Advertisement

قبل انفجار البركان


قبل انفجار البركان




قبل انفجار البركان

تأليف
مارون عبود




قبل انفجار البركان

مارون عبود

رقم إيداع ??????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: إسلام الشيمي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



المؤلف (????–????).

كلمة


هذه فصول كتبت في عام ???? وبعض عام ????، وطبعت اليوم كما نشرت في حينها. فإن أعجبتك ففي وسعك أن تقتنيها، وإلا فدعها لصاحبها وأبقِ قرشك في عبك. إننا لم نقل هنا غير ما نعتقد، وإننا لم نُحابِ ولا نحابي ولن نحابي أحدًا، لا في نقدنا الأدبي ولا الاجتماعي. قد خسَّرتْنَا صراحتُنا هذه صداقاتٍ كثيرةً، ولكن الصداقة تزول، أما الحقيقة فتبقى إلى الأبد.

من تقويم الحياة


(?) على هامش الواقع

أنا أحب الترفيه عن قارئي العزيز، وقد ألزمت نفسي ما ليس يلزمها حين تجندت لخدمة جنابه، فصرت أشبه بالطاهي الذي يفكر دائمًا في أن يعدَّ أشهى الطعام وأدسمه، وهو يتوقع أن يسمع الاستحسان ممن يطبخ لهم، فيتشجع ويتمادى، أو الاستهجان، فيفتش عن طبخة غيرها. وأنا حبًّا بالتغيير على الضرس خطر لي، بعد التفكير، أن أُنوِّع اللائحة، فيختار من يشرفنا من الزبائن ما تشتهي نفسه. فالمثل العامي الفصيح يقول: كلْ ما تشتهي نفسك، والبس ما يعجب الناس.
سوف أنتظر رأي قارئي العزيز فيما يعدُّه مطبخي، فإن أعجبه الطعام أعددت له مثله مرة في الشهر، وما الغاية إلا فتح القابلية، فالكلام كالطعام، إذا أكلته وأنت تشتهيه صحَّ بدنك عليه، وطابت نفسك، وإلا فإنه يسبب لك تلبُّكَ معدة، يضطرك إلى ما أنت في غنًى عن طعمه …
وقد سميت هذا الرستوران «من تقويم الحياة»، فحين تقع عينكم على اللافتة، أيها القراء الأعزاء، ميلوا إلى مطعمنا، واعلموا، منذ الآن، أن الأمر شورى بيننا، فلكم أن تقترحوا وعلينا أن نكون حاضرين غب الطلب. فهذا المطعم شركة مساهمة مغفلة، مركزها الرئيسي في الحازمية على رمية حجر من العصفورية … وقد جعلنا الحجر مقياسًا ليتلاءم مع الساكنين في تلك المنطقة.
أما كلمة «تقويم الحياة» فأظن أنكم فهمتم معناها، ولا ريب أنكم تذكرتم تقويم البلدان وتقويم البشير، ولكن، لا تنسوا أن لها معنى آخر، وهو تقويم المائل والمعوج، وربما كان هذا المعنى الأخير هو المقصود، فنسأل الله أن لا نحتاج إلى من يقول لنا ما قيل للإمام العادل عمر بن الخطاب: لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناك بحد السيف يا عمر!
إن حياتنا في حاجة إلى التقويم بالمعنيين، وعسى أن لا ندوِّن في تقويم الحياة إلا ما يصلح حياتنا.
(?) ابتسامات وأنخاب

إن علفة هذا الشهر معدَّة من «حواضر البيت»، بينا ترد علينا المؤن، الموصى عليها، والمعلن عنها. كتب إليَّ واحد يقول: ألا تزعجك هذه الابتسامات التي تذيع صورها الصحف اليومية والأسبوعية، وما معناها عندك؟
– إنها كالأكل فوق الشبع، العدد الأكبر منها متكلف، وكل ما لا يأتي عفو الطبع يكون حلوًا حامضًا أي مزًّا.
ولما صار ود الناس خبًّاجزيت على ابتسام بابتسام هكذا قال المتنبي، وهذه الابتسامات التي تسألني عنها، لا هي ضحكة ولا ابتسامة، فلنسمها ابتسامة متنبئية منذ اليوم. إنها فاترة وأردأ الطعام ما كان فاترًا. إنها من لون سام أبرص «أبو بريص»، فلو علم أصحابها كم من خنجر تطعن به هذه الصور قلب الشعب البائس، لاستغنوا عنها وعن إذاعة صورتها. إنهم يسلون منها خناجر يطعنون بها قلوب المساكين. ولو علم الذين يحشدون كل قوى بيوتهم وقوى المدينة على طاولاتهم، حتى تبدو كظهر السلحفاة، كما يقول ولي الدين، إنهم يثيرون حقدًا كامنًا، لخففوا من هذا الظهور الذي يدل على الأوادم الطازة كما قال شاكر الخوري.
الابتسامات تكذب، أما الدموع فصادقة. لا أدري نخب من يشرب هؤلاء السادة! إن أحقر فلاح في أحقر قرية يقول لك على ذكرها: سياسة … وهم يعنون أن أصحابها كاذبون يضمرون غير ما يظهرون. إن الشعب المحروم يثور حين يرى هذه المشاهد السينمائية، الناطقة بلا قلب ولا عاطفة! …
عجل

قال لي واحد: إنه يرجو أن يصح له حلم؛ لأن في الحكومة الجديدة من يرجو له الخير.
فأجبته: اسمع يا صاحبي هذه الحكاية: ألحَّت سيدة على زوجها في شراء قبعة حديثة الطراز، وكان عندها برانيط على عدد أيام الشهر، فرافقها إلى مخازن الطرائف، وهناك — كعادة كل سيدة — راحت تساوم وتنتقد: هذه برنيطة لونها باهت، وهذه لونها غامق، هذي مقوَّرة وهذي مدوَّرة، وهذه مستطيلة لا تنسجم مع وجهي.
وكان صاحب المخزن يساندها من هنا ومن هناك؛ تسهيلًا لمجاري البيع والاستفتاح. وأخيرًا قررا استفتاء المرآة، فوقفت الست أمامها وراحت تستعرض مواقف البرنيطة كأنها مصور شمسي يراقب الوضع الأحسن. وبعد الاستفتاء لم يفتح الله عليها بشيء. وأخيرًا دخلت سيدة ذاك المخزن فاستشارتها، وظلتا في أخذ ورَدٍّ حتى ضاق صدر الزوج وتبرَّم. ولحظت السيدة ذلك، فاستخارت الله واشترت واحدة ومضيا.
وفي الطريق التقت ستنا الجميلة بصديقة لها، ودار بينهما البحث في تاريخ شراء البرنيطة، ووقف الزوج يتعصر، سائلًا الله النجاة من هذا المضيق. فالتفتت نحوه زوجته وقالت له: طوِّل بالك! لا تتأفف!
فقال الرجل: عجِّلي يا مره! حتى نصل إلى البيت قبل أن تبطل الموضة، فاليوم تعبنا وما عادت سيقاننا تحملنا لنرجع نشتري غيرها!
وأنت يا صاحبي، عجِّل بقضاء حاجتك قبل أن تتغير الوزارة.
فقال: وكم تظن عمرها يطول؟
فأجبته: عندما استبد الأتراك بالدولة العباسية وصاروا يخلعون خليفة، ويقتلون آخر تساءل الناس: كم يعيش هذا الخليفة؟
فأجابهم واحد: قدر ما يريد الأتراك!
وأنا أقول لك: لم يسموها لعبة برلمانية عن عبث، فالكشاتبين كثيرة.
صورة ستالين

وسألني أحدهم: ما قولتك بمصير ستالين؟
قلت: لقد مر عليَّ في تقويم الحياة حوادث جمة من هذا النوع أذكر لك منها حادثة واحدة: سقوط السلطان عبد الحميد؛ وهي أعظم أحداث القرن العشرين.
كنا في أيام دولة البادشاه نقول، قبل أن نذكر اسمه: ولي نعمتنا بلا امتنان، وظل الله على الأرض. ولما هوى العرش العثماني الذي ظل راسخًا شامخًا زهاء ستماية سنة، قال في سلطانه، الشاعر حافظ إبراهيم:
مشبع الحوت من لحوم البراياومجيع الجنود تحت البنود أما ستالين؛ فهو مرجف الدول العظمى، وقاهر هتلر. شاء رجل ألمانيا أن يكتب اسمه أدولف هتلر في تاريخنا المعاصر، فكتب القدر اسم يوسف ستالين … ستالين الذي كان فعَّالًا لا قوَّالًا، لا تصح محاربته ميتًا. كان الأجدر، وهو من نسبت إليه جرائم تقشعر لها الأبدان، أن يخنق في سريره. ترى ألم تنجب روسيا واحدًا يضع روحه على كفه ويقتل هذا الطاغية؟! …
ويلي على الناس، وويلي من الناس … كنا في مدرسة مار يوحنا مارون نقف مصطفين بعد نهاية درس الليل؛ لنقضي حاجتنا قبل النوم، وكانت الأماكن المعدة لقضاء ذلك الغرض في كعب غابة سنديان قائمة على كتف المدرسة، وبينا نحن آمنون إذا بابن آوى يخترق صفنا، فصرخنا: ديب، ديب! ثم اختلط الحابل بالنابل، وكان أكبرنا طالب اسمه شديد سمعان فاشتدت عزيمته وكان أول الهاربين.
ولما أفرخ روعنا وهدأت أعصابنا إذا بصاحبنا شديد يخرج من مخبئه عارضًا عصًا غليظة وهو يقول: وأين راح الديب؟!
ماذا تنفع تهيئة القضيب بعد ما راح الديب؟! أناس كثيرون أعيدت محاكمتهم بعد الموت وردت إليهم كرامتهم، فهل حاكموا ستالين ميتًا قبل إنزال صورته؟
لا تحاول

كتب إليَّ واحد يشتهي أن يكون أديبًا لامعًا، وبعد السلام والكلام كما يقولون، قال: أسلوب من تشير عليَّ أن أتبع؟ ومن تنصحني أن أطالع حتى يرسخ أسلوبه في رأسي؟ إلخ.
– اسمع يا حبيبي، تأمل الناس، فهل رأيت رجلًا مثل رجل؟ أنا أجهل عدد سكان الكرة الأرضية لأذكر لك الرقم، وأقول: انظر إذا قدرت إلى كل فرد من هذه البلايين. افتح عينيك جيدًا وتأمل وجوههم جميعًا، ثم قل لي إذا كنت ترى بينهم واحدًا يشبهك تمامًا حتى لا تعرف إذا كان هو إياك، أو كنت أنت إياه.
لا تظن أن هذا التشابه منقطع في البشر وحدهم، لا؛ فقد سألتُ المعَّازة: من أين تعرفون الرأس المتخلف عن القطيع؟
فأجابني واحد منهم: مما تعرف به أنت تلاميذك.
فقلت: للبشر علامات فارقة.
فقال: وكذلك للمعزى وغيرها من البهائم.
فإذا كان الوجه لا يتشابه، والخط لا يتشابه، وبصمة الإصبع لا تتشابه، فكيف تريد أنت — هداك الله — أن تقلد كاتبًا آخر؟!
قرأت في كتاب ديل كارنيجي، نقلًا عن كتاب «أنت والوراثة» لعالم شهير: أنه لو كان لك ثلاثماية بليون أخ وأخت لكانوا جميعًا مختلفين عنك، مناقضين لك. فتأمل.
لقد كنت ضائعًا مثلك، وبقيت ضائعًا ثمانية وأربعين سنة وما وجدت ذاتي إلا حين مشيت على سجيتي. وإذا كنت لا تصدقني فارجع إلى كتبي المطبوعة قبل سنة ???? تجد أنني كنت أفرفر كالطير العالق بالشبكة. حاولت أن أقلد أديب إسحاق ونجيب الحداد، ثم جبران فما وفقت أبدًا. لا يعني هذا أنني استوليت على الأمد اليوم، ولكن أعني أنني وجدت نفسي، فإن كانت بشعة فهي لي وحدي، وإن كانت جميلة فالجمال مشاع.
أنت ناشئ، فاقرأ كل الكتَّاب والشعراء، ثم انطلق على سجيتك، فإن كان لك شخصية تظهر لك، أما إذا ظللت تحاول أن تكون مثل فلان الذي قلت إنه يعجبك، فأنت لا تنجح في حياتك.
قال أصحابنا القدماء: إن أسلوب ابن المقفع هو السهل الممتنع، وأنا أقول لك: إن كل أسلوب ممتنع، سواء أسهلًا كان أم صعبًا. ولم يخطئ القائل: الإنشاء هو الرجل، فكن ذاتك ولا تقلد أحدًا. لا تحاول فإنك مخفق دون ريب.
تأمل مقلدي الأوراق النقدية، هل التبس الزائف منها على الناس! كذلك محاولتك أنت، فإنك تظل زائفًا حتى تقع على ذاتك.

لكل حادث حديث


(?) الحيوان الباكي

عندما كنت فتى، سمعت حكاية الحيوان الباكي. سردها كاهن من على منبر كنيسته، وفحواها أن بين الوحوش حيوانًا مفترسًا، يبكي حين يفرغ من التهام فريسته. يفترش الأرض ويأخذ جمجمة الضحية ويقعد يبكي عليها.
قال الكاهن: أعرفتم لماذا بكى يا إخوتي؟ لم يبكِ رحمةً ولا توبة؛ بكى لأنه لم يبق له منها شيء يأكله! وهذا هو معنى قولكم: دموع التمساح.
إن منا — نحن البشر — تماسيح كثيرة، تماسيح أعوذ بالله من شرها. الحيوانات الضارية تأخذ الأرواح «بالمفرق» وأخونا الإنسان، بعدما تمدن وتثقف، صار تاجر جملة. الحيوان يعمل بقول المسيح لنا: أعطنا خبزنا كفاف يومنا، أما الإنسان الذي يدعي أنه مؤمن بتعاليمه فيحسب حساب الدهور والأجيال ولا يرضى أن يهتم بما للغير فقط. الإنسان يدخر أما الحيوان فلا يهتم، وهو عائش ونحن عائشون! …
سمعت هذه الكلمات من كاهن ساذج عندما نشبت الحرب العالمية الأولى، ولما انقضى دور التدمير وجاء دور التعمير تذكرت حكاية ذاك الخوري، وقلت: ها هو التمساح يبكي. إنه يعمِّر ليجد في الغد ما يدمِّر.
ولما وقع الاعتداء على مصر قلت في نفسي: اليوم خمر وغدًا أمر. اليوم يهدمون وغدًا يبنون. غدًا يتسابقون إلى التعمير؛ حبًّا بالإنسانية، فيصح فيهم القول: ليتكِ لم تزني ولم تتصدقي.
إن الطبيعة الحمقاء تدمر ولا تعمر؛ لأنها لا تعرف الرياء، أما الإنسان، الإنسان الكافر؛ فقد وضع لاعتداءاته شرعة ضحك منها الشاعر، حين صور ما نحن فيه بالذات فقال:
قتل امرئ في غابةجريمة لا تغتفروقتل شعب آمنمسألة فيها نظر الحمد لله أن التعاليم السامية لم تفلس، وبقي في العالم أناس لهم ضمير فشجبوا الاعتداء المجرم على مصر. قد يقولون هم: هذا التخريب والتدمير بسيط أمره. وأنا أجيب: نعم، ولكن إذا أعدنا بناء البلدان فهل في الإمكان إعادة بنيان الإنسان الذي هدمناه! فماذا ينفعه أن ننصب له تذكارًا في ساحاتنا نمجده به؟!
إن جرح المجاهد فم يصيح: لا خوف على الضعيف صاحب الحق. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
مصر وإنكلترة وفرنسا

يقول المثل: غلطة الشاطر بألف غلطة. إذا كان الفرنسي يهبُّ مثل البارود ولا يعدُّ العشرة، فعهدنا بالإنكليزي يعد الألوف قبل أن يقدم على عمل، فما باله اليوم يزج بنفسه في هذا المضيق؟
إذا كانت البوير قد قضي عليها وعلى ذهبها منذ نصف قرن، ولم ينصرها أحد، فالعالم كله يقف إلى جانب مصر؛ ليدافع عن مياه النيل. نعم عن الماء لا عن الذهب، ومن الماء خلقنا كل شيءٍ حي.
إن العالم اليوم مرتبط ارتباطًا وثيقًا، والمرء كثير بأخيه. أفما كان على المستر إيدن أن يدخل هذا في حسابه؟ إن من يقاتل اليوم لا يقاتل دولة واحدة، أفما على من يقاتل أن يكون أهل بيته معه على الأقل ولا يكونوا عليه؛ إنها غلطة كبيرة يا سر إيدن.
إن غارتك المشئومة التي شننتها على شعب آمن كانت شؤمًا على الدولة التي كان الناس يحسبون حسابًا لدهائها.
نعم خرَّبت يا سيدي، ولكن المفروض فيمن يمثل دولة عريقة مثلك أن يكون يقصد البناء لا الهدم، فيا حيف! وعلى كل لم يخلُ الأمر من بناء فنشكركم يا سادة؛ لأنكم حققتم حلمنا ووحدتمونا وهذا كاف. إنها خدمة لا تثمَّن.
الشعب المصري قاوم منذ قرن ونصف جيوش نابليون بالعصي والنبابيت، ثم خرجت فرنسا من وادي النيل. ساعد على إخراجها إنكلترة ولكن لتحل محلها، وها هو التاريخ يعيد نفسه. وها هو الحق اليوم يخرج الاثنين معًا وإلى غير رجعة.
ذهب الكل ولم يبق في الكنانة إلا سهمها المراش جمال عبد الناصر، الجندي العصامي الذي وحد أمة كانت من الأمس البعيد إمبراطورية لا تغرب الشمس على ملكها، ناهيك أن الضمير مستيقظ فلا يترك القوي يسبح في بحر طغيانه.
عفوك يا جمال، فأنت القوي بإيمانك، بقومك وبحق وطنك، بالسيادة والاستقلال. أنت عبد الناصر والله لا يخذل عبده، والنصر من عنده يؤتيه من يشاء، ومَنْ أحرى به مِنْ عبدِه؟
أيتها القناة السمراء، لقد زدت عن القناة فكنت قناة لا تلين.
عندما لا أكيل لخصومك الشتائم ولا أحتقرهم أكون قد عظمتك، فأنت لم تحارب أنذالًا بل جبابرة عالميين، فقهرتهم وأعدتهم على أعقابهم خاسرين. أما القنافذ الذين يهدجون حول البيت فلهم ساعتهم إن شاء الله.
يا سيدي عبد الناصر لقد كنا معًا في الأمس، وكان لنا في مالطة أسد لبناني. مات في غربته ولم يجد ناصرًا، ولكن بلاده لم تمت، ولن يموت بلد يشتري استقلاله بدماء بنيه، أما هكذا فعلت مصر اليوم؟
إن الأمة بقائدها، فبورك فيك يا جمال.
إن الذي قضى على استقلالنا حقبة قضى على بلادكم ولم يخرج منها إلا أمس، ولما حاول العودة وجد القوة العالمية بالمرصاد، وقالت له: ارجع؛ فاليوم غير الأمس.
هيئة الأمم المتحدة

يظهر أن العدالة الاجتماعية لا يحققها إلا القوة، والإنسان لا يخاف إلا على جلده، فمهما تمدنا وتثقفنا فلا بد لنا من قوة تخيفنا. إننا نظل في هذه الدنيا أطفالًا لا يخيفنا إلا القضيب، فلا بد من هزة لنا دائمًا، حتى لا تمتد أيدينا إلى أكثر من حقنا. فلو لم يستيقظ الضمير العالمي، ويهدد الباغي، لكنا ذقنا طعم حرب لم ننس بعد طعم أختيها المرتين. أجل لم يحل دونها النصح والإرشاد والمناشدة بالمثل العليا. إنها القوة الروسية الأميركية التي حالت دون الكارثة العظمى، والحمد لله على كل حال.
ما دام القبُّ على العاتق في الميزان الدولي فلا بد من أن يستقر السلام، والتسلح من جانبين يوقف الحروب أو يطيل أمد وقوعها؛ حتى تتنفس البشرية الصعداء.
قال كليمنصو عندما سئل عن تنفيذ المعاهدات: لأجل تنفيذ كل مادة من مواد المعاهدات لا بد من قوة، يجب أن يكون لدى الدولة، صاحبة الحق، قبالة كل كلمة دارعة، وقبالة كل مادة أسطول.
أما اليوم، فالأحرى أن يقال: يجب أن يكون عندنا قنابل ذرية وهيدروجينية.
وهيئة الأمم المتحدة كانت هيئة قبل أن تحركت القوتان العالميتان، ولو ظلت هاتان القوتان تهزان قضيب العز ولا تضربان به، فنحن بألف خير. فالقتل أنفى للقتل …
لا يعرف مثلي طعم الحرب العالمية إلا من ذاق مثلي طعم الحرب العالمية الأولى؛ فقد أكل الناس جيف الحمير والجراذين. كنت أراهم حول روث خيل العساكر يفتشون عن حبوب شعير غير مهضومة، ولماذا لا أقول إن الناس أكلوا بعضهم، فهناك جدة ذبحت حفيدها وقددته؛ لتأكل لحمه حين الحاجة. أما الخبز، الذي يحيا به الإنسان، فقَلَّ من ظفروا به، ولذلك كنا ندفن الموتى يوميًّا، وأخيرًا رخص الموت فصار لا يذهب إلا كل ذي مروءة. فإذا رأينا الناس كقطيع غنم مذعور، يفتشون عن ضرورياتهم، فهم معذورون؛ لأنهم إن لم يكونوا؛ فقد سمعوا.
فتلك الحرب المشئومة لم يقصر عمرها إلا أميركا. اعتزلتها سنتين، ولما نزلت إلى الساحة قصرت عمرها، فبقيت منا بقية.
أيزنهاور وستيفنسون

فاز أيزنهاور بالرئاسة التي لا تضاهيها رئاسة عالمية، بعد معركة حامية الوطيس كما نعبر، فتوجه إلى ناخبيه، بقوله: إن الأكثرية التي حصلت عليها لا يمكن أن تكون للشخص بحد ذاته، بل هي للمبادئ والمثل العليا التي يمثلها هذا الشخص وأعوانه. إن الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله لجميع الأميركيين الذين أرجعونا إلى مراكزنا ومسئوليتنا: إننا نتعهد بأننا لا نقوم بأي عمل يخيب آمالهم فينا.
يا أصدقائي:
أعدكم أنني بكل ما أعطاني الله العظيم من مقدرة وبكل ما خلع عليَّ من قوة، سأستمر في عمل شيء واحد، وهو العمل من أجل المائة والستين مليون أميركي هنا في أميركا، ومن أجل السلام في العالم.
صدق أيزنهاور فيما قال، وسيحقق ما وعد به؛ لأن لديه قوة تصون السلام وتحفظه؛ فهذا الرجل يستحق لقب حامي السلام. فهو الذي أنعش الضمير الإنساني العالمي بعدما يئسنا من حياته. والذي أعتقده أن محبة أيزنهاور للسلام كانت أقوى حزب صوَّت له. ومن ينظر إلى رسمه يرى السلامة مطبوعة على جبينه، أطال الله عمره ذخرًا للإنسانية؛ فهو أثمن الكنوز الإنسانية.
لم ننتهِ بعد؛ فقد قرظنا الفائز ومجَّدناه، فلا بد لنا من الثناء الصادق على الفاشل، وعلى ستيفنسون الذي وجَّه كلمة حق إلى الرئيس أيزنهاور جاء فيها: لقد فزت لا في المعركة الانتخابية وحدها ولكن بثقة الرأي العام الأميركي، وإنني أهنِّئك من كل قلبي، وإننا اعتبارًا من اليوم لم نعد جمهوريين ولا ديمقراطيين ولكننا جميعًا، رعايا الولايات المتحدة. إننا ندرك تمامًا الصعوبات التي تواجهها حكومتك ولهذا فإننا وراءك؛ لكي نعمل جميعًا على خدمة البلاد.
أجل، كما قال ستيفنسون وزيادة، فأيزنهاور كان مرشح كل محب للسلم في المسكونة؛ فهو لم يفُز بثقة الرأي العام الأميركي وحده بل بثقة كل بشري منَزَّه عن المطامع التافهة، ولهذا فاز فوزًا مبينًا، ولم يبقَ إلا أن نتمنى أن يكذب الطبيب ويعيش هذا الرجل الصالح. فحياته حياة السلم العالمي.
هذا هو تعليقنا على الشق الأول، أما الشق الثاني فلا بُدَّ من إطالة التعليق عليه؛ ليكون درسًا لخُدَّام الأمة الكبار.
في أميركا تعطى النيابة من الشعوب هدية للعاملين المخلصين، وهم لا يعمدونها معمودية الدم مثلنا. إن معمودية الماء والروح كثيرة عليها، ولذلك ينتهي كل شيء بنهاية تصويت مائة وستين مليونًا، وتعرف كل عنزة قطيعها.
ما أحلاها كلمة قالها ستيفنسون: «إننا ندرك تمامًا الصعوبات التي تواجهها حكومتك، ولهذا فإننا وراءك لكي نعمل جميعًا على خدمة البلاد.»
حالًا وسريعًا أعلن ستيفنسون أنه يؤيد الرئيس الذي فاز، وأنه لم يعد هناك لا ديمقراطي، ولا جمهوري؛ بل رعايا الولايات المتحدة.
وأحلى من كل هذا قول ستيفنسون لناخبيه: تعزوا يا أصدقائي، فهناك أشياء أكثر أهمية من النصر السياسي؛ إذ لدينا حق الاختلاف السياسي والمعارضة، وحق التنافس.
أما عندنا فترى في الفوز الانتخابي انتقامًا من خصومنا وخراب بيوتهم إذا قدرنا. وإذا قام واحد ليعمل بالروح الأميركية فأنصاره لا يرضون، فيضطر أن يسايرهم؛ خوفًا من أن يرفضُّوا عنه.
وإذا قلت لرئيس عندنا: «نحن وراءك» كما قال ستيفنسون لأيزنهاور، وقد قلت هذا فعلًا قبل الأوان بثلاثة أشهر، فإنه لا يرضى بل يريد أن تبقى حيث كنت كأنك قاتل أبيه.
والمتزاحمون على الرئاسات أو على النيابات يصبحون بعد الفوز أعداء وإن كانوا قبل ذلك صحابًا.
والمناصرون يظلون يقتتلون إلى ما شاء الله، ولا تضع حربهم أوزارها، فيقسمون العرب عربين ولا نهاية لحرب البسوس … فيسفكون الدماء ويسلبون راحة المغلوبين.
تلك صورة كل حي، وكل قرية، وكل بلدة، فانتخابات النواب نوائب، وفوز الرئيس يجعل الأذناب رؤساء، وهناك الويل. فقبل أن نرمي ورقة في صندوقة نفكر بحاجة تقضى لنا، ويا ويل من لا يلبي؛ فإننا نقلب الإسطوانة! … «إننا وراءك» ما أحلاها كلمة متى كانت صادقة، فهناك يطلبون الرئاسة لخدمة الشعب، ونحن نطلبها لخدمة أنفسنا، والأقربون أولى بالمنفعة!
موظف قديم مات

بالكد تحرك بعض الناس وخرجوا من بيوتهم؛ ليصلوا عليه ويدفنوه. مسكين! كان أمينًا، نزيهًا، نظيف اليد والجيب. هذا ربيب العهد القديم، يوم لم تكن الوظائف في لبنان مورد ثروة اللبناني بل تخرب بيته في حياته، وتورث أولاده الفقر، ولذلك لم يدفن مكرمًا وإن ظل ذكره ممجدًا.
مسكين فرنسوا خوري! لم يبنِ قصورًا ولا دورًا ولا رصيدًا ولا … لم يترك مزارعَ وبساتينَ، لم يبق له في آخرته إلا عصاه التاريخية، وقامته الردينية التي أبى الإباء أن تلين أو تلتوي.
مسكين ذاك الرجل العتيق؛ فهو لا يشبه زبائن اليوم، كان عميق الثقافة واسعها، كان كاتبًا من الطراز الأول، وهم أي زبائن الخزانة اللبنانية، على أميتهم وقصورهم، ينعمون في شواهق قصورهم.
كنتَ على ما يعاني من حرمان، تخاله مكفيًّا أحيانًا، وقد يكون، فالنفوس الكبار تقنع بالكفاف والفراش، واللحاف والخبز الحاف، والثوب اللائق.
اجتمعنا في مطعم حد القصر الجمهوري فرأيته كما كان، لم تنقص الأيام منه شيئًا. ضحكة صاروخية مكركرة، وابتسامة بائسة، ورأس مطرق؛ لأنه ينوء بأعباء الذكريات المؤلمة، والخيبة. خاب في جميع أصحابه وكلهم من أكابر رجال هذا الدهر فلم يواسه إلا واحد منهم. وهو الوحيد الذي حضر دفنه وشيعه. ولولا حضور ذاك الصديق الوفي لكان ذهب فرنسوا إلى القبر وحده.
استحت الناس من الشيخ ولأجله مشى بعضهم في مأتم السنديانة التي لم تحنِ رأسها للعواصف والزوابع، سنديانة الساحل التي لم يلتوِ جذعها وإن شذبت الفئوس أغصانها.
عاش فرنسوا خادمًا أمينًا مخلصًا للبنان، ولكن لبنان لم يشعر بموته، وهذا منتهى العقوق ونكران الجميل. تحمل آلام النفي والتشريد، ولكنه عاد ليشرده واحد من الذين شرد لأجل صداقته لهم.
بأمان الله يا فرنسوا ولا أقول يا صديقي؛ لأني لم أُشرَّف بذلك، ولكن الوفاء للأوفياء أملى عليَّ ما كتبت، وأنا، قبل وبعد، أخو من لا أخا له.
(?) شئون وشجون

?


