Advertisement

مراجعات في الآداب والفنون


مراجعات في الآداب والفنون




مراجعات في الآداب والفنون

تأليف
عباس محمود العقاد




مراجعات في الآداب والفنون

عباس محمود العقاد

رقم إيداع ??????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



كلمة في اسم الكتاب


في هذه المجموعة مقالاتٌ شَتَّى نَشرتُ أكثرَها في البلاغ أيام الإثنين، التي وقفتها على الكتابة الأدبية بعنوان «في عالم الآداب والفنون»، ونَشرتُ القليل منها في بعض الصحف الأخرى والمجلات، وتَفضَّل الأستاذ صاحب المطبعة العصرية فرأى أن يحفظها في كتابٍ يضمه إلى السِّمْط الأنيق الذي يتولاه بعنايته وتنضيده، فسمَّيتُه «مراجعات في الآداب والفنون»؛ لأنه بَحْثٌ مستطرد في موضوعاتٍ مختلفةٍ في الآداب والفنون وما إليها، ولأن المراجعة هي طريقتي فيما أكتب من هذه المباحث على الإجمال.
فالفكرة التي أكتب فيها ندَرَ أن تكون بنت يومها، وقَلَّ أن تخلو من تاريخٍ سالفٍ تنتقل فيه كما ينتقل الكائن الحي في أدوار حياته، ولكل فكرة أَثبتُّها ميلادها ونشأتها وحوداث سيرتها وحظوظ أيامها، فلا تزال تنمو وتكبر وتترقى في تكوينها وترتيبها حتى تبلغ تمامها وتُوفِي على غايتها، ثم تجيء المناسبة لإثباتها فأُراجع ماضيها وأنظر إليها في هيئتها الأخيرة كأنني أبٌ ينظر إلى وليده الذي يراه الناس فردًا واحدًا، ويراه هو أبناء عدة تقلبت بهم الطفولة والشباب وتَعاوَرهُم النقص والكمال، وتمثَّلوا له في صور متتابعة لكلٍّ منها مكانها في قلبه وخاطره وذكرياتها من ماضيه وحاضره، ولعل النقص منها غير مقصر عن الكمال في موقع المحبة ومكان الإعزاز!
وسواء أكانت المناسبة التي تدعوني إلى الكتابة كلمة استوقفتْني في كتاب، أو رأيًا سمعته من قائل، أو مشاهدة حرَّكتْني إلى البحث؛ فليس شيء من ذلك بفاصل الفكرة عن جذوعها التي نبتت عليها ولا هو مُخرِجها عن الأصل الذي امتزجت فيه أيامها بأيامي، واتصلت سيرة حياتها بسيرة حياتي. فلو أن للخواطر يوم بعثٍ تُرَدُّ فيه إلى مناشئها؛ لخِلْتُ أن ستُبعَث معي في جسدٍ واحدٍ يوم يُنفَخ في الصور الموعود، أو لعادت معي إلى حيث كنَّا في الحياة، ولو كان لها ألف شبهٍ يربطها بآراء المرتئين وكتابات الكاتبين، فإنما أنا قد عشتها وغذوتها فلا أتخيلني قائمًا بغيرها كما لا يستطيع أحدٌ أن يتخيل جسده قائمًا بغير أعضائه، أو يتخيل رأسه ويديه وقدميه وسائر جوارحه راجعة — يوم القيامة — إلى جُثمانٍ غيرِ جثمانه!
ولقد يرى بعض الناقدين أنَّنِي أتأثر بما أقرأ فيما أكتب، وأنَّني أنحو هذا النحو أو ذاك مما أُعجب به من آراء المفكرين وأنماط التفكير، فليس لي أن أقول في هذا الرأي إلا أنَّنِي أعلم غير ذلك من شأني وأنَّني لا أحسب تفكير الإنسان إلا جزءًا من الحياة ونوعًا من الأُبوة، فليس يسرُّني أن تُنمى إليَّ أفكارُ كل مَن أَقلَّتهم هذه الأرض من الأدباء والحكماء والعلماء إذا كانت غريبة عني بعيدة النسب من نفسي، كما ليس يسرُّني أن ينزل لي كل مَن في الأرض عن أبنائهم وبناتهم، ولو كانوا أبناء سادة وذرية ملوك. أقول ذلك لا أجد فيه ادِّعاءً ولا عجبًا، ولكنني أقرر به حقيقةً وأُبيِّن مذهبًا، فمَن شاء أن يعدَّه من الادِّعاء والعجب فله مشيئته، وليس عليَّ أنا أن أنازعه فهمه وتفسيره.
•••

إن المراجعة إذن هي طريقتي في البحث ولا سيما في مقالات هذا الكتاب، أراجع سيرة كل فكرةٍ وأثوب بالنظر إلى مصدر كل مشاهدة، وقد يَحسُن هنا أن أُلمَّ بأسلوب النظر الذي أميل إليه بالفطرة، وأوثره على سواه بعد التجربة، فأقول في إيجاز: إنَّنِي أنظر إلى الدنيا نظرةً فيها من الشمول أكثر مما فيها من التفصيل، وإنَّ الحياة والزمان والعالم من الأوائل التي لا أوَّل لها إلى الأواخر التي لا خاتمة لها، كلها عندي جملةٌ واحدة متماسكة، ليست المظاهر الفردية فيها إلا أجزاء عارضة تنال قيمتها بقدر ما تحتويه من ذلك «الكلِّ» العظيم، وكأن الأشياء والشخوص الفردية في هذه الصفة عملة الورق التي لا قيمة لها بذاتها ولا بالذهب الذي تُمثله، ولكنَّما قيمتها الصحيحة بالجهد الحي الذي تساويه والثروة العينية التي تدل عليها، ومن شأن هذا الأسلوب أن يتخطى بعض الشيء مقاييسَ العُرف وحدودَ الاصطلاح وتفاصيلَ الظواهر، وفي ذلك تأويلُ كثيرٍ من الآراء التي بَسطتُها في هذه المقالات، ومنها تعليق الجمال بالفكرة الباطنة قبل الأجسام والأشكال.
•••

قد يُقال: ولكن أليس في هذا النظر مجافاةً للواقع الذي يُبنَى عليه كل علمٍ صحيح؟ فأقول لا، إنما هذا النظر يوسِّع الواقع ويمتد بحدوده إلى آفاقٍ أبعد من هذه الآفاق التي نحصر فيها قِيَم الأشياء وأقدار الأحياء، ومثال ذلك أننا إذا حكمنا على قدر الرجل بنصيبه في العُرف الدارج — أي بما يسمونه «الواقع» — فقد يُرجَّح المجرمون المداورون على أعظم العظماء وأصلح المصلحين، وقد يكون أفشل الناس قدرًا أولئك المخترعون والدُّعاة الذين يقضون حياتهم في هذه الدنيا ولا يُعتَرف لهم بنصيبٍ من النجاح والجزاء. فالواقع أن «رجال الأعمال» ومَن يُسمُّون أنفسهم برجال الحقائق المحسوسة لا ينظرون إلى «الواقع» المقرر ولكنهم ينظرون إلى جزءٍ منه محصور في حيِّز الحاضر الراهن، إذ إن الإنسان الفرد لم يحسب في خلقته حساب مكانٍ معين أو فترة محدودة بل حساب صلاتٍ كثيرة بالكون كله وأجيال الحياة كافة، وهذا هو الواقع الصحيح، ولو عدَّه أصحاب «الواقع المموَّه» ضربًا من ضروب الخيال وطلسمًا من طلاسم الأوهام.
•••

بهذه المراجعة كتبتُ المراجعات، وعلى هذا النظر اعتمدتُ وأعتمد فيما أرى وأكتب، وعلى هذا العهد أتقدم بهذه المجموعة بين أيدي القراء.
عباس محمود العقاد

بين السياسة والأدب


كان من أسباب انصرافي عن الكتابة في الأدب هذه الفترة؛ أَزَمات السياسة التي شغلت الناس في هذا البلد عمَّا سواها، وشيءٌ من الشك تسرَّب إلى عقيدتي في إصلاح الآداب العربية ألقى في نفسي أن الفروق في فهم الأدب وتقديره بين قومٍ وقوم، وبين مثالٍ ومثال إنما هي فروق في العنصر والطبيعة قَلَّ أن يُصلِح منها الاطلاع، أو يُجدِي فيها الإرشاد والانتقاد.
وكنتُ أرى المقياس الذي نقيس به الشِّعر والفنَّ يختلف اختلافًا بعيدًا عن مقاييسهما في عُرف أكثر الخاصة والعامة وذوي الثقافة من القوم والجهلاء الآخذين بالسماع والتقليد، فلعل أرقى ما يرقى إليه الأدب في رأيهم أنه زخرفٌ هندسيٌّ أو حليةٌ تُنَاط بجسم من الأجسام المشتهاة … تنفصل عنه فتموت، وتبدو عليه فإذا هي أجمل منها في علبة الصائغ أو عَيْبة الجوهري، وليست هي جمالًا من جمال الحياة ينبض فيها الدم، وتسري فيه العروق، وينمو نمو الطبيعة الحية أو يسبقها في وَثَبات النمو ويفضلها في نماذج الجمال، والأدب إن لم يكن كذلك فقد بطلت قَداستُه وتهدَّم هيكله وهَزُلتْ قرابينه وأصبح صناعةً من صناعات السوق أرخص من سائر الصناعات ثمنًا، وليس بأشرف منها في المقاصد والأصول.
وسأقول لكَ ماذا أعني بالزخرف الهندسيِّ الذي أَوْمأتُ إليه، فإنما أعني به ذلك التزويق الذي لا يَمُتُّ إلى الحياة بسببٍ، ولا يعمل فيه غير المسطرة والبركار وذهنٌ هو في الأذهان ضربٌ من المسطرة والبركار، أرأيت العمارة العربية في بنايةٍ من بناياتها القديمة أو الحديثة؟ هي جميلة في بابها ولا ريب، ولها من الرونق ما يجتذب العيون ويستدعي التأمل ويقع في الأبصار موقع السجع والجناس في الأسماع، ولكن هل رأيت فيها قط صورةً من صور الحياة النامية من زهرٍ أو ثمر أو قسمات وجهٍ أو مشابه عضو من الأعضاء؟ كلا، إنك لا تجد فيها أثرًا لهذه الصور ولا تقع فيها موقعها لو رأيتها.
وكذلك نجد الأدب في رأي المتأدبين على هذا الطراز الهندسي الذي تحل فيه الألسنة والأقلام محل المساطر والبراكير؛ خلا من روح الحياة وغابت عنه دلائلها حتى لو أمكن أن تخلو ألفاظ الكتابة من أثر الحياة خلو حجارة البناء منها لما أطلَّ عليك وجهٌ ناطق أو سِمةٌ متحركة من ذلك الأدب المزخرف الموزون، وكأنما الفرق بين العمارة والشِّعر في هذه المقابلة هو فرق ما بين طبيعة الحجارة وطبيعة الكلام الملفوظ، لا فرق ما بين الحياة في بناء الجدران والحياة في بناء الكلام.
وقد تلقى الرجل تتوسم فيه العلم بالأدب الصحيح والبصر بأقدار الكلام والتمييز بين صادِقِه ومكذوبِه ونفيسِه وزهيدِه، ثم تُصغِي إلى حديثه في هذه المعارض فتسمع عجبًا؛ تسمع رجلًا يُحدِّثك عن آثار الفحول من شعراء الغرب وكُتَّابه ويهشُّ لِمَا فيها من المحاسن والآيات، ويروي لك عن آراء النقاد في النظم والنثر والقصص والأخبار ما ينبيء عن فهمٍ مستقيم وحُكم مصيب وتمييز مسدد، ثم تكاد تنسى أنه ينقل إليك ما سمع وما قرأ حتى تخوض معه في حديث الأدب العربي، ويأخذ في مطارحاته ومساجلاته فإذا بك قد حككت جلد الروسي فظهر لك التتري القديم على قاب شعرةٍ أو شعرتين، وإذا بك تسمع الألمعيَّ المعجب بموليير ودي موسيه وسان بيف، لا بل المعجب بشكسبير وملتون وبيرون وهازليت ولسنغ وهيني يترنم ببيتٍ أو أبياتٍ من أسخف ما نظم ابن المعتز أو صفيِّ الدين الحلي في تلك المعاني الهندسية والتشبيهات الشكلية والتعبيرات التي تُقَاس بالمسطرة والبركار، أو تخبرك في أسمى ما تسمو إليه عن أحياءٍ كأنها «تحت التمرين» لم تتأصل فيها الحياة، ولم يوسع لها من الأفق الذي تعيش فيه إلى أن تقضي مدة التجربة على ما يرام …!
أو ربما تلقى الرجل يُحدِّثك في الأدب العربي، فيهزأ بتلك التشبيهات ويزدريها ويتفكَّه بالضحك من زورقها الذي أثقلته حمولة العنبر، ودمعها الذي يجري بلون البنفسج، وهلالها الذي جعلوه في السماء سوارًا، واحتاجوا إلى النقد فرهنوه بدرهمٍ … ويوافقك على هذه المآخذ التي اشتهر أمرها وكَثُر عدد المتنكرين لها فتقول نعم، هذه ضالةٌ سيقت إلينا … وما نخالُ صاحبنا إلا صيرفيًّا حسن النقد عارفًا بالجيِّد والرديء من آدابنا العربية مميِّزًا بين الطلاوة البرَّاقة والمعادن القيِّمة، فتُقبِل عليه وتأنس إلى رأيه، لكنه لا يلبث أن ينشدك أبياتًا من نظمه أو نظم غيره يَستحسِن فيها ما يستهجنه هناك، ويُجِلُّ فيها ما كان يزدريه أمامك قبل دقيقتين! وقد يكون الشبه خفيًّا في بعض الأحيان بين الأبيات الممدوحة والأبيات المُزدرَاة، ولكن الذي يدهشك ويُخلِف ظنك أحيانًا أن ترى الأبيات في الحالتين على نمطٍ واحدٍ من المعنى والصياغة والذوق والإحساس — إن اشتملت على ذوقٍ وإحساسٍ، فما باله يُثنِي عليها هناك وينحي عليها هنا؟! الأمر واضح، إنه مُقلِّدٌ في استهجانه للتقليد كما أنه مُقلِّد في الإعجاب والاستحسان، فهو مُقلِّد مركَّبٌ لعلَّه شرٌّ من المُقلِّد البسيط.
وأناسٌ آخرون نَشئوا بين مقياسين للأدب، لا أدري أيهما أحقُّ بالمقت والإعراض؛ الأول: مقياس الأديب المصريِّ في الجيل الماضي يغشى المجالس بالنكات المبتذلة والنوادر المُلفَّقَة والمجون الذي يلتمس به الحظوة، ويتقرب به من ذوي الجاه والثروة، والثاني: مقياس الأديب الأوروبيِّ في العهد الأخير يُزجِي ملالة القراء من حينٍ إلى حين بثرثرةٍ خاوية ونميمة عامة لا تختلف في شيء عن النميمة الخاصة، وكلمات يسميها أدبًا ونقدًا وما هي إلا هجسات لحظة وخطرات نعاس في اليقظة، والأول آفة الأدب في عهد الاستبداد، والثاني آفة الأدب في عهد «الديمقراطية».
لقد كان للإنسانية أسرةٌ جامعة، وكان لها أبوة وأُخوة ونسب وقرابة في اللحم والدم تُبيح الأمر والإرشاد وتأذن بالغيرة والنصيحة، فلَمَّا فشت آداب «العصر الحديث» ذهبت تلك الأسرة، وقامت في مقامها «شركة مساهمة» تستأجر سادتها وحُكَّامها وأنبياءها وكُتَّابها، وتحاسبهم على أعمالهم وعدد كلماتهم كما تحاسب الشركة المديرين والسماسرة والجباة والعمال، فلا حق اليوم لصاحب فكرة في أن يرشد الناس ويجهدهم، ولا شأن له بصلاحهم وفسادهم أو بصوابهم وخطئهم، وإنما كل واجبه أن يُسرِّي عنهم ويخدمهم ويلعب أمامهم كلما دعوه للعب على هواهم، فإذا فعل ما يأمرونه به نقدوه، وإن هو تَرفَّع عن هذه الصناعة طردوه، وقَلَّ في أبناء هذا الجيل — بعد أن سَرَتْ فيهم عقيدة المساواة التامة بين جميع الناس — مَن يظن أن للأديب حقًّا مقدسًا في أن يرشد ويجهد وفي أن يجد ويبرم، وقَلَّ فيهم مَن يظن أن يبذل درهمه ليشتري به ما قد يستعصي عليه أو يسمو به فوق مكانه الذي اطمأن إليه، ولِمَ السُّمُو وفيمَ المحاولة؟ أليس الناس سواء؟ أليس لكلٍّ حريته في أن يظهر للملأ بعيوبه ونقائصه وأن يبرز للقريب والبعيد ? «شخصيته» ومقوماته؟
بلى، فما حاجة الإنسان إذن إلى المزيد المُجهد من صفات الكمال ودواعي الاحترام؟
فليس الأدب الآن رسالة الحياة التي توحي بها شعرًا أو نثرًا على ألسنة المختارين من أصفيائها، وليس الأدب الآن صلاة الروح التي لا تنبس بها حتى تتطهر من صغائرها وأدوائها، وليس الأدب الآن مناجاة الأسرة الواحدة يتلقاها إخوانها من إخوانها وأبناؤها من آبائها، وليس الأدب الآن نداء الرائد السابق يشير للأمم إلى البعيد المنظور من آفاقها وأجوائها، لا ليس الأدب شيئًا من ذلك ولا شبيهًا بشيء من ذلك، وإنما هو علالة السآمة وتزجية الفراغ وبضاعة لا شك أن بائعها هو الغابن وشاريها هو المغبون.
وليس من الصعب على النفس أن تهجر الكتابة في الأدب الذي يفهمه الأكثرون هذا الفهم ويقيسونه بهذا المقياس، وكاتب هذه السطور يقول ولا يجمجم في مقاله إنني لو علمت أن قصارى ما أسمو إليه بالأدب أن أروِّح بأوراقي على وجه القاريء، كما يروِّح الخادم بالمروحة على وجه سيدة المنصرف عنه بنعاسه وشجونه؛ لَمَا كتبت حرفًا ولا فتحت كتابًا ولا اخترت — إن خُيِّرت بين الاثنين — أن يُروِّح الناس على وجهي بدرهمٍ أبذله على أن أُروِّح على وجوه الناس بما أبذل فيه كنانة نفسي وذخيرة عقلي وخلاصة ما أنفقت من أنفاس حياتي، ولكني أكتب وأعلم أن ليست كل الواجبات عليَّ وحدي وأن ليست كل الحقوق للقاريء وحده، وأعلم أنني أكتب فأتحدث بخير ما أتحدث به لسامعيَّ فمن حقي عليهم أن يتقيظوا لما أُحدِّثهم به، وألَّا يكلفوني المضي في الكلام وهم بين الإصغاء والتهويم …
•••

وإني أحمد الله أن ليس من قراء الأدب الذي أحبه وأدعو إليه من يسومني أن أحمل المروحة في ساعة النعاس، وأن ليس هؤلاء القراء من القلة بحيث يبدو لنا لأول وهلة، فقد عرَّفتْني رسائلهم المتفرقة وتحياتهم الطيبة والتفاتهم إلى ما قدمتُ إليهم من كتبي ورسائلي؛ أنني لم أكن أثقل عليهم حين كنتُ أخوض معهم في أحاديث غير أحاديث البطالة والفراغ، وحين كنت أتعمد أن أقابلهم في غير موعد اللهو والتسلية، وأنهم فئة يُحسب حسابها ويُؤبه لشأنها بجانب الفئة الكبرى من طلاب المراوح والمرطبات وهواة اقتناء الأدباء على طريقة اقتناء الببغاوات والثعابين، وما أراني أُسَرُّ بنبأٍ من أنباء مصر سروري بالنبأ الذي بلغني عنها من قِبَل هذه الفئة الصالحة.
والآن وقد هدأت العاصفة السياسية بعض الهدوء وغلب الأمل على وساوس الشك والفتور نعود إلى الأدب فنعطيه حقه علينا يومًا في الأسبوع، ونعتذر إليه بعض الاعتذار — لا كله — من تركه في الأشهر الماضية أو مشاركته فيما له من حقوق الإقبال والعناية؛ فإنني لا أحسبني قد تركته كل الترك أو اشتغلت عنه بالسياسة كل الاشتغال.
نعم، لا أحسبني اشتغلتُ بالسياسة عن الأدب كل الاشتغال، ونسيتُ عهدي في هذا الغمار كل النسيان، فإن النفس التي تفرغت للأدب تقصر عليه سرائرها، وتمحضه زُبدة ودائعها، وتتخذ منه محرابًا تتوجه إليه ومعقلًا تلوذ به لن يسعها أن تصدف عنه إلى غيره أو تسلوه جد السلو في ساعة البُعد عنه، وقد يشتغل الإنسان بالسياسة للسياسة، ويعمل فيهاعمل مَن يتدله بطلعتها ويهيم بشمائلها، ومَن يُخيَّل إليه أن العالم كله أصوات وأحزاب وقوانين وشرائع ومعارضة وتأييد، وأن الأمور التي تُطرَح في معترك الأحزاب هي الأمور التي تدور عليها حقائق الحياة وأسرار الوجود وأحكام القضاء …! ولكن للعمل في السياسة على هذا المنوال أناسًا خُلِقُوا له لستُ أظنني منهم، بل أنا لا أرى الذين ينكبُّون هذا الانكباب على السياسة إلا كمَن يطعن في الهواء أو يقبض على الماء أو يجري في دائرةٍ مسدودة بلا انتهاء.
أما السياسة كما أعرفها وأميل إليها فهي على صلةٍ بالأدب كما أعرفه وأميل إليه؛ لأنها تستهويني بالمباديء الإنسانية المطلقة لا بمباديء العصبية الضيقة، وتتصباني بالنظرة الجمالية لا بالنظرة التي تحصر الحياة في الأنظمة والقوانين.
أيها القاريء، أَتَذْكُر ما يخامر نفسك في ميدان الصراع أو مضمار السباق؟ أَتَذْكُر كيف يتشيع قلبك لأحد الموقفين في حادثةٍ من حوادث التاريخ أو قصةٍ من قصص الخيال حين ترى أحدهما في جانب الضعف والمروءة، وترى الآخر في جانب القوة والخسة؟ كيف تسمي تشيعك اللدني لذلك الموقف؟ أتسميه تشيعًا فنيًّا أو تشيعًا سياسيًّا، إن كان لا بد من قسمة أنواع الشعور إلى هذين القسمين؟ أما أنا فأقول إن ما يخامرك بين الموقفين هو على الأقل من قبيل السياسة الأدبية أو من قبيل الأدب السياسي، وإن العُدَّة التي ينزل بها الأديب إلى ميدانه لا تختلف عن عُدَّة السياسي حين ينظر بتلك العين إلى ذينك الموقفين، وكذلك كنتُ وأكون في سياستي التي أشتغل بها، وكأن الأدب عندي شجرة طُعِّمَتْ بغصنٍ من السياسة فتَغيَّر طعم الثمرة بعض الشيء ولم تتغير التربة ولا الجذور.

الصيام بين إنكار الذات وتقريرها


يقول قائل: وهل هذا من الآداب والفنون أيضًا؟! ونقول نعم، ولِمَ لا يكون كذلك؟ فأما إن كان الصيام ليس شيئًا غير جوع المعدة وتفتر الأعضاء؛ فالحق أنه شأنٌ غريبٌ عن الأدب غرابته عن الدين، وأَوْلى به أن يكون من شئون الأطباء والطهاة الذين يعالجون الجوع بالدواء أو بالطعام، أما إن كان رياضة من رياضات النفوس وبابًا من أبواب التهذيب فللأدب فيه حصةٌ كحصته في جميع ما يُعرَض للنفس من الحالات والأطوار.
وللصيام عند رجال الدين حِكَمٌ يختلفون فيها ويستكثرون منها تكبيرًا لخطره وتعظيمًا لأجره، فيقولون إنه مران على الجوع لِيَشعُرَ الأغنياء المكفيون بما يشعر به الفقراء المعوزون، أو إنه تكفير عن الذنوب بتعذيب الجسد الذي اجترح تلك الذنوب، أو إنه تطهير للجسم واستجمام له من آفات الطعام والشراب، أو إنه رياضة للنفس على احتمال ما تكره والصبر عمَّا تحب، وهذه — فيما نرى — هي الحكمة الجديرة بهذه الفريضة التي لو لم يفرضها الدين لوجب على كل إنسانٍ أن يفرض على نفسه لونًا من ألوانها ويأخذ بطريقةٍ من طرائقها لرياضة النفس وتربية الإرادة.
ونقول «ألوانها وطرائقها»؛ لأننا لا نقصر الصيام الذي يُقصَد به رياضة النفس وتهذيبها؛ على ترك الطعام والشراب وما إليهما من مطالب الجسم الكثيفة وحاجاته الشائعة بين الإنسان والحيوان؛ فإن النفس لا تُكبر ترك الطعام وما إليه إلا إذا كان الطعام حظًّا كبيرًا لديها، وأي حاجةٍ إلى الرياضة النفسية يشعر بها مَن يمتحن قدرة نفسه على مغالبة الهوى بقدرة معدته على مغالبة الجوع؟ فإنما تبين قيمة النفوس بقيمة ما تقوى على تركه والصبر عنه، وإنما يعظم الترك والصبر بقدر نفاسة الشيء المتروك أو المصبور عنه على نفسك، ومن ثم يكون الصيام درجات تترقى في الحقيقة حسب الترقي في الحاجات والأشواق، وربما كان أسهلها وأهونها الإمساك عن الطعام والشراب. فهو لهذا فريضة شائعة مكتوبة على عامة الناس وخاصتهم بلا اختلاف، ولو كانت أمثال هذه الفرائض تخصص بفريقٍ دون فريق لقد كان الأحرى أن يخص صيام الطعام والشراب بمَن يحسبون الإمساك عنهما عظيمة مأثورة، وتضحية شاقة، وامتحانًا عسيرًا للإرادة، ورياضة للنفس على مغالبة الأهواء، وليست الأهواء كلها من شهوة الطعام والشراب، ولكنها كثيرة مستدقة قد يعجز عن مكافحة أضعفها مَن يقوى على الصوم شهورًا وأعوامًا ولاءً بلا انقطاع.
ولم يكن أصل الصوم في نشأته الأولى رياضة للجسم أو للنفس على شيءٍ من الأشياء، ولكنه على الأرجح بقية من «عبادة الموتى» نشأ أولًا من استشعار الحزن لفراقهم وترك الطعام والشراب بعدهم ساعات أو أيامًا، إلى أن تهدأ سورة الحزن وتبرد لذعة الألم، ثم صارت للحداد أيام معدودة وشعائر معروفة وأصبح الصوم الطبيعي الذي لا كلفة فيه ولا مشقة صومًا مقررًا في العُرف والعادة، ثم اصطبغ بصبغة الدين حين عبد الناس آباءهم الغابرين، وأقاموا لهم القبور والهياكل والكهانات، فانفصل شيئًا فشيئًا عن مَنشئِه الأول واستقل على توالي العصور عن شعائر الحِداد، وإن كنا نرى إلى اليوم أن الحِداد يتبعه الصوم عن كل الطعام أو عن بعضه أحيانًا إلى أمدٍ يختلف بين الناس حسب اختلاف العادات.
ولما ثبتت الكهانات وتفرغ النُسَّاك للعبادة كان الصوم أحد رياضاتهم الأولى التي راضوا بها نفوسهم على التقشف والزهد في الحياة وممارسة المكروه، إرضاءً للآلهة التي كانوا يعبدونها ويتقربون إليها بالتوبة وهي لا تُقبَل في حكم الأديان كلها إلا مقرونة بما يؤلم النفس ويثقل عليها احتماله، ثم تجرد الصوم من هذه الأغراض وتَهذَّب من ضلالاته الأولى حتى امتزج بالتصوُّفِ الفلسفي والتأدب الروحي، وفرَضه بعض الفلاسفة الحكماء على أنفسهم لقمع هواها أو تهيئة مَلَكاتها الباطنة لما يسمونه حالة «الإشراق والصفاء»، التي تعينهم على الوصول إلى الحقائق واستكناه خفايا الوجود، وقد يقتدي بعضهم بالنُّسَّاك والزُّهاد فيستعين بالصوم على «إنكار الذات» ونسيان النفس تقربًا إلى الله وعُزوفًا عن ملابسات الحياة.
ولكن هل الصوم من دواعي إنكار «الذات» المتنبهة أو هو من دواعي إثباتها وتوكيدها؟ وهل هو من أسباب نسيان النفس الشاعرة وسحق كبريائها أو هو من أسباب تذكرها وتقريرها وجودها؟ أكاد أقول إن الصوم بجميع درجاته وأنواعه حيلةٌ نفسية خفية لتقرير وجودها وتوكيد عزتها ورفض كل ما يسيء الظن بها في نظر صاحبها، وما أيسر أن نعرف ذلك! حسبنا أن نراقب الحالة التي تناقض الصوم؛ لنهتدي إلى الحقيقة من المقابلة بين النقيضين، فانظر على سبيل المثال إلى أي رجل تعرفه ممَّن أرخَوا العنان لشهواتهم، وأجابوا نفوسهم إلى أهوائها، واسترسلوا في الغواية بلا رادع ولا مقاومة فهل ترى هذه الرجل «واجدًا» نفسه مُكرمًا لها أو تراه مبتذلًا نفسه فاقدًا لها في غمار شهواتها وتيار أهوائها؟ إنك لا ترى رجلًا كهذا إلا قد ارتسمت على وجهه علامةُ احتقارٍ، هي قبل كل شيء موجهة إلى نفسه لا إلى سواه ممَّن لعله يحتقرهم لأنهم يشبهونه في معيشته، ولا يهتمون في الحياة بخير مما يهتم به، وكأنه بما يبدو على وجهه من تلك العلامة يقول: إنني أعرف مَن أنتم أيها الناس؛ لأنني أعرف مَن أنا، وأعرف ما أهتم به فلا أجد هنالك ما أُجلِّه وأُوقِّره. وتلك شهادة على نفسه لا يقصدها ولكنها تنطق بدلالتها أرادها أو لم يردها، وأظهرها في ثوبها الصحيح أم أظهرها في ثوب الأنفة والكبرياء.
ولستُ أعرف معنًى ? «النفس» في حالة الاستسلام والاسترسال التي نشاهدها فيمَن يلبون حاجات نفوسهم، ولا يقفون لها في شهوةٍ من شهواتها، فإنَّ حُكم هؤلاء في هذه الحالة كحُكم الخشبة المنساقة في تيار الماء أو الحجر الهابط إلى الأرض أو الريشة المتطايرة في الهواء، أي إنه هو حُكم الجماد المفقود في تِيهِ النواميس الكونية بلا إدراك ولا شعور ولا إرادة، ولا يزال الإنسان شيئًا لا نفس له ولا استقلال لكيانه حتى «يمتنع» عن شيءٍ يدفع إليه ويقف في وسط التيار الذي يحيط به، فهنالك «يجد» نفسه بعد إذ فقدها بالمطاوعة ونسيان «الذات» ويشعر بمعنى رفيع هو أسمى معاني الحياة لم يسمُ إليه إلا الإنسان بين سائر الأحياء.
فالأقرب إلى الصواب أن نقول إن الصيام بجميع درجاته وأنواعه هو إحدى وسائل النفس العديدة التي تثوب بها إلى وجودها وتستقل بها عما حولها، وإنه إذا ظهر في جوانبه بمظهر «إنكار الذات» فهو في أعمق أعماقه تقرير للذات، وإثبات لقيامها بنفسها، واستغنائها عما هو خارج عنها.
ومن التجارب المكررة عندي أنني كلما ألمَّتْ بي نوبة ضعفت وهانت عليَّ نفسي، لا أسترد الرضا عنها ولا أفلح في تسرية غُمَّتها حتى أُوفَّق إلى عملٍ معنتٍ أجرب به قُوَّتها أو رغبةٍ شديدة أُروِّضها على التغلب عليها، فإذا أفلحت التجربة اطمأننتُ إلى نفسي ورضيتُ عنها كما يطمئن المرتاب في قوة جسده حين يروِّض عضلاته بحمل الأثقال ومقاومة الشد والجذب، وكلما كانت الرغبة أشد كان التغلب عليها أفعل في طرد الشكوك، وأدعى إلى الغبطة، وأقمن أن أبيح لنفسي بعدها ما كنتُ أخشاه عليها في حالة الضعف والارتياب.
ولي صديقٌ كثير الاطلاع على كتب الفلسفة العربية صريح الفكر سديد المنطق يناقش كل شيءٍ ولا يصدق بشيءٍ قط على السماع، وأعرف أنه لا يؤمن بالأديان إيمان أتباعها بها، ولا تكاد تمضي ليلة عليه حتى يلهو بتحطيم برهان أو براهين من التي يبنيها المناطقة المتدينون ويتحصنون فيها على المنكرين، ويظل لا سلطان عليه لغير عقله المستقل وطبيعته المتينة حتى يجيء شهر رمضان؛ فيصومه صيام الأتقياء ويُحرِّم على نفسه الشراب، ويُخلِص في الصوم إخلاص من يبتغي به الجزاء، ويعتقد فيه النجاة. وكنتُ أَعْجَب لهذه الظاهرة النفسية الغريبة، وأسأله عن تعذيب نفسه في غير نية التدين أو الرياضة، وأستطلع منه العلة التي يعلل بها ذلك لعقله فيقول لي: إنني أستحي أن أُرَى في النهار مدخِّنًا أو آكلًا أو شاربًا، ولا أحب أن أضعف عن الصيام وحولي مَن يقدرون عليه.
وأسأله: فإذا خلوتَ بنفسك أَلا تشرب الماء إذا عطشت أو تأكل الطعام إذا وجدته على مقربة منك؟
فيقول لا! وهو صادق فيما يقول.
وأسأله كيف يستقيم هذا في قياسك؟ فيذكر لي أنه كان في شرخ شبابه لا يبالي أن يجهر بالإفطار حيث كان، ولكنه جنح إلى المجاملة مع السن والخبرة فأصبح يصوم أمام الناس، ويأبى أن يعترف لنفسه بمراءاتهم، فيصوم في الخلوة ويؤدي للصيام كلَّ حقه مخافة الرياء …
وهذه ظاهرة من ظواهر الصراحة التي تفر من الرياء فتقع فيه، وهي ظاهرة تبدو غريبة لأول وهلة، ولكنها في الحقيقة لا تُعَد غريبة في النفوس المتيقظة التي تراقب خواطرها، وتعتمد في تقديرها لِذَاتها على مقياسها هي لا على قياس الناس لها؛ فإن هذه النفوس تفرق أن يظهر ضعفها لها أشد من فرْقها من ظهور ضعفها لغيرها، وتستخفُّ كل ألمٍ يزيل شكوكها ويعيد اليقين — بأي شكلٍ من الأشكال — إلى سريرتها؛ إذ كان أكبر ما يهمها أن تُرضِي هي ضميرها لا أن يرضى الناس عنها؛ فهي لذلك تدراي ضميرها أكثر من مداراتها للناس، وتأبى أن تُسلِّم بأنها ضعفت أمامهم فتحمل الشدة بينها وبين ضميرها؛ لتدفع عنها مظنة الضعف، أو تقدم لها كفارة عما بدر له منه، ولا يداري الإنسان نفسه إلا إذا كانت لها مقاييس للأخلاق والحياة غير المقاييس التي يتواضع عليها الناس، وهذا — أي استقلال الإنسان بمقاييسه — هو الصراحة بعينها، وهو كما رأيت سبيل في بعض الأحيان من سبل الرياء، فما أعجب سرائر النفس، وما أكثر ما فيها من البراقع والسراديب والدروب!
ويخيل إليَّ أنَّ النُّسَّاك الحقيقيين أصدق الناس شعورًا بذواتهم، وأعظمهم رغبة في الاستقلال عمَّا حولهم والتمرد على ضروراتهم، وقد يبدأ الناسك منهم في الزهد والقناعة وشعاره في الحياة:
إذا لم تملك الدنيا جميعًاكما تهواه فاتركها جميعًا ولكنه قد يعلو في أفقه حتى يرى في الزهد لذَّةً إيجابية، ويطلبه لِذَاته لا لأنه وسيلته الباقية لإرضاء نفسه بعد أن أعياه إرضاؤها بأن «يملك الدنيا جميعًا كما يهواه»، بل أقول إن الزُّهَّاد الحقيقيين لا يرضيهم من «تقرير الذات» ما يُرضِي الملوك وذوي السطوة وأصحاب المطامع الكبيرة الذين يسحقون بأنانيتهم كل أنانية تنهض في طريقهم، فإن هؤلاء يرضيهم أن يتغلبوا على الناس، ويتحكموا في ظواهرهم ويقيسوا أنفسهم بمقاييسهم، أما الزُّهَّاد فلا يرضيهم هذا، وإنما يطلبون ما هو أكبر منه في السيطرة والتحكم؛ يطلبون أن يتحكموا في ضرورات الحياة ومطالب الفطرة ونواميس التكوين، يطلبون أن يذعن لهم كل شيء وأن لا يذعنوا هم لشيءٍ من قوانين هذا الوجود، وإنْ أحببتَ أن تستيقن من ذلك فمثِّل لفكرك زاهدًا شرع في الزهد، ثم نظر فألفى نفسه فجأةً قادرًا على كل ما يريد مستغنيًا عن كل ضرورة، متحكمًا في كل ناموس من نواميس الكون، أَفَتراهُ إذن يصمد على نية الزهد، أم يرى أنه أصاب الكفاية مما أراد، وأن الزهد لا معنى له مع القدرة التي أوتيها في تسخير المقادير؟
وما لنا وللفرض والتمثيل؟ حسبك أن تُلقِي بالَك إلى المعجزات والكرامات التي يرويها الناس عن الأحبار والنُّسَّاك، وما ينسبونه إليهم من خرق الطبيعة وتحريك الجبال وتجفيف البحار وإرسال الرياح والأمطار والاستغناء عن الطعام والشراب واللباس والغطاء، فتعلم طبيعة الزهد وأنها طبيعة إلهية؛ لأنها تطلب ما ليس يقدر عليه إلا «الإله»، فلا خطأ في قول القائلين إن نفس الزاهد تتوق إلى مصدرها الأول أو تسمو إلى «واجب الوجود»، ولكن الخطأ كل الخطأ أن يُقَال إنها تُنكرُ بالزُّهد ذاتَها، وتنفي عنها وجودها، فما يكون لذي وجودٍ أن يدحَض وجوده بحالٍ من الأحوال حتى الأعراض الزائلة والصور السطحية ناهيك بالنفوس الآدمية وضِيعةً كانت أو رفيعة، غير أن الفضائل تتفاوت في السعة والضيق، وفي القرب من عنصرها الأصيل والبعد عنه، فما يُسمَّى «أنانية» عند قومٍ قد يكون التضحية التي ما بعدها تضحية عند آخرين، وما يبدو كالقناعة لأول نظرة قد يكون الطمع الذي ما بعده طمع عند البحث في أصوله وغاياته، ثم إننا لا نقول إن الزُّهَّاد يفعلون ما يُنسَب إليهم من المعجزات والكرامات، أو إنهم يدَّعون فعله، وإنما نقول إن الزاهد الصادق يأنف أن يخضع لِما يخضع له الناس جميعًا عن طواعيةٍ ورضا، وإنه ليس ذاك الذي يقنع بأقل مما يقنع به الناس، وإنما هو ذاك الذي يطمح إلى أعلى وأدوم مما يطمحون إليه.
•••

ومغزى ما تَقدَّم أن الصيام — بكل نوعٍ من أنواعه وفي كل درجةٍ من درجاته — وسيلة من وسائل تقرير الذات لا يستغني عنه أحد في مزاولات الحياة، ولا بد لنا منه في كثيرٍ من الأحيان؛ للشعور بما فينا من علوٍّ على الجماد المُسخَّر واستقلالٍ عن تيَّار الضرورات.

الزهر والحب


كان للطبيعة في الأسبوع الماضي يومها المشهود عندنا في «شم النسيم»، وكان ذلك اليوم عيدًا من أعيادها في هيكلها القديم الذي لا تنصل له صبغة، ولا يخفى له مَعلمٌ ولا يزال مأمومًا مطروقًا على تعاقب الآلهة وتناسخ الأديان وتبدُّل المصلين، وكان خليقًا من الناس بعبادة أجمل وأطهر من عبادتهم التي يحيونه بها، ولكنهم أذالوه كما يذيِّلون كل قداسة وأضافوا إليه كما يضيفون إلى كل دينٍ، وخلطوا السوق فيه بالهيكل كما يخلطون أسواقهم بهياكلهم في كل زمانٍ، وجعلوه مائدةَ بطونٍ منهومة، وكان أولى أن يستقبلوا منه نزهة أرواح وأفكار وفرحة قلوب وأبصار.
وكان في الأسبوع الماضي معرضٌ لأزهار الربيع جمع فيه العارضون ثروة من الألوان والعطور وذخرًا من البشاشة والرواء، ومحفلًا من الأرواح الباسمة والخواطر الناعمة التي ترِفُّ حول الرياحين رفيف الفراش حول المصابيح، والتي تعجب وأنت تناجيها وتحس قربها وتستروح منها أُنس محضرها، أهي تحية تبثُّها أنت في الزهر أم هي تحية يبثها الزهر فيك؟! وكنت أشهدها وأتنقل فيها من خميلةٍ إلى خميلة، أو من طائفةٍ إلى طائفة، فيُخيَّل إليَّ أننا في موعد حسان تُقبِل إليه كل حسناء بزينتها وتفتنُّ فيه بفتنتها، وتبرز للعيون بجمالين من الوشي والصباحة وسُكرَين من النشر والهوى، ويلج بي هذا الشعور ويتسرب في مناحي النفس وجوانب الخيال حتى لأستغرب من الأزهار سكوتها وسكونها، وأحسبه وُجُومًا منها وإطراقًا … فيبعد الشبه بينها وبين الحِسَان اللاعبات الضاحكات المُبديات للزينة إبداء النعمة والسرور، المتبرجات بالجمال تبرج المرح والدلال، الطائعات فيما يبهجن به العيون من شارات الحُسْنِ وسمات السعادة دلائل العطف والإقبال، وأرى كأنما تلك الأزهار المجلوبة من كل روضةٍ معرض من معارض الجواري الأسيرات اللواتي يجلبهن باعة الجمال والشباب من كل رجاءٍ من الأرجاء، وينتزعونهنَّ من أحضان الأمهات والآباء، ويغرون — بما يسبغون عليهن من الحلي النفيسة والمطارف الغالية — أنظار المساومين الغافلين عما وراء هذه المحاسن من الحسرات والآلام! وأين الزهرة في الآنية من الزهرة في روضتها الأريضة على غصنها النضير؟! تلك حبيسة مجلوبة مكفوفة الأمل محدودة الحياة، تذكرها فتذكر ثمنها وتاجرها، وتتفرج عليها كما تتفرج على السلعة التي تُقدِّرها بمقدار سعرها، وهذه طليقة عزيزة تغازل الشمس وتلاعب الهواء وتدين بدين الحب والأمل وتُقدِّرها أنت بمقدار ما منحتك من السرور والإعجاب، وتنشدها في روضها كما تنشد المليكة الجالسة على عرشها، فهي الزهرة كما خلقتها الطبيعة، وهي البشرى التي تنطق بها الحياة في صوتٍ من الأوراق والألون ومعنى من النضارة والنماء، وكذلك يُعشَق الزهر وكذلك يُعبَد الجمال.
أما الزهرة في الآنية فتلك مخلوق مسكين في الطريق الوسط بين الزهرة المصنوعة من الورق والزهرة المؤثلة في الرياض، وهي بأن تثير الإشفاق والرثاء أحرى منها بأن تثير الإعجاب والرجاء، وكما أن الرقَّ يسلب الإنسانية معناها ويُحيِل الإنسان الكريم الرشيد آلةً للكدِّ والسخرة، كذلك رقُّ الآنية يسلب الزهرة معنى التطلع والاستبشار ويُحيلها آلةً للزينة والتعلل، لا تكاد توحي إلى النفس من فرح الحياة إلا بقدر ما يُلصَق بها من ذكريات الرياض والفضاء.
•••

والربيع ربيعٌ في النفوس لا فيما تراه من زخرف الأرض والسماء، يحيينا بأزهارٍ خفية تتفتح في ضمائرنا أجمل وأبهج وأَحَب إلينا من هذه الأزهار التي تتفتح في الرياض، ويَحْبونا بخصب في القلوب أغنى وأوفر من ذلك الخصب الذي ينبت منه الشجر ويزكو فيه الثمر، ويصب في جوانحنا من حمياه كئوسًا دهاقًا كالتي يسكر بها الطير فيصدح، ويحتسي منها النسيم فيخفق، ويعب فيها الفضاء فيصفو ويتألق، ولولا الربيع الذي يشرق في النفوس لما أشرق الربيع في أرضٍ ولا سماء، ولولا الطيور التي تهتف لنا في الخواطر وترفرف في فسحة الأمل لما أطربتنا الطيور التي تهتف على الأغصان وترفرف في الأجواء، ولولا الرياحين التي تتفتق عنها أكمام القلوب وترويها أفاويق الحياة لما أنِقنا لريحانةٍ تنجم بها ناجمة على الأرض وتسقيها غادية في الفضاء. فما يعجبنا ربيع الأرض ولا يسحر عيوننا ويحرك أشجاننا إلا لأنه صدى الربيع الذي في النفس ونغمة من نغماته ونفحة من نفحاته، أو لأن الربيعَين معًا — ربيع النفوس وربيع الرياض — صدى قدرة عظيمة مكنونة في كل شيءٍ متغلغلة في كل مكانٍ، ونفحة من نفحاتِ ربيع سرمديٍّ حافل بالنور والخير والجمال.
وكثيرًا ما يسأل السائلون: ماذا يعجبنا من الأزهار والرياحين؟ وكأنهم إذ يسألون ذلك السؤال يحسبون أنها خُلِقَت لِتُعجبهم وتسرَّهم، فيحيِّرهم ويضني عقولهم أنهم لا يعرفون كيف يكون ذلك الإعجاب والسرور … وما خُلِقَت زهرةٌ واحدة من هذه الأزهار لنا ولكنها خُلِقَت لنفسها، وما لبست تلك الألوان والمحاسن لتروقنا ولكنها لبستها لأنها لا محيص لها عن لُبسها، وإنما السر في كل ما يخامرنا من السرور بها أن للزهرة في الطبيعة معنًى يوافق معنًى في نفوسنا، ويكون ظهوره دليلًا على السرور الذي شاع في الأكوان قاطبةً — وشاع في نفوسنا أيضًا — لا خالقًا لذلك السرور ولا سابقًا له في الوضع والترتيب، فنحن لهذا نبتهج حين يبتهج الزهر، ونشعر بنمو الحياة فينا حين تنميه الحياة، ونتوافى على موعدٍ واحد من مواعد الطبيعة التي تعدُّها لإمتاع أبنائها جميعًا بخير ما عندها من الهدايا والألطاف، ونحن حين يشيع في نفوسنا الفرح بالحياة، ويستخفنا الطرب بالوجود نستجمل كل شيءٍ نراه — ولا نستجمل الزهر وحده — وننظر إلى الموجودات كافةً نظرةَ الخالدين الذين لا يرون فيها قبحًا ولا يحسون فيها نقصًا؛ لأنهم ينظرون إليها بعينٍ تنزهت عن الاحتياج الفاني والاعتبار الموقوت، فلا يلمحون فيها إلا كيانًا كاملًا مطلقًا سكران ملء السُّكْر بنعمة الوجود.
لماذا نطرب للزهر؟ عجبًا! ألا نقول لماذا نطرب وكفى …! فإننا لا نطرب للزهر ولا الزهر ولا الزهر يطرب لنا، وإنما نحن جميعًا نكرع من مَعينٍ متقارب ونشرب الطرب بأقداح متشابهة. وهل تظن أن الزهر أولى بأن يكون جميلًا بهيجًا محبًّا محبوبًا حيًّا ناميًا منا نحن الأحياء الشاعرين في أوان الربيع؟! أيضوع الزهر ولا تضوع أرواحنا؟! أيتفتح الزهر ولا تتفتح قلوبنا؟! أينمو الزهر ولا تنمو شواعرنا؟! أيجمل الزهر ولا تجمل حياتنا؟! أيطرب كل شيء تحت السماء ولا نطرب نحن حتى يجيء الزهر فيطربنا بألوانه وأعطاره وما يترقرق فيه من ماء النضارة والشباب؟! ذلك ما ليس يخطر ببال … وأحسب لو أن الربيع بقي لنا وخلا وجه الأرض من كل ناجمةٍ ونابتةٍ لما نقصت نشوتنا بجمال الحياة شيئًا، ولا افتقدنا في خارج نفوسنا دليلًا من دلائل الغبطة والشوق، ولا غاب شيء من تلك الدنيا التي تشتمل عليها الضمائر والقلوب.
•••

بيد أننا إذا نظرنا إلى الأسباب القريبة نجد للزهر جمالًا يلقانا به من عنده قد يضاعف شعورنا بالجمال أو يوقظ فينا شعورنا الساهي في غمضة الإغفاء، وليس يلحظ هذا الجمال إلا نفوسٌ يسري الشعور إلى عروقها الدقيقة، وينبض في أوتارها البعيدة ويكبر الهمس الضعيف فيها كما يكبر الصدى في بعض القباب المتجاوبة، هذه النفوس قد مَرَنَتْ على الإحساس ودربتْ على الجليل والدقيق منه، واتصلت مسالكها من أظهر منافذ الإحساس إلى أخفاها ومن أخفاها إلى أظهرها، فتهزها النغمة الخفية حين ينام غيرها على قرع الطبول، وتجوبها الإشارة الطفيفة حين تمتنع منافذ غيرها على غير الدفع والاقتحام، وكأن لبصائر هذه النفوس مجاهر وأبواقًا تُجسِّم بها الصغير وتُقرِّب بها البعيد فتبصر حين يُغمض غيرُها عينيه، وتسمع حين يوصد غيرها أذنيه، أو كأن لها أثيرًا روحيًّا يجتذب الأصوات من أبعد الأبعاد كما يجتذب الأثير كلمات المتكلمين من وراء البحار السحيقة، والسامعون لها في مواضعها يحسبونها قد ضاعت مع الريح.
فللزهرة رسالة إلى هذه النفوس تنقلها من قريبٍ، وهي في الوقت نفسه توميء إلى أبعد آماد الطبيعة وأعمق قراراتها، وهي تصغي إلى تلك الرسالة فتسمعها على درجاتٍ متفاوتةٍ من الوضوح والفهم، فإن سمعت أصواتها فمثلها في ذلك كمثل الذي يسمع نبضات البرق بعلامات الحروف دون أن يهتدي إلى فك رموزها وتركيب ألفاظها، وإن زادت على ذلك فقد سمعت العلامات وفكت الرموز وركَّبت الألفاظ وخلصت منها إلى المعاني والأسرار، وهي في الحالتين تتلقى من الزهرة حياةً قد يحتاج غيرها إلى كل عُدَدِ الربيع وجنوده؛ ليتلقى بعضها أو يحس قُربها، ثم هو لا يتلقى ذلك البعض ولا يحس ذلك القُرب إلا على صورةٍ غليظة شوهاء محرومةٍ من دقة التفصيل ووضاحة التمييز.
وربما تسنَّى لنا أن نحصر بعض صفات الجمال في الزهرة إذا حصرنا عناصرها التي تبدو لنا من قريب؛ فالزهرة لون وشكل وعطر ولا تعدو صفات الجمال التي تشوقنا منها أن تكون في عنصرٍ من هذه العناصر، أو في مدلوله الذي يدل عليه، فأي تلك العناصر أغلب في جمال الزهرة؟ وما المعنى الجميل من الألوان والأشكال والعطور التي تروقنا في الأزهار؟
فأما اللون فهو النور في أصباغه المختلفة، وهو أول ما يلفتنا إلى الزهرة ويبهر أنظارنا منها، والنور إن رجعنا به إلى أصوله الأولى مادة كل شيءٍ ومنبع كل حياة، أوَ لم يظهر للباحثين أن جميع ما في هذا الكون من الأجسام يتركب من خلايا، وأن جميع الخلايا تتركب من ذرات، وأن جميع الذرات تتركب من كهارب، وأن الكهارب إنما تستمد وجودها من الإشعاع والإنارة، أو إنما هي النور الذي صحَّ فيه على هذا الوصف قول الصوفية إنه هو المرئي والرائي، وإنه هو الوجود والهادي إلى الوجود؟ وإن رجعنا بالنور إلى مظاهره السطحية فهو جِلاء الأبصار وغِذاء الأرواح يربو به الجسم، وتترعرع فيه الحياة ويُداوى به ما ليس يُداوَى بغيره من الأدواء.
فهو في أصوله البعيدة ومظاهره القريبة لا عجب أن يبهر أبصارنا ويسحر نفوسنا ويشرح صدورنا، ولا بدع أن يكون مصدر كل جمال ومبعث كل روعة ولباب كل سرور، ولستُ أشك لحظةً في أن شعورنا بالنور — أو قُل بالحركة الأولى والحرية الأولى — هو أصل كل شعور بالجمال في نفوسنا، وأن فرح العين بطلعة النور الرفيق عليها لا يختلف أي اختلاف عن فرحها بطلعة الزهر المتبرج في أصباغه ونقوشه، وأن من شواهد ذلك أن جمال الزهر يكاد يتمشى على ترتيب الطيف الشمسي في أذواق المعجبين بالأزهار. فتروقهم الألوان على حسب ما عندهم من السرعة والبطء في الانتباه، ونرى الذين يكفيهم القليل من التنبيه يميلون إلى الألوان القريبة إلى الظلام ويتدرجون في ذلك على حسب اختلافهم في دقة الإحساس وسرعة الالتفات، والمتخاطبون بلغة الأزهار يرمزون إلى قوة الإحساس الجميل الذي تمثله الزهرة وِفاقًا لترتيب لونها في ألوان الطيف الشمسي، فمن الوردة الحمراء المتوهجة التي يُمثِّلون بها اتقاد الحب واضطرام آلامه، إلى البنفسجية الحزينة الساكنة التي يمثلون بها الوداعة والسوداء مجال واسع لتفاوت الإحساس بالزهر على درجات التفاوت في ألوان النور وامتزاج الأصباغ والنقوش.
أما شكل الزهرة فقد يعجبنا منه التنسيق البديع أحيانًا كما يعجبنا التنسيق في كل شيء، ولكن الذي يعجبنا منه حقًّا — فيما أعتقد — هو الدلالة التي يُرمز إليها لا التنسيق الظاهر الذي قد يتفق لبعض الأزهار وقد لا يتفق، وأول ما تدل عليه الزهرة الغضارة ثم اللهفة التي ترافق في الذهن ذكرى زوالها السريع، فكأنما هي بشكلها الغضير الرقيق رمز إلى فرصة العيش التي تنادي الناس باغتنامها، وتذكرهم بسرعة فراقها، ومن هنا كانت في شعر الأمم كلها رمزًا إلى الشباب وإلى كل أملٍ جميلٍ نتلهف عليه.
وأما الرائحة فقد يخلو منها بعض الأزهار فلا يفوته شيء من الرواء والبهجة، وقد تعجبنا الرائحة في الزهرة كما تعجبنا في سواها، وهي بعدُ لغزٌ يقول النباتيون والمشرِّحون إنه مجهول الغرض في الزهرة كما أنه مجهول الغرض في جسم الإنسان، فإن صح ما يقولون فقد يكون الشك محيطًا بغرضها، ولكن أي شك يا ترى يمكن أن يخالجنا في أثرها الذي تُحدِثه في نفوسنا؟ فإن أقل ما يُقَال فيها: إنها منبه لطيف للذهن يحرك القريحة ويسلس الأحلام ويرسل أعنة الخواطر، وهي كالمنبهات في جميع خصائصها تلطف فتسر وتشتد فتؤلم، وهي إذا اقترنت بالذكريات المحبوبة واجتمعت إلى ما في الرياض من صفاءٍ وإشراقٍ ونضرةٍ في الألوان والأشكال تمَّ بها جمال الربيع.
ثم إن الزهرة بلونها وشكلها ورائحتها رمز إلى هوًى في النبات يتلاقى في أغواره العميقة بهوى مثله في الإنسان، هي رمز الحب! هي وسيلة التزاوج بين القريب والبعيد من النجوم والأعشاب والأشجار والأدواح، وهي لهذا حبيبة إلى العشاق توحي إليهم أسرارًا لا توحي بها لكل ناظر.
ولكني لا أريد هنا أن أزعم كما يزعم النشوئيون وغيرهم من الباحثين أننا نرى الأشياء جميلة؛ لأننا ننظر إليها بعين الحب أو بعين العاطفة الجنسية كما يقولون، فقد يكون العكس أقرب إلى الصواب، وقد تكون العاطقة الجنسية نفسها أداة من أدوات التكوين تنهض بنا في طلب الجمال والكمال.
وإلا فما هي تلك العاطفة الجنسية؟ أهي شيء مقصور على الإنسان؟ أهي شيء مقصور على الحيوان؟ أهي شيء مقصور على النبات؟ أهي شيء مقصور على الجماد؟ كلا، بل هي شيء شائع في جميع هذه الكائنات وفيما هو أخفى منها عن العيان والتقدير؛ شائع حتى في الكهارب التي تتعانق سالبة وموجبة لتستوي بها الذرة الدقيقة التي لا تُدرَك إلا بالحساب، وهي حيثما وُجِدَت مظهر للرغبة في التمام والدوام وهما أعلى ما يتصوره العقل من صفات الجمال في الكائنات، فما من كائنٍ في هذا العالم إلا وهو يسعى سعيه الحثيث إلى أن يتم بصنوه المتمم له ويلتمس الدوام بواسطة الاتصال به، وما من صفةٍ مبثوثةٍ في الكائنات هي ألصق بطبيعة التكوين من صفة الرغبة في الكمال والدوام.
فليست العاطفة الجنسية هي التي تخلق الرغبة في الجمال، وإنما الرغبة في الجمال هي التي خلقت العاطفة الجنسية بمظاهرها المختلفة في الكائنات، ولقد تعوَّدنا أن نحسب العلاقة بين الذكر والأنثى أصلًا للحب بجميع صنوفه وألوانه، ولكنَّا إذا واجهنا الحقيقة من وجهةٍ أعم وأعمق تبين لنا أن هذا الحب بين الذكر والأنثى هو فرع طاريء من أصلٍ إلهيٍّ قديمٍ شامل للموجودات مستقر في طبيعة الوجود هو حب الكمال والدوام، وليس الحب بين الذكر والأنثى غاية في ذاته وإنما هو واسطة من وسائط ذلك الحب الأصيل.
والزهرة يا صاح، الزهرة النحيفة التي تطويها في يدك قد تروي لك من فخامة هذه الأسرار ما تمتليء به آفاق الأرض وأبراج الشموس والأقمار، فإذا أخذتها بين إصبعيك فاذكر أنها رمز الحب، وإذا ذكرت الحب فاذكر أنه — في كل ما يحيط بنا من الظواهر والخفايا — هو رمز الجمال الإلهيِّ والخلود السرمديِّ.

