Advertisement

نقدات عابر


نقدات عابر




نقدات عابر

تأليف
مارون عبود




نقدات عابر

مارون عبود

رقم إيداع ??????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: إسلام الشيمي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



????–????.

الأدب والحياة


لا أدب بدون حياة، وفناء الأدب دليل على فناء الحياة نفسها.
الكلمة قوام الأدب، ولولاها لم يكن شيء مما كان، فالله، سبحانه وتعالى، هو الأديب الأول، أنشأ بالكلمة هذا الكون، وهو رائعته العظمى، أما قال في كتابه العزيز: وَإِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ؟ وبماذا علم الله الإنسان، أحب مخلوقاته إليه، أليس بالقلم؟
وعندما شاء، جل جلاله، أن يبدع، أما قال: فليكن نور؟ فالكلمة إذن كانت أداةَ الله في تكوين بديع السماوات والأرض، ثم صارت سلاحَ من خلقَه على صورته ومثاله، وبها تُقاد الأمم والشعوب، وتساس الدنيا، والذي يُحسِن استعمالها هو الذي يخلق المثلَ العليا، ويجعل الأدب كُفئًا للحياة. والأديب، بتخيُّله، هو الذي يخفف آلام البشر، ويحبب إليهم الحياة؛ إذ يجلوها لهم عروسًا بأبهى وشي الأحلام، فخيال الأديب، وهو عنصر روحاني، يكشف للأبصار ما غمض واستتر من أسرار الكون. والمثل العليا التي وضعت يُقرِّرها الأدب الذي يستمدها من تطورات الحياة.
الأدب خلاصةُ عقول الأمم، فكما يقطر الزهر ليصير عطرًا باقيًا، ويُحبس في قارورة للدلالة على ما كان، كذلك يدلنا الأدب الخالد على مَن مروا في طريق الحياة منذ الأزل إلى الأبد.
الأدب الحق هو الذي يصور الحياة ماضيها وحاضرها، مستقبلها القريب والبعيد، ويضع مخطط الصرح الذي تراه مخيلة الأديب الموهوب.
إن التي نسميها نحن كلمة هي التي، إذا اتحدت مع أخواتها، تقلب نظمَ الدنيا رأسًا على عقب، وكما قال الجاحظ: وهل بيوت المال إلا درهم إلى درهم، نستطيع أن نقول نحن: وهل الروائع المثلى إلا كلمة إلى كلمة؟
والأديب لا يُحمَل على تأدية رسالة بعينها، فهو يؤدي رسالته بينا يفكر بأنها ليست هي، كما فعل المتنبي حين ادعى الإمامة، ثم رضي أخيرًا بضيعة أو ولاية ولم ينل ذلك. كانت الحياة تُزجي ركابَه في طريق الأدب الخالد وهو يحنُّ إلى سلطان تافه.
والجاحظ، أما اعتقد أن مجد عبقريته هو في الجاحظية، فمات في أدبه الجدلي وعاش في الواقع؟
وإذا فتشنا عن العنصر الأدبي في جميع ما سعد به الإنسان من تعاليم، رأينا أن سحر بيان الأدب من دعائمها الكبرى، وأن الله، تقدس اسمه، لم يُكلِّف بحَمْل رسالته في كل دور إلا أفصح خلقه، فالسيف والمدفع لا يؤديان رسالة.
ليس للرسالة إلا الأديب يحملها على أجنحة خياله، ويطير بالنفوس معها.
لا نعني بالأدباء أولئك الذين ينقُّون في مستنقعات التقليد، ويتقيَّئُون على الورق ما قالته النوابغ منذ آلاف السنين ومئاتها، بل نحن نعني أولئك الذين يدور العقل البشري في أفلاك وحيهم وإلهامهم.
فمخيلة الأديب في حلم دائم، والعلم يعبر تلك الأحلام ويحققها فيما بعد. مخيلة الأديب تحبل وتلد، ورجال العلم يلتقطون المولود ليكون لنا عدوًّا. يحلم الأديب الملهم بتجميل الحياة وإسعاد البشر، والجبابرة يُصيِّرون تلك الأحلام يقظة قاسية.
إن الأدب إكسير الحياة، بل هو غذاء نحن أحوج إليه من الخبز. تسأم النفوس دنيا العمل وضجيجها المزعج فتلجأ إلى دنيا الأدب وعوالمها، فتنفتح أمامها آفاق الأماني والأحلام، وتستيقظ على صوت الأديب الذي يهيب بها لتهب إلى الكفاح.
فالمتنبي، شاعر القومية العربية، أما ازدرى ملوك عصره جميعًا حين قال ولم يبال:
بكل أرض وَطِئتُها أممتُرْعى بعبدٍ كأنها غنميستخشن الخزَّ حين يلمسهوكان يبري بظفره القلمُوإنما الناس بالملوك وماتُفلح عربٌ مُلوكُها عجمُ كل هذا يوضح لنا علاقة الأدب بالحياة، وأن الأديب في كل ما يكتب لا يصدر قلمه إلا عن نبع الحياة الحي، مهما كان موضوعه. أما الذين يتحدثون عن الأدب في هذه الأيام ويريدونه انضوائيًّا أو موجهًا، فإنهم لا يعرفون أن الأديب الحق لا يمشي في ركاب أحد، وأنه ليس طالبًا في مدرسة ليقترح عليه المعلم بحثًا يناقشه. للأديب كل الحق في أن يؤيد قضية إذا اندفع إليها عفوًا أو كان مؤمنًا بها، أما سابق التصور والتصميم، كما يقولون في لغة الشرع، فهذا يكون في الجرائم لا في الأدب.
الأديب هو تلك الشجرة التي يطعن جذعها فتدر عصارة يصنع منها السكر والشراب. إنه يتألم ليسعد إخوانه، فلنتركه يسمعنا تغريده ونواحه؛ فالطيور الفصيحة لا تقترح عليها الأغاريد. وليس في الأدب الرفيع أدب لا يتصل بالحياة، ولكنه يتنوع بتنوع الحياة، فما تراه أنت بعيدًا عن حياتك فقد يكون في صميم قلب حياة غيرك. إن الأديب لا يُدَلُّ على واجبه، فالحياة التي تضج فيه هي التي توجهه في طريقه، لا نحن.
أما الذين يريدون أن يوجهوا الأدباء فلهم أُوجِّه كلمة ملتون: لا تتهم الطبيعة؛ فإنها قامت بواجبها، وعليك أنت أن تقوم بواجبك.
وبناء على ذلك قمنا نحن ونقوم بواجبنا نحو الأدب والأدباء؛ أي نقدناهم نقدًا مخلصًا. وإنما الأعمال بالنيات.

ثورة على القديم


جدد الله في حياته الأزلية الأبدية مرتين؛ الأولى: حين كانت الأرض خربة وخالية، والظلام يسودها، فقال: ليكن نور، فكان نور. وعلى ضوء المصباح الوهاج الذي اسمه كن فكان، أبدع الأشياء، وكانت وكان الإنسان خاتمة أعماله، وفيه التقى العالم الأكبر، كما قال الشاعر.
وبعد حين، رأى الله أن أبناء آدم زاغوا وفسدوا، فشاء أن يقوم بتجديد جديد شامل، فأرسل الطوفان العرمرم، وأفنى بني البشر إلا نفرًا قالوا إنهم كانوا من الصالحين. ولا تزال الطبيعة تحذو حذو والدها، وكل الله إليها السهر على ما خلق، ولذلك نراها تهم من حين إلى حين بتجديد ما قدم وحدث، تارة بالماء، وطورًا بالهواء، وأحيانًا بالنار. وإذا تأملنا رأينا أن الطبيعة هي أكبر مجدد، فلولا غضبتها التي تعبر عنها بالزلازل لما رأينا البيوت المبنية بالوحل المجمد المجفف تُشاد بالأسمنت المسلح، ولما رأينا مدنًا جديدة تخطط بالبركار والزاوية على أحدث طراز.
فلا نعجب إذن متى رأينا الأدباء من شعراء وكتاب يثورون على القديم، ويحاولون خلق الجديد. إن لكل شيء أزياء تتغير وتتبدل، فليس هذا من خصائص الثياب وحدها، فللأدب أزياء وإن اختلفت أسماؤها، فجوهرها واحد؛ ولذلك قالوا كلاسيكي ورومنطيقي ورمزي وسريالي، بيد أن جوهر القماش واحد، ولكن التفصيل يتغير، والقص تارة يكون على القد، وطورًا يكون بشكل الجرس العبودي، كما هي حال لباس نساء اليوم.
أما سيد المجددين في نظري فهو عزرائيل؛ إنه يجدد الناس غصبًا عن رقبتهم، ولعله شاعر أكبر ونحن لا ندري. تصوَّر لو كنا بقينا جميعًا على وجه الأرض، فكيف كانت حال الدنيا؟!
باطل الأباطيل. إن طلب المجد الأدبي كأكل الترمس يُسلِّي ولا يُغذِّي، ولو ما كانت الحياة مسخرة لتسوقنا بعصاها، لما فكرنا بما نسميه تجديدًا.
إن الذين يتنكرون للماضي لفي ضلال، فهم لن يفلتوا من براثن الأمس، وبرهاني على ذلك أننا ما زلنا نحني الهام عندما يذكر راسين، وهوميروس، وشكسبير، وفرجيل، وامرؤ القيس، وسليمان، وداود، ومحمد، وعيسى وغيرهم، وكأني بالمصير القريب الذي يصير إليه تجديدنا لا يكون غير ما صار إليه كل تجديد، فلنفتش عن الجديد في عقول النوابغ. أما هذه الدساتير: افعل كذا، فلا تؤتي ثمارها في إحياء الفن الحيِّ الباقي.
منذ قرن بالضبط، كانت الثورة الأدبية في لبنان حين عرف الصحافة، وقرأ كتب الفرنجة، وتعرف كُتَّابه إلى نوابغهم العظام، فقلدوهم قدر طاقتهم، ولكنهم في كل حال جددوا، فطعَّموا الأدب العربي، فنورت بساتينه وأثمرت، ثم كانت الهجرة اللبنانية إلى أقاصي الأرض، فقامت مدارس أدبية في كل قطر من أقطار المسكونة — وهذه من أعطيات فجر القرن العشرين لنا — وما مر ثلث هذا القرن حتى طلع علينا في لبنان شعراء ينحون نحو فرلين، وبودلير، ومالرمه، ورمبو. وهذه من هبات ما بعد الحرب الأولى.
واليوم يريد أن يتناسى أبناء هذا الجيل أسلافهم الذين زرعوا لهم فأكلوا، أما هم فعملهم قلع لا زرع، وقطع لا غرس.
وما خَفَتَ صوت لبنان الرمزي في الشعر حتى سمعنا العراق ينفض عنه غبار النعاس، ويرفس عواميد الشعر، فلا قافية ولا وزن حتى ولا لغة.
لام إخواننا العرب في جميع أقطارهم الأدباء اللبنانيين المهاجرين لأنهم تنكبوا عن جادة اللغة؛ فما قولهم بأصحابنا اليوم في لبنان وغيره؟ لقد حطموا المكاييل والموازين، ولم يكتفوا بالثورة على الأوزان والقوافي، بل ثاروا على اللغة وقواعدها فصاروا إباحيين أدبيًّا يزدرون كل قديم. وإخال هؤلاء بعد ربع قرن على الأكثر لا يجدون مَن يقرأ لهم هذا الجديد.
إن بين القديم جديدًا لا يبلى كما في الشعر الجديد ما لا يستحق أن يُتلى، فيا ليت شعري كيف يتخلص العربي من أدبه القديم؟ هل يستطيع أحد منا أن يتملص من ملامح سلالته؟ وإذا كان ذلك، فكيف نقدر أن نمحو أثر الماضين منا؟
لقد غالى الماضون في إحاطة القديم بهالة قدسية؛ محافظةُ منهم على تراث أمتهم، فالشاعر الأصيل، قديمًا كان أم حديثًا، هو من تتمثل فيه من صور الغابرين أشياء، ولكنها لا تكون هي بالذات، كما أننا نحن نحمل في أجسادنا ملامح أجدادنا وإن كنا لسنا إياهم بالذات، كذلك يجب أن تظل فينا ملامح شعراء جنسنا، بل ملامح جميع النوابغ في هذا الفن منذ كان حتى هذه الساعة.
إن شعراء اليوم ينشدون الفن الرفيع في صورة فكرية، ولا يأبهون لجمال الكلمة وموسيقى العبارة، فكأنهم فيما ينظمون يحاولون حل قضايا منطقية أو جبرية هندسية فيناجون الفكر لا الذوق.
إنَّ الجيد في دواوين شعرنا كحبات قمح في عدلٍ من تبن. كان القدماء يحشون الأوزان حشوًا ليقدموا لنا طبقًا منظمًا، أما اليوم فينثرون الحب نثرًا، ومن أين لنا المناقير الفولاذية؟! فلنُعْنَ بجمال الكلمة وموسيقاها، وأما الفكر فالنثر كفيل بإملاء كرشه.
فلندع الشعراء بلا مواد شرعية تفرض عليهم ونقول لهم: أولًا وثانيًا وثالثًا؛ فالشاعر الحق لا يُعنى بالأرقام. ليس الفن إلا صورة لما كان ويكون وسوف يكون، وكلما دنت الصورة الفنية من الواقع كانت أحب إلى القلوب وأقرب إليها. الفن إذن تصوير للحياة ومشاكلها، والصورة الفنية الناجحة مهما كان موضوعها تلذ لنا إذا كان قائلها ملهمًا.
لسنا ندعو إلى الكلام الموزون؛ فالقرآن الكريم ليس شعرًا موزونًا، ومع ذلك تحلو لنا قراءته وتطيب، وسفر نشيد الأناشيد ومراثي أرميا ليست شعرًا موزونًا، ولكنها شعر بالمعنى الصحيح.
فأنتم يا أتباع الشاعر العظيم إليوت، لم يقل زعيمكم هذا بالتنكر للماضي كل التنكر، بل قال: المهم أن يحس الشاعر بالماضي إحساسًا مستمرًّا، ولا يكف عن تنمية هذا الإحساس خلال أطوار حياته المختلفة. وعندي أن الشعر لا يكون في خلق الصور الغريبة البعيدة عن واقع الحياة، بل في التعبير عن مشاعر الحياة العادية تعبيرًا يستحلى ويستملح.
أما المقاييس والأوزان والتعابير فلكل جيل منها ما يلائم زمانه؛ لأن لكل جيل عناية بالفن تختلف عن عناية من تقدموه. أما النقاد الهواة فكالواعظين الذين يتبارون في كنائسهم كل على حدة، ولا يسمع أحد منهم عظة زميله في دلِّ الناس على دروب الخلاص والسعادة الأبدية.
اقترحت مرة على بعض الكهنة أن يوحدوا عظاتهم، ويسمع بعضهم لبعض، ويتذاكروا مواضيعهم ليهدوا من يسمعونهم سواء السبيل، وإلا ظلت الرعية تائهة عن الدرب.
إنَّ الشعر كألوان الطعام المختلفة في مأدبة عامرة، فما لا يحلو لك يطيب لغيرك، فلا تقل هذا قديم وهذا جديد؛ فليس في الدنيا جديد لا أثر للقديم فيه، وأكثرنا ادعاءً بالتجديد ونبذ كل قديم لا يزال يرزح تحت أعباء عظمة الشعراء القدماء، ويقدس ما قالوا، ولا يهاجم إلا معاصريه ليهدم ما بنوا، ويبني بحجارته بيتًا ينعم فيه، إلى حين تأتي الساعة التي يأتي فيها من يهده بمخله ومعوله.
أما محاولة الشباب التخلص من كل قديم، حتى اللغة وأصولها، فهذه طفرة توحيها السياسة الحاضرة، فكلما تُخلع الملوك وتُدك عروشها، كذلك يحاولون إسقاط أمراء البيان عن كراسيهم. أنا أحب كل جديد، ولكني أؤمن إيمانًا يشبه اليقين أن لكل لغة خواصها، فلو نظم الفرنجي قصيدة طويلة النفس على قافية واحدة لأضحك الناس كما أضحكهم غوتيه حين حاول ذلك، وكما أضحكهم ابن أبي ربيعة حين نظم مقطوعة وصل بعض أبياتها ببعض. أما الوزن، وهو محاولة خلق الموسيقى الكلامية، فهو الذي يميز شاعرًا من شاعر، وإلا لكان كل الناس شعراء يفصلون عباراتهم الخالية من الموسيقى ويسمونها شعرًا. لا بد يا إخواني من الرنة الموسيقية؛ فأوجدوها واعملوا ما تريدون.
أما الكلام الشعري غير المقيد بوزن فلا يخرجه لذيذًا شهيًّا إلا من كان شاعرًا وزانًا في الأصل، فقصائد نزار قباني غير المقيدة بالتفعيلة القديمة لا تخلو من تفعيلة جديدة تشيع الموسيقى فيها، فهذه قصيدته الجديدة «شئون صغيرة» ذات تفعيلات خاصة يهزك إيقاعها ويدعوك إلى استعادة قراءتها. راجعها إذا شئت في مجلة شعر الفصلية، لصاحبها الشاعر يوسف الخال، زعيم الشعر الجديد.
فهذه القصيدة الرائعة تدفعني إلى القول: إن نزار قباني هو شاعر الوقت، جدَّدَ ولم ينبذ القديم نبذًا قصيًّا، ولو وفق الآخرون إلى مثل هذا لرحبنا بجديدهم، فقد صور لنا طورًا عشنا به زمنًا رغدًا. وهذا هو الشعر الرفيع.
إن للشعر إبَّانًا، والظاهر أن القباني لا يزال في ذلك الإبَّان، لا يزال عنده أشياء صغيرة يجعل منها شعرًا خالدًا كبيرًا.
وعبد الوهاب البياتي، داعي دعاة الشعر الإليوتي، لا ينأى بنا شعره عن الموسيقى الشعرية التي ألفناها، ولولا إكثاره من التكرار وقفزاته العجيبة لكان سيد الموقف.
وبعدُ، فلماذا نتعب؟ فالزمان، وهو المغربل الأعظم، كفيل بردنا إلى الصواب، وإرشادنا إلى خلق شعر جديد حقًّا.

الشيوخ والشباب?


خفت أن تكون حكايتي في الكيت كات كحكاية أعرابي في عرس، فاحتطت لنفسي كثيرًا. ومن يلوم نصَفًا مثلي إن خاف على هيبته من الغصون الأماليد. عَرضتُ كبرتي الجليلة على المرآة وطوَّفت في جهاتها الست، فرأيتها، واحسرتاه، مثل حصون سغفريد تقريبًا؛ الصدأ دب إلى عنوان الكتاب، والكهولة تمشي الهوينا، لا ريثٌ ولا عجل، تحفر كل يوم ثلمًا جديدًا تخبئ لي فيه همًّا مستبدًّا، فاستلقيت على الصفَّة مروعًا أسأل الكتاب بلسمًا لجراحات الأبد، فرماني أبو الطيب بهذا السهم:
آلة العيش صحة وشبابفإذا ولَّيا عن المرء ولَّى فصببت على لحيته خمسين ألف لعنة، وتشاءمت من ليلةٍ، كل ما فيها، ينعى إليَّ نفسي، وأخذت أذرع الغرفة، كمبارز موبسان، أخالس المرآة النظرات، وأكذب نفسي عنها في كل ما أرى، وفتح الله عليَّ فهبطت النجدة من علٍ فردَّدتُ عفوًا:
وما إن شبت من كبر ولكنرأيت من الأحبة ما أشابا وبينما أنا أستلمح هذا العذر الأبلق إذا بالذاكرة تسعف بخير منه:
أخو خمسين مجتمع أشدِّيوتنجدني مداورة الشئون ثم استفحل الوحي والإلهام فانقض عليَّ هذا البيت:
يا هند لا ترهبي شيبي ولا كبريلي همة مثل حد الصارم الذكر وهكذا كانت المعركة الفاصلة، ونمت على سرور.
فبناء على: «رأيت من الأحبة ما أشابا.» وبناء على: «أخو خمسين مجتمع أشدي.» وبناء على: «لي همة مثل حد الصارم الذكر.»
أمرنا ونأمر عبود أن يلقي دلوه بين الدلاء في مأدبة تكريم صاحب المكشوف، وأن يمثل الشباب (الكبار) في ليلة الوسام الذي مُنحه تقديرًا لأدبه وجهده في سبيل نشر الكتاب.
يا شباب!
إن لم أكن في رسالتكم عليًّا كنت فيها أبا بكر، وإنْ لم أكن صِدِّيقًا إلى أبعد مدى.
شباب شيوخ، قديم جديد، هذا نزاع أزلي سرمدي؛ فالملائكة ثاروا في شبابهم على الله القديم الأجيال، فكانت حرب طاحنة فاز فيها الظافرون منهم بالنعيم المقيم، واستعمر المغلوبون الأرض، فكنا نحن أبناء الناس طعام الشياطين، ولا يزال شر تلك الخطيئة الأصلية، وهي قبل خطيئة آدم، يتقد بين القديم والجديد، والشيوخ في ثياب المراتب، وشعارهم الحكمة، والشباب في التبَّان يضحكون من بنت الهرم.
هنا صبية تملأ الدنيا عنجهية لأنها صارت عروسًا، وهناك حماتها ذات شفتين كفم المصرِّ تقول لجارتها ساخرة: متى كان التعريس عجيبة، أما كانت الحماة كنة ثم نسيت كل شيء حتى اسمها في البنوتية؟
هذه حجة العاجز فاصفعوا بها لحيته. الحياة شباب، وإن لم نصدق الله، سبحانه وتعالى، فمن نصدق؟ إنه لم يعلل عبيده إلا بشباب دائم. لم يعللهم بالحكمة والكهول والعجائز، بل بجنة للشباب في حافاتها زجل، كل من فيها أمرد، ولا ملتحٍ فيها غيره، سبحانه وتعالى، فيا ألف مرحبًا بالقيامة والموت إن كان هذا ما ينتظرنا في دار الله.
فالذي يرتضي بوقار يجللون به الشيوخ كمن يصدق أن الترمس أحلى من اللوز. وما كان أشبه الأخطل الأصيل إذا ازدرى هذه الخزعبلة قائلًا في الحسان:
وإذا دعونك عمَّهن فإنهلقب يزيدك عندهن خبالا إن أشد الناس كفرًا بناموس الحياة هو الذي لا يؤمن بالشباب، ويا ويح أمة ليس لشبابها رسالة! وحيا الله شبابنا المؤمن، الواقف على العتبة يروز رسالته بيدين قويتين، ويتطلع إلى الدنيا بعينين طافرتين.
أيها الشباب:
إن ليالي الكيت كات، وأصيل عجرم، ومصايف لبنان تدعوكم. لقد خلد الذين يزدري بعضكم أدبهم، داراتهم وطلولهم من جلجل إلى الرقمتين، وقفَّى مَن بعدهم على آثارهم فخلدوا دير حنة ودير سمعان ودير الشياطين وقطربل وطيرناباذ. وإذا احتج ورثة مقياس ابن خلدون على تحريفي طيراناباذ؛ فليفتحوا معجم ياقوت، وهم المسئولون عما يصادفون.
لقد خلد السلف كل ما هب ودب حتى الضب والحرباء والظربان، ونحن في عصر أقل شيء فيه آية لا نستوحيه شيئًا. من لم يلتق منا بعنيزة وهند وفاطمة وهريرة في المصايف والحمامات، فماذا عملنا لهن؟ أي فرق بين طلول الجاهلية وبيوت عالية وصوفر وضهور الشوير وزحلة وإهدن وبشري والأرز متى أوتر السحاب قوسه وندف قطنه؟
أرأيتم كيف أدعو إلى المصايف مجانًا، وغيري يعطى ويزاد وأنا يؤخذ مني الذي لي؟ إن طريق عين كفاع مصروعة في الوادي كجريح أريحا، أفما في هذه البلاد سامري؟
وبعد، فما لنا ولهذا الآن، لقد قال أبو نواس، وهو بين الخمارة والسجن، شعرًا كثيرًا خالدًا، وهو لو مر ببيروت اليوم لراعه أن تعترضه ألف جنان، والشعراء عنها لاهون بفلانة وفلانة من عرائس البلى وبنات القبور كبنت يفتاح مثلًا.
ولو زار بشار ديماس الكيت كات لاستضحك وصفع الحرسيَّ ومحتسب الجند ولم يسترخ للمهدي، وقال الشعر على هواه.
فهلموا نصور زماننا، ألستم في ليلين: الأمن والشباب؟ إن الفن غل صور الحياة الهاربة، فاملئوا مكشوفكم بروائع فنكم، واجعلوه معرضًا حيًّا تقف فيه الذرية خاشعة.
ما أسعد ساعة تاب فيها رسول العري — الشيخ فؤاد حبيش — واحتشم، فصار مكشوفه لسان أدب الجيل الطالع، وأطعم الألوف المؤلفة من سمكتين وخمس خبزات.
يدهشني أن تكون الحكومة الفرنسية هي التي قدرت هذا الرجل، فكان وسامها داعية لتكريمه، مع أن الشيخ، حفظه الله، يبشر برسالة لبنان في كل قطر، وقد يكون نسي رداءه في مصر كما نسيه مار بولس في ترواس عند كاربوس.
إن مكشوف الشيخ يمثل لبنان الأدبي خاصة، والأدب العربي عامة، فهو جريدة مدرسة، وليس هنالك مدرسة؛ لأن المدارس الأدبية تعلم التقليد، وسر الأدب في الخلق الجديد. للمدارس نماذج لا تتعداها، ثم لا يحبو الزمن حبوتين حتى تصبح تلك النماذج رواسم وقوالب، كما هي الحال في أكثر الشعر الجديد الذي يسمونه عندنا رمزيًّا … أما هذا العجب فهو توءم كل من يشق طريقًا جديدة، وإذا اضطرمت أنوف الشباب وورمت خدودهم فخطاياهم مغفورة، فهم في سن ترى البرغشة جملًا، والناس ذبَّانًا، وإنهم لصائرون إلى ما صرنا، ولو أوتوا ما أوتي الضب والسقنقور، ومن أراد علم هذا فهو عند الجاحظ.
والآن، يا شيخ فؤاد، يا حامل لواء أدب الطليعة — كما قالت الهلال — السلام عليك وعلى عصابتك وعلى ما حبلتم وستحبلون به بلا دنس، ما هذه الحفلة تكريمًا، إن هي إلا وقفة في أول العقبة؛ فطريق الأدب طويل، أطول من دهر المعري، فإلى الأمام، دائمًا إلى الأمام.
ولعلي أقف معكم وقفة ثانية لتكريم أخينا الآخر، رفيقك في مطلع نهار الجهاد. لقد عبر الأخ، الكلي الاحترام، صاحب الجمهور، باشتراكه معنا عن اتحاد كنائسنا الأدبية — عند اللزوم — غير أن للأدباء ربًّا واحدًا هو الفن، تقدس اسمه ولا أتى ملكوته.
وأخيرًا أنا. تعلمون أن أعراب الأصفهاني خرج من وليمة ذاك العرس مبشومًا وهو يقول لمرشده: آمنت بالله أولًا، وبك ثانيًا، وبالبربط ثالثًا، وبالبمِّ رابعًا، أما أنا، أعرابي الكيت كات، فأقول: أؤمن بأدب عربي واحد، لا فينيقي ولا فرعوني، تألم وصلب على عهد الحريري والحلي واليازجي، وأؤمن بالمشيب والشباب، والروح القدس المنبثق منهما، وبكنيسة أدبية واحدة جامعة، وأترجى على يد الشباب قيامة الأدب والحياة الجديدة في دهر المكشوف العتيد. آمين.
? كلمة كتبت لتقال في حفلة تكريم الشيخ فؤاد حبيش صاحب دار المكشوف.
شعراؤنا والربيع


كأني بالشعر العربي مستودع للفكر الإنساني، فالحكمة ضالة العرب، فأية حكمة تنشد تجدها محبوسة في شعرهم، وكأني بعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يعني هذا بكلمته المأثورة: الشعر ديوان العرب. فالعربي حكيم بطبعه، وقد ذكرت التوراة حكمة العرب فلاسفة المشرق.
ثم جاء بعده نابغة الناطقين بالضاد، شيخنا الجاحظ، فقال في قومه العرب: كانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليد مآثرها بأن تعتمد على الشعر الموزون والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها، وذهبت العجم على أن تقيد مآثرها بالبنيان. ثم أحبت العرب أن تشارك العجم في البناء وتنفرد بالشعر، والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر.
فلا تعجب إذا قلنا لك إن الشعر العربي مستودع الفكر الإنساني، ودواوينهم محشوة حكمًا وعبرًا، فما تركوا شاردة إلا قيدوها في شعرهم ليسهل عليهم حفظها. أما لماذا أقبلوا على الحكمة الموزونة، فسبب ذلك هو وحدتهم الدائمة وانقطاعهم عن العالم الخارجي في ذلك المحيط الأرجواني، فقلما تتغير صورهم ومشاهدهم، يتأملونها فتخرج لهم العبر، يقولون الشعر كئيبًا، ولا يبالون إلا بما يتصل بمعاشهم كالغيث والعشب، الذي تسمن عليه أنعامهم، ويخرج النبات الطيب.
العربي الجاهلي قليل العلاقة بجمال الطبيعة، لا تعنيه فتنة جمال الزهرة كما تعنيه الثمرة. يحب الزهرة لأجل ما تقدمه له من غذاء عتيد لأنعامه التي يعيش عليها، ولأعوام خلت كنا مثلهم لا نبالي إلا بالثمر، لا يعنينا أن نزرع قرنفلة كما يعنينا أن نزرع فجلة أو شتلة بنادورا.
زارني واحد منذ نصف قرن فرآني أتعهد زهراتي بالتقليم والسقيا فاستضحك وقال لي: يا ضياع التعب، فلو صرفت وقتك في العناية بغرسة تطعمك، أما كان أفضل لك وأنفع؟!
فرفعت رأسي والتفت نحوه قائلًا: أريد يا عم أن تأكل عيني كما يأكل بطني، أتكون كل عنايتنا متجهة إلى البطن وما يليه؟
فوضع يديه على خاصرته وفقع من الضحك، وظل يكركر ويستريح ثم يعيد الكرة، وبعد هنيهة قال مستغربًا: هذه لغة لا أفهمها! ولا سمعت من أحد أن العين تتغذى بالزهور، أعينك نحلة؟ فضحكت وقلت له: لا، عيني زنبور.
فقال: هذا حدُّ علمي، وما سمعنا أنك تصيب بالعين.
وبعد ثرثرة طويلة لا تستحق أن نشبعها بحثًا وتفصيلًا، لف ذيله وراح، وبقيت وحدي منكبًّا على عملي. كنا في نيسان، ففي مثل هذا الشهر خطر لي فكر شعرنا والربيع، ونام ذاك الفكر سنين في اللاوعي حتى استيقظ منذ أيام ففكرت في شعرائنا والربيع، ورحت أبحث عنه عند الشعراء الجاهليين، فتذكرت النابغة ونعمانه، رأيته يذكر الربيع لا لجماله وأريجه وعطره، بل ليشبه به ممدوحه، فيقول لأبي قابوسه:
وإن يهلك أبو قابوس يهلكربيع الناس والبلد الحرام خاف حين مرض النعمان أن ينقطع سيب النافلة، ويحول عطاء اليوم دون غدٍ كما قال في خاتمة معلقته: يا دار مية.
ثم يذكر الربيع مرة أخرى فيقول لأبي قابوس: وأنت ربيع ينعش الناس سيبه، ألا ترى أن النابغة يفكر بالربيع ببطنه وجيبه لا بحسه الفني؟ إخالك بعد هذا توافقني على أن شعراءنا الأولين كانت حياتهم صعبة، ورزقهم بعيد المنال؛ فلذلك كانوا يرون في الربيع أكلًا وشربًا وملء بطن على الهِينة.
وعندما سكنوا القصور أبدع شاعرهم أبو تمام إبداعًا منقطع النظير؛ إذ راح يصف الربيع هذا الوصف الفني الذي سبق المصورين الملهمين، فقال مصورًا أعظم لوحة فنية تمثل لنا الربيع:
إن الربيع أثر الزمانلو كان ذا روح وذا جثمانمصوَّرًا في صورة الإنسانلكان بسامًا من الفتيانبوركت من وقت ومن أوانفالأرض نَشْوَى من ثرى نشوانتختال في مفوَّف الألوانفي زهر كالحدق الروانيمن فاقع وناصع وقانعجبت من ذي فكرة يقظانرأى جفون زهر الألوانفشكَّ أن كل شيء فان أرأيت كيف تتزاحم الصور في هذه الأبيات الستة؟ وكيف قفز حبيب الطائي من قمة إلى قمة حتى انتهى إلى قمة الخلود فعللنا بالبقاء الأزلي السرمدي؟
ثم يأتي الطائي الآخر أبو عبادة فيسرق ابن عمه ويقول في وصف الربيع بيتًا رائعًا جدًّا، لا عيب فيه إلا أنه مال حرام، قال البحتري:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًامن العجب حتى كاد أن يتكلماوقد نبه النوروز في غلس الدجىأوائل ورد كن بالأمس نوَّمايفتِّقها برد الندى فكأنهيُسرُّ حديثًا كان قبلُ مكتَّماومن شجر رد الربيع لباسهعليه كما نشرت وشيًا منمنماأحل فأبدى للعيون بشاشةوكان قذًى للعين إذ كان مُحرما اتفق الطائيان في تشبيه الربيع بالفتى، ولعلهما يُؤثران الولدان، حتى جاء ابن الرومي، الذي نعده من عشاق الطبيعة، يقول في وصف الربيع لأنه من المولعين بالحور لا الولدان:
أصبحت الدنيا تروق من نظربمنظر فيه جلاء للبشرأثنيت على الله بآلاء المطرفالأرض في روض كأفواف الحبرتبرجت بعد حياء وخفرتبرُّج الأنثى تصدَّت للذكر ثم يقول في قصيدة أخرى عن الطبيعة في الربيع:
فهي في زينة البغيِّ ولكنهي في عفة الحصان الرزان! ليس لدينا متسع من الوقت لنطيل زيارتنا لهؤلاء الشعراء، بل نجعلها لمامًا كشم الورد، فنستقبل بديع الزمان الهمذاني لنسمعه يقول:
برز الربيع لنا برونق مائهفانظر لروعة أرضه وسمائهزمن الربيع جلبت أزكى متجروجلوت للرائين خير جلائهفكأنه هذا الرئيس إذا بدافي خلقه وصفائه وعطائه أرأيت أن هذا الخراساني الطينة، هو كما قال عن نفسه، شحاذ ماهر ينقر بعد خمسة قرون على دُفِّ النابغة، ولا عجب فالشعر كان في ذلك العصر متجرًا رابحًا؛ ولهذا لم يفكر شعراؤنا بجمال الطبيعة، وهم لو فعلوا لأتوا بالبدع، وحيث تكون التجارة يموت الفن ويمحق.

مواثيق العهد الجديد


مجموعة خطب فخامة الشيخ بشارة الخوري أيلول ????–????
نشكر لوزارة الأنباء تفضلها علينا بنسخة من «مجموعة خطب» فخامة الشيخ الرئيس. لقد أحسنت هذه الوزارة إلى تاريخ لبنان بجمعها مواثيق استقلاله في كتاب يليق بأمجاده، وأحسنت إليَّ «خصوصًا» إذ جادت بها عليَّ بتاريخ ???/???/???؛ فأتاحت لي فرصة التحدث عن صاحب الفخامة كأديب رفيع، ورئيس أسمى، وقائد أعلى، ومجاهد لا يكل، وبنَّاء لا يمل.
عرفت الشيخ بشارة يافعًا ملء أهابه الطموح، وشابًّا يدفعه نبله إلى الأمام، فشق طريقه بثبات كالعناد، ورأيته كهلًا وجد الطريق إلى المعالي، أفلا يذَر المطي بلا سنام! كما قال أبو الطيب.
جمع الكفاءة من أطرافها، عظاميٌّ عصاميٌّ ضم إلى ميراثه التالد أسمى الطريف من الأمجاد، حمل مشكاة الثقافة الوضاءة فما ضل طريقه ولا تاه. صبا منذ نشأته إلى استقلال بلاده. شبت بين ضلوع نشأته الأولى نيران هذا الميل، وأذكاها العِرْق المتين الذي أورثته إياه الأجيال، وإن النار بالعودين تذكى، وانصب كالكوكب المنقض في ليلة الاستعباد السوداء، فكان شيخ المعارضين يوم كان الناس يحنون الرقاب للانتداب.
كان في أعين المستعمرين قذًى، وفي حلقهم شجًا، استرضي ولم يرض، فظل وإياهم في حرب سجال لم تضع أوزارها، لا هو يثق بهم ولا هم يركنون إليه. وإن أنْسَ، لا أنْسَ مشهد موكب الشيخ بشارة، زعيم المعارضة، بعد عودته من سفرته النضالية، لم أنس وقوف القائد «المدور» بوجه الموكب ليحول دون اختراق عدو الانتداب سوق عالية شاقًّا طريقه إلى بيته. كانت معركة حامية كاد ينطق فيها المسدس، وأخيرًا مرَّ، ولم يبلغ بيته فحسب، بل بلغت البلاد أقصى أمانيها في تلك الهنيهة، وظلت الحرب مستمرة حتى كان الظفر. أرادوا أن ينحوه فنحَّاهم، وأقصوه فأقصاهم.
كان في محنة الجهاد يوم كان ينعم غيره في الفراش الدافئ الوثير. كان على الأرض يوم كان غيره على السرير. كانت تلقى على بيته القنابل، فرُوِّع ولكنه ثبت وما ارتخت له عزيمة. إيمان يشع نورًا، ورجاء أمرع من الربيع، ومحبة لا حد لها ولا طرف، لم يحطم أحدًا ليرقى إلى المنصب على جثته، ولا نعم بما نعم به الذين كانوا في أحضانهم يدغدغون ويتعلمون ويتمتعون في بيوتهم بنفوذ مطلق قلَّما ضاهاه نفوذ أحد اليوم.
وخاض معركة الرئاسة معارضًا فربحها خصمه «الموالي» بصوت أو صوتين — لا أذكر تمامًا — ولكن الشيخ ما كلَّ ولا ملَّ، ما انزوى ولا التوى، ظل يرفع الصوت جهرة مطالبًا بالاستقلال، منافحًا عن الدستور، مناديًا بالتقرب من الجار. والجار ركن الدار.
لكن الرجل اجتاز تلك العقبة وفاز، وضع ميثاقه الوطني فبنى بيت الاستقلال على «العضادتين»، ولا يزال قائمًا رفيع العماد، وسيظل إلى الأبد؛ فالعرض لا يفسخ الجوهر.
وما حلت له الحياة أيامًا حتى مرَّت فكانت زيارة راشيا، وهناك في تلك الغرفة المشرفة على الوادي راودوا الشيخ عن رجال حكومته، فما باع الاستقلال لا بكثير ولا بقليل؛ آثر الشقاء والهوان على سلامة الأوطان، وأصرَّ، ومن عادته الإصرار الهادئ، على أن يعود ورجال حكومته، فنصرت الدول الحق المغتصب، وعاد الجبار إلى عرينه.
لقد كنت شاهدًا عيانيًّا لهذه الحقبة، منذ سقوط عبد الحميد وانهيار سلطانه إلى سيطرة الانتداب والجلاء، وسوف أنشر حقائق لا يأتيها الباطل لا من خلفها ولا من بين يديها، وإذ ذاك يعرف أصحابنا أن لا بد للحق من إرسال نوره.
إن هذا الرجل، وهو ثالث ولاة لبنان تاريخيًّا، وأولهم استقلاليًّا، لرجل ذو صدر رحب، يسع لبنان جملة وتفاريق: حلم يزن الجبال رزانة، وأنفة تتعالى كشماريخ قمم لبنان، تواضع فيه جلال أوديته وأبهتها، وعقل واسع رحب كسهوله، وحكمة غامضة غموض كهوفه، ومثلها يحتوي على أسرار أجيال وأجيال من طور الظرَّان إلى عهد الذرة.
مصباح سحري الأنوار يخترق أحشاء ظلمات المشاكل والأزمات، رُبَّان رابط الجأش لا يعرف الهلع إلى قلبه سبيلًا:
يقول لها متى جشأت وجاشتمكانك تحمدي أو تستريحي فضربة مجدافه المحكمة تضع السفينة في مقرها الأمين. هذا هو المسئول الذي يسهر لأجلنا، ويؤدي حسابنا ثم لا يعييه ترصيده. إن درايته ولباقته ولياقته وحكمته كالعارض الذي يستقبل أوديتنا لا يفرغ حتى يمتلئ ويمطر أرضنا خيرًا وحقًّا وجمالًا.
ليقل الناس الآن، فيَّ وفي كلامي، ما شاءوا؛ فموعدنا التاريخ. إنني لأقول مع بولس الرسول: من سيفصلني عن محبة سيدي يسوع المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد، أم جوع أم عري، خطر أم سيف؟ فإني متيقن أن لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلني عنه.
وإذا قلت أنا هذا بلسان رسول الأمم، فللشيخ وحده الحق أن يقول بلسان بولس أيضًا: «بالحبس أفضل منهم، وبالاضطهاد أفضل منهم، وفي جميع البلايا أفضل منهم. كنت بأخطار من جنسي، وبأخطار من الأمم، وبأخطار من أخوة كذبة.» وما علينا إذا زدنا نحن كلمة على قول ماربولس: وبإلقاء القنابل على بيتي أفضل منهم.
وأما الآن فلنتكلم عن هذه الخطب التي أوجدت لنا مجال القول فكان ذا سعة: إنها تاريخ حقبة من أجلِّ وأخطر حقب تاريخ لبنان؛ ولذلك يحق لي أن أتكلم عنها مثنى وثلاث ورباع إذا اقتضت الحال، فكما تُحفظ خطب رؤساء الولايات المتحدة في مضاجعها في القصر الأبيض، كذلك يجب أن تصان هذه في أسفاطها ذخيرة للذرية.
ترى لو قام واحد بعد مائة عام ونظر في خطب رئيس لبنان الأول الذي كافح وناضل لأجل استقلال وطنه، دافعًا ثمنه نوم العينين، فما عساه يحكم على شخصية الشيخ بشارة خليل الخوري؟
ترى إذا عصرنا هذه الخطب كلها فماذا تقطر؟ إنها تقطر ولا ريب محبة وإيمانًا ورجاء: محبة للوطن وبنيه حتى الأعداء منهم، وإيمانًا بحقه أن يكون سيد نفسه، ورجاء ببقاء هذا الاستقلال. وإذا كان الإنشاء هو الرجل، فهذا هو الشيخ بشارة خليل الخوري؛ أمَا هو الذي قرَّب لبنان من جيرانه فأحبهم وأحبوه؟ أمَا هو الذي عمل بقول مثل بلاده: جارك القريب خير من أخيك البعيد؟
رأت حكمته الفائقة أن الأيام التي كان يستغنى بها عن الناس الأباعد قد ذهبت، وصارت «ملكة اليمن التي أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان» تستطيع أن تفطر في بيتها صباحًا، وتتعشى في القدس في الموعد.
لهذا فتح صدر لبنان المضياف للضيوف الخفاف الظل، فأنشأ المطار الدولي بين صخب الناعين وصياح المتعنتين. لم يدع مشروعًا عمرانيًّا يرفع شأن البلاد في أعين أمم الأرض إلا صب عليه جام عنايته. أجل، راحت الأيام التي كانوا يرون فيها كل الأعوام سائحًا. لقد تشابكت المصالح، وصارت كل دولة، مهما ضخمت، معرضة لأصابع، إما خفية وإما ظاهرة، تمتد إليها، فلنكن حكماء منصفين فلا تعمي الأهواء بصائرنا.
ما لي كلما حاولت الدخول في الخطب كأديب أرى شيئًا يجذبني إلى ناحية أخرى، سأخرج ولا أعود. يقول نقاد الأدب: الشاعر الفلاني كان صادقًا أو مخلصًا فيما قال. وأنا أؤكد أن الشيخ بشارة — ولا أظن أن أحدًا ينفي — لم يكن ليستطيع القول بهذه السهولة لو لم يكن مخلصًا فيما يقول، فهذه الخطب البليغة البسيطة في وقت معًا، هي من آيات السهل الممتنع في هذا العصر، تراها خالية من كل بهرج وزخرف، ومع ذلك تجدها في أسمى ذروات الفن الأدبي. إن هذا لأصدق دليل على إخلاص قائلها.
قد يقول ذوو المآرب غير هذا، والشيخ يعرف ذلك، وقد أشار إليه في تأبين الزعيم المغفور له عبد الحميد كرامي: احترمت الحكومة معارضتك، كما احترم الشعب حكمك، والحكم والمعارضة يتمم أحدهما الآخر عندما تحسن المقاصد، وتستقيم النيات، وتتحد القلوب عند مصلحة الوطن العليا.
ثم ختم التأبين بروعة أدبية فائقة فقال: اللهم أخذت منا وطنيًّا مثاليًّا، وعلمًا من الأعلام، وركنًا من الأركان، فاصطفيته لجوارك، فليكن لديك، جل جلالك، وهو ومن سبقه من لبنانيين أماثل، واستقلاليين أفاضل، سفراء للبنان، فهم إن ستروا وجوههم مهابة أمام وجهك يفتحون قلوبهم ليضرعوا أمام عرشك، لتُجنِّبَ لبنان المصائب والويلات، ورأسها الانشقاق والخلاف والحقد والضغينة.
حقًّا إن الضغائن هي رأس بلايانا، وإنني كلما رأيت غبارها يسد الفضاء ترحمت على ابن كلثوم الذي قال:
وإن الضغن بعد الضغن يفشوعليك ويخرج الداء الدفينا إن من يحسدك على نعمة لا يُذهب ضغنه وحقده إلا زوالها، فعبثًا تتعب. إن الله، تقدست أسماؤه، عندما أراد أن يطهر رسوله الأكرم من كل غلٍّ أرسل ملاكه فشق قلبه وأخرج منه «النقطة السوداء»، فقل لي: هل تستطيع ذلك؟ إذن فاعمل واترك التاريخ يقول كلمته فيك، ويصدر حكمه العادل عليك.
قالوا: كتَب الجاحظ: تعلم العقل أولًا، والأدب ثانيًا، ولعل هذا التعبير أصدق وصف لخطب الشيخ. تأمل هذا التعبير لأرى إن كنت تؤيدني.
قال في المرحوم عبد الحميد كرامي: فلبست حلته — أي الإفتاء — يافعًا، فكنت طويل النجاد، رفيع العماد، وسدت العشيرة أمرد، وهل الإفتاء إلا معين كثر رواده، وتزاحم قصاده؟ وإن هو إلا علم تأتم الهداة به، فكم أنرت سبيلًا! وهديت حائرًا! وشفيت غليلًا! حتى انقادت إليك الزعامة مختارة. أعرفت أنه مر بثلاثة شعراء في هذه الجمل القصيرة؟ وكم تجد لهذه من أخوات إذا قرأت وتمعنت.
والشيخ، سدد الله خطاه، ككل أديب أصيل يحسن الاستفادة من التاريخ، ويستمد منه صوره وأفكاره؛ ولذلك قال لكرامي: وسخر الله القدر ليصرعك في ذكرى الاستقلال ليتحد يومك بيومه، ويمتزج ذكرك بذكره.
إن العاطفة الحادة تُسيِّر قلم الشيخ فيحيا بها كلامه، ثم لا تنس ذلك الترصيع الأنيق، الذي قلَّما خلت منه خطبة من خطبه الخالدة. اقرأ خطبة الشجرة التي قالها عام أول، وكذلك خطبة عام ????، فلو كان الرئيس امرأً هو غيره لما استطاع أن يعالج موضوعًا واحدًا في كل عام من أعوام ولايته، ويجلِّي فيه ويقول جديدًا كل مرة. إن خطبة «رسالة الحب للشجرة اللبنانية» لمن روائع الشعر، ولو لم يتذكر الرئيس مقامه السياسي لما سبقه أديب في ميدان الإنشاء الرفيع. إن بلاغة البساطة لأعظم البلاغات وأسماها.
وفي تأبين الزعيم الشهيد المغفور له رياض الصلح يُحلِّق الرئيس ويُدوِّم في أعلى الآفاق، عاطفة نارية، وبلاغة مع موسيقى بيانية عزَّ نظيرها، جمل متقطعة لا تقع على الأذن حتى تنفذ إلى القلب. اقرأ معي وانتبه، فهنا كما في تأبين كرامي تلميح رائع: وطنية كانت لك جلبابًا، ودون من كنت تتقي درعًا ومجنًّا، تحدرت كماء المزن ما في نصابك كهام، وحملت سيفًا ماضيًا به من قراع الدارعين فلول.
لا أظن أن في الإمكان أكثر مما كان، فتأبين رياض، رحمات الله على رياض، صورة كاملة له حتى إنها تكاد تكون تاريخًا لحياته. رسم ناتئ الخطوط، بارز الملامح، متناسق الألوان، تقرأه فترى ذلك الزعيم العظيم حيًّا أمامك بلحمه ودمه، فكأن في قلم الشيخ شيئًا من سحر عرافة، عين دور فأرانا بأعيننا شبح رياض كما أصعدت تلك صموئيل لشاوول.
وخلاصة القول: لئن جميع الأميران فخر الدين وبشير الرأي وشجاعة الشجعان، فقد ضم الشيخ بشارة إلى هذين سحر البيان. وهكذا نرى أن الله لم يبخل على لبنان بشيء. وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها.

من ذكريات جبيل


في أورشليم الأمس حيث عُبد الحب وتأله الإحساس بالجمال، في بيبلوس، ملعب الإله المغامر، الإله الفتى الوَرِش، الإله الذي كان يُبعث في الربيع حيًّا.
في جبيل الحالمة، معلمة الدنيا وأم الأساطير، في المدينة المحطمة حيث لكل حجر تاريخ ضخم، ولكل ذرة مجلد مجد، هناك أضعنا زهرة، وكم فتشنا عنها فلم نجدها.
في مدينة الثالوث القديم، هيكل الإله الذي صرعه الخنزير، كم مات لنا من أمل! وكم عاش فينا من رجاء! في ذلك الثغر الأدرد كم مرحنا! وعلى خيوط أسواره المقطعة كم طفرنا! وكم غصنا في سراديبه ودياميسه! وكم انغمسنا في غيابة كهوفه! كم مشينا على جماجم كانت دعائم عمان نخال أننا نحن بُناته ولا يدَ لغيرنا فيه!
كم لك يا أورشليم أدونيس، يا مدينة الزهرة الأزلية، من ذكريات ملتصقة بخاطري! إنك في متيهة فكري كالعَلم الرابض في وسط الصحراء أنَّي اتجهت أنجذب إليه بقوة أحسها ولا أدركها.
كلما دخلت جبيل تحف بي مواكب العذارى النائحات على تموز، وكلما احمرَّ ماء نهر إبراهيم تمثلت في ذهني مأساة الأمس، تتراءى لي أجواق الكهان في ترانيمها وتهاليلها، فأنطوي على كبدي وأقول في نفسي: اليوم كالأمس، ولا بد من هزء الآخر بالأول. اللهم لا تجعلنا مهزأة.
في تلك المدينة التي مشت الدنيا خلفها تصغر عندي أكبر القيم، وتسقط من عيني كل هذه العظائم فأرى كل شيء كلا شيء.
فلنمش. الحياة أسطورة، هكذا خلقها الإنسان لينعم بها.
في جبيل، تارة في صومعتي القائمة في قلب المدينة كالناطور على الرابية، وحينًا في مكتبي — بجريدة الحكمة — الواقف قبالتها، كان يأتيني ميشال برباري.
فتى ترقص الحياة بين جفنيه، ولا يخفضهما إلا ليضعهما على كتاب أو مجلة أو جريدة. شاب شرهٌ إلى الاستطلاع، نهم إلى المعرفة والاستقصاء، يريد أن يفهم كأنه جوعان، يود لو يلتهم كل شيء.
يجيء وفي يده مقال يتوق إلى نشره، ولا يذهب إلا ليعود بقصيدة تنم عن نفس فنية لم يصقلها المران، تحسب الغزل خطيئة لا تنظف أدرانها إلا الندامة الكاملة، وسرعان ما يتطور موقفه مني، فيعرض نفسه عليَّ ليعاونني — حبًّا وكرامة عين — فأستعين به على الترجمة، فيقوم بعمله متقنًا مدققًا كأنما يتقاضى أجرًا، ثم لا يُسوِّف ولا يبطئ كأنه مسئول عما يعمل.
هكذا كان التعارف بيننا، فاستمالني إليه على غطرستي وكبريائي، وحداثة سنه، فأصبح رفيقي وصديقي وإن فصلت بيننا عشر مراحل، فقضى أشهرًا معي كنا نصرفها بين العمل والراحة، وكانت أحلى تلك الأوقات سريعات الأصيل نقضيها على سيف البحر — بين عين الياسمين والفيدار — نقفز على الصخور ذات النخاريب، فاتكين بالسراطين وذوات الأصداف الآمنة. يمر أمامنا مشهد الغروب ولا يقول لنا شيئًا؛ لأننا في الضحى. ويا ويل الشجيِّ من الخليِّ.
كان يكبر ميشال في عيني كلما ازداد مني دنوًّا، وكان ينمو أدبه بنمو جسمه كقميص يسوع، وكلما اشتد بنية متن أدبًا، وكلما بعد عهده بالمدرسة اتسع أفقه، ولكنه لم يتعدَّ التخوم التي جعلوه فيها.
كنت أتوسم فيه الخير فصرت أعتدُّ به، وأفتح له باب النقاش، وخصوصًا في القضية الكبرى، فأراه في واد وأجدني في واد، فأنكمش وأؤثر أن يبقى حيث هو ولا يرافقني في مجاهلي القلقة المجاز.
كان ميشال يتذوق الأدب، وقد خلق له لو مارسه، ولكنه لم يخلق للشقاء، ففارقني بعد حين ليعمل كاتبًا في مكتب السكة الحديدية، حيث كان مثال الصدق والإخلاص والوفاء والاستقامة والنزاهة، وظل كذلك حتى توارى.
قضى حياته يخدم عمله والناس، لا ينفتح له باب حتى يولج فيه شابًّا عاطلًا يستحق أن يعمل. ما تقاعس عن خدمة، ولا عنت له أكرومة حتى تشبث بها قبل فوتها، فكأن مأتمه كما قال المتنبي:
ومن سَرَّ أهل الأرض ثم بكَى أسًىبكَى بعيونٍ سرَّها وقلوب ولكن وا لوعتاه! ما بكينا إلا عليه.
قد عجَّل صاحبي بالرحيل، وقوَّض خيامه وما آذن بالبين.
يعز عليَّ يا ميشال أن أبكي شبابك النضر، وأدبك الصامت. شغَلك العمل المجدي عن هذه الإلهية التي تُغري وتُسكر، ولكنك كنت في حقلك الخصيب تؤتي الثمر الطيب. ما الحياة إلا كدلاء النواعير إن فرغ أحدها امتلأ الآخر، وهكذا دواليك.
هنيئًا لك عملك وأجرك، وليذكرك بالرحمة عارفو فضلك، فمِثلُك لا يُنسى.
ولقد صح فينا وفيك قول المثل: كم جدي بالمسلخ، وكم كبش بالمرعى! هي سنة الطبيعة، وماذا نفعل بالمنايا؟ فهي كما رآها الشاعر تخبط خبط عشواء.
ما أشره هذه السباع الضواري التي نسميها قبورًا!
ما أكثر الإنسان بعيدًا عنها، وما أقله على حافتها!
هذا فصل لا بد من تمثيله، فلنُحسن ليُرخى علينا الستار بين التصفيق والاستعادة.
هيهات إنه فصل لا يستعاد.
فلنمض.

محمد كرد علي


وقلت: أخي، قالوا: أخ من قرابة؟فقلت: نعم، إن الشكول أقاربأبو تمام رجل مات والرجال قليل.
نجم أفل من آفاق العروبة، أعاض الله منه العلم والأمة نجومًا وكواكب.
جبار عملٍ وإيمان سقط في ساحة الجهاد، وما أروع سقوط الجبابرة!
جسر بناء انهد، فما أكبر المصاب فيه!
ركن علم تهدم؛ فنسأل الله سلامة البنيان.
ابن دمشق البر، وربيب ربوع الشام طواه الردى، وإن كان لم يزل حيًّا في «خطط» التاريخ.
أمير بيان فجعت به اليوم «أمراء البيان» والحضارة العربية الإسلامية، وسيد قلم ما انتزعه من يده إلا الموت.
•••

أيها المفكر الحر، ما أفقر شرقنا إلى مثلك!
أيها المؤمن الصادق، ما أحوجنا إلى سماحتك!
يا صدرًا أطبق عليه القبر فطوى معه علمًا جمًّا، ما أحوج الأمة إلى غضباتك المضرية إذا مسنا الضر!
لم تحدَّ الثمانون من نشاطك، وما أحوجتك إلى ترجمان، فكم أحييتَ، أيُّها الميت اليوم، من غيبتهم ظلمات الأمس!
ما أعظم مصيبتي فيك! انتظرت كتابك ففاجأني نعيك.
يا صديقي:
إنها لصداقة صغيرة السن، بنت ثلاث سنوات. وكذا تكون كواكب الأسحار.
أتقول: الموت سحر نهار آخر؟!
رأتنا الغوطة منذ أشهر نتمشى بين بساتينها كشابين، وعين كفاع أبصرتنا كفتيين، وكلتاهما شاهداي على ما أزعم.
متَّ يا صاحبي، ولم تشيخ همَّة، ولم تلن عودًا، ولم تخُرْ عزمًا.
متى ذكرتك عين كفاع ذكرت بك شيخًا عبقريًّا، يده دائمًا على محراثه، وعينه أبدًا على أرضه.
كنت مثلًا أعلى للقرية التي شرَّفتها أيامًا، فضرب أهلها فيك المثل: وتشبهوا.
ما رأيتك مستريحًا قط، لا في جسرين ولا في عين كفاع، وكيف يتقى الضغط العالي وتأمن الانفجار؟
كان موعدنا الغوطة مرتبعًا، وعين كفاع مصيفًا، فبعدت يا صديقي وتركتني أتأوَّه.
فأين تلك الأماني والآمال؟ لقد ذهبت، مع ما كان يرتجى بعدُ من إنتاجك الناضج.
تُرى أقرأت مكتوبي الأخير أم وصلك وأنت في غمرة لا تنجلي، وأنا لا أدري؟
شقَّ عليَّ كثيرًا أن تذهب ولا أودعك، ولا ألقي نظرة على تابوت العهد. لقد كنا غريبين حتى عن أولادنا وذوينا، وإلا لكنت نعيت إليَّ يا أعز الأحباب المخلصين.
يا عمري، يا عمرك!
تلك العبارة كانت محط كلامك، ولازمة حديثك، عند التحبب والإعجاب وها قد انقضى عمرك، ومَن يُدريني متى تأتي نوبتي؟
أسأل الله مهلة قليلة لأقضي بعض حقوق لك قبل الأجيال، يا أخلص رجال الجيل.
وإلى ذريتك وقرنائك في جهادك المجمعي، وإلى كل من بالأقطار العربية، بل إلى كل ناطق بالضاد في المشرقين، وإلى كل مؤمن بالكلمة وموقن بخلود الحرف أقدم التعزيات.
ولكن فليعزِّ بعضُنا بعضًا، ولأَبكِ، وحدي، صداقة قصيرة العمر.
•••

كتبت إليَّ تقول: الصحة جيدة، والضغط في نزول، والملتقى في «الغوطة». فما عدا مما بدا؟
وا جزع الغوطة على رَجُلها العظيم! ويا مصيبتها بمحيي تاريخها، وبمن سيكون لها تاريخًا!
ترى هل يعجُّ بعدك ذلك البيت بضيوف المعرفة؟
ترى هل ترى «جسرين» بعدُ وجوه المتمشرقين الحاجين إلى مزارك؟ هيهات، لقد انطوت الصفحة المشرقة، وذهبت الطلعة الوسيمة والوجه الصبيح.
•••

سر بحراسة الله أيها الشيخ الفتي. إن حسنات أعمالك الجسام قدامك فلا تجزع.
يحمل الواحد كتابه بيمينه، أما أنت فلك كُتُب يحسب لها يوم الحساب ألف حساب.
فبأمان الله أيها المصلح العظيم.
أيها المنصف، سوف لا ترى عند ربك إلا إنصافًا وإحسانًا.

بعد الأصيل?


للدكتور نقولا فياض
عنوان ديوان صدر حديثًا للدكتور الشاعر نقولا فياض، والدكتور قال شعرًا جيدًا جدًّا وهو مهرول للحاق بالتسعين بعدما دعس رقبة الثمانين، فأين زهير الذي سئم تكاليف الحياة؟ وأين الشاعر الآخر الذي نفض طوقه من الشعر والشعراء لأنه جاوز حد الأربعين؟ حقًّا إن العبقرية شمس لا أصيل لها ولا ضحى.
إن القلب الذي قلت فيه وأنت شاب: حير الناس فقالوا عصبي؛ ليحيرنا حقًّا، فما أفضى بالك! إن من يقرأ قصيدتك في الممرضة التي افتتحتَ بها معرضك الفني الصغير لا ينكر عليك فيها القول:
قالوا كبرت وما دروابالصالحات الباقياتالثلج في رأسي وفيصدري اتقاد النيراتأفتسمحين بقبلةتروي الشفاه الظامئات؟ نعذرك إذا استجديت قبلة من ذلك الذي قلت فيه:
الثغر برعم وردةمتحفز للانفلات فلعلك نسيت قول زميلك: ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا.
آه يا دكتوري، إن هذه القصيدة تغني عن عشرة دواوين. حقًّا إن نفسك ما زالت خضراء وإن ذبل الرمح الرديني. اقصد قامتك لا غير. أأنت في «بعد الأصيل» وتقول هذا الشعر الذي ينضح فنًّا وماوية وحبًّا؟ وهل من هو في الأصيل يقول شعرًا كهذا وهو مشقوق البطن في المصحِّ، والعملية في ذلك الموضع؟ ما أفضى بالك!
إني أهنئك بهذا الديوان الصغير الكبير، فلا بطء فيه إلا في المدحيات، والعذر واضح. قال شاعر قبلك في الأُصُل وكأنه يعنيك:
والريح تعبث بالغصون وقد جرىذهب الأصيل على لجين الماء ففي أصيلك ذهب وألماس حبوتَ بهما الناس، كما أنك لم تحرم اللواتي يغرهن الثناء من النحاس.
أما هاتيك التي قلت لها:
تقولين والسهد ملء الجفونلقد طال نومك يا شاعريتريدين شعري فجودي بمايطيب به الجود للشاعر فعسى أن تكون فهمتْ ولم تخرج بالصمتْ عن لا ونعم كصاحبة بشار.
إن بين الأصيل والغروب لفسحة لا بأس بها، وأنت قلت للمرضة قبل أن تستأذن وتستميح:
والوحي إلفُ يراعتيما دام لي قلب يؤاتي فهات يدك وأرنا البقية الباقية في الزاوية.
عافاك الله، يا أمير المنابر، ودامت لك هذه الهمة.
? كتبت ونشرت قبل وفاة الشاعر.
قناديل إشبيلية


للدكتور عبد السلام العجيلي
هي عنوان كتاب ينطوي على سبع أقاصيص كتبها الدكتور عبد السلام العجيلي. والعجيلي قصصي أصيل قلت فيه منذ سنوات: إنه يجري ولا يُجرى معه. أما خاصته فهي أنه ينتقي موضوعاته من صميم حياته، فتبرز شخوصه ذات ملامح ناتئة قلما تقع على مثلها.
الرجل تلميذ مدرستين: مدرسة البادية التي نشأ فيها، ومدرسة الحضارة التي زار فيها العواصم الأوروبية، ولهذا نجد في أقاصيصه صور هذه وهاتيك وكلها توحي إلى القارئ أن كاتبها خبير يعني ما يقول.
عفوًا نسينا المعارك القومية التي يصورها لنا فيتفرد بين قصاصينا بهذا اللون. اقرأ، إذا شئت، بنادق في لواء الجليل؛ ليعظم في عينيك ابن اثني عشر الذي اشتهى الدجاجة فأكلها بريشها. دفع أبوه ثمن البندقية ?? جنيهًا، وكف ابنه لأنها انفجرت لأول طلقة.
ذكرتني هذه البندقية بالسلاح الفاروقي الذي كان يقتل صاحبه بدلًا من العدو، ولعل العجيلي يقصد هذا، ولكن القصصي يلمح ولا يوضح.
إن القومية لا تتوارى في أقاصيص العجيلي وعرق العروبة فيها نزاز؛ ولهذا نرى هذا المجاهد مصورًا لما وقعت عليه عيناه في المعارك، ففي كل ما كتبته يده صور قومية.
لا تغُرك قيافة الدكتور العجيلي الفرنجية، فهو يخفي تحتها بداوة قلما تجد لها نظيرًا في الصحاري، وكما لم تختف بداوة المتنبي في شعره بعدما عاش في القصور، كذلك لا تختفي بداوة العجيلي حتى في أشهر العواصم الأوروبية التي عاش فيها. كان ينقصنا قصاصو معارك، وإذا بالعجيلي يملأ هذا الفراغ كما يجب أن يُملأ، وها هو يحرك كوامن النفوس في أقصوصة «بريد معاد» ولو كانت النفس من جليد تشب فيها الحرارة، فكل هذه القصة الصغيرة نار متقدة. هي جيدة من أولها إلى آخرها، ولا سيما ختامها الرائع البارع.
أما أقصوصة «الرؤيا»، ولعله يتحدى بها الأستاذ تيمور في «يا سادة يا إكرام»، فقد عز فيها وبزَّ الأستاذ محمود تيمور السطحي التعبير والتفكير.
وقصة «سالي» وإن نشر فيها شئون عشرته وشجونها، فقد تضمنت حكاية زواجه التي تكاد تكون خيالية، وخصوصًا عندما قال دحام خادم البيت: إنه يعرف تلك الفتاة الأوروبية. فضحك الجميع وضحكت أنا معهم، وإن لم أكن بينهم حين راح دحام يؤكد بالأيمان المغلظة أنه عرف تلك الفتاة، ولماذا ضحكت؟
تذكرت حكاية تلاميذ من منطقتي كانوا يتذاكرون شارلمان، فسمعهم رجل يتحادثون فيه كما سمع دحام سيده العجيلي يتحدث عن سالي التي صارت زوجته فيما بعد. قال دحام: إنه عرفها، وقال ابن بلدنا: إنه عرف شارلمان، وهو بياع نباريش دكانه في أول سوق الطويلة.
أما قصة قناديل إشبيلية، وهي أم الكتاب؛ فبطلها البروفسور السيدو، وهو نموذج نادر غبي على الدكتور العجيلي إذ رآه في إشبيلية. مسكين مصاب بجنون من نوع خاص، يظن نفسه من سادة العرب، وأنه سيستعيد إشبيلية مملكة أجداده. وظل السيد يتحدث جادًّا ويصغي إليه العجيلي مُصدِّقًا، وظل السيدو يكرع الكئوس، ويوحي إلى العجيلي بكلماته وحركاته حتى كاد يصدق ما يقوله له. حقًّا إن هؤلاء المفلوكين فيهم غرائب عجائب، فأسأل الله، يا قارئي العزيز، أن يبختك بواحد منهم، وإذا لم تحظ فما عليك إلا أن تقرأ «قناديل إشبيلية»؛ فإنها تغني عن العيان، وقد تنقلك إلى إشبيلية كما نقلني العجيلي، والشرط أن تقرأها وأنت في فراشك ليلًا كما قرأتها أنا.
قالوا: إن من البيان لسحرًا، ويحق لنا أن نقول بعد أقاصيص العجيلي: إن من الفن والبيان لسحرًا، فشاعرية العجيلي كانت أجدى عليه في قصصه، أما القومية العربية فهي ملاك كل ما يكتب سواء أكان شعرًا أم نثرًا.
فيا عزيزي الدكتور، جوابًا على ما قلت في إهدائك الكتاب إليَّ: إنني ما عرفت الرأفة قط في نقدي؛ ولهذا لم أرأف بديوانك. أما هذه الأقاصيص فشكرًا لها؛ لأنها أجبرتني على الكلام بدون لدغ ولذع؛ فبورك فيك يا عبد السلام.
وأخيرًا، أرجو منك وأنت سيد عربي صميم، أن تقبل مني هذه الإضمامة من زهور النقد اللغوي؛ لأنني أضن بفنك الرفيع أن يشاب بيانه بلبس كما قال البحتري. قلت: أحنيت رأسي. وصحيحها حنيت؛ لأنه يتعدى بلا همزة.
وفي قصة الشباك التي ألفتها من ثلاث أقاصيص، طريفة ذات تهكم بارع، قلت: طلع الصبح ولم يكن عارفًا حيًّا … وهي عارف.
وقلت: حوافه. وهي حافاته كما في معلقة الأعشى.
وقلت: تحدق فيَّ بعينيها. وهي تتعدى بإلى.
وأما المشتجرة فإنها أبشع من المستشزرات.
فعلتُ هذا لأريك أنني لا أُمالئ أحدًا، وحتى تثق بثنائي عليك، والنقد إذا خلا من النقد كان زائفًا، ناهيك أنك كاتب لا غبار على عبارته، ومن عاش مثلك في الغرب ولم يتخلَّ عن شعرة من عروبته يستحق منا أكثر من هذا التزمُّت اللغوي، ولكن المجال ضيق الآن.

ميناء القدر


لفيكتور حكيم
قصة طويلة كتبها الأستاذ فيكتور حكيم، ولعلها تكون أول أثر أدبي له في لغته الأم، عرفناه في الأدب الفرنسي من كتاب الطليعة، وها هو يكتب لنا قصة طريفة بالعربية، عنوانها ميناء القدر؛ لتكون مرفأ لسندباد بحري بيروتي، وهكذا لم يضع حق بيروت من بطل كهذا.
أعجبتني قصة الأستاذ حكيم؛ لأنها ليست من الطراز الذي مللناه لكثرة التهافت عليه، فما كان أحوجنا إلى مثل هذا اللون يدخله على مأدبتنا القصصية كاتب كالأستاذ حكيم! نعم، إنه لا يجيد كتابة العربية كالفرنسية، ولكنه في مثل هذه القصة التي أبدعها لا يحتاج إلى أكثر مما فعل. ليس لنا أن نطلب من الأديب أن يفصل قماش فنه على ذوقنا، وليس لنا أن نعد قصته غير ناجحة لأنها غير مفصلة على الهنداز الذي عرفناه من الكتب، فالذي يخلق فنه هو أجدر بالذكر والحياة من الذي يسير وراء غيره على الطرق المعبدة.
أهدى رينه بازين قصته الراعوية التي عنوانها القمح إلى أناتول فرانس، ثم جاء ليرى رأيه فيها، فقال له فرانس: ما لك ولهذا اللون؟ فقد كتبت فيه جورج ساند. اخلق لونًا جديدًا إذا شئت أن يبقى لك ذكر.
وعندي أن الأستاذ فيكتور حكيم قد أحسن بتغلغله في فيافي الخيال، وبجعل ساحة معركته البحر، وهل هناك أغنى من البحر؟ وهل أصلح منه ساحة يصطرع فيها الإنسان والقدر؟
كان البحر ميدانًا، للبناني الأول، فاستخرج منه ما أخرج، وها هو ذا اللبناني الجديد يستكشف سر الغد المغلق.
وإذا كان همنغواي الكاتب الأميركي الشهير صارع دلفينًا من دلافين البحر، فها هو ذا فيكتورنا يصارع القدر، ومن يستطيع أن يأخذ من القدر حقًّا أو باطلًا؟
أقول هذا وإن كنت لا أستطيب ألغاز الحياة ولا أحاول حلها، ففي نظري أن الحياة وجدت لنحياها لا لكي نحلل أسرارها التي لا تحل، ولكن في القصة كل شيء محلل وجائز وطريف. من منا لا يعجب برؤيا يوحنا؟ ومن منا لا يحاول قراءتها وإعادة تلك القراءة؟ فهي سندباد سماوي يحاول أن يحل لنا سر الخلود والمصير.
إن مخيلة الملهمين تخلق العجائب، وقد تدرك بالإلهام ما يمكن أن يكون حقيقة لا غبار عليها، ولكن الحقيقة التي يحاول كشفها الملهمون منا لا تظل وراء الحجاب لو كانت موجودة. أخذ الله بيد الحكيم ليواصل رحلاته ولا يطوي شراعه.

