Advertisement

عناقيد في جيد التواصل






عناقيد
في جِيد التواصل





محمد خير رمضان يوسف








بسم الله الرحمن الرحيم


مقدمة

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن والاه، وبعد:
هذه عناقيدُ متدلِّيةٌ علَّقتها في شجرةٍ نابتةٍ في سماءِ "التواصل الاجتماعي"، تلمَّسها كثيرٌ من المتردِّدين عليها، للاطلاعِ على نتاجِ قلمِ صاحبها.
وكان تنوعها وعدمُ تخصُّصها في علمٍ أو فنٍّ معيَّنٍ سببًا لتوافدِ فئاتٍ مختلفةٍ إليها، وتخطَّت بذلك الحدودَ المصطنعةَ بينها على البرّ.
وهي فقراتٌ قصيرة، متنوعة، ملوَّنة، ذاتُ موضوعاتٍ محدَّدة، عليها إشاراتٌ وفيها إضاءات، كُتبت بأسلوبٍ إنشائي، وفي نثرٍ ممزوجٍ ببلاغةٍ مشوِّقةٍ سائغة، تشجِّعُ على القراءة.
وفيها لمساتُ أدب، وقطوفُ جنان، ورياحينُ علم، وجوانبُ إبداع، وغورٌ في النفس، ومنهاجُ تربية، مع تدبُّرٍ وتفكُّر، وسياسةٍ واجتماع.
وفيها ذكرٌ لموازينَ وفروق، واجتهادٌ في مسائلَ فكريةٍ واجتماعية، وتقديمٌ لنصائحَ ووصايا، ووصفٌ لأدواءٍ وأدوية.. وكلُّها تجمَّلت بلبوسِ الإسلام.
وقد نُثرت هذه العناقيدُ منجَّمةً ومن غيرِ ترتيبٍ موضوعيّ، فقطفتها من جديد، وجمعتُ بين متآلفها، وجعلتُ رؤوسَ موضوعاتها على ترتيبِ المعجم، لتصدرَ في صفحاتٍ من ورق، إذا قُدِّرَ لها، بعدَ أن كانت متردِّدةً في تواصلٍ إعلاميٍّ اجتماعيٍّ متجدِّد؛ لتتحقَّقَ الفائدةُ المرجوَّةُ منها بوسيلةٍ أخرى. والفضلُ لله أولاً وآخرًا.

محمد خير يوسف
جمادى الآخرة 1436هـ

آداب

* أدبُكَ ينفعكَ وينفعُ والديكَ وأهلك،
وأدبُ أولادِكَ ينفعُهم وينفعُكَ والأسرة،
وأدبُكم جميعًا ينفعُ الأسرةَ والمجتمع،
فالتربيةُ السليمةُ دائرةٌ ذهبيةٌ تنفعُ من جميعِ جهاتها.

* إذا أحببتَ أن يسمعَ منك الناس،
فاسمعْ منهم أيضًا،
لتعرفَ ماذا يريدون،
وعلى أي شيءٍ هم قائمون،
عند ذلك تعرفُ ما الأفضلُ الذي تريدُ أن تقول؟

* أربعٌ تجلبُ لكَ الاحترام:
- احترامُكَ للآخر.
- الكلمةُ الطيبة.
- عدمُ التدخلِ في الأمورِ الخاصةِ بالناس.
- مساعدتهم.

* إذا عاشرتَ فحسِّنْ خُلقك،
وجنِّبْ أصحابكَ ما تكرههُ من عاداتك،
فهناك من يتصرَّفُ في المجالسِ وكأنه في بيته،
فيَصيح ويأمرُ ويُطلقُ لسانهُ دون مراعاةِ الحالِ والمقام.

* من آداب المجالسِ العاليةِ أن يكونَ الصوتُ منخفضًا،
وصدرُ الكلامِ لأكثرهم علمًا،
ثم وجاهة،
ثم أدبًا وخُلقًا،
والجالسون ساكتون يجلِّلهم أدبُ الموقف،
يستلهمونَ القدوةَ والخُلقَ الرفيع،
وكذلك كانت مجالسُ سلفنا الصالح،
وقارنْ بينها وبين المجالسِ في هذا العصر.

* العاقلُ لا يُلقي بتبعةِ خطئهِ على الآخرين،
ولا يخدعُ نفسهُ بذلك،
ولكنه ينظرُ إلى الخطأ ويعالجه،
فيرجعُ عن الخطأ،
ويعتذرُ للآخرين بسببهِ إن أمكن.

* إذا أردتَ أن تعرفَ شخصًا بدون تجربةٍ سابقة،
فانظر إلى من يقطعُ عليك الطريقَ إلى الجهةِ الأخرى،
ويلتصقَ بالسيارةِ الواقفةِ أمامه،
إمعانًا في الأنانية،
وتهالكًا على المصلحةِ الشخصية،
فالمهمُّ مزاجهُ ومصلحتهُ وإن كانت بعيدة،
في مقابلِ مصلحةٍ قريبةٍ لآخرين،
ولا يتأخرُ هو إذا لم يحجزِ الطريق،
فالسيارةُ التي أمامهُ واقفة.
ولو عرفَ الأنانيون كم هم مبغوضون من البشر،
ربما استحيوا وخفَّفوا من أنانيتهم.
* رفعَ الإسلامُ من معنوياتِ المريض،
وأبعدهُ عن درجةِ اليأسِ والقنوط،
فبيَّن فضلَ المرضِ والصبرَ عليه،
وما يكفِّرُ من الذنوبِ والمعاصي،
حتى تمنَّى بعضهم ألاّ يبرحَهُ المرض!
ثم سنَّ عيادةَ المريضِ ورغَّبَ فيها،
وحثَّ على الدعاءِ له ولمرضَى المسلمين،
ليستأنسَ المريضُ بذلك ويتقوَّى نفسيًّا،
ويعتقدَ باستجابةِ الدعاءِ له،
مما يساعدهُ على دفعِ المرضِ والشفاءِ بإذنِ الله.

* زيارةُ المرضَى تبعثُ على العبرة،
وتسلو النفسَ العليلة،
وتجلو الأسَى المكبوت،
والخاطرَ المهموم،
لدَى أقلَّ منهم مرضًا.

الابتلاء والاختبار

* الحكمةُ من ابتلاءِ الله الناسَ بالجوعِ والخوفِ والموت،
هو تنبيهُهم بشدَّةٍ بعدَ غفلةٍ منهم إلى أنَّ هناكَ إلهًا يتحكَّمُ في الكون،
ويتحكَّمُ في حياتهم وفي تغييرِ شؤونهم؛
ليتضرَّعوا إليه،
ويطلبوا منه الرزقَ والأمن،
والعونَ والتوفيقَ والعافية،
فهل يتوجَّهونَ إليهِ ليكشفَ ما بهم من سوءٍ وبلاء،
أم يعتبرونَ ذلك أمرًا "طبيعيًّا"؟!
وابتلاءُ المسلمِ خاصة،
ليُعرَفَ قوةُ إيمانهِ مِن ضعفه،
ليُعرَفَ هل هو مؤمنٌ حقًّا أم أنه على حرف؟
في جميع مواقفِ الحياةِ التي يمرُّ بها وظروفِها،
فإذا جاعَ أو مرضَ ماذا يفعلُ وماذا يقول؟
هل يتضرَّعُ إلى الله ويُخبتُ ويؤوب،
ويتمسَّكُ بحبلهِ ولا يَحِيد،
أم يجزعُ ويضجرُ وييأس،
ويزدادُ تشبُّثًا بالدنيا وشؤونها؟
وإذا قبضَ الله أرواحَ أحبابٍ له،
هل يصبرُ ويسترجعُ ويزدادُ إيمانًا،
أم تتمادَى نفسهُ في غيِّها فتعودُ إلى الغفلةِ والمعاصي والمنكراتِ بعد حين؟
يقولُ ربُّنا سبحانهُ وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (سورة البقرة: 155).
ويقولُ عزَّ مِن قائل: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (سورة العنكبوت: 2، 3).

* قلَّ أن تجدَ فقيرًا لم يَغنَ،
أو غنيًّا لم يفقر،
أو رجلاً لم يتقلَّبْ بين السرّاءِ والضرّاء،
فهذه سنةُ الله في خلقه،
يقلِّبهم بين الغنى والفقر،
والصحةِ والمرض،
والنعيمِ والبؤس،
ليشكروا ربَّهم على ما رزقهم ووهبهم من نعمةٍ وعافية،
أو يصبروا ويمدُّوا إليه أيديَهم ليرزقهم ويعافيهم وينعمَ عليهم.
والأمرُ في كلتا الصورتين امتحان.

* ونختبركم بالمكارهِ والمصائب،
والنعيمِ والرخاء،
ونبادلُ بين هذهِ وهذه،
ابتلاءً وتمحيصًا،
لنرَى ما تُظهرونَهُ من هدايةٍ أو ضلال،
وشكرٍ أو كفر،
وسوفَ تُرجَعونَ إلينا يومَ الحساب،
لنحاسبكم على أعمالكم كلِّها.
هذا هو تفسيرُ قولهِ سبحانه:
{وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}
(سورة الأنبياء: 35).

* من غباءِ بعضِ الناسِ وقصرِ نظرهم،
أن أحدهم إذا (فلتَ) من مصيبةٍ ظنَّ أنه لن يعودَ إليها!
بينما هي إشارات ونُذرٌ من ربِّ العالمين لعباده،
ليعلموا أن لهم ربًّا،
هو الذي يمتحنهم،
فيُحِلُّ بهم المصائب،
وينجِّيهم أيضًا.




الإبداع

* الريادةُ في أمرٍ يعني إبداعًا،
وحدثًا جديدًا،
واستباقًا مبرزًا،
ولكنها لا تكونُ فضيلةً وإعجابًا لدى المسلم،
إلا إذا كان فيها نفعٌ وفائدة،
أما إذا كان فيها ضرر،
فعلى الرائدِ إثمها،
وإثمُ من أحبَّها،
وإثمُ من عملَ بها،
إلى يومِ القيامة!

* هناك مخلصون في الوطن،
يتعبون وينتجون ويبدعون،
ولكن بعضَ المسؤولين ليسوا في مستوى مناصبهم،
فلا يأبهون بالإنتاجِ والإبداع،
ولا يُشيدون بالعاملين المخلصين وآثارهم،
وخاصةً إذا لم يكونوا ذوي اتجاهاتٍ سياسيةٍ أو حكومية،
فتضيعُ أعمالهم ولا يُذكرون.

* الخوفُ يقتلُ الإبداع،
ولا يدَعُ مجالاً للعقلِ أن يفكرَ تفكيرًا متزنًا،
ولا أن ينتجَ إنتاجًا مبهرًا،
وتجدُ العقولَ في الغربِ تبدعُ أكثر،
للأمانِ الذي يعيشُ فيه الناس،
والتقديرِ الذي يُعامَلُ به المبدعون،
والتشجيعِ الذي يلاقونه،
والعقولُ العربيةُ والإسلاميةُ المهاجرةُ إلى هناك تبدعُ أيضًا،
واشتهرَ الكثيرُ منهم على المستوى العالمي،
وهم لا يجدون المناخَ الملائمَ للإبداعِ في دولهم،
ونتيجةَ الخوفِ الذي فرضتهُ هذه الدولُ على شعوبها،
وهجرةِ أفضلِ مواطنيها منها،
صارت هذه الدولُ متخلفة،
لأنها تتخذُ من التحزبِ والقرابةِ والولاءِ للسلطةِ ميزانًا لقادتها،
ولو كانوا بلهاءَ فاجرين،
ولا تنظرُ إلى إبداعهم وعطائهم المتميز،
ولذلك صارت تعتمدُ في حياتها الإداريةِ والعمليةِ الجديدةِ على المدنيةِ الغربية،
وتقلدها حتى في الشؤونِ البلدية!!
وحتى في ألبستها وإعلاناتها!
إنه الضعفُ والتخبطُ وحبُّ الشهوةِ والثراءِ والتسلط...
آهٍ من الظلم،
وآهٍ من الغدرِ والخيانةِ من بني جلدتنا.
متى ننعمُ بالحريةِ والأمانِ مثلَ غيرنا؟
متى نمارسُ شعائرَ ديننا كاملةً بدون خوفٍ ولا رقابةٍ على أعمالنا وأنشطتنا،
حتى الخيريةِ منها؟!
متى يحينُ الوقتُ لنُظهرُ للغربِ حياتنا الحقيقيةَ وأننا أحسنُ منهم أدبًا وأخلاقًا،
وعلماً وعملاً،
وإبداعًا وحضارة،
وصدقًا وتوجُّهًا؟
كما كنا،
وكما ينبغي أن نكون؟
وأننا نحملُ لهم رسالةً تُسعدهم في دنياهم،
وتُنقذهم من النارِ في آخرتهم؟
متى نأخذُ زمامَ قيادةِ العالمِ من الغربِ الكافر،
لنوجِّهَ الناسَ إلى ما هو أفضلُ وأقوم؟
ونبدعَ ونقوِّمَ ونرشدَ بصدقٍ وإخلاص،
لا لجشعٍ مادِّي ومصالحَ دنيويةٍ كما يفعلهُ الغرب،
بل لحبٍّ في سيادةِ الحقّ،
وشفقةٍ على الناسِ ومصيرهم،
وأمانةٍ في عمارةِ الأرض،
واستقامةٍ في حياةِ الشعوب.
إن ملامحَ الضوءِ تنبلجُ من جديد،
من رائحةِ دماءِ الشهداءِ التي كثرت،
فلا بدَّ من التضحيات،
ومن أنشطةِ الدعاةِ والمفكرين والعلماءِ العاملين التي ازدادت،
فلا بدَّ من الحركةِ والعملِ وبذلِ الجهد،
لا بدَّ أن نغيِّرَ ما بأنفسنا عمليًّا،
حتى يغيِّرَ الله ما بنا يقينًا.
والله معنا،
وهو مولانا،
ولا مولَى لهم.




الأبوان

قلبُ الأمِّ أعمَى!
إنه لا يفرِّقُ بين عاقلٍ وآخرَ مجنون!
عرفتُ أمًّا لها خمسةُ أولادٍ أو ستَّة،
كلُّهم مجانينُ إلّا واحدًا،
فكانت تعتني بهم كثيرًا،
وتحبُّهم بشكلٍ لا يوصف،
وتغضبُ إذا قيلَ إنهم مجانين!
وأمٌّ لها أولادٌ زمنَى،
لا يكادون يقدرون على الحركة،
وقد ربَّتهم حتى صاروا شبابًا،
وهم لا يقدرونَ على الوقوف،
ولا الأكلِ بأيديهم،
وهي لا تملُّ من خدمتهم،
بل تحنُّ عليهم،
وترأفُ بهم،
ولا تقدرُ على تركهم أكثرَ من ساعةٍ أو ساعتين،
ومع ذلك لا تتصوَّرُ فراقَهم،
من كثرةِ تعلُّقها بهم وحرصها عليهم!
وأمٌّ لها أولادٌ عقلاءُ مؤدَّبون،
وآخرون سفهاءُ مشاكسون،
تحبُّهم جميعًا،
فقلبها لا يفرِّقُ بين بارٍّ وآخرَ عاقّ!
بل تقتربُ من المنحرفين أكثر!
لا لانحرافهم،
بل لتنصحهم وتذكِّرهم،
ولا تملُّ من ذلك،
وتصبرُ على عقوقهم،
وكلماتهم الجارحةِ
وتصرفاتهم الفاجرة،
وتدعو لهم في السرِّ والعلن،
وتكونُ واسطةَ خيرٍ بينهم وبين أبيهم،
وتخفِّفُ من الصدام بينه وبينهم.
إن لها قلبًا واحدًا،
ولكنهُ كبيرٌ جدًّا،
ولو كان أعمَى،
فلا يضرُّها ذلك،
فهو يسعُ لما لا يسعُ له قلوبُ الرجال،
ولهذا وغيرهِ لها حقوقٌ على أولادها أكثرَ من حقوقِ أبيهم عليهم.

* كثيرٌ من الآباءِ يعلمون أن أسلوبَ الأمِّ أنجعُ من أساليبهم في التربيةِ والتفاهمِ مع الأبناء،
وأنه لا صبرَ لهم على ذلك كثيرًا،
وإذا زادَ الأمرُ غضبوا وربما هدَّدوا،
ولكنهم أصحابُ كلامٍ ونظرياتٍ وأوامر!
والأمهاتُ للواقعِ والممارسةِ العملية.
وشتّان بين الأمرين!



أخلاق
* انظرْ إلى خُلقِ الوفاء..
حيواناتٌ بهماءُ إذا أطعمتها ذلَّتْ لكَ وبصبصتْ بذنبها ملَقًا!
حتى الحيواناتُ الشرسةُ والوحوشُ الكاسرة،
إذا أحسنتَ إليها،
فأطعمتها،
أو خلَّصتها من شبكةِ صيّاد،
أو مرَّضتها ونزعتَ شيئًا من جسدها،
تحولتْ إلى حيوانٍ وديع،
ونكستْ رأسَها وخضعتْ لك..
إن الوفاءَ خُلقٌ نادر،
إنه من أجملِ الأخلاق،
ومن أكرمها،
ومن معاليها،
ومحمودها.

* أروعُ القصصِ هي التي تحثُّ على الوفاء،
وتسردُ جهادَ أفرادٍ آثروا دينهم على شهواتِ أنفسهم طلباً لرضَى ربهم،
الذي هداهم إلى دينه،
وجعلهم على نهجٍ مستقيم،
لا حظَّ فيه للنفسِ إلا إذا وافقَ حقاً.

* انظر إلى الأكابرِ ماذا يقولون إذا طُلبَ منهم العفو والصفح،
والتجاوزُ عن الخطأ،
وإن كان هذا الخطأُ كبيرًا ومؤلمًا،
قال يوسفُ عليه السلامُ لإخوتهِ في قصتهِ المعروفة،
بعد أن طلبَ منه إخوتهُ المسامحة:
{لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [سورة يوسف: 92]
قارنْ بين هذا،
وبين الدخلاءِ وأصحابِ الأخلاقِ المتدنِّيةِ من المسؤولين في الحكوماتِ العربية،
ماذا يفعلون،
وكيف يتصرفون مع الإنسانِ الذي يخطئُ معهم في كلامٍ قليلٍ بل إشارة؟
الله أعلمُ كيف وأين يكونُ مصيرُ هذا الشخص!
وهذه نتيجةُ ذهابِ الأخلاقِ الإسلاميةِ وغيابِ الدين،
وحلولِ المخابراتِ والأحزابِ والقومياتِ بدلاً منه.

* هناك أناسٌ يصبرون ولا يشتكون مهما اشتدَّ عليهم الألم،
ويتبسَّمون وهم ينتظرون الفرج،
ويعالجون الأمورَ بحكمةٍ وطولِ بال،
وأمثالهم قليل.

الاستغفار والتوبة

* قال نبيُّ الله نوحٌ لربَّهِ في استكانةٍ وخضوع:
{وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة هود: 47]
وقلْ أنتَ مثلَهُ أيها العبد،
فهو نبيٌّ قال ذلك،
وأنتَ أَولَى بأن تقولَه.
وماذا عسى أن تقولَ غيرَ ذلك؟
أليس طلبُ المغفرةِ دعاءً؟
أوَليس الدعاءُ عبادة؟
فإذا فزتَ بالإجابة...
أليسَ الفوزُ برحمةِ الله وعفوهِ هو الفوزُ العظيم؟

* هذه آيةُ بُشرى للتائبين:
{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} سورة طه: 82.
ومعنى غفّار،
أي: كثيرُ الغفرانِ لذنوبِ مَن رجعَ عما كان عليه مِن شركٍ ومعصية،
وآمنَ بما يجبُ الإيمانُ به،
وصدَّقتهُ جوارحهُ بأداءِ الفرائضِ والأعمالِ الموافقةِ للشَّرع،
ولزمَ الاستقامةَ حتَّى يموت.
فتبْ إلى الله أيها المؤمن،
وقل: اللهم اجعلني مِن عبادِكَ المؤمنين الصالحين المهتدين،
واغفرْ لي يا غفّار،
واغفرْ لي يا غفّار،
واغفرْ لي يا غفّار...

* المهمُّ ألاّ تُصرَّ على ذنبٍ فعلته،
فإذا تبتَ إلى الله بصدق،
وأقلعتَ عن ذنبكَ أيها المؤمن،
وندمتَ على فعله،
وعزمتَ على عدمِ العودةِ إليه،
غفرهُ الله لك،
وإن كان كبيرًا،
ومهما كان كثيرًا.
[قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة الزمر: 53].

* إذا تكرَّرتْ عليكَ ملاحظةٌ فأعرها انتباهك،
سلِّطْ عليها ضوءَ العقل،
وأسبلْ عليها منديلَ الحكمة،
واجعلها في ميزانِ الشرع،
ثم أصلح،
لتنجوَ من لومِ نفسك،
ومن لومِ الآخرين،
ومن سخطِ اللهِ قبلَ كلِّ شيء.

* مهما كان حديثكَ مع صديقكَ (عاديًا) و(بريئًا)،
فإنه لا يخلو من (لغو)،
فاختمْ لقاءكَ معه بخيرِ كلامٍ ليُغفرَ ذنبك:
"سبحانكَ اللهمَّ وبحمدِك،
أشهدُ ألاّ إله إلا أنت،
أستغفرُكَ وأتوبُ إليك".

* الأشواكُ تؤذي ظاهرَ جسدِكَ حتى تتأوه،
والمعاصي تسوِّدُ باطنَ قلبِكَ حتى لا تكادُ ترى الحق.
إذا قلعتَ الشوكَ أرحتَ جسدك،
وإذا أقلعتَ عن المعاصي بيَّضتَ قلبك،
ونوَّرتَ طريقك.

* إلى الخائضين في أوحالِ الباطل،
والوالغين في حمأةِ الجرائم،
والراقصين حولَ معابدِ الهوى،
انسحبوا من مواقعكم قبلَ أن يحلَّ بكم الموتُ فجأة،
فإن توبةَ أحدكم تُقبلُ عند الله إذا كانت صادقة،
ولو كان قاتلاً مسرفًا في القتل،
أو زانيًا بعيدًا عن العفاف،
أو سارقًا لم يفكرْ بحلال.

* الذين يتوبون إلى الله بصدق،
يتذكَّرون ذنوبهم وجرائمهم الفظيعة،
ويشكُّ بعضهم في أن يغفرها الله لهم،
لفظاعتها وكثرتها،
وقد يقوِّي الشيطانُ هذا الشكَّ عندهم حتى يُقنطهم من رحمةِ الله،
فتعتريهم أفكارٌ شيطانيةٌ من جديد،
ويضعفُ عندهم وازعُ اليقين،
ويعودون إلى سيرتهم السابقةِ وسلوكهم الإجرامي.
وقد أكدَ الله تعالى لهؤلاءِ وأمثالهم أن رحمتَهُ واسعة،
لا يُستثنَى منها إلا الكافرُ والمشرك،
وأن غفرانَ الذنوبِ يكونُ لكلِّها دون استثناء،
فهو سبحانه غفورٌ واسعُ المغفرة،
رحيمٌ كثيرُ المرحمة.
يقولُ عزَّ اسمه:
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة الزمر: 53].
وقد بيَّنَ العلماءُ أن المغفرةَ تكونُ في حقِّ الله تعالى وحدوده،
أما حقوقُ العبادِ فتخصُّهم،
فيلزمُ إعادتها إليهم،
فإذا لم يعرفهم تصدَّقَ بقدره.

الاستقامة

مَن آمنَ فليعلمْ أنه أسلمَ نفسَهُ لله،
فليستَقم،
فإذا انحرفَ فليعلمْ أن اللهَ لا يغفلُ عنه وعن أفعاله،
ولكنْ يُمهلهُ فرصة، قد تطول؛
ليؤوبَ إلى الإيمانِ والطاعة.
وسيُبتلَى بالمسرَّاتِ والأحزان،
لتتقلَّبَ به الأحوالُ ويتفكَّرَ في الحالَين،
فإذا لم يتَّعظْ بالإشاراتِ والنذُر،
وأصرَّ على الانحرافِ وعدمِ العودةِ إلى الله،
فلا يلومنَّ إلا نفسه،
فإنه يضرُّها،
وما هو إلا انتفاعٌ قليل،
ومتعةٌ مؤقتة،
في دنيا زائلة،
ويبقَى العملُ المؤدَّى،
والحسابُ عليه.

* أفكاركَ كيف تضبطها، وكيف تعرفُ الصالحَ منها والفاسد؟
بعرضها على كتابِ الله الكريم،
وسنةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم،
وما قالهُ علماءُ الإسلامِ المجتهدون.
فما وافقَ ذلكَ فهو صالح،
وما خالفهُ فهو طالح.

* الراشدون هم المسدَّدون الموفَّقون،
الذين تتناسبُ نفوسُهم الطيبةُ مع الأعمالِ الخيِّرة،
فيُقبلون عليها ويعملونها بسهولة،
كما تتنافَى نفوسُهم مع الفسقِ والعصيان،
فيبتعدون عن الشرورِ والآثام،
وعن أهلِ الشرِّ والإجرام.

الأسرة

زعيمُ البيتِ ينبغي أن يكونَ جيدَ التدبير،
حتى لا تطغى الفوضى عليه،
حسنَ الأخلاقِ حتى لا يُبغَض،
حازمًا وظريفًا في الوقتِ نفسه،
حتى لا يُهانَ ثم لا يُمَلّ،
محبًّا حنونًا حتى يُحبَّ ويُشتاقَ لعودته،
ذا هيبةٍ ورحمة،
حتى إذا غابَ كأنه موجود بين أهلهِ وعياله،
ويعطي لهم الحريةَ – بقدرٍ - حتى لا يروا أنهم في سجن.

* صبغُ حياةِ الأسرةِ بالإسلامِ يميزها عن الأسرِ غيرِ المسلمة،
وعن الأسرِ غيرِ الملتزمة،
وتكونُ مثالاً للالتزامِ بالأخلاقِ الحسنة،
والمعاملةِ الطيبة،
والبعدِ عن الفحشاءِ ورذائلِ الأخلاق،
والميوعةِ والفساد.

* لو رأيتَ فرحَ الوالدين بولديهما عندما ولدَ لهما بعد كبر،
وقد بقيَ وحيدَهما،
وأنفقا عليه كلَّ ما يملكان،
وربَّياهُ ودلَّلاه،
وجنَّباهُ كلَّ ما يكدِّرُ خاطره.
وفي شبابهِ صارَ يبحثُ عن لهوٍ ولذَّةٍ أكثرَ خارجَ البيت،
وجيوبهُ مليئةٌ بالدراهم،
فانحرف،
وسكتَ عنه والداهُ خشيةَ أن يجرحا شعوره،
ثم انقلبَ عليهما،
فأذاقهما شرَّ عيشةٍ في الحياة،
حتى تمنَّيا لو لم يُرزقاه.

* إذا جاءكَ الطفلُ فهو يريدُ أن تلعبَ معه،
فإذا لم تلعبْ معه ظنَّكَ لا تحبه،
وهو إما أن يبكي بعد قليل،
أو يترككَ وهو مجروحُ القلب.
هذه هي حياتهُ ومفاهيمه،
لأنه لم يكتملْ عقلهُ بعد،
فيظنُّ أن الدنيا مقصورةٌ على اللعب.
ومن الكبارِ أيضًا من يظنُّ أن الدنيا لعبٌ ولهوٌ فقط!
وهذا يدلُّ على نقصِ عقولهم،
وقصرِ نظرهم،
مثلَ الأطفال!


الإسلام

أكثرُ اهتمامِ الإسلامِ في الجانبِ العقدي هو بالتوحيد،
لأن به وحدهُ يصحُّ الإيمان،
وتصحُّ العبادة،
ونقيضهُ الكفر،
الذي يُخرجُ صاحبهُ من الإسلام،
ولذلك ترى المسلمَ يعجبُ وينتفضُ ويقشعرُّ بدنهُ إذا رأى شخصًا يعبدُ صنمًا ويذلُّ له،
أو عندما يسمعُ نصرانيًّا يقولُ إن عيسى هو ابنُ الله!
وأكثرُ اهتمامِ الإسلامِ في الجانبِ التعبدي بالصلاة،
فإنها عمودُ الدين،
وصلةُ العبدِ بربَّه،
ومن تركها فلا عهدَ بينه وبين الله أن يُدخلهُ الجنة،
وهي أولُ ما يحاسَبُ عليه العبدُ يومَ القيامة.
وأكثرُ اهتمامِ الإسلامِ في الجانبِ العملي بإقامةِ العدلِ ورفعِ الظلم،
فإن العدلَ أساسُ الحكم،
وقلعةُ الأمن،
ومطلبُ الناسِ كلهم،
ووجودُ الظلمِ يعني مرضًا وورمًا يجبُ أن يُداوَى أو يُقلَع.
وأكثرُ اهتمامِ الإسلامِ في الجانبِ الخُلقي بالصدق،
لأن الإسلامَ دينُ الصدق،
فلا يقولُ إلا الحق،
ومن كذبَ فقد ناقضَ الحقَّ والدين،
وحوَّلَ الحقَّ إلى باطل،
أو الباطلَ إلى حق.

* الذين يعتنقون دينَ الإسلام،
يتحدَّثون عن عالمهِ الرحب،
وملاءمتهِ لنفسِ الإنسان،
وسهولةِ عقيدته،
وواقعيةِ نظامه،
والمنطفؤون الهاربون من نورهِ إلى ظلامِ الدنيا وفتنتها،
يتحدَّثون عن رجعيتهِ وعدمِ ملاءمته...
وهكذا يحيا ناسٌ ويموتُ آخرون،
ليتجدَّدَ الإسلام،
وينشطَ بجهودِ أبنائهِ الجددِ وحرارةِ إيمانهم،
وليتخلَّصَ من الضعفاءِ والمرجفين والمتشككين،
الذين يضرُّون ولا ينفعون.
وما يضرُّون إلاّ أنفسَهم لو يعلمون.

* كما أن اسمكَ عنوانٌ لشخصِكَ كلِّهِ وليسَ بعضه،
كذلكَ يُقالُ لكَ "مسلم" ليشملَ التزامكَ بالإسلامِ كلِّهِ وليسَ بعضه،
فلا تكونُ يدُكَ مطيعةً ورجلُكَ عاصية!
ولا تتلو كتابَ الله وأنتَ تنصرُ ظالمـًا غاشمًا يسفكُ دماءَ المسلمينَ ويغتصبُ نساءَهم ويذبِّحُ أطفالَهم،
فهذا تناقض،
فالله لعنَ الظالمينَ في كتابهِ وأنتَ معهم..
فإذا نقصتَ من التزامِكَ فقد نقصتَ من إسلامك،
حتى يضعفَ فيك،
أو يغلبَ عليكَ اسمٌ آخرُ غيرُ الإسلام.

* ما أكثرَ الفِرقَ والأحزابَ والجماعاتِ في عصرنا،
و {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [سورة الروم: 32]،
فهم مُعجَبونَ بما هم عليه،
ويظنُّ كلُّ واحدٍ منهم أنه على حقّ!
فيكونُ الحقُّ ألفًا وألفينِ وعشرةَ آلاف!
وهذا لاختلافِ عقولِ البشرِ وتنوعِ مصالحهم،
فلا يجتمعونَ بعقولهم على حقٍّ أبدًا؛
لأن الحقَّ واحد،
وليس عشرةَ آلاف،
وإنما يمكنُ اجتماعهم على كلامِ من خلقهم وخلقَ عقولهم،
وهو كتابُ الله الحقّ،
ودينهُ الإسلام،
ولا ثاني لهذا الطريقِ ولا ثالثَ له.
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[سورة آل عمران: 85].

* الأمرُ في الإسلامِ أوسعُ مما يتصورهُ المتردِّدون ويشكُّ فيه المتشكِّكون،
فقد استوعبَ الإسلامُ جميعَ القومياتِ والشعوبِ على الأرضِ عندما كان هو الحاكم،
وما زالَ هو الإسلامَ العدلَ الحيّ،
بنظامهِ ودستوره،
وبفقههِ وتشريعه،
وإن جحدَهُ الجاحدون،
وشكَّكَ فيه المرجفون.


الإسلام والإدارة

يحسنُ بالولاةِ والإداريينَ ألاّ يستعملوا الأنانيين والنفعيين في المناصب،
فمن كان همُّهُ مصلحتهُ الشخصية،
لم يتوقَّعْ أن يقدِّمَ أمرًا ذا بالٍ لمجتمعه،
بل يريدُ أن يأخذَ المصالحَ لجانبهِ ويلتهمها قبلَ الشعب!
أو يتقاسمها مع أمثاله،
أو يعطيَ شيئًا ويأخذَ أشياء..
المهمُّ أنه غيرُ أمين،
وغيرُ مخلص.

* المديرُ الذي يريدُ أن يقولَ له كلُّ الموظفين "نعم" هو دكتاتور صغير.
وكلما ارتقَى كبرتْ معه دكتاتوريتهُ إذا قالَ له الموظفون في كلِّ مرة "نعم".
فإذا قالوا "لا" عندَ وجوبها توقَّفَ نموُّ دكتاتوريتهِ أو تقلَّصَ كثيرًا.
وإذا استمرُّوا في قولهم "نعم" حكمهم وحكمَ الآخرينَ وصارَ دكتاتورًا كبيرًا.
وهكذا يصلُ الطغاةُ إلى سدَّةِ الحكم.
وهكذا صارَ فرعونُ فرعونًا!

* الإدارة الخائبةُ تضعُ المدنيَّ في موقعِ العسكري،
والعسكريَّ في موقعِ المدني،
كمن يضعُ الطبيبَ في موقعِ المهندس،
والمهندسَ في موقعِ الطبيب،
وقسْ على ذلك أمورًا،
يشاهدها العربيُّ في بلادهِ ربما أكثرَ من كلِّ الشعوب!

* القائدُ المخلصُ يحبُّ شعبهُ ويحافظُ على أرواحهم أكثرَ من حفاظهِ على روحه،
والقائدُ الخائنُ المستبدُّ يستهينُ بهم ويعذِّبهم ويقتلهم قتلَ الحشرات.

* القوةُ والأمانة صفتانِ مهمَّتان،
بل أساسيتان،
وخاصةً فيمن يعملُ عند آخرين.
والقوةُ تعني القدرةَ والاستطاعة،
ويدخلُ فيها الحذقُ والإتقانُ والخبرةُ والجودةُ في الأداء،
فلا معنَى للقدرةِ وحدها بدونِ تطبيق،
والأمانةُ هي التزامُ الصدقِ والاستقامةِ والإخلاصِ في العمل.
وفي القرآنِ الكريمِ على لسانِ ابنةِ شعيبٍ عن موسى عليه السلام:
{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ }
سورة القصص: 26.




الإسلام والغرب

يتردَّدُ في مناطقَ مِن العالمِ أن بعضَ المسلمين لا يتكيَّفون مع الواقع،
أو لا يندمجون في المجتمع.
والمسلمُ يستطيعُ أن يعيشَ في أرضٍ يقدرُ أن يطبقَ فيها أحكامَ دينه،
كما يستطيعُ أن يندمجَ مع مجتمعٍ يتحركُ فيه دينياً،
فيدعو بحرية،
ويمارسُ الشعائرَ الإسلاميةَ بدونِ معوِّقات.
ولا يلزمُ من ذلك مشاركةُ غيرِ المسلمِ في عاداتهِ وشعائره.
وهو لا يستطيعُ أن يندمجَ في مجتمعٍ يتنازلُ بموجبهِ عن مبدأ أو ضرورةٍ شرعيةٍ في دينه،
أو يجدُ صعوبةً ومشقَّةً في ممارسةِ شعائره،
أو يشعرُ أن هناكَ خطراً عليه أو على أسرتهِ في مستقبلهم الديني.

* الغربُ يجعلُ الإرهابَ واجهةً وتغطيةً لضربِ ديننا،
ويقول: دينكم غيرُ مرحَّبٍ به في قاموسنا،
إلا أن تفهموهُ كما نريدُ نحن،
وأهلاً بكم إذا آثرتم قيَمنا وأسلوبنا في الحياة،
وتنازلتم عن قسمٍ من خيراتِ بلادكم لنا!

الإصلاح

* قلْ مثلَ نبيِّ الله شعيب عليه السلام، ولا تحِدْ عنه:
{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [سورة هود: 88]
أي: لا أريدُ من وراءِ تبليغِكم وإرشادِكم سوَى إصلاحِ نفوسِكم وأحوالِكم،
على قدرِ جهدي وطاقتي،
وما توفيقي في الإصابةِ والإصلاحِ إلاّ بتأييدِ اللهِ ومعونته،
عليه اعتمدتُ في جميعِ أموري،
وإليه أرجعُ وأتوب،
فلا تيسيرَ ولا فرجَ إلاّ منه،
ولا تأييدَ ولا توفيقَ إلاّ به.

* الإصلاحُ لا يكونُ بالصخبِ والزعيق،
والإشهارِ والبلبلة،
كما يتصرَّفُ بعضُ الأفراد،
أو تفعلهُ بعضُ الجماعاتِ والأحزاب،
ولكن يكونُ بالحكمة، والتؤدة،
والتربية، والتهذيب،
والرفق، والتبصُّر،
والتخطيط، والسياسةِ المحكمة.
ولنا أسوةٌ برسولنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم،
كيفَ ربَّى أصحابه،
وخفضَ لهم جناحه،
وكيفَ صبر، وحاور،
حتى اكتملَ بناءُ المجتمعِ الإسلاميِّ وتقوَّى،
وصارَ قادرًا على المواجهة،
فواجه،
وفرضَ السلم،
كما فرضَ الحرب،
وصارَ الإسلامُ أكبرَ قوةٍ في جزيرةِ العربِ كلِّها،
ثم كان الأقوى في العالم.
إننا نحتاجُ إلى عزيمةٍ وصبر،
وحبٍّ وتآلف،
وليس إلى حميَّةٍ عصبيةٍ وتنافر،
وتشنُّجٍ وجدلٍ عقيم،
وتحدٍّ وتهديد،
لا يُنبِتُ سوى الكراهيةِ والتنافر،
والتنازعِ والتشرذم،
ثم الفشل.

* إذا كنتَ راغبًا في إصلاحِ الناس،
فأصلحْ نفسكَ أولاً،
وأصلحْ ما تقدرُ عليه مما بين يديكَ وحواليك،
وإلا فإنكَ مقيَّدٌ لا تقدرُ على الانطلاق،
وإذا انطلقتَ فستقعُ عن قريب.

* البقاءُ للأصلح،
أما الأقوى فيبقى إذا كان صالحًا،
ويموتُ بعدَ حينٍ إذا كان ظالمًا،
وما صلحَ ولم يكنْ قويًّا يُفيد،
ويبقى إذا أَخذَ بأسبابِ القوة،
وقد يضعفُ أحيانًا،
ولكنه يعودُ إلى الظهور،
وما عدا ذلك ففي الظلالِ والزوايا والهوامش.

* الارتقاءُ نحو الأفضلِ لا يكونُ إلا ببذلِ المزيدِ من التفكيرِ والجهد،
والتعبِ والسهر،
وتركِ الراحة،
والعزمِ على التغيير،
والصبرِ على ما يعترضُ الطريق،
وتجاوزِ الطفيليات،
والتركيزِ على الأهمِّ فالمهمّ،
ومراجعةِ النفس،
والاهتمامِ برجعِ الصدى،
والاستفادةِ من الأخطاء،
وتوسيعِ دائرةِ الاهتمامِ باستقطابِ الأصدقاءِ الأوفياء،
والمعاملةِ المناسبةِ لكلِّ ظرفٍ بمصداقيةٍ وإخلاص،
والاستفادةِ من تقنيةِ وسائلِ الاتصالِ الجديدة...
للارتقاءِ نحو الأفضلِ والأفضل.

* مما ابتلَى الله به البشر،
أن أوجدَ بينهم المفسدَ إلى جانبِ المصلح،
لينظرَ من يقفُ إلى جانبِ المفسدِ المنحرفِ ويدعمه،
ومن يقفُ مع المصلحِ المستقيمِ ويشدُّ أزره.

* المساعي الخيِّرةُ للصلحِ والتفاهمِ والتعايش،
جلبت كثيرًا من الراحةِ والأنسِ والتوادِّ بين لأصدقاءِ والأسر،
بل والمجتمعاتِ والأوطان.
زادَ الله من النفوسِ الطيبة،
وباركَ في أصحابها،
وجزاهم الله عن المسلمين خيرَ الجزاء.

اعتناق الإسلام

هناك كفرةٌ معاندون مشاكسون،
وأعداءٌ متربِّصون بالإسلام،
تسمعُ عنهم فجأةً أنهم صاروا مسلمين،
مثلُ بعضِ كبارِ المنصِّرين،
وكتّابٍ ومفكرين وناشطين غربيين،
من نصارى ويهود..
هؤلاء يسمعون كلمةً أو كلماتٍ من دعاةٍ مسلمين،
فتحفرُ في قلوبهم ولا تدَعهم ينامون،
وتكونُ أمامَ أعينهم حيثما كانوا أو اتجهوا،
حتى تؤديَ بهم إلى الإيمانِ بالله والإذعانِ لدينه،
ويتحوِّلون إلى دعاةٍ مؤمنين مدافعين عن الإسلامِ وداعين له،
بعد أن كانوا أعداءً يهاجمونه،
وينطقون بكلماتٍ جميلة،
ويسردون قصةَ إسلامهم وسرَّ إيمانهم بشوقٍ وتأثرٍ وحرارة،
فقد كابدوا ذلك وتفاعلوا معه إلى درجةٍ كبيرة،
ويعجبُ لهم المسلمون أنفسهم،
فيجددون بذلك إيمانهم،
ويزدادون حبًّا لدينهم وتمسكًا به.
وهذا كمثلِ سحرةِ موسى عليه السلام،
الذين جاؤوا ليكيدوا له ويغلبوه،
فانقلبوا إلى مؤمنين،
وخرُّوا سجَّدًا لله تعالى،
وقالوا لفرعونَ الطاغية: {إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [سورة طه: 73].
الإعلام

* ما تقولُ في عدوٍّ جميلِ المحيّا،
يبتسمُ لك،
ويعطيكَ كلامًا معسولاً،
ولكنه يسلبُ مالكَ خفية،
ويقتلُ أولادكَ سرًّا؟
وما تقولُ في فاتنةٍ تبتزُّكَ بجمالها،
وتأخذُ منكَ الأسرار،
وتحوِّلُ أموالكَ إلى حسابها؟
وما تقولُ في فضائياتٍ مثيرة،
تثيرُ شهوتك،
وتسلبُ عقلك،
وتقتلُ غيرتك،
وتهشِّمُ نخوتك،
وتهدمُ أخلاقك،
وتُضعفُ دينك؟
إنَّ أعداءكَ لكثُر..
وإنهم لكَ لبالمرصاد..
الأفضلُ أن تتجنَّبَ شرورهم بداية،
بصبركَ وعزيمتكَ من تربيتكَ الدينية القويمة،
فلن تستطيعَ دفعها كلَّها عن نفسكَ إذا وقعتَ فيها،
وقد تنغمسُ معها فتسبَحُ معها في الحياة،
وتجدُ معها لذَّة الحرام،
فتضيعُ وتهلك..
نسألُ الله العافية من ذلك.
فإذا كان الجمالُ مدعاةً للإعجاب،
فإنه ليس مقياسًا للخير،
ولا منهاجًا للإصلاحِ،
ولا طريقًا للنجاة،
بل هو فتنةٌ وامتحان،
يتبيَّنُ من خلالِ التعاملِ معهُ العاقلُ من المغرور.
فالطرقُ الملتويةُ في الحياةِ كثيرة،
تعرفُ بعضها وقد لا تعرفُ الكثيرَ منها،
ولذلك فإن المسلمَ يدعو في كلِّ صلاةٍ أنْ يهديَهُ الله ويثبِّتَهُ على الطريقِ القويم:
{اهْدِنا الصِّراطَ المـُستَقيم}.
فإن هذا عونٌ له على الهداية، والثبات، والنجاة.
إنْ شاءَ الله.


* "الهاشتاغ" له مدلولٌ عربيٌّ أخذَ به المكتبيون والمشتغلون بنظمِ المعلوماتِ في البلادِ العربية،
وهو "رؤوسُ الموضوعات"،
ومفرده: رأسُ موضوع.
وقد صدرتْ كتبٌ بهذا العنوان،
وتحتوي على ألفاظٍ ومصطلحاتٍ موجزةٍ معبِّرة،
تدلُّ على معانٍ وموضوعاتٍ ومسائلَ وعلومٍ وفنونٍ عديدة،
قديمةٍ وحديثة،
وهي بالآلاف،
ويمكنُ أن يستخدمَ الكتّابُ والإعلاميون هذا المصطلحَ بدلَ كلمةِ "الهاشتاغ" الثقيلةِ على اللسان،
المدوِّخةِ للمخّ،
وأن يستعملوا المصطلحاتِ الجاهزةَ في كتبِ "رؤوسِ الموضوعات" ليُثروا بها الساحةَ الإعلاميةَ وقنواتِ التواصلِ الاجتماعي.


أقوال مأثورة

* ما كنتَ لاعبًا، فلا تلعبنَّ بدينك (قولٌ مأثور).

* قال مالكُ بنُ دينار:
ما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظمَ مِن قسوةِ قلب،
وما غضبَ الله على قومٍ إلا نزعَ منهم الرحمة.

* كان لقمانُ الحكيم عبدًا نوبيًا، وآتاهُ الله الحكمة فاشتهرَ بها.
سُئل يومًا: ما الذي بلغَ بك هذا؟
فقال: تقوى الله، وطولُ الصمت، وتركي ما لا يعنيني.
أقول: والناسُ في عصرنا بعيدون عن هذه الثلاث،
فتكونُ الحكمةُ قليلةً بينهم،
إلاّ مَن رحمَ ربي.

* كان وهب به منبِّه يقول:
أوحَى الله إلى عُزير: إنْ نزلتْ بكَ بليةٌ فاحذرْ أن تشكوني إلى خلقي،
وعاملني كما أعاملك،
فكما لا أشكوكَ لأحدٍ إذا صعدَ منكَ عملكَ القبيح،
كذلكَ لا ينبغي أن تشكوني إلى خلقي إذا نزلَ بكَ بلاء.

* كان ابنُ عباس رضيَ الله عنهما يقول:
ركعتانِ مقتصدتانِ في تفكير،
خيرٌ من قيامِ ليلةٍ والقلبُ ساهٍ.

* قالَ العارفون:
لا تصحبْ من يمدحُكَ بغيرِ ما فيك،
فإنهُ إذا غضبَ عليكَ يذمُّكَ بما ليس فيك.