الأشكال والمعاني


قلتُ في مقال «الزهر والحب» إن شكل الزهر «قد يعجبنا منه التنسيق البديع أحيانًا كما يعجبنا التنسيق في كل شيء، ولكن الذي يعجبنا منه حقًّا فيما أعتقد هو الدلالة التي يرمز إليها لا التنسيق الظاهر الذي قد يتفق لبعض الأزهار وقد لا يتفق، وأول ما تدل عليه الزهرة الغضارة ثم اللهفة التي ترافق في الذهن ذكرى زوالها السريع، فكأنما هي بشكلها الغضير الرقيق رمز إلى فرصة العيش التي تنادي الناس باغتنامها وتذكرهم بسرعة فراقها …»
وقد لقيني أديب المشغوفين بالتصوير فناقشني فيما أردتُ بهذه العبارة، وكان مَنحى فِكرِه أن الجمال كله «شكلي» لا سيما الجمال في الفنون، وأن الفن كالشريعة «لها الظاهر» كما يقول الفقهاء … وهو رأي يقول به بعض محبي الجمال الصادقين في حبهم إياه، ولكني أحسبهم يُشغلَون بلذة النظر إليه عن الإنعام في أسبابه ودلالاتِه أو يصعب عليهم أن يجمعوا للجمال «نظرية» واحدة يفيئون إليها بتعليل كل ما يعجبهم من محاسن الأشكال، فيأخذون كل شكلٍ على حدته ويظنون الجمال عالقًا به لذاته لا لمعنى ينطوي عليه أو لدلالةٍ يشير إليها، وربما صعب علينا أن نحيط ? «نظرية» وافية للجمال تفسره في كل صورةٍ وكل لمحةٍ، ولكني لا أرى ذلك مانعًا لنا من القول في غيرِ ما تَحرُّزٍ ولا استثناء بأن الجمال في الفن والطبيعة معنويٌّ لا شكليٌّ، وأن الأشكال لا تعجبنا وتجمل في نفوسنا إلا لمعنًى تحركه أو لمعنى توحي إليه، لا فرق في ذلك بين أشكال الوجوه الآدمية والأعضاء الحية وبين ما دون ذلك من الصور التي تخفى فيها معاني الحُسن أو تبعد الشُّقة بينها وبين ما توميء إليه.
فالوظيفة في الحياة تسبق العضو الذي يمثِّلها، والجسم الإنساني نفسه لا يسعك أن تتصوره إلا مُعبِّرًا عن فكرةٍ أو وظيفةٍ مجرَّدةٍ، ولا قيمة للأعضاء في ذواتها بغير الفكرة التي تعبر عنها والوظيفة التي تؤديها، فلا فرق في الشكل مثلًا بين بروز الحَدَبة على ظهر الأحدب وبروز النَّهدِ على صدر الكعاب، ولكنَّ الحدبة معيبة والنَّهد مستجمل مرغوب، وما ذاك إلا لاختلاف المعنى بينهما لا لاختلاف الشكل والصورة، ولتباين الوظيفة التي يمثلها كلاهما لا لتباين الحجم والبروز، وقد يُعَاب بروز النَّهد كما يُعَاب بروز الحدبة إذا كان في شكله ما يخل بمعنى الصحة والشباب الذي يُستَجمَل لأجله؛ إذ من البداهة أننا لا نحب وزنًا من اللحم والدم ولا رسمًا من الهندسة ولا حيزًا في الفضاء حين نحب الصدر الناهد المفعم في شكله البارز المستدير، ولكننا إنما نحب الفُتُوَّة والصحة والنضج ويقظة العاطفة وما إلى هذه المعاني من خوالج النفس ووظائف الحياة.
وما من شكلٍ نراه إلا يختلف موقعه في الذوق بحسب اختلاف الدلالة التي يدل عليها والوظيفة التي يقوم بها، فمن ذاك أن الضمور واليبس معيبان في عامة الأحياء غير أننا لا نعيبهما في كلب الصيد الهزيل المعقوف، الذي لصق بطنه بظهره ودقت أطرافه وكادت تعرى من اللحم أعضاؤه؛ لأننا إنما ننظر إلى ما وراء ذلك من خفة الحركة وسهولة العدو ورشاقة الخطو، ونغفل عن شكل «الهيكل العظمي» المتمثل لأعيننا حين نرى أمامنا حركةً جميلة حرة منبعثة بلا وناء ولا عائق متلبسة بجسد ذلك الحيوان الذكي السريع. ولو تأملنا في سِرِّ ما يعجبنا من حركة الجواد الجميل حين يرفع عنقه ويشيل بذَنَبِه، ويتبختر في مشيته لعلمنا أننا إنما نعجب بالمرح والنشاط وامتلاء الوظائف بالحياة واغتباط الحياة الشاعرة بنفسها؛ إذ تبدو لنا مجسمة في الصورة التي توائمها والهندام الذي يطاوعها فيما تريد.
ومَن تعوَّد النظر إلى المعاني الباطنة وراء الصور الظاهرة استطاع أن يخلِّص فكره وقلبه من قيود ذلك التحتيم الضيق الذي يخيِّل إلى أكثر الناس أن جميع ما نحسه من هذه الأشياء إن هو إلا قوالب مصبوبة أبدية لم تكن قط على غير الصورة التي نحسها، ولن تكون أبدًا على غيرها … كأنما كل صورةٍ وجودٌ قائم بذاته لا يدل على معنى ولا يتغيُّر بتغير المعاني التي يدل عليها، وليس أشأم على العقل والنفس ولا أبطل لعملهما من حصر كل شيءٍ في صورته، وحبس كل شيءٍ في ظاهره وافتراض أن الصور سابقة للمعاني في ترتيب الوجود كما أنها سابقة لها في ترتيب المشاهدة والإدراك؛ فإن الحقيقة التي لا جدال فيها أن العقل المطلق لا يرى وجهًا ما لتحتيم صورة من الصور دون غيرها، ولا يمنع أن تظهر الحياة نفسها في ألوفٍ من الأشكال المختلفة غير أشكال الآدميين والأحياء المألوفة في الأرض التي نسكنها، وكم ذا يختلف الإنسانُ عن الإنسانِ في اللونِ والحجمِ والإدراكِ والعمر وسائر المزايا والصفات؟ وكم قد اختلف الإنسان في حاضره عمَّا كان في ماضيه البعيد المجهول أيام الوحشية والهيام بين الآجام؟ فما كانت صورة «الحياة الإنسانية» واحدة في زمنٍ من الأزمان، ولا هي بالقالب المصبوب الذي لا يقبل التغيير ولا يأذن بالزيادة والنقصان، فلقد كانت هذه الحياة قابلة لأن تظهر في جسمٍ ليست له هذه الجوارح التي تتمثل بها وظائفنا الآن، وقد كانت عسية أن تسلك في تجسدها مسلكًا غير الذي سلكتهُ واستقامت عليه من قديم العصور، وما أكثر الأعين التي نراها في الحشرات والدواب والطيور والأسماك وغيرها من أنواع الأحياء وأجناس الأنواع وفصائل الأجناس! ثم ما أكثر الاختلاف بينها في الألوان والأشكال والمواقع والتراكيب! ولكن هل «النظر» في ذاته إلا وظيفة واحدة تستخدم جميع تلك الآلات وتبدو في جميع تلك الأشكال؟!
وقد سألتُ نفسي كثيرًا: هل يُنتَظر في مستقبل الأجيال البعيدة أن يتغير جسم الإنسان عن تركيبه الذي صار إليه أو هل يُرجَى أن يستفيد من ذلك التغيُّر جمالًا فوق الذي استفاده في تدرجه من أطواره الأولى إلى هذا الطور الذي هو فيه؟ والجواب على ذلك: نعم، مادام مشتاقًا إلى حرية الحركة راغبًا في الجمال؛ فإن الحرية والجمال معنيان لا ينفصلان فيما أعتقد ولا يتم أحدهما بمعزلٍ عن الآخر، وإخال أن الإنسان كان موشكًا أن يزداد جمالًا في الجسم واتساقًا في الهندام لولا اختراع الآلات والاستعانة بحِيَل الصناعة، فإنه كان يصبو إلى حرية الحركة فيعتدل قوامه وتنطلق وظائف جسمه وتزداد قدرته على استخدام أعضائه، فلما اخترع الآلات أصبح اعتماده على الفكر لا على الجسم في بلوغ ما يصبو إليه من سرعة الحركة واتقاء عاديات الطبيعة، وسَهُل عليه أن ينتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، وأن يطير في الهواء وأن يغوص تحت الماء دون أن يتحسَّن جسمه أو تزداد حرية أعضائه ولباقة وظائفه، ولستُ أظن الجسم الإنساني استفاد شيئًا يُذكَر من الحُسن بعد أن ناب فِكْرُه مناب جسده في حرية الحركة والاستعداد للكفاح والتصون من أخطار الطبيعة والأحياء.
وفي النظر إلى الأحياء بهذه النظرة بابٌ من المتعة الفنية لا يُوصَد، وطريقٌ من اللذة الحسية لا نهاية له؛ ففي وسعك أن تحول الدنيا في كل لحظةٍ تختارها إلى متحفٍ لا عِداد لبدائعه ولا حائل بينك وبين آياته وروائعه، ولبيان ذلك هَب أن طائفًا من السماء طاف بالأرض كما طاف بمدينة النحاس في «ألف ليلة وليلة» فترك كل مَن فيها أصنامًا من المعدن أو الرخام كالأصنام التي ينقلها الفنانون عن نماذج الحياة، أفلا ترى حينئذٍ بين يديك متحفًا فنيًّا حافلًا بالتماثيل لا تميزه عن أبدع ما صنع الصانعون ولا تَملُّ النظر إلى صوره ومعانيه؟ فاعلم أن هذا المتحف بين يديك في كل ساعةٍ إن شئتَ أن تستجلي أصنامه وتماثيله؛ فابدأ حيث بدأت في الطريق تجدها ماثلة أمامك تعرض عليك صورًا لا تُحصَى ومعاني لا تنفد غير أنها تجمع إلى جمالِ الفن جمالَ الحياة وتتحرك في ثيابٍ من اللحم والدم بدلًا من أن تسكن في ثيابٍ من المعدن أو الرخام …
ومتى التمستَ المعاني الباطنة من صور الناس الظاهرة فقد طابت لك الفكاهة وانفتح لك كنز التصور والخيال، هذه صورة آدمية لو أُعيد خلقها في مصنع الحياة لخرجت منه ملكًا سماويًّا لا ينقصه حتى الجناح الذي تستعيره من لطافة روحها وطهارة أحلامها، وهذا آدميٌّ آخر لو أُعيد خلقه في ذلك المصنع لخرَّج منه نمرًا لا تنقصه حتى البراثن التي يستعيرها من شراسة طباعه وضراوة أخلاقه، أو لخرَّج منه حمارًا تام الخلقة لا تبقى من جسمه ولا نفسه فضلة بعد خلق الحمار … فليست العبرة إذن بالصور الظاهرة وليست هي الفاصل بين درجات الأحياء وأنواع المخلوقات، وإنما العبرة بالصفات التي ترتسم عليها والمعاني التي تحمل شعارها، حتى لقد تكون تلك الصفات والمعاني طائرًا شاديًا في فطرةٍ آدميةٍ أو تكون ثعبانًا قاتلًا في مسلاخ إنسان.
ومن فكاهات هذه الملاحظات أنني كنتُ ألقى صاحبًا لي يلازمه في أكثر الأحيان عشير طائش الرأي سريع البطر يجول بعينيه هنا وهناك ويختال برأسه اختيال البلهاء، فكنتُ أقول له: يا صاحبي، إن في عشيرك هذا لشبهًا بالمعيز وما أحسبه إلا جَديًا متنكرًّا في زي الآدميين … وكنا ندعوه لذلك ? «المعزاوي» لا نتحرى في الكلمة صحة النسبة العربية، ولكننا نقصد الفكاهة والمزاح، ومضت على ذلك أسابيع ثم لقيني صاحبي وهو يغالب الضحك ويتكلف العتاب ويقول لي: أتذكر الشيخ فلانًا؟
قلتُ: نعم، وما خطبه؟
قال: أتذكر كيف كنتَ تدعوه ? «المعزاوي» وتقول إنك لا تحسبه إلا جَديًا متنكرًّا في زي الآدميين؟
قلتُ: فماذا تستغرب الآن من ذاك؟ أَوَ قد عاد الرجل إلى أصله؟
قال: إي والله، لقد كاد أن يعود، ولقد فضحتَني معه بسبب ذلك اللقب فضيحة لا يغتفرها لي ولا أزال أماريه فيها حتى اليوم، وكنتُ دعوته منذ أيام إلى منزلي وتركته عند الباب وسبقته إلى غرفة الاستقبال؛ لأهييء المكان وأُفسِح له الطريق، ثم أطللتُ عليه من النافذة أناديه ليصعد فوجدته قد برح موقفه إلى ساحةٍ بجوار المنزل تجتمع فيها جمهرة من المعيز لا يتخلف عنها كبيرٌ ولا صغير من معيز الحي! ووقف ثمة يتأملها ويتفرَّس فيها وهو غارق في تأمله أناديه ولا يستمع للنداء … فنزلتُ إليه وأنا أعجب لأمره وصِحْتُ به مرةً بعد مرة، فأقبل عليَّ كمَن أفاق من ذهولٍ وهو يقول: سبحان الله يا أخي، إنني أحب هذه المعيز وأشتاق أن أنظر إليها حيث أراها!
قال صاحبي فذكرتُ في تلك اللحظة لقبه بيننا، ونظرتُ إلى وجهه ولمحة عينيه والتفاتة رأسه وسحنة وجهه، فوالله لكأنما رأيته لأول مرة في تلك الصورة وكأنما مُسِخ أمامي لتوِّه جَديًا ذا أظلافٍ وذَنَبٍ، فانفجرتُ ضاحكًا وتحاملتُ مكظومًا وهو يستغرب ذلك ويلتفت إليَّ بدهشةٍ وكبرياء تزيدان وجهه شبهًا بالمعيز … فأكابد من مغالبة الضحك ما لا يُطاق، وأحاول أن أتعلل له بسببٍ يقبله فلا يلهمني الله سببًا مقبولًا، ثم صعدنا وقد بدتْ عليه بوادر الغضب فاعتذرتُ إليه بما حضرني وظللتُ يومها كلما خطر لي ذلك الخاطر صرفته عني بجهدٍ جهيدٍ، وتحاشيتُ أن أقابل وجه الرجل لئلا تقع عيناي على عينيه فتعاودني نوبةٌ من الضحك لا أدري كيف أفسرها له، ولكنه لحظ عليَّ ارتباكي وتحاشيَّ النظر إليه، وسلَّم عليَّ إذ فارقني وهو حائرٌ من أمري وأمره غاضب عليَّ غضبًا أذهله عن توديع المعيز وهو يمر بها في منصرفه.
قلتُ هذه قصة لو عثر بها قدماء الهنود لقرأناها في كتبهم برهانًا وجيهًا بين براهين تناسخ الأرواح.
•••

وبَعدُ، فأرجو ألَّا يفوت القاريء ما قصدتُ إليه من هذا الاستطراد والتشبيه، فإنما أقصد أن الجمال لا يقوم بالأشكال المفرغة من المعاني ولا يتجلَّى للحِسِّ وحده دون القريحة، بل الشكل الجميل هو أداة المعنى إلى الظهور وشأنه أن يتلاشى ساعة يبرز لك معناه، وأن يُنسيك نفسه كل النسيان حين يخلص بك إلى ذلك المعنى المجرد، فأحسن الأشكال وأوفقها هو الشكل الذي تتخطاه إلى دلالته، وعالم الفن على هذا هو عالم المعاني المجردة لا عالم الأشكال الملموسة، وما الفنان إلا ذلك الإنسان الملهم الذي يُوفَّق بفطرته لاختيار أشكال تُبرِز المعاني وتخلو من العيوب التي تحجبها عن الخواطر، أو هو ذلك الإنسان المُلهم الذي يُوفَّق لاختيار الأشكال التي تُنسِينا الأشكال وتؤدي عملها، وما عملها إلا أن تساعد المعنى على الظهور، لا أن تشغل الناظرين بالظواهر عما وراءها من المعاني والدلالات، وقد استحبُّوا البساطة في الفن واستدلُّوا بها على الطبع؛ لأنها شفافة عمَّا وراءها لا تعوق معناها عن الوصول إلى الخاطر بعقبات التكلُّف والتزويق وحواجز الأوضاع والتقاليد، والجملة البليغة هي الجملة التي تبلغ بك إلى فحواها بلا مبالغةٍ في التحلية تشغلك بصياغتها عن دلالتها، ولا قصور في التعبير يقف بك عند ألفاظها فيُثنِيك عن مضامينها، وكذلك قل في الصورة البليغة والزهرة البليغة والوجه البليغ.
رأيتُ منذ أيام صورة «الأم والابن» للمصور الإنجليزي ?. و. دافيس، وهي صورة فرس مرضع ترأم مُهرها الصغير، فما تمثَّلت حين رأيتها إلا «الأمومة وحنانها وتضحيتها» بغض النظر عن الأم هل هي امرأة أو فرس، وعن الولد هل هو طفل أو مُهر، ولو وضعَ المصور في موضع الفرس والمهر أمًّا آدمية وطفلها لَمَا اختلف شعوري بها في جوهره؛ لأنني إنما رأيتُ الحنان الماثل في الصورة وتجاوزتُ الشكل الظاهر إلى ما وراءه، أو لعل صورة الفرس والمهر أبلغ في تمثيل الحنان؛ لأننا نستغرب أن تحل هذه العاطفة في قلب حيوان أخرس فيكون عطفُنا عليه ألذ وأعظم، وتأملُنا في عجائب تلك العاطفة داعيًا إلى الإمعان في الشعور بها والتعمق في استحضارها، وتلك هي بلاغة المصوِّر الذي أُلهِم أن يختار ذلك الشكل لتمثيل الحنان في أبلغ مظاهره وأعجبها، فآثر صورة الحيوان في تمثيله على صورة الإنسان.
وربما بدا هذا «التجريد» غريبًا لبعض الذين ينتحلون المادية ويغرقون فيها على غير بصيرةٍ، وربما عجبوا من هذا الولع بالمعاني المجردة، وهذا الاستخفاف بالأشكال الملموسة في كلامٍ لا يُراد به التصوف ولا يُكتَب في مباحث التعبُّد، ولقد كان من حق المنتحلين للمادية أن يعجبوا هذا العجب قبل جيلٍ أو نصف جيل، فأما اليوم فأي حقٍّ لهم في ذلك، وقد ذهب العلم بتجريد المادة إلى حد القوة الخفية والحركة المطلقة، وأصبحت الأجسام في أصولها فرضًا يقرب من فرض الأثير أو هو أعجب في التصور من الأثير؟! وَهَبِ العلم لم يذهب إلى شيءٍ كهذا فأي عقلٍ سليمٍ كان يستطيع أن يُفرِّق بين تعريف القوة وتعريف المادة عند النظر إلى حقائق الأشياء؟ فكل تعريفٍ صحيحٍ للقوة تدخل فيه المادة بكل شكلٍ من أشكالها وكل طبيعةٍ من طبائعها؛ إذ نحن لا نفرِّق بين المادة والقوة بأن الأُولى جامدة والأخرى غير جامدة، ولا بأن الأولى محسوسة والأخرى غير محسوسة؛ فإن هذا تفريق لا يمس القوى والأجسام في جواهرها ولا يتناول الأشياء في ذواتها، ولكننا إذا عرَّفنا القوة بأنها هي كل ما يقاومك إذا اعترضته فقد نرى إذن أن القوة والمادة حقيقة واحدة أو أنهما كلمتان مختلفتان لمعنًى لا اختلاف فيه.
ومتى كانت المادة نفسها قوًى معنوية تتعارض فتبرز للحس والعيان؟ فأي عجب في أن يكون «الجمال» معنًى حرًّا وإنه لأقرب في النفوس إلى التجريد والتنزيه؟

معنى الجمال في الحياة والفن


معنى الجمال واحد في الحياة والفن لا يختلف في جوهره وإن اختلف في أوصافه ومظاهره، وقد ألمعتُ إلى هذا الرأي في مقدمة «المطالعات» فوافق بعض الآراء وخالف بعضها وكان من المخالفين الأستاذ ميخائيل نعيمة،? أحد أدباء العرب المعدودين في الولايات المتحدة، فكتب إليَّ يقول من خطابٍ مسهبٍ رقيق: أما نظرتك إلى الحياة نظرة فنية فأجاريك فيها إلى حدٍّ وأخالفك إلى حدٍّ. مهما تسامى الفن يظل مقيدًا بالمحسوسات ولا يكون فنًّا إلا متى اتخذ له شكلًا محسوسًا، فإذا قصرنا الحياة على ما نتناوله منها بالحواس أمكن أن ندعوها فنًّا، غير أن في الحياة ما نشعر به ونعجز عن تأديته بكل ما لدينا من وسائل البيان الفني، وأي فنٍّ يقدر أن يُصوِّر لك خَطَرات فكرك، لا أقول طيلة نهارك بل في دقيقةٍ واحدةٍ؟ بل أي فنٍّ يتمكن من تصوير كل تموجات الحب والبغض والإيمان والشك — ولا أذكر سواها — في قلبٍ بشريٍّ واحدٍ؟! فإذا كان في الحياة البشرية وحدها ما هو أبعد من الفن وفوقه فكيف بالحياة الشاملة التي ليست البشرية إلا بعض بعضها؟! وقد أجبتُ الأستاذ بخطابٍ قلتُ فيه إن اعتراضه الذي أبداه على وحدة المعنى في الحياة والفن قد يكون وجيهًا حاسمًا لو أنني زعمتُ أن الحياة فنٌّ إنسانيٌّ يخلق الإنسان ما فيه من تموجات الحب والبغض وقواعد الإيمان ووساوس الشك، ولكني لم أقل ذلك ولا إخال أحدًا يقوله، وإنما قلتُ إن الفكرة التي تتمثل في جمال الحياة هي الفكرة التي تتمثل في جمال الفن، أما صانع الحياة وصانع الفن فيختلفان صنعًا، ويتفاوتان قدرة ويستمد أحدهما أسرار الجمال من الآخر، ولكنه لا يخرج عن نمطه ولا يشذ عن فكرته.
فإذا سألَنا سائلٌ كما يسأل الأستاذ نعيمة «أي فنٍّ يتمكن من تصوير كل تموجات الحب والبغض والإيمان والشك؟» قلنا إنه هو الفن الإلهي الذي نحكيه نحن بفنوننا من وجهةٍ ونستنبيء غاياته البعيدة من وجهةٍ أخرى، فنلتزم حدوده إذا حاكيناه، ونُضيف إليه ونوسعها إذا نظرنا إلى غاياته البعيدة.
وقد أحببتُ أن أُبيِّن هنا ما أردته بوحدة الفكرة في الحياة والفن فأقول أولًا: إن الحرية في رأيي هي العنصر الذي لا يخلو منه جمال في عالم الحياة أو في عالم الفنون، وإننا مهما نبحث عن مزيةٍ تتفاضل بها مراتب الجمال في الحياة لا نجد هنالك إلا مزية «حرية الاختيار»، التي يَفضُل بها الإنسان الكامل مَن دُونَهُ من المرجوحين في صفات النفوس وسمات الأجسام، ثم يفضل بها الناس عامة الأحياء، ثم يفضل بها الأحياء طبقات النبات، ثم يفضل بها النبات الأشياء الجامدة أو المادة الصماء، على أن المادة الصماء نفسها تتفاضل في الجمال بحسب ما يبدو لها من حرية الحركة ومشابهة «الإرادة»، فتروقنا النيران والرياح والأمواه وتطلق في نفوسنا خوالج الحياة ونعاطيها شيئًا من العطف لا نعاطيه لغير الأحياء، وليس لها فضلٌ ظاهرٌ على عامة الجماد إلا بما تخيله للناظر من حرية الإرداة ومحاكاة الحياة.
ولكننا نعود فنسأل: كيف تكون هذه الحرية؟ هل تتأتى لنا حريتنا في فضاءٍ مطلقٍ لا عائق فيه ولا قوة نزن بها قدرتها ونعرف بها قيمتها؟ وهل للحرية من معنى إلا أنها تغلب العوائق التي تصدها أو تختار بينها إذا هي لم تقدر على مغالبتها؟ فنحن إذا أردنا أن نمتحن «حرية» المسابق في العَدوِ أقمنا له الحواجز، وحدَّدنا له المسافة والوقت وقيدناه ? «حريات» المسابقين الآخرين، فألزمناه أن يبين سرعته بالنسبة إلى السرعة التي تناظره وعرفنا مقدار حريته بمقدار القيود التي نهض بها والحدود التي تكلف مراعاتها، وكذلك الحياة فيما تمنحه من السعة لأبنائها إنما تقيس حريتهم بما تسلِّطه عليهم من الضرورات والتكاليف، وإنما تخوِّلهم إباحات الحقوق بحسب ما تُحمِّلهم من أوقار التكاليف والواجبات، وتجلب لهم المسرَّات والأفراح بقدر ما تُحيله عليهم من الشدائد والآلام، ومن ثم ربما كان الأصوب والأوضح أن نقول إن الجمال هو «تغلب الحرية على الضرورة.» وإن هذه الفكرة هي فكرة الجمال في الحياة وفي الفنون كلها من موسيقى وشعر وتمثيل وتصوير ورقص ورياضة.
ما الجسم الجميل؟ لا أظننا مستطيعين أن نجيب عن هذا السؤال بأصدق ولا أوجز من أنه هو الجسم الحر الطليق، وسواء أنظرنا إلى الجسم في جملته، أم إلى كل عضوٍ من الأعضاء على حدته فإننا لا نرى له صفة جمالٍ إلا وفي طيها صفة حرية وطلاقة؛ فالجسم يُعاب إذا عطلت إحدى وظائفه، والعضو يُعَاب إذا زاد أو نقص عن حد حريته، وكل وجه تنكر منه وصفًا من الدمامة لا بد أن تحس بعد تأمله أن مانعًا يمنع وظائف الحياة فيه عن حرية الحركة؛ فيزيد أو ينقص في لمحةٍ من ملامحه أو قَسَمَةٍ من قسماته، بل قد يتم «تناسب الشكل» في وجهٍ قسيمٍ صحيحٍ ثم لا يعجبك ولا تنشط إليه روحك؛ لأنك لا تحس فيه ما يدل على حركة الحياة في نفس صاحبه، وذلك ما يسمُّونه بثقل الروح، وهو تعبير غاية في الدقة والعمق لو أنعمت فيه لاستوحيت منه معاني لا يوحيها الدرس الطويل والتمحيص الدقيق؛ لأنه يدلك على حقيقة الإحساس بالجمال في طبائع الناس وأنه شيء ينافي «الثقل» ويصاحب الخفة والطلاقة.
فلا شأن للتناسب في «جوهر» الجمال وإنما هو تبع لحرية الوظيفة وحركة الحياة في الجسم، وقد يضخم العضو في بعض الأحياء ويستدق في الأحياء الأخرى، وقد يطول في بعض الأنواع ويقصر في غيره، ولكن الشأن الأول في استحسانه — على أشكاله المختلفة — لحرية الوظيفة فيه لا للضخامة والدقة أو للطول والقصر أو للنسبة بينه وبين الجسم الذي تركب فيه، فلا تعيب الغزال ولا العصفور دقة الساق مثلًا، ولكنها تعيب الإنسان إذا نمَّت فيه على الإعياء واختلال وظائف الأعضاء.
ودَعِ الأعضاء والأجسام وانظر إلى الفضائل والأخلاق، فإنك لا تجد خصلة معدودة في الخصال الجميلة المحمودة إلا كان فيها معنى من غلبة الحرية على الضرورة وحكم الإرادة الباطنة على البواعث الخارجية؛ فالشجاعة والأنفة والصبر والعفة وما شاكلها من المناقب المأثورة لا تُحمَد في الإنسان إلا لأنها دليل على أنه مالك لحريته يقود البواعث الخارجية ولا ينقاد لها، ويتصرف في نفسه تصرف القادر في شئونه، وانظر إلى «التجمل» الذي يتصف به ذوو السمت والظرف تجده إنما يظهر حيثما ظهر في هيئةٍ واحدةٍ؛ هي ألا يكون المرء مغلوبًا على أمره في حركةٍ من حركاته أو كلمةٍ من كلماته أو سجيةٍ من سجاياه، فيكون حزينًا موجعًا ولا يُظهِر الحزن والتوجع، ويكون مريضًا مدنفًا ولا يئنُّ أو يتململ، ويكون غاضبًا مهتاجًا ولا يصخب أو يتفزز، وإذا اضطر إلى التخفيف عن نفسه بحركةٍ أو إشارةٍ حاول أن يعطيها من هيئة الاختيار والتأنق ما يخفي الاضطرار والاندفاع؛ فتلوح للناظر كأنها مقصودة مرسومة وتعبر عن نفسٍ لا تضيق بأمرها ولا ترتخي قبضتها على زمام مشيئتها.
وفكرة الجمال في الحياة هي بعينها فكرة الجمال في الفنون، فلا فن بغير تطلعٍ ولا تطلع بغير حريةٍ، ولكن ينبغي أن نذكر أن الحرية تستلزم المنع وأن الجمال هو غلبة الحرية على القيود، أو هو ظهور الحرية بين الضرورات وليس هو بالحرية الفوضى التي لا يمازجها نظامٌ ولا يحيط بها قانون، فلا عجب أن يمثل «الفن» قيود الجمال وأنظمته كما يمثل حريته وانطلاقه، وأن نرى الفن حافلًا بالأوزان والأوضاع كما نراه حافلًا بالتطلع والرجاء.
والفن بَعدُ هو صورة مختصرة من جمال الحياة نرسمها لأنفسنا لنتبعها بالأمل والاحتذاء، وماذا تصنع أنت إذا أردتَ أن تختصر المعاني والكلمات؟ إنك تأخذ منها صفاتها البارزة وخلاصتها الجامعة، وكذلك يصنع الفن؛ إذ يجمع لديه في وقتٍ واحدٍ نظامًا أوضح من نظام الحياة، وحرية أطلق من حريتها أو يستخلص من جمال الحياة عُنصُرَيْهِ البارزين وهما النظام والرجاء.
وكأن الإنسان قد أراد بالفن أن يتمم حرية الحياة أو يستدرك عجزها عن قهر ضروراتها التي تثقل عليها؛ فقد خَلَقَ الفنُّ للإنسان أجنحةً قبل أن يطير في الهواء، وأنشأ لنا في الشعر أجيالًا من الأبطال هزموا نواميس الكون وأحكام القدر، وجمع في جسمٍ واحدٍ من رشاقة الأعضاء وملاحة القسمات ما تضن به الحياة على الكثير من الأجسام، وأرسل أحلامنا في سماوات من الغبطة والكمال لا تُفتَح لأبناء الفناء، فتمت به آمال الحياة، وأصبنا في عالمه حريةً لا نصيبها في عالم الحاجة والاضطرار.
وصفوة ما تَقدَّم أن الحرية المنظومة أو الحرية التي تظهر بين قيود الضرورات؛ هي سر الجمال في الفنون كما أنها سر الجمال في الحياة، وأن أمنية الإنسان القصوى التي يتطلع إليها من الحياة والفنون هي الحرية لا القوة ولا الغنى ولا السعادة نفسها؛ إذ هو يطلب القوة والغنى ليكون حُرًّا وهو ينال السعادة بفضل الحرية ولا ينال الحرية بفضل السعادة، وقد يخطر لك أن تسأل: مَن يطلب القوة لماذا أنت تطلبها وما هي غايتك منها؟ ولكنك لا تسأل مَن يطلب الحرية هذا السؤال؛ لأن كراهة الموانع غريزة مركبة في جميع النفوس إن لم نَقُل في جميع الأشياء.
•••

وبعد، فقد يحسن أن ننبه إلى أمرين ينظر فيهما مَن يود التوسع في نقد هذا الرأي؛ ليستوفي بهما بيان الفكرة التي نذهب إليها، فالأمر الأول هو أن الجمال ليس بصفةٍ واحدة محدودة، ولكنه صفات كثيرة منوعة تتراءى لنا في الأشكال والألوان والأصوات والمعاني، وقد تجتمع هذه الصفات معًا؛ فيتم الجمال ويتسق أو تتفرق فينقص أثرُه ويختلف مدلوله، فمن ذلك أنه ربما تهيَّأ لجسمٍ حَسَنِ التكوين والهندام دلائل كثيرة على النشاط وحرية الأعضاء، ولكنه لا يروق النظر ولا يعجبنا الإعجاب الأكمل؛ لأنه أسود اللون — مثلًا — ونحن نحب أن نرى تلك المحاسن في جسمٍ مشرق البياض، ولا يبعد أن يكون سر تفضيل البياض في هذه الحالة أنه يطلق سمات الجمال ولا يمنعها؛ إذ كنا قد تعودنا أن نستشف منه دم الجسم يسري في أعضائه وينضح على إهابه ويجلو لنا بشاشة الحياة التي تمنعها البشرة السوداء.
والأمر الثاني التفريق بين الإحساس بالجمال والرغبة في الاستيلاء على الشيء الجميل، فإن الإحساس بالجمال يطلق النفس من أَسْرِها، ولكن الرغبة في الاستيلاء على الشيء الجميل قد توقع النفس في أَسْر الحاجة، فإذا سلب العشق حرية العاشق وقيَّده بأهواء معشوقه فليس ذلك بحجَّةٍ على أن الجمال ينافي الحرية في صاحبه أو في الناظر إليه.
? مؤلف كتاب «الغربال» المطبوع في المطبعة العصرية، بمصر.
رأي شوبنهور في معنى الجمال في الفن والحياة


آرثر شوبنهور فيلسوف ألماني متشائم عَبوسُ الفكرِ، ولكنه جريءٌ على تشاؤمه ظريفٌ على عُبُوسة فكره، وهو أشبه الفلاسفة المحدثين بالشعراء وأقربهم إلى المتصوفة وأعرفهم بالحياة على ما في مذهبه من الولع بذم الحياة.
وكأنه كان منكرًا للحياة لا شاكيًا منها، أو كأنه كان يعيب خلقتها عيب الزميل الناظر في عمل زميله لا عيب المخلوق الذي برحت به صروف المقادير وثقلت عليه وطأة القضاء، فهو لا يصوِّب سهمه إلى عصرٍ من العصور ولا إلى أنظمة الأحياء في جميع العصور، ولا إلى صور الحياة وهيئاتها وما يتناوله التغيير والتحسين من عروضها وصفاتها، ولكنه يصوِّب السهم إلى صميم الحياة نفسها بل إلى صميم كل حياةٍ متخيلَةٍ حتى حياة الكون العظمي! وقلَّ في الناس مَن يوغل هذا الإيغال ويجتريء هذا الاجتراء، فهو لا يُسمعك صرخة ألم ولا ثورة نفس ولكنه يُبدِي لك ملاحظة الناقد المتأمل الذي كأنما يلاحظ على شأنٍ بعيدٍ عنه يعرضه العارضون عليه، والذين يحسبون شوبنهور كغيره من المتشائمين عبدًا متمردًا على حكم الحياة صارخًا في قفاها يظلمون مذهبه أشد الظلم، ويقفون به عند منتصف طريقه، فإنما هو خصمٌ عنيدٌ للحياة صارخٌ «في وجهها» لم يعترف بسلطانها، ولم «يعتمد أوراقها»، ولم يسلِّم قط بحقوقها من أصلها حتى يُقَال إنه متمرد عليها.
وإني لأرى في هذه الجرأة من الطموح وحيوية الفكر ما لستُ أراه في تفاؤل الفلاسفة الآخرين الذين لا يكلفهم التفاؤل شيئًا كبيرًا من جهد الفكر ورياضة النفس، ولا يكونون فيه إلا منقادين للقضاء انقياد الصخرة لقوة الجذب والحيوان لغريزة الحياة، ومن الغرائب أن يحتاج الفكر إلى الحيوية حتى في الاجتراء على الحياة نفسها والإنحاء عليها في أساس وجودها، ولكنها هي الحقيقة التي لا مراء فيها، وهي بعبارةٍ أخرى؛ إن حيوية الفكر تظهر في إنكار الحياة والدعوة إلى رفضها كما تظهر في انغماس المنغمسين فيها وإعجابهم بحظوظها ومحاسنها، وربما كانت حيوية شوبنهور في اجترائه على أصول الحياة أكبر من حيوية تلميذه «نيتشه» في الاجتراء على أصول الآداب وفضائل الأديان، وإن كان نيتشه قد تخيَّل أنه أبعد النقلة، ووثب من النقيض إلى النقيض حين تحوَّل من إنكار الحياة على مذهب شوبنهور إلى توكيد الحياة وإرادة القوة على مذهبه هو، الذي دعا إليه بعد ثورته على الأستاذ الكبير وعُزُوفه عن دين العدم وسُنَّة الإنكار، وليس الفرق بين «لا» الكبرى التي كان يقول بها شوبنهور، و«نعم» الكبرى التي كان يقول بها نيتشه إلا كالفرق بين النهي والأمر من فم الجبار القدير الذي ينهى ويأمر بقوةٍ واحدةٍ وحقٍّ واحدٍ؛ فكلاهما لا يفوه به إلا قائل مُطَاع في «لائه» وفي «نعمه» مخوَّل أن يشير بيده ذات اليمين أو ذات الشمال.
ولشوبنهور فلسفة واسعة زاخرة طَرَقَ فيها مباحث الفلسفة على اختلافها بحماسة المتدين وزكانة المتصوف وبساطة الفنان، وفصَّل فيها رأيًا في معنى الجمال يَشفُّ عن غورٍ عميق وإحساس دقيق ونفس خُلِقَتْ للحياة، ولكنها صُرِفَتْ إلى إنكارها بلفتةٍ صغيرةٍ في أداةٍ من أدواتها أو بزيادةٍ طفيفة أُضيفَت إلى بعض مواهبها فجارت على بقيتها، ورأيه في الجمال هو الذي يعنينا هنا، وهو الذي أردنا أن نخصص له هذا المقال بعد أن بيَّنا رأينا آنفًا في معنى جمال الحياة وجمال الفنون.
وأَقْوَم ما في رأي شوبنهور في معنى الجمال الفني هو قوله إن مهمة الفن هي فصل الشكل «القالب» عن المادة لا أن يحكي لنا الشكلُ والمادةُ معًا حكايةً صحيحة محكمة؛ لأن الفن موكل بالصور الباقية والنماذج الخالدة لا بالكائنات التي توجد في الحياة مرةً واحدةً، ثم تمضي لطيتها غير مكررة ولا مردودة، فإذا أراد المصوِّر أن يمثِّل إنسانًا لفت نظره فليس الذي يعنيه من ذلك الإنسان أنه فرد من أفراد نوعه مستقل بمادته وشكله وعمره، ولكن الذي يعنيه منه أنه «قالب» يصلح أن يكون نموذجًا عامًّا لأفرادٍ كثيرين أو للنوع كله، وهذا النموذج هو الذي يأخذه المصوِّر، ويفصله عن مادته ليمثِّله مستقلًا عنها إما في تمثالٍ أو صورةٍ أو قصيدةٍ من الشعر تُنسِيك الرجل الفاني بما تروي لك عنه من الأشكال الإنسانية الخليقة بالدوام ومعانيها التي تعبر عنها تلك الأشكال، ويقول شوبنهور: «إن إبراز الشكل وحده بغير مادته جوهريٌّ في كل عملٍ فنيٍّ؛ ولهذا لم يكن لتماثيل الشمع أثرٌ في النفس من الوجهة الجمالية، ولم تُحسَب من هذه الوجهة بين أعمال الفنون ولو أنها حين تُجَاد صناعتها أقمنُ مائة مرة أن تخدع الناظر عن حقيقتها من أحسن تمثال وأجمل صورة، فلو أن الخداع بمحاكاة الحقيقة هو غرض الفن لكانت تماثيل الشمع في المكان الأول بين الآثار الفنية، غير أنها تبدو كأنها لا تمثِّل لنا الشكل وحده بل تنقل لنا الشكل والمادة معًا، ومن ثم توهمنا أن الشيء المحكي ذاته ماثل أمام أعيننا، فتختلف بذلك عن أعمال الفن الصادقة التي تبعد بنا عن الشيء الذي يوجد مرةً واحدةً، ثم لا يعود إلى الوجود أبدًا؛ أعني الفرد، وتقترب بنا إلى الشيء الذي يوجد بلا انقطاعٍ في الزمن الباقي الذي لا نهاية له، وفي العدد المطلق الذي لا حصر له وهو «الشكل» أو فكرته. فتمثال الشمع يبيٍّن لنا الفرد نفسه أي ما يوجد مرة ولا يعود إلى الوجود ولكنه مجرد من الحياة التي تعطي ذلك الوجود الزائل قيمته؛ فهو يبعث فينا قشعريرة كأنها قشعريرة الناظر إلى الجثة الهامدة … ويُشاهَد أن الصور المحفورة على النحاس الأسود تنمُّ على ذوقٍ أكرم وأرفع من الذي تراه في المحفورات المصبوغة والنقوش الملونة، وإن كانت هذه أحظى وأجمل عند مَن ينقصهم الذوق المهذب والنظر السليم؛ وسبب ذلك كما هو ظاهر أن المحفورات السوداء تعطينا الشكل وحده في هيئته المجردة التي يتناولها الإدراك، أما اللون فهو شيء متعلق بحاسة النظر أو بالتفاعل الخاص الذي يقع فيها.»
ويجوز لنا أن نزيد على الشواهد التي أتى بها شوبنهور أن الصورة الشمسية لا تعجبنا كما تعجبنا صور الفنانين الحاذقين؛ لأنها تنقل لنا الشيء الحقيقي كما يبدو للحس في حين أن الصورة التي يرسمها الفنان تنقل لنا شكل ذلك الشيء كما يبدو في نفسٍ عبقرية واعية تنظر إلى معاني الأشكال المجردة لا إلى مادتها المحسوسة، ونزيد عليها كذلك أن الوصف الشعري الذي يُعنَى بإحصاء الموصوفات وترتيبها وحكاية أحجامها وسرد أعدادها وتقييد موادها وألوانها لا يعجبنا كما يعجبنا الوصف النفسي الذي ينفذ بنا لأول نظرة إلى بواطن الموصوفات وطبيعة إحساس الناظرين إليها والمفكرين فيها، وليت شعراءنا الأخصائيين يفطنون إلى ذلك، ولا يعنتون أنفسهم في وصف الأشياء «كأنك تراها» فلا يبلغ من جهدهم في الوصف على هذا الأسلوب إلا أن يمسخوا بطاقات البريد الشمسية التي تعيد المنظر «كأنك تراه»، ولكنها لا تساوي في سوق الفن والتجارة أكثر من مليمين.
أما رأي شوبنهور في وصف الجمال فمبنيٌّ على رأيه في كُنهِ الحياة وما وراء الطبيعة.
فهو يقسِّم الدنيا إلى «فكرة وإرادة» ويقول إن الدنيا «في الفكرة» هي الدنيا المكنونة قبل أن تظهر في حيز الأسباب والقوانين وعلاقات الأشياء بعضها البعض، وأن الدنيا «في الإرادة» هي هذه الدنيا التي نكابد أوصابها وقوانينها، ولا نذوق السرور فيها إلا لسببٍ من الأسباب التي تدور عليها أغراضنا وشهواتنا، ولَمَّا كان سرورنا بالجمال سرورًا بلا سببٍ ولا منفعةٍ فهو من قبيل الفكرة المجردة التي تحسها النفس المجردة، وتنظر إليها كما هي في عالمها المُنزَّه عن الأسباب والعلاقات. والسر في وضوح إحساسات الشباب وجمالها الكمالي هو كما يقول شوبنهور إننا في عهد الصغر نرى «فكرة النوع» وراء صورة الفرد إذ تلوح لنا لأول مرة؛ لأننا نتمثل في كل فردٍ نموذجًا جديدًا لم تسبق لنا معرفةٌ به ولم تظهر لنا أية دلالة أخرى عليه، فالشجرة الأولى التي نراها تمثل لنا فكرة الشجر كله؛ أي نموذج هذا النوع الجديد الذي لا عهد لنا به قبل ذاك، ولا تقتصر على تمثيل شجرة واحدة زائلة كما هو شأنها عند مَن تواردت عليهم مناظر الأشجار الكثيرة؛ «ولهذا نرى فيها الفكرة الأفلاطونية التي هي في الحقيقة جوهر الجمال.»
تلك خلاصة وجيزة جدًّا من رأي شوبنهور في معنى الجمال تُطلِع القارئ على مجمل فلسفته في هذا الباب ولا تُغنيه عن الرجوع إلى مطولاته، فأين نتفق في هذا الرأي وأين نفترق؟ وأين يتساوى القول بأن الجمال «فكرة» والقول بأن الجمال «حرية» ثم أين يتعارضان؟ يتساويان حين نذكر أن «الفكرة» في رأي شوبنهور لا بد أن تكون بعيدة عن عالم الأسباب والضرورات، ومن ثم لا بد أن تكون مطلقة من أَسْر الأسباب والضرورات، ويتعارضان حين نذكر أن الحرية لا تكون بغير إرادةٍ، وأن شوبنهور يُخرِج الجمال كله من عالم «الإرادة المسببة» إلى عالم «الفكرة» المجردة.
وما الذي يرجح القول بأن الجمال «حرية» على القول بأن الجمال «فكرة» بعيدة عن عالم الإرادة؟ يرجحه أن الجمال يتفاوت في نفوسنا ويتفاضل في مقاييس أفكارنا، ولو كان المعوَّل على إدراك «الفكرة» وحدها في تقدير الجمال لوجب أن تكون الأشياء كلها جميلة على حدٍّ سواء.
ونوضح ذلك فنقول: لو كانت الشجرة جميلة لأنها فكرة «فقط» لما كان هنالك داعٍ لتفضيل فكرة الإنسان على فكرة الشجرة، ولا صَحَّ لنا أن نزعم أن الناس أجمل من الأشجار، ولكننا نعلم أن فكرة الإنسان غير فكرة الشجرة، وأن الفكرتين تتفاضلان في تقدير الجمال، ولا بد أن يكون تفاضلهما بمزيةٍ أخرى، فما هي تلك المزية الأخرى؟!
هي الحرية؛ فالإنسان أوفر من الشجرة نصيبًا من الحرية، ولذلك هو أجمل منها وأرفع في درجات الكمال، وكذلك تتفاوت «الفكرات» فلا يغنينا القول بأن الجمالَ فكرةٌ عن القول بأن الحرية هي المعنى الجميل في الفكرة أو هي التي تهب الفكرة ما فيها من الجمال.
ويقرر شوبنهور أن المادة الصمَّاء لا جمال فيها ولا أُنس لديها وأنها تقبِض الصدر وتثقل على الطبع، فلِمَ كانت كذلك؟ ألأنها عارية عن الفكرة؟ كلا، فما من شيءٍ محسوسٍ إلا له فكرة مكنونة في رأي شوبنهور، ولكنها تقبض الصدر وتثقل على الطبع؛ لأنها تُمثِّل الركود والجمود أو تُمثِّل التجرد من الإرادة والحرمان من الحرية والخضوع المطلق للقانون والضرورة، وقد ذكر شوبنهور نفسه بعض هذه العلة، وقال «إن الحزن الذي تبعثه المادة «غير العضوية» في نفوسنا آتٍ من أن هذه المادة تطيع قانون «الجذب» طاعةً تامةً في حيث تتجه الأشياء، أما النبات فإن منظره يشرح صدورنا ويسرَّنا سرورًا كبيرًا يزداد في نفوسنا كلما تُرِك وشأنه؛ وسبب ذلك أن قانون الجذب يبدو لنا كالمُعطَّل في عالم النبات، لأنه يتجه إلى خلاف الجهة التي يجذبه إليها ذلك القانون، وهنا تتخذ ظاهرة الحياة لنفسها طبقة جديدة عالية بين طبقات الموجودات ننتمي نحن إليها، وتتصل هي بنا ويقوم عليها عنصر وجودنا فترتاح إليها قلوبنا وتَهشُّ لها طبائعنا، وأول ما يسرنا في منظر النبات استقامته وانتصابه ويزداد منظره بهجةً إذا بسق من بين الأجمَّة المُلتفَّة سرحتان عاليتان في الفضاء، وقد سُمَّيت شجرة الصفصاف بالباكية؛ لأن فروعها تتدلى إلى الأرض، وتنحني فتُطيع قانون الجذب بذلك الانحناء.»
وإلى هنا يسبق إلى ظنك أن شوبنهور سيخلص من هذا القول إلى نتيجته القريبة؛ فيقول إن الأشياء تحزننا بما فيها من معاني الخضوع، وتُفرحِنا بما فيها من معاني الحرية، أو إنها تُحرِّكنا كلما قَلَّ نصيبها من الإرادة وتفرحنا كلما عَظُم نصيبها من هذه الصفة، ولكنه يَدَع هذه النتيجة القريبة إلى نتيجةٍ أخرى لا تؤدي إليها، هي أن الأشياء تُحزننا كلما ابتعدت عن عالم الفكرة واقتربت من عالم الإرادة، وأنها تُفرحنا كلما ابتعدت من عالم الإرادة واقتربت من عالم الفكرة، فيمشي مع «الحرية» شوطًا بعيدًا في وسط الطريق، ولكنه يفترق عنها في مبدئه ومنتهاه.
•••

ولعلنا بعد إذ بيَّنا أن الآداب والفنون هي أسمى مطالع الحرية وأصدق تراجمها نكون قد بيَّنا أيضًا أن الأمم المغلوبة تنشد الاستقلال حين تنشد الجمال، ولا تختلس من رسالة الحرية وقتًا تنفقه في رسالة الآداب والفنون.

