Advertisement

على السفود


على السَّفود




على السَّفود

تأليف
مصطفى صادق الرافعي




على السَّفود

مصطفى صادق الرافعي

رقم إيداع ????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http//www.Hindawi Foundation for Education and Culture.org
??
تصميم الغلاف: سحر عبد الوهاب.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.




وللسفود نار لو تلقتبجاحمها حديدًا ظن شحماويشوي الصخر يتركه رمادًافكيف وقد رميتك فيه لحما
مقدمة (?)


بقلم  عباس محمود العقاد
«يعرف كُتابُ الغرب طائفةً من أدعياء التفكير [مثل العقاد]? يُسمُّونها «الانتلجينزيا»، ويعنون بهذه الكلمة ما نَعْنيه في اللغة العربية بكلمة المتحذلقين أو المتفيهقين … ومن صفات هذه الطائفة أنْ تكونَ على شيء من بريق الذكاء، وقدرة على تلفيق الأفكار … ومظهر من مظاهر العلم والاطِّلاع، وأستاذية مُنتحَلة … يغترُّ بها مَنْ ينخدعون بشقشقة اللسان وسمات الوقار … فهي سطحيةٌ في كل نوع من أنواع المعرفة، لا تنفذُ إلى قرار مسألة، ولا تحيط بفكرة ولا تفهم شيئًا على حقيقته البسيطة، ولا على استقامته الطبيعية، لأن الفهم عملٌ يشترك فيه الذكاء والإدراكُ والذوقُ? والفطرة والبصيرة. وليس عند هذه الطائفة — طائفة المتحذلقين — من هذه الأدوات إلا وميضُ الذكاء المغرى بالتوشية والتلفيق دون الاستيعاب والنفاذ إلى الأعماق».? •••

ماذا يصيب الدنيا إذا أُدِّبَ هؤلاء القومُ بالوسيلة الوحيدة التي يفهمون بها الأدب … ويَزدجرون بها عن الأسباب …!؟ إن أنانية هؤلاء المجرمين أنانيةٌ عمياء لا تَعقل ولا تُدرك أن الإحراق بالنار يُؤلم ويُرِمض حتى تُحرقها النار [نار السفود …]? وتَرمضها أيَّما إرماض … إنَّ من الحَسَن أن تُستنكر المطاعنُ لأنها مَعيبة مشنوءة، ولكن ليس من الحسن أن تُستنكر لأنها تؤذي مَن لا يَحْفَلون يومًا بإيذاء إنسان.
وإذا كان كلُّ ما يُلاحَظ الآن أن هؤلاء المجرمين يتألمون، فليتألموا وليتأملوا … ولْيُفرِطوا في الألم … فما يُبتلَى بالألم أحدٌ في هذه الأرض هو أوْلَى به من أمثال هؤلاء».?السَّفُّود ومعناه

السَّفُّود في اللغة الحديدةُ يُشوَى بها اللحمُ، ويسمِّيها العامَّةُ (السيخَ) … وقد تكون عُودًا مستَويًا يذهَبُ مستدقًّا فينتهي بشَباة حادَّة في طرفَه الأعلى هي مَغْرِزُهُ في اللحم، كما تكون حديدةٌ ذات شُعَبٍ مُعَقَّفَةٍ (ملوية من أطرافها) … ويُجمَع السفُّود على سَفافيد.
وقد استعَرْنا هذه الكلمة في النقد لأن بعض المغرورين من أدباء هذا الزمن ممن عَدَوْا طَوْرَهم وتَجاوزوا كل حدٍّ في الادِّعاء والغرور، لا يصلحُ فيهم من النقد إلا ما ينتظمُهُم ويُفْرِشهم نارًا كنارِ اللحم يُشْوَى عليها ويُقَلَّب ويُنْضَج، فلقد أُعينوا من الصفاقة والدعوى والخداع ولؤم الأدب والعُجْبِ والفتنةِ بما لا تدبيرَ فيه إلا حالٌ كتلكَ، وما دونهم مِن النقد فهو دونهم في الإبلاغ والتأثير، فلذلك ما قلنا: «على السفود».
ومن تَناوله السفود قيل فيه «مُسَفَّد»، لا يجوز غيرها، لأن تَستفيد اللحم نَظْمُه في تلك الحديدة للاشتواء، فالعقاد (مُسَفَّد) في هذا الكتاب، وهذا النقد (تَسفِيدُه)، وسَفَّده فلان وضعه (على السفود) …
هوامش

(?) هذه الكلمة منا للبيان والتفسير.(?) وناهيك من ذَوق كذوق العقاد الشاعر المراحيضي كما ستعرفه.(?) هذه النبذة كلها بحروفها من مقالة للعقاد في جريدة «مصر» عدد ?? أكتوبر سنة ????، والعامة يقولون: «مسكوا فرعون بخطه».(?) هذه الكلمة منا للبيان والتفسير.(?) النبذة كلها بحروفها من مقالة للعقاد في جريدة «مصر» عدد ? من نوفمبر سنة ????.
مقدمة (?)


التعريف بالسفود


بقلم  إسماعيل مظهر
كان السبب الأول الذي حدَا بنا إلى نشر مقالات «على السفود» في «العصور» أن نُرضي ضميرنا بأن نفسح المجال لعَلَم من أعلام الأدب وحُجة ثَبْتٍ من رجالات هذا العصر، أن يعبِّر عن رأيه في صراحة وجلاء في أديب امتاز بين الأدباء بشيء من الصَّلَف عُرف به، وبقَدْر غير قليل من الزهو بالنفس والإغراب في تقدير الذات، تلك الأشياء التي لا تسكن نفسًا إلا ويُطَلِّقها العلم ثلاثًا، ولا تحل بشخصية إلا وتنفر منها الرجولة نفورًا، ولا تغشى عقلًا إلا وتكون دليلًا على انحرافه وتفكك الثقة به.
ولقد أطلق علينا ذلك الأديب المفتون ألسنة من أعوانه حدادًا، كان يلقنهم ما يقولونه، فينقلون ما يلقى إليهم كأنه الحاكية المركبة تنطق من غير إرادة وعن غير فهم كما مُلئت به، فقد أرسل إلينا أحدهم نقدًا على كاتب «السفود» لم نتحاشَ من نشره لما فيها من بذاءة في القول وإسفاف في المناظرة فقط، بل لأنه تضمن نقدًا في مسألة إعرابية نحوية لو أننا نشرناه لكان المنقود العقاد لا كاتب «السفود». وهذا مقدار ما وصلت إليه عقلية أذناب العقاد الموحى إليهم منه بما يكتبون وما يقولون، وتلك نهاية ما بلغ علمهم باللغة والأدب، مُلْقًى به إليهم من زعيمهم الأكبر وصنمهم، المرموق منهم بعين الاحترام في الظاهر، والاحتقار الدفين في الباطن.
غير أن هنالك سببًا آخر حدَا بنا إلى نشر مقالات «السفود» الفذة على صفحات العصور، فإننا لن نُخرج العصور لتكون أداة مدح لمجرد المدح، أو أداة ذم لمجرد النفع المادي. تلك الطريقة التي اتبعتها الصحف في مصر إلى عهد قريب. ومن الأسف أنها طريقة لم يتورع عنها أكبر الصحف السيارة. فسمي النقد تقريظًا، وسُمي الاستجداء تقديرًا للأشخاص، وسُمي التمسُّح تقييمًا لذوي الفضل … وهكذا حتى اجتمع للصحافة قاموسها المعروف بين الذين يعرفون كيف يستغلون الصحافة.
فلما أصدرنا «العصور» عوَّلنا على أن نسمي النقد نقدًا، والتقدير تقديرًا، والتقييم تقييمًا، بكل ما تسع هذه الكلمات من المعاني المحدودة لا المعاني المؤولة تأويلًا صحفيًّا على الوجه الذي درج بين الصحافة ورجال الصحافة. بيد أننا بجانب هذا صممنا على أن نعطي الكُتَّاب أوسع فرصة للتعبير عن آرائهم والإفصاح عن ما تكنه صدورهم في حرية كاملة، ولو كان النقد موجهًا إلينا بالذات. فمن أراد منهم أن تكون «العصور» ميدانه في نقد أو دفاع، فإننا نرحب به ونعطيه أوسع فرصة ممكنة للتعبير عما يراه من رأي في أي موضوع من الموضوعات.
لهذا أردنا بنشر «السفود» أن نُرضي من أنفسنا نزعتها إلى تحرير النقد من عبادة الأشخاص، ذلك الداء المستعصي الذي كان سببًا في تأخر الشرق عن لحاق الأمم الأخرى في الحضارة.
وإن نحن قدمنا اليوم للسفود بهذه المقدمة الوجيزة، وقد هم أحد أدباء الناشرين بنشره، فإنما نقدم بها تعريفًا لما قصدنا من إذاعة هذه المقالات الانتقادية التي أعتقد بأنه لم يُنسج على منوالها في الأدب الحديث حتى الآن.
وعسى أن يكون «السفود» مدرسة تهذيب لمن أخذتهم كبرياء الوهم، ومثالًا يحتذيه الذين يريدون أن يحرروا بالنقد عقولهم من عبادة الأشخاص، ووثنية الصحافة في عهدها البائد.

مقدمة المؤلف


بسم الله الرحمن الرحيم


وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم في صورته وفي صور أتباعه وحزبه وشيعته ممن خُلقوا ليكون فيهم تاريخه على الأرض، ولتقوم بهم أعماله جارية مجراها في مقت الله وغضبه، ولا بد من مقت الله وغضبه على هذه الدنيا ملء ما يملؤه الليل. ونعوذ بالله من كل إنسان أسود المعنى، فإنما غضب الله سواد في معاني الناس.
وإذا شئتَ أن تعرف ما سواد المعنى، فاعلم أنه اللون الذي يراه صاحبه المفتون أشد بياضًا من الأبيض، فيسخر القدر من غُلوه وغروره، فإذا هو كالوحل جاء في قالب ثلج … وإذا هو سخرية من ناحيتين، فالمغرور ولو كان أعلم الناس، واللئيم ولو كان أكبر الناس، والفاسد ولو كان أرقى الناس، وكائن من كان إذا عُطف على هذا النسق، وبالغ ما بلغ إذا دخل في هذه الجملة، كل أولئك في السماء برابرة المعاني … وهم على خدي الأرض أبيضها وأحمرها.
وأما بعدُ … فإنا نكشف في هذه المقالات عن غرور مُلفَّف، ودعوى مغطاة، وننتقد فيها الكاتب الشاعر الفيلسوف!!! (عباس محمود العقاد) … وما إياه أردنا، ولا بخاصته نعبأ به، ولكن لمن حوله نكشفه، ولفائدة هؤلاء عرضنا له. والرجل في الأدب كورقة البنك المزورة، هي في ذات نفسها ورقة كالورق، ولكن من ينخدع فيها لا يغرم قيمتها، بل قيمة الرقم الذي عليها، وهذا من شؤمها، ومن هذا الشؤم حق البيان على مَن يعرفها.
وقد يكون العقاد أستاذًا عظيمًا، ونابغة عبقريًّا، وجبار ذهن كما يصفون، ولكنا نحن لا نعرف فيه شيئًا من هذا، وما قلنا في الرجل إلا ما يقول فيه كلامه، وإنما ترجمنا حُكم هذا الكلام، ونقلناه من لغة الأغلاط والسرقات والحماقات إلى لغة النقد، وبيناه كما هو، لم نبعد ولم نتعسف، ولم نتمحَّل في شيء مما بنينا عليه النقد، ولكل قول أو عمل حكمٌ على قائله أو فاعله يجيء على قدره عاليًا ونازلًا وما بينهما.
والعقاد، وإن زور شأنه، وادعى، وتكذب، واغتر، ومشى أمره في ضعفاء الناس بالتنطع والتلفيق والإيهام، فإن حقيقته صريحة لا تُزوَّر، وغلطاته ظاهرة لن تُدَّعى، وسرقاته مكشوفة لن تلفق، وما زدنا على أن قلنا هذا هذا، فإن يغضب الأسود على من يصف سوادَه فليغضب قبل ذلك على وجهه.
في هذه المقالات مُثُلٌ (وعينات) تؤول بك إلى حقيقة هذا الأديب من كل نواحيه، وفيها كاف، إذ لا يلزمنا أن نأتي على كل كلامه إذا كان كل كلامه سخيفًا. وآثار هذا المغرور في الأدب تنظمها كلها قضية واحدة من السرقة والانتحال في غباوة ذكية … ذكية عند الطبقة النازلة من قراء جرائدنا، وعند أشباههم ممن ليست لهم موهبة التحقيق ولا وسائله، ثم … ثم غبية فيما فوقها. وأولئك طائفة لا ميزان لها ولا وزن، فلا تَرفع ولا تضع، وإنما العمل على أهل النظر والتأمل ومن فيهم قوة الصواب، وعندهم وسائل الترجيح، ولهم قدرة الحكم، وبلاغة التصفح، ولطف الخاطر البعيد، والاستشفاف لما وراء الظاهر.
وسترى في أثناء ما تقرؤه ما يثبت لك أن هذا الذي وصفوه بأنه «جبار الذهن» … ليس في نار (السفود) إلا أديبًا من الرصاص المصهور المذاب.
ونرجو أن تكون هذه المقالات قد وجهت النقد في الأدب العربي إلى وجهه الصحيح، وأقامته على الطريق المستوية، فإن النقد الأدبي في هذه الأيام ضرب من الثرثرة، وأكثر من يكتبون فيه ينحون منحى العامة، فيجيئون بالصورة على جملتها، ولا يكون لهم قول في تفصيلها، وإنما الفن كله في تشريح التفاصيل لا في وصف الجملة. وماذا في أن تقول: «هذا كلام نازل ومعنى مستغلق، وهذا استكراه وتكلف، وهذا ضعيف رديء، وهذا لم أفهمه» — وهي طريقة الدكتور طه حسين وألفافه —؟ ألا يقابل ذلك في الشاطئ الآخر من المنطق هذا كلام عال ومعنى مكشوف، وطبع وطريقة وحذو جيد، وفهم وبيان … وهكذا من جملة تُقابل جملة، وكلمة تنقض كلمة، وأخذٍ ورَدٍّ فيما لا يثبت ولا يتحصل؟
يقولون: إننا في دور انتقال بالأدب العربي، والحقيقة أننا من العقاد وأمثاله — الغارين المغرورين بآرائهم الطائشة وبيانهم المنحط — في دور انسلاخ ورجعة منقلبة. والأعرج — وَيْحَكُم — هو دائمًا في دور انتقال … إن ذهب يُعَمِّي ويتفلسف في أسباب عرجه، وما يمعنه أن يقول: إنه ليس بأعرج، وإنما هذا فن جديد من الخيلاء والتبختر … ينتقل به من المشي خطوًا إلى المشي رقصًا …؟
هذا وقد كتبنا مقالات «السفود» — كما نتحدث عادة — لهوًا بالعقاد وأمثاله، إذ كانوا أهون علينا وعلى الحقيقة من أن نتعب فيهم تعبًا، أو نصنع فيهم بيانًا، فهم هلاهيل لا تشد أحدهم حتى يتهتك وينفتق (وينفلق) …
وإني لَمِمَّا? أضربُ الكبش ضربةعلى رأسه تُلقِي اللسان من الفمهوامش

(?) يفسرون «لَمِمَّا» في هذا البيت ? «ربما»، والبيت عربي قديم.
عباس محمود العقاد?


يقول «جول لُمَتْر» الناقد الفرنسي المعروف: «ولا أكاد أفرغ من كتاب أقرؤه حتى يذهب بي الانفعال مذهبه حزنًا وفرحًا، وقد أضطرب من شدة السرور وكأنما خالطني ذلك في اللحم والدم».
احذِف هذا الشعور النبيل القائم على الفهم والحق وعلى القلب والعقل، وضَعْ في مكانه ألأمَ شعور وأخزاه، يخرج لك «عباس العقاد» الجلف الحقود المغرور قائلًا «لا أكاد أفرغ من قراءة كلمة طيبة لأحد من خلق الله حتى أمتلئ حقدًا وغمًّا، وأراني أشعلت النار في لحمي ودمي».
إن لم يقل هذا المغرور ذلك بيانًا وكلامًا، فقد نطقتْ به أفعاله في أَلْأَمِ لغة وأخس طبيعة، وهو دائب منذ عشرين سنة لا يعمل إلا بهذه القاعدة، ولا تعمل فيه إلا هذه القاعدة، وكان يظن أن الناس يهابونه لمكان ما في نفسه من نفسه، ولكنه لما طُرد أخيرًا من جريدة البلاغ رأى حيطان الشوارع نفسها تكاد تشتمه، وأيقن أنه أهون وأسقط من أن يعبأ به أحد من الأدباء، وعَلِم أن الاحترام كان لمنزلة جريدة البلاغ لا لمنزلته هو.
وماذا كان يعمل في جريدة البلاغ؟ ولماذا أُخرج منها؟ كانوا يحتاجون إلى سفيه أحمق يُسافه عنهم جريًا على القاعدة الحكيمة القائلة «إن الكريم لا يحسن به أن يكون سفيهًا، فيجب أن يتخذ له من يُسافِه عنه إذا شُتم»، فلم يَرَوْا أكفأ من العقاد وقاحةَ وجهٍ وبذاءة لسان وموت ضمير، وحمقًا أكبر من الحمق الإنساني، ولؤم نفسٍ بقدر مجموع كل ذلك، سفيه مكرم بحكم السياسية!!
وما تقول في كاتب يناقش الدكتور هيكل رئيس تحرير «السياسة»، ذلك النابغة الذكي والإنسان الرقيق، فيكتب عنه في صدر جريدة البلاغ «كتب الولد المسطول»!!! ويناقش الأستاذ خليل بك ثابت رئيس تحرير «المقطم»، وهو كاتب سياسي محنَّكٌ دقيق الفكر متَّسع متفنِّن، وقد زعم في بعض المسائل أنها مسألة اقتصادية، فيقول له العقاد في صدر البلاغ: «اقتصادية ماذا يا مغفل!!!»
ثم وماذا تقول في كاتب لم يشتهر إلا بمنزلة «البلاغ» في الأمة، ولم يعش إلا منه، ثم يتطاول بلسانه على صاحب البلاغة نفسه — كما نشرت جريدة الأخبار — حتى يضطره إلى مثل الكلمة التي قيلت في السماء لإبليس (اخرجْ منها …)؟
ولكن هل لهذا العقاد قيمة حقيقةً؟ وهل يخشاه أحد من الأدباء كما يظن هو أو كما يخيل إلى بعض الناس في خارج مصر؟
أما أنا فأذكر للقراء أحدث دليل وقع من أيام فقط، وذلك أن أديبًا كبيرًا أراد العقاد أن يواجهه بلؤمه في مجلس رئيس تحرير مجلة من أكبر المجلات، فثار فيه الأديب، وقال له في وجهه بالحرف الواحد: «أنت وقح وسافل، وأنا أحتقرك ولا أعرفك»? … هذه هي منزلة الرجل يعالنه بها أديب من أكبر الأدباء. وماذا تظنه فعل حين سمع هذا؟ قال له دمُه في داخل ضميره: صحيح صحيح!! فسكت ثم قام، وكاد الباب يبصق في وجهه نيابة عن الأديب المعتدى عليه وعلى أخلاقه الكريمة.
الأمر كله وهم وخداع، كالحمار يلبس جلد الأسد … فلما رأى القراء هذا العقاد لا يكتب إلا سبابًا وحقدًا ولؤمًا وتطاولًا على الناس ودعاوى فارغة وتضليلًا وإيهامًا بإيراد آراء الفلاسفة وزعمه مناقشتها، ظنوا من تتابع كل هذا ما لا بد أن يظنه الضعفاء ويتأثروا به من عمل التكرار. وقد قيل إن الذئب إذا واثب إنسانًا ضلل حواسه، فجعل يثب بغاية السرعة أمامه وخلفه ويمينه وشماله وفوقه، ليخيل إليه من تتابع هذه الحركة السريعة أنه ذئاب كثيرة لا ذئب واحد، وبعبارة أخرى ليدير أمام عينيه «فِلْم» ذئاب سنماتوغرافيا كاذبًا لا حقيقة له، وهكذا يفعل هذا الذئب الأدبي العقاد.
ومن أين كل هذا؟ وما سببه؟ نحن لا نجري إلا على أحداث قواعد النقد، وهذه القواعد تقضي بأن الأفكار راجعة إلى أحوال عصبية، وأن ما في داخل الإنسان هو الذي يصنع ما في خارجه، وكذلك الكاتب في كتابته، فأنت لا تصل إلى حقيقتها إلا بعد أن تقف على حقيقة مشاعره وأخلاقه وطباعه وأصله وفصله، هي وحدها تفسيره وتفسير ما يكتب وما يعمل.
على هذا الأصل يجب أن يعرف الناس هذا المخلوق المسمى العقاد … وإذا صح ما كتبته عنه جريدة «الأخبار» وعن منبته — فإن من يصح فيه مثل ذلك — يظل العالم كله في نظره كالشارع الذي يلقى فيه لقيط، المكان والسكان والعالم وأهله في ناحية، واللقيط وحده في الناحية الأخرى، فهو يكره الوجود من أجل نفسه، ويكره نفسه من أجل الوجود، والمنفعة المادية وحدها هي دنياه وأهله وناسه.
سل الأطباء ما الذي يؤثر في الجنين أشد تأثير، ويخرجه شرسًا حقودًا لئيمًا بالغريزة إذا خرج كذلك؟ إنهم يجيبونك إن المنبت مصنع الطباع والأخلاق، فكل ما صُنع في «معمل» جاء من مواده، ولن يفلح فيه بعد ذلك أدب ولا تهذيب ولا علم ما لم يكن في المعمل أُدِّبَ وهُذِّبَ.
لو كان العقاد يرضى أن يقال عنه إنه مترجم لأنصف نفسه وأراحها، ولكنه يزعم — في وقاحة — أن لا عبقري غيره. فإذا ذهبت تقرأ كتبه رأيت أحسن ما يكتبه هو أحسن ما يسرقه، وهذا أمر كالمجمع عليه، ومع ذلك لا يريد اللص إلا أن يُعَدَّ من أرباب الأملاك!!!
تأمل أسماء كتبه «ساعات بين الكتب»، «مراجعات من الأدب والفنون»، «مطالعات في الكتب والحياة» ما هذا؟ هل هي إلا اللصوصية الأدبية تسمي نفسها من حيث لا يشعر اللص؟
وإذا ذهب كل إنسان يقرأ الكتب التي تُعَدُّ بالملايين ويلخص كل كتاب في مقالة أو مقالات، فهل يعجز عن هذا العمل أحد؟ وهل يكون كلُّ الناس عباقرة لأنهم قرءوا وفهموا وسرقوا ولخَّصوا؟ لقد هانت العبقرية، وأصبح خمسة آلاف من طلبة البكالوريا في هذه السنة وحدها خمسة آلاف عبقري أنجبتهم مصر في عام واحد …
ويدعي العقاد أنه إمام في الأدب، فخذ معنا في تحليله، أما اللغة فهو من أجهل الناس بها وبعلومها،? وقلما تخلو مقالة له من لحن، وأسلوبه الكتابي أحمق مثله، فهو مضطرب مختل لا بلاغة فيه وليست له قيمة، والعقاد يُقِرُّ بذلك، ولكنه يعلله أنه لا يريد غيره، فنفهم نحن أنه لا يمكنه غيره. هو من جهة اللغة والبيان ساقط، لا يكابَر في هذا، أمسِك عليه هذه المقدمة أولًا ثم خذ منه نتيجتها، نتيجتها عند نفسه أنه شاعر كاتب عبقري!! وهَبْهُ نزل عليه الوحي، فما قيمة ذلك إذا كان لا يجيء إلا في أسلوب سخيف؟
للعربية سرها في تركيبها وبيانها، فإذا أهملناه صارت العربية (كلام جرائد) يصلح لشيء ولا يصلح لشيء آخر، يصلح ليقرأ اليوم ويُلقى، ولا يمكن أن يصلح للغد والاحتفاظ به ليكون ثروة للغة والبيان.
وأنت تقرأ شعر العقاد فتجد فيه شيئين متباينين؛ بل متناقضين: الأول: بعض أبيات حسنة لا بأس بها.
والثاني: ألوف من الأبيات السخيفة المخزية التي لا قيمة لها، لا في المعنى ولا في الفن ولا في البيان، فعلام يدلُّك هذا؟ يدلك بلا شك أن الأبيات الحسنة مسروقة جاءت من قريحة أخرى وطبيعة غير هذه الذي تعصف بالغبار والأقذار، فإن الشاعر القوي لا بد أن يتسق كلامه في الجملة على حذو الألفاظ ومقابلة المعاني، وإذا نزل بعض كلامه لعارضٍ ما، لم ينزل إلا طبقة واحدة أو ما دونها. أما العقاد فيتدحرج!! من مائة درجة عندما يسمو — أعني عندما يسرق — في بيت أو بيتين!
نحن نفتح الآن ديوان بهذا السخيف كما يتفق، ونُخرج لك ما نصادفه. وكن واثقًا أنك لن تفتح صفحة دون أن تقع على سخافات كثيرة. انظر قوله صفحة ??: «لسان الجمال»:
يا من إلى البعد يدعوني ويهجونيأسكِت لسانًا إلى لقياك يدعونياسكت لسان جمال فيك أسمعهفي كل يوم بأن ألقاك يغريني هذان البيتان لا بأس بهما، ثم يتدحرج بعدهما نازلًا. وفي الشطر الأول غلطٌ ككلام الجرائد والروايات السخيفة حين تقول: «دعاه إلى أن يبتعد»، ولا معنى لكلمة «دعاه» هنا، لأنها لا تفيد إلا الإقبال، وهو يريد ضدَّه. وكان الأفصح أن يقول: «فيهجرني»، ليكون الهجر مرتبًا على رغبة صاحبه في إبعاده، فيصور أجزاء المعنى بألوانها. والبيت الثاني كله تكرار لنصف البيت الأول. وقد تَجوَّز العرب في قولهم: «نطقت الحالُ بكذا» على اتساع الكلام، لأن المنظر كالمنطق،? فالمجاز قريب شائع. ولكن البرود كله أن يقول: «سمعت» وجهك يقول كذا، أو «سمعت» لسان جمالك يقول كذا، فإن هذا يقتضي نطقًا حقيقيًّا فيما لا ينطق إلا توهمًا ومجازًا، وبهذا ينحط المعنى. وإذا كان للجمال في هذا الحبيب «لسان»، فلا يعقل أن يكون اللسان في غير فم، فإن هذا يحضر صورة هذا، خصوصًا بعد ما قال: «أسمعه»، وإذن صار الحبيب حيوانًا عجيبًا في ظاهر أعضائه أعضاء أخرى، وما معنى قوله: «أسمعه في كل يوم»؟ إذا كان لسان الجمال ناطقًا أبدًا، فالصواب «في كل حين» أو «في كل وقت»، وإذا كان أخرس لا ينطق إلا مرة في اليوم، فيكون تعبيره حينئذٍ صحيحًا، وهذا غير ما يريد المتشاعر، وغير ما هو حق المعنى.
هل تريد الآن أن تعرف أصل هذا المعنى على أدق وأجمل ما يأتي في الشعر؟ انظر قول العباس بن الأحنف:
أريد لأدعو غيرها فيجرنيلساني إليها باسمها كالمُغالِب فقلب المتشاعر المعنى، وجعل الذي يغالبه «لسان الجمال»، وبذلك سقط الشعر، لأن ابن الأحنف أراد أن الحبيبة هي غالبة على إرادته، فيجره لسانه إلى اسمها إذا أراد أن يدعه إلى اسم امرأة غيرها. والعقاد جعل لسان الجمال «يدعوه» فقط لا يجره جرًّا إذا أراد الحبيب أن يبعده عنه.
وقد عبَّر أبو تمام أحسن تعبير عن هذا المعنى بقوله:
هي الشمس يغنيها تودُّد وجههاإلى كل من لاقت وإن لم تَودَّد وتأمل قوله: «يغنيها تودد وجهها»، فهي كلمة بالعقاد وكل شعره.
نحن نعبث بهذا المتشاعر، ونفسح له مهربًا كمهرب الفأر بين أظافر الهر، لا يرسله يمينًا إلا ليضربه شمالًا، وإنما سرق المتشاعر من قول القائل:
تُكلفني هجرانها بلسانهاويدعو إليها حسنها بلسان وهذا معنى كثير فاشٍ، تجده في الغزل وفي المديح أيضًا، وهو في الشعر الأوروبي أكثر منه في الشعر العربي.? بجانب هذه القطعة قطعة أخرى معربة عن شكسبير، يقول في البيت الثالث منها:
ومالت على أذنيه حتى كأنهليسمع منها شجوها والتندما فما هذه اللام في «ليسمع»؟ لام عقادية ولا شك، أي سخافة وتخليط، إن هذه اللام لا تأتي إلا زيادة في التوكيد، وهنا «كأن» للتشبيه لا للتوكيد، أي لم يسمع، بل كأنه، فلا توكيد في الكلام، ولا محل لتلك اللام مطلقًا إلا أنها من جهل المتشاعر.
ويقول في هذه القطعة:
تهُدُّ قوى الثَّبت المريرة من جوىفتعرقه إلا مشاشًا وأعظما فسَّر «تعرقه» بقوله: «عرق اللحم كشطه وأبقى العظام»، فإذا كان هكذا فمعنى البيت (تكشط اللحم وتُبقي العظام إلا العظام!!!) أهذا بيان أم هذيان؟ وتفتح صفحة ??، فإذا قطعة في العُقاب الهَرِم يقول فيها:
ويُثقله حمل الجناحين بعدماأقلاه وهو الكاسر المُتقحِّم يريد بالكاسر مثل قول الجرائد التي يتعلم فيها: «حيوان كاسر وأسد كاسر»، وهو خطأ، لأن هذه الكلمة لا تُقال إلا للطائر حين يكسر جناحيه للوقوع. ويقول بعد هذا البيت:
جناحين لو طارَا لَنَصَّتْ فدَوَّمَتْشماريخ رضوى واستقل يلملم قال في الشرح: «التدويم تحويم الطائر في الفضاء، والشماريخ القلال، والمعنى أن خاصة (كذا) الطيران سُلبت من جناحيه فأصبحتا (كذا) هما والجبال سواء». ما الذي فهمت أيها القارئ من هذا الشرح ومن سخافة النظم؟ يريد المتشاعر أن جناحي العقاب الهرم جمدَا فلا يطيران، فلو هما طارَا لطارت في الجو شماريخ جبل رضوى، وقام جبل يَلَمْلم يطير. فانظر أي اضطراب وأي حمق وأي سخافة؟ ولماذا رضوى ويلملم دون هملايا والألب؟ وهل يجمد ويتحجر الجناح في هرم الطائر فيشبه بالجبل الراسخ! أم يضعف ويدق؟
ويقول:
لعينيك يا شيخ الطيور مهابةيفر بُغاث الطير عنها ويُهزم بغاث الطير ضعافها وما لا يصيد منها، ومنه قولهم: «إن البغاث بأرضنا يَستنسر»، يريدون أن البغاث — مع كونه ذليلًا عاجزًا — لو نزل بأرضنا لا نقلب نسرًا. فأية قيمة (للمهابة) التي تفر منها ضعاف الطير؟ أوليس المعنى الطبيعي الشعري هو القائل:
وكل باز يمسه هرمتَخرِي على رأسه العصافير? وفي صفحة ?? «الليل والبحر» يقول:
ضل هادي العيون واحلولك الليــل فلا فرق بين أعمى وهِرّ!!!ولَهذا الظلامُ خير من النور إذا كنت لا ترى وجه حر هنا تظهر سخافة هذا العقاد بأجلى مظاهرها، فكلامه لئيم، وأسلوبه لئيم، وسرقاته لئيمة، يريد أنك ما دمت لا ترى وجه حر من الناس، فالظلام خير من النور. ألا ما ألأمها ما ألأمها!! ألا يغور هذا المتشاعر في الأرض وهو يعرف أنه يسرق الأم سرقة من قول القائل:
أتمنى على الزمان محالًاأن ترى مقلتاي طلعة حر هل عرفت الآن سخف العقاد ولؤم شعره وركاكة بيانه المتهدِّم، وأنه يمشي في الشعر على رجلين من الخشب!!
وفي صفحة ?? يزعم المتشاعر أنه يعارض ابن الرومي، ولعمري لو بصق ابن الرومي لغرق العقاد في بصقته. يقول:
في كل روض قُرى للزهر يعمرهايا حبذا هي أبيات وسكان ولا أدل على جهل العقاد بالنحو والعربية من هذا، فإن (أبيات وسكان) هنا في هذا التركيب يجب أن تكون منصوبة على التمييز، وقد جعلها مرفوعة لأنه جاهل جهلًا صريحًا.? ويقول فيها: نفاه عن عرس الدنيا شواغلُهإن الحداد عن الأعراس شغلان من أي لغة جاء ? «شغلان»؟ من قول العامة: «عاملها شغلانة» …
ومن مضحكات هذه القصيدة:
بالغصن شبهه من ليس يعرفهوإنما هو للرائين بستانوهل نما قط في غصن على شجرآس وورد ونسرين وسوسان؟ إذن هذا الحبيب أشجار مختلفة. أما تشبيهه قدَّه بالغصن فخطأ في رأي المتشاعر، ويجب أن يشبه قده بالحقل!!! أليس هذا الخلط أسقط ما يمكن أن تعثر عليه في أسخف الشعر وفي أحط الأزمنة؟ ولكن العقاد مجدد! «مجدد إيه وهباب إيه؟» … انظر الأصل الذي سرق منه لابن الرومي:
لأي أمر مرادٍ بالفتى جُمعتتلك الفنون فضمتهن أفنانتجاورت في غصون لسن من شجرلكن غصون لها وصل وهجرانتلك الغصون اللواتي في أكنتهانُعم وبؤس وأفراح وأحزان ما أجمل هذا التصوير وأبدعه في جعل ثمار تلك الغصون الإنسانية نعمًا وبؤسًا وأفراحًا وآلامًا، لا كما صنع المغفل الذي جعلها آسًا ووردًا ونسرينًا وسوسانًا، ولو كانت القافية لأمية لحسبناه يجعلها بصلًا وثومًا وكراثًا وفجلًا!!? على أن المتنبي أشار إلى ذلك المعنى إشارة دقيقة في قوله: «مظلومة القد» في تشبيهه غصنًا. ولو كان في طبع المتنبي الغزل لأبدع واستوفى المعنى، ولكنه في الغزل ضعيف جدًّا، يقلد غيره.
ويقول العقاد:
يا من يراني غريقًا في محبتهوَجْدًا، ويسألني هل أنت غصَّان؟ يعني إيه؟ الغصَّان من به غُصَّة، وهي ما يعترض في الحلق فيُساخ بالماء. فما معنى أن يكون الغريق غصان؟ الظاهر أن ذلك العامي المتشاعر ظن أنه الغصان معناه الظمآن، والغريق لا يسأل هل أنت ظمآن، لأن الماء يملأ حلقه وجوفه.
وانظر قول البحتري حين لاح له مثل هذا المعنى:
كان يُحيي ميتًا من ظمأبعض ما أوبق ميتًا من غرق انظر الفرق بين الشاعر الحقيقي مثل البحتري، والمتشاعر الدعي الغبي مثل العقاد الذي يقول:
إني إلى الرعي من عينك مفتقِريا ضوء قلبي فإن القلب مِدجان فسر «مدجان» في الشرح بقوله: غانم!!! ومدجان مفعال صيغة مبالغة، فكيف تأتي صيغة المبالغة من الرباعي، أي فعل أدجن؟? والظاهر أن هذا العامي فهم من معنى (الرَّعْي) النظر، مع أن قولهم: رعاه الله لا يكون إلا بمعنى حفظه، فالمعنى أنه مفتقر إلى أن تحفظه عينا الحبيب!! لأن قلبه مِدجان. (يا حفيظ)! الحق أن الذي يقرأ هذه القصيدة ثم يقول: إن العقاد شاعر وإنه يعرف العربية لا يكون إلا مغفلًا من أشد المغفلين، وزعم ناظمها أنه شاعر، وإثباتها في ديوانه هو الدليل على أنه مغفل. ودليل آخر على أنه مغفل قوله:
والشعر من نَفَس الرحمن مقتبَسوالشاعر الفذ بين الناس رحمن!!! لا نشير إلى إلحاد هذا الدعي الزنيم، فهو يباهي به تقليدًا لبعض علماء أوروبا، ولكنه لما كان يدعي لنفسه أنه شاعر فذ فكأنه في رأي نفسه إله!!! أغيثوه بطبيب مستشفى المجانين أيها الناس. ومن هذه القصيدة الحمقاء:
قالوا: ابن آدم من قرد، فقلت لهم:كلا ولكنه في النَّجْر ثعبان يعني في الأصل، وهذا رد من العقاد على «داروين»!!! ولعله ما نبهه إلى هذا المعنى إلا أنه هو كالثعبان في أذاه وطوله، ولو كانت القافية حاءً لقال إنه (تمساح!!!).
وتفتح الآن صفحة ??، فنراه يقول يصف امرأة في حمام البحر:
البحر يغضب وهي ضاحكةشتان بين السخط والسخروتميل من ظهر إلى بطنطورًا ومن بطن إلى ظهر هذا دليل جديد على جهل الرجل بالعروض، فإن آخر الشطر الأول من البيت الثاني عروض حذاء مضمرة، والإضمار مع الحذذ لا يقع إلا في الضرب، أي في آخر البيت، ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يقول في هذا الوزن: (إلى بطن) بسكون الطاء، بل يجب أن يكون في مكان الطاء حرف متحرك.
وفي صفحة ??:
فاكتب على هذا الزمان ذنوبهإنا نؤجله الحساب إلى الغد ومع سخافة المعنى عدَّى «أجَّل» إلى مفعولين، وهو لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. ونقلب الآن صفحة ??? «ضيق الأمل»:
شر ما يلقى الفتى أجلضُيِّقَ عن واسع الأمل انظر غباوة اللص لتعرف أنه لص، وقابل هذا البيت بقول القائل:
أمَلي من دونه أجليفمتى أفضي إلى أملي؟?? بربك أليس هذا هو الشعر؟ وكلام العقاد هو الهذيان؟ أعرفت الآن أن هذا السخيف لص يسرق من الجوهري ويبيع في سوق «الكانتو»!!!؟
هوامش

