Advertisement

في قلب نجد والحجاز


في قلب نجد والحجاز




في قلب نجد والحجاز

تأليف
محمد شفيق مصطفى




في قلب نجد والحجاز

محمد شفيق مصطفى

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ????/????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
مصطفى، ‏‏محمد شفيق.
في قلب نجد والحجاز‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏/تأليف محمد شفيق مصطفى‏.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??
?
     ?- السعودية – وصف ورحلات
     ?- الحجاز – وصف ورحلات
     ?- نجد – وصف ورحلات
          أ- العنوان

??????

تصميم الغلاف: هاني ماهر.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم


وعليه نتكل وبه نستعين وهو خير معين، وبعد:
فلستُ أُنكر أنني كنت إلى ما قبل زيارة حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود ولي عهد نجد والحجاز لمصر في صيف العام الماضي، أجهل كل شيء عن أحوال البلاد العربية التي ندين وإياها بدين الإسلام الحنيف، اللهم إلا القدر الذي يعرفه سواد المتعلمين من أبناء مصر وغير أبنائها من الناحيتين التاريخية والجغرافية، وحسبي أنه لم يكتب واحد من رحَّالة العرب والإفرنج في الطور الحاضر شيئًا يُعْتَدُّ به عنها، بعد ذلك التطور السياسي الذي غيَّر من كل شيء على وجه الأرض، بعد الحرب العالمية الكبرى، وبخاصة عَقِبَ إدماج القطرين العربيين — نجد والحجاز — في حكم واحد وتحت سلطان ملك واحد، هو حضرة صاحب الجلالة الإمام عبد العزيز آل سعود. وإذا قلت هذا في شأن نجد والحجاز وحدهما دون الجزء المتمِّم لشبه الجزيرة العربية، وأعني به اليمن، فإنما قد قُيِّضَ لأهل الاطلاع وعشاق التعرف بأحوال الأمم من قام بارتياد هذا القطر من أبناء مصر في السنوات الأخيرة، ونشر ما كان مجهولًا عنه.
فقد قام حضرة صاحب السعادة العالِم المحقِّق أحمد زكي باشا برحلة في العام الماضي، فَقَصَّ علينا ما شهده من أحوال اليمن على صفحات الأهرام الغرَّاء، ممَّا لم يتعرض له أحد قبله من حيث الإفاضة في سائر نواحي تلك البلاد الاجتماعية والسياسية، ولعل النهضة العربية التي شملت كل شبه جزيرة العرب واشتراك مصر، بل قيامها بقسط غير قليل بجمع كلمة المسلمين، سواء أكان باهتمامها الدائم بشئون الأراضي المقدسة والخلافة الإسلامية، أم بنشر معالم الثقافة العربية وإعلاء شأنها، هو الذي حرك هِمَمَ المفكرين والباحثين لاستجلاء حقائق الحال في تلك البلاد والعمل على تقريب قلوب الشعوب الإسلامية نحو جاراتها، وتوطيد علائق الوُدِّ والصفاء بينها، وإن أَنْسَ لا أنسى ما أبداه سمو الأمير سعود أثناء زيارته مصر من هذه الرغبة السامية، ودعوته المفكِّرين لزيارة بلاده واستطلاع شئونها، ونشر الحقائق المجرَّدة عنها للناطقين بالضاد ممَّن لا يزالون يجهلون عنها كل شيء.
من أجل ذلك، ولأني منذ نعومة أظفاري أشعر بميل خاصٍّ إلى احتذاء أثر المستطلِعين لأحوال الأمم والبلدان، وكنت — ولا أزال — ممن يؤمنون بالتطور في كل شيء، حتى إني كنت أرقبُ عن كَثَبٍ خلال زيارة الأمير النجدي وحاشيته الكثيرة العدد مصرَ، ما تحدثه هذه الزيارة لمصر المتمدينة العظيمة التحضر في نفوسهم، من الأثر والتطور النسبي في حركاتهم وسكناتهم، ومقدار قابليتهم واستعدادهم للأخذ بأسباب الحضارة، فكنت ألمس أشياء كثيرة مما كنت أُؤمِنُ به من هذه الناحية الحساسة، سواء أكان في اجتماعاتهم بزائريهم من المصريين والأجانب، أو معاملاتهم الخاصة، وفي خلال مشاهداتهم لعظمة الحضارة المصرية وأسباب العمران الاجتماعي، وما اقتناه سمو أميرهم من نفائس المصنوعات وبدائع الأشياء، وتقديره لكل ما كان يقع تحت ناظريه ممَّا كان يُعَدُّ في نظره جديدًا غريبًا، فإذا أضفت إلى ما تقدم ما كان ينقله إلى سمعي الرُّوَاةُ عن فِعَالِ جلالة الملك عبد العزيز سواء في تدبير شئون بلاده من الوجهتين: الاجتماعية والسياسية، والأحاديث التي كانت تنشرها الصحف لجلالته مما يدل على سعة اطلاعه، وَحِدَّةِ ذهنه وبُعد نظره في جلائل الشئون، واتفاق قلوب رعاياه على حبه وإجلاله مع بقاء أكثرهم على بداوتهم، وشدة تمسُّكهم بالعمليات دون النظريات.
كان كُلُّ ما تقدم من الأسباب المباشرة التي دفعتني للقيام بهذه الرحلة الشاقة الطويلة، وحسبي أنني قصدتها لوجه العلم والاطِّلاع؛ فقد سلكت طريقًا لم يطرقها سواي حتى الآن من الأجانب عن تلك البلاد فتمَّ لي ما أَرَدْتُهُ من حيث الاستطلاع الصحيح وإصابة الهدف المقصود، وإني لَمَدِينٌ بشيء كثير من الفضل في نجاح هذه الرحلة إلى تلك الخِلال العربية الكريمة التي أبداها لي زعماء قبائل نجد عن طيبة خاطر، وإلى استتباب الأمن في تلك الربوع، وأخيرًا، بل وأولًا وآخرًا، إلى رعاية حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز التي شملتني قبل أن يعلم بأمر رحلتي، حتى بلغت «الرياض» أثر عودة جلالته إليها من الحجاز.
هذا وإذا كان حقًّا عليَّ بعد ذلك أن أخص أحدًا في مصر بالشكر والمنَّة، فإني أخص جريدة السياسة الغرَّاء التي تفضلتْ بنشر سلسلة مقالاتي عن هذه الرحلة، ومكتبة المنار التي تكرَّمَت بطبعها ونشرها على جمهور القراء، وأسأل الله أن يوفقنا جميعًا لتأييد الحق على الدوام.
محمد شفيق

تمهيد


دفعني الميل لاستطلاع أحوال شبه جزيرة العرب — بعد ذلك التطور الذي شمل هذه البلاد من أدنى أطرافها إلى أقصاها — إلى القيام برحلة طويلة شاقة بدأتها بالسفر من القاهرة إلى فلسطين، ومنها إلى نجد فالأراضي الحجازية مخترقًا قلب الصحراء على ظهور الإبل، ولا بد لي قبل أن أصل إلى وصف أول بلدة وصلتُ إليها في أرض نجد، وهي «قريات الملح»، يجمُل بي أن أصف للقُرَّاءِ كيف وصلت، وكيف شددتُ الرحال، وهو وصف يُثير في النفس ذكريات تاريخية من سِيَرِ أهل يعرب وملوك البوادي.
لم يكن لي عهد بركوب متون الصحراء، ولا أعرف شيئًا عن وسائل الانتقال والمعيشة في تلك القِفَارِ، وقد بدأت الرحلة في الصحراء بأن استأجرتُ سيارة قامت بي من عَمَّان عاصمة شرق الأردن قطعت في قلب الصحراء زُهَاءَ أربعمائة كيلومتر، قضت في قطعها يومًا كاملًا لم أشهد في الطريق أثناءه سوى أرض قاحلة لا زرع فيها ولا ضَرْعَ، اللهم إلا قوافل من الإبل تسير من هنا وهناك، وقد قصَّ عليَّ سائق السيارة أن هذه الطريق كانت قبل الآن من أخطر الطرق على السابلة، ولكن الخفارة الجوية المستمرة قطعت دابر اللصوص وقطَّاع الطريق، اللهم إلا ما تأتيه بعض القبائل كقبيلة الحويطات من الغزوات وأعمال السلب والنهب.

في قريات الملح


وما كدتُ أصل إلى «قرياتِ الملح»، وهي أول بلد يدخل في منطقة نفوذ ابن السعود، وَأُبدي رغبتي لبعض زعماء القبائل لزيارة عاصمة نجد، حتى أُسرِع إلى إعداد قافلة مؤلَّفة من خمسة جمال امتطيتُ أحدها، وكان ركاب الأربعة الأخرى بمثابة خدم خاص، وتصادف أن كانت هناك قافلة كبرى قوامها خمسون جملًا ركابُها يحملون شتى أنواع السلع والبضائع، آتون بها من أسواق الشام يريدون تصريفها في قلب نجد، وعلمتُ أن هذه الرحلة تستغرق من «قريات الملح» إلى «الجوف» تسعة أيام، ومن «الجوف» إلى «حائل» عشرة أيام، ومن هذه إلى «بريده» ثمانية أيام، ومن هذه الأخيرة إلى «الرياض» عاصمة نجد ثمانية أيام أخرى؛ فتكون مجموع أيام هذه الرحلة في أرض نجد فقط خمسة وثلاثين يومًا، وهي مدة إذا أُضيف إليها ما يقضيه المسافر للراحة في الطريق بما لا يقل عن خمسة وعشرين يومًا فتكون جملتها شهرين كاملين، يضاف إليها مدة سبعة عشر يومًا من «الرياض» إلى «مكة المكرمة» عدا ما قضيناه هناك لزيارة الحرم الشريف وغيره، فيمكن للقارئ قبل المسافر أن يتصور مشقتها على نفسه، لا سيما إذا كان حضريًّا لم يسبق له في حياته أن أَقْدَمَ على مثل تلك الرحلة الشاقة.
وكنتُ قد استعددت لها، فابتعتُ ثيابًا بدوية، وساعد طول زمن هذا السفر «لحيتي» فطالت، فكان طولها أمرًا محتومًا على كل مسلِم يدخل أرض نجد، على أن رأسي لم تُعْدَم موسًى من هاتيك المواسي النجدية التي كانت عجائزنا في سالف الزمان يحلقن بها «الملوخية»، فكنت أحتمل لحيتي المُرْسَلَةِ وثقلها وغضاضة تلك الموسى مغتبطًا رجاء وصولي إلى قلب الصحراء، ولولا بقيةُ صَبْرٍ في نفسي ما استطعت أن أحتمل انعدام وسائل النظافة، ووقاية الجسم من أذى الحشرات اللاذعة، فالصابون لا يجده الإنسان في تلك البلاد إلا بصعوبة زائدة وبسعر مرتفع جدًّا، وقلما يخلع أحدهم ثيابه إلا وهي أَطْمَارٌ بالية، وَأَسْمَالٌ لم تَمَسَّها الماء، وأكثر سكان البادية لا يغسلون أيديهم حتى بعد تناول طعامهم؛ «فصابون العرب لِحَاهُم» كما يقولون هناك.
وقريات «الملح» التي بدأنا السير منها على ظهور الإبل قريةٌ صغيرةٌ تقع على الحدود الفاصلة بين نجد وإمارة شرق الأردن، وعلى مسيرة يوم ونصف يوم من حدود سوريا من ناحية جبل الدروز، يحكمها أمير نجدي طِبقًا لأحكام الشرع الإسلامي، وعدد سكانها لا يزيدون عن ستمائة نسمة، ويعيشون من زراعة القمح، وتمر النخل، وتربية الإبل والماشية، واستخراج الملح الذي يجففونه في أحواض، ويبيعونه للرحالة في قلب البادية، والضرائب هناك يسمونها الزكاة، فهي تُحَصَّلُ تارةً نقدًا بحساب سبعة مجيديات على كل ستة إبل، وعن كل عشر ناقات مائة وأحد عشر قرشًا مصريًّا، ورأسان من الغنم من كل مائة رأس، والسرقة والفاحشة معدومتان قطعًا في تلك البلاد، ويلقبون الحاكم بالأمير، وقد استقبلني أمير قريات الملح على «مصطبة» كان يجلس عليها بجانبه سيفه، وحوله عدد من أخصائه، وبعد أن قُدِّمَتْ لنا القهوة النجدية طلب إليَّ أن أظل في ضيافته أيامًا، ولكني اعتذرت لرغبتي بمواصلة السفر، وبعد أن قضيتُ يومًا دعاني لزيارة قبيلة «بني صخر» في معيته، وهي قبيلة تضرب في خيام من الشعر على مسافة خمسة عشر كيلومترًا من قريات الملح معروفة بشدة البأس وبكثرة الغزوات، وسنأتي على ما يستحق البيان عن هذه القبيلة فيما يلي.
وقبل أن نبرح قريات الملح شاهدنا آثار قصر يسمونه «قصر الصعيدي» لا نسبةً إلى صعيد مصر، ولكن لأنه شُيِّدَ على هضبةٍ رملية ذات صخور سوداء كبيرة يحيط به سور منها، فإذا بلغ رأس هذه الهضبة انكشف أمامه باب من الخشب يؤدي إلى داخله، فيرى آثار مقصورات متعددة. وقد اختلف الرواة في تاريخ تشييد هذا القصر؛ فمن قائل إن قبيلة بني صخر التي يعدُّونها مصرية الأصل، وبني عمومتهم من الدروز قام منها أخوان وسَكَنَا هذه الجهات فَبَنَيَا هذا القصر، ولكنهما اختلفا بعد ذلك فنزح أحدهما إلى جبل الدروز فأصبح منهم درزيًّا، وبقي الآخر في هذا القصر إلى أن مات، فاستولى عليه أمراء هذه البلاد، وسكنوه مدة طويلة إلى أن عفت آثاره، فتهدَّمت أركانه، وأصبحت أطلالًا دارسةً، ولم يَبْقَ منها إلا الاسم.
و«الجوف» على مسيرة تسعة أيام على ظهور الإبل، وممَّا يستحق الذكر أن هذه الطريق على طولها، لم يصادفنا فيها سوى ثلاث آبار أخذنا منها حاجتنا من الماء، وكان عجبي عظيمًا لتلك الإبل التي لم تُطْفِئ ظمأها خلال هذه التسعة الأيام إلا مرة واحدة، على أن رجال القافلة أبلغوني أنها تستطيع أن تظل بلا ماء في فصل الشتاء أكثر من خمسة عشر يومًا. ومن ألطف ما لاحظته في رفاقي، أنهم أثناء أداء الصلاة كانوا يراعون واجب المجاملة باعتباري مصريًّا، فيبتهلون إلى الله بالدعاء لمصر وأهلها وجلالة مليكها المعظم، فكانت هذه المجاملة في ذاتها تُسَرِّي عني وَعْثاء السفر، وتقرب القوم إلى قلبي كثيرًا، وتشعرني بعظمة الرابطة الإسلامية التي يدين بها شعوب الإسلام.
ومع أن أولئك البدو لا يزالون على سذاجتهم، فهم يُدلون بأقوالهم وأفعالهم على فطنةٍ وانتباه إلى ما يصدر منهم، فلا يتخذون من الشئون السياسية والمباحث الخاصة برجال دولتهم مثارًا للبحث أو التسلية كما يفعل غيرهم من أبناء الأمم الشرقية الأخرى، فهم يقتصرون على ترديد هذه العبارة: «المُلك لله ثم لعبد العزيز بن السعود.» وتراهم يقصرون أحاديثهم في طوال أسفارهم على رواية قصص مشاهير العرب من بطولة وكرم وتمسك بأصول الدين والفضائل، ومع أن الشعر نبت في أرض العرب، فإن أهل بادية نجد الوسطى تعدُّه حرامًا؛ لأنه تغلِب فيه الحماسة دون ذكر الله، أو الغزل، وهذا ما يعدُّه العرب نقيصة خلقية تَعَافُهَا نفوسهم، وأبلغ مثال على تطور أخلاق العرب أننا مررنا ببقعة تدعى «عظوظه» تقع على سفح تل رملي في وسط الصحراء ذات تربة طينية لزجة لا يستطيع الإنسان السير عليها، ولا يمكن أن تقربها أقدام الإبل، ويقول العرب إنها كانت مكان «مدينة لوط» التي غضب الله على أهلها كما جاء ذلك في الفرقان، ويقولون إن بطن هذه البقعة تحوي كنوزًا من الذهب وغيره من النفائس، ومع ذلك فلم تُحَدِّث نفس أفقر أعرابي في الوصول إليها، أو التطلع إلى ما يحويه جوفها من كنوزٍ؛ باعتبار أن أرضها نجسة، وقد غضب الله عليها وعلى كل من كان يعيش فوق أَدِيمِهَا في غابر الزمان! وهي نفسية تدل على تديُّن شديد، واستمساك متين بأوامر الله ونواهيه.