تحية العروبة الخالصة إلى السيدين: محمود الملاح، ومحمد جعفر مال الله؛ العراقيين. للأستاذ الملاح على تآليفه الأربعة التي تمتعت بها في عزلتي القروية، وللسيد مال الله على تفضله بإرسالها.
نحن إلى مثل هذه الكتب أحوج منا إلى سواها؛ لأن عروبتنا الثقافية في انهيار وركود. صرنا كصرح مطمور أكثره بالتراب، وخير ما عندنا تحت الأرض، فبدلًا من أن نكشف الردم؛ ليظهر الأثر الرائع المطمور، نحاول أن نقضي على الظاهر منه للعيان ونهم بتشييد غيره على غراره، وما يخرج من تحت أيدينا إلا بيوت تتداعى عند هبوب أول نسمة.
«نتوقع من قلمكم كبح الشعوبية المترعرعة في الجبل الأشم» بهذه العبارة ذيَّل الأستاذ الملاح إهداء كتبه الأربعة وعنوانه: المجيز على الوجيز.
أما العروبة، ونقيضها الشعوبية؛ فقد كنت لها منذ نشأت وليست دعواي كدعوى آل حرب في زياد، وآثاري تدل عليَّ.
عندما كنا ننادي بالعروبة كان الكثيرون ناسين أو متناسين أن في الدنيا عروبة، وعندما استعرب الجميع استعرابًا سياسيًّا سكتُّ أنا، ولكن ظللت عربي اليد والوجه واللسان. قلت: اليد، مع أني لست طعَّانًا ولا ضرابًا؛ لأني — كابن ثابت الأنصاري — أجزع لرؤية الدم، ولكني إذا حرمت السيف والرمح فما حرمت القلم، فأنا ممن يدافعون باليدين كما دافع البحتري عن سيده المتوكل، وباللسان كحسان، والله حسبي.
فالشعوبية التي سألني الأستاذ الملاح كبحها فسأكون عند ظنه بل قد كنت، وإنني أرجو منه ومن جميع إخواننا العرب الخلَّص أن يكافحوها في جميع الأقطار، وإذا كان الملاح يحسب الدعوة إلى اللغة العامية والحرف اللاتيني شعوبية — وهي شعوبية حقًّا — فهذه أضعف ما تكون عندنا، وهي عرض زائل، وقد هبَّ مثل هذا الزعزع عبر العصور ولكنه يذهب كما تذهب ريح صرصر. إن العواطف زائلة، أما الرياح التي يرسلها الله بشرًا بين يدي رحمته فباقية.
ولو لم يكن الأستاذ مطلعًا على ما كتبته في أوان مختلفة حول هذين الموضوعين لما خصني بهذه الكلمة وأنا ممتثل لها وسأظل للفصحى نصيرًا، وللحرف العربي ظهيرًا، حتى لا نفقد لوننا وكل ما يفقد لونه حتى الزيت والخمر يخسر كثيرًا …
إن اللسان والحرف هما الجامع قبل الدين والجنس، وإذا لم نبقَ موحدين؛ كتابًا وكلامًا، خسرنا قيمتنا الاجتماعية وضِعنا بين الشعوب كما تضيع مياه النهر في البحر العجاج.
والفرق بيننا وبين من تظنهم أنت — يا سيد محمود — شعوبيين؛ فهو أن هؤلاء يحاولون التجديد الذي لم يحسنه بعضهم. وإلى هؤلاء، وهم من عندنا وعندكم، أقول: جددوا في اللغة ما شئتم، ولكن لا تفرنجوها. وليكن تجديدكم تطعيمًا، فالتطعيم ضروري جدًّا، ولا تتحسن الأجناس إلا به، أما قلع الشجرة وغرس سواها فنكبة. اصقلوا الخشب ولا تدهنوه. ابقوا على العرق؛ لنظل معروفين بسماتنا بين الأمم.
وبعد يا أستاذ فلنتصارح: المطمورة تكسر السكة — المحراث — فأول من يتهم بالشعوبية هم الموارنة، وأحسب أنكم تعنون ذلك، أما أنا فعلى هذا أجيب: إن نصرتنا للفصحى قديمة العهد، أي منذ كانت وكنا، وقد أغنيناها حين كان أكثرنا سريانًا، ثم زدنا ثروتها أضعاف الأضعاف حين استعربنا؛ فالكتب النفيسة التي ترجمناها عن اليونانية، عدنا فعرَّبناها وتنكرنا للسريانية. أظنك تجهل تافيليوس الرهاوي، الماروني رئيس ديوان المنجمين، قد ترجم الإلياذة قبل سليمان البستاني. كان هذا العالم أقرب المقربين إلى الخليفة المهدي، وهو أول من عني بوضع الحركات السريانية الخمس طبقًا للحركات اليونانية، فاستقامت له ترجمة أسماء الأعلام.
فلا توصِ حريصًا على مقاومة الشعوبية، فأسلافنا الجهابذة الأعلام قد بيضوا وجهنا، ولا يزال فينا من يبيض الوجه، ولكنهم قليلون. إن تأثر الجبل بالغرب لا يضير بشرط ألا يكون متطرفًا. فشعراء المهجر قد جددوا وظلوا محافظين، وشعراء لبنان المقيمين نحوًا نحوًا آخر في تجديدهم، ولكنهم جددوا ولم يهدموا كما يفعل غيرهم من شعراء الأقطار الأخرى، فكافح أنت من عندك وعليَّ بمن عندي فاليد الواحدة لا تصفق.
يقولون: لغتنا صعبة وألفاظها عويصة، وأنا أقول لهم: دعوا العويص واكتبوا السهل صحيحًا تخلصوا من هذا التبرم باللغة وقواعدها. من لا يفهم ما يكتبه سعيد فريحة؟! وإني لواثق أنه لا يفتح معجمًا ولا يفتش عن عبارة، فلماذا لا يكتبون مثله؟! ولماذا يلجئون إلى طلاسمهم؟!
لقد حدثتك عن هذا؛ لأنك تقصد هذا، فلبنان السياسي لا شعوبية فيه، وإن وجدت فهي عندنا، كما هي عندكم، وكما كانت في كل عصر، فقل معي: قاتل الله ثلاثة أشياء: شهوة الحكم، والمال، وتناحر الرجال.
?


وإلى صديقي ن. ف. أقول: وصلني مكتوبك وعليه طابع بريد بيروت، وقد استعرضت أسماء جميع أصدقائي فلم أهتدِ إلى اسمك. ولكني أجاوبك وأشكرك؛ لأنك شققت لي طريقًا إلى حديث كان يشغل بالي.
تسألني: لماذا لا أساهم في السياسة الكبرى؟ وعلى ذلك أجيب: لقد كفاني صديقي ورفيقي القديم، الأستاذ إميل الخوري، المفكر الكبير، شر السياسة، منذ كنا معًا، ومنذ ذلك الحين لم أبحث شأنًا خارجيًّا.
إن المبدأ الأول يقول: ابدأ بنفسك، ثم ببيتك وموطنك، وأظنني أفعل ذلك. غيري يصب طسته المغلي على رءوس المسئولين، وإني أشاركهم أحيانًا، ومع ذلك فقد يئست منهم؛ لأن الكلام لا قيمة له عندهم، وأنا، حامل قلم لا صاحب نبُّوت … مهنتي أن أعد شبابًا يحلون محل هؤلاء مؤهبين لحمل أعباء الحكم بنزاهة وحزم، وبدون محاباة.
ما لك وما لي يا صديقي ن. ف. فالذين يعالجون شئون الساعة لا يحصون، والطامحون إلى الكراسي من الأدباء لا يعدون، حتى إنني خفت على أدبهم أن يغرق في هذا البحر الطامي. فكل حامل قلم تقريبًا لا يهمه إلا أن يلقي مغرفته في قدور السياسة ويشيل منها ما يطيب له.
ثم ألا ترى معي أن على كل منا أن يدور في دائرة معينة. فلو كان تطاول أحمد فارس الشدياق والبستاني واليازجي وصروف والجميل إلى الوظائف، فمن أين كان لنا شرف نصرة الفصحى في القرن التاسع عشر! ولو كان فلان وفلان، من علمائنا وفلاسفتنا وشعرائنا في مختلف العصور، وقد انصرفوا إلى سياسة الجماهير، فمن كان ساس العلم والأدب؟! ولو كان وسوس الخناس في صدر الريحاني وجبران، فمن أين كان لنا أديبان عالميان؟! من يذكر منا أمجاد الشدياق السياسية؟! ومن ينسى منا الفارياق وكشف المخبأ وسر الليال؟ إن مرض الأدباء اللبنانيين هو تلفتهم صوب الكراسي، والكراسي التي خلقت لهم هي غير كراسي الحكم، ولهذا نراهم يدرسون السياسة على ضوء شخصياتهم ويقدمونها مثلًا عليا من حيث يدرون أو لا يدرون.
كان الأمير اللبناني يعرض السيف، ويشك الخنجر، وقد عمل لبنان السياسي الذي نراه. أما الفريق الذي عمل لبنان الثقافي الباقي؛ فهو الذي كان قلمه سيفه، ودواته خنجره، ودرعه جبته، وتاجه عمامته. نعم عمامته؛ لأنهم كانوا جميعًا يتعممون.
فأي بأس عليَّ إذا ظللت في دائرتي، ولم أتخطَّ حدود منطقتي، فلا أكتب إلا في الشئون التي انتدبت لها. إن بنيان الوطن يقتضينا ترسيخ الأساس وتوطيد البنيان حتى يثبت في وجه الزلازل العتيدة، وهذا الأساس هو النشء. إن ثقافتنا مهددة بالانهيار، فعلينا تدعيمها وسندها بكل قوانا، وإلا صرنا بلد التعتيم بدلًا من بلد الإشعاع.
إن اللبناني شبعان سياسة، وقد تسربت السياسة اليوم إلى المدارس فأغرقتها، ولكنها سياسة عرجاء تخمع وتظلع خلف أناس يريدون الوصول على ظهور غيرهم.
والآن أستأذنك يا عزيزي ن. ف. لأعود إلى أغنامي، كما قال رابليه، وما أغنامي غير التلاميذ. لقد صار الخريف قريبًا وأخذت أوراق العريش والتين تصفر، فلأعد إلى طلابي، تاركًا لغيري معالجة الطلاب الذين هم أكبر منهم سنًّا …
يقول التلاميذ: ما بال هذا الرجل يلحقنا إلى بيوتنا! أما شبعنا من نصائحه! أليس الصيف للاستراحة؟
نعم يا عزيزي، ولكن في الصيف تحصيلًا من نوع آخر. فالتحصيل المدرسي دواء لا بد من تجرعه، أما التحصيل الذي أدعوك إليه؛ فهو مغذ ولذيذ الطعم لا نجده في المدرسة، فالمناهج الموضوعة لك، وسنعالجها في قابل، تضيق عليك ولا تترك لك وقتًا للمطالعة مع أن القراءة النافعة هي الغذاء العقلي والدم الجديد.
تعلَّم مما تقرأ. إن الطب الحديث يدخل في عروق الضعفاء دمًا جديدًا، وليتر الدم يسوي ثلاثماية ليرة. لا تخف، فما أنا جراح أريد إدخال دم جديد، فالدم الذي أعنيه هو القراءة، وسأكون معك خفيفًا لطيفًا فلا أحملك في العطلة التي انتظرتها ما يثقل عليك. إنني أدعوك إلى مجالسة صديقك الكتاب ولو ساعة، أسألك ألا تجافيه وتعرض عنه، فهذا الصديق هو أبقى لك من كل الناس.
إن وصيتي لك ليست بدعة جديدة، فأنت طالب معرفة وعلم، وأول آية أوحى الله بها إلى الإنسان هي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فأنا إذن لم أتجاوز معك حدود الله، فاقرأ وتوكل عليه، وكما أوصى القرآن الكريم بالقراءة، كذلك قال الإنجيل: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
فالإنسان يحتاج إذن إلى خبز آخر، هو خبز المعرفة. وهذا الخبز لا تجده إلا في معاجنه الخاصة، أي الكتب. فالدول اليوم تحشد كل قواها؛ لتنور عقول شعوبها، ولا حيلة إلى ذلك غير حمل الرعية على القراءة، فتوصلوا أخيرًا إلى توجيه مكتبات نقالة تطوف القرى في الضواحي، وأعالي الجبال. وتدعو الناس إلى المطالعة بالمجان.
أعرفتْ أن أول من حضَّ الناس على مؤاخاة الكتب والدفاتر، هو ناطق بالضاد مثلك، وهو أبو الكتاب العربي؟! إنك تدرس شخصية هذا العبقري وأدبه؛ فهو الذي انبرى إلى الدفاع عن الكتاب منذ ألف ومائتي سنة.
ذاك هو الجاحظ الذي اجتمع في شخصه الضدان: الحلاوة والبشاعة. رووا عنه أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين ليلًا؛ ليقرأ ما فيها من كتب، وقالوا: إنه لم يعثر بورقة إلا لمَّها وقرأها ولو كانت على مزبلة … أعرفت إذن إلى ماذا أدعوك؟ إلى المطالعة صيفًا، فاجعل لكل شيء وقتًا، ولا تنس الكتاب من وقت يومي، ثم لا تخرم الميعاد. إن الكتاب حبيب لا يطرح نفسه عليك ولكنه دائمًا في انتظارك. ينتظر منك غمزة ليجيئك. عبدك بين يديك، كما كانت تقول المرحومة ستك في حكاية «خاتم لبيك».
وبعد، يا عزيزي، فالكتاب هو الذي عمل العظماء وخلق العبقريين. أليست الدنيا كلها هي كتاب الله الأعظم! وقد قالوا: لكل أجل كتاب، ولكل إنسان كتاب يحمله بيمينه حين يقف بين يدي ربه! فتمرن أنت منذ اليوم لتحمله جيدًا وتكون من العارفين. فالكتب هي سجلات المعرفة الماثلة دائمًا بين يديك، أما السينما التي لا تخلف مواعيدها فهي معرفة أيضًا، ولكنها معرفة عابرة ضائعة بعد حين، كما قال الشاعر:
كل علم خارج القرطاس ضاعكل سر جاوز الاثنين شاع إن مواهبك المختبئة وراء ستر كثيف لا تتفتق إلا بالقراءة. أنسيت ما قلته لك: المدرسة تعلمك القراءة، والجامعة تدلك على الدروب. ولكن المدرسة لا تقرأ عنك، ومتى علمت أن نوابغنا ونوابغ الدنيا جمعاء لم يتعلموا مثلك ليأخذوا شهادة، ولكنهم قرءوا، فاقرأ أنت مثلهم بإمعان لا لتتسلى فقط. إذا كانت أجسادنا تحتاج إلى بعض حبوب الفيتامين، أفلا نحتاج يوميًّا إلى القراءة لنداوي في عقولنا فقر دم؟!
وإذا سألتني قانونًا للقراء قلت لك ما قاله برنارد شو: القانون الذهبي في هذه الحال هو أنه لا قانون هنا. قس القراءة على الأكل، أما قال أبوك وجدك: كلْ ما تشتهي نفسك. فكل غذاء تشتهيه النفس ولا يستطيبه الآكل يكون كالدخيل على الجسم، فاقرأ إذن ما تحب. كن واثقًا بنفسك واعلم أنك ستكون رجلًا إذا طالعت، ومن يدري أنك لا تصير من أصحاب الكتب التي تقرأ وتنير إذا اجتهدت. يسرني أن أشجعك، ولهذا أقول لك جملة، لا أذكر أين وقعت عليها: إن الكتب العظيمة تطبع في المدن والعواصم الكبرى، ولكنها كتبت وتكتب في القرى، أو في الأحياء الحقيرة. وهذا لا يكون إلا إذا قرأت كل يوم بانتظام، فقراءة ساعة كل يوم تمكِّن كل ذي مقدرة عقلية عادية أن يصير مثقفًا عارفًا في غضون بضع سنوات. أنت تلازم المدرسة بضعة عشر عامًا ولكنك قلما تقرأ غير الدروس المفروضة عليك، فليتك تنتزع من الأوقات التي تضيعها ساعةً للقراءة والكتابة.
فمؤلفة كوخ العم توما قد ألفت هذه الرواية الشهيرة بما انتزعته من وقت كان يضيع لولا حزمها. ولونغفلو ترجم جحيم دانتي في الدقائق العشر التي كان ينتظر فيها غليان قهوته كل صباح. والفردوس المفقود لملتون نظم في اختلاس بضع دقائق يوميًّا.
لا تيأس مهما كان عقلك سميكًا، ولا ننس أن شاعر الكنيسة، ملفان البيعة، مار إفرام السرياني، كان قد قنط من عقله السميك لو لم يسأل تلك المرأة عن خرزة البير التي براها الحبل على طول الأيام.
لا شك في أنك — ككل ناشئ — تطمح إلى أن تكون شيئًا مذكورًا، وها قد دللتك على طريق العظمة، فنظم وقتك. بحياتك قل لي: مهما تكن مجنونًا وأبلهَ هل ترمي بليرة على قارعة الطريق كما ترمي بعض النفايات؟! الجواب: لا. فما قولتك إذن بالذي يرمي على طريق الحياة ساعة زمان كل يوم. إننا نرمي الساعات ولا نبالي.
قد انتهت معركة امتحانات حزيران، وأيلول صار على الباب، فإن كنت لم تفز، فرجائي ألا تكون قد أضعت فرصتك في صيد «الحجلات» ورمي الشباك «للحمامات» التي تفرفر حول بيتك وتهاجمك من الشباك … سد النوافذ سدًّا محكمًا وضع كل وكدك في منهاجك، ولا تسمعنا تهديدك بالانتحار. لقد ولدنا للحياة، فلماذا نستعجل الموت. فدرس متواصل يغنينا عن تمثيل هذه المأساة. الشهادة كالحرية تؤخذ ولا تعطى، فحصلها بدرسك. ومع ذلك فإني أرى كل شهادات الأرض لا تساوي حياة واحد من الناس مهما كان تافهًا.
سألني الكثيرون: من أين لك الوقت لتكتب كل ما تكتب؟! وهم لو عرفوا أنني صرفت حياتي كلها في هذا الميدان، ولو كنت حرصت — كما يجب — على عدم ضياعها، لكان لي أضعاف ما لي. ويسألني غيرهم إذا كان عملي التعليمي يحول دون عملي الأدبي، فإلى هؤلاء أقول: إن رجال الأدب في عصر دانتي كانوا كلهم إما تجارًا، وإما أطباء، أو قضاة، أو جنودًا.
وأنا أعرف كثيرين قد انتزعوا شهرتهم من بين أشداق الفاقة. إذن إلى ماذا ندعوك بعد طول هذه السيرة؟ ندعوك إلى الدرس، إلى القراءة ساعتين يوميًّا في فرصة الصيف، فيسمن ضلعك، وتعود إلى المدرسة قويًّا نشيطًا.
كثيرًا ما يعود الطالب إلى مدرسته في تشرين وقد نسي كل شيء تقريبًا؛ لأنه طلَّق كتبه وأشاح عنها إلى غيرها … إن هذا الطالب لن ينجح. وكثيرًا ما أعرف من أولياء طلاب، يعلمون أبناءهم صيفًا؛ ليقفزوا في صفوفهم. إن العلم لا يدرك بالقفز والجمز والنط، فالثمرة التي لا تمر في جميع أطوارها لن تكون شهية لذيذة، فلينضج أبناؤنا على مهل، فهم ثمار الإنسانية.
فلنمتِّن حيطان ثقافة أبنائنا ولا ننح باللوم على مدير التربية وأعوانه إذا قصَّر أبناؤنا، ولنسهر على أولادنا، فهم في حاجة إلى ذلك. وإذا سهرنا على تصرفهاتهم المسلكية، في الفرص المدرسية — وما أكثرها — أمنا وقوع الكارثة.
فيا أيها الآباء المحترمون، فلتكن أعينكم على بنيكم عشرة عشرة، كما يقولون: ففي هذه السن يتقرر مصيرهم. لا أريد بهذا أن تضايقوهم فيتمنوا زوالكم — كما قال معاوية — بل خذوهم بالحسنى، ولا تجعلوا نصحكم لهم مصارعة؛ لئلا تصرعوا معًا. وإذا رأيتم أقل فتور بين ابنكم والكتاب، فحاولوا أولًا أن تؤلفوا بينهما، وإلا فتداركوا ذلك بالمفارقة، فنصف الدرب ولا كلها.

الزبيبة والعود


(?) قوانين وتشريفات

نحن في لبنان نغطي السماوات بالقباوات، نفصِّل القوانين على قدِّ الأفراد، من محاسيبنا وأنصارنا، وفي الوقت عينه نتوسل بها ونضعها لنطرد إلى الظلمة البرَّانية من ليسوا على غرضنا، أو من مسَّوا في محنتنا قدس أقداس ذاتنا بكلمة حق، بينما كان ينتظر منهم أن يداجونا ويحابونا؛ ليحوزوا على رضانا الشاهاني. لكأني بهؤلاء يجهلون أن للسيادة أطوارًا مثل غيرها: شبابًا، وكهولة، وشيخوخة. لم تعظهم حكايات تابوت العهد، ولكل عهد تابوت، فبعد ما كان من يمسه يصعق جره ثوران جرًّا …
إن كل دولة من دولاتنا تنفق أكثر مما كانت تنفقه دولة سلطان بني عثمان، فذاك السلطان لم يكن يزور أحدًا، كان كرئيس أميركا اليوم، لا يخرج من دياره. أما رؤساء دولنا اليوم، فشمَّامون هوا، قطَّافون ورد … كأن لا عمل لهم في بلادهم ودواوينهم، فهناك من يعمل عنهم فيكفيهم مئونة مداورة الشئون ومعالجة الشجون … لا نسمع إلا بمؤتمرات تعقد هنا وهناك يذهب إليها هذا الوزير أو ذاك المدير والسفير ويعود منها مظفرًا … وتتناول الصحافة الموالية له الحديث فتجعل من الحبَّة قبة، ونحن نكون قد دفعنا ثمن هذه الحبة ما لو أنفق على أحقر قرية، لرفَّه عنها وجعل جحيمها نعيمًا.
تبنيج

ومنذ وجدت هذه الدولة اللبنانية وحديث المشاريع الإنشائية يملأ آذاننا وقلوبنا. والحياة، لولا الأمل، لا تطاق. كلما تبدل حكم وضع الشعب على المشرحة وجاءوا بالإبر والكمامة؛ ليبنج؛ ليبنجوه بالمشاريع الإنشائية … وكلما دنت الانتخابات قالوا لنا: في الميزانية القادمة نفعل كذا وكذا، والجالسون على كرسي موسى يبحبحون حصة النائب الراضين عنه؛ تمهيدًا لفوزه، وسيان عندهم أعمل أم لم يعمل للشعب، فالغاية تبرر الواسطة.
الغاية أن يفوز فلان بالنيابة؛ لينتخب فلانًا للرئاسة، أو يؤيد آخر للوزارة الأولى. وهكذا نمشي إلى النهاية على ضوء: حَكِّ لي أحكِ لك.
حدثني الدكتور أبو حيدر، وأنا في المستشفى، عن طريقته الحديثة عندما جاء يبنجني، فقلت له: أما في طبكم مشاريع إنشائية، إنها أقوى بنج وأحدث طريقة! ففي وزارة الثالوث سنة ???? بنَّجوني بالتليفون، ولو كانوا صدقوا لما جئتكم على آخر نفس. وفي عهد تلميذي الوزير الشاعر الدكتور سليم حيدر نمت على صوف، ثم راح، واستيقظت من البنج، وأنا لا أزال على شوك.
وفي ذلك الزمان أيضًا، وضعوا مشروعًا تليفونيًّا فبنجونا به، واليوم، ونحن على أبواب انتخابين: رئاسي، ونيابي، بنجونا بنجًا ثقيلًا جدًّا قد لا نفيق منه: مشروع تليفون يشمل لبنان كله، ومشروع مياه، ومشروع كهرباء، ومشروع طرقات، ومشروع أوتسترادات، ولم ينقصنا إلا سلالم تصل الأرض بالسماء كسلَّم يعقوب. وهل عندك يا دكتور بنج أفعل من هذا؟! نحن قوم كل أعمالنا تبنيج، والخشخاش نبات شرقي، فكلما احتاجت حكومة إلى صوتنا خشخشت لنا … بالمواعيد. رحم الله المتنبي.
قيل لواحد: قنطار مسك بذقنك! فصاح: هذه الكثرة لا تبشر بالخير! أما نحن فلا نقول شيئًا.
ودخل الدكتور حتي، في تلك الساعة فقال: كلما جئت أعودك أسمعك تحاضر، فما الموضوع الآن؟
فأجبته: قلت للدكتور حيدر الذي جاء يتعرف إلى جسدي؛ ليكون على بصيرة في تبنيجي: أنا معود على البنج! ففي جميع العهود، منذ الدباس إلى شمعون، والمشاريع الإنشائية تبنجنا. ولولا زنود المساكين، أهل الضيعة، لما كان لنا طريق، ولولا ثورتي على الحكومة والرهبان لطار نبع قطره وغطَّ في دير كفيفان، ولم يبقَ لنائبنا النشيط الأستاذ ريمون إده ما يعمله ويربح ثقتنا أجمعين.
حقًّا؛ إن هذا أضحوكة، فلو سألت معَّازًا أو بقَّارًا عن المشاريع التي توضع، على سنوات، لضحك، وقال لك: ومتى راحوا من يشمِّر ويلحقهم؟ وقبل وبعد فما كان أغناهم عن هذه الوعود، فما دام لاعبو الكشاتبين موجودين والشعب غافلًا، تدخل الفوطة وتخرج من زلاعيمهم حمامات وعصافير، وعقبانًا وأغربة، إذا لزم الأمر …
وإذا كان أبو الهدى، نجيُّ السلطان عبد الحميد، بلع السيف، فوزير حربيته بلع الدارعة، كما أجاب الدالي فؤاد. والعهد بانتخاب السنة ?? غير بعيد. وأخيرًا؛ إن كل هذه المواعيد بالمشاريع الملايينية، على سنوات، تغني عنها ساعة عدل في الرعية، أو ظلم بالسوية …
تيتي تيتي

ما زلنا على هذه الحصيرة، فلا هي طويلة ولا قصيرة. فلماذا يتهيأ الذوات للمعركة الانتخابية، فليدخلوا من «الباب الضيق» كما قال المسيح إذا شاءوا دخول ملكوت البرلمان … فالشعب يقاد بخيط قطن.
جاء مبشر بروتستاني ليهدي حائكًا، من بلدة الزوق، سبيل الرشاد. وبعد السلام والكلام، قال له الزوقي: حضرتكم بروستنت؟
فأجاب القسيس: نعم، ومن أين عرفتني؟!
– عرفتك من كتبك، ولكي نختصر الحديث: وأنا ماروني. لا شك أنك تعرف ذلك، ولكنك لا تعرف ما يتهمنا به مناظرونا، يقول فينا القوَّال:
وحق الرب المتعلَّىواللي عَ الطور تجلَّىبحيثو موجود مار مارونما في حاجة لَ الله أنت تريد أن ترشدني وتجادلني، وأنا حيَّاك، لا أحدث غير النول، ومهما قدمت لي وأخَّرت لا خبز لك عندي.
قال هذا وتحلحل ليخرج من جورة النول، ففزع القسيس، حين أخذه الحائك بيده، وقال له: قم معي. فقاما، ومن قدام باب دكانه دله على بكركي، وقال له: رح جادل البطرك، فإذا اتبعك فكلنا نتبعك على الهينة، فلماذا تضيِّع وقتي ووقتك؟
وأنا أقول للسادة المرشحين — جددًا وقدماء: ما لكم وما لنا، اذهبوا إلى المختص بفبركة النواب، وهو يغنيكم عن تدلل الناخبين ولو ساعة من زمان.
إنها نيابة لا تهش ولا تنش، فكما يقود الضيعة واحد أو اثنان، كذلك يقود النواب واحد أو اثنان، والفاخوري مسلَّط على طينه، كما قال مار بولس، يصنع منه إناء للكرامة، وإناء للهوان، فهذا يصير وزيرًا، وذاك يبقى حتى يخرج كما دخل: تيتي تيتي مثلما رحتِ جيتي.
التجديد الرئاسي