(?) نشرت في عدد شهر يوليو سنة ???? من جملة «العصور».(?) نحن نصف العقاد بالوقاحة، وفي يدنا كتابة بخطه وتوقيعه أعطانا إياها، ليثبت لنا إثباتًا قانونيًّا!! أنه كذلك، وهو كذلك يا عقاد.(?) سيأتي ذلك مفصلًّا بأمثلته.(?) يعللون مثل هذا بقولهم: إن الحال أذنت بأن لو كان لها جارحة نطق لقالت كذا …(?) وينظر العقاد في سرقته أيضًا إلى «جيب» ابن الفارض في قوله:وإلى عشقك الجمال دعاهفإلى هجره تُرى من دعاكا؟(?) أي لا مهابة ولا خوف منه ما دامت العصافير تزرق على رأسه، بخلاف ما توهم المتشاعر العقاد الذي جعل من الجناحين جبلين!!! …(?) سيأتي كثير مثل هذا.(?) فيقول هكذا:وهل نما قط في غصن على شجرفجل وثوم وكرات وأبصال!!!(?) سقط من هذا الموضوع كلام سيأتي استدراكه في السفود الثالث.(??) هذا المعنى توليد بديع من قول سيدنا علي: «إن المرء يشرف على أمله، فيقطعه دون أجله». فانظر كيف سما الشاعر وكيف سقط المتشاعر؟ …
عضلات من «شراميط»?


قلنا: إن هذا العقاد لص من أخبث لصوص الأدب، لأنه — مع هذه اللصوصية — يدعي دائمًا ملكية ما يسرقه، ومع هذه الوقاحة في الادعاء يحقد على كل من يملك شيئًا من مواهب الله، ومع هذا الحقد الدنيء لا يتصور الناس إلا على أمثلة من نفسه. ولعله لا يعقل أن في أحد من خلق الله دمًا شريفًا أو عرقًا ساميًا، أو أخلاقًا نبيلة، ومن أجل ذلك لا يعرفه عارفوه إلا أعمى الأنصاف، كل ضدين عنده هما ضدان باسم واحد، أو هما شيء واحد باسمين مختلفين كما يقول هو في بعض تخليطاته. فقد رأينا له اليوم في مجلة «الجديد» مقالًا عنوانه «ربة الجمال بلا يدين» لم نكد نقرأ أوله حتى ضحكنا من جهل هذا الدعي العامي، فهو يقول: كان هَيْنِي الشاعر الألماني يعبد الجمال، ويعشق كل جميل، وكان من عبادته في جحيم، أو قُل في نعيم!!!
خذا بطن «هَرْشَى» أو قفاهافإنما كلا جانبيْ «هِرْشَيْ» لهن طريقفإن الجحيم والنعيم في عبادة الجمال شيء واحد باسمين مختلفين، كما أن «هرشى» طريق واحد من حيثما أخذتَها? … وثِق أنك إذا قلت: النعيم، وأنت تعني الجحيم، أو قلت: الجحيم، وأنت تعني النعيم، فلا لوم عليك ولا مخالفة للحقيقة!!! لأن جحيم الجمال ونعيمه — كما قلنا — شيء واحد … ولأنهما داران موضوعتان على رسم واحد!!! وفي سعة واحدة!!! لا فرق بينهما داخلًا ولا خارجًا!! إلا اللوحة التي على الباب!! عند هذا الحد ألقينا المقالة، واكتفينا من خلط الرجل بالكلمات الأولى، إذ لو بقي المعتوه يتكلم من طلوع الشمس إلى غروبها لكان كل كلامه «باسم واحد» طبعًا. وقد نبهتنا هذه الكلمات إلى الأصل الذي في نفس العقاد، مما يجعل الأشياء كلها شيئًا واحدًا في اعتباره، لا على مذهب «وحدة الوجود»، فهو أبعد الناس عن فهم هذا المذهب وإن ادَّعاه، لأن فهمه لا يكون إلا بأنوار البصيرة وبإدراك التجلي الأقدس، يعني لا يمكن فهم هذا المذهب إلا بعد أن يتصفى الإنسان من الرذائل كلها، ويدرك بنور نفسه معنى النور الذي انبثقت منه نفسه. والعقاد في نفسه كله رذائل وظلمات … لا يكابر في هذا إلا العقاد!
•••

وإذا كان هذا الرجل يعتبر الأشياء كلها شيئا واحدًا — لا على مذهب وحدة الوجود — فعلى أي مذهب إذن؟ الجواب على مذهب وحدة غريزته هو، لأنه لو صح ما يقال في منبته وأصله، فالفضائل والرذائل حينئذ وكل ضدين مختلفين لا فرق بينهما عند مثله إلا الاسم، وفي لغته هو «إلا اللوحة»!!!
وقبل أن ننتقل من هنا، نحلل الكلمات القليلة التي نقلناها عنه ليعرف القراء أن هذا الكاتب الكبير العبقري!!! لا يفهم ولا يكتب إلا خطأ، من ضعف.
إذا كان «هَيْنى» يعبد الجمال، فهل يعبده إلا لأنه يعشق كل جميل؟ إذن فباقي الجملة حشو جرائد. «وكان من عبادته في جحيم أو قل: في نعيم»، إن «أو» لا تأتي إلا لأحد الشيئين، وهو يريد هنا الشيئين معًا جحيمًا ونعيمًا، فلا معنى لاستعمالها، وإنما يتبع في هذا التعبير صغار المترجمين الذين يشتغلون بالترجمة الحرفية.
ويقول: كما أن «هرشَى طريق واحد من حيثما أخذتها»، فهرشى يا حضرة العبقري!!! ليست طريقًا، ولا معنى البيت يدل على ذلك، ولا لها «بطن»? كما تقول، وإنما تنقل نقلًا عاميًّا، وتفهم فهمًا عاميًّا، وليس فيك من العربية إلا كاتب جرائد على مقدار «الحالة الحاضرة» … أصل البيت «خذ جنب هرشى» … إلخ، وفي رواية «خذي أنف هرشى»، أو «خذا أنف هرشى» … إلخ، وهي ثَنِية أو هضبة لها طريقان يُنتهى إليها من كليهما، فمن سلكهما كان مصيبًا. إذن هي ليست «طريقًا واحدًا من حيثما أخذتها» يا عقاد!
والعجائب كلها في باقي العبارة، وهي أسطر قليلة، ولكنها تدل على ذهن جبار، جبار جبار!!
رأينا مرة فتى يريد أن يظهر مظهر رجل مفتول العضل، فحشا كُميه وصداره هلاليل (شراميط)!! عضلات بارزة مكتنزة، لكنها عضلات من شراميط!!
هكذا إعلان العقاد أنه جبار الذهن. والحقيقة أن الرجل جبار الغريزة منذ كان إلى أن كان … فيختلط الأمر في وقاحته وادعائه وسلاطته على الضعفاء أو على الجبناء. ولكن الذي يعرف العضلات التي تُخلع مع الثياب!!!! يصفع صاحبها الجبار مطمئنًّا، بلا ريب.
طيب!! «جحيم الجمال ونعيمه شيء واحد»، فما معنى «لأنهما داران موضوعتان على رسم واحد»، وهل داران على رسم واحد تكونان شيئًا واحدًا وتأخذ الحكومة عليهما ضريبة واحدة!! يا أصحاب الأملاك وكِّلوا هذا المحامي الجبار الذهن ليقنع الحكومة بهذه الفلسفة!!
وإذا كانا دارين، فلا معنى لأن يقول الجحيم والنعيم، لأن النعيم هذه من تعبيرات العامة، وإنما تأتي مضافًا إليها، فيقال: جنة النعيم ودار النعيم، بخلاف الجحيم فإنها هي الدار. ثم الداران «في سعة واحدة» بعد أن قال حضرته إنهما على رسم واحد، العقاد إذن مهندس ممن اشتغلوا في تخطيط الجحيم والنعيم، ومَسَّاح أيضًا موظف في ديوان المساحة الذي وراء الطبيعة!!! وأكثر من ذلك يظهر أن هذا الصعلوك من كبار أرباب الأملاك السماوية!!! فأراد مرة أن يشتري الجحيم والنعيم، (فتفرَّج) عليهما، فإذا هما «لا فرق بينهما داخلًا ولا خارجًا إلا اللوحة التي على الباب».
طبعًا طبعًا هذه اللوحة كان مكتوبًا عليها جحيم ونعيم للبيع!!! لا لا! بل هي كما يظهر من معنى كلام الجبار لوحة من الرخام كُتب عليها دار الجحيم، دار النعيم!!! أو «فيلا» نعيم وجحيم …
وإذا كان هنا «باب» عليه «اللوحة» فكيف صارتا دارين؟ كان ينبغي أن يكون هناك بابان عليهما لوحتان، ولكن يظهر أن العقاد رفع دعوى يطلب الحكم فيها بسد أحد البابين لأنه يفتح على مِلكه الخاص!!! فحُكِمَ بسَدِّه وإنزال اللوحة التي كانت عليه، وحينئذٍ صارتا دارين بباب واحد!!
أفتونا أيها القراء أهذا جبار الذهن؟ أهذا كاتب؟ أهذا أديب؟ أهذا يفهم بيان العربية؟ أم هي صنعة جرائد، ثم مغفلون من الكُتاب لمغفلين من القُراء؟
•••

وتظاهُر العقاد باحتقار الأدباء — مع أنه في نفسه يغلي حقدًا وحسدًا — طريقة مسروقة يقلد فيها الكاتب الإنجليزي الشهير «برنارد شو» الذي يقول إنه لا يجد عقلًا يستحق احتقاره إلا عقل شكسبير!!!
ولكن انظر الفرق بين الأصل والتقليد، «برنارد شو» يحتقر النوابغ من جهة عقليته، فلا يحسد، والعقاد من جهة نفسيته، فلا يعقل، والأول يضع الآراء ويبتكرها، والثاني يسرق ويدعي، وذلك يحتقر احتقارًا ساميًا أساسه التظرف، وهذا دنيء دنيء أساسه الحسد ولؤم الطبع، والعامية الثقيلة الآتية من الشوارع، تلك التي توهم أهلها أن الأسمى لا بد أن يحتقر الأدنى، فإذا تظاهر العامي الوضيع باحتقار رجل شريف أو نابه عظيم، كان ذلك في منطقه دليلًا مقنعًا للناس أنه هو الأسمى والأشرف والأعظم!!! فالعقاد لصٌّ حتى في الصفات. وحسبك بهذا.
ومع أن «برنارد شو» ذكي نابغة، فقد خرجوا من نقده وتحليله بأنه كالمخدوع المغرور، أو هو مخدوع مغرور على الحقيقة، يمتاز بنقائص وعيوب اختص ببعضها وشارك الناس في بعضها، وأن ثقته بنفسه تُفقد الناس الثقة به، فقد يعتقد أنه جاء بالكلمة الأخيرة في الموضوع الذي يعالجه، في حين أن النقاد يكونون مقتنعين بأنه لم يفهم قط، وينتهي من ذلك إلى أسخف الآراء وأبعدها في الخطأ مكانًا، بحيث يرجح أحيانًا من شدة سموه الذي يتوهم وليس فيه إلا رجل عامي سطحي ضعيف.
•••

هذا في «برنارد شو»، فكيف الحال في لصٍّ مقلد بينه وبين «شو» مثل ما بين بلديهما أسوان ولندن؟
ولكن لو سألت العقاد في هذا لما كان شيء أسهل عليه من الجواب، فإنه يقول: إن أسوان ولندن شيء واحد «لا فرق إلا اللوحة»، وبرنارد والعقاد شيء واحد لا فرق إلا … والله ما أنا عارف إلا إيه يا عقاد؟!
وما دمنا في بيان سوء فهم هذا المغرور، فنقول: إن بعض الأدباء سألنا عن رأي نشره العقاد في مجلة «الجديد» يعلل فيه ميل ابن الرومي إلى الهجاء، وإقذاعه فيه وإفحاشه في السب، وذلك حيث يقول العقاد في تلك المقالة: «فالرجل ابن الرومي» لم يكن شريرًا ولا رديء النفس (خذ بالك من رديء النفس)، فلماذا إذن كثر هجاؤه واشتد وقوعه في أعراض المهجوين؟ نظن أنه كان كذلك لأنه كان طيب السريرة!! انتهى بحروفه.
نقول: إن صح هذا صح مذهب التناسخ، ويكون ابن الرومي قديمًا هو هو عباس محمود العقاد اليوم، جاء كما كان من قبل تمامًا!! جبارًا عند نفسه، وقحًا عند الناس، لئيمًا عسيرًا، لأنه سهل طيب السريرة.
•••

يقول العقاد: «كان ابن الرومي هجَّاءً مقذعًا في الهجاء، وكان لأهاجيه أثر كبير في حياته وفي شهرته (تأمل).? والواقع أن ابن الرومي لم يدع أحدًا من النابهين في زمانه إلا هجاه أو أنذر بهجائه. هل كان ابن الرومي شريرًا لأنه كان كثير الهجاء؟ لا، بل هو لو كان شريرًا لما اضطر إلى كل هذا الهجاء، أو لو كان أكبر شرًّا لكان أقل هجاءً لأبناء عصره. ما كان هجاؤه يشف عن الكيد والنكاية كما كان يشف عن الحرج والتبرم». هذا كلام جبار الذهن المضحك، وقد وقفنا من نقله عند كلمة «الحرج» لأنها أذكرتنا ما نعلمه من أن أديبًا لام العقاد يومًا على حقده، وكلمه في أن هذا عجز منه وضعف، لأنه لو كان قويًّا لنازل وصارع وأعطى كل ذي حق حقه، فإن القوة تُعْجَب بالقوة وتقر لما هو أقوى. وقال له إن المتلاكمين أو المتصارعين يتصافحان على الحلقة ثم يتلاكمان، وقد يقع أحدهما ثم يعودان صديقين، لأنهما في قانون القوة الإنسانية لا الوحشية. فقال العقاد: أنا طيب السريرة ولكن الناس يحرجونني أحيانًا. كل كلام الرجل عن ابن الرومي هو من كلامه عن نفسه لذلك الأديب، فلؤم ابن الرومي وسبابه وإفحاشه وبذاءته وهجاء كل من مدحهم، ووقوعه في الأعراض، كل ذلك لأنه طيب السريرة!!!
تعالوا يا علماء الأخلاق والآداب فخذوا هذا الاكتشاف الجديد عن جبار الذهن الذي لا يعرف ما هو الهجاء في الشعر العربي ولا ما تاريخه، وأصلحوا لغات العالم كلها في تحديد معنى السفاهة والبلادة وفحش القول ولعن أعراض الناس، فقولوا: إن كل ذلك معناه ومنشؤه طيب السريرة!! على ما حققه جبار الذهن المسمى عباس العقاد!!
•••

لقد سئمنا هذا الهذيان من هذا السخيف، ولكن انظر التركيب العربي في كلامه لتعرف أنه هو لا يفهم ما يكتبه، وله من مثل هذا كثير جدًّا. يقول: إن ابن الرومي لم يكن شريرًا لأنه كان كثير الهجاء. ثم يقول: لو كان شريرًا لما اضطر إلى كل هذا الهجاء. والمعنى الصريح في العبارتين أن كثرة الهجاء دليل قاطع في نفي الشر عن الرجل. ثم يقول: «لو كان أكبر شرًّا لكان أقل هجاءً». وهذه العبارة قاطعة في أن ابن الرومي كان شريرًا، لأن أفعل التفضيل (أكبر) لا يُذكر في الكلام إلا لتحقيق الزيادة في صفة يشترك فيها شيئان ويزيد أحدهما فيها على الآخر. فالمعنى بهذا التركيب أن ابن الرومي شرير، ولكنه قليل الشر لأنه كثير الهجاء!! ولو كان أكبر شرًّا لكان أقل هجاءً.
إذن فالعبارتان السابقتان في نفي الشر لغو لا معنى لهما إلا ثرثرة جرائد لا تميز الصحيح من الفاسد، وهما دليلان لا دليل واحد على أن العقاد كاتبًا، كالعامي قارئًا سواء بسواء؟ كلاهما غير تام، وعلى غير قاعدة.
وفي هذا المقال الذي سألنا عنه الأديب يفسر (جبار الذهن) بيتًا لابن الرومي وهو قوله:
لا يغضبن لعمرو من له خطرفليس يرضى بظلمي? من له خطر قال: (جبار الذهن) كأن يقول: لقد صبرت على عمرو فرضي الناس بظلمه إياي، فإذا هجوته أنا الآن فما يحق لذي خطر أن يغضب له، وهو منصف بيني وبينه.? ماذا فهمت أيها القارئ من (جبار الذهن) في تفسيره؟ أين صبر ابن الرومي على عمرو في هذا البيت الذي ترتب عليه رضا الناس بظلم عمرو لابن الرومي؟ ثم إن ترتيب رضا الناس على صبر الشاعر — بدليل استعمال الفاء في قوله: «فرضي الناس» يُفهم منه بدلالة اللزوم أنه لو لم يصبر ابن الرومي لَغَضِب الناس على عمرو، ولم يرضوا بظلمه للشاعر. فإذا كان كذلك فلماذا صبر ابن الرومي وهو يملك هذا السلاح الماحق، سلاح الرأي العام الذي أنعم الله عليه بعد موته!!! بأكثر من ألف سنة على يد جبار الذهن؟
صبر ابن الرومي على الظلم، فرضيه الناس له، فإذا نفذ صبره الآن وهجا عمرًا فلا يحق للناس أن يغضبوا لعمرو وإذا كانوا منصفين. هذا هو وجه العبارة لو كان العقاد يحسن الكتابة، ولكنه خلط فجعل الناس يرضون جملة بالظلم، ثم لا يغضب منهم حين الغضب «إلا ذو خطر»، وجعل ذا الخطر هو الذي ينصف وحده حين قصر عليه الجملة الحالية. وهذا من تلفيق الرجل وتعميته على القراء ليوافق كلامه ألفاظ البيت، إذ لو قال: رضي «الناس» ولا يحق «للناس» أن يغضبوا؛ لتعرض للفضيحة، لأن الشاعر نفسه لا يريد «الناس»، بل من له خطر منهم.
ويبقى أنه يلزم من تفسير العقاد أن الناس في عصر ابن الرومي كانوا على هذا الشأن فيما بينه وبين عمرو فقط، وأهملوا أمره مع كل من هجاهم وكل من ظلموه وكل من صبر عليهم. وهذا (فتح جديد) في التاريخ، ويجب أن يُضاف إلى اكتشافات العقاد، ولعله كان كذلك، لأنه عمرو بن أم عمرو الذي قال فيه الشاعر:
إذا ذهب الحمار بأم عمروفلا رجعت ولا رجع الحمار! نحن على يقين أن هذا العقاد ضعيف الفهم، وهو يهرب دائمًا من التفسير في الآداب العربية لهذه العلة، فإن وقع مرة وقع على أم رأسه كما ترى في هذا البيت. ومع أن الكتب الأوروبية التي يغير عليها كثيرة الشروح والتعاليق والنقد، فله سخافات في فهم الآراء الدقيقة منها كما سنبين ذلك. وما غطَّى عليه إلا أنه دائمًا يسرق فيلخص وينتحل ولا يبين الأصل الإفرنجي الذي يغير عليه لتُمْكِن المقابلة.
معنى بيت ابن الرومي هو هذا إن عمرًا ذليل لا خطر له ولا شأن، ولذلك لا يغضب له من له شأن ونباهة، فإن من كان بهذا الوصف لا يرضى بظلمي لمنزلتي عند ذوي الخطر، وإنما يرضى بظلمي السفلة وأمثالهم من الحشوة والطغام الذين لا يدركون قيمة الشعر وشاعره، وليس لهم أعراض ولا مناصب يخافون عليها الهجاء، على حد القول المشهور:
اذهب فأنت طليق عرضك إنهعرض عززت به وأنت ذليل! وكل تاريخ الأدب العربي في باب الهجاء ناطق أنه لا يخاف الهجاء ولا يتحاماه إلا ذو خطر من عرض ونسب وجاه … إلخ إلخ.
هذا على اعتبار أن «لا» في قوله: (لا يغضبن) نافية، فإذا كانت للنهي كان المعنى هكذا لا يغضب ذو خطر وشأنٍ لعمرو، لأن ذا الخطر يتقيني ويخشاني، فلا يرضى بظلمي، فلا يغضب لمن ظلمني.
وعلى كلا الوجهين فأساس البيت هوان عمرو على الناس، وفخر ابن الرومي بصولته وخشية ذوي الأحساب والمناصب والجاه من لسانه وهجائه.? نحب الآن أن نعرف من هو أجهل الناس وأبلدهم وأشدهم جبنًا؟ فإن صاحب هذه الصفات مجتمعة هو الذي يغضب لعمرو!!! ويجرؤ على المكابرة به هذا البيان، فيقول: إن العقاد يفهم الشعر، وإنه يجوز له أن يكتب في الأدب.
•••

ونعود إلى نظرة سريعة في شعر جبار الذهن، وهذا الجبار أهون علينا من أن نضيع الوقت في قراءة شعره أو كتابته قراءة تتبُّع واستقصاء. إنما سبيلنا أن نفتح أية الصفحات من ديوانه أو عددًا يكون أمامنا من مجلة «الجديد» التي يكتب فيها الآن،? فإننا لتراكم الأعمال لا نقرأ المجلات إلا بعد صدورها بزمن، ولكننا نقرأ ما نحبه منها على كل حال، ومنها مجلة «الجديد». على غلاف ديوان العقاد هذه الكلمة (أربعة أجزاء في مجلد واحد)، والديوان ورق لا يساوي ثمن تجليده، ولم يخرجه صاحبه مجلدًا، فما معنى (مجلد واحد) وكلمة مجلدة أو مجلد لا تستعمل إلا في الكتاب يغشى بالجلد لأنها من جلد، أي وضع الجلد عليه؟ وإذا صح أن كل مطبوع يسمى مجلدًا جاز حينئذ أن يكون معنى العبارة (أربعة مجلدات في مجلد واحد) هذا أيضًا من جهل الجبار، لأنه يريد في سِفرٍ واحد، أو كتاب واحد، أو مجموع واحد.? وبهذه المناسبة رجعنا إلى أوائل الأجزاء، فإذا اسم الجزء الأول «يقظة الصباح»، والثاني «وهج الظهيرة»، والثالث «أشباح الأصيل»، والرابع «أشجان الليل»، وهذه الأسماء لم تكن من قبل حين طبعت الأجزاء قديمًا، وإنما لُفقت حديثًا في السنة الماضية عند طبعها في «مجلد واحد»!
حسن جدًّا (وجدًّا حسن)، ولكن من أين جاء هذا التخليط؟ يقول جبار الذهن في كلمة الختام: «فإذا قرأ القارئ فربما وجدَ في أشجان الليل ما هو أخلق بوهج الظهيرة، أو وجد في يقظة الصباح ما هو أخلق بأشباح الأصيل». الجبار إذن يقر بالتخليط ويعترف به، لأنه لا يستطيع أن يكابر أن كل نظمه هُراء في هراء، فإذا كان هذا الخلط واقعًا معترفًا به فما معنى هذه الأسماء؟
معناها أن العقاد رجل دعوى وتدجيل وغرور، فيسرق ويدعي الملكية، هو يعترف أن الأسماء ليست على مسمياتها، إذن فهو لم يضعها، لأنه لا يخطر لمؤلف — مهما كان جاهلًا — أن يضع اسمًا على غير مسماه، إذن فهو قد سرقها وهذا هو الصحيح.
وضع الشاعر الفرنسي الكبير ملكريور دفوجيه Melcrior de Vogué عضو الأكاديمية الفرنسية رواية شعرية سماها (جان داجريف) “Jean d’Agreve”، وجعلها أربعة أناشيد، لأنها تصف حياة حب بديع منذ بدئه إلى منتهاه، ومن أمله إلى خيبته. وسمى النشيد الأول (الفجر)، والثاني (الظهيرة)، والثالث (الأصيل)، والرابع (الليل)، لأن في الأول انبثاق نور الحب، وفي الثاني توهجه، ومع الثالث تخافته، وعند الرابع ظلامه وفناءه. أسماء على مسمياتها كما ترى، وهو في كل نشيد يُبدع في التصوير والقصة والحادثة، ولا يعدو الحد الذي يفصل بين الاسمين، بل يمر بالقصة وحوادثها ومعانيها كما تمر الشمس من لدن تطلُع إلى أن تغيب، وتظلم خلفها الدنيا، فتموت الحبيبة في ناحية والمحب في ناحية أخرى.
ومع اعتراف جبار الذهن أن هذه الأوضاع لا تنطبق على سخافاته التي سماها «أربعة أجزاء في مجلد واحد»، فإن طبع اللصوصية المنغرس فيه أبى عليه إلا أن يسرقها ويدعيها ويذهب المذاهب في تعليلها تدجيلًا وتعمية على القراء، وهذا كله صريح في أنه لص مخادع مدع لا يحترم نفسه ولا الناس ولا الحق.
عجيبة عجيبة … نفتح الآن صفحة ??? من «يقظة الصباح»!! فماذا ترى؟ تهنئة بعيد:
عثمان يا عيدُ من يحظى بصحبتهبلغت ما شئت في الأيام والناسأولى الأنام بإسعاد وتهنئةمن كان كالعيد في بشر وإيناس إذا بلغ الحرص بشاعر على أن يثبت في ديوانه مثل هذين البيتين، فقُل فيه ما شئت ولا تُبال، واعلم أنك مصيب في كل ما تقول.
ومن فساد الذوق في «جبار الذهن» أنه يدعو على الناس في يوم العيد، لأنه يدعو لعثمان أن يبلغه الله ما يشاء فيهم، وماذا يشاء عثمان في «الناس»؟ أيجعلهم عبيدًا له؟ أم يأكل أموالهم؟ أم ينكبهم وينتقم منهم؟ إن العبارة نفسها في هذا التركيب لا تُقال إلا في الشر، فإنك تقول لإنسان: بَلَّغَكَ الله ما شئت في أعدائك. ولا يمكن أبدًا أن تقول بلغك الله ما شئت في أصدقائك وأصحابك، إذ لا يشاء (فيهم) ولكن يشاء (لهم).
ومعنى البيتين مبتذل متداول على ألسنة الناس حتى العامة، وقد مسخ المتشاعر كلام المتنبي في تهنئة سيف الدولة بعيد الأضحى في قوله:
هنيئًا لك العيد الذي أنت عيدهوعيد لمن سمى وضحى وعيَّدافذا اليوم في الأيام مثلك في الورىكما كنت فيهم أوحدًا كان أوحدًا المتنبي جعل أميره عيدًا للعيد ولأهل العيد، والمتشاعر جعل عثمان!! عيد من يحظى بصحبته، والمتنبي جعل يوم العيد في تفرده مثل الأمير في كونه أوحد الناس، والمتشاعر جعل عثمان (كالعيد) في بشر وإيناس «وزمارات ولعب وكحك وغُريِّبة»!!! من الإهانة للمتنبي أن نقول: إن العقاد سرقه وإن كان سرقه، ولكنا في كل ما نذكر من سرقات هذا المتشاعر «الجبار» لا نريد إلا أن يقابل القراء بين الشعر الحقيقي في قوته ومتانته وإحكام صنعته وبين الشعر الزائف المنحط في سخافته وركاكته مع أنه مسروق من ذاك!! فلو أخذه شاعر حقيقي يستحق اسم الشاعر لجاء به على الأقل، على الأقل في طبقة الأول إن لم يكن أبدع وأسمى منه، ولم ينزل إن لم يعلُ، ولم ينقص إن لم يزد.
فإذا كان جبارنا المضحك يسرق، ومع ذلك لا يجيئنا إلا بالسخيف الذي لا يُذكر بجانب الأصل، فإنه … فإنه إيه؟
فإنه سيف نجار!!! تقلدهمَن زنده عضلات من شراميط …هوامش

(?) نشرت في عدد شهر أغسطس سنة ???? من «العصور» …(?) ذكر هنا حكاية البدوي الذي تمثل بهذا البيت في حضرة عمر بن عبد العزيز، فتركناها اختصارًا، ولأنه لم يصحح نقلها.(?) إذا كانت هضبة أو ثنية، أي أرضًا مرتفعة، فكيف يكون لها بطن؟ ولكن العقاد وجد الكلمة محرفة ممسوخة، فنقل من غير تمييز كعادته، وستأتي أمثلة لذلك. وحكاية البدوي التي نقلها ممسوخة أيضًا، وأصلها الصحيح في معجم البلدان لياقوت.(?) لم يسلم أديب ولا عالم من لسان العقاد أو قلمه، فكلامه نص في أنه يعتقد أن هذا سبب كبير للشهرة، وأنه يعمل بما يعتقد.(?) الرواية: «فليس يرضى بضيمي».(?) مجلة الجديد عدد ?? مايو سنة ????.(?) بعد أن نشر هذا الكلام رجعنا إلى ديوان ابن الرومي وفتشنا عن القصيدة التي منها هذا البيت، فما كان أشد عجبنا من بلادة العقاد وخبثه وتعميته على القراء وتغفلهم ليوهمهم أنه فكر وفسر، وما كان أثبت يقينًا بأن هذا العقاد ضعيف الفهم لا ينبغي له أن يتكلم في الأدب، فالبيت من قصيدة طويلة يهجو بها عمرًا النصراني الذي أولع بهجائه، وكان كاتبًا لابن الوزير. ويريد الشاعر أن لا يغضب ابنُ الوزير لكتابه، وإليه أشار بقوله: (من له خطر), فهو يعنيه وحده بهذه الإشارة، وقد مدحه في آخر القصيدة، وفي أبيات أخرى هجا بها عمرًا هذا يقول منها:ألا يا ابن الوزير ألا انتزعهولا تغرسه قُبِّحَ من غريسأي اعزله من عمله ولا تغرسه في نعمتك. فلا ابن الرومي صبر على عمرو، ولا الناس رضوا بظلمه إياه، ولا شيء مما خلط به العقاد! ولعن الله الغفلة والشعوذة على القراء بمثل هذا الهراء …(?) كان ذلك في صيف سنة ????.(?) وهذه العبارة أيضًا سرقها العقاد من طابع مختصر ديوان ابن الرومي، فإن هذا كتب على الديوان (ثلاثة أجزاء في مجلد واحد). واعجب واعجبي …
جبار الذهن المضحك?