القضية الفلسطينية


لأكرم زعيتر
أكرم زعيتر كاتب متمكن من لغته، وأسلوبه أنصع من الفضة الخالية من الزغل، وأما عروبته فأنقى. عاش في صميم القضية الفلسطينية الحاضرة، ورأى بعينيه مشاهد المأساة الفاجعة، وها هو يؤلف لنا كتابًا يدخل من بابها حتى يصل إلى محرابها، وها نحن نصلي وراءه خاشعين متأملين مترحمين على شهدائنا الذين ناضلوا وكافحوا في سبيلها، وأولئك هم المفلحون. كلنا في الهم سواء، ومن ينام نومًا هادئًا وهو يعلم أن في بيته «وكر» أفعى. لقد عرف السيد المسيح أذى قومه هؤلاء فأخذ السوط وصاح بهم: أيها الحيات أولاد الأفاعي، من علمكم الهرب من دينونة جهنم.
ومع ذلك لم ينج السيد من كيدهم. إن كيدهم لعظيم! ربحوا المعركة مؤقتًا، أما البقاء، والخلود فكانا لتعاليم السيد، فملأت أتباعه المسكونة، وذابت اليهودية في الأوقيانوس المحيط، ولكن الخميرة التي في التوراة بقيت دهورًا تخمر عجين الصهيونية، واليقين يفعل المستحيل.
في ربيع عام ???? زرت فلسطين أول مرة، وعدت من القدس إلى حيفا راكبًا القطار، دخلت العاجلة فإذا أنا، وجهًا لوجه، أمام حاخم تسعيني منكب على توراته لا يرفع وجهه عنها، يغضي لا حياء، كما قال الفرزدق في زين العابدين، ولكن ليغرق في بحور أسفار التوراة ولا يفوته شيء من تعاليم أنبياء إسرائيل. وكان بين آونة وأخرى يمشط بمدراه لحيته البحترية البيضاء، ويرسل الزفرات ويتنهد كأنه يقول: متى هذا الوعد يا رب الجنود؟ من نهر النيل إلى النهر الكبير — الفرات — هكذا حددت لنا مملكتنا العتيدة، فأين نحن الآن؟ فلولا وعد بلفور لما كانت لنا هذه الشقة من بيتنا العتيق.
وظل يقرأ ويناجي إله إسرائيل حتى افترقنا في اللد لنركب قطارًا آخر.
وتذكرت في تلك اللحظة قضية الصهيونية التي تنبهنا لها قبل الحرب الكونية الكبرى، وسميناها الخطر الأصفر، نسبة إلى الذي كان يشتري أرض الميعاد ليهود أوروبا، وخطر على بالي في تلك الساعة صاحب جريدة الكرمل، نجيب نصار، فقررت أن أزوره، ولما وصلت حيفا كان ذلك الواجب أول ما قمت به، وتذاكرنا القضية التي كنا نناضل في سبيلها فقال لي المرحوم نجيب: نحن عملنا ما علينا، قرعنا ناقوس الخطر، وأنذرنا قومنا، ولعل الله يتحنن علينا ويعطينا ذرة من الإيمان لنقابل المستقبل القاتم. أعطاك الله العافية.
فقلت: وألف عافية تجيك. لا تنس أن كرهنا «لشعب الله الخاص» يجري في عروقنا، ونحن نلعنهم في كنائسنا دائمًا، ونسبُّهم في صلواتنا وقُدَّاساتنا، فأنا ماروني كما يدلك اسمي، لبناني من عين كفاع.
فقال نجيب: وأنا من عين عنوب.
فقلت: حيا الله بني غسان؛ فقد كانوا للعروبة، ولأجلها حارب الغسانيُّ الرومانَ المستعمرين، نجاها الله من هؤلاء.
قد يقول القارئ: ولماذا كل هذه القصص؟ وأنا أجيبه أن على كل قارئ عربي أن ينكب على كتاب أكرم زعيتر، وأن يقرأه لأولاده حتى الصغار منهم، كما كان ذلك الحاخام يطالع توراته، فعلى دولنا العربية في كل قطر أن تجعله في رأس لائحة كتب مدارسها. سوف ترى الناشئة في كتاب أكرم زعيتر تاريخ القضية الفلسطينية بكامل خطوطها، ويقدر الناس معي جهود هذا الرجل المدقق، ويفهم عنه ما يريد أن يقول، ويأخذ العلاج الذي وصفه لنا هذا النطاسيُّ المجرب في آخر كتابه. لا يجب أن ننسى أن لنا في فلسطين إخوانًا كرامًا أُباة صاروا تحت رحمة اليهود، فيجب علينا أن نبادر إلى إنقاذهم، صاروا قلة هناك، ولكن المرء كثير بأخيه، فلا ننس إخواننا.
عندما أخذت ألمانيا الإلزاس واللورين لم ينسهما الفرنسيون، وقد مشت بناتهم ثلاثةً ثلاثةً لابساتٍ الألوان الثلاثة الأحمر والأبيض والأزرق ممثلاتٍ العلم المثلث الألوان. مثل هذا فلنفعل لكيلا ننسى البلد المقدس.
فيا أخي أكرم، لما سأل يهودي السيد المسيح: ماذا أعمل يا سيد لأرث ملكوت السماوات؟
أجابه السيد: احفظ وصايا الله.
فأجاب اليهودي: هذي قد حفظتها من صباي.
فقال السيد: إذن واحدة تعوزك؛ اذهب وبِعْ مالك وتصدَّق به على المساكين. فاغتمَّ الرجل لأنه كان غنيًّا جدًّا.
ونحن يا أخي، ينقصنا العمل والتضحية بعد حفظ الوصايا … نحن أنانيون، نحن متفرقون، كلنا رءوس مثل ورق البصل، قلوبنا عند كنوزنا لا عند إخواننا … وقد قال السيد: حيثما تكن كنوزكم فهناك تكون قلوبكم.
وأخيرًا، جزاك الله خيرًا عن هذه الأمة المختلفة المآرب والمشارب تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى? صدق الله العظيم.

جبروت العقل


للدكتور فؤاد صروف
هذا كتاب مترجم، وما ترجمه الدكتور فؤاد صروف إلا ليكون دليلًا إلى حصن الفكر والمعرفة، وما أحوج الأغنياء بعواطفهم مثلنا إلى كتاب يطوف بهم في دنيا الفكر، التي هي أوسع من أن تحد؛ فالفكر المنبثق من العقل ليس له حدود، والكون كله ليس أوسع من مداه، فهو أوسع من الدهر الذي حدده ضرير المعرة البصير بقوله:
ولو طار جبريل بقيَّة عمرهمن الدهر ما استطاع الخروج من الدهر أما العقل، وهو موضوع هذا الكتاب القيم، فقد ألَّهه المعري أيضًا إذا قال:
أيها الغر إن حبيت بعقلفاعبدنه فكل عقل نبي قد يقول أصحابنا الذين لا يقدرون إلا سفاسفهم وثرثراتهم، أليس هذا الكتاب مترجمًا؟ وأي نقد للترجمة؟ فلهؤلاء أقول: إن «الإشعاع» الذي تعتدون به لا يكون لكم منه بصيص نور، لولا الترجمة، والمعرفة التي تأتون على ذكرها بمناسبة وبغير مناسبة لم يكن لكم منها شيء لولا الترجمة. وترجمة كتاب نفيس هي حجر جديد يضاف إلى صرح معرفة الأمة، فنهضتنا الأخيرة قامت على الترجمة، ولولاها لما كان لنا شيء نعتد به في هذا المجال، فأنا أحمد الله على أن هذا الكتاب قد فتح أمامي نافذة أطل منها على رجل العلم الذي أطلع شمس الفكر الحر في سماء أقطارنا العربية. أليس فؤاد صروف هو الذي أتم ويتم في كل مناسبة رسالة عمه يعقوب صروف صاحب المقتطف؟
إننا لن ننصف بعد يعقوب صروف، ولو فعلنا لأقمنا له التماثيل في كل عاصمة ومدينة، فهو أبو يقظتنا الحاضرة، وقد فتحت مجلته العيون المغمضة، وجعلتنا نأبه للعلم يوم كان يعد ذلك العلم كفرًا وزندقة، ومع ذلك مضى علَّامتنا في طريقه ولم يبال بما كان يُتَّهم به. كان همُّه أن تمشي أمته بل الشرق كله على ضوء مصباح العلم، وظل ينشره بيننا حتى لفظ النفس الأخير وسلم المصباح لربيبه هذا؛ مترجم كتاب جبروت العقل.
وينشأُ ناشئ الفتيان مناعلى ما كان عوَّده أبوه وإذا لم يكن يعقوب أبًا لفؤاد فهو مربيه، وحسبك أن تعلم أنه قام بأعباء رسالة عمه؛ أي تحرير المقتطف زهاء سبعة عشر عامًا؛ فهو إذن حواريه ورسوله بيننا اليوم. قلت: حواريه ورسوله، وهذا حق؛ فما كان يعقوب صروف إلا رسول العلم الحديث إلى كل بيت ناطق بالضاد، وإذا أحيا زيدان التاريخ الإسلامي بأسلوبه الهين، فيعقوب صروف جعل من مقتطفه دائرة معارف حقًّا تنشر أول مستحدثات العلم الحديث، فيتابع من يقرؤها سيرورة العلم خطوة خطوة.
قال ابن العميد: كتب الجاحظ: تعلم العقل أولًا، والأدب ثانيًا. وبحق نقول: إن المقتطف الذي كتب منه صروف الكبير أكثر من ?? مجلدًا يعلم العلم أولًا، وكل شيء ثانيًا.
أذكر أن الأستاذ فؤاد قال مرة عن عمه: إن يعقوب صروف من نهضتنا كحنين بن إسحاق من النهضة العباسية، وهذا أقل ما يقال في ذلك الرجل، فلولا مخلفاته التي نستتر بها لكنا عراة، ولكننا نسيناه، والإنسان سمي إنسانًا لأنه ناسٍ.
قلنا: إن فؤاد صروف مطبوع على العلم، وقد نشأ عليه شابًّا في ظل ذاك الرجل، فحسبك أن تعرف حتى تقرني على ما أقول أن له كتبًا مؤلفة ومترجمة تضرب كلها على الوتر العلمي، فهو ممن يعتقدون أن الحضارة لا تبنى إلا على البحث العلمي، كما قامت نهضة ألمانيا؛ فحين يكتب مقالة أو بحثًا أو محاضرة يعرج ولو لمامًا على العلم. ومن كتبه العلمية: رجال العلم ومكتشفاتهم، وطبقات الأرض، وفتوحات العلم الحديث، والفتح مستمر، ومذبح المريخ، والنار الخالدة، وآفاق لا تحد، وعلى الطريق، واليوم: جبروت العقل.
إن هذا الدماغ المنتج لا يتخلف أبدًا عن ركب العلم، ترى له في كل معركة علمية غبارًا، فكتبه التي ذكرت تُنبئنا عن شخصية طبعت، منذ وجدت، على تعشُّق العلم، فهو لا يزال يشعل كل يوم شمعة في هيكل العلم والأدب، ولا ننس فضل الصروفين على اللغة، فكم وضعا من لفظة حديثة دارت على ألسنة الأقلام.
أما كتاب جبروت العقل، فبحث لتاريخ العقل ومدى ما بلغ وما يمكن أن يصل إليه. تقرؤه وكأنك تقرأ كتابًا أدبيًّا فلا تمل ولا تضجر. يحدثك عن آراء القدماء والمعاصرين، ويبحث شئونًا تعنيك كإنسان صاحب عقل وفكر تريد أن تفهم معنى الحضارة الحديثة التي تتولى التربية الحديثة وتوجيهها، ثم يسأل عن المدى الذي بلغه العقل في فهم فكرة الله.
وللأديب في هذا الكتاب مرعًى يجده من يريد التعمق؛ كما أنه يبحث الشجاعة والطموح حين يروي لنا أن إسحاق نيوتن كان ابن فلاح في لنكشير، ولم يكن ولدًا نجيبًا في صباه، بل كان طالبًا وسطًا في جامعة كمبريدج، فلم تكد تنقضي بضع سنوات حتى انقدحت فيه الشرارة، كما أن سقراط قد كان بنَّاء … إلخ.
ثم يحدثني عن الآلة الحاسبة التي تغني عن المئات من الرياضيين، أو الآلة التي تتذكر ولا يزيد حجمها عن حجم جهاز راديو متوسط، ففي قدرتها أن تتصفح كل كلمة من مكتبة مؤلفة من مائة مجلد، وأن تختزنها وتعيدها متى طلب ذلك منها.
وأعجب هذه الآلات آلة تستطيع أن تخزن ملايين لا تحصى من الحقائق خلال سبعين سنة، وهذه الآلة هي المخ البشري، ولكن لا تنسينَّ أن نشوءه قد استغرق مئات الألوف من السنين.
ومؤلف كتاب جبروت العقل المستر جيلبرت هايت يعذر العالم على سيره البطيء؛ لأن الناس لا تشجعه، بل تعجب بالمشعوذين والدجالين وتجزيهم أحسن جزاء.
ويرى هذا الأستاذ أنه لا يستبعد أن ينتهي عصرنا المتصف بالمغامرة والثورة إلى عهد يغلب عليه الاتباع الجامد، وهذا ما يهدد العقل والفكر بالجمود.
ثم يعتقد أن النظم المدرسية والمناهج تعلم الاتِّباع لا الإبداع، وهذا ما ينذر بركود الفكر، ويقول في التعليم: فالمعلمون يقولون لوالدي التلاميذ: إن اللغة أداة، وبدلًا من أن يأخذوهم بأيديهم ويبينوا لهم كيف يستطيعون أن يقرءوا، تراهم يعلمونهم ما يسمونه «فنون اللغة»، وهي بالقياس إلى الأدب كبصمات الأصابع الملونة بالقياس إلى روائع فن التصوير، «أما مستوى التعليم فيهبط رويدًا رويدًا عامًا بعد عام، وسببه أننا في استعداد لتبديد قوى العقل في الشاب، وإهدار تراث الماضي الذي لا يُقوَّم بمال.»
ولكي يدلنا على تفكير الإنسان الدائم في الصحة والمرض، والنوم واليقظة، يقول: إن الدماغ يعمل كما يعمل القلب، ينبض نبضًا لا ينقطع في أنسجته التي تزن ???? غرام، تسجل وتخزن بلايين من الذكريات والعادات والغرائز؛ صور وألوان وأصوات، وحسابات تفوق التصوير في دقتها، صوت همسة سمعت منذ ثلاثين سنة.
كنت أسمع من شيوخ قريتنا كلمة تدور على لسانهم؛ وهي: الفكر لا ينام، وإذا بي أراها في هذا الكتاب الصغير، أجل إنه صغير، ولكنه كبير بما فيه من أسرار نجهلها ونعرفها، ولكننا لا نقف عندها؛ فهي مغطاة بقشرة بصلة، كما يقول العوام. وكم في أقوالهم من فلسفة وعلم وحكمة!
وأخيرًا، إننا نشكر الأستاذ صروف ونسأله ألا يقطع عنا سيوله الذهبية فيعلمنا العلم بأسلوب الأدب العالي، ولا بدع فهو متمكن من اللغة التي يترجم عنها تمكنه من لغته التي ينقل إليها. ومتى كانت هذه حال المؤلف فسعدًا للكتاب الذي يخرج إلى ميدان خدمة العقل والفكر والمعرفة. إن فؤاد صروف يريد أن يبني الأمة على أساس علمي، وهو من يقدس العقل ويُؤلِّه الفكر أبا المعرفة قائدة الحضارة.
وأننا نشكر لمؤسسة فرانكلين نشرها هذا الكتاب بالاشتراك مع دار الثقافة ببيروت، فخرج في هذه الحلة الأنيقة التي تغري بالمطالعة كما تغري الحسناء بهندامها.

أباطيل


ديوان ليوسف نمر ذياب
تحت يدي الآن ديوانا شعرٍ لطالبينِ جامعيينِ؛ أحدهما: عراقي، وعنوان ديوانه «أباطيل»، والثاني: لبناني، وعنوانه «في دروب المغيب». الديوانان من قطع واحد، وعد صفحاتهما واحد، ولا فرق بينهما إلا أن الجلد العراقي أحمر، والجلد اللبناني أزرق. أما الفكرة في الديوانين فهي واحدة: ثورة على الله المسكين، وحب عارم، وشهوات متقدة تذكرنا بروح شاعرنا: إلياس أبو شبكة.
إن فريقًا من شباب اليوم لم يعد يعجبه مَن على العرش استوى، يريدون أن يقطعوا السرة، بل الخيط الذي يربط الإنسان بضابط الكل الذي يَرى ولا يُرى، ولكن لا خوف على من وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فإليه يرجعون إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا إنه يهز قضيب العز لبنيه النبهاء ليتعظوا، ومثل إناء فخار يحطم القلاع والحصون فترتجف أعصاب المتمردين.
منذ ثلث قرن، في سنة ????، ظهر في ريودي جانيرو ديوان لشاعر مغمور، شاعر بوهيمي حقًّا، هو أديب الخوري الشرتوني. أعلن هذا الشاعر العصيان على التقاليد الموروثة في تائية كبرى فقد منها ??? بيت، كما زعم. وهذه هي أبياتها التي تلامس موضوعنا:
خطيتي في عنق أمي التيقد ولدتني غصب عن رقبتيولدت عريانًا عديم القوىلا دربة، لا عقل بالمرةكجرو كلب كنت لو لم أكنعلى سرير أو على فرشة •••

وقيل: إن الله باري الورىوصورةُ الله على صورتيفقلت: ما أكبرها خَرْطةيا قومُ هل ركَّبتم مقلتي؟لا أعبد الخالق إن لم تكنسحنته أجمل من سحنتيوقيل موسى وسط عليقةٍشاعلةٍ أبصر ذا الرأفةفقلت: يا قوم، أباري الورىيخاطب الناس من الدبشة؟ ذكرت هذا لأدل شبابنا على أن هذا التمرد مسبوق إليه، وأن هذا الكلام لا يصير شعرًا إذا اعتمد على الفكرة فقط، كما أن رصف الكلام لا يخلق الشعر الصافي إذا كان طلاسم خليًّا من المعنى، كما قال فيه شاكر الخوري:
وما مثله إلا كفاقع حمصخلي من المعنى ولكن يفرقع قد يهز بعضنا أكتافهم ويمطون شفاههم قائلين: هل تستحق دواوين هؤلاء الشعراء الناشئين هذا الاهتمام وهم من لا يعرفهم أحد غير جيرانهم، فأين أنت من الجبابرة؟
وأنا أجيب هؤلاء: إن الجبابرة قد أخذوا نصيبهم، ولكننا سوف لا نلقي حبلهم على غاربهم بالمرة، إننا نطوِّل الحبل ولا نفلته، سوف نفعل معهم كما كان يفعل اليونانيون في حفلة تأليه البطل. كان يتبعه رجل يسر إليه بهذه الكلمة كلما اجتاز مسافة قصيرة: تذكر أنك إنسان.
أجل، مثل اليونانيين سوف نفعل، فننكز العمالقة من حين إلى حين ليشدوا براغي ركبهم ويُزيِّتوها. أما الشباب فمن لهم غيري؟ ترى أما كان ناشئًا ذاك الذي نسميه اليوم جبارًا، أو عملاقًا، أو الشاعر الكبير والأعظم؟
أنا لست ناقدًا فقط، ولكني ناقد ومُوجِّه على قدر معرفتي. وأحرى الناس بالتوجيه في الأدب هم هؤلاء الشباب الذين يرجى منهم خير كثير. تصوروا أننا بلا جيل أدبي طالع، أفلا نكون كأسرة مقطوع نسلها؟
سوف أتصيد الكركي والعندليب، والضبع والغزال، والهزيل والسمين، والجميز والقصب. أما البقاء فما يكفله إلا العمل المتواصل. يبقى الرجل سنين لينبش نبعًا، فينفق من ماله وحاله بلا حساب، فإذا أردتم أن تكونوا ورثة الخالدين فافعلوا كذلك. إن العبقرية لا تظهر فورًا إلا نادرًا جدًّا.
في العراق اليوم تياران: قصصي وشعري، والتياران يناطحان شاطئًا واحدًا؛ شاطئ التجديد في الأساس والشكل، كما يُعبِّر المحامون. هناك تيار قصصي يريد أن يكون عراقي اللون، عالمي الفكرة والطراز، وتيار شعري طغى عليه اللون الإليوتي حتى استحال ثرثرة بالمعنى اللغوي لا العراقي، فإذا قرأنا قصيدة «الغريب» في ديوان «أباطيل» للشاعر الطالع يوسف نمر ذياب، وجدناها لا شرقية «بياتية» ولا أميركية إليوتية، فلو نظم الشاعر العراقي «موالًا بغداديًّا» فيه رائحة دجلة وطعم النخيل لكان خيرًا وأبقى من هذا الشعر الحائر.
قد تقول حين تنتهي من قراءة قصيدة «الغريب»: ليس هذا شعرًا، ولكني أقول لك: بلى، إنه شعر من الطراز الإليوتي، وأصحابنا عدوه فتحًا جديدًا في شعرنا العربي، ولكنه في نظري وباء نحتاج في مكافحته إلى بنسلين جديد يقضي على ميكروبات هذه الحمى المالطية. اقرأ ما يأتي إذا شئت ثم أصدر حكمك:
أماه … إني أمقت الحياةلا تبكي … إني أمقت الحياةوإن أمت فإنني أريد أن أموتقال لي الغريب ذاك … ذلك الغريبأتعرفين من هو الغريب؟ذاك الذي يدعوه قلبي: «الحبيب»ومقلتاه تفصحان عن هوى غريبأحسه وجيبفي أضلعي … أحسه وجيبقال لي الغريب:«لننهِ قصة العذاب والصراعأيامنا ضياع …نمضي وأحلام الهوى خداع …أيكشف الحب عن الغد القناعقد قال ما قال لك الطبيبقال لي الغريبذلك الذي تدعونه «الغريب»ذلك الذي يعودني … الغريبقال: «انتهت قصتنا» … غريب. كذا والله إلى آخر هذا الموال الفرنجي. ذكرتني كلمة غريب بنكتة جرت في إحدى قرى جيرتنا؛ كانت كلمة «غريب» محط كلام لرجل من تلك القرية، ولم يكن لهذا الرجل ولد ذكر، فرزقه الله واحدًا كان عُجْزة أبيه، فسماه مكماهون — لأن اسم ماريشال فرنسا كان لامعًا في آخر القرن التاسع عشر — غير إن الوليد مات، فقعد أبوه يبكي وينتحب، وسمع جاره النواح فجاء على الصوت، ودخل عليه ليعرف ما به، فقال له الرجل المفجوع بوحيده: ما عرفت مكماهون مات؟
فقال الرجل: أنا قدَّرت ذلك أول بأول.
فقال الأب: غريب! وكيف عرفت؟
فأجابه: لأن أرضنا الوعرة لا يعيش فيها مكماهونات.
وأدبنا العربي، يا سيد ذياب، لا يعيش فيه الشعر الإليوتي. فإذا كان البياتي، وهو الشاعر القارح، قلما يوفق إلى تقليده، فكيف بك أنت الطري العود في الشعر؟
إن خطيئة الإليوتيين عندكم، وخطيئتك أنت في رقبة الشاعر عبد الوهاب البياتي.
تأمل قصيدتك «انتفاضة»، فهي أشبه بأكل الترمس والحمص الأخضر نظرًا لما فيها من تقليد إليوتي زيف. لا أذكر من إليوتياتك إلا ما ذكرت، وإخالني قد صفيت الحساب الإليوتي البياتي تصفية نهائية، أما الشعر الذي من نوع شعرنا في ديوانك، فقصيدة «صراع» جيدة، وفي الديوان لها أخوات، وأما قضية «الله» فسنضم ما بقي من رصيد حسابها إلى حساب ديوان فؤاد رفقة «في دروب المغيب».
وأخيرًا أقول: إن ما يشكو منه شعرك البلدي الموزون لهو اختلاس الياء غالبًا ليستقيم الوزن، وهاك مثلين على ذلك في بيت واحد:
«ألقتني» في حمأة الآثام فانتفضتفي كل عرق دمائي «تغوي» حرماني وكذلك في قولك: «تستجدي» قلبك ألحاني وأشجاني، وقولك: أضويت وجدًا ولم «تصطدني» حسناء. إنك ستكون شاعرًا، يا يوسف، حين تنضج؛ لأنك كما يبدو موهوب. أما الآن فشعرك ما زال فجًّا، وأنت وزميلك رفقة قد استعجلتما طبع ديوانيكما، فعلى كل ناشئ أن يتأنَّى لينال ما يتمنى.

في دروب المغيب


لفؤاد رفقة
لقد بكرت، يا فؤاد. أتبدأ حياتك الأدبية بمثل هذا العنوان الأسود «في دروب المغيب؟» جعل صنوك الشاعر العراقي هذين البيتين فاتحة لديوانه؛ وهما ثورة على من خلقه:
أختاه، لا تعجبي فالنار في كبديأحيلها صرخة في وجه سجَّانييشيد من صخرة الآثام معبدهوسجنه، وعن الآثام ينهاني أما أنت فيدفعك اليأس حتى تقول في «صلاتك»:
إله! أيقذفني في المدىوعتم الضباب يلف مداه؟إله! ويسكر من حيرتيورعبي ويضحك ملء الشفاه؟ويرقص حتى الجنون المخيفليأسي، فأعجب مما دهاه!أهذا إله! فيا ثورتيأزيحي إلهًا كهذا الإله لعلي كنت هنا أشبه بالأب يوحنا الخوري في رده على مرداد الأستاذ نعيمة: وإذا كان الله يحتاج إلى محامٍ؛ فأنا لا أُحسن الدفاع عن قضية أجهل سرها ولا أدركه. ولكن هذه الظاهرة غير العادية لا تستحق أكثر من التفاتة عابرة، فلندعها وشأنها منتقلين إلى نظرية ثانية عُني بها هذا الشاعر، قال عن نفسه:
أنا مسخ الوجود والغلطة الكبرىوجودي في عالم مهجور ولعل تداعي الأفكار هو الذي أعادني ثلث قرن إلى الوراء فجرني إلى ديوان الشرتوني، فنقلت منه ما نقلت بهذه المناسبة.
وإذا مشينا قُدمًا في «دروب المغيب» وقعنا على قصيدة «ربيع وأشلاء»، فتذكرنا أفاعي فردوس أبو شبكة؛ قال في الأولى:
عصرت دمائي يا ابنة الإثم فاعصريلذائذ ليلي واستبيحي ودمريوصبي خمور الشر تطغى كأنهاأفاعٍ تلوَّت في جحيم مجمر يظهر أن الشاعر، وهو الجاحد، يعتقد أن في جهنم جمرًا كما كان يصر المرحوم جدي على اعتقاده هذا، وإيمان الشاعر بالحب هو الذي حمله على جعل الحب فوق الله، فقال:
يبدع الحب ما استحال على اللهمن الخلق للجمال المتاح لقد اتفق في هذا مع اللاهوتيين من حيث لا يدري، فقد قالوا — نفعنا الله بعلمهم: الله محبة هو، والله جميل ويحب الجمال، ولكن الشرتوني شك بجمال الله حين رأى وجهه هو.
سوف لا أنظر في شيء من ضعف القوافي والتركيب، فقد كفانا مئونة ذلك الأستاذ نديم نعيمة الذي قدم هذا الديوان إلى القراء، فكانت حجته برقبته، ولم يبق لي إلا أن أقول: إن شاعرنا الحائر فؤاد رفقة يستحق لقب شاعر العتم؛ لكثرة ما وردت هذه الكلمة في ديوانه. ولعل هذا العتم هو الذي جعله يهيم في أودية كأودية الشنفرى وتأبط شرًّا، ومع ذلك إنه، كزميله يوسف ذياب، سيكون شاعرًا بعد المران المستمر الدائم، والدائم وجه الله الذي كان يرف على وجه المياه قبل التكوين، كما قالت التوراة في الفصل الأول.

صراخ في ليل طويل


رواية لجبرا إبراهيم جبرا
«صراخ في ليل طويل» عنوان رواية ناجحة ألفها الأديب جبرا إبراهيم جبرا العارف الدرب إلى هذا الفن. أجرى حوادثها في مدينة لم يسمها، ولكنه نثر أوصافها التي تدلك عليها دلالة غير واضحة المعالم، فتمشي معه طائعًا مختارًا، وإن كنت لا تعرف إلا أنك في مدينة يجوز أن تكون بغداد، ويجوز أن تكون حلب، والله أعلم.
لها بطل رئيسي هو أمين سماع يروي حكاية سنتين من حياته البوهيمية، أو قل إنه يعطيك صورة الشاب التائه الذي يريد أن يؤدي رسالة، ويصبو ككل إنسان إلى أن يكون شيئًا مذكورًا. أما الطريق التي سلكها ليصل إلى ما يبغي فهي رسالة القلم، وقلمه كل سلاحه في معركة المعاش؛ فهو صحفي يقضي معظم نهاره في كتابة المقالات التي تتطلبها الجريدة. وفي الصباح، قبل أن يذهب إلى عمله، يشتغل بكتابة رواية، وما غايته منها إلا أن يُعبِّر عما يريد قوله، ولذلك اشتق من نفسه أشخاصًا كثيرين كما يشتق العالم بالصرف صيغًا مختلفة من الفعل، فمثل كل منهم ناحية من نواحي النفس الملأى بالمتناقضات، وقد بنى هذه المقصورة على حبه لسمية ابنة سليمان شنوب، صاحب المتجر الذي أراد أن يُعيِّن أمينًا كاتبًا عنده بعد الامتحان والانتظار. وجرب أمين عمله في فتح صناديق معجون الأسنان، وما صدق أن انتهى ذلك النهار حتى راح ولم يعد. ويشاء القدر، بعد حين، أن يلتقي أمين بابنة التاجر شنوب في برية، ويشق الحب طريقه إلى قلبيهما، ثم يكون الزواج بعد دوش سخن صبه والد البنت وأمها على رأس أمين.
وكما كان الزواج صاعقة، كذلك كانت الخيانة زلزلة، فقد تركته بعد سنتين، وانشقت الأرض وبلعتها، تركته معلقًا بحبال الهواء، لم تدع له إلا رسالة من ثلاثة أسطر ترجوه فيها ألا يقلق عليها؛ لأنها غادرته من تلقاء نفسها، وقضى أمين سنتين تائهًا أسير ذكراها التي ترافقه، كما كان يرافق طيف وحيد ابن الرومي، ويسد بوجهه كل فج.
فيتوه أمين خلال السنتين، وأهم ما يشغله في هذه الفترة عنايت هانم وأختها ركزان. كلفته عنايت هانم أن يكتب تاريخ أسرتها آل ياسر، فغاص معها في تلك الوثائق الدهرية بينما كانت ركزان، أخت عنايت، منصرفة إلى إشباع شهواتها.
وذات ليلة، يحلم أمين، وإذا بالحلم يستحيل حقيقة، ويرى سمية معه في الفراش، فيستحيل ذاك الحب العارم إلى بغض صاخب، فيطردها من بيته ويفر هو منه، ويأبى أن يتزوج من ركزان هانم التي عرضت بضاعتها عليه.
إن رواية جبرا، على صغرها، حافلة بأشياء يصعب عدها، فكأنها مخازن ألف صنف وصنف. نحن لم نشر إلا إلى جذع الرواية، أما فروعها فهي لا تحصى. إن بطل الأستاذ جبرا قال لنا إنه قسم نفسه إلى أشخاص عديدين، ومن غرائب التوفيق الفني أن تجيء جميع هذه الأشخاص زاخرة بالحياة، ولو لم يطلعنا على سر فنه لخلناهم شخوصًا حقيقيين، وأن الرواية واقعية. وهذا طلسم الفن الروائي وسحره المؤكد.
يعالج بطل الرواية شئونًا كثيرة، ولكن المرأة هي موضوعه الرئيسي، ولعله من عبَّاد الجسد، وهو يرى فيه العامل الدائم في الوجود الإنساني، ورأيه في المرأة «أن جسدها هو عندها الكل في الكل، فهي تحممه، وتعطره، وتطليه بالمساحيق، وتبرز أجزاءه المختلفة، وتحمله معها أينما ذهبت كحمل ثمين لكي تنزله في النهاية في فراش أحد الرجال، وهي نهمة لا تشبع حتى بعد أن يمسي جسدها غير أهل للفراش.»
ونفهم من النقاش الحامي بين شخوصه أن السخط مصبوب على المرأة لأنها تنصرف إلى مداعبة الأقنعة الجنسية، أما هو، وعبثًا نحاول التفريق بينه وبين شخوصه فكلهم هو، فيرى أن الطبقات السفلى من الشعب تنتج المبدعين، وأما ذوو الفراغ المتمتعون بثمرات التقدم فهم مرتع السآمة والضجر.
ثم يهزأ البطل أمين بأبيه لأن الروح كانت عند ذلك الأب شيئًا حقيقيًّا لا مجرد كلمة غامضة، فيؤمن بعالم آخر ونعيم سماوي لا يدركه عقل البشر.
وإذا أردت أن أجيء على كل ما في هذه الرواية من أفكار ومبادئ «تقدمية ووجودية» اقتضى أن أكتب كتابًا ربما كان أضخم من هذه القصة، لأن جبرًا يحسن انتقاء التعبير الوجيز اللازم لإخراج روايته إخراجًا محكمًا، وهو يحبك أشخاصه حبكًا متلازًّا، ولا يُقوِّل الأشخاص أكثر مما يحب أن يقولوا. وهناك قدرة فائقة على مزج عدة شخصيات وحوادث تظل خيوطها في يد جبرا أنشوطة لا «تتشركل» أبدًا، ويصف لك كل شيء من تقلبات النفس البشرية والصراع الفكري، فهو في هذه الرواية واقعي خيالي لا يهمل شيئًا من زينة مسرح روايته، وقد خلق من حوادث تافهة رواية هي في طليعة أدبنا الروائي. قد لا أكون رأيت لها أختًا في هذه الفترة من نهضتنا ولا قبلها. الحياة نشيطة في هذه الرواية، والعبارة تؤدي الفكرة تأدية تامة غير منقوصة، فالكاتب يخضع مواده لفنه، ولا يخلق إلا ما يحتاج إليه عالم روايته.
قد يقول واحد: «وما حاجتنا إلى قوله: وعندما أمسى مصباح الشارع خلفي تفحصت ظلي الطويل الذي ضخم تأرجح ذراعي، وفضح شيئًا من البخترة في مشيتي، إلا أنني أعجبت بشكل رأسي ظلًّا وهو ينزلق أمامي، ولكن سرعان ما استطال الظل وفقد ما فيه من تناسب، ولم يرق لي أن أنظر إليه.» ثم قوله في موضع آخر: «وكان على الأرض صحون مهشمة، وقطة سوداء صغيرة تنظر في حيرة إلى الرجل الذي يحزم الثياب.»
ونحن نقول: هكذا يستلهم الروائي كل شيء، والسر العظيم هو في السبك، وتسيير المرئيات، والحرص على التناسب بينها، وتوجيه القصة نحو الهدف كما يسير الطوربيد إلى دارعة لينسفها نسفًا.
فشخوص جبرا يعبر كل واحد منها عن شيء، ولكنها تتعاضد جميعًا لتؤلف «كلًّا» رائع الشكل. أعطانا في روايته نموذجين من أصل واحد ولكنهما مختلفان، فعنايت هانم تعيش في سراديب تاريخ أسرتها كما تعيش الجرذان في ظلمات الأقبية، وترى فيها المآدب والكوكتيل والحفلات الراقصة التي لا ينقصها إلا شرب الأنخاب.
أما أختها ركزان فهي تريد أن تغرق ماضي الأسرة في لجج النسيان، وتريد أن تعيش في حاضرها؛ ولذلك أحرقت، بعد موت أختها عنايت، كل ما تعب بطل الرواية، أمين سماع، في تحبيره. وأخيرًا نسفت القصر القديم لتبني بيتًا حديثًا لا يذكرها بالماضي.
تقول ركزان: «إنها لا تريد القصر ولا تريد الآلاف العديدة من الفدادين، ولا تريد هذا التاريخ ومستنداته الخطية. إنها لا تريد هذه كلها لأنها ملحقات الماضي وأدوات زينته، إنها سرابيل الموت.»
«إني أريد أن أتخلص من كل هذا الذي حولي، وفي نفسي من فورة الحياة ما يكفي لعشر نساء.»
ولا تظنن أن ركزان قالت هذا ارتجالًا. إنها لم تقله إلا بعدما عرَّفنا أمين بغريزة هذه الأسرة الشهوانية، فكان ينحو نحو زولا ودوستوفسكي في تصوير أسرة كارامازوف، والأب مورة.
في الرواية صراخ نفساني دامٍ، وأمين تائه بعدما تركته سمية كالهر المضروب على رأسه، يقع ويقوم، ثم يقوم ليقع، فهنا عنايت هانم تحاول تظهير تاريخ الأسرة لتتمجد به، وركزان، بعد موتها، تُحرق أصول هذا التاريخ وهي تهتف متشفية: «في النار.» تريد أن تخلص من جدودها، بينا دمهم يغلي في عروقها. فهي حين عرضت نفسها على أمين إنما فعلت ذلك بدافع مما ورثته عن تلك السلالة الفاجرة.
إن ربط الحوادث ببعضها ربطًا محكمًا يدلنا على ما أوتيه جبرا من خاصة تتبُّع خيط تداعي الأفكار وقوة المحاكمة؛ ففي هذه الرواية الصغيرة قد جمع المؤلف حوادث جمة، وأفكارًا ونظريات قالها بشجاعة تغلبت على الحياء الأدبي، فمؤلف «صراخ في ليل طويل» ينقد المجتمع وما فيه من جبن ورياء، والجميل فيها أن ما فيها من تحليل نفساني لا يبدو جافًّا كعهدنا به، ولكنه لا يمل لجمال القصر وجودته، وإن كان المؤلف يحس القبح أكثر من الجمال، ويصف القاذورات كما يصف زجاجة كولونيا. أما التقلبات التي في هذه الرواية فصورة صادقة عن حالة القلب البشري الذي لا يستقر، وكما أن الإنسان يتغير تفكيرًا وتصميمًا، كذلك حالات شخوص روايته، وخصوصًا حالته هو. إنها تصور شكوك الشباب ونظرهم إلى المثل القديمة كعجوز مجعدة الوجه، وهم يريدون — مثلًا — غيرها فتية ناضجة!
أما الذي أخفاه من حديث هجر سمية له مدة سنتين، فقد دلنا عليه إيماء لا تصريحًا، فتلك الدموع التي كانت تذرفها على فراشه لم يذكرها المؤلف إلا ليوقفنا على ذلك السر، سر فرارها وبيع العقار الذي وهبها إياه أبوها.
وتذكُّره سمية كاد أن يجعله من أصحاب الفكرة الثابتة، وسيرورة هذه الفكرة، فكرة سمية، تذكرني ببطلة دعاء الكروان لطه حسين. كانت بطلة القصة تناجي الكروان كلما سمعت صوته في الليل وذكَّرها بطائرها، وكما كانت تلك البنت التي فقدت أعز ما تملك يوقظها صوت الكروان، كذلك رأيت في داخل صدر أمين سماع، بطل جبرا، كروانًا لا ينام، بل يلهج أبدًا بذكر سمية، ولكن بين الروايتين فرقًا، فليس في دعاء الكروان ما في «صراخ في ليل طويل» من براعة قص، ومطابقة الحوار للواقع.
وفي الرواية تشابك متواصل وتنقلات سريعة تثب وثبًا من شق قلم المؤلف، كر وفر وإقبال وإدبار كحصان امرئ القيس من سمية إلى أبيه، إلى عنايت هانم وجدها عز الدين ياسر، ولكن المليح في أشخاصه هو أنها لا تقف كثيرًا، وجبرا طبيعي في مصادفته لهم وتعريفنا بهم كما تعرف هو على ظله الطويل في تلك الليلة.
وقد يُغرب في خلق شخصياته كما خلق شخصية ركزان التي نسفت قصرها وجاءت إلى بطل الرواية لتخبره وتقول له بكل بساطة: أسمعت؟
– نعم، يا ركزان، سمعت.
– اصعد إلى جانبي إذن.
– شكرًا.
– كنت أرجو أنك ستأتي معي. ألا تغير رأيك؟
– لا، لا حاجة بي إلى الهرب بعد اليوم.
وممن يهرب وقد نجا من سمية؟!
وبكل برودة تركته ركزان وكأنها لم تفعل ما فعلت من نسف قصر آل ياسر العظيم!
إن الجنون فنون، ولكن جنون ركزان كان فحليًّا، وكان على خالقها أن يهذبها قليلًا، وقد كان في الإمكان أن ينجلي هذا الليل الطويل بدون هذا الإغراب. وبعدُ، فأنا لا ألوم لأني عرفت شخصًا تملَّص من ميراث أبيه وعلل إسرافه مدعيًا أنه مال غير حلال.
إن في زوايا هذه القصة خبايا كثيرة، ولا بد لمن يتلمس جمالها الفني من أن يقرأها أكثر من مرة. لم يكتب جبرا من وحي ما قرأ، بل من وحي حياته ودراسة نفسيته، لم يبرز لنا ما في حافظته وذاكرته وذهنه من ثقافة واسعة، ولكنه جلا لنا تجاربه فنيًّا، فخرجت عرائس رائعة جميلة.
لم تكن روايته منبر وعظ أو كرسي اعتراف وإرشاد، ولكن هناك أشخاصًا يحللون مشاكلهم.
لا أقول: إنه سارتري، ولكن أقول: إنه شاب يصف ميوله ونزواته، ولم يفكر إلا بما كنا نفكر به في عز الشباب، وأراني مجبرًا على التصريح للمؤلف أنه لم يتعبني أثر أدبي كما أتعبتني قصة جبرا، وديوان «ثلاثون قصيدة» للأستاذ توفيق صايغ، وعبقرية الاثنين من مقلع واحد، وهما صديقان حبيبان.

قصائد


ديوان لنزار قباني
كلما دق الكوز بالجرة رفع الشعراء عقيرتهم متحاملين على الخليل بن أحمد وعروضه، يخلعون عليه ما يدور على لسانهم من الألقاب مسمين أوزانه الشعرية أسماء غريبة. وهو ذا اليوم شاعر ملهم هو نزار قباني، فهذا الشاعر الفذ يسمي بحور الشعر العربي «الأقفاص الستة عشر»، ويسمي علم العروض «قبوًا»، كما سمى الوجوديون مجمعهم «قبو التابو»، فذكرني بقبو المعزى وهدير الفحول في أوائل تشرين.
زار نزار هذا القبو في باريس فقال في الحلوة التي رآها فيه:
كان اسمها جانينلقيتها، أذكر، في باريس من سنينأذكر في مغارة التابو …وهي فرنسيةفي عينها تبكيسماء باريس الرماديةكان اسمها جانينوهي وجوديةتعيش في التابو … وللتابو. ظلام نعم، كما تعيش العنزة في القبو، فما قتل رجولة الشعب الفرنسي إلا هذه الأقبية، وهي التي تعتصر شبابنا وتبصقهم كما نبصق ألياف قصب المصِّ.
اسمع يا نزار، ليست بحور الخليل أقفاصًا وقماقم، ولكنها أنغام الجدود وألحانهم، تلك كانت موسيقاهم الكلامية، أما قلت أنت في قصيدتك عندنا:
والمواويل لديناوجدت قبل السماع أعرني أذنك هنيهة، يا من تؤمن «بالموال»، ألا تدرك أنه موزون مقفى؟! إذن ليست القوافي زوايا حصن معد لحبس الشعر، ولكنها وقفة نغم على حدود النهاية، وانطلاقة مع موجات الأثير ليظل يتنقل من فلك إلى فلك، ومن نظام شمسي إلى آخر سديمي يُدَّخر فيه.
ليست هذه الأوزان من صنع الخليل، ولكن الخليل وضع النوطة لأهازيجنا وأغانينا التي أعجبك منها البحتري وابن المعتز، وما دام هناك شاعران أعجباك فيكون اللوم على الشاعر، لا على الأقفاص التي صنعها «نجاركم الأكبر»، كما قلت، فوقِّع دائمًا إذا لم تزن لئلا تخرج من ملكوت الشعر كما أصابك في قصة راشيل شوارزنبرغ. إن أوزاننا ذات ألوان وطعوم مختلفة، كذلك «الرأس» الذي وصفه الجاحظ، وإذا كان الذي قرفك من تلك الأوزان هو تلك السماحة «التعدي على الكار»، حتى صار الشعر الموزون هراء، فأنتم شعراء اليوم سوف تصيرون مقلدين في نظر الآتين بعدكم، ولا يعصمك أنت في الغد إلا شخصيتك البارزة وعبقريتك الشعرية في الموزون والمكيل.
قال عنترة: «وخلا الذباب بها يغني وحده …» وهذا ما ينطبق على أوزان الشعر العربي. لقد غنت حقبة وحدها، فما عليكم إلا أن تملئوها موسيقى، فعبِّئوها كلامًا مرنانًا.
قلد الشاعر سعيد عقل الشاعر العامي ميشال طراد في موضوعاته الشعرية، فناجى ما ناجى من أشياء، وأنت قلدت الاثنين، بيد أن شخصيتك الفذة ظلت بارزة فلم تنعدم في هؤلاء وأولئك كما يتمنى البهائي أن ينعدم في ذات وجدانية الله.
أنت، يا نزار، شاعر حقًّا، فليتك تظل ملتفتًا إلى ذاتك غير مبالٍ بغيرك. أنت قادر على تطويع الوزن لأنك ذو قريحة وذوق فني، فلا تهم في مثل: «كان اسمها جانين، لقيتها أذكر في باريس من سنين …» إن من يعصى عليه الوزن يلجأ إلى المد والإردب والشنبل، وقد رأيتك في ديوانك «قصائد» أقل توفيقًا منك في «طفولة نهد». قالوا عن البحتري الذي نوهت به أنه أراد أن يشعر فغنَّى، أما أنت «في سامبا» فقد شعرت وغنيت ورقصت، وإني أتحداك أن تأتينا بمثلها في الشعر المتفلت من الوزن والقافية.
قال غيري: النثر مشي، والشعر رقص. فارقص لنصفق لك، أنت في سامبا وطفولة نهد أول، أما في هذه «القصائد» فلست، ولماذا؟ لأنك تقريبًا اجتررت الكثير من ماضيك الفني، لقد اجتررت شال أخيك سعيد عقل كما اجتر سعيد شال ميشال طراد وقمره.
اعذرني إذا صرحت، فأنت لم تقف عند حد الشال، بل انحدرت إلى التنورة والجورب.
لم ننس نحن بعدُ أثر الفسطان والجورب فينا، ولكننا كنا نكتم سرهما وخبرهما كما قال المتنبي: «وأعفُّ عما في سراويلاتها.» ومع ذلك أنت خيِّر في كل ما أعطيت حتى «قصيدتك الشريرة»، فالفن لا شر فيه. وبعد هذه القصيدة الجريئة لم يعد أتباع أبي نواس يعتبون علينا، ولا يباهوننا في صراحتهم، فأنت دخلت الدور والقصور والخدور، ووصفت لنا ما لم يصفه قبلك شاعر، فكأنك طالعت كتاب السجينات لشيخنا فؤاد حبيش.
قال نزار: «إن سعيد عقل قمة في الشعر العربي؟» وأنا أقول: هم ثلاث قمم: سعيد، ونزار، وميشال طراد، وثلاثة أقانيم متساوون في عظمة الشال، وكرامة الفسطان، وانسدال التنورة، ورفعة القمر. أما نزار فيستحق وحده وسام ربطة الساق؛ لأنه قال أبياتًا منظومة في «الجورب المقطوع».
أنت شاعر يا نزار، أقولها وأثنيها وأثلثها، وابتهارك في تهافت النساء عليك يذكرنا بعمر بن أبي ربيعة، أنت ذاك ولكن من نوع آخر. كان عمر يشتهي اللحم والدم، وأنت إلى الثوب الأنيق أميل. وهذا ذوق رفيع لو لم يرافقه انحدار إلى «الكلسات».
ففي شعرك قصص ابن أبي ربيعة، وحسن ختام قصص أبي نواس، وحلاوة كلام جرير، وفتك بشار العقيلي، ألست تقول لنا:
قالت: فما ماضيك؟ قلت: تفرَّجيجثث وأمراض وبئر أفاعيعودي لأمك، ما أنا بحمامةفغريزة الحيوان تحت قناعيما أنت حين أريد إلا لعبةبلهاء تحت فمي وضغط ذراعي أما قال بشار حين قالت له تلك الضحية السمينة بعدما عضها وفتك بها تلك الفتكة الذريعة:
كيف بأمي إذا رأت شفتي؟أم كيف إن شاع منك ذا الخبر؟قولي لها: بقَّة لها ظفرإن كان في البق ما له ظفر لا بأس إن ذكرنا هذه الغارات الفنية، وإن كنا لا نريد أن نحلل ونفكك وندلل على هفوات اللغة والعروض، فوصية الشاعر لنا في مقدمة «طفولة نهد» هي أن لا نفعل ذلك كيلا يبقى في يدنا غير جثة الجمال وجنازة العطر. والشاعر قباني يسألنا أيضًا أن ننحي المنطق، وإذا نحينا المنطق صرنا نقادًا بلا عقل، فكيف العمل ومن يخلصنا من سعيد؟
أما المواضيع القروية فأراها أجدر بالشعر العامي، وإن كانت لم تعص على نزار الذي تكلم شعرًا بما يشبه العامية، ولكنه فصيح إلا في ألفاظ لا بد منها للموضوع.
وبعد، فهذا شاعر في كلامه حلاوة كلام جرير، ولكنه يفوقه خيالًا، لأنه يصور بكلمة واحدة ما يصوره غيره بكلام، وفي اعتداده بنفسه هو مثل عمر بن أبي ربيعة، هو المحبوب دائمًا والتارك لا المتروك، وإن تحرق عمر على بعضهن، فنزار لا يرى فيهن جميعًا غير لعبة يلهو بها. دامت له هذه الطفولة الرائعة، وهذه الفصاحة الغضة البضة، فهو محدِّث من الطراز الأول. اسمع هذا الختام لقصيدة عنوانها «طفلتها»:
أخذتها مقبِّلًا باكيًاأما بها من أمها رائحة وموضوع هذه القصيدة له أخ في شعرنا العصري أولها: رأى بنت يهوى، ولعل الروعة كلها والفن كله في تنقية نزار لشعره وتعمده إجادة الختام، فإنه يطلقه قنبلة صخابة كقوله في ختام قصيدة «حبلى»:
شكرًا، سأسقط ذلك الحملاأنا لا أريد له أبًا نذلا عفوًا عن هذه الجناية؛ جنايتي أنا، أهملت المطلع وهو رائع جدًّا جدًّا، لم يقل شاعر، حتى هوميروس، أروع منه في الدلالة على الموضوع:
لا تمتقع! هي كلمة عجلىإني لأشعر أنني حبلى أما القصيدة الشريرة، وهي زهرة شر على صدر الفن، فهذا مطلعها:
مطر … مطر … وصديقتهامعها ولتشرين نواحأشذوذ أختاه، إذاما لثم التفاح التفاح؟!نحن امرأتان لنا قممولنا أنواءٌ ورياح أما قصيدته المشهورة «خبز وحشيش وقمر» فهي مسك ختام قصائد نزار قباني، وإني لا أرجو أن يكون ذلك؛ لأن شاعرنا الفريد لم يقل كل ما عنده بعد.
اسمع ثانية يا نزار: أنت في الأدب العربي رابع ثلاثة عبدوا اللحم وليس عندهم للروح شيء، الصوفية والميتافيزقية لا محل لهما في شعرك، ولا تعرف شيئًا عنهما، فشعرك كله في وصف النزوات الجامحة، والقشعريرات المتوثبة. يغتفر لك هذا القرم للحم ما في عبارتك من حلاوة جذابة، وما في كلمتك الحية من صورة رائعة، فكأنك كيميائي كلام تؤلف من جسمين ثلاثة جسمًا جديدًا، وهذا منتهى الفن.
قلت: إنك لا تؤمن إلا بسلطان الكلمة، ونحن مثلك، ولكن الكلمة تُصلح مَن لهم آذان تسمع من ذوي السلطان ولا يقولون: «لم سمعنا ولم قشعنا.» فإذا كنا نؤمن بسلطان ليس لنا فيه سلطان، فالأحرى أن نقدم ونؤخر في حروف الكلمة لتصير لكمة.

«جانين» … والوجودية … ومارون عبود!


تحت هذا العنوان نشرت مجلة الصياد الخطيرة هذا المقال أو الكتاب المفتوح الموجه إلينا من شاعر الوقت الملهم الأستاذ نزار قباني.
يجد هذا المقال من يريد الاطلاع عليه في العدد ا? ???، الصادر في اليوم الثالث من شهر كانون الثاني سنة ????، ص??، وهي السنة الرابعة عشرة من عمر المجلة المديد.
أستاذنا الكبير

تأخرت عن موعدك الأخضر قليلًا، كان علي أن أسبق الشمس إلى ستائرك، ولكن الوهج المغني في بور سعيد أكل أعصابي … كل أعصابي، سرق السلام من قلبي، جبلني بجمرة جرح، جعلني جرحًا يمشي، فلا تؤاخذني إذا وصلت متأخرًا؛ لأن الكتابة إليك رحمة وسلام، واللعب بالحرف، بالفاصلة السكرى، يحتاج إلى حد أدنى من السكون، وهذا ما لم أعرفه ولا أريد أن أعرفه.
هل نبدأ الآن؟ هل تفتح لي قلبك؟
يعتبر بعض الناس أنفسهم سعداء الطالع إذا وُجِدوا في امتدادٍ زمانيٍّ واحدٍ مع واحد من هؤلاء العباقرة الذين أعطوا الإنسانية تراثًا لا تزال الأرض تشرب منه وتسكر؛ الذين عاشوا في عصر بيتهوفن وليست، والذين كتب لهم أن يعيشوا في نفس الفترة الزمانية التي عاش فيها تولستوي أو ليونارد دافنشي … أو وورد ثورث … أو غوغان … أو رودان … أو شيللي، كل هؤلاء يعتبرون أنفسهم من رفيعي الأقدار.
ويوم يجيء الدور إلينا ويسألنا سائل: وأنتم يا شعراء الفترة الممتدة من عام ???? صعودًا إلى هذا اليوم، من هو الكبير الذي كان يُقيِّم آثاركم، ويزن الريش النابت في أجنحتكم، ويدوزن الأنسجة الطرية في حناجركم؟ يوم يواجهنا سائل بمثل هذا السؤال سنقول له بدون أدنى تردد: «كتبنا شعرًا في عصر مارون عبود، وعلى محك هذه السنديانة الماردة برينا أقلامنا، وتركنا أسماءنا …»
سنديانة … نعم وجدت الكلمة، سنديانة من هذه السنديانات التي تفتح زنودها لمئات العصافير الزائرة، لا تبخل على واحد بخيمة ظل، أو سرير ورق أخضر، أو زوَّادة قش تحمله إياها قبل أن يذهب.
من هنا ينبع مجد السنديان، مجدك يا أستاذي، يا مضيف الأجنح المليسة الزغب، يا حاضن الشرانق الحبلى بألف شلة حرير، يا مالئًا مناقير العصافير الهابطة إليك زهرًا ورمَّانًا وحبات كرز.
قلَّ أن عرف الأدب العربي ناقدًا تطهرت ريشته من سواد الحقد، وتبرأ جده من حليب الكراهية العكر. هل تذكر معارك النقد الأدبي في مصر بين العقاد والرافعي والمازني وطه حسين؟ لقد كانت أشبه بمعارك الدجاج والديكة … ريش نافش، ومخالب تغرز في الأعناق، ومناقير استبدلت الغناء بالعض وفقء الأعين.
ويظهر أننا لم ننته حتى اليوم من أسلوب النتف والهبج؛ فما زال الدجاج الناقد لدينا كثيرًا، وما زالت الغرائز الدجاجية هي السلوك المميز لأكثر نقادنا في سورية ولبنان، فكل أثر أدبي يدخل مختبرهم مفقود، وكل خارج من هذا المختبر مولود.
فإذا تحدثت اليوم عنك، عن السنديانة التي تسكن العصافير وتظلها وتطعمها، فإنما أتحدث عن سلوكية جديدة، عن ظاهرة غريبة في تاريخ النقد لدينا، فلأول مرة يتحرر الحرف، على يدك، من رجس الشتيمة، ليصبح أداة عبادة لا مطرقة حدادة، لأول مرة نعرف معنى التسامح، معنى الغفران، معنى «التعايش الفني» — إذا صح لي أن أستعير التعبير من قاموس السياسة — حيث يقول بعض الساسة «بتعايش سلمي» بين شتى النظم السياسية على تباين دروبها وغاياتها، فلماذا لا نطبق هذه النظرية في الفن، وننادي «بتعايش فني» تعيش فيه المذاهب الفنية على تباينها جنبًا إلى جنب، حتى يتولى الزمان أمر الفصل في هذه المذاهب وتقييمها.
أستاذنا الأمير

ما قلته في شعري كرامة لشعري، حياة ثانية للحروف التي عاشت معي حياتها الأولى؛ لقد عاشت «قصائدي» بين يديك كما تعيش البنت المدللة في بيت أمها وأبيها: حلوى، وأثواب، وأشياء أخر.
ولكن، لماذا أنت غاضب على «جانين»، متمسك بالوزن والموازين؟ «فجانين» هذه تعيش في أحد أقبية سان جرمان، لا في برقة ثهمد، إنها تلبس البنطلون والخف المقطع، وتلثغ بالفرنسية، وتمزق ثوانيها وتهبها لليل، لجحيم الجاز، للاشيء. إنها تعيش حضارة معينة، ونحن كصيادي صور لا يهمنا أن تكون هذه الحضارة حضارة قلق وسواد وتشرد، أو أن يكون القبو الذي ترقص فيه كقبو المعزى، كل ما يهمنا أن نرسم جانين هذه في إطارها الزماني والمكاني، أن نفاجئها وهي في وسط حلبة الرقص ترمي خصلة من شعرها لليل، وخصلة لله.
إنني أعالج بقصيدتي هذه فلسفة كاملة هي الوجودية، وأحاول بلقطات صغيرة أن أخلق الجو لقارئ لم تقده قدماه إلى هذه الأقبية؛ لذلك كان لا بد من تغيير المخطط التقليدي للأداء.
كان من المستحيل عليَّ أن أكتب عن جانين والجاز والمونمارتر بالبحر الطويل أو البسيط؛ لأن صلة الموضوع بإطار العرض حقيقة لا يمكن الفرار منها، هل تريد تجربة صغيرة؛ إذن فاسمع يا معلم الذوق:
يا دار «جانين» بالعلياء فالسندأقوت وطال عليها سالف الأمد أعوذ بالله وبك وبكل صاحب ذوق جميل من مثل هذه السماجة، البيت كما ترى مهندس وفق مخطط الأجداد، موزون بميزان صيدلي، مرسوم بالمسطرة، ومع هذا فهو مصيبة المصائب، لماذا؟
لأن الخياط الذي فصل البيت فصله على جسم «مية» المواطنة السمراء في صحراء نجد، فحين ألبسناه، بعد ألف وثلاثمائة سنة، «لجانين» المواطنة الفرنسية القاطنة في الرقم ?? بولفار سان ميشال في باريس أغمي عليها.
قلت في مقالك القيم: إن بحور الخليل هي أنغام الجدود وموسيقاهم الكلامية، وإن القافية هي وقفة نغم على حدود اللانهاية، كما قلت: إن الخليل هو واضع النوطة الموسيقية لأهازيجنا وأغانينا. هذا كلام حسن، ولكن له تتمة.
لم يعبد أحد موسيقى الشعر عبادتي لها، فهي أساس البناء الشعري لديَّ، ولكني لا أتصور موسيقى الشعر إرثًا أبديًّا لا يأتيه الباطل من أمامه أو من خلفه، لا أتصورها حكمًا من أحكام محكمة التمييز لا يقبل الاعتراض أو الطعن، بل لا أتصورها قيمة خالدة لا يجوز اللعب فيها أو لمسها. إن كون «البُزُق» أو «الموال» من تراث الأجداد لا يمنعني أو يمنعك من أن نطرب لآلة مستحدثة كالبيانو، أو الكلارينيب، أو الأوبوا، أو أن نقف موقف المتعبدين من «بولونيز» شوبان وسمفونية بيتهوفن الريفية و«بحيرة بجع» تشايكوفسكي.
على نفس المقياس أقول: إن كون الخليل بن أحمد هو الذي وضع النوطة الموسيقية لأهازيج الأجداد لا يمنعني أن أحاول من جانبي أن أجرِّب حظي في وضع النوطة التي تلائم الإطار الحياتي الذي أعيش فيه، بل لا يمنع أي فنان من بلادي أن يبدع سمفونيته الخاصة، فيحذف نغمة، ويضيف نغمة، ويعمر كونًا شعريًّا بألف شكل وألف أسلوب.
الفن الشعري كالفن المعماري يمكن فيهما توليد أشكال لا حصر لها، فكما أن الفن المعماري يعتمد على وحدة أساسية — هي الحجر — لإخراج ألوف التصاميم، فإن بإمكان الشعر أن يأخذ الوحدة الأساسية للنغم — أي التفعلية أية تفعلية — لتوليد أشكال شعرية لا نهاية لها. هذا تمامًا ما يحدث في السمفونيات العظيمة؛ حيث تكون النواة فيها نغمة بسيطة، ثم تبدأ الإضافات على النواة الأساسية، نغمة تنادي نغمة، وقرار يجذب قرارًا، ورعشة وتر هنا، وشكوى كلارينيت هناك، حتى يكتمل بناء السمفونية العام، وتنعقد حلقاتها، وتغدو عالمًا كاملًا بشموسه ومحيطاته ومجراته، وتزحلق نجماته.
انطلاقًا من هذه النقطة كتبت قصائدي التي أعجبتك: «حبلى»، و«خبز وحشيش وقمر»، و«سامبا»، وأخيرًا «رسائل جندي مصري في جبهة السويس»، فهي جميعًا محاولات لتطوير النغمة الأساسية واللعب بها. إنني لا أدعي كمال هذه الأشكال الجديدة، فلا شكل نهائي في الفن، وإنما أقول: إننا نحاول أن نعطي الصلصال القديم وجودًا جديدًا، لا تزال يدنا في الطين، ولا تزال أزاميلنا تبني وتكسر، تضيف وتلغي، وربما مر وقت طويل قبل أن تفرض هذه الأشكال نفسها على الذوق العربي، ولكن هذا يجب أن لا يثنينا عن إتمام المحاولة، كما أن النقاد يجب أن لا يتعجلوا الحكم على هذه المحاولات التي لم يتجاوز عمرها بضع سنوات؛ لأن من هذه المحاولات ما نجح وبدأ يجد استجابة من جانب القراء العرب.
سيدي الأستاذ:
أنت في تفكيرك وكتابتك ولقطاتك التي تشبه لقطات السيزاما شيء مدهش حقًّا، والأدهش من هذا كله قدرتك الرائعة على تكييف ثقافتك العريضة وذوقك الرهيف مع اختلاف الفصول واتجاهات رياح الفكر والذوق، أما قلمك فهو أصبى من الصبا نفسه، أحلى من دفقة العافية.
الذين وصلوا إلى سنك من أدبائنا لا يزالون في قاعات المجامع العلمية الرطبة يعانقون أكياس الماء الساخن، ويتعاطون أدوية الروماتيزم، وينظمون قصائد موسمية تجلب الروماتيزم من مسافة ألف ميل.
أما نحن الذين عاصرناك وأحببناك، ومسحنا مناقيرنا الصغيرة بجذعك الرحيم العظيم، وسرقنا الحب من جيوبك الممتلئة، فما رددت منا منقارًا ولا آذيت جناحًا … أما نحن فسوف نقول لمن يسألنا عن خصائص عصرنا وطابعه: كتبنا شعرًا في عصر مارون عبود.

غيوب


لجورج رجي
هذا الشاعر جديد قديم لا يترك عرائس شعره تتخطر على هواها بلا نظام ولا اتزان خطوات، فهو يقسم بيته تقسيمًا لا يجعله في واد وعمود الشعر في واد. وضع لقصيدته روابط تهتز لها قوافيه وعباراته اهتزازًا يشجيك ويطربك حتى تخالها راقصة وهي لا تبرح مكانها، ولا تنفر عن موضعها المحدد لها.
يُعنى شاعرنا بكلماته عناية الموسيقار بسلالمه، فتحسب الكلمات كلًّا وهي متفرقة، فأعجب لشعر فيه من سمات جياد الخيل ذاك العرق المتين! إن هذا الشعر لم يترك أصالة الشعر العتيق لتظل سببًا مبررًا لتلك الأعياد التي كانت تقام في القبائل كلما ظهر شاعر.
تفوح من بيوت الشاعر جورج رجي رائحة عطر «مساء باريس» الذكية، وفيها نكهة المسك والعنبر، فشعر هذا الشاعر متماسك ناعم المجس، موسيقاه في إيقاعه المنظم لا في ارتجاجه، وكيانه قائم في تألُّف مفرداته حتى تحسب كل عبارة كونًا مستقلًّا مؤلَّفًا من كائنات شتى يخرج منها النشيد.
ليس لي ما يقال في هذا الديوان الصغير الذي وضعه صاحبه ليكون نموذجًا من النماذج الشعرية الحديثة، إلا بعض مفردات كان الشاعر وضعها جريئًا جدًّا، فجاءت مقسمة تقسيمًا رائعًا لا يدانيها في هذا إلا شعر البحتري المرقص المنظم كحلقات عذارى في عرس حافل، جن في أيديهن العود والدف، واشتركت في هذا الإيقاع أقدامهن، وراحت تحط القرار عند كل وقفة.
نحن مدينون لشعرائنا المبدعين بهذا التنويع الذي ينعش شعرنا العربي الذي جمدناه في قوالب كقوالب الغاتو فكان أنماطًا، ولكن هذه الأنماط دواني القطوف.
ما تعودت أن يكون كلامي كله نعم نعم، ولا كله لا لا، فمهما كان الشاعر يستحيل أن يخلو ديوانه من محط رجل للصياد، وخصوصًا إذا كان الشاعر يحاول الخلق البديع فيختلف وقع الكلمات باختلاف الآذان؛ ولذلك قالوا: تدخل الآذان بلا استئذان.
قالوا للمعري حين حاول تقليد كلام الله في كتابه الفصول والغايات: أين هذا من ذاك؟!
فأجاب: أمهلوا عليه حتى يصقله الإنشاد والترنيم، فبين ترنيم ومرنوم فرق زهيد في ديوان جديد يرجى أن يكون أساسًا لمدرسة جديدة.
وهناك ألفاظ أخرى منتشرة في الديوان انتشار النمش في وجه المليحة كان أحرى بها أن تستر ما يجب أن يستر ببرقع، يذهب بمنظر النمش ولا يخفي سفر تكوين الوجه.
وما أراك أيها القارئ إلا ضاربًا بيديك الثنتين على فخديك حين تقرأ في صفحة ??: خففي يا شعر …
مهلًا، رويدًا، نحن نكتب لقارئي الأدب العربي، فما علينا إلا أن نُذكِّرهم بقول ابن الرومي في لحية البحتري:
ألقها عنك يا طويلة …
إلخ.
تكثر في شعر رجي الألفاظ الدائرة على ألسنة شعراء الشباب، وشاعرنا شبَّ تام الألواح، فما عليه إذا ذكر لنا كلمة الغوى في مواقف شتى.
وكما قال مرنوم: يحق له أن يقيس أطروبة على أطروحة …
وبعد، فليس كل ما يصح قياسًا يصلح لباسًا، وقد ذكرتني بوسة الحلم برأي إمام المجددين أحمد فارس الشدياق …
الله معك يا جورج، ولعلنا نعيش حتى نرى مشايعيك قد كثروا، هات مثل رَيْحن ولا تتوغل كثيرًا في هذه الاشتقاقات كما نرى عند المتطرفين.

دع القلق وابدأ الحياة


لديل كارنيجي
عندما نعت الأسلاك البرقية المستر ديل كارنيجي الأمريكي كنت في المستشفى، فانقبض صدري وحزنت على معلم إنساني عظيم. إنه غير كارنيجي المحسن الأكبر الذي وهب الجمعيات الخيرية ??? مليونًا من الدولارات؛ ولكن فضل ديل كارنيجي هذا على الإنسانية باقٍ إلى الأبد، بينا مئات ملايين دولارات أندرو كارنيجي قد تكون أنفقت ونفدت.
فديل كارنيجي في معهده للعلاقات الإنسانية، وفي كتابيه: «دع القلق وابدأ الحياة» و«كيف تكسب الأصدقاء» قد يخلق رجالًا يكون منهم عباقرة من أمثال فورد وفلان وفلان.
إن موت رجل مثل ديل هذا يعد خسارة عظمى؛ لأنه دلَّ الناس على أقرب طرق الفلاح، فأحد كتبه يوجهنا في المجتمع ويهدينا أقرب طريق إلى قلوب الناس، وكتابه الثاني يحل مشاكلنا، ويرشدنا إلى مجابهة المخاطر بأعصاب لا تنهار أمام الحوادث الطارئة.
ماذا تنفعنا دروس الفلسفة والآداب إذا كنا نجبن عندما تنهز الأرض، فتهبط قلوبنا، ونلفظ أرواحنا؟ أما طفر سكان بيروت كثول نحل غادر الجرة في يوم حر؟ أؤكد أنهم لو كانوا قرءوا كتاب كارنيجي: «دع القلق وابدأ الحياة» لخاطبوا أنفسهم: مكانك تحمدي أو تستريحي. لقد طالعت هذا الكتاب مرات قبل العملية الأولى وبعدها، فكنت كلما أعدت قراءته أجدني أشجع مني قبل ذلك، ولما حانت ساعة العملية الثانية استلقيت على المشرحة كأنني أضطجع للقيلولة بعد الظهر.
فمن يقرأ هذه الحكاية الواقعية ولا يتشجع ويستقبل مرضه ببطولة: كان رجل يدعى إيرل هاني من ولاية نبراسكا يشكو قرحة في الاثني عشري، وقد صرح له ثلاثة أطباء بينهم أخصائي شهير في أمراض القرحة أنه لا يرجى له شفاء، ونصحوه بأن يمتنع عن الطعام، وأن لا يقلق أو ينزعج لشيء، وأن يحيط نفسه بهدوء تام، كما نصحوه بكتابة وصيته.
فترك إيرل هاني المقروح وظيفة تدر عليه ربحًا كبيرًا وقعد يتطلع إلى الموت الذي يسعى إليه بطيئًا، وفجأة اتخذ إيرل هاني قرارًا مدهشًا، قال في نفسه: إذا كان لم يبق لي في هذه الحياة سوى أمد قصير، فلماذا لا أستمتع بأيامي الباقية على أكمل وجه؟ طالما تمنيت أن أطوف حول العالم قبل أن أموت، فإذا كان لي أن أنفذ هذه الأمنية؛ فالآن هو وقت التنفيذ.
ومن ثم ابتاع تذكرة السفر، فارتاع أطباؤه وقالوا له: ينبغي لنا أن نحذرك أنك إذا أقدمت على هذه الرحلة فستدفن في قاع البحر، ولكنه أجاب: كلا، لن يحدث شيء من هذا، فقد وعدت أقاربي ألا يدفن جثماني إلا في مقابر الأسرة.
واشترى إيرل هاني تابوتًا اصطحبه على الباخرة ليدفن فيه إذا مات في أثناء الرحلة، ثم ركب السفينة وهو يتمثل بقول عمر الخيام: انعم أقصى النعيم بما ملكت يداك.
إلا أن هاني لم يقطع الرحلة بدون شراب، فقد كتب إلى زوجته رسالة يقول فيها: لقد شربت النبيذ على السفينة، ودخنت السيجار، وأكلت جميع ألوان الطعام حتى الدسمة منها التي كانت كفيلة بالقضاء عليَّ. لقد استمتعت بهذه الفترة أكثر مما استمتعت في ماضي حياتي، مارست صنوفًا متعددة من اللهو على ظهر الباخرة، وكنت أسهر إلى منتصف الليل، واكتسبت أصدقاء جددًا، وعندما وصلت إلى الهند والصين أدركت أن المتاعب التي لقيتها في بلادي تعد جنة بالنسبة للفقر والجوع اللذين يعانيهما الشرق.
وعندئذ كففت عن القلق السخيف، وأسرعت إلى أقرب دكان وبعت التابوت، ولم أعد أشعر الآن بالمرض.
هكذا علمنا هذا الكتاب كيف نقابل خوفنا وقلقنا وهمومنا برباطة جأش فنتغلب عليها، قال المتنبي:
والهم يخترم الجسيم نحافةويشيب ناصية الصبي ويهرم إن هذا القول يشخص المرض، ولكنه لا يصف الدواء، أما ديل كارنيجي فيضع لنا دستورًا لكي نتغلب على المخاطر، فيقول بعد سرد هذه الحكاية الغريبة: هيئ نفسك لقبول أسوأ الاحتمالات، ثم أسرع في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
من مثل هذه الحكايات اكتسبت الشجاعة، فرأيتني رجلًا آخر، وتغلبت بإرادتي على الموت الذي كان ينتظرني.
أما ما استفدته في موقف آخر، فهو أنني كنت أقرأ من كتاب كارنيجي فصلًا عنوانه: ارضَ بما ليس منه بد. وكنت قد تعبت، فلما وصلت إلى هذه الكلمة، وهي لوليم جيمس: كن مستعدًا لتقبل ما ليس منه بد، فإن تقبُّل الأمر الواقع خطوة أولى نحو التغلب على ما يكتنفك من صعاب. أطبقت الكتاب واسترخيت لأنام، ولكني استيقظت على خلاف عادتي، ففتحت الكتاب فوقعت عيني فيه على كلمة لشوبنهور: «إن التسليم بالأمر الواقع ذخيرة لا غناء عنها في رحلتنا عبر الحياة.»
ونمت بطلًا، وكانت الزلزلة الأولى، فتقلقل السرير وماد البيت بنا، فقلت لابني: زلزلة لا تخف، ثم كانت الثانية، فقلت له: شعور رءوسكم محصاة لا تخافوا. هكذا قال الإنجيل، وقُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا يقول القرآن، وكانت الزلزلة الثالثة وطفر التلاميذ من المدرسة، فرحت أشجعهم ليعودوا إلى أسرتهم، وقلت لهم: روحي وروح ابني عزيزتان علي مثل أرواحكم، وأنا راجع إلى غرفتي لكي أنام فلا تخافوا، وهكذا نفى عني كتاب ديل كارنيجي الخوف، ولولا ما بثه فيَّ من شجاعة لربما كنت مت قبل أن يطبق البيت عليَّ.
فبلسان كارنيجي، رحمه الله، أقول إلى الذين وهنت عزائمهم ولا يزالون ينتظرون حدوث زلزلة كل ساعة: دع القلق وابدأ الحياة.
إن الحياة أقصر من أن نقصرها. هكذا قال دزرائيلي، وعلى هذه الكلمة علَّق أندره موروا قائلًا: لقد ساعدتني هذه الكلمات على احتمال أكثر من تجربة مريرة، فنحن غالبًا ما نسمح لأنفسنا بالثورة من أجل توافه ما كان أخلقنا بتجاهلها. ها نحن في هذا العالم لا ينفسح عمر أحد منا أكثر من بضع عشرات من السنين، وبرغم ذلك، فإننا ننفق ساعات العمر التي لا يمكن تعويضها في اجترار أحزان ومخاوف خليقة بالنسيان؛ فلنملأ حياتنا بالنشاط المثمر، والأفكار المجدية، والأعمال النافعة، فإن الحياة أقصر من أن نقصرها.
قال السلف: وقوع البلاء ولا استنظاره. هذا درس بليغ في أربع كلمات، فماذا يجدينا خوفنا من وقوع الزلازل، الأرض تهتز ولا تقع. هكذا يجب أن نقول، فالأمثال هي جامعة الشعب الكبرى، وكما يعود القطيع المروع آمنًا إلى المرعى، هكذا يجب أن نفعل نحن، فالقلق يحطم أعصابنا فلا نستطيع المقاومة فيما بعدُ.
إن الخوف من المستقبل يؤدي بنا إلى انهيار ذريع، فكما قال الفيلسوف الإغريقي منذ خمسة آلاف سنة: كل شيء يتغير إلا قانون التغير. إنكم لا تهبطون نهرًا بعينه مرتين، فالنهر يتغير كل ثانية، وكذلك الرجل الذي يهبطه، فالحياة في تغير لا ينقطع، والشيء الأكيد في هذه الحياة هو اللحظة التي تعيش فيها، فلماذا نُشوِّه جمال لحظتنا بحمل هموم المستقبل ومخاوفه، وهو الذي يخضع لقانون التغير؟
فلنغلق الأبواب على الماضي والمستقبل ونعش في حاضرنا؛ فالحاضر وحده مضمون لنا، فلنتمتع به، أما أن نصرفه في الخوف من المرض والزلازل وغير ذلك من البلايا؛ فهذا هو الضلال القاتل.
أما كيف يجب أن نقاوم هذا القلق والخوف فعلينا، كما يقول ديل كارنيجي، أن نستغرق في العمل لننسى، ولا ننسى همومنا إلا إذا حل محلها العمل، فالرأس البشري لا يستطيع أن يفكر بشأنين في وقت معًا، فلنشغل عقلنا بعمل ما لننسى التفكير بمخاوف المستقبل.
إن في اللجوء إلى الخالق تعزية وتقوية، فلنصلِّ ولنعملْ في وقت معًا؛ ففي الصلاة تقوية، وفي العمل نسيان يبعدان القلق عنا. أما أنا فمديون لديل كارنيجي، ولعلي وفيت هذا الرجل بعض حقه إذ كتبت هذه الكلمة.
رحمه الله وجزى مترجم كتابيه الأستاذ عبد المنعم الزيادي خيرًا، فقد أهدى إلى المكتبة العربية كتابين لم يترجم بعدُ أنفع منهما.