في الجوف


وفي اليوم الثامن وصلنا إلى مكان يسمونه «الفرجية» يحيط به عدة جبال كساها البرد، وأحاطت بها الحشائش الخضراء؛ فبانت للناظرين كأبدع ما تراه العيون في سويسرا ذات المناظر الطبيعية البهيجة، أضف إليها جمال الصحراء، وسكونها الرهيب، وجلالها الخاطف للألباب! وهكذا مَرَّ بنا ضحى اليوم التاسع مرَّ النسيم العليل، فأنستنا هاتيك المناظر ما سبقتها خلال الثمانية الأيام من طرق موحشة، وصحراء جرداء، ووصلنا إلى بلدة «الجوف» فما علم رجال أميرها عبد الله محمد بن عقيل بقدومنا حتى خَفُّوا إلى لقائنا، وكان الأمير ذاته على أبواب المدينة في انتظارنا ليحيينا، ويدعونا لضيافته باسم جلالة الملك ابن السعود، وهكذا لَبَّيْنَا الدعوة شاكرين.
و«الجوف» بلدة صغيرة تقع في وادٍ منخفض، تحوطُها الجبال من جميع جهاتها، ولَعَلَّ ذلك أصل تسميتها بالجوف؛ أي إنها واقعة في جوف الجبال والصحراء، ويكثُرُ فيها النخيل الذي يُؤتي ثمرًا ممتازًا على سواه بلَذَّةِ طعمه، وسرعة هضمه، ويزرع أهلها كذلك القمح والشعير، وبعض الخضر، وأشجار الفاكهة؛ كالليمون والبطيخ والخوخ والعنب والمشمش، ويشتغلون بالتجارة وبعض الصناعات؛ كدبغ الجلد، ونسيج الصوف الذي تُصنع منه العباءات المعروفة باسم «عبي الجوف»، وقد جاء ببعضها إلى هنا سمو الأمير سعود أثناء زيارته مصر. وتروج هناك تجارة الإبل والماشية، ويكثر في صحاريها طير النعام الذي يتخذه الخاصة والأمراء طعامًا لهم، وكذلك تكثر الغزلان والحمار الوحشي ذو الخطوط الذي نشاهده في مصر بحديقة الحيوانات بالجيزة.
السرقة والزنا معدومان

وقد قدَّم لي أمير «الجوف» من لحم الغزال والنعام طعامًا على مائدته فلم أَزْدَرِدْهُ بشهية؛ لعدم اعتيادي تناوله، ولكنهم يعدونه أفخر اللحوم وأجلها شأنًا في إكرام خاصة ضيوفهم، ولا يفوتُني أن أذكر أن الأمير عبد الله بن عقيل لم يكن بدويًّا قُحًّا كأكثر أمراء الجزيرة، ولكنه على جانب من العلم والاطِّلَاعِ غير قليل، وبلاده تُحْكَمُ طبقًا لأحكام الشرع، على أن مما يوجِب العجب أن جريمتي السرقة والزنا تكادان أن تكونا معدومتين قطعيًّا في تلك البلاد، وأذكر أن أحدَهُم حضر إلى مجلس الإمارة أمامنا، وأبلغ أن كيسًا من البن ضاع منه على مسيرة أربعة أيام من «الجوف» وهو قادم من جهة «حائل» ومضى إلى حال سبيله، وحدث بعد يومين أن حضر رجل كان قد سلك هذه الطريق فسأله الأمير عمَّا إذا كان قد وجد شيئًا في الطريق أثناء سفره، فقال إنه وجد كيسًا من البن، فسأله الأمير: ومن أين عرفت أن به بنًّا؟ فأجابه بأنه جَسَّهُ من الظاهر بعصاه ثم تركه مكانه، فما كان من الأمير إلا أن أمر بضربه خمسين عصا، وهنا رأيت أن أسأل الأمير عن سبب إنزال هذا العقاب بالرجل وهو لم يسرق، فأجابني قائلًا: كان يجب عليه أن يرى الكيس ولا يلمسه حتى يأتيه صاحبه فيأخذه، وقصَّ عليَّ الأمير على سبيل التدليل على أمانة أهل نجد وبُعدهم عن اقتراف السرقة مهما بلغ شأنها أن يرى أحدهم الذهب في الطريق، فلا تمسه يده مهما كان فقيرًا مُعْدِمًا.
وقصر الإمارة هناك يتصل ببناء قديم العهد بناه الإسرائيليون في أيام عِزِّهِمْ وصَوْلَتِهِمْ، ويطلق عليه اسم «قصر مارد» مشيد بالأحجار، وله برج كبير أشبه بقلعة حربية، ويقولون إنه بُنِيَ قبل ميلاد النبي — عليه الصلاة والسلام — بأربعمائة عام.
ويمتاز أهل «الجوف» على شدة فقرهم بحسن وفادة الغريب وإكرام الضيف، وسوادهم من أصحاء الأبدان لا يشكون مرضًا، ولا يذكرون علَّةً على شفاههم، والسر في ذلك هو جودة مناخ الجوف وطيب مائها وخصوبة أرضها. وعلى ذكر الزراعة فهم يستخرجون الماء للزراعة بواسطة دِلَاء من الجلد مشدودة بحبال قد ربطت أطرافُها بأعناق الإبل، فإذا مُلِئت الدلاء بالماء وشعرت الإبل بامتلائها، نزلت إلى منحدر بجانب البئر، وعندئذٍ تكون الدلاء قد ارتفعت إلى علوٍّ وأفرغت ما بها من الماء في حوض ذي فتحات متصلة بالأرض المراد ريُّها، ويسمون طريقة الري هذه «التني».
فشل محاولات استعمارية

وقبل أن نغادر «الجوف» قصَّ عليَّ الأمير أن جماعة من السواح الأمريكان والإنجليز طالما حاولوا ارتياد ما بعد الجوف بحجة الاستطلاعات العلمية والجغرافية، فلم يأذن لهم الملك ابن السعود مخافة أن يكون لهم شأن آخر كهاتيك الشئون الاستعمارية التي بدأها أمثال هؤلاء في غير بلاد العرب بمثل تلك الأسباب ثم كانت النتيجة بلاءً على أهلها. مثال ذلك: أن رجلًا إنجليزيًّا يدعى مستر «إبشر» ذهب إلى «الجوف» على رأس قافلة من السيارات كلَّفته أموالًا طائلة بحجة إقامة مصنع للفَخَّارِ من طينة معروفة بصلاحيتها لهذا النوع؛ فلم يأذن له الملك، وهكذا أصبح معروفًا في بلاد الغرب أن نجدًا لن تصلح أرضها لوطء أقدام السياح والعلماء والخبراء والمهندسين الأوروبيين، حتى إن أحدهم أكَّد أن في وسعه أن يفتح آبارًا للبترول «بالرياض» عاصمة نجد فرفض طلبه مع شدة حاجة أهلها إلى البترول وغلاء ثمنه، في حين أن ابن السعود لَيَتَمَنَّى أن تصل إلى بلاده بعثات علمية من كل مطلب ومشرب على أن تكون شرقية إسلامية بريئة لا مطمع لها ولا مأرب، فهو يحب العلم، ويقدِّره ويرجو لبلاده العمران والرفاه، ولكنه يرفض كل ذلك بشدة لو جاءه من طريق مريب.
و«حائل» تبعد عن الجوف نحو عشرة أيام على ظهور الإبل، وقد بدأنا السير في هذه الطريق فإذا بها طريق موحشة بَلْقع، فكنا نسير صاعدين فوق تلال ضيقة رملية تشرف على حزُونٍ بعيدة الغور، ثم نهبط منها منحدرين إلى مغاور ومجاهل يَشْرُدُ عندها اللُّب وينخلع لها القلب؛ ذلك لأنه إذا اختل توازن الراكب على الإبل قليلًا أو عَثَرَتْ أقدام الإبل كان الهلاك محققًا؛ إذ يسقط في هُوةٍ لا نجاة منها، وكانت عيون الماء خلال الستة الأيام الأولى معدومة، ولولا ما نحمله من الماء على ظهور الإبل، وما كانت تُملأ به أجوافها منه؛ لهلكنا نحن وهي ظمأً، على أننا مع ذلك لم نستطع قَطُّ أن نسرف في الماء، فلم نغتسل بقليل ولا بكثير منه، وما كاد فجر اليوم السابع يَنْبَلِجُ حتى وصلنا بلدة تدعى «جبه» ذات مبانٍ من طين أبيض يلفت الأنظار، فأخذنا حاجتنا منها بعد أن استرحنا قليلًا، وما كان أكبر دهشتي حين أقبل علينا نفر من أهل تلك البلدة يحتفون بنا ويسألون عني بالاسم! وقد علمت أن بعض رجال القافلة التي سبقتنا أنبأهم بوصول مصري متحضر ينوي زيارة أمير الرياض، فكأنهم بذلك عَبَّروا عن سليقة الكرم العربي جملةً، ونابوا عن أميرهم خاصةً.
وفي اليوم التاسع وصلنا إلى قرية تُدْعَى «قنا»، وينطقون الحرف الأول منها بالجيم كما ينطقها أهل مديرية قنا المصرية، وهذه القرية صغيرة جدًّا لا أثر فيها للأخذ والعطاء، حتى إننا أردنا شراء شاةٍ لطعامنا فلم نجدها، على أن ذلك لم يسؤنا كثيرًا، فقد وصلنا إلى حائل بعد ظهر اليوم التالي مارِّين في طريقنا بثلاث قرى؛ أكبرها «أم جلبان» ولا تزيد مبانيها على أربعة بيوت، يحيط بكل بيت بعض النخيل.
ولما صرنا على قيد أميال من حائل كان نائب الأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي، وهو ابن عم جلالة الملك ابن السعود، في استقبالنا، وقد رحَّب بنا باسم أميره وسار بنا حتى دخلنا «حائل».