الله سبحانه

* أينما كنتَ فأنتَ في قبضةِ الله،
وتحت مشيئته،
وفي كنفِ نعمته،
لا تستغني عن رزقهِ الذي كتبهُ لك،
إنْ في الأرضِ أو في السماء،
ولا عوضَ لك عن الماءِ الذي أنزلَهُ لتشربَ منه أو تغتسلَ به،
لا تقدرُ أن تنامَ إلا إذا أرادَ الله لكَ ذلك،
ولا تقدرُ أن تفيقَ من نومِكَ إلا إذا كتبَ الله لك الحياة،
فالنومُ موتة،
وكم من شخصٍ نامَ ولم يفق!
وليس بإمكانكَ أن تدفعَ عن نفسكَ المرضَ إذا قدَّرَهُ الله عليك،
فهاهم الأطباءُ يمرضون ويموتون،
ولا تستطيعُ أنت وهم التزحزحَ عن الموتِ إذا جاءَ الأجل،
فالجميعُ يسري عليه قدرُ الله وقضاؤه،
لأنهم جميعًا تحت أمره،
وفي قبضته.

* من الحجج الواردةِ في القرآنِ الكريم،
أن الإلهَ القادرَ على خلقِ الإنسانِ من عدم،
قادرٌ على إحيائهِ بعد موته،
فهذا عدمٌ وذاكَ عدم،
والله سبحانهُ لا يُعجزهُ شيء.
{وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً؟
أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}؟
سورة مريم: 66 – 67.

* الذين يدَّعون الازدواجيةَ في الألوهية،
كمن يدَّعي قلبين في جوفِ الرجل،
هذا يأمرهُ بشيء،
وذاكَ يأمرهُ بخلافه!
ويكونُ مآلهُ تفطُّرُ القلب،
أو تمزُّقُ الجسد،
كما يكونُ فسادُ الكونِ بتعدُّدِ الآلهة.
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}
سورة الأنبياء: 22.

الإنسان

* لو فكِّرَ المرءُ بالحروبِ التي خاضها البشر،
والملايينِ الذين قُتلوا ظلمًا على طولِ التاريخ،
لأدركَ معنى قولهِ عزَّ وجلَّ في الإنسان:
{إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [سورة الأحزاب: 72]،
أي: كثيرُ الظلمِ لنفسهِ والإضرارِ بها،
مبالغٌ في الجهل،
كثيرُ الاعتدادِ بنفسه.
وهذا حصيلةُ استقراءٍ مِن عمله،
واستنتاجٌ عامٌّ مِن تاريخه،
ولو أطاعَ ربَّه،
والتزمَ شرعَه،
لتأدَّبَ به،
وكفَّ عن الظلمِ والشرّ،
ونالَ شرفَ التقوى والعملِ الصالح،
فأفلحَ وفازَ ونجا،
يقولُ الربُّ الكريم:
{فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
[سورة الأعراف: 35]

الإيمان

لم يتركِ الله الإنسانَ هملاً تتناوشهُ الأفكارُ ويبقَى حائرًا،
بل بثَّ في أرضهِ وسمائهِ آياتٍ كثيرةً تدلُّ على وجودهِ وعلى وحدانيته،
مثلَ اختلافِ الليلِ والنهار،
يذهبُ هذا ويأتي ذاك،
باستمرارٍ ودقَّةٍ متناهية،
ومثلَ سيرِ السفنِ والأساطيلِ الضخمةِ على الماء،
ومثلَ نزولِ المطرِ وإحياءِ الأرضِ به،
ووجودِ الإنسانِ ذاته،
في طبيعةِ خلقه،
وشكلهِ ولغته،
ونظامِ حياته،
وتآلفِ الذكرِ والأنثى..
ومثلَ أنواعِ الطيورِ والأسماكِ والدوابِّ والحشراتِ والفطريات،
على اختلافِ أشكالِها وألواِنها ومنافعِها، وصغرِها وكبرِها،
والتي يفوقُ عددها أعدادَ الأناسيِّ مراتٍ كثيرة،
ومثلَ تصريفِ الرياحِ في جهات،
وجعلها نعمةً أو نقمة،
فقد تكونُ نسائمَ أو أعاصير،
وقد تحملُ حبوبَ اللقاحِ من الأشجارِ والنباتاتِ المذكَّرةِ وتضعها على المؤنَّثةِ لتُنتِجَ الثمارَ بإذنِ الله.
ومثلَ الغيومِ التي تُرَى بين السماءِ والأرض،
في أنواعها وأشكالها وتنقلها وفوائدها للخلق،
وغيرها من الآيات،
التي تدلُّ على الخالقِ البارئ،
وعلى قدرتهِ وحكمته،
هذا إذا تفكَّرَ بها الإنسان، وألقَى عن عقلهِ بلادةَ الأُلفةِ وغشاوةَ الغفلة،
ونظرَ في هذهِ المخلوقاتِ بفكرٍ متعمِّقٍ وحسٍّ متجدِّد،
وقلبٍ متطلِّعٍ إلى الحقّ.
وقد أنزلَ الله كتابَهُ لهدايةِ الناس،
وفيه التذكير بهذا وبغيره..
وفيه الحقُّ المبين.

* اسألِ الرياحَ مَن أرسلها؟
واسألِ الأمطارَ من أنزلها؟
واسألِ النجومَ منن نثرها في السماء؟
واسألِ الطيورَ والحيواناتِ والأسماكَ من خلقها؟
واسألِ الأناسيَّ من أتى بهم؟
يجيبكَ المؤمنُ بجوابٍ واحد،
بينما يطيلُ الملحدُ في الجوابِ برأي مخالف،
وتبقى الحقيقةُ خالدة،
والفطرةُ السليمةُ مؤمنة.

* مازال الكافرون يستهزؤون بالمؤمنين ومعتقدهم في الله،
ويقولون: كيف تؤمنون بشيءٍ لم تروه،
ولم يرَهُ أحد؟
وهؤلاء أنفسهم يؤمنون بوجودِ عقولهم ولو لم يروها،
لأنهم يرون آثارها.
فليس كلُّ شيءٍ غابَ عن الإنسانِ يعني عدمَ وجوده،
أفلا يدلُّ الخَلقُ على الخالق،
كما تدلُّ تصرُّفاتُ العاقلِ على عقله؟
أفلا تدلُّ آثارُ الرياحِ والأعاصيرِ المدمِّرةُ على وقودها،
وهو "الهواء"،
ولو لم يروه؟
أفلا تدلُّ آثارُ الكهرباءِ،
من تبريدٍ وتسخينٍ وتحريك،
بل وقتلٍ بتوترها العالي،
على تيَّارٍ يسري في الأسلاك"؟
فإذا لم يروا الهواءَ أو الكهرباء،
فهل يعني ذلك أنهما غيرُ موجودين؟
أما عُرفا بآثارهما؟
فمن أحقُّ أن يُستهزأ به؟

* لا تَبنِ رحلتكَ الإيمانيةَ على معاصٍ ورفقةِ سوء،
فإنها لا تلبثُ أنْ تقفَ بكَ وتتركك.
فالإيمانُ نور، وإخلاص، ونقاء،
لا يصلحُ معه إلا الصدقُ والعملُ الطيب،
والجدُّ في الطاعة.

* المزارعُ قلبهُ معلَّقٌ بالله في رزقهِ أكثرَ من الصانع،
والصانعُ قلبهُ معلَّقٌ بالله في رزقهِ أكثرَ من الموظف،
والمؤمنُ العميقُ الإيمانِ لا تغيِّرهُ المهن.

* لا ثقافةَ ولا مدنيةَ تستطيعُ أن تفرضَ نفسها على المؤمنِ القوي،
مهما كانت كبيرة،
فهو قويٌّ بإيمانه،
وبعلمه.
والضعيفُ يخضعُ لها ويستسلم،
لقلَّةِ ثقافتهِ الإسلامية،
ولضعفِ إيمانه.
اعملْ لزيادةِ إيمانِكَ وتقويتهِ أيها المسلم،
واطلبِ العلمَ بهمَّة؛
لئلاّ تُفقدَ من أمتك، أو تنهارَ فتضيع.

* من سمةِ المؤمنِ الصادقِ في إيمانه،
أن يكونَ مع القائدِ الإسلامي في الشدائدِ والأوقاتِ العصيبة،
فيصبرُ ولا يتأفَّف،
ويثبتُ ولا يجزع.
ومن سمةِ المنافق،
أو الذي في قلبهِ مرض،
أو ضعيفِ الإيمان،
أنه يجزعُ من أولِ ضربة،
فيصيحُ ويضجُّ ويزعقُ ويمنُّ،
ويُلقي باللومِ على الإسلامِ أو على القائد.
فهذا ليس مستعدًّا للابتلاء،
ولا الصبرِ عليه،
ويريدُ نعيمًا دائمًا لا تكليفَ فيه.
واحدٌ من ذلكم،
ولا ألفٌ من هؤلاء..
إنهم يوهنون الصفّ،
ويزعزعون النفس،
ويجبنونَ عند اللقاء،
ويخيِّبون الصديق،
فلا خيرَ فيهم.

* الذين يخافون الله ويتَّقون عذابه،
هم الذين يعتبرون من آياتِ الله،
أما الجاحدون المستكبرون فيقولون: هذا "طبيعي" أو "صدفة".
قالَ الله تعالَى:
{إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}.
فمن كان فيه خيرٌ اهتدَى،
فآمنَ واتَّقى،
ومن أبَى،
فقد كابر،
وعلى نفسهِ جنَى.

* اثنانِ درَسا معًا في كليةِ الطبّ،
درَسا الموادَّ نفسها،
ودرَّسهما نفسُ الأساتذة،
تخرَّجَ أحدهما بزيادةِ إيمانٍ بمعجزةِ الله في خلقه،
وتخرَّجَ الآخرُ ملحدًا لا يؤمنُ بإله،
ويكفرُ بكلِّ حجَّةٍ ودليل.
أما الأولُ فقد فتحَ حواسَّهُ لقبولِ الحقّ،
فانتظمَ الإيمانُ في قلبه،
ورسخَ الحقُّ في ذهنه،
وأما الآخرُ فسدَّ منافذَ حواسِّه،
ولجَّ في الخصومةِ والجدالِ بدونِ حقّ،
فالتوَى طريقه،
واسودَّ قلبه،
وأظلمَ باطنه..
{وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}،
فقد نالَ كلٌّ ما يحبُّه،
ولم يُمنَعْ منه.
والحسابُ "بعدين".

* رابطةُ الإيمانِ عجيبة،
أنت تَفدي أخاكَ المسلمَ بروحِكَ وتدافعُ عن أرضهِ وعرضهِ ولو لم تره،
ولو لم تعرفه،
ولو لم تسمعْ به!
وهذا ما يفزعُ الغرب.

* تقلباتُ الحياة،
بين المحزناتِ والمفرحات،
والمحاسنِ والمساوئ،
والسهلِ والصعب،
والنجاحِ والفشل،
لا تدَعُ إيمانكَ كما هو،
فهو يزيدُ أو ينقصُ بحسبِ مواقفِ الإنسانِ من تلك القضايا،
والمهمُّ أن يستدركَ المرءُ على نفسهِ بما هو خير،
ويتشهَّدَ من جديد،
ويستغفرَ بين فينةٍ وأخرى،
ويدعوَ الله أن يثبتهُ على دينه،
ويزيدَهُ علماً وإيماناً وتقوى،
وأن يختمَ له على خير.

* يقولُ ربُّنا سبحانهُ وتعالَى:
{إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} [سورة الروم: 53]
أي: أنت لا تُسمِعُ إلاّ الذين فتحوا قلوبَهم للإيمان،
وصدَّقوا بأن القرآنَ من عندِ الله،
فهؤلاءِ هم الذين يَسمعونَ حقًّا ما تَتلو عليهم وما تُرشِدُهم إليه؛
لأنهم مسلمونَ مخلصون في إيمانِهم،
منقادون للحقّ.

* يقال: نجا فلانٌ من الموتِ بأعجوبة،
فمن نجَّاه؟
المؤمنُ يقول: الله.
والملحدُ يقول: الصدفة.
ولو أن هذا الملحدَ وقع في مأزقٍ لا يرى خلاصًا لنفسه،
لما قال إلا: الله.
إنه الإنسان،
الذي يرى ولكنهُ لا يعتبرُ إلا قليلاً،
أو يعتبرُ في لحظتهِ ثم ينسى!

التاريخ

من الموازينِ التاريخية:
أن المسلمَ لا يفتخرُ بتاريخِ قومهِ الجاهليّ،
إلا ما وافقَ حقًّا،
وهو يفتخرُ بتاريخهِ الإسلاميِّ بشكلٍ عام،
ويتجنَّبُ ما وردَ فيه من فتنٍ وإحَن،
ولا يوافقُ بغيًا وظلمًا.

* الخلافاتُ والحروبُ التي حدثت بين المسلمين وتوردها كتبُ التاريخ،
تُدرَسُ علميًّا عند اللزوم،
للعبرةِ والعظة،
واستخلاصِ الدروس،
بعيدًا عن جوِّ التشاحن،
ولا يتوسَّعُ فيها،
ولا تُذكر في المقرراتِ الدراسية،
بل توردُ قصصُ الفداءِ والبطولة،
والأخلاقِ الكريمةِ والشهامة،
حتى تتربَّى الناشئةُ على فضائلِ الأعمالِ وتفخرَ بتراثِ أجدادها،
ولئلاّ تنشأ على المخاصمةِ والجدال،
والعداوةِ والبغضاء،
ولئلا تعتلجَ في نفوسها جوانبُ الاختلافِ والانشقاقِ والفرقة.

* ينبغي أن تؤرَّخَ الوقائعُ التاريخيةُ بدقَّة،
حتى لا يدخلَ فيها الكذب،
وخاصةً في عصرنا،
الذي اختلطت فيه الأخبارُ والتصريحاتُ والأسرار،
وتحكَّمَ في دولٍ عناصرُ مستبدَّةٌ غيرُ أمينة،
وفَرضت كتابةَ تاريخها كما تريدُ لا كما هو الواقع.
ونقلُها عن أشخاصٍ ينبغي فيه التثبت،
فإما أن يكونوا شهداءَ الوقائع،
أمناءَ في الحديث،
أو أمناءَ في النقلِ عن مثلهم أمانةً وثقة،
وهذا نادرٌ في عصرنا.

* من أسبابِ سيادةِ الحضارةِ الإسلاميةِ وقوَّتها،
وقوفُ رجالٍ وراءها يتصفون بـ:
الإيمانِ القوي،
والحزم،
والإخلاص،
والجِدّ.

تجارب وعبر

* خرجتُ صباحًا،
فرأيتُ حادثَ سَيرٍ قريبًا من الدار،
فحمدتُ الله على العافية،
وتذكرتُ دعاءَ الخروجِ فدعوتُ به،
ركبتُ السيارة،
ودعوتُ الله تعالى أنْ يكلأني بحفظه،
ويتولَّاني بوَلايته،
ويرحمَني برحمته،
وأن يحفظَني من شرِّ الأشرار،
ومن شرِّ الحوادث،
وألاّ يُخرجَني أشَرًا،
ولا بطَرًا،
ولا رياءً،
ولا سُمعة،
وألاّ يكِلَني إلى نفسي طَرفةَ عين،
وأنْ يعيدَني سالمـًا غانمًا إلى البيت.
سرتُ قليلاً فإذا بسيارةِ إسعاف،
وهي تُرسلُ أصواتًا مخيفةً متتالية،
وتقتربُ من مستشفى،
فيهرولُ الممرضونَ إليها ليسحبوا منها جثةً مضمَّخةً بالدماء،
حمدتُ الله على العافيةِ كذلك،
ودعوتهُ أن يشفيَ مرضانا ومَرضَى المسلمين.
مررتُ بشارعٍ طويل،
على جانبيهِ أسواقٌ ومكاتبُ ومطاعمُ وبنوك،
والعينُ لا تملُّ من النظرِ هنا وهناك،
استدركتُ أمري فتذكَّرتُ الدعاءَ الذي يُقالُ في الأسواق،
"لا إله إلا الله، وحدَهُ لا شريكَ له،
له الملكُ، وله الحمد،
يُحيي ويُميت، وهو حيٌّ لا يموت،
بيدهِ الخير، وهو على كلِّ شيءٍ قدير".
وصلتُ إلى مكتبِ العمل،
فدعوتُ الله تعالى أنْ أكونَ عبدًا طيبًا مباركًا أينما كنت،
وأن يهديَني ويسدِّدَني،
وتعوَّذتُ به من أن يحُولَ بيني وبين ذكرهِ شيء،
أو أنْ أنشغلَ بما لا يرضيه،
ودعوتهُ سبحانهُ أن يَكفيَني بحلالهِ عن حرامه،
وأن يُغنيَني بفضلهِ عمَّن سواه،
وسألته تعالى خيرَ زملائي وخيرَ مسؤوليَّ وخيرَ الخدَمِ والعمّال،
وعذتُ به من شرِّهم جميعًا.
... عدتُ واسترحت،
وتابعتُ فضائياتٍ مختارة، ففاجأتني صورٌ غيرُ لائقة،
فدعوتُ الله أنْ يحفظَ عيني وقلبي.
ثم جاءني الأصدقاء،
فدعوتُ الله أن تكونَ جلسةَ خير،
وأن يحفظَ لساني فيها،
ويجنِّبني الغيبةَ والنميمة،
والكلامَ اللغو،
وما لا خيرَ فيه.
ثم اجتمعتِ الأسرةُ من أبناءٍ وأحفادٍ وأحباب،
فدعوتُ الله أنْ يحفظهم جميعًا،
في هذه الدنيا المتقلِّبةِ الأحوال،
وأنْ يجمعنا في جنَّتهِ كما جمعَنا في أرضه..
...يحتاجُ المرءُ إلى أنْ يكونَ ذا صلةٍ بربِّ العالمين،
ولا ينسى ذكره، وفضله،
في مواقفَ مختلفةٍ ومتعدِّدة،
وأنْ يدعوَ بما يناسبَ المقام،
ليكونَ في حصنٍ حصين،
وليكونَ مؤمنًا صادقًا في إيمانهِ وعبوديتهِ لله ربِّ العالمين.
والفائدةُ تعودُ إليه،
فاللهُ غنيٌّ عنه،
وعن العالَمين.

* إذا رأيتَ حادثًا ولم تعتبرْ فأنتَ غيرُ مبال،
وإذا سمعتَ قصةً مؤثرةً ولم تتأثرْ بها،
فنفسكَ باردةٌ،
وشعوركَ مفقود،
وحسُّكَ ميِّت.

* كم صحيحًا ماتَ دون إنذارٍ من مرض؟
وكم مريضًا شُفيَ وعاشَ وقد أشرفَ على الموت؟!
إنها النذُرُ والعِبَر،
ولكن الناسَ قليلاً ما يعتبرون،
أما التوافهُ فهم وراءها يجرون،
وعنها يتحدَّثون.

تدبر

إن الله تعالى لا يمنعُ الإنسانَ من اكتشافِ أسرارِ الكون،
بل يحثُّ على التفكرِ بآلائهِ وأسرارِ خَلقهِ وسننه،
ليَستدِلَّ بها عليه،
ليُعرَفَ أنه الخالقُ المدبِّرُ المتصرِّفُ في الكونِ كلِّه.
ولكنَّ المشكلةَ في هؤلاء الذين يتعرَّفون أسرارَ الكون،
وهم غافلون عن الله،
فلا يتفكرون في الخالقِ ومدبِّرِ أمرِ الناسِ والكون.
وهم يستمرُّون في كشفِ النواميس أو القوانينِ الإلهية حتى تُسخَّرَ لهم الأشياءُ بسرعةٍ أكثر،
وبنسبةٍ أكبر.
وقد يصلون في عصرٍ ما إلى أقاصي الدنيا في ساعة،
ويستخرجون من الأرضِ الكنوزَ من المعادنِ في سويعات،
ويمدُّون أيديهم إلى كواكبَ أُخرَ ليستعملوا موادَّ منها في صنائعَ لهم..
ويظنون بذلك أنهم عرفوا أسرارَ كلِّ شيء،
وأنهم بذلك استطاعوا السيطرةَ على الأرض،
والتحكمَ في قوانينها،
ونسوا ربَّهم وربَّ الكون،
ومالكهُ ومالكهم،
وخالقَ هذه القوانين وموجدها من غيرِ مثالٍ سابق...

* مفاهيمُ الناسِ تختلفُ في الأمور،
في العقائدِ والأديانِ وغيرها،
وكلٌّ يدعو إلى نحلتهِ كما فهمها،
حتى في ديننا،
ولذلك تجدُ فيه طوائفَ ومذاهبَ ومدارس،
وأقربهم إلى الحق:
المخلص،
المتعمِّق،
المحايد.

* لولا سنةُ التدافعِ التي وضعها الله بين البشر،
لما قاموا بكلِّ مهامهم،
ولما عُمِّرتِ الأرضُ بالشكلِ المطلوب،
فإذا لم يتيسَّرْ أمرٌ في وقته،
أو كان فيه شيءٌ من الصعوبة،
أو عليه زحمة،
أجَّلوه،
أو تلكؤوا في تحصيله،
ولم يتنافسوا عليه،
وقالوا:
على مهل،
والمجالُ مفتوح،
فيتركون أمورهم،
أو ينسونها ولا يعودون إليها إلا قليلاً،
فتُهملُ حاجاتٌ وصنائعُ كثيرةٌ بهذا الأسلوب.

* الملاعبُ لا تخرِّجُ علماءَ وقادة،
وإن كان أصحابها أنشطَ حركةً وأقوى بنية،
الرياحُ لا تجلبُ لكَ عُروضًا وأموالاً،
وإن حرَّكتْ واقفًا ودحرجتْ ساكنًا،
الماءُ لا يسقيكَ بنفسهِ شربة،
وإن كان شلاّلاً دافقًا وماؤهُ سلسبيلاً.
إنما هو العملُ والحركةُ والتخطيطُ والتوجيهُ من الإنسان.

* سلوكُ التعايشِ والأداءِ يختلفُ بين البشر،
كما بين أهلِ البرِّ والبحر،
وبين أهلِ الريفِ والمدينة،
وبين الخدمِ والأثرياء،
وبين الصنَّاعِ والزرَّاع.
وكذلك الأمرُ عند الحيوانات: البريةِ والبحرية،
وبينها وبين البرمائيات،
وبين هذه والتي تعيش تحت قشرةِ الأرض،
وميكروباتٍ وحشراتٍ لا تُرى في الهواء...
إنه صنعُ الله الذي أتقنَ كلَّ شيء،
ويخلقُ ما يشاءُ كما يشاء.


التدريب

الدوراتُ العلميةُ والتدريبيةُ كثيرة،
أما الدوراتُ الإسلاميةُ العمليةُ فقليلةٌ جدًّا،
وهي المهمة،
والمفيدةُ أكثر،
يتدرَّبُ فيها المسلمُ الناشئُ على أصول الأخوَّةِ والمحبَّةِ الإيمانيةِ عمليًّا،
وعلى العملِ الجادِّ والمسؤول،
وعلى الصلاةِ جماعةً باستمرار،
والاستيقاظِ باكرًا،
وعلى أعمالِ وفنونِ الكشَّافةِ بشكلٍ عام،
وخاصةً الأعمالَ التطوعية،
وعلى أساليبِ الدعوةِ عمليًا،
وآدابِ القراءةِ والاستماع،
والخطابةِ والمناظرة،
والرحلاتِ العلمية،
والمسابقاتِ النافعة،
الفكريةِ والجسدية،
وفنونِ الدفاعِ عن النفس،
وما وراءَ ذلك،
ويخالطُ الناسِ بأصنافهم وأعمارهم وميولهم وطبائعهم المختلفة،
ويكتسبُ معارفَ وصداقات.
كما يطَّلعُ ويتدرَّبُ على أصولِ الأخذِ والعطاء،
ويتعلَّمُ أصولَ التعاملَ الماليِّ و المعاملاتِ الشرعية،
وآدابها الإسلامية،
لئلا يَخدعَ أو يُخدَع،
ويزورُ مصانعَ وموانئ،
ومعارضَ واجتماعات،
وشواهدَ حضارية،
ومراكزَ علمية،
ومكتباتٍ عامةً وتجارية،
كما يطَّلعُ على تقنياتِ المعلوماتِ والاتصالاتِ المتطوِّرة،
ويلتقي بأربابِ العلمِ والفكرِ والدعوة،
ويكتسبُ بذلك علمًا ومعرفةً وخبرةً عن رؤيةٍ ويقين،
وبفكرٍ متفتِّحٍ وقلبٍ متبصِّر،
فيتنوَّر،
ويعرفُ ماذا يختار،
وكيف يشقُّ طريقهُ في الحياة،
وهو بعدُ فتى،
فينشأ رجلَ دنيا وآخرة.
وعلى مسؤولي الشبيبةِ الإسلاميةِ أن يركزوا على هذا،
ويدرسوهُ ويخطِّطوا له بحكمةٍ وعناية،
وينفِّذوه،
فإن آثارَهُ الإيجابيةَ مؤكدة،
القريبةَ والبعيدةَ المدَى.



تذكير بأحاديث

* أحبُّ الكلامِ إلى الله تعالى، كما في الأحاديثِ الصحيحة:
"سبحانَ الله وبحمده".
"سبحانَ ربي وبحمده".
"سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".

* في الحديث الشريف:
"من أحبَّ دنياهُ أضرَّ بآخرته، ومن أحبَّ آخرتهُ أضرَّ بدنياه، فآثروا ما يبقَى على ما يفنَى".
رواه أحمد في المسند 4/412، وخرَّجه الحافظ الهيثمي له ولآخرين، وذكر أن رجالهم ثقات. (مجمع الزوائد 10/249).

* في الحديثِ الصحيحِ الذي رواه البخاري وغيره:
"مَن اغبرَّتْ قدَماهُ في سبيلِ اللهِ حرَّمَهُ اللهُ على النار".

التربية

* الذي لم يتشرَّبْ قلبهُ بأحكامِ الدين،
ولم يلتزمْ آدابه،
ولم يتربَّ تربيةً إسلامية،
لا يُنتظَرُ أنْ يُنتجَ طيِّبًا،
ولو كان مسلمًا بالاسم،
ولو أعطى يكونُ فيه دخَنٌ كثير.

* أسلوبٌ مفيدٌ ناجح،
عالي الجودة،
في التربية،
لا يلزمُ فيه كلامٌ مثير،
ولا عملٌ كثير،
وهو "القدوةُ الحسنة"،
فيكونُ المسلمُ مثالاً في الالتزامِ بآدابِ دينهِ وأخلاقهِ الكريمة،
والأولادُ والإخوةُ الصغار،
ينظرون إلى من هو أكبرُ منهم في الأسرة،
فيقلِّدونهم ويأخذون منهم آدابهم العملية.
وهذا أنسٌ رضي الله عنه،
تربَّى عند قدوتنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم،
فما كان يتلقَّى منه إرشاداتٍ وتعليماتٍ وأوامرَ في التربيةِ والسلوك،
بل يدَعهُ ينظرُ ويعملُ بنفسه،
فهو أفضلُ نتيجة.
يقولُ رضيَ الله عنه،
كما رواهُ البخاري رحمه الله (صحيح الأدب المفرد 211):
"خدمتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عشرَ سنين، فما قالَ لي أُفٍّ قطّ، وما قالَ لي لشيءٍ لم أفعلْه: ألاَ كنتَ فعلتَه؟ ولا لشيءٍ فعلتُه: لِمَ فعلتَه؟".
إنها مدرسةُ النبوة،
حيثُ الجمعُ بين الأدبِ والحِلمِ والرأفةِ بالصغير..

* الإسلامُ قائمٌ على التربية،
أسوةً برسولِ الله صلى الله عليه وسلم،
الذي ربَّى أصحابهُ على الدين والأدبِ والجهاد،
ولا تكونُ التربيةُ محكمةً إلا باتباعِ سنَّتهِ عليه الصلاةُ والسلام.

* ألا تعجبُ من قومِ نوحٍ وقد خبَروا صدقه،
ولكنهم كفروا به وتمادوا في كفرهم،
على الرغمِ من انصرامِ أجيالٍ منهم (950 سنة) وهو بينهم،
ولم يجرِّبوا عليه كذبًا أو خيانةً أو انحرافًا في سلوكه،
وهم مصرُّون على الكفر؟
إنها التربيةُ والوصيةُ المتتالية،
حيثُ كان الآباءُ والأجدادُ يوصون أبناءهم وأحفادهم بأن لا يؤمنوا بنبوَّةِ نوح،
ويقولون لهم إنه مجنون.
وكان الجيلُ الأصغر يتلقَّى هذه الوصيةَ من أقربِ الناسِ إليهم،
فيثقون بهم أكثرَ من ثقتهم بنوح،
وينشأون بذلك على الكفرِ ولا يدَعونه،
فالتربيةُ والتعليمُ أخطرُ وأهمُّ شيءٍ في الحياة.

التشاؤم

لا تتشاءمْ من شيء،
ولو وقعتَ في أولِ خروجِكَ من بابِ الدار،
أو سمعتَ سبًّا قبيحاً،
أو توسَّخ ثوبكَ النظيف،
أو تمزَّقَ قميصكَ الجديد،
أو صُدمَت سيّارتك،
وليكنْ إيمانكَ بالله وقضائهِ وقدرهِ هو رائدك،
وتوكلكَ عليه هو سلاحك،
وما قدَّرهُ الله لكَ مما لا يعجبكَ ظاهره،
يكونُ خيراً في باطنهِ إنْ شاءَ الله،
وقد يكونُ في تأخركَ ولو لثوان،
عائقًا لحادثٍ كان أمامكَ نجَّاكَ الله منه،
أو هو عقوبةٌ رمزيةٌ لتخفيفِ عُجبكَ بنفسك..
وما إلى ذلك مما يمكنُ تأويله.

التعاون على البرّ والإحسان

من وجدَ في نفسهِ قدرةً على مساعدةِ إخوانهِ المسلمين،
في أيِّ شأنٍ من شؤونهم،
فليفعل،
ولا يبخلْ عليهم،
فإن الأمةَ الإسلاميةَ في حالةِ ضعفٍ وشتات،
وهي محارَبةٌ من الداخلِ والخارج،
والله يجازي المخلصينَ خيرًا.

* التسابقُ إلى الخيراتٍ والمنافسةُ فيها من صفاتِ النفوسِ الطيبة،
وهؤلاءِ الطيبون الكرماءُ يجدون لذَّةً في البذلِ والعطاءِ والإيثار،
تناسبُ بياضَ فطرتهم،
ونقاءَ ضمائرهم،
وكرمَ نفوسِهم،
ومحبةَ قلوبِهم،
فهنيئًا لهم،
ولأهليهم،
ومعارفهم،
وجيرانهم.
* فكرْ بجدِّيةٍ واستنتج:
هل أنتَ أقربُ إلى الدينِ أم إلى الدنيا؟
هل أنتَ أقربُ إلى الحقِّ أم إلى الباطل؟
وهل أنتَ مستعدٌّ للتضحيةِ بمصلحتكَ لأجلِ مصلحةِ الآخرين؟
وهل أنتَ في ذلكَ صاحبُ أقوالٍ أم أفعال؟
إن الأقربَ إلى الله،
وإن الذي يؤثِرُ الحقّ،
والذي نفسهُ مفتوحةٌ ومشرئبَّةٌ لخدمةِ الآخرين،
لهو نعمَ الرجل،
الذي يجمعُ أفضلَ الصفاتِ وأجملها.

* ذكرياتٌ فاترةٌ لأناسٍ عاديين يعيشون في المدن،
يتحركون بين الشوارعِ والسياراتِ ودوائرِ العملِ فقط!
هؤلاءِ لو عملوا في مجالاتٍ خيريةٍ لتغيَّرت حياتهم،
وامتلأت بذكرياتٍ جميلة،
وأعمالٍ جليلة.

* تستطيعُ أن تكونَ وزيراً في الإسلامِ إذا كنتَ إدارياً ناجحاً في موقعك،
تخدمُ به دينك،
وأهلَ دينك،
ولو كنتَ بذلك وزيراً غيرَ رسمي،
فالوزارةُ مؤازرة،
وتعني المساعدة،
وأنت نويتَ هذا إنْ شاء الله،
فهنيئاً لكَ يا صاحبَ السعادة.

* في الطريق،
قد تجدُ أشياءَ جديدة،
وقد ترى من يحتاجُ إلى مساعدة،
أو أنت تحتاجُ في حادثٍ مفاجئ،
فكنْ متعاوناً،
متجاوباً،
والعرفُ لا يضيعُ بين الله والناس،
وسترى من يساعدكَ في وقتِ الشدَّة،
فمازال هناك أهلُ نجدةٍ ونخوةٍ ومروءة.

* المسلمُ يشدُّ أزرَ المسلم،
ويتعاونون على ما فيه نفعُ العباد،
ويصدُّون عن بعضهم كيدَ الأعداء،
ولا يرضونَ بالذلِّ والهوان،
وهكذا يربُّون الأولادَ في البيتِ والمدرسةِ وساحاتِ القتال.

* هناك مسلمون لا يقتربون من أعمالِ البرِّ والخير،
ولا يعرفون معنى التعاونِ والتكافلِ في المجتمعِ الإسلامي؛
لأنهم لم ينشأوا في أسرةٍ دينيةٍ تكونُ لهم قدوةً وتحثُّهم على ذلك،
ولم يصاحبوا أصدقاءَ ملتزمين بالآدابِ الإسلاميةِ ليعرفوا ذلك،
فيكتفون بـ (مظاهر) إسلاميةٍ فقط،
وكأنهم (أمَّنوا) بذلك الجنة،
فليسوا محتاجين إلى حسنات،
أو أنهم لا يفكرون في ذلك،
وسيندمون يومَ (التغابن)،
عندما يتفاجؤون بمحصلةٍ متدنيةٍ من الحسنات،
أو درجاتٍ أقلَّ في الجنة،
بينما يرون زملاءَ لهم في درجاتٍ عاليةٍ منها،
فالجنةُ درجات،
توزَّعُ على المؤمنين بحسبِ أعمالهم وأنشطتهم الإسلاميةِ في الدنيا.

* تستطيعُ أن تجعلَ من صفقتكَ التجاريةِ الرابحةِ صفقةَ دينٍ وإحسانٍ أيضًا،
إذا وجَّهتها إلى الخير،
وخصصتَ قسمًا منها لأعمالِ البرّ،
ولو واحدًا في المئة،
أو واحدًا من ألف.

* من المسابقاتِ الخيرية، العملية، المبدعة،
مع الفتيانِ والشبابِ خاصة،
تكليفهم بالقيامِ بأعمالٍ خيريةٍ في الحيِّ الذي يقيمون فيه،
أو في البلدة،
وإعطاؤهم الحريةَ في القيامِ بذلك!
سيتفاجأ القائمون على هذه المسابقاتِ بما لم يتوقعوه،
من أفكارٍ وأعمالٍ قامَ بها هؤلاء الشباب،
وأنهم طرقوا أبوابَ ذوي حاجةٍ ما كانوا يعرفونها،
وعالجوا أمورًا بأساليبَ ما جرَّبوها!
وقد تُغيِّر بعضُ الجهاتِ الخيريةِ أسلوبَ عملها،
فتوزعُ موادَّ لها ونقودًا على الشبابِ بدلَ تخزينها،
ليقوموا هم بأعمالٍ خيريةٍ مبتكرة..
وليتعلموا ويتربوا على ذلك،
ويتعلمَ منهم غيرهم.

* إذا أنظرتَ معسرًا فقد ساعدته،
وإذا عفوتَ له عن شطرِ دَينكَ فقد فرَّجتَ كُربةً له،
وإذا تصدَّقتَ به كلَّهُ فقد أحسنتَ إحسانًا،
وسيفرِّجُ الله عنك كربةً في يومٍ أحوجَ ما تكونُ إلى حسنة.

* هناك مسابقاتٌ أثيرةٌ عن أعمال خفيَّةٍ لا يُعلَنُ عنها؛
لأنها سرٌّ بين العبدِ وربِّه،
وجوائزها عند الله،
لا يعلمُ قيمتها إلا هو،
وتكونُ غالبًا في وقتِ السحَر،
وربما في مجتمعِ الناس،
ولكن عند الطبقاتِ الضعيفةِ والمهملة،
وأصحابها يتسابقون في طاعةِ الله سبحانه وتعالَى والاجتهادِ في نيلِ رضاه،
بإخباتٍ وخشوعٍ وعبادةٍ خالصةٍ لا يراهم فيها أحد،
أو بتقديمِ خدماتٍ وأعمالٍ وصدقاتٍ خيرية لا يعرفها أحدٌ كذلك،
سوى الفقراءِ والمظلومين والمنكوبين،
ولا يرون أنهم عبدوا الله حقَّ عبادته،
ولا شكروهُ كما ينبغي،
وهم يدعونهُ سبحانهُ أن يتقبَّلَ منهم ما وفَّقهم إليه من أعمالِ البرّ،
وأن يوفِّقهم للأفضلِ دائمًا.



التفكير والتخطيط

* ليكنْ في برنامجكَ دقائقُ تحاسبُ فيها نفسك،
لتنطلقَ بقوةٍ أكبرَ إذا كنتَ صائبًا،
وترجعَ إنْ كنتَ مخطئًا،
فإن الرجوعَ إلى الحقّ،
خيرٌ من السيرِ في وحلِ الباطل.

* أنتَ تحتاجُ إلى أن تقفَ أحيانًا لتلتقطَ أنفاسك،
كما تحتاجُ إلى أن تسكتَ لتفكرَ بما قلتَ سابقًا،
وما إذا كان الأصلحُ لكَ أن تستمرَّ في المشي أو الكلام،
أو تقفَ وتؤثرَ السكوت.
ومحطاتُ الإنسانِ مكابحُ مشروعة،
يقفُ فيها ليحاسبَ نفسه،
وينظرَ حواليهِ ويستشير،
حتى لا يخوضَ في الأوحال،
ويُحاطَ بالأخطاء.

* استشرْ قبلَ أنْ تنطلق.
خطِّطْ قبلَ أن تعقدَ العزم.
أخلصِ النيةَ لخالقك،
وأحسِنْ توكلكَ عليه.
الثباتُ على الحقِّ يمنحكَ القوة.

* قد تكونُ النتيجةُ بعد قليلٍ من الانتظار،
وقد تكونُ بعد مدَّة،
وقد تكونُ بعيدة،
والمهمُّ أن تكونَ الأسبابُ التي قدَّمتَها مناسبة،
والخطواتُ التي اتبعتَها سليمة،
والباقي على الله تعالى.

* السيرُ نحو الهدفِ بسرعةٍ أو تأنٍّ يحدِّدهُ الأمرُ المقصود،
فإذا كان ضروريًّا ومطلوبًا في وقتهِ فالسرعةُ أفضل،
وإذا لم يكنْ كذلك فالتأني أفضل،
والنتيجةُ تكونُ أفضلَ غالبًا،
فإن العجلةَ والطريقَ السريعَ لا تخلو من مفاجآتٍ وآفات،
ونتيجتُها ربما لا تكونُ أفضل.

* إذا قلَّ نشاطُكَ في الشتاءِ لظروفٍ جوية،
وقيِّدتْ حركاتك،
فأطلِقْ نشاطكَ العلميَّ داخليًّا،
وضع برنامجًا لنفسِكَ تُنهي فيه مشروعًا مفيدًا،
أو مشاريعَ صغيرةً نافعة،
فكما أن للدولِ والحكوماتِ خططًا سنويةً خمسيةً وعشرية،
فلتكنْ لديكَ أيضًا خططٌ شهريةٌ وفصليةٌ وسنويةٌ تقيِّدُ بها نفسك،
فإن النفس تحبُّ الفوضَى ولا تحبُّ قيودًا عليها.

* إذا لم يتضحْ لكَ الخيرُ في أمر،
أو من بين عدَّةِ أمور،
فصلِّ صلاةَ استخارة،
داعيًا فيها اللهَ تعالَى أن يقدِّرَ لكَ الخيرَ من بينها.
وتكونُ بذلكَ قد فوَّضتَ أمركَ إلى الله،
وأسلمتَ نفسكَ إليه،
وما يجري بعد ذلك يكونُ خيرًا إن شاء الله،
إذا كان توكلُكَ صحيحًا،
ونيَّتُكَ صادقة.

تقنيات

* الأقلامُ قلَّت، وبعضها نشفت؛
لعدمِ صلاحيتها للحاسوبِ وشِبهه.

* الحاسوب:
قلم،
وقرطاس،
وذاكرة،
ومعلومات،
وأعمال،
وفنون.

* الحاسوبُ قضَى على أزماتِ الورقِ المتكررة.

* لقد غيَّرَ الإلكترونُ حياةَ الناس،
حتى كادتْ معاملاتُهم أنْ تصيرَ قطعةً من الأرقامِ والأزرار،
أو لوحةً من المفاتيحِ والأسرار،
وغدَتْ نمطًا ذاتيًّا لا حياةَ فيها،
وكأنكَ تؤشِّرُ لأبكمَ أصمّ،
فلا شعورَ بالاتصالِ والتعاملِ مع البشَر،
لا حرارةَ في اللقاء..
لا قسماتِ وجهٍ،
ولا خلَجاتِ قلب،
لا إشارةَ عينٍ،
ولا هزَّةَ رأس،
ولا بسمةَ ثغر،
فلا كلامَ ولا سلام،
ولا هاتِ ولا هَيْت،
إنما أرقامٌ تُكتب،
أو أزرارٌ تُضغَط...
وما زلنا في الطريقِ إلى حياةٍ إلكترونيةٍ أوسع،
واللهُ أعلمُ كيف تكون،
وكيفَ نكون،
وماذا نحن فاعلون!

التقوى

أرأيتَ طريقًا فيها حُفَرٌ ومساميرُ وقطعُ أحجارٍ حادَّة،
ونفاياتٌ مرميةٌ هنا وهناك،
كيف تكونُ حالُكَ فيها؟
هل تمشي فيها كيفما كان،
فتصطدمُ بهذا وتعثرُ بذاكَ حتى تُدميَ قدميك،
أم تتقيها وتسلكُ الجانبَ السليمَ فيها؟
كذلك الحالُ في الدنيا مع الله،
تتقي كلَّ معصيةٍ فيها مخالفةٌ لأمره،
لتنجوَ من عذابهِ غدًا.

* الوفاءُ والتقوى خيرُ خصالِ المرء،
وإنهما ليجلبانِ رضا المولَى سبحانه.
يقولُ جلَّ شأنه:
{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}
سورة آل عمران: 76.

* قولهُ تعالَى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}
[سورة التوبة: 119].
أي: احذروا مخالفةَ أمرِ الله،
وتجنَّبوا ما لا يرضاه،
والزموا الصدقَ لتكونوا من أهلهِ وتَنجوا من المهالك،
وليَجعلَ اللهُ مِن أمرِكم فرَجًا ومخرَجًا.

* النظاراتُ تقي عينك،
والقفازاتُ تحمي يدك،
والجواربُ تحفظُ رجلك،
والألبسةُ تسترُ جسدك،
فما الذي يحمي قلبك؟
إنه الخشيةُ والخوفُ من الله تعالى،
وتتلخصُ في مصطلح "التقوى"،
فهي التي تحميكَ من الشيطانِ وغوائله،
ومن المعاصي وآثارها السيئة.

الثواب والعقاب

هل تتصوَّرُ مؤسَّسةً كبيرةً فيها آلافُ الموظَّفين يعملون بدون رواتب؟
لا، فلا عملَ بدون راتب.
وهل تتصوَّرُ دولةً بدونِ محاكمَ وبدونِ قوانينَ وشرطةٍ وسجون..؟
لا، فلا يرتدعُ الناسُ إلا بالقوةِ والترهيب.
كذلكم عبادُ الله في دينه،
لا ينفعُ معهم إلا الثوابُ والعقاب.
وقد أنزلَ الله عليهم الكتب،
وذكرَ فيها كلَّها أنهم يثابون على أعمالهم الحسنة،
ويعاقَبون على أعمالهم السيئة.

* إذا أحسنتَ إلى الناسِ فقد أحسنتَ إلى نفسكَ بالدرجةِ الأولى،
وإذا أسأتَ إليهم فقد أسأتَ إلى نفسك،
فإنك تعرِّضها للثوابِ أو العقاب،
وتجلبُ لها رضًا أو غضبًا.

* معرضكَ الشخصيُّ يومَ القيامةِ هو ما زرعتهُ من خيرٍ وشرٍّ في الحياةِ الدنيا،
هو صحيفةُ أعمالِكَ التي تنطقُ حروفُها بكلِّ ما عملت،
وهي إما أن تكونَ بيضاءَ متلألئةً تملأُ نفسكَ سرورًا وحبورًا،
أو سوداءَ قاتمةً تشجي حلقكَ وتنغِّصُ عليك نفسك،
فإذا كانت الأولَى ناديتَ مَن حولكَ من شدَّةِ فرحِكَ ليأتوا وينظروا معرضك:
{هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ}،
وإذا كانت الأخرَى انكفأتَ على نفسكَ وقلتَ وقد عضَّكَ الألمُ ومضَّكَ الحزن:
{يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ}
{يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ}
حساب وجزاء

ليس كلُّ ما مضى مات،
فهناكَ أمورٌ مبنيةٌ على أمورٍ مازالت آثارها مستمرةً في الدنيا،
وهناك من ينتظرُ تحصيلَ نتائجِ أعمالٍ مضتْ عليها سنوات.
كما أن أقوالكَ وأعمالكَ كلها محفوظةٌ في سجلِّك،
ستحاسبُ عليها يومَ القيامة،
ويشهدُ عليها جسدك،
وإذا ماتت فتكونُ مؤقتة،
يعني كموتتك،
وتُبعثُ ببعثتك!

* كلُّ شيءٍ تفعلهُ في هذه الحياةِ الدنيا محسوبٌ لك أو عليك،
يعني أنك ستُسألُ عنه وتُحاسَبُ عليه عند ربِّ العالمين،
بما سمعتهُ من أمرٍ فما كان موقفكَ منه؟
وبما رأيتهُ بنظركَ من حادثٍ أو موقفٍ فماذا فعلتَ بعدُ؟
وبما عزمتَ عليه بقلبكَ ونفَّذته...
فإلى ذلك تشيرُ الآيةُ الكريمةُ بوضوح:
{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}.
(جزء من الآية 36 من سورة الإسراء).

* أنت لا تحتاجُ إلى مَن يحاسبكَ يومَ القيامةِ أيها الإنسان،
فإن أعمالكَ كلَّها ستكونُ حاضرةً أمامك،
فهي التي تحاسبك،
أو أنت بنفسك.
{اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}
[سورة الإسراء: 14].

* ذكرَ الله تعالى أنه يحشرُ الكافرينَ يومَ القيامةِ {عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [سورة الإسراء: 97]،
وقال سبحانهُ في الآيةِ التالية:
{ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا}
أي: نحشرهم زاحفينَ منكبِّينَ على وجوهِهم،
عُميًا لا يُبصرون،
وبُكمًا لا يَنطِقون،
وصُمًّا لا يَسمعون،
كما صَمُّوا وعَمُوا عن الحقِّ في الدنيا،
ورفضوا السجودَ للهِ خالقِهم.
وذلكَ العذابُ جزاؤهم الذي يستحقُّونَه؛
بسببِ كفرِهم بآياتِ الله،
وإنكارِهم البعث.