جئناك يا شدياق


جئناك يا شدياق وأيدينا فارغة إلا من الحكي، واليد الفارغة مجوية. هكذا قال المثل.
ظننا أنك مستريح في بيتك، فإذا بنا نراك مهاجمًا من كل صوب: الصبيان يلعبون على قبرك، والقذارة للزنار. ظنناك خيرًا مما كنت في تلك الوهدة، وحسبنا أنك قد نجوت من غارات المكارين، فإذا بك غارق في بحر من الزبالة، الغسيل يطوق القبر، ثياب فوقانية وتحتانية، سادة وملونة كأنها بيارق تزين قبر صقر لبنان، ولا عجب فالجيران لا يعرفون أي عظيم يجاورون، والأدباء، يا زعيمهم الأول، لا يعنيهم من أمرك شيء، والبلدية «خبر ما فيش».
حين بدا لي القبر المهجور من دار الصياد، بل قل من ناطحة السحاب، طرحت على المحررين هذا السؤال: أتعرفون قبر من هذا؟
كان الجواب صمتًا، ولم يعرفك أحد إلا جار الرضا صاحب الصياد، فقلت له: الجار ملزوم بجاره، وبينك وبين الشدياق نسب هو فوق الجوار؛ لقد سبقك إلى محبة المرأة حتى العبادة، فهو يقول في مقدمة كتابه الفارياق: إنما قصدت بتأليفه التقرب إليهن، وترضيهن به، وحسبي أن يبلغ مسامعهن أن فلانًا قد ألَّف في النساء كتابًا فضَّلهن به على سائر المخلوقات.
فأبشر إذن يا شدياق، فأنت في جوار رجل يعرف قيمة الرزق، ويُؤلِّه الحسن والجمال. ولا شك في أن العناية ساقته إلى جوارك ليكون ركن مزارك. ومن أجل الورد يشرب العليق. إن من عرف كيف يبني ناطحات سحاب لا يعجزه أن يحميك من الغبار والتراب، ويجعلك منارة إزاء منارة. إن من سعى فأرسل أبطالًا تقهر المانش لا يصعب عليه أن يُكرم من عبر إلى كبريات عواصم الشرق والغرب وكان فيها العلم، وظل سباح غمرة حتى مات، وما خيم قط في الشاطئ.
كانت الناس تمر ولا تسأل، أما اليوم وقد قامت هذه المنارة على طريق الهند، فماذا نجيب إخواننا إذا سألوا: قبر من هذا؟
نحن لا نقول لجماعتنا: ارفعوا له تمثالًا؛ فالتماثيل لا تقيم تماثيل.
ولا نقول لهم: احتفلوا بذكرى مرور المائة والخمسين على ميلاده، فهذا لا يهمهم، ولا يوبيل المائة لظهور كتابه الفارياق؛ لأنهم لا يقرءون، ولسنا نقول لهم: أعيدوا طبع كُتبه. احسبوها مثل غيرها من الرطانات التي تنفقون عليها بغير حساب.
ولكننا نقول لهم: احترموا الأموات. عيب عليكم وعار أن تزدروا القبور. السلطان بنى له هذا الضريح؛ فصونوه أنتم وكنسوه على الأقل، ثم ما قيمة اللافتة؟ ضعوا على الأقل بلاطة ليعرف المارُّون من عرب وعجم أن الشدياق عربي لبناني أنجبه هذا الجبل. أينام هذا العبقري في ظلام النسيان وهو ابن بلد الإشعاع؟
إن هذا الكوكب السيار ملأ الدنيا هدى ونورًا، فكيف يقعد قبره على جانب الطريق كالدرويش في أطماره، أو كقنديل عتيق لا زيت فيه؟
لماذا نتبجح بسيفنا والقلم؟ فأي قلم عندنا قبل هذا القلم؟ وهل للبنان فصاحة وبلاغة وفن قبل هذا الرجل؟
من عادة البيوت العريقة أن تحفظ عتيقها لتدل على قدمها، فماذا عمل بلد الإشعاع لأركان النهضة الحديثة؟ هل يقدر أن يدل على قناديله؟ فأين قبر اليازجي؟ وأين ضريح البستاني؟ وأين وأين؟ إن الذبان الأزرق لا يعرف قبور هؤلاء.
ما كان أكبر دهشة محرري الصياد حين أومأت إلى القبر وقلت: جئناك يا شدياق، أنتم أيها الكتاب المحدثون جيران جد الصحافة العربية أحمد فارس الشدياق صاحب الجوائب. أنتم جيران كاتب الفارياق، وكشف المخبا، وسر الليال، والجاسوس على القاموس. أنتم هنا تستلهمون الأديب اللبناني الأول ركن نهضتنا الوطيد الأركان. أنتم جيران الرجل الذي أحب اثنتين في الدنيا: اللغة والمرأة، ولأجلهما وضع كتابه الفارياق.
أما وقد حل قربه صاحب الجعبة، فلا شك أنه سيزوره في ليلة ما فيها ضو قمر ويقول له: الحقوق محفوظة يا سعيد. فيقريه سعيد واحدة من جعبته، وكلها من ذاك الصيد الحلال، فيتعجب الشدياق كيف التقيا على صعيد واحد؛ صعيد محبة المرأة وانتقاد الأجانب.
وتسمع أم البنين فتستيقظ على صوت العتاب صعوده وخفوته، فتقول للفارياق: الخير كثير، والرزق قابر صحابه، فعلام الخوف؟!
فيقول الشدياق: أنا جئت أزور سعيدًا جار الرضا وأشكره؛ لأنه يتم ما بدأت به، فأنتن، يا سيدتي، زينة الدنيا وبهجتها، وبدونكن الحياة لا تطاق.
ويلتفت إلى سعيد ويسأله: هل قرأت الساق على الساق؟ فيجيب سعيد: الكتاب يُقرأ من عنوانه.
ويقول الشدياق: وكشف المخبا؟
فيقول سعيد: كما حسن كما حسين.
فيتنهد الشدياق ويقول: يا سبحان الله! كيف التقينا؟ ولكن شتان ما بين الجارين، أنت في هذا البرج الكشاف، وأنا في ذلك الكوخ أحتمل عبث الصبيان ورقصهم فوق رأسي. فكر في أمري يا جار، أما قرأت حديث نبينا ?: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى خفتُ أن يُورِّثَه.
لا تخف يا سعيد، أنا لا أطالب بالميراث، جبر الله خاطرك بالشباب، ولكن أطلب أن تريحوني من الأقذار، فنحن بنو الموتى لا نستطيع سد أنوفنا.
ألا تعلم أني طالبت بعتق الرقيق في الآستانة حتى أقلقت صرخات الجوائبِ الدولةَ العلية، وأرغمتها على منع بيعه؟ أفلا تهب أنت مطالبًا بعتق جارك من عبودية الأقذار؟ ما زلت أذكر قول مثلنا: الجار ركن الدار، وأنا لا أطلب شيئًا غير كوخ نظيف أستريح فيه، حتى إذا جئتكم زائرًا الصياد لا أحمل معي عبيرًا تسد منه الأنوف.
وكرهت رجعة الشيخ خائبًا فقلت له وهو ينهض: أبشرْ يا شدياقُ أبشرْ، إن من بنَى فأعلى سوف يتبنَّاك، سوف يوقظ الناس في ذكرى مرور مائة وخمسين عامًا على ولادتك، وذكرى مرور قرن على فارياقك وترياقك، وما لنا عليك شيء إلا أن تُمدَّنا بشيء للصياد، فكلُّ الصيد في جوف الفرا.
فضحك الشدياق لجوف الفرا وقال ساجعًا: بشرط أن تخلصني من ا? …

آثار أقدام


لإميل خوري
عنوان طريف جدًّا لخير كتاب فيه النظرة العميقة إلى سراديب السياسة وأغوارها، فبينما تراه يبحث في غضون الأحداث العالمية وفروعها إذا به يتسرب إلى الجذور التي تعيش في الظلمات، وترسل أنفاسها زفرات مملوءة غازات خناقة.
فآثار أقدام رابورتاجات أمست وثائق تاريخية، ولعلها أصدق من الكثير من حكايات التاريخ وأساطيره؛ لأن كاتبها تتبع أفاعي السياسة في مساريها، ودل على دروبها الملتوية، قلت: الأفاعي؛ لأن السياسة مثل تلك الحيات لينة الملامس كثيرة المعاطب في تقلبها … فالذي يقرأ هذا الكتاب الضخم يخال أنه يقرأ أخبارًا ومكالمات سطحية، وهي أعمق ما يكون العمق؛ فالأستاذ إميل خوري، وهو كاتب سياسي عالمي يكاد يكون في كتابه هذا مستنطق الساسة العالميين ليجلو لنا عرائس أفكارهم جميلة وقبيحة، وربما كان في القبح جمال يندر وجوده في الجمال المثالي.
إن «آثار أقدام» عنوان يوحي إليَّ ما لا يوحيه إلى غيري، عرفت صاحبه فتى طري العود حين كنت أنا شابًّا؛ فإميل الخوري خلق ليكون كاتبًا سياسيًّا، وقد قوَّى هذه الملكة فيه ميله وطموحه، كان له في معالجة الشئون العالمية ولع استحال غرامًا، فهو يقبل على موضوعه بكل قواه، ويظل يغربل الحوادث وينخلها حتى يعطي القارئ اللباب فيكفيه مئونة التعلل بالقشور، عفوًا هذا تعبير أعتق من الخبز؛ فالنخالة اليوم محمودة لأن فيها خير الغذاء.
إن إميل الخوري في عصرنا هذا كالشدياق في سياسياته ينظر إلى ما سيكون كأنه كائن، حاد الذكاء ثاقب الذهن، يؤدي فكرته بعبارة سهلة ولكنها متماسكة ملزوزة فيها ملاسة الباطون المسلح وصلابته.
فإميل خوري، وأنا من رأى هذا البدر هلالًا، لا يرقص على الحبلين، فهو وإن اختبر حيل السياسيين ودهاءهم في نقضهم وإبرامهم ظل رجل عقيدة لا يتنكب عن الجادة التي يعتقد أنها مؤدية إلى الخير، فهو يكتب مؤمنًا، وليست السياسة عنده تجارة … لا يتنكر لمن يعرفهم مهما تقلبت أحوالهم، فهو لهم وهم منزوون في منازلهم، كما كان لهم وهم في أوج عزهم. وها هو يبدي لنا صفحته في مطلع كتابه هذا، أهداه إلى الشيخ بشارة الخوري، رئيس الجمهورية السابق، في وقت تنكر فيه للرجل من كان أقرب المقربين إليه.
وأظلم أهل الأرض من بات «جاحدًا»لمن بات في نعمائه يتقلب أجل لقد أنكره من تقلب في نعمائه، وراحوا يفتشون عن نعم جديدة، وربك يرزق من يشاء بغير حساب، وهذا الرفيق القديم، إميل خوري، يقدر الأدب الرفيع لأنه أديب أصيل وسياسي ضليع؛ ولذلك ذيَّل تقديمَه الوجيزَ بهذه العبارة البليغة: فإلى سياستك الخارجية الحكيمة، وإلى أدبك السياسي الرائع، أقدم هذا الكتاب.
هذه عبارة إهداء الكتاب، أما مقدمته فقطعة فنية تلخص هذا المجلد الضخم الذي شعت فيه الأضواء فأنارت زوايا حوادث الحرب الهتلرية. لا يتنكر إميل للتعبير الأدبي الرصين حين يتحدث عن ماجريات السياسة العالمية، فهو كالمصور الذي يعطيك بخطين ثلاثة صورة من يحدثك عنه كاملة إذ يقول: وشمبرلين غادر هذه الدنيا غير مخلف سوى ذكر الرجل الطيب المستقيم، وغرنج وغوبلز مضيا على طريق الزباء «بيدي لا بيد عمرو.» إلى أن يقول: أما الذي أرسل الصواعق على العالم الوثني أدولف هتلر، فقد حملته أجنحة النار في جو من أجواء موسيقى وغنر، إلى مكان قصي في عالم الولهالا.
هؤلاء الرجال، وغيرهم من ضحاياهم أو شركائهم في المآسي، تنعكس صورهم على صفحات هذا الكتاب، ويسمع دبيبهم بين سطوره، وكلما غاب منهم فوج أقبل فوج حتى ليشعر القارئ أنه مقيم وراء أفق هذه الحياة على أشهر ما تكره النفس مما يصوره الموت.
وبين الماضي المظلم الذي حضرت القسم الأكبر من مقدماته، والحاضر المضطرب الذي يتململ أبناء هذا الجيل من ظواهره وخفاياه، وجوه شبه عديدة أهمها عود الكبار إلى التصرف بمصاير الصغار بمعزل عنهم وعلى كره منهم، وانقسام العالم إلى جبهتين متباغضتين تلوحان بالحق وتعززان القوة إلخ.
لقد أحسن الأستاذ الكبير إذ وضع هو مقدمة كتابه؛ لأنه لا يجد من يحسن تقديمه وتعريف القارئ به غير مؤلفه الفذ الذي ولد وشب سياسيًّا.
وكما وصف إميل خوري السياسي الداهية آثار أقدام غيره، فليسمح لي أن أذكره في كلمة عابرة بآثار أقدامه، هو، وهي أولى خطواته. كان ذلك في جريدة النصير عام ????، يوم كانت النصير جريدة أسبوعية تهاجم، كمجلة الصياد اليوم، الحصون لتدكها ولا تتهيب القلاع وما فيها من عتاد الاستبداد.
في ذلك الزمان عرفت هذا الشاب الألمعي الذي دلتني وسامته على نبله وشرفه، وأعرب لي ما ترسله عيناه من شرارات نافذة عن المستقبل الذي ينتظره، تبرع بمعاونتي في تحرير جريدة النصير فأدخل عليها دمًا جديدًا، وروحًا سياسية خارجية وداخلية أعجبت بها، وقد زادت الجريدة عظمة شأن فوق ما كان لها.
إن هذه الريبورتاجات التي تعتمد عليها الصحافة اليوم كان الشاب إميل خوري أول من أدخلها على الصحافة اللبنانية، فهو أول من بث فيها روح التطلع إلى الشئون العالمية. سمع إميل بضيف خطير جاء بيروت زائرًا فقابله، وأنتجت تلك المقابلة حديثًا خطيرًا في ذلك الزمان. نشر الحديث في عددين من النصير ?? و?? آذار ????، ولا عجب إذا كانت ذيول الحديث ضافية؛ فالمستر جفريس صحافي إنكليزي ومدير شركة مباحث في لندن.
تناول هذا الحديث الشئون السياسية والعمرانية التقدمية والنهضة الأدبية، وفي الحديث ظرف وطرافة أحب أن تشاركني بهما، فبعد أن تحدث جفريس عن البضائع الأجنبية الأكثر رواجًا في بيروت ختم هذا المقطع من الحديث بقوله لإميل: والأعجب أننا لا نرى فيكم ميلًا إلا للأحذية من مصنوعاتنا؛ فقد كثرت جدًّا عندكم حتى إن خَدَمة الفندق يستعملونها.
قال إميل: فقاطعته قائلًا: ربما نكون وجدنا أن أحذيتكم أحسن شيء عندكم فلبسناها، ونحن على ما تعهد نقتطف من كل شعب ما يروقنا.
وأعجب جوابي المستر جفريس وكنت ظننته يسوءُه فضحك وضحكتْ قرينتُه معه، ولكنه لم يَحْلُ لابنته، فنفرت ثم رجعت وعاتبت أباها على بقائه مصغيًا لحديثي ومجيبًا على أسئلتي، ولكنه اكتفى بتقبيلها، ثم قال لها أن تهتم بكلبها وتدعنا وشأننا، على أنني اعتذرتُ إلى الفتاة فلثمت يدها وقلت لأبيها: وهل عادة تقبيل أيدي الأوانس آتية إلينا من بلادكم ضمن الأحذية، أم نحن نقلناها عن الفرنسيس والألمان؛ باعونا إياها كما يبيعوننا أقمشتهم؟
فأجاب المستر جفريس ضاحكًا، وانتقل الحديث إلى الأدب فقال جفريس: وهل تقرأ نساؤكم الصحف؟ وهل منهن كاتبات؟ فأجابه إميل: إني أحسب مدنِيَّتَكم هي سبب تركهن مطالعة صحفنا ليتهافتن على قراءة روايات الإفرنج.
فقال جفريس: كل شعب كبير بأدبائه وكتابه، فعلى كل بلاد أن تعزز أدبها، وتحترم الكتبة فيها ولا سيما الصحافيين.
وحان الغروب وأراد إميل الانصراف فلم يطلق المستر جفريس سراحه إلا بعد شرب الشاي، وودعه إلى الباب الخارجي وقال له بالإنكليزية: عند رجوعي إلى لندن سأنشر في المورنن بوست مقالة في شئون هذه البلاد. هذا إذا كان الأمر لا يسوءُك.
فأجاب إميل: لا مانع إذا كتبت بقلم مريد الإصلاح.
أرأيت الخطوة الأولى؟ فعلى هذه الأقدام سار إميل في الدنيا بخطى جبارة، فتجلت عبقريته اللبنانية التي لا تنمو في تربتنا. وبعد أربعين سنة وأكثر التقيت إميل أول مرة في بيت وزير الدولة السيد صائب سلام، وثاني مرة منذ أسبوع في دار الصياد، وكنا ثلاثتنا، أنا وإميل والأستاذ سعيد فريحة، ولعله الروح القدس، ورحنا نتذكر أمامه آثار أقدامنا، ودار حديث دسم لا محل لنشره هنا.
والآن لنعد إلى كتاب آثار أقدام وكل ما أقول فيه: إنه لا يُلخَّص، ويجب أن يُقرأ من الجلد إلى الجلد؛ لأن فيه ثقافة سياسية عالمية، عالجها إميل بخبرة هي أصيلة فيه، وزادها روعة كونه كان مراسلًا لأعرق وأقوى جريدة عربية. وحسبك بعد أن تطالع ماجريات أحداث الحرب الكونية الهتلرية أن تطالع أروع مقالات هذا الكتاب التي عنوانها خريف السلام. وهي مرحلة الاستنتاج، بل الفقرة الحكمية في لغة القاضين، وهنا المشقة كلها كما يقول إميل.
يحكم إميل على أن الناس في الشرق والغرب، بل في الغرب أكثر من الشرق، متيبسون على تقاليدهم وعلى أهواء طبقاتهم، فإذا قلت لأحد الديمقراطيين فيهم: إن سهمًا من سهامه قد طاش، أو إن الديمقراطية التي هو من ركائزها أسفَّت وصارت لا تنقبض عن الدون، ولا تنفر عن منازل الهون، اتهمك بأنك نازي أو فاشي، وأوعز أن تبث حولك العيون والأرصاد.
وإذا قلت لنازي أو فاشي: إن مطامع زعيمه طمست على عين الحق في أمته، أو إن هذا الزعم يوقظ في نفوس الناس، وقد طبعوا على التعدي والشر، أفشى الغرائز الحيوانية، تجهَّم لك وأغلظ الكلام.
وقد يكون أخف الكلام أنك من دعاة الديمقراطية.
ثم يحمل حملاته الغواشم العوادل في وقت معًا مفلسفًا السياسة، ودالًّا على الطريق التي سلكت فأدت إلى النكبة العالمية التي لم يُسمع بعدُ بأفظع منها فيقول: رافقت عصبة الأمم هذه خمس عشرة سنة وجدتها فيها مرآة لتدني القيم في أوروبا، ومقياسًا لانحدار الحكام عن المثل العليا التي لا عزة بدونها لشعوب، ولا كرامة للأفراد.
إن كتاب آثار أقدام الذي يرينا مطامع الدول بوضوح وصراحة، وأظن أن اللغة العربية لم تفز بعد بأصرح من هذا الكتاب. ليس لي القول الفصل في هذا المقام، ولكنني مقتنع أن ما أقوله هو الحق، ولي من اعتقادي شفيع بضعف معرفتي بدخائل السياسة، ولكنني مقتنع بكل ما قرأت، وللقارئ المطلع على هذا الكتاب أن ينقض حكمه أو يبرمه.
ولعل الأيام تتيح للبنان فرصة يستفيد منها من نباهة هذا الرجل وعلمه، فهو يستطيع أن يقف مع دهاقين السياسة الكبار على صعيد واحد، ووقفة النظير أمام النظير.
هذا هو إميل الذي طار من عش النصير في فرن الشباك، وعاد إلينا نسرًا قشعمًا يحدق بعينيه إلى عين الشمس. كانت لي وله آثار أقدام، ولكن أقدامه استحالت أجنحة جبارة تخفق في سماء السياسة العالمية، أما أنا فبقيت بين أربعة حيطان أربي نسورًا وعقبانًا، والله وحده أعلم بالمصير، طار هو بجناحين وبقيت أنا أمشي على قدمين.
إن كتاب آثار أقدام يفتح أبوابًا أمام دولتنا الناشئة؛ فهل من مستفيد؟ وهل من يقول لهذا المؤلف سلمت يدك، وأنار الله طريقك كما أنرت ما كان مظلمًا من طرقنا؟ كل الدنيا مثل بيتك. هكذا علمونا فلنقايس.

سيعودون


مسرحية رشاد دارغوث
الأستاذ رشاد دارغوث قصصي من الطراز الأول، وقد ظهرت عبقريته القصصية في أولى رواياته «خطيئة الشيخ»، فقفز بها إلى الصف الأول، وكان في طليعة أدبائنا الأفذاذ. على خطيئة الشيخ قام صرح شهرته، ثم أتبعها بمجموعات قصص قصيرة حالفه فيها التوفيق الفني، فالحاج بحبح، وحمامة الوادي، وعلى دروب الحياة، وتوهاتا، فيها من روائع الأقاصيص شيء كثير.
وها هو اليوم ينتقل إلى المسرح فيكتب لنا مسرحية «سيعودون». الضمير يعود إلى المغتربين، والضمير لا يعود إلى متأخر لفظًا ورتبة فهل يعودون هم بعد التقدم؟ الله أعلم بالسرائر.
نهج رشاد نهج تيمور في أقاصيصه، وأغلب الظن أنه أراد أن يكون له مسرحيات مثله، ولكن يبدو لي أنه في مسرحيته هذه أوفر حظًّا من الأستاذ تيمور؛ لأنه انتزع مسرحيته من صميم حياتنا، وقد عمل بقول أرسطو المعلم الأول: ليست مهمة المؤلف المسرحي أن يصف الواقع، بل الممكن وقوعه.
قسم أرسطو أبطال المسرحية إلى ثلاث فئات: فئة هي فوق الناس؛ أي الآلهة، وهؤلاء فاتهم الزمان ولم يعد لأصحاب العروش خبز في مسارح هذا العصر، فقد حل محل الملك «راعي البقر» الذي سيأتيك خبره في سيعودون، وفئة ثانية هي مثلنا، وفئة ثالثة هي دوننا. أما شخوص مسرحية رشاد فيظن أنها نسخة طبق الأصل عنا، ولكنها ليست واقعية بهذا المقدار؛ ولهذا جاءت كما يجب أن تكون المسرحية الحق.
فمسرحية «سيعودون» ذات أشخاص يسيرون في حياتهم سيرًا هادئًا مطمئنًّا. وهذا مصدره شخصية المؤلف خالقهم.
قال في المواليد الحقيقيين: الابن سر أبيه، ومن يشابه أباه فما ظلم، فنحن يحق لنا أن نقول: بورك في البنين الصالحين يا رشاد، فهذه المسرحية وإن كانت من عمل خيالك فهي لا تختلف عن الحياة، فعندما نقرؤها لا نتمالك أن نقول: الحياة هكذا، وربما قلنا أيضًا عن أكثر شخوصها: هذا مثل فلان.
لقد طرق رشاد ناحية بكرًا من نواحي حياتنا الحاضرة، ولم يعش في فردوس الماضي السعيد المفقود. لقد صلى على الحاضر، وأكلنا من مأدبته طعامًا شهيًّا، فقصة مسرحيته من مستوى رفيع لا تصف مكانًا ضيق المحيط، وحوادثها ليست من الشئون الميتة، بل تصف نصف شعب أو أكثر، وتمثل لنا في سعيد «بك» الإبراهيم، راعي البقر، نسخة غير نادرة الوجود. نسخ رشاد أبطاله عن سجل الحياة، ووهبهم حواره وأسلوبه حياة لا هي بالصاخبة ولا هي بالبليدة؛ فوظيفته التي تريه كل يوم صورًا ألوانها شتى وملامحها أشكال هي التي خلقت لنا أم هالة المنتظرة لبنتها صهرًا مليونيرًا، فجعلها حلمها الماسي تهجس بسجل التشريفات. أليس أول ما يفكر به القادم إلينا هو أن يعرج على القصر، ويدون اسمه في سجل التشريفات، وسيان عنده إن تشرف بالمقابلة أم لم يتشرف … أما لحسن الفرن على ريحة الكبة؟
فمسرحية «سيعودون» مدنية، ولكنها تنظر إلى الضيعة وتستلهمها. أما قال المحقق للدكتور: لا شكر على واجب؛ فنحن من «ضيعة» واحدة! فالشخوص جبليون احتلوا المدينة ولم يختف بعدُ طابعهم، وهم كبطل المسرحية سعيد الإبراهيم الذي لم تختف ملامح جبليته وإن ولد وتربى في أمريكا.
فهذه المسرحية الطريفة مرحة، ولكن مرحها مُبطَّن بالسخرية من أبطالها، وركائزها الفنية قائمة على النقد الاجتماعي. وهذا النقد موحًى به من هناك، وكأني برشاد يقف في ديوان الرئاسة مستعرضًا الأنماط ومنتقيًا منها ما يلائم موضوعه. وكم نحن في حاجة إلى من يصور لنا هذه المشاهد في حياتنا! وهل يحسن تصويرها إلا من كان كالأستاذ دارغوث شديد الاتصال بالقصر ومن يتهافتون على أعتابه؟
إن الكاتب الفنان الأصيل يستلهم الشخوص الأحياء الذين تقع عليهم عيناه، فيستعير منهم ما يلائمه ويترك ما بقي إلى موعد آخر؛ فربما احتاج إليه، إلا أنه يكيف ويحور كما تقتضي الحال، وإذا كان يخشى أن يفتضح أمره ويغضب من صوَّره، فإنه يضع في بطاقة الهوية التي منحها لذلك الشخص علامة فارقة تزيل الشبهة وتبعد الظن. ورشاد دائمًا في تأمل وتألم؛ لأنه من طبعه سامٍ ويتسامى دائمًا دافعًا نفسه إلى المثل الأعلى، بل إلى قمة المثل الأعلى. متأمل لأن كل شخوص مسرحيته مخلوقة طبق نماذج، ومتألم وألمه الحاد يظهر من عطفه على الموظف الذي رزقه الله أولادًا بغير حساب؛ خمس توائم، وتتحرك عاطفته الإنسانية العميقة فيهيئ له سعيد الإبراهيم بطل القصة، فيتبرع له على طريقة الأمريكان بعشرة آلاف دولار. وهكذا أصاب عصفورين بحجر واحد؛ صوَّر شقاء الموظف الأمين وما اكتسبه المهاجر من خلق الأمريكان، وإن كان راعي بقر كسعيد الإبراهيم، ثم يصور هذا المغترب يهب الممرضة أدماء التي سهرت عليه وأحبها نصف مليون ليرة، كما يهب أمراء النفط مثل هذا المبلغ بضربة واحدة كبخيل الجاحظ تمامًا.
قد يقول القارئ: أليس من حقي عليك أن تلخص لي هذه المسرحية على الأقل لأفهم ما تقول وأمشي معك على ضوء؟
– على رأسي، يا عزيزي، سألخصها لك بشطحة قلم، فأنا يشغلني الفن عن الموضوع، وقد أعجبت جدًّا برشاد ومسرحيته. الموضوع بسيط جدًّا: مهاجر — سعيد إبراهيم — تنتظر بنت عمه قدومه السعيد لتُزوِّجَه بنتها هالة، الفتاة الجامعية المثقفة. تريد أم هالة أن تقبر الفقر وتصير حماة مليونير.
ويجيء المليونير «راعي البقر» فتَخِفُّ أم هالة وبنتها لملاقاته في المطار، ولكنه يذهب توًّا إلى البقاع كما نذر؛ ليأخذ من تراب ضيعته تنكة ويرشها على قبر أمه في الوطن الثاني، فيتعس به الحظ وتصطدم السيارات في طريقه إلى بعلبك، فينقل إلى المستشفى جريحًا حالته في خطر، ولجهلهم هويته يحمله المستشفى رقم ??، ولا شك في أن المؤلف يريد أن ينتقد هذه الخرافة المهجرية … وتبحث أم هالة عن ابن عمها فلا تعرف أين هو، وأخيرًا تهتدي إليه وتتعرف عليه، فيكون قد وقع، بعد أن أفاق من غيبوبته، في شراك الممرضة الجميلة أدماء، فتظل بنتها هالة الجامعية طريدة حبيبها جميل، الموظف في شركة التأمين، وعندما يصح الصحيح تهتف أم هالة بابن عمها وهي يكاد يغمى عليها: يا ويلي عليك! قطعت الحبل فينا. وهنا لا بد من ملاحظة أن حذف الشطر الأول: وصلتينا لنص البير، يدلنا على أرستقراطية رشاد الأدبية، وترفعه عن درك العامية، فهو يريد، كما نريد أيضًا، أن يكون أسلوبه بين بين.
وبعد، فماذا أريتك من هذا التلخيص؟ أريتك العمود الفقري وليس كل الهيكل العظمي، والجمال كله في اللحم والدم؛ أي في التفاصيل، وهذا ما لا أستطيعه. إني أنصحك، إذا أردت ذلك، أن تكتب إلى الأستاذ دارغوث لعلك تحصل على نسخة؛ لأن الخمسمائة نسخة التي طبعت ليست معدة للبيع، أو اكتب إلى شاعرنا الكبير البلبل المهجري الصداح، الأستاذ جورج صيدح، فهي مهداة إليه، وهو رمز المغترب النبيل.
إن قوام المسرحية ثلاثة أشياء: الموضوع والأشخاص والأسلوب، فالموضوع وهو ما رأيت من صميم الواقع، والأشخاص كأنهم أحياء يرزقون تتعرف عليهم في كل مكان من لبناننا السعيد، والأسلوب غير بعيد مما يدور على لساننا. فكل هذه العناصر مما يقع في آذاننا وتحت بصرنا، والحوار، وهو دم المسرحية، طريف ظريف، تهكم كأنه ملبس على لوز مر، وحوادث المسرحية يسيرها تداعي الأفكار فاتصلت أجزاؤها اتصالًا دقيقًا.
السائد في هذه المسرحية هو النقد الاجتماعي؛ ولذلك تومئ من طرف خفي إلى الجامعيين والجامعيات، مقيمين ومغتربين، كما يستدل من محاورة جميل وهالة في الفصل الأول من المسرحية:
جميل: ولكن الذي بيننا …؟هالة: وماذا بيننا! أنت عندي رفيق يساوي سواه من الرفاق.جميل: أليس لي شيء خاص من دونهم؟هالة: أنت تعني أنني أطمئن إليك فأرافقك إلى السينما مثلًا.جميل: لا، لا، هذا شيء بسيط.هالة: وأرافقك إلى شط البحر.جميل: لا لا، وهذا شيء بسيط أيضًا.هالة: إذن ماذا تقصد بالشيء الخاص؟ احكِ. ها ها تذكرت؟ أنت تعني أنك ساعدتني في إعداد أطروحتي.جميل: وكيف تعلنين هذا السر الخطير؟هالة: خطير أو غير خطير. ساعدتني كما يساعد غيرك غيري، هل تظن أن واحدًا من الطلاب أو الطالبات يعد أطروحته بنفسه دون مساعدة الغير؟جميل: على كل حال إذا ساعد الطالبَ أو الطالبةَ شخصٌ أو أكثر في إعداد الأطروحة فذلك خير من أن تُكتَب لهما تلك الأطروحة بكاملها.هالة: كما يفعلون في بعض العواصم الغربية. هذا في الفصل الأول. أما في الفصل الخامس، وهو الأخير، فيقول رشاد مخبرًا منتقدًا بلسان البطل، يسأله المحقق عن اسمه فيجيب: اسمي سايد إبراهام في أمريكا، وهنا سعيد الإبراهيم. ما اسمك أنت حتى نتعارف؟
فيقول الطبيب: سعادته يوسف بك أبو نبوت المحقق الإداري.
فيجيب سعيد: أنا في أمريكا راعي بقر …
ثم ما أبلغ قول الطبيب وهو يصف جثة القتيل: فالرأس رأس رجل أمي ينطق بالجهل والغباوة، والجثة جثة إنسان تضج مظاهره بالغنى والترف.
ويدور حوار حول كلمة «الجريح المزبور»، ثم يقع الخلاف حول كلمة قضاء وقدر وبإذن الله، ولا يسلم «التحقيق» من قرصات ولدغات، فيقول المحقق أولًا: الحادث وقع قضاء وقدرًا كما أوصى بذلك معالي الوزير، ويقول ثانيًا عند نهاية التحقيق: في فمي ماء. اكتب يا بني ما أمليه عليك، فقد أمرنا بحفظ هذه الأوراق إلى … إشعار آخر.
ولو جئت أدل على مثل هذه النكزات المؤلمة في المسرحية لنقلتها كلها؛ فهي مبنية على النقد من كل لون، ولو كان يلدغ المؤمن من جحر مرتين لقلَّد رشادٌ سعيد بك الإبراهيم وسامًا رفيعًا، لأنه لا يقلُّ أهلية وكفاءة عن سواه، ولكن الملدوغ يخاف من جرة الحبل، فقد كفاه ما جنت عليه إحدى رواياته، وأمرها لم يُنس بعدُ.
وإذا اجتزت هذه المسرحية من بابها إلى محرابها رأيت على جانبي طريقك ما تفيض به قريحة المؤلف من نقدات عابرة تظنها غير مقصودة وهو يعنيها؛ يصب جام سخطه على الجامعات والجامعيين فيقول بلسان هالة: والجامعيون؛ هل لهم حديث غير الحب وإغراء الفتيات؟
فيجيبها جميل: في عهدنا كانت الجامعة أعلى مستوى؛ لأن أساتذتها كانوا علماء منتجين، وأدباء موهوبين، ومفكرين أحرارًا.
فترد هالة: أما في عهدنا، فالجامعة صارت تساوي غيرها من المؤسسات التجارية، وأساتذتها مثل سائر المعلمين؛ لا رسالة ولا إنتاج.
والمليح في الأستاذ دارغوث أن شخصيته لا تظهر أبدًا، ولا يفرض على شخوصه ملامحه وأفكاره فرضًا أبلق، ولكنه يفعل ذلك من بعيد؛ فمسرحيته «سيعودون» رواية عصرية من صميم الواقع، بل هي خبزنا اليومي، تقع أعيننا على مشاهدها كل ساعة في البيوت، وعلى الميناء، وفي المطار، فلبنان يودع كثيرًا ويستقبل قليلًا، وإن استقبل من بنيه أحدًا، فكما قال الشاعر العتيق: كان تسليمه علي وداعًا.
لقد اقترب رشاد من الحياة أكثر من مسرحيينا، ودنا من البساطة التي هي عنصر الفن المسرحي الرفيع أكثر وأكثر، وقد كان في الإمكان أن يكون الحوار أكثر بساطة لو تنازل رشاد قليلًا عن أرستقراطية الأسلوب، وتقديسه للعبارة القديمة وهربه من الدخيل فيقول: غطاء رأسه بدلًا من قبعته. يدلك على هذا اعتذاره في المقدمة، فلا عجب إذن إذا اصطبغت هذه القصة الحوارية بالطابع الإقليمي وإن كانت إنسانية النزعة.
ليت شعري هل كتب موليير وموبسان وجميع كتاب الروس غير قصص إقليمية؟ إن الإقليمية والإنسانية ليستا كالخراسانية والهمذانية لا تجتمعان كما قال بديع الزمان في رده على كتاب أستاذه أحمد بن فارس.
لا نبحث الوحدات الثلاث التي كانت معبودة الفنانين القدماء، فتلك قيم ولَّت مع ما ولى من المقاييس الكلاسيكية. يكفينا من أديبنا الفنان الملهم هذه القيم الأدبية والأخلاقية؛ فمجتمعنا أحوج ما يكون إلى كاتب كبير ينتقده هذا النقد الصارم المضحك المبكي بمثل هذه الصور الحية التي لا تعمُّل فيها.
أما العقدة فهي عصرية، إنها أنشوطة تحل بسهولة، وكذلك ابتداء المسرحية. الكاتب خباز، وكما يسهر الفران الحاذق على ما يصدر للناس فيبعد الأرغفة المحروقة والمشعوثة، كذلك يفعل أديب كرشاد دارغوث. إن ذوق الجمهور قد ارتقى؛ فعلينا أن لا نقدم له حجارة فنية، بل رغيفًا سخنًا رافخًا شهيًّا. إننا نحتاج إلى الكاتب كما نحتاج إلى الخباز «الأسطى» الأستاذ، فعند الاثنين غذاء لا بد لنا منه.
قد تعودت أن أناقش التقديم أولًا؛ ولذلك أراني مُضطرًّا أن أناقش الأستاذ فريد مدور نقاشًا عابرًا مثل درس نوابنا للمشاريع التي لا خبز لهم فيها، فالأستاذ مدور كاتب مسرحي موفق، وله الحق أن يبدي رأيه لأنه خبير فني في هذا النوع. قال الأستاذ في تقديمه لهذه المسرحية: ولن يكون المؤلف ناقدًا ولا الناقد مؤلفًا، وأنا أرى أن الاثنين يكونان، فإذا لم يكن المؤلف ناقدًا فمن ينقي له ما يكتب من الزؤان؟ هل يستأجر من ينقي ويغربل له كما نفعل بالقمح قبل طحنه؟ أما بقية آراء المدور في الإخراج والتمثيل والمسرح والنظارة فوجيهة جدًّا، وعليها يتوقف نجاح المسرحية؛ لأنها تُكتَب لتُمثَّل لا لتُقرَأ.
فالأستاذ دارغوث يحتاج إلى مشاهد لبيب يفهم من الإشارة؛ لأنه لا يكتب بالقلم العريض كما نقول، ولهذا إني أتمنى لهذه المسرحية جمهورًا فاهمًا لا من الذين يطربهم الغناء الرخيص والطعن والضرب والقتل، والقبلات التي تستمد لحنها من مفرقعات الأعياد، ولا مطارحات الغرام المبتذلة.
إن الأستاذ يقسو على المجتمع باشمئزاز مُبطَّن بدبلوماسية المحيط الذي يعيش فيه، ويفرض عليه النعومة، ولو كان غير موظف لأرانا غير ما أرانا، ولكن حسبه أنه الأديب الذي لم تلهه وظيفته عمَّا خُلق له، ولا خوف على الراغب من انتقاص ملكته؛ فإن طال الزمن أو قصر فلا بد أننا في النهاية نعطي ما عندنا. إنك إذا فتشت في رشاد عن فصاحة وبلاغة؛ فإنك تجد رجلًا قبل كل شيء، رجلًا فنيًّا مطبوعًا يلبس الحقائق ثوبًا منمنمًا. إن العلم كالحساب جفافًا فنيًّا، أما الفن فهو علم من نوع آخر، تقبله على أنه فن، وهو في الحقيقة علم، ولكنه بسام ضاحك كما هو عند رشاد. إن العلم لا يتمتع به إلا نفر قليل تمتعًا منقوصًا. أما الفن فيتمتع به الناس تمتعًا كاملًا غير منقوص.
كنت أحب أن يكون ختام المسرحية أزخم، فيزود رشاد النظارة بشيء يبقى لهم ليأتوه بالأخبار كما قال طرفة.
أشهد أنني بعد عشرين عامًا؛ أي منذ أصدر رشاد خطيئة الشيخ، قد رأيته في «سيعودون» كما هو في تلك من حيث النضال الاجتماعي، وهذا يدلنا على عقيدة رشاد الراسخة ومحاولته الإصلاح، وهذا ما جعلني أترجى لآثاره النفيسة عمرًا طويلًا.

نداء الأعماق


لعبد الخالق فريد
عندما قرأت عنوان «نداء الأعماق»، للشاعر عبد الخالق فريد، تداعت الأفكار وتذكرت المزمور المائة والثلاثين الذي لا أزال أعرفه، وكيف أنساه وأجراس الكنائس تقرع في السهرة بضع ضربات داعية الموارنة لتلاوة «من الأعماق صرخت إليك يا رب.» تخفيفًا لعذاب الأنفس المعذبة في المطهر؟ وما أقرب الشبه بين المطهر الكائن في قلب كل شاب، والمطهر الذي لا نعلم أين هو كائن.
ولم يخب ظني حين تصفحت الديوان؛ فقد رأيت بعض قصائده متوجة بآيات سليمانية فقلت: لقد جمع عبد الخالق فريد نزوات داود وابنه سليمان، ولكنَّه بكَّر في التشاؤم.
فمن الرسم الذي زين به الشاعر ديوانه يبدو لي أنه في عز الشباب، وحيث إنه صدَّر ديوانه الصغير بقصيدة «ليلة نواسية»، فمن بضاعة أبي نواس نستعير تبرئة نوجهها إلى عبد الخالق فريد، قال النواسي، غفر الله له:
أنا ابتدعت الهوى وحدي فتظلمنيهذا نبي الهدى داود قد عشقا فلو كنت ممن تبهرهم الكلمات الجديدة لقلت: إن صاحبنا عبد الخالق شاعر وجودي بوهيمي، وها هو تائه في ليالي بغداد، فيرى بدربه حانة، وعلى بابها نديم جميل:
فاتر اللحظ أشقر الخد يرنووينادي بالغنج: هلَّا تميل؟ ويطيع الشاعر ويلبي، ويذهب مسرعًا بصاحبه وهو خائف من أن تحل بالكون نكبة سادومية ثانية وتفلت الطريدة من مخالبه، ثم يذهب السكر بالألباب فيقول الشاعر بلسان ذلك الرشاء الأغن كما قال النواس من قبل:
ثم أزجى إليّ نظرة لوموهو دامي الشفاه يهذي بلثغكل ما «غمت» يا لعين تقضيدون «شغب» المدام ما كان «يجغي» فهو يلثغ بالراء وقد استحالت غينًا كما لا يخفى على القارئ اللبيب. وفي آخر الديوان يعود الشاعر إلى هذا الحبيب «الألثغ» فيذكرنا استملاح الجاحظ اللثغة الظريفة. وفي هذه القصيدة التي عنوانها «حانة الذكريات» يباهي الشاعر ويبتهر مفتخرًا بنواسيته وشذوذه:
أتمنى والدهر غال الأمانيوبعيني أدمع لا تجفأن أرى ساعدي تطويك طيًّاوشفاهي على شفاهك يغفوانفض الترب يا نواسي واشهدبعد عشر من القرون المواضيأنت لست الأخير فيمن تمنواوأحبوا ذوي العيون المراض وعلى ذكر هذا الحب العارم نقول للشاعر عبد الخالق فريد ما قاله أبو نواس للأمين:
بارك الله «للفريد» وأبقاهوأبقى له رداء الشباب ولكن بشرط أن يستعمله على حقه فلا يزرع حيث لا يحصد!
أما ما قاله الأستاذ عبد القادر رشيد الناصري في شاعر نداء الأعماق في المقدمة التي جعلت ذيلًا، فأرى أنه غالى في امتداح فصاحة لهجة عبد الخالق فريد وطابعها، كما أنني لا أوافقه على تسمية هذا الشعر الإباحي لغة الروح، فإذا كان هذا الشعر لغة الروح، فكيف تكون لغة الجسد يا ترى؟
لقد شبه قصائد «نداء الأعماق» بغزليات ابن أبي ربيعة، وغزليات عمر هذا لا تعرف حرفًا من لغة الروح، فهو كما قلنا عنه مرة: إنه كالقصابين تعنيه الأَلْية أكثر ما يعنيه اللسان، ولا يفهم المرأة إلا جسدًا جميلًا بضًّا.
ولا أدري لماذا لا يكون الناصري صريحًا؛ فالشاعر حدثنا عن السادومية لا عن الخمرة، فأي مبرر لذكر خمريات النواسي والشاعر عبد الخالق فريد يبحث معصيته بصراحة وقحة، ولم يستتر كما أُمِر، ولا تأويل في مورد النص.
وبعد، فلست أرى في هذه الموضوعات التي عالجها شاعر «نداء الأعماق» تجديدًا، فهي نواسية صريحة، ولا أحسب تجديد أبي شبكة من مثل هذه حتى يذكره الناصري في هذا المضيق، ولعلي لست أظلم أحدًا إذا قلت: إننا لا نزال بعيدين عن التجديد، وما برحنا غارقين إلى الآذان في التقليد. فشاعرنا واحد من اثنين، إما ملتفت إلى الغرب، وإما متطلع إلى الوراء يريد أن يطبع على غرار من تقدموه. أما تطلعنا إلى نفوسنا الذي يمكننا من خلق الجديد، إذا كنا مُلهمين، فهذا لا نعيره اهتمامًا؛ ولهذا أرى جمهرة كتابنا وشعرائنا يريدون أن يكون لهم جديد، ولكنهم لا يعثرون عليه لأنهم يفتشون عنه في غير زمانهم وذواتهم.
قد يكون دم القلب خمرة الأقلام كما قال أبو شبكة، ولكن الشعر ليس عاطفة فقط، بل ليس عاطفة الطوطم والتابو وحدها، فهناك شئون وشجون يجب أن يعالجها الشباب، وإلا صار شعرهم نغمة واحدة، وليعذرني السيد عبد الخالق فريد إذا قلت له: إن عاطفته مكشوفة العورة، ولو كان في العورات المكشوفة جمال لما تكلف الناس لبس الديباج والشفوف، ولما كان للخياط البارع رغيف خبز في معجن الحسان. إننا نطلب من الشاعر ولو نقابًا شفافًا حتى نقول مع صاحب سفر الجامعة: ها أنت جميلة يا حبيبتي، عيناك كحمامتين من تحت نقابك.
أما الهنات التي أشار إليها الأستاذ الناصري، فهي هنات نجدها عند أكثر شعراء هذا الزمان، ولكنها غير هينات، كما قال القدماء، وإذا عنفتهم هزئوا وأجابوك بقول الغريري الذي ختم به نقاشه: إن الشعر والأدب الذي يحمل عنصر الخلود يعيش حتى إذا كان ثرثرة بالمعنى اللغوي وغير اللغوي.
لا، لا أرضى. فإذا كنا نريد أن نحافظ على كياننا يجب أن نحافظ على أصول لغتنا حتى تأتي الساعة التي نستبدل بها قاعدة بقاعدة، أما الفوضى فما تبشرنا بخير.

حول البياتي والسياب


حين تلقيت العدد ??? من جريدة الحرية العراقية الصادر بتاريخ ?? نوار الماضي كنت محبوسًا «قلعة بند»، كما كنا نعبر في العهد التركي؛ أي إنني كنت مقيدًا بسلاسل «ريجيم» ثقيلة. وحسبك من الريجيم ضغطًا دونه ضغط الدم ثقلًا أن يكون العمل محظورًا عليك حتى يتبادر إلى ذهنك أن كلمة ريجيم مشتقة من الرجيم. ونعوذ بالله منه.
والآن وقد أُخلي سبيل السجين، فيطيب لي أن أتحدث هنيهة إلى السيد عبد الوهاب الغريري، قال الغريري في مقال عنوانه «مارون عبود والشعر العراقي الحديث»: ومن يقرأ مقال الأستاذ مارون يعتقد بأن الرجل لا يعرف من العراق إلا شاعرًا واحدًا يعتبره المجدد في الشعر، وأن الشعر العربي في العراق يسير على نهجه. وهذا الشاعر هو البياتي.
لا يا عزيزي عبد الوهاب! عجبًا كيف أريكم السهى وتروني القمر؟ فلو كنت قرأت غير جزء من مقال لعرفت أنني غير راض جدًّا عن شعر سميِّك عبد الوهاب البياتي الذي يقلد فيه إليوت شاعر أمريكا المعاصر، فجاء معظم قصائد «أباريقه المهشمة» أشبه بصراخ المنادين في زواريب الأحياء: شروال عتيق للبيع إلخ.
فإذا قلت للشاعر يوسف نمر ذياب: إن خطيئة الإليوتيين عندكم وخطيئتك أنت في رقبة الشاعر البياتي، فلا يعني هذا أنني فضلته على الشاعر بدر شاكر السياب، ولا زعَّمته على شعراء العراق، كما أنني أحتج بشدة وإصرار على قولك: إنني لا أعرف إلا شاعرًا عراقيًّا واحدًا هو البياتي.
قد تعجب إذا قلت لك: إنني عرفت شعراء العراق جميعًا إلا البياتي، وما نقدت شعره إلا «عرضًا»، ومن خلال دراسة جيدة للدكتور الأستاذ إحسان عباس وقعت في آخرها على نماذج بياتية.
فإذا رجعت إلى كتبي رأيت أنني عرفت جميع شعراء العراق من الزهاوي إلى الشبيبي، إلى الشعراء المعاصرين قاطبة: من نازك الملائكة إلى مقبولة الحلي. ويكفيني معرفة بشعراء جميع البلاد العربية، وخصوصًا العراق، أنني كنت ناقدًا للشعر والنثر في محطة الشرق الأدنى مدة ثلاث سنوات ونصف، وفي كل أسبوعين كان يذاع لي مقال ثم ينشر في مجلة المحطة النصف شهرية، فأقول، ولا فخر: إنني عرَّفت قراء العربية في جميع الأقطار بشعراء العراق قدماء وجددًا، وما عليك إلا أن تطلع على كتبي: على المحك، مجددون ومجترون، دمقس وأرجوان، وفي المختبر، وجدد وقدماء، وعلى الطائر؛ لترى أنني أول من تنبَّه إلى هذا الفيض الشعري الغزير عندكم الذي يرمي أواذيَّه العبرين بالزبد.
أنا يا عزيزي ممن لا تخدعهم الشهرة، ولا تقعدهم عن النظر فيما قيل لا فيما يقال، فلو قرأت ما كتبته عن شاعركم الفحل محمد الجواهري حين حمل إلى لبنان عقودًا من الخرز، لما اتهمتني بمعرفة البياتي لشهرته في البلاد العربية وتغاضي عن شعر شاعركم الملهم حقًّا بدر شاكر السياب، ثم رحت تعد لي دواوينه: «أساطير» و«الأسلحة لأطفال» و«المومس العمياء»، ونسيت أن تذكر ديوانه «أزهار ذابلة» الذي تفضل عليَّ به بتاريخ ???/???/???. وهكذا أكون عرفته، وقلت فيه، ولم أتحفظ كصديقي المرحوم رفائيل بطي: إنه سيكون شاعر جيله المجدد، ونصيرًا للمضطهدين «من كل إس وجنس.» كما قال البحتري.
وإذا وقعت عينك على الصفحة ??? من كتابي دمقس وأرجوان تقرأ ما يلي: وفي العراق ثورة فكرية عارمة تبشر بطوفان ينزل منها العصم من كل منزل، فأكثر شعر شعرائه نضالي كفاحي، وتقول أنت عن شعر السياب: ولكن ربما لم يتهيأ لهذا الشعر أن ينتشر في البلاد العربية كي يقف الأستاذ مارون على قدميه وهو يقرؤه.
قلت لك: إنني في عداد المعجبين بشعر السياب وخياله وتعبيره وتفكيره وانتصاره للإنسانية بيضاء وسوداء، طاهرة وعاهرة، وهو أقرب شعراء الرافدين إلى النهج الإليوتي الذي يستهوي شبابكم اليوم، كما استهوى شبابنا شعر فرلين وسامان ومالرمه فيما مضى. أما وقوفي على قدمي — وأظن أنني لا أقف على رأسي — حين أقرأ شعر السياب؛ فأرجو أن تعفيني من ذلك الوقوف لأنني لا أستطيع الانتصاب طويلًا الآن، ولا أتأخر عن ذلك متى قدرت، بل على أكثر من ذلك؛ أي الركوع والسجود وسائر ما يفرض على عُبَّاد الأدب من نوافل.
وأخيرًا، إنك «تطمئنني على بقاء الشعر العربي عربيًّا» وهو يسير في طريق التجديد، والذي يجب أن نتذكره دائمًا أن الشعر والأدب الذي يحمل عنصر الخلود يعيش إذا كان ثرثرة بالمعنى اللغوي وغير اللغوي.
الجواب: هذا هو مرض هذا الزمان، وهو أشد انتشارًا عند الشباب حيث كانوا؛ لأنهم يريدون أن لا يفكروا. وللتسهيل والتيسير: تمخض الجبل فولد فأرة. كتب طه حسين: «على» علا، و«إلى» إلا، و«متى» متا، حتى لم ندر ما يصيب متَّى وعيسى. فإلى الذي لا يقدر على غير الثرثرة أقول: عندك الموَّال البغدادي، والمعنَّى والقرادي اللبنانيان وهلم جرًّا.
إن شبابنا لأهون بالطوطم والتابو والنرجسية وغير ذلك من أسماء حديثة، وهي لا تدل إلا على معانٍ قديمة، فهذا التجديد الزيف لا يبرر ثورتنا على ميراثنا القديم. لقد عرف الأولون شريعة الفحل، وكانوا كلهم فحولًا، ولكنهم لم يسموها طوطمًا وتابو، كما عرفوا أقصى الإعجاب بالنفس عند المتنبي وإن لم يعبروا عن ذلك بالنرجسية.
وإنني أرجو أن أكون ذكَّرت الأستاذ الغريري برأيي في الشعر العراقي لا أعدت النظر فيه، فأنا معجب بشعرهم حتى النرجسية! فقد كان للعراق آراء في الحياة لعل سارتر صديق الشباب الحائر لم يصل إلى أبعد منها، كما أن الخطيئة الأصلية في المسيحية هي الطوطم الأكبر. إن الأعراض تتغير، أما الجواهر فتظل هي هي وإن حملت أسماء جديدة.

ثورة في الصحافة


لسامي عزيز
حين نتحدث عن مثل كتاب «ثورة في الصحافة» نضع مقاييسنا الأدبية جانبًا، فمثل هذا الكتاب يصلح دستورًا للصحافة التي تريد أن تتحرر من عبودية التقليد، فمصطفى أمين وتوءمه عليٌّ مبدعان ومجددان. كانا تلميذي روز اليوسف، ثم صار لهما تلاميذ في كل مكان. كنا نتعجب من النجاح العظيم الذي تحرزه الصحف العالمية، وكنا نظن أن ظهور الأبطال الذين يرفعون أمتهم إلى الأعالي أمسى نادرًا، وكنا نتحدث عن فولتير وروسو اللذين مهدا الطريق للثورة الفرنسية، وكنا نستغرب أن يفعل القلم ما فعل على يد هذين الفيلسوفين، حتى قام التوءمان مصطفى وعلي أمين بما قاما به من انقلاب دك عرشًا ظل ثابت الأساس قرنًا ونصف قرن.
أجل، ما دامت النساء تحبل وتلد فلا بد من انتظار المفاجآت في محصول جديد من نوابغ الرجال العصاميين العباقرة، وشكرًا للأستاذ سامي عزيز الذي أهدى إلي هذا الكتاب «ثورة في الصحافة»، فأيقنت أن الصحافة صاحبة جلالة، ولكن بدون تاج؛ لأنها هي التي تريح الدنيا من أولياء العهد الذين هم بلية الشعوب؛ أما دكت ولاية العهد أساس الإمبراطورية العربية؟ وهل ثورة الشاعر دعبل الخزاعي على الخلفاء العباسيين دون ثورة مصطفى وعلي أمين على فاروق؟ قال دعبل:
أنَّى يكون وليس ذاك بكائنيرث الخلافة فاسق عن فاسقإن كان إبراهيم مضطلعًا بهافلتصلحن من بعده لمخارق أما ما قاله التوءمان فهو يقع في مجلد من القطع الكبير عدد صفحاته ???. لقد عرفني كتاب ثورة في الصحافة بتاريخ الحقبة المعاصرة من تاريخ مصر المحروسة، وقد كذَّب التوءمان أبا الطيب المتنبي القائل:
نامت نواطير مصر عن ثعالبهاوقد بشمن وما تفنى العناقيد فهذان الناطوران قد طردا الثعالب من كرم مصر، وقالا للشعب المصري: أنت أحق بكرمك، فهلمَّ احكمه واقطف، هلمَّ أطعم وكل.
يظهر لي مما قرأت، ولا أعدو الحق إذا قلت: إن لمصطفى أمين اليد الفرَّاسة في تحرير مصر؛ فهو مضرم نار ثورتها، وهو موصلها إلى ما أدركت؛ فللأستاذ سامي عزيز كل الحق أن يطلق مثل هذا الكتاب الصاروخي ليقطع الطريق على المُدَّعين ويسد أفواههم. أما تعوَّدنا فور كل انقلاب أن نرى في مصف رجال الثورات مَن كانوا حربًا عليهم؟ وليس هذا الكتاب إلا ثورة، ليس في الصحافة فقط، بل في تاريخ مصر، فأدت إلى تحرير ذاك القطر الذي استعبده الجشع والاستخفاف بالشعب. والبادي لي أن الانقلاب المصري هو تاريخ جهاد مصطفى أمين وأخيه، وهذا يثبت لنا أن اليد الأولى في الانقلابات هي يد القلم، فهو يمهد الطريق ويُعبِّدها لأصحاب النجاد الطويل، فيقطع العقدة سيفهم كما فعل الإسكندر.
أنا معجب جدًّا بهذا الرجل المفلح، ولو كان أديبًا لكنت أولى الناس بإخراج كتاب ضافي الذيول عن هذا العملاق، ولكني لا أحسن لغة الأرقام والتواريخ التي تذكرني بأقصوصة كتبها مارك عن الفرنسيين. وهذا ما رأيته كثيرًا في كتاب ثورة في الصحافة.
إن الصحافة العربية مدعوة إلى أن تفعل كما فعلت أخبار اليوم، جريدة مصطفى أمين، فالمجال أمامها واسع؛ فكل قطر من أقطارنا ينتظر من ينهضه، ويحقق كما تحقق دار أخبار اليوم عن الأعمال والصفقات التي كان يقوم بها وزراء عهد فاروق.
قبل أن يصدر التوءمان صحفهما ومجلاتهما كانت ساحة نضال مصطفى أمين في مجلة الاثنين وجريدة الأهرام، ثم كانت الجبهة في دار أخبار اليوم ترسانة الحرية والاستقلال الناجز.
ظل السبق الصحفي للشوام حتى ظهرت هذه الصحف التي نشأ صاحبها من لا شيء، كان كما كان إخواننا اللبنانيون حين جلوا إلى الكنانة وما في كنانتهم هم غير سهام المعرفة والثقافة الحديثة.
قلت: نشأ صاحبها من لا شيء مع أن هذا الكتاب يذكر لنا أن والده كان عضوًا في مجلس الشيوخ، ولكني أظن أنه كان شيخ فضيلة وأخلاق، لا شيخ عزبات وألوف الفدادين من الأطيان.
لست أعرف السيد مصطفى لأصفه، ولم أر له وجهًا إلا في الصياد والشبكة، ولعل الصياد أخو رأسه في الجرأة واللذعة غير الموجعة. الصورة الفوتغرافية لا تشفي لي غليلًا؛ ولذلك قرأت هذا الكتاب ولم أخرم منه حرفًا، فرأيت فيه دنيا تتحرك وعوالم تموج بين السطور. وكم سررت حين وقعت على جهاد تلميذي السيد ناصر الدين النشاشيبي وفلاحه! وحين قرأت أسماء وأسماء ممن عرفتهم! وما أشد ما كانت غبطتي إذ عثرت على صورة قلمية لمصطفى أمين — رسمتها له روز اليوسف في مجلتها الشهيرة التي تعد بحق مدرسة جديدة في صحافة اليوم! قالت السيدة روز تصف الشباب الذين كانوا يأتون إلى المجلة: «ففي هؤلاء الشباب نظرة لا تخطئ أتبين منها على الفور من لديه الاستعداد للنجاح، ومن هو غير أهل له، وقد لفت نظري من المترددين شاب طويل ضخم بشكل ملفت، عيناه صغيرتان لامعتان تتحركان بسرعة عجيبة كأنهما تبحثان عن شيء صالح للالتقاط. وكان هذا الشاب يدخل المجلة متلفتًا هنا وهناك وهو يسرع الخطى إلى حجرة الأستاذ التابعي يدفع إليه بعض الأخبار ثم يمضي … وكان يراني في بعض الأحيان وهو خارج فيُنكِّس رأسه ولا يحييني، ولمحت فيه بوادر هذا الاستعداد فسألته وهو خارج في إحدى المرات: ما اسمك؟
فقال: مصطفى أمين.
ثم عرفت أنه تلميذ في المدارس يهرب من مدرسته ليتصيد الأخبار ويحملها إلى المجلة، ويملك سيارة صغيرة جدًّا، عتيقة جدًّا، يستعملها في الجري وراء الأخبار. وهو منذ اللحظة الأولى يحلم بامتلاك دار صحفية كبيرة ويعمل لذلك. كان مألوفًا منه أن يسافر بسيارته سفرًا بعيدًا لكي يحصل على خبر ويعود به في نفس اليوم.
وعلي أمين هو النصف الثاني لمصطفى الذي لا ينفصل عنه، فلم يكد مصطفى يشق طريقه قليلًا ويصبح له مكانه في المجلة حتى أشرك معه عليًّا.
كان مصطفى أمين أكثر هؤلاء الشباب نشاطًا، وكان تفوقه عليهم ظاهرًا، وقد قضوا سنوات طويلة يعملون بغير أجر، وبعد سنوات ثلاث جعلت لمصطفى مرتبًا ثماني جنيهات شهريًّا، على أن يدخل فيه شقيقه علي الذي كان يعمل معه في الباطن.»
إن نشأة مصطفى أمين هذه حملتني على تسميته بالعبقري، والجبار، والعملاق، لا جسمه الجميزي الذي يذكره الأستاذ سعيد فريحة كلما سنحت الفرصة.
كان الرأي العام في مصر شعبية رخيصة، ولكن صحف مصطفى أمين أيقظته من غفلته، فلم يعد الشعب يساق سوقًا. لقد خلق من «ابن البلد» الذي كان محتقرًا رجلًا إذا دعي إلى الجُلَّى كان من حُماتها، وقد خلق ابتكاره شخوصًا مثل حمار أفندي وغيره، وكان لهم العمل الأول في إيقاظ الأمة المصرية التي قال فيها أبو الطيب ما قال، كأنه تنبأ بشخصية مصطفى أمين حين كتب:
وكم ذا بمصر من المضحكاتولكنه ضحك كالبكا! فهذه الرسوم التي أبدع شخوصها مصطفى أمين مضحكة مبكية حين تحكي، ومضحكة مبكية حين تتنادر، ولعل السخر اللاذع والتهكم المر والصراحة التي ترمي فتصمي هي أولى خصائص مصطفى أمين التي لا تعد ولا تحصى، فهو في الأدب السياسي زعيم أي زعيم.
اسمع قوله: هناك حرية في الدستور واستعباد في الواقع، صحف مقيدة، وانتخابات مزيفة، حكام طغاة، ورأسمالية فاحشة، رشوة منتشرة، واستغلال نفوذ واسع النطاق، وحكم إقطاعي لا مثيل له.
ويقول في الحاكم: ليس الحاكم مسئولًا عن شخصه وحده، وإنما هو مسئول كذلك عن كل من حوله … فإن المناصب الكبرى التي تعطي أصحابها حقوقًا ضخمة تلزمهم بواجبات أضخم، وليس هذا الكلام موجهًا إلى حكومة بذاتها، بل هو موجه إلى كل حكومة؛ لأن سمعة الحكم المصري هي أساس الاستقرار.
أفلا ينطبق هذا القول علينا وعلى الحكومات في بلادنا؟ عجيب كيفما رحت وكيفما جئت في هذا الكتاب أرى أقوال مصطفى أمين تصورنا جميعًا، وإليك صرخته حول الدستور: لا تكتفوا بالدستور؛ لأنه كلمات تفقد معانيها إذا لم تجد من يفهمها ويهضمها ويمزجها بدمه وقلبه. يجب أن يحدد الدستور سلطات رئيس الدولة، ويمنع الوزراء من ترقية أقاربهم، ويحاسب الوزراء على ثرواتهم، ويمنع أعضاء البرلمان من الاتجار بالنفوذ والسمسرة والتذبذب.
أما رأيه في الصحافة فيقول: فليست الصحافة أن يكون أصحاب الصحف أحرارًا فيما ينشرون، وإنما الحرية أن يكون لكل كاتب في الصحيفة الحرية في أن يكتب ما يعتقد. وهذا سر قوة أخبار اليوم.
أما الأستاذ علي أمين، فقد أعجبني منه هذا الرأي الممتاز، فقد ثار على الشعب الثائر على تماثيل الأسرة العلوية وهاجمها في جميع الميادين، فقال علي أمين في حملته على المحطمين الهدامين: إن شعار الحكومة يجب أن يكون البناء لا الهدم، وإن إلغاء الملكية لا يعني إلغاء التاريخ، وإن ثورات أخرى قامت في بلاد أخرى فلم تحطم تماثيل الملوك، ولو أن آثار الطغاة دمرت لما بقيت الأهرام التي بناها الطغاة والمستبدون.
ذكرني رأي علي هذا برأي الجاحظ الأديب الأكبر حين ذكر هدم الآثار ليدلل على بقاء الكتاب وفناء الآثار فقال: من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، فقد هدموا، لذلك السبب، المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم في أيام الإسلام.
وكأني بهذين الرجلين مصطفى وعلي أمين يمشيان وحدهما على أرض ثابتة لا تهتز تحت أقدامهما، فهما واثقان من أنهما خلقا مصر الجديدة.
من عادة التوءمين أن يكون أحدهما دون الآخر جبروتًا، أما هذان فهما متساويان.
وهذا الكتاب «ثورة في الصحافة» جاء يعرفنا بهما، ولكن على طريقة بولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كرنتس. عرفتنا تلك الرسالة بفضل بولس الرسول على زملائه، وعرفنا هذا الكتاب بفضل التوءمين على مصر والبلاد العربية.
وأخيرًا نقول: وإذا كانت الصحيفة مدرسة، فدار أخبار اليوم جامعة من أرقى الجامعات الحديثة، فلله درُّ أبٍ جاء بنابغتين في صفقة واحدة، وكانت رابحة جدًّا.

