Advertisement

قبض الريح


قبض الريح




قبض الريح

تأليف
إبراهيم عبد القادر المازنى




قبض الريح

إبراهيم عبد القادر المازنى

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ? ?

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



مقدمة


بقلم  إبراهيم عبد القادر المازنى
كتبت هذه الفصول وغيرها — كثيرا غيرها — في الفترة الطويلة التي كان فيها شبح الماضي — أي نعم، طيف الماضي — يعايشني، وكان أقرب جيراني إلى نفسي، السماء. وكنت يومئذ — وما زلت — في رقعة من الأرض مدحوة للتفكير والأحلام وللموت. قد طال عهدي بها وإلفى لها ليكبر في وهمي — حين يستغرقني روحها — أنى ههنا كنت قبل ميلادي، وأنى بعضها، وقطعة منها، لو علم الناس. وهي جمة الحالات، وإن كان ظاهرها لا يكاد يلحقه تغيير. وأقوى ما يروعني من أطوارها، فقدانها الوعي، فلو نفخ في الصور ما تنبهت. وقد تبدو لى كأن يد القدر التي بسطتها قد ملتها وانصرفت عنها وشغلت بسواها فيدركنى عليها العطف. وكثيرا ما خيل إلى كأني ألمح فيها عروق «العلة الأولى» وشرايينها وأنسجتها، وأنى أحس خفقها وأسمع نبضها. وهي، على تفكك ذراتها، كل كامل في رأى العين وفى إحساس القلب. وربما توهمتها مخّا عاريًا ينشئ ما لا يدري. وقد يتمثل لى فيها رأى أرضنا — أو ما أحسبه رأيها — في الحياة والمساعي حتى لا أكاد أسمعها تقول بلسان هذه الصحراء للناس أو للمقادير: «ما جدوى هذه المساعي؟ ما خير أن تزخر على ظهري الحياة؟ لأي غاية أو في أي سبيل إرهاقي وكدي وإملالى على الأدهار؟ إنه عبث متواصل في الوسع رفع مئونته بالمحو والسلب. وقد تكون لهذا حكمة، ولكنها حكمة كانت تكون عندي أعدل لو أنها شاءت ألا تكون هذه الحيوانات».
وما ضربت في هذه الصحراء، أو صافح وجهي نسيمها، أو سفت الرياح على رمالها، أو أدرت عيني في عريها الأزلى، إلا هتف بي من ناحيتها هاتف بقول ابن داود: «باطل الأباطيل، الكل باطل. ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس؟ دور يمضي دور يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد … كل الأنهار تجرى إلى البحر، والبحر ليس بملآن … كل الكلام يقصر. لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل. العين لا تشبع من النظر. والأذن لا تمتلئ من السمع. ما كان فهو ما يكون، والذي صنع فهو الذي يصنع، فليس تحت الشمس جديد.
أنا الجامعة، كنت ملكا على إسرائيل في أورشليم، ووجهت قلبي للسؤال والتفتيش بالحكمة عن كل ما عمل تحت السموات … فإذا الكل باطل وقبض الريح!».
وأنا أيضًا كالجامعة وجهت قلبي إلى المعرفة، وامتحنت نفسي بالسؤال، وعللت روحي بالتفتيش، بنيت لنفسي «اَمالا»، غرست لنفسى «أوهاما»، عملت لنفسي جنات وفراديس غرست فيها «أحلاما» من كل نوع ثمر … وهذا كان نصيبي من كل تعبي … قبض الريح!».
واستنفد العناء مجهودي كما تنفد السحابة أراقت ماءها على الأرض.
وكل بما عنده يجود! زرعت حصى في أرض صفوان وهذا حصادي وقبضت الريح من كل تعبى تحت الشمس وهأنذا أؤديها إلى القارئ وأطلقها عليه كما تلقيتها لو يقنع الطالب المدل! وقد خرجت كما سيخرج القارئ وكما سنخرج جميعًا من هذه الدنيا، وليس في يدي شيء.

الفصل الأول
بين القراءة والكتابة


مضت شهور لم أكتب فيها كلمة في الأدب، لأني كنت أقرأ! والقراءة والكتابة عندي نقيضان، وقد كنت — وما زلت — امرءًا يتعذر عليه، ولا يتأتى له، أن يجمع بينهما في فترة واحدة. ولكم أطلت الفكرة في ذلك فلم يفتح الله على بتعليل يستريح إليه العقل ويأنس له القلب. وما أظن بي إلا أن الله، جلت قدرته، قد خلقني على طراز «عربات الرش»! التي تتخذها مصلحة التنظيم — خزان ضخم يمتلىء ليفرغ، ويفرغ ليمتلىء! وكذلك أنا فيما أرى: أحس الفراغ في رأسي، وما أكثر ما أحس ذلك! فأسرع إلى الكتب ألتهم ما فيها وأحشو بها دماغي هذا الذي خلقه الله لى خلقة عربات الرش كما قلت! حتى إذا شعرت بالكظة، وضايقني الامتلاء، رفعت يدي عن ألوان هذا الغذاء وقمت عنه متثاقلا متثائبًا مشفقًا من التخمة، فلا ينجيني إلا أن أفتح الثقوب وأسح؟! وهكذا دواليك!
ولكم قلت لنفسي: أهذا الذي ركبه الله لك يا مازنى بين كتفيك رأس كرءوس الناس أم معدة أخرى؟! وأداة نظر وإدراك وتفكير هو أم مخزن يكتظ حينًا ويخلو أحيانًا تبعًا لانتقال الأحوال بك؟ والحق أقول إن الجواب يعيينى! وإذا لم أكن قد ركبت من الوهم شر الحمير! فإن الناس في الأكثر والأعم إنما يعالجون الكتابة لأن في رءوسهم فكرة أو خالجة، كائنة ما كانت، يبغون العبارة عنها والإفضاء بها، ولست أراني كذلك. ولقد يخيل إلى في بعض الأحايين أن في نفسي معنى معينًا، ويؤكد ذلك عندي ويقرر اعتقادي به، ما أحسه من جيشان الصدر واضطرابه، فأذهب ألتمس هذا المعنى أو الخاطر فإذا به قد تبخر! وإذا بي كابنى حين يجلس إلى جانبي ويحاول أن يقبض على الدخان الذي يتصاعد من سجارتى، وأنا أضحك من هذا الذي يحاوله، وألهو به، وأقول: إنه يجرب في عالم المحسوسات بعض ما أعانيه في عالم المعنويات! وكثيرًا ما يدفعني إلى الكتابة إحساس غامض إلا أنه من القوة بحيث لا يسعني مغالبته فأتناول القلم، وأنا كالمسحور، وكأن القلم هو الذي يثب إلى يدي، كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس، وأسرع في الكتابة وأمضى فيها إلى غايتها المقدورة، شأني في ذلك شأن الذي يسير وهو نائم! ينهض من فراشه ويخطو، ويذهب هنا وههنا، ويتكلم أو يباشر بعض الأعمال، ولكن وعيه ليس تامّا، وإرادته لا دخل لها في شيء مما يصدر عنه.
وأحيانًا أفعل هذا: أسأل نفسي: «أفي رأسك شيء؟». وأعنى بالشيء ما له قيمة، لا أي شيء على الإطلاق، فتساورنى الشكوك فأنقر بأصبعي على جوانب رأسي كمن يريد أن يتبين من الرنين مبلغ الخلو! وربما أسفت لأنه لا أستطيع أن أتناول رأسي هذا وأن أقلبه بين كفى وأن أفعل به ما يفعل المرء حين يختبر البطيخ! ثم أقول: لا بأس! القلم حاضر والورق تحت عيني، فلأقم حد هذا على صفحة ذاك، ولأفتح ثقب هذه «الحنفية» ثم فلأنظر ماذا يقطر منها أو يسيل. أو لا يدير أحدنا صمام «الحنفية» أحيانًا ليرى أفيها أم ليس فيها ماء؟! نعم! وكذلك أمتحن نفسي من حين إلى حين كلما شككت وكبر في ظني أن رأسي قد أصبح فارغًا! ولا أفعل هذا، حين أفعله، إلا على سبيل الاختبار وطلبًا للاطمئنان لا رغبة في الكتابة ولا عن قصد إليها. حتى إذا وجدت القلم يجرى وألفيت مراعفه تقطر، قلت: الحمد لله! وأقصرت!
وقد أبدأ المقال معتمدًا شيئًا بعينه فيجرى القلم بخلافه! وشبيه بهذا أن تريد السفر إلى الإسكندرية فتحملك رجلاك إلى قطار يذهب بك إلى السويس! وأحسب ذلك إنما يكون كذلك لأن الكلام يفتح بعضه بعضًا، وقد يفتنك وأنت تكتب معنى يعن لك فيلهيك عما كنت فيه ويدفعك من طريقه إلى غير ما قصدت إليه. وقد تأخذ في كلام تحسبه هينًا فتتكاءدك الوعور وتتعاظمك العقبات فتميل عنه إلى ما هو ألين. ومن هنا كان آخر ما أكتبه هو العنوان! وكثيرًا ما أستخير الله في الكتابة على نية معقودة ثم أعدل في بعض الطريق عنها وأتحول إلى سواها، ويجيء الكلام متناولا طرفًا من هذا وأطرافًا من ذاك، ويعجزنى أن أختزل مضمونه في عنوان فأدع المقال بلا رأس وأقدمه هكذا إلى الأستاذ أمين بك الرافعي فيضع هو — جزاه الله عنى خيرًا — ما يوافقه من العناوين!
وأمري مع الكتب أغرب. كنت في أول عهدي بها — أي منذ عشرين سنة أو نحو ذلك — أذهب في أول كل شهر إلى واحد من باعتها فيتقدم إلى العامل سائلا عن حاجتي فأبينها له فيرفع رأسه إلى الرفوف ويدور حول نفسه وهو في مكانه ثم يلتفت إلى وعلى شفتيه — دون عينيه — ابتسامة جهل وغباء، ويهز لى رأسه آسفًا. فأنحيه عن الطريق وأمضى إلى الرفوف وأجيل عيني فيها وآخذ منها ما يروقني وأنصرف عن الحانوت بأثقل من حمل حمار! وأغرق فيها بقية الشهر إلى ما فوق الأذنين إن كان فوقها شيء يستحق الذكر! وكنت لا أتخطى عتبة البيت إلا متأبطًا كتابًا، ولا تمضي على ليلة إلا طلعت في بعضها قليلا أو كثيرًا. وكانت الكتب أنيسي في وحدتي وسميري في خلوتي، وكنت أستغني بها عن متع الحياة ولذات العيش وأقول: إنها «تدخل في متناول الحس، والعواطف والمدركات وكل ما له وجود في العقل»، وإنها توقظ الحواس الخامدة والمشاعر الراكدة وتملأ القلب وتشعر النفس كل ما تستطيع الطبيعة البشرية احتماله وكل ما له قدرة على تحريكها وابتعاثها، وتدرب المرء على الاستمتاع بتدبر عظمة الجلال والأبد والحق، وإنها تمثل ذلك للإحساس وتحضره للذهن وتكشف لنا عن وجوه الألم والحزن والخطأ والإثم، وإنها تعين القلب على تعرف الهول والفزع والسرور واللذة وتخفق بالوهم على جناح الخيال وتفتنه بسحر عواطفه وخواطره، وإنها تسد النقص في تجارب المرء وتثير فيه تلك العواطف التي تجعل حوادث الحياة أشد تحريكًا لها وتجعله أشد استعدادًا لقبول المؤثرات على اختلاف أنواعها ودرجاتها، لأنه ليس بالإنسان حاجة إلى التجريب الشخصي لتتحرك فيه هذه العواطف بل حسبه «ظاهر» التجريب الذي تهيئه له الكتب. وإنما تستطيع الكتب أن تقوم مقام التجربة الشخصية الواقعة بما تمثل للمرء لأنه كل حقيقة واقعة يجب أن تمثل في الرأي قبل أن يتعرفها الذهن أو تؤثر فيها الإرادة، ومن أجل ذلك كان سواءً على المرء أن تؤثر فيه الحقيقة الواقعة بالذات أو يأتي التأثير من طريق آخر كالصور والرموز التي تمثل هذه الحقيقة، فإن في طاقة الإنسان أن يصور لنفسه ما ليس له وجود حتى يعود وكأن له جسمًا يحس ويلمس، فسيان عند الإنسان أن يؤثر فيه الشيء أو مثاله، لأنه يحرك فيه عوامل الفرح والحزن مثلا على كل حال، وسواء أكان الشيء حاضرًا أم ماثلا في الخيال بصورته، فإن الإنسان لا يسعه إلا أن يحس حركات الغضب والبغض والرحمة والقلق والفزع والحب والإجلال والعجب والشهرة. فكأن هذه الرموز هي اللسان المترجم — كما يقول هوريس — عن الحقائق.
كنت أقول مثل ذلك وأصدقه، وكأن مثلى كمثل أشعب الذي حكوا أن صبية هتفوا به وأثقلوا عليه فأراد أن يصرفهم عنه فقال لهم: إن في مكان كذا وليمة فاذهبوا إليها وأصيبوا منها … فلما مضوا عنه بدا له الأمر كأنه صحيح فذهب يعدو في أثرهم. وكما أن أشعب عاد بالخيبة والحسرة والسخر من نفسه كذلك انقلبت عن الكتب، فلا أنا أفدت شيئًا سوى قمع الشباب وإضاعة فرصته وإراقة مائه في تلك الصحراء العارية، ولا أنا فهمت الحياة كما ينبغي أن تفهم أو سددت نقصًا في تجاريبى أو استطعت أن أستغني «بظاهر» هذا التجريب عن التجريب الشخصي. وشر من ذلك أنى اطلعت من هذه الكتب على صورة أو صور للحياة ليس أكذب منها ولا أبعد! ولا نكران أنها أيقظت نفسي وفتحت عيني ونبهت حواسي وابتعثت مشاعري وجعلتني أشد تأثرًا بالحياة وتحركًا لها واستعدادًا لتلقى مؤثراتها، ولكن أليس معنى ذلك أنها جعلتني أتعس وأشقى مما كنت أكون لو ظللت أرتع في بحبوحة الجهل والغفلة والبلادة ولم أفز بهذه النعمة التي لم أعد بها غنيّا؟ ماذا يكون لو أخذنا كنوز هذه العقول ورمينا بها من حالق للرياح والمدر، كما أقول من قصيدة صنعتها بعد أن فطنت إلى ما أضعت من عمري؟
كم كنت في لجة الحياةفما فزت بغير الصخور والحجر!وكم نفضت اليدين من حجرحسبته درة من الدرر!فخل كأس العفاء تسلبنىكنزي وتسحو سلاسل الخبرما ضرنى لو جهلت ماعلمتنفسي وما قد أفادنى نظري؟كم غصت في لجة الحياةفما فزت بغير الصخوروالحجر!وكم نفضت اليدين من حجرحسبته درة من الدرر!فخل كأس العفاء تسلبنىكنزي وتسحو سلاسل الخبرماضرنى لوجهلت ماعلمتنفسي وما قد أفادنى نظري؟أولو نسيت الذي شعرت بهفي كبرى الآن أو لدن صغرى؟أو لو سلوت الذي كلفت بهعلى الذي كان فيه سكرى؟أو لو فقدت الذي فرحت بهوما وجدنا في حدة الظفر؟أثم صوت تعيد نبرتهإلى ذكر الربيع والزهر؟أثم عين تثير نظرتهاأحلام نفسي في ريق البكروتنشر اللذة المضيئة لىحلمًا من العيش جد مبتكر؟نعم لعمري في الأرض زينتهامن مسمع فاتن ومن نظروروضة العيش جد حاليةمن زهر مونق ومن ثمركأنها لافترار بهجتهاتحير نطقًا لمدمن البصرواهًا لقمريها إذا اتسقتأسجاعه واستراح للسحر!واهًا لسحر في لحظ نرجسهايسطو بوقع السجو والفتر!واهًا لأيكاتها إذا همس الـنسيم في أذنها مع القمر!لكن أغصانهن يا أسفابعيدة من منال مهتصرأصبت في العزم، لا الشعور فإنأدرت لحظى في الشيء، لم يدروإن مددت اليدين خانهماعزم الشباب الجريء ذي الأشريذعرنى الشيء كان يجذبنيلشد ما أستجير بالحذر؟أحمل عبئًا من السنين فماعسى وراء الغايات منكدرى؟ولى من الذكريات حاشيةفي حيث أمضى، محشودة الزمرفهاتها أذعر الشجون بهاحتى أراها تطير كالشررلم لا أبت الذي يقيدنيبما مضى وانقضى من العصر؟إني أراني قد حلت وانتسختمع الصبر سورة من السوروصرت غيرى فليس يعرفني— إذا رآني — صباي ذو الطررولوبدا لى لبت أنكرهكأنني لم أكنه في عمريكأننا اثنان ليس يجمعنافي العيش إلا تشبث الذكرمات الفتى المازني ثم أتىمن مازن غيره على الأثر وما أحسبني بالغت، فقد مات «الفتى» المازني حقّا ولم يبق منه شيء، وإني لأمر الآن بالمكاتب فأشيح بوجهي عنها وأغمض عيني دونها، ويردنى الكتاب بكرهي فأتركه حيث يقع وأهمله الأسابيع والشهور. وإذا فتحته اكتفيت بأن أعبره تزجية للوقت، ولم أبال من أي موضع بدأت، وسيان عندي أن أقرأه من أوله إلى آخره، أو من آخره إلى أوله أو أن لا أقرأه. وقد تعاودني الحمى القديمة ويتأوبنى الحنين الماضي إلى الكتب، فأدافع نفسي عنها ما استطعت، فإن عجزت وغلبت على أمري طاوعتها على حذر وسايرتها متحفزًا، وذهبت أتخير لها الكتب وأنتقيها … ومهما يكن من الأمر فلست الآن ذلك الذي كان كأنما يعبد منها دمى وأصنامًا، وقد اغتنمت أول فرصة سنحت فبعتها جملة وتحريت بعد ذلك أن أزداد جهلا!
ولكن الزامر يموت وأصابعه تلعب! كما يقول المثل العامي، وللعادة حكم لا يقوى المرء في كل حين على مغالبته، والنفس لا تطاوع المرء دائمًا على ما يريدها عليه من الخمود والتبلد. وقد يزعج المرء أن يرى نفسه يقضى أيامه بطين الجسد وحده، أو بموتها على الأصح، فإن من الموت أن يستحيل الإنسان جثة خامدة المتقد لا ينقصها إلا الرمس. وما لا يصح سلوى ومتعة قد يصلح دواء، وعسير على من تعود أن يحس الحياة بأعصابه العارية أن يروض نفسه على التبلد ويخلد إلى الركود. فلا عجب إذا كنت أقبل على المطالعة حينا بعد حين.
•••

ولقد قرأت في هذه الفترة الطويلة طائفة صالحة وأخرى غير صالحة من الكتب بعضها في الأدب والفلسفة، على بغضي لها واستثقالى ظلها وعجزي عن فهمها، وبعضها يزعمه واضعوه أدبا وفلسفة وهو ليس من ذلك لا في كثير ولا في قليل. وأحسب القراء لا يعنيهم إلا ما أخرجته لهم المطابع المصرية، وهذا هو الذي سنقصر مقالاتنا عليه ونحاول أن نعقد له فصولا نستطرد فيها ومنها إلى أبواب من البحث متصلة بموضوعاته. وسنبدأ ?«حديث الأربعاء» الذي وضعه صديقنا الدكتور طه حسين. ولسنا ندري بأي كتاب آخر يمكن أن نثني، فإن كتاب الدكتور يضطرنا إلى النظر في أمور عديدة، والخلاف بيننا وبينه طويل يتناول أصول المسائل، ولنا فيمن قصر كتابه عليهم من مثل أبى نواس وبشار وغيرهما وفى العصر العباسي كله، رأى يناقض رأيه ونظرة تختلف عن نظرته. وحسبك دليلا على بعد ما بين الرأيين واتساع الهوة بينهما قوله عن أبى نواس: «أما أبو نواس فأمره غير هذا كله، لم يكن عذريا وما كان يستطيع أن يكون عذريا، وهو الرجل الذي شك في كل شيء ولم يؤمن إلا بالمجون واللذة يلتمسهما حيث يجدهما لا يتقيد في ذلك بحرج وجناح … ولم يكن عذريا ولم يكن يتكلف أن يكون عذريا وإنما كان يسخر من العرب ومما كان العرب يتكلفون. لم يكن يتكلف العذرية وإنما كان يهتم باللذة وبلذة غير التي كان يهيم بها عمر بن أبى ربيعة» … إلى أن يقول: «… إن أبا نواس يكرهك حين تقرأ غزله بالغلمان على أن تعجب بهذا الغزل رغم ما فيه من منافرة للطبع والخلق والدين … إلخ».
أما نحن فقد قلنا في المقدمة التي وضعناها للجزء الثاني من ديواننا: «فلا جرم كان الشاعر أحسن الناس وأعمقهم حكمة وأصحهم إدراكًا لخلال الخير وخصال الفضل — نقول للفضيلة والخير ولا نخشى أن يهز القراء رءوسهم إنكارًا، فإن الشعر أساسه صحة الإدراك الأخلاقي والأدبي. ولست بواجد شعرًا إلا وفى مطاويه إدراك أخلاقي أدبي صحيح، وعلى قدر نصيب الشاعر من صحة هذا الإدراك الأدبى تكون قيمة شعره. ولا يتعجل القارئ فيحسب أنا نقصد إلى إظهار الإحساس الديني في الشعر فليس كلامنا على مادة الشعر بل على مصادره وينابيعه. ولا ينبغي كذلك أن يستخلص أن الشاعر يجب أن يكون صاحب مبدأ عملي لا يتحول عنه، فقد كان بيرنز الشاعر الإنجليزي وأبو نواس وامرؤ القيس متقلبي وجوه الحياة ومظاهرها ولكن نصيبهم مع ذلك من صحة الإدراك الأخلاقي والأدبي عظيم. ولئن كان لهم معايب نؤاخذهم بها فقد أحالها الزمن هباء لا قيمة له ولا وزن، وأنت خليق أن تنظر إلى ما وراء ذلك. فإن أبا نواس أصح مبادئ وأنقى ضميرًا من البحتري على كثرة ما تقرؤه للأول مما يروع ويخجل، وكذلك امرؤ القيس أفطن إلى معاني الفضيلة وأعظم رجولة من أبى تمام وابن المعتز، ولم يكن الأعشى على حبه الخمر واستهتاره بها وتخلعه فيها بالرجل الناضب الفضيلة … إلخ»، إلى آخر ما قلنا يومئذ وكان ذلك في يناير سنة ????، ولقد غبرت أعوام ثمانية فلم تزدنا إلا اقتناعًا بهذا الرأي الذي أشرنا إليه في ذلك الوقت إشارة من لا يحس أن المسألة تحتاج إلى إفاضة.
ولقد سقنا لك هاتين العبارتين من كلام الدكتور وكلامنا لتعرف مدى الخلاف بين الرأيين ولتدرك ما في المسألة من دقة وتعويص، لا يسع المرء حيالهما إلا أن يسأل الله السلامة.

الفصل الثاني
على شاطئ بحر الروم


بين البحر والصحراء!
أكتب هذا الفصل على شاطئ البحر الأبيض أو بحر الروم، وقد كتبت الذي قبله على حدود الصحراء. وللكلام كما للناس، حظوظ، والمعاني والخواطر أرزاق. ولقد أذكر أنى كنت ذاهبًا إلى مصر الجديدة مع طائفة من الأصدقاء في واحد منهم شذوذ وكان يكتب في الترام! وأنه ليكتب كلمة «السؤدد» إذ انطفأ النور فخط «دالا» في النور و«دالا» في الظلام! ولو أنى كنت اليوم في القاهرة وفى بيتي الذي اتخذته على «تخوم العالمين» لكان الأرجح في الرأي والأقرب إلى الاحتمال أن يجرى القلم بغير ما يسطره الآن، فإن النفس كالزجاج الحساس تنطبع عليها وترتسم فيها صور ما يحيط بها. ولقد كان العزم أن أقول غير ما أنا قائله ولكن المقادير قذفت بي إلى البحر، لا فيه والحمد لله، فتحلل العزم، ومسح من اللوح ما كانت الصحراء قد نقشت عليه … ولو خيرت لاخترت مقامي القديم، ولآثرت أن أكون في هذه الساعة التي أكتب فيها حيث كنت في الأسبوع المنصرم: إلى يميني الصحراء، وإلى يساري المقابر! واحدة تعلو بي، وأخرى تهبط. وإذا استأثرت معاني الأبد والجلال بالقلب ردته إلى الدنيا ومصائر الخلق فيها هذه الأجداث المتلاصقة والعوالم الإنسانية التي خرجت من التراب وعادت إليه وتحللت واستسرت فيه.
غير أنى ألفيت نفسي جالسًا على شاطئ بحر الروم أنظر إليه وأتأمل عبابه المزبد وموجه المتجدد، والشمس تنحدر عنه وتبسط عليه أشعتها المتوهجة، وأواذيه كقطع الجبال المتقلعة تتدفع إلى الشاطئ وتستبق سيفه فيغيب بعضها في بعض وترغى وترعد وتصفر وتهمس وترقص وتضحك وتمحو ما أخطه على الرمل! ولا أدرى أذكرنى هذا المنظر ما أنستنيه الأيام من الأقاصيص التي كانت تسلينا وتروعنا وتعمر بها فضاء حيواتنا الصغيرة «العجائز» من ذوات قرابتنا أو جيراننا، إذ يجلس الطفل منا إلى إحداهن ويرهف أذنيه ويود لو صارت كل جارحة فيه مسمعًا، وقلبه الصغير يخفق … وكلما أغربت العجوز في القصة وتبسطت في وصف الجان والمردة أو السحرة وأسهبت في سرد أعمالهم، أدار هو لحظه خلسة في المكان كالذي ينفضه بعينه أو يخشى أن يظهر له عفريت من أحد أركانه، وراح يدنو منها ويزحف إليها حتى يلصق بها، على حين كانت الفتيات الناهدات متكئات في سكون على حوافي النوافذ أو الشرفات، ووجوههن الصبيحة، التي كأنما غذتها الورود، يضيئها القمر الواجم الساري في حاشية من النجوم اليتيمة العذراء التي ينقصها، مثلهن، الحب!
ولم يتغير البحر عما عهدته! كل شيء فيه كما في العصر الخالي إلا المدينة القائمة على ساحله، فقد كانت في بعض أيامها الخوالي تشغل مكان أثينا فلم يبق لها من سالف عزها إلا البوم والسفسطائيون! حتى آلهة الإغريق استنكفوا على ما يظهر أن يتراجعوا إلى الإسكندرية بعد أن ثل الزمن عروشهم ونفاهم وشردهم عن ملك السماء، ولم يرض ملك السماء ذو الخصل البيضاء أن يأوي إليها ويعوذ بها بعد أوليمبيا، وآثر عليها التشرد بصاعقته الخامدة، وضن بنفسه عليها زيوس وتجافى عنها وإن كان لم يربأ بنفسه عن عزل أبيه وطرد أعمامه وعن الاستهتاك بين الغلمان الذين كان يهبط إلى الأرض على خلقة النسر ليخطفهم ويصعد بهم إلى ملكوته ويكايد بقبلاتهم زوجه! وكم عذلته في جنميد وأنبته على مشاربته في كأس واحدة فكان يقول لها مستترًا لو شربت بعده من هذه الكأس لأقصرت ولم تلومي! وشاهدي على صحة الرواية «لوسيان!».
وما وقفت قط على هذا البحر إلا أحسست أنى مثله، وإلا هممت أن أنظم هذه الأبيات مرة أخرى:
أنا البحر — لا كرمًا! — إننيتكفل بالفقر لى المفضل؟!ولكنني البحر ما أن لهقرار وما أن له موئلوتجلده الريح إن زمزمتجنوب لها أو زفت شمألويجذب أمواهه كوكبويدفعها وهو لا يحفلوفي قاعه دره راسبومن دونه الخطر الأهولوتعتام صفحته ركدةوفي سره ثورة تشعلويلتمس الشط مستروحًافيهزمه الرمل الجندلأنا البحر، لكنني غارقبنفسي فمن ذا عمى ينشل؟أصارع تياره جاهدًاوفي أذني رعده المرسلوأومى إلى الناس لو أبصرواوقد يخطئ العيون من يسألفهل عاذر إن ونت همةوناء بما يحمل المثقل؟وهل شاهد؟ إن بي حاجةإلى شاهد صادق يعدل … إلخ.
وكأنما ضاق صدري بما أجن وقلبي بما أثار البحر من خليط الذكريات وحرك من الآمال، فنهضت عن الصخرة التي كنت قاعدًا عليها ودهورت هذه الأبيات في أشداقي وانطلقت أنشد الريح إياها!! ومن عساني أنشد سواها؟ في أي أذن غير أذنها أفرغها أو أهمس بها؟ في أي نفس إنسانية أجد لنفسي كهفًا يتجاوب بأصداء عواطفي وخوالجى؟ عند من من الخلق أفوز بالتجاوب الذي تمنحنيه الرياح؟
أين في الناس وردتان تميلانمعًا للنسيم من حيث جاء؟ كما تساءلت قديمًا! ثم أهبت بقصائدي التي لم أنظمها — قصائدي الجياد التي لم تند قط عن صدري وإن كانت تعمره، ولم ينطلق بها لسانى وإن تكن على طرفه، والتي لولا مشيئة الأقدار لذهبتها بأصيل هذه الشمس الغاربة، ونسجت منها تاجًا لرأسك الذي يتوسد التراب، ولفصلت من زرقة السماء الحالية بنجوم الليل المتوامضة، ثوبًا متألقًا ينسجم على كتفيك وينسدل إلى قدميك!
•••

وغابت الشمس وانتشرت على الأرض غيابات الطفل، فعدت إلى مقعدي أنظر إلى الموج المشرئب، وجاش صدري مثله وجعلت طيوف الماضي تبرز من ظلامه وتخطر أمامي ثم تغيب ويلفها ما هو أظلم، ولكن طيفًا واحدًا ظل ماثلا لعيني في حيثما أدرتها، ومالئًا شعاب نفسي بالإحساس به، ومناجيًا لى من زفيف الرياح وتهزم الأمواج، وفيه وفى تمثل الحب المفقود والأمل الضائع! وخامرنى هذا الخاطر وألح على حتى خلتني جثة غريق ردها الموج الطاغي إلى رمال الشاطئ! ولج بي هذا الوهم حتى ملت عن الصخرة إلى الرمال ورقدت عليها، وأومأت إلى الأمواج أن اركدي فقد ذهب كل شئ: انتسخ الأمل وغاض معين الحب وجفت الحياة!
ثم تناولت عودًا كان ملقى إلى جانبي وخططت به كلمات على الرمال البليلة، غير أن الأمواج طغت عليها وغسلتها وعادت بها ولم تترك لى حتى اسمي الذي رسمته في آخرها! فما أوهى العود وأخون الرمال وأطغى هذه المياه المتحدرة!
وبأي شيء إذن أكتب؟! أأقطع جذع شجرة بلوط وأغمسه في بركان وأسطر به ما أريد على صفحة السماء ليبقى؟!
•••

ولكم وقفت من قبل على شاطئ هذا البحر بعينه، وفى مثل هذا الأوان، مجيلا عيني في قبة السماء اللازوردية، ومرسلا لحاظى في البحر والرمال والصخور، وقائلا لذوات المناقير السوداء إذ تعب بها من الماء وتلقط ما يتقاذف منه: «أيتها الأطيار! إن حياتك مرة مشتوتة كطعامك وشرابك! ولشد ما أتمنى أن أعطيك مما أعطانيه الله، وأن أنشقك ما أشمه من الأزاهير والرياحين، وأطعمك مما آكل من لحم غريض وخضر مستطابة وفاكهة شتى، وأن أشعرك ما أشعر وأتمتع به من لذاذات الحب المتبادل! فإن لى شريكة تحبني، وإني لأراها الآن بعين الخيال مطلة من النافذة منتظرة أوبتي إلى وكرها ومشتاقة رجعتي إلى عشها».
وكانت الأطيار تقضى وطرها وتذهب عنى ولا تحفل غبطتي ولا تبالي طعامي ورياحين أنفي وعيني ونفسي، وما أظنها الآن إلا قائلة لي: «يا من كان يفاخر بغيظه ماذا أنت اليوم؟ ماذا صنع الله بآمالك التي أنشأتها وربيتها واعتززت بها، وأحلامك التي نسجها قلبك حول حياتك؟ انظر الظلمة التي تغشى ذهنك! وتأمل الخفافيش التي تمرح فيه! أليس الماء الملح الذي نكرع منه وقذائف البحر التي نلتقطها أهنأ وأرغد؟».
فأطرق وأقول: أي والله صدقت! ولشد ما أتمنى أن يكون لى منقارك الأسود!
•••

كلا! صحرائي أرفق بي من هذا البحر العاتي الذي لم يتغير منه شيء، والذي يهيج النفس إلى ما بها، ويعديها، فتجيش مثله وتتدافع فيها العواطف وتتلاطم وتتزاخر … ومن لى بالقدرة على نقل هذه الصحراء التي ألفتها وأحببتها، معى في حلى وترحالي، وفرشها وبسطها حوالي في حيثما أكون من الأرض؟! نعم ليت هذا في وسع إنسان؟! إذن لاستطعت أن أطويها كلما غادرت بقعتها، وأن ألفها مع ثيابي وأشيائي في حقيبتي، حتى إذا نزلت مكانًا واستوحشت نفسي أنست بأن أخرجها وأنشرها أمامي وأتأملها وأذكر بها ليالي فيها بما اشتملت عليه من خير وشر، وسرور وحزن، وغبطة واكتئاب، ورضا وألم. ومن أحق بها منى أو بي منها؟ مالي وللماء الذي لا تطمئن إليه قدم ولا يثبت على حال ولا ينفك ينقلب فيه القديم جديدًا، والماضي مقبلا، والمقبل مدبرًا، ولا يفتأ بعضه يفنى في بعض؟! ولعل السبب في حبها وإيثارها أن بي مشابه منها! وأنى أجتلي في انبساط رقعتها وترامى أطرافها وتقاذف أرجائها وجدبها وعريها وتجردها من كل زينة تحفل بها رقع الأرض الأخرى، صورة من نفسي التي تبسط للحياة ولا تزيد الحياة بها، وللدنيا لتحسب عليها ومنها، ولا تزيد الدنيا بها عمارًا، وعسى أن يكون كلفي بها لذكرياتي ومعاهدي فيها، وعلى أنه أي داع يستوجب أن أعلل هذه «العاطفة» التي أنطوي عليها للصحراء؟!
ولما كنت مع الأسف لا أستطيع أن أنقلها معى إلى حيث أذهب فإني أكر إليها راجعًا على جناح الخيال! وأراها بضمير الفؤاد كلما خفيت عن عيني. وإني الآن لأتلفت من البحر إليها وأنقل عيني في جنباتها وأسرح طرفي في أرجائها … وحسبك من قوة شعوري بها ومن فرط استيلائها على خاطري واستبدادها بنفسي، أنى نظمت هذه الأبيات في بقعة منها فيها آثار بلدة الفسطاط، أناجى بها ليلة سهرتها بها وعهدًا كان لى فيها:
أيا بلدة الفسطاط ما أنت بلدةولكنما طيف لمؤتنف الخفضطواك قضاء الله في الأرض حقبةوأنشرك الإنسان نقضًا إلى نقضخطوط وأنقاض كما جاهد الفتىليحيى ذكرى وهي تمعن في الغمضخرائب من حولي وفي النفس مثلهاوأهول منها، ويل بعضي من بعض!وكم خلت نفسي بعض أدراس نؤيهافأقررت حتى كان يفزعني نبضي!قضيت بها ليلا طويلا قصيرهوهل تقتصر الليلات من شدة المخض؟!فوا أسفا! لو ههنا كنت لانثنىقصيرًا على الليل ذو الطول والعرضلأوحشتنى لما خلت منك رقعتيولم تؤتنى ذا وحشة في حشى الأرضأآسفة للموت أم أنت يا ترىأراحك منى الله ذو البسط والقبض؟ فأنت ترى كيف تغلب طيف الصحراء على البحر المائج، ولا عجبا فإن نفسي كما قلت بالصحراء أشبه وإليها أقرب!