* يبلغُ الانحرافُ في المرءِ عندما يتلذَّذُ بقولِ الكذب،
ويضحكُ وهو يستهزئ بالناس،
ولا يعرفُ أدبًا ولا خُلقًا في التعاملِ مع الأصدقاء والجيران.
ويظنُّ هؤلاءِ وأمثالهم أن الدنيا طيفٌ يمضي،
وزمنٌ يغبر،
وما عرفوا أن الحسابَ على كلِّ قولٍ وعملٍ آت،
ولو كان ذلك قليلاً.



الجدال

* {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [سورة الكهف: 54]
وقد جادلَ كثيرٌ منهم وخاصمَ حتى قال: لا إله.
فاتركِ الجدلَ ما قدرت،
إلا إذا كان دفاعًا عن الحقّ،
أو دفعًا للباطل.
وليكنْ جدالكَ بأسلوبٍ حسن،
لا غيظًا وتشفيًا.

* إذا ألزمتَ خصمكَ الحجةَ تلوَ الحجةِ وهو يزدادُ عنادًا واستهزاءً بما تقول،
فاعلمْ أن الله ختمَ على قلبهِ ليزدادَ إثمًا،
فنفسهُ لا ترضَى بالإيمان،
وقلبهُ يستوحشُ النور،
ولذلك فهو يفضِّلُ الكفرَ والعصيان،
لأن قلبَهُ لا يرتاحُ إلا في الظلام،
فلا تأسَ عليه،
ودعهُ إلى غيره.

* هناك من يجادلُ وأدلَّتهُ أوهنُ من بيتِ العنكبوت،
فلا يخدعُ إلا نفسه،
وعاقبةُ السوءِ تعودُ عليه،
فنفسهُ الخاسرة،
وليندمنَّ حيثُ لا ينفعُ الندم،
أو أن يتركَ الجدلَ المقيتَ ويعودَ إلى الحقِّ بنفسٍ راضية.

* إذا خاصمكَ فاجرٌ فأنتَ في مأزق،
إنْ لم تردَّ عليه فكأنكَ المهان،
وإن رددتَ عليه زادت خصومته،
ولكلِّ موقفٍ ظرفه،
والحكمةُ شعارُ المؤمن،
والحِلمُ رائده،
والظلمُ يرفضه.

الجريمة والمجرم

إذا قال لكَ المجرم: أنظرني،
فاعلمْ أنه ينوي التخطيطَ لشرّ،
فلا تثقْ به ولا تسمعْ منه،
ولو حلفَ على ذلك،
ولا تمكِّنهُ من الفرار،
فالشيطانُ أقسمَ لآدمَ وحوَّاءَ أنه ينصحهما،
{وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ }[سورة الأعراف:21]،
فكان كذاَّبًا، خائنًا، مجرمًا.

* لو قرأتَ سيرةَ فرعون،
لرأيتَ أن من أكبرِ جرائمهِ وأعظمها ذبحُ الأطفالِ الصغار.
وانظرِ الآنَ إلى فراعنةٍ مثله،
كيف قَتلوا وذبحوا آلافَ الأطفال،
بل عشراتِ الألوفِ منهم.
اعرفهم جيدًا،
واعرفْ مَن يساندهم،
لتحكمَ عليهم بميزانِ القرآنِ الذي لا يُخطئ.

* ذمَّ الله تعالى اليهودَ بأنهم {يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ}،
كما في الآيةِ (21) من سورةِ آل عمران،
ولو كان هناك أنبياءُ في عصرنا لقتلوهم أيضًا،
أو حرَّضوا أعوانهم على قتلهم،
بدليلِ أنهم وأمثالهم {يَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ}،
كما في الآيةِ نفسها،
وهم ورثةُ الأنبياء،
وليعلموا جميعًا مآلهم،
كما خُتمتْ به الآيةُ الكريمة:
{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

* لو علمَ القاتلُ أن سيُقتلُ لما قَتل،
فلو غلبَ على نفسهِ تنفيذُ جريمةٍ كبيرةٍ فكَّر،
فإذا علمَ أنه سيُعدَمَ أحجم،
وإذا علمَ أنه سيُعاقَبُ عقوبةً ما دون الإعدامِ لتمادَى في جرائمه،
ويقولُ إنه سيُسجَنُ ويُكرَمُ في سجنه،
فيأكلُ ويشربُ ويلبسُ وينامُ على حسابِ الدولةِ دون مقابل،
والنفوسُ المجرمةُ العنيدةُ تملكُ قوةَ دفعٍ عنيفةً نحوَ الجرائم،
ولا تستقيمُ إلا بالسيف،
ولو خرجَ من السجنِ لعملَ جرائمَ أخرى،
كما هو مشاهَدٌ عند كثيرٍ منهم،
{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً}،
ولا تستقيمُ الحياةُ في ظلِّ الجرائمِ المتكرِّرة،
ولا يهنأ الناسُ إلا بأخذِ حقوقهم كاملة،
والحقُّ الكاملُ هو في القصاصِ لا غيره،
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ}.
وهذا نداءٌ وكلامٌ مع (أولي الألباب)،
فمن لم يرضَ ولم ينفِّذْ فليس منهم.


* المجرمون وأصحابُ الأفكارِ المنحرفةِ والهدَّامة،
يبقون أذلَّةً في مجتمعِ الإسلام؛
لأنهم إذا أُعطوا حريةً ومُكنةً أفسدوا ودمَّروا،
ونشروا الذعرَ والخرابَ في المجتمع.

* وعدَ نبيُّ الله موسى ربَّهُ ألاّ يكونَ {ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}،
كما في الآيةِ (17) من سورةِ القصص،
يعني ألاّ يكونَ قوةً لهم،
ولا مدافعًا عنهم.
والمجرمُ هو كلُّ ظالم،
وكلُّ من لم يكنْ على نهجِ الحقّ،
فكلُّ كافرٍ ظالم؛
لأن الظلمَ يعني تجاوزَ الحقّ.



الجمال

الوردةُ البيضاءُ جميلة،
وهي رمزٌ للنقاءِ والصفاء،
وعندما ترى وردةً داكنةً حمراء،
أو غامقةً زرقاء،
يعتلجُ في نفسِكَ شيءٌ آخر،
وتذهبُ في خيالاتٍ بعيدةٍ من عالمِ الجمال،
وفي إبداعِ الله في خلقه.

* الجمالُ الأخّاذُ يأخذُ باللبِّ ويفتن،
فتتأجَّجُ العاطفة،
ويرتجُّ القلب،
والعقلُ الرزينُ يفحصُ ويزن،
والإيمانُ القويُّ ينظرُ فيه مجرداً ويحكم.

الجنة والنار

* الأنفاسُ الأخيرةُ لا تحدِّدُ آخرَ محطةٍ في حياتِكَ الدنيا فقط،
بل تحدِّدُ أيضًا مصيركَ الآتي،
إلى منطقةِ سلامٍ أم إلى منطقةِ خطر.

* هناكَ أمورٌ تنالها بسهولةٍ في الحياة،
وبعضها تنالها بصعوبة.
وكذلكَ الطريقُ إلى الجنة،
فيها مكارهُ وصعوبات،
وبعضها سهلة،
وخاصةً لمن نشأ على الطاعةِ منذُ الصغر،
فتصيرُ عندَهُ شيئًا كالطبعِ والعادة،
لملازمتهِ لها،
وحرصهِ عليها.

* اقرأ آياتٍ من آخرِ سورةِ (الواقعة) لتعتبر..
وكفى بكلامِ الله واعظًا:
{فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ}
{فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ}
.......
{وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ}
{فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ}
{وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ}
إنه الخبرُ الحقُّ اليقين،
الذي لا شكَّ فيه،
ولا بدَّ منه؛
فهو من عندِ الله.

* متى يقولُ المرء: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً}؟
يقولُ ذلك عندما يعرفُ مصيرَهُ إلى النار،
ويدركُ أن أصدقاءَهُ حرَّفوا أفكارهُ في الدنيا،
ثم خذلوهُ وتركوهُ يعاني آلامَ العذابِ في النارِ يومَ القيامة.
يقولُ ذلك يومَ لا ينفعُ هذا الكلام؛
لأن كلَّ شيءٍ قد انتهى،
فهذا يومُ الحسابِ والجزاء،
فهل من معتبرٍ قبلَ أن يأتي ذلك اليوم؟

الجهاد

ماذا تفعلُ إذا كان هناكَ عملٌ صالحٌ تحبُّه ولكن لا تقدرُ على فعله؟
لقد بكى صحابةٌ فقراءُ لأنهم لم يستطيعوا المشاركةَ في الجهاد،
فما كانوا يملكون دوابَّ يركبون عليها مثلَ غيرهم من الصحابةِ رضوانُ الله عليهم،
وطلبوا ذلكَ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد،
فرجعوا وهم يبكون،
حزينين مغمومِين،
لأنَّهم لا يجدون ما يشترون به مستلزماتِ الجهادِ ليقاتلوا في سبيلِ الله.
قال الله تعالى:
{وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} [سورة التوبة: 92].
إن المؤمنَ مطبوعٌ على حبِّ فعلِ الخيرِ والعملِ الصالح؛
لأن فطرتهُ سليمة؛
ولأن دينهُ يأمرهُ بذلك،
فإذا حيلَ بينه وبينه اغتمَّ وبكى،
ودعا الله أن يمكِّنهُ من فعله.

* المسلمُ لا يكونُ عدوًّا لأخيهِ المسلم،
ولو حاربهُ وقاتله،
إنما هو اختلافُ رأي واجتهاد،
أو بغيٌ وظلم،
فمن خرجَ عن الدِّينِ فعند ذلكَ يكونُ عدوًّا.
والصلحُ خير،
فمن أبى الحقَّ فقد بغَى.

* الغابةُ تجدُ فيها أصنافَ الحياة وأنواعَ الطرق،
إلا طريقَ العلمَ والعقل،
ولذلك تتحكَّمُ فيها الوحوش،
ويسيطرُ فيها القويّ.
وهناك وحوشٌ من البشرِ وكأنهم في غابة،
يتحكَّمون في الناسِ بقوةِ عصاباتهم،
لا بالمنطق والإقناع،
ولا بالحقِّ والعدل،
فيعيثون فسادًا،
ويقتلون ويشرِّدون ويعذِّبون ويفتنون،
هؤلاء ينبغي أن يعامَلوا معاملةَ وحوشٍ ضاريةٍ أيضًا،
فلا تفاهمَ معهم بالعقلِ والعلم،
وإنما يلزمُ لردعهم أبطالٌ مدرَّبون،
ورجالُ غاباتٍ عمالقة،
وصيادون مهرة،
يعرفون كيف يصيدون القحوف،
ويصيبون القلوب،
ويحصدونَ الكعوب،
حتى تسلَمَ منهم غاباتُ البشر!

* القولُ اللينُ يأتي بنتيجةٍ أفضلَ في السلم،
أما في الحربِ فالهديرُ والصوتُ المجلجلُ المخيف.
وكان صوتُ القعقاعِ في المعركةِ رهيبًا،
خيرًا من ألفِ رجل!

* لقد كادَ المنافقون للإسلامِ في أخطرِ المواقف،
فانسحبوا من الجيشِ الإسلامي قُبيل خوضِ القتالِ في غزوة أُحد،
وكانوا يشكِّلون ثلثه،
فما وهنَ الإسلام،
بل صارَ أقوى مما كان،
لأن النصرَ في الإخلاصِ والامتثالِ لأمر القائدِ ولو كان أهلهُ قلَّة،
وكذلك كان صحابةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

* من صفاتِ المؤمنين الذين يُجزَون الجنةَ أنهم {لَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}،
كما في الآية 68 من سورةِ الفرقان،
فليتنبهِ المجاهدون خاصَّةً إلى ذلك،
فإنه كلامُ الله الحقّ.

* يقولُ ربُّنا سبحانه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،
أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} سورة النساء: 144.
أي: لا تتَّخذوا من الكافرينَ أولياءَ لكم تصحبونَهم وتُصادقونهم،
وتُناصِحونَهم وتُوادُّونَهم،
وتُفشونَ أسرارَ المسلمينَ إليهم،
أتريدونَ بذلكَ حجَّةً ظاهرةً للهِ عليكم ليعاقبَكم عليها ويعذِّبَكم لأجلها؟

* الصبرُ عند المصيبة،
والإصرارُ بعد التشرد،
والعزيمةُ على الجهاد،
والثباتُ عند الحرب،
كلُّ ذلك إيمانٌ وقوة،
وتأكيدُ موقفٍ لا يلين،
ونصرُ الله من وراءِ ذلك،
وإنْ تأخَّر.

الحسد

الحسدُ مرضٌ خطير،
ويبلغُ من خطرهِ أنه يغيِّرُ مسارَ النفسِ من الحقِّ إلى الباطل،
بغضًا وكراهيةً للشخصِ المحسود،
من غيرِ ذنبٍ جنتهُ يداه،
سوى نعمةٍ أنعمَ الله بها عليه دونَ الحاسد.
والحسدُ هو الذي صرفَ اليهودَ من الإيمانِ بنبوَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم،
لا لشيءٍ سوى لأنه من بني إسماعيل لا من بني إسرائيل (يعقوب)،
عليهما السلام،
يعني حسدًا لأنه ليس منهم!



الحسنات والسيئات

* أنت لا تعرفُ حصيلتكَ من الحسناتِ والسيئات،
ولكنْ هناك من يُحصيها عليك،
ولا تعرفُ رجحانَ أيتهما على الأخرى،
وهذا يحثُّكَ على الازديادِ من الحسنات،
لتقي نفسكَ من العذاب.

* العملةُ المعمولُ بها يومَ الحسابِ هي الحسناتُ والسيِّئات،
فإذا كنتَ وضعتَ نقودكَ وجهودكَ في بنكِ الآخرة،
فتلكَ حسناتٌ يُرجَى ثوابها،
وإذا صرفتها في الربا والحيلِ والمعاصي والمؤامرات،
فتلكَ سيِّئاتٌ تُردي وتؤلمُ وتُحرق.

* جعلَ الله تعالى أجراً كبيراً على أمورٍ سهلة،
وأخرى صعبة،
حتى لا يبقى عذرٌ لأحدٍ في طلبِ الحسنات،
فمن السهلِ ذكرُ الله تعالى،
من ذلك: "سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله واللهُ أكبر"،
وقراءةُ القرآن،
وخاصةً آيةَ الكرسي،
وسورةَ الإخلاص،
التي من قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآنَ كلَّه.
ومن الصعب: الصوم، والحجّ، والجهاد.
ومن أدركَ هذا وذاكَ بإخلاص،
ثقلتْ موازينه،
وكان من أهلِ اليمين.

* أنت لا تعرفُ حصيلتكَ من الحسناتِ والسيئات،
ولكنْ هناك من يُحصيها عليك،
ولا تعرفُ رجحانَ أيتهما على الأخرى،
وهذا يحثُّكَ على الازديادِ من الحسنات،
لتقي نفسكَ من العذاب.

* إذا أضفتَ شيئاً إلى الحياة،
فإما حسنةٌ تؤجرُ عليها ومَن عملَ بها،
أو أثـرٌ سيءٌ تأثمُ به وتحملُ أوزارَ من عملَ به.

* هناك من ينقصُ قيمتهُ وأجرَهُ بنفسه!
كمن يتخلَّى عن أدبٍ كان عليه،
أو عادةٍ جميلةٍ كان يلازمها،
مثلُ من كان يقطعُ من راتبهِ جزءًا لليتامى في كلِّ شهرٍ ثم تركه،
ومثلُ من كان يعطي في كلِّ موسمِ حصادٍ قسمًا لأهلِ الحاجةِ والمعوزين..
ومثلُ عالمٍ تركَ ملازمةَ مسجدٍ كان يعلِّمُ فيه كتابَ الله ودينه،
ومثلُ رجلٍ عاقرَ الخمرةَ على كبرٍ ولم يقربها في شبابه..
هؤلاءِ لو عادوا إلى محامدهم لكان خيرًا لهم..
قبلَ أن يدهمهم الموتُ فجأة..



الحق والباطل

نتواصَى بالحقِّ نعم،
نذكِّرُ بعضنا باتباعِ الحقِّ والدعوةِ إليه،
ولا نحيدُ عنه،
ونصبرُ على ذلك،
ونعالجُ مواضعَ الخطأ والضلالِ حتى تستقيم،
ليتعافَى الفرد،
ويصحوَ المجتمع،
وتسريَ روحٌ جديدةٌ في الوطن،
هي روحُ الإخلاصِ والفداء،
والصدقِ والوفاء.

* لقد خلقَ الله منطقةً في تلافيفِ مخِّك،
أو أغوارِ قلبك،
تعترفُ بالحق،
وإنْ رفضهُ لسانك،
وإنْ أباهُ عنادك،
وتظلُّ هذه المنطقةُ بؤرةً حميمةً تذكِّركَ بالحقِّ بين آونةٍ وأخرى،
وتعطيكَ إشاراتٍ لِمَا سمعتَ من حقّ،
فإذا تذكرتَ واعترفتَ وقبلت،
فقد صدقتَ عقلكَ وأفلحت،
وإذا ظللتَ مصرًّا على عنادِكَ ورفضِكَ الحقَّ،
فقد كذبتَ عقلكَ وخسرت،
وجنيتَ على نفسِكَ بغيرِ حقّ.
وصدقَ الله إذ يقول:
{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}
[سورة النمل: 14].

* كيفَ ومتى يضيعُ الحق؟
عندما تُكتَمُ أفواهُ الصادقين،
وتُقصَمُ ظهورُ العادلين،
وتُرفَعُ أصواتُ المهرِّجين،
وتُبعَدُ عن حياةِ الناسِ جهودُ الأوفياءِ المخلَصين،
ويكونُ اتِّباعُ الهوى مقدَّمًا على جميعِ العناوين،
ويحتاجُ العقلاءُ والوجهاءُ إلى الأراذلِ والجاهلين.

* انتصرْ للحقِّ بما تقدرُ عليه،
ولو خطوطًا بقلمك،
أو إزالةَ منكَرٍ من بيتك،
أو دعوةً بين أهلك،
أو كلمةَ حقٍّ عندَ ظالمٍ مُهاب،
أو حربةً في صدرِ قاتلٍ غادر...
حتى ثُثبتَ أنكَ مسلمٌ حيٌّ متحرِّك،
غيرُ غائبٍ عن إخوانكَ المسلمينَ وهمومهم.

* من صفاتِ المؤمنِ،
أنه يدورُ مع الحقِّ حيثُ دار،
سواءٌ أوافقَ هواهُ أم لا،
وسواءٌ أحكمَ على نفسهِ وأهلهِ أو على آخرين،
وحقدهُ أو كرههُ لشيءٍ لا يُلجئهُ أبدًا إلى تغييرِ الحكمِ الحقِّ الذي يلزمُ فيه.
ومن جانبٍ آخر،
فإن الحزبيةَ والعصبية تجعلُ الحقَّ في جانبٍ واحد،
يعني في جانبِ الحزب،
أو الفئة،
وإنْ كان خطأ وظلمًا وفسادًا!
فالحمدُ للهِ على نعمةِ الإسلام.

* الحقيقةُ تدنو إليكَ إذا ارتفعتَ إليها،
والباطلُ يدنو منكَ إذا نزلتَ إليه،
وبين الصعودِ والنزولِ نزغاتُ شيطانٍ رجيم،
تَصدُّك عن ذاك،
وتُحبِّب إليكَ هذا!

* ما أجملَ النفسَ السمحة، الأصيلة، الهادئة، القويمة،
الهينة، اللينة، الخاشعة،
التي ترضى بالحقِّ بمجرَّدِ معرفتهِ ومعرفةِ مصدره؛
لأنه حقّ،
ولأنه من الحقّ،
فتسلِّمُ بالأمر،
وتؤوبُ وتخشعُ لربِّها،
وتبكي على خطيئتها،
فعند ذلك توفَّقُ وتُلهَمُ الخيرَ والسدادَ مِن خالقها.
ولا يستوي عند الله مَن قال آمنت، ومَن قال أنكرت.
آمنتُ بالله، وبما جاءَ من عندهِ ومن عند رسوله،
سواءٌ أوافقَ مزاجي ومزاجَ الآخرينَ أم لم يوافقها.
اللهم أرنا الحقَّ حقًا وارزقنا اتباعه،
وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه،
ونعوذُ بالله من اللجاجةِ والعناد،
ونعوذُ به من الكفرِ والضلال،
والحمدُ لله على نعمةِ الإيمان،
والحمدُ لله على دينِ الإسلام.

* المقصودُ بكتمانِ العلمِ هو كتمانُ ما يتعلقُ بالإسلامِ من علوم،
وخطورةُ كتمانهِ تأتي من السكوتِ عن الحقِّ والكسلِ في تبليغه،
وبذلك ينتشرُ الباطلُ بين الناسِ ويقصرُ الحقّ عنهم.

* في كلِّ مكان،
إذا كان هناك من يدعو إلى الإيمانِ والإصلاح،
تجدُ من يدعو إلى الكفرِ والضلال،
ولكلٍّ تبَعٌ وإعلام،
وجنودٌ وأنصار،
وأساليبُ وفنون،
تصلُ إلى التناقضِ أحيانًا.
وأنصارُ الباطلِ كثرٌ في الغالب.
إنها خدعةُ الدنيا وزينتها.
وإنها المصالحُ الحاضرة،
وليس الحقَّ والهدفَ النبيل.

* إن الله لا يغفلُ عن الظالمين وظلمهم،
ولكن يؤجِّلهم إلى يومِ الحساب،
ولو حاسبَ كلَّ ظالمٍ وعاصٍ في حينه لما بقيَ باطلٌ مقابلَ حقّ،
ولما بقيَ هناك مجالٌ لاختبارِ الناسِ لمعرفةِ درجةِ إيمانهم وثباتهم على الحقّ،
ولو أُهلِكَ كلٌّ بذنبهِ لما بقيَ على ظهرِ الأرضِ أحد.
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ
وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}
سورة فاطر: 45.

* أهلُ الباطلِ يريدون أجرًا عاليًا على باطلهم،
في مقابلِ طمسهم الحقَّ أو سكوتهم عنه؛
لإرضاءِ رؤسائهم الضالِّين،
وكبراؤهم لا يقصِّرون معهم،
فيعطونهم أكثرَ مما يستحقون،
حتى يَبقوا ساكتين،
ولا يساعدوا الشعوبَ في حقوقهم،
ولا يثيروهم عليهم.
أما قال سحرةُ فرعون لسيِّدهم:
{أَئِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}،
فأجابهم فرعونُ بكلِّ تأكيد:
{نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}.
سورة الشعراء: 41-42.

* أهلُ الباطلِ يصبرون على باطلهم،
ويدافعون عنه حتى الموت،
أما قال الكافرون لرسولِ الإسلامِ محمدٍ عليه الصلاة والسلام:
{إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَ}؟ سورة الفرقان: 42.
أي: كادَ أن يَصرفنا هذا الرجلُ عن عبادةِ أصنامنا لو لم نثبتْ عليها.
وهم لا يرجون من وراءِ صمودهم مردوداً يُذكر،
ولكنه موروثٌ وعقيدة.
والمسلمون لهم عزيمةٌ وثباتٌ وجهادٌ أكبر،
لأنهم يطلبون حقًّا أكيدًا مدعمًا بالدليل،
وهم يرجون من الله ما لا يرجوهُ الكافرون.

* البصيصُ من الأملِ يكبرُ إذا كان اليقينُ قوياً،
ونقطةُ الضوءِ تكبرُ وتملأ البيتَ كلَّهُ إذا فُتحَ لها الباب،
وكلمةُ الحقِّ تدخلُ القلبَ وتسكنُ فيه وتطمئنُّ إذا قُبلت،
وترحلُ بعد حينٍ إذا أُهملت.

* لقد شنَّعَ الله على الكافرين والمشركين بأنهم يتَّبعون الظنّ،
من ذلك قولهُ تعالى:
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [سورة النجم: 23]
والظنُّ هو الأمرُ غيرُ المتحقَّقُ منه،
يعني أنه اعتقادٌ واهمٌ لا يترقَّى إلى درجةِ اليقين،
وبما أنهم اتَّبعوا الظنِّ فقد جعلوا الهوى منهجًا في البحثِ والمعتقَد،
ونتيجةُ الظنِّ والهوَى بطبيعةِ الحالِ هي الضلال:
{وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [سورة الأنعام: 119]،
ويكونُ هذا النهجُ بعيدًا عن الحق:
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [سورة النجم: 28].
وحذَّرَ الله المسلمين من هذه الطريق،
وبيَّن لهم أن بعضَ ما يُتَّبَعُ من الظنِّ إثم؛
لأنه خلافُ الحقِّ المراد،
وخلافُ نهجِ الإسلامِ في البحثِ والتحرِّي وطلبِ الحق:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}
[سورة الحجرات: 12].

الحقوق

* استيفاءُ حقِّكَ الكاملِ سيكونُ في الآخرة،
فقد لا تأخذُ حقَّكَ في الدنيا مطلقاً،
وقد يخطئُ القاضي في الحكم،
أو يحكمُ بما توفرَ لديه من أدلةٍ فقط،
فيكونُ الحكمُ ناقصًا،
أو تأخذُ جزءًا من حقكَ بالصلح،
وهكذا..

* إذا لم يحصلِ المسلمُ على حقهِ كاملاً في هذه الحياة،
فإنه لا يرضَى بذلك، ويطالبُ بحقَّه،
ولكنه لا يتعقَّدُ ولا يُجرم؛
لأنه يعلمُ أنه سيحصلُ على حقهِ كاملاً يومَ القيامة،
وأن الظالمَ لن يفلتَ من العقاب،
عدلاً من الله.


الحكمة

* أثنى الله تعالى على من أوتوا حكمة، فقال سبحانه:
{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [سورة البقرة: 269].
والحكمةُ كما استُفيدَ من أقوالِ العلماء:
العقلُ السويّ،
والعلمُ النافع،
والفقهُ في الدين،
والإصابةُ في القولِ والفعل،
والقصدُ والاعتدال،
والبصيرةُ المستنيرة،
فيُدرِكُ بها المؤمنُ الأشياءَ على حقيقتها،
ويَفهمُ الأمورَ على واقعها كما ينبغي،
فيَهتدي ويُصيب.
فالذي يؤتَى هذا كلَّهُ في خيرٍ عظيم،
وهبةٍ جليلة، فإنهُ أُخرِجَ من ظلماتِ الجهلِ فكان في نورِ الهُدى،
ومن الانحرافِ إلى الاستقامةِ والرزانةِ والسداد.
ولا يَعرفُ قدرَ هذا العطاءِ الجليلِ والنعمةِ الكبيرةِ إلا أولو الأحلامِ والنُّهى،
الذين يعرفون النافعَ فيعملونَ به،
ويعرفونَ الضارَّ فيتجنَّبونه.

* الأكلُ الكثيرُ يملأ معدتك،
ويدغدغُ أمعاءك،
ليرفِّهَ شخصيتك،
ويطلبُ من حواسِّكَ وأعصابِكَ أن تشاركها في فرحتها ورفاهيتها،
وهذا ما يُبعدُكَ عن الحكمةِ وإصابتها والاشتغالِ بها،
فجسمُكَ كلهُ صارَ مسخَّرًا للطعام،
من الاهتمامِ به والتلذُّذِ بآثاره،
وسيطلبُ منكَ المزيد،
حتى تكونَ عبدًا له.

الحلال والحرام

* إن الحدودَ التي حدَّها الله لعباده،
من حظرٍ وإباحة،
في عقيدةٍ وعبادة،
وفي معاملةٍ وسلوك،
هي مثلُ السدودِ التي على الأرض،
لتسدَّ أمرًا،
أو تمنعَ خطرًا،
فلا يطغى أمرٌ على أمر،
ولا نظامٌ على آخر.
ومثلُ الأبوابِ التي تُفتَحُ أو تُغلَقُ عند اللزوم،
ومثلُ الشوارعِ والطرقاتِ التي تكونُ مفتوحةً عادةً للعبور،
ولكنها قد تُغلَقُ لترميمٍ أو لأسبابٍ أمنية،
فمن سلكها وقعَ في حُفَرٍ أو قُبِضَ عليه؛
لأنه خالفَ ولم يلتزمْ بالتعليمات،
فمن قال بعدمِ حرمةِ شيء،
فكأنما يقولُ بعدمِ أهميةِ السدود،
وعدمِ لزومها،
وعدمِ لزومِ غلقِ الأبوابِ والشوارعِ والطرقِ وما إليها،
وهي لا بدَّ منها في حينها،
فالمنعُ والسماحُ سمةٌ في حياةِ الإنسانِ وتعاملهِ مع الأشياءِ والناس،
وبمصطلحِ الشرع: الحلالُ والحرامُ لا بدَّ منهما في حياةِ البشر.

* لو نظرتَ في حياةِ الإنسانِ وواقعهِ العملي،
لرأيتَ أنه لا يستغني عن الإشاراتِ الخضراءِ والحمراء،
يعني الأمرَ والنهي،
والممنوعَ والمسموح،
وهذا في جميع المللِ والجماعات والأحزاب.
وهي موجودةٌ في الإسلامِ كذلك،
بما يسمَّى الحلالُ والحرام،
أو الحظرُ والإباحة،
والفرقُ بينه وبين ما هو وضعيٌّ من جوانب،
منها أن الإسلامَ أوسعُ تقسيمًا وتنويعًا،
ورأفةً ورحمةً بالناس،
فلا يوجدُ حلالٌ وحرامٌ فقط،
بل يوجدُ هذا وما بينهما،
وما بين بينِهما،
فهناك الفرض، والواجب، والندب، والمباح، والحرام، والمكروه،
وهذا الأخيرُ قد يكونُ مكروهًا خفيفًا أو شديدًا.
وهذه الأحكامُ كلها تعبدية،
يعني إذا فعلتَ ما هو واجبٌ أو مندوبٌ أُجرتَ عليه،
وما تركتَ من حرامٍ أو مكروهٍ أُجرتَ عليه أيضًا،
فإذا أخللتَ بما حدَّهُ الله لكَ أثمت،
أما الندب فتعاتبُ على تركهِ ولا تأثم،
والمكروهُ تعاتبُ على فعله.

* شيوعُ منكرٍ بين الناسِ لا يُحلُّه،
فالمنكرُ منكر،
وقد بيَّن الإسلامُ ذلك،
وميَّزَ بين الحقِّ والباطل،
وبين الحلالِ والحرام،
وجاهدَ العلماءُ والدعاةُ لبيانِ ذلك حتى يخفَّ المنكرُ بين الناس،
ويتجنَّبهُ من كتبَ الله له الهدايةَ والتوفيق.
فالإسلامُ لا يجاري الباطل،
ولا يتابعُ الحرام،
وإنما يصحِّحُ ويغيِّرُ حتى يتوافقَ الأمرُ مع الحق،
الذي يوافقُ مرادَ الله تعالى.

* إذا رأيتَ الناسَ يُقبلون على أمرٍ فلا تُسرعْ إلى موافقتهم،
حتى لا تكون "إمَّعة"،
ولكن انظر:
هل ما يقومون به مباحٌ أم محظور؟
فإذا كان مباحًا فلا بأس،
وإذا كان حراماً أحجمتَ ونبَّهت.

* يشتهي المرءُ ما كان لذيذًا،
مؤمنًا كان أو كافرًا.
وبما أن الكافرَ لا دينَ له،
فلا يتورَّعُ عن الحرام،
ويأكلُ كلَّ ما كان لذيذًا،
حلالًا كان أم حرامًا،
نافعًا أو ضارًّا،
كالخمرِ ولحمِ الخنزير،
أما المؤمنُ فيلتزمُ بقيودٍ محكمةٍ مفيدة،
فلا يأكلُ إلا الحلال،
أما الحرام، ومنه الضارّ،
فلا يقربها،
ومن فعلَ فقد عصَى ربَّ العباد،
وجنَى على نفسه.

الحياة والموت

* انظرْ إلى الزرعِ كيف ينمو ويكبرُ يومًا بعد يوم،
ويصبحُ أخضرَ جميلاً،
وثمرًا مفيدًا..
ثم يَيْبسُ ويصيرُ هشيمًا..
ولا يُنتفعُ به إلا قليلاً.
كذلك أنت أيها الإنسان..
تنمو يومًا بعد آخر،
وشهرًا وسنةً بعد أخرى،
فتبدو جميلاً متنعِّمًا،
قويًّا نشيطًا،
تنتجُ وتجمع،
وتأكلُ وتتلذَّذ،
ثم يقلُّ نشاطك،
وتشيخُ حتى تصيرَ كعودٍ أعوج،
ثم تهرمُ وتصيرُ عِبئًا..
وتموتُ كما ماتَ الزرع،
.. وسوفَ تحيا كما حيي..

* الإنسانُ مثلُ الشجرة،
تنبت، ويولَد.
تنمو، ويكبر.
تُقطَع، ويُقتَل.
تذبل، ويموت.
ويُحيي الله الموتى،
كما يُحيي الشجرَ والنباتَ بعد قطعهِ أو موته.
وهناك أشجارٌ تُلقي بذورها حتى لو احترقت، لتنبتَ وتنموَ من جديد!
{فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }سورة الروم: 50.

* من قالَ إن الهواءَ الذي تستنشقهُ يأتيكَ مجانًا فلا تصدِّقه،
إن وراءهُ ضريبةَ الحياةِ بكلِّ أتعابها وممارساتها،
أنتَ تُعطَى هواءً في مقابلِ أن تحيا،
إن الحياةَ هي أكبرُ ضريبةٍ للهواءِ الذي تختزنهُ ثم تنفثه،
والحياةُ ليستْ سهلة،
ولا رخيصة،
إنها لا تقلُّ قيمةً عن الهواء،
الذي لا تحيا بدونه!

* بما أن الأرضَ ماءٌ ووحل،
وزهرٌ وشوك،
وحَرٌّ وقَرّ،
ونورٌ وظلمة،
وطراوةٌ وذبول،
فليستعدَّ مَن يمشي عليها للسعادةِ والشقاء،
والغنى والفقر،
والصحةِ والمرض،
والحبِّ والكره،
والحياةِ والموت.

* أكلتَ وشبعتَ وكبرت،
ركضتَ وتعبتَ واسترحت،
عملتَ وجُلتَ وقعدت،
صعدتَ ونزلتَ وسكنت،
مرضتَ وشفيتَ... ومتّ.
نهايةٌ لابدَّ لها من رحلتكَ في الحياة.

* مازال الفراقُ صعباً،
ووداعُ الأهلِ والأحبةِ مرًّا،
وإن سهلَ الحديثُ بالصوتِ والصورةِ من بعيد،
ويكونُ الفراقُ أصعبَ وأمرَّ إذا كانت نهايةَ حياةِ المرءِ في الدنيا،
حيث لا لقاءَ بعد ذلك إلا في أرضِ المحشر،
أو في الجنة،
أو في النار،
نعوذُ بالله من سوءِ المآل.

* حياتكَ أيها الإنسان،
في انخفاضٍ وارتفاع،
مثلُ حركاتك،
ومثلُ شهيقِكَ وزفيرك،
ومثلُ قيامِكَ وقعودك،
ومثلُ نومِكَ ويقظتك،
ومثلُ الأرضِ التي تعيشُ عليها،
في منخفضاتها ومرتفعاتها.
ولن تستمرَّ حركاتُكَ هكذا،
فأنتَ في انخفاضٍ مستمرّ،
حتى تصلَ حالتُكَ إلى السكون،
بلا انخفاض،
ولا ارتفاع،
وستمتدُّ عاريًا،
في شقٍّ من الأرض،
وليس فوقها.

* ولدت لنا قطة،
فكانت تغارُ على أولادها،
وتخافُ عليهم من عبثِ الأطفال،
فتأخذهم إلى السطح،
وتُبقيهم هناك حتى يكبروا،
وفجأةً وجدتُ قطةً صغيرةً في البيتِ وكأنها قزم،
لضعفها وصغرها،
وقالوا إنهم رأوها وحيدةً في الشارعِ دون أمّ،
فأشفقوا عليها وأحضروها إلى البيت،
وكانوا يُسقونها الحليبَ لأنها لا تقدرُ على الأكل.
وبعد نحوِ شهرين علمنا أن قطتنا الكبيرة مات أولادها الأربعة على فترات،
على الرغم من عنايتها الفائقةِ بهم،
والقطةُ الصغيرةُ الأخرى كبرتْ وصارتْ على أحسنِ ما يرام.
إن أعمارَ الإنسانِ والحيوانِ كلُّها بيدِ الله تعالى،
وليست بيدِ الآباءِ والأمهات،
على الرغمِ من حرصهم وشفقتهم عليهم أكثرَ من حرصهم على أرواحهم،
وليست بيدِ الأطباء،
فهم أنفسهم عاديون جدًّا في مستوى أعمارهم،
وهناك من العجائزِ من لا يأبهون بصحتهم وتغذيتهم وبمراجعةِ الأطباءِ وتناولِ الأدوية،
ولكنهم يعمَّرون أكثرَ من الذين يعيشون في ظروفٍ صحيةٍ جيدة،
وممن يتقيدون بالشروطِ الصحيةِ مناعةً ووقايةً وتغذية،
وخاصةً أهلَ القرى،
ولا ينكرُ أحدٌ إخراجَ أطفالٍ صغارٍ من تحت الأنقاضِ بعد يومين أو أيام،
وهم لا يصبرون عن الحليبِ أو الطعامِ أكثرَ من ساعتين أو ثلاث.
فمتى يعتبرُ الناس،
ومتى يعلمُ "الطبيعيون" و"الدهريون" أن هناك ربًّا للكونِ بيدهِ مفتاحهُ وما فيه،
يتصرَّفُ فيه كما يشاء،
بعدلهِ وحكمته؟

* الناسُ لا يعرفونَ قيمةَ الماءِ والهواء،
إلا عند فقدهما أو تلوثهما،
وذلك للألفةِ والعادةِ التي هم فيها،
ولو قُطعا عنهم لمدةٍ قصيرةٍ لماتوا جميعًا،
ولم يبقَ منهم على وجهِ الأرضِ أحد،
فهما أغلَى عنصرين في الحياة،
ولكنها أرخصُ مادَّتين فيها،
لأن الله تعالَى جعلهما أكثرَ شيءٍ في معيشتنا؛
للحاجةِ المستمرةِ والواسعةِ إليهما.

* مصطلحُ "الوجود" هو لمن كان حيًّا،
بجسدهِ وروحه،
أما الجسدُ وحدَهُ فلا يقالُ إن صاحبَهُ موجود،
وإذا قيلَ فما فائدته؟
إلا أن يكونَ استعمالهُ في ثلاجةِ الموتَى!
ويقالُ مجازًا لمن لا ينفعُ في شيء: لا حياةَ لمن تنادي،
يعني ولو كان شخصهُ ماثلاً أمامك،
فإنه لا نفعَ منه،
فكأنه لا حياةَ له،
وكأنهُ غيرُ موجود.

* هؤلاء الأمواتُ الذين لا تسمعُ لهم رِكزًا،
كانوا في يومٍ من الأيام يملؤون الكونَ ضجيجًا،
وهؤلاء الذين يملؤون الكونَ ضجيجًا الآن،
سيكونونَ في يومٍ من الأيامِ موتَى لا حراكَ بهم،
ثم يجتمعون كلُّهم عندَ ربِّهم ليحاسبهم على ضجيجهم.

* للميتِ أمنية،
هل تعرفُ ما هي؟
إنك تستطيعُ أن تحققها لنفسِكَ قبل أن تصيرَ إلى حاله.
إنه يريدُ أن يرجعَ إلى الحياة،
ويحيا كما أنتَ حيّ،
ولكن لا بقصدِ التمتعِ بالملذّاتِ ورؤيةِ الأهلِ والأصدقاء،
بل ليعملَ أعمالاً طيبةً تنوِّرُ عليه قبره،
وترفعَ قدرهُ وتسعدهُ في اليومِ الآخر،
وليُقلعَ عن أعمالٍ سيئةٍ أثقلت ظهره،
وينجوَ بذلك من نيرانِ الآخرة.

* نادَى منادي الموتِ أنْ هلمُّوا إلى القبور،
فإنها جسركم الذي لا بدَّ منه للعبورِ إلى القيامة،
فقال بعضهم: نحن جاهزون،
وقال آخرون: لا نريدُ الموت،
ولا نريدُ القبور،
نريدُ أن نستمتعَ بالحياةِ أكثرَ وأكثر.
قال المنادي:
الموتُ نهايةُ كلِّ البشر،
والقبرُ آخرُ بيتٍ يسكنونَهُ في الحياةِ الدنيا،
مَن أرادَ ومَن لم يُرد.

* من أحسَّ بدنوِّ أجله،
لمرضٍ لم يتعافَ منه،
أو لرؤيا مخيفةٍ رآها،
خارتْ قُواه،
وفقدَ لذَّاته،
وخوَت نفسه،
وتعلَّقت عينهُ بالسماء،
وهو يردِّدُ ويقول: هل سأنجو؟
خطاب القلوب الحية

* أنت حريصٌ على تحسُّس بشَرتِكَ لئلا يتراكمَ عليها الغبار.
وحريصٌ على تنظيفِ جسدِكَ لئلا ترتادهُ الهوام.
وحريصٌ على غسلِ فمِكَ وتنظيفِ أسنانِكَ قبل أن تنام.
فلمَ لا تكونُ حريصًا على غسلِ قلبكَ بالاستغفارِ والتوبةِ والندمِ على ما ارتكبتَ من آثام،
وقد يكونُ بينها ما يُغضبُ ربَّك،
ومع ذلك تنامُ ملءَ جفنيك،
وقد تمكَّنَ منكَ طولُ الأمل،
وعشَّش الشيطانُ في قلبك،
وفتحَ خيمةً له على بابِ عقلك،
وقد يأتيكَ الموتُ وأنتَ نائم،
وتلقى ربَّكَ وهو عليكَ غاضب؟

* كلُّ شيءٍ سيفنَى في هذه الحياةِ الدنيا،
فلا تتشبَّثْ بما هو فان،
إلا بقدرِ ما يقضي حاجتك، ويكونُ نافعًا لك،
وأكثرِ العملَ لما هو باقٍ من الحياةِ الآخرة،
فإنه من دأبِ العقلاء الأسوياء، والمؤمنينَ الأتقياء.

* تصفيةُ النفوسِ تكونُ بتحريرها من الشهوات،
وتصفيةُ العقولِ تكونُ بتحريرها من الخرافاتِ والانحرافات،
وتصفيةُ القلوبِ تكونُ بتحريرها من الضغائنِ والأحقاد.

* إخلاصنا في توحيدِ ربِّنا،
تقوانا في رضا خالقنا،
أرواحنا فداءُ ديننا،
علومنا غذاءُ قلوبنا،
سعادتنا في قبولِ أعمالنا،
عافيتنا في حفظِ كرامتنا،
غَيرتنا على أعراضنا،
دعاؤنا بنصرِ مجاهدينا،
سلامنا إلى أسرانا،
ورحمةُ الله على أمواتنا.

* افتخرْ بأمورٍ تصلكَ بالآخرةِ لا بالدنيا..
افتخرْ بمحافظتِكَ على فرائضِ الله،
وبعددِ المراتِ التي ختمتَ بها القرآن،
وبالصدقاتِ والمبرّات،
والدعواتِ والأذكار،
والمعاملاتِ النافعةِ بين الناس،
والأخلاقِ الحسنة.
ولا تفتخرْ بعددِ قصوركَ ومزارعكَ ومواردِ تجارتك،
ولا بمناصبكَ وإمرتكَ في الدنيا،
ولا بنسَبِكَ ومكانتكَ بين أهلكَ وعشيرتك،
ولا بشهرتكَ وخدمكَ وحشمك،
فهذا كلهُ إلى زوال،
ثم حساب...

* سبلُ الوقايةِ من الجحيمِ تكونُ على ثلاثةِ أشكال:
- بيانُ طرقِ الخيرِ للنفسِ وتحبيبها وتسهيلها لها.
- كراهيةُ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ وبيانُ مضارِّها وآثارها السيئة.
- ترميمُ النفس،
يعني تفتيتَ سيئاتها بالاستغفار،
والقضاءَ عليها بالتوبة،
واستبدالَ الحسناتِ بها،
بالعزمِ على عدمِ العودةِ إليها.

* أرقامٌ تهمك:
الرقم الأول: تجديدُ الإيمان؛ للتأكيدِ والتذكير.
الرقم الثاني: الإخلاصُ في القول والعمل؛ لقبولهما.
الرقم الثالث: إرضاءُ الربِّ في ملكوته، بطاعته.
الرقم الرابع: الثباتُ على الحق، الذي يدلُّ على قوةِ الإيمان.
الرقم الخامس: كراهيةُ الكذبِ والفحش؛ لئلاّ تتلوثَ بهما.
الرقم السادس: الودُّ للأحبابِ المخلصين؛ حتى لا يضيعوا منك.

* إذا أخفيتَ حقيقتكَ عن الناس،
فكيف تُخفيها عن الله،
وهو المهم،
فهو الذي {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [سورة غافر: 19]،
وهو الذي يحاسبك:
{وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [سورة الأنبياء: 47]؟

* الحياةُ تموجُ بالحركة،
والضجيجُ يملأ الكون،
ومَنفذُ الحقِّ لا يُغلق،
ومصدرُ النور لا يُطفأ،
ويبقى المؤمنُ على صلةٍ بربه،
متبعاً نهجَ الحق،
مستمداً نورهَ من كتابِ الله،
مهتدياً بسنةِ نبيه،
لا يصرفهُ عن ذلك حركةٌ سريعة،
أو ضجةٌ كبيرة،
أو نداءٌ مشوِّش.

* أهلُ الله هم أهلُ الآخرة،
الذين يؤثِرون الحقَّ على الباطل،
والهدايةَ على الضلال،
والطاعةَ على المعصية،
ورضا الله على غضبه،
ويحببون دينَ الله إلى خلقه،
إذا نوديَ للعبادةِ كانوا في الصفِّ الأول،
وإذا نودي للجهادِ أسرعتْ أيديهم إلى الزناد...
يراهم الله خاشعين في طاعته،
ويفتقدهم في معصيته.
إنهم نعمَ العباد،
ونعمَ الجند.

* إن الله تعالى يعلمُ ما تحملهُ من أسرارٍ في صدرِكَ أيها الإنسان،
فاحذرهُ أن يفضحكَ بها،
أو أن يعاقبكَ عليها.
يقولُ ربُّنا تعالى ذكره:
{وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}
الآية 235 من سورة البقرة.

* الصبرُ والرباطُ والتقوى طريقٌ إلى الفوزِ برضا الله وجناته.
في آخرِ سورةِ آل عمرانَ قولهُ تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

* التوبة،
والإيمان،
والعملُ الصالح،
والهداية،
موجبةٌ لمغفرةِ الله تعالى.
يقولُ سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}
سورة النور: 82.

