Advertisement

دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية


دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية




دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية

تأليف
عباس محمود العقاد




دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية

عباس محمود العقاد

رقم إيداع ??????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2014 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



الفصل الأول
عصر النهضة في الأدب العربي الحديث


يبدأ عصر النهضة في الأدب العربي الحديث منذ الصدمة الأولى التي شعر بها العالم العربي على أثر الحملة الفرنسية التي قادها نابليون الأول إلى وادي النيل قبيل نهاية القرن الثامن عشر، واصطحب فيها طائفة من العلماء والباحثين المنقبين، ومعهم مطبعتهم وأزوادهم من كتب المراجع ومصنفات العلم الحديث.
يقول ابن خلدون: إن المغلوب مولع بمحاكاة الغالب؛ لأن الهزيمة توحي إليه أن مشابهة الغالب قوة يدفع بها مهانة الضعف الذي جنى عليه تلك الهزيمة، ويوشك أن يندمج المغلوب في بنية القوي المتسلط عليه ويفنى فيه — عادةً وعملًا ولغةً وأدبًا — إن لم تعصمه من هذا الفناء عصمة من بقايا الحيوية كمنت فيه وورثها من تاريخه القديم.
ولقد كانت لوادي النيل عصمته التي سلم بها من غوائل الذهاب مع المحاكاة إلى نهاية شوطها، فكانت الصدمة الأولى من صدمات الإيقاظ والتنبيه، ولم تكن صدمة يتبعها التضعضع والاستكانة، أو استكانة يتبعها التسليم فالزوال.
وكانت لوادي النيل حيويتان كامنتان في تلك الفترة من فترات الجمود والظلام، ولم تكن حيوية واحدة من بقايا التاريخ المندثر كما يحدث في كثير من أمثال هذه الصدمات.
كانت له حيوية المجد التاريخي المتأصل في الحضارة المصرية العريقة.
وكانت له حيوية اللغة العربية بثقافتها الروحية والفكرية، وهي حيوية لم يلتفت إلى حقيقة قوتها من يكتبون عنها من غير العرب؛ لأن العربي الذي يدين بالإسلام يفسر بقاء اللغة بمعجزة القرآن الكريم، ولكن الباحث الأجنبي الذي لا يؤمن بهذه المعجزة ينبغي أن يكون منطقيًّا مع نفسه، فيُنسَب إلى قوة اللغة تلك الحيوية التي أتاحت لها البقاء.
كان من أثر الصدمة الأولى بين العالم العربي وسطوة الحضارة الأوروبية الحديثة أن المغلوب أخذ في محاكاة الغالب كما هي العادة العامة، وأن هذه المحاكاة بدأت بالتقليد الآلي الذي لا تمييز فيه ولا اختيار، ولكنها لم تنطلق فيه إلى نهاية الشوط بل تحولت عنه بعد قليل إلى المحاكاة المميزة المختارة، ثم إلى الاستقلال المتعثر المضطرب في أول الأمر، فالاستقلال الناشط المسدد إلى الغاية من خطاه بعد حين.
إن حيوية التاريخ واللغة هي التي أوحت إلى عقول المتيقظين من أبناء الشرق أنهم يشبهون أنفسهم في أيام مجدهم وازدهار لغتهم، ولا يشبهون الأوروبيين في حضارتهم الحديثة التي انتصروا بها على جيش المماليك الغرباء عن ذلك التاريخ وعن تلك اللغة عند سفح الأهرام.
فلم تمضِ سنوات على افتتان الشرق المغلوب بمظاهر القوة في الحضارة الأوروبية الحديثة، حتى سُمِعت في مصر وفي العالم العربي صيحةُ الدعوة إلى إحياء التراث القديم ورد الأمانة إلى أهلها مرة أخرى قبل فوات الأوان؛ لأن الحضارة الحديثة عند الأوروبيين عارية مستعارة من هذا الشرق العربي، أخذوها وأقاموا بنيانهم على أساسها الذي هو أولى بنا ونحن أولى به من أن نتركه للمستعمرين المتطفلين عليه، وليس بالعسير علينا أن نقيم بناءنا الجديد على أساسنا القديم.
لهذا كانت الصدمة صدمة إحياء للتراث القديم، ولم تكن في أشد أيام الضعف والمحاكاة صدمة تسليم وفناء.
بدأت النهضة في وقت واحد بالترجمة والنقل وبإعادة البلاغة العربية إلى الحياة في تراثها المأثور من المنظوم والمنثور، وانقضى أكثر من قرن ونصف قرن منذ أيام الحملة الفرنسية تقدمت فيه النهضة في مراحلها الثلاث إلى مرحلتها الحاضرة التي أوشكت أن تسير مع الحضارة الغربية جنبًا إلى جنب في مراحل التقدم والاستقلال.
تقدمت من مرحلة النقل الآلي إلى مرحلة النقل المتصرف، إلى مرحلة الاستقلال المبتدئ المتعثر، إلى هذه المرحلة الأخيرة من مراحل الاستقلال المتمكن من غايته ومن خطاه.
ولم ينقضِ عصر الترجمة بعد، ولا نعتقد أنه ينقضي أو ينبغي أن ينقضي في زمن من الأزمنة المقبلة؛ لأن الثقافة الإنسانية في هذا العصر العالمي على الخصوص شركة بين أمم العالم لا تقبل الانفصال أو الانقطاع، ولكن الفرق بيننا في هذا العصر وبيننا قبل نهاية القرن التاسع عشر أن الترجمة اليوم لا تنفرد بالظهور في ميدان من ميادين الثقافة، ولكنها تظهر في جانب ويظهر معها التأليف في جانب يضارعه في السعة والانتشار، أو تظهر الترجمة أحيانًا على التأليف، ولكنها ترجمة الفهم والاختيار والموازنة بين ما يُؤخَذ وما يُترَك، وليست بترجمة النقل الآلي والاقتباس الجزاف.
ومن الحوادث الكبرى التي كانت لها صدمة كصدمة الحملة الفرنسية بعد أواخر القرن الثامن عشر حادث الاحتلال البريطاني قبيل نهاية القرن التاسع عشر، ثم حادث الحرب العالمية الأولى تتبعها الحرب العالمية الثانية إلى منتصف القرن العشرين.
وهنا كانت للحوادث الكبرى دفعتها التي حركت العالم العربي قدمًا إلى الأمام مع اختلاف واضح بين أثر الصدمة الأولى وآثار الصدمات الأخيرة، ولكنه واضح في الدرجة والمقدار أكثر من وضوحه في العمق والقوة.
فالصدمة الأولى كان لها أثر الانبعاث في أول الطريق، وفي نطاق محدود بين أبناء الأمة الواحدة، والصدمات الأخيرة كان لها أثر المضي والاستمرار، وأثر الشيوع والاتساع الذي يناسب السعة العالمية، وهي طابع كل حركة من حركات الجماعات منذ منتصف القرن العشرين.
والجديد بعد الحوادث الكبرى الجديدة بالنسبة إلى زماننا هو كل جديد يصاحب الكثرة العددية وسعة الانتشار.
فاتساع العلاقات العالمية قد صاحبته الدعوات التي ترمي إلى تطبيق النظم الاجتماعية على العالم كله، ولا تقنع بانحصارها في وطن واحد.
واتساع نطاق التعليم قد أدخل في ميادين الثقافة ألوفًا من طلاب الثقافة — أو من قراء الكلم المطبوع — لم تكن لهم عناية من قبل بشيء مطبوع أو مكتوب.
وقد تبين أن الحيوية الواقية كانت ألزم للعالم العربي في هذا الدور مما كانت في جميع الأدوار الماضية منذ ابتداء النهضة في العصر الحديث.
فإن الدعوات العالمية خليقة أن تجور على كيان القومية، وأن تؤول بها إلى فناء كفناء المغلوب في الغالب.
وإن شيوع الثقافة خليق أن يمسخها ويشوِّه معالمها؛ لأنه قد يضحي بالعمق والنفاسة في سبيل الضحالة والإسفاف.
وقد أخذت الدعوات العالمية تتستر وراء اسم الأدب الهادف لتتجه بالكتابة نظمًا ونثرًا وقصة ودراسة إلى وجهة الدعاية المذهبية التي يروجها أعداء القومية والوطنية، وأعداء الثقافة الخالدة من كل تراث مأثور.
وأخذت هذه الدعوات وغيرها من دعوات الكسب والتجارة في التستر وراء اسم «الشعبية» لتسويغ الإسفاف السهل على الأدعياء، أو تسويغ القضاء على الشعب بالجهل الأبدي الذي يقصر مطالعاته على موضوعات لا تعلو بالقارئ عن طاقة «الأمية» وما يشبه الأمية من سقط المتاع.
وأخذت الدعوة إلى هدم قواعد الفنون تظهر حينًا من جانب العاجزين عن التعبير الفني بقواعده الأصيلة، وحينًا آخر من جانب المتواطئين على الهدم والمتعللين له كل يوم من وراء الستار بعلة جديدة.
وأخذت الشعوبية تحارب العروبة بمختلف الأسلحة أو مختلف الحيل والأحابيل.
ولكن حيوية اللغة — ومعها حيوية التاريخ العريق — هما الحارس القوي الأمين الذي تقاصرت عنه تلك الحيل وتلك الجهود، فبقيت النهضة على حصانتها المنيعة بين العاملين على هدمها وتعويقها عامدين لرغبتهم في الهدم أو غير عامدين لعجزهم عن النهوض بمطالب الفن الصحيح.
وحق لنا أن نقول: إن نهضة الأدب العربي في العصر الحديث قد أصبحت كما ينبغي عالميًّا في الصميم؛ لأن العالمية في صورتها الصحيحة هي وحدة إنسانية تقوم على التضامن بين الأمم، ولا تقوم على هدم هذه الأمة أو تلك في بلادها، وبناء العالم — المهدوم — من الأخلاط والفوضى التي لا تعرف القومية ولا تعرف الإنسانية على السواء.
وقد صارت النهضة بالأدب العربي إلى السعة العالمية بهذا المعنى الذي لا اختلاف عليه بين طلاب الثقافة الإنسانية، وإنما يكون الأدب عالميًّا إذا اتسع لكل موضوع من الموضوعات الإنسانية المشتركة كما يحسها أبناء كل أمة في الزمن الذي يعيشون فيه، وليس بالشرط اللازم في الأدب العالمي أن يُكتَب باللغة التي يستطيع أن يقرأها أبناء العالم أجمعين، فإن اللغة الصينية يتكلمها خمسمائة مليون ولا يُقال عن آدابها الحاضرة أنها أجدر بوصف العالمية من آداب الأمة السويدية أو البلجيكية أو التشيكية، وإنما تكون عالمية بمقدار نصيبها من موضوعات الأدب التي تشترك فيها أمم الحضارة في العصر الحديث، وبخاصة تلك الموضوعات «التعبيرية» التي تصاحب الأمم الحية في كل زمن ولا تتوقف على نصيبها من المزايا العرضية بين حين وحين، فربما كثر عدد الفلاسفة والرياضيين في زمن من الأزمنة وقل في زمن آخر، والأمة هي الأمة في علاقاتها العالمية وتعبيراتها عما تُكِنُّه من الشعور، ولكنَّ المعبرين عن ذلك الشعور من الشعراء والأدباء والفنانين يقلون، وتكون قلتهم دليلًا على نقص الحيوية، ويكثرون وتكون كثرتهم دليلًا على قوتها واندفاعها إلى إثبات وجودها والتعبير عن بواطنها.
ومن الأدلة على الصبغة العالمية في أدبنا الحديث أنه يمثل العوارض العالمية في نواحيها المتعددة بما يصيبها من نشاط وفتور أو من محافظة وتجديد، فكل ما هو شائع رائج من الفنون بين أمم الحضارة له مثل هذا النصيب من الشيوع والرواج بين المتكلمين بالعربية، وكل ما يُقال عنه: إنه شيء في غير أوانه يُعاد فيه هذا القول بيننا مع اختلاف العبارة كما ينبغي أن تعترف بين قوم وقوم يخالفونهم باللغة والتاريخ.
إن الشعر — مثلًا — من الفنون التي يُقال عنها أنها في غير أوانها بين أبناء العصر الحديث، ويعتقد النقاد ما يعتقدون في تعليل ذلك، ونعتقد نحن أن المسألة كلها مسألة توزيع لمواضع التعبير وليست مسألة انصراف عن وسائله وأدواته، فإن العصر الذي يملك من وسائل التعبير عن العاطفة الإنسانية فنونًا تتوزَّع بين المسرح، والقصة، والصور المتحركة، وأغاني الإذاعة، والحاكي (الجرامفون)، وأخبار الصحف … وغيرها من فنون العاطفة، لا يُعقَل أن يكون نوع الشعر الذي يُطلَب فيه كنوع الشعر الذي يُطلَب، وهو هو الفن الوحيد المعبر عن عواطف الشعراء والمستمعين.
وأيًّا كان سبب التغير في مناهج الشعر وميادينه، فالمهم فيما نحن بصدده أن الظاهرة العالمية تظهر عندنا كما ظهرت بين أمم الحضارة الحديثة، وأنها آية من آيات الصيغة العالمية التي تترقى إليها نهضة الأدب العربي الحديث.
تترقى نعم، ولا نقول إنها تصل إذا كان معنى الوصول الوقوف والاستقرار، وتترقى أيضًا مع حفظ النسبة بيننا وبين أناس سبقونا بعدة أجيال، وحسبنا مع الأمل الطيب في المستقبل أننا وصلنا إلى الميدان، وإن لم نصل في أوائل الصفوف.

الفصل الثاني
الاتجاهَات الحَديثة في الأدب العَربي


?


للأدب في عصوره الناشطة على الخصوص حركتان: إحداهما التطور والامتداد؛ وهي حركة متقدمة ذات اتجاه معروف يشبه اتجاه التيار بمجرى النهر المطرد في حركته إلى غاية مجراه، وهي كذلك أشبه بحركة النمو في الجسم الحي تحتفظ بالبنية وتزيد عليها، ولا تلغي شيئًا من البنية إلا إذا جاءت بعوض له في مكانه.
والحركة الثانية هي حركة التغيير الذي ينبعث في الأدب وفي غيره عن مجرد حب التغيير، وقد يسميها بعضهم مذاهب ومدارس وليست هي من المذاهب أو المدارس في شيء، وإنما الأحرى بها أن تُسمَّى بالأزياء والجدائل العارضة «الموضات» التي تتغير مع الزمن، وقد تعود في صورة أخرى بعد فترة طويلة أو قصيرة، ولا معنى فيها للتقدم والاطراد، وإنما هي — بالنسبة إلى حركة التيار في مجراه — أشبه بحركة الموج من الشاطئ إلى الشاطئ تزحف كل موجة منه على ما بعدها، فتلغيه وتزول هي بعده في موجة أخرى، ولا تتقدم بالنهر خطوة واحدة في طريق مجراه.
ويغلب على هذه الموجات التي يمحو بعضها بعضًا في تواريخ الأدب أن تنشأ من سوء فهم الآراء العلمية الحديثة وسوء تطبيقها على الموضوعات الفنية.
وأشهر ما حدث من هذا القبيل في العصر الحديث سوء فهم أصحاب «الموضات» في الفن لنظريات فرويد وإخوانه من رواد التحليل النفساني، وأخصها نظرية الوعي الباطن …
فقد سبق إلى الأوهام أن الوعي الباطن هذا اختراع حديث لم يكن له وجود في عصور التاريخ الغابرة، وخطر لهؤلاء الواهمين أن الحس الظاهر لا يكون مرجعًا للفنون بعد اكتشاف ذلك «الوعي الباطن» … ولا يجوز للفنان بعد اليوم أن يرسم ما يراه بعينيه ولو ظهرت فيه آثار وعيه الباطن كله، بل يجب عليه أن يلفق المحسوسات كيفما تخيلها في وعيه الباطن وفي غيره الذي لا يعرفه ولا يراه بطبيعة الحال! ولا ضير بعد ذلك أن تخرج الصور بلا مقاس معروف لأمانة النقل أو لجودة الأداء التعبير، ولا بدليل مفهوم على الفارق بين الحسن والرديء، وبين العناية والإهمال.
وليس أدل على جهل هؤلاء الواهمين بالفن نفسه من غفلتهم عن آثار الوعي الباطن في كل صورة من صور الفنانين الأقدمين، مع الحرص على صدق الحس وأمانة الشبه واللون، فلا عجب أن تنتهي هذه الأوهام إلى نهايتها التي لا محيص عنها، وهي الخلط الذي يلغي بعضه بعضًا بعد قليل.
وقد كان لسوء فهم المذاهب الاجتماعية أثر لا يقل في تضليله للأذهان عن الأثر الذي نجم عن سوء فهم الدراسات النفسية.
فقد كان المفهوم من الاشتراكية في بداءة ظهورها أنها دعوة تحارب الامتياز بالثروة المغتصبة وتمنع الاحتكار والاستغلال.
فلما وصلت الدعوة إلى الذين لا يفهمونها خُيِّل إلى الجاهلين بها أنها تقضي على كل امتياز بين أفراد الناس ولو كان امتيازًا بالعبقرية، والمواهب العقلية، أو الفضائل الخلقية … وحسب فريق من هؤلاء أن الكتابة في غير مسائل الأجور وأسعار الطعام وحاجات المعيشة اليومية تعني الترفع عن طبقة الدهماء، وأن كل استعداد للكتابة، غير الكتابة التي يدركها الأميون وأشباه الأميين، هو ضرب من الفضول والخروج على مبادئ الاشتراكية كما يفهمونها، ومصالح الشعب كما يقدرونها.
ومن آثار هذه الدعوة في الأدب العربي صياح الصائحين بإلغاء كل استعداد فني غير متوافر لمن يجهلون أصول الفنون والآداب.
فلا لزوم لقواعد الرسم والتلوين في التصوير، ولا لزوم للنحو والصرف في اللغة، ولا لزوم للقوافي والأوزان في الشعر، ولا لزوم — جريًا على هذه القاعدة — لقيود العرف والأخلاق في العلاقات الاجتماعية.
وبعبارة أخرى لا لزوم لمزية من المزايا، ولا لضرب من ضروب الاستعداد لا يشيع بين جميع الناس.
وفي اعتقادنا الذي نبنيه على تجارب الواقع أن هذه الدعوات لا تجاوز أعمار «الموضات» التي يعجل إليها الزوال، وأن هذه الأمواج التي يلغي بعضها بعضًا ليست مما يُطلَق عليه اسم الاتجاه في الأدب العربي ولا في غيره من الآداب العالمية، وليست هي بالتيار الجاري في مجراه القويم على أية حال.
وفي وسع الناظر إلى أدبنا العربي في مجراه أن يصرف نظرته عن هذه الموجات جميعًا ليرقب النهر في طريقه المتقدم منذ مطلع نهضتنا الفكرية إلى اليوم، فإنه وشيك أن يتابع النهر في طريقه منذ نيف وسبعين سنة، متقدمًا على سنَّة التطور بغير انقطاع، وبغير التفات إلى هذه المقاطعة العارضة من الشاطئ إلى الشاطئ، في موقع محدود لا تتعداه.
ومن هذا الاتجاه المطرد يبدو لنا جليًّا واضحًا أن الأدب العربي يتقدم في وجهة الاستقلال بجملة معانيه بالنسبة إلى الفرد وبالنسبة إلى الأمة، وأن العلامة المحققة لهذا الاتجاه هي الابتعاد يومًا فيومًا عن التقليد، والاقتراب يومًا فيومًا من التعبير المطبوع الذي لا يقوم على المحاكاة ولا على النقل بغير تصرف فيه.
ففي الشعر يتقدم الشعراء سريعًا من شعر النماذج العامة إلى شعر التعبير عن الشخصية المستقلة.
وفي النثر على اختلاف موضوعاته يكثر التأليف ويزيد عدد الكتب المؤلفة على عدد الكتب المترجمة في أكثر تلك الموضوعات، وذلك فيما عدا موضوعات الثقافة العلمية التي يكثر فيها النقل لتزويد البرامج المدرسية بمادتها الصالحة للتعليم.
ونحن نعني بشعر النماذج؛ ذلك الشعر الذي يصف نموذجًا من الناس كما يكون في الجماعة العامة، ولا ينفذ من وراء النموذج إلى أفراد الناس «شخصية شخصية» مستقلة بطابعها عن سائر الشخصيات الإنسانية.
فإذا تغزل مائة شاعر في معشوقاتهم، فالمحاسن المحبوبة في جميع هؤلاء المعشوقات واحدة لا تنويع فيها، من صفات الطلعة والعين والأنف والثغر والقامة الهيفاء والخصر النحيل … إلى صفات الدلال، والتيه، والهجر، والمطل بالمواعيد.
وإذا امتدح شعراء العصر جميعًا وزراء العصر جميعًا، فليس أمامنا غير وزير واحد تتكرر شمائله وأعماله في كل قصيدة بمختلف العبارات والأساليب.
تغير ذلك كله رويدًا رويدًا في مدى هذه السنين من عهد الثورة العرابية وما قبله بقليل، وظهر بعده الشعر الذي يقوله «شخص» له شعوره المستقل وتقديره الخاص لمعاني المديح، والذي يُقال في معشوق له صفاته وملامحه وعاداته وأحاديثه التي تُروَى بلفظها الشعري في أبيات القصيد، أو الذي يُقال في ممدوح مميز بطابعه الحي الذي لا يختلط بغيره من الممدوحين.
وسرى هذا الاستقلال سريانه السريع في منظومات الغناء من القصائد الفصحى أو الأزجال والمواويل.
فالأغنية اليوم تعبر عن علاقة حاصلة أو عن واقعة محدودة، ولا تُرسَل إرسالًا في قالبها الموروث بنغماتها أو بمضمونها المكرر المطروق.
وظفر المسرح بنصيبه من هذا التطور في الروايات المسرحية، وأكثرها يُنظَم لإحياء «الشخصيات» التاريخية بصورتها التي يخرجها الشاعر من القالب العتيق إلى عالم الحياة بين الأحياء.
وظفرت المسائل الاجتماعية بالنصيب الأوفى في الشعر الحديث، وأكثر ما يكون ذلك في سياق القصة المنظومة التي تمزج التعبير العاطفي بالنظرة الاجتماعية إلى أبطالها وبطلاتها، وقد أُلقِيت في مهرجان الشعر الأخير بالإسكندرية قصائد لكبار الشعراء تزيد على العشر، كانت سبع قصائد منها من باب القصص الاجتماعي أو النفساني، تهدف إلى غاية للشاعر وراء الوصف الصادق والتعبير العاطفي عن وقائع القصة ومواقفها.
أما النثر الأدبي فقد كاد يقصر على القصص وعلى التراجم أو السير التي يصح أن تلحق بالقصة التاريخية.
وانصرف القصاصون عن الموضوعات الغرامية أو الحماسية «الرومانسية» التي تصور الحياة الواقعة في أحياء المدن وجهات الريف، وغلبت القصة الهادفة على الأغراض القصصية الأخرى، كما غلبت الأهداف القومية الاشتراكية على جملة الأهداف التي يرمي إليها «الهدفيون» من القصصين.
وكان للمسرح حظه الموفور من فن القصة الهادفة، وراجت الكتابة باللغة العامية في القصص المسرحية؛ لأنها مقصودة لأغراضها «المحلية» الموقوتة فلا تحتاج إلى الأسلوب الفصيح، وهو أسلوب كل كتابة يقرؤها أبناء الأقاليم على اختلاف لهجاتهم العامية، واختلاف الأزمنة بين جيل وجيل.
ولا يُوجَد في القصص العربي اليوم ذلك النوع من القصة الذي يدخلونه في الغرب تحت عنوان «البرج العاجي»، ويعنون به أدب الزينة والرفاهية وأدب العواطف اللاهية التي يتسع لها وقت الفراغ.
وإنما يُوجَد من بين الكتاب الكبار من يشترك في وضع القصص الرمزي الذي يتناول سرائر النفس الإنسانية، ويكاد يُحسَب من رموز التصوف وأسرار «ما بعد الطبيعة.»
ويُوجَد كذلك من بين كبار الكتاب من يمارس أدب «البرج العاجي» في حواره المنتظم وموضوعاته التي تُستعار أحيانًا من الأساطير وما إليها من مبتكرات الذوق والخيال، ولكن روايات هذه النخبة من كبار الكتاب لم تخلُ قط من ناحية اجتماعية أو ناحية فكرية لا يصدق عليها وصف الناقدين لأدب «الفراغ»، وقد يُقال في هذه البروج العاجية أنها لم تخلُ من حجراتها التي يُنتفَع بها للسكن والمأوى من حين إلى حين.
وتكاد القصة تجور على نتاج الأدب المنثور، وأن تشغل الأكثرين من قرائها على أبواب الأدب الأخرى، ولا نخالها تركت لهذه الأبواب الأدبية ما يزيد على ربع محصول التأليف مما تصدره المطابع في كل عام.
إلا أن التأليف في النقد الأدبي وفي تاريخ الأدب، وفي المقالة الوصفية، لا يزال في ازدياد وانتشار عند المقارنة بين مؤلفات اليوم وأمثالها من المؤلفات إلى منتصف القرن العشرين … ويتسم التأليف في هذه الأبواب بسمات العصر كله؛ وهي سمات الاستقلال أو الترجمة مع التعقيب عليها والتصرف في الآراء والأحكام التي تحتويها، وربما استخدم المؤلفون في النقد الأدبي أو تاريخ الأدب مصطلحات المذاهب الغربية من أقدم عصورها إلى العصر الحديث، ولكنهم يحاولون في أكثر الأحوال أن يقابلوا بينها وبين أصول البلاغة عند العرب في المشرق والمغرب، ويعطوا الشعر العربي حقه من الافتراق عن أشعار اللغات الأخرى بمقوماته التي تستلزمها الفوارق الأصلية بين لغة الاشتقاق والوزن في كل كلمة من كلماتها، وبين لغات النحت وهي لا تتقيد بالوزن في كلمة من كلماتها، ولا تُوضَع فيها المشتقات على أوزان مقررة لا تحيد عنها.
وينبغي أن نذكر هنا أن هذه الوجهة في أدبنا الحديث تعم أدب المرأة كما تعم أدب الرجل إن صح هذا التقسيم في ثمرات الفنون، وإنما يصح في جميع الأذواق والمشارب أن ينقسم الأدب إلى الجيد منه وغير الجيد، ولا تتوقف جودته على جنس الأديب ولا سنه ولا مزاجه، ولكنه يختلف في بواعثه ولا يندر أن يكون اختلافه بين أديبين من جنس واحد أقل من اختلافه بين أديبة وأديب.
وقد اشترك في مهرجان الشعر الأخير نحو عشر أديبات: منهن باحثتان في النقد الأدبي وفي تاريخ الأدب، وسائرهن شاعرات لم يزلن في سن الشباب، إذا لُوحِظ في شعرهن شيء خاص يُنسَب إلى الجنس — فهو الميل إلى المحافظة في التزام أصول الشعر على عروض لا يجوز فيها إهمال الوزن القافية، وليس هذا بالشيء الخاص بأدب المرأة إلا في اعتبار القائلين: إن المرأة أقرب إلى المحافظة على سنة الجماعة.
ولكن اشتراك المرأة في الحركة الأدبية على أية صورة من الصور هو نفسه علامة مستقلة من أبرز علامات الاتجاه المتطور مع الزمن الحديث، وخلاصته في كلمات الختام أنه اتجاه من التقليد إلى الاستقلال، أو من النماذج التي يغيب فيها الفرد بين أشباهه إلى «الشخصية» المتميزة بطابعها في اختيار التعبير واختيار الموضوع، أو هو على الإجمال اتجاه الكاتب الذي ينقل عن مشق منقوط كمشق الخطاط، إلى صاحب الخط الذي لا تتشابه فيه يدان.
?


مذهب الفيلسوف «هيجل» في أطوار الأمم وأدوار التاريخ يصدق على اتجاهات الأدب في اللغة العربية، وفي غيرها من اللغات الحية.
وخلاصة مذهب «هيجل» — كما هو معلوم — أن كل دور من الأدوار يتبعه ضده أو نقيضه، ثم يلتقي النقيضان على حد وسط بينهما، حتى إذا استقر هذا الحد الوسط على وضع متفق نجم منه نقيضه دواليك على النحو المتقدم.
وفي كل عصر من عصور الأدب يستطيع الناقد أن يكون على يقين من تقابل اتجاهين مختلفين: أحدهما تغلب عليه المحافظة، والآخر يغلب عليه التجديد، ثم يتوسط بينهما اتجاه معتدل لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك.
حدث هذا في الأدب العربي بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ إذ تيقظت الأمم الشرقية وأخذت تنظر في أسباب ضعفها، وتعالجها بما بدا لها من بواعث قوتها، فرأى فريق منها أن يرجع إلى القديم؛ لأنه عهد العظمة والتفوق على غيرها، ورأى فريق آخر أن الرجوع إلى القديم لا سبيل إليه لانقضاء زمنه وتبدل أحوال الزمن بعده، وأن القوة إنما تكون بمحاكاة الأقوياء من أبناء الحضارة الأوروبية في كل شيء، ومن ذاك اتجاهات الآداب والفنون.
ثم اعتدلت بين المدرستين مدرسة متوسطة ترى أن المحاكاة لا تفيد، سواء أكانت محاكاة للقديم أم محاكاة للجديد، وإنما الصواب أن نأخذ بالحسن من كليهما وأن نحذر من «التقليد الأعمى» حيث كان، فلا ندين بالتقليد لأحد، ولا نتجه إلى وجهة في أدبنا وفنوننا غير الوجهة التي نستقل فيها بالرأي والشعور.
وتكاد هذه المدرسة أن تغلب على اتجاهات الأدب في العصر الحاضر، وأن تنجح في تدبير الحلول الصالحة لأكبر المشكلات التي عرضت للأدب العربي في الآونة الأخيرة وهي مشكلة الفصحى والعامية، وأيهما نعتمد عليه في لغة الثقافة والكتابة.
ورأي هذه المدرسة الوسطى أن الفصحى لها موضعها وموضوعاتها، وأن العامية لها كذلك موضع وموضوعات، فهي — أي: العامية — لا تصلح للتعميم بين الأمكنة والأزمنة المختلفة؛ لأنها بطبيعتها محلية وقتية، ولكنها تصلح للمسائل التي تُعالَج في حينها ومكانها، ثم تنتهي بانتهاء ذلك الحين وذلك المكان.
ولكن هذه المدرسة تعارضها في السنوات الأخيرة دعوة جامحة تحاول أن تنطلق من جميع القواعد وجميع الأصول، وآفتها الكبرى أنها تخلط بين القواعد والقيود، فتحسب أن الانطلاق من القيود سيلزم الانطلاق من القواعد الفنية، وهو وهم ظاهر البطلان؛ لأن الفنون لا توجد بغير قواعد تعصمها من الفوضى، بل لا توجد لعبة عامة بغير قاعدة عامة، ولا يستطيع لاعب الشطرنج أو النرد أو الدومينة مثلًا أن يحرك القطع كما يشاء، وإلا بطلت اللعبة كلها في لحظة واحدة.
ومن أسباب التفاؤل في مصير هذه الدعوة الجامحة أنها أجنبية غريبة لم تخلقها بنية الأمة ولم تنبتها جذورها العريقة ولا فروعها الحديثة، ولكنها أشبه بالزوان بين سنابل القمح، يوشك أن يخنقها لو بقي، وليست له مع هذا قوة على البقاء.
فالاتجاهات الحديثة في الأدب العربي لا توجهها هذه الدعوة في الواقع ولا تنقاد لها باختيارها ولا على غير قصد منها، وإنما تأتي هذه الاتجاهات نتيجة للحالة العملية التي طرأت خلال ربع القرن الأخير، وهي حالة يلخصها ظهور الإذاعة وانتشار الصحافة وزيادة عدد القراء، حتى دخلت في موازين القراءة والكتابة مسألة الكثرة العددية، بعد أن كان الحكم فيها للصفوة المختارة من المثقفين أصحاب الآراء والأذواق.
إن هذه الحالة العملية ليست مذهبًا من مذاهب البحث والتفكير، وليست مدرسة من مدارس الفن التي تتقابل فيها الحجج والأقوال، ولكنها هي النتيجة التي لا بد منها في أول عهد الإذاعة مع انتشار الصحافة وتداول القراءة بين عدد كبير من القراء، تميل الجمهرة الغالبة منهم إلى التسلية، ولا تستعد بثقافتها لطلب الفنون العالية والتعبيرات الرفيعة في آداب اللغة، وسائر التعبيرات التي تؤديها الفنون بوسائلها المتعددة.
وتتلخص هذه النتيجة في الاتجاهات الآتية: أولها: وفرة القصص السهلة التي تخاطب الغرائز ولا سيما الغرائز الجنسية وغرائز الصراع التي تتأثر بالمخاوف والأهوال، وتمثيل القصص بالصور المتحركة قد جعلها من شئون السماع ولم يقصرها على القراءة.
وثانيها: شيوع الموضوعات العرضية التي يمكن أن تُوصَف في جملتها بأنها من موضوعات الصحافة الشائعة يشترك فيها جمهرة القراء.
وثالثها: قلة الشعر المستقل وكثرة الشعر الذي يعتمد على الغناء والمناظر المسرحية، ويقترن به الرقص ومواقف الغزل واللهو على الإجمال.
تلك هي الاتجاهات الشائعة التي تعم الجمهرة القارئة ولا تتخصص بطائفة من طلاب المطالعة التي لم تتأثر بانتشار الصحافة المبتذلة وبرامج الإذاعة ومعارض الصور المتحركة.
إلا أنها — كما قلنا — اتجاهات شائعة تحكمها العددية، ولا تلغي وجود الاتجاهات الجدية التي تستعد للأدب بثقافة عالية أو فهم راجح، ورغبة صادقة في الاستفادة وتهذيب العقل والذوق.
فإلى جانب القصص الغريزية والمناظر المثيرة، توجد المطالعات الرفيعة في النقد والتاريخ والتحليلات النفسية، وتوجد التصانيف التي يدرسها الطالب في جامعته، وتشتمل عليها برامج التعليم في مراحله العالية.
وربما كان نصيب النقد أكبر من نصيب الخلق والابتداع في هذه المطالعات الجديدة، ولكنه نقد مستقل في كثير من موضوعاته، وكل استقلال فهو نوع من الخلق والإنشاء وإن لم يأت بثمرة جديدة؛ لأن الاستقلال في النقد كالإبداع في ثمرات الفنون، كلاهما يعتمد على «شخصية» المؤلف وموازينه التي لا تختل بالمحاكاة أو بالمجاراة.
وطوالع الأمل تبشر بالانتقال من هذه الحالة إلى حالة خير منها؛ لأنها تبشر بالتخصص بين القراء كما تبشر بالتخصص بين الأدباء.
فالقصة المهذبة توجد إلى جانب القصة الغريزية وإن كانت الآن لا تروج مثل رواجها.
وقلة الشعر المستقل أو المحض لا تدل على انطفاء شعلة الشعر في النفس الإنسانية، ولا نحسب أن هذه الشعلة تنطفئ في وقت من الأوقات؛ إذ كان الشعر ملكة إنسانية لم تتجرد منها قبيلة من قبائل البشر وصلت إلى طور التفاهم والتخاطب، ولا شك أنه أول ما يسيغه الطفل الوليد من الكلام؛ لأنه يتأثر به في المهد قبل أن يفهم ما يُقال بلغة الخطاب.
إنما قلَّ الشعر المحض؛ لأن موضوعه مشترك في العصر الحاضر بين كثير من التعبيرات التي تؤدي رسالته أو تنوب عنها، ومنها السماع الميسر في جميع البيوت من طريق الإذاعة أو طريق الأسطوانات، ومنها التعبيرات العاطفية التي تنفس عن شعور القارئ والسامع كلما اطلع على خبر أو حادث ينبه إحساسه ويشغل خاطره كما كانت تشغله من قبل قصائد الشعراء.
ونحن في عصر يجمع بين النقيضين؛ لأنه عصر المشاهدات العالمية التي تواجه الإنسان كل يوم بملحمة مفعولة وإن لم تكن ملحمة منظومة أو مقروءة.
نحن في عصر يستطيع أن يجمع بين النقيضين؛ لأنه عصر العالميات التي لا تنحصر في حدود البلدان، وهذان النقيضان هما: التخصص والتعميم.
ففي وقت واحد يتخصص الطب مثلًا، حتى ليُوجَد الطبيب الذي يعرف كل شيء عن علاج العين ولا يعالج الأنف، وهو إلى جوارها.
وفي هذا الوقت نفسه يشعر هذا الطبيب أنه ينقطع في عزلة عن العالم وعن علمه نفسه إن لم تتسع معارفه العالمية، ولم تكن له إحاطة ملمة بكثير من الدراسات والمعلومات.
وكذلك يتجه الأدب إلى التخصيص كلما عم وانتشر وشاع بين الجمهرة والعلية المفكرة، فلا يزال حتى ينفرد كل فن من فنونه بقرائه وكتابه مع الإلمام المحيط بسائر الفنون.
وخلاصة القول في اتجاهات الأدب العربي الحديث أن الاتجاه المتطرف منها غير أصيل وغير مستمد من بنية الأمة العربية، وأن الحالة العملية أقوى أثرًا فيه الآن من المذاهب والمدارس الفكرية، ولكن هذه المدارس والمذاهب لم تتزحزح عن مقامها، ولا تزال في انتظار التطور الذي يأتي به التخصيص بعد التعميم والشيوع، وأن الملكات الناقدة أكبر عملًا في عصرنا هذا من الملكات الخالقة، ويشفع لها أنها ملكات ناقدة تجنح إلى الاستقلال، وهو أقرب ما يكون إلى الخلق والابتكار.
وكل شيء يمكن أن يُقال عن الأدب العربي الحديث إلا أنه في ركود وجمود؛ إذ الواقع أنه في «ارتجاج» دائم لا ركود فيه، ولا بد من هذا الارتجاج في التمهيد للفرز والتمييز والصفاء.
وكذلك يأتي المحض بعد المحض في مضطرب الآراء والأقوال.

الفصل الثالث
الأدبُ والحَيَاة


من العناء الضائع تعريف الأدب على صورة من الصور للاعتراف بنوع من الأدب وإنكار نوع آخر، فما من تعريف سمعناه إلا وهو يسمح لكل أدب أن ينطوي فيه.
يُقال مثلًا إن الأدب ظاهرة اجتماعية، أو يُقال إنه ظاهرة اقتصادية أو ظاهرة بيولوجية، أو غير ذلك من الظواهر المختلفة، ولك أن تقول عن ظاهرة من هذه الظواهر أو عنها جميعًا: حسن، ثم ماذا؟ فلا يسع صاحب التعريف أن ينتهي بك إلى باب مغلق على نوع من أنواع الأدب.
ذلك أن الأدب كالحياة لأنه تعبير عنها، فلا يستوعبه مذهب ولا يستغرقه أسلوب.
قل مثلًا: إن الأدب ظاهرة اجتماعية، فماذا في هذا؟
إن المجتمع لا يستنفد أغراضه ومقاصده في أربع وعشرين ساعة، ولا في سبعة أيام، ولا في شهر أو بضعة شهور، ولا في عام أو بضعة أعوام.
ومن الجائز أن ظاهرة اجتماعية تتحقق في خمسين سنة، وتبدأ في هذه السنة وكأنها معزولة عن المجتمع أو مناقضة لمصالحه الظاهرة، ولكنها بعد خمسين سنة تؤتي ثمراتها التي لا نعرفها اليوم ولا نعرف سلفًا كيف تكون.
وليس أضر بالمجتمع من قطع النسل، ولكن الكاتب قد يشجع العزوبة في قصة يكتبها، وقد يكون تشجيعه لها احتجاجًا على نظام الزواج في المجتمع، وقد يؤتي هذا الاحتجاج ثمرته بعد سنوات، فيصح على هذا الاعتبار أن يكون تشجيع العزوبة ظاهرة اجتماعية ودليلًا على مرض اجتماعي يحتاج إلى العلاج.
فإذا قلنا: إن الأدب مسألة اجتماعية فما الذي أبحناه بهذا التعريف؟ وما الذي حرمناه؟
بل أنت مستطيع أن تشيد بالأدب الذي يسمونه أدب البرج العاجي، ولا تخرج به عن الأدب الذي هو مسألة اجتماعية.
فإذا جاز في المجتمع أن تغرس حديقة للنزهة لا تزرع فيها القمح والشعير ولا تغرس فيها التفاح والكمثرى، فقد جاز في هذا المجتمع نفسه أن تنظم الشعر وصفًا للأزهار والبساتين.
وإذا جاز في المجتمع أن تنشئ مصلحة للآثار لا تبيع تحفها ولا تساوم عليها، فقد جاز في هذا المجتمع نفسه أن تصف أبا الهول بمقال أو عدة مقالات، وجاز فيه أيضًا أن تحاكي تلك الآثار بصناعة الصور والتماثيل.
ومن السخف أن يُقال إن الطبقة الحاكمة هي التي تنحرف بالأدب عن خدمة المجتمع لخدمة مصالحها ومآربها، وإِنِ الأمر وُكِّل إلى الشعب لما نظم أحد شعرًا ولا كتب حرفًا في غير القوت والكساء والدواء وما يلحق بهذه الأشياء.
فقد عرفنا الأدب الشعبي بمصر سبعة قرون متوالية، فلم تُعرَف فيه هذه الشروط ولا تلك الموانع، ولم نعرف له صبغة عامة غير الصبغة الإنسانية التي تعم جميع الطبقات في جميع الأوقات.
على أي موضوع كان الأدب الشعبي يدور بمصر منذ القرن السادس للهجرة؟
إنه كان يدور على ملاحم أبي زيد الهلالي، والزناتي خليفة، والزير سالم، وسيف بن ذي يزن، وغيرهم من أبطال هذا الطراز.
وقد اختلفت الهيئة الحاكمة خلال هذه القرون من الدولة الفاطمية إلى الدولة الأيوبية إلى دول المماليك إلى الدولة العلوية.
واختلفت الأحوال الاقتصادية من رواج النقل في تجارة المشرق والمغرب إلى انقطاع الصلة بينهما إلى نشأة الزراعة القطنية إلى تجدد المعاملات التجارية بين القارات الشرقية والغربية.
وفي جميع هذه القرون كانت قصة أبي زيد هي هي، وقصة الزير سالم على نسختها الأولى، وقصة الذوين والتبابعة مسموعة في القرن الثالث عشر كما كانت تُسمَع قبل ذلك بثلاثة أو أربعة قرون.
وهذا هو رأي الشعب في الأدب الشعبي، لا سلطان عليه للطبقة الحاكمة؛ لأن هذه الطبقة الحاكمة كانت تجهل اللغة التي نُظمِت بها قصائد السيرة الهلالية وما شابهها، ولأن قبائل بني هلال وبني تغلب وبني من شئت من الآباء لم يكن لها سلطان على الدولة الحاكمة، ولا كانت الدولة الحاكمة معتزة بهم أو جارية في نظام المجتمع على مثالهم.
فلماذا أقبل الشعب على تلك الملاحم يسمعها ولا يمل سماعها سبعة قرون أو تزيد؟
وإذا كانت الأفلام والروايات المسرحية في قبضة المخرجين، وكان المخرجون في قبضة رأس المال، فشاعر الربابة الذي تسخره عشرة دراهم من العشاء إلى مطلع الفجر تراه في أي قبضة كان؟ … وما هي المناوبات المصرفية أو البرجوازية أو الحركية أو الاسترخائية التي كانت تُدبَّر من وراء الستار لصرف الشاعر عن الكلام في الرغيف والفول المدمس إلى الكلام في البطولة والغزل وغرام مرعي وسعدى وآخرين وأخريات؟
إن هذه الملاحم حقيقة واقعة، وإن غرام الشعب بها حقيقة واقعة، وإن ثباته على الافتتان بها مع اختلاف الدول والأحوال الاقتصادية والطبقات الحاكمة حقيقة واقعة.
فأين يذهب تعريفنا الأدب بأنه مسألة اجتماعية بين هذه الحقائق الواقعة؟! وأي فرق بين الأخذ بذلك التعريف وإهماله غاية الإهمال؟!
أليس المقصود بالأدب الشعبي أن يُكتَب بلغة الشعب؟
أليس المقصود به أن يلقى القبول والإقبال عند طبقة الشعب؟
أليس المقصود به أن يصدر من صميم الشعب ولا يصدر من الحكام أو المستغلين؟
أليس المقصود به أن يأتي طواعية من الناظم إلى المستمعين بغير تسليط ولا إكراه؟
بلى … وكل أولئك كان موفورًا للملاحم الهلالية وما جرى مجراها؛ فلماذا كانت هذه الملاحم دائرة على البطولة والغزل، ولم تكن دائرة على الرغيف والفول المدمس؟ ومن الذي أكره الشعب على طلب هذه المعاني والإعراض عما عداها؟
جواب واحد لا سبيل إلى الحيد عنه بكلمة من كلمات الرطانة التي يلفظ بها أصحاب الأمر والنهي في تعريفات الآداب.
وذلك الجواب هو: شعور الإنسان.
فالشعب «إنسان» قبل كل شيء، ونفس الإنسان تهتز في كل زمان لأريحية البطولة والغزل، وتجري في ذلك على سنة الحياة التي لا سنة غيرها للأدب والفن، كيفما اختلفت الطبقة الحاكمة، واختلفت أحوال المعيشة، واختلف الناظمون والمستمعون.
لقد كان الشعب يستمع إلى ملاحم أبي زيد وهو موفور الطعام ناعم بالرخاء والسلام، وكان يستمع إليها وهو مهدد بالمجاعة والوباء، ولم يكن من همِّ الحاكمين أن يعلِّموا المحكومين البطولة ويعرضوا أمامهم قدوة المجازفة والهجوم على الموت والخطر، ولعلهم قد مضى عليهم زمن وهم لا يعلمون من هو أبو زيد ولا يسمعون باسمه، بل لعلهم منعوا الجلوس على القهوات التي تُنشَد فيها تلك الملاحم مرَّات بعد مرَّات منعًا للضوضاء والشجار، وهم لا يدرون من أسبابه الكثير أو القليل.
ثم بطلت ملاحم أبي زيد وخلفتها بطولة رعاة البقر في البراري الأمريكية، أو خلفتها بطولة العصابات في المدن الكبرى، ولم تكن لرعاة البقر ولا للعصابات دولة تروج لها الدعوة في وادي النيل، ولم يكن إقبال الشعب على هذه الملاحم بعد تلك الملاحم؛ لأنه «تأَمْرَك» بعد أن تعرَّب، وإنما حلت دار الصور المتحركة محل القهوة البلدية وبقي حب البطولة والغزل كما كان؛ لأنه حياة يفهمها الحي كائنًا ما كان القائلون والممثلون.
وإذا انحدرنا من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان والنبات، فما هو العنوان الاجتماعي الذي يندرج تحت زهر الفول وتغريد العصفور؟
إننا نتخيل في هذه اللحظة رطَّانًا من أصحاب البرجوازيات والاسترخائيات والانتهازيات قد شال بأنفه وصعر خده وامتلأ عجبًا من هؤلاء الناس الذي يسألون أمثال هذه الأسئلة الفضولية، ويخفى عليهم أن الأمر متعلق باللقاح والتناسل ووفرة الغذاء في الربيع!
وأفادهم الله وإن لم يفيدونا شيئًا.
ولكنهم مسئولون بعد ذلك: لماذا يغني العصفور يا تُرى إذا شبع؟ أليس الشبع هو المقصود وفيه الكفاية؟ ولماذا يغني إذا تغزل؟ أليست الغريزة الجنسية هناك؟ ولماذا تضيع الطبيعة وقتها في تزويق أوراق الفول؟ أليس هذا ترفًا برجوازيًّا استرخائيًّا مظهريًّا إلى آخر هذه المنسوبات؟
لقد كان أجهل جاهل من المستمعين إلى ملاحم الهلالي والزير سالم إنسانًا أكرم من بعض هؤلاء التقدميين الذين يرسمون للأدب طريقه وللحياة طريقها، وهم عالة على الأدب وعلى الحياة.
وسيُعاد تعريف الأدب على ألف صورة! مسألة اجتماعية تارة ومسألة اقتصادية تارة ومسألة حركية أو سكونية تارة أو تارات، ولكنه لن يمتنع بذلك عن موضوع ولن ينقطع لموضوع، ولن يكون أدبًا ما لم يكن نصيب من شعور الإنسان، وبهذه المثابة يحدثنا عن القطب الشمالي فيحدثنا عن قريب، ويروي لنا خبر البطولة فيروي لنا خبرًا يهزُّ نفس الفقير والغني والصغير والكبير، ويذكر لنا الزهرية فلا يقول له قائل حي: دعها واذكر قِدرة الفول المدمس، ما دام إنسانًا يرجع إلى الطبيعة إن لم يرجع إلى نفسه، فيلمس منبت الفول وزهرته من تربة الحياة.

