Advertisement

ما لم يخبرني به ابي عن الحياة

مالم يخبرني به أبي عن الحياة
كريم الشاذلي





















جميع حقوق طبع ونسخ هذا الكتاب محفوظة لـ دار أجيال للنشر والتوزيع بالقاهرة بموجب اتفاق نصي مع الكاتب، ولا يجوز نقل أو نسخ أو ترجمةهذا المصنف إلا بإذن خاص من دار أجيال للنشر والتوزيع، يستثنى من ذلك الاستشهادات مذكورة المصدر أو تناول العمل بالنقد أو التحليل.
تتوجه دار أجيال بشكر عميق لكل من ساهم بإبداعه في إخراج هذا العمل بتلك الصورة الطيبة :
م. عبد الرحمن مجدي في تصميم الغلاف.
م.شيماء محمد في الصف ولإخراج الداخلي للكتاب.
أ. حسام الدين مصطفى .. في المراجعة اللغوية.

الطبعة الأولى 2010
عدد النسخ 10000 نسخة
رقم الإيداع : 9941/2010
الترقيم الدولي : 2-18-6277-977-978


الموقع على شبكة الإنترنت :
www.dar-ajial.com







ما لم يخبرني به أبي عن الحياة
بوصلة الكتاب
إهداء..................................................................................................................5
إستهلالية.............................................................................................................6
مقدمة المقدمة......................................................................................................7
المقدمة..............................................................................................................9
1. البدايات الصعبة..............................................................................................11
2. لانجاح بلا فلاح.............................................................................................13
3. أنت رُبان حياتك.............................................................................................15
4. الصمت قوة..................................................................................................18
5. أشرق كالشمس...............................................................................................21
6. فن الشكوى....................................................................................................23
7. لا تعش في جلباب أبيك.....................................................................................25
8. هيئ مكانا لسيارتك المرسيدس............................................................................27
9. لا تلتفت لما يقولونه عنك...................................................................................30
10. روعة الإخفاق...........................................................................................31
11. لا تحيى على أطراف أصابعك........................................................................34
12. ادفع ثمن النجاح.........................................................................................36
13. أتقن معادلات الربح المشترك.........................................................................38
14. انشر ثقافة الخير.........................................................................................41
15. تعلم الانتقام!..............................................................................................43
16. ذُل يولد عزا!............................................................................................46
17. ركز على دائرة أولوياتك..............................................................................48
18. عندما تنزلق الأقدام.....................................................................................50
19. هلك المتنطعون......................................................................................... 52
20. عندها فتش عن حيلة...................................................................................54
21. ربما تنتهي الرواية في منتصفها....................................................................56
22. تسعون يوما قبل دخول القبر........................................................................58
23. دع روحك تلحق بك..................................................................................61
24. من أكون في آخر الأمر.............................................................................63
25. كن عصيا على الهزيمة..............................................................................64
26. بناء الرأي.............................................................................................65
27. اينشتاين يحدثنا عن الجنون..........................................................................67
28. العظمة صنعة..........................................................................................69
29. الانتحار..................................................................................................71
30. الامتحان...............................................................................................72
31. فعل كل شيء لكنه لم ينظر للمرآة.................................................................74
32. القضاة...................................................................................................76
33. ببطء كي تكون الأسرع..............................................................................79
34. استمتع بما تملك......................................................................................81
35. لا تترك ما تملكه يملكك..............................................................................83
36. العصمة لله فقط.......................................................................................85
37. غربة...................................................................................................87
38. الأذكياء الأغبياء......................................................................................89
39. فخ الشعور بالأمان...................................................................................91
40. المخرج الأخير.......................................................................................94
41. ضرائب القيادة.........................................................................................96
42. بين هتاف المجد وبريق الشهرة.....................................................................99
43. اهرب من الفقر ما استطعت.........................................................................102
44. كيمياء الوهم...........................................................................................104
45. معنى أن ينحني الكون احتراما لك ................................................................107
46. إنها القوانين...........................................................................................112
صديقي.................................................................................................114
وفي الأخير لقد انتصرنا.............................................................................116
موجز الأفكار والمقولات............................................................................118
أهم المراجع..............................................................................................121










إهداء
إلى أبي الغالي .. حفظه الله
.. ولا يزال طريق الحياة طويلا ..
















مالم يخبرني به أبي عن الحياة

أما قبل ..
.. فهذا كتابي الحادي عشر، قد يحق لي وأنا أنهي فصوله أن أنتشي قليلا مستشعرا شيئا من العجب والسعادة لأن أبنائي قد ازدادوا واحدا لكنني-إن شئت الصدق- لا يحق لي أن أفخر بأعمالي وحدي وإنما يجب أن يفخر بها جميع من ساهموا في كتابتها وألهموني بأفعالهم وأقوالهم، المادة الأساسية لهذا العمل.. إنني أدين بأعمالي كلها-بعد كرم الله وفضله- إلى الملايين من الأفكار والأحداث والمواقف.. لذا تظل الحياة –بكل إرهاصاتها- هي معلمي الأكبر.. والأوحد. وعلى جبينها أضع هذا الكتاب..علها تذكرني به حين يطويني الزمان..
















مقدمة المقدمة
واحد وثلاثون عاما ليست بالشيء القليل ..!
أحد عشر ألف يوما في الحياة ، لا يمكن أن يكون رقما صغيرا !
مذ أبصرت عيني الحياة وأنا لا أكف عن الإنصات ، والتعلم و الضحك والمشاكسة، والركض، والتأمل ..
لم أعش يوما واحد وذهني خال من الأحلام ..
تعرضت لكبوات ليست بالقليلة،راهنت على رحمة الله كثيرا وعلى لطفه بعباده، ونصرته لعبد ألقت به الأيام في معاركه متعددة، لم يختارها بمحض إرادته. وكان دائما ـ جل اسمه ـ قريبا سميعا منقذا. كان عند ظن عبده الضعيف .. ولم يخذله قط. لقد استضافتني مدرسة الحياة لما يقرب من أحد عشر ألف يوماعلمتني خلالها الكثير والكثير ..
لكن يظل أعمق ما لقنتني إ ياه ، وأثر فيا تأثيرا بالغا،هو إخبارها لي ـ وبإلحاح ـ أن الحياة بطولها وعرضها، ليست أكثر من مغامرة.
إن لم نكتشف كل يوم جانب من جوانبها الغامضة، ونفك شيئا من طلامسها الغريبة، فلا يمكننا أبدا أن ندعي أننا عشناها كاملة صحيحة.
بدأت معاركي مع الحياة منذ أن بدأ الوعي بوجداني يكبر و يتكون أو لنقل – إن شئنا الدقة – منذ أن عرفت قدماي طريق المكتبة وأمسكت يدي بأول كتاب!
العلم طوى لي سنوات وسنوات، وألقى بين يدي بالأسرار والخبرات والتجارب.
حررتني القراءة من المضي في أي طريق، والرضا بأي حياة والقبول بأي خيار..
لا زال مرأى الطفل الصغير وهو يقف أمام بائع الحلوى ليحسب ما في جيبه ويهم في اتخاذ القرار المؤلم، مفاضلا بين ساعة مرح مع الأصدقاء يتخللها الذهاب إلى محل الحلوى وإنفاق (المصروف)
أو الصبر لأيام قليلة يتجمع فيها ما يكفي لشراء كتاب.
ويا للعجب .. فدائما ما كان الأمل ينتصر على الواقع، وينسحب الصغير بهدوء تاركا الجمع يلهو في فرح حقيقي، وفوق شفتيه ابتسامة صغيرة ، بعثها طموحه الكبير بامتلاك كتاب أو قصة ما.
ويكبر الطفل وتكبر معه أحلامه، وآماله.. والآمه.
ابن التسعة عشر ربيعا كان عندما قرر أن يسافر تاركا وطنا على اتساعه يضيق بأبسط أحلامه !

وطن منهك ذاك الذي ودعه الشاب وهو يستقل طائرته مهاجراً .. ليبدأ معركة جديدة وقاسية، كانت هذه المرة مع الغربة ..ألوان من البشر .. مئات من الحكايات .. تجارب غريبة وقاسية وجدها في انتظاره هناك ..
وبدأ في التعلم الحقيقي، وبدأت الحياة في نحت وقائعها ودروسها في وجدانه نحتا !
سقط الفتى ونهض مرات ومرات ..
طوقه اليأس حتى بدا له أن لا أمل ..
وجاء الأمل معانقا حتى ظن أن لا خوف ..
فاجأه الخوف فأرهب قلبه وأربكه ..
دروس في فن العبش، جعلت من الشاب الصغير محترف حياة .. علمته الحياة حينذاك أن لا شيء بالمجان، فدفع ثمن تلك الدروس عن طيب خاطر، ولا يزال .. لم يشتك من غلاء الثمن .. ولا صعوبة الاختبار .. وتمضي الحياة، ولا زالت مساحة الجهل لدى الفتى تزداد اتساعا يوما بعد يوم ..!
فمهما تعلم، لا زال هناك الكثير، الحياة لا تبوح بأسرارها جملة واحدة، وإنما تقطر تقطيرا ..! !
والآن .. هاهو الفتى يجالسكم، بعدما أكمل عقده الثالث..كل أمله أن يتشارك الأصدقاء في البوح بما تعلموه، كي يقفوا سويا ليُسر كل منهم لصاحبه بما رأى أو شاهد وتعلم ..
مؤمنا أن لا غضاضة أن يتشارك أصدقاء الورق في البوح بأخطائهموكشف المستور بغية التعلم منه، والاحتراس من الوقوع فيه.
حمل قلمه وجاءكم يبث بعضا من رؤاه للحياة. شيء تعلمه فوجده يانع الثمار، رائعا عند تجربته فكتبه خبر قرأه فعلق في ذهنه زمنا، فسكن فيه لبلاغته ، فقرر أنيسجله لك.
خدعة انطلت عليه، فقصها عليك كي لا يخدعك زيفها .. بعض من نظريات حياتية أو فلسفية آمن بها واعتنقها، فأحب أن يطرحها عليك، علها تجد صدى أو قبولا بوجدانك ..
وعلى رصيف الحياة .. يلتقي أبناء الهم الواحد ..! !





المقدمة

عن أبي .. وآبائنا!
ذُكر عن خليفة المسلمين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه قال ( ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم )، فأوجز – في عبارة مقتضبة – مبدأً تربويا في غاية الأهمية، وأهاب بالمربين أن يرتفعوا بآفاقهم وآفاق أبنائهم، فيؤهلوهم لتحمل مهام قد تكون غير منظورة الآن ويزرعوا بداخلهم الهمة والتأهب لمواجهة ما تأتي به الأيام، وتتمخض عنه الحياة ..
أطلق أمير المؤمنين هذه النصيحة في زمن لم تكن عجلة التطور والتغيير وقتها قد أصابها الجنون الذي نراه اليوم، فأضحت هذه النصيحة واجبا تربويا على جميع المربين، وأمرا لا يقبل التهاون أو التنازل.
وصار لزاما على المُربي أن يعطي لمن يعوله الأدوات التي قد يحتاجها في سيره، ويؤهله لمصارعة ما قد يستجد من التحديات والعقبات.
آباؤنا .. وفخ النوايا الحسنة!
آباؤنا يحبوننا، ولا يشك عاقل في هذا، والحب - لو تدري – أحد أعظم ما نريده من آبائنا، خاصة الحب الخالص، الذي لا يوجد به شرط جزائي ! ولا يُتبع بـ ( لكن) .
لذا وجب علينا أن نُقبّل جباه وأيدي آبائنا صباح مساء على دفقات الحب التي أمطرونا بها طوال فترة الطفولة، وساعدتنا كثيرا على مواجهة العالم من حولنا، ولم نكن نملك يوم ذاك سوى ذلك الحب .. فقط.
بيد أن الحب وحده - رغم أهميته - لا يكفي !
ونوايا آبائنا الحسنة - رغم تقديرنا لها - لا تستطيع أن تغطي فضاءنا التربوي، أو تكفينا زادا في مواجهة الحياة.
لقد أصبح مقدرًا علينا - حن أبناء السبعينيات وما فوقها – أن نسبر أغوار هذا القرن الجديد المحتلف تماما عما عاشه آباؤنا ونقلوه لنا .
لقد وضعتنا الحياة وجها لوجه أما تحدياتها القاهرة، وأصبحنا لا نملك أمام هذه التحديات سوى المواجهة، وامتلاك جميع الأساليب والمفاتيح التي تمكننا من الفوز في هذه التحديات.
ميراث آبائنا التربوي يجب أن يُغربَل تمامًا، فنأخذ منه المفيد – وما أكثره – ونتغاضى عما لا يناسب عالمنا اليوم، والأهم من هذا وذاك أن نستلهم من تراثنا الإسلامي، ومددنا السماوي ما نتقوى به أمام توحش الحياة من حولنا، ونواجه به – مطمئنين – هجمتها المادية القاسية التي تقطع وبلا رحمة الخيوط الإنسانية التي تربط البشرية بعضها ببعض.
عن الحياة ..
سَلْنِي عن الحياة، ودعني أخبرك أنها فاتنة اللعوب التي لم يسلم من إغوائها إلا المعصومون من البشر .. وقد ذهبوا !
بريقها أخّاذ فلا تملك أمامه سوى أن تُفتن، أو تدركك رحمة من ربك فتعود إلى جادة الطريق المستقيم.
تنفس في أجوائها حمى التصارع والتنافس، فيركض المتسابقون ويتخبط الجمع، والجائزة متعة فانية، ليس لها في صندوق الحسنات مستقر.
فهل سلم كاتب هذه الكلمات من إغوائها !؟
مغرور أنا ومدعٍ إن تفاخرت عليك بأني لم أقع في الشرك، فما أنا إلا أنت، وعلينا تسري سنة الله في الكون، فنخطئ ونصيب، ونقوم ونكبو، ونربح ونخسر، والأعمال – رحمة من ربك – بخواتيمها فنجتهد في أن نُحسن القول والعمل، علّ كلمة الختام تفاجئنا ونحن عاكفون على عمل صالح يصلح به أمر آخرتنا.
والحياة لمن فَقِهَ ليست شرًا خالصًا، فهي الباب إلى النجاح الدنيوي وفيها ننال شهادة الفلاح الأخروي، شريطة أن نعي جيدا ما الذي تمثله الحياة في الميزان. وندرك أن الصفحة الأخيرة ليست التي تنتهي بوفاتنا ومغادرتنا للحياة، وإنما هناك فصل آخر في الآخرة، نعمل له عمله ونضعه في حساباتنا ونحن نُقيم، ونختار.
حينها نجد أنفسنا نحيا في هدوء وطمأنينة في الوقت الذي يتملك الجمع حالة من التخبط والارتباك والخوف، ونستعلي على زخرفها والكل من حولنا يتصارع في وحشية. والأمر أبدا ليس هينا، وقلما نجد الشخص الذي جمع بين النجاح الدنيوي، والفلاح الأخروي.
ما لم يخبرني به أبي عن الحياة !
نظرة إلى دروس لقنتني إياها الحياة، ووقفة تأمل لما تخبرنا به الأيام مشاهدات لمواقف تاريخية، وتدبر لما مر به السابقين.. حاولت أن أجمع بين دفتي هذا السِفر ما يساعدك في حياتك ويلهمك الصواب، ويعينك على شدائد الحياة وآلامها ..
وما كان دوري فيها سوى التأمل ولاملاحظة، ثم التسجيل.. ليس لي ثمة فضل اللهم إلا أن قطفت الحكمة، واختزلتها لك ناثرًا فوقها شيئا من تأملاتي وخواطري..
وسعادتي ستصبح بلا حدود حينما تأخذ مني هذه الهدية، وتُعمل فيها عقلك، وتخرج منها أفكارك وتأملاتك الخاصة..
البدايات الصعبة
أصعب اللحظات عند بدء مشروع جديد هي لحظات البداية.
لذا أجدني دائما وعند البدء في تأليف كتب جديد، متحفزا للتغلب على هذه المشكلة والقضاء عليها، بكتابة المزيد والمزيد حتى إذا ما نظرت وجدتني وقد أصبحت في منتصف الكتاب !
عندها أعود أدراجي لأنقح وأعدل، وأضيف وأحذف، وقد أزال عني خوف (الخطوة الأولى).
ولقد بحثت عن سر هذا الأمر ووجدت أنه ليس عندي وحدي ولست منفردًا أعاني ويلاته، وإنما هو أمر شائع وموجود، والسر في هذا يتمركز في أن الخطوات الأولى دائما تكون غير ظاهرة للعيان، ولا تستطيع أن تقيسها بمقياس النجاح.
ضربة الفأس الأولى في الأرض ليست إنجازًا، السطر الأول في كتاب ليس نجاحًا، الشهور الأولى في مشروعك الخاص ليست مقياسًا لتقدمك .. وهكذا.
العين لا ترى إلا الشيء الكبير، والشيء الكبير لا يتأتى إلا بصبر كبير .. والصبر الكبير تنتجه همة عالية.
لذا أصبح هذا الأمر أحد أكبر التحديات التي تواجه الواحد منا في هذه الحياة، تحدي ( تحمل صعوبات البداية ) .
لعلك لا تعلم أن الصاروخ يحرق في مرحلة الإقلاع المخزون الأكبر من وقوده !
نعم.. قبل أن يغادر سماءنا يون قد أحرق جُلَّ طاقته..
حتى سيارتك إذا ما أحببت قيادتها صباحا، فإنها تحتاج أن تنتظر عليها قليلا قبل أن يتهيأ موتورها، وتصبح جاهزة للإنطلاق..
إنها الخطوة الأولى في كل شيء.. بسيطة.. صغيرة.. غير منظورة لكنها .. في غاية الأهمية.لذا فإننا يجب أن نثبت أعيننا على الغاية الكبرى التي نسير إليها كي نستمد منها الحماسة، ولا نستصغر الخطوات الأولى بل ننميها ونقويها بخطوات أخرى تعزز من رسوخها.
إن الطفل وهو يخطو الخطوة الأولى يَملّ ويجلس، لكننا - بما لدينا من مخزون فطري – ندرك أن هذه العثرات والانكفاءات الأولى، هي التي ستجعله يهرول بعد ذلك.
والقارئ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم سيجد كيف أنه صلى الله عليه وسلم كان يمتلك رؤية واضحة لمستقبل أتباعه، فعن خباب بن الأرت قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بُردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تسنتصر لنا ألا تدعو لنا؟

فقال: ( لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه. فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) .
إنه استعجال النتائج.. آفة البشر منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. ولعل استنتاجا قد يُطرح، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُوحى إليه من ربِّ العزة سبحانه، وربما بشّره ربه بانتشار رسالته، وفي الحقيقة أن هذا أمر وارد.
ووارد أيضا أن يكون يقينه نابعا من قوة وعظم رسالته، وإيمانه بها.
وارد جدا أن يكون إيمانه بعظم الرسالة التي يحملها يخبره وهو يجتمع بنفره القليل في دار الأرقم، أن النصر له، فلم ينظر إلى قلة أصحابه ويستصغر قوتهم.
ودعنا ننظر إلى مثال تاريخي، القائد المسلم ( محمد الفاتح ) كان وهو طفل صغير، يجري إلى مياه البحر ناظرا إلى أسوار القسطنطينية وهو يردد غدا سأحطم أسوارك المنيعة وفتحها رحمه الله وهو ابن العشرين، فهل كان يدرك هذا القائد وهو يقبض على سيفه لأول مرة ويتعلم فنون المبارزة، أن هذه خطوة في سبيل نصر كبير؟ ... وأجبك بكل تأكيد: نعم.
دعك من الأمثلة واذهب بنفسك إلى أقرب منطقة صناعية قريبة منك وانظر إلى عامل بناء وهو يضع الحجر الأول وسله ماذا تفعل وستجده يخبرك أنه يبني سورا !
لكنك لو سألت المهندس المدير رسم البناية، فسيخبرك في ثقة أنه يبني ( ناطحة سحاب ) !
إن من يضعون أما أعينهم الغاية الكبيرة، يتحملون البدايات البسيطة مستمدين من عظم مطلبهم عونا لهم على ذلك.
فلا تستصغرن خطوتك الأولى، وتعامل معها بصبر وروية.. وتأكد أن الخطوة الأولى على بساطتها وصغرها لا بديل عنها.


بقعة ضوء :
البداية هي أهم جزء في العمل ...
أفلاطون

لا نجاح بلا فلاح
يظل النجاح هو بغية كل البشر..
جميعنا نطلبه، نسعى إليه، ومنا من يبدأ فعلا في طرق بابه والوقوف على أعتابه.
ودائما ما نظر الواحد منا إلى عديمي الطموح نظرة استخفاف واستنكار.
بيد أن هناك شركا خفيا يسكن بين ثنايا ذلك المطلب العظيم وهو أن يلهينا النجاح الدنيوي عن الفلاح الأخروي، أن تسحبنا تيارات النجاح والتفوق والتقدير إلى أن ننسى – أونتناسى – أن هناك غاية أسمى وهدفا أرقى من مجرد النجاح الدنيوي الفاني.
إن المنهج الإسلامي ما برح يؤكد على حقيقة هامة جدا، وهي أن الدنيا مطيّة المؤمن إلى الجنة، وشَرَك المفتون إلى النار.
فهي زاهية متألقة ، بالغة الحسن والجمال، رائعة المذاق، خاصة لمن لم يشاهد سواها، ولم يعايش معاني الآخرة، ويرى الجنة والنار كما وصفهما الله ورسوله.
الدنيا قادر على إغواء معظم البشر ، واستعبادهم، وجعلهم أُجراء لديها، يعطونها خالص أيامهم، وطموحهم وهمتهم وتعطيهم بعضا من متعها الزائفة الزائلة.
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا في التشديد على أتباعه ألا ينساقوا وراء متع الحياة وزخرفها، فنراه يقول صله الله عليه وسلم: ( أبشِرُوا وأمِّلُوا ما يَسُرُّكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ..
هنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعني تطليق الدنيا كما قال غلاة المتصوفة ولم يطلب أصحابه بترطها لشياطين الإنس والجن ليعيثوا فيها فسادا، وإنما طالبهم بالعمل والاجتهاد والرقي الدنيوي، ولكن ليس للدرجة التي تجعلهم يهتمون بالمظهر دون الجوهر، والتعلق بالسبب ونسيان الغاية الكبيرة.
إن المسلم يجب أن يحب الحياة كي يستطيع العطاء، يجب أن يتعامل معها بجدية ويعمرها ويجتهد في جعلها أجمل وأروع مما كانت قبل مقدمه، ولكن ليس على حساب العطاء الأخروي، يجب أن يكون نجاحه في الدنيا سببا مباشرا في نجاحه الأخروي، عبر التزامه بالمنظومة القويمة للخلق، والتنمية المستمرة للضمير والتعامل بيقظة تامة مع النفس وشطحاتها.
لعلك ستدهش لو أخبرتك أنه لو كان هناك لائحة كلائحة مجلة ( فوريس ) المهتمة بمجال المال والأعمال في العصر النبوي، لكان على قمة أغنى أغنياء العالم، عدد غير قليل من المسلمين المجاهدين والصحابة العظماء.
وذلك لأن المسلم ليس مقطوعا عن الدنيا، أو كارها لها، بل المسلم الحق هو من يملك الدنيا بين يديه، ويأبى أن يضعها في قلبه أو يعطيها وزنا أعلى مما تستحقه.
الصحابي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، ثامن رجل يحمل لقب مسلم وهو في الثانية والعشرين من عمره، هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة ولم يملك في هجرته للمدينة من الدنيا سوى ملابسه التي تستر سوءته، وكانت أول كلمة قالها بعد نزوله للمدينة ( دلوني على السوق ).
فأصبح – وهو أحد المبشرين بالجنة – من أغنى أغنياء المسلمين. حتى طَلْحَةَ بنِ عَبْدِ اللّه بنِ عَوْفٍ قَالَ: كَانَ أَهلُ المَدِيْنَةَ عِيَالاً عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ: ثُلُثٌ يُقْرِضُهُمْ مَالَهُ وثُلُثٌ يَقْضِي دَيْنَهُمْ، وَيَصِلُ ثُلْثًا.
ومع هذه السعة، وذلك الرزق الكبير، كان يشغل باله أمرُ الآخرة ولا ينسى أبدا عِظم الغاية التي يعمل من أجلها، فنراه يوم يجري إلى أم سَلَمَةَ ويسألها جزِعا: يَا أم المُؤْمِنِيْنَ !
إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَكُوْنَ قَدْ هَلَكْتُ، إِنِّ مِنْ أَكثَرِ قُرَيْشٍ مَالاً، بِعْتُ أَرْضاً لِي بِأَرْبَعِيْنَ أَلْفِ دِيْنَار.
قَالَتْ: يَا بُنَيَّ! أَنْفِقْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( إِنَّ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ لَنْ يَرَانِي بَعْدَ أنْ أُفَارِقَهُ ) .
ولو فتشت يا صديقي في كتب السير، وتأملت أخبار الصحابة
والعظماء لوجدت منهم كثرًا أصحاب مال وجاه، كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهم وغيرهم.
ومع ذلك سترى ثبات أقدامهم على طريق الحق، وروعة تسخيرهم للدنيا في سبيل الآخرة، وكيف أنهم سيطروا على أطماع النفس والهوى، فكانت الدنيا تحت أقدامهم جارية يأمرونها، فتطيع غير مُسوِّفة.
إن ما أطمع أن تنتبه إليه يا صاحبي وأنت تسير في الحياة أن تهتم بالنجاح، وتعمل من أجل الرقي، ولا تتنازل عن أن تكون رقما صعبا فيها..
ولكن .. إياك أن تنتسى أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن أفضل الأساليب للتعامل معها، هو معرفتها على حقيقتها ( محطة نستقل بعدها قطار اللاعودة )، حيثُ نسكن في دار الخلد.
وأن النجاح يجب أن يستتبع الفلاح.
بقعة ضوء :
البعض قد يذهب إلى الجنة بنصف المشقة التي يتكبدها للذهاب إلى الجحيم... !!!
رالف والدو إيمرسون

أنت رُبّان حياتك
هل يحتاج الأمر إلى كثير إثبات، كي أؤكد لك أن جميع الناجحين في هذه الحياة قد تحملوا مسؤولية حياتهم كاملة ولم يقفوا لثانية واحدة كي يلوموا شخصا ما على الأشياء السيئة التي علّمهم إياها، أو الأبواب الرحبة التي أغلقها دونهم أو العقبات المميتة التي ألقاها في طريقهم؟
ما أسهل أن نقف لنشكو جرم الآخرين في حقنا، ما أبسط أن ندلل على عظيم ما جنت يد آبائنا، وكيف أنهم لم يعلمونا مبادئ النجاح والطموح، فضلا عن ممارساتهم التربوية الخاطئة في حقنا، وما أيسر أن نلقي بجميع مشاكلنا وهمومنا على هذا أو ذاك، متخففين من مسؤولية مواجهة الحياة وتحمل أعبائها.
لقد علمتني التجارب يا صديقي أن الحياة بحر مضطرب الأمواج وكل واحد منا رُبَّان على سفينة حياته، يوجهها ذات اليمين وذات الشمال، وأمر وصوله إلى بر الأمان مرهون بمهاراته وقدراته بعد توفيق الله وفضله.
لكن معظمنا - للأسف - لديه شماعة من التبريرات الجاهزة، فما إن يصاب بكبوة أو مشكلة، إلا ويعلقها على هذه الشماعة ويتنصل من مسؤولية تحمل نتيجة أفعاله !
تربيتنا السيئة، مجتمعنا السلبي، التعليم الفاشل، الظروف الصعبة، تفشي الفساد.
هذه بعض الشماعات التي كثيرا ما نستخدمها وبشكل شبه دائم.
ودعني أصارحك بأنك إذا ما أحببت أن تقبل تحدي الحياة وتكون ندا لها، فلابد أن تتخلى وفورا عن كل التبريرات التي تُعلق عليها مشاكلك وإخفاقاتك، وتقرر أن تتحمل نتيجة حياتك بكل ثقة وشجاعة.
هل سمعت من قبل عن معادلة النتائج الحياتية؟
إنها تخبربك أن نتائج حياتك، هي حاصل جمع ما يحدث لك مضافا إليه استجابتك لما يحدث، أو هي بمعنى آخر :
( موقف + رد فعل = نتيجة )
نجاحات الناجحين قد جرت في حدود هذه المعادلة، وفشل الفاشلين جرى وفق هذه المعادلة كذلك .. !
إنهم حميعا تعرضوا لمواقف أو أحداث ما، ثم تصرف كل منهم وفق ما يرى ويؤمن، فأفرز هذا السلوك أو ( رد الفعل ) النتيجة التي نشاهدها اليوم.
فالشخص الفاشل أو السلبي توقف عند ( الموقف ) ثم أخذ في الشكوى والتبرير، فالمدير لا يفهم، والوضع الاقتصادي متدهور كما أن التعليم لم يؤهلنا بالشكل المناسب، وفوق هذا تربيتي متواضعة وبيئتي سيئة، والدولة يتحكم فيها اللصوص.. وهكذا.
هذا بالرغم من أن هناك ناجحين كثر انطلقوا من نفس هذه الظروف، ومن ثنايا هذه البيئة، وربما كان حالهم أشد وأقسى ممن يشتكي ويولول!
لكننا لو نظرنا للشخص الناجح الإيجابي، لوجدناه يعطي تركيزا أكبر وأهم لمساحة الاستجابة لرد الفعل.
فهو يرى أن ما حدث قد حدث ولا يمكن تغييره، يقول لك حال المشكلات: دعنا الآن ننظر فيما يجب علينا فعله، وكيف يمكننا استثمار هذا الحدث – مهما كان – في تحقيق أعلى نتيجة أو أقل خسائر ممكنة.
قد يحتاج الأمر إلى أن يستشير شخصا ما، أو يُغيّر من تفكيره وقد يستلزم الموقف أن يراجع بعض سلوكياته، أويعدل في رؤيته.
إنه يمتلك مرونة كبيرة، وعزيمة ماضية، وذهنا مبرمجا على إيجاد الحلول، بل وصناعتها.
سأكون صريحا معك يا صديقي وأقول إننا نستسهل الركون إلى الدائرة الأولى ( الموقف ) لأنها أسهل من الناحية النظرية، فليس هناك أيسر من الشكوى، ليس هناك أبسط من أن نُسلّط شعاع النقد على الخارج وندعي أن الداخل كله خير، وأن مشاكلنا فقط من الآخرين السيئين القاسيين، وللأسف فإن معظم البشر مبدعون في اختراع المبررات التي تبرئ ساحتهم من التقصير أو الفشل !
يزداد جنوح معظمنا إلى التبرير في وطننا العربي بشكل أكبر من سواه، نظرا لكثرة الظروف المحبطة، وتعدد أشكال القهر والإحباط مما أدى لنشوء ما أسماه المفكر د.عبدالكريم بكار بــ أدبيات الطريق المسدود، ( .. والتي تتمثل في الشكوى الدائبة من كل شيء من خذلان الأصدقاء ومن تآمر الأعداء، من ميراث الآباء والأجداد، ومن تصرفات الأبناء والأحفاد !! ).
مما جعل بعضنا ليس فقط مبدعا في التنصل من أفعاله ، وإنما جعله كذلك متفوقا في إحباط وتثبيط من قرر التغيير والإيجابية وذلك بالتطوع بإخباره أن المجتمع لن يدعه ينجح، ولن يؤمن أحد بما يقول، وأن زمان الطيبين قد ولى بلا رجعة !
رسولنا صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنه إذا حدث ما لا نريده، فيجب علينا أن ننطلق إلى الأمام بإيجابية ونتخلى عن عادة التحسر والتبرير فيقول صلى الله عليه وسلم : ( لا تقل: لو أنِّي فعلت كذا لكان كذا، ولكن قُل: قدَّر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ).
أختم معك يا صديقي هذه الفقرة بالتأكيد على أن النجاح ليس مرهونا بتحسن وضع ما، وأن الفشل لم تكتبه عليك إرادة عليا يقول الفيلسوف والشاعر الهندي ( محمد إقبال ) :
(المؤمن الضعيف هو الذي يحتجُّ بقضاء الله وقدره، أما المؤمن القوي فهو يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يٌرد، وقدره الذي لا يٌدفع )
المؤمن القوي هو الذي يمتلك تصميما راسخا على تحدي المصاعب والعوائق، هو الذي يقابل الحياة بهدوء نفس ورحابة صدر، وهدوء جنان بغض النظر عما تخبئه أو تظهره له.
بوصلة عقله تتجه إلى الحلول لا التبريرات، والرؤية الإيجابية لا الصورة السلبية الباهتة.
يحضرني هنا موقف أحد جنود المسلمين، إذ سأله واحد من فؤاد الفُرس ذات يوم سخرية: من أنتم؟
فقال له واثقا: نحن قدر الله، ابتلاكم الله بنا، فلو كنتم في سحابة لهبطتم إلينا أو لصعدنا إليكم.
أنظر لهذه الكلمة ( نحن قدر الله).
فليكن هذا شعارك دائما إذا ماواجهتك المصاعب والبلايا.
قلها بثبات المؤمن: إنني قدر الله.. وقضاؤه.




بقعة ضوء
النجاح سلّم لا تستطيع تسلقه ويداك في جيبك.