في حائل


«حائل» هذه اسم على مسمى؛ فهي حائلٌ بين بلاد نجد وبين ملحقاتها الشمالية، وتعد بالنسبة إلى غيرها من البلاد التي مررنا بها مدينة عامرة ذات شوارع فسيحة منظَّمة، وفيها سوق كبيرة تروج فيها تجارة الماشية والإبل، وهي أقرب بلدان نجد إلى الحجاز، فهي تبعد عن المدينة المنورة بنحو ثمانية أيام فقط، وإلى الشام بنحو خمسة عشر يومًا، وإلى العراق بما يقرب من ذلك على ظهور الإبل، وهي محطة رحال التجار القادمين من هاتيك الديار والمسافرين إليها، وتروج فيها تجارة الأرز الذي يُجْلَبُ من الهند إليها، وهو بمثابة مادة أولية للغذاء نظير الحِنْطَةِ في مصر، وتزرع في جوارها مساحات كبيرة من الخضر والفاكهة، ومع كثرة وجود النخيل فإن ثمره رديء غير مرغوب فيه إلا عند الطبقة الفقيرة جدًّا. وقد شاهدنا بعض النسوة يبعن الخبز والفاكهة والخضر والدجاج والبيض في سوقها، وهن محجبات بجلابيب سوداء وفوقها جلباب بشكل العباءة، وهم في غاية الحشمة والوقار، لا نسمع لهن صوتًا ولا يتحدثن مع السابلة إلا بالقدر اللازم لبيع ما بأيديهن من السلع.
أما القصَّابون هناك فينحرون الماشية ويقسمونها إلى أربعة أجزاء يسمونها «أوصالًا» فيباع الجزء منها بمبلغ يترواح بين العشرة والثلاثة عشر قرشًا، أما أثمان الدجاج فرخيصة جدًّا؛ إذ تباع الدجاجة الكبيرة بثلاثة قروش فقط.
وأهل هذه المدينة يتعاملون بعملة فرنسية يسمونها «الشوشي» ويسميها بعضهم الريال، وهي قطعة فضية قيمتها أحد عشر قرشًا تقريبًا، أما أجزاؤها فهي «البيشلي»؛ قطعة من عملة تركية، وهي المعروفة بالبيشلك، بخلاف أهل قريات المِلْح والجوف؛ فإنهم يتعاملون بالمجيدي التركي.
في ضيافة أمير حائل

وفي اليوم التالي لوصولنا دعانا الأمير عبد العزيز بن مساعد إلى قصر الإمارة، وقد استقبلنا فيه استقبالًا حسنًا، وأنزلنا بمنزل خاص، ورتَّبَ لنا خدمة خاصة، وهذا الأمير يُخيل للرائي لأول نظرة أنه على شيء من العجرفة والكبرياء، ولكنه في الواقع على جانب كبير من رِقَّة الشمائل ومكارم الخلال، وهو مطلق الحكم في إقليمه وما يجاوره من ملحقات نجد الشمالية، فهو الحاكم المسموع الكلمة النافذ الإرادة بعد الملك ابن السعود، ومما يستحق الذكر أنه معروف بالشدة والبطش إذا خالف أحدٌ أحكامَ الشرع أو أَخَلَّ بالأمن العام، ويستخدم هذا الأمير في روحاته وغدواته وأسفاره سيارتين يؤتى لهما بما يلزمهما من وقود وأدوات من القدس وشرق الأردن، ويقوم بقيادتهما سائق سوري يساعده آخر نجدي.
وقد دعانا أحد رجال القصر لمشاهدة سجن المدينة، وكنت أحسبه عامرًا بالمحكوم عليهم، ولكني بُهِتُّ حين وجدته خاليًا إلا من حرَّاسه الذين ما كانوا يحرسون غير جدرانه وخشبته المستطيلة الأفقية التي تتدلى منها سلاسل حديدية تقيد بها أقدام المسجونين — إن وجدوا — وقد عرفت السر في خلو السجن من المسجونين؛ ذلك لأن الأحكام الشرعية وحدها هي خير وازِعٍ، تقطع خط الرجعة دون الجرائم على أشكالها وضروبها، وقد علمت أن المسجون رغمًا عن قيوده داخل سجنه فإنه يُعامَلُ معاملة حسنة ويطعم طعامًا عاديًّا، ويؤذَن له بأداء الصلاة في أوقاتها، والناس على اختلاف مشاربهم يحترمون القانون الشرعي، ويَعُدُّونَهُ تنزيلًا سماويًّا لا سبيل إلى مخالفته.
وحائل ذات مناخ معتدل، وفيها عين ماءٍ عذبة شافية من العلل يسمونها «ماء السماح» لا تقل أهميةً عن مياه «فيشي» المعدنية الشهيرة؛ فهي تُذيب الأملاح وتشفي أمراض الكُلى بسرعة، وتنقِّي الدم وتساعد على الهضم بصورة مدهشة، وأما مياه عيونها الأخرى فلا بأس بها أيضًا، يدلك على ذلك اعتدال صحة سكانها وامتلاء أجسامهم وانقطاع الأمراض بينهم، وقد كانت حائل فيما مضى عاصمة لملك ابن الرشيد الذي كان أميرًا عليها من لدن آل سعود، واستقل بها زمنًا ثم أعيدت إلى حظيرة آل سعود مما سنأتي عليه بعدُ.
وأهل حائل أصلهم من قبيلة «شمر» التي كانت تضرب في البادية، فانقسمتْ على نفسها ورحل جزء كبير منهم إلى حائل فَتَحَضَّرُوا فيها، وظل الجانب الآخر على حالته، ويشاهد في حائل «الإخوان» الذين يسمونهم «الحبَّان»، وهم يُعرفون بعمائمهم الكبيرة التي يضعونها فوق كوفية حمراء يسمونها «الغطرة»، وهي تختلف أوضاعًا وحجمًا، فمن كانت عمامته متوسطة الحجم كان عاديًّا، أما من ظهرت عمامته أكبر حجمًا عُرف بأنه شيخ من خاصة الحبَّان.
وللحبان في بلاد نجد المقام الأكبر والمكان الذي يفوق سواهم من عرب البادية، فهم أصحاب الغزوات المشهورة في حائل والأحساء والحجاز، وكانوا إلى ما قبل بضع سنوات لا يعرفون من الدين إلا اسمه، ولكنهم الآن باتوا على معرفة كبيرة بأصول الإسلام وقواعده وأوامره ونواهيه، وإليهم مرجع الفضل في إخضاع الحجاز إلى ملكهم، وطرد الحسين وأولاده من الأراضي المقدسة، ونشر تعاليم السُّنَّةِ المحمدية في نجد والحجاز على السواء.

في بُرَيْدَة


مدينة «بريدة» على مسيرة ثمانية أيام في طريق سهلة، وكانت أول قرية صادفناها قرية تُدْعى «العدوة»، يحيط بها أراضٍ منزرعة بالغلال، وجبال شاهقة الارتفاع ذات منظر ساحر على يمينها أرض رملية يضرب لونها إلى وَهَجِ الذهب تؤلِّف منظرًا يخطف الألباب، وحدث أثناء سفرنا أن افتقد أحد رجال قافلة تقدمتنا في السفر ناقةً له أثناء الليل، فأرسلوا بعض رجالهم للبحث عنها، فعادوا وأخبرونا بأنهم لم يعثروا عليها، وفي الأثناء حضر بدوي وأبلغهم أنه شاهد ناقة في طريقه، وأعطى أوصافها، وكانت هي الناقة الضالة، وذكر أنه كان في وسعه أن يقودها معه إليهم لولا خوفه من أن يُتَّهم بسرقتها، فشكره صاحب الناقة، وهكذا جَدَّ رجال القافلة حتى عثروا عليها قبل أن يصل أمرها إلى ولاة الأمور، فاستخلصتُ من ذلك ما أيَّد لي أمانة القوم، وانعدام حوادث السرقة انعدامًا باتًّا في قلب نجد.
ووصلنا إلى بريدة بعد مسيرة عدة أيام، صادفنا نحو أربعة قرى هي: «الكهفة والجوارة ووثال والشقة»، وينزل في ثانيتها بعض الإخوان المتحضرين منذ زمن بعيد، وبجوار البلدة الرابعة جبل يستخرج منه المِلْح دون أن يدفع عنه الأهالي ضريبة أو ثمنًا. وكان أمير بريدة قد بلغه خبر قدومنا، وهو يُدعى مبارك بن مبيريك، فخفَّ لاستقبالنا باسم جلالة الملك ابن السعود استقبالًا هو غاية في الوُدِّ ونهاية في الكرم، وأنزلنا في داره ضيوفًا كرامًا.
و«بريدة» هذه تقع في سهلٍ رملي. ذات مبانٍ متعددة كحائل تحيط بها المزارع وأشجار النخيل، ويمتاز ثمرها بقصره وسمنَتِهِ، والأهالي هناك يجففونه ويسمونه «اليبيس»، وأحسنه ما تنبته نخيل «عنيزة»، ومع أنه شديد الحلاوة لذيذ الطعم إلا أنه غير سهل الهضم.
باريس نجد

ويعدُّون «بُرَيْدَةَ» عاصمة لسائر القرى التي تحيط بها، وهي في جملتها تدعى «القصيم»، وأهم مدنها «عنيزة» وهي التي أسماها الشاعر الأشهر أمين الريحاني عند زيارته لها «باريس نجد»؛ ذلك لأن منازلها مؤلَّفة من ثلاث طبقات على نسق مباني المدن المتحضرة. وأهل القصيم؛ ولا سيما سكان بريدة وَعُنَيْزَةَ، يُعَدُّون أغنى أهل نجد جميعًا، وأكثرهم تحضرًا وأنشطهم حركة، وأعرفهم بأساليب التجارة، ولقد رأيت كثيرين منهم في الشام ومصر يتبادلون المتاجر، فيجلبون إلى مصر مثلًا الخيل والإبل والماشية والجلود والسمن، ويبتاعون الأقمشة وشتى أنواع المصنوعات والسلع، بل منهم من له شأن تجاري يُغْبَطُ عليه في أسواق الهند ومدن الحجاز، وكان ذلك سببًا في تطور أخلاقهم وعاداتهم، وميلهم إلى الأخذ بأساليب المدنية وسهولة الطباع، وعدم التعصب لمذهب دون آخر، زِدْ على ذلك أن في وسع الغريب عن ديارهم أن يفهم لهجة كلامهم بسرعة، فإذا أضاف بعضهم غريبًا متحضرًا أدهشه ما يراه على موائدهم من أصناف الأطعمة ولوازم المائدة، ممَّا يجعله لا يصدق أنه في قلب نجد. كما أني لاحظت بعضهم يدخن سرًّا، وعلى ذكر الدخان الذي يسمونه النجديون «التَيْتَن» أقول إنه لا يوجد له أثر في نجد، فإذا عُثِرَ عليه عوقب صاحبه كما يعاقب مُحرز الحشيش والمخدرات السامة في مصر. وعلى ذكر سكان بريدة فيما أسلفنا نذكر أن جلالة ابن السعود يختار عادة من مفكريها ورجالها المتعلمين من يمثِّلون بلاده في الخارج، أمثال حضرة الشيخ فوزان السابق معتمده في مصر، والشيخ يس الرواف معتمده في سوريا.

إلى الرياض


مضينا في «بريدة» ثلاثة أيام، ثم استأنفنا السفر إلى «الرياض» عاصمة نجد، وللوصول إليها طريقان: طريق «الوادي» وطريق «المستوي»، وثانيهما أقصر من الأول، وحدث في الأثناء أن أُذيع خبر عودة جلالة الملك عبد العزيز من المدينة المنورة إلى عاصمة نجد للمرة الأولى بعد فتحه الحجاز، فاخترنا طريق المستوي كي نعجل بالوصول إلى الرياض لنشهد حفلات استقباله، وقد قطعنا اليوم الأول في طريق رملي ذي هضاب رملية، ووصلنا إلى قرية تُدْعَى «أبو شيجر» بعد مسير أربعة أيام، ومن هناك علمنا أن جلالة الملك وصل في موكبٍ فخم مُؤَلَّفٍ من ستٍّ وعشرين سيارة في ذلك اليوم، ولم أَرَ ما يستحق الذكر خلال هذا الطريق سوى أن أهل القرى هناك يأكلون الجراد، وهم ينتظرون مواسِمَهُ كما ينتظر سكان مصر موسم السمان … وأغرب من ذلك أنهم يتفاءلون بالخير إذا أقبل موسمه بقدر ما يتشاءم منه أهل مصر، ويتسلَّح الفلاحون المصريون لمطاردته، ومما يتحدثون عن فوائده من نجد أنه مُغَذٍّ كالشهد، شافٍ للعلل كالتِّرْيَاقِ، حتى بلغت بهم شدة الشغف لأكله أن يتخذوا منه قَدِيدًا، ولا أدري أهم يُقددونه بطريقة التعقيم، أم بطريقة أخرى لا تزال غائبةً عن معامل برشلونة … وقد قصَّ عليَّ أحد رجال القافلة أن بعض كبار التجار النجديين في مصر لا يزالون على عهدهم بقديد الجراد، يُرسَل إليهم في أكياس هي عندهم أعز من أكياس الحلوى التي تُهْدى في الأفراح.
ومررنا على بلدة «شجرة»، وهي كائنة في وسط إقليم يسمى «الرَّسِّ»، وهي ذات تجارة متوسطة، ويعدونها عاصمة ذلك الإقليم. ومررنا كذلك على بلدة تدعى «البره» إلى أن وصلنا إلى مدينة «الدرعية» بعد مرورنا على أطلال قرية يسمونها «العيينة» التي نشأ منها «مسيلمة الكذاب» الذي ادَّعى النبوة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام
و«الدرعية» مدينة أثرية كانت عاصمة لنجد، وفيها نشأت أسرة آل سعود، ومنها ظهرت الدعوة الوهابية، وحولها دارت الحرب بين جنود المغفور له إبراهيم باشا والي مصر، وبين الوهابيين، ولا تزال آثار مدافعه باديةً للأنظار في خرائب مدينة الدرعية القديمة.
عاصمة نجد تستقبل ملكها

بلغنا «الرياض» في صباح اليوم الثامن، وكانت المدينة قد لبستْ زخرفها، وانتشرت معالم الابتهاج بوصول مليكها إليها بعد فتحه الحجاز، وقد امتلأت بالوفود من أقصى أنحاء نجد للترحيب بمقدَمه.
تعطفات ملكية

وكان جلالة الملك قد علم بقدومنا، فأرسل مندوبًا عنه لاستقبالنا بباب المدينة، وسار بنا إلى قصر جلالته، وقد دخلنا عليه لأوَّل مرة فإذا به يستقبلنا استقبالًا وديًّا كأننا كُنَّا على صداقة قديمة بيننا وبين جلالته، ولما علم بغرضنا من رحلتنا سُرَّ وأظهر عطفه على رغبتنا في استطلاع أحوال شبه الجزيرة العربية، وأمر بإعداد منزل خاص لإقامتنا، وطلب إلينا أن نحظى بمجلسه في أي وقتٍ شئنا، ومن ثَمَّ أخذنا نتعرف بكبار ذوي الشأن في عاصمة نجد؛ لنستطلِعَ ما جَلَّ ودَقَّ من شئون البلاد جملةً وتفصيلًا. وبدأنا نجمع المعلومات الدقيقة عمَّا كان قبل إعلان الحرب على الهاشميين، وفي خلال تلك الحرب، وما جرى بعد ذلك من التطورات حتى الآن مما سنأتي عليه.
وصف العاصمة النجدية

