، أحمرُ أزْهرُ أصلع الرأس إِلا شعرات بيضًا قد بقيت له، كثُّ اللحية طويلها، لو ضربتها الريح لطارت به؛ ودخل أبو الحَكَم وراء لحيته وهي تسعى بين يديه، حتى وقف على عروة بن الزبير فقال: لابدّ مما ليس منه بُدٌّ يا أبا عبد الله، وإني والله لأرحَمك وأخشى أن يبلُغ منك الجهد، فما أرى لك إلا أن نسقيك الخمر حتى لا تجد بها ألم القطع. قال عروة: أبْعَدَكَ الله من شيخ، وبئس والله ما رأيت! إنا والله ما نحبُّ أن يرانا الله بحيث نستعين بحرامه على ما نرجو من عافيته! قال أبو الحكم: فنسقيك المُرْقِدَ (2)، يا أبا عبد الله! قال عروة: ما أحبُّ أن أُسْلَبَ عضوًا من أعضائي وأنا لا أجد أَلَم ذلك فأحتسبه عند الله.
قال أبو الحكم: وقاك الله يا أبا عبد الله! لقد ألنت منا قلوبًا كانت قاسية؛ ثم التفت (أبو الحكم) إلى رجال سود غِلاظ شداد قد وقفوا ناحية فقال: أقبلوا، فأقبلوا. . . فأخذتهم عينُ عروة فأنكرهم فقال: ما هؤلاء؟ فقال أبو الحكم: يمسكونك، فإن الألم ربما عزب (3) معه الصبر، قال عروة: أما تُقلع أيها الشيخ عن باطِلك، انصرفوا يرحمكم الله، وإني لأرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي، ولا والله ما يسعني أن هذا الحائط وقاني أذاها فاحتمل عني ألمها. أقبل يا أبا الحكم، وخذ فيما جئتَ له {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}.
__________
(1) مشبوح: عريض.
(2) المُرْقِد: شيء يشرب فيُنَوَّمُ مَنْ شربه ويُرْقِدُه.
(3) عزب (من باب ضرب ونصر): بَعُدَ.
(1/114)

فرأيت أبا الحكم وقد برق وجهه وتوقد كأنما أسلم بعد كفر، ثم نشر درجًا كان في يده وأخرج منشارًا دقيقًا طويلًا صقيلًا يضحك فيه الشعاع ووُضع الطست ومَد أبو عبد الله رجْله على الطست وهو يقول: باسم الله والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا}. تقدم يا أبا الحكم فقد احتسبتها لله. فما بقي والله أحدٌ في المجلسِ إلا استَدارَ ودَفَنَ وجههُ في كفيه، وبكى القوم فَعَلَا نشيجهم، وإن عرْوةَ لساكن قارٍّ ينظر إلى ما يرادُ به، وكأنما مَلَكٌ قد جاء إلى الأرض يستقبل آلامها بروح من السماء. ووضع أبو الحكم منشاره في اللحم إلى العظم، وإن عروة لصائم يومه ذاك، فما تضور وجهه ولا تقبض، والمنشار يأكل في عظمه الحي، وما يزيد على أن يهلل ويكبر ويسبح الله، وكأن الدار والله قد أضاء جوها كأنه شعاع ينسكب من تهليله وتكبيره، ودخل رجال يحملون مغارف من حديد يفور منها ريح الزيت وقد غلى فيها على النار، ودنوا فما هو إلا أن فرغ أبو الحكم وقد فار الدم منها وتفجر مثل الينبوع، فأخذها أبو الحكم يغمسها في الزيت فيسمع نشيشها فيه حتى حسم الدم. وإذا عروة قد غشى عليه، وإذا وجهه قد صفِر من الدم، وقد نجِدَ (1) فنضح وجهُه بالعرق، ولكنه بقي مشرقًا نيرًا يرفُّ كأنه عَرارة (2) تحت الندى. قال أبو الحكم: ما رأيت كاليوم يا أمير المؤمنين إنه الرجل، وإنها الحقيقة المؤمِنة، وإن إيمانه ليحوطه ويثبته ويسكنه وينفض عنه الجزع، ثم التفت إلى عروة يقول: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، لأنت والله تمثال الصبر في إهاب رجل.
وما لبثنا، حتى إذا أفاق أبو عبد الله جلس يقول: لا إله إلا الله والحمد لله، ويمسح عن وجهه النومَ والعرق بكفيه، وينظر فيرى قدمه في يد رجل يهم أن يخرج بها فيناديه: على رِسْلِك أيها الرجل، أرنى ما تحمل؛ فيأخذ قدمه في يده فيرنو إليها وقد سكن وحرّك شفتيه. ثم يقلبها في يده ثم يقول لها: أما والذي
__________
(1) نجد: سال عَرَقُه.
(2) العَرارة: نبتة طيبة الريح، وهي النرجس البرِّي.
(1/115)

حملني عليك، لقد علمتِ أني ما مشيت بك إلى حرام ولا معصية، اللهم هذه نعمة أنعمت بها عليّ ثم سلبتنيها أحتسبُها عندك راضيًا مطمئنًّا إنك أنت الغفور الرحيم. خذها أيها الرجل؛ ثم أضاءَ وجهه بالإيمان والصبر عن مثل الدرة في شعاع الشمس. . . .
قال أمير المؤمنين: غفر الله لك يا أبا عبد الله، وإن في الناس لمن هو أعظم بلاءً منك، يا عمر [يريد عمر بن عبد العزيز]، ناد الرجل من أخوالي [يعني من بني عَبْس] فيقبل عمر ومعه رجلٌ ضريرٌ محطومُ الوجهِ لا تُرى إلّا دمامته، فيقول لهُ أمير المؤمنين: حدّثْ أبا عبد الله بخبرك يا أبا صعصعة، فيلتفت الرجل إلى عُرْوة ويُقبل عليه فيقول: ابنَ الزُّبير، قد والله لقيتَ البلاءَ، يا فقيه المدينة وابن حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإني والله محدثك عني بخبري عسى أن يرفع عنك: فقد بتُّ ليلة في بطن واد، ولا أعلم عَبسيًّا في الأرض يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيلٌ جارفٌ كأنه الطوفان، يتقاذف بين يديه موجًا كالجبال، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد إلا صبيًا مولودًا وبعيرًا نِضوًا ضعيفا. فندَّ البعيرُ يومًا والصبي معي، فوضعته واتبعت البعير أطلبه، فما جاوزت ابنى قليلًا إلا ورأسُ الذئب في بطنه قد بعجها بأنيابه العُصل فاستل أحشاءه، وإن الصغير ليصرخ، ويركض برجليه الأرض، فكدت والله أسوخ في الأرض مما رأيت، ولكني ذكرت الله واستعنته واحتسبتُ الصغير فتركته لقدر الله واتبعت البعير، فهممت آخذ بذنبه وقد أدركته، فرمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عينيَّ، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد ولا ذا بصر، وإني أحمد الله إليك، يا أبا عبد الله، فاصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. قال عُروة: لقد أفضل الله عليك يا أبا صعصعة وإني لأرجو لك الجنة.
قال عمر بن أبي ربيعة: وألاح إليَّ أمير المؤمنين أن أقبل، فدنوت إليه فأسرَّ إليّ: إن أردت الحيلة فقد أمكنتك، فاذهب إلى أبي عبد الله فانْعِ إليه ولده "زين المواكب"، قلت: هو والله الرأي يا أمير المؤمنين، ثم مضيت إلى عروة وقد غلبتني عيناي بالبكاءِ.
(1/116)

فلما قاربته قلت: عزاءك يا أبا عبد الله؛ قال عروة: فيم تعزيني يا أبا الخطاب؟ إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها لله، قلت: رضى الله عنك، بأبي أنت وأمي، بل أعزِّيك "بزيْن المواكب"، فدهش وتلفَّت ولم ير إلا هشامًا ولده، فرأيت في وجهه المعرفة ثم هدأ فقال: ما لَهُ يا أبا الخطاب؟ فجلست إليه وتحلّق الناس حوالينا وتكنَّفُونا، وأخذت أحدِّثه بشأنه، ووالله ما يزيد على أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله وإنا إليه راجعون، فلما فرغت من خبري ما زاد على أن قال:
وكنتُ إذا الأيامُ أحدثنَ هالكا ... أقول شوًى ما لمْ يُصبنَ حَميمي (1)
ثم رفع وجهه إلى السماء وقد تندّت عيناه ثم قال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد فيما أخذت وأبقيت، اللهم أخذت عضوًا وتركت أعضاء، وأخذت ابنًا وتركت أبناء، وأيْمُ الله لئن كنت أخذت لقد أبقيتَ، ولئن ابتليت لطالما عافيت، سبحانك ربنا إليك المصير. قوموا إلى جهار أخيكم يرحمكم الله، وانظروا لا تكون عليه نائحة ولا مُعْوِلة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النياحة، ومُرُوهنَّ بالصبر للصدمة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى على امرأة تبكى صبيًّا لها فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي! فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: إنما الصبر عند أول الصدمة.
وجزاك الله خيرًا عني وعن ولدي يا أمير المؤمنين، {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
__________
(1) الشَّوَى: اليسير الهيِّن.
(1/117)

غُبَّرات لا غُبارات
قال شيخُنا أبو عثمان الجاحظ في "كتاب الحيوان" يذكر ما يعرض للكِتابِ المنسوخ من آفات الناسخين:
". . . . ثم يصيرُ هذا الكتاب بعد ذلك لإنسان آخر، فيسير فيه الورّاقُ الثاني سيرةَ الورَّاق الأوّل، ولا تزال تتداوله الأيدى الجانية، والأعراض المفسدة، حتى يصير غَلَطًا صرفًا وكذِبًا مُصْمتًا. فما ظنكم بكتاب يتعاقبه المترجمون بالإفساد، وتتعاوره الخطّاط بشرٍّ من ذلك أو بمثله. . .، كتاب متقادِم الميلاد، دهري الصنعة".
ولم يزل أئمتُنا وعلماؤنا وأصحاب العقل من شيوخنا، يردُّون الكلام المنقول المكتوب إلى العقل -بعد التحري للفظه المكتوب- اتِّقاءً لما عرفوه من تحريف الناسخين، وانتحال المبطلين وغفلة الجاهلين. ونحن إنما نمضي على سنتهم -إن شاء الله- ولا نقف عند القول نخرُّ عليه تعبُّدًا لحرفه، وخضوعًا لنصِّه. ولئن فعلنا لمحق الله منا نصف العقل وبقى النصف الآخر متردِّدًا بين قال فلان وكتب فلان.
. . . وعلى ذلك، فقد صححنا قول ابن شبرمة في رواية صاحب العقد الفريد في العدد (347) من الرسالة، فجعلناه "ذَهَبَ العلم إلا غُبَّرات في أَوْعية سوء"، ورفضنا نص العقد وهو: "إلَّا غبارات". ثم رأيت في البريد الأدبى من الرسالة (349) كلمة الدكتور بشر فارس يردّ ما ذهبنا إليه بثلاثة براهين نثبتها بالترتيب من تحت إلى فوق:
الأول: أن الحرف (غبارات) قد وَرَدَ كذلك في جميع نسخ العقد الفريد المطبوعة، وكذلك في مخطوطة منه بدار الكتب يُظَنُّ أنها كتبت في القرن السادس.
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 350)، 1940، ص: 513 - 514
(1/118)

الثاني: أن هذا النص يصح لغة وأداءً وبيانًا. وإذا صحّ كذلك فمن الاستبداد أن يُرَدّ على الهوَى.
الثالث: مخالفة نهجنا في ذلك لنهج علماء الفرنجة (المستشرقين). وجوابنا على الترتيب من تحت إلى فوق:
إننا أَدْرَى بأساليب هؤلاء الأعاجم -الذين اتخذوا العربية عملًا من أعمالهم- من أن نخالفهم في الجيّد من مذاهبهم، فتحرير النص ومراجعته على جميع النسخ التي ذكر فيها وما إلى ذلك، عملٌ ضرورىٌّ لكل باحث. ولكن هؤلاء الأعاجم تقعد بهم سلائقهم عن معرفة أسرار العربية، فلم يتجاوزوا الوقوف عند النص المكتوب، وذلك لعجزهم عن بيانها. فلما عرفوا ذلك من أنفسهم، كان من أمانتهم أن يتوقفوا، فلا يقطعون برأي في صواب أو خطأ. وهي أمانة مشكورة لهم.
ولكن العربيّ إذا أخذ بأسبابهم، فلابُدَّ له من أن يهتدى بعربيته إلى ما عجزوا عنه بأعجميتهم، فكذلك فعلنا في كلمة ابن شبرمة وقلنا "إنه نصٌّ عربيٌّ مُظلم النور". وبيان ذلك أنه ليس من قياس العربية أن يجمع "غبار" على "غبارات" ولا غيرها من الجموع، وأن ابن شبرمة لم يُردْ تحقيرَ العلم نفسه فيجعل ما بقي منه "غبارًا"، وإنما أراد أنه بقي من العلم شيء هو من صحيح العلم، ولكنه وقع في صدور رجال من أهل الباطل يفتونَ الناسَ، يضِلّ بهم من يضِلُّ إذ يحسبونهم لا ينطقون بباطل ما داموا أصحاب فقه ودين وعلم. ولم تكن الشهادات وألقابها عُرِفتْ لعهد ابن شبرمة حتى تكون هي التي تقدر العلماء وتميزهم للناس، وإنما كانوا يتميزون بالعلم، فإذا لم يكن عندهم علم لم يعدهم الناسُ في العلماء. ثم إن الغبارَ لا يمكن أن يُوكى (1) عليه في وعاء حتى يصح أن يجعل -ما أغلقت عليه صدورهم من بقية العلم- غبارًا. فلو صح نص العقد لكان المراد تحقير العلم وأصحابه جميعًا.
__________
(1) يُوكَى: يُرْبَط.
(1/119)

وأخيرًا، فنحن نرفض نص العقد من جهة بيان العربية وتحريرها، ونقول: إنه لا يصح أن يروى إلا هكذا: "ذهب العلم إلا غُبَّرات في أوعية سوء". وإذا كان الدكتور بشر أو غيره يريد أن ينحاز إلى رأينا بنص آخر. فلا بأس علينا أن ندله عليه فقد روى ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" -المطبوع في سنة 1346 عن نسختين قديمتين: إحداهما للإمام الشيخ الشنقيطي وعليها خطه في الجزء الأول منه (ص 153 سطر 6) بإسناده إلى محمد بن سيرين (وليس ابن شبرمة) قال: "ذهب العلم فلم يبق إلا غبرات في أوعية سوء". فهذا نص، وهناك نصوص غيره؛ فمن شاء أن يبحث فليبحث، ونصيحتنا إلى من عنده نسخة من العقد -أي الطبعات كانت- فليصححها بالذي أثبتناه، وما سوى ذلك، فهو -كما قال- أبو عثمان: غلط صرف وكذب مصمت. . . والسلام.
(1/120)

العودة
إن بعض الحوادث في حياة الرجل لتنزل منزلة الآية المحكمة: تنسخ ما كان قبلها، ثم يأتي بعضها كالقنبلة: تخسف الأرض أمامه فلا يرى إلّا هوةً وغبارها، فإذا تلاحقا لم يدر المرءُ ما يستدبرُ من أمره ولا ما يستقبل، وإنما هو الحيرة والضلال والرُّعبُ، والتردّي كلما أقدم أو أحجم. . . بَلَى، إن علينا أن نصارع الحياة بالقوة، وأن نداورها بالحيلة، حتى نخلص إلى الأرض المطمئنة، ولكن هل يستطيع أحدنا بعد ذلك أن يصل إلى هذه الأرض؟ لولا أن اليأس هو باب الموت، لكان هو -في الحقيقة- إحدى الراحتين. . .

كتب
ولنعُدْ. . . أصدرت المطابع المصرية في الأسابيع الماضية طائفة كثيرة من الكتب العربية، بعضها لأصحابنا من المعاصرين، وبعضها مما أنقذه المعاصرون، من المكتبة العربية المدفونة في خزائن الكتب، فنحن نختار من هذه الكتب ثلاثة يجرى الحديث فيها مجرى واحدًا في الغرض الذي نرمى إليه، وهي كتاب: "التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية" وهو دراسات لكبار المستشرقين مثل: بِكَر، وجولد تسيهر، ونلينو، ومايرهوف. ترجمها إلى العربية الأستاذ عبد الرحمن بدوي، وكتاب "الرسالة" لإمام المذهب محمد بن إدريس الشافعي. نشره العالم المحدِّث الثقة الشيخ أحمد محمد شاكر، وكتاب "الذخيرة" لأبي الحسن علي بن بسام، نشرته كلية الآداب مستعينة بمراجعة الأساتذة محمد عبده عزام، وخليل عساكر، وبخاطره الشافعي؛ وأشرف على عملهم أساتذة الجامعة: أحمد أمين، ومصطفى عبد الرازق، وعبد الحميد العبادي، وعبد الوهاب عزام، وطه حسين.
وهذه الكتب الثلاثة لا يجمَعُها بابٌ واحدٌ من حيث موضوعها، فالأول آراء للمستشرقين في فروع من الحضارة العربية والآراء الإسلامية، ورسالة الشافعي هي
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 351)، 1940، ص: 539 - 542
(1/121)

أصل علم "أصول الشريعة". والثالث في تاريخ الأندلس، وشعرائها، وبلغائها، وكتابها. فالذي حملنا على جمعها في باب واحد من كلامنا هو الرأي في المستشرقين، وما يجب علينا أن نتابعهم عليه، وما ينبغي لنا أن نحذره منهم.

المستشرقون
فقد قرأت مقدمة كتاب "التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية" -كتبها الأستاذ "بدوي" بحرارة الشباب التي تتضرم في دَمِه، وجعل يتهدّمُ فيها على التُّراث العربيّ بآراء كالمعاول: تضربُ في الجِذع بعد الجذع على غير هُدًى ولا كتابٍ منير. فلما توغلت في الكتاب رأيت أن آراء المستشرقين- الذين ترجَمَ لهم كلامهم -هي التي وضعتْ في يديه هذه الفأسَ ليعمل بها، ونحن لا نرى أن مثل ذلك مما يُضر بالتراث الإسلامي بشيء، ولكنا نرى أنه يُضرُّ بأصحابه والعاملين عليه أوّل، لأنه يأكل قواهم في شيء لا يمكن أن ينال منه شيءٌ {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}، والمُشْكلة كلُّها هي فتنَةُ أكثر الناس بأسماء المستشرقين، وأن ما يكتبون في التاريخ الإسلامي والعربي ينزل من قلوب كثير من شبان الجامعة وغيرهم منزلة الكلام القُدْسي: تحريف معانيه إبطال لقوة "الاستشراق" التي فتنتهم. ونحن -حين قرأنا بعض آرائهم التي ترجمها الأستاذ "بدوي"- وجدناها عملًا صالح المذهب من ناحية مَدْرَجِه، وأما من ناحية التحقيق العلمي، والغاية التي يرمي إليها، فهو عمل غير صالح. فكان هذا الذي عرفناه هو الذي دفعنا أن نخصص هذه الكلمة للكتب الثلاثة المذكورة آنفًا، ولمذاهب المستشرقين في تناول الكتب العربية القديمة بالتحقيق لنشرها، ثم مذاهبهم خاصة فيما يعالجون من تاريخ الفكر الإسلامي أو الحضارة الإسلامية. وليس غرضنا هنا أن نعرض لنقد شيء بعينه من آرائهم، وإنما نريد أن نثبت لهم حقهم الذي وجب لهم بما بذلوه من جُهْدٍ، ونحذر شبَّاننا من الافتتان بباطل من باطلهم.
وينقسم أمر المستشرقين كما ترى إلى عملين: أحدهما عملهم في الكتب العربية القديمة التي نشروها من بدءِ توجههم إلى هذا الغرض، والآخر ما كتبوه
(1/122)

من دراساتهم في الآثار العربية، وما أرّخوه من تاريخ الإسلام، وتاريخ آرائه ومذاهبه العلمية والفلسفية.

نشر الكتب العربية
فالمستشرقون حين بدأوا فنشروا الكتب العربية القديمة لم يقَصِّروا في بذل المال والوقت لاستجلاب الأصول التي يطبعون عنها هذه الكتب، ثم يتفرغ أحدهم لمقارنة الأصول بعضها ببعض، وإثبات الاختلاف بين النسخ الكثيرة التي تقع لهم، وتحرير ذلك بالحرف والنقط والشكل على ما هو عليه في أصل من الأصول، وأمانتهم في إبقاء المحرّف على تحريفه والخطأ على صورته. . . إلى غير ذلك من الدقة والأمانة في إعطاء القارئ صورة كاملة في نسخة واحدة من الكتاب المطبوع لعدة نسخ مختلفة متباينة من الأصول المخطوطة. حتى إنهم ليثبتون في "الهامش أو الاستدراك" ما هو خطأ بيِّنٌ لا يصح على وجه من الوجوه، وإنما هو جهلُ ناسخٍ وإفسادُ كاتبٍ، ثم لا يعطونك رأيًا يرجِّحون به لفظًا على لفظ. . . وحتى إنهم ليثبتون الخطأ الصرف في صلب الكتاب ويكون صوابه في الاستدراك، وحجتهم في ذلك أنهم يعتمدون أقدم النسخ عندهم، يطبعونها كما هي، وأما اختلاف سائر النسخ فهو من حق المستدرك وإن كان هو الصواب الذي لا صواب غيره.
وهذا -على علاته- عمل جيد وأمانة صحيحة. ثم جاءتنا هذه المطبوعات في بلادنا على فترة جهل وإهمال، وعلى زمن كلُّ أصحاب المال الذين ينشرون الكتب فيه، إنما هم عامة لا يعنيهم إلا الربح من طبع الكتب حروفًا قد جُمع بعضها إلى بعض على غير نظام ولا تحرير ولا فن. فلما قارن بعضنا هذا بهذا ونحن عرب وهم أعاجم لا يعينهم من عربيتنا ما يجب أن يعنينا، انبثق بثق الفتنة، ومجد الناس همة هؤلاء المستشرقين الأعاجم -وحقَّ لهم- وجعل جماعةٌ ممن لُبِّس عليهم يدفعون القول بعد القول في تعظيمهم والمغالاة فيهم بغير الحق. . . ثم مضى ذلك وانسحب التبجيل على آرائهم في الفكر الإسلامي والتاريخ العربي كما انسحب على أعمالهم في نشر الكتب. . . وأين هذا من ذاك؟
(1/123)

ثم انبثقَ بثقٌ آخر، فظن بعضُ المغالين أنّ المذهب الذي سلكه المستشرقون في التصحيح، هو المذهبُ لا مذهبَ غيره، وجعلوا يَنْعَونَ على مَنْ يخالفهم من أصحاب اللسان العربي في طريقة نشر الكتب العربية. ومع ذلك فهم على الحق في بعض ما يقولون، ولكنه ليس كل الحقّ، فإن المستشرقينَ لم يذهبوا هذا المذهب، ولم يقفوا هذا الموقف من اختلاف النُّسخ، إلا لعجزهم عن ترجيح بعض الكلام العربيّ على بعض، وذلك لعِلَل بيّنة: أولها جهلهم بالعربية على التمام، فإن تمامَ العربية هو السليقة التي لا تكتسب، كما أن تمام الإنجليزية والفرنسية هو السليقةُ والنشأة والاندماج في الوسط الإنجليزي أو الفرنسي من بدءِ المولد والحضانة، والثاني أنه قَلَّما يوجد فيهم المتخصص في فقه علم بعينه حتى يكونَ حجّة فيه، اللَّهمَ إلَّا أن تكونَ الحجة -عندهم- في جمع نصوص كثيرة في موضوع واحد من كتب شتى، ولكنهم لا يدّعون أبدًا أنهم أصحاب رأي في البيان والتأويل والترجيح.

رسالة الشافعي
ويجب أن نضرب المثل هنا "برسالة الشافعي" التي طبعها العالم الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر، فهو طبعها عن أصول مخطوطة ومطبوعة، وأقدمها نسخة بخط الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي وراوي كتبه. فالأستاذ الشيخ شاكر حجة في علم الحديث النبوي، وفقيهٌ مُتْقِنٌ للسنة التي هي أصل من أصول الدين، فلمّا تناولَ "الرسالة" يُعدّها للطبع لم يترُك شاردة ولا هائمةً من اللفظِ إلا رَدَّها إلى مكانها من عربية الشافعي وأصوله التي في كتبه، وأثبت الاختلاف ورجح بعضه على بعض، وعمل في ذلك عمل العقل المفكّر بعد أن ضبط كل اختلاف رآه إلى غير ذلك من أبواب التحرير والضبط. فإذا أنت قرأت الأصل دون التعليق رأيته قد سلم من كل عيب، وصار بيانًا كله، بعد أن كان في الطبعة الأولى من "الرسالة" شيئًا متخالفًا يتوقف عليه البصير، فما ظنك بسائر الناس ممن يقرأ وليس له في هذا العلم قديم معرفة أو مشاركة؟ وأنت إذا قارنت هذه الرسالة بأي كتاب من الكتب التي أتقنها أصحابُها من ثقات المستشرقينَ، وجدت الفرق
(1/124)

الواضح، وعرفت فضل العربي على الأعجمي في نشر الكتب العربية، إذا هو حمل أصولها على أصول الفقه والدراية والتثبت، ولم تخدعه فتنة برأي لعل غيره أقوم منه وأجود.
وأنا أذكر بهذه المناسبة أن الأستاذ قد أرسل إليّ في (إبريل سنة 1932) يسألني عن كلمة وردت في حديث من مسند أحمد بن حنبل، ولم أكن قرأتها قبل ذلك، فكتبت إلى الرافعي -رحمه الله- أسأله عنها وعرضت له ما رأيت من رأي، فخالفني الرافعي، ثم لم تمض أيام حتى وجدت في الطبري ما يوافق بعض رأيي أو يدل عليه، وأبى الرافعي أيضًا. ثم لم ألبث أن وجدت نصًا بعينه على الذي رأيت، وهذا الكلمة هي في الحديث. . . "رجل قد جرد نفسه، قد (أطَّنها) على أنه مقتول)، فرأيت أن قراءتها: "أَطَّنَها" والهمزة فيها منقلبة عن الواو فهي "وطنها" وكذلك وردت في الطبري، ولكن أصحاب كتب اللغة لم يثبتوا ذلك في كتبهم كما أثبتوا "وكَدَّ وأكَّدَ، ووثل وأثل" إلى غير ذلك. فأنت ترى أن الطبع والسليقة ربما هدت إلى ما لا يقع إلا بعض طول التنقيب والبحث والتجميع.

الذخيرة
وهذا أيضًا كتاب "الذخيرة" فإن الجهد الذي بذل في تصحيحه وضبطه على الأصول المخطوطة التي طبع عنها وبيان اختلاف النسخ، قد أوفى على الغاية، وقلَّ من المستشرقين من يستطيع أن ينفذ إلى إجادة مثله في التحرير، ومع ذلك فقد وقع فيه بعض ما كان يمكن تجنبه، لولا أن الأساتذة المصححين قد تهاونوا في تحطيم أسلوب المستشرقين الأعاجم، في التوقف الذي لا معنى له عند العربي ونضيف إلى هذا علة أخرى، هي أنهم ليسوا ممن تخصص لشيء بعينه من تاريخ الأندلس وأدبه، فكذلك بقي بعض الخطأ كما هو، وأُثبت على ذلك وليس له أي معنى. وترْك مثل ذلك للقارئ مما لا يصح ولا يستحسن، ولنضرب لذلك مثلًا أو مثلين: ففي ص 82 ". . . . دبّروا جميعًا عليه فقتلوه ليلًا. . . ." وفي نسخة أخرى "بدروا"؛ وكلا الحرفين لا معنى له في الجملة،
(1/125)

والصواب عندي أن يكون "اندَرَأوا عليه. . . ." أي هجموا واندفعوا، ومن قرأ النص عرف أن هذا هو حق السياق، وكذلك في ص 110 "وفارس ميدان البيان، وذات صدر الزمان" وفي نسخة "وأذات" وكلاهما ليس له معنى، وهو محرف عن "ودُرَّة" أو أي شيء يكون حليًا للصدر. . . ونحن لا نتتبع وإنما نقلب بعض أوراقه الآن على غير ترتيب، ومع ذلك فهو أجود بكثير من أغلب كتب المستشرقين.
هذا. . .، وليس كل المستشرقين ممن يصح الاعتماد عليهم في كل شيء، فقد طبعوا كثيرًا من الكتب. . .، وأقل كتاب وأردأُه مما يطبع في مصر هو خير من مثل هذه الكتب. فلو أخذت مثلًا "كتاب الزُّهرة" لابن داود الظاهري، الذي طبعه الأستاذ "لويس نيكل" بمساعدة الأخ "إبراهيم طوقان" (*)، لوجدت أكثره خطأً، بعد الذي بذله الأستاذ طوقان في الاستدراك عليه. . . ولو شئنا أن نضرب المثال بعد المثال على ذلك لضاق المكان عن إتمام ذلك.

مباحثهم
أما مباحث المستشرقين فهذه هي موضوع الإشكال كله، والمستشرقون -كما لا يشك أحد- ثلاث فئات: فئة المتعصبين الذين تعلموا العربية في الكنائس لخدمة التبشير، وهم الأصل، لأن الاستشراق في أوله كان قد نشأ هنالك بين رجال الدين. . . وفئة المستشرقين الذي يخدمون السياسة الاستعمارية في الشرق العربي، وفئة العلماء الذين يظن أنهم تجرّدوا من الغرضين جميعًا. . .
فأما الفئة الأولى والثانية فما نظن أكثر أقوالهم في المباحث الإسلامية إلا جانحًا إلى غرض أو مركوسًا (1) بقوله إليه، وهم أكثرية المستشرقين، ولا نظن أن كلام هؤلاء مما يمكن أن يعتمده أحدٌ إلا أن يكون مفتونًا جاهلًا. وأما الفئة
__________
(*) ترجم الأستاذ بدوي هذا الإسم فجعله "توقان"! ! شاكر.
(1) مركوسا: ركس الشيءَ وأركسه: قَلَبَه ورَدَّه إلى أوله. وفي التنزيل العزي {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا"، أي رَدَّهم إلى الكفر.
(1/126)

الثالثة، فهي أيضًا موضع الإشكال، فمن غير الممكن فيما نظن أن يتجرد هؤلاء عن الغرض الخفي الذي يدب من وراءِ الكلام؛ هذا على أنهم كما قدمنا ليسوا أصحاب سليقةٍ في فهم النصوص العربية على التحري لموضوعها، وتمامِ الفقه لمعانيها التي يتعاطونها، وإذن فمن واجب قارئ كلامهم أن يقف عند آرائهم موقف الناقد الذي لا يقبل إلا ما تقبله الطبيعة الفطرية للغة في المعاني التي يستخرجونها من الكلام. ومع ذلك أيضًا فمن عيوب هذه الفئة أنهم ربما استخرجوا قولًا ضعيفًا فاسدًا ليس بشيء في تاريخ الإسلام والعربية، ثم يكتبون وقد اتخذوا هذا القول أصلًا ثم يجرون عليه سائر الأقوال ويؤولونها إليه، ثم يحشدون لذلك شبهًا كثيرة مما يقع في تاريخ مهمل لم يمحص كالتاريخ الإسلامي، وكذلك يلبسون على من لا يعلم تلبيسًا محكما لأنه حشْد وجمع، وتغرير بالجمع والاستقصاء الذي يزعمون. وسنتناول ذلك بعد قليل بعرض بعض الآراء التي ترجمها لنا الأستاذ بدوي في كتابه لنحقق كل ذلك إلى نهايته، حرصًا على أن نحصر الفساد في أضيق محيط.

العقاد
وأنا لا أحب أن أختم هذا الحديث بغير مثل أيضًا. فهذا الأستاذ "العقاد"، وكلنا يعلم أنه قلما كان يتناول الأغراض الإسلامية بالتحرير والبحث، ولكنه منذ العدد الهجري للرسالة كتب مقالة عن عبقرية محمد - صلى الله عليه وسلم - العسكرية، ثم عن عبقريته السياسية، فاستوفى القول في ذلك وأشبعه، ورد كثيرًا من الشبه التي كان يلبس بها الأعاجم على الأغرار من شبابنا. وليس يستطيع مستشرق أن ينفذ في فهم التاريخ العربي، والاجتماع الإسلامي، والفلسفة الإسلامية، كما يستطيع كاتب قارئ مطلع كالأستاذ العقاد. ثم هو فوق ذلك أديب عربي يستطيع أن يجعل فطرته العربية الأدبية عونًا له على التغلغل في أسرار تاريخية مطموسة، لا يطيقها المستشرق لفقدانه مثل هذه الفطرة، ثم لأن البيئة العلمية والاجتماعية التي نشأ فيها وتثقف على أساسها لا تطاوعه أو تلين معه، حتى يكون في نظره
(1/127)

إلى التاريخ العربي أو الفلسفة الإسلامية، خَرَّاجًا وَلَّاجًا على طبيعة العرب وطريقتهم في تداول معاني حياتهم، وحياة أفكارهم وفلسفتهم. ونحن نرجو ألا يخلى الأستاذ العقاد مباحثه من هذا النوع الجديد من الفكر في تاريخ تنقذف عليه كل يوم جهالات كثيرة مفسدة ليس لها أصل ولا بها قوة.
(1/128)

توطئة
كتبت -في هذا الباب- منذ أسابيع بعض رأيي في الشعر والشعراء، ولم يكن همي أن أستوفي كل الرأي فيهما وليس من عملي الآن أن أفعل ذلك، وإنما هي إشارات في لمحات يأخذ بها من يأخذ، ويدعها من شاء أن يدع، وأنا أحب أن أقدم بين يدي كلامي. . . فإن بعض من يغافل نفسه عن حدود الألفاظ ومعانيها ينطلق من ورائها يمد منها بأوهامه مدَّا بعيدًا حتى يخرج بما نكتبه عن المعنى الذي نريده إلى أحلام ووساوس وخطرات يحم بها ثم يغلى ثم ينتفض. . . ثم لا يكون رأيه فينا إلا وهمًا، من فوقه وهم، من فوقه عناد، ظلمات بعضها فوق بعض.
فأنا حين أهجم على الغرض الذي أريده من النقد أو البيان، لا أتلجلج دونه لما أخشاه من قالة السوء التي يوكل بها بعض من فرغ زمانه إلا من الفراغ الذي يستهلكه في اختلاق الأوهام واقعة وطائرة، رائحة وغادية، ثم هو يجلس إليها -بعد أن تفصَل عنه- ليتأملها ويملأ عينيه وأذنيه من مفاتنها وألحانها! وأنا أحب أن يعلم من ليس يعلم أني حين أكتب أكتب عن صديقي وكأن ليس بيني وبينه سبب من مودة، وأكتب عن عدوي وكأن ليس بيني وبينه دخان من غضب. . . فإذا خُيِّل لبعض من يتخيل أني أماسح صديقي أو أتلفف على عدوي فقد أخطأ، وإنما العيب منه لا منا. . . وذلك عيب علمه أن هذا عدو وهذا صديق، فيرى من وراء اللفظ ومن تحته ومن فوقه ومن بين يديه معاني ليست منه ولا تتداعى إليه، وإنما نحن نستوفي الكلام ونعطيه حقه على وجوهه في الرضا والغضب، ونأخذ أنفسنا بذلك ما استطعنا، فإن الحق في هذا الذي نكتبه هو حق القارئ لا شهوات من يكتبه؛ ثم هو بعد ذلك رأينا أصبنا أو أخطأنا، وليس علينا أن نوافق هوى قارئ لأنه هواه، بل علينا أن نجتهد له في إمحاض الرأي الذي نراه ليأخذ منه أو يدع على قدر من اقتناعه أو مخالفته؛ فهذه كلمة أوَطِّئُ بها ما بيني وبين القراء، ليسيروا إلينا ونسير إليهم في مهاد مذلَّل من الرأي والنصيحة. . .
ويعتَدُّه قومٌ كثيرٌ تجارةً ... ويمنعُني من ذاك ديني ومنصِبي
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 352)، إبريل 1940، ص: 583 - 586
(1/129)

الملاح التائه!
أمّا "الملَّاح التائه" فذاك هو الصديق الشَّاعر المهندس "علي محمود طه"، وقد عاد بعد خمس سنوات فألقى على شاطئنا ديوانه الثاني "ليالي الملاح التائه" ثم نشر شراعه ومضى. وقد أحدث ظهور هذا الديوان الجديد -في معرضه الأنيق وشعره القوي الجميل- آثارًا في توجيه أنظار الناسِ إليه وإلى صاحبه ثم إلى الشِّعر خاصة، ثم اختلف الأدباء عليه بأحاديثهم وآرائهم، ولَغَوْا لغوًا كثيرًا في الأغراض التي اشتملتْ عليها ضفتا هذا الديوان الثاني في شعر "الملاح التائه". ونحن لن نعرض لشيءٍ مما قيل في ذلك إلا كما يدرج الكلام على أغراضه بالإشارة والتنبيه والبيان على مجاز السياق.

والشعر أيضًا!
ولابُدّ من أن نعود مرة أخرى للحديث عن الشعر عامةً، ليكون بعض الرأي فيه مدخَلًا للكلام عن "الملاح التائه"، فإن أكثر ما قيل -عن ديوان هذا الشاعر- إنما مردُّه إلى آراء فاسدةٍ في معنى الشِّعر، وما هو، وكيف هو؛ وإلى الجَهْل بطبيعة الشاعر وفطرته ومن أين تأتي، وأنى تتوجَّه، وكيف تجري به إلى أغراضِها على نِظام لا ينفَكُّ عنه أراد أو لم يُرِدْ.
وليس يشكُّ أحد أن الشِّعْر في أصله هو معانٍ يريدُها الشاعِرُ، وأن هذه المعاني ليست إلا أفكارًا عامّةً يشتركُ في معرفتها كثير من الناس، وأنها دائرةٌ في الحياة على صورتها التي تأخُذُها بها كل عينٍ، ويتداولُها من جهته كل فِكْرٌ، وأنها -إذ كانت كذلك- ليست شيئًا جديدًا في الحياة ولا في معانيها وأوصافها وحقائقها، وإنما تصيرُ هذه المعاني شعرًا حين يعرضُها الشاعر في معرضٍ من فنِّهِ وخياله وأدائِه ولفظه، فيجدد لك هذه المعنى تجديدًا ينقلها من المعرفة إلى الشعور بالمعرفة، ومن إدراك المعنى إلى التأثُّر بالمعنى، ومن فهم الحقيقة إلى الاهتزاز للحقيقة، فتجد المعنى القريب وقد نقلك الشاعر إلى أغواره الأبدية وأسراره العظيمة وكأنه قد خرج عن صورته التي ضُربت عليه في الحياة إلى السِّر
(1/130)

الأول الذي أبدع هذه الصورة، وإلى الصلة التي تصل ما بين المعلوم إلى المجهول البعيد الذي لا يُرى ولا يُلمس.
فالشعور والتأثر والاهتزاز هي أصل الشعر، ولا يكون شعر يخلو منها ومن آثارها وتأثيرها إلا كلامًا كسائر الكلام ليس له فضلٌ إلا فضل الوزن والقافية وهذه الثلاثة لا يكتسبها الكلام من المعاني من حيث هي معان معقولة مدركة، وإنما هي فيه من روح الشاعر وأعصابه، ونبضات الشوق الأبدي التي تتنزَّى في دمه؛ فأيُّما معنًى عرفه الشاعر، وأيُّما صورة رآها، وأيُّما إحساس أحس به، فهو لا يكون من شعره إلا حين يتحول في روحه وأعصابه ودمه إلى أخيلة ظامئة عارية تبحث عن رِيِّها ولباسها من أسلوب الشاعر وألفاظه، ثم تريد بعد ذلك زينتها من فن الشاعر لتفصل عنه في مفاتنها الجميلة كأنها حسناء قد وجدت أحلام شبابها في زينتها وأثوابها. وبقدر نقصان خزائن الشاعر مما تتطلبه أخيلته الظامئة العارية، يكون النقص الذي يلحق العذارى الجميلة التي تسبح في دمه من معانيه.
والشعر على ذلك هو فن تجميل الحياة، أي فن أفراحها الراقصة في نسمات من الألحان المعربدة بالحقيقة المفرحة، وفن أحزانها النائحة في هدأة التأملات الخاشعة تحت لذعات الحقيقة المؤلمة، وفن ثوراتها المزمجرة في أمواج من الأفراح والأحزان والأشواق، قد كُفَّتْ وراء أسوار الحقيقة المفرحة المؤلمة في وقت معًا.
وهو على ذلك فلسفة الحياة، أي فلسفة السمو بالحياة إلى السر الأبدي الذي بث في الحياة أسراره المستغلقة المبهمة التي تُرى ولا تُرى، وتظهر ولا تظهر، وتترك العقل إذا أرادها حائرًا ضائعًا مشردًا في سبحات من الجمال تضئ فيه بأفراحها كما تضئ بأحزانها، وتفرح بكليهما وتحزن، فرحًا ساميًا أحيانًا، وحزنًا ساميًا أبدًا.
وإذا كان الشعر هو فلسفة السمو بالحياة، فمعنى ذلك أنه النظام العقلي الدقيق الذي يبلغ من دقته أن يكون منطقه إحساسًا مسددًا لا يخطئ ولا يزيغ ولا يبطل ولا يتناقض في أسلوبه الفني ونظامه الشعري البديع، وهذا النظام العقلي
(1/131)

النابض الذي يتلقف مادة أفكاره من الحياة لا يستطيع أن يشعر أحيانًا، ولا يشعر أحيانًا، كما قال بعضهم، ولا يستطيع أن يتقيد بزمان ومكان يستوحي منهما الشعر ثم لا يكون هو يستوحي من غيرهما، كما ذهب بعض أصحاب الكلام الى القول حين ظهر "ليالي الملاح التائه" في شعر الطبيعة المصرية، وشعر الطبيعة الأوربية وما إلى ذلك من فضول الحديث.
إنّ هذه الحاسَّة العاقلة المفكرة النابضة في الشاعر تأخذ مادتها من مَساقط الوحْي في كل أرضٍ وتحت كل سماءٍ؛ وربَّ خمول أو فَترة تأخذُ هذه الحاسة في موطنها ومنشئها ومدْرجها ثم تكونُ البلادُ البعيدة في مطارح الغُرْبة هي التي تنفُض عنها غبارها وتمسحه حتى تجلوها جلاء المرآة، إعدادًا لها لتتلقى صُورها التي تجري في مائها إلى دم الشاعر ثم إليها مرة أخرى، ولا تزال كذلك بين الأخذ والإعطاء حتى ينبثق ماء الينبوع من صخرة الحياة الشاعرة.
فلا يخدعنَّك ما يقول فلانٌ وفلانٌ، فإنْ هم إلا أسماء قد ركبتْ على ألقابها تركيبًا مَزجيًّا على خطأ وفساد، كما ركِّبتْ حضرمَوت وبعلَبك تركيبًا مزجيًّا على صحة وصواب.

ليالي الملاح التائه
كل هذا الديوان شعرٌ من شعر "على طه" بعد رحلتيه من مصر إلى أوربا في خلال هذه السنوات التي انقضت بعد نشره الجزء الأول من ديوانه وهو "الملاح التائه". وقد كانت هاتان الرحلتان وحيًا جديدًا في نفس الشاعر وأعصابه وأحلامه، وكانتا تغييرًا في حياته عامة وفي أفكاره خاصة، ولم يكن بد إذن أن يجدَ قارئ هذا الديوان فرقًا بيِّنًا بين شعر "الملاح التائه" و"ليالي الملاح التائه". وليس هذا الاختلاف بشيء ألبتَّة، فإن شاعريَّته لم تزل هي ما هي في كليهما على نمط لن يختلف، ولكنه نزع في هذا الطَّوْر الجديد إلى السهولة والرِّقة ومعابثِة المعاني والألفاظ بغزل رقيق من عواطفه. وعلةُ ذلك فيما نرى أنه انطلق من قيود مصر في أول رحلته وخرج شاردًا يستجلى روائع الحياة الأوربية الزاخرة ببدائع
(1/132)

الفن ومعجزات الحضارة والعلم، ونزلَ المنازل المتَبرِّجة بفتَنها في عواصم المدن الأوربية، وعبَّ من مُسكرَاتِ الجمال الفطريِّ والصناعيِّ البديع الذي تستجيده أنامِلُ الحضارة الرقيقة العابثة اللاهية، والتي لم تدع للفنّ مَعقلًا إلا لعبت به واستخرجت كنوزه وتلاعبتْ بها على أصول أخرى غير التي بنى عليها الفن القديم البارع المحكم، وعرضت له الصور التي تفتن الناس بجمالها وتهدمهم بفتنتها، وتقعُ في دمائهم موْقعًا لا تلبث معه إنسانية الإنسان أن تشتعل من جميع نواحيها بلهيب من اللذة والسكر والفرح. . . كل ذلك هزَّه وهزَّ أعصابه وألقى عليه من وحيهِ وتركه يقول من الشعر على السجية غير متكلِّف ولا مُنقِّح ولا راغبٍ في الكد والعناء و. . .، والحنبليَّة الفنية التي تريد البديع، فإذا أدركته طلبت الأبدع، فإذا بلغت تسامت إلى ما هو أبدع منهما، لا تهدأ ولا تقرُّ ولا تستريح إلى جميل.
كان هذا -فيما نرى- وكانت نفسه الشاعرة المتلقِّفة -والتي تهجم بعينيها على أَبكار المعاني بنشوة الشباب العِربيد- تتلفت تلفُّت الصائد، تكاثرَ الصيد بين يديه، فما يدرى ما يأخذ وما يدع، وهو مع ذلك لا يزال يذكر صِغاره وأحبابه وهوى قلبه، ومن يريد أن يصنع لهم حياةً من صَيده؛ فهو يتلفَّت إليه بقلبه حنينًا وذكرى وصبابة. فهذه العواطف الدائبة في تكوين شاعريته، والتي تلوّنها بألوانها وتخاريجها، هي التي جنحت به إلى السهولة والرقة والغزل الحُلو بينه وبين معانيه وألفاظه، ومن غير الممكن أن يتقيد الغزل الشعري بقيودٍ تضبطه، وإلا انقلب تكلفًا واستكراهًا وجفوة.

الجندول
وإذا أردت أن تعرف صدق الذي قلنا به من العوامل الجديدة في تلوين هذا الشعر، فخذ هذه الأغنية الجميلة التي ترنَّم بها الشاعر الموسيقي، ثم أعطاها الموسيقيّ البارع "عبد الوهاب" تغريدها في ألحان هي من شعر الموسيقى. . . .
فإن الشاعر حين لعبت به فتن "عروس الإدرياتيك" في كرنفالها المشهور، ودَفِئ دَمُه في أنفاسها الحبيبة المعطَّرة وفجأته فِتنة من فِتَنِهِ التي عرضت في
(1/133)

صبابته. . . أَرَقَّ فتنة في أحلى جوٍّ في سِحر الليل المضئ في أجمل فن الحضارة في أَحْفَل الليالي باللهو والعبث، والضحكات التي تتردد بين أضواء الكهرباء حتى كأنها أمواجٌ من الضوء تضحك ضحكها -لم يستطع ضَبْط تلك الأمواج الفرحة المعربدة في إحساسه الشاعر، فبدأ يترنَّم:
أين من عينيَّ هاتيك المجالى ... يا عروس البحر يا حلم الخيالِ
أين عُشَّاقُك سُمَّار الليالي ... أين من واديك يا مهد الجمالِ
ثم انطلق يصف عاطفته وجو عاطفته وعطر عاطفته، كل ذلك بألفاظٍ غزلةٍ عاشقةٍ، تتنفس أنفاسها من المعاني المرحة، حتى في بعض اللوعة المستكنَّةِ وراءَ نفسه، والتي استعلنت في قوله:
"أنا من ضيَّع في الأوهام عمره"
بعد أن قال:
ذهبيُّ الشعر شرقي السماتِ ... مرح الأعطاف حُلوُ اللفتات
كلما قلت له: خذ، قال: هات ... يا حبيب الروح، يا أُنس الحياة
كل ذلك والشاعر في مرح ونعمة وخيال وافتتان، وكأنَّه نسى الدنيا التي ولد فيها كما "نسى التاريخ أو أنسى ذكره". . . . ولكن لا يلبث يتلفت بعد ذلك تلفتًا مؤثرًا عجيبًا، هو دليل الشاعريّة الصحيحة التي اشتمل عليها تكوينه العصبي. . . يقول:
قال: من أين؟ وأصغى ورنا ... قلت من مصر، (غريب) هَهُنا
(غريب)، هذه كلمة النفس الشاعرة في مكانتها من ألفاظها وفي أقصى مدِّها من التأثير، إنه حرف يبكي من الغربة والذكرى، ولو سقطت هذه الكلمة من الشعر لسقط كل الشعر ولسقط معه رأينا في العوامل التي عملت شعر "على طه" بعد رحلته إلى أوربا، لو قال: (من مصر) وسكت، أو أتى بذلك الحشو الذي لا معنى له، والذي يكثر في شعر الضعفاء، لانسلخ عن الشعر إلى سؤال يتلقاه المرء من فضولي قائم على طريق السابلة، وجواب استخرجه الفضول
(1/134)

واللجاجة. . . ثم هي بعد ذلك التفات يخيل لك معه أن الشاعر قد رد فقال: من مصر، ثم انتقل بوجهه إلى مصر، وتلقى دمعة يموِّهها بيده ويمسح أثرها بمنديله -في هذا الجو المرح العابث اللاهي- وهو يقول: (غريب ههنا).
هذا. . . وقد أخذت هذا الموضع وحده من القطعة لشهرتها الآن وليتدبر من يسمعها فإن فيها من أمثال ذلك كثير، مما هو دليل الشاعرية الناضجة التي لا تخطئ معانيها. ولو أخذت سائر شعره على هذا الأساس الذي كشفنا لك عنه في حديثنا عن الشعر لوقفت على روائعه التي هي روائعه.
(1/135)

الرأي العام
كتب الأستاذ "الزيات" في العددين الماضيين من الرسالة كلمتين جليلتين، إحداهما عن "التبشير" والأخرى عن "فقهاء بيزنطة": أي فقهاؤنا وعلماؤنا. وهما تنزعان جميعًا إلى بيان أصل واحد، وهذا الأصلُ هو غفلتُنا وإهمالنا، ثم غثاثة آرائنا وضآلتُها، وهذه مردّها إلى عِلل كثيرة قد توغَّل داؤها في أعصاب الأمم الإسلامية، حتى صار الدواء لها باطلًا أو كالباطل، وذلك لغلبة الجهل علينا، وفي الجهل العناد، وفي العناد المكابرة، وفي المكابرة اللجاجة، واللجاجة أمٌّ ولودٌ كل أبنائها أباطيل، ومَنْ طَلَب علاج الأباطيلِ وترك أمهاتِها تَلِد، فقد جعل علاجَه باطل الأباطيل.
وهذه الأمة المصرية وسائر الأمم الإسلامية قد خضعت من قرون طويلة لسيطرة الجهل وبغيه، وامتدت عليها حقبٌ طويلة أظلّتها بالغفلة والنسيان والموت، وحجبت دونها شمس المعرفة ونور العلم، حتى انحنت على أساطير التراب تجدُ فيها كل معاني الفكر والعقل والقوة، وصار همُّها الأرضَ وما تنتج مما يكفي شهوات النفوس المشتغلة باللذة، أو يردُّ مسغبة النفوس المحطَّمة بالعمل. ثم جاءت الذئابُ الذكية العاقلة المدبّرة، فعرفت صيدها وقالت له: اعمل عَملك، فهذا طريقُك، ولكنها خشيتْ أن تتمزَّق الظُّلَلُ وتسقطَ الحُجُب، وتهبَّ تلك القوة العلوية الرابضة في دمِ الإنسان، فترى أشواقَها فتندفع إليها اندفاعَ الوحش المجوَّع في مَهوى الريح التي تحملُ أنفاسَ فريسته، وعندئذ تعجزُ الحيلة في دفع هذه القوة وردّها إلى ما كانت عليه تحت أطباق الخمول والخمود والغفلة. وعمِلَ ذكاءُ الذئاب عمله، ورأى أن قمع القوة العلوية بالاستبداد والفجور في الاستبداد هو الشر عين الشر، وأنه كقمع البخار في قماقم الحديد ومن تحتها جاحم من النار يتضرم، فما يعقب إلا الانفجار والتصديع والأذى.
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 353)، 1940، ص: 620 - 622
(1/136)

فنكبوا عن ذلك إلى تصريف هذه القوة العلوية حين تستيقظ في هذا الشرق تصريفًا يكفل لهم معها أمرين:
الأمر الأول: التنفيس عن هذه القوة، واتخذوا لذلك أبرع الأساليب، فحاولوأ أن يظهروا وكأنهم هم الذين يعملون على إزالة غشاوة الجهل عن العيون المحجبة، فأنشأوا المدارس وتلبَّسوا بالنصيحة للتعليم في معاهده كلها، وجعلوا خلال ذلك يضعون ويقررون أصولًا تؤدى بهم إلى أغراضهم، ليسيروا بالتعليم إلى حالة ترضيهم وتنفعهم، فلا يخرجون من هذه المعاهد جيلًا يقف أمامهم كما تقف القوة للقوة وكما يناهض العقل العقل، ثم يزاحم في إنشاء الحضارة بالقوة العاملة والفكر المبدع.
والأمر الثاني: وهو بناء على ذلك البناء، وذلك اجتهادهم -بكل أساليب التنبيه والدعاية والمثال وغير ذلك- في توجيه الرأي العام في نواح بعينها إلى العصبية الفردية والإجماعية، ثم صرف هذا الرأي العام -أي أهله- عن الاهتمام بتقرير الأصول العامة التي تسير عليها السياسة الخلقية والعقلية والإنشائية والعملية، وعن العمل في توحيد الرأي العام للشعب توحيدًا يكفل للأمة أن تستغل كل قواها في تدبير المستقبل على نظام ثابت مستقر ماض على أسبابه إلى النهاية غير مختلف ولا متنافر.
وقد كان من نتائج هذين الأمرين العظيمين -حين استيقظنا وأبصرنا- أن تعددت الثقافات في الشعب الواحد، وتنابذت العقول على المعنى الصحيح، واختلفت المناهج المفضية إلى الغايات، وعاون ذلك ما ورثناه من الجهل الداعي إلى العناد والمكابرة واللجاجة، فاستشرَى داء العصبية وأصبح العمل عندنا لا يكون عملًا حتى يحاول أن ينقُض كل ما سبقه من العمل، وتعاقبت على الأمة أطوارا بعد أطوار ولا تزال في عهد الإنشاء، ولا تزال اللجان تجتمع عامًا بعد عام لتقرر وتضع، وليس إلا التقرير والوضع وَحَضَانة المذكرات! !
وكذلك اختل نظام الرأي العام. وهو لا يكون إلا من اشتراك الجماعة في الأصول الثقافية كلها، واختَل أيضًا مكوِّن الرأي العام، وهو الصحافة وما ينزل في
(1/137)

ذلك منزلتها، فتكَوَّن من الصحف المختلفة المبادئ آراء متخالفة، لا بل متباعدة، لا بل متعادية، كلا بل هي في الواقع لا تمس جوهر حياة الشعب العامل المستَهلَك في الزراعة والصناعة والجهْل أيضًا. . . وحتى لا نجد صحيفة واحدة قد بَنَتْ دعوتها على أصولٍ بيِّنة موافقة لحاجة هذا الشعب، وعلى هذه الأصول تأخذ وتدع، وتحبذ وتنقد، وتهدم وتبنى، على تعاقب السنين وتغير الظروف والأحوال.