لا بد أن يكون قراء «العصور» قد تنبهوا إلى غلطات مطبعية تقع أحيانًا في هذه السفافيد لا تُخل بالمعنى، ولكن العجيب أن الأقدار أوقعتنا في غلطة بعثت عليها العجلة — في طبع «العصور» — فسقط سطر كامل من السفود الأول عن جبارنا المضحك، ولما تأملنا موضعه ظهر لنا أن القدر يلفتنا بهذه الغلطة المطبعية إلى جهلة من أقبح جهلات العقاد، ويبين لنا عن مقتل من مقاتل هذا المغرور لم نكن تنبهنا إليه من قبل، وهو كما يقولون في لغة الملاكمة من مواضع الضربة القاضية.
ولا ريب عندنا أن العقاد بعد هذه السفافيد كالمرأة بعد سقوط أسنانها!! لو وجدت من يطعم خديها من شجرة تفاح، وثديها من شجرة رمان، وشفتيها من فرع ورد، وقامتها من غصن بان، (وكمان) يجعل نظراتها من أشعة رنتجن، وابتساماتها من أشعة إكس، «ولهلوبتها» الغرامية!! من الأشعة التي وراء البنفسجية — لما وجدت مع انفضاض فمها وسقوط أسنانها وانخساف شدقيها من بعيرها نظرة أو لفتة إن كان في عينيه نظر.
قلنا في السفود الأول عند قول هذا المتشاعر:
إني إلى الرعي من عينيك مفتقرٌيا ضوء قلبي فإنَّ القلب مِدجان فسَّر (مدجان) في الشرح بقوله: غائم!!! ومدجان مفعال صيغة مبالغة، فكيف تأتي صيغة المبالغة من الرباعي أي فعل أدجن؟
وهنا موضع ما سقط من المطبعة وهو «مع وضعهم وزنًا خاصًّا للمبالغة في هذه المادة وهو فعل «ادْجَوْجَن»».
ولكن سقوط هذه العبارة جاء كما قلنا إعلانًا من القدر أنه لا يرضى هذه الضربة، لأن ههنا موضع ضربة قاضية يجب أن يخرَّ بها (الجبار) لليدين وللفم. وبيان ذلك أننا أحسنَّا الظن بالعقاد، وكانت في اعتبارنا بقية أنه على شيء من العربية، لأننا إذا وصفناه بالعامي فلا نعني أنه من عامة السوقة، بل من عامة محرري الجرائد، فلما رأيناه يقول: «إن القلب مدجان» لم يكن لنا سبيل إلا أن نَعُدَّ «مدجان» صيغة مبالغة، إذ أُخبر بها عن مذكر وهو القلب، وصيغ المبالغة لا تأتي من الرباعي إلا ألفاظًا مسموعة، منها حساس من أحس، ومعطاء من أعطى، ومعوان من أعان، ومتلاف من أتلف عند من يراها من أوزان الكثرة، وهي في الحقيقة زيادة في وزن مِتْلَف، لأنهم يقولون: فلان مِخلف مِتلَفٌ، فلما أرادوا الزيادة في المعنى قالوا: مخلاف متلاف.
ولكن كل هذا إنما هو سماعيٌّ في أفعال لم تأتِ منها أوزان أخرى لتحقيق معنى المبالغة، (وأدجن) وضعوا منه فعلًا خاصًّا للمبالغة وهو قولهم: (ادجوجن)، فلا ضرورة لارتكاب الضرورة، وبذلك لا يجوز قطعًا لعربي ولا لأعجمي ولا لمولَّد ولا لعامي كالعقاد أن يجعل (مدجان) صيغة مبالغة، هذه غلطة فليَعُدَّ القراء.
إذن فمن أين جاء العقاد بالكلمة؟ إنه لم يَصُغها، وإنما نقلها، وهنا موضع جهله العجيب، فإنهم يقولون: ليلة مدجان، أي مظلمة، ولا يوصف بها إلا المؤنث، لأنها من الكلمات التي جاءت في نعت المؤنث بغير «هاء»، وشبِّهت بالمصادر لزيادة الميم في أولها. ومنها امرأة مفتان ومبهاج ومعطار ومئناث تلد إناثًا، ومذكار تلد ذكورًا … إلخ إلخ، فظن العقاد أن الكلمة لمطلق الوصف، فنعت بها المذكر، وهم لا يقولونها إلا في المؤنث خاصة. وهذه غلطة ثانية.
وقلنا: فسر (مدجان) في الشرح بقوله: غائم!!! وسكتنا عند هذه العلامات، ومعناها أن هذا التفسير العقادي (بزرميط) كما يقولون، لأنه يشترط في استعمال هذه المادة أن يكون في الجو مطر أو أخفه، أي الضباب، ولذلك يقولون: أدجن المطر فلم يقلع أيامًا، أي دام عليهم، ويوم دجن إذا كان ذا مطر، فإذا كان الغيم وحده ولا ضباب ولا مطر ولا جو ريان خففوا الكلمة فقالوا: يوم دغن (بالغين المعجمة)، والغين أخف من الجيم، وهذا من مذاهبهم العجيبة التي تكاد تكون فوق العلم وفوق العقل أيضًا، مما يدل على أن هذه اللغة قد أراد بها الله — الذي ألهمها العرب — أن يهيئها لمعجزة حقيقية وهي القرآن،? وأنت ترى أن الغين أخف من الجيم، لتدل على أن ظلمة هذه أقل من تلك — وهي أيضًا أجف منها، فكأنهم يقولون بهذا التعبير إن اليوم غيم جاف لا مطر ولا ضباب ولا رطوبة. وهذه غلطة ثالثة للعقاد. ثم إن كلمة مدجان ثقيلة، أثقل من ذوق هذا العقاد، ولا تكاد تصيبها بهذه الصيغة في نظم شاعر يذوق البلاغة ويعرف مواقع الحروف وسحر تأليفها! ولما اضطر ابن الرومي إلى استعمال هذه المادة جاء بالمصدر منها فقال يصف الجميلة الناعمة تحت بخور النَّدِّ:
يغيم كل نهار من مَجامرهاويُشمس الليل منها فهو ضَحْيانكأنها وعنان الند يشملهاشمس عليها ضبابات وإدجان وكذلك فعل الشريف الرضي فقال:
يرتمي وجهة الرئال إذا آنس لون الإظلام والإدجان فانظر كيف جاءت الكلمة ظريفة خفيفة كأنها من النور لا من الظلمة، ولكن أين من هذا العلم وهذه الصناعة وهذا الذوق صاحب:
يا ضوء قلبي فإن القلب مدجان
وهذه غلطة رابعة في كلمة واحدة!!!
ثم إذا كانت هذه المرأة التي ابتلاها الله بشقل العقاد — أعني غزله — إذا كانت (ضوء قلبه)، وكان يعبر عنها بقوله: (يا ضوء قلبي)، فكيف إذن يجوز له أن يقول: (إن القلب مدجان)، وأين ذهب الضوء يا عقاد، مع أن العبارتين في شطر واحد؟ هذه غلطة خامسة في الكلمة نفسها.
وهذا المعنى الذي جاء به (الجبار) في بيته المتهدم الخرب كثير في الشعر، لأن الجمال في نفسه ضوء، ولكن الشعراء يتفاوتون في رسمه وتصويره والحيلة على إبرازه، ويتفاضلون في ذلك بمقدار ما يختلفون في القوة والملكة والبيان، كحالهم في كل المعاني المشتركة، انظر مثلًا قول ابن نباتة السعدي:
عجبت له يُخفي سُراه ووجههبه تُشرق الدنيا وبالشمس بعده وتأمل قوله: (وبالشمس بعده)، ودقِّق النظر في هذا التقييد لتعرف كيف يكون المعنى شعريًّا، وكيف ينتقل مما يستطيعه كل إنسان إلى ما لا يستطيعه إلا أفراد قلائل، وانظر قول بعضهم:
الهجر ظمآن في فؤاديإسقوه بالله من سلامهما كان إلا نهار حبلمَّا مضى صرت في ظلامه واقرأ قول العقاد:
إني إلى الرَّعِيِّ عن عينيك مفتقريا ضوء قلبي فإن القلب مدجان ألا تشعر أنك بعد الأبيات الأولى سقطت من علو ألف متر إلى بيت العقاد، فلا تتمه حتى تقول: آه آه الإسعاف الإسعاف! فهذه هي الغلطة السادسة في البيت تظهر من مقابلته بالشعر الصحيح.
وقد بينا في السفود الأول خطأ قوله: (الرعي) بمعنى النظر، مع أنها بمعنى الحفظ لا غير. تقول: رعاك الله، أي حفظك، فهذه هي الغلطة السابعة.
ثم هناك معنى آخر توهمه الكلمة فإذا فرضنا أن قائل هذا البيت حيوان، فيكون معناه أن هذا الحيوان مفتقر إلى (الرعي) من عيني الحبيب!! لأنه وجد فيها مرعى!! وهكذا تكون الألفاظ الشعرية، فهذه هي الغلطة الثامنة.
نشدتكم الله أيها القراء أيستطيع أحد أن يرد على غلطة واحدة من هذه الثمان أو يكابر فيها، وهل من يغلط ثماني غلطات في بيت واحد مع سخافته التي هي الغلطة التاسعة!! يمكن أن يسمى شاعرًا أو أديبًا إلا في رأي الحمقى وفي رأي نفسه إذا كان من الحمقى.
هذا البحث يجرنا إلى النظر في ألفاظ العقاد وصناعته البيانية، فإن الشاعر يجب أن يكون شاعرًا في ألفاظه ومعانيه وخياله، فإن كان كهذا العقاد أعني الجبار والجبار أعني العقاد!!! جاهلًا بطريقة سحر الألفاظ في اختيارها ومزجها وتركيبها والملاءمة بينها وإخراج الألوان المعنوية من ذلك النظم والتركيب، فقل: إنه رجل عامي، بل العامة خير منه، لأن الملكة الشعرية فيهم تنصرف دائمًا إلى إيداع التركيب في أوضاعهم، فترى لهم الاستعارات والمجازات كما ترى لفحول أهل البيان، وهذا هو شعرهم، ولكن جبارنا المضحك ساقط في الجهتين، لا إلى العامة ولا إلى الفصحاء.
ومما يدل على بلاهته العجيبة، وعلى كذبه ولؤمه، وأنه ابن الحقد ميراثًا، وأن ليس في طبعه أن يقر لأحد، أو يطبق إحسان كاتب في كتابته أو شاعر في شعره أنه كتب مقالات في البلاغ الأسبوعي بعد موت رجل الشرق المغفور له «سعد باشا زغلول» اطمأن فيها إلى موت الرجل العظيم اطمئنانًا لئيمًا، وذهب يرفع نفسه بأوضاع يزورها على سعد، فكان مما كتبه قوله: إنه جرى يومًا في حضرة سعد ذكر كتاب من الكتب الحديثة. فقال سعد: إن عيب صاحب هذا الكتاب كثرة استعاراته.
قال العقاد: ألا ترى يا باشا أن الاستعارة في الكلام كالاستعارة في المال دليل على الفقر؟
قال سعد للعقاد: ولذلك أنت لا تستعير.
هذا ما كتبه الجبار المضحك. ومعناه أن العقاد في رأي سعد باشا أغنى الكتاب في بلاغته، بل هو بليغ لا نظير له في تاريخ البلاغة، إذ لا يحتاج إلى الاستعارات، لأنه غنى عنها وعن كل الوسائل البيانية.
ومعناه أيضًا أن سعد باشا رحمه الله وكان أبلغ خطيب ومتحدث في الشرق كله هو — فيما يعلن عنه العقاد — أجهل الناس بالبلاغة في الشرق والغرب، بل في تواريخ الأمم كافة، إذ يرى أن البيان والبلاغة في تجريد اللغات من استعاراتها، والرجوع بها إلى أطوارها الأولى الساذجة من الأصوات والإشارات، التي يكفي فيها أن تدل دلالة على معنى ما بوجه ما، فالاستعارات فقر، وعلى ذلك فكل أدباء الدنيا حمير، والإنسان الأدبي وحده هو العقاد الذي لا يستعير، وإذا أنت رأيت استعارة في كلام أمة من الأمم فقل: إن سعد باشا يراها أجهل الأمم وأفقرها في البلاغة، وإذا قرأت في القرآن مثلًا قوله تعالى وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء ??]، فقل: إن سعد باشا يرى هذا فقرًا في القرآن فيما نقل عنه الأحمق الكذاب المغرور عباس العقاد.
وانظر أين معنى «الاستعارة» في المال في معنى الاستعارة في الكلام؟ ولكن هذه هي طريقة العقاد في جهله بالمعاني ومجازفته بالألفاظ وكذبه على الناس، وهل ينزل سعد باشا إلى هذه المنزلة التي لا يُفرق فيها بين اقتراضك شيئًا من مال غيرك، لأنه ليس معك منه، وبين إبداعك بقريحتك في إخراج صورة جديدة من اللغة ليست في اللغة تزيد بها الثروة البيانية؟ وهل سعد باشا وهو أعظم حملة القانون كان من الجهل بالفقه والاصطلاحات القانونية بحيث يسمى الاقتراض من المال «استعارة»، فيقول: استعار منه قرشًا في مكان «اقترض»، ويقول عليه استعارة، أي قرض ودين؟
وليعلم القراء أن «الكتاب الحديث» الذي جرى ذكره في حضرة سعد، واستتبع ذلك القول في رواية الكذاب الحقود، هو نفسه عينه الكتاب الذي أهدي إلى سعد باشا لما كان بمسجد وصيف، وكان قد أعلن عن موعد سفره إلى القاهرة، فأخر هذا الموعد أربعة أيام قرأ فيها الكتاب حرفًا حرفًا، ثم كتب لصاحبه يصف بيانه بالكلمة السائرة التي لم يقلها سعد في أحد، ولم يظفر بها من غير هذا المؤلف وحده، وهي قوله: «كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم».? هذه شهادة سعد باشا وقَّع عليها بيده الكريمة، فيكون في رواية العقاد معنى ثالث وهو أن سعدًا — استغفر الله — يخشى مؤلفًا من المؤلفين — مع أنه لم يخش انجلترا — فيتملقه بهذا الوصف البالغ أعلى طبقات البيان الإنساني على الإطلاق حتى كأنه من لسان النبوة.
رحم الله من قال: «عدو عاقل خير من صديق جاهل»، فالعقاد أراد أن يمدح نفسه بلسان سعد باشا، فذم سعدًا باشا، بل سبه بلسانه هو. ولقد اتفق أن اجتمع العقاد وصاحب ذلك الكتاب في إدارة مجلة شهيرة، فقال المؤلف للجبار العظيم الذي يخشاه كل أديب: أنت كتبت في البلاغ الأسبوعي كيت وكيت؟ قال: نعم. قال: والكتاب هو كتاب كذا. قال: نعم. قال: وأنت كذبت على سعد، فإن الدكتور صَرُّوف كان حاضرًا هذا المجلس ونقل إلي كل ما قاله سعد. فامتقع الجبار وخنس العقاد، وبُهت الذي كفر.? أوردنا هذا كله ليعلم القراء أن جبارنا العقاد ليس في طبعه البلاغة ولا أسبابها، بإقراره هو نفسه، فكيف يكون في طبعه الشعر إلا على الأسلوب الذي يجعل اللص دائمًا قادرًا على الغنى متى أراد …؟
انظر ألفاظ الشاعر الجبار وذوقه العجيب، واذكر قوله: (فاكه)، إن جمال الأسلوب هو الذي يخلد. قال في صفحة ??? من ديوانه: (بين محمد وعزوز)، وفي الشرح أن محمد ابن صديقه المازني، وعزوز ابن أخت صاحب الديوان:
مرحاضه أفخر أثوابنا!!!ونحن لا نقصر عن عذرهطرطوره ملقًى على ظهرهوحجره المرقوع في خصره? إياك أن ترتاب أيها القارئ، فهي مرحاضه، مرحاضه، وأفخر أثواب العقاد مرحاض!!!
والذين يرون أولاد العامة في الأزقة حين تجلس بهم أمهاتهم على الطريق وتريد إحداهن أن ?ُ?ْ … ابنها، يرونها ترفع حجره «المرقوع» فتجعله في خصره، ثم تُجلسه على ساقيها، وقد جعلت بينهما فرجة هي (مرحاض) الطفل في الطريق العام، كما يصف العقاد في البيت الثاني تمامًا.
هذه مسألة بسيكولوجية يؤخذ منها بعض تاريخ العقاد وتربيته وأصله وذوقه الشعري أيضًا، ومن أين تربى له هذا الذوق … إلخ إلخ إلخ، وهي نص صريح في إثبات الرجل من حثالة العامة، ويقول الفيلسوف (فولتير): «ذوقك أستاذك».
ونحن نظن أن رجلًا مسلمًا متزوجًا لو حلف بالطلاق أن لفظة (مرحاض) لا تخرج من فم شاعر في نظمه إلا إذا كان غيبًا متشاعرًا، فاسد الذوق، لئيم الطبع دنيء الحس — لبَرَّتْ يمينه ولم يقع عليه يمين الطلاق، وتكون هذه فتوى من الشرع في وصف العقاد وشعره، فحبذا لو رفع أحد الأدباء سؤالًا في ذلك إلى العلماء والمفتين.
ومن غفلة العقاد في هذه القصيدة قوله في ابن أخته أيضًا:
بينا يرى يَنتش أثوابهغيظًا كمن أخرج عن طورهإذا به يضحك مستبشرًامصففًا كالديك في ظفره يريد من «ينتش أثوابه» أنه يجذبها، وقد يصبح هذا على تأويل. ولكنك ترى القاموس يُعرِّف النُّتاش (جمع ناتش) فيقول: والنتاش السِّفَل (جمع سفلة)، والعيَّارون (جميع عيار)، وهم الناشطون في المعاصي، كالسرقة والفجور? … إلخ إلخ، فسبحان من أجرى على لسان الخال وصف ميراثه في الطباع. والعامة يقولون: (الولد لخاله)، يريدون أنه مثله ينزع إليه في الصفات الموروثة. وفي هذه القصيدة يقول العقاد:
وأيما أحلى وكن عادلًافأنت من يقضي على بِكرهدر الثنايا في عقيق اللثىأم فمه الفارغ من دره اللثى جمع لثة في لغة العقاد وحده، يعني في جهله وعاميته، وإنما تجمع على لثاث لا غير، وهي مغرز الأسنان، سميت كذلك لأن لحم الأسنان لِيث بها، أي دار بها، ولو جمعت على (لثى) بالقصر لكان المفرد لثاة أو لثوة أو لثية، وهذا كله يصلح في لغة العقاد وحدها، لأن جبار الذهن جاهل يتخبط بحجة أنه جبار مثل «دون كويكشوت».
ومن ألفاظ الرجل الغريبة التي تدل على ذوق أسخف من ذوقه في لفظة (مرحاض) قوله في صفحة ???: وقد سمى الحب (الجحيم الجديدة)? وأخذ يصف هذه الجحيم التي يعذب فيها أهل الحب بمن يحبون فقال — ملَّح الله ذوقه: وتولى فيها عذاب المحبيــن بلاغُ المنى من الأحبابليس غسلينهم سوى الشهد ممنوعًا على قرب ورده في الرُّضاب فسر هذا السخيف في الشرح فقال: الغِسلين شراب أهل النار. والله يقول في وصف عذاب الجحيم: وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة ??]، فما هو بشراب كما ترى، وجَعْلُ الغسلين طعامًا في وصف القرآن آية من آيات إعجازه لا يفهمها مثل هذا العامي المتشاعر، لأن هذا الغسلين هو ما يسيل من جلود أهل النار قيحًا وصديدًا، فإذا كان هذا طعامًا، فليس من شراب هناك إلا شَوْبًا (أي خلطًا) من حميم، فالنار تهضمهم وهم يهضمونها، لا هي تفنى أبدًا ولا هم يهلكون أبدًا.
والآن تأمل أيها القارئ، وقد عرفت أن الغسلين ما يسيل من جلود أهل النار قيحًا وصديدًا، تأمل ذوق المغفل الذي سمى رضاب الحبيبة غسلينا! إن كانت حبيبة العقاد ممن تصح معهن هذه التسمية، فهي ولا ريب مصابة … على الأقل بتقيح اللثة!!! فليهنئه غسلينها، ولكن لا يجوز أن يقلب نفوس القراء ويحملهم على القيء من قراءة شعره البارد، البارد جدًّا، وإن كان في وصف الجحيم.
ثم نحن نقر ونعترف أننا لم نفهم معنى البيت الأول، لأنه إذا أراد من (بلاغ المنى) بلوغه وانتهاءها، وأنه لا يعذب المحب شيء كبلوغ مناه من حبيبه، فهذا لا يعذب، بل يشفى العذاب، وإن عذب كان عذابه أخف من عدم (بلاغ المنى). والظاهر أن الرجل جاهل بالحب أيضًا، وإنما يقلده «أناتول فرانس» في هذا المعنى وقد بسطه في رواية «الزنبقة الحمراء»، وجعله مقصورًا على بعض النساء مبالغة منه في وصف سُعار الحيوانية وجنونها بالشهوة، وكل ذلك تلفيق بعثت عليه طريقة «فرانس» في الكتابة.
هب العقاد أراد هذا المعنى، فيبقى أنه يكذبه في البيت الثاني بجعله شهد الرضاب «ممنوعًا»، ووصفه اللذات كلها «ممنوعة» في الأبيات الأخرى، فيقول بعد غسلين حبيبته!!! قبَّحه الله وقبحها معًا:
لا، ولا جمرهم سوى الخد مشبوبًا يذيب الأحشاء قبل الإهابويطوف الحسان فيها بخمرمن رحيق الخلود لا الأعناب?فإذا أضرم الجوى قلب صبوتهاوى شوقًا على الأكواب قيل هذا للوصف! لا للتعاطي!? … «تعاطي الدواء أظن!!!»?? إذن فما معنى (بلاغ المنى) وأنه هو الذي يتولى عذاب المحبين؟
هذه معاني «البلاغ» في اللغة، لعل في القراء جبار ذهن غير مضحك يفسر لنا معنى البيت بلغ بلوغًا وبلاغًا وصل وانتهى، البلاغ ما يتبلغ به ويتوصل، البلاغ ما بلغك، البلاغ الكفاية، البلاغ إبلاغ الرسالة، بالغ بلاغة وبلاغًا إذا اجتهد في الأمر، هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ [إبراهيم ??] أي أنزلناه (القرآن) لينذر به الناس، البلاغ جريدة البلاغ اليومي والأسبوعي!!!
ولم نر في كل ما وقفنا عليه من الشعر قديمًا وحديثًا أبرد غزلًا من نسيب هذا المتشاعر العقاد، الذي لو كان في الدولة العباسية أيام حسانها وأدبياتها وقيانها الموصوفات وأمرائها الأنبياء القادرين، لكتبوا شعره الغزالي على جلد، ثم صفعوه به في المجلس … وهل يستحق أقل من الصفع من يقول في صفحة ???:الحبيب الثالث

نظمت هذه الأبيات ردًّا على قصيدة «الحبيبين» لصديقنا شكري. وقد شبه أحدهما بالجنة، والثاني بالجحيم، وهذا الحبيب الثالث جامع الجنة والجحيم!!
قلاك من دفاع نار الجحيمووصلك الجنة دار النعيموريقك الكوثر لكنهكالمهل!!! في صدر المحب الكظيموخدك الزقوم!!! مرٌّ!!! لمنتزويه عنه وهو حلو الشميم المهل دِردي (أي وساخة) الزيت. وفي القرآن الكريم كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان ??] والزقوم عبارة عن أطعمة كريهة في النار، ومنه استعاروا قولهم: تزقم فلان إذا ابتلع شيئًا كريهًا.
هل يعرف القراء في البُلْه أو الحمقى أو المغفلين من يجعل خد الحبيب طعامًا، ثم طعامًا كريهًا ومرًّا؟ ولكن العقاد جعله كذلك، ثم يزيد على هذا السياق قوله: «وهو حلو الشميم»، أي والحال أنه حلو في الشم، فمن هنا لا يكون المعنى أبدًا إلا هكذا إن خدك طعام من الأطعمة الكريهة لمن تزويه عنه، على حين أنه طعام حلو الشم طيب الرائحة، فهو على كل حال طعام، لا يمكن أن يؤتي سياق الكلام غير هذا.
لعمري لو كان هذا الغزل في امرأة حقيقية لدبغت قفا هذا الأحمق، ولكنه في امرأة يخلقها وهْم العقاد من طباع العقاد نفسه لتصلح لشعره.
ثم يا لطيف يا لطيف! أي بليغ على وجه الأرض يستطيع أن ينطق (قلاك من دفاع نار الجحيم) انطقوها أيها القراء لتعرفوا أن فم العقاد يصلح أن يستخدم في (طُرَه) لقلع الحجارة وتكسير الزلط!!!
هوامش

(?) نشرت في عدد شهور سبتمبر سنة ????م من العصور.(?) انظر فلسفة ذلك في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب، ستصدر طبعته الثانية قريبًا من مطبعة العصور.(?) العصور — هو كتاب «إعجاز القرآن» المشهور.(?) وبعد أن رجع الدم في وجه هذا الجبان قال لصاحب الكتاب: هل أخبرك الدكتور صروف (كتابة) أم بالكلام؟ وهذا سؤال طبيعي من مزور لا يخشى إلا الشهادة المكتوبة كما هو ظاهر. وفي هذا المجلس ادعى المغرور العقاد أنه أذكى من سعد باشا، وأبلغ من سعد باشا، وأشهد صاحب الكتاب رئيس تحرير المجلة على ذلك، فالذي يبلغ به الحمق أن يقول إنه أبلغ من سعد وأذكى من سعد لا يسب نفسه بأفصح من هذا.(?) بين هذين البيتين اثنان آخران، والأبيات في عزوز ابن أخت العقاد، فلا تنس هذا، وخاله يقول فيه: عزوز هذا ولد فاجر.(?) مَرَّ في الشرح أن العقاد يقول في ابن أخته: عزوز هذا ولد فاجر …(?) قلب هذا النص قول البحتري:وجنة حُسن عذبتنا بحُسْنِهَاوما خِلت أنَّا بالجنان نُعذبوغريب أن يكون العذاب بالجنة، ولكن أية غرابة أو أي معنى شعري في أن يكون العذاب (بالجحيم الجديدة) أو القديمة، أليست الجحيم للعذاب خاصة؟!(?) لا تنس أن طواف الحسان خمرة رحيق الخلود إنما هو في الجحيم!!!(?) هذا كله ثرثرة من العقاد في سرقته من قول ابن الرومي:ومن البلية منظر ذو فتنةنائي المنافع شافع الإيناقمزنَّ يُمِطن الرِّي عن أفواهناويَجُدْنَ للأبصار بالإبراقيهززن أغصانًا تباعد بالجَنَىوتروق بالإثمار والإبراقيريد وصف النساء جاذبات ممنوعات كالأسئلة التي شبه بها، فأخذ العقاد المعنى وصاغه كصيغة خبر في جريدة!!! وهو يكثر من ترديد هذا المعنى في شعره، فلا يزيده إلا مسخًا.(??) و(للوصف لا للتعاطي) … عامية مبتذلة مسروقة من التنبيس المعروف بابن وكيع في وصف الربيع إذ يقول:أبدى لنا فصل الربيع منظرًابمثله تُفتن ألباب البشروشيًا ولكن حاكه صانعهلا لابتذال اللبس لكن للنظرولا شك أن العقاد، وأراد أن يقول: «للنظر لا للتعاطي»، فلم يساعده الوزن، فقال: «للوصف»، ولا معنى لها.
«مفتاح نفسه» وقُفل نفسه?