الفصل الرابع
الواقعيَّة في الأدب


يسأل بعض القراء عن الواقعية في الأدب والفن: ما هي؟ ومن هم الواقعيون؟ وما أصل هذه الدعوة؟ وما هي رسالتها في عالم الآداب والفنون؟
وهذا في جلية الأمر أسئلة عن شيئين لا عن شيء واحد: أسئلة عن الواقعية في نشأتها التاريخية، وأسئلة عن الواقعية في دعوتها الحاضرة بعد اتصالها بالدعوات الحديثة من وجودية وآداب موجهة، وفوق الواقعية أو سريالية، وما هو من قبيلها في الدعوات الحديثة.
إن الواقعية في نشأتها التاريخية دعوة بدأت في أواسط القرن التاسع عشر ردًّا على الدعوة الرومانية أو المجازية، وترتيبها في سلسلة الدعوات التي نشأت بعد عصر النهضة يأتي في المكان الرابع بعد دعوة الإنسانيين ودعوة السلفيين المحدثين ودعوة الرومانيين أو المجازيين.
في عصر النهضة حوالي القرن الخامس عشر أخذ الأوروبيون في الكتابة باللغات الوطنية بعد أن كانوا يكتبون الأدب والعلم باللاتينية أو بالإغريقية، ونشأ من ذلك ما لا بد أن ينشأ عن الكتابة بلغات لم تتسع قبل ذلك لمطالب الأدب والعلم والفلسفة والدراسات الرفيعة والوضيعة.
نشأ من ذلك كتابة بغير قاعدة وبغير أحكام مرعية تضارع القواعد والأحكام في لغة اللاتين ولغة الإغريق، واستمر دعاة المدرسة الإنسانية على هذه الفوضى في الصيغ والأساليب، فارتاع العلماء والأدباء الذين تفقهوا بآداب السلف وبلاغتهم العالية، ونهضت من بينهم دعوة سُمِّيت بالسلفية الحديثة؛ لأنها تنادي باتباع أساليب السلف واتخاذ القواعد على نمط جديد من غير تقليد كتقليد النقل الآلي على عصر الجمود.
وشاعت هذه الدعوة السلفية الجديدة، ونحن نسميها الدعوة الاطرادية؛ لأنها تدين بالاطراد على سنة متبعة، وتنكر الابتداع المتفرق الذي تذهب فيه كل طائفة مذهبها المنقطع عن سواها، كأنها بدعة من البدع لا تئول في جملتها إلى قسطاس مستقيم.
شاعت الدعوة السلفية أو الاطرادية وسارت سيرًا لم يُعرَف له نظير منذ عصر الكتابة اللاتينية والإغريقية، ومضى عليها نحو ثلاثة قرون وهي مسيطرة على الأقلام والألسنة في القارة الأوروبية، كلما ضعفت في أمة من أممها قامت بها أمة أخرى لا تزال في طور النشأة الأولى، وتمادى بها الإصرار على القواعد والأحكام، حتى جمدت وتحجرت وضاقت بها الأقلام والألسنة في إبان عصر الثورة الفرنسية، فتصدى لها طلاب التجديد والتصرف الحر لإطلاق العقول والأذواق، ونشأت من ثم مدرسة الرومانيين أو المجازيين، تحاول أن تجعل لكل كاتب أو شاعر نصيبًا من الحرية الفردية إلى جانب القواعد المقررة في الأساليب العامة، وصادف ذلك شيوع الأقاصيص الشعبية التي تمتزج فيها أخبار الفرسان والأبطال، وأخبار العشاق والحسان، وأطلق على الدعوة اسم الرومانية؛ لأن تلك الأقاصيص كانت تُعرَف في الغرب باسم الرومان.
فالمدرسة الرومانية إذن تقوم على أركان ثلاثة، هي:
(?) سهولة القواعد.
(?) وحرية الكاتب في إظهار نزعته الشخصية.
(?) وتصوير الحياة على صورة الأمثلة الموروثة من أيام أقاصيص البطولة والفروسية.
هذه الدعوة الرومانية أو المجازية أفرطت وأصابها ما يصيب كل إفراط من رد الفعل وحب التغيير، فكان رد الفعل هو الدعوة الواقعية أو الريالزم، وهي مفهومة على هذا الوجه في نشأتها التاريخية، فإذا أردنا أن نعرف لماذا نشأت دعوة الواقعيين، فعلينا أن نعرف العيوب التي أرادت تغييرها من دعوة الرومانيين في دور الإفراط والانحدار، وهذه العيوب تجتمع في مأخذين ظاهرين: أحدهما حب التجميل، والآخر ظهور الطابع الشخصي المفرط في الكلام المنظور والمنثور. وحجة الواقعيين في إنكار هذا الطابع الشخصي المفرط أنه يخل بالحقيقة العلمية، ويصبغ الحادث والأشخاص بصبغة ملونة على حسب أهواء الكاتب والشاعر، وهذه الصبغة من حب التجميل تبتعد بالكتابة عن الواقع المشاهد في الحياة، وتصور الناس كأنهم يعيشون في عالم الخيال، ولا يمارسون الدنيا المحسوسة، كما يمارسها الأحياء بما فيها من جمال وقبح، وما يمتزج بها من سرور وحزن، ومن سعادة وشقاء.
وعلينا أن نذكر أن الواقعية ظهرت مع العلم الحديث في إبان نشأته واندفاعه، فأرادت أن تكون الكتابة كلها على نسق الكتابة العلمية، مجردة من الطابع الشخصي والنزعات العاطفية مقيدة بالصور التي تشبه الصور الشمسية كأنها من صنع الآلة لا تسلم من الجمود والجفاف، ولا نكران لرسالة الدعوة الواقعية في حينها، ولا في صواب الحملة التي حملتها على مدرسة التجميل والطابع الشخصي والأخيلة المثالية، ولكنها هي أيضًا تعرضت لعواقب الأفراد وانتهت إلى هذه العواقب على أيدي فريق من الواقعيين بلغ بهم اللجاج في دعوتهم إلى إنكار الواقع أو إلى تصويره كما أرادوه، فعادوا من الباب الآخر إلى أخطاء كأخطاء الرومانيين وخالفوا دقة العلم وأمانة الحس، فلا هم واقعيون يلتزمون الوصف المحسوس، ولا هم خياليون يتعلقون بالأمثلة العليا.
يصورون الدنيا كأنها ليل مطبق الظلام، والواقع المحسوس يرينا بأيسر نظرة أن الدنيا ليل ونهار، وأن ليلها لا يخلو من ضياء ونهارها لا يخلو من غمام وغطاء.
ويصورون الحياة كأنها جحيم ليس فيه غير الزبانية والمعذبين، والواقع المحسوس يقول لنا كل يوم إن الدنيا ليست بالجحيم وليست بالفردوس المقيم، ولكنها دنيا تستحق منا أن نجاهد ونسعى، ولو كانت جحيمًا مطبقًا لما كان فيها معنى للسعي والجهاد.
ويصورون الناس كأنهم لا يحلمون ولا يتخيلون، وليس من الواقع أن نسقط الأحلام والأخيلة من حسابنا؛ لأن الواقع الذي يراه اليقظان بكلتا عينيه المفتوحتين أن الناس يحلمون ويتخيلون.
ويصورون الرذيلة كأنها حكر لطائفة واحدة، هي الجانية وغيرها من الطوائف مجني عليه كما يُقال في لغة القانون، والواقع أن بني آدم جميعًا يُصابون ويصيبون، ويجنون من الرذيلة وتجني عليهم الرذيلة، ويكيلون بالكيل الذي يكال لهم في السر والعلانية، فليس فيهم ذرية ملائكة ولا ذرية شياطين.
وأعجب العجب أن يكون الواقع حجتهم في الصدق والكذب والحق والبطلان، وأن يكون الواقع في الوقت نفسه هو الفساد الذي يجب أن يتغير وهو الباطل الذي لا يُعوَّل عليه … فهو مقدس لأنه واقع، وهو لعنة لا يحق لنا أن نواجهها إلا لنطلب تغييرها ونهدمها من أساسها ونأتي بشيء يناقض هذا، والواقع الذي نحسه ونراه، وإنما تحقق هذه الصورة على الواقع لأناس غير الواقعيين؛ لأنهم يدينون بعقيدة لهم تتمثل بعد في الواقع المحسوس، ولم تزل بعد حلمًا من الأحلام أو خطة معروضة للبحث ومعروضة بعد ذلك للتنفيذ، وليس بالنادر أن نسمع أناسًا من دعاة الواقعية ينادون بها وهم يجهلون أصولها ويخلطون بينها وبين الدعوات التي تناقضها، فيزعم أحدهم أنه واقعي وجودي، وهما نقيضان؛ لأن الواقعية تفرض على من يدين بها أن يصف الحادث وصفًا علميًّا خاليًا من الصبغة الشخصية كأنما هو تجارب العلم أو معادلات الرياضة التي تتساوى عند جميع الناس، وهذا في حين أن الوجودية تحرص على إبراز الخصائص الفردية، وترى أن كل فرد نسخة فريدة لا تتكرر في الكون، ولا يجوز أن يتشابه وجود هذا الفرد ووجود ذلك لأن التشابه تقليد، والتقليد إلغاء للوجود أو نزول به إلى مرتبة الآلات، وهي الكائنات التي لا تعلم بوجودها ولا بوجود سواها من باب أولى …
ومنهم من يزعم أنه مادي تاريخي واقعي مستقبلي في نفس واحد، مع أن المستقبليين يحتقرون التاريخ، ويقول زعيمهم «مارينتي» إن الالتفات إليه كإفراغ الدم الحي في توابيت الموتى، ومع أن المادي يصطنع التبشير بالسلم، والمستقبلي يجعل الحرب سبيل الارتقاء واختيار الأصلح للبقاء.
ومنهم من يزعم أنه واقعي وطبيعي في وقت واحد، مع أن المذهب الطبيعي إنما نشأ لاستدراك نقص يراه في الدعوة الواقعية، ومهما يكن بين الدعوتين من وجوه الشبه فهما مفترقتان حين تنظر إلى أنواع الأدب التي تحاربانها وتحملان عليها، فالواقعية تحارب الخيال والخرافة الشخصية، والدعوة الطبيعية تحارب الصنعة والتنميق والفصاحة المتأنقة ولا تنكر الصبغة الشخصية، ويكاد كل قطب من أقطابها يبرز بصورته المعروفة من وراء أبطاله وحوادثه ومناظره المنتقاة، وليست الكلمة الأخيرة اليوم للدعوة الواقعية ولا للدعوة الطبعية في سوق الدعوات ومزاحم الأفانين والعناوين، فقد ظهرت بعدها دعوات الداديين والمكعبيين والمستقبليين وما شابهها من الدعوات التي يشملها جميعًا عنوان السريالية أو فوق الواقع … وقد يكون المقصود بما فوق الواقع أنه يتجاوز الواقع المحسوس إلى الواقع المستتر في العقل الباطن، أو الواقع المختلط بالفوضى في ضوضاء المدينة الحديثة، فكلما ابتعد الفن عن العقل والرشد ومضى في اللغو أو في أضغاث الأحلام فهو التعبير الصحيح عن هواجس النفس الخفية، وعن الوعي الباطن الذي يرفض المنطق والحمَّة وصور الجمال ومحاسن الأخلاق.
يكفي اسم «الدادية» للدلالة على الغرض الأخير من هذه الدعوات فوق الواقعية، فإن الكلمة مأخوذة من الحروف الأولى التي يلفظ بها الطفل على مثال «بابا» «ماما» و«دادا» في ألفاظ الفترة الأولى؛ لأنها باصطلاح الطفولة الفرنسية تُطلَق على حصان الأطفال.
وأول سطر يقول هؤلاء الواقعيون الفائقون: إن عبارات الأحلام هي أصدق العبارات الإنسانية، إنها مكامن النفس على البديهة تنطلق بلا تزويق ولا تنسيق ولا نفاق ولا اختلاق.
وأصح من ذلك أن يقولوا إن صيحات الحيوان هي الصدق الذي لا صدق فوقه على هذا الاعتبار، وإذا تراجعت هذه الدعوات النافرة بكلمة واحدة، فهي كلمة التحذير التي تقال لمن يتخطى الحدود … «عندك».
نعم، هذه الدعوات النافرة تترجمها جميعًا كلمة «عندك»، تقال تحذيرًا لكل دعوة تجاوز الحدود وتخالف الواقع باسم الواقع، وهي ليست من الواقع في كثير ولا قليل.
إن الواقعية الصادقة لا تجرد البشرية من أحلامها ولا تجرد الدنيا من محاسنها، فلا يُعاب الأدب الذي يصور لنا الإنسان على حقيقته والدنيا على حقيقتها، وما وراء ذلك فهو وراء الواقع في الحس وفي العقول.

الفصل الخامس
الأدب العَربي المطبوع … تطوَّر قبل القمَر المصْنوع


يسألونك: هل يتطور الأدب العربي في عصر القمر الصناعي؟
ولك أن تقول: بل قد تطور الأدب العربي فعلًا، قبل أن يكون القمر الصناعي شيئًا يدركه العلم، أو شيئًا يدركه العيان.
وليس يخفى أن الحكم على القمر الصناعي حكم على شيئين مختلفين: القمر الصناعي في عالم النظريات العلمية، والقمر الصناعي في عالم الصناعة والتطبيق الذي يخرجه إلى حيز المحسوس.
والفكرة — أو النظرية العلمية في الأقمار الصناعية — ليست بالبدعة الحديثة، وليست كذلك بالأثر القديم الموغل في القديم، ولكنها على أية حال ليست بسابقة الفكرة الأدبية التي نتعلم منها أن الأدب ينبغي أن يكون صادقًا في التعبير عن الحياة الحاضرة، ولا ينبغي أن يكون محاكاة آلية لما سبق من الآداب في الأزمنة الماضية.
وليس منا من لم يشاهد حقيقة النظرية العلمية التي يقوم عليها اختراع الأقمار الصناعية، قبل ظهور هذا الاختراع إلى حيز الحس بعشرات السنين، فإنما يجري القمر الصناعي على نظرية التوازن بين قوة الجاذبية وقوة الحركة التي تطرد الجسم من المركز على حسب سرعته، وكلنا قد رأى تطبيق هذه النظرية في كوب الماء الذي لا تسقط منه قطرة وهو يُدار في سرعته الخاطفة، وكلنا قد رأى تطبيقها في سرعة الدراجة التي تعمل على الأرض تكاد تستلقي عليها بجانبها ولكنها تظل مع ذلك سائرة ممعنة في السير بحركتها التي تقاوم الجاذبية الأرضية، وكلنا قد رأى المقلاع الذي يحمل الحجر ولا يسقط في دورته إلا إذا هدأت هذه الدورة، وغلبت فيه قوة الجذب إلى الأرض على قوة الحركة التي تطرده منها.
ليس في هذا شيء جديد …
نعم، ولا في الصاروخ الذي يرفع القمر شيء جديد من وجهة النظريات العلمية؛ لأن حركة الجسم بما يندفع منه أمر مألوف في بحوث العلماء، مألوف فيما نراه ونحسه حين تنطلق القذيفة من المدفع أو البندقية.
أما الجديد في الأقمار الصناعية فهو وجود المال الذي ينفق عليها؛ لأن المصانع لا تنفق الملايين من أموال الناس لتجربة القمر الصناعي أيامًا في الفضاء، ولم تستطع الدول أن تنفق الملايين لهذا الغرض إلا حين أصبحت للصواريخ علاقة بالدفاع والتسليح؛ ولهذا وُجِدت الاعتمادات التي تصرف في تجربة الصواريخ، ولم تُوجَد الاعتمادات التي تصرف على تجربة القمر الصناعي في دول شتى، يكثر عندها العلماء ولا تقصر فيها جهود الصناعة عن غاية من الغايات العملية، وكلما استُطِيع الإنفاق بغير إذن من الهيئات النيابية أمكنت زيادة النفقة على تجارب الأقمار المصنوعة حتى تستوفي أسباب النجاح.
والذي حدث في تطور الأدب العربي شبيه بهذا وإن كان سابقًا له في جانب التنفيذ والتطبيق.
فقبل أن يفكر أحد في قمر صناعي يُخترَع ويُرَى بالعينين، فكَّر المجددون في إحياء الأدب العربي وإطلاقه من قيود التقليد والمحاكاة إلى فضاء الحرية والابتكار، وقبل أن يقول حافظ رحمه الله:
ارفعوا هذه الكمائمَ عنَّاودعونا نشمَّ ريحَ الشَّمالِ كانت هذه الشمال تهب فوقنا وكان الجو الفكري يتهيأ لاستقبال الأدب العربي المطبوع كما تهيأ جو المكان بعد ذلك لاستقبال القمر المصنوع.
ولا حاجة إلى الإطالة في القول والرد، أو في التأييد والتفنيد، فإن المقابلة بين الأدب العربي في سنة ???? والأدب العربي في سنة ???? تغنينا عن هذه الإطالة، وتقول لنا إن قمرنا الأدبي قد كان فكرة ناشطة يوم كان القمر الصناعي حلمًا في الخيال أو معادلة رياضية تشبه أحلام الخيال.
وشأن الأدب العربي في دور التنفيذ العلمي كشأن القمر الصناعي في هذا الدور، فإن المعول — عند التنفيذ — على الجهود العملية التي يستطيعها الناطقون بالضاد لتحقيق الأفكار وتطبيق النظريات، ولا زيادة على فكرة التجديد بهذه الزيادة في أعمال التطبيق والإنجاز، كما أن العلم لم يزد شيئًا في نظريات الحركة وقوانينها الدائمة بعد ظهور الأقمار الصناعية للعيان.
إن قمر الآداب قد صعد فعلًا إلى سمائه يوم انطلق من قيود المحاكاة وتصرفت به الأقلام في مختلف الموضوعات بين منظوم ومنثور، وبين نقد وتاريخ، وبين قصة ومقال، وليس يصح في الرأي أن يُقال إن الأدب العربي في عصرنا هذا قاصر عن مطالب أهله؛ فإن هذا قد يصدق على خصب المكان ولا يصدق على خصب العقول والملكات، فإذا قيل إن تربة الإقليم الذي تعيش فيه الأمة لا تواتيها بكل ما تحتاج إليه من الثمرات والخيرات فذلك شيء جائز في الحس، واقع بين أعيننا في مختلف الأقطار، أما أن يُقال إن عقول الأمة لا تواتيها بحاجاتها الفكرية فهو قول متناقض لا يستقيم لا فيما نفهمه ولا فيما نراه؛ إذ كانت حاجة العقل لا تزيد على ما يستطيعه من الإنتاج، ولا يحدث في أمة من الأمم أن تكون لها عقول تنتج ثم تكون العقول التي دونها في الإدراك طالبة لشيء يفوق إدراك المنتجين.
والمشاهد في تواريخ الآداب أن «العصر الحاضر» في كثير من الأزمان يتعرض للظلم من بنيه، ويجد الإنصاف أحيانًا من لاحقيه وممن يستطيعون بعده أن يوازنوا بينه وبين سواه.
ففي مذكرات «دستيفسكي» كاتب الروس الأكبر يشير هذا العبقري القدير إلى النعاة على عصره، ويحاول أن يدفع الشبهة عنه وعن زملائه في الأدب بما استطاع، ولو أننا عرضنا أمامنا آداب الأمة الروسية منذ عُرِفت لها آداب مقروءة في العالم لما وجدنا بين أعمالها من هم أحق بالذكر والإعجاب من «دستيفسكي»، وزمرته من أمثال تلستوي وترجنيف وجوركي وشيخوف وارتزيباشف وأندرييف وغيرهم، وغيرهم من طبقة هؤلاء الفحول أو ممن هم دونهم بقليل.
وهكذا يحدث في عصرنا هذا حين يُقاس إلى عصور الآداب القريبة منذ بدأت فيها نهضة التجديد، فلا نفتأ نسمع فيه صيحات النعاة الذين لا يعملون ولا يقدرون جهود العاملين، ولا يفتأ زاعم يزعم أن الحاضرين مقصرون ولا يقول لنا من هم السابقون الواصلون: أهم أدباء ما مضى قبل قرن من الزمان؟ أم هم أدباء ما يأتي بعد قرن آخر من الزمان؟
لا هؤلاء ولا هؤلاء يصح أن يُقال إنهم فعلوا ما لم يفعله الحاضرون في خدمة الآداب العربية، وقد يأتي العصر المقبل بجديد حسن — ونرجو أن يفعل ذلك ويجاوز المدى من حيث الظن والرجاء — ولكنه حين يأتي به يُحسَب له ولا ينقص من حساب من تقدمه، بل يُضاف إليه.
ولا يسأل سائل: هل وصل الأدب في عصرنا إلى الغاية؟! فإن جوابه سؤالٌ مثله: هل وصل القمر الصناعي إلى الغاية في سمائه؟!
إنه لا يزال طفلًا يتعثر ويتلعثم، ولا نحسب أن طفلنا في الأدب العربي أكثر منه تعثرًا في الخطوات وتلعثمًا في الكلمات، وما كان لشوط أن ينتهي أبدًا إلى نهاية المطاف، وما يكون لنا أن نترقب هذه النهاية في مقبل الزمان القريب أو مقبل الزمان البعيد، ولكننا نعلم أن القمر الصناعي يدرج والقمر الأدبي لم يقضِ ولم ينقضِ عليه جيلان في موضع واحد، وسيدور القمر الصناعي دورته قبل أن تتم الدورة بالأدب في لغتنا أو في سائر اللغات؛ لأن جو الفضاء يُذرع ويُقاس فيما ندركه بالأجسام، وأما جو النفوس فلا غاية له ولا قرار، ولا هو مما تحده الأيدي والأبصار أو تحصره المصانع والأدوار.

الفصل السادس
اتجَاه الشِّعر العَربي الحَديث


انتقل الشعر العربي من عهد الجمود إلى عهد النهضة في أربع مراحل: أولها: دور التقليد الضعيف.
وثانيها: دور التقليد المحكم.
وثالثها: دور الابتكار الناشئ من الشعور بالحرية القومية.
ورابعها: دور الابتكار الناشئ من الشعور بالحرية الشخصية أو من الشعور باستقلال الفرد في شعوره.
محمود سامي البارودي

وكان أكبر الشعراء الذين ظهروا في طليعة دور الابتكار محمود سامي البارودي الذي نبغ في أواخر القرن التاسع عشر، وتوفي في أوائل العشرين.
كان البارودي أكبر شعراء العربية في أواخر القرن التاسع عشر غير منازع، وكان أحرى أن يُقال إنه بقية من شعراء السلف المجيدين عاد إلى الحياة في الزمن الأخير؛ لأنه كان صاحب سليقة حية حتى في تقليده، فكان في معظم شعره واحدًا من شعراء السلف المتقدمين، ولم يكن قصاراه أنه مقلد يجيد صناعة التقليد.
كان «سلفيًّا» مطبوعًا وإن تخلف في العهد الأخير، وكانت سنته سنة الشعراء العرب في الأسلوب والموضوع، وربما أفرط في التزام الموضوعات السلفية حتى نهج على نهجها في وصف الطلول والرعيان والنقا والبادية، فلم يكن للثقافة الحديثة أثر إلا في النادر الذي لا يُقاس عليه.
وقد لَحِقَتْ البارودي طائفةٌ من الشعراء كان للثقافة الأوروبية أثر ظاهر في وجهتها وفي اختيار موضوعاتها، ونعني بهم في مصر أمثال: إسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وفي لبنان والشام أمثال: نجيب الحداد وخليل مطران وبشارة الخوري، وفي العراق أمثال: الزهاوي والرصافي والشبيبي، ولكن الأثر الذي ظهر في شعرهم من الثقافة الأوروبية راجع إلى الحركات الاجتماعية والسياسية، وقليلًا ما يرجع إلى الحركات الفنية والأدبية.
وهذا الدور هو الذي عنيناه بدور «الابتكار الناشئ من الشعور بالحرية القومية».
فنهضة هؤلاء الشعراء هي نهضة المجتمع كله في ميدان الحرية السياسية واليقظة القومية؛ ولهذا شاع في عهدهم أن الشعر الحديث هو الشعر الذي يُنظَم في مسائل السياسة والاجتماع، وفي إحياء المفاخر وتعزيز المطالب، وما إلى هذه الأغراض العامة، وكل ما عدا هذه الأغراض فهو شعر قديم.
والفرق واضح بين فهم التجديد على هذا المعنى، وفهم التجديد من الوجهة الفنية.
التجديد في الشعر

فالشاعر الذي ينظم في الوصف أو في الغزل ويعبر في نظمه عن شعوره الصحيح، هو شاعر مجدد غير مقلد، وإن كان الوصف والغزل من أقدم الموضوعات.
والشاعر الذي ينظم في مسألة اجتماعية أو مسألة عامة، ولا يستقل بالتعبير الصادق في نظمه هو شاعر مقلد، وإن جاء في أحدث العصور.
والعمل الاجتماعي والعمل الفني كلاهما واجب، ولكن لا يُفهَم من ذلك أنهما عمل واحد، وأن الابتكار في هذا يستلزم الابتكار في ذاك.
على أن هذه المدرسة قد أطلقت الشعر من كثير من القيود وجددت شباب اللغة ووسعت نطاق الموضوعات، وكانت مرحلة في التجديد لا غنى عنها للانتقال إلى التجديد الفني بمعناه الصحيح.
وقد جاءت بعدها مدرسة الشعر التي نسميها مدرسة الابتكار المستقل أو مدرسة الحرية الفردية، وهي المدرسة التي ينطلق فيها شعور الفرد حيث ينطلق شعور الإنسان.
ويتجلى الفرق بينها وبين المدرسة التي سبقتها في ملامح كل قصيدة، وفي سمة كل ديوان، وفي ظهور «الشخصية الإنسانية» على كل موضوع يتناوله الشاعر، بعد أن كانت هذه الموضوعات عامة مشتركة لا يتميز فيها مقام عن مقام.
بنية القصيد

فقد أصبح للقصيدة اسم يُعرَف وبنية كالبنية الحية لا تسمح بتقديم بيت على بيت.
وقد كانت القصيدة قبل ذلك مجموعة من الأبيات لا تتسمى باسم، ولا تتميز بعنوان.
كذلك كان الشاعر يصف عشرين إنسانًا في مقام التقدير أو مقام الرثاء، ولكنك تستطيع أن تنقل الأسماء بينها كما تشاء فلا تتغير الملامح ولا تتغير الأزياء؛ لأن الشاعر هنا كالطرزي الذي يصنع الملابس المجهزة لجميع اللابسين، وليس كالطرزي الذي يصنع لكل لابس كسوة مُحْكَمة لا تصلح لسواه.
وهذا الذي عنيناه بمدرسة «الفرد المستقل» في الشعر؛ لأن الشاعر من هذه المدرسة يعبر عما يحسه هو في كل حالة يتناولها بعاطفته وخياله، ولا يصدر عن المعاني العامة المشتركة التي لا تتميز فيها بين شخصية وشخصية، ولا بين مقام ومقام.
ومن الجائز أن تُسمَّى هذه المدرسة بالمدرسة الإنسانية؛ لأن المعول فيها على سليقة الإنسان، فهي إذا طالبت الشاعر بشيء فكل ما تطلبه منه أن يكون إنسانًا صادق الشعور صادق التعبير، وليقل بعد ذلك ما يشاء في كل زمن، وفي كل موضوع.
«فعبر عن شعورك الإنساني» هو الشعار الوحيد الذي اتخذته هذه المدرسة في مذهب التجديد، وهو الشعار الذي اتخذه كاتب هذه السطور؛ لأنه من دعاة هذه المدرسة منذ ظهورها في الربع الأول من القرن العشرين.
وليس معنى هذا الشعار إلغاء الفوارق الوطنية والإقليمية، أو استنكار النظم في موضوع من الموضوعات التي يطوقها الشعراء في كل لغة، وإنما معناه «أن صدق التعبير عن الشعور الإنساني هو التجديد الحق الذي يعصم صاحبه من التقليد والمحاكاة»؛ لأنه يقول ما يحسه، ومن قال ما يحسه فما هو بمقلد لأحد كائنًا ما كان الموضوع الذي ينظم فيه.
فمن ركب الجمل في القرن العشرين واجتاز به الصحراء ثم وصف مركبه هذا فهو شاعر مجدد، وإن كان موضوعه مشابهًا لموضوع طرفة بن العبد وامرئ القيس.
واختلاف الشعر بين الأوطان والأقاليم فارق طبيعي حاصل بطبعه من غير حاجة إلى القواعد والأصول التي تُفرَض على الشعراء.
فالشاعر الإنجليزي الذي يصف الهرم، أو يصف النيل، أو يتكلم عن رمسيس، لا يصبح مصري الشعر ولا مصري الشعور؛ لأن موضوعاته مصرية، والشاعر العربي يصف شلال نياجرا أو غاب بولون لا يزال عربيًّا في سليقته وتفكيره وإن ذهب بخياله إلى أمريكا أو فرنسا، فلا فكاك له من طبعه الأصيل ولا حاجة إلى فرض طبيعة الإقليم عليه.
وقد كان لهذه المدرسة أثر في قوالب الشعر كما كان لها أثر في معانيه، فأُطلِقت من قيود القافية بعض الإطلاق، وتصرفت في الأوزان والبحور مع ملاحظة العروض كما يلاحظه الأقدمون.
مضت مدرسة التجديد على هذا النحو قدمًا منذ نشأتها قبل أكثر من ثلاثين سنة، ولكنها على ذلك تمثل الشعر الحديث في ناحية منه ولا تمثله في جميع نواحيه؛ لأن من الشعراء في هذا العصر من ينزع إلى المذهب السلفي مع التصرف والابتكار، ومنهم من ينظم للغناء ومصاحبة التمثيل في الصور المتحركة والروايات المسرحية، وتدعوه مجاراة الجمهور المسرحي إلى نمط من الشعر لا يكاد يختلف في مادته عن مادة الموال أو الزجل الذي يشيع بين الجماهير.
ومما تقدم يبدو أننا قصرنا القول غالبًا على التجديد في قطر واحد وهو البلاد العربية.
إلا أن الشعر الحديث في الأقطار العربية الأخرى يختلف في وجهته قليلًا أو كثيرًا من هذه الوجهة المصرية، ويستحق في هذا المقام تنويهًا خاصًّا به على حسب الموطن الذي ينتمي إليه.
فهناك مدرسة العراق، وهي في الحقيقة مدرستان متجاورتان: إحداهما يصح أن نسميها بمدرسة الشريف الرضي، وهي أقرب إلى المحافظة والجزالة في الأسلوب والأخرى يصح أن نسميها المدرسة النواسية وهي أقرب إلى الانطلاق واللهجة العصرية، وكلتاهما مدرسة قوية تنظم الشعر في مختلف الأغراض، قد أضافتا إلى ثروة الشعر العربي ولا تزالان تضيفان إليه.
وهناك مدرسة لبنان وسورية، وتغلب على اللبنانيين خاصة نزعة التمرد والانفصال من القديم سواء في وطنهم الأول أو في أوطان المهجر الأمريكية، ومردُّ هذه النزعة إلى حالة لبنان السياسية التي جمعت في أيدي رجال الدين من طوائف المسيحيين سيطرة الدين والدولة، فاندفع المفكرون الناشئون إلى تحدي هذه السيطرة، ولا سيما المهاجرين منهم إلى أمريكا الشمالية والجنوبية.
وفي إفريقية الشمالية والسودان والحجاز طلائع لمدرسة التجديد بلغ بعض أعلامها القمة في الإجادة، وهي تخطو في هذه البلاد جميعًا خطوات سراعًا في ميدان السبق والابتكار.
وجملة القول: أن للشعر العربي اتجاهين في العصر الحديث: أحدهما اتجاه «الشعر المستقل» والغالب عليه إيثار المذهب الإنساني المطلق، أو مذهب الابتكار المستمد من الشعور بحرية الفرد واستقلاله.
والاتجاه الثاني وهو اتجاه الشعر المضاف إلى فن الغناء أو مناظر الصور المتحركة، وهو متقيد بما يخدمه من هذه الأغراض، يعلو معها حين ترتفع ويسف معها حين تجنح إلى الإسفاف.
والغلبة في المطالب «المحلية» الموقوفة لهذه الوجهة.
والغلبة في مطالب الفن الخالص للوجهة الأولى مع الأيام …

الفصل السابع
كيفَ يكون التجديد في الشِّعر؟


إذا أوجزنا قلنا إن التجديد هو اجتناب التقليد، فكل شاعر يعبر عن شعوره ويصدق في تعبيره فهو مجدد وإن تناول أقدم الأشياء، هل شيء في هذا العالم الأرضي أقدم من الشمس؟ إن الذي يصفها اليوم صادقًا في وصفه غير مقلد في تصويره مجدد تام التجديد، وإن لم يأتِ بكلام جديد.
هكذا تجدد الشمس النهار، ويجدد الأرض الربيع، ويجدد الشباب الأمل والحب جيلًا بعد جيل.
وليست الدنيا عتيقة بالية؛ لأنها تجيئنا كل عام بربيع كالربيع الذي تقدَّمه، وليس الشاعر عتيفًا باليًا؛ لأنه يجيئنا بذلك الربيع كما جاءت به الدنيا في حينه، موصوفًا على الصورة التي عهدها آدم في جنة الفردوس، ثم عهدها أبناؤه في جناتهم على هذه الغبراء؟ … التجديد — في كلمتين — هو اجتناب التقليد.
أما إذا تعمدنا الأسباب والتفصيل، وتناولنا عناصر الشعر جميعًا فهي مختلفة في قبولها للتجديد، أو مختلفة على الأصح في حاجتها إلى التجديد.
هذه العناصر هي اللفظ والوزن والموضوع، وهي على هذا الترتيب في حاجتها إلى التجديد مع الزمن؛ فاللفظ الذي يتألف منه الشعر يبقى ألف سنة ولا يطرأ عليه تغيير يُذكَر، ويصلح في هذه الحالة لشعر امرئ القيس كما يصلح لشعر البارودي، مع قليل من التحوير أو التحريف الذي لا يلتفت إليه إلا المختصون بتعجيل أطوار الكلمات.
ونعني باللفظ هنا المفردات في غير الجمل والأبيات، وهي المفردات التي تطرأ عليها الزيادة القليلة كل بضعة قرون، أو يطرأ عليها اختلاف الاستعمال من فترة إلى فترة في حياة اللغة الواحدة، ولا بد للشاعر من متابعة هذه الأطوار، وقد يكون هو عاملًا من عوامل الزيادة والتصرف في الكلمات.
إلا أن الجهد في تجديد المفردات يظل على الدوام أقل وأهون من الجهد في تجديد الأوزان وتجديد الموضوعات، فالمعجم الشعري اليوم قريب من المعجم الشعري في عهد أصحاب المعلقات، أما الوزن فقد اختلف في عدد البحور، واختلف في عدد القوافي، ولا يزال قابلًا للاختلاف، وفي حاجة إلى الاختلاف.
كانت أوزان الشعر في الجاهلية قليلة البحور، وكانت القصيدة الواحدة قليلة الأبيات، ثم تعددت البحور ومجزوءاتها، وتضاعف عدد الأبيات في القصيدة الواحدة، وطرأ التنويع على القافية في الرجز ثم في التسميط والتوشيح، ثم انتهينا إلى العصر الحديث فظهر بيننا من دعاة التجديد من يدعو إلى إلغاء القافية ونظم الشعر مرسلًا أو مطلقًا على الطريقة الأوروبية، ولكنها دعوة لم يُكتَب لها النجاح، ولا نظنها جديرة بالنجاح في المستقبل؛ لأن أعاريض الشعر العربي تستلزم القافية من حيث لا تلزم الأعاريض الأوروبية، وقد يكون الإطلاق من القافية في الأعاريض الأوروبية نفسها مقصورًا على المطولات والملاحم التي تصلح للقراءة وقلما تصلح للسماع، والشعر قبل كل شيء سماع.
والذي نعتقده أو نشعر به أن تنويع القوافي أوفق للشعر العربي من إرساله بغير قافية، وأنه يقبل التنويع في أوزان المصاريع والمقطوعات على أسلوب الموشحات، فيتسع للمعاني المختلفة والموضوعات المطولة، ولا ينفصل عن الموسيقية التي نشأ فيها ودرج عليها، ولعلنا لا نحتاج إلى تيسير أوسع من هذا التيسير، كائنًا ما كان موضوع القصيد وإن طال غاية المطال.
تجديد قليل في اللفظ، وتجديد أكثر منه في الوزن، وتجديد أكثر من هذين التجديدين في الموضوع، فكيف يكون هذا التجديد في الموضوع؟
إن صرف الشعر إلى الاجتماعيات والأحداث العامة رأي من الآراء في تجديد الموضوعات الشعرية، ويقترن به رأي آخر ينادي بالطابع الإقليمي في الشعر خاصة وفي الأدب عامة، ويقول آخرون بالشعر المسرحي أو شعر القصة المسرحية وغير المسرحية، وكل هذه الآراء مقبولة من ناحية، مرفوضة من ناحية؛ لأن العبرة في الشعر بالملكة التي توحي معانيه، وليست العبرة بالعنوان الذي تختاره لموضوعاته، كعنوان المسرحية أو عنوان الشعر الإقليمي، أو عنوان الشئون الاجتماعية والمسائل العالمية.
ونحن إذا نظرنا إلى الشعر من ناحية الملكة التي توحيه وجدنا أن ملكة الشعر الغنائي قد لازمت القصيدة العربية من نشأتها الأولى، فهي تتردد بين نغمات الغزل والفخر والحماسة والرثاء، أو تتردد بين ألوان الشعور الفردي البسيط، ويندر أن تتخطاه إلى الشعور المركب المتوشج، وهو الشعور المتجاوب بين عدة نفوس على عدة أمزجة وفي عدة حالات.
فإذا كان للتجديد في موضوع الشعر وجهة فهذه هي الوجهة التي أمامنا، ولتكن سبيلها الرواية المسرحية أو الحادثة العالمية أو الأوصاف الإقليمية، فإنما العبرة بالملكة التي توحي المعاني في جميع الموضوعات، وليست بالعناوين التي نخلعها على هذه الموضوعات.
والفرق بين الشعر الغنائي والشعر المركب المتجاوب هو الفرق بين الربابة وبين الفرقة الموسيقية التي نسمع منها عشرات المعازف في نغمات متعددة مع التناسق بينها والوحدة في مجموعها، وينبغي أن نذكر هنا أن التنوع والتجاوب هما المقصودان بالتصرف والتجديد، وليس المقصود هو كثرة الآلات التي تعزف عليها في وقت واحد، فإن ألف ربابة توقع لنا لحنًا واحدًا هي أسلوب ساذج بغير تصرف، وقد يكون التصرف كل التصرف في ربابة ومزمار ودف وقيان تختلف وتتجاوب وتفلح في الارتفاع بالشعور من البساطة والانفراد إلى التجاوب والتركيب.
ولكن الخير أن نبقى كما نحن، وأن نقصر نظمنا على الشعر الغنائي، إذا كنا ننظم في الموضوعات الجديدة تقليدًا للذين سبقونا إلى النظم فيها، فإن التقليد نقيض التجديد، والدرهم الصحيح أنفس من الدينار الزائف، يحكي الزائف الذهب باللون والصورة ولا يحكيه بالمعدن والقيمة.
ومن أمثلة الدعوات الزائفة إلى التجديد أن يسمع بعضنا بالشعر الإقليمي في اللغة الإنجليزية — وأكثره من شعر الأمريكيين — فيخطر له أن الشعر الإقليمي اختراع واختيار، وينسى أنه واقع طبيعي لا محل لفرضه على الشعراء؛ حيث لا تفرضه عليهم طبيعة الحياة، وفي أمريكا أقاليم لا تتشابه في الموقع ولا في المكان ولا في المعيشة، فهم لا يختارون الإقليمية في الشعر ولا في الجغرافية، ونحن هنا لن نستطيع أن نزرع قمحًا في التربة المصرية دون أن يصبح قمحًا إقليميًّا باختيارنا أو بغير اختيارنا، ومن قال لشاعر «كُنْ إقليميًّا»، فقد قال له «كن مقلدًا»، ولكنه إذا كان من طبيعته منتميًا إلى إقليمه فلا حاجة به إلى الأمر والإرشاد.
كذلك يقول بعضهم متعجبًا: هل توحي حرب طروادة إلى هوميروس بالإلياذة ولا تظهر في العصر الحديث إلياذة أضخم منها بعد الحرب العالمية العظمى؟
ولو كان هؤلاء القائلون يفهمون وحي الابتكار في الشعر لما خطر لهم أن شاعرًا عصريًّا ينبغي أن ينظم إلياذة في الحرب العالمية؛ لأن شاعرًا قديمًا نظم إلياذة في حرب طروادة، من أين لهم مثلًا أن هوميروس كان ينظم في الحرب العالمية إلياذة لو أنه عاش في زماننا؟
من أين لهم أن ضخامة الحرب هي التي توحي بالنظم فيها؟ فقد تكون الحرب بين عشرين فارسًا متقابلين أعنف في إثارة النفس من حرب الملايين بين الخنادق لا يشهد بضعهم بعضًا، ولا يعرفون من الحركة غير ضغط الزناد!
كذلك لا يفقه التجديد من يحسب أن الشعر المسرحي — حيث كان — أرفع من الشعر الغنائي في كل موضوع؛ فإن الشاعر المسرحي الذي لا يرسم لك شخصية واحدة صحيحة أقل من الشاعر الغنائي الذي يتحدث لك عن غناء البلبل فيصدقك الحديث والشعور، فكل فضل الشاعر في الملكة التي توحي إليه شعره دون العناوين التي يطلقها على موضوعاته، ونحن لا نفضل الشاعر المسرحي على الشاعر الغنائي إلا لأن الشاعر المسرحي يستطيع شعر الغناء ويستطيع زيادة عليه، وهذه الزيادة عليه هي الحس المتجاوب في النفوس المتعددة، فإن كان يملك هذا الحس فهو صاحب الفضل بهذه الملكة أيًّا كان الموضوع الذي يختاره لنظمه، وإن لم يملكها فالموضوع لا يعطيه ملكة هو محروم منها.
وإذا كان التجديد هو اجتناب التقليد، فالتجديد هو اجتناب الاختلاق، والمختلق هو كل من يجدد ليخالف، وإن لم يكن هناك موجب للخلاف، إن الذي يمشي على يديه يأتي بجديد ويدل على براعة لا يستطيعها من يمشي على قدميه، ولكننا قد نضع في يده درهمًا وقد نزج به في مستشفى المجاذيب، ولا نمشي على الأيدي من أجل تلك البراعة وذلك الاختلاف أو الاختلاق.
نجدد فلا نقلد ولا نختلق، ونحن مجددون كما ينبغي — وكأحسن ما ينبغي — إذا خرجنا بالشعر العربي من لحن الربابة إلى لحن الفرقة الموسيقية، شعورًا منا بتعدد النغمات النفسية، لا مجرد المباهاة بكثرة المعازف وإيقاع الضجيج.

الفصل الثامن
معْرَاج الشِّعر


سألني محرر أدبي صديق عن رأيي في مقام شوقي وحافظ من شعراء العرب وشعراء العالم، وهل غيَّر الزمن من رأيي في الشاعرين؟ وجواب هذا السؤال يرجع بي إلى أول رأي كتبته في شعر شوقي وحافظ قبل نيف وثلاثين سنة، وهو مثبت في كتيب صغير لي طبعته في سنة ????، ودونت آراءه وملاحظاته قبل ذلك بسنوات، وأسميته «خلاصة اليومية».
كان من عاداتي — وأنا دون العشرين — أن أدون مذكراتي اليومية في «نوطة» صغيرة لا تفارقني، وكان كل هذه المذكرات يدور على الخواطر التي أفكر فيها، والموضوعات التي أنوي كتابتها أو مراجعتها، ومن ذاك ما كتبته عن تعريف الشاعر كما كنت أفهمه يومئذ، وذاك أن اسم الشاعر بلغتنا «يشير إلى تعريفه»، ولعل معجمًا من معاجم اللغات لا يتضمن اسمًا للشاعر أدل على مسماه من اسمه في اللغة العربية … فقد عرفنا أن وزن الأعاريض غير قرض الشعر، ولكن من هو الشاعر؟ أهو المُقصِّد الذي لا يعجز عن ترصيع قصائده بما يبهر ويخلب من الخواطر البراقة والمعاني الخطابية المتلألئة؟ كلا؛ هذا شاعر يذكرني بصاحب ذوق مبهرج يريد أن يزين غرفته بالرسوم فيرصص سجوفها وحوائطها بالإطارات والكفافات، حتى لا يبرز منها قرن أو تظهر فيها زاوية، أو بذاك المصور الذي يصبع رسمه ببهي النقوش وبهيج الألوان ليبهر بها أبصار الناظرين، أو بتلك القروية التي تحلي يديها فتدس عشر أصابعها في أنابيب من مختلف الخواتم والفصوص، فليس الشاعر من يزن التفاعيل؛ ذلك ناظم أو غير ناثر، وليس الشاعر بصاحب الكلام الفخم واللفظ الجزل؛ ذلك ليس بشاعر أكثر مما هو كاتب أو خطيب؛ وليس الشاعر من يأتي برائع المجازات وبعد التصورات؛ ذلك رجل ثاقب الذهن حديد الخيال، إنما الشاعر من يشعر ويشعر …
ولقد ضاع الشعر العربي بين قوم صرفوه في تجنيس الألفاظ، وقوم صرفوه في تزويق المعاني، فما كان شعرًا بالمعنى الحقيقي إلا في أيام الجاهليين والمخضرمين على ضيق دائرة المعاني عندهم، وسيعود كذلك في هذه الأيام على أيدي أفاضل شعراء العصر.
وقد فسرت معنى الشاعر بالشعور في لغتنا كما قلت؛ لأن بعض الباحثين يردُّون الكلمة إلى مادة الغناء في بعض اللغات السامية.
كذلك كان مقياس الشاعر في اعتقادي قبل نيف وثلاثين سنة، وبهذا المقياس كنت أقيس شوقيًّا وحافظًا حين كتبت عنهما ما كتبته في «خلاصة اليومية»، فقلت عن حافظ: «يعجبني منه ذاك الجلال» وإن كنت أعتقد أن الجلال الظاهر لا يتطلب من شعرائه سموًّا في المشاعر أو أفضلية لها على شعراء الجمال، فعندي أن إدراك الجمال ينبغي له تهذيب في النفس ودقة في الذوق لا تُكتسَبان إلا مع العلم ومعاينة ثمرات الفنون؛ ذلك لي استقامة الفطرة وسلامة الطبع، وليس كذلك الجلال، فإنه لقوته الضاغطة على الحواس يضطر النفس إلى الشعور به قسرًا ما دامت على استعداد له، ويندر أن تَعْرى نفس عن استعداد للشعور بالجلال … وأما فيما عدا ذلك فشعر حافظ، كما قال فيه الدكتور شميل — ولم يرد أن يطريه — كالبنيان المرصوص متين لا تجد فيه متهدمًا: «فهو يعتمد في تعبيره على متانة التركيب وجودة الأسلوب أكثر من اعتماده على الابتداع أو الخيال.»
وكنت أعيب «رسميات» شوقي دائمًا أو تقليدياته؛ فكتبت أعقِّب على رثائه لبطرس غالي باشا بعد انقضاء سنة على وفاته، وفيه يقول:
القوم حَوْلَك يا ابنَ غالي خُشَّعيَقضُون حقًّا واجبًا وذِمامايَبكُون مَوئِلَهم وكهفَ رجائهموالأريحيَّ المِفضَل المقدامامتسابقين إلى ثَراك كأنَّهنادِيكَ في عزِّ الحياةِ زِحاما فقلت: أكان يريد أن يقول إن زائري قبر الرجل، وفيهم ساداته الأمراء والوزراء والعظماء والعلماء … كلهم ممن كانوا يقصدون من ناديه موئلًا وكهف رجاء يستعطون من أريحية ساكنه الجواد ويستدرُّون من أفضاله؟! أم أراد أن يقول كما قال الناس في هذا المعنى فأخطأ التقليد؟! أم لعله كان لا يريد أن يقول شيئًا؟! أم تراه يحسب أنهم ملكوا عليه حتى دموع عينيه، وأنه نائحة المعية، أتى ليرثي كل من يموت من خدامها بغير مقابل؟!
هذا الرأي في الشعر، وهذا الميل إلى الشاعرين، لم يتغيرا كثيرًا منذ نيف وثلاثين سنة، ولكنني أرجع فيهما إلى مقاييس أعم وأوسع من المقاييس التي كنت أرجع إليها يومذاك، وفاقًا لما اختبرته واطلعت عليه طوال تلك السنين، أما هذه المقاييس فهي في جملتها ثلاثة ألخصها فيما يلي:
فأولها: أن الشعر قيمة إنسانية وليس بقيمة لسانية؛ لأنه وُجِد عند كل قبيل وبين الناطقين بكل لسان، فإذا جادت القصيدة من الشعر فهي جيدة في كل لغة، وإذا تُرجِمت القصيدة المطبوعة تفقد مزاياها الشعرية بالترجمة إلَّا على فرض واحد، وهو أن المترجم لا يساوي الناظم في نفسه وموسيقاه، ولكنه إذا ساواه في هذه القدرة لم تفقد القصيدة مزية من مزاياها المطبوعة أو المصنوعة، كما نرى في ترجمة فتزجيرالد لرباعيات الخيام.
وثانيها: أن القصيدة بنية حية وليست قطعًا متناثرة يجمعها إطار واحد، فليس من الشعر الرفيع شعر تغير أوضاع الأبيات فيه ولا تحس منه ثمَّ تغييرًا في قصد الشاعر ومعناه.
وثالثها: أن الشعر تعبير، وأن الشاعر الذي لا يعبر عن نفسه صانع وليس بذي سليقة إنسانية، فإذا قرأت ديوان الشاعر ولم تعرفه منه، ولم تتمثل لك «شخصية» صادقة لصاحبه، فهو إلى التنسيق أقرب منه إلى التعبير.
وإذا عرضت الشاعرين — شوقيًّا وحافظًا — على هذه المقاييس الثلاثة صح أن تقول: إن حافظًا أشعر ولكنَّ شوقيًّا أقدر؛ لأن ديوان حافظ هو سجل حياته الباطنة لا مراء، أما ديوان شوقي فهو «كسوة التشريفة» التي يمثل بها الرجل أمام الأنظار، وليس هو من حقيقة حياته في كثير ولا قليل، وقد يبدو بعض العجب عند بعض القراء لقولنا: إن حافظًا أشعر ولكن شوقيًّا أقدر، فيحسبون أنه تناقض في الحكم على الشاعرين ولا تناقض هناك، ولعلنا ندفع شبهة التناقض بمثل قريب في عالم الحس؛ لأن أمثلة المحسوس أوضح من أمثلة المعقول، فالحرير أغلى من الكتان، ولكن الكسوة السليمة المحكمة من الكتان أفضل وأجمل من كسوة الحرير التي لا تلائم لابسها ولا تخلو من التمزيق والتلوث، وهكذا نتخيل الفرق بين شوقي وحافظ، فإن شوقيًّا ولا شك أذكى وأعلم وأصنع، ولكن حافظًا يعيش في نطاقه المحدود خيرًا من معيشة شوقي في نطاقه الواسع، ويعبر عنه أصدق من تعبيره.
وقد اختلف النقاد في المقابلة بين الشاعرين وبين شعراء العربية أو الشرق المتقدمين، فشوقي نفسه يتشبه بأبي نواس، ويسمي بيته كرمة «ابن هانئ» في بعض شعره: «وأني نواسي هذا الزمان.»
ومن النقاد من يقرن بينه وبين المتنبي لولوعه بالحكمة وتسيير الأمثال.
ومن النقاد من يقرن بينه وبين البحتري لسلاسة النظم وطلاوة اللفظ وحلاوة الأسلوب، ولا سيما بعد أن نظم شوقي سينيته التي يعارض بها سينية البحتري في الإيوان.
والحقيقة أن الشبه بين شوقي وأبي نواس بعيد؛ لأنك تقرأ أبياتًا من هنا وأبياتًا من هناك في ديوان أبي نواس فلا يفوتك أن تعرفه على حقيقته في السر والعلانية، ولا يعجزك إذا كنت من المتصورين أن تطبع له صورة في خيالك ثم تطبعها على القرطاس، ولكنك تقرأ دواوين شوقي كلها فلا تخرج منها بصفة صادقة عن الرجل، لا في السجية ولا في التفكير.
وكذلك لا شبه على الإطلاق بين شوقي وأبي الطيب، وإن كثرت الحكمة في ديوان هذا وديوان ذاك؛ لأن حكمة أبي الطيب منتزعة من تجارب نفسه وحسه، وما من بيت له — ولو كان مستعارًا في معناه — إلا وأنت مستطيع أن تجد له مصداقًا من سيرة الرجل، أو مما اختبره وتحراه، وليست حكم شوقي من هذا القبيل؛ لأنها مظهر للقسط المشترك بين المتمثلين بمظاهر الأخلاق.
والشبه بعيد كذلك بين شوقي والبحتري، فإن وقفة البحتري على الإيوان أو على البركة، أو على قصر المتوكل من وحي الصناعة، وبروز الصناعة في شعره لا ينفي عنه الطبع الذي يمثله لك في ديوانه إنسانًا معروف الملامح النفسية مشتركًا معك في حياة كل يوم.
إنما شوقي في مجال التشبيه هو مسلم بن الوليد في العصر الحديث، وحسبك أن تقرأ لابن الوليد مثلًا:
أُقرُّ بالذَّنبِ منِّي لستُ أعرفُهكَيْما أقول كما قالتْ فنتَّفق لتنسبه بغير عسر إلى من قال:
مولايَ ورُوحِي في يدِهِقد ضيَّعها سلمتْ يدُهُ! والخطأ في تشبيه حافظ بالأقدمين كالخطأ في تشبيه شوقي، فحسبك مثلًا أنه شبه بحافظ الشيرازي لاتفاق الاسمين كما قال البارودي:
هيهاتَ ليس لحافظٍ من مُشبهفي الشِّعر غير سميِّه الشيرازي وبين الحافظين أبعد مما بين تخوم مصر وتخوم إيران.
وقد شبهوه مرة بالأخطل، ومرة بأبي تمام، وليس في مزاجه ولا في كلامه نسب إلى هذين، ولعله أشبه الشعراء بعلي بن الجهم بين العباسيين، وإن لم تكن لابن الجهم تلك الفكاهة التي اشتهر بها حافظ في حياته الخاصة، ولم يكثر منها في منظوماته.
ويصعب جدًّا أن نختار لشوقي وحافظ مكانًا صالحًا لهما بين الشعراء العالميين، أو بين الشعراء الغربيين، وليست المسألة هنا مسألة مفاضلة، بل مسألة تباين واختلاف، فربما كان شوقي وحافظ أفضل من كثيرين من الشعراء المعدودين في بعض الأقطار الأوروبية، ولكن المقابلة بينهما وبين أولئك الشعراء كالمقابلة بين ثمرة وثمرة تختلفان في المنبت واللون والمذاق، على أننا نستطيع أن نشبه حافظًا بين شعراء الإنجليز بإسكندر بوب، ونشبه شوقيًّا بجون درايدن ويفهم العارفون بهذين الشاعرين وجوه الشبه التي نعنيها.
ولا يتسع المقام لتعريفهما إلى من يجهل اللغة الإنجليزية، ويكفي أن نقول: إن وجه الشبه الأكبر يرجع إلى مقدار «ظهور الشخصية» في هذا وذاك، ولا يتجاوز ذلك إلى مدى الثقافة والذكاء.
ومقطع الرأي في شوقي وحافظ عندنا أنهما كانا ولا يزالان يستويان على أرفع القمم العالمية بين نهاية التقليد وبداية التجديد، وأن ما نقص منهما في الجديد تقابله زيادة في القديم.