التبشير
وأحدُ الأمورِ التي ابتُغِى بها العملُ على إضعافِ الشعب والتفريق بين أهله، وإيجادُ ضروب من الثقافات في بلد واحد يجب وجوبًا قطعيا -كما يقولون- أن تتوحد ثقافته -هو ما اتخذوه من التبشير ومدارسه المختلفة، وما يبطن أصحابها وما يظهرون. وليس التبشير هو الدعوة الصريحة إلى الدين المسيحي، فإن هذا لا يمكن أن يكون في بلد جل أهله من المسلمين، وخروج المسلم من دين الإسلام الى دين غيره يكاد يكون مستحيلًا في العامة من الشعب، ويكاد لا يصح عند المتعلمين وأشباه المتعلمين وهذه حقيقة يعرفها المبشرون قبل أن يعرفها المسلمون، وإذا فليس الغرضُ من التبشير هو المفهوم من لفظه، ولكنه الذي أشار إليه الأستاذ "الزيات" في مقاله، ثم إيجاد ضرب من الثقافة الأدبية والخلقية والعقلية يناقض ضروبًا أخرى من الثقافات المختلفة في مدارس الأجانب والمدارس الوطنية، وبذلك تتعدَّد المناهج الفكرية في حياة الشعب، ويعسر بعد ذلك أن تتحد هذه الثقافات على رأي عام يقوم عليه الشعب ويحرص على تنفيذه، ويأخذ في الإعداد للوصول إليه درجة بعد درجة. وكذلك يبقى الشعب إلى النهاية وهو في بدء لا ينتهي وفي اختلاف لا ينفضُّ، بل يصير ولابد إلى المعاداة والمنابذة والأحقاد التي تؤرثها السياسة الاجتماعية الخفية التي طغت على الشرق من قِبَل حضارة قوية باهرة عظيمة كالحضارة الأوربية.
ولا يزال أهل الشرق مختلفين ما بقيت هذه الثقافات المتعددة من مدارس التبشير إلى المدارس الإلزامية، تمد الرأي العام بأصحاب الآراء المختلفة والعقول
(1/138)

المتباينة. ولن يصلح أمر هذا الشعب حتى يناهض ذلك كله بانصرافه إلى مدارسه ابتغاء توحيد ثقافته على أصل واحد. والأصل الضعيف الموحد في ثقافة الشعب خير وأنفع من الأصول المتعددة القوية، لأن هذه تغرى بالتفرقة والعداء، وذلك يؤلف ويوفق ويضم أشتاتًا ويقيم القلوب على الإخلاص والتفاهم.

فقهاء بيزنطة
وهذا مثل جيد ضربه الأستاذ الزيات لاختلاف عامة المسلمين على بعض أحكام الفقه الإسلامي والسنة النبوية، وبغي بعضهم على بعض في ذلك، وتركهم الأصول الإسلامية التي ترفع المسلم إنسانية فوق إنسانية، وتمحِّصه من الجهل والضعف والفساد والذلة وكيف يختلف علماء المسلمين على فروع من دينهم ويدعون الأصل لا ينفذ نوره إلى قلوب هذه الملايين من المسلمين، فيطهر أدرانها ويزيل غشاوة العمى التي ضربت عليهم أسدادها.
وضرب الله مثلًا فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.
فقد بين الله سبحانه أن اختلاف من سبقنا لم يكن إلا بغيًا من بعد أن جاءهم العلم، وأنه جعل المسلمين على شريعة من الأمر. وحق ذلك ألا يقع الاختلاف بين المسلمين إلا في رأي لا يفضى إلى فرقة، وعلى ذلك كان السلف من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتبعوا قوله: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"، وقد نهى عن الجدل والمراء وتناهى أصحابه عنه حتى قال ابن عمر: "لا يصيب الرجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء وهو مُحِقّ".
ونحن قد صرنا الآن إلى زمن قد غلبت فيه بدع كثيرة ليست من الدين ولا تنزع إليه، ولكنها من محدثات الأمم وفتن الأهواء. ونحن أيضًا في زمان ضعف وقلة وتفرق، والأمم من حولنا تتباغى على أنفسها وعلينا، فما يكون
(1/139)

اختلافنا على البدع والمحدثات وبغى بعضنا على بعض -ومصير ذلك كله إلى العداوة والبغضاء وأن يكفر بعضنا بعضًا- إلا إعانة لهؤلاء على النيل منا ما شاءوا. ثم نحن في زمان جهل بالدين، فليس من أمر الله أن ندع أصل الدين مجهولًا، وننصرف إلى فروع نحاول على إبطالها أو تحقيقها.
وقد روى البخاري: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه"، فإذا كان من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحسم أصل الخلاف بترك مجلس الخلاف في القرآن وهو أصل الإسلام كله، فأولى أن نقوم عن مجلس الخلاف في فروع وسنن، لئلا يفضي ذلك إلى مثل الذي نراه بيننا اليوم من التعاند على بعض السنن بالعداوة، حتى صار لكل صاحب رأي فريق يحامى دونه ويعادى عليه، ثم يقع بعضهم فيما هو أشد نكرًا من أصل الخلاف، ألا وهي الغيبة والتفريق بين المسلمين.

سياسة الإسلام
والإسلام في بنائه قائم على مصلحة الجماعة، وجعل المسلمين يدًا على من سواهم، وأن يكونوا كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وهذه مصلحة مقدمة على كل المصالح الأخرى. وهي مقدمة على فروع الفقه الإسلامي، كما قدم الجهاد في سبيل الله على كل عمل من أعمال الإسلام.
والإسلام في أصله أيضًا لا يعرف من نسميهم اليوم "رجال الدين" فإنما هم من المسلمين يعملون أول ما يعملون في حياطة الجماعة وإقامة كيانها الاجتماعي والسياسي بالعمل، كما يعمل فيه سائر الناس في وجوه العيش وضروب البناء الاجتماعي. وليس الانقطاع للجدل في الفقه والسنن والتوحيد عملًا من أعمال الحياطة إلا أن يبنى على المسامحة والأخوة والرضا وترك اللجاج والمعاندة، وإلا فهو شرٌّ كبيرٌ يجب على المسلمين أن يحسموا أصله.
فإذا استقرَّ البناءُ الاجتماعيُّ للأُمم الإسلامية على أصولِ الإيمان المُبصِر والتقوى الهادية، وتبرأت النفوس والقلوبُ من غوائل الضعف والذلّةِ والخُضوع،
(1/140)

وقام على الأمم الإسلامية قرآنُها يَهديها، ويُهذِّبُ شُعوبها، ويرقِّق أفئدتها لدين الله، ويؤلف قلوبها على إعلاء كلمة التوحيد، ويجمعها على دستور الإسلام في التشريع الواضح الحازم القوي، ويجعل الاجتماع في كل بلد إسلامي اجتماعًا بريئًا من فتن الغواية ومحدثات الشر، ثم تكون للمسلمين حضارة من أصل دينها تضارع الحضارات التي تناوئ شعوبها وتستذلها، -إذا كان ذلك كله- فعندئذ يستطيع الحكم الإسلامي أن يرد ما يبقى من البدع التي غلبت على أهل الجهالة بالسلطان الحاكم لا بالكلام المفرق بين الناس وإذن فأجدرُ العملين برجال الإسلام من أصحاب الفقه والشريعة والتوحيد أن يعملوا على إنقاذ المجتمع الإسلامي من أسباب ضعفه بهدايته بأسباب القوة الأخلاقية والفكرية التي جعلت المسلمين في ثمانين عامًا سادة حاكمين على الإمبراطورية التي جاهد الرومان في
بنائها ثمانمائة عام. . . وإلا فلن يكون بعد مائة عام محمل في حج ولا محراب في مسجد.
(1/141)

نقد
كتب الأخ الفاضل الأستاذ سلامة موسى في مجلة اللطائف (8 إبريل سنة 1940) كلمة يتعقب بها كلامنا في (الفن فرعوني، وتمثال نهضة مصر) المنشور في عدد الرسالة 345 في 12 فبراير سنة 1940، وجعل عنوان نقده "تعارض التيارات الفكرية، وضررها على التطور الاجتماعي والثقافي". وسنلخص لك نقده ثم نتبعه ببعض ما يجب علينا من تحرير رأينا، وتقدير رأي الأستاذ الفاضل، يقول: إن الأفكار تتعارض في كل أمة حرة ولكنه لا يخرج بها عن أسلوب الحياة العامة من التوافق الى التناقض والتنافر، فيفضي ذلك إلى اختلال التوازن الاجتماعي، يعتاقُ الأمة عن الرقيّ والإصلاح. ويقول: إن بعض الآراء في مصر ليتناقض كما يكون التناقض بين أمتين متخالفتين، وإن (العقلية المصرية) التي تفكر بها مصر في أنظمتها الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والتعليمية، والحربية: هي ضرورة الوضع الجغرافي والاحتكاك السياسي بأوربا، وإننا لا نعيش فقط في القرن العشرين، بل في سنة 1940 من هذا القرن. ويقول ما نصه:
"ونستطيع أن نضرب الأمثال على هذا الاختلاف الذي يقارب التنافر. فقد ألَّفَ الدكتور طه حسين بك كتابًا يدعو فيه إلى أن نجعل من الفن الفرعوني أحد العناصر في "الغذاء الروحي والعقلي للشباب" فتناول هذه الدعوة الأستاذ محمود محمد شاكر بالاستنكار حتى قال في مقاله بالرسالة: وعلى ذلك، فيجب أن نقرر أن الفن المصري الفرعوني -على دقته، وروعته، وجبروته- إن هو إلا فنٌّ وثنيٌّ جاهلي قائم على التهاويل، والأساطير، والخرافات التي تمحق العقل الإنساني، فهو إذن لا يمكن أن يكون مرَّة أخرى في أرض تدين بدين غير الوثنية الفرعونية الطاغية -سواء أكان هذا الدين يهوديًّا أم نصرانيًّا أم إسلاميًّا أم غير ذلك من أشباه الأديان". . . . ثم استمر فنقل بعض رأينا في الذي قلناه عن تمثال نهضة مصر.
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 354)، 1940 ص: 661 - 664
(1/142)

وهذا تعارضٌ عجيبٌ، كما يرى الأستاذ سلامة موسى، واختلاف في التيارات الفكرية يحمله على أن يدعو الاجتماعيين أن يحاولوا التوفيق بين هذه الآراء حتى لا يصير اختلاف الرأي الحر تناقضًا في العقائد المجزومة، وحتى نُصْبح أمة متمدنة تستطيع أن تنصت إلى الرأي المخالف في تسامح، وأن تعبر عنه في اعتدال ينأى عن الحدة والتهور.
ثم يقول الأستاذ الفاضل إنه يتوهّم مما كتبته أن الدكتور طه أو المثَّال مختار يريدان منا أن نحنط الموتى ونعبد (رعْ) مع أن حقيقة ما طلبه كل منهما أن نستوحِىَ هذا الفن المصري القديم. ثم يقول عني وعن الدكتور طه: "إن الاختلاف بين الكاتبين هنا يرجع إلى أكثر من ذلك، وهو أشبه بالتنافر بين القائلين بعقيدتين متناقضتين، ومصلحة الأمة تقتضي إزالة هذا التنافر بين الذين يكلفون هذه المهمة، وكل رجل مثقف يهتم بالانسجام الاجتماعي في الأمة".
وهذا نهاية الرأي في كلام الأستاذ سلامة موسى نقلنا أكثره بنصه أو ما يقربُ منه. ونحن نشكر الأستاذ سلامة موسى على حُسن مقصده ورغبته في تحقيق الإصلاح الاجتماعي بإزالة كل العوامل المفرِّقة بين الناس.

التيارات الفكرية
ومن الغريب أن اليوم الذي صدرت فيه هذه المقالة في اللطائف، هو نفسه اليوم الذي كتبنا فيه عن "الرأي العام وسياسته" في العدد الماضي من الرسالة، وقلنا إن تعدد الثقافات في الشعب الواحد قد أفضى إلى شر آثاره، حيث تنابذت العقول على المعنى الصحيح، واختلفت المناهج المؤدية إلى الغايات، وكذلك يبقى الشعب إلى النهاية وهو في بدء لا ينتهي، وفي اختلاف لا ينفضُّ. وكما يرى الأستاذ سلامة موسى أن هذا التعارض البغيض بين الآراء مما يعتاقُ رقى الشَّعب، ويمنعه من الاجتماع على رأي، ويَحْرِمُه فضيلةَ القوة التي تنفُذُ به إلى غاياته. . . كما يرى نحن نرى، ونرى وراءَ ذلك كله ما هو أسوأ وأقبحُ مما يستعاذ منه وتخشى مغبَّتُه. فهذا إذن أمرٌ مفروغٌ من تقريره بيننا وبينه، وهي رغبة نتوافى جميعًا على العمل لها، ونَشْرِي أنفسنا في سبيل إنقاذها.
(1/143)

وكان جديرًا بالأستاذ سلامة موسى أن يرى مثل هذا الرأي في الذي كتبناهُ، ويعلم عِلْم ما طويناه في نقدنا لرأي الدكتور طه، ولعلّه لم يقرأ كل ما كتبناهُ في العدد 344، 345 من الرسالة، ولعلّه لم يتتبَّع ما نقولُ به من الرأي في باب "الأدب في أسبوع" ولو قد فَعَل لعرف أن الرأي بيننا وبينه في ذلك غير مختلف إن شاء الله.

القرن العشرون
وما دمنا في حديث تعارُض هذه التيارات الفكرية، فقد كنت أحبُّ أن ينزِّهَ الأستاذ سلامة موسى كلامه عن بعض التعريض. . . وذلك تنبيه لنا أننا نعيش في القرن العشرين، وفي سنة 1940 منه. فهل يَظُنُّ الأستاذ أننا نعيش في غيره أو أننا نرى أنفسنا رِمَمًا تاريخية عتيقةً قد انبعثتْ في أجلادِ إنسانِ (القرن العشرين).
. . . الزمن لا يكون هو العلة في إنشاء الحضارة، وإنما تُستجدُّ الحضارة بالروح الإنسانية وبالإنسانية الروحية، وإنما الزمن وحدوده تبع للإنسان الحي، ولا يكون الإنسان تبعًا للزمن إلا حين تفقد الروح إنسانيتها العالية، وتفقد الإنسانية روحانيتها السامية. . . وترتد الحكمة والحضارة والتهذيب وجميع الفضائل إلى منزلة الغرائز الدنيا التي تصرِّف العجماوات من الأحياء في سبيلها، وعلى سنّتها، وبقانونها، ومن مدارجها النازلة إلى أغوار الحيوانية الفطرية.
إن من أخطر التيارات الفكرية التي تهاوى فيها أكثر كتاب القرن الماضي، والمخضرمون من كتاب القرن العشرين اعترافهم بالقرن العشرين وما فيه اعترافًا (تعبُّديًّا) يكاد يكون إيمانًا وعقيدة، فما أقنع منه بالبرهان والحجة فهو ببرهانه وحجته، وما لم يقنع فهو مردود إلى الأسرار الأزلية للحضارة، وأنه هكذا كان. . . وأنه هكذا خلق، وأنه مادام موجودًا في حضارة القرن العشرين، فوجوده هذا هو برهانه وحجته. . .!
وأنا -مع الأسف- لا أعتقد في هذا القرن العشرين اعتقادًا قلبيًّا مطمئنًّا بالإيمان، لا لأني أريد أن أرتدَّ إلى الماضي لأعيش في ظلماته وكهوفه وتهاويل
(1/144)

خرافاته، بل لأني أرى أن حضارة الإنسانية يجب أن تتجدد بمادتها النبيلة السامية التي كل أجزائها فضائل. أما هذه الحضارة الأدبية العصرية للقرن العشرين، فهي حضارة حيوانية الفضائل، ليس في أعمالها إلا فتنة بعد فتنة. ولا نقول هذا في العلم -معاذ الله- فإن العلم الحاضر قد استطاع أن ينفذ في بعض أسرار الكون بأسباب كأسباب المعجزات، ومع ذلك، فقد كان هذا العلم نفسه، هو ما اتخذوه تدليسًا في تمجيد حضارة القرن العشرين، ليفتنوا الناس بها عن حقيقة الإنسانية الروحية المتجردة من أغلال الحيوانية النازلة المُتَسَفِّلَة.

الحرب
ويكفي أن تكون هذه الحرب التي أحدَّت أنيابَها ونشرت مخالبها، وزأرت زئيرها، ثم أسبابها التي نشأت عنها من المطامع الاستعمارية المستكلبة الضارية، ثم ما سيكون من آثارها في الأرواح الإنسانية والمدنية الروحية. . . يكفي أن تكون هذه الحرب -من جميع نواحيها وأطرافها، وبجميع خلائقها وزمن هذه الخلائق- توصيما كتوصيم الفجور الأسود في الأعراض النقية البيضاء.
هذه الحرب الفاجرة المتعرِّية من جميع الفضائل برذيلة الكذب والخداع مما يسمونه الدعاية والسياسة هي البرهان الحي في أذهاننا جميعًا -أهلَ القرن العشرين- على أن مدنية هذا القرن، مدنية حيوانية الأصول والفروع، هي مدنية مفترسة متوحشة، لا تعترف بالحق ولا تعرف الحق، وليس إلا. . . الغذاءَ الغذاءَ. . . الصيدَ الصيدَ. . .: هذا نداؤها وهذا دينها وهذا إيمانها. ثم لا تكون مغبّة أعمالها إلا تمزيقًا وقضقضة وقضما، وتدميرًا لبنيان الله الذي يسمى "الإنسان".

الحرية! !
إن هذا القرن العشرين أُسطورةٌ مُهَوَّلةٌ قد انحدَرت من القدم إلى هذا الزمن، في دمها كلُّ الأساطير الحيوانية المرجِفة في تاريخ الإنسانية. إنه أسطورة عظيمة كاذبة مُكَذَّبة على الناس، وإن في مدنيته من الباطِل ملءُ علومِها حقًّا. إنَّ الأجيالَ
(1/145)

الإنسانية النبيلة لتصرخ من وراءِ أسوار التاريخ تريدُنا أن ننقذ أنفسنا من أوهام (القرن العشرين)، ومن خرافاته الجميلة المزينة بالعلم، المثيرة باللذة، المندلعة بألسنة من نيران الشهوات والأهواء، الصاخبة بعبادة الأوثان التي تجُولُ في أدمغةِ البشر حاملة نَدَّها وبخورها ومجامِرها وطيبها، وكل ما ينفذ عطره إلى أعمق الإحساسات يثيرها لتقديس البشرية المتجسدة بلذاتها وشهواتها.
يجب -في هذا الزمن- أن نتحرر من أباطيل القرن العشرين وأباطيل القِدَم معًا، يجبُ ألا نعرف الحاضر بأنه هو الحاضرُ وكفى، ولا الماضي بأنه هو الماضي وحسْبُ، يجبُ ألا نَتعبَّدَ بشيء من كليْهما، يجبُ أن نأخذَ الحاضر والماضي بالعقل والعلم والفضيلة، وما لم يكن كذلك مما مضى ومما حضر فهو نَبذٌ يجب أن ننبُذَه ونتجافى عنه، يجب أن نتحرر، يجب أن نتحرَّر. . .
إننا الآن أممٌ تريد أن تسيرَ إلى غاياتها في إبداعِ حضارتها التي سترث جميع الحضارات التي سبقتها، والحضارةُ التي تأتي من التقليد ليستْ حضارة، وإنما هي تزييفٌ وكذبٌ ووثنيةٌ جاهلية تنحدر إلى هذا الزمن عن السلالات التي قال الله فيها: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ؟ ! }.
لن نبلغ شيئًا حتى تكون (الحرية والحب) نقييْن طاهرين مبَرَّأين كاملين متواضعيْن، فهما القوة التي تسير بهما الحضارة إلى مجدها وروائعها. إذا عرفنا الحرية وجرتْ في دمائنا فيومئذ تتهدّم كل هذه الأباطيل التي تعوقنا وتقف بين أيدينا من قمامات الرذائل الإنسانية التي قُذِفتْ في طريقنا من أباطيلِ الماضي وترهات القرن العشرين! !

الفن الفرعوني
والأستاذ سلامة موسى قد بنى نقده على ما يسميه (العقائد المجزومة)، وعلى عقيدته في (القرن العشرين)! ! ونحن -مع الأسف- لا نبني أبدًا كلامنا على (العقائد المجزومة)، ولا على التعصب (للقرن العشرين)، لو رجع
(1/146)

الأستاذ إلى المقالين اللذين نشرناهما في الرسالة عدد 344 و 345 عن محاضرة الدكتور طه، ولو رجع خاصة إلى حديثنا عن (الفن) ما هو، وكيف هو؟ وعن الفنان وعمله في فنِّه -لعرفَ أن دعوتنا كلها مبنيةٌ على تحرير أعمالنا من قيود الماضي والحاضر معًا على أساس من العقيدة والعلم والفضيلة، فلا يُزرِي عندنا بالقديمِ قِدَمه، ولا يُوغل في الجديد جدّته. وإن القول في (القديم والجديد) على اطلاع اللفظ، وجعله لفظًا تاريخيًّا زمنيًّا محصورًا باليوم والسنة، إن هو إلا تلذذ بالكلام كما يتمطق آكل العسل بعد أكله من تَحَلُّب الريق وشَهْوة الحُلْو، ولو كان في هذا العسل السم الناقع.
إن حديثنا عن الفن الفرعوني، وأنه لا يصلح أن يكون شيئًا يستمد منه الفنان في زماننا، لا يمت بصلة إلى الرأي الذي ذهب إليه الأستاذ سلامة موسى في فهم كلامنا، لأننا نظرنا إلى شيء واحد، وهو تحرير الفن من التقليد. ثم معرفتنا أن الفنان لا يستوحى كما يقول الأستاذ سمة من فنون غيره بل إن الفنان عندنا هو القلب النابض الذي يفضى إليه الدم الخاص الذي تعيش به حضارة أمته في عصره، والفن إن هو إلا نتيجة من نتائج الاجتماع الإنساني والطبيعة التي تحتضنه، والعقائد التي تسيطر على الشعب وتملأ قلبه بالإيمان بها والفكر فيها. فإنْ لم يكن الفن ناشئًا من ثَمَّ، فاعلم أنه ليس بفن وإنما هو كذا مضرَّج بتحاسين قوس قزح، وما أسقط الفن الرفيع في زمانه وفي بلادنا إلا أنه نتاج العقول المزيفة بالتقليد والخيال المدلل بالسرقة. وهذا الهمج الهامج من الفنانين والأدباء والشعوب والعلماء أيضًا ممن يعيشون بأدواتهم تحت جناح الليل الأسود وفي ستره، ثم يقبلون على الناس إذا أصبحوا فيقولون أين كنتم؟ يقولون: كنا نستوحي، ثم يخدعون الناس بزيفهم وبهرجهم لأنهم لا يعلمون من أين يأتي هؤلاء هذا الوحي. ولو علموا أنما وحيهم وحي اللص الذي يبدع له المال، وإنما دبيب واستخفاء وحرص، و"طفاشة" تهشم بها أقفال خزائن بعض الناس، يستخرجون كنوز غيرهم ليتنبّلوا بزينتها وجمالها.
الحرية هي أصل الفن كما بينا، وكما هو ظاهر كلامنا وأما الاستيحاء من
(1/147)

فنون القدماء لإنتاج فن لا يتصل بمدنيته بسبب إلا القدم والوراثة وتاريخ هذه الأرض، فهو إبطال للفن ومعنى الفن وقيمة الفن، وإلا فما الذي فعله الأستاذ المثال القدير "مختار" إلا أن نقل صورة لا معنى لها في عقائد الشعب المصري الحاضر، هي صورة أبي الهول، وليس فيها معناه القديم الباسط ذراعيه في جوف رمال الصحراء هناك، ثم ماذا؟ ثم فعله بعد أن كان باسطًا متطامنًا، ثم ماذا، ثم ألصق إلى جانبه فتاة تضع يدها على رأسه. . . سبحان الله هذه نهضة مصر، وهذا هو فن القرن العشرين! !
إذا كان الأستاذ سلامة موسى أو غيره يريد أن يناقشنا في هذه الآراء. فليناقش على أساس واحد، هو أساس الفن، وما هو، من هو الفنان. أما (القرن العشرون)، وأنظمة مكافحة الأوبئة، والنظام الاقتصادي، والعلوم، وما إلى ذلك، فليس له مدخل أو سبب في الطبيعة الفنية، وتقدير الآثار الفنية، وهل يمكن أن تكون فنًّا إذا كانت تقليدًا واستيحاء وتشاكلا ذكيًّا بارعًا؟
كل فن يأتي من التقليد واستيحاء فنون الناس، وكل فن يتولد من شهوة التقليد وبلادة العزيمة وعبودية الروح، فهو فن كالمولود السِّقط في آخر تسعة أشهر من حمله. . . فيه صورة الحي ولكن ليست فيه الحياة، فيه قوة المشابهة للحي ولكن ليست فيه قوة استمرار الحي على الحياة.
(1/148)

مولده
سَكن الكون وأصغى، وتعبَّأت كل القوى الأبدية لحشدها، وَعَبَّ التيَّار الإلهيُّ الذي يَمُوج به الكون، وسعت الملائكة بالبشرى بين خوافق السماء والأرض، وتهلَّلتْ أجيال النبوّة بأفراح خاتمها الذي أتمَّ الله به نعمته على الناس، وسَرَتْ في الكائنات أسرار الحياة الجديدة فاهتزَّت وربتْ واستشرفت إلى النور الخالد الذي ينبع من أُفق الإنسانية العالى البعيد، ووسوست رمال الصحراء بتسبيحة الحمد لله، تستقبل الأقدام التي تطؤها النورَ الذي سيمشي أوَّلَ ما يمشي على حَصْبائها، ثم يمشي بأصحابه في أرجاء الأرض يحييها بعد موت، ويطهرها بعد دَنَس.
سكن الكون وأصغى، وسكنت نأمةُ (1) الشياطين في مخارمها ومهاويها وآفاقها، (2) وخضعت وساوس إبليس بالرُّعب والفزع، وثبتت في مسارِبها جائلاتُ الجِبْت والطاغوت، وتحيَّرت في مستقرِّها أباطيلُ الأوثان وأوهام الألوهة المزيفة على الناس.
ثم اهتز الكون كله بالفرح، فتداعت أبنية الأجيال الوثنية الباطلة، ثم أخذت تتداعى تحت الأشعة النبوية التي نشرت على الدنيا نورها بالحق والعدل والتوحيد والسلام. . .
سكن الكون وأصغى، ثم اهتز بنوره وتطهر، - صلى الله عليه وسلم -. والسلام عليك يا رسول الله، سلامًا من كل قلب، وفي كل زمن، والحمد لله الذي أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

أعيادنا
أعياد الأمم هي الأيام التي تستعلن فيها خصائص الشعوب وذخائرها
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 355)، 1940، ص: 701 - 703
(1) النأمة: الصوت الضعيف الخفيّ.
(2) المخارم: جمع مخرم، وهو منقطع أنف الجبل.
(1/149)

وخلائقها الأدبية والعقلية والنفسية والسياسية. هي الأيام المبتهجة التي تنبض بالحياة وأسبابها في الأمة، لتدل على السر الحيوي الساري في أعصاب الحياة العملية اليومية المتتابعة على نظام من الجد لا يكاد يختلف.
واحتفال الشعب بأعياده أمر ضروري لإعطائه المثل الأعلى وإمداده بالروح التي تدفعه إلى مجده، أو إلى المحافظة عليه. فهو من ناحيتيه يظهر ما في الشعب من خصائصه ومحامده وعيوبه، ويبقى على المثل الأعلى بالتجديد والبهجة والزينة.
فأعياد الأجانب الأوربيين مثلًا تكشف عن قوتهم واعتدادهم بأنفسهم، وتعشقهم لجمال الحياة الدنيا إدمانًا وإغراقًا، وعن جعلهم المجاملة أصلًا أخلاقيًّا في أنفسهم وأهليهم، وعن غرورهم واستهتارهم واستهانتهم بأكثر الفضائل الإنسانية حين تجري في دمائهم عربدة الطغيان الإنساني المتوحش الذي يرتد إلى الغرائز الحيوانية المستأثرة باللذة، المجردة من الورع والتقوى.
وأعيادنا نحن تهتك الحجاب عن ضعفنا وذلتنا، واستكانتنا لما نشعر به من الضعف والذلة، وتبين عن ذهول الشعب عن نفسه وعن تاريخه، وعن مجده، وتعلقه بتُرَّهات الحياة، وقلة مبالاته بجمالها، وانصرافه عن معرفة الأحزان الخالدة في طبقاته بخلود الفقر والجهل والبلادة.
فهل يزدلف (1) إلينا ذلك اليوم الذي تتمثل فيه أعياد الشعب الإسلامي صورةَ السيطرة والسيادة والقوة، وتتبدَّى عليه أفراح الحياة الراضية المؤمنة المطمئنة، وتعود إليه الأخوة الإسلامية التي ساوت بين الناس غنيهم وفقيرهم وعالمهم وجاهلهم، وجعلتهم سواء لا فضل لأحد على أحد إلا بالخلق والتقوى؟ هل يأتي ذلك اليوم السعيد الذي يجعل أعيادنا صورة من مدنية دين الله التي تبدأ بالرحمة والحنان والتعاطف، وتنتهي بالعمل والجد والصبر والتعاون؟ يومئذ تكون السيادة العليا للمدنية المستقبلة، مدنية الحرية التي لا تشتهي أن تَفْجُر، والعلم الذي لا ينبغي أن يكفر.
__________
(1) يزدلف: يقترب، وأصله المشْي البطيء إلى غاية الشيء.
(1/150)

التعليم
فاز الأسبوع الماضي في مجلس النواب بإثارة انتباه الناس إلى شأن التعليم وسياسته التي درجت عليها وزارة المعارف من سنين تطاولت، وقد قدمت اللجنة المالية تقريرها عن ميزانية المعارف، وتناولت في هذا التقرير سياسة التعليم وأغراضه، وعيوبه وما ترجو به له الإصلاح، وناقش المجلس بعض هذه الآراء، وعرض حضرات النواب بعض آرائهم وملاحظاتهم.
ونحن -على أننا لم نحضر هذه الجلسة بل قرأنا ما اختصر مما جرى فيها- نظن أن حديث النواب كان يدل دلالة قاطعة على أن وزارة المعارف التي انقضى على قيامها بهذه المهمة ما يربو على قرن من الدهر لم تقرر فيها أصولٌ صحيحةٌ للتعليم، ولم تجر سياستها على منهج يستمر بها إلى غاية تريدها على تدبير وحياطة.
أفلا ترى أن الوزارة لا تزال تسمع من الناس ومن النواب ومن أصحاب الرأي ما يجب عليها للتعليم الديني في مدارسها، وما ينبغي في مناهج تعليم البنات، وما تتطلَّبه أنظمة التعليم الإلزامي، وهل أدى الغرض منه إلى اليوم أو لم يؤده؟ وما تفرضه الوطنية من النظر الصادق في ترقية التعليم الحر حتى يصل إلى الدرجة التي تليق به وبالأمة التي يتولى هو بعض الرعاية على بعض أبنائها، وغير ذلك من الشؤون الابتدائية في سياسة التعليم.
فهذا عجيب أن تبقى وزارة المعارف إلى هذا اليوم، ولم تتقرر لها سياسة كاملة عامة تتناول حياة الأمة العلمية والأدبية والخلقية والبدنية بأدق النظر وأحسن الرأي، فلا ينبغُ لها نابغ يسددها إلى هذه الآراء الأولية التي يفرض كل أحد أنّ الوزارة قد انتهت من إقرارها والسير عليها والتدبير لها بكل الوسائل التي تكفل للشعب تربية أبنائه تربية تامة كاملة مهيَّأة لتحمُّل الأعباء المثقلة التي سيحملها جيلهم من بعد هذا الجيل.
وقد سارت وزارة المعارف في السنين الأخيرة على سُنَّة لا يمكن إلا أن تُفضي إلى توهين الروابط الثقافية التي تربط الشعب كله بعضه إلى بعض؛ وذلك
(1/151)

كثرة تبديل المناهج وتغييرها عامًا بعد عام لغير ضرورة ملجئة في أكثر هذا التبديل والتغيير. ولابد أن تحزم وزارة المعارف أمرها على خطة واسعة متراحبة ترمي إلى أبعد مدى على أتم حذر، ليتسنى لها أن تمحو كل أخطاء الماضي التي لعبت فيها الأيدي الاستعمارية والسياسية بكل ما من شأنه أن يسلب الشعب قدرته على التحفز والتوثب والتجمع، وما ينشئه على الحرية العقلية والنفسية التي ترفعه إلى الدرجات السامية التي يجب أن يرقى إليها كل شعب يريد أن يتحرر ويسود ويفرض مدنيته على الأرض التي يعيش عليها.
وإذا أرادت وزارة المعارف ذلك الآن، فإن في همة وزيرها الذي لا يَمَلّ ولا يتأخر عن دواعي الوطن، إنفاذًا لهذه الإرادة. فوزير المعارف رجل معروف بالجد والإخلاص والمثابرة وقوة العزيمة، فلو اجتمع له كل أصحاب الرأي ممن يحب أن يساهم في شأن التعليم مساهمة الدرس والكفاح للمستقبل، لأمكنهم أن ينقذوا وزارة المعارف من البلبلة التي لا زالت تتساقط بها من ذلك العهد القديم المعروف بأغراضه في تحطم قوى الشعب تحطما استعباديًّا مستبدًّا. فنرجو أن يضمَّ وزير المعارف إلى رأيه جماعة من أصحاب التدبير السياسي للتعليم غير متقيِّد بشيء من الرسوم القديمة -وهو الرجل الحر- فإن القيود هي التي جعلتنا إلى هذا اليوم نسري في ظلام دامس من الأهواء التي غلبت على شأن التعليم فيما مضى.

تعليم العربية
وبهذه المناسبة أذكرُ أني قرأتُ في الأسبوع الماضي أيضًا كلمة عن أسباب ضعف الناشئة في اللغة العربية، وأن الكاتب ردّ هذا إلى أسباب من المعلم والكتب وغير ذلك، وزعمَ أن أكثر كتُبنا لا يصلح لتعليم الناشئة لسانَ أمتهم. وإن يكن في هذا بعضُ الحقِّ فليس هو كلُّ الحق، فإن أسبابَ ضعفِ النشءِ في العربية ليس يُردُّ إلى المعلم والكتاب، بل مَرَدُّه إلى المنهج الذي يُقيِّد المعلم بقيود كثيرة ترفع عنه التبعة في نتيجة التعليم، ويقيد الكتاب بمثلها، ويُعطي النشء ما لا يَصْلُح عليه لسان ولا يستقيم به تعليم لغة.
فلو أنت نظرت لما رأيت شعبًا من شعوب الأرض المتعلمة، يفعَلُ بلغته
(1/152)

ما نفْعل نحنُ من التجاهل للآثار الأدبيةِ وقلّة الاحتفال بتزويد الناشيء بمادّتها التي تحفظها لتكون أبدًا على مدِّ الذاكرة وفي طلب اللسان، ولو أنت سألتَ أي مُتعلِّم من أهل الأمم الأخرى أن يُسمِعك من روائع شعر أُمته ونثرها وحديث بلغائها لاحتفَلَ لك بالكثير الذي تظنُّ مَعَه أنه إنما أعدَّ لك الجواب لعلمِه أنك قد أعددتَ له السؤال. فلو أنتَ جئت بعدَ ذلك إلى أحد المثقَّفِين المكثرين المتنفِّخين من المتعلمين عندَنا وسألته مثل ذلك لنَحا إليك بَصَرَه فأتأرَ (1) النظَر فابتسمَ فضَحكَ فاستهزَأ بك فولاك ظهره فمضى يعجب من غفْلتك وحماقتك وقلّة عقلك.
وإن بعضهم ليقول: ليس لنا ما لهم، أَين للطالب المصري أو العربي ما يغريه بالقراءة كما يغرى شكسبير وملتون وبيرون وشيللي وفلانٌ وفلانٌ من الشعراء والكتاب؟ بَلى أين؟ وإن يكن هذا كله حقًّا فافترضناه كذلك، فليس يكون لنا مثل شكسبير وأصحابه إلا باستيعاب قديم كتابنا وشعرائنا، والحرص على آثار مُحْدَثيهم، فإذا كان ذلك أخرج الشَّعْبُ يومًا أمثالَ هؤلاء لمن يلينا من أهل أمتنا. وإلا فإننا سائرون إلى ضعف أبدًا مادُمنا نرَى أن الطالب لا يطيقُ أن يستوعب من شعر البحترى إلا قصيدة واحدة ومن المتنبى مثلها، ثم يكون ذلك آخر عهده وأوله بدراسة الآثار الأدبية العربية.
إن الحفظ الأول للآثار الأدبية الرائعة قديمها وحديثها هو الذي يخرج الأديب والكاتب والشاعر. انظر إلى المنفلوطي والرافعي وشوقي وحافظ والبارودي والزيات وطه حسين، كل هؤلاء لم يكونوا كذلك إلّا لأنهم نشأوا وقد حفظوا القرآن أطفالًا فحملهم ذلك على متابعة حفظ الآثار الأدبية الجليلة، ثم حفز هذا المحفوظ ما انطووا عليه من الطبيعة الأدبية التي استقرَّت في أنفسهم وأعصابهم، فلما استحكموا استحكمت لهم طريقتهم في الأدب والشعر والإنشاء، ولولا ذلك لما استطاعوا أن يكونوا اليوم إلا كما نرى مِن سائر مَنْ تخرجهم دور التعليم بالآلاف في كل عام ينقضي من أعوام الدراسة.
__________
(1) أتأر النَّظَرَ: أحَدَّه.
(1/153)

مشروع
كتب الأخ الأستاذ "محمد خلف الله" كلمة جليلة الغرض تحت هذا العنوان "مشروع" في مجلة الثقافة العدد (68) الماضي. وخلاصة هذا المشروع: أن تؤلف جماعة من الباحثين يمثلون اللغة والأدب وعلم النفس والاجتماع يكون من أغراضها أن تدرس النواحي المختلفة للاجتماع المصري الحاضر وما يكون فيه من الظواهر المختلفة التي يخشى أن تدرج وتبيد ولم نستفد من الحرص عليها إن كانت نافعة، أو الاستعانة بها في درء الأمراض الاجتماعية عن الشعب فيما يستقبل إن كانت من السوء بحيث تكون كذلك.
وقد عَدّ الأستاذ خلف الله بعض الأمثلة فيما يجب أن تتوجه إلى دراسته هذه الجماعة كمخارج الحروف وأصواتها في كل الأقاليم المصرية، ورد ذلك إلى أصوله الأولى التي انحدر عنها من تاريخ القبائل، وكذلك اللهجات الكثيرة في الوجه البحري والقبلي مما هو -ولا شك- نتيجة لإقامة بعض العرب في هذه الجهات، ثم دراسة الأدب الشعبي من قصيد وموال ومثل وفكاهة وسمر، ودراسة الخلق المصري، وعيوبه وفضائله، وما يتعاوره من الغلو والضعف. ويكون ذلك كله إعدادًا لمعرفة حقيقة هذا الشعب معرفة صحيحة، ثم نشر كل ذلك على التتابع في رسائل قد استوفت شروط المنهج العلمي للدراسة الاجتماعية واللسانية والفنية.
وكلنا يرحب بهذا المشروع الذي نستطيع معه أن نخدم الشعب خدمة عظيمة باستظهار ما يستسر من قوته، وما يستعلن من ضعفه، فيكون ذلك أحرى بأن يهدينا إلى إصابة الدواء الذي يحسم مادة الداء التي تلتهم أسباب رقيه سببًا بعد سبب. وهذه الدراسات المفصلة للشعوب على طبيعتها التي تتعامل بها في السوق والحقل والمصنع والمدرسة والبيت، وهي النجاة لنا من شر كبير قد أوقعنا فيه الاضطراب وقلة الخبرة. ولو علمت أن أكثر الأمم المستعمرة تلجأ إلى هذا الطريق نفسه في دراسة الشعب الذي تريد أن تستبد به، ليتسنى لها أن تعمل على إضعافه وقتله بتقوية ضعفه وإضعاف قوته دون أن يشعر أو يتألم بل يحسب أنه
(1/154)

يسير إلى غايته على تدريج طبيعي -لو علمت ذلك علمت ما نستطيع أن نستفيده من نتائج هذا المشروع الجيد إذا أُحكم تنفيذه، ولم تَغْلب على اختيار رجاله محاباة، ولم تتحكم في هؤلاء الرجال شهوةٌ أو هوًى.
(1/155)

الأزهر
الأزهر -كما يجب أن نعرفه- إن هو إلا تاريخ مصريٌّ عربي إسلامي كاملٌ متتابعٌ قد امتدَّ على مَدْرَجةِ التاريخ ألف سنة يجدِّد فيه ويتجدَّد به، ويعيشُ عيشه هذا في التاريخ كالمدد المتلاحِق الذي يستفيضُ بمادَّته لينشيء القوةَ في رُوح الجيش المرابط وأعصابه وأفكاره وأعماله المجيدة. وهذا التاريخ العجيب الذي لا يزال حيًّا في هذه الأرض، هو كالتاريخ الإسلامي والعربي كله مجهولٌ متروك لم تَنفُضْ عنه الحياةُ العربية الجديدةُ غُبار السنين المتقادمة والأجيال المتطاولة التي تعاقبت عليه بالنسيان والإهمال والهجر. وإذا نظرنا إلى الأزهر على مقتضى هذه النظرة وبسبب من هذا الرأي -علمنا أنه كهذا التاريخ الإسلاميّ قد تعاورته القوَّة والضعف، وحزَّت فيه سِيما العلم ومِيسم الجهل، وتغلغل فيه النبوغ الفذُّ السامي والنبوغ الشاذُّ النازلُ: النُّبُوغُ السامي الذي ارتفع بروحانية الشعوب الإسلامية وأخرجها من سُلطان الشهواتِ والجهالات، فمدَّتْ بذلك سلطانها على جزء عظيم من العالم، والنُّبُوغُ النازل الذي هَوَى بروحانيةِ هذه الشعوب إلى الجَدَل والفُرقة والمذاهب والآراء الخاضعة لسلطان الشهوات العقلية المريضة، فقلَّصتْ ظِلَّ هذا السلطان عن هذا الجزء العظيم من العالم.
والأزهرُ -كان- مجْتَمَع القُوى المختلفة التي عملتْ في إنشاءِ الحضارة الإسلاميَّة والعربيَّة التي عاشَتْ في التاريخ الماضي وملأته بالألوان المختلفة من مميزات هذه الشعوب الإسلامية المتباينة، والمتباعدة في مطارح الأرض ما بين الصين إلى المغرب الأقْصى، واستمرَّ على ذلك مئات من السنين تتلوها مئات، وكذلك مهدت هذه السنين للشعب العربي المصري في هذا العصر -عصر النهضة الجديدة في الشرق- أن يكونَ هو قِبْلَة الأمم العربية والإسلامية. وذلك لأن روح الشعب المصري، وثقافته الموروثة في تفكيره وأخلاقه وطباعه، وحضارته القديمة التي تبرَّجتْ على ضفاف النيل -هذه كلُّها ليست إلا خلاصة
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 356)، 1940، ص: 741 - 744
(1/156)

هائلةً مصفّاة من أرواح الشعوب الإسلاميَّة كلها وثقافاتها وحضاراتها. وكان الأزهر هو المصدر الذي استمدَّتْ منه مصر هذا الفيض العظيم الجاري في أودية التاريخ المتقدِّم، لأنه هو كان الجامعة الوحيدة في هذه الديار، وكان أكبر جامعة وأعظمها في سائر الديار العربية الإسلامية. وبهذه الخلاصة التي اجتمعت في الأزهر، ثم انتشرت منه في أرجاءِ مصر قديمًا وحديثًا استعد الشعب المصري بطبيعته لأمر مقدور، هو أن يكون زعيما للشرق في عصر النهضة الجديدة، لأن كل شعب من الشعوب العربية والإسلامية يرى في هذا الشَّعْبِ صورة من نفسه مكملة بألوان أخرى من صور سائر الشعوب التي تمتُّ إليه بسبب من الدين واللغة والحضارة والثقافة والفكر والدم.
ونحن نأسف إذ نرى الناس إنما ينظرون إلى الأزهر نظرةً محدودةً ضيقة لا تتراحب ولا تنفذ إلى حقيقة هذا التاريخ القائم في أرض مصر. فهم يعدُّونه معهدًا دينيًّا، ويكون تفسير كلمة الدين هنا على غير الأصل الذي يعرف به معنى الدين في حقيقة الفكرة الإسلامية التي ختم الله بها النبوَّات والأديان على هذه الأرض. وهذا المعنى الجديد المعروف في زماننا لهذه الكلمة كلمة "الدين" ليس إسلاميًّا، لأنه لا يلائم روح الإسلام في شيء. . . كلا، بل هو يهدمُ أعظم حقيقة حية أتى بها هذا الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليجعل الذين آمنوا فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ويجعلهم الوارثين. وهذه الحقيقة الحية الجميلة هي جعل كل عمل من أعمال الإنسان المسلم في الحياة عبادة تقربه إلى الله. . . فليس البيْع والشراءُ، أو تدبير أمور الناس في الملك، أو العلم والتعليم، أو تربية الولد، أو الخدمة التي يؤديها الرجل لمن يخدمه ليست كل هذه الأشياء الاجتماعية في منزلتها من الدين الإسلامي. . . إلا كالصلاة والصيام والزكاة وسائر الأعمال التي يفهم بعض الناس الآن أنها هي الدين حسبُ. فالأزهر الإسلامي هو الذي تتمثَّل فيه حقيقة الإسلام -أو يجب أن تتمثل فيه هذه الحقيقة-، وتاريخه الماضي كان صورة صحيحة للحياة الاجتماعية الإسلامية بكل ألوانها وأنواعها، مع ما كان قد عرض فيها من العيوب التي أدركت الشعوب
(1/157)

الإسلامية وجعلتها تنزل عن المرتبة الأولى التي كانت لها في تاريخ الحضارات السالفة التي سبقت الحضارة الأوربية لهذا العصر. فلما هجمت علينا الحضارة الحديثة من أوربا بعواملها المختلفة، وسياستها القوية التي تغلبت على كل سلطان في الشرق، ثم اندست العوامل الغربيّة في الأمم الإسلامية، وعملت الأيدي العدوَّة عملها في تمزيق الروابط بين طبقات الشعب. . . رجع الأزهر إلى غيله يستتر فيه، وقبع أهله عن صراع الحياة الجديدة صراعًا يراد منه الظفر، وكذلك سار الناس ناحية وسار الأزهر ناحية أخرى، وكان ذلك أول البلاء على الأزهر وعلى الشعب نفسه!