يسرنا أن يكون الأدباء والكتاب قد أخذ كل منهم يحاذر جهده أن يكون هو المغفل الذي يشهد للعقاد بأنه أديب أو شاعر أو كاتب، بعد أن مزقنا الإعلانات الكبيرة الملونة التي كانت ملصقة على هذا الحائط!! وبعد أن أريناهم الحائط نفسه طينًا وحجرًا، لا أصباغًا ولا ألوانًا، وما هو إلا الحائط وما هو إلا العقاد.
ما من أديب الآن يجسر أن يظن في هذا العقاد — إذا أبعد في حسن الظن — إلا أنه كاتب جرائد يحسن صناعته ويستجمع آلاتها من الاطلاع المتنوع والترجمة ثم … ثم الصفاقة والمكابرة والكذب السياسي، ثم الدجل العالي الصحافي الشرقي!! وانتهى.
أما العقاد الذي كان تحت الإعلانات!! فهيهات هيهات … وقد كان أوَّل نَحْسِه طرده من جريدة البلاغ، لأن هذه الجريدة الكبيرة كانت بمنزلتها تصبغ شيبه، وتخفي عيبه، وتجعله (نايبه).
ومن العجيب أن رجالًا من حكومة العراق كانوا من المخدوعين به، أو فيه، أو منه، فأرادوا أخذه إلى العراق مُدرِّسًا للآداب العربية، وكادوا يجنونها على الأدب اغترارًا بتزويق الحائط، ولكنهم تنبهوا أخيرًا أن رأوا العقاد على السفود، وتركوه لما به، ولولا ذلك لما عرفوه إلا … إلا «بعد خراب البصرة».
ما هو هذا العنصر الكيميائي العجيب الذي يحول كاتب الجرائد في لحنه وعاميته وفساد ذوقه وسقم فهمه وضعف اطلاعه، وتهافت ناحيتيه في النظم والنثر، إلى مدرس للآداب العربية العالمية في حكومة العراق؟ أما إنه إن لم يكن عند هذه الحكومة حجر الفلاسفة لتجعل مثل العقاد مدرسًا للآداب العربية بقوة الرجم الكيميائي — إن لم يكن عندها حجر السحر هذا — فقد والله كادت تخرب البناء الذي تريد أن تقيمه بغلطتها في حجر الزاوية.
(مفتاح نفسه) كلمة وضعها العقاد عنوانًا لمقال نشره في «المصور» الصادر لذكرى المغفور له سعد باشا، لأن العقاد لا يزال ينفق من نقود أكاذبيه على سعد، فهي تسد ناحية من إفلاسه إلى زمن طويل على ما تظن. جعل عنوان المقال هكذا: «الزعيم الفقيد مفتاح نفسه»? فأولًا ما معنى (الفقيد) وقد مضت سنتان كاملتان على موت سعد رحمه الله. وثانيًا ما معنى (مفتاح نفسه) على قواعد التركيب العربي؟ لا وجه للأولى إلا الركاكة والحشو وطريقة الجرائد، ولا معنى للثانية إلا اللصوصية المتمكنة من نفس العقاد والغالبة على طبعه، فيعجز حتى عن كتابة عنوان، فيلجأ إلى سرقة هذه الاستعارة الإنجليزية ونصها عندهم The Key of his soul، يريدون أنك تفتتح أغلاق الرجل من جهات نبوغه بدرسه من جهات أعماله وأخلاقه، فكان صواب الترجمة — إن كان لا بد من السرقة حتى في عنوان!! «الزعيم بنفسه مفتاح نفسه»، أو «هو نفسه مفتاح نفسه» لا بد أن يتقدم العبارة الإنجليزية توكيد أو بيان لتستقيم عربية المعنى، فقل الآن في كاتب يسرق حتى العنوان ويعجز فيه أيضًا. قلنا مرارًا إن هذا المغرور المتشاعر سقيم الفهم في العربية، وهذه هي علة تعقله بكلمة الجديد، وزعمه أنه مجدد كما هي علة أمثاله من الأدباء الملفِّقين في عربيتهم وأوروبيتهم على السواء. وهي أيضًا السبب في تجنب العقاد أن يفسر شيئًا من الأدب العربي، كما هي السبب في انحطاط شعره وكتابته. وقد رأينا له في مجلة «الجديد»? كلمة من تخليطاته عن ابن الرومي «كاد يفسر» … فيها أبياتًا لهذا الشاعر، فخبط خبط العمياء لا العشواء. قال ستره الله بإسكاته: هل ترى هذا الغائص الذي تعلم السباحة ليغوص لا ليسبح؟! أو ترى هذا الخائف المراقب الذي يمر بالماء في الكوز مر المجانب؟ هو ابن الرومي حيث يقول عن نفسه: (أي في البحر): وكيف لو أُلقيت فيه وصخرةلوافيتُ منه القعر أول راسبولم أتعلم قط من ذي سباحةسوى الغوص، والمضعوف غير مغالبفأيسر إشفاقي من الماء أننيأمر به في الكوز مر المجانب انظر أيها القارئ، ابن الرومي يقول: «لم أتعلم قط من ذي سباحة سوى الغوص» فيكون معنى هذا أنه «تعلم السباحة» (وتعلمها) «ليغوص لا ليسبح»؟ إن المعنى الذي يقصد إليه الشاعر هو هذا أرى ذا السباحة يسبح ويغوص، ولما كان الغوص أيسر العملين، لأنه لا يحتاج لتعلم الخبط في الماء وشقِّه والنجاة منه، فأنا قد تعلمت هذا وحده دون السباحة، فلا أُلقَى مع صخرة في الماء حتى أسبقها إلى قعر البحر.
هذا هو المعنى الشعري، فأما إن كان «تعلَّم السباحة، ولكنه لم يتقنها، فكأنما تعلمها ليغوص لا ليسبح» فقد فسد بهذا الكلام الحس الشعري الدقيق البديع، وأصبح المعنى في سخافته وركاكته يشبه شعر العقاد لا شعر ابن الرومي.
وقال، ستر الله عليه: وهل ترى ذلك المفهوم الذي يسرُّه أن يُدعى إلى الطعام حتى في الأحلام ويأسف على أن يذاد عنه وهو في المنام؟ هو ابن الرومي بعينه وهو القائل:
ولقد مُنعت من المرافق كلهاحتى منعت مرافق الأحلاممن ذاك أني ما أراني طاعمًافي النوم أو متعرضًا لطعامإلا رأيت من الشقاء كأننيأُثنى وأكبح دونه بلجام تأمل (قوي قوي) في تفسير المغفل، ثم في شعر ابن الرومي، وقل لي: هل يصف ابن الرومي «شراهته ونهمه وأسفه» أم هو يبالغ بهذا الأسلوب البديع في صفة فقره؟ وإنه لهذا الفقر محروم حتى مما هو غِنى طبيعي للفقراء، لأن الفقير متى تعلقت نفسه بشهوة لا يجد السبيل إليها، جاءته هذه الشهوة في أحلامه من عمل نفسه، وكان لا بد لأن تمكنه وأن ينالها، وذلك قانون طبيعي كما قرره العلم أخيرًا في أسباب الأحلام وتأويلها بالشهوات الممتنعة أو المنقمعة. ويعبرون عنها (بالمبكوتة)، وهو خطأ وتسمُّح.
فابن الرومي يصف شقاء جده وصفًا دقيقًا لا يحس به غبي مثل العقاد، وفضلًا عن أن سياق الشعر لا يؤتي المعنى الذي فهمه هذا الغبي، فإن المعنى بعدُ لن يتأتى إلا إذا ثبت أن ابن الرومي كان طفيليًّا بكل الأوصاف المأثورة عن هذه الطائفة، وهذا لم يقل به أحد إلا طفيلي الأدب العقاد. ومن العجيب أن لهذه الأبيات بقية تكاد تنطق بأن ابن الرومي لا يريد شراهة ولا طعامًا، ولكنه يقرر ابتلاءه بعثار الجد، وأن ما يناله الناس «من وصال اللطيف …» بأهون سبيل وأيسر حركة للعاطفة يحرمه هو ويُبتلى فيه مع ذلك «بالغُرم والأغرام»، والعقاد هذا لا يفهم غرض الشاعر، إلا يرى القراء أن هذه وحدها كافية في الدلالة على بلادته وسقم فهمه، كأن مادة مخه في وعاء جمجمته قد كتب عليها صيدلي القدرة لا يفهم إلا من الظاهر.
وقال غطاه الله: … أما سخره من غيره فله في أفانينه الكثيرة ومعانيه الغريبة ما يقوم بديوان كامل. وبراعته فيه طبقة لا تعلوها طبقة في نوعها، ويندر أن يدانيها فحول الساخرين في المشرق والمغرب، فله في أحدب كان يضايقه ويترصد له (كذا) أمام داره ليتطير منه:
قصرتْ أخادِعُه وطال قذالهفكأنه متربص أن يُصفعاوكأنما صُفعت قفاه مرةوأحس ثانية لها فتجمعا تعالوا أيها القراء، وهاتوا معكم (رجالًا من العراق …) لنضحك من هذا العامي المتشاعر، الذي جعل ابن الرومي عاميًّا مثله يجنح إلى لغة ضعيفة في تأنيث (القفا)، ويعدل عن الأعم الشائع، ولو كان هذا الشعر على هذه الرواية لكان ضعيفًا، إذ قوله: «صفعت قفاه مرة» يوهم أن هذه (المرة) كانت في زمن من قبل، فيفسد الوصف ويضعف التركيب، ويحب حينئذ أن تكون العبارة وكأنما صفت قفاه صفعة وأحس ثانية لها … إلخ.
وقوله: «فكأنه متربص أن يُصفعا» من العامية التي لا ينقلها إلا عامي مثل العقاد، لأن التربص يا عقاد الجرائد … لا يكون إلا في الانتظار الطويل الذي لا بد فيه من مكث وتلبث، وبهذه الكلمة يفسد الوصف ويرجع هراء، فإن من ينتظر أن يصفع غدًا أو بعد ساعة لا تكون تلك حاله ولا يتجمع.
ثم «وطال قذاله» ثالثة الأثافي، فإن القذال جماع مؤخر الرأس ما تحت قصاص الشعر، أي القفا، فهل الأجدب طويل القفا؟ وهل إذا قصرت الأخادع — وهي كناية عن قصر الرقبة — يطول القفا؟ أم ذاك الأحدب قد استعار قفا العقاد … فانخسفت رقبته، ومع ذلك طال قذاله معجزة لجبار الذهن? … ما هذه البلادة في هذا الرجل؟ خلصينا يا حكومة العراق من عاره على الأدب المصري، وخذيه ولو مدرسًا لتلاميذ الشهادة الابتدائية التي لا يحمل غيرها، وغير شهادة الجميع له باللصوصية الأدبية العليا!! ثم البيتان بعد هذا كله ليسا لابن الرومي، بل هما مرويان للأمير مجير الدين بن تميم، وتحرير الرواية هكذا: قصرت أخادعه (وغاب) قذالهفكأنه (مترقب) أن يُصفعا(وكأنه) قد ذاق أول صفعةوأحس ثانية لها فتجمعا هذه هي صفة الأحدب مصورًا تصويرًا، وهكذا يكون الشِّعر، لا ذلك التخليط العامي الثقيل المتناقض الذي لا نعجب ألا يتنبه له (أديب فالصو) مثل عقاد الجرائد هذا.
أرأيت يا عقاد أنك لست هناك، وأنك تدعي الأدب العربي سفاهًا، وأنك في تمييزك غبي غبي غبي، لا تساوي شيئًا إلا عند غبي غبي مثلك.
•••

والآن نقول إننا تلقينا كتابًا يتحدانا صاحبه!! أن ننقد قصيدة للعقاد سماها «الخمرة الإلهية»، ويستدل صاحب الكتاب على فضل العقاد بما لا شأن لنا به هنا ولو شهد له حل وامرأتان.
نحن — بعون الله — لا نضرب دائمًا إلا ضربات قاضية، ولا نعرف هذا النقد المخنث الذي رآه في الجرائد مما ليس فيه إلا الثرثرة، ولا تقدير له إلا بقولهم: أربعة أعمدة وخمسة أعمدة … ومن ذلك سررنا بهذا الكتاب الذي تلقيناه، وسنأتي بقصيدة العقد هذه بيتًا بيتًا، ليرى بعيني رأسه وبكل أعين الناس أنه (فالصو) من أوله إلى آخره وأنه لا يزيد عندنا عن حبة من القمح رأت حجر الطاحون ساكنًا هادئًا متواضعًا، فجاءت تظهر سفهها وطيشها وتتهمه بالبرودة والجمود وتقول له إنها من قمح استراليا!! ثم … ثم دار الحجر.
في صفحة ?? من «يقظة الصباح»!! «الخمر الإلهية. على طريقة ابن الفارض».
ما هي طريقة ابن الفارض؟ وهل يعرفها العقاد على حقيقتها؟ أم هو يقلد في هذا كما هو شأنه دائمًا؟
الخمر في لغة السادة الصوفية «شراب المحبة الإلهية الناشئة عن شهود آثار الأسماء الجميلة للحضرة العلية، فإنها توجب السُّكْر والغيبة بالكلية عن جميع الأعيان الكونية».
أفكذلك عاين العقاد وشرب وانجذب! أم نظم قصيدته الملفقة في خمرة بار من البارات التي يتسكع فيها، ويخرج منها بمخازيها؟ سترى وتعرف.
ثم إن ابن الفارض ليس له في الخمر غير قصيدة واحدة هي الميمية المشهورة، وأبيات استهل به تائيته الكبرى. وما عداهما فلم يذكر الخمر إلا في ثلاثة أو أربعة أبيات، كل بيت في قصيدة.
وهذه نفحة من الميمية يتطهر بها القارئ قبل أن يخوض في رجس العقاد، ويتنشق منها أنفاس السماء قبل أن يأخذه غبار الأرض.
قال سلطان العاشقين قدس الله سره:
شربنا على ذكر الحبيب مدامةسكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرمومن بين أحشاء الدنان تصاعدتولم يبق منها في الحقيقة إلا اسموإن خطرت يومًا على خاطر امرئأقامت به الأفراح وارتحل الهمولو نظر الندمان خَتْمَ إنائهالأسكرهم من دونها ذلك الختمولو نضحوا منها ثرى قبر ميتلعادت إليه الروح وانتعش الجسمولو طرحوا في فيء حائط كَرْمهاعليلًا وقد أشفى لَفارَقه السقمولو خُضبت من كأسها كف لامسلما ضل في ليل وفي يده النجميقولون لي صِفْها فأنت بوصفهاخبير، أجَلْ عندي بأوصافها علمصفاء ولا ماء، ولطف ولا هواونور ولا نار، وروح ولا جسم ويجب أن يرجع القارئ إلى شرح الشيخ النابلسي لديوان ابن الفارض ليرى كيف يفسرون معاني الخمر وأوصافها «بما أدار الله تعالى على ألبابهم من المعرفة أو من الشوق والمحبة»، وهو أمر بينه وبين العقاد ما بين الإنسان والقرد.
وقال المفتون صاحب الذوق المريض، صاحب «مرحاضه»:?عقود الدوالي أنت والخمر أشباهفلله ما أسنى حلاك وأحلاه إن أراد أن تأثير العناقيد يشبه تأثير الخمر على التوهم، فهو من قول ابن الفارض: «ولو طرحوا في فيء حائط كرمها» … إلخ. وقد ورد في هذا المعنى شعر كثير … وإن أراد أن العناقيد هي والخمر أشباه في الشكل أو المعنى فليس كذلك. والحقيقة أنه سرق هذا المعنى من كتاب (حديث القمر) ولم يحسن سَبْكَه. وهو هناك بهذا النص «يتخيلها (أي الآمال) ابتسامات من السعادة كما يرى المدمن في عناقيد الكرم سحابة من الخمر»، فانظر أين هذا الرَّصفُ من ذاك، وأين الدقة من الغموض «وإن الذباب ليقع على الزهر كما يقع النحل ليجني العسل، وإنه ليطنُّ في الروض كما تغرد الطيور لترقيص قلوبها الصغيرة، ثم يطير عن الزهرة ذبابًا كما وقع، ويسكت ذبابًا كما طن، وكيفما نظرت إليه لا تراه إلا ذبابًا. ولكنه من الطير، ولكنه من الشعراء? …». وهذا هو وصف العقاد في كل سرقاته، فهو على زهر المعاني شاعر ذبابي!! وقد طُبع «حديث القمر» في سنة ???? قبل (يقظة الصباح) بأربع سنوات. وقول العقاد: «ما أسنى حلاك وأحلاه» خطأ، لأن الحلي جمع حلية، فيجب أن يعود عليها الضمير مؤنثًا فيقول: «وأحلاها» … وانظر أين معنى الحلاوة من معنى «سنا الحلية» إلا أن يكون هذا من قول نساء العامة لكل جميل: «يا حلاوة».
لآلئ قد نيطت بأسماط عسجدفصدر الدوالي مشرق النحر تيَّاه انظر كيف يصنع الشاعر الحقيقي في مثل هذا قال ابن الرومي في وصف العنب:
لو أنه يبقى على الدهورقرَّط آذان الحسان الحور وقال في البلح:
فشُقِّقتِ الأكف فخِلْتُ فيهالآلئ في السلوك منظمات فهو لا يجعلها لآلئ حتى يُوطِئَ لها توطئة، وقوله: «صدر الدوالي مشرق النحر» كلام غير مستقيم، لأن العناقيد على صدر الدالية، فمن أين لصدرها نحر؟?كأن حبوب الكرم بين سلوكهاكؤوس من البِلَّور قد صاغها الله سرقه من ابن الرومي في وصف العنب الرازقي (الأبيض الطويل):
ورازقي مخطف الخصوركأنه مخازن البلور يريد ابن الرومي الشبه في خزن الضوء، وهو معنى جميل دقيق، فجعلها العقاد (كؤوسًا)، وثرثر بقوله: «صاغها الله». ثم الحبوب لا تكون (بين) سلوك العناقيد، بل السلوك هي التي تكون بين الحبوب، لأنها تحملها وتغذوها، فهي ليست من معامل الزجاج.
كأني أرى بالعين ضمن قشورهسُلافة جام سوف نجني حُميَّاه هذا تكرار للبيت الأول، ثم قوله: «أرى بالعين» كلام سخيف، فبماذا يرى، و«ضمن قشوره» كلمة عامية حقيقة بأن تكون لغة كناس من كناسي الطرق.
«وسوف تجني حمياه» الطامة الكبرى، فكيف «يرى بالعين سلافة»، ثم يقول: «سوف تجنى» و«سوف» للأجل البعيد. وهل يقال: «جنيت الخمر»؟ و«حميَّاه» حشو لا موضع له ألبتة، فكأنه قال: أرى بالعين سلافة كأس سوف تجنى سلافة هذا الكأس. وانظر أي خلط هذا!
ويسعى إليها الشاربون بمجلسيَحُفُّ به عشب أثبث وأمواه «إليها» يعني إلى الخمر التي يراها بالعين سوف تجنى … فالرجل إذن في منام، وليس يرى بالعين، لأنه مع أن هذه الخمر «سوف تجنى»، فقد رأى الشاربين يسعون إليها.
وصفة المجلس في شعر هذا الدعي الثقيل من أبرد ما جاء به شاعر عامي ساقط. هل يهتم «بالعشب الأثيث والأمواه» إلا حمار يحلم بالبرسيم ونحوه، أو من فيه روح حمار؟ وقال صاحب مرحاضه:
كليلتنا والدهر وسنان غافلوقد أيقظ العود الصفاء فلبَّاه إذا كان الدهر وسنان، فهو غافل حتمًا، ولا يبقى لهذه اللفظة معنى … «وسنان وأيقظ» هذا هو بديع العقاد كأسخف ما يجيء به مبتدئ. «وأيقظ العود الصفاء» هذه كلمة من الشعر الذي كان قبل سبعين سنة، حين كانت ألفاظ الشعر واستعاراته مثل أيقظ الصفاء، ودعا الهناء، ولبى الأنس … إلخ، وما دمنا في البديع فهل (أيقظ) يناسبها (لبَّى)؟ أم هذه تناسب (دعا)؟ هذه صناعة العقاد ليس فيها إلا كلام عامي منظوم، ومع ذلك لا يخجل أن يجعلها (الخمر الإلهية)، وتبلغ به الوقاحة أن يقول إنها على طريقة ابن الفارض.
أما وقد رأيت طرب مجلس العقاد، وأنه كله في «أيقظ العود الصفاء»، فانظر كيف يصنع الشاعر في الابتكار لمعنى الطرب في مثل هذا المجلس، واقرأ قول مسلم بن الوليد:
سلكنا سبيلًا للصِّبَى أجنبيةضمنَّا لها أن نعصيَ اللوم والزَّجرابركب خفاف من زجاج كأنهاثُدِيُّ عذارى لم تخف من يد كسراعلينا من التوقير والحلم عارضإذا نحن شئنا أمطر العزف والزمرا و«مسلمٌ» نهج له أبو نواس هذا المعنى في قوله:
لا أرحل الراح إلا أن يكون لهاحادٍ بمُنتخِلِ الأشعار غِرِّيد فجاء ابن الوليد بالرجل والركب والطريق وسمائها على أبدع ما تَبتكر القريحة، وهكذا يكون الشاعر في توليده وابتكاره إن كان شاعرًا. فأما إن كان عاميًّا ملفِّقًا لصًّا كالعقاد، فهو يصنع — كما رأيت العقاد يصنع — سلخًا ومسخًا كأنه (عطاشجى وابور) يقدِّم خرقته القذرة لامرأة حسناء قد غازلها، كي تمسح بها عن وجهها الجميل عرق الخجل من وقاحته وسوء أدبه …
لا ينبغي أن يجيء الشاعر بمعنًى متداول أو مبتذل إلا إذا وضع له تعليلًا، أو زاد فيه زيادة، أو جعل له سياقًا ومَعْرضًا أو نحو ذلك، ليكون هو هو في معنى غيره، فكأنه معناه هو. وأي شيء في «أيقظ العود الصفاء فلبَّاه» غير استعارة النوم للصفاء، والإيقاظ للعود، كأن العود خادم في (لوكاندة نوم)!!! انظر يا عقاد الجرائد كيف صنع «جميل» حين أراد أن يأتي بشيء جديد من معاني الشعر في طرب العود ونحوه، وتأثير هذه الآلات في مجلس الراح، وهو يذكر نديمه عليها بعد أن طرب وشرب، قال:
فلما مات من طرب وسُكررددت حياته بالمُسمِعاتفقام يَجُرُّ عِطْفيه خُمارًاوكان قريب عهد بالمماتِ جعل العود (ينطق بأحسن من وقع القطر في البلد القفر)، وجعل فيه حياة من الموت الذي في الخمرة، فكأن في مجلسه ما يحيي ويميت. هكذا فاصنع أيها … الذي لا يتلهف في مجلس الطرب إلا على «عشب أثيث وأمواه!! دون أنواع الريحان وأفانين الزهر وأصناف الطيب ومجالي الروض ومعارضه المختلفة … إلخ إلخ:
يدور بها الساقي علينا كأنهامباسم ثغرٍ والحباب ثناياه إن أراد بالمباسم جمع مبسم مصدرًا، أي الابتسام، فلا معنى للتشبيه، لأن الخمر ذات الحباب لا تكون بيضاء … فإن أراد جمع مبسم، أي مكان الابتسام، يريد به الشفتين الحمراوين، فكم مبسمًا للثغر يا ترى؟ لعلها مباسم زنجية من أسوان لها شفتان غليظتان كمشفَرَيِ البعير ويكون تقدير العقاد أن هاتين الشفتين لو قُسِّمتا شفاهًا رقيقة لكانتا عشرين أو ثلاثين، ومن ثَمَّ يكون لهذا الثغر الواحد (مباسم) على هذا التأويل!! وهذا البيت سرقه القعاد (كذا سمته المطبعة القعاد!!) من شوقي في قصيدته المشهورة (حف كأسَها الحببُ) من قوله:
أو فَمُ الحبيب جلاعن جمانه الشَّنَب ومع أن طبعي أنا لا يُسيغ مثل هذه التشبيهات ويراها كلها فسادًا في الذوق، فإني أرى في بيت شوقي دقة غفل عنها العقاد، لأنه جاهل بالعربية، ليست له قريحة بيانية البتة، فما في كتابته ولا في شعره إلا الخَبْط لَبْط … شوقي يقيِّد الفم بأنه «فم الحبيب»، والعقاد أراد مطلق ثغر، يعني ولو ثغر شَوْهاء فوهاء!!! ثم شوقي يذكر فم الحبيب والثنايا والريق، وهذا كله حلو حلو جميل جميل، ويضيف إلى ذلك كله كلمة (جلا)، وهي وحدها شعر في ذكرها مع ثنايا الحبيب، والفنَّاد (كذا سمته المطبعة!!) غُفل مغفل ليس في شعره إلا (ثغر) نكرة — بدليل التنوين — و(ثناياه) كيفما كانت، ولو كانت مصابة بالقَلَح وو … قبحه الله من شاعر سخيف، كادت والله نفسي تثب إلى حلقي … وما منعني القيء من شعر هذا العقاد إلا أني تذكرت الآن هذين البيتين في ثغر الحبيب ودُرِّه وعقيقه، ولا أدري لمن هما، ولكنهما من شعر المتأخرين الجامدين في رأي المجددين المغفلين:
يا دُر ثَغر الحبيب من نَظَمَك؟ومن بختم العقيق قد ختمك؟أصبح من قد رآك مبتسمًايميل سكرًا فكيف من لثمك؟? آه … فكيف مَن … تحتاج يا عقاد أن تخلق مرة أخرى لتقول مثل هذا.
ونعود إلى تشبيه الحباب بثنايا (الحبيب)، الحبيب خاصة — فأصله أنهم شبهوا الحباب باللؤلؤ، وهذا جيد مستقيم على طريقة الوصف، ومنه قول النواسي: «حصباء دُر على أرضٍ من الذهب» وكثير غيره.
ثم لما كانت أسنان الحبيب تشبه باللؤلؤ جعلوها كالأصل، ونقلوا التشبيه إليها توليدًا واتساعًا في فنون البيان، ومن ذلك قول البحتري يصف الخمر:
وفي القهوة أشكالمن الساقي وألوانحَباب مثل ما يضحكعنه وهو جذلانوسكر مثل ما أسكرطرفٌ منه وَسْنان ثم تنبهوا من ذلك إلى مراعاة النظير والمقابلة، فجمعوا في التشبيه كقول ابن وكيع:
حملت كفه إلى شفتيهكأسه والظلام مُرخي الإزارفالتقى لؤلؤ الحباب وثغروعقيقان من فم وعُقار وأبدع ابن النبيه، وجاء بالمعنى سائغًا عذبًا في قوله:
فانهض إلى ذوب ياقوت لها حببتنوب عن ثغر من تهوى جواهره ومن هنا أخذ شوقي، فجمع في التشبيه كما رأيت، وعلى شوقي تطفل العقاد. والتفنن في وصف الحبب كثير، ولكنا أردنا بما ذكرناه تاريخ المعنى الذي (هببه) هذا العقاد … وقال صاحب «مرحاضه»:
جرت في صفاء الدمع وهي دواؤهفمن ذاقها لم تجر بالدمع عيناه سرق من قول ابن المعتز، مع غفلة من أقبح غفلات العقاد.
يقول ابن المعتز ورواه الثعالبي لأبي نواس:
وليس للهم إلا شرب صافيةكأنها دمعة من عين مهجور فقيد الدمع بأنه من «عين مهجور»، «وصاحب مرحاضه» أطلق فجعلها ككل دمع وإن كان دمع مصاب بالرمد الصديدي … قبح الله هذا الأحمق، لا يزال شعره كالملح الإنجليزي، أو زيت الخروع!! ثم انظر واعجب من غباوة العقاد، فقد فهم من بيت ابن المعتز أنه يشبه الخمر في صفائها بالدمع، فسرق على هذا الفهم، وذلك تشبيه صبيان، لا تشبيه مثل ابن المعتز، وإنما أراد هذا أنها صافية حمراء كدمعة المهجور حين يبكي دمًا، لا حين يبكي دمعًا. أفهمت يا عقاد؟ ألا تُقر أنك في حاجة إلى أن تكون تلميذًا لأديب، ثم بعد ذلك عسى أن تكون أديبًا في يوم ما.
وتأمل ما يشعرك قول ابن المعتز: «كأنها دمعة من عين مهجور» وما يشير في نفسك من رقة العاطفة وتحزُّنها واهتياجها … إلخ. وهذا كله خلا منه بيت العقاد، فجاء قشرًا لا لب فيه. وزعمُه أنها «دواء الدمع» مضحك، لأن ابن المعتز جعلها «دواء الهم»، وليس كل هم يجيء بالدمع، إلا إن كان هم امرأة تبكي لكل شيء، وليس كذلك الرجل. وما دامت الخمر «دواء الدمع»، فينبغي أن يكون من أسمائها عند المجددين (ششم وقطرة)!!! ومحلول بوريك وسليماني. ألا لعن الله هذا التجديد وأهله إن كانوا من هذا الطراز. انظر كيف يكون الشعر في وصف الخمر على أنها دواء الدمع في قول «السلامي»، ذلك الشاعر الذي قال فيه عضد الدولة: «إذا رأيت السلامي في مجلسي، ظننت أن عطارد نزل من الفلك إليَّ ووقف بين يديَّ»:
بتنا نكفكف بالكاسات أدمعناكأننا في حجور الروض أيتام هكذا، وإلا فاسكت ويحك!
تنير فلولا أن يسيل رحيقهالقلت لظى أذكى النسيم شظاياه يريد: فلولا أن سال رحيقها، فاستعمال (يسيل) بصيغة المضارع خطأ، لأنه لا يفهم منه بهذا التركيب إلا أنه لا يقول إنها لظى، خشية أن يسيل رحيقها من كلامه البارد … والمعنى مسروق من قول مسلم بن الوليد:
وكأنها والماء يطلب حلمهالهب تلاطمه الصبا في مَقْبِس الصبا نسيم الصبا، فقال العقاد: لولا أنها ماء لقلت إنها لهب، ولم يحسن أن يقول مثل هذه العبارة البديعة: «تلاطمه الصبا» فقال: أذكى النسيم شظاياه … الإذكاء معنا الزيادة، تقول: أذكيت النار، أي زدتها وقودًا، فكيف يكون الإذكاء لشظايا النار، أي الشعل المتطايرة منها دون النار نفسها؟ هذا فهم مقلوب، والظاهر أن مغفلنا الكبير فهم من معنى «أذكى» بَعْثَر وفرق ونحوهما.
تأمل بيت مسلم، وانظر الدقة العجيبة في جعله الماء يطلب حلمها حين يمتزج بها، وهي في نفسها لهب ثائر، فيكون لهبها بالماء يمازجه، كأنه يتلاطم مع نسيم الصبا، ثم قابل هذه الصياغة بصياغة مغفلنا واحكم
يكاد إذا طاف الغلام بجامهايرفرف حوليها الفراش ويغشاه جعل مجلس الراح في غيط قطن عند «العشب الأثيث» حيث يوجد الفراش المنسلخ من دودة القطن. وهذا البيت يذكِّر بالذباب وتهافته على كأس الشراب، لأن الفراش والذباب سواء، غير أن الأول يتهافت على الضوء.? والمعنى — بَعْدُ — مسلوخ من قول «مسلم»: كأن نارًا بها مُحرَّشةنهابها تارة ونغشاها شبهها بالنار المحرَّكة التي زادت وقودًا وهم حولها، فيرتد عنها المصطلي تارة ويدنو منها تارة، فخطر للعقاد أنه لو كان الناس هنا فَراشًا لكان المعنى أحسن، فمسخهم فراشًا.
ولكن انظر كيف يقول الشاعر الفحل في مثل معنى العقاد حين يصنع الصنعة البارعة التي لا تُذكِّر النفس إلا بالصور العالية الشريفة، وهو ابن بابك في قوله:
ذو غُرَّة كجبين الشمس لو برقتفي صفحة الليل للحرباء لا تنصبا?? ويقول مفتاح نفسه وشاعر نفسه وعينه!! صاحب «مرحاضه»:
لها في يمين الشاربين توهجإذا ما خبا قلب من الحزن أذكاه لماذا جعلها في اليمين خاصة مع أن أهلها يتناولونها باليمين واليسار؟ ثم هذا المعنى كثير، وإنما الشعر في تعليله وكيفية وضعه. وبيت العقاد من قول مسلم بن الوليد:
تلتهب الكف من تلهبهاوتَحْسِر العين أن تقصَّاها قال: «الكف» ولم يقل: «اليمين»، ثم هي ما دامت نارًا أو شعاعًا محرقًا، فيكون أثر توهجها في الكف لا في القلب. ولكن لعل العقاد سرق فيما يسرق سلكًا مَدَّه من يمين حاملها إلى قلبه، فانتقلت الحرارة عليه!! و«مسلم» يزيد في بيته أن العين تحسِر عن تقصيها كما تحسر عن الشعاع في شمسه. وانظر كيف يتظرَّف الشاعر في ذكر توهج الراح وتلهبها على يد الساقي الجميل إذ يقول:
لا تترك القدح الملآن في يدهإني أخاف عليه من تلهبه وقول العقاد: «إذا ما خبا قلبٌ من الحزن أذكاه» من أبرد الكلام وأسخفه، لأن أذكاه معناه أضرمه وهيجه، وما الحزن إلا تسعير القلب، ونعوذ بالله، وقد قال أبو فراس:
إذا ما برد القلبفما تُسخِنه النار ويقول «صاحب مرحاضه»:
تلوح كماء المُهْل أما مذاقهافمن سلسبيل الخلد في طيب سقياه قال في الشرح: ماء المهل شراب أهل جهنم!! فتأمل هذا الذوق!! ونعوذ بالله ثم نعوذ بالله.
وهذا المغفل قد نسي من أول بيت في قصيدته أنها «الخمر الإلهية»، وأنه يقول «على طريقة ابن الفارض»، فذهب يسرق في كل بيت ممن لم يقولوا على هذه الطريقة ولا حرفًا واحدًا كما رأيت. وهل الخمر الإلهية «تلوح كشراب أهل جهنم»؟ أخزاك الله (يا صاحب مرحاضه) وجعل المُهْلَ شرابك، كما جعلت في شعرك المرحاض ثيابك.
وقوله: (مذاقها) ثم قوله: (في طيب سقياه) من الكلام الذي لا يلتئم، لأن المذاق في اللسان وحده، فالصواب مذاقها في طيب طعمه، وبين (الطعم) و(السقيا) من البعد ما بين العقاد والشعر.
هذا نصف القصيدة، وكل ما مر بك في اثني عشر بيتًا فقط من شعر (صاحب مرحاضه)، فكيف يرى الناس الآن قيمة (صاحب مرحاضه)؟
«لو انتقدتم، لبطل ما اعتقدتم»
بديع الزمان الهمدانيهوامش