الفصل الثالث
نظرة أولى


في كتاب «حديث الأربعاء»
كلمة في الأسلوب أولا …
لنا في الأسلوب رأى قديم يعرفه من يعرفنا، ذهبنا إليه في صدر حياتنا، وثبتنا عليه إلى يومنا هذا. ولسنا نتخذ من الثبات على رأى مفخرة، فإنه لا يخفى علينا أن هذا «قد» يكون مرده في بعض الأحيان إلى الإفلاس العقلي — إن صح هذا التعبير — أو إلى ضعف الخيال، أو غير ذلك مما أترك للقارئ استقصاءه إذا شاء، فقد علمتني الأيام أن أكون أرفق بنفسي من أن أرهقها أو أحمل عليها إكرامًا لسواد عيون القراء! ولماذا لا يتكلف القارئ شيئًا من النصب؟! ولله، فاعلم، معشر فقراء العقول، يفرح أحدهم أن يكون له رأى ما، فيضن به ويحرص عليه، ولسنا من هؤلاء فيما نرجو!
وسنبسط رأينا ونعيده بأوضح مما فعلناه قديمًا حين كنا نعتقد أن المسألة أدخل في باب البديهيات من أن تحتاج إلى إفاضة أو تحتمل إسهابًا، فنقول إن الغرض الأول من الكتابة على العموم هو الإفهام أو نقل الخاطر من رأس إلى رأس، والخالجة، كائنة ما كانت، من نفس إلى نفس. ومعلوم أن الألفاظ ليست هي المعاني وإنما هي رموز لها، تدل عليها وتشير إليها، كما تفعل إيماءات الخرس التي يتفهمون بها ونظراتهم وحركات وجوههم وأصواتهم القليلة التي يستطيعون إخراجها. ولو أن إشارات الخرس كثيرة كالألفاظ في اللغة، لوفت بكل غرض تعين عليه الألفاظ ولأغنت غناءها. وغير منكور أن الألفاظ مهما بلغت كثرتها، محصورة، وأن المعاني على خلاف ذلك لا آخر لها ولا نهاية، ومن هنا كان لا معدى عن العناية بانتقاء أشف الألفاظ عن المراد وأحكمها أداء للمقصود، وإلا كان الكلام لا خير فيه ولا طائل تحته، وماذا عسى أن تكون قيمة كلام يؤدى الغرض منه ولا يفهم منه قارئه أو سامعه إلا كما يرى المرء في الضباب الكثيف؟!
فالإبهام أو نقل الخالجة على العموم إلى نفس أخرى هو الغرض الأولى من الكتابة على وجه الاجمال … ولكن هذه ليست إلا درجة أولى فوقها أخرى يحاول من يسميهم الناس أدباء وشعراء أن يرقوا إليها، وهي طبقة الكتابة الفنية التي لا يكون المطلوب فيها مجرد الإفهام وإيلاج المعنى أو الخاطر ذهن القارئ بل التأثير. وكما أن الإنسان لم يكتف بالأصوات الكلامية وأبى إلا أن يغنى وأن يرفع عقيرته، حين يحس الحاجة إلى ذلك أو الرغبة فيه، بتواليف صوتية تطربه وتشجيه … وكما أنه لم يسعه أن يقنع من المساكن بما يقيه الشمس والرياح والأمطار والضوارى، ومن الثياب بما يعينه على احتمال الأجواء المختلفة ويستره، بعد أن أرهفت الحياة إحساسه ورققته، ومن الطعام بما يسد الرمق ويدفع غائلة الجوع ويؤتيه القوة، ومن المراكب على أنواعها بما فيه العون والكفاية فحسب … نقول كما أن الإنسان أبت له طبيعته التي ركبها فيه خالقه إلا أن يجاوز ما تطلبه الضرورة القصوى في طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه وفى كل شئ آخر، كذلك لم يطق صبرا على الاكتفاء من الكتابة بما تبلغ إليه من الأغراض الأولى، وطمع فيما هو أكثر من ذلك وبغى ما وراءه، فنشأ الأدب.
وليس من الضروري أن يكون المرء على جانب عظيم من الثقافة والتهذيب ليطلب الفن في حياته، فإن الإنسان حيوان فني، وإنك لتجد الرجل الأمي الكثيف للعقل «السميك» الوجه يضفر شعر حماره ويفرقه يرسله على صفحتي عنقه ويفضض له لجامه ويذهب سرجه ويركبه مترفقًا ويمشي به مختالا وينزل عنه ويسايره وينظر إليه باديًا من بعيد ومن قريب ويربته ويلاطفه ويمسح له وجهه، وقد تفيض نفسه سرورًا بمنظره فيقبله؟! ولو أنه كان لا يتخذه إلا مركبا يريحه من عناء السير وجهده، لما كلف نفسه أن يحليه ولما عنى بتجميل أدواته من سرج ولجام وغير ذلك، وبإراحته جهد طاقته، وبعلفه ما وسعه الإنفاق، فهي عاطفة فنية ملكت عليه قلبه واستولت على لبه، وكان مظهرها العناية بتجميل أتانه!
ولكن الحمير، والحمد لله، ليست كل ما يمكن أن يكون مظهرا لهذه العاطفة الفنية! وما يستطاع في عالم الحمير وأشباهها من أبناء أبينا الشيخ آدم رحمة الله عليه وغفرانه له يستطاع مثله في عوالم الكتابة والشعر والموسيقى والتصوير. وما منا إلا من يبغي أن يكون فنه أفعل باللب وأسحر للقلب وأملأ للعين وأوقع في النفس. ولكن الكتابة لا تكون فنية من تلقاء نفسها، وإنما تصير كذلك بما يحدثه المرء فيها من الصور، وما يوفق إليه من الإحسان والتجويد، ولا بد لذلك فيما نظن! من صحة النظر وسلامة الذوق وصدق السريرة والاستعداد. فإن الألفاظ موجودة، وهي ملقاة في طريقنا جميعًا وعلى طرَف كل قلم ولسان … ولو أن العبرة كانت بالألفاظ وحدها، وكان المعول على مقدار محصول المرء منها، لكان أكبر الأدباء هم جماعة اللغويين والحفاظ، ولكان ابن منظور والفيروزابادى مثلا شيخي أدباء العرب وشعرائهم. كذلك الموسيقى أصوات، وليس يعنى أحدًا أن يتوفر عليها ويحذقها ويمهر في توقيعها، وقد لا يعجزه أن يصنع بضعة ألحان قليلة أو كثيرة، ولكن ليس كل أحد بمستطيع أن يكون بيتهوفن أو فاجنر أو شوبان. والتصوير أيضًا أصباغ وألوان، أو قل — إن شئت — إن هذه هي مادته ووسائطه، ولكن العلم بها وبأصول الرسم وقواعده ليس حسب المرء ليكون مصورا حتى من الأوساط فضلا عن الفحول من أمثال روفائيل وتيتيان. وما لنا لا نسوق الأمثال مما هو ألصق بحياتنا اليومية؟ خذ صناعة النجارة مثلا وقل لى لماذا لا يستطيع كل نجار أن يكون ككل نجار؟ ما السر في أن واحدا يخرج قطعة تدخل السرور على كل نفس وتحب أن تتعلق بها وتتمهل عندها كل عين، على حين يخرج لك غيره ممن لا يقلون عنه علمًا بالصناعة ودربة عليها ما لا يروق ولا يعجب ولا يعدو أن يكون قطعة منجورة وأخشابًا بعضها إلى بعض والسلام؟ نريد أن نقول إن فن الكتابة، ككل فن، يتطلب استعدادًا طبيعيّا وأنه — ككل فن أيضًا — لا غنى عن الجمال فيه. وماذا يكون قولك في رجل يزعم أن سيغنيك ثم لا يسمعك إلا أصواتًا متنافرة أو ضوضاء منكرة؟ أو في آخر يقول لك هذه صورة فنية، فإذا نظرت إليها لم تلمح فيها ما يميزها عن النقل الفوتوغرافي؟ وكالنقل الفوتوغرافي الكتابة العادية التي لا يقصد منها إلا إلى الإفهام، وكالتصوير الفني لغة الأدب.
ولا يفهم أحد من كلامنا أننا نقصد إلى التكلف وإثقال الكلام بالحلى والزينة، فما يخطر لنا شئ من ذلك، وإنما نعنى أن الأدب فن، وأنه لا بد في كل فن من الإحسان والتجويد، ولكل امرئ طريقة هو لمؤثرها أو موفق إليها لإبراز المعنى في أحسن معرض، وليست المزية في التأنق والتحبير فإن للجمال العاطل أيضًا موقعًا حسنًا وروعة ونضرة، بل المزية في إبراز المعاني في أحسن حلاها كيفما كانت … وكل ميسر لما خلق له، فواحد يوشي الكلام ويطرزه، وثان يرسله غفلا، وثالث يدق لفظه ويشف حتى لتتخطاه العين كأنما يعرض لك المعاني في ظروف من النور، ورابع يفرغ خواطره في قوالب ملئت قوة وجمالا وهكذا. والإحسان في كل ذلك والقدرة عليه، ملكة لا تحصل بالمعاناة ولا تتهيأ بالدرس والتحصيل وإن كان هذا مما يقويها وينميها. ولا نطيل القول. فأيما رجل زعم نفسه كاتبًا أديبًا وخلا كلامه من عناصر الجمال فقل له لست به.
والآن، ما رأينا في أسلوب صديقنا الدكتور طه حسين؟! الحق أن هذا الموضوع يدق فيه الكلام! ولقد بدأت الكلام وفى عزمي أن أفيض في بيان رأي في الأسلوب، ولكني لم أكد أسود بضعة سطور حتى ألفيت نفسي أوجز وأوجز وأوصد كل باب موارب في طريقي وأضيق دائرة البحث، ثم إذا بي أسأل نفسي: ما رأيي! في أسلوب الدكتور؟! ولقد تقمصنى والله عفريت النقد! وإني لأحس أن عينيّ قد احمرتا، ويبلغ من إحساسي بذلك أو توهمي إياه أنى أهم بالتطلع إلى وجهي في المرآة! ولا أكتم القراء أنى صرت أؤمن بأن لكل منا شيطانًا، وأحسب شيطاني من أخبث الشياطين، فإنه يزج بي في مآزق لا أرضاها لنفسي لو كان الأمر لى … وإن على مكتبي لأكثر من خمسة عشر كتابًا أستطيع أن أتناولها بما شئت من النقد وأنا آمن أن ألقى أصحابها إذ كنت لا أعرفهم، ولكن شيطاني الخبيث ظل يخايلني بكتاب الدكتور حتى أخرجته من بين إخوانه وقلت له: «تعال يا هذا». وأخذت أقلب صفحاته كما يفعل المرء بالخروف يريد أن يشتريه لعيد الأضحى! والحق أقول إنه أعجبنى! وأنا ألقى الدكتور كل يوم وأحادثه أكثر مما أحادث نفسي. ولكم قلت لنفسي وهو لا يدري «لا يا شيخ! دع كتاب الدكتور إلى سواه، فإن للزمالة حقّا واجب الرعاية وستخجل أن تلقاه بوجهك هذا إن نقدته». ثم لا أكاد أخلو بنفسي حتى يهمس في أذني ذلك العفريت اللعين: إن الأدب فوق الصداقة والزمالة، وإن بروتوس كان يقول: «إني أحب قيصر ولكن رومية أحب إلى»، وإن لك كتابًا كما له كتاب فلينقده إذا أحب، وليس من شأن النقد الأدبي أن يفسد ما بين الصديقين. وهكذا حتى اقتنعت وتناولت القلم فكتب به الشيطان ما يأتي: «الدكتور طه حسين رجل أنيس المحضر ذكي الفؤاد جريء القلب، تعجبك منه صراحته وتقع من نفسك رجولته وأنفته، ويعلق بقلبك إخلاصه ووفاؤه، ويثقل عليك أحيانًا اعتداده بنفسه! ولما كان قد ألف أن يملى كتبه ورسائله ومقالاته، فإن كتبه وحديثه، حين يجد، في مستوى واحد، كائنا ما كان ذلك المستوى … فلست تفتقد في أحاديثه ما تجده في كتابته من الخصائص والشيات، ويندر في غيره مثل ذلك. ومن شأن الإملاء أن يحول دون مط الكلام وأن يجعل الجمل قصيرة فلا تطول مسافة ما بين أولها وآخرها، وأن يغرى بالتكرير والإعادة إلى حد ما، كما هو الشأن في الخطابة. ومن هنا كان أسلوب الدكتور طه خطابيّا، أو قل إن الصبغة الخطابية فيه أغلب من الصبغة الكتابية … وخصائص تلك ومميزاتها أوضح، فهو في الأغلب والأعم يوجه الخطاب إلى القارئ كما تفعل حين تحادث جليسًا لك، ويقصر جمله ويؤكد عباراته بالتكرير والإعادة ويلتمس التأثير من طريق ذلك، حتى وأنت تقرأ كلامه كأنما كان يهز قبضة يده حين بلغ هذه العبارة، ويومئ بأصبعه لما وصل إلى تلك إلى آخر ذلك.
«والخطابة فن مختلف جدّا عن فن الكتابة. وأحسب أنه لو كان الدكتور قد ألقى هذه الرسائل ولم يكتبها، لما جاءت إلا كما هي الآن. ومن شاء أن يكون منصفًا وأن يوفى كتابة الدكتور حقها ولا يعدو بها مكانها فلينظر إليها بهذه العين وليزنها بما توزن به الخطابة لا بما تقدر به الكتابة.
«إذن أنا أخرجها من عالم الكتابة! نعم! ولا أراها إلا خطبًا مدونة. ولست أريد أن أقف حتى هنا، بل أزيد على ذلك وأضيف إليه أنها خلت من مزايا الفنين جميعًا! فأما مزايا الكتابة فقد عطلت منها لأن صاحبها يمليها إملاء ثم لا يعود إليها بتنقيح أو تهذيب، ولو أنه كان يتعهدها بعد أن يمليها بشيء من الإصلاح لخلت على الأرجح من أكثر ما فيها من التكرير ولعولج بعض ما يعتورها من العيوب، ولكنه لا يفعل. وقد صدق في قوله: «إني ما كتبت فصلا إلا وأنا أعلم أنه شديد النقص محتاج إلى استئناف العناية به والنظر فيه، وأنا أقدر أن سيتاح لى من الوقت وفراغ البال ما يمكنني من استئناف تلك العناية وهذا النظر حتى إذا فرغت منه ونشرته «السياسة» عرضت لغيره في مثل هذه الحال العقلية التي عرضت له فيها معتزمًا أن أستأنف العناية به والنظر فيه مستحييًا أن أقدمه إلى الناس على ما فيه من نقص وحاجة إلى الإصلاح … والأيام تمضي والظروف تتعاقب، مختلفة متباينة أشد الاختلاف وأعظم التباين، ولكنها كانت تحول دائمًا بيني وبين ما كنت أريد من تجديد العناية واستئناف النظر، وأي الكتاب وأي الباحثين لا يشكو مثلى هذا في مثل هذه الأيام التي نعيش فيها؟».
وأما خلوها من مزايا الخطابة فلأنه لا يمليها على أنها خطب تلقى بل على أنها مقالات وفصول تقرأ، وإن كانت طبيعة اعتياد الإملاء تجعلها أقرب إلى الخطب منها إلى الرسائل. ومتى كان هذا هكذا فأي غرابة إذا قلنا إنها خالية مما لم يتحره فيها: أي من خصائص الخطب ومزاياها؟ وكما أن الخطب تفقد كثيرًا من قوتها وتأثيرها في نفوس الناس حين يقرءونها، كذلك مقالات الدكتور من عيوبها أن الناس يقرءونها ولا يسمعونه يلقيها؟
«ولا شك في أن أظهر عيب في مقالات الدكتور هو التكرار والحشو وما هو منهما بسبيل. وعندنا أن علة ذلك ليست فقط أنه يملى ولا يراجع ما يملى بل الأمر يرجع في اعتقادنا إلى سببين جوهريين، أولهما أن ما أصيب به في حياته من فقد بصره كان له تأثير لا نستطيع أن نقدر كل مداه، في الأسلوب الذي يتناول به موضوعاته، وفى طريقة العبارة عن معانيه وأغراضه. ولسنا نتحرج أن نذكر ذلك، فإنه أعرف بنا من أن يشك في عطفنا، بل نحن أعلى به عينًا وأسمى تقديرًا من أن نعتقد أن به حاجة إلى هذا العطف. وليس يخفى أن المرء إذا حيل بينه وبين المرئيات ضعف أثرها في نفسه، ولم تعد الكلمة الواحدة تغنى في إحضار الصورة المقصودة إلى ذهنه بالسرعة والقوة الكافيتين، فلا يسعه فيما نعتقد إلا الإسهاب ومحاولة الإحاطة ومعالجة الاستقصاء والتصفية.
«وثاني هذين السببين أنه أستاذ مدرس وقد طال عهده بذلك. والتعليم مهنة تعود المشتغل بها التبسط في الإيضاح والإطناب في الشرح، والتكرير أيضًا، بل تفعل ما هو شر من ذلك: وأعنى أنها تدفع المرء عن الأغوار والأعماق إلى السطوح. وبعبارة أجلى تضطر المدرس إلى أن يجتنب التعمق والغوص، وأن يكتفى — ما وسعه الاكتفاء — بما لا عسر في فهمه ولا عناء في تلقيه. وتلك آفة التدريس، ولولا أنى أعرف كلفه به وإقباله عليه وهشه له، لدعوت له الله أن يريحه منه كما أراحني».
قال المازني: وهنا صرف الله عنى السوء وأذهب عنى الشيطان فوضعت القلم وأنا أحمد الله أن لم يستكتبنى إلا هذا التحليل البريء.

الفصل الرابع
آراء شتى


في كتاب «حديث الأربعاء»
مما يحببني في الصحراء أن لي فيها سميرين: أحدهما رجل ساذج لا يزال على الفطرة على الرغم مما يحمل من عبء السنين على كتفيه، ومن ثقل لحيته الكثة على خديه! وخير ما فيه أنه يسمح لى أن أمشط له شعراتها الطويلة وأفتلها، بقرش يأخذه؟! وناهيك به من منظر ليس أروح منه للصدر: منظر وجه حوله مثل الإطار من هذا الشعر المفتول، وفوقه عمامة خضراء ضخمة تهوى إلى الحاجبين وتخفى حتى الأذنين! ولصاحبنا هذا رأى طريف في صديقنا الدكتور طه حسين! فهو عنده من أولياء الله الصالحين! ولكتابه في نفسه روعة وحرمة، إذا رآه انبسطت أسارير وجهه والتمعت عيناه ثم مد إليه كلتا يديه، كالمتسول حين تدفع إليه صحنًا فيه طعام! وتناوله مبسملا محركا شفتيه بما شاء الله، وسبحان الوهاب وأمسكه مقلوبًا! فإن صاحبنا بفضل الله أمي؟! وأخذ ينظر إليه وينغض رأسه المثقل بالعمامة ويبسبس بشفتيه إعجابًا، وسر ذلك كله أنه يعتقد — على ما فهم مني! — أن الدكتور لا يكلم الناس إلا يوم الأربعاء!! وأنه يتناوله في كتابه سيرة والبة بن الحباب رضى الله عنه! وحماد عجرد قدس الله سره!! وأبى نواس القطب الأعظم! وقد توسل إلى مرة أن أقرأ له شيئًا من فيض الدكتور فتعمدت أن أنشده للنواسى هذه الأبيات:
مالي وللعاذلاتزوقن لى ترهاتسعين من كل فجيلمن في مولاتييأمرننى أن أخلىمن راحتي حياتيوذاك ما لا ولا لايكون حتى المماتوالله منزل طهوالطور والذارياتالر وصاد وقافوالحشر والمرسلاتورب هود ونونوالنور والنازعات ثم أمسكت لأن الرجل كان قد سرى في مفاصله كحميا الخمر فجعل يدق ركبتيه بكفيه، ويهز رأسه في كل ناحية هزّا عنيفًا أشفقت عليه منه وخفت أن ينكسر عنقه. ومنذ ذلك الحين صار النواسي قطبًا والدكتور وليّا نفعنا الله بهما. آمين! وبلغ من إكباره لصديقنا وحسن اعتقاده فيه أن سألني أن أشفع له عنده ليعطيه عهدًا! وها أنذا أؤدي الرسالة! فهل بلغت؟ اللهم اشهد!
وثاني السميرين الأنيسين سحلية. نعم سحلية! وأي غرابة في ذلك؟ ألا يتخذ الناس الكلاب ويصطحبونها في غدواتهم وروحاتهم؟ ألم يكن آباؤنا المصريون القدماء يعبدون حتى القطط؟ والسحالي كثيرة في صحرائي هذه. ويظهر أنها أحست منى الحب لها والشوق إلى الاتصال بها، فما خرجت إلى الصحراء مرة أو جلست على باب البيت إلا برزت لى السحالي من الشقوق وراحت تدور حولي مطمئنة غير وجلة، وتخطر أمامي وترفع لى ذيلها بالتحية! وبعضها مخطط الجلد منقوش الذيل على نحو ما ترى على آثار آبائنا الفراعنة. وما يدرينا ويدريك؟ لعل ههنا هيكلا قديمًا مدفونًا، ولعل هذه السحالي كهنة مسحورون! فإن صح هذا فقد تكون على هذه الذيول القصيرة أسرار عويصة منقوشة لو ظفر بحلها واحد من أمثال «برستيد» لجلا لنا من أنباء القرون الخالية وحقائق الطبيعة الماكرة ما ينقب عليه أمثاله عبثًا في فدافد الصعيد!
ولا بد لحبها وألفتها إياي واطمئنانها إلى من سر، وأحسبه أنها لمحت في مشابه منها! أوكأنى بها تعتقد أنى كنت سأخلق على صورتها ثم عدل بي خالقي، جلت حكمته، إلى ما هو أدنى وأهون. أعنى صورة الأناسى! فإن كان هذا هكذا فلعله السبب في أن عيني تقع على الشقوق بسرعة، وأنى كلما أمسكت عصًا ألفيتني أعالج أن أغرسها في الأرض أو أن أحفر بها في جوفها. ولكم فكرت في هذا فتمنيت أن يتيح الله لنا عالمًا ذكيّا لبقًا يثبت تناسخ الأرواح! إذن لكان هذا أبسط حل لهذه المعضلة!
وأنا ألاحظها وأجعلها قيد عيني كلما ذهبت تنساب على الرمال أمامي. ولقد خيل لى يوما، وأنا أرامق واحدة منها، أنها أطرقت قليلا ثم رفعت رأسها الدقيق وحملقت في وجهي بعينين خلتهما عيني كاهن مسحور، وقالت لى بصوت أجش يفيض عطفًا ومرثية: «مساكين أبناء آدم! ما أشد جهلكم وأقل استغناءكم عن الكتب! أو ليس هذا الذي بيمينك كتابًا؟». قلت: «نعم غير أنى لا أقرؤه لأتعلم منه بل لأنقده»؟ فابتسمت كالساخرة وقالت: «وما أشد غروركم أيضًا!». ثم أمالت رأسها وأغمضت إحدى عينيها وسألتني بلهجة مبطنة بالزراية: «وأي كتاب تقرأ؟ حدثني». فقلت: «هذا كتاب وضعه من يدعى الدكتور طه حسين في بعض من كانوا يدعون أبا نواس وبشارًا والحسين بن الضحاك، وكلهم، فيما أرى من هيئتك، مغمور خامل الذكر لم ينتشر به الصوت إلى عالمك!». فدارت حول نفسها من فرط الضجر دورتين أو ثلاثًا ثم لفت ذيلها حتى أدنته من رأسها ولبثت هنيهة تتأمل نقوشه الخفية السر، ثم التفتت إلى وقالت: «وما دكتورك هذا؟». قلت: «أستاذ في الجامعة يدرس الأدب والتاريخ أو كليهما أو لا أدرى ماذا؟». فبدا عليها الاهتمام وتركت ذيلها يعود فيمتد خلفها على مهل، وقالت: «أدب؟! وماذا كانت الدنيا تخسر لو لم يظهر فيها أدباؤكم هؤلاء؟ بل لو لم تخلقوا فيها يا أبناء آدم؟ أكانت الأرض تكف عن الدوران؟ أم كانت تستوحش خلوها منكم رائحين غادين فوق ظهرها ومن جثثكم المرمة في جوفها؟ ودكتورك هذا الذي يدرس في الجامعة هل يستمع إليه أحد؟». فقهقهت، فغيرت وابتدرتنى بهذا التعنيف: «ماذا يضحكك يا هذا؟». فقلت: «معذرة سيدتي إن كنت أسأت الأدب! نعم يذهب إليه الظماء إلى المعرفة ليكرعوا من معين علمه وأدبه. ولا نكران أنه ليس سوى إنسان، لا سحلية، ولكنه يعرف بعض الشئ». فقاطعتني بقولها: «أجبني ماذا تخسر الدنيا أو تخسرون أنتم لو فقدتم هذا الكتاب بل ما عندكم من الكتب؟». فحز في نفسي هذا التحقير الذي تلج فيه ونهضت عن كرسيى وقلت: «إني أحتج يا سيدتي على هذه اللهجة وأؤكد لك …».
•••

«أتكلم نفسك؟»
فالتفت مذعورًا إلى مصدر الصوت فإذا قريب لى ينظر إلى قلقًا وقد زوى ما بين عينيه! فعدت إلى كرسيى وعالجت نفسي حتى ثابت إلى، ثم شرعت أطمئنه ولكن هيهات!!
•••

وقد كففت بعد ذلك عن محادثة السحالي العالمة واعتضت منها محادثة القراء! … غير أن أذني ما انفكت تكن بقولها: «ماذا تخسر الدنيا أو تخسرون أنتم لو فقدتم هذا الكتاب بل كل ما عندكم من الكتب؟». وإني لأردد سؤالها هذا الآن وأعيده على سمعي ويؤلمني ويكوي غروري الجنسي وكبريائي النوعي أن يكون الجواب سلبًا قاطعًا ونفيًا جازمًا، أي لا شىء! فأما الدنيا فلا تخسر شيئًا على التحقيق. وأما الناس فهبهم كأجهل ما كانوا أو كأكمل ما يمكن أن يكونوا علمًا، فما أرى هذا يقدم أو ذاك يؤخر. أليس الفناء الشامل هو الماَل! على كل حال؟ أجيال تمضي وأخرى تأتى، كالخيالات التي تتراءى للحالم، حتى إذا استيقظ المرء اختفت! كذلك الطبيعة تحلم بنا الآن ثم في الصباح يخلو رأسها من أشباحنا!! ولعن الله السحالي فقد سودت بسؤالها عيشي حتى لقد صرت كما أقول:
أرى رونق الحسناء في ميعة الصبافيوضع بي شؤم الخيال ويعنقويشهدنيها في التراب مرمةوقد غالها غول الحمام الموفق! •••

ونطبق سؤال السحلية على كتاب الدكتور ونسأل نحن بدورنا: هل فيه من جديد؟ هل زادت معارفنا به قليلا أو كثيرًا؟ أكنا نكون أجهل مما نحن الآن لو لم يكتبه؟! وأذكر أن الأدب العربي ليس إلا بعض الأدب العالمي، وأن الدكتور لم يتناول في كتابه سوى جانب واحد من فترة من عصر من عصور الأدب العربي. والجواب عن هذه الأسئلة التي أوحت بها إلى السحلية اللعينة، نعم ولا. وأعنى بذلك أن الدكتور لم يزدنا علمًا بالعصر العباسي ولم يضف إلى ما نعرفه عنه جديدًا، فلو لم يكتب هذه المقالات لما فاتنا شئ يذكر من هذه الناحية. ولكن هذه المقالات كشفت عن جانب من جوانب نفسه هو، لم يكن يتأتى لنا العلم به والاطلاع عليه لو فقدنا هذه المقالات. وهذا هو الذي ربحناه. والواقع أننا جميعًا نترجم لنفوسنا ونحدث الناس عنها ونكشف لهم عن دخائلها حين نكتب مؤرخين أو مترجمين أو متفلسفين أو ناقدين أو غير ذلك. وأحسبني لم أعد الحقيقة حين قلت — والشاهد في البيت الخامس:
يمل الفتى طول الحياة ولا يرىعلى الموت إلا ساخطًا جد واجدويطلب، إمّا مات، أن ينصبوا لهمعالم تستجدى دموع الخرائدوتبدى جراحات الردى وكلومهوتستمنح الأحياء ذكر البوائدوبنسج برد الشعر مسهر جفنهليسبى حريم الذكر حر القصائدبلى، ذاك دأب الناس، كل بنفسهيعرفنا، من صادر بعد واردوديدنهم حتى تجف حياتناوتخلع ديباج الربيع المعاودويسكن نبض الأرض مثل قطينهاوتعلق أسباب الردى بالفراقد! ولا يحسب أحد أن من الخسارة أن يعرفنا المرء بنفسه ولا يعرفنا بسواه. كلا! فهذا مكسب كبير وربح طائل.

الفصل الخامس
الأساليب والتقليد


بسم الله أبتدئ وعليه أتوكل! فما بقيت مندوحة عن تقلد السلاح وملاقاة دكتورنا في الحلبة التي اختارها لنفسه وآثرها على سواها. وعزيز على أن أنازله وأقارعه، فإني أنطوي له — أو صرت على الأصح أنطوي له — على الحب والاحترام. وليتني ما عرفته ولا خالطته! إذن لبقيت يدي حرة ترتفع حين تشاء وتهوى بكل قوتها على رأس كتابه فتهشمه، أو لا تضيره وتوهى عظامها، على قدر ما فيه من مناعة وقدرة على المقاومة، دون أن أجعل بالى إلى صاحب الكتاب أو يبرز لى وجهه من كل صفحة فيه، كأنما ظهر كتابه في الدنيا بفعل الهواء وبتأثير الجو كما ينبت العشب من تلقاء نفسه على الصخور. أما الآن فوا أسفاه! ألف الدكتور كتابًا ودفعه إلى الناس وقال لهم في تواضع كله كبر: هذا ما رضيت لكم! وما هو بسفر أو كتاب (كما أتصور السفر والكتاب) وإنما هي مباحث متفرقة «لست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة التي يعبر عنها المؤلفون حين يؤلفون كتبهم». وبالغ في هذا الضرب من التواضع المقلوب، فأعلن إلى الناس أنه لم يعن بهذه المباحث «العناية التي تليق بكتاب يعده صاحبه ليكون كتابًا حقّا» وإنه يعلم «أنه شديد النقص محتاج إلى استئناف العناية والنظر» كأنما أراد أن يقول: لستم أهلا للعناية وأن في وسعى أن أؤلف خيرًا من هذا الكتاب، ولكن لمن؟ ألقراء الصحف السيارة — وهم فلا تنس! — جمهور القراء في مصر؟ كلا يا سيدي: (لم يكن بد من أن يتجنب «الدكتور» التعمق في البحث والإلحاح في التحقيق العلمي إذ كانت الصحف السيارة لا تصلح لمثل هذا)! ولكم وددت أنا — أنا المازني — حين قرأت هذه المقدمة التي صدر بها الدكتور كتابه، وقبل أن يصل حائك الأقدار ما بين أسبابي وأسبابه، أن أعلمه احترام القراء! ولكني خالطته فأحببته مع الأسف! وإني لأتمرد أحيانًا على هذه العلاقة التي توثقت عراها بيننا ويتقمصنى عفريت النقد الذي لا يحابي الأصدقاء ولا يجامل الأوداء، فأرفع بالفأس كلتا يدي وأشب عن الأرض، وأهم بالضربة تفلق اليافوخ فيطالعني وجهه الساكن وجبينه المشرق، وهو جالس إلى يحادثني — ويقاسمنى ما أعانيه من المضض ويحمل عنى شر شطريه فتهى قبضتي وتفلت الفأس، وتهوى ذراعاي إلى جانبي وتتملكني عاطفة فنية تجعلني أقول: «خسارة! نعم من الخسارة أن أحطم هذا الرأس! فإن في الجبين لالتماعًا وفى العظام قوة، وفى التركيب متانة — وأولى بذلك كله ريشة المصور لا فأس التحطيم ومعول الهدم! وليتني كنت مصورًا! إذن لأنطقت هذا الوجه بما عجز عنه قلم صاحبه؟». وهكذا كلما نويت للدكتور نقدًا أراني أمسح له جبينه وألاطفه وأربته! وإني لأنقم من نفسي هذا، ولكن ما حيلتي؟ لست أرى لى خيارًا: هذه هي الأسلحة ملقاة أمامي. تتخطى يدي من بينها كل درع مسردة تتكسر عليها النصال ولا نلتقي إلا درعًا من الكتان لا تقى ولا تغنى! وتدع المعاول والفئوس والقواضب والسوط وتتناول ما هو بخيط الحرير أشبه … لا بأس! ولنبرز له عزلا من كل سلاح!
وما أظن بالقارئ إلا أنه يقول وهو يتلو هذه السطور: وهل أنت أشد احترامًا لقرائك من الدكتور؟! ألم تصدر «حصاد هشيمك» بكلمة قال كل من قرأها إنها زراية على القراء وتضاحك بهم؟! وجوابي كلا بالخط الثلث! وبراءة إلى الله من هذا الوهم الذي ركب بعض الناس! وهل من الزراية والتهكم أن أقول: إن هذا أقصى ما وسعه جهدي فإن رضى عنه القراء فبها ولله الحمد وإلا فما لا يصلح كتابًا قد يصلح وقودًا؟ وفرق ولا شك بين أن أصارح القراء بأن هذا كل ما في الطوق وبين أن أزعمنى قادرًا على خير منه! فأنا كما ترى أصدق تواضعًا من الدكتور: هو يستخف بقرائه ولا يراهم أهلا لأن يتكلف من أجلهم «التعمق في البحث والإلحاح في التحقيق العلمي» وينشر لهم كتابًا «شديد النقص محتاجًا إلى استئناف العناية والنظر» وأنا على خلافه أقدر في هؤلاء القراء الذكاء والفطنة فأسبقهم إلى الحكم على كتابي على حد قول القائل بيدي لا بيد عمرو!
•••

ولم يكذب الدكتور حين قال في هذه المقدمة: «ولقد يكون من الحق على لنفسي وللأدب ولقراء هذه الفصول أن أعترف بأني ما كتبت منه (كذا) فصلا إلا وأنا أعلم أنه شديد النقص «محتاج» إلى استئناف العناية به والنظر فيه»: والدكتور رجل صادق صريح وقد اعترف فوق ذلك بأن الأيام كانت تحول دائمًا بينه وبين ما كان يريد «من تجديد العناية واستئناف النظر». وقد أحسنت الأيام بما حالت دون مرامه، ولو أنها أتاحت له أن ينقح ما يكتب ويتعقبه بالإصلاح، لما تركت لنا معاشر النقاد من عمل نبيض به وجوهنا ونسوغ به طول ألسنتنا. فهل يسمح لنا صديقنا أن ننوب نحن عنه في تجديد العناية واستئناف النظر؟ ويسؤنا أننا لا نحب أن نحاكي أسلوبه ونضرب على قالبه في إرسال الكلام. وليس ذلك لأن أسلوبه الكتابي شاق يتعذر تقليده، بل لأن لنا أسلوبنا الخاص، ومن فضل الله علينا أن ليس لنا فيه مقلدون!
ولقد سمعت الدكتور مرة يقول، وقد عرض ذكر أسلوبه، ما معناه أنه لا يطمع من الشهرة في أكثر مما وفق إليه من كثرة المقلدين الذين يقتاسون به ويحتذون مثاله في طريقة الأداء وفى تأليف الكلام. وعندي أن الأساليب التى يسهل محاكاتها هي أحلى الأساليب من المياسم الشخصية والميزات الخاصة التي يختلف بها كاتب عن كاتب، أو بعبارة أخرى: هي التي لا تنطبع عليها صورة بارزة مؤكدة من شخصية أصحابها. وتقريبًا لذلك من أذهان القراء نقول لهم: إن المتنبي مثلا ينطق شعره باسمه وينسب نفسه له، من دون أن يحتاج القارئ أو السامع — إذا كان قد حصل شيئًا من الأدب — إلى النص على أن هذا البيت أو الأبيات للمتنبي. وما من مطلع على الآداب الغربية يعيبه أن يفطن إلى أسلوب كارليل الإنجليزي مثلا ولو سيق غفلا من كل نسبة.
والآن فلنسأل: من الذي استطاع أن يقلد المتنبي أو كارليل؟
اجمع أدباء الدنيا وشعراءها قاطبة وكلفهم أن ينظموا لك قصيدة على غرار المتنبى أو يكتبوا فصلا على مثال كارليل يعجزوا جميعًا ويبوءوا بالفشل! ذلك لأن الأسلوب صورة من النفس، ولكل ذهن التفاتاته الخاصة وطريقته في تناول المسائل وعرضها … وكلما كانت هذه الخصوصيات أوكد وأعمق، كانت المحاكاة أشق والإخفاق فيها أقرب، فهي لا تسهل إلا حيث يكون الأسلوب خاليًا من الخصائص التي ترجع في مرد أمرها إلى النفس وما ركبت عليه وانفردت به.
وإليك مثالا من عالم الموسيقى: ونعنى به هذه الأغاني الشائعة على الألسن والتي يسمونها «الطقاطيق»: يوقعها الرجال والنساء والغلمان والأطفال على السواء توقيعًا مضبوطًا، ولا يكادون يتفاوتون إلا من حيث حلاوة الصوت وصلاحه للغناء. ومعلوم أن الذين وضعوا هذه الألحان وصنعوا فيها هذه الأصوات، هم من رجال الفن، ولكن الناس يصنعون أصواتًا مثلها في كلام غير كلامها، أي يقلدونها ولا يجدون في ذلك عسرًا. أما الأدوار الكبرى والقطع التي هي أدخل في باب الفن من الطقاطيق، والتي يشتهر بها واضعوها ولا تذكر في الأغلب والأعم، إلا مقرونة — على الأقل في الذهن — بأسماء أصحابها، نقول أما هذه فما أقل مقلديها بل حفاظها! وأنت قد تستطيع أن تصنع بركة أو بحيرة تشرع فيها على الزوارق وتأتى إليها بشتى الأسماك، وتجعل لحوافيها صخورًا، وتنثر على سيفها الحصى، وتفرش الأرض على مستدارها بالرمال، ولكن أيدخل في مقدورك أن تحفر لنفسك فيما شئت من أرض الله الفضاء بحرا أعظم طامي الموج، متدافع الأواذى، مختلف التيارات، يتعاقب عليه المد والجزر بتأثير القمر الذي في السماء؟!
فليس من دواعي الفخر أن يكثر مقلدوك وأن يكونوا موفقين في الحكاية. ولعمري ماذا يبقى من المرء إذا كان يكتب على أسلوب إذا رأيت تقليده حسبته ألا يكون الإنسان في هذه الحالة عبارة عن صورة طبق الأصل من سواه؟ ومعنى ذلك أنه يكون إنسانًا عاديّا من الأوساط، أمثاله كثيرون إذ كان لا ينفرد بشئ يرتفع به عن مستواهم.
ومن حسن حظ الدكتور أن له مقلدين ولكنهم لا يوفقون كل التوفيق فيما يعالجون من احتذائه، لأن أسلوبه ليس خاليًا من الخصائص وإن تكن من اللطف والدقة بحيث تخفى على مقلديه. وأعرف أناسًا يخلطون بين كلام وكلام سواه، غير أن هذا مرجعه إلى ضعف التميز وعدم التفطن إلى الخصائص الدقيقة التي لا تأخذها العين أول ما تأخذ.
•••

لا أعرف، ولا أستطيع أن أفهم، مسألة اسمها «مسألة القدماء والمحدثين»، ولكن الدكتور الذي أثار نفعها بلا مسوغ يبدئ فيها ويعيد ويشغل بها من كتابه حيزًا كبيرًا فلنسمعه يتكلم. قال: «لم يخل عصر أدبي في حياة الأمم التي كان لها نصيب من الأدب وحظ في إتقان القول وإجادته من هذه المسألة، مسألة القدماء والمحدثين … ولم تظهر هذه المسألة في عصر من العصور أو عند أمة من الأمم إلا أحدثت خلافًا عظيمًا وجدالا عنيفًا، وقسمت الأدباء على اختلاف فنونهم الأدبية أقسامًا ثلاثة: قسم يؤيد القدماء تأييدًا لا احتياط فيه، وقسم يظاهر المحدثين مظاهرة لا تعرف اللين، وقسم يتوسط أولئك وهؤلاء ويحاول أن يحفظ الصلة بين قديم السنة الأدبية وحديثها وأن يستفيد من خلاصة ما ترك القدماء ويضيف إليها ما ابتكرت عقول المحدثين من ثمرات أنتجها الرقى وأثمرها تغير الأحوال وتبدل الظروف».
وهو كما ترى — أو فيما أرى أنا — كلام يحتاج إلى إيضاح فلنستزد الدكتور سطورًا أخرى: «وفى الحق أن الاختلاف بين القديم والمحدث ليس مقصورًا على الأدب وحده … لأن الحياة الإنسانية تقوم على أصلين لا ثالث لهما ولا محيد عنهما، هما البقاء من ناحية، والاستحالة من ناحية أخرى. فنحن بحكم البقاء وحاجتنا إليه مضطرون إلى أن نصل بين أمس واليوم والغد، مضطرون إلى أن نصل بين القديم والجديد، مضطرون إلى أن نشعر بأن حياتنا الآن هي، إن لم تكن نفس حياتنا قبل الآن، فهي أثر قوى من آثارها ونتيجة لازمة من نتائجها. ونحن بحكم الاستحالة والتطور مكرهون على أن نشعر بأن يومنا يغاير أمسنا وبأن حياتنا الآن، إن أشبهت حياتنا أمس من وجه أو وجهين، فهي تغايرها من وجوه.
«وإذن، فنحن بين الشعور بالبقاء، والحاجة إليه، وبين الشعور بالتطور، والحاجة إليه، مترددون في ميولنا وأهوائنا وآرائنا، فمنا من يؤثر هذا الشعور بالبقاء فيغلبه على كل شئ في نفسه حتى تصبح غايته الحقيقية ألا يكون إلا ابن أمسه، وإلا حلقة من حلقات هذه السلسلة المتصلة التي لا تعرف لها أولا ولا آخرًا، وهي سلسلة الحياة. ومنا من يؤثر هذا الشعور بالتطور والاستحالة، فيكلف بالجديد ويرغب فيه، ويندفع في هذه الرغبة وذلك الكلف، فلا يفكر إلا في شئ واحد هو أن يعدو، وأن يعدو ما استطاع، إلى الأمام، دون أن يقف فيفكر في حاضره، أو أن يلتفت فينظر إلى ماضيه.
«ويشتد الخلاف ويعظم بين هذين الطرفين المتناقضين، بين أنصار القديم المسرفين في نصره، وأشياع الجديد الغلاة في التشيع له، يشتد هذا الخلاف ويعظم حتى يشعر به أوساط الناس وجماعاتهم المختلفة التي تخضع للحياة وتحياها هادئة وادعة غير شاعرة بتطور ولا ببقاء وإنما هي محققة لهذين الأصلين تحقيقًا طبيعيّا، غير متكلف ولا منتحل. تشعر هذه الجماعات الوسطى بما بين هذين الطرفين المتناقضين من جدال عنيف وخلاف عظيم فتتوسط بينهما ويظهر منها هذا القسم الثالث الذي هو خلاصة الأمة والذي هو المحقق الوحيد لاعتدال الطبع وصفاء المزاج والذي هو المحقق الوحيد للصلة الصحيحة المنتجة بين القديم وبين الحديث» ا.هـ.
والآن أفهمت؟ كلا؟ ولا أنا وأحسب الدكتور أراد أن يتفلسف فأخذ بأيدينا إلى أعماق مجهولة من الهواء الراكد فيما وراء المادة ولم يزد على أن أذكرنا تلك السراديب الرومانية التي تذهب في كل اتجاه والتي احتفرتها أيدي الناس بحثًا عما لا ندرى! وخيرًا لنا أن ندع الدكتور وشأنه في هذه السراديب ولنرفض أن ننحدر وراءه إلى هذا الظلام الدامس الذي أفاضه على موضوعه، ولنبق حيث نحن تحت سماء الله المجلوة وبين مظاهر الحياة والطبيعة، وليهنه «البقاء والاستحالة»! نسأل الله له السلامة!
والمسألة أبسط من ذلك: أدب خلفه لنا الاَباء يحسبه بعض المعاصرين المثل الأعلى، وقد يكون كذلك أو لا يكون، ويتوهمون أنهم يستطيعون بالمحاكاة أن يبلغوا مبلغهم، وأنهم إذا استعاروا أجنحة النسور حلقوا مثلها في سماء الحياة، وأن في وسعهم أن يوفقوا بين روح العصر الحاضر وأساليب التفكير والحياة القديمة. وهناك قوم آخرون مثلى ومثل الدكتور لا يعنون أنفسهم بهذا التوفيق لا يتحرون إلا شيئًا واحدًا هو الإبانة عما في نفوسهم. وهؤلاء فريقان: فريق يعنى بأن يدرس براعات الأدب القديم. وفريق لا يكترث لذلك. فالأمر كما ترى لا يحتاج إلى كل هذه الفلسفة التي حصب الدكتور بها وجوهنا في فاتحة كتابه.
وأريد أن أخطو خطوة أخرى لأقول إن مقلدي القدماء لا يقلدونهم ولا ينسجون إلا على منوال نفوسهم. وإن إمكان النجاح في هذه المحاكاة مستحيل، وإنهم حين يكتبون لا يحتذون مثالا قديمًا، وإنهم واهمون إذ يظنون أنهم يطبعون على غرار السلف، وإن السبب بسيط جدّا وهو أن نجاح التقليد يستلزم أن يتكلف المرء أساليب تفكير عفى عليها الزمن، وأن ينظر إلى الحياة من وجهة غيرها كر الأيام، وأن يتخيل جوّا لا عهد له به، وبيئة ووراثة انقطع فعلهما في هذه الأيام. ولو أن رجلا من رجال العصر استطاع أن يتجرد من زمنه الحاضر وأن يكر إلى الماضي ويجيء بكلام لايختلف في شئ عن كلام رجل من كتاب العرب أو شعرائهم لكان في نظري أعظم من ذلك العربي، وحسبك أن تقدر جهد الخيال الذي يتطلبه أن يرجع المرء بنفسه قرونًا!
وخطوة أخرى تخطوها، ذلك أنى أنكر إنكارًا باتّا أن فوق ظهر الكرة الأرضية في هذا العصر رجلا يكتب كالعرب. وهذا صادق أفندي الرافعي زعيم من نسميهم المقلدين وأنصار الأدب القديم: أي عربي كتب أو يمكن أن يكون قد كتب مثله؟ وليس المقام مقام مفاضلة وإنما هو مقام محاجة. وهذه جملة مستقلة من كلامه فيما سماه من كتبه «السحاب الأحمر» لم أتخيرها ولكن وقعت عيني عليها اتفاقا، ويجدر بي قبل أن أنقلها أن أعلن أنى لم أفهمها! وهي قوله: «قد يتغير الرجل في نظر امرأته حتى تقول له: يا أنت الأول ويا أنت الثاني، ولكني عرفت رجلا قال لامرأته: يا أنت الخامسة والخمسين؟!».
ولست آتى بجديد حين أقول إن من المستحيل أن يرجع أحد بنفسه إلى عهد العرب لأن الحياة لا سبيل فيها إلى هذا النكوص. فلا قديم ولا جديد، وكل ما هنالك أن واحدًا يركب عقله ويتعثر به في الطريق الذي تسلكه قافلة العصر، وأن آخر يركب رجليه أو مطية أخرى ويسير في طليعة الركب أو بين سواده.
وإن الكتاب ليحسنون جدّا إلى الأدب إذا أراحونا من هذه الضجة الفارغة التي أثاروها حول القديم والجديد، فإن الزمن ماض لا يثقل رجلا، فمن سايره فهو معه، ومن شاء أن يتكلف المحال فسينقطع عن القافلة وأمره إلى الله.