إصلاح الأزهر
وقد أحس كثير من المصلحين من أهل الأزهر وغير أهله -ممن يعرفونه أصلًا كبيرًا في الحياة المصرية والعربية والإسلامية- بما تقتضيه طبيعة الموقف الذي صار إليه في هذا العصر، وبما توجبه حقيقة الدين الإسلامي، فهبوا إلى إصلاحه والنظر في شأنه مرة بعد مرة. وكان العمل لذلك شاقًّا كثير المتاعب غير قريب المنافذ، فاضطربت الأيدي واختلفت الأغراض، وسار هذا الزمن السريع بقوة واندفاع، لا يملك معه المصلح الانطلاق في آثاره على مثل سرعته واندفاعه وكذلك لم يزل الأزهر الآن في منزلة غير المنزلة التي يوجبها له قيامه ألف سنة على التاريخ الفكري والثقافي والعملي في الحضارة الإسلامية.
وقد كتب الأستاذ "الزيات" -في فاتحة العدد الماضي من الرسالة- كلمته الجليلة "في سبيل الأزهر الجديد" يطالب الأزهر بالرجوع إلى المنابع الأولى للدين واللغة والأدب والعلم. وحُبُّ "الزيات" للأزهر، ورغبته في المبادرة إلى علاج الأدواء التي تلبست به من أمراض الأجيال السابقة، هي التي حملته على أن يكتب كلمته لتظفر مصر "بجامعتها الصحيحة التي تدخل المدنية الغربية في الإسلام، وتجلو الحضارة الشرقية للغرب، وتصفّي الدين والأدب من شوائب البدع والشبه والركاكة والعجمة".
نعم إن الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر لم يقصّر في اجتهاده أن يجعل
(1/158)

الأزهر مثابة للعلم الإسلامي الصحيح، ولم يتخلف عن النصيحة له بما توحي به الرغبة الصادقة في تحريره من آصارٍ (1) قديمةٍ عاقته عن بلوغ غايته التي يحق له أن يبلغها. فقد وضع الأستاذ الأكبر من عشر سنين نِظامه الجديد للكليات في الأزهر وجعل أحد قسمي التخصص في هذه الكليات موقوفًا على مادة من مواد الشريعة أو اللغة أو الأدب أو التفسير والحديث أو المنطق والفلسفة أو الأخلاق والتاريخ وعلم النفس وما إلى ذلك. وأمدّ هذه الكليَّات العالية -في دراستها لما خصصت له- بالكتب الأصول المعتمدة في بابها ككتاب سيبويه، وخصائص ابن جنى، وسر صناعة الإعراب لابن جنى، وتصريف المازني، وكتاب فيلسوف النحو رضي الدين الإستراباذي صاحب شرح الشافية، وشرح الكافية، وهما عمدة أصحاب النحو والتصريف. وكذلك جُعلت كتب عبد القاهر -دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة-، وكتاب الصناعتين لأبي هلال، وأدب الكاتب والكامل والأمالي وغير هذه من أصول الأدب واللغة هي مادة الدراسة في هذه الكليات.
وقد قام على التدريس في هذه الكليات جماعة من خيرة من أنجبهم الأزهر فاستقلوا بتدريس هذه الكتب الجليلة خير استقلال، فنرجو أن يظهر الأزهر الجديد بعلمه الجديد الذي استمده من الكتب الأصولِ، وأن يعتمد فيما يستقبل من أيام نهضته كل الأصول الأولى في تدريس الفنون المختلفة التي يقوم ببثها بين أبنائه ومريديه وطلبته. هذا ونرجو أن تحقق روح الأزهر -التي تتصل بالشعب المصري وسائر الشعوب الإسلامية- معنى الإسلام الصحيح الذي يطالب المسلمين بالسيادة والقوة والغلبة، ولا يكون ذلك إلا يوم يتصل الأزهر اتصالًا تامًّا بجميع ألوان الثقافات العالمية، ليوجد للشعب المصري والعربي والإسلامي ثقافة تضارع كل هذه الثقافات، مبرَّأَةً من عيوبها التي فرضتها عليها البيئة غير الإسلامية التي نشأت تحت ظلالها وفي رعايتها.
وأنا أكتفي بهذا القدر من القول، وسأعود قريبًا لأبدي بعض الرأي في أنواع
__________
(1) الآصار: جمع إِصْر، وهو الثَّقْل الذي يؤود الإنسان.
(1/159)

من الإصلاح تراد للأزهر وغير الأزهر، أرجو أن تنال بعض الرعاية ممن يتولون شأن هذا الإصلاح.

المجمع المصري للثقافة العلمية
بدأت في الأسبوع الماضي جلسات المؤتمر السنوي للمجمع المصري للثقافة العلمية برياسة حضرة صاحب السعادة حافظ عفيفي باشا، وهذا هو المؤتمر الحادي عشر لهذا المجمع العلمي الصامت الذي يجاهد في إنشاء الثقافة العلمية العربية في الشرق بما يسعه جهده وماله. والمجمع العلمي هو أهم ما يحتاج إليه الشعب العربي الذي ابتعد به الزمن عن متابعة النهضات العلمية المختلفة التي تجددت بالحضارة الأوربية الحديثة. وقيام هذا المجمع بنشر الثقافة العلمية -في حدود طاقته- قد أوجد للأمة العربية ذخيرة عظيمة تقع في عشرة مجلدات، كلها مباحث علمية عظيمة مكتوبة باللغة العربية مع قلة الاصطلاحات العربية العلمية التي تؤدي المعاني العلمية الجديدة التي لم تقرر لها بعد مصطلحات ثابتة في مادة هذه العلوم.
وهذا المجمع العلمي العظيم لا يَلْقَى -مع الأسف- ما هو حقيق به من الحفاوة والاحتفال في الأوساط الأدبية والعلمية التي توجب عليها مهمتها الشاقة إمحاض النصيحة للأمم العربية، بتشجيع القائمين بأعمالهم المجيدة في صمت وسكون ورفق. ومن أعجب العجب أن تعقد المحاضرات والمناظرات الكثيرة التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الثرثرة ومضغ الأحاديث والتمطق بمبذول الكلام، وتجتمع لهذه المحاضرات والمناظرات فئات كثيرة من طبقات الناس، وفي صدرهم كثير من أصحاب الأمر وعظماء الأمة ثم يعقد هذا المجمع مؤتمره مرة في كل عام فلا يلقى من هذه الفئات ولا من هؤلاء العظماء ما هو أهل له من المتابعة والاهتمام أو المجاملة إن شئت.
وكان الظن أن تعمل وزارة المعارف والجامعة وسائر المعاهد والوزارات التي يتناول المجمع -بعض ما يخصها أو يقع في حدود أعمالها- بالبحث والدرس والتحقيق والكشف. كان الظن أن تمهد هذه له سبيل إبلاغ صوته إلى أكبر عدد ممكن من المثقفين، تشجيعًا له وللقائمين عليه، وطلبًا للمنفعة التي تأتي من إثارة اهتمام هذه الجماهير بنتائج الأبحاث العلمية وأنواعها، وضروبها المختلفة التي
(1/160)

يقوم المجمع وأعضاؤه على إعدادها ومتابعتها والعمل على نشرها، لتكون سببًا من أسباب اليقظة العلمية التي تقتضيها النهضة الحديثة في الشعوب العربية.
وقد جمعني مرة مجلس فيه فئة من كبار الأساتذة في بعض المعاهد العلمية العالية، فلم أجد عند أحد منه خبرًا يعلمه عن هذا المجمع، فما ظنك بعمله أو إنتاجه أو غايته التي أريد لها إنشاؤه وتأسيسه؟ وهذا أمر يؤسف له، ويوجب على المجمع وعلى كل ذي رأى أن يعمل على تنبيه الوزارات والمعاهد إلى قيمة هذا العمل الذي يقوم عليه المجمع، وإلى توجيه أنظار الناس إليه بكل سبيل، حتى يستطيع أن يؤدي إلى الناس ما يرغب فيه من نشر الثقافة العلمية التي يحتاج إليها هذا الشعب في كل أغراضه وأعماله، وفي بعث الروح العلمية التي تكفل له القيام بالعبء المثقل الذي يريد أن ينهض به في بناء الحضارة الجديدة التي يتهيأ الشرق لوراثتها عن الحضارات التي هي في سبيل إلى الهلكة والتدمير والبوار.
هذا وقد بدأ المجمع مؤتمره لهذه السنة بالمحاضرة التي ألقاها الدكتور حافظ عفيفي باشا عن "الأصول العلمية الحديثة وتطبيقها على الزراعة"، وقد عرض فيها لأهم ما يشغل الأسواق المصرية في هذا الوقت، وهو نظام الحاصلات والأسواق الداخلية، فأبان كل البيان عن وجه المصلحة التي يجب أن يقصدها القائمون على أمر الشئون الزراعية في هذه الأوقات العصيبة المنذرة بأن الأزمات على الأسواق التجارية. ثم تبع ذلك بحث في أهم ما يخافُ منه وما تخشى عواقبه في أزمان الحربِ، وهو تفشِّي الأمراض والأوبئة، وما يجبُ على الشعب المصري وحكومته أن تعمل على تفاديه بكل سبيل. فألقى الدكتور عبد الواحد الوكيل: "حاجة البلاد إلى تعديل خططها الطبية والصحية"، وقد أبانت هذه المحاضرة عن هول الحالة الصحية التي تختفي في كل ناحية من نواحي هذا الشعب المهمل المسكين.

آلهة الكعبة
كنت قرأت في البريد الأدبي من عدد الرسالة 350 كلمة للأخ محمد صبري في قصيدة الأخ الشاعر محمود حسن إسماعيل، ينكر فيها أن "اللات، والعزَّى، ومناة" من آلهة الكعبة، قال: "وليس واحد من هذه الثلاثة من أصنام الكعبة، بل لم
(1/161)

يكن واحد منها داخل الكعبة ولا حولها". ثم استشهد قول ابن الكلبي في كتاب الأصنام، حين ذكر مواضع هذه الأوثان الثلاثة. وقد كان اعترض بعض أصحابنا قبل ذلك -في مجلس الأستاذ الزيات- بمثل ما اعترض به الأخ صبري، فرُمتُ أن أقول: إن وجود هذه الثلاثة في الكعبة أو حولها ليس يَمْتَنِع: وذلك لأن ابن سعد ذكر في طبقاته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت -بعد فتح مكة- وهو على راحلته، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}. فيقع الصنم لوجهه. وابن الكلبي لم يعد لنا في كتابه الأصنام غير أسماء ثلاثين صنما، وزاد زكي باشا عليها تسعة وأربعين صنما، فهذه خمسة وسبعون (1)، فأين هي من ثلاثمائة وستين؟ . . . . وما كانت كل هذه الأمة من الأصنام إذن -إن لم يكن منها اللّات والعُزّى ومَنَاة، وهي أشهر أصنام الجاهلية، وهي المذكورة في القرآن في سورة النجم، وقد كان نزولها بمكة، وما أظنها تذكر بأسمائها إلا وكفار قريش يعظمونها، فإذا عظموها اتخذوها في الكعبة وهي بيتهم المعظم، كما كانوا يتخذون الأصنام في بيوتهم ودورهم. ثم رأيت أخيرًا أن ابن سعد يذكر في فتح مكة أن رسول الله بث السرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها، منها: "العزى، ومناة، وسواع، وبوانة، وذو الكفين. فنادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَدَع في بيته صنما إلا كسره".
ثم جاء كلام أبي جعفر الطبري في تفسير سورة النجم ج 27 ص 36 يقطع الشك باليقين إذ يقول. "وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: اللات والعزّى ومناة الثالثة -أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها"، وهذا هو المعقول، وليس من المعقول أن تخلو كل هذه الأمة من الأصنام التي كانت حول الكعبة من تماثيل منصوبة للات والعزى ومناة الثالثة، وهذا ليس يمنع أن تكون القبائل غير قريش مكة قد اتخذت لها أنصابًا نصبتها في الأماكن التي ذكرها ابن الكلبي وغيره.
__________
(1) كذا جاء بالأصول، والصواب: تسعة وسبعون.
(1/162)

الأغنياء. . . .
كانت ليلة السبت السالفة من الأسبوع الماضي، فوقع في دنياي أمرٌ مُفْزِعٌ كنتُ معه كمن عَمِي دهرًا من عمره ثم أبصر. فأخذتني الحيرة أخذًا شديدًا، وتضرَّبتْ نفسي كما يتضرَّبُ الماءُ في مرجَله على معركةٍ من النار تشتعلُ من تحته وتتسعر، وتقاذفَتْنى الهموم كما يتقاذفُ تيَّارُ البحر الأعظم موجةً هائمة من موجِهِ، وتنزَّى قلبي بين ضلوعي كما تتنزَّى الكرَةُ مقْذوفة من علُ، وهاجَ هَيجى واضطربَ أمرِي وتغوَّلَتْنى الأفكارُ الخائفة الحزينة المجرَّحة التي تَدْمَى أبدًا، فلا تحسمُ الدَّم، وانقلبتُ بِهَمِّى أدورُ في نفسي دَوْرة المجنون في دنيا عقله المريض المشعَّث. وهكذا قَضَّيتُ ليلَ أيامى، وليس لمثل هذه الأيامِ نهارٌ.
ودعوتُ ربي جاهدًا، وكنت من قبل أدعوهُ، إنه هو البرُّ الرحيم. . . .، وكنتُ أرى الدنيا كلها وكأنما ارتدتْ لعَيْنَىَّ غِلَالةً من سرابٍ تخفِقُ عليها وتميدُ وتتريّعُ، وإذا الأرضُ غيرُ الأرضِ والناس غيرُ الناسِ، وإذا كل شئ يجئُ ويذهبُ، ويبينُ ويَخفي. . . .، وفقدتْ الأشياءُ معانيها في نفسي، فما أرى إلا بؤسًا وخَصاصة وجوعًا وعُرْيًا، وإذا كلُّ شيء بائسٌ فقيرٌ جائعٌ عارٍ لا يستره شيءٌ. . . . اللهم إني فوضتُ أمري إليك وألجأتُ ظَهرى إليك. . . . ومضيتُ أنسابُ في أيامِي البائِسَة، حتى إذا كان الليلُ في أَوَّلِهِ مُذ أمس، أويتُ إلى بيت كتبي آخذُ كتابًا لا ألبثُ أُلقيه كأنْ بيني وبينه عداوةٌ أو حقدٌ قديمٌ. فضِقتُ ثم ضقتُ وخَنقني خانقُ الضَّجر واليأسِ، وغاظني ما غلبنى على عقلي وإرادتي، فأهويتُ بيدى إلى كتاب عزمتُ ألا أدعه، وإذا هو: "إِغاثة الأمة، بكشف الغُمَّة، للمقريزي". وفتحتهُ وانطلقتُ أقرأ، فما أجوز منه حرفًا أولَ إلا وجدتُ الألفاظَ تتهاوى في نفسي وفي عقلي، وكأنها تُقذفُ فيهما من حالقٍ، حتى لَوجدتُني أسمع لها فيهما صلصلةً
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد: 357)، 1940، ص: 777 - 778
(1/163)

ودويًّا وهدًّا شديدًا شديدًا، كأن في نفسي وعقلي أبنية تنقضُّ وتتهدمُ في كفِّ زلزلة.
وإذا بحر يموجُ لعيني أسمعُ هديرَه وزئيره وزمجرة أَمواجِه في الريح العاتية، وإذا هو أحمرُ كالدَّم يَفُورُ ويتوثَّبُ، وإذا صرخةٌ تخفت زمجرة الأمواج، وإذا هو هاتف يهتف بي: "قم إلى صلاتك، فقد أظلك الفجر! ! ". فانتبهت فزعًا وإذا أنا أقلب الصفحة التاسعة والعشرين من هذا الكتاب، وإذا خطوط حمر قد ضربتها فوق هذه الأسطر: "ودخل فصل الربيع فهب هواء أعقبه وباء وفناء، وعدم القوت حتى أكل الناس صغار بني آدم من الجوع، فكان الأب يأكل ولده مشويًّا ومطبوخًا، والمرأة تأكل ولدها. . . . فكان يوجد بين ثياب الرجل والمرأة كتف صغير أو فخذه أو شيء من لحمه. ويدخل بعضهم إلى جاره فيجد القدر على النار فينتظرها حتى تتهيأ، فإذا هي لحم طفل. وأكثر ما يوجد ذلك في أكابر البيوت" (*).
أين يعيش أحدُنا وهو يقرأ؟ هذه تسع ساعات يخيَّل إليَّ أني قضيت ثماني ساعات منها وأنا أقرأ هذه الأسطر القليلة أُقلِّبها لعيني فتتقلَّب معانيها في نفسي، إذ كانت تنزع في معناها إلى الآلام المتفجرة بدمي في قلبي، فلا يكون الحرفُ منها إلا أفكارًا تتَّسع وتتراحب وتتداعى وتتوالد ويَنْسَخ بعضها بعضًا. ولو ذهبتُ أكتب ما قرأته في نفسي من هذه الأسطر، وما تحدثت به النفس من حديث أَكَلَ ثماني ساعات من أول الليل إلى مطلع الفجر، لملأ ذلك ما يقع في كتاب مفرد، ولكن. . . .
لماذا لا تكون هذه القسوة المتوحشة إلا من أعمال القلوب المتحجرة في بيوت الأغنياء والأكابر؟ ولماذا يكون أقسى القسوة في قلب المرأة الغنية، فتكون هي أعظم استهانة بجريمة أَكْل ولَدِها الذي والدَتْه؟ ولماذا يكون الفقير والفقيرة
__________
(*) كتاب "إغاثة الأمة بكشف الغمة" هو تاريخ المجاعات التي كانت بمصر، وقد طبع بلجنة التأليف والترجمة والنشر منذ أسابيع. وهذا الذي نقلناه من تاريخ المجاعة التي كانت بمصر في الدولة الأيوبية سنة 596 فقيل فيها: "سنة سبع افترست أسباب الحياة" (شاكر).
(1/164)

دائمًا هما مِثالُ الرحمة والحب والعطف والحنان؟ أليس الناس جميعًا -غنيُّهم وفقيرُهم- سواء في هذه الحياة؟ بَلَى، ولكن. . . .
ألا إن هذا المال نعمة من نعم الله التي استخلف الإنسان عليها في الأرض، وفي الحياة الدنيا، ألا وإن المالَ عِصامُ هذا الكون الممتلئ بأسراره العجيبة التي لا يُقضى من أعاجيبها عجب، ألَا وإنه لَلنِّظَام الطبيعي الذي يجعل من قانونه سر الحياة الإنسانية التي لا تسمو إلا بالمنافسة والرغبة فيها والإصرار عليها، ألا وإنه لأعجب شيء في الحياة، إذ يكون هو كل شيء، ثم هو ليس بشيء على الحقيقة، وإذ يكون في وَهْم الفقير القلق سِرّ السعادة، ثم يكون عند الغني المسترخي فلا يعرف به ظاهر السعادة. ألا إنه العجب والفتنة، إذ يكون سر الحياة الإنسانية المدنية على الأرض، ومع ذلك فهو إذا مَلأَ الغَني أفرغه من إنسانيته، وإذا فرَغَ الفقير منه امتلأَ إنسانية ورحمة وحنانًا، ثم يكون بينهما أشياء في هذا وفي ذاك تختلط وتضطرب ويرمى بعضها في بعض حتى يصبح كل شيء فسادًا لا صلاح له.
"أكثر ما يوجد ذلك في أكابر البيوت! " و"أكثر ما يفعل ذلك النساء! " إنه ليس عجيبًا ولكنه مؤلم، إنه ليس بعيدًا ولكنه مفزع، إنه هو الحقيقة الدائرة مع معاني الثراء والغنى والترف والرفاهية، ولكنها الحقيقة الضارية المتوحشة التي انطلقت من قيودها حين أزَمتها الحاجة والقحط والجوع ونداء المعدة التي تتلوّى أمعاؤها كما تتلوى الحية الجائعة على شهواتها المتجسدة في فريستها. ليس هذا هو كل شيء، وليس القحط وحده هو الذي يُضَرِّى عبيد المال فيأكلون بنيهم وبناتهم أكل الوحش الطاغي بطغيان حيوانيته التي تريد البقاءَ لنفسها، ثم لا تعرف غير نفسها، ولا تعبد إلا نفسها. إن كل أزمة تطلق في أعصاب الأغنياء -إلا من رحم ربك- وحشًا آكلا طاغيًا مستأثرًا لا يرى إلا نفسه ولا يريد البقاء إلا لنفسه. فإذا وقع القحط بين صديقين أحدهما غنى كان صديقه طعامًا تفترسه الصداقة الغنية! وإذا وقع القحط بين حبيبين أحدهما ثرىٌّ مترف تثاءب عنه يريد النوم لأنه شبع من حبه حتى تملّأ! وإذا وقع القحط بين أخوين أحدهما غنى، كان حق الرحم عليه أن يشرب ما بقي من دم أخيه يستولغ فيه حتى يَرْوَي!
(1/165)

إن الترف والنعمة والكفاية، وأحلام الغنى وكنوز الثراء، إن هي إلا الماحقات الآكلات التي تمحق العواطف الإنسانية النبيلة حين لا ملجأ إلا إلى الخشونة والشدة والصبر وحقيقة الفقر. إن الفقراء هم أكثر الناس رغبة في النسل على ضيق رزقهم، والأغنياء أقل الناس إقبالًا عليه على ما يجدون من السعة. الفقراء أشد حزنًا على من فقدوا من أبنائهم وأحبابهم، ولكن أولئك لا يحزنون إلا ريث يشعرون الناس أنهم حزنوا، ولئلا يقول الناس إنهم لم يحزنوا على أحبابهم. . . الأغنياء، الأغنياء. . . نعم هم زينة الحياة الدنيا، ولكن مع الزينة الخداع، ومع الخداع الضعف، ومع الضعف القسوة حين تجد ما يتلين لها أو يتساهل أو يستكين. . . أو يثق.
فمن صادق غنيًا فليحذر، ومن آخى ثريًا فليتحصن، ومن عامله فليرهب، فإذا بلغ المرأة الغنية فأحبها فخيلت له أنها أحبته فوثق بها فقد هلك، وإنما هو ملهاة من ملاهي الترف، إذا فقدت لذة اللهو به نبذته لما به.
(1/166)

نجوى الرافعي
أيها العزيز!
"في القلب تعيش الأرواح الحبيبة الخالدة التي لا تَفْنَى وفي القلبِ تُحْفَرُ القبورُ العزيزة التي لا تُنَسى" هكذا قلت (**) "وعواطفي تشيِّع الميت الحبيب مطرقة صامتة" واليوم ماذا أقول؟ أمَا إنك لتعلم -أيها الحبيب- أن الذي بيني وبينك دنيا تمشى الأحزان في أرجائها نائحة باكية. . . لستُ أكفر بأنعم الله عليّ أو عليكَ. . .، كلا، كلا! ! لقد ذهبتَ إلى ربك راضيًا مرضيًّا فرحًا بلقائه، مؤمنًا بما زيَّن في قلبك من الإيمان، وبقيتُ أنا لأبحث عن أحبابى بعدَك، . . . لأفقد لذَّة المعرفة التي يفيض فيضها من الصداقة والحب، . . . لأتلدَّدَ هاهنا وهاهنا حائرًا أنظر بمن أثق، . . . لأجدَ حرَّةَ القلب وكَمد الرُّوح وألَم الفكر من حبي وصَداقتي، . . . لأسير في أودية من الأحزان بعيدة: أمشي وحدي، وأبكي وحدي، وأَتألَّم وحدي. . . لا أجدُ من أنفُضُ إليه سرَّ أحزاني، . . .
ذهبتَ وبقيتُ. . . لأتعلَّم كيف أُنافق بصداقتي بعضَ النفاق لأنهم يريدون ذلك، . . . لأُجيد مهنة الكذب على القلب لأنهم يجيدون ذلك، . . . لأتعلَّم كيف أنظر في عيونهم بعينين لئيمتين يلتبس في شعاعهما الحب والبغض، لأنه هو الشعاع الذي يتعاملون به في مَوَدَّاتهم، . . . لأفْنىَ بقائى في معانيهم المتوحشة إذ كانوا هكذا يتعايشون، . . . لأحطِّم بيدىّ بنيان الله الذي أَمَرَنا بحياطته، وأتعبَّد معهم للأوثان البغيضة الدميمة التي أنشأتها أيديهم المدنسة القذرة، . . . لأجنِي الثمار المرّة التي لا تحلو أبدًا، ولكنهم يقولون لي: هذا ثمَرٌ حُلوٌ، فلماذا لا تأكل كما يأكل الناس؟ . . .
ذهبتَ -أيها الحبيب- وبقيتُ. . .، بقيتُ في الحياة التي أوَّلها لذة وآخرها لذْعٌ كأحرِّ ما يكون الجمرُ حين يتوهج، بقيتُ للحياة التي تريدُ أن تسلُبَ القلبَ براءَةَ الطفولة لتملأهُ إثمًا وخداعًا وشهوةً. . . بقيتُ على الحياة في الأرض التي
__________
(*) الرسالة العدد (358)، 3 مايو 1940، ص: 824 - 826
(**) الرسالة: العدد (202)، 17 مايو 1937
(1/167)

تميدُ وترجفُ وتحتدمُ من تحتي، لأنها تنكر الإيمان الذي يمد بسبب إلى السماء. . . بقيتُ بقاءَ حبة القمح في رمال الصحراء المجْدبة لا أجدُ مائِي ولا ترْبتي. . . ولا من يزرَعُني. . .
شدَّ ما اختلفتْ عليَّ أحداثُ الحياةِ من بعدِكَ أيها الحبيب! كنتُ أشكو إليكَ ما أُلاقي من ظمأ الروح الهائمة، وهي تطوف بحسراتها على ينابيع الحياة لا تنتهي ولا تستطع أن ترِدَ. . . كنتُ أبثُّك أحزاني وهي جالسةٌ توقِد النارَ على نفسي وتؤرَّثها بأفكارى القلقة التي لا تهدأ ولا تنقطع. . . كنتُ أشكو إليك آلامَ الشَّوْكِ الذي تنْبِتُهُ في قلبي الشُّكوكُ العاملةُ الناصبةُ التي جعلتْ همَّها تعذيبي بالحيرةِ والخوفِ والحرمان. . . والحقيقةِ المؤلمة أيضًا. . . كنتُ أجدُكَ حين ينبغي أن أَجدَك، لأقول لك ما يجبُ عليَّ أن أقول. . .
شدَّ ما اختلفتْ عليَّ أحداثُ الحياة من بعدك أيها الحبيب! وها أنذا أريدُ أن أجدَ بعدَكَ من أضعُ في يديه الرفيقتين هذه الجروحَ الداميةَ النابضةَ التي أسمِّيها قلبي. . . أريدُ أن أضعَ أفكارِي التائهة في بيداءِ الظنون المقفرة، بحيث تجدُ مَن يتولى أمر إرشادها إلى رَوْضة اليقين الناضرة. . . أريدُ أن أجدَ مَلْجئى المؤمن حينَ تطارِدُنى من الظن صعاليكُه الكافرة. . . . أُريدُ أن أعرفَ لذَّة الصداقة والحبِّ حين لا أجدُ من الحياة إلاَّ آلامَ صداقتي وحبِّي. . . . أُريدُ. . . . أُريدُ! . . . . أُريدُ مَنْ أقول له: ها أنذا بعَذَابِي وضَعْفي وخُضُوعي؛ فيقول: وها أنذا بصبري وقوَّتي وحبي لك. . . . أُريدُ من أقولُ له: هذه جروحي التي تَنْفُثُ الدَّمَ، لا ترْقأُ ولا تستريحُ ولا تبرأُ إلاَّ على وعي من دَمِها؛ فيقول لي: وهذا طِبِّى الذي يحسمُ هذا الدم لتستريحَ وتبرأَ من أَلم النزيف، يا بُنيَّ. . . .!
(يا بُنَيَّ. . . .)، هذه طفولتي، أريد من يحنو عليّ بها حنو الأم على صغيرها الذي هو كل أشواقها الرقيقة من قلب نبيل رقيق. . . . (يا بُنَيَّ. . . .)، هذه طفولتي، أريد من يمسح بها أحزاني التي حيَّرت بصري لأعرف من بعد طريق رجولتي التي تريد أن تعمل وأن تسير وأن تصل إلى سر أشواقها البعيدة الجميلة. . . . (يا بُنَيَّ. . . .)، هذه طفولتي، أريد من يعرف أنى طفل وديع حين أؤوب من كدِّى وكدحي،
(1/168)

فيتلقاني بين ذراعيه إلى قلبه لأشعر بحنان من الروح يطفئُ غلتي، ويرسل في أعصابي ريَّها من الحب، الحب الذي هو فجر الحياة بنعومته ورقته وطهره، الحب الذي يردُّ القلب المكدود الظامئ زهرة تتفتح في جو من النور والندى والشباب. . . (يا بُنَيَّ)، من يقولها لي يضع في نَبْض أحرفها نبض الحب. . .
أين أنت أيها الحبيب؟ كنتَ أخي وصديقي ومن أستودعه سر قلبي المعذب في تنُّور الحياة الموحشة التي يضطرم جوها بالصمت المتوهج والوحدة المستعرة. . . كنت أخي وصديقي، وأنا أبيد كما تبيد الأيام والليالي في كهوف الحياة الدنيا. . . كنت أخي وصديقي، وعواطفي تزأر وتجأر في باطني كأنها وحش جريح متألم ثائر لا يرى مَن جَرحه لينتقم. . . فالآن وقد جددت الدنيا أساليب تعذيبى عذابًا ضِعفًا من الآلام. . . الآن وقد أوجدتني الحياة ما أريده، ثم وضعت بيني وبينه سدًّا يصف ما وراءه من أشواقى ويقف دوني فلا أنفذ منه. . . الآن وأنا أشتعل وأتفانى من جميع نواحىَّ. . . الآن وأنا أتوثب في قيود مرخاة تمنحني الحركة وتمنعني دون الغاية. . . الآن وأنا أمزق جو حياتى بزئيري وأنيابي ومخالبي، وأُحرقه بوجدي ولوعتي واشتياقي. . .
الآن أين أنت أيها الحبيب؟ يا أخي وصديقي.
انظر إليّ -أيها الحبيب- من وراء هذه الأسوار المنيعة التي تفصل بين الحياة والموت. . . الأسوار التي تمشي إليها الحياة كلها ساعة بعد ساعة دائبة ماضية لا تقف، فإذا بلغتها ابتلعتها من حيث لا تشعر ولا تتوقَّعُ. . . انظر إليَّ -أيها الحبيب- وتكلَّم بكلامٍ من شعاع مضئ حىٍّ يُفهمُني حقيقتي الحية، ويضئ لعينى هذه الظلمات التي تعترك بين يدي في مدِّ عيني. . . انظر إليَّ -أيها الحبيب- واسكُبْ في قلبي ورُوعى حقيقة الإيمان الحىّ الذي لا يموت. . . انظرْ إليَّ واصحبْني فأنا الذي لا يصاحبُ الأحياء من الناس، لأنهم لا يعرفون معنى الحياة إلا فائدة تلد فائدة، كما يلد بعضهم بعضًا في مَشيمَة من الكره والعنتِ وآلام المخاضِ وأمشَاجٍ من الدم يشْخَب من حولها ويتضرَّجُ ويقيحُ بعضُه في بعض.
(1/169)

ولكن. . . ولكن ما أكذب النَّفسَ على النفْس! أنتَ هناك بحقيقتك الخالدة التي تحيا بأمر الله في جو السماء، وأنا هنا بحقيقتي الفانية التي تموت يومًا بعد يوم بأمر الله في جو هذه الأرض. . . أنتَ هناكَ وأنا هنا، وبينهما البرزخ الذي لا تجوزه الروح إلا بعد أن تتطهر من أدران هذا الدم المتجسِّد في أجلاد الإنسان. . . أنت هناك وأنا هنا، فكيف أنخلعُ من ثَوْرَتى التي أنا بها هنا؟ كيف أنخلع من جسدي؟ ومع ذلك. . .
"ففي القلب تعيشُ الأرواح الحبيبة الخالدة التي لا تفنى وفي القلب. . . تُحْفَر القُبُور العزيزة التي لا تُنسى لم أفقِدْك -أيها الحبيب- ولكني فَقدتُ نفسي".

ذكرى الرافعي
لستُ أدري! فأنا أذكر الرافعيّ. أعرفهُ أديبًا شاعرًا فيلسوفًا. . . رجلًا قد انصرف بهمِّه إلى الأدب والفكر يجدُ فيهما ما يَجِدُ، ولكني حين أذكره لا أجده في نفسي إلا الصديق وحده. لم أعاشره طويلًا حتى أقول إني أعِى للناس خبره وأعرف عنه ومن أمره ما لا يعرفه غيري، كلا لست أدعى ما ليس عندي ولكني كنت أبدًا معه بحبي له وصداقتي، وكان هو أبدًا يحوطنى بروحه في أنفاس من حنانه وحبه. كنا روحين تناظرتا من بعيد وتناسمتا من قريب فعرفته وعرفنى. كان بيننا سرٌّ جامعٌ لا أدري كيف أصفه، ولكن كان من يعرفنى ويعرفه يجد آثاره ويرى من بعض بيناته ما لا أحبُّ أن أحدِّثَ به. ومع ذلك فأنا أقصر في حقه ما لم يقصِّر أحد ممن توجبُ عليه الصداقةُ بعض واجباتها، ولم يكن ذلك، لأني لا أريد، بل لأنى لا أستطيع ولا أطيقُ فما زلتُ كلما ذكرتُ الرافعي -وقد مضت سنوات- أجد لذعة حُزْن في قلبي تُرسلُ آلامها في كلّ سابحةٍ من دَمِي.
ولكن الله لم يُخْلِ حقَّ الرافعي من رجُلٍ يقوم عليه ويُحسنُ النظر فيه، فهيأ له الأخ "محمد سعيد العريان"، يرد -بوفائه لذكرى الرافعي- كل ما وجب على أصدقاء الرافعي وأبنائِه وتلامذته ومُتَّبِعيه. فقد بادر "سعيد" بعد وفاة الرافعي فأنشأ يحدّث الناس بأخباره ما دَقَّ منها وما جلَّ، ويضع بين أيدي الأدباء أكثر العوامل
(1/170)

التي يتكوَّن منها تاريخ الرافعي، والتي كانت تعمل في إنشاء أدبِه وتوجيه بيانِه. وفتح "الزيات" باب القول في الرافعي له وعليه حتى اجتمعتْ من ذلك طائفةٌ من القول صالحةٌ لدراسة أدب الرافعيّ دراسة جيّدة لمن ينبعث نفسهُ لها. ولكن الأخ "سعيد" لم يرض أن يقنع بذكره هو عن الرافعي وجمعه في كتابه الذي طبعه بعد وسمَّاه "حياة الرافعي"، فدأب على إظهار ما لم يظهر من آثار الرافعي قديمها وحديثها، وقد كان آخر جهد بذله في ذلك سعيه لإنقاذ مؤلفات الرافعي كلها من الضياع. فانتدب لجمعها وتصحيحها ومراجعتها وطبعها بعد ذلك سلسلة واحدة تقوم بنشرها "المكتبة التجارية". وقد كاد يفرغ من طبع أكثرها، وأنا أعلم أن بين يديه الآن كتابًا من كتب الرافعي التي لم يتمها وكان أصولًا مبعثرة رديئة الخط كثيرة الاضطراب، وهي أصول الجزء الثالث من كتابه الجليل "تاريخ آداب العرب"، واستخراج هذا الجزء وحده دون سائر كتب الرافعي يعد عملًا عظيما ووفاء نبيلًا لرجل هو كسائر الأدباء: حياته حياة أدبه، فإذا مات لم يجد في هذا الشرق الغافل من ينفخ الحياة في آثاره الأدبية مرة أخرى.
إن هذا التراث الذي خلفه الرافعي للأدب العربي، قد جعله الله أمانة بين يدي "سعيد" فهو يؤدي اليوم إلى الناس هذه الأمانة وافية كاملة لم ينتقص منها شيء -إلا شيئًا يعجزه أن يهتدى إليه أو يقع عليه، وغدًا يجد الناس بين أيديهم كل ما كتبه الرافعي حاضرًا لم يضع شيء منه وكذلك يجد من يريد سبيله إلى معرفة الرافعي من قريب وتقديره والحكم إما له وإما عليه.

مصر المريضة
ألقى الدكتور عبد الواحد الوكيل بك، أستاذ علم الصحة بكلية الطب، في المؤتمر الحادي عشر للمجمع المصري للثقافة العلمية محاضرة هي تصوير للآلام التي تعانيها الصحة في مصر، وتمثيل للحقائق المؤلمة المخيفة التي تعمل عملها في هدم البناء الصحي للأبدان المصرية. وقد نشر صديقي الأستاذ "فؤاد صروف" قسما من هذه المحاضرة في مقتطف مايو سنة 1940، فأخذتها
(1/171)

وقرأتها وأنا أرجف بالرعب والفزع لما مثل لعيني من تلك الحقائق البشعة الشنيعة، وهي على بشاعتها وشناعتها متفشية منتشرة تغزو مصر من جميع نواحيها غزوًا مهلكًا مبيرًا، ثم لا تجد من يرده عنها من الجنود المجندة المقاتلة التي هي كل صناعة الطب وأسباب صناعته.
لقد عمد الدكتور الوكيل إلى الإحصاء الصحي في مصر، فبان منه أن البلاد إذا لم تتدارك أمر الصحة بأوثق العزم وأحكم التدبير وأسرع العمل، فسوف تنتهي إلى فناء محقق يأكل القوة المصرية كما تأكل النار يَبْس (1) الهشيم. ونحن في فاتحة عصر رهيب قد بدأ بالحرب المجتاحة، تأتي معها الأوبئة والأمراض وتجر في أذيالها أوبئة أخرى وقحطًا ومجاعة -إلا أن يشاء الله. والعالم كله يخشى ويتأهب ويستعد، فهل عمدتْ مصر إلى جعل الوقاية الصحية تدبيرًا ممتدًّا مع أسوأ الفروض التي يمكن أن توحي بفرضها أوهامنا ومخاوفنا وتشاؤمنا من الأيام المحاربة والأيام التي تلْقى عن عواتقها أوزار الحرب بعد أن تأكل القوة بعضها بعضًا في ميادين الوَغَى والقتال؟
يقول الدكتور الوكيل: "ونحن إذا رجعنا إلى نسبة الوفيات العامة سنة 1937 في مصر وثلاثين دولة أخرى في مختلف القارّات متدرجين من الأسوء إلى الأفضل، اتضح لنا أن مصر في رأس هذه القائمة؛ ومن هذه البلدان: الهند واليونان وبلغاريا وفلسطين". . . لا، بل أكثر من ذلك، وهو أن الإحصاء يدل دلالة قاطعة على أن الأطفال هم 8 , 55 % من مجموع الموتى، وأن هذه النسبة في صعود متواصل حتى في هذا العهد الذي نحن فيه. بل انظر إلى الأصل فالدكتور الوكيل يقول: إنا إذا أخذنا الأمراض المتفشيه كالبلهارسيا والأنكلستوما والرمد والسل والأمراض العقلية والملاريا والتيفوس والتيفود والدفتريا والأنفلونزا الحادة والحمرة وغيرها، ثم جمعنا بعضها إلى بعض مرضًا مرضًا كانت ما يربو
__________
(1) اليَبْس واليابِس بمعنى.
(1/172)

على 50 مليون مرض، فإذا وزعت هذه الملايين على المصريين أصاب كل شخص ثلاثة أمراض في وقت واحد.
وهذه النتيجة المؤلمة قد أفضت إلى هذه الغاية باهتمام القائمين على أمر الصحة والتعليم بالحضر دون الريف، وبالذي كان من طغيان الجهل واستبداد الفقر بطبقات الشعب التي يتكون منها السواد الأعظم. وقد وضع الدكتور الوكيل مشروعه لمكافحة هذه الحالة، فهل يمكن أن تكون الوزارات المختصة قد عرفت حق مصر فهبت إلى القيام بواجبها في الدفاع عن البلاد لإنقاذها من براثن هذه الأعداء المتعادية المتخالفة على قتال الروح والحياة في الشعب المصرى؟ ذلك ظننا، واللَّهُ خيرٌ حافظًا وهو أَرْحَمُ الراحِمِين.
(1/173)

إلى أين. . .؟
- 1 -
جلست وصاحبي تحت جنح من الليل كأنه باز أسود قد طوى أفقًا من السماء في كهف من جناحه. وطمس هذا الليل الدامس ذلك الشعاع الذي لا يزال يبرق به وجه صاحبي كلما سكن ظاهره واطمأن. . . وبقيت نفسه من وراء ذلك السكون الوديع تتوقد بأفكارها المشتعلة، وترسل لهيبها يتلألأ على محياه ويتموج. وكان إحساسنا بمعنى الغارة الجوية، يثير النفس ثم يجثم عليها متثاقلًا بوطأته، فلا هو يجعلنا نثور فيخف ما نجد من ثقله، ولا هو يتركنا نهدأ.
وبقي صاحبي صامتًا لا يتكلم، ولكني كنت أكاد أجد الألفاظ والمعاني وهي تعترك في داخله وتتشاجر. أما إني ما رأيته -أو قل ما أحسسته- كاليوم. لقد كان كالعاصفة من اللهيب مكفوفة في محيطها، تدور وتتراكض، وكان هو هذا المحيط. لقد رحمته حتى كدت مرات أقوم إليه أضع يدي على رأسه، أقول: ذلك مما يخفض عنه بعض ما يغتلى فيه من سعير الفكر. ولكني كنت أهاب أن أشعره أني قد نفذت إلى بعض أسراره التي يريد كتمانها. فسكت معه ساعة أحتال في خواطرى لفض هذه الأغلاق التي يضربها على ضمير نفسه، فلست أشك أن بعض الحديث إذ اشتكى خفف وأراح.
لم تكن لي حيلة معه، ولكن طول الصمت بيني وبينه في ظل هذا الليل الأسود كان هو مفتاح هذه الأقفال الكثيرة. وكان الحجاب الذي أسدله دجى الليل هو الحيلة التي جعلته يقلق ويتململ في مجلسه يريد أن يستكتمني وهذا الليل سرًّا من القدر.
ثم سكت سكتة ظننت معها أن أنفاسه قد أبت عليه أن يتنفس بها. لقد كان يجاهد نفسه: كان هو يأبى أن يتكلم، وكان الذي يجده في صدره من الضيق يأبى عليه إلا أن يتكلم. كان نزاعًا هائلًا بين قوتين متحاربتين صارمتين عنيدتين
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 362)، 1940، ص: 970 - 973
(1/174)

متكافئتين، لقد أَثْبَتَه ذلك حتى كاد يتمزق. إني لأحس بل أسمع صوت التمزيق الذي يحدثه في نفسه هذا الصراع المخيف الرائع بين إلحاح هاتين القوتين في تنازعهما. ومضت الدقائق وأنا أعدها ساعات من عجلة النفس إلى تخفيف العذاب عن هذا الصديق البائس المحطم، والذي يأبى عليه عناده إلا أن يتجلد.
ولكنه ما لبث أن شق كثافة هذا الصمت المبهم بكلمة ضربت فيه:
لست أدري! ! لست أدري! !
لقد سمعت لكلماته في أذني صليلًا كما يَصِلُّ الحجر الصلد على ضربة معول من الحديد الصلب. لقد بغتني بصليلها حتى نسيت أفكاري فيه منذ أول الليل. ولكني سرعان ما اجتمعت لحديثه وأردت أن أحتال للتخفيف عنه ما استطعت. فقلت: وكأني أعلم خبء ما يشير إليه:
كلنا ليس يدرى. وهذه هي الحياة. إنك لا تستطيع أن تعرف الحقيقة حتى تخوض إليها الباطل خوضًا. إن الشك هو أعظم أعمال النفس الإنسانية، فإذا ما ابتُلى به الإنسان فهو بين نهايتين: بين أن يهتدى فيلحق بالذروة فيستوي على عرش من عروش الحكمة، وبين أن يضل ويتزايل فيتدَهْدَى على هذه الصخور الفكرية العاتية فيتحطم. وأيُّ ذلك كان، فالمسألة كلها قدر محتوم يا صديقي! رُفِعَتْ الأقلامُ وجفَّت الكتب.
لقد رأيت شرارتين تتطايران من عينيه في جوف هذا الظلام، ولكأني اقتدحتُ بكلماتي من النار التي تكمُن في تلك الصخرة الفكرية الململمة التي انطوت عليها ضلوع هذا الصديق المسكين. . .
ثم رأيته يرتد مرة أخرى إلى صمته وصراعه، ولكني كنت أشعر به وهو يلين ويتخشع من كل ناحية. لقد كان هذا الصديق قاسيًا عنيفًا، ولكنه كان رقيقًا أيضًا. وكان صبورًا، ولكنه ربما استكان للجزع، وكان مستوحشًا آبدًا، ولكنه ربما ألف وطاوع وانقاد، وكأنه لم يجمح مرة. وكان راسخًا شامخًا وطيد الإيمان، ولكني كنت أنفذ إليه أحيانًا فأجد الزلزلة التي في قلبه قد جعلته يتزعزع ويتطامن ويضطرب بعضه في بعض اضطراب الموج في تياره.
(1/175)

لست أدري! ولكني أريد أن أحدثك، أريد أن أنبذ إليك من القول لتشركني في بعض الفكر. . .
ثم سكت وسكن، ولكنه أقبل على وقد جمع أطراف نفسه المبعثرة، يقول: . . . كانا صغيرين، وكانت أيامهما الصغيرة لا تدرك معنى النظرات التي تلتقي فتتعانق، فتتعقد عقدة لا تحل. وهكذا نسيهما الزمن في معبده الآمن، ثم انتبه يومًا فزفر بينهما زفرة واحدة فتفرقا. لم يدركا يومئذ شيئًا من معاني الفراق المهلكة التي تمحق النفس بالتأمل واللهفة والحنين، بل نظرا ثم توادعا، ثم افترقا ثم نسيا. أو هكذا كان، ولكنه لم يكن في الحقيقة نسيانًا، بل كان عملًا من أعمال القدر الغامضة، كان تعبئة للأحداث العظيمة التي تتهيأ فتصنع النفس الإنسانية صنعة جديدة، لقد عرفت ذلك فيما بعد. وتسحَّبت حواشي الحياة بينهما، حتى رقت أيامهما الأولى ثم جعلت ترق حتى استحارت أحلامًا من الذكرى المبهمة ترف على القلب رفيف النسمات: لا تُرى بل تُحَس، ولا تمسك ولكنها تلقى عطرها في القلب وتمضي. نعم لقد نامت تلك العواطف الناضرة الصغيرة في مهد من النسيان، ولكنها كانت تنمو أيضًا في جو هذا المهد.
ومشى الزمن بينهما يقيم سدودًا وأسوارًا من السنين وأحداثها، وكما كبرا وامتدّا من أيام العمر، كبرت السماء التي تظلهما وترامت آفاقها، واستحالت الأيام الصغيرة الأولى أشباحًا ضامرة لا تكاد تبين من دقتها وخفائها.
ثم فجأهما القدر فتلاقيا بعد دهر طويل كما يتلاقى نجمان في ظلمة الليل، يتناظران لمحةً وشعاعًا من بعيد لبعيد. هكذا عرفتُ. لقد كان هو يحسُّ في بعض أيامه قبل ذلك اللقاء، أن الفلك قد دار دورته في القدَر، وأن القوة المسخِّرة قد قذفت به في نظام من الجذب جديد، فلم يكد حتى لمح له شعاعها من بعيد يليح إليه بأضوائه وكأنما يقول: أقبل. . . هلم إليَّ. . . هأنذا، هأنذا!
ولم يلبث أن أتم هذا الفلك دورته، فإذا هما يتناسمان في جوٍّ عطرٍ تنفح من أردانه أنفاس الأيام الصغيرة الأولى. . . أيام الطفولة التي تنمو فيها عواطف القلب
(1/176)

وتتفتح، كما تنمو الزهرة في أكمامها تحت السَّحر في مهد الفجر بين روح وشعاع وندًى.
واجتمعا. . . فإذا هي غادة مضيئة تزهر. ولكأن الزمن اختطفها كل هذا الدهر وتسلل بها في بعض مصانعه العجيبة، وجعل يجهد جهده بأنامله النابغة الدقيقة، فهو يجلوها ويصقلها حتى إذا فرغ من فنه الذي احتفى لها به، ردَّها إليه ينبوعًا من النور الضاحك المرح يترقرق لعينيه ممثلًا في صورتها. . . لقد شبت الصغيرة، ولكن شبابها كان رقَّة وحنانًا في أُنوثتها، واستوت فكان استواؤها دقَّة في فن من جمالها، ونمت نموًّا وضّاحًا، وكأنما كان يَغْذوها نور الكواكب ويُرْضعها روح الزهر. . . لقد وجدها وهي تضوع وتلألأ من جميع نواحيها. . . لقد كان يخيَّل إليه أن النسيم من حولها يطوف بها متعبِّدًا خاشعًا ثم يسعى إليه حاملًا نفحة من نفحات الجنة. فكان يحس دائمًا أن جوها ينتقل إليه فينفذ إلى قلبه، فيقعد هناك يتمتم يحدِّثه بأخبارها أو يصفُ له منها ما يُوعِب هذا القلب الحزين افتتانًا ولوعة وحنينًا.
لقد شبَّتِ الصغيرة. . .، فنَضَتْ عنها كل مطارف الطفولة، وتجلَّت جَلْوة العروس في زينة من الصبي والشباب. لقد خلعتْ كل قديمها، ولكن شيئًا واحدًا بقى كما هو، لا بل بقى أقوى مما كان وأصفى. تلك هي روحها، الروح القوية الآسرة المتسلطة. تغيَّر كل شيء إلا عيونها التي تشفُّ عن هذه الروح التي لا تتغير. فالنظرة الباسمة الخاطفة التي كانت تخضع بها تمرد ذلك الصبي العارم الصغير، هي هي النظرة الباسمة الخاطفة التي هجمتْ منه على الرجل فأضاء وميضها له الطريق، وحبسته بأمرها وسلطانها على هذا الطريق نفسه وفي وقت معًا. . .
ثم نحا صاحبي بصره إلى قِطْع من الليل جاثم من عن يمينه وأطال النظر في جوفه. ثم خيل إليّ أنه قد جعل يصغى إلى همس الليل، ويتسمع وسوسته الخافتة إلى رمال الصحراء، وبقى زمانًا لا يكاد يتحرك، ثم انتفض في مكانه انتفاضة خفيفة، ما رأيتها ولكن رعدتها جرت في دمي وأوصالي قشعريرة عرفتها.
(1/177)

ثم عاد إليّ يتنهد ويقول:
هكذا هي. . . أو هكذا كانت. . . أما هو. . .
وارتعشت الكلمات في نبراته وعلى شفتيه فأمسك وسكت، وكأنه عزم ألا يتم ما بدأ من حديثه عن الرجل. فخفت أن ينقطع عني دون خبره، وأردت أن أستفزه من حيث أعلم كيف أستنبط نبع حديثه، فعجلت إليه أقول:
أما هو -يا صاحبي! - فقد كان مجنونًا تنشيء له أعصابه المريضة الهالكة معانيها التي لا حقيقة لها في حقيقتها هي، و. . .
فانقض عليَّ بصوته يقول:
كلا، كلا! لا تقل هذا. ليس الأمر كذلك. لا تعجل عليه. إنك لا تعرفه، ولو عرفته فما أظنك تحسن فهم حياته التي يعايش بها الناس. سأحدثك عنه، لقد علمت أنك تريد أن تحملنى على ذلك، ولا بأس إذن. لا أقول لك إني فهمته، واستطعت أن أكشف لنفسي عن سر طبيعته، كلا! بل أقول لك إني لأحس بكل ما يعتلج في قلبه من آلامه، وكأنها عندي هي كل آلامي إنه رجل قد امتلأ حكمة من طول ما جرب، ومن عنف ما لقى من الأحداث التي نقضت بناء حياته مرة بعد مرة. نعم إنه لملء رجولته تجربة، ولكن. . . ولكني سأصفه لك على كل حال. سأحاول أن أعبر لك عن حقيقة معرفتي به. نعم! هو إنسان غامض مبهم محير، إذا صحبته رأيت من نقائضه التي تجتمع لك من أعماله وظواهره، ما يلتوي بفكرك فيه من هنا إلى هناك، حتى تجد وكأنما أنت تمشي منه في غمض من الأرض منكر قد درست صُواه (1) وعَفَت رسومه وجهلت معالمه. لا تهتدي فيه أبدًا إلى شيء تستطيع به أن تقول: هذا هو! هذه هي الفكرة. . .، هذا هو الطريق! !
سكت صاحبي قليلًا وقد طرح فكره في مذاهبه ثم عاد يقول: فلنعد إلى حديثنا إذن، لقد حملتني على أن أذهب بك بعيدًا. . . كذلك كانت هي كما
__________
(1) الصُّوَى: علامات تقام في الطريق يهتدى به المسافر.
(1/178)