(?) عدد شهر أكتوبر سنة ???? من العصور.(?) عدد ?? أغسطس سنة ???? من المصور.(?) عدد ?? يوليه ????.(?) يصف الشاعر هذا الأحدب في صورته الجسمية برجل صفع على قفاه صفعة، وأحس بيد صافعه ترتفع لتهوى بالصفعة الثانية على قفاه، فتجمَّع أي رفع كتفيه حتى التصقا برأسه ليخفي قذاله، فتقع الصفعة على الظهر دون القفا، فإذا تجمع ليخفي قذاله فكيف يقال في هذه الحالة: (طال قذاله)؟ ولكن العقاد رجل بليد في الآداب العربية، وإيراده البيتين على هذا الشكل دليل قاطع في أنه ضعيف الفهم والتمييز، وأنه لا يصلح لشيء في الأدب العربي، لأنه لا هو مطلع ولا هو يفهم ولا يحقق، وليس هو أكثر من لص عمله النقل بسرعة وهمة على أوتومبيل أو على عربة كارو أو على حمار أو على ظهره هو … فإن أمن واطمأن على ما يسرق كان من أرباب الإهلاك!!(?) إشارة إلى قول العقاد: «مرحاضه أفخر أثوابنا» وقد مر في السفود الثالث، وكان العرب يلقِّبون بعض شعرائهم بكلمات قالوها في أشعارهم.
قال ابن رشيق: وطائفة أخرى نطقوا في الشعر بألفاظ صارت لهم شهرة يلبسونها، وألقابًا يُدْعَون بها فلا ينكرونها، منهم عائد الكلب، واسمه عبد الله بن مصعب، لُقب بذلك لقوله:مالي مرضت فلم يعدني عائدمنكم ويمرض كلبكم فأعودوالممزق، واسمه شاش بن نهار، لقب بقوله لعمرو بن هند:فإن كنت مأكولًا فكن أنت آكليوإلا فأدركني ولما أمزَّقولُقب «مسكين الدارمي»، واسمه ربيعة بقوله:أنا مسكين لمن أبصرنيولمن حاورني جدُّ نَطِقومنهم من سُمي بلفظة من شعره لشناعتها!!! مثل النابغة الذبياني، واسمه زياد بن عمرو، وسمي نابغة لقولهم:فقد نبغت لنا منهم شئون
و«جران العود» سمي بذلك لقوله:عمدت لعود فانتحيت جرانه
قلنا: ومن هذا القبيل صاحب مرحاضه!! واسمه عباس محمود العقاد، وسمي صاحب مرحاضه بقوله:مرحاضه أفخر أثوابنا!!!
(?) هذه الجملة من «حديث القمر» في وصف بعض شعرائنا.(?) الثابت عندنا أن العقاد بليد، سقيم الفهم، وخاصة في فهم الشعر العربي، وهذا يدل على أنه غير ناضج، لا بيانًا ولا شاعرية، ونظن أنه سرق ما جعله للكرم نحرًا من قول ابن الرومي:بنت كرم تديرها ذات كرم(موقد النحر) مثمر الأعنابحصرم من زبرجد بين ينعمن بواقيت جمرها غير خابيوظنَّ لسوء فهمه أن الشاعر يصف الكرم (شجر العنب)، والحقيقة أن ابن الرومي يريد بقوله: «ذات كرم» إلخ أن الخمر تديرها امرأة غنية كثيرة الحلي، كأنها في حلاها المختلفة شجرة كرم بعناقيدها، فالحصرم فيها زبرجد لاخضرار كل منهما، والناضج بواقيت لاحمرار كل. وفي ديوان ابن الرومي (بين نبع) وهو تحريف.(?) هذا المعنى مأخوذ من قول ابن الرومي:ما بال ثغرك مشربًا بي سكرهولمن سواي فدتك نفسي راحه؟ولكنه أحسن وأتم وأرق من الأصل كما ترى.(?) لا تنس أن الفراش لا يتهافت على الضوء إلا ليلًا، وقصيدة العقاد ليس فيها ما يدل على أن مجلسه كان بليل ولا بسحرة، فهذه إحدى غفلاته. ثم إن الشعراء قد أكثروا في تشبيه الراح بالنار، حتى بالنار التي تشب ليسري الضالون في الليل على ضوئها، فيهتدوا بها إلى القرى والضيافة والعمران. كما شبهوها بالمصابيح واللهب، وشعرهم كثير في هذه المعاني، وكلهم كانوا يعلمون طبيعة الفراش، ومن ذلك لم يذكر أحد منهم هذا المعنى فيما وقفنا عليه، لأن لهم ذوقًا وبصرًا، وليس يغيب عنهم أن الكأس التي «يرفرف حوليها الفراش ويغشاها» هي أخت الكأس التي يقع فيها الذباب ويقذرها، لأن الفراش لا يرتد عن الضوء دون أن يخالطه ويقع فيه، وذكر الفراش على الكأس في مجلس الشراب لا يكون إلا من عامي سوقي بارد الطبع ساقط الحرمة. فأنت ترى أنه إن كان العقاد هو الذي جاء بهذا المعنى، فكلام الشعراء جميعًا دليل على فساد ذوقه وعامية طبعه، وإن كان سرقه بنصه فهذه أدهى وأمر، لأنها لصوصية وفساد ذوق معًا، وكلمة «يغشاها» أقذر وأسقط قافية في الشعر العربي من زمن الجاهلية إلى اليوم.(??) الحرباء دائمًا يطلب الشمس، ويتقلب معها، وهو يطلب معاشه بالليل، فإذا طلعت الشمس اشتغل بها، ويريد الشاعر أن وجه ممدوحه كشمس الظهيرة، حتى لو طلع في الليل على الحرباء لا تنصب كما يفعل طبيعة عندما تكون الشمس في كبد السماء.
الشعرور!!!


العقاد اللص?
في ?? من أغسطس من هذه السنة (????) صدرت جريدة «الحال» الأسبوعية في القاهرة وفيها مقال عنوانه «لو …! تأثيرها في تاريخ العالم» — وفي ? من سبتمبر — بعد أربعة أيام — صدرت مجلة «الجديد» مفتتحة بمقال هذا عنوانه لو — للكاتب القدير الأستاذ عباس محمود العقاد!!!! وكلتا المقالتين مترجمة عن الأستاذ «هيرتشو» مدرس التاريخ بكلية الملك في جامعة لندن نقلًا عن مجلة «الأوتلاين» الإنجليزية.
غير أن اللص الجبار!!! زعم لنفسه الشركة في علم أستاذ التاريخ، فساق الكتابة في أسلوب يوهم القارئ أنه هو صاحب البحث ومخترع العنوان، وأنه لم يأخذ من المؤرخ إلا ما يأخذه من «يفك قرشين»، يعطى بهما قطعة من الفضة، هي وهما سواء، فما أخذ إلا بقدر ما أعطى، وكان ذا مال في قرشيه!!! ولم يكن لصًّا وهكذا يزيد العقاد على لصوص الأدب والكتابة، بما فيه من هذه الوقاحة العلمية الثقيلة التي هي سلاحه في كل ميادينه. وليس هذا بعجيب، فإن في الوجود مثل العقاد حشرات وحيوانات سلحتها الطبيعة في ميدان التنازع بأسلحة من هذا الباب بعضها وقاحة من أمعائها … كالظَّرِبان (على وزن القَطِران)، وهو دويبة فوق جرو الكلب، منتنة الريح، كثيرة ا?? … فهو سلاحها!! والحُبارَى، وهي تحارب الصقر إذا قرب منها بوقاحة (من الباطن) …
وكل ما يكتبه العقاد فهذه سبيله فيه، كأن اللغة الإنجليزية عنده ليست لغة ولكنها … ولكنها مفاتيح كتب وآلات سرقة. ولسنا ندري ما الذي يضر هذا المغرور لو صدق الناس عن نفسه، وقال فيما يترجمه إنه يترجمه، وفيما ينقله إنه ينقله؟ أما إنه إن كان يريد الفائدة للقراء، فالفائدة أن ينقل لهم نقلًا صريحًا بأمانة لا غش فيها ولا تخليط ولا دعوى، وإن كان يريد الفائدة لنفسه، ففائدة نفسه أن لا يعرف أحد أنه لص كُتُب، فوجب من ثم أن ينقل نقلًا صريحًا بأمانة ودقة، لأن آلافًا من الناس يعرفون ما يسرقه ويدعيه. ولكن هناك عاملين يفسدان على العقاد أحدهما غروره، فيأبى إلا أن يجعل لنفسه شأنًا فيسرق ويدعي. والثاني غفلة قرائه، وهم في الأعم الأغلب من السواد الجاهل أو النصف جاهل.
إن كلا العاملين مُتمم للآخر كما ترى، فإذا أضفت إليهما لؤم الغريزة — كما عرفت من قبل — خرج لك العقاد. وإنَّ أخفَّ رذائله أن يكون لص كُتُب، وهو لو استطاع أن يسرق مخ فيلسوف أو كاتب أو شاعر من جمجمته لسرقه، ليكون جبار الذهن بشهادة أعمال المخ، لا بشهادة تلك الطبقة من الضعفاء.
وهنا استطراد لا بد منه، فإن أديبًا فاضلًا ممن يعرفون اللغتين الفرنسية والإنجليزية قال لنا: آمنَّا أن العقاد لا أهمية له شاعرًا ولا أديبًا، وأن (موبليات) الغرفتين عنده موبليات أصحابها … قال: ولكن العقاد كاتب سياسي، لا يستغني «الوفد» عنه، وهذه هي أهميته، وهذه هي شهرته.
قلنا: فأما إذا انتهينا إلى هذا، فإننا كنا في غفلة معرضين، إذ كنا نطلع على جريدة «البلاغ اليومية» التي يكتب العقاد فيها، ويعلم الله أن أول ما نتخطاه منها مقالة العقاد، فما كنا نقرأ له إلا نادرًا ونادرًا جدًّا وجدًّا جدًّا، إذ نعتقد أنه مأجور للسباب والمغالطة والنضح مما فيه — وقد أشرنا إلى هذا المعنى من قبل — ولسنا نجهل أن ذلك هو أصل شهرة العقاد، إذ يكتب كل يوم في حوادث البلد، وينضح عن الوفد الذي بلغ من تمكنه في الأمة أن قيل فيه بحق «لو رشَّح الوفد حجرًا لانتخبناه». فلو كان العقاد حجرًا لكان من كل ذلك كاتبًا شاعرًا أديبًا فيلسوفًا جبار ذهن!! ولا تسأل ويحك بماذا هو كاتب شاعر أديب فيلسوف جبار ذهن. ولكن سل بقوة ماذا؟
وفي بلادنا هذه قد يبلغ رجل عند قوم درجة قريبة من النبوة، لا بوحي يوحى ولا بعلم لَدُني ولكن … ولكن بعمامة خضراء أو حمراء مثلها كثير في حوانيت الأقمشة، لولا أنها على رأس دجال أستاذ في أساليب الشعوذة، وعمامة العقاد هي مقالاته السياسية ولا ريب، أما الوفد فمكانه مكانه.
فالرجل كاتب سياسي كبير في رأي رجال الشوارع، إذ يرون اسمه كل يوم في أذيال مقالات الحوادث، أي ببرهان كبرهان قولهم: «عنزة ولو طارت».? أما في رأي الأقطاب، فما نظنه يعدو معنى كمعنى عربة الكنس لأقذار السفاهة التي يتلقاهم بها خصومهم السياسيون. وقد انقلبت هذه العربة مرة على صاحب جريدة «البلاغ» نفسه، فبلغ من وقاحة العقاد أن يشتم صاحب الجريدة في وجهه وفي إدارته. كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقال له فيما نقلوا: «هل في الوجود اثنين عقاد!!!» كنا نتجاوز مقالات العقاد السياسية ولا نقرؤها، فإنه في رأينا يحتاج إلى أن يعود ذرة من الذر في عالم الأصلاب، ويُنقل إلى سلسلة جدود عظماء كرام، ثم يُخلق، ثم ينشأ، ثم يَنبغ، ثم لعله بذلك، لعله يكون كاتبًا سياسيًّا وطنيًّا قريبًا من درجة المرحوم «أمين بك الرافعي» الذي كنا نقرأ كل حرف يكتبه في مقالاته. ولكن بعد أن نبهنا ذلك الأديب، أخذنا نتتبع مقالات العقاد التي يكتبها الآن في جريدة «مصر»، فإذا هي تافهة لا طعم لها في كثير منها، وقد يتكلم المتكلم بأبلغ منها وأحكم، ولكن الحق حق، فإن العقاد يجيد إجادة حسنة في فرع واحد من الكتابة، وهو ما يجري فيه اللؤم والحقد، وما يكون بسبيل من الدناءة وسقوط الكرامة، حتى ليخيل إلينا أن هذا الرجل ينطوي من نفسه على مكتبة كبيرة في هذه المعاني، أجزاؤها طباعه وتجاربه ووساوسه وحوادثه وآماله، فهو حين يكتب في ذلك لا يكتب ولا يؤلف، وإنما يقوم من نفسه مقام المستملي لا غير، وكأن إلى أذنه فَمَ شيطان يخطب!!! …
قرأنا في عدد يوم ?? من أكتوبر سنة ???? مقالًا بديعًا عنوانه «سيماهم — دراسة نفسية» يرمي بها بعضَ الخصوم السياسيين، وقرأناها، فوالله ما خرجنا منها إلا بأنها أبلغ وصف من قلم العقاد نفسه في أحواله، لا للخصوم ولا لغيرهم. انظر كيف يبدع الوصف في قوله: رأيت اختلافًا في الصور والملامح، ولكني لا أخطئ أن أرى فيهم جميعًا علامة واحدة مشتركة بين أفرادهم المختلفين، وهي علامة الرضا على النفس والاغترار البليد المطبوع (تأمل!). فهذا مسدود الخِلقة تتراءى على وجهه الحيوانية الكثيفة، ويتمثل فيه شكل لو صفحته (كذا) قليلًا لخرج منه خنزير أو حمار? (قل أو عقاد!!!)، ولكنه هو فيما بينه وبين نفسه لا يرى وراء مطالبه مطلبًا، ولا وراء إحساسه بالدنيا موضعًا لإحساس (يعني مثل العقاد). وهذا أنيق معجب بذاته، فَرِحٌ بما في رأسه، مجمع الرأي على الاستهزاء بكل ما يعدوه، والاستخفاف بكل ما لا يروقه (مثل العقاد) إلى أن يقول: وهؤلاء وغيرهم يختلفون كما رأيت في مظاهر الصور والأخلاق، ولكنهم في القرار العميق مبتلون بعاهة واحدة هي (الرضا عن النفس)، والانحصار فيها، وموت كل إحساس بالإيثار، وكل عاطفة من عواطف السماحة التي تُسَمَّى بالعواطف الغيرية، تمييزًا لها من عواطف الأنانية التي تدور حول الذات وما يتعلق بالذات. انتهى!! هذه كلها صفات العقاد بالذات، وهي أخص ما عرف العارفون من خصائصه، وكنا واللهِ نَوَدُّ لو نقلنا هذه المقالة بحروفها، ولكنك تتبين من تعرفه من وجهه، وتلك النبذة التي نقلناها هي كالجلدة على الوجه الأخلاقي لذلك المغرور «المبتلى بعاهة الرضا عن النفس والانحصار فيها، وموت كل إحساس بالإيثار … إلخ».
ومن المضحكات أن أديبًا كلفته «المجلة الشهرية» التي كانت تصدر في القاهرة من سنوات، كتابة مقال، ثم أرسلت إليه مسودة الطبع ليصححها، فإذا فيها ورقة مندسَّة، وإذا هذه الورقة كتاب من (عباس محمود العقاد) أرسله بخطه لمحرر المجلة يقول فيه إنه صحح البروفة، «وأرجو أن تضع مقالي في مكان مناسب لأني لا أرى نفسي أقل من أي أديب في هذا البلد» هكذا هكذا. ولكن يظهر أن كلام العقاد يكبر سنة بعد سنة، فلم يكن «أقل من أي أديب في هذا البلد» سنة ????، ثم كبرت الكلمة فصارت في سنة ?? أنه أكبر من أي أديب في هذا البلد، وسيكتب بعد حين كما كتب «نيتشه» في كتابه الأخير (Ecce Homo) أنا «أنا هو» وجعل فصوله هكذا لماذا أنا عاقل لهذا الحد؟ لماذا أنا نشيط إلى هذه الدرجة؟ لماذا أكتب هذه الكتب الممتعة؟ أنا أعظم كُتَّاب ألمانيا، إن قراءة كتاب من كتبي لأعظم شرفٍ يظفر به إنسان … إلخ، ويؤمئذٍ يخرج للناس كتاب «لماذا أنا جبار الذهن؟» والعقاد يقول مثل هذا الآن، ولكنه لا يكتبه، فإذا طُمست البقية الباقية من بصيرته كتبه ولو تقليدًا ? (نيتشه). نعود الآن إلى استيفاء النقد في قصيدة (الخمرة الإلهية)، إجابة لطلب ذلك الكاتب، وتوفية لما مر بك في السفود الرابع.
قال عباس محمود العقاد الملقب بصاحب مرحاضه:
تشابه في عين النديم وما انتشىفوارغُ صفٍّ كالثريا وملآهكؤوس كجام السحر يكشف وحيُهلعينيك من سر العوالم أخفاه وفسر «جام السحر» في الشرح بقوله: هي الكأس التي يزعم السحرة أن من نظر إليها انكشف عنه الحجاب.
فأما البيت الأول فسخيف بالغ في السخف، لأنه يريد أن النديم متى نظر الكؤوس خالطه السُّكر، فتشابه عليه ما امتلأ وما فرغ. وهذا بعينه قول ابن الفارض:
ولو نظر الندمان خَتْمَ إنائهالأسكرهم من دونها ذلك الختم وكلمة (فوارغ صفّ) من لغة الشيالين والجمالين لا من لغة الأدباء. ولا ندري كيف تُذكر في وصف الخمر، إلا إذا كانت من ذوق عامي كذوق العقاد. وانظر كيف صنع الشاعر الحقيقي حين أراد أن يأتي بهذه المادة اللقطية في شعره، فقال واصفًا الخمر وصفاءها حتى كأنها الكأس:
خفيت على شُرَّابها فكأنمايجدون رِيًّا من إناء فارغ وهذا المعنى مولَّد من قول أبي تمام:
تُخفي الزجاجة لونها فكأنهافي الكف قائمة بغير إناء وقد تلاعب الشعراء به وأكثروا فيه على صور مختلفة، ولكن أحسن ما قيل في الاشتباه على النديم من تأثير الخمر قول القائل:
مضى بها ما مضى من عقل شاربهاوفي الزجاجة باقٍ يَطلب الباقيفكل شيء رآه ظنه قدحاوكل شخص رآه ظنه الساقي ونظن أن ابن الفارض أخذ من ابن الزيات في قوله:
كفاني من ذوقها شمُّهافرُحت أجر ثياب الثمل فنقله ابن الفارض من الشم إلى النظر، وسرق العقاد سرقة عمياء لا نظر فيها!!!
ثم إن الثريا مجموعة نجوم لامعة يخطف بريقها، فلا يمكن أن تشبه بالكؤوس الفارغة. ومع أن العقاد سرق هذا التشبيه نفسه من ابن المعتز، فإنه في هذه أيضًا أعمى، فابن المعتز يصف لك الثريا كأنها هي هي بلونها ونجومها واشتعالها في قوله:
وقد لمعتْ حتى كأن بريقهاقوارير فيها زئبق يترجرج فهذا لعمرك هو التشبيه لا (فوارغ صف)، ولعنة الله على هذه السوقية المبتذلة. أهي كؤوس يا رجل أم زكايب (فوارغ) …؟
وأما البيت الثاني من بيتي العقاد فمعناه سخيف، لأن الخمر لا تظهر شيئًا من سر العوالم، فضلًا «عن أخفى أسرار العوالم»، إنما تُظهر سر صاحبها، وفي ذلك يتلطف مسلم بن الوليد بقوله:
بُعثت إلى سر الضمير فجاءهاسَلِسًا على هذر اللسان مَقُولا ومثله كثير في الشعر. فإن أريد وحي الخمر وتأثيرها في الذهن والقريحة، فأفضل ما في هذا المعنى قول شاعر الفرس: شربنا الكأس، فجرت الحقيقة التي كانت فيها على ألسنتنا. ويقول صاحب مرحاضه:
شربنا وغنَّيْنا وما في عدادناسوى شارب قد باع بالخمر دنياه يعني كلهم سكارى. وإذا كانوا سكارى فما هي الدنيا عندهم إلا الخمر. فكيف إذن يبيعون بها الدنيا؟ أظن هذا المتشاعر إنما يريد معنى العامة في قولهم: باع دينه بالخمرة. وهذا كلام مستقيم ينطبق على السكير، لأن الخمر ليست من الدين. بل العامة أهدى من العقاد إلى حقيقة المعنى، لأنهم يجعلون شعار الحشاشين والسكيرين هذه الكلمة «خراب يا دنيا عمار يا مخ»، فكيف إذن بيعت الدنيا بالخمر ولا دنيا إلا فيها عند أهلها؟ لعله يريد أسباب المعايش، كالتجارة والصناعة ونحوهما، فتركوها واقتصروا على الخمر. فإذا كان هذا معناه وقصده، فهم حثالة الناس ورُذالتهم الذين لا قيمة لهم ولا منزلة، كبعض سفلة العامة في بعض الحانات التي يراها من يمر في شارع كلوت بك!!!
إن مجلس الشراب لا شعر فيه بعد الخمر إلا من الجمال والأخلاق العالية التي لا تكون فيمن باعوا دنياهم بالخمر، كما يقول النواسي:
لا يطيب الشراب إلا لقومجعلوا نقلهم عليه الوقارالا كقوم في ضجة وصياحكنهيق الحمار لاقى الحمارا فهؤلاء الآخرون هم صَحْبُ العقاد في خمرته، «شربوا وغنوا» يعني ضجوا وصاحوا كنهيق الحمار لاقى الحمار …
ثم يقول صاحب مرحاضه:
إذا طاب في الفردوس ريّا نسيمهافأطيب في دار الشقاوة ريّاه كان يصح هذا القياس لو أن الدارين (الفردوس ودار الشقاوة) تقاس إحداهما على الأخرى، فأما وهما نقيضان فلا وجه لقياسهما، ولا للقياس بما فيهما.
وهذا البيت من الأدلة على جهل العقاد بالمنطق سليقة وعلمًا وبيانًا، والذين يعرفونه معرفة المخالطة والمحادثة يعرفون منه الجهل بكل علوم العربية. وإنما هو رجل يحترف الصحافة، فهو مضطر أن يقرأ وأن يكتب، قدر ما هو مضطر أن يأكل وأن يشرب، فأصبح الكلام له كالعادة. فمن لم يعرف هذا منه ظنه عالمًا أو أديبًا أو جبار ذهن!!! والحقيقة أنه ثرثارٌ سبَّاب، لص أدبٍ وكتابة، لسانه أطول من عقله، وعقله يجيء من إنجلترا كلما جاءت مجلة أو كتاب …
إن بيت (صاحب مرحاضه) قياس ذو طرفين ليس للثاني منهما معنى الأول في نفسه، فخمر الفردوس ليست من خمر دار الشقاوة، إذ هي لا تغُول العقل، ولا تدفع إلى الإثم، ولا تسقط المروءة، ولا تذهب بالوقار … إلخ إلخ.
فلا يدل طرفَا القياس دلالة واحدة، فمن ثم لا يصح من جهة الثاني ما يصح من جهة الأول، فلا تكون النتيجة التي ينتقل إليها الفكر إلا فاسدة، ويصبح تركيب هذا المنطق كقولك: إذا كانت الحياة في الفردوس خالدة فهي في دار الشقاوة خالدة!! وأين حياة من حياة، وأين دار من دار، وأين العقاد من المنطق، وانظر قول ابن الفارض في أصل هذا المعنى:
وعندي منها نشوة قبل نشأتيمعي أبدًا تبقى وإن بلي العظم فهو قد جعل النشوة التي هي سرور الخمر آتية معه من دار النعيم، فهي خالدة فيه، وهي بذلك خالدة به ما بقيت منه ذرة على الأرض بعد موته وبَلَى أعظمه، لأن ذرات الجسم لا تتلاشى، وإنما تتحول، فإذا كان ذلك مبلغ النشوة حتى في الذرة منه بعد الموت والبلى، فكيف بها في جسمه حيًّا يحس ويشعر؟
هذا وأبيك غور الشعر، لا هراء صاحب مرحاضه، وتلك هي الخمر الإلهية لا خمرة حلس الحانة الذي يشهد على نفسه وصحبه بأنه «ما في عدادهم إلا فتى باع بالخمر دنياه»، فهم كما قال أخوهم من قبل عبد الله بن جدعان:
شربت الخمر حتى قال صحبيألست عن السفاه!! بمستفيق؟وحتى ما أوسَّد من مبيتأنام به سوى التُّرب السحيقوحتى أغلق الحانوت رهنيوآنست الهوان من الصديق هذه هي صفات الذين «باعوا بالخمر دنياهم» لا يفيقون من السفاه، ولا يتوسدون في نومهم إلا على (كوم تراب) وبلغة هذا الزمان «تلتوار!!!»
ثم إن في بيت العقاد غلطة أخرى، فقد أدخل فاء الشرط على الخبر المقدم في غير موضعه وأخَّر المبتدأ، فأصبح كلامه كقولك: إذا كان زيد كريمًا فأكرَم أبوه وأنت تعني فأبوه أكرم، وهذا فاسد — كما ترى — ولا تجيزه ضرورة الشعر، بل لو أجازته من جهة العربية على أضعف الوجوه، لكانت من جهة البيان إعلانًا عن جهل الشاعر وضعفه وتهافته.? ويقول صاحب مرحاضه:
ولو مزجوا بالخمر طينة آدملعاش ولم يدر القطوب مُحَيَّاه نعوذ بالله، وبالله نعوذ لمن نرجع هذه الواو في قول هذا الرقيع: (مَزَجُوا)؟ وهل خلقت آدمَ في رأي العقاد جمعيةُ آلهة فيعود عليهم ضمير الجمع؟ أم صنع آدم في معمل كيماوي ملائكي؟ وهل تريد دليلًا على ضعف العقاد في العربية أقوى من هذا البيت، وهو كان يستطيع أن يبني الفعل لمجهول فيقول: «ولو مزجت» … إلخ، وهل نسي الرقيع أنه يقول: في (الخمر الإلهية)؟ أفمن الإلهية أن يعترض على الإله ويعتبر الخلق والإيجاد صناعة كالصناعات يقال فيها: «لو»، لأن فيها أبدًا مكانًا للتحسين ومكانًا للإتقان ومكانًا للزيادة، ولأنها صورة النقص الإنساني في جانب الكمال الذي يغمره ولا يزال من فوقه في كل ما حاول الإنسان أن يَكمُل فيه؟
ولكن الغراب أراد أن يقلد الطاووس، وأراد العقاد أن يقلد ابن الفارض، ولابن الفارض قدس الله سره أبيات كثيرة في «لو» هذه، مر بعضها، ومنها:
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميتلعادت إليه الروح وانتعش الجسمولو طرحوا في فيء حائط كَرْمهاعليلًا وقد أشفى لَفارَقه السُّقمولو قرَّبوا من حانها مُقعَدًا مشىوتنطِق من ذكرى مذاقتها البكمولو خُضِبت من كأسها كفُّ لامسلما ضل في ليل وفي يده النجمولو نال فَدْمُ القوم لَثْمَ فِدامِهالأكسبه معنى شمائلها اللَّثْم تأمل هذا النور الشعري، وانظر كيف يضيء الكلام، كأن فيه بقايا من روح قائله، ثم اخرج من هذا الأفق إلى قول العقاد: «ولو مزجوا بالخمر طينة آدم!!»، فإنك من هذه الكلمة وحدها ستقع في أشد ظلام من نفس جاحدة لئيمة، وفي أصعب التواء من صدر حقود ضيق.
وما بيت العقاد إلا توليد سخيف من البيت الأول لابن الفارض، فغَيَّر «ثرى قبر ميت» (بطينة آدم)، «ولو نضحوا» (بلو مزجوا)، «ولعادت إليه الروح» (بعاش)، «وانتعش الجسم» بقوله السخيف: «لم يدر القطوب محياه»، كأن الوجه يدري ولا يدري! وكأن القطوب عِلم. ومن أقبح ما وقع فيه هذا المغرور أن يقيس على قول ابن الفارض: «ولو نضحوا»، فيقول: «ولو مزجوا»، ثم لا يتنبه إلى أنه بهذا قد خرج إلى الإحالة، ووقع في الكفر، وجاء بما لا يفهم أحد، كأن همه كل همه منصرف إلى السرقة بلا فكر ولا فهم، وهو مستيقن أنه بهذه الشعوذة يصبح جبار ذهن عند المغفلين من أمثاله.
وقال صاحب مرحاضه:
إذا رسب القلب الحزين طَفَتْ بهفيسمو إلى حيث السعادة تلقاه تأمل يا هذا سخف هذا التركيب، وقل في أي شيء يرسب القلب الحزين حتى تطفو هي به إلى حيث … إلى حيث يا عقاد قبحك الله وقبح شعرك البارد الركيك. هل في البيت أكثر من أن الخمر تُذهب حزن الحزين؟ والباقي كله حشو ولغو، وهو يخبر بذلك كما يخبر به كل عامي، لا يزيد العقاد عليهم إلا الوزن، ألا تضرب هذا البيت بالنعل حين تقرأ قول الإفريقي المتيم:
وفتية أدباء ما عَلِمْتهُمُوشبَّهتهم بنجوم الليل إذ نَجموافَرُّوا إلى الراح من خطب يُلِمُّ بهمفما درت نُوَبُ الأيام أين هُمُوا هكذا فليقل من يقول وإلا فليسكت، ولكن بأي شيء يصير الأحمق أحمق؟
والتجديد عند العقاد وأمثاله هو سَترُ عجزهم عن مثل هذا الصناعة البيانية التي تحتاج إلى طبع وقوة وذوق وخيال، فهو كقانون تأجيل الدفع (الموراتوريوم) فيه من عذر التشريع لبعض الناس قدر ما في هذا البعض من عذر الإفلاس!!
ويقول صاحب مرحاضه:
إذا نزل الندمان في ملكوتهاتلاقوا فلا ذل هناك ولا جاهكأن الطِّلَى بحر فمن خاض لُجَّهتعرى فلا جُندٌ تُمازُ ولا شاه كتب «الطلى» بالياء وهي بالألف. وحاصل البيتين أو الخرابتين!!? أن الخمر تساوي بين شُرَّابها من مَلِك وسُوقة، كالبحر متى نزله الجميع تعروا. وهذا معنى مطروق مبتذل، وهو متداول بين الحشاشين على الخصوص. فعندهم أن لا سلطان إلا (الكيف) … ومن ذلك قول المأمون: «مجلس الشراب يستوي فيه الكبير والصغير والرفيع والوضيع والحر والعبد، وهو بساط يُطوى بما عليه». تأمل يا رعاك الله قوله: «بساط يُطوى بما عليه» فإنها بالعقاد وشعره وما قال وما سيقول، وهي حقيقة أن تكون كلمة مَلِك إذا قابلتها بقول صاحب مرحاضه: (بحر يتعرى فيه الجميع)، فإن هذه كلمة تشبه أن تكون كلمة خفير من خفراء مجلس بلدي إسكندرية الذين يُقيمهم على الشاطئ.
ويقول: (تلاقوا) أفليس كلُّ من نزلوا في مكان واحد تلاقوا، وهل تلاقى الخادم وسيده في مكان يجعلهما في درجة واحدة؟ أرأيت أقبح من هذا عجُزًا في العربية، وهو لو قال: «تساووا» لاستقام المعنى.
وقوله: «ولا شاه» مضحكة، ولعلها أبرد قافية في الشعر العربي على الإطلاق، وأسخف ما في القديم والجديد جميعًا، لأننا لسنا في زمن الشاه ولا شاهنشاه.
أما والله لقد سئمنا، فلنوجز في الأبيات الباقية. قال صاحب مرحاضه:
إذا أعوز الناسُ البراقَ فإنهابُراقٌ إلى عرش الجلالة مَرقاه أيرتقي الشارب بالخمر إلى عرش الله كما ارتقت الأنبياء بالبراق؟ وهل ارتفع البراق إلى العرش نفسه؟ وهل سواء مراتب النبوة ومراتب (الناس)؟ كل هذه أسئلة لا توجه لمثل هذا اللص الرقيع، فإن اللص لو لم يكن عند نفسه فوق السؤال والجواب لما سرق ولا أثم، ولكن من أين خطر للعقاد تشبيه الخمر بالبراق في العروج إلى السماء؟
من قول ابن الرومي، إذ يقول:
يا لها ليلة قضينا بها حاجا وإن علقت قلوبًا بحاجرفعتنا السعود فيها إلى الفوز فكانت كليلة المعراج خطر لهذا السخيف (المراحيضي)? أن يجعل مكان (السعود) الكؤوس، فصارت الكأس بُراقًا ولا جرم، ولعل اللص الأعمى خير من اللص الأعور، لأن كليهما لا بد أن يقع، ولكن نصف نظر الثاني يضاعف عليه إثم الأول، وتوليد العقاد دائمًا نصف ميت كما رأيت، لأنه نصف شاعر ونصف أديب، وإذا بلغ الرجل من سخف التوليد أن يشبه الخمر بفرس الأنبياء فقل إنه نصف أعمى في نظره إلى الكأس والفرس. وقال المراحيضي:
عجبت لِدَنٍّ لا يَخِفُّ بروحهاكما خفَّ بالمنطاد روح تولاه روح يعني غاز، وتولاه يعني تمدد فيه. فههنا انقلبت الخمر الإلهية في شعر هذا المراحيضي غازًا كان ينبغي أن يطير بالدنان ويمثل على مسرح الجو هذه الحماقة القائمة برأس العقاد وخياله. وهذا أيضًا توليد نصف ميت من قول الأندلسي، وهو معنى غريب بديع:
ثقلت زجاجات آتتنا فرغاحتى إذا ملئت بصرف الراحخفت فكادت تستطير بما حوتوكذا الجسوم تخف بالأرواح جعل الزجاجات الفارغة ثقيلة كجسم الميت، حتى إذا ملئت بالخمر خفت كجسم الحي … ومتى عرفت أن الحي إذا مات ثقل جسمه أدركت جمال هذا المعنى وإبداعه إلى الغاية، ورأيت فيه حقيقة الشعر الحي، لا كذلك الشعر الذي يريد أن يجعل (الخابية) منطادًا، ويُلقِي في الخمر طعم الغاز والبنزين!!
وقد ولد ابن نباته من معنى الأندلسي في قوله:
وكاساتٍ أشُدُّ يدي عليهامخافة أن تطير من المراح فجاء شاعر آخر وأخذ من ابن نباتة وأبدع ما شاء في قوله:
مُشَعْشَعةٌ تكاد من القنانيتطير بما حوته من المراح وهذا الشاعر هو وابن نباتة كلاهما من متوسطي الشعراء — وكلاهما مع ذلك أشعر من المراحيضي كما ترى.
وقال صاحب مرحاضه:
وكيف حواها الكوب والكوب جامديدور فلا يهتز في الكف عطفاه لا بأس أن يكون للكوكب عطفان ويدان ورجلان أيضًا!!! ولكن إذا اهتز في الكف عطفاه اندلق ما فيه، فكان يحسن بالعقاد أن يجعله يدور حول نفسه فوق الكف كما تدور (نحلة) الصبيان التي يجرونها بالخيط الملتف عليها فتدور على سِنها ثم يضعونها على أكفهم وهي دائرة!! والمعنى الدقيق في هذا البيت أن العقاد عجب للدن كيف لا يطير بما فيه، ولما كانت الكأس لا تسع إلا قليلًا مما في الدن كان طبيعيًّا أن لا يكون في هذا القليل من القوة إلا ما يكفي لهز الكأس دون حملها وطيرانها!!! هذا كثير على ذكاء العقاد، ولكن فاته أن نسبة ما في الدن إلى وزن الدن لا تكون إلا كنسبة ما في الكأس إلى وزن الكأس. وإذن كان يجب أن تطير هي أيضًا إذا صح معنى البيت الأول.
وانظر أين معنى المراحيضي وصناعته من قول ابن نباته يصف الخمر والكأس:
مصونة تجعل الأسرار ظاهرةوجنة تتلقى العين باللهبخفت فلو لم تُدِرْها كف حاملهادارت بلا حامل في مجلس الطرب ألا يغور هذا العقاد الآن وهو يرى كل شعر أوردناه كأنما يبصق في وجه شعره؟ وختام قصيدة المراحيضي قوله:
تَغَنَّوْا بما شاءوا، وغنَّيْتُ بالطِّلَىوكل يغنِّي في الأنام بليلاه وكتب (الطلى) بالياء وهي بالألف لا غير، إذ هي بالياء معناها الرقاب.
والسرقة في هذا البيت ظاهرة من قولهم: «كل يغني على ليلاه»، ولكن يبقى أن التي انقلبت فرسًا أو براقًا من قبل، انقلبت هنا امرأة اسمها (ليلى). ألا يغور العقاد الآن والقراء جميعًا يبصقون على شعره؟
هوامش