الفصل التاسع
شوقي في الميزان … بَعد خمس وعشرين سَنة


ما هو أدب التجديد؟
باتفاق الآراء يمكن أن يُقال إنه الأدب الذي فيه شيء مستمد من قريحة الأديب.
وما هو أدب التقليد؟
هو — بهذا المقياس نفسه — كل أدب لا عمل فيه للأديب غير نقل الأشكال والقوالب وحكاية المعاني والألفاظ.
وبهذا القياس للتجديد والتقليد نحسب أن ربع القرن الذي مضى بعد وفاة الشاعر شوقي قد عرفناه بمكانه وقد وضعه في ذلك المكان.
فهو إمام المدرسة الوسطى بين المقلدين والمجددين، أو هو إمام مدرسة نستطيع أن نسميها بمدرسة «التقليد المبتكر أو التقليد المستقل». ونقول بذلك شيئًا يفهمه الناقد الذي يفهم درجات التطور من الجمود على القديم إلى ابتداع الخلق والإنشاء مستقلًّا عن كل محاكاة.
لم يكن شوقي من المقلدين الآليين الذين يلتزمون حدود المحاكاة الشكلية ولا يزيدون.
ولم يكن من المجددين الذين يعطون من عندهم كل ما أعطوه من معنى وتعبير.
ولكنه كان يقلد ويتصرف، وكان تصرفه يخرجه من زمرة الناقلين الناسخين، ولكنه لا يسلكه في عداد المبدعين الخالقين الذين تنطبع لهم «ملامح نفس مميزة» على كل ما صاغوه من منظوم ومنثور.
فهو قد نشط بالشعر من جمود الصيغ المطروقة والمعاني المكررة، ولكنه لم يستطع أن ينتقل به من شعر القوالب العامة إلى شعر «الشخصية» الخاصة التي لا تخفى معالمها ولا تلتبس بغيرها، فلا «شخصية» هناك في قصائده ولا في رواياته، ولا يخصه شيء من شعره إذا صرفنا النظر عن براعة القالب وطلاوة اللفظ ونغمة الأداء.
لهذا تقرأ مائة قصيدة لشوقي ولا تستخرج منها «ملامح شخصية» غير ملامح المبدع الصناع.
ولهذا يمدح شوقي من مدحهم ويرثي من رثاهم وهم عشرات من مختلف الأعمال والأدوار، ولا تكاد تميزهم من شعره بغير ما ميزتهم به الأسماء والأرقام والعناوين.
ولهذا يعرض لنا الأبطال في رواياته كأنهم «الخامات» التاريخية بغير تصوير من الخيال أو صقل من القريحة، إلا أن يكون تصويرًا يفهمه القارئ كما يفهمه من مطالعة التواريخ.
خلاصة القول فيه: إنه مقلد مبتكر، أو أنه مبتكر مقلد، فلا هو يقتفي آثار الأقدمين ولا ينفرد بملامحه الشخصية في التعبير عن نفسه أو التعبير عن سواه.
وقد ضربت المثل لهذا النوع من التقليد في مقال عن الأدب المصري في نصف قرن، فقلت: إن الثري الذي ينافس زميله فيأتي بسيارة من طراز سيارته لا يُقال عنه إنه مستعير منه ولا إنه دونه في الثروة والوجاهة، ولكنه كذلك لا يُقال عنه إنه مستقل عن ذلك الزميل كل الاستقلال؛ لأنه لم يكن ليأتي بتلك السيارة من ذلك الطراز — لو لم يسبقه إليها ولم يكن به حرص على محاكاته والظهور بمظهره كما شاء له قبل أن يشاء لنفسه.
وننقل هذا المثل إلى الشعر الذي انعقدت فيه المقارنة بين شوقي وأنداده من الشعراء الأقدمين؛ لأنه عارضهم فيه بالوزن أو الموضوع.
فقد وازن بعض النقاد بين سينية شوقي في الأندلس وسينية البحتري في الإيوان، وقال بعض هؤلاء النقاد: إنه سبق بها البحتري في بلاغة لفظه وجودة معناه وحداثة تشبيهاته، وليس بنا في هذا الصدد أن نرجع إحدى القصيدتين على هذا المنوال، فإن الشوقية قد ترجح البحترية في كل شيء ويبقى بعد ذلك فضل الابتكار المستقل للبحتري غير منازع فيه، لا لأنه سبق صاحبه في الزمن فذلك ما لا فضل فيه للمتقدم ولا حيلة فيه للمتأخر، ولكن لأن وصف الآثار التاريخية قالب محفوظ يترسمه شوقي ولا يكلفه كثيرًا ولا قليلًا من جرأة الخيال ولا من اقتحام الإبداع …
أما البحتري — الشاعر العربي — فلم يكن ليفهم أن خرائب فارس تستحق في قريحته ما تستحقه أطلال سعدى ولبنى لولا جرأة في الخيال، وتصرف في الشعور وإحساس صحيح ببواعث الشعر حيث كان.
وعلى هذا يقول من شاء: إن قوالب شوقي لا تقل عن قوالب المبرزين من الشعراء الأقدمين، ولكنه في «ملامحه الشخصية» يغيب عن النظر حيث تبدو الملامح الواضحة لكل شاعر من أولئك الشعراء.
على أن القاعدة هنا تتفتح للاستثناء على سنة القواعد في الأدب وفي جميع الأمور.
والاستثناء الذي نعنيه شعرٌ ظهر لشوقي في أخريات أيامه وازدياد ظهوره بعد وفاته، وكاد يهمله جامعو الديوان وهو في اعتقادنا أحق باب فيه بالإثبات؛ لأنه الباب الوحيد الذي يُحسَب من شعر الملامح الشخصية بين سائر الأبواب.
ذلك هو باب القصائد الفكاهية التي كان ينظمها شوقي ويطويها، ولم يكن يعرض لها في أوائل عهده بالنظم إلا على غير احتفال منه في فلتات بعد فلتات.
من هذه القصائد ما نظمه في «المحجوبيات»، ومنها ما نظمه قبل ذلك بين فترة وفترة على غير انتظام.
وبين أطراف هذه المحجوبيات قوله في سيارة الدكتور:
إذا حرَّكها مالتْعلى الجَنبينِ منهارةوقد تحرنُ أحيانًاوتمشي وحدها تارةولا تُشبعها عينٌمن البنزينِ فوَّارةترى الشارعَ في ذعرٍإذا لاحتْ من الحارةوصبيانًا يضجُّونكما يَلقون طيَّارة ومثله قوله في براغيث محجوب:
بواكير تطلعُ قبل الشِّتاءوترفعُ ألويةَ الموسمِوتبصرها حولَ بيتِ الرئيسوفي شاربيه وحول الفمِوبين — حفائر — أسنانهِمع السوس في طلب المطعمِ وأقدم من هذه المحجوبيات قليلًا قوله في رحلة غاندي إلى مؤتمر المائدة المستديرة:
وقل هاتوا أفاعيكمأتى الحاوي من الهندِ وقوله يخاطب البحر الأبيض المتوسط:
فابلَعْ فديتُكَ كلَّ مائكَ فالملا ينوِي ابتلاعَك وقوله في هرب الخليفة عبد المجيد على سفينة إنجليزية:
أَمَنْ سرقَ الخليفةَ وهو حيٌّيعفُّ عن الملوكِ مُصفَّدينا وقوله في معرض الرياحين بباريس:
من رآه يقول قد حرموا الفردوس لكن بسحرهم سرقوه وفي هذه القصيدة يقول:
ما تَرى الكَرْمَ قد تشاكَلَ حتَّىلوْ رآه السقاةُ ما حقَّقُوهصوَّروه كما يَشاءُون حتَّىعجِبَ النَّاسُ كيف لم ينطِقُوه فهذه الفكاهات وأشباهها هي الباب الوحيد الذي ظهر فيه شوقي بملامحه الشخصية؛ لأنه أرسل نفسه فيه على سجيته وانطلق من حكم المظهر والصنعة والقوالب العرفية التي تنطوي فيها ملامح الشخصية وراء المراسم والتقاليد.
وهنا يبرز للقارئ من ملامح شوقي ما لم يبرز له من جميع دواوينه ورواياته، فيراه بما جُبِل عليه من حب الحيلة والعمل الخفي والاستراحة إلى مقالب النكاية التي تنطوي في الدعابة، ويرى كيف يدور وعيه الباطن ويدور ليتحدث عن حيلة الحاوي واختلاس المستعمر وابتلاع أمواه البحار وسرقة الكرم والزهر من الفردوس ومكامن البراغيث في حفائر الأسنان.
غير أن القوالب هنا تتسلل بحكم العادة إلى السليقة فتفرض عليها وجودها في إبان انطلاقها من قيودها، وكذلك يقول شوقي عن الكرم: إن المصورين كادوا أن ينطقوه مع أن الكرم الأصيل لا ينطق ولا يُسمَع له صوت، ولكنه مشى مع مبالغات التشبيه فقال عن صورة الكرم كما يُقال عن صور الإنسان والحيوان.
ومن قبيل هذه النزعة القالبية أنه يسأل البحر الأبيض أن يبلع ماءه؛ لأن المستعمرين يريدون أن يبلعوه، وهو لو أصبح بغير ماء لوطئه المستعمرون بغير عناء.
إلا أن هذه المقطوعات الفكاهية التي لُصِقت بالديوان كأنها نافلة فيه قد حلت منه في محل أصيل لا غنى عنه لإنصاف شاعرية الشاعر، وإنصاف الموازين التي اعتمدنا عليها في نقد شعر زملائه في أول دعوتنا الأدبية، فمن هذه المقطوعات يظهر الفارق في كلام الشاعر الواحد بين الشعر الذي يستوحيه من سجيته ويستودعه ملامح نفسه وبين الشعر الذي تغلب عليه القوالب العامة بغير تمييز بين الطبائع والخصائص النفسية، وقد كان لشوقي نصيبه من وحي الشخصية حين ينطق معه بغير قيد من قيود العرف والتقليد، ولكن نطاق المدرسة التي كان يمثلها — وهي مدرسة التقليد المبتكر — لم يكن ليتسع في وقته لمزيد من الاستقلال أو المزيد من مقاومة البديهة المتحررة من بقايا الزمن القديم.
وقد مضت خمس وعشرون سنة بعد وفاة شوقي — رحمه الله — لم تغير من حقائق أدبه ولا من حقائق الأدب على الإجمال شيئًا من جوهرها الصميم، ولكنها غيرت من نظرات القراء كما غيرت من شعورهم وموازين ثقافتهم، فهم اليوم أقرب إلى الحدود الواضحة في مسائل الأدب التي كانت ملتبسة الحدود قبل جيل أو جيلين.
كانوا قبل خمسين سنة يطلقون اسم الأدب الجديد على أدب لا جديد فيه إلا أنه مخالف لما قبله.
وكانوا قبل عشر سنوات يطلقون اسم أدب التقليد على كل أدب يجري على أصل من الأصول، ولا ينطلق مع الفوضى والإباحة إلى غير غاية.
فالآن نستطيع أن نفرق بين القواعد والقيود، فنعلم أن القواعد لازمة لكل فن، وأنها لا تمنع شخصية الشاعر أن تستوفي تعبيرها عن ذاتها كما تشاء، ونعلم أن التحرر من القواعد فوضى ولكن التحرر من القيود حرية وابتكار.
وقد دعونا إلى التجديد قبيل الحرب العالمية لنقول ذلك بالأسلوب الذي ارتضيناه أو ارتضاه المقام، وكان أسلوبًا يوجبه علينا أننا كنا نخترق السدود ونحارب سوء الفهم وسوء النية في وقت واحد، فمن كان يؤمن بحق الدعوة في أسلوبها على حسب العوامل الخلقية — أو النفسية — التي تحيط بها فله أن يحقق تاريخ الفترة ليقضي لنا أو علينا فيما اخترناه من وسيلة لإبلاغ دعوتنا، ومن كان لا يؤمن بحق للعوامل الخلقية والنفسية في هذه الدعوات فلا يعنينا ما يرى أو ما يقول.
ورأينا في أدب شوقي بعد خمس وعشرين سنة من وفاته — رحمه الله — أنه خير مصداق لموازين النقد التي اتخذناها لتصحيح الآراء في تلك الفترة، فليس من الحق أن يُقال إن الشاعر كان مقلدًا كمن سبقه من المقلدين، ولا إنه كان مجددًا مستقل القريحة واضح الاستقلال بملامحه الشخصية، ولكنه كان في مرحلة التقليد المنصرف إمامًا يحمل العلم ويسبق كثيرًا من المبتكرين في ميدانه، وهو ميدان الصناعة المتجددة على نهج السلف القديم.

الفصل العاشر
الفلسَفة والفَن


الفلسفة تجريد والفن تجسيد، فهما على هذا التعريف نقيضان أو طرفان متقابلان؛ أو هما على الأقل شيئان مختلفان، وليس من غرضنا في هذا المقال أن نعرض لما بين موضوع الفلسفة وموضوع الفن من خلاف، فإن قصارى القول في هذه المسألة أن الفيلسوف لا يشغل مكان الفنان، والفنان لا يشغل مكان الفيلسوف على أية حال، وأن بحث هذه المسألة أحرى بدراسة مستقلة تقصر عليه، وإنما غرضنا من هذا المقال أن نجمل رأي الفلسفة في الفن، أو قيمة الفن في رأي الفلاسفة، وأن نرد ذلك كله إلى سبب أصيل في موقف الفيلسوف من جميع المسائل التي تدخل في تقديره، ومنها حقيقة الفنون.
والسبب الأصيل الذي ترجع إليه تقديرات الفلاسفة في الحكم على الفن هو موقفهم من قيمة المحسوسات بالنسبة إلى الحقائق، فأنت تعرف رأي الفيلسوف في الفن إذا عرفت رأيه في المحسوسات ومبلغ دلالتها على الحقيقة؛ لأن الفن لا ينفصل عن المحسوسات، والفلسفة لا تنفصل عن طلب الحقيقة في أصول الأشياء أو فروعها، فلا قيمة للفن في نظر فيلسوف من الفلاسفة أكبر من قيمة الحقيقة التي يدل عليها.
فأفلاطون مثلًا كان يقول أن الحقائق أفكار مجردة من عقل الخالق جل وعلا، وأن هذه الأشياء المحسوسة إن هي إلا محاولة لإبراز تلك الأفكار إلى عالم المادة أو الهيولى، فالمحسوسات هي محاكاة للحقائق العليا، والمصنوعات الفنية هي محاكاة لهذه المحسوسات، ومؤدى ذلك أن الفن محاكاة للمحاكاة وتقليد للتقليد، وليست هذه بالمنزلة «المشرفة» في تقدير الفيلسوف، فلا جرم ينزل الفنانون في مقام دون مقام الشرف من جمهورية أفلاطون!
أما تلميذه الكبير — أرسطو — فقد كان للمحسوسات شأن أعظم من هذا الشأن في موازينه؛ لأنه يعتمد على المشاهدة والتجربة واستخلاص الكليات من الجزئيات، فالمحسوسات عنده وسيلة من وسائل الترقي إلى الحقيقة والنفاذ إلى لبابها، ومن ثم تبدو الحقيقة في عمل الفنان المجيد على وجه من الوجوه، بل ربما تأتَّى للفنان أن يخلص إلى الحقيقة الكلية من وراء المشاهدات الجزئية؛ لأنه إذا رسم لنا الوجه الجميل رسم لنا نموذج الوجه الجميل، ولم يرسل لنا هذا الوجه أو ذاك، فهو يترقى من الجزئيات إلى الكليات، وعند الفيلسوف أن «الجميل» غير «الطيب» أو «الخيِّر» في خصلة واحدة شاملة لما بينهما من الفروق، وهي أن الطيب متعلق بعالم العمل أو الحركة، وأن الجميل متعلق بعالم من المعاني ثابت لا حركة فيه، ومتى ذكرنا أن أرسطو يصف الله بأنه هو «المحرك الذي لا يتحرك»، فقد عرفنا المرتقى الذي ارتقى إليه بالجمال أو بالفن المشغول بتمثيل الجمال، ومن هنا لا عجب أن يرى أرسطو أن الشعر أهم من التاريخ؛ لأن الشعر يعرض لنا الإنسان في كلياته العامة ولا يعرض لنا التاريخ منه إلا وقائع مخصوصة وآحادًا متجزئين.
ومن طرائف المفارقات حقًّا أن أفلاطون — وهو في صميمه فنان واسع الخيال — ينزل بالخيال وذويه إلى تلك المنزلة المهينة! وأن تلميذه الكبير — وهو عالم لم يبلغ من سعة التخيل مبلغ أستاذه — يرتفع بالفن ذلك المرتفع ويقدره ذلك التقدير.
ولكن أرسطو — على جلالة قدره — لم يسلم من خطأ الأقدمين جميعًا في قولهم: إن الفنون كلها تقوم على المحاكاة والتقليد، وغفلتهم عن الحقيقة التي شاعت اليوم بين المفكرين ونقاد الفنون، وهي أن الفن الرفيع لا يقوم على غير الخلق والإبداع، ومن طرائف المفارقات أيضًا أن الرجل الذي أدرك — بين الأقدمين — أن الفنان يبتدع ولا يقلد لم يكن من الفلاسفة المعدودين، بل كان معدودًا من الأدباء والخطباء، وهو شيشرون الخطيب الروماني المشهور؛ فإنه قال لصديقه ماركس بروتس: إن فيدياس لم يقلد شيئًا حين مثل لنا زيوس وأثينه، ولكنه خلق من مخيلته ما يراه الناس بالأبصار، وكان يقول إن الجمال معنى يقوم على نسبة الجزء إلى سائر الأجزاء، وأنه لارتباطه بالمعنى يختلف بين الرجال والنساء، فجمال الرجل فحواه الوقار وجمال المرأة فحواه الرشاقة، ومتى كان الفنان موكلًا بتمثيل المعاني فهناك شيء أمامه غير محاكاة المحسوسات.
ثم ظهرت المدرسة الأفلاطونية الحديثة، فكان رأيها في الجمال والفن هو رأي إمامها أفلاطون، وهو لا يعظم المحسوسات كلها ولا يحتقرها كلها، ولكنه يعطيها من الحسن والخير بمقدار نصيبها من الفيض والصدور.
وخلاصة فلسفة أفلوطين أن المخلوقات جميعًا صدرت من «الأحد» على التوالي؛ ففيها من الجمال بمقدار ما يتجلى فيها من فيض الأحد، أو من فيض العقول التي تسلسلت من وجوده درجات بعد درجات، فإذا مثل الفنان لونًا من ألوان الجمال فهو لا يمثل لنا محسوسًا من هذه المحسوسات، وإنما يمثل لنا قبسًا من نور «الأحد» الذي تجلى في ذلك المحسوس، وقد كان أفلوطين ينكر تعريف الجمال بالتناسب؛ لأن التمثال الذي يصور الحياة أجمل في رأيه من التمثال الذي تتناسب أعضاؤه، وهو بعيد الشبه بالحياة.
وقامت الفلسفة الدينية بعد المدرسة الأفلاطونية الحديثة، فانقسم أصحابها إلى قسمين في تقدير الفنون، ويمكن أن يُقال هذا عن الفلسفة المسيحية، كما يُقال عن غيرها من الفلسفات الدينية، ومنها فلسفة المتصوفة والمتكلمين بين المسلمين.
فالذين نظروا منهم إلى الدنيا نظرة الزهد فيها والتزاور عنها توجسوا من الفنون، كما توجسوا من سائر المحسوسات، وحسبوها أحبولة من أحابيل الشيطان.
والذين نظروا إلى الخلق كأنه أثر من آثار الخالق التمسوا في الحسن دليلًا على وجود مبدعه ومصوره، فلم ينكروه ولم ينكروا الفنون التي تعرضه وتجلوه.
وربما جمعوا بين النظرتين، كما فعل سكوتس Scotus (???–???)، ومن نحا نحوه، فيقولون إن الجمال قد يكون رمزًا إلى جمال الله، كما يكون فخًّا من فخاخ الشيطان، ولا يجعله الشيطان فخًّا من فخاخه إلا لأنه حسن يستهدي الأبصار ويفتن القلوب. وقد كان القديس توما الأكويني حكمًا عدلًا في هذه المسألة، كما كان حكمًا عدلًا في غيرها من مسائل الفلسفة واللاهوت، فعنده أن الكون كله جميل في نظر من يراه فيرى إبداع خالقه فيه، وأن الجميل الحق لا يكون جميلًا إلا إذا توافر فيه كمال وتناسق وصفاء، وذلك كله عنوان محسوس لجمال الله.
ولما نشأت الفلسفة الحديثة كان إمامها «ديكرت» وسطًا بين تقديس الحس وتدنيسه، أو بين الاعتماد عليه كل الاعتماد وإسقاطه كل الإسقاط، فهو لا ينكر أن الحس يتأدى بنا إلى المعرفة في بعض الأحيان، ولا يقول بأنه هو سبيل المعرفة الوحيد، كما يقول الحسيون التجريبيون، فهناك حس صادق وحس واهم، والتمييز بينهما لا يرجع إلى مقاييس الحس نفسه، بل إلى مقاييس الحقائق الرياضية التي أثبتها الله في عقل الإنسان، فإذا جلست أمام الموقد فقد تكون جالسًا هناك حقًّا، وقد تكون في حلم يُخيَّل إليك أنك جالس هناك، والعقل بمقاييسه الرياضية هو الذي يميز بين الحِسَّيْن.
وجملة ما يؤخذ من هذا الرأي أنه رأي سلبي في النظر إلى قيمة الفنون، وغاية ما ينتهي إليه أنه لا مانع من تمثيل المعرفة أو الحقيقة في آيات الفن الجميل.
ثم راجت مدرسة الحس والمعرفة التجريبية، واقترن رواجها بالرجعة إلى المدرسة السلفية، أي: بالرجعة إلى مقاييس الفنون كما كانت في عهد اليونان واللاتين الأقدمين، فقامت فلسفة الجمال كلها — أو كادت تقوم كلها — على المقاييس الحسية، وظهر اسم «الأيستتك Oesthetics» بمعنى فلسفة الجمال لأول مرة حوالي هذه الفترة، وكان صائغ هذه الكلمة بومجارتن Baumgarten ينشر مذهبه في ألمانيا، ويعاصره أدمند برك Burke بآراء في الجمال والجلال تتلاقى معه في شيء واحد، وهو الرجوع إلى المشاهدات والمحسوسات وتوخي الدراسات العلمية في تقرير القواعد وتعميم الأحكام. وجاء رد الفعل المنتظر بعد كل حركة تتمادى إلى نهايتها، فأخذ الفلاسفة ينقصون من سلطان الحس ويلوذون بعض اللواذ بإلهام البداهة وإيحاء الضمير.
وطليعة هذه الحركة فيلسوفان عظيمان من أعظم الفلاسفة الألمان في القرن التاسع عشر، وهما: «كانت» و«هيجل».
? «كانت» يقول إن الحس والعقل معًا لا ينفذان إلى ما وراء الظواهر الطبيعية، وإننا لا نعرف قانونًا من القوانين العامة يضطرنا إلى الحكم على شيء من الأشياء بأنه جميل أو غير جميل، وإنما يرجع تذوق الجمال إلى «القانون الأدبي أو الأخلاقي» الذي تُناط به معرفة الله، فالجمال هو رمز النظام الأدبي في الوجود، وهو مع هذا لا يرادف «الخير» في مدلوله ومعناه؛ لأنك لا تقول عن الشيء إنه «خيِّر» أو «طيب» إلا إذا عرفت قبل ذلك ما هو ذلك الشيء، ولكنك تعرف الجميل، ولا تحتاج إلى مثل تلك المعرفة؛ لأن البداهة التي يوحي بها النظام الأدبي في الوجود هي مصدر الحكم عليه.
و«هيجل» يضع الفن في جانب، ويضع الفلسفة في جانب يحاذيه ولا يناقضه؛ لأنه يقرن الفن بالجمال، ويقرن الفلسفة بالحقيقة، ويقول إن الحقيقة هي الفكرة المطلقة Absolute كما تتجلى للعقل، وإن الجمال هو الفكرة المطلقة كما تتجلى للحس والمدركات الحسية، ويتبعها الخيال. ويترقى شأن الفن بترقي شأن البداهة في الجيل الذي أعقب ذلك الجيل، وهو جيل القرن العشرين، فالفيلسوف الإيطالي كروتشي “Croce” يقسم المعرفة إلى معرفتين: معرفة منطق ومعرفة بداهة، وعماد المنطق العقل، وعماد البداهة الخيال، وهو — أي: كروتشي — محسوب من الهيجليين؛ لأنه يقول بالفكرة المطلقة، أو يقول بأن الفكر هو قوام الوجود، ولكن الفكرة عند كروتشي روح عامل وليس مجرد فكرة منطقية، ومن هنا يفضل كروتشي الفن على العلم وعلى فلسفة ما وراء الطبيعة؛ لأنه ينشئ ويعمل وينفذ بنا مباشرة إلى معرفة الكائن أو الحي في ذاته، وإذا قال كروتشي إن الخيال قرار وإن المنطق يقوم عليه، فليس معنى ذلك أنه يرفع شأن المنطق على شأن الخيال، بل هو يجعل العلاقة بين المعرفة البديهية والمعرفة المنطقية كالمعرفة بالكلام والمعرفة بالأجرومية، فلا أجرومية بغير كلام، وإن كان الكلام قرارًا تقوم الأجرومية عليه، وفضل الفن أنه منوط بالنموذج الفرد من حيث ينقلنا العلم بعيدًا من الحياة النابضة إلى المجردات العامة، ونحن نبتغي المنفعة من العلوم، ولكننا نبتغي الحياة من الفنون. ويقابل كروتشي — ولكن على الطريقة الإنجليزية — الفيلسوف الإنجليزي كولنجود Collingwood، فهو يبين في كتابه عن فلسفة الفن أو العرض أو التمثيل، غير التقليد؛ لأن التقليد أخذ صناعة من صناعة، أما العرض أو التمثيل فهو أخذ صناعة من الطبيعة، ثم يعود فيقول إن العرض عمل يلازم الفن، ولكنه ليس هو الفن في صميمه؛ لأنه عمل من أعمال الحذق والمهارة التي تشبه أن تكون مهارة آلية، وليس بخلق ولا إنشاء ولا إفضاء بروح الفنان إلى من ينظرون عمله، ولو كان كل ما يعنينا من الفن أنه يعرض لنا الطبيعة في الصورة لما بقيت للصورة التي مات أصحابها قيمة فنية بعد موتهم وضياع المقياس الذي تُقاس به مشابهتهم للصور التي تمثلهم، فهناك شيء في الصورة غير مجرد المشابهة يعنينا ويقوم عليه تقديرنا لملكة الفنان المطبوع، وهذا هو الخلق والتغيير. وعند كولنجود أن الخيال باب من أبواب المعرفة وإن اختلط فيه الصدق بالضلال، وليس في هذا الاختلاط ما يعيبه ويبطل عمله؛ لأنه بمثابة الفروض العلمية التي تختلط وتتضارب فيما بينها إلى أن تتمحص عن فرض واحد معول عليه، ويفرق كولنجود بين الخيال Imagination والوهم أو الخداع Make-believe كما يفرق بين الفن الذي يعتمد على هذا، والفن الذي يعتمد على ذاك. فالفن الخادع هو الفن الذي يرضي شهوة من الشهوات يفقدها الإنسان في عالم الحس، فيموهها على نفسه في عالم الأحلام.
أما الخيال فإنه يجري عمله كما تجري الحواس وظائفها دون تعمد للخداع وإرضاء الشهوات، وإن جاء منه عفوًا ما يخدع أو ما يرضي شهوة المتخيلين.
ويمتاز فن الخيال على فن الخداع بأنه فن لا يتوخى التسلية ولا إثارة الإحساس، بل يعمد إلى الأشياء التي يحسها الناس إحساسًا مبهمًا أو مضطربًا فيجلوها لهم، ويرفعها أمامهم من قرارتها الغامضة إلى وضح الوعي والتصور المبين، ولا معنى في مذهب كولنجود لقول القائلين بالفن للفن، على اعتبار أن الفن صناعة أو صياغة منفصلة عن الموضوع، ولكن «الفن للفن» في رأيه معناه أن الفن لموضوعه، وأن موضوعه هو ما تقدمت الإشارة إليه من تجلية الخيال والشعور.
وتنتهي بنا هذه الرحلة السريعة بين القديم والحديث إلى خلاصة نجعلها في هذه الحقيقة، وهي أننا نرتقي في تقدير الفن كلما ارتقينا في تقدير الحس والبداهة وفي العلم بوظيفة الخيال، فليس الفن مقيدًا بالحس والمدركات الحسية، وليس الخيال خداعًا منعزلًا عن حقائق الأشياء، بل هو وظيفة مبدعة تنفذ من أسرار الخلق إلى الصميم.
ونعود إلى أفلاطون لنقتبس منه أمثولة تنفعنا في تقريب وظيفة الفن على هذا الاعتبار، فأفلاطون يقول إن الإله السرمدي شاءت له نعمته أن يتفضل على المخلوقات بنوع من البقاء يناسبها؛ لأنه هو الباقي الذي لا يزول، وليس من المعقول أن يخلع عليها نعمة البقاء الأبدي؛ لأن بقاء الأبد لا يُخلَع ولا ينتقل من خالق إلى مخلوق، فوهب لها بقاء الزمان تحاكي به بقاء الله، وهو غاية ما تسمو إليه من دوام.
وعلى هذا النحو يمكننا أن نقول إن الخالق السرمدي — جلت قدرته — قد شاءت له نعمته أن يتفضل على العباد بنوع من قدرة الخلق تناسبها، وتدخل في مستطاعها، فوهب لها الفن تخلق به بدائعها وتصور به آمالها، فهو غاية ما تسمو إليه من خلق وإبداع، وهو قبس في الإنسان من قدرة الله، أو كما قلنا من قصيدة في ديواننا الأول:
الشِّعرُ من نفسِ الرَّحمنِ مقتبَسٌوالشَّاعرُ الفذُّ بين النَّاسِ رَحمانُ
الفصل الحادي عشر
نُعرِّب أو نُترجم


مسألة الكلمات الأجنبية — ولا سيما المصطلحات الخاصة — مسألة قديمة حديثة، لم يخلُ منها عصر من عصور اللغة العربية منذ نشأتها الأولى قبل تفرع اللغات السامية.
وحلها كذلك حل قديم حديث، لم يخلُ منه عصر قديم ولا حديث.
حلها التعريب والترجمة معًا، لا اختلاف بين عصر وعصر فيهما غير الاختلاف في المقدار أو في النسبة بين الكلمات المعربة والكلمات المترجمة، فقد تزيد كلمات التعريب أحيانًا، وتزيد كلمات الترجمة أحيانًا أخرى وتجري الزيادة في هذه أو تلك على حسب العوامل النفسية قبل غيرها، وأهمها عوامل الثقة بالنفس والاطمئنان إلى سلامة اللغة وقلة الخوف عليها من طغيان اللغات الأخرى.
ففي عصر الجاهلية كان العرب يكثرون من التعريب ولا يتوقفون عن تعريب كلمة أعجمية صادفتهم في بلادهم أو خارج بلادهم من شبه الجزيرة، فلو أحصينا الكلمات المعربة في اللغو لزاد ما عربه الجاهلون عن نصف هذه الكلمات في جميع العصور؛ إذ نحسب منه أسماء كثير من الجواهر والمواد ومن الأدوات والنباتات، ومن الأباريز والعطور، ومن الأكسية والمأكولات والمشروبات، ولا تقل عدتها عن ألوف.
وقلما يخطر لنا اليوم أن نترجم اسم مدينة مشهورة ولو كان لهذا الاسم معنى، وقلما يخطر لنا كذلك أن نترجم اسم إنسان مشهور وإن كان من الأسماء التي لها معانٍ في اللغة كاسم جورج وميخائيل ومرجريت وفكتوريا، وإنما نعربها بألفاظها مع صقلها بالصيغة العربية.
وعلى هذا النحو كان ينظر العربي إلى أسماء المواد والأشياء التي وُجِدت في غير بلاده، فإنه يعلم أن العربية هي لغة العرب وأن اللغة تركيب وسياق وليست مفردات ومقاطع وحروف، وإنما تُسمَّى الأشياء بأسمائها في بلادها وتُعرَف بتلك الأسماء كما تُعرَف أسماء الأعاجم التي تلقوها من آبائهم وأمهاتهم بغير حاجة إلى تعريب: كسرى، وهرقل، وسابور، وفرعون، وأشباه ذلك من الأسماء …
ولعلهم لم يسألوا أنفسهم قط عن معنى كلمة دينار أو معنى كلمة قنطار، ولو سألوا لعرفوا أن معنى الدينار «عشري» نسبة إلى عشرة، وأن معنى القنطار «مئوي» نسبة إلى مائة، ولكنهم على هذا كانوا خليقين أن يعربوا الكلمتين ولا يترجموهما؛ لأن الترجمة لا تدل عليهما كما يدل التعريب.
ولم يكن تعريبهم مقصورًا على أدوات المعيشة من اللوازم والضروريات، بل كان شاعرهم الأعشى يعرب آلات الطرب بألفاظها الأعجمية كما قال في وصف مجلس الغناء:
والناي نرم وبربط ذي غنةوالصنج يبكي شجوه أن يوضعا فالناي نرم، والبربط، والصنج، كلمات أعجمية بألفاظها عربها الشاعر ولم يترجمها، وربما استطاع أن يترجمها بما يقاربها لو أنه أراد.
وإنما صنع العربي ذلك في عصور اللغة الأولى لثقته بلغته وخلو ذهنه من الخوف عليها من مزاحمة اللغات الأخرى، ولعله لم يحسب قط أنها «لغات» تقارن لغته لاعتقاده أن المتكلمين بها أعاجم لا يفصحون.
هنا كانت نسبة التعريب أكبر من نسبة الترجمة، وكان باعثه الطبيعي أنه أقرب إلى العادة المألوفة، وأنه شيء لا مانع له من الخوف على كيان اللغة ولا على مصيرها، فما شعر العربي قط بتهديد لذلك المصير.
ثم انتشر العرب بعد الإسلام في بلاد العالم المعمور، فاختلطوا بأبناء اللغات الأجنبية في ديارهم وحادثوهم بألسنتهم أو سمعوهم يتحدثون إليهم بلسان عربي تشوبه اللكنة الأعجمية والأخطاء الدخيلة على تراكيب اللغة وأبنيتها وقواعدها المصطلح عليها، فساورهم الخوف لأول مرة على سلامة اللغة في حاضرها ومصيرها، وأخذوا في ضبط قواعدها وتدوين مفرداتها وتمييز قديمها من الدخيل عليها، وتحفظوا في النقل إليها فرجحوا الترجمة على التعريب كلما تيسر نقل المعاني من اللغات الأخرى إلى الألفاظ العربية، ولكنهم قصروا التحفظ على شئون الدين والبيان، ولم يلتزموه كثيرًا في غير ذلك من الشئون، حتى شئون العلم ومراسم الدولة.
فعربوا مثلًا كلمة «الموسيقى» بلفظها اليوناني بغير تصرف، وكان في وسعهم أن يسموها «فن النغم».
وعربوا كلمة «الاصطرلاب»، وكان في وسعهم أن يسموها «مقياس النجوم» أو «مقياس الفلك».
وعربوا كلمة «إيساغوجي» في المنطق، وكان في وسعهم أن يسموها «المدخل» أو «التمهيد».
وعربوا «النوروز»، وكان في وسعهم أن يسموه «اليوم الجديد».
بل كان ابن سينا مثلًا يعرب كلمة ا? «مانيا» بلفظها ولا مندوحة بترجمتها إلى «الهوس» أو «النزوة» أو «الهاجسة» وما إليها؛ لأنهم حرصوا على تحديد المعنى العلمي بغير التباس بينه وبين الألفاظ التي تجري على ألسنة العامة والخاصة في البيوت والأسواق.
إلا أن الحذر من التعريب لم يبلغ في أوائل العصر الإسلامي قط مثل ما بلغه في العصر الحديث منذ مائة سنة أو نحو ذلك؛ لأن الحذر هنا قد عم واستفاض حتى شمل الحذر على كيان البلاد العربية في وجودها القومي وحياتها السياسية وعقائدها الدينية وسائر مقوماتها في حاضرها ومصيرها، وكلها من المقومات التي تتصل باللغة ولا تنفصل عنها.
ففي هذا العهد الأخير تجمعت على البلاد العربية أخطار الاستعمار وأخطار المذاهب الهدامة وأخطار الجهل والاستسهال، فاشتدت دعوة المحافظة على القديم حتى بلغت غايتها من الشدة وأوشكت أن تخرج بالتطرف إلى الإفراط، ثم آذنت بالتحول كما يتحول كل شيء بلغ الغاية من مداه، واتفق في الوقت نفسه أن كفة الحرية رجحت على كفة الخضوع والمهانة، فعادت الثقة إلى النفوس وعادت معها قدرة التصرف دون مغالاة في الحذر أو الاطمئنان.
كان خصوم التعريب في إبان الحذر على كيان الأمة ينكرون أن تُعرَّب كلمة «الهيدروجين»، ويقترحون فيما اقترحوه أن تُترجَم بكلمة «المميه» من: أماه الشيء، يميهه، إماهة — أي: جعله ماء على هذا التصريف — وفاتهم أن هذه الكلمة اليونانية لم يضعها اليونان الأقدمون وإنما استعارها الإفرنج المحدثون للاصطلاح العلمي، مع إمكانهم أن يؤدوا معناها بلغاتهم الحديثة، لولا اتقاء اللبس بين اسم العنصر وبين معنى الكلمة المطروقة على ألسنة الناس.
والذي نراه أن الحذر من التعريب كله يخف شيئًا فشيئًا على حسب نصيبنا من التقدم والثقة وحرية التصرف في جميع الأحوال، ولكننا لا نريد أن نترك هذا الحذر مرة واحدة أو نفتح أبواب التعريب على جميع المصاريع، فإنما الخير كل الخير أن نتحول عن الحذر من التعريب إلى الحذر من الإفراط في التعريب، فلا نعرب من المصطلحات العلمية أو الفنية إلا ما كان من قبيل الأعلام التي لا تقبل الترجمة، أو قبيل الرموز التي تنحت منها الكلمات ولا تقبل النقل إلى حروفنا العربية، وهي كثيرة في علوم الطب والكيمياء على الخصوص، قليلة فيما عداها من العلوم، وإن كانت قلة يُحسَب لها حسابها في جميع اللغات.
والنهج السوي أن نفضل الترجمة ما دامت مستطاعة سائغة، فإن تعذرت فلا حرج من التعريب على قدر الحاجة إليه، بغير إفراط ولا استرسال.
ولا غنى لنا عن ملاحظة التخصيص اللازم في مصطلحات العلوم والفنون، فإن الاصطلاح يفقد معناه إذا وقع اللبس بين مدلوله ومدلول الكلمات الشائعة؛ ولهذا يتجنب العلماء الكلمات المطروقة ويفضلون عليها الكلمات التي يمكن تخصيصها بمدلولها ولا تلتبس بسواها.
مثال ذلك عصر البوتاس، فإنه في الإنجليزية مأخوذ من كلمتي Pot-ash أي: رماد القدر كما يدل عليه لفظه وتحضيره، ولكن الإنجليز يفضلون أن يطلقوا على هذا العنصر في لغة العلم كلمة «قليوم» Kalium وهي من أصلها العربي الذي يشمل القلويات. أما الفرنسيون فهم يفضلون كلمة البوتاس والبوتاسيوم؛ لأن اللغة لا توحي إلى السامع الفرنسي شيئًا عن رماد القدر في اللفظ المطروق.
ونحسب أن بداهة اللغة العربية من قديمها إلى حديثها تملي علينا جواب هذا السؤال: هل نترجم أو نعرب أو نكتفي بما عندنا فلا ترجمة ولا تعريب؟
وجواب اللغة بلسان بداهتها الأصلية أن المعاني تُترجَم، وأن الأعلام وما هو من قبيلها تُعرَّب، وأن التعريب ضرورة ملازمة قد لازمت اللغة العربية منذ نشأتها ولا خوف عليها منه في حدوده الصالحة؛ لأن البنية الحية هي التي تستطيع أن تلحق بتركيبها المكين كل غذاء مفيد.

الفصل الثاني عشر
الفكاهَةُ في الأدبِ العَرَبيِّ


يتساوى أن يُقال «إن الإنسان حيوان ناطق» وإن «الإنسان حيوان ضاحك»؛ فإن الضحك والنطق خاصتان من خواص الإنسان لا يشاركه فيهما سائر الحيوان، وإذا صح أن المفارقات المنطقية هي أساس الضحك كله، وأن الإنسان يضحك إذا رأى سخافة لا تليق بالحي العاقل؛ فالخاصتان إذن هما خاصة واحدة في صورتين مختلفتين.
وكيفما كان القول في علاقة الضحك بالمنطق فالأمر الذي لا شك فيه أن الضحك خاصة إنسانية لا تُشاهَد في حيوان آخر ولا تخلو منها أمة من أمم بني آدم وحواء، وكل ما هنالك من اختلاف بين الأمم في هذه الخاصة فإنما هو كالاختلاف بينها في المزايا الإنسانية بأنواعها وأطوارها، وإنما هو الاختلاف في الدرجة أو الشكل أو الوضوح أو أسلوب التعبير، ولا يزيد بحال من الأحوال عن هذا الاختلاف الشائع في كلام اللغات، وهي المزية التي تلازم جميع الناطقين.
فلا يُقال عن أمة من الأمم إنها «أمة فكاهة» أو إنها أمة «مجردة من الفكاهة»، وإنما تجري التفرقة بينها بألوان الفكاهة وأساليب التعبير عنها ودلالة هذا التعبير على الأخلاق والعادات وملكات الفهم والذوق، وهي ضروب من التفرقة يضيق بها الحصر؛ لأنها تتصل بجميع المعاني الإنسانية في حياة الفرد أو في حياة الجماعة.
فإذا أردنا أن نبين الفكاهة العربية بلون من ألوانها الغالبة عليها، فقد يكون أصدق بيان عنها بكلمات معدودة: «إنها فكاهة النكتة السريعة، والعبارة الوجيزة، والولع بإبراز صفة المروءة والفطنة وازدراء صفة اللؤم والذلة …» ولا يظهر هذا المعنى العميق في طبيعة الفكاهة العربية من كلام ورد على لسان شاعر كما يظهر من كلام النجاشي في هجاء بني العجلان؛ حيث يقول:
إن الله عادى أهل لؤم وذلةفعادى بني العجلان رهط ابن مقبل ثم يقول:
قبيلته لا يغدرون بذمةولا يظلمون الناس حبة خردل فإن الشاعر هنا نظر إلى الضعف والهوان، فجعلهما سببًا للتحقير والسخرية ولم يحمد معهما اجتناب الغدر والظلم؛ لدلالتهما هنا على الضعف والضعة لا على العفة وصدق النية.
وعلى هذا النحو، نستطيع أن نقول إن الهزل والمهزلة باللغة العربية يتقاربان، وإن العربي لا يضحك من شيء إلا بحثت فيه فوجدت له معنى من معاني السخف وهو الضعف، ومعنى من معاني الفكاهة وهو العيُّ وضعف العقل واللسان.
ومن أصالة الفكاهة في طبع العربي أنها لازمته مع خشونة البادية، كما لازمته مع حياة الحضارة من عصورها القديمة إلى عصورها الحديثة، فليس أكثر في كتب الأدب من ملح الأعراب وطرائف أهل البادية التي يقول الجاحظ (أحد أمراء الفكاهة العربية): «إنها لا تُجارَى في سهولتها وبساطتها ونفاذها، ويُروَى منه الكثير المعجب في طوايا كتبه كما رواها غيره من كتاب النوادر والأخبار.»
أما فكاهة الحضارة عند العرب فليس أدل على شيوعها وإقبال جمهرة الناس عليها من صناعة «الندماء» التي كانت تعرض في الأسواق والأندية العامة، ولا تختص بها قصور الأمراء وأصحاب اليسار.
ومن هؤلاء الندماء الشعبيين كان «ابن المغازلي» الذي قيل عنه إنه كان ببغداد يتكلم عن الطرق بالأخبار والنوادر، وقد حدَّث عن خبره مع الخليفة المعتضد، فقال: «سلمت فرد السلام وهو ينظر في كتاب، فنظر في أكثره وأنا واقف، ثم أطبقه ورفع رأسه إليَّ وقال: أنت ابن المغازلي؟ فقلت: نعم يا مولاي! قال: بلغني أنك تحكي وتُضحِك بنوادر عجيبة … فقلت: يا أمير المؤمنين، الحاجة تفتِّق الحيلة … فقال: هاتِ ما عندك، فإن أضحكتني أجزتك بخمسمائة درهم، وإن أنا لم أضحك أصفعك بذلك الجراب عشر صفعات … ثم أخذت في النوادر والحكايات فلم أدع حكاية أعرابي، ولا نحوي، ولا قاضٍ، ولا نبطي، ولا سندي، ولا زنجي، ولا خادم، ولا تركي، ولا شاطر، ولا عيار، ولا نادرة، ولا حكاية … إلا وأحضرتها، حتى نفد كل ما عندي وفترت ولم يبقَ ورائي خادم ولا غلام إلا وقد ماتوا من الضحك، وهو مقطب لا يبتسم، فقلت: قد نفد ما عندي، ووالله ما رأيت مثلك قط. قال لي: هيه! ما عندك. فقلت: ما بقي لي سوى نادرة واحدة، قال: هاتها، قلت: وعدتني أن تجعل جائزتي عشر صفعات وأسألك أن تضعفها لي وتضيف إليها عشر صفعات أخرى، فأراد أن يضحك ثم تماسك، وقال: نفعل … يا غلام! خذ بيده، ثم مددت ظهري فصُفِعتُ بالجراب صفعة لكأنما سقطت علي قطعة من جبل، وإذا هو مملوء حصى مدورًا، فصُفِعتُ عشرًا، فكادت أن تنفصل رقبتي وطنت أذناي وانقدح الشعاع من عيني، فصحت: يا سيدي! نصيحة، فرفع الصفع بعد أن عزم على العشرين، فقال: قل نصيحتك، فقلت: يا سيدي! إنه ليس في الديانة أحسن من الأمانة وأقبح من الخيانة، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني نصف الجائزة، وأمير المؤمنين بفضله وكرمه قد أضعفها، وقد استوفيت نصفي وبقي نصفه … فضحك حتى استلقى، واستفزه ما كان سمع فتحامل له، فما زال يضرب بيديه الأرض ويفحص برجليه ويمسك بمراق بطنه، حتى إذا سكن قال: عليَّ به، فأُتي به وأمر بصفعه، فقال: وما جنايتي؟! فقلت له: هذه جائزتي وأنت شريكي فيها، وقد استوفيت نصيبي منها وبقي نصيبك، فلما أخذه الصفع وطرق قفاه الوقع، أقبلت ألومه وأقول له: قلت لك: إنني ضعيف معيل، وشكوت إليك الحاجة والمسكنة وأقول لك: خذ ربعها أو سدسها وأنت تقول: لا آخذ إلا نصفها، ولو علمت أن أمير المؤمنين — أطال الله بقاءه — جائزته الصفع، وهبتها لك كلها، فعاد إلى الضحك من عتابي للخادم، فلما استوفى نصيبه أخرج صرة فيها خمسمائة درهم وقال: هذه كنت أعددتها لك فلم يدعك فضولك حتى أحضرت شريكًا لك، فقلت: وأين الأمانة؟ فقسمها بيننا وانصرفت …»
وهذه نادرة تكشف لنا عن قيمة النوادر التي أُولِع بها العرب لمعرفة التاريخ، فإنها ترجح بعدة كتب في تاريخ عصرها بما تكشف عنه من أخلاق الخلفاء في ضبط النفس ومعاملة المتكسبين بأشغال البطالة، وبما تكشف عنه من أخلاق الخلفاء في ضبط النفس ومعاملة المتكسبين بأشغال البطالة، وبما تكشف عنه من أخلاق الأتباع والخدم عندهم، ومن عادات المجتمع يومذاك في الجد والهزل وعادات ندماء الفكاهة في جدهم وهزلهم كذلك … ولكن دلالتها فيما يعنينا هنا هي إحصاء وجوه الفكاهة وأسباب المضحكات فيما كان يرويه ابن المغازلي من نوادر أصحاب الصناعات وأبناء الأجناس والطوائف، فإننا نعلم من هذا الإحصاء العارض أن الفكاهة العربية كانت تدور على «النقد الاجتماعي» الذي يلتفت إلى مواطن الغرابة والملاحظة من أصحاب المناصب أو السوقة، وإلى جوانب الحذلقة والادعاء في العلماء والجهلاء، وأشباه هذه الجوانب التي أوشكت أن تجمع كل ما تدور عليه فنون «النقد الاجتماعي» المشهورة في الآداب العالمية، وليس للفكاهة من ناحيتها الاجتماعية وظيفة أصلح من هذه الوظيفة وقدرة أبلغ من هذه القدرة للكشف عن معاني الجد والهزل، أو معاني الصراحة والغموض، أو معاني الاستقامة والالتواء، من النفس الإنسانية.
هذه كلمة موجزة عن سليقة الفكاهة في الأمة العربية، ولا بد أن يكون لهذه السليقة مكانها الذي يلائمها من مراجع الأدب العربي ومن أقوال أدباء العرب في النظم والنثر، كما ينبغي أن يكون كل أدب صادق التعبير عن أحوال أمته النفسية والاجتماعية.
وقد كان لهذه المملكة نصيبها الوافي بين كتب الأدب العربي على صور متعددة، أظهرها وأقلها كلفة وعملًا كتب النوادر والأخبار وكتب الأمثال وتفسيراتها، فلا توجد اليوم لغة بين اللغات الحية جمعت مثل ما جمعته اللغة العربية من هذا التراث الحافل بألوان العبر وطرائف الأمزجة وغرائب الأطوار فيما وعاه الرواة والقصاصون من الحكايات أو الأمثال، ومن مناسبات كل حكاية وكل مثل في تاريخه ومعرض سياقه.
أما فكاهات الشعر والنثر العربيين فمدارها الأكبر «أولًا» على القصائد التي نُظِمت في النقد الاجتماعي الذي اصطلحنا على تسميته بالهجاء، ولا يصرفنا جانبه «الشخصي» عن الجانب الأهم والأعم، بين جوانبه المتعددة، وهو ذلك الجانب الذي نعلم منه مواضع الحمد والذم في أخلاق الأمة وأخلاق الرعاة والرعايا على التعميم، فمهما يكن من بواعث الهجاء عند الشعراء فلا ريب أن قصائدهم الباقية لدينا تحفظ لنا معرضًا واسعًا لأحوال الأدباء «أولًا» وأحوال الرؤساء والكبراء «ثانيًا»، وأحوال الجمهرة الغالبة بعد ذلك فيما تقيمه لنفسها من موازين التعظيم أو التحقير، وفي الصفات المطلوبة المثالية أو الصفات الشائعة الواقعية، وهي بغية الباحثين في معارض النقد الاجتماعي حيث كان، ولعلنا نصدق السليقة العربية وصفها الجامع حين نقول إن النقد الاجتماعي الذي يمثله شعر الهجاء يرينا أن العربي يقرن بين «الهزال والمهزلة»، وأن المضحك عنده هو الشيء الهزيل في العمل أو القول، فلا تخلو حالة مضحكة عنده من الكشف عن ضعف أو ذلة أو عن عي وفهاهة، وهما آفة الجنان وآفة اللسان.
أما الكلام المنثور فيما عدا الأخبار والأمثال فالنموذج العربي منه هو نموذج المقامة أو المقالة التي تُساق مساقها وتجري مجرى التخيل في التعبير عن الواقع.
فالمقامات هي المعرض الأدبي في النثر الغربي لغرائب الأخلاق بين أبناء الطوائف الاجتماعية من الولاة والجند والقضاة والتجار والدهاقين، وموضوعها يجمع بين موضوع القصة الصغيرة والمقالة النقدية في آداب العصر الحديث، وقد كان كتاب العرب يكتبون المقالة النقدية بأسلوب المقامة، ويودعونها الصور الخيالية المضحكة لمن يوجهون النقد إليه، كما كان يفعل أبو حيان أستاذ هذا الأسلوب في سخريته بأعداء الفلسفة والعلوم الحديثة في زمانه، ومنه قوله عن الكاتب المشهور أحمد بن ثوابة وهو يلقي على لسانه أنه قال عن أحد علماء التنجيم: «… فأخذ القلم ونكت نكتة … تخيلها بصري وتوهمها طرفي كأصغر من حبة الذر، فزمزم عليها من وساوسه وتلا عليها من أسفار أباطيله، ثم أعلن عليها جاهرًا بإفكه، وأقبل علي وقال: أيها الرجل! إن هذه النقطة شيء لا جزء له، فقلت: أضللتني ورب الكعبة، وما الشيء الذي لا جزء له؟ فقال: كالبسيط … فقلت أنا: وما البسيط؟ فقال: كالله والنفس! فقلت له: إنك من الملحدين، أتضرب لله الأمثال والله يقول: فَلَا تَضْرِبُوا لِلهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
على أن الأديب العربي يعالج موضوع الفكاهة وهو على حذر وتقية، ويكاد يثني قلمه بعنان على الاسترسال والتبسط فيه؛ لأن معنى الأدب يرادف في لغة الأدب العربي معنى السمت أو معنى «اللياقة» بالعرف الحديث، فيحمد الأديب لنفسه أن يفهم المضحكات ويروي أخبارها، ولكنه لا يحمد لها أن يغرق في موضوعها أو يكون هدفًا لها ومادة من موادها؛ ولهذا نرى أئمة الأدب من أمثال ابن قتيبة والجاحظ وابن عبد ربه يتقدمون بالاعتذار أو بالتوضيح والتفسير قبل سرد الأضاحيك والفكاهات، بل يكتب الأديب عن الظرف والظرفاء فيقدم للكتاب بالنهي عن الإفراط في الضحك والمزاح كما فعل محمد بن إسحاق الوشاء في مقدمته لكتاب الظرف والظرفاء؛ حيث يقول: «إن كثرة المزاح يذل المرء، ويضع القدر، ويزيل المروءة …»
ومن خالف هذه السنة من الأدباء فإنما كان «يحترف الهزل»، ويتكسب بتعريض نفسه للضحك والعبث ويعلم أنه يسقط مروءته بذلك، ولكنه يتقبل ما يصيبه لاضطراره إليه أو قلة اعتداده بوقاره، ومن هذه الطائفة أمثال أبي دلامة وأبي العنبس الصعيدي وأبي العبر وأبي الشمقمق وذي الرقاعتين وغيرهم وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، وبين هؤلاء الأدباء المضحكين نشأت صناعة التقليد الساخر التي لم يعرفها الغربيون قبل الزمن الأخير، ومن هؤلاء ذو الرقاعتين الذي عارض مقصورة ابن دريد، فقال:
مَنْ دخلَتْ في عَيْنِهِ مسلةٌفَاسألْهُ مِنْ سَاعتِهِ عنِ العَمَىمَنْ صَفَعَ النَّاسَ ولَمْ يَدَعْهُمأنْ يَصفعوه، فَعَلَيْهم اعْتَدَى ومنهم بين المحدثين الشيخ عامر الأنبوطي الذي حكى ألفية ابن مالك، فقال:
الأصلُ في الرَّغيفِ أَنْ يُقمَّراوجُوِّزَ التقديدُ إذ لا ضَررا وحكى لامية العجم للطغرائي، فقال:
أناجر الضأن ترياق من العللوأصحن الرز فيها منتهى أملي وبهذا الفن يُضاف أسلوب التقليد الساخر إلى أساليب النقد الاجتماعي في قصائد الهجاء والمقامات والمقالات التصويرية إلى جانب الأمثال والنوادر وسائر فكاهات الأدب في اللغة العربية، ولا يعوز الأدب العربي من أساليب الفكاهة التي تشيع الآن في الآداب العالمية غير أساليب المسرح والرواية، وهما من ألوان الأدب التي نشأت بين الأوروبيين ولم تنشأ بين العرب لأسباب ترجع إلى الاختلاف في شعائر العبادة على عهد الوثنية الأولى.
أما فكاهات الأدب العربي في العصر الحديث فإن المشابهة بين موضوعاتها وموضوعات الآداب العالمية متقاربة متناظرة، يقترن فيها أدب المسرح والقصة بأدب القصيدة والمقالة والتقليد الساخر والمثل السائر، فإن يكن بينهما فارق ظاهر فهو كما أسلفنا «فارق النكتة السريعة والعبارة الوجيزة والولع بإبراز صفة المروءة والفطنة وازدراء صفة اللؤم والذلة» مع الاختلاف بين عربي الأمس وعربي اليوم في تقدير معنى المروءة وآدابها، فإنها من الأمور التي لا تثبت على وتيرة واحدة في عصرين أو حضارتين.