وصفتها لك بل أروع مما وصفتها، حين التقيا على غير موعد يتوقعه أحدهما. . . أما هو فكان يومئذ رجلًا ضربًا (1) متوقدا ثائرًا عنيفًا، لا يزال يتمزع من جميع نواحيه كأن في تجاليد شخصه روح وحش شارد لا يألف الحياة ولا هي تألفه. كان فكرة شامخة عاتية عضلة تأبى أن تتهضم لأحد أو تستذل. كان كالبركان في عنفوان فورته تتقلَّع به صواعقه وزلازله. وهكذا كنت أبدًا أعرفه، ولكنه كان مع كل ذلك يحب أن ينطوى على هذه العواصف التي تتقصف برعودها بين جنبيه، ومن أجل ذلك كنت أجد في عينيه أحيانًا بارقًا ساطعًا يتداركُ ويَتلهّبُ، حتى يجعل نظراته كأنها سياط من الأشعة يتضرم اللهب على عذباتها (2). . . لا تعجب، فأشهد لقد خيل لي مرارًا أن نظرته هذه إنما تكوى من يتعرض لها أو من يجلده بها، حتى لأخشى أن تكون تترك فيه من آثارها أخاديد تنتفض كسَلَع (3) النار على الجسد.
لا تعجل، ولا تشطط. لقد تعلم أنه كان -مع كل هذا الذي وصفت لك- إنسانًا وديعًا رقيقًا. كان قلبه خلاصة صافية ممثلة من الحنان والشفقة. ولكنه أصيب بأحداث كثيرة جعلته ظنونًا حزينًا، فهو لذلك يضن بما في قلبه أن يطلع على حقيقته الكاملة أحد من الناس. لم أر -فيمن رأيت من الناس- من هو أبعد منه مذهبًا في الاحتراس والحذر، ومع ذلك أيضًا، فلو أنك رأيته في بعض ساعاته لظننت أنه رجل غُمْر (4) يختدعه عن نفسه كل أحد، ولكنه ليس كذلك. نعم، لقد كان هشا أحيانًا بين يدي من يتناوله. . . فإذا أُخِذ بالاعتناف والقسر، انقلب الذي فيه ضاريًا لا يطيق ولا يطاق.
هكذا كان أول ما تلاقيا. . .
ثم صمت صاحبي، وخيل إليّ أنه يضحك. لقد كان يخافت من ضحكه، كأنما هو يسخر، ورجع إليّ بعد قليل فواصل حديثه: كيف قلتَ في نعته؟ كان
__________
(1) الرجل الضَّرْب: الممتلئ حيوية ونشاطا، هكذا وصف طرفة نفسه في معلقته.
(2) عَذَبَةُ السَّوْط: طَرَفُه.
(3) السَّلَع: آثار النار بالجسد.
(4) الغُمْر: الغِرّ القليل التجارب.
(1/179)

مجنونًا تنشئُ له أعصابه المريضة الهالكة معانيها التي لا حقيقة لها في حقيقتها هي. . .! ! نعم، ربما كان ذلك صحيحًا من بعض وجوهه، ولكني على يقين من أنك لا تكاد تعرف وجه الحق في تأويل هذا الوصف. لا بأس ومع ذلك، فأي هذا الناسِ ليس مجنونًا على الحقيقة من بعض نواحيه؟ إنك لو جهدت فتتبعت تاريخ الإنسانية كله لم يخلص لك من أصحاب العقل الكامل إلا أفذاذ قلائل. ومع ذلك، فليس أحد من هؤلاء الأفذاذ قد نجا من قذف الناس إياه بالجنون. ألا فخبّرني أي الأنبياء -وهم فضائل الإنسانية الكاملة- برئ أن يقول فيه أهله وعشيرته: "إن هو إلا رجل به جِنة" أو "ساحر" أو "مجنون"؟
إن من أعظم حقائق الحياة الدنيا أن العقل لا يستطيع أن يدرك حقيقة العقل، أي أنه لا يستطيع أن يدرك حقيقة نفسه! و. . .
وصدَع السكونَ صوت صفير الغارة الجوية، فانتزع صاحبي ثم قال: - أليس هذا هو صوت جنون سكان العالم؟ أليس كذلك؟
"لها تتمة"
(1/180)

إلى أين. . .؟
- 2 -
قال صاحبي بعد قليل من سكتة صفير الإنذار بالغارة الجوية: الآن وقد صم صدى هذا النذير البغيض، ومات صوت البومة الدميمة التي قامت تنعق على الموضع الخراب من عقل هذا العالم، فأسرعت الأيدي وتناهضت الأقدام، وخفت الأحياء ليطمروا أشلاء النهار التي كانت مبعثرة في طرقهم وبيوتهم على معركة الليل البهيم، إنهم يدفنون هذه الأشلاء الوهاجة خشية أن تراها عيون العافية (1) من سباع الجو المنقضة بأنياب كرجوم الشياطين. آه يا صديقي! ما أقبح هذا وما أفجره. ولكن دعني من هذا، فالآن أعود إليك.
لقد مثلت لك بعض صورتها هي وبعض صورته عند أول اللقاء. لم أكشف لك بعد عن حقيقة النفسين وهما تعملان بأسباب من القدر، إن هذه الأسباب التي لا يُدرى متى أولها، قد أخذت تلتوى عليهما فيما يستقبلان من أيامهما، وثمت بدأ الإشكال، وتراكبت العقد الجديدة على تلك العقدة القديمة التي التبست عليهما في الطفولة، فلست أدري، ولا هما أيضًا يدريان، إلى أين المصير!
لمحها ولمحته في يوم اللقاء الأول، فوقفا طويلًا ينظران. وشخص البصر وكفت العين لا تطرف، وكأن العين قد أرسلت إلى العين رسلًا من أشعتها لتبحث في أعماقها عن معانيها الحائرة التي لم تستقر بعد على قرار مؤمن، تتبين فيه كلتاهما صورة كلماتها القلبية التي تنبض في موج الدم.
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 363)، 1940، ص: 1007 - 1009
(1) العافية: التي تعفو، أي تطلب ما تأكل، يوصف بذلك السباع وجوارح الطير، وفي شعر النابغة "ترى عافيات الطير"، والذي قصده أستاذنا هنا: الطائرات.
(1/181)

أما هو، فقد أخذه ما يأخذ الغريق المشفي على هاوية من الهلاك الرطب الندى، ثم يفتح عينيه، فإذا هو ملقى على الشاطئ قد انتشلته من فزع الردى نجاة برحمة من روح الله. ولكنه لا يدري من الذي رده إلى الحياة بعد ملابسة الموت؟ ولا كيف كان؟ ولا أين هو؟ ولا أي مكان هذا؟ . . .
وأما هي، فقد أنكرته بادئ اللحظ، ثم انكشف لعينيها الحجاب الكثيف الذي أرخاه الدهر الماضي بين أيامها وأيامه. . . لقد عرفته وأثبتته معرفة. فأقبلت عليه تندفع بقوة الرد المتفلت من شد عشرين عامًا كانت تجاذبها دونه: أنتَ، أنت! ! أين كنت؟ !
آه، لقد نسىَ المسكين عندئذ أين كان! إنه هنا. . .!
أليس هذا كافيًا؟ أليس هو كل شيء؟ . . . أما الماضي، أما الحياة التي عملت في بنيانه أعوامًا طوالًا كلها جهد وإرهاق. . .، كل ذلك ذهب وباد وامَّحى، وكأن اليد التي تمحو ما تشاء وتثبت في تاريخ الإنسان، قد أمرَّت صفحتها على رقعة أيامه الماضية فغسلتها وطهرتها من سوادها، وردت إليه وإليها صحيفة أيامه بيضاء نقية قد تهيأت أن ينمنم فيها القدر تاريخه الجديد. . . أجل! كان هذا هو الإنذار الأول من القدر لهذا المسكين أنه سينسى معها كل تجاريبه في الحياة، وأنها هي التي ستكتب له هذا التاريخ الجديد من القدر خيره وشره.
ومضت الأيام الأولى بعد هذا اللقاء البغت على ذكرى حاضرة تصارع وحوش الماضي التي وطئت بأقدامها عهود الصغر وملاعب الطفولة فطمست معالمها ومحتْ بعض آياتها. جعلت هي تتكلم، وكأنها ذاكرة التاريخ الواعية التي لا تكاد تفلت شيئًا إلا أحصت دَقيقهُ وجليلهُ. حدّثته وذكَّرته وأعادتْ عليه زُخْرفَ الصِّبا ووشيه من نسج حديثها، أما هو فبقى صامتًا ينصت لها خاشعًا ضارعًا يسمع صدى الماضي الذي يتكلم في سراديب النفس العميقة الممتدة الذاهبة بأساليبها الغامضة في أقصى غيب الحياة.
كيف تدب الحياة في أشياء الطبيعة التي تخيل للناس أوهامهم أنها مواتٌ؟ كيف تستيقظ الأرواح النائمة في غار مظلم قد أطبقت على منافذه صخورٌ صم من
(1/182)

جبال الزمن؟ كيف تستقبل النفس -التي أحرقها الظمأُ المتضرِّم- شؤبوبًا (1) من الغيث يهمى عليها باردًا عذبًا زلالًا سائغًا يترقرق؟ كيف وكيف؟ لقد عرف هو كيف يكون ذلك كله حين تكلمت روحها في ثنايا روحه المتغضِّنة بأحزانها، وحين أخذت تناجيه بالذكرى. . .، ويتحدر في صوتها ذلك اللحن الخالد الذي يتحدر مع الغيث من السماء يناجي الأرض الظامئة المقشعرة المجدبة، فلذلك تهتز وتربو على مد أنغامه التي تفجر في ذرَّات الثرى كل ينابيع الحياة.
واستجاشت هذه الساحرة الجميلة التي خرجت عليه من لفائف الغيب المحجب تلك النفس المصممة العنيدة فما زالت حتى انقشعت الغمامة الغبيّة التي كانت تحيط بنفسه عمرًا من قبل. إنه الساعة يسمع ويرى ويحس، ويتغلغل في الحياة ببأس شديد. لا، بل كان في أول أمره هذا مضطربًا حائرًا يدور بقوته حيث دارت به على غير هدى ولا صراط، كان ربما خلا فاستوحش فارتاع، فيحتمل كل أعباء الهم الذي يجده في نفسه، فيخرج يضرب في البيداء المقفرة البيضاء في مدّ البصر، حيث لا يرى إلا صفاء السماء وبحر الرمل الساكن في مهاد الأرض. . .، حيث لا يسمع إلا حنين الرياح ونجوى أشواقها الأزلية في المَهْمَه القَذَف (2). يمشي ثم يمشي حيث يتصرف به القدر الغالب، وهو لا يسمع مع ذلك إلا أنغام صوتها من حوله يتردد: أنت، أنت! ! أين كنت؟
اشتعل القلب وفارت الروح، فانطلق بعد الحيرة والضلال في طريق سويّ مؤيدًا بهذه الروح القوية التي سيطرت على كل روحه بالحب والحنان، ومضى يعمل لها وبأسبابها نافذًا مقدمًا لا يمل. ولكن سمعه لم يزل على حالة من الإصغاء ثابتة، كأنها إغماء أخذه كما تأخذ غمية الوحي إذا نزل فاشتد فاستبان، ثم تنحدر رنات صوتها إلى قلبه فتجرى في أنهار الحياة المتدفقة في جثمانه بدمه، فيرجع الدم ألحانها ترجيعًا موسيقيًّا هفافًا آتيًا من أغوار القدر العميقة. نعم، إنه لا يزال يسمع في مخارم نفسه ومهاويها صدًى يتردد:
__________
(1) الشُّؤْبوب: الدَّفْعَة من المطر.
(2) المَهْمَه: الصحراء. القَذَف: البعيد.
(1/183)

أنت، أنت! ! أين كنت؟
فتجيبها الروح من أعماقها:
أنا هنا، أنا هنا! ! أيتها العزيزة!
* * *

هكذا بدأ وقد نام كل ما فيه وخَضَع لسلطانها الذي لا ينتهي ولا يفتُر، ثم دبَّتْ في روحه اليقظة الجديدة فتجددت النفس المتغضنة ورقَّ شبابها، واستجمت قواها الشاردة بعد فترة كإغفاءة النائم في أنفاس الفجر الندى المتروّح بعطر الرياض النضرة. ولكنه عاد -بعدئذ- برجولته يتوحش، فارتدّ إليه حذره الوحشي يتوجس خيفة، وأخذه بذلك الرعب من كل مكان أين أنا؟ وكيف كان هذا؟ ولم خضعت؟ وإلى أين أسير؟ كل هذه أسئلة جعل صداها يتردد في نفسه، ثم يلقيها على الدهر الأصم، فلا يجد جوابها جميعًا ولا تأويلها. ويومئذ جعل يصول صيال الوحش يريد أن يجد الغيل المفرد الذي يفرض فيه سلطانه على جوه وغابه. . . ولكن وارحمتا له! لقد حق ما قلت يا صديقي: المسألة كلها قدر محتوم! رُفِعَت الأقلام وجَفّت الكتب!
أرأيت إلى ما وصفت لك منه أول ما تلاقيا؟ أرأيت إلى ذلك الوحش الآبد الحذر الذي لا يألف الحياة ولا هي تألفه؟ أرأيت إلى تلك الفكرة الباذخة العضلة التي تأبى أن تذلّ أو تتهضّمَ؟ أرأيت إلى البركان المتقلع في عنفوان فورته؟ كل ذلك قد استحال بين يديها، وتحت أشعة عينيها، وفي مس أنفاسها، شيئًا غير هذا كله. فكل ما توحش منه فهو عندها يألف وادعًا يلوذ بها خاشعًا متضرعًا، وكل ما بذخ وسما وتعضّل فهو يتطامن لها ويرق ويتلين، وكل ما تقصف منه وفار وغلى فهو ينساب إليها صبابة وحنينًا ولوعة.
* * *

وعندئذ سكت صاحبي بغتة كأن لسانه قد عقد عقدًا على ألفاظه، ثم تنهد واحدة كأنما انهدّ بها ركن من جبله القائم في ضمير نفسه. ورمى بصره في هذا
(1/184)

الركام المتكاثف بعضه على بعض من ظلام الليل. لم أرد أن أستثيره من هدأته التي يستريح إليها بعد هذا الجهد الهائل الذي كان يتدفق به في حديثه. لقد كان يعاني من هذا الحديث أشد مما يعاني الهارب السائر في وحشة الليل الصامت في غوْل الصحراء، وهو هائمٌ على وجهه تطارده من ورائه شياطين العذاب التي تريد أن تنتشطه (1) إليها بخطاطيف هائلة من الرعب والفزع.
كنت أرق له وآسى عليه، ويمنعني من الحديث معه مخافتي أن يكون ذلك مما يصرفه عن بعض الفكر الذي يتعذب بوساوسه وخطراته. نعم، إنه عذاب عقلي أليم، ولكنه على ذلك مما يعطى النفس بعض راحتها من عذاب الشك والقلق والحيرة. والحياة كلها صروف متعاقبة يراد بها السمو بالنفس على وجه من وجوه الألم. والألم وحده هو الذي يستطيع أن يصقل النفس الإنسانية صقلًا رائعًا، وبذلك يرد إليها حقيقة الإيمان المشرقة بالإطمئنان والتسليم. إنه حائر يشك في حقيقة ما يقع عليه فكره ولكن هذا الألم الذي يصارعه صراعًا عنيفًا لا رحمة فيه، هو نفسه الرحمة المهداة إليه، ليؤمن بعد ذلك إيمانًا لا يداخله شيء من الشك أن قلبه لم يخطئ، وأن أفكاره القلقة هي التي تخطئ وأنه ينبغي أن تقيد أفكار العقل الحائر بأغلال متينة من أفكار القلب المؤمن.
وتضربت في همسات الليل أفكاري فيه، وجعلت أستعيد في نفسي كل ما قاله لأرى من تحته المعاني التي تتهارب وتختفي بطبيعتها في ظل الألفاظ اللغوية المحدودة بمعانيها. كنت حائرًا في فهم هذا الصديق الذي يحدثني عن صديقه، وما صديقه إلا هو. وكنت ألمح هذا الجبل وهو يتخلع من أعضاده التي ينهض عليها ثابتًا قارًّا متساميًا يهزأ بالتلال القصيرة التي تطمح إليه بأبصارها، وجالت في نفسي أفكار وأسئلة لا جواب لها. يا رب! أهكذا يضمحل الرجل؟ وارتفع صوتي بهذا السؤال غير متعمد لذلك. فما هو إلا أن هبّ صاحبي من غفوة الفكر التي غشيته، فابتدرني يقول:
__________
(1) تنتشطه: تنتزعه وتشدّه.
(1/185)

نعم، هكذا يضمحل الرجل! وما تريد أنت إلى ذلك؟ إنك دائمًا تفجؤني بتمثال يتكلم بأفكارى التي أتكلم بها في غيب نفسي، أي شيء هو الرجل؟ هل تستطيع أنت أو من سواك أن يقرر للعقل حقيقة الرجل، وأن يمتهد لفكرته أصلًا لا يزول، فإن يخرج عنهما أو عن أحدهما انتفى في العقل أن يكون رجلًا حق رجل؟ هذا هو الغرور الذي يتهاوى فيه الناس ما داموا ناسًا يبغى بعضهم على بعض، فطرة ركبت في سر طبائعهم. إن هذا ليس اضمحلالًا وضعفًا بالمعنى الذي تتوهم، إنه ليس من قوة في الطبيعة إلا وفوقها قوة تحكمها وتصرفها، وخضوع قوة لقوة أعضل منها ليس يعرف ضعفًا فيمن يخضع، وإنما هو القانون الطبيعي الذي يستقيم به نظام العالم. إنه لا يقال للدوحة الفينانة العظيمة: أيتها المسكينة، لماذا تخضعين لسلطان الفصل الذي تساقط به أوراقك؟ أو لماذا هذا الحنين الدائب إلى قطرات من الغيث، وهذا الجبل أمامك يسفح عليه ماء السيل ثم ينقطع أعوامًا فلا يظمأ إليه فيحن كمثل حنينك إلى قطرات من الماء انقطعت بضعة أشهر؟ هذه طبيعة الدوحة، فإذا انقلبت طبيعتها إلى غير هذا الناموس قتلها الظمأ وتركها حطبًا يابسًا لمن يستوقد.
آه أيها الصديق! إنك لن تعرف الحقيقة حتى تستشعر قوة الآلام الملتهبة التي تترك الرجل يتزايل على الشوق والوجد واللوعة كما يتزايل جبل من الفولاذ قد تجوفته نار متضرمة من لهب جهنم. أبغنى قليلًا من الماء ثم أحدثك كيف اضمحل الرجل!
(لها تتمة)
(1/186)

إلى أين. . .؟
- 3 -
[تتمة]
أخذ صاحبي كأس الماء في يده، وجعل يرشقها ببصره رشقًا حديدًا يلمح لمحًا تحت حواشي الليل، فكنت أرى وهج مقلتيه يكاد يتطاير تطاير الشرار بينهما وبين الكأس، وأدام نظره طويلًا إلى الماء وهو يقر شيئًا بعد شيء ويسكن، فكأني به كان يغمس نظراته الملتهبة في برد الماء، ليبترد من وقدة العاطفة التي تضطرم في داخله. وبعد فترة عب من كأسه عب الظمآن استحر على كبده العطشى، ثم فرغ فوجه إليّ، وقد برق وجهه، أو هكذا تخيلت ثم قال:
آه. . .! ما كان أبصر ذلك الأعرابي الظريف الذي عطش وضل عن الماء في بيدائه، فلما رمى به السير فأفضى إلى بئر عميقة عادية (1) قد بعد ماؤها، أجهد أن ينزف بدلوه من بعض مائها حتى بُلغ به وكاد يهلكه غؤور الماء، وبعد لأي ما استطاع أن ينزح من مائها ما يرويه، حتى إذا شرب وارتوى وأطفأ غلة الظمأ، حمل تلك الدلو بين يديه ينظر إليها ويقلبها كأنها بَنِىٌّ من صغار بنيه يرقصه ويداعبه ويقول:
أي دلاة نهل دلاتي! ! ... قاتلتى وملؤها حياتي! !
كأنها قَلْتٌ من القلات
فانظر كيف يفرح الرجل بأديم جاس (2) غليظ متغضن موات! إنه يحبه، ويحرص عليه، ويرق له، ويدلّله دلالًا كأنه طفل يطفله ويرعاه. وما ذاك إلا أنها أداة يتخذها ليطفئ بها الغُلَّة التي يُؤَرِّثها حر الظمأ، لو هو فقدها في مجاز (3)
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 364)، 1940، ص: 1044 - 1046
(1) عادِية: قديمة، كأنها من عهد عاد.
(2) جَسِىَ الشيء: أصبح قديما يابسا متغضِّنا.
(3) مَجاز: جاز المكانَ وبه: سَلَكه وسار فيه.
(1/187)

البيداء المجدبة الظامئة، فقد معها القدرة على الحياة، ومع كل ذلك فما هي إلا أديم أصم، وأداة لا خير فيها إذا لم يكن كل الخير من قوة الساعد التي تمتد في رشاء يتطوح بين أرجاء البئر.
ما أبلغه من أعرابي، لولا نقل حديثه من الدلو إلى المرأة!
"قاتلتي وملؤها حياتي! ! "
إنها المرأة يا سيدي هي وحدها التي تستطيع أن تكون القاتلة المحيية في وقت واحد. إن كل ما فيها هو حياة محبها، وكل ما يكون منها -إذا أرادت- هو سبب من أسباب سلب هذه الحياة سلبًا جبارًا لا رحمة معه ولا هوادة فيه.
إن المرأة الحبيبة هي النبع الصافي النمير الذي يرى المحب الصادق في كل قطرة منه حياة تتلألأ في روحه بالمنى، فإذا أرسلت هذه الحبيبة في دمه قطرة واحدة من مائها -أي من حبها- أطفأت هذه الواحدة كل النيران الملتاعة التي تجفف بحرِّها ماءَ حياته. فإذا منعتْ عنه غيثها جعلتْ كل أفكاره وأحلامه وأمانيه تحتطب من الحياة ما تؤرِّث به تلك النار المبيدة التي لا تنفح نفحها على شيء إلا جعلته رمادًا أغبر. ويومئذ تتحول الحياة فيه إلى خمود بليد، أو إلى حماقة مجنونة كما يعترض الرماد للريح العاصف تطير به في كل وجه حتى يتفرق. . .
ثم سكت صاحبي. . .، وخيّل إليّ أن غمامة سوداء داجية من ذكرى أحزانه وآلامه قد أظلَّت عليه وتدانت أهدابها، فهو يرفع يمينه إلى جبهته، ثم يُمرها إلى ناصيته، إلى يافوخه يضغط عليه. ويتنفس خلال ذلك أنفاسًا جاهدة ينتزعها انتزاعًا من أقصى منابع الحياة في قرارة نفسه. . . ما أقسى الذكرى إذا ضربت في القلب بفأسها تحطمُ وتدمِّر وتنقضُ بناء الأيام الماضية! إن غبار هذا الهدم ليرتفع ويثور حتى يملأ الجو النفسي بما يضجر ويخنق من ترابها، وما أضعف الرجل إذا أخذت الذكرى تلح عليه إلحاح الكبرياء، تتحدى الإنسانية والرجولة بأوهن الفكر! الذكرى. . .! هذا شيء مخيف مفزع. إنها الشبح الذي يدب من بين القبور المهجورة التي تناثرت فيها أشلاءُ الموتى. إنها تقتل بالرعب، فإذا أتت المحب ذكرى حبيبه، فذاك شبح هائل يقتله بالرعب والحنين معًا.
(1/188)

أقول لنفسي: أيها الصديق البائس! لماذا لا تعرف طريقك إلى النسيان؟ لماذا تقف في مقبرة أفكارك دائمًا فترتاع وتتألم؟ لماذا لا تحاول أن تسخر من الحياة التي سخرت منك؟ لماذا أنت حائر أيها الصديق؟ وبقيت أتداول الهاجس من أفكاري فيه، حتى شُغِلتُ به عنه. ثم جاءني صوته من بعيد كأنه كان يتكلم في بعض أحلامي تحت النوم:
اسمع. . . اسمع يا صديقي! لقد كنت أفكر في بعض ما شغلني عن تمام حديثي قبلُ، لقد سألتَني وساءلت نفسك أهكذا يضمحل الرجل؟ أما إني لا أستطيع أن أضعَ لك اللغة وضعًا جديدًا حتى أعبر لك عن كل خالجة من خوالج النفس الإنسانية حين تضطرب فتهتز فتطير هزاتها على مساقها ومجراها، ثم تنشعب فتنتشر فتعمَل عَمَل الجيش المحارب في هدم صفوف العدو وتفريقها وبَعْثَرة قواها المحتشدةِ للِّقاء احتشادَ البنيان المرصوص بعضه على بعض.
نعم. . . لن أستطيع ذلك، ولكني سأصف لك بعض الصفة وأستشعر أنت كيف يعمل ذلك في هدم الرجل ويسرع في تدمير رجولته أمام أنوثة طاغية تتحدى وتأخذ سلاحها الذي تتحدى به من رجولة عواطف المحب الذي يَرى أن تعاونَ القلبين بالحب، وصبابة النفس إلى النفس الأخرى، هو تمام رجولته وتمام أنوثتها. كان لقاؤهما تجديدًا غريبًا في قديم نفسه. . . لقد استطاعت هذه الساحرة الجميلة الفتانة -كما وصفت لك- أن تمحو ماضيه كله، وأن تمزق صُحفَ أيامه المهملة التي كان القَدَر يكتب فيها تاريخه الأول. مزقت هذه الساحرة تلك الصحف، وألقت بها في النار التي أشعلتها في قلبه بالحب. بدأ يحيا بها وبسحرها حياة رائعة فاتنة من أحلام الحب. وجعلت هي. . . وجعلت هي. . . آه يا صديقي! هذا كثير كثير. إن ذكرى ذلك كله تؤلمني. . . إنها تعذبني. . . إنها تخِز قلبي بمثل السنان الحديد يقع وخزًا متتابعًا شديدًا يتفجر في نزعه بالدم .. كيف أستطيع أن أقول لك الآن ما الذي كانت هي تفعل! وماذا أقول لك؟ آه. . . إن أنوثتها، بل رقتها، بل حنانها، بل رحمتها، بل إخلاصها، بل حبها .. كيف يكون هذا؟ بل ذلك الصوت المنغم الروى الممتلئ صوت الحنين
(1/189)

المتعذب. . . صوت القدر الآتي من بعيد بأفراح السعادة. . . صوتها. . . صوتها. . . ذلك الصوت المعبر عن نفسها بألحان تتجاوب وتسرى وتموج في كل غيب من غيوب نفسه المتراحبة. . .!
إن كل هذه العواطف التي يرسلها إليه صوتها وهي تتكلم كانت تعبُّ فيه عُبابها، حتى يجد الأمواج النفسية تتقاذفه في فرح بعد فرح، ومن سعادة إلى سعادة، ومن حلم إلى حلم، كأنه ماض إلى جنّة الخلد في زورق من اللذات الطاهرة الجميلة، تحف به الملائكة تغنى لقلبه أناشيد المجد والخلود. . .! إنه سوف يسمو بروحه إلى ذلك الجو الذي يعطِّره النبل، ويفيئه الحب، وينديه الحنان، وتضيئه هي بسُنَّتها المشرقة، وتسبح فيه النجوى أنغامًا حرة تهيم وتتعانق.
جعلت أيامه معها تتهدل ثمارها الناضجة المغرية، وجعل يقتطف منها حيث أراد، وجعلت هي تغذوه كل يوم غذاءً جديدًا هنيئًا يملأ روحه قوة وشبابًا وعزمًا. جعل إحساسه بسحرها وفتنتها يغلو به في إيمانه بعبقرية أنوثتها الكاملة. أجل. . .، إنها أرسلت في دمه الحياة الجديدة، الحياة التي تجدد فكره في أشياء الدنيا، وتستفزه إلى فرض سلطانه على هذه الأشياء وكانت هي تنشيء لعينيه في كل يوم بل في كل ساعة دنيا مائجة، من فنها البليغ الذي يعبر عن ضميره تعبيرًا بليغًا كبلاغة أنوثتها فانبثقت في عينيه وفي قلبه ينابيع متفجرة من الأحلام الرقيقة، والأماني الطائرة، تلك الأماني التي تتنهد دائمًا على قلبه بأنفاس الفجر. . .
امتلأت عيناه الحائرتان بأحلام الشباب، وانبعثت القوة المتلهبة بالرغبة، فهو ينظر ثم يندفع إلى أمانيه يريد أن يختطف حظه من السعادة السانحة سنوح الصيد المستطرد، قبل أن تسبقه إليها أنياب الشقاء والألم والبؤس فتفترس منها وتنتهش. إنه يريد أن يظفر بسعادته ليتمتع بالحياة بعض المتاع، ولكن يا صديقي. . . إن هذه الغريزة المتحكمة في الإنسان وفي أعماله -غريزة التمتع بالحياة- هي التي تذهب بالإنسان في القدر مذهبًا بعيدًا إنها هي التي تجمل الحياة لعيني كل حي، ولكنها هي هي نفسها التي تعمى المحب فلا يبصر تلك الهوة السحيقة التي فغرت
(1/190)

له أشداقها وأحدت أنيابها، فلا يزال -إلا أن يعصم الله- يتهاوى فيها ما اندفع به إليها هواه.
ولكن كيف كان يملك صاحبي وإرادته في البصر؟ إنها كانت تعمل أبدًا -وهو لا يستطيع أن يدرك- على أن تبقى حبيبة أحلامه ولو قتلته. نعم إن بعض ضحكها كان يصفق بدلالها كأن أمواج شبابها تتلاطم فيه وتزخر، شبابها. . .! ! شباب امرأة جميلة متكبرة معجبة، شباب أنثى تحب، وتريد أن تبقى أبدًا محبوبة يهيم في أوديتها المسحورة من يحبها. ومع ذلك فقد كان يجد لما يلقاه منها فرحًا في نفسه، ونشوة في روحه وعربدة في دمه، كان كالسكران بحبها لا يستطيع شيئًا ولا يملك إلا أن يخضع لذلك السلطان المرح الظافر المبتسم، السلطان العنيف الذي يقبض على روح المحب بحنان طاغ مِن روح مَن يحب.
وعلى ذلك فإن هذا الرجل المسكين -على عنفه وصلابته وفحولته- لم يجد بُدًّا من أن يسلم لها قياد عواطفه التي تَصبُو صبواتها إلى أناملها الرخْصَة الساحرة. كيف يقاوم الرجل الحب -مهما استصعب والتوى- امرأة مقدسة يحبها، فهو يتصبب بروحه في روحها؟ استسلم لها، ولكنه كان يشعر بعد هذا الاستسلام أن ليس في هذه الدنيا شيء يستطيع أن يقهر إرادته، أو أن يحول بينه وبين ما يرمي إليه من أغراضه وإن بعدت. كان معنى خضوعه لها أنه يستطيع إذن أن يخضع الأشياء كلها لسلطانه. . . وما أعجب هذا الحب! أرأيت إلى ذلك الضرس الفولاذي الصليب المتكبر من الجبل الإنساني في صاحبي ذاك. . .؟ لقد كان يُرَى وهو يذل لهذه الساحرة أيامه ولياليه خاشعًا مستكينًا كأنه يهودي منبوذ فقير في غربة موحشة!
ولكن لا تخطئ معنى الذل في فحوى حديثي، أعرفه صورة أخرى من الكبرياء المأسورة في سجن امرأة محبوبة. إن إحساسه بحبه لها كان ضروبًا من فن الروح العاشقة. لم يكن يراها امرأة مجردة يحبها بحرارة القلب الملتهب بالرغبة أو بالحب. كلا، كلا، لقد كان يجدها أحيانًا في أوهام عواطفه ومدّها أُمًّا، فهو يريد من أمومتها المحبوبة أن تمهِّد له في قلبها تلك العاطفة الوثيرة اللينة
(1/191)

من الحنو والعطف. وهو يراها مرة أختًا يلتمس في مس يديها، وفي نبرات صوتها، تلك العاطفة الساكنة ذات الأفياء والظلال، عاطفة الأخت التي تضحي في سبيل أخيها المنكوب، ثم يرقى بها إحساسه فينظرها أخًا مخلصًا يشد أزره إذا انطبقت عليه قُحَمُ (1) العيش ومتالف الحياة. ثم إذا هي تارة أخرى روح من الأبوة المسددة، الحازمة المصممة البليغة، لا تزال تجد الرجل مهما أناف به العمر وشمخ ذلك الطفل العابس الغرير الطياش، وهي مع ذلك كله الصديق الذي يحامى عنه إذا تعادت عليه الدنيا بأسرها، الصديق الذي تبقى صداقته تطوف عليه تحرسه وترعاه. أتدري بعد إلى أين تنتهي به هذه الألوان المختلفة من إحساسه بها؟ لقد تنتهي في بعض ساعاته معها أن يراها أستاذه، فهو كأنما يجلس بين يديها ليأخذ عنها روائع الحكمة، ويسألها عن سر الأبدية المحجب بالغيب، ويلقى عندها كل أفكاره المعقدة في الحياة، يلتمس عند حكمتها الخالدة حل ما تَعَقَّد، وأن تمنح أفكاره ذلك الهدوء الفلسفي الذي تسبغه الحكمة العالية على سَدَنتها وحفاظها.
ثم سكن صاحبي وغشيته فترة الحديث إذا تطاول به وامتد ولكنه ما لبث أن أقبل عليّ يندفع:
انظر. . . انظر الآن كيف يضمحل الرجل. هذا هو في مد عواطفه وهي تفور وتتثوَّر بأمواجها في الحب العنيف المتلاطم، ثم إذا هي تطير عن أحلامه وتنفر من مجثمها السحرى، وإذا هو منفرد لا يدري كيف كان هذا؟ ولمَ؟ ومن أين؟ وإلى أين. . .؟
إنها ذهبت وتركت الدنيا التي أنشأتها له مشرقةً زاهيةً ناضرة، فإذا هي تطفأ وتخبو وتذبل. إن قوة رجولته قد ذهبت تطلبها عند قبور الذكرى، فكيف لا يضحملُّ الرجل؟ كيف لا يضمحلُّ؟ !
__________
(1) القُحَم: الأمور العِظام.
(1/192)

ويلك آمن. . .!
أيام من الدهر حائرة في أودية الزمن، وساعات تخلع المصائب وتلبسها بين الثانية والثانية، ورعب مظلم خيَّم على الأرض فلا تضيئه إلا شقائق النار وهي تفرى الجو ذاهبة وآيبة، وحيرة سابحة فيها عقول البشر لا تدع قرارًا لفكر ولا خيال، وسهام نافذة من البلايا تفتق نسج النفس الإنسانية فتقًا رغيبًا (1) يتعايا على الراقع والمصلح. . . فيا له من بلاء مطبق على العالم إطباق اليوم الصائف يسد بحَرِّه منافذ الأنفاس.
ما الحياة؟ ما الإنسان؟ ما العقل؟ ما الحضارة؟ إلى أين نسير؟ كيف نعمل؟ لماذا نعيش؟ فيم نتعب؟ تبًّا لكل هذه الضلالات الداجية التي لا يبرق فيها نجم واحد يقول للإنسان: اتبعني، سوف تهتدي! !
هذه هي الحضارة الأوربية الحديثة قد انتهت بالناس إلى خلق هذا الإشكال الدائم الذي لا يحل، وساقت الناس إلى مرعًى من الشك وبئ، كلما ازدادوه غذاء زادهم بلاء، فلا ينتهي من ينتهي إلا إلى هلكة تدع فكرة الحياة خرافة عظيمة قد اتخذت لها أسلوبًا تتجلى فيه، فكان أبلغ أسلوب وأفظع أسلوب، هذا الإنسان الذي يحمل من رأسه قنبلة حشوها المادة المتفجرة التي تهلكه وتهلك ما يطيف به أو يقاربه، فلا هو ينتفع بنفسه، ولا ينتفع العالم به.
لو سئل إنسان هذا القرن: ما أنت؟ لقال: أنا اللعنة الملعونة التي تشأم نفسها وتشأم من يعترض انصبابها وسيلها. أنا الناب الذي ينقع في الإنسانية سُمَّه حتى تبرد حياتها في عضته. أنا الهالك المهلك، هذه حياتي، وهذا عقلي، وهذه حضارتي، ومن أجل هذا خلقت، وفي سبيله أعيش، وعلى قضائه أعمل. . .! !
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 365)، 1940، ص: 1084 - 1086
(1) الرغيب: الواسع.
(1/193)

ولو نشر اليوم فيلسوف من محبي الحكمة والعاملين عليها الذين أفنوا أعمارهم في طلب الخير والفضيلة والحق والجمال، وجعلوا عملهم هداية الإنسان إلى أسبابها وسلكوا له سبلها، ثم نظر إلى هذه الحقبة من عمر الإنسانية فما تراه قائلًا في صفة الإنسان وما فيه من العون على دَرك هذه الحقائق، والتحلي بها في حياته؟ أم تراه يعرف الصورة وينكر المعنى؟
المدنية الأوربية الحديثة هي التي استطاعت أن تنفذ بالعقل في ضمير الحياة تستنبط منه ناموس الحياة التي تدب على الأرض ومع ذلك فهي التي سلبت هذا العقل قدرته على الخضوع للروح لتمده بالنور المشرق الذي يستضيء به في رفع الإنسانية درجة بعد درجة إلى مراتب الملائكة، أي إلى مرتبة الروحانية الصافية التي تنهل أضواؤها على النفس والقلب والروح، فتروى من فيضها، وترث من ذلك نورًا ورحمة وسكينة، وتنبت غرسها الإلهي الذي يجنيه الإنسان هداية وعدلًا وسعادة، فتتضاعف به الحياة حتى يقوى الخير فيها ويضوى الشر.
لقد أخفقت هذه المدنية في سعيها لخير الإنسان، وأثبتت بكل دليل أنها مهما تكن أحسنت إلى الإنسانية فلم تحسن مرة واحدة أن تضبط نوازع النفس، وتردها إلى الطريق الواحد الذي ينبغي أن تصدر عنه، حتى تكون كل أعمالها نقية طاهرة متشابهة. ذلك الطريق هو طريق الروح الذي لا يتم لعمل تمام ولا يظفر بخلود أو بقاء، إلا أن يكون فيه مس الروح وطهارة الروح، وقدس الروح.
أطلقت هذه المدنية في الدم الإنساني كل ذئاب الشر والرذيلة، فخرجت من مكانها جائعة قد سلبها الجوع كل إرادة تحملها على بعض الورع الذي يكف منها، فعاثت في إنسانية الإنسان حتى جُنَّ، وتنزَّى في الأرض وحشًا يجعل شريعته المقدسة تنبع أحكامها من معدته، ومن أحكام هذه المعدة ومطالبها، وكذلك انقلب النظام الاجتماعي في العالم من نظام روحي عقلي سام، إلى نظام اقتصادي تجاري ضار، الآكل والمأكول فيه سواء، لأن النية انعقدت في كليهما على الافتراس، وما الفرق بينهما إلا فرق القوة التي أعدت هذا للظفر، وأسلمت ذلك إلى العجز، فدفعت به إلى رحى تدور بأسباب من الطغيان والفجور.
(1/194)

وما هي شريعة المعدة في هذه المدنية الاقتصادية التجارية؟ هي شريعة السوق التي لا تعرف قيمة الشيء إلا في ميزان من الطلب. فما طُلب فهو الجيد، وما عُمِّىَ على الطالب فهو الردئ الذي لا قيمة له، وكل شيء قائم في جوهره على النزاع الذي لا تسامح فيه، والأمر كله للغلبة: غلبة الأقوي، لا غلبة الأعدل، غلبة الحيلة لا غلبة الصدق، غلبة البراعة لا غلبة الحق.
فهذه الشريعة هي شريعة إعزاز القويِّ، لأن القوة تسوِّغه أن يتسلط، وإذلال الضعيف، لأن الضعف تهالك به أن يتحكم، وليس بين هذين مَعدلة ولا نصَفة، وليس أحدهما من الآخر إلا كالثعبان من العصفور إذا عرض له، فسلط عليه الرعب من عينيه، فينتفض في قبضة أشعتهما المفترسة المسمومة حتى يبرد دمه فلا يستطيع حركة، ولا يتنغش بدنه بذَماء من الحياة. هي الشريعة التي تجعل إنسانها القوي مقبرة لإنسانها الضعيف، فالقوي أبدًا آكل قد أرَمَّت في نفسه تلك الجيف التي انتهشها وألقى بها في معدته، فتجيفت وتعفنت، وتصاعدت أرواحها المنتنة في حياته، فجعلته متسرِّعًا نفّاذًا كأنما يريد أن يهرب بنفسه من نفسه التي لا يطيق جوها، لأنه جو خانق، تطوف فيه أشباح الفرائس المسكينة التي بطشت بها أنيابه ومخالبه.
هذه الحضارة القابرة التي تدنست روحها بالرمم التي ضعفت أن تقاوم القوة، لن تستطيع إلا أن تفسد العالم وتدنسه كما تدنست، فإنه محال أن تكون الشريعة مدنَّسة نجسة، وتأتي الناس بخير طاهر مبارك يغسل أدران الإنسانية التي تتجمع عليها يومًا بعد يوم، ولا أن تخرج نفس الإنسان فيها مع الفجر ندية مشرقة رفافة تستقبل بفضائلها أعمال نهارها.
إن شريعة إعزاز القويّ وإعلاء الأقوى، وإذلال الضعيف وإسقاط الأضعف، هي الشريعة الحيوانية التي لم تعل إلا بإذلال الروح والعقل وإسقاطهما ونبذهما، هي شريعة البغي والعدوان على الروح بالروح الشيطانية، وعلى العقل بالعقل المتمرد، وكلما استحكم أمرها كانت الإنسانية ذاهبة إلى نبع نجس تنغمس فيه لتصدر عنه أقوى مما وردت -أي أنجس مما وردت.
(1/195)

إن الكون لا يصلح إلا على معنى الأقوى والأضعف! هذا حقٌّ لا يمارى فيه إلا مكابرٌ أو مبطل أو أحمق. ولكن يبقى ذلك العمل الإنسانيّ الذي يثبت للإنسان معاني النبل المنحدرة في روحه من نبل النور الأزليّ الذي بعث الحياة بعثًا في نفسه وفي أعماله، وبهذا العمل وحده يعرف الإنسان معنى السعادة في السراء والضراء، وفيما أرضي وما أسخط، وتكون حاله في الحالين واحدة، وذلك بأن تتسع روحه بالواجب الاجتماعي الروحي الذي يتراحب بإنسانيته في الكون كله، فتقع اللذة منها موقع الألم، وينزل الألم في منزل اللذة، وتمسح النظرة السامية عن الوجود كل الغبار الأرضي الذي يغطي محاسن الحياة وتنير الكلمة ظلمة النفس: الحمد لله فيما سر وما ساء.
والعمل الإنساني المستمد روحه من الجزء الإلهي في الإنسان هو العدل والمساواة، وقد جعلت الحضارة الحديثة معنى العدل والمساواة صدقة يتصدق بها أغنياء قوم على فقرائهم، وأقوياؤهم على ضعفائهم، لا على معنى الصدقة في إخلاصها لله ثم للإنسانية ولكن على معنى التخفف من تعب الغني وتعب القوة.
أما حقيقة العدل والمساواة، فهي عمل الإنسان الأقوى في رفع الإنسان الأضعف إلى مرتبته، فلا يزال هو يرتفع بقوته، ولا يزال الضعيف يسمو معه لأنه معقود الأواصر به. وإذا كان ذلك هو القاعدة، فالاجتماع كله سام ذاهب إلى السمو، ولا يكون فيه معنى للطبقات إلا على معنى التدرج، ولا يكون التدرج إلا على تماسك وتواصل، وليس تماسك ولا تواصل إلا على حرص الأعلى على التعلق بالأدنى، وكذلك لا يرتفع شيء من المجتمع لأنه أعطى القدرة على الارتفاع، ولا يسقط الشيء الآخر منه لأنه لم يجد ما يتعلق إذ حرم هذه القدرة أو زويت عنه أسبابها.
وقد جعل الإسلام من أول أمره غرضًا للمسلم لا يرضى منه غيره، ورد معنى الإسلام إليه، فجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقاعدة وقال للناس: اعملوا: فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه أزر بعض. والإيمان لا يعرف الغنى والفقر، والقوة والضعف، والمراتب الحيوانية التي طبعتها الطبيعة على تنازع البقاء وغلبة الأقوى،
(1/196)

بل هو معنى يوحد الناس حتى ليس لأحد فضل على أحد إلا بقدر منه، وحتى إن العبد المملوك العاجز ليرفعه إيمانه على مَنْ مَلَكَه واستبد به واعتقد رقبته بماله، إذا لم يكن هذا المالك قد استحق بإيمانه مرتبة هذا العبد.
وفي بعض الصحيح من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جاء هداية إلى هذا الأصل، فقد روى عن المعرور بن سويد أنه قال: لقيت أبا ذَرّ بالربذة، وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببتُ رجلًا، فَعَيَّرته بأمه، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا ذرٍّ، أعيَّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية! ! إخوانكم خوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم.
ولا ينتهي عجب متعجب من بلاغته - صلى الله عليه وسلم -، وكيف ينزل كلامه تنزيلًا في معانيه، تدور بها دورة دائمة لا تنتهي على نظام ثابت لا يتبدل. فقدَّم - صلى الله عليه وسلم - الأخوَّة بين المؤمنين لأنها هي الأصل الذي لا يتم معنى الإيمان ولا معنى الإنسانية إلا به، وردّ على هذه الأخوة ما يوجبه المجتمع من مراتب الناس على الغنى والفقر، والقوة والضعف، ألا وهي الخدمة التي يقوم بها النظام الاجتماعي فقال: "إخوانكم خولكم" ولم يقل: "خَوَلكم إخوانكم"، هذا مع أن أصل الخطاب إلى أبي ذر يتوجه إلى مقصود بذاته، وهو خادمه أو غلامه الذي سمه، فكان أول ما يسبق إلى اللسان، وأقرب ما يسرع إليه الوهم، أن يتعين خادمه بالابتداء.
ثم انظر كيف قال: "جعلهم الله تحت أيديكم"، "فمن كان أخوه تحت يده"؟ وكيف حرَّر الإنسان من رِبْقَة العبودية القابضة على عنقه، فجعله تحت يده يستظل ويتحرك في هذا الظل، ولم يجعله في يده يتصرف فيه ويقبض عليه ويستذله، فإن شاء حطمتْه قبضتُه. ثم دَرَج على هذا الأسلوب البليغ حرفًا بعد حرف حتى قال: "فإن كلفتموهم فأعينوهم"، وذلك زكاة القوة التي بها مَلَكَ المالكُ، واستخدم المستخدم. فإذ كان المؤمن قد قوي على تكليف ضعيفه أن يعمل، فهو أقوى على أن يشاركه إذا عجز أو قعد به الضعف الذي أصاره إلى أن يرضى أن يخدم نفسه من كان أعلى يدًا وأقوى قوة.
(1/197)

فهذه هي شريعة الروح الطاهرة التي تتعطر من نواحيها برائحة جنة الخلد، فانظر ما بينها وبين شرائع المعدة التي جعلت أحشاءها مقابر للضعفاء تأكل منهم لتتسع بمعنى الجريمة الحيوانية، وتنقبض عن معنى الرحمة الإنسانية الإلهية.
فهل يمكن أن يتطهر العالم فيما يستقبل من أيامه على أساس هذا الهَدْي النوراني الذي جعل النظام الاجتماعي سموًّا بالإنسان كله على مراتبه كلها؟ هل يمكن أن يفهم العالم حقيقة هذا التطهير التي أشار إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "لا قدَّستْ -أي طهَّرت- أمةٌ لا يؤخذُ لضعيفها من قويها"؟
ويلك آمن. . . إن وعد الله حق.
(1/198)

هذه هي الساعة. . .!
قامت الدنيا وأخدت تعد زينتها لأمر غير ما مضى من أمرها. إنها لابد أن تتبرج لعيون عشاقها، ممن كتب لهم أن يشهدوا مشهدًا آخر من فصول الرواية الإنسانية التي تمثل في ساحاتها. نعم، فإن الحرب المهلكة التي لا تزال تقعقع من شواهقها حين تنقض، أو تزحر وتئن تحت أثقال الوقائع -لا تلفت الحياة الدنيا عن عملها في تلبيس العيش بالفتنة لمن يعيشون، ولا عن تقديم اللذة لمن يشتهون، وكأن هذه الحرب إن هي إلا تضخيم عظيم لعمل العامل في إزالة التطرية (التواليت) عن وجه الغانية، ونسف التطريف (المانوكير) عن بنانها، وما سوى ذلك من إعداد الغانية الحسناء لتبدو مرة أخرى في حلي وبهاء وزينة.
لا أتشاءم ولا أتفاءل، فالقدر قد قضى على الدنيا قضاءه، وما ندري ما يراد بنا منذ اليوم! فرب شر نتوهمه كذلك قد احتقب (1) الخير، ليرمى في أرجاء الدنيا غرسًا جديدًا في أرض جدد ثراها ما أصابها من تدمير وهدم. إن بعض القسوة في الحياة يكون كتشذيب الشجر في إبانه، يقطع منه ليزداد قوة على إثبات وجوده وتقرير حقه في البقاء ناميًا فينان يسمو وينتشر ويخضر ويثمر. وقانون الفطرة الذي تجرى أحكامه على الطبيعة لتتجدد، لا يخطئ ابن الطبيعة يعمل فيه، ليصنع له حياة جديدة تثبت أن وجوده على الأرض حقيقة نامية أبدًا، إن يكن الماضي قد باد في التاريخ، فإن الحاضر يثبت إثباتًا عمليًّا أنه مستمر في الحاضر، ويكون استمراره في الحاضر دليلًا على امتداده إلى المستقبل. ويكون من جميع ذلك أن الحياة الدنيا مهما أصابها من شيء باقية، ولا يمحوها إلا القانون الآخر الذي يجعل لكل أول نهاية ينتهي إليها. فإذا جاء أوان هذا القانون فقد بطلت حيلة المحتال.
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 366) 8 يوليو 1940، ص: 1123 - 1125
(1) احتقب: حَمَل، وأصله وَضْع المتاع في الحقيبة تكون على مؤخر البعير، ثم استعمل في المجاز، فقالوا: احتقب فلان الإثمَ.
(1/199)

إن الزمنَ الذي يمشي في الأرض فَتَخضرُّ منها مواطئ أقدامه، هو نفسه الزمن الذي يدب عليها فيُسمع لدبيبه دمدمة مما يتقصف تحته من عمارة الدنيا وبنيان الحضارة، وعلى مواطئ الزمن تتنزل الحضارات كلها أو تتهَدم. ومن يوم أن تنهَّدَت الأرض بالحياة يبيدُ شيءٌ ويقومُ شيءٌ، وما يزول منها ما يزول إلا ليحل عليها ما يحل، لأن الحركة دليل الحياة، فلا يثبت معنى الحياة إلا بها، وما يتحرك من متحرك إلا لتكون لانتقاله نهاية إليها يتوجه، وعندها يقف، فإذا وقف فهذا آخر أنفاسه، ثم يسكن سكون الموت.
فما بنا على ذلك أن نتشاءم أو نتفاءل، وما التشاؤم والتفاؤل إلا حركة النفس الفارغة التي لا تجد عملها، فهي تعمل في إرهاق نفسها بما لا ينفعها ولا يعنيها، وليس من عمل الإنسان ما هو أضر عليه من إجهاد نفسه في باطل، والجهاد بها في غير طائل. فإذا أردنا اليوم أن ننظر فما ننظر إلا لنعرف الطريق التي يجب أن نقرر لجهودنا أن تمهدها لنا ولمن يأتي بعدنا على تدبير وسياسة.
والقدرُ اليومَ قد قضى بين الناس، ووضع القضية لمن يختار، فمن شاء أن يدخل في عقد هذا وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يتخلَّف فقد رضي لنفسه على مَيْزة وبصيرة، وما ينقض القدر قضاءه الذي أبرم، فيأتي من يأتي ينوحُ بما ظُلم، ويتوجَّع بما غُبنَ! !
ونحن قد لقينا من أحداث الدهر ما ردَّنا بعد عزٍّ إلى قرار هوان. وقد أنَى (1) لنا أن نرفع أنفسنا من وهدة واطئة قد ربضت بنا فيها سلاسل من حديد الذل، وقد حضرت ساعة ينبغي أن نفصل فيها بين عهد مضى وزمن يستقبل. فإذا قعدت عزائمنا، وعميت أبصارنا، فأنفسَنا نضيع، وأرواحَنا نزهق.
جاءت هذه الحرب لتنسف تاريخًا شامخًا ثقيلًا قد اضطجع على حياة الشرق كما يضطجع الجبل على سفحه الرَّحْب، فإذا تأخر الشرق وتهاون وتكاسل على ما عوَّده الموت الروحيُّ الذي كان فيه، فقد سنَحتْ له الفرصة ثم ولَّت عنه،
__________
(1) أَنَى: حانَ.
(1/200)