القصور الملكية

«الرياض» تعد أكبر مدن نجد وأعظمها شأنًا باعتبار أنها عاصمة الديار النجدية، ذات مبانٍ متعددة بينها عدة عمارات كبيرة أكثر شبهًا بمنازل أعيان أقاليم القطر المصري، أما قصور أمراء الأسرة المالكة فتمتاز عن سائر مباني الرياض باتِّساعها وبهاء شكلها، ويحيط بالمدينة سور فخم له عدة أبواب كثيرة على مثال أبواب المدن الشرقية في سالف الزمان، وهي تُقفل عند اللزوم، وتحيط بالعاصمة المزارع وأشجار النخيل، وهناك مزرعة خاصة بأمراء البيت المالك لم يستوقِفْ نظري فيها سوى بعض شجيرات من الورد وأخرى من القطن، ولعل في زرع شجيرات القطن معنًى خاصًّا يجول في نفس جلالة ابن السعود، هو ذات المعنى الذي جال في نفس المغفور له محمد علي باشا محيى مصر، يوم أمر بزرع بعض شجيرات من القطن للمرة الأولى في مصر في حديقة قصره، فلما أعجبه شكلُها، وسرَّه تَفَتُّح لويزات القطن وظهور خيوطها البيضاء، وما كان منه بعد ذلك حيث أمر بتعميم زراعته في سائر بلاد القطر، فكان ذلك سببًا في رخاء البلاد وسعادة العباد. على أن تحقيق هذه الأمنية السعودية قد يتم على مدى الزمان إذا أُعِدَّت الأراضي التي تصلح للزراعة، وَمُهدَتْ لها وسائل الري.
وفي الرياض عدة مدارس دينية أشبه بكتاتيب المساجد عندنا، يدخلها الصبيان فيتعلمون مبادئ القراءة والكتابة، ويحفظون القرآن عن ظهر قلب، ولا يتبحَّر في العلوم الدينية إلا النادر من الذين يريدون الانقطاع لخدمة العلم والدين، فيلقَّنون تفسير القرآن وأحكام الشرع، ومن هؤلاء يتخرَّج أئمة المساجد ووعَّاظها. وفي الرياض ستة مساجد خالية من مظاهر الزخرف والفرش بغير قباب، وأغلبها بغير سقف، وتقام صلاة الجماعة في أيام الجُمَعِ والعيدين في مسجد واحد، ويبلغ اهتمام بعضهم بسماع الخطبة المنبرية أن يبكِّر في الحضور إلى المسجد؛ ليأخذ له مكانًا فيه خشية الزحام، فإذا طرأ عليه ما يستوجب مبارحته المسجد وضع عصاه أو أي شيء آخر في مكانه ومضى إلى سبيله، حتى إذا أُذِّنَ للصلاة عاد إلى مكانه دون أن يرى من يجرؤ على احتلاله. ولا تستعمل القناديل في إضاءة المساجد ليلًا، فيكتفون ببعض الشموع. ومن أعجب ما لاحظته عند صلاة الفجر بعد الانتهاء من الصلاة أن ينادي المؤذن بأسماء الذين اعتادوا الصلاة في مسجده، فإذا تخلَّف أحدهم دون عذر شرعي عوقِب للمرة الأولى بمصادرة «كوفيته»، فإذا عاد عوقب بأخذ «عباءته»، أما إذا عاد للمرة الثالثة، فيأمر به مجلس الشرع بالضرب والسجن عدة أيام.
وقد جرتِ العادة بعد صلاة الجمعة أن يجلس الملك ونائبه في ردْهَةِ القصر الملكي ويستقبل المصلين، فيمر بهم الساقي بالشاي، ثم بالقهوة النجدية، ومن ثَمَّ يطوف بالحاضرين رجلان يحملان مبخرة يتضوَّع منها عبير المسك والعنبر، ويعدون هذا بعد صلاة الجماعة مسك الختام فيبتهلون بطول العمر والتأييد للملك.
أما القصر الملكي فهو مشيد على نمط عربي صِرْفٍ تقوم في وسطه أعمدة من الجبس الأبيض الناصع ذات نقوش عربية تستوقف الأنظار بدقتها وجمالها، وهو يتألَّف من طابقين: الطابق الأول وفيه قاعة المائدة الخاصة بضيوف الملك الأخصاء، وغرف أخرى خاصة بإطعام اللاجئين لساحته الملكية من فقراء البدو والسابلة، أما الطابق الأعلى ففيه عدة ردهات كبيرة، وبهو يسع نحو ثلاثمائة شخص، وقد خُصص جناح للديوان الملكي يشمل مكتبة الملك الخاصة، وديوان سمو الأمير سعود، وغرف خاصة لسكنى كبار موظفي القصر وطبيب الملك الخاص، ويلاصق بناء القصر بناء كبير خاصٌّ بالحرم والوصيفات والجواري والعبيد، وعددهم جميعًا لا يقل عن أربعمائة شخص بين ذكور وإناث.

جلالة الملك عبد العزيز


وأما جلالة الملك عبد العزيز بن السعود فطويل القامة، ممتلئ الجسم، نُحاسي اللون، برَّاق العينين، سَمْحُ المُحَيَّا، يضع على عينيه نظارة، وتبدو عليه مخايِلُ الذكاء المُفْرِطِ، وقوة الإرادة، وشدة العزم مع سماحة الخُلق، وَأَنَاةٍ وتدبُّر في كل ما يخرج من فمه من الكلام. وجلالته يناهز الخمسين من عمره، وقد أُصيب في إبهام يده اليسرى برصاصة أثناء الحرب فتركت أثرًا ظاهرًا فيه حتى الآن، ومن عادته إذا سار خفض برأسه نحو الأرض، ويلبس عباءة نجدية مزخرفة بالذهب، كثيرًا ما يرفع جزءًا منها تحت إبطه، لا يسرع أثناء سيره، وهو محبوب من شعبه، لا يتوجس خِيفَةَ شَرٍّ من أحد؛ فلا يهتم كثيرًا بملازمة الحرس إياه.
أول حديث ملكي معنا

وممَّا يجدر بي ذكره أنه بعد أن مَثَلْتُ بين يدي جلالة الملك كان أول ما ابتدرني به من الحديث أنَّه هنَّأني بسلامة الوصول، وطفق يسألني باهتمام عمَّا شاهدته أثناء سفري الطويل الشاق، فكان يبتسم ابتسامات الإعجاب كلما أجبته على سؤال بما لا يخرج عمَّا أسلفت بيانه في مقالاتي السابقة، ومن ثَمَّ بدأ جلالته يحدثني قائلًا: «ليس عندنا سوى دِين واحد ومذهب واحد، والجميع يؤدُّون الصلاة وراء إمام واحد، وهذا ما نشكر الله — سبحانه وتعالى — عليه. نعم إن المذاهب أربعة، ولكنَّنا نعتقد أن مذهب الإمام ابن حنبل هو أقرب المذاهب للسنة النبوية السمحة، فلا نجد عندنا إلا ما يقوله المسلم لأخيه المسلم: السلام عليكم. وهم مرتبطون جميعًا بكلمة التوحيد، وعلى هذا الأساس يقوم مُلكنا والحمد لله، نحن لا نبغي المُلك لذاته؛ فالمُلك لله الواحد القهار، فوالله وباللهِ لو أُعْطِينَا ممالك الأرض طُرًّا وأحسسنا أن بعضها شركًا لبعدنا عنها بُعد السماء عن الأرض، وليس يعنينا أن نقاتل الكفار، ولا نبغي إلا أن يهديهم الله سواء السبيل، فما داموا بعيدين عنَّا فليس ينالُنَا منهم شيء، ولا نحب أن نذهب إلى ديارهم ولا أن نتشبه بهم حتى، ولا نرتدي شيئًا مما يلبَسونه، إن المسلم الحقيقي هو الذي يتبع أصول دينه، ويرعى أمر الله، فمن شابَه الكفار أو تَشَبَّهَ بهم فلا خير له في الدنيا ولا الحياة الآخرة.»
تلك هي النفسية الدينية التي يدين بها الملك عبد العزيز الذي يحكم اليوم أرض نجد والحجاز، ويقبض على ناصية الأمر فيها بيدٍ من حديد، ولعل للأحكام الشرعية التي هي أساس قيادة الشعبين الأثر الفعال في قطع دابر حوادث السلب والنهب والاعتداء على الأرواح والأموال والأعراض كما كان يحدث قبلُ في بلاد الحجاز، وتأمين حُجَّاجِ بيت الله الحرام من هذه الناحية. ومع أن البدو أُنَاسٌ لا يخضعون لحكم أو سلطان، فمن العجيب أن يسري بينهم حكم الشرع ويخضعون له ذلك الخضوع، فمن البديهي أن دهاء هذا الملك ومقدرته على استمالة النفوس التي تأصَّل فيها الشر والفوضى منذ عدة قرون، كانت هي العامل الفعال لاستقرار حكم الشرع بين تلك القبائل.
وإذا ألقينا النظر على شكل حكومته لا نجد فيها هيئة وزارة، ولا مجلس وكلاء، ولا مستشارين، ولا رجال تشريع بالمعنى الذي نفهمه نحن، فالأموال العامة تُجْبَى من الأهالي بغاية السهولة، وتحت تأثير حكم الشرع، ويتولاها رجل واحد هو موضع ثقة الملك وحاشيته، فأكبر مبلغ وأقل مقدار من المال سواء أكان لمصلحة عامة أو خاصة إنما يُصرف بموجب قطعة ورق يكتب عليها الملك أو نائبه أمر الصرف دون الحاجة إلى إدارة خاصة بالحسابات وعدد كبير من الموظفين، ويتحتم أن تُعْرَضَ سائر مكاتبات الدولة في كافة شئونها عليه، وكذلك يطَّلع بذاته على ما يتحرر من المكاتبات ويبصمه بخاتمه الذي لا يفارق أصبعه. هذا فيما يتعلق بحكومة نجد فقط، أما الحجاز ففيها حكومة منظَّمَة، وإدارات متعددة كإدارة الأمن العام، وإدارة الشئون الخارجية وغيرها، على أن المرجع الأعلى لكافة شئون الحجاز أيضًا يجب أن تعرض على جلالة الملك عبد العزيز شخصيًّا.
المناداة بالسلطان عبد العزيز ملكًا

ولنعد إلى الرياض، فقد ذكرنا بأن جلالة الملك كان قد وصل إليها قبل أن نبلغها بأربعة أيام بعد أن غاب عنها زُهَاءَ ثلاث سنوات قضاها في الحجاز بعد انتصاره في الحرب المعلومة، فكان بديهيًّا أن تنتشر معالم الأفراح عند عودته فاتحًا ومنصورًا، وبعد غَيبة طويلة لم يسبق لها نظير من قبل، فقد غصَّت المدينة بوفود من أطراف البلاد للترحيب بمقدَمِه، وكانت مناظر ساحرة يُبْدِيهَا أولئك الوافدون من مظاهر التأهيل والاغتباط في وسط جذل آل البيت السعودي، فكنت ترى العطايا الملكية تفيض على فقراء الوافدين، والهدايا تُعطى لكرامهم، وألسنة الجميع لاهجةً بالشكر والحمد.
وقد دُعِيتُ لحفلة إعلان المناداة بجلالة عبد العزيز ملكًا على نجد بعد أن كان سلطانًا، وقد فاضتْ فيها ألسنة الشعراء والخطباء ببيان صفات مليكهم وما أحرزه من فخر الانتصار في فتح الحجاز، وقد قال أحدهم: «ما دامت الحجاز أصبحت من أملاكنا فلا يجوز أن نتفرد بوصف أنها دولة ملكية دون نجد التي لا تقل عنها شأنًا.»
حفلة زواج الأميرة سارة

ودُعِيتُ لحضور حفلة زواج الأميرة سارة ابنة جلالة الملك على ابن عمها الأمير فيصل بن سعد، فكانت حفلة غاية في البساطة؛ فقد فُرِشَتْ ساحة القصر بالأبسطة الفخمة، وَمُدَّتِ الموائد الشهية، وبعد أن تناول المدعوون ما لذَّ لهم وطاب أَمَرَ جلالته بنحر خمسمائة شاة، وتوزيع لحومها على الفقراء والمُعوزِينَ، وبعد انصراف المدعوين جِيء بأحد العلماء وتولَّى أداء المراسم الشرعية، فكانت حفلة عربية أمثال تلك التي حدَّثَنَا عنها السلف الصالح، فبساطة مصحوبة بإسداء التكرمة للجائع والمحروم وابن السبيل، ومظهر من مظاهر تعلُّق الشعب بمليكه، ومثل أعلى في تقرُّب الملوك من رعاياهم.
وأهل الرياض يشتغلون بجلب المتاجر من «الأحساء والكويت والجرين»، يتبادلون وتلك البلاد مصنوعات نجد وماشيتها، بل هناك مورد عظيم هو إجادة النجديين استخراج اللؤلؤ والمَرْجَانِ من قاع الخليج الفارسي، أما الحالة الزراعية فليست بذات شأن يُذكر حول الرياض، اللهم إلَّا بقدر حاجة السكان، فيمكن أن توصف الرياض والحالة هذه بأنها مركز تجاري، ومقر حكم تلك البلاد لا أكثر ولا أقل، ويتداول الأهالي هناك بالجنيه الإنكليزي والعثماني والروبية الهندية والريال الشوشي الذي أسلفنا ذكره عن «حائل»، وأجزاء هذه الريال «الجديدة»، بينما أجزاؤه في حائل «البشالك»، ويساوي الريال في الرياض ?? جديدة، وأجزاء الجديدة ست قطع من البرونز مطلق عليها اسم «بيزه».
عند الأمير سعود