(?) نشرت في عدد شهر نوفمبر سنة ????م من «العصور».(?) رأى اثنان من العامة سوادًا من بعيد، فقال أحدهما: هي حدأة لا شك فيها. وقال الآخر: بل هي عنزة، فلما كانا على قرب منها طارت، فقال الأول: أما ترى؟ قال الثاني: هي عنزة ولو طارت.(?) جاء هذا المعنى في كتاب «رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب» الذي صدر في سنة ????، وكتب العقاد عنه في «البلاغ» أنه (كتاب نفيس في الأدب أرق من النسيم وأعذب من الماء)، ثم انقلب عليه بعد أيام من لؤمه وحقده. وقد سرق العقاد ذلك المعنى واستعمله في كتابته مرارًا. وهذا نص العبارة عنه في صفحة ??? من رسائل الأحزان، ليتأمله القراء ويروا كيف يسرق هذا اللص العقاد: ولا أثقل على نفسي من الناس (يعني في حالة خاصة من أحوال الحب)، فإن ظلالهم تهبط على قلبي المتألم بأشباح ممسوخة، وأراهم على وتيرة واحدة في ثقل الروح وسواد الظل، ولا ذنب لهم غير أن وليًّا من أصفياء الله خرج يتوضأ يومًا، وقد أقبل الناس على وضوئهم، فكشف الله عنه حجاب الحيوانية فنظر فإذا لكل رجل وجه، ولكل وجه سحنة حيوان، ولكل حيوان معنى، وإذا شهوات أنفسهم قد مسختهم مسخًا، وفاءت ظلالها على وجوههم بجلود الحمير والبغال والقردة والخنازير وما دب ودرج. فاللهم غوائك لأهل النفوس.
(?) لا يجوز تقديم الخبر في مثل هذا التركيب، حتى يصح دخول الفاء الرابطة للجواب عليه، لأن هذا التقديم يؤدي إلى رجحان عمل آخر يبطل عمل المبتدأ في خبره، ويجعل الخبر هو العامل في المبتدأ، وتكون كلمة (رياء) كأنها فاعل (لأطيب)، وبذلك يحتاج الكلام لتأويل وتعليل وحشو من هنا ومن هناك، حتى يستقيم الجواب ويرتبط بالشرط، وكل ذلك في غير شيء، لأن بيت (المراحيض) ليس من أبيات الشواهد في النحو … ولا هو من العرب الأميين الذين كانوا يقولون الشعر ارتجالًا أو على البديهة أو توجههم فيه طبيعتهم اللغوية بأسباب يخالفون بها إلخ إلخ. وقد قال ابن فارس: ما رأينا أميرًا أو ذا شوكة أكرم شاعرًا على ارتكاب ضرورة، فإما أن يأتي بشعر سالم أو لا يعمل شيئًا. والضرورة من مثل العقاد لا تسمى ضرورة لانعدام أسبابها التي أجازتها للعرب، وإنما هي عجز عن التركيب الأصح والأقوى، فهي في باب الضعف والغلط لا في باب التأويل والتخريج.(?) من الغريب أن خرابات العقاد مقدسة عند العقاد، فهل هي خرابات روما وأثينا …؟(?) هذه النسبة أخف من (صاحب مرحاضه) فلا مانع أن تحل محلها فيقال في التاريخ عباس محمود العقاد الشاعر الملقب بالمراحيضي … أو صاحب مرحاضه. ومن عجائب الاتفاق ما نشرته جريدة الكشكول في عدد ?? من ديسمبر سنة ???? من أن حكمدار بوليس أسوان لقبه العقاد في سنة ???? وناقشه في أمر، قال: «فلم ير الحكمدار في ذلك العهد ردًّا على سماحة هذا العقاد … أبلغ من أن يكلف أحدَ الجنود بسوقه إلى … ليسجن فيه. قالت: وهنالك بات العقاد … حتى الصباح» والعقاد أكرم منزلة، فلا نصدق هذا الخبر، ولكنه من فكاهة الاتفاق.
الفيلسوف? …


بقي من أوصاف العقاد الشاعر المراحيضي (أو صاحب مرحاضه) وصف لم نعرض له فيما أسلفنا من الكلام عليه، وهو وصفه بالفيلسوف، مع أن هذا المراحيضي عند نفسه شديد التحقق بهذا الوصف، وقد ينزل عن إحدى عينيه لمن يقلعها بمسمار! ولا ينزل عن كونه فيلسوفًا وفليسوفًا وفسيلوفًا …
ومما أضحكنا ذات مرة أن كاتبًا في مصر من داعية الشيوعيين الحمر مر على جلد العقاد، كما تمر القملة هينة لينة إلى أن تغمس خرطومها، فكتب مقالة في جريدة البلاغ يصف بها فلسفة «المراحيضي» ويقرظها، ثم غمس خرطومه ينبه العقاد إلى مذهب وحدة الوجود. فتناوله العقاد كما يتناول أحد البرابرة قملة من قفاه!! وكان مما كتب قوله: «إن الكاتب الذي تنبسط أمامه آراء جميع الفلاسفة (تأمل) ليتصرف فيها (تأمَّلا)، لا يحتاج أن يجيئه في آخر الزمان (تأملوا) من يُذكره بوحدة الوجود … إلخ إلخ». فالعقاد يتصرف في جميع فلاسفة الدنيا، حتى كأنَّ الله لم يخلقهم إلا ليفكروا له ويقدموا لذهنه الجبار جزية أفكارهم الذليلة الضعيفة، وينادوه من وراء الغيب يا مولانا صاحب مرحاضه املأ مرحاضك الفكري!!!؟ وما على مصر بعد هذا أن يحتلها الإنجليز، فإن في مصر جبار ذهن من جبابرة آخر الزمان احتل دول الأرض كلها وحكمها من فلاسفتها!! ومن شعرائها!! ومن كتابها!!!
•••

لما أنشأ المجلس البلدي في مدينة (كذا) خزانًا للماء، فأقامه على عُمُد طوال من الحديد الصلب وملأه بماء النيل لينحدر منه، فيصعد في أنابيب إلى منازل المدينة. قال الخزان للنيل: ما شأنك ويحك! وما مقامك في هذا البلد الذي أنا، أنا فيه؟! وحسبك أن أقول: (أنا) لتعرف من أنا. ألا ترى أيها الأعمى أني أنا النهر الحقيقي، وأني هنا جبار الماء، وأن المدينة بناسها وبهائمها وشوارعها لا تشرب ولا تنضج إلا مني، فلو أمسكت عنها يومًا أو بعض يوم لهلكت ولعاد الناس من جفاف حلوقهم وتضرم أحشائهم في مثل حالة نزع الميت واحتضاره؟ قالوا: فما زاد النيل على أن التفت إليه وقال: أيها الطويل الأحمق! أما مع المنازل وأشباه المنازل من قراء الجرائد فتكلم كيف تعطي، وأما معي أنا فقل: ويلك من أين تأخذ؟
هذا هو مثل الفيلسوف المراحيضي يرجع إلى ما قررناه مرارًا من أنه مترجم ناقل ثم تنقصه أمانة الترجمة، لأنه يأبى إلا أن يدعي، وإلا أن يتصرف بغباوته، فيفسد في الجهتين، ولا تبقى فيه إلا الدعوى، ويكابر في هذه الدعوى، ويقاتل عليها، فلا تبقى فيه إلا الوقاحة. إنما يريد الناس من يقول: هذا رأيي لا رأي فلان وفلان، و(قلت أنا) لا (قال فلان وفلان)، وساعات بين مؤلفاتي لا (ساعات بين الكتب)! وإني لأفضل من يكتب صفحة واحدة في اللغة العربية بأسلوب بديع، ومعان طريفة، وخيال سام، وشخصية ظاهرة في كل سطر على من يترجم كتابًا كاملًا من لغة أجنبية، وإن كان لهذا فضله في معناه وطبقته، لأن الأول هو ثروة اللغة، وبه وبأمثاله تَعَامَل التاريخ، وهو الذي يحقق فيها فن ألفاظها وصورها، فهو بذلك امتدادها الزمني، وانتقالها التاريخي، وتخلقها مع أهلها إنسانية بعد إنسانية في زمن بعد زمن، ولا تجديد ولا تطور إلا في هذا التخلق متى جاء من أهله والجديرين به. أما الثاني فله فضل دابة الحمل، وفضل عملها الشاق النافع الذي لا بد منه، ولكن لا ينبغي للعقاد ومثل العقاد أن يقول للغة: أنا أوجدت وأنا فعلت إلا إذا جاز للحمار الذي يحمل شيئًا إلى بيتك من طعام أو متاع أن يقول لقيم الدار: خذ، هذا ما صنعته لكم!! وما عليك يا حمار لو استكملت فضيلتك، وقلت: «ما حملته لكم»؟
للمراحيضي رأي فلسفي في تعريف الجمال — وناهيك من ذوق من يقول في شعره: «مرحاضه أفخر أثوابنا» ويشبه رُضاب فم حبيبته بالقيح والصديد مما ينغسل من جلود أهل النار … كما مر بك. وما الذوق؟ وما أداة الجمال وسبيل فهمه وتصويره كما هو مقرر، فيقول العقاد في رأيه هذا: «إن الجمال هو الحرية». ويرى أن هذا ابتكار فاهَ به الفلاسفة، ويكاد يقول: إن العقل الإنساني بعد هذا الابتكار لم يبق بينه وبين الألوهية إلا وثبتان أو ثلاث بمثل هذه القوة الجبارة!
وإنما ذكرنا هذا الرأي، لأنه يهمنا جدًّا في بيان سخافة هذا الرجل وغروره وحماقته، ثم هو في رأي المراحيضي ابتكاره الخاص به وعمود فلسفته وأسير أفكاره، مع أنه لو عقل لستره على نفسه، ولكن الرجل ضعيف ملكة التوليد، فيُشَبَّه له، فيُشَبَّه عليه. ويخيل إليه فيخال ويقول: ابتكرت، وتقول الحقيقة: بل أفسدت، ويقول: هذا نبوغي، وتقول ألسنة النقد: بل هذا سوء فهمك.
أما إن للعقاد توليدًا في شعره وآرائه مما يقرؤه ويطلع عليه أو يمارسه ويشاهده، فهذا صحيح، ولو لم يبتله الله بالغرور يفسد عليه تمحيصه وامتحان آرائه لكان يرجى أن تنمو عنده الملكة ويبلغ مبلغًا، ولكن ماذا تقول في رجل لسانه من شؤمه ولؤمه لا يكون دائمًا إلا أمام تفكيره؟ قال له مرة أديب كبير، أمام محرر إحدى المجلات الشهيرة: ستُحَمُّ ثلاثة أشهر يا عقاد عندما تقرأ في كتابي الجديد كلمة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في تقريظي. فرد المغرور «الشيخ محمد عبده لا يعرفك». مع أن الشيخ رحمه الله توفي قبل أن يكون العقاد معروفًا، وقبل أن يكتب مقالة، ولم يكن هذا العقاد من ذوي مجلسه، أو ذوي جماعته، أو من خاصته. وكتاب الشيخ بخطه في يد الأديب، ولكن لعن الله الحقد، ولعن الله الحماقة.
ثم ماذا نقول في رجل عقاد مراحيضي رأى سعد باشا زغلول نابغة دنياه ودهره يقرظ كتاب «إعجاز القرآن» فيقول يصف بلاغته وبيانه: «كأنه تنزيل من التنزيل»، وينشر تقريظ سعد في كل الصحف، وهو حي بعد في سنة ????، فيجن العقاد — أمام محرر تلك المجلة أيضًا — ويتهم صاحب الكتاب في وجهه بأنه زوَّر تقريظ سعد، مع أن كتاب سعد باشا في يد صاحب الإعجاز، ومع أن كتاب الإعجاز هذا أمر جلالة مولانا الملك بطبعه على نفقته الخاصة، ونُشر تقريظ سعد في صدر هذه الطبعة الملكية، وأصبحت: «كأنه تنزيل من التنزيل» مثلًا سائرًا.
اللهم إنك تخلق ما نفهمه وما لا نفهمه. وقد يكون العقاد بَقَّة إنسانية رزقت هذا الطول هزوًا بها ونحن لا ندري.
يرى القارئ من هذين المثلين ومما قدمناه في السفود الثالث من زعم العقاد — أمام المحرر أيضًا — أنه أذكى من سعد باشا وأبلغ من سعد باشا — إن هذا العقاد كالآلة البخارية الخربة من بعض جهاتها، تعمل ولكنها تفسد، وتدور ليقول الناس: ليتها لا تدور، وهي بخارية من آخر طراز، ولكنها حمقاء كذلك من آخر طراز.
بتلك الحماقة المغرورة أضعفت ملكة التوليد عند المراحيضي، وكل النبوغ إنما هو في هذه الملكة واستحكامها. فلن يفلح العقاد من بعدها، ولن يكون إلا كما كان، ولن يخرج إلا الآراء المضحكة من مثل قوله: «إن الجمال هو الحرية».
كيف جاء بهذا الرأي؟! أعني كيف كان توليده إياه؟! إنه رأي الفيلسوف «شوبنهور» الألماني? يقسم الدنيا إلى فكرة واردة، ويقول: إن الدنيا في «الفكرة»، هي الدنيا المكنونة قبل أن تظهر في حيز الأسباب والقوانين وعلاقات الأشياء بعضها ببعض. وإن «الإرادة» هي هذه الدنيا التي نكابد أوصابَها وقوانينها، ولا نذوق السرور فيها إلا لسبب من الأسباب التي تدور عليها أغراضنا وشهواتنا. ولما كان سرورنا «بالجمال» سرورًا بلا سبب ولا منفعة،? فهو من قبيل الفكرة المجردة، وننظر إليها كما هي في عالمها المنزه عن الأسباب والعلاقات.? قال: والسر في وضوح إحساسات الشباب (وجمالها) الكمالي هو كما يقول «شوبنهور»: إننا في عهد الصغر نرى فكرة النوع وراء صورة الفرد إذ تلوح لنا لأول مرة، لأننا نتمثل في كل فرد نموذجًا جديدًا لم تسبق لنا معرفة به، ولم تظهر لنا أية دلالة أخرى عليه، فالشجرة الأولى التي نراها تمثل لنا فكرة الشجر كله، أي نموذج هذا النوع الجديد الذي لا عهد لنا به قبل ذاك، ولا تقتصر على تمثيل شجرة واحدة زائلة كما هو شأنها عند من تواردت عليهم مناظر الأشجار الكثيرة، ولهذا نرى فيها الفكرة الأفلاطونية التي هي في الحقيقة جوهر (الجمال).
هذا ضبط العقاد في تلخيصه رأي «شوبنهور»، وبعضه ينقض بعضه إلا عند مثل هذا الرجل الذي لا يكاد يميز، بل يأخذ بأول ما يبدو له، ويفهم أكثر ما يفهمه على التوهم، فإن ما نراه في عهد الصغر حين نرى الشجرة الأولى التي لا عهد لنا بجنسها ولا بنوعها قبل ذلك، مما يجعل هذه الشجرة الواحدة هي الشجر كله — إن هذه الحالة لن تكون هي ذاتها الحالة القائمة بنفس الشاب، فتكون «السر في وضوح إحساسات الشباب وجمالها الكمالي».
ثم ترى المراحيضي يقول لك: «الفرد والنوع». والصواب الفرد والجنس، لأن الشجرة الأولى التي يراها الطفل إن كانت شجرة تفاح مثلًا، فهي لا تمثل له نوع شجرة التفاح وحده، بل جنس الشجر على أنواعه. ولسنا بصدد تصحيح رأي «شوبنهور»، فقد يكون العقاد مسخه بسوء فهمه، أو تعمد الاقتضاب، كي لا يظهر موضع توليده أو فساد توليده. بيد أن العقاد يقول بعد ذلك: «أين نتفق في هذا الرأي وأين نفترق؟ (ما شاء الله أين يتفق العقاد و«شوبنهور» وأين يفترقان …؟) وأين يتساوى القول بأن الجمال «فكرة»، والقول بأن الجمال «حرية»؟ يتساويان حين نذكر «أن الفكرة» في رأي «شوبنهور» لا بد أن تكون بعيدة عن عالم الأسباب والضرورات، ومن ثم لا بد أن تكون مطلقة — من أسر الأسباب والضرورات.? ثم أين يتعارضان هذان الفيلسوفان العظيمان المراحيضي!!! وشوبنهور؟
يقول العقاد: «يتعارضان حين نذكر أن الحرية لا تكون بغير إرادة، وأن شوبنهور يخرج الجمال كله من عالم «الإرادة المسببة» أي عالم «الفكرة المجردة».
وما الذي يُرَجّع رأي فيلسوفنا!! المراحيضي!! بأن الجمال هو الحرية على رأي شوبنهور بأن الجمال «فكرة»؟ يقول العقاد: (يرجحه أن الجمال يتفاوت في نفوسنا، ويتفاضل في مقاييس أفكارنا — ولو كان المعول على إدراك «الفكرة» وحدها في تقدير الجمال، لوجب أن تكون الأشياء كلها جميلة على حد سواء).
«ونوضح ذلك فنقول: لو كانت الشجرة جميلة، لأنها فكرة «فقط» لما كان هناك داع لتفضيل فكرة الإنسان على فكرة الشجرة (افهموا يا ناس) واتضح لنا أن نزعم أن الناس أجمل من الأشجار (برافو مراحيضي)، ولكننا نعلم أن فكرة الإنسان غير فكرة الشجر (تمام تمام!!!). وأن الفكرتين تتفاضلان في تقدير الجمال (صحيح، لأن الشجرة تقدر جمال الناس كما يقدر الناس جمالها!!!). ولا بد أن يكون تفاضلهما بمزية أخرى، فما هي تلك المزية؟
قال المراحيضي: هي الحرية، فالإنسان أوفر من الشجرة نصيبًا من الحرية (برافو برافو!!!)، ولذلك هو أجمل منها. (يا سلام يا سلام على هذا المنطق في رأي من هو أجمل منها؟ في رأي الجبل بالطبع، لأنه لا بد من حكم بينهما يحكم أيهما أجمل. وإلا فما الذي يمنع الشجرة أن تحكم لنفسها كما حكم الإنسان لنفسه!).
قال المراحيضي الفيلسوف: وكذلك تتفاوت «الفكرات»، فلا يغنينا القول بأن الجمال فكرة عن القول بأن الحرية هي المعنى الجميل في الفكرة، أو هي التي تهب الفكرة ما فيها من الجمال.? إلى هنا يظهر أن العقاد يفكر ويصحح لشوبنهور. ولكنه سقط بعد ذلك على أم رأسه، وأظهر الجملة التي منها سرق، فقال: «وقرر شوبنهور أن المادة الصماء لا جمال فيها ولا أنس لديها، وأنها تقبض الصدر وتثقل على الطبع (قلنا كالماس والزمرد والذهب مثلًا، فهي مادة صماء، ولا جمال فيها، وتقبض الصدر وتثقل على الطبع! ومائة ألف جنيه أثقل على الطبع من جنيه!!!).
قال: «فلِمَ كانت كذلك؟ ألأنها عارية عن الفكرة؟ كلا … فما من شيء محسوس إلا له فكرة مكنونة في رأي «شوبنهور». ولكنها تقبض الصدر وتثقل على الطبع، لأنها تمثل الركود والجمود، أو تمثل التجرد من الإرادة (والحرمان من الحرية).
وقد ذكر شوبنهور نفسه بعض هذه العلة وقال: «إن الحزن الذي تبعثه «المادة غير العضوية» في نفوسنا آت من أن هذه المادة تطيع قانون «الجذب» طاعة تامة من حيث تتجه الأشياء. أما النبات فإن منظره يشرح صدرنا ويسرنا سرورًا كبيرًا (كلما تُرِكَ وشأنه). وسبب ذلك أن قانون الجذب يبدو لنا كالمعطِّل في عالم النبات، لأنه يتجه إلى خلاف الجهة التي يجذبه إليها ذلك القانون. وهنا تتخذ ظاهرة الحياة لنفسها طبقة جديدة عالية بين طبقات الموجودات ننتمي نحن إليها وتتصل هي بناء ويقوم عليها عنصر وجودنا، فترتاح إليها قلوبنا … إلخ.
قال العقاد: «وإلى هنا يسبق إلى ظنك أن «شوبنهور» سيخلص من هذا القول إلى نتيجته القريبة، فيقول: إن الأشياء تحزننا بما فيها من معاني الخضوع! وتفرحنا بما فيها من معاني الحرية! أو إنها تحزننا كلما قل نصيبها من الإرادة، وتفرحنا كلما عظم نصيبها من هذه الصفة. ولكن لم يدع هذه الصفة. ولكنه يدع هذه النتيجة القريبة إلى نتيجة أخرى لا تؤدي إليها. (يريد لا يؤدي إليها كلامه السابق فأخطأ في التعبير كعادته).
معنى كل هذا أن العقاد استخرج النتيجة القريبة، وقال: «إن الجمال هو الحرية»، وأما «شوبنهور» صاحب البحث والرأي، فمغفل جاهل، لأنه وضع البحث كله، ولكنه استخرج نتيجة أخرى، كأن الذي وضع النحو وقسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف فعل ذلك وهو لا يعرف ما هو الاسم ولا ما هو الحرف.
أفي الأرض معتوه واحد يصدق أن «شوبنهور» يعمى عن النتيجة القريبة لكلامه هو؟ أم الأعمى هو العقاد الذي لم يفهم ما يريده «شوبنهور» من أول كلامه إلى آخره؟ فإن محصل كلام هذا الفيلسوف? أن ما تراه بسبب من إرادتك وغرضك وشهواتك، فجماله فيك أنت لا فيه، لأنه في هذه الحالة صورة الاستجابة إلى ما فيك، فلو لم يكن معك أنت هذا الغرض لم يكن معه هو ما خيل لك من الجمال، فهو على الحقيقة باعتبار الفكرة المجردة لا جمال فيه. وإنما أنت صبغته وأنت أوقعته ذلك الموقع من نفسك، فالنتيجة من ذلك، أن الأشياء تحزننا (أي لا نراها جميلة) كلما ابتعدت من عالم الفكرة واقتربت من عالم الإرادة، وأنها تفرحنا كلما ابتعدت من عالم الإرادة واقتربت من عالم الفكرة.? وهذا الرأي هو الرأي الصحيح في معنى الجمال، وبه يُؤَول اختلاف الناس في تقدير جمال الأشياء، لأن الجمال في أهوائهم وأذواقهم ومعاني نظرهم. وقد روى الجاحظ أن رجلًا تزوج امرأة لم تكن رائحةٌ أنتن ولا أقذر من رائحة جلدها، فلما كان زفافها دلكت جسمها بالمَرْنَك? لتزيل هذه الرائحة الخبيثة، وبقيت تفعل ذلك في سر من الرجل، ثم غفلت يومًا، فاطلع على شأنها، وأصابت هذه الرائحة منه هوى وجد به نشاطًا … فنهاها أن تغشه بعد، لأنها لا تجمل عنده ولا تقع من هواه إلا بهذه الرائحة، فكانت إذا سألته حاجة ومنعها قالت: والله لأتمرنكن! فيبادر إلى قضاء حاجتها خيفة أن تطيب ريح جسمها … هذا هو عالم «الإرادة المسببة» في رأي «شوبنهور». فأي جمال في صاحبة تلك الريح الخبيثة، وهل يصطلح الناس في عالم «الفكرة» على جمال تلك الريح كما رآها ذلك الذي ابتعد عن عالم الفكرة وارتطم في إرادته؟!
على مثل تلك الطريقة من الغباوة وسوء الفهم وقبح الاجتراء والغرور والحماقة تجد كل ما يولده العقاد أو أكثره، ثم يزين له لؤم نفسه وعمى بصيرته أنه هو وحده الذي يهدي إلى أسرار الأشياء، ويلهم حقائق المعاني فيزدري الناس، ويندرئ عليهم بالطعن والتسفيه، ويقول فيهم ما لو عقل أو أنصف لما قاله إلا في نفسه.
لو تأملت ما كشفناه من سرقاته الشعرية لرأيت أن تلك هي قاعدته في التوليد، فلن يأتي بمعنى واحد أحسن من أصله، أو على المقاربة منه، وهذا حسبك في الدلالة على قيمة الرجل وبيان منزلته. وهو لو كُفِيَ الوقاحة وحدها لأمكن أن يُفلح، لأن كل رذائله فروع من هذا الأصل ترجع إليه واحدة واحدة، ولكنه كذا خلق ولن يغير أمس وقد مضى، ولن ترجع له وراثة أخرى وحارات وأزقة.
ولا بأس من هذا الخبر استفتى المراحيضي مرة رجل من العراق في أمر (القديم والجديد) ومناظرة كانت بين فلان وفلان، فخلط العقاد على طريقته، ولكن الذي راعنا مما كتب أنه قال: «إن كُتاب العرب لم يجيدوا في المعاني المطولة «بل كانوا إذا طرقوا هذه الموضوعات أسفوا وضعفوا واجتنبوا الأساليب الأدبية المنمقة وأخذوا في أسلوب سهل دارج، لا يختلف عن أسلوب الصحف اليومية عندنا (يعني لا يختلف عن أسلوب العقاد؟؟) في شيء كثير. قال: «ومن شك في ذلك فليرني صفحة واحدة من مصنف عربي في مبحث من المباحث الاستقرائية مكتوبة بلغة تضارع لغة الأدباء في الرسائل والمقامات!!! أو يصح لأن يقال إنها لغة أدبية ذات طريقة محض عربية (كذا)! قال: ولست أكلف المخالفين لرأيي أن يجيشوني بصحيفة عالية البلاغة من كتاب فلسفي أو منطقي … فهذا قل أن يتيسر في لغة من اللغات، ولكني أكلفهم أن يجيئوني بصفحة واحدة (عجائب!) بليغة من موضع غير الموضوعات الخطابية المرتجلة التي تكلم الجاهليون في مثلها على البداهة. إنهم لا يستطيعون». انتهى بحروفه.
انظروا أيها الناس أهذا كلام رجل يكتب بعقل أم بوقاحة؟ وهل اطلع هذا المراحيضي على كل ما كتبه العرب؟ وإن كان اطلع على كل كتبهم فهل قرأها كلها حتى أيقن أنها خالية (من صفحة واحدة) تكون بليغة في موضوع فلسفي أو منطقي أو علمي؟ وهل انتهى إلينا كل ما ألفه كتاب العرب وكل ما ترجموه ليقرأه المراحيضي ويجزم بأنه ليس فيه (صفحة واحدة) من ذلك؟!
وكيف لعمرك يكتب مثل الجاحظ إذا ترجم أو كتب في موضوع علمي؟ أينزل عن طريقته وينسى اللغة كلها ليجيء بكلام بارد غث ككلام العقاد والصحف اليومية؟!
على أن أديبًا قابل العقاد بعد هذه المقالة وقال له: إن للجاحظ رسالة كاملة تملأ نحو مائة صفحة في مثل هذه الموضوعات، وهي من أبلغ ما كتبه، وكلها عالية الطبقة في أسمى ما بلغ إليه الجاحظ بقلمه وعبارته وأسلوبه،?? أتدري أيها القارئ، بماذا أجاب الرقيع؟ لم يقل للأديب: أطلعني عليها، بل أقر أنه هو لم يطلع عليها، ثم قال. (قال إيه يا ترى.؟) قال: إنها غير مرتبة؟؟؟ هذا والله جوابه بحروفه. رسالة لم يقرأها ولم يعرفها، ومع ذلك يقول إنها غير مرتبة. سبحان الله، ولا إله إلا الله، ويخلق ما لا تعلمون!!
على أن هذا كما يؤخذ دليلًا على وقاحة هذا الكاتب وعَنَتِه ومكابرته، وأن لسانه دائمًا يستمد من طباعه قبل أن يستمد من عقله، فيسبق بما في قلبه، أو في نفسه، قبل أن يجيء بما في نظره أو في عقله — يؤخذ أيضًا من الأدلة على جهل العقاد بالبلاغة وأساليبها، وكيف تكون وكيف تنقاد. إن رجلًا من بلغاء الناس كعبد الحميد أو ابن المقفع، أو سهل بن هارون، أو الجاحظ، أو من في طبقتهم، لو هو تناول أعسر المواضيع العلمية لصبغها بأسلوبه، وأنزل الكلام فيها على طريقته، وأخرج النغم الإنشائي حتى من الحجر ومن التراب، لأن الأسلوب إنما هو صورة مزاجه اللغوي، فإن لم يجد له المعاني التي يظنها العقاد خاصة بالمواضيع الأدبية أو الخطابية وجد له اللفظ، ووجد له النسق. ومتى وفق كاتب في ألفاظه ونسق ألفاظه، فقد استقامت له الطريقة الأدبية، وجاء أسلوبه في الطبقة العالية من الكتابة. وأكثر كلام العرب يخرج على هذا الوجه، فتراه بليغًا في أدائه، رصينًا في ألفاظه، متينًا في عبارته، ولا طائل من المعنى وراء ذلك.
غير أن العقاد وأشباهه من سوقة الكتاب، وعوام المتعلمين، إنما يدافعون بمثل ذلك القول عن جهلهم وعجزهم وانحطاط أساليبهم، كأنهم يقولون: إنما ابتلينا بالضعف والغثاثة والركاكة من جهة أننا نكتب في المعاني العلمية والاجتماعية والاستقرائية والهبابية!! ولو كان العرب كتبوا في مثل هذا لكان كلهم عقادًا شقَّادًا.?? أنا أفتح الآن الورقة الأولى من كتاب الجاحظ، فإذا هو يقول في حكمة زرقة السماء فكِّر في لون هذه السماء وما فيها من صواب التدبير، فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للأبصار، وتقوية لها، حتى أن من صفات الأطباء لمن أصابه شيء أضرَّ ببصره إدمان النظر إلى الخضرة، ما قرب منها إلى السواد. وقد وصف الحذاق منهم لمن كَلَّ بصره الاطلاع في إجانَّة خضراء مملوءة ماء. فانظر كيف جعل هذا الأديم أديم السماء بهذا اللون الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المتقلبة عليه، فلا يَنْكَى فيها بطول مباشرتها له، فصار هذا الذي أدركه الناس بعد التفكر والتجارب يوجد مفروغًا منه في الخلقة …
فكِّر في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النهار والليل، فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله، فكيف كان الناس يسعون في حوائجهم ومعايشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم، وكيف كانوا يتهنون بلذة العيش مع فقدهم لذة النور وروحه؟! فالأرب في طلوعها ظاهر مستغنٍ بظهوره عن الإطناب فيه. ولكن تأمل المنفعة في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوٌّ ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوِّ لراحة أبدانهم وجموم حواسهم وانبعاث القوة الهاضمة لهضمهم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، كالذي تصف كتب الطب من ذلك. ثم كان الحرص سيحملهم على مداومة العمل ومطاولته إلى ما تعظم نكايته في أبدانهم، فإن كثيرًا من الناس لولا جثوم هذا الليل بظلمته عليهم لما هدءوا ولا قَرُّوا حرصًا على الكسب والجمع، ثم كانت الأرض ستُحمى بدوام شروق الشمس واتصاله، حتى يحترق كل ما عليها من حيوان ونبات، فصارت بتدبير الله تطلع وقتًا وتغرب وقتًا، بمنزلة سراج رفع لأهل البيت مليًّا ليقضوا حوائجهم، ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدءوا ويقروا، فصارت الظلمة والنور على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه.
ثم فكِّر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة، وما في ذلك من المصلحة، ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات، فتتولد فيه مواد الثمار ويستكثِف الهواء، فينشأ منه السحاب والمطر، وتشتد أبدان الحيوان، وتقوى الأفعال الطبيعية، وفي الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، فيطلع النبات، وينور الشجر، ويهيج الحيوان للسِّفاد، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار، وتتحلل فضول الأبدان، ويجف وجه الأرض فيتهيأ للبناء والاعتمال، وفي الخريف يصفو الهواء فترتفع الأمراض وتصح الأبدان، ويمتد الليل فيمكن فيه بعض الأعمال الطويلة، إلى مصالح أخرى لو تقصَّى ذكرها طال الكلام فيها …
والكتاب كله على هذا النسق، وبمثل هذه العبارة، وهذا الأسلوب. وقد يعلو فيه حتى يفوت أسلوب الرسائل، وإنما يمكنه من ذلك مزاجه اللغوي، وحس هذه اللغة في نفسه، وإحاطته بمفرداتها في كل باب، وكل معنى، فما يعجزه قبيل من الكلام، ولا فن من القول في منطق أو فلسفة أو اجتماع، وما داخلها نوعًا من المداخلة، أو أشبهها وجهًا من الشبه. وإنما الجاهل الغبي الركيك الذي يحسب اللغة لغتين في القلم البليغ هو العقاد المراحيضي، لأنه لا يحسن شيئًا من كل ذلك، ولم يطلع، ولم يقرأ لمن أحسنوه، ثم يأبى على ذلك أن يقر في حيزه وحيز أمثاله، فيتطاول بعنق الزرافة!!! ويذهب يزعم، ويخلق من أكاذيبه ومزاعمه، ولا يخجل أن يقول: (هات صفحة واحدة).
فأنشدتكم الله أيها القراء إذا لم يكن هذا هو الجهل المركب فما هو الجهل المركب؟
•••