وتركتْ يدَه ممتدَّة لا تمسكُ إلا أذيالَ الريح التي استَرْوَحتْ عليه بأنفاس الصيد ورائحته.
إن في هذا الشرق لميراثًا نبيلًا من الأعمال والأخلاق والآداب والسياسات، ولكن هذا الميراثَ المضيَّع المنسي لا يجدى من خير على نائم قد أغمض عينيه عن الحياة، استمتاعًا بحياة أخرى تعرضها له أحلام رخية تختال في خياله. هذا الميراث المجهول في حاجة إلى من ينفض عنه غبار القدم، وأتربة الإهمال، ويزيل عنه أدران الجهل والخمول، ويجلوه مرة أخرى على أعين الناس مضيئًا مشرقًا يتوهج بأنواره كأحسن ما يتوهج.
لقد كانت الحضارة الأوربية الماضية، وقامت على روح من الأثرة والبغى والاستبداد، وفقدت كل معاني الروح السامية التي تبذل أكثر مِمّا تأخذ، وتعتد الغنى من الاستغناء لا من الجمع والتعديد، وتجعل حرية النفس في ضبطها وإمساكها على المصلحة لا في تسريحها وإرسالها على مد الشهوة. وقد كان للشرق مجد وحضارة ومدنية، وتمم الإسلام كل الكمال لهذه الحضارة بما أقام للناس من شعائره وآدابه، وجاء على الشرق زمان كان الإصلاح فيه ضربًا من إفساد الصالح، وزيادة الفاسد فسادًا وخبالًا، وكذلك ضاع كل شيء، ورجع بنا الزمن إلى جاهلية جهلاء، تقوم على التقليد لا على الإبداع، وعلى المتابعة لا على الاستقلال، وبالكبرياء لا بالتواضع، وحتى ذكرى مجدنا السالف قد صارت عندنا نخوة جاهلية في التعظم بالآباء والأجداد، لا عملًا عظيما تعظمه أعمال الآباء والأجداد والوراثة القومية النبيلة.
والحضارة ليست هي العرض الظاهر من قوتها وبنيانها وفنونها وكل ما يقوم به نعت الحضارة، بل الحضارة هي السر الذي يعمل في إيجاد ذلك واستنباته، وإخراجه على الأرض واستثماره: هي سر الحبة التي تنبت الدوحة، والذرَّة التي تقوم بها المادة. فكل حضارة لابد لها من روح تعيش بها وتنمو، وعلى ما في هذه الروح من النظام والتدبير والنبل والسمو، تنشأ الحضارة منظمة مدبرة سامية نبيلة. ونحن لا نشك في أن الروح التي ورثها الشرق في نواحيها، والتي طهَّرها
(1/201)

الإسلام من نواحيها وأتمها، وأحسن سياستها، ونفي عنها خبثها -هي التي تستطيع أن توجد على الأرض حضارة تملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جَورًا، وتفيض بها رحمة كما فاضت غلظة، وتجعلها طريقًا للإنسانية تخرج به من ظلمات الباطل والبغي والغرور إلى نور الحق والتواضع والمساواة. ويومئذ لا يقتتل الناس من أجل سلب الحق للزيادة في أنفسهم وجنسياتهم، بل يقتتلون -إن هم اقتتلوا- من أجل إعطاء الحق وردِّه على أهله مهما اختلفت جنسياتهم، ولا فضل لأحد على أحد إلا بما يحسن هذا ويسئ ذاك، ويصبح القانون العالمي، قانون الحق يستقر حيث ينبغي أن يستقر.
إن العالم الآن ليقتتل على غير غرض إنسانيٍّ كامل مقرّرٍ لا يشذ على غاياته ومبادئه أحد. إنه يقتتل على طعام يؤكل، بل على هذا الطعام كيف يُؤكل. فليس لهذه المدنية الأوربية إلا معنًى جنسيٌّ مُتَعصِّبٌ تدافع عنه لنفسها لا للإنسانية كلها، لا يشك في ذلك إلا من طمس الله على بصيرته، وقادته أهواؤه وغرائزه دون عقله وواجبه. وما هذا التوحش الحيوانيُّ في هذه الحرب إلا نتيجة طبيعية للفكرة القومية المستقلة التي لا تريد إلا أن تستولي على أعظم ما يمكن أن تضع يدها عليه لتستمتع بالحياة والشهوات والسلطان.
أما الإسلام -وهو روح الشرق من أقدم عصوره على اختلاف أديانه وأجناسه- فقد وضع كل مأثرة قومية جاهلية تحت قدمي صاحب الرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وسوّى بين الناس من أهله وبينهم وبين أهل ذمته وعهده، واختار المسلمين ليكونوا شهداء على الناس، فيكونوا قضاة يحكمون بالعدل لا يبغون ولا يجورون، وجعلهم دعاة يدعون إلى مبدأ يتساوى عليه الناس، فمن دخل فيه فهو منه، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وكتب عليهم القتال وأمرهم به، وعظم الجهاد في نفوسهم، ولكنه قتال على دعوة إلى هذا المبدأ وجهاد في سبيله وحرم عليهم العدوان ابتغاء عرض الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها.
فالمسلم من دينه في قانون إنساني كامل، لا يعمل للجنس أو الفرد أو السلطان والسيطرة، بل يعمل لإعطاء العالم كله روح المساواة، قد تحاجزوا
(1/202)

بينهم في الشر، وانطلقوا في أيامهم يعملون على إثباتها في تاريخ الدنيا بمبدئها لا باستبدادها، وبغايتها دون لذاتها، وبالسمو بها إلى الإشراف على نظام الدنيا والسمو بها، لا بسيطرة القوة على إخضاع الدنيا وإذلالها، وجعلها كالبقرة يُحلب درُّها لمن يملكها. فالقانون الإسلامي العظيم هو روح الحضارة التي يجب أن تسود العالم، فإنها حين تسود عليه تجعل الحق هو السيد الذي تخضع له أعناق الناس، لا يبغي بعضهم على بعض في سبيل شهوات غريزية حيوانية مفترسة، يغذوها الدم ويهيجها الدم، فهي آكله لا تشبع وثائرة لا تقر.
والمسلمون اليوم هم جل الشرق، وروح الشرق، ولكنهم مسلمون قد أُفرغوا من معاني الإسلام وبقيت ألفاظه تعيش بهم. إن كل فضيلة من فضائل هذا الدين، وكل عمل من أعماله قد انتزعت منه روحه، فتعامَل الناس على ما خيَّلتْ، لا يبالون ما أمروا به ولا ما نهوا عنه، ففقد هذا الشرق الرأي العام الإسلامي الذي يكون تعبيرًا صحيحًا عن إرادة الإنسانية في الاستعلاء والسمو. ولكن هذه الحرب قد تثير هذا العالم الراكد، وتدفع فيه أمواجه الأولى التي غسلتْ وجه الأرض وطهرته من دنس الحياة المادية العابثة المعرْبدة، فإذا كان ذلك فإن هذا الشرق قد أعد اليوم لأمر جلل، وقد حفظ الله له تاريخه الذي ورثه كاملًا فيه الأسوة وفيه العبرة، وفيه فلسفة الحياة الاجتماعية التي تجعل الفرد الواحد أمة كاملة لأنه هو ممثل الأمة، وتنصبه حاكما لأنه يحكم نفسه أول ما يحكم، وتهيئه جيشًا محاربًا في سبيل الحق الأعلى للإنسانية، لأنه يحارب نفسه أول ما يحارب في إقرارها على إعطاء الحق لمن يستحقه من حقيقة نفسه.
فاليوم يوم الشرق إن اختار أن يبدأ حركته إلى الغاية التي أمر بالبلوغ إليها والوقوف عليها شاهدًا قاضيًا، يدبر الأمر ويصرفه في سيادة الحق كله على الباطل كله. ونحن لا ننسى ما صرنا إليه، ولا نغفل عما فرغت منه أيدينا من أسباب الغلبة التي تتحكم اليوم في مصير الدنيا، ولكن الإرادة تحكم الرجل الواحد، تستطيع أن تحكم العالم كله، وسبيل ذلك أن يكون كل رجل مريدًا إرادة صارمة لغرض مقصود بعينه، فهذه الإرادة هي التي تفتق له الجو الإلهي الذي يعد الإرهاص للمعجزة الإنسانية.
(1/203)

ستكون أحداث، وتتجدد على الناس نوازل، وتسيل الكوارث من كل مسيل، ولكن الشخصية الاجتماعية التي لا تختلف ولا تتدابر ولا تتعادى تستطيع أن تغرس في أيام المحن غرس المجد الإنساني السامي، لتنبت شجرة يمتد ظلها، ويترامى فيئها، ويطيب ثمرها، ولا يكون ذلك إلا بعد جهد ومشقة وعنت، ومصابرة للنفس على لَأْوَاء الحياة التي فرضت علينا أن نتألم، وأن نصاب، وأن يبلغ منا العذاب مبلغًا يُجهد ويؤود.
فهذا أوأن يستطيع الشرق أن يضرب الاستحكامات في أرضه وفي أوطانه بأخلاق سامية عاتية، فيها القدرة على النمو، والقوة على البقاء، وأن ينظم لحياته نظامًا يهدف بغاياته إلى مستقبل يبعد عنه أو يقرب على حياطة تحفظه أن يقع فيه ما وقع في أيام البلبلة الأخيرة التي تبعت الحرب الماضية. نعم، إن الشرق يفقد اليوم زعيمه الذي يهب من جماعاته كالأسد تنفرج عنه الأجمة الكثيفة عاليَ الرأس حديد النظرة، تتفجر القوة من كل أعضائه ولكن، أيمنع هذا أصحاب القلوب الحية التي تشعر بحاجتها إلى هذا الرجل أن تهزّ شعوبها هزًّا عنيفًا متتابعًا، حتى ينفلتَ إلى المقدمة ذلك الأسد الرابض إلى الأرض في قيوده الاجتماعية التي تقعد به عن الحركة للوصول إلى المكان الذي أعده له القدر، ليبدأ بدأه في إعداد الدنيا لاستقبال الدين الذي سيتجدد في الدنيا، لأنه هو سر الدنيا وسر القدر.
إن علينا أن نعمل، فإن كان ما أردناه وما نتمناه، فذاك عز الإنسانية ورضوان من الله، وإلا فقد أدينا ما وجب، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
(1/204)

أخوك أم الذئب. . .؟
أجل! ! هذا هو العالم المغرور الذي ظن خير الظن بمدنيته، وأثنى عليها ثناء الأم على عذرائها، ونفض عليها من تحاسين الخيال فنونًا كذُنابَى الطاووس، وأدار عليها مجامر الندِّ والمندل والعود من عطر الشهوات واللذات، وأحاطها بالعبقرية العلمية التي توجد في كل شيء شيئًا جديدًا يدخل على العقل إبليسًا صغيرًا ليُضل عن سبيل الحق، ويضع في الثمرة حلاوة تلذ ونشوة تسكر، ثم زاد فأعطى المادة المتبدلة الفانية تدليسًا يجعلها في فتنة الرأي ثابتة خالدة ثم غلا فجعل النفس تطلق أهواءها جميعًا لتحرز من لذات الحياة كفايتها، إن كان لأهواء النفس كفاية.
هذا العالم المغرور يقف اليوم في فئتين التقتا للقتال في سبيل الأهواء الغالبة والشهوات المستحكمة. وفي هذا القتال تتكشف لمن أبصر حقيقة هذه المدنية، وحقيقة أغراضها التي عملت لها وعمدت إليها، وحقيقة الروح التي يتعامل بها الاجتماع الإنساني الذي تعيش به هذه المدنية الأوربية التي تنكر من الحياة وتعرف وتدعي لنفسها إسقاط ما أنكرت وإقرار ما عرفت.
وفي كل يوم تتجدد أحداث الحرب، فتتجدد معها أساليب الغرائز الوحشية المصبوغة رحمتها بأصباغ الافتراس، وفي كل يوم يخلع الوحش عن مخالبه ذلك المخمل الناعم الذي دسها فيه، ويهجم بطبائعه على فريسته ليعلن بذلك أنه هو الوحش: قانونه المنفعة، وشرفه المنفعة، وصداقته المنفعة، وأدبه المنفعة، ودينه المنفعة. فهو لا ينفك من منفعته في مثل السعار إذا أخذ الوحش فاستكلب فهاج فطغى، لا يهدأ حتى يطفئ هذا السعارَ ما يشفيه أو يرده أو يقدعه (1)، وهو لا يرعى في ذلك حرمة، ولا يكفه شرف:
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 367)، 1940، ص: 1161 - 1163
(1) يقدع: يَكُفّ.
(1/205)

وكان كذئب السوء لما رأى دمًا ... بصاحبه يومًا أحال على الدم (1)
وقبيح بنا -نحن الشرقيين- أن نغمض أعيننا عن النظر إلى هذه المدنية التي أخذت تنهار تحت قصف المدافع وهد القنابل وزلازل الحرب، وأن ننام عن مستقبل أيامنا، وألا ننفض هذه المدنية نفضًا لنأخذ منها وندع، ولنعرف سوء ما تركت أنيابها في جسم أوطاننا، ونتبين حقيقة النفوس المسمومة التي أصبحت في الشرق فاشية تعمل على إدماجه في حضارة غريبة عنه، ولا يطيقها إلا على نكد ولا يحتملها إلا عنتًا وإرهاقًا وغرورًا.
إن رؤوسًا من الناس في هذا الشرق قد طالت بهم أيامهم حين أقبلت عليهم الدنيا، فأخذوا على الرأي العام منافذه كلها، وصرفوه ما شاءوا بما شاءوا كما شاءوا، لم يغلب عليهم إلا ذلك الداء الوبيل الذي قبسوه من مدنية الغرب، داء المنفعة. طلبوا المنافع لأنفسهم فاستبدوا في غير ورع، وتجبروا في غير تقوى، وعملوا على أن يكون سلطانهم في الأرض كسلطان الله في السماء: يمحو ما يشاء ويثبت، علوًّا في الأرض واستكبارًا، قاتَلهم الله أنَّى يؤفكون؟
إن الشرق لا يؤتى ولا يغلب إلّا من قبل أهله. هذه هي القاعدة الأولى في السياسة الاستعمارية الماضية، فعملت هذه السياسة على أن تنشر في الشرق عقولًا قد انسلخت من شرقيتها وانقلبت خلقًا آخر، وقلوبًا انبتَّتْ من علائقها ولصقت بعلائق أخر، وبهذه العقول المرتدة والقلوب المرتكسة استطاع الاستعمار أن يمد للشرق طريقا محفوفًا بالكذب والضلال والفسوق، يختدعه عن الصراط السوي الذي يفضى به إلى ينبوع القوة الذي يتطهر به من شرور الماضي
__________
(1) هكذا رواه أستاذنا -رحمه الله-، والرواية المعروفة "وكُنْتَ كذئب"، والبيت للفرزدق، ديوانه: 749، وهو مرويّ هكذا أيضا في طبقات ابن سلام 1: 362، الأغاني 21: 306 (طبع الهيئة)، وستأتي هذه الرواية في مقال "لا تدابروا أيها الرجال"، ص: 360. وأحال على الشيء: أقبل، والذئب إذا رأى الدم على أخيه أقبل عليه يفترسه، ويترك عدوهما.
(1/206)

وأباطيل الحاضر، فيمتلك من سلطان روحه ما يستطيع به أن يهدم الأسداد التي ضربت عليه، ويجتاز الخنادق التي خسفت (1) حوله.
لقد لقينا بهؤلاء العنت حين استحكم لهم أمر الناس فتسلطوا عليهم بالرأي وأسبابه، فخلعوا بسوء آرائهم على الشرق ليلًا من الاختلاف لا يبصر فيه ذو عينين إلا سوادًا يختفي إذ يستبين. وكانوا له قادة فاعتسفوا به كل مضلَّة مهلكة تسلّ من قلب المؤمن إيمانه، وتزيد ذا الريبة موجًا على موجه. فلما كتب الله أن يدفع مكر هؤلاء بقوم جردوا أنفسهم للحق، رأوا أن يلبسوا للناس لباسًا من النفاق يترقون به إلى التلبيس عليهم ما حذقوا من المداورة، وما دربوا عليه من فتن الرأي، وما أحسنوا من حيلة المحتال بالقول الذي يفضى من لينه إلى قرارة القلوب، حتى إذا استوى فيها لفها لف الإعصار، واحتوشها من أرجائها، ثم انتفض فيها انتفاض الضرمة على هبة الريح في هشيم يابس.
وقد أقبلت اليوم على الشرق أيامٌ تتظاهر فيها الأقدار على أن تسلم إليه قيادة مدنيته الجديدة بعد طول الابتلاء وجفاء الحرمان، وجاءت مع هذه الأيام فتنٌ يُخشى أن تضرب أوّله بآخره حتى لا يقوم شيءٌ هو قائمٌ، ولا يبقى من أعلام الماضي إلا آثار التاريخ التي تقف شواهد على ما مضى وآيات لما يستقبل. فإذا كان ذلك، فإن الحكمة والحزم والجِد أن نميز الخبيث من الطيب، وأن نختار لأنفسنا قبل البدء، وأن يلي منا أمر القيادة من هو حق صاحبها والقائم عليها والمحسن لتصريفها وتدبيرها وسياستها، وإلا انفلتت من أيدينا حبال الجمهور المتحفز، فانتشر على وجوهه وتفرق، وكأن ما كان لم يكن، وكأن الفرصة قد عرضت لنا لتدع في قلوبنا بعد ذلك حسرة لا تزال تلذع بالذكرى.
إن أكثر هؤلاء الذين وصفنا قد وجدناهم يمدون أعناقهم يتطاولون مرة أخرى للوقوف في مقدمة الطلائع الشرقية، ورأوا -من أجل ذلك- أن يماسحوا الرأي العام على بعض أهوائه وعلى طائفة من أغراضه، ليستمر لهم ذلك المكان الذي
__________
(1) خَسَفَت الأرض (من باب ضرب): ذهبت وغارت.
(1/207)

حازوه من قبل، وليكونوا في الشرق الجديد ما كانوا في أيامه السالفة. فهم يبدون له ما لا يعتقدون عليه نياتهم، ويحدثونه حديث مَن طَبَّ لمَن حَبَّ (1)، وهم كانوا قبلُ أعانوا عليه، إذ أفسدوا صالح أعماله بالآثم من أعمالهم وآرائهم، وهم كانوا عليه حربًا، إذ نزعوا من يديه سلاح القتال في سبيل حريته واستقلاله وانفراده بخصائصه التي ورثها وخص بها، وعمل الجيل بعد الجيل في تنقيتها له تنقية المدَرة (2) من بين الحَب.
ليس اليوم أوان يترك الشرق عنانه في الأيدي التي لعبت به وغررت، ولا هو يوم التهاون في القليل لأنه قليل، ولا هو يوم إحسان الظن بمن يحتال للظفر بحسن الظن، ولكنه اليوم الذي يتفلت فيه من كل ضلالة وعبث، ومن كل مرتفق للنفع متشوِّف (3) للمصلحة، ومن كل سبب من أسباب التدمير. فإذا فعل ذلك، وأعطى كل ذي حق حقه، وامتاز المجرمون، وخلص له المخلصون واستعان بحرية اختياره على إقرار الناس في مواضعهم وعلى مراتبهم، فيومئذ يجد القدرة على انتزاع حريته من أنياب الغاصبين، ويصيب مهاد الطريق إلى الغاية التي ينظر إليها بآماله وأشواقه نظرة العامل لا نظرة الحالم المتخيل.
وأخوف ما نخافه هو ما أوتى هؤلاء من الرفق واللين وحسن المجاملة، وأنهم قد أحكموا معرفة الأسباب التي بها يأخذون بأيدي الناس وعقولهم، وأنهم قد أوتوا نصيبًا من الصيت يتغلب بهم على ما يعترضهم أو يردهم، وأن الناس أسرع اتباعًا لما ألفوا وحنينًا إليه، وأن البلبلة التي تأتي مع الحروب وتمتد في أذيالها، تدع الناس حيرى غرقى يتلمسون في كل شيء شيئًا يتعلقون به، فإذا لم نأخذ من الآن في جد من الأمر، ولم نصرف جهودنا إلى اختيار الأصلح في كل شيء، فما بد من أن تنجلي العمايات بعد عن الدنيا لتطبق علينا عماية مصفقة كالظلام المصمت. ويومئذ نرتدّ على أعقابنا حسرى عُناة كأسوأ ما مر بنا من زمن، وتضيع الفرصة السانحة ونحن غرقى في بحر طام قد نزح عنا شاطئه بعد الدنو.
__________
(1) الطَّب: الخبير الحاذق بالشيء، وأصله الطبيب الماهر.
(2) المَدَرَة: الطَّين.
(3) تشوَّف: تَطَلَّع إلى شيء بعيد.
(1/208)

فعلينا الآن أن نثق بأنفسنا غاية الثقة، لأن الثقة بالنفس هي جيش الحرية، وأن نشك كل الشك في أصحاب الرأي ومن يتعرضون للإمارة عليه، لأن الشك في هؤلاء هو حارس الحرية، وأن نشتد في مطاردة الضلال والعبث، لأن هذه الشدة هي سلاح الحق وسلاح الحرية. فإذا غلب علينا التهاون في شيء من ذلك، فإنها ثغرة تتدفق منها على الشرق مرة أخرى ضلالات وفتن كقطع الليل المظلم، ويعجز أهله عن حمل أعباء الحضارة الجديدة التي اختارهم الله مرة أخرى للعمل عليها والقيام بها. فما بد من أن ينفض الشرقي بعينيه ورأيه كل بارقة وكل غمام، مخافة أن تنزل الصواعق عليه من حيث ظن الغيث.
ليس في الشرق قوًى تضارع تلك القوى الهائلة التي صبت من الحديد والنار وأسرار الكون، وليس فيه ذلك الغنى غنى الاستبداد والجبروت والسياسة، وليس فيه ذلك الجمهور العظيم من العقل العامل لإيجاد القوة في كل شيء لاستخلاص المنافع من كل شيء، ولكن هذا الشرق لا يزال يحتفظ بأعظم قوة تخضع كل هذه الأشياء لسلطانها الذي ينال النصر ما تعاون ولم يتفرق. وتلك هي قوة الروح، وقوة الخلق، وقوة الاستمرار إلى النهاية مصابرة لا ذلًّا، وإيمانًا لا عنادًا، وتسليما لا غفلة، فعلينا أن نعرف فضائلنا التي توارثناها، وأن ننفي عنها ما خالطها من خبهث الجهالات القديمة التي تراكمت عليه فقعدت به أزمانًا طوالًا، حتى استرخى نائمًا والناس يقظى.
إن الشرق إذا خلص من شر النفايات الطافية على سطحه، وإذا وثق بسلطان الروح السامية التي لا تذل، وإذا نهج النهج لا يتهيب، فما بدٌّ من أن يحوز من القوة ما يضارع قوة المدنية الأوربية المتهالكة، وأن يجعل في هذه القوة من النظام الروحي النبيل ما يرد كل غائلة ويمنعها كل عدوان، ويرفع الإنسانية درجات في طريقها إلى السماء. وهذه أيَّامٌ فيها عِبَرٌ كثيرةٌ لمن يعتبر، فإن حقائق المدنية الأوربية تستعلن كلها في هذه الرجة العظيمة التي ترجف بالعالم ساعة بعد ساعة.
ولكن علينا أن نثق، وعلينا أن نشك، فإذا رفعت الثقة أسباب الشك، فإن الخير كله آت على طول الجهاد وترك التهاون وعلى استجادة العمل ومرابطة
(1/209)

النفس عليه، وعلى الأناة دون العجلة، فإن الغَرس الصغير يكبر على التعهد حتى يؤتى الثمرة، ومن استعان بأسباب الحق أُعين، ولا يهلك الناس إلا من هيبة أو تهور.
(1/210)

يوم البعث
إن أحدنا لتستبد به في بعض عمره فترات يجد فيها الحياة قد وقفت في دمه كالجدار المصمت لا تميل ولا تنثني ولا تتحول، ويجد النفس متماوتة لا ترف رفة واحدة تشعر العقل أن الحي الذي فيه لا يزال حيًا يعمل، ويجد الدنيا كأنها بساط ممدود يمشي فيه بعينيه، ولكن البساط لا يمنحه حركة من هموده وسكونه وانعدام الحياة ذات الإشعاع فيه. ويتمنى أحدنا يومئذ أن تحل بأيامه قارعة تملأ عليه الزمن ضجيجًا ونزاعًا، عسى أن يتحول كل ما يجده من الفتور إلى نشاط ويقظة وخفة تبعث ميت نفسه من رمس الحياة الخاملة.
وهذا العارض إذا ألمَّ جعل الأيام مقعدة تزحف في زمانه زحفًا بطيئًا مرهقًا كأنها أمسكت على مرفأ الحياة بسلسلة ربوض، ويجعل الحي يعيش في كذب وباطل وفراغ من الروح، أي في حيرة وقلق وملل، فإذا حار وقلق ومل، جاءت أعماله كلها جسدًا لا ينبض نبض الحياة، وكذلك يختلف ما بين الحي وعمله، ويقف أحدهما من الآخر موقف المثَّال العاجز من تمثاله، يقول له: أين أنا فيك أيها التمثال الغبي؟ فيجيبه الصامت البغيض: أين أنت في نفسك أيها الأحمق؟
الحياة هي حركة الروح في العمل، فإذا خلا العمل، فلم تتمثل في كل أنحائه حركة الروح العاملة، فذلك دليل على أن الروح مضروبة بالموت أو ما يشبهه، وأنها قد فقدت شرطها ونعتها وحقيقتها، وأنها إن عاشت على ذلك فستعيش في قبر منصوب عليها في تمثال إنسان. وإذا بلغ الإنسان ذلك أريقت كل إنسانيته على أيامه المقفرة فلا يثمر، فإن يثمر فما يطيب له ثمر، وإنما هو حسَك (1) وأشواك وحطب وكل ما لا نفع فيه إلا أذى وبلاءً عليه وعلى الناس.
وكما يكون ذلك أمر الفرد الواحد، يكون هو أمر الأمة من الناس، والجيل
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 368)، 1940، ص: 1188 - 1189
(1) الحسك: عُشْبة تضرب إلى الصفرة ولها شوك يسمى الحَسَكُ أيضا، مُدَحْرَج، لا يكاد أحد يمشي عليه إذا يبس إلا مَن في رجليه خُفّ أو نعل.
(1/211)

من الأمم، فإن الفرد هو خلاصة الجماعة وأصل الجماعة. فالأمة تصاب بمثل الفترة التي يصاب بها الواحد منها، ولا يمنع ذلك أن يكون في بعضها ما يخرج على ضرورة هذا العارض من الفتور الذي وصفناه. وعندئذ تتمنى الأمة أن تنزل القارعة لتهز الجو الذي تعيش فيه هزة مدوية مجلجلة، ترمى في سمع أبنائها الصوت الموقظ الذي يفزع عليه النائم ينفض عن نفسه الخمول والأحلام الهائمة والأماني الباطلة المكذوبة.
وقد عاش الشرق من قرون طويلة وهو يجد الحياة من حوله فاترة ساكنة بليدة ميتة الظلال عليه، وجاء بعض أبنائه من سراديب الفكر البعيدة يصرخون ليوقظوا الأحياء الذين ضُرِب على آذانهم بالأسداد، وغشاهم النعاس عجزًا وذلًّا ومهانة، ولكن هؤلاء رجعوا وارتدوا، ولم يسمع الناس، وإنما سمعوا هم صدى أصواتهم وهي تتردد في قفر خراب موحش.
أما اليوم الذي نحن فيه، فقد جاءت الشرق القارعة التي حلت بديار الناس وبدياره، وهو يسمع صليل صواعقها بأعصابه كلها لا بآذانه وحدها، وهو يفيق من نومة طويلة على ما لا عهد له بمثله. فهل يحق لنا أن نؤمل أن هذا الصليل المفزع سيجعل الشرق يلم ما تشعث من حياته ليستقبل حياته الجديدة قد جمع قواه للنهضة والوثبة والانقضاض على أوثان المظالم القديمة التي تُصِبت فعَبَدَها مَن عَبَد ممن خشعوا وذلوا، وطمعوا في رحمة الطواغيت فما نالوا -على أوهامهم- إلا فُتاتًا من موائد هذه الطواغيت المتوحشة المستبدة الطاغية؟
إن الشرق اليوم يجب أن يسأل سؤالًا واحدًا يكون جوابه عملًا صارمًا نافذًا لا يرعوى دون غايته، وهذا السؤال هو أول سؤال ينتزع إنسانية الحي من الموت الفادح، إذا كان الدافع إليه هو رغبة النفس في تحقيق إرادتها تحقيقًا لا يبطل. من أنا؟ هذا هو السؤال؛ فإذا أخذ الشرق يسأل يحاول أن يصل إلى حقيقته المضمرة في تاريخه، فهذا بدء النصر على الأيام الخاملة التي غط غطيطه في كهوفها المظلمة.
ولكن البحث عن الحقيقة هو أبدًا أروع شيء وأخوف شيء، فإن السائل
(1/212)

شاك حائر، فإذا لم يستعن في حيرته بالسداد في الرأي وطول التقليب وحسن الاختيار وبالله التوفيق، فإن السؤال سوف ينزع به وَيَنبُثُ (1) عليه ويأخذه ويدعه حتى تتحطم قوته على جبل شامخ قد انغرست فيه أشواك صخرية من الحصا المسنون، ويرجع مجرحًا تدمى جروحه، يتألم ويتوجع ويشتكي قد أعياه الصبر على الذي يلقاه من أوجاعه.
فحاجتنا في البحث عن الحقائق التي يتطلبها هذا السؤال، أن نتدرع بقوة اليقين مما نحن مقبلون عليه من مجاهله ومنكراته، وأن نستجيش للنفس كل ما يزعها ويكفها عن الشك والتردد، وأن نقبل على دراسة أنفسنا بفضيلة المتعلم المتواضع، لا برذيلة المتعالم المتشامخ، فإن بلاء التعلم والدرس هو كبرياء الحمقى وغرور ذوي العناد والمكابرة.
والأمر كله الآن بيد الشعب أفرادًا أفرادًا، فإن العادة المستقبحة في هذا الشرق أنه يكل كل أمره إلى حكوماته التي أثبتت بوجودها إلى اليوم أنه لا وجود لها في حقيقة الحياة الشرقية. فالحكومات لا تستطيع أن تضع في روح الشعب هذا الإلهام الإلهي السامي الذي يشرق نوره على الإنسانية فيجلى لها طريقها، وينفي عنها خبثها، ويغسلها بأضوائه المنهلة من أعراض البلادة وجراثيم التفاني والانقراض.
ليس لشرقي أو عربي بعد اليوم أن يقف مستكينًا يقول لحكومته: افعلي من أجلي ياحكومتي العزيزة! ! بل يجب أن تكون كلمته: اعملي يا حكومتي فإذا أسأتِ فأنا الذي سيصحح أخطاء أعمالك الرديئة! ويجعل كل أحد منا همه ساميًا إلى غاية، وأمله معقودًا بغرض، ويبيت ليله ونهاره يتَدارَس في نفسه وفي أهله وفي عشيرته وفي شعبه، وفي التاريخ النبيل، وفي التراث المجيد حقيقة ما يجب أن يتعرّفه من شُعَب هذا السؤال الواحد: من أنا؟ ؟
والدعوة الجديدة إلى اليقظة الشرقية والعربية والإسلامية يجب أن تقوم على إثارة الشعب كله ليسأل كل أحد نفسه هذا السؤال: من أنا؟ فالعالم والأديب والشاعر والفيلسوف والعامل والصانع وأعضاء الأمة على اختلاف منازعهم ونوازعهم يجب
__________
(1) ينبث شَرّه: يستخرجه.
(1/213)

أن يشعروا في قلوبهم بحاجتهم إلى هذا السؤال، وأنهم موكلون به لا يهدأون، وأنهم دائمًا في طريقهم إلى جمع الحقائق للجواب عن هذا السؤال الواحد.
أما قيام الدعوة على البحث عن طريق الإصلاح وأساليب الإصلاح وتحقيق ذلك بالطرق العلمية. . . إلى آخر ما يقال في هذا الباب من القول، فما يجدى على الأمة شيئًا إلا ما أجدى قديم ما رددوه ولاكوه ومضغوه من الآراء التي عانوا وضعها، فلما وضعوها ماتت في المهد. وليس يمنع البحث عن مثل هذه الأشياء أن نكون أول ما نكون سباقين إلى الأصل الذي يجب أن تقوم عليه هذه الأشياء كلها.
إن الأمم لا يُصلحها مشروع ولا أسلوب من الحكم، ولا باب من الإصلاح، وإنما يحييها أن يكون كل فرد فيها دليلًا -بما فيه من الحركة النفسية- على أن الحياة التي يعيشها هي إثباث لوجوده. ولا يثبت الوجود للحي إلا بقدرته على الاحتفاظ بشخصيته، ولا يحتفظ المرء بشخصيته إلا أن يكون قد استوعب فهم ما يستطيع من حقيقة هذه الشخصية، وهو لا يفهم هذه الشخصية إلا أن تكون كل أفكاره متنبهة لتحليل كل شيء يعرض له، وذلك حين يكون كل همه في البحث عن أشياء هذا السؤال الواحد: من أنا؟
فإذا استطعنا في هذه الساعة الهائلة من تاريخ العالم وتاريخ الإنسانية أن نجعل طبقات الشعوب الشرقية تثور ثورتها على الفتور والجهل والغباء والبلادة وقلة الاحتفال بالحياة، وأن نجعل سلاح الثورة على أحسنه وأجوده وأمضاه في هذا السؤال، فقام كل أحد يسأل مَن أنا؟ فتجديد الحياة في الشرق حقيقة لا مناص للعالم بعدها من الاعتراف بأنها واجبة الوجود على الأرض. وأما إذا انطلقت مع أحلام النوم وفلسفة الأحلام، وجعلنا نلبس مُسُوح العلماء والمفكرين، وجلابيب الوقار والسمت. . . أي البلادة! فقد هلك على أيدينا من كان حقه علينا أن نجعل هذه الأيدي خدمًا في حاجاته ومرافقه.
إن من الهراء أن تأتي مجلس قوم من بلداء المهندسين قد اختلفوا في الأرض: هل تصلح لوضع الأساس أو لا تصلح؟ فتحدثهم أنت أن الرأي أن يتحولوا إلى مكان آخر من صفته ومن نعته. . . مما يصلح عليه البناء! فإن هؤلاء إذا بدأوا أمرهم بالاختلاف على ما يجدون عنه مندوحة، فاعلم أنه لا فلاح لهم، وإنما
(1/214)

الرأي أن تتحول أنت عن هؤلاء البلداء إلى من تجد عنده من الانبعاث إلى العمل ما لا يجد معه وقتًا يضيعه في ترجيح بعض ما يختلف عليه على بعض آخر.
فالطريق الآن إلى الحياة الجديدة أن يتحول الشرق عن أصحاب الاختلاف والمنابذة وعلم الآراء التي يضرب بعضها وجوه بعض تناقضًا وتباينًا وافتراقًا، وأن يصغى إلى حنين النفوس المتألمة التي تحن وتئن من أشواقها، فيتجاوب حنينها نغمًا روحيًا فيه حركة الحياة، وحرارة الوجد، وأضواء الأمل. وعندئذ يستجيب القلب للقلب، وتستمد الروح من الروح، وتثور الأشواق الخالدة في القلوب الطامحة والأرواح السامية، وبذلك تستحث الحياةُ الحياةَ إلى الغاية التي يرمى إليها الشرق بأبصاره من تاريخه ومن وراء التاريخ.
إن عمل العامل في أول الطريق غير عمله في آخره، فنحن سوف نبدأ -وسنبدأ بإذن الله-، فعملنا الآن هو إنقاذ أرواح الملايين من الموت ومن الفتور ومن الكسل، وليس عملنا أن نضع الأسس العلمية أو السياسية أو الأدبية لأرواح موات لا حركة فيها ولا انبعاث لها. وما جدوى علم لا روح فيه؟ أو سياسة لا نشاط فيها؟ أو أدب لا قلب له؟
إن عمل من يريد أن يعمل اليوم هو أن ينفخ في صور جديد يكون صوته فزعًا جديدًا مع الفزع الأكبر الذي نحن فيه، حتى تنبعث الأمم الشرقية من أجداثها ثائرة حثيثة قد احتشدت في ساحة الجهاد تلمع قسماتها بذلك اللهيب المتضرم الذي يتوقد بالأشواق، وتلمح نظراتها لمحًا بالشعاع الظامئ المتوهج بالأماني المرهقة المتسعرة، وتتجلى في كل عضو منها تلك القوة المعروفة في العضلات المفتولة، يخيل لمبصرها أنها تكاد تنفجر من ضغط الدم في أنهارها وأعصابها لولا ما يمسكها من جلدة البدن.
يومئذ يكون جواب الشرق عن سؤاله: من أنا؟ عملًا صامتًا لا يتكلم، لأنه لا يضيع أيامه في إسماع الزمن الأصم أساطيره الباطلة التي يرويها عن أحلام البلادة والجهل والخمول.
(1/215)

الحضارة المتبرجة
أعطت هذه الحضارة الأوربية الحديثة أعظم روح من الفن كان في الأرض من لدن آدم إلى يوم الناس هذا. وهذه الروح الفنية -على سموها في بعض نواحيها إلى غاية ما يتسامى إليه الخيال الفني- تتساقط وتتدنى وتنحدر من جوانبها إلى أدنأ ما يبتذل من الفن العامي المثير لأشأم الغرائز الحيوانية في الإنسان. وبهذه الرُّوح الفنية عالجت الحضارة الأوربية مشكلة الحياة السريعة الدائبة المثقلة بأعباء العمل، فاتخذت لكل مَلَل راحة واستجمامًا بلغت بهما غاية اللذة الفنية، تلك اللذة التي تجعل الأعصاب المجهدة إذا أوت اليها كأنما تأوى إلى بيت ذي رونق وزخرف وعطر وضوء يغمغم ألحانًا من الفن الموسيقي، فإذا بلغته استنامت بإجهادها على حشايا الخز والديباج، نعومة ولينًا ترسل في الأعصاب لذة تمسح الجهد حتى يسكن ويخف ثم يتبدد.
وكانت المرأة هي فنُّ الفنِّ للإنسانية، وهي الشاطيء الوادع لبحر الحياة المتموج، وكانت الظل الرطيب في بيداء موقدة تحت أشعة الشمس المحرقة، وكانت هي السكن للقلب المسافر دائمًا في طلب أسباب العيش والحياة. فجاء فن المدنية الحديثة فجعل الشاطيء بحرًا آخر يموج موجًا فنيًا مغريًا يجعل السباحة المجهدة فيه ضربًا من الراحة، وتركت الظل الرطيب حرارة مستعرة تحرق، ولكنها تحرق بلذة، وفرشت السكن حتى مدته طريقًا بعيدًا متراميًا يسافر فيه القلب سفرًا بعيدًا في أحلام وفتنة وجديد لا يتقادم.
وبدأت المرأة بدءها لتجعل الحضارة فنًّا جديدًا من تجميل الحياة للمكدودين. ثم جاءت الحرب الماضية، فخرجت المرأة من وطيسها المتوقد قد إستوت ولذَّت وطابت، وتجدّدت عقلًا وروحًا وجمالًا، وشاركت أسباب
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 370)، 1940، ص: 1252 - 1254
(1/216)

الحضارة في إيجاد حل جديد لمشكلة الإنسان العامل المنطلق في أعماله بسرعة وكدٍّ وإرهاق وعناء، فاتخذت فن العقل السامي عبدًا تصرفه في إنشاء لذات الحياة إنشاءً عبقريًا تخشع لسلطانه النفس خشوعًا راضيًا، ثم تمشي في جنّاته. تأْبى أن تجد راحتها إلا راحة فيها ذلك السحر الناعم الرقيق الفاتن، الذي يصنعه بنان مؤنث يقول للأشياء كوني جميلة، فتكون.
وأعطت العين للمرأة أشواقها المستبدة، وزَينت المرأة للعين متاعها المتجدد، فاستيقظت الغرائز كلها من هزة الأشواق وحب الاستمتاع، وانحدرتْ في دم الرجل قطرات الفتنة المؤنَّثة، وسطعت في كيانه كله نفحات العطر المعربد، وألقت المرأة ظلها على كل شيء ألوانًا تتخايل بالفن المنسَّق البديع، وصبغت كل شيء في حلاوة أنوثتها، حتى لم يبق للرجولة ولا للإنسانية هوًى في الحياة إلا وهو من المرأة وإلى المرأة وفي سبيل المرأة.
وصارت المرأة هي المحور الذي تدور عليه الإنسانية في فلك الشهوات الضارية التي تنزع منازعها في حياة الإنسان باقتدار وقسر، وسار العالم كله على ذلك حتى ما يُحس ذو شعور أنه يعمل من أجل المرأة، مع أنه ما يعمل عامل إلا من أجلها. فهو في نشوة متصلة لا تنقطع في عمله، لأن الغرائز المنتشية هي التي تحكم وتصرّف، وبذلك لم يبق له من الفكر ما يستطيع به في هذا الأمر أن يتبين حقيقة التيار المسكر الذي يتدافع به في حياته.
أصبحت الحضارة الأوربية بعد ذلك فنًا جميلًا يتوالى فيه زخرف الحسن مبعثرًا ومنتظمًا، لأن الأعمال كلها قد احتملتها إرادة واحدة، هي إرادة جعل الحياة أجمل مما هي لتكون أمتع للعين والقلب والنفس والغريزة، مع إسقاط مطالب الروح السامية المتحررة من استعباد الشهوات.
ومن عجيب تصريف القدر في الحياة أن يجعل أعظم شيء فيها هو أقل الأشياء حظًّا من الحياة، فالروح التي هي أعظم ما وجد في الحياة، ترجع في غمرة اللذات والشهوات وأمواج الغريزة الطاغية، أقل ما وجد في الحياة، حتى ما يكون لها نصيب منها إلا ذلك الجو الأغبر القائم في عزلة موحشة، بعيدة عن
(1/217)

تحقيق لذاتها الروحانية الحلوة التي تبقى حلاوتها خالدةً في الهرم بعد الشباب، وفي العجز بعد القدرة، وفي السكون بعد الحركة وفي الموت بعد الحياة. وتقف الروح متغضنة جافة متكسرة تنظر نظرة متألمة إلى ما يصيب الإنسان من اللذات الطارفة الطارئة التي تتحول في نار الشهوات رمادًا بعد توقد واشتعال.
فاعتزال الروح في هذه المدنية الأوربية قد جعل العالم يعيش ليحترق بأسرع ما يمكن أن يحترق، وهذا هو العلة في امتياز هذه المدنية بالسرعة والنشاط والتوقد، واحتمالها متاعب الجهد المضني في سبيل استغلال أقصى ما يستطيع الإنسان من الإنتاج في العمل، ثم امتيازها بنظام الطبقات الذي تجهد جهدها أن تستره بتلك الزينة الفنية العلمية الظاهرة، لئلا يكون معنى ذلك أن المدنية تريد أن ترتد بالناس إلى الحالة الطبيعية الوحشية اللئيمة التي ينتجها اجتماع همجي مستبد لا يعقل، وإنما يكون فيه اللذة التي تسكر العقل، والظلم الذي يثير العقل، والأثرة التي تطغى العقل.
وجاء اشتراك المرأة اشتراكا عمليًّا في الحياة الأوربية العامة ليقذف الروح بعيدًا في عزلتها، ويدنى غريزة تشتاق إلى غريزة تشوق، فكذلك بدأت الأنظمة الأدبية والاقتصادية والمدنية تخضع لسلطان الأشواق وحدها دون سلطان الروح والعقل، وسلطان الأشواق هو الذي يكون غرضه دائمًا أن يضيق ويتخصص وينفرد بأسباب شوقه، وسلطان الروح والعقل هو الذي يتراحب ويشمل ويعم ويوجد المساواة بين الناس، مهما لقى من العنت والقسوة في وضع النظام الذي يريد أن يجعل به الناس أحرارًا في قيود من الإنسانية السامية المترفعة عن الذل كما تترفع عن بغى السطوة، والتي تستنكر العبودية الخاضعة كما تستنكر الحرية الفوضى، والتي تأبى تحكم طبقة في طبقة كما تأبى ثورة طبقة على طبقة.
ولكن تبرج الحضارة الأوربية في ذلك الخَلق الجميل الفتان ذي الحيلة والفتنة والسحر الذي يعيش في صورة الأنثى، قسر هذه المدنية على الخضوع لسطوة الشوق المتمرّد، فقام النظام كله على هوى واحد إلى المرأة. فالعامل الذي يعمل يريد أن يستغل الحياة بين يديه لا ليعيش ويعيش معه أهله وبنوه وتلك الدولة
(1/218)

الصغيرة التي تسمى البيت، بل هو يعمل ليجد أولًا تلك اللذة الحاكمة الممتعة التي يستمتع بها في ظل تلك الدولة العظيمة التي تسمى المرأة.
وإذا بدأت الطبقة العاملة من الشعب تجد حوافز أعمالها في شيء بعينه، كانت كل أعماله من الأدنى إلى الأعلى لا تجد في أعمالها إلا هذا الحافز الواحد، وإذا تشابهت الحوافز تشابهت الغايات، وما يفترق هذا عن ذاك إلا بأن لكل شيء أسلوبًا، ومهما اختلفت الأساليب في هذا فلن تختلف في الدلالة إلا بمقدار الأصل العملي الذي يوجب هذا الاختلاف.
والمكان الذي نصت عليه عروس النفس الإنسانية في هذه المدنية الحديثة، هو الحافز وهو الغاية، ولذلك تجد هذه المدنية قد تبرجت لأبنائها تبرج الفن العبقري الحافل بأسباب التحكم المستمر في أعمال كل حي. ولما كانت هذه الحوافز على تعددها إنما هي في الحقيقة اختصاص فردي لكل واحد من الناس -لأن اللذة لا تقبل الشركة والتعدد- ولكل اختصاص عيب هو الأثرة، والإصرار على التفرد، ومعاندة الناس بعضهم بعضًا في سبيل هذا التفرد -وقع التضارب والتعادى والانتقاض في كل عمل، وصار ما يبنى لا يكاد يتم حتى يلقاه ما يهدمه، وبذلك كان نظام هذه الحضارة مع روعة ما يبنى يقابله نظام آخر في الهدم والتدمير، يخيف هذا بقدر ما يروع ذاك.
ولولا هذا التبرج الفاجر في هذه المدنية، ولولا هذه الشهوات التي انطلقت ترشف من مسكرات الفن المتبرج، ولولا هذه الغرائز الجامحة في طلب السيطرة لإدراك غاية اللذة، لما كان النظام الاقتصادي الحاضر في هذه المدنية هكذا مهدَّمًا مستعبدًا مستأثرًا باغيًا، ولما تعاندت القوى الدولية هذا التعاند الذي أفضى بالعالم إلى الحرب الماضية ثم إلى هذه الحرب المتلهبة من حولنا اليوم؛ وذلك في مدى خمسة وعشرين عامًا، لم يستجمع العالم خلالها قوته، ولم يتألف ما تفرق، إلا ليضيع قوته مرة أخرى ويتفرّق.
إن الحضارة في هذه السنوات التي تبعت الحرب الماضية كانت ترفه عن المكدودين ترفيهها الحُلو الغني المتبرج لتعطي القُوى العاملة نشاطًا جديدًا من
(1/219)

النشوة، أي من الحالة التي يفقد فيها العقل والروح قدرتهما على التحكم في نظام الحياة. وأقدمت المرأة الأوربية إقدامَها الجرئ فجلبت زينتها من كل خيال ومن كل فن ومن كل سحر، لتعين الحضارة على الحياة والبقاء في هذا الجوّ الذي اختارته وعملت له. وكان هذا الإقدام ضرورة طبيعية للمقدمات التي سبقت عصر الحرب الماضية، ثم للحرب نفسها. فإن المرأة التي فقدت زوجها، والفتاة التي أضلت حبيبها، والبنت التي أضاعتْ قَيِّمها من أب أو أخٍ أو عمٍ، . . . وبقيت في موج الحياة حَيرى متلَدّدة (1)، لم تجد بُدًّا من الإقدام على الطريق المجهول بجرأة واندفاع وتهور، فلما أوضعتْ (2) في الطريق المجهول وأسرعت خطاها جرى العالم وراءها يطلبها، فلم تجد بدًّا من أن تأخذ منه أكثر ما تستطيع لتجتلب لزينتها أحسن ما تستطيع، وتطارد الصيدُ للصائد في كل وجه حتى اصطدم العالم كله هذا الاصطدام الهائل الذي لا يدري إلى أين ينتهي ولا كيف ينتهي.
وستخرج المرأة من هذه الحرب أيضًا كثيرة فاتنة حائرة لا تجد أباها ولا زوجها ولا أخاها ولا حبيبها، وستكون في عينيها تلك النظرة الحزينة الضارعة التي تقول لك: أنقذني! أنقذني! ! أنا وحدي، لا أجد من يعولني! وسينظر العالم الجديد إلى هذه المرأة بالرحمة والعطف والحنان، كما نظر للّواتي كنَ بعد الحرب الماضية. وستعمل المرأة يومئذ لتكتسب الرجل في كل وجه، ثم لا تلبث أن تُوجِد من بقايا العالم المتحطم سحرًا جديدًا لمدنية ساحرة، وبذلك يرتد العالم إلى النظام الاقتصادي الفاجر المبني على اللذة وطلبها والبحث عنها، فتكون أنظمته كلها قائمة على الاستبداد والفجور في الاستبداد.
ويومئذ يبدأ تحقيق نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أشراط الساعة وما يكون في أعقاب الدهر، إذ "يُرفَع العِلْمُ، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد"، وحتى
__________
(1) تَلَدَّد: وقف متحيرا لا يدري أين يذهب.
(2) أوضع: أسرع.
(1/220)

"ترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به". وما يكون ذلك إلا يوم يتحقق للحياة المعنى الفني المحض الذي لا يعرف قاعدة اجتماعية يحرص على تحقيقها للاجتماع، والذي يرى الحرية انطلاقًا من قيد الأخلاق التي تقسره على مصلحة الجماعة دون لذة الفرد، وتتبرج الحياة تبرجًا هائلًا يجعل العقل غريزة جديدة تشتهى، والروح خلقًا منبوذًا حائرًا يطوف على هذه الفتن كما يطوف الصعلوك على مائدة ملكية. ويومئذ يُرفَع العِلْمُ لأنه سيُستعبَدُ في إيجاد اللذات، وتفارقه الروح النبيلة التي لا يكون العلم إلا بها علمًا، ولا يبقى في الأرض إلا الجهل الأحمق الذي لا يعرف إلا السيطرة بحماقة، والأثرة بكَلب، وتكون المرأة هي علم الحياة الجديدة الذي يمزق الرجولة القليلة في جذب الشهوات العنيفة، ويغرق الفضيلة في طوفان المتعة الجميلة التي تبعث في الأعصاب المجهدة نشوة مسكرة.
(1/221)

1 - اقتطف!
قرأت سؤال الأخ الفاضل "رشاد عبد المطلب"، وكنت أرجو أن أكون مخطئًا، كي أقرَّ له بخطأ ما جاء في قولي: "وجعل يقتطف منها حيث أراد"، وذلك لحسن أدبه، ولطف سياقه.
والقول في "اقتطف" إنها خطأ، وإنها لم ترد في كتب اللغة: كاللسان والأساس والقاموس والنهاية والمصباح. . . إلى آخر هذه الجملة -قول قديم، قد ذهب إليه المتأخرون من فضلاء المشتغلين باللغة في عصرنا وما قبله بقليل.
ولو لم يرد هذا الحرف في اللغة لوجب أن يوجد للغة وجوبًا بيانيًا من عدة وجوه، وليس هذا موضع تفصيل ذلك ولا هذا أوانه. وأنا لا أستطيع الآن أن أقف في الطريق لأتلفت إلى ما ورائي مما قد مضى زمنه. وإذ كان لابد في إقامة الدليل على صواب هذا الحرف، من شاهد عربي، فنحن نأتي به، وذلك من قول نابغة بني شيبان "عبد الله بن مخارق":
تُسْبِي القلوبَ بوجه لا كِفاء له ... كالبدر تَمَّ جمالًا حين ينتصفُ
تحت الخمار لها جَثْل تعكِّفُه (1) ... مثل العَثاكِيل سودًا حين تقتطف
لها صحيفةُ وجهٍ يُستضاء به ... لم يعل ظاهرها بَثْرٌ ولا كَلَفُ
وفي قديم الشِّعر من الرجز ما أحفظه ولا أُثبت موضعه: "يقتطِفْنَ الهاما" (2)، يصف السيوفَ. وبيت النابغة كافٍ في الدلالة والشهادة، وأدع ما وراء ذلك لمن يجعل همَّه اقتناص الكلمات الهاربة من معاجم اللغة.
وما دمنا في ذكر شاهد من شعر نابغة بني شيبان، نقول: إن أبا الفرج الأصفهاني زعم أنه نصراني، لأنه زعم أَنه وجد في شعره يحلف بالإنجيل
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 370)، 1940، ص: 1271
(1) الجثل: الشعر الغزير. تعكفه: تُعطِّفه وتُعَوِّجُه.
(2) الهام: جمع هامة، وهي أعلى الرأس.
(1/222)

والرهبان وبالأيمان التي يحلف بها النصارى، وذلك كله وهمٌ فاسدٌ، استغرّ به صاحب شعراء النصرانية لويس شيخو اليسوعيّ، فاحتمله فيمن احتمل من شعراء العربية. وشعر النابغة ليس فيه حرفٌ واحدٌ مما زعم أبو الفرج.
هذا، وأبوه "مُخَارِق بن سُلَيْم الشيباني" صحابيٌّ جليلٌ روى له أحمد بن حنبل في مسنده ج 5 ص 294، والنسائي ج 7 ص 113، وروى عبد الله (هذا الشاعر) وأخوه "قابوس بن مخارق" عن أبيهما. وكان عبد الله يكثر رواية الحديث، ثم انصرف إلى الشعر، وله في انصرافه إلى الشِّعر خبرٌ.