وقد دعاني سمو الأمير سعود إلى زيارته في قصره الخاص، فكان أول ما ابتدرني به قوله: «لن أنسى ما عشتُ أهلَ مصرَ وحفاوَتَهم بي، كما لا تبرح عن مُخَيِّلَتِي تلك المكارم التي طَوَّقَتْ بها عنقي الحكومةُ المصرية، ولا أنسى على مدى الدهر عطف حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأبوي أثناء تشرُّفي بمقابلته السَّنِيَّة؛ فهي صفحات خالدة ما فتئت أقلبها منذ وطئت قدماي أرض بلادي بعد عودتي من مصر، وإن قومي لَيَحفظون كل ذلك لمصر، ويعدون كل ما نلته من مظاهر الحفاوة والتكريم إنما اخْتُصُّوا هم به فكان موجهًا لهم بالذات.» قال: «ولن أنسى كذلك أن أخصَّ بالشكر رجال الصحافة المصرية الذين برهنوا على عظيم محبَّتِهِم للإسلام وأهله. وإني لذلك لا زلت أدعو لمصر بكل خير، وأتمنَّى من صميم قلبي إحكام صلات الوُدِّ والصفاء بين البلدين.»
حياة الملك اليومية

لقد اعتاد جلالته أن ينهض قبل انبثاق الفجر دون أن يُلْزِمَ أحدًا من خاصته بالنهوض في ذلك الوقت، وبعد أن يتوضأ ويتلو ما تَيَسَّرَ من القرآن الكريم، ويؤذِّن المؤذِّن بصلاة الفجر، يقصد إلى مسجد القصر حيث يكون في انتظاره هناك عدد من عبيدِه، فيؤدي صلاة الفجر، ومن ثَمَّ يعود إلى إيوانه فيتناول طعام الإفطار مع من يكون حاضرًا من أبنائه وأفراد أسرته، حتى إذا فرغ من هذا انتقل إلى مكتبه الخاص في ديوانه، فيأخذ في مطالعة الرسائل، واستعراض بعض المسائل وبحثها وإبداء رأيه كتابةً، ويَظَلُّ كذلك حتى بعد شروق الشمس بساعة، ومن ثَمَّ ينتقل إلى إحدى قاعات الاستقبال حيث يستقبل بعض أخصائه، ويرسل في طلب بعض مَنْ لَهُمْ به شأن هام، وبعد ذلك يستقبل وفود «الإخوان» فيقضي في الاحتفاء بهم ومسامرتهم وسماع ما يُدلون به إليه من الأقوال والأحوال وقتًا غير قليل، وممَّا يُذكر أن أولئك الإخوان يتحدَّثون إلى مليكهم كأنما يخاطبون واحدًا من إخوانهم البدو في الصحراء، وليس ذلك منهم كما يتبادر إلى بعض الأذهان «جحلفة بدوية» ولا قلة احترام لملوكهم، ولكنَّهم يفعلون ذلك تمسُّكًا بسُنَّة السلف الصالح، والسير على ما كان عليه المسلمون في أيام الخُلَفَاءِ الراشدين. مثال ذلك أني رأيت أحدهم يخاطب مولاه الملك بقوله: «يا عبد العزيز» فاستكبرتُ منه ذلك وكدت لا أصدق سمعي؛ لحقارة شأن المتكلم وسعة صدر جلالة المخاطَب، لولا أن أحدَهم همس في أذني قائلًا: «ذلك هو الدستور الذي شرعه لنا هذا الملك، فهو يَقْبَلُهُ على العين والرأس ولا يرضى سواه بديلًا.»
في المجلس الكبير

وعند الضحى ينتقل جلالته إلى قاعة تُعرف باسم «المجلس الكبير»، حيث يجتمع فيها عادةً أمراءُ الأسرة الرشيدية والعايدية، وهذه الأخيرة هي الأسرة التي كانت تحكم بلاد أبها التابعة لحكم نجد الآن، وكذلك بعض كبار أعيان نجد وزعماء باديتها، وهناك في هذا المجلس يستعرض جلالته الشئون العامة في كل ما دَقَّ وجلَّ، فبينما تراه يعلِّق على حديث نبوي إذا به يصل هذا التعليق بمسألة عامة أو بحادثة تاريخية أو بأمر مستقبل يريد أن يُوْمِئَ إليه بهذا الحديث، ومع أن جلالته صريح في بيانه فهو يتجنب بقدر الإمكان المغامز والإيماء، وما عساه أن يؤوَّل تأويلًا مسيئًا، ولا سيما عند بعض أفراد أسرة آل الرشيد وآل عايد، ولهذه المناسبة أذكر أن جلالته تفضَّل بدعوتي إلى هذا المجلس، وفي الأثناء لفت نظري إلى نبذة في إحدى الصحف السورية جاء فيها أن السيد عبد الله بن عايد تركَ مكة المكرمة، وأنه حشد جيشًا على جلالة الملك ابن السعود في حين أن السيد المشار إليه كان بين الحاضرين في المجلس، فلما قرأتُ هذا ابتسمتُ وقلت لجلالته: «وما آفة الأخبار إلا رواتها»، فلا يصح يا صاحب الجلالة أن تكون مثلُ هذه الرواية المكذوبة دليلًا قائمًا على أن الصحف سواسيةٌ في هذا الباب، يدلك على ذلك أن الصحافة المصرية مثلًا شديدة التدقيق في رواية الأخبار، فهي لا تقنع من صحة روايةٍ بما يصل إليها من مصدر معين إلا إذا تثبَّتَت كل التثبُّت من صدقه، وكذلك الشأن في كل صحيفة تحترم نفسها ولا تبغي سوى تقرير الحقائق وإنارة أذهان الجمهور بها. وهنا قال جلالته إنه يُجِلُّ الصحف المصرية ويعتبرها في طليعة صحف العالم الإسلامي، وما كان يقصد من لفت نظري إلى تلك النُبْذَةِ إلا ليلفتني كصحفي إلى أن كل ما يقال غير صحيح، وأن جلالته وجيرانه وكل من يتصل بملكه من كبار رجال العشائر وأقطابها على اتِّفَاقٍ ووئام، فأمَّن المجلس على قول جلالته، وفي مقدمتهم السيد عبد الله المذكور.
وبعد أن يَنْفَضَّ ذلك المجلس يذهب جلالته إلى القصر الخاص الذي يقيم فيه والده الشيخ، وهو — رغمًا عن كونه في العقد التاسع من عمره — على جانب عظيم من الذكاء وسرعة البديهة ورِقَّةِ الجانب، فضلًا عن كونه محبوبًا من سائر أهل نجد، وبعد أن يقضي في حضرته بُرْهَةً ينتقل إلى زيارةِ كبرى شقيقاته الأميرة «نوره» التي يُجِلُّهَا جلالته، ويضعها في مكان خاص من نفسه، فقد جرت عادة أهل نجد أنهم يخصون كبرى شقيقاتهم بأجلى مظاهر التوقير والإجلال، ومما أذكره أيضًا بالشكر والثناء لهذه الأميرة الجليلة ذلك الكرم العربي ومكارم الخلال، فقد كانت تبعث إليَّ يوميًّا بمختلف ألوان الطعام، ولا تنفكُّ تستفسر عن حالي، وتبالغ في إكرام جانبي.
ومن عادة جلالته بعد أداء فريضة العشاء أن يطوف بموظفي ديوانه ويستطلع ما لديهم من الأعمال، ويزودهم بما يَعِنُّ له من الآراء، وفي بعض الأحيان عندما يرى الظروف مناسبة يستقل سيارته ومعه بعض أفراد حاشيته ويذهب للصيد والقنص في البادية، وقد رأيت بين سيارات جلالته سيارة يهتم بها جِدَّ الاهتمام، ولا يركبها إلا في الحفلات الهامة، تلك هي السيارة الفخمة التي أهداها إليه حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول صاحب النيل.

بين زعماء قبائل نجد


وعلى ذكر ما روته بعض الصحف أثناء وجود سعادة الطيب بك الهزازي رئيس ديوان جلالة الملك ابن السعود في مصر أخيرًا عن وجود خلاف بين بعض زعماء قبائل نجد أمثال فيصل الدويش زعيم قبيلة الأرطاوية، وسلطان بن مجاد زعيم قبيلة الغطغط من جهة، وبين جلالة ابن السعود من جهة أخرى، أقول إني سمعت شيئًا في هذا الموضوع أثناء وجودي في «الرياض»، ذلك أنهم يُعْزُونَ وقوع ذلك الخلاف إلى حادث الاعتداء على المحمل في مِنى، فقد قيل إن القتلى من النجديين كانوا من قبيلة فيصل الدويش. وقد اعتبر بعض علاة هذه القبيلة أن تَصَرُّفَ جلالة الملك عبد العزيز كان مهينًا لهم، وكان من واجبه أن يثأر لهم، ولكن ما كان أخيب رجاء الغُلَاة عندما علموا أن فيصلًا هذا ذهب إلى «الرياض» عقب وصول جلالة الملك بعد أن تَعَرَّفَ على الحقيقة من جلالته، وَأَمَّنَ عليها وانقضى بذلك كُلُّ قِيلٍ وقال.
أما سلطان بن مجاد فقد قيل إن نزاعًا قام بينه وبين جلالة الملك على تطبيق بعض الأمور الشرعية، ولكنه بعد أن تبيَّن الحقيقة قصد إلى «الرياض» وقابل جلالة الملك، وخرج من لدنه شاكرًا، ولكن يظهر أن بعض دعاة السوء أرادوا بث دعايتهم في قلب نجد بعد أن فشلوا في الحجاز، فلم يُفلحوا، وهكذا عادت المياه إلى مجاريها وانقضى الأمر.
عقائد النجديين في الحياة والخلود

ومما يستحقُّ الذكر عن عادات أهل نجد، أنهم يعتقدون أن النجدي سواء أكان حضريًّا أم بدويًّا إنما خُلِقَ لعبادة الله وطاعة شريعته، وأنه كُتب له في لوح القضاء أجلٌ محدودٌ، فعليه أن يعمل في حياته ما يُرضي الله إلى يوم مماته، وفي يقينه أنه منتقل إلى جوار ربه فَيُجازى على ما كسبته يداه؛ إن خيرًا فخير أو شرًّا فشر؛ ومن هنا تجيء علة انعدام الجرائم على اختلاف ضروبها حتى في الحرب، فهم يعتقدون أن من قَتَلَ عدوًّا لدين الله وشرعة نَبِيِّهِ الكريم دخل الجنة، ومن قُتِلَ منهم في سبيل الله فقد أُجْزِلَ له ثواب عمله؛ فترى البدوي منهم وهو في سبيل الجهاد يحمل أكفانه وهو ممتلئٌ يقينًا وإيمانًا بصحة عقيدته، ولعل ذلك كان سببًا في بذل مُهَجِهِم في الحروب، واندفاعهم إليها بغير تردُّد، حتى إذا سقط أحدهم في حومة الوغى قتيلًا كان آخر ما يصل إلى سمعه ممن بقي حيًّا: «وا خليلاه! لقد سبقتني إلى الجنة.» أما في حالة هزيمة عدوهم وإطباقهم عليه تراهم يقولون متهللين: «يا أهل التوحيد، يا أهل التوحيد، إياك نعبد وإياك نستعين!» ويطلقون على دَوِيِّ الرصاص: ريح الجنة، حتى إذا أصيب أحدهم أثناء القتال في ظهره عَدُّوه جبانًا يحاول الفرار لا يستحق عندهم تكريمًا حتى ولا الدفن.
أما عقائدهم الدينية فهي — كما أسلفنا — اتِّباعهم تعاليم السنة النبوية، فلا يقيمون المآتم لموتاهم، ولا يشيدون القباب على الأضرحة، لا ولا على المساجد؛ فهم يعتقدون أن الموتى في هذه الدنيا لا يستحقون تكبيرًا ولا تعظيمًا من جانبهم ما داموا سيبعثون بعثًا جديدًا، وينعمون بنعيم الجنة.
ولعل في هذا بعض الشبه من عقيدة البعث بما كان يعتقده قدماء المصريين بما هو مسطور على توابيت موميائهم، وما كانوا يعدُّونَه من الملابس والأطعمة ونحوها استعدادًا ليوم النشور، على أن هناك بطبيعة الحال فارقًا كبيرًا بين العقيدتين لا يخفى، فإن قدماء المصريين بتحنيطهم جثث موتاهم وإعدادهم الطعام ونحوه، إنما كانوا يعتقدون أن موتاهم سيبعثون بأجسامهم وهياكلهم البشرية بعينها في هذه الدنيا، ولكن أهل نجد يعتقدون كما يعتقد أهل السنة والجماعة من أهل المذاهب الأربعة، بالبعث المعروف في حياةٍ غير هذه الحياة.
حياة النجديين الاجتماعية