الجريانات الدموية تكون عادة في شباط وآذار، أما جريانات ماء المستوظفين عندنا في لبنان، فموعدها أيلول، مع أن مثلنا يقول: أيلول طرفه بالشتا مبلول. في كل مرة يأتي المعارضة المخاض في شهرها هذا، وهي تارة تلد وطورًا تتوجع لا غير.
فالثورة على المير بشير كانت في هذا الشهر، وثورتنا على يوسف باشا فرنكو كانت فيه، والثورة على الشيخ بشارة كانت فيه أيضًا، واليوم نسمع دندنة ولا ندري إذا كان يفوع القفير … ومن غرائب الصدف أن جميع انقلاباتنا كانت بيضاء …
ما أشبه الليلة بالبارحة، أشاع أخصام الشيخ بشارة أنه لم يكتفِ بالتجديد، بل يريد أن يجعل ولايته الثانية أبدية، لا إلى الجيل الثالث، كما يمنح الباباوات الغفرانات الكاملة. فحميت حديدة المعارضة. وعبثًا حاولنا إقناع أكثرهم حدة بأن الإشاعة كاذبة. وقد جرى بيني وبين أبرز شخصياتهم حوار حول هذا الموضوع، ولست أذكر التفاصيل وأقدم الشهود إلا إذا رُخِّصَ لي بذلك.
إني أقول هذا ليفهم الناس أن فكرة التجديد أبعد ما تكون عن بال الرئيس الحالي؛ فقد عوَّدنا أن يكون منسجمًا مع نفسه وهو لا يؤيد اليوم ما شجبه بالأمس. أقول هذا بعدما قرأت في مجلة كل شيء: أن المرشحين لرئاسة الجمهورية بلغوا العشرة عددًا، وأن التجديد للرئيس شمعون أصبح أمرًا واقعًا. أما أنا فأقول: لا. فالخلاف كله واقع على اللحاف، فهل نتغطى به دائمًا! وكيف ننام والبردانون يوحوحون حولنا …
أنا حضرت بنفسي ثورة أيلول على رئاسة المير قبلان بللمع وناصيف الريس وغيرهما، وقد ذكرني الأستاذ إميل خوري بكلمة يوسف باشا لنا: «فين وكالاه» يعني أين وكالتكم عن الشعب؟ فأراه الشيخ كنعان الضاهر تلك الوكالة الناطقة، حين فتح باب شرفة الباشا، وأراه ساحة ميدان بتدين تموج باللفات والطرابيش. فنام دولته على «عدم الثقة» وعزل لنا من طلبنا عزلهم، وعين من طلبنا تعيينهم، وهكذا كانت ثورتنا — كما هي في كل حين — ثورة وظائف. ولا أكون مبالغًا إذا قلت: إن كل من يقرأ أو يكتب في لبنان يحلم بوظيفة ما. أذكر أني قلت لمستوزر: وأنت أيضًا يا …
فأجابني بنبرة: مستصغرني! ما زال فلان صار وزيرًا، فأنا يحق لي أن أحلم بالرئاسة.
غريب شأن هذا البلد! لقد هزل الحكم فيه حتى سامه كل مفلس. وعلى كل، فإني أرجو أن نكون دائمًا خيرًا مما نحن، ولا أحسب أن التجديد يضيرنا، نحن المساكين، ولكن يضير المنتظرين على أحر الجمر فكل يحلم بدوره: أما قال الأستاذ الظريف أبو شهلا: ولماذا لا أرشح نفسي، أما كان الدباس رئيسًا؟!
قالوا للبطرك إلياس: عندما كنت كاهنًا كنت فظًّا تضرب بالعصا، ولما صرت مطرانًا اكتفيت بالعياط، ولما صرت بطركًا بردت؟!
فأجاب: لما كنت كاهنًا كنت متكلًا على المطارين، ولما صرت مطرانًا بقيت متكلًا على البطرك؛ ليرقع ما أخزق. أما وقد صرت بطركًا، فما أمزقه لا يخيطه أحد.
وأستاذنا الذي تسميه الصحافة، برنادوت لبنان، إذا صار رئيسًا، فهل عند برنادوت آخر! كما يقول أبو نواس للأمين:
من ذا يكون أبا نواسك إن قتلت أبا نواسك لا حاجة إلى التغيير، وإني أقترح أن يظل شمعون رئيسًا فلا نجيء برئيس غيره. هذا تمرن ويكون أكثر خبرة ودهاء من رئيس جديد. رحم الله رياض الصلح الذي قال: قد بنينا دولة ولم نؤسس وطنًا. فبناة الأوطان لا يغضون النظر عن مسيء، فكيف بالمجرمين والسرَّاقين الجناة …
كاد أن يكون أكثر لبنان موظفًا، وهناك عائلات لم يبق منها أحد بلا كرسي … نضع القوانين طبقًا لهؤلاء، والأقربون أولى بالمعروف. ولو أننا سهرنا على ما يبلغ الكثيرون، وعلى ما نرصده للمشاريع، لكان لبنان زينة الدنيا.
ولو لم نتراخ مع الذين أخصبوا وسمنوا، وصاروا كعصافير التين ولم يعلقوا؛ لأن دبق صيادينا شائبة … لكانوا عبرة لغيرهم ولم يحلم الآتون بعدهم بما كسبوا من صناديق الحكومة.
كنا ننتظر من السيد شمعون أن يضرب بعصًا من حديد على تلك الأيدي، ولا يدعها تمتد إلى أبعد من أنوفها، فهل إذا جدَّد، يكون أقسى قلبًا، ولا يدع أحدًا يقضي بالأمر دونه؟
أنا أتمنى أن يجدد، كما أتمنى أن يكون قاضيًا على الفساد؛ فقد عمَّ الفساد وقلَّ الحياء، حتى إن البسطاء يريدون أن يثروا كما أثرى غيرهم.
السيد السنوسي

قرأت في صحفنا أن الملك الجليل: إدريس السنوسي، الذي زار لبنان منذ أسبوعين، قد ألغى ألقاب الأمراء وأسقط عن نفسه لقب الجلالة؛ لتظل لله وحده. وأمر بإلغاء جميع الألقاب والاكتفاء بلقب واحد هو السيد.
فهل يرضي هذا من ينتحلون الألقاب ولا لقب لهم؟ ثم ما يقول أصحاب الألقاب الضخمة، من معالي ودولة، ولا أقول فخامة؛ لأن صاحبها كما أعهده، لا يهمه إن سلمت عليه بها، أو باسمه حاف.
كانت هذه الألقاب الضخمة تسبق اسم من كان يسوس هذه الولايات والمتصرفيات التي أصبح على رأسها أصحاب جلالة وفخامة. إن لقب السيد الذي ارتضته مصر، ثم ملك ليبيا، فيه كل ما نطلب من عظمة. وهل من كلمة أعظم من السيد! كنا لا نكتفي بالجلالة لمولانا السلطان، وكان لا يكون المراقب راضيًا إذا لم نقل سيد البلاد، فأين من هذه كلمة معالي ودولة وغيرهما. فليتنا نكتفي بكلمة سيادة. وإذا غضب رجال الدين قلنا لهم: تكفيكم ثيابكم وعصيكم المذهبة، وإلا خذوا لقب نيافة؛ لتميزوا به، كما تميزكم منا أثوابكم الأرجوانية.
وأخرى أتت من سيادة ملك ليبيا — إدريس السنوسي — وهي أنه قبل الجلوس على العرش، قد عدَّل بل ألغى كل ما أعطاه إياه الدستور من سلطات واسعة، واختصاصات كبيرة. وهذا ما وعد به السيد كميل شمعون — رئيس جمهوريتنا — وسوف يفي متى جدَّد …
وثالثة جاءت من هذا الرجل الذي يذكرنا الخلفاء الراشدين والبطاركة الأولين. قد أمر بأن يرفع اسمه من الشوارع والميادين والمؤسسات، وكذلك أسماء أفراد عائلته.
وذكرني إلغاؤه الاحتفال بعيد مولده، وحذفه من أيام التعطيل، بما قرأت عن الإخوان الوهابيين حين رأوا بدعًا في عيد جلوس الملك عبد العزيز آل سعود، فكتبوا إليه معنفين وأجابهم مسترضيًا إياهم. ومن قانون البيت المالك، ألغى السنوسي جميع الحصانات والامتيازات، وأمر أن لا تقبل هدية ودية فردية أو جماعية تقدم له بمناسبة عيد ميلاده أو عقد قران ملكي …
إن هذه الديمقراطية والمساواة طبع عربي أصيل، أمَا غضب الإمام علي — كرَّم الله وجهه — حين سمَّى عمر الفاروق خصمه اليهودي، وكنَّاه هو؟
وخاتمة المطاف، أمر السنوسي أن تدفع الرسوم الجمركية عن مستورداته الخاصة.
مرحى وألف مرحى لهذا الحاكم الصالح، وإذا لم تلِ الأحكامَ رجالٌ على شاكلته، فلا تتم نهضتنا السياسية والقومية الإنسانية. لقد أغوانا التكالب على جمع المال بالحرام والحلال، وصارت المناصبُ مناصبَ ترفع عليها قدور المنفعة والإثراء … فبينا يكون الرجل — عندنا — لا يظفر بعشاه إلا بالكد، إذا به يقيم المآدب ويحيي السهرات؛ أسوة بالذوات. لقد وقع على صندوق سائب، فقبر الفقر إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين. ولا أقول آمين، لئلا أدعو على الشعب البائس المسكين.
المعركة الانتخابية

ما كان يصلي أحدٌ لولا ما يرجوه عند ربه من ثواب، فهل نلوم رجلًا يسعى لإدراك النيابة وهي أكلة شهية غير ثقيلة على المعدة؟!
في كل الدنيا تشتد الحملات الانتخابية وينفق المرشحون عن سعة، وإذا لم يكن عندهم مال اقترضوا أو استدانوا؛ ليضمنوا الفوز. فلا نظنن أن لا أحد يبذل في هذا السبيل إلا المرشح اللبناني، فغيرنا يعدُّ العدة لهذا الأمر، ثم لا ينام لئلا تفوته الفرصة الذهبية؛ فرصة خدمة الأمة، ولذاك تراه بعد الفوز أشد منه حماسة قبله، ولا يتنكر للناخبين قط، وقد يكون هذا هو الفرق بيننا وبين الآخرين. أما البذل والإنفاق فلا بد منهما، وليس على الإنفاق حرج إذا كان بلا نفاق. فواشنطون ولنكولن — الرئيسان العظيمان — أقلقتهما ديون الحملة الانتخابية.
إننا نطلب وجوهًا جديدة ودمًا جديدًا لمجلسنا العتيد، ولكن الوجوه الجديدة لا دم في جيوبها … أما عندهم، فالأحزاب هي التي تعطي الدم … أما الناخب اللبناني، فقلما يباع ويشترى، ولا يساق كالنعاج كما يخيل إلينا، وأكثر الناس لومًا وتقريعًا للناخبين هم الذين كانوا سماسرة، ثم انقلبوا مصلحين يحدثون الناس عن المثل العليا والبطولة المثلى …
ما أبعد أفواهنا عن آذاننا! إن فمنا في قطب، وآذاننا في قطب.
رحم الله التوت

قرأت خبر إنشاء مكتب للحرير، جديد، فامتلأ قلبي فرحًا، عندما علمت، أنه استهل نشاطه بطرح الصوت على منتجي الشرانق في لبنان، يبشرهم أنه سيوزع عليهم قريبًا بزر دود القز. رجوت أن يعود للبنان عزه وثروته وتضج الحياة في قراه بعدما انقرضت فيه هذه الشجرة أو كادت.
إن جيلنا الجديد لا يعرف شيئًا عن هذه الشجرة، ففرسان أحلامه، الوظائف والاستخدام، فهؤلاء يطلقون عليهم في أمريكا لقب أصحاب «الياقة البيضاء» استهزاء؛ لأنهم يهربون من ميادين الكفاح إلى ملاجئ المكاتب، مآوي العجزة.
كل هذا حسن، وكل مشروع هو فكرة أولًا، ولكن قضية توزيع البزر، على المزارعين، تذكرني بحكاية ذلك الشاعر الذي دعا صديقًا له، إلى الصبوح، أي تناول الطعام في العراء، وكان الاقتراح، على اقتسام الخطة، على الطريقة المعروفة عندنا بالعشرة الحلبية، فقال ذاك الداعي لصاحبه:
منك السميذ، ومني النار أضرمهاوالماء مني، ومنك السمن والعسل البزر موجود يا وزارة الزراعة، ولكن أين التوت؟ على ماذا يربى دود القز؟! لو كان يأكل ورق التفاح، فالأمر هيِّن؛ لأن التفاحة حلت محل التوتة. ولكن دودة الحرير، لا أدري إذا كانت تأكل ورق تفاح، وهب أنها تأكل، فالتفاحة تحتاج إلى ورقها، لتتغذى بنيَّاتها التفاحات.
ليس بزر دود القز مثل بذار الحنطة، فالأرض البيضاء — هذي لغة الفلاح — مستعدة لاستقبال كل بذرة على الفور، أما التوتة فلا بد لها من سنوات حتى تطعم.
مسكينة التوتة! لقد كافأناها، على فضلها، بقصف عمرها. كان ذلك قبل أن يضع أصدقاء الشجرة، مادة دستورهم الأساسية: ازرع ولا تقطع. فخلا الجبل من الأشجار التي كانت تكسو قممه وسهوله وأوديته جمالًا، بفروعها المشرئبة كالرماح، وخضرة أوراقها الزمردية. لقد كانت التوتة للبنان ثروة، أيما ثروة، وعمرانًا لولاها لم يكن. أحزن حين يقع نظري على البنايات القائمة حيطانًا بلا سقوف، أي معامل الحرير، فأتذكر المثل اللبناني الذي كان يقول: بدنا قز عالدولاب تغني.
أجل، لقد انقطعت السمفونية اللبنانية بانقطاع خيط تلك الدودة، وحرمنا لبس الحرير، بعد موت التوت في جبالنا. ماذا بقي يا حضرة الوزارة، شرفي زورينا في العمر — لا في السنة — مرة، فهذي قريتي التي كان التوت يزنرها ويكللها. ففي بطاحها توت، وفي أوديتها توت، وعلى جبينها توت، وعلى عبري نهرها الشتوي توت، وحول بيوتها توت، أما اليوم فلم يبق فيها إلا بضع عشرات. كانت تصدر ثلاثة آلاف أقة شرانق، واليوم لا يمكنها أن تصدر إلا أقات معدودات، هذا إذا كان عندنا بعد، من يربي هذه الدودة الذهبية.
أقول هذا لأن الفلاح صار مثل الراهب، ولولا الراهب ما عمرت جبال لبنان، ولكن الزمان تغير، وتغير معه الفلاح، والراهب صار يؤثر سكنى القرى والدساكر والمدن بعدما كان ناسكًا يعتصم برءوس الجبال، ولا يخرج من ديره إلا متلثمًا بأسكيمه كالمرأة الزمِّيتة المحافظة. وكذلك شباب الضيعة اليوم، فإنهم يؤثرون المدن، ويفضلون رشق وردة، في عروات بالطاتهم، على شك المنجل والمجز في زنارهم، وعلى سوق بقرهم وحميرهم إلى ميادين العمل الحر. إنهم يفضلون الاستخدام ولو أكلوا من كيسهم، ولهذا انبشمت المدن وضاقت العاصمة، وخوت القرى من كل شيء إلا العاجزين.
وعلى كلٍّ فالكحل خير من العمى، سلمت يد وزارة الزراعة، ولعلي أعيش حتى أسمع الفلاح اللبناني يغني موالنا القديم: بغال محملي، وجراس بتعنّ.
ولكن الحمولة اليوم غيرها بالأمس. كانت على ظهور البغال ذات الأجراس التي جعلت من اللبناني العامي شاعرًا ملهمًا، وصارت اليوم في سيارات الشحن التي لا تمهل أحد ليستلهمها شعرًا؛ لأنها:
تمشي وعزرائيل من خلفهامشمِّر الأردان للقبض إن القلة لم تدرك بلادنا إلا عندما ذهب التوت، وخلت الديار من تلك الدودة، يا للعجب! اللبناني فلاح، والتفاحة «مدام صالون» لا بد من معاملتها حسب الإتيكيت، ومع ذلك أجْلت التوتة عن ديارها وتربعت هي فيها.
فالتوتة لا تطلب أدويةً وعقاقيرَ تستعمل في إبَّانها، والتفاحة، إذا فات الفوت، نخرت الديدان جذعها وأفسدت ثمارها. التوتة لبنانية جبلية حقًّا لا تحتاج إلا الفلاحة، وعند الضرورة تستغني عن السماد. قضبانها للوقود تغني عن الكاز لإشعال المدفأة، وقشرها يسد مسد خيوط القنب، ولعله أفضل منها في مواضعَ. وهذا القشر يصلح علفًا للبقر.
وورق التوت موسمان: موسم الربيع؛ لتربية دود الحرير، وموسم الخريف «التشارين» علف أيضًا للبقر والخرفان وغيرها. وما يسمونه «الجزَّة» يغني عن الكرسنَّة، فيخلط بها التبن فتقبل على أكله البقر كما يقبل بعضنا على الملوخيا … وقد نسيت نصيب الناس من هذه الشجرة المباركة، فثمرها أشهى من ثمر الفريز وأكثر سكرًا وأطيب نكهة.
الخلاصة: هذا الموسم لا يضايق المواسم الأخرى … وهذه الشجرة المباركة خشبها أصلب وأجمل من الجوز الذي نباهي بقشره. الخلاصة: كل ما فيها ينفع ولا يذهب شيء منها هباء.
كان البيت اللبناني القبويُّ أكثر إيجارًا من أحسن بيوت المدينة، ففي خلال شهرين، بل من خلال خمسين يومًا فقط، يقبض صاحبه المبلغ المرقوم إذا صح الموسم، فيفي ما استلفه وما استدانه، ولذلك أطلقوا على موسم القز هذا الاسم: مخزق الكمبيالات، وما باع اللبناني عقاره وحرم قبض الليرات الذهبية إلا عندما انقرض موسم الحرير.
فلكي تنجح دعوة الوزارة أرى أن تبدأ هي بمزرعة نموذجية، تدعو إليها الراغبين في زراعة التوت، وتريهم النتيجة التي تدركها. أما توزيع النشرات وتقديم البزر، فهذا لا يكفي. إن لدودة القز محبة في قلبي وجميلًا في عنقي فلولاها لما تعلمت، فأنا لم أتعلم على حساب أحد، كان عرق جبين جدي ووالدي يغنيني عن طلب معونة الأوقاف والقنصليات وكل ذلك بفضل دودة الحرير.
لا أنسى عندما كنت أقطع توتة تُضايق زاوية البيت، فجاء إليَّ والدي وقال: مارون! هذا جزاء الفضل عندك … هذي علمتك! صار من الحق أن تغيروا القول القديم، فتقولوا: من علمني حرفًا صرت له قصابًا.
قصِّب يا ابني قصِّب … الذي لا تتعب فيه الأيادي لا تحزن عليه القلوب.
قال هذا وانفتل ولعله راح يخفي دمعة. فألقيت الفأس من يدي وتبعته أسترضيه بالقبلات والنكات وبقيت أعالجه حتى ابتسم.
فيا وزارة الزراعة، يجب أن يكون لك إيمان بحجم جبل صنين حتى تقيمي هذا الميت من قبره.
لقد ذهب الزمان الذي كان يلبس فيه اللبناني حريرًا؛ حياكة أمه، كما لبست أنا ولبس غيري من أترابي. لقد ذهب الحرير الحقيقي مع التوتة «السعيدة الذكر»، وحلَّ محله الحرير النباتي المزيف، ولماذا لا يكون ذلك، فكل الأشياء تلحق بعضها …
(?) عهد الدبابيس

إلى ح. م:

تلفنت لي لتلفت نظري إلى السرقة الأخطبوطية في قصر العدل، وهل من جديد تحت الشمس؟
«الناس» في غفلاتهمورحى «الأصابع» تطحن ولكن الغريب العجيب هو أن نراعي الطائفية حتى في الاختلاس والتزوير، فقلما شنت غارة إلا كان أبطالها من الملتين … لم نعد نحتاج إلا إلى التعمق في علم الفرائض لنتقاسم المواريث ولا يجنف أحد على أحد في توزيع تركة لبنان …
كنا نضحك من عهد الانتداب ونتهكم عليه؛ لأن دفع حوالة بخمس ليرات، بل حوالة بليرة واحدة، كان يمر على عشرة مكاتب على الأقل، وكل مدير أو رئيس مصلحة، كان يشك تصديقه في ظهر العريضة بدبوس إذا ضاقت الورقة عن توقيعه. لا أنسى قهقهة صديقي المرحوم الشيخ إبراهيم المنذر، حين سمينا ذلك الزمان، عهد الدبابيس.
أما الآن فنعترف أننا كنا مخطئين، فالحكومة الساهرة على مال المكلف، المجبول بعرق الجبين، يجب أن تشك في معاملاتها المالية، مسلَّات لا دبابيس. فأكثر جماعتنا، لا كلهم، يجب أن يكون موقف المسئولين منهم، كموقف مصارعي الثيران في إسبانيا … المنديل الأحمر في يد، والدبوس في يد، وإلا فإنهم ينصبون شراك حيلهم الجهنمية، وينطحون الصناديق بقرونهم الإبليسية، ويبقرون بطنها بنيوبهم الغولية.
أما رأيي في الفضائح التي لا نهاية لها؛ فهو أن جذورها لا تستأصل؛ ما زالت كلمة «بتتدبر» على ألسنة السماسرة، وما زالت الطائفية تدفع بل تستفز الرؤساء من دينيين ومدنيين ليدافعوا عن سفهائهم وينتصروا لهم … فاليد الطويلة لا يقصرها إلا الضرب عليها، بعصا من حديد، حتى تتقفع. كانت تقطع يد السارق؛ تشهيرًا له؛ ليعتبر به سواه، فما كثَّر عدد السارقين عندنا إلا «اجتهادنا» لاختزال العقوبة، وتهاملنا في التفتيش.
هل صفينا ثروة أحد من هؤلاء اللصوص؟ فما الحكم بلا قصاص، ولا تصفية، فلننتظر كل يوم فضيحة. فعلى الدولة أن تبث المفتشين الصادقين الأمناء في كل دائرة كبيرة وصغيرة، ومتى فعلت ستجد تحت كل تلعة يدًا تندس وما من يحس بها. وإذا لم يكن عندنا مفتشون صارمون، وبالتأكيد عندنا، فلنستأجر. فباب الإعارة والتأجير كان مفتوحًا ولا يزال …
إذا كانت الطبيعة عاقبت الهر على جريمته، فأخرجته من «المرطبان» خاوي البطن طاوي المصير، فلماذا لا نفعل نحن مثلها مع القطط، المغيرة على صناديق الدولة.
يروون أن هرًّا احتال حتى دخل خابية الدهن، وراح يأكل ما طاب له الأكل حتى كاد ينفزر، ثم حاول الخروج فلم يقدر؛ لأن عرضه ساوى طوله، واستمر الصراع زمنًا، ولم ينفعه صراعه إلا انحطاط قواه، فاستسلم وظلَّ هناك حتى ضمر وعاد أضعف مما كان، وإذ ذاك قدر على الخروج.
أما هكذا يجب أن يعود كل سارق إلى ما كان عليه؟ وإلا فنكون سرَّاقًا؛ لأننا نساعد السارقين، وهكذا يظل حبل هؤلاء المحظيين على الجرار، فلا يمر يوم لا نسمع فيه باختلاس! والذي عندي، هو أن تنفض الدولة عنها هذا الإهمال، وتصفي جميع حسابات دوائرها، ومهما أنفقت في هذا السبيل تظل رابحة؛ لأن في الزوايا خبايا.
يكفينا عمل حسابات جمع وضرب وطرح وقسمة. استريحوا من تقسيم المواريث الطائفية، ولا تشغلكم زيادة عدد النواب، فليس فينا أحد منزَّه عن الغرض. المهم أن تسيِّجوا كروم الدولة، فلا تغير عليها الثعالب من كل صوب. إن الحذر الكلي ينقصنا، فهؤلاء اللصوص، كل واحد منهم داهية. كلما سددنا بابًا فتح دهاؤهم أبوابًا، فعلى «صاحب البيت» أن يسهر ولا يدع بيته ينقب.
لقد صرنا في أمسِّ الحاجة إلى أمثال شرلوك هولمز حتى يقف على كل مخرم من مخارم الدوائر؛ لكي يتمكنوا من القبض على هؤلاء اللصوص العبقريين، ونسوقهم إلى «بيت خالتهم» ملتبسين بالجريمة، ولا يكفي هذا، إذا لم نصمَّ آذاننا عن سماع صوت الوسطاء، مهما علا مقامهم.
كان لرجل امرأة سراقة، وقد أعياه أمرها، حتى صار يعدُّ أرغفة العجين، ولكن المرأة، المفكرة الكبيرة، لم ترم سلاحها، فصارت تقتطع، بعد العدِّ، من كل رغيف نتفة. ولما قيل لها: زوجك صار يعدُّ العجين! قالت كلمتها التي تدور على ألسنتنا اليوم: زوجي لعين، وأنا ألعن منّو، هو يعدّ العجين، وأنا أشيل منو. فنصيحتي للمسئولين ألا يكتفوا بعدِّ العجين …
(?) الانتقاد يقوِّم الاعوجاج

إلى ط. ك:

لا يا صاحبي، لم أشبع من الانتقاد، ولن أشبع؛ فهو لي كالغذاء. وكما قال توماس جفرسن، أقول: لقد عاهدت الله أن أكون إلى آخر العمر عدوًّا للطغيان في صوره العديدة، الطغيان الذي سيطر على عقول البشر.
إن الانتقاد هو أنجع علاج لأمراض المجتمع، حكومة وشعبًا، وحيث كنت على دين هذا المصلح العظيم جفرسون، فإني أجري معه إلى آخر الشوط فأقول مثله: اللهم لا تقدر لنا أن نظل عشرين عامًا بلا ثورة.
أنا كحسان بن ثابت، ترعبني رؤية نقطة دم. ولكني أعتقد أن الانتقاد يقوِّم الاعوجاج، ويصون الحريات، ويشيع المساواة؛ فقد كفانا احتكار المنافع. إن السكوت علامة الرضا، وما دمنا غير راضين، فلماذا لا نحكي؟!
وزعت إعانة في ذلك الزمان على أهل قرية منكوبة، فجنف الموزع على أحد أخوين، فاستأثر أخوه دونه بالحصة، فحمل المحروم حاله وذهب إلى جبيل؛ ليعرض ظلامته على مدير الناحية في ذلك الزمان، وكانت كلمة قالها للمدير: يا سيدنا جئت أسألك إذا كان بطن أمي بقطعين.
فحمي غضب المدير وصاح به: … أمك. أنا قاعد في بطنها حتى أعرف بطنها بكم قطع؟!
فضحك الرجل الساذج، وقال لصاحب الرفعة: أعطوا أخي الإعانة وأنا ما أعطوني، ولهذا جئت أسألك؛ لأنك أنت ملجأ المظلوم.
فانتبه المدير، وخاف عاقبة النقل أو العزل، وأمر ضابطيته، بإحضار شيخ الصلح، تحت الحفظ، وأخذ نصيب الرجل منه.
أما لبنان فبطنه بألف قطع. وإن شئت فبقطع واحد لا غير. لا يحبل إلا بأبناء الست، أما أبناء الجارية، فعليهم الغرم ولغيرهم الغنم، فكأنهم غنم يساق إلى المرعى ولغيرهم المعالف.
ما زلنا كالعشائر، فلا يستشار إلا الزعيم، ولا نحاول إرضاء أحد غيره، مع أن عصر الزعامة ولَّى وراح، ورئيس الطائفة لم يعد ينطق باسم الطائفة … وكيف ينطق باسمها، وهو لا يعرفها، وهي لا تعرفه؟! ثم ماذا يشعر من لا يخالط رعيته ليعرف بؤسها وشقاءها. هو سعيد لأنه في نعيم مقيم، الخير فائض وعلى هذا يقيس غيره.
لقد مضى زمان الطاعة العمياء، وصار آخر فلاح، في آخر مزرعة، يشعر أن له كيانًا مستقلًّا كفرد، فلا يقضي عنه بالأمر إلا المفوض منه. ولأجل تحرير الفرد، من عبودية المسيطرين عليه، قد حارب زعماء الثورات الأحرار. فهل يرجع بنا إلى الوراء؛ حيث تركنا قيودنا محطمة؟ قل لي بعد هذا: لماذا أنتقد؟!
قال والت ويتمان: أتظن أنك تتعلم دروس الحياة من أولئك الذين امتدحوك، وعاضدوك وحنوا عليك، إنك تتعلمها من أولئك الذين هاجموك وقسوا عليك؟
إن الناقد عامل لا يتقاضى أجرًا غير السبِّ والشتم، وحسبه الله، ونعم الوكيل …
معك الحق

إلى السيد عبد الوهاب صهيون:

سامحني إذا حذفت ما خصصتني به من ثناء، فهذه عادتي كي لا يصح بي القول السائر: ومادح نفسه يقريك السلام.
أما سؤالك: «هل أنا متعصب إن كرهت فرنسا بعد الذي كان منها، أم أنني أقول الواقع … وهل من الشروط أن يحب المسيحي فرنسا، مهما فعلت بنا، وإلا فليس مسيحيًّا … إنني لا أجد لتركيا من إسلامها شافعًا بعد مقاتلتها لنا قديمًا وحديثًا … أليس الأجدر بنا أن نحب أنفسنا ووطننا، مسلمنا ومسيحيِّنا، ونفقأ عيون الطامعين بنا … إلخ؟»
الآن جاء دوري يا عبد الوهاب، فهاك الجواب: إنك من القلمون، ولو عرفت ما فعل البطرك بولس مسعد، منذ قرن، وهو مواطن لبناني، ومن كسروان، المقاطعة المارونية الصرف، لرأيت أن ليس كل المسيحيين سواء. فهذا البطرك، حين سأله السلطان عبد المجيد أن يتمنى، كما كانوا يعبرون، فلم يطلب من جلالته إلا إعفاء أهل القلمون من سوقهم إلى «السفر برلك» أي الحرب. وهكذا نجا أهل القلمون من السوق إلى ساحة القتال ليقاتلوا دون أرض لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
والمطران البستاني، حين سركله رستم باشا، ونفاه إلى القدس، قال كلمته المشهورة: نحن وفرنسا والدول المسيحية الأجنبية كالنار في زمن البرد. إن تقترب منها تحرقك، وابعد عنها تدفئك.
وحين انتدبت فرنسا على لبنان، وصارت عندنا، تذكروا كلمة البستاني، حتى قال المطران مبارك: كان الأحرى أن نظل مع فرنسا في عهد الخطبة، أما هذا الزواج فلم يكن سعيدًا ومباركًا.
فلا يضايقك جهَّالنا، فهؤلاء لا يعرفون السرائر. لقد ولَّت أيام الغيرة الدينية وحلَّت محلها المصلحة. كانت المصلحة فيما مضى سرية، وصارت اليوم علنية، فاللسان يجمع الناس على الأرض ويوحِّدهم، ومتى زرنا السماء، ووجدنا يسوع لا يعرف العربية، نفتش في الفردوس عن قس بن ساعدة، فيكون ترجمانًا لنا!
أنا أقول كذلك المفكر المصلح الأميركي، وقد سبق ذكره: إذا قلت: إن في الكون عشرين إلهًا، أو قلت: إن ليس هنالك إله، هل ينزل هذا القول الإضرار بجاري، أو يسلبه حقًّا، أو يكسر له ساقًا؟ وهذا الفيلسوف يجعل للأجيال المتعاقبة حقًّا في تغيير ما قررته الأجيال السابقة، بأفعالها وبأقوالها، فلنتشبث بهذا، أنت وأنا وغيرنا، ونمشي على خيرة الله.
كن المكاري واضرب كل حمار، وإياك أن تجادل أحدًا، فالعمل مثقال ذرة، خير من قناطير كلام مقنطرة. إن الزمان لا ينتظرنا حتى نمشي، فلنسرع معه إذا شئنا أن نلحق ركب الشعوب. والسلام عليك من المعجب بروحك الوثَّابة.
•••