أصل الجمال في نظر العلم


أَلْمَمْنا في المقال السابق برأي أحد الفلاسفة في أصل الجمال، ونريد الآن أن نُلِمُّ برأي بعض العلماء في هذا الموضوع أو بالرأي الذي يراه العلم أقرب من غيره إلى تعليل أصل الجمال وسر الشعور به، وخلاصته أن الجمال وليد الغريزة الجنسية وعنوان أهواء التناسل، أو الرغبة في حفظ النوع، كما يسمونها في اصطلاح النشوئيين.
يقول ماكس نوردو: «كلُّ أثرٍ ينبه في الدماغ — بأي شكلٍ من الأشكال — مركز التناسل، سواء أكان هذا التنبيه مباشرًا أو آتيًا من تداعي الفكر وتساوق الخواطر فهو الأثر الجميل، وصورة الجمال الأول في نظر الرجل هي المرأة في سن النضج الجنسي والاستعداد لتجديد النسل؛ أي المرأة في عنفوان الشباب والصحة؛ ففي محضر هذه المرأة يختلج مركز الغريزة النوعية من نفس الرجل بأقوى الإحساسات وأشد الخواطر وتُثير رؤية «الظاهرة» وتصورها عنده أقوى بواعث السرور التي يمكن أن تستفاد من مجرد النظر أو التصور، وقد تعوَّد الطبع أن يقرن بين صورة المرأة وفكرة الجمال؛ فيُغريه السرور الذي يستمده من ذلك بأن يصوِّر كل ما يروقه أو يرى فيه معنًى من معاني الجمال في صورة امرأة، فالأمة والشهرة والصداقة والمحبة والحكمة وغيرها وغيرها إنما تُمثَّل للحواس في هيئةٍ مؤنثةٍ، ولكن لا أثر لكل ذلك فيما تدركه المرأة وتتصوره؛ لأن رؤية شخصٍ من جنسها لا تحرك بأي شكلٍ من الأشكال مركز النسل من غريزتها، ولا تجد المَثَلَ الأعلى من الجمال إلا في الرجل.
أما ما يُشاهَد من أن المرأة تكاد تقيس الجمال كله بمقياس الرجل؛ فسببه أن الرجل لتفوقه عليها في القوة يستطيع أن يوحي إليها برأيه، وأن يسيطر على أفكارها التي تخالف فكره، ومع هذا نرى في الواقع فكرة الجمال عند الجنسين تتقارب ولا تتماثل كل التماثل، ولو أُتيحَت للمرأة القدرة على الاستقلال بالنظر وتحليل ما تشعر به ووصف ما يدور بوجدانها لأثبتت منذ زمنٍ بعيدٍ أن مذهبها في الجمال يختلف من وجوهٍ أساسيةٍ شتَّى عن مذهب الرجل فيه.»
وهذا الرأي الذي أَجْمَلَهُ ماكس نوردو هو رأي الكافة من العلماء الأطباء الباحثين في المسائل الجنسية، وهو المُعوَّل عليه عند جمهورهم في تفسير ذوق الجمال والشغف بالفنون، فلا تفسير عندهم للفن والجمال إلا أنه ميل مثقف من ميول الغريزة الجنسية ولا مكان للجمال في العالم — على هذا القول — إن لم ننظر إلى الحياة بعين الرجل الذي يشتهي الأنثى أو بعين الأنثى التي تشتهي الرجل، ولا سبيل — على هذا — إلى التحقق من أن الجمال شيء مستقل عن العاطفة الجنسية إلا على شرطٍ واحدٍ هو أن يكره الرجال النساء وأن يكره النساء الرجال … وأن تمتنع بينهم الصلة التي تُنشِيء النسل وتبعث الحب، ثم ننظر بعد ذلك إلى الدنيا فإن رأينا فيها صورةً جميلةً فهنالك «فقط» يحقُّ لنا أن نقول إن الجمال شيء والعاطفة الجنسية شيء آخر، وأن ليس حب الرجل المرأة أو حب المرأة الرجل هو أصل الجمال في كل ما اشتملت عليه الحياة! وأنت تعلم أن هذا الشرط غير ميسور ولا معقول، فلم يبقَ لك إلا أن تُسلِّم بأن الحياة نفسها لا جمال فيها وإنما يأتيها الجمال من الواسطة التي تؤدي إليها … أي من العلاقة بين الذكر والأنثى، ولم يبقَ لك إلا أن تُسلِّم بأننا لم نُعْطَ الحياة لنشعر فيها بالجمال بل أُعطِينا الجمال لكي نلد الأحياء البعيدين عنَّا ليس إلا! ولم يبقَ لك إلا أن تُسلِّم بأن النظر بطبيعته لا بد أن يرى الأشياء كلها دميمة شائهة … إلا إذا كان نظر «ذكر» أو نظر «أنثى» فعندئذٍ يجوز له أن يرى الدميم جميلًا والشائه قويمًا، ويسوَّغ له التمييز بين الصور والألوان والمعاني والخواطر التي تفرق بينها الفوارق وتختلف فيها الأوضاع والأوصاف …! فهل علمتَ الآن إلى أين يذهب منطق العلماء الذين يحصرون المعرفة والإدراك في المعامل والأرقام ولا يسمحون للفكر ولا للإحساس أن يخطو خطوة وراء التشريح والتحليل؟ وهل علمتَ الآن قيمة الحياة عند هؤلاء العلماء الذين لا يجعلون للحياة نفسها قيمة، وإنما يجعلون القيمة كل القيمة لأن تتولد الحياة من اختلاف جنسين وأن تنشأ من اجتماع حيين منفصلين؟
إن الغريزة الجنسية — لا ريب — من أقوى غرائز النفس وأعمقها وأكثرها تفرعًا وتوزعًا في جوانب الإحساس ودخائل التفكير، وإنها ولا جدال على اتصالٍ وثيقٍ بشعور الجمال ومطالب الفنون لا تراها منعزلة عنها فيما ينظمه الشعراء ويمثله المصورون ويغنيه المنشدون، ولكن ليس معنى ذلك أنها هي أصل كل شعورٍ بالجمال، وأن الحياة نفسها لا جمال لها إلا من حيث إنها علاقة بين ذكرٍ وأنثى ووسيلة لإعطاء الحياة لمخلوقٍ جديدٍ، فإن الحياة غاية الغريزة الجنسية وليست هي الجسر الذي نعبره إلى الحب والجمال، فإن كانت الحياة في ذاتها خلوًّا من معنى جميل أو مقضيًّا عليها بالحرمان من رؤية الكون في هيئة تسرُّها وتُرضِيها وتوسع لها من أكناف الأمل وتضاعف لها من بهجة الوجود، فأي شيءٍ يزيد عليها من انقسام الأحياء إلى قسمين؟ ثم ما فضل البقاء المشوَّه الذي تتوسل إليه باختلاف ذينك القسمين أو ذينك الجنسين؟
أما أننا نصوِّر الأمة والشهرة والصداقة والمحبة والحكمة وغيرها في صورةٍ مؤنثةٍ فإنما يدل على أن للجمال في أذهاننا معاني كثيرة غير معنى الأنوثة، وأننا نصوِّر تلك المعاني في صورة المرأة لأنها «الشخص المحسوس المحبوب» الذي تَقدرُ الفنون على إبرازه للعيان، ولولا ذلك لما جاز التشابه بين مثال المعاني في الذهن ومثال المرأة في النظر ما دامت المرأة قد استأثرت بكل صفات الجمال في هذه الحياة.
ويقابل هذا أننا نصوِّر الخواطر القوية في هيئة الرجولة ولا نستخلص من تصويرها كذلك أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي أصل كل ما في الحياة من بأسٍ وقوةٍ، وسبب كل ما يتصوره العقل من قدرةٍ ونفاذٍ، على أن تماثيل الرجال في الفن اليوناني والروماني لا تقل عن تماثيل النساء، والإعجاب الفني بجمال جسم الرجل لا ينقص عن الإعجاب الفني بجمال جسم المرأة، فلماذا يعجب الفنانون بأمثلة الجمال في أجسام الرجال إن كان في غريزتهم أن لا يحبوا الجمال ولا يتخيلوه إلا في أجسام النساء؟! أنقول هنا أيضًا إن المرأة لتفوقها على الرجل في القوة استطاعت أن توحي إليه برأيها وأن تسيطر على أفكاره التي تخالف فكرها؟ أم نقول إن المصورين والممثلين إنما عنوا قديمًا بجمال الرجولة لتعجب به الناظرات من النساء دون الناظرين من الرجال؟ ثم علامَ يدل تصويرنا بعض المعاني المحببة إلى النفس في صور الأطيار والغزلان وما نحا هذا النحو من فصائل الأحياء؟ وعلامَ يدل تمثيلنا المجاعة والقسوة والضغينة والنميمة في هيئة الأنوثة، وليست هي مما يرتبط بالغريزة الجنسية ولا هي مما يخطر على الذهن من قِبَلِ العلاقة بين الرجال والنساء؟ وهل كان من اللازم أن نتخيل جميع المعاني المحبوبة والمكروهة في صور الرجال ليُقَال إن هذا التصور لا يتوقف على غريزة النسل وغرام الذكور بالإناث؟
•••

وفي مشاهدات الحياة كثيرٌ مما يدحض ذلك الرأي ويلفت القائلين به إلى مواطن الزلل فيه، فالغريزة الجنسية مُودَعَة في جميع الأحياء والنبات، ولكن جمال الأشكال والألوان لا يُقسم لها جميعًا ولا يكون حظها من الجمال على قدر حظها من الغريزة الجنسية، والزهرة التي تجتذب الذبابة إليها بألوانها ونقوشها؛ لتنقل منها اللقاح إلى إناثها هي أجمل في شكلها ولونها من تلك الذبابة التي لا تحتاج إلى الألوان والنقوش لتنجذب إلى إناثها، ولو كانت الغريزة الجنسية هي سر التفاتها إلى الألوان والنقوش لوجب أن تطلبها في إناثها قبل أن تطلبها في الأزهار والأنوار.
وقد عرفنا بالخبرة أن أَحَبَّ الناس للجمال هم أرفعهم نفوسًا وأسلمهم أذواقًا وأحسنهم تهذيبًا وأشوقهم إلى المُتَع المعنوية والخِصَال الكريمة، وعرفنا بالخبرة كذلك أن الغريزة الجنسية قد تتم وتقوى في أناسٍ لا حظَّ لهم من رفعة النفس وسلامة الذوق وحُسن التهذيب ومتعة الرُّوح وكرم الخِصَال، ولا يَزيدُ الإنسانُ في حب الجمال والفطنة إليه بنسبة الزيادة في الغريزة الجنسية، ولا يكون نصيبه من النسل بقدر نصيبه من لذة المحاسن الطبيعية والفنية أو قدرته على فهمها وابتكارها، فغريزة التناسل قد توجد بمعزلٍ عن حب الجمال، وحب الجمال قد يوجد بمعزلٍ عن غريزة التناسل، ولا معنى لأن يُقَال إننا نستجمل المرأة لأن غريزة التناسل تسوقنا إليها وتضطرنا إلى حبها؛ إذ لو كان الأمر كذلك لأغنتنا تلك الغريزة عن الجمال، ولأصبحت كلمة «المرأة» مرادفة لكلمة المرأة الجميلة، وأصبح وصف الجمال فضولًا لا يضيف إلى الأنوثة شيئًا من عنده، وإنما الأَوْلَى أن يُقَال إن غريزة التناسل تعجز بمفردها عن سوق الأحياء إليها؛ فتتخذ من الجمال شَرَكًا توقعهم به في أسْرها وتستميلهم به إلى حظيرتها، وكلما عجزت الغريزة عن تنبيه النفس وحضَّها على مؤاتاتها زادت حاجتها إلى معونة الجمال وعَظُم اعتمادها على هذا المدد الغريب عنها، فكأنه الحلوى التي يُكسَى بها الدواء؛ لتشتهيه النفس إذا عجزت المنفعة البحتة عن الترغيب فيه.
•••

ومما لا مراء فيه أن الحب يُرينا من فتنة الحياة ما لا نراه بغيره، وأن جمال المرأة أغلى محاسن هذه الدنيا المشهودة، بَيْدَ أن الحب لا يخلق فتنة الحياة، وليس جمال المرأة هو كل ما في الدنيا من المحاسن، ولكنهما يصبغان الدنيا بهذه الصبغة؛ لأنهما يوقظان القلب ويذكيان الشعور ويبعثان كوامن الوجدان؛ فيتفتح لِمَا حوله ويرى ما لم يكن يراه ويستوعب ما كان يلمحه بطرف العين، ويستحسن ما كان في غفلةٍ عن حُسنه قبل أن تتراءى الدنيا لخواطره في ثوبها الجديد، وكذلك تفعل الخمر حين تركض بالشعور، وتُلهِب الدم فإنما تُري النشوان من المحاسن ما لم يكن يراه في صحوه، وتضاعف إحساسه وعطفه فيشعر بسرور هذا العطف في داخل نفسه، ويشعر في الدنيا ببهجةٍ تخفى على مَن حوله؛ ولذلك قيل إن الحب سُكْر أو إنه ضربٌ من الجنون.
وقد أشرنا إلى أن الغريزة الجنسية وسيلة لا غاية وجزء من الحياة وليست كل ما في الحياة، أما الغاية الحقيقية فهي التمام والبقاء وليست البقاء فحسب؛ لأن الأنواع تتقدم وتجمل ولا تبقى على حالةٍ واحدةٍ، ومتى كان التقدم والتحسن غاية من وراء الغريزة الجنسية فلماذا نحصر الجمال كله في نظرة الجنس إلى الجنس ولماذا نقول إن الجمال تابع لغريزة النوع، ولا نقول إن غريزة النوع تابعة للرغبة في الجمال؟ كيف نعلل أن هناك نوعًا أجمل من نوعٍ آخر إن لم يكن هناك مقياس عام للجمال غير المقياس الذي ينظر به كل نوعٍ إلى نفسه؟ وكيف نعلل الاختلاف بين الأمم العالية والأمم الوضيعة في تذوق محاسن الطبيعة ولذَّات الفنون إن كانت حاسة الجمال مقصورة على غريزة النسل التي قَلَّ أن يمتاز فيها إنسانٌ على إنسانٍ، بل قَلَّ أن يمتاز فيها الإنسان على الحيوان؟ فإن الأمم العالية تدرك من آيات هذا الوجود ما لا تدركه الأمم الوضيعة، ولكنها لا تفضلها في قوة الغريزة الجنسية إن لم نقل إنها دونها في قوة هذه الغريزة، ولا يسعنا — وإن غلونا في جمود العلم — أن نقول إن النظرة النوعية وحدها هي التي تجعل الأوروبي يرى امرأته أجمل منظرًا وأحلى شمائل من الزنجية المتبدية في خرائب خط الاستواء.
ولسنا نخطيء حقائق العلم المقررة إذا قلنا إن «الجمال» هو غاية الحياة وإن الغريزة النوعية هي إحدى وسائله، أو هي أقوى وسائله إلى تلك الغاية، إن هذا لأصدق من القول بأن الفنون الجميلة نزعة جنسية مُحوَّلة عن غايتها كما يزعم الباحثون في المسائل الجنسية من جماعة الأطباء و«النفسيين».
وإن الغريزة النوعية لا تُفهَم إلا على أنها مظهر جسدي للرغبة في التمام والبقاء، وهي هي الرغبة التي يسعى إليها الفن من طريقه فيسبق إليها الغريزة بمراحل لا تعبرها إلا في الزمن الطويل، فالحب والفن يسعيان معًا إلى وجهةٍ واحدة ويتعاونان معًا في المسير في سَننٍ واحد؛ لهذا يشتاق الحب إلى الفن ويشتاق الفن إلى الحب، ولهذا يجوز الشغف بالفن أحيانًا على غريزة النسل فلا يهنأ الفنانون بالنسل الموفق السعيد، ولا ينمو حب الجمال في الفنانين على حساب الغريزة النوعية إلا لأنهما شريكان متكافلان يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر، فلا بأس على هذا المعنى أن نقول إن الغريزة الجنسية هي نزعة فنية ظاهرة في ثوبها الجسدي، وليست النزعة الفنية هي الغريزة الجنسية الحائدة عن الطريق.

في الأساليب


كنتُ أتصفح الرسائل الأدبية التي كان ينشرها «أناتول فرانس» في صحيفة «الطان» فانتهيتُ إلى المناقشة التي دارت بينه وبين شارل موريس على الأدب الحديث وأساليب المستقبل، وفيها يقول بعد كلماتٍ أقتبسها من رسالة ذلك الأديب: «كلما أنعمتُ النظر بدا لي أنه لا جميل إلا السهل؛ فقد فرغتُ من ذوق الغوامض وصِرتُ أرى أن الشاعر أو القاص الذي لا يُعاب هو الذي يتجنب أن يكلِّف قارئه أي تعب ولو كان هيِّنًا، وأن يجشمه أية صعوبة ولو كانت طفيفة، وخيرٌ له أن يفاجيء التفات القارئ، ولا ينتزعه منه انتزاعًا، وأن يحذر التعويل على صبر القراء المطلعين، وأن يعتقد أنه لا يُقرَأ إلا إذا قُريء سهلًا. فللعلم حق الانتباه والتأمل علينا وليس للفنون ذلك الحق؛ لأنها بطبيعتها تسر ولا تفيد، ووظيفتها أن تعجب ولا وظيفة لها غير ذلك، فيجب أن تكون جذابة بغير شرط …» ثم قال: «وهناك فرق بين قصيدة تُغنَّى ومقالة تُكتَب في الهندسة الوصفية، ومن الواجب ألا تكلفنا مسرَّات الفنون أقل مشقة.»
وفي وسعك أن تقول أن أناتول فرانس لم يُبدِ هنا مذهبه في أسلوب الفن وحده، وإنما أبدى مذاهبه في كل شيءٍ من معضلات هذه الحياة التي ينبغي — على رأيه — ألا تكون لها معضلات على الإطلاق؛ فلا يعنينا أن نحس من هذه الحياة خيرًا وراء الظواهر التي تتراءى لنا بنفسها، ولا تفرض علينا أكثر من النظر إليها، وإذا قيل لنا إن في الكون أسرارًا لا يسهل التأدِّي إليها، وإن للنفس أغوارًا لا تطفو على وجه الحروف الأبجدية ولا تطير على ألسنة الشعراء والقٌصَّاص، وإن للجمال معاني محجبة لا تبرز للناس في ثياب الحمام في كل حين، فذلك لا يضيرنا ولا يزحزحنا عن رأينا، ولا يمنعنا أن نتمطى على الكرسي الوثير ونُطبِق أجفاننا الكَسْلَى، وننفث قليلًا من الدخان في الهواء نتبعه بآهةٍ لطيفةٍ تنمُّ عن الذوق المُترَف والطبع الأنيق، ثم نقول: «لا، لا، أي حقٍّ للطبيعة أو للحياة في أن تتعبنا وتُثقِل علينا؟ إنما حقها الوحيد أن تدعنا نتململ قليلًا إذا نحن شئنا أن نتخذ من ذلك دليلًا سهلًا على الرشاقة المدللة والتخنث المحبوب، أما إذا هي أبت أن تعرض علينا محاسنها كلها، ونحن خادرون في بهو السمر فلتذهب بها حيث تشاء ولتحجبها عن الأنظار أو تعرضها على الأشقياء الذين يطيقون فتح الأجفان والسعي على الأقدام …! فإننا لا نرى فرقًا بين الطبيعة والقهرمانة التي ننقدها أجرها على أن تجلو أمامنا كل ما عندها من التحف والمطربات، ونحن في مقاعدنا سادرون بين الأقداح والدخان وألحان التهويم والفتور، وليس من شأن الظرفاء الناعمين أن يشغلوا أنفسهم بمصاعب الحياة أو يسمحوا لخواطرهم الوادعة أن تسألها عن خباياها وأسرارها، وتشاطرها همومها وأشجانها وأن يتألموا وينقبضوا إذا قيل لهم إن الدنيا عبثٌ عابثٌ، وأن يجتهدوا وينقبوا إذا قيل لهم إنها جد خطير مستور المقاصد والغايات. كلا، كلا، فما نحن وما ذاك؟ وما للحياة وللناس تشغلهم بما يشغلها وتمتحن ضمائرهم بما يمتحن ضميرها؟ إنما على الناس واجبٌ واحدٌ هو أن يُسرُّوا وهم نائمون غافلون، وعلى الحياة واجبٌ واحدٌ هو أن تسرهم ولا تتقاضاهم ثمنًا من الفكر أو من الإحساس لذلك السرور، فإن تجاوزت هذا الحد وأبت أن تنقل محاسنها لكل مَن يصفق لها بيديه وهو مستلقٍ على سريره فجزاؤها الإعراض والإهمال، وعليها أن تبحث عن الجن والملائكة لتُريهم ما عندها، أو تُنشيء لها خلقًا جديدًا غير الآدميين تتسلى بهم إلى أن يقبل هؤلاء أن يتنزلوا بعض التنزُّل فيعاملوها بغير ما يعاملون به الخادم التي تحمل لهم المائدة، وتنتظر الأمر على أضعف همسة وأقرب إشارة.»
•••

إننا لا نشوِّه فلسفة أناتول فرانس إذ نصوِّرها في هذه الصورة الهزلية، وإنما نحكي ملامحها على الهيئة التي تستحق بها نصيبها من السخرية والضحك، والحقيقة أن من أسخف السخف أن يُقَال إن مسرَّات الشِّعر والكتابة والفنون عامةً لا تحتاج إلى التأمل والانتباه، وإنها مطالبة بأن تعرض نفسها على الناظرين ليلتفتوا إليها حين يشاءون بلا جهدٍ ولا استعداد.
نعم، إن الجمال سهلٌ معجبٌ، ولكن سهل على مَن؟ وبعد ماذا؟ على الذين يقدِّرونه ويحبونه، وبعد الخبرة والممارسة والتذوق والتهذيب، فليس معنى السهولة في جمال الفنون أنه رخيصٌ مُبَاحٌ لكلِّ مَن يرمقه بجانب عينه، ولا أنه غنيٌّ عن التأمل والتفكير، ولكن معناه أنه سهلٌ سائغٌ لمَن يستعد له استعداده ويبذل فيه ثمنه، وكذلك الثمرة الشهية سهلةٌ سائغةٌ لمَن يشتريها ويغرسها، ولكن ليس معنى ذلك أنها تمطر من السماء أو تطرح على التراب أو تنمو كما ينمو نبات السحر الذي لا يُسقَى ولا يتعهد ولا يُقام عليه بالعلم والاختبار، وإن سهولة الفنون لغالية «صعبة» على مَن يريد الوصول إليها مبتكرًا أو مجتنيًا، بل هي قد تغلو وتصعب حتى تستدعي من التأمل والانتباه ما لا تستدعيه الهندسة الوصفية، وما هو أعضل منها في المعلومات والمعقولات.
ولو كان الغرض من اشتراط السهولة في الجمال أن يكون سهلًا على كل مَن يطلبه بلا تفاوتٍ في الدرجات والمواهب لما كان في الشعر كله قصيدة واحدة جميلة أو حقيقة بأن تُوصَف بالجمال؛ فإن شِعْر شكسبير سهل على بعض القراء ولكنه من الألغاز والمعميات على أناسٍ آخرين، وإن هؤلاء الآخرين قد يطيب لهم شِعر بيرون ولكنه إذا قُرِئ على مَن دونهم في الفطنة والشعور عابوه واستثقلوه أو كابدوا في فهمه الصعوبة التي تنفي صفة الجمال في رأي أناتول فرانس ومَن جرى مجراه، ونسوق الشواهد من شعراء العرب فنقول إن المتنبي مثلًا صعب على مَن يستسهل البحتري، والبحتري صعب على مَن يستسهل الشعراء العذريين، وشِعر الشعراء العذريين صعب على مَن يستسهل ابن معتوق والبهاء زهير، وهكذا إلى أن نهبط إلى طبقةٍ تستصعب شِعر هؤلاء جميعًا، ولا تجد السهولة «الجميلة» إلا في الأزجال الغثة والأناشيد الوضيعة وما في منزلتها من الشعر المبتذل الركيك، فإذا جعلنا السهولة ميزانًا لنا في الفنون، واتخذنا الشيوع عنوانًا على السهولة فقد نتمادى في ذلك حتى يصبح لثغ الأطفال في عُرفنا نماذج البلاغة العليا، ثم تنحدر البلاغة «سفلًا» حتى تنتهي إلى فحول الشعراء وأئمة الكُتَّاب والفصحاء.
•••

فلا بد لنا إذن من التسليم بأن كثيرًا من الشعر والكتابة قد يُوصَف بالجمال، وهو مع ذلك صعب مغلق على طبقاتٍ كثيرةٍ من الناس، وإن أسهل الشعر ربما كان أشيعه وأسيره، ولكن لا يلزم من ذلك أنه هو أبلغه وأقربه إلى الجمال والإتقان، وأن ليست المعاني العامة هي أصدق المعاني وأولاها بأن تنظم في القصيد وتُوصَف في البيان وإلا لحكمنا على كل شعورٍ رفيعٍ يختص به العلية المثقفون بأنه شعورٌ كاذبٌ ومعنى غير صحيح، وأن الشعر الذي يسهل فهمه على سواد الناس ربما كان أسعد حظًّا من الشعر الذي يفهمه النخبة القليلون، ولكنه لا يكون من أجل ذلك أجود عنصرًا ولا أحق بالإصغاء والإنشاد.
وإنما تُمدَح السهولة في الأدب ثم تدل على النبوغ والمقدرة إذا أدى بها الأديب المعاني التي يؤديها غيرُه بمشقةٍ واعتسافٍ، أما إذا ضرب صفحًا عن تلك المعاني، فلم يشعر بها ولم يعالج نظمها وتصويرها وتعدادها إلى غيرها مما لا يصعب نظمه وتصويره فأي فضل له في سهولته وأي مقدرة له في اجتناب المأزق الذي تُختبر به المقدرة وتُستبرأ به الدعوى؟! ذلك كالرجل الهزيل الذي يبصر الجبار الضليع يرفع الصخرة من الأرض، ويسير بها الهوينا وهو يتصبب عرقًا ويتماسك جهدًا، فيقول: لا، حاشاي أن أتصبب مثله عرقًا أو أتماسك جهدًا، إنني لأربأ بنفسي عن ذاك، إنني لأرفع هذه الحصاة من الأرض، وأعدو بها أمامه وهو محني الظهر متئد في مشيته وأنا منتصب القامة خفيف القدمين!
بيد أن السهولة لا تجد لها نصيرًا أسوأ من أولئك الذين يجعلونها وحدها أساس البلاغة ومحورها، ويقولون إنها هي دون المعنى كل ما يطلب من الشعر الرائق والنثر المستعذب، ويوردون على ذلك أبياتًا اتفقت الأذواق على استحسناها والإعجاب بها، ولكنها في زعمهم خَلَتْ من المعاني ولا فضل فيها لغير «الصياغة اللفظية» وطلاوة العبارة، وأشهر ما يوردون من ذلك قول كثير:
ولما قضينا من منى كل حاجةٍومسح بالأركان مَن هو ماسحوشُدت على حدب المطايا رحالناولم ينظر الغادي الذي هو رائحأخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطيِّ الأباطحنقعنا قلوبًا بالأحاديث واشتفتبذاك قلوب منضجات قرائحولم نخشَ ريب الدهر في كل حالةولا راعنا منه سنيح وبارح أو قول العتابي في وداع جارية:
ما غناء الحذار والأشفاقوشآبيب دمعك المهراقليس يقوى الفؤاد منك على الوجــد ولا مقلتا طليح المآقيغدرات الأيام منتزعاتما جنينا من طول ذاك العناقإن قضى الله أن يكون تلاقٍبعد ما تنظرين كان تلاقهوني ما عليكِ واقني حياءلستِ تبقين لي ولست بباقأينا قدمت صروف المنايافالذي أخرت سريع اللحاقغُرَّ مَن ظن أن تفوت المناياوعُراها قلائد الأعناقكم صفيين متعا باتفاقثم ريعا بغربةٍ وافتراققلت للفرقدين والليل ملقسود أكنافه على الآفاقابقيا ما بقيتما سوف يُرمىبين شخصيكما بسهم الفراق والقطعتان ولا ريب من أعذب الشعر وأسلسه وهما كذلك خلو مما تعوَّد النقاد أن يسموه ? «المعاني» في الشعر، ولكنا لا نقول مع القائلين إنها طلاوة لفظية ليس إلا … ولسنا نحسب الفضل في استحسانهما للحروف والكلمات كما يحسبون، فإن في الشعر شيئًا غير الألفاظ و«المعاني» الذهنية، وهو «الصور» الخيالية وما تنطوي عليه من دواعي الشعور، وأبيات هاتين القطعتين حافلة بتلك الصور التي تتوارد على الخيال كما تتوارد المناظر للعين في الصور المتحركة، فيكاد القارئ ينسى كلماتها وحروفها وهو ينشدها لما يستشفه فيها من الأخيلة المتلاحقة وما يصحبها من الخواطر الحية المتساوقة، ولو أن الأبيات الأولى نُقِلَت إلى اللوحة لملأت فراغًا من الشريط المُصوَّر لا يملأه أضعافها من قصائد «المعاني» وقصص الوقائع؛ لأنها تنقل لك صور الحجيج غادين رائحين يجمعون متاعهم ويشدون رواحلهم، ويحثهم الشوق إلى أوطانهم بعد أن قضوا فريضتهم التي فارقوا من أجلها ديارهم وأصحابهم، ثم تنقل لك صور البطحاء تعلوا فيها أعناق الإبل، وتسفل وتنساب أحيانًا كما تنساب الأمواج كَرَّةً بعد كَرَّةٍ وفوجًا بعد فوجٍ، ثم تنقل إليك في المنظر نفسه صور الركبان أقبل بعضهم على بعضٍ جماعات جماعات يتجاذبون أطرافًا من الحديث، ويتطارحون آلافًا من الروايات والأنباء ويذهبون في ذلك كل مذهبٍ تلم به الأذهان في حشدٍ كثيرٍ مختلف الأوطان والأعمار متباين التجارب والأطوار، ثم تنقل إليك صورة القائل وما في نفسه من الشجن واللوعة وما يحركه من ذاك إلى التسلي بالحديث واللياذ بغمار الناس، ولا تفوتك من تلك الصورة قصة كاملة تنبئك عنها «القلوب المنضجات القرائح.» وتدل عليها رائحة السآمة التي تنسم عليك من قوله: «ومسح بالأركان مَن هو ماسح.» كأنما تمسيح الأركان لم يكن همه الذي يعنيه من تلك الرحلة، وكأنه كان يتوسل به إلى مأربٍ يشغله عن الأركان ومَن يمسحها من الماسحين، وإلى جانب هذه المناظر والخواطر حواشٍ شتَّى يضيفها الخيال وتُمليها البديهة، فإذا أنت من الأبيات الخمسة في وادٍ يموج بالمشاهد ويتتابع بدواعي الشعور، وفي ذلك على ما نرى شيء غير اللفظ السهل الذي يحسب قوم من النقاد أنه كل ما في هذه الأبيات من فضيلة الجودة ومزية الإعجاب.
أما أبيات العتابي فتروي لك قصة وافية من موقف وداع بين فتاةٍ غريرةٍ لا عهد لها بشدائد الأيام، ولا صبر لها على مصانعة الحوادث، ورجل مستسلم للخطوب عنده من لوعة الفراق مثل ما عندها ولكنه يُسرِّي عنها، ويخفِض من جأشها ويريد أن يحمل على كاهله وحده مصيبتها بفراقه ومصيبته بفراقها، فيعوذ بالصبر حينًا وبالحكمة أحيانًا ويستجمع لهذا الموقف كل ما أفادته التجارب من العِبَر وما علَّمته الصروف من التجمل، ثم يغلبه لاعج الهم، ويضيق به التأسِّي فلا يكفيه منه أن الناس يفترقون في الحياة ويلتقون، ولا يرضيه أن العشاق يتمتعون بالصفاء ويحرمون، بل يذهب إلى التأسِّي بفراق المنايا، بل إلى ذلك القضاء الأبدي الذي يضرب بين الفرقدين بسهمه وإن أملى لهما في البقاء ومد لهما في آماد اللقاء، وحول ذلك الموقف تاريخ نفسين يجول الخيال من ماضيهما القرير، وحاضرهما الأليم، ومستقبلهما المريب في مسرحٍ يتعاقب عليه الحب والصفو والأمل والشجو واليأس والعذاب، وكل ما يحيك بالنفس ويدور بالخَلَدِ من ضروب الإحساس والتفكير في هذا المجال، وليس ذلك كله بالبداهة لفظًا بحتًا وكلامًا سهلًا خلا من كل معاني الجمال إلا حلاوة السهولة التي فُتِن بها أناتول فرانس وأمثاله من فلاسفة الأندية الناعسة والكراسي الوثيرة والجمال الذي يشتري هو الناظرين ولا يشتريه الناظرون …!
وفحوى ما تقدم أن الصور الخيالية والمعاني الذهنية هي الأصل في جمال الأساليب في الأدب والفنون، وأن الفنان لا يُطالَب بأن يكون سهلًا لكل إنسانٍ ولا يُقيَّد بالمعاني والخوالج التي يتساوى في التفطن لها والتأثر بها جميع الناس.

الأسلوب الإفرنجي


الأسلوب الإفرنجي هو كل أسلوبٍ معيبٍ في رأي فئة من النقاد يحسبون في هذا العصر أنهم حذقوا مَلَكَة اللغة ووَرِثوا سليقة البلاغة العربية، وكل أسلوبٍ ركيك مُستَضعفٍ فهو عند هؤلاء النقاد من الأساليب الإفرنجية التي طرأت على اللغة بعد اختلاط الشرق بالغرب ومعالجة الترجمة من لغات الإفرنج إلى لغة العرب، كأن الركاكة شرطٌ أصيلٌ يشترطه الإفرنج في كلامهم ولا يقرُّون البلاغة عندهم إلا إذا شيبت بشيءٍ منه! وليس الأمر كذلك ولا هو مما يخطر على بال ناقد رشيد؛ فإن الإفرنج يعيبون الركاكة كما نعيبها، وينتقدون ضعف التأليف كما ننتقده، ويعنون أشد العناية باجتناب الخطأ في النحو والصرف والقواعد الأساسية المُتَّفَق عليها، ولكن نقادنا الذين يجهلون اللغات الإفرنجية يفوتهم ذلك ويختصرون المسافة إذا استعرضوا الأساليب، فما استحسنوا منها فهو للعرب خاصةً وما استهجنوا فهو للإفرنج عامةً! ويحسبون أن الصحيح القويم من العبارات لا يمكن أن يكون إلا عربيًّا، وأن السقيم المعوج منها لا يمكن أن يكون إلا أعجميًّا، بطبيعة في اللغات لا تتحول عنها، ولا يد فيها للمتكلمين بمفرادتها وتراكيبها، وهذا هو الخطأ الذي نود أن نكتب عنه؛ لنرد العيوب إلى أصولها ونوجِّه بنقد الأساليب إلى وِجهةٍ أقرب إلى الهداية وأقمن بالتوفق للأسباب الصحيحة.
•••

كان قُرَّاء اللغة العربية وبعض اللغات الإفرنجية يحسبون أن كثرة الفصل بين الجمل خاصة من خواصِّ الأسلوب الإفرنجي تطرقت إلى لغتنا من الترجمة أو من محاكاة كُتَّاب الغربيين في رصف الجمل وتقسيم العبارات، ولستُ أشك في أن الإفرنج أقل منَّا استعمالًا لحروف العطف والصلات اللفظية الظاهرة وأن بعض المقتدين بهم نقلوا عنهم هذه العادة إلى الكتابة العربية فأحسنَ منهم مَن أحسنَ وأساءَ منهم مَن أساءَ، ولكني أعتقد أن الفصل بين الجمل خاصَّةٌ من خواصِّ التفكير قبل أن تكون خاصة من خواص حروف العطف وصلات الألفاظ، وأرى أن كُتَّاب الإفرنج أكثر منَّا عناية بوصل المعاني وترتيب الموضوعات، وإن ظهر على ترجمة أساليبهم أنها أقرب إلى التفكك والانقطاع بين الجمل والفقرات، وأرى من ناحيةٍ أخرى أن البلاغة العربية لم تخلُ من الفصل الكثير في أساليب أفصح الفُصَحاء وأقدر الكُتَّاب والمُنشئين، بل هذا القرآن الكريم تتوالى فيه الآيات أحيانًا بلا صلةٍ لفظيةٍ بينها غير الصلة التي تُفهَم من سياق الكلام وتؤديها علامات الترقيم أحسن أداء، وسأفتح المصحف الساعة على أول الآيات التي تصادفني وهي هذه الآيات من سورة آل عمران: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا ? بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ? لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وهي آيات تقع منها علامات الترقيم موقع حروف العطف في أكثر مواضع الفصل والوصل، ولا يُؤخَذ عليها ذلك عند قارئٍ من قُرَّاء العربية الأقدمين أو المحدثين، وقد حفظها الناس ومثَّلوا بها للبلاغة العالية قبل أن تُنقل أساليب الإفرنج إلى اللغة العربية بعدة قرون.
•••

وتارة يصفون بالتفرنج كلَّ أسلوبٍ لم يَحْذُ فيه صاحبه حَذْوَ العرب الجاهليين والمخضرمين الذي سبقوا الكتابة والكُتَّاب، وغبروا في عهد البداوة على فطرتهم الأولى البعيدة عن العجمة والحضارة.
وقد نفهم غرضهم من ذاك إذا قصدوا الرجوع إلى أسلوب النظم في الجاهلية؛ لأننا نحفظ من شعر ذلك العصر قصائدَ وأبياتًا يجتمع لنا منها نمط في الشعر يصح أن يُسمَّى أسلوبًا يُقتدَى به ويُطبَع على غراره.
أما إذا قصدوا الرجوع إلى أسلوب النثر في الجاهلية فأين هو ذلك الأسلوب، وأين هي الكتب والرسائل التي وُضِعَت فيه؟ إننا لا نروي من كلام الجاهليين المنثور إلا فقراتٍ مبتورة وأمثالًا موجزةً وخُطبًا مشكوكًا فيها هي في ذاتها فقرات وأمثال لا صلة بينها ولا وِحدة بين أجزائها، ويمكن أن نستخرج من هذه البقايا المشتتة رأيًا في ذوق البلاغة الموجزة عند العرب، ولكننا لا نستطيع أن نستخرج منها مذهبًا في الأساليب المُسهبة والمباحث المستفيضة التي تجري فيها المعاني والمعلومات شوطًا أبعد من غاية المَثَلِ السائرِ والكَلِمَةِ العائِرَة.
وليس الذي نرويه من قصائد الجاهليين بالنموذج الذي يُقتَدى به في النظم؛ لأنها في الغالب أبيات مبعثرة تجمعها قافيةٌ واحدةٌ يَخرُج فيها الشاعر من المعنى ثم يعود إليه ثم يخرج منه على غير وتيرةٍ معروفة ولا ترتيب مقبول، وفي تلك القصائد — غير التفكك وضعف الصياغة — كثير من العيوب العَروضية والتكرير الساذج والاقتسار المكروه والتجوُّز المعيب الذي يُؤخَذ من روايتهم له أن الشعر لم يكن عندهم فنًّا استقل به صُنَّاعُه الخبيرون به، وإنما كان ضربًا من الكلام يقوله كل قائلٍ ويُروَى المحكم منه وغير المحكم على السواء.
وأضعف من القول السابق في التفريق بين الأسلوبين الإفرنجي والعربي؛ أن يجعلوا من خصائص الأسلوب الأول استعمال الكلمات الدخيلة التي لم تُسمَع عن العرب في الجاهلية وصدر الإسلام؛ فإن أمثال هذه الكلمات قد دخلت في شعر الجاهلية ونثرها وفي القرآن الكريم، وسُمعَت في الخُطَب المأثورة التي نُقِلَت عن الصحابة وبُلغاء الأمويين، ولم يخلُ منها كتابٌ واحدٌ من أمهات كتب الأدب في عصرٍ من العصور، وربما وجدتَ في قصيدةٍ واحدةٍ للأعشى أو لطرفة بن العبد أكثر مما تجد من هذه الكلمات الدخيلة في قصيدةٍ عصريةٍ، ولا نذكر جماعة المتأخرين من الشعراء والكُتَّاب في إبان الدولة الأموية أو الدولة العباسية التي نُقِلَ فيها من أسماء الثياب والطعام وأدوات الزينة ومصطلحات العلوم والفنون ما قد يُربي على جميع ما نقلناه نحن في العصر الحديث.
•••

وبعضهم يأخذون على ما يسمونه بالأسلوب الإفرنجي قلة المحسنات البديعية والاستعارات المجازية يظنونها من مزايا بلاغة العرب، وهي في الحقيقة قسط مُشَاع بين جميع اللغات إذا هي صدرت عن الطبع المُرسَل ولُوحَظ فيها الاعتدال والذوق السليم، فما كان العرب أكثر مجازًا واستعارة من أمم الغرب، ولا عُهِد في بلغائهم المطبوعين الولع بهذه المحسنات التي أفرط فيها المقلدون وطلاب البلاغة على جهلٍ بأسرارها وعَجْزٍ عن التقليد الصحيح فيها، ولقد عاب النقاد والثقات الإكثار من المحسنات الصناعية وعدُّوها بدعة مستحدثة على اللغة العربية، واستحبوا فيها أن تكون في الكلام ? «الخيلان في الوجنات أو كالحلية في الثياب» وأن تجيء عفوًا بلا كُلفة مصنوعة، أو تُقصَد قصدًا ولكن لتوضيح المعنى وتجميله وليس للعرض على الأنظار والمباهاة بالاحتيال والاقتدار.
•••

ولكنَّ أوجه كلامهم في اختلاف الأسلوب الإفرنجي عن الأسلوب العربي هو ما يرجع إلى الذوق والمَلَكَة؛ إذ يقولون إن للغة العرب ذوقًا خاصًّا ومَلَكَة مستسرة في تراكيبها هي أشبه شيء بالملامح الدقيقة التي تراها العين ولا يصفها اللسان، أو هي روح اللغة التي تسري في معانيها وتنتظم تراكيبها ولا تَحُدُّها الضوابط والتعريفات، وذلك كلام قديم قيل في اللغة العربية كما قيل في غيرها، وكتبَ فيه ابن خلدون فوفَّى الغرض حيث قال: «إن المتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم، وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده، فإذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له المَلَكَة في نظم الكلام عن ذلك الوجه، وسَهُل عليه أمر التراكيب حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة التي للعرب، وإن سمع تركيبًا غير جارٍ على ذلك المنحى مجَّه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل وبغير فكر إلا بما استفاده من حصول هذه المَلَكَة، فإن المَلَكَات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجِبِلَّة لذلك المَحَل؛ ولذلك يظن كثيرٌ من المغفلين ممَّن لم يعرف شأن المَلَكَات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابًا وبلاغة أمر طبيعي، ويقول: كانت العرب تنطق بالطبع. وليس كذلك، وإنما هي مَلَكَة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت وظهرت في باديء الرأي أنها جِبِلَّة وطبع، وهذه المَلَكَة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتَكَرُّرِه على السمع والتفطن لخواص تركيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان، فإن هذه القوانين إنما تفيد علمًا بذلك اللسان ولا تفيد حصول المَلَكَة بالفعل في مَحَلِّها، وإذا تقرر ذلك فمَلَكَة البلاغة في اللسان تهدي البليغ إلى وجوه النظم وحُسن التركيب الموافق لتراكيب العرب ولغتهم ونظم كلامهم. ولو رام صاحب هذه المَلَكَة حيدًا عن هذه السبيل المعينة والتراكيب المخصوصة لما قدر عليه ولا وافقه عليه لسانُه؛ لأنه لا يعتاده ولا تهديه إليه مَلَكَته الراسخة عنده، وإذا عُرِضَ عليه الكلام حائدًا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجه وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم، وربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما يصنع أهل القوانين النحوية والبيانية، فإن ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء، وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب حتى يصير كواحد منهم.»
فهذا الكلام على كونه غامضًا لا يصلح الاحتجاج به كما يقول ابن خلدون؛ هو أوجه آرائهم في هذا المعنى وأجدرها بالبحث والتدبر؛ فالمَلَكَة العربية هي الفارق الأكبر بين الأساليب الأصيلة في اللغة والأساليب الطارئة، ولا سيما في أنواع الكتابة الإنشائية التي تقتصر العناية فيها على صياغة الجمل القصيرة ولا يُلتَفَت فيها إلى اطراد المعاني وسياق التفكير. فإن أظهر ما تكون البلاغة العربية في الجملة القصيرة وفي الخُطَب التي هي سلك مجموع من الجمل القصيرة كما قدمنا، ولكن ما مزايا هذه «المَلَكَة العربية» ولأي شيء نحتفظ بها ونجتهد في تحصيلها؟
إن من مزايا هذه المَلَكَة ما هو مستمد من أسلوب التفكير الذي خُصَّ به الذهن العربي دون أذهان الأمم الأخرى، كالسحنة التي تُعرَف بها وجوههم واللون الذي يميز بشرتهم واللهجة التي تنطلق بها ألسنتهم، فلا فضل فيه غير أنه تفكير عربيُّ وليس بتفكيرٍ مصريٍّ أو هنديٍّ أو أوروبيٍّ، وليس من الضروري أن تكون هذه المزايا حسنة كلها، وأن يحتذي الكُتَّاب والشعراء حذوها في الصغائر والكبائر إلا إذا كان من الضروري أن نجعل لنا أنوفًا كأنوف العرب ورءوسًا كرءوسهم وأعضاء تحكي أعضائهم في الشكل والحجم والحركة، ولا يقول بذلك أحدٌ ولو كان من أشد المغالين في حب العرب والتعصب للشمائل العربية، وإنما الشأن للعادة في استحسان المزايا اللغوية التي من هذا القبيل فإذا تغيرت العادة تغيرت معها أسباب الاستحسان.
ومن مزايا المَلَكَة العربية ما يحسُن في الذوق؛ لأنه يفيد الكلام قوةً ووضوحًا ويزيد المعاني صقلًا وبيانًا، ويعصم اللسان من الإسفاف والركاكة ويمده بذخيرةٍ من أساليب التعبير ينفق منها في النظم والكتابة. فهذه المزايا هي التي نحتفظ بها ونتوسع فيها ونُضيف إليها ما يوائمها ويتمشى معها من مزايا اللغات الأخرى، ونتصرف فيها تصرف صاحب الدار في داره فلا نقف حيالها مقيدين مأسورين كأننا نترجم عن غير أنفسنا، ونلفظ بغير ألستنا ونفكر بغير عقولنا التي ركَّبها الله في رءوسنا، وما من شرطٍ في كل ذلك غير المعرفة والإحسان.
لنذكر أننا في عصرٍ «إنسانيٍّ» لجميع الناس حصةٌ فيه — وفي اللغات خاصة — فلا نحسب أن عالم القول والكتابة مستقل عن عالم الحياة الذي اشتركت فيه المعالم والأزياء وتقابلت فيه الأمم من كل جيلٍ ومكانٍ.