2 - باريس!
قرأت في عدد الرسالة الماضي كلمة يذكرني فيها صديقنا الأخ "زكي مبارك" ويزعم أنه قرأ في "الدستور" كلمة بإمضائي، عدها هو تعقيبًا على المقال الذي نشره في "الرسالة" بعد سقوط باريس تحت أيدي الألمان.
ولو أحسن الدكتور زكي فأخرجني من عداد من ذكر لكفى نفسه مؤونة الفكر في أنى أتعقب كلامه. ولو كان ما قاله الدكتور زكي صحيحًا لكان للسان مقال غير الذي قلت. والذي كتبته كان حديثًا عامًّا لم أرد به أحدًا بعينه وخاصته، وكثير غير الدكتور بكى باريس وناح، فكيف يريد أن يخص نفسه دون سائر مَن أَعْوَل على هذه المدينة؟
وإذن فسائر ما جاء في كلمة الدكتور زكي ليس يعنيني. ولا هو مما أستطيع أن أشتغل به، والمذهب الذي يجري فيه الدكتور غير مذهبنا، وبينهما من الفرق ما يوجب علي أن أصرف خطابه -في هذا المكان من الرسالة- إلى من شاء غيري. وللدكتور مني تحية، وعليه سلام.
(1/223)

وزارة المعارف العمومية عُدْوان لطيف
حضرة المحترم ناظر مدرسة. . . الثانوية
قررت الوزارة (أي وزارة المعارف) كتاب المكافأة لأحمد بن يوسف للسنة التوجيهية في العام الدراسي الحالي 40/ 41، والوزارة تطبع هذا الكتاب الآن بالمطبعة الأميرية، بعد أن عهدت في تهذيبه وتصحيحه وشرحه إلى حضرتى الأستاذين أحمد أمين عميد كلية الآداب، وعلي الجارم بك وكيل دار العلوم.
"وقد ظهرت أخيرًا لهذا الكتاب طبعة أخرى قامت بنشرها المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، وهي طبعة فيها فحش وتحريف ونقص في الشرح والتعريف بأعلام الرجال، وغير ذلك من العيوب".
فنلفت نظر حضرتكم إلى أن الطبعة التي ينبغي استعمالها والاقتصار عليها بالمدارس الأميرية والحرة هي طبعة الوزارة التي ستصدر من المطبعة الأميرية قريبًا.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
11/ 11/ 1940
السكرتير العام
حسن فائق
* * *

وكان من قصة هذه النشرة الظريفة التي أذاعتها وزارة المعارف على المدارس الأميرية والحرة، أني نشرت كتاب المكافأة لأحمد بن يوسف في المكتبة التجارية الكبرى في 14/ 10/ 1940، بعد أن حققت أصله وراجعته على الأصول، وشرحت ما يعرض للقارئ من غامضه، وكتبتُ لأحمد بن يوسف ترجمة وافية جمعتها من بين سطور كتب التاريخ والتراجم، إذ أن ترجمة أحمد
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 389)، 1940، ص 1826 - 1828
(1/224)

ابن يوسف لا تبلغ عشرة أسطر في الكتاب الفرد الذي ترجم له، وهو معجم الأدباء لياقوت الحموي.
وكان حقًّا على وزارة المعارف، أو على الأصح، كان من الأدب المتبع أن تشكرني على الجهد الذي بذلته في تصحيح هذا الكتاب. ولكن الوزارة أبت أن تكافئ الجميل من العمل بالجميل من القول، وقذفت الكتاب وناشره وطابعه قذفًا جارحًا لا مسوغ له، وإذ كنت أعلم علم اليقين أن ليس بيني وبينها عداوة مستحدثة، أو حقد متوارث، فقد أذهلني اجتراء هذه الوزارة على الطعن في الكتاب طعن المنتقم المتضرم المغيظ الذي يفقده الغيظ سلطان الإرادة الحكيمة.
والقارئ يعلم -ووزارة المعارف تعلَم أيضًا- أن القانون يقدُعها ويردها عن الطغيان كما يقدعني ويردني، وأن هذه الجملة التي وضعتها بين الأقواس في نشرة الوزارة، إن هي إلا حشو لا معنى له، وأن قد كان لوزارة المعارف مندوحة عنها، وأن الكلام يستقيم بإسقاطها، وأن أمرها لنظار مدارسها وأساتذتها وطلبتها واجب الاتباع. فإذا قالت الوزارة لهؤلاء إن الطبعة التي ستصدر من المطبعة الأميرية قريبًا! ! هي الطبعة التي ينبغي استعمالها والاقتصار عليها، فهذا كفاية وفوق الكفاية في منع الأساتذة والطلاب! ! من اعتماد طبعتي في الدراسة.
ومع ذلك، فمما لا شك فيه أن السنة الدراسية الحالية، قد انقضى من عمرها أكثر من الثلث ولم تصدر طبعة وزارة المعارف. أفيكون ثمة بأس على الأساتذة والطلبة أن يوفروا من الوقت المضاع أشهرًا أخرى بالنظر في نسختي، حتى إذا ظهرت نسخة وزارة المعارف اتبعوها وألقوا نسختي ومضوا في دراستهم في كتاب الوزارة؟ إنه مهما يكن في نسختي من العيوب، فلا يمكن أن يكون الأصل الذي طبعتُه من الكتاب غير الأصل التي تطبع عنه وزارة المعارف، ومادام الأصل واحدًا، والنص واحدًا، فليس على الأساتذة والطلبة بأس. فهل تستطيع الوزارة أن تدَّعي أن نص الكتاب الذي طبعتُه -مهما يكن فيه من الخطأ والتحريف- غير النص الذي يطبعونه؟ وبالطبع نقول: لا وكلا، وليس معقولًا.
وإذن، فالجميل الذي أوليته وزارةَ المعارف، وإخوانَنا الأساتذة والطلبة،
(1/225)

جميل يوجب الشكر على من قدَّم له. وأنت تعلم -ووزارة المعارف تعلم أيضًا- أن الأساتذة والطلبة مكلفون بشراء كتاب الوزارة كما اشتروا كتابي. فتكليف الأساتذة والطلبة بالاقتصار على طبعة الوزارة التي ستصدرها المطبعة الأميرية قريبًا! ! إيجاب عليهم بشراء كتابها وطبعتها، فليس يضير الوزارة على ذلك شيء، مادامت ستنتهي إلى النهاية الطبيعية وهي بيع كتابها ورواجه بين المكلفين بدراسته.
ونحن نعلم -ووزارة المعارف تعلم أيضًا- أن المفروض في أمر هذه الكتب، أن الوزراة لا تتجر بها للربح، فإذا فُرِضَ وهذا مستحيل بعد أمر الوزارة للمدارس بالاقتصار على طبعتها التي ستصدر من المطبعة الأميرية قريبًا! ! -أن بقيت جميع نسخ الوزراة معطلة موقوفة لا تباع ولا تشترى ولا ترهن! ! كالأوقات والحبوس، لما كان في ذلك شيء، مادام الغرض من طبع هذا الكتاب قد حقق للطلبة والأساتذة على ما قد يكون في طبعتي من العيوب.
وبعد الاقتصار على هذا، أظن وزارة المعارف قد استطاعت أن تفهم الآن مقدار ما أساءت به، مع صرف النظر عن المسئولية الأدبية والقانونية التي وقعتْ فيها في نشرتها التي أذاعتها على المدارس الأميرية والحرة.
وسأدع المسئولية القانونية التي يكفلها القانون لي ولصاحب المكتبة التجارية الكبرى إلى أن يحين حينها وتأخذ طريقها الذي تقتضيه، وأنصرف الآن إلى المسئولية الأدبية التي أغمضت فيها هذه الوزارة بغير رفق ولا حكمة ولا حرص.
إن عمل وزارة المعارف ليس إلا الإشراف على التعليم، وكل أمر أو نهي يصدر منها يجب اتباعه على المدارس الأميرية والحرة ونظارها وأساتذتها وطلبتها، هذا ما نعلمه -وأظن وزارة المعارف تعلمه أيضًا- وليس من عمل وزارة المعارف فيما نعلمه -وأظن هذه الوزارة تعلمه أيضًا- أن تكون حكما قاضيًا على ما يصدر من الكتب غير مرسوم برسمها واسمها، وإن كانت هذه الكتب مما قررته الوزارة لمدارسها. ومادمتُ لم أُشر بحرف واحدٍ في كتابي إلى أني قد نشرته لطلبة السنة التوجيهية للمدارس الأميرية والحرة، فليس من حق وزارة المعارف أن تعرض للحكم عليه أو الطعن فيه على الأصح.
(1/226)

ومع ذلك فأنا وأنت نعلم -ووزارة المعارف تعلم أيضًا- أن حكمها على الكتاب قد صار، وأن هذا الحكم ليس نقدًا ولا شبيهًا بالنقد، وإنما هو طعن وتجريحٌ وطغيانٌ كلاميٌّ مُؤذٍ كان يجب على هذه الوزارة أن تترفع عنه.
ومع ذلك كله، فالوزارة تقول إن هذه الطبعة التي نشرتها المكتبة التجارية الكبرى فيها "فُحْشٌ"، هذا الحرف، بهذا النص، على هذه الصورة، في هذا الوضع! فأنا أتحدّى هذه الوزارة في هذا المكان وأطالبُها باستخراج "الفحش" الذي وقع في طبعتي، أين هو؟ فإذا فعلتْ، فسنرى أيُّ الفُحشين أفحش، أهذا الذي تدعيه وزارة المعارف على كتابي ادِّعاءً، أم الذي هو قائمٌ مقررٌ في الكتب التي قررتها وزارة المعارف وطبعتها وأذاعتها، وأمرت مدارسها بدراستها أعوامًا طوالًا؟
وتقول وزارة المعارف إن في طبعتي "تحريف"؛ هذا الحرف، بهذا النص، على هذه الصورة، في هذا الوضع! فأنا أتحدَّى هذه الوزارة أيضًا في هذا المكان، وأطالبها باستخراج هذا "التحريف"، ليعلم من لم يكن يعلم أي التحريفين أقبح، ما أقع أنا فيه، أم ما وقعتْ فيه هي في الكتب التي صححتها وشرحتها وأذاعتها وقررت دراستها أعوامًا طوالًا؟
ومع ذلك كله، فأنا أقرر في هذا المكان أن "الفحش"! هذه واحدة، وأن "التحريف"! وهذه أخرى، ليسا سوى دعوى من الوزارة لا برهان لها عليها ألبتة، وأن الجرأة والطغيان قد بلغا مبلغًا في هذه النشرة الرسمية، وأن كتب وزارة المعارف قد عرضت لي صفحتها، فإن شئت قضيت وإن شئت أمسكت.
أما ثالث أقوال الوزارة من أن الكتاب فيه "نقص في الشرح"، فليس صحيحًا بوجه من الوجوه، إذ كان شرحي مختصرًا مبينًا عن وجه العبارة والمعنى؛ وقاعدتي في الشرح أن أدع نص أصحاب اللغة في شرح اللفظ اللغوي، إلى عبارة أعبر بها معنى الجمال على الوضوح والبيان. وبذلك أسقط من الكلام ما تحشو به وزارة المعارف كتبها من الشروح التي لا معنى لها، وسأضرب في كلمة أخرى أمثلة كثيرة أزعم أنها هي التي بغضت إلى الطلبة أكثر كُتب الأدب التي وزعتها عليهم، وصرفتهم عن الاستفادة منها.
(1/227)

هذا، ومن قرأ كتاب أحمد بن يوسف يعلم -ولعل وزارة المعارف تعلم أيضًا- أن الكتاب مجموعة من القصص القصيرة، في عبارة قريبة واضحة ليس فيها من غريب اللغة إلا القليل، ورب غريب فيها يبين عنه سياق الحكاية، فلا معنى لإرهاق نظر الطالب والتهويل عليه بالشروح المستفيضة التي تخوفه أو تثقل عليه. ورب شرح قصير موجز واضح يكون أعظم بركة على القارئ من تَعالُم غليظ ثقيل وتقعر.
وعندنا أن الأسلوب الذي جرت عليه وزارة المعارف في شرح كتبها أسلوب غير منتج إلا أسوأ النتائج، لأنه يصرف الطالب عن الاستمتاع بالنص، وعن التقليب له والنظر فيه، وعن التردد لطلب المعنى بالجهد القليل، وتجعله حائرًا بين الكلام الذي يقرأ وبين الشرح الطويل الممل الذي تتدلى حواشيه على كل كلمة أو حرف من عبارة قصيرة قريبة المعنى دانية البيان، وأن هذه الطريقة المضحكة هي التي تجعل الطالب لا يهتم كثيرًا بالإصغاء إلى أستاذه اعتمادًا على ما يتوهمه في الشرح الطويل العريض من الإبانة الصحيحة عن المعنى، فإذا فعل ذلك، ثم رجع إلى كتابه وقرأ شرح الشراح وأصحاب الحواشي لم يفهم، وربما أضله هذا الشرح عن بعض الصحيح من الفهم الذي فهمه قبل قراءة الشرح. وأنا لا أقول هذا عن رَجْم وَتَظَنٍّ بل أقوله وقد وقفت عليه من ملاحظتي لأكثر من عشرين طالبًا من أبنائنا الذين كتب عليهم أن يتعلموا العربية في وزارة المعارف. ولست أشك أن أكثر أساتذة العربية في المدارس الأميرية، لو أتيح لهم أن يتكلموا لأظهروا هذه العيوب كلها لما يقاسونه مع الطلبة في دراسة النصوص العربية التي شرحتها وزارة المعارف.
ومع كل ذلك، فأنا أوافق وزارة المعارف على أن كتابي فيه نقص في الشرح! فهل يعيبه هذا! إنما العيب أن يطول الشرح ويكثر، وتلج لجاجته، ثم يكون هذا الشرح تضربًا في خطأ بعد خطأ، وفي سوء فهم للعبارة، وفي إبهام آت من قلة المعرفة بأساليب العرب في كلامها. وأنا أتحدى وزارة المعارف أن تخرج من كل ما صححت من الكتب، بل من كل ما أكتب، شيئًا يدل على ذلك.
(1/228)

وما دامت الوزارة تأبى إلا أن تعتدي عليَّ فسأضع يدها على ضرب مدهش من الشروح التي وقعت فيها فيما طبعت من الكتب، يدل كل الدلالة على أن الشراح لم يفهموا حرفًا واحدًا مما قرأوا، وأنهم ينقلون من الكتب ما يصادفون من المعاني، لا ما توجبه الجمل من معاني اللغة، وأنهم لا يتذوقون الأدب إلا بالوظيفة وعن طريقها! !
أما النقص في التعريف بأعلام الرجال -كما تقول وزارة المعارف- فلا أظن أحدًا قرأ كتاب أحمد بن يوسف ورأى ما فيه وعلم غرض مؤلفه منه، إلا وجد من عيب وزارة المعارف لكتابي بهذا النقص -كما تسميه- أسلوبًا مضحكا في النقد. أتظن الوزراة أنها تستطيع أن تعرف بفلان وفلان وفلان ممن ذكر في هذا الكتاب في سطرين أو ثلاثة، ثم يكون هذا تعريفًا؟ كيف تستطيع هذه الوزارة أن تعرف قارئ كتابها في سطرين أو ثلاثة: بإبراهيم بن المهدي، وابن طولون، وابن بسطام، والمأمون، وابن مدبر، وخاله العشرى، وابن أبي الساج، وخمارويه، وفلان وفلان ممن لا نحصى كثرة؟ ؟ وهل تعتقد أن التعريف بأحد هؤلاء إن هو إلا ذكر سنة مولده أو سنة وفاته أو وظيفته في الدولة؟ وقضى الأمر الذي فيه تستفتيان! هذه طريقة في التعريف بالرجال مضحكة، لا نلجأ نحن إليها ولا نقرها، ونعلم أن لا فائدة فيها للطالب أو غير الطالب بتة. وستخرج طبعة وزارة المعارف التي تطبع بالمطبعة الأميرية قريبًا وسنعلم كيف فعلت! وندلها على الصواب في كل ذلك إن شاء الله.
وأخيرًا. . . وأخيرًا، أيها القارئ، تقول وزارة المعارف بعد أن أنهكها تعداد عيوب كتابي، وبلغ منها، وكَدَّها، وأَوْهَى مَتْنَها، واستصفى نشاطها، وحيَّرتها الكثرة التي لا تحصى من بلادتي وغفلتي وأخطائي. . . أخيرًا تقول: وفي هذا الكتاب الذي نشرته: "غير ذلك من العيوب": {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأنعام: 45].
وأخيرًا أيضا، أشكر وزارة المعارف على حسن جزائها في كتاب لم أتقدم به إليها، ولكني تقدمت به إلى قراء العربية ثم أشكرها على توصيمها لاسمي واسم
(1/229)

هذا الكتاب بالنشرة التي أذاعتها على مدارسها. وإذا كانت وزارة المعارف تجهل من أنا، وما عملي، وكيف هو -ووزارة المعارف تجهل أشياء كثيرة- فكل ذلك لا يبيح لها أن تتهجم على الناس بالسئ من القول.
إني أعلم كيف كتبت هذه النشرة، ومن الذي أملاها ولأي غرض أمليت على من كتبها، ومن المضحك أن يجوز إنسان كل درجته في هذا الأمر تأتي من قبل وظيفته. أو أن يجرؤ إنسان كل علمه يأتيه من قبل شهادة نالها، ثم من وظيفة قدر له أن يحرزها أو تحرزه، ثم من ثالثة الأثافي التي هي أَلحظ أقول: من المضحك أن يجرؤ أحد هذين أن يدعى لنفسه من الحكم على عمل أعمله مستترًا وراء نشرة تصدرها وزارة المعارف وهو لو وضعته بين ثلاثتي التي أمسك بها هذا القلم لمزقت كل الوشى المصنوع الذي يكتسبه ويتجمل به. . . ومع هذا فسوف نرى.
(1/230)

إمتاع الأسماع
قرأت -في الرسالة عدد 412 - كلمة الأخ الصديق الأستاذ محمد عبد الغني حسن عن كتاب "إمتاع الأسماع" الذي ألّفه المقريزي، وكان لي شرف تصحيحه وشرحه، وإني لأشكر للأخ الكريم ثناءه وحسن ظنه بأخيه. جزاه الله عني أفضل الجزاء.
وقد استدرك الأخ الأستاذ بعض ما فاتني من الخطأ، فله الشكر على اهتمامه وحسن تهَدّيه ويقظة عينيه، وإن صحّ لي أن أقول شيئًا تعقيبًا على استدراك الأستاذ، فلست أزيد على أن التصحيح المطبعي صناعة وفنّ قبل أن يكون علمًا ورواية. وكل ما استدركه -إلا الفقرة الأولى يدخل في باب تصحيح الأخطاء المطبعية، فالأخيرة منها مثلًا، وهي: "من هوزان" ص 401 مذكورة في هذا الوجه نفسه مرات كثيرة على الصواب "هوازن" بتقديم الألف على الزاي- لا كما جاءت في تصحيح الأستاذ نفسه "هوزان" كما في الإمتاع! ! -ولكن تَنَبُّه الأستاذ إلى مثل هذه الأخطاء يدل على دقة وبصر، وأنه يحسن التصحيح المطبعي وذلك لما جُبِل عليه من الهدوء والوداعة.
وأما الفقرة الأولى من استدراكه، وهي التي جاء فيها على هذا الرجز: ص 222
"اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصَدّقنا ولا صَلَّينا
. . . .
إن الأُلَى قد بغوا علينا ... . . . .
وقوله: إن صواب الأول: "لا هُم لولا أنت ما اهتديْنا، وإن صواب الأخير: "إن الألى لقد بغوا علينا"، ثم تعجّبُه من أن يفوتني ذلك الاختلال في وزن الرجز، وأنا شاعر وعروضيٌّ! فإني أبرأ إليه من نسبة العروض، فطالما أَفْسَد العروض ما بيني وبين أصحابي من الشعراء، وليس الأمس ببعيد. ورواية الأول:
__________
(*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد 413)، 1941، ص 742 - 743
(1/231)

"اللهم لولا أنت ما اهتدينا". هي الواردة في الأصل، وفي البخاري وفي مسلم (شرح النووي، ج 12، ص 166)، وفي أكثر كتب التاريخ والسير والحديث. وقد جاءت الرواية التي ذكرها الأستاذ في كتاب الطبقات الكبير لابن سعد ج 2 ص 51، وجاءت رواية أخرى: "والله لولا الله ما اهتدينا" في البخاري ج 5 ص 109، وأخرى: "والله لولا أنت ما اهتدينا" في مسلم (شرح النووي) ج 12 ص 170، وقال النووي في ذكر الرواية الأولى ج 12 ص 166 ما نَصُّه "كذا الرواية"، قالوا: وصوابه في الوزن "لاهم"، أو "تالله"، أو "والله لولا أنت" كما في الحديث الآخر: فواللهِ لولا الله. . . .".
رواية الأخير: "إن الألى قد بغوا علينا" هي الواردة في الأصل أيضًا، وفي البخاريّ في مواضع، وفي مسلم ج 12 ص 171، وفي أكثر كتب السير والتاريخ والحديث. وجاء في مسلم ج 12 ص 170: "والمشركون قد بغوا علينا"، وفي ص 171 منه ما نصه: "وربما قال [يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] "إن الملا قد بَغَوْا علينا"، وهي في اختلال الوزن كالرواية الأولى التي أثبتناها. ومثلها في ذلك أيضًا رواية من روى: "إن الأعادي بغوا علينا".
وقد نصّ شُرّاح كتب السير، وشراح البخاري على أن هذا الرجز ليس يتَّزِن (انظر العيني ج 14 ص 132، وابن حجر ج 7 ص 309)، ولم يصححوه أو يبدلوه إلى ما يتزنُ، مما جاء في الروايات الأخر، كالذي ذكر الأستاذ "إن الألى لقد بغوا علينا"، وهي رواية ابن سعد ج 2 ص 51.
فإذا كان أصحاب العلم والدراية والبصر بالرواية لم يفعلوا ما أرادني الأستاذ على أن أفعله -من حيث أني عَروضي كما يقول، فلى العذر تابعًا لهم، مقتديًا بهم، حريصًا على ألّا أبدِّل أو أُحرف ما اتفق عليه الأصل الذي أطبع عنه، والروايات المتعددة التي جاءت في أصحّ الكتب إسنادًا أو رواية بعد كتاب الله.
هذا، والكلام عن مثل هذا الرَّجَز -وما يقع في بعض أوزانه من الاختلال والاضطراب- يفضي إلى القول في المواضع التي كان يُنْشَد فيها، وكيف يكون إنشادُه؟ ولِمَ يُتجاوز فيه عن الوزن؟ ولو نظر الأستاذ الشاعر إلى صلة هذا الرَّجَز
(1/232)

بما كان من الصحابة في حفر الخندق، وحملهم التراب في المكاتل، وسيرهم مصعّدين ومصوِّبين، متوافقين في الإنشاد يمدُّون به أصواتهم مختلطة مرتفعةً، لعَلِم عِلْم ذلك، ولكفانا مؤونة الجرى وراءَ العروض، أهو يتَّزنُ أو لا يتزن؟ حتى يبلغ بنا ذلك إلى تبديل الروايات وتحريفها، وقد جاءت عمن كان أعلم منا بالشعر والعروض.
وأخيرًا، أشكر للأستاذ هذه الهمة التي دفعته إلى النظر والتنقيب، والبحث والتنقير؛ وأثنى عليه بما هو له أهل، وأسأله أن يتغمد خطأ أخيه بما أعرفه من نبله وعلمه وفضله، والسلام.
(1/233)

من مذكرات عمر بن أبي ربيعة أيام حزينة
" قال عمر بن أبي ربيعة. . . .": وجاء ابن أبي عَتيق [هو عبد الله بن محمد أبي عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق]، فوالله لَأَن كنتُ بين ضِرْسين من الجبل يدوران عليَّ دَوَرانَ الرَّحَى، أهونُ عليَّ من أن أكون لقيتُ هذا الرجلَ الحبيبَ!
كانَ رجُلًا ضَرْبًا خفيفَ اللَّحم أحْمَر ظاهِرَ الدَّم كأنّ إهابَه شُعْلَةٌ تَشِبُّ (1) وتتلهَّب، أفرعَ فينَانَ الشَّعَر، مخروطَ الوجه، أزهَرَ مُشْرِقًا كأنّ بين عينيه نجمًا (2) يتألّق، يُقْبل عليك حُرُّ وجْهِه بعينين نَجْلاوين قد ظَمِئ جَفْناهما حتى رقَّا، يرسِلُ إليكَ طَرفَهُ فترى الضحكَ في عينيه خِلقَةً لا تكلّفًا، ما أَحسبني رأيتُه مَرة إلّا خِلْتُه دُعابةً قال لها الله: كوني! فكانَتهُ. وكأني به قد دَخَل على أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق وهي تَكِيد بنفسها (3) -في مرضها الذي ماتت فيه- يَقُول: كيف أصبحت يا أماهُ؟ جعلني الله فِدَاكِ! فتقول عائشة: أجِدُنِي ذاهبةً يا بُنَي! فيقول: فلا إذَنْ يا أمَّ المؤمنين! ! فتتبسم عائشة وتقول: حتى على الموت يا ابن أبي عتيق! ! فيقول: أَرضاكِ الله يا أمَّاه! لو جَاءني الموتُ كأكرهِ ما يأتي على حيٍّ، ما تركتُ له دُعابتي حتى يَستضحكَ، فيرحَل بي عن الدُّنيا بوجْهٍ غير الذي جاء به!
فلو أنّ امرأً من عُرض الناس لا أَعرفه، جاءني فزعم أنّ نجمًا في السماءِ
__________
(*) الرسالة، السنة العاشرة (العدد 449)، 1942، ص: 194 - 196
(1) الضَّرْبُ: الرجل الخفيف اللحم. الإهاب: الجِلْد.
(2) الأفرع: الطويل الشعر.
(3) تكيد بنفسها: تجود بها، وذلك عند الموت.
(1/234)

بكى، وأن القَمَر مَدّ إليه مثلَ اليَد فكفكف من عَبَراته، لكانَ أقربَ إلي منْ أنْ يأتي آتٍ يقول هذا ابنُ أبي عتيق يمشي في الناس بعينين ضارعتين خاشعتين ذاهلتين يُعرفُ فيهما البُكاءَ!
رجل صالح تقي خفيف الروح نشوان القلب، قد انحدر إليه من جده [عبد الرحمن بن أبي بكر الشاعر]، حنين الشاعر حين يرى الدنيا كالغانية المنعّمة تتصبَّى له وتتقتَّل، فيحن إليها بصبَوات الشباب المتوهّج. . . وآب إليه من جده [أبي بكر الصديق] حَنَانُ التقى وهو يرى الدنيا كالناشئة الغريرة لا تزال تنشُدُ تحت جناحه دِفءَ الأبوّةِ فتأوى إليه وتتضوّرُ، فهو يخفض لها من رحمة الوالد المتحنن. . . فابن أبي عتيق من هذين الأبوين كالربيع: جمال وشباب، ورقة وحنان، وفرح لا ينتهي.
وكنتُ أجدُه فيما يتوقَّدُ علي من الكُرَبِ كالغمامة الغادية: ظِلٌّ ورِيٌّ، ثم لا يزالُ بي حتى أَنام إلى دُعابته، فإذا آلامي تطوف بي من بعيد كأنها أَحلام، بعد أن كانت في دمي جمرةً تتلذّعُ. ولقد أكونُ مما أستعصي عليه بأحزاني، فأريدُ أذهب عنه نافرًا أبتغي أن أعكفَ على آلامي كما يعكُفُ العابد على بُدّه (1)، فما هو إلا أن يأخذَ ينشد:
مَتى تَرَ عَيْنَي مالكٍ وجرَانَه ... وجنبَيْه، تعْلَم أنه غيرُ ثائِر (2)
حِضَجْرٌ، كأمٍّ التَّوْأمَينِ توكلَتْ ... على مَرفِقَيها مُستهِلَّةَ عاشِر (3)
فينشد أغربَ إنشادٍ وأعجبه، ولا يزال يحرِّك ويشير ويمثِّل، فوالله ما من ساعة أنشدنيها هذين البيتين، وأقبل عليَّ يُريني ما يأتي به، إلا نَبَع الضحك من قلبي دفعة حتى ما أتماسك معه.
فكيف به اليوم وقد سكنَ كأنه دمعةٌ خافتة تئنُّ تحت الزفراتِ، يمشي إليَّ
__________
(1) البُدّ: الصنم الذي يُعْبَد، وهو فارسي معرّب.
(2) الجران: باطن عنق البعير، واستعاره الشاعر للسخرية.
(3) الحضجر: العظيم البطن الواسعه، وهو حرف ساخر الجرس والحركة.
(1/235)

كأن أيَّامه تطوفُ به ثاكلاتٍ نائحاتٍ، يغض طرفه كأنما يُمسك عبرةً همَّتْ هاربة من الأسر، يطأطئ هامته كأنما يقول للزمن: تَخَطَّ، فلم يبق بيني وبينك عَملٌ أيها الجبَّار، يستكين حتى لإخالُه يجمعُ أطرافَ نفسه لا يزاحمُ أفراحَ الناس بما يريدُ أن يتنفَّسَ من أحزانِه.
لك الله يا ابن أبي عتيق! لقد كانتْ لك كالجدول النَّامي النمير: هو سرُّ الأرض، وسرُّ العود، وسرُّ الزَّهر، وسرُّ العطر؛ فلما جَفَّتْ عنك همدت أرضُك، وظمئ عودُك، وصوَّحَ (1) زَهرُك، وتهاربَ عطرُك. . . زوجةٌ كانت تستودع روحك مع كل شارق، ما تتملَّى به أفراحك ولهوك ودُعابتك، فتخرج إلى أحبابك لتحمل عنهم همومهم فتغرقها في ذلك البحر الخِضَمِّ من الفرح والابتسام والرضى!
* * *

ودخل ابن أبي عتيقٍ فسلَّم سلام الذاهل المتوَلِّه، ثم جلس كأنما هو يلقى عبئًا ثقيلًا كان يمشي به، ثم نَظَر في عينيَّ بعينين نديَّتين ترى في غَوْرهما ذلك التنُّور المتضرِّم يتقاذفُ شُعَلَه في ثنايا النفس وفي مسارب العاطفة. وأدامَ النَّظر لا يرفعه عني كأنما يقول: انظر واعرفْ ولكن لا تتكلَّم! فأشهد أني افتقدتُ ما أقولُ أعزِّيه به أو أُرفِّه عنه، بل كأنما أفرغَ بعينيه في عينيَّ من أحزانه، حتى أراني أجد مسَّ النار في صدري وهي تستعر.
ولكني خفتُ على صاحبي ورفيقي إن أنا سكت له، أن أكون قد خلَّيت بينه وبين همِّه، وإن أحدنا لو قَعَد يمارسُ أحزانه يومًا بعد يوم لصرعتْه. أجلْ! وإن الحزن ليهجُم على النفس كالسَّبُع الضاري، حتى إذا عَبَر إليها وقف يستأنس متلفِّتًا يريد ما يختلج أو يتحرَّك، فما هو إلا أن يُهوِي إليه فيبطش به، أو ينشِب فيه براثنه ينفُضه ثم يقضقضُه حتى يهمَد، وإذا خُلِّي السبع لا يُذَاد ولا يُطْرد يبقى حتى يتأبّد ويستوحش. ولا يزال على عادته يستمرئ كل ساعة فريسته يغمس في دمها أو يَلِغُ، ثم لا يكفُّ حتى تكفَّ الحياة عما ينبض أو يتنفَّس.
__________
(1) صَوَّح: جَف ويبس.
(1/236)

وأخذْت أزوِّر له الأحاديث في نفسي. فلما هممت بها لم أقل إلا ما يقول الناس: عزاءك يا أبا محمد! فوالله كأنما هِجْت بها الطير الجثوم، وظل وجه ابن أبي عتيق يروح الدم فيه ويغدو، وجعلت عيناه ترسلان على نظراتهما الدمعَ الذي لا يسفح، والعَتْب (1) الذي لا يتكلم، وظلّ صامتًا، وراحت نفسي تنخزل عما أقدمت عليه، ولكنه لم يلبث أن زَفَر إليّ زفرةً خلت في نفثاتها شررًا يتطاير. ثم قعد يتململ حتى قال:
إن أيامي -يا أبا الخطاب- قد استحالت تيهًا أمشي فيه على مثل هذه الجَمَرات، ولقد كنت مما عَهِدتُني، والأيام من حولي عُرسٌ لا أعدم فيها ما أُطربُ له. كنت إذا ما حَزِن بعض أيامي، أجد من أفراح الماضي ما أهرب إليه بالذكرى، وأتوهَّم من نشوة الآتي ما أترامي إليه بالأمل، فكنت أعيش بفرحةٍ أحضرُها أو تحضرُني، لا أخاف ولا أجزع ولا أتوهم في الحياة إلا الخير. فأنا وقد أبتْ بغتات القدَر إلا أن تنتزع من كَفَّىَّ ما كنت أضنّ عليه، فهيهات لها بعد اليوم أن تطيقَ انتزاعَه من فكري. آهِ. . . آهِ يا عمر! كانت مِلْء عيني وروحي وقلبي. كنت أعيش تحت نسيمها كالنشوان ذاهلًا عن الألم مهما أمضَّ، مستصغرًا للكبير وإن فَدَح، راضيًا باسمًا متحفِّفًا (2). . . إذ كانتْ هي هي الأمانيُّ تتجدَّد مع أيامى عليّ وتتبلّج مع كل فجر في قلبي، ما كنت جزوعًا ولقد جزعت! كيف قلت: عزاءً يا أبا محمد! ها الله يا ابن أبي ربيعة.
كيف صَبري عن بعض نفسي! وهل يَصبِرُ عن بعض نفسه الإنسان؟
كانت بيني وبين الدنيا، وكانت آية الرفق والفرح، فكنت أرى الدنيا بعينيها مشرقة من تحت غياهب الأحداث، فالآن إذ نامت عني، كيف أرى إلا قِطعًا من الليل تغتالني من كل وجه، أو أشلاءً من الدياجى تجثم لي بكل سبيل؟
ثم رأيت في عينيه الملَل وهو يطوى على نظراته ما نَشَرتْهُ الحياة من همة
__________
(1) العَتْب: الغَضَب.
(2) متحفف: لم أجد هذا البناء في المعاجم، ولعل أستاذنا نحته من حَفّ، بمعنى مَرَّ، يعني يمشي على رِسْله مهتزا طرِبا.
(1/237)

النفس؛ وتخيلته -حتى كدت أتبينه- شبحًا ينساب في ظُلمة الليل فردًا قد انخلع من الحياة وأسبابها، فهو يضربُ في حَشا الظلماء بسآمةٍ لا تهتدي ولا تريد أن تهتدي، وقد كدت مما شجيتُ له أن أدع إليه الحديث حتى يَستَتِمَّه، ولكني أعرف في قلبه الرقَّةَ، فخشيتُ أن يَمضِي به الحزن على غُلَوائه، فقلت له:
مَهْ مَهْ يا أبا محمد، والله ما أنكرتك منذ عرفتك، ولكني اليوم منكر لك أو كالمنكر؟ أليس لك في إيمانك وإيمان آبائك معتصم أيها الشيخ؟ ما إسلامُك النفس للجزع وما غلوُّك فيه؟ إن امرأ يؤمن بالله واليوم الآخر لخليق أن يستكين إلى قضاء الله استكانة الوليد إلى أمه. وإن أمرًا يختاره الله لامرئ هو أهدى سبيليه لا رَيب، شَقِى بذلك أم سَعِد، وما يمسك النفس على أحزانها للأمر من قدر الله إلا الشيطان. خبرني يا أبا محمد! هل ابتُلىَ الناس فيما ابتُلوا به بما هو أفظع من فجيعتهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ كلا! فقد حزن الناس حتى أخذتهم آخذة، وحتى أنكر أحلمهم حلمه، وحتى إن بعضهم ليوسوس، فقام إليهم جدُّك الصديق فرد الناسَ إلى أحلامهم، وهو أشدهم حزنا على صاحبه ورفيقه؛ فعلَّم الناس أن الحزن للقلب وحده، وأن العقل والجوارح إنما هي للعمل، وأن هذا هو طريق الإيمان بالله وبقضائه: خيره وشره، أفأنت من يَجور عن سنة الله وسنة المهتدين من آبائه يا أبا محمد؟ كنتَ المرءَ الصالحَ الذي يرى الدنيا بعيني زائلٍ، فما بالك اليوم تراها بِعَيْني متشبث قد أنشب فيها أمثال البراثن من عقله وفكره، فهو يتأبَّى أن يدور في وهمه أنه مفارقها؟
قال ابن أبي عتيق:
حنانيك يا عمر! فوالله ما تعلمني يا ابن أبي ربيعة إلا ما علمت. لقد عَجمتْ (1) مني الحوادث صخرة مُلملمة لا تضرع. كم سخرت من الدنيا وأحداثها، فجعلْت أطويها في دُعابتي طَىَّ المُلاءة! كنت أتخفَّفُ منها بنشوة
__________
(1) عجمتني: اختبرتني فوجدتني صلبا، وأصله من عَجَم العود، إذا عَضَّه لينظر أَصُلْبٌ هو أم رِخْو، ثم استعاروه للشدائد.
(1/238)

أُحْدثها في قلبي، فلو كان عليه مثل الجبل من الهمِّ لطار فيها كما تطير خافية (1) من جناح، ولكني اليوم. . . آه! لقلَّ ما جرَّبتَ يا عمر! أسلمتُ لله مُقْبِل أمري ومُدْبرهُ يصرِّفه كيف شاء. ولكني أجدُ هذا القلب المُعَنَّى لا يزال يخفق بالذكرى، أفأنت منكرٌ عليّ يا عمر أن أذكرها نسيمًا رَفْرَفَ بين الجوانح والقلب؟ أنَّى لي أن أَلوِي النفس عن آثارها، وما أكاد أرى شيئًا إلا خلته يحدثني حديث الثاكِل: أنينٌ وحنين؟ فأين المهرب؟ دع عنك يا أبا الخطاب! أَأَراكَ تَلْحاني (2) على الجَزَع، وما على ظهرِها أشقى ممن يُصبح ليفتقد في نهاره حُلمًا ضَلَّ عنه مع الفجر؟ كم خلوت إلى هذه النفس ألومُها كالذي تلوم؟ وكم وقفت على هذا القلب أذكره ما يذكرُ الناس مني، فإذا الذي كان بالأمس قد أصبح وكأنه أديمٌ مرقوم قد تَفَرَّى (3) عاثَ فيه البلى فمحاه. أريد، ويا لضلَّتى فيما أريد! أنا كالساري في لُجَّة الليل يلطم في سوادها، قد أضاع لؤلؤة يَبحثُ عنها بين الحصى والرمال! . . . لن أعودَ إلى الناس حتى أجد لؤلؤتي يا أبا الخطاب. . . لن أعود.
ورأيتُ الرجل ينتفض انتفاضة المحموم من هول ما يجد، فَرَحِمْته، ولكني آثرت أن أدور على بُنَيَّاته، عسى أن يَأْوِى لهن (4) فيؤوب إلي كبعض ما كان، قلت: ظلمتَ نفسَك يا ابن أخي فظلمت من لا يلوذ إلا بظلك صغيراتٌ ضعيفات ضائعات: فمن لهن بعدك؟ لو كنتَ وشأنك لهان الأمر، ولكنك استُحْفِظتَ من لا يحفظه بعد الله إلا رحمتك، ومن لا يغذوه بعد الطعام إلا حديثك، ومن لا يضئ له وجه الدنيا بعد النهار إلا ابتسامك، ومن إذا أهمل ضاع عليك ضيعة الأبد. إنهن بناتُك منها وبناتُها منك، فوالله ما تذكرها ذِكرًا في شيء هو أكرم وأحب وأرضى عندها منهن، أجْمِلْ يا أبا محمد، أجْمِل! فرفع إليَّ رأسه ونظر، ثم ربا صدره بالزفرات وهو يقول:
__________
(1) الخافية: الريشة تكون في مؤخر جناح الطائر، وهي لينة ضعيفة.
(2) لحاه: لامه وعذله.
(3) مرقوم: مُزَيَن مُوَشَّى. تَفَرَّى: تَشَقَّق وتقطَّع.
(4) أوى له: رقَّ له ورحمه.
(1/239)

لقد كنت أخشى لو تمليتِ خشيتي! ... عليكِ الليالي كرَّها وانفتالَها
فأما وقد أصبحتِ في قبضةِ الرَّدَى ... فشأن المنايا، فلتُصِب من بَدَا لها
. . . لولا علمتَ يا عمر! كيف -بربك- كنتَ تراني أحبوهنَّ من قلبي خفقات لامعات باسمات؟ كنتُ لو أطقتُ أن أجعل قلبي بينهن لهوًا يَتَلَعَّبنَ به لفعلت! فانظر إليك ماذا ترى؟ ما شيء أجتلب به على قلبي ألمًا كنوافذ الإبر إلا رؤية هؤلاء الصغيرات الضعيفات الضائعات، وإن إحداهن لتعدو إليَّ تستأوى فأحملها، فكأن قد والله حملتُ بها صخرة مسرفة (1) يُعيى حملها، لولا بقية من رحمةٍ -يا عمر- لنفرتُ عنهن نفرةً واحدة لا أراهن ولا يرينني.
أفزعني والله الرجل، ولكني فهمت عنه ما يأتي به. إنه لا يزال يراها بعينيه تحول بينه وبين صغاره. إنه يريدها ويريدهن جملة واحدة، فإذ ذهبت هي، فكأنما ذهب منهن الذي كان يراه فيهن. يرحمك الله يا ابن أبي عتيق! فأما إذ بلغ به حبها هذا المبلغ من اليأس، فلا والله ما ينجيه إلا أن يُحْتال، فقلت له: أأراك أُنسيت ذكر ربك يا أبا محمد! أتُرانا نعيش في هذه الأرض إلا بما نرجوه عند الله في غيب الله؟ فلولا ما نمثله في أنفسنا من الرجاء، ما نبض لامرئ عرق مما يأخذُه من السَّأم. وأنت، أفيغبى (2) على امرئ في مثل عقلك أن يجعل من مفقودٍ يحبه رجاءً يستمسك به؟ انظرها يا ابن أبي عتيق بين عينيك، ولا تدع البَدن الراحل يَغلبُك على ما يحضرُك من روحها. إنك بعينيها ما عشت، فلا تحسبنَّ أحزانك التي تبتغى أن تتسلَّب بها في حياتك، تجعلها تنظر إليك راضية مطمئنة.
لا تشكَّنَّ يا ابن أخي، فوالله إن الجسد ليذهب إلى البلى، وإن الرُّوح
__________
(1) كذا في الأصول. وظني أن الصواب بالشين المعجمة، أي ضخمة.
(2) غَبِيَ الشيءَ وغبِيَ عنه: لم يفطن له.
(1/240)

لتخلد، فما تُرضِي من يحبك بأمثل من أن تكون في غيْبِه ما كنت في مَحْضَرِه: "إِن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول ما يغضب ربنا" وصدق رسول الله (1). وما ذلك إلا أن نقصر الحزن، وأن نجعل أقوالنا وأفعالنا مرضاة لمن نحب وطاعة. ولا تستطيلنَّ ما بين الحي والميت، فإنما هي ساعات قلَّت وإن أطلت لها. يا أبا محمد! أرض ربك وأرض صاحبتك، واجهد أن تكون كما أحبت لك، فإنك عن قليل تلقاها، فلا يلقاها منك إلا ما تعرفه دون ما تنكره. . .
__________
(1) قال ذلك عندما مات ابنه إبراهيم.
(1/241)

الطريق إلى الحق
كتب الأخ الصديق الأستاذ محمد مندور كلمة في البريد الأدبي الرسالة (488) بعنوان "اللغة والتعريب"، عرض فيها مسألتين: إحداهما: مسألة الصواب والخطأ في اللغة، والأخرى: هو عنصر الثبات في اللغة كما سماه. وقد دفعه إلى الحديث عنهما ما كان من تخطئة الأب أنستاس الكرملي إياه في حرف من اللغة استعمله في كلامه، وهو "عثرت بالشيء" وهو يريد "عثرت عليه" وأحبُّ أن أقدم بين يدي كلامي بعضَ ما أعرفه عن "مندور"، قد كنا زميلين في الجامعة، فكان أحد الشبان الأذكياء المدقّقين. وإن فيه من ثورة النفس ما أرجو أن يبقى له على الشبابِ والهَرَم. ثم عرفته من بعدُ مطلعا حريصًا على العلم قليل العِناد فيما لا خطر له، ثم هو لا يزال يدأب إلى الحق في غير هوادة، فكل هذه الصفات تجعله عندي غير متعنّتٍ ولا مكابر، ولكني رأيت الأب أنستاس قد سلك إلى "مندور" طريقًا، فاندفع كلاهما يطاعن أخاه بعنفٍ لا يهدأ. وأنا لا أحب أن أدخُلَ بين الرجلين فيما هما بسبيله، ولكني أحرصُ على أن أدلَّ "مندورًا" على الحقّ الذي كنا ولا زلنا نميل إليه بكُلّ وجهٍ، ونسعى إليه في كل سبيل.
وينبغي لي أن أعرض للكلام على الفرق بين الحرفين "عثرت به" و"عثرت عليه" قبل أن أتحرى إلى "مندور" طريق الحقّ في المسألتين اللتين ذكرهما في كلامه.
فأصل اللغة في هذه المادة "عَثَر يعْثُر عَثْرًا وعِثَارًا"، وهو فِعْل لازمٌ لا يتعدَّى إلى مفعولٍ، ويَأتي هكذا غير مصاحب لحرفٍ من حروف الجرِّ. ولكلِّ فِعلٍ في اللغة مَعْنًى يقومُ بذاته، ودلالات يقتضيها بطريق التضمُّن أو الالتزام.
__________
(*) الرسالة، السنة الثانية عشرة (العدد 491) نوفمبر 1942، ص: 1103 - 1106
(1/242)

فقولك "عثر الرجل" معناه "تهيأ الرجل للسقوط": فالمراد بالفعل هو حدوث "حركة سقوط" الرجل، ولا يقصد به السقوط نفسه، أي أنه يدل بذاته على الحركة التي تسبق السقوط. وأما الدلالات التي يقتضيها الفعل فأولها: سبب حركة السقوط، وهذا السبب عقلي محض يتضمنه الفعل ويقوم فيه مقام الفاعل "كالحجر" مثلًا. وثانيها: الفعل الذي فعله هذا السبب وهو "الصدم"، وثالثها: الحالة التي تلحق الرجل من جرَّاء اصطدامه وهي التنبه والتماسك قبل السقوط. أما الدلالة الرابعة. . .
فلو شئت أن تفسر "عثر الرجل" لقلت: "صدم الحجرُ الرجلَ فكاد يسقط"، فكأن "عثر" قامت مقام الكلمات "صدم الحجر. . . فكاد يسقط". وأنت ترى أن "الرجل" هنا هو الذي وقع عليه الفعل (أي المفعول به)، لأنه هو الذي صُدم فكاد يسقط. فلما كتم هذا الفعل "عثر" فاعله الحقيقي -وهو الحجر مثلًا-، وكتم "الصدم" الذي هو فعل الفاعل الحقيقي، نسب فعله إلى الرجل، مع أنه ليس فاعلًا بل مفعولًا به. فهذا يدل على أنه ليس مريدًا للفعل (وهو العثرة)؛ كما يكون مريدًا للفعل في قولك: "قام الرجل" إذ أنه مريد هنا للقيام. وشبيهٌ به قولك: "مات الرجل" و"نام الرجل"، فالرجل هنا -على أنه "فاعل" في عبارة النحاة- ليس فاعلًا في حقيقة المعنى بل هو "مفعولٌ به" لأنه غير مريد في حالة الموت أو النوم.
فإذا صح لديك أن الرجل غير مُريد للعثرة في قولك "عثر الرجل"، رأيت الدلالة الرابعة لهذا الفعل وهي أن الشيء الذي فعل العثرة -وهو الحجر مثلًا- كان صغيرًا لم يتبيَّنْه الرجل، أو لم يتوقع وجوده في المكان الذي كان فيه، فلذلك كاد يسقط على غير إرادة من الرجل لذلك.
وإذا تأملت قليلًا رأيت أن قولك "عثر الرجل" لا يراد به الإخبار عن حدوث الصدم، بل المراد أن تصور هيئة الحركة التي جاءت بعد الصدم، وهي حركة السقوط. ولذلك بني مصدرها على هيئة المصادر التي تدل على عيوب الحركة في أصل الخلقة كالتي تكون في الدابة وغيرها من كل ما يمشي أو يتحرك.
(1/243)