الفصل السادس
قليل من الفلسفة؟!


نستأذن القراء الكرام في قليل من الفلسفة. ولهم علينا عهد الله ألا نعود إلى ذلك. لا لأن الفلسفة مما يعسر عليهم «هضمها» ولا لأن «الصحف السيارة لا تصلح لمثل هذا» كما يزعم صديقنا الدكتور طه حسين في مقدمة كتابه الذي مللته لكثرة ما ذكرته، بل لأني لا أحسن هذا الضرب من الكلام. وما لنا لا نتفلسف وقد تفلسف الدكتور؟ أترى ما تيسر له يعجزنا؟ ألا يدخل في طوقنا كما دخل في طوقه أن نسوق كلامًا يستحي القارئ أن يقول لا أفهمه؟ وما دام في الدنيا من يشق عليهم أن يعترفوا بالعجز عن فهم ما يزعمه أصحابه فلسفة، فإن الدنيا بخير يا سيدي ولنتفلسف فيها نحن أيضًا! وأحر بفلسفتنا أن ترضى القراء وأن تكسبنا ثناءهم حتى إذا لم يفهموها كما هو المنتظر! ذلك أنها دفاع عنهم فما أطيبنا والله! في سبيلهم نتجشم الغوص في درك اللجة الفلسفية، ومن أجلهم نقامس حيتانها المخوفة ونتعرض لأن يطبق علينا أحدها فكه الرهيب ويبتلعنا بكل ما تنطوي عليه من قدرة وحذلقة، أو لأن نغرق ونرسب في النهاية إلى جانب الدر الذي لا نعود به، وبين الحصى والطين والحجارة التي نرتطم فيها. ولن ينفعنا القراء حينئذ، وقانا الله شر خدمتهم!
ويغريني باعتساف الفلسفة ومحاولة الركض بين وعورها ما أشرت إليه في مقالي السابق وأسلفت عليه القول من زراية دكتورنا على القراء واعتباره إياهم غير أهل لأن يتكلف من أجلهم «التعمق في البحث والإلحاح في التحقيق العلمي إذ كانت الصحف السيارة لا تصلح لمثل هذا». لا يا صديقي الدكتور. عفوك! لو وسعك هذا الذي تقول إنك تجنبه لما أحجمت عنه ولا صدك الإشفاق على رءوس القراء والترفق بأدمغتهم. ولو كان في جعبتك ما هو أغلى وأثمن لما طويته عن العيون ولاحتلت وتلطفت وألححت في عرضه ولرفعته قبلنا من كل ناحية.
وليس الدكتور وحده هو الذي يفعل ذلك، فإننا جميعًا مع الأسف هذا الدكتور. وما منا إلا من يطيب له أن يدعى أنه قادر على خير مما يصنع. وكما أن الفقير يتظاهر بالثراء ويحب أن يوهم الناس أنه أغنى مما يدل عليه ملبسه ومسكنه وطعامه وسائر ما عسى أن يبدو لهم منه، ويستنكف أن يعترف بخصاصته ورقة حاله، كذلك نحن معاشر الكتاب: يزعم كل معدم منا أو من لا يملك إلا فكرة واحدة أنه غنى العقل، وربما أغرق في الدعوى فقال إنه مليونير! والناس في العادة لا يخفى عليهم الغنى المادي ولا يعنيهم أن يقفوا على حقيقة الدعوى فيه ونصيبها من الصحة … ومن هنا ترى المفلسين لا يزالون يكبحون جماح دعواهم ليجعلوها أقرب إلى العقل وأحرى بالتصديق، إذ كان لا يقبل ممن يمشي في أسمال بالية ويسكن كوخًا حقيرًا أن يقول: إن المال عندي قناطير مقنطرة، ولكنه لا يدفع السامعين إلى الإنكار والجزم بكذبه إذا ادعى أنه ادخر مائة جنيه. فإن مائة جنيه لا تنافى كل المنافاة ما عليه ظاهر حاله.
أما غنى العقل أو الفكر فما الحيلة في دعواه؟ ما طريقة حسابه والحكم عليه؟ إنه غنى يدعيه لا الكتاب والشعراء والعلماء وحدهم — ولو اقتصر الأمر عليهم لهان الخطب وسهل الوزن والتقدير — بل كل من له رأس بين كتفيه. وهبك عرفت ما في رأسه وأحصيته فقد بقي أن تعرف أهو من ماله الخاص أو ممن اقترضه من سواه أو مما يستربيه؟! فمجال الدعوى كما ترى واسع رحيب، والحدود هنا غير قائمة، وكل ذي دعوة يرى من الأوفق له أن يغض عن دعاوى سواه ليغضوا عنه وليتبادلوا الموافقة ويتقارضوا التأييد!
وليس من مسكين مغموط الحق غير جمهور القراء. نكتب لهم طلبًا لإعجابهم والتماسًا لثنائهم ونشدانًا للشهرة واستفاضة الصيت بينهم. وتأبى لنا طباعنا المنكرة إلا أن نجعل الاستخفاف بهم وسيلتنا إلى اكتساب ذلك: يعرض أحدنا على القراء بضاعة مزجاة فإذا عوتب أو نوقش اعتذر بالسوق وأنها لا تحتمل إلا الخسيس الرخيص من الأصناف، ويُصْفى ثان ويغدو كالدجاجة انقطع بيضها فيكبر عليه أن يقول فرغ رأسي، ويروح يقول إن الأرض غير صالحة للبذر ومن الحمق أن أحاول زرع أرض ظهرها صفوان، وقد علم أن العيب عيبه لا عيب التربة، وأن ما لا وجود له إلا في رأسه — إن كان فيه شئ — هو في حكم المعدوم، وأنه وجود لخاطر على الحقيقة إلا إذا ترجمه الجمهور عن صاحبه. ويجئ ثالث بكلام لا يكتبه بالقلم كما يكتب الناس، بل بالبرجل كما يقول صديقنا الأستاذ العقاد في وصف واحد من هؤلاء، فإذا قلت له إنك تكتب ما لا يفهم استشاط وسب الشمس والقمر وقال: إن منزلتي أن أكتب ومنزلتكم ألا تفهموا، إذ كنت أختلف عنكم في الحس وفي التفكير وفي الحكم على الأشياء، وأصدر فيما أكتب عن الإلهام الذي لا ينزل على العامة وأشباهها! وهكذا.
والآن فلنتفلسف! وفلسفتنا هذه جديدة، إلا أنها مستمدة من سوانا كالحياة نفسها، والحياة أبدًا جديدة غير أن حاضرها متسلسل من ماضيها ومرتبط به. ويسرني أن أعترف في مستهل فلسفتي التي أرجو أن أوفق إلى بسطها وإيضاحها أنى مدين على الأكثر لصديقي الأستاذ العقاد وأن ما كتبه في «فلسفة الجمال والحب» وذهب إليه في هذا البحث من أن «الجمال هو الحرية» كان فتحًا مبينًا في عالم الفلسفة وأن قوله في مقدمة كتابه?: «إن الكون كله والحياة (وهى أعم من الكون في نظرى) والفن ومناظر الأرض والسماء — كل أولئك مظهر للتآلف أو للتنازع بين الحرية والضرورة، أو بين الجمال والمنفعة، أو بين الروح والمادة، أو بين أفراح الفن وأوزانه: قوى مطلقة وقوانين تحكم هذه القوى المطلقة. وكلما ائتلفت القوى والقوانين اقتربت من السمة الفنية والنظام الجميل الذي يبين بالمادة صفاء الروح ويسبر بالقيود أغوار الحرية. وهذا الائتلاف هو دستور الفن الإلهي المحيط بكل شئ، وهو فلسفة الفلسفات في هذا الوجود». أقول إن قوله هذا على الخصوص هو الذي فتح لى الأبواب المغلقة التي طالما أوهيت رأسي بنطحها. نعم، هذا هو دستور الفن الإلهي: قوى مطلقة تحكمها وتنظمها قوانين وبغير ذلك لا نستطيع، ولو فاضت أرواحنا من شدة التفكير، أن نعلل ما نلمحه من مظاهر التناقض في الحياة. وهذه الفقرة بعينها من مقدمة العقاد التي أعلن الدكتور طه أنه لم يفهمها، هي مفتاحي الذي سأديره فيما سأتناوله الآن. وإذا كان لكل شيخ طريقته الخاصة به فسأبدأ بحثي من حيث أريد أنا لا من هذه الرُّباوة العالية التي أشرف العقاد من قمتها على الحياة، وفى مرجوي أن آخذ بيد القارئ وأن أصعد معه درجة بعد درجة حتى نبلغ جميعًا هذه القمة.
بأيهما يحس الآدمي أولا: بنفسه أم بغيره؟ أظن أنه لا شك في أن أول ما يحس به المرء بعد أن يأتي إلى هذه الدنيا ويشعر بشئ فيها، هو نفسه. وفى وسع كل امرئ أن يتحقق من ذلك ويقطع الشك فيه باليقين وذلك بأن يلاحظ طفله لأول عهده بالحياة، فإن كل طفل يظل زمنًا غافلا عن كل ما يحيط به من الأشياء والناس، بل أبويه بل أمه أو ظئره. وظاهر أن إحساسه بوجود غيره لا يكون إلا على الأيام، أي شيئًا فشيئًا، ولا ينمو ويقوى إلا تبعًا لنمو إدراكه لما بينه وبين ما حوله من الناس والأشياء من الصلات.
ومعنى ذلك أن الإحساس بالنفس أو بالفردية سابق للإحساس بالغير وناشئ قبله. ولك أن تقول بعبارة أخرى إن الغرائز الاجتماعية مكتسبة إلى حد كبير. وليست كذلك الغريزة الفردية. أضف إلى ذلك أن الفرد وجد قبل النوع.
فالفردية هي السمة الأولى التي تبديها الحياة أو تبدو معها. وثم سمة أخرى لا خفاء بها هي أنه لا سبيل إلى الخلط بين اثنين وأن التطابق التام حتى بين التؤمين لا وجود له. وبعبارة أخرى، ليس في الحياة فردان يمكن أن تصفهما بأنهما مترادفان كما تصف بعض الألفاظ تساهلا في التعبير. نريد أن نقول إنه لا آخر للتنوع في صور الحياة. أي أن الحياة مطلقة الحرية في انتقال الصور التي تبدو فيها وتتشكل بها وأن سبيل الحياة أن تخرج أشكالا متنوعة وأنها لا تتقيد في ذلك بقالب معين ولا تلتزم فيه ما نلتزم نحن مثلا في الشعر أحيانًا من الوزن أو القافية.
ولا يتعجل القارئ فيعترض، فما نريد أن نذهب إلى أبعد من أن «الأصل» هو الحرية المطلقة في اختيار الصور والأشكال. ولو أن هذا لم يكن كذلك، أي لو أن الحياة مقيدة بصورة أو صور معينة لا تخرج عنها لكان تعاقب الأحياء تكرارًا سخيفًا لا معنى له. وتصور أن الناس مثلا يخلقون على طراز واحد لا يتغير ويصبون في قالب لا يتعدد! ألا يكون كل جيل في هذه الحالة صورة معادة لكل جيل سبقه؟! نعم بلا شك! وماذا يكون معنى هذا التكرار المستمر؟ لا معنى على الإطلاق وأحر بالحياة أن تكون إذن مسرفة سفيهة مملة. وما أحقها حينئذ بأن يحجر عليها من يستطيع؟!
كلا! ليس في الحياة إسراف ولا إملال لأنه لا تكرار هناك ولا إعادة. وكل فرد يخرج من يدي الحياة يكون الأصل فيه أنه نمط قائم بذاته مختلف عما عداه وحريتها في ذلك مطلقة لا نهاية لها ولا حد. ولكن — نعم «ولكن» — لا بد من القيد الذي تنتظم به الحرية وتصان من التبدد والانحلال المفضيين إلى العدم: وهذا القيد هو أن الناس لا يخلقون في هذه الأيام كما خلق أولهم من الطين مباشرة أو من المواد الأولية. وإنما يأتي الإنسان من إنسان مثله، وتخرج صورة الحياة الجديدة من صورة سابقة أي من أبوين. وهذا الجهاز الذي تمر به مادة المخلوق الجديد يطبعه بطابعه ويترك أثره فيه فيجيء الجديد مشابهًا للقديم. وإذا كان هذا هكذا فكل فرد يأتي إلى دنيانا يكون نتيجة عاملين: حرية الاختيار التي تتوخاها الحياة في صورها، والوراثة الناتجة من التناسل والتي ترمى إلى الاحتفاظ بالصورة القديمة وإلى إعادتها، وهذا هو علة الاختلاف من ناحية والتشابه من ناحية أخرى. والمسألة كما ترى بسيطة سهلة المساغ وليس فيها تعويض بل لا جديد فيها في الحقيقة ولا فلسفة!
وعسى من يسأل: ولكن ما علاقة هذا بالدكتور طه حسين وبما افتتحت به هذا المقال؟! وجوابنا أن العلاقة وثيقة والصلة متينة. ذلك أولا أن الدكتور قد شاء أن يتفلسف في كتابه فلم يبق لغيره عذر إذا لم يتفلسف! وثانيًا أننا أردنا أن نعلل هذه الظاهرة العجيبة: ونعنى بها تزلف المرء للجمهور وتظاهره بالاستخفاف به وبرأيه واستصغاره لقدره. فأردنا أن نقول بلسان الفلسفة إن من الدلائل القوية على أن الأصل أن الحياة مطلقة الحرية في أخذ صورها وتنويعها أن كل واحد منا يحب أن يرتفع عن المستوى العام بالحق أو بالباطل لأن التميز دليل على وفرة الحيوية وإربائها في المرء على النصيب العادي. وهذا التميز هو الدليل من جهة أخرى على تغلب الفردية أي قانون الحياة على الوراثة التي تحاول كما قلنا وكما تعلم أن تجعل الناس صورًا متطابقة. ومن الذي يرضى أن يكون صورة مكررة من سواه لا تختلف عنه في كثير أو قليل؟ من الذي لا يحب أن يسمو في نظر نفسه أو في نظر سواه، وهو المهم، عن هذا المستوى العام؟ وإنها لرغبة تنبئ عن احترام الحياة وتكشف عما بين قانونها والوراثة من التنازع. فإذا رأيتني أو رأيت سواي يتسامى عن منزلة الجماهير فاعذره فقد عرفت الداعي إلى ذلك والباعث عليه … واعلم أن «الجمهور» لفظ مرن يسعك في كل لحظة أن تضيقه وتوسعه، وأن تجعله كلما شئت يشمل كل الناس إلا «أنت وأنا».
? مطالعات في الكتب والحياة.
الفصل السابع
القديم والجديد


من الأوهام الشائعة أن الناس مولعون بكل جديد، ومن الأمور التي يشكوها من يتنكبون الطرق المعبدة أن الناس لا يبادرون إلى متابعتهم حيثما يذهبون. فأي القولين أصدق؟ وبأيهما نأخذ؟
لقد أشرنا من قبل إلى أن سبيل الطبيعة أن تصل إلى غايتها من أهون سبيل، أي أنها تتوخى أسهل السبل وأقلها كلفة وأعظمها اقتصادًا. ولا بأس من أن نعود إلى ذلك بشئ من البيان يجلو غامضه ويحل مشكله. ولنضرب مثلين أحدهما من الإنسان وثانيهما من غيره. ولنبدأ بثانيهما فإنه أخف وأيسر إيضاحًا: تسقط الأمطار على الجبال أو سواها فينحدر الماء ويحتفر لنفسه مسيلا. فهل علم أحد أن هذا الماء الجاري آثر، منذ سال على وجه الأرض أن يخترق الصخور أو يعلوها وزهد في اللين الدمث الذي لايشق عليه أن ينساب فيه؟ كلا! ما علمنا على الماء من حماقة كهذه! فهو إذا صادفته أرض صخرية لم يتلبث عندها ريثما يحفر فيها مجراه بل راح يترقرق فوقها. وإذا اعترضته وعور ذاهبة في الجو لم يتجشم أن يعلوها ويطم فوقها إذا وجد مجازًا له عن يمينها أو شمالها. ودع هذا وتأمل الإنسان وسل نفسك: ما السر في أن المرء يصعب عليه أن يغير ما كوَّن لنفسه من العادات؟ أليس لأنها لا تتقاضاه من الجهد ما تكلفه مخالفتها؟ مثال ذلك أن تكون قد ألفت أن تسلك طريقًا معينًا بين بيتك وبين المكان الذي تزاول فيه عملك اليومي. فأنت كلما ذرت الشمس تكرر ما عملته في الصباح الماضي وتزايل بيتك وتقودك رجلاك وأنت لا تشعر إلى هذا الطريق المعين وتدبان بثقلك عليهما فيه كعادتهما في كل يوم. ومن المؤكد أن سلوك هذا الطريق لا يكلفك تنبها خاصّا أو تفكيرًا وأنك حين تمشى فيه وتمر به كل يوم لا يلفتك فيه شئ. شأنك في ذلك من بعض الوجوه كشأنك حين تأكل: تمتد يدك إلى اللقمة فتتناولها ثم ترتفع إلى فمك ومنه تهوى إلى جوفك. وليس ليدك عين ترى بها مكان فمك من وجهك. ولسنا نعلم أن يد المرء تخطيء وترتفع إلى الأنف، فقد اعتادت أن تحسن تقدير المسافة وأصبح الجهد اللازم لذلك يبذل بطريقة آلية … وكذلك رجلاك تحملانك في الطريق المألوف وتذهبان بك في منعطفاته دون أن تفكر أنت في شئ، ولكنك حين تسلك طريقا آخر غير الذي ألفته تلفي نفسك تستعمل عينيك وتجيلهما فيما هو أمامك وعن يمينك وشمالك، وقد تفكر في طوله أو قصره بالقياس إلى طريقك المعتاد، وفيما هو قائم على جانبيه من المساكن أو الأشجار وغير ذلك، وقد يعقد ذهنك مقارنات ومقايسات كثيرة ويجرك هذا إلى مواضيع شتى قد تشغلك النهار أو بعضه أو أكثر من ذلك، وهذا كله جهد لا تبذل شيئًا منه حين تأخذ في طريقك المألوف. وكذلك الحال، حين تتناول طعامك بغير اليد التي ألفت أن تتناوله بها.
ولم تكن الحياة نفسها تعجز عن أن تخلق الناس في أيامنا هذه كما خلقت أولهم وأسبقهم في الوجود، أعنى من طينة الأرض التي صيغ منها المخلوق الأول — كائنا ما كان هذا المخلوق — ولست أعنى بطينة الأرض وحلها، وإنما أعنى المواد الطبيعية الأولية. كما هو ظاهر بالبداهة. ولكن الحياة لا تفعل ذلك الآن، وقد كفت من زمان طويل لا يعرف حسابه إلا الله سبحانه وتعالى، عن إخراج المخلوقات على هذا النحو العتيق، وصرنا نخرج إلى الدنيا بطريقة التوالد، إذ كان خلق الإنسان بالتوالد أسهل من إعادة كل أدوار التطور الماضية، كلما أريد خلق إنسان. ولأن التوالد يتيح المرور بمختزل هذه الأدوار وبسرعة، فلا حاجة لتكلف المرور بها على نحو مطابق للأصل. وإذ كان هذا الكلام يحتاج إلى تفسير فليعلم القارئ — إذا كان ممن يجهل ذلك — أن المرء يعيد على صورة مصغرة مختزلة ما مرت به الإنسانية من أدوار النشوء. وللقارئ أن يصدق هذا أو لا يصدقه، فإن كانت الأولى فله منا الشكر الجزيل على الثقة بنا والاطمئنان إلينا، وإن كانت الثانية فلا ضير عليه أو علينا … ولن يمنع إنكاره أن الأمر كما نقول، والحال على ما نصف، ووقتنا وصدرنا أضيق من أن تتجشم إثبات ذلك له على حين يستطيع هو أن يريحنا بأن يقرأه في أكثر من كتاب واحد.
والآن فلننتقل إلى شئ آخر، وليحضر القارئ إلى ذهنه تلك الآلة الموسيقية التي يسمونها القانون. وهي آلة ذات أوتار كثيرة يحتاج الضارب عليها إلى أن يعيد إصلاح أوتارها كلما أراد أن ينتقل إلى «نغمة» مغايرة للنغمة الأولى ومن باب غير بابها. ولكنه لا يحتاج إلى إعداد أوتاره وتهيئتها من جديد إذا كان الانتقال بسيطا وفى موضع واحد أو مواضع قليلة من الصوت الذي يوقعه ولم يكن عاما شاملا. ونحسب هذا معروفًا مفهوما. وما منا إلا من رأى ذلك وشهده بعينيه. فصاحب القانون لا يغير شد الأوتار، ولا يكف عن التوقيع عليها ليعالجها من جديد، إذا كان الخروج عما هيأ له أوتاره جزئيا غير تام. وهو حين يحدث هذا الخروج الجزئي عما استعد له بآلته لا يتعبه هذا الخروج ولا يصدمه ولا يكلفه أو يكلف الأوتار فوق طاقته وطاقتها فيستمر العزف أو التوقيع كأن لم يحدث انتقال ما.
كذلك الناس حين يجيئهم واحد منهم بما هو أشبه بقديمهم الذي ساروا عليه وألفوه، لا يحسون أن جديدًا طرأ أو أنهم يحتاجون إلى أن يصلحوا نفوسهم ويهيئوها تهيئة خاصة لتلقى هذا الطارئ واستقباله. ولا يشعرون بدافع إلى المقاومة اتقاء لما يكلفهم اطراح ما اعتادوه من الجهد. ومن الأمثلة كتابات المنفلوطي رحمه الله. وهذه لم يكن فيها جديد، بل كلها مما شبوا وشابوا عليه. وكل ما في الأمر أنه جعل لكلامه طلاء أو لونًا لا يحيله عن أصله، ولا يخرجه عن تياره. وشبيه بذلك أن تستحدث ألوانًا جديدة في الملابس دون أن تغير الشهرة (المودة) في تفصيلها — فلا يصدم الناس منها شئ كبير، ولا يجعلهم على التردد في قبولها والإقبال عليها أنها مخالفة لما يجرى عليه العرف.
ولكن لنفرض أن حائكا سن لنا شهرة جديدة كل الجدة، كأن يرتد بنا إلى خمسين أو ستين سنة، ليحيى طرازًا كان شائعًا يومئذ، أو كأن يستحدث أسلوبًا تكون الأزرار من الخلف لا من الأمام أو تكون السترة أو ما يسمونه «الجاكتة» أشبه بالشملة. فهل يقبل الناس على تلقف هذا الطراز؟ كلا! يتحرجون في أول الأمر وينكرونه، ويظلون يتهيبونه زمنا طويلا أو قصيرًا على قدر بعده من مألوفها، حتى يتهيئوا لقبوله شيئًا فشيئًا، ويقتنعوا بصلاحه وجماله على الأيام، إن كان له نصيب من الجمال والصلاح. وهذا هو الذي يحدث حين يخرج كاتب أو شاعر على التقاليد والسنن، وينهج سبيلا غير التي ألفَ الناس أن ينهجها الكتاب، أو حين يأتي عالم أو فيلسوف برأي يقلب مانشأ الجمهور على اعتقاده.
ولماذا في ظنك كان أهل أوربا في القرون الوسطى يستنكرون أن يذهب أحد إلى أن الأرض دائرة، أو أنها ليست محور الوجود وقطب الكون، أو أن الشمس لا تدور حولها، بل هي التي تدور حول الشمس. ماذا كربهم من ذلك في حياتهم أو أفسدها عليهم حتى آذوا القائلين بما اعتقدوا من خلافه؟ لا شئ سوى أن الرأي الجديد كان خطوة في عكس الطريق الذي درجوا عليه، كما درج اَباؤهم، وكان من شدة المغايرة وفرط المعارضة لمألوفهم، بمثابة القول بأن الأنف مجعول لمضغ الطعام، والأذن للشم، والعين للسمع. والناس إنما يسهل عليهم الأخذ بالجديد إذا كان مقاربا لما اعتادوه وكان كأنه امتداد له ولم يكن مغايرًا في جوهره لآرائهم أو أذواقهم.
وقد قلت حين سقت مثل الحائك: «لنفرض أنه سن لنا شهرة جديدة كل الجدة، كأن يرتد بنا خمسين أو ستين سنة ليحيى طرازًا كان شائعًا يومئذ»، وأعنى بذلك أن القديم الذي مضى زمنه وانقضى عهده يكون في حكم الجديد، وله وقعه وصدمته حين يراد إحياؤه، لأنه يكون جديدًا في نظر من لم يألفوه، واعتبار من لم يدركوا زمنه، وعلى أن هذا فرض قائم على استحالة إذ كان إحياء القديم يتطلب أن تتوافر الأحوال والمقتضيات والحالات النفسية والفكرية التي عفى عليها الزمن وطوى صفحتها.
وبعد، فليس بصحيح أن الناس مولعون بكل جديد، وإنما الصحيح أنهم يقاومونه ويتهيئون له على الأيام، وأن جديد اليوم إذا كان صالحًا خليق أن يصبح مألوف الغد. ومن حق الجمهور علينا أن نحمد له ذلك، وأن نشكر الله عليه. إذ حقيق بالدنيا أن تنقلب بيمارستانًا ضخمًا، لو أن الناس فيها كانوا يبادرون إلى الأخذ بكل جديد، وإجابة كل مهيب، فليس كل جديد صالحا … والاتزان في الحياة ألزم وأجدى وأكفل، باطراد التقدم من طيش التعجل.

الفصل الثامن
العمى والغريزة النوعية


(?) ليس الأعمى كالبصير

ليس الأعمى كالبصير. هذه، فيما نظن، قضية مبرمة. ولسنا نعنى أن أحدهما دون الآخر أو أفضل منه، فليس المقام مقام مفاضلة. ولكنما نعنى أنهما مختلفان … وهل يستوي أن يكون أو لا يكون للمرء في وجهه عينان؟ أليس لهذه الجارحة عمل يمتنع إذا تعطلت؟ ألا يحدث كف البصر تأثيرًا في مزاج الإنسان وفى تفكيره وإحساسه بالحياة والناس وغير ذلك مما لا يسعنا حصره؟ نعم. وإن الأمر لأوضح من أن يحتمل الخلاف. وسنتناول في هذا المقال وجهًا من وجوه الاختلاف الكثيرة لعل ذلك يجلو ما أشرنا إليه في الفصل السابق إنجازًا لوعدنا وإتمامًا لكلامنا.
الغريزة النوعية من أقوى غرائز الإنسان، ومظهرها الحب كما هو معروف، والحب — كما لا نحتاج أن نبين — هو أداة التنظيم الكبرى لحياة الناس، والقوة الدافعة إلى تحسين النوع والحيلولة دون انحطاطه. وليس هنا محل الكلام في الحب ولكن هنا موضع التنبيه إلى أن العين أداته الأولى، والنظر حاسة «اجتماعية» ليس أعون منها على الإحساس بالجمال ومضاعفة هذا الإحساس وتقويته.
ومن هنا عجب الناس لبشار بن برد كيف يعشق امرأة «معينة» وهو ضرير، فسألوه في ذلك، أو أحس هو أن الأمر يحتاج إلى إيضاح وتفسير، فذكره في شعره فكان مما قال:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقةوالأذن تعشق قبل العين «أحيانًا»قالوا بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لهمالأذن كالعين توفى القلب ما كانا وقد أحسن الاحتياط في قوله «أحيانًا» فما تستطيع الأذن أن تقوم مقام العين أو تسد اختلالها. ولقد صدق ابن الرومي حين قال:
هل العين بعد السمع تكفي مكانهأم السمع بعد العين يهدى كما تهدى؟! ولكل منهما عمل. وتأمل بيتي بشار اللذين سقناهما لك، وانظر كيف روى عن الناس أنهم قالوا له إنه «يهذي» بمن لا يرى. وما أرى أصلح من هذا اللفظ ولا أحق بهذا الموضع. وهل هو إلا ضرب من الهذيان الصريح مهما أولته وكيفما خرجته؟ ولقد احتاج إلى أن يكرر الرد والاحتجاج لنفسه فقال:
وكاعب قالت لأترابهايا قوم ما أعجب هذا الضرير!هل يعشق الإنسان من لايرىفقلت والدمع بعيني غزيرإن تك عيني لاترى وجههافإنها قد صورت في الضمير وما نشك في أنها صورة ملتاثة. إن صح أن من الممكن أن تتمثل لضمير الأعمى صورة ما، أو يجاوز الأمر معه الإحساس العام. وعلى أي شئ تراه يقيس؟ ومن أي شئ يؤلف هذه الصورة؟ وقوله:
إن سليمى، والله يكلؤهاكالسكر تزداده على السكربلغت عنها شكلا فأعجبنيوالسمع يكفيك غيبة البصر وقوله:
عجبت فطمة من نعتي لهاأيجيد النعت مكفوف البصر؟! وقوله:
يزهدني في حب عبدة معشرقلوبهم فيها مخالفة قلبيفقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضىفبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللبوما تبصر العينان في موضع الهوىولا تسمع الأذنان إلا من القلب ولأمر ما عالج هذا المعنى في قصائد عدة ولم يجتزئ بالإشارة إليه مرة. والعين باب القلب كما يقول البحتري.
وما كان حظ العين في ذاك مذهبيولكن رأيت العين بابًا إلى القلب والجمال منظر ومعان وتعبير. والعين أقدر من السمع واللمس على إفادة الاستمتاع به. إذ كانت هي الطريق الأكبر للالتفات إليه والشعور به والإحاطة بمعانيه. ولأنها هي المعين على تأليف الصور الذهنية. وهي صور تتألف من أشتات أخرى علقت بالذاكرة وحصلت بالنظر. وبحسبك أن تقرأ قصيدة ابن الرومي في وحيد المغنية وكان بها مشغوفًا:
غادة زانها من الغصن قدومن الظبى مقلتان وجيدوزهاها من فرعها ومن الخدين ذاك السواد والتوريدفهي برد بخدها وسلاموهي للعاشقين جهد جهيدما لما نصطليه من وجنتيهاغير ترشاف ريقها تبريدوغرير بحسنها قال صفهاقلت: أمران، هيِِِّن، وشديديسهل القول إنها أحسن الأشـياء طرا، ويصعب التحديدتتجلى للناظرين إليهافشقىٌّ بحسنها وسعيدظبية تسكن القلوب وترعاها وقمرية لها تغريدتتغنى كأنها لا تغنىمن سكون الأوصال وهي تجيدلا تراها هناك تجحظ عينلك منها، ولا يدر وريدمن هدو وليس فيه انقطاعوسجو وما به تبليدمد فى شأو صوتها نفس كاف كأنفاس عاشقيها مديدوأرق الدلال والغنج منهوبراه الشجى فكاد يبيدفتراه يموت طورًا ويحيامستلذ بسيطه والنشيدفيه وشى وفيه حلى من النغـم مصوغ يختال فيه القصيدطاب فيها وما ترجع فيهكل شئ لها بذاك شهيدوحسان عرضن لى، قلت مهلاعن وحيد، فحقها التوحيدحسنها في العيون حسن جديدفلها في القلوب حب جديدونصيح يلومني في هواهاضل عنه التوفيق والتسديدلو رأى من يلوم فيه لأضحىوهو لى المستريث والمستزيدضلة للفؤاد يحنو عليهاوهي تزهو حياته وتكيدسحرته بمقلتيها فأضحتعنده والذميم منها حميدخلقت فتنة غناء وحسنًاما لها فيهما جميعًا نديدفهي نعمى يميد منها كبيروهي بلوى يشيب منها وليدلى حيث انصرفت منها رفيقمن هواها، وحيث حلت قعيدعن يميني وعن شمالي وقدامي وخلفي فأين عنه أحيدسد شيطان حبها كل فجإن شيطان حبها لمريدليت شعرى إذا أدام إليهاكرة الطرف مبدى ومعيدأهي شئ لاتسأم العين منهأم لها كل ساعة تجديد؟بل هي العيش لا يزال متى استعرض يملى غرائبًا ويفيدمنظر، مسمع، معان من اللهو،عتاد لما يحب عتيد: إلخ إلخ وقد أطلنا الاقتباس لأنا لا نعرف قصيدة أخرى في لغة العرب، وقد كدنا نقول أو في سواها من آداب الأمم الأخرى — هي أجمع من هذه لمعاني الحب والجمال، ولأن ابن الرومي تناول فيها المرئي والمسموع ولقد يذكر الكفيف الغصن والظبي وما إليهما مما يشبه به شعراء العرب، ولكن هذا منه لا يكون إلا تقليدًا وعلى السماع وبمقدار ما أشربت نفسه من روح اللغة وأساليب التعبير فيها، ومن غير أن يكون ذلك صادرًا عن صورة في الضمير وأي صورة في ظنك يمكن أن تكون قد حصلت في نفس بشار وهو يقول:
وكأن رجع حديثهاقطع الرياض كسين زهرا! لا صورة على الإطلاق! وكل ما هنالك مما دفعه إلى هذا التشبيه هو نسيم الرياض المنعش الجسم المحيى للنفس. وقد يتناول المكفوف الصوت ووقعه، ولكن الهيئة والشكل يفوتانه، ولا يسعه أن يحضر بما يسمع ما يحضره البصير، ويتمثله من الصور، كما فعل ابن الرومي في وصفه لغناء وحيد. فقد تراه يتعلق بهيئتها، وسكون أوصالها إذا تغنى، واحتفاظها بجمال شكلها، فلا عين تجحظ كالوارمة، ولا وريد يدر ويمتلىء بالدم وينتفخ ويشوه شكل الجيد وانسجامه. وانظر كيف جعل لغنائها وَشيًا وَحلْيًا «مصوغًا» لا ساذجًا لم يعمل فيه الفن. وجعل الشعر «يختال» في هذا الحلى وكيف مثل لك فسحة الخلو وفراغ البال، بالقياس إلى ما صار إليه من أخذ الحب عليه بالإسداد، وذلك بقوله: «سد شيطان حبها كل فج»، وكيف نبه إلى ما يمليه النظر ويفيده من معاني الجمال بقوله: «ألها كل ساعة تجديد؟» وتشبيهه إياها بالعيش الذي لا يزال يعرض الغرائب.
وما لنا نقول إن بشارًا اضطر إلى أن يعلل عشقه للنساء بأعيانهن وتشبيبه بهن؟ ما بشار هذا؟ إنه ليس سوى فرد قد لا يصح اتخاذه قاعدة. ولكن تأمل أمثال الأمم وأساطيرها فإنها خلاصة صادقة لتجاريبها وغرائزها. ومن الأمثال التي نجدها في كل لغة أن الحب أعمى. نعم. ولقد صور القدماء «كوبيد» معصب العينين. وليس أحذق من هذا الطفل مع ذلك ولا أشد ساعدًا ولا أحكم، وكأنما أرادوا أن يقولوا إنه لا يرى ما لا يحب، بل أرادوا أن ينبهوا إلى أن كوبيد هذا كله عيون، ولولا ذلك ما عصبوها فلفتونا إليها ودلونا عليها. ولو شئنا لاجتزأنا بهذا من أساطير القدماء، ولكن بنا حاجة إلى أسطورة أخرى. تلك أن فينوس أو الزهرة كانت في بادئ الأمر ربة الربيع وبساتين الزهر، ثم جعلوها ربة الجمال. وفى ذلك ما لا يخفى من الشعور الباطني بالعلاقة القوية بين الحب والطبيعة في عيدها. وفى خرافاتهم أن الزهرة هذه مخلوقة من زبد البحر، ومن حقها أن تولد منه. فياما أفطن القدماء وأهدى غرائزهم! ذلك أن المحدود الذي يقاس طولا وعرضًا لا يروقنا، ولا يقع من نفوسنا، كما يستولى على هوانا، ويسحرنا ما تتدفق فيه الحياة. والجمال ليس شكلا فحسب، بل هو أيضًا تعبير ولحظة انتقال، كأنما يريد الشكل المتجلى أن يتدفق في أشكال أخرى. وكل ثبات أو تكويم أو ركوز أو حصر مفسدة، كما تحس ذلك من الأنف الضخم أو الظهر المحدوب. ومن هنا كان الإنسان أجمل ما في الطبيعة. ومن الوجوه ما يموج فيه تعبير النفس، أو حركة الفكر، حتى لتكاد تتخطى العين معارفه، وتخطئها ولا تراها.
والعيون نصف الجمال، وهي مدار السحر ومبعث الفتنة، لأنها أنطق الجوارح وأقدرها على التعبير، وليس من المصادفات أن ولع الشعراء بذكرها ورمزوا بها في كثير من الأحيان إلى الجمال وأطلقوا هذا الجزء على الكل، كما ترى مثلا من قول المتنبي:
عزيز أسى من داؤه الحدق النجلعياء به مات المحبون من قبل فما يعنى الأحداق على وجه التخصيص، وإنما هو من قبيل ما ذكرنا وليس في وسع المكفوف أن يحس الجمال كما يحسه البصير أو يتأثر به مثله، لأنه ليس محرومًا من منظره وحده، بل من أكثر معانيه كذلك، ومما يتصل به عن قرب أو بعد، ومن الطبيعة أيضًا. وقد حجب عنه كل ما يمكن أن يقيس به. وأحر بألاّ يكون عنده فرق يذكر بين النساء، وأن تكون كل امرأة متسربة في الجنس، والإحساس بها إحساسًا جنسيّا عامّا، وأن تكون النساء كلهن كأنما أفرغن في قالب عام، وقيمهن واحدة من حيث التناسل، وألاّ تثير الغريزة النوعية إلا رغبة عامة في الأنثى. لا ترتقي (أي الرغبة) إلى درجة التمييز ولا تبلغ أسمى منازله لانعدام ما يعين عليه. وفى وسعنا أن نقول مع قليل من التجوز، إن الفرق بين المكفوف والبصير من هذه الناحية كالفرق بين الشعوب الساذجة التي لا تزال على الفطرة والشعوب التي ارتفعت عن هذا المستوى، وصار التميز الفردي فيها حادّا أو بارزًا مؤكدًا. تلك تكون الغريزة النوعية عندها عبارة عن رغبة عامة من الذكر في الأنثى ومن الأنثى في الذكر وهذه تتوخى التعيين والاختيار. وكذلك الكفيف تستوي عنده امرأة وامرأة، وهو إذا اختار وميز لا يكون ذلك مرجعه إلا إلى أسباب لا نخطىء جدّا، إذا قلنا إنها سطحية أو عارضة بعد أن لم يبق له من الأدوات سوى السمع واللمس، وما أقل غناءهما وأشد ضلالهما.
(?) المرأة بين بشار وأبي العلاء