الصمت قوة

خير لك ان تظل صامتاً ويظن الآخرون أنك أبله، من أن تتكلم فتؤكد تلك الظنون.
( إبراهام لينكولن (
قبل ما يقرب من ألف وخمسمائة عام، قال العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( إن الرجل يظل كبيرا في عيني، حتى إذا تكلم ..ظهرت حقيقته) .
إن الصمت فضيلة وله في النفوس رهبة وإجلال.
والمرء الذي يؤدب لسانه كي لا ينطلق مثرثرا، ويلجمه بحنكة وذكاء لهو امرؤ قد فعل الكثير في سبيل امتلاك القوة.
فكم من كلمة ألقاها صاحبها في غفلة من عقله، فذهب بماله أو سمعته..وربما برأسه بعيدا!
يٌحكى أن لويس الرابع عشر حينما كان شابا يافعا، كان يتباهى بقدرته على الحديث والكلام والجدال، لكنه حينما تولى مقاليد الحكم صار أقل كلاما، بل كان صمته أحد أهم أسلحته ومنبع من منابع قوته، فمما يروى أن وزراءه كانوا يمضون الساعات في مناقشة القضايا الهامة ويجلسون لاختيار رجلين منهما لعرضها على الملك لويس الرابع عشر، وكانوا يمضون وقتا غير قليل في اختيار من سيرفع الأمر إلى الملك، وعن الوقت المناسب لهذا الأمر، وبعد أن ينتهوا من النقاش يذهب الشخصان اللذان تم اختيارهما إلى الملك ويعرضان الأمر عليه بالتفصيل والخيارات المطروحة، ولويس يتابعهما في صمت مهيب تغلب عليه الغموض.
وبعد أن يعرضا أمرهما يطلبان رأي الملك، لا يزيد على أن ينظر إليهما ويقول بهدوء (سوف أرى) ثم يذهب عنهما، ولا يسمع أحد من الوزراء كلاما حول ما تم عرضه، بل فقط تأتيهم النتائج والقرارات التي أمضاها الملك.
ولقد كان لصمت لويس الرابع عشر أثر بالغ في إبقاء من حوله في حالة ترقب دائم لردود أفعاله، وهو ما ترجمه سان سيمون فيما بعد بقوله: (لم يكن أحد يعرف مثله كيف يبيع كلماته، وابتسامته وحتى نظراته، كان كل شيء فيه نفيسا، لأنه خلق فوارق، ولقد اتسعت جلالته من ندرة كلماته).
في كتابه (كيف تمتلك مقاليد القوة) يؤكد روبرت جرين أن البشر الآت تفسير وتوضيح، ولديهم شعور قوي بحتمية معرفة ما تفكر به. وأنه كلما كانت كلماتك قليلة ومركزة، فإنك سوف تغلق أمامهم أبوابا كثيرة للتفسير والتحليل، وستجعلهم يتهيبونك بشكل كبير.
ولعلك قد تعارضني يا صديقي بحجة أن الكلام وسيلة تواصل وتعارف، وأننا يجب أن تكون أكثر تفاعلاً مع المجتمع الذي نعيش فيه وأن الغموض قد يٌنفر من حولنا الآخرين بحجة أننا متكبرون لا نود الحديث معهم.

وهذا صحيح في حالة الصمت المطبق المستفز، لكنني هاهنا أخبرك -ببساطة- بمعلومة في غاية الأهمية وهي:
الكلمات التي تخرج من الفم لا يتم إرجاعها، والقول الذي تطلق سراحه لن يمكنك العودة فيه مرة أخرى.
الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر معاذ بن جبل رضي الله عنه بأن أخطر الأشياء التي تلتقي بالناس في سعير جهنم هو ما يخرجه المرء بين شفتيه ويجري به لسانه.
وما أريد أن أخبرك به في هذه الفقرة هو أن تحاول بشتى الطرق أن تسيطر على كلماتك، وألا تثرثر بشيء ليس ذا قيمة أو لا تعرف أبعاده.
الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول ( تكلموا تُعرفوا، فإن المرء مخبوءّ تحت لسانه، فإذا تكلم ظهر)، فكأنه يوضح لي ولك أن معالم شخصية المرء منا تتشكل في ذهن الآخر.
حسب مايسمعه من كلامنا، وذلك لأن كلامك -بطبيعة الحال- هو تعبير عما يجول بنفسك.
فإذا ما استطعنا السيطرة على اللسان، والتحكم فيما يخرج منه، وإغلاقه تماما إذا ما تشككنا فيما قد يأتي به من نتائج، سنكون قد فعلنا الشيء الكثير.
تعلم الصمت عند:
وهناك أوقات يكون فيها الصمت هو الخيار المثالي، وإطباق الفم هو الحل الأمثل، منها:
الغضب: تزيد نسبة زلل المرء عند الكلام عندما يكون غاضبا آو حانقا، فالغضب حالة من الجنون، وأخطر مافيه أن كلامنا وقتها يٌحسب علينا، وقد يكون حجة تقام علينا وتديننا، وكعظم الغيظ أمر بالغ الصعوبة، لكنه يتأتى بالتعود وتمرين النفس واحتساب الأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصحك أن (لا تغضب ولك الجنة)، أضف إلى ذلك أن الشخص الذي يقيد غضبه ويروضه، شخص يحوز إعجاب الناس وتقديرهم فضلا عن الأجر المرتجى من رب الناس.
الاستهزاء والسخرية: تقول حكمة العرب (لا تجادل الأحمق فيخطىء الناس في التفريق بينكما)حينما يتجه النقاش الى وضع ساخر متهكم.
فإن عدم التمادي والوقوف هو أفضل ما يمكنك فعله، لا ترد السخرية بسخرية مماثلة أو التهكم باستهزاء، ولكن استدع قوة حلمك وصمتك وفكر فيما يقال، وفيما ستجنيه من السكوت عن الرد والتمادي في الحديث.
استكشاف المحيط : سواء كنت في عملك أو بيتك أو في رحلة ما، ستحتاج في أوقات كثيرة أن تصمت، وتخرج الكلمات ببخل شديد كي يتسنى لك معرفة ما الذي يدور، وتقرير ما يجب عليك فعله، صن توزو، الفيلسوف الصيني، يخبرنا في مرحلة التفاوض مع شخص ما أنه كلما طال صمتنا سارع الآخر بتحريك شفاهه وأسنانه، مما يكشف لك بشكل أوضح عن نواياه وماذا يريد.

هنا أيضا قد تعارضني يا صديقي بقولك إن الصمت قد يعد دليل ضعف واستكانة، وقد يغر الطرف الآخر بالتمادي والتطاول والأمر يجب أن يخضع لتقديرك، إنني أطالبك بالصمت في مواقف لن يرفعك فيها الكلام قيد أنملة بل قد تدان به، أما إذا كان الموقف موقف اخذ ورد، ونقد وتوضيح، فيكون كلامك الهادىء هو المطلوب.
إن ما أود الذهاب إليه حقا هو إلجام اللسان عن فضول الكلام وجعل العقل رقيبا دائما عليع، فيفكر قبل أن يقول، ويزن الآمور قبل أن يدلي بدلوه.
الصمت القاتل
لا تنزعج عندما أخبرك أن هناك أوقات يكون فيها الصمت سيئة وخطيئة !
لا حيرة في ذلك، إن ما أريده هو الاتزان، وأي جنوح عن تطبيق قواعد الحياة قد يأتي بتأثير عكسي.
فهل من الحكمة مثلاً أن نصمت حينما يتطلب الأمر تقديم شكر أو مواساة؟!
هل من اللائق السكوت وعدم التعبير عن مشاعر الحب والتقدير والامتنان؟!
هل يصح الصمت عند مواجهة اتهام يحتاج إلى إبراز حجة وتفنيد مزاعم؟!
بالطبع لا.. إننا نتكلم إذا ما أخبرنا العقل أن الكلام مرجوها هنا ونصمت إذا ما تطلب الأمر الاحتماء خلف ابتسامة دافئة مبهمة.





بقعة ضوء
الفم المطبق لا يدخله الذباب







أشرق كالشمس

في أوقات كثيرة، نحسب بعض الأشياء حسابات خاطئة، ونُسيء بينما نظن أننا نحسن صنعا.!
أشياء تلتبس علينا في حياتنا، وتزيد من الهوة التي بيننا وبين الآخر..
أحد أهم هذه الأشياء هو تزكية النفس، وإبراز محاسنها، وتسويق خصالها المبدعة الفريدة.
إننا نؤمن امتثالا لقول رسولنا صلى الله عليه وسلم أن التواضع هو سمة من سمات الصالحين وأن ( من تواضع لله رفعه ) وهذا شيء لا جدال فيه ففضلا عن كونه أمرا نبويا، فإنه كذلك مطلب روحي وعقلاني لا يختلف عليه أي عاقل محب لإنسانيته ويقدر قيمة الإنسان في الحياة..ولكن..
هل معنى هذا ألا يقف المرء في أوقات تتطلب أن يعدد نقاط قوته وأفعاله الحسنة وحجته أن التواضع مطلوب؟
دعوني أوضح الأمر أكثر ..
اليوم في سوق العمل، وفي ظل المنافسة الشرسة، يظهر جليا الشخص المبدع الذي يتقن إبراز إبداعه وتفوقه، ويختفي من على الساحة الفقراء والبسطاء والأشخاص الأقل احترافية في تسويق أنفسهم، مهما كانوا نابغين أو متميزين.
تعالوا لنتأمل شيئا أعمق وأكثر وضوحاً، بالرغم من كون الإسلام أحد أعظم المناهج الأخلاقية على وجه الأرض، إلا أننا دائماً متهمون بالإرهاب والعصبية وضيق الأفق وعدم قبول الآخر وأننا نعشق العنف والدم ونتلهى في أوقات فراغنا بتعذيب من يخالفنا المعتقد والدين..
فهل هذا كلام حقيقي؟!
أترك لك الإجابة.. وأطرح سؤالاً آخر..
بالرغم من كون اليهود أقل عددا، ويفتقرون إلى المنهج قويم محترم يطرحوه للعالم، الخليفة المتعلقة بهم في الأذهان أنهم بخلاء طماعون يفقئون عينيك إذا لم ترجع لأحدهم فوائد المال الذي أقرضك إياه، ولعل من قرأ رائعة شكسبير ( تاجر البندقية ) يدرك ما أقول، وبالرغم من ذلك فقد استطاعت هذه القلة المكروهة أن تسوق جيدا لثقافة الهولوكست وتروج لنغمة الاضطهاد، وتخلق مفهوماً يخصها وهو السامية.
فكيف نجح اليهود في هذا؟...
أترك لك أيضا. الإجابة.. ثم أتساءل ثالثة..
هل من الحكمة أن ندفن كنوزنا الحقيقة في باطن الأرض في الوقت الذي يبيعنا فيه الآخر بضاعته الركيكة على أنها ذهب خالص بالرغم من كون بريقها لا يتعدى القشرة الخارجية؟!
إننا يا أصدقائي بحاجة إلى أن نتقن في تسويق ( النفس والدين والقيمة والخلق ).
التقيت ذات يوم بالمفكر البريطاني (داوود بيدكوك)رئيس المركز الإسلامي البريطاني، وهو أول مركز إسلامي يؤسس في بريطانيا على خلفية رواية سلمان رشدي ( آيات شيطانية ) وسألته لماذا يتحمس دائماً من يدخل الإسلام لخدمة الدين عن المرء الذي ولد مسلماً أبا عن جد؟
وقال لي: لأننا من هناك حيثُ العدم، فنرى إلى أي مدى بلغت عظمة هذا الدين، ونرى كذلك الخيبة التي تتملك المسلم في التسويق لبضاعته من القيم والأخلاق والمبادىء والحسن من السلوك والأفكار، وقال لي بالحرف ( أنتم أفشل مندوبي مبيعات لبضاعة رائجة مطلوبة ! )
إننا مطالبون يا صديقي أن تُظهر روعة ما نملك ونخرجه للناس إن اللؤلؤة تظل شيئاً ليس له قيمة إلا في عنق امرأة وهي تلمع في سحر يخطف الألباب.
القيم الجميلة التي نتبناها تنتظر إعلانك المبهر عنها مهاراتك وقدراتك تنتظر منك تسويقها بشكل أكثر حرفية وإقناعا..
ببساطة.. كل ما تحمله يا صديقي ينتظر منك أن تشرق.. كالشمس .


بقعة ضوء
قد يشك الناس فيما تقول، ولكنهم سوف يؤمنون بما تفعل..
لويس كايس












فن الشكوى

أشعر بالعجب الذي يطل من عينيك وأنت تتساءل: فن الشكوى؟؟!
وأُجبك: نعم، ولا غرابة.
دعنا أولا نتفق على شيء هام، وهو أن البشر -أو معظهم- لا يحبون الشخص دائم الشكوى، كثير التبرم من الظروف والحياة.
وأننا جميعاً ننفر من المرء الذي يحاول أن يصبغ الأيام بفرشاة داكنة قد غمسها في وعاء أفكاره المتشائمة، ونحاول بكل جد تحاشيه أو مقابلته.
لكنني ورغم ذلك، اؤكد أن هناك بعض الأوقات التي تحتاج فيها أن تخرج ما بصدرك، وتتحدث عما أهمك، وتناقش أحدهم في شيء يشغل بالك.
لا بد من لحظات نحتاج فيها إلى أن نشعر أن البشر للبشر والمؤمن لأخيه، والإنسان لن يقدر على العيش دون أخيه الإنسان فيتحدث ويتناقش، حتى إذا أخرج ما بصدره تنهد مرتاحا، وعاد لوجدانه شيء من الطمانينة وراحة البال.
دعني أضف معنى أخر مهما وهو أن الشكوى في حقيقتها ليست شرا خالصاً!
فالشكوى تكون في كثيراً من الأحيان نوعاً من التفكير المسموع أو مدعاة للتمرد من أجل كسر حالة ما خاطئة، أو تحطيم عقبة تواجهنا.
خاصة إذا تركنا الشكوى من الأشياء التي ليس لنا يد فيها إلى الأشياء التي تستطيع تغييرها للأفضل.
بيد أن هناك إشكالية، كثيراً ماتحدث، فتجعل من شكوانا شيئاً غير مُجدٍ، وبدلاً من أن نشعر بالراحة بعدها تزيد تعاستنا أو على أقل تقدير نلوم أنفسنا على البوح والتعبير وإخراج ما بالصدور.
يحدث هذا الخلل عندما نتحدث إلى الشخص غير المناسب وللأسف كثيراً ما يحدث ذلك.
نعم إنها لمشكلة أن نتحدث إلى شخص لا يستطيع عمل شيء حيال موضوع الشكوى، فعلى سبيل المثال ترى من يشكو زوجته لصديقة، ويذهب إلى زوجته ليشكو لها مديره المتعنت، ويتحدث مع سائق التاكسي عن التناقضات في لائحة العمل بشركته!!
فما الذي استفاده الشاكي في هذه المواقف..؟!
لا شيء .. سوى مزيد من الضجر والتبرم.
ودعني أُسرّ لك أن الشكوى لأشخاص ليسوا معنيين بموضوع الشكوى، يريح بعض الأشخاص..!
وتفسير ذلك أن من يشتكي ويتذمر للشخص غير المناس - رغم علمه بذلك - يحاول الهرب من مواجهة الواقع بشجاعة فهو لا يملك من الجرأة ما يؤهله لقول ( لا ) لمديره، أو الاعتراف بالخطأ لزوجته، أو لئم شمل عائلته، أو الجلوس لتنقية الأجواء مع أصدقائه.
فهو يتخذ من الشكوى ذريعة للهروب من المسؤولية.
والأفضل له أن يتحلى بالشجاعة، ويشكو لمن يستطيع حل مشكلته، ويفضفض لمن يملك مفاتيح الراحة والسعادة.
أعود لأكرر أنه يجب عليك ألا تشكو بشكل دائم مستمر، وإنما أخرج ما بقلبك حينما تشعر أنه قد اثقل روحك، وتحتاج إلى تنقية ذهنك وصدرك بالحديث الدافىء مع صديق أو قريب.
وانك يجب أن تتحدث وتشكو للشخص المناسب، الدي يملك روحاً إيجابية، فيعطيك حلاً ناجعاً، أو نصيحة مثمرة، او يريح قلبك من عناء ما أهم بك.
والخلاصة: قلل من الشكوى قدر استطاعتك، فلا فائدة ترتجى من كثرة الشكوى، وما أقل من نشكو إليهم، وإذا اضطرتك الظروف في أوقات ما إلى الشكوى، فليكن هذا لشخص تعلم جيداً أنه سيفيدك في شكواك، وسيعطيك ما تحتاجه من نصيحة أو توجيه ويمتلك أذنا تٌدرك كيف يكون الصمت والاستماع!

















لاتعش في جلباب أبيك !
اكثر من ??? من اهل الارض لا يعيشون احلامهم، بل أحلام أشخاص آخرين..!
-محمد التحق بكلية العندسة لأن والده يريد ان يراه مهندساً! إسعاده.
- علي تزوج من الفتاة التي أحضرتها له أمه ، ورأت أنها الأقدر على إسعاده .
-مازن قرر العمل في المبيعات رغم كونه لا يحبها، نظراً لأنها المتاحة أمامه وهو قد مل من أخذ مصروفه من أبيه وقارب أن يتم عامه الخامس بعد العشرين.
أكثر الأسئلة التي تصلني على بريدي الإليكتروني طلباً للاستشارة هي: ( لا أعرف ما الذي اريد تحقيقه في هذه الحياة! )
وبرغم غرابة السؤال، إلا أن الناظر في حياتنا يرى أن السؤال الأكثر منطقية في أيامنا هذه، فالشاب الذي عاش حياته مُسيرا إلى أن بلغ حد الرجولة، كيف تتوقع منه أن يعلم أين يمضي ومتى يمضي والأهم كيف يمضي!
إن الأوامر التي تلقاها في حياته لم تترك له مجالاً لتحديد مصيره.
ودائماً ما ابدا حديثي مع هؤلاء قائلاً: عش احلامك.. واخلع جلباب ابيك! وعندما يسالني احدهم كيف اعيش احلامي؟
اخبره باول شيئين يجب ان يعلمهما جيداً، أن يعرف اولا ما هو الحلم الذي يود تحقيقه، بعدها عليه ان يحترم هذا الحلم حينها سيصبح امر تحقيق هدفه وحلمه ( مسألة وقت ) .
اختر حلمك، وهدفك، وطموحك، حسبما ترى وتؤمن إنها حياتك أنت، وأبسط واجب منك تجاهها ان تحياها كما تريد وتدفع ثمن هذا الاختيار.
من الان فصاعداً لا يجب ان تنظر لابيك بطرف عينك، لترى هل رضي ام رفض قبل ان تعلن رأيك، احذف من قاموسك الإجابة المميتة : ( أي شيء ) إذا ما سألك أحدهم عما تريده ولا ترض بالقليل، ليكن لك رأي في كل شيء، خاصة فيما يتعلق بحياتك ومستقبلك أعلن رأيك بقوة وجرأة وشجاعة لا غضاضة في أن تناقش هذا الرأي، وتصحح ما قد يشوبه من خلل أو خطأ، لكن في الأخير لا يجب أن تتنازل عن حقك في تحديد مصيرك وحياتك، وصدقني: إن متعة الخطأ في اختيارك الحر، تفوق سعادة الصواب فيما تم اختياره لك!
هيا أحضر ورقة وقلماً ودون أهم ?? شيئاً تود تحقيقهم في الحياة هل ستكتب في صدر القائمة سيارة BMW وفيلا تطل على البحر الأحمر، لا عليك ستجد أنك قد كتبت أيضا أريد أن أصبح زوجا رائعا وشخصا مؤثرا، وأن يكون لوجودي معنى في الحياة.
ضع هذه الورقة أمامك، تأملها بعمق، ثم ابدأ في تصعيد اكثر هذه الأسباب أولوية ليكون على القمة، ضع الأسباب التي جعلت من هذه الاهداف ذات أهمية و أولوية لديك.
الآن قم بما يجب عليك القيام به، مثلا.. هل على رأس قائمتك الحصول على شهادة علمية؟ الآن قم بجمع المعلومات المناسبة عن كيفية الحصول عليها، ضع خطة زمنية، ابدأ في الخطوة الأولى الآن.
المهم أنك قبل أن تخطو ستكون قد فكرت، وقررت بناء على قناعة داخلية قوية، وإيمان حقيقي.
و أؤكد لك أن العالم بأسره سيفسح لك الطريق، و أن الشمس ستنير دربك بضوئها، وستغني لك الطيور أنشودة النصر، ولم لا؟.. وأنت واحد من القلائل الذين شقوا طريقهم باختيارهم.
وليس في الأمر ثمة تفاؤل مبالغ فيه، أو مثالية مفرطة، فما أود منك فعله أن تكون صاحب رأي و موقف، وألا تفعل –فقط – ما تمليه عليك الظروف، أو يدفعك إليه أبواك أو المجتمع.
للأسف أعرف من الأشخاص من لا يملك القدرة على اختيار ملابسه فأهله و أصدقاؤه هم من يشيرون عليه بما يصلح وما لا يصلح !
وهيهات لمن لا يستطيع اختيار حذاء أن يختار الطريق الذي سيسلكه.. !
ممتعة هي الحياة لمن عاشها بإرادته،و أملى عليها شروطه، وألقى لها بقائمة مطالبه!
والخلاصة: لا تعش أحلام شخص آخر، ولا تسمح لاحد أ ن يختار لك طريقك، أو يملي عليك ما يجب عمله، لتكن حياتك قائمة على ما تريده وتقرره، ولا ترضى أبدا بالقليل من الطموح، نل من الحياة ما تريد بقوة.. و إصرار.
















هيئ مكانا لسيارتك المرسيدس !
من عادتي بغض المثالية المفرطة، ودائما ما احب الواقعية التي تشعرني باحترام من يخاطبني لعقلي وإدراكي.
لذا قد يبدو غريبا بعض الشيء أن أطالبك بالبدء في البحث عن مكان مناسب وضع سيارتك المرسيدس التي ستشترها يوما ما..!
صدقني لست مازحا، أو واهما، أو أحلق في الخيال..
ما أود إيصاله لك في هذه الفقرة، أن أحلامك الكبيرة يجب أن تنظر إليها بأهمية كبيرة،وتراها شيئا لا يتحتاج شيئا سوى إلى( بعض الوقت) .
لمايكل أنجلو الرسالم العبقري عبارة رائعة تقول: الخطر الأعظم بالنسبة لمعظم البشر ليس في أن يكون هدفنا كبيرا عاليا لدرجة صعوبة تحقيقه، وإنما في ان يكون بسيطا متواضعا من السهل تحقيقه !
نعم الخطر أن نرضى بالاحلام والأهداف المتواضعة، بالرغم من أن قدرة معظمنا كبيرة، ونستطيع بقليل أو كثير من الجهد أن نحقق ما ظنناه يوما شيئا خياليا غير قابل للتحقيق.
إن المرسيدس لا تعني السيارة في ذاتها، وإنما تعني كل حلم عظيم.
قد يكون هذا الحلم حفظ القرآن كاملا، أو أن تصبح مليونير فقط حدد هدفا كبيرا وآمن به، وابدأ في أخذ الخطوات التي ستوصلك إليه.
ولعلك لا تدرك حقيقة في غاية الأهمية والوضوح، وهي ان الحلم الكبير لا يحتاج إلى مجهود أكبر بكثير من الحلم الصغير كي يتحقق !!
نعم أن تصبح موظفا عاديا في دائرة حكومية، تمارس عملا واحدا طوال سنوات عمرك، لن يكلف أقل مما سيكلفك أن تصبح صاحب شركة أو تدير عملا خاصا.
فقط القليل من الجهد، قليل من التعب والدراسة،ولكن كثير من الشجاعة.
أرى هذا الأمر بوضوح مع أصدقائي من المؤلفين والكتاب فمنهم كتابا رائعا وغاية أمله أن يبيع منه ألف نسخة كي يشعر بالسعادة والنجاح، وهناك من لا يعترف بالنجاح البسيط ولايهدأ باله قبل أن يتم توزيع خمسين ألف نسخة أو أكثر، والفارق بينهما ليس في قوة فيما يحتويه الكتاب من معلومات وآراء وأفكار، وإنما فيما يحتوي عليه صدر كل منهما من طموح وعزيمة وإصرار.
ومما أعجبني في هذا الأمر، موقف الإمام الكبير العز بن عبدالسلام إمام المسجد الأموي بدمشق، عندما قام الملك الصالح- ملك الشام- بعمل اتفاق مع الصليبيين ضد إخوانه المسلمين فقام الإمام بن عبدالسلام وخطب في المسلمين خطبة،هجا فيها هذا القرار وندد بالاستعانة بالصليبيين ضد أخوانهم المسلمين فسجن الإمام، ولما هاج المسلمون غضبا واعتراضاً، تم نفيه إلى مدينة )الكرك( فجلس فيها لفترة، ثم قرر الرحيل بعد انقضاء الغمة، فقال له أمير الكرك- وكانت ولاية كبيرة- ابق معنا يا إمام، وسنجعلك قاضي القضاة وسنعطيك ونعطيك.
فقال له الإمام كلمة في غاية الغرابة، وذات دلالة وعمق بالغين قال: بلدك يا مولاي أصغر من علمي!
وجمع الإمام حاجياته وذهب إلى مصر، فكان فيها سلطانا للعلماء، وقاد حركة تجييش الشعب في حربه ضد التتار، وكان قائدا لحركة شعبية كبيرة.
لقد عرف هذا الرجل طموحه وغايته، كان حلمه غير قابل للمساومة، لم يرض حتى بالبقعة الجغرافية التي أرادوا له الجلوس فيها، ووجدها (صغيرة على حلمه وعلمه) .
النفس يا صديقي تهوى الراحة والركون، والهدف الكبير يستفزها فتحاول أن تثنيك عن تحقيقه، وتراهن على فشلها في بلوغه، وتظهر لك العقبات والمشكلات التي تنتظرك.
هنا يجب عليك أن تلجمها بلجام همتك، وتثيرها بنشيد حماستك وتنقل لها شحنة الإصرار التي تحركك.
وستقابل بلا شك يا صاحبي من يحاول إثناءك عن تحقيق هدفك وخلخلة ثقتك في إمكانية الوصول إليه، فلا تصغ إلى صوتهم ولا تهتم بأمرهم.
محمد بن أبي عامر كان شابا في العشرين عندما تمنى ان يصبح أميرا على قرطبة، سخر منه أصدقاؤه وذكروه بأنه كاتب رقاع، وأقصى ما يمكنه تمنيه ظل جدار في شوارع قرطبة يجلس إليه ليكتب رسائل الناس مقابل درهم أو درهمين.
ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى أصبح محمد بن أبي عامر أميرا على الأندلس كلها لا قرطبة فحسب، وأنشأ الدولة العامرية صاحبة الفتوحات الكبيره والانتصارات الرائعة.
بل دعني أذكر لك مشهدا أثار العالم في فتره السبعينيات، ففعي عام 1977 نشر خبر مثير، مفاده أن سيدة من ولاية فلوريدا الأمريكية وتدعى لورا شولتز وتبلغ من العمر 63 عاما، قامت برفع مؤخرة سيارة بويك لتحرر ذراع حفيدها من تحتها بالرغم من ان هذه العجوز لم تقم برفع شيئ يزن ربع وزن السيارة التي رفعتها!!
أثار هذا الأمر فضول الكثيرين، وذهب إلى بيتها معظم وكالات الأنباء كي يجوا معها لقاءات تتحدث فيها عن تلك القدرة الخارقة.
وكان من اهتم بهذا الأمر أحد الكتاب المهمين بالتطوير الذاتي وتنمية الشخصية ويدعى تشارلز جارفيلد، فذهب إليها بيد أنه وجدها حزينة ومكتئبة ولا تريد التحدث في هذا الامر! فتودد إليها إلى أن قالت له أنها حزينة جدا لأن هذا الأمر- رفع السيارة- قد حطم معتقداتها بما يمكنها تحقيقه، وزعزع لديها بعض الثوابت الخاصة بما هو ممكن وما هو مستحيل.
وقالت له: إن ما يؤلمني أنني فعلت في هذا العمر شيئا كنت أره مستحيلا من قبل، فما الذي يعنيه ذلك؟ هل يعني أن حياتي كلها قد ضاعت ولم أحقق أشياء كثيرة فيها كنت أراها مستحيله؟!
لقد توقفت أمام هذه الكلمة الأخيرة وسألت نفسي:
-هل يجب أن أرفع سيارة أو افعل شيئا خارقاكي أثبت لنفسي أني قادر - وانا في الثلاثين- على حفظ القرآن الكريم كاملا؟!
-ألا يجب ان أعيد النظر في مستوى طموحاتي لأرفعها عاليا ما دام تحقيقها ليش بالشيء المستحيل؟
-هل يجب أو أولد غنيا او أحترف السرقة كي أمتلك سيارة ومنزلا جميلا ومستوى اجتماعيا يرضيني؟
سبحان الله، حتى المطمح الأخروي يجب ألا نتواضع فيه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا: ( إذا سألتم الله ، فاسألوه الفردوس الاعلى من الجنة) .
ولكل منا مطمح وأمل ، اختر من أحلامك اكبرها ومن آمالك أعظمها، وتوكل على خالقك وسله التوفيق وأرنا عزيمة الأبطال.


بقعة ضوء
ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية مايمكنه ، فلو كان يتصور لادمي صعود السموات لرأيت من أقبح النقائص رضاءه بالأرض .
ابن الجوزي















لا تلتفت لما يقولونه عنك
هل سمعت من قبل عن قاعده ( 18-40-60):
هذه القاعدة ببساطه تخبرك بشيء هام جدا، وهو انك في سن الثامنة عشرة تكون مهتما للغاية برأي الناس فيك، ومنتبها لما يقولونه عنك، وقلقا بخصوص ما يشعرونب به تجاهك، وعندما تبلغ سن الأربعين تصبح غير مهتم البته بما يقوله الناس عنك، غير آبه بآرائهم، ولا يقلقك ثناؤه او نقدهم، بينما وأنت في سن الستين تدرك حقيقة الغائبة وهي انه لا أحد في الحياة كان مهتما بك للدرجة التي كنت تظنها طيلة حياتك!
إننا كثيرا ا نعطي لرأي الآخرين أكثر مما يستحق، ونزن أفعالنا بانطباعاتهم، وأنى للناس أن يعايشوا ويتفهموا ما نحن بصدد المضي فيه وتحقيقه؟!
لو فتشنا في قلوب الناس لوجدنا العجب العجاب، فمنهم من برئت نفسه من الأثرة والأنانية فأحبك وتمنى لك التوفيق، ومنهم من أغاظخ نجاحك وتفوقك وينتظر لك السقطة كي يتشفى فيك وهناك من لا يرتاح لمرآك ، وآخرون يطربهم سماع صوتك، فهل سترهن حياتك بما يبنيه الناس عنك، سواء سلبا أم إيجابا؟! أبدا ليس هذا بالأمر الرشيد.
ولكن الخير أن تستمع لما يقال لك، تتأمل في كل نصح أو نقد او توجيه، تفكر فيه جيدا، تعمل فيه عقلك، فإذا عزمت فلا يثنيك كلام احد، ولا ينال منك تثبيط القاعدين.
لو استمع النبي لمن اتهموه بالجنون لما انتشر الإسلام، ولو قعد حزينا بسبب من حملوه وزر من ترك دينه وخاصم أهله ما كنا مسلمين، و لو توقف الحبيب صلى الله عليه وسلم ليرد على من قال إنه شاعر ينظم الشعر ويوهم الجهلاء أنه كلام رب العالمين، لانتهت حياته وما فعل شيئا.
لكنه علمنا صلى الله عليه وسلم أن ننطلق متمسكين بثبات عقيدتنا، ورسوخ قيمنا ومبادئنا،ولا نستمع لقول من لا يعلم؟
يكون الأمر أكثر إلزاما إذا كنت من أصحاب الحلام الكبيره العظيمة المستعصية على أفهام البسطاء العاديين، فنسبة المقاومة والتثبيط ستكون عالية مرتفعة، وكل يظن أنه يخلص لك الكلام والنصح.
إن استقلاليتك العقلية وتحررك من سيطرة الناس امر بالغ الاهمية في تحقيق احلامك وأمانيك، ولن يتأتى هذا إلا إذا كانت معتقداتك وأفكارك ومن ثم أحلامك مبنية على أسس سليمة راسخة متأنية تعطيك ترياقا ضد حملات التشكيك والاستهزاء والنقد الآتي من الآخرين .