* البكاءُ من خشيةِ اللهِ دليلٌ على الخشوعِ والإيمان،
ومن لم يبكِ من خشيةِ اللهِ فهو دليلٌ على قسوةِ القلب،
فليسألِ اللهَ قلبًا خاشعًا،
وليتعوَّذْ به من قلبٍ لا يخشع.

* الخشوعُ مهمٌّ للمؤمن،
وإلاّ لما قال الله تعالى:
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}
[سورة الحديد: 16].
والخشوعُ وجَلٌ وخشيةٌ تعتري المؤمنَ عندما يستشعرُ عظمةَ الله،
مما يؤدِّي إلى طاعةٍ أكثر،
وعبوديةٍ أشملَ وأقوم.

* أثنَى الله تعالى في كتابهِ الكريم على {الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}،
كما في الآيةِ (17) من سورةِ آل عمران،
ووقتُ السحَرِ مرغوبٌ فيه عند العبَّادِ خاصة،
وثمينٌ غالٍ عند أهلِ التقوى والصلاح،
وأهل الخشوعِ والبكاء،
فيمرِّغون جباههم للهِ سجَّداً،
ويسكبونَ العبراتِ خشية،
ويُطلقون الآهاتِ حسرة،
ويسألون المغفرةَ رحمة،
ويدْعُونهُ سبحانهُ رغبةً ورهبة.

* بعد الشفاءِ من المرض،
يعودُ الإنسانُ إلى شهواتهِ وملذّاتهِ بقوة،
وبعضهم بدون وعي،
وينسى ما كان عليه قبل أيامٍ قليلة!
وما سببتهُ له تلك الملذات.
إن الإنسانَ لينسى.
إنه بحاجةٍ إلى تذكيرٍ دائم.
ولذلك تكرَّرَ الوعظُ في القرآن،
للتذكيرِ بالواجباتِ والمهمّات،
وللتركيزِ عليها.
ولذلك فُرِضَ عليه أكثرُ من صلاةٍ في اليوم،
لئلا ينسى ربه..

* لا تخدع نفسكَ أيها الرجل.
إذا كانت صفحتكَ سوداءَ عند الله،
فحاولْ أن تبيِّضها بالتوبةِ والاستقامةِ والإصلاح،
بدلَ أن تهدهدَ نفسكَ وتطمئنها فتخدعها،
أو تُريَ الناسَ أنكَ أبيضُ نقيّ،
سالمُ الجناب،
خالٍ من الغشِّ والكدر.
إنما تخدعُ نفسكَ بذلك،
وعاقبةُ السوءِ تعرفها.

* من وظائفِ الشيطانِ الكبيرة،
ووسائلهِ الخبيثة،
أنه يحسِّنُ القبيح،
ويقبِّحُ الحسن،
ولا يزالُ يلبِّسُ بهما على الإنسانِ حتى يصدِّقه!
فاتخذْ دينَ الله ميزانًا لمعرفةِ الحلالِ والحرام،
والمعروفِ والمنكر،
والجمالِ والقبح،
حتى لا يلتبسَ عليك أمر،
ولا يجدَ الشيطانُ طريقًا إليك.

* إذا أردتَ أن يكونَ لكَ قدرٌ عالٍ عند (الربّ)،
فاتَّصفْ بصفاتٍ (ربّانية)،
كما قال الله تعالى:
{كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} [سورة آل عمران: 79]
أي: كونُوا حكماءَ علماءَ حُلماء،
متمسِّكينَ بطاعةِ اللهِ ودينه.

* استرْ على أخيكَ ما رأيتَ عليه من انحراف،
بدلَ أن تغتابَهُ أو تفضحه،
عظهُ برفق،
وذكِّرهُ وأنتَ مشفقٌ عليه،
فلعلهُ يفكرُ بينه وبين نفسه،
ويعودُ إلى رشده،
ويُقلعُ عمّا كان عليه من سوءٍ وفحشاء.

الخلود

فُطرَ الإنسانُ على حبِّ الخلود،
وهو ما أوقعَ آدم في فخِّ الشيطان،
الذي أقسمَ له إن أكلَ من الشجرةِ خُلِّدَ في الجنة،
فخُدِعَ به حبًّا بالخلود،
وجهودُ علماءِ البحثِ والتجريبِ دائبةٌ في عصرنا للبحث عن هذا السرّ،
ولكن الله تعالى قضى بالموتَ على الحياةِ الدنيا،
وبما فيها وما عليها من حياة،
فتذوقهُ كلُّ نفسٍ،
ووهبَ الخلودَ للإنسانِ في الدارِ الآخرة،
لأهلِ الجنة،
ولأهلِ النارِ أيضًا،
فهنيئًا لقوم،
وتعسًا لآخرين.

* إلى المهمومين بإطالةِ عمر الإنسان،
ومسألةِ خلوده،
لن تصلوا إلى نتيجة،
لأن الخلودَ لا يكونُ إلا بالقضاءِ على مسألةِ الموت،
والموتُ لا يُقضَى عليه إلا بإيقافِ عمرِ الإنسانِ في زمنٍ يكونُ حيًّا لا يتجاوزهُ إلى الموت،
ويلزمُ من هذا إيقافُ مسيرةِ الزمن،
ويتعلَّقُ الأمرُ بحركةِ الشمسِ والقمرِ والأرضِ في الكون...
وإذا لم يوقَفِ الزمنُ فيعني الكبرَ والمضيَّ إلى الهرم،
والهرمُ ينتظرهُ الموت.
لا بدّ.
كما أن على المهتمين بذلك أن يمنعوا انتقالَ الأمراضِ الوراثيةِ إلى الأبناء،
التي تودي بهم إلى الموت،
وتأتيهم من سلالاتِ أجدادٍ بعيدة،
وهذا فوق طاقةِ الطبِّ والكيمياءِ والأشعة؛
لأن الأمرَ يتعلَّقُ بتكوينِ النطفة.
ولعلَّ هذا القولَ يمثِّلُ رأيًا بدائيًّا عند المتخصصين،
ولكنه حقّ.
وصدق الله إذ يقول:
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[سورة العنكبوت: 57]
وصدقَ رسولهُ الكريمُ إذ يقول:
"إن الله تعالَى لم يضعْ داءً إلا وضعَ له دواءً،
غيرَ داءٍ واحد: الهرم".

الخير والشر

* أيها الإنسان،
أنت مخيَّرٌ في هذه الحياة،
فإذا ابتغيتَ الخيرَ يسَّرهُ اللهُ لكَ وزادكَ من فضله،
وإذا ابتغيتَ الشرَّ فالطريقُ أمامكَ مفتوح،
تلجُ فيها متى ما شئت،
وتفعلُ من الشرورِ والقبائحِ ما تريد.
ولا تقولنَّ يومَ القيامة: يا ربّ، لمَ لمْ تسيِّرني إلى طريقِ الخير،
فقد بيَّنَ لكَ الله طريقَ الخيرِ والشرّ،
ومنحكَ إرادة الاختيارِ لتكونَ حرًّا،
فاخترتَ لنفسِكَ تلكَ الطريقَ بإرادتك،
وأنتَ الذي تتحمَّلُ مسؤوليةَ ذلك ونتائجه.
ومع ذلك فطريقُ التوبةِ والرجوعُ إلى الصوابِ مفتوحةٌ أمامك،
وسيمحو الله خطاياكَ السابقة إذا صدقتَ في توبتك،
ولم تعدْ إلى ما كنتَ تفعلهُ سابقًا من شرورٍ وآثام.

* إذا كان لسانكَ يصلحُ للخير،
فلماذا تستخدمُ يمينكَ للشر؟
الأولُ أفضلُ وأحسنُ عاقبة،
والآخرُ أسوأ.
يعني: لماذا تعملُ في عملٍ سيءٍ وعندكَ قدرةٌ على عملِ الخير؟
وازنْ بين قُواك،
وجوانبِ الخيرِ والشرِّ في نفسك،
واقتصرْ على الخيِّرَ منها،
لتكونَ شخصيتكَ إيجابيةً ومتوازنة،
تميلُ إلى الخيرِ والحُسنى فينمو فيها الخير،
لا إلى الشرِّ والأسوأ فيفشو فيها الشر.

* القادرُ على أعمالِ الشرّ،
قادرٌ على فعلِ الخيرِ أيضًا،
ولكنهُ لا يفعلهُ إلا نادرًا،
لأن مصدرَ التوجيه عنده – وهو العقلُ والقلب – منحرف،
فلا يدلُّهُ إلا على أفعالِ الشرِّ وما هو معوجّ.
وإذا لم يُصلحْ نفسهُ بالتوبةِ والعملِ الصالح،
أدَّبهُ الدهر،
فأُصلِحَ بالقوةِ أو قُتل.
وإذا أفلتَ من هذا أو هذه فأين هو من الله؟

* قالَ لي:
حالتِ الغربةُ بيني وبين أخٍ لي عقودًا من الزمن،
مع شوقٍ وحنينٍ إلى اللقاء،
فلما التقينا اختلفنا وتدابرنا،
قلت: كانت الغربةُ خيرًا لكما، واللقاءُ شرًّا لكما!
{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} سورة البقرة: 216.



الدعوة

* قولهُ تعالى:
{وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [سورة الإسراء: 53 ].
أي: وقلْ لعباديَ المؤمنين يتحلَّوا باللِّينِ والحِلمِ في كلامِهم وحوارِهم مع الآخرين،
ويقولوا الكلمةَ الطيِّبة،
ويختاروا أحسنَ الكلامِ ومُهَذَّبه،
ليكونَ أوقعَ في النَّفس،
وأكثرَ تأثيرًا،
وأفضلَ استجابة.
والشَّيطانُ يتحيَّنُ الخطأ لينفُخَ فيه ويجعلَهُ سببًا للعداوةِ والبغضاءِ بين المؤمِنين،
وهو ظاهرُ العداوةِ لهم.
والكلمةُ الطيِّبةُ تُبعِدهُ عن مجلسِ أصحابِها وأحاديثِهم،
فيكونونَ متآلفينَ متوادِّين،
بعيدينَ عن همزاتهِ ونزغاته.

* عليكَ الدعوةُ والتبليغ،
وليس عليكَ هدايةُ الناسِ وصلاحهم.
أنت لا تعرفُ بواطنهم وما تُخفي صدورهم،
ومدَى قابليتهم للهدايةِ أو الضلال،
فهذا شأنُ الله وأمره.

* أنت عليكَ قولُ الحقّ،
بالحكمةِ والأسلوبِ الحسن،
وبالوسيلةِ المناسبة،
أما أين يبلغُ هذا القول،
وأين يرسو،
وفيمن يؤثِّر،
فهو عند الله،
قد تعلمُ به وقد لا تعلم.

* لقد نُشرَ الإسلامُ بجهودِ رجالٍ امتلأتْ قلوبهم بحبه،
وفاضت بالإيمان،
وجادت على الشعوبِ الأخرى بهذا الحبِّ لتنعمَ تحت ظلالِ هذا الدينِ العظيم،
وتسيرَ على نهجٍ صحيح.
أما الإيمانُ الضعيف،
أو السطحي،
فلا يكفي صاحبه،
يعني فرداً واحداً،
فكيف يجودُ على الآخرين بفيضِ الإيمانِ ونورِ الإسلام؟

* الحركاتُ الإسلاميةُ هي أملُ الأمةِ الإسلامية،
مادامتْ ملتزمةً بكتابِ الله تعالى،
ومتمسِّكةً بسنَّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم،
ولا تخرجُ عن إجماعِ المسلمين.

* القيادةُ غيرُ المتفقِّهةِ في الجماعةِ الإسلاميةِ قد تضرها،
إذ يُخشى عليها من الانحراف،
بسببِ القائدِ الذي لا يعرفُ حكمَ الدينِ في تفاصيلِ الأحوالِ والأحداث،
إلا إذا كان سياسيًا محنكًا، قويًا، حليمًا،
يجمعُ القلوبَ والعقول،
ومجلسُ شوراهُ قوي،
يجيزُ ويمنع.

* هناكَ من خطباءِ الجمعةِ مَن يشجِّعُ المستمعين على النوم،
فلا يكادُ يُسمَعُ له صوت،
على الرغمِ من لاقطِ الصوتِ الذي يستعينُ به،
ويقرأُ من ورقةٍ في يديهِ ولا يتحرك،
وكأنه يهدهدُ طفلاً،
أو يخشى أن يوقظَ نائمًا،
وفي حديثِ جابر رضيَ الله عنه:
"كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا خطبَ احمرَّتْ عيناه،
وعلا صوته،
واشتدَّ غضبه،
حتى كأنهُ مُنذِرُ جيشٍ،
يقول: صبَّحَكم ومسَّاكم...".
رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة (867).

* الشاعرُ الإسلامي "جمال فوزي" داعيةٌ وأديبٌ صبور،
من قرى المنوفيةِ بمصر،
تعرَّض لتعذيبٍ وحشيّ بشع،
أُتلفَ بسببهِ نصفُ جسدهِ طولياً،
إحدى عينيه، وعمودهُ الفقري،
وذراعه، وخصيته، ورجله.
وكان مهذَّبَ النفس،
رهيفَ المشاعر،
صابراً محتسباً،
شاعرًا رقيقًا،
باسمَ الوجه،
مرحَ الروح،
رغمَ ما يعانيه من آلام.
أطلقَ عليه إخوانهُ لقبَ «حسّان الدعوة»؛
لأنه من أدقِّ مَن وصفَ الدعوةَ في مراحلها شعرًا،
خاصةً وصفهُ مرحلةَ السجنِ والتعذيبِ أيامَ عبدالناصر.
وقد زادوا من تعذيبِ جسدهِ المشلول بشكلٍ لا يوصف..
وأُفرجَ عنه...
كان يصلي على الكرسي،
ولا يستطيعُ الانحناءَ أو الركوعَ والسجود،
ورغمَ ذلك كان يمارسُ عملهُ ونشاطهُ الدعوي،
ودروسهُ وأحاديثهُ بكلِّ نشاطٍ وحيوية..
وتوفي عام 1406هـ.
من شعره: "إلى الطاغيةِ السفاح"..
هبني مدحتكَ بين الناسِ قاطــبةً
حتى جعلتُكَ بين الناسِ عملاقا
هبنـــــي زعمتــــُــكَ قـــدِّيساً تُباركنــا
وقلتُ إنــــــكَ خيرُ الخلقِ أخلاقا
من ذا يصدِّقني بين الأُلى عرفوا
عنــــك الخِـــــداعَ وسفَّاحاً وأفَّاقــــــــا

* رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شاهدٌ على مَن بُعِثَ إليهم،
يبشِّرُ المؤمنين المطيعين بالجنة،
ويُنذرُ الكافرين العاصين بالنار،
وهذا من أسسِ الدعوةِ القائمةِ على العدل.

* أصدقُ الناسِ في إسلامهم المجاهدون،
الذي يفدون دينهم بأغلى ما يملكون.
وأكثرهم حبًّا للإسلامِ الدعاةُ في المناطقِ البعيدة،
الذين يؤثرون دينهم على أموالهم وأولادهم،
وعلى راحتهم وسلامتهم.

* إلى القابضين على الجمر،
في بعضِ بلادِ الغرب أو تحت سطوةِ الطغيان،
صبركم وعزمُكم من إيمانكم،
فاثبتوا،
واضربوا المثلَ بالتعاملِ الطيبِ مع الناس،
وأبرزوا جمالَ الإسلامِ في شمائلِ أخلاقكم،
فإنكم أبناءُ هذا الدينِ العظيم،
ودعاتهُ وحُماته.

دفع أوهام وشبهات

* كما أن هناك أمراضًا نفسيةً تؤدي إلى الجنون،
وأخرى بدنيةً تقودُ إلى الموت،
كذلك هناك أمراضٌ فكريةٌ وقلبيةٌ تؤدي إلى الانحرافِ عن الإسلام،
أو الخروجِ منه،
وهي أخطرُ من الأمراضِ السابقة.
{أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا} سورة النور: 50.
{لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} سورة الحج: 53.
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} سورة محمد: 29.
{وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} سورة المدثر: 31.

* إلى المفتونينَ بأفكارهم وعقولهم:
تخطؤونَ في اللغةِ والفنونِ والجغرافيا وتَعلُّمها سهل،
وتُنكرون خطأكم في نظراتكم الفكريةِ والدينيةِ وهي بحورٌ لا سواحلَ لها؟!
لماذا لا تدَعونَ السفينةَ يقودها ربَّانها وأنتم تنعمون بالسلامِ فيها؟
اعملوا أنتم لأنفسكم ما يفيدكم في الآخرةِ من أعمالِ البرِّ والخير،
فهي كافيتكم.
ولا تتكلَّفوا البحثَ والسؤالَ عما لا يعنيكم ولا يفيدكم ولا يسألكم الله عنها يومَ القيامة.
يقولُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيحِ البخاري: "دَعُوني ما تَركتُكم، إنما أَهلَكَ مَنْ كان قبلَكم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم".

* الذي يفضِّلُ كلماتِ أئمةِ الكفرِ والضلال،
على كلماتِ أئمةِ الإسلامِ وأفاضلهم،
فإن هذا يعني أنهُ يفضِّلُ نهجهم،
وإذا بقيَ على هذا فلا شكَّ أنهُ سيكونُ في صحبتهم بعد الممات،
كما كان على نهجهم قبل الممات؛
لأن مَن أحبَّ قومًا حُشِرَ معهم،
وكان مصيرهُ مصيرهم،
والكافرونَ – لمن لا يعلم – مصيرهم النار،
وقد حرَّمَ الله عليهم الجنة.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}[سورة البينة: 6].

* إثارةُ المسلمِ شبهاتٍ حولَ دينهِ على الملأ يُثبتُ أن عندهُ شكوكًا،
فيصفِّقُ له أعداءُ الدينِ وعلى رأسهمُ الشيطان، 
فإذا تراكمتْ وجادلَ عنها يُخشَى عليه من الارتدادِ عن دينِ الله،
وعليه بمعالجةِ نفسهِ باللجوءِ إلى الله تعالى لهدايته وتثبيتِ إيمانهِ وطمأنةِ قلبه،
وتركِ مصاحبةِ أهلِ الفكرِ المنحرف،
والبعدِ عن وسائلِ الاتصالِ الملغومة،
وعليه بزيارةِ فضلاءِ أهلِ العلم،
ومصاحبةِ الصالحينَ وحضورِ مجالسهم والتحبُّبِ إليهم وتفضيلهم على سائرِ البشَر.

* الذي في قلبهِ مرضٌ يَفرحُ بشبهةٍ تَرِدُ على الإسلام!
وإذا رأى في الدينِ أمرًا لا يتناسبُ ونفسيَّتهُ أطالَ فيه لسانه،
وقال: انظروا، هذا هو الإسلام!
وقد يصلِّي هذا الشخصُ ويصوم،
لِمـَا درَجَ عليه من الصغَر،
ولكنَّ المرضَ الذي في قلبهِ إما أنْ يستفحلَ فيغطِّيَ قلبَهُ كلَّهُ فلا يرَى الدينَ شيئًا،
وإمّا أنْ يتوجَّهَ إلى الله تعالى ويطلبَ منه الهدايةَ والثباتَ على الدينِ الحقّ،
فيُشفَى بإذنِ الله.
ونعوذُ بالله من سوءِ الخاتمة.

* قد تأتي شبهةٌ للشخصِ من قولٍ شاذٍّ سمعهُ عن الإسلام،
أو مخالفٍ لإجماعِ المسلمينَ أو جمهورهم،
أو هو من قَبيلِ دفعِ ضررٍ أكبرَ بضررٍ أصغر،
أو فيه اختلاف بين علماء الإسلام،
في مسألةٍ عقديةٍ أو فقهية،
فيعمِّمها هذا الشخصُ ويقول: هذا هو الإسلام!
وهذا لا يكونُ إلا من شخصٍ في قلبهِ مرض،
على حافَّة،
ينتظرُ أيةَ فرصةٍ ليقولَ في دينهِ شيئًا!
بدلَ أن يبحثَ ويسألَ ليؤمنَ ويَطمئنّ،
ولا يشيعَ الخطأ ويزيدَ من رقعةِ الشكوكِ والشبهاتِ التي يُثيرُها أعداءُ الإسلام،
ولا يعلمُ هذا الشخصُ أنه بذلك يُهلكُ نفسه،
ويؤذي المسلمين،
ودينُ الله باق.

* لعلكَ لَقِيتَ بشَرًا كلَّما حدَّثتَهم عن الإسلامِ تضايقوا وتنرفزوا،
أو صدَّقوا بعضَ ما تقول وكفروا ببعضه،
ولا يُهمُّهم إذا قلتَ لهم إن الكفرَ يُحبطُ جميعَ الأعمالِ الصالحةِ التي فعلوها من قبل،
فإيمانهم رقيقٌ لا يَثبتُ أمامَ نصيحةٍ فيها الحقُّ المرّ.

* البعضُ ممن ابتُليَ برقَّةِ الدين،
يردُّ عليكَ من عقله،
لا منْ آيةٍ أو حديث،
يعني أنه يَعرِضُ دينَ الله العظيمَ على عقلهِ الصغيرِ وعلمهِ القليل،
فيَقبَلُ ما يوافقُ عقلهُ أو هواه،
ويردُّ ما لا يُعجبه،
مثلُ هذا لا يُقالُ له "مؤمن"،
وإنما في أحسنِ الظنِّ يُقالُ له "مسلم"،
وهو كما قالَ الله تعالى في بعض الأعراب:
{قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [سورة الحجرات: 14]
أي: إنِّ الإيمانَ لم يَستَحكِمْ في قلوبِكم بعد، ولكنْ قولوا استَسلَمنا وانقَدْنا، فإنَّ الإسلامَ انقيادٌ ودُخولٌ في السِّلم، ولم تَصِلوا إلى حقيقَةِ الإيمانِ بعد.

* هل تشكُّ في مقولةِ "فاقدُ الشيءِ لا يعطيه"؟
إنها مقولةٌ صحيحة،
ولكنْ سترَى أنها تهتزُّ في هذا العصرِ اهتزازًا قويًّا،
فكم مِن جاهلٍ بالإسلامِ يتكلَّمُ باسمه،
ويقولُ فيه برأيه؟
وكم من "مثقَّفٍ" ينقدُ نظامهُ وهو لم يقرأ كتابًا واحدًا في السياسةِ الشرعيةِ والأحكامِ السلطانية؟
إذًا ففاقدُ الشيءِ قد يُعطيه!!
ولكنْ يُعطي ماذا؟
إنه يُعطي خُرافاتٍ وجهلاً وقبائحَ وظلماتٍ وطامّات،
ومن المؤسفُ أن هذا موجودٌ بكثرةٍ كاثرة،
في عصرنا هذا،
الذي يسمَّى عصرَ العلم!

* المؤمنُ الحقُّ يتقبَّلُ أمرَ الله تعالى وسنةَ نبيِّهِ الصحيحةَ بكلِّ إيمانٍ ورحابةِ صدر،
كما هو أدبُ الأنبياءِ مع ربِّهم،
عليهم صلواتُ الله وسلامه،
كما في صنيعِ سيِّدِ الأنبياءِ إبراهيمَ عليه السلام،
{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[سورة البقرة: 131]،
فأجابَ إلى أمرِ ربِّهِ وأطاعه،
وأخلصَ على أحسنِ ما يكون،
مفوِّضًا أمرَهُ إلى الله.
وهكذا يكونُ المؤمن.
أما مَن ابتُليَ بالحداثةِ والعلمنةِ والليبراليةِ من أبناءِ المسلمين،
فإنهم يريدونَ أن يشوِّشوا على الناسِ دينهم،
ليصرفوهم عنه بأيِّ شكلٍ كان،
فهم لا يطيعونَ الله أصلاً،
فكيفَ يستسلمونَ له؟
بل هم في تحركاتهم وتوجهاتهم الثقافيةِ يصرفونَ النصوصَ الإسلاميةَ من الكتابِ والسنةِ إلى غيرِ وجهتها ومعانيها الصحيحة،
فيؤوِّلونها ويناقشونها ويقولون فيها ما شاؤوا ليزعزعوا قدسيتها في نفوسِ المسلمين،
وهدفهم أن يبثوا بين الطبقة المثقفةِ بأن نصوصَ الدينِ مثلها مثلُ أيِّ نصٍّ كتابي،
يمكنُ أن تُناقشَ وتُردَّ وتصرَّفَ وتُؤوَّلَ وتُنقدَ وتُعارضَ وتوازنَ وتقوَّم،
يعني لا فرقَ بين نصٍّ من الوحي وآخرَ من عقلِ الإنسان، أيِّ إنسان!
وأن القيامَ بتفسيرها وشرحها والاستنتاجِ منها ليستْ من مهمةِ العلماءِ المتخصصين وحدهم،
بل كلُّ أحدٍ يمكنُ أن يتصدَّى لها ويبيِّن معناها،
وسواءٌ أكان مسلمًا أم كافرًا!
متخصصًا في التفسيرِ والحديثِ أم غيرَ متخصصٍ فيهما...
طبعًا هم لا يقولونَ هذا في أيِّ تخصصٍ سوى في دينِ الإسلامِ وعلومه!
ليُحدثوا فوضى وبلبلةً في ساحته...
فمن اتَّبعَ سبيلهم ضلَّ وخابَ وخسر.
ومن اتَّبعَ نهجَ الأنبياءِ والمؤمنين فازَ ونجا،
ورضيَ الله عنهم وعنه.

* سبحان الله!
هناك من البشرِ مَن قد تحكَّمَ العنادُ في نفسهِ تحكُّمًا راسخًا،
فكلما أوردتَ له الحجَّةَ تلوَ الحجَّةِ ازدادَ عنادًا وتكبرًا عن قبولِ الحقّ،
فازدادَ بذلك ضلالاً!
يعني أنه كلما رأى نورًا تخفَّى منه في الزوايا ليزدادَ ظلمة!
فهو لا يريدُ أن يرى النور،
وإذا رآهُ تجنَّبه،
إنه لا يريدُ أن يسمعَ الحقّ،
فإذا سمعهُ تجاوزَهُ!
هؤلاء نفوسهم مظلمة،
وليست مهيَّأةً لاستقبالِ نورِ الله،
وليست أهلاً له.
هؤلاءِ لن يهديَهمُ الله حتى يكسروا عنادَهم ويَلينوا للحقّ،
ويستعدُّوا لقبولِ دخولِ النورِ في قلوبهم..
عند ذلك يهديهم الله...
فتتنوَّرُ نفوسهم،
وتقبلُ الحقّ.

* الذي يتتبَّعُ أخطاءَ العلماءِ وهفواتهم،
ويتركُ علمهم النافعَ وأقوالهم الصحيحة،
كمثلِ الذبابِ الذي يقعُ على الأوساخِ والدماءِ المسفوحة،
ويدَعُ الجسمَ الصحيحَ والمناطقَ النظيفة!
إن العلماءَ بشر،
يخطؤونَ كما يخطئُ التاجرُ الخبيرُ في تجارته، فيخسرُ وهو لا يريدُ ذلك،
وكالبنّاءِ الماهرِ الذي يخطئُ في جزءٍ من البناء، وهو لا يقصدُ ذلك،
وكالطبيبِ الحاذقِ الذي يخطئُ مراتٍ قليلةً في تشخيصه، وهو لا يتمنَّاه..
فإذا شيَّدَ بنَّاءٌ عمائرَ فخمة،
وناطحاتِ سحاب،
ومطاراتٍ ومعالمَ جماليةً رائعة،
على أحسنِ ما يكون،
موافقةً لمقاييسِ الضبطِ والجودة،
لكنه أخطأ مرةً أو مرتين،
فبنى جدارًا مائلاً في غرفةٍ ما،
فهل من العدلِ أن يقولَ أحدنا:
وما عليَّ أن أبنيَ جدارًا مائلاً وقد بنى مثلَهُ البنّاءُ الفلاني وهو مشهورٌ في مجالِ تخصُّصه؟
لقد نسيَ هذا المجادلُ أنه لا يحقُّ له أن يبنيَ أصلاً،
لأن البناءَ تخصُّصٌ لا يلجهُ كلُّ أحد،
وهو أمانةٌ مثلُ كلِّ الأعمال،
إذا دخلَ فيها من دونِ إتقانٍ هدمَ البيوتَ على أهلها.
ثم.. أمن العدلِ أن يتركَ هذا المجادلُ كلَّ أعمالِ ذلك البنّاءِ الرائعةَ ويتشبَّثَ بهفوته،
ثم يصفهُ بأقذعِ الصفاتِ على تلك الهفوة؟!
لماذا لا يشيدُ بعملهِ الجيِّد،
ليتربَّى به وبمثلهِ جيلٌ إسلاميٌّ متفكِّك،
بينما يبرزُ عملَهُ السيِّءَ ليزيدَ من ضعفِ المجتمعِ المسلمِ وتماسكه؟
ما الذي يقدِّمهُ للإسلامِ هذا الذي يتتبَّعُ الأخطاء،
ويُشهرُ الأقوالَ الضعيفةَ والشاذَّةَ في مجتمعهِ الإسلاميِّ الضعيف،
وقد رجعَ عنها أصحابها،
أو نقدها العلماءُ وانتهوا منها وهو يبعثها من جديدٍ لدخيلةٍ في نفسه؟
من يكونُ مسؤولاً عن جزءٍ من انحرافِ الناسِ بهذا الهجومِ المتكرِّرِ والتشكيكِ والتقريع؟
لماذا لا يشعرُ المرءُ بالإثمِ الذي يرتكبهُ من كلامه؟
لماذا لا يحسبُ حسابَ جرائمِ اللسانِ والقلمِ التي تبقى آثارها أكثرَ مما يعملُ السيفُ في رقابِ الناس؟
أما علمَ أن {السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}؟
أما علمَ أنه لا خيرَ في علمٍ بدونِ تربيةٍ وأخلاقٍ وخشية؟
لماذا لا يخشى بعضنا جبّارَ السماواتِ والأرضِ يومَ الحسابِ الأكبر؟
لماذا لا يحاولُ أحدنا أن يكونَ عنصرًا فاعلاً يصلحُ بدلَ أن يفسد؟
لماذا لا يبني بدلَ أن يهدم؟
بهدوء، وبحكمة، كما أمرنا ديننا؟!

* علَّقَ أحدهم في مجلسٍ فقال:
كفاكم ردًّ على المطاعنِ والشبهات،
ابنوا،
قوموا بمشاريعَ عمليةٍ تفيدون بها الناس...
ونسيَ هذا الرجلُ أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم كان يبني أمة،
والقرآنُ ينزلُ ويردُّ على المشركين والمنافقين وأهلِ الكتابِ والمشكِّكين والمنفِّرين من الدين،
فبيانُ الحقِّ والردُّ على الضالِّين لا ينتهي،
والمجتمعُ الإسلامي لا يقومُ كلهُ بعملٍ واحد،
فلا يجاهدُ كله،
ولا يكونون جميعاً علماءَ أو أطباء،
فالتنوعُ في الأعمالِ والمهماتِ من سنَّةِ الحياة،
والمهمُّ التخطيطُ للعمل،
والإتقانُ فيه،
والتعاونُ فيما بين الجميع.

* التبرُّجُ ليس في اللباسِ فقط،
فقد يكونُ في (الأفكارِ) أيضًا،
حين يقولُ زنديقٌ أفّاكٌ ما ينافي الدين والأدبَ والخُلق،
ويجهرُ بذلك أمامَ الناسِ بدون حياء،
في مجالسَ ونوادٍ وحواراتٍ وفضائيات،
ويدعو الناسَ إلى الفسقِ والمفسدةِ والميوعة.
إنه تبرُّجٌ سافرٌ بدونِ خُلقٍ ولا حياء،
ولا أدبٍ ولا احترام،
ولا خوفٍ من المسلمين.

* إذا ظنَّ مثقفو الغربِ أن بإساءتهم إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يبغِّضون الإسلامَ إلى الناس،
ويريدون بذلك أن يُطفؤوا نورَهُ،
فإنهم واهمون.
لقد ازدادَ عددُ معتنقيهِ منذ أن بدأتها الدانمارك،
وسيزدادون أكثر،
وهذا ما يغيظُ الحاقدين أعداءَ الدينِ أكثر.
{وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}
سورة الصف: 8.

* شنَّعَ الله على النصارَى القائلين بألوهيةِ المسيح،
وبعضهم يزيدُ فيقولُ بألوهيةِ مريم (المريميون)،
بأنهما كانا يتغوَّطان،
فهل يليقُ بالإلهِ أن يتغوَّط؟
وانظرْ إلى أدبِ القرآنِ الكريمِ في ذلك،
حيثُ وردَ في الآيةِ (75) من سورةِ المائدةِ قولهُ تعالى:
{مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ
انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ
ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}
فالذي يأكلُ يجبُ أن يتغوَّط.

الدنيا والآخرة

* الحياةُ فصلان:
الفصلُ الأول: حياةٌ مؤقتة، وهي الدنيا: وفيها العمل، والاختبار.
الفصلُ الآخِر: حياةٌ دائمة، وهي الآخرة: وفيها الحساب، والجزاء.
الغفلةُ في الفصلِ الأولِ واقعيةٌ وكثيرة،
والجزاءُ عليها – في الفصلِ الآخِر – شديدةٌ وقوية.
تصوَّرْ نفسكَ من الآن،
وأنتَ رهينُ اثنينِ من الملائكةِ الأقوياء،
أحدهما يسوقُكَ إلى ساحةِ المحشرِ لتُحاسبَ على ما عملتَ في الدنيا،
والآخرُ يشهدُ عليكَ بكلِّ ما عملت،
من صغيرةٍ وكبيرة!
اقرأ الآيةَ التالية،
وحاسبْ نفسكَ،
قبلَ أنْ يحاسبكَ ربُّ العالمين..
{وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ.
لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}
(سورة ق: الآيتان 21-22 ).

* الدنيا سفينةٌ تحملُ الناسَ على ظهرها،
لا تلبثُ أن ترسوَ على شاطئ الآخرة،
فمنهم من ينزلُ منها عاريًا،
خاليَ الوفاض،
لم يحسبْ حسابَ مستقبلهِ الحقيقي،
فيسودُّ وجهه،
كما اسودَّ قلبهُ في الدنيا،
ومنهم من يحملُ معه كنوزَ البرِّ وجبالَ الحسنات،
فيمشي وهو يعرفُ دربه،
وينظرُ حواليهِ وهو يبتسم،
ومنهم من يشفقُ على نفسه،
لا يدري مصيره،
ويعرفُ أنه قصَّرَ وتلهَّى بالدنيا كثيرًا،
فتتناوبهُ الآهات،
وتلتهمهُ الحسرات،
حتى يقضيَ الله فيه.
إنه يوم التغابن.

* ذمَّ الله أقوامًا بأنهم:
{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [سورة الروم: 7]،
فكنْ أنتَ عالمًا بحقيقةِ الدنيا،
متبصِّرًا بأمورِ الآخرة.

* أهلُ الدنيا من المسلمينَ المفتونينَ يفرحونَ بكنوزِ المالِ أكثرَ من كنوزِ الحسنات،
وأهلُ الآخرةِ المتَّقونَ يفرحونَ بكنوزِ الحسناتِ أكثرَ من كنوزِ المال.
والمالُ فان،
والحسناتُ ذُخر.
والموعدُ الحشر.

* اجمعْ فكركَ لصالحِ نفسك،
واسألها عن الأفضلِ لها:
إشباعُ رغباتها من الدنيا وصرفُ التفكيرِ عن الآخرة،
أم العملُ للآخرةِ وعدمُ نسيانِ نصيبها من الدنيا؟
فإذا كانت نفسُكَ مرحومةً اختارتِ الأخرى.

* الأهدافُ العاليةُ تكونُ بعيدةَ المدى،
ولذلك يُثنَى على العاقلِ الحصيفِ بأنه (بعيدُ النظر)؛
لأنه لا ينظرُ إلى يومهِ الذي يعيشُ فيه فقط،
بل إلى أيامٍ وسنواتٍ قادمة،
بعيدة.
وكلنا نعملُ للمستقبلِ أيضًا،
وليس للحاضرِ وحده،
ونحسبُ حسابَ يومٍ لا نقدرُ فيه على العمل،
وأعقلُ مِن هذا مَن عملَ لهدفٍ أبعد،
وهو مستقبلهُ الحقيقيُّ في اليومِ الآخِر،
فهؤلاءِ هم أولو الألباب،
وأولو النهى،
والحكماءُ الأتقياء.

* ذكرَ الله تعالى في كتابهِ من أسبابِ الارتدادِ عن الدين:
تفضيلَ الدنيا على الآخرة،
فقال سبحانه:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ} [سورة النحل: 107]،
أي أن هؤلاءِ المرتدِّينَ فضَّلوا الحياةَ الدُّنيا،
بشهواتِها وإغراءاتِها وأهلِها،
على الصَّبرِ على طاعةِ اللهِ والعملِ لليومِ الآخِر.
ومن فضَّلَ فانيًا على باقٍ فهو أحمق.

* من بانَ فضلهُ تطلَّعت إليه الأنظار،
فإن كان من أهلِ الدنيا فقد أخذَ حظَّهُ من الأجرِ في الدنيا بما أوتيَ من شهرة،
ولا حظَّ له من ذلك في الآخرة،
وإن كان من أهلِ الآخرةِ فقد أوتيَ في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنة.

* إذا أنهيتَ عملكَ واسترحت،
فتوجَّهْ إلى الله تعالَى لعبادتهِ وذكرهِ وشكره،
وإذا انتهيتَ من العبادةِ واسترحتَ فاعمل،
{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} سورة الشرح: 7.
وهكذا كنْ بين طاعةٍ وعملٍ وراحة،
لتكسبَ الدنيا والآخرة،
وتعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.

* من كان همُّهُ الآخرةَ يسَّرَ الله له أمورَ الدنيا،
ولكن لا بدَّ لبني آدمَ من منغِّصاتِ الدنيا،
وهي اختباراتٌ وتنبيهاتٌ للشخص،
مؤمنًا كان أو كافرًا.
فإذا تجاوزها المؤمنُ بعفَّةٍ وصبرٍ وإيمان،
فقد أفلحَ وفاز.

* الدنيا صعبة؛
لأنها امتحانٌ ومسؤولية،
والامتحانُ يكونُ صعبًا غالبًا،
والمسؤوليةُ تكليفٌ وأمانة،
وسمِّيت مسؤوليةً لأن المسؤولَ يُسألُ عن عمله،
في الدنيا وفي الآخرة،
والمسلمُ يخاف،
ويدعو الله تعالى أن يُعينَهُ على ما امتحنَهُ به في هذه الحياةِ الدنيا،
فلا توفيقَ إلا به،
ولا هدايةَ ولا تيسيرَ إلا منه.
أما الذين ينظرون إلى الدنيا على أنها (كيفٌ) ولهوٌ فهم مخطؤون،
وسيعرفون ذلك عندما يدخلُ عليهم ملكُ الموتِ بدون استئذان،
ويسلبهم أرواحَهم وهي لذيذةٌ عندهم.
نسألُ الله العافية،
وأن يقبضنا إليه وهو راضٍ عنا.

* الحياةُ صعبةٌ لأن المرءَ لا يستقرُّ فيها على حال،
ولا يطمئنُّ إلى مآل،
لا يعرفُ هضابها من سهولها ووديانها،
فقد يكونُ سعيدًا في لحظاتٍ وتفجؤهُ مصيبةٌ في أهلٍ أو مالٍ أو ولدٍ وهو مايزالُ يضحك،
وقد يحصِّلُ مقصودهُ بعد انتظارٍ طويل،
ولكن يفلتُ منه بعد استقرارٍ قليل..
وهكذا..
ولا راحةَ للمؤمنِ إلا بلقاءِ ربِّه،
أما غيرُ المؤمنِ فحياتهُ متأرجحةٌ بين الفرحِ والترح،
ليُجزَى على ما عملهُ من خيراتٍ فيها،
حتى لا يبقَى له ثوابُ عملٍ في الآخرة،
ويدخلَ النار.

* الانتظارُ مزعجٌ ومقلقٌ للمرء.
تذكرِ الانتظارَ يومَ الحشرِ حتى يقضيَ الله بين الناس،
تذكرِ انتظاركَ لتعرفَ نتيجتك:
إلى الجنةِ أم إلى النار؟
* وصفَ الله تعالى أهلَ الشمالِ بأنهم {كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [سورة الواقعة: 45]
أي: كانوا في دارِ الدنيا منعَّمينَ مرفَّهين،
منهمكينَ في الشهوات.
وكم هو مؤلمٌ العذابُ بعد النعيم!
اسألْ غنيًّا افتقر،
ينهشهُ الدائنون من كلِّ صوب،
ما حاله؟
وكيف حياته؟!
فكيف بالآخرة،
والنارُ هي التي تنهشه؟!

* الوجوهُ البيضاءُ يومَ القيامةِ دليلٌ على البشارةِ ودخولِ الجنة،
والوجوهُ السوداءُ يومئذٍ دليلٌ على الكآبةِ والأسَى ودخولِ النار،
فاحرصْ على الأعمالِ الصالحة،
والزمْ طاعةَ الله تعالى،
لتكونَ من أهلِ البُشرى والسرور.

ذكر ودعاء

* أيها المسلم،
إن ربَّكَ أمركَ أن تذكرَهُ كثيرًا،
وأن تسبِّحَهُ بكرةً وأصيلاً،
فانظرْ إلى الوقتِ الذي تعبدهُ وتذكرهُ فيه،
هل هو (كثير) أم (قليل)؟
وتكونُ بذلك إما مطيعًا،
أو عاصيًا،
أو مقصِّرًا.
{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً}
سورة الأحزاب: 47

* من خلا قلبهُ من ذكرِ الله فهو ذو قلبٍ قاس،
وويلٌ لهؤلاءِ وأمثالهم من الغافلين،
لأنهم لا يذكرون الله،
وإذا ذُكرَ فلا تخشعُ قلوبهم لذكرهِ ولا تلين.
يقولُ ربُّنا سبحانهُ وتعالى:
{فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}
سورة الزمر: 22.

* اكسبْ أجرًا،
عندما تكونُ قائمًا،
وعندما تكونُ قاعدًا،
وعندما تكونُ مستلقيًا،
لا يصرفنَّكَ أمرٌ عن هذا.
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ}
سورة آل عمران:191.

* أجلُّ شهرةٍ وأكرمها لكَ أن تُذكرَ في السماء،
حين يذكركَ الله في نفسه،
أو يذكركَ عند ملائكته.
فإذا ذكرتَ الله في نفسِكَ ذكركَ في نفسه،
وإذا ذكرتهُ عند الناسِ ذكركَ في ملأ خيرٍ منهم،
وهم الملائكةُ المقرَّبون.

* أسرعُ طريقٍ لرضَى الله تعالى هو:
- الاستغفارُ من الذنبِ مع الندم.
- إرضاءُ الوالدين.
- ذكرهُ تعالى بأحبِّ الكلامِ إليه، وهو:
سبحان الله وبحمده،
سبحان ربي بحمده،
سبحان الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله واللهُ أكبر.

* تبدو قيمةُ الصلاةِ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأهميتُها وأجرُها الكبير،
من خلالِ الحوارِ التالي مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:
قال أُبَيُّ بن كعبٍ رضيَ الله عنه: يا رسولَ الله،
إِنَّي أُكْثِرُ الصلاةَ عليك،
فكم أجعَلُ لكَ مِن صلاتِي؟
فقال: "ما شِئْتَ".
قلتُ: الربعَ؟
قال: "ما شئْتَ، فإِنْ زدتَ فهو خيرٌ لكَ".
قلتُ: النصفَ؟
قال: "ما شئتَ، فإِنْ زدتَ فهو خيرٌ لكَ".
قلْتُ: فالثلثين؟
قال: "ما شئْتَ، فإِنْ زدتَ فهو خيرٌ لكَ".
قلتُ: أجعلُ لكَ صلاتي كلَّها؟
قال: "إذًا تُكْفَى همَّكَ، ويُغْفَرُ لكَ ذنبُكَ".
(رواه الترمذي في السنن (2457) وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح).

قال الملا علي القاري: أي: كم أجعلُ لكَ من صلاتي،
أي: بدلَ دعائي الذي أدعو به لنفسي.
قال في تحفة الأحوذي (7/130): يعني إذا صرفتَ جميعَ أزمانِ دعائكَ في الصلاةِ عليَّ، أُعطيتَ مرامَ الدنيا والآخرة.
اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على نبيِّنا محمد،
وعلى آلهِ وأصحابه،
عددَ ما خلقت،
وما تخلق،
من كائنات،
ونباتات،
وجمادات،
وبعددِ كلماتهم،
وحركاتهم،
وهمساتهم،
وأنفاسهم...

* إذا أردتَ حسناتٍ كثيرةً في وقتٍ قصير،
فاقرأ سورةَ الإخلاصِ ثلاثَ مرات،
فكأنكَ قرأتَ القرآنَ كلَّه.
وقلْ ثلاثَ مرات:
"سبحان الله وبحمده، عددَ خَلقه، ورضا نفسه، وزِنةَ عرشه، ومدادَ كلماته"،
فكأنكَ ذكرتَ الله من الفجرِ إلى وقتِ الضحى.

* أدعية نبوية صحيحة:
"اللهم اغفرْ لي ذنبي، ووسِّعْ لي في داري، وباركْ لي في رزقي".
"اللهم إني أسألكَ الهُدى، والتُّقى، والعفاف، والغِنى".
"اللهم إني أعوذُ بكَ من الجوعِ فإنه بئسَ الضجيع، وأعوذُ بكَ من الخيانةِ فإنها بئستِ البِطانة".
"اللهم إني أعوذُ بكَ من زوالِ نعمتك، وتحوُّلِ عافيتك، وفُجأةِ نقمتك، وجميعِ سخَطك".
(صحيح الجامع الصغير، الأرقام: 1265، 1275، 1283، 1291)

* لا تنمْ قبلَ أنْ تقرأ هذا الدعاء:
عن البراء بنِ عازبٍ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:
"ألَا أعلِّمُكَ كلماتٍ تقولُها إذا أَويتَ إلى فِراشك، فإنْ مُتَّ مِن ليلتِكَ مُتَّ على الفِطرة، وإنْ أصبحتَ أصبحتَ وقد أصبتَ خيرًا؟ تقول:
اللهمَّ إني أسلمتُ نفسي إليك، ووجَّهتُ وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، وألجأتُ ظهري إليك، لا ملجأَ ولا مَنجَى منكَ إلا إليك، آمنتُ بكتابِكَ الذي أنزلتَ، وبنبيِّكَ الذي أرسلتَ".
رواه الترمذي في السنن (3394) وقال: حديث حسن، وصححه في صحيح الجامع الصغير (2622).

* عن عبدالله بن عمر قال:
كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قفلَ من الجيوشِ أو السرايا أو الحجِّ أو العمرة،
إذا أوفَى على ثنيَّةٍ أو فَدفدٍ كبَّرَ ثلاثًا، ثم قال:
"لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، آيبونَ تائبونَ عابدونَ ساجدون، لربِّنا حامدون، صدقَ اللهُ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه".
رواه الشيخان، واللفظ لمسلم (1344).