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس


تأليف أرسطو – ترجمة أحمد لطفي السيد
من العقول ما هو بالظواهر الطبيعية أشبه وإلى معالم الكون أقرب. تطَّلع عليه ولو لم تكن لك فائدة من الاطلاع عليه، وتحب أن تراه كما تحب أن ترى نجم القطب أو جبال هملايا أو شلالات نياغرا، وتنشده كأنه عقل «الناس» الذي لا يستأثر به إنسانٌ دون إنسانٍ، وليس بعقل شخصٍ من الأشخاص كان حيًّا على ظهر هذه الأرض في يومٍ من الأيام، فهو منظر لمَن يراه ويدرسه ويستعيره لنفسه ساعة التأمل فيه وليس بحصةٍ موهوبةٍ لصاحبه الذي يُنسَب إليه، وهو هبة إنسانية عامة لكل شعب ولكل فرد، بل هو هبة طبيعية يؤتاها الإنسان كما يُؤتَى النور والهواء وخصائص الحياة، فلا نصيب لصاحبها منها غير نصيب الأمين من الأمانة التي أودعها ليوصلها إلى ذويها، وكأنه لا امتياز له في الأمر إلا أنه هو الذي وقعت عليه القرعة في حمل تلك الأمانة فكان لذلك أمينها المجتبى لها بغير اجتباء!
وقد يبدو لك أنه لا حق لمَن كان كذلك في أن يفتخر بالعقل الذي عُهد إليه؛ لأنه عقل لا ترى عليه طابع الملكية الشخصية ولا يمنعك مانع أن تدعيه مع صاحبه وأن تأمنه على حصتك فيه! فهو منحة إلهية عامة لأنه أكبر من أن يكون صفة شخصية خاصة، وكذلك كان عقل «أرسطو» الكبير الذي لو ظهر عقل بغير واسطة لكان هو أولى العقول أن يظهر للناس مجردًا من واسطة الجسم مستغنيًا عن أدوات الحواس والأعصاب.
•••

عَرَفَت اللغة العربية أرسطو قبل عدة قرون وأخذتْ بنصيبٍ من هذا العقل الشائع كما أخذت بنصيبٍ من المدنية والتاريخ، ولكنها لم تحفظ لنا أثرًا من آثاره الكاملة ولم تُبقِ لنا من قضاياه وآرائه إلا ما تَفرَّق في أثناء الكتب من نُبَذ مبتورة تُنسَب إليه تارةً وتغفل من النسبة تارات. فلا نخطيء إذا قلنا إن أكمل آثاره في اللغة العربية هو هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن، وهو كتاب علم الأخلاق الذي نقله عن الفرنسية الأستاذ الفاضل أحمد لطفي السيد وأَتَمَّ طبعه في العام الماضي، فبرَّ به لغته أصدق البر وَرَدَّ إليها حقًّا وافيًا من حقوقها بين اللغات في المعلم الأول، وجاءنا بدليلٍ جديدٍ على أن هذه اللغة أصلح في عصرنا حالًا وأوفر قسمًا في العلم والأدب مما كانت في إبان المدنية العربية والدولة الإسلامية؛ لأننا نقابل بين ترجمة كتاب الأخلاق وبين ما اطَّلعنا عليه من بقايا أرسطو في الكتب المتفرقة فنجد التفاوت واضحًا بين الترجمتين، ونرى مواضع كثيرة يبرز فيها الأستاذ لطفي مَن تقدموه في الدقة والفهم وصفاء العبارة، وقَلَّ أن نرى موضعًا ينعكس فيه هذا الحكم ويظهر فيه فضل للمتقدمين على الأستاذ في هذه الأمور.
•••

ولا يُفهَم من قولنا أن أرسطو من العقول التي تحب أن تطَّلع عليها، ولو لم تكن لكَ فائدة منها؛ أن كُتبَ الحكيمِ قليلة الفائدة أو أنها مكتوبة لغير قراء هذا الزمان، فإن مباحث أرسطو تحمل فائدتها لكل زمانٍ، ويقرؤها المتأمل وهو على يقينٍ من أنها تنفع ذهنه وتفتق قريحته، ولو لم تكفل له الوصول إلى الحقيقة والمنفعة العملية في كل حينٍ، ولستُ أستثني من ذلك المباحث التي عفى فيها الحديث على القديم، وسلكتْ فيها التجارت العصرية طريقًا غير طريق الفلسفة اليونانية، فإن العقل الكبير لا يضل كل الضلال وإن نقصته الوسائل وقصرت به الأسباب، ولا يزال عقلًا كبيرًا حتى في الخطأ الكبير الذي يقع فيه، فهو كيفما كان «موضوع» خالد لا يسهل علينا اجتنابه، ولا يجمل بنا أن نحكم عليه بظروفه دون طبيعته التي هي ألزم له وأدل عليه من الظروف، وربما كانت فائدة كتاب الأخلاق لنا نحن المصريين خاصةً أكبر من فائدته لليونان الذين كُتِبَ لهم وللشعوب الغربية التي تُعنى به إلى هذه الأيام على وفرة ما لديها من آثار الفلاسفة في الأخلاق والآداب.
ذلك أن سواد الأمة المصرية — وكثيرًا من الشرقيين — يفهمون من الأخلاق أنها فضائل سلبية تُبعِد الإنسان عمَّا يشينه، وتنهاه أن يقتل وأن يسرق وأن يعتدي على غيره وأن يبخل أو يجبن أو ينقاد لشهواته ويشتغل بصغائره.
ويفهمون من جهةٍ أخرى أن القانون الأخلاقي سواءٌ أكان آمرًا بالفضائل أم ناهيًا عن الرذائل؛ هو سيطرة خارجة عن الإنسان تُملِي عليه ما يفعل وما يترك، وتُجيز له أو تُحرِّم عليه ولا شأن له هو في جميع هذا غير الطاعة والإذعان. ولا نعرف شيئًا أَوْبلَ على الأخلاق ولا أشد إيذاءً للهمم من تمكن هذه العقيدة المنكوسة في الضمائر واعتبار الإنسان عبدًا للقانون يُساق إلى الخير أو قوة سلبية لا تُحسِن من الأعمال إلا أن تجتنب القبيح وتبتعد عن الضرر، وهذه هي العقيدة التي يمحوها مذهب أرسطو في الأخلاق جَهْد ما تستطيع المذاهب الفلسفية أن تمحو أمثال هذه العقائد. فإن أجمل ما في كتاب أرسطو أنه سَجَّل فيه خلائق اليونان الإيجابية وجعل الفضيلة كلها في العمل والإنشاء لا في التخلي والسكون، وهذه هي مأثرته التي يَعُدُّها له شُرَّاحه قبل كل مأثرة في هذا الكتاب.
فالعمل الخاص للإنسان باعتباره كائنًا مختلفًا عن النبات والحيوان إنما هو وحي الإنسان من داخل نفسه، وقانونه الذي تُملِيه عليه فطرته وهو عند أرسطو «فاعلية النفس واستمرارُ أفعالٍ يصاحبها العقل»، ثم يجب أن نحقق هذه الشروط «طول حياة تامة بأسرها؛ لأن خطافة واحدة لا تدل على الربيع، لا هي ولا يوم صحو واحد، فلا يمكن أن يُقَال إن يومَ سعادةٍ واحدًا بل ولا بعض زمن من السعادة يكفي لجعل الإنسان سعيدًا محظوظًا»، ويزيد على ذلك أن «ليس سواء البتة أن يُوضع الخير الأعلى في حيازة بعض المَلَكَات أو في استعمالها، أي في مجرد القابلية، أو في الفعل ذاته. إن القابلية يمكن أن توجد في الحقيقة من غير أن تُنتِج أي خير، مثال ذلك في رجلٍ ينام، أو في رجلٍ يبقى غير عامل لأي سببٍ آخر. أما الفعل فهو على ضد ذلك لا يمكن البتة أن يكون في هذه الحالة مادام أنه بالضرورة يُفعَل وأنه فوق ذلك يُفعَل حسنًا، إن الأمر هنا كالحال في الألعاب الأولمبية، فليس أجمل الرجال وأقواهم هم الذين يأخذون التاج، إنه لا يأخذه إلا المتنافسون الذين يشتركون في [اللعبة]، فبينهم فقط يكون الظافر، كذلك أولئك الذين يسيرون سيرة صالحة هم الذين يستطيعون أن يتطلعوا في الحياة إلى المجد والسعادة.»
فلا فضيلة إلا في قيام «الإنسان» بعمله الخاص الذي يمتاز به على عامة المخلوقات، ولا سعادة لذلك الإنسان بغير الفضيلة.
•••

وأرسطو أقرب إلى العلماء منه إلى الفلاسفة؛ فهو لا يبحث عن العلل الأولى والأسرار الخفية ولا يُعنى بغير تقرير الوقائع واستقراء الحوادث، ولم يدَّعِ هو أنه وصل إلى علل الأخلاق الأولى وأسرارها الخفية بل قال في صراحةٍ: «إن سببًا مماثلًا للسابق يضطرنا أن لا نبغي الصعود إلى العلة في جميع الأشياء على السواء، فإنه في كثيرٍ من الأحوال يكفي أن يبين بجلاءٍ وجود الشيء كما يفعل بالنسبة للمبادئ؛ لأن وجود الشيء هو مبدأ ونقطة ابتداء، ومع ذلك فإن من المبادئ ما قد اكتُشِفَ وعُرِفَ بالاستقراء ومنها ما اكتُشِفَ بالحساسية، وأخرى بنوعٍ من العادة، وأخرى تأتي من أصلٍ آخر، فينبغي تعلم معالجة كل واحدٍ من هذه المبادئ بالطريقة التي توافق طبعه، وذلك أفضل ما يُبذَل من العناية لتحديد بيانها، إن لهذه المبادئ أهمية كبرى في الاستنتاجات وفي النتائج التي تُستَخرَج منها، فقد أصاب مَن قال: إن المبدأ أو البداية هو أكثر من النصف في كل شيءٍ، وأنه وحده يكفي لإيضاح كثيرٍ من النقط في المسائل التي يُنَاقَش فيها.»
ولهذا لا تجد في كتاب أرسطو أريحية الشعر وخشوع الإيمان ولا تلك الفلسفة الجميلة المنغومة التي برع فيها أستاذه أفلاطون وامتزجت بجميع آراء فيثاغوراس، بل هو أول مَن فصل بين الرياضيات الرمزية والفلسفة الصوفية وبين حقائق الاستقراء وعلوم الاختبار والإحصاء، وآراؤه في الأخلاق مأخوذة كلها من مراقبة الحياة العملية في بلاد اليونان والقياس على ما يفعله الناس وما يمدحونه وما يذمونه من الفضائل والعيوب، لكنه مع هذا لم يخلُ من «مَثَل أعلى» للفضيلة هو أسمى ما يرتفع إليه العقل ويصبو إليه الخيال. فإن من دواعي العجب أن مذهبه العملي هذا في طلب السعادة ينتهي به إلى تقرير غاية للإنسان لا يعدوها الخيال وإن جمح، ولا يطمح النظريون إلى أبعد منها وإن أوغلوا في التخمين والتنزيه. فالإنسان الفاضل عنده هو الإنسان السعيد، ومن ثم يجب أن تصدر الفضائل منه عن سجيةٍ وطواعيةٍ لا يشوبها ألمٌ ولا اقتسار، وإلى أين يذهب الإنسان بالخيال أبعد من هذا المقام الرفيع؟ إننا لنعلم أن من الفضيلة أن يُقدِم الإنسان على ما يكره قضاءً للواجب، وأن الواجب الذي يلذك أن تعمله لا فضل لك فيه، وأرسطو لا ينسى ذلك في بعض كلامه فيقول: «حينئذٍ يُشترَط فيمَن يُسمَّى شجاعًا الصبر على المشقَّات المؤلمة كما قد قيل؛ لذلك نرى أن الشجاعة لكونها أمرًا صعبًا جدًّا يكون الثناء عليها هو في غاية الإنصاف، لأن احتمال الألم أصعب من الامتناع عن اللذة»، ولكنه يعود فيقول: «ومع ذلك ينبغي أن نفهم أن غاية الشجاعة هي دائمًا شيء لذيذ جدًّا، وأن الظروف المحيطة بها هي وحدها التي تحجب عنها جاذبها القوي، يمكن أن يُشاهَد بسهولة شبه هذه الظاهرة في مباراة الجمباز. فإن الغاية التي يقصدها المصارعون هي حقًّا لذيذة جدًّا لديهم، إنما هي التاج، إنما هي الكرامات التي يطمعون فيها، غير أن الضربات التي تصيبهم مؤلمة؛ لأن المصارعين على كل حالٍ هم من لحمٍ وعظمٍ، وكل التعب الذي يلقونه حقيقٌ بأن يكون شاقًّا جدًّا.» ثم يمعن في ذلك فيقول: «… يكون الموت والجروح عند الرجل الشجاع أمورًا شاقَّة، وإنه لا يتعرض لها إلا إذا كان مُكرَهًا، إنه يقتحمها لأن اقتحامها جميلٌ ولأنه يكون من العار ألا يفعل، ولكن كلما كانت فضيلته كاملة وبالتَّبع سعادته تامة كان أسَفُه من الموت أشد؛ لأن الحياة بالنسبة لرجلٍ كهذا لها كل قيمتها، وحرمانه النفس أنفس النعم التي هو يُقدِّرها حق قدرها. ذلك إنما هو ألم شديد ومع ذلك لا يُنقِص من شجاعته شيء بل ربما زادت؛ لأنه يؤثر على كل هذه النعم الشرف الذي يكسبه في الحروب»، وإذن — على رأي أرسطو — لا يكون الإنسان في شجاعته إلا مختارًا بهذه الكيفية بين أمرين أو عدة أمور.
•••

ولانصراف أرسطو عن البحث في علل الفضائل الأولى إلى البحث في الأعمال الفاضلة المشاهَدة بالحس كان معياره الأرجح للأخلاق أن يوازن بينها بالدرجات والمراتب لا بالكنه والمصدر، فكل فضيلةٍ عنده حد وسط بين رذيلتين، وكأن الاختلاف بين الفضائل والرذائل في تفسيره لا يكون إلا من قبل الاختلاف بينها في الدرجات والزيادة والنقصان، وهو رأي منتقد عابه عليه كانْتْ بحق فقال: «إن الاختلاف بين الفضيلة والرذيلة لا يمكن أن يكون مسألة درجات بل لا بد أن يعتمد على معادنها الطبيعية أو قوانينها، ولنطبق هنا مذهب أرسطو فنقول إن القصد حد وسط بين رذيلتين هما الإسراف والبخل، فهل نرى أن البخيل لا يعود بخيلًا إذا زاد مقدار نفقته؟! أو هل ترى أن المسرف يصبح فاضلًا إذا نقص مقدار ما ينفقه من الثروة؟! إن التفسير أولًا لا يبين لنا الحد الذي يجب على كلٍّ منهما أن يقف عنده، وثانيًا هو في الواقع تحصيل حاصل؛ إذ إن أرسطو يقول «إن الإنسان يجب عليه أن يجتنب الخطأ بالزيادة عن الحد والخطأ بالنقص عنه»، فما الخطأ بالزيادة عن الحد غير أن يفعل الإنسان أكثر مما يجب؟ وما هو الخطأ بالنقص عن الحد غير أن يفعل الإنسان أقل مما يجب؟ فكأن النتيجة أن الواجب هو أن لا تفعل أكثر ولا أقل من الواجب»، وهذا هو تحصيل الحاصل كما يقول «كانْتْ»؛ لأن تعريفنا الواجب بأنه شيء لا يزيد ولا ينقص عن الواجب هو من اللغو الذي يشبه قول القائل:
كأننا والماء من حولناقوم جلوس حولهم ماء إلا أننا نقول مع هذا إن أرسطو قد اتَّبع أسلم الطريقين ونجا من أكثر الأخطاء التي يستهدف لها الباحثون في فلسفة الأخلاق، وأنه حين تساهل في تحرِّي العلل الأولى واجتهد في الاستقراء القريب والمشاهدة المحسوسة؛ غبن الفيلسوف اللدني فيه، ولكنه أنصف العالِم المدقق وعوض على القراء من ذلك الغبن أحسن عِوض، وأنه كان قمينًا أن يستهدف لأكثر من ذلك من الأخطاء لو أنه عالج العلل الأولى ثم أخذ نفسه بالتأليف بينها وبين الأخلاق في جميع الدقائق والتفاصيل، فما منعه التساهل في استقصاء العلل الأولى أن يصحح لنا نماذج لفضائل، وأن يصور لنا تمثالًا مُتقَن الصنعة من الإنسان الكامل في عالم الوجود وفي عالم الخيال، وليس يغض من عمله هذا أنه كان يلحظ الإنسان من الجانب اليوناني الذي كانت تجلوه آداب عصره وتواريخه ومأثوراته؛ فتلك سُنَّة لا محيد عنها أن يتخذ المصور نموذجًا له من الهيئات التي يَأْلَفُها والبيئة التي يعيش فيها، على أن الاتفاق بين الناس في حدود الفضائل العامة أيسر من الاتفاق بينهم في أذواق الملامح والألوان التي يترسمها المصورون.

بشار


(?) شخصيته

لِبشَّار شخصية ذات مفتاح قريب يدلنا على مذهبه في الشعر والحياة ويفسر لنا الكثير من أخلاقه ونوادره، ومفتاحها هذا هو وصفه الجثماني الذي اتفق عليه مترجموه وطابَقَتْهم عليه بعض أبياته وأشعاره؛ فقد وصفوه بأنه كان ضخم الجثة مفرط الطول تام الألواح، ورووا أن أديبًا دخل عليه وهو نائم في دهليزه — كأنه جاموس — فقال: «يا أبا معاذ، مَن القائل:
إن في برديَّ جسمًا ناحلًالو توكأت عليه لانهدم فقال: أنا، فقال: مَن القائل أيضًا:
في حلتي جسم فتى ناحللو هبت الريح به طاحا قال: أنا، قال: فما حملك على هذا الكذب؟ والله إني لأرى لو أن الله بعث الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حرَّكتك من موضعك.»
وقد عاش الرجل سبعين سنة ومات بضرب السياط المبرح لا بمرضٍ أصابه ولا بضعف الشيخوخة، سمعوه يؤذن وهو سكران في غير وقت الأذان؛ فأتوا به وجلدوه حتى أشرف على التلف، فهو في تلك السن التي تسكن فيها النفس وتهدأ فيها شِرَّة الطبع وتفتر نزوات الحياة لم يزل كأنه في سن الفتوة ومَجَانَة الصبا ودفعة الحيوية العارمة. فكان وافي الجثمانية شديد الحيوانية من أصحاب ذلك المزاج الذين يغلب عليهم اللهو والفجور والشغف باللذات والملاهي وما تُسوِّلُه غواية اللحم والدم، وتغري به المطالب الجسدية والشهوات الحسية، فما كان له إلا أن يطيع طبيعته الحيوانية وينغمس في ذلك التيار الذي تدفعه إليه، ولكن أنَّى له بذاك وقد وُلِدَ أعمى، وليست مجالس اللهو والمجون مما يليق بالعميان وأصحاب الآفات، ولا هي بالموضع الذي يزاحمون فيه أهله فيفلحون في الزحام؟ فكيف تراه يصنع؟ أيقهر طبيعته حذرًا من العبث به والسخرية منه وإيثارًا للوقار الذي يجمل بنكبته والتدين الذي يطمئن به إلى مصيبته؟ ذلك وجه قد يخطر له لو كان حب الوقار والكرامة أرجح لديه من لذة القصف والدعابة، ولو أنه وُلِدَ كالمعرِّي في بيت التقوى والعلم ونشأ من طفولته نشأةً مهيأةً للدرس والتوقر لجاز أن يكبح نفسه وأن يُنَهنهَ من بواعث طبعه، ولكنه نشأ في بيئةٍ أهون شيء عليه الوقار والكرامة، فكان أبوه مولى طيانًا من السَّبْي وأمه امرأة ترضى أن تتخذ عبدها زوجًا لها، وكان الفقه في الدين أبعد ما يتصور من أبي بشار وأغرب ما مُنِّيَ به الناس منه! قيل إنه كان يضرب بشارًا ضربًا مبرحًا لهجوه الناس فكانت تقول له أمه: «لِمَ تضرب هذا الغلام الضرير؟ أما ترحمه؟ فيقول: بلى، والله إني لأرحمه، ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إليَّ، فسمعه بشار فطمع فيه، وقال: إن هذا الذي يشكونه إليك مني هو قولي الشعر، وإني إن أتممت عليه أَغْنَيْتُك وسائرَ أهلي، فإذا شكوني إليك فقل لهم: أليس الله — عز وجل — يقول: «ليس على الأعمى حرج.» فلما أعادوا الشكوى على أبيه قال لهم ذلك؛ فانصرفوا وهم يقولون: فِقْهُ بُرد أَغْيَظُ من شِعْرِ بشار!»
فطبيعةُ بشار وتربيته قد أرادتا به أن يكون كما كان ماجنًا خليعًا مستجيبًا لشهوات الحس ومطالب الجسد، وكان لا بد له أن يوطِّن نفسه على ما يلقى من السخرية والعبث في سبيل ذاك، وأن يستهدف للضحك والابتسام والولع به والتغامز عليه، وأن يخلع الحياء فلا يبالي بشرفٍ ولا دينٍ ولا يراقب الناس في أمرٍ من الأمور التي تجتذبه وتستهويه، والتي يضاعفُ الحرمانُ من النَّظرِ رغبتَهُ فيها وتَكالبه عليها، فلم يكن أحد غيره أحق بأن يقول:
مَن راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيبات الفاتك اللهج ومن عادة التمادي في اللهو أنه يُضعف التقية ويُغري بخلع الحياء وقلة المبالاة، فأولى بالذي يجنح إلى اللهو — وهو قليل المبالاة بفطرته — أن يزداد به هذا الخلق رويدًا رويدًا حتى لا يعنيه مدحٌ ولا قدحٌ ولا يزعهُ شرعٌ ولا ضميرٌ، ولا يحفل حرمة من الحرمات التي يقدسها الناس ويستعينون بها على النزوات والأهواء، وقد بلغ الأمر ببشار إلى هذا الحد فكان لا يستبقي نسبًا ولا مودةً ولا دينًا ولا سمعةً إلا ما يمسهُ منهُ الضرر ويحول بينه وبين ما يريد، فهو يهجو سيبويه فيقول فيه:
سباويهِ يا ابن الفارسية ما الذيتحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ؟! وبشار نفسُه ابن فارسي من الموالي!
وهو يهزأ بمكان الشعراء ولا فخر له بغير الشعر الذي يتكسب به، فقد سمع عقبة بن رؤبة يقول: أنا وأبي وجدي فتحنا الغريب للناس وإني لجديرٌ أن أسده عليهم، فقال بشار: ارحمهم رحمك الله، فقال: أتستخف بي وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟! فقال بشار: إذن أنت من أهل البيت الذين «أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرًا.» يريد أن يتهكم بِحَسَبِ الشعراء ويزدري ذلك النسب الذي افتخر به صاحبه.
وربما كان من هذا الاستخفاف نظمه الشعر في الأغراض المُسفة الركيكة كقوله في مدح جاريته:
ربابةُ ربة البيتتصب الخل في الزيتلها عشر دجاجاتودِيكٌ حسن الصوت ومنه أنه كان لا يتحرج من تكملة الكلام بما يحضره من الأسماء والمفردات التي لا وجود لها في اللغة، فقال في بعض غزله:
صببت هواك على قلبهفضاق وأعلن ما قد كتموقالت هويت فمت راشدًاكما مات عروة غمًّا بغمدسست إليها «أبا مجلز»وأي فتى إن أصاب اعتزمفما زلت حتى أنابت لهفراح وحل لنا ما حرم فسأله سامع: ومَن هو أبو مجلز؟ فقال: وما حاجتك إليه؟ ألكَ عليه دَين؟ أتطالبهُ بطائلةٍ؟ هو رجل يتردد بيني وبين معارفي في رسائلي.
ومات حماره فزعم أنه رآه في النوم فأنشده:
سيدي خذ بي أتانًاعند باب الأصفهانيتيَّمتني يوم رحنابثناياها الحِسان •••

ولها خَدٌّ أسيلمثل خد الشنفراني فقيل له: وما الشنفراني؟ فقال: ما يدريني؟ هذا من غريب الحمار، فإذا لقيتموه فاسألوه عنه؟
وكان كثيرًا ما يحشو شعره بهذه الأسماء الملفقة لقلة صبره على التجويد والتنميق.
وإن من الهزل أن يحسب لبشار رأي في الدين والعصبية؛ فيُقَال إنه كان معتزليًّا أو مسلمًا على هذا المذهب أو ذاك، فما كان لذلك كله شأنٌ عنده يشغله أكثر من ساعةِ سَمَرٍ أو كلمة يرسلها في قطعةٍ من الشعر للمداعبة والإغراب وإغاظة بعض المتحرجين على عادة المتهتكين والخلعاء في العبث بمَن يُظهِرون العفة والصلاح، وقد نشأ بشار في أوائل عهد المدنية العباسية أي في ذلك العهد الذي راجت فيه الأزياء الفكرية والذوقية كما تروج الأزياء عامة في عهود المدنية والعمران، وكانت الزندقة من أزياء الظرفاء أو كان الظرف من أزياء الزنادقة كما قال أبو نواس: «تيه مغن وظرف زنديق!» فكان بشار يتخذ له كل يومٍ زِيًّا من هذه الأزياء التي يتحلى بها ظرفاء عصره وروَّاد مآلفه، ويغشى مجالس المعتزلة ليتلقف منهم ما يخوضون فيه من النِّحَل الغريبة وما يتحذلقون به من الأقاويل المعتسفة، فتارةً هو على رأي القائلين إن إبليس خيرٌ من آدم:
إبليس أكرم من أبيكم آدمفتبينوا يا معشر الأشرارالنار عنصره وآدم طينةوالطين لا يسمو سمو النار فهل هذا جد يُسمَّى بالمذهب في الفلسفة أو الدين! وما لبشار ولآدم إن كان أفضل من إبليس أو كان إبليس أفضل منه؟! ومَن هم معشر الأشرار الذين يحنق عليهم بشار لغضهم من قَدْر أبي الشياطين ورفعهم من قَدْر أبي إخوانه الآدميين؟! هذه تسليةٌ ودعابةٌ وزِي من أزياء التظرُّف لا أكثر ولا أقل.
وتارة هو على مذهب الجبرية الذين يُسقطون الحساب والتكلف:
طُبِعتُ على ما فيَّ غير مخيَّرهواي ولو خيرت كنت المهذباأريد فلا أعطى وأعطى ولم أردوقصر علمي أن أنال المغيبافأصرف عن قصدي وعلمي مقصروأمسى وما أعقبت إلا التعجبا ويعود فإذا هو مؤمن شرعي يذكر الموت ويخشى الحساب:
كيف يبكي لمحبس في طلولمَن سيفضي لحبس يوم طويلإن في البعث والحساب لشغلًاعن وقوف برسم دار محيل وأبلغ من ذلك في هذا الباب قوله:
بدا لي أن الدهر يقدح في الصفاوأن بقائي إن حييت قليلفعش خائفًا للموت أو غير خائفعلى كل نفس للحمام دليلخليلك ما قدمتَ من عمل التُّقىوليس لأيام المنون خليل وما ذاك لأن الإيمان أو الكفر يكرثه ويعنت فكره فيطول فيه تقلبه وبحثه، ولكن لأنها دريئة تنجيه من الأذى وخواطر يتفكه بها «الظرفاء» ويوسعون بها على أنفسهم من قيود الأدب والشريعة، وقد رووا أنهم وجدوا في أوراقه كلامًا يقول فيه إنه همَّ بهجو رجلٍ ثم ذكر قرابته من رسول الله فعفا عنه، ويستدلون بذلك على أنه كان متشيعًا صادقًا في التشيع لآل البيت، ولكن الرواية في ذاتها لا تُصدَّق لأننا لم نعهد في شعراء العرب أن يدونوا خواطرهم ونياتهم، ولا سيما مَن كان مكفوفًا يحتاج إلى مَن يكتب عنه، ولا ننفي تشيع بشار للعلويين فإنه كان من البصرة وفيه عِرق من الفُرس، ولم يكن راضيًا كل الرضا عن دولة بني العباس، فإذا تشيع فلا غرابة في ذاك، ولكن الغرابة أن تظن به الحماسة للشيعة أو لغيرهم وهو مَن تعلم من المجون وقلة المبالاة.
وأنت لا تجد حتى في هجو بشار أثرًا قويًّا لمرارة البغض الصادق والغيظ الشديد على مَن ينحي عليهم بالهجاء، فإنما كان هجوه صناعيًّا وفنيًّا كما نقول نحن في هذا العصر، وكان أشبه بالعصا التي يذود بها مَن يتعرض له ثم يلقيها من يده إلى حين الحاجة، وربما تبرم بالدنيا وصدق فيه قول الأصمعي إنه «كان من أشد الناس تبرمًا بالناس.» وإنه كان يقول: «الحمد لله الذي حجب بصري» فقيل له: لِمَ يا أبا معاذ؟ فقال: لئلا أرى مَن أُبغض. ولكننا حريون ألا نبالغ في هذا الخُلُقِ الذي وُصِفَ به وألا نرى فيه أكثر من أنه عادةُ أصحابِ اللهو؛ إذ يستثقلون من الناس مَن لا يجدون عندهم حظًّا من السرور والسمر، ثم لا يكلفون أنفسهم مئونة الحقد عليهم والتغيظ منهم، ولا شك في أن بشارًا كان ينقم على العمى أحيانًا، ويشعر بالحسد للذين رُزِقُوا البصر من حوله فيضجر من الناس ويتبرم بالدنيا كلما أَلمَّ بنفسه ذلك الخاطر، غير أنها نوبات لا تطول عند صاحب هذا المزاج ولا تتعمق في سريرة نفسه، فما كان بشار بالرجل الذي يجعل من المصيبة حرمًا معزولًا يحفه بسياجٍ من الوحشة، ويجلُّه عن الذكر والعزاء ويتقدم إليه ليل نهار بقرابين من المضض والكراهية، وإنما هي لحظة عارضة يأسى فيها ما يأسى، ثم تنقضي فيذكر مصيبته في شعر الغزل والمزاح ويتخذ منها لعبة يتفرج بها على الناس، قيل: «إنه جلس على بابه وحده وليس معه خلق، وبيده مخصرة يلعب بها وقُدامه طبق فيه تفاح وأترج، فمر به رجل يُقال له دهمان الغلال فلما رآه وليس معه أحدٌ؛ تاقت نفسه إلى أن يسرق ما بين يديه فجثا قليلًا حتى مد يده ليتناول منه، فرفع بشار المخصرة خلسة وضربه ضربةً على يده كاد يكسرها، فقال الرجل: قطع الله يدك يا ابن …! أأنت أعمى؟! فقال بشار: يا أحمق! فأين الحس؟»
وقيل: «إن رجلًا سأله عن منزلٍ ذكره له فجعل يُفهِمه والرجل لا يفهم، فلما يئس منه بشار أخذ بيده، وقام يقوده إلى المنزل الذي يبتغيه وجعل ينشد في طريقه:
أعمى يقود بصيرًا لا أبا لكمُقد ضل مَن كانت العميان تهديه وظل يقوده حتى وصل به إلى المنزل، ثم دفعه إلى داخله وقال له هذا هو المنزل يا أعمى!»
وما من حبٍّ في الخير جشم بشار نفسه أن يهدي الرجل إلى المنزل الذي ضل عنه، ولكنها فرصة أُتيحَت له؛ فأراد ألَّا تفوته حتى يسخر بالعمى وبالبصر في آنٍ واحدٍ.
ويَقِلُّ في فكاهة بشار السَّخَر الذي مصدره الاهتمام بالأمور والجد في شئون الحياة، كسخر ابن الرومي النافذ الحاد أو كسخر المعري الشاحب الرزين، ويكثر في هذه الفكاهة السخر الذي مصدره اللعب وقلة الاكتراث، وذلك الإيذاء الإبليسي الذي يَبْدُر من النفس عفوًا بلا تعمل ولا حماسة ولا التهاب، وليست تنقصه أسباب هذه الفكاهة؛ لأن الذكاء وممارسة اللهو وفتور النخوة والتعرض لدواعي المزاح والتناقض بين معيشة الإنسان والمعيشة التي تنبغي له وتنتظر منه، كل أولئك من أدوات الفكاهة التي اشتهر بها بشار وأعانته عليها الفطرة والعادة فحبَّبت الناس فيه وأخافتهم منه، ومِنْ دَأْب ذوي العاهات الذين ينغمسون في غمار الحياة أن تكثر فيهم الدعابة المضحكة؛ لأنهم عُرضة لها في كل حين، فلا بد لهم من سلاحٍ حاضرٍ يتَّقون به ما يصيبهم منها، ويديرون به الفكاهة على مَن يقصدهم بها، وبمثل هذه الدعابة سار ذكر بشار بين الظرفاء والظريفات في عصره، وصار بما اشتهر به من الغزل ووقائع الغرام أعجوبة في أحاديث الناس يودون رؤيتها والتعجب منها، وبلغ من ذاك أن جواري المهدي — وكان من أشد خلفاء بني العباس غيرةً على المحارم — «سَأَلْنَه أن يريهن بشارًا وقلن له: لو أذنت له يدخل إلينا يؤانسنا وينشدنا فهو محجوب البصر لا غيرة عليك منه؟ فأمره فدخل إليهن واستظرفنه وقلن له: وددنا — والله يا أبا معاذ — أنك أبونا حتى لا نفارقك، قال: نعم، ونحن على دين كسرى!» ونوادره في ذلك كثيرة لا نظنه كان يفرغ منها.
أما شعره فرصينٌ صحيحٌ في الأكثر الأعم مما وصل إلينا منه، وهو يقسمه قسمين: «بدوي» تغلب فيه الجزالة والجفوة، و«حضري» تغلب فيه الرقة والنعومة، فإذا نظم في أغراض الشعر القديمة كان أقرب إلى لغة الأعراب التي لا تشوبها دماثة الحضارة، وإذا نظم في الغزل والمجون كان أقرب إلى اللغة المألوفة الشائعة التي رقت حواشيها وسلسلت عباراتها، ولا اختيار له في ذلك وإنما هو اختيار الموضوعات وحُكم الصياغة وما يوائمها، وقد كان يُدل بسلامة لفظه وجودة نظمه، ويقول لمَن سأله في ذاك: «ومن أين يأتيني الخطأ وقد وُلدتُ هنا ونشأتُ في حجور ثمانين شيخًا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحدٌ يعرف كلمة من الخطأ؟! وأما نساؤهم فأفصح منهم، وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت، فمن أين إذن يأتيني الخطأ؟!»
وروح شعره هو الروح الذي يُعرَف به أمثاله من ذوي الطبيعة الحيوية والمزاج الدنيوي الذي يتخيل الأشياء كما يحسها في عالم الواقع القريب، ويراها كما تبدو في صورة المعيشة المعهودة وحقائق البيت والسوق، فلا إلهام في شِعره ولا حنين ولا أشواق ولا بدوات ولا خيال، ولكنها تجربة الدنيا تُملِي عليه ما ينظم من الحكمة والوصف والغزل والهجاء فلا يمتاز فيها عن سواد الناس بغير اللسان اللبق والقدرة على النظم والتعبير، وأحسبه أصلح أدباء العرب لأن تؤخذ من شعره الشواهد الكثيرة على أساليب «الطريقة الطبيعية الواقعية» التي اشتُهِرَ بها بعض أدباء فرنسا على الخصوص في القرن الأخير، فاذا قرأت له هذه القصة الصغيرة في قوله:
عجبتْ فاطم من نعتي لهاهل يجيد النعت مكفوف البصربنت عشر وثلاث قسمتبين غصن وكثيب وقمردرة بحرية مكنونةمازَها التاجر من بين الدررأذرت الدمع وقالت ويلتيمن ولوع الكف ركاب الخطرأمتي بدَّد هذا لعبيووشاحي حله حتى انتثرفدعيني معه يا أمتي… … … …أقبلت في خلوة تضربهاواعتراها كجنون مستعربأبي والله ما أحسنهُدمع عين غسل الكحل قطرأيها النُّوام هبوا ويحكموسلوني اليوم ما طعم السهر أو قرأت له قصته الأخرى التي يقول فيها:
حسبي وحسب الذي كلفت بهمني ومنه الحديث والنظر… … … …… … … …أو عضة في ذراعها ولهافوق ذراعي من عضها أثرأو لمسة دون مِرْطها بيديوالباب قد حال دونه الستر… … … …… … … …واسترخت الكف للعناق وقالت إيه عني والدمع منحدرانهض فما أنت كالذي زعمواأنت وربي مغازل أشريا رب خذ لي فقد ترى ضرعيمن فاسق جاء ما به سكرأهوى إليَّ معضدي فرضضهذو قوة ما يطاق مقتدرألصق بي لحية له خشنتذات سواد كأنها الإبر… … … …… … … …أقسم بالله لا نجوت بهافاذهب فأنت المساور الظفركيف بأمي إذا رأت شفتيأم كيف إن شاع عنك ذا الخبرقد كنت أخشى الذي ابتُليتُ بهمنك. فماذا أقول يا عبرقلت لها عند ذاك يا سكنيلا بأس! إني مجرب خبرقولي لها بقة لها ظفرإن كان في البق ماله ظفر فكأنك تقرأ صفحةً من زولا أوجي دي موباسان، ومثل هذا الغزل لا علو فيه ولا هيام؛ لأن الشهوة فيه أغلب من الحب والعطف والمناجاة، وغير عجيب مع هذا أن يُقَال إن الشيوخ والزُّهَّاد كانوا يهيبون بالمهدي أن يكف بشارًا عن الغزل، وإنه نهاه عنه وحرمه جوائز المدح التي كان يحتال على دس الغزل فيها.
وربما كان من العِبَرِ التي لا بأس بالتنبيه إليها أن بشارًا هذا على ما علمت من قوة جسمه واتساق خلقه وطول عمره لم يسلم من فدية الأدب التي يفرضها على أبنائه، والتي يقول بعض الكُتَّاب الأطباء إنها حق للفن على الفنان يأخذه من عقله أو من نسله أو من حواسه أو من خلقه، ولا يُعفَى منها أحدٌ له اشتغال مطبوع بالآداب والفنون، وأما فدية بشار فهي بصره الذي فُجِعَ فيه وهو جنين في بطن أمه، فكان ذلك أول خلل اعتراه في التركيب وقد تكون له علاقة حميمة بالمزاج والأعصاب، ونسله الذي فقده في حياته ورثى منه في هذه الصفحات ولدًا وبنتًا صغيرين، ولم نعرف بعد من سيرته أنه أعقب غيرهما خلفًا من الذكور أو الإناث.
ولا يتسع المقال الآن لأكثر من هذه العجالة فلنرجيء الكلام المفصل في بشار إلى فرصةٍ أخري، ولنشكر الأديب الذي اجتهد في جمع ما اهتدى إليه من شعره شكرًا يكافيء جهده وقصده، وبِودِّنَا لو استطعنا أن نقف عند ذلك ولكننا مضطرون إلى أن نلاحظ له بعض المآخذ في مجموعته منها: أنه لم يدقق في رواية بعض الأبيات وإن كانت قليلة لا تعيب المجموعة، ومنها أنه أورد فيها أبياتًا كان الأجمل حذفها والإعراض عنها؛ لإفراطها في الفحش والبذاء، ولا يجوز الاحتجاج بكثرة أمثال هذه الأبيات في كتب الأدب المعدودة؛ فإن لكل عصرٍ أدبًا غير آداب العصور التي تقدمته، وهذا فضلًا عن أن كتب الأدب في عصور الدولة العربية كانت تُخط لمَن يتعمد نسخها ولا تُطبَع للعامة بعشرات الألوف، فهي أشبه بالرسائل الخاصة منها بالكتب المعروضة لجميع الأنظار.
(?) غَزَلُه

عاش بشار أيام حياته كما قال:
قد عشتُ بين الندمان والراح والمزهر في ظل مجلس حسن وكان كثير الشعر عامة وكثير الغزل خاصة، فلم يبقَ من شعره ولا غزله إلا القليل المشتت الذي عفت عنه الأيام وسلم من ضغينة الأمراء المهجوين وحَجْرِ الفقهاء المتنطسين، ونُسي أكثره في حياته وبعد موته لإشفاق الأدباء والظرفاء من روايته والتغني به، ولكن القليل الذي بقي من غزله فيه دلالته الكافية للناقد الأدبي وإن لم يكن فيه الغناء للرواة والمستطلعين.
ولا يَنتظرُ القاريء أن يسمع من غزل بشار بتلك النغمة الساحرة التي ترتفع بالنفس إلي عالم الأحلام والأشواق وتسبح بها في فراديس الأفراح والأشجان، ولا يرجُ أن يطالع منه وصفًا للحب كأوصاف أولئك الشعراء الكماليين الذين يجعلون المرأة المحبوبة أقنومًا ماثلًا للعيان، يجمعون فيه ما خامر نفوسهم من المعاني الخفية والآمال الممنوعة والمحاسن التي لا أسماء لها في لغة اللسان والمواجد العطشى إلى غير مورد، فكل أولئك غريب عن طبعه بعيد من مشربه كما قلنا في الفصل السابق، وإنما كان غزل بشار وصفًا للذَّات الحس التي يباشرها أو يشتاق إليها، وكان حبه حبًّا ? «النساء» لا حبًّا ? «المرأة» … أو هو كان حُبًّا للأنثي التي يراها واحدة في كل امرأة على اختلاف الصفات وتعدد الأسماء، فليس يحتاج الشاعر إلا لأن يكون «حيوانًا» ذكيًّا؛ لينظم مثل ذلك الغزل ويُجيد فيه أحسن الإجادة، بل هو قَلَّ أن يحتاج إلى البصر — فضلًا عن النفس — ليهديه إلي مَن يُؤثر بالحب ويُختار للمتعة، فربما أغنته عن ذلك طبيعته الحيوانية التي ترضيها كل طبيعةٍ حيوانيةٍ تقابلها وتكمن له ثَم وراء تباين الأفراد وتغير الأسماء والصفات.
وقد ترى كثيرًا من العشاق الشهوانيين يتطلعون إلى ما وراء الحس، ويلجأون إلى الخيال يستعيرون منه محاسن أوصاف يضيفونها إلي محاسن الوجه الظاهرة وشمائل الجسد المرموقة؛ ليضاعفوا من السرور بِلذَّاتِهم ويغرقوا في الاستمتاع بصبواتهم، أما بشار فقد أخذ الحسُّ عنده مكان الخيال؛ وأغراه فَقْدُ البصر باستحضار ما فاته من «المحسوسات» التي لا يقنع بها المبصرون، فإذا طمح المتغزلون الذين يشبهونه في الذوق والمزاج إلى سمة معنوية مُحلَّاة بزينة الخيال يخلعونها على الصور المنظورة والملامح المألوفة، فحسبه هو أن يطمح بوهمه إلى ما وراء السمع واللمس من محاسن العيان التي حُجِبَ عنها، وأن يجعل تلك الصور المنظورة والملامح المألوفة أقصي شأو الظنون وغاية شوط الخيال، فلا يُخرِجُه التوهم عن حيز الحواس وإن غلا فيه وأبعد الرحلة في بواديه.
ومن هنا ترى أن مكان «الحواس المتخيلة» من شعر بشار قد خلا وصفر إلا من فلتاتٍ قليلةٍ يقلد فيها غيره على السماع ولا يعتمد فيها على الشعور والابتكار، وشُغِل ذلك المكان كله بتصور الألوان والأصباغ واستنشاق الروائح والطيوب، فكان لا يشبب بامرأة إلا تخيلها في ثيابها ووشيها ولون بشرتها وصبغة ما عليها من الزينة والحلي، وهو صاحب المثل السائر في قوله:
وخذي ملابس زينةومصبغات فهو أفخروإذا دخلت تقنعيبالحمر إن الحُسنَ أحمر وله من هذا النوع يصف طيفًا في المنام:
ولقد تعرض لي خيالكمُفي القرط والخلخال والقلب وفي وصف حسناء:
ومصفرة في الزعفران جلودهاإذا اجتليت مثل المفرطحة الصفر وفي أمنية:
وما حاجتي لو ساعد الدهر بالمنىكعاب عليها لؤلؤ وشكول وقوله في فتاة:
كأنها صورت من ماء لؤلؤةفكل جارحة وجه بمرصاد وفي هذا المعنى:
وتخال ما جمعت عليــه ثيابها ذهبًا ودرًّا وفيه:
وحوراء من حور الجنان غريرةيرى وجهه في وجهها كل ناظر وقد ينقل الوصف أحيانًا مما يُرى إلى ما يُحس؛ فيصف الهوى والجمال كأنهما شيء «مصبوب» على القلب والجسم، كقوله:
إذا نظرت «صبت» عليك صبابةوكادت قلوب العاشقين تطير وقوله:
«صببت» هواك على قلبهفضاق وأعلن ما قد كتم وقوله:
من فتاة «صب» الجمال عليهافي حديث كلذة النشوان وأكثر من ذلك وَلَعُه بالطيب؛ فإنه يُدخِلُه في الغزل والمدح ويلهج به ويستنشق فيه العرف الذي يشمه والوجه الذي يتصوره، فهو عنده رائحة ومنظر ولذه حسية وخبر عما لا يراه، ويبلغ من ولعه به أنه يذكره في وصف نعال المهدي وهو يمدحه فيقول:
تُشم نعلاه في النديِّ كمايشم ماء الريحان منتهبا أما في الغزل فقد ذكره في مثل هذا المعنى فقال:
إذا وضعت في مجلس لك نعلهاتضوع مسكًا ما أصاب وعنبرا وقال وقد زاره فتيات خمس يسألنه شعرًا يَنُحنَ به:
باكرن عطر لطيمةوغمسن في الجادي غمسا وقال في عبيدة:
هوى صاحبي ريح الشمال وإنهلأشفى لقلبي أن تهب جنوبوما ذاك إلا أنها حين تنتهيتناهى وفيها من عبيدة طيب وقال فيها:
عبيدة مالك مسلوبةوكنت معطرة حالية وقال يوصي زائرة:
وتوقَّ الطيب ليلتناإنه واش إذا سطعا وقال:
يا رحمة الله حلي في منازلناحسبي برائحة الفردوس مِن فِيك وحتى بيته الذي عيب عليه وهو:
وإذا أدنيت منها بصلًاغلب المسك على ريح البصل إنما جاءه من ناحية هذا الولع الشديد بالطيب وتَعوُّده أن يجمع فيه صور الملاحة المغيبة عنه.
على أنه قد برع في الاستدلال بالمشمومات والمسموعات على محاسن العيان حتى لقد كان يدرك بسمعه ما لا يدركه إلا البصراء، قيل إنه كان في مجلسٍ فيه نساءٌ وكانت إحداهن تُكثِر الضحك؛ فالتفت بشار إلي جاره وقال له: أرأيت فلانة هذه؟ ألست تراها حسنة الأسنان؟ فقال له جاره ويحك! وكيف عرفت هذا؟! قال: إنما تُكثِر من الضحك دون صويحباتها؛ لتُبدِي جمال ثناياها!
وكان أنزه ما يتغنى به بشار من محاسن النساء الحديث والسمر، وكان يحب أحاديثهن ويكرر وصفها، ويفتنُّ في تجميلها والترنم بها، وهي أبعد لذَّاته من المحسوسات وأقربها إلى المعنويات، ومن قوله في ذلك:
وحديث كأنه قطع الروض وفيه الصفراء والحمراء ومنه:
ودعجاء المحاجر من معدكأن حديثها ثمر الجنان ومنه:
ولها مبسم كثغر الأقاحيوحديث كالوشي وشي البرود ومنه:
وكأن رجع حديثهاقِطَعُ الرياض كُسِينَ زهراوكأن تحت لسانهاهاروت ينفث فيه سحرا ومنه:
لقد عشقت أذني كلامًا سمعتهرخيمًا وقلبي للمليحة أعشق ومنه:
وإني ليجري بيننا حين نلتقيحديث له وشي كوشي المطارف ومنه:
وبكر كنوار الرياض حديثهاتروق بوجهٍ واضحٍ وكلام ولكنك ترى من هذا الشغف بحديث المرأة أنه كان يسمع منه ويرى في وقتٍ معًا، وأنه كان يُشرِك فيه حاستين بحظ حاسةٍ واحدةٍ، ويصغي إليه أصواتًا مسموعة ثم يتصوره ألوانًا منظورة فيها الصفراء والحمراء وأصباغ المطارف والأزهار والثمار؛ لأنه — كما قلنا — كان يصرِف الخيال إلي استيفاء ما فاته من حظ البصر، ويتمم على هذا النحو ما يقصر عنه اللمس والشم والسماع.
•••

وقد كان أناس في عصر بشار يُعجبون لتشبييه بالنساء وميله إلى مجالسهن، ويُخيَّل إليهم أن مَن فقد البصر فقدَ معه أداة الغزل وسبب استحسان المرأة، واستوت عنده جميع النساء في كل شيء، وليس العجب إلا أنهم يعجبون من غزل الأعمى ويحرمونه الطبيعة الإنسانية؛ لأنه حُرِمَ الإحساس بعينيه، إذ ليس بصر العينين إلا رائدًا للنفس؛ لأنه اختيار شكل من أشكال «المرأة» وترجيح صفات منها على صفاتٍ أخرى، ولكنه لا يوجِد الأشكال والصفات ولا يخلق الميل بين الرجال عامة والنساء عامة، وليس هو بعدُ بالوسيلة التي لا وسيلة غيرها للاختيار والترجيح، ولبشار أقوال شتى في تفنيد لوم اللائمين لا نخال أحدًا من الشعراء قال أصدق منها ولا أبلغ في تعليل عشق العميان بل المبصرين من بعض الوجوه، ونجتزيء منها بقوله:
وما تبصر العينان في موضع الهوىولا تسمع الأذنان إلا من القلبوما الحُسن إلا كل حُسنٍ دعا الصباوألف بين العشق والعاشق الصب وقوله:
يا قوم أُذُني لبعض الحي عاشقةوالأذن تعشق قبل العين أحياناقالوا بمَن لا ترى تهذي فقلت لهمالأذن كالعين توفي القلب ما كانا وليس هذا الكلام من قبيل «حسن التعليل» الذي أُغرم به البيانيون، ولكنه هو التعليل الصحيح الذي نعرف مصداقه في جميع العاشقين والمعشوقين سواء منهم المكفوفون والمبصرون، فما أكثر ذوي الأبصار الذين يسلطون قلوبهم على عيونهم وأسماعهم وعقولهم فلا تبصر إلا ما تراه، ولا تسمع إلا ما توده ولا تعقل إلا ما تشتهيه وتتمناه! فإذا هم أحجى من المكفوفين بتصديق حكمة بشار:
وما تبصر العينان في موضع الهوىولا تسمع الأذنان إلا من القلب إن العشق شوق من إنسانٍ إلى إنسانٍ آخر قائم على اختلاف الجنسين، أو هو في الحقيقة قائمٌ على اختلاف الصفات التي يمثلها كلٌّ من الجنسين، ويتمم بها كلاهما ما ينقص الآخر، وهذا الاختلاف بين الذكورة والأنوثة عريق في طبائع الأشياء أحسب أن المادة نفسها لا تخلو منه، وأن انقسام الذرات الدقيقة إلى كهارب موجبة وكهارب سالبة إن هو إلا ضربٌ من «الجنسية» الأولى التي تدعو إلي التآلف بين جميع الأجسام، فإذا تركنا تقسيم الأحياء إلى ذكورٍ وإناثٍ، وقلنا في موضع ذلك التقسيم أن الأشياء كلها ترجع إلى طبيعتين إحداهما فاعلة مؤثرة والأخري قابلة متأثرة، ففي وسعنا أن نقول حينئذٍ إن الذكورة والأنوثة شائعة في جميع الكائنات ابتداءً من الموجب والسالب وانتهاءً إلى الرجل والمرأة، وجاز لنا أن نقول إن من صفات الذكورة ما يوجد أحيانًا في النساء كما أن من صفات الأنوثة ما يوجد أحيانًا في الرجال، وسواء أنظرنا في الاختلاف بين الرجل والمرأة إلى الخصال الجسدية أم إلى الخصال الأدبية فأول ما يظهر لنا أنه اختلاف بين صفات فاعلة مؤثرة تبدو في العزيمة والبأس والصلابة والعمل والغلبة، وصفات قابلة متأثرة تبدو في الصبر والحنو والعطف والنعومة والتسليم، فطبائع الرجل مبتدئة نافذة، وطبائع المرأة مُلبِّيَة قابلة، والعشق بينهما هو الشوق الذي يجمع بين طبيعتين تسكن كلٌّ منهما إلى الأخرى، ولا تتم وتهدأ إلا بالارتياح إليها.
وقد كان بشار من أحسِّ الناس بالأنوثة الجسدية وأرغبهم في الاتصال بها والاستراحة إليها والاستماع إلى حديثها، وكان في كثيرٍ من غزله يمثل المرأة «مؤنثة» متكسرة باكية تلين لشدة الرجولة وخشونتها، وتستعذب الخضوع لسطوتها وأثرتها، فانظر إلى قصيدته التي أوردناها في الفصل السابق والتي يقول منها:
أذرت الدمع وقالت ويلتيمن ولع الكف ركاب الخطرأمتي بدد هذا لعبيووشاحي حله حتى انتثرفدعيني معه يا أمتي… … … …أقبلت في خلوة تضربهاواعتراها كجنون مستعربأبي والله ما أحسنهدمع عين غسل الكحل قطر أو قصيدته الأخري التي يقول منها:
واسترخت الكف للعراك وقالت إيه عني والدمع منحدرانهض فما أنت كالذي زعمواأنت وربي مغازل أشريا رب خذ لي فقد ترى ضرعيمن فاسقٍ جاء ما به سكرأهوى إلى معضدي فرضضهذو قوةٍ ما يطاق مقتدرألصق بي لحية له خشنتذات سواد كأنها الإبر … إلخ إلخ.
فإنك ترى في هذه الأبيات رجلًا حيوانًا يصبو إلى المرأة الحيوان، وجسدًا مذكرًا يشتاق إلى جسدٍ مؤنثٍ يجاوب طبعه ويُرضِي أثرته. فلم تكن به من حاجةٍ إلى النظر بالعين والتفريق بين هيئات النساء؛ لأنه خلص من جسد المرأة الشاخص للعيان إلى أنوثتها وطراوة طبعها، ونقل إلى هذا الشعور بها كل لذات النظر ومحاسن المشاهدة.
فهو يفهم «الأنثى الجسد» ذلك الفهم الخليق بطبيعته الحيوانية ولذَّاته الحسية، ولكنك لا تقرأ له بيتًا واحدًا يسمو به إلى إدراك «النفس» الأنثوية وما فيها من حلاوةٍ صافيةٍ ورحمةٍ سماويةٍ وكنوز عطفٍ تغذي بها وجدان الرجل، وتُرضِعُه بها روح الحياة طفلًا كبيرًا كما أرضعته من قبل وهو طفل صغير. ذلك ضربٌ من الغزل لا تقرؤه في شعر بشار وأمثاله، ولا تجده في الشعر العربي إلا أبياتًا متناثرةً في مئات الدواوين ومعاني هائمة بين قصائد العذريين.
(?) بشار والهجاء