حاشية: على ظرف مكتوبك ختم بريد صيدا، وهو صادر عن القلمون، فهل هناك قلمون غير التي عند طرابلس؟ إنني أخاف وأحسب ألف حساب؛ خوفًا من أن أكون كمن يتحدث إلى ذاته، وأن تكون حكاية البطرك مسعد جاءت في غير محلها. (?) الانتخاب الرئاسي

بدءوا يعبئون جيوشهم لمعركة النيابة، وهذه المعركة لها ما بعدها، فالنواب العتيدون ينتخبون رئيس البلاد. ومن يرشحون أنفسهم لهذا المنصب الأعلى لا بد لهم من البذل، وإلا فلا أمل لهم ولا رجاء. وإذا كان المرشح للرئاسة الأولى لا يكون إلا نائبًا فلا بد له من المرور بهذا المطهر — مطهر النيابة — حتى يدخل النعيم، ويملك سعيدًا، وتعطيه الطوبى جميع الأجيال.
ولا أدري لماذا نجري هذه الانتخابات، بل لماذا نزيد عدد النواب ما دامت شعور رءوس الوزراء محصاة، ولا تسقط واحدة منها بدون إرادة أبيكم، كما قال المسيح لتلاميذه …
للدستور في لبنان بطانة وظهارة؛ فهو ملبس على لوز، ولكنه لوز مر. ظاهر الحكم دستوري، أما باطنه فأرستقراطي استبدادي، وكأنه يقول للحاكم: قل كلمتك وامشِ، ولا تردَّ على أحد. من ذا يعارض سيدًا في عبده …
ترى من يفكر بلبنان لذاته من الأحزاب؟ إنهم يقصدون الوصول إلى الحكم، أما الشعب الذي يحكمون باسمه، فيبقى حيث هو، وعلى ما هو. وإن قالت الأحزاب: هذا هدف الأحزاب في كل الدنيا، قلنا لهم: ولكن هناك فرق، هناك يهمهم الوصول لينهضوا بالوطن وتثري الأمة، ونحن نفكر كيف نثري نحن. غيرنا يفكر كيف يشيد دولة، عزيزة الجانب، ونحن نفكر كيف نشيد، في أرض الدولة، بيتًا رفيع العماد … كقصور ألف ليلة وليلة.
عقلية قديمة هي عقلية اللبناني، إنه يفكر بأسرته ثم بضيعته وعقاراته، ثم بمنطقته وملَّته، وقد بقينا قرونًا نكتب في أوراقنا الرسمية: ماروني من عين كفاع، بلاد جبيل، قضاء كسروان. وفي هذه الأيام ما زلنا نلمح تلك الآثار العتيقة فنقول مثلًا: بيروتي وجبلي. وراهبنا القديم كان ينتسب إلى ضيعته، ثم إلى رهبانيته، فيقال مثلًا: القس مرقص الكفاعي.
يقولون: انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، ولا يد لشعب لبنان في انتخابه، الأمر موكول إلى بضع عشرات من النواب، وهم الذين ينتخبون الرئيس في جو من المساومات والتطبيقات. عندي أنه ما دام الحاكم اسمه رئيس جمهورية، فليتقدم الشعب كله إلى انتخابه. إن بلدًا تنتخب فيه المرأة، المختار وعضو البلدية والنائب لا يجوز أن ينتخب فيه رئيس البلاد الأعلى أربعة وأربعون شخصًا. إن لبنان ليس حديث عهد بالانتخابات وقد مرَّ بها في جميع أطواره.
كانت المناصب تنتخب الأمير حتى سنة الستين، ثم صارت القرية تنتخب شيخ الصلح، وشيخ الصلح كان ينتخب عضو الإدارة، ممثل الشعب. ثم أُضيف إلى شيوخ الصلح مندوبون ينتخبهم الشعب لينتخبوا النواب. وبعدئذ، منذ عهد غير بعيد، أمسى الانتخاب على درجة واحدة، أي جمهوريًّا، ثم انتهى الأمر إلى ما نحن عليه الآن، فصارت المرأة تنتخب، وما حرم من حق الانتخاب إلا مطارين الموارنة بعد أن مارسوه خمسة عشر قرنًا وأكثر. فآخر امرأة لبنانية، حتى المعتوهة، يحق لها أن تنتخب، وأحبار هذه الطائفة مكفوفو الألسنة والأيدي، يحنون رقابهم للنير، ولم يقل أحد منهم، كما قال داود: فلنلق عنا نيرهم.
فهذه مصر انتخبت رئيسها، وهذه سوريا كذلك، أما نحن فنرجع إلى الوراء، ينتخب عنا نواب نعرف كيف صاروا، ولمن خضعوا حتى سادوا …
ومع هذه الحالة السوداء نسمي لبناننا، بلد الإشعاع، ونقول: نحن، ونحن، «وما في الكون غير نحنا»، نحن أبدعنا الحرف، ونحن وزعنا المدنية جرايات على العالمين … وجدُّنا قدموس، قتل التنين، وزرع أنيابه، ففرَّخت علمًا ومعرفة وحضارة … نحن بلد الكلمة، نؤمن بقوتها، فهي فاعلة ومنفعلة، ولا ينقصنا إلا أن نقول: إنها تجسدت وحلَّت فينا!
رويدًا رويدًا يا أصحابي، إنكم ترجعون إلى الوراء. فأنتم أول من وزع الأرزاق في الشرق، حين ثرتم على الإقطاعية، منذ قرن، والآن تعود الإقطاعية إليكم من باب آخر. يأتون من المغرب والمشرق، ويتكئون في مجالسكم، وأنتم تُطردون خارجًا، ومع ذلك تغنون صباح مساء: كلنا للوطن. ووطنكم مسكين لا يشعر أحد بوجوده … ولو كان لهذا الشعب وطن لسأل عنه وغار عليه، ولم يدعه للمغيرين نهبًا مقسمًا.
إننا أشبه حالة بما أشار به معاوية على ابنه يزيد كي يستتب له أمر الخلافة. قال له: خذ أهل الشام بطانتك، وأكرم أهل الحجاز، وإذا سألك أهل العراق عزل والٍ، كل يوم، فاعزله لهم.
ونحن نقول للحكام عندنا: اعتنوا بموسم التفاح ولو بالحكي، وانعشوا الاصطياف، وعِدوا الأمة بمشاريعَ إنشائيةٍ، تنفذ بعد نصف قرن … أو كقانون من أين لك هذا؟ النافذ إلى الأبد، يجدد انتخابكم جميعًا، ولا حاجة إلى دم جديد، ووجوه جديدة، وإن كنا نحبها كما قال معاوية لابنه.
والآن ما زال قدَّامنا سنتان، وما دمنا قادمين على نواب أكثر عددًا، وإني لأرجو أن يكون واحدهم بمليون لا ألف، فلنعدِّل الدستور، ونفتح باب الرئاسة على طول العمر، فيحق، لكل من يشاء، أن يرشح نفسه، ولكن على شرط أن يكون الانتخاب الرئاسي على درجة واحدة، أي أن ينتخب كل لبناني ولبنانية، الرئيس الأعلى.
طيارة بلا مطار

ما أجمل هذا الاختراع، وما أنفعه لنا في لبنان! فنحن قوم، ننتظر الاستقبالات، والاصطفاف لها على جوانب الطرقات، انتظار الصائم، هلال العيد. ما نسيت أهل ضيعتي، حين كانوا يحملون بواريدهم، ويهبطون إلى الساحل؛ ليلاقوا الباشا …
قرأت أن فخامة الرئيس قد اعتزم أن يجعل سفره إلى الحفلات، التي تجعل تحت رعايته، ويشرفها بحضوره، في مثل تلك الطائرة، حتى يرتاح من أزيز الزفزافات — الموتوسيكلات — وأزيد أنا على ذلك: ومن تلك الزحمات، ومن هز اليد الذي يخلع أمتن الزنود …
لم يقل، لطفًا منه، من سماجة الذين يستقبلون وهم ليسوا في العير ولا في النفير.
وإذا كان ذلك، كذلك، فما أهون إلغاء تلك المزعجات. إنها أهون من رد خاتم ثمين، أُهدي إليه، بمناسبة قران ابنه دوري؛ لأن الهدية لا ترد … فيا صديقنا قبل الرئاسة: كشَّ هؤلاء من دربك، فإنهم يتفرجون على موكبك الضخم، ولا تعلم ما يقولون في قلوبهم، إنهم يكسرون الجرَّة خلفك. أما هم الذين استقبلوا غيرك، وسيستقبلونك ما دمت واقفًا، أما إذا قعدت فلا ترجو شيئًا من ذلك.
قدسية القضاء

هذه الهالة الطوباوية، التي تحف برأس القاضي اليوم، لم تكن موجودة في ذلك الزمان. السلطان وحده كان مقدسًا، وغير مسئول. أما اليوم، فالعصمة لم تبق للبابا وحده، فهي، لكل قاض أيضًا. عليه أن يحكم، وعليك أن تسدَّ بوزك، وكان الله في عونك.
ليس لك أن تناقش بعد لفظ الحكم النافذ، فما كتب قد كتب. فما الحيلة، إذن، حتى نقول للقاضي: لقد ضللك الشهود، وقد تهت في منطقة النفوذ؟
لا أدري لماذا أفلس الحكم عندنا! أنا مؤمن حتى اليقين، بنزاهة قضاتنا، وإذا عجزوا عن لفظ حكم عادل، راحوا يؤجلون، وينتظرون الوقت، وهو فكَّاك المشاكل. يوصونهم ويلحُّون عليهم بإصدار أحكامهم، والضمير يناديهم: لا تحكموا على المساكين؛ لئلا يحكم عليكم قاضي القضاة الجبار، حكمًا أبديًّا. لا تقبلوا الشفاعات؛ لأنكم قادمون على من لا يشفع عنده إلا العمل الصالح.
إن من طبع الحاكمين عندنا أن يمطُّوا ما استطاعوا المطَّ، ولذلك وضعوا قانونًا: من أين لك هذا؟ ساري المفعول، حتى آخر الدهر … بينما بين أيدي القضاة دعاوى من هذا النوع واضحة كالصبح، ومع ذلك يضعون مثل هذا القانون ليلطوا خلفه، ويؤجلون دعاوى محاسيبهم وأنصارهم.
أما كان أحرى، بعد هذه المحاباة والمطامير، أن يقال لمستغلي نفوذهم: من أين لكم هذا الإقدام! القاضي ممثل الله على الأرض، فلا تمدوا أيديكم إلى قوسه. إنه أسمى من قوس قزح، والشعب غير غافل عما تفعلون، فاغمدوا سيف ديموكليس، سيف تحريم مناقشة الأحكام؛ لئلا تظهر المخازي وتنبعث الروائح النتنة.
ليس في هذه الدنيا من هو معصوم من الخطأ، فإذا كان عندكم حب لإصلاح الخطأ، فنحن مستعدون أن ندلكم عليه.
(?) تظهير لا تطهير

هذا هو عملنا في لبنان. إذا لم يكن لك إلمام بفن التصوير الشمسي، فاسأل أحد المصورين: ماذا يفعل برسم، غير واضح الخطوط؟ إنه يلجأ إلى عقاقير خاصة، تجعل الرسم الغامض بيِّنًا، وهكذا ينقذ الموقف بصورة باهتة.
كذلك هو عملنا في التطهير، فإننا نلجأ إلى الحيل القانونية لرد القذرين إلى سراديبهم التي طارت شهرة لصوصيتهم فيها.
إن سياستنا العليا في لبنان موضوعها: تفاح، دورة استثنائية، اصطياف، تبرئة مجرمين، مؤامرات حول كراسي الحكم، توظيف من ينعمون بصفو خاطرنا.
سألت واحدًا: كيف وصلت إلى هذا الكرسي، ومنو ضهرك!؟ فابتسم وسكت، وكأنه لا يريد أن يبوح بالسر. أما أنا فما سكتُّ ورحت أستدرجه، فقلت: ضهرك محافظ أو مدير.
فقال: كبِّر.
فقلت: نائب. بطرك. مفتي.
فقال: كبِّر ولا تخف.
فكبَّرت وقلت: وزير، رئيس وزارة.
فناس رأسه وقال: كبِّر، وفخِّم، كبِّر كثيرًا.
فقلت: لم يبقَ إلا رئيس الجمهورية، والعهد بصاحب الفخامة، أنه لا يفكر بهذه الصغائر.
فقال: ضهري علمي واستحقاقي.
فقلت: هذه أعجوبة يا أخي، وأنا لا أؤمن بالعجائب!
فقال: سماع يا سيدي، لقد نضحت بزوفى الواسطة المزدوجة، فطهرت وابيضيت، أكثر من الثلج، كما قال داود. ثم أين يجدون مثلي غنمة قرعاء، لا تنطح، ورجلًا، يربط الحمار، حيث يريد صاحبه!
عدد النواب

ترى، هل تكون زيادة عدد النواب غير زيادة عدد: ?? – ?? – ?? – ???.
هكذا يقولون. كل واحد يقطع حلاوة على قدِّ أضراسه، فالطامحون أكثر من الهم على القلب. أما العلم؛ فهو عند اثنين: واحد لا نراه، وثان كنا نراه، قبل أن استوت السفينة على الجودي، وتوارت الشمس بالحجاب …
وبعد، فماذا تنفع الزيادة بل ما نفع الانتخاب؟ ما زال أجرأ ناخب يجيب من يزوره: أمهلنا حتى نرى اتجاه المالكين سعيدًا … وما زال ذلك، كذلك، فما حاجتنا إلى الانتخاب، وإنفاق أموال المكلف اللبناني، وسفك الدماء؟!
لقد ماتت إقطاعية الأمراء والمشايخ وفرَّخت على كعبها إقطاعية دستورية. أليس لكل نائب حصة في الميزانية!؟ ألا يتداخل النائب في الكبائر والصغائر في منطقته؟ وإذا لم يستجب طلبه، هدَّد الحاكمين بنزع الثقة.
أما أراد تلميذي الطيب، الجريء، إميل البستاني، أن يخفف من حدة هذه السيطرة، ويجعل الحكم على مستوى عال، فكان أن تدهور كجلمود صخر حطَّه السيل من عَلٍ.
لم يكن غير مصيب ذاك الذي سمى هذا الأسلوب في الحكم، لعبة دستورية. فهي لعبة وأي لعبة، ومن الخير أن نجعل عددهم ألفًا؛ ليصير عندنا أولمبياد.
نسمع أن النواب اختلفوا، فنقول: جاءت وجاء بها الله. ولا يمر سواد الليل حتى نسمع أنهم كانوا يصطبحون في أحد المرابع، أو أنهم يغتبقون في أحد البارات، على نغم المثالث والمثاني، وانثناءات الغواني، التي هي أخت رقصة البطن، وتنتهي تلك الجلسة بالقبلات، ويبقى الشعب بلا ظهر ولا بطن. وهل هو في الميزان لتكون له من الميزانية جصة الأسد!
وأخيرًا، نقول بصراحة: إن زيادة عدد النواب تكثير لعدد السماسرة، وهذا موسم، عسى أن يعوِّض اللبنانيين، عن سقوط سعر التفاح، وانسداد باب التصدير …
(?) الطائفية نسر لقمان

إلى بديع صابر:

في أساطير الأولين، أن لقمان الحكيم، عمَّر كثيرًا، وهناك من يزيد ويؤكد، أن إيليا ما زال حيًّا حتى اليوم، ينتظر مجيء ابن الإنسان … وما اكتفوا لمار إلياس بذلك، فأعدوا له مركبة نارية، ذات حصانين، لم يصفوا لونهما، فطار عليها واختفى خلف الغيوم، تاركًا على الأرض تلميذه إليشاع؛ لينظر إليه كئيبًا وكأنه يقول له: خذني معك في هذه الشحطة …
أما المقتصدون من الرواة فاكتفوا للقمان بطول العمر، وأعدوا لذلك أسطورة طريفة، فقالوا: إنه قيل له: إنه سيعمر عمر سبعة أنسر. وقد لمح إلى ذلك أبو تمام، في معاتبته عياش بن لهيعة، الذي شقَّ طريق المطل لكافور:
قصِّر ببذلك عمر مطلعك تحوِ ليحمدًا يعمَّر عمر سبعة أنسرِ أما لقمان، فحتى يحصل على أطول مدة من العمر؛ فقد جاء بسبعة فروخ من النسور وأحاطها بعناية لا حدَّ لها. وكيف لا يفعل، طالما أن حياته مربوطة بحياتها!
وبعد دهور، ماتت الستة، وبقي للقمان واحد، اسمه لُبَد، عمَّرَ حتى ضجَّ، من طول عمره، الأبد، كما قال الشاعر.
أما لقمان، وهو الحكيم، فلم يسأم ولم يضج، بل تمنى لو أن نسره الدهري يخلد، كما خلد النبي إلياس، فالحياة لا تملُّ. ولكن لُبَد، له نفس، فلفظها وأراح لقمان أخيرًا، من تكاليف الحياة، ولن يسأمها كما سئمها زهير …
وقبل أن ندع لُبَد أحب أن أقول لك، يا عزيزي بديع صابر: إن لقمان هو واحد أربعة من المشاهير، الذين قال فيهم شاعرنا العربي:
فصاحة سحبان، وعفَّة يوسفوحكمة لقمان، وزهد ابن مريمِإذا اجتمعت بالمرء والمرء مفلسونادوا عليه لا يُباع بدرهمِ فهل تلوم الناس بعد على جمع المال وتتغضب عليهم؛ لأن شعارهم: تعالَ يا حرَام، ورُحْ يا حَلال!
قد تقول: وما علاقة نسر لقمان بموضوعي الذي كتبت لك عنه؟! فاسمع قليلًا تعلم أن بينها كل العلاقة، ولكني أنا فيما كتبت ألبَدُ من لُبَد، وإنني أتضرَّع إليك وأسألك أن تسايرني هذه المرة، فأنت الذي جئت بالدبِّ إلى كرمك …
إن نسر لقمان مات بعد أطول الأعمار، أما الطائفية فإنها على وشك … وإذا لم نحضر، أنا وأنت، دفنها، فأحفادنا سيقومون بهذا الواجب ويكسبون الأجر العظيم الذي لا يفوتنا بعضه.
لقد أجملت لك وهاك التفصيل. إن الطائفيين، وخصوصًا الذين يعيشون عليها، يتمنون للعهد حياة أبدية؛ لأن حياة لُبد هي الإكسير الذي يطوِّل عمر عزتهم وجبروتهم. وإلا فأي طريق يسلكون حتى يحتلوا قصور العزة والمجد والكرامة. إن الطائفية هي الأوتستراد الذي شققناه نحن قبل أن تفكر به الدول العظمى. من تراه يسأل عن أصحابنا بعد موت لُبد؟ وباسم من يتكلمون؟ وأين يجدون الأيدي المكسورة حتى يشحذوا عليها!
فلولا الطائفية، من ينحني أمامهم، ويقبِّل أياديهم الطاهرة، ويلتمس بركتهم وصلواتهم! ثم إذا ذهبت الطائفية إلى حيث ألقت … أفلا تلغى مناصبهم الإلهية ولا يبقى مدَّعٍ عام يطالب الناس بحق الله سبحانه وتعالي.
من كتابك يلوح لي أنك مثقف، فلا بد إذن من أن تكون قد قرأت حكاية الشيطان والكاهن، التي كتبها جبران بقلمه، وهي من أساطيرنا، وهذه هي: أنهك الشيطان مرض عضال حتى ذبل قرناه وذنبه وجناحاه فارتمى على الطريق وهو يئنُّ، فمرَّ به كاهن ولم يهمه أمره، وأراد أن يتركه يموت على مهله، فصاح به الشيطان: إلى أين أنت ذاهب؟! تعال اعتنِ بي وداوني، فإذا متُّ أنا، استغنى الناس عن خدماتك.
أخال أنك لبيب، يا بديع، وقد فهمت المعنى. فالطائفية شيطان منظور فوق الأرض، نراه أنت وأنا، يستعين به عدو البشر الذي لم يرَه أحد، ولعله متهم بريء.
لا تحاول أن تقنعني بلزومها وضرورتها، وكيف أقنع وأنا قد رأيت وأرى كل الشر فيها، فهي أم الفتن ومنبع البؤس. قد يكون لا غنى للناس عن التطاحن والتناحر؛ لأن ذلك من طبعهم.
فليفعلوا ما شاءوا، فنحن لا نحاول استئصال الشر من جميع القلوب، فما دام في الدنيا منافع فلا بد من التخاصم والتذابح.
لا تخبرني عن حرائق مصر وحلب والشام بل لا تذكِّرني بها، فأنا أقرأ الجرائد. إن ما حدث هنا وهنالك يحدث مثله كل حين، وهذا كله يزول متى قُضي على جذور الطائفية في نفوسنا. عند إخواننا، الجهاد. وعندنا، الاستشهاد. ومَن من الفريقين قتل لأجل قداسة السماء!
وبعد، فأنا لا أتوجه في ما أكتب إلى إقليم دون آخر، فكلنا في الهوى سوا. وهذه الدعوة موجهة إلى الجميع، ومَن له أذنان للسمع، فليسمع.
يا غيرة الدين! كانوا يستوحون الناس بها يوم كانت الأوطان ضيِّقة النطاق، أما اليوم، أو بعد وقت قريب جدًّا؛ فقد تصبح المسكونة كلها وطنًا واحدًا، ولا يهمُّ البشر إلا الحياة بهدوء وطمأنينة في ظل الكفاف.
هل تظن أن رئيس الولايات المتحدة وملك الجزيرة العربية قد دارت بينهما أحاديث السماء ومَن يرثها؟
إن رائحة النفط التي تملأ خياشيم الكون، قد كانت بخورهم في هيكل البيت الأبيض.
أتظن ابن الرومي قد تحدث عن الإمبراطورية العباسية حين قال:
ولي وطن آليت ألَّا أبيعهوألَّا أرى غيري له الدهر مالكا إنه يتحدث عن بيته الذي اغتصبته امرأة، لا عن الوطن. لقد كبر الوطن مع الأيام، ولكن عقول الطائفيين لم تكبر ولن تكبر، وخصوصًا الذين إذا مات «لُبد» يقطع رزقهم …
قال لي صاحب كان — رحمه الله — شاعرًا كبيرًا: تطلب مني أن أتنكر للطائفية وأنا ربيبها! أما على أكتافها صعدت حتى بلغت كرسيَّ العالي؟ ربما كان شغل هذا المنصب غيري لولاها.
أرأيت إذن يا بديع، أن الطائفية مطيَّة من لا مركوب له؟ ويؤلمني أن تظل الوظائف عندنا تعطى كما كانت تُعطى الجرايات في أيام الحرب الأولى. إن كلمة «يا غيرة الدين» يجب أن تفطس وتحل محلها كلمة «يا غيرة الوطن». وإذا لم تصفُ النيات فليس لهذه البقعة حياة.
أخبرني أحد أنسبائي العتاق، وهو من رواد المهاجرين، كيف هفا قلبه حين سمع واحدًا يتكلم العربية عند وصوله إلى البرازيل، فارتمى عليه يقلِّبه ذات اليمين وذات الشمال، ويقبِّله ويهتف: حبيبي! عيوني! وهو لا حبيبه ولا عيونه ولكنه يتكلم لغته. لم يسأله عن دينه ولا عن طائفته، فكل ما عناه، تلك الكلمات التي نطق بها. عرف الغريب أن له مواطنًا ينصره في الشدائد، ويركن إليه إذا خطبٌ عرا.
أنشقى على الأرض وندفع الضرائب لمن يزعم أنه يرشدنا إلى السماء؟ فلنسعد الآن، وحدنا ستين جهنم. ولكن لن يكون لنا من جهنم نصيب إذا تحاببنا، فالمحبة تغفر جميع الذنوب مهما كبرت وعظمت وكثرت.
لقد أطلتُ معك الكلام، فاعذرني لأن هذا الموضوع يملأ تلافيف دماغي كلها، ولا أدري إذا كنت أعيش حتى أرى اسم الطائفية محذوفًا من تذاكر هويَّتنا.
أليس من المؤسف المخجل أننا لا نزال في لبنان نعبِّئ أوراقًا تقسم تلاميذنا طوائفَ، كما كنا في عهد الانتداب … إن تفريقنا طوائف لهو علة العلل، ويكفي أنه لا يرينا إلا وجوهًا لا تتغير. كأن الوظائف لعبة دومنو، الحجارة هي هي، ولا يتغير إلا صفُّها. أو أنها «الزهر» في لعبة الطاولة إذا كانت الدائرة أضيق، ومن طاف زهره ربح الدق، وباعنا بالدشش …
(?) الشعوب لا تفنى

إلى ك. صليبا، بيروت:

أشكرك على ثنائك العاطر … ولا أنشر كل رسالتك ولا بعضها، ولكني أجاوبك، أما قال جميل بن معمر: لكل خطاب يا بثين جواب.
لا تتعجب من وثبة مصر الجبارة، فتاريخ الأمة خميرة نهضتها، ورجاء وثبتها، والأصل عون، كما يقول أبوك وجدُّك يا كامل.
أرأيت كيف تمشي الكهرباء في الأسلاك؟ كذلك تمشي روح العبقري المفرد في أمته الأصيلة، وهذا هو جمال عبد الناصر. إن تاريخ الشعوب هو تاريخ فرد، فالمجموع لا يفكر، ولكنه يمشي كما تعوَّد، متى دُعي. أما الفرد فهو الذي يشغل عقله، والعقل خلَّاق، فلو لم يكن على رأس مصر هذا الدماغ الكبير، ذو الإرادة الفولاذية، لنامت مصر تحت الضربة.
إن الشعب المصري، على بذاذة سواده الأعظم، شعب عريق أصيل، وضع عباقرته الأوائل أول حجر في بنيان صرح المدنية. ومن يدريك أنه ليس في عروق من يسمونه ابن البلد ملكًا فرعونيًّا عربيًّا. إن الشعوب لا تفنى ولا تموت أبدًا، ولكنها تضحي بنفسها؛ لتحيا هي أو ليحيا غيرها، وهذه مهمة الحياة التي تجدد نفسها بإفناء جنس ما؛ ليقوم جنس أصلح.
فيا عزيزي صليبا:
على الأمم ألَّا تأسف على أمجادها التي ذهبت. إنها لم تذهب، بل هي باقية الجوهر، فانية العرض، وهذا ما يوضحه لنا المثل العامي القائل: عرق الأصل نزَّاز.
أما الفناء والاندثار، فأشبه بتقطير الزهور والكحول. العماشيش تذهب، والخلاصة تبقى. والحضارات ليست من عمل جنس واحد، أو أمة واحدة. فالوحدة الحقيقية هي خلاصة الأجيال والدهور، ولكل جيل فيها عمل حتى عاد وثمود وطسم وجديس. وقد جاء في الآيات الكريمة: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
إن حبل الكذب قصير، وإن طال، والطمع ما نفع يومًا. فلا تقل: «من كان يظن أن مصر تتلقى هذه الضربات؟» أنسيت يا صاحبي، أن مصر تلقَّت ضربات التوراة السبع وظلَّت مصر؟ والذي أوجد فيها هذه الفتوَّة العنيدة هو واحد، والأمة يرفعها واحد ويحطمها واحد، فلا حرمنا من واحد، ولو في كل قرن.
كثيرًا ما يسمى هذا الواحد خياليًّا حين يطلع، ولكن الشعلة الإلهية، بل العقل الخلَّاق، يتقد فيه فيخلق مدنية جديدة، أو يرفع شعبًا إلى المستوى الأعلى.
أما الذي يهمل عقله ويمشي على الهينة، فهذا لا يصل؛ لأن لا غاية له ولا هدف. فكلما توارى بطل نقول: هل يقوم مثله بعد؟
نعم يا سيدي. لا بد من أن يقوم، فالطبيعة الخصبة لا تهمل نفسها، ولا تريد أن تفنى. وما نحن، في قبضتها الجبارة، إلا سهام ترمي بنا الأهداف، فنصيب؛ لأنه لا بد من البقاء.
دلَّني مكتوبك على أنك أديب مطالع، فهل تذكر «الجرثومة» التي ذكرها أبو تمام في بائيته المشهورة؟ ففي هذه الجرثومة — يا عزيزي — تكمن الشرارة في الأمم العريقة، وقد استيقظت في مصر بشخص عبد الناصر. فاعجب لجندي فاق دهاؤه دهاء الإنكليز، وطغت حماسة شعبه على حماسة الفرنسيين.
فمن لنا بمتنبي جديد يمجد أعمال هذا البطل، ويمحو ما قال المتنبي الخالد في هجو مصر؛ فقد كتبت صفحة جديدة في تاريخ العالم، وكان قلمها سيف عبد الناصر.
ليت المتنبي يقوم من قبره فيرى أن مصر ليست نائمة عن ثعالبها، وناطور مصر الأكبر لم يدعها تعود إلى كرومها ثانية.
فأين شعراؤنا الذين يقولون الشعر كلما لاح لهم وجه جميل؟! ألا يعجبهم وجه البطولة التي أطلَّت من نوافذ كل وجه مصري؟! لقد حان لنا أن نسمع شعر شاعر. فأين فلان وفلان وفلان؟ ترى ألا يعجبنا الموضوع؟! أنظل حائمين على الخدود والسيقان نشتمُّ بإلحاح العطور المصطنعة؟! إن الموضوع أجلُّ مما نتصوَّر، وهذا الحصار لا يقلُّ عن حصار طروادة شأنًا.
لا تخافوا يا أصحابي. فالموضوع يحرِّك الجماد، فشرِّعوا أقلامكم، وتذكَّروا شاعرًا قال أحسن قصائده في مثل هذا الموضوع. إنه ابن هاني، الذي سمُّوه متنبي الغرب، وكلكم تذكرون مطلع تلك القصيدة الرائعة:
فُتقت لكم ريح الجلاد بعنبروأمدَّكم فلق الصباح المسفروجنيتم ثمر الوقائع يانعًابالنصر من ورق الحديد الأخضرِ وعنا لأمر ماريشال الشرق جمال عبد الناصر، أما حان أن يكون للشرق ماريشال؟ فهذا هو، ومن يمنح هذا اللقب غير الشعب؟!
تُرى، ألا نقول الشعر إلا لنُعطى؟ فهذا قد أعطى الشرق مجدًا يمكِّننا من القول: عندنا جمال عبد الناصر. لقد استحقت بطولته لقب المنقذ، فامنحوه إياه، ولكم الحق.
دافع المعتصم عن عمورية، فقال له أبو تمام ما قال، وقاتل سيف الدولة عن قلعة الحدث، فقال له المتنبي: وتفتخر الدنيا بكم لا العواصم.
ففكِّروا أنتم ماذا تقولون لهذا الفتى الأسمر، شاعر مجدنا وعزتنا وكرامتنا.
إلى السيد إميل فؤاد الخوري:

افتتحت رسالتك بهذه العبارة: «من مزارع عامل في حقله، قابع في بيته، ناعم في بؤسه، إلى … السيد مارون عبود.»
لله درُّك من مزارع فصيح، بليغ، لا يلفُّ ولا يدور ولا يثرثر. ففي كل عبارة من عباراتك معنى تكمن تحته أشياء.
قلت: إنك مزارع، ومَن أنبل من المزارع؟! ألسنا جميعًا مزارعين يا صاحبي، ألسنا كلنا ننتظر إقبال الموسم لنفرح ونتهلل!
أتذكر عنوان فيلسوف الفريكة أمين الريحاني: بزور للمزارعين؟ لقد زرع كثيرًا وقدَّم للناس بذارًا، ولكنهم أكلوه فماتت الحبة في بطونهم ولم تتغذَّ بها عقولهم …
تسألني بعد الثناء، الذي أشكرك عليه، ولا أتواضع تواضعًا كاذبًا فأقول: إني لا أستحقه. إني أستحقه، وحسبي أنه جاء من مزارع يعرف قيمة البذار، فلا يأكل حبة يرجى أن تغلَّ له مائة.
تقول لي: ولكنني لا أدري لمن تكتب، وعلى من تقرأ زبورك؟ ألمثلي؛ ليلهو عن مصابه بحديث طري يخشخش آلامه؟
أم لضرير يبصر بعينيه ويعثر بعقله؟
أم لحكومة تبقي المشاريع العمرانية عرضة للنزعات الحزبية والأهواء السياسية! تستغل المنافع الخاصة في الأمور العامة، وتضع موازنة الدولة تحت تصرف النواب يتصرفون بها كما يشاءون ويحرمون منها من يكرهون، ويخدمون بها من يحبون ويريدون؟
أم لفئة تحول بين الحق وأهله، دأبها جمع المال والإثراء، ولم يعد عندها للفضيلة من وزن، ولا للعدل من حرمة؟
أم لتلميذك سليم حيدر الذي يقول: كنت أنعم على فراش من حرير يوم كنت تلميذًا، فأصبحت أتقلب على فراش من قتاد يوم صرت أسير السياسة؟
أم تكتب لتلفت مقامًا عاليًا رفيعًا إلى أخطاء ترتكب ويحجب وجهه عنها؟
أنت تكتب لكل هؤلاء ولكنك تكتب لا لتلهو، ولكنهم يقرءون؛ ليتسلوا لا ليدركوا أنك تكتب ناصحًا متألمًا.
أما أنا فأكتب إليك شاكرًا، على رجاء أن يهدي الله من تكتب إليهم لصلاح نفوسهم ولما فيه من صلاح الأمة.
هذا بعض ما تحتوي رسالة مزارع جارة الوادي، وكم أتمنى أن أراه لأقبِّل جبهته وأهزُّ يدًا خلقت للمحراث والقلم.
إننا نكتب يا سيد إميل، لكل هؤلاء، وكما تنتظر أنت انقضاء الشتاء وعواصفه، أنتظر أنا الساعة التي تلبس ثوبًا غزلناه لها، ونسجناه من خيوط قلوبنا … أنا لا أقنط كما لا تقنط أنت، وأنتظر بصبر كما تنتظر والآتي قريب.
لا أقول لأمتي ما قاله فيلسوفنا الغزالي:
غزلت لهم غزلًا دقيقًا ولم أجدلغزلي نسَّاجًا فكسَّرت مغزلي لا والله، فلن أكسر المغزل، ولا يضرُّني استخفاف من نكتب لهم، فهؤلاء مثقفون ولكنهم يصيرون أُمِّيين لا يقرءون ما نكتب عندما يجلسون على كراسيهم الرفيعة العماد. إنهم في غمرة الوظيفة وحولهم حَملة المباخر والفراشي. إنهم في سباتٍ أعمقَ من سبات أبينا آدم حين أجرى له الله في مستشفى عدن عملية سحب الضلع … أرأيت أن الله كان أول المبنِّجين؟!
هل ألوم الزمان فأكون كما قال الإمام الشافعي:
نعيب زماننا والعيب فيناوما لزماننا عيب سوانا فما دام لبنان كله منافع. مثل زيت الغار، فهيهات أن يطمئن شعبه الكادح. وما دمنا نقول ولا نفعل، ونداجي ونصانع ونكذب، ونتنكر لماضينا، فحريٌّ بنا، لو أنصفنا، أن نصف زماننا بقول الطغرائي:
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجتمسافة الخلف بين القول والعمل تأمَّل يا أخي إميل، أقوالنا وقس عليها أفعالنا، ثم لا تنسَ أن الطغرائي قال لأمته بعدما غادر كرسي الوزارتين. أما قبل أن يصل، وحين وصل، فلم يفكر بشيء من هذا.
إلى الأستاذ بشير الأعور «رئيس لجنة الإدارة والعدلية البرلمانية»:

منذ عشرات السنين، وهذا البلد حقل تجارب كأنه مزرعة … تارة يزداد عدد النواب، وطورًا ينقص، وفي حالتَي الزيادة والنقصان، نحن نحن، لا زيادة ولا نقصان في ثروتنا الاجتماعية. فما زال الكثير من النواب لا يجيئون إلى الجلسات إلا إذا كان لهم مأرب، وكثيرًا ما يظل النصاب مفقودًا، فماذا تجدينا الكثرة؟ ألندفع النقوط وهم يرقصون؟! أيتنزه النائب على حساب المكلف ويعدو مصالحنا وهو وكيلنا المأجور؟! لا أقول: أجيرنا، كما قال أبو العلاء في أمراء عصره.
إن الإخلاص ليس في الكثرة، وما زال الانتخاب يدور في حلقة مفرغة، والأشخاص هم هم، فماذا نرجو من مجلس ننتخبه! فما زلنا نقول حزب فلان وحزب فلان، نظل بعيدين عن الأهداف الإصلاحية وتظل وجهتنا غاياتنا ومصالحنا.
إن إصلاح الجهاز الحكومي لا ينفع، فلو تبنينا أرقى أشكال حكومات العالم، وليس عندنا أشخاص يصلحون لهذا الشكل، فالأمل قليل بفلاحنا. في أي دولة غير دولتنا يصغِّر الموظف عمره حتى يظل قابعًا على كرسيه؟ هل الوظيفة زوجة لا يوافقنا أن نظهر أمامها أننا كبرنا، وأننا نحبو إلى الشيخوخة؟!
في الدنيا يتنحَّى الموظف من عمله من تلقاء ذاته، ويقول: مللت، وأريد أن أستريح من هذه المتاعب. أما نحن فلا نتعب؛ وذاك لأننا لا نعمل، ونحضر ساعة نريد، ونفتح بابنا في وجه أصحاب المصالح ساعة نشاء. فكأننا في بيتنا غير مسئولين. يكونون مزدحمين على بابنا المغلق ونحن نراعي القوانين الصحية في تناول فطورنا … نطحن طعامنا طحنًا.
إن إصلاح الحكومة وصلاحها لا يصلح أحدًا، فالوطن الصالح لا يكون إلا إذا كان هناك شعب صالح. والشعب الصالح الواعي هو الذي يصلح الفاسدين ويقصي المفسدين ويحطم كل ما هو غير صالح. فمحاولتنا إصلاح الحكم والحكام تكون عقيمة إذا لم نهيئ للوطن شعبًا صالحًا وأفرادًا عارفين. إن الشعب الجاهل أبله، وهو دائمًا مدَّاح وممالق ومصانع، وهو أبدًا مع الواقف.
فمن منا يهمه لبنان أكثر من بيته؟ وأي فرق بين حالنا اليوم وبين الحالة في زمن الإقطاع؟! ألا يفكر نوابنا بمن ينوبون عنهم فقط، أي بمن ينتخبونهم، وينظرون إلى المواطن اللبناني الآخر نظرة من لا يعنيه أمره؟ وكم سمعت من يقول له: نائبك فلان لا أنا.
حسن جدًّا أن يعنى النائب بمصلحة منطقته ولكن لا يجوز أن يتنكر لغيرها. وإذا جاءه واحد لبناني فلا يصح أن يقول له: رح إلى نائبك. إن هذا الواحد يدفع لك معاشك مثل الذي تظن أنك تمثِّله، ومتى أوجدنا هذه التفرقة، صار علينا أن نجعل لكل دائرة ميزانية، لها ضرائبها، ولها منافعها كما أن لكل دار منافعَ ومرافقَ …
كانوا فيما مضى يفرضون على كل قضاء مالًا سموه مال الربع المجيدي، وهو مخصص للمنافع العامة. أما اليوم فالشعب كله يدفع بالسواء ضرائب غير مباشرة، وأصحاب النفوذ يتناتشون ما يجمع، يعملون لأنفسهم ويخصُّون أخصاءهم ولا يفكرون بالمحرومين. وإذا كان هناك نائب، ليس على الغرض، قعد مكتوف اليدين ووضعنا العصي في دواليب سيارته، فنضرُّ الجماعة حين نضرُّ هذا الفرد.
ناس الأوطان الأخرى يفكرون برءوسهم وقلوبهم ويعملون مخلصين، أما نحن فنفكر بأعيننا وجيوبنا، وعلى قدر عدد أحبابنا نجعل عدد نوابنا. فما زالت «النار المقدسة» تتلاعب ألسنتها، في موقد الانتخاب، فهذه الطبخة لا يتغير لها لون وطعم. فتأمين حرية الانتخاب وحرمة الناخب وصحة الانتخابات لا يكون إلا إذا تنحى «الزنابر» عن الضغط والصرِّ، والكرِّ والفرِّ؛ لأن الشعب لا يفهم بالصالح غير «غرضه»، وهو لا يفكر إلا بعقل فلان، ويحشد له كل قواه، وهكذا يصل إلى النيابة من يريده فلان وفلان لا من يؤهله صلاحه.
إن الفرد عندنا ما زال مقصرًا في هذا الميدان ولا يعرف قيمة نفسه. إنه غير مثقف لا يعرف أنه لا يعيش حرًّا إلا إذا أبرز من نفسه فرديته المتميزة التي لا يشاركه فيها إنسان ما، وأنه يعيش عبدًا إذا أهمل أمر إبراز شخصيته.
ما زلنا نجر قيود تربيتنا الاجتماعية الأولى، وهي تربطنا بالأسرة والحزبية العمياء الضيقة، فنمشي عميانًا متكلين على من يقودنا. لا يعنينا أن نفكر، فالأب أو الزعيم يفكر عنا. وكيف تصلح الانتخابات ما دمنا بهذه العقلية القاصرة عن إدراك كنه الشئون. يقولون — مثلًا — في أميركا: حزب كذا. ونقول نحن: حزب فلان، وحزب فلان. وأي خير يرجى من فلان إذا كان فلان. قال المسيح: إن من لا ينكر أباه وأمه لا يستحقني. هذا هو لسان حال الوطن.
هناك، في أميركا يتولى الدعاة شرح صفات المرشح ومزاياه، وعلمه وفلسفته السياسية، ورأيه الخاص ونزاهته وتفكيره، أما عندنا فننظر إما إلى غرضنا وغايتنا الشخصية، وإما إلى زَول المرشح وباعه وذراعه أو إلى ثرثرته وعياطه … إن أولئك واثقون من أنفسهم، وبممارستهم هذه الحقوق تعوَّدوا ألا يحيدوا عن الخطة المرسومة. لا يقنعهم إلا البرهان، أما نحن فنمشي ولا نسأل إلى أين.
عندهم ينتخب الغائب في أقاصي الأرض، وعندنا لا ينفع ألف شاهد عدل إذا كان في التذكرة خطأ بنقطة حزف. وقد حصل هذا فعلًا، وكنا جمهورًا نشهد أن هذا الشخص، حامل التذكرة، هو الخوري بولس الحسيني، ومع ذلك لم يسمح له بالاقتراع.
منذ دهور ولبنان يتقلب من يد هالك إلى يد مالك، إلى قبَّاض الأرواح. ومنذ أكثر من قرن ولبنان في قبضة بعض أسر معدودة يتوارثه أحفادهم وأحفاد أحفادهم. تتراوح السيادة بين أفراد كأنها كرة لعبة القدم، والصراع قائم حولها. حقًّا إنها لعبة كرة قدم، فكما لا يحق لغير الفريق المعيَّن أن يتداولها، كذلك لا يحق لغير هؤلاء أن يحلموا بالرئاسات المرموقة، وهكذا أفلسنا؛ لأننا لا نحاول أن نخرج من هذه الحلقة المفرغة … فكأن الذين يلون الأحكام حجارة داما يتلهى بها هذا الوطن في انتخابه.
والغريب أن بعضنا يتحدثون عن سماسرة الانتخاب، وقد كانوا هم سماسرة … يتحدثون عن الضغط على الناخبين، وهم مكبس من الطراز الحديث، يعتصر الماوية حتى من الخشب. يضحكني أن ننسى أنفسنا حين نتكلم أو نكتب.
يقول المثل: المطمورة تكسر السكَّة: فلماذا نجعل حياتنا مطامير أو طوامير! ولماذا لا نقول لفلان ما يقوله الناس عنه حتى يستحي ولا يتصدر المجالس ويملأ النوادي كذبًا ونفاقًا. فلننشر ولا نطمر كالهررة، إن ما تطمره القطط ضرره ضيق النطاق، أما ما نطمره نحن فيضر بنا كمجموع.
عندما صلب ابن الزبير وظل على عوده ثلاثة أيام معروضًا للنظارة مرَّت أمه وقالت كلمتها المشهورة: أما حان لهذا الفارس أن يترجل! وبلغت الكلمة مَنْ صلبه فأمر بإنزاله. والآن، بعدما كثر المطِّ واللتِّ، أما حان لهذا البلد أن يعرف على أي خازوق يجب أن يركب. ولكن شعبنا لن يركب بل يظل مركوبًا … فإلى متى تظل الوظيفة عندنا للاستثمار لا لخدمة الوطن. فكلما ركب كبير جحشًا كبيرًا من جحاش الوظائف اشترى العقارات ورفع أعمدة البنايات. فحكاية الوظائف عندنا كحكاية المرحومة ستي عن الرَّصَد، فإذا ألهمت كلمة السر أخذت كنوزه.
أما رأيي في موضوع الانتخاب؛ فقد قلت الكثير منه والآن فلنلخص: لو جعلنا العدد مائتين، والنار هي هي، فلا رجاء لنا بالحصول على أكلة طيبة. إذا كان العدد قليلًا قد تستطاع محاولة جمع العدد اللازم لاكتمال النصاب، أما متى كثروا فمن يجمعهم؟ فخير لنا أن نكون صارمين مع نواب الشعب؛ ليأكلوا رزقهم حلالًا زلالًا. فالذي يغيب لا يدفع له عن غيابه، وإذا تغيَّب كذا جلسات تلغى نيابته.
إن النيابة أسهل رزقة عندنا؛ فهي لا تحول دون عمل آخر، ومع ذلك كثيرون من نوابنا يغيبون بلا مسوِّغ ويطالبون المأمور الصغير إذا غاب لمرض ولم يكن يخصهم. وعندي أن أول شرط في المرشح يجب أن يكون قد أدى الضرائب والموجبات التي عليه للحكومة، وأن يكون قد دفع أقساط القروض في حينها، وأن يكون يحسن الدفاع عن حقوق الأمة جمعاء، وأن يكون على الأقل متوسط الثقافة، فنحن جمهورية مسقط رأس الجرف! وبلد الإشعاع … وأن ينظر في ثروته الطريفة من أين أتت … وألا يكون ممن حمَّلوا الشعب أحمالًا ثقيلة؛ ليحطَّها عن كاهله. وألا يكون مشجوبًا ولو بريء. وألا يكون ممن استغلوا النفوذ صندوقيًّا، ومحليًّا، ومشاريعيًّا، أي أن يكون نظيفًا شريفًا.
أما تحديد العدد والدائرة، واتخاذ الضمانات لتأمين حرية الانتخاب، فهذه ثانوية. فدزينة منتخبة صالحة تغني عن ألف.
مجلس الشيوخ

قد دعونا وندعو إلى الانتخاب الرئاسي على درجة واحدة، أي أن ينتخب الشعب بأجمعه — رجالًا ونساء — رئيس الجمهورية. وبهذا يخف الضغط الانتخابي النيابي؛ لأن المعركة الكبرى سيساهم فيها الشعب بجميع طبقاته.
أما مجلس الأعيان، ولا أقول مجلس شيوخ، ولا مأوى عجزة؛ احترامًا لأناس يحلمون بعضويته بعدما نضجوا، وعلمتهم مدرسة الحياة دروسًا عميقة. فإذا كان ولا بد من زيادة عدد أعضاء مجلس النواب فلا بأس بأن يكون ثلث العدد مجلس أعيان؛ ليسهر على مصالح الأمة ويساهم في خدمتها على مستوى عال.
يقولون: إن وجود هذا المجلس يؤخِّر سير الأعمال، ونحن نقول: وهل مجلس النواب إكسبرس! فأدراجه مدافن لقضايا كثيرة.
إن مجلس الأعيان لا غبار عليه، ولكن الغبار كله يكون عليه إذا كان معيَّنًا، فمن يخاف المعركة الانتخابية فليبق بين جدران بيته؛ لأن من لا ينتخب من الشعب لا يمثل الشعب، ولا يحق له أن يتكلم إلا باسم الذي يعينه.
والكنيسة، في فجر وجودها، لم ترَ أصلح من الانتخاب فانتخبوا سبعة رجال؛ لإدارة الشئون وصلَّوا ووضعوا عليهم الأيدي. وعلى خطة الرسل جرت البيعة في انتخاب المتقدمين في الأخوة. سُنة كنسية لم تحد عنها الكنيسة إلا مرة في الزمن القديم؛ إذ أقام البابا قونون قسطنطين، شماس كنيسة سيراكوز على كرسي أنطاكية، دون أن ينتخبه أكليروس هذه الكنيسة. ثم عرف أنه رجل سيئ السيرة، محب للخصام، فقبض عليه بأمر البابا والملك وأودع السجن، ولهذا لم يحصه المؤرخون بين بطاركة أنطاكية.? وعلى المبايعة — أي الانتخاب — جرت الخلافة الإسلامية وظلت بخير هي والملة حتى كانت بدعة ولاية العهد. فالتعيين في كل حقل من الحقول البرلمانية مخالفة لروح الشارع؛ وهي معرضة دائمًا للخطأ والخطل.
إن الانتخاب — على علاته — لم تتوصل الشعوب إلى أفضلَ منه. فعلينا أن ننتخب «أعياننا» من الرجال الكاملين، وأن نبعد عن هذا المجلس كل من في تاريخه نقطة سوداء فلا يكون بينهم إلا الفاضل.
إن لبنان مشهور بأكلة يسمونها «كبَّة الحيلة» وما التعيين إلا كبة حيلة. المعاش حيلة، ومن احتال عاش، هكذا تقول العوام. أما أن نلجأ إلى التعيين، فهذا افتئات على إرادة الشعب وحيلة لمن يريد أن يأتيه رزقه رغدًا، فيتمتع بالسلطان على الهينة. الانتخاب هو أصح ما يعمل ولا يكون بعده لا قيل ولا قال.
ثم إن مجلس الأعيان هو الفرامل في سيارة المجلس فلا تزلق ولا تتهور ولا تتحطم. فلننتخبه مع النواب؛ لأن السياسة لا تسلم ولا تنجو بدونه.
نحن في بلد الكلمة، وعسى أن يعير المسئولون كلامنا أذنًا صاغية، وإننا نشكر للأستاذ بشير الأعور؛ لأنه أقام وزنًا للشعب الذي استنابه، فعرض قضية الانتخاب وزيادة عدد النواب على الرأي العام، وعسى أن تكون لجنة الإدارة والعدلية التي يرأسها مخيَّرة لا مسيَّرة فلا يذهب التعب باطلًا.
إذا لم نجدد بناء إنسانيتنا، فعبثًا نبني القصور لإقامة العدل؛ فقد كانوا يعدلون في الخيام، ولم تحل دون ذلك تفاهة البنيان. إن الدولة برجالها الصالحين، لا بمعاقلها الحصينة وسجونها المؤشَّبة بالحديد المفولذ.
(?) تعديل الدستور العشائري

إلى السيد إلياس فرح:

وصلني مكتوبك الكريم … وعليه طابع بيروت، فأنا في جوابي لك كمن يخاطب الجو؛ فقد تكون إلياس فرح، وقد لا تكون، وعلى كلٍّ الفرحُ خير من الحزن.
إن مكتوبك فيه ما فيه من نقاط على الحروف، ولكن الجرأة الأدبية تعوزك كأكثر ناس هذا البلد، يرون الشر ويسكتون عنه ما دام رأسه سالمًا. وما هكذا يا أخي إلياس تُصلح الأوطان.
قلت: أخي، وأنا أعني ما بيني وبينك في الأخوَّة. إنني أنا لا أتنكر بقناع «البربارة» لأشهد المهزلة التي تمثل على مراسحنا، وأنت تريد أن تكون ممثلًا حقًّا لا شخصًا حقيقيًّا. لقد تعبنا من هذا التمثيل، ومن التصفيق لأبطال الرواية … ومن أين يستقيم لنا الأمر إذا لم نصفر عند الاستهجان!
وبعد، فرسالتك أطول من ليل امرئ القيس، ولولا أن صفحات الصياد تضيق عنها لنشرتها بحروفها، ومع ذلك فقد استعنت بأيوب … وقرأتها كلمة كلمة، ولم أخرم منها حرفًا، حتى إنني حاولت أن أستوضح الكلمات التي حاولت أنت طمر آثارها. إنك تعلم من جوابي أنني قرأت هذا المجلد …
تلومني لأنني لم أبدِ رأيًا بمجلس الشيوخ، وقد خيِّل إليَّ من خلال أسطر دفاعك عن هذا المجلس، أنك من الطامعين بكرسي فيه، بل إنك من الموعودين بذلك العرش؛ لتكون في العبِّ في الدهر العتيد …
نعم لا بد للبلاد من حكمة الشيوخ إلى جانب حماسة الشباب، فحكمة الشيوخ هي المقود الذي يخفف من شطط السيارة، ولكن أليس أكثر مَن في الندوة شيوخًا حكماء يدينون بقولنا: حاكمك وربك. هؤلاء ينتخبون ومع ذلك يقادون بخيط قطن، وينتظرون غمزة.
عندما أُعيد الدستور العثماني في أول عهد عبد الحميد، كان لبيروت مبعوث فيه — نائب — يصوِّت دائمًا على أساس هذه الكلمة: أنا من رأي مولانا السلطان. أما خليل غانم، مبعوث بيروت الثاني، فلم يكن يؤمن بغير سلطان فكره ورأيه. ثم كان الحلُّ ففرَّ خليل إلى باريس، وفرَّ مدحت باشا إلى الحجاز؛ حيث مات ولم يمت ذكره.
إنني أخشى أن يكون جميع أعضاء مجلس شيوخنا العتيدين من رأي «مولانا السلطان»، ويظل الشعب في المعصرة حتى يستقطر كل ما في زيتونه من زيت … أنا — راجع مقالي — قلت: إنه إذا كان ولا بد من هذا فليكن المجلس منتخبًا لا معينًا، فالتعيين مؤامرة على إرادة الشعب وحيلة على الوصول من أقرب السبل وأهونها.
لا بأس من إيجاد مجلس شيوخ، ومجلس شباب، ومجلس عجائز، وندوة أوانس وعوانس، إذا كنا قادرين على الدفع، ونحن قادرون إذا قللنا من مطامعنا، ومطامع محاسيبنا وأنصارنا، ووضعنا على الصناديق حرَّاسًا أمناء ساهرين، فلا تشن عليها كل يوم غارة …
أما سمعت بسرقة أمانات قصر العدلية؟ ليتك تعرف ما قال القرآن الكريم في الأمانة، فترتعد فرائصك. إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا. وهل جرَّأ الناس على سرقة الأمانة وغيرها إلا رخاوة الحكم؟!
ولكن قبل أن نخلق مجالسَ جديدةً ونكثر العدد يجب أن نؤمن النصاب! فلنضع قانونًا يوجب على النائب حضور الجلسات — كما يفرضون على الطالب في بعض معاهد الحقوق في السنة الدراسية كذا وكذا ساعات — فإذا كان لا يحضر إلا الجلسة التي فيها مآرب أخرى … يسقط حقه من المعاش الذي يقبضه في آخر الشهر. وأما أن نجرَّهم جرًّا ونسحبهم من الغرف التي يقيلون فيها؛ ليكتمل النصاب، ولا تتعطل لغة الكلام فهذا امتهان لحقوق النيابة وسمو مقامها.
قد تقول: هذا هو نمط المجالس النيابية، وأنا أعجل لك الجواب: مع أننا عريقون في التمثيل النيابي ترانا مقصِّرين عن سوانا، بل عن أسلافنا الذين كانوا في أواخر القرن التاسع عشر.
اقرأ مجلة «أوراق لبنانية» لصاحبها البحاثة، المدقق اللبناني الكبير يوسف إبراهيم يزبك؛ لترى كيف كان الاثنا عشر عضوًا يقفون في وجه ممثل السلطان، وكلمة السلطان كانت تفزع، ثم لا يسألون عما يكون.
لقد ضاق فرنكو باشا المتصرف الثاني بمعارضة الشيخ أسعد بو صعب حتى صار يحمل الفرمان الشاهاني في جيبه، ويخرجه من كيسه المقصَّب، ويأمر بقراءته في الندوة، وحتى إذا بلغ القارئ اسم فرنكو، صاح المتصرف: أسعد صعبي، فهمت أني أنا متصرف جبل لبنان لا أنت! فيجيب الشيخ أسعد بو صعب: ولكنني يا أفندينا أعرف أيضًا نظام جبل لبنان وحقوق شعبه.
ها قد وصلنا إلى تعديل الدستور الذي تسألني رأيي فيه، وكأني أراك تغمز بعينك ظانًّا أنك أحرجتني.
لا يا جنديَّ المجهول! اسمح لي أن أقول لك، قبل الجواب بنعم: في النحو توجد علة، مقام علتين، فتمنع الاسم من الصرف. ومرض القلب، علة تقوم مقام ألف علة. فدستورنا مريض بالقلب، فلنعالجه بالتعديل. أنكون في عهد فخر الدين وغيره لبنانيين لا طائفيين ونعود إلى صميم قلب الطائفية في هذا الزمان! فأين حملة «التطعيم» للاطائفية؟ لقِّحوا الدستور، وإلا فلا شفاء لمريضكم. لقد استحقت الحكومة شكر لبنان على إنقاذها إياه من الجدري، فهل تتضافر السلطات الثلاث وتنقذه من طاعون الطائفية؟
نعم نريد تعديل الدستور، وخنق الطائفية التي تفرض علينا جميع الموظفين حتى المياومين منهم … فمهما عملنا لتصحيح الانتخاب، والطائفية والمادة ستة وستة مكررة موجودتان، فلا رجاء ولا أمل.
يجب أن يعدل الدستور، فما هو كالوصايا العشر مكتوب بإصبع الرب، وليس إنجيلًا أو قرآنًا. إنه من عمل يد غريبة غربية تعرف حاجاتنا ولكن هدفها كان مصلحتها. كانوا يهددون رئيس الجمهورية، إذا لم يخضع لمشيئتهم، بأنه رئيس جمهورية يملك ولا يحكم. فهو رمز البلاد لا أكثر، يذيِّل ما يقرر بتوقيعه، ويلزم قصره منتظرًا المقررات التي تأتيه. أما إذا انقاد مستخزيًا، فيكون صاحب الحول والطول.
إن هذه الأدران في دستورنا لهي وصمة في جبين لبنان الحر، ولا خلاص لنا من هذه القيود إلا إذا عدَّلناه، وحذفنا الطائفية، وجعلنا الانتخاب الرئاسي شعبيًّا. إذ ذاك يكون لنا دستور ديمقراطي. ونفهم أننا لسنا في قبضة يد تقول لنا: شعور رءوسكم محصاة، ولا تسقط واحدة منها بدون إرادة أبيكم … أما إذا ظلَّت الحالة على ما هي، وشعور رءوسنا محصاة، فلا يصح أبدًا أن ينتخب الرئيس غير الشعب؛ نسوانًا ورجالًا، فتكون إذ ذاك خطيئتنا في رقبتنا. وكما سبقنا الشرق كله إلى إعطاء المرأة حق الانتخاب وترشيح نفسها، يجب أن نجعل الترشيح للرئاسة من حقوق الجميع!
يظهر لي، يا أخي إلياس، أنك ماروني وتخاف على حقوق الطائفة من الملل والشعوب، فممَّ تخاف بعد؟! ألم تقرأ في الصحف كلمة بطريرككم؟ فهو يصرِّح: أنه بعد درس عميق اتضح لي أن الدينين واحد، وقد قال من قبل: إذا رأيتم متعصبًا لطائفته فاصفعوه …
قال لي مرة البطرك إلياس: إذا لم أذهب أنا إلى الجامع ويأتي صاحبك مصطفى نجا إلى الكنيسة فلا يصير شيء مما تدعو إليه. فتسميتك ابنك محمد لا تقدم ولا تؤخر ولا تحل القضية.
فتشجع إذن يا أخي إلياس؛ فقد قضي الأمر الذي به تستفتيان، فكم من دول توالت علينا وعشنا في عهودها موفوري العيش، وما كانت تلك الدول إلا إسلامية. المسلمون طيبون يا إلياس، إن دولة لبنان علمانية، والشارع لا ينص على وجوب كينونة الرئيس الأعلى مسيحيًّا، فلماذا لا نتحرر! فلنفرض أنها قناة السويس؛ فقد أُممت وما وقعت السماء على الأرض.
الدستور لم يكتب بإصبع الرب، وهب أنه من شرايع الكنيسة، أما عدَّلوها بعد مرور بضعة عشر قرنًا عليها؟ أما كان جدي الخوري لا يقدِّس إلا على ريق بطنه، ومنذ سنتين حلوا الناموس فصار الكاهن يفطر ويقدِّس، ويتغدَّى ويقدس، ويتعشى ويقدس، ويسهر ويحضر حفلة كوكتيل ويقدس، فهل دستورنا المكرم بهذه القداسة؟! أم هل الطائفية التي ترفع أناسًا على ظهر ناس هي أعظم قدسية!
يا الله ما أغفلنا! أنتمسك ساعة نشاء بالعرف، ونترك الشرع ساعة يلايمنا الترك؟ وما زالت الدويلات — مهما صغرت — بمأمن من الاعتداء على كيانها، فلماذا لا ننتزع القيود الصدئة من دستورنا؟!
أتكلم وكأن في دستورنا مادة تفرض طائفية الرئاسة علينا، مع أنه لا شيء فيه من هذا. فلنتحرر. فلنكب الزيت كبًّا على دولاب الدولة؛ ليدور، فالصلاحيات التي انتهت إلى رئاستنا لم تعد تتفق مع واقعنا، وهي والطائفية أصل البلاء.
أقول لك هذا ولا أبالي، وأقول: إننا في حاجة إلى الدقة العظيمة، في جميع شئوننا، من الميزانية إلى الأوقاف المتروكة تحت رحمة أفراد يعجز أذكى شيطان عن إدراك ما يفعلون. والأمر كان أهون لو كان الاتفاق سائدًا بينهم، إنهم كجميع البشر في خصام دائم، يبغض بعضهم بعضًا، ويكيد بعضهم للبعض الآخر.
مرتا مرتا! أنت مهتمة بأمور كثيرة والمطلوب هو واحد، وذلك المطلوب هو أن نرضي أهلنا، ومحاسيبنا، وأنصارنا ليلتفوا حولنا في الانتخابين: الصغير الكبير … ومتى كانت هذي هي الغاية من النيابة فحضورنا — عند اللزوم — أكثر من كاف.
خمسون عامًا وأكثر قضيتها أنا، يا إلياس، أشهد معاركنا السياسية. فلا خلاص لنا، ولا نماشي الأمم والشعوب، إلا إذا جعلنا دولتنا علمانية فعلًا، لا اسمًا كما نحن اليوم. أعلمانية وطائفية على صعيد واحد!
شهدت دولة بني عثمان وسقوطها، وانتداب الفرنسيين وزواله، والحرب الأولى ومجاعة لبنان فيها، والحرب الثانية، والثالثة لولا قليل، وفي كل هذه السنين، لم يسكت قلمي ولا لساني، ولم أرَ في زمان ما، مثلما رأيت في هذا الزمان، من إثراء لا حدَّ له. ألا نخجل حين نقرأ أن السر أنطوني إيدن يعود بعد اعتزاله الحكم إلى التفتيش عن عمل في مجالس إدارة الشركات؛ ليؤمن مصير حياته! بينا نراهم عندنا يبنون قصورًا، ويمتلكون المزارع! حقًّا؛ إن جماعتنا حكماء يحسبون حساب آخرتهم، ثم فليكن بعد ذلك ما يكون، فمن بعد حمارهم لا ينبت العشب. ولكي نكون منصفين، فمن حق الحكام علينا، أن نقر لهم بازدهار البلاد وتقدمها في أكثر الميادين.
إن كل هذا حسن، والأحسن منه عدل ساعة قبل قيام الساعة … وما سبب هذا التعسف واللامبالاة إلا أولئك الخدَّاعون الكذَّابون الذين يلتفون حول أولياء الأمور فيغشونهم ولا يخلصون لهم النصح. فلنعدل دستورنا، فمن يفكر بطائفته في هذا الزمان فهو قَبَلي جاهلي. ولكن ما الحيلة بمن لا يقرءون، ولا يسمعون ما يقال؛ لأن ليس لهم آذان، وما النفع من الأذنين إذا كان الرجل بعيدًا عن مرمى الكلمة، أو هو يعرف ولا يريد أن يصلح نفسه.
إن كنت لا تدري فتلك مصيبةأو كنت تدري فالمصيبة أعظم فحنانيكم أيها السادة، فما كنتم تشكون منه أنتم في الأمس ها نحن نشكو منه اليوم. إن شعب لبنان واعٍ ولكنه غير مغامر في السياسة. هو يعرف الصالح، ولكنه لا يجرؤ على التصريح بما عنده. يعرف النائب الأمثل؛ لأنه عايش الانتخاب دهورًا.
فالمسيحي كل شئونه انتخابية، وإذا جرى غير ذلك، وعين البطرك تعيينًا، فذلك جور وشذوذ، ولا قاعدة بدون شواذ. والمسلم شعاره: والأمر شورى بينكم. أما قال بشار، الشاعر الثائر، للخليفة العباسي، يوم كانت الرءوس أرخص من اللفت والفجل:
ولا تجعل الشورى عليك غضاضةفإن الخوافي قوة للقوادم لقد انتخب لبناني ما أسعد بو صعب بعد عشرين سنة مرَّت على وفاته، ولما قالوا له: تنتخبه وهو ميت؟! فأجاب: ومن يقاوم المتصرف في مجلس الإدارة غيره؟!
ألا يدلك هذا — يا عزيزي إلياس فرح — على أن اللبناني يفكر تفكيرًا صحيحًا إذا ترك على دينه. هذا من حيث سلامة الانتخاب، ولكننا متى رأينا الذين كانوا سماسرة انتخاب آخر مرة يتناسون ماضيهم، ويهيبون بالمنتخب أن يتحرر من القبض، من تأثير الزعماء، ومن ومن، ويقيمون من أنفسهم مرشدين، فكيف نرجو يقظة هذا الشعب!
في الانتخاب الأخير جاء أحد السماسرة يعرض على واحد من ضيعتنا مبلغًا وهو محتاج إليه للأكل والكسوة؛ لقاء تصويته وتصويت أولاده، فأجابه ذاك القروي بكل إباء: لا تغرك ثيابي، فأنا أبيع كل ما أملك إلا نفسي، فتح عينك، وقل للذي تريد أن تشترينا له: إنه كان مثلنا، وسنصير مثله إذا بقي الصيت الطيب.
إذن لا تخف على اللبناني من شيء إلا الغرض، ومَثَله يقول: صاحب الغرض أعمى. إننا نقول للذين يضعون قوانين تقطع الطريق على من يحولون دون حرية الناخب: الخوف منكم أنتم أيها الوصوليون، ارفعوا أيديكم عنا وما عليكم منا.
وماذا بعد يا عزيزي إلياس؟ نعم، أما السؤال الأخير: وماذا ينفعك هذا الكلام، وماذا ترجو؟ فلو كنت ممن يرجون شيئًا غير الكرامة اللبنانية لطرت إليك على جناح صاروخ سوفياتي لا على جناح الطير، ووافيتك في الموعد المضروب إلى المكان الذي عينته لي في رسالتك. ولكنني في عمري كله ما ساومت أحدًا، ولن أساوم عزرائيل إذا كان لي مناص من قبض روحي … فبلِّغ الذي استسفرك إليَّ، وقل له ما قاله السيد للكتبة والفريسيين: إذا أسكتم هؤلاء الصبيان الصغار نطقت الحجارة.
والسلام عليك، ويا ليتني أعرفك؛ لأحييك يدًا بيد، وأصافحك وجهًا لوجه، وأقول لك كلامًا «تحطه أذنك خرص» كما يقول الموَّال البغدادي، فنحن في زمن صح فيه ما جاء في هذا الموَّال أيضًا: البوم طير الفصاحة والبلابل خرس …
ولكن «الردة» الأخيرة من هذا الموال أيضًا فيها كل التعزية للمتخلِّفين: الدهر دولاب والأيام قلَّابا. فلننتظر والله مع الصابرين.
(?) على طريق الحياة

قلما نرضى بحقيقتنا فنحاول دائمًا أن نلبس ذواتنا ثيابًا فضفاضة يشعر كل من وقعت عينه علينا أنها ليست لنا. نجرِّر أذيالها لنمجَّد بها في حين أنها لا تكسبنا غير الهزء والسخرية. يعجبنا رجل فنستعير منه مكرمة، ولكن كل من يراها يعلم أنها عارية.
ما نحن إلا موكب يتدافع بالمناكب على طريق الحياة، يقلد بعضنا بعضًا. مشهد طريف، والذي يتأمله يرى أطرف شريط سينمائي متحرِّك، والطرافة فيه أنك قلما ترى واحدًا غير متكلف، فلو فكر كل منا لعلم أن له حقيقة واحدة ليست لأحد سواه، فعبثًا يتقمص غيرها.
فالأخلاق كالنار، والصدور براكين تكظم ما فيها، وإنما إلى حين، فكما تكمن النار في الحجر الصلد، وفي العود الأخضر واليابس على حدٍّ سواء، ولا يبديها إلا الاحتكاك، كذلك أخلاق الرجال، فلا بد من أن تكشف لنا عن وجهها في الوقت المناسب.
قد تكمن النار في قلب الأرض مئات السنين، ولكن لا بد أخيرًا من الانفجار والانقلاب. فتدك الجبال الراسيات دكًّا، وتتهدم القلاع والحصون والقصور والدور. وكذلك الماء، فإنه إذا كان يجري مستترًا في شرايين بعض البقع، فلا بد من أن يدلنا عليه ما ينبت من أعشاب على وجه التربة، فتنبئنا أن هناك خزَّانًا سينبثق إذا نفس عنه ويجرف الأرض.
إن سجايا الإنسان شبيهة بهذين العنصرين الأولين: الماء والنار، فكل حركة من حركاته تنم عليها أفعاله في غفلة منه وتشهد على طويِّته، وإذا حاول سترها، أو كتمانها، فعقله الكامن ما وراء الحدود يلوِّح لنا بها من بعيد. رب كلمة أفلتت من عقالها، فأبدت لنا ما خفي واستتر من أخلاقنا، فظهر للناس جليًّا كالصور على الشاشة البيضاء. إن العوامَّ يعرفون هذا ويمثِّلون له بقولهم: إذا قلت للجوعان أربعة وثلاثة، جاوبك سبعة أرغفة.
ومما يروى من هذا القبيل أن رئيس مجلس نيابي دخل الندوة، وفيه رغبة ملحَّة للقاء صاحبة كان معها على موعد كاد أن يحين، فبدلًا من أن يعطي الإشارة ويقول: ابتدأت الجلسة، قرع الجرس بحدة وقال: انتهت الجلسة.
هكذا تفضحنا حركاتنا اللاشعورية، فتنزلق كلمات تفضحنا ونحن لا نحس ولا نشعر. فكما لا يحجب القفص عيوب الطائر الصغير ومحاسنه، كذلك الصدر فإنه قفص القلب. أما النوافذ فهي في الرأس، عقل يرى ولا يُرى، وعين تتمثَّل، وفم يتكلم، وكل حركة وكل كلمة تصدر منا تبوح بما عندنا من أسرار. فسجايانا — على اختلاف ضروبها — تبدو جلية، ولو أرخينا عليها سدولًا أكثف من سدول ليل امرئ القيس.
فالمرائي إذا ركع وسجد وصلى في صحن المعبد ليله ونهاره، قارعًا صدره كالعجائز، وفي يده مسبحة أطول من حبل الجمال، فلا بد من أن تبوح حركاته بما طبع عليه.
والمداجي الخبيث المكار، مهما رمى على الناس من كلمات معسولة وابتسامات مزورة، ومهما فتَّش عن عبارات حلوة؛ ليعرب لك عن محبته وصدقه ووفائه وإخلاصه، ومهما نثر من درر الكلام السحري، فإن تلك الغمامة التي تجلبب وجهه وتسربل جميع جوارحه، لا بد من أن تكتسحها رياح الحق، فتكذِّبه وتفشي أسراره وتفضح بنات صدره.
وذاك المتعجرف المتظاهر بالتواضع الرصين، وإن سبقك إلى التحية، وأبدع في أساليب الاحتفاء والاعتبار فاتحًا فمه شبرين، راسمًا من ذراعيه حلقة تطوّق جبل صنين وهو ينحني احترامًا لك حتى يكاد يقبِّل الأرض بين يديك، فإن حقيقته لا بد أن تظهر.
وذاك المطرق الرأس خشوعًا وتقوى، والمدَّعي الاعتصام بحبل العفة وطهارة الذيل، لا بد من أن يفشي اختلاسه النظر كل ما عمل على إخفائه وأجهد نفسه في كتمانه.
أما حضرت دعوة حاول صاحبها أن يجمع بها كل ما في سوق بيروت من أطايب المأكولات وأشهى الحلوى، وألذِّ المشروب! كل ما في البيت مرتب نظيف، مقاعد كأنها السرر التي يجلس عليها أهل الجنة متقابلين، فتأكل عنده، وتشرب ما يحلو لك، حتى إنك لا تستطيع أن تشتهي شيئًا، ومع ذلك تقول لأحد رفاقك وأنتما خارجان: أتعرف ماذا كان ينقصنا؟ كانت تنقصنا حقيقة الرجل؛ فقد كان متكلفًا، وكل ما حاول إبداءه من طلاقة محيا كانت تغشاه غمامة غير منظورة.
لقد صدقت يا صاحبي كما صدق المتنبي الذي قال:
وللنفس أخلاق تدل على الفتىأكان سخاء، ما أتى أو تساخيا فكل هذا الرياء لا يجدي صاحبه غير تعب ومشقة. وكما تحمل الرياح العطر ناشرة له، هكذا تنشر طوية الإنسان حركاته، فهي تظهر مكنوناته، وتبدي ما استتر من طباعه، وكأنها لسان ناطق يذيع على رءوس الملأ ما دقَّ واختفى من أسراره.
فعبثًا يسعى المحب الذات ليراه الناس مخلصًا للجماعة، وأن يروا فيه رجل تضحية وإحسان، فالوعاء بما فيه ينضح، ومن ادعى بما ليس فيه تجيء ساعة تكذبه فيها أفعاله. وأقلنا عقلًا من يظن أنه يكذب علينا وهو لا يكذب إلا على نفسه.
كان الأجدر به أن يهذبها ويروِّضها على مكارم الأخلاق، فذاك خير له من إفناء الزمان عاملًا على التحلي بأخلاق أفاضل الناس، والفضل منه براء.
إن جهود الإنسان، مهما بذل منها، لا تقوى على إخفاء الحقيقة، ولا تستطيع قوى البشرية جمعاء على إطفاء نورها مهما كان ضئيلًا. فأولى لنا ثم أولى أن نعتصم بكل ما هو حق؛ لأنه أنفع لنا وأجدى من القناطير المقنطرة من الرياء والكذب والنفاق، وقد قال شاعرنا وما أصدق ما قال:
ثوب الرياء يشف عما تحتهفإذا اكتسيت به فإنك عار فإذا ادعيت الشجاعة، وأنت جبان، يطير قلبك هلعًا وفزعًا عند أول تلويح وإيماء، فلا بد من أن تأتي ساعة يبين فيها جبنك، والذي تحاول إخفاءه عن الناس.
كان لنا — في ذلك الزمان — رفيق مدرسي يطيب له أن يحدثنا دائمًا عن فعاله الجبارة في لقاء الحيَّات، قلما نجت منه حيَّة — كما ادعى — حتى خلنا أنه يقبض على حيَّة موسى كما يقبض على فراشة. من يتمنى أن يلقى حيَّة؟! نحن … كنا نتمنى أن نراها وصاحبنا معنا؛ لنرى ما يكون منه. ظل رفيقنا ذاك لا يدع فرصة تمكنه من الابتهار إلا انقض عليها وصفع آذاننا بقصصه. وكنا ذات يوم نتلقى درسًا، فمررنا على بيت جرير:
لقد زعموا أن الفرزدق حيَّةوما قتل الحيَّات من أحد قبلي فقال: فشر، ماذا عمل جرير؟!
فقلت له: جرير يتكلم عن عصره، فربما كان مثلك قتَّال حيات.
فشاع الرضا في وجهه وانبسطت أساريره بعدما تجعَّدت.
وكان يوم الخميس فرحنا إلى التنزه وتوغلنا في غابة، وكان راعينا يصيح بنا في ذلك اليوم الحار: توقوا الحيَّات يا شباب.
وكان رفيقنا البطل يضحك، وأخيرًا قال للراعي: ما عليك يا معلمي، أنا معهم فلا خوف عليهم ولو كانت حية بديع الزمان …
وأعجبت الأستاذ الراعي بديهته وإن لم يصدق قوله.
وشاءت الحقيقة أن تظهر، فانسابت حية بين رجلَي صاحبنا، فتزعزعت أركانه وقفز كالغزال المذعور. وكأنه تذكر ما كان يدعيه فتماسك ووقف قبالة الحية وتركها تمر بسلام، فانسلت. فقلنا: ما بالك واقفًا؟! دونك إياها.
فقال: كنت أفكر من أين أجيئها، وكيف أقبض عليها.
فقلنا: أهي لعبة شطرنج، وهل يكون تقتيل الحيات خططًا حربية؟!
فقال: أنسيتم أننا حفظنا أمس قول المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان.
كثيرون هم المدعون فلو تأملتهم مثلي لرأيت صورًا مضحكة قلما تفوز بمثلها على الشاشة وفي الحكايات التي ترويها لنا الكتب.
وآخر ما قرأته — منذ حين — أنه أُجري في أميركا امتحان لوظائف بوليسية، فتقدم لها كثيرون من الشبان والشجعان، المفتولي السواعد، وكأن لسان حال كل واحد يقول للممتحن: أنا، أنا. فنظر المشرف على ذاك الامتحان إلى شاب منهم وسأله: وكيف شجاعتك أنت؟
– القلب حاضر والزند حديد.
– وأنت مستعد للامتحان؟
– لهذا جئت، فافعل ما تريد.
فقال له: تهيأ. كن مستعدًّا.
ثم غافله وأطلق على برنيطته رصاصة، كما هي العادة المتبعة في مثل ذلك الامتحان، فاخترقتها ولم تمس رأسه بسوء. فتزعزعت أركان ذاك الشاب، ولم يثبت لهذه التجربة، فسقط على الأرض وعينه على حاله ليرى أين استقر.
فضحك الممتحن، واقترب منه يربِّت على كتفه قائلًا له: قم، لا تخف، إنك سالم. هذي طريقتنا في امتحان الشجاعة. اختبرناك فوجدناك لا تصلح. خذ هذي خمسة دولارات ثمن البرنيطة.
فنهض الشاب ومدَّ يده ليقبض وهو يقول للممتحن: كمِّل معروفك، أعطني دولارًا آخر لأنظف بنطلوني وأكويه …
ولو شئت أن أعرض على القارئ النماذج التي شاهدتها وقرأت أخبارها لما فرغت من قص حكاياتها، فلكل ميدان رجال يخدعون أنفسهم ويحاولون أن يجعلوا من ذاتهم أبطالًا حقيقيين وليس هذا بمستطاع.
إن الافتضاح ينتظرهم ولذلك يقولون عندنا: حبل الكذب قصير. وما أكثر الرجال الذين يصح فينا وفيهم قول الشاعر:
سبكناه ونحسبه لجينًافأبدى الكِيرُ عن خبث الحديد? السمعاني، المكتبة الشرقية. مج? ص???.
غرائب وعجائب


(?) نساء إسرائيل والجندية

وقعت عيني على رسم نسوة يتهيأن لإطلاق النار وتحت الصورة مكتوب ما يلي: إن إسرائيل هي البلد الوحيد في العالم الذي تؤدي فيه المرأة الخدمة العسكرية سنتين على قدم المساواة مع الرجل، ثم تؤدي خدمة الرديف في كل سنة شهرًا حتى سن ??.
فقال لي واحد، كان يشاركني في مطالعة جريدة الحياة: أرأيت! إن نساءنا يؤدين هذه الخدمة في غرفة التواليت؟
قلت: نعم يا سيدي، وهناك يقفن وقفة استراتيجية أمام المرآة، وخرطوشهن أصابع متعددة الألوان، ولكن الأمل بالله أن تتجند نساؤنا حين يتجند رجالنا … يتجندن للحق لا للحيل والغدر، كما يروي لنا كتاب اليهود المقدس. فتلك سارة، يدفعها زوجها، أبونا إبراهيم، إلى فراش فرعون، فأنبأ الله فرعون أن سارة هي زوجة إبراهيم لا أخته، فردَّها له، وجرى حوار طريف بينه وبين إبراهيم الذي خلص بريشه …
وكأن إبراهيم استطيب تلك الصفقة فمثَّل المأساة ثانية عند أبيمالك، ملك جرار، فتداخل الله في القضية حالًا، وأُعيدت سارة إلى إبراهيم، ومعها دوطة ضخمة، من غنم وبقر وعبيد وإماء.
ثم دليلة، وقصتها مشهورة. فهي التي غدرت بزوجها شمشون ونجَّت قومها من بطشه وسلمتهم إياه ذليلًا …
وأستين نجَّت قومها في سبي بابل، وقصتها مشهورة.
وهنالك واحدة أخرى يجهل الكثيرون قصتها وهي يهوديث، احتالت هذه المرأة، البارعة الجمال، على إليفانا، قائد جيش نبوخذنصر، وجعلت نفسها طُعمًا؛ لتفوز بنصرة إسرائيل، فدخلت عليه وقطعت رأسه.
ولو عددت لك الأدوار التي مثلتها المرأة اليهودية في تاريخ إسرائيل لضاق المجال عنها. ولكنني أتعجب من هؤلاء اليهود كيف يطلبون من المرأة خدمة سنتين، مع أن شريعتهم في التوراة تعفي العريس الجديد من الخدمة العسكرية سنتين؛ لينصرف إلى إمتاع زوجته …
وعلى كل نحن نشكر ربنا على أن نساءنا لا يخضن إلا الجبهات المكشوفة، أما الصيد بالداموس فليس من شيم العرب.
فعلى نسائنا أن يحاربن معنا، ولكن بغير سلاح البارود الأخرس … فإذا جاز للرجل أن يقول: الحرب خدعة فلا يسوغ للمرأة أن تخدع نفسها، ولا أن تأكل بثدييها … ومع احترامي للتوراة — ككتاب مقدس — أقول: إن فيها مزالق خطرة جدًّا، كما أني أرى أنه لا يحسن بالمرأة أن تسفك دمًا ولو دم عدو يهودي، ففي هذا خطر على عاطفة الأمومة وحنانها. أليس مجال الخدمة الوطنية واسعًا! فلنوجه المرأة إلى ما يلائمها. فهناك خدمات كثيرة تستطيع أن تؤديها للوطن.
أما نساؤنا فليتهن يقتصدن في زينتهن وهذا كاف، فرجالنا عشرات الملايين.
عندما أرادوا في مصر الفاطمية أن يعترف الخليفة بولاية شجرة الدر، أجابهم ذاك الخليفة: إذا لم يكن عندكم رجل فاكتبوا إلينا حتى نبعث إليكم.
أغنانا الله عن تجنيد نسائنا وألهمنا أن نوحِّد قلوب رجالنا، وذلك أكثر من كاف.
كل يهود العالم لا يبلغ عددهم قدر إقليم عربي، فلا نطمع بالزيادة؛ لئلا نقع في النقصان.
تطويل عمر النيابة

إن زيادة سنة لا تحرز، ومن عادة نوابنا الأجاويد أن يضاعفوا المبلغ، فلماذا قصَّروا هذه المدة؟! ألا يعرفون المثل: من يغير عادته تقل سعادته، وأنا أخشى عليهم أن يحرموا هذه النعمة.
حقًّا إنها مهزلة أن يزيد الواحد لنفسه من كيس غيره، ومتى كانت قضية موظف، لا يطلب إلا أن يشبع من الخبز والزيتون، وأن يكتسي من أرخص القماش، يضيق صدر الميزانية، ويصبح القانون مثل شريعة مادي وفارس.
الناس يعدُّون الأيام ويطلبون وجوهًا جديدة، وأنتم تريدون أن تبقوا في متاريسكم! ألا تبالون بالضوضاء القائمة حولكم؟! ولكن إذا كان الحل والربط في أيديكم فلماذا تحرمون أنفسكم؟
زيدوا في عمركم الآن، وبعد قليل يأتي دور غيركم، فلا تحرمونا أنسكم، فزيارتكم لا تمل. وما دامت الميزانية لا حدود لها، فلا تتركوا هذه النعمة تفلت من أيديكم. الدفتر في أيديكم، فاجعلوا ولايتكم أبدية كمشيخة الصلح في أيام المتصرفية. أما لبنان فليس له أن يقول إلا ما قاله شهيد الجلجلة: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا.
حقًّا إن النيابة قرص عسل بشهده، فهي كما يقول مثلنا: أكل ومرعى وقلة صنعه. ومن يستغرب بعد هذا أن تعد العدة للمعركة العتيدة؟! ولماذا لا يستدين المرشح ليدفع النفقات ويبرطل؛ فهو قادر على الوفاء إن وصل. ثم أليس هو قادمًا على معركة أكبر، تتطاحن فيها الدول؛ شرقية وغربية؟ فشدُّوا حيلكم يا أصحابي وعلى الله الاتكال. وإذا كان ما أذيع عنكم أنها مزحة، فالجواب عليها عند أبي نواس:
تضحكين لاهيةوالمحب ينتحب أما إذا كانت جِدًّا فالجواب عند هذا الشاعر أيضًا:
صار جدًّا ما مزحت بهرب جِدٍّ جرَّه اللَّعِبُ يظهر أنها جس نبض، إذا قدرتم فلا تقصِّروا، زيدوا معاشكم ثاني مرة، فالشعب بقرة حلوب لا تلبط ولا تنطح، الشعب عاقل لا يهشُّ ولا ينش … رحم الله رجال عهد الإمارة، يوم كانت زيادة ربع قرش تهز الأرض بالطول والعرض.
كثرة الرءوس

تعجب الجاحظ حين قرأ في كتاب أرسطو أنه قد ظهرت حية لها رأسان، فراح يقلب الخبر على جميع وجوهه، ولم يصدق الحكاية، فسأل أعرابيًّا في سوق البصرة، فقال له: إن ذلك صحيح. فقال له: من أي الرأسين تأكل، فأجابه الأعرابي: إنها تتغدى بفم وتتعشى بفم.
فقال الجاحظ: ومن أي جهة الرأسين تمشي؟ فلم يعجز البدوي عن الجواب فقال: إنها تتقلب كما يتقلب الصبيان على الرمل! فتركه الجاحظ وهو يقول: إنه أكذب البرية.
أجل إن كثرة الرءوس على جسم واحد غير ممكنة، وهي لا تؤدي إلى عمل حاسم، وهذه هي حالنا اليوم، في بيوتنا وفي مجتمعنا، فليس لنا رأس واحد يديرنا، ولذلك نمشي كما قال ذلك الأعرابي للجاحظ متقلبين على الرمل … يقول مثلنا: كثرة الطباخين تشيط الطعام. فلماذا لا نختار طباخًا واحدًا؟!
كان لرجل مسيحي بقرة يسرِّحها كل يوم ويقول لها: روحي أنتِ اليوم برعاية القديس الفلاني، وفي المسيحية، لكل يوم، عيد قديس، فكانت البقرة تروح وترجع إلى معلفها. إلى أن كان يوم عيد جميع القديسين، فنزل صاحب البقرة إلى القبو وقلبه ملآن فرحًا، ففكَّ رسن البقرة، وقال لها: أنت اليوم بحراسة جميع القديسين. مع السلامة.
ولكن البقرة راحت وما رجعت.
فهمتم أم نشرح لكم؟ إذا كانوا يقولون: بيت التنتين خرب من سنتين، فما عسانا نقول نحن في البيت الذي فيه عشرة.
نقول: إن الأجنبي مزقنا، فلماذا نتركه يمد يده ويغمس لقمته في صحننا؟!
في أيام الصبا كانت لنا لعبة، كنا ننقسم فيها فوجين، ونغير على بعضنا، وكل فريق يطلب الفوز طبعًا، حتى إذا تفرقنا وانتهت الجولة الأولى صاح زعيم الفوج بصوته الجهوري: يا شباب لموا ريش، فنتسابق جميعًا إلى حيث هو ونوحِّد جبهتنا، فهل من يصيح بدولنا العربية لموا ريش؟!
هذا أوان الشدِّ فاشتدي زِيَم، فلنتكاتف، وإذا تكاتفنا بلغنا المحجة واستلمنا الحجر.
ستنا السيدة