الذوق


هذا «صيد» أثاره لي الأستاذان سعيد فريحة وشكري كنيدر في مجلة الشبكة. أعلنا سخطهما على المغنين القليلي الحظ من الذوق، وقد ضرب رئيس تحرير الصياد مثلًا على ذلك قول المطرب عبد الحليم حافظ:
يا سيدي أمركأمرك يا سيديولأجل خاطركخاطرك يا سيديومقدرش خالفكأخالفك يا سيدي. هذا الميكروب سرى إلى الأغاني الحديثة من طقاطيق وغيرها، ثم تجاوزها إلى الشعر الحديث. أما شرب الأستاذ فريحة من أباريق مهشمة للبياتي ولو مرة؟ نحا شعراء اليوم نحو إليوت فابتلي الشعر بهذا التقليد الخائب. إنه كالعرق المثلث بالمقلوب فبدلًا من أن يجود فقد ضل صاحبه وغوى.
وتبع البياتي شباب حائرون ثائرون على القديم، فكتبوا شعرًا جاءت على نسقه أغاني: يا سيدي أمرك، أمرك يا سيدي.
وإذا كان لهؤلاء عذر لأن الناس قالوا: الشعر غناء، ولهذا قالوا: أنشد فلان قصيدة، فما هو عذر أولئك والناس لم يقولوا: الشعر ثرثرة؟
لقد أحسن الكاتبان فريحة وكنيدر في توجيه هذه الحملة العنيفة على المغنين ودور الإذاعات العربية، وترددت في مقالي الصحافيين الكبيرين كلمة «الذوق»، فقال فريحة عن هذه الأغاني الرخيصة: إنها كارثة تصيب العرب والنشء العربي في أرقى فضائل الإنسان، وهو الذوق.
وقال كنيدر في موضوعه الغناء الباكي: لقد أفسد المغنون أذواق الناس الذين ألفت آذانهم هذه الأغاني الباكية.
إن كلمة «ذوق» كثيرًا ما تجري على ألسنتنا ولا نشعر بها فنقول: هذا ليس من ذوقي، وفلان صاحب ذوق، وإذا رأينا غانية تنسجم مع كسوتها وزينتها قلنا: ما أذوقها!
وإذا سألت بائع «نوفوته» حاجة أشار إلى خزانات العرض وقال لك: استذوق، نقِّ على ذوقك، وإذا عبت صديقك بشيء رأيته نابيًا قال لك: هذا ذوقي يا سيدي! وإذا عجزت عن مدح فتى كلي الأناقة قلت: كله ذوق.
عندما ذهب المرحوم فرج الله بيضا ليغني في مصر لم يرق لهم نواحه، فقال له أحد أبناء البلد: أهلك ماتوا ببر الشام وجيت تبكي عليهم هنا.
أما اليوم فقد فاق البكاء النيل في فيضانه، وتكررت اللفظة الواحدة عشرات، وليس سبب ذلك قلة الذوق فقط، وإنما هناك داء قد أصاب فن الغناء والكتابة أيضًا، وإلا فكيف يقضي المغني الدقائق المعينة ويقبض المبلغ المرقوم؟ إن طريق الإبداع شاقة، ومواليد العبقرية نادرة جدًّا، ومتى كثر الاستهلاك ندرت الجودة.
يظهر أن الذوق لا يحدد ولا يعرف؛ ولذلك نذكره في حديثنا كلما أعيانا التحديد والوصف، ونتستر وراء قولنا: وهذا لا يخفى على صاحب الذوق السليم.
وعندما خطر لي أن أبحث هذا الموضوع تذكرت أول ما تذكرت أنني قرأت في صباي للأب لويس شيخو كلمات عن الذوق، فعدت أبحث عنها في كتابه «علم الأدب»، فإذا بالأب شيخو يحيلنا على ابن خلدون، ولكني لم أظفر عنده بما أريد، ثم تذكرت أنني عثرت أثناء بحثي آثار أحمد فارس الشدياق على مقال عنوانه «الذوق»، فهرعت إليه ووقعت على ما يأتي: الذوق في الكلام كالذوق في الطعام، ومنشأ كل منهما الألفة والعادة؛ فمن قلة الذوق المعنوي أنه لم يوضع له في لغة من اللغات لفظة خاصة به وبضده، وإنما يذكر أهل المعاني والبيان شيئًا من آثارهما — أي آثار الذوق المجازي والحقيقي — فيقولون مثلًا: هذه استعارة حسنة، وهذا تشبيه بديع، أو هذه استعارة مستهجنة، ولا يقولون: إن ذلك من الذوق وعدمه، مع أنه هو مدار ذلك، وليس لغيره مدخل فيه؛ لأن الشاعر الذي يرتكب ما يخل بالذوق ربما كان أعلم أهل زمانه باللغة وبكلام العرب، فإتيانه والحالة هذه بما يروق النقاد ناشئ من العلم والذوق.
هذا ما وجدت عند شيخ العربية في عصر النهضة، ولما كان ذلك لا يشفي رحت أطوف في كتب الفرنجة؛ لأنني أعتبر أن الذوق هو كل شيء في هذا الكون البديع، ومن حسن ذوق الله، سبحانه وتعالى، أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، والكائنات في أدق تنظيم، ووزع الفواكه على الفصول الأربعة ولم يكردسها في واحد. لا تستغرب ذكر الفواكه، ألسنا نتحدث عن الذوق، والفاكهاني الواثق من جودة ثماره يقول للسيدة: تفضلي ذوقيها. وها أنا أفعل مثله إذ أقدم للقارئ هذا الفصل الذي أزعجني في البحث عنه، وآمل ألا أزعجه فيقول: ما هذا الذوق؟
«لا بشم ولا بذوق.» بهذه العبارة واجه أحد المرضى الدكتور فانديك قاصدًا تعجيزه، فأخذ الحكيم يعرض عليه أطيب الثمار طعمًا وريحة، وبقي مصرًّا على أنه لا يشم ولا يذوق، فقال الدكتور فانديك: الآن عرفت مرضك. تعال عندي غدًا وأكون حضرت لك الدواء الشافي.
وراح الرجل وهو يضحك في عبه ظانًّا أنه خدع فانديك، وانصرف الحكيم إلى إعداد الدواء، وفي الغد كانت المعركة الفاصلة، فشم الرجل وذاق ما أعده له الدكتور من حبوب أخذ مادتها من الغرفة رقم ???، وهكذا كان الشفاء العجيب.
إن الذين شكا منهم الأستاذ سعيد فريحة يحتاجون إلى فانديك آخر يشفيهم من زكامهم، ويعلق لألسنتهم الكليلة كما يعلق الفلاح لمنجله وفاسه وساطوره. قد خدرت ألسن هؤلاء؛ ولهذا لا يتذوقون الفنون الجميلة تذوقًا كاملًا، مع أن تحديده عند علماء الغرب: هو الشعور بالجمال والمقاييس والأوزان وانسجام الأصوات، وكلما كان هذا الشعور حادًّا يكون الذوق مرهفًا صادقًا.
والذوق لا بد منه في جميع الفنون، حتى إن الطبيعة نفسها تنبثق منه، والناس لا بد لهم منه في كل شيء؛ فهو المدرب الحاذق في الأدب والنحت والتصوير وصياغة الحلي وتنجيد الأثاث، وفي البنيان وتنظيم الحدائق واختيار الزهور. وفي الآداب قد حددوا الذوق تحديدًا في منتهى الحسن: هو الحاسة المُعوَّل عليها في الأشياء الذهنية.
والذوق قابل للتنوع والتغير في كل شيء، وهو مبدع العادات والأزياء، لا ننس أن في الأدب عادات وأزياء؛ ففي العصور الأولى كانوا يؤثرون العبارة السريعة المتينة، والألفاظ الضخمة، بعكس اليوم.
هذا في العرَض، أما في الجوهر فالذوق لا يتغير، فهو هو في العصور الأولى وفي عصرنا الحاضر، أما الذي نسميه اليوم تجديدًا؛ فهو في العرض لا في الجوهر.
فالذوق لا يقوَّم بثمن الجمال وحده، بل يُعنى بالملاءمة أيضًا، فقد يكون الشيء جميلًا بحد ذاته، ولكن وجوده في غير موضعه لا يدلك عليه الذوق. والذوق ليس خاصة قائمة بذاتها، ولكنه تمازج الحساسية والعقل وانسجامهما.
قال فوفينارك: يجب أن تكون لك نفس لكي يكون لك ذوق؛ فللحساسية عمل مهم في هذا التكوين، لأن الذوق غالبًا ما يكون، ولا يُتعلَّم تعلمًا، فإذا شاهدنا منظرًا أو تمثالًا أو قرأنا كتابًا كان حكمنا عليه بحسب شعورنا وتأثرنا به فنقول: جميل أو غير جميل، وقد قال سيلي بريدوم: إنني أعرف الجميل بهذه المفاجأة اللذيذة الرصينة التي تملأ النفس.
إن هذا الشعور تتراوح شدته بالنسبة للنفس التي لا يحركها شيء، ولا تؤثر بها لا عبقرية ولا تفاهة، فلو عرضنا على رياضي قصيدة أبي نواس التي مطلعها: دع عنك لومي … لقال: ماذا يعني هذا! وأية مسألة حل؟ وهو في هذا يدلنا على أنه وإن كان عبقريًّا في الرياضيات فهو أقل من رجل عادي في تذوق الأدب.
وصاحب الذوق هو الذي يحسن تحكيم عقله في حساسيته، ولكي نكون ذوَّاقين لا يكفينا أن نحس فجأة ونمضي، ولكن المهم هو أن نبحث عن حقيقة الأسباب التي جعلتنا نستحسن أو نستقبح الشيء، والحساسية الكثيرة الانفعال قد تؤدي إلى خسارة الذوق؛ فالصرخة الحادة لا تؤدي نغمًا أصوليًّا، كما أن شدة الشعور لا تضمن ولا تكون مقياسًا للتمام.
ربما شعر الفنان بموضوعه شعورًا حادًّا، ولكنه إذا اندفع وراء حساسية ولم يتولَّ العقل إدارة سيارة خياله تدهورت وراكبها إلى قعر الوادي. فالعقل إذن هو الحارس الأمين للذوق في العمل الفني على اختلاف ضروبه، أما في الكتابة فهو الذي يحول دون قفز الكاتب وسقوطه.
فإذا اندفعنا مع ميولنا أو أخذت بألبابنا تفاصيل مشهد من مسرحية؛ فإننا نخسر بسهولة فائقة غاية الوصول إلى مجموع المؤلف، فتحت إشراف العقل يقود الذوق العمل فتلتئم أجزاؤه، وتسقط التفاصيل التي لا نفع منها، والحركة التي تشوش وتزعج. والعقل أيضًا يقدم لنا مساعدًا نافعًا للحساسية لكي نقدِّر الآثار الفنية ونُقوِّمها، وهو يمنعها من التحرك بلا وزن ولا قياس، فيؤشر لها على النقص والعيب في الجمال الذي بهرها. وبفضل العقل يتطهر الذوق وتنحل قيود تقديره الطائشة، ويصل إلى التفكير الصائب.
أما خواص الذوق الرئيسية فهي: سرعة التأثر، والانفعال، والإدراك، وسلامة الذوق، فمن كان ذوقه سريع التأثر والانفعال؛ فهو يحس فورًا بالجمال والقبح والسماجة، وبالتلاؤم والتنافر، ويميز المقابح، ويرى حتى الخفي منها في المحسوسات والذهنيات.
والذوق يدرك الفكرة والعاطفة والحركة الملائمة للموضوع أو الوضع، فيميز، مثلًا، إنشاء الجندي المخشوشن من إنشاء المخنث.
وصاحب الذوق الصادق يميز بوضوح وإشراق الجمال من القبح، والتنافر من الملاءمة والانسجام، وهو لا يستسلم إلى الانخداع بالظواهر، ولا يُغرُّ بالوهم فيقرظ أو ينتقد بغير استحقاق.
وصاحب الذوق الصادق صعبة مرضاته، وهو بطبعه مغالٍ ومتطلب، ولا يصدر استحسانه إلا عن رويَّة، فيعبر عن ذوقه فيما يعلنه ويمنحه من تقدير، وما يبديه من لوم وتونيب.
قال لافونتين: إن السريعي التأثر والانفعال هم تعساء؛ لأن لا شيء يحوز على رضاهم.
فسرعة الانفعال وصدق الذوق ليسا بخاصتين عموميتين، وقد قال لابروير: قليلون هم الناس الحائزون على روح مسلحة بذوق صادق ونقد صائب.
من المؤكد أن الذوق لا يسد مسد القريحة والعبقرية، فقد يكون لرجل ما أحسن ذوق لنقد أثر ما، ويبقى غير جدير ولا قادرًا على إخراج أثر فني مثله، ولكن الذوق يظل هو المعدل للقريحة ومرشدها، وقد سماه شاتوبريان: العقل المرشد للعبقرية، والعبقرية بلا ذوق هي الجنون المطبق.
إن هناك عقولًا ما زالت بخواتم ربها، وهي مع ذلك تحس الجمال عفوًا بدون موازين ومقاييس لأن ذوقها سليم، ولكن الذوق السليم يُنمَّى ويُهذَّب، فبالانتباه والتأمل وبذل الجهد تقدر أن تديره وتوجهه وتصغي إلى لطافته الغريزية الخالية من كل دنس، وتجعل حكمه صادقًا؛ فتربية الذوق لازمة لنا لكي تتفتح فينا براعم الخصائص التي اقتبلناها بذورًا، فكم من مرة نعلق على دبق الجمال المصطنع لأننا لم نتعلم كيف نبني حكمًا على أسس المقابلة والدرس! والذين لا يعلقون على هذا الدبق يستفيدون أيضًا من تثقيف ذوقهم؛ لأنه إذا كانت صرخات الألم البليغة أو الصور الشعرية الرائعة تقدر أن توقظ احترام النفوس غير المثقفة، فخواص الإنشاء العميقة الأقل وضوحًا تفوتهم، فيجب علينا إذن أن نُعنى في تكوين ذوقنا وتكييفه.
إن الكثيرين منا يتصورون أنهم لا يناقشون في ذوقهم، وأن لكل إنسان أن يتبع على هواه اتجاهاته الطبيعية، فكأني بهؤلاء لا يرون بوليس السير منتصبًا كالتمثال في الشارع ليهديهم سواء السبيل.
إن هذا ضلال أدبي؛ ففي الأدب وفي كل فن من الفنون هدف يدني من الكمال، والذي يشعر به ويحبه هو صاحب الذوق الكامل. أما الذي يشعر به ويجب أن ينحرف إلى هنا وهناك فهو صاحب الذوق المعيوب. أما كيف نكوِّن ذوقنا الفني، فهذا يكون في الملاحظة العميقة، والمطالعة الدائمة، والسماع والقياس. ومن الحصافة أن لا نلقي بخفة وطيش الآراء التي كرستها العصور، كما فعل طه حسين في الألف المقصورة والممدودة، وكما يفعل الشباب اليوم محاولين نبذ القواعد والأوزان ليتخلصوا من الصعوبات، وقد فاتهم أنهم يبلبلون ويخلقون مشقات للآتين بعدهم.
إن الاطلاع على الآثار القديمة يشحذ الذوق ويرهفه، والنقد الصائب الذي يبدي لنا المحاسن والعيوب يجعلنا نحكم على صاحب الأثر حكمًا جديرًا بالاحترام، سواء أكان معه أم عليه. ومن هذا القبيل حكم الأستاذ فريحة على الأغاني، وما مرشده في ذاك الطريق غير ذوقه السليم، ألم يحدد مونتسيكو الذوق بقوله في موسوعة ديدرو: هو مقدرتنا على أن نكتشف بسرعة فائقة مقدار اللذة التي تسببها الأشياء للناس!

أغاني الغابة


لموسى النقدي
في العراق اليوم ثورة فكرية عارمة تناهض كل قديم حتى الشعر، ولا عجب فالعراق كان بؤرة الثورات وعاصمة مملكة الأدب العربي في الأمس البعيد، فماشى فيها الشعر الحياة مع بشار وأبي نواس وشركاه، ومن سماء العراق طلع علينا مذنب هالي الأدبي — المتنبي — فخاض غمار الصحاري، ثم عاد إلى مستقره ليستريح تحت السماء التي أطلعته.
وفي الأمس القريب جدد الشعر فيه شباب قديمه، واليوم يقفز العراق قفزة رائعة فيطلع علينا منه شعراء متمردون يعنيهم أن يلجوا صميم قلب الحياة، وما كان أحلاهم لولا طفرتهم! ولعل وباء الغموض الذي يحتاج إلى منجم قد سرى إلى العراق من لبنان، الثغر المفتوح ولا محجر صحي فيه.
أمامي الآن ديوان أغاني الغابة لموسى النقدي، وهو شعر حر، وأنا أحب الحرية وأقدسها في كل موقف ما عدا الشعر؛ فالشعر موسيقى أولًا، والرنة الموسيقية بعيدة عن الشعر الحر، فليت أصحابنا الشباب يعتبرون بالريحاني وجبران، فكل هذه التصاوير التي يتعب في خلقها شعراء اليوم ستذوي وتيبس عند المساء؛ لأن موضوعها زائل والعنصر الفني فيها ضعيف. إنها صور شمسية سيأكلها العث إن طال عليها سالف الأمد. أما الشعر الموقع المحصور ضمن إطار الوزن فكالصورة الزيتية التي تجود كلما مرت القرون. هذا إذا كان الموزون شعرًا لا تعبئة أكياس تشحن إلى أقطار المسكونة. أجل، سوف لا يبقى إلا الفكر اللابس حلة الفن.
أما ديوان النقدي فإن خلا من الوزن المألوف فهو لم يعدم الإيقاع. حاول صاحبه أن يأتينا بجديد، فقال في «ذات العيون المقمرة»:
كالقُبَّرهذات العيون المقمرهكالقبرهفي الباب واقفة ونضحك للهواءوالثوب حقل من شعيروالأنف قنديل صغير. فإذا كان شعراء اليوم يؤمنون بالإيحاء، فأنا أحلف ألف يمين أن ثوب صاحبة النقدي لم يوحِ إلي بشيء، اللهم إلا حكاية نائب فرنسي مر على مزارعين فشاء أن يتنادر عليهم فقال لهم: ازرعوا، وغدًا نحن نأكل، فأجابه خبيث منهم: ولكننا نزرع شعيرًا.
إن هذه الصورة يا موسى لا ذوق فيها، وإني أخاف على هذا الحقل أن يرعاه أصحابه الذين هم أولى به. أما «والأنف قنديل صغير» فأرفع رتبة من حقل الشعير، ولكن ما زالت العيون مقمرة، فأي داع لتعليق هذا القنديل؟ وأما قصيدة الغابة ففيها شعر، وفيها فكر، وفيها ثورة، ولكن رائعة الديوان هي قصيدة «النخلة»، والنخلة بنت العراق وحبيبة قلبه، قال في مطلعها وختامها:
أنت يا عملاقة حبلى بكنز من عقيقخيمة تحلم بالفجر كما أحلم، في الليل العميقلك يا أيتها النخلة حب في فؤاديأنت يا حلم البواديشارة في صدر بلادي. أما موت كيوبيد، رحمه الله وأعاضنا بطول بقاء المحبين، فموضوعٌ عمَّ حتى خمَّ، وإن «أغفى كيوبيد كالمسيح، وكالطفل الذبيح مات ولم يملك من الأرض سوى علبة حب. هي قلب، أي قلب.»
أجل لم يطلب المسيح من الإنسان إلا قلبه، ولكن صاحبنا النقدي سلبه بدلًا من أن يعطيه، سلبه تشبيهه الموت باللص فقال: الموت في الليل كلص يدخل البيوت.
وفي آخر هذا الديوان الصغير يعود النقدي إلى القرية ليقول فيها قصيدة هذا أجمل ما فيها:
هو ذا مسجدها الراقد كالثور الصموتوهو يجتر قشور الأزمنة. وقى الله شعراءنا الطالعين شر اجترار القشور، وإني أبشرك بالخير يا موسى؛ فاضرب بعصاك بحور القريض ففيها الدرُّ لمن غاص.

من هنا وهناك


منهاج البكالوريا اللبنانية
أريد أن أفرغ من الرد على هذه الرسائل الجاثمة على مكتبي، فكلما نظرت إليها أحس كأنها كائنات تلومني ناعية علي قلة كياستي، فمن حق قارئنا علينا أن لا نهمل إلا ما لا يجوز نشره.إلى الآنسة عائدة

أنا أرثي لك ولكل طالبة وطالب أن الامتحان همٌّ وأي همٍّ، وخصوصًا إذا كان منهاجه مثل منهاج بكالوريتنا المضحك المبكي في وقت معًا. كان جدي حين تعييه شيطنتي ويذهب نصحه ضياعًا يقول لي: طلع على لساني شعر من الحكي وأنت كما أنت. ذنب الكلب حطوه في القالب عشرين سنة وظل أعوج.
وأنا، يا بنتي، حاربت هذا المنهاج منذ سنة ????، ولا أزال كل سنة أشن عليه الغارات، ويا بحر ما يهزك ريح، فالذين فبركوه أمنع من عقاب الجو، وما زلنا نحن ندور في فلكه منذ وجدت البكالوريا اللبنانية. وضع أول ما وضع متضمنًا كل شاردة وواردة، وعدل ثلاث مرات، وكانت المصيبة الأخيرة شرًّا من الأولى. كنا نتحمل دراسة تسعة وعشرين كاتبًا ونتأفف، ولما كان التعديل الأخير للبرنامج عاد المنهاج إلى مائة مؤلف وأكثر، فصحَّ فينا مثل الذي حملوه العنزة.
إن منهاج اليوم الذي تتذمرون منه أشبه بجهاز العروس في أيامنا القديمة.
كانوا يرسلونه بطريقة مضحكة، فيلم سينمائي ممتع: هذا يحمل صندوقًا فارغًا كتابوت العهد، ولكنه مرصع بالعاج، وآخر يحمل خزانة فاضية، وآخر مرآة، وتلك بقجة تحتوي على أشياء لا تنشر ولا يفضح سرها، وأخرى فسطانًا، وثالثة مكحلة وميلًا ومدلكة، ورابعة بابوجًا وقبقابًا إلخ.
ويمشي موكب الجهاز أربعين خمسين شخصًا، فيكون أوله في بيت العروس وآخره في بيت العريس، هكذا كان الجاه الكاذب وحب الظهور. ومثل هذا هو منهاج البكالوريا اللبنانية الحالي، يطلب من الطالب معرفة «نص» واحد من مائة شاعر وكاتب؛ ثم يسألون الطالب عند الامتحان عن كل شيء، وقد يسألونه عما ليس مطلوبًا منه كبشار مثلًا.
فمتى تنتهي هذه الزفة حتى نقعد ونرتاح من مشهد موكب جهاز العروس؟!
أما أدركت وزارة التربية أن منهاجنا معمول طبقًا لدفاتر معلومة، فلا بد من أن يأتي ذكر كل شاعر أو أديب له دفتر، وإلا فكيف تنفق تلك الروائع؟ لقد أدركت وزارة التربية ذلك، ولكن «الرَّصَد» لا يزال واقفًا بالباب، ومن يجرؤ على الدخول؟
إن «العنكبوت الأشقر» المعشش في زوايا وزارة التربية يجب أن يكنس، ثم يُنظر في المنهاج بعد التنظيف، وإلَّا فتعديل المنهاج — إذا عدل — لا يخرج عن الحصار المضروب حوله ممن يحسبون وزارة التربية بستان جدهم، وأنهم محتضنو الثقافة وحماة ذمارها، وأن شأنهم مع الميزانية شأن مثلنا اللبناني القائل: بقر الدير ورزق الدير.
إلى السيد ن. د

أنا أول من أشاد بذكر الشعر العامي ودرسه كأدب أصيل، وعاد إلى جذور تاريخه، ثم قسمه مدارس ونقده كالشعر الفصيح، وأنا الذي قلت مخاطبًا شعراء الفصحى: خذوا حذركم؛ فقد كاد الشعر العامي أن يأكلكم.
ارجِعْ إلى ما كتبتُ في مواضعه تجد أنني قد أعطيت الحق صاحبه، وقريبًا يظهر في كتاب خاص بهذا الشعر الأصيل، والذي تتجمع فيه خواص المجتمع اللبناني وتاريخه قديمًا وحديثًا.
إن خواص الشعر تنبع من ألفاظ بعينها، ولا يشترط في الشاعر أن يقول شعره بألفاظ مفروضة فرضًا. الشعر غناء وموسيقى وعاطفة، وكما قلت أنت: إن بالشعر ثرثرة وبلادة، وبالزجل ثرثرة وبلادة، وأنا أزيد على ما قلت: إن ثرثرة الشعر الفصيح أقبح جدًّا وأثقل من ثرثرة الزجل.
ولا أتعرض للجزء الأخير من رسالتك لئلا أُسِيء إلى الأديب الذي حاول أن يكون له ديوان كما حاول الأستاذ العقاد أن تكون له دواوين.
إلى قارئة

وصلني كتابك فقرأته ولم أخرم منه حرفًا لأنه قصير القامة غير عملاق، أظن أن نشره بعد الاستغناء عن الثناء لا يزعج أحدًا.
أستاذي، لقد قرأت على صفحات مجلة الصياد الغراء في العدد ??? بحثك في شعر نزار قباني فأعجبني، ولا غرو، أنه جزء من أبحاثك النقدية الشافعة.
ثم انتقلت في نهاية نقدك إلى شعر العراق فتعرضت إلى جزء منه، ومما استلفت انتباهي عدم إيمانك بالشعر الذي لا يتقيد بوزن، فلم أوافقك على رأيك، ولكني لا أستوقفك لأجادلك لجهلي أكثر هذا الشعر، ولكني أتجاسر فأسألك رأيك في شعر خليل حاوي.
وحبذا لو تفضلت وكتبت بحثًا في شعر خليل حاوي في عدد من أعداد الصياد، فتكون بذلك قد رويت غليل صدري وصدور رفيقاتي — يزيد عددهن على العشرين — الشغوفات بشعر خليل حاوي، بودلير الشرق.
ولك ألف شكر.
قارئة فلنبدأ بالرد من تحت؛ أي من آخر الكتاب: أنا أؤمن بشاعرية خليل حاوي وأُقدر فنه، وهو من أصحابي الجدد من الشباب الطالع، وأرجو منه خيرًا كثيرًا لشعرنا العربي؛ لأنه ذو قريحة تسهل له السير على طريق الفن، فلا يتعثر، ولا يخمع، ولا يظلع في الطرق القلقة المجاز. أما كتابة بحث عن شعره فلا يصح أن يبنى إلا على ديوان، فإن كان ظهر له ديوان فابعثي به إلي، وأكبر مسرة لي هي؛ أولًا: أن أقوم بواجب نحو شاعر يرجى منه الخير، وثانيًا: أن أروي غليل صدور النساء، ولا سيما إذا كان عددهن يزيد عن العشرين.
هذا هو الشق الأخير من رسالتك، أما الشق الآخر فقد قلت فيه: إنك لا توافقيني على رأيي بالشعر الذي لا يتقيد بوزن، وإنك لا تستوقفيني لتجادليني.
أنا وقفت يا آنسة لأجادل شخصًا غيرك بالنيابة عنك، فاسمعي يا قارئة يا فاهمة. اسمعي يا بنتي، يا قارئة، الله يرضى عليك:
يا دمشق، سلام أرق من صبا بردي ودمع لا يكفكف قد تقولين خرف الشيخ، فماذا يهذي؟
لا يا تقبريني، فعقلي لا يزال برأسي، وألف عاقل لا يديرونني.
أظنك عرفت أن البيت لشوقي وهو:
سلام من صبا بردي أرقودمع لا يكفكف يا دمشق فقابليه بالكلام غير الموزون وتأملي تأثيره في نفسك.
خذي بيتًا آخر من القصيدة عينها وقدِّمي منه كلمة ليصير:
وللحرية الحمراء بابيدق بكل يد مضرجة أرأيت كيف صار؟ كيف رأيت فعل الوزن بل فعل القافية؟ وأين اختفت تلك الاهتزازات التي تتغلغل في أعماق نفوسنا؟
اعذريني إذا اتخذت موقف المعلم، وقد أعجبت بقول الجاحظ منذ ألف ومائة وخمسين سنة ونيف، قال في مقدمة كتاب الحيوان: والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوِّل تقطع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه وصار كالكلام المنثور. والكلام المنثور المبتدأ على ذلك أحسن وأوقع من المنثور الذي حُوِّل عن موزون الشعر.
إن هذه المحاولات في الأدب ولدت ولا تزال تولد، ولكنها ماتت وتموت، سنَّتها سنة الحياة تمامًا. حاول كتاب القرن الرابع فأبدعوا النثر الفني، ولكنهم لم يتخلوا عن القافية فجعلوا كلامهم مسجوعًا موزونًا حتى صار للسجع وزن، فعاش شعرهم المنثور زمنًا طويلًا إلى أن لفظ أنفاسه في منتصف القرن الماضي.
وفي مطلع هذا القرن حمل إلينا أمين الريحاني شعره المنثور متأثرًا بهويتمن، فسر الناس زمنًا، ثم مات ذلك الشعر ولم يبق للريحاني غير حكمته وفلسفته وقومياته ورحلاته.
وكتب جبران شعره النثري المحكك فعاش زمنًا ومات، ولم يبق لجبران غير نبيه ويسوعه وآرائه الاجتماعية.
أقول: وهذا الشعر يموت إن عاجلًا أو آجلًا، ولا يبقى في الميدان إلا حديدان؛ لأن كل لغة يلائمها لون من ألوان الشعر، وهو منبثق من خصائصها، ولكل لغة خصائص.
حاول تيوفيل غوتيه، زعيم مدرسة الفن للفن، أن يقول شعرًا مقفَّى كشعرنا العربي فأضحَكَ، وحاول أن يفعل ذلك الشاعر الراعوي فرنسيس جيمس فما حالفه التوفيق، ونحن لا يحالفنا التوفيق إذا تخلينا عن خصائص لغتنا؛ فهذه محاولات لا يفلح أصحابها.
والدليل على حبوط مساعينا في تطوير الشعر أن هوميروس وامرأ القيس ما زالا في القمة، ونحن نعبدهما ونتضرع إليهما قارعين الصدور في هيكل ربة الشعر، سائلينها أن تجود علينا بكسرة من الفتات المتساقط عن مائدتهما الأزلية.
من يستطيع حفظ قصيدة من هذا الشعر المفكك الأوصال؟ فلماذا نترك الوزن والقافية بتاتًا؟ أليس موقفنا من هذه البنايات الشعرية كموقف رجل يبني قصرًا بلا هندسة، ومدينة بلا تخطيط؟
فرأيي، ولكل إنسان رأي، ولك أنت يا قارئة ألا تقريني على ما أزعم، أن هذه الطريقة التي يعتقدون أنها حديثة وطريفة قد ذبحت الشعر العربي ذبحًا. فيا ضيعة التعب في رصف هذا الشعر! فإلى القادرين على نظم الشعر الموزون المقفى أقول: في مكنتكم أن تُحمِّلوا الوزن والقافية ما تشاءون إذا كنتم موهوبين قريحةً، فيطيعكم الكلام وينقاد إليكم مجررًا أذياله. أما السنابل العجاف فلا تنبت إلا من أرض سبخة لا خواص فيها، ولولا هذا لكان كل الناس شعراء.
إن الفرق بين شاعر وشاعر لا يقل عن الفرق بين حبة الألماس وخرزة من زجاج.
قد كانت العرب تجعل من مولد الشاعر أكبر عيد، فهل يحسن الأُميُّون التمييز أكثر من المتعلمين والمثقفين؟
لا أنسى جواب الملك لذلك اللورد الذي استطال مدة مقابلة الشاعر، ودخل أخيرًا على صاحب الجلالة وفي وجهه عتب تتكلم به قسمات وجهه، فقال له الملك: أنا أستطيع خلق مائة لورد بشطحة قلم، ولكنني أنا وجميع جامعات العالم نعجز عن خلق شاعر واحد.
إن الذي يستطيع أن يزن الكلام لا يجوز أن يعطينا إياه بالشنبل والإردب والمد. إن ميزان الشعر أدق بكثير من ميزان الذهب، ولولا ذلك لم يقل الأخطل: الشعراء أسرق من الصاغة، تقبض الدينار ولا تدري أنه ناقص، ولكن الأذن الشعرية لا تقبل بيتًا ينقصه حرف، بل حركة.
فاتركوا الكيلة يا أصحابي، وإلى ميزان الذهب، وإذا لم تُوفَّقوا إلى ما يعجبكم ويعجب الناس؛ فاعلموا أنكم لستم بشعراء.إلى عفيف شرف الدين

وحياتك في غربتك، إني وإياك لمتفقان، ولكن موضوعك لا يبحث في هذه الديار، فإذا التقينا في فنزويلا حيث أنت فلعلنا نكتب ونشرح ونناقش.
خذ لك هذه النكتة فتكون سلتك طلعت غير فاضية: كان الحجاج في بعث ومعه جيش جرار، وكأنه سئم الركوب فنزل، وسار معه أعرابي لا يعرفه، وشاء الحجاج أن يسأل الأعرابي عن رأي الشعب في الوالي؛ أي الحجاج، فأجاب الأعرابي: الحجاج أحد شياطين الأرض، كافر ظالم فاسق شرَّاب دم، لا يلذ له إلا أن يلغ في دماء رعيته، يطير الرءوس كما نطير نحن الحمام.
وخوفًا من أن يتمادى الأعرابي أو أن يسمعه أحد من الجائين قال له الحجاج: إذن أنتم في جهد عظيم من ولايته.
فأجاب الأعرابي: أنه شرارة من جهنم لا ينجينا منه إلا عزرائيل.
وأقبلت الكتيبة اللاحقة فركب الحجاج ودرى الأعرابي من كان يحدث، فصاح وقد خاف على رأسه: يا حجاج، يا حجاج.
فالتفت الحجاج، فقال الرجل: السر الذي كان بيني وبينك أريده أن يبقى مكتومًا.
وأنا وأنت يا أخي عفيف سيظل سرنا مكتومًا الآن، قلت: الآن، لا كل أوان؛ فشرقنا مشمر يركض وراء حرية الفكر، ولا شك أنه واصل.

زيارة إيران


المتنبي وتفاح لبنان
استحق هذا الشاعر الأعظم شكر لبنان قبل أن أوجدنا وسام الاستحقاق بألف ومائة سنة، فهل نمنحه إياه بمناسبة زيارة فخامة الرئيس اللبناني لبلاد الشاهنشاه؟
وإذا كان أنشئ الوسام الزراعي، فهل نمنحه إياه أيضًا إذا كان ضرب؟ فهو أول من دعا لتفاحنا الطيب الجميل منذ أجيال، فذكره منوهًا به في أول قصيدة مدح بها عضد الدولة، شاهنشاه بلاد فارس، قال في معرض الغزل على عادة ذلك الزمان:
حيث التقى خدها وتفاحلبنان وثغري على حمياهاوقد رأيت الملوك قاطبةوسرت حتى رأيت مولاهاأبا شجاع بفارس عضد الدولةفناخسرو شهنشاها أرأيت كم تعذب ذلك المسكين حتى رصع بيته الأخير بأسماء الملك وألقابه؟ وكأنه شعر ببلادة البيت الأخير وتفاهته الشعرية فأتبعه بهذا البيت تبرئة لذمته الفنية:
أساميًا لم تزده معرفةوإنما لذة ذكرناها وإخال أبا الطيب لو كان في عصر الطائرات لحمل إلى شاه ذلك الزمان سلة من تفاح لبنان واستغنى عن الشعر بقوله: ما راءٍ كمن سمع.
لقد أصاب فخامة الرئيس عصفورين بحجر واحد، فحمل هدية التفاح النفيسة، والهدية واجبة على كل زائر، وقد أحسن اختيارها؛ لأنها جاءت دليلًا لا يفوقه دليل على محبة فخامته لزراعة بلاده.
وهناك هدية أخرى أطراها ابن الرومي مدحًا فقال:
للموز إحسان بلا ذنوبليس بمعمود ولا محسوبيكاد من موقعه المحبوبيدفعه البلع إلى القلوب فهاتان الهديتان تدلان على ذوق صاحب الفخامة، فأطرف الهدايا ما كان منقطع النظير مثل تفاحنا وموزنا.
دائرة المعارف الفرامية

ولم تقف طرافة هدايا رئيس البلاد عند هذا الحد، فأضاف إلى الهدايا الغذائية هدية تغذي العقل، فحمل هدية ثقافية هي موسوعة العالم العلَّامة والحبر البحر الفهَّامة الجهبذ الفذ فؤاد أفرام البستاني، رئيس الجامعة اللبنانية. ولا تستغرب هذه الهدية من العرب إلى العجم، فهي كتاب لم يعمل أحد مثله بعد، وقد تفردنا به في فجر عصر النهضة، ولا شك في أنه سيدهش الغرب والشرق بإطلالته الميمونة الطالع، وسوف تنقض علماء المسكونة على ترجمته إلى لغاتهم؛ لأنهم سيقعون فيه على عجائب غرائب لم يحلموا بها.
لا شك في أن الموسوعة الفرامية ستزيد في بناء صرح الثقافة العالمية مدماكًا دون المدماك الأساسي في قلعة بعلبك!
وبعد، أليست أجمل هدية يحملها رئيس جمهورية مسقط رأس الحرف هي هذا الكتاب الذي فيه أكثر من مليون حرف؟ وسوف يصير هذا المليون عشرات الملايين، فالحبل على الجرار ما دام في بنود الميزانية اللبنانية مغرز إبرة للفصد؛ فعلَّامتنا المفرد الأستاذ فؤاد يأتيه رزقه رغدًا، ولماذا لا يخرج من بحر ذهنه المتوقد دررًا يتيمة لم يحوِ مثلها مهراجا؟
تعويض تمثيل

جاءني واحد قرأ المرسوم التالي: أُعطِي رئيس الجامعة اللبنانية، الأستاذ فؤاد أفرام، تعويض تمثيل شهري قدره ??? ليرة لبنانية، فقال لي: هذه نهضة جميلة نتفرد بها، وقديمًا كنا نحن أول من عني بفن التمثيل، أما كان سميُّك مارون النقاش أول من مثل وألف المسرحيات؟
فمتُّ من الضحك، فقال متعجبًا: ما لك تضحك؟!
فقلت له: هذا تمثيل من فن آخر يا أخي، هذا تمثيل مسرحه صندوق الحكومة؛ أي أن يمثل لبنان رئيس جامعته تمثيلًا لائقًا بوطن الإشعاع، ويزيد على أمجادنا الحرفية التليدة مجدًا طريفًا … ثم من يدري إذا كانوا يفكرون بثياب تمثل جامعتنا وألقابها العلمية كالدكتوراه، مثلًا، التي يوقعها علامتنا الأستاذ فؤاد أفرام بعد أن«يدكتر» بمرسوم، وليس في لبنان أمر عسير، فقد يتصيد غير هذا من الألقاب فنهلل ونقول كل الصيد في جوف الفرا.
خطاب طهران

وأخيرًا، لا بد من كلمة حول خطاب صاحب الفخامة في جامعة طهران. كان العهد بفخامته أنه رجل قانون، ورجل سياسة ودهاء من الطراز الأول، ورجل عمران ومشاريع دشنها كلها جملة وتفاريق، فإذا به يطلع علينا في الخطاب الطهراني الجامع رجل أدب، رجلًا متضلعًا من تاريخ الأدب، وتاريخ الحكم في لبنان وفارس عبر العصور، فيحسن المقابلة بيننا وبين الفرس في ميادين الزمن. استعرب الفرس قبلنا وكان لهم السهم المعلى في تطوير الأدب وجمع شتات اللغة، حتى ابتهر ابن منظور على أبناء الشيخ يعرب بقوله حين دفع إلينا معجمه لسان العرب: خذوا لغتكم من أعجمي.
ثم جئنا نحن بعد مئات السنين وعملنا أشياء ذكرها فخامته، ولكن هل يسمح لنا الدكتور شمعون، وهو جدير جدًّا بهذا اللقب، هل يسمح لنا، أولًا، أن نرجو منه أن يوقع هو براءة الدكتوراه الفخرية إذا منحتها جامعتنا؟ قلت: «الفخرية» لأن الدكتوراه العملية ليست عندنا بعدُ، ومص القصب عقدة وعقدة.
وثانيًا: أن نعلق على خطابه الذي رفع به رأس لبنان عاليًا، ما كنا لنفتح فمنا لو لم يكن الخطاب أدبيًّا، ومن صميم الأدب. وهذا عملنا. لا أتعرض للتاريخ السياسي؛ لأن هذا ليس من عملي، فأنا درويش في السياسة.
قابل فخامة الدكتور شمعون بين آثار اللبنانيين الفكرية وآثار الفرس، فلم يوفق كثيرًا، وكيف يصاحبه التوفيق الكبير حين يجعل بحث المطالب قبالة «الكتاب» لسيبويه؟ «بحث المطالب» للمطران جرمانوس فرحات بحث يؤلف مثله كل من يحسن القراءة والكتابة. بماذا نقابل الكلمة المقولة في سيبويه: من شاء أن يؤلف في النحو بعد سيبويه فليستح؟
وبماذا نجاوب ذلك الفاضل الذي كان يسأل كل طالب يجيئه ليسمع منه: هل ركبت البحر؟ أي هل قرأت الكتاب لسيبويه؟
أليس من الابتهار أن نقابل تلة رمل بجبل صنين أو ضهر القضيب، ونقول: لنا هذا؟ فأي معجزة عمل المطران فرحات، صاحب بحث المطالب، أعمل غير معارضة ألفية ابن مالك نثرًا؟ ابن مالك أسلم النحو العربي على يده، والمطران نصَّره، وإذا كان لابن مالك عذر؛ وهو أن النحو استلهم من الكتاب الكريم وطبِّق عليه، فالمطران لا عذر له؛ لأن أمثاله الإنجيلية التي حشا بها بحث مطالبه معربة. وهكذا لعبت الطائفية دورها في علومنا اللسانية والكلامية، وظلت تسوقنا بعصاها حتى هذه الساعة. وقبل وبعد، فالمطران نثر منظوم ابن مالك، ونقل شرح ابن عقيل إلى لغة ركيكة.
أذكر، ولا أنسى، أستاذًا لنا أنه قال حين بلغ هذا الشطر من قول ابن مالك: وما لنا إلا اتباع أحمدا. اكتبوا، يا أولادي، امحوا «أحمدا» أولًا، وضعوا محلها «ذي الفدا»؛ أي المسيح. وهكذا مسخ الشعر فصار: وما لنا إلا اتباع ذي الفدا.
كان الحق أن يقول الرئيس اللبناني للشاه الإيراني: لكم «الكتاب» كتاب سيبويه، ولنا كتاب الشرتوني الذي جدد في علم النحو حين بوبه وسهله، وجاء بالأمثال التي تلائم روح العصر وتماشي الزمان، فكان لنا أول علم نحو حديث، ولكننا في لبنان ننسى دائمًا أو نتناسى من ليس له من ينوِّه به؛ ولهذا تناسى لبنان عالمين كبيرين من أيمة نهضتنا نهضته سعيدًا الشرتوني وأخاه رشيدًا.
وإذا أردنا وضع النقاط على الحروف تساءلنا: عمن أخذ سيبويه «كتابه» العظيم؟ فالتاريخ يجيبنا: عن الخليل بن أحمد العربي اليعربي، وسيبويه الذي معناه رائحة التفاح يفوح شذا اعترافه بفضل معلمه؛ إذ يقول في «الكتاب» عند كل فتوى نحوية: وسألته — أي سأل الخليل — فأجاب كذلك، ونعود إلى مطراننا الجليل، ذلك المجاهد الكبير في ميادين الثقافة، لقد عشق العربية أيما عشق حتى أبحر، في ذلك الزمان، زمان مراكب الخشب والخيش، واضعًا روحه على كفه، راجيًا أن يبلغ الأندلس ليقف على آثار قومنا العرب وقوف غيلان في ربع مية.
نعود لنستغفر الله لأننا حملنا على كتاب مطراننا؛ فهو من لانت له العربية التي قيل فيها: أبَتِ العربية أن تتنصرا، فالمطران جرمانوس فرحات، أسقف مدينة حلب الشهباء، هو الذي أدخل اللسان المبين إلى البيعة، وأحله من عن يمين مذبح البخور، فترجم وألف. وهنا عمله الرائع، فهو أول من ألف دائرة ثقافية للترجمة والإحياء والتصحيح، فكان من أعضائها التولاوي، والباني ملافنة الموارنة في ذلك الزمان. هذا هو عمله الثقافي الأكبر لا بحث المطالب.
والذي قلناه بمعرض الكلام عن بحث المطالب نقول مثله في مقامات ناصيف اليازجي المقلد للحريري والهمذاني، والمقصر عنهما تقصيرًا كبيرًا.
وجاء في خطاب فخامة الرئيس: لكم إقرار أسلوب النثر العربي، ولنا بعث هذا الأسلوب بقلم إبراهيم اليازجي وسليمان البستاني، كما قال قبل هذا: فالمحيط لكم ومحيط المحيط لنا. ترى ماذا نكون فعلنا إذا كنا نقلنا المحيط بعفشه ونفشه، وما زدنا عليه إلا طمطمانيات؟
أما كان الأحرى بفخامته، حفظه الله، أن يذكر «الجاسوس على القاموس» في هذا السياق؟ وما الجاسوس على القاموس إلا نقد ظاهره نقد «القاموس المحيط»، وباطنه نقد محيط المحيط الذي «كرس» أخطاء كتاب الفيروزآبادي، مطبعية وغير مطبعية، ناهيك أنه مبدع «سر الليال» وكفى.
ثم أية قرابة بين أسلوب اليازجي الابن وسليمان البستاني، وبين أسلوب ابن المقفع؟ إن هذين الكاتبين جاءا متأخرين، بينما صاحب الجاسوس على القاموس أحمد فارس الشدياق هو ركن النهضة وأبوها، وهو الذي ثار على السجع ورد الكُتَّاب إلى الأسلوب الهين اللين الذي لا تكلف فيه.
وما كان أنصف البستانيين الأحفاد حين تناسوا خصومة الشدياق لعميدهم المعلم بطرس العظيم، وسجلوا في دائرة المعارف هذا الاعتراف النبيل: «نهج الشدياق في كتابته نهجًا جديدًا جمع فيه بين متانة العبارة ورقة الإنشاء، ولولا مجونه وتصلبه في تعزيز الوجهة التي يوجه إليها قلمه، لقلنا: إنه الإمام الذي يرجع إليه، والمثال الذي لا يعول إلا عليه.» فهل يؤيد الآخر قول الأولين أم يظل جزويتيًّا وعدوًّا للشدياق رقم صفر؟
فليت فخامة الرئيس الدكتور لم يغفل عن ذكر الشدياق، وهو لو فعل لكان وضع بإزاء تلك القمم قمة لبنانية، وشبه جبلًا بجبال، فيكون لنا في الأدب كما في الجغرافية ليبان وأنتيليبان.
إني لأرجو ألا يغيظ فخامة الرئيس هذا التعليق الأدبي، فلولا القول: كلام الرئيس رئيس الكلام، لما كنا حركنا ساكنًا، ففخامته شرفنا في العواصم بتمثيله الرفيع لنا، وحسب لبنان أن يكون له رئيس لا يضارع كياسة وأدبًا، ونشاطًا عمرانيًّا. والدليل على هذا النشاط انتقاله، على الفور، من شِعْب بوان إلى إقليم الخروب ليدشن مشروعًا حيويًّا!
دامت له هذه الهمة، وأبقى له الله رداء الشباب.

البرعم الأشقر


للدكتور عارف قياسة
ديوان شعر صغير للدكتور عارف قياسة، وفيه وثبات تبشِّر أن ذكر الدكتور سينبه في عالم الشعر؛ ففي برعمه الأشقر مفتوق الصبح الأشقر الذي لاح لابن أبي ربيعة منذ قرون، وقد أدرك الدكتور الشاعر ما عنده فهتف:
لنا الشعر، والرنة الصافيةوللناس ألهية فانيهلنا القمم الزرق عند الغمامووشوشة النسمة الساريهورف جناح وهدأة صحووتمتمة من فم الساقيه الدكتور قياسة كلاسيكي في تفكيره وتعبيره، وديوانه نشيد حب صارخ وإن قال لنا:
قالوا كبرت والهوى مبكرألم تزل في حسنها تفكر؟ ولكن لي اعتراضًا على قوله في القصيدة التي تلي هذه القصيدة:
دعيني لا تلوميني دعينيأنا مخلوق من ماء وطين فأين هذه من صرخة بشار بن برد حين سأل صاحبته عبدة أن تنفس عنه، وأنه من لحم ودم؟ ثم ألا يرى أنه كان أحرى به أن يقول: أنا المخلوق من ماء وطين؛ ليسلم بيته من العيب؟
وإذا جلنا في ديوانه جولة سريعة نرى شعره الراقص يماشينا أو يسيرنا على موسيقاه العجول، وقد أحسن حين خاطب نفسه في قصيدة «ولم تقنعي»:
وكم شمعة أطفأتها الرياحولم تهزم الليل أو تدفع! وخير من هذا ما يوجهه إلى ذلك الحبيب المقطب المنكمش على ذاته فيقول له:
وبح بما في الروض من خضرةفموجع أن لا يبوح الزهر وقصيدة الحالمة جميلة لولا قوله:
شفاهها تفتر عن قبلةأراقها الوهم على فيها فهذه الشفاهها أكثر مما يلزم، ومثله في القصيدة عينها تشبيه جفنها بالصفصافة، وخدها بالرابية.
وإذا ما بلغنا قصيدة «الإناء المكسور» لسيلي بريدوم، وجدنا أن الدكتور هبط إلى مستوى النثر، فذكرنا بقول الجاحظ: الشعر لا يترجم ولا يجوز عليه النقل. أما ختام قصيدة «الفراشة المرهقة» فلعل معناه مستلهم من مهنة الشاعر:
جرحني النور بأنيابهفي الظل للمجروح طيب العزاء نعم الفيء للجريح خير من الهاجرة، ولكن استعارة الأنياب للنور ضخمة جدًّا. ويخاطب الدكتور الشاعر ميسه فيقول له: عروس أحلامك ها أقبلت، ترى أفما أحس مثلي أن ها نابية هنا؟
وفي قصيدة «قالت وقلت» نتذكر قصيدة ماترلنك، فهي لا تقل عنها حسن جواب، ولولا ضيق المقام لنقلتها لك، ولكني لا أستأثر بها، بل أنقل لك منها مقطعًا:
قالت: إذا جاء الشتاء غدًاوانثلج كفَّن شامخ القمموتفجرت في الأفق عاصفةمجنونة مجروحة النغممَن يطلع الأقمار في الظلمويفتح الأزهار في الحلم؟قلت: اضحكي لليل وابتسمي
وكذلك قصيدة «الإنسان»، فهي من طراز قصيدة «أخي» لميخائيل نعيمة، ولكن مقاطعها لا تختتم كتلك بعبارة واحدة، وإن ابتدأت مثلها بكلمة «أخي».
وأخيرًا نقول بأن الدكتور قياسة شاعر لا تنقصه الثقافة، وإنما تنقصه الجرأة ليترك العادة، وهي كهف التقليد، ويعتصم بحصن الإرادة لينقاد له التجديد.

وجد


لرزوق فرج رزوق
أرى يا صاحبي ألا تنحرف صوب معسكر البياتي مقلدًا إليوت، فقد لمحت هذا الاتجاه القليل الآن، إني أقول: إذا كانت تلك الثرثرة مع إليوت ذات معنى؛ فقد صارت مع البياتي بلا معنى، ويكون حظ شعرنا دائمًا هذا التقليد. فيا ألف صلاة وسلام على الشعر الرمزي، إنهم عندنا لم يشوهوه كما شوَّه البياتي شعر إليوت.
لم أكن أعرفك يا رزوق حين سمعت شعرك ونوهت بك، لم أنس ساعة عرفتني بنفسك على درج الجامعة الأمريكية وقلت: إنك لا تزال طالبًا، فما ندمت لأني فضلتك على غيرك من شعراء إذاعة الشرق الأدنى، فأنا يعنيني الشعر الجيد لا قائله. أما الخطة التي رأيتك تتبعها، اليوم، في ديوانك «وجد» فهي لا تؤدي بك إلى حيث أتمنى، أتريد أن أشبه لك هذا الشعر؟ لا تزعل ولا تحرد؛ إنه لأشبه بالكوسا والقرنبيط المسلوقين، يعبِّي الكرش ولا يغذي؛ فبحياتك يا صديقي رزوق اسمع مني ودع هذا النمط.
أجل، أنت لم تبلغ بعد تكرار البياتي الممل، ولا قذارة صوره، ولكني أخاف عليك من التمادي، إن نظم البياتي للأمثال والكلام المأثور لأشبه بما نظمه الشيخ إبراهيم الأحدب، لقد ابتعد البياتي كثيرًا عن الشعر بهذا التكرار الذي يشبه، نوعًا، قول المعنى في الزجل اللبناني إذ يكرر القوَّال في أول البيت ما قاله في آخر البيت السابق، ما قولك في هذا؟ أتدلني أين الشعر فيه:
وصياح ديك فر من قفص، وقديس صغير«ما حك جلدك مثل ظفرك» و«الطريق إلى الجحيممن جنة الفردوس أقرب» والذبابوالحاصدون المتعبونزرعوا ولم نأكلونزرع صاغرين، فيأكلون. •••

وبنادق سود، ومحراث، ونارتخبو، وحداد يراود جفنه الدامي النعاسأبدًا على أشكالها تقع الطيور وفي قصيدة أخرى يقول:
بالأمس كنا — آه من كنا، ومن أمس يكوننعدو وراء ظلالنا … كنا ومن أمس يكون! وفي ثالثة يقول:
من لا مكانلا وجه لا تاريخ لي من لا مكانتحت السماء وفي عويل الريح أسمعها تناديني تعاللا وجه لا تاريخ أسمعها تناديني تعالسأكون، لا جدوى، سأبقى دائمًا من لا مكانوعلى الجدارضوء النهار. ثم قوله:
والسم والأكفان للمتعطلينوكنت أتقن لعبة الداماوتزييف النقودوكنت مخلوقًا تعيس. إلخ، وبمناسبة هذا التكرار الذي قرأته في قصيدتك «الرحيل» حيث تقول:
في الليل، في الليل الطويلليل الرحيلأنا لن أنام. تحضرني نكتة للشيخ رشيد الخازن: جاءه مغنٍّ في سهرة وقعد ينقر العود ويغني مكررًا: ما كنت أنام ما كنت أنام، وظل على ذلك حينًا، فضاق صدر الشيخ وقال له: بتنام وإلا عمرك ما تنام، أنا طالع نام.
إن تكرارك، يا أخي رزوق، لم يبلغ من القبح ما بلغه البياتي. لعل البياتي يظن أنه يغني «البيات» فيكرر ويكرر، وأما أنت فلا تزال في أول الطريق، فنصف الدرب ولا كلها. إن ديباجتك لا تزال براقة جميلة، وشعرك طريف، وليس عندي لك غير ما قلت؛ فقف عند هذا الحد ولا تخطُ خطوة.
انظم يا رزوق من مثل «الأيام الميتة»، وهات كقصيدة «قربي» و«صوت الربيع» التي تهتف في ختامها:
الربيع الوريق جوي الأريجيولكن أين الجناح الرقيق ودعك من مثل «الماضي الجميل» وقولك فيها:
ظلت تقول: غدًا يعودظلت … وظلت موجة زرقاء تهتف من بعيد: لا لن يعود. إن تكرارك جميل في «مرحبًا» و«مش قليل»، كما أنك في قصائد «وجد» لم تزل تتبع تداعي الأفكار، ولم تطفر كما طفر البياتي فأشبه شعره في «أباريق مهشمة» هذيان المحمومين. البياتي شاعر فذ مطبوع، ولكن حبه التجديد أضاع صوابه، وإلا فأي تجديد في تضمينه الأمثال وحكم شعر القدماء في شعره؟
إن ديباجتك، يا رزوق، لم تتخلَّ عنك في هذه الرحلة الفنية القصيرة، وهي، حتى الآن، ما زالت إياها، ولكنني أخاف عليك إذا تهورت. أليس الأجدر بشاب مثلك أن يشق طريقه بيديه ولا يسير على طريق عبَّده سواه؟ إذا كانت الطريق المعبَّدة أمانًا وسلامًا في الحياة، فهي الخطر كل الخطر في الفن، فتحاشاها؛ فمن الخير لك ولكل أديب أن تبني كوخًا من طراز جديد ولا تقلد قصرًا.

بوح


لإدفيك شيبوب
فلنصفِّ حسابنا أولًا، فالحساب الجيد، كما يقول الفرنج، يخلق الصحاب الجيدين. أنا معجب بقطع نثركِ الشعرية المجموعة تحت عنوان «بوح»، ولكن هذا العنوان لم يعجبني، وسأقول لماذا، كما أن العنوان الثاني «قصائد وأهازيج» ليس في محله، فالقصيد لا يكون هكذا، فلا بد له من وزن، وكذلك الهزج فلا يستغني أبدًا عن التقطيع، وهل سمعت بموسيقى بدون سلم؟ وبمناسبة ذكر السلَّم قد تقولين: ولماذا أنت حامل السلَّم بالعرض؟ فغيرك سلَّم بأن هذا شعر، لا بل شعر لم تقل العرب مثله! أما قرأت المقدمة؟
وأنا أقول لك: إنني قلت من زمن بعيد: إن شعرنا صريع الأوزان وقتيل القوافي، ولكن هذا لا يعني أنني من دعاة الشعر المنثور الذي شبهه أحد نقاد الفرنجة بالوطواط، وتمثل بما قاله لافونتين على لسان هذا الحيوان: أنا طير وهذان جناحاي، أنا فأرة فلتحيَ الجرذان!
إن هذه الظاهرة، في جو أدبنا العربي، ليست بدعة جديدة، قصر كتاب القرن الرابع في ميدان الشعر فجاءوا بالنثر الفني، وكان السجع المنظم المبني على التوازن والانسجام وانتقاء الألفاظ، فكان لهم ذلك النثر الفني، ثم أفسده التقليد فانحط في آخر العمر إلى أسفل الدركات، وانتهى أخيرًا غير مأسوف على شيخوخته غير الصالحة.
وجاء الريحاني حاملًا إلى الشرق مقاييس هويتمن تحت إبطه، فقال شعرًا منثورًا لأنه، على نبوغه، كان غير مطبوع على قول الشعر الموزون، ومع ذلك إذا قرأنا شعره المنثور الذي لم يسمه «قصائد وأهازيج» نحس الموسيقى تضج فيه كما يضج نثرك بالعاطفة المتقدة، وأخيرًا كان جبران في دمعة وابتسامة، وكان خيال جبران ذا جناحين عجيبي الألوان كأنهما ذنب الطاووس أو قوس قزح، ثم كان التقليد هادم اللذات. ذلك التقليد الذي رافق شعرنا منذ كان، فقامت مدارس على أنقاض أخرى، وأخيرًا منذ ربع قرن تطاول لبنان إلى الغرب فطور الشعر العربي، وكان لنا شعر بودليري ساماني فاليري، ولكن المقلِّد «بكسر اللام» لا يكون إلا دون المقلَّد «بفتح اللام»، ألا تسمعين بتقليد الأوراق النقدية؟ فلا بد من ظهور الزيف منهما مهما حاول الصانع محاكاتها.
ولم يقف العراق مكتوف اليدين فخلق لنا شعرًا من طراز إليوتي بشع التقليد، فحفل ديوان البياتي بالكثير من مخلفات الجيش حتى تقززنا من تخيله ذاك، وإن لم يعدم من يحلله ويفسره ليستر قبح منظره كما تستر الجثة بالزهور، ثم حاول غيره أن يسير على تلك الطريق فسرنا من تقليد إلى تقليد.
أما إذا شئت أن أقول: إن كتاب بوح «نشيد أناشيد» فلتكن مشيئتك، غير أني أخشى أن أعدَّكِ مقلدة، وأنت لم يعد يرضيك قول بعدما سمعت من تقريظ عنيف، أصدَّقت أن العرب لم يحبوا، ولم يكن منهم مجانين حب ولا دواوين غزل قبل أن تكوني؟ لا تصدقي ما قال صاحبنا سعيد، أبو المقدمات البراقة، فهو حين عيَّن «إطلالة الثلث الثاني من القرن العشرين» موعدًا لبدء الغزل حقًّا تحت شق القلم العربي لا يعني إلا نفسه، كما عودنا في كل موقف يقفه بباب الكتب الحديثة.
قاتل الله الماكياج؛ فإنه يغير الملامح حتى إذا نمنا وطلع الضوء أنكرنا أنفسنا.
فلو لم يحب العرب لما كانوا، ولولا الحب والشوق لما كان الكون كله، فسفر تكوين سنكنيتن بني على الشوق، والشوق زبدة الحب، وحب بلا شوق طعمه كالرماد.
إن نثرك الشعري يُقرأ بلذة ولهفة، ومنه سوف تعرف الأجيال حكاية قلب معذب بالحب. لقد أطلعتنا — ولا أقول بحت لنا — على ما في زواياه من خبايا، فخالفت بذلك رأي الشاعر الصوفي — السهروردي — القائل في المحبين:
بالسر إن باحوا تباح دماؤهموكذا دماء البائحين تباح مسكين ذاك الشاعر الفيلسوف! تكتم كثيرًا ولكن أخيرًا أبيح دمه.
وبعد، فحسب إدفيك أنها لا تعبد شمسًا ولا قمرًا، وكأنها أدركت بذوقها الفني الرفيع أن القمر جرم هامد لا يلائم عاطفتها المشبوبة، وكذلك الشمس التي اكتفى طرفة بردائها فألقاه على وجه حبيبته. إن الشمس محرقة تذكرنا بأغنية «لهاليبو»؛ ولذلك لم ترفع إدفيك نظرها إلى الأبراج السماوية وإن كانت تنشد الدفء، فعشنا معها على الأرض، ونجونا من الحريق، وظلت الإطفائية في قواعدها. لقد حكمت لنثر إدفيك الشعري حين سمعته في مؤتمر أدباء العرب أنها جبرانية من طعم آخر، فكلاهما يلتقيان في أسلوب شعراء التوراة، ويفترقان في الصور والألوان، فجبران لا يُجارى في هذا.
ورأيت أن النفس الشعري يتوارى حين تقص كما في قطعة «قدرة» التي تروي فيها حكاية زواجها، ولكنه يرتفع في «بحار» و«رفيق الغدوة» وغيرها.
تقرأ بوح فتحس طعم الشعر الفرنجي مترجمًا، وتخال أنك تقرأ شيئًا من طاغور لولا روحانية هذا وجسدانية إدفيك. إني أقدر هذا النثر الشعري الأنيق، فصاحبة بوح تكتفي تارة بذكرياتها كما في «غموض»، وطورًا في أملها المتردد كما في «ظلال»، أما مقطوعة «سويداء» فجيدة وفيها تصميم.
وقد لمحت في مجموعتها تسلسلًا تصف فيه حالات نفسها بكل صدق وإخلاص، فبينا نراها تعلل نفسها بأمل، أملها بابنها المذكر بأبيه، إذا بها تعود، كما تكون حالة كل إنسان، فتصرخ في «رفة قلب»: أجبانة أنا إذن؟ لا، وما أحسبني جبانة، وإنما أحب الخطى الواثقة، وفي قلبي بعد، حنية دافئة، فيها بقية حب …
وكما خافت مدام دي نواي من ضياع جمالها حين رأت بنتها تنمو وتنضج، كذلك خافت أفروديت — إدفيك — فقالت في «مع جدتي»: وعندما يجف ماء الشباب في جسدي، ويصبح هذا الجسد حطبة يابسة، هل تبعث فيه الذكريات — ذكريات الحب — تلك الخلجات الحلوة؟
لا تسألي جدتك، اسأليني أنا. الجواب عند جدك؛ وهو: نعم يا سيدتي، إن تلك الخلجات لا تفارقنا حتى على سرر الآلام، لا تقف إلا عندما تبتدئ الحشرجة — الشخرورة — ولذلك قالوا، النفس خضرا؛ فلا تخافي.
وفي «شجن»، وهي عندي من روائع النثر الشعري، تبوح بخوفها من الغد، وما أرهب غدنا نحن الأرامل … فتقول لابنها في ختامها: غدًا يوم تكبر يا ابني، لمَنْ قلبُك تُرى سيكون؟
لو كان القارئ غيري لحمل مقاييس فرويد وراح يفصل على هواه، أما أنا فلا أستعمل غير مقاييسنا المعلومة؛ ولهذا أقول لها: إنه بحث شائك يا إدفيك، فلا توقظي الفتنة منذ الآن، وكوني في الغد حماة حكيمة لتستريحي.
وأخيرًا: الطبع وإخراج الرسوم أنيقان جدًّا، ولا عيب في هذا الإنشاء الرفيع إلا كلمات عامية لا تلائم المكان الذي حشرت فيه، مثل: مشاويرنا، وجلالينا، والتي أنا، ورموش، وبباطح، ويفيق — بتشديد الياء — وفرفطت، وعنوة — بضم العين وهي بالفتح — وتناتشا، والمدنة، ومفرفحة، وتوشوش اسمك، ولا تنوجع لي، فهي في هذا أخت الأديبة ثريا ملحس والشاعر توفيق صايغ.
إن اللفظة العامية لها محل غير هذا المحل، والشرط فيها أن تكون فصيحة، أما هنا فهي تشين ولا تزين، ومثلها قال وقلت، وتقول حين تؤخر، فإذا كانت قبيحة فالتأخير يزيدها قبحًا.

السيد جمال الدين الأفغاني


لا بد للأمة من رجل متمرد يستيقظ في غفوتها، ورجل الإسلام والمشرق الواعي أبدًا كان السيد جمال الدين الأفغاني؛ فأيقظ القرن التاسع عشر بعد هجوده.
لم يكتب هذا الرجل كتابًا، ولكن شخصه كان أضخم كتاب في النهضة الحديثة. كان كتاب الشرق الحي؛ فخلق رجالًا وأيقظ أُممًا كانت غافية تملأ الفضاء شخيرًا ونخيرًا.
لم أعرف له تأليفًا إلا رسالته في الرد على الدهريين، نشرها فرح أنطوان بعد موته في مجلته الجامعة وعلق عليها، ولكني عرفت أنه خلق في الأقطار التي وطئتها رجلاه مبادئ لم تمت. كانت المعرفة الكبرى والجرأة العظمى في جراب هذا الدرويش الأكبر.
كأنما هو في حل ومرتحلموكل بفضاء الله «يزرعه» كان السيد من طراز الفلاسفة الرواقيين، كان الأستاذ الأعظم في عصره، وكان أستاذ مدرسة عظمى لا جدران لها ولا سقف، فأخرجت رجالًا كانوا قنابل ذرية مهدت السبيل للذرية. كان يتكلم كمن له سلطان؛ وأي سلطان أعظم من سلطان الحق الذي تجند الأفغاني لنصرته؟
يقول المثل: صاحب الحق سلطان، ولكن جمال الدين أرهب الملوك والسلاطين وهو لا يملك من حطام الدنيا غير لسانه وجنانه. قاوم بهما الظلم والاستبداد، فتماسكت التيجان حين زعزع هذا الإعصار العروش، ولكنها لم تثبت إلا إلى حين.
كنا في عهد السلطان عبد الحميد نقول هكذا قبل أن نذكر اسمه: خاقان البرين وسلطان البحرين، ظل الله على الأرض، ولي نعمتنا بلا امتنان، السلطان ابن السلطان، السلطان عبد الحميد خان. أما الأفغاني فما رأى فيه ظلًّا لله، ولا ولي نعمة، رأى فيه عارضًا مستقبلًا الشرق يريد أن يحجب نور الحق، وهو خليفة المسلمين وأمير المؤمنين.
ولما دعاه عبد الحميد إلى حضرته، لم يتقيد بمراسم ولا تشريفات، بل جلس في الحضرة الهمايونية يلعب في مسبحته، يُسأل فيجيب، ويناقش فيدلي بالبرهان والحجة. ولما خرج من حضرة الذات الشاهانية قال له مدير المابين: هكذا تلعب في مسبحتك وأنت بين يدي مولانا السلطان؟ فأجابه السيد: مولاك السلطان يلعب بثلاثة وثلاثين مليونًا من نفوس شعبه؛ أفلا يحق لي أنا أن ألعب بثلاث وثلاثين حبة من الزجاج؟
جاء مصر فشاع صيته، وانضم إلى حلقته ذوو النفوس النيرة، فجمعها كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها. وجاءه وفد من كبار طلاب الأزهر ليسمعوا كلامه ويناقشوه، وكانت تنام حدَّه هرة، فأخذ يمر يده على ظهرها فتقنطر وتشيل بذنبها، فالتفت إلى أولئك المشايخ الصغار وقال لهم: أرأيتم هذه الهرة؟ إنها صورة عن مشايخكم يا أبنائي. إن هذه المبادئ تجسدت في حواريه الإمام محمد عبده الذي قال وهو على فراش الموت:
ولست أبالي أن يقال محمدأبلَّ أم اكتظَّت عليك المآتمولكن دينًا قد أردت صلاحهأحاذر أن تقضي عليه العمائم فإذا شبهنا الأفغاني بسقراط، كان محمد عبده تلميذه الذي جسد تعاليمه كلمات، وحاول جهده أن يزيل العناكب التي أخفت العرق المتين في الذهب الوهاج.
قال علامتنا الفذ الشيخ عبد الله العلايلي في الكلمة التي افتتح بها حفلة ذكراه: ومجد الرجل — أي الأفغاني — أنه عرف الطريق، ووضع صُوى الدرب. وجد مجتمعًا تنهب رأسه الخرافة لتضعه تحت كابوسها، ووجد مستعمرًا يمد في حياة الخرافة ليضمن دومًا استسلام قطيع الخراف … وكانت براعته أنه وجَّه الضربة في أول الأمر إلى الرأس: ضرب يد المستعمر فتهاوت هنالك السدود. كان لنا هذا الطوفان.
أجل يا إمامنا الجليل، كان الطوفان، كما روت التوراة، لتطهير الجنس البشري من أدرانه، وليس طوفان الأفغاني بأقل منه شأنًا. إن بحر الفكر لا ساحل له. كان الرجل طوفانًا وسفينة وربانًا في وقت معًا، وهكذا يكون الرجل الرجل.
إن «الكوكب الغربي» في لغة أبي تمام، ومذنب هالي في لغة علم الهيئة يظهر في نظامنا الشمسي كل ثمانين عامًا فيروع الناس، ولكنهم يعودون بعد اختفائه إلى ما كانوا عليه من لهو وعبث.
فمن لنا بمذنب جديد، وقد قربت الساعة، يظهر في سماء هذا المجتمع فيلمسه برأس ذنبه، ويجعل عاليه سافله، ويعيد بناءه من جديد؟
إننا إذا كنا نريد حقًّا تمجيد ذكرى جمال الدين والدنيا، فلنعمل بما علَّم، فلنثر على نقائص هذا المجتمع، فلنثر على أنفسنا أولًا لنطهرها من أدران أنانيتها، من أقذار طوفان المادة، فقد بعدنا جدًّا عن تعاليم المسيح ومحمد، ولا إصلاح إلا باتباعها والعمل بنصوصها الصريحة، دونما اجتهاد وتأويل.
الإنسان أخو الإنسان، والمجتمع الإنساني وحدة لا تتجزأ، وإذا حطمت هذه الوحدة عشنا في جحيم قبل أن ندرك النعيم.
جاء الأفغاني مبشرًا بحقوق الشعوب، والشعوب لا تدرك حقوقها إلا إذا أصلح المسيطرون ما في أنفسهم، وإذ ذاك يلقى النير عن الرقاب.
تلك كانت رسالة الأفغاني في زمن كانت فيه الأفواه مكمومة، فحقق جمال الدين الكلمة المأثورة: أفضل الفضائل قول كلمة حق في حضرة سلطان جائر.

دراسة الأغاني


للدكتور شفيق جبري
هل ركبت البحر؟ هكذا كانت العلماء تسأل طالب النحو في ذلك الزمان.
كانوا يعنون بالبحر كتاب سيبويه الذي قيل فيه: من شاء أن يُؤلِّف بعد سيبويه في النحو فليستح. وإذا استعرنا هذه الكلمة لكي نقولها في كتاب الأغاني، فلا نكون قلنا غير الحق؛ لأن هذه الكلمة تنطبق عليه. وها هو الأستاذ الكبير شفيق جبري يركب البحر ويستعمره ويضع له خارطة تجميل … فليته يتبع هذا الكتاب بكتب أخرى تتمه، فيكون لنا كتاب «أغاني» جديد مبني على أحدث طراز.
فقبل أن كتب الأستاذ جبري كتابه دراسة الأغاني لم يكن يعني الأدباء والمتأدبين من كتاب الأصبهاني غير دراسة الشعر والشعراء، فهذا الكتاب كان مرجعًا لأساتذة الأدب والمؤلفين في تاريخه، كما صار عند ظهوره منذ ألف سنة رفيق الصاحب بن عباد، فاستغنى به عن مكتبته التي كان ينقلها ثلاثون جملًا تحمل الأسفار التي لا يستغني عنها ابن عباد.
لقد بوَّب الأستاذ وصنف والتفت إلى ما لم يلتفت إليه أحد غيره من قبل. عني بالأخبار التي لم يأبه لها أحد، وأحدث من كتاب الأغاني حدائق منظمة، فبعد أن كان كتاب الأغاني الضخم مثل مخازن السمانة التي لا تزال نراها في مدننا اليوم، قد جعل منه هذا العلامة مخزنًا طريفًا وحديثًا.
ففي أواخر القرن الماضي أدرك الأب لويس شيخو شأن هذا الكتاب العظيم، فانكب على تصنيف روايات وأخبار الأغاني، فجمع بعضها في جزأين: جزء للحكايات الاجتماعية، وجزء للروايات الأدبية. وقد استقبلنا هذا الكتاب في أول عهدنا بالدراسة، وكنا نقبل عليه لسهولة لغته، وحلاوة تعبيره.
إن شيخو لم يفعل إلا الاختيار لطريف الأخبار، ولكن شفيق جبري نخل وغربل وانتقد وحاكم، ولم يدع كل شيء للقارئ؛ ففي أماكن قليلة جدًّا كان يعارض أبا الفرج، ولكن إعجابه بعبقرية الأصبهاني كان يطلع عليك من كل مجثم، وهو لم يقسُ على أبي الفرج قسوته على ابن خلدون حين ناقش دفاعه عن الرشيد وأخته.
كان جبري في دراسة الأغاني عادلًا منصفًا لم يفكر بعصبية، بل كان قول الحق رائده، فأعطى الحق صاحبه. وهكذا تكون الدراسة.
قد قرأت كتاب جبري كلمة كلمة، وأعجبت جدًّا بالفصل الأخير منه الذي عنوانه «لغة صاحب الأغاني وفنه»، فقد بلغ الأستاذ فيه قاع هذا البحر. ولا أدري إذا كان أحد من قبل قد كتب خيرًا من هذا في النقد والاهتداء إلى مواطن الجمال. قد أظهر الأستاذ جبري عبقرية فن صاحب الأغاني، وقابل بينه وبين موليير في طرافة الحكاية. ساعد جبري على ذلك اطلاعه على أدب الغرب وذوقه الفني الذي قاده إلى محاكمات كثيرة ذات شأن. وهذا جهد يستحق عليه أصدق الثناء، وأظن أنه لم يظهر بعد كتاب عن الأصبهاني من هذا العيار الثقيل.
لقد ظهرت عبقرية جبري في هذا الفصل الذي أسميه أم الكتاب وإن كان ختامه؛ ففي هذا الفصل والذي قبله أدرك جبري سر جمال الأصبهاني كله. وبعد أن كان الأصبهاني مرجع كتاب تاريخ الأدب أصبح صورة ناطقة للمجتمع القديم، وهذا أعظم ما استخرجه منه جبري.
إن جبري يحب الكتَّاب الظراف، فقد سبق له أن درس الجاحظ دراسة وافية. وها هو، كما بدا لي، في دراسة الأغاني، حين يأتي دور أبي الفرج في النقد، يقف موقف محامي الدفاع لا الادعاء. وكم كنت أتمنى أن يقابل الأستاذ شفيق بين أبي الفرج وأبي عثمان الجاحظ عن عبد الرحمن آكل الرءوس! وهنا يظهر لنا الفرق بين عقلية الكاتبين، فالجاحظ عقله جدلي يعمل من الحبة قبة مع مجانبة استكراه ممل، والأصبهاني قصير النفس في الموضوع الواحد. وأكبر ظني أن كلمة ابن العميد قد استحقها الجاحظ وهي في محلها: كل الذين جاءوا بعده عيال عليه.
وأخيرًا أقول: سلمت يدا أستاذنا العلامة الجليل؛ فغير قليل تمحيص واحد وعشرين مجلدًا من كتاب من أكبر قطع وأدق حرف. وإذا كان جبري اختار وانتقى ولم ينقع غلته في كتاب صفحاته ???، بل لم يأخذ من البحر إلا ملء جرة، فكيف لي أن أحيط بكتاب الأستاذ في مقال كهذا؟
وبعد، فليس لي ما يقال إلا كلمة أوجهها إلى أديب مجهول ينبري إلى إنقاذ كتاب الأغاني، وهو خمر خزانتنا الأدبية، من هذه الأسانيد المملة وتكرار الرواية المزعج الذي يعرقل خط سير الكتاب.
أما لغة الكاتب جبري، فحسبي أن أقول فيها: إنني لم أستطع تمييزها من لغة أبي الفرج حيث كان يختلط الكلامان بسبب إهمال الفواصل. أما الهفوات المطبعية فكثيرة.