كان أول ما نظم بشار من فنون الشعر الهجاء. قيل إنه نظمه وهو في السابعة وإنه كان يهجو الناس فيشكونه الي أبيه فيضربه ضربًا مبرحًا فلا ينتهي ويقول لأبيه «إن هذا الذي يشكونه إليكَ منِّي هو قول الشعر وإنِّي إن أتممت عليه أغنيتك وسائر أهلي!»
وكان آخر ما رُويَ له من الشعر الهجاء؛ فقد أقذع في ثلب الخليفة المهدي فوشَى به الوزير يعقوب بن داود لحقده عليه، فما زالوا يتعللون له حتى سمعوه يؤذن وهو سكران في غير أوان الأذان؛ فضربوه حتى أشرف على التلف ومات من ألم الضرب، فهو قد أصاب بالهجاء وأُصيب به من مطلع حياته إلى خاتمتها، ولكنه مع هذا لم يكن هجَّاءً مطبوعًا ولا كان هذا الباب من الشعر مجاله الذي برز فيه بين الشعراء.
وأريد بالهجَّاء المطبوع ذلك الشاعر الذي يُولَد بفطرته ناقمًا هاجيًا لا يرضى عن شيءٍ ولا يستريح إلى مدح أحد ولا يكف عن النقد والعيب، كلفًا بهما واندفاعًا إليهما لا جلبًا لكسبٍ أو درءًا لمساءة، أو ذلك الشاعر الذي أُوتِيَ من الفطنة وسعة المخيلة واستعداد الطبع ما يفتح له معاني الهجاء إذا أراده ناقمًا أو غير ناقمٍ ومعتمدًا ما يقول أو عابثًا فيه. ولستُ أعرف في الأدب العربي غير شاعرين اثنين نابهين بهذا الصفة، هما: دعبل بن علي الخزاعي، وعلي بن العباس «ابن الرومي».
أما دعبل فقد كان صاحب طبيعة من تلك الطبائع النابية النافرة التي تخرج على «المجتمع» وتثور به ولا تزال في حربٍ معه لا مُسالمةَ فيها ولا مهادنة إلى أن يواريها الموت في ثراه، وكان غاضبًا أبدًا على الناس ينكر عرفهم، ويشذ عن إجماعهم ويهجو أفرادهم بأسمائهم وهو إنما يهجو الناس جميعًا في أشخاص أولئك الأفراد، وهو القائل:
إني لأفتح عيني حين أفتحهاعلى كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا! وكان يهيم على رأسه في البلاد سنين عدة تنقطع فيها أخباره وتخفى آثاره، ثم يظهر حيث كان فجأةً وقد أثرى وغنم ليبدد ما جمعه في اللهو والقصف، ثم ينقلب إلى شأنه من الإباق والتطواف في أرجاء الأرض، وربما لقي الشراة أو قُطَّاع الطرق في بعض رحلاته فيجالسهم ويؤاكلهم، ويأمر غلاميه أن يُغنِّيا لهم ويعرفهم ويعرفونه فلا يمسونه بأذى ولا يذكرهم بسوءٍ؛ لأنهم أبناء نِحْلَةٍ واحدة يؤلف شملهم النفور من الناس ويوفِّق بينهم الشذوذ عمَّا تواضعوا عليه من الآداب والدساتير، فهو قاطع طريق بفطرته التي وُلِدَ عليها وإن لم يحمل السيف ولم يخرج للفتك والغيلة، بل لقد قيل إنه قطع الطريق في بعض أيامه فعلًا «وأنه كان يكمن للناس بالليل فرصد يومًا صيرفيًّا طمعًا بما معه ففتك به، ولم يجد في كُمِّهِ إلا ثلاث رمانات في خرقةٍ فخرج هاربًا من الكوفة لاشتداد الطلب عليه.» وما كان هجوه لو بحثت في أسبابه إلا ضربًا من قطع الطريق على الناس اشتهاءً في أكثر الأحيان للذة الصيد والقنص ونزوة المطاردة والتخويف لا طمعًا في المال أو طلبًا للتراث، فما اتفق الناس على إمامٍ إلا هجاه وألحَّ في هجائه وإن أَحْسَنَ إليه وأجزل له العطاء. ولا ترك أميرًا ولا وزيرًا ولا واليًا إلا ناله بلسانه عرضًا أو قصدًا ولو كان من أبناء قبيلته ومن خاصة المفضلين عليه، فلما مات الرشيد ودُفِنَ بطوسٍ إلي جوار قبر الرضا قال فيه:
قبران في طوس خير الناس كلهموقبر شرهم. هذا من العبرما يُنفع الرجس من قرب الزكي ولاعلى الزكي بقرب الرجس من ضرر وقال في المأمون:
أيسومني المأمون خطة جاهلأَوَ ما رأى بالأمس رأس محمدإني من القوم الذين سيوفهمقتلت أخاك وشرفتك بمقعدشادوا بذكرك بعد طول خمولواستنقذوك من الحضيض الأوهد ولما نهض إبراهيم بن المهدي للخلافة — وكان عاكفًا على الغناء — قال يتهكم به وبأجناده:
يا معشر الأجناد لا تقنطواوارضوا بما كان ولا تسخطوافسوف تعطون حنينيةيلتذها الأمرد والأشمطوالمعبديات لقوادكملا تُدخَل الكيس ولا تُربَطوهكذا يرزق قوادهخليفة مصحفه البربط وقال في المعتصم:
وقام إمام لم يكن ذا هدايةفليس له دين وليس له لبوما كانت الأنباء تأتي بمثلهيُملَّك يومًا أو تدين له العربولكن كما قال الذين تتابعوامن السلف الماضين إذ عظم الخطبملوك بني العباس في الكتب سبعةولم تأتنا عن ثامن لهم الكتبكذلك أهل الكهف فى الكهف سبعةخيار إذا عدوا وثامنهم كلبوإنى لأُعلي كلبهم عنك رتبةلأنك ذو ذنبٍ وليس له ذنبُ وجاءه نعي المعتصم وقيام الواثق فارتجل هذين البيتين:
الحمد لله لا صبر ولا جَلَدولا عزاء إذا أهل البلى رقدواخليفة مات لم يحزن له أحدوآخر قام لم يفرح به أحد وقال في المتوكل:
ولستُ بقائل قذعًا ولكنلأمر ما تعبدك العبيد! وهذا هجاؤه للخلفاء واحدًا بعد واحدٍ، أما الوزراء والولاة والقواد فكان كأنما يجترئ عليهم ويولع بهم على قدر ما عُرِفُوا به من الغضب والسطوة وحدة الخلق، فكان المأمون يقول: أترون رجلًا يجترئ على أبي عباد ولا يجترئ عليَّ؟! وأبو عباد هذا هو الذي يقول فيه دعبل:
أولى الأمور بِضَيعة وفسادأمر يدبره أبو عباد… … … …… … … …وكأنه من دير هرقل مفلتحرد يجر سلاسل الأقياد وهو رجل «حديد جاهل» كما وصفه مولاه المأمون.
وقد روجع دعبل فى هذه الأهاجي التي كان يقتحم بها غضب الملوك والأمراء وأخطار العداوات وإِحَن الصدور، فكان يقول:
«أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة لست أجد أحدًا يصلبني عليها»، وقال له أبو خالد الخزاعي الأسلمي: «ويحك! قد هجوتَ الخلفاء والوزراء والقوات ووترتَ الناس جميعًا فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا صرفت هذا الشر عن نفسك، فقال: ويحك، إني تأملتُ ما تقول فوجدتُ أكثر الناس لا يُنتَفع بهم إلا على الرهبة، ولا يبالي بالشاعر وإن كان مُجيدًا إذا لم يخف شره، ولمَن يتقيك على عِرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل مَن شرفته شرف ولا كل مَن وصفته بالجود والمجد والشجاعة — ولم يكن ذلك فيه — انتفع بقولك. فإذا رآك قد أوجعتَ عِرض غيره وفضحته اتقاك على نفسه وخاف من مثل ما جرى على الآخر.»
وهذا كلام يقبله العقل من حيث ينظر إليه دعبل، ولكنه قد أخطأ طبعه ولم يعرف نفسه إن كان قد ظن أنه هجا من هجاهم لهذه العلل التي انتحلها وأودعها فلسفة الهجاء العربي كله، فإنه لم يُعفِ من الذم مسيئًا ولا محسنًا ولم يُبقِ من وجوه عصره على بخيلٍ ولا كريم، فلم يكن قدحه فى المطلب بن عبد الله بن مالك الذي ولَّاه ولاية أسوان ووهبه الجزيل من الهبات دون قدحه فى الوزراء والولاة الذين حرموه وتعقبوه؛ لأنه بدأهم بالذم والتشهير، مع أن المطلب بن عبد الله من خزاعة التي هو منها، فهو يَمُتُّ إليه بِصِلَة من القرابة وصِلَة من الإحسان ويستشفع إليه بكل شفاعةٍ تُنجيه من ذلك اللسان، ولكنه هكذا خُلِقَ هاجيًا مطبوعًا لا يأوي إلى الناس، ولا يكف عن ذَمِّهم والعيب عليهم ولو غمرته الثروة وبات أغنى الخلق من عطاء الممدوحين والمذمومين، وكان كثيرًا ما يُعَرِّض بأصحابه فى الهجاء لغير علةٍ يعرفونها كما قال وهو يهجو ابن أبي دؤاد:
ولو سكت ولم تخطب إلى عربلما نشبت الذي تطويه من سببكعدَّ البيوت التي ترضى بخطبتهاتجد فزارة العكلي من عربك فلقيه فزارة العكلي وقال له: يا أبا علي، ما حملك على ذكري حتى فضحتني وأنا صديقك، قال: يا أخي، والله ما اعتمدتك بمكروه، ولكن كذا جاءني لبلاءٍ صبه الله — عز وجل — عليك! ومن هذا أنه هجا أبا نصر بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فقال فيه:
ما جعفر بن محمد بن الأشعثعندي بخير أبوة من عثعث! فلقيه عثعث وقال له: «عليك لعنة الله، أي شيء كان بينى وبينك حتى ضربتَ بي المثل فى خِسَّة الآباء؟!» فضحك وقال: «لا شيء والله إلا اتفاق اسمك واسم ابن الأشعث فى القافية، أوَ لا ترضى أن أجعل أباك وهو أسود خيرًا من آباء الأشعث بن قيس؟!»
وكانت فى دعبل تلك الدعابة التي تجدها فى هؤلاء النامقين المتبرمين الذين تضيق صدورهم وينفد صبرهم فيضحكون بالناس ويُضحكون الناس منهم، وكان قومٌ من خزاعة يدَّعُون أن جدهم كلم الذئب وأنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام «فحدَّثه أن الذئب أخذ من غنمه شاةً فتبعه فلما غشيه بالسيف قال له: مالي ومالك تمنعني رزق الله؟! قال: فقلت يا عجبًا لذئب يتكلم …! فقال: أعجب منه أن محمدًا نبي قد بُعِثَ بين أظهركم وأنتم لا تتبعونه! فبنوه يفخرون بتكليم الذئب جدَّهم»، فكبرت هذه الحماية على صبر دعبل وضاق بهذه الدعوى فقال يهجوهم:
تهتم علينا بأن الذئب كلَّمكم!فقد لعمري أبوكم كلَّم الذيبافكيف لو كلم الليث الهصور إذنأفنيتم الناس مأكولًا ومشروباهذا السنيدي لا فضل ولا حسبيكلم الفيل تصعيدًا وتصويبا ومِن دَأْبِ أصحاب هذه الطبائع النافرة الملول أنها تنفس عن نفسها بشيئين: بهذه الدعابة التي تخفف مرارة الجد وترقق حواشي البغضاء، وبالعقيدة التي يتخذونها من قوة ما يجيش بقلوبهم من السخط والكراهية. والعقيدة سواء أكان منشؤها الحب أم البغض إنما تقوم بأملٍ يحييها ويثبتها ويعينها على حبها أو بغضائها، فما كان من السهل على دعبل — أو أي إنسان مثله — أن يسخط على الناس ويهجوهم وينكر جميع حالاتهم بغير أملٍ يتوق إليه ويصب عليه كل ما في نفسه من قوة الشعور النافر والعطف المعكوس، فمَن لم يؤمن بشيءٍ لم يثابر على حبٍّ ولا على بغضٍ ولم يصبر على رضا ولا على نقمةٍ، ومَن أضاع الأمل أضاع الإيمان ثم أضاع الشعور بنوعيه من خيرٍ وشرٍّ ومن حدبٍ ونفورٍ، وكذلك مَن أضاع الشعور فقد فتر أمله وتراخى جلده وسُدَّت دونه منافذ الإيمان.
ولكن دعبلًا كان رجلًا شديد الشعور بالنقمة، فلم يفتر إيمانه وانعقدت هذه الشدة في نفسه على التعصب لآل البيت من العلويين والأمل في انتصارهم وظهور أمرهم وغلبتهم على أعدائهم، وجمع نقمته على «المجتمع» كلها فى كراهة مَن يكرهون العلويين ويغصبون حقهم ويقعدون عن نصرتهم، وخُيَّل إليه أنه لم يكن ينبو بالناس إلا لأنهم أجحفوا بآل البيت وخذلوهم ومالَئوا عليهم أعداءهم، والحقيقة أنه لم يتعصب لآل البيت إلا لأنه كان ينبو بالناس ويجد في اعتقاد الظلم الذي حاق بآل البيت معوانًا له على كراهة الظالمين والسخط عليهم والشوق الدائم إلى تبديل حالهم، ولو أفلح هؤلاء المظلومون فى أيام دعبل، لرأينا أن ذلك السخط على «المجتمع» لم يذهب من نفسه ولم يُلطِّف من نزوة الهجو التي في طبعه، ولسمعنا له فى هجائهم مثل ما سمعنا من هجائه لظالميهم، فهو «هَجَّاء مطبوع» قد وُلِدَ ليذم ويبغض ويصل إلى المدح والحب من طريق الذم والبغضاء، وهو في تكوينه كله قصيدة هجاء حية تلقى الناس أبدًا بالتجهم والعبث والشذوذ.
•••

أما ابن الرومي، فلم يكن مطبوعًا على النفرة من الناس ولم يكن قاطع طريق على «المجتمع» في عالم الأدب، ولكنه كان «فنانًا» بارعًا أُوتِيَ مَلَكة التصوير ولطف التخيل والتوليد وبراعة اللعب بالمعاني والأشكال، فإذا قصد أحدًا أو شيئًا بالهجاء صوَّب إليه «مصورته» الواعية فإذا ذلك الأحد أو الشيء صورة مهيأة فى الشعر تهجو نفسها بنفسها وتعرض للنظر مواطن النقص من صفحتها كما تنطبع الأشكال في المرايا المعقوفة والمحدبة، فكل هجوه تصوير مستحضر لأشكاله أو لعب بالمعاني على حساب مَن يستثيره، كقوله في هجو صاحب لِحْيَة طويلة:
ولحية يحملها مائقمثل الشراعين إذا أشرعالو قابل الريح بها مرةلم ينبعث في خطوه أصبعاأو غاص في البحر بها غوصةصاد بها حيتانه أجمعا وفي آخر:
إن تطل لحية عليك وتعرضفالمخالي معروفة للحميرعلق الله في عذاريك مخلاة ولكنها بغير شعير!لو غدا حكمها إليَّ لطارتفي مهب الرياح كل مطير وفي مغنية:
تضغط اللحن الذي تشدو بهغصة في حلقها معترضهفإذا غنت بدا في جيدهاكل عِرْقٍ مثل بيت الأرضه وفي أصلع:
ووجهه يأخذ من رأسهأخذ نهار الصيف من ليله وفي أحدب:
قصرت أخادعه وطال قذالهفكأنه متربص أن يُصفعاوكأنما صُفعت قفاه مرةوأحس ثانية لها فتجمعا وفي قصيرٍ أعور أصلع:
أقصرٌ وعورٌوصلع في واحد؟!شواهد مقبولةناهيك من شواهدتخبرنا عن رجلمستعمل المقافدأقماه القفد فأضــحى قائمًا كقاعد وفي مغنٍّ معلم صبيانٍ:
أبو سليمان لا تُرضى طريقتهلا فى غناء ولا تعليم صبيانله إذا جاوب الطنبور محتفلًاصوت بمصر وضرب في خراسانعواء كلب على أوتار مندفةفي قبح قرد وفي استكبار هامانوتحسب العين فكَّيه إذا اختلفاعند التنغم فكِّي بغل طحان؟ وفي طويل الأنف:
وإذا نهضت كبا بوجــهك للجبين المعطسإن كان أنفك هكذافالفيل عندك أفطسوإذا جلست على الطريــق ولا أرى لك تجلسقيل السلام عليكمافتجيب أنت ويخرس وفي ثقيلٍ:
كأن بغداد لدن أبصرتطلعته نائحة تلتدممستقبل منه ومستدبروجه بخيل وقفا منهزم وفي طيلسان:
يا ابن حرب كَسوْتني طيلسانايتجنى على الرياح الذنوباطيلسان إذا تنفست فيهصاح يشكو الصبا ويشكو الجنوباتتغنى إحدى نواحيه صوتًافتشق الأخرى عليه الجيوبافإذا ما عذلته قال مهلًا!لن يكون الكريم إلا طروبا وفي وجهه هو:
أهيم بالخرد الحسان ومايصلح وجهي إلا لذي ورعكي يعبد الله في الفلاة ولايشهد فيها محافل الجمع وهكذا وهكذا مما ازدحم به هجوه ومدحه ووصفه وعامة شعره من هذه الأشكال السهلة الصحيحة التي تكاد تسلكه في عداد الرسامين كما سلكه نظمه في عداد الشعراء، فلو نقل المصور ديوانه بريشته لملأ به مجلداتٍ ضخامًا من خير ما تستنبطه القريحة الفنية من صور الهزل والجد ومعاني التهجين والتحسين، ومثل هذا الشاعر يهجو حيث شاء بأداته الحاضرة كالرسام الذي يحمل «مصورته الشمسية» ليلتقط بها المناظر التي تروقه وتسترعيه أينما كان.
أما بشار فلا هو من طراز دعبل ولا هو من طراز ابن الرومي، لم يكن عنده من مرارة الخلق وحدَّة العقيدة ما يقيم حربه على الناس فيهجوهم صادقًا في شعور الحفيظة عليهم وإن أخطأه الصدق فيما ينعتهم به من المساويء والعيوب، ولم تكن له أداة ابن الرومي من مَلَكَة التصوير المطبوعة التي لا تخذله في مواقف التمثيل والتشويه، ولكنه كان رجلًا يحب المجتمع وينغمس فيه، وكان هجَّاءً كل بضاعته من الهجاء أن يجمع أقبح العيوب وأشين الرذائل التي تزري بصاحبها فيقذف بها على مَن يهجوه، ويصوغها شعرًا تسهل روايته وتُتقى مَعَرَّة انتشاره، فإذا هو هجاء لا عمل فيه لقريحة الشاعر غير نظم الكلمات وجمع العيوب، وكلما أعوزته البراعة وصدق الشعور بالغ في الإقذاع وأفحش فى الهجو وجاء بكلامٍ لا يصلح منه للنقل في الصحف والكتب المهذبة إلا القليل الذي لا طعم له، وما كان ليخيف الناس لولا شناعة المثالب التي يلصقها بهم وخبث الدعاوى التي يفتريها عليهم، أما قدرته على التصرف في معاني النقد وفنون الهجو فلم تظهر في شيءٍ من شعره الذى تخلف في الكتب، ولا نظنها ظهرت في شعره المفقود وحده، ثم لم يبقَ لها أثرٌ يدل عليها في هذه البقية المحفوظة.
وإنما أكثر بشار من الهجو على قلة أدواته عنده وضعف سليقته فيه لأسبابٍ شتى دعاه إليها عصره وميل نفسه وحالة معيشته، منها: أنه أدرك الشعراء الهجَّائين في صدر الدولة الأموية وسمع روايات الناس عن مناقضاتهم ومباهلاتهم وعرف هوى الرواة في حفظ مساجلاتهم ورغبة الأمراء والولاة فى التحريش بينهم، فأَحَبَّ أن يقتدي بهم لينبه ذكره وينقل شعره ورُوِيَ عنه أنه قال: «هجوتُ جريرًا فأعرض عني واستصغرني ولو أجابني لكنتُ أشعر الناس.»
ومنها أن الهجاء كان بابًا من أوسع أبواب الكسب في ذلك الزمان، وهو كان يقول إذا ذُكرت له كثرةُ أهاجيه: «إني وجدتُ الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر من المديح الرائع، ومَن أراد من الشعر أن يكرم في دهر اللئام على المديح، فليستعد للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء؛ ليخاف فيُعطَى»، ومنها أن الهجاء كان في عصره كالامتحان للشعراء المتنافسين؛ يكون أقدرهم وأبلغهم في رأي الناس مَن يفحم خصمه ويسير على الألسنة نقده وذمه، فإذا كثر الشعراء في بيئةٍ واحدةٍ حول مرتزقٍ واحدٍ، فلا ندحة لهم عن التهاجي والتباهل ليُعرف أيهم أمضى لسانًا وأكثر افتنانًا وأجدر بأن يُمنَح ويُتَّقَى وأن يُحفظ كلامه ويُروى، ومنها أن الإيقاع بين الشعراء كان من لذة بعض الأمراء والولاة؛ ليلهوا بالتغاير بينهم والاستماع إلى نوادرهم وأهاجيهم على نحوٍ مما كان معروفًا شائعًا في مصر إلى حين قريب من الإيقاع بين المجان والخلعاء في ليالي الأفراح والمواسم، ومنها أن بشارًا كان أحوج الشعراء إلى أن يخافه الناس ويسكتوا عنه ويحذروا الاستخفاف بشأنه، وكان سليطًا لا يستحي ولا يخشى على عِرضه ولا على أعراض الناس، فلم يكن يمنعه من الوقوع فيهم مانعٌ ولا يتكلف في ذلك منازعة نفس أو مصاداة لائم، فقد تمت له بذلك أسباب الميل إلى الهجاء والإكثار منه وإن لم تتم له فيه سليقة مسعدة وملكة مجيدة.

مَثَلٌ من التصوير في شعر ابن الرومي


علاقته بطيرته
أشرتُ إلى مَلَكَة التصوير في هجو ابن الرومي وسائر شعره، وقلتُ في مقدمة مختاراته إنه «ينظر إلى الأشياء بعين مصوِّر صناع لا يفوتها لونٌ من الألوان التي تنسجها خيوط الشمس في ائتلافٍ أو اختلافٍ وفي سطوعٍ أو خفوتٍ، فإذا أضفتُ إلى ذلك مقدرته في تصوير الحدب والصلع والقصار وأصحاب اللحى الكثيفة والأنوف الغليظة، أمكنك أن تقول أيضًا: ولا يفوتها شكلٌ من الأشكال، فهو فنان لا تنقصه إلا الريشة واللوحة، بل لا تنقصه هاتان؛ لأنه استعاض عن الريشة بالقلم وعن اللوحة بالقرطاس، فاكتفى بهما وأثبت في النظم البديع ما لا تثبته الألوان والأشكال.»
وقد استشهدتُ بابن الرمي في هذه الخصلة؛ لأن مَلَكَة التصوير الصادق أظهر ما تكون في شعره بين عامة شعراء العرب من المشارقة والمغاربة والأقدمين والمحدثين، ولا أعرف شاعرًا يسبقه في هذه الخصلة البارزة المتجلية على غير قصدٍ في كلامه الجيد والرديء على السواء، والتي أحسبه من أجلها قد خُلِقَ على فطرة المصور، وطُبِعَ على الإتقان في صناعة الرسم لو ساعفته أسبابها وأملت له البيئة في دواعيها. فلو أنه نبغ في أمةٍ تُروَّج فيها هذه الصناعة لشهدنا من آثار ريشته مثل ما نشهد الآن من آثار لسانه، ولضارع المصور منه الشاعر إن لم يَفُقْهُ ويغمره بالشهرة والإتقان.
وليست مَلَكَة التصوير غريبة عن الشعر؛ فإن النفس الفنية جِبِلَّة واحدة تختلف ما تختلف ولكنها تتفق في المَعْدِن الأصيل الذي يجمع بينها عند دقة الإحساس وحب الجمال، وهي إنما تختلف من ناحية «الحاسة» التي تُبلِّغها رسائل الجمال والوسيلة التي تعبر بها عما يخامرها من إلهاماته وخواطره، فالشاعر لا يخلو من مَلَكَة الألوان والأشكال والفطنة إلى الحركات والأنغام، والمصوِّر لا يخلو من معاني الشعر وأصداء النغم التي تراها العين معكوسة على صور الأشياء، والموسيقيُّ لا يخلو من السرور بمحاسن المناظر والمعاني التي يترجم عنها في أصواته وألحانه، وكلهم — لو أمكننا أن نتخيل قرائحهم بمعزلٍ عن الأبصار والأسماع والأيدي والألسنة — أسرة من التوائم لا تعرف الواحد منها إلا حين يرتدي علامته من اللباس.
أما ابن الرومي فقد كانت المَلَكَتان فيه — الشعر والتصوير — متقاربتين أيما تقارب ممزوجتين أيما امتزاج، وكان لا يُعجب بشيءٍ إلا ولمَلَكَة المصور نصيبٌ من ذلك الإعجاب، ولا يشتهي شيئًا إلا وللنظر حظٌّ منه حتى الطعام! ولقد شهروه بالنهم لكثرة وصف الطعام في شعره، ولكني أراه منهومًا بحواسه ومذاوقه — وبالنظر منها على التخصيص — أكثر مما أراه منهومًا بمعدته وأحشائه.
فانظر إلى قوله في الأكلة التي يشتهيها:
خذ يا مريد المأكل اللذيذجرداقتي خبز من السميذلم تر عين ناظر مثليهمافقشر الحرفين عن وجهيهما… … … …… … … …حتي ترى بينهما مثل اللبنمقسومة كأنها وشي اليمنواعمد إلى البيض السليق الأحمرفدرهم الوسط به ودنِّروترِّب الأسطر بالملح ولاتكثر ولكن قدرًا معتدلاوردد العينين فيه لحظافإن للعينين منه حظاومتع العين به مليًّاواطبق الخبز وكل هنيًّا أو انظر إلى قوله في «الزلابية»:
رأيته سحرًا يقلي زلابيةفي رقة القشر والتجويف كالقصبكأنما زينة المقلي حين بداكالكيمياء التي قالوا ولم تصبيلقي العجين لجينًا من أناملهفيستحيل شبابيكًا من الذهب أو قوله في الرقاق:
ما بين رؤيتها في كفه كرةوبين رؤيتها قوراء كالقمرإلا بمقدار ما تنداح دائرةفي صفحة الماء يُرمى فيه بالحجر بل انظر إلي كل ما قاله في أوصاف الطعام تجد نَهَمَ النظرِ والذوق منه أشد من نهم المعدة والأحشاء، وسرور المصور فيه حاضرًا عند كل سرورٍ يتملاه وكل لذةٍ يشتاق إليها، وهذه هي المَلَكَة الشاعرة المصورة الشفافة التي تحدثك عن شعورٍ وحياةٍ في أجد الجد وأهزل الهزل بلا اختلافٍ بين الموضوعات والأطوار.
وقد أحببتُ أن أُورد له في هذا المقال نخبًا من قصيدةٍ واحدةٍ في المدح أبيِّن بها الفرق بين الشاعر الذي ينظم ويقلد ولا ينظر، والشاعر الذي يستوحي نفسه وينظر إلى الدنيا حتى في قصائد المدح التي نعدها أخلى الكلام من أغراض الشعر ومعاني الحس وبدائع النظر الفنان، ولو شئت لأتيت على عشرات من مدائحه كلها تصلح للاستشهاد بها في هذا السياق، ولكني أنقل ما يتسع له المقام وأعني النونية التي قالها في تهنئة عبيد الله بن عبد الله يوم المهرجان، وهذه بعض أبياتها على غير اطراد:
مهرجان كأنما صورتهكيف شاءت مخيرات الأمانيوأديل السرور واللهو فيهمن جميع الهموم والأحزانلبست فيه حفل زينتها الدنـْـيَا وزافت بمنظر فتَّانوأذالت من وشيها كل بردكان قدمًا تصونه في الصوان •••

زُخرفت يوم نعمه حجراتجِد موطوءة من الضيفانوتراءت بها تهاويل رقمقائمات بزينة المزدانثم قام الكماة صفَّين من كلْلِ عظيم في قومه مرزبانكلهم مطرق إلى الأرض مغضٍوعلى سيفه هنالك حانوتجلى على السرير جبينذو شعاعٍ يحول دون العيانيُمكِّن العين لحظة ثم ينهيطرفها عن إدامة اللحظانفله منه حاجب قد حماهكلَّ عينٍ ترومه بامتهانفاستوى فوق عرشه بوقارٍوبحلمٍ من الحلوم الرزانثم قام الممجدون مثولًاضاربين الصدور بالأذقانليس من كبرياء فيه ولكنكلُّ وجه لذلك الوجه عانفثنَوا سؤدد الأمير وعدوافيه آلاءه بكل لسانوقضوا من مقالهم ما قضوهثم آبوا بالرفد والحملانثم سام الأمير سوم الملاهيوخلا بالمدام والندمانوقيان كأنها أمهاتعاطفات على بنيها حوانمطفلات وما حملن جنينًامرضعات ولسْنَ ذات لبانملقمات أطفالهن ثُدِياناهداتٍ كأحسن الرمانمفعمات كأنها حافلاتوهي صفر من درة الألبانكل طفل يُدعَى بأسماء شتىبين عود ومزهر وكرانأُمُّه دهرها تترجم عنهوهو بادي الغنى عن الترجمانأوتي الحكم والبيان صبيًّامثل عيسى بن مريم ذي الحنانلو تسلى به حديثةُ رزءلشفى داء صدرها الحرانعجبًا منه كيف يسلي ويلهيمع تهييجه على الأشجانفترى في الذي يصيخ إليهأمرات المحزون والجذلانوتغنته بالمدائح فيهكل غيداء غادة مفتانذات صوت تهزه كيف شاءتمثل ما هزت الصبا غصن بانيتثنى فينفض الطل عنهفي تثنيه مثل حب الجمانجهوري بلا جفاء على السمـْـعِ مشوب بغنة الغزلان فتأمل هذه الأبيات هل ترى فيها إلا صورًا تتوالى عليك بالمناظر التي تبصرها العين، والخواطر التي تتلقاها النفس، والحركات التي تؤلف بين ما ترى وما تحس تأليف الشريط المتحرك لما انطبع عليه من الأشكال والفصول؟ وتأمل الشاعر هل تراه في قصيدته إلا كالرسام الذي بسط أمامه لوحته، وأقبل على الوجوه والأشكال يتفرسها ويطيل النظر في ملامحها وشاراتها، وما تشف عنه من المعاني وتشير إليه من الدلائل ويراقبها في التفاتاتها ومواقفها وحركاتها؛ لينثني بعد ذلك إلى لوحته فيثبت عليها ما توارد على بصره وقريحته من الألوان والمعارف والهيئات من حيث هي تحفة فنية تستهوي الحواس والأذواق؟! فهو يبدأ برسم زينة المهرجان واختيال الدنيا بمنظرها فيه، وبرود الوشي التي أذالتها للناظرين، واللهو والسرور الذي شمل كل شيءٍ وأديل له من جميع الهموم والأحزان، ثم يرسم حجرات الأمير بزخارفها وتهاويلها وقيام الكماة فيها صفًّا بعد صفٍّ مطرقين إلى الأرض مُغضِّين بالأبصار حانين على السيوف، ثم يرسم حجرات الأمير على سريره وقد طلع على الجمع بوجهٍ مهيبٍ يُمكِّن العين منه لحظة ثم ينهاها عن إدامة اللحظان فيه، وعليه وقار الإمارة وسمات الحلم والرزانة بين قومٍ يعنون له، ويجلِّون قدره من الحب والتبجيل لا من الصلف والكبرياء، ثم يرسم المادحين بين يديه يرتلون عليه الثناء «ضاربين الصدور بالأذقان» وينصرفون من حضرته بالعطايا والحملان، ثم يرسم القيان الكواعب حانيات على العيدان حنو الأمهات على الأطفال بنهودٍ مفعماتٍ ولكنها «صفر من درة الألبان»، ثم يرسم أثر الغناء على وجوه السامعين فإذا هو شجن وسلوى وأَمَرات من الحزن والجذل، وطرب يشوبهُ السكون وسكون يشوبه الطرب، ثم يرسم الصوت نفسه فإذا هو يهتز «مثلما هزت الصبا غصن بان»:
يتثنى فينفض الطل عنهُفي تثنيه مثل حب الجمانجهوري بلا جفاء على الســمع مشوب بغنة الغزلان فلا تزال في القصيدة تتنقل بين أبياتها من صورةٍ إلى صورةٍ ومن منظرٍ إلى منظرٍ ومن حركةٍ إلى حركةٍ حتى تأتي عليها، وقد استعرضت في خيالك متحفًا واسعًا من الأشكال والخطوط عملت فيه القريحة والنظر واشترك فيه الفن والإحساس وروى لك أصدق الرواية عن عينٍ تلمح فتعي، ونفس تحس فتستوعب، وخيال يدخر الجمال المنظور فيثرى بالألوان والسمات، ولو وقف مصور فى موقف ابن الرومي من ذلك المهرجان لما زاد عليه بعد ذلك التفرس والإنعام إلا أن يُجري الريشة على اللوحة بصورةٍ بعد صورةٍ مما قد امتلأت به عينه، وانطبع فى قريحته.
•••

وإذا بلغ من تهافت النفس على التهام الأشكال المختلفة هذا المبلغ فلا جرم تترك فيها أثرًا قويًّا من حُسنها وقبحها، ومما توحيه من بواعث الفرح والنشاط أو بواعث الفزع والوجوم، فأما الحُسن في تلك الأشكال فيزدهيها ويُطربها ويحتث آمالها وتأنس منه البشرى الجميلة والفأل السعيد، وأما القبيح فيقبضها ويروعها وتتوجس منه العاقبة السيئة والطالع المشئوم، وهي إذا غلت في الانقباض خليقةٌ أن تتطير بالقبح، وأن تقرن بينهُ وبين كل شرٍّ تتوقعه وكل نذيرٍ تخشاه، ومن هنا خطر لي أن «التشاؤم» الذي اشتُهِر به ابن الرومى بالإفراط فيه قد يكون قريب العلاقة جدًّا ? «ذوق الجمال» الذي طُبِعَ عليه أو «مَلَكَة التصوير» التي تَفْتأُ تزحم خياله بالمناظر والهيئات.
ولم أقرأ نادرةً من نوادر «التشاؤم» التي تُروَى عن ابن الرومى إلا رأيت السبب الأكبر فيها للتشاؤم أحد عاميلن اثنين: هذه «المَلَكَة التصويرية» ومَلَكَة أخرى فنية هي «تداعي الفكر وتساوق المعاني» التي كان ابن الرومي يؤلف بها بين أقصى الخواطر وأقصاها بحرفٍ يصحفهُ أو معنى يعكسهُ أو مناسبة تهيئها له قريحته المتوثبة الحافلة.
فهو كان يتشاءم ? «التشويه» حيث رآه، وكان يكره أن يقع نظره على أحدب أو أعور أو دميم أو أصلع، بل كان يكره أن يَطَّلِع الناس منهُ على الصلع حين أصابه «فكان لا يزال معتمًّا ويغضب إذا سُئِلَ عن ذلك، وسأله بعض الرؤساء لِمَ تعتمَّ؟ فقال بديهيًّا»:
يا أيها السائلي لأخبرهعني لِمَ لا أراك معتجراأستر شيئًا لو كان يمكننيتعريفه السائلين ما سُترا وممَّن كان يتشاءم منهم ابن طالب الكاتب، وفيه يقول:
أُزريق مشئوم أُحيمر قاشرلأصحابه، نحس على القوم ثاقبوهل أشبه المريخ إلا وفعلهلفعل نذير السوء شبهٌ مقاربوهل يتمارى الناس فى شؤم كاتبلعينيهِ لون السيف والسيف قاضبويُدعَى أبوه طالبًا وكفاكمبهِ طيرةً أن المنية طالبألا فاهربوا من طالبٍ وابن طالبفمن طالب مثليهما طار هارب ومن قوله «إن الفأل لسان الزمان والطيرة عنوان الحدثان»، ونظمه شعرًا فقال:
لا تهاون بطيرة أيها النَّظـْـظَار واعلم بأنها عنوانقف إذا طيرة تلقتك وانظرْواستمع ثَمَّ ما يقول الزمانقلما غاب عن عيونك عنوان مبين، وللزمان لسان فهو يربط بين الظواهر والبواطن بذلك الرباط المهموم ولا يرى الظاهر القبيح إلا عنوانًا لحادثٍ مشئومٍ يُنذِر به الزمان.
وقال ابن الناجم: «دخلتُ عليه فى علَّتهِ التي مات بها وعند رأسه جام فيه ماء مثلوج وخنجر مجرد لو ضرب به صدر خرج من ظهر، فقلتُ: ما هذا؟
قال الماء أبلُّ بهِ حلقي فقلما يموت إنسان إلا وهو عطشان، والخنجر إن زاد عليَّ الألم نحرتُ نفسى، ثم قال: أقص عليك قصتي تستدل بها على حقيقة تلفي، أردتُ الانتقال من الكرخ إلى البصرة فشاورتُ صديقنا أبا الفضل، وهو مشتق من الأفضال، فقال: إذا جئت القنطرة فخذ عن يمينك وهو من اليمن، واذهب إلى سكة النعيمة وهي من النعيم، فاسكن دار ابن المعافى وهو مشتق من العافية، فخالفتهُ لتعسي ونحسي!»
«وشاورتُ صديقنا جعفرًا وهو مشتق من الجوع والفرار، فقال: إذا جئت القنطرة فخذ عن شمالك وهو من الشؤم، واسكن دار ابن قلابة وهي هذه. لا جرم قد انقلبت بي الدنيا! وأضر ما عليَّ العصافير في هذه السدرة تصيح سيق سيق … فها أنا في السياق …»
وهذا مَثَلٌ من الطيرة التي كان يوسوس له بها «تداعي الفكر» وهي مَلَكَة تكثر في أصحاب الفنون يضمون بها الخاطر إلى الخاطر بتصحيفٍ يسيرٍ في اللفظ أو المعنى وبمناسبة دقيقة من الخيال الصحيح أو الوهم الكاذب، فيصلون بها بين الطرفين يراهما عامة الناس على أشد البعد والتناقض، ويلتمسون بها المشابه والمغازي حيث لا شبه ولا مغزى لمَن لم يُوهَبُوا هذه السرعة في توارد الفكر وتساوق المعاني والألفاظ.
فغيرُ بعيدٍ أن تكون «طِيَرَةُ» ابن الرومى مبالغة منحرفة من ذوق الجمال، وسرعة الخاطر تَناهى بها إلى هذا الشطط خبلُ الأعصاب ومضاضة الغبن وقلة فهم الناس إياه، وطوارق أحداث لم تدعهُ حتى أسلمتهُ إلى ذلك المصرع الحزين.

أدب المنفلوطي


لم أكتب عن أدب المنفلوطي على أثر وفاته لأسبابٍ شتى؛ يرجع بعضها إلى شواغل السياسة، وبعضها إلى التحرج من مناقشة الحزن بالنقد، والتقدم إلى تشريح الفقيد الراحل فى موقف التشييع والتأبين، فأبيت أن أقول فيه غير ما أعلم، أو أن أكذب على الموت مداراةً لجلاله وتوقيرًا لقطوبه وهيبته، وكرهت أن أشيعه إلى مرقده بغير ما يجمل في ذلك الموقف من الثناء والعزاء؛ لأني أراه أكرم وأجدر بالرفق والمجاملة من أولئك الذين تُقَال فيهم كلمة الحق وتستخلص من حياتهم عبرة الأخلاق وحكمة الحوادث، وهم بين أيدي النعاة والمشيعين. فالآن وقد مضى على وفاته عام وأيام، وقد سألني بعض الأدباء أن أخصه بكلمةٍ من الكلمات التي أكتبها في هذه الصحيفة، أرى من الواجب عليَّ أن أعرض له بالنقد والتقدير؛ لأقوم له ببعض حقه وأدل على مكانه من أدب العصر الحديث في رأيي؛ إذ لا شك أن المنفلوطي قد كان صاحب «مكان» في هذا الأدب يُعتَد به ولا يحسن إغفاله.
لقد كان المنفلوطي أحد أولئك الأدباء القلائل الذين أدخلوا «المعنى والقصد» في الإنشاء العربي بعد أن ذهب منه كل معنى وضل به الكاتبون عن كل قصدٍ.
وليس يظهر فضل هذه الخطوة المباركة إلا للذين وقفوا على بقيةٍ من أساليب الإنشاء في الجيل الذي غَبَرَ قبل نبوغ المنفلوطي وإخوانه، فقد كانت الكتابة في ذلك الجيل قوالب محفوظة تُنقَل في كل رسالةٍ ويُزَجُّ بها في كل مقامٍ وتُعرَف قبل أن يمس الكاتب قلمه ويليق ذواته، وكان للمعاني القليلة المحدودة صيغ وقوالب لا يعتورها التصرف والتبديل إلا عند الضيق الذي لا محيص عنه والإفلاس الذي لا حيلة فيه، وكانت أغراض الكتابة كخُطَب المنابر؛ تُعاد سنة بعد سنةٍ بنصِّها ولهجة إلقائها ووحدة موضوعاتها، كأنها تُعاد من آلةٍ حاكيةٍ لا تفقه ما تقول على آلاتٍ حاكيةٍ مثلها لا تفقه ما تسمع! وانحصرت الذخيرة اللفظية — التي تتناول منها الأقلام — في أسجاعٍ مبتذلة وأمثال مُردَّدَة وشواهد مطروقةٍ وآياتٍ من القرآن تُقتَبَس في غير معارضعها، ويحذر المقتبسون أن يغيروا مواضع نقلها، وترتيب الجمل التي تسبقها وتلحق بها كحذرهم من تغيير حروفها وكلماتها. فإذا جمعت هذه الذخيرة المحفوظة بين دفتي كتاب فقد جمعت عندك كل ما خطَّه المنشئون من قبل وكل ما في نيتهم أن يخطُّوه من بعد، واستغنيت عن الأقلام والأوراق والمحابر وأدوات الكتابة كلها، ومنها المنشئون والمحبرون!
هكذا كانت حالة الإنشاء في الجيل الذي سبق جيل المنفلوطي وإخوانه من المنشئين، غير أنها لم تكن كذلك حين أخذ المنفلوطي في الكتابة وظهر في عالم الأدب؛ لأن الكتابة في الصحف والمجلات وترجمة المؤلفات الغربية وانتشار الأساليب المختلفة من أسفار الآداب العربية القديمة اضطرت الأقلام قبل ذلك إلى اختيار الألفاظ المقصودة، واقتسرت المترجمين والكاتبين على العناية بالمعاني التي يفهمونها، فنشطت الكتابة في تعثرٍ وسلكت على نهجها القديم فى بطءٍ وتحيرٍ، وبقي فيها أثرٌ من ذلك الجمود كأثر النقاهة في الوجه تعرفه في نزارة المادة وصعوبة التوفيق بين المعاني الطارئة والعبارات الميسورة، وفقر الكُتَّاب وعجزهم عن التصرف فيما بين أيديهم من ثروة التعبير.
فمزية المنفلوطي فى هذا الدور الناقه الهزيل أنه بَرِئَ من آثار تلك النقاهة، ومشى بقدمين على النهج الجديد الذي دخل فيه المعنى والقصد على الإنشاء العربي. وقُل ما شئت في تينك القدمين وفي ذرع خطوهما واستقامة سيرهما على النهج الجديد؛ ليكن فيهما ما فيهما من الضعف والعيب أو ليكن عندهما ما عندهما من الرخاوة والكسل، فإنهما بعد كل ما يُقَال فيهما قدمان آدميتان وليستا بعضوين من الخشب المنجور.
وقد تقدم المنفلوطيَّ إلى هذه المزية أُدباءُ قليلون في مصر، أشهرهم المويلحي الكبير فالمويلحي الصغير، وكانا كلاهما أذكى منه جنانًا وأعرَف بفنون الأدب وأقدر على النقد الاجتماعي وأفطن إلى الفكاهة وأوسع اطِّلاعًا على شئون الحياة، ولكنه كان أحدث منهما عهدًا، وأبعد من ذلك العصر الذي وصفناه؛ فمال إلى الأسلوب المرسل وسلم من تكلف السجع ونقل الصيغ والقوالب، فكان لذلك أدنى إلى الكتابة الحديثة المطلقة وأسعد حظًّا بهذه المزية التي أحرى بها أن تُحسَب لأيامه لا لجرأته وحسن اختياره. أما المويلحي الكبير فكان يتعمد السجع حين يحتفل بالتفخيم والتنميق، وأما المويلحي الصغير فلعل الذي قيده بالسجع في كتابه «حديث عيسى بن هشام» أنه وضعه على نسق المقامات، واختار له اسم راوية كأسماء رواتها فالتزم ما كانوا يلتزمونه في مقاماتهم من الأسجاع والأوضاع.
•••

ذلك هو مكان المنفلوطي في أدب العصر الحديث على وجه الإجمال، ولكن ما مكانه في عالم «الأدب» عامة إذا أردنا أن ننظر إلى الأدب من وراء البيئة والظروف بل من وراء الأجناس واللغات؟
أقول أولًا إن المنفلوطي مُنشئ وليس بكاتب، أو هو يُحسَب مع أصحاب الإنشاء إذا قسَّمنا الأدباء الناثرين إلى كُتَّاب ومنشئين.
والفرق بين الكاتب والمُنشئ في عُرفي هو: أن الكاتب «إنسان» قبل أن يكون حامل قلم وصائغ كلام، وفضيلته فضيلة نفس شاعرة مدركة لا فضيلة لسان وعبارة، وأحسن مواهبه تبقى له كاملة ناطقة إذاهو تُرجِم من لغةٍ إلى لغةٍ أو حِيل بين قارئه وبين بلاغة لفظه وأسلوب أدائه.
وأنت تعجب بالكاتب لصفةٍ تأنسها في نفسه وعقله ثم تعجب بأسلوبه؛ لأنه وسيلة إلى إبراز تلك الصفة في الصورة التي توائمها، فإذا سُئِلتَ أن تفصل بين الكاتب وكتابته في تقديرك لم تدرِ كيف تفصل بينهما؛ لأنك تحس حينئذٍ أن كتابته جزء منه وعضو من أعضائه، بل هي ألصق به من جميع أعضائه وجوارحه لأنها خلاصة حياته وزبدة نفسه وعقله وتاريخ خلايا جسمه وروحه.
وفى كل كاتبٍ شيءٌ من طبيعة النبوة؛ لأنه يحمل رسالة «خاصة» من لدن الحياة إلى إخوانه في الحياة. ولهذا كان لا بد للكاتب من هبةٍ خارقةٍ يحس بها ما لا يحسه سواد الناس، ويفهم بها ما لا يفهمون من أسرار هذه الدنيا وعجائب الغيب والشهادة، فإن لم تكن له هذه الهبة فقوة تقدح هباته المألوفة وتستفزها إلى البروز والاحتدام، وتتجافى بها عن سبيل أمثالها المُعبَّد في نفوس الآخرين فتبدو وكأنها أجنبية غريبة عما يألفونه بينهم من هذه الهبات، فإن لم تكن له تلك القوة فجانب من جوانب الطباع يراه الناس فيه مكبرًا مشروحًا، يدرسون عليه ذلك الجانب من النفس البشرية كما يدرسون الأعضاء الدقيقة وراء المجاهر المعظمة وعلى الرسوم الواسعة المفصلة، فإذا كان التيمن أو التشاؤم أو الحب أو البغض أو الدعة أو الكبرياء أو الحسد أو البر أو غير ذلك من الخلال خفيًّا ضامرًا في عامة النفوس، فربما كان فيه ظاهرًا مفسرًا يتيح لك أن تتأمله وتفحص عن بواعثه وتستقصي غاياته كما لا يُتاح لك ذلك من مراقبة ألوف من الناس، فإن لم يكن فيه جانبٌ من هذه الجوانب المكبرة فمَلَكَة تصبغ المشاهد الدارجة بلونٍ لا تراها به كل عينٍ ولا تخلعه عليها كل بصيرةٍ. وقد تتفق هذه المزايا كلها للكاتب أو لا يتفق له إلا بعضها، ولكنه لا بد أن يكون على الحالين نموذجًا خاصًّا يحمل رسالته التي لا يغني عنه أحدٌ في إبلاغها، والتي تشعر وأنت تقرؤها أنها رسالة و«شفر» في آنٍ واحدٍ، وأنها لو انفصلت عن صاحبها لضاع معها الشفر الذي يفك رموزها وتتوقف عليه فوائدها.
والكاتب جماله في الأسلوب جمال المعدن الصحيح لا جمال الزيف والطلاء؛ فبياضه بياض الفضة، وحمرته حمرة النحاس، واصفراره اصفرار الذهب، ولمعانه لمعان الماس، وكل شيءٍ فيه له قيمته الطبيعية التي لا مبالغة فيها ولا تمويه عليها، فهو يذكِّرك أبدًا بالطبيعة الصادقة واللباب المكنون.
أما المُنشئ فيختلف عن الكاتب في هذه الخلال، فإنك تقرؤه وكأنما تشعر بالقشرة المطلية تحت يدك، ويُؤتِّي إليك أنه يخدعك ويحاول أن يبيعك الشيء الزهيد الذي تراه في كل مكانٍ باسمٍ غير اسمه وقيمةٍ أغلى من قيمته، فأنت تبصر فيه لون المعدن ولا تسمع رنَّته وتروز ثقله، وتعلم أن السر كله في الصقل الظاهر، ولا يعجبك أن تتطلع إلى اللباب المستور وراءه، ويُخيَّل إليك أنها صناعة آلية قد يبرع المخترعون غدًا فيُحدثون للآداب آلةً تصقل الكلام كالآلات التي اخترعوها لصقل المعادن! وقد يعنُّ لبعض المُنشئين أن يفتح له مكتبًا؛ لتوشية كلام غيره كهؤلاء الكتبة الذين يدبجون الرسائل للمستكتبين في أغراض نفوسهم التي لا ينوب عنها فيها سواهم.
وليس للمُنشئ رسالة خاصة يؤديها من لدن الحياة ويَضيع شفرها إذا لم يقم هو بأدائها، ولكنه — على أحسن ما يكون — صاحب زينة يَسرُّك أن تنظر إليها وتُجري يدك عليها، وتفقدها كلها إذا أردت أن تنقلها من لغتها التي كُتِبَت فيها إلى لغةٍ أخرى تحفظ معناها وتنفي قوالبها وألفاظها، فليست فضيلته فضيلة «إنسان»، يخاطب جميع الناس بلغة الحياة، ولكنها فضيلة حروفٍ لا حياةَ فيها، وأصداءٍ لا ارتباط لها بمعانيها.
وخير ما يكون المُنشئ أن يكون تزويقه في أسلوب الفكر وأسلوب الصياغة معًا، كما كان «أوسكار وايلد» في إنجلترا و«تيوفيل جوتييه» في فرنسا و«بديع الزمان» في اللغة العربية، فهؤلاء قد تبقى لهم بعض ملاحتهم إذا نقلوا من لغةٍ إلى لغةٍ وخسروا وشي أساليبهم ورنة ألفاظهم؛ لأن سوانح أفكارهم قد تبهر النظر بألاعيبها ورقصاتها ولألاء أصدافها كما تبهر الآذان نغمات كلماتها وتراكيب عباراتها، على أن المعاني المزوقة قلما تنجلي عن قيمةٍ نفيسة وجمالٍ دائم.
والمنفلوطي إذا نظرنا إليه بهذا النظر لم نقل فيه إلا أنه مُنشئ لبق الصناعة كثيرُ التزويق في الصياغة قليلُه في المعانى والأفكار، أو هو — إذا بالغنا في إنصافه — أقرب إلى جماعة المُنشئين منه إلى جماعة الكُتَّاب.