* اللهم احفظني في صلاتي حتى أكونَ من الخاشعين،
ووفقني إلى ذكركَ في كلِّ حين، حتى أكونَ عندكَ من الذاكرين،
وألهمني دعاءكَ وسدِّدني لأكونَ من المهتدين المسدَّدين،
واهدني للعملِ الصالحِ حتى أستقيمَ وأكونَ من الفائزين،
وحبِّبْ إليَّ الإيمانَ وزيِّنهُ في قلبي حتى أكونَ من عبادكَ الراشدين،
وسلِّم عقيدتي من الشركِ والرياء، وأعوذُ بكَ أن أكونَ من المرائين،
وزدني إيمانًا ويقينًا لأكونَ حقًّا من المؤمنين المحسنين،
وجمِّلني بالعلمِ وزينِّي بالحِلمِ حتى أكونَ من خيارِ عبادكَ الصالحين،
ووفقني لطاعتكَ دائمًا حتى تكونَ عني من الراضين،
واكلأني بحفظكَ ورعايتكَ حتى لا أضيعَ وأكونَ من الهالكين،
وألهمني شكركَ والثناءَ عليكَ واكتبني عندكَ من الشاكرين،
وسدِّدني في كلامي حتى لا ألغوَ وأكونَ من الزائغين،
وأدِّبني في طعامي وشرابي حتى لا أكونَ أكولاً من الشَّرهين،
وأبعدْ عني وساوسَ الشيطانِ حتى لا أكونَ من المـُهذِين،
واطردْ عني نفثهُ ونفخهُ حتى لا أزيغَ وأكونَ من الطائشين الممسوسين،
وجنِّبني مقتكَ وغضبكَ حتى لا أكونَ من الهالكين،
واعصمني من الكبائرِ لأكونَ من الناجين،
{وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}،
اللهم ثبِّتني على دينكَ حتى أموتَ على كلمةِ الإخلاصِ وعليها أكونَ من المبعوثين،
وأسكنِّي الفردوسَ الأعلى مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين،
واجمعني بأهلي وأحبابي المؤمنين في جنّاتكَ جنَّاتِ النعيم.

* اللهم اجعلني عبدًا مؤمنًا صالحًا تقيًّا محسنًا،
اللهم اجعلني عبدًا حليمًا أوَّاهًا منيبًا،
اللهم اجعلني عبدًا أوَّابًا حفيظًا،
اللهم إني أسألكَ لسانًا ذاكرًا يحبِّبني إليك،
اللهم يا رحيمُ يا ودودُ أستغفركَ وأتوبُ إليك،
اللهم يا قريبُ يا مجيبُ أستغفركَ وأتوبُ إليك،
اللهم إني أسألكَ رفقةً صالحةً،
وبطانةً ناصحةً،
وأحبَّةً مخلصين،
اللهم إني أسألكَ ذرِّيةً صالحةً تزيدُ بها أجري،
وترفعُ بها درجتي في جنّاتكَ جنّاتِ النعيم،
اللهم اجعلني من أوليائكَ الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون،
وأسألكَ البشرَى في الحياةِ الدنيا وفي الآخرة،
وأسألكَ الفوزَ العظيم،
اللهم اجعلني ممن يخشونكَ بالغيب،
ويأتونكَ بقلبٍ منيب،
اللهم إني أسألكَ الجنةَ والمزيد.

* اللهم هيِّءْ لنا من أمرنا رشَدًا،
الله ثبِّتنا على دينك،
وحبِّبْ إلينا طاعتك،
وألهمنا أن نعملَ صالحاً،
اللهم نوِّرْ دربَنا،
ويسِّرْ أمرنا،
وجنِّبنا الزلل،
وباعدْ بيننا وبين الظالمين،
واجعلنا منن عبادكَ المتقين.

* اللهم إنا ندعوكَ بما وهبتنا من إيمان،
وننفقُ بما وهبتنا من رزق،
ونعلِّمُ بما وهبتنا من علم،
ونُصلحُ بما وهبتنا من حكمة،
ونبتهجُ بما رزقتنا من جاهٍ ومالٍ وولد،
اللهم فوفِّقنا وتقبَّلْ منا،
فإنه منكَ وإليك،
ولا تحرمنا فضلك،
وزدنا علمًا وتقوى وشكرًا.

* اللهم إني أعوذُ بك من قلبٍ غافل،
ولسانٍ ساحل،
وفكرٍ هامل،
ومرضٍ عاجل،
وجوعٍ قاتل،
وعينٍ عائنة،
ونفسٍ متكبِّرة.

* اللهم إني أعوذُ بكَ من ظلمِ الخسيس،
ومن صحبةِ الجاهل،
ومن جوعٍ كافر،
ومن مرضٍ مُقعِد،
ومن صديقٍ يَخدع،
ومن نفسٍ تريدُ ولا تَشبع.

* يقول الله تعالى في الآيةِ (105) من سورة البقرة:
{وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}
قلْ يا عبدَ الله: اللهم يا ذا الفضلِ العظيم، خصَّني برحمتك.

* إذا قرأتَ قولهُ تعالى: {وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}،
فقل: {رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}.
وإذا قرأتَ قولهُ سبحانه: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}،
فقل: "سبحانَ ربيَ العظيم".
وإذا قرأتَ قولهُ جلَّ جلاله: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}،
فقل: "ولا بشيءٍ من نعمتِكَ ربَّنا نكذِّبْ فلكَ الحمد".


* {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}
اللهم اجعلني من عبادكَ المتقين، وأسألكَ جنتك.
{هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ}
اللهم اجعلني عبدًا أوّابًا حفيظًا.
{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}
الله اجعلني ممن يخشونكَ بالغيبِ ويأتونكَ بقلبٍ منيب.
{ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ}
اللهم اجعلني منهم.
{لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}
الله إني أسألك الجنةَ والمزيد.
[الآيات 31-34 من سورة ق].

* قرأتُ لعالمٍ تفضيلَ الدعاءِ للوالدين على الصدقةِ عنهما؛
وهذا لأن فضلَ الدعاءِ واستجابتهِ معروف،
وقد يكونُ به غفرانُ ذنوبهما،
ورفعةُ درجتهما،
والصدقةُ تسدُّ شيئًا من ذلك،
قلَّةً أو كثرة،
وقد يضاعفها الله تعالى لمن يشاء،
فلا حدَّ لسعةِ رحمته.
ومن جمعَ بين الاثنينِ فقد برَّ والديهِ حقًّا..

* هل يعقلُ أن يندمَ المرءُ على استجابةِ اللهِ دعاءَه؟
هذا ما حصلَ لكثيرٍ من الناس،
أنهم لم يسألوا الشهادةَ بدلَ ذلك!

* اللهم إني أسألكَ خيرَ السنةِ الجديدةِ وخيرَ ما بعدها،
وأعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ ما بعدها،
اللهم انصرْ فيها جنودكَ من المجاهدين،
اللهم فكَّ فيها أسرَ أسرانا،
ونفِّسْ فيها كربنا،
وأعدنا إلى ديارنا غيرَ مقهورين،
وعليكَ بالظالمين...،
اللهم اشفِ مرضانا وجرحانا،
واجعلْ ما منحتنا ومنحتهم من صحةٍ قوةً لنا على طاعتكَ وتقواك،
اللهم اغفرْ لنا ما اقترفنا من ذنوبٍ في السنةِ الفائتة،
ووفِّقنا لما تحبُّ وترضَى في السنةِ الجديدة،
الله يسِّرْ لنا أعمالاً جليلةً نخدمُ فيها كتابكَ ودينكَ وعبادك.
آمين.

السجن

* الحياةُ في السجونِ مظلمةٌ كالموت،
وكأن أصحابها في حُفَرٍ أو قبور،
إنها قيدٌ لحركاتِ الإنسانِ وانطلاقاته،
وآمالهِ ورغباته،
فكيف بحياةِ المظلومين فيها؟
ومَن يعذَّبُ ويُفتَنُ فيها حتى تزهقَ روحه؟
إنها لا شكَّ رهيبةٌ مُفزعة!
وكيف بمن يولدُ ويعيشُ حياتَهُ كلَّها تحت حكمِ الطغاةِ وظلمهم،
الذين يُحيلون حياةَ الناسِ إلى سجنٍ كبير،
وقد ولَدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!

السعادة

* الجوُّ لطيفٌ ونفسكَ تعيسة،
نجحتَ ولكنْ أُصبتَ في أحدِ أهلك،
ربحتَ ولكنكَ حُجزت.
يعني إذا لم يكتبِ الله لكَ السعادةَ فلن تهنأ نفسك،
ولو أوتيتَ أسبابَ السعادة.

* من جميلِ التوافقِ في الحياة،
أنك إذا دعوتَ الله تعالى واستجابَ لك،
وفَّقكَ فيه،
ويسَّرَ لك الأمر،
وابتعدتَ بذلك عن المنغِّصات والصعوباتِ التي تصاحبُ الأمورَ عادة،
إلا ما لا بدَّ منه،
مما قدَّرَهُ الله عليك.



السماء والأرض

* تركيبةُ الإنسانِ المعقَّدةُ والمعجزة،
التي ما زالَ الطبُّ يكتشفُ أشياءَ جديدةً فيها،
ذكرَ الله تعالى أن خلقَ السماواتِ والأرضِ أجلُّ وأعظمُ منها،
فقال سبحانه:
{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
[سورة غافر: 57]
فخلقُ السماواتِ والأرضِ العظيمتين،
وما بثَّ اللهُ في السماءِ الدنيا وحدَها من ملايينِ النجومِ والكواكبِ المتناثرة،
مع توازنٍ وتناسقٍ ونظامٍ دقيق،
وما في الأرضِ من ماءٍ ونباتٍ وشجر،
وبحارٍ وقفار،
ومعادنَ وكنوز،
وغيرها...
كلُّ هذا أكبرُ وأعظمُ من خَلقِ الإنسان،
ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يفكرون فيه،
ولا يتصوَّرون عظمةَ هذا الكونِ الكبيرِ ونسبتَهم إليه،
ولا يستدلُّون به على قدرتهِ تعالَى على إعادةِ إحيائهم بعدَ الموت.



سياسة

* السياسةُ علم، وفنّ، وخبرة.
ومَن دخلَ الحياةَ السياسيةَ وهو لا يحملُ هذه الأسلحةَ وقعَ في مطبّات،
وأفسدَ المجتمعات.

* الشخصُ العاديُّ الذي يتكلَّمُ في السياسة،
ويُبدي رأيهُ في الأحداثِ الجاريةِ والمشكلاتِ السياسية،
ويحلِّلُ الوقائعَ ويراهنُ عليها،
تكونُ آراؤهُ فجَّةً ومتواضعة؛
لأنه غيرُ مطَّلعٍ على الأسرارِ الحقيقيةِ للمسألة،
ولا يعرفُ ما وراءَ الكواليس،
وما تخبِّئهُ السراديب،
وكثيرًا ما تعلَنُ الأخبارُ على غيرِ حقيقتها،
وقد يُعقَدُ اجتماعٌ في أمرٍ خطير،
وبعدَ الخروجِ منه تصدرُ تصريحاتٌ لا علاقةَ لها بالموضوعِ ألبتة!
أما افتعالُ مشكلاتٍ وهمية،
لصرفِ النظرِ عن أمورٍ خطيرة،
ونشرُ شائعاتٍ عبرَ وسائلَ إعلاميةٍ قوية،
لأجلِ تحقيقِ أهدافٍ خفيَّة،
فلا تخفَى على عقليةٍ سياسية،
وإنْ كان العاديونَ يتكلمونَ فيها بجدِّية!

* التفاعلُ مع الأحداثِ الجاريةِ،
يجبُ ألاّ يُنسي الرؤيةَ الشرعيةَ لها،
سواءٌ أكان المتابعُ فاعلاً فيها،
أم دارسًا لها.
وينبغي السؤالُ عنها لمن لا يعرفُ حُكمها،
حتى تكونَ موالاةُ المسلمِ ومعاداتهُ في الأحداثِ موافقةً لعقيدته،
فلا يؤيدُ ولا يُعادي عن هوًى وعصبيةٍ أو جهل،
بل بما يوافقُ أحكامَ دينه.
والموالاةُ والمعاداةُ أصلٌ كبيرٌ من أصولِ العقيدةِ الإسلامية،
لا تنتبهُ لها الأحزابُ القوميةُ والعلمانيةُ ولا تعتبرها!
لأنها بعيدةٌ عن الدين.
وأيضًا حتى تتوافقَ وجهاتُ نظرِ المسلمين،
وتساعدَ في تشكيلِ الرأي العامِّ الإسلامي،
في الساحةِ المحليةِ والدولية.
وإذا تفرَّقتِ الآراءُ ضعفتِ القوة،
وضعفَ معه الإعلام،
وظهرَ المسلمونَ متنافرين.
والدينُ هو الذي يجمعهم،
ويوحِّدُ كلمتهم.

* لا تقلْ أيها المسلم: "أرضَى بحكم الأكثرية"،
فقد تكونُ الأكثريةُ غيرَ مسلمة،
أو لا تعطي للإسلامِ أهمية،
والله تعالى يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} سورة يوسف: 103.
{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} سورة الروم: 8.
وإذا رضيتَ بفوزهم،
يعني أنكَ رضيتَ بحكمهم.
ولو أُجريت انتخاباتٌ وفازَ العلمانيون،
لقلنا: نقدِّرُ الموقفَ والظرف، ونسكتُ على مضض،
ولا نرضَى بها.
ولا تقلْ أيضًا: "إني أحترمُ فوزهم".
فالاحترامُ فيه رضا،
أو نوعُ رضا،
والمؤمنُ لا يرضَى بغيرِ حُكمِ الله.
ومن لم يحكمْ بدينِ الله، فهو كافر، ظالم، فاسق،
بحسبِ الحالاتِ التي شرحها العلماء.
إن البلادَ التي عفَّنها اليساريون والقوميون والحزبيون والعلمانيون عامة،
وخرَّبوا بيئتها الثقافية،
وضمائرَ أبنائها،
من الممكنِ أن يفوزوا من جديد،
فإن وراءهم قوى،
ولكننا لا نرضى بهم وبحكمهم،
فإن رضينا بذلك فإننا مثلهم،
ونُحشَرُ معهم،
فالمرءُ مع مَن أحبّ،
بل سنجاهد، وندعو، ونخططُ بحكمة، حتى نفوزَ بإذنِ الله.
فليكنِ المؤمنُ حذرًا،
وغيورًا على دينه،
ومعتزًّا بنهجه،
متمسَّكًا بكتابِ الله وسنةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم،
ولا يتلفظُ بألفاظٍ تقدحُ عقيدته،
وتنقصُ من إيمانه،
ولا يؤيدُ المسلمُ إلا بميزانِ العقيدة،
ولتكنْ عقيدةُ الولاءِ والبراءِ نصبَ عينيهِ دائمًا...
والله يحفظكم من كلِّ سوء،
ويجيركم من كلِّ ضلال.

* الصدقُ والأمانة خُلقان أساسيان ليثقَ الناسُ بك.
وهل تتصورُ أن يثقَ الناسُ بكذابين غيرِ أمناء؟
نعم، هو ما يوجدُ في عصرنا،
انظرْ إلى رؤساءَ وأعضاءٍ من مجالسِ شعوبهم المزوَّرة،
وكم هم الملايين، أو على الأقلِّ مئاتُ الألوفِ من أنصارهم،
وكثيرٌ منهم يعلمون أنهم مثلهم يكذبون ولا يؤتمنون!
وأعمالهم المجرمةُ تشهدُ عليهم.
هل تغيرتِ الموازينُ إذاً؟
وصارَ الكاذبُ مقدَّماً على الصادق،
والخائنُ مقدَّماً على الأمين؟
إنه الواقع يا صديقي...
إنها الأحزابُ التي أخذتْ سَوءةَ الشرقِ والغرب،
وتربَّت في أحضانِ السكرى والنفعيين والمخبرين،
ونبذتِ الخُلقَ والدين،
وأحلَّتْ محلَّها القوميةَ والاشتراكيةَ والديمقراطيةَ الممسوخة!
فتغيَّرت الموازين...
ألا لعنةُ الله على الظالمين والكذّابين والخونةِ والدجّالين.

* قال لي أحدُ المثقفين:
لا أظنُّ أن الإسلامَ سيحكمُ من جديد!
قلت: ولمَ؟ أليس دستورُ المسلمين موجودًا؟
قال: وما هو؟
قلت: القرآن الكريم، الذي يجمعُ المسلمين كلَّهم.
والإسلامُ خاضَ تجربةً ناجحةً في الحضارةِ الإنسانية،
نجحَ في الحكمِ وفي الفتوحات بأرقى ما يكون،
وأعطى حقوقَ جميعِ الأقلياتِ والشعوب،
وعلى مدى قرونٍ كان سيِّدَ العالم،
وعلماءُ الاجتماع يقولون:
ما حدثَ مرةً يمكنُ أن يحدثَ مرات ومرات،
فلماذا تستبعدُ حكمَ الإسلامِ من جديد،
وهناك دولٌ تحكم بالإسلامِ في عصرنا،
أو تطبق كثيرًا من أحكامه،
ولا يقفُ أمامها عائقٌ يُذكر لأجلِ ذلك.
إننا نحتاجُ إلى ثقةِ الناسِ بدينهم من جديد!

* نظرَ إليَّ صاحبي وقال باختصار:
أنا أعلمُ أن الإسلامَ لا يعطي الأكرادَ حقوقهم!
فقلتُ له:
سبحان الله!
الإسلامُ يعطي حقوقَ جميعِ الشعوبِ والقومياتِ إلا الأكراد؟!
لماذا هذا الكلام؟
أليسَ من الأفضلِ الاطِّلاعُ على النظامِ السياسي للإسلامِ ليُعرَفَ منه كيف أعطَى حقوقَ الشعوبِ والأقوامِ والقبائلِ والمجتمعاتِ كلِّها؟!
وما هذه النظرةُ السلبيةُ إلى الإسلام، ومَن يقفُ وراءِها؟
ولماذا لا يُقالُ الحقُّ عن الإسلامِ العظيم؟




الشخصية الإسلامية

* المثقَّفُ المسلمُ لا يستخدمُ المصطلحاتِ الخاصَّةَ التي يستخدمُها الحداثيونَ والعلمانيونَ والليبراليونَ وأمثالُهم،
ولا يقلِّدهم في لغتهم وأسلوبهم،
فالمصطلحاتُ الإسلاميةُ كافية وموجودةٌ بكثرة،
وشخصيَّةُ المسلمِ معجونةٌ بالإسلام،
عصامية،
حازمة،
لا تقلِّدُ ولا تتشبَّه،
فالتقليدُ والتشبُّهُ دليلُ ضَعفٍ وخوَر،
ودليلُ شخصيةٍ ضعيفةٍ قلقة،
تتقاذفها رياحُ الثقافةِ من أينَ ما أتت.

* بالإيمانِ والعملِ الصالحِ تكتملُ شخصيةُ المسلم،
وبالتواصي بقولِ الحقِّ واتِّباعه،
والصبرِ على طاعةِ الله والجهادِ في سبيله.
ومن كان بعيدًا عن هذا فهو في خُسرٍ ونقصان.

* للفردِ المسلمِ قيمة،
ولرأيهِ وزن؛
لأنه منضوٍ تحت مظلةِ الإسلام،
وقد عرفَ حدوده،
وحلالهُ من حرامه؛
ولذلك قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"استفتِ قلبك".
ولا يقالُ مثلُ هذا للكافر؛
لأن قلبهُ مظلم،
فيه الكفرُ والشركُ والباطل،
فلا يُستفتَى.

شعر وأدب

* قال بعضهم:
لا تستترْ تحت الظلامِ بريبةٍ
إن الذي خلق الظلامَ يراكا
* كان الحسن البصري رحمه الله يتمثلُ بهذا البيتِ من الشعر:
الموتُ بابٌ وكلُّ الناسِ داخلهُ
يا ليتَ شعري بعد البابِ ما الدارُ
* لأبي العتاهية:
نعَى نفسي إليَّ من الليالي تقلُّبهنَّ حالاً بعد حالِ
فما لي لستُ مشغولاً بنفسي وما لي لا أخافُ الموتَ ما لي
لقد أيقنتُ أني غيرُ باقٍ ولكني أراني لا أُبالي
تعالى الله يا سَلْمَ بنَ عمرٍو أذلَّ الحرصُ أعناقَ الرجالِ
هبِ الدنيا تُساقُ إليكَ عفوًا أليسَ مصيرُ ذاكَ إلى زوالِ؟

* مما يُنسبُ للإمام البخاري رحمه الله من شعر:
الشخصُ يحتاجُ إلى خمسةٍ ما حازها إلا فحولُ الرجالِ
الصبرُ والصمتُ وحملُ الأذى وعفةُ النفسِ وصدقُ المقالِ

* ذمَّ الله تعالى الشعراءَ بأنهم يقولون ما لا يفعلون،
وهذا واقع،
فهو السمة العامةُ لمعظمهم،
يعرفُ ذلك الشعراءُ أنفسهم.
ولكنَّ الذمَّ ليس لهم وحدهم،
بل هو لكلِّ شخصٍ يقولُ ولا يفعل،
وجاءَ التخصيصُ بهم لأنهم الغالبُ في ذلك.

* الرواياتُ والقصصُ البذيئةُ لها آثارٌ سيئةٌ جدًا على عقولِ الناسِ وتوجهاتهم الثقافيةِ والاجتماعية،
وخاصةً للكتَّابِ الغربيينَ أعداءِ الثقافةِ الإسلامية،
وذيولهم الحداثيين أدعياءِ الأدبِ والإبداع،
الذين يهدفونَ إلى طمسِ الدينِ وهدمِ التراث،
إن معظمَ ما يكتبونَ من قصصٍ اجتماعيةٍ وجنسيةٍ ترمي إلى نشرِ الفاحشةِ وإفسادِ النفوس.
وقد نشأتُ أديبًا،
وقرأتُ عشراتِ الدواوينِ والقصصِ والروايات،
لأدباءَ عربٍ وعالميين،
وبقيتْ تصاويرُ بعضِها وأحداثها تتراءى لي حتى أكثرَ من عشرينَ عامًا،
لتأثيرها العميقِ في النفس،
ثم هداني الله واستبدلني بها ثقافةً تبني ولا تهدم،
وتهتمُّ بالتربيةِ العاليةِ ومكارمِ الأخلاق،
من خلالِ دينِ الإسلامِ الحنيف،
وصدقَ الله إذ يقول:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} سورة النور: 19.
وأدعو كلَّ أخٍ مسلمٍ أن يبتعدَ عنها،
ولا يستشهدَ بها،
ولا يعملَ لها دعاية،
ولا يكونَ عبدًا لها ويصبِّحَ بها وجوهَ الناس،
فإنها وأصحابها من أعداءِ دينِ الله القويم.
ومثلُ هذه الآدابِ لا تهذَّبُ النفوسَ ولا ترقِّيها،
بل تدنِّسُها وتسوِّدها،
وثقافتها غريبةٌ عن ديننا وآدابنا وتربيتنا،
وليقرأ لأدباءِ الإسلامِ إنْ كان محبًّا للقصص،
أمثالِ نجيب الكيلاني رحمهُ الله.
والمسلمُ يعتزُّ بدينهِ وبثقافتهِ الإسلاميةِ وأدبهِ الإسلامي الفريد،
ويرفعُ بها رأسهُ عاليًا،
وهو الذي ينبغي أن يؤثِّر،
لا أنْ يتأثَّرَ بغيرهِ من أشباهِ الأدباءِ وأصحابِ الثقافاتِ المريضةِ والأفكارِ الملغومة.

الشكوك

* لا يُخشَى على المؤمنِ أن تمرَّ به لحظاتٌ من الشكِّ حتى في الحقّ،
فإنه أطيافٌ وخيالاتٌ تذهبُ وتجيءُ بدون عمقٍ ولا تعمد،
وهي مثلُ أحلامٍ أضغاث،
مختلطةٍ مضطربة.

* المسلمُ إذا اعترتهُ شكوكٌ تكدِّرُ خالصَ إيمانه،
هي حالاتٌ يلزمهُ فيها إسعافٌ فكريٌّ إيمانيّ،
فما هي سوى نزغاتِ شيطانٍ ووساوسه،
فيهرعُ إلى بيتٍ من بيوتِ الله،
ويستغرقُ في ذكرِ الله والدعاءِ وتلاوةِ القرآن،
كما يُنقلُ المريضُ إلى المستشفى ليُسعَفَ بالحبوبِ أو الإبرِ أو الجراحة،
حسبَ حالته،
فإذا لم يطمئنَّ قلبهُ تردَّدَ إلى العلماءِ وسألهم،
أو الأصدقاءِ الذين هم أعلمُ منه وصارحهم،
أو قرأ كتبًا في الموضوعِ لأعلامِ الفكرِ والدعوة،
حتى يطمئنَّ قلبه،
وهي مناطقُ إسعافٍ جيدةٌ قبلَ العنايةِ المركزة،
بعنايةِ الله وتوفيقه.

الصداقة والأصدقاء

* أخطأتُ معكَ مرةً يا صديقي،
والتمستُ منكَ العذرَ فلم تقبل،
ثم جعلتني حكايةً في أفواهِ الناس،
فكيف لو ندَّ مني قولٌ آخر،
ماذا كنتَ ستفعلُ بي؟
أو كيف لو احتجتُ إليك،
هل كنتَ ستساعدني؟
الأصدقاءُ الأوفياءُ قلةٌ قليلةٌ بين الناس.
لا تصادقْ إلا مَعدِنًا أصيلاً،
اختبرْ قبلَ أنْ تُصادق،
وكنْ قريبًا من أهلِ الصدقِ والوفاء.

* إذا ابتليتَ بجليسٍ مهذارٍ في الكلام،
فافسحْ لخيالك،
ابنِ قصورًا لكَ في الهواء،
وخطِّطْ لمشاريع،
ناجحةٍ أو غيرِ ناجحة،
وتمتَّعْ بأموالٍ تربحها بدونِ مقابل!
فهذا أفضلُ من الاستماعِ إلى الكلامِ الذي لا خيرَ فيه،
بل قد يكونُ فيه لغوٌ وإثم،
وهو الغالب،
فإذا زادَ على ذلك وكان ثقيلاً،
فلكَ أن تنامَ في أحدِ تلك القصورِ التي بنيتها،
فإنه أفضلُ من أن تقومَ مريضًا من مجلسك.

* الطيبون أصناف،
مثلُ أشكالِ الزهور،
ومثلُ أنواعِ العطور،
فالروائحُ تختلف،
ولكن يجمعها "الطِّيب".
والخبيثون أيضاً أصناف،
مثلُ أنواعِ الشوك،
ومثلُ أشكالِ النباتاتِ السامة،
فهي مختلفة،
ولكنْ يجمعها الخبثُ والأذى.

* التواصلُ مع الأهلِ والأحبابِ يجلبُ لك أريحيةً وأُنساً،
وتشعرُ أن هناك من يشدُّ عضدك،
ويشارككَ في أفراحكَ وأتراحك،
وأنك لستَ وحدك.

* الجوُّ المناسبُ لكَ هو الذي تطيعُ اللهَ فيه أكثر،
والأصدقاءُ المناسبون لكَ هم الذين يذكِّرونكَ بالله،
وتشعرُ بأن إيمانكَ يزدادُ معهم،
وعملُكَ يتضاعفُ بوجودِكَ معهم.

* تفقَّدْ أحبابكَ الذين زاروكَ في المرض،
وأصحابكَ الذين سلَّموا عليكَ بعد رجوعكَ من السفر،
وردَّ جميلَهم،
فإنهم أهلُ محبةٍ ووفاء،
وخُلقٍ وصفاء.

* إنما يتصادقُ أصحابُ الأهواءِ المتشابهة،
والأهدافِ المتطابقة،
ولن تجدَ مؤمنًا يشبهُ كافرًا في مسلكه،
ولا يلتقيان إلا لمصالحَ دنيوية،
ثم يفترقان.

* إذا لم تعرفْ نفسكَ فاعرفها من محبيكَ ومؤيديك،
فإذا عرفتهم طيبين صادقين مستقيمين من أهلِ الإيمانِ والصلاح،
فأنت مثلهم،
وإذا عرفتهم كذابين مخادعين أنانيين من أهل المصلحةِ والدنيا،
فأنت مثلهم كذلك.

* الصديقُ المخلصُ هو الذي لا يقومُ بأمرٍ في غيابِ صديقهِ إلا إذا علمَ رضاهُ بذلك،
ولا يمدُّ يدَهُ إلى متاعهِ إلا بعد أن يستأذنَ منه،
أو يكونُ موجودًا عنده،
أو يعلمُ رضاهُ كذلك.
ولا حرجَ على الصديقِ في أشياءَ خفيفةٍ أخرى يفعلها،
كأنْ يأكلَ من طعامِ صديقهِ ولو لم يكنْ موجودًا في بيته..

* ما أحلى الحياةَ مع الأصحابِ والأحبابِ الطيبين،
وما أسوأها مع الأصحابِ السيئين،
فهم الذين يدلُّون زملاءهم على جهنم،
بسوءِ فعالهم.

* إذا كرهتَ فلا تكرهْ مؤمنًا،
فإنه مطيعٌ لله ورسوله،
فإما أن يكونَ الخطأُ منك،
أو أنه نُمَّ خبرٌ له إليكَ من غيرِ حق،
أو يكونُ مقصِّرًا في أمرٍ لو ذكَّرتهُ رجع.

الطاعة

إذا كنتَ راغبًا في طاعةِ اللهِ ولكنها تشقُّ عليك،
أو تشعرُ بثقلها على نفسك،
فاعرفِ السببَ أولاً،
فقد يكونُ لجهلِكَ بدينك،
أو عدمِ معرفتِكَ بعظمةِ ربِّكَ وحقِّهِ عليك،
فعليكَ بالعلمِ إذًا لتعرفَ دينكَ وعقيدتك.
أو أن السببَ هو الذنوبُ والمعاصي التي شكَّلتْ طبقةً سميكةً على قلبك،
فمنعكَ ذلكَ من الانطلاقِ والقرب،
تمامًا مثلما تراهُ من قلبِ المدخِّنِ الأسود!
إذًا فابدأ بغسلِ ذنوبِكَ لتجعلَ نفسكَ نظيفة،
حتى تكونَ مهيَّأةً للطاعة.
استغفرِ اللهَ كثيرًا،
تبْ إلى الله بصدقٍ وإخلاص،
واندمْ على ما فاتَ من معاص.
اذكرِ اللهَ في عامَّةِ أحوالك.
اصحبِ الصالحين،
واحضرْ مجالسَ العلماءِ العاملين،
وابتعدْ عن العاصين،
واشتغلْ بما يفيدُكَ في آخرتك،
واصبرْ أيامًا وأسابيعَ حتى يقبلكَ اللهُ في عبادهِ الصالحين،
فطلبُ الصلاحِ يحتاجُ إلى صبرٍ ومجاهدة،
ويمتحنُكَ اللهُ حتى يعلمَ صدقَ عزيمتِكَ وإخلاصَك في طريقِكَ إليه،
فاثبتْ وتابعْ طاعتكَ فإنَّ اللهَ ناظرٌ إليك.
وعليكَ أن تقوِّيَ حبلَ طاعتِكَ بالعلم،
حتى تعلمَ أنكَ مجاهدٌ بحقّ،
وقائمٌ على نهجٍ صحيح،
ولم يأتِكَ ذلكَ من عاطفةٍ عارضة،
أو لقاءٍ خاطفٍ مع شيخ،
بل عن إيمانٍ ويقين.
والله يتولاّكَ بحفظهِ ورعايته..

* أليسَ الذي يخافُ ينفِّذُ الأمرَ لئلاّ ينالهُ العقاب؟
فكذلك مَن خافَ ربَّهُ نفَّذَ أمرهُ ليتَّقي عذابه:
{يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة النحل: 50]
أي: يسجدونَ خائفينَ وجلينَ مِن عذابِ ربِّهم ومالكِ أمرِهم،
ويفعلونَ ما يُؤمَرونَ به على الدَّوام.
فإذا كنتَ خائفًا بصدقٍ نفَّذتَ،
طائعًا أو خائفًا،
وأنتَ ترجو رحمةَ ربِّك،
وعفوهُ وغفرانه.

* يقالُ للنشيطِ إنه ذو روحٍ رياضية،
لأن الرياضةَ فيها حركاتٌ متتاليةٌ ينشطُ بها المرء،
وصاحبُ الروحِ الإيمانيةِ كذلك يكونُ نشيطاً في عبادةِ ربه،
وفي إجابةِ ندائه،
والعملِ بما جاءَ به شرعه،
متنقِّلاً بين عبادةٍ وأخرى،
وبين جهادٍ وعلم،
وإصلاحٍ وبرّ...

* إذا أردتَ أن تكونَ روحكَ غاليةً عند الله،
وتستقبلها الملائكةُ بالترحاب،
فطيِّبها بالرضا والطاعة،
وجنِّبها آثارَ الذنوبِ والمعاصي،
وأبعدها عن الخبائث،
فإن الله يحبُّ الطيبات،
ويكرهُ الخبائث.

* درجات ُالتقديرِ في عبادِ الله المؤمنين على الترتيب،
موجودةٌ في الآيةِ 69 من سورةِ النساء،
قولهُ تعالى:
{وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً}.
وتفيدُ الآيةُ أن من أطاعَ الله ورسولهُ كان معهم.
* إن الله يعلمُ عددَ سجداتكَ في الليل،
وما تذرفُ من دموعٍ من خشيته،
وما تدعوهُ به رهبةً منه ورغبةً إليه،
فلن يَضيعَ أجركَ عنده،
وخاصةً في عصرٍ قلَّ فيه المخبتون إلى ربِّهم،
وكثرَ فيه الفاجرون المجاهرون بالمعاصي.

طبائع

طبائعُ الناسِ تختلف،
ولا يمكنُ تعديلها جذريًّا؛
لأنها خلقةُ الله تعالى،
ولها علاقةٌ بطبيعةِ العملِ الذي يمارسهُ الشخص،
وبالهوايةِ التي ألهمها الله إيّاه.
أما التربيةُ فتهذِّبُ فقط،
والخبرةُ والتمرينُ ينمِّيان القدرات،
ولا يُحيلان إلى تكوينٍ آخرَ أو طبيعةٍ مختلفة.
والمهمُّ أن يبقى المرءُ في دائرةِ الإيمان،
ويفيدُ ولا يُفسد.

* طبيعةُ الإنسانِ تتغيرُ نسبيًّا!
قارنْ بين مَن كان متوطِّنًا ثم تغرَّب،
وبين زملاءَ اجتمعوا بعد طول فراقٍ ثم تدابروا ولم يجتمعوا،
وبين أشقّاءَ كانوا كالجسدِ الواحدِ ولما كبروا اختلفوا وتقاطعوا!

الظلم والظالمون

* لماذا لا يُعطى الناسُ حقوقَهم إلا أن يُقتَلوا؟!
لماذا يُقتَلُ عشراتُ الألوفِ ومئاتُ الألوفِ لمنعهم من مطالبةِ حقوقهم؟!
إنه الانحرافُ عن الحق،
وإنه الظلمُ،
والكبرياء، والتسلط، والهمجية!
ولا بدَّ أن يُزالَ هؤلاء من سدَّةِ الحُكم،
ولو كلَّفَ الناسَ الآلافَ المؤلَّفةَ من الأرواحِ في جهادهم،
وإلا فإن الظلمَ لن يُزال،
بل سينتشرُ أكثر،
ويزيد، ويصيرُ أصنافًا..
ويبقى الناسُ كالعبيد.

* قارنْ بين فرعونِ موسى وفراعنةٍ في هذا العصر.
قال الله تعالى:
{وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [سورة يونس: 83]
أي: كان فرعونُ متكبِّرًا متعجرفًا،
وحاكمًا طاغيةً متجبِّرًا،
ذا حكومةٍ قويَّةٍ وبطشٍ وإرهاب،
متجاوزًا الحدَّ في الظُّلمِ والفساد،
بسفكِ الدِّماء،
والإهانة،
وبثِّ الرُّعب،
والتكبُّر...

* بلغَ من كبرياءِ فرعون أن قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}،
وبلغَ من تبجُّحِ نمرودَ أن قال: {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ}،
فما كان مصيرُ قدرةِ هذا وكبرياءِ ذاك؟
إنه الغرورُ بقوةٍ ناقصةٍ متقلِّبةٍ فانية،
غرورُ رؤساءَ وملوكٍ وقادةٍ يرون تحت أيديهم قوةً كبيرةً ظاهرًا،
ولا يحسبون حسابَ قوةِ الجبّارِ القاهرِ وقدرته،
مالكِ الملكِ كلِّه،
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}
[سورة فصلت: 15].
نعم، إنهم يصولون ويجولون،
ويفتكون ويُجرمون،
شأنَ كلِّ جبَّارٍ عنيدٍ لا يؤمنُ بيومِ الدين،
ثم يقعون هلكَى،
وتتفسَّخُ قوتهم كما تتفسَّخُ أجسامهم،
ثم لا يَعتبرُ مَن وراءهم!

* يقولُ الله تعالى لعبادهِ المؤمنين:
{وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} سورة المائدة: 87.
فمن ظلمَ أخًا له فليردَّ مظلمته،
فمن لم يفعلْ فإن الله لا يحبه.
وليتفكَّرْ في خاتمته.

* القسوةُ والإكراهُ يلجآنكَ إلى الالتزامِ بأمرٍ لا ترغبُ فيه،
وتتركهُ بعد حينٍ وتنتقمُ من صاحبه.
فلا خيرَ في الإكراه.
والرفقُ والنصيحةُ والإقناعُ يحببانهِ إليك،
فتجتمعُ نفسُكَ عليه،
وتبقَى معلقًا به.

عبادة

عبادةُ الله تعالى سهلةٌ على المؤمن؛
لأن قلبهُ يحبُّ ذلك،
فتطيعهُ جوارحه،
وتسارعُ إلى ذلك وتصبرُ عليه طوعًا،
وهي صعبةٌ على الفاسقُ والمنافق؛
لأن قلبهُ لا يريدُ ذلك،
فتتكاسلُ جوارحهُ عن تلبيتها،
فيؤدِّيها - إذا أدَّاها - بصعوبة،
من غيرِ رغبة.

* انتبهْ لعباداتِكَ أيها المؤمن،
حتى لا تصبحَ عندكَ عادةً تؤدِّيها كتمارينَ أو طقوسٍ وحركاتٍ بدونِ معنى،
فأنتَ تعبدُ ربًّا،
وعليكَ أن تعرفَ معنى العبادةِ جيِّدًا،
حتى تلقَى رضًا وقبولاً.

* هل ترتاحُ عندما تعبدُ الله؟
هل تشعرُ برضًى عندما يأتي وقتُ الصلاةِ وتصلي؟
أم تقومُ بأداءِ بعضِ الركعاتِ على عجَلٍ لتلقي هذا الفرضَ عن كاهلك؟
هل أنتَ من أهلِ أرِحنا بها، أم من أهلِ أرِحنا منها؟
إن الرضا دليلُ الراحةِ والبهجة،
والضيقُ والسخطُ دليلُ النفورِ والكراهية.
والله أعلمُ بقلوبِ عباده،
يعلمُ مَن يعبدهُ عن حبٍّ وطواعيةٍ فيجزيهِ خيرًا كثيرًا،
ومن يعبدهُ لغيرِ ذلك،
فيجزيهِ أقلَّ،
أو لا يجزيه.


* العبادةُ في الإسلامِ بمكان،
لا عذرَ للمسلمِ في تركها،
فالصلاةُ مفروضةٌ عليه وإنْ كان في حربٍ وجهاد،
ولا تتوقَّفُ وعينٌ فيهِ تطرف،
وإن اختلفتْ كيفيَّتُها،
مادامَ عاقلاً بالغًا،
والصومُ واجبٌ على الغنيِّ والفقير،
متقشِّفًا كانَ أو متنعِّمًا،
في الحرِّ وفي البرد.
والزكاةُ تُعطَى لأصحابها في أوانها،
في المواسمِ أو عند حوَلانِ الحَول،
واجبةٌ مادامَ النصابُ كاملاً،
على الغنيِّ والفقير،
وعلى الدائنِ والمـَدين،
فللناسِ حقوقٌ في مالِكَ أيها المسلمُ ينتظرونها،
فإذا لم تعطِ فقد أثمت، ومنعتَ الناسَ حقًّا لهم.
والحجُّ فريضةٌ على القادرِ من المسلمين،
لا عذرَ لأحدٍ في تركها مادامَ الطريقُ آمنًا،
لم يتركها المسلمونَ في سلمٍ أو في حرب،
فهي فريضةٌ وكفى.

* الصلاةُ تعلمكَ الدأبَ على الطاعة،
والاستقامةَ في الحياة،
إذا نهتكَ عن الفحشاءِ والمنكر.
والصومُ يعلمكَ الصبرَ على مصاعبِ الدنيا،
فلا تجزعُ في مواقفِ الجزع.
والزكاةُ تعلمكَ البعدَ عن البخلِ والأنانية،
وتجعلكَ في قلبِ المجتمعِ المسلم،
والشعورِ بحاجةِ أفراده.
والحجُّ يعلمكَ التجردَ لطاعةِ الله،
والإخلاصَ له،
والعهدَ على الوفاء.

* تركيزُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على صلاةِ الفجرِ جماعةً وتأكيدهُ عليها؛
لكونها برهانًا على صدقِ صاحبها في إيمانه،
والتزامهِ بطاعةِ الله ورسوله،
ففيها بعضُ الصعوبة،
والكلُّ يقدرُ على عملِ السهل،
إنما يكونُ الامتحانُ في الصعب،
وبه تتبيَّنُ قوةُ الإيمانِ من ضعفه،
أو من عدمه.

* إذا رأيتَ أحدَهم يأتي إلى المسجدِ وهو بلباسِ النوم،
فقلْ له إذا شئت:
إن الله تعالى يقولُ في كتابهِ العزيز:
{يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} سورة الأعراف: 31.
أي: البَسوا أحسنَ ثيابِكم عندَ كلِّ صلاة، وليسَ ثيابَ النومِ أو الرياضة.

* بعضُ الناسِ طبائعهم "مفتوحة" زيادة!
فلا يفرِّقونَ في آدابِ معاشرتهم بين البيتِ والعملِ والمسجد.
رأيتُ منهم من يصحبُ معه أولادًا لهم صغارًا إلى المسجدِ لم يبلغوا السادسة،
فيعبثون ويسيؤون الأدبَ في بيتِ الله،
ويشوِّشونَ على المصلِّينَ في صلاتِهم وأذكارهم وقراءتهم،
وآباؤهم ينظرونَ إليهم ويضحكون معهم وكأنهم في بيوتهم،
هذا بدلَ أن يمنعوهم ويؤدِّبوهم على حرمةِ المكانِ وتعظيمِ المصاحف..
وقسْ على ذلكَ أمورًا..

* سُئل الفقيهُ المالكيُّ محمد بن عبدالسلام الطاهري عن حكمِ صلاةِ المدخِّنِ فقال:
الذي يدخِّنُ إذا صلَّى وفي فمهِ رائحةُ الدخان،
صلاتهُ ليستْ بباطلة،
ولكنهُ فعلَ شيئًا قبيحًا،
لأنه يقرأُ القرآن،
ويناجي ربَّه،
وتحضرهُ الملائكة،
فكان عليه أن يزيلَ عنه كلَّ رائحةٍ قبيحة،
من فمهِ وثيابه،
قبلَ الدخولِ في الصلاة.
والتدخينُ حرام،
لأن الأطباءَ قالوا: إن الذين يصابونَ بالسرطانِ جلُّهم من الذين يدخِّنون.
(الفتاوى الشاملة والأجوبة الكاملة للطاهري ص 51).

* الصومُ يزكِّي النفس،
ويشدُّ العزيمة،
ويصبِّرُ القُوَى،
ويرقِّقُ القلب،
ويختبرُ الانفعال،
ويقلِّلُ الكلام،
ويهذِّبُ الشهوة،
ويؤدِّبُ البطن،
ويذكِّرُ بالجَوعَى،
ويصحِّحُ الجسم،
ويضبطُ الحركة،
ويهدِّئُ السرعة،
ويغيِّرُ العادة،
ويبعثُ على التأمُّل،
ويزيدُ التفكير،
ويُرشِدُ إلى الخير،
ويَهدي إلى البِرّ،
ويورِثُ الخشية،
ويحبِّبُ الطاعة،
ويشجِّعُ الالتزام،
ويقلِّلُ من الشرّ،
ويمهِّدُ للتوبة،
ويُنسي الأحقاد،
ويحضُّ على التعاون،
ويفتحُ شهيَّةَ الإنفاق،
ويجمعُ الأهلَ والرحِم،
ويكرِّسُ المحبَّةَ بين المسلمين،
ويقتصرُ على العلاقاتِ الصالحة،
ويستبدلُ المجالسَ الإيمانيةَ بغيرها،
ويَفسحُ للنور،
وفيه نزلَ القرآن،
وهو موسمُ الجهاد،
ويذكِّرُ بالبطولاتِ والفداء،
وهو مهرجانٌ للجودِ والكرم،
وساحةٌ للتنافسِ في الخيرات،
ويجلبُ رضا الربّ.

* في شهرِ رمضان،
كنتَ قريبًا من الرحمن،
بعيدًا عن الشيطان،
واقفًا عند بابِ الريّان،
ترجو خيراتٍ حسان،
تملأ بالحسناتِ كفَّةَ الميزان،
وقلبكَ عامرٌ بالإيمان،
ومتابعٌ لقراءةِ القرآن،
ولسانكَ رطبٌ بذكرِ الرحمن،
تطلبُ منه الصفحَ والغفران،
لتنجوَ من العذابِ والنيران،
وتسعدَ في غرفاتِ الجنان،
والله يقبلُ من أهلِ الصيام،
والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ العدنان.

العبودية

* من بركةِ الزهدِ في الدنيا،
أن المؤمنَ الزاهدَ لا يطولُ تفكيرهُ بنعيمِ الجنة؛
لأنه لم يجعلهُ هدفًا له،
فقد تعلَّمَ حياةَ الشظف،
ورضيَ بالقليلِ من المأكلِ والمشرب،
حتى تمرَّسَ جسمهُ وتآلفَ معه،
وصارتْ عبادتهُ وتقواهُ لذاتهِ سبحانه؛
لأنه يستحقُّ العبادة،
سواءٌ أكان هناكَ حسابٌ أم لم يكن،
وسواءٌ أُعطيَ الجنةَ أم لم يُعطَها،
فعبادتهُ واستقامتهُ لا لطمعٍ في الجنة،
ولا لخوفٍ من النار،
بل هي خالصةٌ تمامًا لله تعالى،
إرضاءً له،
وهي أعلى مقاماتِ العبودية.

* أقربُ العبادِ إلى ربهم أتقاهم له،
وأكثرهم توكلاً عليه،
وتعلقًا به،
وحبًّا له،
وسجودًا له،
وشوقًا إلى لقائه،
وفداءً لدينه.