ونعود الآن إلى توليد العقاد وسوء ملكته في ذلك، وكيف يصنع أقبح الصنع، مما يدل على ضعف وبلادة وعامية في الطبع، وإذا فسد توليده ونزل في معانيه فما بقي في الرجل إلا اللص، وهذا ما نقول به ونقره، ولا نظن أحدًا ممن يقرؤون «السفود» يكابر فيه، فلقد غسلنا وجه هذه العجوز … وانتزعنا (طقم الأسنان) من فمها، وقلنا لوجهها: انطق الآن يا …
قال صاحب مرحاضه أو المراحيضي في صفحة ??? من ديوانه أو مزبلته!! يتغزل:
صفه في كل كساءصفه في كل الجهاتهو في الروضة إذ يمــشي أحب الزهراتوهو في القفر رياضمن هوى لا من نباتتم والله فيا ليــت به بعض الهناتثم حتى أتعب العيــن بفرط الحسنات هذا من أحسن شعر المراحيضي، ولكن لا تنخدع وفتش وانظر كيف جيء بأسخف توليد في البيت الذي هو أحسنها، أي في البيت الأخير.
يقول: «صفه في كل كساء» حتى في كساء شحاذ قذر؟ حتى في كفن ميت؟ حتى في ثوب مصاب بالجذام؟ أيا حبيب المراحيضي، لا تقابله إلَّا وفي يدك كرباج سوداني …
«صفه في كل الجهات» حتى في القبر. أيا حبيب المراحيضي، الكرباج الكرباج … والبيت الثاني من قول القائل:
تظنه الروضة إما مشىفي أرضها أجمل أزهارها وقلب ابن المهدي هذا المعنى فجاء به طريفًا، إذ جعل الحبيبة تُغني عن الروضة كلها فقال:
خِلْتُها في المعصفرات القواني??وردة من شقائق النعمانأنتِ تفاحتي وفيك مع التفاح رمانتان في غصن بانوإذا كنت لي وفيك الذي أهــوى فما حاجتي إلى البستان؟ وأثقل شعر على النفس جعل المراحضي حبيبه (في القفر) رياضًا من (هوى لا من نبات)، أهذا مما يجعل للحبيب قيمة في القفر ولو قيمة بصقة ماء؟ … ولو قيمة عود نبات يابس؟ أفليست بصقة ماء عند القفز أفضل ألف مرة من روضة هوى في خيال معتوه … الكرباج يا حبيب المراحيضي …
وتشبيه الحبيب بالروضة كثير، ولكن لم يقل أحدٌ روضة هوى في قفر غير هذا البارد الفاسد الخيال.
ويقول: (تم والله فيا ليت به بعض الهنات). الكرباج الكرباج … هل في الدنيا حبيب يقبل من محبه أن يقول له: يا ليت بك بعض العيوب؟ وفسر الهنات بالعيوب الطفيفية، فما هي العيوب الطفيفة التي يتمناها هذا الأحمق في حبيبه وخلقته وجماله؟ ولكن لعن الله التوليد اللئيم واللصوصية الوقحة!! فانظر كيف صنع الشاعر حين قال:
ما كان أحوج ذا الجمال إلىعيب يوقِّيه من العين فهذا هو الشعر لا ما رأيت من صنيع المراحيضي، لأن الشاعر يخاف على كمال حبيبه من إصابة العين، ولكنه لا يتمنى أن يبتليه الله بعيب، فإن هذا التمني لا يكون من قلب محب، لا يجيء إلا من كبد غليظ، بل يقول: «ما كان أحوجه»، «وكان» هنا في منتهى الرقة والظرف كما ترى، وهي تكاد تذوب حنانًا وعاطفة.
ويقول المراحيضي ثم حتى أتعب العين بفرط الحسنات.
قل لحبيبك: أتعبت عيني، ثقلت على عيني، عيني (بتوجعني من فرط حسنك)!! الكرباج الكرباج يا حبيب المراحيضي! إن لم تكن أنت أيضًا مغفلًا رقيعًا غليظ الحسِّ.
إن كل ما أتعب العين، ترى العين راحتها في إغفاله، وما يكون مثل هذا في وصف الجمال المعشوق، ولم يقله إلا العقاد وحده في بلادة وغباوة وجفاء بربري همجي. وليأتنا من استطاع ببيت واحد لشاعر سليم الذوق يذكر فيه «تعب عينيه» من فرط حسن محبوبه، ونحن نكسر هذا القلم ونسلم بكل ما يدعي العقاد. انظر كيف صنع ابن الرومي في قوله:
وفيك أحسن ما تسمو النفوس لهفأين يرغب عنك السمع والبصر هكذا هكذا … ثم يعبر في شعر آخر عن معنى تمام الحسن تعبيرًا في غاية الإبداع يثبت المعنى الذي أراده المراحيضي في نفسه، وينفي مع ذلك تعب العين، كأن في العين من أجل الحبيبة طبيعة غير طبيعتها التي خلقت عليها فيقول: انظر كيف صنع ابن الرومي في قوله:
ليت شعري إذا أدام إليهاكَرَّةَ الطرف مُبدئ ومعيدأهي شيء لا تسأم العين منهأم لها كل ساعة تجديد؟ هذا والله هو المرقص المطرب، ولو قاله أكبر شاعر في أكبر أمة لزاد في أدبها، وانظر مع كل ما رأيته كيف عبر الشاعر العربي الذي لم يدرس ولم يتعلم ولم يجمع كل ديوان شعر وكل كتاب أدب في الإنجليزية ولم يكن جبار ذهن!! كيف عبر عن حيرته في تمام حسن حبيبته وفرط جمالها في رأي نفسه، وكيف أبان عن المعنى الفلسلفي الدقيق الذي انتهت إليه الفلسفة الحديثة في فهم الجمال، وأنه في الناظر لا في المنظور، وذلك حيث يقول بشر بن عقبة العدوي:
فوالله ما أدري أأنت كما أرىأم العين مزهو إليها حبيبها بديع بديع، حلو حلو، شعر كالحبيبة وإن كان مولدًا من قول امرئ القيس:
أهابك إجلالًا وما بك قدرةعلي ولكن ملء عين حبيبها ولكن ليس هذا كله من غرضنا، بل غرضنا أن نبين كيف تهيأ للعقاد المعنى (أتعب العين)، وكيف ولَّده، لأن ذلك دليل قاطع على أن شعره من ديوان الشعر كالمرحاض من القصر!!! وأنه ليس هناك، ولا يقال له إلا ما قال الأول:
فعد عن الكتابة لست منهاولو لطخت ثوبك بالمداد وكذلك يقال له: لست من الشعراء، ولو أحدث في أفخر أثوابك «عزّوز» لتقول فيه «مرحاضه أفخر أثوابنا …».
لابن الرومي في هذا المعنى بيتان، لا بد ولا بد أن يكون المراحيضي سرق من أحدهما الأول قوله في وصف المهرجان:
مهرجان كأنما صورتهكيف شاءت مصوِّرات الأماني??يمكن العينَ لحظة ثم يَنهىطرفها عن إدامة اللحظان ومعناه أن هذا المهرجان من كثرة أضوائه وزينته لا تستطيع الأعين أن تحدق فيه طويلًا. فنقل ذلك إلى المعنى الشعري، وجعل له سلطانًا ينهى به العين فتغضُّ. فإن كان العقاد سرق من هذا فقد فهم أن العين تتعب، وأنه إذا جعل مكان المهرجان حبيبه، وجعل حسنه هو الذي يتعب العين خفيت السرقة، وصار المعنى عقاديًّا شقاديًّا، فحبيب العقاد هنا خمسون «لمبة» من مصابيح علاء الدين Alladine التي تضاء بضغط الغاز ومائة مصباح كهربائي قوة مائة شمعة، وبعبارة مختصرة، يا حبيب المراحيضي أنت دكان فراش … آه لو كان معك الكرباج السوداني من قبل.
والبيت الثاني لابن الرومي قوله:
لا شيء إلا وفيه أحسنهفالعين منه إليه تنتقل وهو تكرار لقوله (وفيك أحسن ما تسمو النفوس له … «البيت»). ونحن نرجح أن العقاد سرق من هنا، لأن هذا الصنيع هو الأشبه بغباوته وفساد توليده، فقد تصور هكذا إذا كان لا شيء إلا وفيه أحسنه، وإذا كانت العين تنتقل منه إليه وإليه منه فهذا لا ينتهي، ولا يمكن أن ينتهي إلا إذا تعبت العين، والانتقال الذي لا يزال من هنا إلى هناك ومن هناك إلى هنا انتقال متعب، فيخرج من القضيتين أن تمام الحسن يتعب العين، فيكون نظم هذا الكلام هكذا.
ثم حتى أتعب العين …
وهكذا يكون شعر اللصوص الأغبياء، وبمثل هذا الهراء ينخدع فيهم المغفلون، ويسمون مثل هذا المراحيضي جبار ذهن … ويُغرونه بنفسه، فيظن ويظنون أن الأدباء يعبأون به، ويمد له الظن فيحسبهم يخشونه، ثم ينمي له وهمُه ولؤمه، فإذا هو يثور بهم وينتقصهم ويلقاهم بعامية أصله وسفاهة دمه، وإنه لأهون عليهم من سحق نملة لو عركوه، وأقذر من شنق ذبابة لو تركوه …
هوامش

(?) عدد شهر ديسمبر من العصور.(?) هذا التخليص من نقل العقاد نفسه، ولم نزد فيه ولم نغير منه.(?) أكذلك هو؟ وهل في الدنيا من يُسَرُّ من الجمال «بلا سبب»؟(?) إذا نظرت «أنت» إليها فكيف يكون لها حينئذ عالم منزه عن الأسباب والعلاقات؟ وأين يوجد هذا العالم؟ وكيف تعرفه «أنت»؟(?) ففكرة من تكون هذه الفكرة البعيدة عن عالم الأسباب والضرورات؟ وكيف تسمى (فكرة)؟(?) كل ما نقلناه هو من الصفحات ?? و?? و?? من كتاب مراجعات للعقاد.(?) نريد من العقاد وأمثاله إذا ترجموا أن يقولوا ترجمنا، وأن يأتوا بالكلام المنقول على نصه، ليفهم منه كل قارئ على ما يفتح له. ولكن العقاد — على أنه مترجم — يأبى أن يكون مترجمًا، فيأخذ ما يريد أن يأخذ، ويدع ما يستحسن أن يدع، لا من حكمة أو فائدة، بل على ما تتجه إليه خطته في السرقة والإغارة على الناس وانتحال آرائهم وأفكارهم، وكل كتبه مشحونة بمثل هذا، فأنت تجد فيها كل كاتب أو شاعر أو فيلسوف إنجليزي ومن كل ما نقل إلى الإنجليزية على أنه للعقاد لا لأصحابه، فإن جاء منه شيء مَعْزُو لصاحبه جاء خليطًا كما رأيت في كلام «شوبنهور» تستطيع أن تنقضه وترده بأيسر التمحيص، لأنه على قدر فهم العقاد، لا على ما وضعه قائله أو كاتبه، وليس هذا وحده، بل مع سوء فهم العقاد وشعوذته على القراء، سوء قصده من الغرور والوقاحة، فالأمر كما ترى أشبه برقيع يدَّعي النبوة والوحي، ويعمل على أنه نبي، ويكابر في أنه غير نبي، فكل ما جاء به عاليًا عاليًا لم يجئ بطبيعته وطبيعة عمله إلا سافلًا سافلًا.
ولأجل هذا فنحن لا نثق أن ترجمة العقاد عن «شوبنهور» هي نص معاني «شوبنهور» على أغراضها وسياقها، فلا نتعرض لهذه الآراء ولا نقول في تفسيرها، وإنما نذهب إلى ما نظنه الأصل في غرض الفيلسوف مجملًا غير مفصل، وخاصًّا بالجمال وحده دون ما تفرع من هذا الأصل.
والرأي الفلسفي الصحيح أن الحواس الإنسانية زائغة لا تستطيع أن تحكم على الأشياء في ذواتها وحقائقها، ولا أن تتبين ما هي في كنه أنفسها، فليس فينا إلا نسبة هذه الأشياء إلينا كمادة تلائم مادة أو تقاربها أو تداخلها أو تضادها.
أما فكرة الشيء في ذات نفسه كما هو في كنهه، وأننا نحزن ونكتئب لمنظر المادة الجامدة، إذ لا تقاوم الجذب، ونُسر لمنظر النبات إذ يقاومه ولا ينقاد إلا على الخلاف. هذا كله تخليط في تخليط. وعاقبة أكلة ثقيلة من القرنبيط …(?) هذه النتيجة هي التي استخرجها «شوبنهور» قبل العقاد، وليس بعجيب أن يراها العقاد خطأ، لأنه لم يفهم ما بنيت عليه كما رأيت.(?) هو في كتب اللغة المرتج بالجيم، ولكن الجاحظ كتبه واشتق منه بالكاف، وهو بالكاف لا يطابق ما ذكر في كتب الصناعة مما يتخذ لعلاج الصنان، فإن هذا ضرب من الطيب تعريب (مروة)، وذاك هو كما قالوا: (مبيض المرداسنج)، والمرداسنج تعريف مرتك سنك وهو الحجر المحرق يكون من المعادن المطبوخة بالإحراق إلا الحديد. والظاهر أن العامة في زمن الجاحظ استثقلوا الجيم، فأبدلوها كافًا، وجاراهم هذا الأديب الإمام على منطقهم للحكاية، وتلك عادته في أكثر ما يحكى.(??) هي رسالة «الدلائل والاعتبار على الخلق والتدبير» يبين فيها حكمة الخالق في أنواع خلقه، ويرد على ما أنكره المعطلة من معاني الأشياء وأسبابها إلخ.(??) شقاد يعني عقاد على حد قول العرب: «شيطان ليطان» من باب الاتباع، وعليه قول العامة حين يذكرون من لا قيمة له، فيقولون: هو عفش نفش.(??) القواني أي الخمر.(??) في الديوان «مخيرات» وهو خطأ.
ذبابة!! ولكن من طراز «زبلن»? …


إي والله، لو أن ذبابة من الذباب سخط الله عليها، فابتلاها بمثل ما ابتلى به العقاد، الشاعر الفيلسوف!! المراحيضي!! من الغرور ودعوى الغرور ووقاحة الغرور، لذهبت في قومها تزعم أنها من طراز «زبلن»، وأنها في قدره وقوته، ولا أقل من أن يكون «زبلن» هذا عمها أو ابن عمها، وإلا فهو ذبابة من ذباب ما وراء الطبيعة، جاءت إلى هذه الدنيا خاصة لترى فيها هي ذبابة الطبيعة، فكلاهما? عظيم، وكلاهما جبار قوة وذهن. قالوا: وتغيب الذبابة المأفونة سحابةً من نهار، ويراها الذباب قاطبة مختبئة في روث دابة … ثم تقذف بنفسها في الجو عالية، ثم تكسر، ثم تنقضُّ، ثم تدور، ثم تهبط، ثم تقر على الأرض، فيقلن لها: أين كنتِ لا كنتِ ويحك؟ قالوا: فتجيبهن أنها كانت مع المنطاد زبلن … وكانا معًا في رحلة حول الأرض … وكاد زبلن المسكين يتحطم في العاصفة لولا أنها ضربت حوله بجناحيها ضربات دفعت له الهواء دفعًا أقوى من العاصفة، فبضربة ترفعه من حيث يتكفأ، وبضربة تُمسكه من حيث يميل، وبضربة تخلق تحته طبقة زاخرة في الجو. وهكذا لدمًا ولكمًا ولطمًا في صدر العاصفة على وجهها وقفاها، إلى أن ولت هاربة وتركت زبلن، فنجا وما كاد ينجو … قالوا: وتضحك الذباب ويقلن لها: أيتها المأفونة! لو قلت: إنك عصفورة من عصافير الفردوس كانت في أول الدنيا ودافعت أمام عرش الله عن آدم وحواء فطردت معهما إلى هذه الأرض، لكان ذلك أشبه عندنا بالصدق من دعواك أنك من طراز زبلن، وتساميك في الدعوى إلى الرحلة معه حول الأرض، وتناهيك في السمو إلى الدفاع عنه في أجواز الفضاء، وتألهك آخرًا في ضربك العاصفة وهزيمتها بجناحيك، على أن هذا كله منك وأنت بأعيننا مختبئة في هذه الرمئة من هذه البهيمة في هذه المزبلة ساعة وخمسًا وأربعين دقيقة … أخزاك الله، أفي روث دابة زبلن وسماء وعاصفة وطواف حول الأرض؟!! •••

هذا — وحقك أيها القارئ — هو مثل العقاد لو أفصحت الحقيقة عن نوع غروره وحماقته ومقدارهما في الأدب والفلسفة والكتابة والشعر، فلقد كاد يقول للمغفلين وللمخدوعين فيه ابحثوا في عن الإله، بل ما أراه إلا ادعاها في هذيانه الذي قال فيه:
والشعر من نفس الرحمن مقتبسوالشاعر الفذ بين الناس رحمن! وقد مرت الإشارة إلى هذا البيت وسخافة القصيدة التي هو منها، أما نحن فبحثنا فيه فلم نر إلا لصًّا، وعرفناه فلم نعرف إلا لئيمًا، وفتشه النقد فلم يجد إلا صاحب مرحاضه.
يا سلام … لماذا أنت سوداء أيتها الخنفساء؟ قالت: لأني الشخصية اللامعة في الكون! يا سلام. لماذا أنت مغرور أيها العقاد المراحيضي؟ قال: لأني أذكى من سعد باشا وأبلغ من سعد باشا. هذا — يا سيدي وسيد كل أديب على وجه الأرض — كلام خنفسائي، فقل شيئًا آخر. قل لنا مثلًا: إن الحقيقة المضحكة الساخرة القائمة في نفسك والتي هي مبعث شعورك، والتي خلعتها أنت على نفسك بأوهامها وزخارفها وتلاوينها، هي بعينها تلك الحقيقة القديمة التي لبسها من قبلك العجل أبيس، غير أنه ظلم بها وحبس فيها، وجاءته من الناس، وتراها أنت حرية فكر وجاءتك من نفسك، وإلا فأفهمني يا هذا بغير الكلام الخنفسائي! ما الفرق بين عجل يقال إنه بين الناس إله أو صورة إله، وبين رجل مثلك يقول عن نفسه بنفسه لنفسه إنه بين الناس رحمن؟
نعم، إنك مثَّلتَ فصولًا، لا فصلًا واحدًا — في رواية الغرور والدعوى (ولعبتها) — كما يقول طه حسين — ولبست للناس ثياب الرواية، ولكني رأيتك بعد منساقًا في الحياة وراء المعاني المكذوبة التي مثلها تدَّعيها ولا تفارقها، فبربك هل رأيت أثقل على النفس ممن كان مرة على المسرح، أمام من دفعوا خمسة قروش وعشرة قروش، فكان هرون الرشيد!! وكان له زبيدة وجعفر ومسرور!! وكانت الرواية، ثم يمر يومًا على قسم الموسكي، فيومئ للعسكري الواقف على الباب ويقول له يا مسرور! اذهب ويحك الآن فاكبس دار فلان (أرجو من فضلك أن يكون غيري) وائتني برأسه! وقل لزبيدة وقل لجعفر!؟ أنت والله يا عقاد في دعواك وغرورك الأدبي أثقل وأبرد من هذا ثلاث مرات، والذي يقول لك غير هذا فهو إنما يهزأ بك إن كان ذا رأي وكان لرأيه وزن.
•••