السمع واللمس — والشم أيضًا — كل ما للمكفوف من وسائط الإحساس بالجمال، وهي، كما بينا، أقل من النظر غناء، لأن العين هي الأداة الكبرى. وهي أنفس الجوارح وأوثق الحواس اتصالا بالعقل، حتى لترى أكثر المجازات في هذا الباب مستمدة من حركاتها وإحساساتها، والعقل عنها أفهم، وبها أقوى وأقدر، وما يسع الكفيف أن يفهم الجمال أو يتأثر به كالبصير. والمرأة عنده في الأعم أنثى يصبو جسد الرجل إلى جسدها، وأداة يرضى بها غريزته. وهو مهما بلغ من السمو يظل إحساسه بالمرأة أدنى إلى الطبيعة الحيوانية منه إلى المعاني النفسية. وسنورد لك أمثلة من شاعرين متباينين أشد التباين: بشار والمعرى. وكان أولهما حيوانًا والثاني إنسانًا.
وكان بشار إن فرغ من التشبيب بالنساء، أو على الأصح من وصف ما يشتاق إليه منهن ويطلبه عندهن من اللذات، لم يفرغ من ذكر فحولته، وَتَنَزِّيه، فهو أبدًا حيوان حين يذكر نفسه وحين يذكر المرأة. فمن ذلك ما حكوه من أنه علق امرأة وراسلها، يسألها أن تواصله. فقالت لرسوله: «أولك في وأنت أعمى لا تراني؟ فتعرف حسنى ومقداره؟ وأنت قبيح الوجه فلا حظ لى فيك؟ فليت شعرى لأي شئ تطلب وصال مثلى؟». فأدى الرسول الرسالة. فقال بشار عد إليها فقل لها — ونحن نمسك عن إيراد الأبيات لفرط ما فيها من الفحش، وحسب القارئ أن يعلم أنه أهمل كل ما يمكن أن يتفضل به الرجال، ولم ينظر إلا إلى الجانب الحيواني الصريح الذي يتساوى عنده الناس والبهائم، وأخلق بالبهائم أن ترجح على الإنسان من هذه الناحية. وحتى حين يتخيل حبيبته لا يخرج بها عن دائرة الحواس ومن ذلك قوله في عبدة:
أعددت لى عتبًا بحبكموياعبد طال بحبكم عتبيولقد تعرض لى خيالكموفي القرط والخلخال والقلبفشربت غير مباشر حرجابرضاب أشنب بارد عذب والمرأة عنده أنثى تشتهى وتنال ولا تستعصى على الطالب:
قاس الهموم تنل بها نجحًاوالليل، إن وراءه صبحًالايؤيسنك من مخبأةقول تغلظه وإن جرحاعسر النساء إلى مياسرةوالصعب يمكن بعدما جمحا وهو القائل أيضًا:
لا أبالى من ضَننَّ عنى بوصلإن قضى الله منه لى يوم جود وكان يعمل بما يعلم، وحكايته مع أمامة مشهورة، قالوا كان يبعث بغلامه إليها فتتمنع. فلما أضجرها بإلحاحه عرفت زوجها، فقال لها أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا، ففعلت، وجاء بشار مع امرأة أنفذتها إليه، فدخل وزوجها جالس وهو (بشار) لا يعلم فجعل بشار يحادثها ثم قال:
أمامة قد وُصفت لنا بحسنوإنا لا نراك فالمسينا فأخذت يده ودفعتها إلى زوجها ففزع بشار ووثبَ!! ومن قوله:
قال ريم مرعثفاتن الطرف والنظرلست والله مدركيقلت: أو يغلب القدر وله رأى في شعر النساء يوافق تصويره لهن. قال: ما من شعر تقوله امرأة إلا وفيه سمة الخنوثة. ولبشار حكاية ليس أنم منها على انحصار الإحساس بالمرأة في الرغبة الحيوانية، وانتفاء الاهتمام بما وراء ذلك، والعجز عن إدراكه، ولكنا مع الأسف لا نستطيع أن نسوقها لشناعتها. فليبحث عنها من شاء في أخباره المبعثرة، أو فيما جمع له الأديب أحمد أفندي القرنى.
ونوجز فنقول: إن بشارًا لم يكن ينظر إلا إلى الأنوثة في المرأة والفحولة في الرجل، وإنه لم يعرفها سوى متاع يجس ويشم ويستمع إليه.
أما أبو العلاء فقد كان وقورًا محتشمًا متشائمًا، رافضًا للحياة مزدريًا للمرأة، وهي (أى المرأة) عنده لا تضمن عفتها، وأقل ما تجنيه، التبرج، ومن الواجب أن يداريها الرجل الذي يعايشها، ويسترضيها ويتقى غضبها ويراقبها، فكثيرًا ما تظهر الغيرة على بعلها، وتسود عيشه من أجل ذلك، بينما هي تسقى الخليل ريقها!
لعمرك ما غادرت مطلع هضبةمن الفكر إلا وارتقيت هضابهاأقل الذي تجنى الغواني تبرجيرى العين منها حليها وخضابهافإن أنت عاشرت الكعاب فصادهاوحاول رضاها واحذرن غضابهافكم بكرت تسقى الأمر حليلهامن الغار، إذ تسقى الخليل رضابهاوإن حبال العيش ما علقت بهايد الحي إلا وهي تخشى انقضابها ويحول سخطه على الحياة، إليها، ويصب نقمته على رأسها، ويقلب ما يكبحه من اشتهاء نفسه لها ورغبة جسمه فيها، فيجعله تهالكا منها على اللذات، واستهتارًا في إرضاء الشهوات، ويسلبها كل ما عدا ذلك، ولا يراها إلا أداة نسل، ومطية شهوة ذلول، فهي عنده حية سامة.
وإنما الخلود في مساربهاكربة السم في تسربها وما فضل النساء؟ ولأي غاية يطلبن الرجل؟ أليس للنسل؟
صحبتك فاستفدت بهن ولداأصابك من أذاتك بالسماتومن رزق البنين فغير ناءبذلك عن نوائب مقتماتفمن ثكل يهاب ومن عقوقوأرزاء يجئن مصمماتوأن تعط الإناث فأي بؤستبين في وجوه مقسماتيردن بعولة ويردن حليًاويلقين الخطوب ملوماتولسن بدافعات يوم حربولا في غارة متغشماتوقد يفقدن أزواجًا كرامًافيا للنسوة المتأيمات وما النساء عنده إلا:
فوارس فتنة أعلام غيلقينك بالأساور معلمات ولا يغرنك عكوفهن على المصلى:
وليس عكوفهن على المصلىأمانًا من غوارر مجرمات والمغزل أولى بهن من القلم:
ولا تحمد حسانك إن توافتبأيد للسطو مقوماتفحمل مغازل النسيان أولىبهن من اليراع مقلمات وليكن أخذهن التلاوة عن عجوز مهتمة:
ليأخذن التلاوة عن عجوزمن اللائي فغرن مهتماتيسبحن المليك بكل جنحويركعن الضحى متأثماتفما عيب على الفتيات لحنإذا قلن المراد مترجمات وإذا احتاج الأمر لمعلم فينبغي أن لا تدنو الفتاة حتى ولا من رجل ضرير إلا أن يكون هرمًا همّا مرتعش اليدين أبيض اللمة.
ولايدنين من رجل ضريريلقنهن آيا محكماتسوى من كان مرتعشًا يداهولمته من المتثغمات وخير للشيخ الفقير أن يتزوج متنعمة، فإن الفقر والشيخوخة بابان إلى العظائم، والشيب مغتفر مع الغنى إذا كانت «قوى الرجل موفورة» وفي زوجة واحدة كفاية:
ولا يتأهلن شيخ مقلبمعصرة من المتنعماتفإن الفقر عيب إن أضيفتإليه السن جاء بمعظماتولكن عرس ذلك بنت دهرتجنبت الوجوه محمماتويغتفر الغنى وخطا برأسإذا كانت قواك مسلماتوواحدة كفتك فلا تجاوزإلى أخرى تجيء بمؤلمات ويختم هذه النصائح بأنها من خبير مجرب شفيق:
فهذا قول مختبر شفيقونصح للحياة وللممات والرجال لا يؤتمنون على النساء:
وأمن على المال الرجال ولاتأمنهمو أبدًا على الخرد وإذا بلغ الغلام العاشرة فاحجب النساء عنه ولا تدخله عليهن فإنهن حبال غي بهن يضيع الشرف:
إذا بلغ الوليد لديك عشرًافلا يدخل على الحرم الوليدفإن خالفتني وأضعت نصحيفأنت وإن رزقت حجي، بليدألا إن النساء حبال غيبهن يضيع الشرف التليد واضرب على المرأة فإن إرخاء العنان لها يغريها بركوب ما لا يحمد:
شر على المرأة من حمامهاإرسالك الفاضل من زمامهاومشيها تضرب في أكمامهاتفوح ريا الطيب من أمامهازائرة المسجد في إلمامهاتأتم، والخيبة في ائتمامهابأجدل ما عف عن كمامهاأعاذها الخالق من أمامهاوريقها الشروب في صمامهاسمام أفعى بان من سمامهاإن نزلت عصماء من سمامهافلا سقاها الطل من غمامهاإذا احتوى الريم على رمامهالزومها البيت مع اهتمامهاحتى يجيها الوفد من حمامهاوحملها المغزل في إتمامهاأو فى بما تعقد من زمامها
وأخف ما وصفها به أنها خيالات ولعبة:
وما الغواني الغوادي في ملاعبهاإلا خيالات وقت أشبهت لعبًا وأنتقل الآن من شعره إلى نثره، ومن كلامه في الدنيا وأوصابها ومتاعبها إلى تخيله للآخرة ونعيمها الخالص الخالد. وتأمل وصفه للحور العين، وهن على ضربين: ضرب خلقه الله في الجنة لم يعرف غيرها، وضرب نقله الله من الدار العاجلة لما عمل من الأعمال الصالحة. وهو يجعل ابن القارح يلتقي باثنتين من الضرب الثاني، ويقبل على كل واحدة منهما يرتشف رضابها فيهيجه ذلك إلى ما به ويقول: «إن امرأ القيس لمسكين مسكين تحترق عظامه في السعير وأنا أتمثل بقوله:
كأن المدام وصوب الغماموريح الخزامى ونشر القطريعل به برد أنيابهاإذا غرد الطائر المستحر فتستغرق إحداهما ضحكا، فيقول: مم تضحكين؟ فتقول فرحًا بتفضل الله! أتدري من أنا؟ … إني كنت في الدار العاجلة، أعرف بحمدونة وأسكن في باب العراق بحلب، وأبى صاحب رحى، وتزوجني رجل يبيع السقط، فطلقني لرائحة كرهها من في، وكنت من أقبح نساء حلب. فلما عرفت ذلك زهدت في الدنيا، وتوفرت على العبادة، وأكلت من مغزلى ومردنى، فصيرنى ذلك إلى ما ترى». وتقول الأخرى «إنني كنت توفيق السوداء، التي كانت تخدم في دار العلم ببغداد، على زمان أبى منصور محمد أبى على الخازن، وكنت أخرج الكتب إلى النساخ».
ودع ما في هذا الموقف من التهكم، واجعل بالك إلى إقباله الشديد على ترشف الرضاب، وشرهه في ذلك، وإلى صرخته «إن امرأ القيس لمسكين مسكين» وتكريره هذا اللفظ وما يشعرك به ذلك من تحرق الرجل، الذي يكبح نفسه، حتى إذا أمكنته الفرصة اندفع كالمنفجر. ولا تنس تعلقه بالرضاب ورائحة الفم واختصاصه ذلك بالذكر.
أما الحور التي خلقها الله في الجنة، ولا تعرف الدنيا، فتخرج لابن القارح من سفرجلة أو رمانة، جارية «حوراء عيناء» فيسجد لله إعظامًا. ويخطر في نفسه وهو ساجد أن تلك الجارية، على حسنها، ضاوية (نحيفة) فيرفع رأسه من السجود، وقد صار من ورائها ردف يضاهى كثبان «تل»!! عال فيهال من قدرة الله، ويقول: «يا رازق المشرقة سناها، ومبلغ السائلة مناها، والذي فعل ما أعجز وهال، ودعا إلى الحلم الجهال، أسألك أن تقصر بوص هذه الحورية». فيقال له أنت مخير في تكوين هذه الحورية كما تشاء، فيقتصر من ذلك على «الإرادة». وهنا أيضًا تهكم ولكنه مشوب بما لا يخلو من دلالة على التفات إلى الجسد، وإلى مواضع معينة منه، التفاتًا كان المعرى يزجر نفسه عنه في حياته احتشامًا ونقمة.
فهو يسىء بها الظن كبشار، ولايرى لها عفة يحفظها عليها دين أو تأديب، ولا يعتدها إلا ملهاة وغواية، ولا ينظر إلى ما وراء أنوثتها وخورها وضعفها، وإن كان مزاجه قد ذهب به مذهبًا خلاف مذهب بشار، والنظرتان متفقتان في النهاية، وصادرتان عن أصل واحد، وإن كانتا مرسلتين من نافذتين متباعدتين. وإنك لتحس مرارة الحرمان وألم الاضطرار إلى الكف عن التماس الملاذ، في شعر أبى العلاء، كما يطالعك من شعر بشار حيوانية التسور إلى اللذائذ الحسية. وهو فرق أوجده اختلاف المزاج وتفاوت العقل. والعمى في كلا الرجلين علة أولى. وقد كان أبو العلاء شديد الإحساس بعماه وإن له لهذا البيت:
إذا مر أعمى فارحموه وأيقنوا— وإن لم تكفوا — أن كلكم أعمى وهو حسب المتأمل ولو لم يكن له غيره لكفى.

الفصل التاسع
ليلة بين الصحراء والمقابر


هي ليلة حالكة متراكبة الظلمة، وفى الصدر ضيق، فأين عن صحوني أعدى؟ — صحرائي التي لا يلقط الطير فيها حبا، ولا يجاوب في صحرائي قلب قلبًا، ولا يغيرها صيف ولا شتاء، ولا يدوم عليها إلا العفاء! — كذلك كانت قديمًا، وكذلك أبقاها الله لي! ولكم توهمتها وأنا أضرب فيها، وأطوف في فيافيها — وجهًا مستعارًا يبدو فيه «الوجه الأعظم» متقنعًا! ولكم وقفت أدق رملها بقدمي وأفحص فيه بعصاي وأدمدم كالذي يريد أن يرقيها بالعزائم ليشفيها من هذا السحر الذي ضرب عليها وألزمها هذا المحل! ولقد أعجب في الليالي القمراء كيف لا تحسر وتنفض عنها هذه الرمال وتبرز للقمر الذي يناجيها ضوءه وينام على صدرها المتموج، في مثل وشى الرياض تنفح روحًا وريحانًا، ويتداعى الطير على أيكها إعلانًا، وتتهدل أغصانها فتسمو «وتمس الأرض أحيانًا»؟! ولكني أتكلم كأنما هي قد رزقت الحس والإرادة!
•••

وقالت الرمال لى وأنا أقتلع منها رجلي اقتلاعًا إذ أخبط في الصحراء والريح تجذب أطراف الرداء: «بودي لو تماسكت حباتي، وثبتت ذراتي ولانت مواطئى لقدميك، ولكني مثلك لا حيلة لى فيما قضى به!».
وهتف بي هاتف من جانب سمائها التي عفت الظلمة آي الهدى منها: «ليتني أستطيع أن أسدد خطاك، وأنير لك الطريق الذي تغوص فيه قدماك، وأريك غايتك قبل مذهبك، ولكن لنا آيينا? لا نملك خلافه، وقانونًا لا نستطيع تأويله واعتسافه، وما نحن وأنت إلا سواء، وهل نراك تملك من أمرك كثيرًا أو قليلا؟». قلت: «كلا!».
وانجابت طبقة من الظلمات المخيفة على الصدر وخلصت أنفاسي قليلا.
•••

وهبت الريح بي كالمجنونة فعدت، وكأني أمشى على ماء لجي يعلو ويهبط، وسفت الرمال في وجهي حيثما أدرته كأنما أرادت الحياة أن ترجمني، وتسابقت زمازمها إلى أذني فوقفت مكاني لا أريمه وأغمضت عيني وقلت لنفسي: ماذا يصنع العود النابت في الخلاء هبت به مثل هذه الرياح الهوجاء؟ يلين أو ينقصف! فملت إلى الأرض حتى سكنت الثورة وهدأت الفورة وجعلت أفكر في هذه الحياة الغريبة التي يمتزج فيها الصراخ بالغناء، ويختلط بها الألم والطرب، وأقول لا شك في أن الحياة عمياء صماء فليتها توهب البصر هنيهة لترى هذا الخليط من الحسن والقبح والخير والشر. ويا ليت من يدري ماذا تصنع إذن؟! أترى يثور بها الخجل فتعصف بكل شئ وتمحوه أم تأخذ في إصلاحه وعلاجه في صبر وأناة؟ أما لو كنت أنا الحياة لتناولت ما أخرجت كفاي من طينة الأرض المحدودة ودككته وحطمته ثم ذروته لهذه الرياح!
فهمست في أذني الرياح: ما الحسن والقبح؟ وما الحزن والسرور؟ وما الخير والشر؟ وما الإحساس والعقل، والخصب والجدب؟ والصحة والسقم، واليأس والأمل، والبكاء والضحك؟
فرفعت رأسي حائرًا وأدرت عيني واجما ثم أطرقت مفحما ثم نهضت أمشى! ودلفت بي رجلاي إلى المقابر فتخللتها إلى جدث فيه شطر من ماضيّ، وقعدت وأسندت ظهري إلى حجارته وأنا أقول لنفسي: «الموت على الأقل راحة، فليت الحادي يعجل بنا! فقد سئمت الحياة ومللت النظر إلى وجهها الملطخ وثوبها المرقع. واشتقت أن أرقد هنا إلى جانب» …
فخلص إلى صوت من جانب القبر أن «لا!».
قلت: كيف لا؟
واستدرت حتى واجهت أصواء القبر.
قال الصوت: لا على التحقيق! إن لى هنا سنوات لا أعلم عددها، ولعلها أقل مما توهمني وحشة الوحدة التي تطيل أيامى التي صارت كلها ليالي، أو لعلها كثيرة فما أدرى وقد حجبت عنى الدنيا. ولو كان المرء يموت مرة واحدة لقلت لك: صدقت. ولكنه يموت مرة كلما نسيه واحد من الأحياء، ويشتمل عليه الفناء شيئًا فشيئًا. وأنت — على الأقل — تذكرني فأبقى بذكراك، فلا تسلمني إلى العفاء بموتك. ولسنا نألم الرقاد هنا، وإن كانت ظهورنا توجعنا أحيانًا من طوله، ولكنما نألم فتور الذكرى عنا وإشفاءنا على التلف الأخير، وههنا في قبري — في حجرة أخرى — جد أعلى لى، مسكين مسكين، قد استوفى ميتاته جميعًا ولم يبق منه شئ. وليت ادكاريه ينفعه! إذن لرددت إليه بعض الوجود ولكن هيهات! إنما يجدي الذكر ممن فوقها دون من هم في جوفها مثلنا.
قلت: «ولكن إذا تعلقت بالحياة فلا معدي عن إجابة دواعيها أفلا يسوءك ذلك؟».
قال الصوت: «كلا! سيان عندي أن تفي لى ولا تفي، ومن العبث أن تتكلف لى الحفاظ، فإنني بعد أن مت لا يسعني أن أوليك الشكر الذي تستحقه أو تنتظره، ولا ألتفت إلى وفائك أو غدرك، وإنى لأدرى فوق هذا، أنك لا تذكرني لذاتي بل لما طابت به نفسك على عهدي؛ فافعل ما بدا لك ولا تعن نفسك بي من هذه الناحية، ولكن أبق لى رقعة صغيرة في زاوية من ذاكرتك أفيد بها عذوبة البقاء».
قلت: فإذا نسيتك كغيرى؟
قال الصوت: إذا نسيت؟ آه! ولكن ما لنا وما لم يقع؟ دع هذا إلى أوانه، وعسى أن يكون بعيدًا!
قلت: حسن سأحيا من أجلك. وأتقى المهالك إكراما لك وضنّا بك أن تلحقي الأموات جدّا!
قال الصوت: اتفقنا. فإلى الملتقى!
فسرت في جسدي رعدة خفيفة ولم يسرني أن تقول «إلى الملتقى»! ونهضت عن القبر ممتلئًا رغبة في الحياة، وضنّا بها وحرصًا عليها، وعدت أدراجي إلى دارى خفيفًا كأنما حططت عن كاهلي وقرًا. وجعلت أقول في الطريق: «نعم سأحيا من أجلها!».
ولما أدرت المفتاح في الباب همس في أذني الشيطان اللعين «تقول من أجل من؟!» وقهقه!! فغاظني ذلك فأشحت بوجهي وأسرعت فدخلت وأغلقت الباب في وجهه!! ثم صنعت هذه الأبيات وألقيتها إليه من النافذة.
(هاتف من جانب القبر)

جمالك! لا تأسف على ولا تأسىفإني تحت الأرض لا أحفل الحبساطواني الردى عن ناظريك فجاءةوما كان ظني قط أن أسكن الرمساأراني الصبى، شمسي، بعيدًا مغيبهافسرعان ما ولى النهار وما أمسى!وكنت سرور العين والأنف والحشىفقد صرت أوذي العين والأنف والنفسافدع عنك ذكرى إنه ليس نافعىوسيان عندي أن تفي لى أو تنسىولا تتجشم لى الحفاظ فإننيوقد مت، لا أوليك شكرًا ولا حساوأدخل إليك الشمس من كل كوةفما يتملى العيش من يحجب الشمساستسليك عني كل زهراء ناهدوإن بقيت ذكراي تهمس بي همسافما أنت بالباكى على وإنماعلى فقد ما قد كنت طبت به نفسا!? الآيين: القانون.
الفصل العاشر
إيحاء التمثيل


من رأى أفلاطون، فيما وضع على لسان أستاذه سقراط، أن الحكاية تنشئ العادة. قال: «أو لم تشاهد أن الحكاية، سواء أكانت تقليدًا للحركات البدنية أو نبرات الأصوات أو أساليب التفكير، إذا واظب عليها المرء منذ الحداثة، تحور عادة وطبيعة ثانية؟».
وكانت أدوار النساء في ذلك العصر يؤديها الرجال فعاب سقراط ذلك وزجر الشبان الشرفاء عن «محاكاة» المرأة، فتاة كانت أو عجوزًا، وسواء أكانت تنتقص رجلا أم تتمرد على الاَلهة أو تكابد المصائب والآلام والأوجاع. وهم (أى الشبان) أحق بأن يردعوا عن تقليد امرأة تعاني مرضًا أو حبّا أو وضعًا.
وأما أدوار الرجال فليس يجوز في رأى سقراط لممثلها تقليد الأرقاء أو الجبناء أو غيرهم من الناس «حين يشتم بعضهم بعضًا أو يركبه بالمجون أو حين ينطقون بالبذاء والفحش أو يقترفون من المعايب فيما بينهم أو ضد غيرهم ما اعتاده أمثالهم بالقول أو بالفعل. ومن رأيي أيضًا أنه لا ينبغي لنا أن نعودهم أن يحاكوا المجانين في كلامهم أو أفعالهم لأنه إذا كان من الصواب ألا تنقصهم الدراية بالمجانين والأشرار من الرجال والنساء فليس من الرأي أن يقتدوا بهم أو يقلدوهم».
•••

هذه خلاصة وجيزة لرأى سقراط، أو أفلاطون تلميذه على الأصح، فيما تجوز وما لا تجوز محاكاته، وما يحسن أن ينهى الشبان عن تمثيله ويزجروا عن تقليده. والعلاج عنده أن تكون الرواية مزيجًا من التمثيل والقصص، وأن يقتصر التمثيل على الأدوار التي تنطوي على النبل والسمو وما هو من ذلك بسبيل، ويذهب القصص بالأدوار الوضيعة. وواضح من ذلك أنه يرى أن لتمثيل الدور مرة بعد أخرى أثرًا في نفس من يؤديه. وليس يعنينا هنا علاجه الذي وصف ليصون للجماعة فضائل نفوسها وليوقيها أسواء التمثيل مع استبقاء ما يسعه استبقاؤه من مزاياه المستفادة من الحكاية ومن الشعر فيه، فإنها طريقة للتوفيق لا سبيل إليها في هذا العصر الذي لا شك في أن نطاق التعاطف الإنساني فيه أوسع وأرحب منه في عصر أفلاطون. ولقد كانت عناية أفلاطون بتربية ما نسميه الآن «السوبر مان»، ومن أجل هذا كان يجب أن يوقيه ما يخشى أن يفسد عليه صورته التي رسمها له في خاطره، وما عن قلة إجلال لأفلاطون أن نعجب لـ«سوبر مان» لا يخرج إلى الدنيا إلا في مثل صوب النبات أو في بيوت من الزجاج ترد عنه عادية الرياح والقر والأمطار!! وماذا عسى أن يبلغ مناعته ومن الجلد والقدرة على احتمال الحياة ومغالبة صروفها وفتنها وبوائقها؟
وما لهذا نكتب. وإنما الذي نريد أن نقوله هو أنه لا يخالجنا شك في أن للتمثيل أثره القوى في نفوس أهله رجالا كانوا أو نساءً، ومعلوم أنه ليس كل ممثل بصالح لكل دور، وأن بعض الأدوار هي في أيدي بعض الممثلين أنجح. ونحسب أن مما هو في حكم البديهي أن الصفات البدنية وحدها — من طول أو قصر، وضآلة أو جسامة، ووسامة أو دمامة وسائر ما يجرى هذا المجرى مما يتعلق بالصوت والنظر — ليست كل ما يتطلبه أداء الأدوار المختلفة، بل إن القدرة على استعارة الشخصية الروائية وإفراغها على النفس والجسم، تستدعى استعدادًا وتحتاج إلى وجود مقدار من التناسب ودرجة من التطابق. وليس معنى ذلك أن دور الخسيس لا يجيد أداءه إلا الخسيس من الناس بطبعه وفطرته، ولكن معناه أن أصلح الممثلين له أقدرهم على فهمه وعلى الإحاطة بجوانبه وعلى سهولة التسرب فيه. ومن هنا يسعك أن تقول إنه ما من ضرب من التمثيل يوفق المرء في أدائه إلا وثم مقدار من التقارب بين هذا الضرب وبين لابسه.
وما أظن بالممثلين الذين قد يطلعون على هذا الفصل إلا أن بعضهم سيحمى من ذلك أنفه وينزو في رأسه الغضب على والمقت لى. وما أحب أن يسوء أحدًا كلام لى في هزل أو جد، ولكن من العسير على أن أصدق أن امرءًا يحسن ما لم يركب في طبعه ذرة من الاستعداد له، وقد يعزى هؤلاء ويكسر سورة غضبهم أن أقول لهم إن الناس في الاستعداد للخير والشر متقاربون على كثرة ما يتفاوتون، وإننا جميعًا من طينة الأرض «وأين عن طينتنا نعدي؟» كما يتساءل ابن الرومي، إن كان مثل هذا الهراء البديهي يعزى نفسًا أو يطفئ غضبًا!
كذلك من العسير أن أصدق أن يظل الممثل يستعير نوعًا من الشخصيات معينًا وأن يفعل ذلك شهرًا بعد شهر وعامًا في أثر عام أن يخرج بعد ذلك كما دخل. وألا يكون من آثار ذلك توكيد بعض الخصائص فيه أو بروز بعض السمات. عرفت فيمن عرفت من الممثلين المرحوم أحمد فهيم أفندي وكان ذلك في أخريات أيامه فلفتني فيه من صوته وهيئته إذ يمشي أو يقف أو يلتفت أو يحدق ببصره مشابه مما يؤدى على المسرح من أدوار الملوك والنصحاء الأمناء المخلصين ومن إلى هؤلاء، وكثيرًا ما تمنيت لو أنى كنت عرفته — رحمة الله عليه — قبل أن يبلغ أثر التمثيل فيه هذا المبلغ. وعلى أن من التعسف أن يلجئنا ما نقدر أن يلقانا به بعض القراء من إنكار الدهشة — لا التفكير — إلى سوق الأمثلة الفردية وهي مما لا يدخل في الطوق أن يسوق الكاتب منها الكفاية.
وبحسبنا وبحسب القراء أن نرتد جميعًا إلى الأصل، وهو «الإيحاء» ولا يتسع المقام هنا للإسهاب في بيان وقع النفس في النفس ولكنا، إيضاحًا لغرضنا نقول: إن كل حركة باعثها الإرادة وإن الإرادة تفضي ببواعثها على الحركة إلى الجهود المدركة للفكر أو لغير المدركة من الجانب الإحساسى. فإذا كان مصدر هذه الجهود التي تغذى الإرادة بالنشاط ليس ذهن الفرد نفسه بل ذهن أجنبي عنه، وبعبارة أخرى إذا صارت إرادة المرء طوع رأى سواه أو عاطفته فإن ما يصدر عن أولهما يكون موحى به إليه. وقد فسر نورداو هذا الإعداء في فصل طويل ممتع سبق به كل علماء النفس، ويلخص رأيه أو نظريته في أن «الإيحاء هو نقل الحركات الذرية من ذهن إلى ذهن على النحو الذي تنتقل به اختلاجات سلك إلى سلك غيره بجواره، أو كما يفضي الحديد المحمى إلى آخر بارد بحركات ذراته. ولما كانت كل الآراء والخوالج تنطوي على حركات لذرات الذهن فإن مما يستتبعه نقل حركات الذرات أن تنتقل الآراء والخوالج معها».
وأظهر ما يكون ذلك في التنويم المغناطيسي. فإن المنوم يستطيع مثلا أن يقول للنائم: «غدًا صباحًا في الساعة الثامنة ستمضي إلى منزل فلان بشارع كذا وتضربه بسكين مطبخ تحملها معك»، وهو مثل متطرف ضربه نورداو لمثل ما صحت التجربة فيه. قال: «ثم يفيق المنوم ويمضي إلى سبيله وهو لا يعي شيئًا مما جرى حوله في نومه، وقد لا تكون له معرفة ما بفلان هذا، ولعله أيضًا لم يمش قط بشارع كذا، وعسى ألاّ يكون قد آذى في حياته ذبابة. ولكنه في صباح اليوم التالي يتناول سكين المطبخ — وقد يسرقها إذا كان لا بد له من ذلك للحصول عليها ويذهب إلى شارع كذا ويقرع باب فلان هذا في الساعة الثامنة تمامًا ويوشك أن يضربه لولا أن فلانًا يكون قد أنذر من قبل بالتجربة وأحيط بها خبرًا فاتخذ لها ما ينبغي من الحيطة».
وقد قلنا إن هذا مثل فيه شئ من التطرف؛ لأن الثابت أن الإيحاء لا يبلغ هذا المبلغ من القوة إلا في المرضى دون الأصحاء، وفى الضعفاء دون الأقوياء. وواضح من هذا المثل أنه لكي يتخذ الذهن لنفسه حركات ذهن آخر ويعدى بآرائه وعواطف وبواعث إرادته يجب ألا يكون هو مجالا لحركات من ضرب آخر قوية أو أقوى من تلك التي يراد نقلها والإعداء بها … وبعبارة أخرى ينبغي ألا يكون مجدّا في التفكير، ومثال ذلك السلك المهتز الذي أشار إليه نورادو، لا يثير في سلك آخر مثل اهتزازاته إلا إذا كان هذا الآخر ساكنًا أو ضعيف الاختلاجات. فعلى قدر ضعف الذهن يكون تأثره بحركات ذهن غيره. وعلى قدر قوته ونشاطه تكون مقاومته. على أن حركات أذهان عدة — ولو كانت ضعيفة — إذا اجتمعت وتجاوبت بإحساس واحد قد تكون أقوى من حركات ذهن واحد قوى، ومن هنا كان تأثير الجماعة المحتشدة في الفرد وحملها إياه على تيارها على الرغم من مغالبته لفعلها في نفسه، ومن هنا أيضًا تكون ضيعة العقول القوية في المجالس النيابية وأشباهها إذا زخرت نفوس الأكثرية بعباب إحساس واحد أو متقارب.
والتمثيل حين ترجعه إلى الأصل، استيحاء لما يدل عليه الكلام، وقوامه إخلاء الذهن مما يشغله في العادة وإحلال الحالة النفسية التي يراد استعارتها محله أو بعبارة أخرى إنامة العواطف والخوالج والآراء الشخصية على قدر ما يستطيع المرء أن يفعل ذلك والاعتياض منها آراء وعواطف وخوالج أخرى، وتمكين هذه المستعارات من استغراق النفس بإخلاء المجال لها، وهذه أصلح الحالات النفسية للإيحاء، وهي قريبة شبه بحالة النائم نومًا مغناطيسيّا حين يكون الجهاز العصبي بحيث لا تؤدى ذرات الذهن من الحركات إلا أضعفها، وحين تكون من أجل ذلك غير مستقرة التوازن فيسهل بأيسر باعث دفعها إلى حركة يعينها نوع الباعث وقوته. فالممثل الذي يؤدى الدور مرة بعد أخرى يقع تحت تأثير الشخصية التي يستعيرها بضع ساعات كل ليلة ويكون استعداده لتقبل الإيحاء منها أقوى على التكرار كما يكون النائم أشد خضوعًا وأعظم طواعية في يد منومه على الإعادة.
وليس من الضروري أن يكون المرء أخبر الناس بنفسه وأقلهم خديعة في أمرها، ولولا ذلك لكان الممثلون أنفسهم أقدر على بيان الأثر الذي تخلفه أدوارهم التي يؤدونها وأعرف بمداه. ولكن المرء أسرع في العادة إلى إنكار الإيحاء لتوهمه في أول الخاطر أن الإقرار به يغض منه وإن كان متبادلا شائعًا وكان فعله ظاهرًا في التوافه والصغائر ظهوره في الأمور الجسيمة. وكيف تفسر عدوى الثؤباء وكون كثرة المؤاكلين أشحذ لشهوة الطعام، وما إلى ذلك إذا لم تفسره بالإيحاء.