* من كان عميقَ الإيمانِ حمدَ الله تعالَى أنْ خلقَهُ عبدًا له،
ودعاهُ سبحانهُ أن يكونَ أهلاً لهذه العبادة،
وأن يُعينهُ على ذلك.
ومن كان (سطحيًّا) في إيمانهِ لم يفهمْ هذا الكلام،
ولم يتفكرْ فيه.

* إذا شكرتَ الله فإن الفائدةَ تعودُ إليك؛
لأنه سبحانهُ يؤجركَ على ذكرِكَ ويزيدُكَ من فضله،
ولا ينفعهُ شكرك،
فلا يزيدُ ذلك من مُلكه.
وإذا كفرتَ بنعمتهِ فالمضرَّةُ تعودُ عليك؛
لأنك آثم،
ولا يضرُّ اللهَ كفرُكَ ولا كفرُ العالمين.

العجائب

* الذي لا يُعجِبهُ العجبُ ليسَ سويًّا،
فمن الفطرةِ أن يُعجَبُ منَ العجب،
ولهذا وردَ عن المغيرةِ بنِ شعبةَ رضيَ الله عنه قوله:
"لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما تعجَّبوا من العجب"!
يعني "ما داموا على الفطرة".
ولكنْ لا يُعجَبُ من الأمرِ العاديّ،
فإذا عُجِبَ منه دلَّ على ثقافةٍ ناقصة،
واطِّلاعٍ قاصر.

* قد يعجبُ المرءُ مما لا يُعجَبُ منه،
كالتعجبِ من لغةٍ لا يفهمُ كلمةً منها،
وكالتعجبِ من أعمالٍ لا يتقنها،
أو يراها لأولِ مرة،
فإنها تكونُ عاديةً بعد معرفتها أو التدريبِ عليها،
وكما يقال:
كلُّ شيءٍ بعد المعرفةِ سهل.
وقد يعجبُ المرءُ من الحيواناتِ كيف تفهمُ من بعضها البعض،
وهي لا تُبدي سوى حركاتٍ ونظراتٍ وأصواتٍ لا كلمات!
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [سورة القصص: 68].

العُجب والكِبر

* انظرْ إلى غرورِ الإنسان،
إذا أُوتيَ مالاً اغترَّ ونفخ،
وظنَّ أنه سيعمَّرُ ويَنعم،
ولن يبورَ ماله..
وما هي إلا مدَّة...
حتى يتفاجأ!
كما تفاجأ غيره..
وكم يتكرَّرُ هذا مع البشر!

* مَن أعجبتهُ نفسهُ فليكرَّ عليها،
ولْيذكِّرها بأحوالٍ مأساوية،
وأوضاعِ الأسرى والمتضرِّرين،
والأراملِ واليتامى النازحين،
وكم هي مقصِّرةٌ معهم.

* المغرورون أصناف،
يختلفون باختلافِ ثقافاتهم وخبراتهم وأعمالهم،
فقد يكونُ منهم مثقفٌ نال حظًّا من الثقافة،
أو نالَ شرفَ حرفِ الدالِ أمامَ اسمه،
فظنَّ أنه وصلَ إلى آخرِ التخصص،
وليس وراءهُ من يجاريه،
ولكنه يتفاجأ بسؤال "بسيط" من طالبِ علمٍ لا يعرفه،
هو أقلُّ من مستواهُ العلميِّ بكثير.
أو يكونُ تاجرًا خبيرًا يرَى أنه لا يُخدَع،
ولكن تاريخه لا يخلو من صفقاتٍ خاسرة،
وفواتِ أرباحٍ لا تقدَّر،
نتيجةَ نظرتهِ القاصرة،
وعدمِ علمهِ بالغيب.
أو يكونُ حِرَفيًا،
معلمَ بلاطٍ مثلاً،
فيرَى الخبرةَ والذوقَ في جانبه،
والإتقانَ في عملهِ بما لا مثيلَ له،
ولكنه يعرفُ كم مرةً دُعيَ إلى إصلاحِ أعمالٍ له في البيوتِ والمعاملِ والساحات.
فالكلُّ يخطئ،
ويحتاجُ إلى الاعترافِ بقصورِ عمله،
وهذا لقصورِ عقله،
عقلِ كلِّ إنسان،
في كلِّ الأعمال.

العزَّة

* المسلمُ يفخرُ بدينهِ ويعتزُّ بشريعته،
لأنه على يقينٍ أنه لا يوجدُ أفضلُ ولا أعدلُ منه،
وهناك متدينون يخالطون علمانيين ويستحيون أن يُظهروا دينهم،
فيؤخرون صلواتهم مثلاً إذا كانوا في مجالسهم،
ولا يدافعون عن شريعةِ ربهم في مواجهتهم،
وكان الأولى بهم أن يكونوا أعلى صوتاً منهم،
وأعزَّ جنابًا،
وأرقَى نفساً،
وأجهرَ بالحق،
فدينُ الله يعلو ولا يُعلى عليه،
ونصرتهُ واجبٌ على كلِّ مسلم.

العقل والوحي

* إن الله لم يعطِ الكمالَ للعقل،
يعني أنه سبحانه خلقهُ ناقصًا،
فهو غيرُ كاملٍ أصلاً،
ولذلك فهو يخطئ،
وكثيرًا ما يحكمُ على أشياءَ بالخطأ،
على الرغمِ من كونها أمامه،
وعلى الرغمِ من قلبها على وجوهها وبذلِ جهدهِ في التفكر،
ولذلك فهو يستشيرُ آخرين ليعرفَ ويتعرَّفَ أكثرَ ويتأكد.
وقد جبرَ الله هذا العقلَ الناقصَ بالوحي،
لتستقيمَ حالُ الإنسانِ في أمورٍ لا بدَّ منها،
فالوحيُ أعلى وأجلُّ من العقل،
لأن العقلَ يخطئ،
والوحيُ لا يخطئ.
ولأن الوحي من عند الربِّ الخالق،
والعقلُ من عند مربوبٍ مخلوق.

* إذا لم يُسدَّدِ العقلُ بالوحي ضَلّ.
ومَن قالَ – مثلاً – لا أؤمنُ بالأمرِ الفلاني ولو صحَّ في الحديث، فهو ضالّ،
وليس مسلمًا حقًا؛
لأن المسلمَ يعني من أسلمَ نفسهُ لله،
فآمنَ بما أنزلَ من وحي،
سواءٌ أكان الوحيُ قرآنًا أم سنة.
فالقرآنُ وحي،
والسنةُ وحي إذا صحَّت،
فالرسولُ صلى الله عليه وسلم لا ينطقُ عن هوى،
وهذا يقول: لو صحَّ الحديثُ لما آمنتُ به!
والنتيجةُ أنه يكفرُ بالوحي،
فهذه عقليةُ الكافرِ وليس المسلم.

* إن الدينَ ليس بالرأي،
يعني أن أصلهُ ليس العقل، بل النقل.
فأولهُ وأساسهُ الوحي،
والعقلُ تبعٌ للوحي،
فهو الذي يصنعُ ثقافةَ المسلمِ بداية،
يعني أن أساسَ ثقافةِ المسلمِ قائمةٌ على الوحي،
وتقولُ القاعدةُ المتفقُ عليها: لا اجتهادَ في موردِ النص.
يعني إذا وردَ قرآنٌ وسنةٌ سكتنا وسلَّمنا،
فلا مجالَ لمزيدِ كلام.
فإذا لم يجدِ العقلُ فيه أمرًا،
فعند ذلك يجتهد،
على أن لا يخالفَ حكمًا شرعيًا،
ولا قاعدةً دينية.
وهذا ما رضيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لرسولهِ إلى اليمن معاذ بن جبل رضي الله عنه،
الذي قال إنه ينظرُ في كتابِ الله تعالى أولاً،
فإذا لم يجدهُ بحثَ في السنة،
وإلا اجتهدَ ولم يألُ.
وهذا أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يسدِّدُ العقولَ ويقول:
"لو كان الدِّينُ بالرأي،
لكان أسفلُ الخُفِّ أولَى بالمسحِ من أَعلاهُ،
وقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ على ظاهِر خُفَّيْه".
يعني سلِّمْ ونفِّذ، فهذا دينٌ وأمر،
وليس نظريةً أو رأيًا يمكنُ مناقشته.
ففي الدينِ غيبياتٌ كثيرةٌ لا تُرى،
فلا نرى الجنّ، ولا الملائكة، وأعمالهم عجيبةٌ لا دخلَ للعقلِ فيها،
ولكنه الإيمان... ومصدرهُ الكتابُ والسنة،
سواءٌ أوافقَ ذلكَ عقلكَ أم لم يوافقه..
وكذلك أحوالُ الأممِ الماضية، وأحداثها الغابرة، ووقائعها الطويلة..
ومستقبلُ الناسِ في الحياةِ البرزخية، وفي اليوم الآخِر.. من جنةٍ ونار..
فإذا كنتَ صاحبَ دِينٍ حقًا فاخضعْ له،
لأن الدينَ معناهُ الخضوع،
ودانَ دِينًا وديانةً: خضعَ وذلَّ.
وسمَّاهُ ربُّنا دينًا لتعرفَ ذلك جيدًا وتلتزمَ به،
لا أن تُخضعَهُ لعقلِكَ القاصرِ وتجرَّهُ إلى مزاجِكَ المريض،
وتقول: هذا هو الدينُ الذي أريده،
فيكونُ هذا دينكَ وحدك،
لا دينَ ربِّ العالمين.

* الزيادةُ في العقلِ لا تدلُّ على استقامة،
فقد يستعملهُ صاحبهُ في الشر،
وقد يخطِّطُ به للظلمِ والجريمةِ ونهبِ المال،
والجناياتُ العمدُ لا تكونُ إلا بتفكير وتدبيرٍ عقلي،
ولكن الزيادةَ في الإيمانِ هي التي تدلُّ على الاستقامة؛
لأنها تعني زيادةً في الالتزامِ بشريعةِ الله،
التي تنشدُ العدلَ والإصلاح،
ولا تظلمُ أحدًا،
والعقلُ السليمُ يعضدُ الإيمان،
فالخيرُ في العقلِ إذا كان "إيجابيًّا"،
موافقًا للوحي.

* العقلُ ينمو باستمرار،
وهو عند الكبيرِ ينمو بسهولةٍ أكثرَ من الصغير،
لأن له معارفَ سابقةً مبنيَّةٌ على أسسٍ وأوَّلياتٍ تمَّ استيعابها،
فيهضمُ المعلوماتِ الآتيةَ بسرعةٍ أكبر،
ويزيدُ بذلك عقله،
بينما الصغيرُ مازالَ يتعلمُ البدهياتِ والقواعدَ الأولى.
ويكونُ هذا النموُّ مفيدًا أو مضرًّا بحسبِ العلومِ والمعارفِ التي يتعرَّضُ لها،
أو يرغبُ فيها،
أو يمارسها،
أو يعاشرُ أهلها.



العلاقات الزوجية

* الصبرُ على خُلقِ الزوجة،
والصبرُ على خُلقِ الزوج،
يأتي بنتيجةٍ طيبة،
وبعد مدَّةٍ يتوادَّان،
ويحمدانِ الله تعالَى أنْ لم يحدثْ سوء.
فما أجملَ الصبر!
وما أجملَ الصلح!
وما أجملَ الأُلفة!

* من الرحمةِ والمودَّةِ بين الزوجِ وزوجه،
أنه ينتظرُ العودةَ إلى البيتِ ليجدَ عندها السكنَ والراحة،
وينسَى بذلك همومَ العمل،
وما يصادفهُ من مصاعبَ خارجَ البيت.
والمؤمنةُ الصالحة، الهادئة، المبتسمة، الحنون،
هي التي تكونُ كذلك،
وقارنْ بينها وبين مَن تجعلُ البيتَ هياجًا وزعيقًا وسبًّا ونيرانًا،
وتزمجرُ وكأنها إعصارٌ يقلعُ البيتَ من أساسه،
وتعاملُ زوجها الطيبَ معاملةَ الندِّ للندِّ،
وتكيلُ له الكلامَ كيلاً وزيادة،
فلا عفوَ ولا تسامحَ في قاموسها،
فيشيبُ لذلك الزوجُ ويمرض،
وتنقلبُ حياتهُ إلى جحيم،
وينحرفُ الأولادُ بسببِ ذلك،
وتفسدُ أخلاقهم بالنظرِ إلى جوِّ البيت،
وخاصةً البنات،
اللاتي ينظرن إلى أمهاتهنَّ غالبًا..
ويفترشُ الشقاءُ نفوسَهم جميعًا.

العلم والعلماء

* من بركةِ العلمِ أنهُ لا يُترَكُ طلبهُ والأمَّةُ في سلمٍ أو حرب،
وهذا دالٌّ على أهميته،
وأنه يُسعَى إليه في كلِّ ظرف،
لتبقَى الأمةُ على اتصالٍ دائمٍ بالعلم،
اتصالاً وثيقًا ومتتابعًا.
وإذا كان المرءُ مشغولاً جدًا،
كأنْ يكونَ في عملٍ شاقّ، أو رحلة، أو جهاد،
فإنه إذا عادَ سألَ عمّا فاتهُ من أبوابِ العلمِ وفنونه،
وتابعَ تعليمه.
يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [سورة التوبة: 122].
أي: وما صلحَ الأمرُ ولا استقامَ أنْ يَخرجَ جميعُ المؤمنينَ إلى الغزو،
لأنَّ هناكَ مصالحَ أخرى تتعطَّلُ بذلك،
فهلاّ خرجَ مِن كلِّ جماعةٍ كبيرةٍ منهم عُصبةٌ تَحصلُ بهمُ الكفاية،
ويُقيمُ الباقون فيتعلَّموا أحكامَ الدِّين،
وما أُنزِلَ مِن وحي على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،
فإذا رجعَ المـجاهدونَ منْ كلِّ قومٍ علَّموهم ما تَعلَّموا،
ليَتذكَّروا ويَحذَروا ويَعرِفوا أحكامَ الدِّين،
وما أمرَ اللهُ به ونهَى عنه.

* البحثُ العلميُّ هو ألاّ تخرجَ عمَّا قالَ اللهُ ورسوله،
وعن قواعدِ الإسلامِ عامة.
هذا أولاً،
وقبلَ كلِّ شيء.
ومن خالفَ ذلكَ فقد اتبعَ البحثَ الجاهليّ،
أو البحثَ الضالّ،
أو البحثَ المنحرف،
المهمُّ أنه لا يكونُ بحثًا علميًا.
فمنبعُ العلمِ الصحيحِ هو من الإسلام،
دينِ اللهِ القويم،
خاتمِ جميعِ الرسالات،
وناسخِ جميعِ الأديان،
وميزانِ كلِّ شيء،
والحاكمِ في كلِّ مسألةٍ وقضية.

* هناك أغرارٌ في مجالِ التحقيق،
يعلِّقون على كلامِ أعلامٍ من هذه الأمةِ بسذاجةٍ أو خلفية مذهبيةٍ ضيقة،
والأمرُ مختلفٌ فيه غالبًا،
فينقدونهم ويقولون إنهم يصححون أفكارهم،
وما هم سوى فراريجَ يصيحون بين الديكة،
فالأولى تركُ كلامهم كما هو،
فليسوا مسؤولين عن كلامهم،
وليسوا أعلمَ منهم حتى يردُّوا عليهم،
والأمرُ مختلفٌ فيه كما قلنا،
وإذا لزمَ البيانُ يقال: هناك من قال كذا أيضًا.

* الذي يأخذُ العلمَ عن العلماءِ يتأدَّبُ بأدبهم،
والذي لا يصحبهم ولا يأخذُ عنهم ينبو،
وتكونُ هناكَ فراغاتٌ في ثقافته وفي سلوكه.
والذي لم يحضرْ مجالسهم لا يعرفُ سرَّ الصفاء،
واللذَّةَ التي لا يجدها الأكابر!
وإنها لتذكِّرُ بمجالسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع صحابته!

* مَن كتمَ علمًا فقد سدَّ كوَّةً يشعُّ منها النور،
ومَن نشرَ علمًا فقد فتحَ عيونًا وبصَّرَ قلوبًا،
ومَن اهتمَّ بالعلمِ وجعلَهُ ديدنهُ،
فقد شاركَ في بناءِ العقولِ وهدمِ بيوتِ الجهل.

* قال قوم: إننا نتعلمُ العلومَ الفلانيةَ لنعرفها جيدًا،
ونجادلَ بها خصومنا وأعداءنا،
فتعلَّموها،
فتأثروا بها!
لماذا؟
لأنهم تفاعلوا معها،
وكانت أكبرَ من قامتهم العلمية،
ولم تكنْ لهم ثقافةٌ إسلاميةٌ متينة،
فوضعوا بناءً كثيفًا على أعمدةٍ هشَّة،
فسقطَ عليهم!

* العلمُ جذّاب،
والعالمُ المخلصُ الواثقُ من علمهِ يصيرُ جذّابًا، مهيبًا، ذا جلالة،
ولو لم يكنْ جميلَ الصورة، أو مقبولها،
فقد كان التابعيُّ الجليلُ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ مولًى أسودَ شديدَ السواد،
أعورَ، أصلعَ، أفطسَ، أشلَّ، أعرج، ثم عمي!
وكان ثقةً فقيهًا عالمـًا كثيرَ الحديث،
قصدَهُ طلبةُ العلمِ والعلماءُ من أنحاءِ العالمِ الإسلامي،
فكانوا يتحلَّقونَ حولهُ وينهلونَ من علمهِ الجمّ،
وقد روى عنه خَلقٌ كثيرٌ حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم خاصة،
والفقهَ وغيرَهُ من علومِ الشرع،
وقد عُمِّرَ مائةَ عام،
وانتهتْ إليه فتوى أهلِ مكة،
وما بقيَ على ظهرِ الأرضِ أحدٌ أعلمَ منهُ بمناسكِ الحجِّ في زمانه،
ولمـّا قدمَ عبدالله بنُ عمرَ إلى مكة، فسألوه،
قال: أتجمعونَ لي يا أهلَ مكةَ المسائلَ وفيكم ابنُ أبي رباح؟
ولمـّا جاء الخليفةُ عبدالملك بن مروان إلى مكة وحواليه الأشرافُ من كلِّ بطن،
زارهُ عطاء لينصحه،
فقامَ إليه وأجلسهُ معه على السرير،
وقعد بين يدي عطاء!
وفي عصرنا العلاّمةُ الشيخُ محمد متولي الشعراوي رحمهُ الله مثلاً،
لم يكن جميلَ الصورة،
ولكنْ كانت تمتدُّ إليه الأعناق،
وتنجذبُ إليه العيون،
وتتعلَّقُ به قلوبُ الملايينِ ولا تملّ..
إنه العلمُ النورانيُّ المؤيَّدُ من ربِّ الكون.

* للعلمِ طغيانٌ كطغيانِ المال.
يبقَى أحدهم مع العلمِ دراسةً وبحثًا ومطالعةً وتعليمًا عشراتِ السنين،
ويغورُ في أعماقِ مسائلهِ المشكلة،
ويكتبُ فيه ويحلِّله،
ويقلِّبهُ على وجوههِ ويقوِّمه،
وينقبُ فيه ويكشفُ عويصه،
ويحاضرُ فيه ويخطب،
ويؤلِّفُ فيه ويصنِّف..
وعندما يرى الإقبالَ على ما قال، والإعجابَ بما كتب،
قد يأخذهُ ذلك إلى الإكبارِ والإعجابِ بنفسه،
وهنا يكمنُ الخطر..
فيفرحُ ويفخَر،
ويُبدي آراءً حدَّثتْ به نفسهُ ولم يُخرجها من قبل،
ويظنُّ أنه صارَ أهلاً لتجديدِ آراءٍ وتكريسِ نظريات،
وإصلاحِ عوالمَ ونفوسِ بريَّات،
وما لا يخطرُ على بالِ الكائنات!
وينسى قولَ الحكيمِ العليم: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}،
فيشطحُ ويَزِلّ،
وإذا كان عالمًا مشهورًا زلَّتْ معه أمَّة!
إنه طغيانُ العلم!
نعوذُ بالله منه،
ومن كلِّ طاغية.

* اجعلِ الكتابَ مخدتك،
والقلمَ مقودك،
وقهوتكَ محبرتك،
والحكمةَ غرَّتك،
ورضا الله وجهتك.

* نشرُ الثقافةِ الإسلاميةِ يبثُّ الوعيَ في المجتمعِ المسلم،
ويحافظُ على شخصيتهِ الإسلامية،
ويثبِّتُ خصائصه،
ويفتحُ له آفاقَ التوجهِ الفكري،
والعملِ الإعلامي،
ويبصِّرهُ بدخائلِ الثقافاتِ الأخرى وخطرها.

* سعةُ المعلوماتِ وتنوعُها تربكُ القارئ،
وليست كلُّها مفيدة،
ولا مهمة،
والجهلُ ببعضها أفضلُ من تعلمها،
فيقتصرُ منها على الأساسيات،
وعلى ما يهمُّ وينفع.

* عدمُ القدرةِ على التركيز،
يعني أن هناك ما يشغلُ فكركَ بأقوى مما تريدُ أن تركزَ عليه،
ويأتي حلُّ تلك المشكلةِ أولاً،
ثم يكونُ التركيزُ بدون بذلِ جهدٍ كبير.

* الرسومُ التوضيحيةُ قد تكونُ مفيدةً أكثرَ من الكلامِ المكتوب،
على الرغمِ من كونها تابعةً للأصل؛
لأن الصورةَ توضحُ المبهم،
وتختصرُ الكلامَ الكثير.

* حتى نكرِّسَ في أنفسنا أخوَّتنا لعامَّةِ المسلمين،
ونتبرَّأ من العنصريةِ المقيتة،
ولا يكونَ أحدُنا ضيِّقَ الأفق،
فإنَّ المطلوبَ هو ألاّ نفرِّقَ بين عالمٍ وآخرَ بسببِ موطنه،
فلا يتعصَّبُ كلُّ أهلِ بلدٍ لعلماءِ بلده،
فإنهُ مسلكٌ منكر،
ووجهةٌ منفِّرةٌ لا تناسبُ عالميةَ الإسلام،
ولكنْ يؤخَذُ العلمُ من عامَّةِ علماءِ الإسلام،
بحسبِ القدرةِ وبحسبِ الإمكان،
لنثبتَ لأنفسنا وللآخرينَ أن هذا الدينَ عالميّ،
وليسَ وطنيًّا أو عنصريًّا،
فلم يخصَّ اللهُ تعالى قبيلةً أو أهلَ بلدٍ بدينه،
وإنما هو لأهلِ الأرضِ جميعًا بدونِ تفرقة،
ومن فرَّقَ فقد ظلمَ نفسَهُ واعتدى،
وأحدثَ في الدينِ وابتدعَ طريقةً مذمومةً تفرِّقُ صفَّ المسلمينَ وتؤذيهم.

* التهجمُ على علماءِ الدينِ الإسلامي،
لا يكونُ إلا عن جهل، أو نيةٍ خبيثةٍ وحقدٍ على الإسلام،
فالعلماءُ هم أولُ مَن يحملونَ همَّ هذا الدين وينشرونه،
وهمُ الذينَ بلَّغونا القرآن،
وعلَّمونا السنَّة،
وفقَّهونا في الدِّين،
وبصَّرونا بواجباتنا وحقوقنا كما يريدهُ الإسلام،
وحذَّرونا من الغزو الفكريّ،
ومن الأحزابِ العلمانية،
ومكرِ الأعداء..
والنيلُ منهم خطةٌ قديمةٌ ماكرةٌ من الأعداء،
ليوهنوا هذا الدينَ أو يقضوا عليه،
وإنَّ القضاءَ عليهم أو استبعادهم من الساحة،
يعني استبعادَ الدينِ من الحياة،
ويعني أن يُفسحَ المجالُ للجهلاءِ والمتربِّصينَ بالدين من العلمانيينَ والليبراليينَ،
الذين يريدونَ أن يقولوا في الإسلامِ ما شاؤوا،
ليشوِّهوهُ ويحرِّفوه ويقدِّموهُ دينًا آخرَ للناس،
لا نظامَ فيه ولا جهاد،
ولا قدسيَّةَ له ولا التزامَ به،
ولا فرقَ في ذلك بينهم وبين المتلبِّسين بالإسلامِ من علماءِ السلطةِ ومن لفَّ لفَّهم،
الذين لا يهمُّهم سوى إرضاءِ الحاكم،
ولو كان فيه غضبُ الربّ.

* لا خيرَ في علمٍ من دونِ خشية.
انظروا كم ضلَّ من العلماء،
فصاروا أذنابًا للسلطاتِ الظالمة،
وأرضَوا رؤساءهم وأسخطوا خالقهم،
لأنهم تركوا أهمَّ خصلةٍ مطلوبةٍ في العلم،
وهي الخشيةُ من الله.
ومن لم يكنْ منهم مرتبطًا بالسلطة،
دخلَ في متاهاتٍ أخرى.
يقولُ ربُّنا عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [سورة فاطر: 28].
قال ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: "ليسَ العلمُ عن كثرةِ الحديث، ولكنَّ العلمَ عن كثرةِ الخَشيَة".
يعني أنَّ العالمَ الحقيقيَّ هو الذي يخافُ اللهَ ويتَّقيه، فمَنْ لم يكنْ كذلكَ فإنَّ علمَهُ غيرُ مقبولٍ عنده.

* رحمَ الله آباءنا وأجدادنا والحكماءَ من ذوينا وأقربائنا،
الذين كانوا يحذِّروننا دائمًا من الذين لم يكملوا علومهم،
فيقولون عنهم من قبيلِ وصفهم بالجهل:
فلانٌ صاحبُ نصفِ علم،
فهم ليسوا أميين حتى يكونوا على الفطرةِ ويسلِّموا بالأمور،
ولم يكملوا علومهم حتى يعرفوا الأمورَ على حقيقتها،
فصاروا يخبطون ويخبصون،
ويقذفون كلماتهم شرقًا وغربًا،
مثلهم مثلُ الَّذِي {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}.
إن الجهلَ آفةٌ كبيرة،
ومَن جهلَ شيئًا عاداه،
فالإنسانُ عدوُّ ما يجهل،
ولو كان حقًا!

* الحكوماتُ تركزُ على العلماءِ والدعاة،
أما العامةُ في نظرهم فلا شيء؛
لأن حركتهم بحركةِ العلماء،
وهم قوةٌ كبيرة،
وحرارةٌ تموجُ في جسدِ المجتمعِ إذا حرَّكهم الدعاةُ والمفكرون المصلحون،
وهؤلاء معرَّضون دائمًا للاستجوابِ والتهديدِ والتعذيبِ والاغتيال،
وهم في محنةٍ كبيرةٍ في بلادٍ يسودها الظلمُ والطغيان،
وبعضهم لا يتحمَّلُ هذا الضغطَ فيهربون إلى بلادٍ أخرى،
أو يسكتون،
أو يدَعون مبادئهم إلى حين.

* كُذِّبت رسلٌ من قبل،
وكُذِّبَ العلماءُ المخلَصون وأُوذوا على مدَى قرون،
وثبتَ الكثيرُ منهم،
ومنهم من آثرَ السلامةَ في الحياةِ الدنيا فسكت،
مع اعتقادِ ما هو حقّ،
ومنهم من ضعفَ فلم يقلْ خيرًا ولا شرًّا،
وآخرون لم يثبتوا،
بل انقلبوا على أعقابهم،
فانحرفوا وركنوا إلى الظالمين،
وما زالوا على هذه الأحوال.
اللهم ثبِّتنا على الحق،
واجعلنا من أهلِ العزم.

* علماءُ الاجتماعِ يدرسونَ المجتمعَ ويحلِّلونهُ ويؤثِّرونَ فيه،
والأدباءُ يؤثِّرونَ في عواطفِ الناس،
والاقتصاديونَ يؤثِّرونَ في معاشهم،
والتربويونَ يؤثِّرونَ في سلوكهم وتعلُّمهم،
والأطبّاءُ يعالجونَ أبدانهم،
والمتخصِّصونَ في العلومِ البحتةِ والتطبيقيةِ يؤثِّرونَ في صناعاتهم وتقدُّمهم،
وأهلُ الفنونِ يؤثِّرونَ في ترفيههم،
والمؤلِّفونَ والكتبيونَ يؤثِّرونَ في ثقافتهم،
والإعلاميونَ يؤثِّرونَ في توجُّهاتهم،
واللغويونَ يقوِّمونَ ألسنتهم،
والمؤرِّخونَ يؤثِّرونَ في نفوسهم،
والعباقرةُ والمصلحونَ يؤثِّرونَ في عقولهم،
وعلماءُ الدينِ يوجِّهونَ كلَّ ذلك ويقوِّمونه،
ويؤثِّرونَ في المجتمعِ من خلالِ ذلك،
فالدينُ عقيدةٌ ونظامٌ للحياةِ كلِّها.


العلمانية

أبلغُ ما يكونُ الحبُّ والدفاعُ عن المعتقد،
هو فداؤهُ بالروح.
وقد بلغَ تجذُّرُ العلمانيةِ (اللادينية) في نفوسِ كثيرٍ من أبناءِ البلادِ العربية والإسلاميةِ إلى هذا المستوى!
كما لوحظَ في تظاهراتهم وتحركاتهم في أثناءِ ثوراتِ الربيعِ العربي ضدَّ جهودِ الإسلاميين للتخلصِ من الدكتاتورياتِ العربية،
لبيانِ ولائهم لغيرِ الإسلام،
والاستعدادِ لمحاربته،
وطمسِ معالمه،
وسحقِ المدافعين عنه،
ولو أدَّى ذلكَ إلى تلفِ أرواحهم!
إنهم يقدِّمون أرواحهم فداءً لمحاربةِ الإسلام،
ودفاعًا عن العلمانية!

* من الذي حكمَ بلادَ المسلمين بعدَ الاحتلال؟
إنهم القوميون والعلمانيون أعداءُ الإسلام.
ونحن نحكمُ عليهم من خلالِ أعمالهم بعد أكثرَ من نصفِ قرنٍ من حكمهم.
انظروا إلى آثارِ حكمهم في البلاد،
ألم يكثروا فيها الفساد؟
ومازالوا مصرِّين على الحكم،
ويساعدهم الملايينُ من أبناءِ هذه الأمة!!

* إذا كنتَ مخالطًا للعلمانيين،
فلا تتوسَّعْ في علاقتِكَ معهم،
فإنهم لا يقيمون للدينِ وزنًا،
فإذا فعلتَ فقد كثَّرتَ سوادهم،
وجهودُكَ ستصبُّ في مصلحتهم.

العمل الصالح

* العملُ الصالحُ دليلٌ على الإيمانِ الصحيح،
ودليلٌ على النجاحِ والفلاح،
فكم وردَ ثناءُ الله تعالى على {الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} في القرآنِ الكريم؟
وأين يكونُ موقعُ من آمنَ "ولم يعملْ صالحًا" في الإسلام؟

* إذا تذكَّرتَ تاريخكَ الأسود،
فبيِّضهُ بالحسنات:
بذكرِ الله في معظمِ أحوالك،
وبالأعمالِ الصالحة:
من عبادات،
وقُربات،
وبرٍّ وصِلة،
ومعاملةٍ حسنة،
وأخلاقٍ كريمة.
وبالأعمالِ الخيرية،
في خدمةِ الآخرين،
وتخفيفِ الآلامِ عنهم،
فإنَّ الله يبدِّلُ سيِّئاتِكَ حسنات،
ويزيدُكَ إحسانًا.

* من فضلِ الله عليكَ أنه يوفقُكَ إلى العملِ الصالحِ ثم يؤجركَ عليه،
فهو الذي يُلهمكَ عمله،
ويحبِّبهُ إليك،
ويزيِّنهُ في قلبك،
ويقوِّي إرادتكَ لعمله.
فما تكتسبهُ من فضلٍ هو من عند الله تعالى،
وهكذا حسناتُكَ وأعمالُكَ الصالحةُ كلُّها،
فإذا أدخلكَ الله جنتهُ يكونُ بفضلهِ أيضًا.

العهد

إذا عاهدتَ الله على شيءٍ حسنٍ فعليكَ بتنفيذِ العهدِ إذا استطعت،
فإنكَ مسؤول،
ومعاقبٌ على تركه،
معاقبةً في إيمانك،
معاقبةً شديدةً قد لا تشعرُ بها،
أو لا تحسبُ لها حسابًا.
اقرأ قولهُ تعالَى:
{وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ}
{فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}
{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [سورة التوبة: 75 - 77]
أي: فجعلَ الله عاقبةَ أمرِهم نفاقاً في قلوبهم،
وحرَمهم من التَّوبةِ حتَّى الموت،
وذلكَ لغدرهم بعهدِ اللهِ الذي عاهدوهُ عليه،
ونقضِهم ميثاقَهُ الذي واثقوهُ عليه،
وبما كانوا يكذبون ويقولون إنهم سيكونونَ صالحين يؤدُّون حقَّ اللهِ إذا أغناهم،
فالتهَوا بالمال،
واستسلموا للشهوات،
وركنوا إلى الدنيا،
ونَسُوا الله.

الغزو الفكري

التقلباتُ الفكريةُ المتتاليةُ التي تحدثُ في عالمنا،
تشوشُ على المسلمِ العاديِّ دينهُ وثقافتهُ الإسلامية،
لأنه لا يوجدُ توجيهٌ صادقٌ في بلدهِ إلى الدينِ الحق،
ولا يملكُ رصيدًا دينيًّا عاليًا حتى يقارنَ كلَّ جديدٍ بأحكامِ الدين،
فيختلطُ عليه الأمر،
وتترسخُ في ذهنهِ أفكارٌ نتيجةَ تكرارها،
ويصعبُ عليه التخلصُ منها بعد مدة،
لأنها تصيرُ جزءًا من شخصيتهِ الثقافية.


الفرح والترح

* السرورُ لا يدوم،
والحزنُ كذلك لا يدوم،
إنها الحياةُ التي تتقلَّبُ بالإنسان،
بفرحها وترحها،
وبسعادتها وشقائها،
وصحوها وغيمها،
والإنسانُ يتنقَّلُ بين هذا وذاك،
والله ناظرٌ ماذا يفعل،
وكيف يتصرَّف،
وهل يعتبر،
أم يضعُ العبرَ وراءَ ظهرهِ ويمشي،
حتى يأتيَهُ الموت؟

* حياةُ الترفِ تؤثّرُ على الاتجاهِ الفكري لدى الإنسان،
وعلى سلوكهِ وشعورهِ بالناسِ وأحوالِ المجتمع،
ويكونُ بعيدًا عادةً عن بيئةِ الفقراءِ وأحوالهم المعيشية،
ولذلك لم يفضِّلها رسولُنا الكريمُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم،
وهو أكملُ الخلقِ إنسانية،
وأكرمُهم على الله تعالى.

* العيدُ بهجةٌ للصغار،
أمّا الكبارُ فبحسبِ أحوالِهم،
وهو ذكرياتٌ مؤلمةٌ للنازحين والمسجونين والمعذَّبين والمشرَّدين ومَن فقدوا أهليهم وأموالَهم.
اللهمَّ صبِّرهم،
وفرِّجْ كربَهم،
وعوِّضهم خيرًا،
وانتقمْ ممَّن ظلمهم.

* رؤيةُ الأحفادِ تجدِّدُ نشاطَ الكبار،
وتبهجُ قلوبهم،
وتحبِّبُ إليهم الحياة،
وتبعثُ فيهم الأمل،
حيثُ يرونهم خلَفًا لهم،
واستمرارًا لحياتهم،
التي توشكُ أن تنتهي.

فروق

* فرقٌ بين الغايةِ والهدف،
فالهدفُ سببٌ للإقدامِ المباشرِ على الفعلِ لتحقيقه،
والغاية: الدافعُ الأساسيُّ لتحقيقِ الهدف،
وغايةُ المؤمنِ من كلِّ أعمالهِ الموافقةِ للشريعةِ هي إرضاءُ ربِّ العالمين،
والغايةُ عند غيرِ المؤمنِ قد تكونُ الهدفَ نفسه،
وقد تكونُ لها أبعادٌ أخرى في ذهنهِ لا نعرفها،
فالهدفُ من مساعدةِ فقيرٍ هو سدُّ حاجته،
عند المؤمنِ والكافر،
والغايةُ عند المؤمنِ هي إرضاءُ ربِّهِ بالتقرُّبِ إليه بتنفيذِ أمرهِ في مساعدةِ الفقير،
وعند غيرِ المؤمنِ هي عملٌ "إنساني"،
أو طلبُ "شهرة"،
أو "لفتُ نظر"،
أو دعايةٌ وإعلانٌ عن مشروعهِ أو تجارتهِ أو معمله،
أو ينتظرُ بذلك تعويضًا اقتصاديًّا من جهات..
ومثلُ هذا.

* فرقٌ بين الذي يتولَّى وظيفةً وهو من أسرةٍ وجيهةٍ كريمة،
وآخرَ ليس كذلك،
الأولُ كثيرًا ما يساعدُ الناسَ ويحلمُ عليهم ويعرفُ كيف يتعاملُ معهم،
والآخرُ ليس في درجته.
والسببُ هو التربية،
فالأسرُ الكبيرةُ تعتني بتربيةِ أبنائها وتعليمهم،
فهم يحضرونَ مجالسَ الأسرة،
ويتعلَّمون منها آداب الرجال،
وكيفيةَ التعاملِ مع الناسِ بفئاتهم،
وقضاءِ حوائجهم،
والأسرُ الضعيفةُ وغيرُ المعروفةِ أحوالُهم غيرُ مستقرَّةٍ وغيرُ مشجِّعة،
فينشأُ الأولادُ في الأسرةِ الأولى على علمٍ وتربيةٍ ومروءة،
والآخرون، اللهُ أعلمُ كيف تخرَّجوا ومَن صاحَبوا،
ويلقَى الناسُ من كثيرٍ من هؤلاءِ الأذى والكلامَ الرديءَ والمعاملةَ السيئة،
والطردَ والجحودَ والتهديدَ والإهانة،
كما هو في عهدِ الأحزابِ والمخابرات...
حيثُ ارتقَى الأسوأ،
وتحكَّمَ الأدنَى،
وأُبعِدَ الأفضلُ والأنسب..

* فرقٌ بين من يذهبُ إلى بلادِ الغربِ كبيراً وقد تربَّى في بلادِ الإسلام،
وبين من نبتَ هناك في بيئةِ كفرٍ وانحلالٍ خُلقي،
إنهم في خطر،
وأقلُّ مسؤوليةِ الوالدين أن يُدخلوا أولادهم المدارسَ الإسلاميةَ هناك إنْ وجدت،
ويستمروا في إرشادهم حتى ما شاءَ الله...

* فرقٌ بين مَن يبكي على صفقةٍ خاسرة، ومَن يبكي على فواتِ الشهادة.
فرقٌ بين مَن يخاطرُ لأجلِ العلمِ والدعوة، ومَن يخاطرُ لأجلِ المالِ والشهوة.

* فرقٌ بين من يأخذهُ الضجرُ والقلقُ لأنه لا يجدُ ما يملأ به وقته،
وبين من تزاحمهُ المواعيدُ والأعمالُ فلا يجدُ وقتاً للراحة!
إن الاقترابَ من الأصدقاءِ الطيبين يقضي على الضجر،
وإن المساهمةَ في الأعمالِ الخيريةِ تقضي على القلق،
وتجلبُ راحةً للضمير،
وشفاءً للنفس.

* من الفروقِ المهمةِ التي ذكرها ربُّنا بيننا وبين أهلِ الكفر،
أننا ندعو إلى جنةِ الله ومغفرته،
والكافرون يدعونَ إلى مآلٍ مظلمٍ مؤلم،
وهو النار،
فيقولُ سبحانه:
{وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
[سورة البقرة: 221].

* الطيبون يخرجون من البيتِ ويتصفحون وجوهَ الناسِ ليساعدوا الفقيرَ منهم والمحتاج،
ويدخلون الأزقَّةَ ويمرون بالبيوتِ القديمةِ ليسدُّوا عوَزهم ويقدموا لهم ما يحتاجون إليه.
والمجرمون يخرجون من بيوتهم وقد نووا شرًّا،
فيتصفَّحون وجوهَ الناسِ أيضًا ويختارون منهم من يكون صيدهم ليومهم،
لتنفيذِ وصيةٍ بقتلهِ بعد الاتفاقِ على صفقةِ مال،
أو متابعتهِ والتلصصِ وراءهُ لسلبِ مالهِ أو فعلِ أيِّ عملٍ مشينٍ به.
نفوسٌ طيبةٌ مباركةٌ عطرة،
ونفوسٌ مجرمةٌ خبيثةٌ نتنة.
اللهم إنا نسألكَ حياةً طيبةً في الدنيا وفي الآخرة،
ونعوذُ بك من شرِّ الإجرامِ وأهله،
ونعوذُ بك أن يكونَ مصيرنا مصيرهم.

* انظر الفرقَ بين ضحكِ الشبابِ وضحكِ الشيوخ.
الشبابُ يضحكون من أعماقِ قلوبهم،
ويرفعون به أصواتهم،
فما زالوا أغرارًا على الحياة،
لم يعرفوا حقيقتها،
لم يجرِّبوها،
لم يخبروا ما وراءَ مظهرها،
لا يعلمون ما تخبِّئهُ لهم من اختبارٍ وابتلاء،
وغدٍ مجهول.
والشيوخُ يتبسَّمون،
أو يخفضون أصواتهم إذا ضحكوا.
لقد جرَّبوا الحياة،
وعرفوا أن الدنيا ليست ضحكًا،
بل هي غدَّارة،
وراءها ما وراءها،
تُصيب بعد مسرَّة،
وتُمرضُ بعد صحَّة،
وتفقرُ بعد غنى،
وتضعفُ بعد قوة،
وتحزُّ القلوبَ أحيانًا.. بلا رحمة.
إنها تُبكي.. كما تُضحك..
ولا أمانَ لمثلِ هذا..
فلا ضحكَ من الأعماق.
وما كان ضحكُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسُّمًا.


الفساد

* فسدَ بنو إسرائيلَ عندما فسدَ علماؤهم،
وها هي أمتنا قد أصابها ما أصابهم،
فما أكثرَ العلماءَ الفاسدين في عصرنا،
الذين يُرضون الحكّامَ ويُسخطون ربَّ العالمين،
وما أكثرَ ما فسدَ من عامةِ الأمةِ نتيجةَ ذلك،
وكلهم محاسَبون،
العامةُ والخاصَّة.

* بؤرُ الفسادِ في المجتمعِ تفرِّخُ الشرَّ والجريمة،
وإذا لم يُقضَ عليها زادت شرورها ومفاسدها،
ولم يأمنِ المرءُ على نفسهِ وأهلهِ وماله.

* الذي يفسدُ في الأرضِ يعودُ ضررهُ على أهلهِ وجيرانهِ ووطنه،
وقد لا يجني من وراءِ فسادهِ سوى القليل،
أما الضررُ فيزيدُ وينتشرُ ويعمّ.

القدر

* إذا كانت نفسكَ طيبة،
ونيتكَ صادقة،
فإن الله يُبعدكَ عن أمورٍ لا تليقُ بك ولا تصلحُ لك،
ولو دفعتَ بنفسِكَ إليها،
وحرصتَ على الوصولِ إليها،
فلا تتحسَّرْ على ذلك،
ولا تقلْ لماذا لم تكنْ من نصيبي،
ولماذا لم يُجرِها الله عليّ،
فمن حبِّ الله لكَ أبعدها عنك،
ولمصلحتك،
فهو يعلمُ الغيبَ وأنتَ لا تعلمه،
وهو يعرفُ ما يصلحُ لكَ أكثرَ منك،
فاقنع،
وسلِّم،
وطبْ نفسًا،
فإن الله سيقدِّرُ لكَ خيرًا مما كنتَ ترجوه،
إذا آمنت،
وصبرت،
واسترجعت..

* من لطفِ الله وقدرهِ أنه إذا أرادَ أمرًا لكَ فيه خير،
ولكنك تتوجَّسُ منه خيفةً ولا تحبه،
يسَّرَ لك جوانبه،
وهيَّأ لكَ مداخله،
حتى تدخلَ فيه وقد أدركتَ غوره،
ولمستَ خيره،
وسهلَ عليكَ ممارسته.

القلب

تعوَّذْ بالله من القلبِ القاسي،
فإنه منبعُ كلِّ شرّ،
فالقاسيةُ قلوبهم يقطعون أرزاقَ الناسِ كما يقطعون طريقهم،
ويغتصبون الأبرياءَ كما يغتصبون أموالَهم،
ويتجسَّسون على الناسِ ويُخبرون عنهم لأجلِ المال،
وهم الذين يقتلون الناسَ بغيرِ حقّ،
هم الذين يفتنون الناسَ في السجونِ ويعذِّبونهم حتى الموت..
وقد ذمَّ الله تعالى بني إسرائيلَ في طورٍ من تاريخهم لقسوةِ قلوبهم،
فقال عنهم في القرآنِ الكريم:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [سورة البقرة: 24]
فكانت قساوةُ قلوبهم سببَ انحرافهم،
وسببَ مقتِ الله وغضبهِ عليهم،
اللهم إنّا نعوذُ بكَ من القلبِ القاسي،
ونعوذُ بكَ أن نكونَ {كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [سورة الحديد: 16].

القلق والاطمئنان

* القلقُ يعتري الإنسان،
نتيجةَ خوف،
أو مصيبة،
أو مرض،
أو تداخلِ أمور،
أو تشابكِ مصالح،
أو انتظار.
وعلاجه: الصبر،
والرضا بقضاءِ الله تعالى،
والصلاة،
وذكرهُ سبحانه،
والمواساةُ من الأهلِ والأحباب.

* المللُ يسبِّبُ الضجر،
والضجرُ يؤدي إلى القلقِ والعصبية،
ودواؤهُ التجديد،
والتخلصُ من العاداتِ السيئة،
والأعمالِ غيرِ النافعة.
أما المللُ من الأعمالِ النافعة،
فهذا يعني عدمَ الاقتناعِ بها،
وهو علةٌ فكرية،
أو أنه لتكرارِ عملٍ وحيدٍ دون تنويع،
وهذا علةٌ نفسية،
تنقضي بالتنويعِ والتجديد.

* إلى النفسِ التي لا تجدُ اطمئنانًا في الجسد،
ولا تعرفُ طعمَ الهدوءِ لتهدأ،
هذه وصفةُ علاجٍ من دينِ الإسلام:
ابتعدي أيتها النفسُ عن الحرام،
وعن الظلم،
والشبهات،
والحسد،
واشتغلي بالاستغفار،
وكوني في شأنك،
فستجدين الهدوءَ مؤكدًا.

* إذا لم يطمئنَّ قلبكَ بذكرِ الله،
وبقراءةِ القرآن،
فأعدْ ذلكَ مرات،
فإذا لم تُفلح،
فإن نفسكَ مظلمة،
تحتاجُ إلى جلي،
إنها ذنوبكَ التي تراكمتْ حتى اسودَّ قلبك،
لم تتبْ منها،
أو تبتَ وعدتَ إليها،
إذًا تُبْ بصدق،
ثم عدْ فاقرأ،
وسترى.