أحمد فارس الشدياق


للدكتور محمد أحمد خلف الله
خلَف الله عليك يا خلف الله؛ فقد تعبت كثيرًا حتى نبشت ما في زوايا دماغ الشدياق من خبايا. إنها سراديب لا يحسن التغلغل فيها إلا ذو عقل نير مثلك، لا الذي أعمى قلبه الغرض، وعشش في حنايا صدره غل قديم، قديم كأنه الخطيئة الأصلية التي لا يمحوها إلا العماد عند النصارى.
إن محاضراتك النفيسة تحملنا على الثناء عليك، وعلى مصر التي أنبتتك، وعلى جامعة الدول العربية ومعهد دراساتها؛ فقد أنصفتم نابغة العرب في القرن التاسع عشر. لقد كانت مصر سباقة إلى الفضل تليده وطريفه، فمن احتفالها بذكرى رائد المسرح الأول مارون النقاش، إلى الجائزة التي وضعتها منذ سنوات للمُجَلِّي في تأليف كتاب عن أحمد فارس الشدياق؛ المجدد في اللغة والأدب، إلى كتابك هذا الذي أنصف الشدياق، وفتِّ حصرمة في عين من يحاول محو ذكره إذا قدر.
فما أروع هذا الكتاب المنصف يطل علينا بمناسبة ذكرى مائة وخمسين سنة مرت على ميلاد الشدياق. وبمناسبة مائة سنة مرت على طبع كتابه الفارياق. إن كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق لهو الكتاب الأدبي الأول، وهو ليس ككتب معاصريه الملمومة من هنا وهناك. وقد قلت أنت فيه يا دكتور، وما أجمل الصدق في الدراسة والنقد: والكتاب، أي الساق على الساق فيما هو الفارياق، يعتبر ترجمة أدبية صادقة لمرحلة من مراحل حياة المؤلف، وهو من هذه الناحية يعتبر من أقدم الترجمات الأدبية التي قام بها المؤلفون لأنفسهم. إنه أقدم من كتاب الأيام للدكتور طه حسين، الكتاب الذي عده بعض المؤرخين للأدب أقدم ترجمة من هذا النوع.
ويمكنني أن أزيد: إنه كتاب أدبي كما يفهم الفن اليوم، صنعه الشدياق أبو نهضة اللغة العربية وجدها، وطبعه في فرنسا منذ قرن. فتح الشدياق أبوابًا وشبابيك وشرفات في حصن العربية المنيع المنيف لتدخل إليه أنوار شمس الحياة الجديدة، وقد دخلت. والشاهد على ما أقول قد أذعته أنت في كتاب محاضراتك هذا، قلت: إن هذا الإحساس القوي العميق هو الذي امتلأت به نفس أحمد فارس الشدياق بفعل البيئة الثقافية في أوروبا، وهو الذي دفعه إلى أن يقدم هذه النصائح الغالية إلى بني قومه العرب، ثم هو الذي دفعه إلى أن يأخذ نفسه بما يفرضه على غيره، ومن هنا كان أخذه من الثقافة الأوروبية ما ظل في الغرب، وكان أخذه من الثقافة العربية ما أقام في بلاد العرب، وكانت نتيجة هذه الدراسة هذه الكتب الكثيرة التي أخرجها للناس، [جئناك يا شدياق].
إن محاضرات الدكتور محمد أحمد خلف الله قد أعطت القوس باريها، وأرت الناس، وخصوصًا المماحكين الموتورين، أن أحمد فارس هو زعيم التجديد، بل ركن النهضة الحديثة، وأن الذين يحاول بعضنا زورًا أن يجلسوهم على كرسي مجد الأدب الحق لا تحملهم سيقانهم حتى يصلوا إلى أقدام عرش هذا العبقري. إن من يخلق ليس كمن يجمع ويصنف، ناهيك بأنه ليس لنا خلاق في ذلك الزمان غير هذا الجبار، فهو المعلم والأديب اللبناني الأول الذي ليس قبله قبل.
لقد التقطت مصر ربيبها الذي التجأ إليها فارًّا من بحر ظلمات الاضطهاد، فكان لها ابنًا برًّا لا كما كان موسى لآل فرعون. وهذا الإخلاص الذي لم تأخذ منه تقلبات الدهر مقدار ذرة قد أشار إليه الدكتور خلف الله، وأكبر في الشدياق ثباته على وداد الخديوي إسماعيل حين تنكر له الناس.
أما نحن فقد صح فينا قول الإنجيل: لا يكرم نبي في بلدته. وها نحن نحتفل بذكريات وذكريات ولا يعنينا شيء من أمر مواطن أذاع لغتنا في الشرق والغرب، وفي كل ميدان من ميادين الأدب الجديد، فكأنه ليس منا!
لقد ذكرتك مصر مرتين يا شدياق، أحببتها فبادلتك حبًّا بحب يوم لم يعد يرجى خير من لسانك ولا يخشى شر. وهذا هو الإنصاف الرفيع المنزه، الإنصاف الذي لا تشوبه غاية ومآرب. لقد نبع الإشعاع من هذا الكتاب الذي أنت عنوانه، كما كنت فيما مضى، والآن وكل أوان، عنوان الإشعاع لأصحاب القناديل المطفية … لقد طفئت عيونهم فلم يروك، ولكن للتاريخ عينًا لا تنطفئ.
أشار الدكتور خلف الله إلى كل جبهة فتحتها في حربك العوان لأجل حرية الفكر؛ فشكرًا له على ما أسدى.
نعم يا دكتوري العزيز، فالشدياق لنكولن لبنان، وإن لم يكافأ بالقتل مثله فقد كوفئ — ولا يزال يكافأ — بالجحود ونكران الجميل وطمس الذكر؛ ولهذا ما خطر لواضعي برنامج البكالوريا ببال.
كافح الشدياق تجارة الرقيق منذ ثمانين عامًا فألغاها، وكافح الركاكة والرطانة في أساليب معاصريه ولكنه لم يفلح، وكافح عبودية المرأة يوم كانت رهينة المحبسين: بيتها والحجاب؛ أفليس من الوفاء يا سيداتنا وآنساتنا، أن تنهضن أنتن لإحياء ذكرى الفارياق؟ فالعلم لم يعد ينقصكن، والحمد لله، ففيكن الشاعرات والأديبات وصاحبات الألقاب العلمية والأدبية الضخمة!
لقد عجزنا عن إيجاد الرجال، فما رأيكن لو نهضتن بهذا العبء الخفيف الشريف؟ كافح الشدياق عبودية الفكر في كل مقام، وكان لتعاليمه ثمرها الذكي في كل قطر إلا في لبنان، مسقط رأسه؛ فإنها لم تستطع أن تحرر الطائفيين منا، فعقولهم ما زالت بخواتم ربها.
كافح هو الشلال وهم يكافحونه ولا يخجلون. يريدون أن يضعوا السراج تحت المكيال، ولكن هذا السراج الوهاج الذي أحرق المكيال في شرخ شباب جبروته سيرسل ناره ونوره.
يقول مثلنا: الدنيا وجوه وأعتاب، وامشِ على قدم السعيد تسعد، وها إن احتلال ابنك بالروح جيرتك سوف يعطي الحق صاحبه. كان صياد جعبة فصار صياد شبكة لا تفزعه التنانين والحيتان.
قضي عليك أن يشرد جسدك حيًّا، ورفاتك ميتًا، ولكن جارك الأستاذ فريحة قد استيقظ. لقد طما الخطب حتى غاصت الركب، ومن العار علينا أن يزين ضريحك بالسراويل، وأن يرقص الصبيان على قبرك، وأن يقذف بالزبالة وأنت أعظم أدباء العرب.
ويا دكتور خلف الله، أرأيت أننا نحن في واد وأنتم في واد؟ أنتم ترفعون علم الشدياق وتفتشون عن كل عربي يستحق لترفعوا ذكره، ونحن نفتش عن الأعاجم.
أنا من عشاق فن دوستوفسكي، والفن لا يعرف الملل والنحل، ولكن هل أُلام إذا طالبت بإحياء ذكرى مزدوجة لأديب عربي لبناني لا تقل منزلته عن دوستوفسكي بالنسبة إلينا؟
ويا أخي سعيد فريحة، يا صياد المكرمات، تشبث بها أكرومة قبل فوتها. أطلقت صفارة الإنذار فإلى الأمام. لا تنس أن الشدياق كان ساخرًا بكل شيء حتى السلاطين يوم كانوا أصنامًا تعبد. وها قد ثرْتَ أنت مثله وانتفضت حين قرأت اسم كوبليان عنوان الرشوة التي أفسدت نفوس اللبنانيين وعطلت الضمائر، فكمل جهادك وأتمم سعيك المشكور.
والكلمة الأخيرة للدكتور خلف الله محيي آثار أحمد فارس الشدياق، داعي دعاة العروبة والإسلام: لقد كنت يا سيدي الدكتور لا ثرثارًا ولا لاهيًا. قرأت مخلصًا آثار هذا اللبناني العربي المخلص فمحصتها وفلسفتها جميعًا في وقت يهم فيه بعضنا بهدم هذا البرج ليبني بحجارته المهشمة بيتًا حقيرًا.
يا دكتوري العزيز، لو كان عندنا من يقدر لاحتل كتابك كل بيت، وانتشر في كل مكتبة، وخففنا إلى تكريمك وتقديرك. اللهم بغير بضاعتنا التي ابتذلت … فسميك أحمد فارس كان يسخر من مولاه السلطان حين يهدي إليه شيئًا من هذه الزخارف التي سماها جلاجل، كما تقرأ في «صقر لبنان».
فلله ذلك الجبار ما كان أعظم كفاحه ونضاله في كل ميدان، في الصحافة وهو أبوها، والتأليف وهو أول من جدد فيه، والسياسة وهو من مشى إليها على مستوى رفيع.
كافح، كما قلنا، تجارة الرقيق منذ ثمانين عامًا، وطالب بإصرار بحرية المرأة، ثم سخر بكل شيء حتى السلاطين، فقوَّم المعوجَّ إلا نحن، فما زلنا كما تركنا. وتعاليمه الحرة لم تؤثر في هذا المحيط الموبوء لأن الطائفيين منا، من أصحاب النفوذ السري الخبيث، يأبون على كتبه أن تنتشر عندنا، فما جاءوا على ذكر اسمه في المنهاج لئلا يعرفه الجيل الطالع ويتمرد وينبذهم وينبذ أولياء أمرهم.
يقولون: إن لبنان دول علمانية، أما أنا فأرى أنه بعيد جدًّا عن العلمانية، وهو إلى الطائفية أقرب. أصبح شعبه كقطيع له عدة رعيان، وكل راعٍ ينتجع غيثًا.
أما هذا الكتاب، كتاب الدكتور خلف الله في الشدياق، فلا عيب فيه إلا هذه الأخطاء المطبعية التي تفسد معنى العبارة أحيانًا، فليت طبعه يعاد ليخرج سليمًا صحيحًا معافًى.
أما الكاتب الكبير الأستاذ سعيد فريحة الذي يتحفنا بكل طريف ظريف، فنرجو ألا تذهب صرخته الكوبليانية سُدًى، لقد تأخر سعيد قليلًا، ولكننا نقول كما قال الفرنج: أن يجيء الخير متأخرًا أفضل من أن لا يجيء أبدًا.
إن صباح القبور ومساها لحجر عثرة في طريق الدعابة يا سعيد، فالبدار البدار! والله معك.

في زحام المدينة


للأستاذ أنور شاءول
مجموعة أقاصيص للأستاذ أنور شاءول، أبطالها مدنيون يرقصون ويغنون ويشهدون سبق الخيل ويطيرون، وفي الجملة أنهم من صميم حياة بغداد، وبغداد أم شهرزاد. أجاد الأستاذ شاءول إخراجهم، فكاد يغريك مشهدهم حتى تخالهم يتحركون. يحسن الأستاذ ابتداء أقصوصته كما يجيد ختامها، فتمشي على الهينة من أول خطوة حتى تبلغ الغاية، فأقاصيصه حسنة السياق والتوجيه. أما الأشخاص فصورهم غير حادة الملامح، والحكاية لا تكلُّف فيها؛ لأن لا قيمة رئيسية لها عنده، وكذلك التحليل النفسي؛ فإنه مندمج في سيرورة القصة ولا يقصد لذاته، والتعبير لا تأنق فيه، يكتب ببساطة فائقة، فلا خيال ولا تعمُّل حتى تكاد تظن أنه يسرد خبرًا. وهذا في نظري القص السهل الممتنع، كما قالوا قديمًا في أسلوب ابن المقفع.
كل قصة من أقاصيصه مبنية على فكرة، وعليك أنت أن تجدها؛ لأن المؤلف لا يعنيه أن يدلك عليها، فهو يتلبس بأشخاصه كأنه يتنكر بها، فلا تكاد تعثر على آثاره ولو كنت ممن تمرسوا بعلم الأدلة الجنائية. وإني لأعجب من هذه البساطة الأسلوبية، مع أن بعض أدباء العراق قالوا لي: إنه شاعر عندما شرفوني بزيارة.
قد يكون الأستاذ شاءول يرى أن الأسلوب البسيط هو أسلوب القصص، ولكنني أعتقد أن الأقصوصة، وهي قطعة أدبية فنية، لا بد لها من الأخيلة الشعرية، ولكن ما لنا ولهذا ما دامت أقصوصته تحثُّ المطالع على السير إلى النهاية بلا ملل.
بقيت مسألة الحوار، وهي من أركان الأقصوصة الرئيسية، فكيف نوفق بين قول الأستاذ: أنا تحت أمرك يا ناهدة، وبين القول على الأثر: إنك إذن لمغفل عظيم. أرآها الأستاذ متجانسة مع أختها؟ فإنَّ، وخصوصًا إذا كان خبرها مقرونًا بلام التوكيد، ليست من بضاعة الحوار، وبخاصة إذا كانت لا تجانس ما قبلها.
وأما هذا الحوار العامي في أقصوصة «حمَّال»، فمنه الطبيعي العامي الفصيح كقوله: عمي … حمال، ومنه العامي العراقي الذي أضعنا معه الطريق وتهنا، فليته تأنَّى قليلًا؛ ففي الاستطاعة أن يصير هذا الحوار مفهومًا من كل قطر.
قد يقول لي: على هذا جرى موبسان في بعض أقاصيصه البروفنسية، وأنا أجيب: إنهم كانوا يعربون عن غموضها بشرحها بلسانهم الفصيح، أما نحن فمن يشرح لنا معنى لفظة بايك. إن المزار بعيد، ودون ذلك أهوال.
إننا نحب أن تكون لنا اللذة كاملة غير منقوصة، وقد صدقت في أقاصيص الأستاذ أنور الكلمة المشهورة: البساطة تخلق الجمال، فعسى أن يتحفنا بأخت لها من طرازها الطريف؛ فهي لا تقتضي القارئ عناء، والقصة وجدت للترفيه، فكيف بها إذا كانت للتوجيه الصامت أيضًا؟
قليلة هي الأقاصيص التي من طراز أقصوصة «أبو فتحي». فتح الله عليك بخمس من مثلها، ومن مثل «تريد أن تحب».

ملحمة بولس سلامة


كان علينا أن نبدأ بالقديم من الكتب النائمة على الرف نومة الهنا، وقف سيل الكتب حين ظن الناس أن الله سيأخذ وداعته. أما أنا فما كنت أريد أن أتحلحل أو أتزحزح، ثم انتفضت وزال القبر والكفن، فعاد سيل الكتب الجديدة إلى مجراه. وها أنا أبدأ بملحمة بولس سلامة؛ لأنها مستعجلة جدًّا والطبخة على النار.
عرفت بولس سلامة في عز شبابه، كان عملاقًا تام الألواح يثقل الأرض ويسد الفضاء، لا كما قال ابن الرومي في وصف نفسه، بل كما قال بولس في وصف هيكله العملاقي:
وكأن ربك قد برىعمد السما لما براني أما كيف تسرب هذا الداء إلى تلك القلعة الممردة، فهذا ما أعيا الأطباء علمه، ووقفوا عنده حائرين. لقد صدق شاعرنا في وصف بلواه حين قال:
أيوب! ما أيوب؟ ماذا خطبه؟هو قطرة وأنا خضم بلاءفإذا مررت على الجريح تعودهفلقد أتيت مدافن الأحياء قالوا: الفضل يعرفه ذووه، وأنا أقول: الذي يأكل العصي ليس كالذي يعدها، فعندي من آلام بولس سلامة عشر الخبر، ولكن الآلام التي أغنت الأدب العربي المعاصر لآلام مطهرة، والعبقرية بنت النار المقدسة التي تصهر ولا تحرق؛ فلولا مصيبة أيوب لم يكن سفره الخالد، ذاك السفر الرائع خيالًا ووصفًا، وقد عدوه من الملاحم. ومن مثل تلك الآلام الأيوبية انبثقت ملحمة بولس الجديدة التي لم يأت بمثلها شاعر من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين. فإذا قال بولس: أيوب! ما أيوب؟ فلسنا نكذبه، فلولا مرضه لما قال هذه الملحمة، ولما بنى في دنيا الأدب العربي هذا الجبل الذي لا ترقى العين إلى شماريخه.
وعرفت بولس سلامة في شباب عمره يلهو بالصغائر مثل بنت يفتاح وغيرها من دُمى الأدب، كان يتساجل وسعيد عقل في ذاك الميدان الضيق، ولما صار جزءًا من فراشه أمسى جبارًا في شعره، فجاء بالمعجزات. إنه بلا منازع أطول شعراء الضاد نفسًا، وأصحهم لغة، وأنقاهم عبارة، وأشردهم قافية. ضم في هذا البرج دنيا العرب قديمة وحديثة حتى صح أن نقول فيه ما قال البحتري في إيوان كسرى:
مغلق بابه على جبل القبقإلى دارتي خلاط ومكس كان شاعرنا، حين عرفته، شاعر القضاة، أما اليوم فصار قيدوم الشعراء، وحامي الحقيقة المعلم. أخضع القافية العربية لنير الوزن فمشت منقادة لمشيئة الشاعر، والأعلام التي بدت لي نابية في إلياذة هوميروس رأيتها في هذا السفر المعجز تستخزي لهذا الحادي الذي طوى البيد طيًّا، وإن قال هو في المقدمة غير ذلك.
فملحمة عيد الرياض كلاسيكية أولًا، وإن ضمت بين دفتيها جميع الألوان والمدارس، فقد أطلت علينا بمائة وجه كما قال هو. وهذا ليس بكثير على شاعر يخرج في خلال أشْهُرٍ قصيدةً مؤلَّفة من زهاء ثمانية آلاف بيت. وقد صدق حين شبهها بالقلعة المنيفة، والغابة البكر، والمسجد الرحب؛ فإذ فاتها شيء من الجمال المخنث، فقد أدركت الكثير من أبهة الرجولة وجلالها.
وقد قال بولس يحدد شعر الملاحم ويشبهه: «أما ما سوى ذلك من الشعر؛ أي سوى الملاحم، فهو أشبه شيء بالبنايات الصغرى يراعى فيها جانب الحسن أكثر مما يراعى جانب الروعة والفخامة، وبين الحسن والرائع فارق.» وما أحسبه حين قال هذا إلا قد مرت في مخيلته صورة بنت يفتاح وقدموس سعيد عقل، ثم كأنه خشي أن تقوم قيامة سعيد، فراح يداجيه ويصانعه ويتملقه، ولا بدعَ فسعيد عشيرٌ قديمٌ ورفيق الطريق.
أما أنا فعندي لهذا تشببه آخر: إذا شبهنا ملحمتي سعيد ببحيرة طبريا مثلًا — نقول هذا لأن بنت يفتاح من ذاك المحيط — حق لنا أن نشبه ملحمة بولس سلامة بالبحر الأبيض المتوسط.
وإذا كان سعيد يركض المائة مترًا ويزفر، فبولس سلامة ركض الألف والخمسمائة وما لهث، مع أنه قعيد الفراش، ونديم آلامه، وسمير أوجاعه، وهذي بطولة أدبية بزَّ بها بولس جميع شعراء العصر، ووضع رقمًا قياسيًّا حين بلغ المدى الأبعد، واستحق أعظم أكاليل الغار، فحق له أن يتمثل بقول أبي الطيب:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقأراه غباري ثم قال له: الحق شكرًا لك، يا بولس، فقد فُقتَ أيوبَ، ولا أسمي غيره؛ لأنه أعظم شعراء التوراة. أما كيف فقته فلأن أيوب العوصي غنَّى أوجاعه وآلامه، وهذا هين. أما أنت البطل الذي يغني بطولة سواه بهذا النفس الطويل، والشعر الرائع، فهذه أعجوبة الأعاجيب. إن عملك يحملني على الشك بآلامك، ولكن ما أعرفه عن صدقك يهتف بي: قف، فوقفت ممجدًا بطولتك.
قد يقول القارئ: ما عهدناك مادحًا، بل قادحًا، وأنا أجيب بقول الشاعر:
إذا أنا لم أمدح على الخير أهلهولم أذمم الوغد اللئيم المذمماففيم عرفت الخير والشر باسمهوشق لي الله المسامع والفما! عندنا في كسروان مثل يقول: خبي زنكلك قدام معكرون بيت حبيش. وإذا رجعنا إلى الفصحى وجدنا عندها زادًا لهذه الرحلة، وهو قول أحد أيمة العلماء: من يشاء أن يؤلف في النحو بعد سيبويه فليستحِ. أجل فليستحِ أولئك الذين يُسمون كراريسهم ملاحم.
فمن لنا بمسيح آخر يقابل أعجوبة بولس سلامة بمثلها فيقول له: احمل سريرك وامش.
ولكن لا، فبولس مقعد الجسم، مجنح الفكر، وثاب القريحة، فخير للأدب أن يظل في سريره بشرط أن يطول عمره ويظل ذهنه صافيًا؛ ليعطي مثل هذا الشعر النقي الشهي كالعسل المصفى.

الظل الكبير


لسميرة عزام
عنوان مجموعة أقاصيص للآنسة سميرة عزام، وقد أصدرت قبلها مجموعة أخرى من طرازها عنوانها «أشياء صغيرة». ذكرني هذا العنوان الأخير بكتاب لألفونس دوده عنوانه «الشيء الصغير»، كما ذكرني العنوان الأول «الظل الكبير» بحكاية ثعلب لا أذكر أين قرأتها، قالوا: أقعى ثعلب على صخرة مع الفجر، وراح يفكر كيف يحصل قوت ذاك النهار، فقد طاردته الكلاب والناس أمس، وانتزعوا من فمه ذاك الديك الأرقش، فعاد إلى وكره مكسورًا، وربحت الكلاب المعركة، ونام هو بلا عشاء.
وبينما كانت تلك الأفكار السوداء تملأ رأسه إذا بالشمس تطلع من خلفه، فيرى ظله الممدود على صخور الجبل المناوح فقال: لا بد لغدائي من جمل؛ فكيف أحصله؟ ثم ارتفعت الشمس قليلًا فتقلص الظل، ولما رآه قال: يكفيني خروف، وارتفعت الشمس أكثر فتضاءل الظل فقال: نشكر الله صار يكفيني ديك حبش، وابتلع الوادي ذاك الظل، وإذا به ينكمش كما كان فقال: لحم الدجاج أطيب اللحوم؛ فلنسعَ وراء رزقنا.
تلك حالة بطلة أقصوصة الظل الكبير التي حملت المجموعة اسمها، وهي حكاية طريفة تصور لنا تعنُّت الفتيات الذي يؤدي بهن إلى العنوس.
وفي الكتيب أقاصيص أخرى تصور حالات شتى من حالات الأنثى تصويرًا دقيقًا تحسنه الآنسة سميرة عزام أيما إحسان، وليس عهدي بالآنسة عزام بقريب، فمنذ ???/????/????? ظللت أنصت إليها وأسمع أقاصيصها وأقاصيصهن زهاء ثلاث سنوات ونصف السنة، وأعلق على ما أسمع من محطة الشرق الأدنى، وأنتقد انتقادًا شديدًا من غير عنف. كانت تعجبني أقاصيصها وما زالت، وإذا خفت عليها من شيء، فمن رسالة أديبنا الذي يحب أن يتفلسف؛ الأستاذ ميخائيل نعيمة. إن هذه «المراسيم» التي تصدر عن ناسك الشخروب يغر ثناؤها الشيوخ، فكيف بالغواني؟! ترى أما وجَد الأستاذ ضعفًا قط ليبرئ ذمته ويكون انتقد؟
فلنفرض أن الآنسة سميرة عزام بلغت درجة موبسان وتشيكوف وجورج ساند، فلا بد مما يقال، ألم ير إلى اللحن والخطأ اللغوي وإن كانا قليلين؟ مسكينة اللغة وقواعدها، وأصبحت لا يُسأل عنها كأنها ليست من مقومات الكاتب والكاتبات، وكأني بها تهتف في أذن ميخائيل صارخة: وأنت أيضًا يا بروتوس؟
اثنان خطرهما شديد على حملة الأقلام من ذكور وإناث: مقدمات سعيد عقل، ومراسيم ميخائيل نعيمة، فعسى أن لا تغر من تكتب لهن ولهم، ويقفوا حيث هم. وإني أنصح الآنسة سميرة عزام ألا تنام على إكليل الغار، فتظل حيث هي. إن ما أدركته الآن لا يكفي، فعبارتها يجب أن تصفى وتنقى، والحوار الذي تتولى هي أكثره بالنيابة عن شخوصها يجب أن يترك لهم لتسير الأقاصيص سيرًا هينًا لينًا.
إننا في حاجة إلى من يصور أفكار المرأة وهواجسها وميولها، ومن أدرى بهذا من أنثى موهوبة خواص القص مثل صاحبة الظل الكبير وأشياء صغيرة؟ فليتها تخرج من هذه الدائرة وتراقب الجنس الخشن، أيضًا، فالشباب يستحقون من يصورهم، ويصفع من كانوا على شاكلة فارس أحلام بطلة الظل الكبير. يظهر أن هذه البطلة كانت حافية، وإلا لكانت أسمعتنا خفق النعال بدلًا من «مسح دموع عينيها وشق الطريق في عتمة المساء.»
وأخيرًا أثني أحر الثناء على صراحة سميرة عزام المغلفة بالمخمل الناعم جدًّا، وحسبك أن تقرأ ختام أقصوصتها «القارة البكر» فتوافقني وتشاركني في هذا الثناء العاطر.

زوايا


لسلمى الحفار الكزبري
عنوان أقاصيص وحكايات كتبتها السيدة سلمى الحفار الكزبري، وللسيدة سلمى مجموعة قبل هذه قدم لها الأستاذ شفيق جبري كما أذكر.
كتبت سلمى أول ما كتبت «يوميات هالة» فقوبلت بالترحيب، وها هي اليوم تطلع علينا بمجموعة أقاصيصها التي سمتها «زوايا»؛ فأصابت لأنها تحدثنا فيها عن الكثير من عادات وتقاليد نجهلها، فصحت فيها وفينا الكلمة المأثورة: في الزوايا خبايا.
إن حكايات الجدة التي جعلتها سلمى كالحارث بن همام من المقامات يجد فيها القارئ متعة قلما يجدها في أية حكايات وأقاصيص غيرها، وهذا ما نحتاج إليه لنطلع على ما عندنا من أخبار محلية لا يعرفها إلا الذين نشئوا تلك النشأة، وعاشوا في المحيط الذي تصفه السيدة سلمى.
أما أقصوصة خيط العنكبوت التي أحدثت تلك الضجة، فبطلتها وبطلها اختلفا على تقبيل الرجل؛ أبت الخطيبة أن تطبع تلك القبلة المزعجة وفسخت الخطبة، ولكنها عادت بعدئذ عن غيها، وعذرها الحب، الحب غفار الذنوب، أما قال الشاعر عبد الحميد الرافعي في قصيدته المشهورة: لقبلت حتى نعالها.
عبارة سلمى طلقة، ولها في الحياة آراء مبعثرة في حكاياتها وأقاصيصها، فأبعدتها عن أن تكون وعظًا وإرشادًا، وخير ما فيها تصوير المكان الذي تقع فيه قصتها، فلم تعد تصلح لكل زمان ومكان ولكل شخص.
أما الأخطاء النحوية فلا أدري ماذا أقول فيها؛ ففي الصفحة الأولى؛ أي الإهداء، تطالعنا هذه الهفوة: لن تر، وفي الصفحة التاسعة تطل كلمة كسيت وهي كسوت، وفي الصفحة ?? تقول: أربعين رجل، وهي رجلًا.
ثم تأتي كلمات عامية غير فصيحة مثل: وليف، ومثل: طلت؛ أي أطلت، ومعشعشة، وهي معششة، وأننا روحًا واحدة، وهي روح، ويتميز الناس «ذوي» الأبدان الممتلئة بالطيبة والمرح، وهي ذوو، ثم بعد الغذاء، وهي الغداء، ومع شريكة «أخ ماجدة»، وهي أخي ماجدة، ثم وقعت عينيه على التقويم، وهي عيناه، ولا يذكر يوم زفافه إلى صفية، والأنثى تزف لا الذكر، ويلقب الشاب بأب فلان، وهي بأبي، إلخ.
أنا من الذين يقيمون وزنًا كبيرًا للأخطاء، ولا أظن أنه يحق لنا أن نستخف بها إذا أردنا أن يكون لنا شأن في عالم البلاغة، قد يقول غيري: ما له ولهذا؟ أما أنا فأقول: هذا واجبي، ومن أهدى إلي كتابًا فكأنه يسألني أن أكون له مشيرًا، وها قد كنت، فكاتبة لمع اسمها في دنيا الأدب كالسيدة سلمى لا يليق أن تصدر عنها مثل هذه الأخطاء. والغريب أنها كتبت تصويبًا للكتاب، وهي لو لم تفعل لكنَّا جعلنا ذلك الخطأ في رقبة المطبعة، فاستراحت وأراحت.

ثلاثون قصيدة


للأستاذ توفيق صايغ
?


قد يكون في هذا الكتاب فلسفة وتمرد، وقد يكون صاحبه «يكاد يعيد النظرة في ماهية العطر … ويعيد النظر كذلك في أصول قص الشفق وكدسه وردة تشتعل في الخاطر.» هذا ما يقوله سعيد عقل في التميمة التي علَّقها في رقبة توفيق صايغ لكي لا يصاب بالعين.
إنها ألفاظ معسولة يضعها معمل سعيد عقل، خصيصًا للمقدمات، تعني كثيرًا ولا تعني شيئًا بعينه، فأين الشعر يا ترى فيما سماه مؤلفه «ثلاثون قصيدة»؟ ومن يدل القارئ عليه إذا لم يكن الذي كتب المقدمة؟
الأشبه أن الشاعر سعيد عقل أراد أن يجاري توفيق صايغ في معمياته، فراح كضارب المندل يرقينا بكلمات طنانة كأن يقول: إن كتابه — أي كتاب توفيق صايغ — لا ليقرأ، إنه ليغدو خلجات فيك ودمًا دافقًا ونارًا، إنه مزيج من شبق ولاهوت.
إن هذا المزيج العجيب أو الترياق الجديد، الترياق المعجون من شبق ولاهوت، لا يجده القارئ إذا طلبه إلا في صيدلية سعيد عقل.
ثم يقول سعيد في إطراء توفيق: هنا اللفظة لا لتقول، حتى ولا لتكوكب، إنها لتعديك بالوجود.
أشهد أنني لم أفهم ما يعني سعيد إلا بالكد، لم أفهم كيف تكوكب اللفظة، ومع ذلك عديت عنها إلى تعديك بالوجود، ورحت أفكر، ولا مجال إلى التفكير بغير العدوى من المرضى، ولكن سعيد عقل الذي يعشق الطلاسم ضل فعدَّى هذا الفعل بالباء، مع أن الفصحاء والعوام جميعًا يعدونه بمن، فالعوام يقولون: انعدى من فلان، والفصحاء يقولون في كلامهم، حين يعدون هذا الفعل بالحرف: أعداه من جرب أو غيره من الأمراض السارية.
ليس. ما لنا ولسعيد؟ فلنتحدث إلى المؤلف.
اسمع يا عزيزي توفيق، لا شك عندي في شاعريتك وعبقريتك، ولكنك في هذه الثلاثين قصيدة لست بشاعر، فليت الأبيات السبعين التي زمت إلى الثلاثين كما قلت في قصيدتك الأخيرة، صارت ثلاثة «عفوًا! الكتاب غير مرقم لأعيِّن الصفحة.»
إن الكلام المرصوف، المقطع والموصل، لا يستحق أن يسمى قصيدة ولا شعرًا؛ فللشعر ألفاظه وموسيقاه وخياله، وشعرك المنثور هذا لم يظفر بشيء مما قلنا. يخيل إلي أنك شاعر، ولكن اللغة العربية ما زالت مستعصية عليك، فهل حاولت النظم في غيرها؟ اكشف بختك؛ فلعل لك هناك حظًّا أوفر.
قد يسعدك الحظ فتكون صائغًا ماهرًا في الذهب الفرنجي، أما الذهب الرملي الذي هو «زوجة شمس بتول» كما قلت، وما أحلى تعبيرك هذا! فلا بد لصياغته من مران طويل عجيب. ما لك والنطنطة، والشحشطة، والقربطة، والطرطشة، ويببغي، ودفشات، وحردبة، وتذرذرت الأوراق، وتبحلق، ويقولب، وطرطش، وحسمست، وشخط طراش، ودفشات إلخ … فلو كان في هذه الألفاظ موسيقى شعرية أو أنها توحي إلى قارئك ما لا توحيه اللفظة الصحيحة لعذرناك، ولكن هذه الألفاظ نابية لا تستاغ؛ فأي موسيقى شعرية في قولك: قدميَّ نطنطا، وأنا سأنطنط … وما زلت تحب الطاء يا عزيزي، فلماذا قلت: أراراس، ولم تقل: أراراط، كما في ترجمتي التوراة الكاثوليكية والبروتستانتية؟
وعلى ذكر التوراة يطيب لي، كما يعبر السياسيون، أن أقول: إنه يخيل إلي أن الأستاذ توفيق صايغ ربيب بيتٍ للتوراة المحل الأول في مكتبته … إن قطع هذا الكتاب الذي بين يدي قلما خلت واحدة من كلمة تلمح إلى حادثة توراتية، وأسلوب الجملة متأثر إلى حد بعيد بالعهد العتيق. وهذا ما يقول في القطعة الأولى ذات البيان الداودي:
أناتك لا تبلل جراحيوأبعد الخلَّ عنيسياط جلاديك كفتنيمحبي معذبي ألا تكفيك؟ إلى أن يقول:
أأنا أصفدلدخولي منزلاأنت عينته ليومفتاحك أدخلني فيه؟أناتك يا واصمي. وقد أعجب الأستاذ سعيد عقل هذا الاحتجاج العنيف، وعدَّه، في مقدمته، فتحًا مبينًا لتوفيق صايغ حتى قال عنه في المقدمة: ويكاد بالحجارة يرشق مظلات السماء لو لم تشفع به كلمة تقيم من موت: «رب، أنت المحب.»
عجبًا لسعيد، وهو سيد العارفين، الهائم بمار أفرام السرياني، ألم يبلغه شيء من شعر ملفان البيعة «ودلعته» على ربه، حتى يعد هذا جرأة لم يسبق توفيق إليها أحد حتى قال فيه أيضًا: أجرأ الأقلام المشرقية هذا الفتى المضطرب المجرور العينين.
وفي القصيدة رقم ? رائحة «طوبى» وعظة الجبل، والثالثة أيضًا عنوانها «الموعظة على الجبل»؛ حيث اتبع توفيق السيد المسيح، وأعانه على تحقيق ذاته، ولا شك أن يسوع شكر هذا المواطن شكرًا عميقًا، فلولاه لم يكن شيء مما كان، ولكن توفيق يخالف فيقول:
والمياه التي انقلبت خمورًاعادت مياهًا على شفتيوالوحل الذي نقى من الوحل عيني برتماوسجعل عيني تسأمان ما كانتا تتنزهان بهوالنداء الذي أعاد فتى نايين للحياةترك أمي في سوادعلى تلة الخصب. قد تقول: وما حكاية فتى نايين؟ فنايين مدينة دخلها يسوع ومعه كثيرون من تلاميذه وجمع كثير، ولما اقترب إلى باب المدينة إذا ميت محمول، ابن وحيد لأمه وهي أرملة، فلما رآها يسوع تحنن عليها وقال لها: لا تبكي.
ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون، فقال يسوع: أيها الشاب لك أقول: قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم، فدفعه إلى أمه.
وفي هذه القطعة يصير برتماوس كما صار أراراط أراراس. إن هؤلاء الجامعيين يتمسكون بالأمانة العلمية، وتوفيق عارف في التوراة حتى كأنه ابن خوري؛ فما سبب هذا التحريف؟
أما سبعة المجدل الذين صاروا سبعين، كما لمح في هذه القطعة، فهؤلاء شياطين كانوا يحتلون جسد مريم المجدلية احتلالًا إنكليزيًّا … وقد أخرجهم منها يسوع فتابت وصارت قديسة عظيمة … قدَّسناها حتى نسينا فراشها الأحمر الذي غسلته بدموعها.
كل هذه الخيرات تجدها في موعظة صايغ على الجبل، وفيها يقول: إنه لا يزال ينتظر رجعة يسوع ليسمع من فمه كلمة «طوبى». إن الإيمان يعمل العجائب شرط ألا يكون إيمان شاعر، كما هي الحال عند توفيق الذي يمكن أن يكون شاعرًا مجيدًا في غير العربية.
لا بد أنك رأيت تقسيم الكلام المنقول من كتاب توفيق فاستغربت ذلك. لا تستغرب؛ فهذا التقطيع يقصد منه أن يخلق الموسيقى، أما أنا فما رأيته خلق شيئًا؛ لأن الملبوس لا يعمل القسوس.
والآن وصلنا إلى القصيدة رقم ? التي أولها: ثم ماذا؟ أحب أن أنقل لك شيئًا منها وفق الأصل:
ثم ماذايقلب الملهاة مأساةيمحو عن المأساة الجلالمرداد خفيتيببغيثم ماذادناي الفراغأوكار حبالىثم ماذا إلى أن يقول:
مع قهوة الصباحثم ماذاوطوال ساعات العملثم ماذاوقبالة الأوراقوبين طيات الفراشثم ماذاوكما هنا هناكثم ماذا؟ إلى أن يقول خاتمًا هذه الرائعة بقوله:
وفيثم ماذامعمست كلامي. وقال سعيد تعليقًا على قول توفيق: «ثم ماذا؟» يصرخ ويكررها تقصم من ظهر.
أما أنا، فأشكر الله على أن ظهري لم ينقطع، ولكنه وجعني قليلًا، وتذكرت قول موليير الساخر المتهكم بلسان أحد أبطاله: لا بد أنه شيء رائع؛ فأنا لا أفهمه مطلقًا.
?


وفي رقم ? تلميح إلى النازفة التي لمست يسوع فصاح: من لمسني؛ لأن قوة خرجت مني، ولكني لا أقف عندها طويلًا، فهي صدى نفس معذبة تنتظر البزرة التي تمسي شجرة تعشش الطيور في أغصانها، ولكن متى؟ يكون الجواب: يوم تلمسين، وأن تسأل: من؟ قلت: أنا.
وفي السادسة يقول: هل أشتم القدر الذي اختصر المارد وشوهه؟ جميل جدًّا هذا الاختصار، وهو تعبير شعري رفيع، فليت أصحابنا لا يختصرون الشعر ولا يشوهونه.
والقصيدة السابعة أيضًا من إلهيات توفيق، وهي أغنى أخواتها اللواتي مرَّ ذكرهن بالموسيقى وبالتوبة؛ لأن الأستاذ بوَّس يدي يسوع وظل يبوسهما حتى زال أثر المسامير.
وهنا لا بد من القفز إلى آخر الكتاب حيث القطعة الأخيرة، وهي لا تحمل رقمًا، بل عنوانًا «إلى جون مارشل».
ففي هذه تلميح إلى قصة دانيال. دعي الأستاذ كما دعي دانيال إلى طعام الملك فلم يأكل منه، بل أكل القطاني مع رفاقه سرًّا، وشرب ماءً لا خمرًا، وعاف كل أطايب الملك، ولكن سعيد الذي يهجس في هذه الأيام بالفلسفة ظنها مأدبة أفلاطون، فأولَّها كما فهمها، ولعل هذا هو السر الأكبر في الشعر الرمزي.
ويلمح تلميحًا محرفًا إلى ظهور أصابع يد كتبت على مكلس حائط قصر الملك بلشاصر، كلمات فسرها دانيال للملك ونال حظوة في عينه، ولكن النعمة زالت فيما بعدُ، وطرح داريوس دانيال في جُبِّ الأُسود، فأرسل الله ملاكه وسد أفواه الأسود؛ ولذلك هتف توفيق في ختام قطعته وكتابه:
وصرخت: «انظر زال عني الهزال»وقلت: «أمامك بعد جب الأسود.» أما الهزال الذي زال، فإشارة إلى حوار جرى بين رئيس الخصيان حين طلب منه دانيال أن يقدم لهم طعامًا قطانيًّا وماء، فقال لدانيال: أخاف سيدي الملك الذي عين طعامكم وشرابكم، فلماذا يرى وجوهكم أهزل من الفتيان الذين من أترابكم، فتجعلوا على رأسي جريمة أمام الملك؟
وأخيرًا تمَّ الاتفاق وأكلوا القطاني وسمنوا مثل غيرهم، ونجوا من نجاسة طعام بابل.
وكأني بتوفيق يقول لربه بعدما سعى ورعى: انظر قد زال الهزال. فبشَّره بجب الأسود.
إن نثر توفيق الشعري — وليته كان شعرًا ذا وزن ليعلق بالذاكرة — لغني بالمعاني الرمزية التي لا يدركها إلا المطلعون على مصادرها اطِّلاعًا عنيفًا.
وإذا عدنا أدراجنا ثم مضينا قُدُمًا في هذا الأثر الفني — فلنسمه كذلك لأنه لا تجتمع فيه مقومات الديوان — نجد الأستاذ صايغ في «سيكولوجيا رجعية» يقول قولًا جميلًا وإن خلا من الشعر:
لعمري ما رأيت يدًا تقطف قرنفلةإلا ورأيت دمعة تحتها انتصفتواندلعت على ستارأمام عيني وخلفهمامشاهد السبي في الماضي الزريواختطاف العذارىوصفوف الأطفال فيما يسمونه بساتين. إلى أن يقول:
وإن للقرنفلة البيضاء رسالةلا يسمعها غير بستاني أصم. وللقرنفلة الحمراء والصفراء أيضًا رسالات، كما صار اليوم لكل شيء ولكل إنسان رسالة مهما كان شأنهما.
وفي قطعة «نشيد وطني» يتقمص الأستاذ جبة إرميا حين قعد يبكي أورشليم ويعيِّرها، مناديًا بالويل والثبور، بيد أن الأستاذ فاق ذلك النبي المتشائم فيما كال لبلاده من شتائم حيث قال:
وكيف أصدق ما يقال عن ماضيكيا بلاديأنا الذي رأيت بيتك وأضواءه الخافتةولما أشاح عنك العاشقونقوَّدتِ لبناتكيا بلادييا بلادي. إنه نشيد عار لا يضارعه عارًا إلا ما قاله الحطيئة في المغفور لها أمه … ويا ليته تشبه بأشعيا واكتفى بقوله عن أورشليم: كيف صارت المدينة الأمينة زانية! ولكنه جعل بلاده قوادة، ولبناتها!
أما رقم ?? التي أولها «هذا الشبح الذي يلازمني.» فتذكرني بظل زاراتوسترا لنيتشه، ويقوى ظني إذ أسمعه يقول في الختام:
إلى أين؟إلى أين، أيها الظلالذي رأيته حتى في الظهيرة؟إلى أين أيها الشبح الملازميالذي رأيته ينتظرني بهدوءبين طيات المياهحين التجأت بجنونإلى الصخرة المثقوبة. أما سأل نيتشه ظله أن يسبقه إلى كهفه ليسهرا معًا؟ وما الفرق بينهما إلا أن هذاك بري، وهذا بحري.
إن عند توفيق صايغ ما عند نيتشه من عبقرية، أحسن الله النهاية!
و«في الطريق إلى دمشق» تلميح إلى الأسطورة المحبوكة حول بولس الرسول، ولكن مطلعها رائع: أرى ويرثي الكفيف لحالي.
وختامها أروع دلالة وصورة:
إلى طرسوس؟ وتهجر القدس؟إلى دمشق أيامًا. ونبلغ الكيلومتر ?? فنسمعه يناجي واحدة قائلًا لها:
عرفتكوأنا إناء من الزهر خلوفكنت الزهر، لكن ما كان أسرع ما فنيوأنا ديوان ليس فيه شعرفكنت الشعر، لكن ما كان أقصر غمرته. أجل، هذا صحيح، ولكن روحك الجبارة روح شاعر فنان؛ فليت العروض ينقاد لك فيسد فراغًا نتمنى أن يسده شعر عربي أصيل. أما هذا الشعر المنثور فهو بضاعة العاجزين.
كان أبي وجدي يقولان عن النبيذ الحلو: هذا نبيذ نسواني. وأنا أريد أن أسمي الشعر بهذا الاسم، فالشعر بدون عروض لا يكون، وإلا سقط موضوع التعجب منه كما قال الجاحظ؛ فالإيقاع لا بد منه، ولا يبلغ الإيقاع أقصى مداه بدون وزن وقافية. ومتى صار الشعر صف كلام يكون النثر المرسل على هينته خيرًا منه.
الخيال عند توفيق صايغ وافر، والعاطفة متقدة، فليت له القريحة! ليس هذا الكلام الذي يسمونه شعرًا إلا تقليدًا للشعر الأصيل التام الألواح، فنصيحتي للأستاذ صايغ أن يحاول النظم، ولا يقل: قد ذهبت أربابه.
إن الأديب لا تخلقه الجامعات بمراسيمها، أعني شهاداتها صغيرة وكبيرة، فما هذه الألقاب العلمية وغير العلمية إلا جلاجل تعلن قدوم القافلة، أما ما تحمله القافلة وتنقله من وشي وحلي وعطر وخمر، فهذا ما تقرره الدنيا لا المدرسة.
حاول كتَّاب القرن الرابع الهجري أن يحلُّوا النثر الفني محل الشعر المنظوم فأفلحوا على قدر عبقرياتهم، ولكنهم تخلصوا من الوزن وأبقوا القافية، أما اليوم فلا وزن ولا قافية، ومع ذلك يسمون كلامهم شعرًا بعين وقحة، وإذا كان هذا شعرًا فكيف يكون النثر؟
فلو سألنا سعيد عقل: ماذا قلت عن شعر توفيق صايغ في مقدمتك، فهل يستطيع أن يجاوب؟
علينا أن نخلص للشباب، ونقول لهذا الشاب العبقري العظيم توفيق صايغ: إذا صح أن نسمي بالشعر ما أطلقت عليه أنت اسم ثلاثين قصيدة كان في رقم ?? و?? و?? و?? و?? شيء من الشعر، وكانت قصيدة «فزع» أقرب إلى الشعر من كل ما في كتابك هذا.
وبعدُ، فاللحن لا يليق بأصحاب الدرجات العلمية العالية، بأستاذ يدرس المشرقيات في جامعة كمبريدج، فلا يقول: نطنط وشحط ومعمس كما يقول: وبعدها تذبحيه، في رقم ??.
وفي القصيدة ?? جاءنا بلفظة البارمان، وما أكثر مرادفاتها عندنا، ولكن الشاعر ينسى كل شيء حتى نفسه، ولولا ذلك ما راح توفيق يفتش عن رأس أصلع يحط عليه.
أقول هذا إذا لم يخدعني النظر إلى صورة توفيق التي على قفا كتابه، حيث رأيت أطراف الصحراء بدأت تترامى.
أما رقم ?? فتصلح للرقص والإنشاد، وكم تكون أرقص يا ترى لو ساعدها الوزن؟! «لقد صاهرك الشاعر» فيها يا توفيق، كما قلت في ختامها.
وأخيرًا لو ضممت يا توفيق إلى صوفيتك المتمردة وفكرتك العنيفة موسيقى الشعر واهتزازاته لكنت الشاعر الأول.
فهذا سعيد عقل الذي يحسب الدنيا أصغر من أن تسعه قد اعترف بعظمتك وجبروتك؛ إذ تجليت له في منطقة نفوذه، منطقة اللاوعي، فرأى أنك «كل شيء سوى اللاشيء.» والحاذق يفهم.

أسبوع طه حسين


محاضرة الأونسكو

منذ عشرين عامًا تقريبًا زار القاهرة الكاتب الفرنسي العظيم جيل رومان، وكان الدكتور طه حسين يحبو إلى الخمسين، فالتف وأدباء القاهرة حول الزائر الكريم فأمتعهم كما أمتعنا الدكتور طه حسين. أذكر أن الدكتور طه أطلق على تلك الزيارة الأدبية اسم أسبوع رومان، وها أنا أستعير منه هذا العنوان لأتحدث عنه تحته.
من عادة الأستاذ الكبير طه حسين أن يثير لا أن يصطاد، وهكذا فعل أمس في التي سموها مناظرة، ولم تكن كذلك من جهة طه حسين، وإن كان الأستاذ رئيف خوري أعد لها ما عنده من عتاد. قلت: عتاد؛ لأن أديبنا الكبير رئيف خوري لم يجابه بسلاح يثير الدموع، بل كان جديًّا متهيبًا، وإن أصاب أهدافه فبيد راجفة. لقد أكثر في تلك المحاضرة من كلمة «سيدي الدكتور» حتى كانت في حديثه كاللازمة، فذكرتني بصلاة الخورس السريانية التي يكثر فيها الشمامسة من كلمة «بارخ مور» للخوري الذي يترأس الصلاة.
نظم رئيف حديثه وأشبع البحث درسًا، وأثار قضية التوجيه في الأدب، فأمسك الأستاذ طه بهذا الخيط ولم يفلته. نسي المناظرة والخاصة والعامة، فكان هو في واد ورئيف في واد، حتى صح في الأديبين قول عمرو بن كلثوم:
فصالوا صولة فيمن يليهموجلنا جولة فيمن يلينا أما المستمعون فكانوا يسمعون كلامًا عذبًا كأنه الإيقاع يلقيه طه حسين متأنيًا، وإن كان من كل واد عصا، كما يقول المثل، ولكنها عصي رشيقة مثقفة؛ لأن الدكتور حسين يعرف كيف يصل إلى مستمعيه.
أذكر ولا أنسى يوم حضر طه اجتماع الأونسكو في ديارنا، وكان حديثه بالفرنسية، فشاء أن يعتذر عن ضعف لغته فيها، فعبر عن ذلك كما يعبر الفرنسيون فقال: «موفيز فرانسيه.» فظنوه يقصد الجماعة، فاستقبل فريق كلمته هذه بعاصفة من التصفيق.
وبكلمة، كان طه محدثًا أكثر منه مناظرًا أو محاضرًا، يستفز مستمعيه بتعابير حلوة تهز الأيدي والأرجل حتى وإن كان أكثرهم لا يدري لماذا صفق.
وبكلمة أوضح، كان زائرنا المشتاق مستخفًّا بموضوعه وبمستمعيه، فقلبه رأسًا على عقب حتى خرجنا من القاعة ولم نعرف أللخاصة يكتب أم للعامة، وكذلك خرجت الناس ولم نعرف أخاصة هم أم عامة.
في الجامعة الأميركية

وفي مؤتمر الدراسات العربية كان موضوع الدكتور «مستقبل الجامعة»، فلم يتنصل في بحثه كما تنصل في قاعة الأونسكو، ولكنه تحدث عن ماضي الجامعة المصرية بدلًا من أن يحدثنا عن مستقبل الجامعة، كما هو منتظر، بل يجوز لنا القول: إنه كان أكثر تحدثًا عن ماضيه فيها، وكيف أنشئت الجامعة المصرية غصبًا عن الملك والحكومة، وفي كل حال لم يحصر نفسه في دائرة موضوعه، فخرج منه وكأنه لم يخرج، ولكنه في كل حال سرَّ الجمهور، خاصة وكافة، بما في منطقه من جرس يجذب، وما في عبارته من حلاوة رغمًا عن التكرار واللف والدوران.
وأصغيت إلى محاضرته في دمشق وأنا متوقع أن أسمع شيئًا جديدًا يفك الريق، فإذا بالدكتور يلخص ما قاله قديمًا في حديث النثر والشعر عن أبي تمام والبحتري والمعري، ولا جديد إلا قوله: إن هؤلاء الشعراء سوريون، وإن سوريا وهبت الأدب العربي هؤلاء العباقرة، وخصوصًا أبا العلاء المعري الذي لا يضاهيه شاعر. وكان التصفيق الحاد، والوسام السامي، وطه لم يخرج من دائرة ما كتب منذ نصف قرن عن أبي العلاء وأبي تمام.
فإذا عدنا إلى أنفسنا وقلنا: بأي جديد أمتعنا الدكتور في هذه المحاضرات، كان الجواب: هزة كتف وقلبة شفة.
تحضرني بهذه المناسبة حكاية رواها الجاحظ عن أحد بخلائه، قال: دخل عليٌّ الأعمى على «يوسف بن كل خير»، وكان يوسف هذا قد تغدى، فقال: يا جارية، هاتي لأبي الحسن غداء.
قالت: لم يبق عندنا شيء.
قال: هاتي، ويلك، ما كان؛ فليس من أبي الحسين حشمة.
ولم يشكَّ علي الأعمى على أنه ليؤتى برغيف ملطخ، وبرقاقة ملوثة، وبسكر، وبقية مرق، وبعرق، وبفضلة شواء، وببقايا ما يفضل في الخامات والسكرجات، فجاءت بطبق ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل لا شيء غيره، فلما وضعوا الخوان بين يديه فأجال فيه يده — وهو أعمى — فلم يقع إلا على ذلك الرغيف، وقد علم أن قوله «ليس منه حشمة» لا يكون إلا مع القليل، فلم يظن أن الأمر بلغ ذلك، فلما لم يجد غيره قال: ويلكم! ولا كل هذا بمرة، رفعتم الحشمة كلها.
أما الدكتور طه فلم يدع الحشمة كلها، ولكنه تبل لنا طبخة البائت ببعض التوابل، ولم نفز من مطبخه إلا بأم الفلافل.
دعي أحدهم ليلقي خطبة لا تتجاوز ربع ساعة زمان فقال: يقتضي لي فرصة شهر لأهيئها!
فتعجب محدثه وقال له: لو طلبنا منك أن تحدثنا ساعة أو ساعتين، فكم كنت تطلب من الوقت؟
فأجاب: أتكلم الآن.
أنا آسف أن أصارح الدكتور طه ومريدي طه بهذه الحقيقة، فهو لا يخرج من قمعه.
وإذا أردنا تصفية الحساب مع طه حسين قلنا: إن الأستاذ الكبير والأديب العظيم قد شبع من الثناء حتى انبشم، وارتوى وما يزال ظمآن؛ لأن الأدباء لا يرتوون من الثناء ولو عبوه من نهر الفرات … وإذا فاته المدح فلا بأس بالقدح، المهم أن يُذكر، وإلا فأي داع لقوله لأسامة عانوتي حين سأله: أنت قلت: إن زعامة الأدب انتقلت إلى بيروت؟
فقال: لا، بل قلت: توشك أن تنتقل. وهكذا نراه في جميع مواقفه لا ينسجم مع نفسه. أراه كالقبوط «الجندب» تقبض عليه فيفر تاركًا لك فخذه.
وسمعته يقول في مواقف: أردت أن أغيظ المصريين … وأردت أن أغيظ الشباب، ولماذا؟ ألأنهم يفعلون اليوم كما فعل هو بالأمس؟! ثار على إمارة شوقي ورضي عن «عمادته» هو، وأي فرق بين الثنتين؟
فلو كان الأمر لي لنزعت هذه الألقاب فألحقها بالباشوية والبكوية وغيرهما.
أما وصلنا إلى ساعة ترتكب فيها جرمًا فظيعًا إذا لم تسلم على بعضهم بالدكترة؟ لم يدكتر طه أحدًا، وقد أحسن، ولكني لا أدري كيف كان يكون، لو قابلوه بالمثل؟
وسأله الأستاذ عانوتي في الإذاعة اللبنانية: بماذا يوصي الشباب المتأدبين: أوصاهم بالتأني؛ أي بالإعداد الطويل، فهل فعل هو شيئًا من هذا في كل ما سمعناه منه في لبنان وسورية؟ لقد صح فيه وفينا قول مثلنا اللبناني في الضيف الرخيص: أطعمناه من حواضر البيت.
وتعرض الدكتور في حديثه «مستقبل الجامعة» لقضية المعلمين ورواتبهم الضئيلة التي كانت لا تكسو ولا تشبع، فحسنها يوم استورز، فرنَّت كلمته وطنَّت في أذن معلمينا، وكانت دعوة النقابة لتكريمه، فأفاض في تلك السهرة في وصف ما أمن للمعلمين من معاش يرفه عنهم ويحملهم على خدمة النشء خدمة نصوحًا، فطابت النفوس ونام المعلمون تلك الليلة على سرور.
ثم كان تحليف الحكومة لفريق منهم، فتذكرت سنة ???? عندما كانت الحكومة العثمانية تحلف زعماء القبائل والطوائف يمين الإخلاص للدستور. لست أدري — والله — ما قيمة هذا الحلف الذي لجئوا إليه، ترى ألم يعرف داود أن خبز التقدمة لا يحل له؟! ومع ذلك أكله لما جاع.
وبنو حنيفة صنعوا صنمًا من حيس؛ أي تمر، وأخذوا يعبدونه، ولكنهم لما جاعوا أكلوا ذلك الإله. إن الخبز الكافي والثوب الوافي والبيت الدافي تغني عن ألف يمين.
أما قال الشاعر الصعلوك في ذلك الزمان مخاطبًا زوجته أم عامر يوم ساقوه إلى ديوان الأمير لأنه سرق كيس طحين:
فإن يضربوني جئتهم بدقيقهموإن حلفوني فانخلي يا أم عامر كان عندنا «ظابطي» عرف بالآغا، والآغا في ذلك الزمان كان قاضي تحقيق، فوقع على مذنب يعرف أن ذمته واسعة، وكان متهمًا وليس لدى خصمه من يشهد عليه، فتحيَّر الآغا، وأحب المُدَّعى عليه أن ينقذ الموقف فقال للآغا: حلفني يا سيدي؛ فأنا مستعد أن أحلف لك أنني بريء.
ففكر الآغا هنيهة ثم التفت إليه غامزًا مبتسمًا: معك ريال مجيدي؟
فتهلل الرجل واعتقد أن المجيدي فض المشكل وأراحه من رح وتعال، وتعطيل أشغال، فقدم الريال للآغا، فأخذه ثم تفرَّس بالرجل وقال له: اطلب الريال المجيدي مني.
فقال الرجل: العفو يا سيدي، كيف أطلبه منك؟ وما قيمة المجيدي؟ خففت عني من المتاعب ما يسوى ذهبات صفرًا.
فصاح الآغا: قلت لك اطلبه مني، وبعد ذلك ترى.
فقال الرجل: طيب، هاته يا سيدي.
فقال: ما هو؟
فقال الرجل: الريال.
فقال الآغا: أنت أعطيتني ريالًا مجيديًّا؟ وحق القربان والصليب والثالوث الأقدس ما أخذت منك شيئًا.
فتعجب الرجل وقال: والو يا سيدنا!
فقال الآغا: والو يا طنوس، متى صار الآغا جحش حمار حتى يحلِّف الناس ويبرئهم بناء على كلمة يلفظونها؟ هذا ريالك؛ خذه. رُح هيئ حالك للنوم في بيت خالتك.
هذه قصة نرويها بلا تعليق، وإذا قال أحدهم: هل صارت الناس كلها بلا دين حتى تحلف ولا تبالي؟ قلت له: إن الأمير بشير حلف على مذبح سيدة التلة، في دير القمر، هو وجرجس باز، أمام البطريرك يوسف التيان على أن لا يخون أحدهما الآخر، ثم ماذا كان بعد ذلك؟ أما فتك الأمير بشير بجرجس باز، واستقال البَطْرَك التيان احتجاجًا؟ ولكن صار الذي صار، ولم ترجع روح جرجس باز إلى جسده.
المستر كراين

على أثر الاحتلال بعد حرب ????، جاءنا رجل أمريكي اسمه المستر كراين، وطاف في الأقطار العربية كلها، وخصوصًا في لبنان وسوريا، سائلًا الناس: انتداب أية دولة يفضلون؛ فرنسا أو إنكلترا أو أمريكا؟ وتألبت الناس عليه، وعرضوا له مطالبهم، وهكذا فعلنا نحن في أسبوع طه حسين، فبعد عرض قضية المعلمين في تلك الليلة الساهرة، هبَّ الأدباء يرفعون للدكتور عريضة استرحام طالبين، عن يده، عفو مصر عن الأديب المفكر الحر الأستاذ عبد الله القصيمي.
عرفت الأستاذ القصيمي مفكرًا حرًّا، فاضلًا أبيًّا عزيز النفس، ولكن لا بأس عليه إذا تمثل بقول أبي فراس: لولا العجوز بمنبج … إلخ، ولا بأس عليَّ إذا عجزت طه حسين، فلعله يحتدُّ ويعيد الشيخ القصيمي إلى وكره في القاهرة، وإلا قلت: هذه حكاية مستر كراين تعيد نفسها.
إن قضية معلمي المدارس الخاصة لا تحلها تصريحات طه حسين، فأولو الأمر عندنا يعرفون الأنظمة العالمية عن ظهر قلبهم، ولأمر ما جدع قصير أنفه، وإذا لم يبن رب البيت، فعبثًا يتعب البناءون.
إن جميع القوانين نُظر فيها إلا قضية معلم المدارس؛ لأن لمقاوميه ظهورًا قوية، وهو مكسور العصا، وهذا الحال يا عوكر، العالم راكض ركضًا إلى الأمام، فمن قنبلة ذرية إلى هيدروجينية، ومن مدافع ضد الطائرات إلى آلة تتناولها كما يتناول الصقر العصفور … والمعلمون، وهم مربو الأمة، سلاحهم بندق بو فتيل، والدولة ترضى منهم باليمين. أما الخبز فعلى الله، أما قالوا: إنه، جل جلاله، يخلق دودة في صخر ويخلق لها معاشها؟
فاتكلوا عليه أيها الإخوان، ولا تنسوا كلمة الإنجيل: إيمانك أحياك. اذهبي ولا تخطئي أيضًا …

كتاب الثورات


لسلامة موسى
هذا كتاب تجسدت فيه نفس سلامة موسى، وهو كتاب الثورات، وحياة سلامة موسى تاريخ ثورات، فهو الكاتب الثائر في كل فصول حياته، ثائر على طرق حياتنا، ثائر على طرق عاداتنا، ثائر على تقاليدنا، على ثقافتنا التي قال فيها في كتابه هذا: الثقافة الأوروبية هي التي حطمت العقائد والتقاليد الهندية، وأكسبت الشخصية الهندية استقلالًا جديدًا، فحل التفكير محل التقليد، والنهضة مكان الجمود … لم ينهض بالأمم الشرقية التي ذلت تحت أقدام الاستعمار سوى أولئك الذين لقنوا الثقافة الأوروبية وعبوا منها … أما الذين قنعوا بالثقافة الشرقية فقد قعدوا ولا يزالون قاعدين.
قال الشرق في الهند بإعدام الأرملة، وبنجاسة خمسين مليون هندي، إلى أن قالت الثقافة الغربية بلسان طاغور وغاندي ونهرو: إن الإنسان الهندي فوق الآلهة الهندية، وإن الشعب الهندي فوق المهارجة، وإن رغيف الخبز للجائع خير من اللؤلؤ والألماس للمهراجا! وتجرأ شاعر الهند طاغور على أن يقول: إني لأود أن تصيب الهند صاعقة تحطم جميع معابدها، ثم تعود بعد ذلك فتنشئ دينًا جديدًا.
وأولًا وأخيرًا ثار على طربوشنا، وهبك الله عمره، فهو كاتب نسيج وحده، بين كبار كتاب مصر، انتهت إليه، بعد الشميل وصروف وفرح، قيادة رسالة الفكر والعلم والتطور، فهو لا يقيم للأدب وزنًا ما لم يكن بنَّاء، وله فيما يكتب آراء لا أدري مقدار وزنها، أذكر أنه قال في حملته على الطربوش ما معناه: إننا إذا طرحناه جانبًا ولبسنا البرنيطة نصبح نفكر بعقلية غربية، ونبتعد عن طريقنا الشرقية التي لم تعد تصلح للحياة في القرن العشرين.
مسألة فيها نظر إلى حد ما، أظن أننا إذا طعمنا لوزة خوخًا، فالجذر يظل جذر لوز، ولكن الثمرة تتغير، ولهذا قال السلف: الملبوس لا يعمل القسوس، وعرق الأصل نزَّاز.
لا أظن أن سلامة موسى اكتسب مبادئه الثورية من ملبوسه، ولا أنا كذلك، فقد كنت يوم كنت ألبس الغنباز ثائرًا كما كنت بعده، ولا أظن أن البنطلون الذي ضيق عليَّ استطاع أن يحول بيني وبين حريتي، فالثائر المطبوع لا يحول دون ثورته عشرة أذرع مقصورًا، أو كم يرد جوخ.
لقد انقطعت عنا أخبار سلامة موسى حقبة من الزمن حتى كاد ينساه الناس؛ ولهذا لا بد لنا من إلمامة تعيد إلى الأذهان ذكرى هذا الكاتب المتمرد، فهو صاحب المجلة الجديدة التي أصدرها سنين فكانت بوق الثورة الصارخ: أيها الشرقيون، أعدوا طريقًا للجديد إذا كنتم تطلبون الحياة.
وهو أول من ألف كتابًا في العقل الباطن أذاعته مجلة الهلال كهدية لقرائها عام ????.
وله في هذا الموضوع أيضًا كتاب اليوم والغد، ونظرية التطور وأصل الإنسان، وحرية الفكر وأبطالها في التاريخ، وأحلام الفلاسفة، وغاندي، والحكمة الهندية، والسيكولوجية في حياتنا اليومية، والنهضة الأوروبية.
ما ذكرت هذا إلا لتظهر عناوين كتبه أنه كاتب تقدمي، كما يعبرون اليوم، وربما جاء يوم قال فيه الآتون بعدنا: إن سلامة موسى هو ممن أيقظوا نواطير مصر النائمة عن ثعالبها … فكلمة: طائر يغني في غير سربه، تصح في هذا الكاتب لا في ابن الرومي، فهو أديب في كوخ لا في برج عاجي، أديب شعبي يكتب ليفيد، يبتعد عن القديم حتى في تعبيره، وحسبك قوله في مقدمة كتابه العقل الباطن: وقد توقيت فيه، بقدر الإمكان، ذكر الألفاظ العلمية؛ لأنه موضوع لجمهور القراء، كما توقيت فيه الألاعيب الأدبية الرخيصة، مثل: «رأيت فيما يرى النائم» بدل «حلم»، و«الجاثوم» بدل كابوس، إلخ.
وبعد أن غاب عنا سلامة موسى سنين، إذا به يطلع علينا بكتاب الثورات، وهو كتاب الساعة، وحسنًا صنعت دار العلم للملايين إذ نشرته، فنحن أحوج ما نكون إليه، فلا تجديد بلا ثورة، وحسبك برهانًا على أن الثورة لا بد منها،أإن أولى الثورات كانت في السماء، أما أبى إبليس أن يخضع وثار فاستقل؟ ولكن بمملكة الشر. لا بأس … أما قال شاعرنا:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنمايرجى الفتى كيما يضر وينفع يلم الأستاذ سلامة موسى بتاريخ الثورات والرجال الذين صنعوها، ولكنه لا يأخذ التاريخ بعفشه ونفشه، بل يأخذ منه المواد التي تولد الانفجار، وهو يقول: في هذا التاريخ مركب كيماوي يتسلل إلى خلايا المخ، فيحرك الذكريات ويصل بيننا وبين الأبطال، ويثير الحنين إلى الضحايا، فيحدث التغير والتطور في نفوسنا حتى لنعود أبطالًا، وحتى لنرضى أن نكون ضحايا.
والكاتب متألم جدًّا حتى إني أخشى عليه أن يكون قد تجاوز حدود الإنصاف حين قال: عانيت بعض المظالم، كما عانيت في عام ???? و????، واعتقلت اثني عشر يومًا لأني قلت: «إن في مصر من يعيشون بألف جنيه في اليوم، ومن يعيشون بثلاثة قروش في اليوم، وأحيانًا لا يجدون هذا المبلغ!» ولذلك ألفت هذا الكتاب وأنا في شهوة من تلك الشهوات الذهنية العليا التي تنتاب المؤلف وتقارب الإلهام، وأحسست طرب العاصفة، ولذة الانتقام من الذين خانوا الإنسانية والشرف. وأية لذة أكبر من أن يحس المؤلف وهو يكتب أنه يبصق على وجه تشارلس الأول ولويس السادس عشر، وتوفيق وفؤاد وفاروق؟
قال ابن الرومي في ختام أبيات واصفًا نفسه ومعرفًا الناس بها: ماذا يقول القائلون بعدي؟
ونحن ما عسانا نقول في كتاب سلامة الذي يقول: إني أفرج بهذا الكتاب عن توترات صمتُّ بها أكثر من نصف قرن!
للمؤلف أن يكتب ما شاء من حقائق، وربما أن سلامة موسى ما كتب غير الحقائق، ولكنه ألا يرى معي أن كلمة «الدخاخني» مثلًا، التي ذيَّل بها اسم محمد علي لم تعد تليق بهذا الرجل، كما أنها لا تحط من قدره؟ فليته استغنى عنها وعن أخوات لها في مثل هذا المؤلف النفيس النافع.
وهناك أيضًا ألفاظ ليست أسمى من بضاعة الشارع بكثير، قال الأستاذ سلامة موسى: إنه صام نصف قرن، وأقول أنا: إن فطوره كان ألذ وأشهى لو نقى جو المائدة.
أعجبني قوله: إن الثورة إذا لم ينضم إليها الشعب لا تنجح وإن كان مشعل نارها أفراد قلائل، وقد نص الرئيس لنكولن: إن من حق الشعب أن يغير الحكومة بالطرق الدستورية، وإذا لم يستطع فله أن يغيرها بالقوة.
ويسفه سلامة كتَّابًا وشعراء مدحوا «فاروق» وأباه، ثم يعد قصائد شوقي في عباس وفؤاد وفاروق عارًا على الأدب المصري، ثم ينحى باللائمة على الأدباء الذين لم ينطقوا بكلمة تستحق البقاء في مدح الجيش أو قادته الذين أنقذوا الشعب المصري من شرور فاروق.
إن سلامة كان يتخيَّل أمامه المتطاول على حقوق الشعب ولو كان بينهما دهور، فيرشقه بقنابل نعوته ويقول له: مليح هيك أم يلزمك أكثر؟
قد لا يزيد هذا الكتاب الخواص علمًا بتاريخ الثورات العالمية ومقدماتها ونتائجها، ولكن المؤلف يؤدي فيه رسالته على حقها إلى العوام، وهو يكتب لهم، فإذا سمينا كتابه هذا كتاب الشعب لا نعدو الحق.
أما في الحقل المصري فأظن أنه يفيد جميع الناس خاصة وعامة؛ لأنه فصَّل تاريخ ثورات مصر بأوجز كلام.
كلنا يسمع بثورة أحمد عرابي، ولكن سلامة أنار أذهاننا وأشبعها من هذا البحث، كما وصف الثورات المصرية حتى قال في وصف الوفديين بعد فؤاد سراج الدين: ثائرون راكعون.
وسلامة موسى، في كتابه هذا، ليس مؤرخًا فقط، بل هو فيلسوف اجتماعي وصاحب رسالة، وإن كنا صرنا في زمان يدعي فيه كل إنسان أنه صاحب رسالة حتى بائع الكوسا والبطاطا. أما رسالة سلامة فتلخص في قوله: يجب أن يرسخ في أذهان الشعب أن الصناعة هي الحضارة، وأن أمة تعيش بالزراعة فقط لا يمكن أن تكون متمدنة بما تحمل كلمة التمدن من معاني القوة والرفاهية.
ويتمنى على «الثورة» أن تنقذ مصر بمساواة المرأة بالرجل مساواة تامة، ويرى أن على المصري الصادق في وطنيته أن يكافح رجعية الشرق كما يكافح استعمار الغرب، وكلا المرضين شر من الآخر.
ولعل خير كلمة تستحق أن تسمى مسك الختام هي ذاك التعبير العامي: على سلامتك يا موسى. لا ينقصك إلا العصا، ومع ذلك فجرت ينبوع الفكر بدونها.