الفصل الحادي عشر
ليلة


من أمتع ما مر بي في هذه الحياة، التي لا أراها ممتعة ولا أحب أن تطول أو تتكرر، ليلة قضيتها بين شراب وسماع. فأما الشراب فلعل القارئ أدرى به وأخبر! وأما السماع فقل من شجى به كما شجيت في ليلتي تلك! أي والله! وما زلت إلى الساعة، كلما خلوت بنفسي، أغمض عيني وأتسمع وأحاول أن أبتعث ذلك الصوت البديع الذي هاجني إلى ما بي كما لم يهجني صوت سواه!
وقد أعجب لما يصب في الأذن أين يذهب؟ وربما أثارني هذا العجز عن إحياء صوت بأكثر من تصوره في ضمير الفؤاد، وقد أغالى في إكبار هذه الثروة الصوتية وأتمنى لو رزقت شيئًا منها بكل ما لى — لو أن لى شيئًا! — ثم أعود فأسخر من نفسي وأضحك من أمنية يستخفني إلى إنشائها الطرب العارض، ثم أسخر من سخرى وأقول لنفسي في حدة: «أولا يسر الإسكندر وقيصر وسليمان أن ينزلوا لمثلى عن نصف ما أحرزوا من مجد لو أنه وسعني أن أخول كلا منهم مما أضفى الله على من الحياة ما فيها، ليلة واحدة كهذه التي نعمت فيها؟!» نعم! ولكنهم قد شملهم ظلام أو ركوس على حين أحيا وأطرب! وما أدراني أنهم نعموا بمثل هذا الصوت؟! أمن أجل أنهم كانوا ملوكا أو أقوى وكان لهم سلطان وبأس وبطش، يلزم أن يكونوا قد سعدوا بغناء كهذا، يخف منه حليم؟!
«راجح حلمه، ويغوي رشيد»؟!
•••

وكانت السماء قد جاد الأرض منها هاضب، ثم أقلعت وصفا الجو ورق النسيم فنهضنا إلى مائدة مدت تحت أعين النجوم المتلامحة ودرنا عليها نأكل ونشرب ما لا يحسب الحاسب. وأرسل كل منا نفسه على سجيتها وورد من صاحبه «غير المكدر المطروق» وانبسط إليه غير باخس واجبًا، ثم أخذنا مجالسنا للسماع وآذاننا العود «بالإحسان وإيذان صادق الخبر» وأطفنا ببكر من الألحان لم يفض لها خاتم من قبل، ثم رضينا من منظر بمسمع وانطفأ النور، وهفت إلى أسماعنا الأنغام من وراء ستور الظلام.
واهًا لذلك الغناء من طبقعلى جميع القلوب مقتدر?يملأ روحًا فؤاد سامعهويصطلى حره من الغرركأنه قالب لكل هوىفكله والمنى على قدرلا خير في غيره، وهل أمممن شارب الراح شارب السكر؟ وكأني لم أكن أسمع بل أسقى من رحيق الجنان، وكأنه لم يكن غناء مصوغًا من شجى القلوب بل من شعاع العقول، فلم تطر قلوبنا وحدها بل لحقت بها عقولنا … ومضى الصوت على دله بتوحده يجيش نفوسنا ويعصف بسكونها ويزخر أمواجها ويستثير كوامنها ويرسم على الوجوه آثارها، وغبت عن حاضري برهة كررت فيها — ولا أدرى كيف؟ — إلى لحظة من الماضي المغيب الذي استقر في زاوية مظلمة من الذاكرة، فأبصرتنى واقفًا مرة أخرى أستودع الله لى أحب الناس إلى وأعزهم على وقد امتدت الكفان وتصاغتا عن أحنى عاطفة وأوجع إحساس … وتدانى الوجهان، واختلجت الشفاه وهمت بالتلاقي في قبلة حارة طويلة، ثم تباعدت في فزع كأنما كانت ترقبنا عين، ولا رقيب هناك … وثبت إنسان العين بعد أن حرمناها قبلة فيها برد العاطفة المضطرمة وازدجرت عنها الشفاه ازدجارًا أضاف إلى ألم الحرمان سخر القدر!
وتشبثت هذه الصورة بالارتسام أمام عيني وأنا أصغى إلى ذلك الغناء الساحر الذي يسمو إلى سامعيه مبارزًا ويستكبر أن يعتصم بمساعد فيخفت حتى العود، ويأبى أن يضاعف تأثيره بالنظر فيضوى حسن الوجه إلى الظلام!
وهكذا أمتعنا عبد الوهاب بغبطته في ليلة كانت كلها سحرًا. وردني بعدها بغير ذي أذن إلى كل نغمة من سواه، وغير ذي صور إلا إلى فتنة من هوى فنه وشجاه. ولولا أن يعد ذلك جحودًا ولؤمًا لتجاوزت عن ذكر اسمه فإنه أحلى عندي وأوقع في نفسي أن أجرد غناءه من صورته الآدمية على حسنها النرجسي، وأن أتصوره أبدا هوى سابحًا وروحًا هائمًا وصوتًا هافيًا يشرب بالأذن صرفا ولا تشغل العين بمونق زهره ويستريح الفؤاد إلى نسيمه ويتخلى من الشجى بحب مجتهره، ويأنس الصدر إلى هديله وينجو بالقلب من حوره، فعسير على طين ابن آدم أن يجشم احتمال الفتنتين جميعًا.
? الأبيات لابن الرومي.
الفصل الثاني عشر
الخطابة والكتابة


زارني مرة رجل كالعصفور! ولست أعنى أنه صغير في رأى العين أوالعقل، ولكنما أعنى أنه في حديثه كالفزع، لا يكاد يواقع موضوعا حتى يتركه إلى غيره ويثب عنه إلى سواه … وسألني فجأة وبلا مناسبة تقتضي ذلك: «ما أحسن تعريف للكاتب؟». ومن عادتي حين أجالسه أن أنظر إلى شفتيه دون سائر وجهه، وما رأيته قط يهم بأن يدير لسانه في فجوة فمه إلا توقعت أن يبدهنى بجديد … ففي مجلسه إمتاع التنقل وفى حديثه لذة المفاجأة، ولكنه يتعب الجليس بما يكلفه من الجهد في التماس الصلة في ذهنه بين المسائل التي ليس بينها في الظاهر أوهى علاقة … فلما ألقى إلى سؤاله ابتسمت ودعوت الله أن يلهمني الجواب قبل أن يطير إلى موضوع آخر! وذكرت قصة «الجريمة والعقاب» لصاحبها ديستويفسكي ووصف السكير فيها وكيف كان يعب في «الفودكا» ثم يروح ينثر الأسئلة شمالا ويمينًا ولا ينتظر الجواب! وعجبت لهذا الصاحي الذي له طبيعة ذلك السكران! واشتاقت نفسي أن أداعبه فقلت: «أتريد جوابًا لسؤالك؟».
قال: وهل في ذلك شك؟ إذن فيم أسألك؟
قلت: فإن لى شرطًا؟
قال: ماذا؟
قلت: ألاّ تطالبني بإيضاح.
فأطرق قليلا ثم رفع إلى وجهًا كالدرهم المسيح، ونظر إلى بعينين مظلمتين كالكهفين وقال بلهجة المستسلم إلى قضاء الله وقدره: «قبلت».
فقلت، وتكلفت السمت والوقار والجد، وزويت ما بين عيني، وغرزت عنقي بين كتفي، كأنما أوشك أن أفضى إليه بخبر ضخم، أو أنطق بحكم.: «الكاتب، ياسيدى، هو الذي لا يكون وحده حين يكون وحده»!!
فحملق مبهوتًا، ثم هز رأسه يمنة ويسرة، ونهض عن كرسيه ومد إلى يده في صمت، ومضى عنى حاسبًا أنى أسخر منه! وقد انقضت سنوات طويلات، ولكن صاحبنا لا يلقاني بعدها إلا صامتًا ولا يناولني يده إلا مطرقًا ولا يغتفر لى هذه الدعابة الخفيفة التي ركبته بها قديمًا!
كان هذا منذ سنين كما قلت، ولا أدرى ماذا أذكرنيه الآن، غير أنى لا أرى اليوم فيما قلت له حينئذ شيئًا من الهزل ولا أعد كلمتي تلك التي أسخطته إلا جدّا صرفًا وإن لم أكن أعنى ما أعنى الآن … فقد صارت الدنيا في نظري مدرسة حقيقية سوى أنها سخيفة! يتلقى المرء دروسه فيها حين يكون بين الناس سابحًا معهم على متن الحياة يصارع أمواجها ويغالب أثباجها، حتى إذا كر إلى الشاطئ وارتمى على رماله ليريح أعضاءه ويستجم لخوض العباب مرة أخرى شرع يفكر فيما لقيه ويجيل نظره فيه كالتلميذ، بعد أن ينصرف عن المدرسة، يقلب صفحات كتبه ودفاتره ليستظهر ما فيها ويثبته في ذاكرته، ولكنها كما قلت مدرسة سخيفة يقضى فيها المرء حياته ليتعلم كيف يعيش، وتتصرم أيامه وهو لم يحذق الدرس ولم يفز بالجائزة!
ولا شك عندي في أنه لا خير فيمن يحس حين يكون وحده أن حوله فراغا. ألا يهتف به هاتف أو يطوف به طائف من ماض؟ أو ينجم عنه في سماء نفسه نجم من أمل أو فكرة أو خاطر أو خيال؟! إنه إذن ليس سوى طفل كبير كل حيويته في أعضائه. فلندعه يبحث عن ترب له يلاعبه!
كان «بيكون» رحمه الله، أو صنع به ما شاء، يقول: «إن بعض العقول ملائم لما يمكن إرساله دفعة واحدة أو في زمن وجيز، والبعض يخلق مناسبًا لما يبدأ بعيدًا ولا ينال إلا بالسعي الطويل». والطراز الأول هو طراز المحدثين والخطباء، والثاني نمط الكتاب. ولقد سمعت في حياتي خطباء كثيرين لا يزال بعضهم ينعم بالحياة وبحنجرته، ولكن أقواهم وأعلاهم لسانًا وأبلغهم تأثيرًا كان كالطبول التي قالت القردة عنها فيما روى ابن المقفع في كليلة ودمنة: «لعل أفشل الأشياء أضخمها صوتًا». وكان يخيل لى إذ أسمعه يخطب الجماهير كأن في وجهه زوبعة ثائرة أو بركانًا فائرًا، وكأنه حين كان ينهض ليتكلم «بلاس» الذي حدثتنا الأساطير أنه خرج من رأس «جوبيتر» شاكيًا مستعدّا تام السلاح. وكان كلما مضى في كلامه يعلو ويبهر كالنار المندلعة، ويقنع السامعين، لا بالحجة والبرهان، بل بقوة انتفاء شكله في نفسه، وكان يجزم ولا يتردد. ويبت ولا يتلعثم، ويقرر ولا يناقش، ويعد ما شاء أقضية مفروغا منها ومسلمًا بها، وينزع المقاومة بكلمة أو نظرة أو إيماءة أو ابتسامة أو دقة على المنضدة، كأنما كانت لألفاظه وهو يطلقها أظافر وأنياب حداد تمزق الظلم الذي قام متمردًا عليه وتبعثر أشلاءه للوحوش والكلاب … وإذا ذكر بلاده وفجائعها خلته «أنطونيوس» واقفًا على جثة «قيصر» ليدفع حجارة رومية إلى الثورة والانتقاض … وكانت عينه تلتمع بنور الوطنية وصدره يعلو ويهبط جائشًا بالعواطف العامة كالعباب الزاخر. ثم كنت أتلو خطبته في المساء أو الصباح فأعجب لتفهها وفراغها وخلوها من كل روعة أو جمال … وأكاد أقول إنها غير ما سمعت أذناي منه؛ لأنها ليست سوى الرماد الذي صارت إليه النار التي كانت تزغرد في مسمعي ولأن الإشارات المقوية ليست هنا، ولا الصوت الفاتن الذي يسحر المرء عن نفسه، ولا النظرات الموحية ولا الوقفة الناطقة ولا الجماعة المتعاطفة المعدية.
ولعل أقوى الخطباء فعلا في نفوس الجماهير وأبلغهم تأثيرًا لا يكون إلا أشبههم بها وأقربهم إليها وأقدرهم لذلك على النزول إلى مستواها. وليس في وسع الخطيب إذا شاء أن يبلغ من السامعين ما يشتهى، أن يجاوز الطرح أو يهوى إلى الأعماق ويطلب الأغوار، وإلا جاوز محيطهم وحلق فوقهم وغاب عن نظرهم فلم يلحقوا به. وتأمل ما تظنه أقوى خطبة سمعتها وقل لى من أي شئ تراها مبنية؟ أليس قوامها الألفاظ المبتذلة والعبارات المذالة وما ألفت الجماهير أن تسمع وتتأثر به وتنفعل له؟ وهذه المبتذلات أفعل بألباب الجماهير لأنها لا تكلفهم مشقة ولا تدعهم حيارى ولا تتركهم فاغرين أفواههم كالبلهاء، ولا يحول دون وقوعها في نفوسهم حائل من تعويص أو عمق أو دقة أو سمو خيال أو لطف تصور، ولأنها تحرك المزاج العام وتشيه ولا تصدمه، ومن هنا لم تكن بالخطيب حاجة إلى العمق أو الابتكار، وكلما كان أدنى إلى طبقة الأوساط العاديين كان هذا خيرًا له ولهم وأجدى عليه وعليهم، فإن حائك الجيش — كما يقول «نورداو» — لا يفصل ثيابه على قد جندي ممشوق القوام من معارفه بل على الطول المتوسط. ويقول نورادو، وليس أصدق مما يقول: «تصور أربعمائة من طراز جوته، وكانت، وهلمهولتز، شيكسبير، ونيوتن، وأضرابهم محشودين في مكان واحد ليبحثوا شأنًا عمليّا ويبدوا آراءهم فيه! قد تختلف خطبهم عن الخطب التي تلقى في المجالس النيابية — وحتى هذا مشكوك فيه — ولكن ما يخلصون إليه من النتائج ويتفقون عليه لا يتعرض لمثل هذا الاختلاف. فلماذا؟ لا لسبب سوى أن كلا منهم — فضلا عن خصائصه التي تفرده وتكسبه شخصيته الممتازة — قد ورث خصائص الجنس التي يشاركه فيها، لا زملاؤه المحشودون معه وحدهم، بل كل نكرة من نكرات الشوارع أيضًا. ونقول بعبارة أخرى إن بين الناس العاديين شيئًا مشتركًا لا تكاد تتفاوت قيمته نرمز له بهذا الحرف «أ» وأن الأفراد الممتازين يجمعون بين هذا المشترك وشئ آخر خاص يختلف باختلافهم وينبغي أن نرمز له بحرف مختلف في كل حالة مثل «ب» و«ج» و«د» إلخ. والآن فلنفرض أن أربعمائة من العبقريين اجتمعوا فإن النتيجة اللازمة تكون أن يجتمع عندنا أربعمائة «أ» وباء واحدة وجيم واحدة ودال واحدة وهكذا. فلا يسفر ذلك إلا عن أمر واحد هو أن تحرز الألفات الأربعماية نصرًا مبينًا على الباءات والجيمات والدالات المفردة … أي أن ما هو مشترك بين الجماعة يتغلب على ما هو من الخصائص اليتيمة التي لم تتأم. ولقد تعلمنا منذ زمن بعيد في المدارس أن المختلفات لا تقبل الجمع، وهذا في الواقع هو السبب في أن من الممكن أن نتصور مجتمعًا من الأفراد العاديين لا من الآحاد النوابغ. ومن المستطاع — إذا طرحت الأمر للتصويت — أن تحصل على رأى أغلبية في مذاق توابل الكرنب! أما في قيمة نظريات الحياة فلا سبيل إلى ذلك. والأرجح في الاحتمال — إذا أحصيت الأصوات على هذه النظريات — أن تفوز كل نظرية بصوت واحد هو صوت صاحبها!!».
ولكن للكاتب شأنًا مختلفًا جدّا، عليه أن ينضج ما يريد أن يفضي إلينا به ويطلعنا عليه وإلا كان لا شئ. والوقت أمامه فسيح لتلمس المواد وللعبارة عما يدور في خاطره ويتمثل لخياله، والقراء مستعدون أن ينتظروا ويصبروا حتى يهتدى إلى ما يبغي ويوفق إلى ما يشتهى. وهو مطالب بأن يؤدى ولا يمطل دينه للحقيقة وللطبيعة. إذ كان لا يخاطب نفوس الجماعة المتعاطفة بل عقل الفرد، والناس ينظرون إليه نظر التلميذ إلى المعلم لا الظهير إلى الظهير، فمن حقهم أن يتقاضوه الدقة والعمق وموافقة الصواب وتحرى الحقيقة وحسن البيان وعلو اللسان وأن يكشف لهم عما أفاده الدرس والتحصيل والنظر وما ذخر على الأيام من كنوز الفكر وأن ينصف نفسه وعقله ومواهبه وأن يجيل لحظه في سماء فكره لا في وجوه الجماهير، وليس ما يطلبه الكاتب على طرف اللسان أو حد القلم بل هو ملفوف في طيات القلب ومنقوش على صفحات العقل طبقة فوقها طبقة ودونها طبقة يرفعها الخيال والفكر واحدة إثر أخرى ويلتمس لها العبارة التي تجلوها في أحسن حلاها وأقواها.
وعسى من يقول: ولكن للخطيب مشجعًا كافيا من ثناء الناس عليه في وجهه وتصفيقهم له وما يراه من الموافقة ويحسه من القبول وما يشهد من قدرته على حمل الناس على رأيه … وليس كذلك الكاتب المسكين الذي يسهر الليل لمن ينامون عنه ويكد قريحته للناعمين بالراحة. فنقول نعم يلقى الخطيب من يصفق له ويهتف، ويدخل السرور على نفسه أن يلمس أثر كلامه ويحس وقعه ويشهد ذلك بعينيه وبكل جارحة فيه. ولا شك في أن الكاتب قد حرم هذا وما يجرى مجراه. غير أن هذا لا يضيره، وبحسبه من التشجيع أنه أمين وفى للحقيقة والطبيعة وله قوة يحسها من نفسه ويحسها الناس منه.
ولقد كان هو قارئا قبل أن يكون كاتبا، وليس يخفى عليه ولا من الغريب عنه ما يجده القارئ من المتعة وما يفيده من الغبطة. والخطابة فن أجوف، إذا اعتبرت القيمة الحقيقة للكلام لا التأثير الذي تحدثه والوقع الذي يكون لها، فمن حقها أن يكون الجزاء عليها التصفيق الوقتي وما إليه من الأعراض الزائلة. وفن الكتابة أسمى وأجل فجزاؤه من جنسه معنى سام لا مظهر خشن عامي.

الفصل الثالث عشر
سر غرفة؟! أم وحي صورة؟!


لا أدرى أحلم هو أم حقيقة، ولكني سأقصه على القراء وأكل الفصل إليهم. وأكبر الظن أنهم أقدر على ذلك منى أنا الذي أعيش بين الأشباح والطيوف، وأغدو وأروح في حاشية منها، وأستوحش إذا افتقدتها فأزورها وأستثيرها من مراقدها وأحف نفسي بها وأنقاد لها وأعاطيها التذكر والحديث حتى ننثني جميعًا «كأنا قد تعاطينا المداما».
ولكل واحد من الناس حياته الخاصة ياسيدى القارئ … لك مجالس أنسك ولهوك وسمرك وما شئت غير ذلك صاعدًا ونازلا على جانبي المقياس، ولى أشباحي لا أرتاح إلا إليها، ولا أرسل نفسي على سجيتها إلا معها، ولا تخلص أنفاسي إلا بينها، ولا أستعذب سوى حديثها، وإن كان مثله من غيرها حقيقًا بأن يثير الكبرياء ويكوى الغرور من الإزراء.
ولكم قالت لى، وأنا أخبط في الصحراء معها: «أتعرف هذا الوجه الذي يطالعك من الظلام؟». فأنظر إلى حيث تشير فلا تأخذ عيني شيئًا غير الظلمة الدامسة فتقول لى: «لا تحول نظرك عنه تستوضحه». فأغرز عصاي في الرمل وأتكىء عليها وأرسل لحظى إلى حيث تومئ فيرتفع مثل الأستار واحدًا بعد واحد عن وجه لا معنى له ولا حياة فيه فأنكره، وأثنى إليها الرأس سائلا عن صاحبه فتقهقه وتجلجل ضحكتها في الفضاء وتقول: «كيف لا تعرفه؟» فأعجب لإنكارها عجزي عن تذكر وجه كالصورة الميتة ليس فيه ما يحرك الخاطر أو ينماز به من المعارف عن مئات الألوف من أمثاله، فتنطقه لى فلا أزداد به إلا جهالة وله إلا إنكارًا، فتبسم ابتسامة السخر وتقول: «لقد كنا نحسبه أشبه الناس بك! ولكن دعنا من هذا ولنتركه للظلام يحتويه فما هو بأهل لغير ذلك!».
•••

والآن إلى القصة، إذا جاز أن تسمى كذلك! …
أقمت على ساحل بحر الروم أيامًا، وفى إحدى الليالي أبت إلى غرفتي في ساعة متأخرة وقد أدارت رأسي مناظر الدنيا على ساحله! ومن حقها أن تفعل ذلك بابن الصحراء وساكنها! وكان الليل عاتيا.
كأن شياطين الدجى في إهابهتغنى على زمر الرياح وتغرب ففتحت النافذة وجلست أصغى إلى صوت البحر الجائش وأستنشى ريحه … فدخلت على بلا استئذان غادة في حفل من الزينة دخول من هذا مكانه. ونزعت قبعتها وألقتها على منضدة هناك وأقبلت على المرآة تصلح من ثيابها وتمسح شعرها وتلوى خصله الذهبية حول أذنيها وتفرقه على جانبي جبينها وهي تقول، إذ تنظر إلى نفسها بادية في صقال المرآة من قريب ومن بعيد وتصعد طرفها إلى صدرها وثدييها الناهدين الراسخين ونحرها الذي يضيئه عقد من اللؤلؤ، وتصوبه إلى قدميها الصغيرتين وتكشف عن ساقها في جورب بلون الجلد: «من مبلغته أنى هنا الساعة؟! إني أتعقبه حيث يكون من الأرض ولا أدعه يفلت منى — وقد أكون أدنى شئ إليه وهو لا يدري — إلى مباءات الحالمين، وتحت الأشجار التي لا يعشش فيها غير البوم، وإلى سيف البحر حيث اللج يرمى بالزبد … ولكني، مع الأسف لا أستطيع أن أناديه أو أدعوه أو أسمعه صوتي أو أشعره بوجودي وإن كنت منه كظله!! وقد يناجيني فيروى سمعي بنجواه ويطلعني على ما كنت أجهل وما كان يطويه عنى جهده ويكاتمنيه ما وسعه الكتمان، فأعجز عن جوابه إذ كنت لا أملك غير الإصغاء! فياليت من يبلغه عنى ذلك ليعلم أنى ما زلت على وفائي الذي ألزمنيه والذي لم أندم عليه! ولن تبرح مخيلتي قط تلك الليلة التي طال فيها بيننا الحوار وكاد يفضي إلى شر حال، وكيف نهض عن كرسيه «هذا» وأنا قاعدة على سريري، وحدق في عيني وأومأ إلى بسبابته وقالت: «ستفين لى على رغم أنفك هذا (وغرزت أصبعها في المرآة) أتفهمين؟». فدفنت وجهي بين كفى وانطلقت أبكى فما عبأ بي شيئًا! فياما كان أقساه في تلك الليلة! ولما طال الأمر ولم تجف عبراتي صاح بي بصوت قوى: «خير لك أن تنتهي عن هذه الحماقة التي لن تغنى عنك شيئًا، ولقد صارحتك بعزمي ولو نقل هذا البحر بالغرابل ما تحولت عنه. وقد آليت أن أقتلع من بين جنبيك هذه الوساوس والحماقات بجذورها كما تقتلع النباتات الطفيلية، ولو انتزعت معها أصول أحشائك! وسترين أنى فاعل — بسوطي هذا وذراعي هذه، إذا احتاج الأمر إلى هذين!». وقد فعل … ولكني ذويت. حتى صرت إلى ما أرى!».
وتراجعت عن المرآة ووجهها إليها، ثم أقبلت عليها ودارت أمامها ثم مضت إلى السرير فارتمت عليه برهة حدثتني النفس في خلالها أن ألوذ بالفرار! والحق أقول إني خفت جدّا! ولكني جمدت مكاني ولم أستطع حراكا حتى لكأني استحلت بعض ما في الغرفة من أثاث!
ثم اعتدلت كالمفيق من غشية وجعلت تجيل عينيها في الغرفة وتنفض كل ما فيها. غير أنها كانت نظرة من لا يكاد يرى. وعادت إلى الكلام بصوت مخنوق هاف أيقنت منه أنى في أمان!
«نعم كانت ليلة داجية كهذه. عاصفة الرياح مثلها وكنا ضجيعين على هذا الفراش. غير أنى كنت لا أنفك أفلت من عناقه وأشيح بوجهي عنه كلما أهوى إلى بفمه وأمنحه جانب محياي دون صفحته. وأتقى أن تلتقي عيوننا أو أتلقى أنفاسه الحارة بغير خدي. وأعيته الملاطفة وحز في نفسه فتورى فاعتمد على كوعه وهو مستلق إلى جانبي، وألح على يستخبرنى عما بي وعن علة ما كان باديًا عليَّ من الزهادة والسآمة، ويسألني ما لجفونى قد جفاها الغمض ويقول: «ماذا يجول في هذا الرأس الصغير؟ أي هم يقض مضجعك؟».
فأقول مرائية: «كيف يستضيفني الهم وأنا إلى جانبك؟».
فيقول: «أتراني أخلفت لك وعدًا أو أسأت بكلمة أو إشارة؟ لقد نحيت عنك ذراعي في جفوة لا يتوقعها الزوج بعد أسابيع من زفافه؟ أتراك نادمة على زواجنا؟ أم فاتك من هو خير منى وأحب؟ أم خاب لك أمل؟ أم ماذا؟ قولي بالله؟ صارحينى! لا تخشى شيئًا! دعي هاتين الشفتين الدقيقتين المطبقتين تنفرجان!».
فأطبقت جفوني حتى لا أراه. ووضعت ذراعي على جبيني لأكثف الستر بيني وبينه، ولبثت هكذا لا أنبس بحرف كالذي يريد أن يستغرقه حلمه — نعم كنت أحلم ولكن بغيره — واأسفاه! بذاك الذي أقسمت له وأنا بين ذراعيه، وفمه على شفتي يوسعهما لثما ألاّ أساكن سواه أو أبادل غيره القبلات حتى الممات. والذي لا أحتضن إلاه حين أطوق هذا الزوج! … فهممت أن أقول له: «اسمع يا صاحبى! إنك زوجي … لا أنكر ذلك، ولو أنكرته لما أجدانى الإنكار شيئًا، ولكنه كان لى صاحب — أو حبيب إذا شئت وأبيت إلا أن تسمى الأشياء أسماءها كيفما كانت — وهو ممن خلقوا ليعشقوا، ولا تكاد تراه حتى تتعلق وتهواه … ولكنه فقير لا يملك أن يبلغني من الدنيا مناي، وليس يخفى عليه أنى مخلوقة لنعيم الغنى لا لخشونة الفقر وذلة الفاقة ومراقعها، وأن صبري على الإقتار عسى أن يكون عسيرًا … فجعلت من أجله أدافع الخطاب عن نفسي وأتجنى وأبدى الزهادة في حياة الزواج، وأرفض الرجال وأنت في جملتهم! حتى انتهرنى أهلي واستحمقونى وأشبعونى لومًا وتقريعًا فقبلتك بعلا … أتظن أنك لا تعرف صاحبي هذا؟! بلى تعرفه! ومن تراك تعرف إذا جهلته؟! ولقد عاد منذ قليل بملء جيوبه ذهبًا وهو يحسب أن قد ساعفته الأيام على بلوغ أربه ولا يدري أنه آب بعد الأوان! … وأن من حقه أن أكون له دونك … وقد كتب إلى يتقاضانى الوفاء الذي أقسمت له عليه فألهب كتابه النار التي كنت إخالها قد خبت … وماذا عليك لو تركتني له؟ ألقنى له ولو كالعظمة إن شئت! وأنت امرؤ لا يرى الدنيا إلا سوقا تفسدها العواطف. وقد شاء ربك أن يرد قلبي إليه ويحفظه عليه، ولست بقادر، مهما تصنع، أن تعترض قضاء الله أو تحول دون مشيئته … ولخير لك أن ترمى إلى بزمامي، ولأن تدعني جاهلا ما كان من أمرنا أفضل من أن تبقيني فتعلم ما نطويه عنك … نعم فقد رأينا أن الزواج لا سبيل إليه بعد أن بنيت أنت بي، فتوافينا إلى بقعة مهجورة على ساحل اليم وتعاهدنا أن نكون زوجين، وأشهدنا على زيجتنا هذه نجوم السماء والبحر والريح، وإنه لعقد لا يعترف به الناس غير أنه مع ذلك صحيح فيما بيننا، ولأن يكون هو زوجي وعقيدي أولى من أن تكونهما أنت!! ولا نكران أن الأمر كان موكولا إلى اختياري وأنى آثرتك عليه أمام الناس، ولكن هذا كان لا مندوحة عنه ولا بد منه. وهل كنت تتوقع منى غير هذا في سبيل التحفظ بشرفي؟! نعم شرفى! ولست بأول أنثى اتخذت من الزواج ستارًا لحنينها! ولا يخفى على أنى من أجل هذا أستحق اللعنة ولكني كنت مضطرة إليه اضطرارًا. فأنت ترى أن كل شئ يدعوك إلى تركي وإطلاقي إليه …».
هممت بأن أكاشفه بهذا، ولكن شيئًا عقد لساني وألجم فمي، فمنحته ظهري واستقبلت الحائط … وكأنما مل طول صمتي وآلمه انصرافي عنه واستدبارى إياه كلما حاول أن يتألفنى من نفرتى، فجذبني إليه بعنف أو لعله لم يعنف ولكن ما كانت تجيش له نفسي جسم لى الأمر، فهاج هائجي واضطرم صدرى وثرت به أرجمه بكلام لا أملك حبس لساني عنه وأقوله له فيما أقول: «إني أبغضك … أمقتك من أخمص قدمي إلى فرع رأسي»!
قال: «ماذا تقولين؟!». واعتدل فوق الفراش.
قلت: «لقد قلتها! ألم تسمع؟ لقد كان غيرك أولى بي لو أنصفت المقادير!!»
فوثب عن السرير إلى قدميه كالنمر الهائج وجذبني إليه من شعرى وصاح بي بصوت وحشي أشاع الرعب في كياني: «من غيرى هذا؟! أفصحي أيتها اللعينة!».
فلم أستطع جوابا وعقد الخوف والألم لساني وأنا جاثية عند قدميه وخصل شعرى ملفوفة على يمينه، وشماله على جبيني يرفع بها وجهي إلى عينيه … ومضت برهة كأنها الدهر ونحن كذلك، ثم شد شعرى وقال: «انهضى». ودفعني إلى السرير «اسمعى! لن أقتلك فأنت أهون من ذلك وعندي ما هو شر من القتل. فاعلمي أنى لست كغيرى من الرجال! إنك زوجتي «أنا» — وعض هذه الكلمة — وستظلين زوجتي «أنا» رضيت أم سخطت! ولست أعبأ شيئًا بالناس وما عسى أن يقولوا، ويمينًا ليس عندي لك سوى السوط أمزق به جلدك وأطير به من رأسك الفارغ كل ما يمكن أن يعشش فيه من الأباطيل، ولأطعمنك إياه كلما أجاعك إليه الأهواء السخيفة».
فبكيت وسرت في بدني كرعدة الحمى وتصاكت أسناني، فصاح بي أن «ازجرى عينك عن البكاء فلست ممن تلينهم الدموع أو تخدعهم! ويظهر أنك تغفلتنى أو كنت تحدثين نفسك بتغفلى. وسألقى عليك درسا يؤدبك غير هذا الأدب».
فلم أجبه، وظهرت على وجهي وهيئتي أمارات الاستخذاء والضراعة ولم يتركني حتى أقسمت له أن أصدقه الولاء وأمحصه الوفاء.
ثم نهضت إلى المرآة مرة أخرى وهي تقول: «وقد أخلصت. وحمد لى إخلاصي وتبنى غلام صاحبي ولكني صرت إلى ما أرى! … وقد أسمعه أحيانًا يهتف بي مناجيًا: «أيتها المرأة التي أفتقدها! من لى بأن أراك كما كنت تبدين لى! لشد ما أتعثر الآن في سيرى بعدك! وما أكثر ما يتساقط حولي من أوراق الحياة وأزاهيرها!». ولكني لا أستطيع أن أجيبه حين يهيب بي وإن كنت أتبع له من ظله».
•••

وتقشعت السحب عن القمر، فنفذ إلى الغرفة نوره فرفعت طرفي إليه ثم ثنيته إليها فإذا بالفتاة قد غابت! … ذهبت كما جاءت بلا استئذان ولا احتفال … فخطر لى أن أعالج الباب لأنظر أمفتوح هو أم مغلق وأن أرى ماذا في الدولاب وتحت السرير! ولكني استحييت من نفسى! وأشعلت سيجارة وجعلت أدخنها رائحًا غاديًا في الغرفة حتى إذا قاربت الانتهاء منها ألفيتني واقفًا أتأمل صورة حسناء!! فابتسمت وقلت: «أهذا أنت يافتاتى؟! كيف خرجت من إطارك هذا بالله عليك؟ لشد ما أزعجتني يا سيدتى! فما جزاء من يعابث ضيوفه على هذا النحو؟! أن أواريك عن عيني؟! نعم!».
وقلبت الصورة وأدرت وجهها إلى الحائط وقلت وأنا أتمطى على الفراش: الآن أستطيع أن أنام في أمان من خيالاتك أيتها الحسناء الماكرة!