الفصل الثالث عشر
شُعَراء المهْجَر الجَنُوبيِّ


إن المهاجر بطبيعته إنسان طليق مقدام، ليس يطيق البقاء حيث يضيق به المقام، ولا يهاب المخاطرة بالإقدام على المجهول، إذا كان «المعلوم» الذي يعرفه ويعيش فيه يكلفه ما هو أشد عليه من المخاطرة، وهو الصبر على الحجر والهوان.
والمهاجرون إلى الجنوب في أمريكا الجنوبية أحوج إلى هذه الخصلة من إخوانهم الذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية؛ لأن المهاجر إلى ولايات الشمال من العالم الجديد ينزل بأرض ممهدة ويقدم على خطط مرسومة معبَّدة، ويكاد يَعرِف كل ما سيصيبه في هجرته قبل فراقه لوطنه، فلا يبقى بين يديه غير التجربة التي لا اقتحام فيها، وعلى خلاف ذلك مهاجر الجنوب.
إنه ليجدد «نصف مجازفة» كولمبس بعد نزوله بدار الهجرة، وإنه ليصنع لنفسه من جديد كل ما صنعه المقتحمون من حوله ولو كانوا من أبناء القارة الأصلاء، وإنه باسم المكتشف لأحرى منه باسم المهاجر الغريب! … وهكذا كل من حوله من الغرباء، وغير الغرباء.
وهو على هذه الحالة أحوج من سائر المهاجرين إلى العلاقة الروحية بكل ما فارقه في دار مولده أو دار نشأته الأولى.
وماذا فارق في ذلك المولد؟ أو في ذلك المنشأ؟
إننا إذا استقصيناه وحاولنا أن نجمعه في علاقة واحدة لم نجد في النهاية غير علاقة اللغة وتراث اللغة، وكل ما تحفظه اللغة بمبناها ومعناها.
فإنه لم يفارق من أجواء بلاده الروحية جو العقيدة الدينية؛ لأن أكثر المهاجرين من المؤمنين بالدين المسيحي يتبعون الكنائس التي يتبعها أبناء القارة الجنوبية.
وإنه لم يفارق أجواء الطبيعة ومناظرها، فإننا إذا أغضينا النظر عن ولع الإنسان بمناظر بلاده كيفما كانت، لم نكد نفقد في أقاليم القارة الجنوبية لوحة من لوحات الطبيعة نتملاها في لبنان وسورية، بين الهضاب والآجام، أو بين الجداول والينابيع، أو بين البراري والسهول، أو بين مواسم الغيوث ومواسم الصحو والصفاء.
إنما فارق المهاجر العربي إلى الجنوب جوًّا واحدًا من أجواء بلاده الروحية ينقطع عنه حين يتصل به المقام في وطنه الجديد، ولا سيما في عصر البحث عن الجامعات الروحية في كل اتجاه.
إنما فارق اللغة، وإنما فارقها وليس لديه أعز منها ولا أحق منها بالحنين والتذكار.
لا جرم تصبح هذه العلاقة عنده «عصبية» متوهجة تطوي في ثناياها كل ما عداها من عصبيات وعلاقات، ويوشك أن تنقل إليها حماسة الدين وألفة الطبيعة وحدَّة النخوة الوطنية، ويهون المساس بكل شيء، ولا يهون المساس بهذه البقية الباقية من أمانة القلب واللسان.
إن هذه «العصبية» قد أوشكت أن تكون «أسلوبًا مشتركًا» بين جميع المهاجرين لا يعرفون من أساليب اللغة أسلوبًا غيره، فكلهم مظهر «لغوي» واحد من مظاهر تلك العصبية الشاملة، وكلهم «متكلم» عربي قبل كل شيء، ثم هو «فلان بن فلان» بعد ذلك.
ولقد أطلق أدباء المهجر الجنوبي على أنفسهم «العصبة الأندلسية» بحق ودراية؛ لأن الأندلس القديمة هي النسخة الوحيدة التي سبقت نسخة العصبة الأندلسية الجديدة في تاريخ اللغة العربية، على هذا الطراز.
ففي الأندلس وحدها — قبل الآن — عرفنا الأفذاذ من كبار الشعراء كابن هانئ وابن زيدون وابن خفاجة وابن حمديس، كما عرفنا غيرهم عشرات من هذه الطبقة، ولكننا لم نعرف بينهم — على فحولتهم — فارقًا في أسلوب التعبير ولا في جرس اللغة يتيسر للقارئ أن يلمحه من النظرة الأولى، فليس بينهم ذلك الفارق الذي تلمحه في عصر واحد بين أساليب أبي تمام والبحتري وابن الرومي، أو بين أساليب بشار وأبي العتاهية وأبي نواس، أو بين البارودي وصبري وشوقي وحافظ ومطران في العصر الحديث.
كلا ليس هناك ألسنة أفراد يختلفون، بل ليس هناك غير لسان القومية الواحدة ينطق ببديهة واحدة، ولا يسمح «للشخصية» على قوتها أن تتغلب عليه بسمة من سماتها المستقلة، وإن كانت «الشخصية الفذة» لتنصف نفسها كما تشاء فيما عدا اللغة والأسلوب، تنصف نفسها فيما تتميز به الشخصيات القوية من مزايا الأخلاق والضمائر وأسرار البداءة والعبقريات.
ولقد تميز ابن زيدون وابن حمديس وابن خفاجة بالشيء الكثير من خصائص الفكر والذوق والإلهام.
وهكذا يتميز شعراء المهجر الجنوبيون بجملة من مزايا الفن والذوق والبصيرة تحيط بآفاق من الشعر الجيد الأصيل، لا تقل عن تلك الآفاق التي سبح فيها أسلافهم الأندلسيون الأولون.
يكاد أسلوب النظم أن يكون أسلوب شاعر واحد في فترة واحدة من الزمن، ولكنك تترجمهم إلى لغة أخرى، أو تقرؤهم بلسان المعنى دون لسان اللفظ، فلا تخطئ بينهم تلك الفوارق التي تفصل بين عشرات من الشعراء بملامح الفكر والسليقة.
ففي ديوان الشاعر القروي ملامح من صور الطبيعة تغلب على صور البيت وصور المجتمع، ولا يبدو فيها البيت ولا المجتمع إلا كما تبدو فصيلة من الأحياء يُسمَّون بالآدميين، ثم لا تعرف لهم قانونًا ولا شريعة غير قانون الفردوس على المحبة أو قانون الغاب على البغضاء والعدوان، وكلاهما قانون زرع وماء وحياة.
وفي دواوين إلياس فرحات يظهر آدم من وراء ذلك الفردوس ولكنه آدم الذي عرف إبليس لعبة بعد لعبة، فتعلم منه السخرية الضاحكة، ثم جرد تلك السخرية من أشواك الكيد والخبث، ومن عواقب الندم والحسرة.
وفي شفيق معلوف «عبقر» تمتد الهجرة من عالم الإنس إلى وادي الجن، ومن جوف الواقع إلى أطراف الخيال، وتقترب العدوة بين هذه البحور المتباعدة حتى لينسى نزيل «عبقر» أين هو من رحلات البر والبحر … ويُخيَّل إليه في لحظة بعد لحظة أنه لم يبرح زحلة بلبنان أو سان باولو بالبرازيل … ويوشك المعلوفون أن يكونوا جميعًا إخوة في لحمة الأدب كأخوتهم في لحمة النسب، بين يدي سليمان هو يحبس الجن في القماقم أن ينطلق على بساط الريح.
وتقرأ «جورج صيدح» فلا تفوتك فيه أشواق الطبيعة التي تعهدها في دواوين زملائه، ولكنك لا تتمثله في صورة من الصور إلا رأيت في ظهارة الصورة أبراج المدينة ومداخن المصانع ومعالم الأسوار.
ومعظم الشعراء من المهجريين آباء وأزواج، ولكنك لا تتمثل القنصلين — إلياس وزكي — إلا تمثلت زوجًا يمشي مع زوجة، ووالدًا يحنو على طفل في يمينه أو بين ذراعيه.
وتتراءى ألوان من هذه الملامح في كثير من شعراء العصبة الأندلسية لا نحصيهم هنا، ولا تتيسر لنا مراجعتهم في هذا المقام، ولكنهم جميعًا يتلاقون في تمثال واحد شامخ الهامة مكين القدمين، نسمِّيه تمثال «العصبية اللغوية» أو القومية التي تلخصت في كلمة واحدة هي كلمة «العربية»، ونهضت برسالة في تاريخ الأدب العربي لا تشبهها رسالة أخرى في جميع أدوار هذا التاريخ.
ونحسب أن مدرسة العصبة الأندلسية تنفرد بهذه الخاصة التي تُعَدُّ من النقائض للوهلة الأولى، ثم يزول عنها كل وصف من أوصاف التناقض متى رجعنا إلى القوة الخارقة التي اجتمعت في حنين المهجريين الجنوبيين إلى اللغة، فصنعت ما تصنعه القوة الخارقة من المعجزات.
تلك الخاصة التي انفردت بها العصبة الأندلسية هي فرط المحافظة وفرط التجديد في وقت واحد.
فالمهجريون الجنوبيون لم يقبلوا قط دعوة من دعوات الهدم باسم التجديد في قواعد اللغة أو قواعد العروض أو قواعد الآداب السلفية في جملتها، وقد أعرضوا عن كل دعوة من هذا القبيل وساعدهم على الإعراض عنها، أنها جاءت من مبدئها ضعيفة هزيلة لا تقنع أحدًا بالإصغاء إليها، فكان الداعون إلى إهمال قواعد العروض أو قواعد النحو أصحاب مذهب قديم ليس أقدم منه، ولا أسهل منه على الجاهل والعاجز ومن لا يحسن الأداء بالكلام الموزون أو الكلام المنثور ولا التعبير باللهجة الفصحى أو اللهجة العامية، وذلك المذهب القديم العتيق هو العجز عن الفصاحة والقدرة على الركاكة، أو العجز عن الصواب والقدرة على الخطأ، وليس هذا مذهبًا يقنع أحدًا بالتجديد أو بترك القديم؛ لأنه هو بذاته أقدم من أقدم الأقدمين.
وعلى هذه المحافظة في وجه كل دعوة من دعوات الهدم أثبت المهجريون الجنوبيون أنهم أقدر من المجددين المزعومين على استخدام أوزان الموشحة وأوزان الرباعية والمقطوعة في ضروب النظم الغنائي وضروب النظم الملحمية على اختلاف الموضوعات.
وقد ذهب المهجريون المحافظون أشواطًا وراء أشواط المجددين المزعومين، فليس من هؤلاء المحافظين من لم يكن له مذهب مستقل في العقيدة الإلهية أو السماحة الدينية، وليس منهم من أحجم عن رأي حديث من آراء العلم الاجتماعي جمودًا على القديم وإشفاقًا من تكاليف الحرية الفكرية، بل كان منهم أناس تطرفوا في اتباع هذه الآراء عند ظهورها، وذهبوا معها إلى غاية مداها، ولم يعدلوا عنها متقيدين بقيود المحافظة العمياء؛ بل عدلوا عنها لأنهم عرفوها وحققوها خيرًا من معرفة الجامدين عليها والمتعصبين لها، جريًا على سنن التقليد والمحاكاة.
وإذا وقف الفريقان معًا موقف المناجزة بالحرية والقدرة، فلن يستطيع المجددون المزعومون أن يتهموا أشد المحافظين حفاظًا على عقيدته بالتخلف في ميدان الحرية والإقدام على سلطة مرهوبة في وطنه الأصيل أو وطنه الحديث، ولكن المحافظ «المزعوم» يستطيع بغير مشقة أن ينكر عليه حرية السماحة الفكرية كما يستطيع أن ينكر عليه قدرته على تصحيح الأسلوب، ويسجل عليه خلو الجديد الذي يدعو إليه من كل قدرة يحاولها من يريد.
وبهذه الخاصة «المنفردة» في تاريخ الآداب العربية يتميز الأدب المهجري في الجنوب، وينفرد المحافظون من شعرائهم بهذه «الشخصية» الشاملة التي انطوت فيها جميع «الشخصيات» بين أطواء العبقرية العربية، والتي برزت من ورائها ألوان من ملامح الروح والسليقة يعتز بها طلاب الثروة الأدبية في كل عهد من العهود.

الفصل الرابع عشر
الزَّهَاوي وَديوَانه المفقُود


اطلعت في مجلة «المكتبة» البغدادية على مقال للسيد أكرم زعيتر عن «ذكرياته لشاعر العراق الزهاوي» قال فيه من حديث جرى بينه وبين الشاعر في آخر لقاء له قبل سفره من بغداد: قال — أي: الزهاوي — هل اطلعت على «الأوشال»؟ قد كنت أظن وقد رقَّ عظمي أن زمني لن يمتد بي كثيرًا؛ فسميت مجموعة قصائدي الأخيرة (الأوشال)، ثم نظمت بعد ذلك قصائد أخرى أعتقد أنها آخر ما أنظم في حياتي التي أراني مغادرها قريبًا، وقد جمعتها في ديوان سميته «الثمالة» ليكون آخر ما يُطبَع لي …
قلت: وهل للأستاذ شعر لم يُطبَع غير «الثمالة»؟ قال: أجل، إنه ديوان لا يُنشَر في القرن العشرين.
وكنت قد علمت من الزهاوي نفسه أن له شعرًا كثيرًا لا ينشره، وأنه سيوصي بنشره بعد وفاته، وفارق القاهرة وهو يكرر لي حديثه عن الشعر المطوي الذي يعتقد أنه إذا نُشِر في يوم من الأيام فلن يتسع لنشره بلد غير القاهرة بين البلدان الشرقية.
وقد سمعت أخيرًا أن كتابًا ظهر في القاهرة باسم «الزهاوي وديوانه المفقود»، فاعتقدت لأول وهلة أنه هو مجموعة الشعر التي تحدث عنها الزهاوي إلى الأستاذ أكرم زعيتر ببغداد وأومأ بنبئها إليَّ في القاهرة، واطلعت على الكتاب لمؤلفه «هلال ناجي» فصدق ظني في موضوعه وإن كان المؤلف الأديب قد توسع في أبوابه، فتناول فيه مباحث شتى عن الزهاوي وما كتبه وما كُتِب عنه، غير ديوان «النزغات»، وهو اسم الديوان المفقود.
وحرص المؤلف على تحقيق نسبة «النزغات» إلى الزهاوي فاستقصى الشواهد والقرائن التي تدل على صحة هذه النسبة … وكلها مقنعة — بل قاطعة — في إثبات نظم الشاعر لجملة القصائد والمقطوعات التي احتواها ديوان «النزغات»، كما تركه الزهاوي عند تسليمه إلى الأستاذ سلامة موسى، وعند انتقاله منه إلى الدكتور زكي أبو شادي بغير زيادة فيه، وهو مرقوم على الآلة الكاتبة غير مصحوب بالأصل المخطوط.
على أننا نستطيع أن نصحح نسبة النظم في هذا الديوان إلى الزهاوي من الدليل «الداخلي» في أسلوب الشاعر «النظمي» كما يقول النقاد، وأظهر ما في هذا الدليل «الداخلي» أن أبيات القصائد والمقطوعات تشتمل على كثير من ذلك الشد والفتل الذي يطوع به الشاعر كلماته لأوزان العروض.
فالشاعر الذي يقول:
عاش في الغاب القرد دهرًا طويلًاقبل أن يلقى للرقي سبيلا هو الشاعر الذي يقول في ديوان «النزغات»:
هذه الدنيا دار كل جزاء
وهو الذي يقول فيه:
عسى الذي عاف أرضهأن يضمه عالم جديد وغير ذلك كثير من «الأسلوب النظمي» في سائر منظومات الديوان.
أما الأسلوب «الفكري» فهو كذلك مطابق لأسلوب الزهاوي في كل ما نظم من الشعر منذ عالج نظمه في أوائل حياته، ومما لا شك فيه أن أفكار الديوان المفقود ليست طورًا جديدًا في تكوين آراء الشاعر مع الزمن كما يتوهم القارئ من قول الزهاوي أنه آخر ما نظم وأنه يحتوي أفكارًا لم تُنشَر قبل ذلك في حياته.
إذ المحقق من معارضة دلائل الشك والتردد ودلائل الإيمان واليقين أن هذه الدلائل جميعًا قد وُجِدت في مؤلفاته الباكرة كما وُجِدت في مؤلفاته الأخيرة، على درجة واحدة من القوة والوضوح.
وأغلب الظن أن العالم الديني المفكر الكبير محمد فريد وجدي قد أصاب الحقيقة حين قال في مجلة «الأزهر» مما نقله الأديب هلال ناجي في الصفحة ا? ??? من كتابه، فإنه لاحظ أن الزهاوي: «يكتب الشيء ثم ينقضه بقول آخر كما فعل في كتابه «الكائنات». فقد جرى فيه على أسلوب الماديين … ثم ختمه بكلمة تحت عنوان — ابتهال — حقر فيها كل الآراء التي قررها في الكتاب، وذكر أنه إنما جرى فيها على أسلوب الماديين لبيان مذهبهم … أما هو فيبرأ إلى الله منهم ومن آرائهم ويرجو من يقرأ الكتاب ألا يعتد بما قرره فيه.»
ثم عقب الأستاذ وجدي على هذا الأسلوب قائلًا: «إنه أسلوب في الكتابة كل ما يمكن أن يعتذر عنه أنه يلجأ إليه هربًا مما قرره.»
وكل ما نزيده على تعقيب الأستاذ وجدي أن الزهاوي قد يبادر في مفتتح كتابه إلى تحقير آراء المتهجمين على الحقائق الكبرى كحقائق عالم الغيب، وما يسميه الباحثون بحقائق ما وراء المادة، فإنه افتتح كتابه «الكائنات» الذي ألفه في مقتبل صباه بين البيتين:
وما الأرضُ بين الكائناتِ التي تَرىبعينيكَ إلا ذرَّة صغرتْ حجمَاوأنتَ على الأرضِ الحقيرةِ ذرَّةٌتحاولُ جهلًا أن تُحِيطَ بها عدَّا وهذا غاية ما يقوله المفكر المتواضع أمام عظمة الكون لكبح الغلاة من الباحثين في حقائقه عن الشطط الأهوج والغرور الكاذب بقدرة العقل البشري على إدراك هذه الأسرار المطبقة حول حقائق الوجود.
والذي نلاحظه في مواقف الزهاوي العقلية بين الشك واليقين سهولة شكوكه وسهولة ردوده عليها في وقت واحد.
فكل شكوك الزهاوي بلا استثناء مما يقبل الرد والاستخفاف من النظرة الأولى؛ لأنها مبنية على تصور العامة الجهلاء للخرافات والأساطير التي يلصقونها بالدين وهو بريء منها بعيد عنها، وليس من هذه الشكوك شك واحد يقوم على فهم الدين كما ينبغي أن يفهمه المؤمنون به على صحته، وقد كان خطأ الزهاوي الأكبر أنه يتلقى حجة العقائد من الأوهام الشائعة بين المقلدين دون الثقات المجتهدين، وإنما تقوم قضية الدين على الضمير الإنساني الذي يُناط به التمييز بين كل دعوة تشيع في العالم، ولم تقحم حجة الدين قط على ما يفهمه المقلدون أو يفهمه المغرورون بهم من الأدعياء، وإنما تقوم حجته على البصيرة الصادقة والوحي الأمين.
لا جرم كان تقريره لقواعد الإيمان بعد ذلك سهلًا غنيًّا عن جهد التردد والبحث في أمثال تلك الشكوك أن يثوب يقينه إلى يقين الزهاوي الذي عبر عنه بهذه الأبيات في موقف الحساب:
قالَ: ما دينُكَ الَّذي كُنْتَ في الدُّنــيَا عليهِ، وأنتَ شيخٌ كبيرُ؟قلتُ: كانَ الإسلامُ دينيَ فيهاوهو دينٌ بالاحترامِ جديرُقال: من ذا الذي عبدتَ؟ فقلتُ:اللهُ ربِّي وهو السميعُ البصيرُ وقبل ذلك يقول من كلمة منثورة: «لم آتِ في حياتي أمرًا إدًّا ولا ارتكبت منكرًا … أنظم الشعر وأودعه عصارة شعوري وتفكيري وأجعله منبرًا أدافع منه عما يتراءى لي أنه الحق غير حاسب لمخالفة الناس إياي حسابًا، وهذا ما كان يثيرهم عليَّ ويجعلهم يعملون على معاكستي حتى همُّوا مرة أن يقتلوني، مع أني معتقد بالوحي مؤمن بالأنبياء وبالمرسلين وملائكة الله وكتبه، وقمت بشعائر الدين كلها؛ فصمت وصليت، وزكيت وجاهدت، وحججت إلى بيت الله، وزرت قبر رسوله الكريم.»
وهو الذي ردد هذه الشهادة في مواطن كثيرة من شعره كما قال في هذا المعنى غير مرة:
أنا ما كفرتُ كلَّ عمــري بالكتابِ المُنزَلِأنا لم أَزَلْ أَشدُو بنعْــتٍ للنبيِّ المُرسَلِ وإنه بمثل هذا اليقين لخليق أن يكذب كل هاتيك الشكوك التي تثيرها أوهام الجهلاء وخرافات أصحاب الخرافات من المقلدين.
وجملة القول في الديوان المفقود وفي الدواوين المنشورة أنها طور واحد من الفكر لم يتغير في مدى خمسين سنة، ويوشك أن ينقل كل بيت في ديوان من هذه الدواوين المتتابعة إلى ديوان آخر صدر قبله أو بعده، بغير اختلاف في المعنى أو في النسق أو في الأسلوب، إلا ما تقتضيه المرانة الطويلة من تيسير النظم في نهاية الشوط بعد تعسر فيه عند الابتداء.
والسرعة إلى التفكير مع السرعة إلى العدول عن الفكرة في وقت واحد هما آفة العجلة في مواجهة الزهاوي لمسائل العلم والأدب أو مسائل الاجتماع والأخلاق، فليس أسرع منه إلى اختطاف الرأي الشائع أو اختطاف الرد عليه، ونحسب أن بنية الرجل «مسئولة» كما يقولون عن هذا الولع بالسرعة والقلق من الاستقرار، فإن مصابه بالداء الذي أقعده عن الحركة قد بدأ معه اضطرابًا مقلقًا قبل أن يثقل على أعصابه ويثقله عن حركته، وما أكثر ما نظم في «الصراط» وصعوبة العبور عليه من شعره الأول ومن شعره الأخير.
ولا ريب عندنا ولا عند قراء الزهاوي شعرًا ونثرًا في قدرته الفكرية ولا في ملكته الرياضية، ولكنك تراجعه من بواكيره إلى خواتيمه فيبدو عليه أنه يثب إلى الآراء وثبة بعد وثبة ولا يتطور معها على أمد مديد يتصل فيه الانتقال من مكان إلى مكان، فهو في وثباته المتلاحقة على مكان واحد، يصعد منه وينزل إليه، ويثبت عليه صاعدًا ونازلًا ومترددًا ومستقرًّا، وهكذا كان في آخر ديوان كما كان في أول ديوان، وللقارئ بعده أن يبقيه حيث شاء، بما هو أهل للبقاء.

الفصل الخامس عشر
مُشكِلة المعجَمات العربيَّة الحديثة


لا تزال للمعجمات العربية مشكلة قائمة يتصدى لها المشتغلون باللغة، ويحاولون جميعًا أن يكون المعجم الحديث مستدركًا للنقص في المعجمات العربية القديمة، تارة من ناحية الترتيب والتبويب، وتارة من ناحية الاختصار والتخلص من الإطالة والتكرار، وتارة أخرى من ناحية أهم وأولى بالاستدراك في حينها، وهي ناحية الاستيفاء بإضافة المفردات التي استُحدِثت في العهود الأخيرة من ألفاظ الحضارة ومصطلحات العلوم ومخترعات الصناعة، ونُقِلت إلى لغتنا من طريق التعريب أو من طريق التوليد أو من طريق الترجمة بتصرف أو بغير تصرف على حسب الأحوال.
وأحدث المعجمات على هذا النمط معجم «المنجد» الذي توفر على تأليفه الأب لويس معلوف اليسوعي، وظهرت طبعته الأولى سنة ????، ثم توالت طبعاته مع التوسع فيه إلى أن ظهرت طبعته السادسة منذ بضع سنوات وهي على أحدث مثال من نظام المعجمات في لغات الحضارة، جميلة الطبع والترتيب، وافية المادة والبيان، ملمة بطائفة صالحة من الألفاظ المولدة والدخيلة والمعربة جرت على الأقلام الفصيحة وانتظمت في جملة المفردات العربية المقبولة لصعوبة الاستغناء عنها بغيرها، ولا تقل هذه الطبعة عن أوفى طبعات المعجم الفرنسي في مثل حجمه من عمل مؤسسة «لاروس» المشهورة؛ لأنها تحتوي — غير المفردات اللغوية — بابًا للأسماء الجغرافية، وبابًا آخر للتراجم، وبابًا ثالثًا للأمثال، مع التوضيح بالصور والخرائط والرسوم.
ولم تتوسع هذه الطبعة في جمع ألفاظ الحضارة ومصطلحات العلم والصناعة، ولا نرى أن ذلك يعيبها أو أنه نقص يتيسر استدراكه في المعجمات العامة بهذا الحجم أو أكبر منه؛ لأن النظام الذي جرى عليه واضعو المعجمات الحديثة باللغات الأوروبية يخصص لكل علم أو صناعة معجمًا مستقلًّا لا يتعرض لغير مصطلحاتها وألفاظها، وذلك بعد أن بلغت هذه المصطلحات والألفاظ عددًا يكفي لتأليف معجم خاص بكل منها تزيد صفحاته على المئات، ولا تمس الحاجة إليه عند البحث عن الكلمات اللغوية في معجماتها العامة، وبخاصة بعد أن توفر أناس منا على وضع المعجمات المستقلة لبعض العلوم والصناعات، ولا يزال المدد الوافر يتوالى على هذه المعجمات المستقلة لاستمرار العمل في تدريس العلوم باللغة العربية والاستغناء شيئًا فشيئًا عن مصادرها الأوروبية.
ولم يظهر بعد «المنجد» معجم من تأليف الأفراد، ولكن ظهر في السنة الماضية معجم المجمع اللغوي «الوسيط» في جزأين يبلغ عدد صفحاته ألفًا وثمانين صفحة يشتملان على نحو ثلاثين ألف مادة وستمائة صورة، ويبين الدكتور إبراهيم مدكور مزيته على معجمات القرن العشرين فيقول: إنه «دون نزاع أوضح وأدق وأضبط وأحكم منهجًا وأحدث طريقة، وهو فوق ذلك مجدد ومعاصر، يضع ألفاظ القرن العشرين إلى جانب ألفاظ الجاهلية والإسلام، ويهدم الحدود الزمانية والمكانية التي أُقِيمتْ خطأ حول عصور اللغة المختلفة.»
وهذا المعجم الوسيط أوسع تناولًا لألفاظ الحضارة من «المنجد»، ولكنه — على أية حال — لا يغني عن المعجمات المستقلة للعلوم والصناعات، ولم يأخذ مؤلفوه أنفسهم بالاستغناء عنها، وليس في وسع مؤلف أن يأخذ نفسه بمثل هذا في معجم من المعجمات العامة كائنًا ما كان حجمه، وقد نظر المجمع في تخصيص بعض المراجع المستقلة بأغراضها، فابتدأ منها بمعجم مستقل للقرآن الكريم، وهو مقصور على الألفاظ القرآنية بتفسيراتها اللغوية وبغير توسع في التفسيرات التي تُحسَب من قبيل الرأي والاجتهاد على مذاهب الفقهاء.
والمجمع دائم الاشتغال بتأليف معجمه الكبير الذي ينتظر أن يستدرك كل نقص يستطاع استدراكه في الترتيب والشرح، أو في البحث عن الأصول، أو في استيفاء المعرب والدخيل، مع الإحاطة بأكبر عدد ميسور من ألفاظ الحضارة ومصطلحات العلوم والصناعات.
والمعهود في أعمال المجامع أنها أطول أمدًا من أعمال الأفراد، فإن معجم الأكاديمية الفرنسية قد استغرق العمل فيها أكثر من مائة سنة، ولم يسلم بعد هذا من مواضع النقد لإفراطه على المحافظة على النهج القديم كما اتبعه أعضاء الأكاديمية عند ابتداء وضعه.
وطول الأمد في أعمال المجامع ضرورة لا حيلة فيها ولا وجه للاعتراض عليها؛ لأن الخطة التي يتفق عليها ثلاثون أو أربعون متجددون بين حين وحين أصعب تنفيذًا من الخطة التي يفرغ لها المؤلف الواحد بينه وبين نفسه، ولا يطالبه أحد بمراجعتها وإعادة النظر فيها، فقد حدث خلال تأليف الصفحات الأولى من المعجم الكبير أنها أُعِيدت إلى المؤتمر أكثر من أربع مرات للنظر في ملاحظات الأعضاء الجدد أو الأعضاء الأوائل الذين بدا لهم بعد الشروع في تأليفه رأي غير الذي اختاروه عند ابتدائه.
ومن هذه الملاحظات ما كان يدعو إلى إعادة النظر في ترتيب المواد بحسب الحروف الأولى أو الأخيرة، وفي تضمين الأعلام أو عزلها، وفي ذكر المرادفات السامية والأجنبية على العموم أو الاقتصار على الضروري منها، وفي التزام التسلسل التاريخي لمعاني الكلمات مع إثبات الشواهد من أقوال الشعراء والكتاب أو العدول عن ذلك لصعوبة السير عليه في معجمات اللغة العربية.
ومن الملاحظات التي أُعِيدَ النظرُ فيها مسألة التقسيم والترتيب في المادة الواحدة، هل تُشرَح الكلمة شرحًا واحدًا متصلًا من بدايتها إلى نهايتها، أو تُقسَّم المادة إلى أبواب يُشرَح كل باب على حدة، ولا يُنتقَل إلى ما يليه إلا بعد الفراغ منه واستيفائه إلى غايته؟
ونضرب لذلك مثلًا مادة القاف والدال والميم، أي: مادة «قدم»، فهي تحتوي: معنى السبق، ومعنى القدوم، ومعنى مضي الزمن الطويل، ومعنى النفاذ، ومعنى الرِّجل، ومعنى الشجاعة، وفيها معنى القياس الذي هو جزء من اليردة، ومعنى الآلة التي يستخدمها النجارون، وغير ذلك معانٍ شتى تتولد بالاشتقاق وباستعمال الفعل المزيد على جميع الأوزان.
فهل يتصل الشرح ويُعاد إلى الباب بعد الانتقال منه على حسب ترتيب الحروف، أو ينفصل كل معنى بقسم لا يشترك فيه مع غيره، وإن تشابهت حروف الكلمات؟
هذا مثل من أمثلة الملاحظات الكثيرة التي استوجبت إعادة النظر في خطة التأليف قبل المضي فيه على المنهج المتفق عليه.
ويُضاف إلى هذه المعوقات التي لا بد منها أن الأعمال «الرسمية» ترتبط بقراراتها وتواريخها، ولا يتأتى تعديلها أو استئنافها بغير الرجوع إلى قرارات أخرى تتطلب الوقت الطويل لاتخاذ «إجراءاتها» وإصدار الإذن «بالاعتمادات» التي تُرصَد للإنفاق عليها، ولو اقتضى الأمر زيادة خبير واحد إلى لجنة التأليف لما تيسر ذلك قبل معاودة الإذن بهذه الإضافة إلى «مصروفات المشروع»، ومعاودة السلسلة الإدارية كرة أخرى من الألف إلى الياء، وقد تعترض ذلك أحوال كأحوال الحرب وما يشبهها يتبدل فيها نظام توريد الورق من نوع معين، ونظام الطبع في جهة محدودة، ونظام المعاملة بين الجهات الحكومية والجهات الأهلية التي تُعهَد إليها مهمة التحضير والطباعة.
وبما صادف المعجم الكبير من هذه العوارض أنه ارتبط — من الخطوة الأولى — بمعجم الدكتور فيشر الذي كان قد اعتزم تأليفه على المنهج المقرر لتأليف ذلك المعجم الكبير، وكان الدكتور فيشر قد أعلن عزمه على تأليفه لأول مرة بمؤتمر المستشرقين في باسل (سنة ????)، وجاء في محضر المؤتمر لتلك السنة أن الدكتور «قد أبان أن القواميس العربية الموجودة التي ألفها الغربيون، وبخاصة تلك التي عالجت الفصحى لعهدها القديم، لا تفي بحال من الأحوال بالمطالب العلمية؛ لأسباب أهمها أنها لم تعتمد على كتب الأدب الموجودة، بل نشأت من القواميس التي ألفها العرب، وإن كانت هذه قيمة جدًّا».
ثم جاء في المحضر أن الدكتور فيشر «لا يرى أن ينفرد بالعمل بل يجب اشتراك غيره من العلماء معه.»
ثم نُدِب الدكتور فيشر لإدارة القسم العربي الإسلامي لمعهد الاستشراق بمدينة ليبزج، فاختار من تلاميذه نخبة تعمل معه لإعداد البحوث اللازمة للبدء بتنفيذ مشروعه، ولم يزل هذا المشروع في مرحلة التمهيد إلى سنة ???? إذا اطلع أحد الناشرين الألمان على نموذج منه، فأبلغ الدكتور استعداده للقيام على طبعه وتدبير نفقاته، ولم يكن يقدِّر في تلك المرحلة مصاعب التنفيذ إلى تمام تأليف المعجم وطبعه، فلما عرف من تفصيلاته كل ما يحتاج إليه جهدًا ونفقة، عدل عن عزمه وأبلغ المؤلف وتلاميذه بعدوله، وكان مجمع اللغة العربية قد تألف وضم إليه فئة ممتازة من المستشرقين الأوروبيين منهم الدكتور فيشر والدكتور ليتمان الألمانيان، وعلم الأعضاء بمشروع فيشر كما علم فيشر بالبرنامج المقرر لأعمال المجمع اللغوي وفي مقدمتها تأليف المعجم التاريخي الكبير، فتم الاتفاق على ولاية المجمع لهذا العمل باعتباره تنفيذًا لبرنامجه المقرر، وأعان الدكتور بما عنده من المراجع المطبوعة والمخطوطة وأماكن المراجعة والتحضير، ويسر له العمل بمعونة موظفيه الخبراء وأعضائه المتطوعين للمشاركة فيه، ولم تمضِ سنتان على ابتداء البحث في خطة التأليف وجمع المواد المتفرقة وكتابة الجزازات لكل مادة على حدة حتى نشبت الحرب العالمية الكبرى، وانقطع الدكتور فيشر عن حضور جلسات المجمع بضع سنوات، ثم انقطعت أخباره وتبين بعد العلم بخبر وفاته أن أوراقه التي حملها معه إلى بلده قد تبددت وضاع منها الكثير بغير أمل في الحصول عليه، فلم يرَ المجمع في هذه الحالة بدًّا من تعديل العقود التي كانت مبرمة بين المؤلف ووزارة التربية، ولم يكن في وسعه أن ينشئ قبل ذلك معجمًا آخر إلى جانب المعجم المتفق عليه، ولا أن يلغي تلك العقود قبل التحقق من مسوغات إلغائها أو تعديلها.
وتدل النماذج التي انتهى العمل فيها من معجم فيشر، على جهد كبير في التبسط والاستطراد، يزيد على الحاجة في معجمات اللغة ويحيط بمعانٍ للكلمات ليست من قبيل الإحاطة اللغوية، كاستطراده في حرف الهمزة، بعد الكلام على استخدام الهمزة للنداء، إلى الكلام على جميع أحرف النداء، وإتيانه بمادة «النوم» في كلمة «أخذ» لقوله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ وأمثال ذلك من ضروب التوسع التي يصعب الاسترسال فيها على هذا النحو في سائر الحروف، فبدا للجميع أن يعيد النظر في جزازات المواد ليثبت منها ما يصح أن يدخل في نطاق المعجمات اللغوية، ويحيل البقية إلى مواضع الانتفاع بها في غير هذه المعجمات عند التفكير في تأليفها.
هذه بعض العوارض التي يسهو عنها الذين يقفون بعيدًا — على البر — ليستبطئوا عمل المجمع في معجمه الكبير، وهي — كما نرى — عوارض معهودة في كل عمل من أعمال الجماعات يجري على «السنن الرسمية»، ولا مناص له من الجري عليها، ولكن الواقع أن المعجم الكبير مشروع يطول العمل فيه سواء صادفته هذه العوارض أو لم يصادفه عارض منها، فإذا تم تأليفه خلال ثلاثين سنة فذلك توفيق يُغبَط عليه، بالقياس إلى أعمال المجامع التي توافر لها من المعدات على طول الزمن ما ليس بالمتوافر للمجامع العربية.
ولا يبعد أن يظهر من المعجمات الكبيرة في هذه الأثناء معجم أو معجمان بعناية الأفراد المنطلقين من ضوابط الأعمال الجماعية، ولكن المعجم الذي تتولاه الجماعة يظل مع هذا مطلوبًا لمزايا فيه لا تتيسر للفرد الواحد، مهما يكن مبلغه من المعرفة والاجتهاد.
ويتسع الوقت ولا ريب لظهور عشرات المعجمات العلمية والصناعية المستقلة بأغراضها في هذه الأثناء، وتلك هي المعجمات التي يلوح لنا أن المحرر الفاضل يسأل عنها، ويسمي مشكلتها بمشكلة المعجمات العربية، وليس لها حل عند واضعي المعجمات الكبرى بالغًا ما بلغ بها الاتساع والاستقصاء، ولكنها تحل على أحسن وجه بالمعجم المستقل لكل موضوع من موضوعات العلوم والصناعات وألفاظ الحضارة على الإجمال.