إن أهل نجد، ولا سيما سكان باديتها، يعدون الأرز طعامًا أساسيًّا لهم بمثابة الخبز عند سائر الشعوب الأخرى، ولما كان هذا النوع من الطعام يستلزم تناوُلَهُ بالملاعق فإن النجديين لا يستعملون سوى قبضة أيديهم، أما سائر ألوان الطعام الناضجة الأخرى، فلا يمكن أن تخلو من إضافة مسحوق «الكركم» عليها — ويسمونه البزار — ومع كثرة الألبان هناك فإنهم لا يعرفون الجبن، ولكنهم يصنعون شيئًا كثير الشبه به يسمونه «البقل»، وطريقة صنعه أنهم يغلون اللبن حتى يجف، ومن ثَمَّ يضعونه في الهواء فيزداد جفافًا، ويقطعونه قطعًا صغيرة بعد أن يضيفوا عليه قليلًا من المِلْحِ، ومن عوائدهم أن لا يتناولوا البصل نَيِّئًا؛ وحجتهم في ذلك عدم مضايقة المُصَلِّينَ برائحته، وهم لا يهتمون بتصنيف الطعام ألوانًا، ولا يهتمُّون بطهي الحلوى تمشيًا على ما كان عليه السلف الصالح.
ولا يوجد في نجد كلها سوى طبيب واحد، هو طبيب الملك الخاص، ومع أنه وحيد زمانه هناك فإن عمله قليل؛ والعلة في ذلك أن أسقام الناس تكاد تكون معدومة بسبب تقشُّفهم في المعيشة وفي تناوُل الأطعمة، ولأن يد الطبيعة هي التي تقوم مقام الطبيب هناك، يدلُّك على ذلك أن الوَفَيَات هناك قليلة جدًّا، ويندر أن يموت شخص في سن الأربعين أو الخمسين، ولهذه المناسبة أذكر مرة أن جاء بدوي إلى طبيب الملك أثناء وجوده وطلب إليه أن يَصِفَ دواء لامرأته التي كانت تقيم في قلب البادية وعلى مسير ثلاثة أيام، فاعتذر الطبيب عن وصف الدواء إلا إذا عاين المريضة وشخَّص داءها، فما كان من الأعرابي إلا أن هزأ بالطبيب والدواء، وقال: لعلها تكون قد شُفِيَتْ فلا حاجة بنا إليك. وانصرف لسبيله، وجاء بدوي آخر كان قد أصيب برصاصة في جانب من كتفه شَلَّتْ ساعده الأيمن، فلما أفهمه الطبيب أن إخراج الرصاصة يستدعي التخدير وإجراء عملية جراحية ضحك وقال: «لا والله، لن أموت إلا بريح الجنة!» ويقصد بذلك: برصاصة أخرى، لا أن يموت على مشرحة الطبيب.
ومن أعجب العجب أن أهل البادية الذين يقطعون القفار الشاسعة بلا دليل صناعي أو نحوه، بل بمراصد الشمس والقمر والنجوم وألوان رمال الأرض، يستطيعون أن يُنبئوك بأن أشخاصًا يتحدَّثون، وهم على بعد نصف يوم على ظهور الإبل في الصحراء؛ ولعل ذلك يرجع إلى شدة حاسة السمع والبصر عندهم، وصَفَاءِ أذهانهم، وإلى قوة اتجاه الريح الذي ينقل نبرات الأصوات مع الأثير.
والمواقيت هناك بالحساب الهجري، وقد يريد بعضهم أن يذكر لك مثلًا العام الذي انقضى منذ عشر سنوات، فبدلًا من أن يقول لك بالرقم يذكر لك أهم وقائع ذلك العهد؛ كأن يقول: سنة الأحساء، أو سنة الحجاز، وهلم جرًّا. ولا يمكن أن يخطئ أحدهم في فهم عدد السنوات التي مضت على ذلك الحادث، أو أن يكون جاهلًا لأهم ما جرى من وقائع تلك السنة. أما نطقهم العربي فلهجتهم تختلف عن لهجة عرب مصر، بل وعرب الحجاز أيضًا، فهم يُبْدِلُونَ الكاف تاءً مشددة. ومن عاداتهم أنهم قبلما يبدأ أحدهم بمحادثة آخر يدعو له بطول العمر، وهناك اختصار لجملة، أو لعدة جمل تقع في حرفي «س م» بفتح السين وسكون الميم، فعندما يقدم الساقي القهوة بدل أن يقول: «بسم الله» يختصرها بقوله: «سم»، وإذا أراد أحدهم أن يَصْدَعَ بأمر فبدل أن يقول سمعًا وطاعة أجاب بكلمة: «سم»، وإذا ناديت عليه وأراد أن يقول لك إني سامع هتف قائلًا: «سم»، وهلم جرًّا. وللقراءة عند أكثر قرائهم نغمة مخصوصة يُخَيَّلُ إلى سامعها من غير النجديين أنه يستمع «لأخنف»، ولكنهم يفعلون ذلك مبالغةً في الخشوع والتصوف، ولا سيما عند قراءة كتاب الله العزيز.
ولإسدالِ اللِّحى عندهم شأن كبير؛ فهم يعدون من حلق لحيته مخالِفًا لسنة رسول الله، وقد قصَّ عليَّ أحدهم، وهو يعبث بلحيته اعتزازًا بها — بعد استئذان الدكتور محجوب — أن اثنين اختلفا في أمر إطالة اللحية من عدمها، وكان أحدهما أجردَهَا، فذهبا إلى بيت رسول الله — عليه السلام — يحتكمان، فلما طرقا باب الدار أجابتهما السيدة عائشة — رضي الله عنها — بأن الرسول غائب فذهبا، ثم عادا وطرقاه ثانيًا، وكان ? لم يعد بعدُ فأرادت السيدة عائشة أن تُقْسِمَ بأنه لم يعد فقالت: «والذي فضَّل الرجال باللحى إن الرسول ليس موجودًا.» وهكذا اكتفى ذو اللحية بهذا الحكم، وانتصر على زميله وانتهى الأمر.
قبائل بني صخر

أما قبائل بني صخر النازلة في حدود مملكة نجد من ناحية شرق الأردن، فهي لا تزال على فطرتها لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، وقَلَّمَا تَجِدُ من يعرف أداء الصلاة بفروضها، ومع أنهم خاضعون لحكم جلالة الملك ابن السعود الآن إلا أنهم لا يزالون في عُزلتهم التي كانوا عليها قبل دخولهم في حكم جلالته، فلهم عوائدهم وتقاليدهم، ولهم أزياؤهم، وأهم ما في أمرهم أنهم لا يأكلون القمح طحينًا، بل يسلقونه على مثال «البليلة» المعروفة في مصر، ويعتقد بنو صخر أنهم مصريون أصلًا وبنو عمومة للمصريين، وقد كان جَدُّهُم الأول مصريًّا، وقد كان لهذا الاعتقاد أثره معي؛ فقد استقبلني بعض مشايخ تلك القبيلة بأجلى مراسم التأهيل والترحيب، وشرعوا يقيمون الحفلات كأنما جاءهم قريب جليل القدر من ضفاف النيل.
وقد شهدتُ حفلة عرس، وقد جيء بقطعة من خشب العود، وأمسك بإحدى طرفيه كل من الزوج ووالد الزوجة، ومن ثَمَّ حاط بهما الحاضرون، وهنا قال والد الزوجة: «وحياة العود والرب المعبود جوزت ابنتي.» فيرد عليه الزوج قائلًا: «تجوزت ابنتك.» وعلى أثر ذلك تُنحر الذبائح، وتقام المآدب، وينتهي الأمر. وإلى هنا نكون قد انتهينا من وصف بلاد نجد؛ طرقها ومسالكها، عوائدها وتقاليدها، ودينها وطبائع أهلها من حضر وبدو، وقد رأينا قبل مبارحتنا الرياض عاصمة نجد أن نحظى بمقابلة جلالة الملك ابن السعود؛ كي نحصل منه على حديث مستفيض في شئون بلاده العامة من سياسية واجتماعية، ونستطلع رأيه في شأن الخلافة الإسلامية وما جرى في حادث الاعتداء على المحمل المصري، والنظام الجديد الذي وضعته حكومته لحكم الحجاز بعد فتحه، ورأيه في توظيف المصريين في مناصب دولته، وقد أبدى جلالته عظيم ارتياحه إلى محادثتنا فيما تقدم، وإلى القراء هذا الحديث.

حديث ملكي هام


بدأ جلالته حديثه معنا قائلًا: أرجو أن لا تكونوا قد تأثرتُم بشيء ممَّا بدا لكم من خشونة بعض سكان البادية وجفاء طباعها أو شدة تعصبهم للدين، فذلك أمر يرجع إلى الفطرة التي نشأوا عليها، على أني شخصيًّا وكبار أقطاب دولتي لسنا على شيء من هذا؛ يدلك أن مندوبي الدول ذات الشأن بنا يدخلون معنا في مفاوضات طويلة فلا نشتد وإياهم، أو نسلك معهم مسلكًا ينأى بهم عنَّا بخلاف ما شاهدتموه أنتم شخصيًّا إذا طَوَّحَتْ بكم أحاديثُ كهذه مع قبائل البدو الذين هم على الفطرة، وإني أحمد الله أن شعبًا كهذا يدين بالولاء لمليكه، ويرفع كلمته عند الشدة، ويبذل مُهَجَهُ عند الضرورة، ويقنع بالقليل من أودِ الحياة، ولعل أخبار حربنا مع الشريفين، وما أبداه شعبنا من بسالة وإقدام وتَفَانٍ في رفع راية مليكه أكبر شاهد على ما أقول.
سألنا جلالته: وهل تتنازلون جلالتكم ببيان الأسباب المباشِرة لقيام الحرب الحجازية الأخيرة؟
فأجاب: نعم، وإني أقسم لك بأني ما كنتُ أبغي الحرب معهم لولا أن الشريف حسينًا هو الذي ألجأنا إلى قتاله بما ارتكبته عصابته في السنوات الأخيرة من سوء معاملة حجاج بيت الله الحرام، ليس بالنسبة للنجديين وحدهم، بل وسواهم من أمم الإسلام الأخرى، ولقد صبرنا عليهم صبرًا جميلًا وفوَّضنا الأمر فيهم لله تعالى، فما ازدادوا إلا بغيًا وعدوانًا، وأنذرناهم بَدَاءةَ بَدْءٍ بسوء المصير، ولكنهم تمادَوْا عُتُوًّا، وأعمل رجالهم صَلَفًا وإرهاقًا مما لا قِبَلَ لنا على المزيد من الصبر عليه، فاضطررنا في نهاية الأمر إلى تسيير جيشنا إلى الحجاز، وإذا سمعت مني كلمة «جيش» فليس ذلك الجيش إلا أولئك البدو البواسل الذين تشاهدهم حولك هنا وهناك، فعَلنا ذلك وكان يقيننا أننا نطهر أرض الحجاز من أهل البغي، ونُؤَمِّنُ طريق الحجاج، ونحمي أرواح المسلمين، ليس في نيتنا أن نتملَّك الحجاز لذاته، أو نزيد ملكنا بسطةً وسلطانًا؛ فقد كنَّا نعلم أن لأهل الحجاز عقائد وتقاليد تخالف عقائدنا وتقاليدنا، وهناك عصابات القتل والنهب والإخلال بالأمن من الصعب قطع دابرها أو تحويل عقائدهم وأحكامهم إلى مثل الحال في بلادنا نجد، وكنا نعلم أكثر من ذلك أن امتلاك الحجاز ربما يسبب لنا متاعب ويفتح الباب لتدخُّل بعض الدول الأوروبية معنا، ولكنَّا خضنا الحرب مع ذلك تحت تأثير غرضنا الأسمى الذي أسلفتُ لك بيانه، وهكذا كُتب لنا النصر بعد حرب لم تَدُمْ طويلًا بسبب تذمر الحجازيين من سوء حكم الشريف، حتى لقد كان رجالنا لا يَلْقَوْنَ في أكثر المواقع الحربية مقاومة تذكر، وكُنَّا كلما دخلنا مكانًا أهلَّ بنا أهله كافة، بل ما كدنا نطرد الشريف وعصبته ونقبض على ناصية الأمور في الحجاز ونعلن لأهلها عدم رغبتنا في حكم الحجاز حتى اجتمع زعماؤه وأصحاب الكلمة فيه، وأجمعوا رأيهم على مبايعتنا المُلك فيه، وهكذا لم نَرَ بُدًّا من أن نقبل هذه البيعة، وأن نقبل حكم الحجاز بدين الله وسنة نبيه الكريم.
وسألنا جلالته: وماذا أبدلتم من نظام الحكم في الحجاز؟
فأجاب جلالته: إن النظام الأساسي لحكومته لم يتغير؛ فأبقينا كبار الموظفين الذين عهدنا فيهم الصدق والإخلاص لنا، بل الذين كانوا في مقدمة الذين بايعونا الملك، وكل ما أحدثناه هو إبدال القوانين التي شرعها لهم الشريف باتِّبَاعِ حكم الشرع كما هو الحال في نجد، وقد استقبل الناس ما شرعناه لهم بمزيد الابتهاج والرضى، وقد كان لذلك أثره الفعال في سرعة تبدُّل الحال واستتباب الأمن وقطع دابر الفوضى من أرض الحجاز كما سوف ترى عندما تزورها.
وسألنا جلالته: قلتُم لنا إنه لم يكن بُدٌّ من تدخُّل بعض الدول في شأن من يحكم الحجاز، فماذا تقصدون جلالتكم بتلك الدول؟
فأجابنا: تعلمون أن أكثر دول أوروبا، وفي مقدمَتِهِم إنجلترا، تحكم أممًا إسلامية، فكان من البديهي أنها تهتم بشئون حجاجها، مثل ذلك أن الأزهر الشريف فيه رواق لكل دولة، ومن حقها أن تتدخل مع الحكومة المصرية في كل ما يمس شئون شيوخه وطلابه، فالمسألة في حكم الحجاز من حيث تدخُّل الدول لا تتعدى هذا الشأن فقط، وإذا جاز لي أن أخص بعض الدول بالثناء، فإنما هي إنجلترا التي برهنتْ في أكثر من موقفٍ على أنها لا تبغي بنا تحكُّمًا فيما هو خارج عن حدودها، فما دام رعاياها من الحجاج في أمن واطمئنان، وأسباب رعاية صحتهم متوفِّرة بينهم، فهي لا تحرك شأنًا قَلَّ أو عَظُم.
سألنا جلالته: وما رأيكم في الخلافة الإسلامية، ولماذا لا ترغبون فيها؟
فأجابني مبتسمًا: إني أعتذر لك عن الخوض في هذا الشأن الخطير لأسباب أراها لا تتفق مع تمسُّك أهل بلادنا بنصوص حكم الشرع، ولا أرى من اللياقة وحسن المجاملة أن أنبسط معك في هذا الموضوع.
قلنا لجلالته: وما رأيكم في توظيف أذكياء المصريين في وظائف دولتكم؟
فأجابنا جلالته قائلًا: إن حبي وتقديري لأبناء مصر فوق ما تتصور أنت، فهذا مستشاري الأمين وساعدي الأيمن فضيلة الشيخ حافظ وهبة، له عندي المقام الأسمى وعظيم التقدير، وإني أرحب بمن يرغب في تولي مناصب البلاد من أبناء مصر، لولا أني أعرف بأن مالية الدولة لا تتفق وما يستحقه أبناء هذا البلد الغني الوفير الخيرات، وإني أرجو الله أن يتَّسع نطاق العمران في بلادي على مدى الأيام، وتزيد موارد دولتي فيكون المجال فسيحًا أمام هؤلاء الإخوان الذين أتمنى وجود أكثر عدد منهم بين موظفي حكومتي.
قلنا لجلالته: وما رأيكم في حادث المحمل المصري؟
فَأَطْرَقَ جلالته قليلًا ثم قال: ليت تلك الساعة العصيبة التي وقع فيها هذا الحادث المنكود لم تكن مسطورة في حساب الدهر، فقد جَرَّهَا أناس لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم وهم في ساعة غليان، أحمد الله الذي كتب لحامية المحمل المصري السلامة، ولم يُحَمِّلنا وِزْرَ ما جرى، أو ما كان أن يكون؛ فمصر هي أقرب دول الإسلام جوارًا لنا، وجلالة مليكها فؤاد الأول له في فؤادنا أَجَلُّ مكانٍ، وإني أؤكد لك بأنه على توالي الأيام سيُدرك أمثال الذين أثاروا هذا الحادث بِرُعُونَتِهِم أن لا شيء أحب إليهم من تمتع الأراضي المقدسة بأعظم أنواع السلام والطمأنينة.
وكان هذا خاتمة حديثنا مع جلالته، وبعد أن شكرنا ما لقينا في بلاده من ضروب الحفاوة والإكرام، وما خصنا به جلالته وسائر أفراد أسرته الكريمة من الرعاية والعطف، استأذنَّاه في السفر إلى مكة المكرمة.