بقعة ضوء
السبيل للارتقاء هو أن تطور نفسك بكل السبل الممكنة ولا تشكو ممن يعمل على منعك من هذا الارتقاء ، فقط انظر للأمام .
إبراهام لينكولن

روعة الإخفاق
هل تخشى الفشل وترهب الإخفاق وتتحاشى تجارب قد لا تستطيع أن توفق فيها؟
إن كانت إجابتك نعم، فلديك ثمة مشكلة و أغلب الظن أنك لن تستطيع تحقيق احلامك!
فالفشل يا صديقي هو جناح النجاح، وروحة وجوهر وجوده، ولن ترى ناجحا في الحياة، لم يسقط يوما أو يكب، وأتحدى أن يتجرأ أحد على سنن الله في الكون ويفخر بأن التوفيق ملازمه على طول الخط.
فالفشل صقل لتجارب الواحد منا، وإصلاح لمنحنى حياتنا ولبنة في صرح نجاحنا.
يعرف رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل النجاح تعريفا جميلا فيقول: ( النجاح هو القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماستك).
و كانه جعل من الفشل أصلا من أصول النجاح لا يتم إلا به ولا يكون إلا بتذوقه.
ولكن هل معنى هذا ان نرضى بالفشل ونستكين له؟!
بالطبع لا وليس هذا مربط فرسنا، بل هوأبعد ما يكون عما نريد، إن ما أريده منك ان تؤمن بشيء في غاية الاهمية، وهو أن الفشل وارد جدا ما دمت قد قررت ان تصنع شيئا، والاخفاق قريب من الشخص الذي ينشد التغيير.
وأنك ببساطة كلما كنت فعالا في الحياة، كثير العمل والحركة والاجتهاد كثرت أخطاؤك، بعكس المستكين الذي لا يفعل شيئا ولا يقدم لنفسه أو لمجتمعه أي بادرة إيجابية.
والرد المناسب على الفسل هو النجاح الكاسح، والتعامل الامثل مع الإخفاق يكون بتكرار التجربة وإعادة الكرة، ودراسة أسباب الإخفاق للتغلب عليه.
للأسف كثير من الناس أقعدتهم التجارب الفاشلة، نالوا حظهم من الإخفاق فأغلقوا باب التجربة والعمل، وهؤلاء لا غيرهم هم الفاشلون.
والحقيقة لا يعلمها كثير من هؤلاء لافاشلين، أن منهم من كان قريبا جدا من النجاح حينما قرر التوقف والاستسلام للفشل!
نعم.. كثير من البشر يتوقفون ليجنوا مرارة الفشل، ولا يدركون كم كانو قريبين- لو تسحلوا بالصبر والعزيمة- من النجاح والتفوق.
إن المنهج الإسلامي يقرر قاعدة هامة في الاجتهاد في والعمل ويرفع من فوق كلهل المجتهدين العائق النفسي الذي يمنعهم من التجربة والإنتاج ، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ ، فله أجر ) .
أي المنهج هذا الذي يعطي للمرء أجرا عندما يخطئ ويكافئه عند إصابته وزلته !
إنه المنهج الذي يدفع بأبنائه إلى الاقتحام والتحدي والتجريب مطمئنا إياهم أنه سيقدر حتى خطأهم بشرط أن يأخذو بالأسباب ويدرسوا خطواتهم جيدا .
فإذا ما أخطأت وأخفقت في تحدي من تحديات الحياة فاعبر أحزانك وألامك بسرعة وإليك الطريقة .
مالذي يجب علينا فعله عندما نخطئ ؟ ونخفق؟
هذه النقاط تساعدك في عبور التجارب الغير موفقة التي قد تمر بها :
1.التأكد أن الفشل لا يعني أنك إنسان فاشل .
طبيعي أن تحزن عند الفشل ، ونتألم من الإخفاق لكن من المهم جدا ألا تدع المشاعر السلبية تسيطر عليك وتضيق الخناق حول عنقك .
من الأهمية بمكان التفريق بين محاسبة النفس لتتعلم من الخطأ وجلد الذات والانغماس التام في تأنيب النفس، وتوعدها، ونعتها بالغباء وعدم الإدراك.
2. تأكد من أن الفشل ليس معناه أنك غير قادر على فعلها.
ليس معنى فشل زواجك أنك زوج فاشل، ولن تستطيع النجاح مستقبلًا في الزواج، وليس الإخفاق في العمل مؤشرًا على أنك إنسان لا تستحق هذا العمل، وبأنك يجب أن تبحث عن عمل غيره.
كلا.. الفشل في تجربة جعلك أكثر وعيًا عند تكرار نفس التجربة وقلل من نسبة وقوعك في الأخطاء السابقة، وربما قربك من درجة الخبرة في هذا الأمر.
بشرط أن تتعلم من أخطائك السابقة جيدًا.
3. فرِّق بين الفشل في اختيار الطريق، والفشل في اختيار الهدف.
وذلك لأن الكثير منّا عندما يفشل في الوصول إلى غايته يبدأ في التشكيك في الغاية، بالرغم من أن المشكلة كانت فقط في الطريق الذي سلكه، وهذا اللبس هو أخطر ما يمكن أن يواجهه المرء منا، لأنه قد يدفعنا إلى إضاعة الكثير من عمرنا في التنقل من هدف لهدف ويجعلنا مشتتين في اختيار ما نريد، متذرعين بأننا لا نعرف ماذا نريد بالرغم من كوننا فقط نحتاج أن نعرف طريقًا آخر يؤدي إلى ما نريده.
4. تأكد من أن الفشل لم يسرق منك عمرك.
لا تدمن البكاء على الأيام التي قضيتها في فعل شيء ما، لم يكتب لك النجاح فيه، فالخبرات التي أضفتها إلى صندوق تجاربك –صدقني- لا تقدّر بثمن، ثم إن الحياة ماهي إلا مجموعة تجارب وسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يحمسنا دائمًا أن ( الأعمال بخواتيمها )، والعبرة بالنهاية.
5. الفشل ليس معناه الفشل!!!
لا تتعجب.. الفشل ليس معناه أنك قد حصلت على شهادة فاشل، ولا تعني أن العالم يوجه نحوك أصابع الاتهام، أو ينظر إليك نظرة استنكار وريبة.
ليس معناه أنه قد كُتب عليك أن ترضى برداء الخزي، وتقضي بقية عمرك في صفوف المثبطين الفاشلين، كلا.
إنها تجربة وليست النتيجة النهائية.. موقعة وليست الحرب.. مرحلة وليست نهاية المطاف.
وصدقني.. أضواء النجاح لن تكون مبهرة إن لم يسبقها شيء من ظلام الفشل.
الخلاصة : استمتع بالفشل من خلال تعلمك منه، واحرص على التأمل في إخفاقاتك لترى بين ظلامها نقطة ضوء قد تنير لك درب حياتك كلها.
وتأكد من أن الفاشل الحقيقي هو من أقعدته همته عن تكرار المحاولة بعد إخفاق أو أكثر، وأن من أهم لبنات بنيان النجاح لبنة الفشل والإخفاق.


بقعة ضوء
الفشل نوعين : نوع يأتي من التفكير بدون فعل،
ونوع يأتي من الفعل بدون تفكير...
- جون شارلز سالاك










لا تحيى على أطراف أصابعك
هل أنت خائف؟
أقصد هل تشعر بالخوف والرهبة، بعدما قررت أن تقوم بتغيير شيء ما في حياتك، ترى بأنه سيجعلك أفضل مما أنت عليه الآن؟
من الطبيعي جدًا أن تشعر بالخوف والقلق إذا ما فكرت في تغيير شيء قائم، أو القيام بعمل غير مألوف، وكلما زادت المخاطرة، كان قلقك أشد، وخوفك أكبر.
فالخوف –كما يراه علم النفس- حماية للمرء من عوامل التهديد والمخاطر، إلا في حالة أن يكون الخوف حاجزًا أمام الرٌّقي، ومانعًا للمرء من العمل والاجتهاد والتقدم، هنا يكون حالة مرضية يجب التخلص منها ومعالجتها.
ومن الثابت أن المرء الذي يعمل من أجل تغيير شيء قائم، يُجابَه بجيوش من المشاعر السلبية والمحبطة التي تحاول إقعاده عن تحقيق مراده، أهمها: مشاعر الخوف، وهو إما يكسب الرهان، ويتفوق على نفسه ومشاعره السلبية هذه، وإما يخسر وقد تملكته مشاعر الخوف والرهبة والقلق.
الواحد منا إما أن يحيا على أطراف أصابعه وجلًا خائفًا من المجهول متوجسًا من طرق أبواب جديدة، محتميًا بما عرفه وألفه، وجربه قبله كثيرون.
وإما مقدامًا شجاعًا، مؤمنًا أنه لن يعيش الحياة سوى مرة واحدة أونه ليس هناك فرصة ثانية، فيقتحم المجهول، ويستمتع بلذة التجربة بل وبلذة المخاطرة والاقتحام.
وفوق هذا، هناك المعلومة التي ينبهنا إليها مارك توين، الكاتب الأميركي، حيثُ يخبرنا بشيء في غاية الأهمية، فيؤكد أنه عاش حياة طويلة حافلة، وكان يحمل بقلبه الكثير من المخاوف لكنها لم تحدث أبدًا !!، وينبهنا إلى أن معظم مخاوفنا لا تأتي، وبأننا نموت دون أن نعيشها!
إن النفس التي بداخلنا دائًما ما تنذرنا بالويل! وكثير منا يتحركون وفي أذهانهم دائمًا السيناريو الأسوأ للأحداث، مما يؤثر على قراراتهم الحياتية، ويقعدهم عن اتخاذ إجراءات هامة ومصيرية.
ودعني أخبرك بقاعدة هامة من قواعد الحياة وهي أن :
النجاح لا يوهب.. بل يُنتزع انتزعا!
وأنك ببساطة مخير بين أن تكون إنسانًا عاديًا –وربما فوق العادي بقليل- وتتمتع بالأمان، وإما أن تكون إنسانًا عظيمًا وتواجه بعض المخاطر والعقبات.
إما أن تعيش على أطراف أصابعك خشية صنع ضجيج يلفت انتباه العالم إليك، وإما أن ترفع صوتك عاليًا مؤكدًا وجودك وقبولك تحدي الحياة بشجاعة وجسارة.

روبرت كيوساكي يقول في كتابه الرائع ( الأب الغني الأب الفقير ) :
( إن أهم قاعدة كي تنتقل من فئة الفقراء إلى مصاف الأغنياء هو أن تُطلّق ذهن الفقير وطريقة تفكيره وتعامله مع الحياة، وتبدأ في تبني أفكار الأغنياء وسلوكهم، إن أهم ما يجب عليك فعله هو أن تتخلى عن الخوف الذي يمنعك من اقتحام المخاطرة، إن الخوف هو الذي يبقي الناس عالقين بالشَرَك، هو الذي يجعلهم دائمًا يختارون الشيء الآن البسيط الأقل مخاطرة مما يجعلهم يرتضون الأقل دائمًا! )
معظم البشر يختار الخيار الذي يوفر له الحد الأدنى من طموحاته يرتبك إذا ما شعر بثمة خطر يطرق باب حياته، فضلًا عن اقتحامه هو للمخاطر ومواجهتها.
لا أقول ابحث عن المخاطر، أو عِش في قلق، لكنني أنبهك –قبل أن تُفاجأ- أنك ما دمت قررت أن تكون شخصًا طموحًا كبيرًا، مبدعًا فإن الخطر والخوف والرهبة سيزحفون إليك.
فاستعد لهم .
والخلاصة.. يجب أن تتيقن من أن التغيير سيجلب لك المتاعب فلا تخشَ مجيئها، ولكن تجهّز لها، ضع نفسك في حزب الفاعلين وتحمّل نتيجة هذا القرار، وارفض أن يكبلك الخوف، فتسير في ركب البسطاء والعاديين.

بقعة ضوء :
إن شكوكنا خوانة لنا، فهي تفقدنا الخير الذي يمكننا أن نحظى به من خلال خوفنا من المحاولة .
- ويليام شكسبير









ادفع ثمن النجاح
بعدما قرر الصحابي الجليل صهيب الرومي، الهجرة من مكة إلى المدينة ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، طارده مشركو قريش وحاصروه في الطريق، فاحتمى منهم في معزل من الجبل وكان رضي الله عنه ماهرًا في رمي السهام، فخافوا أن يقتربوا منه لكنهم أخبروه أنهم لن يدعوه يذهب إلا بعدما يعطيهم كل ما يملك، قائلين له: أتيتنا صعلوكًا فقيرًا فكثر مالك عندنا وبلغت بيننا ما بلغت والآن تنطلق بنفسك ومالك؟
فدلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته فتركوه وشأنه وعندما وصل إلى المدينة، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما إن رآه النبي صلى الله عليه وسلم وعلم بقصته حتى قال له: ربح البيع أبا يحيى .
إن صهيب رضي الله عنه اشترى إيمانه بكل ماله، ولم يجعله غلاء الثمن يتشكك لثانية في قيمة الصفقة التي يريدها.
والمرء منا بحاجة لأن يؤمن بأن للنجاح ثمنًا يجب أن يدفعه، سواء كان هذا النجاح ماديًا أو أدبيًا أو اجتماعيًا أو حتى أخرويًا.
ولو كان النجاح مجانيًا، لتجرأ كل خامل كسول على طلبه والوصول إليه .
كل الناجحين في الحياة يخبرونك أن للنجاح ثمنًا يجب أن يتم تحصيله أولًا قبل الحصول عليه.
مايكل أنجلو الرسام الشهير، والذي يراه كثير من الناس موهبة وأسطورة، يقول لمن يظن أن النجاح مجرد إفراز لموهبة أو ضربة حظ: (لو علمتم حجم الجهد الذي بذلته، والعمل الشاق الذي كنت أقوم به من أجل أن أصنع نجاحي، وأصبح مايكل أنجلو، لما بدت لكم مهارتي مدهشة على الإطلاق، لقد رقدت على ظهري لأربع سنوات كي ارسم سقف كنيسة سيستسن) .
اللاعب المصري محمد أبو تريكة، أحسن لاعب مصري وعربي لأكثر من عام، والذي استطاع أن يستحوذ على إعجاب واحترام الشعب العربي كله، من خلال أدائه الممتع والتزامه الخلقي وتفاعله مع قضايا مجتمعه وأمته، قال لي بعدما سألته عن سر تميزه: كل ما أعلمه أنني أؤدي ما يجب عليّ أداؤه، إني أدفع الثمن مقدمًا عبر جديتي في التدريب، والتزامي بتوجيهات مدربي، واحترامي للجمهور الذي يأتي ليشاهدني.
عمر سمرة، أول مصري يصعد قمة إيفرست، سألته بعدما خط اسمه في موسوعة جينس للأرقام القياسية، وكتب التاريخ كأول مصري يفعلها، عن كيفية تحقيق حلمه، فأكّد لي أن الصعود للقمة استغرق أسبوعين، لكن التحضير له استمر أربعة أعوام كاملة وأخبرني عن رحلته التي كانت أصعب مما تصورت وعن شعوره عندما فوجئ بجثة أحد المتسلقين أمامه، بيد أن أهم ما أكده لي عمر أن الرجوع عن تحقيق حلمه وتسلق الجبل لم يزر خياله قط فكيف يعود وقد دفع ثمن النجاح كاملًا وصار قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه؟!
الدكتور نبيل فاروق، عميد أدب الشباب في العالم العربي ورائد أدب الجاسوسية في الشرق الأوسط، أخبرني بأنه اتخذ يومًا ما قرارًا غاية في الخطورة، لكنه كان الثمن الذي يجب دفعه، إذا كان يبحث عن النجاح، وهو استقالته من وزارة الصحة وترك عمله كطبيب والتفرغ للأدب، في وقت كانت مهنة الطب فيه مطمح معظم البشر.
يؤكّد هذا الأمر أستاذ الإدارة الشهير، ستيفن كوفي بقوله: (كل من حقق نجاحًا ماليًا وعمليًا سيخبرك أنه عليك في بداية حياتك العملية أن تعمل بذكاء وشقاء، عليك أن تدفع ثمن النجاح مقدمًا وكاملًا، وليس هناك طريق مختصر) .
في لحظة ما ستجد نفسك مجبرًا على دفع ثمن النجاح، سواء كان هذا الثمن مزيدًا من التعليم والتدريب، أو التنازل عن ميزة أو مكسب حالي، أو العمل بشكل مضنٍ ومتوالٍ بلا راحة أو استكانة .
وسيتوقف نصيبك من كعكة النجاح، على حجم دفعك لهذا الثمن، والجهد المبذول.
الخائفون يا صديقي لا يحصلون على شيء، وكل من يحاول أن يجمع بين النجاح والراحة سيخيب سعيّه.
ومن يأمل في أن يكون نابغة متميزًا، دون أن يمر بتحديات تجبره على اتخاذ خطوات هامة وحاسمة وخطرة في بعض الأحيان، لواهم مخدوع!!
الخلاصة : النجاح ليس مجانيًا! وضريبة النجاح يجب أن تدفعها مقدمًا، وبقدر تعبك وجهدك وصبرك، يكون الثمن والأجر.











أتقن معادلات الربح المشترك

جرت العادة في مباريات الكرة أن يكون هناك فائز واحد .

كما أنه في المحكمة يقف القاضي ليعلن في نهاية الجلسة حكما يعتبر انتصارا لطرف من المتنازعين وهزيمة للطرف الأخر .
فهل الحياة كمباراة الكرة أو ساحة المحكمة لا تعترف في معادلاتها سوى بربح طرف وخسارة الاخر؟
هل على المرء أن يعمل بمبدأ ( أنا وليذهب الجميع إلى الجحيم ) نظرا لأن فوز الأخرين يعد هزيمة له ؟
الحقيقة أن معادلات الفوز والخسارة في الحياة تتوقف كثيرا على المبادئ التي يتبناها المرء منا،
فهناك من البشر من لا يرى سوا نفسه ولا يعنيه من أمر الناس شيء كما أن هناك من يهتم بشأن
الأخرين لو على حساب نفسه ، وهناك من لا يتحرك إلا بعدما يتأكد من أنه سيفوز وبشكل محترم يحقق الراحة للاخرين .
أستاذ الإدارة الشهير ستيفن كوفي في كتابه الرائع و المعنون بـ (العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية )
أكد أن هناك ستة احتمالات لمعادلات الحياة :
أنا أربح / أنت تخسر : أصحاب هذا المنهج يؤمنون أن الحياة لعبة مجموعها صفر ، ولا يتحقق
النجاح بالشكل المرضي إلا بخسارة الطرف الأخر ، وأصحاب هذا المبدأ أشخاص لا تنقصهم
الشراسة ، شرهون للفوز دون النظر لأطراف اللعبة .
أنا أخسر / أنت تكسب : لعلك تتعجب من أن يكون هناك شخص يعمل على خسارته مقابل ربح
الأخرين ، ولكن للأسف كثيراً ما يحدث ذلك في حالات عدّة ، منها الإحباط الشديد وعدم الرغبة
في الفوز ، أو الترف الزائد وعدم توفر الحماسة ، وهذا المبدأ يفتقر إلى الإيجابية ، ومعتنقوه
دائما ما يتصفون بالسلبية وقلة الحيلة .

أنا أخسر / أنت تخسر : هؤلاء الذين يتبنون قاعدة شمشون ( عليّ وعلى أعدائي) ، معتنقو هذا
المبدأ تركيزهم دائما مصوب نحو المنافس ، همهم الأول أن يردوه خاسرا ، ومعتنقو هذا المبدأ
اتكاليون يخففون وجع الفشل بالنظر إلى فشل الأخرين لذا فهم أشخاص سلبيون ، بنيت مداركهم على أسس هشة .
أنا أربح / أنت لك الله : ما يهم الذي يتبنى هذا المبدأ أن يربح دون النظر إلى منافسه ، نعم قد لا يتعمد إفشاله لكنه في المقابل لا يحاول أن يشاركه النجاح .
لا أخسر / لا تخسر : بمعنى أن تتم التسوية السلمية بين الطرفين دون خسائر ، وليذهب كل منا في طريقه .
أنا أكسب / أنت تكسب : كلنا نربح ، كلنا نلتزم بالاتفاقيات المشتركة ، كلنا نبحث عن المصلحة المشتركة .
أصحاب هذا المبدأ ينظرون إلى مصلحة الأخر تماما كنظرهم إلى مصلحتهم ، يؤمنون بأن مكسب طرف دون النظر للأخر يعد أنانية وخطأ .
هذه هي المعادلات الست التي نعمل وفقها ، ونلتزم بأحدها في الحياة ، وبالطبع الخيار الأخير (أنا أكسب / أنت تكسب ) هو ما قد نوافق على فاعليته وقوته ، لما يوفره لجميع الأطراف من مكاسب مشتركة ، بيد أن ستيفن كوفي أكد – رغم إيمانه الشديد بمبدأ المكاسب المشتركة – بأننا قد نلجأ للنماذج الأخرى في بعض الأوقات حيث تكون فاعليتها أقوى ، فنموذج الربح والخسارة هو الفعال في التنافس الرياضي ، وقد نلجأ لنموذج ( أنا أخسر / أنت تكسب ) إذا وجدنا أن تنافسنا في أمر ما قد لا يستحق ما ننفقه عليه من جهد ومال .
وأن خسارة قريبة بسيطة أفضل من الصمود والخسارة الكبيرة فيما بعد .
لكن في الأصل يظل نموذج ( أنا أكسب أنت تكسب ) هو أفضل الخيارات التي يمكن أن يتبناها المرء منا ويعمل وفقها .
بيد أن العمل وفق هذه القاعدة ليس بالأمر الهين ، ويتطلب توافر بعض الخصائص في الشخصية حتى تستطيع التعامل بها ، فليس سهلا على المرء – خاصة في زمننا المادي المحموم هذا ! – أن يشغل باله بأمر الأخرين ويتبنى هم التفكير في مصالحهم ، ويبني مصالحه وهو محترس من المساس بمصالحهم .
لكن المتأمل في المنهج الإسلامي سيجد أنه قد ركز على هذا المبدأ بقوة ، مهيبا بأبنائه العمل به و تبنيه ،ولعل حديث رسول الهدى ? : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) تأكيد على أن الإسلام ، لم يجعل الأمر اختياريا ، بل جعله عقديا ، فالعمل بقاعدة ( أكسب / تكسب ) شرط في إيمان المسلم ، و لا يتم إلا به .
و أنه من الخطورة الإنجراف مع الحياة عبر تنمية مشاعر الشحّ لديك فترى أن الخير في أن نكسب وحدنا ، و أن الكعكة لا تكفي سوى شخص واحد .
و تحديك لأعظم لها يكون في الإيمان بأن خزائن الله مليئة ، و بأن فضله يسع كل البشر، يقول تعالى في سورة ( المنافقون ): وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَ?كِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7)
التحدي الأكبر لا يكون في الانتصار الشخصي المجرد بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى سوى الفوز، بل يكون في الانتصار الشريف الذي تتحقق فيه اركان المعادلة (أنا أربح – أنت تربح )، حينها ستتمتع بصدرٍ صافٍ ، و قاعدة اجتماعية طيبة و ذهن إيجابي فعال .
و خلاصة ما قلناه أن الربح لا يعني أن نهمل الآخرين ، بل يجب أن نعمل على أن يشاركوننا الربح ، و يقاسموننا الفوز، و يغنوا معنا أنشودة النصر .

بقعة ضوء
قد يبدو يسيراً ان تعيش في قمقم أنانيتك ، لكن من العسير ان تسعد بذلك إذا كنت إنساناً حقاً ..

نجيب محفوظ











انشر ثقافة الخير

عندما تواجه أحدنا مشكلة أو كبوة ما، يصرخ معلناً أن الحياة كلها تعب و نَصَب و هموم !
عندما يتعرض واحد منا لفخ أو عملية نصب ، يخرج مؤكداً ان لا أمان للبشر !
قلت في كتاب سابق لي إننا يجب ان نعيش بوعي ، ولا ندع الحياة تخدعنا ، فنراها سوداوية إذا ما خدعنا أحدهم .
بيد أنني أطالبك الآن بما هو أكثر ..
إنني أطمع منك أن تنشر ثقافة الخير و المحبة و ألا تُيئس الناس في الدنيا ، أو تكون ممن يردد الأخبار السيئة الكئيبة !
أهيب بك ألا تكون مرآة تعكس السوء الذي في نفوس الناس.
رسولنا ? يخبرنا أنه ( إذا قال الرجل : هلك الناس ؛ فهو أهلكهم ) فهو تحذير من محاولة نشر ثقافة السوداوية وتبغيض الناس في دنياهم .
وتعال لتسمع معي هذه القصة الرائعة التي تعكس ما أود الإشارة إليه..
فمما يروى أن رجلاً صالحاً كان يمتطي فرسه في الصحراء ، فإذا به يبصر شخصاً جالساً على الرمال الساخنة يشكو العطش و يقترب من الهلاك و الموت.
فدنا منه الرجل الصالح و سقاه ، و اهتم بحالة و حاجته ، فطلب منه الرجل الضال أن يركب خلفه على الفرس حتى يبلغ مكانا مأهولاً فقال له الرجل الصالح : لا بل تركب أنت و أسير انا ، فلقد اقتربنا من العمار ، وأنت بحاجة إلى راحة كي تسترد باقي عافيتك .
وما إن ركب الرجل على الفرس و استقام عليه و ملك زمامه حتى أطلق له العنان مبتعداً عن الرجل الصالح ، الذي وقف مندهشاً ممايحدث.
و بعد أن وعى الرجل أن الشخص الضال ما هو إلا لص ، تحايل عليه حتى سرق فرسه ، ناداه متوسلاً أن يقف ليسمع منه كلمة واحدة.
جرى وراءه صارخا : قف ناشدتك الله والرحم ، الفرس لك ولكن اسمع مني كلمة واحدة .
فتوقف اللص على مسافة تضمن له ألا يلحق به الرجل و قال له :قل ما تريد.
فقال له الرجل الصالح : بالله عليك لا تُحدّث الناس بما فعلتَ كي لا تضيع المروءة بين الناس.
إنه يطلب منه ألا يخبر الناس بأنه قد سطا على الفرس و أخذه من رجل وقف ليقدم له العون و ينقذه من الموت و الضياع .
إن هذا الرجل الصالح ، فضلاً عن أنه اعتمد على الله في تعويضه عن فرسه و احتسب الأجر عند خالقه ، فقد توسل للص أن يكف لسانه فلا يُحدّث بما جرى ، كي لا ينشر بين الناس ثقافة الخوف من تقديم يد العون إلى الآخرين .
و بنظرة إلى واقعنا ، سوف نجد أن رؤى سوداوية متشائمة قد سطت عليه . فبدأنا نردد الحكم و الأمثال التي تساعد على ذلك ، مثل (اتق شر من أحسنت إليه )، (لا تعط الأمان لأحد) ( كلهم خبثاء حتى يثبت العكس) !
و صرنا نتعامل مع الناس بفؤاد جزع ، و نفس مليئة بالتحفز و الريبة .
كثيراً ما أتأمل حال الناس و هم يغدون ، فأرى في وجوههم أثر الاضطراب و الخوف و الرهبة من بعضهم البعض .
و حينما أسأل من أعرفه من الناس عن حاله ، أراه يتنهد في حرارة شاكيا سائق التاكسي الذي سرقه ،وجاره الذي يُضمر له الشر و الحالة الاقتصادية التي لاتنذر بخير .
و يتناسى –هو وغيره- كمّاً من النعم طرقت بابه ، و خيرات كثيرة دخلت حياته دون توقع ، أعرفها جيداً نظراً لقربي منه !
فأسأل نفسي ما يضيره لو قال ( الحمد لله) صادقاً ، و أثنى على الله و فضله ؟!
ماذا سيخسر لو تحدث بشكل إيجابي فحمد الله على تفوق أبنائه و صحته الجيدة ، ووظيفنه التي لماذا يُصر على تسويد دنيانا ، و إغلاق نوافذ الأمل و التفاؤل من حياتنا؟!فتعال يا صدديقي نحمل فوق عاتقنا هم نشر الامل و التفاؤل ، تعال لنخبر الناس دوماً –ومهما قابلنا من محن و مصاعب- أن فضل الله ممدود ، وكرمه متواصل ، و خزائنه ليس لها حد.تعال لنضخم كل جميل و نُظهره ، و نُصغر كل قبيح و نخفيه .
أعلم إنها لمهمة ثقيلة، في زمن صارت الشكوى فيه من طبائع البشر!
لكنها –لو تعلم- مهمة الأنبياء وو الصالحين.
الخلاصة :كن كإشراقة الشمس ، تزيح بنورها المتفائل غيوم التشاؤم و الاضطراب ، حدّث الناس بنعم الله و أُعطياته ، خفف عنهم ألم الحياة بتوجيه أنظارهم إلى وجهها المشرق ، و أبرِز لهم أفضال الله التي تفوق الحد .. و العد.


تعلم الانتقام!

إذا ما هُزمت يوماً في معركة من معارك الحياة .. فيجب أن تنتقم ..!
إذا ما سبقك أحدهم نحو غاية كنت ترنو إليها ..فأنصحك أن تنتفقم ..!
إذا ما تعثرت ، أو كبوت أو أخفقت فلملم جنانك كي تنتقم ..!
في التلمود حكمة تقول(احي جيداً.. فهذا أعظم انتقام).
استقم و اعمل بجد و كفاح عندها تكون قد أذقت أعداءك المر و جرّعتهم العذاب و الحسرة .
لا تنس إخفاقاتك أبداً، اجعلها كوخز الإبر، تهيجك لتنتقم ..!
وانتقامك من السقوط و الفشل يكون بالنصر الساحق.
إن الحياة معترك، و الحرب في أوقات كثيرة تكون ضروساً وليس بمستبعد أن تجد نفسك فجأة
في وسط الميدان، تقاتل و تنافح من أجل قيمة أو مبدأ أو هدف أو طموح أو غاية تعمل لأجلها.
و قد تُهزم .. و ربما صرعك أحدهم بأساليبه الخسيسة الدنيئة.
فما الذي يجب عليك فعله ..!
و هنا يُجبك الأستاذ القدير عبد الوهاب مطاوع –رحمه الله- بقوله:
أفضل وسيلة للانتقام ممن يسيئون إليك هو ألا تكون مثلهم.. تجنب أن تسلك نفس سلوكياتهم المريضة في حياتك، ترفع عن الرد عليهم ليزدد شعورهم بحقارتهم و تفاهة شأنهم و انحراف أخلاقياتهم .
هذا هو الانتقام الذي أريده يا صديقي ، و ليس الانتقام السلبي الذي يقضي على قلبك و يأكل من روحك بشراهة .
يقول الله سبحانه و تعالى ( هو أَهلُ التَّقوَى و أهل المغفِرَةِ)، إن الغفران و التسامح شيء في غاية الأهمية ، و هو -رغم تناقضه- يعد نوعاً رفيعا من الانتقام الذي يألفه النبلاء و الصالحون.
إن كلمة الانتقام ربما تكون قد أزعجتك قليلاً ، لكنني اخترت وجهها الإيجابي ، نارها الحارة التي تدفعك إلى بُغض السقوط، وكراهية الفشل ، و دوافعها الشديدة من أجل إصلاح ما فسد .


كيف ننتقم !؟
يقول وينستون تشرشل –رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية- كل منا له يوم.. و بعض الأيام اطول من بعضها، و ذلك لأن أيام الظلم طويلة ، و ايام النصر طويلة كذلك ، ونحن عندما ننهض لتفادي آلام الهزائم يجب أن نعي أن الأيام دُول ، و أن هناك متسعاً من الوقت لفعل ما يجب فعله ، و أن التفكير الهادئ و عدم الاندفاع و التسرع و العصبية هو الخيار الأمثل .
و الآن دعني أخبرك بأنواع من الانتقام الذي أريده منك :
1) إذا ما اضطربت حياتك العاطفية ، فيجب عليك أن تبدأ في الانتقام بأن تكون أفضل مما يتوقع الجميع، اختلِ بنفسك لوقت أعد حساباتك مرات و مرات، حلل بموضوعية تامة سلبياتك أبداً من فورك في تغيير تلك السلبيات و لاتقع أسيراً لها ، اقرأ كثيراً استشر أهل الخبرة ، احضر دورة أو محاضرة عن العلاقات الأسرية لا تقبل بأن تكون أقل من ذلك الزوج الرائع الذي يستمتع بحياته الزوجية .
2)إذا ما جافاك صديق، أو خانك رفيق، أو أساء إليك أحدهم فانتقم بأن تكون أفضل خلقاً و احتراماً و إيماناً منه، اطمس أي مشاعر سلبية تدفعك للإساءة له ، احتسب الأجر عند الله جل وعلا .
3)إذا ما تعثر مشروعك الخاص، أو خسرت أموالك كلها في صفقة، وتنبأ الجميع أن نهوضك أمر غير متحقق ، و دعوا الله أن يصبرك على مصيبتك، فانتقم من الظرف الحاصل بمعاودة الكرَّة ، و خطط مرة أخرى بشكل أدق ، و أعلن للعالم أن ما حدث كبوة جواد ، وأنك قادم .. وبقوة .
4) إذا ما عاندك مديرك في العمل ، أو أستاذك في الجامعة، فكن فوق ما يظنون ، و تفوق بشكل يسحق أي دعاوي يدللون بها على فشلك أو تكاسلك .
5) إذا ما غلبك شيطانك فأسأت الأدب مع شخص ما، أو وقعت في عِرض أخ لك، أو آذيت
أحدهم بقول أو فعل ، فانتقم من شيطانك بسيف الاعتذار، اصفعه بإيقاظ ضميرك ، وتحسين سلوكك، وطلب السماح والعفو ممن أسأت إليه .
6)إذا ما أسرك هواك، و غلبتك نفسك، و طالت غفلتك، فانتقم منهم بالرجوع إلى حظيرة الإيمان ، وتسلح بالتوبة وقض مضجعهم باستغفارك وإنابتك .






وعلى هذا المنوال فسر ياصديقي ..
لا تزال لك قدم، أو تُصبك كبوة، إلا و يكون ردك عليها قاسياً حاسماً ..يعيد لك اتزانك من جديد.