قال لي واحد: أرأيت كيف يفعلون؟ لا يفرغ مركز حتى يملئوه بمن لهم من بنين وأقارب ومحاسيب وأنصار، فكأن لبنان لهم وحدهم.
فقلت له: ولماذا لا تترحم على الحطيئة وتقول مثله:
أطعنا رسول الله مذ كان بيننافيا ويلتي ما بالُ دين أبي بكرِأيورثها بكرًا إذا مات بعدهوتلك لَعمرُ اللهِ قاصمةُ الظهر اسمع يا أخي، ونحن النصارى نقول الثلاثة واحد، وفي لبنان الألف واحد. لا تغرك الأسماء والألقاب، فالمديريات وغير المديريات عندنا هي مثل قولنا: سيدة صيدنايا، وسيدة العطايا، وسيدة البوابة، وسيدة حريصا، وسيدة وسيدة، إلخ. أليست كل هذه السيدات سيدة واحدة؟!
وهكذا في لبنان فكل هذه الأسماء؛ كبيرة وصغيرة، مفعولها واحد فما لك ولكل هذه؟! انذر لله إذا كان لك وصول إليه، وإلا فعضَّ على جرحك وانتظر الشفاء.
قصد شيخ طبيبًا يسأله دواء يستطبُّ به فقال له: أشكو قصورًا يا دكتور إذا طلعت درجًا.
فقال له الحكيم: كم بلغت من العمر يا عم؟
فأجاب: خمسة وثمانين.
فقال الطبيب: العمر كله؟! هذا من الخمسة وثمانين.
فقال: وأشكو ضعفًا في نظري.
فأجابه: وهذي من الثمانين.
فقال: والوجع في ظهري، ما سببه؟
فقال الطبيب: من الثمانين يا شيخ.
فقال الشيخ: يظهر أنك حمار في الطب.
فقهقه الطبيب وقال: وهذي أيضًا من الخمسة والثمانين.
فكل بلايانا يا عزيزي من الطائفية. فضحك صاحبي وقال: وأنا لي طائفة.
فقلت له: ولكنك لست ابن الضيعة ولا ابن المنطقة ولا يحتاجون إليك في الانتخابات، ففتش عمن يحتاج إليك، واركب كتفيه، أو تصبَّر حتى يهوِّنها الله علينا وعليك.
(?) أساليب بالية

لقد ارتقينا، في سلم الحضارة، درجات، ولكن أساليبنا السياسية ما زالت كما كانت. ما زال مجتمعنا يساس بأسلوب المير بشير، أولاده يلون الأحكام أولًا، وثانيًا ذووه الأدنون ثم الأبعدون، ثم المريدون الذين يشدون ظهره، في أوان الشد، إما بمالهم وإما برجالهم. وهكذا ظلَّ السلطان ينتقل من يد إلى يد، من يد بشير المالطي إلى بشير بو طحين. واليوم تغيرت الأسماء فقط.
كان الأمير بشير وأولاده مستولين على مقدرات الشعب اللبناني، يتصرفون في الجبل تصرف المالك في عقاره، ورجال الدين يرفعون أيديهم مباركين الآتي باسم الرب؛ لأن شعارهم: لا سلطة إلا من الله. ويا ويل الشعب متى اتفقت السلطتان؛ المدنية والدينية، فلا ترى في تلك الساعة أثرًا للكفاءات.
كان عدد الموظفين في تلك الأيام مقننًا، أما اليوم فيخشى أن تأتي ساعة نصبح جميعنا موظفين. فكم من بلدة وقرية صار معظم أهلها على الكراسي، وقد نستطيع أن نسمي هذا الزمان زمان الأخوة، والأسر، والمخاتير، وسماسرة الانتخابات. ومن يلوم الشباب إذا قاموا وقعدوا وثاروا حين يرون من هم فوقهم دونهم كفاءة وأقل منهم جدارة؟!
ما أوجه هذه الكلمة التي قالها رئيس جمهورية إندونيسيا: إذا كنت أعيش عيشة الفاقة، وإذا كنت قد نبذت كل أسباب الراحة، وأبعدت عني أصدقائي وأنسبائي؛ فذلك لاعتقادي أن رئاسة الشعوب ما هي منصب ولا تجارة، بل هي خدمة وتضحية.
فهل يذكر المسئولون هذا الكلام؟ هل يفكرون بالشعب ويحسنون توزيع المنافع فلا يكون لهم ولأنصارهم وللائذين بهم كل الجزور، فيأكلون لحمه ويمصمصون عظمه.
ظلَّت قضية زيادة معاشات الموظفين الصغار، رهن البحث، ولا تزال قيد الدرس؛ لأن الميزانية لا تتسع لهم مع أنهم صغار … لا يسمعون من الجالسين على الكراسي إلا «تكرم عيونكم» سنرى الميزانية … وكيف تتسع الميزانية لهؤلاء إذا كان موظف كبير يتقاضى شهريًّا كما يلي:
????ليرة المجموع شهريًّا.????ليرة من إحدى الوزارات.????من إحدى اللجان التخمينية.????من مصرف سوريا ولبنان.????إكراميات عن تنظيم الموازنة وتحضيرها.????من إدارة الهاتف.
يا بارك الله! هذه هي العدالة الاجتماعية، وعيشوا يا أهل لبنان. والله لا أعرف من هو هذا الرجل ولا يهمني أن أعرف. قرأت هذا في الصحف، وما زلت أنتظر ما سيكون، بعد النظر في أمر هذه التعويضات الجبارة. وهل يكون التعويض في غير لبناننا أضعاف أضعاف المعاش الأساسي.
هذا هو الوجدان السياسي الذي تدار به الشعوب، أيشتهي موظف لبيب لقمة الخبز ولا يجدها إلا بالكد، بينما يغرق غيره لأذنيه ويعوم في بحر من الجرايات.
كلما داويت جرحًا سال جرح. النواطير مشغولون بسياسة المنطقة، بوضع مخطط الانتخابات وتأمين الغد لمن يرتعون بظلهم.
إن زيادة ضئيلة لموظفين مظلومين تقتضي الدرس أكثر من عام، وكل نائب يقطع حلاوة على قدِّ أضراسه، والمساكين المحرومون ينامون على الريق …
منذ أعوام، في جلسة واحدة، قرر أعضاء المجلس النيابي بالإجماع زيادة معاشهم مائة بالمائة، وقد قلنا لأحد المعارضين المنادين بالإصلاح: أبهذه السرعة توافق وأنت المرجَّى؟! فأجاب: أتريد أن أعيش عيش المقل، وغيري ينعم بميزانية الدولة؟!
(?) ثلاثة أيتام

في لبنان ثلاثة أيتام بؤساء مساكين: الحق العام، والميزانية، والأوقاف.
أوجد المشترع الحق العام، محافظة على طمأنينة المجتمع وسلامته من الفوضى. ومن اسمه نعرف أنه حق عام لا يجوز أن يمس. أما عندنا، فأهون مصيبة، هي أن تقع بين أنياب الحق العام، إذا كان لك منقذ.
فالحق العام أوجده المشترع، في الدول ليصون السلم ويحسم النزاع، ولذلك أقاموا له وكيلًا، حتى إذا ما ضاع الحق، ولم يكن وراءه طالب، قام ذلك الوكيل بالتفتيش عنه بلا هوادة، أما عندنا فنعمل بالمثل القائل: الفاخوري يدير أذن الجرة كما يشاء، ولا يقول له أحد ما أحلى الكحل في عينيك، ولهذا كثرت جرائم السرقات والاختلاسات والتزويرات والجنايات، وسبب ذلك أن الذي له واسطة، وظهره قوي، لا يفوز منه الحق العام بطائل.
هذه كلمة مجملة نقولها وإننا إلى التفصيل عائدون بعد انقضاء المشهد الأخير من هذه المأساة الفاجعة، وسنسمي وسطاء الخير بأسمائهم، وإن كان الكلام لا ينفع؛ لأننا نخاطب طرشان، ولكن السكوت عن هضم الحقوق جريمة.
إننا نستصرخ ضمائر مصقعة، وقلوبًا مجلَّدة؛ لأن شعارنا بعد هذا الانحطاط الوجداني: الحكي لا يرخّص بضاعة. ولكن الحقوق تصرخ نحو أصحابها وإن لم تجد من يسمع. فلو كان «للجوارير» وجدان لثارت وتظاهرت في الشوارع؛ فقد ضاقت بالفضائح القذرة، وانبعثت منها روائح، دونها قاذورات البواليع الغاصة بالنتانة.
أجل لو عقلت «الجوارير» لملأت الدنيا صياحًا وأزعجت لبنان؛ لأننا لا نعطي الحق العام ربع شعرة من ذنب الجمل، والمثل يتحدث عن أذن الجمل في المآزق الخطيرة.
إن الجوارير ستثور وتكون ثورتها عظيمة، فلا خفي إلا سيظهر ولا مكتوم إلا سيعلم ويعلن، والآتي قريب. ولا يكون ذلك إلا عندما يطفح الكيل، فلنحسب حساب ثورة الجوارير ويقظة الشعب.
فلو حُصِّلت السرقات الملايينية التي تميتها أحكام الحق العام لكانت الناس في نعيم، وما احتاجت الدولة إلى تسويف المأمورين المظلومين. ترى ألا تقول لهم هذه الأحكام الغريبة، العجيبة: زيدوا لأنفسكم، أي اسرقوا، وانتظروا البراءة بعد حين إذا افتضحتم أو اعتزمتم، فعند البهلوان دواء لكل داء …
أما اليتيم الثاني؛ فهو الميزانية، التي يصح فيها قول المسيح: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا. كنا نقول: هنيئًا لمن له مرقد عنزة في لبنان، واليوم يصح لبعض أسر، ولكل لبناني منظور أن يقول: هنيئًا لمن له مغرز إبرة في الميزانية. إننا لا ننكر أن في البلاد مشاريع عمرانية، وأن الجبال تزنرت بالطرقات، والأرض العطشى شرب بعضها، وسيشرب البعض الباقي، وأن المعاول تغني في كواهل القمم، وتشق أكباد السهول، ولكننا لو سهرنا على كل ما ينفق، ووضعنا القرش موضعه لكان لبنان جنة الله في أرضه. لقد انفتح عندنا بابان في الشهر الماضي دونهما باب جهنم: الحكم على سارق مزور، وإعلامنا كيف يحتالون عندنا على التهام الميزانية باسم التعويضات والإعانات، وكلاهما وصمة عار في جبين دولتنا الناشئة.
كانوا في العهد التركي يعزلون شيخ الصلح المنتخب إذا ثبت أنه طمع بعشرين بارة، أي نصف قرش، من مال المكلف الذي يجبى من الفلاح، ويطرد ذاك الشيخ مؤبدًا، أما في هذه الأيام فإنهم يبتلعون الصناديق الحديدية ويهضمونها ثم يعودون ليفتشوا عن غيرها …
ذكر المرحوم محمد كرد علي في مذكراته أن لبنانيًّا محكومًا بجريمة سرقة وصل إلى الوزارة في لبنان، فلو دققنا لرأينا نماذجَ شتى من هؤلاء يتربعون على الكراسي.
قرأت مرة أن أحد المرشحين للنيابة جعل شعاره المكنسة، فكان ذلك أكبر دعاية له عند الناخبين وفاز. فهل من مرشح عندنا يتخذ هذا الشعار؟! إن مكانس هذه الأيام لا تتعب ولا تتعب؛ لأن الكهرباء تديرها … فهل من يسلطها على مال الميزانية السائب فنرى أن نصفه ينفق في غير محله؟!
إن الميزانية عندنا يصح فيها قول المثل: بقر الدير ورزق الدير … فكأنها ملك يمين من يُولَّى عليها لأجل صيانتها فيكون راعيها حراميها.
أما اليتيم الثالث، وهو أشقى الثلاثة، فهي الأوقاف التي ذابت بين أيدي القيّمين عليها، وإذا كانت الميزانية تطير من باب شرقي فالأوقاف طارت من الجهات الست. فكل مولًّى عليها، إلا نفرًا قليلًا من البقية الباقية من أصحاب الضمائر الحية، يبيع، يرهن، وينفق بلا حساب. وسرية حساب الأوقاف عندنا، نحن أتباع رومية، مثل سرية المصارف، فالولي مقدس غير مسئول، وقلما يخرج رئيس أبرشية ورئيس كرسي أو رئيس دير دون أن يبيع أحسن عقار، ويستدين المبالغ الطائلة، أو ينفق ما ادخره الوليُّ السابق؛ ليتفرعن ويتبغدد.
كان الوقف للفقراء فصار للأغنياء، وكان لعمل البر والإحسان فصار للأهل والجيران … وكان للتقشف فصار للبذخ والتنعم، وأصحاب هذا الحق لا يصرخون.
أعرف ديورة وكراسي باعت الكثير مما تملك، ولماذا؟ لا أدري ولا المنجم يدري. يكون في الدير بضعة أفراد، وهو يملك قرية، أو قرى يعيش في غلتها مئات الشركاء وعيالهم، بينما الأفراد، وهم جمع قلة، لا تكفيهم حصتهم من تلك الغلال وهي النصف. وهكذا نظل نرى الدير رازحًا تحت أثقال الديون ولا بد في النهاية من البيع.
في ذلك الزمان جاء ديورتنا موفد روماني؛ ليدرس عن قرب الحياة الرهبانية عندنا، فرحب به الرئيس العام وجمهوره، وبعد نصف ساعة قرع جرس صلاة المساء، فقال الرئيس العام للزائر الرسولي: تفضل. فنهض ومشى وهو يظن أنه مدعو إلى العشاء. فإذا به يدخل الكنيسة، ودامت الصلاة ساعة زمان. ثم هوَّنها الله وانتهت فذهبوا إلى المائدة، فجلس، وقدمت له طبخة الديورة التقليدية في ذلك الزمان «المخلوطة» ومعها الخبز اليابس، فانتظر المسكين كيف يأكل الرهبان أرغفتهم التي تصلح دفوفًا، فطحنوها وفتَّتوها، واستلوا الملاعق، فاضطر أن يجاريهم ولكنه قصَّر عنهم في ذلك الميدان، فقام غير شبعان. انتظر الفرج. فعادوا به إلى الصلاة، ولكنها كانت نقرة، ثم صعدوا إلى القاعة، وما استراحوا قليلًا حتى قرع ناقوس صلاة الستار، فدعي حضرته إلى النهوض ومشى إلى الصلاة يجر نفسه جرًّا. وانتهت المعركة الصارخة فقرع جرس النوم ونام، وبعد ثلاث ساعات قرع بابه فأفاق، وبشَّره الرئيس بالقيام إلى صلاة الليل فلبَّى مكرهًا. وصلاة الليل طويلة أربع «قومات» فانتهت بعد جهد طويل وما نام ساعتين ثلاثة حتى قرع جرس صلاة الصبح، فطار عقله عندما قرع بابه، ثم جاء دور القداس ثم الزياح، فصلاة النهار، فلم يستطع الصبر على الصلاة وخشونة الأكل، فقال للرئيس العام: أهذا هو أسلوب عيشتكم؟!
فأجابه: نحن لا نأكل اللحم ولا نلبس القماش الناعم، نحن، يا صاحب النيافة، زهَّاد لا عمل لنا إلا تأدية واجبنا والسهر على أبناء رعيتنا، فحيث توجد قرية بلا كاهن نذهب إليها ونعود إلى مقرِّنا لننام في ديرنا.
– وأنا ماذا جئت أفحص؟ إن طرقكم لا تفحص، وهنيئًا لمن يقدر أن يعيش عيشتكم.
فقال الرئيس: قد يكون ضايقك أكلنا الخشن. غدًا نذبح لك ديكًا. ونقلي لك البيض، ونسقيك الخمر المعتقة.
فقال الزائر: لا يصح أن آكل على مائدتكم غير ما تأكلون، ولكني سأقصر أيامي عندكم. قل لي دخلكم من أين؟
– من الأرض يا صاحب النيافة، فنحن نسَّاك عمال، نغرس ونفلح، ونزرع ونحصد. الراهب اللبناني فلاح قانوني، والشعب فلاح علماني، الدير، بدعاك بألف خير.
– وهل يفيض عنكم شيء؟
– الكثير، والعقارات في ازدياد مستمر.
– إذن ماذا أقول لرومية؟
– خبِّر عما رأيت، فهذه حقيقتنا. ولكني أحس أن عدوى الترف تتسرب إلينا شيئًا فشيئًا، فصلوا لأجلنا؛ حتى نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا وأموال الفقراء التي نسميها وقفًا. فالدير بيت الجميع وخصوصًا المحتاجين.
فأجاب الزائر: نحن محتاجون إلى صلواتكم. ومتى كانت الصلاة مقرونة بالعمل الصالح ففيها كل خير وبركة.
تلك كانت حالة الديورة وأوقافها، أما اليوم، فحالة الكراسي والديورة كما يعرفها كل قارئ، ولا نزيد على هذا شيئًا. ولعل هذي هي حالتنا روحيًّا ومدنيًّا، وقد قال فيها منذ قرنين االشاعر الخوري نيقولاوس الصائغ:
كثر العثار بعثرة الرؤساءوغوى الصغار بغرة الكبراءفإذا رأيت الرأس وهو مهشمٌأيقنت منه تهشم الأعضاء(?) من أفواه الصبيان

أعمدة وزجاج

لقد بحثت عن الله في جميع الكنائس فلم أجد غير أعمدة ضخمة وزجاج ملون.
هذا ما قالته البنية الصغيرة، مينو دوريه، قبل أن تسلِّم على قداسة البابا. ومينو دوريه، فتاة حيَّرت عبقريتها المبكرة عقول أدباء الغرب ونقاده ومفكريه. ففي العام الثامن كان لهذه البنيَّة ديوان مطبوع وشعره جيِّد كما يقولون.
إن كلمة هذه البنت الصغيرة لهي أكبر جدًّا من ديوانها، وإذا أُعجب غيري بشعرها فأنا أشد إعجابًا بكلمتها في حضرة الحبر الأعظم المعصوم. فيا لجرأة الطفولة ويا لعظمتها! فلو صرت راهبة، يا مينو، لطوبوك في الحياة، لا بعد الموت كما هي العادة، وأُحيط رأسك بهالة الطوباويين النورانية.
ما أكبرها كلمة خرجت من فمك البريء! ولعل المسيح كان قاعدًا على لسانك أو هو الذي أرسلك إلى نائبه على الأرض لتصارحيه بهذه الحقيقة.
من سيماء وجهك الذي رأيت رسمه في الصحف صدقت أنك قلت كلمتك للأب الأقدس. يظهر أن قداسته لم يسمعها؛ لأنه في الثمانين، والثمانون قد تحوج الأذن إلى ترجمان.
وإذا كنت لا تزالين تفتشين عن الله ولا تجدينه فأنا أدلك عليه. فتشي عنه يا فتاتي في العراء. فتشي عنه بين الأشجار المنتصبة دائمًا في هيكله الأعظم، هيكل الطبيعة. اسألي الشجرة صديقتك، وليكن الإنجيل دليلك؛ فهو يرشدك إلى مكانه. أما هذه الهياكل الجبارة التي مررت بها فقد شيِّدت باسمه وهي ليست له.
في الأكواخ تجدينه يا ذكية؛ فهو الذي قال، وحاشاه أن لا يصدق: ليس لابن الإنسان مكان يسند إليه رأسه.
والله، يا بنتي، لو عاد بعد غيبته الطويلة لاستغرب هذه الصروح أكثر منك. إنها بنيت للإنسان، لا لابن الإنسان الزاهد.
أما الزجاج الملَّون فهو رمز لبشرية اليوم المتعددة الألوان. كل شيء صار من زجاج، ويا ليت هذا الزجاج يضيء.
إننا نرجو منك خيرًا جزيلًا متى كبرت، فلا تغيري فكرك بالأعمدة الضخمة والزجاج الملون …
المرفع

قال لي واحد من أصحابي: صرنا نسمع بالمرفع ولا نراه، فكيف راح؟ هات خبرنا عن المرافع في أيامكم.
فأجبته: نحن كان لنا مرفع في السنة، أما أنتم فكل أيامكم مرافع. قل لي أية ليلة تمر ولا يكون لك فيها مرفع كبير … فتشرب وتأكل وترفع كل شيء، ثم تحتاج إلى من يأخذ بيدك؛ لتعود إلى بيتك سالمًا.
كان المرفع في عهدنا عيدًا قرويًّا أسبوعيًّا، فتخلع القرية ثوب وقارها وسكونها، فلا تسمع إلا أغاني، وقرع طبول، ونقر دفوف. كان المرفع هو الوقت الأنسب للزواج، ويا ويل من يتزوج في المرفع، فالقرية كلها تحتل بيته، ولا ينتهي أجل الاحتلال إلا مساء الأحد عند نصف الليل.
وكانوا يحتاطون للديوك يوم كانوا يصومون، ليحولوا دون صياحها؛ لأن نصف ليل الأحد هو بدء الصوم. وإذا عجزوا عن تزويج شاب ليفرحوا بعرسه ويتهللوا كانوا ينتقون واحدًا ليجعلوا منه «عريس كدِّيب» ويطوفون به في القرية كأنه عريس حقًّا … وعند منتصف الليل يعودون به بزفَّة مجنونة إلى بيته.
أسبوع المرفع هو عند النصارى تذكار الموتى، ولكن تقبر الموتى، فمن يتذكرهم بعد، ولهذا قال جدي لأمي، وكان يحب السجع: كانت جمعة الموتى، فصارت جمعة الخوتا؛ لأنهم كانوا يتشاجرون فيها ويتقاتلون، وخصوصًا يوم الخميس الذي يسمونه خميس السكارى.
ولكن جرح الضيعة سليم، والصلح عند أهلها سيد الأحكام.
أما حسنة جمعة المرفع التي لا أنساها فهي هذه: كنا يوم أحد المرفع نخرج من القداس وتمشي الضيعة كلها معنا، فنزور البيوت جميعًا، وكلنا معًا، ونظل طول النهار ننتقل من بيت إلى بيت، وفي كل بيت نملأ قليلًا من الفراغ؛ لأن من لم نأكل عنده شيئًا لا يغتفرها لنا.
ونختم هذه الزيارة الرعائية في آخر بيت، وهكذا نزيل الأحقاد والضغائن ويعود السلام إلى القرية.
هذا هو التقليد المحلي الذي ذهب مع تقاليدنا الحسنة الجميلة، وبهذه الوسيلة لا يعصي علينا مصالحة خصمين مهما كانت خصومتهما شديدة.
أذكر أن امرأة، مخَّها يابس، لم ترد أن تستقبل خصمها في ذلك اليوم، فقال لها شيخ السن الذي كان معنا: يا مره، أنت رايحة عاجهنم بثيابك، تعالي صالحي خصمك، وإلا فما نفع صومك وصلاتك! فلم تحتج إلى أكثر من هاتيك الكلمة، فتقدمت منه ترحب به وزغردت لنا وتمَّ فرحنا.
إن القرية خصوصًا فقدت كثيرًا من لونها، فاليوم كل واحد يقعد ببيته، وحسبه أنه عنده ما يأكله وليمت جاره … بينما كان المقل يحصل على كل شيء في جمعة المرفع، كنا نقاسمه حتى اللقمة.
الروك أند رول

قرأت أن الجيش الأميركي رفض أن يدعى هذا العفريت راقص الروك أند رول — ألفيس بريسلي — للخدمة العسكرية؛ لأنه لا يصلح إلا لإهاجة المراهقين والمراهقات.
إنهم حرموه شرف خدمة العلَم، ولو حصل هذا عندنا لأغنى الكثيرين منا عن التماس الشهادات الكاذبة التي تعفيهم من هذه الخدمة.
أجل إننا نضحك في عبِّنا إذا تملصنا منها، أما هم فهذا الحرمان عندهم، يشين من يحرم منه وهو اعتراف صريح بانهيار أخلاقه.
غريبة هي أحكام هؤلاء الناس، وإن كانت بسيطة في ظاهرها، فهي عميقة الغور. قرأت أن لصًّا أعيا الحكومة عندهم، فلا تنقضي مدة حبسه حتى يسرق سرقة أكبر، ويستأنف المحبوسية، وأخيرًا نقب مصرفًا يوم أحد وذهب بكل ما في الصندوق، فقبض عليه واقتيد إلى المحكمة، وانتظر الناس الحكم المؤبد، ولكن القاضي حكم عليه بيوم حبس، وقد علل الحكم هكذا: بما أنه تعاطى «عمله» يوم الأحد، وهذا ممنوع؛ لأن قانون البلاد يحظر العمل في هذا النهار، ويعاقب عليه بحبس يوم.
يقال: إن هذا الحكم كان أفعل من الحبس سنين، وتاب الرجل، فهل يتوب مثله صاحب الروك أند رول.
لبنان فكرة

كثيرًا ما أقرأ هذه العبارة وغالبًا ما يتبعونها بقولهم: ولولا ذلك لا مبرر لوجوده — أصحيح هذا؟ وإن كان ذلك كذلك فمن دافع عنه، عبر العصور، حتى بقي إلى اليوم! أظن ظنًّا يشبه اليقين أن هذه الفكرة هي التي تقعدنا وتحول دون الجندية الإجبارية عندنا. ففخر الدين لم يحارب بالفكر ولا بالإشعاع، وكذلك أمراء المردة، وبشير الشهابي. إنها حجة الرعاديد، فخطيئة الفكر هي أخف الخطايا ثقلًا، ومبدأ الفكر ورسالته لا تحمي الحدود، فلنعد عن هذا إذا شئنا أن نحميها، ولنعمل بقول مثلنا: حطّ رأسك بين الرءوس ونادِ يا قطَّاع الرءوس.
أما أن تكون قنبلتنا «لبنان فكرة» وصاروخنا لبنان إشعاع، فسوف تأتي ساعة نفتش فيها عن لبنان ولا نجده.
دعونا أيها الأدباء من هذا الغرور والخداع؛ فقد أحبطتم عزم الرجال حتى كره شبابنا الدفاع. لا أحد في هذه الدنيا يحمي أحدًا إلا لمآربَ، ومتى قضى غرضه ترك الدار تنعي من بناها، فإذا شئتم أن يكون لكم وطن تعيشون فيه، فدعوا الفكر جانبًا، وإلى العمل الملموس.
الرملة السوداء

إذا كانت سوداء، وهذا بتعهم، فكيف لو كانت بيضاء؟! إن هذه الحيل الجهنمية قد تعلمناها جديدًا، والمادة تعمي عيوننا؛ كبارًا وصغارًا.
في ذلك الزمان كانت جريدة المقطم، لسان حال الإنكليز في مصر، وأرادوا مكافأتها دون أن يمدُّوا أيديهم إلى كيسهم، فقالوا لشاهين مكاريوس: رح اشتر أرضًا في المكان الفلاني، أنفق كل ما تملك في شراء هاتيك الأرض اليباب. ففعل شاهين، وبعد حين كان مشروع سد أسوان، واغتنى مكاريوس.
أما عندنا فلم أفهم سر طبخة الرملة السوداء، ومن هو ذاك الإنكليزي الفحل الذي أوحى بعقد نكاح تلك العبدة، ولكنني أظن أنها أشبه بهاتيك. السر ربح الفلوس.
ومن لم يمت بالسيف مات بغيرهتنوعت الأسباب والموت واحد كنا نقول: الله لا يسوِّد لك قلبًا، أما اليوم فيا مرحبًا بالسواد، فالسواد مغلال. كان ولا يزال، فكلوا واشربوا حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولكنكم لا تشبعون …
الحوت الذي جاءنا

عجبت للذين تزاحموا على رؤية حوت، بزقه البحر على شطنا. ترى، أفات هؤلاء الذين يلتقون كل ساعة بحيتان اليابسة؟ ولكن ريحة حوت البحر قد فاحت، أما «النقود» التي يتغذَّى بها حيتاننا، فلا رائحة لها. وقد أدرك ذلك أبو العتاهية فقال:
أحسن الله بناأن الخطايا لا تفوح(?) القرود تصور