المنفلوطي والنفس الإنسانية


قرأت فى بعض ما رُثِيَ به المنفلوطي أنه كان «كاتب النفس الإنسانية» يريد القائل أنه كان — رحمه الله — يبكِي آلام النفس ويستبطن أهواءها وأشواقها ويعطف على آمالها وهمومها ويكشف عن فضائلها وأدوائها، كما يُروَى عن كبار الكُتَّاب الملهمين الذين سبروا أغوار الطبائع، واخترقوا حجب الأذهان والبصائر وعرفوا من سرائر «النفس الإنسانية» أنماطًا لا يدركها الحصر، وأحوالًا تحسب من تصفحها أن الإنسان في هذه الحياة خلائق لا نهاية لها ولا مشابهة إلا على البعد بين أنواعها وفصائلها.
ولست أرى في كل ما وُصِفَ به ذلك الفقيد صفةً هي أبعد من الحقيقة، وأدل على الجهل بالنفس من هذه الصفة التي يُظَن لأول نظرة أنها أصدق صفاته وأحراها بالقبول.
ولا أقول ذلك لأن المنفلوطي كان قليل البكاء في قصصه ومقالاته، أو كان مغلق النفس على الحزن والأسى بطبيعة مزاجه، ولكن لأنِّي أرى أن غزارة الدموع شيء والإحساس بمصائب النفس الإنسانية شيء آخر؛ فالأطفال هم أكثر الناس بكاءً وأغزرهم دموعًا، ولكنهم أغرب الناس عن الحزن وأنآهم عن لواعج الآلام وتجارب الأيام، والنفوس التي تلقى الحياة بالوجوم والانقباض ولا تعرف فيها غير الشكوى والإشفاق إنما هي نفوس عجزت عن تجربة الحياة، وابتلاء ما فيها من الخير والشر والفرح والحزن فقنعت منها بتلك الخشية الضعيفة التي تبدو للنظر القريب في ثوب الرأفة والحنان، وبتلك القشعريرة المجفلة التي تسري في الجلد لأدنى الملامسة وأهون المقاومة، مثلها في هذا مثل «السابح» المقرور يقف على شاطئ البحر فيقترب منه في خوفٍ وحذر، ويغمس فيه أطراف أصابعه في ترددٍ وأناةٍ، ثم تسري في جسده قشعريرة الماء فيرتد عنه ويحجم عن خوض عبابه، وهم يتهم البحر ويرثي للسابحين فيه! فليس ذلك الرثاء رثاء السابح الذي جرب البحر وصارع أمواجه، ومارس حيتانه، واقترب من أعماق قيعانه، وارتفع على متون أثباجه، وتذوق فيه نشوة السباحة مرة، وشارف فيه وهلة الغرق مرة أخرى، ولكنه رثاء السابح الذي لم يجرب البحر ولم يعرف منه إلا تلك القشعريرة الجلدية التي هى أول حدود البحر في عالم الإحساس، وأحرى بمثل هذه القشعريرة أن تُسمَّى «رحمة الجلد» لا رحمة القلب وصوت الشاطئ الليِّن لا صوت البحر الواسع العميق، ولو أن ذلك «السابح» قذف بنفسه في الماء قبل أن يجسه بأطراف أصابعه، وتحرك فيه بملء قوته قبل أن يقف على شاطئه؛ لعلم أن صرخة البحر الجائش غير صرخة الرمل البليل، وأن الرثاء الذي خامره على حافته هو الحقيق من السابحين بالرثاء، وأن الحزن في غمار الماء قوة وشعور، ولكنه على الحافة الندية خوف من القوة وهرب من الشعور.
•••

وربما كان أدب المنفلوطي أصدق الامثلة وأقربها إلى توضيح الفرق بين ليونة الطبع — وإن شئت فقل دماثته — وبين صدق الإحساس وسرعة العطف على الآلام والأشجان؛ فإن كثيرًا من الناس يُخيَّل إليهم أن الطبع الذي يصفونه بالدماثه والرقة هو أصدق الطبائع حسًّا، وأسرعها إلى العطف على مصائب النفوس والإصاخة إلى شكاية البائسين والمحزونين، وليس أخطأ من هذا الخطأ في فهم حقيقة العطف الصحيح الذي إنما يتفجر من سعة الإحساس وغزارة العواطف ويقظة القلب، لا من تلك الدماثة التي تفتأ باكية شاكية أو من تلك الرقة التي تشفق أن تذوب من الهباء!
وانظر إلى أبطال المنفلوطي في قصصه ومقالاته فكيف تراه يعطف عليهم ويرثي لآلام نفوسهم وأشجان ضمائرهم؟ أتراه سريع الإحساس بما يعتري النفوس ويخامر الضمائر، أم تراه لا يلتفت إليها ولا يشعر بحالها حتى يبلغ بها الرزء أقصى ما تنتهي إليه الأرزاء، ويجرعها الدهر صبابة العذاب وقرارة الكدر والبلاء؟! وما ظنك بقلبٍ لا يستدرُّ العطف على المصاب حتى يجمع عليه بين ضنك الفاقة وتبريح السقم ويأس الحب ووحشة العزلة وذلة اليتم وسائر ما يحيق بأشتات المعذبين في الأرض من صنوف الشقاء وضروب الهوان والحرمان؟! وما ظنك بعينٍ لا تجود بالدمع على السكير أو المقامر أو المنكوب حتى تخرجه من الدنيا شريدًا مسلوبًا أبًا لأيتامٍ يتضورون من الجوع وزوجًا لأيِّمٍ تتبلغ بثمن العفاف؟! أتظن أن قريحة تلد هؤلاء الأبطال المساكين وتسأل لهم الرأفة بتلك الكوارث والأهوال قريحةٌ تجيب داعي العطف القريب، وتسرع إلى الإحساس بالألم الضئيل، أو هي على خلاف ذلك قريحة لا تبصر من مصائب النفوس إلا ما جلَّ وعظم وأوشك أن يتساوى فيه القساة والرحماء، وأن يتلاقى عليه الأعداء والأصدقاء؟!
فأشقياء المنفلوطي كلهم إما فتًى مات أبوه، وجار عليه كفيله، وضَنَّ عليه بابنته التي يحبها وتحبه، ونبذه من بيته إلى حيث لا مال ولا مأوى، فما زال به الفقر والوله حتى أسلماه إلى اليأس والسقم، وما زال به اليأس والسقم حتي أسلماه إلى الموت العاجل في ريعان الشباب، وإما رجل غَرَّه الرفقاء وزيَّنوا له الخمر؛ فشرب منها كأسه الأولى فأدمنها فتلف بدنه، وضاع مورد رزقه وغدر به أصحابه ورفقاؤه، واصطلحت عليه آفات الفاقة وأوجاع العلل وعثرات الجد، ثم طال ثواؤه في البيت بلا طعامٍ ولا فراش ولا عزاء حتى ثوى في مضجعه الأخير، وإما فتاة غوت فقادتها الغواية إلى الفجور، وقادها الفجور إلى الداء وانتهي بها الداء إلى العدم، فالنسيان فالموت الشائن المهين، وهكذا وهكذا.
بحيث ترى أن ليس للناس عند المنفلوطي مصائب غير هذه المصائب الجسيمة، وأشباهها التي يبصرها الأعمى ويسمعها الأصم، ويجتمع بها الجوع والداء والذل والموت بلا افتراق ولا تنويع، وهي على فداحتها وثقل وطأتها ليست مما يُسمَّى بمصائب «النفس الإنسانية» والآم الضمائر الحية؛ لأنها مصائب وآلام يشترك فيها الإنسان والحيوان، ويعرفها كل مَن يعرف الجوع والمرض والموت من هذه الأحياء.
وإنما مصائب النفس وآلام الضمير تلك التي يتفرد بها «الإنسان» الشاعر، وهو تام المآرب من طعامٍ وشراب ومتاع وسلطان، وهي تلك التي تجلبها له نوافل الكمال التي يعلو بها عن الأحياء الدنيا وعن بني آدم الذين يشبهونها في المطالب والهموم. وليس من الضروري أن يُمنى الإنسان بالجوع والضر والتبريح جميعًا؛ ليجرع من كأس الشقاء، ويأخذ بنصيبٍ من لذعات الحزن والضيق وأشجان الأسف والكآبة، فربما ملك وساد وتمت له نعمة المال والبنين، ودانت له المتعة والصحة، وهو في ضميره مع هذا في سورةٍ لا تهدأ وحرب لا قرار لها ولا سلام، وربما عشق وأسعده العشق، وهو في حيرة السعادة نفسها على حال من القلق يشبه الكرب والشقاء، وربما شِيب له الصفو بالكدر؛ لأنه بلغ غاية الصفو أو مُذِق له النعيم بالسآمة؛ لأنه أوفى على مدى النعيم، وربما كانت خلاصة هذه الآلام الرفيعة ألمًا واحدًا يتخللها جميعًا، وترى فيه كأنما «الإنسانية» تشتاق إلى مرتبةٍ فوق مرتبتها وسعادة فوق سعادتها وحاجات من العيش والوجود فوق حاجتها، فهو ألم التشوف إلى ما وراء الإنسانية من حظ الحياة والحنين إلى «المجهول» الذي لا يحده الحس ولا تحيط به الأفكار، وذلك هو الألم الذي لم يعطف عليه المنفلوطي قط، ولم يجعل للإنسانية نصيبًا منه في كل ما ألَّف أو تَرجم.
•••

ونظرة المنفلوطي إلى الأخلاق من فضائل ورذائل كنظرته إلى ألوان الشعور من مسرَّاتٍ وآلامٍ؛ أي أنها نظرة لا تنفذ إلى بواطن «النفس الإنسانية» ولا تشملها بالعطف الواسع والفهم السديد والإدراك السليم؛ لأن الإنسان عنده إما صاحب فضيلة، وإما صاحب رذيلة ولا وسط هنالك بين الحالتين، والعمل من الأعمال عنده إما أبيض وإما أسود ولا مزيج هنالك بين الصبغتين، وحدود المحاسن والمساوئ عنده كأنها مقسومة على رقعةٍ من الورق لا في طبيعةٍ حيةٍ يتصل بعضها ببعضٍ، ويتوشج فيها الخير بالشر والحسنة بالسيئة والقوة بالضعف والصعود بالهبوط، فليس من الجائز في عُرفه أن تكون النفس الواحده معتركًا للفضائل والرذائل تنتصر فيها هذه تارة وتنتصر فيها تلك تارة أخرى، وأن يكون العمل الواحد خليطًا من الخير والشر يميل بعضه إلى الصلاح والكمال ويميل البعض الآخر إلى الطلاح والقصور؛ وذلك لأنه يحكم على الأخلاق والطبائع بأسمائها وتعريفاتها لا بما يحسه من العطف عليها وعلى أصحابها، فيُخطئ هنا في تفصيل الأخلاق كما يُخطئ هناك في تصوير الشعور، ومصدر الخطأين واحد هو أن «النفس الإنسانية» التي يعهدها ويعطف عليها نفس ساذجة محدودة، يقل فيها التركيب وتعدد الجوانب، ويُبلغ مداها في الغور والذروة بأقرب مسبار.
•••

ولكننا نُقدِّر المنفلوطي ولا نريد أن نبخسه حقه ونُنكِر عليه أثره. فلا بدَّ لنا أن نقول إن النفوس التي يعهدها ويعطف عليها أكثر عددًا، وأحوج إلى التثقيف والتعليم من النفوس التي لا عهد له بها ولا صلة عطف بينه وبينها. وإن نظرته إلى الأخلاق والشعور أقمن أن تفيد قُرَّاءه وتحظى لديهم من كل نظرةٍ سواها، ولعلها — لولا ما نأخذه عليه من الليونة والرخاوة في أكثر كتاباته — أصلح زاد لهم من غذاء الفكر والعاطفة، بل لعلهم كانوا في حاجة إلى منفلوطي يظهر لهم لو لم يظهر لهم هذا المنفلوطي الذي عرفوه وأقبلوا عليه.

سيد درويش


في مثل هذا الشهر، منذ عامين، مات السيد درويش. وإذا قلت السيد درويش فقد قلت إمام الملحنين ونابغة الموسيقى المفرد في هذا الزمان. مات والقطر كله يصغي إلى صوته، وسمع نعيه مَن سمعوا صوته ومَن سمعوا له صداه من مرتلي ألحانه ومرجعي أناشيده، فما خطر لهم — إلا القليلين — أنهم يسمعون نبأ خسارة خطيرة، وأن هذه الأمة قد فُجِعَتْ في رجلٍ من أفذاذ رجالها المعدودين.
كان ذلك النابغة الفقيد — رحمه الله — قد نبُهَ ذكره قبل موته بعامين أو قراب ذلك، واشتهر اسمه وذاعت أغانيه وألحانه فطافت القطر أجمعه، وطبقت المدن والقرى وانبسطت منها مائدة سرور واسعة الأكناف، تناول منها كل غادٍ ورائحٍ وتضيَّفها كل طارقٍ وواغلٍ، وكان لكل قلبٍ في عالم السماع نصيبٌ من قلب صاحبها ولكل لسانٍ حظٌّ من وحي لسانه، ولكل مسمعٍ خبرٌ من أخبار روحه الهائم في أسعد ساعاته وأجمل أوقاته، فكان يرسل اللحن في الرواية أو القصيدة أو الأغنية الصغيرة فما هي إلا أيامٍ حتى تتجاوب بها الأصداء في أنحاء البلاد؛ فيهتف بها المنشدون على الملاعب، وتترنم بها العازفات في أندية الأسر ومجالس البيوت، وينطلق بها الصبية في السبل والأسواق، وتغدو مصر السامعة كلها كأنها فرقة واحدة وقف منها السيد في منصة الأستاذ فهو يملي عليها وتسمع وهو يبدأ لها وتتبع؛ كلٌّ على قدر طاقته من الفن وعلى حسب حظه من جمال الصوت وحسن الأداء والإصغاء، وما بالقليل على الرجل الفرد في هذه الدنيا أن يُموِّن أمة كاملة بهذه المؤنة المُحيية، وأن يجلب لها سرورًا لا تجلبه لنفسها بما تصبح فيه وتمسي من جهاد الحياة، وأن يُهدي إليها ساعاتِ صفوٍ وأريحية ترتفع بها إلى ملأ الغبطة والنعيم، وترجح بأعوامٍ تنقضي في شقاء العيش، وأعمار تمضي في أَسْر كأَسْرِ الأنعام، وقيود كقيود السجناء، إي والله إن ساعة سرور واحدة لهي ساعة حياة بل هي ساعة خلود، وإن ساعة خلود لهي أنفس من عمرٍ مُسخَّر وأغزر من وجودٍ كوجود الجماد يستوي فيه الدهر الطويل واللحظة القصيرة، وأجدى على النفس الشاعرة من كنوز الأرض وذخائر البحار. وما بالقليل على السيد درويش أن يموِّن أمةً كاملة بهذه المؤنة العلوية يومًا واحدًا لا أعوامًا عدة أو بعض عامٍ.
ولكن الأمة الكاملة — مع هذا — عجزت عن قضاء حق الرجل الفرد؛ فمات بينها وهي لا تعلم أنها أُصيبَت من فقده بمصيبةٍ قوميةٍ، ولم تبالِ حكومتها أن تشترك فى تشييع جنازته وإحياء ذكراه كما تبالي بتشييع جنازات الموتى الذين ماتوا يوم وُلِدُوا، والمشيَّعين الذين شيعتهم بطون أمهاتهم إلى قبرٍ واسعٍ من هذه الدنيا يُفسدُون فيها من أجوائها ما ليست تُفسده العظام النخرات والجثث الباليات.
أنقول مع هذا؟! بل ما لنا لا نقول إن الرجل قد أُهْمِلَ في حياته وبعد مماته ذلك الإهمال القبيح لأجل هذا؟ أوَ ليست آدابنا هي تلك آداب الشرق الجامد الذليل الذي تعاورته الرزايا وران عليه الطغيان؟ أوَ ليست آداب هذا الشرق المسكين تعلمنا أن العزيز العظيم مَن يسيء إلى الناس، وأن المهين الحقير مَن يتوخى لهم الرضا ويوطيء لهم أسباب السرور؟ أوَ ليس من شَرْع الاستبداد وسُننِ آدابه أن يكون الرجل عظيمًا لأنه يطغى ويقهر ويكسر النفوس ويحني الظهور ويعفر الوجوه؟!
أوَ ليس هذا أعظم ما رأينا من العظمة في هذا الشرق الآفل منذ علم أبناؤه أنهم صغراء حقراء فلن يكون الذي يُقدم إليهم الرضا والسرور إلا أصغر منهم صغرًا وأحقر منهم حقارة؟!
بلى، واأسفاه! إن دفائن الاستبداد ما برحت عالقة فينا بدخيلة السرائر، ننفضها فلا تنتفض إلا ذرةً بعد ذرةٍ، ونزن المنفوض منها فإذا هو لا يزيد في الهباء ولا ينقص راكد ذلك التراث الدفين! فما يزال العظيم عندنا عظيمًا بإزرائه من الآخرين، وما يزال تمحيض السعادة لطلابها عندنا عملًا من أعمال الأذِلَّاء المُهانين، وأنت لا تعرف أنك في أمةِ أحرارٍ حقًّا كارهين للاستبداد حقًّا إلا إذا رأيت بينهم لعظماء المطربين شأنًا لا يقل عن شأن أندادهم ذوي المواهب والأعمال والأقدار. فإن المرء في مثل هذه الأمة لا يكبر إلا بما يمحض الناس من صفو وسعادة، ولا يسعدهم أحسن السعادة إلا بما يُحيي فيهم من نبيل الشعور وجميل الأمل ورفيع التفكير والتخييل؛ فهو إذا غناهم أحسن الغناءِ كان عندهم كمَن يفتح لهم أحسن الفتوحِ، ويسوسهم أحسن السياسة ويعلِّمهم أحسن العلم ويصلي بهم أحسن الصلاة، وهو كبير بنفسه لأنه كبير الأثر في نفوس الآخرين بعيد المدى في تشريف الحياة وتطهيرها وتهذيب أبنائها وتحبيبهم في محاسنها ومطامحها ومسراتها، أما الأمم التي لا حظَّ لها من الحرية، ولا يد لها في تعظيم العظيم منها لأنه يعظم بينها غضبت عليه أو رضيت عنه، وأُعجبت به أو أنكرته. فتلك ماذا يبلغ من شأن المغني المطرب بينها؟! بل ماذا يبلغ من شأن كل مَن يسعدها ويُسرِّي عنها كروبها؟! إنَّ كروبها لَكروبٌ حقيرة، وإن أحقر منها لسعادتها، وإن أحقر من هذه وتلك لمَن يمسح عنها تلك الكروب ويجلب لها تلك السعادة! فلا غرو يكون فيها «الفنان» عامة والمغني خاصة خليعًا من خلعائها وماجنًا من مُجَّانِها، بضاعته أن يُضيِّع عليها وقت اللهو الذي هو فضلة من وقت العمل الضائع … أو العمل الذي لا يستحق أن يعمل، ولا يبيح الإنسان أن يعلو بهامته عن مراتب الحيوان، وهو إنما يضيع عليهم وقت اللهو بإحياء الرديء فيهم من الشعور والذميم فيهم من الأمل والوضيع فيهم من التفكير والتخييل. فلا غبن عليه ولا نكران لحقه أن يعيش في هذه الأمم زحَّافةً آدمية تمشي على بطنها، وتحمد الله أنها لا تسحقها بأقدامها، وكذلك عَهِدنا المطربين والمغنين في مصر إلى زمنٍ غير بعيد.
ولو كان السيد درويش واحدًا كآحاد هذه الفئة لما لِيمَ كبيرٌ ولا صغيرٌ على إهماله، ولا لحق هذه الأمة ضيرٌ من غفلتها عن تثمير مَلَكَاتِه وتكميل شوطه، ولكنه رأسُ طائفةٍ وطليعةُ مدرسةٍ؛ رأسُ طائفةٍ لم يتقدمها متقدم، وطليعة مدرسة لم يُسبق لها مثيل في تاريخ الموسيقى المصرية، ولا أحاشي أحدًا ممَّن اتصل بنا نبأهم في العصر الأخير.
فضل السيد درويش — وهو أكبر ما يُذكَر للفنان الناهض من الفضل — أنه أدخل عنصر الحياة والبساطة في التلحين والغناء بعد أن كان هذا الفن مُثْقلًا كجميع الفنون الأخرى بأوقارٍ من أسجاعه وأوضاعه وتقاليده وبديعياته وجِناساته التي لا صلة بينها وبين الحياة. فجاء هذا النابغة المُلهَم فناسب بين الألفاظ والمعاني، وناسب بين المعاني والألحان، وناسب بين الألحان و«الحالات النفسية» التي تعبر عنها، بحيث تسمع الصوت الذي يضعه ويلحنه ويغنيه فتحسب أن كلماته ومعانيَه وأنغامَه وخوالجه قد تزاوجت منذ القِدَم فلم تفترق قط، ولم تعرف لها صحبة غير هذه الصحبة اللزام.
ولم يكن الغناء الفنِّي كذلك منذ عرفناه، وإنما كان لغوًا لا مُحصَّل فيه وألحانًا لا مطابقة بينها وبين ما وُضِعَتْ له، فربما كان «الدور» مقصودًا به الحزن والشجو ولحنه أميل بالسامع إلى الرقص واللعب، أو مقصودًا به الجذل والمزاح ولحنه أميل إلى الغم والكآبة، ولم تكن الأنغام والأصوات عبارات نفسية وصورًا ذهنية، ولكنها كانت مسافات وأبعادًا تُقاس على كذا من الآلات وتُربَط بكذا من المفاتيح، ثم لا محل فيها بعد ذلك لقلبٍ يتكلم ولا لقلبٍ يعي عنه ما يقول، وعلى هذه السُّنة درج الغناء عهدًا طويلًا إلى أن أدركه المغنيان الشهيران عبده ومحمد عثمان فنقَّحاه بعض التنقيح بيْدَ أنهما لم يخرجا به من حيز التقليد، ولم يردَّا إليه نسمة الحياة، وكانا فيما صنعاه في هذا الفن كالذي يطلق الطائر السجين من قفصه، وينسى أنه مقصوص الجناحين كليل العينين يحس قضبان القفص حوله أينما سار.
•••

حدثني بعض أصدقاء الشيخ سيد الذين حضروه في تلحين أدواره ومقاطيعه أنه كان إذا قصد التلحين أخذ الورقة التي كُتِبَ فيها الكلام شعرًا أو نثرًا، فقرأها في نفسه قراءةَ متفهمٍ متأملٍ يستشف روح معانيها وإيماءات ألفاظها ومضامين أغراضها، ثم يتلوها جهرةً؛ لتصحيح كلماتها وفواصلها، ثم يرفع صوته مؤدِّيًا كل جملةٍ بما يوائمها من لهجة الدهشة أو الغضب أو الحنان أو الفرح أو الزهو أو الوجوم، فإذا تمَّ له ذلك هداه اختلاف اللهجات في تلاوة الجمل إلى اختلاف الألحان التي تناسبها، فيخلو بنفسه هُنَيْهَةً، ثم يعود إلى رفاقه وقد أفرغ عليها ألحانها الدائمة فلابَسَتْها بعد ذلك التفهم والإنعام ملابسةَ الإهاب المشرق الصحيح لجوارحه السليمة القويمة، فتسمعها كأنك تسمع تفسيرًا موسيقيًا لدقائق المعاني وكوامن الإحساس، أو ترى صورًا طيفية تنسجها لك الموسيقى من خيوط النغم ونياط القلوب، وطريقته في استيحاء الموسيقى طريقة العبقريين الغربيين؛ إذ يستفتحون أبوابها بين مناظر الليل والنهار وأصداء الرياح والأمواج ولمحات البروق والنجوم، فكثيرًا ما كان يبيت عند شاطيء البحر لياليَ متوالياتٍ يصغي ويتوسم ويغمغم ويترنَّم إلى أن يسلس له النشيد كما يريد، وكثيرًا ما أَحْيَى الليل إلى الفجر يستقبل أنداءه وأنواره، ويترجمها شدوًا بديعًا يطلع على الأسماع بمثل الفجر في حُلَل الأنداء والأنوار، ولحنُه في رواية هدى حيث تظهر أشباح الأجداد عند القناطر الخيرية في مطلع الفجر قد صِيغَ في ذلك المكان في تلك الساعة بعد ليلةٍ ساهرةٍ لم يغمض له فيها جفنٌ، ولم يَكُف لحظة عن التهيؤ «للقدر» المأمول والوحي السعيد.
وكان الشيخ سيد يستعير بعد الأنغام القديمة؛ ليُعيدها على أغانٍ جديدةٍ هي بها أشكل وعليها أَكْيَسُ وأجمل، ثم لا يُخفي الاستعارة ولا يدَّعي ما ليس له على عادة بعض الأدعياء عندنا، فإذا وضع اللحن مبتكرًا أو مستعارًا حرص غاية الحرص على أن يؤديه المنشدون كاملًا مضبوطًا كما أُوحِي إليه ونقل عنه، فلا يطيق أن يتصرف فيه متصرف أو يعبث به عابثٌ من عشاق التزويق والترطيب. وبلغ من فرط غيرته على صناعته أنه سمع ليلة إحدى الفِرَق تُنشد ألحانه في بعض الروايات فهاله ما وجد فيها من التحريف، وجُنَّ جنونه من الغيظ والهياج وجعل يصيح: أهذه موسيقاي؟! أهذه موسيقاي؟! ثم أُغميَ عليه لتوِّه، وقيل لي إنه ظل بقية حياته يُرغِّبونه في العمل مع تلك الفرقة بالأجر الغالي والتوسل الكثير، وهو يأبى عليهم أشد الإباء.
•••

وترى السيد فترى منه رجلًا موسيقيًّا بخُلقه وخليقته، فكان رحب الصدر قوي الحنجرة أهرت الشدقين واسع المنخرين عالي الجبين، وكان ما شئت من جزالة الصوت ووفائه وتجوُّفه وامتداده ومطاوعته إياه في أصعب الألحان وأسهلها مطاوعةً لم نسمعها لمغنٍّ غيره، وجُبِلَ الرجل على شدة الإيمان وطِيب القلب؛ فكان يتصدق على الفقراء، ويصفح عمَّن أساء إليه، ويؤثر الخير والحسنى، ويبتعد عن اللجاجة والأذى، وآفته الكبرى أنه استهتر ببعض المخدرات في أول شبابه؛ فأفسدت صحته على ما فيها من قوةٍ عظيمة وصلابةٍ نادرة وعالج الإقلاع عن هذه العادة الوبيلة قبل موته فاعتزم التوبة الصادقة عن المخدرات جميعًا، ولكن لم تفده هذه النية؛ لأنه مات بعد ذلك بأيامٍ قليلةٍ في شَرْخ شبابه، ولم يتجاوز الثلاثين من عمره.
أما مولده فكان في الإسكندرية في سنة ????م من أبوين فقيرين، وكان أبوه نجَّارًا معنيًّا بتعليم أبنائه؛ فأدخله مدرسة تُسمَّى شمس المعارف يتعلم فيها التلامذة تجويد القرآن، وإنشاد القصائد، وتمثيل الروايات الصغيرة في ختام السنة على عادة أكثر المدارس في ذلك العهد، فظهرت هناك موهبته الغنائية وزيَّن له بعض إخوانه إحياء الليلات الخاصة؛ ففعل ونجح فيها نجاحًا أغراه بالمثابرة والمزيد، ثم انتظم في مسجد أبي العباس؛ لتلقِّي الدروس الدينية فمكث فيه إلى أن تُوفِّي أبوه، وتركه ولا عائل غيره لصغاره وأهله، فعمل مع صهره في بيع الأثاث أيامًا، ثم اختلفا فانفصل عنه، واشتغل بالنقاشة فالعطارة يحترفها بالنهار ويحضر الليالي الساهرة والموالد التي يُدعَى إليها للغناء وترتيل المولد عند أبناءِ حَيِّه الأقربين، وكان يُعطَى في الليلة عشَرة قروش في ذلك الحين! ثم تألفت في الإسكندرية فرقة تمثيلية فاتصل بها مطربًا لها، وسافر معها إلى الشام، ولقي هناك الشيخ الموصلي وبعض أساتذة الصناعة فأخذ عنهم الكثير من أصولها وفوائدها، وعاد من ثَمَّ وقد كلف بتعليق علامات النوطة والاطلاع على كتب الموسيقى والتوفر على دراسة مراجعها الميسورة لقُرَّاء العربية، وأنشأ له فرقة للغناء في القهوات؛ فاستقل بنفسه في تأليف الأدوار وتلحينها، ونبغ في ذلك نبوغًا لفت إليه عشاق هذا الفن وأساتذته، فأُعجبوا به وشجعوه وذكروه بالثناء.
ويعرف أخصَّاؤه أنه وضع كل دورٍ من أدواره في حادثةٍ من حوادث غرامه، فلم يخلُ من فضلٍ للحب عليه في إذكاء قريحته وتهذيب فنه وإغرامه بصناعته، وكأنه طُبِعَ على حب التجديد وسلامة الذوق؛ فكانت نفسه تعَافُ لوازم المغنين التي طفقوا زمانًا يرددونها في جميع الأغاني والأناشيد ? «يا ليل ويا عين» وما شَابَهَ ذلك مما هو في الغناء كوصف الطلول والنياق في الشعر والأدب، وقد عدل عنها بتة في أدواره الأخيرة، ونبذ التكرير الذي لا معنى له فلا تسمعه منه إلا في «أسطوانات» يؤخذ فيها بملء صفحاتها الأربع، وقد لا تحتاج مادتها إلى أكثر من صفحتين أو ثلاث، ولما اشتهر أمره في الإسكندرية نصح له بعض عارفيه بالانتقال إلى القاهرة؛ فانتقل إليها وعُرِفَ فيها فضله، وبدأ صناعة التلحين المسرحي الجديد في اللغة العربية، فبذَّ كل منافسٍ، وجاءت له في هذه الصناعة آياتٌ بارعاتٌ تشهد له بجودة الفهم ودقة الذوق وخصوبة الخيال، ومازال يتفرد في تلحين الروايات المختلفة حتى عُرِضَ عليه أربعمائة جنيه في تلحين رواية قبل موته بشهور.
ولم يكن هذا الإقبال وهذا الإعجاب لِيخدعاه عن جلالة فنه الذي وقف عليه حياته، أو يميلا به إلى الدعة واستمراء هذا الربح الوافر المضمون، فتاقت نفسه إلى التبحر في فنون الموسيقى العالية، وأجمع عزمه على ادخار المال والسفر إلى معاهد الغرب المشهورة؛ ليستقصي فيها أصول الموسيقى وفروعها على كبار الأساتذة المُنشئين، ولو أُملي له في العمر حتى ينجز هذه العزيمة لكان لمصر منه نابغة في فن الموسيقى وعلمها لا يقصر عن أكبر النابغين بين أعلام الغربيين، ولكنه فُوجيء بالموت الباكر وهو يتأهب على أبواب مستقبله المجيد، فذهب بموته ذلك الاجتهاد المكسوب وذهب معه ذلك الأمل المنظور.
•••

على أنه إذا كان قد فاته أن يسبح في آفاق الموسيقى العالية، وأن يهبط إلى سراديب أسرارها الخفية فإن له لحسنات في بعض الأغاني والألحان الصغار، لا ندري كيف كان يسبقها السابقون ولو اجتمع لها كل مَن في الأرض من المنشئين والعازفين.

خواطر في الأخلاق


حول شخصية غريبة «الطاغية»
من الأبيات المنظومة التي يحفظها كلُّ تلميذٍ مصريٍّ في صغره هذا البيت المشهور في تزكية علم التاريخ:
ومَن وعى التاريخ في صدرهأضاف أعمارًا إلى عمره ولكننا نظن أن التمثيل أولى بهذه التزكية من التاريخ؛ لأنه يعرض لنا الأعمار وأطوار الحياة فتشربها نفوسنا، وتتغذي بها أرواحنا ونعود بعد رؤيتها وكأننا عشنا كل عمرٍ من تلك الأعمار، واستخلصنا لأنفسنا كل طورٍ من تلك الأطوار، وإذا وُجِدَت للنفوس حالات وطبائع يعز على الحياة أن تصوغها في قالبٍ واحدٍ من اللحم والدم، فقد يخلق التمثيل ذلك الشخص الذي عز على الحياة فيُخرِج لنا الطبائع النفسية والمواهب العقلية كاسية بالجسد المنظور تعمر في الأذهان ما لا يعمره المولودون في الأجساد.
ومن «الشخصيات» التي عرضها علينا التاريخ والتمثيل معًا شخصية «قيصر بورجا» الغربية العجيبة التي ظهرت في إيطاليا في عصر النماذج النادرة من رجال السيف والريشة والقلم، والتي عَدَّ منها التاريخ في نحو جيلٍ واحدٍ أسماء كأسماء ليوناردو دافنشي وميكالانجلو ورافائيل وسافانرولا وماكيافلي وكولمبس، وكلهم — بعد استثناء رافائيل — كانوا أبطالًا غريبين عجيبين قَلَّ نصيبهم من «الإنسانية» واشتد التقارب بينهم وبين الخلائق العلوية أو السفلية؛ فهم في الخير والشر إما مَرَدَة جبابرة تعنيهم «الفكرة» التي استحوذت على قلوبهم أكثر مما يعنيهم الأحياء الذين يعيشون بينهم، وإما سحرة أبالسة يتقلبون في جو الخبث والجريمة كما تتقلب السمكة في الماء بلا استغرابٍ ولا تهيُّب ولا ندم. فليوناردو الذي كان يترك المدينة تحترق تحت عينه وينظر إلى السماء؛ ليرصد حركات الطيور ويستخرج منها قوانين الطيران، وميكالانجلو الذي كان يخلق العمالقة في الأبدان والصروح، وسافانرولا الذي كان يبغض الفن الجميل حبًّا للتقشف واحتقارًا لهذا العالم الفاتن المطرود من رحمة الله! وماكيافلي الذي كان يُبشِّر الملوك والأمراء بدين الفتك والقسوة وكتاب الخديعة والنفاق، وكولمبس الذي كانت تضيق به الأرض؛ لأنه يبتغي فيها طريقًا إلى الغرب من بحر الظلمات وينشد الهند فتعثر قدماه بعالمٍ جديدٍ، كل أولئك كانوا في مختلف المناهج والدروب رواد عوالم جديدة، أو كانوا هم أنفسهم عوالم غاصة تمشي في أثواب رجال.
وما كان للنابهين في ذلك العصر إلا أن ينبتوا كما نبت أولئك الجبابرة أخلاطًا من القوى العلوية والسفلية، لا يعنيها أمر الناس كما تعنيها مقاصد السماء وجهنم. أو لم يكن العالم كله في عصرهم ميدانًا تتقاتل فيه السماء وجهنم بما لديهما من الملائكة والشياطين ليهوي به الظافر إلى مغاور ظلام أو ينجو به إلى معارج نور؟
•••

أما «قيصر بورجا» فكان أنموذجًا غريبًا غامضًا بين هذه النماذج يستحق أن يُخلق في الدنيا؛ ليكون طُرفة من طُرف الفن إن لم يكن رجلًا من رجال التاريخ! كان وسيمًا رشيقًا قويًّا يحسن الرقص ويركب الخيل ويصارع الثيران، ويتلهى في ساعات الفراغ بطي قضبان الحديد بين يديه! وكان فارسًا شجاعًا وسائسًا حصيفًا وحاكمًا رفيقًا برعاياه جميل الإدارة والتصريف، وكان إلى كل هذا قاتلًا مجرمًا بفطرته؛ يقتل في هدوءٍ وراحة بال كإجرام الذئب والثعبان أو كإجرام السيف الذي يقطع الأعناق والفأس التي تهشم الرءوس بلا كلفة ولا تبكيت ضمير. قتل أخاه وهو في العشرين من عمره على أثر ليلة راضية قضياها عند أمهما يودعانها قبل السفر! ثم قتل زوج أخته، وقيل إنه إنما قتله وقتل أخاه من قبله؛ لأنهما كانا يقاسمانه سرير تلك الأخت التي كانت تضمد بين الأخوين! ولم يكن هذا الفتى الرشيق من طلاب المجالس وعشاق الملاهي والصبوات كدأب أمثاله «الدنيوين» ولكنه كان في حياته الخاصة كثير الخلوة يميل إلى اعتزال الرجال والنساء، ولا يُقبل على موائد الشراب، فهو دنيوي لا يألف الناس ومجرم مطبوع شديد الضراوة لا ينفر من سريرته كما ينفر المجرمون من سرائرهم، وهو عبد مخلص لمطامعه ولكنه سيد للجريمة يسوقها إلى يده غير منساقٍ إليها بدافعٍ من الغضب والاضطراب، وهو وسيم الطلعة ممسوخ الطويَّة، ولكنه قادر على إخفاء ما في قلبه فلا ينضح على وجهه الصبوح أثر من خبايا ذلك القلب المظلم الكنود، أو لعله لا قلب هناك ولا مجاهدة في الإخفاء بل خواء أصم لا يشعر بنفسه ولا يدري بما يقع فيه.
هذه صورة مجملة حفظ التاريخ خطوطها لذلك الطراز العجيب من الآدميين، غير أن المؤلف الذي أظهره على المسرح أراد أن يمحو من تلك الصورة بعض الظلال، وأن يصقل ما بقي من سوادها بصقال المعاذير.
فكان قيصر بورجا الذي أنشأه رافائيل سباتيني في رواية الطاغية? خلقًا آخر غير الذي أنشاة التاريخ، وربما كان أجمل وأقرب إلى الآدمية من الرجل الذي عاش بين أواخر القرن الخامس عشر وأوائل تاليه، وبقيت لنا أخباره ونوادره، ولكنا نفضل الصورة الأثرية الغامضة على هذه النسخة الجديدة اللامعة! ونرى أن مؤلفنا الطيب هذا لم يُرزَق من خصب الخيال، وصدق الفراسة ما رُزِقَهُ زميله الروسي «مرجكفسكي» الذي ألهمته البداهة والذوق الفني ما لا تلهمه «الأخلاق» والمداراة لسباتيني ومَن على شاكلته، فجاء في روايته «الرائد» بأتقن «بورجا» وأتقن «ماكيافلي» يهتدي إليهما الاختراع ويرضاهما الواقع المحفوظ. •••

قلنا إن «قيصر بورجا» كان أنموذجًا غريبًا بين الآدميين، ولكن أستاذ الشكوكيين وشفيع النقائص في زمانه «أناتول فرانس» يقول إن بورجا موجود في كل مكانٍ مخبوء في كل إنسانٍ، كالظلم في طبائع الأحياء، القوة تُظهِرُه والضعف يُخفِيه، ويزعم «أن هؤلاء الإسبان الرومانيين (يعني أسرة بورجا) لم يُخلَقوا — على قدر ما نعلم — بقلوبٍ مخالفةٍ لقلوب كافة الناس ولا بعقولٍ مخالفةٍ لعقولهم، وإن عادة الإجرام التي طال فيهم عهدها لم تستأصل جذورهم من أرومة الإنسانية، ولم تقطع ما بينهم وبينها من عروقٍ داميةٍ يمتُّون بها إليها …»
«… كلا، إن البورجيين ما كانوا أعاجيب في الخلق بمعنى هذه الكلمة الصحيح، وما كانت طبيعتهم الخلقية مشوبة بأية آفة دخيلة مستسرة في تركيب البنية، فإنهم لم يختلفوا في أفكارهم ولا في شعورهم عن أبناء سافيلي وجايتاني وأورسيني الذين كانوا يعيشون حولهم، وإنما كانوا خلائق عنيفة في إبان عنفوان الحياة، وكانوا يشتهون كل شيء وما كانوا في هذه الخلة إلا من بني الإنسان، وكانوا قادرين على أن يفعلوا كل شيء وهذا الذي أخرج منهم أولئك الجُناة المرعبين، إلا أن من الخطر أن نعمي أنفسنا عن هذه الحقيقة، فإن في الجماعات الإنسانية كثيرًا جدًّا من البورجيين؛ أعني كثيرًا جدًّا ممَّن رُكِّب في طباعهم سعار الشره إلى المال واللذَّات، ولا يزال في جماعتنا عددٌ كبيرٌ منهم يجوزون فيه ببنيةٍ شائعة دارجة، ويخشون من رجال الشرط! إنها هي الحضارة التي تستنفد دوافع الطبيعة، أما الأساس في الإنسان فذاك لا يتغير وذاك فظ شديد الأثرة والغيرة، مطبوع على الشهوة والضراوة.»
أفكذلك الإنسان حقًّا؟ أو يبعد الإنسان من مثل الإنسانية وينفصل عن أساسها كلما ابتعد من مثال قيصر بورجا وانفصل عن طرازه؟ إن الآراء لا تتفق في هذا، ولكن الرأي الذي نقلناه من مقالات أناتول فرانس شبيه به، بل شبيه بالنغمة التي أذاعتها في هذا الزمان العقولُ المستنيرةُ التي أطفأت كل نورٍ غير ما تسميه نور العلم الحديث! وفي طليعتها زمرة العقول الفرنسية؛ لأنها عقول الطلاوة والحقائق التي يستبد بها الفكر، ويأبى عليها أن تلجأ إلى حمى السريرة وحظيرة المجهول. فالقول الفصل عند جمهورهم الآن أن الأخلاق طوارئ لا أساس لها في غير العُرف، وضعفٌ تبرأ منه الطبائع القوية والإرادة السليمة، ويقول جورج دوماس وهو باحث فرنسي آخر: «إن حالة الغم والتعب تلائم بزوغ الندم، فتنقض عقائد العُرف في هذه الحالة على الروح المتعبة لتغمرها ثم لا تزال بها تتقلب فيها وترتع في جوانبها. والندم هو العلامة على أن عقائد العُرف — وإن شئت فسَمِّها العادات الأخلاقية — قد ظفرت بغرائزنا، ولا يتم هذا الظفر على الأغلب إلا في نوبات الغم والفتور، ومن ثَمَّ يسوَّغ لنا أن نصل إلى هذه النتيجة وهي: أن الحياة الصحيحة «غير خلقية» بطبيعتها، وأن الضعف والمرض والآداب الخلقية متزاملة بطبيعتها.»
•••

وقد يكون من اللغو هنا أن نرجع الي أدوار الهمجية الأولى؛ لنتخذ منها حكمًا على أصول الأخلاق ومُثُلها العليا؛ إذ كيفما كانت أخلاق الإنسان في تلك الأدوار فليس من المُسلَّم به أن حالة الهمجية هي الحالة الطبيعية الصحيحة بأي معنًى من معاني الصحة في الجسد أو العقل، ولا من المفروض أنها الطبيعة كأحسن ما يمكن أن تكون، فماذا يريد أن يقول ذلك الباحث الذي يُنقِّب عن الضمير والآداب والأخلاق في الفطرة الهمجية فلا يجدها أو يجدها على غير ما نعرفه في هذه الأزمان؟ إنه لا يستطيع أن يصل من ذلك التنقيب إلى نتيجةٍ تنفي أي شيءٍ مما يثبته نُصراءُ الأمثلة العليا في الآداب والأخلاق.
ولا يُفيد الغاضين من أصول الآداب والأخلاق في تلك المباحث العقيمة والحقائق الناقصة أن يستكشفوا لنا رجلًا قويًّا ميت الضمير أو عبقريًّا عظيمًا يقترف الجرائم ويستبيح الموبقات. فإن هذه الكشوف المكشوفة للجميع لا تنتهي بهم إلا إلى نتيجةٍ بدهيةٍ من قبيل تحصيل الحاصل؛ لأنها لا تختلف عن القول بأن سوء الخلق عيب قد يكون في العظماء الأقوياء كما يكون في الصغار الضعفاء، ومَن الذي قال غير ذلك؟! مَن الذي كان يحسب أن العظمة تنفي جميع العيوب؟! على أن ما يُلاحَظ على أولئك العظماء قد يقابل بملاحظةٍ أخرى هي أصح وأجدى، وهي أن عيوب الخُلُق تفشو في الضعفاء كلما اشتد بهم الضعف، وعجزوا عن مكافحة الإغراء والتحريض، وأننا يجوز لنا أن نبني على ذلك أن الخُلُق قوة واضحة، وأن الجريمة والغواية ضعف وسقم.
ومن خطأ التفكير أن يفهم باحثٌ كجورج ديماس أن الأخلاق مزاملة للضعف؛ لأن الندم يظهر على النفس في نوبات الغم والفتور. فإن الندم ليس بأول ما يشعر به الإنسان من بواعث الأخلاق، ولكنه عاقبةٌ تأتي بعد شعوره بقوانينها وتمكُّن تلك القوانين من ضميره وإحساسه. وسواء أكان الندم أول الشعور الأخلاقي أم كان هو آخره فمما لا ريب فيه أنه ليس بالشعور الوحيد الذي تظهر به النزعة الأخلاقية في نفس الإنسان. فإن من الناس لَمَن تراه أقوى ما يكون حين تأخذه النزعة الأخلاقية، وحين يقدم على المكروه أو يقمع هواه عما يحب بسلطانٍ من القوة لا يقدر عليه الواهن الهزيل. وليس في استطاعة أحد أن يقول إن الضعف يخلق الآداب؛ لأنه والندم يتزاملان أو يتجاوران، فَمن قال ذلك كان كمَن يقول إن ضعف الأبدان يخلق جراثيم الأمراض لأن هذه الجراثيم تسطو على الضعفاء وتجتنب الأقوياء.
لا، ليس قيصر بورجا بالمَثَلِ الشَّائع للنفس الإنسانية، وليس من الطبيعة الصحيحة أن يتجرد الإنسان من العطف بينه وبين الطبائع الأخري حين تُتاح له أسبابه، ولْتُنكر «الحفريات» و«وظائف الأعضاء» كل واجبٍ يثبته الضمير وتؤمن به البصيرة، فلن يسعها أن تنكر هذه الحقيقة الجامعة، وهي أن الواجب أساس الحياة وأننا نصون الحياة ونحبها؛ لأننا مُقيَّدُون بواجبها لا لأننا مختارون فيما نحب ونكره منها. وما دامت للإنسان حياة فعلَيْه واجب، وما دامت تحيط به في هذه الأرض قوة أكبر من قوته وحياة أكبر من حياته فعليه — شاء ذلك أو لم يشأ — واجب فوقه ومثل عالٍ أعز من الحياة.
? مثلت هذه الرواية للمرة الأولي في الأسبوع الماضي علي مسرح رمسيس.
الاعتراف بالعيوب


قال لي صاحب معجب بأناتول فرانس — أو مُقدِّس له — على أثر ما كتبته في الأسبوع الماضي عن «قيصر بورجا»: إذن أنتَ من دعاة التستر والمداراة في الأخلاق؟! وقبل أن يسمع جوابي في ذلك سألني: أوَ ليس الأفضل للعلم والبحث والأجدر بكرامة العقل والنفس أن نعرف «الطبيعة الإنسانية» على حقيقتها وأن ندرسها كما هي على بيِّنة بكل حسناتها وعيوبها؟
قلت ذلك أفضل ولا ريب، ولكن أأنتَ على يقينٍ أن هؤلاء الكُتَّاب الذين يسمون أنفسهم تارة ? «الطبيعيين» وتارة ? «الواقعيين» ويُسهِبُون في شرح شهوات الإنسان وتهوين شرها وتوطين النفوس على الإقرار بها والارتياح إليها، أأنتَ على يقينٍ أن هؤلاء الكُتَّاب يعرفون «الطبيعة الإنسانية» على حقيقتها ويدرسونها على بيِّنة بكل ما فيها؟
والحقيقة أننا لا نرى جهلًا بهذه «الطبيعة الإنسانية» أكبر من الجهل الذي يحرك تلك الأقلام باسم العلم والمعرفة والبحث الحديث والدرس الصحيح. فما كانت «الطبيعة الإنسانية» قط خلوًّا من حيِّزٍ كبيرٍ فيها تهيمنُ عليه «الحقائق المطلقة» التي لا يحيط بها العلم وتُنهضه وتُنهض الطبيعة الإنسانية كلها إلي طلب الكمال، والتفدية بالراحة واللذة ابتغاء ذلك المطلب المتجدد. ما كانت الطبيعة الإنسانية قط خلوًّا من جانبٍ موقوفٍ على «المجهول» يوحي إليها أن ما تعلمه من شأنها أقل مما تجهل، وأن حياتها في هذه الأرض خاضعة لذلك «المجهول» كل الخضوع من جميع جهاتها، وإن كانت هي لا تعرفه ولا تملك الوسائل التي تسلك بها إلى معرفته، فأين مكان هذا «المجهول» في آداب الطبيعيين والواقعيين؟ أي حسابٍ في كتاباتهم يحسبونه لذلك العالم المستتر الذي لا يفيدنا أن نُغمِض الأعين عنه، وأن نفترض بيننا وبين أنفسنا أنه في حُكم العدم؛ لأننا لا نقيسه بالأشبار ولا نزنه بالدراهم ولا نطرحه على مائدة التشريح؟ أي شيء تراه في أقوال أولئك الطبيعيين والواقعيين يدلك على أنهم يدركون أننا نقيم في دنيا تسير بنا من حيث لا نعلم، وليس في دنيا نُسيِّرُها نحن إلى ما يَسرُّنا ويُرضِي شهواتنا، ونقف بها نحن عند ما يؤلمنا ويسوءنا؟ إن أولئك الطبيعيين والواقعيين يصفون لك الإنسان كأنه مخلوق مقتضب من الدنيا التي نَجَمَ فيها، لا يطالب بأن يحسب فيها حسابًا لشيءٍ غير ما يعلم ويفهم، ولا أن يمتنع من شيءٍ إلا ما يعرف له علة ظاهرة من المبدأ إلى الختام، ولا أن يسعى إلى شيءٍ إلا ما فيه له سرور وحظوة.
ويسألون: ما بال الإنسان يُحرِّم على نفسه اللذائذ التي تَسرُّه وتعجبه؟ فإن وجدوا لذلك مانعًا فلا يكون ذلك المانع إلا أنها تصيبه بضررٍ عاجلٍ أو آجلٍ في جسده! ويفوتهم أن تلك اللذائذ لو كانت إنما خُلِقَت لتسره وتعجبه — لا لأمرٍ آخر وراء هذه الغاية — لما صح أن يكون فيها ضرر له ولا محظور يصده، ولكانت مُبَاحة له مأمونة العاقبة كلما سَرَّه أن ينال منها ما ينال.
فكأن الإنسان الطبيعي الواقعي هو ذلك الإنسان الذي يعترف بالشهوات ويدين بها ويطمئن إليها، ولكنه لا يعرف أن مجاهدة الشهوات ونكرانها من مطالب الطبيعة والواقع في بعض الأحيان! وحجته في هذا أن الشهوات موجودة قوية في الغرائز والميول! كأنه كان يريد أن يُسلِّم بمجاهدتها وهي معدومة أو ضعيفة لا تحتاج إلى المجاهدة …! وهذه هي الطبيعة الإنسانية كما يفهمونها! الطبيعة التي تجحد كل ما لا تفقه، وتأبى أن تبذل «للمجهول» حصةً من حظوظها ومسرَّاتها؛ لأن هذا المجهول لا يظهر لها، ولا يقنعها في المعامل الكيمية والمجلات الدورية بحقه الدائم المفروض عليها! هذه هي طبيعتهم الإنسانية فهل هي «الطبيعة الإنسانية» على حقيقتها؟! وهل هم يدرسونها كما هي على بيِّنة من كل ما فيها؟!
لا، فما طبيعة الإنسانية في هذا العالم المسيطر عليها إلا كالجندي في الجيش الكبير، لا بد له فيه من طاعةٍ ليس يعرف لها سببًا، وليس يلتمس لها علة. وسيبقى الإنسان كذلك — وإن قال بلسانه غير ذلك — ما بقي جزءًا محكومًا في هذا العالم المجهول، وسيبقى «للحقائق المطلقة» حصتها فيه سواء عليها أأصلح بينها وبين تفكيره ومعلوماته، أم وقف كلاهما من صاحبه على طرفي النقيضين.
•••

وما كانت شهوةٌ من الشهوات الشيطانية التي يُخرِجُها من قماقمها في هذا العصر كُتَّابُ الواقع والطبيعة معدومةً أو منسية في العصور الماضية؛ أي في تلك العصور التي قضت عليها الأديان والعقائد أن تسدل الستار على شهوات الجسد أو تنظر إليها بعين الريبة والتوجس، ولا كانت اللذائذ بغيضة إلى الناس أيام كانوا يَعفُّون عن ذكرها بهذا البذاء الذي تورط فيه كُتَّاب العصر الحديث، ولا كانت «الطبيعة الإنسانية» التي يلفقونها سرًّا مدفونًا مكتوبًا عليه أن يلبث في قبره إلى أن تبعثه معجزات «الريالزم والناترالزم» في القرن العشرين! كلا، ما كان شيء من ذلك كذلك، وإنما الذي كان أن القدماء قد أحسوا ما نحس، وأحبوا منه ما نحب، وأبغضوا منه ما نبغض، ثم زادوا علينا أن جعلوا للمستقبل نصيبه ورصدوا للغيب المجهول قربانه، وكانت علومهم ومعارفهم لا تُنَاقِضُ «الحقائق المطلقة» في أزيائها التي ظهرت لهم يومئذٍ بها، وبعبارةٍ أخرى لا تناقض الأديان والعقائد وما هو في حُكمها من المذاهب والفلسفات. فلما جاءنا العلم الحديث يخلع تلك الأزياء ويمزقها، ويرد كل لُحمَة فيها وسداة إلى نسيجها حسبنا أنها كانت أثوابًا لغير لابسٍ، وأغطية قائمة على هواء، وخلطنا بين الحقائق التي لا وجود لها والحقائق التي لا تقبل الحصر والإحصاء، والتي ستظل أبدًا مطلقة من كل قيدٍ لا تبدو للأعين إلا في كساءٍ من الرموز والكنايات. ومن حقنا نحن أن ننفي كل ما نقدر على نفيه بالدرس والبحث والتفكير، ولكن هل من حقنا — مهما بلغ الغرور منا — أن نؤكد أن الحقائق يجب أن تكون كلها محدودة محصورة قابلة للترتيب والتبويب؛ لأننا نحن لا نقدر على أي إدراك للحقائق في غير هذه الهيئة وبغير هذه الوسيلة؟ أفي العقول السليمة عقلٌ واحدٌ يشك في أن «الحقيقة المطلقة» موجودة وإن كنا نحن لا نستوعبها ولا يمكننا أن نصل إلى استيعابها؟ ومتى كانت هذه الحقيقة موجودة بيننا محيطة بنا فأي عقلٍ سليمٍ يَحِيكُ فيه الظن بأنها بعيدة منا مغلولة الأيدي عن الوصول إلى عقولنا ونفوسنا، والظهور في أخلاقنا وأعمالنا واتخاذ الأشكال المحدودة المحصورة التي تستوي بها بين أفكارنا وهواجسنا؟ أنقول إن العلم الثابت المقرر لا يقبلها على هذه الصفة ولا يدري كيف يوفق بينه وبينها؟ حسنٌ، لِنَدَعَ العلم إذن وشأنه فيما يدريه وما لا يدريه، ولنعلم أننا نحن نملك هذا العلم ونُسخِّره فيما نريد، أما الحقيقة المطلقة فهي تملكنا وهي تُسخِّرنا فيما تريد، ثم هي التي تلهمنا أن نوفق بينها وبين العلم على بعد ما بين الظواهر من خلاف.
لقد ظهرت «النسبية» على يد «أينشتين» في أوائل هذا القرن، ونعتقد نحن أنها ظهرت على النفوس مشربًا في الأخلاق قبل أن تظهر على الورق مذهبًا في العلوم. ومضى على الناس قبل «النسبية» زمانٌ طويلٌ كفروا فيه بكل رأيٍ مطلقٍ في الفضائل والمحامد، وقاربوا بين أعلى المحاسن وأوضع المساوئ بسلمٍ ملتوي الدرجات من الشبهات والاحتمالات؛ فلا فضيلة تُحمَد على إطلاقها ولا رذيلة تُذَمُّ على إطلاقها، لا شيء — وإن عظم — إلا وفيه جانبه من الصغر ولا شيء — وإن صغر — إلا وفيه جانبه من العظمة، افعل ما شئتَ فلك مشبه في فعالك بين الكُبَراء والممدوحين، واترك ما شئتَ فلك مشبه في تركك بين العاملين والمقتدرين. وقد يضر الخير وقد ينفع الشر وقد تَحسُن النية والثمرة زرية قبيحة، وقد تَقبح النية والثمرة شهية جميلة، وهكذا وهكذا من فروض هذه «النسبية» التي مشت فيها المحامد إلى جانب المثالب، ولحقت فيها المساوئ بأذيال الكمالات، والتي سجلتها الأخلاق قبل أن تسجلها العلوم فأصبح لكل مليحٍ وجهٌ من الدمامة، ولكل دميمٍ وجهٌ من الملاحة، وبطل الجهد في طلب الأتمِّ الأكمل مذ صار أرفع العلو قريبًا من أوهد الحضيض في هذا الاعتبار.
•••

وتقدمت «الديمقراطية» قبل ذلك فوسعت للفرد من الحرية إلى حدها الأقصى، وجعلته غرض نفسه يفعل ما يروقه وينبذ كل حقٍّ للأمة أو للإنسانية عليه فيما يخصه، فأصبح السرور هو دين العهد الجديد؛ لأنه مطلب يعرفه كل فردٍ ويتوق إليه بسائقٍ من طبعه غير ناظر إلى عواقبه فيما بعد لذته وحريته.
وربما كان من آثار الديمقراطية في الأخلاق — غير هذا — أنها أزاحت الستار عن أسرار سياسة الأمم؛ فزال غشاؤها الذي كان يحجب فضائحها وخبائثها واشترك الصغير والكبير في فهم ضروراتها وحبائلها، وعلم العِليَة والسِّفْلَة ما يكمن وراء الفتوح والغزوات والألقاب والمظاهر من الخسائس والدنايا؛ فالتبس عليهم الأمر وضعف الوازع الأدبي في ضمائرهم، وساءت ظنونهم بأصول الأخلاق ومقاييس الأقدار، ووقر في أذهانهم أن مقادير الأمم — بله الأفراد — لعبةٌ في أيدي الشهوات والأكاذيب بعد أن كانت ولا سلطان عليها في رأيهم لغير الله والمجد والشرف والأبهة والجلال.
•••

ومِن دأب المدنية أنها تعقد التآلف بين نقائض النفس الواحدة، كما تؤلف بين أشتات الأمم البعيدة وأخلاط الشيع المتنافرة، فيلتقي خير ما في النفس وشر ما فيها وجهًا لوجهٍ في كل حادثةٍ وكل يوم، ويتعود الإنسان أن يطمئن إلى عيوبه المعهودة، وأن ترتفع الكُلفة بين خصاله المشروعة وعاداته المحظورة، فلا يتجهم حميدُها لذميمها ولا يخجل شريفُها من وضيعها، ثم لا تلبث الحواجز بينهما أن تقترب أو تتصل، ولا تزال العادة تُضعف النفرة وتمحو الغضاضة حتى يجرؤ أردأ ما في النفس وأسوأ ما تحتويه من الخبايا المكتومة على البروز جنبًا إلى جنبٍ في وضح النهار مع أشرف سجاياها وأفخر مكارمها وطيباتها.
وهذه العادة المدنية هي سر التسامح الذي يمتاز به الحضري على سكان الريف وأبناء الأمم الجافية، وإنما مَدَارُه كما رأيت على التسامح بين أجزاء النفس الواحدة والتفاهم بين الجانب المشرق الظاهر منها والجانب المظلم المستور.
ولكن لا تَسامُح المدنية ولا تَبَذُّل الديمقراطية ولا انهيارُ العقائد القديمة القائمة على أسس «الحقائق المطلقة»، لا شيء من ذلك بقادرٍ على أن يُخرس في الفطرة الصادقة القوية ذلك الصوت الآمر الذي يفتأ يهتف بالإنسان في أعمق أخلاده أن «للمجهول» حسابًا يُحسَب، وأنه هو جزءٌ محدود من كلٍّ لا حد له، وأنه بعد أن يُوفِّيَ نفسه حظها، وبعد أن يرعى للمجتمع حقه، وبعد أن يرضي في هذه الأرض مَن يلزمه الرضا؛ يبقى وراء ذلك دين دائم لا فكاك منه يتقاضاه صاحبه من سرورنا وأهوائنا وآمالنا وأفكارنا، وما صاحبه إلا ذلك الدائن الذي يلف النفس و«المجتمع» والإنسانية والحياة بأسرها في أطواء قدره وقضائه، والذي لا يمكن أن يكون معدومًا موهومًا، ثم لا يمكن أن يكون موجودًا حقيقيًّا ولا يتقاضانا قربانه المختار من صفوة ما نملك ونخبة ما نحب.
•••

إن الإنجليز يعلِّمون كل ما يعلم الفرنسيون من المعارف، ويمارسون كل ما يمارسه أولئك من الشهوات، ويفهمون كل ما يفهم جيرانهم الأذكياء من «الطبيعة الآدمية» والحرية الديمقراطية، ولكنك لا ترى في مسارح لندن ما تراه في مسارح باريس، ولا تقرأ في اللغة الإنجليزية ما تقرؤه في اللغة الفرنسية من كتب الخلاعة والمجون، ولا تشعر بالإباحة في بيئة الإنجليز كما تشعر بها في بيئة الفرنسيين، ولِمَ ذاك؟! أمحض رياء ونفاق كما يقول ظرفاء فرنسا الهازلون؟ كلا، وإنما جعل الإنجليز كذلك مَن جعلهم من أصدق الناس إيمانًا، وأصدقهم شعرًا، وأصدقهم رزانةً، وأصدقهم بداهةً في استكناه طبائع بني الإنسان، جعلهم كذلك خُلُقٌ متين يَذكرُ الحرية ولا ينسى الحدود، ويحس بالجانب المحجوب في هذه الدنيا كما يحس بالجانب المكشوف.
لنا أن نعرف «الطبيعة الإنسانية» ولكن علينا ألا ننسى أن الإنسان لم يصعد في سلم الخلق إنسانًا ليظل حيوانًا في كل شيء، ولنا أن نعترف بالشهوات والعيوب ولكن علينا ألا نتخذ من هذا الاعتراف نشيدًا نتغنى به غناء الافتخار ونحرق حوله بخور البشرى والانتصار.