الخلاصة : الانتقام له وجهان، وجه أسود يأكل من ضميرك و روحك ووجدانك، و يدفعك إلى إيذاء الآخرين ، ووجه ناصع البياض يلهب روحك كي تكون أرقى و أقوم خلقا وسلوكا .

فتعلم أن تنتقم من أخطائك و عثراتك، بان تكون أفضل، تعلم أن تنتقم ممن أساء إليك
بألا تكون مثله، بل اجعل سلوكك الطيب مرآة تُظهر و بوضوح سوءه و قبحه.















ذل يولد عزاً

البحث عن حكمة الأشياء هي مهنة الفلاسفة و الحكماء و العلماء و كذلك العُباد والصالحين . ولا عجب أن تجد حكيماً أو عالماً ، يضرب المسافات ويقطع الأرض كي يصل إلى آفاق معرفية جديدة، تضيء جزءاً من ظلام عقله ، أو تقربه أكثر من معرفة الحقيقة.
من هؤلاء العلماء: العابد الزاهد (إبراهيم بن أدهم)..
كان رجلاً عارفاً بالله، باحثاً عن الحقيقة ، متواضعاً أمام ما يرى و يشاهد، متأملاً في صفحة الحياة و أوجه البشر و أحوالهم عله يجد ما يقربه من النور.
لذا شغل باله كثير أمر الراهب الذي سمع بخبر سكنه في صومعة لا يغادرها أبداً ، و يحج الناس إليه شهراً في السنة، فيذبحون على عتبة محرابه الأضاحي، و يسألونه أن يشفي المريض وييسر الحال ويغفر للمخطئ ، ويهدي الحائر !
و كان مما أدهش ابن أدهم، أن الراهب لم يغادر صومعته منذ سنين فهو قابع فيها لا يتركها أبدا. فذهب إليه ابن أدهم قاطعاً المسافات الطوال كي يرى شأنه و يدعوه إلى دين الصلاح و الهداية ، فوصل إلى هناك في نفس الشهر الذي خُصص لدخول الناس عليه، فرأى زحاماً شديداً ، لكنه رغم ذلك دخل إلى أن وصل الراهب، و جلس يشاهد و يتأمل الهيبة التي يحيطه أتباعه بها ، و المكانة العالية التي يتمتع بها و التي تجعله يأمر فيطاع ويقول فيسمع منه .
وعندما جلس إليه إبراهيم بن أدهم و عرّفه بنفسه، سأله أول ما سأله عن مدة مكوثه في هذه الصومعة، فأجابه الراهب أنه قابع في صومعته منذ ثلاثين سنة لم يخرج منها!!
فسأله ابن أدهم متعجبا من أمره : وما الذي يحملك على هذا؟
فابتسم الراهب و اقترب من ابن أدهم و قال له: انظر لمرأى هؤلاء البشر الذين يحجون حولي ، إنهم لا يأتون إليَّ إلا مرة واحدة في العام فأصبح بالنسبة لهم الغاية العظمى و المطلب الأهم ، ومن أجل عز هذا الشهر أتحمل وحدة العام كله، بل من أجل أشهر معدودات في العمر ، أتحمل تعب الدهر !
توقف ابن أدهم أمام كلمات الرجل و هو في ذهول من أمره و سأل نفسه متعجباً، هذا الذي في الضلال يصبر على ضلاله شهوراً و شهوراً كي ينعم لأيام معدودات، يتحمل الوحدة و آلامها من أجل عز يناله ، و فخر يشعر به ، فما بال أصحاب الدعوات و المبادئ و القيم السليمة الصحيحة، يتعبون و يتكاسلون، و يُنهكون و يملئون الدنيا صراخا وعويلا وشكوى !


ما بال الصالحين و الصفوة من الأمة يفتقرون –وهم يملكون الحق- أن يصبروا قليلاً على ضرائب الحق، وثمن الكفاح.
كيف لمن أدرك أن الجنة في آخرالمضمار، أن يتكاسل، ويقف في بلادة ليملأ كأس شهوته و ملذاته حتى الثمالة، فيسقط دون خط النهاية فتضيع منه الجائزة الحقيقية، و العز، والرفعة التي لا تضاهيها رفعة.
و إننا و بالرغم من كوننا كثيراً ما نتفاخر بقدرتنا الفذة على حساب الأشياء بشكل صائب صحيح ، ونبرهن على ذكائنا بالمكاسب التي حققناها و الإستراتيجيات التي انتهجناها من أجل تحقيق المكاسب و الفوز، فإن معظمنا و بشكل عجيب ، لا يستطيع رؤية أهم معادلات الحياة و أكثرها وضوحا، و هي معادلة أن الحياة الدنيا هي الفانية الذاهبة، والآخرة هي الباقية الخالدة.
نعم كلنا نؤمن أن هناك بعثاً و نشوراً ،وثواباً و عقاباً ، وميزاناً و صراطاً و جنة و ناراً ، لكن معظمنا للأسف لا ينتهج مخططات علمية تبرهن على استيعابه لتلك المعادلة!
إن مما وعاه ابن أدهم من الراهب، ونقله لنا ، أن صومعة الشرف و الكرامة و الضمير أولى بأن يلتزمها أصحاب الدعوات فلا يبرحونها قط.
و أن الصبر على مغريات الحياة و شطحاتها هو السبيل الأول و الأوحد للوصول إلى نقطة السعادة الحقيقية .. و الأبدية.
و الخلاصة أن عز الدارين مرهون بذل ساعات على باب الخالق .

بقعة ضوء: السعادة شيء ينبع من داخل الإنسان ولا يستورد من خارجه، وإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية ..و القلب الإنساني، فإن الإيمان بالله و بالدار الآخرة هو ماؤها.. و غذاؤها .. و هواؤها.. وضياؤها.

يوسف القرضاوي





ركز على دائرة أولوياتك
في حياتنا نحتاج كثيرا أن نتمتع بفطنة وذكاء كي نفرق بين المهم والأهم !
نحتاج إلى أن نميز –بدقة- بين خير الخيرين و شر الشرّين!!
و ذلك لأننا كثيراً ما نُخدع في التفريق بينهما، و تضطرب أمام أعيننا معالم الطريق.
و نجد أنفسنا سعداء بجني الأقل بينما يمكننا أن نجني الأكثر!
إن الشراك و الفخاخ التي تقف أمام حلمك و طموحك لكثيرة و أحدها ذلك الشرك الذي يدفعك إلى الانكباب على عمل، و بذل الجهد في تجويده و إحسانه، بينما هذا العمل في ميزان هدفك الرئيسي لا يساوي الوقت الذي أنفقته فيه!
تعال مثلاً و وانظر إلى شخص يعطي للعلاقات الاجتماعية وقتاً كبيراً، فهو من مجلس إلى آخر، ومن منتدى إلى غيره، فتسأله هل لديك طموحات سياسية أو انتخابية تحتاج لالتفاف الناس حولك؟ فيجبك : لا .. لكني أجد متعة في ذلك!
بلا شك التواصل الاجتماعي مهم و ضروري و لكن ليس على حساب أهدافك و طموحاتك، و على هذا المثال فَقِس!
تحضرني هنا قصة عامل المنارة ، ذلك الرجل طيب القلب ، الذي تسبب في كارثة كبيرة أودت بحياة الكثيرين ن و تسبب في خسائر مادية فادحة، و خسر فوق هذا مستقبله و سمعته، و السبب أنه لم ير و يركز على أولياته جيداً..
ونبؤه أن كان هناك رجل يعمل كحارس منارة على امتداد ساحل صخري ، كان يحصل كل شهر على ما يكفي من زيت الوقود لكي يحافظ على ضوء المنارة متوهجا .
عرف عن الرجل طيبة القلب وحب الاخرين ، ولأنه لم يكن يبعد عن المدينة كثيرا ، فقد كان يقصده كل من نفد الوقود لديه لافتراض كوب او أكثر من الزيت.
فهذه امرأة من القرية المجاورة استجدته قليلاً من الزيت لأجل أسرتها، وذاك أب يرجوه قليلاً من الزيت لأجل مصباحه و هذا رجل يحتاج إلى شيء من الزيت كي يزيت عجلته !
و لأن كل الطلبات بدت له معقولة و إنسانية ، لم يكن الحارس يرد أحداً خاوي الوفاض ، لكن عندما أوشك الشهر على الانتهاء، لاحظ أن مخزونه من الزيت قليل جداً ، ثم ما لبث أن نفذ ، فانطفأ فجأة ضوء المنارة ، وفي تلك اليلة، غرقت سفن عديدة، وهلك كثير من االناس و عند التحقيق فيما حدث، بدا الحارس شديد الندم على ما حدث حاول مراراً أن يستعطف المسؤولين على خطئه، مؤكداً حسن نيته، ونبل دوافعه، بيد أن العبارة التي كانت تتكرر على أذنه دائماً: أعطيناك الزيت لهدف المحافظة على ضوء المنارة ساطعا .
يُعلّمنا هذا الموقف أن الشيء الجيد ليس كذلك ، إذا ما جعلنا نقصّر في الأجود، وأنه كثيراً ما يكون الطريق إلى الجحيم محفوفاً بالنوايا الطيبة كما يقول المثل الإنجليزي !
يعيدني هذا إلى العبقري المسلم الفقيه ، الإمام مالك بن أنس رحمه الله، ورده على أحد تلامذته حينما وقع في نفس الخطأ !
فمما يحكي أن الإمام ابن وهب –وهو أحد الأئمة الكبار- كان ذات يوم في مجلس علم للإمام مالك رضي الله عنه ، فوضع ألواحه التي يكتب وقام ليصلي ، وعندما عاد سأله الإمام عن صلاته، فأجابه بأنها صلاة النافلة قام لقضائها.
هنا قال له الإمام كلمة في عمق إدارة الأولويات، قال: و الله ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت عليه !
أي أن طلب العلم و القراءة أهم من صلاة النافلة ، وذلك لأ، ضياع ساعة العلم قد لاتعوض بينما صلاة النافلة يمكن تأديتها في أي وقت .
و الشاهد هنا هو حرص الإمام مالك على أن يستفيد تلميذه الاستفادة الأفضل و الأولى، حتى و إن كان التفضيل على حساب صلاة يؤديها المرء لله!
ومن هنا أهيب بك يا صديقي أن تجعل هدفك حاضرا دائما بذهنك واضحا أمام عينيك، مُلحا على كيانك ووجدانك، فلا تتركه يغيب عنك لحظة، كي لا تحيد بعيدا عنه..
اريدك أن تعرض كل عمل تؤديه، ومهمة تفعلها، على الهدف الكبير الذي تؤمن به، فإذا ما كان متماشيا معه، أنفذته، وإن كان غير ذلك، أوقفته.
الخلاصة: لا تقس الأمور هل هي مهمة أم لا.. وإنما قسها حسب أولوياتها، فلرب أمر مهم يتأجل من أجل إنهاء ما هو أهم منه!








عندما تنزلق الأقدام..!

ذكر الإمام مسلم في صحيحه، أن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه، قال: أعطاني رسول الله صلّ الله عليه وسلم أرضًا، و أعطى أبا بكر أرضًا فاختلفنا في عذق نخلة، وجاءت الدنيا!
فقال أبو بكر هذه في حدي، فقلت لا بل هي في حدي!
فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها وندم عليها، وقال لي بعدها: يا ربيعة قل لي مثل ما قلت لك حتى تكون قصاصًا.
فقلت: لا والله ما أنا بقائل لك إلا خيرًا.
فقال أبو بكر: والله لتقولن لي كما قلت لك حتى تكون قصاصًا و إلا استعديت عليك برسول الله صلّ الله عليه وسلم!
فقلت لا والله ما أنا بقائل لك إلا خيرًا، فذهب أبو بكر إلى النبي صلّ الله عليه وسلم فهرعت خلفه.
فقال أناس من أسلم: يرحم الله أبا بكر هو الذي قال ما قال ويستعدي عليك!
فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر هذا ثاني اثنين، هذا ذو شيبة المسلمين إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلّ الله عليه وسلم فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة، فلما قلتها رجعوا عني.
وانطلقت أتلوه حتى أتى النبي صلّ الله عليه وسلم، فقص عليه الذي كان، قال فقال رسول الله صلّ الله عليه وسلم: يا ربيعة ما لك والصديق؟!
فقلت مثل ما قال كان كذا وكذا، فقال لي صلّ الله عليه وسلم: أجل فلا تقل له مثل ما قال لك، ولكن قل يغفر الله لك يا أبا بكر فقلتها، فولّى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يبكي.
الحديث السابق يجب ألا نمرره أبدًا مرور الكرام، فهنا أحد صحابة النبي صلّ الله عليه وسلم وهو ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه، يحكي مشهدًا عجبا أنه كان له حقل، وكان لأبي بكر رضي الله عنه حقل بجواره، وانظر هنا وهو يصف حالهما في لحظة من لحظات الطمع الإنساني (وجاءت الدنيا)..
عجيب حتى على أصحاب النبي صلّ الله عليه وسلم وأعظم جيل على سطح الأرض، تخدعهم الدنيا، ويتشاجرون على سنتيمترات من الأرض هذا يقول إنها لي، والآخر يقول بل لي؟!

إن العظمة تتأتى هنا من صدق وصف الحالة، وتهيب بمن وصل بأصحاب النبي إلى درجات التقديس، أن مهلك، إنك تمنع عن خير التأسي، وإلا فكيف نعرف الخطأ والزلل، وبأن طمع النفس قد يدخل قلوب الصالحين، وأن ليست العظمة في عدم دخوله للقلب، وإنما في كشفه سريعًا، وطرده بعيدًا، والندم وطلب الصفح في الحال.
عظيم هو أبو بكر رضي الله عنه، وهو يتحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ويطلب الصفح من صديقه.
هل تظنون أن العيب أنه قال كلمة سيئة ندم عليها، لا والله.. لقد محا العيب بسرعة الإنابة، وأعطانا رضوان الله عليه درسًا في كيفية التوبة والاعتذار.
هل رأيتم من قبل رجلاً يخاصم رجلاً لأنه لا يريد أن يقتص منه..؟ أبو بكر فعلها..!
وهل جال بخاطركم أن يذهب للرسول صلّ الله عليه وسلم، ليشكو له أن صديقه قد بخل عليه برد الإساءة؟؟ تالله لقد فعلها أبو بكر.
يا صديقي، لن أنصحك بألا تخطئ، فتلك نصيحة قد لقنك إيها قبلي الكثيرون، لكنني آمل منك أن تتعلم من أبي بكر درس الإنابة والتوبة.
أن تستشعر فزعته وقد تنبه لزلته، فاشتعلت في قلبه حمم الندم، وهاجت بروحه عواصف الخوف، فأقبل يرغم أنفه التراب ويتوسل لمن أخطأ في حقه كي يطفئ ناره ويهدئ روعه.

بقعة ضوء:
المؤمن يخطئ، بحكم بشريته، لكن نفسه أوابة، سريعة الإفاقة، ولن ترتكز في قاع الغفلة طويلاً.
محمد أحمد الراشد







هلك المتنطعون
سئل الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل الفيزياء عن أهم صفات العالم الحقيقي، وكيف يمكننا التمييز بين العالم والمتعالم ؟
فقال : ( من يحدثك عن عظمته وقدرته وعلمه ونبوغه ، فلا نستمع إليه ، فإن العلماء الحقيقيون كلما ارتقوا في سلم العلم وتكشفت لهم مساحات أخرى من الجهل ، أدركوا كم هم صغار في ملكوت الله وأنهم نقطة في بحر العلم والمعرفة )
وذلك لأ، من أهم مفردات الرفعة ، أن ترى نفسك تلميذا في مدرسة الحياى وأول صفات العظماء أنهم يقفون على الحدود الحقيقية لمعرفتهم ، ويستطيعون قراءة أبعاد مداركهم واستيعابهم .
عندما أخبرنا رب العزة أن العلماء هم أكثر الناس خشية له و إجلالا لعظمته ، كان يخبرنا أن العلم والمعرفة ، بوابة الحقيقة العظمى وأنه ( فوق كل ذي علم عليم ) .
إن من يفخرون بما لديهم ، ويشمخون بأنوفهم عاليا ، مذكرين الاخرين بين الحين والاخر بما يملكون ، وبما يدركون ، وبما يعرفون ، هم في الحقيقة يعانون من خلل مافي تكوينهم النفسي وعدم ثقة بقدرتهم على الارتقاء الدائم ، وفوق هذا ، جهل بأهم الحقائق الكونية وهي أن العلم والحق والمعرفة المطلقة لا يمتلكها بشر ، والفضل لا يعلمه إلا الله .
ولربما فضحهم أمام أنفسهم ذات يوم ، رجل بسيط لايلقون له في الغالب بالا أو اهتماما .
وإني لأتذكر هنا إحدى القصص الرمزية التي تبين الهوة بين المغرور بمعرفته وتقديره ، والبسيط الذي قد يطويه الزمن دون أن يشعر به أحد ، رغم نباهته وذكائه .
وذلك أنه في أحد الأيام ، دخل طفل صغير أحد محلات الحلاقة ، وما إن راه الحلاق حتى ابتسم في سخرية وهو يهمس للرجل الجالس بين يديه : هذا أغبى طفل في العالم انتظر وأنا أثبت للك !
ثم ذهب إلى الطفل الهادئ ووضع في إحدى يديه ورقة نقدية من فئة الجنيه ، وفي اليد الأخرى ورقة بنصف جنيه ، ثم قال للطفل أيهما تختار ياصديقي !
فاختار الطفل الورقة من فئة النصفجنيه ثم انصرف !
هنا ابتسم الحلاق في سخرية وقهقهة سعيدا بتلك التجربة المبهجة ، وقال للرجل : أم أقل للك إنه غبي ، كل مرة يفعل نفس الشئ ، ويختار الفئة الأقل .
وعندما انتهى الرجل من إصلاح شعره وخرج ، وجد الطفل الصغير خارجا من محل الحلوى ، بعد ما اشترى بالنصف جنيه حلوى يشتهيها فدفعه الفضول إلى سؤاله : لماذا لا يأخذ الجنيه بدلا من الفئة الأقل ؟
هنا نظر الطفل إلى عينيه مباشرة وقال : لأن اليوم الذي أخذ فيه الجنيه ستنتهي اللعبة !
إن التواضع رزق من الله ، والكبر والغرور استدراج ، وما أكثر من وقعوا في فخ ( الأنا ) ، وملئوا الدنيا بأحاديث عن أنفسهم وفوق هذا سفهوا من الاخر ، واستهتروا به ، الإمام الشافعي رحمة الله يحذرنا من أنه ( من سما بنفسه فوق مايساوي ، رده الله تعالى إلى قيمته ) .
بينما من يطويهم التواضع بين جناحيه هم العظماء حقا .
فلا تكن ياصديقي كالحلاق الأحمق ، الذي يعتز بذكائه الموهوم ويضحك على أخطاء الاخرين ، كي لاتعيش في دنيا من الخيال بينما الاخر يتلاعب بك !
والخلاصة : حقيقة الفضل لا يعلمها إلا الله ، فلا تغتر بنفسك أو عملك ، والتزم جدار التواضع ، تأتيك الرفعة والعز والشرف من الله دون طلب منك .

















عندما فتش عن حيلة
أصحاب الرسالات الكبيرة ، والأهداف العظيمة ، والأفكار الجريئة دائما ما تواجههم مشكلة ليست بالهينة ! وهي اصطدامهم بعقول لا تقبل الاعتراف بالحق ، وتسفه ما يملكون أو يدعون إليه ! تصبح المشكلة شديدة على النفس ، إذا صاحبها نوع من التهديد أو المحاربة ، حينها يكون على المرء أن يدبر أمره !
يقول ربنا جل وعلا في سورة الحجر :
( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ( 14 ) لقالوا إنما سكرت أبصرنا بل نحن قوم مسحورن ( 15 )
في هذه الاية الكريمة ، يلفت ربنا جل اسمه انتباهنا أن هناك نوعا من العناد يتملك البشر ، ويملك عقولهم ، لدرجة قد تدفعهم إلى الكفر بأي حقائق مهما بدت واضحة ، حتى وإن اضطرهم العناد إلى اتهام أنفسهم بالوقوع في السحر كما في الاية على أن يعترفوا بالحق الواضح البين .
وفي موقف كهذا ، يقف المرء في حيرة ، متسائلا عن الطريقة المثلى في إقناع أذهان بغ بها التعصب حدا لا يمكن التعامل العقلي الناضج معه .
ولدي حيلة علها تنفعك انذاك ياصديقي .
في الحقيقة أنه في أوقات كثيرة تكون المشاعر الشخصية والخلفية الثقافية والبعد النفسي أقوى من المنطق والعقل !
فتجد الواحد منهم يصر بشكل كبير على أن يتمسك بالشئ الذي يعرفه ويطمئن إلى نتائجه حتى وإن كان سيئا خشية أن يغير ويجرب الشئ الجديد المثير ، والإنسان كما يقولون عدو مايجهل .
هنا قد تفيدك الحيلة والمدارة .
نعم .. قد يكون من الذكاء والفطنة أن تداري وتبحث عن حيلة إلى أن يصطدم العقل وحده بالحقيقة ولا يجد بدا من الإذعان إليها .
وكي أوضح لك ما أريده ، دعني أقص عليك تلك القصة التي حدثت في القرن الثامن عشر في بريطانيا ، وخبرها أن ( كريستو فر فرين ) كان رجلا عبقريا فذا ، متبحرا في جميع العلوم والمعارف ، خاصة فيما يتعلق بالرياضة والفلك والهندسة وذات يوم كلفته البلدية في مدينة ( وستمنستر ) ببناء دار فخمة لها ، وعندما قام الرجل بعرض الخرائط الهندسية للدار التي رسمها اعترض عمدة البلد وقال له : إنني أخاف من سقوط الطابق الثاني حسب هذا الرسم الذي تعرضه .
وظهر جليا أن العمدة لديه قناعات سابقة بأن الطوابق العليا شئ خطير ، ونسبة وقوعها عالية !
حاول كريستوفر أن يقنعه بأن الأمر مجرد خيالات ، وتدلل على تفاهتها تلك البيوت الشاهقة في المدينة ، ولكن العمدة ظل على رأيه ، هنا أدرك كريستوفر أن الحقائق لاتلعب الدور الأساسي ، وأن المعطيات العلمية وقوانين الهندسة والبناء لن تنجده ، ولكن عليه أن يتجه إلى حيلة !
فسأله عن تخوفه وماذا يريد ، فأجابه العمدة بأنه يريد وضع عمودين في الطابق الأول في المكان الفلاني كي يدعم الطابق الثاني !
وبالرغم من أن العمودين هندسيا ليس لهما فائدة تذكر إلا أن كريستوفر هز رأسه بالإيحاب وهو مقتنع تمام أن حجته لن تقنع الرجل ولن تزيل مخاوفه .
وقام كريستوفر بإنجاز البناء على أحسن وجه ، وأقام العمودين على النحو الذي اشترطه عمدة البلدة ، ومرت الأيام وبعد عدة سنوات حدث في البناء ما تطلب بعض التجديدات فيه وكانت دهشة العمال عجيبة حينما لفت نظرهم وجود العمودين في الطابق السفلي وهما ينتهيان تحت السقف بعدة سنتيمترات !
فما الذي فعله كريستوفر ؟!
لقد نفذ شكليا أوامر الرجل ، لكنه من ناحية أخرى أثبت له خطأه والذي تأكد بعدما رأى بنفسه بعد سنوات أن العمودين لم يكن لهما أدنى فائدة في بقاء البيت سليما !
إننا في الحقيقة نحتاج إلى حيل من هذه النوعية في التعامل مع الأذهان المغلقة العنيدة ، نحتاج أن نهرب من صدام لن نجني من خلاله أدنى فائدة ، اللهم إلا القلق والتوتر .
وقديما قال أجدادنا لمن أعيته الحيل : إذا لم تجد حيلة .. فاحتل !
لا تقف كثيرا أمام صلابة موقف محدث ، ولاتنحت في الصخر .
فكر ودبر ، وحاول أن تلتف حول الأمر من جميع الاتجاهات وتخترع الحيل والحلول .
في عملك أو بيتك ، مع زوجك أو رئيسك أو أصدقائك . قد تقابل مثل هذه المواقف ، وقد تتعبك صلابة التفكير .
حينها .. فتش عن حيلة ..
بقعة ضوء
من المعضلات توضيح الواضحات !





ربما تنتهي الرواية في منتصفها !
ما الذي يمكن أن نستفيده من فكرة الموت؟!
ليس في السؤال غرابة, ولا يملك توجها سوداويا متشائما, إنني ابحث من وراء طرحة عن معنى وفائدة!
فمما لا شك فيه, أن كاتب هذه الكلمات وقارئها ستنتهي رحلتهم على سطح الأرض, ليبدءوا بعدها حياة أخرى, فإما نعيما وإما عذابا.
بل ربما تقرؤها أنت الآن, بينما أنا هناك, يضمني قبر مظلم موحش.
لقد وقف كل البشر أمام فكرة الموت موقف المتأمل دع عنك مَن شغلتهم ملاهي الدنيا وزينتها, إني أحدثك عن أصحاب القلوب الحية والعقول المنتبهة, هؤلاء أحب الوقوف أمام تأملاتهم في فكرة الموت, وأعيد النظر مرات ومرات في فلسفتهم لخط النهاية كيف يرون لحظة إسدال الستار.
ودعني أبدا معك بـ (جوته), ذلك الفيلسوف الألماني الكبير هذا الرجل عاش حياة بائسة حزينة, حتى إنه كان ينام وتحت وسادته خنجر علّه يستيقظ يوما ويستجمع إرادته ثم يغمسه في قلبه لكنه وعندما فشل في الانتحار قرر أن يكتب مأساته في رواية, ويقتل البطل في نهايتها!
فكانت (آلام فرتر) , التي أبكت الألوف, هذا الرجل الذي عاش لما فوق الثمانين يقول: لقد عُددت دائما من المحظوظين, ولست أشكو من حياتي في النهاية, لكنه من الحق أيضا أن أقول إنني لم ألق في حياتي سوى الحزن والهموم والعناء, وأستطيع أن أقول إنني في حياتي كلها لم أستمتع بالراحة شهرا واحدا, إن حياتي كانت كلها دفعا لحجر ينبغي عليّ أن أدفعه لأعلى التل وكلما بلغتُ القمة سقط الحجر إلى السفح, وأعدت المحاولة من جديد.
هي حياة -رغم بريقها- تَعِسَة إذن، مؤلمة وصعبة وبائسة, ثم يتحدث جوته عن الموت فيقول: حين أراجع حياتي من الشباب إلى الشيخوخة وأتذكر قلة الباقين على قيد الحياة من أصدقاء الشباب تبدو لي الحياة كفندق صغير من فنادق الصيف!
حين نصل إليه فإننا نصادق من وجدناه فيه قبلنا, وهؤلاء لا يلبثون قليلا ثم يرحلون, فيؤلمنا رحيلهم, ونتحول إلى الجيل التالي بعدهم ونوثق صلتنا بهم, لكنهم يرحلون أيضا, ويتركوننا مع جيل جديد يأتي ونحن نهم بالرحيل, فلا تكون بيننا وبينهم أي صلة!
عندما أتأمل وصف جوته للحياة على أنها (فندق صيف) أراه يؤكد أنه لا يجب لمن سكنها أن يجلس فيها مرتاحا, بل يكون فيها كالمتأهب لموعد قطاره أو طائرته, واضعا حقيبة سفره على أتم الاستعداد فمكانه الحالي ليس مكان استقرار، وإنما استراحة مسافر.
ذهب لنفس هذا المعنى مفكرنا الكبير الشيخ محمد الغزالي رحمه الله, فبينما هو في أحد الفنادق في رحلة سفره إذ تأمل الفندق الذي يجلس فيه وقال: ترى كم شخصا سكن غرفتي قبل أن أسكن فيها؟ وكم شخصا سيحل مكاني بعد ما أغادرها, ما أوهى علاقتي بهذه الغرفة! وأحسست أن هذه الغرفة، بل أحسست أن الفندق كله شبيه بهذه الدنيا تظهر بها بغتة ثم تختفي.
إن أناسا كثيرين قرّوا هنا ثم ولوا.
لقد رأى بعضهم بعضا كما يرى النزلاء أنفسهم حينا في صالة الفندق، وكلٌ مشغول بشأنه يعيش في جوه الخاص, فما تربطه بغيره إلى نظرة عابرة وبسمة عارضة!
هكذا التقى أبناء كل جيل بأترابهم ثم..ثم (انتهوا).
إن الموت وإن كان يهوى حصد المُسنّين, إلا أنه لا يتوانى بين الحين والآخر عن قطف بعض الثمار التي لم تنضج بعد, ومن ظن أنه بعيد عن يد الموت, فهو واهم مخدوع.
فيكتور هوجو, الأديب الفرنسي, له تشبيه عميق يصنف فيه صفعات الموت! فيرى أن موت الشخص المُسنّ يشبه سفينة وصلت إلى الشاطئ, بينما موت الشباب أشبه بسفينة ضربتها الرياح وسط البحر وحطمتها, كما أن موت الشباب يشبه إلى حد كبير -حسب وصفه- رواية مثيرة انتهت في منتصفها.
بما تمثله تلك النهاية من مفاجأة وفاجعة, وصدمة لكل من قرأ سطرا فيها أو أكثر!
إن من يعيش وفي ذهنه فلسفة (فندق الصيف) قلما تشطح به نفسه نحو نزوة أو جشع أو تجبّر.
وبرغم أن الأمر حقيقة لا تحتاج لإثبات, إلا أن أعمالنا قلما تدلل على إيماننا بها!
حالة الركض المحموم على ملذات الحياة, دون توقف للتأكد من نبل الوسيلة وطهارة الأسلوب الذي نستخدمه, يؤكد على أننا في غفلة عن فهم وإدراك هذا الأمر.
وليس أبدع ولا أعمق من قول النبي صلى الله عليه وسلم لساكن الدنيا ( كن في الدنيا كأنك غريب, أو عابر سبيل ) .
وكلاهما ( الغريب ) و(عابر السبيل), يعيش حياته وفي وجدانه أن لا سكون ولا قعود.
وإنما هي رحلة, تحتاج منه إلى التخفف مما قد يثقل خطوه, أو يجذبه لأسفل.