الفصل الرابع عشر
متاعب الطريق


ليس أخطر من التعميم في الأحكام، ولا سيما إذا كان الأمر خارجا عن دائرة العلوم المضبوطة وخاصّا بما يختلف فيه الناس ويتباينون، ولكنا مع هذا نستطيع أن نستغني عن الاحتياط إلى مدى بعيد، وأن نأمن الخطأ إلى حد كبير حين نقول إن المرء حين يعشق، أي حين تستبد به الرغبة وتغطى به العاطفة، قل أن يفكر في الاحتمالات أو فرص النجاح، أو في ما له من الصفات والمؤهلات التي تعين على التوفيق أو تحول دونه أو في طبيعة المرأة التي فتنته واستولت على هواه. ذلك أن المرأة تقع من نفسه فيجيش صدره بالرغبة فيها وتضطرم نفسه عليها ويغيم كل ما عدا ذلك فلا يرى أو يسمع أو يحس إلا هذه العاطفة المتأججة التي تسد عليه كل فجاج النظر. وغير منكور أن في الناس من يسعه ضبط نفسه وقياس آماله إلى قوته وكبح عاطفته إذا تبين أنها موشكة أن تركض به بين الوعور … كما أن فيهم من يمضي على وجهه كالمعصوب العينين أو كالمخمور حتى ينتهي إلى غايته أو يقع دونها. ولكن هذا لا ينفى أن العاطفة تتملكه قبل التفكير، وهذا هو الذي نريد أن ننبه إليه لو أن الأمر محتاج إلى تنبيه.
والأديب شبيه بالعاشق، يعرض له الخاطر فيستهويه ويسحره ولا يجرى في باله في أول الأمر شئ من المصاعب والعوائق ولا يتمثل له سوى فكرته التي اكتظت بها شعاب نفسه، ولا ينظر إلا إلى الغاية دون المذاهب، ويشيع في كيانه الإحساس بالأثر الذي سيحدثه، وقد يتصور الأمر واقعًا ولا يندر أن يتوهم أنه ليس عليه إلا أن يتناول القلم فإذا به يجرى أسرع من خاطره، وإذا بالكتاب تتوالى فصوله وتتعاقب أبوابه. وتصف حروفه ويطبع ويغلف ويباع. ويقبل عليه الناس يلتهمونه وهم جذلون دهشون معجبون. وإذا بصاحبه قد طبق ذكره الخافقين وسار مسير الشمس في الشرق والغرب وخلد في الدنيا إلى ما شاء الله!!
يكبر كل هذا في وهمه لحظة تطول أو تقصر، ثم يهم بالعمل ويعالج أداءه فيتبين أن عليه أن ينضج الفكرة ويتقصى النظرة ويلم بهذا ويعرج على ذاك، ويستطرد هنا ويمضي إلى هناك، ويدخل شيئًا ويخرج خلافه … ثم أن يصب ذلك في قوالب ملائمة ينبغي أن يعنى بانتقائها، وأن يتوخى في الأداء ضرورات تقسره عليها طبيعة الخواطر أو المسائل — هذه تتطلب إيضاحًا وتلك لا معدي في سوقها عن تحرى القوة في العبارة أو اللين أو السهولة أو الجمال أو غير ذلك. وأحر به حين يكابد كل ذلك أن تفتر حرارته الأولى وأن يدب الملل في نفسه، وأن يضجره أن يضطر إلى أن يقطع الطريق خطوة خطوة، ويكتب الفكرة الرائعة الجليلة التي استغرقته وفتنته، كلمة كلمة. ويتناول منها جانبًا بعد جانب، وأن يعاني في أثناء ذلك مشقات التعبير ومتاعب الأداء، وأن يذعن لأحكام الضرورات، فلا يستعجل فيفسد الأمر عليه، بل يكر أحيانًا إلى ما كتب ويعيد فيه نظره ويجيل قلمه مرة وأخرى وثالثة إذا احتاج الأمر إلى ثانية أو ثالثة، ويصبر على برح ذلك وعنائه وتنغيصه وتغثيته يومًا وآخر، وأسبوعًا وثانيًا، وشهرًا وعاما وأكثر من عام أو أعوام إذا دعت الحال. وفى أثناء ذلك كم خالجة عزيزة يضطر أن ينزل عنها ويدعها مدفونة في طيات نفسه لعجزه عن العبارة عنها وتصويرها وإبرازها في الثوب الذي ينسجم عليها ويجلوها للقارئ كما هي في ذهنه أو لأن كلمة واحدة — واحدة لا أكثر — تنقصها لتستوفى حقها من التعبير الذي يكفل لها الوضوح أو الحياة؟ كم معنى يتركه ناقصًا أو غامضًا وهو «يحسه» تاما ويتصوره في ضميره كأجلى ما يكون؟
وما كل امرئ يدخل في مقدوره أن يحتمل هذا المضض كله. ومن الكتاب من لا يكاد يلتقي بأول صخرة في الطريق حتى ينكص راجعًا وهو يشعر بمرارة الخيبة بعد الغبطة التامة التي أفادته إياها الفكرة حينما نشأت، ويروح يطير من فكرة إلى أخرى ولا يكاد يصنع شيئًا لأن العوائق التي لم يقدرها تغلبه، والوعور التي لم يتوقعها تهيضه، والمشقات التي لم يفكر فيها تسئمه.
والأدب إلهام وفن. ولكل فن أدواته وآلاته. ولا بد فيه من الإحسان والتجويد، أي من الصبر وصحة النظر وسلامة الذوق وصدق السريرة وحسن الاستعداد. وما كان الصواب وصحة النظر ودقة الإحساس وحسن التخيل والقدرة على ذاك وغيره بمقصورة على الأدباء ولا هي بوقف عليهم، ولكن كم ممن تفيض خواطرهم بالخيالات الرائعة والآراء السديدة والإحساسات العميقة يستطيعون أن يبرزوا هذه ويحدثوا فيها صورًا ويجلوها للناس كما هي في نفوسهم؟!
الألفاظ، التي هي أدوات الكتابة موجودة، ولعل غير الأديب لها أحفظ وبها أعلم، وهي في طريق من شاء، غير أنها ليست كل ما يحتاج إليه المرء ليكون منه كاتب. كذلك الأصباغ والألوان حاضرة من شاء مد إليها يده وتناولها وصنع بها ما أحب، وهي مادة التصوير، ولكن من ذا الذي يحسب أنها كل ما ينقص المرء ليكون مصورًا؟ وكذلك لا يغنى العلم بالقواعد والأصول. وما عسى أن تكون قيمتها وحدها؟ هذا وجه يريد المصور أن يرسمه وينقل إلى اللوح ما يترقرق في صفحته من المعاني ويجول فيه من الأمواه، فكيف بذلك؟ كيف يجعل هذه الشفة ناطقة بالسخرية، أو تقويسة الذقن معبرة عن التصميم، أو لمعة العين شاهدة بسجاحة الخلق ورضا النفس؟ وكيف يشعرك ما يشعر به هو من السحر أو الدلال، أو القوة والجلال، ويفيدك ما أفاد من الأنس والغبطة والروح؟ أو كيف يجعلك حين تنظر إلى الصورة الحاكية تشتهى — مثله حين يجتلي الأصل — أن تغمض عينيك وتنقل نفسك إلى عالم آخر من الخيالات والخواطر والإحساسات؟
وما يقال عن المصور يقال مثله أو أكثر منه عن الكاتب أو الشاعر. والأمر في كلتا الحالتين يحتاج إلى فطرة مهيأة له أسبابها وذوق مؤازر وسليقة مناصرة وملكة معينة على حسن اختيار الرموز الكفيلة بإفراغ الخواطر في القوالب الملائمة، والقادرة على إحداث الصور المطلوبة في أذهان القراء. وعلى ذلك يكون المرء صانعًا لا أكثر إذا رزق الفن وحرم الإلهام — صانعًا كهذه الآلات التي تدور بلا روح وتخرج ألوانًا وضروبًا من الصور تعجب بصقلها ودقتها وإحكام صنعها ولا تحس أن يد إنسان حي أو قلبه وراءها.
وكم من الناس يفكرون فيما يقاسيه الأديب؟! أين ذاك الذي يطالع الكتاب أو الديوان ويعنى بأن يصور لنفسه الجهد الذي بذله صاحبه والغصص التي تكبدها وصبر عليها — جهد التفكير والأداء، وغصص النجاح والفشل على السواء؟ إنه لا يقدر ذلك إلا من عانى هذه المآزق وخاض غمراتها وذاق مرارتها. وشبيه بهذا أن يقف رجل من الأوساط العاديين أمام صورة يتأملها ويدير فيها عينه ويعجب بها أو لا يعجب، وهو لا يدري أنها ليست ألوانًا وأصباغًا مزجها المصور وزاوج بينها وساوقها، بل قطعة حية من نفسه إذا نظر إليها صاحبها كرت أمام عينه سلسلة طويلة من الألم واللذة والندم والغبطة والغيظ والكمد والسخط والرضا والأمل والخيبة ومن أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة.
لى صديق مصور مخلص لفنه دعاني مرة إلى محله — وكان هذا منذ سنوات ثلاث — وقال: «إني أريد أن أرسمك لأني أتوسم في رأسك مادة صالحة لصورة لها قيمة فنية»؛ فشكرت له ذلك وقلت له إن عندي من الغرور ما هو فوق الكفاية ولم يكن ينقصني أن أعلم من فنان مثلك أن رأسي جدير بالتصوير … ثم جعلت أختلف إلى داره في الأوقات التي يعينها وأجلس إليه في كل يوم من هذه الأيام نحو نصف ساعة تتخللها فترات أستريح فيها من هذه الجلسة المتعبة. فكان ربما بدأ مرتاحًا إلى العمل مقبلا عليه مهتما، ثم لا يلبث أن تعتريه الكآبة ويعلو وجهه الوجوم فتتدلى يداه وينثني رأسه على صدره ثم يرفعه ويرسل زفرة غيظ من بين أسنانه المطبقة، ويعود كالذي يهم أن يتناول اللوح فيمزقه ويعمد إلى فيرمى رأسي بالكراسي والألواح ويطردنى رفسا بقدميه!!
وكنت أحاول أن أرد إليه ما يعزب عنه في هذه اللحظات من خلقه الوادع، وأقول له: إن هذا الذي تكابد ليس بغريب عنا معشر الكتاب، وربما كنا أسوأ من المصورين حالا وكان فننا أشق وأمر … فيقول: كلا! إنكم أيها الكتاب تستطيعون أن تسوقوا خواطركم ومعانيكم واحدًا في أثر واحد فإن أغفلتم معنى لسبب من الأسباب فقلما يفطن القارئ إلى ما أهملتم، وهل كان يدري قبل أن يقرأ كلامكم أنه كان في رءوسكم كذا وكذا فأردتم منه هذا واطرحتم ذاك؟ ولكن صورة الوجه على اللوح إما أن تكون حية ناطقة أو ميتة خامدة الروح، وليس يخفى موتها أو حياتها على الناظر إليها. وقلما يفوته التقصير في إنطاق الوجه وأداء المعاني المرتسمة على صفحته، وقد تدق بعض المعاني المكتوبة عن الأفهام لتعويصها أو غرابتها أو سموها أو لطفها ودقتها، ولكن شخصية الإنسان لا تخفى على الإنسان، وقد يعجزه أن يصفها ولكنه لا معدي له عن أن يحسها، والصورة كذلك. ومن هنا كانت أشق وكان الإخفاق أخلق بأن يكون أبين.
وأذكر أنى منذ أكثر من خمسة عشر عامًا قام بنفسي أن أضع كتابًا «ضخمًا» في فلسفة الشعر وأن أجعل هذا عملي الأدبي في حياتي وقلت لنفسي: حسبي به إذا رزقت التوفيق فيه. واستخرت الله في إمضاء الفكرة، ولم يكن يغيب عنى فدحها. فشرعت أعد لها العدة الكافية وأقرأ كل ما استطعت أن أقرأه مما له علاقة قريبة أو بعيدة بموضوعي … وقسمت الكتاب إلى أبوابه التي تنطوي تحتها أغراضه، وحصرت كل ما أريد أن يتفرع إليه … ثم لم تزل تقوم الموانع وتعترض الحوائل، ومضت على وعلى كتابي هذه. السنوات الخمس عشرة ولم أتجاوز إلى هذه الساعة المقدمة وفصلين أحدهما هو المدخل!!
ويظهر أنه ليس أعون على المثابرة والصبر من «خفة» الإحساس ومن أن يكون المرء بحيث لا تهتاج آماله أو مخاوفه إلى درجة من الألم والإلحاح لا تحتمل ولا يسع المرء معها رفقًا بنفسه وإبقاء عليها إلا أن يفرغ من الأمر الذي يعالجه ولو خسر في سبيل ذلك غايته. وأعنى أن يكون المرء هادئ النفس قليل الاكتراث قادرًا على الانتظار مطيقًا للصبر راضيًا عن نفسه مستعدّا للارتياح إلى كل ما عسى أن يشغله، يستوي عنده أن يكتب في الفلسفة أو يصف حوانيت الباعة، وأن يستكشف القطب الشمالي أو يهتدى إلى حانة تبيع الويسكي بأثمان زهيدة ومقادير كبيرة، ما دام هو الذي يفعل هذا أو ذاك وما دام رضاه عن نفسه لا يضعفه سبب من الأسباب. وليس من النادر أن يرزق هذا الضرب من الناس حظا من البساطة الطبيعية ترفعهم وتذري منهم. ولكن ما عسى صبر الذين تطغى بهم البواعث القوية وتلج بهم الأشواق الحادة والرغبات الجامحة وتدفعهم إلى محاولة الوثوب وتعجلهم ولا تدع لهم فرصة راحة يروضون فيها نفوسهم؟
ولعل هذا هو السبب في أن الأمة الإنجليزية لم تنبغ في شئ نبوغها في الشعر الذي يرجع في مرد أمره إلى الإرادة والعاطفة، وأن الأمة الفرنسية من «أفصح» الأمم. ذلك أن الشعر عبارة عن الإحساس الذي يعترف به المرء لنفسه ساعة الخلوة بها ويرمز له بما هو أقرب إلى الصورة التي هو عليها في نفس الشاعر. أما الفصاحة فإحساس كذلك ولكنه يصب في أذهان أخرى ويلقى إليها طلبًا لعطفها أو التماسًا للتأثير فيها أو نشدانًا لتحريكها وحفزها إلى العمل … ومن هنا كانت الأمة الفرنسية أضعف الأمم الكبرى شاعرية وأفصحها في الوقت ذاته إذ كانت أشدها غرورًا وأعظمها اعتدادًا بالنفس!

الفصل الخامس عشر
مجالسة الكتب ومجالسة الناس


كنت أهم بأن أكتب غير هذا المقال، وكانت الفكرة حاضرة، والورق مهيأ، والقلم مبريّا. ولكني أشرفت من النافذة فأخذت عيني صبيّا يلعب بالحصى ويهيل الرمال، وفى ناحية أخرى فتاتان تتحادثان وتتضاحكان … فقام بنفسي سؤال لم أستطع التملص منه على فرط ماجاهدت: ماذا يعبأ هؤلاء بما كتبت أو بما عسى أن أكتب؟! بل هبني جعلت الصبي والفتاتين موضوع مقالي وأدرته على ما أرى منهما ومنه! أيكترثن لى أو يحفلن بي وبما أسطر؟ كلا! ولعل أحرى بي أن أسأل: أيعود أحد منهم أصلح للحياة وأقدر عليها وأعرف بها من أجل أنى أجريت هذا القلم بكلمات فيه أو عنه وهو لو قرأها أو تليت عليه لما أحس أنه موضوعها؟! كلا أيضًا، ومع ذلك أباهى بما قرأت، وأعتز — على الأقل فيما بيني وبين نفسي — بما كتبت، وأفرح بالخالجة تدور في نفسي لحظة ويجيش بها صدري برهة، وقد أضعها في كفة وأضع الطبيعة كلها في كفة أخرى! وبعبارة أخرى: أغالى بالفن وأعدو به قدره ثم أنقلب بجزاء من يفعل ذلك!
أي شئ هذه الكتب؟ ستقول إنها عالم حافل بالمتع … وإنها لكذلك، ولكن أين ذلك الذي يسعه أن يزعمها العالم الوحيد؟! وهي ديوان قيد فيه السلف ما وسعهم أن يورثونا إياه من معارفهم وخواطرهم وتجاربهم، غير أن هذا ليس معناه أنها كل ما يمكن أن نعرف أو يخطر لنا أو نحسه أو نجربه. والحياة كتاب أوسع وأضخم من كل ما حوت المكاتب قديمها وحديثها، وليس ما على رفوفنا سوى صفحات قليلة من هذه الموسوعة الهائلة. ولقد عبر «هولاكو» على جسر من الكتب فلم تقف الدنيا ولم يثقل الزمن رجله، ومضت الحياة في طريقها كأن لم يحدث شئ ولم يفقد الناس هذه الكنوز، بل كأن لم يكتبها أحد ولم يضن فيها نفسه، ولم يخلق في تحبيرها أيامه، ولم يبل في إخراجها حياته! بل كأن لم يكن أصحابها قد خلقوا قط! وهل ما أخرج الكتاب من آثار أقلامهم هو كل ما كان يمكن أن يكتب؟! لا أظن أحدًا ممن يعاني الكتابة يذهب إلى أن بعض ما كتبوا ليس إلا بعض ما اضطرب في صدورهم وقد لا يكون خيره.
والكتاب الذين ظهروا في هذه الدنيا ليسوا كل من يحس ويفكر قرب تاجر يمسي ويصبح بين السلع جيدها ورديئها، والمساومات شريفها ووضيعها، والمكاسب حلالها وحرامها، هو أبعد مدى ذهن وأوسع مضطرب فكر من «كانْت» أو «كونت» أو من شئت غيرهما … ورب حمال يقضى عمره حانيًا ظهره للأثقال! هو أحس بالحياة والطبيعة من ابن الرومي … وقد تزدري أميّا جاهلا وهو — لو علمت — أحد طبعًا من المتنبي، ولكنه الغرور ولا أدرى ماذا أيضًا — فليس أبغض إلى من التقصى — يخيل لنا أن الحياة تعقم بأمثال من ظهروا ويظهرون فيها من الكتاب والشعراء والفلاسفة ومن إليهم! وكل هؤلاء الذين نعدهم «نكرات» يأتون إلى الدنيا ثم يخرجون منها ولا يخلفون وراءهم أثرًا أدبيّا والدنيا لا تنقص بذلك كما أنها لا تزيد بمن نعرف من أبنائها «المعارف»! والحياة كالأوقيانوس الأعظم لا يزيده صوب الغمام ولا ينقصه ما تأخذ منه! وهب الدنيا خلت ممن عليها من الناس، وصفرت من كل أصناف الخلق، فماذا إذن؟ لا شىء! تظل الأرض دائرة حول الشمس، ولا تكف الشمس عن إضاءتها كما تفعل الآن، إذ نحن عليها نروح ونجىء ونكد ونسعى ونشقى ونسعد ثم نموت! ونحن نموت أفرادًا وجيلا فجيلا أليس كذلك؟ ولا تعود الدنيا موجودة في نظرنا — لو أنه بقي لنا بعد الموت نظر — ونعود نحن فيها، أليس هذا هكذا أيضًا؟ فهب جيلنا كان آخر جيل، أفتظن أن الدنيا كلها تقضى نحبها من أجل أننا نحن قضينا نحبنا؟
إذن لا «تصوب» نظرك يا مازنى إلى هذه الحيوات الصغيرة الساذجة التي تبدو لعينيك إذ تطل من نافذتك ولا تبتسم إذ تجتلي مظاهرها كأنك تزدريها أو «ترثى» لأصحابها الذين لم يقرءوا ما قرأت ولم يعرفوا ما عرفت. فإنها حافلة بالمتع والعجائب كهذه الكتب التي تعنى بها ولا تكاد تحفل ما عداها ولعلها — لو بلوتها — أجدى عليك وأشرح لصدرك مما أضعت عمرك فيه.
وما من ريب في أنى لو كنت أصغر مما أنا اليوم بعشر سنوات أو خمس عشرة، لخرج المقال من يدي على غير ما يخرج الآن، ولكان الأرجح في الاحتمال أن أشيد بذكر الكتب والعكوف عليها والانقطاع لها والانصراف عن الدنيا من أجلها، ولكني لسوء حظها كبرت!! وبلوت من جرائرها ما أسخطنى عليها. وبحسبي من ذلك أن صارت مجالس الناس وأحاديثهم عندي غثة لا تكاد تساغ ولا تستمرأ، وأنى مضطر إلى أن أعالج نفسي لأطيقها وأصبر عليها ولا أقول لأستمتع بها. وليس ذلك لعزوف طبيعي عن الناس وكراهة لمخالطتهم ولكنها الكتب قبحها الله ردتني كالمترف الذي تؤذيه خشونة العيش!!
ألست قد عشت بين خير العقول وأخس النفوس، وألفت أن أتناول عصارة الأذهان وخلاصتها النقية الممحصة، واعتدت الصقل في سوقها والفن في عرضها وإبرازها؟ فما عسى الصبر إذن على أحاديث المجالس الخاوية المبتذلة؟!
كيف لمن يقضى الشطر الأكبر من أيامه ولياليه بين شعراء الدنيا وكتابها، بإطاقة المستوى الذي لا تكاد ترتفع عنه أحاديث المجالس؟! وما للكبر دخل في هذا ولا للغرور أصبع فيه ولا ظفر، وإنما هي العادة التي يقولون عنها إنها طبيعة ثانية. وما مثلى إلا كمثل الذي نشأ في بيئة أرستقراطية كما يسمونها ودرج على عاداتها وتقاليدها وآدابها، مثل هذا لا يحسن أن يعايش من هم من طبقة الخدم والطهاة أو العملة وباعة الأسواق. ولا شك في أنه يحادثهم أحيانًا ويحتك بهم قليلا ولكن هذه ليست معايشة، وأكثر ما يكون اتصاله بهم حين يصدر إلى واحد منهم أمرًا أو يبتاع سلعة أو يفعل ما هو من هذا بسبيل، ولو أنه جالس طائفة من هذه الطبقة لملها واستثقل وطأتها على كل صبره. والعكس صحيح أيضًا. وليس السبب أن هذا من طبقة عالية وذاك من طبقة واطية أو متوسطة، بل السبب فيما أظن هو أن من تتباين نشأتهم وتتباعد طبقاتهم تضيق بينهم الدائرة المشتركة، والأحاديث تدور على الأكثر في هذه الدائرة. ومن هنا لا يطرد الحديث في مجاريه العادية بين من ألفوا الكتابة والقراءة وبين سواد الناس. ذلك أن الكاتب اعتاد التفكير وإطالة النظر إلى المسائل من كل الجوانب التي يتفطن إليها ويسعه أن يحيط بها، وأن يعرضها مرتبة مبنيّا بعضها فوق بعض ويسوقها في عبارة يتخيرها لها … وليست الأحاديث كذلك؛ فهي متقطعة متوثبة سطحية في الأعم والأغلب، ولا يزال الناس ينتقلون في مجالسهم من موضوع إلى آخر ولا يتريثون هنا أو ههنا، فيكون الكاتب بين أمرين: أن يلزم الصمت. أو يثقل على جلسائه. ولا شك في أن غشيانه المجالس واختلافه إليها يصقله ويعده لها ويذلل له ما تقيمه عادته من العقبات وقد ينفعه ذلك ويحرك ذهنه ويطلقه من القيود التي تحفه بها مزاولة فنه. ولكنه لا شك أيضًا في أن روح الأحاديث هو التعاطف وأن تباعد ما بين الجلساء يضعف هذا التعاطف ويحيل المحضر موقرًا باحتمالات الملل والسآمة من الجانبين. والمرء لا يستطيع أن يسمو فوق مسعاه لأن استطاعة ذلك معناه أن المرء يسعه أن يحلق فوق نفسه وهو عين المستحيل. وأعلم أن «الماسونية» ليست بمقصورة على رجالها وأن لكل طبقة منها نصيبًا، وكما أنه لا يفهم رموز الماسوني حق فهمها إلا صنوه وقرينه كذلك لا يتم التفاهم إلا بين القرينين. على أن بعض الناس يذهبون إلى أنه لا خير في محادثة القرناء إذ كانوا خلقاء أن يعرفوا ما عساك تقول، وإنما يحلو الحديث ويجدي — كما تجدي الصداقة — بين المختلفين. وهذا صحيح ولكنه ليس كل الصواب لأن كون اثنين في مستوى واحد لا يستوجب التطابق بينهما. وهذه المدارس تلقن التلاميذ علومًا واحدة غير أن هذا لا يجعلهم أشباهًا ولا يحيلهم كالنسخ المتعددة من الكتاب الواحد! وقد يقرأ الكتاب رجلان ويخرج أحدهما بغير ما يخرج به صاحبه.
والكاتب يعنى بالفكرة قبل أن يعنى بوقعها، وهمه الأول جلاؤها وعرضها في أحسن حلاها وأقواها. ولا ريب في أنه وهو يكتب يجعل باله أيضًا إلى التأثير، ولكن هذا لا يشغل من نفسه الحيز الأكبر بل هو يأتي تبعًا لمعالجة الأداء. والحال على خلاف ذلك في الأحاديث فإن المرء لا يزال يدير عينه في وجوه الجلساء ليستشف منها الأثر الذي أحدثه كلامه. وما أشبه الكاتب بالممثل الذي يعنى بدوره ويصرف همه إلى القيام به ويخلى ذهنه، على قدر ما يسع إنسانًا أن يفعل ذلك، من التفكير في جمهور النظارة الذين يجعلونه قيد أبصارهم. أما حديث المجالس فقريب الشبه بالخطابة بل هو صورة مصغرة منها، والمرء لا ينفك كما أسلفنا يستنبئ الوجوه ويستخبر العيون ويحاول أن يتخذ منها مرايا يجتلي في صقالها وضاءة حديثه وبهجة كلامه، ومن ذا الذي لا يعنيه ما يند عن شفتيه ولا يبالي أين وقع ولا يكترث لكلامه أتلقفه الناس أم ذهب مع الريح ولم يلتفت له أحد؟ ولهذا لا يسع المرء إلا العناية بأمر جلسائه إلا مراقبة حالة نفوسهم فيرتفع معهم ويحلق إذا رآهم مطيقين للتحليق راغبين فيه مستعدين له ويهوى معهم إذا هوت بهم البلادة أو التعب أو الضجر أو غير ذلك.
وأتعس المجالس وأثقلها على نفس الأديب تلك التي تتألف من الأوساط أدعياء الثقافة. فيها يدور الحديث على الآداب والفنون ولكنه حديث منقول عن الصحف والمجلات يلوكون فيه ما تكتبه لهم. ويفسدونه إفسادًا لا سبيل إلى الصبر عليه. وعذرهم واضح وعذرك أوضح … فالموضوع الذي يردونه منك إليك لا يعنيهم كما يعنيك ولا يستمدون الباعث على طرقه من أعمق أعماق نفوسهم مثلك. وقد لا يدرون عنه إلا بعض ما التقطوه منك. وتشعر بالتقزز إذ ترى القوم يمزقون بأنيابهم خواطرك ومعانيك ويلقونها إليك خرقًا قذرة وتصدك الآداب العامة عن تنغيصهم، ويقضى ذلك على صدق السريرة ويذهب بالإخلاص ويغيض من جراء ذلك معين اللذاذة المستفادة من الاجتماع. ومن هذا الضرب أفراد يحفظون من الكتب أسماءها وأسماء مؤلفيها وبعض ما يقال عنها ويدورون بهذا على المجالس يعرضونه عليها كالإعلانات حتى لكأنها فهارس حية أو قوائم متنقلة!
وليس من النادر أن يكون الأدب أو العلم أو غير ذلك مما اشتهرت به من ذنوبك عند بعض الناس، فلا يكاد يغشى أحدهم مجلسًا لك أو يلتقي بك حتى يشرع في تنغيص متعك وتكدير صفوك. فإذا كان الشعر فنك أنحى على الفن كله وبسط لسانه فيه وسمى كل سخافة «خيال شاعر». وإذا مدحت شيئًا أو أظهرت ارتياحك إليه أو ولوعك به ذمه وسخر منه أو عرض بسوء رأيه فيه واحتقاره له — ولك ضمنا — إذا جبن عن التصريح … وهكذا يظل يطاردك ويتعقبك حتى يسود الدنيا في عينيك ويملأ نفسك نقمة على الحياة والناس إكراما له!
والأديب كالمغنى الذي يرسل صوته غير معتمد على آلة موسيقية تشبع أنغامه وتسد نقصها وتملأ فراغها، وقد ألف أن يجعل معوله على ما للعبارة وحدها من وقع، وليست كذلك الأحاديث التي تستمد جانبًا كبيرًا من قوتها أو حلاوتها أو بهجتها من المكان والاجتماع والجلساء وإشاراته ونظراته وصوته. ومن هنا يخطىء كثيرون ممن يبرزون في المجالس فيحسبون أنهم يستطيعون أن يظهروا في عالم الكتابة كما ظهروا في عالم المجالس ويتوهمون أن الوقع الذي يوفقون إليه في أسمارهم لا يخطئهم إذا تناولوا القلم وأجروه بدلا من اللسان.
وليس — أشق عندي على الأقل — ولا أشد إجهادًا للأديب من مجالس النساء! ماذا يقول لهن؟! في أي شئ يحادثهن؟! كيف يجعلهن يرتحن إلى حديثه ويتقى إملالهن؟! هن لا يكدن يحملن معهن غير ثيابهن وزينتهن وعجبهن وما يتصل بذلك من قريب أو بعيد، وهو لا يكاد يحمل معه سوى آرائه، فكيف السبيل إلى التوفيق بين هذه وتلك؟! ومجالسة الكتب تحيل المرء أشبه بها حتى ليعود وكأنما لا ينقصه إلا أن يغلف ويوضع على الرف بين أخوته!! وطول العهد بها يشيب النفس قبل إشابة الرأس، ويطفىء لمعة العين. ويعوق تدفق النشاط الجثماني، ويغرى بالسهوم والصمت، ويفعل ما هو شر من ذلك: يبعث على التعليق بالمثل العليا وصور الكمال ويشرب النفس حبها ويعلمها نشدانها … فإذا راح يضرب في غمرة الحياة تعثر ولقى في كل خطوة صدمة: كالذي يسلك طريقًا ومعه مصور لخلافه!

الفصل السادس عشر
لولو …؟!


لولو؟! ما «لولو» هذا أو هذه؟ أهي فتاة حرة المقلد؟ أم طفل غرير مدلل؟ أم زهرة نضيرة؟ أم عصفور مغرد؟ أم أغنية شجية؟ إن في اللفظ ما يشعر «بالصغر» ويكر بالذاكرة إلى «الشباب» — إن كان قد ولى أوانه — وحسبك أن نطقه يتقاضاك زم الشفتين، وتكليف العينين ابتسامة الدعابة ولمعة الغبطة، وتجشيم الأسارير الإبراق، والنفس محاولة الإشراق، فماذا هو؟ لا أدرى!! ولعله كل ذلك، فما أعرف من اللغات إلا ما ليس فيه هذه. ولقد شببت عن الطوق «جدّا» وارتفعت عن كل حداثة ارتفاعًا أجلسني على ربوة الحياة حيث تنازع السحب الضياء. وأما الشباب وإيماض العيون وإشراق النفس فإني أنا القائل:
نضب العزم، والمنى ثرة العينلعمرك ما أسوأ القرناءَ!!شيبة العزم مع شباب الأمانى!أضعيف يظاهر الأقوياءَ؟؟دون ما تبتغي حوائل ضعففاجعل العزم والمنى أكفاءَأيها «الطين» ما ترى بك أبغى!لست فيما أرى لشئ كفاءَ!!إن طلبت السماء قلت لى الأرضأو الأرض كنت لى عصاءَصرت حتى الذي أفكر فيهلست أستطيع صوغه والأداءَ والنفس تهرم أحيانًا قبل الجسم، فتعود وكأن الزمان عمرها، وإن كانت بسنها صغيرة … وكلما أحس المرء دبيب الهرم زاد شعوره بالتبعات ووجد أن الحوادث لا تتوالى على روى واحد، وأن منطق الطبيعة غير منطقه، وأنه يدنو من مركز الدائرة وينأى عن محيطها ويشعر بالدنيا تدور حوله في صخب وضوضاء يزعجان تلك الخلية الضئيلة التي تسمى الحياة، ويرجانها، فيتمنى لو أنه استطاع أن يحول دون النمو. وأن يأخذ على الأيام متوجهها، وأن يبقى عمره طفلا يدور مع الحياة على محيطها.
ولكن الذي أدريه أن صديقًا لى، فيه شذوذ قلما أفهمه، قال لى عصر يوم في الإسكندرية «متى تعود إلى مصر؟». قلت «صباح غد». قال: «إذن قم بنا إلى ساحل البحر». قلت: «البحر ولا شك خير من جوف هذه المدينة، فلننهض إليه إذا شئت، ولكن إلى أي بقعة من ساحله نذهب؟». قال: «وما يعنيك من هذا؟ أو ليس كله ساحلا؟». فلم أشأ أن أثقل عليه فيضيق صدره ويسوء خلقه.
ونهضنا إلى الترام فركبناه وخليت بين صاحبي وبين سبيله حتى انتهينا إلى آخر موقف ينساب إليه الترام فانحدر بي إلى طريق لا يفضي إلى بحر ولا إلى صحراء!! وإنما يؤدى إلى درب بين الحقول تقطعه السيارات إلى أبى قير ويترقرق على محاذاته جدول صغير. ثم أخذ ينفض المكان بعينه كالذي ينقب عن مخبأ فيه وهو معبس محدق في الأرض يعد خطواته في هذا الطريق الذي ملنا إليه. ومعلوم أن الخواطر كالمطاط لا تشغل حيزًا واحدًا على الدوام فقد ترى الخاطر الضخم مضغوطًا في الذهن من فرط الزحام حتى ليعود كالذرة. وقد تنتفخ الخالجة الصغيرة وتملأ من الذهن كل فراغ يكون فيه. كذلك كان رأس صاحبنا خاليًا إلا من أمر واحد هو الذي ساقه وساقني معه إلى هذا المكان.
ولم أرد أن أزعج عصافير رأسه وأطيرها عنه فتركتها تسقسق له وخليته ينصت إليها، وسرت إلى جانبه صامتًا مخففًا الوطأة، وصرت أشفق عليه حتى من وقع قدميه. وكنا قد ملنا إلى جانب معشوشب من الطريق حسبته آثر المشى على حشائشه الندية لأن صوت الأقدام فيه أخفت ولكنا لم نكد نقطع منه بضع عشرة خطوة حتى وقف بغتة كالذي صده جدار وأومأ بسبابته إلى الأرض وهو يقول لنفسه: «هذا هو المكان بعينه». وارتمى على الأرض دون أن يكترث لى كأنه لا يراني أو كأني لست معه! فضقت ذرعا بهذا الحال، وأسفت على مسايرته، وما ذنبي حتى أتكلف الصبر على كل هذه الكتلة من الشذوذ؟ لقد أردت الرياضة ولكني أراني كالذي خرج ليدرس موضوعًا! غير أنى مع هذا كبحت نفسي عن مطاوعة السآمة والاستسلام للضجر، وأقنعتها بأن المروءة أن يحترم الإنسان إحساسًا — كائنًا ما كان — يستغرق النفس الاَدمية إلى هذا الحد، حد الذهول، ويستولى على كل جوانبها، ويملأ كل شعابها وينبض به كل عرق. وما يدريني؟ لعل هذا الإحساس، مهما يكن باعثه المباشر، ثمرة إحساسات عمر بأسره وحياة بكل ما انطوت عليه! ومع هذا، وعلى الرغم من ذلك هممت بأن أقف على كيانه المتداعي هذا وأقول له ساخرًا: «أعاشق أنت يا سيدي؟! إنها لساحرة تلك التي تستطيع أن تصنع هذا بمثلك؟!». ولكنه كان خاطرا كخطف البرق ما جاء حتى ذهب. فقعدت إلى جانبه وخلعت طربوشي وغطيت به وجهه!! فاستوى قاعدا وهو يقول: «إني أعرفك شيطانا! فلماذا أطرت أحلامي؟». فانحنيت له معتذرًا! فقهقه ضاحكا وكف فجأة وأطرق هنيهة ثم رفع رأسه وقال بلا تمهيد:
«لقد كان هذا المكان ساحرا وكانت أوراق الشجر والحشائش كالجديدة يومض فيها طلها تحت أشعة الشمس، وكان يخيل لى أنها «مستوردة» لا نابتة، وكانت من رقة النضارة في رأى العين بحيث كنت أشفق أن أطيل النظر إليها مخافة أن أذويها بإجالة الطرف فيها. وكانت الشمس، قوية وكان يقينا لفحها هذا السياج من النبات ومن خلفه هذه الخراف بأعيانها سوى أنها كانت مستلقية على الأرض لا تراعى، وكانت الفراشات لا تكف عن الطيران من هنا إلى هنا كأنما حماها صغرها تأثير الحرارة التي تذبل ما هو أكبر منها. وكان بساطنا هذه الأغصان الندية، والناس يمرون بنا ويديرون عيونهم فينا ثم يذهبون عنا ونحن في شغل عنهم وعن لحظاتهم بأحاديثنا و…».
«وماذا كنتم تقولون؟ أو لعله ينبغي أن أقول ماذا كنتما؟!».
فلم يلتفت إلى استدراكي وقال: «كانت لولو … فهذا اسمها عندي … ألا تعرفه؟».
«قد عرفته الآن!».
«… كالتي يفيض قلبها بشىء تحبس نفسها عن الإفضاء به. وكانت ربما أشاحت بوجهها عنى وأسندته إلى كفها وأرسلت لحظها في الفضاء غير ناظرة إلى شئ على التعيين، وتركتني أصب في مسمعها ما أهضب به وقد تجيبني أحيانًا ولكني كنت أقرأ في عينيها غير ما يجرى به لسانها، فكان بيننا حديث مسموع وآخر صامت، وكان الصامت أصدق الحديثين … نعم، فهي عجيبة في تناقضها عجيبة في ازدواج شخصيتها، لينة النظرة، جامدة الفم، رضية الخلق ساكنة الطائر، مكلومة الفؤاد هادئة المظهر تتناول كفها فلا تدري ألينة هي أم صلبة، وتتأمل محياها فتحس فيه الذائب والجامد، والسلس والوعر، والترف والخشونة، والحرارة والفتور والرغبة والزهد، والضعف المتناهي والقوة التي تغرى بقلة المبالاة وتدفع إلى عدم الاكتراث بما كان وهو كائن وما سيكون. ولقد استثارتنى رقة عينيها فأمسكت عن إتمام ما كنت قائلا كأنما كان الكلام يعوقني كالذي يخلع نعليه ويدعهما ويعدو حافيًا … وجذبتها إلى بغتة وإن كان لا شك في أنها كانت تتوقع ذلك وضممتها وطبعت على ثغرها قبلة. ولكنها ضمت شفتيها ولم تعاطنى التقبيل! وإن كانت عيناها قد ظلتا تلمعان بنور الابتسام، ثم مسحت بكفها على الحشائش وقالت: «لا ينبغي أن نظل هكذا جالسين فقم بنا نعد من حيث أتينا فقد أمسينا».
قلت: «دقائق أخرى!».
قالت: «بل يجب أن نعود أدراجنا».
قلت: «فقبلة ثانية أولا».
قالت: «حسبك واحدة» بلهجة من يكظم زفرة طويلة حارة.
ثم رفعت إلى وجهها فقرأت في صفحته: «إني أخشى أن أرعبك إذا أنا كشفت لك عن حدة رغبتي في الاستسلام لعواطفى! كلا! لست بالفاترة التي تراها وإني لأحس أنه كان الأولى ألا أحيا بهذه المفاتن إذا لم يكن من حقي أن أتمتع بها. وهل وهبني الله إياها ليتمتع بها الناس دوني؟!».
«ومع ذلك ألحت أن نعود!!».
وأكب ينظر إلى الأرض برهة وجعل يقتلع الحشائش ويعبث بها ويقول: «ولها نظرة إنكار أو شك تلقى إليك بها بجانب عينيها، كلها تصديق وكلها تكذيب، كأنما علمتها الأيام أن تستريب ولا تطمئن إلى ما تسمع وأن تعد عبارات الحب والعطف ملقًا ودهانا، أو لهوًا وعبثا، ولكن شبابها يغريها بالركون إلى ما يدرك عقلها الذي نضج قبل الأوان أنه «ألفاظ ألفاظ» كما يقول هملت! فيالها من نفس ظامئة! ما أقسى الحياة التي تحمل زهرة ليس لها غير الحسن قوة، وما تنوء به الشجرة الضخمة!».
ثم التفت إلى فجأة وسألني: «وكم تظن عمرها يا صاحبي؟ إنها لا تزال في العقد الثاني من حياتها! فلشد ما أخشى أن تذبل هذه العين وأن تخلو من المعنى لحاظها! لقد جالستها ثلاث ساعات طوال لم تنطق في خلالها بما يملأ خمس دقائق! وشفتاها مع ذلك تهمان أبدا بالانفراج، ولكن شيئًا يطبقهما ويعيد ما يحاول أن ينفذ من بينهما، إلى صدرها فيعلو ويهبط وتظل الشفتان مطبقتين! ولقد قلت لها جادا: «هنا شئ يجثم على هذا الصدر»، فأدارت إلى بعض وجهها ونظرت إلى بمؤخر عينها وقالت واللمعة شائعة في العينين والتحجر مرتسم على الشفتين: «أي شئ؟». قلت: «لا أدرى! ولكن هنا شيئًا على التحقيق! وأراهن!». فهزت كتفيها كالاَسفة وقالت: «لا! أبدًا!!». فألحفت في المسألة وداورتها فلم يجدني ذلك ولم أفز بطائل، فليت لساني كان في فمها! إذن لنطقت عنها ولرفهت عن هذا الصدر المثقل بما لا تحسن العبارة عنه! وهل هو إلا الظمأ إلى الحب؟! هو ذاك على التحقيق … الظمأ إلى ما تحلوها عنه الدنيا وتحرم عليها أن ترد شرعته وتعب فيها كخلق الله: وماذا عسى أن يكون غير ذلك وهي فتاة غضة الإهاب تنأى بها ظروف لا حيلة لها فيها الآن على الأقل عن الزواج وتتقاضاها هذه الظروف عينها أن تبقى عفيفة محصنة؟ شبابها وجنسها يأمرانها أن تنشد الحب وأن تنشد به الحياة والنسل، والدنيا تأمرها أن ترفض هذا، وأن تخرس اللسان الذي يدعوها إليه، وتضع أصابعها في مسمعيها دون الصوت الذي يناجيها به: وأي لسان؟ وأي صوت؟ إنه لسان الجمال الذي يعيدنا جميعًا وصوت الحياة التي تسخرنا ولا ترحمنا ولا تعفينا ولو مقدار ثانية من الإذعان والامتثال. فكر في هذا ثم أنكر وهز رأسك بعد ذلك إذا استطعت».
وبعد إطراقة قصيرة أخرى: «وتالله ما كان أقسانى عليها، وأعنفنى بها، وأقل ترفقي بهذا القلب الجديد، حين قلت لها وقد ساقني الحديث إلى ذلك: «إن في وسعك أن تستغنى عن زوج بل أنت لا معدي لك عن ذلك ولا خيار لك فيه، ولكنه ليس في مقدورك أن تستغنى عن رجل». ولقد لبثت بعد ذلك وقتًا أعتذر عن نفسي من هذه القسوة بالقول بأني أحسنت إليها بالعبارة عما في نفسها وبأن دللتها بكلامي هذا على مكان الجرح من قلبها ووضعت أصبعها عليه، ولكني أخشى جدّا أن أكون قد نكأته!».
– «وماذا كان جوابها؟».
– «لم تجب بشئ سوى نظرة طويلة إلى الفضاء! وماذا كنت تتوقع منها؟ أن تنكر أن لها جنسًا! ولقد خاصرتها وأنا أعود بها في هذا الطريق بعد أن انحدرت الشمس فلم تنح ذراعي عن خصرها ولم تتحرك لذلك شعرة واحدة في بدنها! فكأني كنت مطوقًا بذراعي الحي هذه دمية لا تستطيع أن تحس حراراته».
– «وماذا أنت منها الآن؟ إني أخشى …».
– «وماذا أنا منها؟ لا شئ على الخصوص! أحب أن أراها من حين إلى حين وأن أستشف نفسها وأطلع من عينيها على المغيب في ضميرها. وسم ذلك حبّا إن شئت، أو سمه لهوًا فما يعنيني كيف تصفه، وما أعرفني عبأت قط بهذه الألفاظ. ولكني لا أكتمك أنى أعطف عليها وأرثي لها وأحسبني إنما أعطف على نفسي في شخصها فإن بي منها مشايه. غير أن بيننا حوائل تتعاظم المجتاز، وجونًا عريضًا يعيي ساقي أن تتخطياه. وليتني أدرى كيف أحييها وأرد إليها روح الشباب الذى تقمعه الأيام قبل الأوان! ولكني كبرت واأسفاه. وفقدت أنفاسي حرارتها … والنساء عندي كتب تقرأ وموضوعات تدرس لا جمال يعشق. ولقد كنت في زماني شاعرًا أو شبهه، وكان للدنيا بنفسي حلاوة، ولكني أصفيت بعد أن نضب معين الشباب وعدت كما تقول يا صاحبي «كأني من دمائي أشرب».
قلت: «قم بنا عن هذا المكان فقد أوجعت رأسي وسودت الدنيا في عيني. تالله ما أجهلك بالدنيا وبصاحبتك»! قال: «لقد كان لا بد لى من مكاشفة صاحب بما في نفسي وقد فعلت، فاستحمقنى إذا شئت، ولكن خل رأيك لنفسك فما أحفله كيف يكون ما دمت أجهله».
ونهضنا نعود فسمعته يقول في بعض الطريق: «لقد كبرت». ولا أدرى كيف حدث منى هذا: ولكني رأيتني أبتسم وأدفع ذراعي حول خصره وأطوقه بها فانتفض مذعورا وصاح بي «أيها الشيطان اللعين».