الفصل السادس عشر
مُعجم المصْطَلحَات الحراجيَّة


تقدم في الكلام على مشكلة المعجمات العربية الحديثة أن المعجمات العامة لا تتوسع في جمع ألفاظ الحضارة ومصطلحات العلم والصناعة، ولا نرى أن ذلك يعيبها أو أنه نقص يتيسر استدراكه: «لأن النظام الذي جرى عليه واضعو المعجمات الحديثة باللغات الأوروبية يخصص لكل علم أو صناعة معجمًا مستقلًّا لا يتعرض لغير مصطلحاتها وألفاظها، وذلك بعد أن بلغت هذه المصطلحات والألفاظ عددًا يكفي لتأليف معجم خاص بكل منها تزيد صفحاته على المئات ولا تمس الحاجة إليه عند البحث عن الكلمات اللغوية في معجماتها العامة، وبخاصة بعدما توفر أناس منا على وضع المعجمات المستقلة لبعض العلوم والصناعات، ولا يزال المدد الوافر يتوالى على هذه المعجمات المستقلة لاستمرار العمل في تدريس العلوم باللغة العربية والاستغناء شيئًا فشيئًا عن مصادرها الأوروبية.»
ومن هذا العدد المبارك الذي وصل إلينا بعد ظهور المقال السابق في «قافلة الزيت» معجم العالم المجتهد الأمير مصطفى الشهابي الذي أسماه «معجم المصطلحات الحراجية»، وأورد فيه هذه المصطلحات بالإنكليزية والفرنسية والعربية.
وليس هذا المعجم — في الواقع — بالجديد بالنسبة إلى العالم الباحث، مؤلفه القدير، سواء في الكثير من مفرداته أو في الطريقة العلمية التي يتوخاها عند نقل المصطلحات أو تعريبها أو وضعها، بما هو معروف عنه من سعة المعرفة بعلمه، وفرط الغيرة على لغته، وحسن التصرف في أدائه لعباراته، وقد اطلعنا على هذه الطريقة في معجمه السابق للألفاظ الزراعية بالفرنسية والعربية، ووقفنا على شيء من تفصيلاتها التي يعرضها للمناقشة في جلسات المجمع اللغوي، وهو علم من أعلامه النابهين الذين يمحضون له أكبر العون في علم النبات خاصة، وفي غيره من العلوم على الإجمال.
ولكن الجديد في هذه المجموعة النفيسة إعدادها في قالب المعجمات التي يتداولها القراء العلميون، وهم في هذا الزمن غير قليلين بين أبناء البلاد العربية، وقد سماه معجمًا للمصطلحات؛ لأنه أفضل ترجمة للكلمة الإنجليزية Vocabulary التي تعني الاصطلاح الخاص لموضوع من الموضوعات أو الاستعمال اللغوي الخاص لكاتب من الكتاب، ولو في الموضوعات العامة، كما يُقال — مثلًا — معجم المصطلحات للشاعر شكسبير أو معجم المصطلحات في دواوين الشاعر براوننج، ولا يُعنَى فيه بالكلمة إلا على حسب معناها الذي ورد في مؤلفاته؛ لأنها قد تخالف معناها العام بغير ذلك الاصطلاح. ونضرب المثل بكلمة عربية نقصد التمثيل بها لإظهار الفرق بين شرح معنى الكلمة في المعجم العام، وشرح معناها بعينها في كل معجم خاص قد تدخل في عداد مصطلحاته.
فكلمة «الرفع» مثلًا تُذكَر في المعجم العام بمعناها المشهور، ولكنها تُذكَر بين مصطلحات علم النحو بمعناها الذي يتعلق بإعراب الكلمات، وتُذكَر بين مصطلحات علم الآلات في صدد الكلام على الآلات الرافعة، وتُذكَر في باب المراسم للدلالة على درجة من درجات التشريف والتحية، كصاحب الرفعة وصاحب المقام الرفيع، وتُذكَر في علم الحديث للتفرقة بين الأحاديث المرفوعة وغيرها من الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، ولا يلزم أن يحتوي المعجم العام جميع هذه المصطلحات إلا إذا أفرط في التوسع على منهج واحد في أمثال هذه الكلمة، وهو جد عسير.
وقد حافظ المؤلف الفاضل على منهج المعجمات الخاصة في معجمه هذا للمصطلحات الحراجية، وزاد فيه كثيرًا على ما جاء من هذه المصطلحات في معجمه السابق للألفاظ الزراعية، وإن لم يخالف طريقته التي اعتمدها في جميع بحوثه الفنية والعلمية؛ لأنها طريقة للتحقيق والتحري لا تحسن مخالفتها بين موضوع وموضوع.
ومن الدقة الفنية المأثورة عن المؤلف أنه سمى معجمه السابق بمعجم الألفاظ الزراعية، وسمى هذا المعجم الأخير بمعجم المصطلحات الحراجية؛ لأن الغالب على الكلمات التي تستخدم علم الحراج أن تكون حدودًا فنية وتعريفات مصطلحًا عليها بين أهلها.
ولا يغلب مثل هذا على كلمات الزراعة؛ لأنها في جملتها ألفاظ متداولة بين العلماء وغير العلماء من الزراعيين وغير الزراعيين، ومثل هذه الدقة في التفرقة بين مواضع الكلمة ظاهر في جميع الكلمات المترجمة أو التعريفات المصطلح عليها.
والمؤلف يعتمد المصطلحات باللغة الإنجليزية، تليها هذه المصطلحات باللغة الفرنسية، ثم يقابلها بالترجمة العربية، محيلًا إلى المصطلحات الأخرى فيما يرتبط معناها بأكثر من مصطلح واحد عند اختلاف الترتيب بالحروف الأجنبية أو العربية، وإنما اعتمد المؤلف ترتيب المصطلحات على حسب الحروف الأجنبية؛ لأنه يترجمها لمن يدرسون العلم الحديث باللغات الأوروبية المشهورة أو لمن يقرءون في كتب ذلك العلم للاطلاع أو الاستفادة ويحبون أن يعرفوا مقابلًا للكلمة الأوروبية باللغة العربية الفصحى، أو باللفظ المولد والدخيل إن لم يُوجَد اللفظ الفصيح.
على أن المؤلف الخبير بمناهج المراجعة لم يفته أن ييسر الأمر على القارئ العربي كل التيسير إذا أردت أن يبدأ البحث بالرجوع إلى الكلمة العربية، فإنه بدأ المعجم بإحصاء المصطلحات العربية التي وردت فيه مرتبة على حسب الحروف الأبجدية، ووضع بإزاء كل مصطلح منها رقم المصطلح كما ورد في الترتيب الأجنبي، فأصبح الكشف عن الكلمة في الأصل أو الترجمة ميسرًا للباحث عنها حيث يشاء.
واختار المؤلف أن يسمي المعجم باسم المصطلحات الحراجية مفضلًا اسم الحراج على اسم الغاب المرادف له في الجملة؛ لأنه لاحظ في ذلك دقة الفارق بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي العام، كما لاحظ العناية بالتراث اللغوي العلمي في مراجع هذا العلم من اللغة العربية، وقال في المقدمة: «… استعملت كلمة حرجة لا غابة أمام كلمة Foret «الفرنسية» وجمعها حراج وأحراج وحرجات وحرج، والأخيرة تأتي للمفرد والجمع … والحرجة والحراج والأحراج هي التي كانت تُستعمَل في كتبنا القديمة، فمنذ زمن الأيوبيين في مصر مثلًا كان الأديب القبطي الكبير ابن مماتي يقول في كتابه النفيس الموسوم بقوانين الدواوين: «الحراج السلطانية» لا الغابات السلطانية، وظل لفظ الحراج يُستعمَل في زمن المماليك وفي قوانين الدولة العثمانية، ثم في قوانين الأقطار العربية التي انفصلت عنها عقب الحرب العالمية الأولى، فلا مجال إذن لترجيح لفظ الغابات عليه، وقد استُعمِلتْ كلمة الغابة تخصيصًا أمام Futoie الفرنسية Foresth الإنجليزية، ثم إن كلمتي حرش وأحراش العاميتين ما لبثتا شائعتين في كثير من الأقطار العربية.» وليست ملاحظة هذه الاعتبارات في تمصيص الفوارق بين المصطلحات العلمية عملًا ميسرًا لكل مشتغل بالعلوم الزراعية ما لم تسعده على الإحاطة بها معرفة بمراجع التاريخ واللغة تحدد له مواضع التخصيص والتعميم في كل مصطلح، وقد وعى المؤلف من هذه المراجع ما يكفيه للاستقلال بالترجمة والتعريب أو بالوضع في مواضع الحاجة إليه، ولكن أمانته العلمية شاءت له أن يستعين بغير جهوده في هذا الباب كلما تطرق إلى بحث من البحوث عن إحدى الكلمات، فقال: «إن مراجع هذا المعجم هي على الأخص الطبعة الثانية من معجم الألفاظ الزراعية والمصطلحات التي أقرها مجمع اللغة العربية في القاهرة، وهناك ألفاظ جديدة وضعتها وألفاظ راجعت فيها مراجع عديدة يمكن الوثوق بها قليلًا أو كثيرًا، فأثبت أصلح تلك الألفاظ في نظري.»
ولم يتوسع الأستاذ الشهابي في إثبات المصادر أو المراجع أمام المصطلحات الحراجية؛ إذ لا يمكن — كما قال — «في مثل هذا المعجم الصغير ذكر أصول المصطلحات العربية الصحيحة منها والمولدة، وذكر الأسباب التي دعت إلى ترجيح بعضها على بعض، فقد ذكرت ذلك كله في معجم الألفاظ الزراعية.»
أما منهجه في إثبات المصادر أو المراجع أمام الألفاظ الزراعية في معجمها الكبير فحسبنا منها كلمة واحدة نكتفي بها؛ لأننا نعرف مناسبتها ونستدل بها على مبلغ الحرص على إثبات المرجع لأيسر مناسبة.
تلك الكلمة هي كلمة «سهب» بالعربية تقابل كلمة Steppe الفرنسية أو الإنجليزية، فقد جاء في ترجمتها من معجم الألفاظ الزراعية: «الجمع سهوب … الفرنسية من الروسية، تُطلَق على سهول روسية الواسعة المعشبة، والعربية تدل على المستوى من الأرض في سهولة، وذكر لي الأديب المشهور عباس محمود العقاد زميلنا في مجمع مصر أنه استعمل العربية مقابل الأعجمية منذ عشرين سنة، وقد شاع اليوم هذا الاستعمال في الكتب الجغرافية خاصة.» وقد ألقيت بترجمة هذه الكلمة اقتراحًا عارضًا في إحدى جلسات المجمع، ولم يخطر لي أنها علقت بذهن الأمير أو أنه يذكرها مع المراجع، ولم يذكرها قبله أحد ممن نقلوها في كتب الجغرافية، حين استعمالها لأول مرة في هذا المعنى.
وللمؤلف منهج كهذا المنهج في التعقيب على الألفاظ التي يختار وضعها لمعانيها ويتحرى تسويغ هذا الوضع لأسبابه اللغوية أو العلمية، نكتفي منها كذلك بكلمة واحدة هي كلمة Haras التي اختار ترجمتها بالحريسة من الحراسة أو المفرسة، وقال أمامها: «إنها مؤسسة تُربَّى فيها كرائم الخيل، والمفرسة من فرس على وزن مفعلة، والحريسة لم ترد بهذا المعنى ولكنها في اللسان فعيلة بمعنى مفعولة أي: إن لها من يحرسها ويحفظها وهي الحرائس، فترى أن هناك وجهًا لإقرار الحريسة اصطلاحًا، ويمكن أن يُقال محرِس «بكسر الراء» إذا أريد المكان، وجاء في بعض المعاجم الفرنسية أن الكلمة الفرنسية من فرس العربية، ولكن الثقات من العلماء الفرنسيين يشكون في ذلك كما يشكون في نسبتها إلى مادة حرس العربية.» ثم أحال المؤلف القارئ إلى معجم «إسكار بلوخ» ولحق معجم «لترة»، وأعطى التحرج كل حقه من نسبة الكلمة إلى اللغة العربية بهذا المعنى، ولكننا لا نستبعد أن تكون الكلمة عربية من أصل آخر هو أصل «التهريش»، وهو مرانة معروفة في تربية كلاب الصيد تتصل بحرائس الخيل، وتقابلها بالإنجليزية كلمة Harras وبالفرنسية كلمة Harrases ويقولون في المعجمات الإنجليزية الكبيرة عند ردها إلى الفرنسية: إنها يغلب أن تكون من كلمة Harer بمعنى إثارة الكلاب للمهارشة. وتنتقل هذه الجهود في بحوث الترجمة والوضع، أو بحوث المراجعة والموازنة، إلى صفحات المعجم الجديد للمصطلحات الحراجية الذي صدرت طبعته الأولى في منتصف السنة الماضية، بعد عشرين سنة من ظهور الطبعة الأولى لمعجم الألفاظ الزراعية، تقضت كلها في الاستزادة من خبرة العلم ومادة اللغة ومزاولة التجارب العلمية في الحياة الدراسية، وثمرة ذلك كله ظاهرة في صفحات هذا المعجم الحديث الذي يصلح للمقارنة بينه وبين أحسن المعجمات الأوروبية في بابه، وليس له — على ما نعلم — نظير في هذا الباب باللغة العربية.
وليس لنا أن نحكم على المعجم من ناحيته العلمية النباتية، وإن كنا نعرف رجاحة المؤلف الكبير في علمه من متابعة المناقشات التي تجري بينه وبين فطاحل علماء النبات خبراء هذا العلم في لجان مجلس المجمع أو في جلسات مؤتمراته العامة، ولكننا — من الناحية اللغوية — نلمس دلائل الكفاية التي يتطلبها تأليف أمثال هذه المعجمات، وتزداد الحاجة إليها كما ذكرنا في مستهل هذا المقال عامًا بعد عام … وهي كفاية تمت للمؤلف الكبير بالاطلاع والمثابرة على المراجعة في أبواب من الثقافة لا تتصل جميعًا بثقافة فنه، ولا شك أنه اطلاع يسعده الحب والرغبة إلى جانب الفهم والدراية، تلك الرغبة التي استمدها من قدوة أخيه «عارف الشهابي» شهيد القضية العربية الذي قال في إهدائه معجم الألفاظ الزراعية إنه «علمني أن أحب لغتنا الضادية وأن أبذل جهدي في خدمتها.»

الفصل السابع عشر
خَليل مُطران … أرْوَع ما كَتَب


كتاب في نحو مائة وسبعين صفحة من القطع الكبير، يُعتبَر من كتب الجمع والرواية كما يُعتبَر من كتب النقد والتأليف.
وضعه الباحث المؤرخ الناقد الدكتور محمد صبري، وجمع فيه طائفة صالحة من منثور الشعر الكاتب خليل مطران، وصرف عنايته فيه إلى استقصاء المقالات والنبذ التي نشرتها الصحف والمجلات ولم تظهر قبل الآن في مجموعة واحدة، وهذا هو جانب الجمع والرواية.
أما جانب النقد والتأليف فهو شامل للمقدمة الوافية التي كتبها الدكتور محمد صبري وصدر بها الكتاب، ومعها نخبة من التعليقات يتخلل بها مقالات مطران وشذراته بما يقتضيه المقام من الشرح تارة والمناقشة تارة أخرى، ويجيد كعادته في هذه الشروح والمناقشات، ويفيد.
وقد جاءت مقدمة الكتاب في مكانها وفي موعدها؛ لأنها تعين على التعريف بفضل مطران الناثر، وتصحح الدعاوى الفاشية بين الأدباء الناشئين الذين تغرهم تلك الطنطنة الجوفاء بأسماء المذاهب الأدبية والمدارس الفنية كما راجت زمنًا في صحف الأدب الرخيص بين الغربيين، وقد تفيد الناقد الأصيل المطبوع ولكنها تضلل الناقد المقلد عن الحقيقة المقصودة؛ لأنها تشغله بالأسماء عن المسميات وبالقشور عن اللباب، وقد يصل أصحابها أنفسهم في وضع أسماء المذاهب وفي تطبيقها على الموضوعات.
ويكفي أن نختار مثلًا واحدًا لهذه التقسيمات والتطبيقات نلمس منه ذلك الخطأ البعيد في النظر إلى حقيقة الكلام ذهابًا مع العناوين التي يحلقونه بها، وهذا المثل الواحد هو تقسيمهم الشعر إلى شعر انبعاث وحركة «ديناميكي» وشعر استقرار ووقوف أو سكون «ستاتيكي»، وهو كما يقولون غالب على الأدب العربي منذ عصر الجاهلية إلى العصور الحديثة.
وقد أشار الدكتور صبري إلى هذه التفرقة في مقدمته مستشهدًا بكلام الأستاذ إسماعيل أدهم نقلًا عن الدكتور جرمانوس، فقال: إن الأستاذ إسماعيل أدهم استشهد برأي الدكتور يوليوس جرمانوس … ومثال ذلك واضح في وصف طرفة للجمل؛ إذ يصفه بدقة تشريحية ولكن تعوزه الطاقة على التجرد من الذاتية، وأنت لو طالعت في الإلياذة كيف يصور هوميروس درع أخيلوس حيث تصهر الدروع وتطرق وتنحت وتصقل أمام بصر السامعين الذهني لأمكنك أن تعرف الفارق الكبير بين طبيعة الشعر العربي وطبيعة الشعر الغربي، فإن الأخيرة زحمة في قوتها ونشوئها الدرامي، ومن هذا أمكننا أن نقف على السبب الذي قعد بالشعر العربي عن التصوير؛ لأن التصوير يستلزم التجرد عن الذاتية والعرض للظواهر الطبيعية في طبيعتها الموضوعية، ولا ينبغي أن ينسينا هذا النقص استكمال الشعر العربي من ناحية أخرى — ناحية الذاتية — وهذا ما يظهر عند شاعر قوي الروح العربية كالمتنبي …
وقد ناقش الدكتور صبري هذه الآراء واستطرد منها إلى مناقشة آراء المفرقين بين الأدب العربي والأدب الغربي بهذه المقاييس التي تحمل أسماء «الموضوعية والذاتية والدينامية والاستاتيكية» وما شابهها من العناوين والأسماء، وحبذا هي من مقاييس لولا أنها تضلل الأذهان عما تقيسه وتنسيها حقيقة المقصود كلها بالوصف حيث كان في كل لغة وفي كل أمة … فلو ذكر الناقد أن الوصف الصحيح هو التعبير الحي عن إحساس الشاعر بما يدركه لما انقلب عليه الأمر فحكم بنقص التمثيل الدينامي في الشعر العربي وغلبة التمثيل الاستاتيكي عليه، ولو أنه عكس القول لكان أقرب إلى الصواب.
ولنقنع هنا بالمتنبي الذي جاء ذكره في تلك العبارة، فإنه أكبر شعرائنا النابهين الذين لم يشتهروا بالوصف؛ لأنهم اشتهروا بالحكمة، ولكنه — على هذا — يصف مناظر الحركة والانبعاث فيخيل إلينا أنه يعرض أمامنا شريطًا من أشرطة الصور المتحركة التي تتوالى فيها الصور، ونوشك أن نراها بالعين ولا نسمعها بالأذن لفرط الصدق في تمثيل الشعور الحي بما يقع منها في الأبصار والأسماع.
إليك مثلًا وصفه للبحيرة حيث يقول:
لولاك لم أترك البحيرة والــغور دفيء وماؤها شبموالموج مثل الفحول مزيدةتهدر فيها وما بها قطموالطير فوق الحباب تحسبهافرسان بلق تخونها اللجمكأنها، والرياح تضربهاحيشًا وغى: هازم ومنهزمكأنها في نهارها قمرخف به من جنانها ظلمتغنت الطير في جوانبهاوجادت الأرض حولها الديمفهي كماوية مطوقةجرد عنها غشاؤها الأوم فأي «دينامية» هذه التي تعوز هذا الوصف الحي في حركته وسكونه، وفي وقع الصور المتعاقبة من النظر والسمع ووقعها من الخيال؟!
وإليك وصفه للأسد حيث يقول:
متخضب بدم الفوارس لابسفي غيله من لبدتيه غيلاما قوبلت عيناه إلا ظنتاتحت الدجى نار الفريق حلولافي وحدة الرهبان إلا أنهلا يعرف التحريم والتحليلايطأ الثرى مترفقًا من تيههفكأنه آس يجس عليلاويرد عفرته إلى يافوخهحتى تصير لرأسه إكليلاما زال يجمع نفسه في زورهحتى حسبت العرض منه الطولاسبق التقاءكه بوثبة هاجملو لم تصادمه لجازك ميلا فماذا تزيد دينامية الأرض كلها على هذه الصفة التي تكاد تهز القرطاس بالحركة وهي تجري عليه؟
وشبيه بالمتنبي شاعر آخر لم يشتهر بالوصف أيضًا؛ لأنه اشتهر بالحكمة كصاحبه، فقال عنهما أبو العلاء: إن أبا الطيب وأبا تمام حكيمان والشاعر البحتري.
يقول أبو تمام — الحكيم — في وصف الربيع:
مطر يذوب الصحو منه وبعدهصحو يكاد من الغضارة يقطريا صاحبيَّ تقصيا نظريكماتريا وجوه الأرض كيف تصورتريا نهارًا مشمسًا قد شابهزهر الربى فكأنما هو مقمردنيا معاش للورى حتى إذاهلَّ الربيع فإنما هي منظر ولا نذكر الشعراء الوصافين، أو المشهورين بالوصف، فإن صورة واحدة من كل شاعر منهم تتدفق في جملتها تدفق البحر الخضم، فتغرق الإلياذة بما وسعت من دروع وسيوف!
أحسن الدكتور صبري في نقده لهذه الآراء تمهيدًا لمختاراته من وصف مطران، فإن مطران الناثر — كمطران الشاعر — مثل البلاغة «الدينامية» على قول أصحابنا عشاق العناوين، وإننا لننقل أول وصف له في المجموعة فيغنينا عن المزيد من هذه الأوصاف الحسان؛ لأنها كلها أوصاف لا تعوزها الحركة ولا المناظر التي تراها العين أو يتمثلها الخيال.
قال في مقال سجن الأحداث: نحن يومًا جلوس على شرفة نادٍ، وإذا جمهور من صبية، كبار وصغار، طوال وقصار، يمرون في الطريق وينقلون أقدامهم على نغم موسيقى يعزف بها أمامهم، ويتقدم الموسيقى غلام يحمل صولجان طويلًا ثخينًا يقلبه في قبضته شمالًا ويمينًا، كأنه يشير به إلى المارة أن اخلوا السبيل جانبًا وقفوا منا موقف اتقاء السيل جارفًا والجيش محاربًا … وتتلو صاحب الصولجان الغلمة العازفة الضاربة الجادة اللاعبة، ثم نحن المائة من الأحداث نمشي وراءها صفوفًا متحدة الملبس مختلفة الوجوه صنوفًا، وكل هذا السواد كاسون أبيض مسطرًا بسواد، قويمة قاماتهم، مرفوعة هاماتهم، غضة أبدانهم، بادية من السرور أسنانهم، فقلنا: من الجيش بلا سلاح؟ فقيل: المساجين في مدرسة الإصلاح.
هذه أيضًا إحدى «أفلام» الصور المتحركة التي تتلاحق على القرطاس، ويتبعها في كل صفحة من صفحات الكتاب مقال إن شئت، وإن شئت فشريط يريك كل ما يغني القارئ بالصفات المكتوبة عن الموصوفات المنظورة أو المسموعة، ولا تبتعد في المجاز كثيرًا إذا قلت: إنها من الصور الناطقة؛ لأنك تستطيع أن تعلم من المنظر المشهود كيف نسمعه بأذن الخيال.
وتدل هذه القطعة المختارة — بغير انتقاء — على أسلوب الكتابة في سائر الفصول والشذرات؛ أسلوب فصيح النسق، سليم اللغة، مرسل العبارة لا يترك السجعة المقبولة إذا جاءته في الطريق، ولا تخرجه عن الطريق إذا تعمد أن يلتفت إليها حيث يستدعيها المقام.
ولقد كان صاحب هذا الأسلوب «عصريًّا» في تركيبه لعباراته على نمط الكتابة العصرية في صحافة الأدب على الخصوص، ولكنه سلم مما كان يعرض لأقلام الصحفيين من أخطاء اللغة وخلل التركيب، ولم بجانب الروح العصرية حتى في مجاراته للسلف حين يجنحون إلى التحسين أو السجع والتشبيه، فكتابه «مرآة الأيام في ملخص التاريخ العام» يسمى على منهج الأسماء التي حرص المؤلفون على تسجيعها وتزويق معانيها بعد عصر المخضرمين وأوائل الأمويين، ولكنك لو ترجمته إلى اللغة الفرنسية أو الإنجليزية لما استغربه القارئ ولا حسب أنه منقول من لغة شرقية؛ لأن المؤرخ الغربي أيضًا يعتبر تشبيه التاريخ بالمرآة وصفًا غير بعيد عن لغة الواقع، وعن مقاصد المؤرخين.
وتحتوي المجموعة — مع الوصف — نقدًا أدبيًّا يلم بالموضوعات العربية والموضوعات الأوروبية، وينقد المؤلفات كما ينقد المؤلفين، ويعلق عليها شارح الكتاب فيهدي القارئ إلى ظروف المقال التي يفوتها العلم بها لولا هذا التنبيه إليها، ويستدرك على الكاتب بعض الأمور فيوافقه حينًا ويخالفه حينًا وينم على الإعجاب به في جميع الأحيان، ولا نكتم صديقنا الشارح أننا قد نخالفه لنوافق مطران على كثير مما لاحظه عليه، ومن أمثلة ذلك تعليقه على نقد مطران لرواية «مكبث» إذ يقول إن شكسبير «يقدم لنا مثلًا أعلى من الأمثلة التي تقوم أخلاق الأفراد وتصلح الأسر، وتقيل الأمم من العثرات، ويرينا بأقوى ما نستطيع البراعة سلطان الضمير في كل نفس، ويرينا بأية الحيل تحتاج الغرائز الدنيئة لإفساد الضمير.»
هذه الملاحظة لم يشأ أن يوردها الدكتور صبري دون أن يورد عليها ملاحظة من عنده يقول فيها: «أنا لا أعتقد أن شكسبير وهو يكتب رواية مكبث كان يفكر في الأسرات وإقالة الأمم من العثرات، شكسبير شاعر ينشد الجمال أولًا ويعبر عما يختلج في قلبه من عاطفة ووجدان.»
وهذا صحيح، أو يجوز أن يكون صحيحًا فيما يرجع إلى مقصد شكسبير، ولكنه — صح أو لم يصح — لا يمنعنا أن نقول كما قال مطران: إن شكسبير قدم لنا العبرة كما تقدمها لنا حوادث الزمن، ولا يلزم من اعتبارنا بالحوادث أن تكون الحوادث ذات قصد فيما نتعظ به أو لا من العبر، على مسرح التاريخ أو على مسرح التمثيل.
ونود أن نختم هذا المقال باقتراح على الأستاذ الشارح نخصه به؛ لأنه أحق باستجابته وإنجازه لطول عهده بدراسة مطران في حياته وبعد مماته، فهذا الكتاب — على ما نعتقد — يشوِّق قراء العربية إلى الروائع النثرية التي جنت عليها شهرة الأديب الكبير بالشعر، فكاد ينساها قراء الجيل الحديث، بل نسي مؤرخو مطران أنفسهم أن يذكروها في عداد أعماله وآثاره، ومنها كتابه الذي أشرنا إليه عن التاريخ، وكتابه عن الدكتور شميل ومترجماته التي استقل بها وأودعها من بلاغة العربية ما يصح أن يُنسَب إليه وأن يحتويه كل كتاب يتكلم عن الكاتب مطران، فإذا حسن عند الدكتور صبري يوم يعيد طبع كتابه هذا أن يحيط فيه بنماذج الكتابة المطرانية في جملة موضوعاتها ومناسباتها، فإنه لجدير بهذا الوفاء وهذا الاستيفاء.

الفصل الثامن عشر
شِعْرِي


الشعر العربي كفؤ لأداء رسالته ما دامت له تلك اللغة الخاصة التي يعبر بها صاحب «الشخصية الفنية» عن معانيه المقصودة، بوحي فطرته، وبواعث وجدانه وإرادته.
ونريد باللغة الخاصة تلك اللغة التي تستقل عن الصيغ المحفوظة، والأساليب المطروقة، والاستعارات المتفق عليها كاتفاق الأحاديث في تحيات المجتمع، وردود الناس عليها.
وتخصيص اللغة بالتعبير عن صاحبها أهم من الجودة في العبارة والسمو في المعنى، فإن المعنى الخاص أحوج إلى القدرة اللغوية من المعنى الرفيع والتعبير الجيد، والطرزي الذي يستطيع أن يسبغ على البنية الخاصة كسوتها التي تلائمها أحوج إلى القدرة ممن يسبغ الكسوة على البنية المثالية في تناسق الهندام واعتدال القوام؛ لأن موافقة البنية المثالية خبرة مشتركة بين جميع أبناء الصناعة، وإنما يحتاج الطرزي إلى كل فنه وابتكاره الكسوة «الخاصة» حين يهيئ لها إتقانها وجودتها، ولا يتقنها كما يتقنها صانع مجيد، أو كل صانع متبع على سنة التقليد.
ولقد أحسن صاحب ديوان «شعري» في اختيار هذا الاسم لمجموعة قصائده ومقطوعاته، فإنه في الحق شعره الخاص الذي يقوله هو ولا يقوله غيره، وآيته فيه أنه يعني ما يقوله ويقول ما يعنيه، وأنه وحي السليقة الذي تمليه عليه حياته وبواعث وجدانه من آثار الحياة وآثار عوارض الحياة.
قيل إن العالم النفساني «آدلر» خالف أستاذه «فرويد» في إيمانه بالعامل المهم في النفس الإنسانية، فأنكر أن يكون «الجنس» هو ذلك العامل المهم، أو هو الينبوع الخفي الذي تصدر منه أسرارها، وترجع إليه كوامن أشواقها ومخاوفها، وقرر أن حب الحركة لإثبات الذات هو ذلك الينبوع الأصيل في كل نفس بشرية؛ لأن ذات الإنسان ألصق به من جنسه وا? «أنا» فيه أسبق وأعرق من الذكورة والأنوثة في كل من الرجل والمرأة.
وأراد العلماء النفسانيون أن يطبقوا علم النفس على المذهب وصاحبه، كما يطبقه هو في تحليلاته، فظهر لهم من مراجعة تاريخه في طفولته الباكرة أنه كان يعاني الألم من لين العظام، وأن ألمه النفساني مما عاناه كان أشد عليه وأعمق في سريرته من آلام جسده الصغير.
ويقول شاعرنا أبو الوفاء في أبياته إلى حافظ إبراهيم مترجم «البؤساء»:
يا صاحبَ «البؤساءِ» جاءكَ شاعرٌيشكو من الزَّمنِ اللئيمِ العانيلم يكفِهِ أنِّي على عُكَّازةٍأَمشي، فحطَّ الصَّخرَ في طُرُقاتيثم انثنى يُزجِي عليَّ مَصائبًاسُحُبًا كقطعانِ الدُّجى جهماتِفي ليلهِنَّ فقدتُ آمالي الأُلىصاحبْنني مُذْ لاحَ فَجْرُ حَياتيفغدوتُ في الدُّنيا ولا أدري أمِنْأحيائِها أنا أم مِنَ الأمواتِ؟! تلك صيحة الحس من أثر الصدمة العارضة، ولكن طبيعة الشاعر الحية سمت بالصدمة الحسية فوق هذه الشكوى إلى مغالبة الحوادث وإطلاق النفس من قيودها، فأصبحت عقيدته كلها تعلقًا بالحركة، ونفورًا من القيد، وتطبيقًا للفكرة الجياشة التي سماها كما يسميها علم النفس «بالتسامي»، وقال عنها مرة من مرات في أوائل صفحات الديوان:
وأحقُّ النَّاسِ في النَّاسِ احتراما
من تَعالى عنْ هواهُ أو تَسامى
ذا هو الجمرُ الذي يخشى نهاهُ
لا سِواه وهو لا يرجو سواهُ
بل أصبحت غايته كلها من الحياة أن يتخطى القيود وأن يتركها، ولا يجر وراءه سلاسل الحديد:
وإذا مُتُّ مُتُّ حرًّا لأنيلم أُضِفْ للحياةِ قيدًا جديدابل إذا مُتُّ لم أجرَّ ورائيمن كَلامي سلاسلًا وحديدا وقد يترجم عن هذه العقيدة أحيانًا بحب القوة، كما يترجم عنها بحب المجد أو بحب الحرية، ولكنك تتطلع وراء هذه الأمثلة العليا جميعًا، فترى خلالها شيئًا واحدًا هو حب الحركة والتعلق بالحركة وحدها دون الغاية التي تصير إليها:
قَدَرٌ ماضٍ إلى غايتِهِمُسرعًا حتَّى وإن لم يُسرعِلا يبالي بالمسافاتِ ولابالَّذي يعنيه كسب الموقعِالذي يسألُ عن موضعِهِسوفَ يمضي ما له من موقعِ وفي خلال هذا الانطلاق المسرع إلى غير موضع، تنبعث به انطلاقته تارة إلى المجد الذي يهون في سبيله سفك الدماء:
لَنْ تبلُغَ المجدَ إلا إنْ صعدتَ لهُعلى سلالمِ أشلاءٍ وهاماتِ ومذهب الحركة الدائمة هو مذهب الشاعر في الحب، وفي الغزل، وفي تقدير الجمال، ونشدان الكمال:
كُلُّ ما في الأمرِ أنِّي هائمٌولقد آثرتُ عيشَ الهائمِين ولقد وافق مذهب الحركة نزعته إلى التسامي، وانبعث من أعماق حياته ومن عوارض حياته، ولكنه وافقه في الشعور المطبوع من غير باعث واحد في حياته الخاصة والعامة؛ لأنه هو الشعور الذي تمليه حوادث التاريخ بعد رقدة الجمود وطول العهد بالسلاسل والقيود.
واللغة الخاصة التي أشرنا إليها في مطلع هذا المقال لازمة لهذا الشعور الخاص، موافقة له في تعبيرها عن «الشخصية» الفنية موافقتها له في تعبيرها عن كل دعوة عامة فيها وجدان الشاعر ووجدان الأمة التي نشأ فيها.
فيندر في هذا الديوان أن تقع على قالب من قوالب التعبير التي سميناها بالصيغ المحفوظة والأساليب المطروقة، ويصح أن نسميها دائمًا بأنها في البلاغة أنماط كأنماط التحية المتفق عليها حتى توشك أن تفقد معناها، ويستمع إليها السامع وهو لا يصغي إلى كلماتها وحروفها.
وأراه على نقيض ذلك قد ترك الصيغ المحفوظة في نظم القصيد ليستبدل بها الصيغ التي لا تزال تجري مجراها على الألسنة في طريق الحفظ والقالب المتفق عليه، كأنه يعطي «اللغة الخاصة» حقها حين يجاري لغة الزمن في أحدث حركاته، ولغة اللسان العام في أعم كلماته وعباراته.
فمن العبارات الشائعة التي تتردد في الديوان قول الشاعر:
أي وضعٍ ذلك الوضع الحقيرْ؟!
أنا ممَّا أنا فيه مستجيرْ
ربِّ هَبْ لي حقَّ تقريرِ المصيرْ
أو قوله من «النشيد»:
ودَعِيني أَجتلِي شخصيَّتي
أو أَرى ذاتِي على مِرآة ذاتِي
وهذه وأشباهها عبارات شائعة بين أبيات الديوان شيوعها على ألسنة المتحدثين أو على أقلام كتاب الصحف، لا ننسى أنها في رأي النقاد من صيارفة الكلام أشبه بعبارات الكلم المنثور منها بعبارات القصيد، وأقرب إلى المعاني المعقولة المحسوسة منها إلى المعاني الملهمة التي يتلقاها الوجدان من الوجدان ويومئ بها الخيال إلى الخيال، ولكننا — على إقرارنا لهذا النقد — نود أن نشفعه بعذره ونقرنه باستدراكه الذي لا بد منه في موضعه، فقد يحسن في كل لغة خاصة كهذه اللغة أن نفرق بين التعبير الشائع والتعبير المبتذل، وأن نميز بين الكلمات التي تُراد لمعانيها ومقاصدها وإن كانت محسوسة ملموسة ولم تكن بالوجدانية ولا الخيالية، وبين الكلمات التي تُقال ولا تُراد لمعنى من المعاني، ولا تعدو أن تكون من تكرار الببغاء لما تسمعه من الأصوات والأصداء.
فالعبارات «المحسوسة» في ديوان أبي الوفاء غير قليلة، ولكن القليل فيه هو العبارات الببغاوية التي يقولها من لا يعيها، ويسمعها من لا يعي منها غير إشارة كإشارة اليد أو صيحة كصيحة النداء المجهول: أنماط كأنماط التحية المتفق عليها بمعزل عن عمل الرأي والقلب واللسان.
ولعلنا ننصف النقد الصادق وننصف الشاعر من هذا النقد إذا سألنا أصحاب الرأي الذي يأبى على الشاعر رخصة الكلم المشاع: أترون هذه الأبيات يلائمها تعبير أصلح لها من هذا التعبير؟ أترونها أقرب إلى طبعها ومعدنها في كلمات الشاعر أو في كلمات تقترحونها لم تشع على الألسنة في الأحاديث ولم تتواتر على الأقلام في أنباء الصحافة؟
من اختار لها كلماتها في نظم الشاعر فقد أنصفه من النقد وأنصف النقد منه، ومن اقترح لها كلمات غير كلماته فله أن ينظر من التأييد والاستحسان وفاق حظه من الإصابة والتوفيق.
وسيبقى بين الفريقين مكان للفريق الذي يتلقى الديوان ويحمد لقياه، ويضعه في ميزان الفن الجميل فترجح به كفة الميزان.

الفصل التاسع عشر
نَعَم … هِي أقْدَم


يجوز للمؤلف أن يتولى عرض كتابه إذا كان العرض عرض بيان وتفسير ولم يكن عرض تقريظ وتقدير؛ لأن صاحب الدار أدرى بالذي فيها كما يُقال.
يجوز هذا وتختلف فيه الأقوال.
ولكن الأمر الذي لا خلاف فيه أن المؤلف يجوز له، بل يجب عليه أن يعرض آراء نقاده؛ لأنه مسئول أن يصحِّح أخطاءه إذا كشف النقاد عن شيء منها، أو مسئول أن يصحِّح أخطاءهم إذا كانوا هم المخطئين.
وهذا هو العرض الذي أستجيزه وأستوجبه في هذا المقال؛ لأنه تصحيح لآراء النقاد في الرسالة التي ألفتها عن قدم الثقافة العربية وبيَّنت فيها الشواهد التي تثبت أنها أقدم من الثقافة اليونانية وأقدم من الثقافة العبرية.
وقد كنت أتوقع الدهشة التي يحدثها بيان هذه الحقيقة في أذهان بعض القراء من الشرقيين فضلًا عن الغربيين، فسميتها لذلك ? «الحقيقة المفاجئة» في مقدمة الرسالة، وقلت: إنها مفاجأة «لا تزول بغير المراجعة والبحث المستفيض».
وتيسر لي على أثر ظهور الرسالة أن ألمس آثارًا مختلفة لهذه المفاجأة عند أناس مختلفين من الغرباء عن العربية، ومن أبناء العربية أنفسهم، فكان أعجبها أن إحدى القارئات الأوروبيات بلغ بها استغرابها لصدور هذا الرأي مني أنها اعتقدت وصرحت لي بأنه رأي أبديه الآن مجاراة لتيار الدعوة العربية في حركتها الجديدة!
هذه الفتاة الأوروبية تعرف لغتنا وتشتغل بتحضير رسالة عن القصص العربي في عصرنا، ولم تقرأ الرسالة كلها ولكنها فُوجِئت بالعنوان وحده وبالمقدمة بعد صفحة أو صفحتين منها، فخُيِّل لها كما أسلفت أن البحث مقترح علينا لمجاراة الدعوة العربية في إبانها.
قلت للآنسة المستعربة المستغربة: إنني لا أرى حرجًا في مجاراة الدعوات العامة إلا أن يكون ذلك خلافًا للحقيقة أو إقحامًا للآراء في غير موضعها، ولكنها تظن ظنًّا يغنيني عن الإفاضة في الرد عليه أن الفكرة قديمة عندي لم أعلنها اليوم ولم يفتني إبداؤها في مناسباتها، ومنها كتابي عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية، وقد تكفل مقال العالم الباحث الأستاذ علي أدهم الذي كتبه نقدًا لرسالتي الجديدة بتصحيح هذا الظن قبل كتابة هذا المقال، فكتب في مجلة «الرابطة الإسلامية» يقول:
إن هذه الفكرة — فيما أعلم — ليست طارئة عند الأستاذ العقاد، فما أزال أذكر نقدًا كتبه الأستاذ لكتاب العالم البحاثة المرحوم الأستاذ أحمد أمين «فجر الإسلام»، في أواخر العشرينيات، فقد أخذ على الأستاذ أحمد أمين في هذا النقد ذهابه إلى أن اليونان هم أول من وضع أسس التفكير الفلسفي الصحيح، وعاد الأستاذ إلى تناول هذا الموضوع من زاوية أخرى في كتابه القيم عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية، ونقده للأستاذ أحمد أمين وما ذهب إليه في كتابه المذكور يمهدان ذهن قارئه إلى ما أسماه في كتابه الجديد حقيقة مفاجئة.
نقول: وهذا لون من ألوان الدهشات التي توقعتها ورأيتها قد يذهب به هذا البيان الوجيز، فلا حاجة به إلى تفصيل فوق هذا الإيجاز.
أما المفاجأة لي حقًّا فهي أن الفكرة لم تقع موقع المفاجأة كما كنت أنتظر عند عالم من علماء الروس في العصر الحاضر، وهو الأستاذ سورين شيرويان الذي ألف كتابه لنيل شهادة الدكتوراه عن أبي العلاء المعري وزار القاهرة لإتمام بحوثه في الآداب العربية، فقد سأله محرر «الجمهورية» قائلًا: إن الرسالة أثارت «دهشة الكثيرين بما تضمنته من آراء عن سبق الثقافة العربية للثقافة اليونانية والعبرية»، فأجابه الأستاذ بأنه «في الواقع لم يدهش لذلك» … ثم قال: «وقد سبق أن نُوقِشت هذه المسألة في موسكو منذ سنوات، وكانت الفكرة أن الثقافة اليونانية سبقت الثقافات جميعًا، وليس هذا صحيحًا …»
وقد نُشِر هذا الحديث في عدد «الجمهورية» الذي صدر في الثامن والعشرين من شهر نوفمبر الماضي، واستغربته أول الأمر فعددته من مفاجآت الفكرة التي تلازمها في حالتيها من التأييد والتفنيد، ثم لاح لي أن الأستاذ شيرويان خليق أن يعلم تاريخ الأبجدية «الكيرلية»؛ لأنها تُستخدَم في كتابة اللغة الروسية كما تُستخدَم في كتابة بعض اللغات من أمم أوروبا الشرقية، ولا بد أن يهديه علمه بتاريخ هذه الأبجدية إلى العلم بتاريخ الثقافة «المكتوبة» في بلاد اليونان، فلا يخفى عليه إذن جانبها الأصيل وجانبها المنقول والمستعار.
وقرأت للدكتور محمد مندور أخيرًا فصلًا في صحيفة «الجمهورية» أيضًا يرفض فيه القول بسبق الثقافة العربية للثقافتين اليونانية والعبرية، ويرى أننا لم نفرق بين السامية والعربية ولا بين الثقافة والحضارة، وأن تقديم ثقافة العرب في التاريخ على ثقافة اليونان والعبريين زعم لا يستند إلى أساس.
ونعود فنقول: إننا توقعنا الدهشة وتوقعنا أنها «لا تزول بغير المراجعة والبحث المستفيض».
وهذا ما لم يصنعه الدكتور محمد مندور؛ لأنه كتب ما كتب قبل مراجعة الرسالة نفسها، وفيها الكفاية لتصحيح ظنه في أمر الثقافة وفي أمر التفرقة بين السامية والعربية.
وإن إشارة واحدة لتكفي لتصحيح هذا الظن السريع؛ لأننا تكلمنا عن تعليم الكتابة وتعليم العقيدة وهما من شئون الثقافة قبل الحضارة على كل معنى من معانيها، فإذا سبق العرب اليونان إلى تعلم الكتابة، وسبقوا العبريين إلى رسالة العقيدة، فلا شك أنه سبق ثقافي لا يُوصَف بأنه من مظاهر الحضارة غير الثقافية؛ إذ ليس للحضارة معنى — حين تنفصل عن معنى الثقافة — غير مظاهر العمران الملموسة في العواصم والمدن الكبيرة وما ينتقل من هذه المظاهر إلى القرية والبادية.
ونحن لم نقصر مصدر الكتابة على الأبجدية الفينقية، بل ذكرنا الأبجدية اليمنية والأبجدية بين وادي النهرين وبلاد كنعان، فإذا قيل إن تسمية الفينقيين باسم العرب خطأ تاريخي — وهو ما لا نسلمه — فالحقيقة التي لا شك فيها أن اسم العرب يشمل أبناء البلاد الذين يشتركون في سكنى الجزيرة من اليمن إلى وادي النهرين إلى بادية الشام إلى جنوب فلسطين.
ونوجز القول فنسأل: من هم سكان جزيرة العرب؟ ومن هم المهاجرون منها قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة؟ إن لم يكونوا عربًا فمن هم العرب في ذلك الزمان؟ وإذا نُسِب إليهم فضل سابق في الكتابة والفلك وشعائر الدين، فماذا نسميه إن لم نسمه فضلًا عربيًّا عند المقابلة بين فضائل الأجناس واللغات؟!
هذه كلمة موجزة ولكنها كافية، في «دهشة تلك الحقيقة وحقيقة تلك الدهشة» يسترشد بها من يريد التوسع والمزيد من «المراجعة والبحث المستفيض.»
أما الذين لا تنفعهم هذه الكلمة الموجزة ولا تنفعهم مطولات الأسفار في هذا المقام، فهم أولئك النفر الحريصون على السمعة الرخيصة بالتحقيق والتدقيق، وعندهم أن هذه السمعة سهلة الكسب جدًّا بذريعة واحدة، وهي مخالفة الرأي المحبوب أو القريب من الشعور، فإذا قيل عن أحد إنه يخالف ما يحبه الناس ويألفونه بشعورهم وعاطفتهم فهو إذن ذلك المحقق المدقق الذي يتوخى الصواب؛ لأنه لا يتوخى مرضاة الجمهور، وليس أقدر على كسب سمعة التحقيق والتدقيق بهذه السهولة من العاجزين عن كل تحقيق وتدقيق؛ لأن موافقة الجمهور ومعارضته على الغيب تستويان.

الفصل العشرون
التَّيارات المعاصرة في النَّقد الأدبي


هذا كتاب جامع في تاريخ النقد الأدبي عندنا منذ أكثر من مائة سنة، وهي الفترة التي يصح أن تُوصَف بالمعاصرة، إذا حسبت أدوار الأدب بالعصور التي يتسع العصر منها للسلف والخلف في الجيل الواحد.
وقد تحرى مؤلفه الفاضل أن يضمنه إلمامة كافية بأسلوب كل كاتب معروف من كتاب اللغة العربية في هذه الفترة، وتحرى ذلك ليتخذ من عرض الأسلوب وسيلة إلى عرض مذهب الكاتب في النقد، ثم عرض آراء النقاد في مذهبه، فلم يفته تسجيل أسلوب من أساليب الكتابة يتناوله النقد وتدور حوله مقاييس النقاد.
وطريقة المؤلف في هذا الكتاب الجامع هي الطريقة المدرسية لتعليم الطلاب، ولكنها في الوقت نفسه طريقة المطالعة الشائقة والتاريخ الصالح لمراجعة القراء على اختلاف الأذواق.
ومع التزام الدكتور طبانة لمنهج الحيدة في الكتب التعليمية لم يخلُ كلامه في سياق العرض من تعليق عابر يشف عن استخفافه بما هو خليق بالاستخفاف، مما تضطره أمانة العرض إلى نقله للتوضيح والاستشهاد.
ومن أمثلة ذلك حيدته التي جمعت بين الأمانة العلمية والرأي «الشخصي» في التعقيب على قصيدة «حرة» عنوانها القصيدة «ك»، وفيها يقول القائل ستره الله:
أريدني عدمًا في قبعةوأريدك عينين منومتين وأصابع رشيقةتعبث بالقبعة والسائرين وبيوتبعثني أرنبًا ينط. فقد نقل المؤلف هذه الأبيات، وكان من واجبه أن يعتذر لقرائه من إضاعة أوقاتهم في قراءتها وبحثها، لولا أنه يضطر إلى الاعتذار من جهة أخرى إذا هو أسقطها ولم يثبتها في موضعها بين أساليب ناظميها، فكان بديعًا في توفيقه بين الواجبين حين قال بعد إيرادها: «ولست أقدم هذا النموذج من باب الطرافة، أو قصدًا لإضحاك أحد، فهذا هو نموذج حقيقي من ديوان الشاعر الذي يبلغ حوالي مائتي صفحة …»
وعلى هذا النحو من أمانة التسجيل، وحيدة المعلم، ومرضاة الناقد لذوقه، تتابعت الصفحات والفصول على أكثر من أربعمائة صفحة بالقطع الكبير، لا تخلو إحداها من معلومات نافعة، أو شاهد مطلوب، أو رأي عن أديب من أصحاب الأساليب، أو قياس لهذا الرأي بمقاييس النقاد من مدرسة عصره أو مدارس النقد في شتى العصور.
ويبتدئ الكتاب بفصل عن المفاهيم والقيم العامة تبعًا لاختلاف الثقافات وتراوحها بين بقايا المحافظة وطوالع التجديد.
يليه فصل عن اتجاهات النقد المعاصر يشتمل على تعريف مجمل بخصائص الأدب العربي ومميزاته الجوهرية، يستطرد إلى إعادة النظر في النقد العربي القديم ودراسة التفاعل بين الأدب العربي والآداب الأجنبية.
ويليه فصل عن نقد الأغراض الأدبية ومنها وظيفة الأدب في الإصلاح الاجتماعي وعلاقة البلاغة بدقة التعبير عن الأساليب العلمية.
يليه فصل عن لغة الأدب وما طرأ عليها من التجوز في قواعد اللغة ومن محاولة التقريب بين الفصحى والعامية، ومن تغليب العامية على الرواية المسرحية أو على الحوار بين شخوص الرواية، ويتخلل ذلك شرح لقيمة الأدب الشعبي وقوة معانيه وأفكاره.
يليه الفصل الخامس عن صورة الأدب من المنظوم والمنثور، وصورة المنظوم من الأوزان العروضية أو الانطلاق من جميع الأوزان أو التوسط بين رعاية البحور الموروثة ورعاية التفاعيل دون البحور.
يليه الفصل السادس في نقد المعاني الأدبية وسرقات المعاني أو الألفاظ، ومما يدعو إليه بعضهم في الزمن الأخير من قلة الاكتراث للمعنى والمدلول، أو ما يسمونه باللامعقول، وما يُلاحَظ على النقاد أحيانًا من الشتات والإخلال بالوحدة الواجبة في قواعد النقد وخطط الكتابة ودعوات التفكير.
ويطلع القارئ على هذه الفصول المتناسقة وهو على ثقة من الوقوف فيها على المادة الصالحة للحكم على آراء المؤلف وآراء النقاد، فلا يتقبل الحكم على مذهب من المذاهب غيبًا أو اتكالًا على القول المعروض عليه، ولا يزال في وسعه أن يوافق المؤلف أو يخالفه وبين يديه السند الذي يعتمد عليه في الحالتين، ولو كان من الطلاب الذين يتلقون معلوماتهم من الكتاب تلقي الطالب من الأستاذ.
فإذا تصرف المؤلف بالرأي مرة على نحو يتحلل به من قيود الحيدة لم يغلق على القارئ باب الاستقلال بالرأي، بل يجد نفسه حجة على الرأي المستقل وعلى المخالفة بالفهم والاستدلال.
ولم يهمل المؤلف من تقسيم مدارس النقد التي انتهت إليها مذاهب المعاصرين، ولكنه جاء بها متفرقة في مناسباتها ومعارض النظر إليها خلال الكلام على أساليب الكتاب والنقاد، ولعله كان يستطيع أن يوفق بين إيراد المناسبة في مواطنها المتفرقة خلال الصفحات وبين الكلام على مدارس النقد جميعًا في فصل مستقل يحقق فيه انتساب كل ناقد إلى مدرسته النقدية، ولا يدع أشتات المناسبات موزعة بين الصفحات والفصول، تفتح الباب للخطأ الكثير عند تقسيم الكتَّاب والنقاد على حساب «المدارس» والأذواق.
ونود أن نجتزئ هنا بمثل واحد على عادتنا في البحوث الموجزة التي تضيق عن شروح الإسهاب ومطارح الاستشهاد.
إن مدارس النقد جميعًا توشك أن تنحصر في ثلاث:
مدرسة التحليل النفسي، ومدرسة الدراسة الاجتماعية، ومدرسة الأذواق الفنية.
ومدرسة التحليل النفسي هي أقرب المدارس إلى الرأي الذي ندين به في نقد الأدب ونقد التراجم ونقد الدعوات الفكرية جمعاء؛ لأن العلم بنفس الأديب، أو البطل التاريخي يستلزم العلم بمقومات هذه النفس من أحوال عصره وأطوار الثقافة والفن فيه، وليس من عرفنا بنفس الأديب في حاجة إلى تعريفنا بعصره وراء هذا الغرض المطلوب، ولا هو في حاجة إلى تعريفنا بالبواعث الفنية التي تميل به من أسلوب إلى أسلوب.
وللنقد — كما تقدم — مدرسة أخرى محترمة كثيرة الأنصار في العصر الحديث على الخصوص، بعد استفاضة البحوث حول الدعوات الاجتماعية وعلاقة الأديب بمطالب عصره، وموضع الملاحظة على هذه المدرسة أن الذي يعرفنا بأحوال المجتمع وحسب لا يستطيع أن يعرفنا بأسباب الفوارق الكثيرة التي تُشاهَد بين عشرات الأدباء من أبناء العصر الواحد، ولا غنى له عن الرجوع إلى «النفسيات» مع التعويل على «الاجتماعيات» في مسائل الأدب والتاريخ.
أما المدرسة الفنية فهي مدرسة البلاغة والذوق ومدرسة المعاني الرائقة والتعبير الجميل، وهي تلجئنا لا محالة إلى ذوق الأديب وذوق الناقد على السواء، ومتى وصلنا إلى الذوق فقد وصلنا إلى «النفسيات»، ووصلنا قبلها إلى الاجتماعيات على الإجمال.
إذا وضحت الفوارق بين هذه الفوارق وضح معها الخطأ الذي جعل الباحث النابه الأستاذ محمد خلف الله يسلك الدكتور طه حسين بين نقاد التحليل النفسي، ويكاد أن يسلكني بين هؤلاء النقاد من باب الإضافة، لا من باب الأصالة ولا من باب التعميم الذي يشمل الكلام على شخوص «العبقريات» وشخوص الأدباء الكثيرين؛ أمثال: ابن الرومي، وأبي نواس، وأبي الطيب، وأبي العلاء … إلخ.
ولقد أدى السهو عن هذه الفوارق بين المدارس إلى هذا الخطأ في تقدير باحث من خيرة الباحثين عندنا في تواريخ الفكر والأدب، فهو الذي ساق الأستاذ خلف الله إلى مخالفة الدكتور طه حسين نفسه في مذهبه النقدي، وهو الذي صرح غير مرة أنه لا يحب للأدباء أن يشغلوا أنفسهم بالدراسات النفسية كلما عرضوا لقرائح الشعراء بالوصف والبيان، وقد كان تطبيق التحليلات النفسية على أبي نواس أكبر وجوه النقد التي أخذها الدكتور طه على كتابنا عن هذا الشاعر، الذي يغري قبل غيره بتطبيق دراسات التحليل عليه.
إلا أن الأستاذ طبانة لم يضيع على القراء شيئًا ذا خطر بنسيان هذا الفصل من فصول كتابه الجامع المستفيض؛ لأن تعليقاته على مناهج النقاد عصرًا بعد عصر قد تكفي كل الكفاية لتحقيق الغرض من تأليف أمثال هذا الكتاب، وذلك هو بيان النقص عند أدعياء النقد بين المعاصرين، وهي وجوه شتى من النقائص الكثيرة قد تتلخص في سطر واحد يغني عن صفحات … ففي سطر واحد يدل المؤرخ على أدعياء النقد الحديث كل الدلالة حين يقول عنهم إنهم نقاد بغير أداة.
إن الناقد الذي توافرت له أداة النقد من المعرفة واللغة والأمانة والاطلاع على مراجع النقاد هو أديب قادر على الإنتاج، مخصب القريحة بثمرات الإجادة والافتنان، مميز للمحاسن غير مقصور الفهم على تمييز النقائص والعيوب؛ لأنه عارف بالقدرة التي تنتج المحاسن وترتفع به إلى الإجادة في التفكير والتعبير، وقل أن يحتاج الناقد إلى من يعلمه مواطن العيوب من علمه بمواطن الحسنات؛ لأن أجهل الجهلاء بالبناء قد يدرك عيوب القصور والصروح، كما يدرك عيوب الخصائص والأكواخ.
وكتاب الدكتور طبانة يرفع القناع عن علة الاندفاع إلى هذه المذاهب الخاوية التي يروِّج لها دعاة النقد بغير أداته … فإنهم فضوليون على موائد الأدب لا يحسنون الطهو ولا يبذلون نفقة الطعام، ولا تُستجَاب عندهم دعوة الضيوف، فلا عجب يسقطون من أداة النقد عندهم كل عدة غير عدة الدعوى بغير حجة وبغير ميزان، وهكذا يكون النقد للأدب الذي لا تُشترَط فيه اللغة ولا العروض ولا المعنى ولا القياس المطرد في منطق العقول … كلا … بل لا يُشترَط فيه العقل ولا يُراد فيه من الأديب والناقد غير الخوض في لجاج مهزول مجهول، لا معقول ولا مقبول.