بقعة ضوء :
في اللحظة التي نولد فيها.. نبدأ موتنا التدريجي.
غادة السمان .
تسعون يوما قبل دخول القبر!!
أمامك ثلاثة أشهر قبل أن تموت!
أقسى تصريح يمكن أن يواجهك به شخص ما, لكن هب أنه قد قيل لك, فماذا أنت فاعل آنذاك؟!
فكّر مليا.. ثم عد لي بذهنك مرة أخرى لأحكي لك قصة رجل قيلت له هذه العبارة, فقدم بعدها أجمل وأروع وأبلغ خطاباته, وأثر في الملايين على سطح الأرض!
أما الرجل فهو راندي باوش, أستاذ علوم الحاسوب في جامعة كارنيجي ميلون والذي صنفته محطة (ABC) من أفضل 3 شخصيات للعالم عام 2007, ووضعته مجلة التايمز من أفضل 100 شخصية مؤثره حول العالم, هذا الرجل أخبروه – وهو في السابعة والأربعين من عمره أن أمامه ثلاثة أشهر فقط قبل أن يموت, لتأخر حالته, فقد كان يعاني من سرطان البنكرياس.
عندها قام راندي بجمع طلبته وأصدقائه ومحبيه, وألقى إليهم بمحاضرته الأخيرة وسماها (الوصول الحقيقي لأحلام طفولتك) اخبرهم فيها أنه تاركهم وذاهب, لم يذرف دموعا بل كان أربطهم جاشا, وكان كل هدفه أن يحفزهم لإكمال مشاريعهم وحياتهم بدونه!
قال لهم: ما الذي ستخبره للعالم إذا علمت أن هذه هي محاضرتك الأخيرة؟ وما الذي ستفعله في هذه الدنيا لو كانت لديك فرصة أخيرة؟ وما هي وصيتك وميراثك للعالم؟
كان مرحا كما عهدوه, وعندما قال له أحدهم: حدثنا عن أهمية الاستمتاع بالحياة, قال لهم: أستطيع أن أقول لكم ذلك, ولكن سأكون كالسمكة التي تحاضر عن أهمية الماء!
لا أعرف كيف لا أستمتع, أنا أموت وأنا أستمتع وأمزح, وسأبقى كذلك لآخر يوم في حياتي, لأنه لا توجد طريقة أخرى.
ثم تحدث عن حياته وكثرة الإحباطات والمحاولات الفاشلة التي مرّ بها, وكيف أنه رُفض في أكثر من جامعة دون أن يفقد الأمل, ثم ذكر موقفا أثّر فيه كثيرا, وذلك أنه اشتكى إلى والدته صعوبة إحدى المواد في الجامعة, فقالت له: (في مثل عمرك, كان والدك يقاتل الألمان في الحرب العالمية الثانية), وكأنها شحنته بطاقة هائلة, فلقد جلس مع نفسه وحدثها بأنه يجب أن يحاول بلا يأس, ففي أسوأ الأحوال لن يتلقى رصاصة طائشة أو يموت من العطش أو التعذيب!
أخبرهم راندي أنه لو يأخذ الإنسان عُشر الطاقة التي يصرفها في التذمر ويوجهها نحو حل المشكلة, فإنه سيفاجئ بالحلول الكثيرة التي سيراها.
ثم ذكر لهم قصة امرأة وقعت في قروض متزايدة, وأصيبت بحالة من القلق والاضطرابات وكي تستطيع التغلب على هذه الضغوط فحجزت عند معالج باليوجا, وقال لهم لو أن هذه المرأة صرفت وقتها في عمل إضافي, بدلا من اليوجا, لدفعت قروضها كاملة, إننا يجب أن نحل المرض (القروض) بدلا من أن ندور حول أعراضه (الضغوط).
حكى لهم أنه زار ذات يوم وهو صبي ديزني لاند, وبدلا من تركيز فكره واستمتاعه بالألعاب, كان يفكر, كيف أصنع أشياء كهذه؟
وبعد تخرجه من جامعة كارنيجي ميلون, أرسل شهادته وطلبه لوالت ديزني لكن جاءه الرد بالرفض أيضا, ولكنه لم يتوقف, فالحواجز مصنوعة من أجل هدف كبير, هكذا قال لنفسه.
كان يرى صعوبات الحياة كتحديات, لم يخلقها الله لعرقلتنا وإيقافنا عن تحقيق أهدافنا, لا.. فهذا قول المتكاسلين, لكنها في الحقيقة اختبار يتخطاه الكُفء الجدير بالفوز, ويسقط فيها من لا يمتلك الجدية للتحرك والعمل والإنجاز.
ثم وجّه حديثا للآباء والمربين يدعوهم لاكتشاف الإبداعات في أبنائهم, فيقول: دعوا أبناءكم يُخرجون ما لديهم, لا تكتموا مواهبهم وتكبتوها, دعوهم يرسمون على جدران غرفهم, ويلونوها بما يريدون من الألوان, إن هذه هي الطريقة الطبيعية للأبناء كي يعبروا عن آرائهم واستكشافاتهم, ومنع الأبناء هنا –بأي حجة- يأتي بنتائج خطيرة فقط انظروا للحياة وامتلاء شوارع الحكومات القمعية بالكتابات على الجدران؟!
لقد فعلت هذا وأنا صغير, لم يغضب أبواي مني, بل ينظرون إلى ما أفعله وهم يبتسمون في تشجيع.
ثم أكمل قائلا: دعوني أقص عليكم موقفا حدث لي قبل سنوات حينها كنت في زيارة لأختي بسيارتي الجديدة, وعندما هممت بأخذ جولة أنا وأبنائها الصغار, جاءت إليهم وهي تحذرهم قائلة: حافظوا على سيارة خالكم نظيفة, إنها جديدة, لا يجب أن تقفزوا, أو تفتحوا النوافذ, أو تأكلوا الآيس كريم كي لا تفسدوا شيئا, وتكرر هذه التحذيرات أكثر من مرة.
هل تدرون ما الذي فعلته بعدما سمعت هذه التحذيرات؟
لم أعبر لها عن امتناني أو شكري لهذه التنبيهات, بل أمسكت بأحد المشروبات الغازية وفتحتها, ثم سكبت محتوياتها في السيارة!
ليس في الأمر جنون, لقد اكتشفت أن ما يقف حائلا أمام حركة الإنسان فلا يدعه ينجح, هو تلك التعليمات الكثيرة التي تلقاها طوال حياته.
لقد أحببت أن أخبر أختي وأبنائها والجميع (أن الإنسان أهم من الأشياء).
ثم أعطى راندي درسا آخر من دروس الحياة, مفاده أن النظر إلى الإنسانيات والعواطف شيء يجب أن يوضع في الحسبان, فيحكي أنه في بداية عمله كان يشرف على أحد الطلاب المميزين في مواد الحاسوب, لكن الطالب لم يهتم بمادة أخرى, فرسب فيها, وكاد أن يطرد, فما كان من راندي إلا أن ذهب للعميد وأخبره أن الطالب له قدرات غير طبيعية في التعامل مع الحاسوب, وأنه يستطيع تجاوز المادة, وطلب منه أن يبقى, فرد العميد بالموافقة, ولكن إذا لم يفلح الطالب فإن راندي قد لا يتم تثبيته في القسم, فوافق راندي!
إنه هنا ضحى بمستقبله وراهن على شخص آخر, ولم يخيب الله ظنه.
وهنا أتساءل: كم أب منا يراهن على قدرات ابنه عندما يخفق في مادة, أو يتراجع في تحصيله الدراسي لسبب أو لأكثر؟
ثم يلقي راندي على تلاميذه أهم دروسه قائلا: ماذا تفعل إذا كانت أوراق اللعب كلها غير جيدة؟ لا تنسحب لكن حاول أن تلعب بمهارة أكبر, العالم لا يعترف بالقادة الضعاف, ولا بالقادة الذين يعترفون بأصغر وأتفه وأسخف الحلول, فهم لا يجلبون خيرا بل ضُرا, ولا تخلّدهم ذاكرة التاريخ ولا حتى الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية.
العالم والتاريخ لا يعترف إلا بمن يحمل مشعل النور ويسير حافيا على مسامير الألم وجمرات الشوك, حتى يأنس إنجازا عالميا وعدلا أرضيا ونورا سماويا ومددا ربانيا فيرى من خلالهم الآيات الصغرى وربما الكبرى.
أنهى راندي حديثه قائلا إن هذه المحاضرة هي خارطة طريق لأبنائه الثلاثة, ثم ودع الجميع مبتسما, وأنهى حواره وسط تصفيق تلامذته ودموعهم.
ورحل راندي عن دنيانا يوم الجمعة 25 يوليو2008 عن 47 عاما.
لكنه لم يرحل عن وجدان الملايين الذين شاهدوا محاضرته عبر إنترنت, ولا الذين قرءوا كتابه الذي تُرجم لأكثر من ثلاثين لغة.
ترى كم منا سيكون برباطة جأش هذا الرجل إذا أدرك أن الموت يزحف نحوه مسرعا كالبرق.
كم منا يمتلك سلاما نفسيا وصلحا مع الذات يدفعه إلى احتضان العالم وتوديعه برحابة صدر قبل أن يدير له ظهره مودعا؟

بقعة ضوء :
قياس الحياة ليست في طول بقائها...
ولكن في قوة عطائها.
كنت روث



دع روحك تحلق بك !

لا زلت أذكر هذا جيدا ..
يأتي أبي من عمله في الثانية ظهرا ، يضع ما بيده على طاولة في ردهة البيت ، يذهب لغرفته فيغفو قليلا ، توقظه أمي حينما يتم تجهيز الغداء ، يقرأ قليلا في الجريدة ، يحتسي الشاي في استمتاع يشاهد التلفاز لبعض الوقت ، يخرج ليسامر أصدقاءه يعود مساء فينام كي ينهض ، ليبدأ يومه المعتاد مرة أخرى .
هكذا كان يجري الحال قبل سنوات ليست بالطويلة ، قبل أن ندخل عصر المعلومات ، ثم عصر الاتصالات ، بما فيهما من توتر وسرعة وركض محموم .
اليوم يرتدي المرء منا ملابسه وهو يرشف بعض رشفات من الشاي مكملا إصلاح هندامه على الدرج أو في المصعد ، كي يلحق بموعد هام وفي الغالب لا ينتبه إلى أنه نسي شيئا هاما إلا بعدما يجلس على المكتب ظانا أن كل شيء على ما يرام !
ويعود إلى بيته مساء ، مكملا حديثه مع العميل الشرس في الهاتف ، وربما أراد أن يدخل على شبكة الإنترنت ليرسل أو يستقبل بعض البيانات الهامة
يوم الجمعة لم يعد إجازة !
كيف يستمتع المرء وينسى تعبه ، وهاتفه المتحرك وبريده الإلكتروني يناديان عليه ويأمرانه..فيطيع .
ببساطة .. ركض وسعي وعمل متواصل ، وما باليد حيلة كما ندعي دائما ونردد !
إننا يا أصدقائي أشبه بعبيد لهذه الحياة التي كثرت فيها الرفاهية وأصبح جشعنا لامتلاك المزيد دافعا للتضحية بأشياء كثيرة ، مضحين بها رغم غلائها دون تفكير أو تدبر .
إن أرواحنا غائبة عنا ، من منا يملك القدرة على أن يغمض عينيه فيرتاح ؟!
من منا إذا ما أراد أن يجلس في الشرفة متأملا أو مستمتعا بنسمة صيف ، أو منظر بديع سيجد روحا هادئة تساعده على هذه الرياضة الروحية ؟!
يُحكى أن رجلا استأجر جمعا من العمال ليحملوا عنه متاعا في رحلته الاستكشافية ، ووعدهم بمضاعفة الأجر إن هم وصلوا إلى بغيتهم بسرعة ، كان العمال بدافع الربح يجرون بكامل طاقتهم لكنهم بعد ساعات ارتموا جميعا على الأرض يلهثون ، حاول الرجل أن يحثهم بالمزيد من الأموال والمكافآت والتحفيز ، لكنهم أجابوه : لقد كنا نجري يا سيدي دون تفكير ، والآن يجب أن ننتظر قليلا حتى تلحق بنا أرواحنا !.
إن أرواحنا تلهث من التعب.. السعي الدؤوب أرهقها، ونحن نغفل عن هذا الأمر، ونواصل الركض بشكل لا نهائي.
فمتى يمكن أن نفيق ؟!
متى نقف في شجاعة، ونصنع فارقا في حياتنا، فتهدأ الروح
ويطمئن الجنان، ونرتاح؟!
متى؟!
والخلاصة: لا تركض خلف الحياة، فلن تسبق رغباتك، إن الأيام
يا صاحبي لم تحدثنا بنبأ أحد نال كل مطالبه، ستنتهي الحياة وهناك ثمة أشياء لم نحققها بعد.. فمهلا!







من أكون في آخر الامر..
هو شيء أحاول دائما أن أخفيه عن الجميع، لكنه رغم كل شيء موجود!
عن الغرور يا أصدقائي أحدثكم..!
فمرات غير قليلة أضبط نفسي معجبا بشيء ما فعلته، أو رأياصائبا أطلقته، أو مقالا حاز إعجاب الآخرين.
ورغم يقيني بأن الفضل لله، إلا أن للنفوس سطوة، وللأهواء مداخل وخدعا ومكائد.
في أوقات ما اجلس متأملا ومتسائلا: ترى كم شخص وطأ ظهرهذه الأرض قبلي قبل أن يحتويه باطنها..؟
عشرات.. مئات.. آلاف.. ملايين.
رجال ونساء.. أطفال وشيوخ.. أغنياء وفقراء.. مؤمنين وعصاه.. فما الداعي للغرور وباطن الأرض ينتظر المرء منا ليبلعه؟!
وفي باطن الأرض يا صاحبي تتساوى العظام..أحد الملوك كان معجبا بنفسه، مغرورا، وكأن الله لم يخلق أفضل منه.
وبينما هو في موكبه ذات يوم، لفت نظره رجل يحفر بدأب شديد فناداه وسأله عما يفعل.
فأجابه: إني هنا يا مولاي من أجلك!
فتعجب الملك, وسأله: وكيف هذا؟!
فقال له: في هذا المكان يا مولاي جرت المعركة التي قتل فيها أبو فأحببت أن أُلملم عظامه, كي يدفن في مكان يليق بملك عظيم.
لكنني ويا للعجب وجدت شيئا مدهشا..
هذه يا مولاي جميع العظام التي جمعتها، انظر لها جيدا، هل تستطيع أن تفرق بين عظام غني وشحاذ، بين عظام قائد في الصدارة وجندي بسيط..
العظام يا مولاي واحدة.. الأرض جعلتهم جميعا.. سواسية!
بقعة ضوء
لم يكن عجيبًا أن يعبد المصريون فرعون، ولكن العجيب أن فرعون آمن حقًا بأنه إله!
نجيب محفوظ

كن عصي?ا على الهزيمة
على قدر طموح المرء منا، يجب أن يتشكل وعيه، ويخطط حسبما يتوافق مع مراده.
فلا يعقل أن يطمع المرء في نيل مطمح كبير، وتراه يعيش عيشا عاديا، فوقته ممزق بلا استثمار، وذهنه فارغ بلا اهتمامات وحياته فوضى.
كذلك على مستوى التفكير والتخطيط والتطلعات المستقبلية فيجب على المرء صاحب الأهداف الكبيرة أن يؤهل نفسه لمصاعب وتحديات توازي أهدافه وتطلعاته.
وأهم وأشد وأقسى هذه التحديات هو النقد الجائر.
ذلك النقد الآتي من شخص غاية أمله أن يبادرك بضربة قاضية تسقطك فلا تقوم لك قائمة بعدها أبدا!
وعندما ترى هذا النوع من النقد أو التشكيك أو الاستهزاء فتجل?د وابتسم.
نعم يجب ألا يصرخ الواحد فينا شاكيا من سهام النقد والتجريح طالما قرر أن يشق طريقه نحو المجد والعلياء خاصة وأن النجاح مستفز لبعض الأشخاص، وأصحاب النفوس الضعيفة كثيرا ما يسهرون
الليل من أجل التفكير فقط في كيفية القضاء عليك !
أقول لك هذا كي أبي?ن لك حقيقة احتاجت مني لوقت غير قليل قبل إدراكها، وهي أن نقدك على قدرك، وأننا لا يجب أن نلتفت حائرين ونتساءل عن دوافع النقد الجائر..
فالسبب يا صديقي ببساطة أنك اخترت الطريق الصعب، وقررت أن تعلو فوق المستوى، فرآك أحدهم عاليا فاستفززته، فرماك بنباله بغية ردك إلى الأرض كي تتساوى الرؤوس والهامات.
والحل.. أن ترتفع فوق آلامك وتواصل التحليق، أن يستفزك الهجوم فتجو?د عملك وتجعله أفضل وأروع وأكمل ما يكون.
أن تقرأ النقد أو تسمعه على ما به من تجريح، فتبتسم بهدوء مخفيا غضبك أو ألمك أو حزنك، وتدعو الله لك ولقائله بالهداية والمغفرة.
وبهذا-فقط- يمكنني أن أطمئنك أنك لن تُصرع أبدا.
بقعة ضوء
"له الحق أن ينقد، من يملك الرحة ليساعد " •••
إبراهام لينكولن

بناء الرأي
نحن أمة عاطفية، يؤثر فينا الكلام الجميل، وتلهب حماسنا الخطب الرنانة، ويكفيك أن تلعب على وتر العاطفة كي تنال مرادك!
والعاطفة ليست عيبا، أو معر?ة ينكرها المرء ويستبرئ من وجودها في سلوكه.
على العكس، فالعواطف هي التي تحركنا في مواضع شتى وتستفز فينا المعاني العظيمة، والناظر إلى الأعمال التطوعية والخيرية، سيجد أ، الشعوب قادرة على فعل المستحيل، وتعمير العالم بأسره، إذا ما حركت حماستها وأشعلت فيها جذوة الطموح والعمل الصالح.
والإسلام كدين سماوي يمتلك مساحة كبيرة من الروحانيات والعواطف، تمكنه من بث الرقة والشفافية في قلوب حملته وأبنائه.
لكن العاطفة إذا لم يتم إحاطتها بقيد العقل والمنطق ستخرج عن مسارها، وتصيبنا ببعض العيوب والمشكلات الشخصية!
وأحد أهم العيوب في الشخصية العاطفية –غير المنضبطة عدم وجود معايير واضحة وثابتة للنقد وإبداء الرأي.
فالشخصية المتزنة عندما تأخذ رأيا أو تتبنى وجهة نظر، أو تصدر حكما، لا تتدخل في هذا الأمر المشاعر والأحاسيس، وإنما الرؤية الواعية المنضبطة, القائمة على معايير وأسس سليمة وراسخة.
وهذا مما نفتقده في عالمنا العربي والإسلامي، أفرادا كنا أم شعوبا !
فالمرء منا يأخذ موقفا بناء على عاطفة، ويحابي ويعادي بناء على عاطفة، وينقد ويثني أيضا ودليله العاطفة.
نحن نفتقر إلى الأسس والمعايير في النقد وإبداء الآراء..
لسان حالنا .. من معي فهو قديس، من ضدي فهو إبليس!
وهذا يا صاحبي ليس ابدا بالشيء الرشيد.
ونصيحتي لك أن تبني رأيك متسلحا بالمنطق، وأن تدرك قبل أن تنقد أو تتخذ موقفا أن للحقيقة وجوها أخرى غائبة.
وفوق هذا يجب أن تنتبه لشيء في غاية الأهمية، وهو أن نقدنا لجزء.. لا يعمم على الكل!
ربما قرأت كتابي هذا وراق لك، أو استثقلته وندمت على ما دفعته فيه.

لا هذا ولا ذاك يا صديقي يدفعانك إلى إصدار رأي حاد ونهائي في كاتب هذه الكلمات، فربما كان عمله وكتابه هذا جميلا لأنه بارع في تنسيق الكلمات وصياغتها، لكنه في الحياة قد يخالفك في أشياء وأشياء، وربما العكس، لم يوفق في استمالة عقلك وهواك بينما هو في الحقيقة أقرب ما يكون من تفكيرك وذهنك.
إذا ما أحببت أن تصدر حكما، فليكن على الكتاب لا الكاتب يدفعك هذا ببساطة أن تتقبل مخالفة شخص في تفكيره، بينما تقبله كإنسان.
في فترة ما من حياتي كنت متعصبا في آرائي، إذا وافقتني أسكنتك زاوية القلب، وإذا خالفتني أعلنت عليك الحربّ !
و يا الله.. كم خسرت من جراء هذا الأمر، وأصبح أعدائي –دون معارك حقيقية- لا يعدهم عاد?.
كان الواحد يخالفني في شيء، ويوافقني في أشياء وعندما نلتقي أصر بشكل غريب على الحديث والكلام في الشيء المختلق فيه فإما نصرا مؤزرا، وإما خصاما وشقاقا.
ووجدتني بهذا الشكل ماضيا إلى الهاوية.
وتعلمت –بعد كثير خسائر- أن الآراء يجب ألا تكون عاطفية، وأننا لا يجب أن نسجن شخصا في صفة، وكذلك تعلمت ألا أصدر على امرئ حكما نهائيا .
وفوق هذا وذاك، تأكدت من أنني لست دائما على صواب، وأن احتمالية خطئي كبيرة، ولهذا يجب أن أتسم بالتواضع وأنا أعرض أفكاري وآرائي ونقدي.

بقعة ضوء
"العنيد لا يملك آراء، بل الآراء هي التي تملكه••• "
- ألكسندر بوب







آينشتاين يحدثنا عن الجنون


خمسة عشر عاما وأحمد صديقي يفعل الشئ نفسه . !!
نفس الشركة التي يعمل بها ، نفس طريقة التفكير و الكلام ولا زال يشتكي من صعوبة المواصلات ، والراتب القليل ، و هزائم فريقه الرياضي وخسارته الدائمة !!
لا زال صاحبي يستدين مطلع كل صيف كي يقضي و أبناؤه الإجازة و يقضي الشتاء في سداد الديون و الأقساط .. خمسة عشر عاما ولا شئ يتغير ..!
لا زال أحمد مؤمنا أن النصر مع الصبر ، و بأن الفرج قادم لا محالة !!
أرى حال صديقي فأتذكر مقولة أينشتين الجنون هو أن نفعل الأشياء نفسها ، ونتوقع نتيجة مختلفة !
الجنون أن نبحث عن الأمان و الراحة القريبة ونتهيب من المخاطرة واقتحام آفاق وحدود جديدة ، ثم نتعجب من تقسيم الله للأرزاق مهملين بأن لله سننا في الكون لا تحابي مسلما ولا تضطهد كافرا . سنن الله في الكون حيادية ، والسعيد من قرأ صفحة الأيام بتدبر وتعلم منها .
والنجاح والتفوق في الحياة ليس مستحيلا لأي شخص ، لكنه في المقابل ليس سهلا قريبا ، ولا يقتنصه إلا من دفع ثمنه ، وثمن النجاح هو عرق الجبين لا مر الشكوى !
أحمد صديقي وآلاف من أصدقائي و أصدقائكم لا يفعلون شيئا سوى العيش في انتظار الغد !
السبت كالأحد ، مارس كإبريل ، الأيام لها نفس الطعم ، فلا تحدي في حياتهم ، ولا تغيير أو مخاطرة يندفعون إليها ..
من نافلة القول التأكيد على إن المخاطرة التي أقصدها ليست اندفاعة هوجاء ، وإنما خطوة محسوبة ومدروسة ، لكنها تحتاج لجرأة وشجاعة واقتحام وإقدام .





كم مرة في حياتك اتخذت قرارا مصيريا غيَر خط حياتك من يومها حتى الآن ؟
الكاتب الأمريكي مارك توين له كلمة في غاية العمق و الأهمية يقول : بعد عشرين سنة من الآن ستشعر بالإحباط وخيبة الأمل تجاه الأشياء التي لم تفعلها أكثر مما تشعر تجاه الأشياء التي فعلتها !
ستشعر بالأسف وربما الندم لأنك لم تكن شجاعا بما يكفي لاتخاذ قرار ما ، و اكتفيت بأن تلتزم جدار الأمن والطمأنينة .
لن تندم على خطأ اجتهادك ، بقدر الندم على ترددك و خوفك و إحجامك عن المحاولة .
المرء منا يا صديقي هو مجموع تصرفاته ، وتصرفاته هي ترجمة لقراراته ، فما أنا و أنت سوى ما نتخذه من قرار ، وما نقوم به من أفعال لذا كان من الأهمية بما كان أن ننظر جليا إلى جميع الخيارات التي تتيحها لنا الحياة ، و أن نتسلح بالشجاعة كي نقتحم بعض المناطق الخطرة المجهولة .
و الخلاصة : المخاطرة الكبيرة هي الحياة بلا مخاطر ! و الخوف الأكبر هو العيش بلا خوف ، والفشل الحقيقي الوقوف خوفا من فشل !!!



العظمة .. صنعة

كان الرسام الشهير بيكاسو يمشي يوما في الشارع ، حينما قابلته امرأة من معجباته ، و صافحته بحرارة ، ثم أخرجت من حقيبتها ورقة بيضاء وهي تقول له : سيدي أنا مغرمة جدا برسوماتك العظيمة هل يمكنك أن تشرفني برسم شئ من إبداعاتك على هذه الورقة ؟!
فابتسم بيكاسو وهو يتناول منها الورقة ثم شرع في الرسم حتى إذا ما انتهى ، أعطاها الورقة قائلا : سيدتي احتفظي بهذا الرسم فستبيعينها يوما ما بمليون دولار !!
فقالت له المرأة مندهشة : سيد بيكاسو لكنك لم تستغرق سوى ثلاثين ثانية فقط لترسم تلك اللوحة الصغيرة .
فابتسم لها وهو يقول : سيدتي ، لقد أنفقت من عمري ثلاثين عاما لأعرف كيف أرسم مثل هذه التحفة في ثلاثين ثانية !
رسالة بالغة الأهمية يعطيها لنا الفنان الكبير في حواره السابق وهو أن الإبداع قد لا يستغرق وقتا في إنشائه ، لكن هذا لا يعني أبدا أنه عمل ناقص التميز ، أو سهل يمكن تقليده .
إن الصعوبات التي يلاقيها المبدع حتى يضع قدمه على أرض راسخة صلبة ليست بالقليلة ، والضربات التي صقلت موهبته ،لا يجب الاستهانة بها أبدا .
يدفعنا هذا إلى تأمل حقيقة هامة نحتاج كثيرا أن نقف عندها وهي أنه يجب علينا أن نعطي و نعطي قبل أن نتوقف لنأخذ .
لا يوجد حصاد يأتي قبل الغرس ، ولا حساب يسبق العمل ، ولا منتصر يمكن تتويجه قبل انتهاء المعركة .
العلامة العربي الكبير ( ابن عطاء الله السكندري ) يقول في حكمه : ادفن وجودك في أرض الخمول ، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه .
يهيب بك الشيخ الجليل أن تصبر على ما يدعوك للظهور و التطاول ورفع الرأس عاليا ، فلا يوجد نبت خرج فوق سطح الأرض دون أن يتهيأ تحت التراب لفترة ، وإن حدث فما أقرب سقوطه و تهاويه .
هذه سُنّة كونية لا يمكن أبدا معارضتها ..
فمن ظن أنه بقراءة كتاب أو أكثر صار مفكرا .. أو أديبا .. فهو واهم ومن أمسك بتلابيب الفتوى في أمور الدين أو الدنيا لمجرد حفظه لعشر أحاديث وبعض قصار السور فهو مفتون ..

إن العلماء و العظماء و المفكرين الذين نجلس اليوم لنتعلم منهم قد وقفوا على أبواب المعرفة يطرقونها بلا كلل و تحملوا المشاق في سبيل طلب العلم.
و على هذا سرت سنة الله سبحانه و تعالى في الكون..

بقعة ضوء:
احذر على نفسك من أمرين: أن تنزع إلى البروز قبل استكمال المؤهلات المطلوبة، وأن تستكل هذه المؤهلات لتلفت بها أنظار الناس إليك.
الشيخ محمد الغزالي
















الانتحار!
لا يوجد في الكون دين سماوي، أو فكر فلسفي يرى في الانتحار ثمة حل أو طريقة بتصحيح أي شيء.
فهو كفر بالله، و ضياع للحياة، و إعلان عن يأس و فشل و ضعف المنتحر.
لكن الانتحار الذي سأحدثكم عنه هاهنا ليس انتحاراً جسدياً ولا أقصد به إزهاق الروح، وإنما مقصدي هو الانتحار المعنوي، و القضاء على الثقة و الهمّة و روح العمل و التحدي الذي رزقنا بهم الله جل و علا.
فمن الناس من يمشون بيننا بأجساد خاملة، مات بداخلهم كل ما يدعو الى التحدي و العطاء، و هؤلاء لا أصنفهم أحياء، إنهم أموات ولكن لا يعلمون!
إننا نحيا في زمن يعج بـ (الموتى الأحياء) الذين ارتضوا بالحياة الأدنى على رأس كل واحد منهم عداد غير منظور بحسب الأيام و الساعات حتى إذا ما دنا موعده، أغمض عينيه بهدوء و ذهب دون أي أثر له في الحياة !
و بئس حياة تلك التي نعيشها، دون أن نغرس فيها ثمرة للخير أو بذرة للحق، أو شجرة للعلم يستفيد منها من بعدنا في الحياة و نتعلق بها يوم يذهب كل شيء إلا الأعمال العظيمة تنقذنا من عذاب السعير.
الأديب الساخر جورج برنارد شو يحرج البعض بقوله (طالما لدي طموح فلدي سبب للحياة، القناعة تعني الموت).
و القناعة هنا ليست الرضا، إنما هي توقف النظر للأمام، أن يكون لطموحك منتهى، و لتطلعاتك خط نهاية.
و بدوره يطلق أديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي النار على الخاملين الضعفاء بمقولته العظيمة: (من لم يزد شيئاً على الدنيا فهو زائد عليها)
إما أن تضع على جبين الحياة بصمه جميلة مشرفة، و إما أن تثقل كاهلها بعبئك و حملك و همومك.
أما ان تكتب لك فيها تاريخاً مشرقاً عظيماً، و إما أن تطوى حياتك فلا يتذكرك احدهم يوم يغيب جسدك.
بقعة ضوء
من الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، و مذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعود و ترق، كلما عبروا مقاماً إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه... فاستغفروا . ابن الجوزي
الامتحان
فتى جاهد الدنيا و جاهد أهلها .. و في نفسه لم يدر كيف يجاهد
تذكرت هذا البيت بعدما أخبرت أصدقائي ذات ليلة –مختالاً- بأنني لم أهزم في معارك الحياة، ناسياً الفضل لله جل اسمه، مؤكداً أن الصدمات الكثيرة في حياتي جعلت من سقوطي أمراً صعباً..
تذكرته و قد جلست مع نفسي لبعض الوقت، و هي تسألني لماذا لم تحدثهم أبداً عن معاركك الداخلية؟! عن المنتصر في معركة إثبات الموجود بيني و بين نفسي، بين هوى و طمع النفس من جهة، و ثبات و رسوخ معاني الرضا و اليقين من جهة أخرى.
أتفاخر بنصر في معركة بعلو غبارها، و ألزم الصمت في معركة النفس، و تالله ما معاركنا الداخلية إلا معاركنا الحقيقية!
أحد الحكماء يقول: عندما تبدأ معركة المرء بينه و بين نفسه فهو عندئذ شخص يستحق الذكر.
وذلك لأن معاركنا الحقيقة تلك التي يكون للضمير فيها دور حاسم، فيمسك الزمام، و يعرقل جموح النقس و عنفوانها
إن بيننا هامات عالية مرتفعة، لكنها حينما يغيب نظر الناظرين تركع لشهوة، و تسجد لرغبة ملكتها، و قيدنها منذ زمن.
لذلك لا يتحدث الكثيرون عن هذه الحرب، ولا يتفاخرون بذكر تخطيطهم لهذا الامتحان.
إننا بحاجة ملحة إلى أن نولّي حروبنا الداخليةالاهتمام الأكبر، أن نسلط ضوء النقد على الداخل كثيراً.
لنفسي أقول، ثم لكم، إن معارك إثبات الوجود تجري داخلك و عليها يتوقف كل شيء في الحياة.
سل نفسك، كم مرة ضبطتها تحقد أو تغار، أو تنظر بعين ضجرة إلى نجاحات الأخرين و تفوقهم..؟






نعم .. مرات غير قليلة أضبط نفسي و قد أعجزها فهم سنن الله في الأرض، فعبرت عن جهلها من تفوق من تراهم أدنى منها، و إرتفاع شأنهم، ناسية أن فضل الله يؤتيه من يشاء، و أن صاحب النعم يقسمها كما يرى هو، لا حسب مزاج ضعيف جالس على بابه ينتظر النعمة دونما ثمن قدمه.
و في مثل هذه اللحظة الحاسمة تبدأ المعركة..
فإما فضح للنفس و ضعفها، و استغفار لله و توبة، و إما استعلاء و غرور..
و يكون الامتحان

بقعة ضوء:
إن الغرور يتسلل إلى قلب المرء كما يتسلل الحقد و النسيان و الكلسترول، دون أن يدرك هذا، ولو سألت ألف إنسان عن عيوبه لقال لك: عيوبي أني أثق بالناس أكثر من اللازم و أنني صريح أكثر من اللازم!
أحمد خالد توفيق













فعل كل شيء لكنه لم ينظر للمرآة!
أراه كثيراً في الحياة..
شامخاً بأنفه، مليئاً بالكبرياء و الفخر الموهوم، يحدثك عن مواهب بداخله دفينه، و أفكار بعقله جاهزة لتغيير وجه الأرض، و طموح بقلبه سيقلب الطاولة فوق جميع المتأنقين الذين يخدعوننا ليل نهار على شاشات التلفاز بحجة كونهم خبراء ..!
أراه في كل يوم و كل مكان، و أظنكم رأيتموه كذلك أعزائي..
ذلك الشخص الذي يرى في نفسه مالا يراه الأخرون، ولا يتورع عن إلصاق التهم بالغير كي يبرئ ساحته من أي نقص أو عيب لديه.
فزوجته موهوبة في اجهاض الأحلام، و مجتمعه أرض خصبة للنصب و الفساد، و البيروقراطية التي تنتهجها الدولة سبب احجامه عن تنفيذ أهم و أخطر مشروعاته!
قائمته مليئة بالمبررات التي تقف عائقاً أمام تميزه المزعوم.
و هذا الصنف من البشر حمل ثقيل على البشرية، و مصدر من مصادر بلائها.
صنف لا ينظر في المرآة بتفحص، فيقوّم الاعوجاج و العيب الذي فيه، و إنما يستمرئ إلقاء تبعة فشله على الحياة و سكانها.
فإذا ما ابتلتك الحياة بصديق فألفيته من هذا الصنف، فطلقه بالثلاثة طلاقاً لا رجعة فيه ولا محلل!
إنه سيصيب حياتك بالتسمم، و سيضيق أفق أحلامك و أمانيك و لن يتركك إلا بعدما تشاركه مأتمه الخالد!
و الأهم من هذا أن تنأى بنفسك أن تكون من هذا الصنف، و أدعوك لأن تراجع كلماتك و سلوكك كي لا تنجرف إلى هذا الفخ.
حذار أن تتهم الحياة بأنها تضهدك، أو الأيام بأنها تعبث معك، أو الكون بأنه يتحداك.
انظر للمرأة، حاسب نفسك، قف أمام أخطائك و كبواتك، إياك أن تتعثر فلا تنظر إلى سبب عثرتك،و تضح حلاً ينجيك من تكرار العثرة مرة ثانية.
داوم على تذكير نفسك دائماً أن الحياة أكبر منا، و بأننا –مع ذلك- قادرون على مصالحتها و مجاراتها عندما لا نعاكسها و نتعامل معها كتعامل الأنداد أو الأعداء.