إلى أم القرى


لا نأتي على نهاية هذا المقال حتى نكون قد انتهينا بالقراء من وصف تلك الرحلة، فيكون مسك الختام، ولقد أسلفنا القول في مقالنا السالف بأننا سنقصر هذا المقال على وصف رحلتنا في أرض الحجاز بعد أن قضينا نيفًا وشهرًا في عاصمة نجد، وأكثر من شهرين في التنقل بين بلاد نجد، وكان في نيتنا أن نقوم برحلة طويلة نستعرض فيها سائر مدن الحجاز لولا أن داهمنا القَيْظُ بخَيْله وَرَجْلِهِ، فقد كانت درجة الحرارة في شهر مارس أشد منها في شهر يوليو بالقاهرة — حيث نصطليها الآن — وعلى ذلك لم نَرَ بُدًّا من الاقتصار على زيارة مكة المكرمة، وفي الواقع أنها كل شيء في الحجاز، بل هي الحجاز كله، فأم القرى هي مظهر حياة الحجاز والحجازيين، على أنها في الأثناء الأخيرة، وبعد أن حكمها الوهابيون قد تطورت تطورًا يدفع بالباحث الرحالة إلى استطلاع قديمها وجديدها.
تركنا «الرياض»، وكان من حسن الحظ أن رافقنا في رحلتنا منها إلى أم القرى سعادة الطيب بك الهزازي رئيس ديوان جلالة الملك ابن السعود يحمل الهدية السعودية إلى صاحب السمو الأمير فاروق ولي عهد الدولة المصرية، وهي الجياد الأربعة التي وصلت إلى مصر منذ شهرين، فقطعنا ستة أيام على ظهور الإبل لم نشهد في طريقنا أثرًا لبلد، إلى أن صادفنا قرية تدعى «الشعرا»، هي بمثابة مَحَطٍّ لرحال القوافل وتزويد رجالها بما يحتاجون إليه من مئونة وماء؛ ولهذا السبب ترى أسعار الحاجيات فيها مرتفعة جدًّا، وتركنا هذه القرية، وواصلنا السير بين وديان وَحُزُونٍ، فتارة نصعد إلى هضاب عالية وقمم جبال شامخة، ثم ننخفض إلى سفوح بعيدة الغور وَعِرَةِ المسالك، حتى إذا احتجنا إلى الماء لم نجد حاجتنا منه إلا من آبارٍ بعضها ذات ماء آسِن أو ملح، وهكذا قطعنا عشرة أيام على هذه الحال إلى أن بلغنا بقعة يسمونها «السيل»، وقد سميت كذلك لوقوفها في سفح سلسلة جبال تنحدر من قممها مياه الأمطار، فتكون شبه بحيرات صغيرة، وفي هذه البقعة يتحتم على قاصدي أم القرى أن يُحْرِمُوا استعدادًا لدخول المدينة المقدسة، فخلعنا ملابسنا العادية وأحرمنا، وواصلنا السير حتى إذا بانت أمام أنظارنا قباب مكة ومبانيها الشاهقة، هتفنا مع رجال القافلة قائلين: «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، السعد والخير بين يديك.» وفي مساء ذلك اليوم بلغنا أبواب مكة، فكان أول ما قمنا به أن طفنا حول البيت الكريم، وسعينا بين الصفا والمروة سبع مرات، وهذا فرض واجب على كل داخلٍ مكةَ، وكان رجال الحكومة قد أعدوا لنا منزلًا خاصًّا قضينا فيه ليلتنا، وفي اليوم التالي قابلنا سمو الأمير فيصل نائب جلالة والده في حكم الحجاز، فشاهدنا فيه أميرًا عربيًّا حلو الشمائل، عذب الحديث، ذَكِيَّ الفؤاد، وكان ارتياحه إلى رحلتي عظيمًا، ولم يَنْسَ أثناء الحديث أن يذكر مصر وجلالة مليكها ورجال الأقلام في مصر بنوع خاص بأحسن ما يُذكر من طيب الحديث.
في مكة المكرمة

ومما لاحظناه — وكان آنئذٍ شهر رمضان — أن أكثر المتاجر والحوانيت مغلقة، وحركة المارة في الشوارع خفيفة، وهي حالة تختلف اختلافًا كليًّا عن مثلها في سائر المدن الإسلامية الأخرى، وقد بحثنا عن السر في ذلك فعرفنا أن سكان مكة ينقطعون بكلياتهم وجزئياتهم خلال شهر الصوم للعبادة والتقديس ونسيان متاع الدنيا ومشاغلها.
ومكة مدينة كبرى بحقٍّ، أكثر مبانيها مشيدة بالأحجار ذات وجهات بارزة بشكل «مشربيات» بعضها على نمط عربي بحت، والبعض الآخر يشبه المباني المصرية التي شُيِّدَتْ خلال نصف القرن الماضي، وهي كثيرة الأسواق، يجد فيها المسافر كل ما تشتهيه نفسه من الحاجيات من ملبس ومأكل وكماليات، ولا سيما بعض الزخارف التي يجيدها صناعٌ أصلُهم من الهند والعراق والشام وبعض أهل مكة أنفسهم، فأسواق الحرير مثلًا، مع أن دودة القز لا تعيش في الحجاز، وقزُّها يُجلب من دمشق الشام وبيروت، يشتغلون بصنعها، حتى إذا عُرِضَتْ مصنوعات مكة الحريرية على طلابها ميَّزوها، وأيقنوا أنها من صنع مكة. على أن سائر السلع والبضائع مرتفعة الأسعار، حتى الفاكهة وبعض الخضراوات؛ بسبب استجلابها من الخارج، وضرب الرسوم الجمركية فادحة عليها، أما اللحم والسمن فكثير جدًّا وأثمانه رخيصة عنها في مصر.
أما الحالة الصحية بسبب قِدَم المدينة وضيق شوارعها وعدم تنسيقها وشدة حَرِّهَا وعدم اعتناء الحكومات البائدة بتوفير أسباب الصحة العامة فليست حسنة، ولكن الحكومة الحاضرة شرعت في استجلاب المرشِّحات للمياه، وتوسيع بعض الشوارع وإضاءتها، كل ذلك يحمل على الاعتقاد بحسن الحال في مستقبل الأيام.
ويبلغ تعداد سكان مكة والقرى المجاورة لها زُهَاءَ مائة ألف نسمة، وأكثرهم طوال القامة يضرب لونهم للسُّمرة مع نحافة غالبة في الأجسام، على أنهم يتمتعون بصحة جيدة، وظاهر أن اختلاط العنصرين التركي والمصري بهؤلاء السكان أحدث تغييرًا في لهجة حديثهم ودرجة تفكيرهم وذهنياتهم، وهناك عدد غير قليل من الأغنياء الموسرين الذين أَثْرَوْا من تبادل المتاجر والأرباح الطائلة التي دخلتْ عليهم في أوقات الحج، يجد الزائر المصري في منازلهم من أدوات الترف وجمال التنسيق ما يجده في بيوت بعض كبراء مصر. وتناول القهوة هناك شائع على الطريقتين المصرية والتركية، إلا أن شرب الشاي هو الأكثر شيوعًا.
أما عقائدهم الدينية، فهم أقل تعصُّبًا للدين من أهل نجد، وقد لاحظتُ أن بعضهم — مع إحلال الحكم الوهابي وتطبيقه في الحجاز — لا يزال يستبيح لنفسه بعض المحرمات الوهابية، مثال ذلك: أن بعضهم لا يزال على عادته في تدخين الدخان والتمباك، إلا أنه لا يَجْسُرُ على تدخينه جهارًا، وهناك بعض أصحاب القهوات ينصبون أستارًا داخل محلاتهم يستتر وراءها مدخنو النارجيلة والسجائر.
وللماء هناك شأن يُذكر، ولا سيما في موسم الحج، فيكثر استهلاك الماء من الآبار فتقل مياهها بطبيعة الحال، ولا سيما في الطريق ما بين مكة وجبل عرفات، وكان من أهم ما اتجهتْ إليه أنظار جلالة الملك ابن السعود بعد فتحه الحجاز، هو العمل على حلِّ هذه المشكلة الهامة؛ فأمر ببناء أحواض تخزن فيها المياه بكثرة قبل تدفق سيول الحجاج، وبذلك يجدون حاجتهم منها بسهولة وبثمن مقبول. والماء هناك نوعان: عذب ومِلْح؛ فالعذب يُستخرج من عينٍ تسير في قناة من الحجر تحت الأرض، وهي المعروفة «بعين زبيدة»، ويبتدئ أولها قبل منطقة السيل التي أسلفنا ذكرها، ويُروى أن الملكة زبيدة زوجة هَرُون الرشيد هي التي أنشأت هذه القناة، فسهلتْ على أهل مكة سبيل الحصول على المياه العذبة، ولهذه العين عدة فتحات يزدحم عندها السُّقاة لأخذ حاجتهم منها ويُحدثون ضجيجًا يصم الآذان، أما المياه الملحة فتستخرج من آبار ارتوازية، وهي ليست ملحة جدًّا، ولكن الحاجة تدفع بعض الناس إلى استعمالها، ومياه «بئر زمزم» الكائنة وسط الحرم الشريف من هذا النوع، ولا يتناولها الناس إلا على سبيل البركة.
ويعتمد أهل الحجاز في معيشتهم على موسم الحج الذي يدوم حوالي ثلاثة شهور، فالمباني تؤجَّر لسكنى الحجاج بأجور مرتفعة، والتجار والصناع يعرضون ما يدَّخرونه من البضائع والمصنوعات على الحجاج، وهناك طائفة الصيارف ينتشرون في زمن الحج، ويربحون أرباحًا طائلة من تبادل أنواع العملة المختلفة التي يحملها الحجاج، وعلى وجه العموم فإن أهل مكة يعتمدون على قِوَامِ معيشتهم خلال بقية أيام العام على ما يجنونه من أرباح مواسم الحج.
ومما يلاحظه زوار مكة كثرة المستجدين من السودانيين الذين يسمونهم «التكارنة»، وهؤلاء ممن تضيق بهم سُبُل العيش فينزحون إلى جوار الحرم الشريف رجاء العيش مما يجود به أهل الخير، وقد شهدتُ نفرًا من أولئك السودانيين بحالة تُفتِّت الأكباد، ولست أدري ما هو نصيبهم من حسنات حكومتهم الغنية في ديارهم.
مجلس الشورى

أما نظام وضع الحكومة الحجازية فباقٍ كما كان عليه في الزمن السابق من حيث تنظيم الإدارات والاختصاصات، وكل ما استجد هو استبدال القانونين المدني والجنائي بإنفاذ أحكام الشريعة السمحة وِفَاقًا لما أفضى به إليَّ جلالة الملك عبد العزيز في حديثه، وقد زاد جلالته بأن أنشأ مجلسًا للشورى على نحو ما وافتنا به الأنباء الأخيرة، ولعل هذا أَجَلُّ ما استبشر به الحجازيون، وارتاحتْ له سائر الأمم والشعوب ذات الاتصال بالأراضي المقدسة، فلَسَوف يكون من شأن هذا المجلس العمل على نشر العلم، ومحاربة الأمية، وتقوية أسس المعاهد، وأهمها «المعهد السعودي» الذي تُلقَّن فيه العلوم الدينية والعمرانية الراقية التي يقوم بتدريسها جماعةٌ من أفاضل الأساتذة المصريين والسوريين، وكذلك فإنه على الرغم من المنشآت الصحية التي أقامها — أخيرًا — الملك عبد العزيز، وأنفق في سبيلها الأموال الطائلة، فإن المأمول على يد مجلس الشورى الجديد أن تزداد العناية في هذه الناحية، والإكثار من المستوصفات ومخازن الأدوية، وإعداد الأطباء الأخصائيين في مختلف الأمراض، كذلك قُلْ بتسهيل سبل المواصلات وتعميم المحافظة على الأمن العام.
الأمير فيصل

ولما كان جلالة الملك عبد العزيز بحكم اضطراره لمباشرة شئون نجد على الأخص، ولأنه في الواقع لا يريد أن يحصر همَّه في إدارة شئون الحجاز، فقد اقتضت حكمته أن يولي سمو الأمير فيصل ثاني أنجاله بمثابة قائمَّقام له في إدارة حكم الحجاز بعد أن آنَسَ من تعلُّق الحجازيين بذاته، وميل الشعب الحجازي إلى تسيير شئون الحكم على مقتضى نظام الشورى، وقد أصاب في ذلك كل الإصابة، فقد أظهر هذا الأمير الصغير السن حكمة الشيوخ ولباقة الحكماء، فجمع القلوب حوله، حتى إن ممثلي الدول الأجنبية الذين خالطوه بحكم مهامهم الرسمية شهدوا له بحدة الذكاء وبُعد النظر ورِقَّةِ الجانب، وكانت رحلته في عواصم أوروبا في خلال الصيف الفائت مما أيَّد حسن ظن هؤلاء وأولئك فيه؛ فنشر دعاية العرب بين أمم الغرب من طريقٍ غير مباشر، وعاد يحمل إلى قومه وبلاده ثقة الأمم المتمدينة بعد أن كان الاعتقاد السائد بينهم أن بلاد العرب يحكمها أناس بعيدون عن المدنية مجرَّدون عن صفات التهذيب الإنساني.
الحج ومراسيمه