رأى القراء في السفود السادس خبط العقاد في نقل كلام شوبنهور، واستخراجه النتيجة منه على رغم أنف هذا الفيلسوف الكبير، وادعاءه أن ذلك رأي ابتكره وفات به العقول وأصحابها. ولكن بقي أن أعرف جواب هذا السؤال هل في الشرق كله رجل يفهم ويرى نفسه في حاجة إلى رأي عباس محمود العقاد!!! في الرد على فلاسفة أوروبا وجبابرة الذهن فيها؟ وهل يكون الرد للشرقيين وينشر في الشرق، أم للغربيين وينشر في أوروبا؟ وكم مقالة في مثل ذلك كتبها العقاد في صحف انجلترا وألمانيا وفرنسا يرد على فلاسفتها وكتابها؟ وماذا كان تأثيرها؟ وماذا قالت تلك الأمم عن جبار الذهن المصري؟ وهل عيرتنا نحن به؟ أم عيرت به كُتابها وفلاسفتها؟
هذا كله سؤال واحد يفضي بعضه إلى بعض، لأنه إن وقع شيء من ذلك، وقع الكل، فأجيبونا أيها القراء.
إنه إن لم يثبت ذلك كله، انتفى ذلك كله، وأصبحنا من العقاد وغروره ودعواه في هواء وفضاء، فلم يبق إلا أن العقاد وأشباهه هم المحتاجون إلى الرد في هذا الشرق المسكين على شوبنهور ونيتشه وغيرهما تدجيلًا وتعمية، وليجدوا ما يتعلقون عليه حين يجدون ما هم مضطرون إليه، فإن البلية، والبلية كلها، آتية من عقول مضطرة للعمل العقلي إذ كان وسيلة العيش لأصحابها الذين يحترفون الكتابة في صحف تسمى صحفًا على المجاز، أي باعتبار الطبع والورق!! وكانت عقولهم ضعيفة رخوة، إذ نشأت على طبيعة كطبيعة التسلق النباتي، فلم تبلغ درجة الإحكام والفصل. ثم لا يعملون بها — وهي عندهم وسائل عيش دنيئة كعربة الحوذي مثلًا — إلا عمل العبقريين بوسائلهم العقلية العالية. فمن ثم لا يكون همهم إلا الإغارة على آثار العقول الناضجة الصحيحة بلا نقد ولا تمحيص، ولا بد حينئذ من التشويه والمسخ ليعملوا عملًا من عند أنفسهم، فيقع الضرر من ناحيتين ناحية ضعفهم، وناحية اضطرارهم.
وبذلك ينحدرون إلى اضطرار شر من الأول، فيرتطمون فيه، وهو القطع والجزم هنا عندنا فيما هو فرض أو تجربة هناك عند أهله، ثم البناء على هذا الأساس الواهي بناء يثبت أن صاحبه جبار ذهن!!! فقد لا يكون الفكر المنقول أو المسروق شيئًا يذكر وقد يكون شيئًا قليلًا ولكن (بعملية جبار ذهن …)، يصبح عندنا — وأقل ما يوصف به — أنه دليل على أن الكاتب جبار ذهن عبقري.
هي (عملية) الخلق الجديد بالتشويه والمسخ والتعمية، وداخلة الأقوال والأفكار بعضها في بعض … إلخ إلخ. والعقاد أكبر «اختصاصي» في هذه العملية، لأنه لا حياء فيه ولا ذمة! فهو بذلك كاتب عربي عظيم، ولكنه في الوقت نفسه أَرَضَة كُتُبٍ إنجليزية، لو عثر به شاعر أو كاتب إنجليزي لذهب واشترى لكتبه (نفتالين) يطرد به هذا العث المسمى العقاد … الذي يدأب في (أكل كتبه) وثماره العقلية.
والآن وقد ظهرت وجوه العقاد من نواحيه المختلفة، وعليها صفعات البراهين، ورآه القراء كما يقال في لغة الملاكمة: «يقيس الأرض بطوله»? … فلنودع ديوانه بنظرات سريعة نقلبه فيها كيفما اتفق. فهذه هي عادتنا في نقده، إذ لا يداخلنا شك أن في كل صفحة من ديوانه سرقات وغلطات وحماقات. ولم نعرض ولا نريد أن نعرض إلى فساد معانيه. فنقول هذا ضعيف وهذا ركيك، ولو قال كذا لكان أحسن … إلخ إلخ. فإن كل هذا لا يغض من العقاد عند العقاد. وإن نزل به في تقدير القراء والأدباء، لأن الرجل كما تعلم فاسد الذوق، ومن أقوى طباعه المكابرة، ومن أوكد أسبابه عدم المبالاة. فإذا قلت له: هذا عندي ضعيف، قال: لكنه عندي قوي، وإن قلت: هو فاسد فيما أرى، قال: وهو فيما أرى صحيح. وهكذا لا تفتح عليه بابًا إلا خرج من باب يقابله. ولكنك حين تقول سرقت ومسخت وغلطت وأخطأت. تراه قد ابتلع لسانه واستخذى وانكسر، إذ ما عسى أن يقول ولا محل هنا لذوق يُختلف فيه، ولا لقديم أو جديد يهرب بأحدهما من أحدهما، فلا يكون إلا أن توثقه كتافًا بالحقيقة وتلقيه في سجن الغلطة، وهو سجن لا منفذ فيه إلا إلى محكمة فحكم … انتقدنا في السفود السادس أبياتًا من قصيدة العقاد (يا نديم الصبوات) صفحة ???، وقد راسلنا أحد الأدباء يخبرنا أن الأربعة الأبيات الأولى من هذه القصيدة مسروقة من كتاب ألف ليلة!! ونحن لم نقرأ هذا الكتاب إلا في الصبا، ولا نذكر إلا أن كل ما فيه من الشعر مبتذل عامي، فإن صح أن العقاد سرق منه فيا ألف فضيحة يا عقاد وأدرك شهر زاد الصباح …
في هذه الصفحة ??? أبيات حسنة يشير بها المراحيضي إلى معنى جميل، وهو أن الحبيب الذي أوتي الجمال في وجهه لا يأتي له، أو لا ينبغي له، أن ينتحل الوقار ويتظاهر بالغضب والتعبيس والقطوب، فيقول:
واخدع جليسك بالقطوب فإننيأنا لا أُغَرُّ بضاحك مُتَنَكِّرهيهات تُوليك الطبيعة مسحةمما تروم من الوقار المفتريأنتم مباسمها وفيكم تنجليللناس ضاحكة كأن لم تكدرما للطبيعة حين يضحك ثغرهاضحك سوى الوجه الصبوح المزهر والقصيدة كلها مبنية على هذه المعاني، كأنها ثرثرة طويلة حول كلمة أو كلمتين، ومع أن هذه المعاني كثيرة في الشعر الأوروبي، فإنك تجدها بخاصة في كتابات «أناتول فرانس» حتى ليمكن أن تُعَدُّ مذهبًا من مذاهبه. فعنده أن المرأة الجميلة (تناقض طبيعتها) إذا لم تكن للجميع تحفة من تحف الفن، وما أدراك ما «الفن» عند هذا النابغة الحيواني. مع هذا فإن أصل المعنى في شعر ابن الرومي، وقد تفنن العقاد هذه المرة في السرقة وكان لصًّا كلص «المحافظ» وأصاب محفظة فيها خير!!
يقول ابن الرومي في ممدوحه يستعطفه ويستميل وجه رضاه:
بوجهك أضحى كل شيء منورًاوأبرز وجهًا ضاحكًا غير غاضبفلا تبتذله في المغاضب ظالمًافلم تؤتَ وجهًا مثله للمغاضب هذا هو كلام العقاد بعينه، نقله إلى الغزل وتصرف فيه، ومع ذلك جاء مضطربًا نازلًا عن الأصل المسروق منه.
يقول العقاد لحبيبه «واخدع جليسك بالقطوب فإنني أنا … إلخ» فمن جليس الحبيب غير محبه؟ كأنها مومس لها كل ساعة جليس. هلا قال: «واخدع سواي بذا القطوب»!!!
ويقول في البيت الثاني (الوقار المفتري) بصيغة اسم الفاعل، والمفتري الوقار هو الحبيب، لا الوقار يفتري نفسه، فيجب أن تكون الكلمة بصيغة اسم المفعول مفتوحة الراء. وبذلك تسقط القافية. والبيت الثالث (أنتم مباسمها … إلخ) مع أنه من قول ابن الرومي، ولكنه كذلك من قول الآخر:
لقد حسنت بك الأيام حتىكأنك في فم الدنيا ابتسام وفي البيت جعل الطبيعة تضحك في الحبيب، فهو إذن ثغرها … ولكنه في البيت الذي يليه جعل الحبيب ضحكًا في ثغر الطبيعة. فنقض على نفسه، وكل هذا قد سلم منه بيتَا ابن الرومي كما رأيت. وقال المراحيضي في صفحة ???:
يا ليت لي ألف قلبتُغنيك عن كل قلبوليت لي ألف عينتراك من كل صوب!!! يا لطيف يا لطيف. يدعو الرجل على نفسه بالمسخ والتشويه، وأن يجعله الله (من فوق لتحت) رُقعًا من العين، فإذا أصيب مرة بالرمد جاءوه بعربة سباخ محملة من (الششم)، أو بعربة رش مملوءة من محلول البوريك، وبحمار محمل قطنًا، فإنه لا يكفي ألف عين أقل من ذلك. ولم هذا كله؟ ليسرق العقاد بيتًا من الشعر فيجعله بيتين ويسقط هذه السقطة، ويضحك الأدباء من غباوته. ومعنى البيت الأول أن لهذا المخنث الذي يحبه العقاد ألف عاشق، فإذا كان لا بد له من ألف عاشق ولا يقنع إلا بألف، فالعقاد يتمنى أن يكون له ألف قلب ليقوم وحده مقام أولئك الألف. وانظر أي سخف هذا، ثم يريد أن يكون له أيضًا ألف عين لينظره من ألف جهة، فإذا صح أن الحبيب المخنث يجد له ألف قلب تحبه، فهل يصح في العقل أن الجهات ألف.؟ أم يظن العقاد أن تخرج عينه وتجري وراء الحبيب، فإذا كان الحبيب في حلوان ثم رجع إلى القاهرة، ثم كان في عماد الدين ثم في كل الشوارع، خرجت عيون صاحب «مرحاضه» تجري وأرسلت إليه النظر بطريقة لاسلكية، فيكون حيث هو مُلقًى، ومع ذلك يرى حبيبه في كل مكان؟
واللهِ لو قال العقاد كل بديع مبتكر، ثم قال هذا السخف لسقط، فكيف وهو لص سارق يسرق من أبي علي الحاتمي قوله المشهور:
لي حبيب لو قيل لي ما تمنى؟ما تعديته ولو بالمنونأشتهي أن أحل في كل قلبفأراه بلحظ كل العيون قابلوا أيها القراء واحكموا، إنكم لن تحكموا على صاحب «مرحاضه» إلا بالجلد ثمانين جلدة على الأقل.
ويقول المراحيضي في صفحة ???:
كيف لقلبي أن لا يُحبك ياخِدر نعيم بوشيه حافللا أنا أعمى فأستريح ولاأنت من الحسن والصبَى عاطلبأي معنى عليك لا تَعلَق العــينُ وأنت المُبرأ الكامل مرة يتمنى أن يكون له ألف عين، ومرة يتمنى أن يكون أعمى فيستريح!!! ولا نعلق على هذه الأبيات بشيء، فإننا لا نظن أن في أهل الذوق من الشعراء وأهل الحب من المتأدبين من يقول لحبيبه «لا أنا أعمى ولا وجهك قبيح فكيف لا أحبك؟ فالعقاد هو الذي جاء بهذا المعنى. أما الشعراء فيقولون كما قال صاحبهم:
يا حبيبًا كله حسنلمحب كله نظر ومما هو من باب هذا العمى الشعري قول صاحب «مرحاضه» في صفحة ???:
كأن مآقي ما ركبتإلا لترعاك أو تأفلا يعني أو تعمى كما يأفل النجم ونعوذ بالله. ويريد من معنى ترعاك تراك، وهو غلط نبهنا على مثله فيما تقدم. والبيت بعد هذا كله مكسور، ينقصه حرف في أول الشطر الثاني. وفي هذه الصفحة:
قبيح بعيني أن تنظراولكن لعينيك أن تقتلا وهو من قول ابن الرومي، مسخه العقاد أقبح مسخ:
عيني لعينك حين تنظر مقتللكن عينك سهم حتف مرسلومن العجائب أن معنى واحدًاهو منك سهم وهو مني مقتل والعقاد يكثر في شعره من معنى واحد، يرفعه في كل مكان برقعة جديدة، وهو أن الحسن يدعو إلى الحب بل إلى الخطيئة، وأن ما يدعو العاشق من المعشوق هو الذي ينهي المعشوق عن العاشق. وكل هذا من قول المعري:
ما بال داعي غرامي حين يأمرنيبأن أكابد حر الوجد ينهاكا وقول ابن الفارض:
وإلى عشقك الجمال دعاهفإلى هجره تُرى من دعاكا وقول ابن الرومي:
لها ناظر بالسحر في القلب نافثووجه على كسب الخطيئات باعث وقد مرت الإشارة إلى بعض هذا المعنى في السفود الأول، فلندع كل ما جاء فيه من شعر العقاد. وفي الصفحة عينها ??? يقول المراحيضي:
ولُح أنت في صحَراء الزمان نهرًا يهيج الصدى سلسلا حرَّك الحاء من الصحراء، وهي من أقبح الضرورات، بل لا معنى لها. وكان يستطيع أن يقول ولح فوق صحراء هذا الزمان. ويقول بعده:
فإن قاربتك شفاه الظماءعجبت وأعجب أن تجهلا والمعنى أن جمال هذا الحبيب كنهر في الصحراء يهيج ظمأ من يراه، فإن دنت منه شفاه الظامئين عجب من دنوها، والأعجب أن يجهل. يجهل ماذا! إنها كلمة من الحشو كان محلها (أن تمنع) لا (أن تجهل).
ثم الصحراء إذا كان فيها (نهر) لم تبق صحراء، فإن كان يريد السراب الخادع هذا يهيج الصدى، ولكن لا يمكن أن تقربه الشفاه، لأنه تخييل، فالمعنى فاسد من الناحيتين كما ترى. والصواب قول ابن الرومي:
كلامك أكذب مِن يَلمعٍيخيله بالضحى صحصح وفي آخر هذه القصيدة يقول المراحيضي:
لقد كان وجه الثرى جَنةمن القبح لو من جمال خلا إن كانت (جنة) بفتح الجيم، فلا ندري كيف يكون وجه الأرض جنة من القبح لو خلا من الجمال، إذ لا يمكن أن توجد جنة من القبح إلا في وهم مثل هذا الرقيع الفاسد التخيل. وإن كانت بضم الجيم بمعنى الوقاية، فهذا أشد فسادًا من الأول. وإن كانت بالكسر بمعنى الجن، فالمعنى مضحك، ويكون هكذا لقد كان وجه الأرض جَنًّا لو خلا من الجمال. وعلى كل حال فما خلا من الجمال فهو بالطبع من القبح. فماذا يريد المراحيضي أن يقول؟
وفي صفحة ???:
أيراك باكية وأنت ضياؤهونعيم عيش كله بيديكوعزيزة تلك الدموع فليتهايقنو قطيرتها نظيم سليك قطيرتها مصغر قطرته، وسليك مصغر سلك، ويقنو يكون لها قنوًا كقنو الموز، وهو الكباسة، أي العود الذي تنبت فيه أصابع الموز، والمعنى أن دموعها عزيزة ليت لها سليكًا يكون قنوًا لقطيرتها? … ولم يبق لتمام العزيمة حتى يحضر خادم هذا الطلسم إلا أن يقول المراحيضي بعد ذلك: فيجيء جلجل جلجوت جلجلتيضع القطيرة في السليك لديك! وقال في صفحة ???:
ونهر كمرآة مهجورةعلى وجهه من جواها أثر يصف النهر في الشتاء، لأن رعدة النسيم تجعد وجه، ولكن لا يكاد أحد يفهم كيف يكون على وجه النهر أثر من جوى المرأة المهجورة، فالصواب على وجهها، أي وجه مرآة المهجورة. ويبقى أن مرآة المهجورة لا يكون على وجهها من جوى هذه المهجورة شيء، لأنها مرآة من البللور لا من اللحم والدم حتى يمكن أن تظهر فيها صفوة ونحول.
(أمَّال إيه المعنى يا ترى؟) المعنى يعرفه هذا اللص، ولم يستطع نقله كعادته دائمًا، وهو للخالدي الكبير يصف البدر وقد غشاه غيم رقيق فيقول:
والبدر منتقب بغيم أبيضهو فيه بين تخفر وتبرجكتنهد الحسناء في مرآتهاكملت محاسنها ولم تتزوج هذا هو الوصف التام البديع، لأن الحسناء التي كملت محاسنها ولم تتزوج متى رأت جمالها في المرآة تنهدت، فيغشى المرآة غيم رقيق يلوح وجهها من تحته كالبدر في نقاب الغيم. أما بيت العقاد فهيهات أن يفهمه أحد ولو بالتوهم إلا إذا وقف على هذا الأصل فيفهمه حينئذ ليرميه في وجهه ويقول له: (غور يا شيخ).
في ديوان هذا المراحيضي أبيات منسجمة حسنة السبك كأنها من سائر شعره بقايا مبنية في خرائب متهدمة … وأكثر شعره ركيك يلتوي فيه المعنى أو يضطرب فيه السبك. أو يقصر اللفظ عن الأداء، فإما ظهر الكلام غامضًا لا يفهم، أو ناقصًا لا يبين، أو معقدًا لا يخلص، وإما لغوًا وهذيانًا أو قريبًا منهما، وعلى هذه الوجوه أكثر شعره.
والسبب في ذلك تعويله على السرقة والترجمة، واجتهاده في إخفائهما، ولا يكون إخفاء السرقة إلا بتحويل المعنى أو النقص منه، وقلما يفلح العقاد في هذه الناحية، لأنه لا يستطيع أن يزيد في المعنى المسروق، أو يجيء به أحسن من أصله كما عرفت في كل ما أوردناه من سرقاته، فكلها نازل منحط. أما إخفاء الترجمة فيكون بالتصرف فيها، وبهذا يفقد المعنى جماله الشعري أو الفلسفي أو البياني، ويجيء كالمعنى المسروق مضطربًا ناقصًا مخبَّأ الوجه كي لا يُعرف، فضلًا عن أن ترجمة الشعر الأوروبي شعرًا عربيًّا قلما تخلص إلا للأفذاذ من أهل البيان العربي والقادرين على إخضاع هذه اللغة والمتمكنين من أسرار ألفاظها، والموهوبين في أدمغتهم عقولًا بيانية، وليس في العقاد من هذا كله شيء يُذكر، وهو يعرفه ويقر به ولا يكابر فيه، لأنه لا يدعي أنه (جبار الذهن) إلا من الناحية العقلية المحضة، ويحسب هذه العقلية شيئًا غير البيان، وهنا موضع من مواضع جهله، فإن شكسبير أو غوته أو شِلَر أو بيرون أو شيللي أو هيجو أو طاغور أو سواهم من جبابرة الأدب في العالم لم ينبغ بهم العقل المحض، بل العقل البياني وحده، أي العقل المخلوق للتفسير والتوليد وتلقي الوحي وأدائه، واعتصار المعنى من كل مادة، وإدارة الأسلوب على كل ما يتصل به من المعاني والآراء، لينقلها من خلقتها وصيغها العالمية إلى خلق إنسان بعينه هو هذا العبقري، فكل الذين ينكرون على البيان العالي الأسلوب واللغة من العقاد وأمثاله إنما يفضحون جهلهم وتقصيرهم، ويثبتون أنهم في غمار الناس، وأنهم لا يصلحون للعبقرية الأدبية، ولا تصلح لهم أو لا تصلح بهم … ومما علمت من ضعف العقاد في هذه الناحية تعلم السبب في ركاكته وتعقيده، وأنه لا يفلح لا مترجم شعر، ولا سارق شعر، مع أن تعويله إنما هو على الترجمة والسرقة وعلى إفسادهما لإخفائهما، فكل ما أصبتَه في شعر هذا المراحيضي من معنى مُقْعَد أو نظم ملتو أو بيان ناقص أو سبك غير مخلص، فاعلم أن هناك موضع ترجمة أو موضع سرقة لا بد من أحدهما. ولا تتخلف هذه القاعدة في شعر العقاد مطلقًا، وهي مفتاح سر من أسراره، وقد وضعناه في يدك.
ونعود ففتح الديوان. يقول صاحب مرحاضه في صفحة ???:
سفاهًا لعمري عَدُّنا الخطو بعدهإذا كان لا يدنو بنا من مؤمل يريد العام الجديد، ومع هذه الركاكة فقوله: (سفاهًا) لحن، ويجب أن تكون مرفوعة، لأنها خبر مبتدؤه قوله: «عدنا الخطو»، ولكن الخبر اشتبه عليه بالمفعول لأجله، فتصبه. وفي هذه الصفحة يقول:
دعوني أسر في ساحة العيش مفردًامغمى فلا أدري مصيري وأوَّلي هنا يريد العقاد أن يكون كبهيمة الساقية أو دابة الطاحون يسير (مغمى) مغطى العينين، وهم يفعلون ذلك بالبهيمة حتى لا ترى أنها تضرب في دائرة لا تتعداها، فتقف، بل تظن أنها سائرة سيرًا طويلًا مطردًا، مع أنها طول نهارها في بضعة أمتار، والمعنى عصيب يلائم ذوق المراحيضي، ولكن إذا غُمِّي هذا المراحيضي وعَمِيَ عن المستقبل والمصير، فهل تراه يعمى عن الماضي؟! أم هو يريد أن يسلبه الله الذاكرة أيضًا.
ويقول في صفحة ???:
يخاف بعضهم بعضًا ويمنعهمدوني مغافِرُ أقذار وأقذاء يريد شبان مصر! وقد فسر المغافر في الشرح بالدروع، وما هي بها، بل المغفر ما يجعل أسفل البيضة على الرأس من زرد أو ديباج أو خِزٍّ أو غيرها ليقي الرأس من حديد البيضة … من هذه المادة الغفارة بالكسر — خرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها، وهي (الطرحة) عند العامة. والعقاد يستعمل المغفر دائمًا في معنى الدرع، وهو جهل عجيب.
وفي البيت الذي أوردناه يسب الرجل نفسه من حيث لا يدري، لأنه إذا كان شبان مصر يمنعهم دونه دروع أقذار وأقذاء، فهذه الدروع لا تكون إلا عليه، وهو لأنهم يقفون (دونه) ولا يقتحمونه لمكان هذه الدروع التي تحميه منهم وتمنعهم دونه، مع أنه يريد العكس، وأنهم هم الممنوعون منه، وهو الممتنع دونهم. والمعنى أن مقاذرهم تحميهم، فلا يمد المراحيضي يده إليهم، لئلا يصيبه منه القذر، وهو معنى بارد، ولم يحسن سرقته كعادته، فإنه من قول القائل:
نجا بك عرضك منجى الذبابحمته مقاذيره أن يُنالا فيا شبان مصر هكذا يصفكم العقاد ويشبهكم بالذباب الذي يشمئز الإنسان أن يناله بيده وإن هاجمه.
وقد نبهنا تفسير هذا اللغوي العظيم للمغافر بالدروع إلى تتبع بعض شروحه اللغوية في ديوانه، فإذا الرجل لغوي جرائد. كما هو كاتب جرائد، وشاعر جرائد، وفيلسوف جرائد، وسباب جرائد، وفي كل ذلك لا يساوي إلا ما يبلغ ثمن جريدة بضع مليمات!! فسَّر في صفحة ?? السواري فقال إنها العمدان، وهذا الجمع في لغة العامة لا غير. وفي صفحة ?? يقول: «يا للسماء البرزة المحجوبة»، وفسر البرزة بقوله: «البارزة الحسنة»، والكلمة في جملة معانيها ترجع إلى المرأة التي تبرز للرجال تجالسهم وتحادثهم، ولا تحتجب عنهم لقوة رأيها وعفافها وجلالها في قومها أو لبروز محاسنها، فترى أن لا تسترها، كما كانت عائشة بنت طلحة، ولا معنى أن تكون السماء (برزة)، لأنها لا تكون إلا برزة، وفي هذه الأرجوزة يقول في وصف السماء: «كأنها الهاوية المقلوبة»، ولا معنى ? (هاوية) مع (مقلوبة)، إذ هي حينئذ لا تهوى بقرارها، وإنما ترتفع به فلا تسمى هاوية، فضلًا عن أنه لا يدخل في التصور أن تكون الهاوية مقلوبة. والمعنى مسروق من وصف تركي مشهور يشبهون فيه قبة السماء بالكأس المقلوبة، وهو تشبيه بديع، ووصف منطبق، فظن المراحيضي أن السماء لكونها أكبر من الكأس!! لا يحسن في تشبيهها إلا الهاوية. ولكن أين الضياء والنور وهما من وجوه الشبه في الكأس، إذ تشبه السماء الزجاج — ولا صفاء ولا نور في الهاوية، إذ هي انخساف في الأرض كانخساف عقل المراحيضي الذي لا يميز في التشبيه بين الكأس والهاوية.
وفي صفحة ?? يقول في الشرح: خلق لكل عضو قرين في الجسم إلا القلب، إنه منفرد لا يكمل إلا بقلب آخر. وهذا كذب ولكنه صدق في العقاد وحده، لأنه رجل ذو وجهين، وذو لسانين كما يعلم من يعلم.
وفي صفحة ?? يقول: الدساتين جمع دستان وهو الوتر (وتر العود ونحوه)، وإنما الدساتين هي هذه الخشبات التي تلوى عليها الأوتار ويسميها أهل الصناعة (الملاوي).
وفي صفحة ?? يقول في شرح هذا البيت:
والشعر ألسنة تقضي الحياة بهاإلى الحياة بما يطويه كتمان! فيقول في الشرح: إنما يتكلم الشاعر، ويسمعه السامع بالحياة المستقرة في كل منهما، فكأن الحياة إنما تخاطب نفسها بالشعر! (وتخاطب من بالنثر يا صاحب مرحاضه؟) والحياة بغير الشعر جميلة ولكنها كالحسناء الخرساء، والشعر يدوم ما دامت الحياة في الإنسان أو غير الإنسان، (فالحمار شاعر مثل العقد ما دام كلاهما حيًّا، وبرهان أن كليهما شاعر هو أن كليهما حي) وأن صرير الجندب ونقيق الضفدع في الليلة القمراء لهما ضرب من الشعر، لأنهما لسان ما في الجندب والضفدع من حياة وجمال، (وكذلك نهيق الحمار ضرب من الشعر … إلخ)، انظر أيها القارئ أي شرح هذا وأي بيت ذاك! وكذلك يفعل المراحيضي حين يعجز عن إبراز المعنى، فيعمد إلى الشرح بمثل هذا الهذيان الفلسفي الذي يغر تلاميذ المدارس وبعض كتاب الجرائد. وما أسخف الشعر إذا كان لا يوقف على معناه إلا بضم القارئ إلى الشاعر ضمَّ الشرح والمتن، والمعنى الذي يريده العقاد مسروق من التصوف، فإن الصوفية يقررون في كلامهم كل ما جاء في هذه القصيدة من مثل هذه المعاني. ومنه قول بعضهم: لا يكمل المريد حتى يكون ما يسمعه من نهيق الحمار كالذي يسمعه من دواخل? المغنين. وفي صحيفة ?? فسر والروض بالإثمار فينان، قال: فينان مثمر، ولا معنى للثمر هنا، ولا هو مما تعطيه المادة، لأن الفينان الطويل كالشعر والغصون وما أشبهها.
وفي صفحة ?? يقول: الخوف فيها والسُّطا سيان، ضبط السطا بضم السين، وفسرها بأنها جمع سطوة، ولعلها جمع جهلة أو جمع غفلة! لا جمع سطوة. وهذه السطا يكررها العقاد ولا أصل لها في اللغة.
وفي صفحة ?? يفسر الموق (موق العين) فيقول: الموق الحدق. فغلط في هذه الكلمة غلطتين، لأن الحدق جمع حدقة، ولا يكون الموق عيونًا كثيرة، ثم إن الموق وهو طرف العين مما يلي الأنف، وهو الذي يجري فيه الدمع، فما هو بالحدقة فضلًا عن الحدق.
وفي صفحة ?? يقول في وصف الزهرة (النجم):
أشعة ينبثقن شتىكأنها عذق ياسمينأراك تغوينني بوحيإلى السموات يزدهينيإغواء ذات الدلال صينتفي ذروة المعقل الحصين فسر العذق بأنه فرع. والعذق لا يقال لما فيه زهر، فعذق النخلة كباستها (سباطتها)، وكان يجب أن يقول: كأنها غصن ياسمين. ولكن من بلادة ذوق هذا الرجل تراه يستعمل ألفاظًا كثيرة يتباصر بها كأنه من المولعين بالغريب وما به ذلك، ولكن به أن يعلم تلاميذ المدارس ومحررو الجرائد أنه لغوي عظيم وإن جاء بالألفاظ الجافية والمهجورة أو المماتة، وله من هذه كثير بارد سخيف.
وشرح البيت الثالث فقال: كأن الزهرة وهي تلمع للناس من أعلى السماء وتغويهم للصعود إليها! حسناء تتصبى إليها المارة من أعلى حصن! ودون الوصول إليها حراس وأسوار! قلنا: ومع ذلك فيمكن دك الحصن وأسواره وقتل حراسه والوصول إليها، فهل يمكن كذلك الصعود إلى الزهرة؟
الحقيقة — والله — أن العقاد في منتهى السخف، وأن فيه روحًا ثقيلة ركيكة لا تدري أضُرِبَتْ على جسمها أم ضُرِبَ جسمها عليها؟
وفي صفحة ?? يقول: الوادي الجديس، ويفسره بأنه المجدب، ولم يرد في اللغة إلا الجادس بهذا المعنى. ولكن العقاد يتصرف كأن اللغة أخبار تجيئه للنشر، فهنا يقول في جادس: جديس. وفي صفحة ?? يقول في صدئ: (صادئ)، «هيهات تصقل صادئًا»، فما عليه بعد هذا أن يقول حاسن في حسن، وجامل في جميل، وهكذا …
وفي صفحة ??? يقول: «يبنيك الملوك وصالًا»، وفسر وصالًا بقوله: متواصلين، فيكون جمع ماذا؟ جمع واصل أم جمع وصل اشتراك!! ومن الذي يقول: قوم وصال، أي متواصلون غير العقاد المراحيضي؟
وفي صفحة ??? يقول:
صِفْهُ في عيني وما تعــدو به وصف الأضاة فسر الأضاة بأنها المرآة، وإنما هي الغدير يعكس ماؤه ما يرى فيه، وظاهر أنه لا يريده في بيته، بل يريد المرآة، وأين المرآة من الغدير؟!!
وفي صفحة ??? يقول: «واشتقنا الحياة دواليًا» وفسرها بالتداول! ولا معنى لها إلا في ديوانه!!
وفي صفحة ??? قال: «حسن النجوم في الأفق تترى» وفسر (تترى) فقال: تتوالى، يعني أنها عنده من تَرى يترَى فهو تار أو ترن تِرن!! ما هذه المخازي اللغوية يا صاحب مرحاضه؟! إن تترى اسم ممنوع من الصرف لا فعل مضارع يا رجل.
قال الراغب في «مفرداته» في معنى قوله تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى? [المؤمنون ??]: تترى على فعلى من المواترة، أي المتابعة وترًا وترًا، وأصلها واو، فأبدلت، نحو تُراث وتُجاه.? فمن صرفها جعل الألف زائدة لا للتأنيث ومن لم يصرفها جعل ألفه للتأنيث. وقال الفراء: يقال تترى (بالتنوين) في الرفع، وتترى (بالتنوين) في الجر، وتترى (بدون تنوين) في النصب، والألف فيه بدل من التنوين.
فيا صاحب مرحاضه، ما لك وللشرح واللغة وأنت لا تفرق بين الاسم والفعل في كلمة مشهورة واردة في القرآن الكريم؟! أما والله لقد خرج شرحك على ديوانك كشرح أبي شادوف!!
وقد سئمنا هذه الأغاليط، فنقف منها عند هذا الحد.
ومن عامية هذا العقاد أنه يستعمل في نظمه «عمدان» جمع عمود، ورجل عميان أي أعمى، وشغلان من شغل، وسأمان من السأم، وغرقان [من غرق]، وكظان من الكظة، وخيطان جمع خيط، وكل ذلك عامي لا يعرف في اللغة. وله مثل هذا كثير.
ولنفتح صفحة أيضًا. قال المراحيضي في صفحة ??? يطلب صورة حبيبه:
آه لو يقرب البعيد وآهلو تدانى البعيد من أوطاريأأقاسي بُعدين، بعدًا من اليأس على قربكم وبُعد الديار؟يا حبيبي وهل يكون حبيبًامن بلاني بحبه واشتهاربَرِّد القلب … إلخ بَرِّد يا حبيب المراحيضي، برد، فما أنت والله إلا أبرد منه!! ما أنت إلا لوح ثلج (يا بعيد)، ألا تراه يقول: آه لو يقرب (البعيد) … ليت شعري كيف خذلت العقاد في هذا عاميته الأصيلة مع أن النكتة في (البعيد) ظاهرة كل الظهور؟
ثم يقول إنه يقاسي بُعد اليأس على أن الحبيب قريب، وبُعد الديار، فكيف يكون قريبًا مع بُعد الديار؟ إن هذا ينقض ذاك، والمعنى مسروق محول من قول ابن الرومي في الرثاء:
طَواهُ الردى عني فأضحى مزارهبعيدًا على قرب قريبًا على بُعد والمراحيضي يذكر بُعدين سخيفين، لأن اليأس ليس بعدًا، بل إذا كان كما قالوا إحدى الراحتين فهو — ولا جرم — أحد القريبين أو أحد الوصلين، وانظر أين هذا من قول الشاعر المبدع الذي يعرف الحب ويعرفه الحب:
يا غائبًا بوصاله وكتابههل يرتجى من غيبتيك إياب آه لو كان هذا الشاعر قال: «أفما لإحدى غيبتيك إياب» إذن لَجُنَّ العشاق بكلامه.
والبيت الثالث للمراحيضي في نهاية الركاكة، وأصل هذا المعنى في قول الأرجاني:
إذا رمتم قتلي وأنتم أحبةفماذا الذي أخشى إذا كنتم عِدَى وفي صفحة ??? يقول:
لازمتني في جفوتي وتسهُّديطيف يساور أو سواد عابر وهو لحن، إذ يجب أن يقال: طيفًا وسوادًا عابرًا، ولا سبيل غير ذلك، لأنهما بيان لحالي الملازمة في النوم والسهد. ثم إذا لازمه حبيبه طيفًا في نومه فما معنى «سواد عابر» في السهد والأرق؟ «يكونش العقاد يتغزل خفير الحارة؟! لأنه وحده السواد العار طوال الليل في يقظة المراحيضي!!»
وفي صفحة ?? يقول:
تَطَلَّعَ لا يَثْنِي عن البدر طرفهفقلت حياءً ما أرى أم تغاضيا وهو لحن، إذ يجب أن يقال: (حياء أم تغاضٍ؟) بالرفع لا غير، لتتم الجملة التي هي مقول القول.
وهذه القصيدة كلها معان ممسوخة، ولذلك خرجت من أبرد شعره. انظر قوله:
وألثمه كيفما أبرد غلتيوهيهات لا تلقَى مع النار راويا لا يُبرد نارَه ثغرُ حبيبه!! أين هذا من قول ابن الرومي، ومنه سرق:
أعانقها والنفس بعد مشوقةإليها وهل بعد العناق تداني؟وألثم فاها كي تزول حرارتيفيشتد ما ألقى من الهيمانوما كان مقدار الذي بي من الجوىليشفيه ما تلثم الشفتانكأن فؤادي ليس يشفي غليلهسوى أن يرى الروحين تمتزجان هذا وأبيك الشعر، والبيت الأول وحده بخمسة وعشرين عقادًا، وقد مسخه هذا المغرور في قصيدته أيضًا.
ونقف عند أبيات ابن الرومي هذه، ليفرغ القارئ من نورها على روحه، فترحض عنها أقذار شعر المراحيضي أخزاه الله، فإن كلام هذا الثقيل لو ظفرت به الكيمياء الحديثة لأخرجت منه غازات ملوثة، وغازات مقيئة، وغازات للصداع، وغازات خانقة!
ولعل العقاد يعلم بعد الآن أنه في شعره ومقالاته كالمستنقع في قرية، هو كان عند نفسه «أقيانوس» القرية وصبيانها، ولكنه ليس كذلك لا في العلم ولا في الحق ولا عند غير الصبيان! ولا ينفعه شيئًا أن يستدل على أنه أقيانوس بتلك البواخر العظيمة السابحة فيه التي يسميها بلسانه بواخر، ويسميها الناس ضفادع …
هوامش

(?) عدد يناير سنة ???? من العصور.(?) التذكير على اعتبار أن الذبابة خيل لها أنها «زبلن» …(?) يكنون بها عن سقوط المصروع إلى الأرض وتمرغه عليها بضربة قاضية.(?) أو المعنى من قنا يقنو، أي اقتنى لنفسه لا للتجارة ولا للبيع! وهذا من أبرد المعاني، ومستعمله من أجهل الناس باللغة، فإن كان يريدها من القنو، أي الكسب، فالمعنى يكسبها نظيم سليك؟ ويخسر العقاد البيان والذوق.(?) كلمة «دواخل» من الكلمات القديمة التي أميتت، وكانوا يريدون بها مشاهير المطربين، ومنها قول الشيخة زعزوعة زجالة مصر في عهدها، وهو من أقدم الزجل:دواخل مصر في قاعهحداهم بنت جنكيهوزعزوعة ترقصهمعلى شامي وشاميهفحبذا لو أحييت هذه اللفظة، فإن فيها معاني نفسية ظاهرة، وإن كان أصل اشتقاقها بعيدًا عن ذلك؟ قال صاحب شفاء الغليل: «والمحدثون يسمون حسن الصوت دخولًا، ويسمعون ضده خروجًا، كأنه لخروجه من الإيقاع والضرب. وهذا عامي صرف ا?. ثم قالوا: داخل، ودواخل، وأطلقوها على المطربين، وما يسمى خروجًا هو ما يسميه كتاب اليوم انتشارًا.(?) يريد أن أصلها من (وتر)، فأبدلت الواو تاء كما في (تراث) وهو من ورث، و(تجاه) وهو من وجه.