الفصل السابع عشر
نشأة الشعر وتطوره


كنت في ليلة أقلب ديوان ابن الرومي وأدير عيني في صفحاته متأملا ورقها دون ما حوته من الشعر، ولم يكن مرادي أن أقرأ شيئًا بل أن أحول بين العين والمطالعة، وكانت الرغبة فيها شديدة لكن الأطباء يعظوننى ألا أجهد عيني بالقراءة على ضوء المصابيح. وما أدراك ما الأطباء؟! هم الذين يقول فيهم إديسون على ما أذكر: إن المغول والتتار كانت غاراتهم كثيرة قبل أن يعرفوهم، فلما ظهر الأطباء بينهم وكثروا — إلى حد — عندهم انقطعت الغارات!!
ولنرجع إلى صاحبنا ابن الرومي فنقول إني بينما كنت أجيل عيني في ديوانه غير معتمد شيئًا على التعيين استوقفني قوله من قصيدة يهجو بها البحتري، وكان معاصرًا له:
قبحًا لأشياء يأتي البحتري بهامن شعره الغث بعد الكد والتعبكأنها حين يصغى السامعون لهاممن يميز بين النبع والغربرقى العقارب أو هذر البناة إذاأضحوا على شعف الجدران في صخب ولا نعرف ما رقى العقارب ولكننا نعرف ما يعنى بهذر البناة على شعف الجدران، فهي ما ينشدونه ويرددونه في أثناء عملهم من الأغاني الساذجة. وقد ذكرت لما قرأت هذا، بالليلة يومًا وبالبيت موضوعًا له قيمته في نشأة الشعب.
فأما اليوم فكان في الأقصر منذ عامين وبضعة أسابيع وكنا — أنا والأستاذ الدكتور حسين بك هيكل — في معبد الملكة حتشبسوت فيما يسمى الآن «الدير البحري» وهو معبد منقوب في الجانب الشرقي من وادى الملوك وممتد شرقا إلى الصخور التي تفصل الوادي عن سهل طيبة. إلى هذا المعبد أقلتنا مركبة ذات عجلات عريضة هي شر ما يحمل إنسانًا فوق تلك الأرض الصخرية. وكان النهار قد انتصف فاتخذنا من الحجارة كراسي ومن صخرة ضخمة هناك مائدة تناولنا عليها طعامنا بين أعمدة البهو الأسفل عند مدخل المعبد وحولنا رسوم ونقوش محت الأيدي والأيام بعضها ولم يبق منها واضحًا سوى صف من الجنود يحملون عدا السلاح أغصانًا وألوية يقابلهم فريق من الرماة وإلى اليسار صور قصابين وكهنة يعدون الضحايا والقرابين، وفوق هؤلاء وأولئك زوارق تنحدر على النيل وفيها مسلات.
فلما أصبنا حظنا من الطعام رقدنا على الأرض وأسند كل منا رأسه إلى حجر سد مسد الوسادة. وإنا لكذلك وإذا صوت فضي النبرات يصافح آذاننا فراعتنا حلاوته وضاعف حسن وقعه ما يحيط بنا في هذا الوادي القفر من الأطلال وما تثيره في النفوس من الخوالج والذكريات. وسألنا الحارس فقال هؤلاء عمال يحفرون الأرض ويرفعون التراب عما يظنه مستأجرهم أثرًا أو قبرا، وعادتهم أن يغنوا وهم يعملون … فاعتدلنا حيث كنا وجعلنا بالنا إلى هذا الصوت وكان صاحبه كلما غنى شطرًا أجابه جمهور الفعلة ورددوا على أثره جملة لا تكاد تختلف يعيدونها ويرجعونها بعد كل وقفة منه. وكان الوزن ظاهرًا فيما يغنى الصبي وتعيد الجماعة، فحاولت أن أدون ما ورد سمعي من ناحيتهم ولكن بعد ما بيننا وبينهم حال دون الدقة في النقل وضبط في الرواية وعلى أن ما أثبته من ذلك قد ذهب لا أدرى أين؟
وهذا كل ما اهتديت إليه:
أنا أجول للزين سلاماتعلى حسب وداد جلبيخبط الهوى على البابجلت الحبيب جانيأتاريك يا باب كدابتنهد من عالي ولقد كنت أحب أن أورد للقارئ سطورًا أخرى من ذلك ليس أعون منها على تبيين ما أريد أن أقول، غير أنه يعزيني عن فقد ذلك أن القارئ لا يعيبه أن يجد بديلا يقوم مقام ما ضاع منه، وما عليه إلا أن يلاحظ النوتية وهم يعملون في زوارقهم أو سفنهم أو العمال وهم ينقلون الأحجار أو يحفرون أرضًا أو يجرون ثقلا أو نحو ذلك، فإنهم في أكثر الأحيان يغنون ويتسلون بمثل ما كان جماعة العمال في طيبة يغنون ويتسلون … وأكثر ما تجد ذلك في القرى النائية عن الحواضر وفى حيثما يحتاج العمل إلى أيد كثيرة تشتغل معًا وفى وقت واحد، غير أن هذه الأغاني ليس لها ضابط أو صورة نهائية. إذ هي لا تنفك تتغير ولا تثبت على صورة واحدة بل تنشأ وتتحول ويطرأ عليها جديد يوقع على أنغام قديمة أو تغنى مقاطيع منها قديمة على ألحان جديدة. وقد يثبت ما يردده المشتركون في الإنشاد ويتغير ما يغنيه الفرد، وفى وسمع المغنى الذي يكون كالزعيم للجماعة أن يبتكر ما يشاء ويرتجله وأن يستحدث في المأثور الذي يحفظه ويقدم ويؤخر فيه ويمضي في ذلك كله إلى غير غاية مستمدّا من ذاكرته أو من وحي الساعة أو من إلهام العاطفة التي تتملكه أو من هاتيك جميعًا. فليس أسهل من الارتجال في مثل هذا الموقف. والقارئ إذا تدبر عصور الشعر العربي خليق أن يتبين منها أن الارتجال يكثر في أولاها أي في العصور التي يكون الناس فيها متقاربين متشاكلين لا يتميز بعضهم عن بعض كثيرًا. والمرء إذا ألفى نفسه بين أترابه وأنداده اطمأن وأرسل نفسه على سجيتها لأنه في هذه الحالة يضمن المقدار الكافي من التعاطف إذ كان بين مماثلين له.
وهذه الأغاني التي نتكلم عنها كثيرة في المدن والقرى وإن كانت في القرى أكثر منها في المدن. ولكن ما أقل ما يستطيع المرء أن يدون شيئًا منها على أنه مثال لها وعنوان عليها! ذلك أنها كالتيار العام قطرة منه أو ملء ما شئت عمقًا واتساعا، ليس بالتيار! كذلك يكتب أحدنا مقطوعات يسمعها من هذه الأغانى القديمة المتجددة كموج البحر فإذا هو لم يفز بشىء لأنها لا تستقر على حال ولا تثبت كما أسلفنا على صورة.
ودع الحاضر وارجع إلى الماضى وصور لنفسك جماعة من الناس لا يزالون على الفطرة لم يأخذوا من المدنية بنصيب ولم تقسمهم الصفات الشخصية والملكات العقلية طوائف ولم يفرق بينهم اختلاف المراتب وتباين الأعمال وتعدد الآراء. وتلك مرتبة من الحياة لا تكون فيها أبواب التعبير الطبيعى موصدة ولا يجهل فيها المرء — أو لا يحس أنه يجهل — ما يجرى فى ذهن جاره أو رفيقه ولا يستحى أن يعرب عمّا يجول فى خاطره ويجيش به صدره مخافة ألاّ يفوز بالعطف والتقدير إذ كانت حدود الفرد هى حدود التقاليد المشتركة بين الجماعة كلها. فى هذه المرتبة من الحياة كيف تكون نشأة الشعر؟ يكون — كما هو ظاهر بالبداهة فيما نظن — عملا من أعمال الجماعة كلها وملكا لها لا لفرد، ويجيء تاليًا للرقص والغناء وتابعًا لهما ومتفرعًا عنهما وغير منفصل منهما … فإن شككت في أن الأمر لابد أن يكون كذلك فقل لى أيهما تظن كان أسبق في تاريخ الإنسان: الحركة أم اللغة؟
نحسب أن الجواب على هذا لا يمكن أن يتعدد! فإن الإنسان قد صدرت عنه الحركات قبل أن يعرف أن له لسانًا يمكن أن يكون أداة لنقل الإحساس أو الخاطر إلى زميله الإنسان … فالحركات البدنية أسبق من اللغة على التحقيق. ولكن هل الوزن كذلك؟ تقول نعم ولا تتردد لأن الوزن ليس شيئا سوى الانتظام في الحركات فهو أشد ارتباطًا وأسهل مسافة لحركات الجسم، وما زالت الإشارات والحركات من متممات التعبير اللفظى إلى الآن. واللغة ليست إلا أداة للتعبير تحل تدريجيّا محل ما كان قبلها هو الأداة لهذا التعبير، لأن العبارة عن العاطفة بالحركة الموزونة على تدفقها، أسهل — ومن أجل ذلك كانت أسبق — من العبارة بالألفاظ التى انتظمت بها الأصوات وتعينت واستقرت على معان صارت محدودة مألوفة.
ومتى انتظمت حركات المجتمعين واتزنت على مقتضى العاطفة المشتركة بينهم — لفرط تماثلهم — كان من المعقول بعد ذلك أن تخرج الألفاظ مستوية في ترتيبها على وزن هذه الحركات، وعلى ذلك يكون أول ما عرف الإنسان من الشعر هو عبارة عن لحن موزون يند عن أفواه المجتمعين إذ كان جاريًا على ما تتطلبه وتؤدى إليه الحركات التى يشتركرن فيها ويؤدونها معا على نسق واحد وعن عاطفة عامة شائعة بينهم على السواء، وليس من الضرورى ولا من المفروض أن يكون لهذا اللحن معنى معقولا لأن كونه معقولا أو غير معقول مرجعه إلى الفكر، ولكن العاطفة أسبق في تاريخ النشوء الإنساني من الفكر.
إذن كان الشعر لأول ما عرفه الإنسان ألفاظًا مجموعة تكرر، وأسماء تتخلل الألفاظ، وعبارات لها قيمتها الإيحائية عند الجماعة لا أكثر، على الأرجح، وصرخات تند بين ذلك، مصبوبًا كل هذا في قالب موزون على حركات الجماعة في حفلاتها المختلفة لمناسبة زواج أو وفاة أو غير ذلك … ومعقول أن تكون الإشارات أو التلحين أبرز من سواهما في هذا الطور الساذج.
ثم ماذا؟ ثم يا سيدى يجد عامل جديد يؤدى إلى التطور. كانت الجماعة متشاكلة الأفراد ولكن التميز يحدث، ويقوى الشعور بالذات شيئًا فشيئًا ويزداد الإحساس بالاستقلال ويبرز الفرد تدريجيّا ويأنس من نفسه مالا يأنس غيره من نفوسهم فلا يقنع بأن يبقى في حلقة الجماعة يردد ما يقولون وليس له من الشأن إلا مثل ما لكل منهم، ويندفع مجترئا على التقاليد — لأنه لا يسعه إلا هذا — ويعلو بصوته أصواتهم فيروعهم فتخفت أصواتهم قليلا ويمضون في حركاتهم ولكن عيونهم تتعلق به وآذانهم ترهف له فإذا به يستحدث مالا عهد لهم به ويدخل على ما كان قصاراهم أن يفعلوه، حوارًا مرتجلاً يقص به قصة ساذجة بطبيعة الحال. فيحسن وقع ذلك فى نفوسهم ويطيب لهم أن ينصتوا ولكن الطفرة محال كما يقولون فلا يصمتون كل الصمت بل يتعلقون بعبارة مما يسمعون منه فيرددونها وراءه كلما سكت.
وليست هذه بالخطوة القصيرة. فقد كانت الجماعة قبل ذلك هي المؤلفة للأنشودة — إذا جاز إطلاق هذا اللفظ على ما كانوا على الأرجح يتصاخبون به — وليس للفرد الأمثل ما لسواه من الفضل. ولكن الجماعة بعد الآن بدأت تقتصر على الرقص والإشارات وتجتزئ بسماع ما يصيبه فرد في آذانها وبترديد عبارة معينة لا تعدوها وصار عمل الفرد في ابتكار القصة أو الحوار أبرز وأظهر وهو يروى ويقول ما تحضره الظروف في ذهنه وتجريه في باله وعلى لسانه، وهى تكتفى مما كانت تقوم به بمشاركة هذا الفرد في حالته النفسية وبترديد ما يوكل إليها ترديده.
ئم تتوالى الخطوات متتابعة متلاحقة كالعلة تدور بصعوبة في مبدإ الأمر ثم تزداد إدارتها سهولة بعد ذلك. فيتضاءل عمل الجماعة من الاشتراك في التأليف إلى الاقتصار على الترديد إلى صيرورتها معينة بحركاتها للفرد على المحافظة على الوزن، ونمثل لذلك بفرق المغنين عندنا. تجتمع طائفة منهم هذا بعوده وذاك بقيثارته وذلك بقانونه أو مزماره وغير هؤلاء بحناجرهم! ثم يفتتحون العمل بتوقيع موسيقى لا يصحبه غناء ثم بموشح يوقعونه ويغنونه معًا حتى إذا انتهوا من ذلك شرع زعيمهم يغنى صوتًا ينفرد هو بأكثر مقطوعاته ويشترك معه الباقون في بعضها، وقد يغنى بعد ذلك موالا لا يشاركه فى غنائه أحد ولكن يظل ينقر له الموسيقى على وتر معين ليساعده على الاستمرار على تصور الصوت وعدم الخروج عنه. وليس هذا سوى مثل ضربناه تقريبًا للمسألة من الأفهام لا لنقيس هذا على ذاك.
وهكذا يختفى أثر الجماعة تبعًا للتطور ويظهر الفرد حتى إذا تألفت تأليفًا سياسيّا وانتقل بذلك مركز الثقل ظهر الشاعر الفنى المستقل عن الجمهور وصار أمر الشعر كله إلى الفرد وأصبح هذا الشعر ديوانًا تقيد فيه الأخبار وتسجل حوادث التاريخ وأعمال الأبطال فيتسع الأفق ويرحب المجال أمام الشاعر ويغشى غمار الحرب والسياسة بعد أن كان لا يلم قديمًا فى شعره بغير المرأة، ويركض فى حلبة الحوادث العامة التي تمس حياة القبيلة أو الأمة ولا يقتصر على ما له علاقة بالأسرة أو النفس. وهكذا …
والجماهير يبقى لها شعرها الخليق بمستواها. ولكنه لا يتقدم ولا يترقى. لأن مستوى الذكاء المتوسط يمنع شعر الجماهير أن يعلو ويسمو. وهذا هو حده. أما من يمتاز من الأفراد عن هذا المستوى ويرتفع عن طبقة الجماهير وحاجاتها وأذواقها فلا يبقى له محل إلا بين من يستطيعون أن يقدروا مزاياه التى انفرد بها وخلت به عن الجماهير. وإن أحدنا ليسمع الأنشودة في الأقصر ويسمع أخرى في القاهرة وثالثة في غير هاتين المدينتين فلا يملك إلا أن يحس كأن واضع هذه وتلك واحد إذ لا خلاف ولا فرق إلا فى النطق وإلا فيما تدعو إليه الأحوال المحلية التي لا تقدم ولا تؤخر ولا تمنع التشابه بل التطابق فيما هو جوهري.

الفصل الثامن عشر
المرأة واللغة


أول معجم وأقدم ديوان
يقول شاعر قديم:
كتب الحرب والقتال عليناوعلى الغانيات جر الذيول! وبهذا البيت المفرد لخص وظيفة الجنسين في نظره أوجز تلخيص وأقر به إلى الصواب وأشبهه بالحق. ولكن القافية جنت على المرأة، وساعدها في جنايتها عليها وظلمها لها تعصب الرجل لجنسه. ولعله بعد لم يعد ما كانت عليه الحال في زمنه، أو لعله لم يقصد إلى المقابلة بين وظيفة الرجل في الحياة ووظيفة المرأة فيها وإنما أراد أن يؤكد عظم ما هو موكول إلى الرجل ويجسم خطره ومشقته ويبرزه في أقوى صورة بأن يرفع قبالته ظاهر ما تكون عليه المرأة من خلو البال وفراغ اليد والاطمئنان والتنعم بمجهود الرجل. وعسى أن يكون قد شكا وتضجر من حيث أراد أن يباهى ويفخر. غير أنه على أى وجه قلبت بيته وإلى أى تأويل أخرجته، قد ظلم المرأة وغمطها حقها وجنف في حكمه وقسا عليها فيه وليس قى مقدورنا أن ننصفها نحن من كل وجه بمقال واحد، ولكنا على هذا سنحاول أن نصف بعض ما قامت به في تكوين هذه اللغة وفى تمكين رصيفنا القديم من إرسال بيته هذا الدائر على الألسنة إلى يومنا الحاضر. وما إلى ذلك من سبيل بغير أن نرد عقربى الساعة بضع مئات أو آلاف من السنين علمها عند ربك، وأن نكر راجعين إلى تلك الأيام البعيدة التى كانت الجماعات الإنسانية فيها ساذجة. أيام كان مكتوبًا على الرجل أن يخرج للصيد والقنص، والقتال أيضًا كما يقول شاعرنا، وعلى المرأة أن تقيم في مكانها لتعد الطعام ولتغزل وتهيئ الجلود وتصنع الأوانى وتأتى بالماء وتبنى الأكواخ وترضع الأطفال وتقوم على تربيتهم بينما يغشى الرجل الأحراش والأدغال والغاب ويفترع الجبال وينحدر إلى الأنهار.
ولنفرض الاَن أن الحرب نائمة وأن الجماعة تزاول شتى أعمالها في أمن وسكون. في مثل هذه الأوقات يصبح الرجل فيحتمل أدواته كائنة ما كانت ويذهب إلى الماء لصيد الأسماك أو يصعد في الجبل أو يمضى إلى الغابة ليقنص الحيوان. وقد يخرج الرجال في طلب الصيد بأنواعه زرافات ولكنهم لا يلبثون بطبيعة الحالة أن يتفرقوا ويتشتتوا ولو قليلا، ويضطرهم ما هم فيه إلى الصمت أكثر الوقت لأنهم وهم يجوسون الأرض على الطريدة مكرهون أن يخففوا الوطء وأن يمنعوا الجلبة وأن يكتفوا حين يريدون التفاهم فيما بينهم باللمح والإشارة على الأكثر حتى لا يزعجوا الطير أو الحيوان فيفلت منهم وينجو. والمفاجأة هنا نصف الظفر ولا يكون الكر منجحًا إلا بتحريها، وقديما قال ابن الرومي:
وليكن الكر على غرةوالصيد فى مأمنه سارب ومن أجل هذا لا يحسن بهم أن يتلاغطوا كأنهم في سمر، فلا معدى لهم عن الصمت في غاراتهم ولو كانوا كردوسًا متلاصقًا ليصيبوا الغرة ويقعوا على الفريسة. وليس معنى ذلك أنهم لا يتكلمون قط بل معناه أنهم أكثر ما يكونون في صمت يتواصون به ويلزمونه حتى يقضوا وطرهم ما ساعفتهم القدرة على الصمت وأطاقوه لأن طبيعة المهمة تقتضى ذلك وتحتمه إلى حد كبير. أما قبل أن يبلغوا مكان الصيد فهم يتلاغطون ويتضاغون ويعربون ما استطاعوا عن آمالهم التي يرجون أن يبلغوها في يومهم وعما يقدرون لأنفسهم من اللذة والمتعة في السعى وراءها وعما يتوقعون من سرور نسائهم وصغارهم حين يعودون بأكف ملأى وعباب محشوة وقامات معتدلة ورءوس مرفوعة، وقد يصف بعضهم لبعض ما كان في يوم سابق، وربما تضاحكوا بواحد منهم عثر وانكب على وجهه وهو يعدو وراء الطريدة أو رفسته فخر إلى الأرض أو انكسر به غصن فهوى وتدحرج … وأما وهم عائدون فقد يغنون ويرقصون سرورًا بما أصابوا ويتحدثون بفعالهم — هذا بسرعته وذاك بإحكام رميته وذلك بجرأته ورابع بكثرة ما أصاب، وهكذا. حتى إذا بلغوا محلتهم ألقى كل منهم إلى المرأة وبه من الزهو ما يصده عن الكلام أو من التعب ما يغريه بالانصراف عنه والتماس الراحة. ولكنهم في أثناء الطرد والصيد يصمتون أكثر الوقت كما قدمنا. ولما كان الصيد يستغرق أكثر النهار فهم أكثر النهار قليلو الكلام!
وندعهم في صيدهم ونعود إلى المرأة. فإذا بها بين أترابها لا يضطرها عملها إلى الوحدة. فهى على الأغلب تباشره في جماعة منهن قليلة أوكثيرة وفى يد كل منهن عملها كائنًا ما كان وهن في أثناء ذلك لا تستريح ألسنتهن في حلوقهن ولا تنقطع عن الجرى، كعادة النساء في كل عصر ومصر. فإن النساء أكثر كلاما من الرجال. وقد يجلس إلى صاحبه وينقضى أكثر الوقت بينهما وكلاهما مطبق الفم. أما النساء فهذا هو المستحيل عليهن! ومتى جلست امرأتان في هذه الدنيا صامتتين؟ إن المرأة لا تصمت ولا تكف عن الكلام إلا إذا عجز لسانها عن الجرى وانقطعت أنفاسها لأن الكلام لا يكلفها نصبا عقليا، وإن الرجل منا ليشهد مجالس النساء فلا يسعه إلا أن يعجب لهن من أين يأتين بمادة الحديث! لقد كنت أعد نفسى في الرجال مهذارًا كثير الثرثرة فإذا بإحدى السيدات الفضليات تزعمنى صموتا!! وما أكثر الرجال الذين يشكون من متاعبهم العائلية عجزهم عن مواصلة الحديث الفارع وتقصيرهم فى واجب الثرثرة!
واللغة الكلامية إنما تتقرر وتصقل ألفاظها بالتكرار، وليس يكفى أن ينطق فرد بكلمة أو ينحتها ويستعملها مرة وإنما تشيع اللفظة ويعم استعمالها بتكرر الحاجة إليها وكثرة ترديدها من جراء ذلك. ولقد نحت جونسون الكاتب الإنجليزى المشهور مئات من الألفاظ من اللغة اللاتينية واستعملها في كتاباته وعدل بها عما يؤدى معناها من الكلمات الإنجليزية المستعملة وآثرها عليها لموافقتها لمزاجه ولما فيها من الطنطنة المرضية لذوقه.
ثم مات جونسون وذهب في سبيل من غبر، فدفنت ألفاظه التى نحتها معه ولف عليه وعليها كفن. ولم يعش بعده منها إلا النزر الذى سد حاجة وملأ فراغًا. وكم في لغتنا العربية مثلا من ألفاظ يخطئها الحصر لا تدور على الألسنة ولا تجرى بها الأقلام؟ كم يستعمل حتى أشد الناس حذلقة من هذه الألفاظ الميتة؟ ما حاجتنا إلى خمسمائة اسم للسيف أو صفة له على الأصح ونحن لا نكاد نذكر السيف؟ فموافقة اللفظ للحاجة وتكرر استعماله ولوكه مرة بعد أخرى، هذا هو الذى يذيع اللفظ ويشيع استعماله ويجعله مادة حية فى اللغة. وفضل النساء فى ذلك عظيم. هن الثرثارات اللائى يخدمن اللغة ويقررنها بالتداول ويشعنها فى الجماعة ويدرنها على ألسنتها ويثبتنها فى الذاكرة. يجىء إليهن الرجل بقنصه ويقص عليهن ما جرى له فى يومه وقلما يعيد القصة ولكن المرأة تحكيها لأترابها مائة مرة ومرة وعلى مائة صورة وصورة، تارة بإفاضة وأخرى بإيجاز وطورًا توشيها بأخيلتها الحسية وطورًا تطرزها بوصف هيئة الرجل وهو يلقى قصته، أو بنعت ما تقدره فيه من المزايا والصفات، وتخرج من ذلك وتستطرد إلى مائة موضوع اَخر قد يعيى الرجل أن يلمح الصلة التى تربط هذه المواضيع بالحكاية الأصلية. أضف إلى ذلك ما لا تفتأ تتحدث به عن عملها أو أعمالها هي وأكثرها في الأطوار الأولى من نشوء الجماعات الإنسانية صناعى أو أدخل فى باب الصناعة مما عداه. والأطفال؟ أليس يدع الرجل أمر تعليمهم الأول إلى المرأة؟ هى التي تغذى الطفل وتنشئه وتعلمه الكلام بما لا تنفك تصبه في أذنيه من عبارات لها معنى أو ليس لها معنى. وتفعم له ذاكرته بالمحصول الأول من اللغة، وتعد له أول ما يلزمه من الذخيرة في رحلة حياته. فليست المرأة فقط عاملا لا يستهان به في تقرير اللغة الكلامية وصقلها بل هي أيضًا أول معلم نتلقى هذه اللغة عنه ونحذقها منه.
ولا نريد أن نقف هنا أو نقتصر على هذا، بل نجاوزه ونقول إن المرأة من أكبر عوامل التوحيد في اللغات أو التشابه بينها. ذلك أن المرأة لم يكتب عليها الحرب والقتال كما يقول شاعرنا القديم. وإنما كتب ذلك على الرجال دونها. ولم يتصل بنا ولا قرأنا أن النساء في أى عصر كن يقاتلن إلى جانب الرجال ويتولين الحرب مثلهم. ولكنهن مع ذلك كتب عليهن السبى. يلتقى الجيشان ويقتتلان ما شاءا حتى يقهر أحدهما خصمه. وليس يندر ولا سيما في الحروب القديمة أن يعمل الظافر السيف أو ما يقوم مقامه من أدوات الطعن والضرب في أقفية المنهزمين وأن يتعقبهم إلى ديارهم وأن يقتل منهم حتى من يضعون السلاح ويسلمون. ولكنه ندر أن يقتل المنتصرون النساء وإنما يسبونهن ويحملونهن معهم في عودهم إلى محلاتهم في جملة ما يحملون من غنائم الحرب ويقتسمونهن اقتسام غيرهن من الأسلاب.
وقد كانت الحروب في الأزمنة السابقة أكثر وإن لم تكن على هذا أفتك أو أهول منها الاَن، وقل أن كانت تنتهى حرب بدون سبى. بل لعلنا لا نخطىء جدّا حين نقول إن الرغبة في السبى كانت من أكبر مثيرات الحروب وبواعثها.
فهل يحسب أحد أن الخود اللواتى كن يسبين في حروب آبائنا الأقدمين كانت تقطع ألسنتهن وتقتلع من أصولها أو توضع على أفواههن الكمائم؟ لسنا نظن أحدًا سيدعى ذلك أو يقول به. وكيف كان يحدث التفاهم بين المسبية ومن صارت من نصيبه؟ كان يستعصى ذلك فى أول أيام المعاشرة وكانت الإشارات والحركات وملامح الوجه ونظرات العين تغنى فى ذلك بعض الغناء ثم يعتاد كل منهما أن يقرن اللفظة التى يسمعها بالحركة أو الإشارة أو النظرة أو غير ذلك مما يصحبها ويفهم منها ما يستخلصه من اجتماع ذلك. فيزيد محفوظه ومحفوظها ويدخل فى لغتها ولغته الجديد من الألفاظ والأوضاع وطريقة التعبير يؤدى ذلك مع التكرار إلى التقارب من بعض النواحى بين اللغتين.
ولقد ذكرنا الحرب ولكنها لم تكن الوسيلة الوحيدة لإحداث هذا الاختلاط والتشابه بين اللغات. فقد كانت الهجرة كثيرة والخطف مستمرا، ولما كانت المرأة بطبيعتها أو بطبيعة وظيفتها أكثر كلامًا من الرجل وكان نطاق أحاديثها أوسع ومادتها أوفر وكان سبيها أعم لذلك كان من المعقول أن تكون المرأة صاحبة الفضل الأكبر فى بذر الألفاظ وما تنطوى عليه من الإحساسات والخواطر.
وحتى هنا لا نريد أن نقف. فإنه ليس يكفى أن تخترع اللفظة أو تنحتها أو تشتقها لما تمس الحاجة إلى العبارة عنه. فإن الاحتفاظ بهذه اللفظة الجديدة لازم للغة مثل اختراعها أو اشتقاقها. وليس تغنى اللغة وتبقى لها ثروتها إلا بهذا الاحتفاظ ولا أعون على ذلك من المرأة … ولا تنس أن كلامنا كله دائر على الماضي البعيد لا على الحاضر ولا الأمس القريب.
وكما أن المرأة كانت أحسن معاجم اللغة، كذلك كانت أداة المحافظة عليها وتوريثها الأجيال التالية. ذلك أن المرأة هى التى قامت بالصناعات اللازمة للإنسان بينما كان الرجل يتولى الصيد ويباشر الحرب. وهذه الصناعات بقيت على الأيام لأنها من ألزم اللوازم الأولية، وقد طرأ عليها تحوير كثير وتولدت منها أخرى وتعددت وتنوعت، ولكن الحقيقة بقيت دون أن يلحقها تغيير. وهذه الحقيقة هى أن المرأة هى مخترعة الصناعات الأولى. ومن غير المعقول كما أسلفنا أن تزاول المرأة أعمالها يوما بعد يوم دون أن يتحدر لسانها بالكلام على ما تفعل. بل المعقول والذى لا يقبل سواه هو أنها كانت تهضب بالكلام وتسح بلا انقطاع، وأنها سمت الأشياء أسماءها وأوجدت لها نعوتها وافتنت فى ذلك وما هو بسبيله إلى المدى الذى استطاعته. ولما كانت أعمالها مستمرة متوارثة فقد ثبت معها ما تعلق بها من الكلام وصار جزءًا أصليّا من اللغة وأتيحت له فرصة البقاء.
وقديمًا لاحظوا أن المرأة على فرط شغفها بالجديد وجريها وراءه وتعلقها به، أكثر «محافظة» من الرجل. ولعله ليس من الخطأ الشديد أن نقول إنها كالذاكرة للنوع. وحسبك أن تتأمل فضلها فى المحافظة على الأساطير والخرافات وأغانى الجماعة وأقاصيصها وحكاياتها. ومن من الرجال يحفظ مثل ما تحفظه المرأة من الأغاني والأساطير؟ إن القارئ خليق أن ينصف المرأة من هذه الوجهة إذا تفضل وذكر جلساته إلى إحدى العجائز في طفولته وصدر أيامه وإلحاحه عليها في أن تقص عليه بعض ما تحفظ من الأساطير والحكايات المروية عن العفاريت والمردة والوحولش وما إلى ذلك. وهى التى تغنى للطفل لينام أو ليكف عن البكاء أو ليهدأ وتسكن نفسه كما لا يحسن الرجل أن يفعل … ونحن الآن في عصر المطابع فلا يسعنا أن نقدر على وجه الدقة قيمة ذلك في العصور الخالية قبل أن توجد المطابع بل قبل أن يهتدى الإنسان إلى طريقة يكتب بها الكلام ويدونه … فى تلك العصور كانت المرأة هي ذاكرة الجماعة ومكتبتها وديوان أخبارها وأغانيها وآمالها وحكمها إن كان لها من ذلك شىء قليل أو كثير. وما زلنا إلى الاَن نرى المرأة أحفظ للأمثال وأشد إحاطة بها. وإذا تدبرنا ذلك كما ينبغى أن نتدبره أفيكون مخطئا من يقول إن المرأة كانت من أكبر العوامل في المحافظة على اللغة وفى صون ثروتها ومساعدتها على الاتساع والنمو تبعًا لذلك؟
هذا وجه أو وجوه مما كان للمرأة من الفضل على اللغة. ثم وجوه أخرى بعضها يسهل الغوص عليه والبعض يشق مطلبه ويعز مناله. ولسنا نستطيع أن نلم بكل أوجه البحث في مقال واحد، ولذلك نرجئ التتمة ولا سيما الفرق بين لغتي الرجل والمرأة، إلى فرصة أخرى.

الفصل التاسع عشر
بين السماء والأرض


كأس على ذكرى
قالت الفتاة للفتى — إن كان ابن خمس وثلاثين يعد في الفتيان: «هذا أنا … قد جئت …».
فمد إليها يده، ولكنها لم تصافحه، فقال: «أهو كبر ما بنا أم جفوة؟».
«لا كبر ولا جفوة … وإنما أنا مغيظة».
«منى؟».
«كلا!».
«ممن إذن؟».
«لماذا تسأل؟ … من نفسى …».
«مسكينة يا فتاتى؟ وماذا صنعت مما يورث كل هذا الأسف؟».
«لست آسفة على شىء … وهذا ما يغضبنى! ولو وجدت للأسف مسا لكبرت في عين نفسي …».
وكانت الليلة مظلمة والرياح كالمجنونة، ولا يكاد أحدهما يحس من صاحبه — وهما مستندان إلى سور السطح — غير صوته، فقال: «أنت في عينى كبيرة وجليلة».
فلان ما كان متجمدًا من نظراتها، وسلس الصعب من جانبها، ورقت حاشيتها، وانسجم صوتها، ودنت منه ووضعت يمناها على كتفه وأقبلت عليه تسائله: أصحيح ما يزعم؟ أحق أنه يكبرها وسيظل يكبرها على الرغم مما فعلت ومما تفعل؟
فقال، وتناول يدها في يده: «وماذا فعلت يا فتاتى؟ أو ماذا تفعلين الآن أكثر من أنك قد جئت تؤنسين وحشتى تحت عيون هذه النجوم؟».
فرفعت وجهها إليه ورمته بعين مفتوحة كمغمضة، وقالت: «أو هذا كل شىء؟».
«كل شئ الآن … إلى الآن».
ولبثا هنيهة صامتين تحت هذه السماء المهولة المتلامحة النجوم، ثم قالت: «ماذا كنت تريد أن تقول لى؟».
«متى؟».
«ونحن على الطعام؟».
فاربد وجهه ولكنها لم تره في ظلمة الليل، ولم تدر ماذا عانى حتى عاد محياه يرف لها بينما كانت هى تجذبه من كتفه وتلح عليه بالسؤال: «كنت أريد أن أقول إن هذا لذيذ» بابتسامة متكلفة.
«ما هو؟».
«كون يدك في يدى!».
فانتزعتها وقالت: «لقد أنسيت أنها في يدك».
«انسيها مرة أخرى!»
«لا أستطيع».
«تناسيها إذن!».
«كلا!».
«هل من سبب؟».
«لا!» ممطوطهّ طويلة.
وتناول يدها وسكتا مرة أخرى وتكلم بينهما الهوى.
•••

وقالت: «لن أفعل هذا مرة أخرى!».
«لن تفعلى ماذا يا فتاتي؟».
«ألقاك هكذا! هى الأولى والأخيرة!».
فابتسم صاحبها ابتسامة فيها من الحنان والعطف عليها وعلى نفسه أكثر مما فيها من صبابة الحب وقال: «لا أدرى أى سحر ضربته على حتى صرت، كلما عزمت أن أروض نفسى على مراجعة الصبر فيك، لا تكاد عينى تأخذك حتى يتحلل العزم — في كل يوم أعالج أن أراود نفسى على مكروهها ثم ما هو إلا أن أراك، أو أن تخطر في القلب ذكراك، حتى أنسى كل شىء سواك، ولا يبقى لى منى إلاك!».
«وماذا تريد أن تصنع بى؟».
«ماذا؟ أريد أن أحملك معى وأخفيك حتى عن عيون أخوتك! هذا ما أريد! إن رأسى ليدور حين أرى أخاك أو ابن عمك أو ابن خالك أو أحدًا من الخلق ينظر إليك! ولكن لك قدرة على المباعدة والمجافاة حين تشائين، وإنى ليخيل لى أحيانًا أن تناسخ الأرواح حق وأنك أنت برونهيلده بعينها يحيط بها سور النار الذى حولها».
«ليتنى كنتها!! ليت حول كل فتاة مثل هذا السور من النار! تمتحن به من ينشد قلبها!».
«بحسبك غرائزك النسوية سورا من النار».
«ولكن ألا تعرف أن ما تبغى عسير لا يقع في الإمكان؟ فما جدوى هذا الذي نحن فيه؟».
«أعرف؟ من أين لى علم هذا؟ كل ما أعلمه أن أهلك حمقى وأنهم يضحون بك في سبيل … لا تضعى يدك على فمى! دعينى أتكلم! إنهم يحولون دوننا تقديمًا لغيرى على، وقد علموا أنك لى لا محيد عن ذلك، عن رضا منهم أو محمولين على مكروههم!».
وفى هذه اللحظة دفعتها الريح إلى صدره فأسكره قربها وأخذ منه شذا شعرها. فضحك ضحكة عصبية ورفع وجهها إليه وأهوى على فمها يقبله في بساطة كأنما كان هذا حقّا له، وهى تجاهد وتعالج أن تفلت من عناقه ويأبى هو أن يدعها.
«إنك …».
وعضت شفتها وردت اللفظة التى همت بها.
«أنا أى شىء؟ قوليها! اقذفى بها في وجهى!».
«وحش! فظيع! هذا أنت! دعنى!».
غير أنه لم يدعها بل ضمها وهو يضحك في رقة وجذل وسكر حتى همست في أذنه:
«لم أكن أعنى ما قلت كما تعلم».
«لم تعنيه أبدًا بالطبع».
وقبلها ثانية.
وقالت وقد تخلصت من عناقه: «كيف تعيدها وقد وعدت ألا تفعل؟».
«أنا؟ متى وعدت؟».
«كيف تسأل يا …».
«يا وحش! قوليها!».
«ولكن أليس لك ضمير؟».
«ضمير؟ يا له من سؤال؟ بالطبع لى ضمير!».
«لا أراك تحفل به الليلة!».
«أنا في شغل عنه! قبلينى!».
«أى فكرة؟!»
«افعلى».
«مستحيل».
«من فضلك».
«مستحيل! قلت مستحيل».
«إذن تعالى أقبلك».
«ولا هذا».
«لم لا؟ ألا يسرك أن تكونى محبوبة؟».
والتفت حول خصرها ذراعه، ووجدت شفتاه السبيل إلى شفتيها، فهل هذا معنى أن تكون محبوبة؟ وهل هى له كما سمعته يقول بلهجة اليقين؟ إنها على كل حال لم تعد تحس أن لها في نفسها كثيرًا أو قليلاً! فيا ليت من يدريها ماذا أصابها ففترها وأفقدها الإرادة والقدرة على ضبط نفسها، وعلى أنها لم تعد تكترث لذلك أو تفكر فيه، فقد كان الدم يتدفق كالمجنون في عروقها!
«أمصغ أنت؟».
«نعم» بصوت تخفته عربدة الشفتين في نحرها.
«إنى أعلم أنى وقعت من قلبك. لا شك في ذلك، وإلا ما فعلت الليلة ما فعلت، ولكن أي فتاة تستطيع أن تفتنك عن نفسك ساعة. وما أحب أن يكون هذا أثرى عندك ولا أن يسهل تلهيك عنى وتعللك بالدنيا. ولقد أردت أن أهبك ما تذكرنى به — ما يطيل ادكارك لى. ألا تفهم الآن لماذا تركتك تقبلنى هكذا؟ إنه الزهو والغرور والأنانية …
«بل قولى إنه الحب …».
«هو هذا وذاك، ولكنى أردت أن تذكرنى …».
«أوتحسبين أن نفسي ستطيب عنك؟».
«أخشى!».
«لماذا؟».
«كل امرئ ينسى القبلة بعد أن تبترد شفتاه».
«من علمك هذا يا …».
والتقت شفاههما في قبلة طويلة، ثم تناولت خديه بين راحتيها وقالت: «دعنى أذهب الآن».
ولكنه ضمها وهو يقول: «أدعك؟ كلا! أنا أيضًا أخشى أن تتسربى في الهواء إذا تركتك».
«كلا! لا تخف».
وعاطته التقبيل وخنقت صوتها العبرات وهى تلح عليه أن يدعها فسألها: «أواثقة أنت أنك تريدين أن تمضى؟».
«كلا! ولكنى واثقة أنه «يجب» أن أذهب».
فخلاها فتراجعت قليلا ثم أصلحت ثيابها وشعرها والتفتت إليه وهى تقول: «لا يشق عليك ما يقول أهلى. وأيقن أنى … على … ولكن ليتنى أكون أنا على يقين من وفائك!».
ومضت أخف من الفراشة!
•••

قال صاحبى: «أنا صاحب هذه الذكرى. وهى كل ما خرجت به، وإنى لأحييها في كل شهر مرة — في الليلة الظلماء المفتقدة البدر — لأن ليلتنا كانت حالكة، ولأن الليل أوقع ما يكون في صدري حين أرسل اللحظ أريد لأخرق به أحشاء الظلماء فتشف لى عن نجوم السماء ويرتد عما دونها كليلا حسيرًا، وأروع ما تكون السماء عندى، حين تتنقل العين في أجوازها المرعبة فلا نقطع منها سوى بيد هائلة عن بيد أشد هولا … كذلك كانت ليلتى وكذلك أريد أن تكون ذكراها في مثلها. فأصعد إلى السطح وأتكىء على السور وأنظر إلى السماء كما كنا ننظر. هي مفتونة بجمالها وأنا يكاد يسحقنى الرعب إذ أجيل عينى في فيافيها اللانهائية وأقول لها فيما أقول كأنما كان يعنينى أن أنغص عليها متعتها: «ثقى بأن هذه السماء ليست مجعولة للإنسان مهما تكن علة وجودها، وإنه لا شىء في الأرض أو فى السماء مجعول لهذا المخلوق الذى يحسبه الفارغون مركز الدائرة ومحور الوجود! بل ليس أقدر من هذه السماء على إشعار الإنسان ضآلته أو لا شيئيته إذا شئت».
فتدير إلى وجهها وتقول وهي لا تفهم حرفًا من كلامى: «ماذا يوجد بين هذه النجوم؟».
فأقول: «يوجد — إن صح التعبير بلفظ الوجود — صحراوات فضاء مظلمة تركها من يعلم السر، بلا شموس، وتوجد أوقيانوسات من الفراغ لا آخر لها يجمد الفكر كلما حاول أن يتصورها. هذا ما يوجد!».
فتصمت ولا يبدو عليها أنها فهمت فأمضى وكأنى أحدث نفسي وقد شعرت فجأة، على كل حبها، كأنما بيني وبينها بعد ما بين الأرض والمشترى.
«وهذه السماء التى يسحق النفس جلالها المرعب! ويهول الخاطر أن يقذف به في أجوازها اللانهائية … ليس جمالها الذى يسحرك بالخالد ولا الباقى! حتى هذه مرجوع وهاجها رماد! انظرى هذا النجم الذى يكاد يخبو وميضه بين أخوته نجوم الدب الاكبر! لقد كان منذ بضعة قرون يخفق مثلها لمعانا! فليس يخلو كل هذا الجلال من دواعى الرثاء!! وتصورى هذه النجوم كلها قد خمدت! تصورى عقلك يتلمس طريقه في سماء مظلمة خبا فيها كل ما كان يضىء!! تصورى عقلك يصطدم في ظلمة الكون بقطعة كابية من هذه الكواكب!! نحى عينك! غضى بصرك من السماء إذا أردت أن تستبقى بشاشة نفسك!».
فتفزع وتقبن على وتسند رأسها الصغير إلى كتفى هذه وتريح خدها على جانب صدرى وتعلق يسراها بكتفى الأخرى فأمسح لها شعرها حتى يزايلها الخوف … وإنى لأراها الآن كما كانت في تلك الليلة وإن كنت أنا هنا وهي هناك: وبيننا ما بيننا من الأبعاد. وآه لو أن كل ما بيننا فرسخ أو فراسخ! إذن لأمكن أن نبتسم! وقد يعزينى — لو أن هذا مما يعزى — أننا، سعدنا أو شقينا، سنذهب كما ذهب من كانوا قبلنا وأن الدنيا ستومض فيها عيون غير عيوننا وتخفق فيها قلوب أخرى، وترهق عقول جديدة، وأنها ستشهد أشجاء طريفة تندب ومسرات ومباهج حديثة تطلب ويستعز بها، على حين نعود نحن كما سيعود كل شئ قبضة من تراب!
ولكني أحيى هذه الذكرى على خلاف ما تتوهم، فإن الهواء هنا لم يهف باسمها ولا خفق على موجاته للشدو بمفاتنها، والعيون التى تجتلى هذا الفضاء الرهيب لم تتلاق مع لحاظها، وظلها لم يرتم على هذه الرمال، وقدمها الدقيقة لم تطأ ذراتها — كلا! ما من شئ هنا يعرفها أويحمل ذكرها على صدره كما أحمل على صدري حبها، فسبيلي أن أعتمد على سور السطح وأظل كذلك حتى أعود وقد شاطرت ما حولي عدم الشعور بها!».
ثم أمسك وقال بعد إطراقة قصيرة: «والآن فلنشرب كأسا على هذه الذكرى».