وذلك هو وزن "فِعال" كالشِّماس، والجماح، والنفار، والشراد، والهياج، والطماح، والحران، والعضاض، والخراط، والضراح، والرماح، والفرار. فأنت ترى من ذلك أن المصدر قد نظر فيه إلى أن المراد في الفعل هو حركة السقوط لا الصدم، فإن الصدمة ليست عيبًا، وإنما العيب في هيئة الحركة. وكثيرًا ما يستعمل العثار للخيل يقال: "عثر الفرس" أو غيره من الدواب.
هذا. . . وحروف الجر التي تأتي لمصاحبة الأفعال إنما تأتي لمعان يتعين بها للفعل معنى لم يكن ظاهرًا فيه قبل دخولها، بل ربما اضطر الحرفُ الفعلَ أن ينتقل من الحقيقة إلى المجاز، لذلك تسمى حروف المعاني.
ثم إن كل حرف من هذه الحروف له معنى أصليٌّ يقوم به، ثم تتفرع منه معان أخرى لا تزال متصلة إلى المعنى الأول بسبب. فالباء مثلًا هي في حقيقة معناها تدل على إلصاق شيء بشيء أو دنوه منه حتى يمسه أو يكاد. ففي قولك "ألصقت شيئًا بشيء" تقع الباء في معناها الأول وهو الإلصاق الحقيقي. وفي قولك "مررت بزيد" تكون مجازًا لأنها تدل على الدنو والمقاربة الشديدة، كأنك ألصقت مرورك بالمكان الذي يتصل بمكان زيد. وينتقل الحرف من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي بدليل من الفعل الذي يشترك معه في الدلالة. ولذلك تخرج من معناها الحقيقي إلى معنى السببية أو التعليل أو المصاحبة أو الاستعانة مما يذكر في باب معانيها، ولكنها في جميع ذلك تدل على الإلصاق الحقيقي أو المجازي.
فإذا جاءت الباء بعد فعل يقتضي معناه بذاته أو بدلالته معنى من الإلصاق، تعين لها أن تكون واقعة في معناها الحقيقي، ويكون دخولها مبالغة في إظهار معنى الإلصاق. وذلك كقولك: "أمسكت الشيء"، و"أمسكت بالشيء" فالباء هنا تزيد في معنى الفعل تقوية الإمساك إذ أن الإلصاق مما يدل عليه هذا الفعل بدلالة التضمن أو الالتزام.
فإذا قلت "عثر الرجل بحجر" فمعناه كما بيَّنا آنفًا "صدم الرجلَ حجرٌ فكاد يسقط". والباء قد دخلت على الفاعل الحقيقي للعثرة وهو "الحجر"، فهي إذن
(1/244)

مكملة لمعنى الفعل، ولم تأت لتعدية الفعل إلى مفعول، كالذي يكون في قولك "ذهب الرجل" و"ذهب الرجل بمحمدٍ".
فإذا كان الفعل دالًا بالتضمن على الصدم، والصدم يقتضي الإلصاق، وجاءت الباء مكملة لمعنى "عثر" تجرُّ وراءَها الفاعل الحقيقي للصدم، فالباء إذًا ستزيد في معنى الفعل، وذلك بأن تُظْهِر الصدم -المقتضى للإلصاق- بعد أن كان مكتومًا في الفعل، ويُقوي ذلك أيضًا ظهور الفاعل الحقيقي للعثرة بعد أن كان مكتومًا في "عثر".
فقول الأستاذ (مندور) إنه أراد بقوله "عثرت بالشيء" أنه لاقاه اتفاقًا غير ممكن، لأن الباء وافقت الفعل فزادت في الإبانة عما يضمره من دلالة "الصدم" الحقيقي ولم يكن فيها من المخالفة ما يحمل هذا الفعل على الميل إلى المجاز (أي إلى الصدم المجازي). وليس من شك في أن قوله "لاقاه اتفاقًا" مجازٌ في تأويل "عثر بالشيء"، فإذا كانت الباء إنما تزيد حقيقة الفعل قوة وبيانًا، فكيف إذن تصيرُ بعد ذلك مجازًا بغير عامل يحملها إلى المجاز؟
وقد يستخدم مع هذا الفعل حرف آخر هو "في"، فتقول "عثر الرجل في ثوبه" إذا كان واسع الثوب طويل الذيل، فهو يطأ بعض ذيله كلما مشى، فتشد الوطأة الثوب عليه، فيميل كأنه يتهيأ للسقوط فيتماسك.
فهذا الحرف "في" يدل في أصل معناه على الظرفية الزمانية أو المكانية، وينسحب بها على سائر معانيه. وهو بذلك يدل على استقرار لا على حركة كالحركة التي تكون في الإلصاق. ولما كان الفعل يدل دلالة ظاهرة على حركة السقوط وجاء الحرف "في" يطالب الحركة بالاستقرار، أسرع الفعل إليه. وذلك أنه حين يقول لك "عثر الرجل" لم تكد تجاوز تصوُّر حركة السقوط حتى يفجؤك بقوله "في ثوبه"، فيطالبك بإقرار هذه الحركة ثم تصورها في جوف الثوب. وهذه السرعة التي يتطلبها الانتقال تضعف دلالات الفعل التي كان يدل عليها مستقلًا بذاته أي في قولك "عثر الرجل" مجردا، وهي كما ذكرناها آنفًا: فاعل حركة السقوط، وفعله وهو الصدم، وحالة التنبه والتماسك قبل السقوط، وعدم التوقُّع أو الاتفاق.
(1/245)

فدخول "في" على "الثوب" أبعدتْ عن أول التصور أن يكون الثوبُ فاعلَ الصدم المؤدي إلى حركة السقوط، وبذلك أيضًا أضعفت دلالة الفعل على "الصَّدْم"، إذ أن "الصدم" لا يشبه أن يكون من فعل الثوب؛ فيتغير ما يتضمنه الفعل "عثر" من الدلالة، وتضمن وَطْء الثوب المفضي إلى شدِّه.
ولما كان لابس الثوب الطويل ينبغي له أن يعلم أن طوله يؤدي إلى وطء ذيله فيعثر، اختفت من الفعل -إلا قليلًا- دلالة الاتفاق من غير تعمد. ولذلك تستطيع أن تقول "جاء فلان يعثر في ثوبه"، ولا تستطيع أن تقول "جاء فلان يعثر بثوبه"، لأن الأولى قد ذهب منها الاتفاق من غير تعمد، فجائز أن تستمر، وأما الأخرى فمحتفظة بالاتفاق من غير عمد، فهي لا يمكن أن تستمر.
ومع ذلك فهذا الحرف "في" لم يستطع أن يغير من حقيقة "عثر" لأنه دانٍ منها، أو هو مستقر لها، إذ سوف تنتهي حركتها إلى استقراره.
وأما "على" فحرف يدل على الاستعلاء في جميع معانيه دلالة مطلقة، والاستعلاء المطلق لا يوجب الإلصاق كما في الباء، ولا يوجب الاستقرار كما في "في". فاستعمالها مع "عثر" سيحدث في معناها أثرًا جديدًا ينقلها من حال إلى حال.
فحين تقول "عثرت على الكرسي" يقتضيك فيها معنى "عثرت" -وهو تهيؤك للسقوط وتماسكك دون السقوط- ألا تجعل معنى "على" استعلاءَ ملاصقًا كما في قولك "وقعت على الكرسي"، وذلك لأنك لم تسقط بل كدت ثم تماسكت. وإذن فالحرف "على" هنا يدل على الاستعلاء المطلق الذي يقتضي نَفْي الملاصقة كقولك: "فضلت فلانًا على فلان".
والاستعلاء المطلق مناقض كل المناقضة لمعنى "الصدم" لأن الصدم يقتضي الملاصقة، فلما جاءت "على" خلعت عن الفعل "عثر" كل ما كان يتضمنه من معنى الصدم الحقيقي (لا المجازي)، ولما خلعته عن الفعل خلعته أيضًا عن الفاعل (الكرسى) الذي كان فعله الصدم الحقيقي (لا المجازي)، ولكن هذا الفعل لا ينفك من أحد دلالاته وهو "الصدم" سواء أكان حقيقيًّا أم
(1/246)

مجازيًا، فإذا خلعت "على" عنه الصدم الحقيقي بقي الصدم المجازي مكتومًا فيه قائمًا مقام الصدم الحقيقي، وإذا كان ذلك فلابد من حدوث تغير في الفعل وفي معناه، لأن الصدم قد انتقل من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، والصدم وفاعله سببان في "عثر" التي تدل على حركة السقوط. فإذا صار الصدم من الحقيقة إلى المجاز -وهو أحد مقومات حركة السقوط- فلابد من أن تصير "عثر" إلى المجاز أيضًا لأنها صارت مسببة عن مجاز.
فأنت ترى أن هذا الفعل لم ينقله من الحقيقة إلى المجاز إلا حرف واحد هو "على" الذي يدل على استعلاء مطلق يناقض معنى الصدم الحقيقي الذي كان ثابتًا في الفعل بدلالة التضمن أو الالتزام.
وعلى ذلك لا يزال هذا الفعل مع "على" يدل على حركة السقوط المجازية، ويتضمن بدلالة الالتزام فاعل هذه الحركة، وفعله وهو الصدم المجازي، ثم حالة التنبه والتماسك قبل هذه الحركة، ثم عدم التوقع أو الاتفاق، وهذا بعينه ما يريده الأخ "مندور" بقوله في تأويل "عثرت به" أنه لاقاه اتفاقًا.
وانظر الآن إلى سليقة هذه اللغة فإنها إذا كانت قد جعلت مصدر "عثر وعثر به" و"عثر فيه" عِثارًا بوزن "فِعال" الدال على عيوب الحركة، أو على الحركة نفسها: كالمِزَاح والضِّرَاب والنِّزَال، والصِّرَاع، فإنها تجعل مصدر "عثر عليه" عثورًا على وزن "فُعول" الذي يدل أكثره على مجرد الحركة، كالنزول، والسقوط، والقعود، والجلوس، والشرود، والنفور، والجموح، والطموح؟ وبذلك خالفت بين المصدرين مع اشتراك الوزنين في معنى الحركة، لأن الفعل انتقل من الحقيقة إلى المجاز.
وفي الآيتين من كتاب الله: المائدة (110) {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}، وآية أصحاب الكهف (20) {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} جاء الفعل بالمعنى المجازي الذي يقتضي حركة السقوط المجازية، والصدم المجازي، وحالة التنبه والتماسك قبل حركة السقوط. وعدم التوقع أي الوقوف على الشيء بغير طلب أو بحث أو كشف.
(1/247)

ولكن الأخ مندور يقول: "ولم أرد (العثور عليه) أي الإطلاع الذي يدل على علم ومعرفة وبحث وجهبذة لا أدعيها". والذي أوقعه في هذا التأويل قول أصحاب اللغة "عثر على الأمر عثورًا" اطلع، فتفسيرهم مقصر عن الغاية كل التقصير لأنه يدل على جزء واحد من الدلالات التي يتضمنها الفعل، وهي حالة التنبه التي تلحق الرجل من الصدمة فينظر ويتبين ما صدمه، وأهملوا بقولهم (اطلع) المعنى الأصلى للفعل "عثر" وهي حالة السقوط المجازي، والصدمة المجازية، وعدم التوقع. وهذا نقص مخل في عبارة كتب أصحاب اللغة.
وأنا أقرر أن أكثر ما في كتب اللغة عندنا من تفسير الألفاظ إنما هو تفسير مخل فاسد، لأنه قد أهمل فيه أصل الاشتقاق، وأصل المعنى الذي يدل عليه اللفظ بذاته كما رأيت هنا. وإذا أُهْمِل هذان فقد اضطرب الكلام واضطربت دلالاته، وأوقع من يأخذ اللغة بغير تدبر في حالة من التعبد بالنصوص كتعبد الوثني للصنم. وأيضًا فهو يوقع بعض النابهين من الكتاب في أوهام ليست من الحق في شيء، يحملهم عليها تكرار هذا التفسير الفاسد فيسلمون به على غير تبين، كما رأيت في تفسير قولهم "عثرت عليه" أنه "اطلعت عليه"، فإنك حين تقول: "عثر على الكلمة في الكتاب" فلست تقولها إلا حين تريد أن تصور الكلمة كأنها فاعل الصدم، وتصور رؤيتها كأنه صدم لك، وهذا الصدم يستدعي تنبهك فتتماسك وتنظر إلى ما صدمك، وإن هذا كله كان بغير طلب أو بحث وإنما جاءك اتفاقًا على غير تعمد كان منك.
هذا وأنا لم أقصد ببحثي هذا إلى اللغة، بل قصدت إلى الدلالة على طريق الحق إلى فهمها. وأحب أن أظهر من يقرأ كلامي هذا على أنني لا أجعل مفردات اللغة كل الهم في عملي أو عمل غيري. ويقيني أن أكثر من يطيق التدبر والتأمل يستطيع أن يصل إلى فهم اللغة فهمًا صحيحًا نافعًا معينًا على حسن العبارة ودقتها في البيان عن المراد، وهو لم يتكلّف إلى ذلك إلّا قليلًا من الجهد وأحسبني قد سلكت إلى أخي مندور طريق العلم إلى غاية الحق، وهي غايته التي أعلمه لا يعمل إلّا لها، وسواء عليه بعد ذلك أكان الحق له أم عليه.
(1/248)

أما مسألة الخطأ والصواب في اللغة، ومسألة عنصر الثبات فيها، فنتركها إلى العدد التالى من الرسالة، ولأخي مندور تحيتي وشكري.
(1/249)

أدباء. . .!
قرأت في مجلة الثقافة العدد "209" كلمة تحت عنوان "الصحافة والأدب في أسبوع"، فرأيت كتابًا من صديقي الشاعر الأستاذ محمود حسن إسماعيل إلى صديقي أيضًا. . . الأستاذ (ق). وفي هذا الكتاب ذكْرُ بعض أصحابنا وذكرى، ويصفنا الصديق الأستاذ الشاعر بصفات جميلة محببة كاللجاج، والتهاتر، والكسل، والجبن، والغفلة، والتخلف عن سير الزمان، ويدعونا إلى ملازمة الصمت على رفوفنا الجامدة حتى يتحرك بنا أو ينسانا الزمان! . . . وهو كذلك لا أدري! فقد سمعت أن الأوائل قالوا: "عقل المرء مخبوءٌ تحت لسانه"، وأنهم قالوا:
إذا لم يكن للمرء عقْلٌ يَكفُّه ... عن الجهل، لم يَسْتَحْيي وانهتَكَ الستر
وللصديقين منِّي تحية المخلص المعجب بأدبهما وبيانهما.
__________
(*) الرسالة، السنة الثانية عشرة (العدد 496)، 1943، ص: 19
(1/250)

من مذكرات ابن أبي ربيعة جريرة ميعاد
" قال عمر [بن] أبي ربيعة. . . .": ركبتني الحمى ثلاثا حتى ظننت أن الله قد كتب عليّ أن أذوق حظي من نار الدنيا قبل أن أردَ على نار الآخرة. وكنت أَجِد مسها كلذع الجمرات على الجلد الحيّ، وأجدني كالذي وضع بين فكَّيْه ضرسًا من جبل فهو يجرشه جرش الرَّحى، وظللت أَهْذِي وابن أبي عتيق يتلقف عني ما كنت أسِرُّ دونه، حتى إذا قَصَرتْ عني وثاب إلى عقلي قال ابن أبي عتيق: ويلك يا عمر! والله لقد فضحتها وهتكت عنها سترها؛ أما والله لو قد كنت أخبرتني قبل الساعة لاحتلت لها، ولوقيتها مما عرضتها له. قلتُ: ويبك يا ابن أبي عتيق! من تعني؟ قال: من أعني؟ ما زلت منذ الساعة تهذي باسمها غير معجم! إنها الثريا، واليوم ميعادها، ولقد مضى من الليل أكثره وما بقى منه إلا حُشاشة هالك!
ووجم الرجل واعتراني من الهم ما حبب إلى الحمى أن تكون خامرتني وساورتني حتى قضت علي، وطفقتُ أنظر بعيني في بقايا الليل نظرة الثكلى ترى في حواشي الدُّجى طيف ولدِها وواحدِها. وتمضي الساعات عليّ كأنما تطأنِى بأقدام غلاظ شداد لم تدع لي عضوًا إلا رضَّتْهُ. وابن أبي عتيق يذهبُ ويجئ كأنما أصابه مس فهو يرميني بعينه صامتًا يتحزّنُ لما يرهبُ من فجاءات القدر بي وبها. ثم أقبل على يقول: خبرني يا عمر أين واعدتها من داركَ هذه؟ فوالله لكأنما ألقى في سمعي لهبًا يتضرَّمُ، فلم أسمع ولم أُبصر ودارت بي الأرض، فما أدري بم أُجيب، فلقد واعدتها منزلًا كنتُ أحتفي به لميعادها، قد استودعته سري وسرها، فما أدري ما فعل به أهل الدار، وقد ربضتْ بي الحمى بمنأي عنه. ولا والله ما شعرت أن الفجر قد صدع حتى سمعت الأذان كأنه ينعَى إليّ بعض نفسي، فما تماسكت أن أنتحبَ. وابتدر إلى صاحبي يكفكف غَرْبَ (1)
__________
(*) الرسالة، السنة الثانية عشرة (العدد 550)، 1944، ص 69 - 72
(1) غَرْب كل شيء: حَدُّه.
(1/251)

أحزاني. وقال: خَفِّض عليك يا عمر، فإن هذا يهيضُك إلى ما بك. وما تدري لعل الله يحدث بعد عسر يسرا. قم إلى وضوئك أيها الرجل، واستقبل بوجهك هذه البنية، وادع الله جاهدًا أن يستر ما هتكت، فإنهنَّ النساءُ لحمٌ على وضمٍ إلاما ذُبّ عنه (1).
فما كدتُ أفرغُ من صلاتي حتى جاءت جاريةٌ صغيرةٌ تعدو قد أنزفَها الجرى، ورمتْ إليَّ كتابا في سدَقة من حرير يفوح منها العطر، وقالت: سيدتي تقول لك: في هذه شفاءٌ من داء. واستدارت وانطلقت تسعى. فنظرتُ وشممتُ ونشرت الحريرة المطوية عن كتاب مطوي طيّ العَجَلةِ، وإذا فيه: "جئنا لميعادك، فإذا شبحٌ نائمٌ في بُردِك فرميتُ نفسي عليه أُقَبِّلُه، فانتبه وجعل يقول: اعْزُبي عني فلست بالفاسق أخزاكما الله. ودفعني فعدوتُ أفرُّ بنفسي من فضيحة تنالنى فيكَ وما شعرتُ أنك محموم حتى أنبأتني بذلك أختي، فويلى عليك وويلى منك يا عمر! ". فألقيتُ الكتاب إلى ابن أبي عتيق، وأستعفي به أن يدبر منذ اليوم ما أتقي به خَبْءَ الليالي، فنظر إليَّ بعينين زائغتين من سهر وسهاد وقال: والله يا عمر لكأني بك قد ركبتَ إلى بلائك وبلاءِ الثريَّا حين قلتَ:
تشكَّى الكُمَيْتُ الجَرْىَ لمَّا جهدته ... وبيَّن لو يستطيع أن يتكلما (2)
وما أدري كيف أحتال لك في أمرٍ قد انفلتت من يديك أعنَّته، فدعِ الأمر لله يدبره، ووطن نفسك على الثقة، ولا تجزع لبغية إن جائتك، والق من يلقاك بالفضيحة كأتم ما كنت بشاشةً ورضًى وسكينة؛ فأنت خليق أن تنقذها مما ورطتها فيه. وإياك والتردد، فإنه مدرجة النكبات. ولقد عهدتك صَنَع (3) اللسان، فإن لم ينفعك اليوم لسانك فلا والله لا نفعك، قلت: جزاك الله عني خيرًا يا ابن أبي عتيق، ما ضرَّني كتماني دونك ما أكتم إلا اليوم، ولو كنت أعلم
__________
(1) الوضَم: الخشبة أو ما شابهها التي يقطع عليها اللحم. وهذه العبارة من قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
(2) الكميت، الفَرَس لونه بين الحمرة والسواد.
(3) الصَّنَع: الماهر الحاذِق.
(1/252)

الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. ويلي من نفسي ثم ويلي منها! واعلم أنه ما يكربني أن يلقاني من أحتال له وأصرفه، وإنما يكربني أمر الثريا وهي تقضي الساعات قد ألقى الهَمّ في دمها ناره وفي فكرها ظلمته، ولا والله ما أستطيع أن أحتال لرسول يلم بها فيقول لها بعض ما تسكن إليه.
قال ابن أبي عتيق: فهلَّا حدثتني عنها يا عمر؟ فلقد صحبتك ما صحبتك وما أدري من خبر الثريا وأمرها إلا ما أتسقّطه (1) من حديث الناس. قلت: وما تبغي إلى ذلك؟ أما كفاك ما تعرف من أمر سائرهن؟ وإني لأراك كالمنهوم الذي لا يشبع، فلو كنت مثلي لقلت عسى أن تكون لك في نفسك حاجة، ولكن الله عافاك مما ابتلاني به، فدع عنك الثريا وأخبارها. فورب السموات والأرض وما فيهن ما أمنت على سرها نفسي، فكيف بي إذا بُحْتُ لك؟ قال: إذن فصِفْها لي كيف تراها؟ قلت: أما إنك على ذلك، لشديد الحرص شديد الطمع. وما تبغي إلى امرأة من النساء تسمع من نعتها وحليتها وصفاتها؟ لولا أن كنت اليوم شاهدي لما حدثتك بحرف. يقول الناس: ما فعل الله بابن أبي ربيعة؟ ما زال يمد عينيه إلى كل غادية ورائحة حتى أفضى إلى الثريا، فتعلق منها بنجم لا يناله وإن جَهِدَ. وإنها لعرضة ذلك جمالًا وتمامًا، وإني لخليق أن أفنى فيها نور عيني وقلبي. ويقول الناس: ما الثريا؟ إن هي إلا امرأة دون من نعرف من النساء حسنًا وبهاءً. وقد والله كَذَبَتْهم أعينهم، وإني لبصير بالنساء خبيرٌ بما فيهنَّ، ولئن كنت قد عشت تبيعًا للنساء أنقدهن نقد الصيرفي للدينار والدرهم (2) فأنا أهل المعرفة أحقق جيادها وزيوفها بأنامل كالميزان لا يكذب عليها ناقص ولا وافٍ.
ما يضيرك يا ابن أبي عتيق أن ترى الثريا أو لا تراها، فإنك لا تراها بعينيَّ، وإنما أنت من الناس تضل عن جمالها حيث أهتدي إليه، وتسألني كيف أراها؟ فوالله إن رأيتها إلا ظننت أني لم أرها من قبل، فهي تتجدد في عيني وفي قلبي مع كل طرفة عين، ولئن نعتها لك فما أنعت منها إلا الذي أنت واجده حيث سِرت
__________
(1) تسقط الحديث: أخذه شيئا بعد شيء.
(2) نَقْد الصيرفي للدينار والدرهم: تمييزه لما هو صحيح ولما هو زائف.
(1/253)

عن النساء: غادة كالفنن (1) الغَض يميد بها الصبا وسكر الشباب، لم ترْبُ رَبْوةَ الفارعات (2)، ولم تجف جفوة البدينات، ولم تضمر ضمور المهزولات، ولم تُمسح مسحة الضئيلات (3)، ولم تقبض قبضة القصار القميئات، فتمَّ تمامها بضَّة هيفاءً أُملودًا (4)، خفاقة الحشا هضيمة الكشحين مهفهفة الخصر، تتثنى من اللين كأنها سكرى تترنح. فلو ذهبت تمسها لمَسْست منها نَعمة وليانًا وامتلاء، قد جُدِلَت كلها جَدْل العصب، فهي على بنانك لدنة تُرْعد من لُطفها واعتدالها. وانظر بعيني يا ابن أبي عتيق، تُبصر لها نحرًا كذَوْب الفضة البيضاء قد مسها الذهب؛ فلا والله ما ملكت نفسي أن أعب من هذا الينبوع المتفجر إلا تُقًى لله أن أدنِّسه بشفتين ظامئتين قد طالما جرى عليهما الكذب والشعر. أما وجهها فكالدرة المصقولة لا يترقرق فيه ماء الشباب إلا حائرًا لا يدري أين ينسكب إلا على نحرها الوضاء، يزينه أنف أشمُّ في دقيق العرنين لطيف المارِن (5)؛ فإذا دنوت إليها فإنما تتنفس عليك من روضة معطارٍ أو خمرٍ معتقةٍ، فاذهب بنفسك أيها الرجل أن تزول عن مكانك كما يقول صاحبنا جميل:
فقام يجر عطفية خُمارًا ... وكان قريب عَهْدٍ بالمَماتِ
ودَعْ عنك عينيها يا رجل، فلو نظرتْ إليك نظرة لَوَجَدْتها تنفُذ في عينيك تضئ لقلبك في أَكنّته مساربَ الدم في أَغْوار جوفك، ولتركتك كما تركتني أسير بعينين مغمضتين ذاهلتين إلا عما أضاءتْ لك في الحياة عيناها. فإذا دنتْ إليك فكُنْ ما شئت إلا أن تكون حيًّا ذا إرادة تطيق أن تتصرف، وذَرْ كل شيء إلا عطر أنفاسها وضياءَ وجهها، وغمامةً تظلل روحك النشوى طائفة عليك بأطراف شعرها المتهدِّل كحواشي الليل على جبين الفجر، وخذْ بنانا رخْصًا مطرَّفًا (6) كثمار العُنّاب تغذوها يدٌ بضة بيضاء يحار فيها مثل ماءِ الصفا، فلقد قبَّلتها يومًا
__________
(1) الفَنَن: الغُصْن المستقيم.
(2) الفارعات: الطويلات، أي ليست مفرطة الطول.
(3) أي ليست صغيرة العجيزة.
(4) الأملود: المرأة المتثنية الناعمة.
(5) المارن: طرف الأنف.
(6) المطرف: مُخَضَّب الأظافر.
(1/254)

قُبلةً ظننت أن قد أطفأت بها غليلي فزادتني غُلَّةً وصدًى، فما نفعني في نار هذه الحمى إلا ما لم أزلْ أجد من بَرْدِها وطيبها وعذوبتها على شفتي حتى اليوم. ولا والله إنْ (1) رأيتُ كمثلها امرأة إذا حدثت، فكأنما تسكب في روحي سرَّ الحياة يهمس عن شفتين رقيقتين ضامرتين كأنّ الدم فيها مكفوف وراء غلالة من النعمة والشباب. فآه من الثريا! لقد حجبت عني كل نجم كان يلوح لي في الدياجى يُلهمني أو يُغويني. . . وَىْ، ما دهاك أيها الرجل؟
ورأيت ابن أبي عتيق يتخطاني بعينيه ينظر إلى الباب من ورائي، قد انتُسِف وجْهه وغاض من الدم كأنما يرى هَوْلًا هائلًا قد أوشك أن ينقض عليه، وما كدت أرد الطرف حتى سمعت من يقول: السلام عليكما يا عمر! وأنت يا ابن أبي عتيق ما لك تنظر إليّ كالمغشي عليه لا ترفُّ منك عاملة ولا ساكنة؟ وما بك يا أبا الخطاب! أترى الحمى كانت منك على ميعاد؟ لقد أقبلت أمس من سفري، وكان الليل قد أوغل فتلقاني ولدك جوانٌ فأنبأني أن الحمى قد وردتك فأردعت (2) عليك أيامًا فنهكتْك حتى خيفت عليك بُرَحاؤها (3)، وأن ابن أبي عتيق جزاه الله عنا وعنك خيرًا أبي إلا أن يتعهدك بمرضك حتى تبرأ وتستفيق، وإني لأراك بارئًا يا أبا الخطاب.
فوالله لقد سكنتْ نفسي لما أتم كلامه وسكتَ، وأدنى يده يجسُّني جسَّ المشفق، ورأيت ابن أبي عتيق يثوب كأنما كان في كرب يغتُّه (4) ويعصرُه ثم أرسله فعاد إليه الدم. فهذا أخي الحارث (هو الحارث بن أبي ربيعة أخو عمر) سيد من سادات قريش شريفٌ كريم عفيفٌ ديّنٌ، ما رآه امرؤ إلا دخلته الرهبة له حتى تتعاظمه. فما زاده أن كانت أمه سوداء من حَبش إلا رفعة ومكانًا. ولقد كان عبد الملك بن مروان ينازع عبد الله بن الزبير أمر الخلافة، وكان ابن الزبير
__________
(1) إن: هنا حرف نفي.
(2) أردعت: من الرداع، وهو وَجَعُ الجسم أجمع.
(3) بُرَحاؤها: شِدَّتها.
(4) الغَتُّ والعَصْر بمعنى، وفي حديث المبعث "فأخذني جبريل فغَتَّني".
(1/255)

قد ولَّى الحارث بعض الولايات، فلما جاءه النبأ بولاية الحارث قال: أرسل عوفًا وقَعَد! ولا حُرّ بوادي عَوفٍ (1). فابتدر من المجلس يحيى بن الحكم وقال: ومن الحارث يا أمير المؤمنين؟ ابن السوداء! فقال له عبد الملك: خسئتَ، فوالله ما ولدتْ أمةٌ خيرًا مما ولدت أمه!
ثم صرف الحارث وجهه إلى ابن أبي عتيق وهو يبتسم له وقال: أما زلت يا ابن أبي عتيق بحيث قال صاحبك فيما بلغنى من شعره إذ يقول لك؟
لا تلمني عتيقُ حسبي الذي بي ... إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني
إنَّ بي داخلًا من الحب قد أبْـ ... لَى عظامي مكنونه وبراني
لا تلمني وأنت زيَّنتها لي ... أنت مثل الشيطان للإنسان
فقال ابن أبي عتيق: هُديت الخير، فوالله إن أخاك لشاعر يقذف بباطله، ولقد وقعت في لسانه ولقيت من دواهيه. ثم نظر إليَّ الحارث وقال: أما وقد لقيتك بخير يا عمر، فإني منصرف إلى وجهي، وبالله إلا ما تقدمت إلى أهل بيتك أن يعدوا لي المنزل الذي نزلته بالأمس حتى أعود، وإني أرى الريحان قد ذبل فَمُرْهم أن يستبدلوا به، وأن يطيِّبوا الفراش ويجمروه، وقل لطائف الليل أن لا يلم بنا؛ فلسنا عن حاجته ولا هو من حاجتنا. فما تمالكت أن قلت له: ويحك! أفهو أنت؟ قال: أجل هو أنا أيها الفاسق! قلت: إِذن فوالله لا تمسك النار أبدًا وقد ألقت نفسها عليك وقبَّلَتك. فقام مغضبًا يفور وقال: اعزُبْ، عليك وعليها لعنة الله!
وانطلق الحارث واستفقت من غشيَة الحُمَّى وما نزل بي عن الغم لما فاتني من الثريَّا. وقال ابن أبي عتيق: قد والله أسأت فما تراني كنت أحدثك من جوف الليل أنهاك أن تجزع لبغتة إن جاءتك، فوالله لشد ما جزعت وخانتك نفسك وأرداك لسانك! ولبئسما استقبلت به أخاك! ولقد كنت أقول لك إن التردد
__________
(1) لا حُرَّ بوادي عوف: مَثَلٌ، يضرب لكل مَن ناوأ مَن هو أشد منه قوة وأعز سلطانا فخضع وذلّ.
(1/256)

مَدْرَجَة النكبات فإذا جرأة لسانك مدرجَة إلى كل بلاء، وإلا (1) والله لا تفلح أبدًا أيها الرجل.
فلقد اضطرب عليَّ أمري حتى ما أدري ما أقول، ثم سكَّنت نفسي وقلت له: أفرخ روعك يا ابن أبي عتيق، ولتعلمن اليوم دهاء عمر، فأرسل في طلب ابنتي "أمَة الوهاب" والحق أنت الحارث فردّه علي. وانطلق ابن أبي عتيق، ولم ألبث حتى جاءتني أمَةُ الوهاب، فقلت لها: يا بنية! أشعرت أن عمك الحارث قد نزل بنا الليلة؟ قالت: كلا يا أبَهْ! قلت: إذن فانطلقي إلى هذه الغرفة التي إلى جواري وتباكى وانتحبي ما استطعت حتى أنهاك. ففعلت، وجاء الحارث وابن أبي عتيق، فقلت له: جعلت فداءك! مالك ولأمة الوهاب ابنتك؟ أتتك مسلمة عليك فلعنتها وزجرتها وتهددتها، وها هي تيك باكية. فقال: وإنها لهي! قال: ومن تراها تكون؟
فانكسر الحارث كأنما اقترف ذنبًا لا يعفو الله عنه إلا رحمة من عنده، وقال: فما بالك وما كنت تقول؟ فقال ابن أبي عتيق: ذاك هذيان المحموم يا ابن أخي، ولو أنت كنت الليلة إلى جانبه لسمعت من بوائق (2) لسانه ما تصطك منه المسامع. وإني لأظن الحمَّى هي التي خيلت له حتى أُنطقته ببعض تكاذيبه. قال الحارث: والله لشد ما يغمني أن يدع عمر كل خير في الدنيا، وكل ثواب في الآخرة، وأن يحبط أعماله بما يسول له شيطان نفسه وشيطان شعره، فيهتك عن الحرائر ما ستر الله. ولقد طالما نهيتك يا عمر عن قول الشعر فما زلت تأبى أن تقبل مني، أتراك فاعلًا لو أعطيتك الساعة ألف دينار ذهبًا على ألا تقول شعرًا أبدًا. قلت: قد رضيت! قال: فهي منذ الساعة في ملكك.
قال عمر بن أبي ربيعة: فما أخذتها منه إلا لأهديها إلى الثريا عطرًا ولؤلؤًا وثيايًا من تحف اليمن. أما الشعر فوالله لا أتركه لأحد، رضى الحارث عني أو غضب.
__________
(1) كذا بالأصول، والسياق يقتضي أن تكون: ولا.
(2) البَوائق: الدواهي.
(1/257)

الحرف اللاتيني والعربية
ربَّ رجل واسع العلم، بحر لا يزاحم، وهو على ذلك قصير العقل مضلّل الغاية، وإنما يعرض له ذلك من قِبَل جُرأته على ما ليس له فيه خبرة، ثم تهوره من غير روية ولا تدبر، ثم إصرارُه إِصْرارَ الكبرياء التي تأبى أن تعقل. وإن أحدنا ليقدمُ على ما يُحسنُ، وعلى الذي يعلم أنه به مضطلع، ثم يرى بعد التدبر أنه أسقط من حسابه أشياء، كان العقل يوجبُ عليه فيها أن يتثبت، فإذا هو يعود إلى ما أقدمَ عليه فينقضه نقض الغَزْل.
ومن آفة العلم في فن من فنونه، أن يحملَ صاحبه على أن ينظر إلى رأيه نظرة المعجب المتنزّه، ثم لا يلبثُ أن يفسده طول التمادى في إعجابه بما يحسنُ من العلم، حتى يقذفه إلى اجتلاب الرأي فيما لا يُحسِن، ثم لا تزال تغريه عادة الإعجاب بنفسه حتى ينزل ما لا يحسن منزلة ما يحسن، ثم يُصرّ ثم يغالى ثم يعنُفُ ثم يستكبر. . . ثم إذا هو عند الناس قصيرُ الرأي والعقل على فضله وعلمه.
فمن ذلك أني قرأت في عدد مجلة "المصور" 1015 بتاريخ 29 ربيع الأول سنة 1363 حديثا لصاحب المعالي عبد العزيز فهمي باشا عن "الإسلام والحروف العربية" فرأيته يفتتح حديثه بهذه الكلمة، إذ يقول لسائله:
"إني لا أُعَنِّي نفسي البتة بالإطلاع على ما قد يقال من هذا الهراء الذي هو أهونُ علي من الغبار الذي يمس ردائي وحذائي، فما بالك أنت تهتم بما لا أكثرث له؟ ".
وعبد العزنر فهمي رجل كنا نعرفه بالجد والحرص والفقه وطول الباع في القانون، وكنا نظنه رجلًا محكم العقل من جميع نواحيه، لا يتدهور إلى ما ليس له به عهد، ولا يرمي بنفسه في غمرات الرأي إلا على بصيرة وهدى. فلما قال
__________
(*) الرسالة، السنة الثانية عشرة (العدد 562)، إبريل 1944، ص: 308 - 310.
(1/258)

ما قال عن الحروف العربية في المجمع، ونشرت الصحف قوله ورأيه، قلنا: عسى أن يستفيق الرجل ويعودَ إلى سالف ما عهد فيه من الحكمة والمنطق، وأن يكون ما قال خالصًا لخدمة العربية، فإن يكن في رأيه شيء من الصواب فسيحقق الجدل الذي يدور بينه وبين الناس فضيلة رأيه على الآراء، وإن يكن أخطأ فهو خليق أن يرجع إلى صواب الناس غير معاند ولا لجوج.
كان هذا ظننا فيه، فلما قرأت فاتحة حديثه التي رويتها قبل، علمتُ أن الرجل لن يستفيق، ولن يعودَ، ولن يعقلَ ما يقول الناس -وما ظنك برجل من رجال القضاء- رجلٍ مارس العقلَ والفهم وتقليب الرأي، والتثبت من الحجج المتضاربة الموهمة، والحرصَ على أدق الصغائر لا تخدَعُه عن عَدْله وإنصافه؟ ما ظنك برجل هذه صفته يزعم أنه لا يطّلع، بل لا يعني نفسه بأن يطلع على آراء خصمه! ثم ماذا؟ ثم ترى هذا القاضي العادل، بعد أن شهد على نفسه وأقرَّ أنه "لا يعني نفسه البتة بالاطلاع على ما قد يقال"، يصف هذا الذي لم يطلع عليه ولم يقرأه ولم يتعب فيه، بأنه "هراء"؟ ! فمن أين عَلم؟ وكيف حكم على شيء لم يقرأه؟ ثم يزيد فيقول إن هذا الهراء الذي لم يقرأه، أهون عليه من الغبار الذي يمس رداءه وحذاءه! ثم يبالغ فيعنف سائله ويتعجب له ويسخر منه، ويقول له: ما بالك أنت تهتم بما لا أكترث له؟
وهذا التسلسل العجيب الذي كنا لا نظنه مما ترضى عنه بصيرة رجل مفكر، فضلًا عن قاض حريص، فضلًا عن رأس من رؤوس القانون، فضلًا عن نابغة من نوابغ مصر، قد كان، ورضى عنه عبد العزيز فهمي باشا، وجعله حجته ومنطقه في حومة الرأي والجدال. ولعلَّ الغضبَ هو الذي احتمله حتى أضله عن مواطيء حجته، ثم تركه يتضرّبُ في كلامه، حتى اقترف من اللفظ والمنطق ما لا يليق به.
ونحن سنرضى أن نكونَ في الغبار الذي يمسُّ رداء الباشا، وفي الغبار الذي يمس حذاءه! ونسأل الله أن يجعله بركة للناس وخيرًا، وأن يسبغ عليه من نعمه ما هو له أهل، وأن يسدد خطاه حيث ذهب، فحيثما اهتدى الباشا كنا من الغبار الذي يهتدى بهَدْى حذائه! وسواء علينا بعد ذلك أقرأ هذا الهراء أم لم يقرأه!
(1/259)

نحن نسلم للأستاذ الجليل بما يقول عن صعوبة الحرف العربي المكتوب، وبأنه يعوق القراءة، وأنه يجعل العربية أبعد متناولًا عن عامة الناس، نسلم له بهذا، ثم ننظر كيف يكون الرأي الذي اعتسفه مظنة للتسهيل، ومدعاة لنشر العربية! وكيف يكون هو الذي يخرج الحرف العربي الغامض إلى البيان والوضوح، فلا يكون مضللًا ولا معوقًا، فإنه زعم أن "ليس لدى المسلمين وغيرهم من أهل البلاد العربية وقت فائض يصرفونه في حل الطلاسم"! هذا هو محصول رأيه.
فما هذا التضليل الذي زعم؟ لقد قال من قبل إن الذي دفعه إلى هذا الرأي هو تيسير الكتابة العربية، "لأن حروف هذه اللغة ليس بينها حروف حركات! وكثيرًا ما يحدث فيها التصحيف والتحريف لهذا النقص، فمهما تعلمها الإنسان فلابد أن يخطئ في قراءتها، وقد عالج الأقدمون هذا المشكل الكبير بوضع الشكل، ولكن هذا الشكل قد أفلس، بل كان مجلبة لزيادة التحريف والتصحيف".
ودليل الاضطراب لم يزل يظهر في هذا المنطق كما ظهر في حديث محرر المصور، وهو سؤال وجواب لا عنت فيهما، فأول الوهن وأول الفساد في هذا المنطق أننا رأيناه في اقتراحه قد أبقى الحروف المعجمة (المنقوطة)، وقصر ما ادعاه من التضليل والعسر على (حروف الحركات). وهذا عجب. فالإعجام (النقط) هو في التصحيف والتحريف بمنزلة الشكل أو أقل منه قليلًا، فكان لزامًا أن يبحث مسألة الحروف المعجمة، ويخلص العربية منها ليدرأ عنها التصحيف والتحريف! ولكنه لم يفعل، ولم؟ لا ندري!
ومع ذلك، فلنفرض أننا أدخلنا ما سماه (حروف الحركات) في كلام عربي مكتوب باللاتينية، ثم لنفرض بعد ذلك أنه قد أجدى ونفى التضليل من هذا الوجه. ولكن يبقى أن ننظر: أينتفي التضليل البتة، أم هناك نوع آخر من التضليل يجره هذا العمل؟ وأي التضليلين أهون شأنًا؟ فإذا تساويا بطلت الحجة المرجحة، وإذا غلب أحدهما كان الانصراف إلى أخفهما ضررًا هو الوجه الذي
(1/260)

لا معدل عنه، أليس هذا هو منطق الناس يا صاحب الحروف اللاتينية، أم تراه ينبغي أن نسير على هَدْى منطقك؟ !
فخذ إليك مادة من العربية مثل "قام"، ثم اجعلها فعلًا، ماضيًا ومضارعًا وأمرًا، وألحق به ما يلحقه من الضمائر، وأدخل عليه ما يدخله من قبل أوله وآخره مثل "فليقمهنَّ" وفي التثنية والجمع، والخطاب والغيبة، ثم أخرج جميع مشتقاته من الأسماء، وألحق بها ما يلحقها، وضعها في حالة الإضافة إلى الاسم الظاهر والضمائر، في التثنية والجمع أيضا، ثم أجمع الأسماء على اختلاف صور الجموع الممكنة فيها، ثم افعل ذلك بالمادة حين يزاد فيها ما يزاد مثل "أقام وقوّم واستقام"، وصرّفها في الوجوه التي ذكرناها، وتبين حركات الإعراب في سياق الكلام، وضع كل ذلك أمامك مكتوبًا بالحرف العربي، ثم بالحرف اللاتيني ذي الحركات التي تجعل الكلمة مرسومة كمنطوقة، ثم انظر إليهما، فهل تستطيع، غير معاند ولا لجوج، أن تميز بين كلمة وكلمة، وأن تتبين الشبه بين هذه المتقاربات من مادة واحدة في اللغة؟ نحن قد جرينا على أسلوب صاحب اللاتينية، فجربنا ذلك بأنفسنا فما اهتدينا ولا أدركنا، وصارت الكلمة الواحدة التي لا تخطئها العين في العربية، ولا تخطئ الشبه بينها وبين صواحباتها، كلمات لا يُدرى ما هي! وهذا شيء قائم على الحس والتجربة والعيان (*).
فإذأ عرف، من لا يستكبر عنادًا ولجاجًا، أن ذلك مما يُضِل ويعمى، نظر فإذا هو يرى أن أول التضليل في رسم العربية باللاتينية، أن يضيع على القارئ تبيّن اشتقاق اللفظ الذي يقرؤه، فإذا عَسُر عليه ذلك صار اللفظ عنده بمنزلة المجهول الذي لا نسب له، وصار فرضًا عليه أن يعمد إلى رسم المادة الواحدة من اللغة في جميع صُورها التي تكون في السياق العربي، ثم عليه أن يحاول تقريب الشبه بالذاكرة الواعية، ثم عليه أن يحفظ معاني ذلك كله. فإذا كان هذا شأنه في المادة الواحدة فما ظنك باللغة كلها؟ يومئذ تصبح العربية أجهَدُ لطالبها من اللغة
__________
(*) لقد تجنبنا أن نرسم على الكلام العربي في هذه المادة، ووجوه التصريف واللواحق، لأنها يسيرة على القارئ فهو يستطيع أن يستخرجها جميعًا ويرسمها لنفسه وينظر أي مخرقة يرى! (شاكر).
(1/261)

الصينية. نعم، وإذا ضل عن تبين الاشتقاق والتصريف، فقد ضل عن العربية كلها، لأنها لم تُبْن إلا عليهما. وهي من هذا الوجه مخالفة لجميع اللغات التي تكتب بالحرف اللاتيني، لأن الاشتقاق والتصريف يعرضان لها من قبل بناء الكلمة كلها، حتى تختلف الحركات على كل حرف في كل بناء مشتق أو مصرف، ثم يزيد على ذلك ما يدخل على الكلمة من جميع ضروب الحروف العاملة وغير العاملة، ثم عِلل الإعراب والبناء والحذف. . . . إلى آخر ما يعرفه كل مبتدئ في العربية.
فإذا كان هذا هكذا، وكان التضليل كائنًا، وكان هذا التضليل واقعًا في أصول الاشتقاق والتصريف، الذي يردّ القارئ إلى أصل المادة اللغوية، وإذا كان الضلال عن أصل المادة ضلالًا عن معناها، فأي السبيلين أغمض وأضل: سبيل عُسر القراءة لعدم (حروف الحركات)، أم سبيل امتناع الفهم لامتناع الاهتداء إلى أصل الاشتقاق؟ ونحن لا نشك في أن كل رجل ذي بصيرة حسن المنطق، سيجد في هذا وحده من المشقة والعسر، وما لا يدع اختيارًا في الاعتراف بالضلال المطبق الذي تجلبه الكتابة بالحرف اللاتيني، وأن التصحيف والتحريف الذي يدخل الحرف العربي أهون بكثير من الاختلال والفساد والمضلة والعبث التي يجرها الحرف اللاتيني.
وإذن فغاية المشروع الذي انتحله، أن ييسر نطق الكلمة المكتوبة في حال إفرادها، غير ناظر إلى سهولة الاهتداء إلى الاشتقاق الذي هو أصل العربية، وأراد أن يأمن الخطأ في الإعراب، والتحريف في ضبط الكلمة، فنسي كل شيء، ولم ينظر ماذا يجلب مشروعه من التضليل والتشويه والتعسير والاستحالة، والغموض الأعمى الذي لا يهدى إلى شيء في هذه اللغة العربية! وهذا وحده عجب أي عجب.
هذه واحدة، ثم زعم الباشا أن الحروف العربية تعوق القراءة، فمهما تعلمها الإنسان فلابد أن يخطئ! وأن هذا المشكل قد عالجه الأقدمون بوضع الشكل، ولكن هذا الشكل قد أفلس، بل كان مجلبة لزيادة التحريف والتصحيف!
هما علتان، ثم علتان ملفقتان قد غلغل فيهما البطلان، ونخرتهما المغالطة
(1/262)

في الصميم وفي المنطق. ونحن لن نناقش اليوم هاتين العلتين إلا من وجه واحد يظهر به فسادهما، أما سائر الوجوه فندعها حتى يحين وقتها ومكانها من الكلام. فالخطأ عندنا لا يعود إلى صعوبة الحرف المكتوب، وإنما يعود إلى القارئ المخطئ نفسه، وهذا هو وضع القضية عندنا: إذا كان المتكلم حين يتكلم يستطيع أن يسوق كلامه على العربية الصحيحة غير مخطئ، فمحال أن يخطئ فيها عند القراءة مهما اختلف الخط عليه سهولة وصعوبة، لأن النطق سابق للقراءة، فالذي لا يخطئ وهو يتكلم (أي كأنه يقرأ من حرف غير مكتوب)، لا يتأتى له أن يخطئ وهو يقرأ حرفًا مكتوبًا ظاهرًا مميزًا ببعض الدلالات. وإذا عولج بعض العسر بوضع الشكل على الحروف، فالخطأ عندئذ أشد استحالة لوجود دلالات صريحة لا تقل في إفصاحها وبيانها عن حروف الحركات التي أرادها صاحب هذا المشروع اللاتيني، ومن ثم فهي ليست مجلبة لزيادة التصحيف والتحريف كما زعم. أما قوله، في خلال ذلك، إن الشكل قد أفلس، فهذا حكم باطل في قضية باطلة بطبيعتها، وما دامت القضية في أصلها لا تصح على الوضع الذي لفقه، فالحكم نفسه لم يدخل إلا زيادة في التلفيق. لقد نسى صاحب الحروف اللاتينية أن الإعراب في العربية شيء يختلف اختلافًا كبيرًا عن سائر اللغات المكتوبة بالحروف اللاتينية، وأن الخطأ فيه لن يكون من قبل الكتابة سهلة أو صعبة، بل هو راجع إلى المتكلم أو القارئ من قبل الضعف والقوة والعلم والجهل ليس غير.
وأما ثالثة الأثافي، كما يقولون، فهو زعمه أن "ليس لدى المسلمين، وغيرهم من أهل البلاد العربية، وقت فائض يصرفونه في حل الطلاسم"! فأي طلاسم؟ أهي الطلاسم التي تدخل على كل حرف من الحروف في المادة الواحدة، ألوانًا من الحركات تكتب بين كل حرف وحرف، وفي أواخر كل كلمة، وتقف فواصل متباينات بين حروف مادة واحدة من لغة بنيت على الاشتقاق وعلى الاختصار، وجاء فيها الجموع المختلفة، والصفات والأبنية ذوات المعاني، والبناء للمجهول، وأحكامُ المعتل في التصريف، واختلاف
(1/263)

المصادر وأسماء الزمان والآلات، والترخيم والنسبة، والإضافة والتقاء الساكنين، وأحكام الإعلال والإبدال والإدغام، إلى آخر هذا كله، ممَّا يغيّر الأبنية والأطراف والأوساط، هذا إلى كثير من أحكام النحو الأخرى التي تفزع من يتتبعها إذا هو أراد جدال صاحب الحرف اللاتيني! أهذه هي الطلاسم أم تلك؟ وأيهما أفسد لوقت المسلمين وغيرهم من أهل البلاد العربية؟ بل أيهما أضرَى وأشنع فتكًا وشراسة؟ بل أيهما الذي يغول العقل لا الوقت وحده!
ولكنها فتنة! فتنة اغتر بها شيخ صالح، فاستغلها من لا يرى للعربية حقًّا ولاحُرمة، ولولا بعض حسن الظن لقلنا:
لا تأمنوا قومًا يَشبٌّ صبيُّهم ... بين القَوابِلِ بالعداوة يُنشَعُ (1)
فَضِلَتْ عداوتُهم على أحْلامِهِم ... وأبتْ ضِبابُ صدُورِهم لا تُنْزَعُ (2)
إن الذين تَروْنَهم إخوانَكم ... يشفي غليلَ صدورهم أن تُصرعُوا
وأي مصرع يا صاحب المعالي! علَّمك الله الخير وهداك إليه وسددك وحفظك.
__________
(1) القوابل: جمع قابلة، وهي التي تستقبل الولد عند الولادة. يُنشَع: وُيربَّي.
(2) الضباب: الحقد الكامن في الصدور.
(1/264)