في الحياة تأمل.. فستجد من يلعن دائماً ولا يملك في قاموسه سوى لغة التذمر و السخط و الضجر، يلازمه عدم الرضا و الشكوى الدائمة.
ستراه يحدثك أنه كان على بعد خطوة من تحقيق أنجازه العظيم لولا الحظ، و يقسم أن هذه الحياة الدنيئة اقتسمها اللصوص و أصحاب الحيل منذ زمن، و قد يبتسم في سخرية متحدثاً ببطء كالفلاسفة و هو يخبرك بفلسفته الحياتية التي استمدها من طول بحث و تدبر –حسب زعمه- قائلا: العباقرة الحقيقيون يطويهم الزمن في هدوء بعدما يبخسهم حقهم، لكنه يقف أمام سيرتهم بعد مرور سنين عدداً عندما تأتي عقول تفهم و تتدبر و عزاؤه أن هناك من سيصنفه بعد زمان يطول أو يقصر.
وتالله ما هؤلاء سوى حمقى و أدعياء،و العظماء الحقيقيون هم صنف لا يبكي ولا يولول مهما تعثر أو كبا فرسه، إنه يجمع شمل نفسه و أحلامه و طموحاته و يبدأ من جديد، مهما تكرر سقوطه.
العظماء الحقيقيون ينظرون إلى أنفسهم، يطالعون المرآة يكاشفون النفس و يعاتبونها، لكنهم أبداً لا يلقون بفشلهم على الحياة.
يؤمنون أن الحياة ليست سوى سلسلة من التجارب، و أن الأخفاق في احدها لا يمثل سوى عثرة أو انكفاءة يجب أن لا تعطلنا كثيراً قبل أن نتعافى منها و نكمل السير.

فكن عظيماً يا صديقي وأنظر إلى المرآة جيداً، ولا تلقي بهمومك و نتاعبك و آلامك على كاهل الحياة.

بقعة ضوء:
كثيراً ما رأيت عصفوا يطير وراء نسر و في إعتقاده أن النسر يفر منه!
فولتير







القضاة!
يحكى قديماً أن رجلاً نقياً وهبه الله مالً كثيراً، فكان كثير الصدقة و المعروف، و أصبح كرمه و فضله مضرب الأمثال.
و ذات يوم جاءه عابر سبيل، طرق بابه و طلب شيء من الطعام و الشراب.
فهش في وجهه الرجل الكريم، و بالغ في الحفاوه و قدم له فوق ما يشتهي، و أحب الرجل النقي أن يذكر ضيفه المسكين بالله، و يثني عليه و على فضله و كرمه، فما أن بدأ في ألقاء موعظته إلا و تجهم الرجل الفقير ثم قام بالتهجم على الله جل اسمه، و سبه، قائلاً: أي إله هذا الذي تركني فقيراً معدماً، أين رحمته و عدله، و أنا كما ترى أشحذ مطعمي و مشربي، فهذا يعطيني و هذا يسد دوني بابه، هل وسع كرمه الملايين، لنه ضاق بي، دعني لمطعمي و مشربي، و ائنس أنت بإلهك بعيداً!
فهاج الرج النقي و اكفهر وجهه ثم قام ثائراً و طرد الفقي من بيته، بعدما أذاقه من صنوف السب و الشتم ألواناً.
و بات الرجل التقي ليلته يستغفر الله، و يرجو رحمته ختى غليه النوم.
و في منامه، زاره ملك من قبل الله نعالى يسأله: صنعت معرفا فأجزلنا لك العطاء، و كتبناك عندنا من المنفقين الصالحين،لكنك طردت الفقير من بيتك، و ضيعت صدقتك!
فتعجب الرجل و قال: كيف لا أطرده وقد سب الله جل اسمه كيف لا أذيقه المر وقد تهجم على خالق السماوات و الأرض لقد اطعمته لوجه الله و طردته من أجل الله.
هنا قال الملك: ومن أوحى لك بأن صدك له قربان لله، و أنك بهجومك الشديد انتصرت له هذا الرجل له أكثر من ستين عاما على حاله يتهم الله بالظلم و الإجحاف ستون عاما وهو يتجرأ عليه و يعلن كفره بقضائه و قدره و مع ذلك فالله يطعمه و يرزقه و يفسح له في الكون ولو شاء لخسف به الأرض و جعله عبرة و مثالا.
ستون عاما والله يتحمله و انت لم تتحمله لدقائق معدودة.
وقد كان من الأحرى بك ان تعرفه الله، و تتحمل جهله لبعض الوقت و تنقل له ما عرفته عن الله لعله ةقتها يخجل و يعي حقيقة الأمر و تكون قد أديت رسالتك بأفضل شكل و حتى اذا لم يهتد او يؤمن يكفيك وقتها اداء الامانه ولن يحرمك ضلاله حينها المثوبه و الاجر
ان في الحياة بشرا يتالهون فيصدرون القوانين وينزلون العقاب و يقومون بدور القاضي و الجلاد.



يظن الواحد منهم أنه يمتلك الحق المطلق و بانه لا ينطق عن الهوى
فيضيقون واسعا و يطلقون الاحكام
ان اكبر كارثه انسانه ان يحتكر شخص ما الحق ويحاسب الناس على تقصيرهم و ينزل بهم العقاب اذا لم يكونوا كما يرى .
والناظر في واقع الحركات الاسلاميه سيرى انها خسرت كثيرا عندما تعصب بعض ابنائها و تعاملوا مع الاخر بمنظار ضيق و حاسبوهم من منطق أنهم يمتلكون الحق و انهم –وحدهم- من يعرفون معايير الخطأ و الصواب .
النبي صلى الله عليه و سلم كان يحب أبو طالب عمه حب عميقا كبيرا و في المقابل كان ابو طالب يحب محمد ابن اخيه حبا جما هائلا ولكن هذا الحب لم يؤهل النبي لاقناع عمه باعتناق رسالته فكان مثالا واضحا ان امر الاقناع لا يقوم على المنطق ولا تؤثر فيه العاطفه وانما هي قناعه داخليه و توفيق الهي.
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه و يعلمنا ان نرفع ايدينا دائما داعين الله (ان يرينا الحق و يرزقنا اتباعه و ان يرينا الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه)
وذلك لاننا كثيرا ما نرى الباطل حقا و نتعصب له و نرى الحق باطلا و نتعصب ضده .
ومن اهم الابواب التي تخرجنا من هذا اللبس الكبير باب الحوار الجميل و الجدال بالتي هي احسن.
نحن مأمورون بان نتعلم كل الوان الحوار و اساليب الاخذ و الرد و ابجديه الاستماع الواعي و الكلام المتزن الجميل .
ومامورين كذلك بالبعد عن محاسبه الناس عما ارتضوه لانفسهم من قناعات و افكار و مبادئ.
ليس لاحد منا –مهما كان متمسكا بالحق- ان يجبر الناس على اقتناعه او يلقيهم بالاتهامات اذا لم يؤيدوا رايه .
نحن –حملة المبادئ- بحاجه الى ان نعي جيدا الدرس الاول الذي سيفتح لنا الطريق الى قلوب الناس وهو اننا دعاة لا قضاة وحمله مشعل لا منفذي احكام واصحاب راي و حجه فلا تضيق صدورنا و قلوبنا بمخالف او معارض .
ان من يخشى الحوار هو السخيف الساذج الخائف المرتبك .





اما الاقوياء فهم يرحبون دائما بان تتلاقى العقول فتراهم يرتبون الاوراق و ينظمون الافكار و يواجهون العالم اجمع بابتسامه واثقه هادئه .
وانت يا صاحبي احق الناس بان تعي هذا الامر و اولاهم بان تكون هادئا متزنا واعيا قادرا على الحوار الاخذ و الرد .
رافضا كل الرفض جميع الممارسات التي تنبئ بالتحول الى ارهاب فكري وان ينصب احدهم نفسه قاضيا فيعطي صك البراءه او حكم الادانه!

بقعه ضوء:
انني مستعد ان اموت من اجل ان ادعك تتكلم بحريه مع مخالفتي الكامله لما تقول
فولتير












ببطء كي تكون الأسرع
ربما يبدو كلامنا هذا غريبا على العقليه النمطيه لكن الحقيقه تقول إننا كلما كنا اهدأ كنا أسرع !
أو لنقلها بلغة اهل الاداره (كلما اعطيت نفسك وقتا اكثر في التفكير الهادئ قلت حاجتك للعمل المحموم و الضغوط المستمره وفوق هذا انجزت بشكل اسرع)
اننا كثيرا ما نقوم بالعمل بشكل سريع و نظن بأننا حينها اكثر سيطره على الوقت بيد أننا كثيرا ما نقضي وقتا ليس بالقليل في تصحيح اخطاء افرزتها السرعه و العجله .
الرسام الصيني (شو بونج) –احد اشهر رسامي القرن السابع عشر- يحكي قصخ اثرت كثيرا في تغير سلوكه تجاه الوقت و حقيقه ادراكه وذلك انه قرر ذات يوم زياره مدينه تقع في الجانب الاخر من النهر فركب السفينه وسال ربانها عن امكانيه دخوله المدينه قبل ان تغلق ابوابها حيث الليل يقترب و منتصف الليل –موعد اغلاق الابواب- قد يداهمه.
فنظر الربان الى كومه الاوراق و الكتب المربوطه بشكل متراخ و قال له:
نعم ستصل قبل منتصف الليل اذا لم تمش بسرعه مفرطه
و عندما وصلت الفينه ال الشاطئ كان الليل قد زحف على المكان فخشي (شو بونج) ان تغلق المدينه ابوابها و من سقوطه ضحيه لقطاع الطرق و المحتالين فراح يمشي بسرعه اقرب للركض و فجاه انقطع الخيط الذي يحيط بالاوراق و الكتب فتبعثرت على الارض فاخذ يجمعها مسرعا لكنه في النهايه تاخر و عندما وصل الى ابواب المدينه كانت قد اغلقت منذ زمن.
ومن يومها علم ان الاستعجال ليس دائما في صالح الوقت وان العجله احد اهم الاشياء التي تخلق مشاكل و كبوات .
ان الواحد منا يظن ان معرفه الوقت و محاوله استغلاله تاتي بتسريع ايقاع الحياة و هذا ليس صحيحا و انما استغلال الوقت ياتي من التخطيط الامثل للاستفاده منه .







علماء و اساتذه الاداره بخبروننا ان كل ساعه من التفكير توفر لنا مالا يقل عن ثلاث ساعات من العمل و المضحك ان معظمنا –عن جهل- يظن كي لا يضيع وقتا ان عليه البدء في تنفيذ الامر بمجرد التفكير فيه دون الحاجه الى التخطيط فالتخطيط في رايه لا يعني سوى اهدار المزيد من الوقت .
و الناظر يتامل سيرى ان من يعمل بعجله و تسرع يقضي مالا يقل عن نصف وقته و جهده في تصحيح قرارات و تصرفات اخذها في عجل
و انه لو فكر و تمهل قليلا لكان خير له

بقعه ضوء
ليست السرعه كلها نشاطا قد يسرع الكسلان ضيقا بالعمل و شوقا الى الكسل
عباس محمود العقاد














استمتع بما تملك
عاده قديمه الفتها صارت منهجا اعتنقته في الحياه .
وهو ان لا انظر الى شيء ليس لي ولا اشتهي مالا يمكنني امتلاكه دائما اعيش في الثوب الذي يلائمني ولا استمتع بطفره قد تحملني معها عاليا لفتره ثم تردني الى اصل طبيعتي .
كنت استاء من صديق لي يأخذ قرضاً ليشتري سياره محملا نفسه و اسرته مالا يطيق فأزجره قائلا عش في مستواك و استمتع بما تملك فعلا انك لا تقدر على شراء سياره كهذه في العاده قبل خمس سنوات فلم تعجل بالعيش في مستوى لم يأت أوانه.
ثم انظر حولي فاجد ان معظم البشر في زمننا هذا يسبقون امكاناتهم بخطوه و ربما بخطوات.
القروض بانواعها و بطاقات الفيزا و الأقساط طويلة الاجل جعلت الجميع مدينين و خلقت نوعل من الترف غير المنطقي حيث اشتر الان و سدد فيما بعد.!
ولقد قرأت يوما في سيرة احد الحكماء امرا ينضح بالفطنه و بعد النظر و ذلك ان ولده جاءه يوما مهللا وهو يقول بشرى يا ابي لقد وجدت تمرا في السوق يباع بدينار واحد فالحت على البائع ان يحجز لي جوالا كاملا حتى اتيه باثمن فابتسم الحكيم بهدوء وقال هاك ديناران اذهب فاشتر لنا بهما .
فاطاع الولد المندهش كلام ابيه دون اعتراض حتى اذا ما مرت فترخ اذ ناداه ابوه ثانيه وقال له كم بلغ سعر التمر اليوم؟
فاجابه الولد خمس دنانير يا ابي للكيلو.
فقال له الاب اذهب فاشتر لنا جوالا ثم اعطاه النقود!
فتعجب الولد وسال اباه قائلا ما اعجبك يا ابي اتابى الشراء وقت ان كان بدينار واحد و تشتري عندما اصبح ثمنه خمس دنانير!!
فقال الاب يابني عندما كان بدينار واحد لم يكن معي وقتها سوى دينارين اما الان فانا امتلك الكثير.
إن من اعظم الاستراجيات التي ينتجها العقلاء هي استراتيجية (الاستغناء) فإذا ما اشتهيت مالا تستطيع امتلاكه فاخرجه من قلبك و تفكيرك و بهذا فقط تتغلب على شهوة امتلاكه و سحر تاثيره عليك بينما تطلعك المستمر لما لا تستطيع الاستحواذ عليه يجعلك قلقا دائما و ياخذ من تركيزك الشيء الكثير و الاسواء من ذلك انه قد يجعلك غير مدرك لجمال و روعة ما تملكه فعلا.



إننا لا نستطيع امتلاك كل ما نشتهي و ستظل هناك دائما اشياء و اشياء نطمع فيها فاذا ما احببنا ان نطمئن الفؤاد والروح فعلينا ان ننظر بعين الرضا و القبول لما وهبنا الله تعالى و انعم علينا به و ندرك ان هذا الذي نملكه هو مبتغى امل بعض البشر و باننا في نعمة من الله كبيرة لكننا لا ندركها او لا نعلم عنها شيئا !

بقعة ضوء:
كان عمر بن الخطاب – وفي يده الدنيا – يشنهي الشهوة من الطعام ثمنها درهم فيؤخرها سنة يثبت لنفسه بذلك انها نفس عمر.
مصطفى صادق الرافعي
















35: لا تترك ما تملكه.. يملكك
اراد ان يجمع كل كنوزه امام عينيه فباع كل ما يملك و اشترى بثمنه سبيكه ذهب ثم جاء الى مكان خفي في فناء منزله و حفر حفره عميقه و وضعها بداخله!!
كل شهر كان يحفر ليطالع ثروته و يجلس قبالتها قسطا من النهار يبثها ولعه و شغفه و هواه ثم يهيل عليها التراب مره ثانيه خوفا من ان يراها احد..!!
بيد ان القدر خبأ له مفاجأه غير ساره فلقد شاهده احدهم وهو يجلس مشدوها امام الحفره و ايقن ان في الامر سرا كبيرا فانتظر ذهاب و نقب في الارض الى ان وجد سبيكة الذهب فسرقها .
عاد الرجل ففجع بالمصيبه طار عقله و طفق يبكي و يولول كالنساء فاقبل جار له يستفسر منه و يسأله عن سبب بكائه و عويله فاخبره الرجل المفجوع بالامر.
ولان الجار كان على علم ببخل الرجل و تقطيره على نفسه و اهل بيته فقد اخبره باقتراح مثير.
قال له خذ حجرا من بين تلك الحجاره الملقاه بعيدا و ضعها بالحفره و تخيل انها سبيكة الذهب التي ضاعت منك و عندما نظر له الرجل مستنكرا فسر قوله قائلا في جميع الاحوال انت لن تستمع بها ولا بقيمتها و مادام الامر كذلك فاي حجر هو في قيمة تلك السبيكه..!
توضح لنا هذه القصه –على طرافتها- حجم المأساه التي يعانيها بعضنا ممن يملكون شيئا غاليا فيملكهم هذا الشيء و يصبحون اسراه و يشغلون تفكيرهم و جهدهم بخدمته بدلا من الاستمتاع به و تسخيره من اجل خدمتهم.
و كيف ان الخوف يقلب الايه تماما و يعمي العقول عن فهم حقائق الامور ويصل الرعب من فقد شيء ما الى الوقوع تحت اسر هواه .
النبي صلى الله عليه و سلم يعطي عمقا مدهشا في المعنى الحقيقي لامتلاك الاشياء يقول صلى الله عليه وسلم: يقول ابن ادم مالي مالي وهل لك من مالك الا ما اكلت فافنيت او تصدقت فامضيت او لبست فابليت .
ان المعنى الحقيقي لامتلاك الاشياء ياتي من استخدام هذه الاشياء في خدمة مالكيها و ليس في المعنى العقيم لوقوعها تحت تصرفه و سيطرته.
ما قيمة كنوز لا يعدها عاد و هي في خزانه مغلقه و صاحبها يعاني من الفقر و الحاجه؟!



في الفقره السابقه عجبت ممن يمشي في واقع لم يأت اوانه و يتلذذون بمتع لا يملكونها و في هذه الفقره اشفق على مسكين يعيش في واقع اقل مما يستحق و يحرم نفسه من خير يملكه!
ولقد تاملت في نفسيه هذا الشخص فوجدت ان شحه و كنزه مبعثهما في الغالب قلق من الغد و انعدام ثقه بالله و كره للناس !
و هؤلاء بالغالب يجعلون البيئه التي يعيشون فيها قطعه من جهنم بتوترهم و خوفهم و عدم توسيعهم على اهاليهم و من يقعون تحت مسؤوليتهم من زوج و ذريه .
على عكس الشخصيه الطبيعيه الهادءه التي لا تحمل في الغالب مخاوف من الغد و تلقي بهمومها واثقه على من بيده الامر و تدبر امرها جيدا اخذا بالاسباب لكنها في الاخير تخلع حولها و قوتها على باب رب كريم .
و الخلاصة: استمتع بما وهبك الله من نعم ولا تكن شحيحا فتحرم نفسك و من تعول من رزق ساقه الله اليك فربما يذهب عنك او تذهب عنه














العصمة لله .. فقط
كان عالما له تلامذه و اتباع ياتيه المئات و الالاف ليجلسوا بين يديه و يستفيدوا من علمه و يسالوه عما اشكل عليهم او التبس على افهامهم .
الى ان وقع الرجل في ذنب كبير فانفض الناس من حوله و هجروه .
و ادار التلامذه ظهرهم للاستاذ متندرين بوقوعه في ذنب كهذا حانقين عليه .
و بينما الرجل في بيته اذ طرق بابه طارق فلما طالعه وجده صبيا ممن كان يقصد مجلسه و طلب من ان يسمح له بالدخول و التعلم منه .
فساله الرجل متعجبا و لماذا لم ترحل مع من رحل؟!
فاجابه الفتلا قائلا لانني لم اتبعك على انك نبي!!
هذا الصبي النبيه وضع يده على حكمه كبيره وهو ان ليس بيننا من عصم من الخطا و الزلل ولا يجب ان نطالب الاخر على ان يكون طاهرا نقيا كالملائكه .
اليشر –كل البشر- ذوو اخطاء فاذا ما حصرنا المرء في دائره ضيقه و حكمنا عليه من زاويه واحده و جعلناه سجين خطيئته نكون قد جحدناه و ظلمناه ظلما بينا .
بل يجب ان نسامح و نغفر و نعفو و ننسى و نسال الله لاصحاب الخطايا الغفران و التوبه .
وقف عيسى عليه السلام ذات يوم امام حشد من الناس وقد التفو حول امراه قد ارتكبت ذنبا و كل واحد منهم بيده حجر يريد ان يرجمها به.
فنظر اليهم عليه السلام وقال قولته الخالده من كان منكم بلا خطيئه فليلقها بحجر .
فنظر بعضهم لبعض و انفض كل منهم الى حاله..!
النبي صلى الله عليه و سلم كان واسع الصدر مع المخطئ كثير الحلم على الجاهل حنونا عطوفا لينا .
يضع دائره حول السلوك الخاطئ و يابى ان تشمل هذه الدائره الشخص باكمله !
ومن ذلك ان رجلا من المسلمين كان دائما ما يؤتى به وقد ارتكب ذنبا كبير وهو شرب الخمر فكان النبي يعاقبه الا انه ذات مره سمع احدهم يتندر على خطيئة الرجل و يسخر من ذنبه المتكرر و يدعو الله عليه قائلا اللهم العنه ما اكثر ما يؤتى الى رسول الله صلى الله عليه و سلم هنا وقف النبي صلى الله عليه وسلم للرجل و رد عليه ردا حاسما فقال دعوه فانه يحب الله و رسوله.



هكذا يرى العظماء حقيقه الامور .
الكل يخطئ و يقع منه ما يشين .
و الظلم كل الظلم ان يكون هذا مدعاه لان نطرد المخطئ من بيننا و ننفيه الى ارض الاثم و نرفض ان نقبله وسطنا و نباعد بينه و بين ارض التوبه .
من البشر اناس وثقوا الصله بالله لديهم من السماحه و الحنو ما يجعل وجودهم في الحياة امر جميل لا يرفضون احدا لذلته او خطئه بل يقفون بجانب الواحد منهم الى ان يمر ن عنق الزجاجه و يعبر الرحله الصعبه و يعود الى جاده الطريق المستقيم .
لسنا بالملائكه يا اصدقائي .. لسنا بانبياء ..
اننا بشر وليس بين البشر من امتلك العصمة ..















غربه
متى كانت اخر مره سمعت عباره مثل (كلمة شرف) او (اعطيتك عهدي)؟!
في عالم مادي كالذي نحياه والذي تنحت فيه كثير من قيمنا الجميله جانبا و حلت محلها قيم اخرى تتعلق بثقافه الصفقات و العمل و الربح و باتت فيه –ياللمأساة- كثير من القيم و المبادئ الاخلاقيه عقبه امام نجاح البعض!
صار الشريف غريبا و صارت كلمة الشرف و الذمه و العهد بضاعه راكده ليس لها فائده .
صارت معاني الشهامه و الامانه و مراعاة الحقوق لا يؤبه لها عند كثيرين !
لقد عاش النبي صلى الله عليه و سلم و بعث و حمل الرساله الخالده و مع ذلك لم ينس ابدا انه شهد ذات يوم مؤتمرا تم عقده لاعلاء القيم الساميه و ارساء مبادئ العدل و الشرف و الكرامه.
يقول صلى الله عليه و سلم: (لقد شهد في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما احب ان لي به حمر النعم ولو ادعى اليه في الاسلام لأجبت)
و قصة هذا الحلف ان رجلا قدم الى مكه ببضاعه فاشتراها منه العاصي بن وائل وكان وقتها رجل له مكانه كبيره و شرف ويرهبه الناس ولا يردون له امرا و الغريب انه اخذ منه البضاعه ولم يعطه الثمن مغترا بمكانته و قوته فما كان من الرجل الا ان ذهب الى كبار قريش يشكو له و يستعديهم عليه كي يرد له حقه لكنهم رفضوا ان يعينوه على العاصي بن وائل بل على العكس انتهروه و طردوه .
فلما راى ان حقه ضاع وليس من شهم يرد له حقه صاح باعلى صوته يتلو شعرا ينعي فيه موت الشرف والامان ويشكو ضياع حقه في البلد الحرام .
هنا قام رجال هزهم ما حدث لديهم من النخوه ما يقلق رجولتهم و من العزم ما يدفعهم الى الوقوف بصلابه مع المظلوم مهما كان ظالمه او كانت قوته او جبروته .
فتحالفوا و تعاهدوا بالله ليكونن يدا واحده مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي اليه حقه فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول و قالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الامر ثم مشوا الى العاصي بن وائل فانتزعوا منه سلعة الرجل فدفعوها اليه .
ومن يومها ما ان يظلم احد في مكه الا و يذهب من فوره الى ذلك الحق فيعود له حقه مهما كان جبروت ظالمه .
ولان فاجعة الاخلاق في زماننا هذا يصعب فيها العزاء فانني اهيب بك يا صديقي لن تقيم في وجدانك حلفا للفضول .

حلف كامل يحيط بحياتك كلها .
و اول واجبات هذا الحلف ان يعمل رقيبا عليك !
ان يردعك عن ان تتنازل عن المعاني الساميه النبيله في سبيل جني مكاسب تراها كثيره و عاجله و يخبرك انها مجرد طعم لن يلبث الا ان يهوي بك في اعماق بئر الفشل !
ان يقض مضجعك ويقلقك و يدفعك الى فعل كل شيء و اي شيء في سبيل ان تكون رجلا شجاعا فاضلا و شهما نبيلا .
حلف يدفعك الى قول الحق مهما كانت الضرائب و نصرة المظلوم مهما كانت العقبات و الضرب على يد الظالم مهما كانت المخاطر ..
لقد عشت فرايت من يخون اصدقاءه و يبيع مبادئه و يتلون كالحرباء .
وفي الغالب كلن الثمن بخسا .
رايت من يغض الطرف عن منكسر و يعمي اذنيه عن استغاثة مستجير و يشيح بوجهه بعيدا كي لا تقع عيناه على مظلوم او ضعيف يستغيث به .
ان من يلجئون للمكر و الخداع و التلون لكثر .
و حجتهم لن هذا زمن المكر و الخديعه و اللعب على الحبال !
امثال هؤلاء احزن عليهم لانهم ظنوا ان هذه الخدع البسيطه ستنطلي على الناس الذين لن يتمكنوا من اكتشافها ولا يدركون انهم يخسرون الكثير و الكثير ..
واول خسائرهم هي فقدان انفسهم و ارواحهم و جوهر وجودهم . يودعون معاني الاستقامه و الشرف و المروءه و يتخبطون في دروب الحياة بلا هاد بعدما فقدوا سلامهم الداخليه و صلحهم مع الذات .
ان سقوط المرء من عين نفسه مصيبه لا تصلح معها سلوى لذلك اسمح لي ان احذر نفسي و اياك من التهاون في حق المبادئ و القيم التي بداخلنا الا نساوم في عقائدنا ولا نغض البصر عن اي تعدي عليها .
اعلم ان حمله المبادئ في تعب و نصب لكن برد الطمانينه و الرضا و هدوء الضمير سيخفف عنا كثيرا من اعباء و اثقال الحياة.
بقعة ضوء:
يثرثرون ولا يصمتون لحظه واحده... ربما خوفا من سماع صوت اعماقهم
غادة السمان
الأذكياء الأغبياء!!
كان أنيقا للغاية، يشهد له الجميع بالذوق والرقي في التعامل.
وذات يوم وقف ليشتري بعض الخضروات من المحل الموجود في واجهة منزله، أعطته البائعة العجوز أغراضه وتناولت منه الورقة من فئة العشرين دولارا، وضعتها في كيس النقود لكنها لاحظت شيئا!
لقد طُبعت على يدها المبللة بعض الحبر، وعندما أعادت النظر إلى العشرين دولار التي تركها السيد الأنيق، وجدت أن يدها المبتلة قد محت بعض تفاصيلها، فراودتها الشكوك في صحة هذه الورقة لكن هل من المعقول أن يعطيها السيد المحترم نقودا مزورة؟ هكذا قالت لنفسها في دهشة!
ولأن العشرين دولارا ليست بالمبلغ الهين في ذاك الوقت فلقد أرادت المرأة المرتبكة أن تتأكد من الأمر، فذهبت إلى الشرطة، التي لم تستطع أن تتأكد من حقيقة الورقة المالية، وقال أحدهم في دهشة: لو كانت مزيفة فهذا الرجل يستحق جائزة لبراعته !!
وبدافع الفضول الممزوج بالشعور بالمسؤولية، قرروا استخراج تصريح لتفتيش منزل الرجل، وفي مخبأ سري بالمنزل وجدوا بالفعل أدوات لتزوير الأوراق المالية، وثلاث لوحات كان قد رسمها هو وذيلها بتوقيعه.
المدهش في الأمر أن هذا الرجل كان فنانا حقيقيا، كان مبدعا للغاية، وكان يرسم هذه النقود بيده، ولولا هذا الموقف البسيط جدا لما تمكن أحد من الشك به أبدا.
والمثير أن قصة هذا الرجل لم تقف عند هذا الحد..!
لقد قررت الشرطة مصادرة اللوحات، وبيعها في مزاد علني، وفعلا بيعت اللوحات الثلاث بمبلغ 16000 دولار، حينها كاد الرجل أن يسقط مغشيا عليه من الذهول، إن رسم لوحة واحدة من هذه اللوحات يستغرق بالضبط نفس الوقت الذي يستغرقه في رسم ورقة نقدية من فئة عشرين دولارا..!
لقد كان هذا الرجل موهوبا بشكل يستحق الإشادة والإعجاب لكنه أضاع موهبته هباء، واشترى الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وحينما سئل عن جرمه قال:إني أستحق ما يحدث لي لأنني ببساطة سرقت نفسي، قبل أن أسرق أي شخص آخر!
هذه القصة تجعلنا نقف مليا لنتدبر في أن كثيرين منا في الحقيقة يجنون على أنفسهم، ويسرقونها، ويجهضون طموحها، أكثر مما قد يفعله الأعداء والحاقدون !
وأننا كثيرا ما نوَجه أصابع النقد والإتهام فيما يحدث لنا نحو المجتمع والآباء والحياة بشكل عام، بينما أنفسنا نحن من نحب أن نواجهها ونقف أمامها مليا.
كم عبقري أتت على عبقريته دناءة الهمة وخسة الطموح وانتهت أحلامه عند حدود رغباته البسيطة التافهة..؟!
كم منا يبيع حياته بعرض بسيط من الدنيا، ويتنازل عنها؟!
الكثير يفعلونها.. وبسهولة..
إن انعدام البصيرة لبليةٌ يصعب معها العزاء وإهدار الطاقة التي وهبنا الله تعالى في محقرات الأمور لكارثة يصعب تداركها، والعمر-للأسف- يمضي، وتطوي الأيام بعضها بعضا..
فمن يا ترى يستيقظ قبل فوات الأوان..؟؟
من..!؟


بقعة ضوء
"أكثر الأكاذيب شيوعاً هي على أنفسنا... أما الكذب على الآخرين فهو عادة استثنائية".
-فريدريك نيتشه.