الفصل العشرون
المفعول المطلق


ليسمح لى القارئ أن أكون كما خلقنى الله، وأن أسوق إليه الكلام على طريقتى التى أوثرها والتى تلاثم مزاجى ولا تنافى ما بنيت عليه. وقد شاء ربك أن يخلقنى بعين لا تفتأ كلما وقعت على شىء تنثنى مرتدة إلى نفسى تدير فيها حملاقها مفتشة باحثة منقبة، ثم يهتف بى هاتف من ضمير الفؤاد أن هات «المسطرة»، فأمد إليها يدى وأذهب أقيس الأبعاد بين ما كنت وما أنا اليوم.
وقد اتفق لى أمس أن أذهب إلى «إدارة الجريدة» في شأن لى فجاءنى من وكلت إليه الإشراف على تحريرها في غيبتى يسألنى أن أراجع كلمة كتبها أحد الزملاء، فيها إشارة إلى اصطلاح نحوى … فلما كان الليل اَويت إلى فراشى وفى مرجوى أن يجيرنى النوم من أوصاب ما أعانيه فرأيت في منامى، وقلما أذكر أحلامى، كأنى بلمتى التى وخطها الشيب — قد عدت تلميذًا، وكان شيخ من أساتذتى، رحمه الله، يختبر الفرقة فى «المفعول المطلق» ولكن الأستاذ كان فيما بدا لى أشبه برئيس جلسة منه بمعلم صبيان، وكان كلامنا نحن التلاميذ «الكبار» أشبه بالخطب والمناقشات البرلمانية.
ثم أفقت من حلمى وابتسمت، فقد ذكرت بحلمى هذا الذى جره على زميلى، أستاذًا لى في التعليم الابتدائى أعياه أن يفهمنى «المفعول المطلق» ويوقفنى على «سره» ويحل لى «لغزه» … وكان كلما عرضت مناسبة، يقول لى «يا بن عبد القادر» — فأقول «نعم».
فيسألنى: ما هو «المفعول المطلق»؟
ولم يكن من عادتى أن أحمل شيئًا — وبخاصة هذا المفعول المطلق — على ظهر قلبى من كتب التعليم. فكنت أقف جامدًا، وفمى مفتوح وعينى إلى وجهه، ولسانى كأنما استل من حلقى، ويدى تغمز جارى الحافظ الذى لا يهمل حتى يهمس بالتعريف المطلوب فألقيه إليه وأهم بالجلوس وقد ظننت أنى نجوت … وكان يعرف أنى مجاج الأذن فيسألنى الإعادة فأتلعثم وألعن من أصبحت على وجوههم! وقد يتجاوز عن الإعادة ويقول «مثل» وهنا الطامة الكبرى!
«مثل»؟! وكيف آتيه بمثال! لما انتهيت منه إلى اليأس من فهمه؟! وكثيرًا ما كنت قبل ابتداء الدرس أتفق مع جار لى أبله على أن ينهض في أثرى ويجيب عنى إذا أعيانى سؤال غير منتظر فكان يبر بوعده ويفعل فيتحول إليه سخط المعلم، ويحل به وحده غضبه، فأدعهما وأقعد وأنجو بهذه الحيلة التي لم تكن تجوز إلا على هذا الجار المغفل!
مر ببالى هذا وما إليه من حوادث الصبا على عهد التلمذة، كما تمر أشرطة الصور المتحركة على عين الناظر، فقلت لنفسى — وأنا مستلق على فراشى — إن من حق المفعول المطلق أن يكون له هذا الشأن في صدر أيامى فقد كان له شأن ضخم في حداثة الدنيا أو من عليها من الآدميين. وكما أن آباءنا الأولين لم يعرفوه إلا بعد عصور لا يعلم طولها إلا الله، من معاناة أزم التعبير عما في نفوسهم كذلك أنت «يا ابن عبد القادر» لا عيب عليك إذا كابدت منه نصبًا.
والواقع أن هذا «المفعول المطلق» يمثل فى تاريخ النشوء اللغوى خطوة انتقال اتسع بعدها الأفق ورحب على أثرها المجال، وتفتحت أبواب التعبير المغلقة. واللغات — كما يعلم القارئ أو كما لا يعلم! — لم يجدها الإنسان تامة ناضجة مستوفية كل ما يحتاج إليه الرجل للعبارة عن مراده، وإنما نشأت على الأيام واتسعت شيئًا فشيئًا على قدر الحاجة وهى لا تزال إلى الاَن — وستظل — تنمو وترحب وتحيط بما كانت تقصر عنه أداتها. ومن شاء أن يقدر فضل المفعول المطلق على اللغة وعلى العقل الإنسانى أيضًا فليتصورها مجردة منه ولينظر إليها كيف تعود؟ أو إلى أى حد تضيق؟ وقد يتعذر تقدير ذلك على وجه الدقة لأننا الاَن ميراث واحد لها جميعًا. ولكن ما دلالة هذا؟ ولأى غرض نورده؟ دلالته القريبة أن الشعوب التي تتشابه لغاتها في هذا وغيره كانت قد اجتازت مرحلة البداوة وقضت أزمنة مديدة في ظل السلام قبل أن تتفرق ويذهب كل منها في ناحية وتكتسب كل لغة على أثر هذا التفرق شخصيتها وطابعها الذى تمتاز به، فنشات في كل شعب أجيال نحتت لنفسها ما تحتاج إليه من ألفاظ الحرب والمغامرة.
•••

دارت بنفسى هذه الخواطر وأنا راقد، وعينى تنظر من النافذة إلى القمر الذي ينام ضوءه اللين على صدري فمددت يدي، إلى المنضدة المجاورة وقد أنساني النظر إلى القمر أنى لم أعد أعنى بإعداد الورق والأقلام إلى جانبي قبل أن أنام وأنى انقطعت منذ سنين عن استيحاء بنات الليل واستلهام طيوف الظلماء، وأنه ردني عن ذاك وصرفني عنه من جعل حاجتي إلى هذه الزجاجات من الدواء.

الفصل الحادي والعشرون
الذكورة والأنوثة


?? فبراير …

… الناس في هذه الأيام آنق أزياء، وأنظف ثيابًا، وأبهج بزة منهم في أى عهد مضى. ولست أذكر أنى قبل خمسة وعشرين عامًا كنت أفنديّا يلبس طربوشا مبطنا بالخوص والحرير، أو يرتدى غير السترة الإستامبولية القديمة ذات الزرارين اللذين يجمعان طرفى بنيقتها على الرقبة والتى يبدو فيها المرء كأنه مربوط من عنقه … حتى الأحذية كانت أكثر ما تكون سوداء، ولم تكن الأقمصة الإفرنجية تتعدد ألوانها وكان الأغلب فيها أن تكون بيضاء لامعة قوراء، ولم يكن الشيوخ يعنون — على الأعم — بإحكام التفصيل ودقة انسجام القفطان أو الجبة على أبدانهم أو بتحرى أن يكون لون «الحزام» مجاوبًا لصبغة القفطان، أو بأن تكون لفة «الشال» على طربوش العمامة بارعة الشكل تخفى من الطربوش بقدر وتبدى منه بقدر.
أما النساء فكان زيهن إذا برزن إلى الشوارع يصد العين عن النظر، ولم يكن الواحد يدرى: أهى آدمية تلك الملفوفة في ملاءتها أم حشوها زف يبعثره الريح؟ فالآن صارت العين تتعب من النظر إلى مجالى الذوق حتى في الطرقات، ودع عنك المجتمعات والسهرات … نعم، لا فرق الاَن مثلا بين أزياء المحصنات وغيرهن، ولكن لا بأس، سيتميزن بغير الأزياء. وصحيح أن الرجال والنساء تقاربوا — حسن أيضًا ليس في الإمكان أبدع مما كان!
?? فبراير …

… لا أدرى ممن سمعت؛ أو أين قرأت هذه العبارة، وهى أن الله سبحانه وتعالى وكل إلى ملك معين من ملائكته أن يسبح بحمده جل وعلا على أن أنعم على الرجال باللحى وعلى النساء بالشعر الطويل. والله وحده أعلم بصحة ذلك ولكنى أحسب الملك الموكول إليه هذا الواجب — إن صح الخبر — قد جدت على صوته نبرة تهكم لاذع … علينا نحن بنى آدم الفانين.
ومع ذلك لماذا؟ أمن أجل أن النساء يقصصن شعورهن ويتشبهن بالرجال في بعض أرديتهن، وأن الرجال يحلقن — معذرة! فسيختلط الأمر بكرهي وكرهكم — يحلقون شواربهم ولحاهم ويتخذون من الثياب ما لا يخلص الهواء بينه وبين الجسم — أمن أجل ذلك يكون الأمر مدعاة لنبرة سخر ترتفع من تسبيحة الشكر؟ إن الصحيح فسيولوجيا هو أن الآدمي خليط من عناصر الذكورة والأنوثة، وأن نسبة هذا الخليط لا معروفة ولا محدودة، وأن درجات التفاوت فيها كثيرة، وأن هذه العناصر يقوى بعضها أو يضعف على مدار الحياة … فلكل واحد من الذكور حظ ضئيل أو كبير من الأنوثة، ولكل أنثى نصيب كذلك من الذكورة، ومن هنا يكون الشاب الذى هو في رأي العين وفى إحساس النفس به وتقديرها لصفاته، أشبه بالأنثى، ومن هنا أيضًا النساء المترجلات أو اللواتى هن بالرجال أشبه وإليهم أقرب.
والمعضل الذى يعنينى أن أحله هو: هل فقد الرجال ما كان لهم فيما مضى من القدرة على اجتذاب المرأة والاستيلاء على هواها بما كان لهم من صفات طبيعية؟ أم أصبحت الرجولة التى كانت تجدى عليهم قديمًا في معركة الجنسية لا تنيلهم شيئًا الاَن؟ أم ضعف إحساس المرأة بهذه الصفات وانحط تقديرها للمزايا الجنسية الطبيعية؟ أو اجعل السؤال من الناحية الأخرى: شهدنا زمنا كانت فيه المرأة إذا بدا منها خنصرها من تحت الملاءة أو ما يماثلها ولمحته عين الرجل شهق وفهق وانتابته كالحمى، فالآن تبدو له نصف كاسية — أو نصف عارية — وما استتر من جثمانها فى حكم الظاهر من فرط الدقة فى جعل التفصيل كفيلا بعرض المحاسن وجلو المفاتن، ومع ذلك لا يكاد الرجل يزيد على الإعراب عن الإعجاب الفاتر، فهل تبرز المرأة الاَن على هذه الصورة المجلوة لأنها تحس أن صفات الرجولة فى الرجل قد ضعفت؟ أم هي بدأت تتجرد وتتزين شيئًا فشيئًا وسايرها هو في إحساسه بجلوتها فألف هذا التجرد والتزين درجة فدرجة فهي أبدا تعالج إن توقظ إحساسه بالجديد فالأجد وهو لا يكاد يألف جديدًا حتى يفتر عن إجابة ما يهيب به منه؟
?? فبراير …

… نسيت أمس الحرب العظمى وما أفقدت الرجال وكلفت جنسهم من خسارة فادحة في مادة الرجولة لا تعوض في الأجيال، وكيف احتاج الأمر أن يحل النساء محل الرجال وأن يملأن فراغهم في شتى الأعمال، وكيف أنمى ذلك صفات الذكورة فيهن، وكيف تحفظن بالمنزلة التي رقين إليها ولم ينزلن عنها، ثم انتقلت عدوى ذلك من الغرب إلى الشرق كالعادة.
مثال لتأثير الحرب … موافقة مجلس العموم الإنجليزى بسهولة وسرعة على تخويل المرأة حق النيابة عن الأمة كالرجل، وقد ظلت النساء في إنجلترا يجاهدن أعنف جهاد بضع عشرة سنة لينلن حق التصويت فقط! إلخ إلخ.

الفصل الثاني والعشرون
الإنسان مخلوق غير شريف


?? فبراير …

… يخيل لى أن الشرف والنزاهة وعفة اليد وسائر ما يجرى هذا المجرى، مما لم يركب في طبع الإنسان ولم يفطر عليه. ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن الإنسان بطبعه مخلوق غير شريف!! والدليل حاضر. وهو هذه الآلاف من الأوامر والنواهى والأقاصيص وما إليها مما يقصد به الحث على هذه الفضائل ومجانبة أضدادها. ولو أن الإنسان كان كذلك بفطرته وكان الأغلب والأعم فيمن تلقى من الناس عفيفًا نزيها شريفًا لما احتاج الأمر إلى كل ما في هذه الكتب مما أشرنا إليه.
وكثيرًا ما خطر لى أن أسأل: لماذا اتفق أن تجد من يحضك على مزاولة هذه الفضائل وأخذك نفسك بها ولا تجد واحدًا يأمرك بخلافها مثلا، فيقول: إذا استطعت أن تسلب ما في يد غيرك فافعل! أو احذر أن تدع ما في جيوب الناس يبقى في جيوبهم ولا ينتقل إلى جيبك! إلخ إلخ! أليس ذلك لأن الأصل في الإنسان هو التطلع إلى غير ما له والرغبة في غصبه أو انتهابه أو الاحتيال على استلابه، فالحث عليه تحصيل حاصل؟
وأحسب أن من الأدلة على أن الأصل في الإنسان هو هذا أن في كل مصلحة كبيرة من المصالح — حكومية أو غير حكومية — نظامًا دقيقًا للمراجعة يضطر الناس إلى الأمانة أرادوا ذلك أم لم يريدوه، ويحول دون من تحدثه نفسه بالاختلاس. فأكثر الناس لا يختلسون لا لأنهم أشراف أمناء نزهاء، بل لأن السبيل مكتظة بالوعور والعاقبة غير مأمونة. ولست ممن يستطيعون أن يصدقوا أن هذا الصراف الفقير الذى لعله ترك بيته وعياله دون ما يكفى لقوتهم، يعف عن رضا بقسمته وقناعة بحاله، عن قبضة مما يدخل الخزانة التي هو قائم عليها وفى يده مفاتيحها.
ولولا الصعوبة وخوف التورط فيما لا يسهل الخروج منه لغش كل إنسان كل إنسان. ولكن من العسير أحيانًا أن تركب الترام إلى حيث تريد دون أن تنقد العامل ثمن التذكرة. وأشق من ذلك كثيرًا وأوخم عاقبة أن تسافر على قطار حديدى بلا تذكرة. وإنى أعترف أنى إذا كنت على شىء من الشرف والذمة والأمانة والنزاهة فليس ذلك لأنى خلقت متحليًا بهذه الفضائل، بل لأنه ينقصنى القدر الكافى من الجرأة والإقدام، أو بعبارة أخرى لأن نصيبى من الجبن فوق المتوسط … فليس لفضيلة فى أنى لا أنشل ما فى جيوب الناس إذا لاحت لعينى متضخمة بما فيها من أوراق النقد، ولكن لأنى أجد نشل الجيوب أشق على وأبعد مطلبًا من الكتابة باللغة اليونانية التي لا أعرفها. وكثيرًا ما تخايلنى التحف الثمينة في الحوانيت من وراء الألواح الزجاجية فأشتهى أن تكون لى بلا ثمن، وأتمنى لو استطعت أن أمد إليها يدى ثم أمضى في سراح ورواح وأمن واطمئنان. ولكن هذا الخاطر وحده! دع عنك الفعل نفسه، يحلل قواى ويفكك أعصابى حتى لأحس أن بى حاجة إلى من يأخذ بيدى ويعيننى على السير. وربما فكرت فيمن يزيفون ورق النقد ويتخذون ذلك حرفة ومتجرًا فيطير النوم من عينى ليالى عدة حول ما يقدمون عليه من المخاطر. وما أظن بى لو أنى كنت نشأت بين اللصوص والسراق، إلا أن جبنى كان قمينًا أن يؤدى إلى تنبيه الشرطة والحراس إلى ما أنوى حتى قبل الشروع فيه، لفرط ما أقدر أنه كان ينتابنى من الاضطراب.
والحقيقة أن خراب الذمة يتطلب سكونًا في النفس، وإن شئت فقل برودًا فى الطبع، وجرأة فى الجنان، وقدرة على الاحتيال، ومضاء فى العزيمة، وليس لى من ذلك كله نصيب. ولذلك ترانى إذا غشنى إنسان عفوًا أو عمدًا وأعطانى قطعة مزيفة من النقود لا أجرؤ — إذا فطنت إليها — أن أمد بها كفى إلى أحد على أنها صحيحة، بل أخفيها عندى أو أنتظر حتى أصير إلى طريق مهجور ثم أطوح بها بكل ما فى ساعدى من قوة كأنما أريد أن أجعل بينى وبينها أطول ما يمكن من المسافة. وآه لو مررت بشرطى وهى لا تزال فى جيبى! آه من الاضطراب الذى يصيبنى ويخيل لى أن عين الشرطى قد نفذت من الثياب إلى حيث القطعة المغشوشة وأنه يهم أن يعدو ورائى ليقبض على! وترانى حينذاك أسير وأتلفت وقد أضرب فى طريق غير طريقى لأتوارى عن هذه الأعين التي لا تمنعها كثافة الثياب أن تطلع على ما في الجيوب من مغشوش!
وحدث مرة أنى سمعت رجلا يباهى بأنه أنقد «جرسون» قهوة قطعة مزيفة من ذات الخمسة القروش دون أن يفطن إليها، فحسدته وتمنيت على الله أن يرزقنى بعض هذه الجرأة والثبات! وشر من ذلك وأدهى، وأدعى إلى الغيظ والسخط على النفس، أنى ما استطعت قط أن أدع أحدًا — تاجرًا أو صرافًا مثلا — يعطينى أكثر مما لى. وفى الناس من يستبضع ما شاء وينقد البائع الثمن ويتناول الباقى ويعده ويجده أكثر مما يستحق فيدفعه إلى جيبه في هدوء تام ويمضى عن الدكان دون أن يختلج حتى جفن عينه. مثل هذا أغبطه ولكن محاكاته عزيزة المنال مع الأسف! وتالله ما أحسن استقباله لما يجيئه به الحظ! ما أبرع ركوبه للمد في عباب حياته! ما أشد شكرانه لما يناله بغير كد أو تعب!
واتفق مرة أن كان في بيتى عمال يبنون حائطًا …، وكان صاحب البيت قد أنقد أحدهم الأجرة مقدمًا فاشتغل يومًا وانقطع أيامًا ثم عاد فسألته: أين كان؟ فقال وهو جذلان والله يا أفندى الحقيقة أنى بعد أن أخذت الأجرة من عمى … سهرت ليلتى تلك وشربت قليلا ومن حسن الحظ أنى أنقدت الخادم ورقة بنصف جنيه فرد لى ثلاثة وثمانين قرشًا ظنًا منه أنى أنقدته جنيها فحمدت الله الذى رزقنى من حيث لا أحتسب وأحييتها ليلة في أثر أخرى!
قلت: «نعم هذا حظ غريب، ولكن ألم تنازعك نفسك ولو لحظة أن تخبر الخادم المسكين أنه أعطاك خمسين قرشًا فوق مالك؟».
فحملق العامل في وجهى وصوب نظره فىّ وصعده ثم حول وجهه عنى والتفت إلى عمله دون أن ينبس بحرف. وما أشك في أنه كان أعمق ما يكون اقتناعًا بأنى مجنون، من العبث الكلام معه.
وقل أن تجد من يصارحك بفساد بذمته كما فعل هذا العامل. والناس في العادة أكثر ولعًا بالكلام على فساد ذمم سواهم. وكثيرًا ما يخيل لى إذ أحادث واحدًا من سواد الناس فى أمثال هذه الموضوعات أنى وإياه الرجلان الشريفان فى هذا الكوكب الحافل بالأنذال.

الفصل الثالث والعشرون
في الشعر الجاهلى


تأليف الدكتور طه حسين أستاذ الآداب العربية بكلية الآداب بالجامعة المصرية
من أشق مباحث الأدب العربى، ذلك العهد الذى يسمونه «بالجاهلية» وإن كان ما أثره الرواة عنه وقالوا إنه انحدر إلينا منه، لا يختلف عن جنى غيره من العصور الإسلامية في شىء. فالروح واحدة، والنظرة إلى الحياة متفقة. والوجهة متحدة، والكلام مستقيم على أوزان وقواف غير مضطربة بين هذه العصور، وأسلوب التفكير نهج غير متعدد … حتى العبارة نفسها لا يكاد يعتورها تغير جوهرى. فما هو هذا العصر الجاهلى إذن؟ إنه عصر يعرفه الفقهاء ومن يبغون أن يقيموا حدّا بين الإسلام وما قبله … أما مؤرخ الأدب فمعذور إذا أنكر أن له سمة يتميز بها وينفرد، فالجاهلية التى انتهى إلينا ما روى من أخبارها وأيامها هي جاهلية دينية واجتماعية إذا شئت، ولكنها من حيث الأدب شئ آخر مختلف جدّا لا يسع الأديب إلا أن يقف حيالها مترددًا شاكا بل رافضًا كما فعل الأستاذ الدكتور طه حسين في كتابه «فى الشعر الجاهلى».
ولكل أدب آنفته الساذجة وحداثته المتعثرة كما لكل شىء آخر في هذه الحياة — يصدق هذا على الجماعات صدقه على الآحاد، وعلى العلوم والآداب وسائر ما ينشأ في دنيانا هذه … ولكن الأدب العربى ليس له أول يعرف ولا نشأة توصف إذ أقدم ما وقع إلينا منه — على قول الرواة — بشحم كلاه، إن صح هذا التعبير، ونعنى بذلك أن هذا القديم مستو بالغ أشده وأن الأطوار الأولى التي لا بد أن يكون الأدب قد تقلب فيها ومر بها، كغيره من آداب الشعوب الأخرى، حتى تناهى شبابه على النحو المأثور، نقول إن هذه الأطوار مفقودة ضائعة لا سبيل إلى العلم بها والوقوف عليها إلا تخيلا وإلا بالطبع فى التخيل على غرار ما حدث للاَداب الأخرى التي وقفنا على أصولها ونشأتها، وإلا بأن نرسم لأنفسنا خط التطور طبقًا للسنن الطبيعية. «فالشعر الجاهلى» وصف غير صادق لأن جاهلية الأدب مطوية مع الأزمان التى غبرت، وليس من المعقول، ولا من المقبول، أن يكون هذا الشعر المأثور أو ما قاله العرب لأنه شعر ناضج متساوق الأغراض مطرد النظام، فيه فن وصناعة، ثم هو بعد ذلك تعبير فيه خلط بين الأدب والدين.
وليس ثم ما يمنع أن يكون الشعر قد قيل قبل الإسلام، بل الذى يرفضه العقل هو ألا يكون الشعر قد قيل قبله، ولكن هل ما يعزى من الشعر إلى من عاشوا في العصر الجاهلي صحيح النسب غير ملزق بهم؟ وهل إذا سألت هذا الشعر عن نسبه ينتمي إليهم ويعتزى بهم أم ينطق تكوينه ومنحاه وأسلوبه بأنه دعى دخيل؟! هذان هما السؤالان اللذان يلقيهما كل أديب على نفسه. وقد تناولهما الدكتور طه حسين في كتابه «فى الشعر الجاهلى» وطرح السؤالين جميعًا وكان جوابه الرفض!
ولم يأخذنى الدكتور طه على غرة بهذا الكتاب فما أعرفنى قرأت شيئًا من أخبار هذه الجاهلية أو شعرها أو خطبها إلا نازعنى في أمره شك ضعيف أو قوى، وإلا حكت في صدرى منه أشياء كثيرة أو قليلة. وأشهد أن الدكتور كان بارعًا فى بسط رأيه وفى إبراز الشبهات التي تحوم حول هذا وتضعف الثقة بنسبته إلى الجاهليين، وفى تأكيدها أيضًا. ومن واجب كل متأدب أن يطلع على هذه الرسالة التي جاءت — على خلاف عادة الدكتور — خالية من كثير من حشوه المألوف. ونحسب أن لا خلاف في ضرورة هذا البحث مهما تكن النتيجة التى يخرج بها المرء، وأن من الحماقة أن نسترسل في الاستنامة إلى ما جاء في الكتب القديمة وإن كان كل شىء يدعو إلى الريب ويغرى بالنقد، وأن نوصد بأيدينا في وجوهنا أبواب التفكير مخافة أن يظن بنا العقوق والتمرد على ما خلف لنا السلف، أو مدفوعين إلى ذلك بحكم النزعة الإنسانية إلى التسليم، فما زال التصديق أمهل من البحث، والإقرار أيسر من النقد، والجمع أهون من الوزن وأمتع وألذ أيضًا. وما من أحد نزع إلى النقد إلا اضطر إلى أن ينبذ بعض ما يقع إليه وفى هذا الاطراح خسارة متوهمة.
والنقد مهمة قاسية، وما أكثر ما تكون بغيضة إلى القراء، ولكنا لا نعرف أحدا أحرى بالعطف وأحق بأن تلين له الأفئدة من الناقد، فهو لايجد — كالكيميائى — كل شىء حاضرا مهيأ فى معمله، وليس أمامه شىء من تلك الملاحظات المنظمة المدونة التى تغنى عن الشهود وتقوم مقام المعاينة بل عليه أن يفحص كل ما تقع عليه يده ليستجلى غوامضه ويمحص حقائقه إن كان ثم حقائق يمكن استخلاصها، وأن يخطو بحذر ويتوخى الاحتياط إذ كان العقل الإنسانى نزاعا إلى التساهل ميالا إلى تناول ما يتطلب الدقة، بغير احتفال أو تدبر. وما رأيت أحدا ينكر فائدة النقد ومزيته وضرورته ولكن الإقرار بذلك أسهل من المعاناة. وحسبك أن تفكر في القرون العديدة التى مضت وعصور المدنية التى انقضت قبل أن يظهر «فن» النقد في العالم حتى في عصرنا هذا لا يأمن المرء على الطالب أن يقع فى الأخطاء القديمة. لأن النقد يحيد بالمرء عن اتجاه الذهن فى العادة. وقد تعلم أن الميل المدنى هو التصديق والترديد حتى حين يختلف ما يتلقاه بالتصديق عما انتهى إليه من الآراء والملاحظات.
ألسنا فى حياتنا اليومية نتقبل بلا تمييز أو تمحيص ما يتأدى إلينا من الإشاعات والأنباء التي لا نعرف لها مذيعًا ولا ندرى ما مصدرها؟ وقد نشذ أحيانًا عن ذلك ونجنح إلى الشك والتنقيب عن أصل الخبر وقيمته ونحاول امتحانه، ولكن هذا لا يكون منا إلا بدافع من سبب خاص، أما إذا كان ما يتصل بنا غير مستحيل في ذاته ولا بعيد التصديق ولم يبلغنا ما ينقصه أو ينفيه فإنا نزدرده ونفرح به وقد نضيف إليه ونزيد عليه!
وقد لا يجهل القارئ أن المرء حين يلقى نفسه فى الماء تكون حركاته الطبيعية الأولى من شأنها أن تؤدى إلى الغرق. وأن السباحة معناها اعتياد المرء الامتناع عن هذه الحركات اللدنية والقيام بغيرها، وكذلك النقد ليس بالعادة الطبيعية وإنما هو شىء يكتسب.
وقد تخالف الدكتور طه إذا عز عليك التخلى عما درجت عليه، أو توافقه على كثير أو قليل مما يذهب إليه إذا آثرت التعويل على العقل والمنطق، ولكنك لا تستطيع على الحالين إلا أن تقدر جهده وإلا أن تقر بقيمة هذا البحث الطريف. وما من ريب فى أن الاكثرين يشق عليهم أن ينفضوا أيديهم مما عاشوا مطمئنين إليه، غير أن الشعر الجاهلى لا يصيبه شىء، فهو باق كما هو، لم يحرقه الدكتور ولا سواه من خلق الله وكل ما يجد أن نسبته تتغير أو تصحح. وما أحق ذلك بأن يكون رواية ممتعة. وإنها لكذلك فى كتاب الدكتور.
وهنا موضع التحرز: فلسنا نقول إن بحث الدكتور طه قاطع فى إثبات ما ذهب إليه وما نشايعه عليه من الرفض، ولكنا نقول إن حجته أقوى من حجة القدماء، وإن رسالته ليست أكثر من باب فتحه لطالب الأدب الجاهلى إذا أراد أن يصل إلى نتيجة يسكن إليها العقل، وإنها لم تخل من الماَخذ ولم تبرأ من السقاط وإن أولها خير من آخرها، وصدرها أمتن من عجزها … ذلك أنه لم يوفق فى التطبيق ولم يأت بشئ له قيمة، ولو زهيدة، حين أراد أن يتناول الشعر الجاهلي بالتفلية بعد أن مهد لذلك ببحث أسباب الانتحال ودواعيه.
ولا بأس من أمثلة تجلو للقارئ ما نريد.
يقول الدكتور في رسالته إن «امرأ القيس … يمنى وشعره قرشى اللغة لا فرق بينه وبين القراَن في لفظه وإعرابه وما يتصل بذلك من قواعد الكلام. ونحن نعلم … أن لغة اليمن مخالفة كل المخالفة للغة الحجاز، فكيف نظم الشاعر اليمنى شعره في لغة أهل الحجاز؟ بل في لغة قريش خاصة؟ سيقولون نشأ امرؤ القيس في قبائل عدنان وكان أبوه ملكا على بنى أسد وكانت أمه من بنى تغلب وكان مهلهل خاله، فليس غريبًا أن يصطنع لغة عدنان ويعدل عن لغة اليمن، ولكنا نجهل هذا كله ولا نستطيع أن نثبته إلا من طريق هذا الشعر الذى ينسب إلى امرئ القيس ونحن نشك في هذا الشعر ونصفه بأنه منتحل.
وإذن فنحن ندور: نثبت لغة امرئ القيس الذى نشك فيه!» … إلى أن يقول: «وأعجب من ذلك أنك لا تجد مطلقًا في شعر امرئ القيس لفظًا أو أسلوبًا أو نحوًا من أنحاء القول يدل على أنه يمنى، فمهما يكن امرؤ القيس قد تأثر بلغة عدنان فكيف نستطيع أن نتصور أن لغته الأولى قد محيت من نفسه محوا تامّا ولم يظهر لها أثر ما في شعره؟ نظن أن أنصار القديم سيجدون كثيرًا من المشقة والعناء ليحلوا هذه المشكلة».
فامرؤ القيس يمنى، والشعر المعزو إلى امرئ القيس عدنانى اللغة قرشيها. وهذا حسن ولكن أحسن منه أن الدكتور حين تناول الأبيات المنسوبة إلى امرئ القيس رفض بعضها وقبل البعض الآخر — وان كانت كلها عدنانية قرشية!! رفض مثلا هذين البيتين:
وليل كموج البحر أرخى سدولهعلى بأنواع الهموم ليبتلىفقلت له لما تمطى بصلبهوأردف أعجازًا وناء بكلكل وقبل هذا البيت الذى يتلوهما:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلىبصبح وما الإصباح منك بأمثل فلماذا؟ أهو يمنى اللغة دونهما؟ أفيه شىء يخالف لغة عدنان وقريش التى نزل بها القرآن من حيث اللفظ أو الإعراب وما يتصل بذلك من قواعد الكلام؟ أم وقعت المعجزة وبلغ من تأثر الشاعر بلغة عدنان أن محيت لغته اليمنية من نفسه محوًا تامّا في هذا البيت فقط؟!
وقد وقع الدكتور في مثل هذا الخطأ عينه لما تناول شعر عبيد وعلقمة وعمرو بن قميئة ومهلهل وابن حلزة وطرفة بن العبد إلخ إلخ وإن اختلفت القبائل.
وهو مع جنوحه إلى رفض القصص المنحولة يتقبل قصة الفرزدق وان كانت أشبه بالمنحول منها بأن تكون حقيقية، ونعنى بها زعمهم أنه خرج في يوم مطير إلى ضاحية البصرة وانتهى إلى غدير فيه نساء. فقال ما أشبه هذا اليوم بيوم دارة جلجل … ثم انصرف فصاح النساء به: «يا صاحب البغلة»! وعزمن عليه إلا ما حدثهن بحديث دارة جلجل … قالوا فقص عليهن قصة امرئ القيس وأنشدهن قوله:
ألاربّ يوم لك منهن صالحولاسيما يوم بدارة جلجل ومن سقاطه أنه يذكر «ابتذال» اللفظ، ويعنى أنه مأنوس غير حوشى، ويتكلم على المتانة والجزالة ويريد بهما حشو الكلام بالغريب الذى يحتاج المرء في فهمه إلى مراجعة معاجم اللغة. وهو ما لا يغتفر لرجل تذوق الأدب بله من يدرسه في الجامعة، ومن ذلك قوله عن قصيدة جليلة في رثاء كليب إنها شعر «لا ندرى أيستطيع شاعر أو شاعرة فى هذا العصر الحديث أن يأتى بأشد منه … سهولة ولينًا وابتذالا؟» والأبيات التي يشير إليها هى:
جل عندى فعل جساس فياحسرتى عما انجلى أو ينجلىفعل جساس على وجدى بهقاصم ظهرى ومدن أجلىيا قتيلا قوض الدهر بهسقف بيتى جميعًا من علهدم البيت الذى استحدثتهوانثنى في هدم بيتى الأولخصنى قتل كليب بلظىمن ورائى ولظى مستقبلىليس من يبكى ليوميه كمنإنما يبكى ليوم ينجلى وهي أبيات ليست فيها ابتذال بالمعنى المفهوم. ومن نظرياته أن لغة الكلام عند العرب قبل الإسلام كانت وعرة حوشية!! انظر قوله: «فإن في قصيدة ابن كلثوم هذه من رقة اللفظ وسهولته ما يجعل فهمها يسيرًا على أقل الناس حظّا من العلم باللغة العربية في هذا العصر الذى نحن فيه، وما هكذا كانت تتحدث العرب في منتصف القرن السادس للمسيح وقبل ظهور الإسلام بما يقرب من نصف قرن» فمن أدراك يا دكتور؟! ويالها من صورة معكوسة اللغة في ذهن الدكتور!!
وقد أطلنا جدّا والصحيفة لا تتسع للإفاضة. ولذلك نختم كلامنا بأن الباب الثالث من الكتاب أشبه بتخبط الطلبة منه بأبحاث الأساتذة. فليته استغنى عنه. وأن الدكتور ليحسن جدّا إلى نفسه إذا تحاشى الخروج من النقد العام الذي يسهل مع التحصيل، إلى النقد التطبيقي أو الدراسات الفردية.