* الذين يتنحنحون باستمرار،
أو يؤدُّون حركاتٍ زائدة،
عندهم قلقٌ أو أمراضٌ أو عُقدٌ نفسية،
وذكرُ الله تعالى يخفِّفٌ من ذلك كثيرًا،
واطمئنانُ القلبِ به يكادُ أن يقضي عليه.

الكتاب والمكتبة

* الكتابُ دليلُكَ إلى المعرفة،
ومربعُكَ في عالمِ الفكر،
وموئلُكَ في عالمِ الأُنس،
ومفتاحُكَ لاكتشافِ المجهول.

* هناك كتبٌ غيَّرت اتجاهَ كثيرٍ من المثقفين،
ليس إلى الحقِّ فقط،
بل إلى الباطلِ أيضًا،
فالكتابُ وعاءٌ يحملُ فكرًا،
قد يكونُ مستقيمًا،
وقد يكونُ منحرفًا.

* الكتابُ الورقيُّ في خطر،
وخطورتهُ شكلية،
فإن الخطرَ على الورقِ فقط،
ومعلوماتهُ تُحفَظُ بشكلٍ آليٍّ ولا تضيع.

* لم يعدْ تعريفُ الكتابِ محدَّدًا بغلافين.

* المستقبلُ للكتابِ الإلكتروني،
لأنه المناسبُ للعصر،
واسترجاعُ معلوماتهِ أسهلُ وأسرعُ من الورقيّ.

* الكتابُ الورقيُّ سيضعف،
ولكنهُ لن يموت،
وسيبقَى رمزًا للعلم،
وصديقًا وديعًا للإنسان،
وتراثًا،
وتحفة،
وذكريات.

* الذي يحبُّ العلمَ لا يهمُّهُ إنْ كان الكتابُ ورقيًّا أو إلكترونيًّا.

* منهم من لا يعرفُ من الكتابِ سوى غلافه،
مثلُ الفنانين التشكيليين والمصمِّمين،
ومنهم من لا يعرفُ منه سوى عنوانهِ وفهرسه،
مثلُ المكتبيين والوراقين،
ومنهم من يهمهُ محتوياتهُ أولاً،
وهؤلاء هم العلماءُ والمثقفون.

* التغزلُ بالكتابِ يعني تناولهُ بلطف،
ومسحُ غلافهِ بكمِّهِ أو صفحةِ يده،
ولو لم يكنْ عليه غبار،
والتبسُّمُ إليه حين يراه،
والنظرُ فيه بشوقٍ وكأنهُ لم يرَ كتابًا من قبل،
وتقلُّبُ مزاجهِ إذا لم يتمكنْ من الحصولِ عليه،
واصفرارُ وجههِ إذا نُزعَ من بين يديه،
وتألمهُ عند فراقهِ له،
ولوعتهُ وشدَّةُ هيامهِ به إذا طالَ عهدهُ به،
ولا يستلقي إلا والكتابُ إلى جنبه،
ولا ينامُ إلا وقد سقطَ الكتابُ على وجهه،
وليس له حظٌّ من الأسواقِ سوى المرورِ على الكتبِ والمكتبات،
ولا يأنسُ في مجلسٍ إلا إذا كان الحديثُ فيه عن التأليفِ والكتب.

* أنت تقرأ عنوانَ الكتابِ في ثوان،
وتقرأ مقدِّمتَهُ وفصولَهُ في دقائق،
وتطَّلعُ على محتواهُ في ساعاتٍ أو أيام،
ولا تعرفُ كم بقي معه المؤلفُ وبذلَ فيه من الفكرِ والجهد،
من شهورٍ أو سنوات.

* إذا عاملتَ الكتابَ معاملةَ الجماداتِ لم تدمِ العلاقةُ بينكَ وبينه،
فإذا احترمتهُ وربتَّ على غلافه،
عقدَ معكَ معاهدةَ حبٍّ ووفاء.

* المكتبةُ الشخصيةُ ليست علمًا وهوايةً فقط،
بل هي ذخرٌ وكنز،
ومالٌ وتجارةٌ أيضًا،
يتصرَّفُ فيها صاحبها عند الضرورة،
ويعيلُ بها نفسَهُ وأهله،
ولذلك تقرأ في سيرةِ علماءَ وأدباءَ أنهم باعوا مكتباتهم،
كلَّها أو بعضها،
للحاجةِ والضرورة،
وما أصعبها من لحظات،
وما أقساها،
وقد بعتُ من مكتبتي كتبًا بأثمانٍ رخيصةٍ ربما ثلاثَ مرات،
لظروفٍ قاسيةٍ مررتُ بها،
والمشتري لا يرحم،
والحاجةُ ماسَّة،
ولا أنسى تلك اللحظاتِ في حياتي،
وصورُ بعضِ الكتبِ منها لا تغادرُ مخيلتي حتى اليوم!

الكسب والرزق

* من ظنَّ أن كلَّ شيءٍ يحصِّلهُ يتمُّ بجهدهِ فقد ضلّ.
وهو مثلُ قارونَ الذي قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [سورة القصص: 78]،
أي: هذه الأموالُ التي عندي حصَّلتُها بعلمي وخبرتي في المكسبِ والتِّجارة.
ولم يسندْ توفيقهُ في جمعِ هذا المالِ إلى فضلِ الله خالقهِ ورازقه.
فالملكُ لله،
يهبُ لمن يشاءُ بقدرتهِ وحكمته،
ويستطيعُ أن يقطعها عنه في أيِّ وقتٍ أراده،
وفي لحظةٍ لا يتوقَّعها،
وهو غافلٌ لا يشعر،
كما خسفَ بقارون وبمالهِ وحتى مفاتحهِ فجأة!
والمسلمُ يعرفُ هذا،
ويعلمُ أن الله يحفظُ مَن شاءَ من عبادهِ مِن السوء،
ويوفِّقهم للخيرِ والبرِّ والتقوى،
ويسهِّلُ لهم الأمورَ لينالوها،
وييسِّرُ لهم الأسبابَ ليحصِّلوها،
ويليِّنُ لهم قلوبَ العبادِ ليساعدوهم..
وقسْ على ذلكَ أمورَ الحياة..
ولكنْ هناك غافلونَ لا يفكرون بهذا..
فلا يشكرون الله على ما هم فيه من نعمة..
وهم كثر.

* أرضٌ لا تُنبتُ لكَ بقلاً،
ولا تجني منها رزقًا،
ولا تحصلُ منها رفدًا،
وترَى من أهلها صدًّا وبعدًا،
لماذا تبقى فيها،
وأرضُ الله واسعة؟

* جاران في أرضٍ زراعية،
زرعا معًا،
وسقيا معًا،
وحصدا معًا،
فحصَّلَ أحدُهما قُوتَهُ بالكاد،
والآخرُ رُزِقَ أضعافَ ما زرعَ وغَني.
كيف حصلَ هذا؟
ولماذا لم يأخذِ الأولُ رزقهُ بالقوة؟
لماذا يربح تجارٌ بالملايين وآخرون بالملاليم؟
كيف يحدثُ هذا في شؤون الحياةِ كلِّها؟
إن الرازقَ هو الله وحده،
ولا أحدَ يستطيعُ أن يحصلَ على أكثرَ من رزقهِ الذي قسمَهُ الله له،
فبيدهِ الخير،
وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
{تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء}
سورة آل عمران: 26

* إذا رضيتَ بحكمِ الله في واقعك،
أنقذتَ نفسكَ من مواطنِ الهلاك،
وعشتَ بعيدًا عن الأمراضِ النفسيةِ الفتّاكة،
التي تُصيبُ أهلَ الأموالِ والتجاراتِ خاصة،
فتحمدُ الله على كلِّ حال،
إن ربحتَ أو خسرت،
إن نجحتَ أو فشلت.
وكانت لي حصةُ ربحٍ في اتفاقٍ مع صديق،
فلما وصلتُ إلى قربِ الحصولِ عليها سحبها مني،
فغضبت،
واسودَّتِ الدنيا في عيني،
وكنتُ قد تابعتُ الأمر بنفسي أسابيعَ أو شهورًا،
وقلتُ ذلك لعالمٍ كبيرٍ لا أعرفُ منه سوى النصحِ والإخلاص،
فقال بعد موعظة:
إن له أن يسحبَ توكيله،
فهو الوكيل،
وهو صاحبُ الشأن.
فحمدتُ الله على كلِّ حال،
ورضيتُ بقدره.
وقد عوَّضني الله تعالى أضعافَ أضعافَ ما رجوتهُ من ذلك الربح،
أما ذلك الصديقُ فقد توقفت تجارتهُ تلك بشكلٍ كامل،
ولم يحصِّلْ منها ربحَ درهمٍ واحد!
إنها أسرارُ الكون، والقدر، والامتحان،
والخيرُ بيدِ الله وحده.

الكفر والكفرة

* ألا ترى إلى دقَّةِ تركيبِ الساعةِ ونظامها الدقيقِ في الحركةِ والدوران؟
كلُّ ذلك ليتوافقَ عملها مع وقتِ طلوعِ الشمسِ والقمرِ ودورانِ الأرض،
ليعرفَ الناسُ مواقيتَ أعمالهم، ومواعيدَ أسفارهم،
ومسافاتِ طرقهم،
وأوقاتَ عباداتهم،
ومواسمهم،
وأعمارهم...
فإذا جاءَ أحدهم وقال لك: هذه الساعةُ التي تقولُ إنها مركبةٌ بدقَّة،
وتعملُ بشكلٍ دقيق،
لم يصنعها أحد،
وإنما هي موجودةٌ هكذا منذ أزمانٍ بعيدة،
وتركَّبتْ هكذا بنفسها،
جاءتْ صدفة،
أو صنعتها "الطبيعة"..
بمَ تصفُ الذي يقولُ هذا؟
وماذا تقولُ لمن يأتي من بعدُ ويدَّعي أن الشمسَ والقمرَ وغيرها من الكواكبِ والنجومِ والمجرَّاتِ والأرضَ وما فيها من أحياءٍ كلَّها جاءت من غيرِ قدرةِ قادر؟
من أيهما تعجبُ أكثر؟
إنها فلسفةُ الملحدين،
أو قل: فلسفةُ المجانين!

* الإنسانُ الآلي الذي تطوِّرهُ اليابانُ منذ عقودٍ من الزمن،
وتقفُ وراءهُ عقولٌ ذكيَّةٌ عملاقة،
وتُصرَفُ على بحوثهِ الملايين..
تجدُ داخلهُ آلاتٍ وأسلاكًا وألواحًا إلكترونيةً مبرمجةً كثيرةً ومعقَّدة..
كلُّ ذلك حتى يستطيعَ أن يحرِّكَ يدهُ الصناعية،
ويؤدِّيَ بعضَ الحركاتِ بنفسه،
أو يخطوَ بعضَ الخطواتِ بالمفتاح (الريموت) الذي بيد صاحبه..
أو يحيِّي الجمهور،
أو يتناولَ حاجة،
أو يقومَ بعملٍ متواضع..
هذا الإنسانُ الآليُّ البسيطُ يجذبُ أنظارَ الملايينِ من البشرِ في المعارض،
وتُبهرهم العقولُ اليابانيةُ الفذَّةُ التي تصنعهُ وتطوِّرهُ باستمرار..
وبين هؤلاء ملحدون..
إذا قال لهم أحدهم: إن هذا الإنسانُ الآليَّ لم يصنعهُ يابانيون ولا غيرهم،
ضحكوا عليه وأشفقوا على عقله،
ولا يجذبُ نظرَهم الإنسانُ "العادي" الذي يعمِّر هذا الكون،
والذي استطاعَ أن يخترعَ أشياءَ مبهرة،
منها هذا الإنسانَ الآليَّ نفسه!
إذاً ربما يؤمنون بصانعي الإنسانِ الآليِّ لأنهم يرونهم..
فإذا لم يروهم قالوا مثلما قالوا في خالقِ الإنسانِ وإلهِ الكون: لا خالقَ ولا إله!
وما ذنبنا إذا قلنا عندئذ: إن هؤلاء لا يرونَ عقولهم،
فعقولهم غيرُ موجودة؟!
أما إذا قالوا إنهم يرونَ آثارَ عقولهم عيانًا..
فإنهم كذلك يرونَ آثار الخالقِ عزَّ وجلّ..
إذًا فالأمرُ يتعلَّق بعمَى القلب،
لا بعمَى العين!

* انظروا إلى من كفرَ في السابقِ واللاحق،
والملايين الذين تسمعون عنهم في عصرنا،
هل نقصوا بكفرهم من مُلكِ الله شيئًا؟
هذه السماواتُ السبعُ والأرض،
وما بينهما من شمسٍ وقمر،
ونجومٍ وكواكبَ أُخَر،
هل حطَّموا نجمًا صغيرًا واحدًا،
أو نقصوا من وزنِ الأرضِ بكفرهم؟
فمن هم؟
وما وزنهم عند الله؟
لقد أهلكَ الله الكثيرَ من أمثالهم على مرِّ التاريخ،
ثم هؤلاءِ يعودون لفعلهم ولا يعتبرون،
وكأنهم مخلَّدون،
خُلقوا عبثًا ولا يُسألون،
فإذا لم يعتبروا هم،
فاعتبروا منهم أنتم أيها المسلمون.

* رأى محسنٌ لقيطًا مرميًّا في الشارع،
فرحمه،
وأخذهُ فربَّاهُ بين أولاده،
ولما كبرَ واستقامَ عوده،
وقدرَ على العملِ وإصلاحِ شأنه،
كفرَ بوليِّهِ وإحسانهِ إليه،
وصارَ يذكرهُ بسوء،
ويتحدّاهُ إن كان قادرًا على إيذائه!
إنه مثَلُ الكافرِ الغارقِ في نعمةِ ربِّه،
ثم يكفرُ به ويلحد،
ولا يذكرهُ بحسنةٍ أنعمَ بها عليه!!

* متى يتنبَّهُ الكافرون إلى أنهم في ضلالٍ وعلى خطأ؟
هل يلزمُ أن يتذكروا ذلك عند دخولهم النارَ وخلودهم فيها وهي تتأجَّجُ بهم؟
أم عليهم أن يتفكروا ويتدبَّروا ويرجعوا إلى الحقِّ وما زالتِ الفرصةُ سانحةً لهم؟
{يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}
سورة الأحزاب: 66.

* الكفرُ بعد الإيمانِ يعني الفسقَ والخذلانَ والنكوص،
وتركَ الحقّ،
وإحباطَ العمل،
والرضا بحكمِ الشيطان،
والركونَ إلى الدنيا،
وتركَ الآخرةِ وما وعدَ الله فيها المؤمنين العاملين بالفوزِ بالخلودِ في الجنان.

* يقولُ الله تعالى للكافرِ حين يعرِّفهُ مكانَهُ من النار،
مبيِّنًا له سببَ مصيرهِ هذا:
{بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}
[سورة الزمر: 59]
التكذيب.. والكِبْر..
ما أخطرهما في حياتِكَ أيها الإنسان..

متفرقات

* مثالٌ لما يجتمعُ فيه التعبُ والفرح:
عملُ الأمِّ لأولادها في دوامٍ مفتوحٍ وبدونِ إجازات.
الجهادُ شوقًا إلى الجنة.
الرحلاتُ لأجلِ طلبِ العلمِ والاستكشاف.
العبادةُ والخَلقُ نائمونَ أو متلهون.
أعمالُ الإغاثةِ التطوعية.
جنيُ المحاصيل.
التجارةُ وأرباحها المدرَّة.
السهرُ في الحساباتِ لأجلِ تقاسمِ الأرباح.
الأعمالُ والمهنُ الموافقةُ للطبع.
الهواياتُ والألعاب.

* عندما تكونُ واقفًا تحملُ جزأكَ العلويَّ والسفلي،
وعندما تكونُ قاعدًا تحملُ جزأكَ العلويَّ فقط،
وعندما تكونُ مستلقيًا تحملُ همًّا وراءَ همٍّ حتى تقوم!

* الراحةُ تجدِّدُ طاقتكَ بعد العملِ المرهق،
فإذا تابعتَ العملَ نقصَ الإنتاج،
أو أصابَهُ خلَل،
أو أُصبتَ أنتَ بفتور،
حتى لو كان ما تقومُ به عبادة.
وتذكَّرِ الحديثَ الشريف:
"وإن لجسدِكَ عليكَ حقًّا".

* ليس من متطلباتِ القوةِ أن يُلقيَ المرءُ بنفسهِ إلى التهلكة،
فيصعدَ الجبالَ الشاهقةَ لساعاتٍ طويلة،
في طلعاتٍ حرجةٍ وطرقٍ ضيِّقةٍ خطرة،
أو يتسابقَ في سياراتٍ بسرعاتٍ جنونية،
أو يُلقي بنفسهِ في دوائرَ تحيطُ بها النيران،
أو يضعَ رأسَهُ بين فكَّي أسد.
فمثلُ هذه الأمورِ لا تدلُّ على قوة،
ولا تقدِّمُ فائدةً أو منفعة.
والمسلمُ الملتزمُ يبتعدُ عنها؛
لأنها شجاعةٌ مرفوضة،
بل هي محرَّمةٌ في الإسلامِ إذا غلبَ على الظنِّ هلاكُ المرءِ بها أو تعرُّضهِ لأذيَّةٍ بسببها.
والمسلم يُقبلُ على ما فيه نفعٌ وفائدة،
وما يتقوَّى على الجهادِ بفنونٍ رياضيةٍ أخرى.

* إذا أردتَ أن تبالغَ في تحقيرِ أحدٍ قلتَ له:
أنتَ أحقرُ من هذا الترابِ الذي أدعسه!
ولكنَّ هذا الترابَ يكونُ أغلى من روحكَ عندما تفديه بنفسك،
وتخلِّصهُ من عدوٍّ يريدُ أن ينتزعَهُ منك.

المرأة

الرجلُ يَنشَطُ ويتَّئد، والمرأةُ تَنشَطُ وتَخِفّ.
الرجلُ أقسى من المرأة، إلا في مكرٍ أو غَيرة.
الرحمةُ أرجَى من المرأة، والعونُ أرجَى من الرجل.
المرأةُ تتكلمُ أكثر، والرجلُ يعملُ أكثر.
المرأةُ قلبها في البيت، والرجلُ قلبهُ في المصنع.
المرأةُ تُمسك، والرجلُ يُنفق.
المرأةُ تَطيش، والرجلُ يُحكِم.
المرأةُ لها سهمٌ أكبرُ في قيادةِ الانحرافاتِ بالمجتمع.
المرأةُ تضجرُ بسرعة، والرجلُ بعدَ حين.
المرأةُ تتآلفُ مع الضجيج، والرجلُ يبقَى محبًّا للهدوء.
المرأةُ تصيحُ وتستغيث، والرجلُ يهرعُ ويُغيث.
المرأةُ تكنزُ الجبن، والرجلُ يُري الشجاعة.
المرأةُ تعاندُ وتصبر، والرجلُ يعاندُ ويوجِع.
المرأةُ أضعفُ بدنًا، والرجلُ أقوى وأقدر.
المرأةُ تدافع، والرجلُ يهجم.
المرأةُ تفكرُ في وزنها وعمرها، والرجلُ يفكرُ في مستقبله.
المرأةُ أكثرُ جمالاً ولطافة، والرجلُ أكثرُ جديةً وحزمًا.
المرأةُ تربِّيهم صغارًا، والرجلُ يستعينُ بهم كبارًا.
المرأةُ موئلُ الحنان، والرجلُ صانعُ البطولةِ والجهاد.
المرأةُ تبني الأُسَر، والرجلُ يبني الأوطان.
المرأةُ تفدي بقلبها، والرجلُ يفدي بروحه.

المزاج

المزاجُ لا يكون ميزانًا للحقِّ والصواب،
وعادةً ما يأتي من نظرةٍ أولية..
والحبُّ والكرهُ من المزاج،
{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}
[سورة البقرة: 216].
فليس هو حكَمًا في الخيرِ والشرّ،
ولا في الحقِّ والباطل،
وينبغي أن يطوَّقَ هذا المزاجُ بالعقلِ والحكمةِ بما وافقَ الشرع،
حتى لا تنتشرَ آثاره،
ويستسيغها البعضُ بدونِ تفكيرٍ وتحكيمِ رأي.

* إذا تصرَّفتَ حسبَ مزاجكَ خارجَ البيت،
اصطدمتَ بأمزجةٍ مختلفة.
هناكَ قواسمُ مشتركةٌ بين الناسِ للتصرفِ فيما بينهم.
مثلُ الاحترام،
والتكلمِ بهدوء،
والبعدِ عن الأذى،
وعدمِ التكبر.

* إذا كنتَ متقلِّبَ المزاج،
لا تصمدُ على طريقةٍ واحدة،
ولا تثبتُ على عادة،
فإياكَ أن تُصابَ بلوثةِ المعصيةِ أو الردَّة،
فتعصيَ ربَّك،
أو تتركَ دينك،
لأجلِ مزاجِكَ المريض.

* يجبُ أن لا ننسى،
أن الفِرقَ الإسلاميةَ تفرَّقت عن أصلِ الإسلامِ لأنها لم تكتفِ بالوحيين: الكتابِ والسنة،
بل استعملت هواها ومزاجها في تفسيرِ النصوص،
وابتدعتْ في الدين أشياءَ جديدةً غيرَ موجودةٍ في القرآنِ والحديث،
فضلَّت وأضلَّت،
وقد صارَ من أتباعها الملايين!
ولو أنها اكتفت بكتابِ ربِّنا سبحانهُ وتعالى، وبسنةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم،
لما ضلَّت.

* ومَن قال إن العقولَ لا تتأثرُ بالأمزجة؟
إنه واقعٌ لا يُنكر..
وإن مَن يصرُّ على أن يكونَ مزاجهُ هو الحكمَ في قبولِ الأخبارِ أو ردِّها،
أو عقلهُ الممزوجُ بمزاجه،
وخاصةً إذا كان ذا مزاجٍ عكرٍ وعصبية،
فإنه لا يضرُّ إلا نفسه،
فقد آتَى اللهُ النفسَ فجورًا وتقوى،
فإذا اختار امرؤٌ الفجورَ والضلالَ فلا يلومنَّ غدًا إلا نفسه.

* أمزجةُ الناسِ وتأثرهم في الحياةِ ومدى تحملهم الأمورَ تختلف،
فإذا رأيتَ صورًا ومناظرَ تشوِّشُ عليك فكركَ وتخرِّبُ أعصابك،
فتجنَّبها.

المزاح

ذكرَ العلماءُ سنيةَ المزاح،
نظرًا لأن الرسولَ عليه الصلاةُ والسلامُ قد مزح،
ولكن قيَّدوهُ بعدمِ الإكثارِ منه؛
لأنه بذلك يقسِّي القلب،
وأن يكون المزاحُ حقًّا،
لا كذبَ فيه،
وأن يكونَ بأدب،
فلا يجرحُ به أحدًا.

المسكر والمخدِّر

إذا ابتليتَ ببيئة تُدارُ على موائدها الخمور،
فتجنَّبها،
وتجنَّب أصحابها حتى ينتهوا على الأقل،
فإن الله يبعثُ في قلبكَ نورًا،
وإذا لم تفعل،
أو حضرتَ مراتٍ وتجنَّبتَ أخرى،
فإنك ستقتربُ منها،
للرائحةِ أو التجربة،
أو الألفةِ والسلوكِ والعادة،
ثم لا تلبثُ أن تكونُ مثلهم،
كالطفلِ الذي يكرهُ القهوة،
طعمَها ورائحتها،
ثم لا يلبثُ أن يشربها..
إنها العاداتُ السيئة،
وأصدقاءُ السوء..

* أقربُ ما يكونُ المرءُ من الشيطانِ وهو سكران،
فإنهُ قد يرتكبُ أيةَ جريمةٍ أو فعلٍ فاحش،
ويكونُ الفرقُ بينهما،
أنَّ أحدَهما واعٍ والآخرَ غيرُ واع.

* تكثرُ الشياطين في مواطنِ الحرامِ والإفكِ والخيانة،
وتوقِعُ العداواتِ بين الناس،
وتحضُّهم على السُّكرِ والزنا والقتل،
وعلى القمارِ والسرقةِ وأكلِ الحرام..
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}؟
سورة المائدة: 91.

* هل تتصورُ أن يحتسيَ المرءُ سُمًّا وهو يعرفُ أنه سُمّ،
ولا يريدُ بذلك الانتحار؟
الجوابُ نعم،
وهم بالملايين،
كمن يشربُ الدخان،
فقد أثبتتِ التحليلاتُ الكيميائيةُ والتجاربُ الطبيةُ أنه سمٌّ قاتل،
وإنْ كان قتلهُ بطيئًا،
ومعظمُ الذين يشربونهُ يعرفون ذلك،
ومع هذا يشربونه،
فلماذا!!
هناك سببان:
أحدهما ظاهر،
والآخرُ خفيّ،
أما السببُ الظاهرُ فلأن المدخنين لا يرون ما يجري بداخلهم نتيجةَ شربهم،
فلا يرون التغيراتِ الطارئةَ على عنصرِ الدمِ وتلافيفِ المخِّ وشُعَبِ الرئتين،
ولو رأوا رئاتهم وقلوبهم المريضةَ المفحَّمةَ المهترئةَ لعجبوا ولما صدَّقوا أنها تخصُّهم!!
ولو أن الطبيبَ وضعَ صورةَ رئةِ المدخِّنِ المريضِ أمامهُ وقال له:
ستموتُ إذا تابعتَ التدخين،
لما شربهُ من بعد.
وأما الأمرُ الخفيُّ،
وهو المهمُّ والأساس،
فهو الإرادة،
فالمثقفون والأطباءُ المدخنون يعرفون ذلك كله،
ولكنهم ضعفاءُ الإرادة،
يضحُّون بصحتهم الغاليةِ في سبيل لذَّةٍ أو عادة سيئةٍ لا قيمةَ لها،
بل فيها مضرَّةٌ مؤكدة،
وهدرٌ للمال،
وإفسادٌ للجوِّ والبيئة،
والمسلمُ إذا تيقَّنَ من حرمتهِ تركه،
فإذا لم يتركهُ أثم،
والمسلمُ إرادتهُ نابعةٌ من عقيدته،
فإذا كان قويَّ الإيمانِ كانَ قويَّ الإرادة،
وإذا كان ضعيفَ الإيمانِ كان ضعيفَ الإرادة.

المسؤولية

* من استيقظَ والناسُ نيام،
كان عليه إيقاظهم،
كمن وجدَ نفسَهُ بين ضُلاّلٍ وجبَ عليه دعوتهم إلى الهدَى،
ومن كان عندهُ فضلُ ماءٍ سقَى غيرهُ من العطشَى،
ومن كان عندهُ فضلُ مالٍ أطعمَ مَن حولهُ ممن لا مالَ له.

* مراحلُ العمرِ التي تمرُّ بها تجعلكَ ذا خبرة في الحياة،
فتعرفُ النافعَ من الضارَّ وآثارهما،
والصدقَ والكذبَ وآثارهما،
والجمالَ والقبحَ وآثارهما،
والإيمانَ والكفرَ وآثارهما،
وتكونُ مسؤولاً مسؤوليةً تامةً عن اختياركَ لأيٍّ منها.

* أهلُ الأعذارِ معذورون،
أما الأصحّاءُ فليسوا معذورين،
إلا في ظروفٍ استثنائية،
فعليهم بالعملِ لأمتهم بما يقدرون عليه،
حتى تبرأَ ذمتُهم عند الله تعالى،
فالدينُ حق،
والقيامةُ حق،
والمحاسبةُ حق.

* أذنكَ مخلوقةٌ لتسمعَ بها ما تريدُ من خيرٍ أو شرّ،
فأنتَ حرّ،
لكنَّ وراءَ هذه الحريةِ مسؤوليةً وحسابًا،
فما الذي يدفعكَ إلى وقفها على سماعِ الحرامِ سوى الانحرافِ واللذةِ الحرام؟
وكذلك بصرُك،
وفؤادك،
تستطيعُ أن تستعملها جميعًا فيما يحلُّ وفيما يحرم،
ولكنكَ ستُسألُ عن هذا وذاك.
{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}
سورة الإسراء: 36.
وبُدئ بالسمعِ لأهميته،
فأنتَ تسمعُ الحقَّ كما تسمعُ الباطل،
وتسمعُ كلامَ المؤمنِ وكلامَ الكافر،
وتستمعُ إلى القرآنِ الكريمِ وقد تستمعُ إلى الأغاني الخليعةِ والقصصِ والرواياتِ الماجنة،
فأيًّا منها تتبع؟
ولأيِّهم تستجيب؟



مع الشباب

* كم هو جميلٌ في هذا الزمان،
أن يُرَى الشابُّ مفكِّرًا،
وعلى قسَماتِ وجههِ مسحةُ حزن،
وفي بريقِ عينيهِ إصرارٌ وعزيمة،
وفي حركاتهِ تأنٍّ وخشوع،
وكأنهُ يقولُ للدنيا: ماذا تخبِّئينَ لي؟
هل تخطِّطين سوى للمتعةِ والغرور..
وآخرها الموت.. والحساب؟
أما أنا فقد ودَّعتُ حياةَ العبث،
وركبتُ جوادَ الجدّ،
وعزمتُ على الجهاد،
وكفى...

* من المؤسف أن كثيرًا من شبابِ الإسلامِ في هذا العصرِ يتميَّزون بالجرأةِ في دينهم،
بدلَ أدبِ الاستماعِ والوجلِ والخشوعِ والسكونِ فيه،
كما هو شأنُ طالبِ العلم،
فيبدون رأيهم ويرجِّحون،
ويؤيِّدونَ ويعارضونَ بدونِ دليلٍ شرعيّ،
سوى زادٍ من ثقافةٍ إسلامية،
قليلٍ أو كثير،
لا فقهٍ أو أصول.
وقد كان كثيرٌ من صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم،
وهم خيرُ القرون،
يتهرَّبونَ من الأسئلةِ ويسكتون،
ويحيلونها إلى مَن هو أفقهُ منهم،
إلا إذا اضطرُّوا إلى الجواب،
خوفًا من كتمِ العلم.
وكان من السلفِ مَن إذا أخطأ،
اهتمَّ لذلك وخافَ وارتعد،
ومضى إلى مَن أفتى له ورجعَ عن كلامه،
فإذا افتقدَهُ ولم يعرفْ مكانهُ نادى في مجتمعٍ أو في سوق،
أنهُ أفتى في أمرٍ وهو راجعٌ عنه؛
خوفًا وخشيةً من الله تعالى مِن أنْ يقولَ في دينهِ ما لا يعلم،
أو ما هو غيرُ متأكدٍ منه،
فهل مِن معتبِر؟
وهل مِن مقتدٍ بالسلف؟
وهل مِن متَّقٍ وَجِل؟
ولعلَّ من أسبابِ جرأةِ شبابنا هكذا،
هو تتلمذهمْ في مدارسَ أو معاهدَ وجامعاتٍ علمانية،
لا دينٌ فيها ولا أدبٌ إسلاميٌّ ولا خُلقٌ كريم،
فيتناقشونَ في الدينِ كما يتناقشونَ في أيةِ مادةٍ دراسية!
أتُراجعونَ دينَ الله الذي ارتضاهُ لكم وللعالَمينَ بعقولكم الصغيرة؟
أأنتم أعلمُ أم الله؟!
ومن أسبابِ ذلك أيضًا كتبٌ يقرؤها الشبابُ لحداثيينَ وليبراليين،
فيها الغثُّ والخلطُ والتشكيكُ والنقدُ للإسلام،
وفيها الكفرُ والزندقةُ والإلحاد،
وهدفهم زعزعةُ قدسيةِ نصوصِ الإسلامِ في قلوبِ المؤمنين،
فتُحدِثُ أثرًا سلبيًا في نفوسهم وتكوينهم الثقافي،
نتيجةَ تكرارِ الشبهاتِ والقلاقلِ النفسية،
أو لضعفِ الثقافةِ الإسلاميةِ عندَ المتلقِّي.
والذي يكونُ هكذا،
عليه بالتفكرِ والتأنِّي،
والتأدُّبِ والاحترام،
والتذلُّلِ لدينِ الله والاستكانةِ لأوامرِ رسوله،
والقراءةِ لأعلامِ الإسلامِ المرضيِّينَ في الأمة،
ونبذِ كتاباتِ أعداءِ الدين والمشكِّكينَ فيه،
والله يتولَّى عبادَهُ الصالحين،
ويَهدي مَن يشاءُ إلى صراطهِ المستقيم.

* الشبابُ لا يعرفون قيمةَ المالِ كما ينبغي،
لأنهم يحصِّلون مبالغهم بغيرِ تعبٍ من عند والدِيهم،
فإذا كبروا قليلاً واستقلُّوا،
ولسعتهم الحاجة،
وذاقوا شيئًا من مرارةِ الفقر،
عرفوا قيمةَ المال،
وقيمةَ والدِيهم.

مع القرآن

* لماذا القرآن؟
يجيبنا على هذا السؤالِ ربنا سبحانهُ وتعالى في آخر سورةِ إبراهيم، فيقول:
{هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}
1- فهذا القرآنُ وما فيه من تذكيرٍ وأحكام، تبليغٌ وعظةٌ لجميعِ النَّاس.
2- ليُنصَحوا ويُنذَروا به، ويوعَظوا ويُخوَّفوا.
3- وليَعلَموا ويوقِنوا بالأدلَّةِ والحُجَج، والنظرِ والتأمُّل، أنَّ اللهَ واحدٌ لا شريكَ له ولا ولَد. 4- وليتذكَّرَ ذلكَ ويتَّعظَ به أصحابُ العقولِ السَّليمة، والأفهامِ الراجحةِ المستقيمة، ويلتزموا جانبَ التقوى، والثَّباتِ على الحقّ، والصَّبرِ على الطَّاعة.

* لماذا يقرأ بعضُ الناسِ القرآنَ ولا يؤثِّرُ فيهم،
وبعضهم يقرؤونهُ فيزدادون به إيمانًا ونورًا؟
لأن كتابَ الله تعالى قائمٌ على التدبُّر،
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} سورة محمد: 24.
فمن لم يتدبَّره،
أي: لم يقرأ تفسيرهُ أو لم يسألِ العلماءَ عنه،
فلم يعرفْ مواعظهُ وأحكامه،
وزواجرَهُ ونواهيه،
لم يؤثِّرْ فيه إلا قليلاً،
ومن تدبَّرهُ بقصدِ فهمه،
ومعرفةِ الحقِّ واتِّباعه،
ازدادَ به إيمانًا وثباتًا،
ونورًا مبينًا.

* معجزةُ الإسلامِ الخالدةُ هي القرآنُ الكريم،
وما زالت هذه المعجزةُ سارية،
وستظلُّ كذلك حتى يومِ القيامة،
ليبقَى القرآنُ رمزًا للحق،
وحجَّةً على العالمين.
ومن غيرِ المسلمين من تدبَّرَ فيه وآمن،
ومنهم من قرأهُ ليستخرجَ منه أخطاء،
فانقلبَ من عدوٍّ متربِّصٍ به إلى مؤمنٍ منافحٍ عنه،
ومنهم من عميَ عنه فبقيَ في الظلام.
والله يهدي من يشاءُ إلى نوره.

* استرشدْ بآياتِ الذكرِ الحكيم،
في صحتِكَ ومرضك،
ولوطنكَ ومجتمعك،
فإنه بلسمٌ للنفسِ العليلة،
وللجسدِ السقيم،
وأساسٌ متينٌ لكلِّ مجتمعٍ سليم.

* إذا قرأتَ كتابَ الله فأنتَ قارئٌ تؤجَر،
وإذا سكبتَ الدمعَ فأنتَ خاشعٌ متبتِّل،
وإذا تفكرتَ فأنتَ متدبِّرٌ متفكِّر.

* اعزمْ على قراءةِ سورةِ الإخلاصِ في ليلةِ القدر (1000) مرة!
يقولُ الرسولُ الكريمُ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيح:
"من قرأ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} فكأنما قرأ ثُلثَ القرآن".

* إذا سجدتَ سجدةَ تلاوةٍ فقل،
كما وردَ في الحديث:
"اللهم اكتبْ لي بها عندكَ أجرًا،
وضعْ عني بها وزرًا،
واجعلها لي عندكَ ذخرًا،
وتقبلها مني كما تقبلتَ من عبدكَ داود".

المعاصي

* يوصي الله تعالى عبادهُ المؤمنين فيقولُ لهم:
{وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [سورة البقرة: 190]،
ثم يقولُ بعد خمسِ آياتٍ منها:
{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
هذه وصيةُ الله لعباده،
بأن يعدلوا إذا حكموا،
في السلمِ وفي الحرب،
ويُحسنوا المعاملةَ مع الناس.
وإذا لم يكنْ هناك اعتداء،
وكان الإحسانُ هو الجاري بين الناس،
فسيغمرهم الأمنُ والأمان،
ويسودهم الحقّ،
ولكن العلةَ في الإنسان،
الذي يعصي الإله الحكيم،
ولا يطيعُ أمره،
وهو ما يجري في الأرض.

* أناسٌ يعصون ربَّهم،
ويرتكبون أنواعَ المنكراتِ والموبقات،
ثم يلومونه،
وقد يكفرون في كلامهم،
لأنه يضيِّقُ عليهم الرزق،
ولا يُصلحُ أحوالهم مثلَ غيرهم وهم كفّار،
أولئك لم يفهموا،
يريدون أن يعيشوا مثلَ الكفّارِ في الدنيا،
ويكونوا مثلَ المؤمنين في الآخرة!

* كلُّ من تعدَّى حدودَ الله فهو ظالم،
وحدودُ الله هي أوامرهُ وفرائضه،
ونواهيه وزواجره،
فمن لم يلتزمْ بها فقد ظلمَ نفسَهُ وعرَّضها للعقوبة،
يقولُ سبحانهُ في الآية 229 من سورة البقرة:
{وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

* عكسُ السيرِ يعني الخطأ،
والشذوذ،
والخطر،
والفردُ والمجتمعُ يشاركُ في الردِّ والتصحيحِ والتقويم،
حتى لا ينتشرَ الخطأُ ويصبحَ الأمرُ عاديًّا،
ويسمَّى هذا في المصطلحِ الشرعي:
النهي عن المنكر.

* الحكمةُ من النهي عن التشبُّهِ بالكفّار،
أنَّ المتشبِّهَ بهم يذوبُ فيهم شيئًا فشيئًا،
وقد يصيرُ منهم بعدَ حين،
وهو ينفثُ سمومَهم في المجتمعِ الإسلامي،
أساليبَهم وعاداتِهم وثقافتَهم،
ولو نظرتَ إلى هؤلاءِ المقلِّدينَ لمـَا فرَّقتَ بينهم وبينهم قالبًا،
والله أعلمُ بهم قلوبًا!

* الذي يفعلُ المنكراتِ علنًا،
بدونِ حياءٍ من اللهِ ومن الناس،
ماذا يكونُ أمرهُ سرًّا؟
وكم يكونُ قد آذى وأفحش؟
وكيف السبيلُ إلى وقفِ تصرفاتهِ الوحشيةِ وقلبهِ القاسي؟
إلا أن يبتليَهُ اللهُ بأمراضٍ تنخرُ جسمهُ فيضعف،
أو مسكنةٍ تتربهُ فلا يقوَى،
وقد يمرُّ به ناسٌ ويتألَّمونَ لحاله،
ويتصدَّقونَ عليه،
ولا يعلمونَ عدلَ الله فيه،
وأنه فعلَ ذلك به لمصلحةِ الآخرين،
وليعتبروا به.
وتُقاسُ على ذلك أمورٌ أخرى لا نعرفها،
ولا نحيطُ علمًا إلا بأشياءَ قليلة،
وعلمنا بظاهرها أكثرُ من باطنها.

* إذا لم تتيسَّرْ لكَ أسبابُ الخير،
فاعلمْ أنك عاص،
أو ظالم،
أو هناك حقوقٌ وأماناتٌ لم تؤدِّها،
فإن الله تعالى إذا أرادَ الخيرَ لعبدٍ هيأَ له أسبابه.

* النقطةُ السوداءُ في ثوبكَ الأبيض،
إذا لم تهتمَّ بها تكثرُ وتكبر،
إما بانضمامِ أمثالها إليها،
أو بتكبيرها إذا أصابها البلل.
وكذلك الذنوبُ الصغيرة،
تكثرُ إذا انضمَّ إليها غيرها من الصغائر،
أو تكبرُ بالإصرارِ عليها وعدمِ الاستغفارِ منها.

* تستحي أن تسيرَ بلبسٍ ملوَّث،
وتجهدُ أن تُخفي أثرهُ لئلاّ يراهُ الناس،
وقلبكَ تزدادُ دوائرُ نقاطهِ السوداءِ من آثارِ المعاصي،
وقد لا يهمكَ ذلك لأن الناسَ لا يرونه،
ولكنَّ الله يراهُ ويراك.

* مهما أبعدتَ عن نفسِكَ تهمةَ الذنوبِ والمعاصي فلن تقدر،
ذلكَ لأن "كلّ بني آدم خطّاء" [صحيح الجامع الصغير 4515]،
وقد علَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ أن يقولَ في صلاته:
"اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا،
ولا يغفرُ الذنوبَ إلاّ أنت،
فاغفرْ لي مغفرةً من عندكَ وارحمني،
إنكَ أنتَ الغفورُ الرحيم".
[صحيح البخاري 6326]،
فهذا صدِّيقُ هذه الأمة ظلمَ نفسهُ ظلمًا كثيرًا،
فمن أنت؟
فالمسلمُ يظلمُ نفسهُ عندما يُذنب،
لأنه يعرِّضها لخطرِ النار،
ولكنه يتوب،
ويتقبَّلُ الله توبته إذا كان صادقًا فيها،
ويصيرُ وكأنه لم يُذنب!

* اجتنبْ كلَّ الفواحشِ والسيئات،
فإن بعضها يجرُّ بعضًا،
والذي يجرُّ سلاسلها إبليس،
فإذا رآكَ في سلسلةٍ منها ناداكَ ليجرَّكَ إلى الثانيةِ وأنت قريبٌ منه،
وهكذا حتى يغرقكَ في الفواحشِ كلِّها...


* الزينةُ والشهوةُ أكثرُ ما يصيبُ الناسَ في عقولهم،
وأكثرُ ما ينحرفون بسببهما،
ولذلك حرمَ على المرأةِ أن تخالطَ الرجالَ الأجانب،
وأن تُبديَ زينتها لهم،
حتى لا يقعوا في الفواحشِ والآثام.
فالمنعُ لمصلحتهم،
في الدنيا وفي الآخرة

* من هم الذين لا يحبون أن يغفرَ الله لهم؟
إنهم هؤلاء المقيمون على المعاصي والمنكرات،
دون أن يذكروا الله أو يستغفروه،
فيزدادون بُعدًا عنه يومًا بعد يوم،
ولو أنهم أحبوا أن يغفرَ الله لهم لاستغفروهُ وتابوا إليه،
ولكنهم لا يفعلون،
لأنهم غيرُ مبالين،
ولا يأبهون بالحسابِ والعذاب.
وعندما يأتيهم الموتُ فجأة،
يكونُ يومَ بؤسهم وشقائهم.
ولاتَ حينَ مَندم.

* الشواذُّ وأهلُ الباطلِ ممن أعمَى الله قلوبهم،
يتبجحون بآرائهم ومبادئهم،
ولو كانت ظاهرةَ الانحراف،
ويرفضون الحقَّ ولو كان أبيضَ ناصعًا؛
لأن طبيعتهم منحرفة،
ولذلك قال قومُ لوطٍ لأهلِ الإيمان:
{أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}
سورة النمل: 56.

* فهمكَ للأمورِ لا يكفي،
فهناك كثيرون يعملون بخلافِ ما يعتقدون وما يفهمون،
وانظرْ كم هم الذين يفهمون القرآنَ ولكنهم يعملون بخلافه.
ألا ينتشرُ الانحراف الفكري والاعوجاجُ السلوكيُّ بذلك؟
أليس من العدلِ أن يحاسبَ هؤلاءِ على عدمِ عملهم بالحق،
وعلى نشرهم الفوضى والرياءَ والانحرافَ والفسادَ في المجتمعات؟

* من رأيتَ له جرأةً على محارمِ الله،
فقد كشفَ لكَ نفسه،
وستراهُ صاحبَ عيوبٍ أخلاقية،
وانحرافاتٍ فكرية،
فالذي لا يكون أمينًا مع الله،
لا يكونُ صادقًا مع عباده،
ولا يؤتمنُ على أماناتهم.

* إذا أكرمكَ الله بالجنةِ بعد العفوِ عنك،
ستذكرُ أشياءَ في الدنيا تستحي منها كيف عصيتَ الربَّ الكريم،
الذي عفا عنك،
وأكرمكَ بهذه الجنانِ المنعَّمةِ الخالدة،
فأقللْ من المعاصي ما استطعت،
حياءً من الله،
ومن يومٍ تدخلُ فيه جنته.

المعاملة

* الناسُ يحبون مَن يتعاملُ معهم بسهولةٍ وأريحية،
في العملِ وفي السوقِ وغيره.
يقولُ الرسولُ الكريمُ عليه الصلاةُ والسلام،
كما رواه البخاري في صحيحه:
"رحمَ الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترَى، وإذا اقتضَى".
والسمحُ بمعنى الجواد،
والمرادُ هنا "المساهلة" كما يقولُ ابن حجرٍ رحمهُ الله،
واقتضَى: أي طلبَ قضاءَ حقِّه بسهولةٍ وعدمِ إلحاف.
وقال في "تحفة الأحوذي": إذا طلبَ دَينًا له على غريمٍ،
يطلبهُ بالرفقِ واللطف،
لا بالخرقِ والعنف.

* من خلالِ المعاملةِ تعرفُ الشخص:
هل هو ذو خُلقٍ حسنٍ أو سيء،
وهل هو كريمٌ أم بخيل،
وهل يوثقُ به وينفعُ للنجدة،
أم أنه "زمالةُ عمل" فقط.

* إذا تعاملتَ مع مَن يستهينُ بأوامرِ الله،
فاعلمْ أنه لن يكونَ أمينًا معك،
فإن الذي يعصي الإلهَ لا يكونُ أمينًا معه،
ولا حبيبًا إليه،
ولا عهدَ بينه وبينه أن يدخلَهُ الجنة،
فكيف يكونُ أمينًا معكَ ومع الآخرين؟

مقامة في الحوار

إذا انقلبَ الحوارُ إلى شجار،
فهذا يعني أنه استُهلكتِ الأفكار،
وأُصيبَ العقلُ بالدوار،
ودخلت فيها الأحقادُ والأوضار،
وارتفعت أصواتُ الأشرارِ والأغرار،
واحمرَّتِ الوجوهُ وتحملقتِ الأبصار،
وتطاولَ فيها الصغارُ على الكبار،
ونادى بعضهم: يا نصّابُ ويا غدَّار،
ويا جزّارُ ويا ضرّار،
وصارَ الحوارُ كمجلسِ قمار،
ولم يبقَ هناك خيار،
سوى للأيدي أو كلماتٍ من نار،
واستغاثَ بعضهم واستجار،
لكنْ دون فائدةٍ أو اعتبار،
والنتيجة قطيعةٌ واستنفار،
أو رحيلٌ إلى ما خلفَ الأسوار،
وسلامٌ حينئذٍ على التفاهمِ أو الانتصار!