حقًّا إن أميركا هي بلاد العجائب والغرائب، فلم تنتهِ مشكلة الأميركان مع العبيد السود حتى نبتت لهم مشكلة مع القرود، فهذه القردة «بيتسي» التي رسمت لوحات زيتية تجريدية تثير الأوساط الفنية الأميركية، فيبرق الفنان الكبير شارلي موديكي ويهدد بسحب لوحاته من المعرض الذي تقيمه جامعه كاليفورنيا في ?? حزيران القادم، إذا أصرَّت إدارة المعرض على عرض لوحات القردة بيتسي. وهذا نص برقيته، نقلًا عن جريدة الحياة، التي جاءها النبأ من بييركلي في الولايات المتحدة: إننا لا نسمح لقردة بأن تجعلنا قرودًا. فإما موديكي أو بيتسي وعليكم أن تختاروا حالًا.
كان الإنسان يزدهي على ذوات الأربع ويفتخر أنه يمشي على رجلين ثنتين. كان يميز نفسه، أولًا، بأنه حيوان ناطق، ثم رأى الببغاء تنطق فعدل عن هذا التعبير. الحمد لله على أنه لم يقل الإنسان حيوان مصور، وهو لو فعل لاضطر إلى تحديد جديد يميز نفسه به من أخيه الحيوان، ولكن هيهات … لأنه حيوان أرقى من إخوته المتخلفين ليس أكثر.
عندما كنت صبيًّا قرأت في مجلة المقتطف خبر الحصان الذي يحسب، فأسرعت أبشِّر جدي، فكان الجواب: رح من وجهي، وهزَّ العصا، فهربت.
أما حان للناس أن يفكروا ويتركوا العنصرية واللون؟ فكل إنسان يحكي وليس كل إنسان يصوِّر. فهذه القردة سبقت عموم البشر أشواطًا. الإنسان تكلم قبل أن يصوِّر، أما هي فصورت، وبالألوان الزيتية، ولعلها فضلت العمل بقول شاعرنا العربي:
الصمت زين والسكوت سلامة
ما أكثر المشاكل التي تنتظر من أيزنهاور حلًّا! فليفكر بمشروع جديد …
عندما أفكر بما رأيت من أعاجيبَ يقف شعر رأسي، كنت كثيرًا ما أتمنى لو كان أُجِّل مجيئي إلى العام الألفين.
عندما كان حساب نهاية الخلق عندي بالألفين، كما كان يقول جدي الآخر، كنت أشكر ربي وأسأله ألا تقوم القيامة قبل حلول ذاك الموعد، وكنت كلما قامت أمة على أمة، ومملكة على مملكة، أنتظر قيام الساعة، أما حين صار حساب الخلق بمئات ألوف السنين بل بالملايين فصرت أتأسف على مجيئي في الموعد الذي جئت فيه.
فأين من كانوا يكذبون داروين ويهزءون بأقواله؟! فخير للإنسانية أن توصي القرود بأحفادها، وتقول لأبنائها أن يوحدوا صفوفهم، فتقابل الإنسانية أختها القردية، بمثل عليا تعجز عن تحقيقها القرود، وينقوا حضارتهم من شوائبها الوحشية.
كنت أضحك عندما كان الجاحظ يحاول في كتاب الحيوان أن يبرهن لنا أن الهرة لها مواء متنوع الأشكال وبه تعبِّر عن حاجاتها، وها نحن قد وصلنا إلى ما هو أعظم. إلى قردة تصوِّر، ويحاولون في أميركا أن يدخلوا رسومها التجريدية في معرض كبار الفنانين!
كنا نقول في فجر هذا العصر: فلان اخترع البارود. فأين هو البارود، وأين وأين؟ فهذا زمن شارك فيه الجماد دماغ الإنسان العجيب، فأخذ قسطًا كبيرًا من مهامه، ولعله يأتي وقت نستغني به عنه ولا يعود لنا شغل عقلي، نأكل ونشرب وننام ليس إلا، بينما القرود تصوِّر وتحلُّ القضايا.
الألقاب

لا تزال بقايا العهد التركي، عهد التمجيدات والتشريفات، والألقاب والكنيات، عالقة بأذهاننا ورءوس أقلامنا. ذكرني بهذا ما سمعته منذ أيام من الراديو حين قال مندوب أيزنهاور: كلفني الرئيس أيزنهاور، فلم أعجب بالبساطة. وسمعت على الأثر واحدًا منا يتحدث عن السفير الأميركي الذي يرافق مندوب أيزنهاور فيقول: سعادة السفير الأميركي.
ثم يأتي دور أصحابنا فتفيض السعادة والمعالي وغيرها من الألقاب التي لم يخلصنا منها أحد. على عهد أيوب ثابت اكتفينا مدة بكلمة حضرة لجميع المقامات الرسمية، ثم لم تنقضِ مدة قصيرة حتى عدنا بشوق لا مزيد عليه إلى مثل هذه الطنطنات الفارغة. الحمد لله على أننا استرحنا من الألقاب التركية، ولكننا ابتلينا بلقب جديد؛ هو لقب دكتور، ولكل جديد رهجة وبهجة: يكون الشيء مرغوبًا فيه متى كان نادرًا، كما كانت كلمة «الملفان» في «أيامنا». ولكن ما دامت مصابغ أوروبا تعيد إلينا شبابنا مصبوغًا بهذا اللقب العلمي بلا علم — إلا نادرًا — فإني أقترح أن نكتفي باسم الرجل ونترك عمله يعبر عن كفاءته.
كنت مرة أحدث صديقًا لا أعرف أنه دكتور، فكان يحدثني بجفاء وتقطيب حواجب، ولما دخل واحدٌ خاطبه بيا دكتور، قلت له في مجال الحديث: اسمع يا دكتور، فتطلق وجهه وأقبل عليَّ بعدما كان مشيحًا.
إنني أقترح على ألسنتنا وعلى صحفنا وأقلامنا أن نكتفي بكلمة حضرة أو سيادة، وتجلي عن حضرتنا تلك الجيوش الجرارة التي نستعرضها على ظروف رسائلنا، فنكفي موزع البريد مئونة التفتيش عن الاسم الضائع بين تلك الجحافل.
قال لي واحد أوروبي: أنتم — الشرقيين — تفخمون كثيرًا فتتعبون السامع والقارئ. نحن نقول Le bon Dieu وأنتم تقولون: الله — سبحانه وتعالى — آلله في حاجة إلى تعظيمنا؟! فقلت له: لا يحول الله وجهه عنا إذا لم نفخمه، ولكن مخلوقاته قد يتنكرون لنا؛ إذ لم نعظِّم ونفخِّم.
الكرم المزعج

أقترح لهذه المآدب التي لها أول وليس لها آخر، أن يكون لها ملكة أناقة وكرم، فلا نعود نقول، مثلًا، كانت هذه الحفلة سيدة الحفلات. فليكن هناك محكمون، وإذ ذاك يكون المجد للخواجه والست بحق ولا يكون الحكم اعتباطيًّا. فالديمقراطية لا بد لها من الشورى. ومن تأمل اللياقات التي لا حد لها، والإلحاح الذي لا ينتهي، عجب من هذا الكرم الحاتمي، حتى إذا ما انتهت المأدبة التي لا يقصد منها إلا الظهور وتعريف الناس بآدمي طازه، وما عنده من أثاثٍ وأوانيَ وسجادٍ، عاد البخل سيد الموقف. وقد لا يكون في ذلك القصر العظيم، مأوى للكتاب، ولهذا ترى غنى بلا معرفة، فكل ما عنده من سوق الفرنج ومن سوق الخضرة.
عندما ترى الواحد منهم يقبل عليك ليطعمك فوق الشبع تقول في نفسك: ما أكرم هذا الرجل! فهو يطعمنا غصبًا عنا، وأي كرم فوق هذا؟! قد دعا عشرين نفسًا وأعدَّ ما يكفي مائة، فهنيئًا للفقراء سيشبعون بعد ذهابنا، ولكنك لو عرفت أن البرَّاد هو فكَّاك المشاكل في هذه الأيام؛ لثبت لك أن المسكين لا يفكُّ ريقه من هذه المأدبة العامرة.
فليت أصحابنا الذين أكلنا خبزهم، وصار بيننا وبينهم خبز وملح، فكروا بالفقراء وأطعموهم ما أكلناه فوق الحاجة. لا أقول أن يكون للفقراء رصيد عندهم، وإنما أقول: لا تطعموا البرَّاد، فأخوكم الفقير أبرد منه، فأطعموه فضلاتكم ليدفأ.
وعلى ذكر الإلحاح على الضيوف؛ إظهارًا لكرمنا الحاتمي، يطيب لي — كما يعبر كبار رجال السياسة — أن أروي للقارئ هذه الحكاية: كان لأحد أعيان صيدا بنت عزيزة على قلبه جدًّا، فأصيبت بالتيفوئيد، وكانت حمى التيفوئيد مرضًا خطرًا مزعجًا، فدعي لمعالجتها الدكتور كارنيليوس فان ديك، سيد الموقف الطبي في ذلك الزمان، فركب سيارة لم تكن غير حمار قبرصي، وظل يروح ويجيء يوميًّا، وكل وكده أن ينتصر على الداء العضال. وبعد شهرين وأكثر برئت البنت من مرضها، واحتفل الأهل بنجاتها. وكانت المأدبة على شرف الدكتور، فجاء راكبًا حماره الفاره. كان الحمار يرقص رقصًا تحت معلمه كأنه يشعر بما يخامره من غبطة وحبور لإنقاذه البنت العزيزة.
وحان وقت الغداء، ومدت السفرة الحافلة بأطيب الألوان، وقعد الدكتور في محله المرموق، وشرع يأكل. خاض المعركة ببسالة، ولما اكتفى رفع يديه وانصرف إلى المجاملة بلسانه. ولكن أم البنت أخذت كبيبة، محشوة باللحم والشحم، والسمنة الحموية تقطر منها، وقدَّمتها للدكتور فأكلها مجاملة، مع أنها وحدها كافية لإشباع رجل أكول. وما انتهى من مصارعتها حتى عرض عليه أبو البنت كبيبة لا تقل عن الشبر طولًا، وهو يقول: كرمالي يا دكتور، أي إكرامًا لي. فأخذها الدكتور تأدبًا وراح يقضمها. ولما انتهى من الإجهاز عليها ونفض يده من سمنها صاحت البنت: وكرمالي أنا واحدة ثالثة، فاعتذر الدكتور ولكن عذره لم يقبل، فقال في نفسه: أكلة وموتة فاستعد لملاقاة ربك يا دكتور.
وأخيرًا انتهت المعركة الفاصلة، وغسل الدكتور يديه، وهمَّ بالرجوع قبل أن يفتضح أمره، فجيء بالحمار وأعين الدكتور على ركوبه.
وكرج الحمار غير مبال بكرش صاحبه الذي يكاد ينشق، ولكن فان ديك رأى أن ينقذ الموقف بعد مسافة فنزل عن حماره ونام حد نبع على الطريق، ثم قام هاضمًا الكباب المقلية إلا قليلًا، ففك رسن حماره وأدناه من العين فشرب حتى ارتوى.
وخطرت النكتة، وفان ديك كان من أربابها، فهز رسن الحمار ودعاه إلى الشرب فأبى، فقال الدكتور: كرمال أم البنت اشرب. فرفع الجحش رأسه كأنه يقول: ارتويت.
فهز الرسن ثانية وصاح: كرمال أبي البنت اشرب.
فلم ينثنِ الحمار عن عزمه. ولم يمتثل لأمر صاحبه، فدعاه إلى الشرب ثالثة بلطف وإيناس وقال له: كرمال العروس التي أنقذناها من الموت اشرب ولو غبَّة.
فتعنفص الحمار وكاد يعلن العصيان المدني، فتضاحك الدكتور وقال له: اسمع يا صاحبي، أنت الحكيم لا فان ديك، فلولا القليل كنت مت من أجل مكارمة الناس، عافاك. لا تتنازل قيد شعرة عن فلسفتك الغريزية.
وهكذا عاد الطبيب إلى قواعده سالمًا، وبقي يومين عاشهما على اللبن والحليب فأنقذ الموقف ونجا بجلده.
لا أعلق على هذه الحكاية، فشرحها منها وفيها. فلنُقِل من هذا الإلحاح على المدعوين. فهم غير مجبرين على استهلاك طعامنا، فرب أكلة حرمت أكلات، هذا إذا لم تؤدِّ إلى العالم الآخر! ولكننا نحمد الله على تبني بعضنا عادة الأوروبيين أو الأميركان، وصار الأكل على الواقف، أما نحن فقضينا أكثر عمرنا نربط على المعلف ولا بد من الإتيان على آخر حبة من العليق. وإذا بقي حتاتة انبرت الست تصيح: يه. الأكل بقي كما هو، يظهر أن عيشنا لم يعجبكم.
وهذه ضربة معلم فعلتها؛ لتسمع ثناءنا على ما أعدَّته لنا، فقلت لها بعدما مدحت وأطنبت: الفقراء واقفون على الباب، ومن لهم غير هذا البيت العامر المضياف.
وإلى الذين ينفقون ألوف الليرات على علفة أقول: زكوا آدابكم بكيس طحين يوزع على الفقراء، فما عليكم لو اختصيتموهم بثمن قنينة وسكي تشرب بعد الامتلاء.
(?) لمن تربي مدارسنا؟

كم كنت أتمنى أن ينتهي حديثي عن المدارس والتعليم عندنا فلا أضطر إلى استئنافه. ولكن يظهر أنه موَّال فرنجي «ترلم ترلم»، كأناشيد جدجد لافونتين الذي غنى القصائد، ففاتته الحصائد، وراح يشحذ من النملة ما يسكت جوع بطنه.
لست أرجو حل هذه العقدة؛ فهي لم تحل بعد، كما يرجو أحرار الفكر، في الدول العوانس، فكيف يرجى تحقيقها في دولة لم تشب عن الطوق! أما الدواء إذا وجد، فمصدره وزارة التربية ولا يحقق فكرة الدولة — بعد حين طبعًا — غير هذا الكرسي، فالدولة لا تُعمل بمرسوم بل تتكون في الرءوس والنفوس ولا يقال لها: كوني فتكون. أساس الدولة البيت والمدرسة، فهل لبيوتنا يد في هذا العمل الخطير الذي لا يكون إلا موحدًا؟ وهل لمدارسنا هدف غير التعليم؟
إن هدف المدارس هو خلق الرجال، ولكن أي الرجال تخلق مدارسنا؟ ولمن يخلقونها؟ …
الجواب مر مؤلم: المدارس الأجنبية تهزج وترتل والوزارة بل الدولة لا تستطيع وقف الدف والطبل، العرس قائم ولكننا في مناحة.
إذا كبر الرجل أفرط في الصراحة، فاسمحوا أن أسأل: ما الذي دعانا إلى انتحال اسم التربية الوطنية؟ ألم يكن الاسم الأول، وزارة المعارف أكثر مطابقة! إن لبنان لا يعنى بغير التعليم، ويا ليته تعليم كامل فنتعزى.
إن تكويننا الاجتماعي، إن كان لنا تكوين، لا يد لمدارسنا فيه، فنحن النزوعيين قد كوننا أنفسنا، ولم تستطع مدارسنا أن تخمد نزعاتنا. إذن فلنقل وزارة القراءة والكتابة، في اللغة القومية واللغات الأخرى، وإن تشبثوا بهذا اللقب المنسوخ فإني أسألهم: إذن ما هو هدفكم التربوي؟
قد يجيبون على سؤالي هذا: هدفنا خلق رجال ذوي أخلاق فاضلة، إنسانيين. ولكنني أرد على هؤلاء: هذا هدف عام من عهد «كانت» و«بستالوزي» وغيره، وهو لا يتفق بحال مع التربية الوطنية. فللتربية الوطنية هدف خاص، أي خلق رجال مختصين ببقعة من الأرض دون غيرها، فهل نعمل لهذا؟ أفي وسع وزارتنا التي سموها وزارة التربية الوطنية أن تقول لمدارس الجمهورية اللبنانية جمعاء: افعلي ولا تفعلي.
يقول علماء التربية: إن التربية الصالحة لأمة أو فرد قد تضر بأفراد آخرين أو بأمة أخرى؛ فالتربية الحق تصهر عواطف وأفكار الأمة فتصيِّر شعورها واحدًا. وبدون ذلك لا تكون الدولة. فالإنسان الذي تتطلبه تربية اليوم ليس هو ذاك الإنسان الآدمي، ولا الذي أوجدته الطبيعة بل هو ذاك الإنسان الذي تحتاج إليه الأمة وتريده كما تقتضي ظروفها أن يكون، وبوسعنا أن نستعير هنا ذلك التحديد البياني للبلاغة العربية: مطابقة مقتضى الحال.
هذا رأي دركايم وغيره، فهل لعلماء التربية عندنا رأي يناهضه؟ وماذا تخلق مدارسنا يا ترى؟! ماذا تغرس من المشاعر والأفكار التي هي سر قوة الشعب، ولا وطن ولا حول ولا قوة إلا بها.
والوزارة لا تجهل أن التربية تطورت في أمم العالم، ومثلنا على هذا دولة فرنسا. أما حاولت هذه الدولة التي شدنا منهاج دراستنا على طراز منهاجها أن تخلق لكل عصر رجالًا؟ فشتان بين فرنسي العصور الوسطى، وفرنسي عصر الانبعاث، وفرنسي عصر الثورة، وفرنسي القرن التاسع عشر، وفرنسي الحربين وما بعدهما. فماذا نفعل نحن الذي نسخنا مناهجنا واسم وزارتنا عنهم، وما هي التربية الوطنية التي نريدها؟! ألا تربي كل دولة رجالًا ينتسبون إليها، فماذا نربي نحن؟ ألا ترى الوزارة أن من نربيهم يصلحون لكل مكان، ولا يصلحون لمكان بعينه. فإذا كان هدفنا تربية رجال «دوليين» فلماذا لا نسميها وزارة التربية الدولية، وهذا اسم أعم وأفخم وأرخم …
للطيور التي تعيش مجتمعة نظام اجتماعي موحد، أما نحن فكما يعلم كل واحد: كل يغني على ليلاه وما من يسأله هذا النشاز؟! ولكن فلنبعد اليأس؛ فالأمة لا تتكون إلا بعشرات السنين، وبما أن عناصر تكويننا وثقافتنا وأدياننا متشابهة، فلا بد من أن يصير مزاجنا القومي واحدًا، إذا صح رأي غوستاف لوبون.
يقول دركايم: إن جسدًا يعمل بدون عقيدة تربوية هو جسم بلا روح. فما هي عقيدتنا التربوية يا ترى؟ ما هو هدفك أيتها المدرسة؟ الجواب: عند الجنسية والطائفية. إذن لكل مدرسة هدف، وهيهات أن ترتقي بلاد لا تستهدف غرضًا ساميًا.
وأنت يا أخي الأستاذ، وأنا زميلك في معامل الرجال، ما هو هدفك التربوي إذا كنت معلمًا في مدرسة أجنبية؟ الجواب: لاتيني عند اللاتين، وأميركي عند الأميركان، وإنكليزي في مدرسة غايتها التبشير … تصلي اليوم غير صلاتك، غصبًا عن رقبتك، وإلا فالبوابة مفتوحة.
كانوا فيما مضى — في أيامنا — يكرهون التلاميذ على دخول الكنائس وحضور الزياحات والقداسات والمواعظ الدينية، وقبل الحرب الكبرى، احتج الطلاب المسلمون في مدرسة جبيل على ذلك فأطلقت حريتهم على عهدتي. وبعد الحرب العظمى الأولى مشت أكثر المدارس على هذا النهج الجديد. ما لنا وللصلاة، فهي مفيدة في كل معبد، ولكن هل في هذه المدارس الأجنبية احترام لعواطف البلاد ولقرارات حكومتها، هل يعيِّدون أعيادها القومية ويشاركونها في أفراحها؟ الجواب على هذا: لا. ثم ماذا يعلمون؟ وإذا وجهنا هذا السؤال إلى الوزارة ترى ماذا تجيب. هل دخل مفتش ما معهدًا أجنبيًّا وقال لأصحابه: افعلوا هذا أو لا تفعلوا ذلك. إنهم يعلمون ويربون وفكرهم في بث مآرب الدول التي هم منها، أما لبنان فليس على البال ولا في الخاطر.
إذا كنا في حاجة إلى الجامعات، فهل نحن محتاجون إلى مدارس ثانوية وعندنا ما عندنا من المدارس، وهي تطلب مساعدة الدولة … أرى أننا إذا لم نقفل المدارس التبشيرية فلا أقل من أن نفرض عليها سلطاننا؛ لتعرف أنها في بلاد عربية، وفي ظل علم لبناني يحترم الحريات جمعاء، وليس لها أن تنفث في نفوس أبنائِنا مبادئَها التي لا تساعدنا على تكوين الوطن الحر الذي ننشده.
ومدارسنا هدفها الطائفة قبل الوطن، فإذا كان المحيط مارونيًّا فهي مارونية، وإن كان أرثوذكسيًّا فأرثوذكسية، وإن كان إسلاميًّا فهي سنية أو شيعية، وإن كان درزيًّا فهي درزية، وهكذا قل عن الأرمنية والسريانية، والعبرانية، ومع ذلك فهي تطلب من الدولة أن تفتح خزائنها وتقذف لهم المساعدات بالرفش.
أقول هذا ولا أهاب أحدًا: لمدارس الأجانب هدف معين هو التمكين لدولها في أرضنا، أما الوزارة فترمي التل ولا تصيبه، ثم تتشبث بلقب التربية الوطنية لا شيء سوى أنها هكذا سميت في فرنسا، كما لم أُسَمَّ مارون إلا لأنني ولدت في ذلك اليوم؛ يوم عيد مار مارون …
إن مهمة التوحيد عندنا شاقة جدًّا، ونحن لسنا نطلب التوحيد كاملًا؛ لأن دولًا كثيرة لم تحققه بعد، فكيف به في دولة ناشئة لا اختصاصيين فيها؟! وإذا وجد الاختصاصي فمن يكفل لنا وضعه في محله إذا لم يصادف هوى الطائفيين؟! وميل المالكيين سعيدًا … وهل يجرؤ على الإصلاح من كان موقفه مهددًا! من يكفل له أن قوائم كرسيه لا تصطك وتنهار ويصبح على الأرض يا … حكم، كما يقولون. فخير لنا أن نسمي هذه الوزارات جمعيات خيرية، والمدارس أخويات متحدة تصلي جميعًا لأجل الوطن بألسنة مختلفة كتلاميذ المسيح في علية صهيون … لقد أصبحت الوظيفة كالسيامة، فمن مسحناه بالزيت المقدس أمسى مكرسًا.
كانت غاية مدارسنا القديمة أن تخلق منا جمهرة تقرأ وتكتب، واللغة كما يقرر علماء النفس أخطر عناصر التربية القومية، فخرجنا والحمد لله، أناسًا قارئين كاتبين، أما اليوم فقلما يخرج من يقرأ ويكتب صحيحًا بلغتنا الأم؛ وذلك لأن حمل التعليم، بل المنهاج، ثقيل جدًّا — كما تقدم — فهذا المنهاج لا يحول ولا يزول كأنما هو لوح الوصايا العشر. كل شيء يتغير في هذه الدنيا إلا شيئين: منهاج البكالوريا اللبنانية، ووجه ربك ذي الجلال.
لست أتوقع اجتراح العجائب إذا عدِّل هذا المنهاج، فمثل هذا النهج يقتل قوة الاستنباط، ويخمد جذوة الهمم، والاستقلال العقلي، فأكبر هَمِّ بنينا اجتياز المحنة بسلام … ومع كل ما تقدم فليس الشر كله في المنهاج، فأساتذتنا وتلاميذنا في البيداغوجي سواء بسواء، حتى إننا لا ندري من هو المربِّي، ومن هو المربَّى. وإذا قلنا الصحيح ولم نحابِ أحدًا قلنا: إن المدارس الأجنبية هي التي تؤدي مهمتها على حقها … لأنها جاءت لتخدم دولها، وها هي تخدمها على أرض لبنانية وتحت سماء لبنانية، وهي في مأمن وعصمة من التفتيش …
يقولون: إن من خاف شيئًا وهو صغير، يظل يخاف منه وهو كبير، وهذه حالنا مع المدارس الأجنبية. كانت في عهد «الامتيازات» الأجنبية حصنًا سموأليًّا وما زالت كذلك.
إن التفكير يصيِّر التقليد والممارسة صالحين للزمان والمكان، فمن فكر منا في إبداع أمر يتفق وميول أبنائنا وطموحهم. الدنيا في ماديتها الأدبية والمادية تتغير وتتحول، أما نحن فثابتون كالشمس، صامتون كالأرض، مع أن هدف التربية خلق إنسان جديد لحياة جديدة.
نعم؛ إن الطفرة محال، وليس المستقبل قصيدة فيرتجل ارتجالًا، ولكنه الماضي يرمم ترميمًا تصلح حجارته وتنقح لتلائم الطراز الحديث. وقد قال هانيكين: ما من حادثة في الطبيعة كلها إلا تتولد من الماضي. فمتى ننقح مسودة ماضينا؛ ليكون لنا حاضر؟!
إن التطور الاجتماعي سريع جدًّا، ولا حقبة تشبه ما قبلها. الناس يفكرون بالصعود إلى المريخ والقمر، أفلا تفكر وزارة التربية — على الأقل — في الصعود والنزول إلى هذه المدارس الأجنبية لترى ماذا تعلم وكيف تربي؟! قد يقولون: إننا نربي شبابًا إنسانيين تربيةً عامة! وأنا أجيب أنه لا يوجد أبدًا تربية عامة توافق الجنس البشري كله؛ فلكل طبقة تربية، ولكل قطر تربية، حتى إن لكل قبيلة تربية، وإذا غالينا قلنا مع بعض علماء التربية: لكل إنسان تربية، فكل فرد هو تاريخ قائم برأسه ولا يشبه غيره بحال. أما التربية الوطنية العامة فسروال فضفاض مثل شروال المرحوم والدي في عزوبيته، ستة وعشرون ذراعًا من الستكروزا … بينما نحن اليوم في عهد البنطلونات المزمكة.
مسكين لبنان ليس له أحد من الناس حتى حكامه. موظفوه يرقصون وهو يحط النقوط، كأنما كل معنى لبنان في ميزانية توزع على طوائفه بالسوية كما تقسم تركة الميت بين بنيه. المحبون يذكرون المرحوم وفي العين دمعة، وذووه الأقربون لاهون بالقسمة والضرب وليس فيهم من يقرأ الفاتحة على قبره، ولا من يصلي الأبانا والسلام لراحة نفسه … إن أكثرنا كابن المقفع يهتف كلما استوضح نارًا: يا دار عاتكة التي أتعزل.
ما رأيت دولة تمثل تمثيلًا أشبه بالملهاة كما هي الحال في لبناننا العزيز. نحس بالانقلابات والتطورات إحساسًا لا يفوق إحساس النظارة في المرسح. يفرحنا مرسوم ويحزننا مرسوم، وهل يفرح حقًّا من يؤمر بالفرح.
إن الحياة المدرسية هي نواة الحياة الاجتماعية الوطنية، فهل من يقول: ماذا تزرع المدارس الأجنبية في النفوس؟ إذا كان الكاهن رسول ربه، فالمعلم هو الرسول المبشر بأسمى عقائد وطنه، فيقضي على مستقبله وليس لحكومة أمته أن ترفع صوتها، أو تحقق في قضيته.
المعتقد هو سر قوة الشعب، وقد قال بلزاك في روايته «خوري الضيعة» عن الدين: إنه هو الإرادة البشرية البالغة أقصى قوتها. وأنا أقول: الدين لا يستأصل من الإنسان؛ فهو كالوكيل الدوري كلما عزل فهو وكيل. فلا يزعمن أحد أنني ثائر على المدارس الغربية؛ لأنها تصلي، فأنا أقول مع ديركهيم: إذا أفرغنا المبادئ الأدبية من عناصر الدين فإننا نبترها، وهل إذا حاولنا إصلاح رجال الدين نكون كافرين أو ملحدين؟!
مسكين هذا الوطن اللبناني، فما فيه حد وسط. فهناك إما لبناني يحسبه جزءًا أوروبيًّا، وإما لبناني يريد أن يضيق عليه فلا يسمح له بالالتفات صوب البحر، كأنه نسي أن العرب أولعوا بوطن ثان كلبنان هو الأندلس. نسي أن لبنان، العربي الوجه واللسان، الشرقي الجنان، قد طُعِّمت شرقيته بالحضارة الغربية فكونته هذا التكوين الخاص. فيه العربي والمستعرب، فما حيلتنا في المولييريين الذين يحاولون جعله طبيبًا غصبًا عنه …
فإذا كان الإنسان ابن بيئته فلا يكون لبنان إلا كما هو اليوم، فلا تحاول المدارس الأجنبية أن تزيد في طيننا بلة. لقد شبعنا ثقافة يا جماعة، وأطعمنا سوانا، فدعونا وشأننا ولتذهب مدارسكم إلى بلاد هي أحوج منا إلى التعليم. أما إذا أحببتم أن تظلوا عندنا فنحن نكرم الضيف، إننا نركبكم خلفنا لا أمامنا ولا على ظهرنا، والشرط أن لا تمدوا أيديكم إلى الخرج … الشرط أن تفتحوا أبوابكم للمفتشين فلا يكون التفتيش في المدارس الوطنية وحدها.
إن من يأكل خبز السلطان يضرب بسيفه، فأنتم تنعمون بنسيم لبنان ومياه لبنان فكونوا عند ظن هذا البلد المضياف، واعلموا أن القاصر قد بلغ ورشد، وعهد بالوصاية عليه قد انقضى فلا «تتمقطعوا» في أولاده. كونوا أذكياء ولا تدعوا لبنان يهتف: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا.
ترى ألا يوضع في لبنان شيء موضع الحزم، إلا توزيع النياشين، واقتسام الوظائف، وبلص الفقراء بالضرائب المباشرة وغير المباشرة. فإما أنه هناك دولة لبنانية نعلِّم لها وإما لا، ومن يدفع الأجر يطالب بالعمل. فكما تسهر دولتنا على راحة الأجنبي وخلق جو من الاطمئنان حوله، عليه هو أن يخدم هذا الوطن بكل قواه.
فلندخل المتن ولماذا الحوم على الهامش؟! التعليم نظام يدرك به المتعلم أنه يسير إلى هدف معين ويسعى لغاية مقصودة، فهل تعمل المدارس الغربية بهذا المبدأ التربوي. الغرض من التربية هو الحصول على أكثر مقدار من تكييف الفرد الصالح لوطنه ونموه فيه، فهل تفعل هذا مدارسنا الأجنبية؟!
إن لمسنا جسدنا يختلف عن لمسنا للأجساد الأخرى. فلمسنا جسدنا يحدث إحساسًا مزدوجًا؛ لأن اليد اللامسة تكون لامسة وملموسة أو فاعلة ومنفعلة، فالمربي الوطني يكون إحساسه مزدوجًا إذا كان صادق العقيدة غير زنديق، أما الأجنبي فهو كالمفلوج يفقد هذا الإحساس المزدوج حتى يظن أن عضوَه المشلول ليس أحد أعضائه، فإذا شئنا أن نربي للوطن رجالًا صالحين فَلْنُقْصِ المفلوجين …