الفصل الحادي والعشرون
مِرْدَاد


قصة لا تقبل التلخيص، ولا تعرفها حق معرفتها إلا بأن تقرأها من الألف إلى الياء، أو من صفحتها الأولى إلى صفحتها الأخيرة، وتعود إليها بعد ذلك كلما شئت أن تعود فستطلع منها على معنى جديد.
هذه هي قصة «مرداد» التي ألفها الأديب اللبناني الكبير الأستاذ ميخائيل نعيمة بالإنجليزية، وبلغ بها القمة بين عليا القمم التي ارتقى إليها المؤلفون العصريون في سائر اللغات.
وهي لا تقبل التلخيص لسببين: أحدهما أنها تجربة روحية، وكل تجربة فهي كالروح نفسها كل كامل يستعصي على التجزئة، ولا تكون التجزئة بالنسبة إليه إلا كما يكون التفتيت بالنسبة إلى البنية الحية، يسلبها الحياة ويرد الأعضاء منها إلى أشلاء.
والسبب الآخر الذي يستعصي بها على التلخيص أنها تخاطبك بلغة الرموز الصوفية، والرموز الصوفية في جانب من جوانبها أشبه شيء بالقيم الرياضية التي تدل عليها الحروف، فلا يغني حرف منها عن سائرها ولا يزال كل حرف منها منطويًا على قيم مخزونة فيه، ولكنها لا تُخزَّن في سواه.
ورموز الصوفية بعدُ إشارات وإيماءات، فهي لا تقبل الإيجاز لأنها هي غاية غاية الإيجاز.
هذه الرموز، أو هذه الكلمات، هي كما قال «مرداد» بطل القصة أو رسولها في بعض عظاته: «إن الكلمات على أحسنها إنما هي ومضات تكشف الآفاق، فليست هي الطرق التي تفضي إلى تلك الآفاق، وليست هي من باب أولى بتلك الآفاق نفسها، فإذا حدثتكم … فلا تتعلقوا بالحرف بل اتبعوا الومضة، فتجدوا من كلماتي أجنحة قوية لفهمكم المكدود.»
وليس للقصة كذلك واقعة تقبل التلخيص، وكل ما في واقعتها أنها سمط تُناط به الكلمات، أو سلك تنبض فيه الومضات هنا وهناك، وليس للقارئ أن يسأل فيها عن التجارب الحسية ما يقع منها وما لا يقع في عالم الحس المشهور، فإنها تغضي عن الحس عمدًا؛ لأنها تقصد إلى الخروج منه ولا تقصد إلى التقيد به أو الوقوف عنده، فهي في حل من ضوابط المحسوسات.
ولك أن تقول: إن الواقعة نفسها رمز من الرموز وليست حدثًا من الأحداث، فهي بمقياس الرموز — لا بمقياس الأحداث — تُقاس، أو هي لا تُقاس ولكنها تُفهَم على النحو الأليق بها من التعبير.
قمة في جبل، يسأل عنها فتى من طلاب المجهول، فيُقال له: إنها قمة الفلك؛ لأن «نوحًا» بناها على الطوفان ليعتصم بها من الغرق في الدنيا، بعد أن عصمه الفلك من الغرق في الماء، وأوصى بنيه أن يوقدوا فيها نارًا لا تُطفَأ على مدى الزمن؛ لأنها هي شعلة الإيمان، وأن يقيموا إلى جانبها هيكلًا على صورة الفلك، ولا يأذنوا لأكثر من تسعة أن يسكنوه، وهم رفقاء الفلك الذين يحرسون نار الإيمان ولا يشغلون ضمائرهم بهم من هموم العيش ولا بشهوة من شهوات الجسد، ويأتيهم رزقهم من حيث لا يحتسبون، ويسوق إليهم القدر تاسعهم كلما فقدوا واحدًا منهم، وعليهم أن يتقبلوه كلما طرأ عليهم؛ لأنه لا يأتيهم إلا من عند الله.
ويشتهر هيكل الفلك فيقبل عليه الزوار بالهدايا، وتكثر الهدايا فيملك الرفقاء حبوسًا في الأرض تملأ خزائنهم بالخيرات، ويتولى الرياسة فيه — زمنًا من الأزمان — رفيق جشع يُدعى «شمدام» فيرفض الضيف التاسع حين ساقه إليه القدر؛ لأنه أحس فيه سرًّا يجهله ويخشى أن يرشحه للرياسة، ثم يقبله خادمًا في الهيكل، فيقضي في الخدمة سنوات يتجلى في خلالها سره للرفقاء، فيقتدون به ويلتمسون عنده الهداية، ويغار منه الرئيس فيصابره زمنًا ثم يغري به أمينًا في جواره فيعتقله ويقصيه عن الهيكل، ولكنه يعود إليه بسره الذي يحطم القيود ويتحدى السلطان، ويحمل الرفاق في الفلك ويترك «شمدام» طيفًا مرصودًا يحوم حوله مغلق الفم معتقل اللسان.
ذلك هو «مرداد» بطل القصة أو رسول الكتاب.
وإنه ليرصد «شمدام» إلى اليوم المعلوم في انتظار وافد له علامة، وعلامته أنه يصعد إلى القمة من أوعر الطرقات إليها، فإذا حان اليوم المعلوم وصعد الوافد إلى القمة جائعًا عاريًا منزوفًا منهوكًا بغير سند ولا وقاء، فتلك علامته التي تطلق لسان شمدام، فيروي له قصته ويسلمه كتاب «مرداد».
وكتاب مرداد هذا هو وصاياه التي باح بها لتلاميذه، وهي الوصايا التي لا نلخصها في هذا المقال؛ لأنها كما أسلفنا لا تقبل التلخيص، ولكننا ننقل منها فقرات من هنا وهناك في مختلف الصفحات، بغير ترتيب مقصود.
عندما خُلِق على الأرض أول إنسان وقف في ناحية من السماء ملكان يتحاوران، فجرى بينهما هذا الحوار:
الأول: لقد وُلِد للأرض طفل عجيب، فهي تسطع بالضياء …الثاني: ملك مجيد وُلِد للسماء فهي تخفق بالفرح.الأول: إنه ثمرة القرآن بين السماء والأرض …الثاني: إنه الوحدة الأبدية؛ وحدة الأب والأم والوليد.الأول: به ترتفع الأرض …الثاني: فيه تتحقق السماء.الأول: النهار نائم في عينيه.الثاني: الليل يقظان في فؤاده.الأول: صدره وكر العواصف …الثاني: حنجرته سلم الألحان.الأول: ذراعاه تعانقان الجبال …الثاني: أصابعه تقطف النجوم.الأول: البحار تزمجر في عظامه.الثاني: الشموس تجري في عروقه. •••

الأول: حول قدميه قيود الغد …الثاني: في قلبه مفتاح القيود. (ويمضي الحوار بين الملكين على هذا النسق حين يكون شيطانان في الطرف الآخر من الكون يتناجيان بهذا الحديث.)
الأول: بطل ظافر دخل في صفوفنا، وبعونه نحن منتصرون …الثاني: بل جبان رعديد موسوم الجبين بالخيانة، ولكنه مخيف في خوفه وبكائه.الأول: ذهنه ثاقب دؤوب …الثاني: سمعه ثقيل بليد، ولكنه خطر في الثقل والبلادة. •••

الأول: لهفته على خبزنا وظمؤه إلى خمرنا، هما المطية له في حومة الكفاح.الثاني: بالجوع الذي لا يشبع، والظمأ الذي لا يروي، سيظفر فلا يُقهَر ويثير الفتنة في هذا المعسكر.الأول: ولكن الموت قائده الذي يأخذ بزمام المطية …الثاني: وبالموت قائدًا سيدوم خالدًا.
إذا أثبت شيئًا نفيت نقيضه وإذا أثبت نقيضه نفيته، والله لا نقائض فيه؛ فكيف تثبته أو تنفيه؟
ازحف حيث لا تستطيع أن تمشي، أو امشِ حيث لا تستطيع أن تجري، واجرِ حيث لا تستطيع أن تطير، وطِر حيث لا تستطيع أن تجمع الكون كله إلى قرار فيك!
إن الصاعقة لن تضرب بيتًا إن لم يكن ذلك البيت قد جذبها إليه، وعلى البيت حساب في خرابه كحساب النار التي سقطت عليه!
الضعيف مع الضعيف وقر، ومع القوي أمانة مستحبة … ابحثوا عن الضعفاء! إن ضعفهم هو قوتكم!
إنك لا تعلم ما تسأل يا ميكايون: أتود الخلاص من مخلصك؟
صدقني يا شمدام، إن الحياة التي يحياها الناس، والموت الذي يموتونه إن هما إلا سبات وغيبوبة، ولقد جئت لأوقظ الناس من سباتهم وأخرجهم من كهوفهم وجحورهم إلى الحياة الطلقة التي لا تموت، صدقني لأجلك أنت لا لأجلي.
لا تسألوا الأشياء التي تلقي عنها قناعها، ألقوا أنتم أقنعتكم عن أنفسكم فإذا بالأشياء سافرة أمامكم!
ولا تسألوا الأشياء أن تفض عنها خواتيمها، فضوا أنتم خواتيم أنفسكم، وكل ما ترونه بعد ذلك ترونه غير مختوم.
ما الحب فضيلة، الحب ضرورة، ضرورة ألزم من الخبز والماء، وألزم من النور والهواء!
بذور الحق كائنة في كل إنسان وفي كل شيء، وليس عملك أن تبذر الحق، وإنما عملك أن تهيئ له موسمًا صالحًا ينجم فيه.
الصبر صحة حين يركن إلى الإيمان، فإن لم يكن معه إيمان فهو شلل!
لهذا أقول لكم: إن صليتم من أجل شيء، فلتكن صلاتكم أولًا وآخرًا من أجل «الفهم».
لا عجب يا بنون أنك دُعِيت بالقاضي الحكم، والقاضي الحكم يتشبث بمنطق الدليل في القضية قبل أن يحكم، أيطول عهدك بالقضاء هكذا ولا تعلم أن نفع المنطق الأكبر أن يخلصك منه لتصل إلى الإيمان، ويصل بك الإيمان إلى «الفهم»؟!
المنطق عكاز الكسيح، ولكنه وقر على السابق العداء، ووقر أفدح من ذاك على كاهل ذي الجناح! تلك قبسات من كتاب «مرداد» نقلتها وأنا أقلب صفحاته على غير ترتيب مقصود وهي لا تلخصه ولا تجمله، وقصارى الأمر فيها أنها كقبضة تملأ اليد من خزانة حافلة بالجوهر النفيس، وهي تدل على قيمة الخزانة كلها إذا علمت أنها تتسع لألف قبضة من هذا القبيل.
وقد اطلع على الكتاب ناشرون من الإنجليز فوصفوه بأنه كتاب «غير عادي أو غير مألوف».
وهو كذلك غير مألوف، وأصدق من ذاك عندي أن يُقال إنه «كتاب ذو ملامح» يذكرك بكتب أخرى قرأتها من هذه الأسرة، وإنها لأسرة يتشابه فيها الإخوة بالملامح، ويختلفون بالشواغل والأعمال، كما يتشابه الإخوة ويختلفون في كل سلالة.
ولقد كنت أذكر وأنا أقرأ كتاب «مرداد» كتبًا أخرى تمت إليه بملامحها البادية للنظر، وهي «سفر الجامعة من كلام سليمان الحكيم»، و«رحلة الحاج» من كلام جون بنيان، و«هكذا قال زرادشت» من كلام نيتشه.
ولكن رسالة الجامعة حكمة الأمان، ورسالة بنيان حكمة القلق، ورسالة زرادشت حكمة الكفاح، ورسالة «مرداد» حكمة «الفهم» أو الفهم البصير.
وليس الأمان غاية؛ لأنه راحة في طريق الغاية …
وليس القلق غاية؛ لأنه دافع من وراء، وليس بهادٍ من أمام …
وليس الكفاح غاية؛ لأنه سعي يتجدَّد …
والفهم البصير هو غاية القلق وغاية الكفاح، وكتاب «مرداد» بشير بهذه الغاية التي تتقاصر دونها الغايات.

الفصل الثاني والعشرون
عَالمُ الغَد


عالم الغد، أو النظام العالمي الجديد هو خلاصة فلسفة «ولز» التي دأب على نشرها في السنوات الأخيرة، وهي فلسفة تدور في جملتها على محور واحد قلما تعدوه، ونعني به مستقبل النظم الحكومية والمبادئ الأخلاقية في العالم الذي نرجوه: عالم الحضارة والسلام.
وهذا الكاتب العالمي — ولز — من أكفأ الكتاب لخوض هذه المباحث والإجادة فيها؛ لأنه عاصر الحوادث الكبرى في التاريخ الحديث، ونظر إليها بعين الفتى ابن العشرين وعين الرجل ابن الأربعين وعين الشيخ ابن السبعين والثمانين، واستعد لفهمها بثقافة علمية طويلة مشتركة في كثير من العلوم الطبيعية والمعارف التاريخية والفلسفية، فاطلع على الكيمياء واستمع إلى العلامة الجليل الأستاذ هكسلي الكبير في علم الحياة، وساهم في الصناعات الآلية، ومارس النقد والقصة والتاريخ، وطُبِع على حب الخير لبني الإنسان وكراهة البغاة والمتجبرين، وصعد في سلم المعيشة من طبقة الطفل ابن بائع الصيني الفقير والخادمة الوضيعة إلى طبقة السراة الذين يحسبون دخلهم بعشرات الألوف.
قيل إنه تنبأ بصنع الدبابة قبل الحرب العالمية الماضية بأكثر من عشر سنين، وقيل إنه صاحب الفضل — أثناء تلك الحرب — في اختراع وسيلة النقل التي عرفت باسم التلفراج، وقيل إنه عاون حكومته بقدرته الفنية كما عاونها بقدرته الكتابية، ولكنه في نبوءاته العلمية أو تحقيقاته الصناعية لا يتجاوز مرتبة الصانع الماهر والمخترع الناجح، وليست به حاجة إلى أكثر من رسم «تصميم» الآلة المخترعة لتصبح النبوءة عنها في حكم الواقع الملموس ولا تبقى منه بقية للمشاهدة العيانية غير التنفيذ.
أما النبوءة في مستقبل النظم السياسية والمبادئ الأخلاقية في عالم الغد فتلك هي المرتبة التي لا تسمو إليها كل نفس ولا يحيط بها كل خيال، ولا بد لها من خصال روح ومدارك عقل ومزايا خلق ومثابرة جهد لا تتهيأ لغير الصفوة المختارين من الدعاة والمرشدين.
كذلك لا يُفهَم من خدمة «ولز» لحكومته في الحروب العالمية أنه من جملة أولئك «المستخدمين» السياسيين الذين تستغرقهم مصلحة الدولة، فلا تدع فيهم فضلة لخدمة «النوع الإنساني» كله، أو خدمة العالم على اختلاف أجناسه وأقوامه، فإنه لما حِيل بينه وبين التصريح بآرائه الجريئة خلال الحرب العالمية الماضية لم يحفل بالرقابة المضروبة على الأقلام، ولا بالعقوبة التي تصيبه كما أصابت غيره من أحرار المفكرين، وأقدم على طبع كتابه عن الحرب والمستقبل غير مكترث بأوامر الرقيب، وهي مجازفة في البلاد الإنجليزية قد تسقط بالكاتب إلى الحضيض، ولكن الرجل قد جرى فيها على شنشنة معروفة فيه، وهي تقديس حرية الرأي في كل وقت وكل حالة، وعلى الرغم من كل خطة وكل ضرورة، والإيمان بأن هذه الحرية هي ضمان السلم والتقدم في عالم الغد المنشود.
ويتنبأ «ولز» — أو يرجو على الأصح — أن يصير العالم على نظام متَّحد في الحكومة لا تجور فيه دولة كبيرة على دولة صغيرة، وأن هذا النظام «سيتم خطوة خطوة هنا وهناك» كما قال في الكتاب الذي نحن بصدده، كيف؟ قال: «كما تم ابتداع الطيران، وكما تمت إلى الآن منظمات عالمية كاتحاد البريد والصحة البحرية ومقاومة الرقيق والتعاون البوليسي وجماعات الصليب الأحمر وما إليها»، أو كما قال في تاريخه الموجز للعالم: «ربما تنبهت الدنيا يومًا، فإذا هي محكومة من حيث لا تشعر في الشئون المشتركة بينها كما تحكم المنظمة الواحدة، وهي مع ذلك يعز عليها أن تدرك أن حكومة عالمية قائمة …»
ولا يعتمد ولز على تدبيرات الساسة وإجراءات الحكومات كما يعتمد على التعليم والدعوة الروحية أو الفكرية، ويشمل بالتعليم أمم آسيا التي يحكمها المستعمرون، فيقول عن هذه الأمم: «إن عددًا كبيرًا من هؤلاء الناس لهم أذهان كالأذهان الأوروبية المتوسطة أو خير منها، وإنك لتستطيع في جيل واحد أن تثقف العالم كله إلى مستوى خريج كمبردج — وهو ليس بالمستوى الشامخ جدًّا — إن كان لديك ما يكفي من المعاهد والأجهزة والمعلمين»، ثم يتساءل: «لمَ لا نقرر أن الاتحاد حيثما امتد يعني تعليمًا قويًّا جديدًا في البنغال وفي جاوة وفي حكومة الكنغو الحرة، كما في تنيسيا أو جرجيا أو إسكتلندا أو أيرلندا؟! لمَ لا نُقِلُّ بعض الإقلال من التفكير في التحرير التدريجي بالتصويت وتجارب الاستقلال المحلي وما إليهما من الأفكار القديمة؟ ونكثر بعض الإكثار من تحرير العقل، لمَ لا نترك هذه الشقشقة القديمة عن الشعوب التي لم تنضج سياسيًّا؟»
ولا يفصل ولز بين التقدم السياسي والتقدم الاقتصادي في التوجه بالأمم إلى هذه الغاية المرموقة من الوحدة العالمية، ولكنه لا يبالي بوحدة العملة كما يبالي بوحدة المعيشة ووحدة التربية؛ لأنه لا قيمة للنقد ولا معنى لتوحيده إن لم يكن عنوانًا على معيشة واحدة أو نظرة واحدة إلى أغراض الحياة وخيراتها ووسائل المتعة فيها.
ولن تنجح هذه الوحدة ما لم تقم على الاعتراف بحقوق الإنسان بغير تمييز بين العقائد والأجناس والألوان، وهي تتلخص في: حق الغذاء، والكساء، والعناية الطبية، والتعليم الكافي، وحرية الاشتغال بالصناعات، وحرية المعاملة، وحماية النفس والملك، وحرية الانتقال في أنحاء العالم، ومنع السجن إلا لجريمة، ومنع التجنيد وما إليه إلا بالاختيار.
ويعتقد «ولز» أن الثورة لازمة للتقدم في هذه الوجهة الإنسانية الشاملة، ولكنها ثورة من نوع غير نوعي الثورة اللذين عرفهما البشر فيما مضى، ويسميهما بالثورة الكاثوليكية والثورة الشيوعية؛ لأن الثورة الأولى تقترن بتاريخ الأمم الكاثوليكية أو التي تجاهد مع الكنيسة، كثورات فرنسا وإسبانيا والمكسيك وأمريكا الجنوبية؛ ولأن الثورة الثانية هي وليدة المؤامرات أو التنظيمات العرضية التي تدل على تطور باطني يتناول ضمير الإنسان ويرتفع به في مدارج الأخلاق والآداب.
وإنما ثورة ولز ثورة صاعدة يقوم بها أوفر الناس نصيبًا من الثقافة والبواعث الخلقية والقدرة على التوجيه والإيحاء، وتنبيه الهمم إلى التشبه والاقتداء.
ومن أساليب التعليم اللازم لتحقيق هذه الثورة تحقير من تعود الناس أن يعظموهم من السفاحين والطغاة المعتدين، وهو لا يصطنع الكذب لإقناع الناس بحقارة هؤلاء «الأبطال» المقدسين؛ لأن الوقائع التاريخية كافية لتمثيلهم أمام الناس في الصورة المزدراة، فلم يكن لهم نصيب عظيم من العقل أو الملكات الذهنية، وأعجب من ذلك أنهم لم يكونوا على نصيب عظيم من الرجولة، على خلاف ما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، فالإسكندر كان له عاشقون، ويليوس قيصر كان يُقال عنه: إنه رجل كل امرأة وامرأة لكل رجل، والزأريوس كان يسعى إلى الدير ليخرج منه فتى كانت زوجته تهواه، ونابليون كان في حياته الشخصية كما يعلم قراء تراجمه الخفية، وكان بعد موته موضع العجب بين المشرحين لفرط المشابهة في تكوينه بين جسده وأجساد النساء.
وقد حرص ولز في تواريخه العالمية على تمثيل هؤلاء «الأبطال» في صورتهم الصحيحة، لتذهب عنهم تلك الهالة الكاذبة التي تغري الناس بسفك الدماء أو تعظيم من يسفك الدماء، ومما توخاه في ذلك أن يفرق الناس بين القدرة على التعمير والقدرة على التدمير، وأن يبطلوا الإعجاب بالطغاة من طريق الإعجاب بالقوة والجبروت؛ لأن الطغاة في الواقع أصحاب مزاج خاص يرشحهم لتلقي الصناعة الممقوتة، وليس من اللازم أن يكون ذلك المزاج مقرونًا بالبأس والفحولة والاقتدار.
أما الدواعي الفكرية التي تدعو الكاتب الكبير إلى انتظار هذا التغيير العالمي، فهي من قبيل النتائج المحتومة لا من قبيل الأماني والأحلام؛ لأن المخترعات الحديثة قد ألغت المسافات والأبعاد، فأصبحت العزلة والتحصن وراء الحدود ضربًا من المحال، ومتى زالت الحدود على الأرض فلا سبيل إلى بقائها في عالم النظم السياسية: كان ذلك ممكنًا في عهد الحصان والسيف والقوس والبندقية، ولكنه لا يمكن ولا يدوم طويلًا إن أمكن في عصر الطيارة والكهرباء ومحدثات العلم التي أوشكت أن تسبق الخيال بالعيان.
وإلى جانب هذه الغير العلمية تندفع البواعث البيولوجية بالعالم إلى حالة غير حالته اليوم وغير حالاته فيما تقدم من أطوار التاريخ؛ لأن نشوء الملايين من الشباب القلق الذي يواجه معضلات الكون وينتظر عليها جوابًا غير تلك الأجوبة المسكتة التي كانت تريح عقول الآباء والأجداد هو الحافز «البيولوجي» الدائم إلى التغيير في هذا الاتجاه؛ لأن الفشل قد صحب القادة والزعماء الذين يصرون على بقاء الدنيا كما كانت عليه في مشتجر المطامع والخصومات، ولن يفلح هؤلاء القادة في اجتذاب القلوب إليهم بدعوة قائمة على بقاء القديم في السياسة أو الاقتصاد أو الأخلاق.
وليس ولز شيوعيًّا ولكنه اشتراكي من أنصار الأعمال الجماعية التي تحد من حرية الفرد في الاستغلال، ولا تحد من حريته في التثمير والإنتاج، وليس هو «ديمقراطيًّا» من أشياع النظم البرلمانية التي تحتكر الحزبية وأساليب الانتخاب، ولكنه يفضل على أساليب الانتخاب التي تشيع اليوم بين الأمم الديمقراطية أساليب التمثيل النسبي وما يتبعها من فسح المجال أمام فريق جديد من العاملين في السياسة غير فريق المحترفين والدعاة المشعوذين.
ومن تعريفاته للملكية والاشتراكية في كتبه المختلفة يُخيَّل إليك أن الكاتب عربي أصيل ينقل المصطلحات من لسان العرب أو القاموس المحيط، فليست الاشتراكية في جوهرها عنده إلا نقدًا مختلفًا لنظام الملكية أو نظام الامتلاك كأنه ما كان، وليس الامتلاك من مخترعات الطبقات الاجتماعية كما يقول الشيوعيون؛ لأن الملك في حقيقته هو كل ما يدافع عنه الإنسان أو الحيوان، وهذا هو معنى الحوزة أو الحمى أو الحرم أو الذمار كما تعرفه لغة الضاد.
قال عن روسيا وستالين: «كانت الثورة كغيرها من ثورات الذين لا يملكون منذ فجر التاريخ، استولت فيها عبادة الأبطال على الجماهير الهائجة، ولم يكن بد من ظهور زعيم … وما انقضت عشرون سنة حتى أخذوا يعبدون ستالين، وكان في الأصل رجلًا ثوريًّا على شيء من الأمانة، طموحًا غير عبقري … وتتم الدورة فلا تجد تغييرًا ما، كما هي الحال في كل ثورة جموح أخرى، فقد زال عدد كبير من الناس وحل محلهم عدد كبير آخر، وكأن روسيا تعود أدراجها إلى النقطة التي بدأت منها، أي: إلى استبدادية وطنية: جدارتها محل شك وغايتها مبهمة غير محدودة، وأنا أعتقد أن ستالين رجل أمين صادق النية، وهو يؤمن بالجماعية في بساطة ووضوح، ولا يزال يؤمن بأنه يقصد الخير لروسيا والشعوب التي تقع تحت سلطانها، وبلغ من اعتداده بنفسه، أنه لا يصبر على نقد أو معارضة، وقد لا يكون خلفه مثله استقامة أو عدم تحيز.»
وما اقتبسناه هنا هو مثل صالح لعبارة الكتاب كما ترجمه إلى العربية الأديبان الفاضلان الأستاذ عبد الحميد يونس والأستاذ حافظ جلال مترجمًا، دائرة المعارف الإسلامية، وراجعنا فقرات منه على النسخة الإنجليزية فألفيناها على جانب من الدقة وأمانة النقل والأداء، مع سلاسة في اللفظ وصحة في اللغة، وكل ما يُلاحَظ عليه سهوات أو هنات متفرقات بين صفحات لا تخل بجوهر معناه، ولا تحول بين الكاتب العربي وبين النفاذ إلى اللباب الذي تضمنته النسخة الإنجليزية، كما جاء مثلًا في الصفحة التاسعة وتكرر في صفحات أخرى؛ حيث يقولان: «وليست هناك ثمة حاجة» وثمة بمعنى هناك، أو حيث يقولان في الصفحة الأربعين: «ويجد أمثال فرنكلين روزفلت أنفسهم مشرفون» … وهو سهو ظاهر، أو حيث يقولان: «ولم يكن عند ألمانيا من الصناعة ما عند الناطقين بالإنجليزية فطمحت إلى الجوزاء» ترجمة لما جاء في الأصل؛ حيث يقول الكاتب: «وطمحت إلى مكان في الشمس، إلى حيز تعيش فيه» والمعنيان مختلفان، أو حيث يقولان صفحة ??: «وكلما زاد سلطان الحكومة كلما اشتدت الحاجة»، ولا موضع لكلما الثانية في الجملة.
وهذه كلها — كما أسلفنا — من قبيل السهوات والهنات، ولا غضاضة منها على العمل النافع الذي أسدياه إلى اللغة العربية في أوانه؛ لأن البحث عن عالم الغد باب لم يُطرَق عندنا في أذهان أكثر الكُتَّاب فضلًا عن أذهان أكثر القُرَّاء، ولو عُنِينا به حق عنايته لوجب أن يكون لدينا في موضوعه عشرات من الكتب المترجمة وعشرات مثلها من الكتب المبتكرة على حسب ما عندنا من الأحوال العالمية؛ لأننا نحب أن نصل إلى عالم الغد عاملين مؤثرين لا تابعين متأثرين، ونحب أن نسبقه بالتفكير والتدبير ولا ننتهي إليه لاحقين متخلفين مدفوعين مع الزحام كأنما نُساق إليه مُسخَّرين منقادين، فترجمة هذا الكتاب في هذه الأيام عمل مشكور «وفرض كفاية» كما يقول الفقهاء حين يميزون بين درجات الفروض، ولكنه جدير أن يعلمنا أن النظر إلى عالم الغد فرض عين لا يسقط عن شرقي أو عربي في هذا الزمان.

الفصل الثالث والعشرون
العَقل فِي الإسْلام


تحكيم العقل واجب أمر به القرآن الكريم في عشرات الآيات، فليس أكثر فيه من الآيات التي تحث على التعقل والتفكر وتنحى باللائمة على من يهملون العقل والتفكير، وليس التفكير مقصورًا على موضوع دون موضوع في أوامر القرآن الكريم، فالإنسان مطالب بأن يتفكر في نفسه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم (الروم: ?)، وأن يتفكر في الكون كله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (آل عمران: ???)، وأن يجيل نظره فيما يحيط به من المشاهد والأسرار: كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (البقرة: ???) وإِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة: ???).
والحكمة صفة من صفات الله «الحكيم» التي كررها القرآن في شتى المواضع، فكل ما في الكون فإنما يجري على مقتضى الحكمة الإلهية ولا يخالف العقل السرمدي أو ينقضه في عمل من الأعمال، وإن قصرت عن إدراك كنهه عقول الآدميين.
فليس بالمسلم من يقضي بتعطيل العقل وينهى عن التفكير؛ لأن الإنسان ينكر العقل ليؤمن بالنص الذي لا اجتهاد فيه، والنص هنا صريح متواتر في وجوب النظر والتفكير وإطلاق هذا الوجوب على مسائل التصديق بوجود الإله، ومسائل العلم بمخلوقاته والتدبر في أوامره ونواهيه.
وغاية الأمر فيمن تكلم بشيء في إنكار حكم العقل أنه يؤمن بعقل أكبر من العقل الإنساني، ويأبى أن يجعل هذا العقل قسطاسًا للعقل السرمدي المحيط بالإنسان وبسائر المخلوقات، فلا بد للعقل الإنساني من حد يقف عنده ويلجأ فيه إلى التسليم، وليس هذا مناقضًا للعقل الإنساني في أساسه، ولا هو من قبيل الكفر بدين العقل والقضاء ببطلانه؛ لأن العقل الإنساني نفسه يعلم أنه محدود، ويعلم أن المحدود لا يحيط بما ليست له حدود، فهو يقضي بالعقل حين يقضي بأن العقل مضطر إلى التسليم في بعض الأمور.
وقد أُثِرت عن بعض المتكلمين أقوال يُخيَّل إلى الناظر فيها لأول وهلة أنها أقوال قوم ينكرون العقل، ويبطلون أحكامه ولا يعولون عليه في شيء من الأشياء، ومن أمثلة ذلك سؤال من يسأل: هل تتعلق قدرة الله بالمستحيل؟ فإن الفلاسفة يقولون: إن المستحيل ممتنع في العقول، وبعض المتكلمين يقولون: إن قدرة الله تتعلق بالمستحيل، فهل معنى ذلك أنهم ينقضون العقل ويحكمون بإلغائه وإلغاء كل ما يقتضيه؟ كلا … بل هم يرجعون في ذلك إلى قضية عقلية يسلمها من يدينون بالتفكير وإن كانوا من غير المتكلمين؛ لأنهم يقولون: إن الله الذي خلق لنا هذا العقل قادر على أن يخلق عقلًا آخر يخالفه في تقدير الاستحالة والإمكان، وقادر على أن يرفع العقل الإنساني درجة في مراتب الإدراك فيرى بعيني الإلهام الإلهي ما ليس يراه بغير ذلك الإلهام، فهم يبنون رأيهم على «قضية منطقية»، ويبطلون العقل بعقل أصح منه وأقدر على الإدراك، وليس هذا شأن من يسقط العقل جملة واحدة من الحساب.
فالعقل أصل من أصول الإيمان في الإسلام لا شك فيه، وكل ما هنالك أن العقل عند المسلم وغير المسلم له حدود ينتهي إليها، وأن علماء المسلمين وحكماءهم يختلفون في رسم الأمد الذي تنتهي إليه تلك الحدود.
هذا الموضوع الدقيق هو الموضوع الذي يدور عليه كتاب «العقل في الإسلام» من تأليف الباحث الفاضل الدكتور كريم عزقول، وربما صح أن يُقال في العنوان: إنه كتاب عن العقل عند «الغزالي»؛ لأنه هو في الواقع كذلك بعد التمهيد الضروري لهذا الموضوع، وقد قال المؤلف الفاضل في مقدمته: «إن الصدق في تصوير آراء الغزالي والأمانة في نقل أفكاره والضبط والدقة في عرضها بعد محاولة فهمها على حقيقتها، فهمًا موضوعيًّا مجردًا خاليًا من كل غرض، متحررًا من كل فكرة سابقة هو جلُّ ما توخيته من هذه الدراسة، تاركًا لمناسبات أخرى أمر قدر تلك الآراء والحكم عليها، مكتفيًا هاهنا بالقيام بهذا القسط المعين من واجبي الحضاري البشري والإنساني والقومي، وهو تعريف القارئ العربي إلى أهم ناحية فكرية في الحضارة الإسلامية كما عكسها دماغ أكبر مفكر في الإسلام.»
ويشهد من قرأ الكتاب أن المؤلف الفاضل قد أحسن الاختيار؛ لأن الغزالي ولا ريب أكبر نموذج للفكر الإسلامي، يرجع إليه في تبيان موقف الإسلام من العقل والتفكير، وأنه قد بر غاية البر بوعده في صدر كتابه، فكان أمينًا نزيهًا مخلصًا في صدق العرض وصحة البحث عن حقائق الموضوع في مراجعها الكثيرة، فأجمل في كتابه كل ما يلزم أن يُقال عن عناصر هذه المسألة، ووضع العقل في موضعه الصحيح من فلسفة الإمام العظيم أو مجموعة آرائه ومحصل تفكيره.
وخلاصة القول في هذا البحث: أن الغزالي يؤمن بالعقل ويقيس عليه المعارف والمعلومات، ولا يستثني بابًا من أبواب المعرفة من هذا القياس أو هذا الميزان، فيقول: «لا أدعي أني أزن بها — أي: بموازين النظر — المعارف الدينية فقط، بل أزن بها العلوم الحسابية والهندسية والطبيعية والكلامية وكل علم حقيقي غير وضعي، فإني أميز حقه عن باطله بهذه الموازين …» ويقول في موضع آخر: «وزنت بها جميع المعارف الإلهية، بل أحوال المعاد وعذاب القبر وعذاب أهل الفجور وثواب أهل الطاعة …»
نعم؛ إن الغزالي شك في العقل حينًا، فتساءل على لسان المحسوسات وهي تخاطب الباحث عن الحقيقة: «بمَ تأمن ألا تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقًا بي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي؟!»
ولكن الغزالي لم يستقر على هذا الشك طويلًا، بل خرج منه واعتبر أن إبطال العقل بالشك المطلق «آفات تصيب العقل فيجري مجرى الجنون، ولكن لا يُسمَّى جنونًا، والجنون فنون.»
إلا أننا لا نفهم من ذلك أن العقل — عند الغزالي — قادر على إدراك كل حقيقة وكفيل بالوصول إلى كل معرفة؛ لأن القياس شيء، والوصول شيء آخر، فنحن بالإبرة المغناطيسية نستطيع أن نعرف الهدى والضلال، ولا يلزم من ذلك ضرورة أن الإبرة المغناطيسية قادرة على البلوغ بنا إلى مكان الهدى واجتناب مكان الضلال، وقد يكون تشبيه العقل بالإبرة المغناطيسية تشبيهًا غير جامع لوجوه الشبه الصحيح، فحسبه أنه تشبيه يدل على الغرض المقصود: وهو أن العقل يصلح للتمييز بين الصواب والخطأ ولا يلزم من ذلك ضرورة أنه صالح للوصول إلى الغايات جميعًا بغير تكملة من قدرة أخرى ومعونة من «عقل» أكبر لا يلغي حكم العقل أصالة بل ينتقل به من طبقة إلى طبقة ومن مجال إلى مجال.
هذه التكملة عند الغزالي هي «الكشف» أو النور الذي يفيض على قلب الإنسان من الجود الإلهي بالرياضة والاستعداد، وهو شيء لا ينقض العقل في أساسه، بل يتمم للعقل ما هو ناقص فيه ويعينه على ما يؤوده ويعييه.
ويرد على الخاطر هنا سؤال لا يُنسَى في صدد الكلام عن الغزالي على التخصيص، وهو: كيف اجتهد الغزالي ذلك الاجتهاد العنيف في هدم الفلاسفة وإثبات تهافتهم إذا كان على إيمانه هذا بهداية العقل والتفكير؟ هل فعل ذلك لأنه يبطل الفلسفة ويلغي الأقيسة المنطقية؟ أو هو قد فعله؛ لأنه يرى أن الفلاسفة مخطئون في تطبيق الفلسفة واستعمال القياس؟
الرأي الأول يميل إليه كالرادي فو، والرأي الثاني يميل إليه آسين بلاسيوس.
أما المؤلف الفاضل فهو يفصل بين الرأيين بكلام الغزالي نفسه، وفحواه أن الفلاسفة قد أساؤوا استعمال القياس، فمنعوا ما ليس يمنعه العقل، وأوجبوا ما ليس يوجبه في المسائل الغيبية، و«أن ما شرطوه في صحة مادة القياس في قسم البرهان من المنطق، وما شرطوه في صورته في كتاب القياس، وما وضعوه من الأوضاع في إيساغوجي وقاطيغورياس التي هي من أجزاء المنطق ومقدماته، لم يتمكنوا من الوفاء بشيء منه في علومهم الإلهية».
فليس اللوم إذن على المنطق بل على المناطقة، وليس اللوم على العقل بل على الذين يوجبون به ما ليس بواجب ويمنعون به ما ليس بممنوع.
ونعتقد أن التوفيق قد لازم المؤلف في جميع تقريراته وتمحيصاته ولم يفارقه بعض المفارقة إلا في مقام واحد وهو مقام المقابلة بين الغزالي والفلاسفة والأوروبيين.
مثال ذلك مقابلته بين الغزالي وديكرت حيث يقول: «إنه قد تنبه ستمائة سنة قبل الفيلسوف الفرنسي ديكرت إلى هذا التحديد — تحديد اليقين — ينبغي أن يكون حكمًا بديهيًّا لا اختباريًّا، وبهذا سلم من التناقض الذي وقع فيه ديكرت؛ إذ ظن أنه وضع لليقين تحديدًا اختباريًّا، بينما كان في الواقع قد عرف ماهية اليقين قبل الاختبار، فديكرت ظل ممتنعًا عن تحديد اليقين إلى أن عثر على حقيقة يقينية هي: أفكر، إذن أنا موجود، وظن أنه بواسطتها قد أدرك ماهية اليقين واستنبط تحديده، على أنه سها عن باله أنه لا بد كان يعرف ما هو اليقين من قبل حتى عرف أن هذه الحقيقة المعينة هي حقيقة يقينية.»
والإنصاف بين الحكيمين أن معرفة الشك تستلزم معرفة اليقين، سواء ثبت بالاختبار أو ثبت بالبداهة، فلا يقول قائل إن هذا مشكوك فيه إلا إذا عرف ما يطلب وعرف أن اليقين غير مشكوك فيه، ولا يناقض الباحث نفسه إذا وفق بين البداهة والاختبار بمثل من الأمثال.
كذلك أراد المؤلف أن يفرق بين مذهب الغزالي ومذهب دافيد هيوم في إنكار الأسباب، فقال: «أرى من الضروري توضيح فكرة عن موقف الغزالي قد تكون غامضة عند البعض مشوَّهة عند البعض الآخر من المشتغلين بالفلسفة العربية، فإنه من الشائع عند الكثيرين من هؤلاء أن الغزالي قد نفى مبدأ السببية؛ ولذا نراهم يشبهونه بالفيلسوف الإنجليزي داود هيوم ويفاخرون أهل الغرب بسبق الغزالي ذلك الفيلسوف إلى نفي هذا المبدأ، على أن من تعمق في فهم رأي هذين المفكرين في السببية وجد أن فكرة الواحد تختلف جوهريًّا عن فكرة الآخر، وإن كان يجمع بينهما وجه من وجوه الشبه العرضية، فإن داود هيوم لا يعتقد بالمبدأ القائل: بأن لكل سبب نتيجة، وهو ينفي كون العلاقة بين السبب والنتيجة علاقة ضرورية … أما الغزالي فإنه بالعكس يؤمن بضرورة المبدأ القائل: إن لكل سبب نتيجة … فالله — تعالى — في نظره هو السبب الحقيقي الوحيد لكل حوادث الكون …»
ونحن لا نرى أن الغزالي أنكر مبدأ السببية، كما ذكرنا ذلك في مقالنا عن الأسباب بينه وبين ابن رشد بمجلة الكتاب، ولكننا نرى أن داود هيوم لم ينكر العلاقة بين المقدمة والنتيجة في الأقيسة المنطقية، وإنما أنكر أن يكون السبب في المشاهدات الاختبارية ثابتًا بالبداهة بغير تجربة محسوسة، فعلمنا بالنار لا يلزم منه بالبداهة علمنا أنها تقتل من يحترق بها قبل أن نشاهد ذلك بالتجربة والاختبار، ومعنى ذلك أن السببية المنطقية قائمة لا شك فيها، ولكن اقتران الحوادث شيء وتلازم المقدمة والنتيجة في البداهة العقلية شيء آخر، ولولا ذلك لما أنكر هيوم علاقة السببية في المشاهدات المحسوسة، ثم قال: إنه ينكرها لهذا السبب أو لهذا الدليل … فإن الذي يقدم لنا سببًا لإنكاره لا ينكر مبدأ السببية في أساس التفكير، وعلى هذا لا يُقال إن المشابهة بين الغزالي وهيوم عرضية في هذه المسألة؛ إذ هي مشابهة تمتد من العرضيات إلى الجوهر الأصيل.
وزبدة ما يُقال بعد هذا في كتاب «العقل في الإسلام» أنه كتاب محقق للغرض من البحث فيه، مستخلص من اطلاع كافٍ وعزيمة صادقة على التمحيص والتجرد من الأهواء، ولا يُؤخَذ عليه شيء غير هنات هينات من قبيل ما أشرنا إليه، وغير عبارات إفرنجية التركيب قد يدل عليها بعض ما اقتبسناه من شواهد الكتاب، وحسب المؤلف الفاضل نجاحًا أنه أنجز ما وعد بمثل هذا التوفيق النادر في أمثال هذه المؤلفات.

الفصل الرابع والعشرون
الكُتبُ بين الإهْدَاء والشِّراءِ


كان الدكتور شبلي شميل — أول من بشَّر بمذهب داروين في اللغة العربية — طبيبًا يعالج المرضى ويشتغل بالمباحث الفكرية والاجتماعية، ويميل من مذاهب الاجتماع إلى مذهب المعتدلين من الاشتراكيين.
وكانت عيادته لا تعمل؛ لأن المرضى كانوا يتجنبونه ويعتقدون أن الله لا يشفي مريضًا على يديه؛ لاشتهاره بالكفر والإلحاد.
وأراد أن يطبع مجموعة رسائله ومقالاته فلم يستطع؛ لأنها كانت تقع في مجلدين ضخمين، فاكتتب له بالمبلغ اللازم بعض المعجبين به، وشاء الرجل أن يعلن جميلهم، فنشر أسماءهم في ذيل المجلد الأول ومعها بيان ما تبرعوا به من كثير أو قليل على السواء.
وأعلن أن ثمن المجلدين معًا مائة قرش.
فاستعظمت الثمن وكتبت إليه بين الجد والدعابة أقول: إنه اشتراكي من طراز عجيب؛ لأن الاشتراكيين يستكثرون على الأغنياء احتكار المال، فإذا به يحتكر لهم العلم ويحرم منه كل من لا يستطيع بذل جنيه في كتاب، وهم ألوف وملايين.
فوقعت الدعابة من صاحبنا موقع الإقناع، وأرسل إليَّ الكتاب هدية بعنواني في أسوان، وأعلن في الصحف أنه قد خصص مائة نسخة من الكتاب لطلابه من فقراء القراء.
على هذا المبدأ — فيما أعتقد — يصح إهداء الكتب واستهداؤها: مؤلف لم يتكلف شيئًا في طبع كتابه، وقارئ لا طاقة له بشراء الكتاب، ففي هذه الحالة يحسن بالمؤلف أن يخصص من كتابه نسخًا للإهداء، ولا يُعاب على القارئ غير المستطيع أن يستهديه.
أما الأندية والجماعات فلا حق لها في استهداء كتاب على الإطلاق كائنًا ما كان ثمنه؛ لأن الجماعة أقدر من الفرد على الشراء؛ ولأن النسخة الواحدة يشتريها نادٍ من الأندية التي يختلف عليها العشرات والمئات من الأعضاء هي في الحقيقة خسارة على المؤلف؛ إذ كانت تقوم في النادي مقام مائة نسخة أو مائتي نسخة يشتريها آحاد متفرقون.
كتبت في هذا الموضوع منذ سنوات، وأثاره الأستاذ الصاوي في الأيام الأخيرة، ولا يزال على ما يظهر في حاجة إلى إعادة وإفادة؛ لأن الطلبات التي من هذا القبيل تُعاد في كل أسبوع.
ولو أنني أتناول هذا الموضوع لما يعنيني خاصة لاستطعت أن أجيب بكلمة موجزة تغني عن الإسهاب، كتلك الكلمة التي أجاب بها الضابط التركي حين حاكموه؛ لأنه لم يطلق المدافع تحية للأمير حين عبر بقلعته.
سألوه: لم قصرت في تحية الأمير؟
فقال: عندي أسباب كثيرة.
سألوه: ما هي؟
فقال: أولًا لم يكن في القلعة بارود.
قالوا: حسبك، فلا حاجة إلى بقية الأسباب.
وفي وسعي أنا أن أقول للأندية والجماعات — وقد قلت ذلك غير مرة — إنني لم أطبع منذ خمس عشرة سنة كتابًا على نفقتي، وإنما يتولى الناشرون طبع كتبي على نفقتهم، ولا يخصني من نسخ الكتاب إلا عدد محدود أحتفظ به لإعادة الطبع أو للإهداء إلى زملائي الذين يهدون إليَّ ما يؤلفون.
ولكن الموضوع جدير بأن يُتناوَل من غير هذه الوجهة، ولا حاجة بي أن أقول: إنني — مع ما قدمت — أهدي ما أستطيع إهداءه لمن لا يستطيع شراءه، فليس المهم في هذه المسألة بضع نسخ تُهدَى أو لا تُهدَى وتُشترَى أو لا تُشترَى، وإنما المهم ما وراء ذلك كله من الدلالة على قيمة الثقافة أو قيمة المطالب الفكرية في البلد وهي شيء جدير بعناية الكتاب والقراء.
لو كانت المطالب الفكرية دخلت عندنا في حساب الضروريات التي لا غنى عنها لنظر الناس إلى استهداء كتاب كما ينظرون إلى استهداء رغيف أو ثوب أو طربوش، وهم يأنفون من استهداء شيء من هذه الأشياء.
ولكن المطالب الفكرية لا تزال بين الكثيرين منا معدودة من النوافل التي لا يعيبك أن تقصر في اقتنائها.
فأنت تملكها أو لا تملكها، وتستهديها أو لا تستهديها، فليس في ذلك ما يُلاحظ وليس فيه ما يُعاب.
إنك تلمح هذا في كثير من العادات التي تشمل الأغنياء والفقراء.
دخلت بعض القصور التي بُنِيَتْ في الريف على أحدث طراز، فلم أجد فيها مكانًا للمكتبة، وفي بعضها مع ذلك مكان للصور المتحركة.
وسمع الناس أن أديبًا باع كتابًا ببضع مئات من الجنيهات ففغروا الأفواه دهشة واستعظامًا، وقد سمعوا في المجلس نفسه أن مغنيًا تناول ثلاثة أضعاف ذلك المبلغ من أجل أنشودة في رواية سينمائية فلم يستغربوا خبر الغناء كما استغربوا خبر التأليف!
وقد يبدو لنا — حتى من الناشر الجاهل وهو يعيش من الكتب ويقتني منها البيوت والضياع — أن تأليف الكتب عمل ليس له حقوق، وأن المؤلف لا يحق له أن يربح من كتبه ما يقيم أوده، فإذا تبيَّن له أن مؤلفًا يتطلع إلى حصة من الربح تساوي حصته، دخل في وهمه أنه مغبون وأن ذلك المؤلف يختلس منه حقه ويشتط عليه في طلبه، وهو على أية حال لا يصنع للكتاب شيئًا غير أن يعرضه لشاريه أو يرسله إلى طالبيه.
وحتى الساعة لم يُوجَد في الشرق العربي كاتب واحد يستطيع أن يتَّخذ من تأليف الكتب صناعة مستقلة عن غيرها، وقد وُجِد في الأقطار الأوروبية مئات من الكتاب يؤلف أحدهم كتابًا في كل سنة أو في كل سنتين، ويعيش من بيعه وترجمته عيشة الموسرين، بل عيشة كبار الموسرين.
فالمسألة هينة إذا نظرنا إلى عدد النسخ التي تُهدَى أو تُستهدَى، ولكنها ليست بهينة إذا نظرنا إلى دلالتها على قيمة المطالب الفكرية في بلادنا، وعرفنا منها أن هذه المطالب لم تدخل بعدُ عندنا في حساب الضروريات.
إن الكتب يجب أن تُنشَر بين الأغنياء والفقراء، ولكن من هو المسئول عن نشرها؟
ليس المؤلف بطبيعة الحال؛ لأنه لا يعيش من كتبه فضلًا عن أن يتبرع منها بما فوق الحاجة.
وإنما المسئول هو الدولة أو الأمة بجميع طبقاتها.
فعلى الأغنياء أن يتبرعوا بشراء الكتب وهبتها للمكتبات الشعبية، وعلى مجالس الأقاليم أن تفتح من المكتبات العامة ما تستطيع.
وإذا جاء اليوم الذي تشيع فيه القراءة بين جميع الطبقات، فيومئذ يُطبَع من الكتاب الواحد طبعة غالية وطبعة أو طبعات رخيصة، ويستطيع القارئ أن يقتني النسخة إن شاء بمائة قرش، وأن يقتنيها من الكتاب نفسه إن شاء بقروش أو مليمات.
وتحقيق هذه الأمنية لا يتطلب من أحد في الشرق العربي أكثر من أن يُذكَر، وهو يلمس رأسه أنه يطالبه بشيء في داخله، وأن مطالبه كلها لا تنقضي إذا تكفل له بعمامة أو طربوش أو مشط أو عدة حلاقة أو قرص أسبيرين.