من مذكرات عمر بن أبي ربيعة صديق إبليس
" قال عمر بن أبي ربيعة":
"لم أزلْ أرى كَلْثم "هي بنت سعد المخزومية زوجة عمر" أجزلَ النساء رأيًا وأصلبهنَ مكسِرًا (1)، وأقواهُن على غيرة قلبها سلطانًا، حتى إذا كان مُنذ أيام رأيتُ امرأة قد استعلن ضعفها، وتهتَّك عنها جَلَدُها، وعادتْ أنثى العقلِ يُغويها الذي يغريها.
"وإن أنسَ لا أنسَ يوم احتلتُ عليها حتى دخلت إليها، وقد تهيأت لي أجملَ هيئة وزينت نفسها ومجلسها، وجلست من وراء الستْر؛ فلما سلمتُ وجلستُ، تركتني حتى سكنت، ثم رفعت الستْر عن جمال وجه يخطفُ الأبصارَ، ثم رمت في وجهي تقول: أخبرني عنك أيها الفاسق! ألست القائل كذا وكذا؟ تعني أبياتا لي، فما زلت أفتِلُ في الذِّرْوَة والغاربِ (2)، وهي تَنِدُّ عليّ وأنا مقيم عندها شهرًا لا يدرى أهلي أين أنا، ولا أدري ما فعل الله بهم. ولا والله ما مرّ عليَّ يوم إلا حسبتها امرأة قد خلقتْ بغير قلب، لما ألقاه من عنادها وامتناعها، وإني لآتيها بالسِّحْر بعد السحْر من حديث تحنُّ عليه العوانس المعتصمات في مَرَايئ الزمن، وأنا يومئذ شاب تتفجَّر الصَّبْوة من لساني، ويتلألأ الغزلُ في عينيَّ، وهي يومئذ غادة غريرة لو نازعها النسيم، فيما أرى، لاستقادتْ له من دَلِّها ولينها وغضارة العيش. ولبثت شهرًا أقول وأحتال وأستنزل عُصْمها (3)
__________
(*) الرسالة، السنة الثانية عشرة (العدد 601)، 1944، ص: 37 - 40.
(1) يقال رجل صُلْبُ المكْسِر، على المدح والثناء، وذلك إذا كان باقيا على الشدة لا يلين ولا ينخزل.
(2) هذا مَثَل. الذروة: أعلى السنام. والغارب: ما بين السنام والعنق، وأصله أن يكون البعير مُصْعَبا. فيحكّ صاحبُه سنامَه وغاربَه، ويفتل الوبَر بينهما بأصابعه حتى يؤنسه بذلك، ويخدعه حتى يمكن منه فيخطمه.
(3) العُصْم: من الوُعول ما في ذراعيه بياض، وهي تسكن أعالي الجبال.
(1/265)

برُقى السحر، حتى إذا قلت قد دانتْ، انفلتت مصعَّدَة قد تركتني شاخصًا أنظر إلى صيد قد طار، ثم أطرق ناظرًا إلى سحر قد بطل. فلما اشتد ذلك عليّ استأذنتها في الخروج إلى أهلي، وقد يئست منها ومن هواها، فما سمعت حتى قالت: "يمينَ الله أيها الفاسق! بعد أن فَضَحتني؟ لا والله لا تخرج أبدًا حتى تتزوجني! " فتزوجتها وهي أحبُّ النساء إليّ أن أتزوَّج، ومازلتُ معها وأنا لا أنكرُ منها شيئًا، وأقول الشعر تأخذه الألسن لتشيعه إلى الآذان، وأدخل بيتي فألقاها فلا أسمعُ منها قلتَ وقلتَ! فيكربنى إغفالُها لما يبلغها من الشعر، فألحُّ على النسيب، وأذهب كل مذهب في التشبيب، وأتبعُ النساء بعينيّ وقلبي، وأقولُ، فلا والله ما نَبَضَ لها قلب ولا تحركت لها جارحة، ولقد أدخُل عليها فإذا هي تلقاني ضاحكة لاهية، حتى أقول: لعلها لم تسمعْ! فأنادي مولاي وأملي عليه، وهي بحيث تسمعُ ما أملي، وأتخلل الإملاء بالشكوى والحنين وأرفع بهما صَوْتي، ثم أنهضُ ألقاهَا فما أرى وجْهها يربَدُّ أو يتمعَّر (1)، فكان ذلك غَيظي وشِقْوَتي، لا تزيدُهما الأيام إلا اتقادًا. ويْلُمِّه كيلًا بغير ثمن! كم ذا أُغِيرُها فلا تغارُ!
وأقبلتُ ذلك اليوم، بعد مرجعي من الكُوفَة بشهر أو أكثر، فاستقبلني جُوان (هو ولد عمر من كلثم) فقال: "يا أَبَهْ. أُمي، ما فعلت بها؟ ". قلت: "أُمك! بخير يا بُني وَعداهَا السوء". قال: "كلاَّ يا أَبَهْ، وما أدري ما بها، غير أني ظللتُ أيامًا أستخبرها، وهي خالية، عما يريبها أو يؤذيها، فلا أسمعُ منها إلا ما تنشده من شعرك.
كُنا كَمِثل الخمْرِ كان مِزَاجَها ... بالماء، لا رَنْقٌ ولا تكديرُ
فإذا وذلك كان ظِلَّ سَحَابة ... نَفحَتْ به في المُعْصراتِ دَبورُ (2)
"ثم تنظر إليَّ وتقول: يا جُوان، امضِ لشأنِكَ، ولا تَنْسَني في صلاتك، فوربّ هذه البنيَّةِ، لقد حملتُك ووضعتُك وأنا أدعو الله أن يُجنّبني الشيطانَ، وأن
__________
(1) تَمَعَّر: تغير وتقبض غَضبًا.
(2) الدبور: ريح حارة تهب من جهة الجنوب.
(1/266)

يجنبَ الشيطانَ ما يرزُقني، فكنتَ أنتَ يا بُنيّ دَعوتي، فادعُ ربَّك يا جُوان لأمك التي حملتك وهنا على وَهن.
فابْكِ ما شئتَ على ما انقضَى ... كل وَصْل مُنْقَض ذاهبُ
لو يردُّ الدمعُ شيئا، لقد ... ردَّ شيئا دمعُك الساكِبُ
فأقول: "يا أماه لقد أفزعتِني! " فتقول: "اذهبْ يا بُنيّ "لو تُركَ القَطَا ليلًا لَنام" (1). ثم تشيحُ وتنصرفُ، ولا والله ما قدرتُ منها على أكثر من أن أسألها فتجيبني بمثل ما أخبرتُك. فبالله، يا أَبَهْ، لا تدع أمي تموتُ بحسرة تتساقط عليها نَفْسُها! ارحمها يرحمك الله.
ويذهبُ جُوان ويَدَعُني لما بي، ويأخذني ما حَدُث وما قَدُم، وكيف ولم أُنْكِر منكِ يا كلثمُ شيئًا منذ رجعت من غيبتي بالكوفة؟ وإني لأدْخُلُ عليها فتُدَاعبُني وتضحك لي وتذهبُ بي في لهوها مذاهبَ، ولا والله إن وقعتُ منها على مَسَاءة تضمرها أوهمّ تكتمه، وكأن الحياة قد منعتْ دونها غِيَرَ النفس فهي لا تتغير. وهذا جُوان يقول، فلئن صَدَقَ لقد كذبتني عيناي وكذبَ عليّ قلبي، وإن كلثم لَتلهُو بي وتتلعبُ وأنا في غفلة عن كُبْر شأنها وأساها! وأذهب من ساعتي أدور في الدار أنظر، فإذا كل شيء أراهُ قد لبس من همّ نفسي غلالة سوداء نشأت بيني وبينه، وإذا أيامنا المواضى قد بُعثتْ في أَسْمال هلاهيل تطوف متضائلة في جنباتِ البيت وهي تنظرُ إليّ نظرة الذليل المطرَّد المنبوذ، وإذا كلثم قد خرجت إليهنَ كاللبؤة المُجْرِية (2) رِيعتْ أشبالُها، وإذا أنا أسمعُ همهمة كأنين الجريح تنفذُ في أذنيّ من حيثما أصْغَيتُ، وما هو إلا أن أراني في فراشي قد توكأتُ على مرفقي، والغشيةُ التي أخذتني تنقشعُ عني شيئا بعد شيء. وبعد لأي ما ذكرت ما كان من حديث جُوان كما كان، فنهضت من مكاني أَطلب كلثم في غِرَّتِها حيث هي من البيت.
وقصدت مقصورتها فإذا هي قد أجافت الباب (3)، فذهبت أفتحه وإنّ يدي
__________
(1) هذا مَثَل، يضرب لمن يتنبه لنواذر الشر فيأخذ حذره.
(2) المجرِية: ذات جِرْو، وهو ولدها.
(3) أجاف البابَ: رَدَّه عليه.
(1/267)

لتأبى عليّ أن تمتد خشية أن أطلع منها على ما يسوؤني، وهي أحب إليَّ من أن أراها مغمومة أو مكروبة على غير ما عودتني وعودتها. فأستأذنها من ورائه قالت "مهلا يا أبا الخطابِ، وبخير ما جئت". فقلت لنفسي "كذب والله جُوان وما كان كاذبًا". فلما فتحتْ لي الباب رأيتُ سُنَّة وجه كالسيف الصقيل يبرق شبابًا ورضى، وقالت "مرحبًا بك يا عمر، لو رأيت الساعة جاريتي وهي تدخلُ على ساعية تجري تقول: سيدتي أَدْركي مولاي فقد سمعت الناس يتناشدون من شعر قاله اليوم، وإذا فيه.
ليس حُب فوق ما أحبَبْتُها ... غير أن أقتل نفسي أو أُجَن
فاحفظيه يا سيدتي من روعة المصيبتين. فقلت لها: لقد وقى مولاك السوءَ أن ليس بينه وبين الناس إلا لسانه! ولا يقتل مولاك نفسه أو يجنّ حتى يقتل الحمام نفسه على هَدِيله (1) أو يجنُّ".
لم أدر ما أقول، فقد كانت كلماتُ جوان قد تشبحَّتْ لعينيَّ ودوَّت في أذني، فما أطقتُ صبرًا أن أسألها: "ما يقولُ جوان؟ زعم أنك لا تزالين مهمومة لأمر يستخبرك عنه فلا تخبرينه، ولقد مضت السنون بيني وبينك، ولا والله ما علمتُ إلا خيرًا ولا رأيت إلا خيرًا، وما قال إلا ما يجعلني آسَى على ما كان مني إليك مما ساءك أو رابك". وما كدتُ أتم حتى رأيتها تنتفض كالرشأ المذعور أفزعته النبأة (2)، وبَرقَت فتخاذلت وغَرِقَ صوتها فما تنطقُ فخاصرْتها (3) ومشيت بها إلى مجلس في البيت وجلست أتحفَّى بها حتى تهدأ. وبعد قليل ما قالت: "أما إذا كان هذا يا أبا الخطاب فوالله إنْ كتمتُك شيئًا".
ثم أطرقت ساعة، وأنا أنفُذُها ببصرى أطلب غيب ضميرها، ثم رفعت إليَّ بَصَرها ونظرت نظْرَة المرتاب ثم قالت "إني مُحَدِّثتك يا أبا الخطاب عما كان
__________
(1) الهديل: فَرْخٌ -زعموا- كان على عهد نُوح -عليه السلام- فهلك ضيعة وعطشا، فيقولون إنه ليس من حمامة إلا وهي تبكي عليه.
(2) النبأة: الصوت الخفي، يَنُم عن الصائد.
(3) خاصرتها: أخذت بيدها في المشْي.
(1/268)

كيف كان. هذه جاريتي ظمياءُ تدخل عليَّ كالمجنونة منذ أيام تقول: "سيدتي، يمين الله أن تكتمي عليَّ ما أقول". فأقول: "أمنت يا ظمياء! ما يروعك"؟ فتقول: "لا والله ما يروعني إلا أن أدع مولاتي توصم بين نساءِ قريش وبني مخزوم، ويتحدث أهل مكة أن أم جوان قد لقيت من البلاءِ كذا وكذا". فأقول: "ويبك يا ظمياء! انظري ما تقولين! ". فتقول: "لا والله إن هو إلا الحقّ، أرأيت إلى تلك البيضاء الصهباء ذات العينين التي مازلت تجيئني منذ أيام، لقد قالت لي في عُرض حديثها: يا ظمياء لقد جئت مكة من بلادٍ بعيدة، وإني لأسمع الناس على الطريق يذكرونها ويذكرون بيت الله الحرام، فما ازددت إلا شوقًا أن أرى بيت الله الحرام، وأن أرى الناس يجاورون هذا البيت العتيق، وما وقع في قلبي إلا أن أرى دنيا لم أرها، وقومًا كتب الله لهم أن يكونوا أطهر وأتقى الناس لله. ولقد خرجتُ من بلادي وهي أبغضُ إليَّ لما أرى من فجور أهلها وانغماسهم في كل إثم وباطل، وكنت أرى أشد أهلنا فجورًا ولجاجًا أولئك الشعراء. ثم دخلت بلادكم وطوّفت فيها ما طوّفت حتى إذا انتهيت إلى أرضكم هذه، لم أزل أعرف الشعراء فيكم أَفْجَر وأفسق وأضلّ".
"فما أطقت أن أصبر يا مولاتي حتى قلت: "مَهْ يا صهباء، وكذبتِ. وأين بنو الأصفر (1) من بني يعرب؟ فإن شاعر العرب ليقول، وإن قلبه لأطهر من أن يدنسه ما يدنس به شعراؤكم أنفسهم يا بني الأصفر. وهذا مولاي وهو أغزل العرب لسانًا، وما علم أحد عليه سوءًا. قالت صهباء: ما أحسن ما رباك أهلك يا ظمياء! وأحسني ما شئت ظنك في مولاك. قلت: تبًا لك. وإنك لَتُرِيغين (2) إلى مولاي منذ اليوم، فلا والله لقد كذبتِ وخسئت أيتها الصهباء الطارئة التي لا مولى لها، فقالت صهباء: كذبتُ وخسئتُ! ما أصدق ما قال مواليك "من دَخلِ ظَفار حَمَّرَ" (3)! وإنك لغريرة يا ظمياء، وأنا الصهباء الطارئة من بنات الأصفر لأَخبَرُ منك بغيب مولاك عمر. قلتُ: كيف قلتِ؟ قالت: إنه الحق، وإن لمولاك غيبًا
__________
(1) بنو الأصفر: هم الرُّوم.
(2) أراغ إلى فلان: طلبه سرا في خفاء للإضرار به.
(3) ظفار مدينة يمنية كانتِ لِحِمْيَر. وحَمَّر: تَعَلَّم الحِمْيَرِيَّة، وهذا مَثَلٌ.
(1/269)

عميت عنه عينك وعين مولاتك، وهو أحرص عليه من أن يطلع على خَبئه أحد قلت وأنَّى لك أيتها الغريبة؟ قالت: دعي عنك، فهو الذي أحدثك.
"ثم دنتْ مِني كالتي تُسِرُّ إليّ، وقالت: ما كذبتُك أيتها الحُلْوَة الغريرة، فهذا مولاكِ قد ذهب إلى الكوفة منذ زمن، ألم يكن ذلك؟ وهذا مولاكِ قد نزل بأفسق خلق الله وأخْبثهم عبد الله بن هلال الحميريّ الذي يزعُم أنه صديق إبليس وخَتَنُه (1) وصاحب سرَّه، وإذا هذا الفاجر يخرجُ إليه قَينتين من أجمل خلق الله وأَحسنه يغنيانه بشعره حتى ذهبَ عَقْلُه، وإذا هو يديرُ مولاك يومًا بعد يوم على أن يُفتَتَن بهما، حتى إذا بلغ منه ما أراد ضمن له أن تكونا بالطائف بحيث لا تراهما عينُ بشر. لا تنظري إليّ كالمرتابة، فهذا الخبيث ابن هلالٍ قد ألقى الطاعة إلى إبليس حتى عظُم أمره عنده فهو يُخْدِمُه (2) ويُناطقه، وحتى لقد ترك له صلاة العصر تقربًا إليه، وحتى أباحه إبليس أن يأمر الشياطين تتلعَّب ببني آدم، ومن شرطه عليه أن لا يزال أبدًا يجمَعُ بين الرجال والنساءِ في الحرام. وهو رجل كما يقول مولاي. . . .". قالت ظمياء: وإن لك لمولى يا صهباء؟ قالت صهباء: دَعيني حتى أتمّ يا ظمياء .. هو رجُل قد أوتى من القُوَّةِ على السِّحْر والقدرةِ على تلبيس أنظار الناس ما لم يجتمع لأحد من شياطين السَّحرة قبله، فلو هو مسَّ وجْه امرئ بمنديله الأزرق ذي الوشي لم تأخُذْه عينُ بشر. وهكذا هو يفعل بمولاك وصاحبتيه حتى لا يراهم الناس. قالت ظمياء: وإنَّ هذا يكونُ؟ ! قالت صهباء: نعم! وليس في الأرضِ أحدٌ يطيق أن يَدْرأ شرّ هذا الشيطان الخبيث إلا مولاي. فقالت لها ظمياء: ولكن أنَّى لمولاك يا صهباء أن يكونَ عَرَف الذي خبرتني به إن كان ما تقولين عن مولاي مما سمعته منه؟ قالت ظمياء: فدنت مني ونظرتْ في عَيني بعينين مذعورتين يخفِقُ فيهما مثل شقائق البرق، ثم قالت: ما من شيء يفْعَله هذا الخبيث ابن هلالٍ حيث كان إلا كانَ عند سيّدى خبرُه. فقالت لها ظمياء: وَيْبى! أحقا قلت يا صهباءُ؟ قالت: وَىْ، أو كنتُ كاذبة عليك وما أنا
__________
(1) الخُتُونة: المصاهرة، والخَتن: أبو امرأة الرجل، وأخو امرأته وكل من كان من قِبلِ امرأته.
(2) يُخدمه: جعل له خَدَمًا.
(1/270)

وأنت إلا من هذه الجواري الغريبات المستضعفات؟ ومالك تكذبيني وإنْ عندي من برهانِ ذلك ما لا قِبلَ لك بردّه. قالت ظمياء: بالله! قالت: بالله، فاذهبي إلى صِوَان سيّدك في هذه الغرفة التي إلى جوارنا، وأخرجي من بين المِطْرف السابع والثامن من ثياب مولاكِ ما تجدين!
[قالت كلثم امرأة ابن أبي ربيعة]:
"فهبت ظمياء فدخلت إلى صِوَانك (تعني عمر) فأخرجت شيئًا رجعتْ به إلى صهباء. ثم إذا هي تدخلُ عليّ وتقصُّ قصة ما كان، فأمرتها أن تأتيني بصهباء لأسمع ما تقول، فروت لي كل ما حدثتك به يا أبا الخطَّاب.
(قال عمر بن أبي ربيعة):
"فما تمالكت أن قلت لكلثم: ما تقولين؟ وأي شيء هذا الذي كان بين مطرفي السابع والثامن؟ فقالت كلثم: رُويد يا عمر، إما أن تدعني أتمّ وإلَّا والله لا سمعتَ مني شيئًا حتى يقطَع الموت بيني وبينك. قلت: ويحك، فأتمي.
قالت كلثم: "ثم إني سألت صهباء عن سيدها ومولاها فقالت إنه رجل صالح يسيح في الأرض، وإنه قد جاء فَحجَّ حِجَّتَهُ وهو على سَفَرِه بعد قليل يضرب في البادية حيث يشاء الله. قلت لها: أو يعلم مولاك من أمر ما تحدثيني عنه أكثر مما قلتِ؟ قالت: لا أدري يا مولاتي، فإنه ربما دعاني ويجعل يحدثني ويحدثني حتى أقول لن يَسْكُت، وما هو إلا كخاطفة البرق حتى يقطع فلا يتكلم. فربما عدت فسألته فلا والله ما يزيد على أن ينظر إلي ويبتسم. قلتُ لها: أو تستطيعين يا صهباء أن تأتيني بمولاك، ولك عندي مائة دينار؟ كلا لا نلت من مال مولاتي شيئا، ولكني سأديرُه حتى يأتيك لما أرى في وَجْهك من الخير والسَّعْدِ.
(1/271)

من مذكرات عمر بن أبي ربيعة صديق إبليس
(بقية ما نشر في العدد الماضي)
"وذهبت صهباء وبقيت أترقَّبُها ثلاثة أيام ولياليها وهي لا تجئ، حتى إذا كانت ليلة خرجتَ إلى الطائف آخر خَرْجة، جاءتني صهباء في جِنْح العَتمَة ودخلت هي وظمياء. قالت: لقد أطاع مولاي مرضاتك، فإن أذنتِ جئتُ به الساعة. قلت لها: لبِّثِي حتى يأوىَ جوان. فلما كان بعد هدأة الليل وفقدنا الصوت، ذهبت صهباء ساعة ثم جاءت. وَدَخَل عَليَّ رَجُل أسمر طُوالٌ نحيل البدن مَعْروق الوَجْه أبيض اللحية أشعث أغبر، كأن عينيه جمرتان تَقِدان في وقْبَين (1) غائرين كأنهما كهفان في حِضن جبل ونظر في عيني فوالله لتمنيتُ أن الأرض ساخَتْ بي ولم أنظر في عينيه، فما هو إلّا أن سلَّم حتى سمعت نغمةَ صوتٍ شجى كحنين الوالهة، فوالله لتمنيت أن يتكلم ما بقيت. ولم أدر ما أقول ودَهِشْت وهلك صوتي، فنظرت فإذا هو يبتسم إليَّ ثم يقول: "يا أم جوان! لقد سعيت إلى بيتك وما سعيت من قبل إلى بيت إلا إلى هذه البَنِيَّة "يعنى الكعبة". وقد جاءتني فتاتي صهباء تحدثني عما كان منها إليك، وقبيحٌ بامرئ أفزع قلبًا ساكنًا أن يدعه أو يطمئن، ولو كنت أعلم أنها مفتوقة اللسان، ما حدَّثتها بشئ أبدًا". قالت كلثم: فكأن الله جعل لي قوة سيلٍ جارف فقلت له: كذبت يا رجل وكذبت بنت الأصفر، ووالله لئن لم تأتني ببرهان ما تقول، لتركت شيبتك هذه أباديدَ (2) في أكف صبيان مكة. ووالله لو صدقت لأسترنَّك
__________
(*) الرسالة، السنة الثانية عشرة (العدد 602)، 1944، ص: 60 - 62
(1) الوَقب: النُّقْرة في الصخر يستنقع فيها الماء.
(2) أباديد: متفرِّقة، قِطَعًا قطَعا.
(1/272)

ولأكفينَّك ما عشتُ. فقال: "جزاك الله خيرًا يا أم جوان أما إذ كذبتي فآيتى أن تذهبي فتستخرجي من جوف حقيبة عمر الحمراء بين جلدها ومفرشها كتابَ عبد الله بن هلال الفاسق بخط يده، قد جعله تميمة لزوجك أن لا يراه أحد إذا خرج إلى مأوى الفتاتين بالطائف، ومعه منديلُ ابن هلال الأزرق ذو الوشى، يمسح به وجْهَه قبل أن يرحل". فما كذبت أن طِرْتُ إلى ما زعم، فوالله لقد صَدَق وبَرَّ.
"قال عمر"، قلت: ما تقولين؟ قالت: صه يا عمر فوالله لقد صدق وبرّ، وقلت له: أيها الشيخ! أفأنت تعلَمُ أين تجد هاتين الخبيثتين؟ قال: لا. قلت: فما تزعمُ فتاتك من أن لا شيء يفعله الخبيث ابن هلالٍ إلا كان عندك خبره؟ قال صدقتْ. قلت: فكيف لا تعلم؟ قال: إنه أخبث وألأم وأضل وأدهى وأقرب إلى إبليس وبنته بَيْذَخْ ذات العرش من أنْ أُطِيق معرفة ما انقطع بيني وبينه. قلت: وما بيذخ ذات العرش؟ قال: إنها ابنة إبليس التي اتخذت عرشها على الماء حولها سودٌ غلاظ يشبهون الزُّطَّ، حفاة متشققو الأعقاب، ولا يصل إليها إلّا من قدّم لها القرابين من حيوان ناطق وغير ناطق، وترك لها من الصلاة والصوم، وقدم إليها من الذهب والفضة واللآلئ حتى ترضى، فإذا فعل ما تريد وصل إليها فسجد تحت عرشها، فَتُخدِمه (1) من يريد وتقضي حوائجه. قلت: وما علمك بهذا أيها الشيخ؟ قال: ذاك شيء قد كان، والله هو التواب الرحيم. قلتُ: قد كان! قال: نعم أما اليوم فلا، وما يأتيني بأخبار اللعين الزنديق ابن هلال إلا صاحب من الجن قد آمن بإيماني، ولكنه محجوبٌ عن الأسرار. فقالت أفلا تكرمني أيها الشيخ فتسأل صاحبكَ أن يحتالَ ليعرف؟ قال: لا أدري! ولكن ائتينى بطستٍ أُناطِقْ صاحبى.
"فأتيته بطست فكبَّه، وأخرج من كُمِّه غلالةً سوداءَ فنثرها عليه، وأَمَر بالفتائل فأطفئت، وطلب جمرات في طبق فلما تم ذلك أخرج عُودًا من المندلى فطيَّر دُخَانه، وجلس حتى وإن عينيه لتبِصَّان (2) في الظلماءِ، وجعل يتمتم
__________
(1) تخدمه تجعل له خَدَمًا.
(2) تبصّ: تَلْمَع.
(1/273)

ويدندن ويُهَمْهِم حتى كدتُ أنشقُّ، ثم قال: يا زوبعة! فإذا صوت يأتي كأنما يخرجُ من جوف بئرٍ شَطون (1) يقول: لبَّيك يا أبا الحسن! وقال: أتدري أين أنا؟ قال: بلى دَرَيْتُ! قال: لقد حضرني من الأمر ما تَعْلم، أفأنت بمُدْركي بمأوى قينتي ابن هلالٍ؟ قال: لقد علمتَ ما لي ببيذخَ طاقة إيماني بالله ورسوله! قال: أفلا تحتال؟ قال: تبًّا لك! أترومني أن أَرتَدَّ إلى الكفر بعد الإيمان؟ قال يا زوبعة! أَمالك مِنْ صديق ترفقُ به حتى تستلَّ منه السرّ؟ قال زوبعة: هذا فراقُ بيني وبينك أيها الخبيث. ووالله ما تركتَ السِّحْرَ إلا وفي قلبِك رَجْعَة إليه. خسئتَ أيها الفاجر! ". وإذا الطستُ يتحرَّك فينقلبُ فأرى كمثل شرارة النار تنطلقُ مُدَّة ثم تخْفَى. قال الشيخ: يا أمّ جوان، لقد رأَيت، ومالي من حيلةٍ. قلت: احتَلْ لي وقاكَ الله السوءَ، ولا والله لا تخرج من هذه الدار حتى تعطيني المواثيق بأن تفعلَ ما أريد. قال: أم جُوَان، وكيف بعذاب الله؟
"قالت كلثم: فوالله ما إن سمعتُ مقالته حتى خانتني قدماي فوقفت أبكي ويرفضُّ دَمْعي كلذْع الجمْر، ورأيت الدُّنيا قد أطبقت عليَّ، وما هو إلّا أن أَنشِجَ بالبكاء. فدنا الشيخُ وأسر إليَّ أَنْ أبْشري أمَّ جُوان، فلا والله ما أدعُك أبدًا حتى يطمئن قلبك، واصبري غدًا تأتيك الصَّهْباءُ. وما أفقتُ حتى رأيتُني كالمأخوذة وظمياءُ تنضَحُ وجهي بالماءِ. وبقيت الليل كلَّه أطويه ساعةً بعد ساعةٍ حتى أصبَحَ الناسُ، وقلبي يجِفُ، ودمعي ينهل، وكأنّ في سَمْعي دويَّ النَّحْل، حتى إذا قام قائم الظهيرة جاءتْ صهباء، فقالت: يقول لك مولاي إنه يَبغِي رَفْرفَين من الديباج، وعشرة أثواب من الإبريسَم، وبُرْدين كذّابين (2) من الخز، وخمسين لؤلؤة لم تثقب. فما كذّبتُ أن أعطتها ما طلبتْ. وغابت يومين ثم جاءتني مع العشى وقالت: يقول لك مولاي: لو أطاقَ أن لا يكلّفك لفَعَل، ولكن الأمرَ قد
__________
(1) بئر شطون: بعيدة القَعْر.
(2) الرفرف: البِساط، وكل ما كان مِن دِيباج فهو رفرف. كذَّابينْ: يأتي مفرده أكثر ما يأتي بصيغة المؤنث، والكذابة: ثوب يُصْبَغ بألوان، يُنْقَش كأنه مُوَشى، وفي حديث المسعودي: رأيت في بيت القاسم كذابتين في السقف، لذا أظن أن صواب الكلمة بالتاء، أي مؤنثة.
(1/274)

استعصى عليه بعد توْبته، وإن بَيذَخ (بنت إبليس) لتتقاضاه كِفاءَ ما عَصَاها في طاعة الله. وإنها قد طلبت أن يذبحَ لها من الذبائحَ ما يسيلُ على جنباتِ الغَوْرِ (مسكن الجن) حتى ترضَى. قلت: كم يريد مولاك؟ قالت: بين المئتين والثلاثمئة. فوالله ما كذبتُ أن أعطيتُها. فما غابت إلَّا يومًا أو بعضه حتى جاءت تطلبُ المنديلَ الذي أعصبُ به رأسي، فما كذّبتُ أن أعطيتُها. ثم جاءتني من الغَدِ عند الأصيل، فقالت: يقول لك مولاي لا تصلي العشاء الآخرة الليلة حتى يُؤذِنَك. فوالله لقد كبر على ولكني أطعتُه، وإذا أنا أسمعُ في سُدْفَة (1) الفجر صوتا كالمتحدِّر ما بين جبلين يقول: قُومِي إلى صلاتِك. فقمتُ فصلَّيتُ وما كدتُ حتى أذن الفجر. فلما كانَ بعد أيامٍ جائتني صهباءُ تقول: أبشري! سيأتي مولاي الليلة. قلت: مرحَبًا به من ضيف. فلما دَخَلَ الليل وسكن الناس، جاءَ الشيخ لميعاده فسلَّم وسكتَ ثم قال: انظري إليّ يا أم جوان. فنظرت في عينين كالنار المشعلة في الليلة الدّامسة، وجعل يُمر يده بين عيني وعينيه، فكلما احتجبتا عني أظلمت الدنيا في عيني، وإذا وقعت عيني في عينه أضاءَ ما بيني وبينه كالسراج المتوهج، فوالله ما شعرت إلا وظمياءُ تنضحني بالماءِ حتى أفيق. قلت: يا ظمياء! أين الشيخ؟ قالت: لقد أَذنتِ له أن ينصرف بعد أن أعطيته من المال ما طَلَب .. قلت: تبَّا لي أين كان عَقْلي؟ وكم أعطيته؟ قالت: ألف دينار ذَهَبًا، وواعدَك أن يأتيك بعد سبعة أيام بمأوى الخبيثتين.
"قالت كلثم: وهذا اليوم ميعاده، ووالله لئن صدقتني يا عُمَر لقد حفظتك ما عشتُ في قلبي".
"قال عمر بن ربيعة": "فوالله ما كنت أدري ما أقول، إلا أني قلت لها: أَصْدُقُكِ؟ لقد ضللتِ إذن أيتها الحمقاء". قالت: "أنا حمقاء أيها الفاجر الفاسق! ثم قامت إلى صوانها فاستخرجت منه شيئًا ونشرته لعيني، فإذا سَرَقةٌ (2) من حرير أبيض عليها صورتان، فما تأملتها إلا كانتا والله قينتي ابن هلال حيث رأيتهما وسمعتهما بالكوفة، ولقد كانتا في السَرَقة أجمل وأفتن وأحبَّ إليَّ مما
__________
(1) السُّدفَة: الظلمة.
(2) السُّرَقة: أجود أنواع الحرير.
(1/275)

كانتا. قلت: إنهما والله يا كلثم قينتا ابن هلال! قالت: وصدق الشيخ أيها الفاجر! أَتَدَع حرائر بني مخزوم إلى الخبيثات الدنيئات من بغايا الكوفة، تخالف إليهن تحت الليل والسِّحر والكفْر وعبث الشيطان بك وبعقلك.
[قال عمر]: وإذا جوانٌ بالباب ينظر إلى الصورتين، ثم يتقدم ويقول: ما بك يا أمَّاه! فتقول: هذا الخبيث الفاجر يدع الحرائر من بني مخزوم ملطَّمات (1) ويختلف إلى زواني الكوفة يقتادُهن إليه الخبيث ابن هلال بالسحر والطلاسم. وهذا منديله يمسح به غبارَ وجهه لا يراه الناس ساعيًا إلى فجوره.
[قال عمر]: وجعلت تقص على جوان قصة ما كان، وهي تنظر إليَّ كاللبؤة المُجْرية ريعت أشبالها، فما كادت تفرغ حتى جاءت ظمياء مُعْجَلة تقول: مولاتي، صهباء بالباب. قالت كلثم: إيذني لها. فما كدت أراها حتى فزعت قائمًا إليها وأخذتُها بغدائرها: "وإنك لأنتِ أنتِ أيتها الشيطانة. فانقضتْ عليَّ كلثم تذودنى عنها وتقول: دعها أيها الفاجر قلت: إنها فِتَن جارية الخبيث الفاجر عبد الله بن هِلال ولطالما خدمتني بالكوفة! أليس كذلك يا فتن؟ قالت: أراك يا سيدي فما أنا إلا جارية بائسة مسكينة يركبني هذا الشيطان بخبثه وخبائثه. قلت: وأين ابن هلال صديق إبليس؟ قالت: ما تدركه يا مولاي! فقد ارتحل الليل وتركني والثَّقَل. قلت: وما جئتِ تبغين؟ قالت: أرسلني أطلب المال من مولاتي.
قالت كلثم: دعها يا عمر الآن، لقد ضللتُ إذن ما فعلتُ، ووالله لقد خدعني الشيطان ابن هلال. أين كان.
فقال جوان: والله يا أمَّه! لقد كان فجور أبي بخَبِيثتين من بغايا الكوفة، أحبَّ إليَّ من شِركك بالله وكفاك. قُومي يرحمك الله فتوبي إلى الله مما كان من ضلالك وكفرك.
__________
(1) ملطمات: إما عني بيض الوجوه، وأصل ذلك في الفرس إذا سالت غرته في أحد شِقِّي وجهه، وذلك من علامات الكرم. وإما أراد أن وجوههن (وسائرهن بالطبع) تفوح بالمسك، وهي اللطيمة.
(1/276)

من وراء حجاب
أخي الأستاذ الزيات:
السلام عليكم ورحمة الله، وبعد، فقد أكرمتني ودعوتني لكتابة مقالتي لعدد الهجرة من الرسالة، فجعلت أماطل الساعات كعادتي حتى تضطرّني إلى مأزق أجد عنده مفرًا من حمل القلم، والإكباب على الورق، وترك الزمن يعدو عليَّ وأنا قارٌّ في مكان لا يتغير وزمان لا يتحول. فلما كارب الرقت وأزفت الساعة، فزعت إلى ذلك الكتاب القديم الذي طال عهد "الرسالة" به، وهو "مذكرات عمر بن أبي ربيعة"، حملت الكتاب حريصًا عليه، ووضعته على المكتب بين يديّ، وترفقت بصفحاته وأنا أقلبه كما يقلب العاشق المهجور تاريخًا مضى من آلام قلبه. ووقعت على ورقة حائلة اللون قد تخرّمها البِلى، وإذا فيها هذه الأبيات الثلاثة، لم ينل منها شيء، لا تزال ظاهرة السواد بيِّنة المقاطع:
"فصروف الدهر في أطْباقه ... خِلْفَة فيها ارتفاع وانحدارُ (1)
بينما الناس على عليائها ... إذ هوَوْا في هوَّة منها فغاروا
إنما نَعْمَة قوم مُتْعة ... وحياة المرء ثوب مستعارُ"
لم أدر لِمَ نقل "عمر بن أبي ربيعة" هذه الأبيات في مذكراته، فإنها قائمة وحدها ليس قبلها ولا بعدها شيء يدل على ما أراد من ذكرها، فجعلت أداور الأوراق لعلي أبلغ مبلغًا من توهُّم خبرها الذي سيقت من أجله، وجعل معناها يداور قلبي ويساوره حتى كفت يدي عن الحركة، وسكن بصري على مكانها، وأحسست كأن القدر قد نام في ظلالها كالمارد الثمل طرحه طغيان السكر حيث
__________
(*) الرسالة، السنة الرابعة عشرة (العدد 653)، يناير 1946، ص: 8 - 11
(1) أطبافه: أحواله المختلفة خِلْفة: يخلف بعضها بعضا، يعاقب فيها الخير والشر، والغنى والفقر، والصحة والمرض.
(1/277)

استقر، وأطاف بنفسي جو من السكون والرهبة والجلال، وأخذت أستغرق في تأمل هذه الحياة المتكررة المتطاولة الدائبة منذ عهد أبينا الشيخ آدم -رحمه الله- إلى يوم الناس هذا. فآنست فترة (1) تأخذني، ثم نعسة تتغشَّاني، وسبحت في غمرة طويلة لذيذة لا عهد لي بمثلها منذ عَقَلْتُ.
وإذا أنا أفضي من غمرتي إلى ميدان فسيح أخضر الجوانب متراحب الأرجاء، وإذا مسجد بعيد يستقبلني كأحسن ما رأيت من مسجد بناءً وبهاءً، قد تباعدت أركانه وتسامت في جو السماء مآذنه، ويبرق بابه ويتلألأ شعاع الشمس عليه. فقصدت قصده، ولم أكد أدنو حتى رأيت جموعًا غفيرة من الخلق يستقبلون الباب خارجين، في ثياب بيض وعمائم بيض كأنها غَمامٌ تزجّيه الرياح (2). فوقفت وسألت أول من لقيت: ما الذي جمع الناس؟ قال: إنه الشيخ أيها الفتى. قلت: فمن الشيخ يرحمك الله؟ قال: غريب والله، إنه الشيخ أبو جعفر الطبري إمام أهل السنة، وشيخ المفسرين، وعمدة المحدِّثين، وثقة المؤرخين، ردّ الله غربتك يا فتى. قلت له: جزاك الله خيرًا ورضي عنك وأرضاك، أتراني أدركه الساعة؟ قال: هو رهين هذا المسجد لا يبرحه، فادخل تلقه.
ولم أزل أحتال للدخول وأمواج الناس تتقاذفني عن الباب حتى كدت أيأس من لقاء الشيخ، وظننت أني لو بقيت دهرًا لم تنقطع هذه الأمواج المتدفقة من باب المسجد. وظللت أزاحم حتى بلغ مني الجهد، وانتهيت إلى صحن المسجد وقد انفضّ جمع الناس، ولم يبق فيه غيري. وجعلت أسير أتلفت وأنظر في مقصورة بعد مقصورة، حتى رأيت بصيصًا من ضوء في مقصورة بعيدة، فلما وافيتها، وكانت الشمس قد آذنت بغروب، رأيت مسرجة معلقة وحجرة واسعة، وآلافًا مؤلفة من الكتب قد غطت الجدران. فاستأذنت ثم سلمت فلم أسمع مجيبًا، فدخلت، وإذا في جانب منها شيخ ضافي اللحية أبيضها جميل الوجه، قد اتكأ وأخذته سنة من نوم، وقد مالت عمامته عن جبين يلمع كأنه سُنَّة مصقولة من ذهب، وبين يديه كتب وأوراق مبعثرة أو مركومة ومحابر وأقلام.
__________
(1) فترة: ضَعْف وفُتُور.
(2) تزجيه: تدفعه وتسوقه.
(1/278)

سرقت الخطو حتى قمت بين يدي هذا الشيخ النائم، ثم جلست وجعلت أقدم ثم أحجم أريد أن أمسك شيئًا من ورقه لأقرأه، ثم عزمت فأخذت ما وقعت عليه يدي، فإذا هو تتمة تاريخ أبي جعفر الطبري الذي كان سماه "تاريخ الأمم والملوك"، وكان الجزء الذي فيه يبدأ من سنة خمس وستين وثلاثمئة بعد الألف من الهجرة (سنة 1365 هجرية الموافق لسنة 1946 م)، فانطلقت أقرأ تاريخ هذا الزمن وما بعده. وعسير أن أنقل لك كل ما قرأت، فسأختار لك منها نتفًا تغنى، كما كتبها الإمام أبو جعفر، وبعضها منقول بتمامه، وبعضها اختصرت منه حتى لا أطيل عليك. قال أبو جعفر:
[ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
فمن ذلك ما كان من إجماع المجلسين الأمريكيين على فتح أبواب فلسطين لشذاذ المهاجرين من اليهود. وكتب إليَّ السُّدّى، وهو مقيم هناك في أمريكا، أن موقف الرئيس ترومان الذي كان ادَّعاهُ من إيثاره العقل على الهوى في هذا الأمر، إنما كان حيلة مخبوءة أراد بها أن يغرر بالبلاد العربية والإسلامية، ثم يفاجئها بحقيقته. وهو في ذلك إنما يعمل للظفر بمعونة اليهود في الانتخاب الآتى للرياسة. ولما كان هواه هو الذي يُصرّفه، فقد علم أنه طامع في الرياسة حريص عليها، وأن اليهود في أمريكا هم أهل المال، أي أهل السلطان، أي هم الأنصار الذين إذا خذلوه فقد ضاع. قال السدّى: وقد سمعت بعض أهل العقل والرأي في أمريكا يستنكرون ما كان منه ومن قرار مجلسيه، ويرون أن الديمقراطية اليوم قد صارت كلمة يراد بها التدليس على عقول البشر، ليبلغ بها القوى مأربه من الضعيف المغرور بهذه الرقية الساحرة التي يدندنون بها في الآذان. وقد أخبرني الثقة أن الرئيس ترومان قد أَوْحى إليه بعض بطانة السوء أن العرب والمسلمين قومٌ أهل غفلة، وأن دينهم يأمرهم بالصبر ويلح فيه، فهم لا يلبثون أن يستكينوا للأمر إذا وقع، ولا يجدون في أنفسهم قوة على تغييره أو الانتقاض عليه، وأن الزمن إذا تطاول عليهم في شيء ألفوه ولم ينكروه. فإذا دام دخول اليهود فلسطين وبقى
(1/279)

الأمر مسندًا إلى الدولة المنتدبة (وهي بريطانيا)، وانفسح لحمقى اليهود مجال الدعوى والعمل والتبجح، وألح على العرب دائمًا إجماع الدنيا كلها (أي الديمقراطية) بأن الدولة اليهودية في فلسطين حقيقة ينبغي أن تكون وأن تتم كما أراد الله، فيومئذ يلقى العرب السَّلَم، ولا يزالون مختلفين حتى ينشأ ناشئهم على إلف شيء قد صبر عليه آباؤه، فلا يكون لأحد منهم أدنى همة في تغيير ما أراد الله أن يكون، مما صبر عليه آباؤهم وأسلافهم -وهم عند العرب والمسلمين- أهلُ القدوة.
وفي هذه السنة كتب إليَّ السُّدّى أيضا يقول إنه لقى أحد كبار الدعاة من اليهود، وكان لا يعرفه، فحدثه عن أمر اليهود في فلسطين، فقال له الداعي اليهودي: لا تُرَعْ، فنحن لابدَّ منتهون إلى ما أردنا، رضي العرب أم أبوْا. وما ظنك بقوم كالعرب خير الحياة عندهم النساء، وقد قال نبيهم: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلتْ قُرَّة عيني في الصلاة"، ولقد سلطنا عليهم بنات صهيون، وهن من تعلم جمالا ورقة وأبدانًا تجرى الحياة فيها كأنها نبع صافٍ يتفجر من صفاة شفافة كالبلَّوْر. وهن بنات صهيون دلال وفتنة، وعطر يساور القلوب فيسكرها ويذهلها ثم يغرقها في لذة يضن المرء بنفسه أن يصحو من خُمارها أو نشوتها، منصرفا عن أمر الدنيا كله لا عن الصلاة وحدها التي جعلت قرة لعين نبيهم. فهن في فلسطين، وهن في الشام، وهن في مصر والعرأق وتونس والجزائر ومراكش، ولولا تلك البقعة العصية التي لا تزال نخشى بأسها على ضعفها وقلتها وفقرها -أعني الحجاز وما جاوره- لقلت لك: لقد قضينا على هذه العرب، وعلى هذا الدين الدخيل الذي سرق منا التوحيد وادعاه لنفسه. . . .
[ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
فمن ذلك ماكان من اجتماع ملوك العرب وأمراؤهم ووزراؤهم بعد الحج من
(1/280)

السنة التي قبلها، اجتمعوا في مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقرَّ قرارهم على أن يعلنوا للناس جميعًا وينذروهم بما رأوا وبما أجمعوا عليه:
الأول: أن ميثاق الأطلسي ومواثيق الدول الكبرى كلها تغرير بالضعفاء وتلعب بعقولهم.
الثاني: أن فلسطين ستجاهد، ومن ورائها بلاد العرب والمسلمين جميعًا تظاهرها بالمال والولد.
الثالث: أن الفتك والغدر والاغتيال ليس من شيمة العرب ولا من دين المسلمين، وأن حوادث الاغتيال الشنيعة المنكرة التي اقترفها اليهود ينبغي أن تقابل بالصدق والصراحة لا بالغيلة والغدر.
الرابع: أن الأمم العربية والإسلامية تعلم أن ليس لديها اليوم من السلاح ما يكفي لقتال الأمم المعتدية التي تظاهر اليهود بالمال والسلاح، ولكنها ستقف كلها على بكرة أبيها صفًّا واحدًا تقاتل بما تصل إليه يدها من مقاطعة ومنابذة وكبرياء. وأنها تفعل ذلك ما استطاعت، ولكنها لن تظلم يهوديًا ولا نصرانيًّا ولا أحدًا من أهل الأديان، ولن تضطهد بريئًا ولا لاجئًا، وأنها لن تقنع بشيء بعد اليوم إلا بجلاء المعتدين والمستعمرين من بلادها، وجلاء اليهود عن أرض فلسطين، ومن شاء أن يبقى فيها من يهود، فله ما لنا وعليه ما علينا.
الخامس: أن الأمم العربية الإسلامية قد عزمت على أن تبدأ منذ هذا اليوم في انتخاب مجلس عام تمثّل فيه جميعًا، وهذا المجلس هو الذي سيضع الدستور العام للدول العربية والإسلامية، حتى إذا تمَّ وحّدت هذه الدول سياستها الداخلية والخارجية، وصارت يدًا واحدة في العمل، لتقاوم بذلك اتحاد الأمم الديمقراطية الغربية، التي لم تزل تريد أن تجعل الشرق سوقًا وأهله عبيدًا.
[ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
ففيها أراد اليهود في بعض البلاد العربية أن يظاهروا إخوانهم في فلسطين،
(1/281)

فأجمعوا على جعل يوم السبت كله منذ الصباح يوم عطلة فأغلقوا دكاكينهم، ورفعوا عليها أعلام الدولة الصهيونية المجترئة، واجتمعوا في بِيَعهم وجمعوا مالا كثيرًا بلغ عشرين مليونًا من الجنيهات لمساعدة المصانع التي كادت تغلق أبوابها من جرَّاء المقاطعة التامة التي أحسنت الأمم العربية توجيهها وتدبيرها.
ومما كان من ذلك في هذه السنة اجتماع المؤتمر العام لنساء العرب في دمشق، وقد قرَّرن أن تعود المرأة إلى بيتها عاملة على إنشاء جيل من البنين والبنات لم تفسده الشهوة التي استبدت بالناس في تقليد ذلك الفجور القبيح الذي عملت يهود على نشره في بلادهن من زينة وتبرج ورقص وتحلُّل من أخلاق السلف، وذلك لكثرة ما وقع من حوادث هدمت بيوتًا عزيزة وأسرًا كريمة، وأفضت إلى ضروب من المآسي لم يطق أحد عليها صبرًا.
وفيها أيضًا أجمعت الصحف العربية والهندية الإسلامية والتركية والفارسية مقاطعة الإعلان اليهودي. وكل صحيفة تخالف هذا الإجماع يُمحى اسمها واسم رئيس تحريرها ومحرّريها من سجل نقابة الصحافة، ولا تفسح لأحد منهم فرصة حتى يعمل في صحيفة أخرى بعد هذه المخالفة.
[ثم دخلت سنة سبعين وثلائمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
اشتعلت نيران الحروب في الشرق كله، واجتمع رؤساء الدول العربية والإسلامية في مكة المكرمة ووحَّدُوا قيادة الجيوش العربية، ولكن لم يلبث سفير بريطانيا في مصر وسفير أمريكا أن أرسلا برقية إلى المجتمعين في مكة يطلبون وقف الحركات الحربية التي سموها (ثورة)، ورغبوا إلى ملوك العرب ووزرائهم أن يتمهَّلوا حتى يصدر تصريح مشترك من الدولتين الكبيرتين، على شريطة أن تمتنع البلاد العربية من متابعة السياسة الروسية التي تتظاهر بمؤازرة العرب والمسلمين.
وبعد أيام صدر هذا التصريح، وهو ينص على أن للعرب ما أرادوا من وقف
(1/282)

الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وعلى العرب أن يتولوا بأنفسهم مفاوضة يهود فلسطين على السياسة التي يريدونها، وأن بريطانيا وأمريكا لن تتدخلا في الخلاف الناشب يين الفريقين، وأن الدولتين الكبيرتين ستمنعان كل مساعدة تُرسل من بلادهما إلى فلسطين من مال أو سلاح. . .
[ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
تمَّ استخدام الذرَّة وانفلاقها في كل شيء، وحدث في زراعة البلاد انقلاب عظيم، إذ أصبح من اليسير استنبات نبات الصيف في الشتاء، ونبات الشتاء في الصيف. وقد بدأ ملوك العرب أعظم عمل في التاريخ، وهو استخدام أسلوب جديد يحوّل الرمالَ العاقرة إلى أرض خصب وافرة الزَّرع، وقد نفذ هذا في جزء كبير من صحراء جزيرة العرب. أما في مصرَ والسودان، فقد تَمَّ توزيعُ ماء النيل وضبطُه حتى لا يضيع من مائه إلا أقل قدر، وبذلك أتيح لمصر أن تُنشيء ثلاثة فروع جديدة شَقَّتها في الصحراء الشرقية حتى أفضت إلى بحر القلزم (البحر الأحمر)، وصار ما بينها أرضا مَرِيعة ذات خصب. وبذلك سيتاح لمصر أن يبلغ عدد سكانها أربعين مليونًا من الأنفس في أقل من عشرين سنة.
ومما كان من ذلك نهضة عامة في سياسة البلاد العربية، جعلت الرأي العام العالمي يناصر القضية العربية مناصرة تامة في أكثر بقاع الأرض. . .
[ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
كثرت حوادث الاغتيال والفتك في كثير من البلاد العربية والأجنبية، وقُتل من العرب وأنصار العرب من سائر الأمم خلق كثير، واستفحل الشرُّ استفحالا عظيما، حتى ثارت الصحف الإنجليزية والأمريكية وطالبت حكوماتها بإعلان قرار واحد بأن الرأي العام والسياسة العامة في سبيل السلام تقتضي أن تُبذل النصرة الكاملة للعرب وللقضية العربية، وأن تتعاون الدول على ردّ العدوان الصهيوني
(1/283)

الذي صار طغيانًا شديدًا في جميع بلاد الأرض، وأنه ينبغي على الدول جميعًا أن تضحي في سبيل ذلك بكثير من المصالح المالية، وهي قيود اليهودية التي جعلت كل الأمم ترسف في أغلالها. . .
[ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
كتب إليَّ السُّدِي يقول: إن أمريكا قد قررت إجلاء اليهود من أرضها كلها، وأن تستصفي أموالهم، ولا يبقى فيها إلا علماء اليهود وحدهم إن شاءوا. ومن المنتظر أن تفعل بريطانيا وسواها من الدول مثل ما فعلت أمريكا.
وفيها ثار العمال اليهود في فلسطين على أصحاب المصانع اليهودية، وذلك من جرّاء بوار أكثر التجارة اليهودية التي نهكتها المقاطعة العامة في بلاد العرب والمسلمين، ولقلة الأجور، ولكن الحكومة اليهودية ضبطت الأمر وبذلت الأموال، وجنَّدت جيوشًا عظيمة العدة والعدد. وحدثت أحداث عظيمة في أكثر بقاع الأرض. حتى وقع التنابذ بين الدول الكبيرة التي لا يزال لليهود فيها سلطان عظيم.
وأخوف ما يُخاف أن تقع في هذه السنة حرب عالمية تستخدم فيها جميع الأسلحة الجديدة التي يخشى أن تكون على العالم دمارًا وخرابًا.
* * *

واستيقظ الشيخ من غفوته، ونظر إليَّ نظرة المتعجب، وقال من أنت؟ وما تفعل؟ فانتبهت فزعًا، وإذا أنا أقرأ في تفسير الشيخ أبي جعفر الطبرِي تفسير قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
(1/284)