عند الصحراء


أخيلة وأشباح
صحراء ألماظة القريبة إلى المدينة لا الصحراء الكبرى التي يستوي فيها الخراب على عرشه الأكبر، ويقيم حوله من الوحشة والخوف أغوال الخيال حُرَّاسًا لم يذللها القيد ولم يروضها اللجام.
وهذه الصحراء «ألماظة» ليست بالصغيرة في مساحتها ولا بالهينة في مراكبها؛ لأنها تبدأ عند تخوم القاهرة وتضرب إلى الشرق في بوادي الشام وجزيرة العرب، ولكنها — لقربها إلى المدن وإحاطة العمار بها في كل موضعٍ — تبدو للوهم كأنها الوحش المكبوح أحدق به نطاق الأسر من كل صوب! أو كأنها صحراء بيتية صناعية أَعَدَّها الناس حول ديارهم؛ لإيحاش أنفسهم من فرط الأُنس بالعَمارِ كما يعدون الشلالات والغياض في ساحات البيوت وأرباض المدن، محاكاةً لشلالات الطبيعة النائية وغياضها المتأشبة في مجاهل الأرض والزمان.
وتارة تعكس هذه الصحراء الصغيرة من روحها على المدينة الجديدة التي نبغت في جوارها نبوغ الجزر البركانية في عرض البحار، فيُخيَّل إليك أنك تنظر حيالها إلى مضارب خيام في العراء نفحتها نافحةٌ من السحر، أو تنزَّلت عليها كلمةٌ من كلمات الله فانتفضت في أماكنها عمائر وقصورًا ومنائر وبروجًا يوشك أن يزول عنها السحر فتنطوي عن النظر وتدع الشاخصين إليها يعركون الجفون دهشةً وذهولًا. فأنت إن شئت من هذه الصحراء في باديةٍ بيتيةٍ، وأنت إن شئت من هذه العمائر في مدينة بدوية، وكلا النظرين يوفق لك من غريب الشعور ما لا يتفق في المدينة ولا في الصحراء!
•••

والصحراء — كَكُلٍّ منظر جليل — تُريك الحياة على وجهين مختلفين أبعد الاختلاف؛ هذا غاية في العظمة والسمو، وذاك غاية في الصغر والمهانة. تنظر إلى النملة الضئيلة فيها وهي تدب على الأرض الموات بين الشقوق والأخاديد فتملأ من نفسك فراغًا شاسع الأطراف عميق الأغوار خفي الشعاب مجهول البداية والنهاية موصولًا بالأبد الذي لا أول له ولا مقياس لقربه وبُعده؛ فراغًا تدركه على حين غرةٍ قائمًا أبدًا كالهاوية المسدودة بين الجماد الميت الذي تراه ثَمَّ حيثما وليت ببصرك، وبين هذه المخلوقة الصغيرة التي تبصر وتسمع وتأمل وتخشى وتحب وتبغض، وتعرف لها وجودًا تؤتمن عليه وتستقل به، وتواجه به الكون قاطبة في فترةٍ عابرةٍ من الزمن، فتقوى عليه بحياتها أكثر مما يقوى هو عليها بأرضه وسمائه ومائه وهوائه وحَرِّه وبرده، وكل حركةٍ من حركاته وناموسٍ من نواميسه، وتقف هذه المخلوقة الصغيرة في جانبٍ وتلك الصحراء المترامية في الجانب الآخر فإذا هي أعظم منها قدرًا، وأهول منها سرًّا وأضخم من كل ما فيها من الآكام والهضاب والزلازل والأعاصير، وتُحدِّق أنت بعينيك هذا البرزخ السحيق الذي لا يُعبر ولا يُحدُّ فتستعيد في ضميرك سياحة الحياة من آزالها المجهولة وأصولها المستورة، وتعلم أنها إن كانت تُقَاس بالعمر بسبعين أو ثمانين أو مائة دورة من دورات الأرض في الفضاء فإنها بالكنه والطبيعة سياحة لا مبدأ ولا ختام ولا أوج لها ولا قرار.
إن الحياة في المدن رخيصة مبتذلة؛ لأنها كثيرة مألوفة يقاس بعض بمقياس بعض، أما في الصحراء فلا مسحة على الحياة من ذلك الابتذال، ولا هي تُقَاس إلا إلى الموات المنتشر في كل مكانٍ الذي بينه وبينها ما لا يحد ولا يُدرَك ولا يُتخيَّل. وما رأيتُ حياة في صحراء إلا تصورت المعجزة الكبرى تُعَاد فجأة على مشهد منِّي في وَمضةٍ من نور النجوى والاطلاع؛ معجزة الحياة تظهر لأول مرة بين أحضان الجمود والعماء، ويا لها من ومضةٍ بارقةٍ تُنيِر الأكوان كلها في طرفة عين بنورٍ نافذٍ كنظرة الله! فهل لمحتها؟ هل تخيلتها؟ هل شعرت بها؟ إن لحظة تقضيها في استحضار تلك المعجزة لتجزينك عاجلًا بسياحة الحياة التي حدثتك عنها كاملة شاملة تفيء إليك جملة واحدة كأنك أُعطيت حياةَ كلِّ حيٍّ ووجودَ كل موجودٍ، وبلغت العمق الذي لا تكون الحياة فيه إلا ا? «حياة» مطلقة مجردة لا أنواع فيها ولا أفراد، فلا هي حياة إنسان ولا هي حياة حشرة ولا هي حياة شيخ ذابلة ولا هي حياة طفل نامية، ولكنها هي هي ا? «حياة» التي يعب فيها جميع الأحياء في جميع الأحيان على حدٍّ سواء. وإذا ألهمتك الحشرة الدارجة في الصحراء هذا الشعور فقد أكبرتك ورفعتك وأطلعتك على آصرة الرحم التي بينك وبينها، وأَرَتْكَ في كل جسمٍ حيٍّ هيكلًا مقدسًا ينبغي أن يُصان كأنه طراز مفرد لا مثيل له في هذا الوجود.
•••

وتنظر إلى الصحراء من وجهٍ آخر فتهون عليك الدنيا وما فيها، وتصغر عندك الحياة ومَن يحرص عليها؛ ترى أمامك فضاء يحسر عنه الطرف على هذا الكوكب الذي يسكنه الإنسان بين كواكب لا عداد لها في السماء، وتراه قد فقد ذلك الإنسان ولم يشعر له بفقدان أو وجود، ولم يعبأ له بحياةٍ أو ممات، ولم يحفل بمقامٍ أو مغيب، وترى إلى جانب ذلك الفضاء الغامر بقعة ضيقة من الأرض يحشد فيها الإنسان جموعه، وينشد لديها آماله، ويفرق فيها من أوجاله، ويحصر لديها همه في العالم، ويحسب أن هذا العالم الذي لا نهاية له خواء بلقع إن لم يسعد هو بما يصبو إليه في تلك البقعة المكتظة بمَن يزاحمونه عليها ويذودونه عن أنحائها، وما هي؟ بقعة كسائر البقاع لو أُلقيَت في الصحراء لضاعت في جوفها كما تضيع فيه ألوف النجاد والوهاد، وماذا يدع بعده عليها مما يميزها عن تلك النجاد والوهاد؟ لا شيء، أو شيءٌ كَلَا شيءٍ!
•••

والقمر مأنوس المحضر حيثما ظهر، متبوع الخطوة أينما خطر، تبسم لك نضرته على الحدائق والمروج وتروعك طلعته على البحار والأمواج ويستخفك لألاؤه في مجالس الصفو والحبور، ولكنه في بعض لياليه — ولا سيما في المدن — يلوح لك أنه يهبط بالسماء إلى الأرض، ويقترب بها من منازل البشرية الوضيعة، ويقوم لها في عليائه مقام الخادم الحاملِ المصباح لملاهيها، والمضيءِ لها الطريق في غواياتها ودياجيها، ويعرِّي للناس وجهها المُحجب بالظلام المحروس بجنود الكواكب، فتقول هذه السماء وهذه الأرض قريبٌ من قريبٍ تلمسها الأعين وتهم بها الأكف! فلا حجاب هناك من ظلمة الغيهب المتراكب، ولا تلك العيون التي لا عداد لها تهولك بالسر المكنون الذي تفتح عليه جفونها سرمدًا بلا هداية ولا وجهة ولا دلالة.
أما في الصحراء فالقمر أبدًا مهيب السمت موفر الحرمة يغض من الأنظار ولا تغض منه الأنظار، إن أخطأته حلية الجلال لم تخطئه حلية الحزن والألم، وأُبصره على تلك السهوب الهامدة فريدًا شاحبًا مشدوهًا يتنقل في أجواز الفضاء بلا أملٍ ولا مقصدٍ ولا اطمئنان فيشبِّه لي هيئة الحسناء الوالهة جنت من الحزن على حبيبٍ فقيدٍ، فجعها الموت في متعة عطفه وأنسه فلاذت بالقبور تهيم بينها على غير هدًى، وتحملها اللوعة الكاسفة إلي غير قرار، ويجتمع لي ذلك الشبه الكئيب من شحوب القمر وانفراده وطوافه الذي لا يهدأ، واقترانه بسمة الملاحة وخاطر الجنون في آداب الأمم ومن موات الصحراء وسكون المقابر الذي يخيم عليها، فيعوِّض هذا الحزن الشامل عندي ما غاب من هيبة السماء في ليالي الظلام.
إن الصحراء تُريك نفسك في منظار الحقيقة من طرفيه المتقابلين، تريكها كأعظم ما تكون وكأصغر ما تكون، وهي لا تُعرِّفك إلى أحدٍ ولكنها تُعرِّفك إلى نفسك، ولا تُقدِّم إليك صديقًا جديدًا ولكنها تُقدِّمك إلى صديقك الذي بين جنبيك على غير ما تراه كل يوم، وكفى بذلك داعيًا يكتب عليك فريضة الحج إليها كلما استطعت إليه سبيلًا.

بائع القلوب


حدثنا جهينة الأخبار قال: هبطتُ في بعض أسفاري مدينةً من مدن الغرائب، فسمعتُ أن بالمدينة ساحرًا قديرًا يبيع القلوب قديمها وحديثها، ويجتلبها من حيث كانت لمَن يبذل له الثمن الذي يريد. ولقيني بعض سماسرته الكثيرين فقال لي: ألا تَرِدُ على الرجل مع الواردين فتشتري لك قلبًا من الطراز الذي يعجبك؟ فالقلوب عنده من كل طرازٍ والناس مُقبِلون عليه من كل صوبٍ، ولم يبقَ في المدينة أحدٌ غيرك لم يجرب حظه في هذه البضاعة العجيبة! فتعال جَرِّب أنت حظك فلعلك تحمد التجربة أو ترجع منها بنبأ طريف!
قال جهينة: فقلتُ للسمسار: إليك عني يا هذا! لا حاجة لي بقلبٍ آخر غير هذا القلب الذي لم أذممه ولم أحمده، ولا أكاد أحتاج إليه كله؛ أرأيتَ في وجهي أمارة على فتورٍ في الدورة الدموية فأنت تغريني بشراء قلبٍ آخر غير الذي ينبض في جانب هذه المعدة؟ لا، والحمد لله! مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وصدق الله العظيم.
قال جهينة: ومضت أيامٌ بعدها أيام وسنون تتلوها سنون، وطوَّفت في الشرق والغرب وعرفت من طبائع الناس وأبناء العالم ما لم أكن أعرف، وعلمت أن الإنسان قد يجوب من المدن ما يسعه فضاء الله، ويبقى في نفسه بعد ذلك فضاء يجهله ويضل فيه إذا نزل بين مَفاوزِه وبواديه، وكنت أجوب الأرض ولا أُلقي بالًا إلى ذلك الفضاء الذي أحتويه بين جنبي، فلما انثيتُ إليه راعني ما رأيتُ وهالني ما جهلتُ، وضحكتُ مني كيف كنتُ أرضى بقلبٍ واحدٍ أحمله ولا أكاد أحس به، وعلى قيد خطوات تاجر للقلوب يبيع للناس ما يرتضون! فقد عرَّفتْني الرحلة بعد الرحلة والتجربة بعد التجربة أن مَن يعيشُ بقلبٍ واحدٍ إنما يعيش بغير قلب! وأن القلوب كالأحذية لا تصلح بفردةٍ واحدةٍ، وخيرٌ للإنسان أن يمشي حافيًا من أن يمشي بحذاءٍ ذي لونين!
ونذرتُ لله لئن عدتُ إلى تلك المدينة ليكونن بائع القلوب أول مَن أقصد من سكانها، وليكونن القلب الذي أنشده إلى جانب قلبي أول ما أشتري من بضاعتها. وكنتُ قد استخلصتُ لنفسي من تجارب الأيام أن القلوب في هذه الدنيا واحد اثنين: فإما قلب يُنسِيك نفسك وتُنسِيه نفسه، ويمتزج بقلبك فإذا هما شيء واحد لا ينفصل شطرٌ منه عن شطرٍ ولا تعرف له بداية من نهاية، ويجري في الوئام على مذهب القائلين أن الحب اجتماعُ نفسٍ كاملة من جزأين متشاكلين يتعاطيان السرور والحزن من مَعِينٍ واحدٍ. ففي مثل هذا الحب لا تُحسَب الذنوب ولا تُشكَر الهبات؛ لأن الإنسان كأنما يهب نفسه حين يهب صاحبه السرور الذي يستطيعه، وإنما ينتظر الشكر مَن يعتقد أنه يعطي كل شيءٍ ولا يأخذ شيئًا يعدل عطاءه، وليس يدوم حب على هذه العقيدة، بل ربما كان شعور المحب الصادق أنه يأخذ كل شيءٍ من حبيبه ولا يعطيه هو شيئًا يستحق عليه شكرًا.
وإما قلب يُتمِّم لك وجودك ويُكمل فيك «أنانيتك» ويستثير من قوتك ما كان خافيًا عليك ويُشبعك من إحساسك بكل جوانب نفسك، ويجري على مذهب القائلين أن ليس الحب أن تنمحي شخصيتان في شخصيةٍ واحدةٍ كما يهجس في خيال الشعراء، وإنما الحب أن تَكمُل كلٌّ من الشخصيتين بالاتصال بالأخرى، فتشتد الغيرة في الحب لاشتداد شعور الإنسان بنفسه، ويغتفر المحب كل شيءٍ إلا أن يُشارَك في ذرةٍ من عطف حبيبه.
وتخيرتُ بين الطرازين فاخترتُ الطراز الأول؛ لأنني عرفتُ فيما عرفتُ أن خير الكمال ما ينمو فيك دون أن تشعر به أو تقصد إلى طلبه، وكذلك ينمو الطفل الصغير وكذلك ينمو كل طفلٍ صغيرٍ في عالَمَي الأجسام والمعاني.
فلما نزلتُ بمدينة الساحر يممَّتُ دكانه نصًّا وما نفضتُ عني غبار السفر، فإذا هو أحفل ما رأيتُ وأعجب ما شهدتُ في الدكاكين؛ زحامٌ على الأبواب لا ينتهي حتي يعود كما بدأ، وقلوبٌ معروضةٌ لا يتماثل منها قلبان في الخصائص والألوان، فَمِن قلبٍ ناصعِ البياض إلى قلبٍ حالك السواد، ومن قلبٍ أحمر قانٍ إلى آخر أصفر فاقع إلى آخر لا لون له إلى آخر كعنق الحمامة يبدو في كل لونٍ! ومن هذه القلوب المحترق المتوهج والبارد المثلوج، ومنها الصحيح السليم والكسير المثلوم، وأسعارها غاية في الشذوذ لا تدري كيف يُقدِّرها الباعة والشراة؛ فهذا قلب محترق يكثر عليه الطلب ويغلو فيه البائع، وذاك قلب كسير يعلو بقيمته على أضعاف ثمن الصحيح، وكلٌّ له آنية يُحفَظ فيها لا تشبه الآنية التي تصلح لغيره؛ فمنها ما يُحفَظ في صندوقٍ من الذهب، ومنها ما يُحفَظ في علبةٍ من الحديد، ومنها ما يُحفَظ في غلافٍ من الورق، ومنها ما يُحفَظ في كوبٍ من الماء، ومنها ما يُحفَظ في الهواء الطلق بلا آنيةٍ ولا وقاء، والناس على الدكان بين ذاهبٍ وآيبٍ يصيحون ويهتفون ويعطون ويأخذون وهم فرحون أو متفارحون!
فانتظرتُ حتى سكت اللجب وخفَّ الزحام وهدأ التاجر من حركة البيع والشراء، فتقدمتُ إليه فتلقاني ببشاشة الساحر الذي تعوَّد اصطياد القلوب، وقال: يلوح لي أنك قادم إلينا من بلدٍ بعيدٍ، فهل من طلبٍ نفيسٍ نخدمك فيه؟
قلتُ: في ذلك أتيت، ولا أطيل عليك فإنك قد مارست التجارة، وخبرت أصنافها وعرفت أوصافها فإذا ذكرت لك طرفًا من الصفة التي أريدها فقد أغنيتك عن الإسهاب في تفاصيلها، أليس كذلك؟
قال: أرجو أن أكون عند حسن ظنك، أتريد قلبًا؟
قلتُ: نعم، قلبًا يمتزج بقلبي وأنسى فيه نفسي ويُنسى فيَّ …
فلم يمهلني الرجل أن أُتِمَّ كلماتي الوجيزة، وضحك في شيءٍ من الإشفاق والسخرية اللطيفة، ونظر إلى صاحبه في الدكان … فلان! هذا طالبٌ جديدٌ للمستحيل الرابع … فهل عندك ما يرضيه؟!
فالتفت إليَّ صاحبه متهانفًا وهو يقول: لقد انقطع عَنَّا هؤلاء الطلاب منذ زمنٍ بعيدٍ، وما أحسبك إلا غريبًا عن المدينة! فانظر ما تقول واعلم أنك تروم منَّا مرامًا عسيرًا لا نقدر عليه ولا يقدر عليه أحد، أفلا يغنيك عن القلب الذي تنشده قلبٌ سواه من لونه، وإن لم يكن من صنف بضاعته؟ إن الذين سبقوك إلى هذا الطلب قد انتهوا بعد اليأس إلى القناعة بذلك، ووجدناهم راضين عن الصفقة أو مُكرَهِين على الرضا. فكن أنت مثلهم واطلب منَّا مثل ما يطلبون، إنك سترضى عن نصيبك إن شاء الله، أو إن شئت أن تُريح نفسك من عناء الامتحان بعد الامتحان والخيبة بعد الخيبة.
والتفت إليَّ الساحر وقال: لو جئتنا قبل الآن لخدعناك وزيَّنَّا لك من البضائع التي عندنا غير ما تصف، ولكنك جئتنا والتجارة رائجة والمطلوب أكثر من المعروض فلا حاجة بنا إلى خداعك. مُرْ بما تشاء من هذه الأصناف التي نبيعها، فإن الدكان وما فيها جميعًا بين يديك.
قلتُ: أحكي لك حكاية.
قال: حسن، هات حكايتك.
قلتُ: زعموا أنه كان في مدينة لندن تاجر يَدَّعِي القدرة على كل شيءٍ والاستعداء لتلبية كل مطلب، وزعموا أن ظرفاء المدينة كانوا يهزءون منه ويعبثون به ويتفننون في تعجيزه بالمطالب الغربية النادرة، وهو لا يعجز ولا يني عن المحاولة والنجاح؛ فكان هذا يطلب منه فِيلًا في كذا من العمر، وذاك يطلب فاكهةً في غير أوانها، وغيرهما يطلب نبتًا لا يُغرس في بلاد الإنجليز، وهو يجيبهم واحدًا واحدًا ولا يزيد على أن يستمهلهم بضعة أيام أو أسابيع إذا أسرفوا عليه في الشطط والتعجيز، فجاءه ذات يوم مداعبٌ خبيثٌ يطلب إليه حقيبةً من البراغيث في أيامٍ قليلةٍ، وحسب أنه لن يقبل البيعة ولو أسنى له الثمن وبالغ في الترغيب، غير أن الرجل قَبِلَ كعادته وأرسل أعوانه في كل مكانٍ؛ ليأتوا له بحقيبة البراغيث في الموعد المحدود، فجاسوا في كل مكانٍ واحتالوا بما وسعهم من الحيلة على اقتناص هذه المخلوقات الصغيرة التي تشبه القلوب في سرعة التقلب والانتقال، فجمعوا منها عددًا عظيمًا وعادوا به إلى صاحبهم وأفرغوه في الحقيبة، فإذا هو لا يملأ منها إلا النصف ولا سبيل إلى الزيادة المرغوبة قبل انتهاء الموعد … فأُسْقِطَ في يد الرجل، وَهَمَّ بالإقرار بالعجز والإذعان للفشل لولا أن خطر له أن البراغيث لا تعيش بغير هواء، وأن الفراغ الباقي في الحقيبة لا يقبل الامتلاء إلا اذا أراد الطالب براغيثه ميتة، وهو لا يريدها إلا حية تقفز وتلسع …! وبذلك نجا من المأزق على غير قصدٍ منه وفاز بسمعة التاجر الذي لا يقول «لا» لمقترح عليه وإن تعسف في الاقتراح.
فضحك الساحر ثم قال — وهو يقبض بأصابعه على لحيته: حكايتك هذه ظريفة، أظنني فهمتها، فأنت تريد منَّا الآن أن نُبدِي لك من المهارة في جمع القلوب الشاردة ما أبداه ذلك التاجر العنيد في جمع البراغيث الطيارة …؟ حسن، فاعلم إذن أننا سنفعل الطاقة وما فوق الطاقة وسنُرضيك جهد الرضا، وإن كان لا يخفى عليك أن القلوب أكثر شرودًا وأسرع طيرانًا من أطيش البراغيث … حسن يا صاح، عُدْ إلينا بعد أيامٍ فستجد عندنا قصارى ما نستطيع في هذه الصفقة، وليتنا نستطيع أن نحتال لك بقلبٍ نصفه كما تهوى ونصفه الآخر من الهواء!
وانتظرتُ أيامًا ثم عدتُ إليه فلم يسرع إلى مقابلتي بتلك البشاشة التي رأيتها على وجهه في المرة الأولي. فأوجستُ شرًّا، ولكني دنوتُ منه وسألته سؤالَ مَن يتهيأ للانصراف، فأطرق قليلًا، ثم قال لي كأنما يخاطب نفسه: لقد أتعبتنا يا بنيَّ وكلفتنا ما لا نطيق، ولكني آمل أن يوافقك هذا القلب الذي صنعناه لك في مصنعنا بإشراف مهندسنا الأكبر ومخترعنا الأوحد ونطاسيِّنا المدرب في جبر الكسير وترميم العتيق من القلوب.
فابتدرته سائلًا: ألعله قلبٌ نصفه هواء؟
فقال: لا تعجل، بل هو قلب من عدة قلوب. جمعناه لك من كل خِصلةٍ شريفةٍ في القلوب التى لدينا، وأخذنا الإخلاص من جانبٍ والثبات من جانبٍ والجمال من هنا والذكاء من هناك، وأتلفنا مائة قلب ثمين؛ لنستصفي لك قلبًا واحدًا من خيرة ما فيها من الطيبات والشمائل الحسان. فعساه بعد هذا التوفيق والتنسيق يعجبك ويغنيك أو يقنعك بعض القناعة ولو إلى حين.
قلتُ: هذا يا سيدي مرقعة وليس بقلب! هذا ليس بقلبٍ واحدٍ ولا بِعِدَّة قلوب، وماذا أصنع يا ساحري العزيز بمضغة من أشلاء الفضائل الممزقة جمعتْها الهندسة ولم تجمعها الحياة! على أنكم قد تعبتم فيه كما قلتَ فهاته أتفرج عليه وأشتريه؛ لأبيعه في غير هذه المدينة لهواة التحف والعاديات المهجورة. إنهم قد يشترونه ويفاخرون به كما يشترون كل زهيدٍ ورخيصٍ من سقط الأشياء بالكثير الغالي من المال.
وجاءوني به فى مثل اللفائف التي تُطوَى على الجثث المحنطة؛ فاقشعر جسدى واستعذتُ بالله! ولم أتمالك أن أصيح بالرجل: يا هذا، إن أرخص قلب عندكم في هذا الدكان لأنفس من هذه المضغة التى لفقتموها من مائة قلبٍ مسكينٍ! ومددتُ يدي إليه فسقط ألف قطعة … وسقطت معه عناية الحكمة والهندسة والتجارة والاختبار! وصرخ الرجل لا حول ولا قوة إلا بالله! يا ضيعة القلوب! يا حسرة على المال! يا خسارة الاختراع! ونظر إليَّ حانقًا وهو يتهدج: أيَسُرُّك هذا يا سيدي؟ أما كان لك فى هذا الدكان الواسع سلوة عن ذلك القلب الذي جشَّمنا صنعُه الأَمَرَّين وضيعتَه أنت علينا في لمحة عين؟
وحِرتُ في أمري لا أدري ماذا أقول وماذا أفعل، وذكرتُ أننى جنيتُ على الرجل هذا الغرم الفادح في غير إساءةٍ أتى بها ولا منفعة أصابها، ومن العدل أن أعوِّضه عن الغرم أو أشاطره حمله، فطيَّبتُ خاطره وهدَّأتُ روعه، وقلتُ له إنني موفِّيك الثمن الذي تقترحه في ذلك القلب المحطم، فاقترح ما تشاء.
وكان الرجل قد تماسك وعاودته سكينة الشيخ ورصانة الساحر، فهش لي وتلطف في الاعتذار وقال: بورك فيك من رجل كبير القلب كبير الطلب. كلانا خاسر أيها الصديق بغير فائدة، ولستُ أقبل ثمنًا تبذله دون أن أعوِّضك عنه بعض العوض من بضاعتي الكثيره الباقية. هذه قلوب الدكان كلها فتأملها وتفرَّس فيها، وخذ لديك نموذجًا لكل طرازٍ يعجبك منها، ثم جرِّبها عندك أيامًا أو شهورًا وتريث في التجربة ولا تغلُ في الاشتراط، فلعلك بعد أن عاينت عاقبة القلب المحطم المجموع من شتى القلوب تخفف من الغلواء، وتعثر بين أصنافنا على قلبٍ جميلٍ إن لم يكن هو بغيتك الموموقة فليكن هو أدنى إليها من سواه.
ونادى مساعده في الدكان: يا فلان، هات لصديقنا نموذجًا لكل صنفٍ منفوسٍ به على عامة الشراة، ودَعْه ينتقي منها الأقوم الأقوم، واحمل له ما ينتقي إلى مأواه.
•••

قبلتُ الفكرة متفائلًا وحملتُ الهدية شاكرًا، ورجعتُ بالنماذج إلى مأواي وفي نيتي ألَّا أعود إلى الدكان إلا وفي يدي قلبٌ أختاره وأجتزئ به عما لا يُنال، وطفقتُ أنزل بالمعيار درجةً بعد درجةٍ عسى أن يعلو في نظري ما لم يكن عاليًا ويجمل عندي ما لم يكن بالجميل، حتى لقد خشيتُ أن أعكس الأمور فأسيغ الكريه وأمج السائغ وأرى البياض في موضع السواد والسواد في موضع البياض، ثم تمردتْ نفسي عليَّ فجأة فسئمتُ النزول بالمعيار إلى ذلك الحد، وسئمته وسئمته وأبَيْتُ أن أخدع نفسي بأشد من خديعة التاجر لي لو أنه عمد معي إلى التمويه والترويج.
قال جهينة: ولا أثقل عليك بتفصيل ما رأيت فإنه مريرٌ أليمٌ، وماذا أقص لك وماذا أدعُ من قلوبٍ عيوبها أثبت من فضائلها وأكاذيبها أصدق من حقائقها؟ فكلها من طينةٍ واحدةٍ في الصميم وكلها في الهوى سواء، ورُبَّ قلبٍ يحس ولا يعلم وقلب يعلم ولا يحس، وقلب آخر يحس ويعلم ولكنه لا يصفو ولا يقنع، ورُبَّ قلبٍ يحب ولا يقول وقلب يقول ولا يحب وقلب آخر يحب ويقول ولكنه يتكلم بالأحاجي وينطق بألف لسان! وجميعهم يلتقون في نهايةٍ تُخلف الآمال وتُخيِّب الظنون.
وعدتُ إلى الساحر ولم ينقضِ الأجل المنتَظر بيني وبينه؛ فتهلل واستبشر وحسب أنني ظفرتُ ببغيتي واكتفيتُ بما وجدتُ، فأسرعتُ إليه قبل الأوان المنظور فبدأني بالتحية وصاح بي: مبارك يا صديقي مبارك.
قلتُ بارك الله فيك على كل حال، وخجلتُ من مجابهته بالرفض لأول وهلةٍ؛ فبادرته بالكلام وعطفتُ عليه وأنا أقول: إنك قد أعطيتني هذه القلوب لأسعدَ بواحدٍ منها، فما قولك فيمَن قد عاف السعادة؟ ما قولك فيمَن يريد له قلبًا يستحق أن يشقى لأجله؟
فأدرك حقيقة الأمر وأطرق غير قليلٍ، ثم جعل يهمس بين شفتيه كأنه في حلم: أوَ تحسب الفرق كبيرًا بين قلبٍ يقدر على أن يسعدك وقلبٍ يستحق أن تشقى لأجله؟ كلاهما يا بني واحد في المعدن والقيمة، فإذا عُدمتَ هذا فقد عُدمتَ ذاك، وإذا انطويتَ على اليأس من أحدهما فلا أمل لك في صنوه الذي ينبت معه على أرومةٍ واحدةٍ.
قلتُ: فاقتراحٌ أخير أعرضه عليك، فهل لك في سماعه؟
قال: هات ما عندك فما في ذلك ضير.
قلتُ: قلبي هذا الذي بين جنبيَّ، قد غنيتُ عنه الآن فخذه إليك، واصنع به ما أنت صانع.
وكأنما بوغت بهذا الاقتراح فبدت الحيرة في عينيه وقال: بِكَم؟!
فأجبته كما يجيب الصدى؛ بِكَم؟! واستولت عليَّ سخرية كالغضب فنظرتُ إليه متعجبًا وقلتُ له متهكمًا: أأنت ساحر؟ أأنت تاجر؟ بِكَم؟ بِكَم ماذا؟! أيُّ شيءٍ يساوي قلب لا يجد بين هذه الخلائق التي لا حصر لها قلبًا واحدًا يستحق أن يشقى لأجله؟ خذ يا شيخ هذا القلب الذي لا يساوي تعب حمله، خُذه عني يا شيخ وأنت المغبون! خذه واذكر قول ابن سينا:
إنِّي عظمتُ فليس مصرٌ واسعيلما غلا ثمني عدمتُ المشتري!
صورة السعادة


لي صديقٌ مصوِّرٌ كَلِفٌ بتصوير المعانى النفسية والتعبيرات الغريبة على وجوه النابهين والعظماء. قال لي مرة إنه شرع في تخيل صورة مبتكرة للسعادة وأراني مسودة من ملامحها في خياله؛ فإذا هي صورة فتاة في نحو العشرين ممشوقة القَدِّ مرهفة الجوارح مستهامة بالسرور، وضعت قدمًا على الأرض ما تكاد تمسها مسًّا ورفعت الأخرى كأنها ترقص أو تتهيأ للرقص، وسطع في عينيها بريقٌ من نشوة الحبور كبريق الخمر في عيون السُّكارى، وتهدَّل شَعْرها منثورًا يطير في الهواء حول جِيدها ورأسها كالأشعة المذهبة حول الجذوة اللامعة، وفي يديها دف ممزوق تنقر عليه في عنفٍ وخيلاء، وعلى الصورة كلها سمة التوثب والجموح تتراءى في نظرات العين كما تتراءى في حركات الأصابع وهزات القوام.
وكان يُريني المسودة ويشرح لي ما قصده منها ومواضع التعديل التي ينوي أن يُدخِلها عليها. فأُعجبتُ بالصورة ولم أوافق على الاسم الذي اختاره لها، وقلت له: لو غيَّرت الاسم لتمت الإجادة وأَمِنتَ الانتقاد. سَمِّهَا الطرب أو الفرح، أما السعادة فلا أتخيلها يا صديقي على هذا المثال.
وكانت معرفة الصديق المصور بخوالج النفس وعبارات العواطف أكبر كثيرًا من معرفته بمفردات اللغة ومعاني الكلمات، فقال لي: وما الفرق بين الطرب والسعادة؟
قلتُ: أنا أتصور أن السعادة هي الاكتفاء واليقين، وليس فى هذين الشعورين معًا ما يجمح بقياد النفس ويثور بالأعضاء، إنما تكون النفس إذا اكتفت وأيقنت قريرةً باسمة ووديعة حالمة، وراضية في سكون وغبطة ومسترسلة في هناءة مضمرة، إذا بدا منها أثرٌ على الوجه فقد يكون ذلك الأثر أقرب إلى السوداء والخضوع منه إلى الابتهاج والعربدة، أما الطرب فهو نوبة تملك النفس وتستفزها فتُخرِجها عن صوابها وتدفع بها إلى الحركة في ثورة هياجها. فالنفس فيها مُسخَّرة من خارجها لا تستطيع أن ترجع إلى بطنها ولا تطيق أن تخلو إلى ضميرها، ولن يكون الإنسان سعيدًا وهو نافر من الخلو بنفسه مضطر إلى إسكات الألم بالحركة وإخفاء القلق الذي يفعم الخاطر باللجب الذي يساور الأعضاء. السعادةُ راحةُ صديقٍ ناعمةٌ تمسح على الوجوه والقلوب، أما الطرب فمهماز راكب يجور على مطيته وينحي عليها بسوطه. السعادة مظللة وارفة، أما الطرب فساطع متلهب. السعادة ملك رحيم يرافق السعيد ويهديه ويسقيه من شرابه في صمتٍ وسكينةٍ وجمالٍ، أما الطرب فشيطانٌ مريدٌ يستولي على الطروب فيتخبط به ويعتسف قياده ويضله عن هداه.
إنني قد أتصور الوحش الفاتك طروبًا ولكني لن أتصوره سعيدًا، وقد أتصور الإله الخالد سعيدًا ولكني لن أتصوره طَروبًا، فالسعادة كمال وأنس والطرب حاجة وقلق، وبينهما من التباين ما يوشك أن يجعلهما من طبيعتين مختلفتين أبعد الاختلاف.
قال: وكيف تتخيل السعادة إذا أردتَ أن تصورها؟
قلتُ: أول شيء لا أتخيلها في العشرين من العمر، وإنما أختار لها سنًّا يكثر فيها الوعي والدراية ويقل فيها الجهل والغرارة؛ لأن السعادة شعورٌ عاقل متزن سميح، وليس هذا الشعور مما تحسه بنت العشرين ولا هي تُراد لأجله حين يعشقها العاشقون. إن الطرب أغلب على هذه السن عاشقة كانت أو معشوقة، أما السعادة فلها بعد ذلك سِنٌّ يضيء عليها نورها الساجي العميم، ولا يدع الإضاءة فيها كلها لومضات البرق وخطفات اللهيب.
قال: وبعد؟
قلتُ: وبعد، فإني أختار لها ملامح الرضا الذي يشوبه الحزن، والأمل الذي تلطفه الذكرى، واللذة التي يطهرها الحنو، والنشاط الذي يلوح عليه التعب، وأجلوها في شارةٍ لو جلست بها في مأتم لما ظهرت عليها غرابة ملحوظة بين شاراته، وأصور سرورها إلى داخل نفسها الذي تدركه البصائر وتناجيه العاطفة وليس إلى خارج أعضائها الذي تسمعه الآذان وتنزعج له الحواس، وأتوسمها حالمة في يقظةٍ شاعرةٍ، وليست جامحة في غيبوبة الجنون وسورة الهياج.
قال: إذن ما هي السعادة عندك؟
قلتُ: إنني لا أحاول تعريف السعادة حين أرسم صورتها أو أستحضر ذكرياتها، ولكني هكذا أشعر بها حين أظنني سعيدًا، وإخال أننا لا نخطيء في الشعور بالسعادة ولا في طلبها إلا يوم تدخل علينا التعريفات والحدود ونبدأ في فهمها بالرأي قبل أن ننالها بالتذوق والإحساس، وقديمًا خُيِّل إلى الناس أن السعادة نهاية ما يختلج به قلب الإنسان من الفرح والبهجة فهي على هذا طرف في هذه الجهة والغم الشديد طرف مقابل لها في الجهة الأخرى، وهي تثير الإنسان طربًا وهو يثيره حزنًا وهلعًا، وليست السعادة فرحًا شديدًا يقابل الغم الشديد كما خُيِّل إلى الذين عرَّفوها هذا التعريف، ولكنها يقين كافٍ في النفس لا يثور ولا يثير.
•••

والحقُّ إننا إذا بحثنا عن السعادة بالتعريفات والحدود فقد نطلبها وهي تطرق بابنا وقد نُعرِض عن طلبها ونحن أحوج الناس إليها، وأحسب أن سعادات الصبا كلها من قبيل تلك السعادة المتنكرة التي نستمتع بها ولا نعرف ما اسمها ولا يخطر لنا أن نرفع القناع في تلك اللحظة عن مُحيَّاها، وكأنني كنتُ في حالةٍ قريبةٍ من هذه الحالات يوم قلت في نحو الثامنة عشرة أخاطب السعادة:
مه يا سعادة عنيفما أنا من رجالكلا تطمعي اليوم منيبالسعي خلف خيالكفقد سألتكِ حتىمللتُ طول سؤالكوقد جهلتكِ لماسحرتِني بجمالكإن الحبيب بغيضإذا استعز بخالكفلا تَمرِّي بباليولا أمر ببالكأشقى الأنام أسيرمُعلَّق بحبالك ثم علمت لما انقضت تلك الأيام أن سعادة من السعادات التي نطلبها ونلح في طلبها قد زارتني يومئذٍ مرارًا، وسألتني حتى ملت طول سؤالي خلافًا لما زعمتُ من أنني قد سألتها حتى مللتُ سؤالها … وكان خطئي أنا أنني لم أستقبلها بحفاوتها التي تستحقها، وكان خطؤها هي أنها لم تعلن لي حقيقة اسمها، ومضت كما قلت بعد سنين «كأنها قُبلَة في ثغرٍ مخمورٍ!»
ولما جاوزتُ الثلاثين وضح لي رأيٌ جديدٌ في السعادة الإنسانية فقلتُ إنها هي شيء خُلِقَ لنفسين اثنتين تشعران بها معًا لا لنفسٍ واحدةٍ تشعر بها منفردة، وإننا إذا طلبناها وحدنا فقد شطرناها شطرتين فلا تقع في حوزتنا إلا وهي سعادة ميتة …! وذاك إذ أقول:
إن السعاده لن تراها في الحياة بمقلتينخُلِقَت لأربعِ أعينٍتحظى بها ولمهجتينلك مقلتان ومهجةأترى السعادة شطرتين؟ على أنك قد تُغيِّرُ رأيك في السعادة من عامٍ إلى عامٍ ومن فترةٍ إلى فترةٍ، ولكنها هي فيما بين ذلك لا تحرمك زياراتها المختلسة على غير مذهبك أنت في آداب هذه الزيارات، فانتظرها في كل زيٍّ وفي كل لحظةٍ أو لا تنتظرها على الإطلاق! فإنها تجيئك في أكثر الأحيان على غير انتظار.
وهناك سعادة واحدة تتفق عليها جميع التعريفات وتتوافى لديها جميع الآراء، تلك هي السعادة المطلقة أو هي سعادة الاكتفاء التام الذي لا يتوق إلى شيءٍ واليقين الدائم الذي لا يعتريه شك ولا اشتباه. وليست تلك السعادة منَّا ولا نحن منها؛ لأنها فيما نظن هي السعادة الربوبية الغنية عن كل أملٍ والخلود الآمن من كل آفةٍ، وهل نطمع نحن في هذه الأمنية؟ بل هل نريد نحن في هذه الحياة أن نكتفي فلا نأمل وأن نوقن فلا نرتاب؟ كلا، هذا ما لا نحبه ولا نريده ولا نناله إذا أردناه، فإنما طلبتنا نحن معلقة بغير السعادة التي تتفق عليها التعريفات وتتوافى لديها الآراء، وإذا تركنا هذه السعادة المطلقة جانبًا فقد بقيت لدينا سعادات كثيرة بغير حصرٍ ولا تعريفٍ وليس سعادة مفردة يحدها تعريفٌ واحدٌ، وكل واحدةٍ منها كالمرأة التي تحبها هي خير النساء وأجملهن في الساعة التي تتجلى فيها على قلبك وخيالك، وكلهن قمينات أن يصاحبن أغرب خوالج النفس وأبعدها عن فكرة السعادة الدارجة في أوهام الناس، ولكنهن لا يخلون أبدًا من علامةٍ ثابتةٍ تميزهن بها بين أخواتهن السعادات الدَّعيَّات الكاذبات، وتلك هي علامه اليقين والاكتفاء.

المعرفة


… ليس لكَ بي معرفة سابقة، لكن اسمح لي أن أسألك سؤالًا في غاية الإيجاز، وهو: يمكن للإنسان أن يفكر في الأشياء التي له عليها تأثير فعلي «وقد» يكون تفكيره وحُكمه عليها صحيحًا؛ لأنه هو المسيطر عليها. ولكن كيف يمكنه أن يحكم حُكمًا صحيحًا على الأشياء التي تسيطر عليه مثل الكون، والفضاء، والطبيعة؟ إن هذه الأشياء التي نسميها بتلك الأسماء ليست في متناول يد الإنسان بل هي على عكس ذلك لها كل التأثير عليه وعلى تفكيره، وقد يقول قائلٌ إن الإنسان له «عقل» يصل إلى حيزٍ معلومٍ من الإدراك، ولكنني أقول له إنه لو كان كذلك لما أخطأ في أمرٍ ما وأن ما نسميه عقلًا كثيرًا ما يُخطيء في حُكمه على الأشياء التي بين أيدينا، فكيف يمكنه إدراك الأشياء البعيدة بل الموهومة، وأخيرًا ما هو الخطأ؟ وما هو الصواب في التفكير؟ وما الدليل المادي الذي يقوم كميزانٍ لهما؟ هذا سؤال فأرجو إجابتي عليه ولكم الشكر والثناء الجزيل.
حبيب عوض الفيومي سؤال الأديب الفاضل واسع الأطراف عويص الموضوع، ولكني أجيب عليه بقدر ما يسع المقام، وأقول له من مبدأ الأمر إننا لا نعلم علمًا صحيحًا مطلقًا قَلَّ أو كَثُر عن «كنه» شيءٍ قط مما في هذا الكون.
فأما إن كان المراد بالإدراك أو المعرفة أن نُلِمَّ بأوصاف وأعراض مما نحس وجوده في الكون فقد نصل إلى حَدٍّ من المعرفة ينفعنا في الحياة العملية وفي موضوعات التفكير التي ترتبط بها، وقد نصل إلى علمٍ ما عن الأشياء المحدودة وعن الكون الذي لا نعرف له حَدًّا، ويكون الفرق بين المعرفتين أن إحداهما لها مقياس من الوقائع المحدودة تُقاس به، وأن الثانية لا مقياس لها ولا فَيْصَلَ فيها بين أصول الخطأ وأصول الصواب.
وأما إن كان المراد بالمعرفة أن نَنْفُذ إلى حقائق الأشياء من وراء أوصافها وأعراضها فنحن لا نعرف معرفة صحيحة عن أي شيء في الكون فضلًا عن الكون الذي يحتوي جميع الأشياء، بل نحن لا نعرف كيف تكون المعرفة الصحيحة عند «العقل المطلق» الذي يقدر عليها ويعلو في هذه القدرة على طاقة عقل الإنسان.
•••

هناك شيء موجود وهناك عقل يعرف، والمعرفة الإنسانية هي علاقة بين ذلك الشيء الموجود وذلك العقل العارف، ولكن ما هي هذه العلاقة وكيف تكون؟ أهي انتقالُ الشيءِ المعقول بِرُمَّتِه إلى العقل العارف؟ لا ولا ريب، أم هي نفاذ العقل العارف إلى جوهر ذلك الشيء المكنون وراء العوارض والظواهر؟ لا كذلك ولا ريب، أم هي انتقالُ أوصافٍ من الأشياء إلى العقول يمكن أن يطرأ عليها الاختلاف إذا اختلفت العقول أو اختلفت الأوصاف؟ وظاهرٌ أن إدراك الإنسان هو من نوع هذا الإدراك الأخير، ومع هذا لا بد لنا من التسليم بأننا لا نعرف كيف تنتقل تلك الأوصاف ولا كيف نضع الحد الفاصل بين الوصف العارض والكنه الثابت في ذاته، ولا نعرف ما هي طبيعة القدرة التي تجعل العقل «عارفًا» ولا كيف يعرف العقل نفسه إلا كما يعرف الأشياء الأخرى التي قد يُصيب فيها وقد يُخطيء بمقياس الصواب والخطأ الدارج المألوف.
•••

لكن، هل في هذا الحكم ما يدعو إلى اليأس من الوجود؟
أمَّا أنا فأقول لا؛ لأن الوجود شيء والمعرفة المعهودة شيء آخر، وليس من طبيعة الوجود المحتومة أن يعرفه الإنسان أو غير الإنسان، فليست المعرفة هي الوجود أو الحياة وليس الجهل هو العدم أو الموت. وللإنسان في هذا الكون شأن غير أن يعرفه ويحيط بسرِّه ويدرسه بعقله على طريقته المعهودة في درس معلوماته، شأنه في هذا الكون أن يكون جزءًا منه وأن يحفظ الصلة بينه وبينه، وهذه الصلة ليست كلها من طريق العقل ولا كلها من طريق الإحساس، وإنما هي صلة أكبر من ذلك؛ لأننا لا نتصور انفصامها في حين أننا نتصور انفصام ما بين الإنسان وبين الكون من صلة العقل والإحساس.
ومن خطأ العقل أن يحتم معرفته التامة بحقائق الكون أو إنكاره البات لتلك الحقائق. إن العقل لا يفهم حقيقة شيءٍ في ذاته، فليس أمامنا إلا أن نفترض أحد فرضين: فإما ألا يكون هنالك حقيقةٌ تُفهَم، وإما أن العقل يضع نفسه في غير موضعه حين يتصدى لاستِكنَاه تلك الحقائق، والفرض الأول بعيد التصديق، فلم يبقَ إلا أن العقلَ غيرُ منوط بفهم كل صلةٍ بين الإنسان وهذا الكون الذي نشأ منه، وأن الصلة موجودة وإن لم تكن معقولة؛ إذ نحن لا نكاد نتخيل أن يكون الإنسان وليد هذا الكون بكل ذرةٍ من ذرات خلقه، ثم يخلو من الاطمئنان إلى حقائقه والإيمان بسرِّه والاتصال بكنهه.
هذه الصلة التي لا تُدرَك بالعقل هي الصلة التي ينفسح فيها المجال للإيمان والاطمئنان إلى حقيقة الكون بحكم نشوء الإنسان فيه لا بحكم سببٍ آخر. ولكي ندرك هذا المعني أقرب إدراك مستطاع نتخيل أن هناك كونًا آخر مناقضًا لتركيب الإنسان قد نُقل إليه الإنسان بطبيعته التي هو عليها، فماذا يكون؟ يكون أنه لا يستقر فيه لحظة ولا يطمئن إليه أي اطمئنان، فنقيض هذه الحالة هي الحالة التي بُنِي عليها الإنسان في كونه هذا، وهي حالة الثقة: ثقة صاحب الدار في داره، أو هي حالة العقيدة والإيمان.
وللعقل أن يأخذ مِنَّا ما أعطانا، وليس اطمئنان العقيدة من عطاياه فليدعه جانبًا وليأخذ من معارفنا ما يشاء، وهو لا يمس ذلك الاطمئنان إلا في ظاهره، ثم لا قوة له على باطنه الذي لا يسمع صوته ولا يحفل بقضاياه.
العقيدة هي الثقة بالنفس أو بالكون وليست هذه الثقة مستمدة من العقل، وإنما هي مستمدة من طبيعة تركيب الإنسان ومن كونه متصلًا بهذا الكون الذي هو فيه بِصَلة الوجود والحياة.
فهذه الثقة هي أساس العقيدة، وأما الأديان والشعائر وفروض المعرفة الأخرى عن حقائق الوجود فتلك هي الأشكال التي تتمثل بها العقيدة للفكر أو للخيال، وهذه الأشكال هي التي تخضع لنقد العقل ومقاييس التفكير.
وقد تختلف أشكال العقائد الظاهرة فتَرِد على الحس من ألف موردٍ وتلبس للخيال لبوسًا لا يلبث على حالٍ واحدةٍ، ولكن أساس العقيدة في النفس يظل بنجوةٍ عن هذه النقائض ويسلم من سطوة النقد الصحيح، كما يسلم المعني الصادق من اختلاف الكلمات التي تعبر عنه في لغات الناس ومن اختلاف الخطوط التي تُسطَّر بها تلك الكلمات.
•••

وقد بدأتُ الجواب بقولي: «إننا لا نعلم علمًا صحيحًا مطلقًا قَلَّ أو كَثُر عن كنه شيء مما في هذا الوجود.» وأختمه بأن العلم المطلق لا يدخل في حاجة الإنسان ولا في مقدوره ولا في طبيعة وجوده، وإن للفكر علمًا ثابتًا بالنسبة إليه يستطيع أن يعتمد عليه كل الاعتماد ما بقيت النسبة بينه وبين ذلك العلم محفوظة كما يقولون، فهو إذا أخطأ في فهمه فخطؤه ثمة سهل التدارك والإصلاح؛ لأن وسائله المحدودة كفء لتلك المعارف المحدودة، أما إذا هو تجاوز هذا الشاطئ الأمين إلى غمر الحقائق المطلقة فهنالك لا حيلة له ولا سلطان على أصغر شيءٍ من الأشياء ولا فرق بين الخطأ والصواب في تِيهِ ذلك الفضاء الذي لا مبدأ له ولا نهاية.
ولنُسلِّم بأن «الموجود» شيء أعم وأشمل من «المعروف»، وأن الإنسان لم يُخلَق ليعرف الوجود في حقائقه المطلقة ولكنه خُلِقَ ليكون جزءًا حيًّا منه يتصل به بِصِلات كثيرة والعقل صلة واحدة من بين تلك الصِّلات، فحسبه في دنياه أن يكون ذلك الجزء الحي المغروس في صميمها وأن تمتد صِلاتُه بها من كل طريقٍ وإلى كل غايةٍ. إنه إذا استطاع أن يُكوِّنه فقد باء من الحياة بأصدق المعرفة وظفر من الكون بأوفى نصيب.