الفصل الخامس والعشرون
التعليمُ عِنْد العَرب


كان التعليم عند عرب الجاهلية يجري على سُنَّة الفطرة الأولى، وهي أن يتلقى الأبناء عن الآباء ما يحتاجون إليه من الصناعات والمعارف، سواء في معيشة المجتمع أو في المعيشة البيتية، فكانوا يتعلمون الفروسية وما تشتمل عليه من ركوب الخيل والمصارعة واستعمال السلاح وبعض الألعاب الرياضية، ويضيفون إلى العلم بالفروسية علمًا آخر بشئون الثقافة التي كانت مُيسَّرة في ذلك الزمان، وهي تتلخص في رواية الأخبار وحفظ الأشعار والدراية بالأنساب والأمثال، مع طرف من العلم بالنجوم والأنواء ودلالات الطريق.
ومن سروات القوم من كان يصحب أبناءه في قوافل التجارة حين يبلغون أشُدَّهم ويتهيأون للاستقلال بالمعاملات التجارية وتصرف الأموال، ولا يندر في هذه الحال أن يعلموهم الكتابة والحساب.
أما الأعمال البيتية كالنسج وعلاج الألبان وصنع الخبز والطعام ونصب الخيام، فما كان منها من عمل الرجل أو النساء تعلمه الأطفال على السواء في أحضان الأسرة على ذلك الأسلوب الفطري، وكان مُعوِّلهم في تعلمه على المشاهدة أو التدرب والمحاولة المتكررة، كما يتعلم صبيان الصناعات في قرى الريف إلى هذه الأيام.
ولما عرفوا حياة المدن درجوا على عادة تنم على الحصافة وبعد النظر في تقويم أبدان الناشئة وخلائقها واستدامة الصلة بين روح البداوة وروح الحضارة العربية، وهي إرسال الأبناء في سن الطفولة إلى الصحراء ليتعودوا فيها مقاومة العناصر الجوية ومزاولة الصعاب ويتحرزوا بهذا الحرز الطبيعي من ترف المدنية ووباله على النفوس والأجساد، وطرأ بعد ذلك سبب آخر للمثابرة على هذه العادة إلى ما بعد أيام الجاهلية، وهو تصحيح اللسان من العجمة واللحن واستحياء خلائق المروءة العربية في الجيل الذي فارق الجزيرة إلى الأمصار القصية بعد الفتوح، ولم ينسَ أول خليفة أقام ملكه في الشام أن يرسل ابنه إلى باديتها ليتربى فيها على هذه السنة العربية العريقة، فنشأ يزيد بن معاوية مع أمه ميسون بنت بحدل الكلبية في صحراء بني كلب، وأخذ من الصحراء خير ما كان فيها، وهو الفصاحة وحب الصيد ورياضة الحيوان.
وكانت للعرب صناعات خاصة، كالشعر والكهانة والطب والعيافة والدلالة يتعلمونها كذلك على أسلوب النقل والتلقين، فالشاعر يتبعه الراوية ويحفظ عنه شعره وشعر غيره ثم ينظم هو الشعر حين يقدر على نظمه، والكهَّان والأطباء والعيافون والأدلاء يصحبون أبناءهم وذويهم ليدربوهم ويزودوهم بأسرارهم، ويتركوهم من بعدهم خلفاء لهم على ذلك الميراث.
وربما اجتمع تعليم الحرب والأدب في أستاذ واحد كما يؤخذ من هذين البيتين:
أُعلِّمه الرِّمايةَ كلَّ يومٍفلمَّا اشتدَّ ساعِدُهُ رمانِيوكَمْ علَّمتُهُ نَظْمَ القوافِيفلمَّا قالَ قافيةً هجانِي أو ربما تعلم الولد في أحضان الأسرة كل هذا أو معظم هذا كما يُؤخَذ من هذين البيتين:
وربَّيتُهُ حتَّى إذا ما تركتُهُأخا الحربِ واستَغْنَى عنِ المسحِ شاربُهْتغمَّد حقِّي ظالمًا ولَوَى يدِيلوى يدَهُ اللهُ الَّذي هُوَ غالبُهْ ولم تزل هذه طريقة التدريب والتنشئة في الصحراء من أزمنة الجاهلية إلى الزمن الحديث.
ثم اتسعت الحضارة العربية في الآفاق، وقصرت تلك الأساليب الفطرية عن الوفاء بحاجة الدولة إلى المتعلمين لهذه الصناعة، وهم درجات يمكن أن نحصرها في درجتين اثنتين:
أولاهما: تعليم الأطفال إلى السن التي يحفظون فيها القرآن كله أو بعضه، ويلمون فيها بقواعد الكتابة والحساب، وكان ذلك موكولًا إلى أناس من الحفاظ يتوسطون بين مرتبة الأميين ومرتبة المثقفين، ولا يُحسَبون منهم في كثير من الأحوال.
ويرتقي الطالب من هذه المرتبة إلى ما فوقها، وهي مرتبة التوسع في التحصيل، أو مرتبة التخصص والاستقصاء، وينشدها الطالب في حلقات الدرس العامة، وأكثرها في المساجد التي يجلس فيها الأساتذة لإلقاء دروسهم على كل من يحضرها، ويواصل حضورها على اختلاف موضوعاتها، من فقه ولغة وأدب ومنطق وطبيعيات ورياضيات، وقد كانت دروس الرياضيات والمنطق أيضًا مما يُلقَى في مساجد العبادة صدرًا من بداية الدولة الإسلامية، ثم عكف طلابها على بيوت أساتذتها أو على المدارس التي كانت تُفتَح للدرس دون العبادة، ولا سيما المدارس المقصورة على تخريج الأطباء.
ولا شك أن هذا «البرنامج التعليمي» العام قد صاحب الدولة العربية إلى العهد الأخير الذي أدركناه، ولا تزال بقاياه مشهودة في مصر وفي غيرها من البلاد الإسلامية، فلم تزل الحلقات والمكاتب المعروفة عندنا باسم «الكتاتيب» هي أماكن التعليم التي يؤمها الكبار والصغار منذ أوائل الدولة العربية إلى عهد قريب.
لكن الحلقات والمكاتب لم تستأثر بالتعليم كله في عصور الدولة العربية ولا سيما عصورها الذهبية، وإنما كانت هي مثابة «التعليم العام» المباح لكل من يحضره ويواصل حضوره، ووراء ذلك تعليم لا يُباح لكل طالب، ولا يحضره غير أهله في رأي أساتذته القادرين عليه، وهذا التعليم المضنون به على غير أهله قسمان: قسم يتصل بحكمة الدين، وقسم يتصل بالحكمة على الإطلاق، أو قسم المتصوفة وعلماء الكلام، وقسم الفلاسفة وعلماء الطبيعيات والرياضيات.
فالغزالي، وهو قدوة الأساتذة الأولين، يرى أن يقصر العلم في مسائل الكلام العويصة على صفوة المتعلمين الأطهار درجات بعد درجات، أو كما قال في كتابه إلجام العوام عن علم الكلام: «فقد خُلِق الناس أشتاتًا متفاوتين كمعادن الذهب والفضة وسائر الجواهر، فانظر إلى تفاوتها وتباعد ما بينها صورة ولونًا وخاصية ونفاسة، فكذلك القلوب معادن لسائر جواهر المعارف، فبعضها معدن النبوة والولاية ومعرفة الله تعالى، وبعضها معدن للشهوات البهيمية والأخلاق الشيطانية …»
والغالب في المتصوفة أنهم كانوا يمتحنون قدرة المريد على الوصول بما ينشده من معرفة «السر الأعظم» الذي يتوق إليه جميع الباحثين عن الحقيقة، فما دام مقصده منه قوة التسلط أو القدرة على تسخير العناصر المادية والإتيان بالخوارق فهو بعيد عن مرتبة الوصول، فإذا أنست نفسه إلى سعادة المعرفة لغير مأرب من هذه المآرب الجسدية، واكتفى من البحث بأن يعرف ليعرف، وأن يخلص إلى الحقيقة ليسعد بالخلوص إليها، فهو قد استغنى عن القيادة الروحية وبلغ الغاية التي لا يُفاجَأ فيها بإنكار تلك المطالب أو إنكار السعي إليها، ويومئذ لا يسوؤه أن يعلم كما علم الغزالي «أن الخلائق — وإن اتسعت معرفتهم وغزر علمهم — فإذا أضيف ذلك إلى علم الله سبحانه؛ فما أوتوا من العلم إلا قليلًا.»
وحجر الغزالي على التعليم بهذه القيود لا يُحسَب من الحجر الديني على العقول كما وهم بعض المتأخرين؛ لأن مذهبه في ذلك مذهب العارفين بعقول الناس من قديم الزمن، وفي طليعتهم سقراط أستاذ أفلاطون ومن بعده أرسطو وسائر حكماء اليونان، فقد كان سقراط ينكر الكتاب؛ لأنه علم مفتوح لمن يدرك ومن لا يدرك، ويؤثر التعليم بالاختصاص والانتقاء والاستبراء، ولم يكن بين الغزالي وفلاسفة الإسلام فرق يُذكَر في جوهر هذا المذهب؛ لأن أولئك الفلاسفة كانوا يدينون بقصر العلم على أهله وتخصيصه بمن هو قادر عليه، ونحسبهم على صواب فيما اعتقدوه من «إلجام العوام عن هذا المقام»، ولو كانت هناك وسيلة التمييز العامي الذي سيظل عاميًّا طول حياته لوجب أن يمتنع العلم عن العوام ولا يسمح لهم منه إلا بما هم مضطرون إليه قادرون على فهمه، ولكن المحظور في هذه المسألة آتٍ من صعوبة التمييز بين العامي بحكم البيئة والعامي بحكم الطبيعة التي لا تقبل التبديل، وربَّ رجل من سواد الناس يُفتَح له باب العلم فلا يقف فيه دون أقصى الغايات.
وإذا كان الغزالي قدوة الأساتذة الأولين، وهم المتصوفة وعلماء الكلام، فلعل الفارابي هو قدوة الأساتذة الآخرين، وهم الفلاسفة وعلماء الطبيعيات والرياضيات، وهو كالغزالي في تحريمه العلم الرفيع على سفلة الناس، وقد خطر له أن أرسطو كان يتعمد «الإغماض» تعمدًا لثلاثة أغراض، وهي: استبراء طبيعة المتعلم هل يصلح للتعليم أو لا يصلح، وأن تُبذَل الفلسفة لمن يستحقها لا لجميع الناس، وأن يُروَّض الفكر بالتعب في الطب.
وقد استوجب الفارابي على طالب العلم الرفيع أو الحكمة الخاصة دروسًا عددها «فيما ينبغي أن يقدم قبل تعلم الفلسفة»، ومنها الهندسة والطبائع والمنطق ورياضة النفس على حب الحق والأنفة من الشهوات، ومتى استعد بهذه العدة تهيأ له أن يبلغ «الغاية التي يقصد إليها في تعليم الفلسفة، وهي معرفة الخالق تعالى وأنه واحد غير متحرك، وأنه العلة الفاعلة لجميع الأشياء، وأنه المرتب لهذا العالم بجوده وحكمته وعدله، وأما الأعمال التي يعملها الفيلسوف فهي التشبه بالخالق بمقدار طاقة الإنسان.»
ولسنا نستوعب «برنامج التعليم» كله عند العرب بما قدمناه على وجه الإجمال.
ففي هذا البرنامج المطلق برنامج «مخصوص»؛ لأنه مُقيَّد بمطالب القصور والبيوتات من أعلى تلك المطالب إلى أدناها، وأقرب ما نشبهه به في عصرنا الحاضر هو «الدرس الخصوصي» الذي يستأثر به العلية ومن هم في حكم الحاشية والأعوان.
ويدخل في هذا البرنامج تعليم الملوك والأمراء والكبراء، وهو فن من التعليم له شروط ومؤهلات جمع زبدتها شهاب الدين بن محمد بن أبي الربيع في الكتاب الذي ألفه للخليفة المعتصم بالله باسم «سلوك المالك في تدبير الممالك»، وجاء فيه بما ينبغي أن يتعلمه الرئيس لسياسة نفسه وسياسة الشرفاء والرعية والعبيد، وقسم العمل على ثلاثة أنحاء، وهي: «سياسة الإنسان نفسه وبدنه، أي: سيرته في نفسه بالأعمال الصالحة، وسياسة المنزل، أي: سيرته مع أهله وماله وولده وعبيده، وسياسة أهل نوعه، أي: سيرته التي لا يستغني عنها ما دام حيًّا …» ثم أحصى فيه الصفات التي تُطلَب في الوزير مثلًا، وهي: «حسن العلم بالدين، وحسن العقل، والحلم، وحلاوة اللسان، وبلاغة القلم، وكرم الأخلاق، وسهولة الحجاب، واعتقاد الخير، والصلاح، وقلة اللهو، وكتمان السر، وصحة الجسم، وجودة التفكير …»
وقد كثر عدد المعلمين الذين يستجيبون إلى مطالب القصور والبيوتات من أعلاها إلى أدناها، فكان منهم من يعلمون الجواري والوصفاء ويخرجونهم في فنون الأدب والموسيقى والمحاضرة وتربية الأبناء، ويغالون بأثمانهم على قدر حظهم من العلم والتدريب، وكان منهم معلمو الصناعات البيتية والدقائق الفنية التي لا تُرام في غير القصور والبيوتات.
وأهم من هؤلاء جميعًا أولئك المعلمون الذين يستعدون لتخريج أبناء السراة في كل ضرب من ضروب المعرفة التي تكمل بها مروءة الشرفاء، وكان لهؤلاء المعلمين فن يشبه فن التربية الحديثة والنظم «البداجوجية» فيما يُساس به الطفل، وما يُباح له وما يُحرَّم عليه، وما يُشجَّع به على التعليم، ويُبسَط له بعد إيجاز أو يُفصَّل له بعد اقتضاب، ويبدو لنا أن ما كُتِب عن فن التدريس باللغة العربية إنما كُتِب لهذا الطراز من المعلمين «الخصوصيين»؛ لأن طبقة المعلمين في المكاتب الشعبية لم ترتفع إلى هذا المقام من التخير والاصطفاء، ولأن العلماء أصحاب الحلقات لم يكن من شأنهم تعليم البيان، وقد وفى شرح هذا الفن في كتاب الباحث الفاضل الدكتور «أحمد فؤاد الأهواني» عن «التعليم في رأي القابسي» فهو أفضل المراجع العربية في هذا الباب.
وخلاصة ما يُقال عن التعليم عند العرب أنهم كان لهم تعليم يغنيهم ولا يقصرون به عن شأن حضارتهم، وأن منه ما هو أنفع من تعليمنا الآن، ونعني به تعليم الحلقات وتعليم الاصطفاء والاستبراء، فلولا أن تعميم التعليم فريضة من فرائض العصر الحاضر لكانت الحلقات أنفع من الجامعات، وكان استبراء المريدين أنفع من التخصص على النظام الحديث؛ لأن التعليم قبل كل شيء هو اتصال روح بروح واقتباس حياة من حياة، وليس هذا على أتمه بميسور مع التعليم الذي لا محيص فيه من بعض الآلية في النظام، وفي كل آلية جور على حرية الإنسان.

الفصل السادس والعشرون
الجَامِعَةُ في التَّاريخ


تتابعت أطوار كثيرة على كلمة «يونيفرستي» التي يطلقها الغربيون اليوم على المدرسة الجامعة التي يتلقى فيها الطلاب دروسًا عالية في مختلف المعارف البشرية من العلوم والآداب والفنون.
فكان معنى كلمة «يونيفرس» — في أول وضعه — الدورة الواحدة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الأفلاك تدور بعضها على بعض وتجتمع كلها في فلك الكون الأعظم الذي يدور على نفسه دورة واحدة، ومن ثم أُطلِقت الدورة الواحدة على الكون الذي يشمل كل شيء، ثم أُطلِقت على كل مجتمع شامل من الناس والأشياء، وكانت تُطلَق في القرون الوسطى على نقابات الحرف والصناعات، فكانت نقابة البنائين مثلًا تُعرَف باسم جامعة البنائين أو البناء، وكذلك نقابة الصاغة والنجارين والمعلمين، وسائر نقابات الصناع والمشتركين في عمل واحد، ولم تُخصَّص الكلمة بالمدرسة الجامعة كما نعرفها اليوم إلا بعد القرن الثالث عشر للميلاد، وبعد أن نشأت الجامعات الأوروبية الأولى بنحو مائة وخمسين سنة.
لكن الجامعة كانت أقدم من اسمها في التاريخ بنحو ثلاثين قرنًا ذاهبة في القدم إلى عهود الحضارات الأولى بوادي النيل وما بين النهرين، وليس يُعرَف على التحقيق أين نشأت الجامعات الأولى في البلاد الشرقية، ولكن القول الراجح أنها نشأت في مصر ولحقت عند نشأتها بالهياكل والبلاطات الملكية، فكان المتخصصون للعلم يلوذون بمدارس الهياكل، وكان طلاب الوظائف يلوذون بمدارس الكتبة التي يتخرج منها موظفو الحاشية الملكية وموظفو الدواوين على العموم.
كان أرسطو يقول: إن كهان مصر شُغِلوا بطلب العلم لذاته، خلافًا لما شاع أخيرًا من غلبة المنفعة على أغراض التعليم جميعًا في مصر القديمة، وكان أفلاطون يضرب المثل بالمتعلمين المصريين في حذق المعارف الرياضية والهندسية بصفة خاصة، وكان هيرودوت يقول: إن كهان مصر كانوا يتحدثون إليه كأنهم يتحدثون إلى تلميذ صغير، ومن المشهور أن صولون وأفلاطون حضرا بعض الدروس في جامعة عين شمس، وأن موسى — عليه السلام — كان من طلاب الجامعات المصرية، وقد كانت في مصر مدارس لا يحصيها التاريخ، أهمها وأكبرها: جامعات عين شمس، ومنف، وطيبة. ودروسها تُبَاح لمن يقدر على طلبها ولا تصطبغ بالصبغة المصرية إلا حين يقع الاختيار على المرشحين للكهانة من بين نجباء الطلاب، فيفضي إليهم الكهان الأساتذة بما يحجبونه عن سائر الطلاب.
وقد كان النظام صارمًا في جميع المدارس المصرية من أدناها إلى أعلاها، ومن أقوالهم المأثورة: «إن أذني التلميذ في ظهره»، ويعنون بها أن يفتح سمعه حين تقع عصا المعلم على ظهره للتأديب والتنبه، وربما ارتفعت العصا عن ظهور الطلاب الكبار الذين يُرشَّحون للكهانة والمناصب العليا، ولكنهم يستعيضون في هذه الحالة بوقار الدين والمنصب عن وقار النظام وصرامة العقاب.
وقامت في بابل وفارس القديمة جامعات حافلة بطلاب العلوم ومنها الفلك والطب والزراعة، ووُجِدت آثار كلية للبنات في بابل، وامتاز التعليم الفارسي القديم — كما قال هيرودوت وزينوفون — بالتربية البيتية، ثم التربية على أصول الفروسية والنخوة، فكان الطفل يتعلم في حضانة أمه إلى الخامسة ولا يرى أباه قبل ذلك، ثم يتعلم على أيدي الأساتذة إلى أن يبلغ العشرين ويتخرج بعد ذلك مثلًا في الطاعة والصدق ورعاية حقوق الأسرة والعرش والدين.
وكانت جامعات الهند تتولى تحفيظ القصائد الدينية لطلابها مع كتب الصلوات والأناشيد، ولا يُباح التعليم في الجامعات في الطبقة المحرومة بطبيعة الحال، ولكنه يُقسَّم على حسب الطبقات وما تحتاج إليه من التربية، وأعظمها تربية الكهان والولاة.
أما اليونان فقد نشأت جامعاتهم بعد الجامعات الشرقية بزمن طويل، وكانت في أول العهد بها كالندوات والأندية التي يجتمع فيها الأستاذ وتلاميذه للمحاضرة والمحاورة، ثم قامت عندهم جامعة أثينا التي كانت قبلة الطلاب من بلاد بحر الروم، وفي مقدمتها بلاد الدولة الرومانية، ويدل على مكانة هذه الجامعة أن شيشرون الخطيب الروماني الكبير قد أرسل إليها ابنه ليتعلم فيها الفلسفة والبيان.
ويظهر أن جامعة أثينا هي النموذج الذي تحكيه الجامعات العصرية في القارتين الأوروبية والأمريكية، فقد كانت لها مسابقات ومحافل وسهرات يتغاضى عنها الرؤساء والأساتذة، وكانت لطلابها مراسم في استقبال الطالب الجديد كالمراسم التي يسمونها الآن «بالتدشين» ويفرضون فيها على الطالب الجديد أن يستسلم لما يصيبه من زملائه، وإن بالغوا في التهزئة وأغلظوا في المزاح، وكانت هذه الحفلات بمثابة كسر القيود جميعًا بين الطلاب كأنهم من أسرة واحدة قد امتنعت فيها الكلفة كل الامتناع.
ولم تشتهر روما بجامعاتها كما اشتهرت بمضامير الفروسية وميادين الرياضة، ولكنها كانت كثيرة الندوات التي يتكلم فيها الحكماء والخطباء، ويشرح فيها العلماء دروسهم للطلاب وغير الطلاب، وربما كان المتحف الإسكندري خير مثال للجامعة الرومانية في أرقى أطوارها، فهو مزيج من المدرسة اليونانية والمدرسة المصرية، مع جموح إلى الأدب الشائع في دولة الرومان.
ولما خيَّم الظلام على القارة الأوروبية لم يخلُ الشرق من معاهد التعليم التي تنوب في زمانها عن الجامعات، فكانت هناك مدرسة جنديسابور الفارسية، ومدرسة الرها السريانية، ودُور الندوة التي يتلاقى فيها حكماء العرب وشعراؤهم وعلماء الأنساب منهم ليتعلموا ويعلموا كل ما عندهم من معلومات الأدب والحكمة والتاريخ والنجوم، وتتبعها الأسواق الدورية التي تُعرَض فيها بضاعة التاجر وبضاعة الشاعر، وكل بضاعة تروج عند قصاد تلك الأسواق.
ولما ظهر الإسلام مضت بضعة قرون قبل ظهور الجامعات؛ لأن المسجد الجامع كان يغني عن المدرسة الجامعة، وفيه يجلس العلماء بين مواقيت الصلاة للمحاضرة في النحو أو اللغة أو الفقه أو الحديث أو علم الكلام، حتى إذا مضى القرن الرابع وتعددت العلوم واتسعت رقعة الدولة قامت الجامعات في القاهرة وبغداد ونيسابور وقرطبة وغرناطة وأشبيلية ومالقة ودمشق وبيت المقدس، وازدهر أكثر هذه الجامعات قبل الجامعات الأولى في القاهرة الأوروبية، وهي جامعات بولونيا الإيطالية وباريس الفرنسية وأكسفورد الإنجليزية، وأقدمها نشأ في الثاني عشر للميلاد، ومن قبلها في القرن الحادي عشر نشأت مدرسة «سالرنو» لتدريس الطب خاصة، وظلت مفتوحة إلى أن قضت عليها حروب نابليون.
ومما لا خلاف فيه أن العلوم في الجامعات الحديثة أوفر وأوسع من نظائرها في الجامعات الأولى، إلا أن الجامعات الحديثة لا تزال في حاجة إلى التعليم من تلك الجامعات التاريخية، إذا هي أرادت أن تحقق معنى التربية الجامعية كما فهمها الأقدمون، وينبغي أن يفهمها المحدثون.
إن كانت للجامعة مزية على المدرسة فهي مزية «التعليم الحي» واشتراك «الشخصية» كلها في إلقاء الدروس، وتلقين المثل وإحسان القدوة والاقتداء بين الأساتذة والطلاب، وحرية الفكر في العصر الحديث مكفولة بحكم القانون على نحو لم يعهده الأقدمون في أمم كثيرة، ومع هذا يرجح الأقدمون في استقلال «الشخصية العلمية» على المتعلمين المحدثين؛ لأن شخصية المعلم كلها بعقلها وروحها وضميرها وآداب سلوكها كانت تلتقي بشخصية الطالب الذي لا يحول بينه وبين أستاذه حائل من جانب العقل أو الروح أو الضمير، أما الجامعة العصرية فقد أوشكت الصلة الآلية فيها أن تنوب عن الصلة الشخصية الحية التي لا تنقطع قديمًا في معاهد التعليم العليا، بل أوشكت التربية الجامعية أن تكون صفقة تجارية بتكاليفها ومواعيدها وأثمان كتبها وأوراقها، فليس لها من «الشخصية الحية» نصيب موفور.
ويحضرني هنا رأي للفيلسوف الإسباني «أورتيجا أي جاسيت» عن مهمة الجامعة يلخص فيه هذه المهمة في خلق المعارف والإعداد لخلقها لا في مجرد التحصيل والإحاطة بالمعلومات «المجهزة»، ويسألونه عن اقتباس النظام الثانوي من إنجلترا؛ لأنها امتازت بمدارسها الثانوية، وعن اقتباس النظام الجامعي من ألمانيا؛ لأنها امتازت بفيض المعارف الجامعية فيعجب لهذا السؤال ولا يرى نفعًا في التعويل على الاقتباس وحده كائنًا ما كان موضوع الاقتباس؛ لأن النظام عظيم بأمته وليست الأمة عظيمة بنظامها، ومن قال إن «المدرسة الثانوية» ممتازة في البلاد الإنجليزية فإنما يذكر جانبًا واحدًا من جوانب الامتياز الكثيرة التي تتعدى التعليم إلى السياسة والتجارة والتشريع والألعاب الرياضية، وليس شيء من ذلك بالذي ينقله الناقلون مع نظام المدارس الثانوية، أن نظام التعليم يُنقَل من بلد إلى بلد غريب.
والفيلسوف الإسباني على صواب لا ريب فيه، فلا خير في تزويد الجامعات بما يسمونه حرية الفكر وقداسة الحرم الجامعي وإطلاق المواعيد للأساتذة والطلاب، إذا كان ذلك كله محصورًا في نطاق الجامعة، معزولًا عن الخلائق القومية التي تحيط بها وتشرف عليها، ويوم يُقال هذا بلد عظيم يُقال هذه جامعة عظيمة، ولا ينعكس الوصف يومًا على وجه من الوجوه.

الفصل السابع والعشرون
تَصَوُّفُ إقْبال … منَ الهندِ أو الإسْلام


اشتهر محمد إقبال باسم شاعر الإسلام.
واشتهر كذلك بالشعر الصوفي والبحث في الطرق الصوفية، ورسالته التي نال بها الجائزة مكتوبة عن الصوفيين الفارسيين.
وهنا محل التساؤل: هل استمد إقبال هذا التصوف من مصدر هندي أو من مصدر إسلامي؟ وهل أثر فيه ميراث الوطن أو ميراث العقيدة؟
والتساؤل هنا ضروري من وجوه متعددة، فإن المستشرقين مثلًا يزعمون أن التصوف غريب عن طبيعة الإسلام، ويخلط بعضهم بين الطبيعة العربية والطبيعة الإسلامية، فيقولون: إن سليقة العربي لا تقبل التصوف؛ لأنه نشأ في بلاد صحراوية تحت سماء صافية، بين مناظر مكشوفة لا تخفي عنه شيئًا، ولا تغريه بالغوص على سر من الأسرار.
فهي طبيعة حسية واقعية، وليست كطبائع الأمم التي تنشأ بين الغابات المتشابكة والأغوار السحيقة والجبال السامقة في جو غائم قلما يتكشف عما فوقه من الكواكب حتى الشمس والقمر!
ويخلط أولئك المستشرقون بين الطبيعة العربية والطبيعة الإسلامية، ثم يسيئون فهم الطبيعتين على السواء، فيستغربون ظهور التصوف بين الشعراء المسلمين، ويعللونه تارة بعلة الوراثة القومية، وتارة أخرى بالتعلم والاقتباس.
هذا سبب من أسباب التساؤل عن تصوف إقبال: هل هو من الهند أو من الإسلام؟
وسبب آخر لهذا التساؤل أن المعجبين به من المسلمين أنفسهم يريدون أن يضعوه في مكانة بين الدعوة الإسلامية والدعوة القومية، ويسألون: أي الدعوتين أغلب عليه، وأيتهما أقوى وأعمق في شعره وفي أعماله؟
وكيفما كان مفصل الرأي في الطبيعة العربية فالواقع المحقق أن التصوف ليس بالغريب عن طبيعة الإسلام، وأن المسلم يستطيع أن يستمد أصوله من آيات القرآن الكريم، قبل أن يلتفت إلى مصادر التعليم من الكتب الإسلامية الأخرى أو من الكتب الأجنبية.
فمن الآيات القرآنية التي تجمع التصوف في أصوله قوله تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. وقوله تعالى: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. وقوله تعالى: وَلِلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ. وقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وقوله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ.
وقصة موسى مع الخضر — عليهما السلام — هي خلاصة القول في علم الظاهر وعلم الباطن، وفي إعداد المؤمن المجتهد لفهم أسرار الأمور قبل الحكم على ظواهر الحياة.
وليس بالمسلِم من حاجة إلى مصدر للتصوف غير هذا المصدر الذي يرجع إليه كل يوم، ولا يحتجب بابه عن قارئ في كتاب الدين.
فهناك تصوف إسلامي أصيل، ولا غرابة في اشتهار إقبال باسم شاعر الإسلام واسم الشاعر المتصوف، فإن الإسلام والتصوف لا يتناقضان.
لكننا إذا سألنا بعد ذلك عن مصدر تصوفه، فأي المرجعين هو المرجع الذي نعول عليه، وما هي الشواهد التي نستشهد بها على طبيعة التصوف في شعر إقبال، بل في حياة إقبال؟
إننا لا نحتاج إلى شواهد الكتب، فإنها تضطرب في كل مضطرب، ولا تخلو هي نفسها من حاجة إلى إعادة هذا السؤال.
ولا نحتاج إلى إحصاء الطرق الصوفية في الإسلام وقبل الإسلام، فإن هذه الطرق لم تخلص قط من تعدد النشأة واختلاط الأمزجة القومية.
وإنما نحتاج إلى شيء واحد وهو تمييز التصوف بنوع من نوعيه المعروفين، وهما: التصوف الذي يرفض الحياة، والتصوف الذي يقبل الحياة، أو هو على الأقل لا يحسب رفضها شرطًا لازمًا من شروط الخلاص والنجاة.
فمما لا شك فيه أن التصوف الهندي يقوم على رفض الحياة وطلب الخلاص من دولاب الولادة والموت، وسبيل هذا الخلاص أن ينكر الإنسان جسده ويقطع نسله ولا يشغل باله بهمٍّ من هموم الحياة، بل يعتزلها بعيدًا منها ومن سائر الأحياء حيثما استطاع.
ومما لا شك فيه أن تصوف إقبال ليس من هذا القبيل، وأنه لا يقوم على نبذ الحياة ولا على إنكار الجسد ولا على ترك العمل والجهاد في المطالب العامة والخاصة، بل هو على نقيض ذلك قائم على مضاعفة العمل، ورفض العزلة والتواكل، والتسامي بالنفس عن منزلة القنوع والاستسلام.
وآراء إقبال مطابقة لسيرته الواقعية في فهم التصوف على هذا المذهب، فإنه يقول عن تصوف العزلة: إنه بدعة طرأت على الإسلام من بعض النحل الإيرانية القديمة، وإن البحث عن سر للحياة لا يعني رفضها والإعراض عنها، بل يعني أن نرتفع بها إلى غاية أكبر وأقدس من ظاهرها، وألا تكون شواغلها الظاهرة صارفة لنا عن حقيقة معناها.
هذه الصوفية هي «الصوفية الإقبالية» التي لا يطول البحث عنها في شعره ونثره ولا في سيرة حياته وسجل مساعيه وأعماله، فهو متصوف؛ لأنه يطلب للحياة سرًّا لا يراه طالبه من النظرة الأولى؛ وهو مسلم لأن السر لا يوجب عليه أن يعاف نصيبه من الدنيا ولا يكفه عن العمل، بل يطلب منه العمل الذي يراه الله والرسول والمؤمنون: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ? وَسَتُرَدُّونَ إِلَى? عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
وليس من مقتضى هذا العمل «إنكار الذات»؛ لأن قوة العمل قوة للعامل يحقق بها كماله كما يحقق بها الكمال في قومه ودنياه.
ولهذا كان «إثبات الذات» لباب الفلسفة الإقبالية، وكانت معرفة النفس سبيلًا إلى معرفة الله ومعرفة الكون، ورائد إقبال في هذا المذهب هو قول النبي ?: «من عرف نفسه فقد عرف ربه.» وهو أصل من أصول الصوفية الإسلامية يُضاف إلى أصولها التي قدمنا أمثلتها من القرآن الكريم.
ولو أنصف الناقدون الغربيون إقبالًا لاعتبروه رائدًا من رواد الوجودية المتدينة؛ لأن كلامه المستفيض عن «أسرار الذات» أوفى من كل ما كتبه الوجوديون عن الذاتية، وسابق للكثير مما كتبوه وحاولوا أن ينشئوا به عقيدة جديدة، وما هو في صميمه إلا عقيدة المسلم إذا تصوف وتعبد لربه على المثال الذي اختاره إقبال.
ولقد بنى إقبال فلسفته الوجودية على الحب والفقر والشجاعة والسماحة، ولكنه فسر الفقر بقلة المبالاة بجزاء العمل، وقال عنه: إنه يجلب الإكسير إلى خلقة الطين والماء.
أما الحب عنده فهو الذي يعين على العمل بغير أمل في الجزاء.
والذين درسوا إقبالًا من الغربيين والشرقيين برزت لهم فيه هذه الناحية القومية التي جمعت بين الصوفية والعمل، فقال سمث في كتابه عن الإسلام الحديث في الهند: إن رسالة إقبال «هي أن يلهب الناس بالسياط حثًّا لهم على الحركة»، ثم استشهد بأبيات يقول فيها: إن لب الحياة مكنون في العمل، وإن الفرح بالخلق والإنشاء هو قانون الحياة، فانهضوا واخلقوا لكم دنيا جديدة، لفوا أرواحكم باللهيب، وليكن كل منكم كإبراهيم.
والكاتب الهندي إقبال سنغ يصفه، فيقول: «إن إقبالًا لم يكن — ولا هو يحسب نفسه — من زمرة المتأملين … وإنه لا يقنع بأن يترجم الدنيا ويفسرها حتى ينقحها ويغيرها.»
وقد صدرت أخيرًا في لندن مجموعة «فورستر» الكاتب الإنجليزي الذي اختبر الهند والشرق العربي عن كثب، وفيها فصل كتبه عن إقبال يقول فيه: «إنه كان مناضلًا وكان يؤمن بالذات، ويؤمن بها على اعتبارها وحدة تُنال، وليست فلسفته أسئلة عن الحقيقة، بل وصايا لمن يريد أن يعرف كيف يكون النضال في سبيلها.»
وفي ختام هذا الفصل يقول: «إن محمد إقبال عبقري ذو عبقرية آمرة، وربما خالفته أحيانًا حيث أوافق تاجور، ولكن إقبالًا هو الذي أوثر قراءته؛ لأنني أعرف أين أنا معه، وإنه لواحد من العلمين البارزين للثقافة الهندية الحديثة، وجهلنا به قد جاوز المألوف.»
نعم؛ قد جاوز الجهل بإقبال ما هو مألوف بين الغربيين في شأن أمثاله ونظرائه، ولكنهم اليوم قد أخذوا يقرءون عنه ويتساءلون: أين نحن منه؟ هل هو ظاهرة هندية أو ظاهرة إسلامية؟ هل هو قريب منا أو بعيد عنا؟
ونعتقد أن هذا التساؤل لا يطول بعد العلم بالقليل من أقواله وآثاره، وأن «عبقريته العلمية» قريبة إلى الذهن الأوروبي العامل، فلا يطول الزمن حتى يرى كل قارئ له من أبناء الغرب كما رأى فورستر «أنه يعرف أين هو من إقبال.»
أما المعجبون به من قراء العربية — وهم يزدادون يومًا بعد يوم — فلن يشق عليهم أن يضعوه في مكانه بين الدعوة القومية والدعوة الإسلامية، فإن أمة الباكستان هي بنشأتها وحدة قومية قامت على الدين، فلا تناقض في انتساب إقبال إلى الوطن وإلى الإسلام.
أما الرسالة الفذة التي انفرد فيها إقبال بمكان خاص بين المصلحين المسلمين فهي أنه أخرج الصوفية من حدودها الضيقة، فجعلها تشمل الأمم الإسلامية بأسرها، فليست هي طائفة هذا الشيخ أو صحبة ذلك الولي، وليست هي رياضة يرتاضها بينه وبين نفسه، ولكنها هي الطريقة الإسلامية التي تصلح لكل فرد مسلم ولكل أمة مسلمة.
وإذا سأل عن تصوفه: هل هو من الهند أو من الإسلام؟
فالجواب: إنه تصوف من الإسلام للإسلام، وأنه كاسم صاحبه تصوف الإقبال على الحياة وعلى العمل كما أُمِر به المسلمون وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ?.

الفصل الثامن والعشرون
الإنسَانيَّة في سِنِّ الرُّشد


نريد أن نستقبل هذه السنة الجديدة متفائلين … أترانا نريد ذلك لأن التفاؤل أحب إلى النفس الإنسانية وأقرب إلى هواها وأيسر لها من التشاؤم والشكاية؟
نشك في ذلك:
نشك في أن التفاؤل أحب إلى النفس الإنسانية من الشكوى والتذمر؛ لأن راحة الشكوى عند فريق من الناس على الأقل أقرب من راحة التفاؤل، إن كانت الشكوى تنفس عن صدورهم وترفع عنهم أثقال هموهم، وهي إلى جانب ذلك وسيلة لإعفاء النفس من تبعاتها وإلقاء التبعات على غيرها، سواء كان «الغير» ما يسمونه «بالدهر» ويصفونه بغدر الزمان، أو كان الغير المشكو منه إنسانًا من الناس.
والنفس تحب الشكوى بعد هذا وذاك؛ لأنها حالة سلبية لا تتطلب الجهد والكلفة، ولعلها في كثير من الأحيان بمثابة «اعتذار» للحياة بقلة الطاقة وقلة الإمكان!
التفاؤل واجب

فليس من الثابت أن التفاؤل أحب إلى الإنسان من التشاؤم، إذا كان التشاؤم يعطيهم حق الشكاية والاعتذار، ولسنا نريد أن نتفاءل في مطلع السنة الجديدة مجاراة للهوى وطلبًا للراحة في كل باب، بل يسرنا أن نقول إننا نتفاءل؛ لأن التفاؤل واجب، ولأننا نستطيع أن نعتمد فيه على أسباب صحيحة تزداد ظهورًا في عصرنا الحاضر، عامًا بعد عام، ولم تكن ظاهرة قبل هذه السنين الأخيرة من القرن العشرين فمن أسباب التفاؤل عندنا أن العالم الإنساني قد تقارب وتشابك حتى أصبحت العزلة فيه مستحيلة على الأقوياء والضعفاء، وعلى القريب في مواقع الكرة الأرضية والبعيد.
ومن أسبابه أن الأقوياء والضعفاء معًا قد أدركوا في هذا العصر حاجتهم إلى التعاون والاشتراك في الواجبات.
ومن أسبابه أن الاشتراك في الواجبات من شأنه حتمًا لزامًا أن يفرض على الموافقين والمخالفين ضرورة الاشتراك في الحقوق.
أهم سبب للتفاؤل

ومن أسبابه، بل أهم أسبابه، أن المشكلات الكبرى تثبت للأقوياء الأغنياء أنهم أحوج من الضعفاء الفقراء إلى طلب التعاون وإلى التفاهم على احترام الحقوق، فقد يستغني الضعيف عن معونة القوي في هذا الزمن قبل أن يستغني القوي عن معونة الضعيف برضاه.
وإذا وزنَّا الأمور بميزان السلم والحرب فليس في وسع أحد أن يتفاءل في زماننا حتى يجزم بابتعاد خطر الحرب، ويطمئن إلى دوام السلام، ولكننا نستطيع أن نجزم بالفرق الكبير في هذه المسألة بين الأمس واليوم … فمما لا شك فيه أن الحرب كانت «عملية» مكسبة للمنتصرين إلى زمن قريب، فلما جاء القرن الحاضر قلَّت مكاسبها وازدادت مغارمها، وكاد المنتصر يحمل فيها أكبر الغُرمين وأفدح الخسارتين.
هذه الأسباب صالحة للتفاؤل بحق، لا يستطيع ذو عينين أن يغمض عنه عينيه، وهي لا ريب تطور في الحياة الإنسانية جدير بالتسجيل والانتباه.
إن مشكلات العالم كثيرة

إن الأمم تختلف عليها وقلما تتفق على مشكلة منها.
إن الأمم المتحدة هي في الواقع «أمم غير متحدة» كما يقول الساخرون والمتهكمون وهذا كله صحيح، وسيظل صحيحًا في القرن الحاضر والقرن التالي والعشرة القرون التي تليه، وحسبنا هذا الآن فلا نقول في العشرين والثلاثين والأربعين.
مشكلات العالم ستزداد

ستظل مشكلات العالم كثيرة وتزداد كثرة.
ستختلف الأمم عليها ولا تتفق على معظمها.
ستبقى هيئة الأمم «غير متحدة» كما بقيت إلى اليوم كل مجموعة من آحاد الناس فضلًا عن الأمم والشعوب.
ولكن ليس المهم هو هذا في مقام التفاؤل والتشاؤم، وليس الأمل أن يتفق الناس على شيء فإنهم مختلفون ولا يزالون مختلفين!
وإنما المهم هو أن نسأل: ماذا يصنعون حين يختلفون؟ وما هي نتيجة الخلاف والاختلاف؟
كانوا يختلفون قبل مائة سنة أو مائتين فيعمد القوي إلى ابتلاع الضعيف بغير عذر ولا احتيال لمداراة عدوانه، بل مع الفخر والمجاهرة بالقدرة على العدوان.
فأصبحوا اليوم يختلفون ويلتمسون العلل والمعاذير من نصوص المعاهدات والقوانين.
أتراه فرقًا صغيرًا لا يغير ولا يبدل في حقيقة الواقع كما يزعم بعض المتخلفين؟!
كلا؛ ليس هذا بالفرق الصغير، وليس بين الهمجية الأولى والحضارة الراقية من فرق أكبر منه على جميع الاعتبارات، فإن القوي في أمم الحضارة لا يزال قويًّا ولا يزال قادرًا على أمور كثيرة يعجز عنها الضعيف، ولكننا نغتبط بالحضارة؛ لأنها تلجئه إلى الحيلة وتضطره إلى التذرع بالنصوص والأحكام، ولا تسمح له بأن يبطش بالضعيف وأن يغتصب منه حقه جهرة في غير مبالاة ولا اعتذار.
الفوارق بين الأقوياء والضعفاء

ولقد وُضِعت الشرائع وانتظمت المحاكم لتطبيقها، فهل نستطيع بعد ألوف السنين أن نزعم أن الفوارق بين الأقوياء والضعفاء قد زالت، وأن الاختلاف بينهم لا يجري اليوم ولا يجري غدًا إلا على شريعة الحق والإنصاف؟
ليس في الناس من يزعم ذلك، وليس في الناس مع هذا من يقول: إن بقاء الشرائع والمحاكم وزوالها يستويان.
وهذا بعينه ما يُقال، أو يصح أن يُقال عن الوسائل العالمية الحديثة التي تلجئ القوة إلى المداراة والاحتيال لتحقيق غاياتها، فإن هذه السوائل لا تبطل الفوارق بين القوة والضعف وبين القدرة والعجز، ولكننا لا نقول من أجل ذلك: إن وجودها وعدمها سواء.
إن التفاؤل نظر إلى الماضي قبل النظر إلى المستقبل، فلن يتعلم الإنسان كيف يتفاءل لو كان المستقبل هو كل ما ينظر إليه وكل ما يدخل في تقديره واعتباره.
فلنرجع بالنظر مائة سنة، أو نرجع به ألفي سنة، فنحن أقدر على الرجاء وأخبر بما نرجوه، ونحن إذن نتفاءل بحساب أو نتشاءم بحساب.
لو بُعِث سقراط

ماذا يقول سقراط إن عاد إلى الحياة؟
ماذا يقول إن علم أن دولة من الدول تملك القذيفة الذرية ولا يتأتى لها أن تستخدمها كما تريد، وأن تفرض بها إرادتها على من لا يملكها؟
مهما يكن المانع لها أن تبطش بهذا السلاح فهو مانع لم يكن له نظير في عهد سقراط.
لم تكن ظروف السياسة أو ظروف التجارة أو ظروف المعاملات على اختلافها مانعًا كهذا المانع قبل ألفي سنة، فإن لم يكن ذلك سببًا قويًّا من أسباب التفاؤل، فأسباب التفاؤل لعمري ماذا تكون؟!
ومن الواجب أن نذكر أن العلاقات السياسية ليست هي الألف والباء في الحياة الإنسانية، وأن ثقافة الإنسان ومعارف الإنسان وأشواق الإنسان تمضي في طريقها وتصنع الأعاجيب سنة بعد سنة وجيلًا في أعقاب جيل، وأنها على مدى الأزمنة ستفعل فعلها لا محالة في الإصلاح، وفي التطور والارتقاء، وأن الإنسان الذي خرج من ظلمات الوحشية جاهلًا بقوانين الطبيعة لن تكون الحضارة مقبرة له وهو يعرف تلك القوانين.
الإنسانية في سن الرشد

ونخطو خطوة أخرى مع التفاؤل فنقول: إن الإنسانية اليوم في سن الرشد، وإن أزماتها الروحية هي أزمات هذه السن كما تعودناها في سن النضج حيثما وصلت إليها بنية الكائن الحي، ولا سيما الكائن الحي من بني آدم وحواء.
وأزمات سن الرشد متعبة، ولكن من ذا الذي يرجع إلى الطفولة؛ لأنه يتعب من شبابه؟
تعب ولا جدال

ولكن الراحة ليست كل شيء، فكل قدرة يتغلب بها الكائن الحي على التعب هي أعز من الراحة وأنفس، وهي الأمل الذي نتعلق به مع الزمن وفي وجه الزمن، وهما مناط التفاؤل والرجاء.
أجل، وهي القدرة التي نلوذ بها في قرارة النفس البشرية وننظر إليها متفائلين قائلين في مطلع هذه السنة الجديدة: عام سعيد، وكل عام وأنتم بخير.