تامارا


لخليل تقي الدين
قال بعضهم: إنها غير حامية … وأنا أقول لهم: ليست مثل فرن سيمنتو شكا، ولا من ذاك الطرزاني ولا الهولمزي، ولكنها كما قال زياد: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، أليست صورة حياة جاسوسة؟ والجاسوسية أبعد ما تكون عن الصخب!
ويقول آخرون: كانت عبارة خليل تقي الدين كلاسيكية متماسكة، فهل أثرت ديبلوماسيته في تعبيره؟ فها هو هنا غير ما كنا نراه.
وأنا أقول: إن موضوع تامارا لا تلائمه المنفلوطية ولا الجبرانية، فإذا كنت تطلب ذلك فعليك أن تطلبه في «خواطر ساذج». إن خليل تقي الدين في قصة تامارا يتحدث عن الحياة بلغة الحياة التي تأبى التقعر والتكلف والتصنع. لقد أعجبت بطواعية العبارة التي رأيتها في تامارا، رائعة خليل تقي الدين، فعزوت ذلك إلى أنه كتب قصة عاشها ثلاث سنوات، وفكر بها عشر سنين، وكتبها للصياد في ثلاثة أيام، فمشى فيها قلمه على هينته، وهذا أصدق دليل على ترك التعمل فيها.
أنا لم أقرأ بعد قصة بهذه السهولة البليغة التي تصور لنا تصويرًا رائعًا ملامح الأنثى الروسية وطباعها كما تبدو في «الإخوة كرامازوف» لدوستوفسكي، وفي رواية «البعث» لتولستوي، فهذا الحب الصاخب العابث الذي صُوِّرت به تامارا، بطلة قصة خليل تقي الدين، هو هو عينه.
لا أدري إذا كان الذنب للاسم، ففي التوراة تاماران: تامار سفر التكوين التي لعبت «اللعبة الكبرى» مع حميها … وتامار أخت أبشالوم، فهل تكون تامارا هذه من أولئك الإناث، فيكون فجورها أصيلًا، وتحسسها ومكرها في دمها العبراني كدليلة ويهوديت وغيرهما من بنات إسرائيل؟
وكيفما دارت بتامارا الحال، فهي قصة جديدة من نمط جديد قلما ظفرت بمثلها القصة العربية. جديدة في محيطها، جديدة في حوادثها، جديدة في طرافتها التي أخرجت القصة العربية من محيطها الذي صار مبتذلًا إلى محيط عالمي ظريف واسع.
كنا نقول، وأنا قلتها له، منذ سنتين، لأعيده إلى حظيرة الأدب والأدباء: ما دخلت السياسة شيئًا إلا أفسدته. أما الآن فإني أقول: كثر الله خير السياسة، فقد كان لنا منها رزق عميم، وليت كل سفرائنا أدباء قصصيون ليخرجوا لنا أخوات لهذه القصة النفيسة، فهؤلاء السفراء يرجى منهم أن يُطعِّموا أدبنا، ولا يُحسِّن الأجناس غير التطعيم.
وخليل، في هذه القصة، يصف الحياة في موسكو بلباقة كلية، وكذلك الأعمال والجو السياسي. اقرأ وصف شخصية السفير الصيني لترى صورة تموج الحياة بين سطورها، فالاندماج والانسجام بين التعبير والموضوع تام. وهناك التعابير الشخصية التي كانت تنقص المؤلف فيما مضى قد ذر قرنها هنا، ولو كان خليل نقَّح قصته مرات لكان نصيبه من هذه أوفر جدًّا.
أما التحليل النفسي فكافٍ، إنه كالملح في الطعام، وهو لو زاد عما هو لعوق سير القصة التي تمشي الهوينا لا ريث ولا عجل. يترك الفجوات التي تبلد الموضوع ويفر فرًّا كما يفعل القصصي الكبير.
يجسد لك تامارا ويريك بوضوح كلي هذه المخلوقة التاعسة التي سيرها اثنان: القدر وصاحب التلفون الأخضر. مشت في سلم الحياة من أوطأ الدرجات إلى أعلاها، من ربيبة كوخ إلى فتاة متشردة تعربد في الشارع مع من يعربدون، وترفه عن الجنود المكدودين … إلى أن تصير زوجة سفير، وتصادق هذا وذاك، وتلعب «اللعبة الكبرى» إذا أمرها التلفون الأخضر بذلك.
ومن فتاة تتعلم الفرنسية والإنكليزية في نصف سنة، فتصير سيدة راقية تكون نقطة الدائرة في الصالونات الكبرى. وبعد هذا العز تطرد السفيرة من السفارة طرد الكلاب لأن زوجها طلقها، ثم ختمت حياتها كما ابتدأت بالشقاء والعذاب، ولا يعلم أحد إلى أين قذف بها صاحب التلفون الأخضر.
إن هذه القصة لا تلخص؛ لأنها هي ملخصة بل مختزلة. تصف حياة جاسوسة وصفًا تامًّا ليس في حوادثها غصون نابتة على الجذع فتمتلخ، فهي حياة امرأة عابثة مغامرة انتقلت من هالك لمالك إلى قباض الأرواح.
سمعنا بفنون كثيرة في التهريب، أما تهريب البشر في حقائب السفر فقد رواه لنا خليل في قصته تامارا، وقد قال الشاعر: تغرب ففي الأسفار خمس فوائد. وهذه فائدة سادسة ما سمعنا بمثلها.
والخلاصة أن تامارا كأخواتها كانت تضحي بجمالها وحياتها كاليهوديات اللواتي لعبن في التاريخ العبراني أدوارًا خطيرة، ولكن الدائرة أخيرًا دارت عليها، وما ظفرت إلا بالخلود الذي أتاحته لها ريشة خليل تقي الدين.
تمنت عليه أن يكتب قصتها، فبر بوعده وكتبها، وتصيدها الضرغام — سعيد فريحة — فيما تصيد، فكانت خير هدية أدبية لقراء مجلته وللمكتبة العربية التي فازت بطرفة جديدة من هذا النوع.
إني لآمل من شبابنا الديبلوماسيين أن ينهجوا نهج الخليل، فلولا الغربة ما كان لنا الأدب الأندلسي، ولولا الهجرة إلى أمريكا ما وقع أدبنا على شيء غير قديمة، ولولا الاستعمار ما كان لكتاب أوروبا قصص غير محلية ازدهى بها أدبهم. فهذا مرعى جديد تدر عليه الأقلام، فهات يا خليل ما عندك بعد أن يتحرك ديبلوماسينا الآخر أخونا توفيق عواد.

قصص شامية


للسيدة إلفة الأدلبي
منذ ثلاثة أشهر تناولت هذه المجموعة من القصص، وفي الكلمة التي قدمها بها الأستاذ محمود تيمور لقراء العربية قرأت: إن كاتبة قصصية قد بزغ نجمها في أدبنا العربي الحديث، وإن هذا النجم قد أخذ يبعث في عرض الأفق ضوءه الوادع اللماح.
قرأت هذا فتذكرت أنني قد تعرفت إلى السيدة إلفة الأدلبي في الأثير، والأذن «تعرف» قبل العين أحيانًا، فمنذ ثلاث سنوات نقدت «على الطائر» أقاصيص أذاعتها من محطة الشرق الأدنى، وأذكر أنني استحسنتها وسألت كاتبتها أن تسير في طريقها وتصور لنا هذه الزوايا، فنحن في حاجة إلى الاطلاع عليها. إنه لون محلي لا يزال بِكرًا يحتاج إلى قلم يصوره. وما زلت أذكر تلك القصة التي تصور لنا المرأة القلقة المضطربة في براثن الطلاق، ولا يعلم إلا الله ما يكون مصيرها. ولما شرعت في قراءة هذا الكتاب تذكرت جيدًا أن القصة الأولى وعنوانها «الستائر الزرق» هي التي سمعتها قديمًا، وإنما بغير هذا العنوان، وأذكر، على بعد العهد، أنني تمنيت على السيدة إلفة أن تتوغل وتبعد ما استطاعت في تصوير محيطها، وها هي قد فعلت مدفوعة من طاقتها الفنية، لا لأني قلت لها: افعلي.
أنا لا أطلب منها أن تحدثنا عن سمكة صياد همنغواي؛ ففي بحر حياتنا ومجتمعنا حيتان ونينان علينا أن نطاردها في الأعماق، حتى إذا ما فرغنا من عملنا المحلي نفتش، بعدئذ، عن غيره في أعماق البحار ومطاوي البيد والقفار.
ولا أطلب من القصصي والقصصية أن ينحوا نحو سارتر ووجوديته، فنحن موجودون كل على ذوقه … إن من حق هؤلاء الأبطال الخاملي الذكر أن يدخلوا ملكوت الأدب ويكونوا أبطال أقاصيص، أليسوا هم الحجارة الخام في بناء مجتمعنا الشرقي؟
إن أرضنا بور، يا سيدتي، فلنحرثها أولًا، ثم ننقل سكتنا إلى الأراضي المجهولة، إلى الأرض الموات لنحييها وتصير لنا. إن أساطيرنا، وكل بلد فيه منها ما يكفيه، تحتاج إلى من يحييها، وفي إحيائها أدب جم ومواضيع طريفة، ولندعُ للغائصين إلى الأعماق بالرجوع سالمين من أسفارهم الطويلة.
أنا أؤمن بالذاتية قبل كل شيء، وقد رأيت السيدة إلفة ذات ذات، فقلت كلمتي فيها منذ أعوام ثلاثة، وحسبها في كتابها هذا أنها فتحت طاقة تطل على البيوت الشامية، فصورت بعض نواحٍ من نواحينا الشرقية.
تصور لو أن السيدة إلفة عملت حكايات كغيرها لا تصلح لمكان، وتصلح لكل مكان؟ فخير للكاتب أو الكاتبة أن يكون له غرفة، بل كوخ من صنع يديه، من أن تكون له دارة بالأجرة.
فعلى هذا الأساس بنيت تقديري للسيدة إلفة الأدلبي، وهنا نقرر للأستاذ تيمور إصابة ثانية وهي قوله: فلا ريب أن القصة في أول الأمر وآخره أدب، والأدب ألوان، والحظ العظيم فيه لإمتاع النفس برقة الحديث، ولطف المناجاة، وعذوبة السمر.
وأنا أقول: إننا لنسمع الحكاية عينها من شخصين، فنستلقي على ظهورنا من الضحك حين نسمعها من أحدهما، ونضحك مستهزئين حين نسمعها من الآخر. إن الأديب لا يفرض عليه الموضوع كما يفرض على أحداث في المدرسة، بل يترك وشأنه، فإن أخرج للناس ما يُقرأ، استحق الإعجاب، وإلا فهو لا يفوز إلا بقلب الشفتين والاستبعاد.
إن موهبة القص متوافرة للسيدة إلفة، ومن أقاصيصها الشامية السبع عشرة يعلم حقًّا أنها تستحق أن تحمل هذا الاسم؛ لأنها لم تعالج إلا مواضيع محلية. لقد كنا في حاجة قصوى إلى مرآة تصور لنا أعماق نفسية المرأة وبدواتها ونزواتها وأمانيها، وإذا بنا نعثر على الكثير منها في هذه الأقاصيص الطريفة. والآن فلننظر فيها بقدر ما يسمح لنا المقام.
ففي قصة «الستائر الزرق» تصور لنا سيف الطلاق المصلت فوق رأس بطلة هذه القصة، ثم كيف كان الزوج طيبًا فعرف أن يدين نفسه قبل أن يدان. رأى أخيرًا أن لا يستبدل بقرقورته الداجنة غزالة آبدة، أدرك أنه، وإن كان بلا عقب، ليس عليه أن يفلت من قفصه عصفورة جوية لتحل محلها عصفورة برية.
هذا تلخيص، والتلخيص يقتل الفن، فنصيحتي للقارئ أن يطالع هذه القصة، فهي الأولى في المجموعة مرتبة وفنًّا. لقد شعرت إلى أبعد حدود الشعور بما في قلب أم الستائر الزرق من حسرة تقتل أغلظ الرجال كبدًا. والفضل في هذا لحسن التصوير وسهولة السرد والسياق، ولو كان زوجها ذهب في تنفيذ فكرته إلى أبعد الحدود لما كان للقصة هذا الوقع في النفس.
وفي قصة «القرار الأخير» ترفع السيدة إلفة أختها المرأة من الوهدة التي كادت تقع فيها. وهنا لو تعمقت الكاتبة في وصف هذا الصراع النفسي لجاءت قصتها تامة، ولم تكن دون الستائر الزرق عمقًا، ونجت من هذه السطحية. أنا لا أطلب منها تطويلًا مملا كحديث صياد همنغواي مع السمكة، ولكني وجدت القول ذا سعة في معركة فاصلة في الحياة، وهي لم تصف لنا غير القشور، أما اللباب فظل بمأمن لم يمس.
و«مهدي أفندي» قصة قاضٍ حكم بطلاق امرأة ليأخذها، وصف جميل وواقعي لملاحقة الشباب للنساء، ووصف شعورهن وحركاتهن.
وقد أعجبتني فيها فجوة هي من خصائص الموهوبين والموهوبات، فببراعة فائقة أفهمتنا أن القاضي حكم بالطلاق، ثم عاقبته على جوره بتزوجها بعد شهور قلائل من القزم الدميم، ولولا هذا التفصيل لما فقدت القصة شيئًا من جمالها. لقد أحسنت في تلك الجمزة في قلب القصة، أما ختامها فأفقدها كثيرًا من الزخم.
إن السيدة إلفة في استهلال قصتها أبرع منها في ختامها، ولعلها تحب التفاصيل ولا تريد أن تترك مطامير للقارئ، إن القارئ، أجلَّه الله، يجب أن يكون قوي حاسة الشم لنبش ما يُخبَّأ له، والكاتب القصصي يجب أن يحسن التخبئة شرط ألا تكون تعجيزًا.
أما «قصة انتقام» فليست من بابة أختيها السابقتين، وفيها إهمال لتصوير بطلها ومحيطها، ولكنها تفهمنا أن الرضاعة مانع مع الزواج كالعراب «الكفيل» في المعمودية عندنا.
أما قصة «كان سيئ الخلق» ففيها الإطار الجميل والحوار البارع بين زوجين شيَّخا وقعدا يقلبان دفاتر حياتهما العتاق، ويذكران أيام العز والنقار، والختام هنا موفق.
وتأتي قصة «أبو شيخو»، وهي من أساطير البلدة. إن الكذبة الملفقة البينة كالعنزة البلقاء لا تستأهل هذا التأسف في آخرها على موهبة خيال أبو شيخو المدفونة في قبر الفقر. فأبو شيخو هذا من الفئة التي كان يسمي والدي صاحبها نصف كذاب؛ لأنه يقول ما لا يصدق، والجاحظ كان يقول: إن مثل هذا الحديث لا يعجبني؛ لأننا إنما نقول ما يمكن تصديقه.
أما «ثوب سلمان» فقصة بليدة السيرورة وغريبة التصوير، وأديب لا يفرق بين الفسطان وقميص نوم أخيه سلمان هو أبله.
وقصة «كاسات معدودات» تصور لنا لونًا محليًّا صارخًا في حوادثها وتعابيرها الحوارية، فهي قصة شامية لونًا وطعمًا، وفي «مرآة خالدة» تصور لنا عداوة المرأة للمرأة متى مالت شمس العمر وشال الشباب في الميزان. إن السيدة إلفة قد أفادت القصة العربية جدًّا في حديثها عن أطوار المرأة وما يتعلق بها. ومن أدرى بالمرأة من المرأة؟
وحين قرأت قصة «يوسف عيد» قلت: هذه أقاصيص كنا في حاجة إليها؛ فهي تصور لنا كيف أنه عند كل ملة ما يكفيها، فهذا الشيخ يكتب لامرأة حجابًا لتلد ذكرًا بعدما نكبت زوجها بسبع بنات، واشترط أن يسمى يوسف، ولما ولد يوم العيد ووقع خلاف بين الأبوين على تسميته، جاء الشيخ ليقبض المؤخر من الجعل، وسماه يوسف عيد دفعة واحدة، وكما ولد يوسف عيد بأعجوبة، كذلك نجا من الموت بأعجوبة لإيمان أمه القوي، وانتهت القصة بسلام، وهي بين بين.
لقد تعبت من التلخيص والتعليق، فلنمر مرة عابرة، كما هو عنوان كتابنا. استكبرت على المرأة في قصة «لو ينكسر الحديد» أن تقتل عملاقًا بضربة فأس فتحطم جمجمته، ولو كانت هيَّأتها بالوصف لتؤهلها لهذا البطش لهان، ولكننا لم نعرف شيئًا عن سحنتها.
أما ختام قصة «كلام رجال» فأعجبني جدًّا، وفي قصة «الآغا أبو الدب» رأيت السيدة إلفة «تقدمية» كما يقولون اليوم، مع أنها بنت باشا. فحياها الله على تضحيتها هذه وفركها أنف الآغا الصخري القلب.
وفي قصة «الدرس القاسي» وصفت لنا ببراعة ما يثير الرقص في نفوس الأزواج من غيرة حامية الوطيس، ولكن رابني أمر ذاك الحوار الطويل الذي ساقته السيدة إلفة بين السيدة والشاب الذي تراقصه على مرأى من زوجها، فهل هو ممكن الحصول؟!
إني رأيته قد طال، وإن كنت لا أعرف شيئًا عن الرقص وما يجري ويدور أثناءه، ثم هب أنه ممكن، فهل يقال في ذلك الموقف أكثر من جمل قصيرة جدًّا؟ فقد رأيت جملًا لا يحتمل المقام طولها.
وفي القصة الأخيرة «أمجرم هو؟» صورت لنا خفة عقول الأدباء حين تبتسم لهم فتاة، فيحسبون أنها وقعت في هواهم ولو كانوا من عمر جدها.
والخلاصة: إن في هذه الأقاصيص الشامية دروسًا اجتماعية تمليها علينا الحوادث القصصية غالبًا، وأحيانًا تتولى السيدة العمل بنفسها فتظهر شخصيتها. وهذا ما لا يقره الفن.
إن موهبة القص متوافرة عندها، وفي الاستطاعة أن يكون الحوار طبيعيًّا أكثر، وكذلك سلامة العبارة من الضعف النحوي واللغوي. وهذا يكتسب بالمران؛ فإلى الأمام يا سيدتي الأديبة.

الدم الأزرق: دزينة مسرحيات


لفؤاد قاسم
أول ما قام المسرح على ساقه كان ذلك في لبنان منذ قرن وأكثر. أما لبنان اليوم ففقير إلى رحمة رب هذا الفن. كنيسة صار بيت مارون النقاش أبي المسرح العربي، ولكن المعاهد العلمية والجمعيات الأدبية ثبتت عمله ومضت به إلى المدى الذي وصل إليه. أما اليوم فصرنا نسمع التمثيل ولا نراه؛ فبفضل الإذاعات صارت الروايات تمثل قرب مضاجعنا فيأتينا رزقنا الفني رغدًا، وإن كان قيل: ما راءٍ كمن سمعا.
أمامي الآن مجموعة تمثيليات الأستاذ فؤاد قاسم الطيبة، وإذا كانت مهمة الناقد أن يكتشف، فأنا أزعم أنني اكتشفت نجمًا مسرحيًّا جديدًا. كانت المدينة في حاجة إلى مسرحي يعالج شئونها وشجونها، وها هو فؤاد قاسم قد برز لها كما برز للقرية من قبل الأستاذ سعيد تقي الدين في «نخب العدو» و«المنبوذ»؛ ففي «الدم الأزرق»، و«أخبار سارة»، و«صحون طائرة»، و«مشروع زواج»، و«ملح الكلام»، و«بعد عمر طويل»، و«المزين أنطونيو»، و«بنت نديمة هانم»، و«ما ليس بالحسبان»، و«الورد جميل»، صور مدنية بيروتية كنا في أشد الحاجة إليها في أدبنا، وها هي قد برزت مجلوة كالعرائس.
قدم فؤاد قاسم أوراق اعتماده إلى دولة الأدب بكل تواضع، غير مبال بمدير تشريفات يرافقه، ولا بحرس يؤدي له التحية وينشد النشيد الرسمي.
ها هو ذا بلا مقدم ولا مقدمات يقول لنا في بضعة أسطر: هذه مجموعة من التمثيليات الإذاعية المسرحية المستمدة من صميم الواقع، أقدمها وأنا موقن أنها خطوة لا بد منها لتعزيز هذا اللون من الأدب الذي ما فتئ المسرح العربي محرومًا منه، والذي تنشده دور الإذاعات العربية باعتباره عنصرًا رئيسيًّا من عناصر برامجها المتصلة بثقافة الجمهور، وإشاعة المسرح بين طبقاته. لست أدعي التوفيق، ولكني أؤمن بأني وضعت لبنة في بناء أرجو أن يتكامل.
لا تتواصع يا أخي، والله لقد وُفقت جدًّا، يقول مثلنا: الرجال مخبأة في ثيابها، وها أنت قد طلعت علينا بطلًا مسرحيًّا يسير في الطليعة. هذا حدث جديد في أدبنا العربي يستحق أن يؤرخ، وإذا كان قد أذيع شيء من مثله؛ فلهذا لونه وطعمه ونكهته، والمآدب العظمى تحتاج إلى ألوان مختلفة وطعوم شتى. لقد زاد فؤاد قاسم على ألفباء بلد الحرف حرفًا واحدًا هو هذه التمثيليات. سماها هو خفيفة، أما أنا فرأيتها، فنيًّا، من العيار الثقيل. إنها سندويتش بالنسبة للمطولات، ولكن فيها الغذاء الكامل، والطعم اللذيذ، والنكهة المنبعثة من شخصية واضعها. ما حسبت قط أن عند فؤاد قاسم مثل هذا «البتع»، ولم يتغير رأيي فيه إلا عندما قرأت بعض تمثيلياته في مجلة أهل النفط الراقية، حيث وقعت على سخر وهزء ناعمين، ورأيت مبضعًا يشق دمامل المجتمع وهو في غنى عن البنج.
فالأستاذ قاسم، في هذه التمثيليات فنان كبير. إنه لا يحاول خلق مادة موضوعه، ولكنه يلتقطها من هنا وهناك، من البيوتات، من الطرقات، من الجادات، من دار الإذاعة اللبنانية التي هو رئيس مصلحتها، وأحيانًا من الكتب كما في تمثيلية «من وحي جبران».
هو كاتب واقعي خالص يصور الواقع بأجلى صوره، وبالألفاظ الجديرة به، الموصلة إلى الغرض. إنه لا يسجن الصور في حبس الدم، في تلك الألفاظ التي لفظت روحها منذ قرون، بل في ألفاظ تختلج الحياة في عروقها.
إن جميع كلماته وتعابيره تريك العمل الذي يريده على الورق، وبصورة يفهمها المتأدب والأمي، ويعجب بها الأديب الفنان؛ فهو يعبر عن رأيه بما يصوره لنا من خطوط ناتئة في رسوم أبطاله دون أن تظهر شخصيته، فكأنه لا يعنيه شيء من شخوصه، وكأنهم يتكلمون هم ولا يد له هو فيما يعملون، فيروحون ويجيئون على الهينة ولا حاجب ولا بواب.
ما رأيته يصفهم لنا، ولكن صورهم تظهر واضحة جلية من خلال أقوالهم وأعمالهم. وهذا هو الفن الرفيع، فكأن فؤاد قاسم سكرتير عند هؤلاء الناس ينقل بأمانة ما يملونه عليه؛ ولذلك لا تحس بوجوده أبدًا، وكأن شخوصه جماعة يتمتعون بحرية غير منقوصة، فتكاد تحس حركتهم من خلف المذياع واضحة جلية، وهي كما يريدون هم، وكأن ليس هناك كاتب يعنيه أمرهم، كأنه تابع لهم لا خالق، ينظر إليهم بابتسامة قلما يزيد عرضها عن الميليمتر.
لا بد من نموذج نعرضه للقارئ، ولنأخذه بلا تنقية من تمثيلية الدم الأزرق، تمثل هذه التمثيلية بيتًا من بيوت النبلاء، تخاطب الزوجة رجلها دائمًا بيا صاحب السمو، ولا تخرم حرفًا من البروتوكول، وهو يفعل كذلك، ومرض سمو الباشا، فعالجه طبيبه بإعطائه دمًا، وعلى أثر ذلك سمعته زوجته يهذي، فرابها أمر تركه مخاطبتها بصاحبة السمو، ونبذه البروتوكول، فراحت تستفسر تليفونيًّا من طبيبه: ألو، دكتور رشدي، مساء الخير. أشكرك. لا. صحة «سموه» تنهار رغم أنه ينام بهدوء، إلا أن هناك أعراضًا مريبة تبدو عليه، نعم مريبة … أسقط بيني وبينه كل كلفة؛ هدم الإتيكيت ونسف البروتوكول، صار بيتنا فوضى يا دكتور، وهو فوق ذلك يتحدث عن الماعز والبقر، ويهش علي كأني عنزة. أرجوك، لا تهزأ ولا تطيب بخاطري. أعتقد أنك أنت السبب في كل ما حصل … نعم أنت، أي نوع من الدم أعطيته يا دكتور؟ دم فلاح! عرفت ذلك، بل اكتشفت الشرك الذي أوقعت فيه أرستقراطية هذا البيت العريق؛ دم أبو إبراهيم الأسطواني؛ أقوى فلاح في البلد! ألم يبق في الأرستقراطية دم تعطيه لأصحاب السمو؟ ألم يبق هناك دم أزرق؟ يا الله، الطب، العلم؟ الكرويات الحمر … ماذا تريد أن تعطيه بعدُ؟ دم أحد عمال المصانع؟ لا … أرجوك. أعصابه منهارة. فليكن … دمه ضعيف؟ أمرنا لله. لن أسمح لك بإعطائه ذرة واحدة من الدم بعد اليوم حتى ولو كررته؛ مريض أرستقراطي خير من سليم شعبي ديمقراطي.
وهكذا يسير بنا الأستاذ قاسم في جميع تمثيلياته متهكمًا ساخرًا لاذعًا. إنه من أصحاب الهزء الناعم لا من أصحاب المزاح الصاخب.
وبعد، فليس لصاحبنا فؤاد في هذه المسرحيات الصناعة البلاغية القديمة، ليس لأنه لا يقدر عليها، ولكن لأنه لا يريدها. له موهبة المسرح الفائقة، فهو لا يكتب المسرحية، بل يعملها قطعة حية فنية تمثل. كم كانت تكون أكثر حيوية لو شوهدت عيانًا لا من خلف المذياع. إن مشاهدتها تزيد في روعتها أضعاف الأضعاف.
إن تعابير الأستاذ حية، متكلمة، تسرح وتمرح، تشيع المرح في نفسك دون أن تعرف أية كلمة سببت ذلك، فهو لا يتعمد نكتة بعينها، بل لا تشعر أنه فتش عن كلمة، ولذلك جاءت تمثيليته وكأنها كلها نكتة، فلا داعي لانتظار كلمة تفقع منها من الضحك، فأنت في هذه المسرحيات كأنك تسير في أرض ملغومة تتفجر أثناء سيرك.
لا نقدر أن نشبه دعاباته بغيرها، فهي منبثقة من شخصيته التي تضحك غيرها ولا تبتسم. إن لمسرحيات الإذاعة سيرورة خاصة، وما يصلح للمسرح لا يصلح للإذاعة إلا بعد تعديل. وهذا المسرحي المطبوع قد أصاب عصفورين بحجر واحد، ويا ليت عندنا تليفزيون لتظهر لك جيدًا موهبة فؤاد قاسم وتشايعني؛ فهناك حركات يجلوها العيان ويوضحها.
وبعد، فإذا كنت دخلت غرفة المصور الفوتوغرافي السوداء ورأيت كيف تظهر الصورة على مهل، فبإمكانك أن تشبه تمثيليات فؤاد قاسم بها. إنها تتضح لك كذلك، والطرافة تنبثق من مجموع المسرحية التي تؤديها تعابيرها، لا من نكات مزروعة هنا وهناك. إنها لا تهدأ كما يحصل في بعض المسرحيات، ولكنها يتبع بعضها بعضًا بلا ضجة ولا صخب.
أنت يا أخي فؤاد قاسم مسرحي في دمك، وإن كنت قد غيرته منذ عامين، وآمل ألا يصيبك ما أصاب بطلك صاحب الدم الأزرق، فتكون حظيت بدم فلاح … فهلم إذن إلى المسرحية الكبيرة، ولست أشك أبدًا أنك تبرز فيها. أما الآن فحسبك أنك قد سددت ثغرة، وخدمت النهضة الحديثة أجل خدمة بما أبدعت من لون طريف وظريف، خفيف منعش للقلوب.
ويا قارئي العزيز، إنني أصارحك أنه ليس في الأدب مراسيم اشتراعية، والأديب والشاعر والفنان لا يعملون بمرسوم، الأمر في الأدب شورى؛ فليتك تقرأ هذا الكتاب «الدم الأزرق» وتوافيني برأيك، سواء أمعه كان أم عليه.
أما ما أقوله لفؤاد، فهو أن يترك أن ولقد وقد، ويقول الحمل بدلًا من العبء الثقيلة الدم في الحوار. عفوًا قد نسينا السين وسوف، حرفي التنفيس والتسويف اللذين يحبسان الأنفاس، ثم لن، ثم لماذا لم تقل: «وقتي» بدلًا من «آني»، فلولا المَدَّة المعروضة على ألفها لما أحسنت قراءتها ولما فهمتها؟
وعنوان «ملح الكلام» لم يعجبني، فعندنا يسمون الكذب ملح الرجال. قد يكونون يقولون في بيروت ملح الكلام لأن الكلام العامي يتغير في البلدتين المتجاورتين كما كان يتغير عند القبائل قبل وضع المعاجم.
وأخيرًا لست أدري من ألوم على هذا الكرم الحاتمي في الأخطاء المطبعية، فليتك تباشر إعادة الطبع منذ الآن؛ فحرام أن تفقد هذه التمثيليات شيئًا من روعتها.
وختامًا لك تهنئتي الخالصة، فأنت مبدع حقًّا.

ذكريات رضا التامر


هذا الكتاب سيكون له قراء إن لم يكن كان، وسيعاد طبعه لأن قراءته ضرورية، ففيه أحاديث طريفة ووصف لبيئات ما زالت غابة عذراء.
وفيه شيء طريف من تاريخ حقبة عاشها المؤلف، فوصف ناسها وصفًا دقيقًا صادقًا، وانتقدهم انتقادًا صارمًا.
قال أبو العلاء:
إذا بلغ الغلام لديك عشرًافلا يدخل على الحرم الوليد وها هو الأستاذ الكبير رضا التامر، رضي «الأدب» عنه، يفتح لنا باب الحرم على مصراعيه حين يحدثنا عن زواجه في السنة الثانية عشرة من عمره، قال: وفي عام ???? توفي المرحوم شبيب باشا الأسعد عن ثروة ضخمة، وعن أولاد وزوجة كانت تصغره بالسن كثيرًا، هي السيدة بهية التامر ابنة عمي، وأراد والدي أن يوطد الصلة بيننا وبين ثروة شبيب باشا، فعقد لي على زوجته بهية التامر، برغم أنها كانت تكبرني بسنها أضعافًا، وعقد لأخي على ابنتها، ملك ناز، وعقد لابن زوجها المرحوم علي نصرت بك الأسعد على شقيقتي الكبرى زينب، وعقد لابنها نزيه على شقيقتي الثانية منيفة.
فأحكم والدي بهذا كله الصلة إحكامًا شديدًا بيننا وبين الورثة والثروة معًا، ولكن الأستاذ رضا تفككت عراه، فماتت الزوجة بهية حين كان آل الأسعد ثائرين مشردين، وكانت هجرة «رضا الفاتح» كما سموه حين أمَّ باريس ليتخصص، سمي كذلك لأنه أول شيعي عاملي قصد الغرب للتعلم … قعد الأستاذ في الحي اللاتيني، وحَمام هذا الحي ليس كحمام مكة صيدهن حرام، فهن يقعن عليك ويقلن لك: تصيدنا، كما فعلت برضا «نجمة الأولمبيا»، ثم جاءت بعد حينٍ تضرب «صدرها» وتشير إلى بطنها قائلة له: هنا شرقي صغير.
ولكن الأستاذ لم يقع في ذاك الفخ، بل تنصل وقال: ربما، لكنه ليس وائليًّا.
وصح في هذه السنيورة قول المثل «حبني غصب»، فطاردت رضا، ولكن هذا «الشرقي الكبير» كان داهية في بيته، كما كان فيما بعد داهية في نشاطه السياسي هناك، ثم في وظيفته واستنطاقه هنا. اقرأ مقال «أما مستنطق حمار» لترى أن هذا المستنطق كان قادرًا على سحب الحية من الحيط. كانت له وقعات مشهورة في هذه المعارك، وقلما خسر معركة منها كما ترى في باب «ربع قرن في خدمة القضاء».
كم تمنيت على المحامين الأدباء الملهمين أن يعالجوا الأقاصيص القضائية ولم يفعلوا، ولكن القاضي الكبير رضا التامر شفى نفسي وأبرأ سقمها. لست أزعم أنه كتب أقاصيص، ولكنه كتب ما يشبهها.
ترى ما هي الأقاصيص؟ وهل كل الأقاصيص يجب أن تكون مصنوعة من طراز واحد؟ لا! إذن فهذه الحكايات القضائية لا ينقصها إلا التحليل النفساني المكلف حتى تكون القصة بعينها. وهذا القاضي الناجح يقول لك في باب عرض كتابه: ليس هذا الكتاب قصة أو تاريخًا أو بحثًا، وإنما هو صور مني مدى العمر سكبتها سكبًا سهلًا في فترات متشابكة.
الكاتب عارف أنه سهل الأسلوب يكتب كإنسان، لا كأديب متعمل يريد أن يخلق شيئًا من دماغه، ودماغه لا يجود عليه بما يريده. فهنا في هذه الذكريات تجد البساطة التي تخلق الجمال؛ لأن عند صاحبها نفسًا توحي، وقلبًا يطيع. إن أسلوبه هو السهل الممتنع حقًّا، وحسبك أنني قرأته في يوم فراغ من الجلد إلى الجلد؛ من رضا التامر العنوان، إلى رضا التامر التوقيع. إنه سيرة حياة تكاد تتحرك، ينقلك صاحبها إلى مسرحه؛ وقد أعطانا إياها كما تعطي الزهرة عطرها بلا تمنين ولا تبجح ولا غرور. وهو كتاب هذا العام في بابه وأسلوبه.
كان التامر قبل أن يشب عن الطوق مجاهدًا يحمل البندقية ويكر ويفر، ثم استحال في باريس مغامرًا فاتكًا كما شهد له مَن شهادته بألف حين قال في تقديمه لقرائه: ذكريات باريس دلت على أنه أصبح في شبابه أوفر حظًّا … من هذه الناحية، والفضل ما شهدت به الخبراء.
ولكنه لما عاد من باريس وصار قاضيًا أعطى جبة القاضي حقها من الترصن والوقار والنزاهة، وإن كان في طور المحاماة لم يتورع عن الواسطة والتوصية كما يعترف في ص??? وما يليها.
وعدنا الأستاذ في مقدمة كتابه أنه لا يدع شيئًا مغطًّى، فاعترف اعترافًا داوديًّا، بل أكثر، فداود في زبوره اعترف اعترافًا عامًّا، أما رضا فكان اعترافه مفصلًا، وإن شئت فقل داود باعنا بالجملة حين تاب، ورضا باعنا بالمفرق … ثم كفر عن طيش الشباب بعدله في الحكم على الناس في القضاء. في هذا الكتاب الذي هو محكمة تاريخية، جلستها علنية، ينتصر الأستاذ رضا التامر للشعب على بني عمه، راثيًا لما هو فيه حين يقول:إقطاعية جهلاء

كان العامليون ينوءون تحت نير قاسٍ تجره عليهم مشاكل الطائفية والإقطاعية، وأعني من جملتها إقطاعية عائلتنا … تلك الإقطاعية الجهلاء التي لا تمت إلى التقدم والتوجيه الصحيح بأية صلة … بل إنها كانت تنحصر بإرضاء الشعب بأمور تافهة لا تمت بشيء إلى عزة النفس، وحرية الفرد، واحترام الإنسان؛ لدرجة أنه كان من المستحسن أن لا يجلس ابن الشعب في «صالون البيك»، بل وكان هذا الشيء محظرًا على الفلاح، ولا يجرؤ على تخطي هذه الحرمة إلا إذا سمح له، بعد إذن خاص. وصاحب الحظ الذي يحظى بهذا الإذن ويسمح له بالدخول ليلثم يد البيك يصبح بعد مدة من الزمن وجيهًا في قريته ومنطقته، محترمًا من أفرادها، تشير إليه الأصابع كرجل محظوظ محترم يدخل بيوت البكوات …
إن مجتمعًا هذه حاله لا يمكن له أن يتكلم عن إحساساته بمثل هذه الصراحة، وخاصة لرجل مثلك يا حضرة الكابتن، بصفتك صاحب الأمر في هذه المنطقة، خاصة وأنت المعني رسميًّا بجميع هذه الشكوى والتأففات، وتلك الإحساسات والانطباعات.
بقي أن نتحدث عن الانسجام في هذا الكتاب، فكاتبه ينقلك بسهولة ولباقة من قصة إلى قصة لم أر مثلها طواعية في سيرة حياة كاتب بقلمه، أفاده الاغتراب والمعاشرة والتحقيق القضائي علمًا بخفايا النفس الإنسانية، فجاء يعرض علينا تأثراته عرضًا فنيًّا سهلًا. اقرأ «خيانة البشر» صفحة ??? لتعلم أن هذا القاضي كاتب أديب لم يتأثر بلغة الدواوين والقضاء. وقد فتشت كثيرًا فما وقعت إلا على هنات هينات سأذكرها في نهاية هذا المقال.
وفي هذا الكتاب تاريخ الثورات على الانتداب الفرنسي منذ كان، وقد كان لأسرة المؤلف العريقة يد طولى في هذه المقاومة، فشقوا وشردوا واضطهدوا، كما أن فيه وصف حياة شبابنا في أوروبا المقسمة بين العمل والقلب وجميع الحواس …
وفيه أيضًا ما يحقق المثل القائل: البغض بين الأقارب، والحسد بين الجيران، وإن أعداء الرجل أهل بيته كما قال الإنجيل، وفيه أوضح عرض وأصدقه لسياسة المستشارين الفرنسيين، كما فيه إنصاف وتمجيد لنزاهة القضاء الفرنسي، وفيه تاريخ وجيز لجبل عامل الذي سميته أنا بحق جبل العلماء.
كل هذا مكتوب بفن تحسه ولا تدري أين هو. أنا لا أمالئ هذا القاضي ولا أحابيه؛ لأني لا أعرفه. إنه لصادق بحق، له أن يخاطب قارئه بقول النابغة:
أتيتك عاريًا خلقًا ثيابيعلى وجل تظن بي الظنون إن رضا التامر يدخل في كتابه إلى حصن النفس الإنسانية، ولكن من غير الطاقات والشبابيك التي يدخل منها غيره من المتكلفين؛ ولذلك لذت قراءة كتابه من اطلعوا عليه؛ فشكرًا لمطبعة الآداب الحديثة على هذا الإخراج المشرق الأنيق الذي سهل لعيني السبيل إليه.
وأخيرًا، لا بد من حكم على شخصية هذا الأستاذ المحنك، وإن كان قد تعود هو أن يحكم على الناس. إنه حكم غيابي، ولكني أظن أنه صادق: من مطالعة كتابه هذا، ومن ماجريات حياته كلها، كما وصفها لنا، بدا لي أن الأستاذ رضا التامر يعرف جميع أسرار «المسلك» حتى أعمق خفاياها «يعرف يدبر حاله» كما يقول العوام.
أما الهنات التي وعدت أن أدل عليها — وإن أغضب ذلك من يهزءون بها ويعدونها ترهات — فهي لا شيء في كتاب نيفت صفحاته على الثلاثمائة.
قال: أطبق بنا الظلام. وتعدية أطبق بالباء تنظر إلى قول العوام: طبق فيه.
بعثنا بأحدنا متنكرًا. وهذا الفعل لا يُعدى بالحرف حتى كان المبعوث وحده.
نحوًا من خمسمائة مترًا. ولعل نصب مترًا نصب خطأ مطبعي.
وأرخت الأيام على الحادث سدالها. ولعل همزة سدالها ساقطة أيضًا سهوًا، فسدل لا تجمع سدال، بل أسدال وسدول.
وقال أخيرًا: وطلبت إليه ما إذا كنت أستطيع إلخ، فهذه «الما» هنا من أساليب لغة أصحاب الروب.
والذي لاحظته أنه ليس في هذا الكتاب البديع تعبير عتيق إلا قوله: امتطينا السيارة …
عفوًا يا أستاذ إذا تنطست معك، فهذا طبعي، وإني لأضن بمثل هذا الكتاب الذي لم يعمل مثله من بعد فارياق أحمد فارس الشدياق، وحسبك هذا.

على مسرح الحياة


قصة عالمية!
في منتصف آب اللهاب لبيت دعوة مؤتمر كتاب العرب، ويممنا دمشق وأنا أردد قول حسان: لله در عصابة رافقتهم.
وفي جلق طالعتنا وجوه الشباب العامرة بالإيمان والثقة بالنفس، فسرني من تلك الجماعة ذلك الانسجام الذي لم أشاهد مثله، فيما بعد، في مؤتمر أدباء العرب بيت مري. رأيت في الشام التئامًا وانسجامًا، ولم أر في بيت مري غير عنجهية شيوخ وكهول، وقنفشة شباب طازه، أنف في السماء، واِسْت في الماء، كما عبر أحد السلف. ديوك حبش تتسلطن وتتفرعن، فذكرني ذلك مار بولس في إحدى رسائله: العلم ينفخ والود يبني، ولكن هؤلاء المنتفخين لا علم ولا محبة في براميلهم التي تمشي على الأرض.
وشاء الإخوان الكتاب في دمشق أن لا تفوتني فرصة زيارة المعرض العظيم فزرناه، وكان أول معرض شاهدته في حياتي، فأنا لا أعرف الدنيا إلا في الكتب، ورحت أتنقل بين عظمة الدول المتبرجة في معارضها تبرج الأنثى تصدت للذكر، وأي ذكر أعظم من هذا الشرق الأدنى؟
وبينا نحن نتنقل بين البنايات المزوقة، سمعت واحدة خارجة من معرض لبنان تقول لرفيقتها: هاه. هذا مارون عبود، قولتك إيش جاء به إلى الشام؟
فضحكت وقلت: السيارة يا بنتي، أتوا بي حتى يعرضوني في البناية اللبنانية.
فبهتت، وخفت أن ينقطع خيط الحديث فقلت: جاوبي يا ست، يا آنسة. فأطرقت مستحية، فقلت لها: هاتي ما عندك، جاوبي ولا تستحي. فمطت كلامها وقالت: ما عندي جواب.
قلت: بلى، قولي: هذا معرض لا متحف.
فضحكت ورفيقتها، ولكن ضحكة مَن لم يفهم، وافترقنا، مضت هي في سبيلها وعدت أنا إلى الشيخ عبد الله، فسألني الشيخ العلايلي عن الحمامتين الزائفتين، وكان لسان حاله يقول: أبعد الشيب تتبع الغواني؟
فأجبته: الله يبعث اللحم إلى من ليس له أضراس. الخيِّر مرزوق. خليها على الله يا شيخ.
لقد شط القلم، وعادة البدن لا يغيرها إلا الكفن، فلنعد إلى مؤتمر بيت مري: نحن الآن في باحة الأوتيل الكبير نقيِّل تحت صنوبرة أكبر مني سنًّا، نريح أعصابنا لتقوى بعد قليل على سماع المحاضرات والأمسيات الشعرية … وبينا كنا نتنادر لنقتل الضجر، ونوزع فكاهاتنا على من لا يفهم إلا نصفها أو ربعها، إذا بصبي يرمي على الطاولات برشاقة موزعي إعلانات السينما كتيبًا يتأبط منه حزمة، فقلت في نفسي حين وقعت عيني على نسخة منه: هذا كرم حاتمي حقًّا؛ يوزع كتابه علينا دون أن يعرف من نحن، وهذا أيضًا يصح فيه قول حسان في ممدوحيه الغساسنة: لا يسألون عن السواد المقبل.
فرحت أنظر في الغلاف المرقش وإذا بي أقرأ عليه:طه محمد القاضي
على مسرح الحياة
الجزء الأول
قصة من مصاف القصص العالمي
تصور حياة شاب أعمى وهو يتخبط في دياجير مجتمعنا أصدق تصوير، قصة أدبية اجتماعية ساقها المؤلف على غرار الأيام، وقد تفوق الأيام.
فقلت: أعمى واسمه طه، إذن الذنب للاسم يا ترى! خير إن شاء الله. ورحت أقلب ذاك الكتاب لأن لا كتاب في ذاك الأوتيل الكبير يسليك إلا لطف مديره.
وشغلت بالي كلمة «قصة من مصاف القصص العالمي، على غرار الأيام وقد تفوق الأيام.» ثم ضممت هذا الكتاب إلى أخيه «ثلاثون قصيدة» لتوفيق صايغ، وقلت: قد تأتي ساعة.
وقرع الجرس، فرحنا إلى القاعة لنسمع محاضرة الأستاذ سامي الكيالي، وموضوعها النقد الأدبي، فقال عني: إني ثبت في ميدان النقد حتى الساعة بينما الآخرون كانوا ينصرفون عنه ثم يعودون إليه، وهكذا دواليك.
ولما قال: إن النقد أفقد مارون عبود ثلاثة أرباع أصحابه، رأيت الأستاذ أمين نخلة يلتفت صوبي ويشير بسبابته إلى صدره وكأنه يقول: وأنا آخر واحد.
وكنت إذ ذاك أفكر في طه محمد القاضي القائل: إن قصته قصة من مصاف القصص العالمي، فقلت في نفسي: إن هذا الشاب البالغ الثالثة والعشرين ما زال في عمر الشعر، ولم يبلغ بعد عمر القصة، فأنَّى له هذا الغرور والادعاء؟ هل استأذن في هذا التبجح من الأستاذ سعيد تقي الدين؟ ألا يعلم أن الحقوق محفوظة … والنقل والترجمة ممنوعان؟ ثم ماذا عند هذا المسكين من طراز طه حسين ليقول: إنه ساق قصته على غرار «الأيام» وقد تفوق «الأيام»؟ هذه التعابير الكلاسيكية أو الرواسم «الكليشهات» القديمة. مسكين طه حسين. شابَ …
إن من يقول: وكان الدهر قد عض جوليت بنابه العطبة، وظللها بكلكله، وأمطيت سفينة الحياة، هو بعيد جدًّا عن قمة ذلك العلم المعصب بالغيوم.
اسمع أيها العزيز طه محمد القاضي: إن هذه الوريقات لا تستحق أن تحمل اسم القصة؛ فهي سيرة حياتك بقلمك، وسيرة حياة الرجل لا يعدها العارفون بهذا الفن قصة مهما بلغت من الروعة الفنية. أما سيرة حياتك هذه فلا تستحق النقد؛ لأن أسلوبها ثمودي عادي، وتفكيرها السخيف لا أدري ماذا أقول فيه، ومع ذلك أسمعك تقول: نظرت إلى الوجود من خلال اللانهاية فعرفت معنى الوجود، وبعد تروٍ قليل ونظر صائب حكيم أدركت سر الخلود واللانهاية، وأعاجيب الكون وأسرار الحياة.
هذا كثير، يا أستاذ، فابن ثلاث وعشرين ماذا يعرف من اللانهاية وهو ما يزال في اللابداية؟
وبعد، فأيام طه حسين، وأين أنت منها، لا تعد قصة؛ لأنها سيرة حياة، فكيف بسيرة حياتك البعيدة عن كل فن؟ وإذا كانت سيرة الحياة قصة، فالفارياق أسمى القصص.
إن للقصص أسلوبًا أنت لا تحسنه، وإذا ظللت هكذا تؤلف وكأنك تكتب فرضًا مدرسيًّا، فنصيحتي لك ولأمثالك أن تكفوا عن إغراق السوق بمثل هذه الكتب، فقد خشينا الطوفان.
عليك يا طه أن تنقي لغتك من أدرانها، واعلم أن الخطأ لا يليق أن يأتي «قصاصًا من مصاف القصاصين العالميين مثلك …» أما الحوار الذي تنعته أنت بالجميل، فهل تدلني أين هو؟ وأحداث حياتك ماذا يجد فيها القارئ؟ إنها لا أحداث رصينة ولا طريفة، فليتك تأنيت وأرجأت هذه العبقرية إلى حين … أما الآن فما قدمت إلا طعامًا غير ناضج، فأعد القدر إلى الموقد ودب لها بالحطب، فربما تقدم شيئًا يستحق أن يسمَّى عليه.
أما إذا كنت تحسب أن فعلتك بمراقبة القسم الداخلي في المدرسة العلائية للمكفوفين في فلسطين هي التي ترفع سيرة حياتك إلى مصاف القصص العالمي، فأنا أقول لك: إن البشر وغير البشر تفعل ما فعلت، ولا تبتهر.
إن هذه العورة التي كشفتها لنا كان عليك أن تغطيها، ولو بورقة تين، كما فعلت حواء حين غطت شيئها، أفتكون حواء، تلك المرأة البدائية، أوسع حيلة من سبطها ابن القرن العشرين؟ عندك يا ابن أخي بدل ورقة التين ألف تعبير وتعبير، فلماذا جئتنا عاريًا بهذا «السموكن» الآدمي؟
فلو كنت تكتب مغامرات كمغامرات كازانوفا لعذرناك، ولكنك قلت: إنك تكتب قصة على غرار الأيام، فلماذا هذا؟! أهذا هو معنى الوجود الذي عرفته من خلال اللانهاية؟
واسمح لي أخيرًا أن أقول لك: إن «مسرح حياتك» تنقصه الكياسة.

الحجاج


لعبد اللطيف شرارة
وهذا كتاب ألفه الأستاذ عبد اللطيف شرارة عن الحجاج، طاغية العرب الشهير. كان الحجاج جبارًا فيما عمل، كما كان عبد اللطيف شرارة فيما كتب، فأرانا شخصية الحجاج التي لم يكتب عنها بعدُ مثل هذا الكتاب. درس الأستاذ شرارة تلك الشخصية الفذة على ضوء العلم الحديث، فأبدع وأجاد، وخصوصًا في فصل «حداثة يائسة»، حيث حاول تطبيق النظريات العلمية الحديثة على تلك الشخصية العاتية، فكان موفقًا. صوره لنا منذ ولادته بلا دبر — كما ذكر المسعودي — إلى دباغ، فمعلم، فجندي، فحاكم طاغية يلتذ بالدم ودهدهة الرءوس؛ انتقامًا للمربى الوضيع ودمامة الخلق، حتى صح فيه ما نقوله: كل ذي عاهة جبار.
ثم تعرض له معلمًا، وعزا حزمه في إدارته إلى مهنته الأولى؛ أي التعليم، فجبر الأستاذ شرارة خاطرنا وخاطره هو. بارك الله فيه، وقد نسي ما قاله الشاعر:
إن البلادة جُمِّعت في ستةفي حائك ومنجد واسكافومعلم الأولاد ضعه أولًاواتبعه بالحلاج والنداف أما أسلوب المؤلف فخير ما يكتب به عن الحجاج وعبد الملك بن مروان اللذين قيل عنهما أنهما لم يلحنا قط لا في جد ولا في هزل.
زعم لنا الأستاذ شرارة أن الحجاج، بناء على منشأه، ظل عابسًا مقطب الجبين، مع أنني لا أذكر أين قرأت أن الحجاج كهاكه؛ أي تظل على وجهه هيئة الضاحك ولو غضب وعبس.
وأجاد الأستاذ أيضًا في تثقيف ألفاظ جديدة ظلت تدل على ما وضعت له عند القوم، فهان على القارئ الحديث إدراك معناها بسهولة كقوله: برجاسية وأوتوماتية؛ أي بورجوازية وأوتوماتيكية. ترى لماذا لم يجعلها برجازية لتظل أقرب؟ فليتنا نجمع على استعمال مثل هذه الألفاظ فيتقرر مصيرها ولا يظل كل واحد منا يستعملها كما يهوى ويشاء.
وقد وطأ المؤلف لدراسة الحجاج بدراسة أحوال الأقطار العربية، وخصوصًا الحالة النفسانية في عصر الحجاج، فجاءت الدراسة «أصولية» كما تكتب الدراسات الحديثة اليوم، فهو لم يدع إقليمًا من الأقاليم العربية إلا درس أحواله، بانيًا رأيه في الحجاج على الوثنية الطاغية التي لم يستأصلها دين الرحمة والسماحة من نفس الحجاج الطاغية. كنت حسبت الوثنية التي ترافقنا من أول الكتاب إلى آخره كوثنية أناتول فرانس، فإذا بها تلك الوثنية الجاهلية، ومع ذلك هي وثنية في كل حال.
وقد أعجبني درس الأستاذ لأدب الحجاج، وتأثير خطبه في نفوس الخواص والعوام، ثم ما كانت تترك رسائله من أثر في نفوس الناس حتى قطاع الطرق منهم، فذكرني كلامه هذا بقول أبي فراس:
إذا ما أرسل الأمراء جيشًاإلى الأعداء أرسلنا كتابًا أما أسلوب الإنشاء فقد قلنا: إنه متين بليغ يلائم كتابًا فيه كلام كثير روي عن الحجاج ومولاه عبد الملك، حتى تكاد لهجة الأستاذ شرارة لا تبعد كثيرًا عن لهجتهم تلك، وقد يكون جارى من أعرب الأسماء الخمسة بالحركات حتى قال: وقتل مصعب بن الزبير أخ عبد الله «بدون ألف».
لم يلطف الأستاذ عبد اللطيف شرارة بالحجاج، وقد كنت وإياه على طرفي نقيض في كتابي «صقر لبنان»؛ فهو قلما رأى حسنة للحجاج، وأنا قلما رأيت سيئة لأحمد فارس الشدياق، فصح فينا كلينا قول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا
تاريخ العرب


للدكتور حتي
الجزء الأول

وهذا رسول جديد يذيع مجد الأمة في العالمين، بل هذا ابن بار يعرف كيف يحب أمته فيجلو للعالم تاريخها العريق، فالدكتور حتي أرى الدنيا في تاريخه وجه الأمة السمراء الجميلة النبيلة، ونظف صرح تاريخها من عناكب الأساطير، فبعد أن كنا منه:
لدى جرعاء ليس بها أنيسولا فيها الدليل بمطمئن إذا بنا نقرأ تاريخًا للعرب شاملًا جامعًا بعيدًا عن الغرض والهوى، يتحدث فيه مؤلفه مُوفِّقًا بين عقله وعاطفته وعلمه، فلا تشيل كفة ولا ترجح أخرى. كنا نحسب صحراء العرب جافة يابسة، فإذا بهذا التاريخ يرينا أن المدنيات الأولى قد نبتت في تلك الرمال الصفراء، وأن أولئك البدو الذين كانوا يخوفون الصغار بهم، كما قال الريحاني، هم سلالة لها أبيض يد على البشرية، والفضل للمتقدم.
يفهمنا تاريخ العرب للدكتور حتي أن شبه جزيرة العرب لا تقل مساحة عن ربع أوروبا وثلث الولايات المتحدة، وأن فيها جبالًا يبلغ علوها ???? مترًا إن لم يكن فيها ما هو أعلى من هذه. وقد قال فيلسوف الفريكة في كتابه «ملوك العرب» حين رأى بعينيه تلك الأرض: «هناك مشهد من الجبال والأودية رائع مدهش مخوف يهمس ربه في أذن الإنسان: لا تكن مكابرًا ولا فخورًا. لا أظن أن في سويسرا مثل المشهد الذي ينبسط بل يتراكم أمامك في اليمن. فما هول المسافات والشواهق بشيء عند هول الوهاد والأعماق. لبنان! نعم ذكرت لبنان، ولكنه وإن فاق بوعان وشبام علوًّا، فهو يضيع في جبال اليمن وأوديته المترامية الأطراف.»
لم يدع الدكتور حتي شيئًا مما يتوق الباحث إلى معرفته، حتى كاد يلم بكل شيء، وكان في مواقفه جميعها يزيل الإبهام ويقرب التاريخ من العقل، فحدثنا عن دستورية الجاهلية، وعما عرف العرب من حضارة ومدنية وثقافة، فكانت لهم الزوايا الراسخة في بنيان الحضارة. وقد كان الأستاذ لبقًا جدًّا، فحافظ على «علمية» التاريخ، وحدثنا حديثًا رصينًا عن الأمجاد التي نتغنى بها، فأرضى نفسه وأمته والعلم.
روى مقتل عمرو بن هند كالواثق من صحته، ولم ينف تلك الأسطورة المنسوجة حول طرفة بن العبد ولم يثبتها، وكذلك روى خبر حلة امرئ القيس المسمومة، وقد قال حين تحدث عن المعتقدات الجاهلية: أما فكرة «الآخرة» فإننا لا نجد في الأدب الجاهلي إشارة واضحة إليها.
ولقد لفتت نظري لباقته حين تحدث عن هدم قصر غمدان، فقال: «ولعله هدم في أثناء العراك الذي نجم عنه استقرار السيادة الإسلامية في اليمن.» مع أن الجاحظ خبرنا حين تحدث عن خلود الكتب قائلًا: والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة؛ لأن من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، فقد هدموا بذلك السبب المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم في أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، وكما هدم الآطام التي كانت بالمدينة.
ووفى المؤرخ الإسلامي حقه فأعلن «أن بين كل ستة أشخاص أو سبعة في عالمنا اليوم واحدًا من أتباع محمد، وأن دعوة المؤذن إلى الصلاة تجلجل في معظم ساعات اليوم مطوقة الشطر الأكبر من الكرة الأرضية، فتتألق على هامة العرب تلك الهالة الوهاجة التي تقترن دائمًا بأسماء الفاتحين العالميين، فلقد استطاعت هذه الأمة في مدى قرن واحد أن تنشئ دولة عظيمة واسعة الأرجاء بسطت سلطانها من شواطئ المحيط الأطلسي إلى تخوم الصين، وفاقت على إمبراطورية روما في أوجها.» ثم أيد كلامه هذا بما نقله من كلام مؤرخ شهير هو هوغارت الذي يقول: «استطاع العرب أن يكسبوا إلى دينهم ولغتهم وشكلهم عددًا من أبناء هذه الأمم ما استطاعت أمة قبلهم أو بعدهم أن تكسب مثله وتهضمه، ولا نستثني من ذلك اليونان ولا الرومان ولا الأنكلوسكسون ولا الروس.»
ولا يهمل الدكتور فصاحة العرب فتحدث عنها تحدث الأديب العارف فقال: «ولا ريب أن انتصار الإسلام، كان إلى حد ما، انتصار لغة، أو بالأحرى انتصار كتاب.» ثم يرى أن اللغة العربية قد بلغت قمة فيلولوجية شامخة نظرًا لاتقاد مخيلة العربي ونبوغه في أساليب الكلام، فكأن دكتورنا يدحض بهذا القول رأي «أوليري» القائل: «العربي ضعيف الخيال جامد العواطف.»
إن قفاز هذا الجرَّاح ناعم جدًّا، فتأمَّل كيف يقول حين يلوم: «إن التوسع العربي المنقطع النظير قد بلغ من النمو حدًّا جعله إمبراطورية مترامية الأطراف كإمبراطورية الإسكندر، وكان مثل الخليفة في المدينة — مركز هذا التوسع — مثل رجل وُكل إليه أن يضبط سيلًا متدفقًا أخذت تتزايد روافده وتكثر مياهه، بحيث تعذر عليه توزيعها، أو التحكم في مجاريه.»
أما كلمة «رحمنان» التي استوقفت الدكتور فقال: إنها تسترعي اهتمام الباحث؛ لأنها أصبحت فيما بعد الرحمان في لغة قريش، فهي في نظري لفظة سريانية «رحمونو»، وإخال النون الأولى زائدة، اللهم إذا لم تكن ضميرًا للمتكلمين. إن في اللغة السريانية ألفاظًا كهذه لا تحصى صقلها الذوق العربي، وأحالها من ضم إلى فتح فخفت على اللسان، وحسن وقعها في الآذان.
ولا بأس علينا إن تعرضنا أيضًا لعبارة أخرى من رقيم وجده العالم «دوسو» في حوران، وهو مكتوب بالخط العربي الأول. أما العبارة فهذه هي: «تي نفس مر القيس بر ملك العرب كله ذو أسر التاج.» وقد نقلت إلى لغتنا اليوم هكذا: هذا ضريح امرئ القيس ملك كل العرب صاحب التاج.
لست أدري من أهمل كلمة «بر» التي معناها ابن في السريانية، ثم كلمة «ذو» وهي اسم موصول بلغة بني طيء، والشاهد على هذا قول شاعرهم أبي تمام:
أنا ذو عرفت فإن عرتك جهالةفأنا المقيم قيامة العذال ثم لفظة «أسر» — وهي سريانية أيضًا — ومعناها تقلد. فإذا صح ما نزعم صار التعبير هكذا: هذا ضريح امرئ القيس ابن ملك كل العرب الذي تقلد التاج.
الجزء الثاني

وها هو الجزء الثاني من «تاريخ العرب» المطول لعلامتنا الأستاذ فيليب حتي، تلحقه دار الكشاف بأخيه، متزيًّا بزيه الأنيق، حاملًا الرقم المتسلسل. يتحدث المؤلف البحاثة النزيه في هذا الجزء عن الدولتين الأموية والعباسية، فيرى في معاوية مثال الملك العربي. يتناول دولة هذا الملك وعماله وحملاته على البيزنطيين، وإنشاء كل ما تحتاج إليه الدولة الحديثة العهد من جيش ومنشآت بنائية، وفرض لغة الحاكم على الخاضعين له من الموالي وغيرهم، ثم يتكلم عن مناحي الحياة الفكرية ومجاريها في العصر الأموي، فيتحدث عن العلوم اللسانية والأدب والشعر والتربية والتعليم والخطابة، ويتناول بحثه العلم الصرف كالكيمياء وغيرها، ثم يصف الفن المعماري فيحدثنا عن قصور ذلك الزمان ومساجده، فيجسد أمام أعيننا حقبة مجيدة من تاريخنا العربي.
وينتقل إلى الدولة العباسية فيرى في أبي جعفر المنصور مؤسس الدولة الحقيقي، ثم يصف العباسيين في عصورهم الذهبية، فيحدثنا عن علاقاتهم بالغرب واقتباسهم الثقافة الهيلينية عن طريق الترجمة التي أيقظت الأفكار فحركت العقلية العربية؛ فعملت بإمعان في حقل الثقافة، وكان من نتاجها تلك الثمار اليانعة.
ولا يحرم الدكتور حتي اللهو من بحثه، فيحدثنا عن الحمامات والحانات والرقيق، وعن التجارة والصناعة والزراعة، وأخيرًا عن انتصار الإسلام وتغلغله في نفوس الخاضعين للحكم الإسلامي؛ حيث لم يبق خارج الحظيرة إلا أقليات ضئيلة، ثم ينتقل إلى انتصار اللغة فيقول: وكانت المرحلة الثالثة من مراحل الفتح مرحلة انتصار اللغة العربية على لغات الشعوب المغلوبة، وكانت هذه المرحلة آخر المراحل وأبطأها، وقد أبدت فيها الشعوب المغلوبة أعظم الدفاع وأشد المقاومة، وتبين فيها، كما هو المعتاد في غيرها، أن الشعوب تؤثر التخلي عن كيانها السياسي بل عن ديانتها القومية، إذا اقتضى الأمر، قبل أن تتخلى عن لغتها، ولم يتحقق الفوز الأخير للغة العربية حتى أواخر العصر العباسي.
ويجب أن نذكر هنا أنه قد تسنى للغة أن تنتصر كلغة علم قبل انتصارها كلغة تخاطب، إذ تسربت إليها من بيزنطة وفارس والهند مجاري الفكر وخلاصة الثقافات المختلفة المعروفة، فاتصلت ببغداد والكوفة والبصرة في القرن التاسع بشكل لم يسبق له مثيل إلا في حضارة الإسكندرية في العصور الأولى، وهكذا أصبحت اللغة العربية التي لم تستخدم من قبل للأغراض العلمية أداة للتعبير عن مظاهر الحضارة الإسلامية.
ثم يمضي في البحث عن التقدم العلمي والأدبي، فلا يدع شاردة ولا واردة يستدعي بحثه ذكرها، ولو بإيجاز غير مخل، حتى يتطرق أخيرًا إلى الأدب فيقول تحت عنوان: «الأدب بمعناه الدقيق».
«بدأ الأدب العربي بمعناه الضيق بالجاحظ شيخ أدباء البصرة، وبلغ قمته في كتابات بديع الزمان الهمذاني، والثعالبي النيسابوري، والحريري، وإلى بديع الزمان يرجع الفضل الأكبر في وضع المقامة، ثم يذكر أبا الفرج الأصفهاني وغيره، وألف ليلة وليلة، ويذكر بعض الشعراء كبشار وأبي تمام.»
وينتقل إلى التحدث عن التربية والتعليم وإنشاء المدارس ودور الكتب وحوانيت الورَّاقين، ولا يحرم الفنون الجميلة من نظرة قصيرة عميقة، وينتقل إلى الفرق الإسلامية فيحدثنا عن الخصومة بين العقل والدين، وعن الصوفيين وطرقهم وشعرهم، وعن الشيع جميعًا، وينتقل بعد هذا إلى البحث في تجزؤ الخلافة ونشوء الدويلات، ثم يختم كتابه هذا في البحث عن انحلال الدولة العباسية وتسلط هولاكو، وينتهي الكتاب بابتداء عهد الترك العثمانيين آخر حماة الدين الإسلامي.
سننتظر ظهور الجزء الثالث من هذا التاريخ الصادق النفيس، شاكرين للمؤلف نزاهته وإخلاصه التاريخيين، وللمترجمين الدكتورين: جرجي وجبور. ولا شك في أن همتهما الناهضة لا تقف طويلًا للاستراحة من عناء تجرُّه ترجمة كتاب دقيق كهذا.
أخذ الله بيد دار الكشاف العامرة لتخرج لنا ما بقي من سجل العرب الذهبي.

معارك العرب


لبطرس البستاني
للأستاذ بطرس البستاني ولع بتاريخ العرب وآدابهم؛ فهو تارة يؤرخ منطق الشيخ يعرب، وأحيانًا سيف بنيه وأحفاده، وكل ذلك بلغة لا غبار عليها، وتفكير ملك صاحبه. ليس بطرس البستاني من جرذان المكاتب كبعض المصنفين الذين يخرجون المرقعات من الكتب ولمها من هنا وهناك، ثم يبتهرون بالتأليف والتصنيف … فصاحب «معارك العرب في الأندلس» يعمل بصمت ويجني بكد واجتهاد، وحسبه كتابه الفذ «أدباء العرب» الذي يكاد أن يكون الكتاب المنهجي الذي يصح أن يعتمد عليه في التفكير والتغيير. وها هو الأستاذ بطرس بعد أن نفحنا بكتاب «الشعراء الفرسان» ثم بكتاب «معارك العرب في الشرق والغرب» ينفحنا اليوم بكتابه الجديد هذا «معارك العرب في الأندلس»، فيحدثنا عن «أيام العرب» في الفردوس المفقود، مبتدئًا بيوم طليطلة، مختتمًا بفاجعة غرناطة، فكأنه أحاطنا علمًا بتاريخ العرب المغاربة في خلال ثمانية قرون.
إن لغة المؤلف نقية صافية بعيدة عن الرطانة والركاكة التي نراها في كتب زملاء الأستاذ بطرس، فله شكرنا وحمدنا. وكم يطيب لي أن أحمله اسم المعلم بطرس الثاني إحياءً لذكرى ذلك الجندي الأمين الذي ناضل في ميادين الفصحى ومات قي ساحة الطراد.
إن المعلم بطرس الجديد هو وارث مجد البستانيين الأدبي، ومجدد ذكرهم بمؤلفاته القيمة الرصينة.
أخذ الله بيده وأمد أجله ليطلع علينا دائمًا بالنفيس المغذي من كتبه، فقد مللنا قشور غيره … ولدار المكشوف الحمد على ما تتحف به المكتبة العربية من كتب كهذا الأثر الباقي.

الأدب القصصي عند العرب


لموسى سليمان
بعد أن أصدرت دار العلم للملايين كتاب «الحب العذري» للأستاذ الأديب موسى سليمان، أصدرت له أيضًا كتاب «يحكى عن العرب»، وقد قال المؤلف فيه: «والذي نستطيع أن نقرره دون أقل شك هو أن التراث القصصي الذي وصلنا عن العرب هو تراث ضخم يحمل الكثير من الخير والكثير من الجمال، فحرام أن يمر الطالب العربي مرورًا سطحيًّا فلا يعيره اهتمامًا، ولا يدير إليه بالًا.»
وكأني بالأستاذ سليمان — ومن أولى من سليمان بفتح الكنوز المرصودة — قد أراد أن يشبع موضوعه هذا بحثًا، فجعل أطروحته «الأدب القصصي عند العرب»؛ فنال بها رتبة ماجستير في الأدب.
إننا نهنئه برتبته العلمية الجديدة التي استحقتها كفاءته وجدارته، ولو كانت لنا سلطة منح الرتب، ولو الفخرية منها، لما بخلنا على الأستاذ موسى بخيرها وأبقاها.
إن لقب ماجستير وغيره من الألقاب لا تحيا طويلًا إذا لم ينفخ فيها كتاب مثل هذا روحًا محييًا. لقد عالج الأستاذ الماجستير في الآداب قضية بحثها وسيبحثها الأدباء في عصر كادت القصة أن تسيطر فيه على منتوجات الآداب وأسواقها.
طريفة هي مقدمة هذا البحث، وقد استوفى مطلعها الوجيز كل ما يقتضي لتعريفنا بالكتاب وصاحبه.
إنه مطلع فيه من روعة الشعر ما هو جدير بمقدمة كتاب يتحدث عن «القصة»، والقصة أحوج ما تكون إلى العنصر الشعري. تأمل كيف افتتح الأستاذ سليمان مقدمة البحث، قال: «كان ما كان» صوت عميق قديم من أصوات المعابد العتيقة يحمل بين طياته ألف لون ولون من ألوان الحياة النابضة، الزاخرة بالألغاز والأسرار!
«كان ما كان» صوت رهيب حبيب إلى النفوس المتعطشة لجمال الحياة، بل هو صوت الأغوار العميقة والأزمنة السحيقة، بما فيها من آفاق فسيحة تعج بالخير والبركة، والدين والمعرفة، والعلم والفلسفة.
هو صوت الآلهة، يوم كانت الآلهة أبناء السماء ترش على الدنيا حكاياتها أساطير أساطير.
هذه بضعة أسطر من المقدمة، لا تنتظر أن تأخذ على الهينة خلاصة الكتاب أو رأي مؤلفه في القصة عند العرب، فهذا أدَعُه لك، ولكنني أقول: إن في الكتاب أبحاثًا جدية، وهي تشبع الجياع إلى المعرفة وتروي ظمأ العطاش إلى الفن، فاقرأه أنت، وبعد ذلك نتناقش إن لم تخرج منه وأنت من شيعتي.