فخ الشعور بالأمان
من المنطقي أن نبحث جميعا عن الأمان والسكينة.
نطاردهما أينما كانا، نرجوهما أن يحطا على وجداننا، وبيوتنا ومجتمعاتنا..
فالشعور بالأمان كان وسيظل حاجة بشرية أصيلة وضعها النبي صلى الله عليه وسلم على قمة هرم الاحتياجات البشرية بقوله صلى الله عليه وسلم (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)1 ووضعتها كذلك مدارس علم النفس كركيزة هامة في قاعدة هرم الاحتياجات التي من دونها يفتقر المرء إلى عامل هام جدا من عوامل العيش الهانئ ، وذهب (أبراهام ماسلو) في نظريته (مثلث الاحتياجات) إلى أن الشعور بالأمان هو ثاني أهم ما يحتاجه الإنسان في الحياة، بعد الطعام والشراب.
بيد أن هناك شركا خفيا يقع فيه كثيرون ممن ينعمون بعد مشقة ويهنئون بعد طول تعب وكفاح!! وذلك ميلهم للراحة والدعة والسكون، وهدوء جنانهم كلية وفقدهم إلى ما يستفز لديهم الحماسة، ويحرك فيهم الدوافع.
كثيرون من البشر عندما يرتاحون يتوقفون عن العمل، والبذل والعطاء..
وكأن القلق والخطر والتوتر هو الحافز الذي يهزمهم، ويدفعهم إلى الخوف، ومن ثم إلى العمل والإنجاز.
لقد فطن الأديب الروسي (دستويفسكي) إلى هذا الأمر، فلقد أقلقه ذلك الإطمئنان المالي الذي يأتيه كلما كتب قصة ناجحة، مما يجعل عملية الإبداع لديه غير متوهجة، فيجلس عاطلا عن الإبداع والكتابة إلى أن ينتهي ما لديه، ثم يضطره العوز والحاجة إلى الكتابة ثانية!
عاش دستوفيسكي معذبا بتلك الحالة من الأمان التي تجتاحه..!
نعم.. لقد أهمه هذا الأمر، وبات يفكر في طريقة للتخلص من شعوره بالاطمئنان المادي، فلجأ إلى حيلة غريبة كي يعود إلى حالة الإبداع، وهي ذهابه المتكرر إلى الحانات فلا يبرحها إلا بعد تبديد كل ما يملك، كي يعود إلى بيته خاوي الوفاض من المال، مليئا بالحوافز والدوافع !!
هي بلا شك حيلة سيئة خاسرة تلك التي حاول الأديب الروسي الكبير أن يتغلب من خلالها على مشكلة الترهل والكسل التي تأتيه حال الغنى، لكن الشاهد هنا أن الشبع والكفاية يدفعان الواحد كثيرا إلى مربع(الخمول).
ومن المشاهد في عالم المبدعين والمفكرين وأصحاب الأعمال التي تعتمد على إعمال الذهن والتفكير، أنهم كثيرا ما يلجئون إلى الكسل ما لم يتوفر دافع مثير يستحثهم على الإبداع.
بل إن كثيرا من الأدباء والمفكرين ممن عرفتهم يعملون بنظرية البيت الآيل للسقوط!
فينتظرون على أعمالهم إلى أن تحين اللحظة الحاسمة، أو خط الموت كما يقولون، ويصبح أمر إنجاز العمل شيئا ضروريا، تماما كمن يجلس في بيت آيل للسقوط، لا يتحرك منه إلا إذا شعر به يئن ويهم بالسقوط فوق رأسه فيقفز مرعوبا، ويهب لينقذ ما يستطيع إنقاذه!
وهذه وإن كانت عادة لكثير من المبدعين إلا أنها جزء من الطبيعة الإنسانية، وحالة يعيشها معظم البشر.
ولعلك تسألني، وما الحل إذن في هذه المعضلة؟
وأجبك بأن الحل يكمن في أن يُوَطن المرء منا نفسه دائما كي يعود
إلى دائرة التوتر، وأعني هنا التوتر الإيجابي الذي يؤرق المضجع، ويرهب النفس فتهب للعمل والإنتاج.
وذلك يكون بتذكير النفس دائما بأن الحيل الكسولة هي التي يتم استبعادها من السباق، بينما ذوات البطون الضامرة هي التي يراهن عليها الجميع، وأن العقل الشغوف بالعمل ومقارعة التحديات مكانه دائما في الصفوف الأمامية.
كذلك من الأهمية أن يغير المرء بين وقت وآخر من نمط حياته وطريقة أدائه لأعماله، وإدخال بعض التعديلات عليها، و فوق هذا خلق تحد جديد يمكنه زعزعة مشاعر الكسل والراحة لديه.
إن النجاح نعمة تستحق الشكر، لكنها إذا لم تدفعنا إلى المزيد من النجاح تصبح نقمة وبلاء.
النجاح الحقيقي هو الذي يدفعنا للصعود درجة أخرى إضافية نحو الارتقاء.
نعم نحتفل بنجاحنا، ونأخذ قدرا من الراحة والسعادة والاستمتاع لكن يجب أن نحذر فح الطمأنينة الزائدة، والاستجابة إلى ما يدعونا إلى السكون والتبلد.
علماء الإدارة شددوا على أن الواحد منا يجب أن تكون لديه مجموعة أهداف بعيدة المدى، وأن يقسمها إلى مراحل وأجزاء، وقالوا إن هذه الأهداف من الأفضل أن تطال الحياة بأكملها، أي أن تضع خططا وكأنك ستعيش مائة عام، فيكون لديك خططا كبيرة وعظيمة، ثم تأخذ من هذه الأهداف الكبيرة، أهدافا مرحلية وتعمد إلى تنفيذها فما إن ينتهي جزء إلا وتبدأ في الآخر، وهكذا.
إنه التحدي المستمر، الذي يجعلك دائما في حالة من العطاء ويخيفك من السكون والهدوء.
دعني ألفت إليك انتباهك بأمثلة تحدث كثيرا من حولنا، كي يقترب إليك المعنى..
أشخاص كثيرون حولنا ممن يقومون بعمل رجيم أو حمية، نراهم بعد أن يتخلصوا من الكيلوجرامات التي تؤرقهم،ويطمئنون إلى نجاحهم، يعودون أدراجهم سريعا، ويزيد وزنهم لأكثر مما كانوا عليه والسبب انتهاء الهدف، وتوقفهم عن القلق حيال وزنهم، ووصولهم إلى نقطة الراحة.
في كرة القدم، الفرق التي تفوز في مباريات حساسة وهامة وتشحذ طاقتها قبلها، كثيرا ما يُهزمون في المباراة التي تلي تلك المباراة المصيرية، حتى وإن كان المنافس ضعيفا، والسبب أنهم أحسوا بتحقيق الهدف الكبير فارتاحوا وهدءوا!
المرأة التي تهتم بزينتها وقوامها وتحافظ على وزنها وشعرها تراها بعد الزواج وقد أهملت جزءا كبيرا من ذلك، والسبب اطمئنانها أنها قد تزوجت، وانتهى ما كان يدعوها إلى المحافظة على كل هذه الأمور!
والأمثلة كثيرة، وتستطيع أن تشاهدها بنفسك، كلها تخبرك أن الشعور بالخطر مفيد في كثير من الأحيان، والشعور بالراحة والدعة مضر في بعض الأوقات.
وأكرر أنك إذا أحببت التغلب على تلك المشكلة، فاصنع أهدافا مستمرة، وامتلك دائما دوافع إيجابية وحارة لبذل المزيد والمزيد من الجهد.

بقعة ضوء
"صدقني، السر في حصاد أعظم الثمار والحصول على أعظم النعم من الحياة هو أن تحيا دائما في خطر".
- فريدريك نيتشه.




المخرج الأخير
بعبقرية بالغة، طرح النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم إحدى أعمق النظريات الإنسانية وأقواها أثرا، والتي من دونها لن يهنأ المجتمع بعيش أو يسعد برخاء، شرح النبي صلى الله عليه وسلم ومن خلال قصة رمزية عميقة، وصفة لإنقاذ أي مجتمع من الضلال والتخبط والسلبية، فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرَوا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)2.
بوضوح بالغ يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجب على كل واحد فينا أن يهتم بما يدور حوله، ويضع يده في يد المصلحين والحكماء، كي يشكلوا قوة تمكنهم من رد الظالم أو الأحمق أو المفتون.
بلهجة مليئة بالخطورة والتحذير يهيب بك صلى الله عليه وسلم ألا تكون من المعسكر السلبي، الذي لا يحرك ساكنا في الحياة، ويرى من حوله الأخطاء الكثيرة ولا يؤمن بأن له دورا في إصلاح هذا العيب وتقويمه.
للأسف يظن الواحد منا أن مجرد إغلاق بابه عليه، وبعده عن الانخراط في العمل المجتمعي، سيجنبه المخاطر والضغوط.. لكن.. هيهات ثم هيهات..
الخطر حينما يحين، يلتهم الجميع، والطوفان لا يطرق الباب والكارثة ستأتي يقينا مادام لم يوقفها أحد أو يتصدى لها مبادر.
والمصلحون والشرفاء في كل زمان ومكان كانوا وسيظلون، صمام أمان مجتمعاتهم، حتى وإن لم يشعر العامة بحجم ما قدموه لخدمة المجتمع والإنسانية.
تحكي كتب التاريخ أنه في نهاية القرن السادس قبل الميلاد أسقطت أثينا الطغاة الذين كانوا يتحكمون في مصيرها، وأقام شرفاؤها نظاما ديمقراطيا حافظ على بقائها مملكة للعدل والمساواة عقودا طويلة.
وكعادة المجتمعات المتحضرة إنسانيا، كان هناك من يراقب مستوى التطور في السلوك الإنساني العام في المجتمع، فيقوم الحكماء بدورهم في بحث الخلل ووضع العلاج.
وكان مما أرق أثينا في ذلك الوقت، وجود أشخاص لا يملكون حسا مجتمعيا عاليا، فأهدافهم الشخصية هي الأهم وانخراطهم في الهم العام غير موجود، واهتمامهم بأهداف الدولة ضئيل كل منهم يضع نصب عينيه مكسبه الشخصي فلا يرى سواه.
ووجدوا أن هذه الأنانية المفرطة من شأنها أن تضرب أركان الدولة من جذورها، فالانحدار الأخلاقي كان وما زال هو أخطر معاول الهدم لأي أمة.
وفكر عقلاء أثينا كثيرا في الحل، فلا يمكن أن تتم محاسبة الأشخاص على دوافع داخلية، ومن الخطأ أن تتم محاكمة النوايا مهما كانت واضحة وجلية.
وبعد طول بحث ودراسة جاءتهم فكرة عبقرية !
وهي أن يكون هناك استفتاء سنويا يشترك فيه جميع المواطنين فيكتب كل واحد منهم على قطعة فخار اسم شخص يريد نفيه لمدة عشر سنوات خارج البلاد، فإذا ما تجمعت 6000 قطعة فخار تحمل نفس الاسم يتم نفيه، وإراحة البلاد والعباد منه ومن سلوكه غير المسؤول.
والمدهش أن هذه الطريقة أتت بنتائج مذهلة، وسجل التاريخ القديم أن أثينا نفت زعماء وقادة ورجالا كبارا بهذا الاسلوب!
وسجل أيضا أن أثينا لم تسقط إلا بعدما عبث من أرقتهم تلك الطريقة بالقوانين ، واسقطوا ذلك العقاب العبقري من لائحة العقوبات، فأمن اللصوص والدهماء وهدأ جنانهم، وشاع الفساد وضاعت أثيناّ
إن المجتمع السلبي.. مجتمع ميت، لا قوة فيه ولا فُتوة، يسهل التلاعب به، وتهميشه، والعبث بأمنه واستقراره، هو جنة للطغاة والجبارين، يقصده الخبثاء وعديمو الشرف، فيكون عقاب الله لساكني هذا المجتمع عسيرا، بأن يطلق فيهم يد هؤلاء، فيذيقونهم العذاب أشكالا وألوانا.
بينما المجتمع الإيجابي هو مجتمع صحي، يتحرك دائما ليلفظ خبثه، يزمجر ويهيج إذا علا فيه صوت الشر، ولا يهدأ إلا إذا دحره وأعياه.
مجتمع يدرك كل فرد فيه أن الخير يعم الجميع، وأن الشر يجتاح الجموع، فيبدأ كل فرد بنفسه فيقومها، ثم يتجه إلى أخيه فيشاركه المصير، فيقوم كل منهما صاحبه وينقده ويصحح له ما بدا منه من عيب أو خلل، وبتلك الروح الإيجابية ينعم الجميع، وتدب القوة والحياة في المجتمع.
وفي كتب التاريخ شواهدي.. فاقرءوها!
بقعة ضوء
نتيجة اللامبالاة تجاه القضايا العامة هو أن يحكمنا رجال سيئون".
- أفلاطون.
ضرائب القيادة
الطموح حق مشروع لجميع البشر، بشرط دفع تكاليفه!
والقيادة تداعب الجميع، ولكن من يؤدي ضرائبها..؟!
سهل جدا أن يستلقي الواحد منا على أريكته، ويرفع عقيرته عاليا وهو يؤكد انه قادر على تغيير العالم لو ملك زمامه، ويستطيع إصلاح المجتمع لو أطلقوا يده، ويمكنه بقليل من التدبر والحنكة فض الإشتباك القائم بين الدول والجماعات المختلفة، فقط لو يعطونه الفرصة!
كلنا نستطيع أن نمارس دور النقاد الذين يقومون بعمل(تشريح) لجثة الانجازات، مع إفتقاد أهلية معظمهم للقدرة التي تمكنهم من إتمام نصف أو حتى جزءا ضئيلا من العمل الذي أشبعوه نقدا وتقطيعا!
إن الرواد والقادة والرموز الحقيقيين، قبل أن يطلبوا المنصب، يكون لديهم قناعة تامة بقدرتهم على الوفاء بأي التزام سيفرضه هذا المنصب عليهم، واستعداد للتضحية قبل غيرهم من الأتباع ودفع التكاليف كاملة دون نقص بلا تردد.
يُروى أن الصحابة-رضوان الله عليهم- كان الواحد منهم يربط حجرا على بطنه أيام غزوة الخندق من شدة الجوع، فذهب بعضهم إلى القائد صلى الله عليه وسلم يشتكي، فابتسم صلى الله عليه وسلم وقال: هونوا عليكم.. انظروا وكشف بطنه صلى الله عليه وسلم فإذا به يربط حجرين على بطنه الضامرة من شدة الجوع !
فعاد الصحابة إلى أعمالهم وقد تأكدوا أن في المقدمة قائدا يحمل همهم قبل همه، ويقوم بأعباء مهمته خير قيام.
إن القائد يا صديقي، هو الذي يتحكم في الرسائل المرسلة إلى أتباعه، وهو قادر عبر سلوكه على بث الوهن أو الشجاعة في نفوس جنوده ومواليه.
والعظماء لم يصلوا إلى مراتب العظمة تلك إلا من خلال شجاعة بالغة، وروح ثابتة، وطبيعة مبادرة إيجابية، تضعهم دائما في المقدمة وتدفعهم إلى البذل واتخاذ القرارات الصعبة، التي لا يستطيع غيرهم اتخاذها.
يُروى عن الإسكندر الأكبر أنه عند مطاردته للملك (دارا) في الشام قد أنهكه وجنوده التعب، خاصة بعدما أمر جنوده باستكمال المطاردة لمدة أحد عشر يوما متواصلة فنقض الماء، حتى كاد العطش يفتك بهم، وفكر كثير منهم في النكوص وإعلان التمرد والعودة من حيثُ أتوا.
وبينما هم مرابطون يهمسون فيما بينهم بغلظة الإسكندر وكيف أنه يدفعهم إلى الموت عطشا وتعبا، وإذ بقافلة تمر عليهم وعندما علم من في القافلة أن الاسكندر وجيشه يشرفون على الموت عطشا، ذهب كبيرهم بقربة ماء إلى الاسكندر، وعندما رفع الاسكندر القربة، وجد أعناقا من حوله وقد تطاولت، وهي تنظر إلى الماء في شوق وحينها رد قربة الماء إلى الرجل دون أن يشرب منها قطرة قائلا: إنني لو شربت وحدي لانهارت معنويات جيشي.
ولم يكد الجنود يرون تصرف قائدهم، وقدرته على ضبط نفسه وشهامته التي منعته من إرواء عطشه دون جنوده، حتى هتفوا له جميعا، وطالبوه أن يزحف بهم إلى الأمام، وامتطوا خيولهم وهم يشتعلون حماسة وقوة، قائلين أنهم ما دام لديهم ملك كهذا فإنهم يتحدون الظمأ والتعب، وسيطيعون أوامره مهما كانت قوتها أو قسوتها.
وهذه من ضرائب القيادة التي لا يلقي لها كثير من الأدعياء بالا، أن القائد يشعر أنه ليس بمعزل عن هموم أتباعه، فيشقى قبل شقائهم ويعاني معهم، ولا يطالبهم بشيء لا يقوم هو به.
لقد ابتلانا الزمان برؤية زعماء يعيشون في بروج عاجية فأصيبت ممالكهم بالوهن والضعف، وخسروا ثقة أتباعهم ومن تحت إمرتهم وصار كلامهم وأفعالهم محل شك وريبة من الجميع!
والقائد الذي أعنيه ليس فقط رئيس دولة أو قائد حرب، إنه أي شخص سُير إلى قيادة جماعة سواء كان رئيس حزب، أو قائد كشافة أو أبا في منزله، أو مديرا في مصلحة حكومية ويأتمر بأوامره بضعة موظفين، أو حتى صاحب عمل خاص تحت يده القليل من الأشخاص.
القيادة هي القيادة، مرادف للمسؤولية والتضحية والعطاء، فمن يطلبها يجب أن يتأكد جيدا من قدرته على دفع تكاليفها.



سل نفسك قبل أن تتطلع لترقية وظيفية هل أنت ملائم لها؟
قبل أن تتزوج توقف قليلا لتتأكد من قدرتك على قيادة البيت والقيام بمهام زوجك وأبنائك على أفضل شكل.
فكر دائما قبل أن تقول (أنا لها) وتساءل..
هل أنت فعلا لها؟؟!
والخلاصة: إذا ما طلبت الزعامة، وتاقت نفسك إلى القيادة فاسأل نفسك عن قدرتك على دفع الضرائب، فإما أن تكون قادرا فتطلبها، وإما أن تقف على حدود قدراتك، وتعيش في الثوب الذي يصلح لك!
وتذكر دائما أن القائد رائد، ومكانه الطبيعي هو المقدمة.

بين هتاف المجد وبريق الشهرة
أسوأ ما يمكن أن يفعله شخص معني بمواجهة الجماهير، أن يضع صوب عينيه الشهرة والأضواء.
أن يطلبها، ويسعى إليها، ويركض في إثرها.
فيؤلف كتابا من أجل الشهرة، ويلقي كلمته أمام الجماهير من أجل الظهور، ويتصدر المحافل من أجل الأضواء وفلاشات الكاميرات.
إنه بهذا يكتب شهادة وفاته، ويوقعها بدم بارد..!
أما العظماء فليس أبدا سبيلهم، العظيم إذ يتصدر المجلس فإنما يتصدره بحثا عن مقارعة العقول، وغزوها بالحق والجمال والخير.
وعندما يُحني ظهره على الورق تكون غايته إجلاء ما أُشكل على العقل، وتبيان ما التبس على الفهم.
لا يبحث عن الأضواء، وإنما هي التي تبحث عنه.
هل تظن أن الأديب مصطفى صادق الرافعي كان تشغل باله صورته في أعين الناس وهو يكتب (وحي القلم)، أو اهتم المفكر سيد قطب بما يمكن أن يقوله معجبوه عندما يقرؤوه (في ظلال القرآن)، أو توقف الأستاذ عبد الوهاب المسيري كي يسأل نفسه عن ردود أفعال الناس على موسوعة (الصهيونية)؟
لا أظن.. فهؤلاء العظام يتحركون و فوق الرسالة التي يتبنونها يتفاعلون حسبما توجههم همومهم العامة، وضمائرهم.
يلقي الواحد منهم الكلمة ، فتطير من أقصى الأرض إلى أقصاها ويجلس الجموع ليفسروا لماذا قيلت، وكيف قيلت، وما المغزى من ورائها..!
ولذلك هم أحياء في عقولنا، حتى وإن اختلفنا معهم، أو عارضنا بعض أرائهم، فهم -شئنا أم أبينا- حاضرون بقوة رغم انقضاء آجالهم.
والفارق بين طالب الشهرة، وطالب المجد أن طالب الشهرة معه ترمومتر يقيس به مستوى الثناء الذي قيل في حقه، بينما طالب المجد لا يهمه مديح الناس له، فهو عارف لنفسه، واقف على حقيقتها، لا يغلب جهل الناس به، علمه بحقيقته.
إنه يعشق عمله ويخلص له، لذا يكون دائما أقرب للنجاح والرفعة بينما من ينكب على عمل بغية تصفيق وثناء فما أقربه إلى الزلل والسقوط!
دائما ما أكرر لنفسي، أن الشهرة ليس لها أمان، فهي –كما شبهها أحد الفلاسفة- كالنحلة، تعطينا شهدا مصفى جميل المذاق لكن لها أيضا في نفس الوقت، لدغ يُدمي، بيد أن أهم صفاتها أنها تملك جناحين، فما أسهل أن تطير بعيدا عنك، فتجد نفسك كي النسيان بعدما كان اسمك بين النجوم أو ربما أبعد!
يا أصدقائي كلنا يشتهي التصفيق، إنها نزعة إنسانية، تروي لدينا عطشا طبيعيا إلى إثبات الوجود، لكن ما أريد إخبارك به كي تنتبه إليه، ألا تبحث عن التصفيق، لا تنتظره، سيأتي إن عاجلا أو آجلا فقط اهتم بعملك، جوده أعطه من وجدانك وروحك، حتى لا تتوقف وتمل وتيأس إذا لم تجد مرد إنجازك في الحال.
كلنا يسمع عن الفيلسوف الألماني (شوبنهاور)، هذا الرجل أمضى حياته بين أطنان الكتب، ما بين البحث والتأليف، وإلقاء الدروس وتعليم الناس، والمدهش أنه طوال حياته كان مغمورا لا يعرفه أحد، خاصمته الشهرة حتى بلغ عامة السبعين، فإذا باسمه يطبق الآفاق ، وينهال عليه التمجيد والتكريم والثناء، الجميع يتحدث عن شوبنهاور، الكل يقرأ لشوبنهاور، الصحف تكتب عنه، النقاد يمجدون فكره وعمله.
حينها قال الرجل كلمة عميقة: بعد أن عشت عمري كله وحيدا منسيا بين الناس، جاءوا فجأة ليودعوني إلى قبري بالطبول!!!
لو كان هذا الرجل يهتم بأجل يهتم بأمر الشهرة ، ما صبر حتى بلغ هذا العمر وهو يؤلف ويكتب ويُخرج النظريات، دون أن يسمع عنه أحد!
مثال آخر!
الرسام العالمي (فان جوخ)، هل تعلم أنه عاش حياة فقيرة تعيسة لا يعرفه فيها أحد!!!
من المذهل أن آخر ما نطق به هذا الرجل وهو يموت، قوله لشقيقه في شفقة: لو أنك فقط استرددت حتى ثمن أدوات الرسم التي اشتريتها لي؟!!

وكان أخوه يعوله، ويشتري له ما يريد من الأدوات كي يرسم، وكان يعرض لوحاته في الأسواق، لكنها لم تكن تُباع بثمن يسد الجوع!
فلماذا لم يتوقف فان جوخ عن العمل والإبداع ما دامت الشهرة تخاصمه؟ لأنه لم يضعها نصب عينيه وهو يعمل يبدع ويتألق.
صديقي.. آمل أن تعي مرادي، وهو أن الشهرة ليست شرا خالصا لكنها إذا كانت هدفا في حد ذاتها وغاية، كانت هي الشر بعينه.
لن تسمح لك بالعمل أو الإنتاج أو الإبداع، وستصاب سريعا بالإحباط والتذمر كلما تأخر عنك ثناء أو مديح.
الحل هو حب العمل، والشعور بقوة إبداعه، وفكرك، وفنك، وأدائك.
واليقين بأن الله لن يضيع اجر عامل أتقن عمله وأحسنه.

بقعة ضوء

"مهما طبقت شهرتك الآفاق فسوف تجد في هذا الأفق أو ذاك رجلا لم يسمع بك قط".
– محمد عفيفي








اهرب من الفقر ما استطعت
ليس العوز ولا الفاقة ولا نقص المال ما أقصده بالفقر فهذا مما نهرب منه دون نصيحة أو توجيه، وإنما فقر الثقافة والمعرفة ما أقصده.
لا تكن قنوعا أبدا بالبسيط منها، ولا تكسل عن زيادة رصيدك من المعلومات، فتش في بطون الكتب والمجلدات والصحف وشبكات الإنترنت، عما يزيد من معلوماتك، وبالتالي من حجم أفكارك وفهمك ووعيك.
بعض الناس لا يهتم أبدا بتنمية وتطوير ما لديه، أراه دائما محصورا في منطقة ضيقة، لا تتسع أفكاره ولا أفق لحوار مبدع فبناؤه الفكري لا يسمح بذلك.
وأنَى له أن يماشي تطور الحياة من حوله أو يتجاوب مع الآخرين وثقافته كلها مستقاة من أحاديث المقاهي، ودردشات الأطفال، ولم ير يوما وفي يده كتاب، أو يضبط نفسه ذات يوم وهو يفكر!
ومثل هذا الشخص يذكرني كثيرا بذلك الطالب الذي دخل الامتحان ولديه معلومات جيدة عن الثعابين لكنه يفتقر إلى أي معلومة عن أي شيء آخر في المنهج!
وفي الامتحان جاءه السؤال عن الفيل، وطلب منه أن يعرفه تعريفا مفصلا.
ففكر حتى أتعبه التفكير، ثم قال محاولا المراوغة: الفيل حيوان كبير لديه خرطوم طويل يشبه إلى حد كبير الثعبان والثعبان هو.............، ثم أخذ في كتابة كل ما يعرفه عن الثعابين.. وبالتفصيل!!
هذا الطالب المسكين، يطبق نفس نظرية الفقراء الذين أقصدهم يمتلك أحدهم فكرة أو معلومة حول أمر ما فيكتفي بها، ولا يحاول زيادة رصيده من المعلومات أو الأفكار فيتشكل وعيه وأفقه في مساحة ضيقة بسيطة.
للأسف يتعبني كثيرا وأنا أتناقش مع شخص ما أن أجده محصورا في بقعة واحدة لايبرحها، أفقه ضيق جدا لا يستطيع استيعاب أي مساحة جديدة، لا يقبل بالنقد أبدا، ولا يرى فيه سوى أنه تعد تعدٍ على ذاته واتهام موجه له بالجهل وعدم المعرفة، يتعصب لرأيه ويعلو صوته في توتر وهو يؤكد أنه على حق، يدفعك إلى الحديث معه فقط في المساحة التي يتقن الجدال والحوار فيها.
أما أنت يا صديقي، فلا يجب أن تقع في هذا الفخ، ونجاتك منه إنما أن تكون بالمعرفة والثقافة والتأمل.
عندما تقرأ فأنت تمضي بدأب فوق صفحة عقلك لتحفر فيها تجارب وأفكارا وأطروحات ترفعك فوق مستوى البشر العاديين.
عندما تجلس بين يدي العظماء والعلماء، فأنت تضيف لأيام عمرك أياما أخوى وترفع من مستوى استيعابك وقدراتك.
عندما تتأمل في حال البشر، وتدقق في فلسفة القضاء والقدر وتفكر في حكمة الله بخصوص الرزق والحرمان والرفع والخفض فإنك تلمس بأناملك أجزاءا رائعة من الحقيقة، وترتقي إلى مستوى رفيع من الفهم والاستيعاب للحياة.
يقال أن الشخص المثقف هو الذي يعرف شيئا عن كل شيء وكل شيء عن شيء، هذه إحدى تعريفات الشخص المثقف الواعي المنفتح.
وهذا ما يجب أن تفعله يا صاحبي، وأنصحك به بشدة، أن تقرأ في كل شيء.. كل شيء.
أعط 50% من بحثك الثقافي وقراءتك ومغرفتك للشيء الذي تريد التخصص فيه، و 50% للأشياء الأخرى، عندما تفتح الجريدة مرر عينيك على الصفحة الثقافية، والرياضية والعلمية والفنية، والسياسية.
بشكل أو بآخر، كل معلومة- مهما كانت تافهة أو غير مهمة- ستفيدك وتنفعك وسيأتي أوان الاستفادة منها في وقت ما.
وفي الأخير لك مني إشارة تنبيه
لا تكن كمن يقرأ أي شيء دون خطة.. وإياك في المقابل أن تكون كمن يقرأ في شيء واحد دون رؤية شاملة وعمل على بناء ثقافة بشكل متسع!
فكلاهما- صاحب الثقافة الضيقة وصاحب الثقافة المشتتة- لا يصنع لنفسه ولا لأمته مجدا أو تاريخا.
والخلاصة: تخصص في شيء واقرأ في كل شيء..!
كيمياء الوهم ..!
في حالات الانكسارات النفسية يكون المرء فريسة سهلة للجهل والدجل والشعوذة.
حتى الدول والمجتمعات، حينما تلحق بها الهزائم- خاصة بعد عز وأنفة- تكون تربة خصبة للخرافة، ولديها قبول سريع للوقوع في دائرة النصب والاحتيال، وميل مدهش للانصياع لأي محتال يُحسن عرض بضاعته!!
تحكي كتب التاريخ أن مدينة البندقية- كانت أغنى وأشهر المدن الأوروبية في العصور الوسطى، وذلك نظراً لاحتكارها العملي للتجارة مع الشرق، وكانت حكومتها عادلة ونظيفة، مما جعل من هذه المدينة ليس فقط الأغنى، ولكن الأكثر تمتعاً بالحرية والعدل.
وظن أهل البندقية أن حالة الرخاء هذه ستدوم إلى الأبد، وأن السماء قد اصطفتهم من دون كل مدن الأرض، فحبتهم بالخير والرزق الوفير!
لكن القدر خبأ لهم ما لم يتوقعوه، حيث تحولت التجارة إلى أسبانيا والبرتغال، ثم إلى هولندا وإنجلترا، فأخذت مفاتيح القوة تتساقط من يد البندقية ، وفقدت رويدا رويدا سلطتها الاقتصادية إلى أن كانت الطامة الكبرى في خسارتها لأحد أهم مراكز قوتها (جزيرة قبرص)، والتي انتزعها الأتراك من البنادقة، وذلك في نهاية القرن الخامس عشر.
وهنا أفلست الأسر الغنية، وخيمت على الجميع سُحُب الفقر التي لم يعتدها البنادقة، ونظر الجميع إلى الماضي المنصرم نظرة حسرة وألم، وبلغ منهم التشاؤم مبلغا بعيداً.
وفي عام 1589 ميلادية، تنامى إلى أسماع الناس نبأ رجل يدعى (إل براغادينو)، ذلك الرجل الغامض المثير للدهشة، الذي درس الكيمياء وتوصَل إلى طريقة تمكنه من مضاعفة الذهب عن طريق المادة السحرية التي ابتكرها بنفسه، وضاعف بها- حسب ما يتناقل الناس- ثروته!!.
وطارت الأخبار عن قدرة هذا الرجل في إعادة البندقية إلى مجدها وذلك بواسطة مادته السحرية القادرة على تحويل أي معدن رخيص إلى ذهب خالص!، ثم مضاعفة هذا الذهب مرات ومرات! وبالفعل ذهب بعض نبلاء البندقية إلى قصره، واستأذنوا عليه، وسمع لهم (إل براغادينو) بدخول قصره المليء بقطع الذهب، والتحف القادرة على خطف الألباب.
وأخذ بغطرسة وعدم مبالاة بعض قطع الحديد، ووضعها في يده ثم فتحها ثانية ليخرج منها مسحوق من الذهب البراق ووزعه عليهم ببساطة وكبرياء كتذكار!..
وعندها طلبوا منه أن يستقر في البندقية ويقوم بمساعدتهم بطرقه المدهشة وعلمه الخارق، كي تعود للمدينة قوتها وسطوتها اعتذر لهم بأن لديه عروضاً من ممالك أخرى، والأمر يحتاج إلى وقت من التفكير، وأنه في حيرة من أمره، لكنه سيضع في اعتباره البندقية وهو يقرر ويختار!!.
وخلال فترة التفكير كانت الأخبار تصل إلى نبلاء البندقية عن العروض التي يتلقاها (إل براغادينو)، وعن الحفلات الكبيرة التي ينظمها، والتي يتباهى فيها بتحويل الأشياء التافهة إلى ذهب أصفر براق. وهنا قرر أهل البندقية أن يقدموا الغالي والنفيس إلى ذلك الرجل الساحر، فذهب وفد من نبلائهم إليه، ووعدوه بأن يقدموا بكل ما يأمرهم به، وأنهم سيُعطونه ميزانية مفتوحة، ليفعل ما يريد!!.
وفي أواخر العام نفسه وصل(إل براغادينو) إلى البندقية ومعه كلبان ضخمان للحراسة، أحاطاه بالرهبة، خاصة مع منظره المهيب بعينيه الداكنتين، ونظراته الثاقبة الحادة، وحاجبيه الكثيفين.
وأسكنته حكومة البندقية في أفخم قصورها، والذي يطل على جزيرة غويديكا، حيث الطبيعة الساحرة.
وبدأت حفلات البذخ والولائم العامرة، والتبذير الشديد، والحكومة تموَل نزوات الرجل المتعددة مهما كان غلوَها.
أما في شوارع وحواري البندقية، فقد بدأ الناس في الانشغال بالكيمياء، حيث محلات متخصصة لبيع أدوات التقطير والأنابيب الدقيقة، والفحم، وبعض المواد الكيميائية، وعاشت البندقية في شغف بالكيمياء، بانتظار الرجل الساحر كي يعيد لهم المجد ويعلَمهم أصول الثروة السريعة.
لم يبدأ (إل براغادينو) في عمل أي شيء من أجل صنع الذهب وإنقاذ البندقية من الخراب، بالعكس استمر في حياته اللاهية العابثة والمدهش أن شعبية الرجل أحذت في الازدياد.. والازدياد!!.
وجاءته الهدايا من كل أوروبا، وحجَ إليه الكثير من نبلائها، بالرغم من أنه –وهذا هو المدهش- لم يعط مؤشرا واحداً على قُدرته الخارقة لكن أحاديث البشر وكلامهم في المنتديات والمجالس كان يضيف على سمعته من الرهبة والسحر الشيء الكثير، وهو ما كان يحتاجه بالضبط ذلك الكيميائي الغامض!.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية، بدأ الناس في القلق، وأخذوا في الشكوى والتمرد، لكن مجلس الشيوخ، أخذ يحذرهم من أن الرجل نافد الصبر، و أن مداهنته هي السبيل الوحيد لجني الأرباح!!.
وصبر القوم لأشهر أخرى، حتى بدأ النبلاء أنفسهم في التمرد خاصة مع الأموال الكثيرة المطالبون بضخها من أجل الإنفاق على الكيميائي!!.
وعندما علم (إل براغادينو)، بما يدور في المجالس، لم يقلق أو يثور إنما بادل الشكاكين في قدرته بالاحتقار، وقال كأنه يفشي سره الكبير على أطفال سذج: لقد أودعت في بيت مال المدينة المادة الغامضة التي تضاعف الذهب مرة واحدة فحسب، وهذا ما لم ينقذ البلاد من الأزمة التي تجتاحها، لأنه من طبيعة المادة أنها تزداد فعالية ومضاعفة للذهب كلما كان الأمر أكثر بطئاً!، فإنهم يجب أن ينتظروا سبع سنوات كمدة مثالية لمضاعفة الثروة بشكل سيجعل أهل البندقية لا يخافون من الأيام أبداً!!!.
ووافق مجلس الشيوخ على الإنتظار!، لكن الناس ومعهم النبلاء ترددوا في الانتظار سبع سنوات عجاف أخرى، وطالبوا ببرهان، أو أي زيادة-ولو طفيفة- للذهب الموجود في خزانة الدولة كي تطمئن بها قلوبهم الجزعة.
لكن (إل براغادينو) بالغ في عجرفته، حانقاً على الشعب الذي كرس موهبته كلها في خدمته، لكنهم خانوه بفقدانهم للصبر وتشكيكهم في مقدرته التي لا ينكرها إلا السفهاء!!.
وعقاباً لهم ترك الرجل مدينة البندقية، متجهاً إلى مدينة (ميونخ) بدعوة من دوق (بافاريه)ذلك الرجل فاحش الثراء، والذي خسر ثروته نتيجة لإسرافه وبذخه الشديد وأدخل البلاد في دوامة من الديون ويحتاج وبشدة إلى الكيميائي كي يعيد له ثروته.
وفي ميونخ جلس ( إل براغادينو)، ممتعاً بحياته، وتكرر النمط نفسه معه!!.
هل رأيتم يا أصدقائي كيف تمضي الأمور حينما نهرب من الطريق الحقيقي للنجاح والمجد، ونذهب إلى أصحاب الحيل ليصنعوا لنا ما يجب أن نصنعه بأيدينا، في محاولة غبية لامتلاك المجد والنجاح مضافاً إليه الكسل والراحة، بدلاً من أن يعيد أهل البندقية النظر في أسباب الخسارة والإخفاق، أرادوا أن يأتوا بمن ينفخ في الذهب من روحه، فتلد لهم السبيكةُ سبيكةً أخرى، وتتزاوج الدراهم، فتتناسل بالعشرات والمئات!.
كثير منا قد يضحك على أهل البندقية، ولا يدرك أن بيننا ألف ( إل براغادينو ) يمرحون ويتحايلون، ويجنون الثروات، في غفلة منا.
نعم .. حولنا كثير من المحتالين الذين يوهموننا بصنع العجائب وتخليصنا من الأحزان والمصائب، وتقديم النجاح لنا سهلا معلبا على طبق من فضة.
نادراً ما يظن المرء منا في نفسه ظناً سيئاً، قليل منا من يرى بأن مشاكله تنبع من سلوكه وأفكاره وقناعاته، الفشل واللوم، يجب أن يُلقى على شخص أو ظرف ما، شيء في العالم الخارجي هو الذي يجب أن توجَه له أصابع الاتهام، أما نحن فالبراءة تحملنا على جناحيها وذكاؤنا ونباهتنا ليسوا بحاجة لإثبات.
وأكاد أجزم أن ( إل براغادينو) لو كان يحمل حقيبة بها مئات الأوراق والنظريات الاقتصادية، و بها الحلول المنطقية المعقولة لأزمة البندقية ما استمع إليه أحد أو أعطاه أذناً مصغية.
ذلك لأن الحل لن يخرج عن التفكير المستمر، والعمل المضني والتعب الشاق.
كان سيتخلص في معادلة واحدة، وهو أن يتعب الأبناء كما تعب الأجداد، كي تعود البندقية أروع وأجمل مما كانت، وهذا آخر شيء يريد مثل هؤلاء الاستماع إليه.
والمؤسف أن هذا لا يزال موجوداً حتى اليوم..
وبحكم كتاباتي في مجال التنمية وتطوير الشخصية، ومشاركتي للشباب همومهم وتطلعاتهم، فإنني أواجه كل يوم سؤالاً من شاب يسألني عن طريق النجاح السهل السريع، لايريد أن يسمع كلاماً عن الدراسة، والتحصيل، والركض بالسيرة الذاتية هنا وهناك.
لا يحتمل حديثاً عن التدريب، والعمل نهاراً والدراسة ليلاً، والقراءة باستمرار ودأب، ويقول بأنه يريد الحلول السحرية، يريد النصائح العشر والمفاتيح السبع، والخطوات الخمس للسعادة والنجاح!!
بشرط ألا يحتوي واحد منهم على كلمات مثل: (تحمّل، صابر حاول مجدداً، لا تيأس).
لا يريدني أن أحثه على بذل المزيد من العرق، وطرق أبواب أخرى والتعامل مع تجارب الحياة بمرونة واتساع أفق.
ببساطة يريد مني أن أكون (إل براغادينو) آخر!!.
أحدثه عما يريد أن يسمعه ويرفع من حماسته الموهومة، وهذا ما لا يصح مع أمة كان تعريفه المؤمن فيها –حسب قول رسولها- كَيس فَطِن، أي ذكي لا يتلاعب به أحد.
وإلى أن نكون كما أراد الحبيب، فلنسمح بعائلة ( إل براغادينو) أن يمرحوا بيننا قليلا !!..