ومما يُذكر حيال الحج ومراسيمه أن جماعات المطوفين كانوا إلى ما قبل حكم الملك ابن السعود في الحجاز أشبه بجماعات التراجمة الذين يصاحبون السياح الأجانب في مصر، فيمثلون معهم شتى ضروب القبائح، ويرسمون أمام أنظارهم أشنع صنوف المُوبِقَاتِ، ويصورون لهم الأمة المصرية تصويرًا ذميمًا ممَّا حمل الصحافة المصرية في الأيام الأخيرة أن تطلب من الحكومة المصرية الوقوف في وجههم ومصادرتهم، وسن اللوائح لإيقافهم عند حَدِّهِم؛ محافظةً على كرامة مصر وسمعتها.
وقد كان أولئك المطوفون يتلقَّفون الحجاج، ولا سيما بسطاؤهم، فيبتزون أموالهم ويلقنونهم أقوالًا خرافية منافية للشرع والعقل معًا، مثال ذلك: أن يمسك أحدهم بحاج ساذج ويلقنه العبارة التالية بصوت خافت على باب الحرم الشريف، كأنما هو ينزل عليه آية من السماء، وهذا هو: «اللهم إني نويت إعطاء مطوفي مبلغ كذا من المال بنية الله ورسوله!» فإذا ما نطق الحاج بهذه الكلمات حسب أنها سُجِّلَت عليه في لوح مسطور لا سبيل إلى نقضه بحال، حتى إذا فرغ من طوافه أدى ما تعهد به لذلك المطوف المحتال بغير إمهال، وهكذا دواليك. وأكثر منه ممَّا كان يجري في السر والعلانية، وقد يكون بعضه ما يُغضب الله ويندى له وجه الآداب. أما الآن فقد قضى نظام الحكم الجديد على تلك المظالم والبدع السخيفة، ووُضع أولئك المطوفون تحت مراقبة شديدة، فإن أقل شكاة يرفعها أحد الحجاج ضد أحدهم تكون كافيةً لإبعاده عن حظيرة المطوفين.
أما مشكلة الأمن العام التي كانت هي في الواقع أم المشاكل، ورأس كل الخطايا ممَّا كان يحسب له المسلمون الراغبون في حج بيت الله الحرام أكبر حساب، فقد كانت في طليعة المشاكل التي استطاعت الحكومة الجديدة حلَّها على أهون سبيل، فمنذ حلَّ حكم الشرع محل القانون المدني والجنائي، وأدرك دعاة الشر والإجرام ما هو حكم الشرع حيالهم، نزعوا عنهم ثيابهم، وغسلوا أيديهم من أوزار الماضي، ووضعوا أنفسهم رَهْنَ ما يقضي به حكم الشرع إذا ما حدَّثتهم نفوسهم بمخالفة ما تقضي به هاتيك الأحكام، فكان أهم ما انقطع دابره تلك الفعلة المشئومة التي كان يلجأ إليها أشرار البدو الحجازيين، ولا سيما رجال قبيلة عُتَيْبة وبني هذيل وحرب، الذين كانوا يستدينون الأموال من بعضهم بعضًا على أن يقوموا بسدادها من أسلاب الحجاج وما يغنمونه من أموالهم؛ فقد عمد الملك عبد العزيز — فوق اعتماده على إنفاذ حكم الشرع — إلى بسط يده بالإحسان إلى فقراء هؤلاء البدو، وبذلك أَمِنَتْ القوافل التجارية على ما تحمله من بضائع وسلع مهما بلغت قيمتُها، وأَمِنَ الحجاج كذلك على أرواحهم ومَتَاعِهِم، يدلك على ذلك أن رجال المحمل المصري عندما سافروا في العام الماضي أثبتْ سعادة أمير الحج في تقريره لولاةِ الأمور أن عصابات البدو التي اعتادت غزو المحمل ورجاله لم يَبْقَ لها أَثَرٌ في الحجاز، وفي هذا العام سافر الحجاج المصريون وعادوا دون أن يصيبهم أقل اعتداء، حتى قال لنا أحد الحجاج: «إن امرأة مصرية تستطيع أن تبرح مصر بمفردها وتقصد إلى قلب الحجاز وتقوم بفريضة الحج ثم تعود دون أن يصيبها أقل مكدر.» والظاهر أن استقرار حالة الأمن حملت أحد أعضاء مجلس الشيوخ المصري على التصريح رسميًّا بأن المحمل وحرسه أصبح بدعة يجب إبطالها، وقد تألفتْ لجنة خاصة للنظر في هذه المسألة
على أن هناك رأيًا آخر، هو أنه إذا استقر الرأي في نهاية الأمر على منع سفر المحمل فليس من العدل أن يُحْرَمَ فقراء الحجاز من المَبَرَّاتِ وخيرات الواقفين التي اعتادت مصر إرسالها إلى الحجاز من قديم الزمان، ولعل ذوي النظر البعيد من ولاة الشأن في مصر سيراعون هذه النظرية بما تستحقها من العناية والاهتمام.
مصر في الحجاز

إن مصر لَتَتِيهُ فخرًا بين أمم الإسلام التي تحج الحجازَ بوجود التكية المصرية والمستشفى المصري التي يخفق عليهما العَلَم المصري على الدوام بصورة تُشعر العالم الإسلامي أن مصر ذات الأثر الخالد والمجد التالد في المكرُمات، السبَّاقة إلى رعاية حقوق الإنسان، لها ذلك الأثر الناطق على مقربة من أشرف مكان يهتدي إليه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فلقد هزَّني الفخر بحق عندما زرت دار التكية المصرية التي يديرها مواطننا الفاضل إبراهيم صبحي نجاتي أفندي، وأَلْفَيْتُهَا لا تختلف عن إحدى إدارات الحكومة المصرية بالقاهرة نظامًا، ورجالها يقومون بتوزيع الطعام من خبزٍ ولحم وأرز على جيش من البؤساء والمعوزين صباح كل يوم، فتسمع أصوات ذلك الجيش وهم ينصرفون تتصاعد بالدعاء لمصر وجلالة مليكها، وماذا أقول في ذلك المستشفى الذي يضم بين جدرانه مئات المرضى بمختلف الأسقام والأدواء وهم يُعَالَجُونَ بمزيد العناية والرفق، وتُصرف لهم الأدوية والعقاقير والأطعمة الصحية بسخاء عظيم، أضف إلى ذلك عناية حضرة الدكتور البارع عبد الهادي بك خليل، الذي يواسي المرضى برقته، ويحنو عليهم بعلمه ورعايته، وعندي أن وجود مثل هذين المعهدين الإنسانيين لَخير من ألف تمثيل سياسي لا طائل منه.

في جدة


قد انتهينا من رحلتنا واستوعبنا ما يهم قومنا وبلادنا الاطِّلاع عليه، واعتزمنا مبارحة مكة، فودعنا سمو الأمير فيصل الذي كان على الدوام لا يَكُفُّ عن التَّلَطُّفِ بنا والاستفسار عنَّا؛ ومن ثَمَّ استقلَلْنا سيارة سارت بنا نحو ثلاث ساعات حتى بلغنا «جدة»، بعد أن مررنا بقرية صغيرة تقع في متوسط الطريق تُدْعَى «بحرة»، وهي نقطة تتموَّن منها السيارات بحاجتها، ومحط قوافل الحجاج الذين يستريحون فيها.
وثغر «جدة» من أهم موانئ الحجاز على ساحل البحر الأحمر، وبسبب مركزها الطبيعي يعتبر أهلها أغنى من أهل مكة ومن سائر البلاد العربية في شبه الجزيرة؛ وذلك لاتصالها بالأسواق الخارجية ومرور البواخر القادمة من الهند ذاهبة إلى مصر وغيرها، ويحكم هذا الثغر حاكم يلقب «بالقائمَّقام» يعاونه رجال الشرطة.
وتوجد في جدة دور القنصليات وبعض المصارف المالية، وتقع القنصلية المصرية في بناءٍ فخمٍ، ولا يمر بجدة مصري حتى يلقى من عناية صاحب العزة أمين بك توفيق قنصل مصر ما يُطْلِقُ لسانه بالشكر والثناء، ولا يوجد في جدة إلا عدد من الأوروبيين الذي يُعدون بمثابة «قومسيونجية» لاستجلاب البضائع من البلاد الخارجية وتوزيعها على التجار المحليين الذين يوزعون سلعهم في داخل البلاد.
وجمرك جدة يعتبر ركنًا مهمًّا من موارد الثروة للحكومة الحجازية، فإن ما يجبيه من الرسوم الجمركية على الصادرات والواردات مع فداحتها يكون دخلًا عظيمًا لا يُستهان به.
وطقس جدة لا يعد ألطف كثيرًا منه عن داخلية البلاد مع كونه على ساحل البحر الأحمر، فالحرُّ هناك شديد، ولعلَّ أبخرة البحر هي التي تفسد من جودة الهواء الخالص، فليس يغبط أهل جدة وجودهم على الشاطئ، اللهم سوى اغتباطهم بما يدخل إليهم من الأرباح وتيسير أسباب الرزق لهم.
وإلى هنا تكون قد انتهتْ رحلتنا، وحسبُنا أنَّنا — كما قدمنا للقراء — لا نبغي منها سوى إيراد الحقائق من الوجهتين العمرانية والاجتماعية التي لم يسبق لسوانا معرفته والبحث فيه حتى الآن.

الخاتمة


هكذا تطورت الحال في مملكتي نجد والحجاز، وتمَّ لهما ذلك الاندماج المتين، فخرجتْ «نجد» من عزلتها الطويلة عن بقية الشعوب الإسلامية المتحضرة، وأصبح مليكها هو صاحب الكلمة النافذة والصوت المسموع في الأراضي المقدَّسة وشئونها، وبات اسمه علمًا بين ملوك الإسلام يُشَارُ إليه بالبنان، وقد أثبتَ بالفعل لا بالقول أنه جدير بهذا المُلك المترامي الأطراف الجليل الشأن في عيون سائر المؤمنين، وأنه بعد أن طهَّر الأراضي المقدسة من أدران المفاسد والمظالم التي نشرها رجال الحكم البائد استطاع أن يقطع دابر عصابات النهب والسلب، ويضرب بعصًا من حديد على أيدي قُطَّاعِ الطريق، فَأَمَّنَ سبل الحج لكافة المسلمين، ونظَّم شئون الصحة العامة، وأقام حكم العدل بين سائر رعاياه، لا فرق بين نجدي وحجازي، ومما لا ريب فيه أن بلادًا كهذه، وقد خرجتْ من عزلتها ووضعت يدها بأيدي جاراتها من البلاد المتحضِّرة، سيكون لها حظها من الحضارة بحكم المجاراة على مَمَرِّ الأيام.
ومن يعلم ما كانت عليه الحجاز قبل أن يحكمها جلالة الملك عبد العزيز آل سعود، وكيف كانت الفوضى ضاربةً أَطنابها، وأموال الناس وأرواحهم في خطر دائم من اعتداءات البدو الحجازيين، واستخفافهم بالنظام والحكومة القائمة بالأمر، وهذا ركب المحمل المصري كان على الدوام هدفًا لاعتداء المعتدين وفتك الفاتكين، فبات الحجاج يسافرون أفرادًا وجماعات، حتى دون أن يرافقهم حرس المحمل، ثم يعودون دون أن يصيبهم أقل أذى. ولم يكن هذا شأن حجاج مصر وحدهم، بل هي الحال مع سائر المسلمين الذين يحجون بيت الله الحرام
وإذا كان كل شيء في أوله صعب، فلا عبرة البتة ببعض ما قام من وجوه الخلاف في الرأي بين الحكومتين المصرية والحجازية بشأن المحمل المصري، وقد يأتي وقت تضع فيه حكومتا البلادين اتفاقًا متينًا يرتب شئون الحج ومراسمه في المستقبل، وطبقًا للتطورات الحادثة بين الأمم والآراء العامة.
وكذلك فإذا كان بعض الذين لا يحلو لهم الصيد إلا في الماء العكر قد زُيِّنَ إليهم أن يُثيروا العواصف ويشيعوا الأكاذيب عن حكم الحجاز وآراء الوهابيين الدينية قَصْدَ تنفير الأمم الإسلامية من حكم جلالة الملك عبد العزيز، فحسبُنا أن مثل هذا وأكثر منه يقع عادةً بين سائر الأمم، ولا سيما عقب الفتوح والانقلابات السياسية، ولسوف يدرك هؤلاء وأولئك من حسن نيات الملك ابن سعود وضروب الإصلاح في بلاد الحجاز ذاتها ما يسكت ألسنتهم، وينطقهم بالحق من حيث لا يشعرون، على أن دعاة هذه الدسائس — والحمد لله — ليسوا من البراعة والدهاء ما يُخشى شرهم ويؤثر سوء فعلهم، فَجُلُّهم من حُثَالَةِ الناس، أو أذناب الحسين وأنصاره ممن لا يُعتد بشأنهم ولا يُؤْبَهُ بحالهم.
وإِنَّا لنسأل الحق جلَّتْ قدرته أن يكتب للإسلام والمسلمين اتِّحَاد الكلمة ورفع راية الإسلام بين الأنام، وأن يوطِّد دعائم الحب والولاء بين ملوك الناطقين بالضاد وأمرائهم، وأن يوفِّقَهم إلى ما فيه مرضاة الله، ورفع شأن المؤمنين بمَنِّهِ وكرمه.