ثائرون!


لمحمود تيمور
نحن في غنى عن تعريف محمود تيمور. أمَا حمل الرجل لقب عميد القصة المصرية، كما حمل الأستاذ طه حسين لقب عميد الأدب العربي؟!
عجيب أمر مصر كم تحب الألقاب! ألبست شوقي خلعة إمارة الشعر، ثم مالت على حافظ إبراهيم فأسمته شاعر النيل، وعلى أثر ذلك لقب خليل مطران بشاعر القطرين، وعبد المحسن الكاظمي شاعر العرب. لست أردد قول الشاعر الأندلسي: ألقاب مملكة … فهؤلاء كانوا وما زالوا خير ما في الكنانة من سهام، ولكنني أعتب على الأستاذ طه حسين كيف يرضى بهذا اللقب ويعتد به وهو الذي ثار على إمارة شعر شوقي حتى راح يقنع حافظ إبراهيم ألا يبايعه، ولكن حافظ إبراهيم لبط بالأرض في مهرجان شوقي بالأوبرا وهتف:
أمير القوافي قد أتيت مبايعًاوهذي وفود الشرق قد بايعت معي إننا نشكر أبطال الثورة الذين أراحوا مصر والشرق من تلك الجلاجل التي كانت تعلق على كل اسم، فهذا باشا وذاك بيك وذاك …
إنه داء قديم في مصر المحروسة حتى حكى أحد الظرفاء أن أحد الخديويين أراد أن يعرف كم عنده من باشاوات وبكوات فأمر في يوم العيد أن يمروا أمامه: الباشاوات راكبين الخيل، والبكوات راكبين الحمير، وكان ما أمر، ومرت الباشاوات على خيولهم المطهمة ببدلاتهم المقصبة، وسيوفهم المذهبة، وتبعهم البكوات على حميرهم الفارهة، وانقطع حبل هذا الموكب الحماري وتلته قافلة مشاة، فسأل الخديوي: ومن هؤلاء؟!
فأجابه أحد المقربين: هؤلاء يا أفندينا بكوات، وقد صاروا أكثر من الحمير فلم يجدوا مراكيب … فمشوا.
أما وقد أثرنا قضية من قضايا الألقاب فما علينا لو أتبعنا الحبل بالدلو، وأثرنا قضية أخرى من طراز هذه، وهي قضية لقب «دكتور»، فقد عم هذا اللقب حتى خم، ووقع الالتباس بين دكتور ودكتور.
في دعوة ما سمع قروي المدعوين يخاطبون أكثر من واحد بيا دكتور، فأسرع إلى بيته وجاء بابنه المريض ليعرضه على أحد هؤلاء «الدكاترة»، وكم كانت خيبته مرة حين علم أن ليس بينهم واحد يقضي حاجته! فسأل: وكيف هم دكاترة؟
فقيل له: هذا دكتور في اللاهوت، وهذا دكتور في الأدب، وهذا دكتور في العلوم، وهذا دكتور فلسفة، وذاك دكتور هندسة، إلخ.
فصاح: أوف الله الله، كيف تغير الزمان؟! وهل العلوم والفسلفة والهندسة مريضة حتى يعالجها هؤلاء الدكاترة؟
إني أرى، وما هي محسدة ولا ضيق عين، إن كان ولا بد، أن تذكر هذه الألقاب الشريفة بعد أسماء أصحابها، ويعين نوعها؛ فيرتاح السذج وغير السذج، ولا يصغرون ويسقطون من عين أنفسهم متى وقعوا فيما وقع فيه ذاك القروي.
أظن أن أكثر أدباء أوروبا يحملون هذا اللقب، ومع ذلك لا يذكر لأحد، وإذا كان هذا اللقب العلمي الرسمي لا يذكر، فكيف بعمادة الأدب والقصة في مصر؟
نحن في معرض الكلام على قصة «ثائرون» لمحمود تيمور؛ ولذلك ثرت وبحت بما في نفسي وما في أنفس الناس. إن الصحف الحرة المتجددة تدرك أن قيمة الإنسان ما يحسنه، ولذلك نزعت هذه الألقاب واكتفت باسم الرجل.
نحن في هذه الأيام ثائرون على كل شيء، نريد أن نعمل جديدًا، ولذلك راح فريق منا يضع القوانين والدساتير الحديثة للأديب، كما كانوا في الزمن يكتبون للناشيء جملتين ثلاثًا ليصلح خطه عليها، وكانوا يسمون تلك الورقة. وهذا ما يريد بعضهم أن يعمله بالأدباء اليوم، مع أن الأديب لا يعين له موضوع يكتب فيه، فهو ليس طالبًا على مقعد المدرسة يكتب «فرضًا» ينتقيه له معلمه. الأديب يترك وشأنه، فالناس لم يتفقوا بعد على سيرورة القصة، والفن لا يقيد؛ فعلى الأديب أن يمشي على هواه وهو يعرف نفسه أين يجيد.
أراد محمود تيمور أن يعالج الموضوع الحاضر في مصر في قصة «ثائرون» فلم يوفق، وما أظن هذا الإخفاق إلا ناتجًا عن أنه يصف حياة لم يلابسها، فهو ليس ممن عايشوا هذه الطبقة حتى يصورها تصويرًا ناتئًا كالذي رآه البحتري في إيوان كسرى ونقرته يداه بلمس …
ألم يقل تيمور في مقدمة «ثائرون»: «ومتى استطاع الأديب أن يحيا في صميم القضية الاجتماعية أو المشكلة القومية تيسر عليه أن يعبر عنها تعبيرًا فنيًّا أصيلًا يدامج أعراق البشرية، ويمازج حقائق الحياة.»
فإذا قرأنا «ثائرون» نكاد لا نشعر بثورة؛ لأن المؤلف هادئ مطمئن، فموضوع كهذا أولى أن يعالجه من لم يول شبابه، وخصوصًا إذا لم يكن مطبوعًا، فإذا تركت «ثائرون» ورحت تقرأ الأقاصيص التيمورية الملحقة ? «ثائرون» ماجت الحياة أمامك بين السطور. أذكرُ منها قصة «ساق من خشب» التي تنظر إلى أقصوصة توفيق عواد الصبي الأعرج، ولا أدري أيهما أسبق، وكذلك أقصوصة «حنين» التي تحمل فذلكتها عنوان قصة خليل تقي الدين «نداء الأرض». أما قصة «يا سادة يا كرام»، ولعلها من جديد تيمور، فقرص عسل بشهده، لم أقرأ أقصوصة أحرَّ منها عاطفة وأسمى فنًّا، وألين سيرًا. لقد ارتفع بها الأستاذ تيمور إلى القمة، فهذه القصة يدور قطبها على مثل ما حكاه صاحب المستظرف عن أعرابيين، قال: سرق أعرابي غاشية من على سرج ثم دخل المسجد يصلي، فقرأ الإمام هذه الآية الكريمة: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ.
فقال الأعرابي: يا فقيه، لا تدخل في الفضول.
فلما بلغ الإمام قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ.
قال الأعرابي: خذوا غاشيتكم ولا يخشع وجهي. لا بارك الله لكم فيها. ثم رماها من يده وخرج.
ومن هذا الطراز أيضًا نادرة أخرى: سرق أعرابي صرة فيها دراهم، ثم دخل المسجد يصلي، وكان اسمه موسى، فقرأ الإمام: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى?.
فقال الأعرابي: والله إنك لساحر. ثم رمى الصرة وخرج.
ومثل هذا فعل الشيخ صفوان بطل قصة «يا سادة يا كرام»؛ دخل المسجد يصلي بعد دفنه ابنته حليمة التي ألبسته عار الأبد، فإذا بالإمام يحث المؤمنين والمؤمنات على الصون والعفاف، ويذكر ما أعد للمفرطين والمفرطات في الأعراض من أنكال وجحيم، وطعام ذي غصة وعذاب أليم …
فصاح الشيخ صفوان: ليس لك أيها الرجل أن تتحكم في مصير الناس، لا أريد أن يتكلم عن ابنتي أحد. إنها طاهرة الذيل طيبة القلب … لقد ماتت بين يدي تائبة …
هذه الروعة تجدها في هذه القصة وفي أكثر أقاصيص تيمور التي جارى فيها طبعه، ومشى على هينته، ولكنك لا تجد مثل هذه العفوية في قصة «ثائرون».
فالحوار الذي وُفق فيه تيمور في جميع قصصه وأقاصيصه نراه هنا متعملًا، فألفاظه أمسى بعضها بعيدًا عن المألوف؛ فهذا التعبير هل للسويفي صاحب المقهى أن يقوله لغلامه فلافل: هلم يا ولد إلى أحذية السادة فانفضها، أليست كلمة تعال أولى في هذا المقام؟ ثم ما الداعي إلى استعمال كلمة هلاهل وإرهاصات وغيرها؟
وإن هناك صبغة غير الصبغة التيمورية المعهودة، وما ذاك إلا لأنه حاول أن يعالج موضوعًا لم يتمثله ليستحيل إلى دم تيموري، ويخرجه فنًّا من طراز مما له من فن، أو لأنه صار من أعضاء المجمع العلمي.
يقول تيمور خاتمًا القصة بلسان بطل «ثائرون»: إني أعمل على إعداد جيل جديد. ففي نظري أن هذا الجيل الجديد هو الذي يجب عليه أن يقص علينا مثل هذه القصة التي تعمد تيمور أن يكتب فيها، فكل حية ولها موسى.
والذي قلته لتيمور أقوله للشباب أيضًا: لا تفتشوا عن ذاتكم عند سارتر وهمنغواي، ولا عند إليوت ولا غيره، فتشوا في زوايا أنفسكم عن أنفسكم. إذا كان الأطباء المخلصون ينصحون المرضى أن يتداووا بأعشاب بلادهم، فما عساي أنا أقول لكم؟ إنكم تضيعون في مهامه أولئك الفطاحل ولا تلقطون من أرضهم ولا عشبة … ليست الذات نحاسًا أو حديدًا يطلى ويموه بالذهب. إن للذات عرقًا أصيلًا، ومثل هذا العرق يجب أن يظهر ليُرى.
وبعد، فقد تكون قصة «ثائرون» معمولة على حقها، طبقًا للمقايس القصصية الفنية، ولكنها كيفما دارت بها الحال بعيدة عن نفسية تيمور وقصص تيمور وأقاصيصه.

أثر الأديب في الحياة


يا سامعين الصوت، سلام وتحية.
لقد حلم التاريخ بهذه العجيبة منذ خمسة وثلاثين قرنًا، بعدما رأى موسى ربه في العليقة، وتعارفا فصارا صديقين حميمين، ثم كانت تلك المحاضرة الخالدة على طور سينا.
وأنا أحدثكم اليوم من طور سينا العلم، طور سينا المسيو شمبار الذي لا يدخن، ولا يرتجف كراديو سيدنا موسى، فلا بروق ولا رعود. إنكم تسمعون صوت البوق كما سمعه بنو إسرائيل في ذلك الزمان من سفح الجبل. إن صوتي، وحده، يطير شعاعًا. وكم كنت أتمنى أن أرى وجوهكم الساحرة لأستمد منها نشاطًا ومرحًا، ومعاني لم تخطر على البال! لقد صح فيَّ وفيكم قول الشاعر:
فكان كمن سقى الظمآن آلًّاوكنت كمن تعشى في المنام يا ليتهم كبروا الآلة قليلًا ليبلغ صوتنا شطرنا الثاني خلف البحار فنحدثهم ويحدثونا. وهذا هين على أم فولتير ورنان وأناتول فرانس.
إن الأدباء مدينون جدًّا للمسيو شمبار، فبعدما كان الناس يدعونهم ليتفرجوا عليهم هنيهة، ويرجعوا بسلام، أصبحوا يخاطبون الناس من وراء الحجاب. ولا عجب، فالأدباء أمراء كلام كما يتمنى بعضهم أن يسمى. إن حصة الأدب من هذه الإذاعة قليلة جدًّا؛ عشرون دقيقة لا غير في الأسبوع، فأنصتوا لنا قليلًا، واحسبوها إحدى المصيبات: الحياة لا تكون كلها «عتابًا وميجانًا»، وكأني بهم قد جعلوا موعدنا ليلة الجمعة ليذكرونا بالصلب، فالأديب يحمل صليبه دائمًا.
موضوعي: أثر الأديب في الحياة، فافتحوا آذانكم الصغيرة جيدًا لتعلموا أن ما تحلمون به من الأمل الأخضر والرجاء الأبيض هو من عمل الأديب. أما إذا كنتم تهجسون بأسعار النقد الصعب، وتحبون سماع مشاحنات الجبابرة، وقرصان السياسة، فردوا الباب عليَّ واتركوني أحدث نفسي، وشنفوا آذانكم بأصوات جلاديكم التي تقضُّ عليكم مضاجعكم.
وبعد، فمن هو هذا الأديب الذي نحدثكم عنه؟ هو رجل ملهم خلق من الناس ليكون أبًا للناس، فهو آدمي في نفسه قبس من الحق لا يُطفأ، وقد أكون واقفًا، الآن، حيث كان يقف سنكنيتن البيروتي، الأديب العالمي الأول، الأديب الذي سبق موسى إلى سفر تكوينه، فخلق للعالم حواء سماها أيون، وآدم دعاه بروتوغون، ومن سلالتهما تحدرت الآلهة ودرجت أزواجًا على هذه الشط الزمردي، خلق آلهة برية وبحرية، أرضية وجوية، سماوية وجهنمية، انبثقوا من بطون كهوفنا وأوديتنا كغيلان تأبط شرًّا، وطاروا على روابينا وقممنا ذكورًا وإناثًا كرخِّ ألف ليلة وليلة. خلقتهم رعود لبنان كما تخلق البادية الكمأة في عام الرعد، وهكذا ملأت آلهة العالم القديم الأرض والفضاء فصاروا كأنهم موظفو دول هذه الأيام كثرةً لكل واحد عمله …
أما الإله الغازي فهو إيل رب الأرباب وسيد هؤلاء جميعًا، وأوسعهم شهرة ابنه الوحيد أدونيس الذي كاد له المريخ، صانع الصواعق كمعامل النار اليوم، فقتله، ولكنه مات ثم قام ليقضي ستة أشهر عند الزهرة في الأرض، والستة الأخرى عند عشيقة ثانية في السماء، وهكذا كان يفك آلهتنا مشاكلهم على حساب عبادهم.
واطمأن الناس إلى عباداتهم أجيالًا، حتى سئموا هؤلاء الآلهة الدساسين المشاغبين، وشكوا في هذا الطراز الإلهي المقتتل على النفوذ والمآرب الذاتية، فهبط الوحي السماوي رحمة بالإنسان، فعم الإيمان برب واحد لا شريك له، يزهق الباطل، ويعد الظالمين ليوم عصيب، وجعلت الدنيا معبرًا ومجازًا، وكل الطيبات عبر بحرها.
وإذا فتشنا عن العنصر الأدبي في جميع ما سعد به الإنسان من تعاليم، رأينا أن سحر البيان من دعائمها الكبرى، وأن الله، تقدس اسمه، لم يكلف برسالته، في كل دور، إلا أفصح خلقه، فالسيف والمدفع لا يؤديان رسالة السلام والاطمئنان، فما لها إلا الأديب يحملها على أجنحة خياله، ويطير بالنفوس معها، فهل أخطئ يا ترى إذا حددت الإنسان تحديدًا جديدًا وقلت: الإنسان فصيح فنان؟ فالإنسان لا يقاد طائعًا راضيًا إلا بسحر البيان الذي هو من صفات الأدباء.
لا نعني بالأدباء أولئك الضفادع الذين ينقون في مستنقعات الرجعية ويتقيئون على الورق ما قاله الأدباء الكبار منذ الآف السنين ومئاتها، بل نحن نعني أولئك الذين يدور العقل البشري في أفلاك وحيهم وإلهامهم، وإن خرج منها إلى فلك السفاحين الجبارين عاش شقيًّا مظلومًا.
فمخيلة الأديب في حلم دائم، والعلم يعبر تلك الأحلام ويحققها. مخيلة الأديب تحبل وتلد، ورجال العلم يلتقطون المولود، كآل فرعون، ليكون لنا عدوًّا … يحلم الأديب الملهم بتجميل الحياة وإسعاد الناس، والجبابرة يُصيِّرون تلك الأحلام يقظة قاسية.
إذا حاق الظلم بالإنسانية فالأديب أول من يتألم ويصرخ، الأديب يرفع صوته تحت بريق السيوف، ولا يسكته السلطان مهما طغى وتجبر؛ لأن الأديب الكامل لا يُشترى ولا يباع، لا يكتم كلمته ولو أعطي بها ملء الأرض ذهبًا، فهو لا يبتغي إلا العدالة، ويؤثر الموت على الخزي والعار.
يحمل الإنسانية على رأسه ويمشي، والحق يتكئ على صدره بالبيت كما قال كنفوشيوس، ومهما ثقلت عليه يد المضطهد فهيهات أن تزحزح عقيدته الراسخة؛ فهو يعيش بين معاصريه ويفكر بالمتقدمين، ويساير عصره، ويعمل بما يوحي إليه الغد. لا تلين إرادته ولا تنهزم أمام المخاطر والاضطهاد، فهو يسعى وراء المعرفة بلا ملل ولا راحة.
في الضعة والفقر لا يسقط الأديب كالحصاد، وفي الوجاهة والغنى لا يتنفس فرحًا وكبرياء.
كل هذا ينبئنا أن الأديب العظيم هبة علوية، وأن في الأدب السامي غذاء لا بد منه للبشر. تسأم النفوس دنيا العمل وضجيجها المزعج فنلجأ إلى دنيا الأديب، وعوالمه التي يخلقها، فتنفتح أمامها آفاق الأماني والأحلام، وإذا نظرنا إلى الانقلابات العالمية الخطيرة، رأينا للأديب فيها اليد الطولى. كلكم يعلم أثر فولتير وتولستوي ونيتشه في العالم الحاضر، فالأديب، شاعرًا كان أو ثائرًا، يقلب ببيانه الدنيا ومثلها العليا، وهو يقضي دائمًا بالأمر عن الشعب الغافل.
لست أضرب لكم مثلًا إلا شاعرين أكثركم تعرفونهما: فيكتور هيغو من شعراء الفرنجة، ودعبلًا الخزاعي من شعرائنا. لا تتعجبوا أن أحتج لرأيي هذا بأديب كدعبل اشتهر بوعورة طبعه، وشكاسة خلقه؛ فهو على نقصه من ناحية، أديب متمرد، أحس الشعب بضعف الإمامة وسكت على مضض، أما الأديب في دعبل فرفع صوته في ظل الموت صارخًا:
يا معشر الأجناد لا تقنطواوارضوا بما كان ولا تسخطوافسوف تعطون حنينيةيلتذها الأمرد والأشمطوهكذا يرزق قوادهخليفة مصحفه البربطبيعة إبراهيم مشئومةيقتل فيها الناس أو يقحطوا هكذا هاجم هذا الأديب الصغير خليفة بل خلفاء ينام الموت بين شفاهم. أما الشعب الخانع في كل عصر فيضحك من أدبائه ضحكة بهلولية، ويتذبذب إلى ظلامه بالنيل منهم والهزء. أما الأديب فلا يسكت، الأديب يعرض عن الاثنين، ولا يضن بروحه ليغلب العالم.
لم تجد الجامعة المصرية اسمًا أمجد من اسم الإله «توت»، الإله الأديب الكاتب لتحفر تمثاله في الميدالية الذهبية المضروبة تذكارًا للدكتوراه الفخرية التي رفعتها إلى الملك فاروق، فلا يَيْئسن إذن من يحس أن فيه قبسًا من روح الأديب الكبير، فساعته، لا محالة، آتية، ولو بعد خمسة آلاف سنة، كما استقر الإله توت الوثني على صدر الملك الصالح … الأدب والعلم لا دين لهما.
تفخر الأمم، كما نقرأ ونسمع، بقلة الأمية فيها، ولا يصبر على رؤية وجوه كثيرة من الناس وتعليمهم إلا الذين في نفوسهم شرارة ضئيلة من نار الأدب، وكثيرًا ما نرى أن هؤلاء الذين يكافحون جراد الأمية هم آخر من يجيء في بال الدولة، هذا إن جاءوا.
والذي يظهر لي بالاستقراء أن الشقاء حاجة الأديب التي لا بد منها، وإذا لم يجدها شقي بعقله. قرأت مسرحية إفرنسية طريفة أحب أن أختم كلمتي بتلخيصها لكم، مع إعلامكم أنني تصرفت بها قليلًا، فانتبهوا لي، وإلا فالخسارة عليكم.
كان في مدن فرنسا أديب تاعس الجد، تحييه زوجته المهذبة بما نصافح به العقرب متى شرفتنا بزيارة صيفية، ويزدريه من عرفوه في المجالس والمجامع. كان المسكين في حربين داخلية وخارجية.
وكانت الحرب العظمى فاختفى أثره، واشتهت بلدته أن تشتهر بأديب تفتخر به كغيرها من المدن، فرأت أن تشيد أثرًا فخمًا لأديبها هذا، فاضطلع رئيس البلدية بالأمر ورفع الأثر عاليًا، ثم كانت حفلة إزاحة الستار فتصدرها الوزير وزوجة الشاعر يجللها السواد من فوق عينيها إلى رجليها. وفي تلك الساعة الخطيرة من تاريخ المدينة وفد الشاعر بعد غيبته الطويلة، على الطائر المنحوس، ولشد ما دهش إذ رأى نفسه استحال تمثالًا من الرخام، ورفع على خازوق المجد.
أظهر نفسه للمحفل الكريم فأنكروه جميعًا حتى زوجته المتباكية، وخاف سعادة رئيس البلدية أن تفسد الطبخة ويحرم الحلوان؛ أي الوسام الذي في جيب الوزير، فسار بالشاعر ناحية وقال له جادًّا: أنت مت يا صاحبي، وقد صرفنا مبالغ طائلة من الفرنكات لتمجيد ذكرك؛ فليس من الكياسة أن تكذبنا، ولا من الحكمة أن تخسر هذا المجد.
وكان الأديب نبيهًا فتذكر زوجته ورفقها به، فصدق أنه مات، ولكنه عاش طويلًا يتفيأ ظل تمثاله، وينظم الشعر في تمجيد صاحب التمثال أديب البلد وشاعره الكبير.
هكذا صوروا الأديب عندهم، أما أنتم فصوروا أديبكم كما ترون، واتركوها في القلب تجرح ولا تخرج من الفم تفضح …
وقبل وبعد، فلا غنى للأمة عن الأديب، والأديب لا يخرج إلا من المدرسة؛ فبصفتي التعليمية أسأل السادة الذين يلعبون بنار السياسة ألا يزجوا الطلاب في غمارها، ألا يشغلوهم بوساوس العالم قبل أن يأخذوا بقسطهم من العلم، فيكونوا رجال غد حقًّا يصلحون لتأدية رسالتهم.
إن الأمة في حاجة إلى أدباء، والمدرسة أضيق من أن تسع التأديب والسياسة؛ فارحموا أمتكم يا رعاكم الله.

لبنان صديق الكتاب


بمناسبة طبع لسان العرب
… فهو مؤلف ومترجم وناشر منذ خمسة قرون، فذاك الكاهن الماروني المعروف بالصهيوني وضع وطبع في باريس نحو اللغة العربية سنة ????، وفي رومة طبعوا كتبًا شتى، وفي سنة ???? ترجم الصهيوني كتاب الشريف الإدريسي «نزهة المشتاق» وطبع في رومة، وسنة ???? نشر الحاقلاني كتاب «مقاصد الحكم» لفلاسفة العرب، وسنة ???? طبع القرآن الكريم في البندقية.
هذا نموذج من عمل اللبناني في عصر الظلمات، يوم كانت عربيتهم طفلة، أما فيما بعد فصالوا وجالوا في ميدان الترجمة والإحياء والتأليف، فهذا أحمد فارس الشدياق، ولو كرهه المتعصبون، يجلي في ميداني التأليف والنشر والتعريب، فيضع ألفاظًا لمسميات حديثة، ويصبح إمام اللغة في عصره، فتنشر مطبعته التي كانت تصدر جريدته الجوائب: الجاسوس على القاموس، وديوان البحتري، وديوان الطغرائي، وديوان عباس بن الأحنف، ونقد الشعر لقدامة، ورسائل الخوارزمي والهمذاني، والموازنة بين أبي تمام والبحتري، ومقامات السيوطي، وأمثال العرب للضبي، ونثار الأزهار في الليل والنهار، ودرة الغواص للحريري مع شرحها للخفاجي، وديوان ابن الخشاب، والمقصورة الدريدية، ونزهة الطرف في علم الصرف للميداني، وأدب الدنيا والدين للماوردي، ورسائل شتى لابن سينا والثعالبي والمقريزي، وكلها بحرف مشرق جلي وورق صفيق.» «المشرق سنة ? ص???».
وقد بقي عشرات لم تذكرها المشرق مُقدمةً الأهم على المهم، أما في باريس فطبع الكونت رشيد الدحداح الأديب الشاعر معجم المطران جرمانوس فرحات، وطبع ديوان ابن الفارض مع شرحيه للشيخ حسن البوريني، والسيد عبد الغني النابلسي، ونشر مجموعة أشعار حكمية لأشهر شعراء العرب، وكتاب قمطرة طوامير، وكتاب فقه اللغة، وغيرها من الروائع العربية النفيسة المخطوطة.
إن الحديث يطول إذا ذكرت ما أحيا اللبناني في أقطار العالم، وأية بقعة من دنيا الله الواسعة ليس فيها لبناني؟ عندما أخذت اليابان بور أرثور ???? وجدوا هناك رجلًا لبنانيًّا، ولعله كان يفكر بإنشاء مطبعة وجريدة ونشر كتب وترجمتها، فمن يعلم …
فلولا النشر والترجمة لما استحق لبنان شكر الثقافة العربية، ولولا الجوائب والجنان والهلال والمقتطف والجامعة لظل أدبنا وعلمنا عتيقين، ولما كان هذا التطعيم الذي نوع الأشجار المثمرة في حديقتنا العربية، فمنذ ستماية سنة واللبناني يطبع ويترجم ويؤلف ويحيي، أعني يوم لم يكن أحد يفكر بذلك.
هذا رافائيل كحلا يطبع في باريس سنة ???? كتاب الفارياق للشدياق، لم يكن في الإمكان طبعه في الشرق فأخرجه كحلا في باريس، وهكذا أبقى لنا هذا الأثر الخالد، ولولا جرأته وهمته لكان ضاع كما ضاع صنوه الآخر كتاب «المرآة في عكس وجه التوراة».
هذه مائة وخمسون سنة مرت اليوم على ميلاد الشدياق، فهل فكرنا بإحياء ذكراه كما يفعل الغرب في تكريم ذكرى أدبائه؟ وهذه مائة وخمسون سنة تمر على ظهور الفارياق، فهل فتح أحد فمه ليمجد ذكر جبار القرن التاسع عشر؟
دعاني إلى كتابة هذه الكلمة ظهور لسان العرب عن داري بيروت وصادر بأبهى حلة تليق بهذا الميراث الخالد. كتب الشدياق، إمام اللغة والأدب الأوحد، مقدمة لسان العرب، وبعد أن عدد فوائد هذا الكتاب بقوله: وبالجملة فهو كتاب لغة، ونحو وصرف، وفقه وأدب، وشرح للحديث الشريف، وتفسير للقرآن الكريم، فصدق عليه قول المثل: «إن من الحسن لشقوة.»
وإذا كان الشدياق قال في شكر عزيز مصر حين أمر بطبع لسان العرب أول مرة: «فالحمد لله مولي النعم، ومؤتي الهمم، على أن حفظه لنا مصونًا من تعاقب الأحوال، وتناوب الأحوال، كما نحمده على أنْ ألهم في هذه الأيام سيدنا الخديو المعظم العزيز ابن العزيز محمد توفيق … إلى أن يكون هذا الكتاب الفريد بالطبع منشورًا، ونفعه في جميع الأقطار مشهورًا.»
وبعد، فإذا كان هذا الفيض من الثناء على صاحب مصر، وهو عزيز أخصب دولة، فما ترانا نقول في شكر السيد صفي الدين؟ إن العمل جسيم، ولكن همم الرجال تدك الجبال، فإخراج كتاب في ثلاثين مجلدًا إخراجًا أنيقًا يصاحبه التمحيص والتدقيق لهو عمل تعجز عنه الجماعات فكيف بفرد؟!
إن ابن منظور قال حين صنف هذا المعجم الخطير: خذوا لغتكم من أعجمي، ونحن نقول له بلسان هذين السيدين الفاضلين صفي الدين وصادر: قم خذ كتابك في أشرق طبع من عربي سيد نبيل، ومن مسيحي ورث المكتبة أبًا عن جد، والفضل يعرفه ذووه يا عبد الله محمد بن المكرم.
سمعت من قال عند ظهور المجلد الأول من هذه الموسوعة الخطيرة: وما حاجتنا إلى هذا الكتاب الضخم؟!
لا أكلف نفسي الرد عليهم؛ لأن الجواب في مقدمة ابن منظور التي قال في آخرها: «فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها؛ إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية، ولأن العالم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النية اللسان، ويخالف فيه اللسان النية؛ ولذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح الملحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودًا، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتصافحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون.»
هذا القول كان يصح علينا منذ نصف قرن. أمَّا اليوم فقد كثر فينا عدد أحباب لسان العرب، والأمل كبير بنهضة جيلنا الطالع الذين يجمعون إذا شاءوا بين تليد العربية وطارفها، فإذا ضموا إلى لسان العرب معجم العلايلي كانت لهم مكتبة عامرة تُقوِّم اعوجاج اللسان فيكتبون بلسان عربي مبين.
أجل إن الكلمة المعجمية معدن لا يقوَّم بوزن، ولا يصبح نقدًا متداولًا إلا إذا اختصصناه بمعنى فتصير له قيمة فوق ما يسوى، وإذا أردنا أن نسهل لغتنا مع المحافظة على سلامتها فما علينا إلا أن نلجأ إلى العامي الفصيح. هذا مذهبي وعليه معولي فيما أكتب.
لقد أحسن المجمع العلمي المصري حين أقر كلمة بيرة وكونياك ووسكي، فالمهندس اللبيب حين يقصد تخطيط طريق يسأل عن طريق القدم والحافر، وهكذا يجب أن يفعل المجمعيون، يجب أن يستنيروا بمصنوعات العامة؛ فهم على صنع الألفاظ قادرون.
وأخيرًا هل أخطئ إذا سميت لبنان بلد المعاجم نشرًا وتصنيفًا؟ لا لعمري فما رأيت بعد معاجم القدماء معجمًا عربيًّا جديدًا إلا ومصدره هذا البلد الأمين، فمن معجم فرحات إلى سر ليالي الشدياق والجاسوس على القاموس، ومن محيط المحيط للبستاني إلى أقرب موارد الشرتوني إلى بستان عبد الله البستاني إلى المنجد، إلى معجم همام، وأخيرًا إلى «موسوعة» العلايلي التي ظلمها حين سماها المعجم.
وإن نسينا فلا ننسى معجم صديقنا المرحوم نجيب خلف، وإن لم ينشر بعد، فقد صرف حياته في تحبيره، ولعل الأيام تُقيِّض له من ينهض لطبعه.
أما الترجمة وليست كل ترجمة ترجمة، فجنديها الأمين اليوم الأستاذ منير البعلبكي أحد صاحبي دار العمل للملايين. انبرى الأستاذ البعلبكي لترجمة الروائع الخالدة والكتب الطريفة المفيدة، ولست أعددها لأنها أمست في أيدي القراء الذين يتلقفونها فور صدورها، فما يعنيني هنا أن أعدد آثارًا، ولكن يعنيني أن أقول: إن هذا الأديب الصامت منير البعلبكي لهو كالزهرة التي ترسل أريجها بلا ضوضاء، فإذا دخلت دار العلم للملايين رأيت رجلًا منصبًّا على كتاب يمعن النظر فيه ثم يدون ما علق بذهنه، حتى إذا أحس بدخولك قابلك بابتسامة مشرقة متواضعة، وراح يجر معك الحديث وعقله في كتابه الذي يعده لتستنير به العقول، فمنير البعلبكي خادم للثقافة لا يضيع دقيقة، فكأنه موظف أمين عند الثقافة الرفيعة وهي تؤدي له راتبًا شهريًّا.
والذي يعجبني في ترجمة البعلبكي هو أنه قد يفتش عن الكلمة الملائمة بالفتيلة والسراج، وإذا لم يجدها فورًا صبر عليها حتى تأتي، فمن فاتته مطالعة الآثار الأدبية بلغتها الأم يمكنه أن يعتمد على ترجمة منير؛ فهي أقرب ما يترجم اليوم إلى الأصل. قلت «أقرب» لأن لكل لغة حلاوتها وطعمها ولونها.
أما سلامة عبارته فقد تكون لا بل هي أسلم تعبير عن الفكرة الأجنبية التي ينقلها الأستاذ إلى العربية، فلا حشو ولا ثرثرة، بل أمانة كلية في التأدية. سوف يذكر الغد للأستاذ منير هذه الخدمة الجُلَّى للناشئة وللبنان الذي يصب في قنديله زيتًا جديدًا ليكون بلد إشعاع حقًّا، ومن أحق بالإنارة من أخينا منير؟

لحظات مع الخالدين


دعبل
منذ بضعة عشر عامًا خطب المستر بلدوين — يوم كان وزير إنكلترا الأول، ومستشار جامعة كمبردج — في مائتي مندوب من ممثلي جامعات الإمبراطورية البريطانية فقال: إن الشعراء الكبار نادرون، بل هم أندر جدًّا من العلماء الكبار الذين يخلق علمهم الشيطاني المواد التي تبيد الإنسانية؛ فلذلك أسألكم، أيها السادة، أن تكثروا بين نتاج جامعاتكم عدد الشعراء الذين ينفخون في أوروبا، بل في العالم أجمع، روح السلام والحرية.
فاستغرب هذا الطلب كاتب فرنسي، فقال يداعب الوزير: إن الشعراء لا يُعملون توصية، فمهما كانت قوة الوزير البريطاني الأول، ومهما اشتد ميل الجامعيين الأنكلوسكسونيين فلن يستطيعوا أن يفبركوا الشعراء جامعيًّا، ولا أن يصدروهم بالجملة كالمحامين والأطباء والمهندسين واللاهوتيين وغيرهم …
ليس بحثنا هنا صنع الشعراء، فالذي يعنينا من كلام الوزير هو أن الشاعر الكبير الذي يناشد الجامعات أن تخلقه هو قائد الرأي العام. يناضل دائمًا وأبدًا ولا يخفي ما تحدثه به نفسه، وهو لا يشرى ولا يباع، وإذا نظرنا إلى الانقلابات العالمية الخطيرة رأينا اليد الطولى فيها للأدباء والشعراء، فحين كانت الخلافة العباسية في شرخ صباها لا يجرؤ معارض أن يفتح فمه، سمعنا شاعرًا أعجميًّا أعمى يهيب بالأمة صارخًا:
بني أمية هبوا طال نومكمإن الخليفة يعقوب بن داودضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسواخليفة الله بين الزق والعود إن بشار بن برد قائل هذين البيتين قد كان يسكت إذا أتته الجراية، ولم يكن يضرم نار سخطه على ما يدرك الأمة من سوء الأحوال، ومع ذلك خلد هذا الشاعر في تاريخ الأدب، فقلما جهله قارئ عربي، بينما هناك شاعر آخر لم يسكته لا ذهب ولا فضة ولا كسوة كان في قرارة نفسه بركانًا ثائرًا ينفجر كلما نزل بالأمة ضيم، ومع ذلك لم يحظ بالذكر في مناهج الأدب العربي الحديثة.
لست أدري لماذا ضربت عليه العنكبوت بنسجها كما قال الفرزدق في جرير. ألأنه كان شاطرًا، أي لصًّا، كما روى لنا صاحب الأغاني؟ إن بين أولياء الله والقديسين رجالًا كانوا «أشطر» من دعبل، ومع ذلك أُحصوا بين الأبرار والصديقين لأنهم تابوا وأيَّدوا فضائل اتفق الناس على تقديسها.
فما بال شاعرنا دعبل الخزاعي الذي قضى عمره مناضلًا، وعاش منتقدًا شذوذ أولياء الأمور في عصره يظل نسيًا منسيًّا؟
إن هذا الشاعر، على وعورة طبعه، وشكاسة خلقه، أديب مصلح متمرد. أحس الشعب في عصره بضعف الإمامة وسكت على مضض، أما الأديب في دعبل فرفع صوته في ظل الموت يثير الجند، وهو العصب الحساس في الدولة، دافعًا إياه إلى الثورة بهذه الصورة الهازئة الساخطة قال:
يا معشر الأجناد لا تسخطواوارضوا بما كان، ولا تقنطوافسوف تعطون حنينيةيلتذها الأمرد والأشمطوالمعبديات لقوادكملا تدخل الكيس ولا تربطوهكذا يرزق قوادهخليفة مصحفه البربطقد ختم الصك بأرزاقكموصحح العزم فلا تسخطوابيعة إبراهيم مشئومةيقتل فيها الخلق أو يقحطوا وهو الذي قال مخاطبًا المأمون:
إني من القوم الذين سيوفهمقتلت أخاك وشرفتك بمقعدرفعوا محلك بعد طول خمولهواستنقذوك من الحضيض الأوهد ثم حمي غضبه فقال في العباسيين جميعًا:
ملوك بني العباس في الكتب سبعةولم تأتنا عن ثامن لهم كتبكذلك أهل الكهف في الكهف سبعةخيار إذا عدوا وثامنهم كلبوإني لأعلي كلبهم عنك رفعةلأنك ذو ذنب وليس له ذنب وقد قال حين بلغه موت خليفة منهم:
الحمد لله لا صبر ولا جلدولا عزاء إذا أهل البلى رقدواخليفة مات لم يحزن له أحدوآخر قام لم يفرح به أحد هكذا انتفض هذا الشاعر منتصرًا للأمة مطالبًا بحقوقها المنتثرة تحت أقدام الأغرار المستهترين. هاجم هذا الشاعر الذي نعده صغيرًا ولا نذكره في برامجنا، الداء الذي قضى على إمبراطورية لا تغرب الشمس عن ملكها. هاجم خلفاء ينام الموت بين شفاههم، وانثنى يردد كلمته التاريخية: منذ أربعين سنة أحمل خشبتي على ظهري ولا أجد من يصلبني عليها.
لقد أدى هذا الشاعر رسالته لا مشكورًا ولا مأجورًا، بل هجا من وظَّفه لأنه لم ير فيه رجل الدولة، ولم يبال بما يلحقه من خسارة أدبية ومادية، وهذا شأن المطبوعين على النضال، فإنهم يقاومون، وسواء عندهم أخسروا أم ربحوا. فاسمع ما قال دعبل في أميره هذا:
تنوط مصر بك المخزياتوتبصق في وجهك الموصلإذا الحرب كنت أميرًا لهافحظهم منك أن يقتلوافمنك الرءوس غداة اللقاءوممن يحاربك المنصلشعارك في الحرب يوم الوغىإذا انهزموا: عجِّلوا عجِّلوافأنت إذا ما التقوا آخروأنت إذا انهزموا أول إن الشعب الخانع في كل عصر يضحك من أمثال هذا الشاعر ويتذبذب إلى الذين يعبثون بمقدراته. أما الأديب فلا يسكت؛ إنه يعرض على الاثنين ويضحي بروحه ليغلب العالم.
رأى دعبل إسرافًا ولهوًا وتهاملًا وتهتكًا في القصور فما سكت عن ذلك، كما أنه رأى آل البيت يشقون ولا يأبه لهم أحد، فقال فيهم تائيته التي لم يقل مثلها شاعر، قال:
مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصاتلأن رسول الله بالخيف من منىوبالركن والتعريف والجمراتقليلة زوار، سوى بعض زُوَّرمن الضبع والعقبان والرخماتأرى فيئهم في غيرهم متقسمًاوأيديهم من فيئهم صفراتبنات زياد في القصور مصونةوآل رسول الله في الفلوات! وأسمعه أخيرًا يختم رائعته هذه متهددًا:
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدلقطَّع قلبي أثرهم حسراتخروج إمام لا محالة خارجيقوم على اسم الله والبركاتفإن قرب الرحمن من تلك مدتيوأخَّر من عمري لطول حياتيشقيت ولم أترك لنفسي رزيةورويت منهم منصلي وقناتي إن شاعرنا يستحق أن يكون في عداد الخالدين لشعره النضالي الطيب، الذي يمثل ما قيل: التاريخ يعيد نفسه؛ فهذا الشاعر الثائر ينتظر ككل مصلح ساعة الانقلاب معتقدًا أن الأحسن هو دائمًا أمامنا لا خلفنا، ومن يدري؟
ولم يبرز دعبل في ميدان الهجو والرثاء فقط، بل قال شعرًا طيبًا في أغراض شتى حتى الغزل، فهو القائل:
أين الشباب وأية سلكابل أين يطلب ضل أم هلكا؟لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكىيا سلم ما بالشيب منقصةلا سوقة يبقى ولا ملكاقصر الغواية عن هوى قمرأجد السبيل إليه مشتركايا ليت شعري كيف نومكمايا صاحبي إذا دمي سفكالا تأخذا بظلامتي أحدًاقلبي وطرفي في دمي اشتركا إن هذه الأبيات الرائعة أغار عليها شاعران معاصران؛ أغار على مقدمتها الشاعر محمود سامي البارودي فقال:
هل من فتى ينشد قلبي معيبين خدود العين فالأجرع؟كان معي ثم دعاه الهوىفمر بالحي ولم يرجع وأغار على مؤخرتها الشاعر رشيد نخلة فقال زجلًا:
عيني وقلبي ضعاف من غير شيفي كل يوم بيفتحوا ورشيالعين تهوى كل ما شافتوالقلب لاحقها على الطحشي كلما قرأت شعر دعبل أعجب بثورته الفكرية وجرأته المنقطعة النظير، وأجل سعة صدر الخلفاء حتى إنني أقابل بينهم وبين ملوك هذا الزمان فأرى هؤلاء منزهين عن الانتقاد، بينما كان خلفاؤنا في زمن الاستبداد يتقلبونه هجوًا مقذعًا برحابة صدر.
ثم أتذكر كيف كان دعبل منافسًا لأبي تمام في حياته، حتى إذا طواهما الموت خلد هذا وتنوسي هذاك. لعل الدنيا حظ كما قال المتنبي:
هو الجد حتى تفخر العين أختهاوحتى يكون اليوم لليوم سيدا لقد عاش دعبل شقيًّا محرومًا، ومات بائسًا، وها هو يحرم اليوم كل شيء حتى المثول في ديوان العرب الذي تمثله مناهج التعليم في أقطارنا، فعسى أن يلتفت إليه، فهو لم يهج إلا طلبًا للإصلاح.
بارك الله لك يا دعبل في شقائك. إن الشقاء عنصر مقوم للأديب، فلا بد له من العبور في معصرة الألم لتبقى خمرته على الدهور والأجيال.
قد رأيت بالاستقراء أن الأديب إذا لم يجد شقاء شقي بعقله، كالمتنبي مثلًا، ولكن شاعرنا العظيم كان له بعد الشقاء بقاء. أما دعبل فلعل حظه يستيقظ، فمن يدري؟

المتنبي في راديو مصر


هو الجد حتى تفضل العين أختهاوحتى يكون اليوم لليوم سيدا هكذا قال شاعرنا المفرد منذ ألف عام، وقد صح به قوله، فما وقف حظه حتى عثرت رجله ومات تلك الميتة المشئومة قرب دير العاقول.
حقًّا إن المتنبي غير مجدود، فمن تغطرس أبي فراس إلى تعصب ابن خالويه، إلى ذلك الجرح الأليم، إلى قطع جبال لبنان في الشتاء، وصيفهن شتاء، إلى مدح كافور الذي يؤتى من بلاد بعيدة ليضحك ربات الحداد البواكيا، إلى هرب الفحل الحر من وجه العبد المخصي، وخاتمة المطاف قتلة شنيعة وميتة بلا صلاة.
لقد حشا المتنبي شعره لومًا وذمًّا للزمان وأهيله، حتى صرخ تلك الصرخة الداوية في رثاء جدته، التي صيرت رسالته أنيابها سحمًا:
طلبت لها حظًّا ففاتت وفاتنيوقد رضيت بي لو رضيت بها قسماوما الجمع بين الماء والنار في يديبأصعب من أن أجمع الجد والفهما يا سبحان الله، كيف يرافق النكد هذا العبقري بعد عشرة أجيال. أليس عجيبًا أن تهب أمة بطولها وعرضها، من ضفاف النيل إلى عبر الفرات، ومن بطحاء مكة إلى شماريخ أرز لبنان، لتكريم ذكراه بعد ألف عام، فلا يقول فيه واحد كلامًا يشبه الكلام؟
شعر سخيف ركيك، وأبحاث من نفاضة جراب ابن جني والصاحب، أقول هذا وأنا أترقب حفلة دمشق، عسى ألا يقفهم عنها ما وقف عن حفلة جامعة مصر الجليلة. وهذا من نكد الشاعر أيضًا، ولكن حسبه أنه يصارع حكومة العبدان في حياته، وأن تهب اليوم مع ذكراه ريح الحياة القومية وتستيقظ الفكرة العربية.
أليس عجيبًا ألا يفوز المتنبي من الشاعر معروف الرصافي إلا بتلك «البصلة»، ويكون حظه كحظ سليمى من بشار؟ وذكر بشار يخطر على بالنا بشاره «فحلبيته» كانت من البضاعة الرائجة في البندر … وقد اشتغل بنفسه عن الشاعر، وهذا شأن من تدركهم السن، كما التهى عنه خليل مطران بإطراء وزير المعارف، وسيجيئك الخبر.
فهؤلاء ثلاثة شعراء معدودون، معروف الرصافي وبشارة الخوري وخليل مطران، قالوا الشعر منذ أعوام، لا يفتح عليهم في ذكرى المتنبي، فكأني بهذا الشاعر لجة لا تقتحم، بل كأني به أسد يخيف زئيره فتنحل العزائم حيث يسمع صوته، وإلا فإلى ماذا نعزو هذه الخيبة المخزية؟ فنقول كلمتنا الأخيرة بعد حفلة دمشق. أما الآن فلنعلق هذا الهامش على متن حفلة القاهرة.
•••

أنبأني مناظر المدرسة العام بحفلة مصر للمتنبي، عصاري الجمعة «?? شباط» وشباط مخيف في رءوس الجبال، فقلت له: سأكون بينكم، فادع إلى هذه الحفلة السمينة طلاب الصفوف العليا، وخطر ببالي قول الشاعر:
غنت سليمى في العراق فأطربتمن كان في أرض الشآم نشيدا وجلسنا الساعة الخامسة نصغي إلى الراديو، فخشعنا وطربنا لعشر من القرآن الكريم، وأظنها أول مرة يتلى فيها كلام الله لأجل الفقيد … إن رحمة ربه تسعه وإن كان من المعطلين في قوله:
فهذه الأرواح من جوهوهذه الأجسام من تربه كان أول المتكلمين وزير المعارف المصرية، فأسمعنا كلمة طيبة رشيقة، وفهمنا أن مصر موئل العربية وحصنها المنيع، وأنها أحرى الأقطار بهذه الحفلة لأن فيها المجمع الملكي، واسترعت سمعي كلمة حق قالها صاحب المعالي، وهي أن المتنبي لا يزال يُقرَأ باللغة التي نظم فيها شعره، بينا نرى الشعراء غير العرب لا يقرؤهم بعد ألف سنة إلا الاختصاصيون من أبناء جنسهم.
قلت لهذه الكلمة وجهان؛ أحدهما: أن لغتنا لم تتطور، والتطور دليل الحياة، وأن تفكيرنا لم يتجه اتجاهًا جديدًا — وهذا ما لا نحمد عليه — والثاني: أن لغتنا تامة كاملة لا مطمع للزائد فيها. وهذا لا أظنه … أجل إن لغة العرب لا تحتاج إلى تعديل خطير في نحوها الأدبي، لو لم تبل بالذين ينقبون أبدًا في أقبيتها وسراديبها عن كلمات نافرة ليفتحوا بها في الأدب فتحًا مبينًا، فمصطفى صادق الرافعي يريد أن يبعث «بنيت بها» ويقبر تزوجتها، «وبنيت بها» عدا أنها غلط فهي جدة الشنفرى وتأبط شرًّا، ناهيك بأن عهد البناء على النساء قد انقضى، فنحن سكان مدر لا وبر، ومحمد كرد علي، عضو المجمع الملكي ورئيس المجمع الدمشقي سابقًا، يقول لنا: «حذو القذة بالقذة» في تلخيص كتاب إفرنسي حديث، فيزيدنا عمى قلب، وأحمد حسن الزيات يحاول أن يزيد في ثروتنا اللغوية — زاده الله فصاحة — فيقول: «كنا نسمر ليلة النيروز المسيحي» ثم شرحها لنا.
اللهم رحماك ورفقًا بهذا اللسان الذي أنزلت به كتابك.
فلو عبر المتنبي كهؤلاء «المجددين»، بل لو التفت وراءه، من كان يتبعه؟ وهل كنا نقرؤه بعد ألف عام كما قال الوزير؟ لكن المتنبي تكلم بلغة الحياة والأحياء، والقرآن الكريم لو أنزل بغير لغة عصره لما فتن الناس بيانه وحنانه، فالجديد جديد ولو قيل قبل خمسة عشر جيلًا، والعتيق عتيق في القرن العشرين، كهؤلاء الذين تفوح من أهدامهم رائحة القطران.
لو تصفحنا المتنبي كله لما رأينا فيه شيئًا من الرواسم، وهذا سر خلود المتنبي؛ معان مستمدة من الحياة لا إغراب فيها، وتعابير هي لا تزال تدور على لسان الناس، أمس واليوم وغدًا، ما خلا ألفاظًا غريبة أحياها فماتت وأماتت ما حولها من كلامه.
أما تلك الصور العتيقة المحشوة في كلام بعضهم، المصفوفة صفًّا، كالقوالب الباطلة على رفوف السكافين، فلم يلجأ إليها أبو الطيب، وهذا ما مازه. قابل، إن شئت، بين بائية أبي فراس التي يقول فيها:
ألم ترنا أعز الناس جارًاوأمرعهم وأمنعهم جنابا؟وقد علمت ربيعة بل نزاربأنا الرأس والناس الذنابى ببائية المتنبي، وغرضهما يكاد يكون واحدًا:
بغيرك راعيًا عبث الذئابوغيرك صارمًا ثلم الضراب ثم قل لي ماذا زاد أبو فراس على منثور العرب ومأثورهم؟ أما المتنبي فنزه نفسه عن مومياء أبي فراس، وإن كانت «الضراب» ثقيلة، وأثقل منها «بعد طول الضراب» مطلع قصيدة بشارة الخوري في المرحوم هنانو.
وجاءت نوبة خليل مطران بعد الوزير، فأصغينا لنلتقط كلمة «شيخ شعراء العربية»، فكانت من ذلك الثناء الذي تعودنا سماعه منه في كل معرض، فكيف به وهو يتكلم عن صاحب معالٍ ووزير معارف، فما لفظ اسم الوزير إلا بعد سفر طويل، فسمعنا تصفيقة حادة ما كانت لولا تلفظه باسم علوبة باشا. أما المتنبي فما قال فيه شيئًا يصح السكوت عليه — كما عبر لنا ابن عقيل — فصح بمطران والمتنبي قول المؤرخ: أرادوا عَمْرًا فأراد الله خارجة.
كيف ترى؟ أليس هذا أيضًا من نكد الدنيا على المتنبي حتى لا يقول فيه شيء شيخ شعراء الأقطار العربية كما قدمه صاحب المنهاج؟
لقد شاخ شاعر «مقتل بزرجمهر» و«فتاة الجبل الأسود» و«ملحمة نيرون» ويبقى وجه ربك ذو الجلال.
وأنبأنا المنهاج أن عبد الله العفيفي سيتكلم، وسينحو نحوًا جديدًا، فتنهدنا وحبسنا الأنفاس، وإن شئت كلامًا أفصح قلنا لك: «أرهفنا آذاننا للسمع.» كجواد عنترة العبسي.
وتنحنح الأستاذ عفيفي فاستحسنها الطلبة، وضحكوا لها ضحكة خفيفة … وانقض الخطيب كجلمود امرئ القيس، وطفق يدهور الكلام مثبتًا أن المتنبي لم يهج المصريين، بل الذين كانوا ملتفين حول كافور من الترك والروم والعلماء العراقيين، وأن الذين يحفون شواربهم هم العلماء.
أغاية الدين أن تحفوا شواربكميا أمة ضحكت من جهلها الأمم ثم دلنا على قول المتنبي، وهو برهانه القاطع المانع، كما يعبر المناطقة، على أن الهجاء لغير المصريين:
نامت نواطير مصر عن ثعالبهاوقد بشمن وما تفنى العناقيد ثم على قوله في الخصية السود، لا أدري إذا كان هؤلاء العلماء فحولًا أم خصيانًا، ولكنني أوافق العفيفي على أن المتنبي أنبه من أن يهجو أمة بأسرها، بل ما كان إلا محرضًا لها على ذلك العبد ليرد الخطي هامته كيما تزول شكوك الناس والتهم.
وبعد، فخطاب العفيفي كان خير ما قيل بعد كلمة الوزير، لولا إكثاره من سيداتي وسادتي، ولو لم يستبق اسم كافور والمتنبي باب نطقه فيسبق كافور مرات ويعود العفيفي مصححًا خطأه، فكان العبد مجدودًا بعد ألف سنة، وما كان شيء من هذا لو سار العفيفي على رسله، ولكنها أيضًا قلة حظ المتنبي.
وبعد أن سمعنا لا أدري ماذا من أمير الكمان سامي الشوا أشعرنا المنهاج أن الكلمة لعلي الجارم، عضو المجمع الملكي ومفتش المعارف، وموضوعه طموح المتنبي، فافتتح الشيخ خطابه بصورة «رومنتيكية»، فصور لنا أبا المتنبي على باب دمشق، وولده أحمد «المتنبي» يأخذ بضبعه.
آه من هذه الضبع، في القرن العشرين، يا حضرة المفتش وعضو المجمع الملكي. أما عثرت بغيرها في طريقك؟
وتدفقت أبيات المتنبي وحمي التصفيق في «الأوبرا» وحان عشاء التلاميذ في عاليه فلم يلبوا صوت الجرس، فقلت لهم: اذهبوا تعشوا؛ سترجعون والأستاذ لا ينتهي … وهكذا كان، فقد عادوا بعد غيبة، والمفتش ما زال يتعنتر مترنمًا، هزجًا، لا أدري إذا كان يحك ذراعه بذراعه كذباب عنترة … ولو لم يقطعه صاحب المنهاج لما جرم خطابه وظل يروي من شعر المتنبي حتى الصبح، بيد أنه تمتم قبل أن ينصرف.
ولماذا يكلف الأستاذ نفسه، فديوان أبي الطيب سهل المتناول.
وأخيرًا انبرى عادل الغضبان لمقال قسطاكي الحمصي، ممثل حلب، فافتتح ببيتين لم يتبينا لي، أرجح أنهما من القسطاكي. وما شرع يحدثنا بقصة «الحصير» حتى رفع صاحب المنهاج حصير بحثه، فحمدنا الذي لا يحمد على مكروه سواه على انتهاء الحفلة.
إن هذه الحفلة لا تبيض وجه مصر المحروسة، وخير ما فيها أنها تحت رعاية الوزير وكلمة الوزير، أما أنا فلو كنت وزيرًا لما شرفت هذه الحفلة بحضوري بله التكلم فيها.
يظهر أن العقاد كان مشغولًا بالتحليق في أجواء الشعر والفن، فهو لا بد يحسب حسابًا بعد ألف سنة … وسلامة موسى، برتابا العقل الباطن، يقول: إن المتنبي سادي؛ أي حصور. وهذا هين. قد كنت أخشى أن يزعم أنهم خصوه في بلاط كافور.
ولكن أين طه حسين؟ ففي وسعه أن يسمعنا شيئًا جديدًا، فقد يكون المتنبي عنده شخصًا لم يكن، كامرئ القيس ومن إليه.
وحسين هيكل؟ ألم يبق في جرابه غير ما قال في بيروت؟ والمازني؟ أما استطاع أن يقول كلمة «ماركتوينية»؟ فمجال التنادر على كافور أوسع من باب جهنم.
أتمنى أن تكون حفلة الجامعة المصرية جامعية حقًّا. وإنني في الختام أثني على الهلال التي خصت المتنبي بعددٍ هو في نظري أليق به من كل ما عمل له حتى الآن.
أما ابن السقاء فلينم مستريحًا مطمئنًّا فإنه الينبوع الخالد.

خارطة دنيا المتنبي


لقد عبر هذا الرجل عن خلوده في أبدية الفن حين قال:
وما الدهر إلا من رواة قصائديإذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدا فشخصية المتنبي دنيا فيها العامر والغامر، وفيها الربع الخالي والهلال الخصيب، وها أنا أرسم لك خريطة هذه الدنيا الواسعة. لا تهز برأسك ولا تمط شفتيك استهزاء. أما استهزأ الشاعر في كل إنسان:
وتزعم أنك جرم صغيروفيك التقى العالم الأكبر فكيف لا يصح هذا فيمن قال:
أطاعن خيلًا من فوارسها الدهروحيدًا، وما قولي، كذا، ومعي الصبر أتذكر ما جاء في التوراة عن الذي صارع الملاك فانخلع جنبه؟ ولا أدري إذا كان قضى عمره يعرج. أما صراع المتنبي مع الدهر فكان ختام مأساته عند دير العاقول. هناك ختمت حياة قصيرة صاخبة لتبتدئ حياة أدبية أشد صخبًا، وهكذا ملأ صاحبنا الدنيا وشغل الناس.
إذن لست أحدث بدعة في عالم الأدب إذا رسمت بالكلام خارطة — مصور أو خريطة أو أطلس، سمِّها ما شئت — لهذه الشخصية التي لم يكن في تاريخ الأدب العربي شيء أغرب منها، ولا أزعم لك أنني اخترعت القنبلة الذرية إذا عملت هذا، فقد قال الطبسي في المتنبي:
كان من نفسه الكبيرة في جيشومن كبريائه في سلطانما رأى الناس ثاني المتنبيأي ثانٍ يرى لبكر الزمانهو في شعره نبي ولكنظهرت معجزاته في المعاني ففي دنيا المتنبي جبال ووهاد، وجداول وأنهار، وقمم عليها الثلج الخالد، وأودية لا تقع على خباياها عين الشمس، ولا ينعش ثناياها هواء. تعزف فيها الغيلان طرًّا وشياطين الشعراء جميعًا، وفي دنيا المتنبي كهوف مهرتة الأشداق، قاتمة الأعماق، خاوية المخترق، وفيها سهول مد العين والنظر، وفوق هذه الدنيا آفاق بعيدة لا ترى حتى بالتلسكوب، وقد نجد فيها نجومًا جديدة لم نرها من قبل. أجواء لم يخترقها إلا من كان له صدر كالنورج، ويتنفس من كير، وفي جباله توءمات لا تلتقي أبدًا … فالإيمان بالجد؛ أي الحظ، توءم يناوحه توءم آخر هو حب السيادة، والإعجاب بالنفس توءم يناوحه توءم القوة المجردة من كل رحمة وحنان:
لا يخدعنك من عدو دمعهوارحم شبابك من عدو ترحمحتى رجعت وأقلامي قوائل ليالمجد للسيف ليس المجد للقلم وفي سهوله خط جنون العظمة، يمتد من الكوفة في المكتب؛ أي من أول ذاته، وينتهي عند دير العاقول حين خلص ذلك الجسد المسكين من تلك النفس العاتية، الجبارة المتعبة. أما هو فسماها كبيرة حين قال:
وإذا كانت النفوس كبارًاتعبت في مرادها الأجسام ويمتد إزاء هذا الخط خط آخر متفرع منه، ولكنه كالغصن الذي ينبت على أرومة الشجرة الأم، فيمتص ما فيها من ماوية. وهذا الخط هو خط ازدراء الناس، فيرى حتى ساداتهم:
أرانب غير أنهم ملوكمفتحة عيونهم نيام أما الناس فقال فيهم:
أسيرها بين أصنام أشاهدهاولا أشاهد فيها عفة الصنم فلو أنهم تنازلوا عن ملكهم لأبي الطيب لكان غيَّر وجه التاريخ. اللهم كما يظن هو. الحرب في النظارات هينة. وقد خاطب كافورًا في هذا فقال له:
وفؤادي من الملوك وإن كانلساني يُرى من الشعراء ولا تبارح هذه الفكرة الثابتة دماغ المتنبي، والفكرة الثابتة ضرب من الجنون، فتراه يرغي ويزبد كالبعير في شباط حانقًا على كل إنسان:
وصرت أشك فيمن أصطفيهلعلمي أنه بعض الأناموأنفر من أخي لأبي وأميإذا ما لم أجده من الكرام وسخطه على الناس نصبه خصمًا للدهر؛ لأنهم منه، وفيه، وله، كما يعتقد:
ودهر ناسه ناس صغاروإن كانت لهم جثث ضخام ثم صارت عداوته للدهر كأنها مشتقة من القيسية واليمنية، يريك الدهر شخصًا والأيام جنودًا لهذا الدهر الذي جعل أكبر همه مناصبة المتنبي العداء:
أود من الأيام ما لا تودهوأشكو إليها بيننا وهي جند وما يود أبو الطيب غير السيادة والصيت المنفوخ:
وتضريب أعناق الملوك وأن ترىلك الهبوات السود والعسكر المجروتركك في الدنيا دويًّا كأنماتداول سمع المرء أنمله العشر ولا تنس خط العروبة. كانت يتيمة مقهورة في عهده، فكان المتنبي لها:
وإنما الناس بالملوك وماتفلح عرب ملوكها عجم حاول أن يكون نبيًّا أو إمامًا، فكان حظه أرومات دلب أكلت رجليه:
دعوتك لما يراني البلاءوأوهن رجلي ثقل الحديد ثم طمح إلى الولاية، كزميليه دعبل وأبي تمام، فإذا بكافور الذي استهبله أبو الطيب فجعله شمسًا منيرة سوداء، وكنَّاه أبا المسك وأبا البيضاء، ثم عد الملوك: سوابق خيل يهتدين بأدهم؛ أي كافور، ولكن كافورًا أدرك سخرية الشاعر فحفظها له.
إن جنون العظمة رافق أبا الطيب من المهد إلى اللحد، وقد كان هذا الميل الهائج فيه كالبركان مفسدًا ما حوله من زرع وضرع، فزعزع المتنبي في كل مكان نزله، وغروره بنفسه نفر الناس من محضره، فما قولك في رجل يلبس معظم ما خلق الله من ثياب ليظهر ضخمًا، وهكذا قشر الشاعر العصا للدهر وبنيه:
وما الدهر أهل أن تؤمل عندهحياة، وأن يشتاق فيه إلى النسل فشعر أبي الطيب منبثق من هذه الميول والأخلاق العاتية، ولكنها فاضلة، وهو حقًّا قال عن نفسه: وللغيد عندي ساعة ثم بيننا، وكما قال في شيراز: لا تخطر الفحشاء لي ببال. أما لماذا، فلا أدري. ولعل فقدان هذا الميل عنده كان سبب غضبه وحرده. هذا تخمين.
ولا ننس خطًّا آخر هو الأنفة، وهي خلق عربي، ولكن المتنبي أفرط في التبجح حين قال لنا في رثاء تلك الجدة الجليلة:
وإني من القوم الذين نفوسهمبها أنَفٌ أن تسكن اللحم والعظما إذن فلنعد له هيكلًا من البلور النقي …
قد يكون اليتم أحد أسباب غضب الرجل علينا. نقصه عطف الأم صغيرًا، وتدليلها له بالتعظيم والتفخيم، فتولى هو ذلك عنها في حياته كلها حتى جن هذا الجنون وقال:
أي محل أرتقىأي عظيم أتقيوكل ما قد خلق اللهوما لم يخلقمحتقر في همتيكشعرة في مفرقي؟! ألف حمد لله، جعلنا كالشعرة ولم يمش خلف الحجاج حين قال: أنتم العدة والحذاء.
ليس المتنبي هرًّا يعجبك شكله فتدلـلـه وتتلذذ بدغدغة صوفه الناعم، ولكنه نمر تهابه، وتسبِّح ربك حين تراه معجبًا بآياته، فالرجل أنوف في خده صعر، لا تستقيم أخادعه مهما ضرب الفرزدق، ومهما عاتب بشار. إن لومك على من أوجده، وقد أجابنا عن هذا بقوله:
يراد من القلب نسياكموتأبى الطباع على الناقل فوجود المتنبي ونشأته في عصر أقل بدوي قرمطي فيه يدعي أن عباءته تلتف على الله لا على لحم ودم مثلنا نحن المساكين، قد أوقع المتنبي في هذا الجنون؛ ولهذا سترى الشاعر يهاجم الرسل والأنبياء ويصادف كلامه قبولًا؛ لأن من كانت تقال لهم متأثرون بهذا المعتقد الباطني.
رآهم يصدقون ما يقال بسهولة لا حد لها، ورأى أنه فوقهم عقلًا وفهمًا، فجمح هذا الجماح. هو شاعر، والشعر كان كل العلم، وكان آلة للصدارة، فأخذ يحدثنا في كل ما ينظم عن نفسه، ويطريها ويمجدها. لم يكن خروج المتنبي من نفسه بأكثر من خروج البزاقة من قمعها، فما إخاله حين يتحدث عن نفسه إلا محمومًا حرارته فوق الأربعين، أو كالمصروع في الهلة، ولكنه جنون كالعقل يستملح ويُحبُّ لهذا الإطار الفني، وكم صورة جملها إطارها!
في دماغ المتنبي ظلمات مدلهمة لها عندنا ألف يد تخبر أن المانوية تكذب، ولأجل هذه الأشعة المنفلتة، لأجل هذه الأبيات المجنونة وأشباهها أكاد أجزم أن في دماغ المتنبي ناحية خربة؛ فهو تارة ينزلنا بواد غير ذي زرع، وأخرى عند جنات تجري من تحتها الأنهار. أتخيل دماغه كقرص عسل فيه نخاريب مقطنة، ونخاريب عامرة فيها دواء للناس. وقد يكون هذا النقص — لا شك أن في المتنبي مركب نقص أو عاهة كما كانوا يقولون قبل علم العقل الباطن — سببًا للسمو الفني الذي جلس المتنبي على عرشه يمثل المهازل، وكم في المهازل من مواعظ وحكم!
ألا يلذ لك صراع المتنبي مع الدهر؟ فهوغريمه لا الناس. ألم تره كيف يمثل الدهر بشرًا سويًّا ليطالبه بدينه، ويركب كتفيه؟ فهو يجد فيه أبشع هوسه، ويستعدي عليه كافورًا.
ويا آخذًا من دهره حق نفسهومثلك يعطي حقه ويهابلنا عند هذا الدهر حق يلطهوقد قل إعتاب وطال عتاب أرأيت كيف تموج الحياة تحت قلم الفنان؟ ألا ترى المتنبي يتحدث إلى كافور عن الدهر كأنه يجد، وله حق ضائع عند الدهر، فتكاد تقول معه: آخ منك يا دهر، يا أكَّال الحقوق. يا كافور احجز متاعه وبعها في سوق الدلالين، وأدِّ حق المتنبي المظلوم.
وفي آخر الشوط يدرك المتنبي أنه أثقل ظهر الدهر بما حمله من أثقال فقال:
ما أجدر الأيام واللياليبأن تقول ما له وما لي وهكذا تم الصلح في بلاد فارس، والصلح سيد الأحكام.
إن المتنبي لا يترجى غير ملكوت الدنيا، ولا يؤلِّه غير العقل، وبهذه الأداة حاول أن يسود فأخفق. والشكر لأبي البيضاء؛ فقد أسدى هذا المخصي إلى الشعر العربي جميلًا عجزت عنه الفحول البيض. كان المتنبي يؤدي رسالته التي خلق لها وهو يظن أنه خلق لغيرها. خال أن رسالته في الحكم ليطهر الأرض من الملوك الزعانف:
بكل أرض وطئتها أممترعى بعبد كأنها غنميستخشن الخز حين يلمسهوكان يُبرى بظفره القلم عاش المتنبي المصارع لا يسقط حتى يقوم، يعالج الحرمان بهذا الشعر المزرقِّ اللهب، فينفس عن ذاك الوعاء المسلح فلا يتصدع ولا ينفجر، وهكذا قضى وهو يفتش عن الحظ، غير عالم أن قلة حظه هي حظ أكبر.
إن ما قاله المتنبي من شعر خالد هو وليد الطموح والحرمان، عجز عن إدراك مملكة زائلة، فكانت له مملكة الآداب الخالدة.