بقعة ضوء
قد تخدع كل الناس بعض الوقت، وقد تخدع بعض الناس كل الوقت... وهذا أكثر من كافي لتحقيق معظم أغراضك...!!!!



معنى أن ينحني العالم إحتراما لك !
القدر هو الذي وضع اللبنة الأولى في تاريخ هذا الرجل.. !
فلم يكن محمد يريد أكثر من ممارسة رياضته الممتعة (كورة السلة)، قبل أن تلتقطه عين أحد المدربين المهتمين بلعبة الجودو ويعجب بقوامه الرياضي ويطلب منه الانضمام إلى الفريق الذي يدرّبه.
وعلى الرغم من أن طموح هذا الفتى الحيي كن كبيراً، إلا أن القدَرَ هو الذي أكمل الفصل الأول في روايته، فلقد شاهده أحد خبراء لعبة الجودو اليابانيين، الذين يجوبون الربوع والأندية من أجل التقاط المواهب التي يمكنها الفوز بالبطولات.
وعليه أنضم محمد إلى المدرب الياباني (ياما موتو) الذي صنع منه بطلاً مصرياً في لعبة الجودو، وجاءت الخطوة التالية للاشتراك في البطولات العالمية.
سافر محمد إلى فرنسا ليلعب بطولة العالم في الجودو، كان الأمر غريباً ومثيراً، فالأضواء والصحف والكاميرات، كانت شيئاً مدهشاً بالنسبة له، ووجد نفسه أمام أبطال العالم في اللعبة،والذين لم تكن تتعدى صلته بهم أكثر من مشاهدتهم في التلفاز أو سماع قصصهم والانبهار بها!.
وأمام هذا الجوّ المدهش والغريب، فَقَد محمد تركيزه وخسر أولى مبارياته في البطولة، ثم كانت المباراة الثانية أمام أحد اللاعبين الكوريين أصحاب الشهرة الكبيرة، والمصنف في المركز الثالث كأفضل لاعب في العالم، كانت المباراة شبه محسومة للاعب الكوري، الذي استخفّ باللاعب المصري، ونظر له بسخرية وتهكم.
لم ترق هذه الابتسامة للشاب العربي، وقرر حينها أن يذيق هذا المغرور درساً قاسياً، وكانت الضربة القاضية هي الفيصل، والتي أهدت محمد أول فوز له في البطولة، والأهم أنها أعطته شحنة معنوية هائلة، وطموحاً مشروعاً بأن يكون بطلاً عالمياً.
وبدأت رحلة محمد نحو البطولات، فسافر إلى ألمانيا في معسكر مغلق، ثم سافر للاشتراك في بطولة العالم العسكرية ليحصل على الميدالية البرونزية، لتكون أول ميدالية عالمية في حياته.
بعدها سافر إلى البرازيل ليحصل على الميدالية البرونزية أيضاً في بطولة العالم، وذهبيتين في بطولة أفريقيا في السنغال.
ليصبح محمداً بطلاً مصرياً ذائع الصيت... وهذا ما استوجب عليه أن يدفع ضرائب هذا النجاح المدهش!.
والضربة الأولى أن سقف التوقعات والمطالب قد زاد، سواء من محبي محمد، أو من ذاته نفسها.
كانت أوليمبياد لوس أنجلوس على الأبواب، حيث الفرصة الكبيرة والنادرة لاقتناص ميدالية ذهبية، يُخلّد بها اسم هذا البطل وتضعه في سجل الأبطال.
وبدأ محمد في شحذ همته، واستعد لهذه البطولة بكامل تركيزه ووعيه، ووضع نفسه تحت تصرف مدربيه، وعاش في معسكر مغلق لمدة ثلاثة أشهر، حيث التدريب القاسي، والتركيز التام، والتأهيل البدني والنفسي الشديدين.
وبدأت البطولة’ وبدأ معها الانتصارات..
ووصل محمد إلى المباراة النهائية، ونامت مصر ليلة المباراة وتجّهزت لتستيقظ على نبأ فوز بطلها بالميدالية الذهبية، وكتابة تاريخ مصري في أحد الألعاب الرياضية.
لكن المفاجأة المدهشة أن الصحف جاءتهم بخبر محزن، وهو خسارة بطلهم المحبوب للميدالية الذهبية، وعودته كوصيف للبطل.
إلى هنا.. القصة ليس لها أي جوانب مدهشة.. لكن دعونا نقترب أكثر لنرى كيف خسر بطلنا المباراة، وأدهش العالم!.
كانت المباراة النهائية أمام بطل العالم اللاعب الياباني (ياما شتا)، وفي بداية المباراة – والتي بدأها محمد بتركيز وتصميم كبيرين- أصيب اللاعب الياباني في قدمه اليمنى، وأصبح لدى محمد ثغرة لإرداء غريمه الأرض، والفوز عليه.
المدهش أن محمد لم يوجه أي ضربات للقدم المصابة، بل تراجع أداؤه وبدا وكأنه فقد شهيته للفوز!.
ذهب إليه مدربه ليأمره بأن يوجه لخصمه الضربات في القدم المصابة، لكن محمد ابتسم وقال له (ديني يمنعني من ذلك)!.
سقط مبتسماَ، وهنأ غريمه ورفع الميدالية الفضية وابتسامته الطفولية لا تفارقه.
أعطى محمد للعالم في تلك اللحظة أحد أروع وأبلغ الدروس وهو أن الحياة بها ما هو أهم من الفوز في مباراة رياضية.
وأن حلمه الرياضي، وسنوات التدريب، واللحظات التي اشتاق فيها لرفع الميدالية الذهبية، لا معنى لها إذا لم تأت بطرقها الشريفة المشروعة.
قيل له وقتها: التاريخ لا يتذكر سوى الأبطال وأصحاب الميداليات الذهبية فقط.. لكنه لم يُبد ندماَ على فعلته، فالشرف والكبرياء هما تاريخ المرء الحقيقي، الذي يحق له أن يفخر بهما ويتذكرهما.
قيل له: لن يلومك أحد لو وجّهت لخصمك ضربة أو أكثر إلى قدمه المصابة.. الكل يفعل ذلك، لكنه لم يردّ سوى بابتسامته الوديعة مذكراً نفسه أن العظماء يلومون أنفسهم لوماً قاسياً عنيفاً يغنيهم عن أي لوم قد يأتي من الآخرين.
ولأن الموقف كان أكبر من استيعاب العالم.. كانت ردة الفعل أيضا على هذا الموقف غير عادية.
فلقد أصدرت منظمة اليونسكو في يوم المباراة بيناً أشادت فيه بالبطل الخلوق محمد رشوان، ومنحته جائزة اللعب النظيف عام 1985، وفاز بجائزة أحسن خلق رياضي في العالم من اللجنة الأولمبية الدولية للعدل، واستقبله الرئيس المصري استقبالاً يليق بالرموز والعظماء، وقلده أرفع الأوسمة، وأشاد بخلقه الرياضي، وأصرّ الشعب الياباني على تكريمه في طوكيو، فسافر رشوان وفي ظنه أن التكريم سيكون تقليدياً رسمياً، إلا أنه فوجئ بعشرات الآلاف وقد خرجوا لاستقباله مابين رجال سياسة وإعلاميين وأبطال رياضيين بالإضافة –وهذا الأهم- إلى الآلاف من المواطنين اليابانيين من عامة الشعب، الذين أحبوا محمد.




كما حصل على شهادة امتياز خاصة لأحسن خلق رياضي لعام 1984، وجاء ضمن أفضل ستة لاعبين في العالم 1984، واختارته مجلة (الأيكيب) الرياضية كثاني أحسن رياضي في العالم في الخلق الرياضي.
وعندما سُئل بطلنا (محمد رشوان) عن الدافع لأن يخسر مباراة هامة كتلك، رغم سهولتها قال ببساطة:
لأن ديني يمنعني من ذلك.
وكان لهذه الجملة عامل السحر، حيث بدأ مئات الآلاف من الشعب الياباني –والمعروف بتقديره الكبير للمبادئ والقيم- في البحث عن هذا الدين الذي يحث أبناءه على إعلاء القيم السامية والحرص على ارتداء لباس الشرف والخلق الرفيع، وأعلن الآلاف من الشعب الياباني إسلامه بسبب هذا البطل النادر.
تُرى كم منا لو كان مكان بطلنا هذا، كان سيوجه أولى ضرباته ناحية القدم المصابة؟.
والسؤال الأخطر.. كم واحد منا يوجّه كل يوم، كل ساعة، ضربات –ينقصها الشرف والعفة- إلى الحياة وروادها.
سؤال مؤلم لي.. وربما لك..!



إنها القوانين

يروى أن كان هناك حصانان يحملان حمولتين، فكان الحصان الأمامي يمشي بهمة ونشاط، أما الحصان الخلفي فكان كسولا جدا بدأ الرجال يكدسون حمولة الحمار الخلفي –الكسول- على ظهر الحمار الأمامي –النشيط- وبعد أن نقلوا الحمولة كلها، وجد الحصان الخلفي أن الأمر جد جميل، وأنه قد فاز وربح بتكاسله، وبلغت به النشوة أن قال للحصان الأمامي: اكدح واعرق!، ولن يزيدك نشاطك إلا تعباً ونصباً!!.
وعندما وصلوا إلى مبتغاهم، قال صاحب الحصانين، ولماذا أُطعم الحصانين، بينما أنقل حمولتي على حصان واحد، ومن الأفضل أن أعطي الطعام كله إلى الحصان النشيط، وأذبح الحصان الآخر، وسأستفيد من جلده على الأقل!، وهكذا فعلها.
ظن هذا الحصان الذكي-وبعض الذكاء مهلكة!- أن الحياة تؤخذ بالحيلة، وأن الأرباح تقسم على الجميع سواسية، المجتهد منهم والكسول..
والمدهش أن هذه القصة تتكرر كثيرا في الحياة، يظن المرء في ظل وضع فاسد أن الحياة يملكها أصحاب الحيل ، وأن الدهماء هم الذين يضعون قوانين اللعبة !
كثير من التعساء لا يدركون أن للحياة قوانين لا تحيد ، حتى وإن غامت قليلا لظروف ما ، تماما كما غامت أمام الحصان الكسول فغررت به .
ولعل من حسن طالعنا أن القران أخبرنا أن هناك ثمة قانون في الحياة يدعى قانون العمل ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) بوضوح غير قابل للتشويش الله جل اسمه يعطينا خلاصة قانون هام من قوانين الحياة وهو العمل ، والجد والاجتهاد .. واللذان سيتم تقيمهما في الآخرة ، فضلا عن الدنيا .




قانون السبب والنتيجة والفعل ورد الفعل ، وكذلك قانون ( الكارما ) في الثقافة الهندية ، كلها تؤكد على أن الأعمال تفرز نتائج معروفة وواضحة ، وأن للحياة قواعد تسري على الكبير والصغير .
هل حزنت مثلي عندما وجدت أن هناك من هم أقل منك وفازوا وأغبى منك وربحوا ، وأصغر منك ونالوا من الحياة قسطا أكبر مما نلته ؟!
لا تحزن .. فالله لا يظلم مثقال ذرة ، اعمل واكدح وقدم ما تستحق عليه المكافأة في اخر الطريق ، ولا تتذمر فربما قدم هذا الشخص أو ذاك مايستحق أن ينال ماتراه فيه من نعمة ، أو ربما يساق دون أن يدري إلى خاتمته ، وقد ذبح وسلخ كصاحبنا الحصان .



دروس لم نتعلمها في المدرسة
ياصديقي ..
1- ليس كل ما يلمع ذهبا ، ولا معظم من يبتسم سعيدا ، ولا غالب من يدعوا لك يؤمن قلبه على دعواه .
2- لا يصعقك الموقف .. إذا ما أخلصت نيتك لعمل شئ مفيد ونافع ووجدت أن الألسنة وربما الأيدي قد طالتك بالسوء من الأقوال والزور من الصفات ، وشككت في عملك وجهدك وربما نواياك ..
فما من رسول إلا وذاق من كأس الجفاء والقسوة ، وما من مصلح إلا وعانى وتألم ، ولم أطالع في سيرة صالح من الصالحين أن رجلا قد أجمعت على محبته البشر ، مهما كانت تقواه .
3- في الحياة ستقف كثيرا في حيرة ، وقد وضعت مبادئك في كفة ومكاسب يسيل لها لعاب أي كائن بشري في كفة ، وكنت أنت صاحب القرار .
فكر مليا قبل أن تختار ، وصدقني ستحتاج إلى قنطار توفيق وقنطار من الدعوات الصادقة ، وألف ألف قنطار من الثبات واليقين .
4- كل البشر صالحين أمناء شرفاء مالم يختبروا ، فإذا ما وضعو في الامتحان بان الصالح والطالح ، وظهر الصادق والمدعي .. أقول كل البشر بما فيهم أنا وأنت ، وهو وهي ، فادعوا الله معي أن يرزقنا الثبات وقت الامتحان .
5- لا تندم على خير فعلته ولم تجد له صدى على ألسنة الناس ، أو تتألم من قولة صدق فتحت عليك باب المشاكل ، فالله لا ينسى وإن نسى الناس أو تناسوا ، ولا يضيع الأجر لأن الناس أضاعوه ، كل معروف فعلته ، موجود لديه سبحانه في صندوق الحسنات مؤمن عليه ، لا يستطيع أحد أن يسرقه ، أو يسفهه ، أو ينتقص منه ، اطمئن وافعل الخير ، ولا يحزنك قول جاحد أو سفيه .
6- قد ينقدك الناس لعدم فهمهم لما تقول وليس انتقاصا منك ومن شخصك ، فاملأ قلبك بالسماحة والهدوء واسكب ماء مثلجا على روحك كي تبرد ولا تشتعل ، ووضح رأيك مره ثانية وثالثة وعاشرة ولا تتكبر على أحد .
7- من الممكن أن تشتري وجبة سريعة تسد بها جوع بطنك ، لكنها لن تفيد جسمك أو ذهنك ، ذلك أنها تفتقر إلى القيمة الغذائية الصحيحة ، وكذلك النجاح السريع السهل ، الذي قد تناله ببعض الحظ ، أو حسن عرضك للقليل الذي تملكه ، ستفرح به ساعة أو أكثر لكنه لن يكون لبنة صالحة في سجل إنجازاتك .
8- يقولون أننا في زمن الدعاية والتسويق ، ويؤكدون على أنك ستخسر كثيرا إن لم تتقن هذين الفنين ، وهو أمر مشاهد وبشدة في أيامنا هذه .
لكن الخطر في أن تكون الدعاية للشئ اكبر من الشي نفسه ..! أن يصبح الكلام عن العمل أعلى قامة من العمل ذاته ..
فالأيام قادرة على تعرية الأشياء ، ومحو البريق الزائف الذي يحيطها وحينها لن تفيدك الدعاية ، ولن يمد لك التسويق يد العون .
9- أفصح الألسنة هو لسان الانجاز ، لا تتحدث كثيرا عن نفسك دع أفعالك العظيمة تتحدث عنك، وتنافح عن سيرتك وسمعتك وتصول وتجول كي تلفت نظر العالم لك ولعظمتك ، فقط تحتاج إلى أن تعمل كثيرا ، وتخلص كثيرا ، وتبذل العرق والجهد ببذخ وإسراف بعدها اصمت تماما ، ودع عملك هو المتحدث الرسمي باسمك ، فهو أفصح لسانا من مئات الخطب الرنانة .
10- اكتب مبادئك بقلم جاف ، حيث الرسوخ والثبات والوضوح ، واكتب ارائك بقلم رصاص ، حيث التعديل والتصحيح والمراجعة .
واحترم ممحاة الرأي الاخر ،وأفسح لها المجال لتمحوا آراء كنت تتبناها إذا ماثبت لك زيفها أو خطئها يوما ما .
واعلم أن أسوء ما يمكن أن تفعله أن تعكس هذه المعادلة ، فتكون مبادئك رخوة هشة ، تمحى وتكتب مابين يوم وليلة ، أو تكون آرائك صلبة ثابتة ، فلا تحتمل التعديل أو التغيير مهما بدا لك خطئها .
11- الشيطان لا يحمل شوكة ، وليس ذيل أو قرنين ، وإلا لما صدقه أحد وهو بتلك الهيئة المضحكة ، الشيطان يأتينا بأبهى حلة ، وبوجه حسن وضاء ، يسحبنا إلى مقصده بعذب الكلمات ، وبمنطق يخيل على الكثيرين .
قد يأتينا في صورة صديق أو حبيب ، والكارثة أن تكتشف بعد فوات الأوان أنه يرتدي آخر قناع كنا نتوقع أنه يسكن خلفه .
12- ضع البيض كله في سلة واحدة .. وانتبه لها جيدا .. دعك من نظرية وضع البيض في سلال مختلفة . فصاحب ( بالين ) كما أخبرتني أمي ليس بصادق .
13- من حقائق الحياة المؤلمة للكسولين أن المرء لايحصل على ما يريده ، وإنما على مايستحقه .
14- البعض يسحق الفراشة بكفيه بدلاً من صيدها بطرف أنامله! يرى بأن القوة والعنفوان، والشدة، هي دليل جديته..
خطأ في التقدير، غباء في التدبير .
15- لا تحب اكثر من اللازم، كي لا تتألم اكثر مما تحتمل، فكل شي يجب ان يكون بمقداره الصحيح، حتى المشاعر والاحاسيس، حتى الحب والكره ضح كل شيء في مكانه الملائم، والأهم بمقداره الدقيق.
16- الله -عز وجل- يقول: (بَلِ الإنسان عَلى نَفْسِـهِ بَصيرَة وَلَو أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، مهما كانت معاذيرك، ومبرراتك، إلا أنك أكثر شخص على وجه الأرض تستطيع قراءة نفسك، والتفتيش بداخلك، والتعامل مع نزواتك وشطحاتك، الإرادة العلياء لم تظلمك، لم تعطك عقلاً أصغر من فهم حدودك الشخصية..
17- كل بلائنا نابع من الجهل، نعصي الله لجهلنا بعظمته، نتعثر في الحياة لجهلنا بقوانينها، نخسر من نحبهم ويحبوننا لجهلنا بطبيعتهم أو طبيعتنا ! .. قاتل الله الجهل.

وفي الأخير.. لقد انتصرنا
لا زلت قادراً على التذكر رغم مرور عقود على هذا المشهد..
ابن الخامسة كنت آنذاك أغدو بين أطنان الكتب، أعظم ما تركه جدي لأبي الشيخ هلال الشاذلي رحمه الله..
سطح منزلنا تغطية أجولة الكتب والمجلدات، ميراث كامل من المعرفة تركها المربي العجوز قبل أن يرحل، لم أكن حينها أعي جدوى هذه الأكوام من الورق، لكنني ولسبب لا أعلمه.. عشقتها.. !
وذات يوم بينما أجلس في حديقة منزلنا، جاءني صوت جدتي العجوز وهي تلقي أوامرها بالتخلص من أكوام (القمامة) أعلى السطح، كي يتسنى لها تربية الدجاج في مكان متسع!
وخلال أيام كان الفرمان قيد التنفيذ، وإرتفع لهب آلاف الكتب والمجلدات، في مشهد لم أستوعب قسوته إلا وأنا في الثالثة عشرةمن عمري..
طالب متعثر في دراسته -كنت حينها- يعشق القراءة، ويحب الكتب، ويجب أن يتم اتخاذ قرار جريء ضده كي يهتم بدراسته أكثر..
و كان الفرمان جاهزاً..
كتبي جميعها تم جمعها في حديقة منزلنا , وبعود ثقاب واحد تم الأمر ..
و علا اللهب ثانية في منزل الشيخ هلال ..!
لا زال مشهد كتبي و النار تأكلها حاضرا في ذهني رغم مرور الزمن ..
وكبر عشقي لحبيب أرادوا لي أن أهجره يوما..
وكبرت معه التضحيات ..
لا زلت أذكر وكأنه الأمس القريب , و أنا أحمل حقيبة كتبي متنقلا من عمل لآخر , و العيون ترقبني بسخرية , ولسان حالها يقول : ألم ينتهِ زمن الفلاسفة منذ عقود ..!
كنت حينما يسألني أحد أصدقاء العائلة : سمعنا أن هوايتك القراءة .. صحيح !
فأجيبهم : بل حياتي القراءة , الطعام و الشراب يمكن تصنيفهم في خانة الهوايات , أما القراءة فهي ضرورة لحياتي .



التنفس يعطيني عامل البقاء في الحياة , بينما القراءة تعطيني المبرر..
وكبرت وكبر معي عشقي و حبي ..
والأن و أنا في العقد الثالث , وكحال أي عاشق محب , أجلس لأتذكر ..
أنظر وقد أسست دار نشر صغيرة مكنتني من المساهمة في صناعة الكتاب في الوطن العربي , ثم وأنا أكتب وأساهم في صناعة الفكر ..
عندها أعود بذاكرتي إلى مرأى اللهب المرتفع وأبتسم ناظرا إلى مكتبتي الأثيرة وأهمس في خبث ..
( لقد انتصرنا).

















موجز الأفكار و المقولات :
1- إن لم تكتشف كل يوم جانباً من جوانب الحياة الغامضة , ونفك شيئا من طلاسمها الغريبة , فإننا لا يصح أبدا أن ندعي أننا عشنا حياة كاملة صحيحة .

2- نوايا آبائنا الحسنة – رغم تقديرنا لها – لا تستطيع أن تغطي فضاءنا التربوي , أو تكفينا زادا في مواجهة الحياة و تحدياتها.

3- يجب أن نثبت أعيننا على الغاية الكبرى التي نسير إليها كي نستمد منها الحماسة , ولا نستصغر الخطوات الأولى , بل ننميها ونقويها بخطوات أخرى تعزز من رسوخها .

4- الدنيا قادرة على إغواء معظم البشر واستعبادهم , و جعلهم أجراء لديها , يعطونها خالص أيامهم ,و طموحهم و همتهم و تعطيهم بعضا من متعها الزائفة الزائلة .

5- إن المسلم يجب أن يحب الحياة كي يستطيع العطاء , يجب أن يتعامل معها بجدية و يعمرها و يجتهد في جعلها أجمل و أروع مما كانت قبل مقدمة , ولكن ليس على حساب العطاء الأخروي .

6- المرء الذي يؤدب لسانه كي لا ينطلق مثرثرا , و يلجمه بحنكة و ذكاء لهو امرؤ قد فعل الكثير في سبيل امتلاكه القوة , فكم من كلمة ألقاها صاحبها في غفلة من عقلة ذهبت بماله و سمعته .. وربما برأسه بعيدا !

7- لابد من لحظات نحتاج فيها إلى أن نشعر أن البشر للبشر و المؤمن لأخيه , و الإنسان لن يقدر على العيش دون أخيه الإنسان فيتحدث و يبوح , حتى إذا ما أخرج ما بصدره تنهد مرتاحا , وعاد لوجدانه شيء من الطمأنينة وراحة البال .

8- أعرف من الأشخاص من لا يملك القدرة على اختيار ملابسه فأهله و أًصدقاؤه هم من يشيرون عليه بما يصلح وما لا يصلح . وهيهات على من لا يستطيع اختيار حذاء أن يختار الطريق الذي سيسلكه .

9- الخطر أن نرضى بالأحلام و الأهداف المتواضعة , بالرغم من أن قدرة معظمنا كبيرة , و نستطيع بقليل أو كثير من الجهد أن نحقق ما ظنناه يوما ما شيئا خياليا غير قابل للتحقيق .

10- التحدي الأكبر لا يكون في الانتصار الشخصي المجرد , بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى سوى الفوز , بل يكون في الانتصار الشريف الذي تتحقق فيه أركان المعادلة ( أنا أربح و أنت تربح ).

11- أيام الظلم طويلة، وأيام النصر طويلة كذلك، ونحن عندما ننهض لتفادي آلام الهزائم يجب أن نعي أن الأيام دول، وأن هناك متسعا من الوقت لتصحيح المسار، وأن التفكير الهادئ وعدم الاندفاع والتسرع والعصبية هو الخيار الأمثل للرد على الظلم أو الإخفاق.

12- إن الشراك والفخاخ التي تقف أمام حلمك وطموحك لكثيرة وأحدها ذلك الشرك الذي يدفعك إلى الانكباب على عمل، وبذل الجهد في تجويده وإحسانه، بينما هذا العمل في ميزان هدفك الرئيسي لا يساوي الوقت الذي أنفقته فيه.

13- إن من يفخرون بما لديهم، ويشمخون بأنوفهم عاليا، مذكرين الآخرين بين الحين والاخر بما يملكون، وما يدركون، وبما يعرفون، هم في الحقيقة يعانون من خلل في تكوينهم النفسي، وعدم ثقة بقدرتهم على الارتقاء الدائم، وفوق هذا جهل بأهم الحقائق الكونية، وهي أن العلم والحق والمعرفة المطلقة لا يمتلكها بشر وأن الفضل لا يعلمه إلا الله.

14- إن الموت وإن كان يهوى حصد المسنين، إلا أنه لا يتوانى بين الحين والآخر عن قطف بعض الثمار التي لم تنضج بعد، ومن ظن أنه بعيد عن يد الموت فهو واهم مخدوع.

15- إننا نحيا في زمن يعج بـ ( الموتى الأحياء ) الذين ارتضوا بالحياة الأدنى على رأس كل واحد منهم عدّاد غير منظور يحسب الأيام والساعات حتى إذا ما دنا موعده أغمض عينيه بهدوء وذهب دون أي أثر له في الحياة.

16- إن أرواحنا غائبة عنا، من منا يملك القدرة على أن يغمض عينيه فيرتاح؟.

17- النجاح والتفوق في الحياة ليس مستحيلا لأي شخص، لكنه في المقابل ليس سهلا قريبا، ولا يقتنصه إلا من دفع ثمنه، وثمن النجاح هو عرق الجبين لا مُر الشكوى.


18- المخاطرة الكبيرة هي الحياة بلا مخاطر، والخوف الأكبر هو العيش بلا خوف، والفشل الحقيقي هو الوقوف خوفا من فشل.

19- من ظن أنه بقراءة كتاب أو اكثر صار مفكرا.. أو أديبا.. فهو واهم ومن أمسك بتلابيب الفتوى في أمور الدين أو الدنيا لمجرد حفظه لعشر أحاديث وبعض قصار السور، فهو مفتون.

20- من الناس من يمشون بيننا بأجساد خاملة، مات بداخلهم كل ما يدعو إلى التحدي والعطاء، وهؤلاء أصنفهم احياء، إنهم أموات ولكن لا يعلمون.

21- بئس الحياة تلك التي نعيشها، دون أن نغرس فيها ثمرة للخير، أو بذرة للحق، أو شجرة للعلم يستفيد منها من بعدنا في الحياة ونتعلق بهم يوم يذهب كل شيء، إلا الأعمال العظيمة تنقذنا من عذاب السعير.

22- إن أكبر كارثة إنسانية، أن يحتكر شخص ما الحق، ويحاسب الناس على تقصيرهم، وينزل بهم العقاب، إذا لم يكونوا كما يرى.

23- نحن – حملة المبادئ – بحاجة إلى أن نعي جيدا الدرس الأول الذي سيفتح لنا الطريق إلى قلوب الناس، وهو أننا دعاة لا قضاة وحملة مشاعل لا منفذي أحكام، وأصحاب رأي وحجة، فلا تضيق صدورنا وقلوبنا بمخالف أو معارض.

24- إن من أعظم الإستراتيجيات التي ينتهجها العقلاء، هي استراتجية ( الاستغناء ) فإذا ما اشتهيت ما لا تستطيع امتلاكه، فأخرجه من قلبك وتفكيرك، وبهذا فقط تتغلب على شهةو امتلاكه، وسحر تأثيره عليك.

25- التنفس يعطيني عامل البقاء في الحياة، بينما القراءة تعطيني المبرر.

26- ليس لأحد منا مهما كان متمسكا بالحق ان يجبر الناس على اعتناقه، أو يلقي عليهم بالاتهامات إذا لم يؤيدوا رأيه.

27- إننا لا نستطيع امتلاك كل ما نشتهي، وستظل هناك دائما أشياء وأشياء نطمع فيها، فإذا ما أحببنا أن نطمئن الفؤاد والروح فعلينا أن ننظر بعين الرضا والقبول لما وهبنا الله تعالى وأنعم علينا به، وندرك أن هذا الذي نملكه هو مبتغى أمل بعض البشر.

أهم المراجع:
1) كيف تمسك مقاليد القوة، روبرت غرين، مكتبة العبيكان .
2) مكتوب، باولو كويليو، دار ميريت .
3) مبادئ النجاح، جاك كانفيلد، مكتبة جرير .
4) المحاضرة الأخيرة، راندي باوتش، مكتبة جرير .
5) دعونا نتغير، إبراهيم العسعس، ( مجموعة صوتية ) .
6) وجهتي في الحياة، عبدالكريم بكار، دار الثقافة للتراث .


راسلنــــــــــــــــــــــــــــــي
هل أعجبك هذا الكتاب؟
إن كانت لك ملاحظة على هذا الكتاب، فأطمع منك يا صديقي أن تخيرني برأيك على بريدي الإلكتروني:
Karim1924@hotmail.com

كما تسرني زيارتك لموقعي الشخصي وقراءة المزيد من المقالات ومعرفة الجديد:
www.karimalshazey.com
والمؤمن ضعيف بنفسه قوي بإخوانه..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رواه البخاري في (الأدب المفرد)1
أخرجه البخاري2
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

1