أثر المحدث في التأليف العربي


أمامي الجزء السادس من «مهذب الأغاني» الذي يصنفه الأستاذ محمد الخضري بك ترتيبًا واختصارًا لأغاني أبي الفرج الأصفهاني، أفتحه فأجد فيه عشرين صفحة في ترجمة «ابن هرمة» أحد الشعراء من أدعياء قريش الذين أبقى ذكرهم ذلك الكتابُ، وأتصفح هذه الترجمة الطويلة فلا أعثر إلا على حديث استماحة وعطاء، أو منع وهجاء كثيرًا ما يقول فيه قولًا صريحًا إنه قد مدح من مدحهم؛ لأنه أخذ منهم أجرًا على ذلك أو هو يطمع في الأجر بعد المديح! ومن هذا الكلام قصته مع السري بن عبدالله إذ نزل به وأنشده قوله «عوجا نُحيِّ الطلول بالكثب.» إلى آخر القصيدة، فلما فرغ راويته «ابن ربيح» من الإنشاد قال السري لابن هرمة: «مرحبًا بك يا أبا إسحاق، ما حاجتك؟ قال: جئتك عبدًا مملوكًا. قال: بل حرًّا كريمًا وابن عم فما ذاك؟ قال: ما تركت لي مالًا إلا رهنته ولا صديقًا إلا كلفته، فقال السري: وما دَينك؟ قال: سبعمائة دينار، قال: قد قضاها الله جلَّ وعزَّ عنك، فأقام أيامًا ثم قال — يتشوق إلى بلده ويمدحه بأبيات هذا بعضها:
أما السري فإني سوف أمدحهما المادح الذاكر الإحسان كالهاجيذاك الذي هو بعد الله أنقذنيفلست أنساه إنقاذي وإخراجيليث بحجر إذا ما هاجه فزعهاج إليه بإلجام وإسراجلأحبونَّك مما أصطفي مِدَحًامصاحبات لعُمَّارٍ وحُجَّاجأسدي الصنيعة من بر ومن لطفإلى قَروعٍ لباب الملك وَلَّاجكم من يدٍ لك في الأقوام قد سلفتعند امرئ ذي غنى أو عند محتاج فأمر له بسبعمائة دينار في قضاء دَينه ومائة دينار يتجهز بها ومائة دينار يعرض بها أهله ومائة دينار إذا قدم على أهله.»
•••

وقصته هذه مع السري مَثَل لجميع قصصه مع الأمراء والعظماء، لم يصنع في حياته إلا أن يستجدي ثم يمدح أو يهجو بكلامٍ كذلك الكلام الذي قرأته لا براعة فيه ولا صناعة، فما الذي أبقى ذكر هذا الرجل اثني عشر قرنًا بعد موته؟! وبِمَ استحق أن نسمع اليوم اسمه وأن يسمع به مَن تَقدَّمنا بعد القرن الثاني للهجرة إلى الآن؟ وكيف هان الخلود هذا الهوان فبلغه مثل ابن هرمة وهو أغلي ما تسموا إليه الهمم وتصعد إليه الأبصار؟! أبهذا الشعر الذي لا خير فيه؟! أم بِقَدْرٍ كان له يرفع من قيمة الشعر ما فاته من رفعة الإجادة؟! أم بمهابةٍ لشخصه تُغنِيه عن مهابة القدر وبلاغة الشعر؟! لا، فإن ابن هرمة كان دعيًّا منبوذًا في نسبٍ منبوذٍ من أنساب قريش، ولعل أظرف ما في ترجمته ما رواه الكتاب إذ رُوي أنه نزل بعبد الله بن حسن في البادية وجاءه رجل من أسلم «فقال ابن هرمة لعبد الله: أصلحك الله، سَل الأسلمي أن يأذن لي أن أخبرك خبري وخبره، فقال له عبد الله بن حسن: ائذن له، فأَذِنَ له الأسلمي.»
«قال إبراهيم: إني خرجتُ — أصلحك الله — أبغي ذودًا لي فأوحشتُ وتضيَّفتُ هذا الأسلمي فذبح لي شاةً وخَبَزَ لي خبزًا وأكرمني، ثم غدوتُ من عنده فأقمتُ ما شاء الله، ثم خرجتُ أيضًا في بغاء ذود لي فأوحشتُ فضفته فقراني بلبنٍ وتمرٍ، ثم غدوتُ من عنده فأقمتُ ما شاء الله، ثم خرجتُ في بغاء ذود لي فقلتُ لو ضفت هذا الأسلمي فاللبن والتمر خيرٌ من الطوَى، فضفته فجاءني بلبنٍ حامضٍ …!
فقال الأسلمي: قد أجبته — أصلحك الله — إلى ما سأل، فسَلْه أن يأذن لي أن أخبرك لم فعلت.
فقال: ائذن له؛ فأذن له، فقال الأسلمي: ضافني فسألته مَن هو؟ فقال لي رجل من قريش، فذبحت له الشاةَ التي ذَكَرَ، ووالله لو كان غيرها عندي لذبحته له حين ذكر أنه من قريش، ثم غدا من عندي وغدوتُ على الحي، فقالوا: مَن كان ضيفك البارحة؟ قلتُ رجل من قريش. فقالوا لا والله، ما هو من قريش، ولكنه دعيٌّ فيها! ثم ضافني الثانية على أنه دعيٌّ من قريش فجئته بلبنٍ وتمرٍ وقلت دعيُّ قريش خيرٌ من غيره، ثم غدا من عندي وغدوتُ على الحي فقالوا مَن كان ضيفك البارحة؟ قلتُ: الرجل الذي قلتم عليه إنه دعيٌّ من قريش. فقالوا لا والله، ما هو بِدَعيٍّ من قريش ولكنه دعيُّ أدعياء قريش! ثم جاء لي الثالثة فقريته لبنًا حامضًا ووالله لو كان عندي شر منه لقريته إياه … فانخذل ابن هرمة وضحك عبد الله وضحك جلساؤه معه.»
فهذا نسب ابن هرمة، أما منظره فلم يكن مهيب الشخص لا في نفسه ولا في جسمه؛ لأنه كان ضعيف الحال وكان كما وصفه الكتاب «قصيرًا دميمًا أريمص» فلا شأن لنسبه ولا شأن لِشِعره ولا شأن لشخصه كما رأيت. فبأي معجزةٍ نجا اسم هذا الرجل من غمار النسيان الذي طما على أسماء الملايين من أبناء تلك القرون الاثني عشر، ثم وصل إلينا فعلمنا في زماننا هذا أن إنسانًا اسمه ابن هرمة ظهر فوق هذه الأرض وتحت هذه السماء قبل ألف ومائتي سنة؟! وحفظنا له كلامًا قاله وأخبارًا حدثت له بين مَن نحفظ لهم الكلام ونروي عنهم الأخبار؟! لا تقل إن له شعرًا تسلل في جانب أخبار الغناء التي أوردها الأصفهاني فيما أورد؛ فبقي بذلك ذكره وخلص إلينا اسمه ولم يرزح تحت زحام الأسماء التي يصيبها الكلال والإعياء في أشواط القرون. فليس هذا سبب بقاء اسم الرجل؛ لأن كتاب الأغاني أثبت له أخبارًا مسموعة غير شعره، ولأن الأصوات المائة التي اختارها ذلك الكتاب بتراجمها وقصصها وأشعارها لم تكن كل ما غنَّى به المنشدون في الدول العربية إلى عهد أبي الفرج، فابن هرمة كان معروفًا إذن بغير كتاب الأغاني ومختارًا بغير اختياره، وكان ابن الأعرابي يقول خُتم الشعر بابن هرمة …! ولا بد من سببٍ آخر غير الغناء وغير رواية الكتب جَعل اسمه بين الأسماء الطافية على عباب التاريخ، ولم يرسب به إلى أعماق النسيان التي هوى إليها مَن هو خير منه وأولى بالبقاء.
أما ذلك السبب فما أظن إلا أنه هو هوان قدره الذي حسبنا أنه كان خليقًا أن يُعفي على أثره ويغض من شعره، فإن هذا الهوان هو الذي سَهَّل له أن يتجرد لكسب الرزق من الاستجداء بالشعر ولا يبالي اللوم على عرضه ولا على قومه، وما دام قد تجرد لنظم الشعر في مدح قوم وهجو آخرين فله من «الحياة البدوية» كفيل بالعيش الميسور والذكر بعد الممات؛ إذ كانت هذه الحياة قد جعلت الثناء غاية مجد الماجدين وجعلت رواية الأخبار غاية حكم الحكماء وعلم العالِمين.
فأما حب البدو الثناء بألسنة الشعراء فقد جمعوا فيه كل ما فطر عليه الناس من حب الفخر والشهرة والخلود فقام لهم مقام التاريخ و«الرأي العام» والتماثيل وكل ما يُحفَظ به الذكر من الأنباء والآثار.
وأما الرواية فهي غاية العلم عند العرب؛ لأنهم قومٌ رُحَّل لا زُبدة لأعمارهم — بعد أن ينفقوها في ارتياد الكلأ ونقل المتاجر من باديةٍ إلى أخرى ومن حاضرةٍ إلى غيرها ومن حي إلى حي — إلا هذه الزبدة من تواريخ الناس وعبر الحوادث وتجارب الأيام وقصص المشهورين والمغمورين، فَمَثَلُ الحياة التي أُنفِقَت عندهم فيما يفيد ولم تذهب سُدى في غير طائلٍ هو حياة الرحالةِ الذي يعرف ما لا يعرف سواه من أنباء كل قبيلةٍ ووقائع كل جيلٍ، ويطرفك بالخبر كلما كان بعيدًا منسيًّا كان ذلك أدل على وفرة علمه وطول تجربته، ومَن كان له هذا العلم وهذه الحنكة فهو الحكيم، وهو الواعظ وهو الراوية وهو «المحدث» الذي يُصغَى إليه وتُلتمس المعرفة عنده.
ولما تحضَّر العرب وقامت دولتهم في المدن كان جلساء الملوك في السمر والمنادمة كلهم من «المحدثين» باللسان أو ممَّن يؤلفون الكتب للتحديث في الورق، فغير عالم ولا مُطَّلِع في رأيهم مَن يغيب عنه خبر في قبيلةٍ أو بطنٌ من بطونها، أو مَن يُسأل عن شطرة بيت قالها شاعر في ذي خطر فلا يكون له معرفة بها ونادرة عنها. وظلت هذه بضاعة الأديب العربى أو «الفقيه الأدبي» إلى سنوات مضت نذكرها ونذكر كيف كان الأدباء — ممَّن لا يزال بعضهم على قيد الحياة — يرودون المجالس بأساطير القبائل وأقاصيص الأعراب وصغائر الأنباء عن البائد المغمور منهم قبل النابه المشهور، ثم لا ينسون بين حينٍ وحينٍ نادرة من نوادر الكرماء المحمودين الذين يجزون بالألف على القصيدة يُمدحون بها ويمنحون الضيعة في الكلمة يستفسرون عنها، ولولا هذا «التحديث» الذي غلب على التأليف العربي والآداب العربية والذي يغري بإجزال العطاء للمؤلفين والأدباء؛ لَمَا بقي لابن هرمة وأضرابه أثرٌ في الأغاني ولا غير الأغاني ولا سمعنا عالمًا يباهي بالغريب كابن الأعرابى يقول إنه كان خاتم الشعراء.
•••

وليس ابن هرمة بالشاعر الوحيد الذي استدرَّ العطاء بالثناء، فهذه سُنَّة غالبة بين شعراء العرب في البدو والحضر، وندر بينهم مَن لم ينظم الدواوين الكبيرة في هذه الأغراض، إلا أن الأكثر من هؤلاء كسبوا الشهرة والذكر بغير ما كسبوا به المال ورويت لهم حسنات شعرية — قَلَّت أو كثرت — تحفظ لهم أسماءهم بعد موتهم ولو لم ينظموا حرفًا في المدح والهجاء. ومنهم مَن لا يُعرَف له اليوم شيء من مدحه وهجائه غير ما يُراجَع في صفحات الكتب أو يستظهره الدارسون والحُفَّاظ. فهم شعراء ثم مستجدون بعد أن كانوا شعراء، أما ابن هرمة وأضرابه فإنهم مستجدون من مبدأ الأمر ثم نظموا الشعر؛ لأنه أداتهم في صناعة الاستجداء، وهم خلقه المحدث وحده ولا مكان لهم في سجل التاريخ بغير إذنه.
•••

ولكن لا يُفهَم من هذا أننا لا نقرأ في الأغاني أو في المهذب إلا شعرًا كشعر ابن هرمة أو ترجمة كترجمة حياته القاحلة العقيم، فإنما قصدنا إلى العبرة من سيرة إنسانٍ كهذا بقيت اثني عشر قرنًا وكان كثيرًا عليه مسافة عمره من المولد إلى الممات!
وأردنا أن نرى كيف تقتحم الصغائر مكانها الفسيح بين العظائم حتى في ساحة التاريخ وأمام عرش الخلود! ولا حاجة بنا بعد ذلك إلى تنويهٍ بأغاني أبى الفرج أو بمُهذَّبه المختصر؛ فقد أضاف به الأستاذ الخضرى عملًا جديدًا إلى أعماله النافعة في الأدب والتاريخ.

مذكرات إبليس


إغواء فتاة?
قال إبليس: كنتُ أتمشى في بعض أحياء القاهرة، وقد نهكنى الفكر وأمضَّني إعمال الرأي وأنا مشتغل البال بمكيدةٍ جهنميةٍ أُوقع بها ساسة الأمم في طامة مشكلة وحرب زبون،? فبينا أسير في طريقٍ عامرةٍ بالقصور آهلة بأصحاب الثراء والجاه القديم إذ حانت مني التفاتة إلى نافذةٍ في دار قوراء، لمحتُ فيها فتاةً عذراء مُفرَّغة في قالبٍ بديعٍ من الحُسن تنسجم على جسدها الغض غلالة بيضاء كأنها نُسِجَت من رغوة الماء وخيوط الضياء، تشف من بدنها عن بشرةٍ صافية بَضَّة، ونهدين قاعدين كأنما ينفذان من خلال ذلك الشف الرقيق، واتكأت على النافذة تنظر إلى الطريق وتتنسم الهواء. تلك هي صاحبتي الصغيرة مريم وما كنتُ أجهلها ولا أنا غافل عنها، ولكنها كانت طفلة تمرح في حراسة ملائكة الطفولة فلا أجرؤ على الدنوِّ منها، وكانت زهرة في كمام الفضيلة فلا تمتد يدي إلى اقتطافها وللطفولة حرَم تحوم حوله الشياطين ولا تتخطاه.
فأما وهي اليوم كاعب نبض قلبها بدم الشهوة وجرت في عروقها حرارة الهوى، وتفرقت عنها ملائكة الطفولة فلا شيء يعصمها منِّي، وتفتحت زهرتها فامتزج عُرفها الطاهر بهواء هذه الدنيا، فلسوف يكون لي معها شأنٌ كالذي كان لي مع غيرها من بنات حواء، ثم أتركها وما بقي فيها إلا كالذي يبقى في الزهرة الذابلة من شذى أحرقه في مباخر الجحيم.
ورأيتُ أن أعرِّج عليها في طريقي فألهو بها، وأرفِّه عني ساعة بهذه الفكاهة اللطيفة فأريح ذهني من جد الخبائث الكبيرة والشرور المستطيرة، وأشغل نفسي بهذه الغواية الساذجة، وإن كانت لا تحتاج إلى أكثر من دعابة شيطان صغير من تلاميذي المبتدئين في صنعة الفساد.
وكانت مريم بنت رجل ذي مكانة وثراء، ظَلَلْتُ أضارب بعقله في المضاربات حتى خسر عقله وماله، ولم يبقَ له من الضياع والنشب إلا هذا القصر الذي يقيم فيه، فحجروا عليه وأقاموا له قيِّمًا يتولى تأجير جانب من القصر وينفق من أجرته في مؤنة العائلة وتربية الصغار، فعكف الرجل على بيته لا يريم عنه، وهجره أصدقاؤه، وتسلل حشمُه واحدًا بعد واحدٍ، إلا خصيًّا منحوسًا حفظ عهد سيده كما يقول، ويئس من غير هذا المرتزق كما يعلم الله! ولو علم الخبيث مرتزقًا أوسع جنابًا وأوطأ رحابًا لفر من بيت سيده فراره من المأسدة!
وكنتُ قد وكَّلتُ بمريم ولدي الأعور? فصرفته في دعوة فتًى إنسي أستعين به أحيانًا على خلب قلوب العذارى، وصعدتُ إلى مريم فدخلتُ غرفتها وهي لا تراني وقد قامت تخطر إلى المرآة، وإني لأعلم أنني أَفْتِن المرأة بكل صورةٍ إلا صورتها فإنها خُلِقَت مفتونة بها، وأقودها إلى كل مكانٍ إلا مكان المرايا فإنها تنقاد إليه طيِّعة راغبة، وما أحسب حواء حين أبصرت صورة محياها في ماء الغدير إلا قد حسبت أن الله أجرى لها الماء لتتراءى فيه لا ليرتوى منه العطاش ويحيا به موات الأرض، وكذلك نشأ بناتها على هذا الرأي، والحمد لله! بيْدَ أني إذا كنتُ لا أبث في نفس المرأة بذور الغرور بجمالها فقد أنميه وأمدها فيه، وأمهد منه سبيلًا إلى إذكاء الحسد والبغضاء والاستهتار بالعشق وسائر الأهواء، وأُخطِّئ الذين خُيِّل إليهم أن افتتان المرأة بجمالها واضعها بمنجاةٍ من طمع مرضى القلوب ورافعها عن منال الراغبين، فتكبر في نظر نفسها وتُصغِر المتطلعين إليها، فإنما قولهم هذا بعض الظن وكل الخطأ. ومتى صد الدلال عاشقًا؟ بل أي عاشقٍ لا يتصباه الدلال ولا يضرم رغبته التمنع والمطال؟!
إن افتتان المرأة بجمالها لَيُبْعدُها عن طائفةٍ من الطامعين لا خبرة لها بأهواء المرأة، فأما الذين يعلمون إلى أين يثبت غرورها فربما أدناهم منها وأعانهم عليها. فهي تُخدع من جانب ذلك الغرور ويُلقِي بها العجب في وسط ميدان الشهوات، فإذا هي كالقائد الذي تجعله كِسوته المذهبة وأنواطه المتلألئة هدفًا للرماة وغرضًا للرائشين.
ولو علم الأباء أي حظٍّ لي في الجمال المفتون لما امتدحوا أنفة بناتهم، ولما خافوا عليهن من شيءٍ خوفهم من هذه الأنفة؛ لأنه سلاح ترفعه الفتاة في وجوه الأزواج فيفرون منها، وتضعه تحت أقدام الفساق فيظفرون بها، وإني ليُعجِزني من الملاحة الوديعة ما لا يُعجِزني من الدمامة الشنيعة، وأنا القائل على لسان بعض الإنس:
أحب اللواتي في صباهن غرةوفيهن عن أزواجهن طماحمُسرات حبٍّ مظهرات عداوةتراهن كالمرضى وهن صحاح وكذلك نُزيغ الشعراء، ونخدع الأمهات والآباء.
•••

فلما نهضتْ مريم تخطر إلى المرآة، قلتُ لقد سنحت الفرصة وقُضِيَ الأمر.
«تبارك الله» ما هذا الجبين الساطع والوجه البارع والحُسن الرائع! على مثل هذا الجمال فلتتقطع قلوب الرجال حسرة، ومن مثل هذا الرواء فلتتحرق صدور النساء غيرة، ووالله ما هما إلا صورتان فازتا بمعاني الحُسن وسماته: هذا المحيا في عالم الشهادة، وذلك المثال في عالم الخيال …
فتبسمت الفتاة وترنَّح عطفاها وأنشأت تُجيل في المرآة نظرات كانت قبل اليوم تلحظها من سواها ولا تفقه معناها، فأخذت اليوم تتعلم كيف ترمي، وتنظر أي الرميات يُوجِع وأيها يُدمِي، وأي السهام يخطئ وأيها يُصمِي، وأرسلتْ من بين أجفانها تلك النظرات الأنثوية التي تشبه المغناطيس؛ لأنها تجذب إليها قلوبًا من الحديد الصلب، وإن كان ذلك الحديد ليكونن عليها في بعض الأحيان حدًّا كحد السيف ونصلًا كنصول الحراب.
ورأيتها عارية الشعر، عاطلة النحر، مجردة المعصم، فقلت: ما كان أجمل هذا الليل لو زانته النجوم الجوهرية، وما أنفس الحلي الذهبية على هذه الترائب البلورية! أوَ ما كان قرط الماس أجمل في هذه الأذن منه عالقًا في أذن جارتك السمراء كأنه شرارة طارت من فحمة؟
وما بال هذا النحر لا تكسوه لبة ربما فاضت على صدرٍ قاتمٍ فلاحت فيه كما يلوح وضح البَرَص في الأديم الأسود؟ وما لهذا المعصم لا يزينه سوار ربما التوى على ذراعٍ مهزولٍ فكأنه مسعَّر قد التف عليه ثعبان! وهل اسْتُخِرج النضار إلا ليلمع على هذه الصدور؟! أو التُقِط الجوهر إلا ليسطع في ضياء الجمال الفضاح؟!
وتلك رقية ما رقيت بها فتاة فقويت عليها، وما دسستُ في صدر أنثى خدعة هي أسرى فيه منها، بل لقد كنتُ أهجس بها في قلب المرأة فتؤثر لو أنها تصبح بغير جِيدٍ من أن يكون لها جِيدٌ لا تطوِّقه الحلي والعقود.
فما تلوتها على مريم حتى انكسر كبرياؤها وزال عنها ذلك البِشْر الذي كان يترقرق في أسارير وجهها، وكأنها تقول: أنَّى لي هذه النفائس وقد حرمني الله نعمتها وأباها عليَّ الله أن يُمتِّعني بها؟
قلتُ: أوَ لا يُغنِيكِ أبوكِ عن هذا التمني؟!
قالت: إن أبي لكالضيف في المنزل لو أنه يُكرَم إكرام الضيف، وهذا القيم قد بات يقتر عليه في النفقة ويقطر عليه الدرهم بعد الدرهم، فإذا ظفر بعلبة التبغ حسبها منه غنمًا كبيرًا ومنَّة عظمى.
قلت: فخطيبك؟! فأجهشت الفتاة بالبكاء وهي تقول: لقد كان لي خطيب يزورنا أحيانًا فيتودد إليَّ ويلاطفني فلما تضعضعت حالنا، وقعد بنا الدهر هجر الرخاء منزلنا وهجره في يومٍ واحدٍ. فما سمعنا عنه منذ ذلك اليوم إلا أنه عقد خطبته بالأمس على إحدى قريناتي في المدرسة، ولو أنها كانت أملح مني خلقًا أو أصبح صورة لحسدتها على ملاحتها وصباحتها، ولكني لستُ أحسدها إلا على أبٍ أكثر من أبي مالًا وأدنى إلى القبر قدمًا.
قلتُ: لا يُعدم هذا الجمالُ عاشقًا يتقرب إليه بحياته، ويُذل المال في سبيل مرضاته.
فانتفضت الفتاة ارتياعًا من كلمة العشق، وكان مبلغ علمها فيه أن العشق والفسق شيءٌ واحدٌ، وأن البنت التي تَعشق غير جديرة بأن تُعشَق، وكانت تسمع العجائز يقلن عن بنات اليوم إنهن فطح القلوب تتكشف نفوسهن لعيون الرجال وهي سرٌّ من أسرار الجنس لا يجوز إفشاؤه، وخطة مدبرة يحرم إعلانها لغير بناته، ويأخذن على الفتيات الناشئات إطماعهن الرجال في جنس النساء، ثم يتذاكرن الأيام الخوالي أيام كُنَّ يتمنعن وهن الراغبات ويحرقن قلوب أزواجهن بالتيه والصدود والتجني والدلال وهن بهم أكلف وعليهم أحنى وأعطف، ثم يتوجعن لسوء حظ بنات اليوم ويقلن لمَن حضر منهن: لقد نعمنا بزماننا فاستقبِلن اليوم زمانكن المعكوس! كأنما يضعن من شأن الصبا بعد أن فارقهن ويأسفن على حظ الصبيات من الشباب لئلا يأسفن على ما فاتهن منه، أو كأنما يحسبن الفتيات ضرائر لهن في هذا العاشق المتقلب فينتقمن لأنفسهن ويبخسن ما يوليه أولئك الفتيات من تُحَفِه ولطائفه.
وشوَّه وجه العشق في عينيها ما كانت تقرأ وتسمع في المدرسة من وصف الفضائل وصفًا كوصف الأكمه لنجوم السماء، وتعريف العفة تعريفًا يناقض كل صلة بين الرجل والمرأة غير تلك الصلة التي يسجلها الشيخ المأذون في دفتره، ولَعَمْري إنها لفضائل هوائية لا تعيش إلا بمعزلٍ عن الرذائل، ولا تجالد الشهوات في ميدان واحد، وإنها لجنود تمتنع عن عُداتها في حصن بعيد فلا تلبث أن تقتحمه العُداة عليها مرة حتى تستأسر لها أو تتقلد سلاحها وتحارب به في صفها، وليست الثقة بهذه الفضائل إلا كثقة هاروت وماروت بنفسيهما في السماء، فلما هبطا إلى الأرض سَكِرا وفسقا وقتلا في لحظةٍ واحدة!
يضع حمقى الإنس فضائلهم هذه عثرات في طريقي فأتناولها وأجعلها معالم يهتدي بها الناهجون فيها، ولا شيء يهوِّن عليَّ إغواء الفتاة الشرقية غير عفة هي بصدور الكتب أجمل منها بصدر الفتاة.
ليس لإغواء الفتاة الشرقية عندي إلا طعمة واحدة، فأما فتاة الغرب فإني أنصب لها أحبولة بعد أحبولة حتى تقع في يدي، وتصبح فريسة لي.
فإذا انتقلت بالشرقية من الصيانة إلى العشق أبصرتْ نفسها قد انتقلت إلى حالٍ ينكرها أهلها وذووها ويستهجنها الناس من حولها، وعلمتْ أن ما هي فيه رجس لا يرضاه أحدٌ غيرها؛ فخلعت العذار وأرسلت نفسها في التيار، فذهبت إلى الغاية من التبذل والاستهتار.
فأما أختها الغربية فلا بأس بها من العشق ولا إنكار عليها فيه، فإذا أحَبَّتْ لم ينتهِ منها أَرَبي، ولم أزل أتنقل بها في أدوارٍ شتَّى وأتدرج بها من السائغ إلى المحظور ومن الطيب إلى الخبيث حتى يُفضِي بها الأمر إلى الفساد.
وكذلك أستفيد من غلوِّ الشرقيين في فضائلهم ما لا أستفيده من تفريط سواهم، فكلما ضيَّقوا دائرة الفضيلة اتسعت دائرة الرذيلة، وكلما حصروا حدود الحسنات انفرجت حدود السيئات.
•••

وآنستُ من مريم استعصاءً وتثاقلًا، فأخذتُ بيدها إلى نافذةٍ تطل على حديقة قصر في جوارهم، تسكنه أسرة لها فتاة من لداتها قد سبحت في الغواية سبحًا وتقلَّبتْ في المقابح ردحًا، وجرت في العشق على مذهب أولئك الذين يخجلون من أن تراهم اليوم مع عاشق الأمس، ويحسبون أن الدوام على عاشقٍ واحدٍ كالدوام على لباسٍ واحد، هذا يَنُمُّ عن فقرٍ إلى المال، وذاك يبين عن فقرٍ إلى الجمال.
وكانت يوم ذاك في هوى فتى هو ثالث عشاقها، فكان يختلف إليها في الحديقة وتعلم أمها من شأنها ما تعلم، ولكنها تبادلها غض النظر ولعلها لا تكره زيارة الفتى؛ لأن عين ابنة الثلاثين قد ترى كما ترى عين ابنة الخمس والعشر!
وكان مجلسهما في الحديقة عند سرحةٍ فرعاء يقضيان تحتها ساعة أو ساعات لا مقدار لها في تقويم العاشقين؛ لأن إله الحب وربات الزمن لا يتلاقون في مكان واحد، فإذا شَغَل الحب موضعًا فرَّ منه الزمن، وإذا خلا موضعٌ من الحب تمطى فيه الوقت وتطاولت الساعات.
وجلسا في تلك اللحظة وقد تعاقدا بالأيدي وتجاذبا بالنظر، فكأنهما يعالجان التنويم المغناطيسي، أو كأن كلًّا منهما قد جمع روحه في عينيه لتتعرف من وجه صاحبه روحًا لقيتها في عالم الذر، فيطول أمد النظرة لطول العهد، ثم تُحتِّم بقبلةٍ لا يدريان أهي راحة الذاكرة من هذا الإمعان والاستقصاء أم هي بين الروحين تصافح المعرفة واللقاء.
فلما رأتهما مريم على هذه الحال تضرمت في نفسها شعلة الصبا، وسرت في عروقها حميا الهوى، فقالت: ليت لي عاشقًا!
قلتُ: أوَ تعشقين؟!
قالت: ولِمَ لا؟! بل إني لعاشقة الساعة، وكأنني أجد نفسي بين يدي فتى أجلس منه مجلس هذه الفتاة من ذلك الفتى، وأننا نتلاحظ كما يتلاحظان، ونتعانق كما يتعانقان، ونقطف من زهر المنى في روض الهوى مثلما يقطفان.
قلتُ: فاذهبي إلى عين شمس … فهنالك تجدين عيانًا ما تتوهمين خيالًا، واستقبلي عصارى اليوم في وادي الضياء والغرام حبيبك المأمول ونعيمك المعسول.
•••

وجاء الأعور بالفتى الإنسي فأرصده في منعطفات عين شمس بحيث أمرته، فوقف يتشاغل بالصفير ويغازل الغاديات والرائحات.
أما هذا الفتى فهو ممَّن طمستُ على بصائرهم وأضللتُ ألبابهم، وطوَّحتُ بهم في الفساد إلى حيث لا يبلغ صوت الضمير ونداء الوجدان، فأصبح فاتر النفس، بارد القلب، لا يخف إلى غير المخازي، ولا يرتاح إلى حديثٍ في غير الشراب والنساء، ولا يرى إلا أن العالم حانٌ أو ماخور.
وذهبت مريم إلى أمها فاستأذنتها في الخروج أصيل ذلك اليوم، وكأن أمها خافت عليها مغبَّة ما بها من الكمد وأشفقت أن تتلاشى نفسها غمًّا من غدر خطيبها وانصرافه عنها إلى صاحبتها، فكرهت أن تجمع عليها بين ضيق الصدر وضيق الأَسْر؛ فأذِنَتْ لها ونادت بالخصيِّ جوهر ليصحبها إلى حيث تشاء.
•••

ولم يبقَ إلا ريم من النهار فتوردت الشمس وتزينت مريم بأحسن زينتها، وبرزت تتهادى في الطريق كأنها طاقة الزهر تترك بعدها عَبَقًا في حيثما صافحت الهواء.
وطفقتْ كلما نقلت قدمًا سمعت كلمة إطراء وغزل، وكلما أرسلتْ نظرة تعثرت في نظرات المُقَل، وهي ترى ذلك وتسمعه ولا تعيره نظرًا ولا توليه مسمعًا، حائرة الطرف في دنياها الجديدة مشرَّدة النفس بين الخجل والغرابة، حتى رمقت الفتى على قربٍ فرأت قوامًا قويمًا ومشيةً رشيقةً ووجهًا تشرق فيه بشاشة الصبا، وفمًا تبتسم فيه الملاحة وعينين ألَّاقتين كأنما تضاحكان الضياء، فأحسَّت كأن طائرًا نَضَّ جناحيه بين جوانحها، ومشت قبالته وهي تنجذب إلى ناحيته على غير عمدٍ، وعلمت أنها ستسمع من ذلك الفم الجميل ما قد سمعت من أولئك الثراثرة المتعشقين، فخفق قلبها وتوهج خَدَّاها، وإذا هي على قيد باعٍ منه تسمع صوتًا رخيمًا ولكنها لا تتبين ما يقول.
وحاولت أن تنحرف عنه فخانتها قدماها، ثم هَمَّتْ أن تنظر إليه فلم تطعها عيناها. ورأى الفتى ترددها ووجومها فأقبل عليها بكياسة الأمراء، وقال لها بلباقة الخطباء: ألستُ أنا أَوْلى بمصاحبة هذا المَلَك السماوي من ذلك العبد الأدلم؟! وأشار إلى الخصي جوهر — وكان على بُعْدٍ يحادث بعض أصحابه — فضحكت، وأدارت عينيها إليه ولكنها لم تلبث أن أدارتْهما عنه. وما كان فتاي ليجهل أن إعراض الخجل والدلال إنما هو عين الإقبال، وأن انثناء الروعة إنما هو هزيمة في هذا المجال، فأسرع إليها بجرأة أفادته إياها ممارسة هذه المواقف، وأمسك يدها وهي ترتجف بين يديه؛ فأذهلتها هذه المفاجأة ولبثت هُنَيْهَةً يُخيَّل إليها أنها تتأهب للحركة ولا تتحرك وأنها تنبس بالكلام ولا تتكلم، كأن القلب الذي يوحي إليها الكلام والاعتزام قد طار منها في ملكوت الحب والهيام. فلم يبقَ منها إلا بصر شاخص كما ينظر الصبي في أثر العصفور أفلت من يده، وإلا بدن مستسلم كأنه بين راحتي الكرى.
وأدركهما جوهر وهما على هذه الحالة، فأرسل الفتى يدها وأفاقت هي إلى نفسها وهي تقول: وافضيحتاه! هذا جوهر آغا!
وسمعاه يحرنجم ويطمطم بما لا يفهمانه، وكأن كلماته من اللكنة والعجمة أصوات بغير حروف، ثم قال: «عيب يا بك! لا يليق بك أن تتهجم على الحرائر في قارعة الطريق، إن هذه ليست من أولئك اللائي تعرفهن …»
فاستقبله الفتي باسمًا وقال — بما يُعهد في هؤلاء الفتيان من الظرف وتزويق الكلام: «سامحك الله يا أبي جوهر فقد بالغت في إساءة الظن بنا! ولسنا نحن كما ظننتَ من السُّوقة الهَمَل، ولكننا أبناء قومٍ كرام والحمد لله، وأنت تعلم أن الآنسة أبعد من أن تكون مظنَّة ريبة وهي ربيبتك وفتاتك! ووالله ما كنتُ لأتصدى لمحادثتها لولا أنها زميلة أختي في المدرسة، وأنها كانت تزورها في منزلنا فعرفتها وعرفتني هناك» وامتد بينهما الاستسماح والاعتذار هنيهة، ثم دس في يده دينارًا طال عهد الخصي بأمثاله فطار له لبه وقال: وإلى أين تذهبان الساعة؟
قال: نتمشى قليلًا حول هذه الحدائق ثم نعود، قال إذن أَدَعُ الآنسة في صيانتك ريثما أذهب إلى هذه القهوة، ثم ألحق بكما بعد ذلك، قال: مع السلامة.
•••

وكذلك تصنع الدنانير والدراهم … فإنها — بارك الله لي فيها — قد سكها الناس؛ ليجعلوها ثمنًا للعروض والحطام فما زلتُ بهم حتى تركتهم يشترون بها المحاسن والمواهب والأعراض والمذاهب، بل حتى لقد جعلتها في أيدي بعض الناس ثمنًا للفردوس وبراءة من النار.
فلما شعر الزنجي بالدينار في كفه رأيته كأنما قد انعكس بريقه على وجهه واعتدل ما التوى من خراطيمه، ثم تذكر موائد القمار وقد ودَّعها منذ سنين، فحنَّ إليها وذهب يُمتِّع نفسه باللعب والحديث، وهما حظ الخصيان من الدنيا ولذتهم فيها، بعد الطعام والشراب.
أما أنا فقد استدرجتُ الفتى والفتاة إلي حيث اختليا في بعض تلك الأماكن المنزوية عن الأنظار … ثم مضيتُ في سبيلي.
•••

عادت مريم وهي لا تطيق الصبر يومًا عن عين شمس، ولذَّت رناتُ الذهب والفضة للخصي فأصبح يشتاق تلك النغمة كل أصيل، وتتأخر آنسته عن الموعد قليلًا فيصعد إليها مستعجلًا، حتى خامر الشكُّ قلبَ الأم … فأبت عليها الخروج يومًا ومانعتها يومًا ثانيًا وأغلظت لها يومًا ثالثًا، فأطاعت على كُرْهٍ وانتظرت في اليوم الرابع على مضض، وألظَّ بها القلق في اليوم الخامس فبقيتْ تتلهف حيرةً وشوقًا، إلى أن حان موعد العصر فعزمت على موافاة عاشقها — سمحت أمها أم لم تسمح — وإنها لتتهيأ للخروج إذ قابلتها أمها فاستغربت منها هذه الجرأة وقالت: إلى أين يا مريم؟!
قالت: إلى عين شمس.
قالت: ألستِ تعلمين أنني أخاف عليكِ من هذه المدينة المشئومة؟
قالت: أما أنا فأعلم أنه لا خوف عليَّ منها …
قالت: حسنًا، ولكنني لا أريد أن تذهبي إليها.
قالت: ولكني أنا أريد ذلك … ألستُ حرة فيما أريد؟!
•••

هذه هي الكلمة الجديدة التي تعلمَّتْها الفتاة: الحرية، لقد كانت تعرفها من قبل، ولكنها كلمة لم تكن لتؤدي في قاموس الطفولة معنى عقوق الأم الرءوم، وإيلام ذلك الحنان الطهور.
ألستُ حرة فيما أريد …؟ نعم أيتها الفتاة أنتِ حرة فيما تريدين …! وكل فتاةٍ حرة أيضًا … هكذا قال فلاسفة الحرية، أكثر الله من أمثالهم.
إن حرية النساء مبدأ صحيح قويم، بيد أن الهيئة الاجتماعية لا تخلو من منعرجاتٍ ومنعطفاتٍ لا تنطبق عليها المبادئ القومية إلا إذا التوت عندها بعض الالتواء، فهل من شأن الشريعة أن تحدَّ مواضع هذا الالتواء؟ لا، إن الشرائع العامة لا تضع إلا القواعد العامة، وإنما ذاك عمل البيئة والأسرة، وما دامت هذه الأزقة في الهيئة الاجتماعية فالمبادئ القومية لا تخترقها كلها، فلا زال الحكماء يرسمون هذه المبادئ لإصلاح الناس فنتخذها نحن ذريعة إلى إفسادهم في بعض الأحايين …
? هو فصل مستقل من فصول يشرح فيها إبليس أساليب إغوائه للناس.? قد أفلح إبليس في تدبير هذه الحرب علي ما يظهر فإن الحرب العظمى قد اشتعلت بعد كتابة هذا الفصل بسنة وشهور!? الأعور من ولد إبليس الخمسة هو الموكل بالخنا والفساد في الأرض كما جاء في الإحياء.
المرأة الشرقية?


(?) ماذا يحسن أن تستبقي من أخلاقها التقليدية؟
(?) ماذا يحسن أن تقتبس من شقيقتها الغربية؟
(?) من الصعب أن تعرف على وجه التحقيق ما هي «الأخلاق» أو الصفات التي اختصت بها المرأة الشرقية دون سائر النساء في العالم؛ فإن كثيرًا من الأخلاق التي تُنسَب إليها، ويُظَن أنها خاصة بها ومقصورة عليها قد وُجِدَتْ من قبل وتوجد الآن في بعض النساء الأوروبيات عند تشابه الأسباب، وهي في الغالب الجهل والاستبداد. غير أننا لا يسعنا إلا أن نعتقد من وجهةٍ عامةٍ أن هناك اختلافًا بين الشرقيات والغربيات مَردُّه فيما نرى إلى فرقٍ واحدٍ: هو أن المرأة الشرقية أحسُّ بطبيعة الأنوثة من صاحبتها الغربية، فهي أوفر منها حظًّا من عنصر النسوية أو أن المرأة الصميمة فيها أكثر من المرأة الصحيحة في تلك، وهي على الجملة أرأم لأبنائها وآلف لزوجها وأسكن إلى المعيشة البيتية من صاحبتها الغربية، وهذه هي الخصلة التي نود أن تستبقيها المرأة الشرقية في أساسها لا في تفاصيلها فتظل كما كانت في كل عصرٍ ملكة البيت الحاكمة المحكومة، يسكن إليها الرجل من متاعب الحياة ولا يزال عندها — صغيرًا كان أو كبيرًا — طفلًا لاعبًا يأوي منها إلى صدر الأمومة الرفيق وأحضانها الناعمة رضيعًا ويافعًا وفتى وكهلًا إلى أن يشيخ ويفنى. ويستدعي ذلك أن تعيش هي في ظله وتعتمد في شئون العالم الخارجية عليه، وتدع له كسب رزقها وتدبير حاجاتها، وتنظر إليه من ناحيتها أيضًا نظرة الابن إلى أبيه لا نظرة المنافس المزاحم إلى مَن يناجزه في ميدانٍ واحدٍ، ولسنا نعني بما نقول أن تكون المعيشة البيتية واجبًا مفروضًا على المرأة كما يُفرَض السجن على السجين، ولكننا نعني أن تكون هذه المعيشة حقًّا من حقوقها المفروضة على المجتمع؛ لأن عملها في البيت — وهو إعداد الجيل القادم — أكبر وأجلُّ من أن تجمع بينه وبين السعي في طلب الرزق والاحتيال على شئون المعاش، فهي تعول المجتمع القادم وتسهر عليه، فمن حقها على المجتمع الحاضر أن يعولها ويسهر عليها، وإلا كان خروجها إلى معترك السعي والجهاد علامة على التقصير والخلل من جانب المجتمع ونذيرًا بالشذوذ عن تقسيم الطبيعة الذي عرفه الشرقيون بالبداهة من قديم العصور. ولا بد للمرأة من أن تبني كل سيرتها في الحياة على الإيمان بهذه الحقيقة التي لا سبيل إلى نكرانها بصفة جديَّة؛ وهي أن الرجل أقوى من المرأة على نضال الحياة مما يدل على أنه قد خُلِقَ له، وأنها قد خُلِقَتْ لتعتمد عليه في هذا الأمر لا لتزاحمه فتُقهَر وتنهزم لا محالة. ولا يغني عن القائلين بغير هذا الرأي قولهم إن المرأة إنما تخلفت عن الرجل في مضمار الحياة العمومية؛ لأنه تغلَّب عليها في عصور الظلم والجهل فإنَّ تَغلُّبه عليها دليل في ذاته على أنه أقوى منها جسدًا وعقلًا، وإلا لما استطاع التغلب عليها بالقوة الجسدية وحدها كما لم يستطع الحيوان أن يتغلب على الإنسان بتفوقه عليه في القوة الجسدية دون العقلية.•••
أما ما يحسن أن تقتبسه المرأة الشرقية من المرأة الغربية فهو الأخلاق أو الصفات التي تعينها على تدبير المنزل وتربية الأبناء وآداب المجالس وحرية اختيار الزوج. فيجب أن تمارس الألعاب الرياضية لتقوى جسدًا وتصحَّ مزاجًا، وأن تتعلم الضروري من أصول الاقتصاد وتقويم الصحة وطرائف الآداب، وأن تحذق فنًّا أو أكثر من الفنون الجميلة ولا سيما الموسيقى، ولا بأس بالرقص في محافل الأسر ولكن على طريقةٍ تناسب عادات المشارقة، وتقتبس من الرقصات الشرقية القديمة والحديثة التي لا تخلُّ بالصيانة والحياء.
(?) وننبه بوجهٍ خاصٍ إلى آداب المجالس؛ لأننا نعزو كثيرًا من العيوب التي تَرِين على المجتمع المصري إلى احتجاب الجنس اللطيف عن مجالس الرجال وأنديتهم، وأحسب لو أن الشبان عندنا تعوَّدوا أن يتحدثوا إلى النساء المهذبات، وأن يتحدث النساء إليهم لَعَنَوا بتثقيف عقولهم وأخلاقهم والاطلاع على ما يجمل التحدث به على مسمع من الأوانس والسيدات، ولنزَّهوا نفوسهم وألسنتهم عن اللغو والهجر الذي يقضون به ساعات سمرهم، ولاتخذت المنافسة على المرأة سبيلًا أكرم وألبق من سبيلها المعهود.أما حرية اختيار الزوج فحقٌّ للمرأة إن شاءت تولته بنفسها، وإن شاءت تركته لأوليائها. على أنني لا أغالي بهذا الحق مغالاة الذين يحسبونه أس السعادة كلها في الزواج.وبعد، فإنني أحب أن تحتفظ المرأة الشرقية ? «أنوثتها» وألا تقتبس من المدنية الغربية إلا ما كان سلاحًا لهذه الأنوثة في أداء وظيفتها وصون حقوقها.
? كانت مجلة الهلال قد وجهت هذين السؤالين إلي جماعة من الكتاب والأدباء فكتب صاحب المراجعات إليها بهذين الجوابين.
الإصلاح الأدبي


كُلُّ إصلاحٍ في شأنٍ من شئون الأمم لا يتناول تصحيح مقاييس الحياة فيها هو عبثٌ فارغٌ لا يَستَحِق عناءه، وفي مقدمة ذلك إصلاح الآداب والفنون.
ويجب أن يكون مفهومًا بالبداهة أن إصلاح الآداب شيءٌ غير تنقيح صِيَغ الألفاظ، أو تحوير أوزان الشعر، أو تعديل النحو والصرف، فإنما هو في الحقيقة لا يقل عن تصحيح حياة الأمة ومن ثَمَّ تصحيح التعبير عن تلك الحياة. فهو بمثابة خلق جديد للأمم وهو من صناعة الآلهة لا من صناعة الخلائق الهالكين.
وأصدق ما تُمتَحَن به مقاييس الحياة في الأمم أن تُعرَف الفضائل التي يَزِنُون بها مقادير الرجال؛ ماذا يبتغون منهم وفي أية هيئة يحبون أن ينظروا إليهم؟ أيطلبون منهم حياة تكفيها حدود من الطعام والشراب والثياب المزركشة والأسماء الطنانة، ويوم واحد من الزمن يفتأ يتكرر على وتيرةٍ واحدةٍ ويُعَاد كما بُدئ إلى أن يطويَه الموت في ظلماته؟ أم يبتغون منهم حياةً لها حدودٌ ضاربةٌ في أوائل الآزال وأواخر الآباد تحتاج إلى سماءٍ عالية وآمادٍ غير متناهية وفضاءٍ مترع بالنور والجمال وأكوانٍ مفعمة بالقوى والأسرار وآلهةٍ تعمل في الجهر والخفاء، ولحظاتٍ سرمدية تمر كل لحظة منها باستكشافٍ جديد من الحياة وفنٍّ جديد من فنون الوجود؟ فإن كانت الأولى فانفض يديك منهم ولا تحدثهم عن عليين فإنهم يمشون إلى أسفل، ولا عن الجمال فإنه غير جميل لديهم، ولا عن معاني الحياة فإن حياتهم معنى واحد لا يفهمونه ولا يستحق أن يفهمه أحد.
وان كانت الثانية فلا تأس عليهم، ولا تَهُولنَّك العقبات التي في طريقهم؛ فإنهم لعلى بصيرةٍ من أمرهم، وإنهم لمهديُّون إلى الآداب العالية والفنون الرفيعة وإن صَرَفَتْهُم عنها بعض الدواعي إلى حين.
يعثر الباحث الأثري على جثةٍ هامدةٍ في لفائف شاحبة، حولها كسرٌ من الفخار بينها قطع من الورق فلا يلبث أن يُنشيء في خياله عالمًا حافلًا من تلك الآثار ودنيا حية من تلك البقايا الميتة؛ يجمع من تلك الكسر آنيةً صحيحةً، ويضع تلك الآنية في البيوت التي تلائمها، ويعمِّر تلك البيوت بمظاهر الحضارة التي تدل عليها الجثة المحفوظة والأكفان البالية والأوراق المتهافتة والعمارة المُتخيَلَة، فإذا هو قد أسبغ من خياله عالمًا رحيبًا جليلًا عن هيكلٍ ضعيف ضئيل.
فالآن هَبْ أن باحثًا أثريًّا عثر بعد ألف عامٍ على ديوانٍ من دواوين الشعراء الذين يُنعتون بيننا اليوم بالعظمة والخلود، وأراد أن يستدل منه على الحياة التي كانوا يحيونها والعالم الذي كانوا يعيشون فيه، فأي عالم يكون هذا العالم الذي يتخيله الباحث الأثري على هذا المقياس؟
أتريد الجواب بصراحةٍ وإيجازٍ؟ إنه ولا شك عالم مطموس لا يختلف عن عالم «الحمير» مضروبًا في عشرة أو في عشرين، بل مقسومًا في بعض الصفات والأبعاد على عشرة أو عشرين …! عالم العلف والمذود والقيد واللجام والأتان …! عالم لا يتطلب من النازلين فيه إحساسًا أكبر من إحساس الدواب السائمة في الفلاة، ولا يشعر المتفقد لآثاره أنه كانت له سماء أو كانت له آزال وآباد، أو كانت فيه أرواح وأسرار أو كانت فيه أفراح وأهوال أو كان له إلهٌ قدير … ولو كلفني خلق هذه العالم المطموس لو كلفني أنا الإنسان الحائن تعب خمس دقائق لما رأيته جديرًا بهذا التعب القليل في حياتنا المزدحمة بالمتاعب والأشغال.
وأنت يا مصلح الآداب، يا مَن تريد من الناس أن ينظموا الحياة شعرًا من لحن السماء، وفنًّا من الخلق والإنشاء، وصورًا إلهيةً من حقائق الأشياء ما عملك أنتَ بين هذه المخلوقات التي تتماجن الأقدار بخلقها وتُكلِّفك أنت ثمن مجونها ودعابتها؟ عملك أن تنقلها من عالمها المقبور الذي هي فيه إلى العالم الحي الفائض بالمعاني التي فكر فيها أفلاطون، وعبَّدَها الغزالي، وشعر بها شكسبير، وغَنَّاها فاجنر، وتطلَّع إليها نيتشه، وصوَّرها ليوناردو، واستنشق هواءها ألوف الملايين ممَّن هم أقل حظًّا من هؤلاء في العبقرية والابتكار، ولكنهم إخوانهم في وطن المعرفة والإدراك، فأين أنت ياصاح من هذا العمل وماذا لديك من العُدَّة؟ أملُ إلهٍ ويدُ إنسانٍ وصبرٌ تتلقي به الحوادث هو صبر مخلوق من أبناء الفناء.
لقد عالجتُ هذا العمل الموبق سنين طوالًا، ووهبته حياتي فخسرتها وما استفاد هو منها شيئًا … وكاد أن يتسرب إليَّ اليأس، وورد على خاطري مرات أن هذا الشرق العربي أو المُستعرب ما كان قط في عصرٍ من عصوره الماضية خيرًا مما نراه الآن، وزعمتُ أن الأنبياء والروحانيين ما ظهروا فيه إلا كما يظهر الأطباء حيث ينتشر الوباء، فلا قداسة ولا روحانية ولا شعور وإنما هو فقر في الروح عالجته الطبيعة بدواء النبوة، وقد ذهب الأنبياء وبقي الداء بعدهم كما كان، وسيبقى هكذا إلى آخر الزمان ولكننا لا نزال نعمل.
وأخشى أن يكون عمل اليأس لا عمل الرجاء. إن الزاد لَيُثقل ظهورنا في الصحراء المجدية، ولسنا نأمل أن نعيش فيها حتى نأكله فنطرحه عن ظهورنا مرغمين، ثم نقول: لعل غمامة تعبر به في هذه المفازة فتكون منه واحة وتكون من الواحة حياة! ولكن ترى هل تعبر الغمامة؟ أو تعصف السموم بالبذور قبل أن تدركها رحمة السماء؟!