محاضرات ومقالات تربوية


للأستاذ واصف بارودي
هذه كلمة — ستليها كلمات — جرنا إليها الفحص العتيد ومحاضرات في التربية والتعليم للأستاذ واصف بارودي، مفتش معارف الجمهورية اللبنانية. أخرجتها مكتبة الكشاف في ثلاثة أجزاء بعدما ألقاها مؤلفها في مدن مختلفة، وأذاعتها الصحف والمجلات في حينها تعميمًا للفائدة. إن مواضيعها طريفة نفيسة، وقد عالجها الأستاذ بارودي متوخيًا إفادة المعلم والمتعلم لا التفاصح والشهرة. لا يزعم المؤلف أنه كانت أو سبنسر أو ديوي ودُركايم في التربية وفلسفتها. إنه رجل ينهض بأعباء واجبه، ومن أحرى من المفتش بتشخيص الداء ووصف الدواء؟
إن الناظر إلى محاضراته ومقالاته نظرة متسلسلة يدرك التطور السريع في تفكيره وتعبيره، فالمجموعة الثالثة أرقى فنًّا وأسلوبًا، ثم يزداد تعمقًا وبُعد نظر في مقال «الضمير في المجتمع والتربية». وهذه المقالة وأخوات لها لا تزال لؤلؤًا منثورًا لا ينظمها سلك.
قل بيننا من يُعنى بالتربية والتعليم، وندر من ناقش المعلم ليصل وإياه إلى طريقة تعليمية أقرب إلى العمل منها إلى النظريات، وأندر من كليهما من شمر عن ساعديه ليسعف الأستاذ على سياسة القطيع الصغير الذي عهد إليه برعيه.
تدور أبحاث الأستاذ بارودي حول هذه المواضي: اللغة وتدريسها والمدرسة والمعلِّم، والولد والتربية. يريد المفتش أن يكون الأساتذة عمليين في تربيتهم وتعليمهم، مفكرين غير آليين في تصرفهم اليومي، شأن معظم المعلمين، عاملين على استنباط وسائل جديدة تبث في المدرسة وأبنائها حياة ونشاطًا، وإليك بعض الذي يفصح عن هدفه كما ورد في مقدمات محاضراته ومقالاته: المدرسة بحاجة شديدة إلى التجدد، وإلى نبذ تلك الطرق القديمة العقيمة التي لم تجد منها الأمة إلا الانحطاط والخمول. هي بحاجة شديدة لاعتناق المذاهب التربوية العلمية الحديثة، والتي تتفق مع ما تتطلبه كل أمة تنفض عنها غبار الخمول والجمود، وتنتزع للحياة الصحيحة بكل ما فيها من مظاهر سامية، وحركات مباركة.
ولا تتخلَّص المدرسة من تلك الطريقة الببغائية العقيمة، التي تزرع في أدمغة التلاميذ بذور الغرور والعُجب، وتبعدهم عن العمل المنتج، إلا إذا تبادل رجال التربية والتعليم في الأمة الآراء حول الطرق الحديثة، وكتبوا فيما يرونه أكثر ملاءمة للبيئة التي يعيشون فيها؛ إذ بتبادل الآراء وتصادمها تظهر بارقة الحقيقة.
لا رقي لأمة إلا برقي معاهد التربية في بلادها، ولا ترقى تلك المعاهد إلا بمطاوعتها لما يقتضيه العصر، عصرنا، وتتطلبه الأحوال الطارئة عندنا، من مبادئ وأصول يجب أن تكون في صميم الطرق التي تسير عليها المدرسة. ولا ندعي الكمال فيما نكتب، وإنما هي محاولات يغذيها الإخلاص في المبدأ، والغيرة على هذه الأمة المتحفزة للوثوب، والتي لا تستطيع الوصول إلى غرضها إلا بالتربية الصالحة التي تنهض بالأمم وترفعها إلى المستوى اللائق.
فهدفنا واحد لم يتبدل، وهو نشر المبادئ الحديثة لفن التربية والتعليم بصورة عامة، والتفكير في إيجاد وسائل جديدة لتدريس لغتنا المحبوبة.
لا عجب أن رأينا الأستاذ بارودي يوجه كل اهتمامه إلى تدريس اللغة العربية، فهو ربيب عمه العلامة الحسيني الجليل صديق الشدياق العظيم، ناهيك بأن اللغة القومية تحتل في جميع المناهج العالية صدر المقام. وهذا جون ديوي إمام فلاسفة التربية يضع اللغة القومية في رأس المنهاج، ويليها الحساب فالجغرافية وعلم الصحة، أما الكيمياء والفلسفة والجبر والهندسة والفلك فيراها تصلح لفريق من الناس دون غيره، ويضعها في المحل الثاني من المنهاج الحديث.
يظهر لي من مقالات الأستاذ بارودي ومحاضراته أنه متشبع من موضوعه، كبير الاطلاع على ما كتبه ويكتبه علماء التربية، فكيفما اتجهت في مؤلفاته تنهض أفكارهم وآراؤهم أمامك، مصدقة قوله الذي تقدم: «وهدفنا واحد لم يتبدل؛ وهو نشر المبادئ الحديثة لفن التربية والتعليم.» فكل ما أذاع واصف ونشر مبني على هاتين العبارتين، وهما دعامة التربية والتعليم: المدرسة تربي أولًا، وتعلم ثانيًا. الولد أتون يحمى لا وعاء يملأ.
هذا شعار المذهب التربوي الحديث. أما ما أصابته منه مدارسنا فكهلال الشك، لا يكاد يدرك. إن الظلمة ما زالت تكتنف الأسرة والمحيط، فمن أين يأتي المدرسة النور؟
تدور هذه المحاضرات والمقالات — وهي ثلاثة أجزاء — على قطب التربية والتعليم، ومواضيعها على تنوع عناوينها تنحصر في اللغة وتدريسها، والمعلم، والمدرسة، والولد، وتربيته؛ فالعصر عصر الولد.
لا يزعم الأستاذ واصف البارودي أنه أستاذ أعظم في التربية وفلسفتها، بل صرح في مقدمة مقالاته بقوله: «فهدفنا واحد لم يتبدل؛ وهو نشر المبادئ الحديثة لفن التربية بصورة عامة، والتفكير في إيجاد وسائل جديدة لتدريس لغتنا المحبوبة بصورة خاصة.»
قلت: أما البحث في التربية بصورة عامة فلا يطعم من جوع، ولا يؤمِّن من خوف، فالتربية تختلف باختلاف الناس وبيئاتهم، ولا يستفيد الناس من قوانين التربية العامة إلا إذا رجعوا إلى عصر المغاور والكهوف، فصارت أهدافهم ومُثلهم العليا واحدة، ومن يعتمد على كتب التربية العامة كمن يعتمد على كتب الزراعة الأوروبية؛ فلكل تربة خواص لا بد من تحليلها ودرسها لمن يطمع بالدر الغزير.
إن التربية عندنا اسم بلا مسمى. أبناؤنا هَمَل تتولى رعيهم مدارس متباينة النزعات، وليس من يربأ بهم أن يرعوا هكذا، فكأنهم:
كرة وضعت لصوالجةفتلقفها رجل رجل ادخل إلى أحد المقاهي وانظر بعينيك إلى كرات البليار والرماح تسدد إليها، فتلك حالة أبنائنا في مدارسنا: لا هدف موحد، أكثر ما هنالك مدارس تعلم ولا تربي. وهذا الذي جعل البيت اللبناني دوليًّا، لكل فرد منه هدف وجَّهته إليه مدرسته.
ما لنا وللتربية فلبحثها موعد، أما الآن فلننظر في أهداف البارودي وقد دل عليها تصريحه في مقدماته.
من تتبع مقالات واصف يدرك تطورها تفكيرًا وتعبيرًا، فالمجموعة الثالثة خير من أختها، وقد قرأت له مقالين صدرا أخيرًا — الضمير في المجتمع والتربية، وتطور التربية — فسرني تمكنه وتعمقه؛ إذ رأيته هضم وتمثل ما قرأه هنا وهناك.
نقدر أن نقسم مقالات البارودي ومحاضراته هكذا: الجزء الأول والثاني في التعليم، والجزء الثالث في التربية.
ففي القسم العلمي يحاول الوصول إلى طريقة تعليمية عملية أكثر منها نظرية، ونعم الذي فعل؛ كان حاتميًّا في إرشاد المعلمين؛ فهو يريدهم عمليين في تعليمهم، مفكرين غير آليين في عملهم اليومي، منكبين على استنباط وسائل جديدة، فتتمشى الحياة في مفاصل المدرسة كتمشي البرء في السقيم، ولكن هذا الإبداع الذي يتطلبه واصف يعجز عنه أساتذة أخرجتهم دار المعلمين؛ لأن ثقافتهم محدودة.
ندر عندنا من شمر عن ساعديه ليسعف المعلم على رعي القطيع الصغير؛ فالمعلمية عندنا لم تبلغ درجة يُثنى عليها، فهي أولى وسائل المرتزقة. إذا ضاقت مسالك العيش على الشباب استغاثوا بالمدارس فدخلوها ملتجئين، فتوليهم تعليم الفتيان. كان هؤلاء أول من أمس تلاميذ تعرك آذانهم عند كل شذوذ، وبين ليلة وضحاها صاروا معلمين، فيا خيبة حكومة تؤدي الجزية عن يد لأناس قد لا يعترفون بها!
لا يكلف فن التربية والتعليم المعلم إلا تنبيه غرائز تلاميذه وإثارتها، فعليه أن يفتح لهم الأبواب دون أن يلجها هو قبلهم؛ فالمعلم المنشود مرشد ومعين لا يجديه علمه الغزير في مهمته إن لم تطغ عليه خصلة التعاون مع تلميذه ليأخذ بيده إلى الهدف؛ فالمعلم المستبد برأيه، المعلم الذي يملي مذاهبه إملاء على تلاميذه لا ينفع أمته، فتلك المذاهب تدخل من أذن وتخرج من أخرى، فعلى التلميذ أن يبحث ويجد بمعونة معلمه وإرشاده، فما يجده التلميذ بنفسه يبقى.
وإذا كان المعلم كما هي الحال عندنا جاهلًا الطبيعة الإنسانية، ولا عدة له إلا ما جمعه من نظريات، وكدسه من ملعومات، فأنَّى له تدريب فتيان يجهل هو الدرب مثلهم؟ بل من أين له الوصول إلى مطاوي نفس تلميذه إذا لم يعد إعدادًا فنيًّا لمهمته؟ فالتعليم فن قبل أن يكون علمًا، والجمهور عندنا يعبر عن هذا بقوله: المعلم الفلاني أسلوبه ممتاز، يفيد تلاميذه جدًّا، فآفة المدرسة معلموها كما أن آفة الحكومات موظفوها.
والمعلم يشغل حيزًا عظيمًا من محاضرات البارودي، وإليه يوجه نصائح لا تحصى، أكثرها من أقوال زعماء التربية العالميين، ولكن اقرأ تفرح، جرب تحزن. ما أجمل هذه الكلمة يا واصف: الولد أتون يحمى لا وعاء يملأ! كل التربية هنا يا صاحبي. أما الذي أصابته مدارسنا من هذا فقليل تافه، ما زالت الظلمات تكتنف الأسرة والمحيط؛ فمن أين يدخل المدرسة النور؟ لا يدير السائق سيارة إلا بعد امتحان عنيف، وقد أمسكوا عن هذه الإجازات لما كثر السواقون، أما المعلم فليس من يسأل عن خبرته ومقدرته، بل يسوقونه مساق غيره من العمال. ينظر إلى زوله وشهادته ثم يعهد إليه بأكبادنا التي تمشي على الأرض فترجع إلينا مهشمة مشوهة، فمن المسئول عن ذلك؟ طبعًا الحكومة، ولكنها حكومة مغلوبة على أمرها، لا تصل يدها إلى معاهد تقول لها: ليست الشريعة عليك يا أستير، فهي تستبد حتى بأعلى شهاداتها.
ليس على المدرسة إخراج بيانيين ورياضيين ومؤرخين، إنما مهمتها تكوين رجال للوطن بواسطة هذه العلوم، والمعلم لا يعطي صفات وطرقًا يتبعها، بل يخلق فيه ضميرًا حيًّا يرشده في مهمته؛ فكل شخص يعلم بلا إيمان تربوي هو شخص بلا روح، كما يقول دُركايم، فهدف المعلم الأول أن يخلق نفسًا في الجسد الذي يعلمه، ولا يقدر على دخول هذا الجسد أحد سواه. إن عملًا كهذا يستغرق حياة بكاملها؛ فكيف يقوم به من لم يكن معلمًا لو لم تضق به الدنيا، وهو لاط الآن في إحدى المدارس ينتظر أن تمر العاصفة ويفتح الله؟
وتبلغ نصائح البارودي للمعلم أوجها في الجزء الثالث. لقد ذكرتني نصائح عبد الحميد لولي العهد، ولكنني رأيت، بعد الامتحان، أنها أقل الأدوية نفعًا متى ضعف الدفاع الجسدي، ولم تكن النفس مهيأة لقبولها. وإلى جانب هذه النظريات قام واصف بعمل مجد في تدريس قواعد اللغة، وهذه طريقة جديرة بالاتباع، وعليها يجري العالم اليوم في تدريس لغته، فخير الطرق التعليمية هذه الطريقة الحدسية العملية، وليت المدرسين جميعًا يزاولونها.
رأيت أكبر هم واصف تدريس اللغة التي شوهت الأساليب الهرمة محاسنها. إن اللغة القومية تحتل في جميع مناهج الدنيا صدر المقام. وهذا جون ديوي إمام فلاسفة التربية اليوم يضعها في رأس المنهاج؛ منهاج المدرسة الحديثة.
وعدا تدريس اللغة، فجل ما كتبه واصف قواعد كلية، وقد أحسن في نقلها إلينا، ولعل هؤلاء المعلمين غصبًا عنهم يقرءونها فيفيدوا منها، وإليك واحدة منها الآن: المدرسة لا ترغب في أن تعلم كثيرًا، بل أن تعلم جيدًا.
قلت: ولماذا لا يبدي الأستاذ رأيه، وهو مفتش معارف في الجمهورية اللبنانية، في برنامج يحمله طلابنا وهو أثقل من الأمانة التي أشفقت الأرض من حملها؟
عفوًا، البارودي يعني التعليم الابتدائي، وأنا أعني برنامج التعليم الثانوي، فلندع هذا الآن أيضًا؛ فالحساب آتٍ، وهو عسير جدًّا، ولنؤيد الآن طريقة البارودي التي عبَّدها لمعلمي المدارس الابتدائية في تدريس اللغة؛ أي تدريس مبادئ الصرف والنحو أو الأجرومية كما كانوا يقولون في ذلك الزمان.
يا ليتنا من تلاميذ هذا العهد الذي تستريح فيه الذاكرة؛ ذاكرة الفتى قليلًا — اللهم إن لم يكن من طلاب الفلسفة — أذكر ولا أنسى واحدًا من معلميَّ الأفاضل كان كاهنًا في جبته رائحة أعزب الدهر، كث اللحية، متجهم الوجه كأنه المعري كما رسمه جبران، له كف مثل المدرى، أصابعه مصفرة من أثر دخان السيكارة، وسبابته مثل ململمة الفيل، يدخن بلا انقطاع كأن سيكارته نار المجوس التي لم تنطفئ إلا ليلة المولد الشريف. يتغلغل الدخان في لحيته ثم ينبعث منها رويدًا رويدًا كأنها حطب الموقد قبل اشتعاله، ولكنها ما اشتعلت يومًا كما كنا نتوقع. نعم بلغت النار مرة أقصى عقب سيكارته، فأخذت بعض شيء من شاربه الذي أكله داء الثعلب — الثعيلبة — فكحَّ وعرفنا إذ ذاك أن له أسنانًا.
كان مولعًا بأكل الليمون ملتوتًا بالسكر، والليمون في نهر الجوز رخيص، وفي مدرسة مار يوحنا مارون سكر كثير.
والرئيس راضٍ عن حضرة الأستاذ، يثق بعلمه، فهو يعرف الصبان والخضري والأشموني بشعره وبعره. ما دخل الصف يومًا إلا وسبقته إليه سلة الليمون وصحن السكر وحزمة من السكاير — دخان بلدي كوراني بشرقط مثل البارود — والأستاذ، أيده الله، يؤثر إشعال سيكارته من القداحة والصوانة؛ فتملأ الغرفة رائحة الصوفان.
كانوا في ذلك الزمان يفتتحون كل درس بصلاة «الأبانا» ويختمونه «بالسلام»، فنصلي عند كل أستاذ، وأذكر أنه كان يصلِّب باليمنى محتفظًا ببقية سيكارته باليسرى، وما تنتهي الصلاة حتى يولجها في ذلك الثقب الذي يذكر بأصبع الربيع بن زياد فتترحم على لبيد.
أما طرق الأستاذ التعليمية فدونك نموذجًا منها، وقد يكون هذا هو الذي حببه إلى سيادة المنسنيور.
– أتعرفون يا أولادي، لماذا نصبت إن الاسم ورفعت الخبر بعكس الأفعال الناقصة؟
فتطاولت أعناقنا إليه، فتنحنح وقال: هذه إن أشبهت الأفعال الناقصة في الوضع، وقصرت عنها في العمل، فأعطاها النحاة عمل الفعل مقلوبًا.
فقلت ضاحكًا: قصاصًا لها، فقال: وقصاصًا لك تكتب مائة سطر من باب إن وأخواتها في الصبان. ما أطول لسانك! قم يا شربل.
ووقف شربل الطويل منتصبًا كأنه هلال حديث الولادة، وتسمع إليه الأستاذ فشرع يسرد أمثولة ذلك اليوم عشرين بيتًا من ألفية ابن مالك، بعد أن صرف ليلة وفجرها وضحاها على استظهارها، وما بلغ المسكين هذا البيت حتى أخرجه هكذا:
ككان كاد وعسى لكن ندراغير مضارع لهذين خبر فصرخ به الخوري كمن يطرد الذئب: والو … اقعد مطرحك يا حمار.
وقعد الأستاذ يشتمه ويخلع عليه خلعًا سنية لم يخلع مثلها السلطان على وزرائه. طبعًا لا بد من الإيضاح لماذا أخونا شربل حمار؟
– القافية مقيدة، وكيف يطلق شربل سراحها؟! يجب أن يقول: «ندر» بالسكون، فقال: «ندرا»، فقامت قيامة الأستاذ لأن من عثر بحرف من الناموس عثر بالناموس كله.
لا بد أيضًا من نادرة أخرى عن الأستاذ: سأل يومًا عن محل جملة من الإعراب فأعيت الصفَّ، وكان بجانبي أحدهم، واسمه أسعد بشارة من قرية ع، فقلت له: حالية، فانتصب أسعد بعدما أذن له، وما فتح فمه وقال: حا. حتى نهق حمار بوزيد، مكاري المدرسة، فصرخ الخوري بأسعد: اقعد، عمره أطول من عمرك.
كان خيرنا عنده من يحفظ جيدًا، ولا أنسى يومًا شغلنا فيه بأحوال الصفة المشبهة، كما وردت في الصبان، فإذا هي تبلغ الستة والثلاثين ألفًا من الحالات. الخلاصة صرفنا عنده سنة سوداء كمقلة الظبي الغرير، لم يبق في مخيلتنا من آثارها التعليمية إلا سيكارته وليموناته، ومنظر وجهه الجميل، فقد كان أصفر مستطيلًا كأنه كوساية أغفل البستاني قطفها في إبانها، وما كان أقبحه أكلًا! فإن فمه يعلو ويسفل كأنه كير الفرزدق!
قد غيرت، والحمد لله، هذه الأسرة الثمودية، واستراح التلاميذ، إلا بعضهم، من معلمين لا يحيدون عن حرفية الكتاب، ومن لم يتبع الطريقة الحدسية — البارودية — فقد اختط لنفسه طريقًا تشبهها.
ليت المدارس، حكومية وخاصة، تلزم معلميها وتلاميذها بالتكلم فصيحًا في ساعات تدريس اللغة والتاريخ والجغرافيا، فهي أقرب الوسائل إلى إتقان اللغة، ومتى صح تعبيرنا لا يعود يعنينا أن الفاعل اسم تقدم عليه فعل تام وأسند إليه.
الخلاصة لقد أحسن الأستاذ بارودي في توجيه معلم المدرسة ليكون تدريسه اللغة عمليًّا، أو حدسيًّا كما سماه هو، فيرسخ في الأذهان، ولكن القول شيء والعمل شيء آخر، فعسى ألا يظل ما كتبه البارودي حبرًا على ورق فيصح المثل المقول فيه.

بيني وبين نور الدين بيهم


من نور الدين بيهم إلى مارون عبود

إلى «الصديق» الكريم — مكره أخاك لا بطل — الساحر الساخر، والنقاد الوقاد، والعملاقي العلقمي، والعبقري العقربي، والحلو المبنى، والمر المعنى، الأستاذ مارون عبود. هداه الله. آمين.
أتذكر أيام الروضة والنصير، يوم كنت تدبج المقالات النارية، وكنت كالبركان الثائر تقذف الحمم وتنثر الرمم طالبًا تقييد الأسياد وفك قيود العبيد، ويوم كنت نسرًا على الطاغي، وصقرًا على الباغي، وذلك منذ خمسين سنة؛ يوم كان قد دب بك الشيب وبدا بي الشباب؟
ولا تزال اليوم كما كنت بالأمس الصاروخ الصارخ تساجل وتناضل وتصارع وتقارع، معلنًا حربًا لا هدنة فيها ولا هوادة على كل من يصدر كتابًا أو ينشر مقالًا، عاملًا فيه مبضعك، ومنشبًا فيه مخلبك.
ولعلي أول من أصابهم رشاش سهامك، وذلك يوم أسمعتك أبياتًا نظمتها منذ ما يقارب الخمسين سنة، فقلت لي عند سماعها: هذا ليس بشعر، هذا «شوربا بشعيرية». ومن المؤسف أنه كان الحق معك.
أما الآن وقد بلغت من العمر ما بلغت، عمر أحنى منك الظهر وما أحنى منك الجبين، أمد الله بعمرك، وخفف حدة قلمك؛ فإنك لا تزال ذلك الجبار النقاد الوقاد، وهكذا هي حياتك كلها نصال ونضال، ومصارعة ومقارعة، ورماح وسلاح وكفاح، وغارات وثارات، فماذا تركت لأهل شارون يا مارون؟
وبعد هذا الإكثار، أريد القول باختصار: إنك قضيت على كل من كتب أو نشر؛ فارفق بالكُتَّاب والأدباء، واستبق بعضهم كي لا تكون وحدك في الميدان، حتى إذا اعترتك «الكريزة» تجد من تصارعه وتقارعه. ومع ألف اعتذار أقدم ألوف السلامات يا عاصفة في الحرب وعاطفة في السلام.
صديقك
نور الدين بهيم
الجواب
أخي نور الدين

خيل إليَّ أنك تفتتح يوبيلي الخمسيني بهذه الكلمة الممتعة، وأن هذه الجيوش الجرارة من أفاعيك هي كوكبة أوفدتها من جحرك لتحتفي بي.
قال المتنبي: والشيب من قبل الأوان تلثم، وقال جرير:
تقول العاذلات علاك شيبأهذا الشيب يمنعني مراحي؟ إن العمر، يا أخي نور الدين، لم يحنِ مني بعد، لا الظهر ولا غير الظهر … لقد بدأت حياتي كاتبًا وصحافيًّا ومناضلًا، وكما بدأنا هذا الأمر نعيده.
وأنت ما لك أراك تخاطبني كأنني من بقايا ثمود وعاد؟ حنانيك يا أخي! ألا تذكر أننا يوم تعارفنا كنا وليدات؟ فما أصدق قول جرير بن الخطفي فيك وفيَّ:
وتقول بوزع قد دببت على العصاهلَّا هزئت بغيرنا يا بوزعولقد رأيتك في العذارى مرةورأيت شعري وهو داج أفرع ومع ذلك أية قيمة لسواد الشعر وبياضه؟ أما قال شاعر آخر:
يا هند لا ترهبي شيبي ولا كبريفهمتي مثل حد الصارم الذكر وهكذا نحن إذا شئنا أن نحدث بنعمة الحياة … أما علقميتي وعبقريتي، ونصالي ونضالي؛ فثق أنه لا بد لي منها، قال نحوي كبير — بعد أن أعجزه تعليل «أي» كما يحاول الأب مرمرجي اليوم تعليل الألفاظ ثنائيًّا — قال: أي كذا خلقت. والحق أقول لك: مارون كذا خلق.
طبعت على ما فيَّ غير مخيرولو أنني خُيِّرتُ كنت المهذبا هذا من كلام بشار، ولله في خلقه شئون.
لقد ذكرتني، يا نور العين، وكنت ناسيًا ولا أزال، أن السبعين التي دخلت بابها منذ شهر لم توح إليَّ بشيء.
أنت عرفتني في جريدتي الروضة والنصير، ويا ليتك عرفتني في المدرسة، فهذا اللسان المر رفيقي منذ الأزل؛ كنا تلاميذ في قاعة، وإذا بجحش يطل علينا من الباب، فهرج التلاميذ ومرجوا، وقاموا إليه فتعنفص وراح، فقلت الآية الإنجيلية: جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله! فظنوا أني أهزأ بالمخلص، وقامت القيامة عليَّ، وخرجت من تلك المعركة بعد حبس وركوع مدة أسبوعين.
وبعد عام أصدرت مجلة مدرسية سميتها «الصاعقة»، وطبعتها على «الجلاتين» فكانت معرضًا لأول بضاعتي المشئومة، فرفعت شكوى بعض مَن تندرتُ عليهم إلى رئيس المدرسة المونسنيور بطرس أرسانيوس، فاستدعاني إليه، وكانت أول كلمة بادرني بها: ضب لسانك أو ضب فرشتك. صواعق ما «بدنا» في المدرسة. أما خليفة تشيل الراس! يا ذل خوري حنا عبود. بعدك واقف، اركع واستغفر.
فركعت واستغفرت، ولكني ما تبتُ ولم يكن في نيتي أن أتوب، وظللت سائرًا في طريقي، هائمًا على وجهي، حتى رأيتني، بعد عامين، أحرر جريدة الروضة ثم جريدة النصير.
أجل كنت صحفيًّا، ولكن في أيام البشالك والمتاليك والزهراويات، يوم لم يكن في لبنان إلا أربع صحف: الروضة والنصير والصفا ولبنان، ويوم كان المراقب حاكمًا بأمره، ومع ذلك كنت ألغم المقال الافتتاحي فيمر به المراقب ولا يحس، ثم لا ينفجر اللغم إلا بعد أيام من صدور العدد. وهذا ما حصل في النصير أكثر من مرة، فنحتج بموافقة المراقب ونخلص بريشنا.
أجل كنت صحافيًّا ثائرًا يوم كان الصحافي منتوفًا يعد نهاره سعيدًا إذا دعي إلى غداء أو عشاء، وكانت العصي والخناجر مرفوعة ومسلولة فوق رأسه وصدره، ومع ذلك عملت ما عليَّ ولم أبالِ، لا أَرحم ولا أُرحم، وهكذا دواليك.
يقول المثل: من يفتقر يرجع إلى دفاتر جده العتاق، وأنا، والحمد للمعمل الذي أنتجني، لم أفتقر بعدُ، ولكنني، لكي أصدق ما قلته بي، أعود إلى جريدة النصير لأنقل إلى الفقراء بعضًا من مقالة أولى أسقطت الأعزاء عن الكراسي، وأرغمت يوسف باشا فرنقو على النزول عند إرادة الشعب.
لقد لقيت غب هذه المقالة ضربًا واضطهادًا، فغادرت بيروت إلى جبيل لأحرر جريدة الحكمة، وهناك لم أسلم من غارة مسلحة بسبب مقال.
هكذا كانت الردود علينا في ذلك الزمان. كان خصومنا يحررون مقالاتهم بزنود رجالهم، وكان حبرنا دم قلوبنا، ومع ذلك لم نتراجع ولم ننثن.
قال المتنبي: وفي الماضي لمن بقي اعتبار، وقال آخر: ما أشبه الليلة بالبارحة. ولست أدري أي القولين أصح في هذا الموقف. أما المقال فهذا بعضه ننشره للعبرة لا للتبجح، ومزيد الاعتبار: «ما بين حانا ومانا ضاعت لحانا.» مقالة عمرها نصف قرن.
ما بين خمول مجلس الإدارة وارتشاء رجاله، وتداخل رؤساء الدين بأحكام الدنيا، وانقياد المأمورين إلى الوسائط والتوصيات، تلاشت حقوق لبنان وسقط تحت صليبه الثقيل صارخًا من أعماق قلبه: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا.
وما بين جدران الهيكل وتحت أقدام العرش سحقنا باسم الدين والحكومة، فكان مثلنا ومثلهم كجزار يذكر الله ويذبح.
ومن تلك الأيدي الطويلة تسربت أموال الشعب وغارت في منعطفات الجيوب الواسعة، فأنبتت له الأرض شقاء وأثمرت ويلًا وبلاء، فأفلت من قبضة فرعون وطفر إلى أرض الميعاد الجديدة — أرض كولومبوس — لا يقوده موسى جديد، بل يقود بعضه كخراف فرت من وجه الذئاب.
قرون عديدة توالت على هذا الشعب وهو في قبضة دولة القوة والاستبداد، لا يعرف النظام ليشتكي ويتألم؛ لأن الشريعة كانت في فم الحاكم. قد كان هذا صبيًّا ووصيه رؤساء دينه ونوابه الذين بددوا أمواله في سبيل أهوائهم وأغراضهم، وضحوا بحقوقه على مذبح أنانيتهم وسيادتهم، ولم يبقوا منها على شيء لنقول لهم آية الكتاب: وَآتُوا الْيَتَامَى? أَمْوَالَهُمْ.
من عهد الإقطاعات المظلم إلى زمان المتصرفية ولبنان صبي قاصر تلعب به الأهواء والأغراض، لا يعرف ما ورثه عن أبيه ليطالب به من أنفقوه على ملذاتهم، ليطالب أولئك الذين جعلوه خادمهم مع أنهم خدامه، وأطعموه فضلاتهم وهو رب البيت ومن ماله يأكلون.
منذ أعوام ونحن في الظلمة ولم يطلع علينا الفجر، منذ أعوام ونحن نحمل الحجارة على ظهورنا والطين على أكتافنا لنبني لهم القصور ولم نزل نسكن الأكواخ، منذ أعوام وهم يلعبون بنا لعب الصبي بالأكر، ويفرقوننا عصابات ليحفظوا سلطتهم ويوطدوا دعائم سيادتهم.
سدوا بوجهنا البحر فلم يعد لتجارتنا مخرج، واحتكروا مياهه فصرنا نأكل طعامنا غير مملح، وهم ملح الأرض وقد فسدوا، وإذا فسد الملح فبماذا يملح؟
والتنباك والدخان قد احتكروهما كذلك، وسدوا في وجهنا كل أبواب الارتزاق، ووهبوا ملكنا لغيرنا والملك حق مقدس غير قابل الاغتصاب.
يرتفع الظالم على كرسي الحكم فيعمل في رقابنا سيف ظلمه؛ فنتوجع قائلين: من يصبر إلى المنتهى يخلص، وها نحن اليوم كما كنا في الأمس، فمتى يكون المنتهى؟ وأين الخلاص يا ترى؟
أما اليوم فممن نطلب حقوقنا المهضومة؟ أمن هؤلاء النائمين على الكراسي؟ وهي لو شعرت بثقل ما تحمل لطرحتهم عنها. من نطالب بكل ما سلب منا؛ فقد أصبحنا عراة وهم يلبسون الحرير والديباج؟
رحم الله عظام عمون عمون؛ فقد كان يعترض على المتصرف بكل ما يراه حقًّا، وكان عيد أبو حاتم يدافع عن حقوق الشعب ويجيب صوت الحق.
جاءه كاهن من أصدقاء عيد أبي حاتم وقال له: أؤمل أن تفعل لي كذا — وكان الكهنوت في عز شبابه — فأجابه بخشونة: احك مثل لبسك، أو البس مثل حكيك.
فمن يفعل مثله اليوم يا ترى؟ فوالله إنهم داسوا ويدوسون الشعب إرضاء لكل كبير، ويقبلون أذياله.
إن لبنان للبنانيين وليس هو لكم، يا من خنتموه بأكلكم أمواله التي ائتمنكم عليها، غركم جهله فأضعتم كل حقوقه، ولم تقرءوا التاريخ لتعلموا كيف تستفيق الأمم المظلومة وتثأر لنفسها. لم تظنوا أن الغد للحق والنور لترجعوا عن غيكم.
إن هذا الشعب كشمشون الجبار، والخونة هم دليلة التي خانته وجزَّت شعره وألقته بين براثن الفلسطينيين، وكما استعاد شمشون قوته سيستعيدها الشعب أيضًا وينتقم من خائنيه وظُلَّامه؛ فكونوا على حذر، أيها الخائنون؛ فيوم الحساب أشد ويلًا على الظالم منه على المظلوم، والويل للذين افترسوا لبنان وامتصوا دمه وصيروه ضعيفًا مهزولًا.
أهكذا كتب لأولياء الأمر عندنا أن يكونوا مستبدين بالشعب؟ أهكذا يظل يوظف الجاهل الذي يساعده ذاك المقام وهذا الرئيس؟ وهكذا يظل الشعب ممجدًا الخونة الذين باعوه ويبيعونه كل يوم بثمن بخس؟ أيظل دائمًا يلثم اليد التي صفعته على خديه وملأت فمه دمًا؟
مسكين هذا الشعب، وأي مسكين؟! لا يزال يجهل أن أولياء أموره مسئولون لديه، لا لدى الدولة العظمى والدول الست، ويستطيع محاكمتهم متى حادوا عن الجادة المثلى، لا يزال يجهل أن كل قوة ليس مصدرها الشعب لا تثبت أمام الحقيقة، وكفانا بحالتنا الحاضرة دليلًا، فليعط إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وبهذا صلاح الأمة.
كفانا، يا قوم، ما مضى، فبين عبوسة النمر وابتسامة الذئب فني القطيع، وأنت يا شعب لبنان أفِقْ، فقد استفاقت الروس، واستيقظْ، فقد استيقظت بلاد فارس، واشعرْ، فقد شعرت الصين بالوجود، وانبعثْ من ضريح الخمول، فقد بعث الدستور من قبره بعد ثلث قرن. ارفع صوتك وطالب بحقوقك، فما حكَّ جِلْدَك مثلُ ظُفْرِك؛ فتوَلَّ أنت جميعَ أمرِك.
ما ضرك لو انضممت حزبًا شعبيًّا واحدًا، وطلبت إسقاط كل مرتكب مهما علا مقامه؟ قوي أنت أيها الشعب، فاستعمل القوة وكن عادلًا.
اصرخ: فلتسقط أسوار الاستبداد على رءوس المستبدين، فلتنقض صواعق النميمة على الظُّلَّام المرتكبين، واختر لك ولاة من رجال الوطنية الأحرار؛ فهؤلاء يخدمونك خدمة صادقة، وما أشد احتياجك إلى الصادقين! سيجاب طلبك إذا ميزت بين المجرم والبريء، أما إذا رجوت إصلاحًا عن غير هذه الطريق فعبثًا تتعب.
فأقدِمْ ولا تخشَ رئيسًا أو عضوًا — نائبًا — أو قائمقامًا أو مديرًا أو قاضيًا، بل اطلب إسقاط الخائنين كلهم.
عسى أن تستفيق يا لبنان من نومك العميق وتصرخ في المستبدين: الظلم يولد الاستقلال والحرية.
أرأيت، يا أخي نور الدين، أن من شبَّ على شيء شاب عليه؟
كنا للنضال يوم لم يكن أحد له، ثم توجهنا إلى نضال آخر، وسوف نعود إلى نضالنا الأول لنقول كلمة التاريخ في الذين لا يحسبون له حسابًا، وإذ ذاك تقول: ماذا تركت لي؟ ماذا تركت لأهل شارون يا مارون؟ كما قلت لك أنا بحق: هذا شعر؟ هذا شوربا بشعيرية!
والسلام من أخ بطل لا مكره.
جريدة النصير، العدد ???، بتاريخ ?? آب ????

قرف


مجموعة أقاصيص فؤاد كنعان
أكره «مقدمات الكتب» كما أكره أن أكون إشبينًا؛ شاهدًا لعروسين، أو عرابًا — كفيلًا في المعمودية — لطفل ما، ولكن شهدت وكفلت مرة واحدة وما ثنيت. وها أنا أراني الآن أقدم الأستاذ فؤاد كنعان منشئ هذه الأقاصيص. سأجعلها بيضة الديك؛ فلا يطمع بي أحد ولا يحاييني أحد، ومَن أراد أن أقدمه فليتقدم إلى مختبري، وهناك تكون التجربة إما باردة وإما سخنة. حظ ونصيب.
إن تقديم الكاتب للقراء احتقار لذوقهم الفني، فمن لا يُقدِّر الفن بنفسه فليس ينفعه الدليل إذا سمى له روائع الفن بأسمائها.
وبعد، فما الذي كلفني ضد طبعي حتى انتصبت دليلًا في متحف فؤاد كنعان؟
أقول: إنني أحب الشباب، وأترجى الخير الأدبي على يدهم، أما الذين شيخوا وشاخوا، فقد ولَّى ساقهم وسماقهم؛ ولهذا قدمت طائعًا مختارًا إلى القراء هذا الشاب القصصي. إنه يصور محيطه وحياة ذاق طعمها؛ ولهذا أحسن وأجاد. ربما اشمأزَّ غيري من قصة أو قصتين وصاح: يا غيرة الدين، هذا كافر، هذا مارق … أما أنا فأرى بعد قراءة أقصوصة «البومة» أن الأمر من الأمور التي تقع كل يوم، فالغرائز لا تكبَّل بهذه القيود الوهمية المهترئة. كلنا بشر ومن لحم ودم، والملبوس لا يعمل القسوس.
ثم أمرُّ بأقصوصة «شباب» فأرى أنه لا بد لكل فتى من «ستاج»؛ أي تمرين عند واحدة مثل أم روبير، مدام شنتال، وهل يكون التمرن إلا عند محام قارح؟ أما حكاية المرأة وكلبها، وثورتها على زوجها الذي قتله، وإيثارها الكلب الحامي على الزوج البارد؛ فهذا فوق علمي.
وقصة الأب برنردوس الواعظ البليغ واستحالته سمسار عرائس — أبو لحاف — فهذه مهنة بعض هؤلاء الأفاضل، ومن فاته اللحم فليشبع من المرق.
وفي قصة «انتقام» يجيد فؤاد سرد حكاية البنية «نجلا»، وانتقام عساف من ثيابها وحبقتها وقرنفلتها. لم يستطع عساف رفع بصره إلى مقام جناب البيك المستبد بأهالي ضيعته وأكل حقوقهم، ولم يجرؤ على مس نجلا خوفًا من سطوة سيد المزرعة، فاغتال ثيابها وهرب … ليت فؤاد كنعان وصف لنا ما يقع في هذه الكراخين — معامل الحرير — من احتكاكات واصطدامات وهزات عنيفة.
وحكاية «بعث» وبطلها المعلم لطوف، فعليك أنت قراءتها والحكم عليها، ولا سيما إذا كنت أعزب دهر، فتصلح مزاجك كما اصطلح مزاجه.
أما أقصوصة «بونا مرتينوس» الأقرع، ففيها وصف شائق لمركَّب النقص والكبت، ولانتقام ذوي العاهات ممن يتمتع بما حرموا منه، وقد قال العرب قبل فرويد: كل ذي عاهة جبار. وأكبر الظن أنني عرفت هذا الأب المولع بمخلوطة الفرنجي والعربي، فطالما سمعته بأذني الثنتين يناغي هرة أنطوش جبيل بالفرنسية فيقول له الآباتي المحترم واصاف الجاجي: «هذي من سبرين، ما تعلمت الفرنجية.» أما قرعة بونا مرتينوس، فلها معي ومع الأب واصاف قصة.
كنا نلعب الورق في إحدى ليالي كانون في أنطوش جبيل، وكان هذا القس قباله الأب واصاف، فصاح بالمحترم: أشر عن ورقك يا معلمي، فتغافل الأب واصاف وابتسم، فألح الأب مرتينوس إلحاحًا حاميًا، فضحك الأب واصاف نصف ضحكة وقال له: أستحي أن أقول لك: معي أصٌّ أقرع. فمتنا من الضحك، ورمى الأب مرتينوس ورقه وغضب، وحرمنا لذاذات سهرته تلك الليلة والتندر عليه.
أظن أن فؤاد كنعان من تلاميذ هذا المحترم؛ فشكرًا للقدر الذي ساق إليه هذا البطل ليخرج مثل هذه الأقصوصة.
وإذا قرأنا حكاية «غزالة» عرفنا أنها من حياة القرى اليومية، وخصوصًا اليوم. إنها قصة الحزبية الحاضرة، وطنية ودستورية، وأظنها من حوادث قرية رشميا مسقط رأس فؤاد؛ لأن حوادثها وقعت في قرية «رأس المي»، وهي تعريب كلمة رشميا السريانية.
وهناك قصص أخرى أتكل على ذوقك المرهف في مطالعتها.
أما رأيي في هذه الأقاصيص فألخصه بقولي: لو لم تعجبني لم أعْدُ طوري وأقدم لها، وحسبك هذا برهانًا على طيبتها. أما رأيي المبسط فتقرؤه، إن عشنا، بعد ظهورها وزيارتها مختبري. وداعًا الآن.

نشأة الموحدين وتاريخهم


لأمين طليع
صنف هذا الكتاب القاضي الكبير الشيخ أمين طليع، فجاء بمنزلة القفل من العقد. والمذهب الدرزي عقد أي عقد، طالما تاه الباحثون في دهاليزه فخرجوا منه صمًّا بكمًا. تكهنوا ما شاءوا أن يتكهنوا ولم يقف أحد منهم على الوضوح، وهيهات أن يلوح لك بصيص نور الوضوح إذا لم تكن قد ولدت درزيًّا، لا بل إن الدرزي الذي خرج من بطن أمه درزيًّا، حتى الناطق منهم، لا يقف على السر كله إذا لم تؤهله لذلك الفضائل الصارمة المرسومة في كتبهم.
قلت: إذا لم تكن قد ولدت درزيًّا؛ لأنه يستحيل على غير الدرزي المؤصل منذ أجيال أن يطلع على أسرار الدين العويصة؛ لأنها غير مكتوبة، ومنطوقها غير مفهومها، عبثًا تظن أنك فهمت؛ لأنك وقعت على أحد كتب المحكمة الستة؛ فالكلام عندهم ظاهر وباطن. وهذا ما يتوه به القارئ ولو كان بصيرًا.
يقول المثل: عاشر القوم أربعين يومًا، فإما أن تصير منهم أو ترحل عنهم. وأنا عاشرتهم قرابة أربعين عامًا وما زلت منهم حيث كنت، من حيث الدين؛ لأن الباب أقفل منذ ألف سنة.
خطر لضابط إنكليزي أن يعتنق المذهب الدرزي، فكتب إلى صديقه المرحوم الشيخ جميل تلحوق يطلب منه تمهيد السبيل لدخول المعقل الحصين، واعتناق المذهب التوحيدي الغامض، فكان الجواب: أُغلق الباب ومن دخل دخل، ولا يدخل علينا جديد. وعندما رويت هذا الخبر للبطرك إلياس تعجب، فقلت له: يا سيدنا، لو طلبت غبطتك الدخول لما أُجبت إلى طلبك. فأطرق هنيهة ثم تمتم وهو مطرق: الحق معهم؛ ما دخل أحدٌ ملة غير ملته إلا لغرض.
ثم انجرَّ حبل الحديث ورحت أروي له ما علمت عن فضائل أتقيائهم، فقال: إذن الدرزي ناسك؟ قلت: لا، ولكن بعض الدروز يعيشون بين الناس عيشة الحبساء.
فأجاب: وهذا هو الفضل الأكبر.
كان للدروز حقبة دعوا فيها لدينهم، ولما انقضت أمسوا في غنًى عن كل دعوة، فلا كرازة ولا تبشير ولا ترغيب؛ فهم قانعون بعددهم كما قال السمؤال:
تُعيِّرنا أنَّا قليلٌ عَدِيدنافقلت لها: إن الكرام قليل لقد عشت بين هؤلاء القوم الغطاريف أكثر من ثلث قرن، فما رأيت إلا رعاية ونبلًا وكرم عنصر، وأشهد أنني في هذه المدة لم أسمع من أجاويدهم لفظة خشنة، ولا من الذين ليسوا من الأجاويد كلمة نابية، فهم أمراء الحديث وأرباب اللياقة. كانت مهمتي كمدير مدرسة تستدعي الاحتكاك، فما جاءتني قط امرأة تشكو أستاذًا، ولا رجل خرج عن مستوى الحديث المهذب؛ فالدرزي، كما يقول مثل بلاده لبنان: للسيف وللضيف ولغدرات الزمان.
وهنا يطيب لي أن أسجل في مقدمتي لهذا الكتاب كلمة كتبت منذ قرن ونيف، دوَّنها أحمد فارس الشدياق في كتابه الشهير المعروف «الفارياق». وهذه هي الكلمة كما وردت في طبعته الثانية: «فأما ما يقال: إن الدروز هم من ذوي الكسل والتواني، وإنهم لا ذمة لهم ولا ذمام، فالحق خلاف ذلك: أما وسمهم بالكسل فأحرى أن يكون ذلك مدحًا لهم؛ فإنه ناشئ عن القناعة والنزاهة والزهد، غير أن الصفات الحميدة التي يتنافس فيها الناس متى جاوزت الحد قليلًا التبست بنقيضها، فالإفراط في الحلم مثلًا يلتبس بالضعف، وفي الكرم يلتبس بالتبذير، وفي الشجاعة بالتهور والمغامرة، لا بل الإفراط في العبادة والتدين يلتبس بالهوس والخبال.
هذا، ولما كان الدروز مفرطين في القناعة؛ إذ لا ترى من بينهم أحدًا يقتحم القفار، ويخوض البحار قي طلب الإثراء ورغد العيش، وفي التأنق في الملبوس والمطعوم، ولا من يسفُّ للأمور الخسيسة ويَدنُق فيها، ولا من يباشر الصنائع الشاقة، ظُنَّ فيهم الكسل والتواني. ومعلوم أنه كلما كثر شره الإنسان ونهمه كثر نصبه وكده وهمه؛ فالتجار من الإفرنج، على ثروتهم وغناهم، أشقى من فلاحي بلادنا، فترى التاجر منهم يقوم على قدميه من الصباح إلى الساعة العاشرة ليلًا.
وأما أن الدروز لا عهد لهم ولا ذمة، فإنما هو محض افتراء وبهتان؛ إذ لم يعرف عنهم أنهم عاهدوا بشيء ثم نكثوا به من دون أن يحسوا من المعاهد إليه غدرًا، أو أن أميرًا منهم أو شيخًا رأى امرأة جاره النصراني تغتسل يومًا فأعجبته بضاضتها وبتيلتها وبوصها، فبعث إليها من تملق لها، أو غصبها — هنا يغمز الشدياق من قناة داود النبي — وأنت خبير بأن كثيرًا من النصارى عائشون في ظلهم، ومستأمنون في حماهم، وأنهم لو خيروا في أن يترك مستأمنهم هذا ليكونوا تحت أمن مشايخ النصارى لأبوا. وعندي أن من كان يرعى حرمة الجار في حرمته كان خليقًا بكل خير، ولم يكن ليخونه في غيرها.
فأما ما جرى من التحزب والتآلب بين طوائف الدروز وغيرهم، فإنما هي أمور سياسية لا تعلق لها بالدين، فبعض الناس يريد هذا الأمير حاكمًا عليهم وبعضهم يريد غيره.» «الفارياق، ص??-?? طبعة مصر، لمصطفى محمد».
كتب أحمد فارس الشدياق، الماروني اللبناني نشأة، المسلم السني نحلة، ما كتب يوم كان الناس يحسبون الدروز أغوالًا يأكلون الناس، مع أنهم شركاؤهم في هذا الجبل. إن هذا الجبل ذو قرنين حقًّا، قرن شمالي، وقرن جنوبي. ومنذ قرن تناطح القرنان وكان استقلال لبنان الاستقلال الداخلي الدستوري في هذا الميليمتر الممتد على سيف البحر المتوسط.
والآن فلنعد بعد هذه التوطئة إلى المؤلف، فأمين طليع دستوره في الكلام أن خيرَه ما قل ودل، على طرافة وظرف، بمقدار ما يمتع، ولا يفضل عن المقدار.
أذكر حلاوة تعبيره واتساق كلامه، ولا أذكر أنه قال شعرًا، فهو منذ طلعته ميال إلى فكر. ومما أذكره من أخبار صباه هذه الحادثة: كان أن قضى مدير المدرسة المرحوم وديع غبريل، فأذنت الصفوف العليا بالذهاب إلى دفنه في «عبره»، وبارحنا عالية صفوفًا، وعند وصول الموكب إلى بيروت رأيت الصبي أمين طليع، وهو ابن اثني عشر بين الذاهبين، فاستدعيته وقلت له جادًّا: وممن استأذنت؟ فأجاب: من نفسي. وهل يحتاج الولد إلى إذن ليحضر دفن أبيه؟ فكان جوابه مسكتًا.
وبعدُ، فطالما اشتهى الناس معرفة المذهب الدرزي، وها هو ذلك الفتى النبيه الذي صار الأستاذ أمين طليع يكشف المخبأ، ويعطي الناس حقيقة هذا المذهب وجوهره.
إن ديانة الدروز فلسفية، وإذا شبهنا الروحاني بالجسداني قلنا: إن الله في مذهبهم رئيس الجمهورية في دولة رئيسها العقل؛ فهي فلسفية بكل معنى الكلمة، متأثرًا أكثرها بالفلسفة اليونانية، وخصوصًا الأفلاطونية، ولو كان مستلمو هذا المذهب من ذوي الثقافة العميقة لسميناهم فلاسفة؛ لأن التقمص الذي يضحك منه الإلهيون هو من صلب معتقد الفلاسفة.
عرف الدروز الأولون حب الإنسان للدنيا فقالوا له: أنت باقٍ فيها تحور وتدور، وستتقلب من حال إلى حال بحسب أعمالك. نفسك خالدة وتظل هي هي، تسعد وتشقى بحسب الجسد، لأن الجسم هو الثوب الذي يتبدل، ومن هنا جاءت حكاية «الناطق».
لا بد لحكاية الناطق من شرح حتى تفهم: يعتقد الدروز أن من مواليدهم من يتذكر ميلاده الماضي ويخبر عن حياة عاشها قبل الحياة التي هو فيها، ويحدد مواقع أشياء قل من يعرفها من الناس، ويدل على أشياء عرفها هو في حياته الأولى.
قلت مرة لأحد مشايخ الدروز العارفين: حرام أن يظل هذا السر مكتومًا؛ فمذهبكم حافل بالحسنات، وقد سبقتم الناس عندنا في ميادين شتى.
فأجابني: نحن لا تبشير عندنا، والباب مغلق، فلماذا نكلف أنفسنا الجدل ما دمنا لا نعمل لزيادة العدد، وقد قطعنا الطريق على المريدين؟
أجل، إنها ديانة لا تعتمد على الوحي كسائر الديانات؛ ديانة رياضية سبقت العلم الحاضر ألف سنة، وهي القائلة مع المعري: كان قبل آدم أوادم.
أخلاقهم يعربية، وديانتهم فلسفية يونانية كما قلنا، وإنا لنعجب من مولاهم الحاكم بأمره وصحابته كيف وُفِّقوا إلى مثل هذا التدبير.
إن حرية الفكر عندهم ألجأتهم إلى التستر خوفًا من الاضطهاد، وهذا الحاكم العبقري العظيم يقول لهم في السجل مطلقًا لهم الحرية في التفكير والتعبير: من يفطر فمن ماله يفطر، ولا إكراه ولا إجبار.
وكأن كلمة حي على الفلاح عامة في نظره، فشاء حصر الفلاح فقال: حي على خير العمل.
والآن حان لنا أن نلج الكتاب.
ظل الدروز لغزًا حتى كانت حرب إبراهيم باشا منذ قرن ونيف، والثورة الدرزية عام ????، فانتشرت كتبهم، ولكن لكتبهم مفاتيح؛ فلا يفهم من يعثر عليها إلا ظاهرها، أما الباطن فعلمه عندهم. لم يتضح لنا إلا ما كان معلومًا حين دوهمت خلوات البياضة في ثورة ????، أما الأسرار العويصة فهي سماعية لا يعرفها إلا الأجاويد الثقال، أصحاب اللغة المكورة وغيرهم من أصحاب الورع الأتقياء جدًّا؛ فالدرزية كالماسونية درجات، و«الجويد» الجديد لا يدرك الأسرار التي فوقه، فطلوع السلم عندهم درجة درجة، ومص القصب عقدة عقدة، وحين يخلو الأقطاب إلى بعضهم يخرج أولئك، ولا تنشر عليهم الأسرار المطلوبة.
وهؤلاء المطلعون لهم تقاليد صارمة جدًّا؛ فلا تدخين ولا شرب ولا كلام بذيء، إن تسبه فلا يجيبك، يفارقك بالتي هي أحسن، يضيع حقه ولا يطالب به؛ ولذلك قال مثلهم: عقَّال بلا جهَّال ضاعت حقوقهم. ومنهم من لا يشرب القهوة ولا الماء من بيت يظن أن ماله مشوب بالحرام.
هؤلاء هم الدروز الذين عاشرتهم أربعين عامًا إلا … نسيت مال الحكام؛ فإن كبار الجويدين لا يدخلونه كيسهم. وقد سبق أن فصلت ذلك في كتابي زوبعة الدهور.
ولنقل الآن ماذا أفادنا كتاب الأستاذ أمين طليع: لقد أرَّخ للمذهب الفاطمي منذ نشأته تاريخًا رصينًا، وذكر الأشياء التي لا يعرفها الجميع، وقد بقي هناك أشياء لا يعلمها إلا ذوو الاختصاص والذين في الذروة. فلنناقش الذي أمامنا قليلًا فنقول: ماشى أمين بعض الزاعمين أن كلمة بعقلين محرفة من عجلين؛ حيث صارت الجيم البدوية قافًا، والباء التي في أولها حرف جر. وهذا غير ما اتفق عليه علماء اللغات، فالباء منحوتة من كلمة بيت؛ أي بيت العقال. أما قوله: وهكذا صار كل درزي عجلًا لأنهم ينتسبون إلى بني عجل، فأظنُّ أنا أن أسطورة عبادة العجل ونسبتها إليهم آتية معهم من مصر حين نزحوا إلى لبنان هاربين من الاضطهاد الذي لحق بهم حين اشتهرت دعوتهم التي تقوم رسالتها على العبادة العملية اللاطقسية، وعلى حرية التفكير وحرية العمل كما يتضح من منطوق السجل الصادر سنة ??? الذي يقول: يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض في أهل الروية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، لكل مسلم في دينه اجتهاده، لا يستعلي مسلم على مسلم بما اعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما اعتمده.
الخلاصة أن كتاب طليع هو طليعة ما كتب عن المذهب الدرزي الذي أدرك قبلنا قدمية العالم، وقد أقر العلماء اليوم رأي هؤلاء الموحدين القائل في حسابه: إن ??? مليونًا من السنين قد سبقت ظهور آدم الأول، والفضاء الذي تحلق فيه الصواريخ والأقمار روسية وأميركية ليس له نهاية.
والدروز ينتظرون حكومة عتيدة هي حكومة الأخيار؛ إذ تصبح في ذلك الزمان الحكومة واحدة، والدين واحدًا.
كنا فيما مضى نعتمد على الكتب الإلهية، ونهزأ بالفلكيين حين كانوا كالمبرجين، فبعدما كنا نهزأ بهم قائلين لكل من يبدي رأيًا غير مألوف: قم، لا تتفلك؛ أي لا ترجم في الغيب، صارت الكلمة لهم.
وكتاب أمين الذي بدأ يدرس أعمق جذور هذا المذهب لم يقف بنا عند القديم، بل ذكر لنا قانون الأحوال الشخصية عندهم، وكيف اجتازت هذه الملة طريقها المثلى عبر التاريخ.
أرَّخ أمين دعوة التوحيد منذ نشأتها حتى وصل إلى سيدها الحاكم بأمر الله، هذا العظيم الذي اختلف الناس فيه ورأوا في أحكامه بعض الشذوذ؛ فنصيحتي للذين صدقوا ما قيل فيه أن يعيدوا النظر، ويذكروا أن في الدنيا كتابًا إفرنسيًّا عنوانه «جنون يسوع» نسب فيه مؤلفه إلى السيد المسيح ما نسب.
أما أنا فأحببت شخصية الحاكم بأمر الله العملاقة التي أوجدت جيلًا من الناس جبارًا على شكلها، وكم اغتبطت لأن تلميذي الذي صار من كبار القضاة في الجمهورية اللبنانية قد صرف جهده لدراسة مذهب لم نعرف عنه إلا لمحات منتشرة هنا وهناك. حدثنا أمين بأمانة العالم المؤرِّخ، فكان لنا من كتابه القيم أصول راجحة الكفة حققت الكلمة المأثورة: صاحب البيت أدرى بالذي فيه، وخصوصًا إذا كان بيتًا لا يدخله أحد من الخارجين؛ ليعلم ما في الزوايا من خبايا.
جزاك الله خيرًا يا أمين.

لهيب وطيب


لسلامة عبيد، شاعر جبل العرب
يقول المثل: الديك الفصيح من البيضة يصيح، وما مرَّ على سلامة شهران حتى استبشرت بأن سيكون عندي تلميذ ناجح؛ ففي ساعة درسي كان لا يفارقني نظره. عينان ناعمتان، ووجه يفيض نشاطًا وإخلاصًا. نصف ابتسامة تتبعها أجوبة محكمة، ووظائف تنم عن ذكاء واجتهاد، وعبارات شخصية أحيانًا؛ كقوله مرة عن الأخطل الشاعر السياسي هو «غوبلز» اليوم، أي وزير الدعاية والنشر في عهد عبد الملك بن مروان.
قلت له حين كنت أعلمهم العروض: ستكون شاعرًا يا سلامة. فانتشر جلده عليه، ولا عجب فهو من الشعب المعروفي، الأصيل في العروبة. جاءني مرة يسألني عن «حتى» حين سمع العبارة العامية: حتى حتحتت قلوب العلماء، فأجبته: تريد يا ابني شرح العلماء أم الأفهام، وبالاختصار تريد سندويش يشبعك أم تريد طبخة هريسة تتخمك؟ فأجاب: الأكل في زماننا دارج على الماشي. فأفهمته حتى راح آكلًا السمكة حتى رأسها، ولم يعلق في حلقه أقل حسكة.
والآن يحق لنا أن نقول: وقد يجمع الله الشتيتين … فسلامة عبيد رأيته مرة بعدما تخرج حائزًا البكالوريا بتفوق، ثم مرة أخرى سألته فيها: تزوجت يا سلامة؟ فاستضحك وقال: وصرت جدًّا يا معلمي، تعيش وتعلِّم.
وعندما صدر كتابي «الرءوس» بصراحة لا عهد لدارسي الأدب بها، حمل عليَّ الكاتب الشامي زهير مرزا، وأراد أن يجعلني مارقًا من العروبة؛ فهب تلميذي سلامة ووضع النقاط على الحروف، وبعد حين التقيت بزهير، فاعتذر اعتذرًا جميلًا على يد تلميذي القصصي المتفوق السيد شكيب الجابري.
وبعد دفاع سلامة عن معلمه الذي أحبه حبًّا جمًّا كذبت الطغرائي القائل:
غاص الوفاء وفاض الغدر وانفرجتمسافة الخلف بين القول والعمل وبعد هذه التوطئة التي جرَّنا إليها المقام، فلنتحدث عن الديوان، ديوان سلامة الذي أراد أن أقدمه إلى القراء، مع أنه في غنى عن هذه المراسيم التقليدية لأن شعره يقدمه.
الديوان عنوانه «لهيب وطيب»، وهو كذلك، فلو لم يحترق سلامة عبيد في جحيم الآلام لما خرج من رأسه الشعر العربي الفصيح الذي لم تفسده رطانة هذه الحقبة وميوعتها، قلنا: إنه تألم، والألم معصرة القلوب والعقول. عفوًا، فلنقل أنبيق؛ لأن الطيب يستقطر استقطارًا على اللهيب، وأي لهيب أحر من لهيب النبك في صحراء نجد التي عرفها سلامة طفلًا مشردًا مع أبيه والعائلة، بعدما وضعت الثورة الدرزية أوزارها؟
ومن العنوان ننتقل إلى «حنين» ليظل لحديثنا سياقه، فسلامة يحن إلى الشقاء إذا فقده، ومعه حق؛ لأن الشقاء محك الأدمغة التي يكمن فيها الشرر، لو جاز لي أن أنقل القصيدة برمتها لنقلتها، ولكني أخاف من غيرة أخواتها، وأن يعلق الشر بينها وبينهن، وأنا كدت أصير شيخًا، ولا قبل لي بإرضاء العذارى، فسنكتفي بشيء منها ثم نعود إلى غيرها.
موضوع القصيدة حياة سلامة المنبثقة من صميم قلب الشقاء، وسلامة كما قال ابن المعتز: وأرحم القبح فأهواه، ولذلك يحن إلى بلاياه في النبك فيقول:
ربى النبك هل تذكرينالخيام لديك مبعثرة جاثيهتحاول شمسك إحراقهاوتصفعها ريحك السافيهوقومًا عرينهم شامخرهيب بسمرته القانيهأتوك ويا حبذا واحةمن القيد أو ظلة عاريهوطفلًا سباه جلال القفاروأفياؤها في المسا ضافيهصغيرًا بلا مئزر أشعثًايروح ويغدو مع الماشيه؟ ويقتضينا السياق الفكري أن ننتقل من النبك إلى «أبو رمانة» التي كانت حافلة بأردأ الشجر، فيصفها وصف قصاص ماهر ولا يتخلى عن خياله الشعري حين يتحدث إلى بنته واصفًا الصبير بلسانها فيقول:
فهل هذي القصور البيضيا ربي أساطير؟أما كنا هنا أمسوكانت ملعبًا قفرًاوغابات من الصباريبدي شوكها الشرايخاف النهر مرآهافيلوي ضائقًا يجري؟ ثم يجيب تلك البنية عما حدا بها إلى التساؤل فيقول لها:
ذكرت الأمس يا بنتيفماذا كان في أمس؟أما عضك ناب الجوعوالحرمان واليأسفبعنا ما تبقى منطيور القن للجارلأنا لم نعد نلقىلنا في بيتنا حبا؟أما أدمت سياط الريحورد الخد والبردوعاد المعطف الباليعلى جنبيك ينقدفأشعلنا لك الموقدمن كراس أشعاري؟! وفي هذه القصيدة التي تعصر القلب يصف ذهابه وبنته إلى الفرن فيلقاهما الخباز بوجهه الصفيق ويتبعانه ذليلين:
وللشرطي إرعادوللحوذي تجديف ثم ينتهي إلى إجابة بنته عن القصور الشاهقة التي سألته عنها وقد حلت محل الصبار، فتبلغ التجربة — كما يعبر شعراء اليوم — حدها الأعلى، فيهتف في الختام:
نعم هذي القصور البيض من أكبادنا تُبنى
فلن نبقى كما كنا عبيد الذل والجوع
إن وصف الجوع بهذه الصراحة لم نقرأ له مثيلًا إلا في العصر العباسي. وهذا نموذج من ذلك الطراز الفريد، وهو لأبي الشمقمق الذي قال يصف أولاده في العيد:
وقد دنا الفطر وصبيانناليسوا بذي تمر ولا أرزوذاك أن الدهر عاداهمعداوة الشاهين للوزكانت لهم عنز فأودى بهاوأجدبوا من لبن العنزفلو رأوا خبزًا على شاهقلأسرعوا للخبز بالجمز لكأني بالأستاذ عبيد قد جعل من حياته ملحمة من حيث لا يدري، وهو مع كل ما قاسى من شقاء ظل شامخ الرأس كالسنديانة التي لم تطأطئ رأسها للعاصفة، وحسبك من قوله في قصيدة «غدًا» الجبارة الحافلة بالرجاء والطموح حيث يقول:
غدًا، في غد تهدأ العاصفهوتبسم جنتنا الوارفهويطوى الحديد على نفسهوينتحر السوط من بأسه وهو في هذه القصيدة الصغيرة يتخفف من القافية المقيدة الطويلة النفس، ولكنه يظل متأبطًا ذراع الخليل وكأنه من المؤمنين بقول أندره جيد: يعيش الفن في القيود، ويموت إذا أطلقت حريته.
وشاعرنا موضوعاته متعددة، وحماسي حتى في وصف بلواه، وله تعابير خاصة، وكم كنت أرتاح حين كنت أقرأ له وظيفة الدراسة والنقد حين كان عندي في المدرسة!
إن موضوعات هذا الديوان متنوعة، وهي مرتبطة بشخصية الشاعر وميوله أشد الارتباط، وعاطفته العربية متقدة مشبوبة. نشأ في كنف والد مجاهد أبيٍّ، وفي ظل أستاذ، ولا فخر، كان للعروبة يوم لم يكن لها أحد، إلا بعض أشد شعراء مهجريين، وقيدوم هذه الحملة كان الشاعر الملهم رشيد سليم الخوري، الشاعر القروي الذي ملأ الخافقين رنين قوافيه، وظل شاعرًا قرويًّا.
وفي قصيدة عيد الجلاء ينحو سلامة نحو الأستاذ ميخائيل نعيمة في قصيدته المشهورة: أخي إن ضج بعد الحرب إلخ. يجب أن نقول: إنه عارض لا نحا؛ لأن الأستاذ نعيمة سلبيٌّ وسلامة إيجابي، ميخائيل حفار قبور يحمل الرفش والمعول، وسلامة كصخر الخنساء حمَّال ألوية، هباط أودية … فاسمعه يقول في ساعة النصر:
أخي، هذا لوانا اليوم في أوجِ السَّمَا حُرخفوق حوله الآمال والأحلام تفترفقد شئناه للعزة والإيمان عنواناوكان الحق يرعاهفرفَّ على جبين الشمس بعد اليأس نشوانا. وبعد أن اشرأب شاعرنا سلامة واشمخر، انتهى إلى حني الرأس تمجيدًا لذكرى شهداء الثورة التي رافقها سلامة حين شبَّ عن الطوق. ذكرنا صديقنا فيلسوف الشخروب بهذه المناسبة، فلا بد من الإتمام فنقول: قصيدة نعيمة طرية، وقصيدة سلامة أفصح وأقرب إلى لسان العرب منها إلى لساننا اليوم.
أما قصيدة «أغنية أم» فكان أحرى أن تعنون «مناحة صامتة»، وما أروع صرخة تلك الأم حين تهتف بولدها الباكي:
جوعان ما ذنبيثديي غدا خرقة! وفي قصيدة الخريف يذكرني بالتشبيه اللبناني حين يصف فوعة الأغربة فيقول:
وعلى شريط الكهرباأسراب رهبان صغار وفي قصيدته «الحدود المحطمة» كأنه يتنبأ:
وغدًا سنمشي أمة عرباءرائدها النظام وفي قصيدة «الحداد» يعجبني عشق الجماد الحامي كقوله يخاطب القيون:
يا مضرم النيران زدها لظىواضربْ فبِئْسَ الضربة المشفقهيَهوَى الحديد النار وهاجةويشتهي السندان والمطرقه ولا عجب في هذا الرأي بعدما علمتنا الكتب أن بعض النساء يلذ لهن لسع الكرباج متى حمي تنور الهوى. ولما كنت أفتش دائمًا عن العبارات الشخصية وأكلف بها، يعجبني قوله مخاطبًا جبل حوران أو جبل الدروز:
فديتها كل فتى باسلأتقن فن الميتة الصالحة وكان العهد أن في سلامة شيئًا من السخر، والظاهر أن المجال لم ينفتح له؛ لأنه شغل نفسه بالفتوة. وهو ينقر على وتر لا ينقر عليه أحد في هذه الأيام؛ لأن الأدباء ينشغلون بالرموز عن الحقائق.
وبقي الرثاء، وفيه يبدو سلامة أتونًا مضطرمًا، وتنورًا مسجورًا ببيان شهي، وعبارات كالبنيان المرصوص مع رطوبة اللؤلؤ وبريق الماس.
وما أخذت عليه إلا تأنيث «الرفات» وتذكير الخمر، كما أن لفظة «تتقفقف» لم تعجبني قافاتها وفاءاتها، ولكن الديوان رغم هذه الملاحظة، التي كان يجب أن يبرأ منها، يظل في صدر ديوان العرب، وهو كتاب الموسم الرفيع. وكم كنت أتمنى لو تغنى سلامة بوقعة «الوعرة» كما ذكر اليرموك، فذكرى بطولة الأجداد في تلك المعركة الضارية ما زالت على ألسنة الأحفاد التي تردد نداء الدروز لإبراهيم باشا بعد مائة عام ونيف:
برهون وايش لك عندناحوران والوعرة لنا
مع الخالدين


لسمير شيخاني
هو مأدبة ثقافية متنوعة الألوان والمطابخ. أعدها الأديب سمير شيخاني من السندويش المغذي، وقد أجاد طهيها وأحسن صنعًا إذ جعل صحونه صغيرة تلتهم بسرعة تلائم عجلة العصر. عدَّد الأشكال ونوَّعها فاختلف كتابه «مع الخالدين» عن كتبنا العربية التي هي من صنع واحد، مثل فهرست ابن النديم، وابن الأثير الذي له في كتابه «أسد الغابة» سبعة آلاف وخمسمائة ترجمة، ولكن مؤلف «مع الخالدين» ترجم لأشهر العباقرة العالميين. وسير العظام تخلق العظائم. إن لهذا الكتاب ميزات تجذبك إليه، وأهمها تنوع الطعام الذي يقوي شهوة النهم.
قالوا: إن الجاحظ خلط آيات القرآن الكريم والإنجيل المقدس والأحاديث الشريفة بأخبار القيان والماجنين والإباحيين. وهذا سمير يجمع في صعيد واحد الراهب الشهيد سافونارولا، والمصلح الديني لوثر، والقديسين لويولا، وتوما الإكويني، وأغسطينوس. تحدث صديقنا سمير بأسلوب من قبضوا على ناصية البيان، ولكنه لم يحشر في كتابه هذا تلك القوالب التي كانت رائعة يوم أحدثت. عبَّر بلغة حياتنا الحاضرة، وهذا من مميزات قلم سمير في كتبه: سالومي، و?? أوبرا عالمية، وأشهر رسائل الغرام، ونزل الزواج، والآن في «مع الخالدين».
كان موعدي مع سمير في «أحداث وأعلام»، وهو عنوان زاويته الإذاعية، فكنت أصغي إليه ولا أزال بعدما طالعت كتبه السابقة الذكر، وكتابه هذا الذي هو قمتها.
إن كتابة السير والتراجم تتأثر غالبًا بالنقل، ولكن سمير شيخاني حاول أن يعصم نفسه من التقليد؛ إذ عصر القناطير من الأعناب حتى أعطانا خمرة جيدة في كأس «مزوقة حبتها بأنواع التصاوير فارس.» كما قال أبو نواس في وصف كأسه العسجدية. ولعل الناظر إلى جلد الكتاب المرقط يؤيد ما أزعم.
ليس سمير شيخاني كاتبًا فقط، بل هو رائد فني. وقد أحسنوا الاختيار حين وضعوه في محله بالإذاعة فنهض بها. نشأ مترجمًا، وأظن أن دور الوضع والخلق قد حان، فعسى أن يخلق لنا مواعيد تقر بها عين الثقافة العربية، وإن كان هذا الكوكتيل الشهي قد خلق خلقًا جديدًا حتى بدا في أحسن تقويم.
عُني العرب كثيرًا بالسير وكتبوها تواريخ عباقرتهم، ثم جاء بعدهم المُلخصون فكثر هذا اللون في مكاتبنا، ولكنهم لم يشملوا نوابغ المسكونة جميعًا بنظرة عامة كما فعل سمير.
أراد المصنف أن يجمع عباقرة العالم في كتاب، فلجأ إلى هذا الإيجاز التام والتبويب الدقيق. قالت العرب: إيجاز مخلٌّ وتطويل مملٌّ، فأراد سمير أن يبرأ من هذه الوصمة، وجاءنا بكتاب لا غنى عنه للقارئ العربي الذي لا يحسن لغة أجنبية.
أنا أعشق مطالعة سير النوابغ لأنها تهبني همة عنيفة كلما قرأتها، وقد أقرؤها مرات لأن هؤلاء الأفاضل هم سرج الأزمنة، ومنارات الدهور والأجيال، والتعرف بهم حافز لمن يروم الفلاح.
قالوا: كتب الجاحظ: تعلم العقل أولًا، والأدب ثانيًا، فرحت أفتش عن أبي عثمان في كتاب سمير، فتشت عنه بين الفلاسفة، وهو أسبق العرب إلى تأليه العقل فلم أجده، ثم رحت أقرأ فهرست الأدباء فما رأيته، فقلت: الحمد لله الذي شفى صدري بقول كلمة لعزيزي سمير: ألم تجد، أيها الصديق العزيز، بين رجالات العرب أديبًا يستحق أن يكون في حلقة من ذكرت؟ إن الجاحظ في آثاره جميعًا يفوق أكثر من أجلستهم على عرش الخلود الأدبي، بل هو أبرزهم شخصية طريفة، ناهيك بأنه هو أول من حرك قضية الفكر قرنًا كاملًا في حياته، وأحد عشر قرنًا بعد مماته، وكما أن سافونارولا هو الذي شق الطريق للوثيروس وعبَّدها «وزفَّتها» بدمه الطاهر حين ضرب أول معول في برج تاريخ القرون الوسطى الأسود، كذلك شق الجاحظ طريق التفكير الحر لنوابغ العرب الذين ذكرتهم مع فلاسفة العالم.
وعند ذكر سافونارولا أقف لأقول لك: إنك لم تشر إلى أهم نقطة في تاريخ حياته، وهي صراعه مع بابا زمانه إسكندر بورجيا الذي كان يفتخر بأولاده الستة، ولما قتل أحدهم أخاه دوق جانديا، كتب سافونارولا إلى البابا، أبي القاتل، معزيًا ناصحًا: إن الإيمان يفعل العجائب ويوحي بكل الأفعال النبيلة، وهو يعلو على الإحساس والعقل، ويرفعنا فوق هذا العالم، فلتستجب قداستك لنداء النعيم المقيم حتى يتحول حزنك إلى ابتهاج.
أظن أن كل سيرة عظيم تبنى على فكرة تدور حولها دوران الرحى حول القطب، وأنت لم تُعرِّف قارئك بفكرة بطلك الأساسية. إن صراع الشهيد الأعظم سافونارولا كان لأجل سلامة الآداب التي يوصي بها الدين، وهذا الصراع يستحق منك كلمة صريحة حول الموضوع؛ فالراهب رفض قبعة الكاردينالية بازدراء، وعدَّها رشوة حتى استغرب أن يعرضها البابا عليه، ثم آثر الموت شنقًا والإحراق بعد الموت على التفريط باستقلال ديره وامتيازاته، وظل يناضل دون ذلك حتى استشهد هو ورهبانه. لم يقبل هذا الشهيد بإخضاع دير سان ماركو للبابا، وهو لو يفعل لعاش بقية حياته على عرش شامخ كعرش البابا نفسه.
الخلاصة، كانت حرب سافونارولا معلنة على البابا إسكندر بورجيا باسمه؛ لأنه غير صالح، لأنه رجل طقسيات لا فضائل، كان يفخر بأولاده على مسامع البشر ولا يستحي. وهذا الفخر بالزنى الوقح كان يحاربه سافونارولا علنًا، ولا يبالي بالتهديد والوعيد الذي يأتيه من قبل سلطة البابا المزدوجة.
وأراك أخيرًا قد ختمت سيرة سوفونارولا بهذه العبارة التي طبعت بحرف أسود مميز: إلا أن بعض النسوة المؤمنات احتفظن بقلبه الذي تركته النيران سليمًا.
إن هذه أسطورة كتبت على غرار ما يكتب في سير القديسين … ولو كتبتها للقراء بصورة الزعم لكان أسلم. أما النقطة المهمة في نظري فهي أن هذا الراهب الشهيد العظيم لم يبع البابوية حرية فكره ورأيه ثم استقلال ديره بقبعة. دفع حياته ثمنًا لبقاء امتياز ديره، ولم يخضعه للبابا، وحسبه ما جنى من ثمار الخلود أنه خلق لوثر المصلح العظيم الذي هدم ما زعزعه سافونارولا.
إن للتاريخ عينًا لا تنام ولسانًا يتحدث إلى الأبد، وعنه نقلت ما دونت، فالويل ثم الويل لمن يبيعون حقوق أمتهم في الاستقلال بأقل من أكلة العدس التي باع بها عيسو بكوريته … بقبعة كاردينالية أو بعرش آخر وهمي … أو تاج تمثيلي من كرتون. إن ذكرهم يبقى ملعونًا، فعسى أن تطوب كنيسة اليوم الشهيد سافونارولا، وتصلح خطأ فاجعًا ارتكبه إسكندر بورجيا ومجمعه اللامقدس.
وأخيرًا أقول: لقد أجدت وأفدت يا سمير، عشت للكتاب نديمًا وسميرًا، وسلمت يدك.