موازين

* الكلامُ فيما هو قديمٌ وحديث،
أو ما سمِّيَ أصالةً ومعاصرة،
حديثٌ لا ينتهي،
وقد حسمهُ الإسلام،
فهذا وذاكَ يخضعان لميزانِ الكتابِ والسنة،
واجتهاداتِ العلماءِ الحكماء،
فما وافقَ الإسلامَ أُخذَ به،
وما خالفهُ نُبذ،
قديمًا كان أو حديثًا،
وحاضرًا أو مستقبلاً.

* لوحةٌ واضحةٌ وأخرى غامضة،
تعبيرٌ واضحٌ وآخرُ غامض،
رجلٌ واضحٌ صريحٌ وآخرُ غامضٌ كتوم،
أيُّ ذلك أفضلُ عندك؟
كنْ واضحًا،
وابحثْ حتى يتوضَّحَ لكَ الأمر،
وإن دينَ الله لواضح،
ودستورُ المسلمينَ هو كتابه،
وهو {الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [سورة الشعراء: 2]،
ورسلُ الله يبلِّغون رسالاتِ ربِّهم بوضوح:
{فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [سورة النحل: 35]،
فالغموضُ ليسَ رسالةَ المسلم،
لأنه ظلامٌ لا ينوِّر،
والدينُ الحقُّ أنوارهُ تسطع،
فتنيرُ للناسِ دربهم.

* اعرفْ موازينَ نفسكَ من عزيمتك،
واعرفْ درجةَ إيمانكَ من ذلك،
عندما تنازعكَ نفسكَ وتعتلجُ لعملِ منكر،
وتعيشُ قلقًا وهيجانًا،
أيُّ ذلك يغلبك؟
إيمانٌ في قلبك،
أم شيطانٌ في نفسك؟
أيُّهما غلبكَ فهو ميزانكَ فيه،
وبه تعرفُ درجةَ إيمانك.

* من اختلافِ الموازين وقلبِ الحقائقِ في عصرنا،
أن يسمَّى المفسدون نجومًا،
يعني ألمعَ فئاتِ المجتمعِ وأشهرهم،
بينما هم أكثرُ من ينشرون الفاحشةَ في المجتمع،
بسلوكهم وتمثيلهم وصورهم،
وهؤلاء منبوذون عند ربِّ العباد،
فهو سبحانه يقولُ في كتابه:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}
سورة النور: 19.

المواهب والهوايات

* ليس كلُّ العقلاءِ أذكياء،
وليس كلُّ عاقلٍ سريعَ البديهة،
ولا صاحبَ ذاكرةٍ قوية،
فهذه صفاتٌ ومواهبُ وزَّعها ربُّ العبادِ بينهم،
لا يستطيعُ أحدٌ أن يأخذها من الآخر.

* لو كان استئناسُ الناسِ بشيءٍ واحدٍ لضاقت عليهم الدنيا،
ولكن كلٌّ يستأنسُ بما وهبهُ الله من هواية،
إضافًة إلى رغباتٍ عامةٍ واهتماماتٍ مختلفة،
كحبِّ المالِ والأسرةِ والخضرة.

نصائح

* إذا رأيتَ عاقلاً ينصحك،
ففكِّرْ في كلامهِ جيدًا،
فإنه لا يقولُ ذلك لمصلحةِ نفسه،
ولا لأجرٍ يأخذه.
وانطلقْ أنتَ مِن أَسْرِ هواكَ إلى فضاءِ عقلك،
لترى موقعَ النصيحةِ في مكانها الصحيح.

* لا تنتظرْ سلامًا من مجرم.
ولا أمانًا من خائن.
ولا عدالة ً من ظالم.
ولا رحمةً من عدوّ.
ولا محبةً من حاسد.
ولا مساعدةً من أنانيّ.
ولا نصيحةً من حاقدٍ متربِّص.
إذا دعوتَ اللهَ فلا تعتدِ.

* إذا ساعدتَ فلا تمنن.
إذا عاقبتَ فخفِّف.
إذا غظتَ فاكظم.
إذا أحسنتَ فانسَ معروفك.
إذا خاصمتَ فتجاوزِ التوافه،
إذا فكَّرتَ فابتعدْ عن الخيالاتِ الفاسدة.

* ما أجملَ الإحسانَ بعدَ العفو.
ما ألذَّ الثراءَ بعدَ الفقر.
ما أهونَ المالَ عند الكريم.
ما أرقى النفسَ التي تتعالَى على الصغائر.
ما ألطفَ مَن يعاتبُ برقَّةٍ وأدب.
ما أعظمَ مَن يبتسمُ في الشدائد.
ما أشجعَ مَن يقولُ الحقَّ في مجتمعٍ سيِّء.

* العطشانُ لا يهنأ حتى يرتوي،
والمجاهدُ لا يهنأ حتى يرويَ الأرضَ بدمهِ الزكيَّ،
وأصحابُ النفوسِ الطيبةِ من رجالِ البرِّ والإحسان،
لا يهنأونَ حتى يروا مَن حولهم مِن الجوعى والمحتاجين مكتفين،
وطالبُ المالِ لا يهنأُ أبدًا،
فهو دائمُ الطلبِ له،
ولا يملأ فمهُ إلا التراب!

* بما أن الإنسانَ يُذنبُ وينسى،
فإنه بحاجة إلى استغفارٍ بين كلِّ مدةٍ وأخرى.
وبما أن نِعمَ الله عليه متتالية،
فإنه بحاجةٍ إلى شكرهِ إثرَ كلِّ نعمة.
وبما أنه بحاجةٍ إلى صلةٍ بربِّهِ في حياته،
فإنه يستعينُ به ويدعوهُ في كلِّ مرة.

* أعلمُ الناسِ أكثرهم خشيةً لله.
أجودُ الناسِ أرحمهم بالضعفاء.
أصبرُ الناسِ أكظمهم للغيظ.
أرفعُ الناسِ أبعدهم عن سفاسفِ الأمور.

* إذا قرأتَ فافهم.
إذا قلتَ فافعل.
إذا أمرتَ فارفق.
إذا عاشرتَ فأجمِل.
إذا خشعتَ فاسكن.

* إذا قويتَ فلا تظلم.
إذا جاورتَ فلا تؤذِ.
إذا تجاوزتَ فلا تعقِّب.
إذا ظننتَ فلا تأثم.
إذا نُقدتَ فلا تضجر.

* الليلُ بدون قمرٍ ولا نجوم،
يكون أسودَ بهيمًا،
لا يعطي مجالاً للناسِ أن يتحركوا فيه،
وأنت إذا كنتَ مظلمَ النفس،
خاليًا من إيمانٍ يضيءُ قلبك،
أو خُلقٍ يوسِّعُ صدرك،
لا تفيدُ نفسكَ ولا الآخرين.
كنْ غرسًا طيبًا تكنْ ثمرةً مباركة.
كنْ منافحًا عن الإسلامِ تكنْ كمرابطٍ في ثغر.
كن بعيدًا عن الشبهاتِ تكنْ صالحًا.

* كان لقمانُ أبًا مربيًا صالحًا،
يخافُ على ابنهِ من الهوَى والضلال،
فنصحهُ حبًّا له وشفقةً عليه،
حتى لا ينحرف،
ولا يسلكَ سبيلَ الكافرين والمنحرفين،
ولئلا يكونَ مصيرهُ مصيرهم.
وينبغي أن يكونَ الآباءُ مثلهُ في النصحِ والشفقةِ والرحمةِ بأولادهم،
وخاصةً في عصرنا الذي يموجُ بالإغراءاتِ والفتن.

* هل هناك من لا يحبُّ النصائح؟
نعم، بالتأكيد،
وهم كثر.
إنهم المنحرفون،
الذين يجدون سهولةً في اتباعِ الانحرافِ والباطل،
ويلقونَ صعوبةً في اتباعِ الحقِّ والالتزامِ بآثاره،
ولا يريدون من أحدٍ أن يتدخَّلَ في شؤونهم ويصرفهم عن شهواتهم.
أما قال نبيُّ الله صالحٌ للعصاةِ من قومه:
{يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}؟
سورة الأعراف: 79.

* المروجُ الخضراءُ تصبحُ بلقعًا إذا لم تُسقَ بالماء،
والقلوبُ المطمئنةُ تغدو خرابًا إذا لم تعمَّرْ بذكرِ الله،
والصداقاتُ الحميمةُ تنقلبُ إلى عداواتٍ إذا لم تتعاونْ بمودَّةٍ وإخلاص.

* لا تقلْ (لا) وأنتَ (نعم)،
حتى لا تكونَ (لا) و(لا).
يعني: لا تقلْ لشيءٍ تقدرُ عليه (لا) أقدر، حتى (لا) يصيبكَ عجزٌ فـ(لا ) تقدر.




النفس

* النفسُ النظيفةُ هي غيرُ المتلوِّثةُ بالآثام،
أو هي التي تستغفرُ الله دائماً لتكونَ نقيةً منها،
فسلوكُ الطريقِ إلى الخيرِ خيرٌ أيضاً.

* ابدأ بالسهلِ ثم بالصعب،
حتى تتفتحَ نفسكَ على العمل،
ولئلا تنسحبَ منه، أو تخاف، أو تتعقَّد،
وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قامَ يصلي الوترَ في الليل،
لم يُطلْ في الركعتين الأُولَيين.

* الضعفُ يعتري الإنسانَ في مواقف،
ولو كان مشهوداً له بالإيمانِ والعقل،
فطاقاتُ الإنسانِ وتحمُّلهُ الأمورَ محدودةٌ،
ولكن المهمَّ ألاّ يؤثِّرَ ذلك في نفسه،
ولا يعقِّدها،
ولا يكونَ حاجزاً له عن الانطلاقِ من بَعد،
ويتناسَى تلكَ المواقفَ ويُهملها كلما تحركتْ في نفسه.

* المشكلاتُ والمصائبُ الكبيرةُ تُحدِثُ خللاً في نفوسِ بعضِ الناس،
فيهيجُ المصابُ وتتوتَّرُ نفسه،
ويزدادُ قلقًا ورعبًا،
حتى يظنَّ أن الأرضَ كلَّها لا تسعه!
... ثم يخفَّفُ عنه،
أو تزولُ المشكلةُ التي أفزعته،
وريما شكرَ شخصًا ساقهُ الله إليه لينقذهُ من مصابهِ أكثرَ من شكرهِ ربَّه،
وقد تمرُّ الأيامُ وينسَى فضلَ الله عليه!
إنه "الإنسان"!

* الأستاذ "محمد قطب" رحمهُ الله كان مفكرًا إسلاميًّا عاليَ الثقافة،
ومن علماءِ النفسِ الكبارِ أيضًا،
يعرفُ هذا من قرأ كتبه:
"الإنسان بين المادية والإسلام"،
و"دراسات في النفس الإنسانية"،
و"في النفس والمجتمع".
وقد جمعني به لقاءٌ في أوائل هذا القرنِ الهجري،
فطرحتُ عليه فكرةَ إنشاء مصحَّاتٍ نفسيةٍ إسلامية،
يتعالجُ فيها المرضَى النفسانيون من المسلمين،
بما يتناسبُ عقائدهم وسلوكياتهم وبيئاتهم الإسلامية،
بدلَ أن يرتادوا عياداتٍ نفسيةً لا اهتمامَ لأصحابها بالجوانبِ الإسلاميةِ من النفسِ البشرية،
فدراستهم وثقافتهم كلها من كتبٍ وأفكارٍ أجنبيةٍ لا ذكرَ للإسلامِ فيها،
ويُبنَى على ذلك معالجاتهم المبتسرةَ للمرضَى المسلمين.
ولكنهُ رحمَهُ الله لم يتشجَّعْ لذلك،
وذكرَ أن المساجدَ موجودةٌ وهي كافية.
وربما قصدَ تثبيتَ وتفعيلَ جهدِ العلماءِ والدعاةِ في ذلك،
وليبقَى دورهم راسخًا في المجتمع،
فهم أطباؤهُ ومُسعفوه.
وما زلتُ عند رأيي،
فليس كلُّ العلماءِ على علمٍ وثقافةٍ بالنفسِ البشريةِ وأدوائها وعللها،
وخاصةً ما يعاني منه الشبابُ وغيرهم من الآثارِ الضارَّةِ للمدنيةِ الغربية،
ومشكلاتهم الناجمةِ عن الظلمِ والفقرِ والذلِّ والهوانِ في بلادهم.
وتبقَى الحاجةُ إلى من يجمعُ بين الثقافتين الإسلامية والنفسية.
وقد وُجدت مراكزُ ومشافٍ للعلاجِ النفسي الإسلامي،
ونجحَ بعضها بفضلِ الله،
على قلَّتها.

الهداية والضلال

* إذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد مات،
فهذا الموحَى به إليه موجودٌ بين أيدينا،
كتابُ الله تعالى،
وسنةُ رسولهِ عليه الصلاةُ والسلامُ الصحيحة،
فمن أرادَ الهدايةَ هداهُ الله بهما،
ومن أرادَ الضلالةَ لنفسهِ عميَ وضلّ،
والله غنيٌّ عنه وعن العالمين،
وعاقبةُ السوءِ على من كابرَ وأبَى.

* تذكَّرْ أيها المؤمنُ لمـّا كنتَ في بيداءِ الضلالة،
ثم أحسنَ الله إليكَ وهداكَ إلى دينه،
وجعلكَ على ملَّةِ خليله،
وعلى دينِ أحبِّ خلقهِ إليه،
كم هو فضلهُ عليك؟
وكم تحتاجُ إلى شكره؟!

* كثيرون هم المتردِّدون في الالتزام بآدابِ الدين،
على الرغمِ من بذرةِ الإيمانِ التي تتَّقدُ في قلوبهم،
ولا يمنعهم من ذلك سوى البيئةِ التي تحيطُ بهم،
والأصدقاءِ الذين يعاشرونهم.
وسيأتي اليومُ الذي يغلبُ خيرُهم شرَّهم،
أو يطغَى شرُّهم على خيرهم،
بحسبِ زيادةِ تأرجحهم،
بين طاعةِ الرحمن،
أو طاعةِ الشيطان،

* من لم يجعلِ الله له نورًا فلا نورَ له،
فلا يفرِّقُ بين الحقِّ والباطل،
ولا تعرفُ نفسهُ الحسنَ من السيء،
ولا الحلالَ من الحرام.
لقد اختارَ أن يعيشَ في صحبةِ الشيطانِ وظلمةِ الجهل،
فوهبَهُ الله لذلك،
ونزعَ منه نورَ الهداية،
فصارَ فريسةً للأوهامِ والدخائلِ وسوءِ الفعال.

* النفوسُ المظلمةُ لا تُطيقُ النور،
يعني لا تَقدرُ على العيشِ فيه،
بل لا تريده،
ولذلك لا يَهديها الله،
إنما يَهدي مَن كان عندهُ استعدادٌ لتقبُّلِ الحق،
وعزمٌ على المضيِّ في سبيلهِ ولو طالتهُ منغِّصات؛
ويكونُ قادرًا على السيرِ في طريقِ النورِ والاهتداءِ به،
ويكرهُ الظلامُ بذلك.

* من فتحَ عينيهِ على الخنا والفجور،
خاضَ فيه،
واستلقَى في زرائبه،
ولم يعرفْ نعمةَ الإيمانِ والاطمئنان،
إلا أن يتداركهُ ربُّهُ برحمته،
فيُسمعَهُ كلمةً مؤثِّرةً من داعية،
ويُلقيها في رُوعه،
فيهتدي بها،
ثم يستهدي بهدي الصالحين.

* في أرضِ المحشر،
وفي ساعةِ الحساب،
يتذكَّرُ الإنسانُ ثلاثةَ أصنافٍ من الناس:
والديه، وأصدقاءه، وقادته؛
لأنهم كانوا يشكِّلون أسبابًا رئيسيةً في تربيتهِ واتجاههِ الفكري وسلوكهِ في الحياة،
ومن ثمَّ كانت هدايتهُ أو انحرافه،
ويعني: إلى الجنةِ أو إلى النار.

وصايا وحكم

* لا راحة للمكلومِ إلا ببرءِ جرحه.
ولا راحة للمسافر إلا بعودته إلى أهله.
ولا راحة للمحبِّ إلا بلقاء محبوبه.
ولا راحة للطالب إلا بنجاحه.
ولا راحة للشاب إلا بتأمين عمل له.
ولا راحة للفتاة إلا بزواجها.
ولا راحة للأسرة إلا بالتوافق بين أفرادها.
ولا راحة للمعلم إلا بتجاوب الطلبة معه.
ولا راحة للتاجر حتى تَنفُقَ بضاعته.
ولا راحة للعامل إلا بتأدية حقوقه له.
ولا راحة للأديب إلا بنشر نتاجه أو الاستماع لما يلقيه.
ولا راحة للعبقري إلا بـ "تفريغ" عبقريته.
ولا راحة للمصلح إلا بإيصال كلمته أو تأثير آرائه.
ولا راحة للنفس إلا بالإيمان، وتبرئة الذمة من حقوق الناس.
ولا راحة للمؤمن إلا بعزَّة دينه.

* إذا أردتَ أنْ تهرب، فاهربْ إلى الله،
وإذا أردتَ أنْ تثبت، فاثبتْ أمامَ العدوّ،
وإذا أردتَ أنْ تبني، فابنِ على أساسٍ سليمٍ متين،
وإذا أردتَ أنْ تكتب، فلا تكتبْ إلاّ حقًّا،
وإذا أردتَ أنْ تحبَّ أو تكره، فلا توغلْ فيهما،
وإذا أردتَ أنْ تنصح، فانصحْ بشفقةٍ وقلبٍ رحيم،
وإذا أردتَ أنْ تَفي، ففِ لصديقٍ أعانكَ في وقتِ الشدَّة،
وإذا أردتَ أنْ ترضيَ أحدًا، فأرضِ والديك، ففيهما رضا الله،
وإذا أردتَ أنْ تُوهَبَ نورًا وجلالاً، فأقمِ الليل،
وإذا أردتَ أنْ تصمت، فاصمتْ عن فكر،
وإذا أردتَ أنْ تمزح، فلا تُكثر، ولا تقلْ إلاّ حقَّا،
وإذا أردتَ أنْ تُقيمَ صُلبك، فلا تأكلْ ولا تشربْ إلا من حلال،
وإذا أردتَ أنْ تبتعدَ عن الأسقام، فكُلْ نظيفًا، ولا تشبع،
وإذا أردتَ أنْ تكسبَ أجرًا، فاكفلْ يتيمًا، أو ابنِ مسجدًا...،
وإذا أردتَ أنْ تُنفق، فأنفقْ في سبيلِ الله، وفي صلةِ الرَّحِم،
وإذا أردتَ إحسانًا، فاعفُ،
وإذا أردتَ عافيةً وسلامًا، فادعُ اللهَ بذلك بين الأذانِ والإقامة،
وإذا أردتَ أنْ يُستجابَ دعاؤك، فخَفْ ربَّك، وأطبْ مَطعمَك،
وإذا أردتَ أنْ تجاهد، فأخلصْ نيَّتكَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا،
وإذا أردتَ رضا الله، فلا تَحِدْ عن الإسلام،
وإذا أردتَ أنْ يُختَمَ لكَ بالإيمان، فداومْ على الطاعة.

* اقرأ.
اكتشف.
ترفَّق.
تصدَّق.
جاهد.
تعبَّد.
تودَّد.
كنْ حبيبًا.
كنْ كريمًا.
كنْ فطنًا.
كنْ حازمًا.
كنْ داعية.
كنْ متعاونًا.
كنْ سموحًا.
كنْ بارًّا بوالديك.
كنْ أمينًا في تعاملك.
كنْ جاهزًا لنداء الحق.
كنْ حذرًا من العدوّ.
كنْ رأسًا في الصدق.
كنْ واثقًا من خطواتك.
كنْ مهتمًّا بأمرِ المسلمين.

* كنْ ليِّنًا مع أهلك.
كنْ قدوةً لأصدقائك.
كنْ سهلاً في تعاملك.
كنْ لطيفًا في المعاشرة.
كنْ جاهزًا للمساعدة.
كنْ ساعيًا للشهادة.
كنْ سالمًا للمسلمين.
كنْ ذليلاً على المؤمنين.
كنْ عزيزًا على الكافرين.

* في زحمةِ الأعمال، لا تنسَ ذكرَ الله.
في طفرةِ الغنى، لا تنسَ الفقر.
في نشوةِ الانتصار، لا تنسَ مَن هو أقوى منك.
في رياضِ الحدائقِ والزهور، لا تنسَ أنها ستذبل.
وبين المتعةِ والملذّات، لا تنسَ رحلةَ الموت.
وكن مستعدًّا لتقلباتِ الدنيا ومراحلِ الحياة،
صعودًا وهبوطًا،
لئلا تضعفَ وتجزع،
فكم بكى منها رجالٌ كانوا ملءَ العيون!

* الحِلمُ سيِّدُ الأخلاق،
والإحسانُ عينها،
والورعُ ناصيتها،
والعفَّةُ وجهها،
والصدقُ لسانها،
والمروءةُ ركنها،
والرحمةُ قلبها،
والحكمةُ صدرها،
والنجدةُ جناحها،
والشجاعةُ نبضها،
والحياءُ نفَسها،
والصبرُ لبسها،
والتواضعُ هيئتها،
والدعةُ سمتها،
والإيثارُ تاجها،
والقناعةُ رمزها،
والتودُّدُ سلَّمها،
والرفقُ ديدنها،
والوفاءُ نهجها،
والسخاءُ رفدها،
والإصلاحُ طريقها.

* مِن أوفى المسلمين لدينهم: الذين يشكرون نعمةَ ربِّهم كلما ذكروها.
وأقواهم إيمانًا: أصبرهم عند الفتن.
وأكثرهم خشية: أبعدهم عن الشبهات.
وأحبُّهم إلى المسلمين: الهيِّنون اللَّينون.
وأنفعهم لهم: الذين يفقِّهونهم في الدين.
وأثقلهم على القلوب: المتشدِّقون المتقعِّرون.
وأبغضهم إلى النفوس: أكثرهم جدالاً في غيرِ ما حق.

* طولُ الإنسانِ لا يؤثِّرُ في عقله،
وعَرضهُ لا يغيِّرُ أفكاره،
وجمالهُ لا يُبرئه،
وحسَبهُ لا يرفعه،
ومالهُ لا يخلِّده،
إنما هو الإيمان،
والعملُ الصالح،
والعلمُ النافع،
والكلمةُ الطيبة،
والمعاملةُ الحسنة،
والإصلاحُ بالرفق،
والدفعُ بالحسنى.

* ستٌّ لا تتركهنَّ ولا تستهنْ بهن:
- فرائضُ الله.
- تدبيرُ الأسرة.
- الودُّ والإخاءُ بين المؤمنين.
- طلبُ العافيةِ من الله.
- العلم.
- الأدبُ والخُلق.

* اصحبِ الأوفياءَ لتكونَ وفياً.
واصحبِ الصادقين لتكونَ صادقاً.
واصحبِ الأماجدَ لتكونَ ماجداً.
واصحبِ الشجعانَ لتكونَ شجاعاً.
واصحبِ الشيوخَ لتكونَ حكيماً.

* لا تكنْ مثلَ من قال: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} وتقفَ عندها،
فهذا لا نصيبَ له سوى من الدنيا،
ولكنْ أكملْ وقل:
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً}
فهؤلاء لهم نصيبهم من الدنيا ومن الآخرة.

* رحمَ الله محاضرًا لم يملَّ طلبته،
ورحم الله خطيبًا لم ينوِّمْ مستمعيه،
ورحمَ الله جليسًا لم يثقلْ على جلسائه،
ورحمَ الله عالمًا قال (لا) لما لم يعرف،
ورحمَ الله سائلاً لم يلحَّ في مسألته،
ورحمَ الله مبتلًى فصبر،
ورحمَ الله محسنًا لم يمنَّ في عطائه.

* كنْ رحيمًا تكنْ أبًا.
كن متعاونًا تكن أخًا.
كن أمينًا تكن صديقًا.
كن حليمًا تكن سيدًا.
كن لطيفًا تكن مرغوبًا.
كن صادقًا تكن ثقة.
كن مبتسمًا تكن محبوبًا.
كن شجاعًا تكن مقدَّمًا.
كن رفيقًا تكن حبيبًا.
كن مشاورًا تكن ناجحًا.
كن متفهِّمًا تكن راشدًا.
كن اجتماعيًّا تكن مجرِّبًا.
كن متَّئدًا تكن حكيمًا.
كن حذرًا تكن سالمـًا.
كن متوكلاً تكن مسدَّدًا.
كن سخيًّا تكن مرجوًّا.
كن معلمًا تكن مبجَّلًا.
كن ناصحًا تكن نافعًا.
كن نظيفًا تكن مقبولاً.
كن مرتَّبًا تكن مرتاحًا.
كن وديعًا تكن جميلاً.
كن خاشعًا تكن مفلحًا.
كن متعبِّدًا تكن متنوِّرًا.
كن محسنًا تكن أثيرًا.
كن تقيًّا تكن وليًّا.
إن شاءَ الله.

* طوبى لمن جهدَ واجتهد،
فعبَدَ وتعبَّد،
وصامَ وسجد،
وبذلَ من مالهِ وأخلص،
ودنا من العبادِ ولم يتكبَّر،
ودعا إلى الله ولم يزغ.

* السلامُ على من اتَّقى،
الاستقامةُ لمن اقتدى،
الهناءةُ لمن اهتدى،
الشجاعةُ لمن ابتدا،
الحياةُ لمن افتدى،
السماحةُ لمن انتدى،
والشؤمُ على من اعتدى.

* إذا تسامعَ صوتاكما، فقد أذِنتما.
وإذا تصافحتْ يداكما، فقد اقتربتما.
وإذا تناظرتْ عيناكما، فقد أجبتما.
وإذا هاتفَ قلباكما، فقد تصافيتما.
وإذا صادقتْ روحاكما، فقد توحَّدتما.


الوقت والعمر

عمليةٌ حسابيةٌ تهمك.
اطرحْ من جلساتِكَ الكلامَ الذي لا فائدةَ منه،
يعني (الفارغَ) الذي يُستغنى عنه،
من حوارٍ ونقاشٍ وسمَر،
وكلامٍ مع الأسرةِ والأصدقاءِ وزملاءِ العمل،
في الطريقِ والسوقِ والمطعم،
وفي المكتبِ والبيتِ والمدرسة...
وانظرْ كم يبقَى النافعُ منها!
قد لا تجدُ إلا القليلَ منها نافعًا،
والباقي مضَى من عمرك،
وكُتِبَ عليك.
وإذا أضفتَ إلى هذه العمليةِ (الاستماعَ) إلى غيركَ من مثلِ ذلك الكلامِ الذي لا فائدةَ منه،
عرفتَ كيف أمضيتَ عمرك،
وفي ماذا!

* اكتبْ إذا اشتهيتَ الكتابة،
واقرأ إذا اشتهيتَ القراءة،
وتفكرْ عندما يحلو لك،
فالمهمُّ ألاّ تضيِّعَ وقتك،
ولا تكونَ بطّالاً.

* إذا خرجتَ من البيتِ بدون سبب،
فكأنكَ تبحثُ عن شيءٍ يؤنسك،
ولا تجدُ ما تملأ به فراغك،
والأمةُ تبحثُ عمن يُقيلُ عثرتها،
ويداوي جراحها،
ويقوِّي ضعفها.

* إذا كان متوسطُ عملِ الإنسانِ ثماني ساعاتٍ في اليوم،
فماذا يختارُ لنفسهِ في الساعاتِ الباقية؟
لعلَّ أكثرهم يجعلها في (الترويح) عن النفس،
وما لا يعودُ عليه وعلى مجتمعهِ بالنفع.
والترويحُ يكفي ساعةَ زمانٍ في اليومِ كلِّه،
وسوف يُسأل كلٌّ يومَ القيامةِ عن وقتهِ وفيما أمضاه.

* إذا شعرَ المرءُ بقربِ أجلهِ دخلَ في الآهاتِ والأحزان،
آه، مضى العمرُ كلهُ ولم أعملْ للآخرةِ إلا قليلاً،
آه، لماذا ظلمت،
ولماذا أكلتُ الحرام،
ولماذا شربتُ المسكر،
ولماذا دعوتُ إلى مذاهبَ ضالَّة،
وانجرفتُ وراءَ أفكارٍ منحرفة؟
لماذا لم يكنْ دينُ الله في برنامجي؟
آه، لو أمرتُ زوجتي بالحجاب،
وابنتي بالعفاف،
وولدي بالصلاة،
وصرفتُ مالي في الخيرات..
آه، وألفُ آه.

يا بني

* كنتُ مثلكَ يا بنيّ،
ألهو، وأجوبُ الشوارعَ والأزقَّة،
وأسهرُ مع الأصدقاء،
وما كان أحدٌ ينهاني عن ذلك ويوجِّهني إلى ما هو أرشد منه،
ولو تابعتُ العلمَ في فتوَّتي وشبابي،
لكان لي شأنٌ آخر...
فلا تلمْ أباكَ إذا طلبَ منكَ الجدِّيةَ في شبابك،
ونصحكَ بمتابعةِ العلمِ وأهله،
فإنه خيرٌ لك،
وأرضَى لربِّك،
وأنفعُ لمجتمعك.

* إلى متى تلهو يا صغيري،
ولا تذكرُ الموتَ والبلى؟
أغرَّتكَ حياةُ الترفِ والنعيم؟
أما تنظرُ حواليك؟
أما ترى أطفالاً رضَّعًا يموتون؟
وفتيانًا في عمرِ الزهورِ يقضون؟
وشبابًا أقوياءَ يغيبون؟
ماتوا فجأةً دونَ وداع..
وكانوا يحلمون مثلك.. ويتخيَّلونَ حياةً طويلةً.. بهيجة..
كنْ مستعدًّا يا ولدي، قبلَ أن يفجأكَ ما لا تريدُ أن تفكرَ فيه.

* يا بني،
إذا رأيتَ شغَبًا،
هرجًا ومرجًا،
لا يُعرفُ فيه الظالمُ من المظلوم،
فلا يدفعنَّكَ حبُّ الاستطلاعِ إلى الدخولِ في وسطهِ لترى ما فيه،
لئلا ينالكَ شيءٌ من وباله،
بل قفْ على طرَفٍ واعرفْ ما يجري،
أو اسألْ ماذا جرى،
وتعوَّذْ بالله من الفتن،
ما ظهرَ منها وما بطَن.

* يا بنيّ،
تعلَّمْ أنْ تصليَ السننَ الرواتب،
روِّضْ أعضاءَ جسمكَ على ذلك لئلا يصعبَ ذلك عليك عند الكبر،
فهناك كثيرٌ ممن كبروا لا يصلون السننَ أصلاً،
لأنهم لم يتعلَّموها في الصغر!
وإنها لتزيدُ الحسنات،
وتكرِّسُ الاقتداءَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم،
وتجبرُ الصلواتِ المفروضة،
فإذا لم تؤدِّها بشكلٍ جيدٍ أكملتها السنن.

* يا بني،
كنْ مقدِّرًا لمن هو أكبرُ منك،
وانظرْ إليه نظرةَ مَن سبقكَ إلى حسناتٍ كثيرة،
وانتهزْ فرصةً تساعدهُ فيها،
لا تنازعهُ عند بابٍ يدخل،
ولا ترفعْ صوتكَ على صوته،
وكلِّمهُ بكلِّ أدبٍ واحترام،
حتى يدعوَ لك،
ولوالدكَ الذي أدَّبك.

* يا بني،
ضعْ يدكَ على قلبكَ حتى لا تغلبكَ العاطفة،
وتعرَّفْ واقعكَ جيدًا حتى تعرفَ موضعَ كلمتكَ وموطئ قدمك،
وارفعْ رأسكَ عاليًا فإنكَ مسلم،
ونبيُّكَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم،
نبيُّ الرحمة،
وقائدُ الإنسانيةِ كلها،
من آمنَ به وعملَ بوصاياهُ نجا،
ومن عصاهُ وكفرَ به خابَ وخسر.

* يا بني،
الحلالُ يُغني عن الحرام،
في مأكلِكَ ومَشربِكَ ولهوك،
وفي الحلالِ اللذَّةُ والعافيةُ والفائدة،
وفي الحرامِ اللذَّةُ والمضرَّةُ والخسارة،
والعاقلُ يوازنُ ويرجِّح.

* يا بني،
الإسلامُ يريدُ لك عقلاً سليمًا،
وفكرًا ناضجًا،
ونفسًا نقية،
وذهنًا يقظًا،
ولذلك حرَّمَ عليك الخمرَ والمخدِّرات،
حتى لا تفقدَ عقلكَ لحظةً واحدة.
إنه الإسلامُ العظيم،
دينُكَ يا بني،
الذي يُكرمُ العقلَ حقيقةً لا ادِّعاء،
فيحافظُ عليه،
وينمِّيه،
ويوجِّههُ إلى حيث الخيرُ وسعادةُ البشر،
فكنْ أهلاً لذلك.

* يا بني،
امتلأتِ الحياةُ بالإعلامِ المضلِّلِ والدعاياتِ الكاذبةِ والشائعاتِ المغرضة،
فلا تستقي علمكَ إلا من مَعينٍ صاف،
ولا تثقِّفْ نفسكَ إلا من قناةٍ صادقة،
ووسيلةٍ هادفة،
ولا تجلسْ إلا إلى عالمٍ عامل،
ورفقةٍ مخلصة،
وكنْ ضمن خليَّةٍ تُصلحُ ولا تُفسد،
وتَصدقُ ولا تَكذب،
وتُعلِّمُ الناسَ العلمَ النافع،
وتزوِّدهم بالثقافةِ الصحيحة،
وتنشرُ الحقَّ المحض،
وإنكَ بذلك تكونُ مصلحًا.

* يا بني،
كنْ قدوةً لزملائكَ من الشباب،
تحثُّهم على الخير،
وتحبَّبُ إليهم فعلَ المكرمات،
وحاولْ أن تقلِّلَ من عبثهم،
ومن أحاديثهم التي لا تنتهي،
ومن تعليقاتهم ونكاتهم،
واستهزائهم بأساتذةٍ وزملاءَ لهم،
ومن لعبهم الطويلِ والمكرر،
وأرشدهم ليعوِّضوا ذلك بما ينفعهم،
من مطالعةٍ أو حضورِ مجالسَ علم،
فهذا أوانُ الطلب،
ومرحلةٌ لا تعوَّض.
فإذا نصحتهم وذكَّرتهم،
وصبرتَ على تعليقاتهم،
وعلى همزِهم ولمزهم،
وحلمتَ عن أخطائهم،
سترَى أنهم يحترمونك ويجلُّونك،
ويرجعون إليك في حلِّ مشكلاتهم،
ويعتبرونكَ مرجعًا وقدوةً لهم.

* يا بني،
صحتكَ لن تبقَى كما هي،
انظرْ إلى أبيك كيف تتوالَى عليه الأمراض،
فما إن يتركهُ مرضٌ حتى يتهجَّمَ عليه مرضٌ آخر.
فاغتنمْ صحَّتكَ فيما يُرضي ربَّك،
من طلبِ علم،
أو عملٍ صالح،
أو خدمةٍ للمسلمين،
قبلَ أن تقعَ فريسةً لأمراضٍ لن تقدرَ خلالها على إنجازِ أعمال.

* يا بني،
كنْ غصنًا مورقًا تَنبتُ عليه الزهور،
يشمُّك الناسُ فيحمدونك،
ولا تكن شوكًا تجرحُ الناسَ بلسانك،
وتؤذيهم بيديك.

* يا بني،
كنْ فعلاً أكثرَ من كونكَ قولاً،
فقد تعبَ الناسُ وملُّوا من الكلامِ بعدما كثرَ وفاض،
وصارَ نظرهم فيما يعملون،
ويقينهم فيما يرون.

* يا بني،
أتقنِ الخطَّ وتفنَّنْ فيه،
فإنه جمالٌ وإبداع،
وهوايةٌ وذوق،
يوضِّحُ مقصودك،
ويؤنسكَ إذا كنتَ وحدك.

* يابني،
إذا غضضتَ من صوتك،
ولم تتكلمْ إلا عند الضرورة،
وإذا تكلمتَ فبهدوءٍ وميزان،
فإنه دليلُ عقلٍ وعلمٍ وتواضع،
فهنيئًا لكَ هذا الخُلقُ العالي.

* يا بني،
أطعِ الله وكنْ على بصيرة،
فإنه لا يعصيهِ إلا كافرٌ أو مستكبرٌ أو فاسق،
وإذا عصيتَ عن جهلٍ فاستغفرِ اللهَ وعُدْ إليه،
فإنه يقبلُ توبةَ عبادهِ المخطئين ويغفرُ لهم.

* يا بني،
اقرأ القرآنَ وافهمه،
ليكونَ ميزانًا لكَ تزنُ به كلامَ الناس،
فما وافقَهُ أخذتَ به،
وما لم يكنْ تركته،
فإذا لم تفهمِ القرآنَ لم تعرفْ ما وافقَهُ وما خالفه.

* يا بني،
استعدَّ للامتحانِ الأكبرِ يومَ القيامة،
وإن كلَّ امتحاناتِكَ التي قدَّمتها في مراحلِ دراستِكَ لا تساوي لحظةً منه،
إلا من يسَّرَهُ الله عليه،
فعفا عنه وتجاوز،
واعلمْ أن من عفا عن الناسِ جديرٌ بأنْ يعفوَ الله عنه.

* يا بني،
إذا جانبكَ الصوابُ فلا تزددْ جهلاً،
بأنْ تصرَّ على الباطلِ وتجادلَ بغيرِ علم،
ولكنْ ارجعْ إلى الحق،
فإن الرجوعَ إلى الحقِّ من شيمِ الفضلاءِ والأوَّابين.

* يا بني،
من صفاتِ المؤمنِ أنه لا يقبلُ الظلم،
ومن صفاتهِ أيضًا الحِلمُ والصبر،
ليوازنَ شأنهُ في ظرفهِ ويُصدرَ قراره،
بعد الاهتداءِ بهدي الله ورسوله:
متى يحلم،
ومتى يصبر،
ومتى يدفعُ الظلمَ عن نفسه.

* يا بني،
الوجهُ الآخرُ للمعروفِ أنه غلٌّ وعبودية،
فكنْ عصاميًّا ولا تحوجْ نفسكَ إلى أحد،
واصبرْ فإنه أفضلُ لك،
فإن مَن قدَّمَ لك معروفًا صرتَ كالعبدِ له،
وقد لا تطاوعُكَ نفسُكَ على تخطئتهِ من بعدُ ولو كان خطؤهُ ظاهرًا،
حياءً من معروفهِ معك!

* يا بني،
إذا أعطيتَ حريةً كاملةً لعقلِكَ فلتَ منك،
فأخطأَ وأضرَّ وربما أهلَك،
ولكن أعطهِ مسافةً طيبة،
فإذا كان هناك وحيٌ قطعيُّ الثبوتِ والدلالةِ فأسكته،
وإذا لم يكن،
فلينطلق،
ولكن بحدودٍ أيضًا،
فإن هناك قواعدَ متفقًا عليها بين أهلِ كلِّ علمٍ وفنّ،
مَن تجاوزها لم يُلتَفتْ إلى كلامه،
ومن تجاهلها لم يُنظَرْ إليه على أنه عاقلٌ سويّ،
أو مُدركٌ فاهم.

* يا بني،
اعرفِ الناسَ من تعاملِكَ معهم،
وصنِّفهم كما صنَّفهم القرآن،
بين مسلمٍ وكافر،
ومؤمنٍ ومنافق،
وصديقٍ وعدوّ،
ومجاهدٍ ومتخلِّف،
وصادقٍ وكاذب..

* يا بني،
جنَّتُكَ في الدنيا والداك،
فهما بابان مفتوحانِ لكَ إلى جنّاتِ الله،
فأطِعهما ولا تعقَّهما ليسمحا لكَ بالدخولِ من بابيهما،
فإذا ماتا أُغلِقَ البابان،
وتبقَى أبوابٌ أخرى من رحمةِ الله مفتوحة،
والله أعلمُ من أيِّ أبوابِ الرحمةِ يكونُ دخولُكَ إلى جنَّته،
إذا كنتَ من أهلها.

* يا بني،
سيارتكَ لا تفهم،
فلا تكنْ مثلها،
ولكنْ قُدها بذوقٍ وعقلٍ وحكمة،
ولا تفرِّطْ فيها ولا تهملها،
فإنها مال،
والمالُ أمانةٌ عند المسلم.

* يا بني،
أراكَ تفهمُ مني أمورًا بسرعة،
وأخرى أجهدُ نفسي معكَ فلا تتقبلها،
ولا تتفاعلُ معها،
فلعلك وضعتَ حاجزًا أمامَ عقلكَ لئلا تسمعَ ما سبقتْ لك نظرةٌ فيه،
وإن عليك أن تفتحَ ذهنكَ وتتقبَّلَ النصيحة،
فإنه خيرٌ لك.

* يا بني،
وددتُ لو ملأتُ صفحاتِ الحياةِ وجداولها نصائحَ لك،
وعندما أراكَ جادًا تأخذُ بها،
أو ببعضها،
ينشرحُ الصدرُ مني وينفتحُ القلب،
وأعلمُ أني أقطفُ ثمارًا زرعتها،
أنبتها الله بفضلهِ ورعايته.



يا بنتي

* يا بنتي،
لواؤكِ التوحيدُ فلا تقلِّدي صنائعَ الكفر،
ونداءُ دينكِ إلى العفافِ وليس اللهاثَ وراءَ الموضة،
ويُظلُّكِ سماءٌ فلا تجعليهِ أرضًا،
واشكري نعمةَ ربِّكِ قبل أن تصيرَ نقمة.

* يا بنتي،
الناسُ مخدَّرون من فتنةِ الدنيا،
مأخوذون بجمالها وزينتها،
مسلوبون من سكرتها،
غارقون في خمرتها،
فكوني يقظةً أنتِ،
ولا تغترّي بما اغترَّ به الناس،
حتى لا تُسلَبي إيمانكِ وعفافك،
وكوني دليلاً لمن أرادَ النجاة،
ونبضًا لقلوبٍ ميتة،
ومفتاحًا لعيونٍ مغلقة،
وجلاءً لنفوسٍ كاسدةٍ من زخمِ الدنيا.

* يا بنتي،
كوني عاقلةً حكيمة،
فقد عُرفتِ النساءُ بفيضِ العاطفة،
فتفكري وتأنَّي قبل أن تتصرفي،
ولا تكنْ عاطفتكِ حجابًا أمامَ عقلك،
ولا يكنْ حبُّكِ وحنانُكِ سببًا لتفلُّتِ أولادك.

* يا بنتي،
أنتِ مَدرَسةٌ وأكبرُ من مُدرِّسة،
فأنتِ مع أولادكِ في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعة،
تربينهم وتؤدِّبينهم في معظمِ تصرُّفاتهم،
وتعلِّمينهم آدابَ الإسلامِ ونظرتَهُ إلى الحياة،
قبلَ أن ينطلقوا إلى عالمٍ أرحبَ من أسرتهم الصغيرة،
فإذا أحسنتِ في تربيتكِ عرفَ أولادُكِ كيف يتصرَّفون،
وإذا كنتِ كسولةً مهملةً فقدتِ راحةَ أعزِّ أهلكِ وأحبابك،
ويصيرُ أولادكِ عبئًا وغمًّا لكِ طوالَ عمرك.

* يا بنتي،
ليس كلُّ ما تقولهُ صديقتكِ صحيحًا وبلسمًا،
ثقي بكلامِ والديكِ ونصائحهما أكثرَ منها،
فإن خبرتهما ومعرفتهما بكِ أكثر،
وشفقتهما وحرصهما عليكِ أكثر،
وحنانهما ورعايتهما لكِ أكثر.

* يا بنتي،
استري جسدكِ حتى لا يقعَ عليه الذباب،
فإن أعينَ الذئابِ ملتهبة،
تدورُ في محاجرها باحثةً عمّا يوافقها لتسقطَ عليها،
ونفوسُهم دنيئة،
لا تتورَّعُ عن جريمة،
وأياديهم قذرة،
لا تتعافَى عن نجاسةٍ أو حرام.
اللهم عافنا.





فهرس الموضوعات

مقدمة 3
آداب 4
الابتلاء والاختبار 6
الإبداع 10
الأبوان 13
أخلاق 15
الاستغفار والتوبة 16
الاستقامة 20
الأسرة 21
الإسلام 23
الإسلام والإدارة 26
الإسلام والغرب 28
الإصلاح 28
اعتناق الإسلام 32
الإعلام 33
أقوال مأثورة 35
الله سبحانه 36
الإنسان 37
الإيمان 38
التاريخ 45
تجارب وعبر 47
تدبر 50
التدريب 53
تذكير بأحاديث 55
التربية 55
التشاؤم 57
التعاون على البرّ والإحسان 58
التفكير والتخطيط 63
تقنيات 65
التقوى 66
الثواب والعقاب 68
حساب وجزاء 69
الجدال 71
الجريمة والمجرم 72
الجمال 75
الجنة والنار 75
الجهاد 77
الحسد 80
الحسنات والسيئات 81
الحق والباطل 83
الحقوق 89
الحكمة 89
الحلال والحرام 91
الحياة والموت 94
خطاب القلوب الحية 101
الخلود 108
الخير والشر 110
الدعوة 112
دفع أوهام وشبهات 116
الدنيا والآخرة 126
ذكر ودعاء 132
السجن 141
السعادة 142
السماء والأرض 143
سياسة 144
الشخصية الإسلامية 149
شعر وأدب 150
الشكوك 152
الصداقة والأصدقاء 153
الطاعة 156
طبائع 159
الظلم والظالمون 160
عبادة 162
العبودية 168
العجائب 170
العُجب والكِبر 171
العزَّة 172
العقل والوحي 173
العلاقات الزوجية 177
العلم والعلماء 178
العلمانية 188
العمل الصالح 189
العهد 190
الغزو الفكري 191
الفرح والترح 192
فروق 193
الفساد 197
القدر 198
القلب 199
القلق والاطمئنان 200
الكتاب والمكتبة 202
الكسب والرزق 205
الكفر والكفرة 208
متفرقات 212
المرأة 214
المزاج 215
المزاح 217
المسكر والمخدِّر 217
المسؤولية 220
مع الشباب 222
مع القرآن 224
المعاصي 227
المعاملة 233
مقامة في الحوار 234
موازين 235
المواهب والهوايات 237
نصائح 237
النفس 242
الهداية والضلال 244
وصايا وحكم 246
الوقت والعمر 254
يا بني 256
يا بنتي 267