الفصل التاسع والعشرون
الوَعْي السِّيَاسي في البلاد العربيَّة


يُفهَم من الوعي السياسي معنيان: أحدهما يطابق معنى الوعي القومي أو الوعي الوطني، والآخر يطابق معنى الوعي الاجتماعي أو الوعي المدني.
أما الوعي القومي فلا شك أن نصيب الأمم العربية منه موفور منذ أقدم العصور، وهو في الغالب يقوم على عنصرين من العصبية وحياة الحرية، وقد كانت العصبية على أشُدها في أمة العرب الأولى، وهم أبناء الجزيرة العربية؛ لأنها كانت أمة قبائل تعتز بأعراقها وأصولها، وترى الكرامة كل الكرامة في المحافظة على أنسابها والغيرة على ذمارها، وقد كان العربي حرًّا في حله وترحاله، حرًّا في أقواله وأفعاله، يهيم حيث شاء ويقول ويفعل كل ما يشاء، ولا يحد من حريته إلا حرية الآخرين من أبناء الجزيرة، الذين يغارون على حقوقهم من الحرية كما يغار هو عليها.
وقد تمكن الشعور بالقومية في نفوس العرب لسبب آخر، وهو الحيوية القوية، فإن أول مظهر من مظاهر الحيوية في الفرد والأمة على السواء هو الثقة بالنفس والاعتداد ? «الشخصية»، وقد كانت حيوية العرب في عهد فطرتهم سليمة لم تشبها عوارض الوهن والانحلال، وكانت حولهم أمم ذوات دول غالبة وسلطان شامخ، كالفرس والروم والأحباش، فإذا اعتز العربي بشأنه بين تلك الأمم فهو لا يفاخرها بالدولة؛ لأن دولاتها أعظم من دولته ولا يفاخرها بالغنى، فإن أموالها أوفر من أمواله، ولا يفاخرها بالحضارة، فإن نصيبها من الحضارة أوسع من نصيبه، ولكنه يعوض ذلك كله بفخر العنصر وعزة القومية، فهو عنده كفاءة مجد الدولة ومجد الثروة ومجد الحضارة، فلا جرم يفرط في الاعتصام به وهو يريد أن يعلو بينها، ولا يريد أن يستكين.
وبلغ من اعتداده بهذا الفخر أن بعض الأكاسرة أراد أن يصهر إلى أحد أمراء الحيرة — وهم خاضعون لعرشه — فأنف أن يقبل مصاهرته، وقال تلك الكلمة المشهورة: «أليس له في مها العراقين ما يغنيه؟» وهي غاية في النخوة القومية لا تتجاوزها غاية بين القديم من الأجيال البشرية والحديث.
كان هذا والعرب في جاهليتهم لا ثروة لهم ولا صولة بين الدول الكبرى، فلما قامت لهم بعد الإسلام دولة أضخم من تلك الدول تجاوزوا هم تلك الغاية التي لم يتجاوزها أحد غيرهم، وأضافوا عزة السلطان إلى عزة العنصر وعزة العقيدة، ثم تحركت الشعوب لمقاومة هذا السلطان الجانح، فقابلوها بعصبية أشد منها وأقوى، ولم تضعف هذه العصبية بعد ضعف الدولة وتفكك أوصالها؛ فإنهم عادوا إليها يعتصمون بها حيث لم تكن لهم عصمة سواها، فكان وعيهم السياسي بهذا المعنى على أتمه وأشده في جميع هذه الأطوار.
وليس يقدح في هذه الحقيقة أنهم خضعوا للحكم الغريب عنهم، كما حدث مثلًا في عهد الدولة العثمانية؛ إذ كان ذلك قد حدث يوم كانت جامعة الأمة وجامعة الدين شيئين غير منفصلين، وكان هذا التوافق بين الجامعتين أمرًا عامًّا بين أمم الشرق وأمم الغرب بلا اختلاف، وعلة ذلك — كما قلنا في كتابنا عن أثر العرب في الحضارة الأوروبية — «أنه لم يكن من الميسور أن تنشأ الوطنية بمعناها الحديث قبل القرن الثامن عشر، أو قبل الأطوار الاجتماعية التي تقدمتها، وكان ممهدًا لظهورها وانتقالها من حيز الغرائز المشتركة إلى حيز الصلات الروحية والثقافية التي ينفرد بها الإنسان في مجتمعاته؛ لأن هذه الأطوار كانت تناقض الوطنية في بعض الأحوال، وكانت تخفيها في أحوال أخرى، وكانت على الجملة خطوات سابقة لا بد منها قبل التطرق إلى الخطوات التي تليها، فكان لا بد من تطور عهد الإقطاع قبل شعور الإنسان بوطنه في نطاقه الواسع ومصالحه المتشابكة؛ لأن انتماء الناس إلى إقطاعات متعددة في قطر واحد يربطهم بضروب شتى من الولاء للسادة المتعددين الذين يسيطرون عليها، ويعوِّدهم ضروبًا من المخالفات والمخاصمات تتغلب فيها الزمرة والطائفة على الأمة والدولة نفسها في بعض الأمور، وكان لا بد من تطور الجامعة الدينية قبل الشعور بمعنى هذه الوطنية؛ لأن الإنسان يرضى في الجامعات الدينية أن يحكمه من ليس من أبناء وطنه لاتفاق الحاكم والمحكوم في العقيدة والمراسم الروحية، ويكره أن يحكمه من لا يدين بدينه، ولو كان من بلده وجواره، ولا يزال كذلك حتى يتعذر حكم الأوطان المختلفة بحكومة واحدة قائمة في مراكزها البعيدة عنها، لاختلاف المرافق واختلاف النظر إلى الحقوق والتبعات ونشوء الطبقات الاجتماعية التي تتنافس في الأوطان المتعددة، وإن جمعتها علاقة وثيقة واحدة.»
فالعربي الذي كان يدين بالطاعة للدولة العثمانية لم يكن يحسب أنه ينزل بذلك عن سلطانه، أو أن أحدًا غريبًا عن أمته يحكمه بشريعة غير شريعته وحق غير حقه، وهو إلى جانب ذلك كان يدين للحاكم العثماني من بعيد، ولا يشعر بسطوته في عقر داره؛ لما هو معلوم من عزلة الجزيرة العربية وقيام الولاة على أجزائها من أبنائها.
فلما اقترن ظهور الحركات الوطنية في العالم بانتشار الحكم في الدولة العثمانية، كانت أمم العرب من أسبق الأمم إلى الثورة وطلب الاستقلال أو التمرد على «النظام المركزي» في الدولة، وليست ثورات اليمن ولا ثورات النجديين بزعامة الشيخ محمد عبد الوهاب، ولا ثورات لبنان وسورية ومصر والسودان، إلا حركات قومية في الصميم، وإن لاحت للنظرة الأولى في صورة الشقاق المذهبي، أو صورة الانقضاض على الظلم والاستبداد، فقد كان حكم الدولة العثمانية للأناضول كحكمها لهذه الأطراف وما عداها، فلم يثُر أهل الأناضول كما ثار العرب؛ لأنهم تُرْك من عنصر الحاكمين، ليسوا أقوامًا آخرين غرباء عن أصحاب العرش والتاج، ولا يُقال في تعليل ذلك إن أهل الأناضول تجنبوا الثورة لقربهم من عاصمة الدولة ومراكز جيوشها، فإن الأكراد والأرمن والألبانيين كانوا يثورون بين حين وحين، ومنهم من يسكن بلادًا أقرب إلى عاصمة الدولة من أطراف الأناضول.
ولقد كان إبراهيم باشا عبقريًّا حصيفًا حين أحس أن هذه القومية الحية هي أقوى عماد له في محاولة الخروج من ربقة الأستانة، وسئل: إلى أين تمتد فتوحك؟ فقال: إلى حيث ينطق لسان باللغة العربية، وقد صحت فراسته في عصره بعشرات السنين، ورأينا بعد قيام الحكم الدستوري في الأستانة أن أمم العرب كانت أول المطالبين بتعميم اللامركزية في دولة آل عثمان.
من هذا العرض السريع لتاريخ القومية العربية نتبين قوة الوعي السياسي عند العرب بهذا المعنى، ونستبشر خيرًا بما يكون له من الشأن في صيانة حوزتهم وغيرتهم على حقوقهم وسعيهم إلى تثبيت قواعد الحرية في أوطانهم، وهي حديثة عهد بالاستقلال.
أما الوعي السياسي، بمعنى الوعي الاجتماعي أو الوعي المدني، فهو درجات بين أرقى أمم الحضارة، ويتوقف الارتقاء في هذه الدرجات على نصيب الفرد من المشاركة الفعلية في حكم بلاده، حتى تتفق مصلحته ومصلحة القانون، وتصبح أمانة الحكم حاسة فيه ينساق بها إلى المصلحة العامة، بغير سائق من نصوص الشريعة أو رهبة الحاكمين.
ولسنا نعتقد أن شعبًا من الشعوب قد بلغ في هذه «الحاسة» درجة أرفع من درجات الأمة الإنجليزية، وآية ذلك أنه لا قانون هناك ولا دستور إلا وهو مستمد من العرف والتضامن بين عناصر الرأي العام، قبل استمداده من النصوص والأوراق، ولم يكن الإنجليز كذلك؛ لأنهم جيل من البشر أرفع من سائر الأجيال، وإنما كانوا كذلك لظروف جغرافية وتاريخية هيَّأت لهم أسباب المشاركة الفعلية في الحكومة، ولم يتهيأ مثلها لغيرهم من أمم القارة الأوروبية، ومن هذه الظروف أن الملك في إنجلترا لم يكن بحاجة إلى جيش قائم كبير ينفق عليه ويستبقيه مستعدًّا للحرب على الدوام، فقد أغناه عن هذه الكلفة أن البحر يحمي جزيرته من مفاجأة أعدائها وأعدائه، فاكتفى بجيش قليل في العاصمة، يقابله جيش أصغر منه عند كل نبيل من نبلاء الأقاليم، ووجب عليه إشراك هؤلاء في الحكم والإدارة المحلية؛ لأن تسخيرهم بالقهر والتهديد غير مستطاع.
ومن هذه الظروف أن التجارة ضرورة من ضرورات الحياة في تلك الجزيرة فنشأت المدن التجارية إلى جانب المقاطعات الريفية، وعز على النبيل من أجل هذا أن يستبد بالتاجر، وعلى التاجر أن يستبد بالنبيل.
ومن هذه الظروف أن السياسة الخارجية في إنجلترا سياسة تضامن بين جميع الطبقات؛ لأن جميع الطبقات من أصحاب الأموال والعمال تعتمد على المعاملات الخارجية ولا تكتفي بمحصول الجزيرة من المزروعات أو المصنوعات.
فلهذه الظروف وأشباهها تم التوازن بين جوانب المجتمع، وتهيأت لكل طائفة من أسباب المشاركة الفعلية في سياسته العامة، وشعر كل فرد هنالك بأنه مسئول عن رأيه محاسَب على عمله، فأصبح الوعي السياسي بمعناه المدني أو الاجتماعي عادة في النفس تجري مجرى الغريزة في الحيوان، وأعجب ما بدا من وحي هذه الغريزة أو هذه البداهة، أن الإنجليز خذلوا «تشرشل» زعيم المحافظين غداة نهاية الحرب التي أكسبهم فيها النصر والسلامة، ولو فعلوا غير ذلك لوقعت الطامة الكبرى في البلاد؛ لأن اصطدام السياسة الإنجليزية بالسياسة الروسية قد يُفهَم على أنه مكيدة من رأس المال في مقاومة حقوق العمال، فينقلب العمال إلى جانب الشمال، ولكنه لا يُفهَم على هذا الوجه إذا وقع الاصطدام والعمال هم المسئولون عن العلاقات الأجنبية، كما هم مسئولون الآن.
حدثني رجل من رجال الأعمال الأذكياء عاد من إنجلترا في الأشهر الأخيرة، فقال: إن الحصول على جراية تزيد على الجراية المقررة من أصعب الأمور في المطاعم العامة، وقد يُوجَد هنا وهناك مطعم معروف غير مجهول يُباع فيه الطعام الزائد بثمن أغلى من ثمنه، ولكنك تذهب إليه فيندر أن ترى فيه أحدًا من الإنجليز، ويغلب أن يكون رواده جميعًا من الأجانب الطارئين.
وعندنا أن الحكومة ربما كانت تعلم بوجود تلك المطاعم وتبقيها عمدًا لاستجابة حاجات الأجانب الطارئين، وهم لازمون للبلاد في بعض الأحوال، فتبقيها لهم ولا تلجأ إلى القانون لصد أبناء البلاد عنها؛ لأن الحاسة الاجتماعية تعمل هنا عمل القانون!
ويذكرني هذا بفكاهة من فكاهات السياسي التركي «رضا توفيق» الذي اشتهر بلقب الفيلسوف، قال: إنه زار صديقه المستشرق «براون» وأحب أن يخرج يومًا للصيد، فنبهه صديقه إلى اجتناب بعض الطيور؛ لأن صيدها في موسم التناسل ممنوع، فلما ذهب يجول في الغابات والحقول ساء حظه في ذلك اليوم، وأشفق أن يرجع من رحلته فارغ اليدين، فأصاب طائرًا من تلك الطيور الممنوعة، وأشار إلى الكلب ليلحق بالطائر المصاب ويعود به إليه … قال: فأدهشني أن أرى الكلب واقفًا مكانه لا يتحرك؛ لأنه لا يريد أن يخالف القانون!
وهي مبالغة من مبالغات الفكاهة، ولكنها لا تخلو من دلالة على المعنى الذي أراده الفيلسوف الظريف.
ونحن — أبناء العربية — نغلو في الطمع إذا اشتركنا في حكوماتنا المستقلة بالأمس ورجونا أن تتحقق لنا اليوم تجربة لم تتحقق لغيرنا في أقل من مئات السنين، ولكننا لا نغلو في الطمع إذا قلنا إننا لن نحتاج إلى كل تلك السنين لنستفيد في الوعي السياسي من تجاربنا وتجارب غيرنا، إننا نثوب إلى النخوة القومية التي تأصلت فينا كما قدمنا، فتسعفنا بمدد منها، كلما نازعتنا مآرب الآحاد فأوشكت أن تذهلنا عن مصالح الجماعات.

الفصل الثلاثون
الشُّعُوبيَّة


لكل زمن شعوبية تناسب الأمة التي تسود فيه.
وهي تنشأ كلما نشأت في العالم أمة لها دعوى تنفسها عليها الأمم التي تحيط بها، وتقابلها بدعاوى أخرى من عندها، كل على حسب تاريخها ونظرتها إلى نفسها.
فكانت في العالم «شعوبية» قبل أن تكون فيه دولة عربية.
وأصبحت فيه «شعوبية» بعد أن ضعفت الدولة وخرج عليها الخاضعون لسلطانها.
بل كان العرب أنفسهم «شعوبيين» في زمن من الأزمان قبل ظهور الدعوة الإسلامية، وكان ذلك في زمن الدولة الفارسية التي برزت بين الأمم في الرقعة الغربية من القارة الآسيوية، فكان من مزاعم الفرس يومئذ أنهم أهل السيادة بحق وجدارة، وأن غيرهم من الأمم خُلِقوا لطاعتهم والدخول في حوزتهم، فكان تقابلهم «شعوبية» من العرب واليونان والعبرانيين والآراميين.
فأما العرب فكانوا يقابلون فخر الفرس بفخر الفصاحة وعراقة الأنساب، وأما اليونان فكانوا يقابلونه بفخر العلم والحضارة، ويحسبون الفرس في عداد البرابرة، وأما العبرانيون فكانوا يقابلونه بفخر الدين والإيمان بالإله الحق، وأنهم هم شعب هذا الإله المختار، وأما الآراميون فكانوا يفخرون بأنهم علَّموا الفرس الكتابة، وأن حروفهم هي الحروف التي تُكتَب بها اللغة الفارسية.
وعاد العرب في زمرة الشعوبيين على عهد الدولة العثمانية، فإن هذه الدولة حكمت أممًا كثيرة من غير أصلها ولسانها، واستطالت على تلك الأمم بحق السيادة والسطوة العسكرية، وقابلها العرب بفخر الأمانة الأصلية وكرم الأسلاف وفصاحة اللسان؛ وقابلها رعاياها من الغربيين بفخر الأوروبيين في مواجهة الآسيويين، وربما كانت أوروبة كلها مجموعة شعوبية في مواجهة الدولة العثمانية؛ إذ كانت تجمعها كلها كلمة «الأجانب»، وكانت الامتيازات الأجنبية مظهر هذه الشعوبية من هذا النمط الجديد.
وقديمًا خلق الرومان في إبان دولتهم شعوبية، بل شعوبيتين؛ لأنهم كانوا يقسمون العالم ممن عداهم قسمين: قسم يسمونه بالبرابرة، وهم قبائل للبلاد التي لم يُعرَف لها تاريخ ولم تُؤثَر لها حضارة، وقسم يسمونه بالجنتيليين Gentili من كلمة Gentili بمعنى المجانس أو المنتمي إلى جنس واحد، كأنهم يعتبرون كل من عداهم جنسًا متشابهًا على اختلاف الأقوام واللغات. وعن الرومان أخذ اليهود والمسيحيون هذه التسمية، فأطلقها اليهود على جملة الأقوام من غير بني إسرائيل، وأطلقها المسيحيون على جملة الأقوام غير الإسرائيليين والمسيحيين، وكانت الكلمة التي أطلقها اليهود على أولئك الأقوام هي كلمة «جوييم» أي: الأقوام باللغة العبرية، ولكنهم استعملوا الكلمة الرومانية فيما كانوا يكتبونه باللغتين اللاتينية واليونانية.
ونحسب أن هذا التقسيم قريب إلى بداهة الجماعات من كل جنس وفي كل موضع، وبخاصة فيما قبل القرن العشرين، أو فيما قبل انتشار الدعوة العالمية، فمن عادة كل جماعة من الناس أن تنظر إلى نفسها كأنها وحدة قائمة بذاتها، وتنظر إلى غيرها من الجماعات كأنها وحدة أخرى؛ لأن الحقوق العامة كانت على الأغلب مقصورة على كل جماعة بين أبنائها، ولم تكن مشتركة متساوية بين الجماعات كافة.
هكذا رأينا الإنجليز يسمون أنفسهم أيام «عزتهم الفاخرة بأهل الجزيرة، ويسمون سائر الأوروبيين بأهل القارة».
وهكذا رأينا الأمريكيين يعممون الوحدة الأمريكية على العالم الحديث، ويحمونها في وجه العالم القديم كله بمذهب مونرو المشهور.
ومن طرائف هذه العادة الجماعية ما سمعته من شيوخ بلدتنا «أسوان» من أخبار تحصيل الضرائب قبل الثورة العرابية.
فقد كان الضغط على الموظفين في تحصيل الضرائب شديدًا متواليًا في تلك الأيام، فقسموا البلدة إلى قسمين: أهل البلدة، وهم متضامنون بينهم على حسب قبائلهم في سداد المتأخر عليهم من ضرائب الأرض والعقار، والطارئون على البلدة وهم متضامنون بينهم كذلك في موسم التحصيل.
واتفق أن يونانيًّا يُدعَى «مخالي» كانت عليه مخلفات من الضرائب المتجمعة، فضاق بسدادها وهرب من البلدة قبل موعد التحصيل بأيام.
وحار شيخ الحلة التي كان يسكنها مخالي فيما يصنع، فإنه لا مناص له من الإتيان بمخالي أو بمن ينوب عنه، أو تُؤخَذ الضريبة من ماله، أو يُعزَل من المشيخة بعد أن يستوفي نصيبه من السجن أو ضربات السياط.
فإذا به بعد أيام يدخل إلى ناظر القسم، ومعه شيخ عليه عمامة خضراء من أهل إسنا يسمونه بالحاج عثمان ويلقب نفسه بالشريف، وقال للناظر: هذا ينوب عن مخالي في سداد الضريبة المتأخرة عليه!
فلم يتمالك الناظر جهامته أن يستلقي ضاحكًا، ويسأله: وما الذي يجمع مخالي على «الحاج» الشريف؟
قال الشيخ بكل جد وبساطة: كلهم يا حضرة الناظر غرباء!
فهذه العادة الجماعية قريبة إلى بداهة الجماعات، فيما مضى على الخصوص، من غير تعمل ولا حاجة إلى دعوة أو إقناع.
ولم يكن من ثم عجيبًا أن تنشأ مع الدولة العربية «شعوبية» كالتي نشأت مع كل دولة أو مع كل أمة لها سيادة ولها منافسون على تلك السيادة من أبناء الأمم الأخرى.
فقد كان العرب أصحاب الدعوة الغالبة وأصحاب الدولة القائمة، وكانوا قبل أن يخرجوا من الجزيرة العربية ينافسون قبيلة قريش، وينكرون عليها أن تستأثر بالحكم في كل وظيفة والولاية على كل إقليم … فلما خرجوا من الجزيرة بطلت هذه المنافسة وحلت منافسة الشعوب المحكومة في محلها، وهي شعوب قديمة الحضارة عريقة الدولة من بقايا الأكاسرة والفراعنة والقياصرة، فكانت «الشعوبية» مظهرًا للمنافسة بين العرب وبين هذه الشعوب.
ومن عجائب أطوار الجماعات أن التشبع لآل النبي العربي — عليه السلام — كان أقوى ما يكون بين هذه الشعوب؛ لأنهم لا ينافسون العرب في الدين وإنما ينافسونهم في العصبية القومية، وكانت دعوة النبي ? لا تفرق بين «العربي والأعجمي ولا بين القرشي والحبشي» إلا بالتقوى، فكانت الشعوبية تشددًا في تعزيز هذه الجامعة العامة، ولم تكن خروجًا عليها، إلا ما جاء منها عن سوء نية وتراءى بغير حقيقته لخداع العرب والشعوبيين على السواء.
وبلغت قوة الشعوبية غايتها في أيام العباسيين، وهم الذين تغلبوا على بني أمية باسم القرابة من النبي عليه السلام.
ففي أيام الدولة العباسية كان الشأن كله في الحكومة للفرس والديلم، وكانت مواسم الفرس وعاداتهم في المجالس هي معالم الحضارة الشائعة بين الطبقة الحاكمة ومن يقتدي بها في معيشته وزيه، وكان بنو طاهر — وهم الشيعة — يقولون إذا فاخرهم العرب: إن العربي لا يفلح إلا ومعه نبي، كأنهم لا يسلمون للعرب بفضل غير فضل النبوة والدعوة المحمدية.
وأوشكت الشعوبية أن تطوي فيها أناسًا من شعراء العرب الذين أخذوا بفتنة البذخ والعمارة، ولا نذكر منهم أبا نواس الذي كان ينعى على الطلول ولا ينعى الطلول كدأب الشعراء الجاهليين والمخضرمين، فإن أبا نواس صاحب نسب لم يصحح، وإنما نذكر البحتري الذي ينتمي إلى النسب العربي الصميم، ويقول مع ذلك في وصف إيوان كسرى:
حُللٌ لم تكن كأطلالِ سعدىفي قفارٍ من البسابسِ ملسِومساعٍ لولا المحاباةُ منِّيلم تُطِقها مسعاة عنسٍ وعبسِ وهكذا كانت العروبة والشعوبية في الدولة العربية أشبه شيء بالمنافسة بين أبناء الأسرة الواحدة، أو بين الوطن الواحد، وقلما خلا وطن من أمثال هذه المنافسات بين أبناء شماله وجنوبه، أو بين أبناء جباله وسهوله، أو بين أبناء حواضره وريفه: منافسات تُذكَر في معرض المفاخرة ولا تستفحل في معرض العداء والبغضاء، وما لم تعرض لها مطامع السياسة، فلا يكون شأنها في خدمتها أعجب من شأن هذه المطامع في التفرقة بين أبناء الجنس الواحد، وأبناء اللغة الواحدة، وأبناء الوطن الواحد الذي لا تباين في أصوله على الإطلاق.
ومضت الشعوبية لسبيلها بعد عهد الدولة العباسية.
مضت لسبيلها لأن العرب أنفسهم كما قلنا دخلوا في عداد «الشعوبيين» الذين ينكرون مع الأمم المحكومة سلطان الحاكمين عليهم بغير مشيئتهم.
وظهرت العروبة المستقلة في العصر الحديث بغير شعوبية قومية كانت أو سياسية.
لأن العصر الحديث كله ينزع منزعًا جددًا في تساوي الحقوق بين الجماعات، فلا تكون لكل وحدة جماعية حقوق تعترف بها لنفسها وتنكرها على الآخرين.
ولأن العروبة الحديثة عروبة شفافة مشتركة بين جميع الناطقين باللغة العربية، وليست عروبة جنس يحكم جنسًا، أو دولة تسيطر على رعية.
ومهما يبلغ من ولع أبناء العصر بثقافة الغرب، في وجه ثقافة العروبة، فإن الغرب لا يحسبنا منه، ونحن لا نحسب أنفسنا من الغرب؛ لأن ثقافته في هذا العصر تستهوي العقول وتستحق الدرس والاطلاع.
فإن كانت هناك شعوبية تواجه الأمم العربية في هذا الزمن الحديث، فهي شعوبية الطامعين في تلك الأمم كلها، وليست شعوبية أحد من الداخلين فيها والقائمين على أساسها، قيام المشاركة والمساواة.
لقد كان للشعوبية في العالم العربي معنى ما على وجه من تلك الوجوه التي لم تنفرد بها في تواريخ الجماعات.
ولكنها اليوم كلمة غير ذات معنى، أو ليس لها معنى ينصرف إلى مصلحة من الناطقين باللغة العربية والمشتركين في الثقافة العربية، كائنة ما كانت الأقطار والحكومات.
وإذا كانت الشعوب هي الشعوب العربية، فقد أصبحت العروبة والشعوبية بمعنى واحد على هذا الاعتبار، فكل ناطق بالعربية هو فرد من أفراد تلك الشعوب.

الفصل الحادي والثلاثون
شئون اقتصادية في الدولة الإسلامية


تناول الإسلام كثيرًا من الشئون الاقتصادية التي تدخل في نظام الاقتصاد القومي، ومنها الزكاة والفيء والضرائب والمواريث والقروض، عدا شئون المعاملات التي اصطلحنا في العصر الحاضر على تسميتها بالمعاملات «المدنية».
والزكاة فريضة على كل مال خلا من الدين وحال عليه الحول ولم يقلَّ في الفضة عن مائتي درهم وفي الذهب عن عشرين مثقالًا، ولها نصاب مقدور على الإبل والماشية والخيل، ما يرعى منها وما يتكلف مالكه شراء علفه على ما بيَّنه الفقهاء، والزكاة على مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى عشرين مثقالًا نصف مثقال، ويُزاد درهم على كل أربعين درهمًا تزيد على النصاب، وقيراطان على كل أربعة مثاقيل تزيد على العشرين، وتجب الزكاة على المعادن والبضائع بمقادير تُلاحظ فيها النسبة المتقدمة، بحيث تتساوى أنواع الأموال المختلفة جهد المستطاع، ويُنفَق المحصول من الزكاة على الفقراء والمساكين والمثقلين بالدين والأرقاء وأبناء السبيل والموظفين العاملين عليها.
وقد كان بعض علماء السياسة والاقتصاد في عصرنا هذا يذهبون إلى أن إنفاق المال في هذه الوجوه عمل من أعمال الأخلاق لا شأن به للدولة ولا للقانون، ولكننا نرى الدول في هذا العصر تفرض على رعاياها الضرائب التي تنفقها على أغراض كأغراض الزكاة، فهي من «الخير» الذي يعني الجماعات البشرية ولا يرجع أمره كله إلى أخلاق الآحاد.
والفيء يقابل غنائم الحرب، وحكمها أن تُقسَّم إلى خمسة أخماس، أربعة منها للجند المقاتلين، والخُمس الباقي يُنفَق منه على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل.
ومن الضرائب التي عُرِفت في الإسلام الخراج والجزية، أي: ضريبة الأرض وضريبة الرءوس.
وضريبة الخراج تُقدَّر على حسب سهولة الري وقيمة الثمر، وهي غير العشور التي تُجبَى من أرض المسلمين، وإن كانت ضريبة الأرض قد عُرِفت جميعًا باسم الخراج بعد صدر الإسلام، وكانت كلها تؤخذ عينًا في صدر الإسلام، ثم استُبدِل بها مقدار من العملة بعد استقرار نظام الدواوين.
وضريبة الرءوس، وهي الجزية، لا يُعرَف لها مقدار محدود، وقد تُفرَض بأمر الإمام أو تجري عليها المصالحة بينه وبين أبناء البلاد المفتوحة، ويغلب أن تساوي أربعة دراهم في الشهر على الغني ودرهمين على متوسط الغنى ودرهمًا على الفقير العامل.
أما المواريث فمنها ما بيَّنه الكتاب ومنها ما بيَّنته السنة واجتهاد الأئمة، وكلها جارية على احترام نظام الأسرة وقوامة الرجل على من يعولهم من النساء والأطفال.
وحكم الإسلام في القروض معروف، فهو يبيح القرض الحسن ويأمر بكتابة الوثائق بالديون: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ. ويصرح القرآن الكريم في غير موضع بتحريم الربا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وقد فصل الفقهاء أنواعه المحرمة على اختلاف بينهم في التشديد والترخيص.
وقد عرف الإسلام نظام الإقطاع في الأرض وفي جباية الأموال، وكان تعمير الأرض شرطًا لامتلاكها، فلما أقطع النبي — عليه السلام — أناسًا من مزينة أرضًا ليعمروها فأهملوها، وجاء قوم من جهينة فعمروها، حكم عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — بملكها للجهنيين وقال: «من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين لا يعمرنها، فعمرها قوم آخرون، فهم أحق بها.»
أما الإقطاع — أو على الأصح الالتزام في جباية الأموال — فمثله ما رواه المقريزي، حيث قال: «إن متولي خراج مصر كان يجري في جامع عمرو بن العاص من الفسطاط في الوقت الذي تتهيأ فيه قبالة الأراضي وقد اجتمع الناس في القرى والمدن، فيقوم رجل ينادي على البلاد صفقات صفقات، وكتاب الخراج بين يدي متولي الخراج يكتبون ما انتهى إليه مبالغ الكور والصفقات على من يتقبلها من الناس، وكانت البلاد يتقبلها متقبلوها بالأربع سنين لأجل الظمأ أو الاستبحار أو غير ذلك، فإذا انقضى هذا الأمر خرج كل من يتقبل أرضًا وضمها إلى ناحيته، فيتولى زراعتها وإصلاح جسورها وسائر وجوه أعمالها بنفسه وأهله ومن ينتدبه لذلك، ويحمل ما عليه من الخراج في إبانه على أقساط ويحسب له من مبلغ قبالته وضمانه من تلك الأراضي ما ينفقه على عمارة جسورها وسد ترعها وحفر خلجها بضرابة مقدرة في الخراج، ويتأخر من مبلغ الخراج في كل سنة في جبهات الضمان والمتقبلين.»
هذه خلاصة شديدة الإيجاز لمجمل الأحكام التي دخلت بالنص والاجتهاد في نظام الدولة الإسلامية، مما يُعرَف اليوم باسم النظم المالية أو الاقتصادية.
وقد زعم بعض المؤرخين المحدثين أن الدولة الإسلامية قد أصابها الوهن والانحلال؛ لأنها لم تجرِ على «سياسة اقتصادية» مقررة، ولكنه كلام يُلقَى على عواهنه، ويرجع الخطأ فيه إلى قياس الحاضر على الماضي بغير نظر إلى العوامل المختلفة بين الزمنين، فنحن اليوم نعرف نظام الباب المفتوح والدولة المفضلة والحماية الجمركية أو حماية الصناعة الوطنية، كما نعرف التأميم وتنظيم الإنتاج الصناعي لأسباب لم يعهدها الأقدمون في سياسة الدولة أو السياسة القومية العامة.
فلم يكن عندهم نظام رأس المال الذي شاع في العصر الحديث مع شيوع الصناعات الكبرى، ولم تكن عندهم هذه الآلات الضخام التي تغزو الأسواق بمصنوعاتها ويقوم عليها تنافس الدول على فتح الأسواق أو إغلاقها، ولم تكن في العالم عشرات الأمم المستقلة التي تختلف عندها مصادر الثروة بين الزراعة والصناعة، أو بين الزراعة التي تخرج الأطعمة والزراعة التي تخرج الخامات لهذه الصناعة أو تلك من أنواع الصناعات الكبرى.
لم يكن عند الأقدمين قبل القرن الثامن عشر شيء من هذه العوامل الاقتصادية، فقيام الدول في العهد القديم لم يكن منوطًا بسياسة خاصة من السياسات التي خلقتها العوامل الاقتصادية التي أشرنا إليها، وإنما كانت تقوم أو تسقط حسب اقتدارها على الاضطلاع بمهام الحكومة العامة التي تطلب من جميع الحكومات وهي تأمين الرعية وحراسة الطرق وفتح الأبواب للتجارة وتيسير الوسائل لري الأرض والانتفاع بمحصولاتها، واجتناب المظالم التي تزعزع الثقة وتوقع الشك في نتائج التعمير والتثمير.
فإذا حاسبنا الدولة الإسلامية بهذا الحساب فالأحكام الاقتصادية التي لخصناها كانت هي هي أحكامها في أيام الصولة والسعة وأيام الضعف والانقسام، وكل ما اختلف عليها إنما هو طريقة الحاكم في تنفيذها أو طريقة الحكومات في التزام الأمانة لواجباتها.
مثال ذلك أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يستبقي الأرض لمن يزرعونها ويحاسب ذوي الإقطاع على استصلاحها، فخرج بعض الأمويين على هذه السُّنَّة ووزَّعوا الأرض على أشياعهم ولم يسألوا بعد ذلك عن صلاحها وعمارها.
ومثاله أن — رضي الله عنه — كان يفرض على أرض السواد درهمًا واحدًا وصاعًا واحدًا على الجريب من الأرض المروية، وخمسة دراهم على الجريب من أرض المرعى، وعشرة دراهم على الجريب من أرض البساتين التي تثمر الفاكهة، وكانت الدولة العباسية في إبانها تتحرى التخفيف عن الرعية ويكتب فقيهها أبو يوسف إلى خليفتها الرشيد: «أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد ? والتفقد لهم؛ حتى لا يُظلَموا ولا يُؤذَوا ولا يُكلَّفوا فوق طاقتهم، ولا يُؤخَذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم، فقد رُوِي عن رسول الله ? أنه قال: «من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه».»
وقد كان لاتباع هذه الأحكام أثره كما كان لمخالفتها أثرها، ولم تتغير الأحكام في الحالتين.
ومثاله أيضًا أن التزام الجباية كان من أحسن الأنظمة والدولة مكينة والحكام ساهرون؛ لأنه كان يعفي الزراع من نفقات الدواوين ووظائفها الكثيرة، ويجب على الملتزم أن يخدم الأرض كأنه يخدم مرافقه وموارد رزقه، فلما اختلت الدولة وفسد حكامها كان هذا الالتزام بعينه شرًّا على الجباة وشرًّا على الزراع؛ لأنه عرض الملتزمين لاستصفاء أموالهم وإبطال التزامهم وعرض الزراع للشطط من الحكام والملتزمين.
فالأحكام كافية والحكام هم الذين يتفاوتون في القدرة على إجرائها والإخلاص في رعايتها، وشبيه هذا يحدث عندما يسري النظام الدستوري الواحد على أمتين متجاورتين، فتسعد به أمة وتشقى به جارتها، أو تسعد به الأمة الواحدة في زمن وتشقى به في زمن آخر، وليس الذنب ذنب الدستور ولكنه ذنب الحاكمين والمحكومين.
إلا أن هناك نقدًا «معاصرًا» يلوح على ظاهره بعض الوجاهة وهو أن المعاملة بالتسليف مدار حركة واسعة في التجارة وأعمال المصارف والشركات تصيب الحالة الاقتصادية بالشلل في العصر الحاضر، وهي تمتنع بمنع الفوائد على الأموال إذا حُسِبت هذه الفوائد من الربا المحرم في الإسلام، ولتقرير الحقيقة في هذه المسألة ينبغي أن نفرق بين فوائد القروض في العصور الغابرة وفوائد القروض في العصر الحاضر، فإن الاختلاف بينها جوهري مع وحدة التسمية والعنوان.
فالقرض في العصور الغابرة كان على أغلبه وأعمه تفريج ضائقة، ولم يكن كما نعهده الآن نظامًا من أنظمة المعاملات المتداولة، وكان المرابون يرهقون المضطرين من طلاب الديون، فيضيفون إلى الدين مثله أو ما يقرب من مثله إذا حلَّ موعده وتأخر المدين عن سداده، وهذا هو الربا بالنسيئة أو أكل الربا أضعافًا مضاعفة كما جاء في القرآن الكريم، وقد حرَّمته التوراة وحرَّمه آباء الكنيسة بل حرَّمه الفلاسفة قديمًا، وتوسَّع أرسطو في التحريم فاعتبر المتاجرة بالمال نفسه محظورًا يخالف طبيعة المال الذي جُعِل ليكون واسطة لتبادل السلع ولم يُجعَل ليكون سلعة تُباع وتُشتَرى في الأسواق، ولم يسوِّغ القانون الروماني القديم فرض الفوائد على القروض إلا على اعتبارها تعويضًا عن خسارة لحِقت بصاحب المال.
ولا نريد أن نخوض هنا في آراء الفقهاء وتقسيماتهم لأنواع الربا، فحسبنا من ذلك أن أكل الربا أضعافًا مضاعفة محرَّم بجميع الشرائع في الوقت الحاضر، وأن الإسلام لا يحرِّم أن ينقسم الربح بين صاحب المال ومستغل المال قسمة عادلة لا ظلم فيها على الطرفين، وإجراء المعاملة على هذا الأساس كافٍ لانتظام الحركة الاقتصادية على التسليف والثقة إن كان هذا هو المقصود من التعاون بين أصحاب الأموال وأصحاب «المشروعات» والأعمال، أما تكديس المال لاستخدامه في تسخير العاملين فهو نكبة العصر الحديث وإلغاؤه تتبعه مصلحة كبرى، ولا يتبعه تعطيل للحركة الاقتصادية سواء في عصر رأس المال أم في غيره من العصور.
وحكم الإسلام في الاقتصاد القومي هو التوسط بين كنز الذهب والفضة وبين الإعراض عن نصيب الإنسان من الدنيا وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (الإسراء: ??) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَ?لِكَ قَوَامًا (الفرقان: ??) ومثل هذا القصد هو لُباب الاقتصاد للجماعات والآحاد.

الفصل الثاني والثلاثون
الإسلامُ والحَضارة الإِسلاميَّة


الإسلام دين إنساني عام، أو دين عالمي كما نقول في اصطلاح العصر الحديث، يخاطب الأمم جميعًا، فلا فرق بين أمة وأمة بفارق الجنس أو اللون أو اللغة، فكل إنسان في جوانب الأرض أهل لأن يأوي إلى هذه الأخوة الإنسانية، حيث شاء وحين يشاء.
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا. وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى? بِالله شَهِيدًا.
هكذا أعلنها القرآن الكريم دعوة عامة منذ ألف وأربعمائة سنة، وهكذا أعلنها النبي ? وخلفاؤه الراشدون وتابعوهم الأبرار في صدر الإسلام، ولم يمضِ ربع قرن من التاريخ الهجري حتى قامت بيِّنات الواقع على حقيقة هذه الدعوة الإنسانية الإسلامية، فدان بالدين الجديد أناس من جميع الأقوام والسلالات، ولم تنقضِ على الهجرة ثلاثة قرون حتى كان في عداد المسلمين ساميون وآريون وحاميون وطورانيون، عرب وفرس وترك وهنديون وصينيون وإفريقيون من السود والإثيوبيين.
هذه هي البينة العلمية أو الواقعية على «عمومية» الدين، وهي بينة ينفرد بها الإسلام بين الأديان الكتابية وغير الكتابية، وينبغي أن ننظر إليها من وجهتها الصحيحة لنعرف حقًّا أنها مزية قد انفرد بها الإسلام.
إن دينًا من الأديان الأخرى لم يكسب أمة ذات كتاب عريقة في الحضارة، وإنما كانت الأديان مقصورة على العصبية القومية أو على تحويل الوثنيين الذين درجوا على عبادة الأصنام وما يشبه الأصنام من رموز القوى الطبيعية.
فالموسوية قصرت دعوتها على العبريين أو اليهود، ولما قام المكابيون ليكرهوا قبائل البادية على قبول الشعائر اليهودية كانت هذه القبائل وثنية مغرقة في الجهالة، وكان المكابيون يؤمنون بالإله «يهوا» ملكًا تجب له الطاعة على رعاياه، وكانوا من أجل هذا يُسمُّون أمراءهم رؤساء كهان ولا يسمحون لهم بلقب الملك وشاراته ومراسمه، فإكراه القبائل على قبول سلطان «يهوا» إنما كان عندهم بمثابة الخضوع السياسي الذي يلزم الأجانب والغرباء كما يلزم أبناء الأمة وأهل السلالة.
والبرهمية ظلت ديانة قومية عنصرية حتى خرجت منها النحلة البوذية، فنجحت في تحويل الوثنيين إليها في الصين واليابان، ولم تحوِّل إليها قط أمة ذات كتاب.
والمسيحية حوَّلت إليها الرومان وغيرهم من الغربيين أو الشرقيين، ولكنهم كانوا جميعًا من الوثنيين الذين وقفوا عند خطوات الدين الأولى، ولم يجاوزوها إلى عقائد أهل الكتاب.
أما الإسلام فقد حوَّل إليه — على خلاف ذلك — أعرق الأمم في الحضارة وفي الإيمان بالعقيدة الكتابية، فأسلمت فارس وأسلمت مصر، وهما على التحقيق أعرق أمم العالم يومئذ في تاريخ الحضارة، أولاهما كانت تؤمن بالله واليوم الآخر والحساب والعقاب وغلبة الخير على الشر وخلود الروح، وثانيتهما كانت تدين بالمسيحية وتحمل لواءها في العالم القديم.
هذه العزيمة ينفرد بها الإسلام بين جميع الديانات وهي آية العالمية والصلاح لدعوة الأمم جمعاء، سواء منها الأمم المعرقة في الحضارة والدين أو الأمم التي لم تبلغ بعد مبلغ الارتقاء في التحضر والاعتقاد.
إن هذه الحقيقة خليقة أن تُذكَر على الخصوص في عصرنا الحديث؛ لأننا سمعنا فيه أناسًا من المبشرين يعترفون بغلبة الدعوة الإسلامية في أواسط القارة الإفريقية ويسلمون أنها نجحت حيث لم ينجحوا، وشاعت بغير تبشير حيث يخفقون بعد التبشير سنوات، ولكنهم يعتذرون لأنفسهم بعذر يقبلونه ولا يقبله الواقع، وهو موافقة الإسلام للقبائل المتأخرة بطبيعته وأنه قريب المأخذ عند «البدائيين» من سلالات القارة السوداء! وليس أصلح لتفنيد هذا العذر من تلك الحقائق التي أثبتها التاريخ، أو من تلك المزية التي انفرد بها الإسلام بين الأديان، فدخلت في دعوته أعرق الأمم حضارة بعد خلاصها من الوثنية الأولى عدة قرون، ولم يحصل ذلك قط في تاريخ دين.
وتزداد هذه الحقائق ثبوتًا ووضوحًا كلما رجعنا إلى تاريخ الدعوة الإسلامية بين البلاد الآسيوية، فإنها لم تعتمد على القتال، ولم تعتمد على التبشير بقدر اعتمادها على القدوة الحسنة والأمثلة العملية، فلا تُذكَر الوقائع الحربية إلى جانب العدد الذي دان بالإسلام من أهل الهند والصين والملايا، وعدتهم نحو مائتي مليون، وكل ما يرويه التاريخ عن القتال بين المسلمين وغيرهم في تلك الأرجاء فإنما حدث بعد أن أصبح المسلمون معدودين بالملايين، وإنما هو في جميع الأحوال قتال سياسة وليس بقتال إكراه على الدين.
إن الوقائع العملية هي الشهادة للإسلام بالصبغة الإنسانية العالمية، ولا حاجة بالدين إلى شهادة أخرى متى ثبت له من تاريخه الأول أنه يضم إليه شعوبًا من جميع السلالات والعقائد، ومن جميع الأطوار في الحضارة والمعيشة البدائية، وأن كتابه يخاطب الناس كافة، ويوجه الرسالة إلى كل سامع.
هذه الخاصية الإنسانية باقية في صميم الإسلام يواجه بها الحضارة العصرية كما واجه بها حضارات العصور الأولى، وهي التي صبغت تلك الحضارات بالصبغة الإسلامية، وهي التي جعلت تاريخ العالم من القرن السادس للميلاد إلى القرن الخامس عشر تاريخ الفكر الإسلامي والآداب الإسلامية، ولم ينفصل التاريخان بعد ذلك؛ لأن الإسلام فقد «خاصته» التي لازمته عدة قرون، ولكنهما انفصلا؛ لأن المسلمين تخلفوا عن الركب، وأصبحوا «غير مسلمين» إلا باللقب والعنوان.
يقول المؤرخ الكبير «توينبي»: إن المسلمين يواجهون حضارة العصر بنزعتين متناقضتين: إحداهما يسميها النزعة الهيرودية وينسبها إلى هيرود ملك اليهود الذي قابل حضارة الرومان بمشابهة الرومان في السكن والملبس والمعيشة، والأخرى نزعة الغلاة وينسبها إلى نساك إسرائيل الذين كانوا يصرون على القديم وينكرون كل مخالفة للعادات والموروثات.
ولو أراد الأستاذ «توينبي» أن يتوسع في الأسئلة لعمم القول على الطبيعة الإنسانية في مواجهة كل حديث ومقابلة كل تغيير.
فالهوادة والتشدد طبيعتان في النفس البشرية تبرزان في كل عصر وتتقابلان أو تتناقضان أمام كل دعوة، وقد ظهرت هاتان الطبيعتان في طوائف المسلمين منذ الصدر الأول للإسلام، فكان منهم أبو ذر الغفاري المتقشف المتنسك، كما كان منهم الصحابة الذين أقبلوا على معيشة الحضر واليسار، وقال المسعودي عن بعضهم: «إن الثمن الواحد من متروك الزبير بلغ بعد وفاته خمسين ألف دينار، وإنه خلَّف ألف فرس وألف أمَة، وإن غلة طلحة من العراق بلغت ألف دينار كل يوم، وإن عبد الرحمن بن عوف كان على مربط ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من البعير، وإن منهم من بنى دورًا بالحجاز والشام والإسكندرية …» إلى آخر ما روي من أخبار تغلب فيها المبالغة على التقدير الصحيح.
ونحن في العصر الحاضر نعرف الرخصة والهوادة كما نعرف الشدة والصرامة، ونواجه الحضارة الأوروبية بالنزعتين معًا أو نتوسط بينهما، تارة مع المحافظة وتارة مع التجديد، ومن لم يتوسط منا تشبث بالمحافظة حتى الجمود أو اندفع مع التجديد حتى أصبح كالمُنبتِّ عن طريق، وأحسب هذه النزعات جميعًا كانت على اختلافها الذي نشهده اليوم في تاريخ كل دعوة ومواجهة كل تغيير، فهي طبيعة الناس لا تتبدل ولا تختلف مع الأزمنة بغير الصور والأشكال، وحسبنا أن نرى في الإسلام متسعًا لها مع الحضارة العصرية كما اتسع لها مع الحضارات الأولى، فإنما يغني المسلمين من الإسلام أن يظل كما كان عقيدة إنسانية عامة، وأن يكون الإنسان مسلمًا حقًّا حين يتشدد ومسلمًا حقًّا حين يترخص، فلا يقطعه الإسلام عن زمنه ولا عن مزية من مزايا حضارته ومعارفه وصناعاته، ولا يكون المسلم الحق غريبًا مع حضارة الغرب الحديث وهو لم يكن غريبًا مع حضارة الفراعنة والفرس والروم.
لقد كان الإسلام عقيدة الإنسانية ودعوة عالمية يوم تقطعت الأسباب بين الأمم وتمزقت الأنساب بين بني آدم وحواء، فاليوم والدعوة الإنسانية على كل لسان خليق بالإسلام أن يجعلها في كل قلب وأن ينفذ بها إلى كل ضمير.

الفصل الثالث والثلاثون
أثر الحَضارة الإسلاميَّة في الحضارات الإنسانيَّة


نشأت في العالم حضارات متعاقبة أو متعاصرة، قبل ظهور الإسلام، كانت هناك الحضارة المصرية والحضارة البابلية والحضارة الإغريقية الرومانية، وكانت في الشرق الأقصى حضارة الهند وحضارة الصين.
كل هذه الحضارات قد ازدهرت زمنًا في التاريخ القديم، ثم آل بها الأمر إلى الفتور والاضمحلال، ولم يكن لها من بقية عند ظهور الإسلام غير ما خلفته من المصنوعات وأساليب المعيشة المادية.
أما العلوم والمعارف فقد ركدت أو احتجبت قبل الدعوة الإسلامية ببضعة قرون، واندثرت أوراق الكتب التي ألفها حكماء يونان أو بقيت في حوزة من لا يقرؤها ولا يفهمها، وربما قرأها وحاول فهمها ليحرمها باسم الدين.
وزالت شريعة الرومان، وهي تراث رومة الأكبر، ثم تراث الذين تدربوا على الحكم في ظلالها بعد زوال السطوة الرومانية، وأصبحت ولايات الدولة القديمة مثلًا للفوضى واختلال الأمن وثورات الفتنة والشقاق التي لا تهدأ في ناحية منها إلا لتضطرب وتضطرم في ناحية أخرى.
وجاء القرن السادس للميلاد والعالم الحاضر لا تفرقه من الهمجية إلا أساليبه التي تعلمها بالوراثة الآلية لصنع الكساء وطهو الغذاء.
وهنا ظهر الإسلام.
فإذا أردنا أن نلخص أثره في الحضارات السابقة، فخلاصة هذا الأثر في كلمات معدودات أنه أحياها وجعلها «حاضرة» بعد أن كانت من بقايا الماضي المهجور.
أما الحضارات التي تتابعت بعد ذلك فليس منها حضارة واحدة خلت من آثار الدعوة الإسلامية، وليس منها حضارة واحدة كانت تتبع طريقها الذي اتبعته لو لم تسبقها الدعوة الإسلامية إليه.
نشأت الحضارة الإسلامية في الرقعة الوسطى من القارات الثلاث التي تألف منها العالم القديم، فبعد أن كانت هذه الرقعة حاجزًا فاصلًا بين حضارات المشرق والمغرب جاشت فيها الحياة، فأصبحت كالعروق الحية التي تنقل الدم في بنية واحدة، ولم يكن في المغرب شيء يعطيه في ذلك العصر ولكنه أخذ من المشرق كل ما عرفه وأحسن الحاجة إليه.
واجتمع محصول العلوم الإنسانية كلها في هذه الرقعة المتوسطة من الكرة الأرضية، فلم يبقَ علم عرفه الإنسان قبل ذلك إلا وهو معلوم بين أبنائها، وتجمعت زبدة الثقافة الصينية والهندية والمصرية واليونانية الرومانية في ظل دولة واحدة، فحق لها أن تُسمَّى خلاصة حضارات الإنسان، بعد أن كانت حضارات متفرقة لهذه الأمة أو تلك، تنعزل تارة وتتصل تارة أخرى من بعيد.
وبرزت حكمة اليونان من قبورها المطوية، وكأنما تكفل أبناء الإسلام الغرباء عن القارة الأوروبية بنقل حكمتها العليا من طرفها الشرقي إلى طرفها الغربي في الأندلس وإفريقية الشمالية، فلما سمع الأوروبيون بفلسفة اليونان أخذوها من أيدي المسلمين في الغرب قبل أن يعرفوا كلمة من لغتها ومصنفاتها.
أول أثر، بل أكبر أثر لحضارة الإسلام في الحضارات السابقة لها هو أنها جمعتها ووصلت بينها وجعلتها أمانة إنسانية واحدة ثم أدت هذه الأمانة أحسن أدائها.
ولم يكن ذلك حتمًا لزامًا لو لم تكن دعوة الإسلام قابلة لاستحياء تلك الحضارات وتحصيلها والمحافظة عليها وإعدادها لما يأتي بعدها ويتممها أو يزيد عليها.
كان من الجائز جدًّا أن تقوم على الرقعة الوسطة قوة تقضي على ما بقي، وتحجب الماضي عن الحاضر والمستقبل، وتعيش فترة من الزمن، ثم تنطوي في ظلام من بعده ظلام.
لكن الحضارة الإسلامية لم تهدم شيئًا كان قائمًا يوم ظهورها، بل أعادت إلى البناء ما تداعى وتهدم ثم زادت عليه، فاستقام علم الإنسان في طريقه غير مقتضب ولا معطل ولا محتاج إلى جهد في الاستعادة والتجديد.
ومن القرن السادس للميلاد إلى القرن العشرين لم ينشأ في العالم أثر جديد لا يرجع إليها بسبب قريب أو بعيد.
فالحضارة الأوروبية في القرن العشرين ترجع إلى عصر النهضة، وعصر النهضة يرجع إلى ثقافة المسلمين في الأندلس وإلى الثقافة التي عاد بها الصليبيون من الديار الإسلامية، وربما كان كُشَّاف الأوروبيين قادرين يومًا على الوصول إلى العالم الجديد مع تطاول الزمن بدافع من الدوافع التي نجهلها الآن، أما وصولهم إلى العالم الجديد كما حدث في التاريخ فإنما هو على التحقيق أثر التراث الإسلامي في المغرب، ونتيجته لم يكن لها مقدمات غير ذلك التراث وما تتابع منه أو تتابع بعده من الأحداث.
ولم تصل الحضارة الإسلامية إلى أمة شرقية ثم تركتها بغير أثر محمود في أطوارها وعاداتها، فكانت شريعة المساواة درسًا مهذبًا لشرائع الطبقات في البلاد الهندية، وكانت القدوة بالرحالين والتجار من المسلمين تبشيرًا سمحًا لأجيال الهند والملايا والصين التي يبلغ أعقابها اليوم مائتي مليون من النفوس، ولم يحدث مثل هذا لغير الدعوة الإسلامية مع بذل الجهود في التبشير والاستعمار.
وقد كان أثر الإسلام فيمن دانوا به معجزة لا نظير لها بين معجزات التاريخ.
إنه حفظ لهم قوة من قوى المقاومة لم تنهزم أمام الدول العاتية المستعدة لإخضاع من يقاومها بالمال والعلم والسلاح، وعجب الباحثون من أين جاءت أبناء الإسلام هذه القوة بعد ضياع المجد والسلطان؟! بل بعد ضياع العلم والثقافة والتجرد من كل سلاح أمام المستعمر المزوَّد بكل سلاح؟!
ولم يشأ أولئك الباحثون أن يلتفتوا إلى مصدر تلك القوة — وهو منهم قريب — مصدرها العقيدة الإسلامية!
وسر الغلبة في العقيدة الإسلامية أنها انفردت بمزية لم تكن لدين آخر ولا لثقافة أخرى.
وتلك المزية هي أنها عقيدة شاملة تأخذ الإنسان كله ولا تقتطع منه جزءًا تسميه جانب الروح أو جانب الآخرة، وتترك ما عداه من الجوانب للجسد أو للدنيا.
فهي عقيدة ونظرة إلى الدنيا ونظام معيشة وآداب وسلوك، وهي لهذا لا تدع للإنسان جزءًا يسلمه للحاكم الأجنبي وجزءًا يتجه به إلى الله … وقد وُجِدت عبادات تسمح للمرأة أن تسلم جسدها لبعل على غير عقيدتها، وتسمح للمحكوم أن يسلم زمامه لسيد من غير قومه وغير ملته، وتسمح للمتدين بها أن يعيش في وطن لا معالم فيه لقواعد إيمانه؛ لأنه إيمان ينفصل عن الدنيا ويرتبط بالحياة الأخرى على غير طريقها، ولكن النفس الإسلامية لم تعرف قط هذه التجزئة في كيان الإنسان فردًا أو جماعة، فهي لا تخضع للمتسلط عليها إلا وهي شاعرة بمذلة هذا الخضوع متربصة بمن يخضعها إلى حين.
ذلك هو سر القوة التي استفادها المسلمون من عقيدتهم، فحافظوا بها على وجودهم واستطاعوا بها حين آلت الحضارة إلى غيرهم أن يصمدوا لسيطرتها حتى تعود إليهم، وليس أقوى من عقيدة تصون للنفس وحدتها وتعصمها أن تتمزق بددًا أو تتفرق شعاعًا كلما زالت الدولة وتغيرت طوابع الزمن بين سعوده ونحوسه وإقباله وإدباره، وتلك هي عقيدة الإسلام.
ويزيد في هذه القوة أنها لا تقاوم الحضارة إذا جاءت من جانب غير جانبها، فهي موافقة لتقدم الحضارات وليست عائقًا معترضًا في سبيلها، وهي مالكة لأسباب التجديد كلما وجب التقدم من طور قديم إلى طور جديد، وكأنها — وقد وحدت نفس الإنسان — قد وحدت تاريخ الإنسان، فلا انقطاع فيه بين ماضيه وآتيه إلى آخر الزمان، ولا داعية للتخلف عن ركب الحضارة في عهد من العهود كائنًا من كان رائدها على تعاقب الأجيال، وإذا آمن المسلم بطلب العلم «ولو في الصين» فإنما يؤمن بطلبه وإن تمادى به البعد في الزمن المقبل، ولا يقصر البعد على موقعه حيث كان.
ولسنا نعمد إلى نكتة من نكت الجناس حين نقول: إن التوحيد في الإسلام هو مصدر قوته بجميع معانيه: «توحيد الإله»، وتوحيد النفس الإنسانية، وتوحيد العالمين عالم الأرواح وعالم الأجساد.
إنها حقيقة الحضارة الإسلامية، أو العقيدة الإسلامية مصدر تلك الحضارة، وليست جناسًا في اللفظ تستدعيه كلمة التوحيد.
وإذا كُتِب للإنسان مستقبل في عالم الإيمان يعصمه من هذا البلبال الذي سلطته الحضارة الحديثة على ضميره، فلن يكون هذا المستقبل إلا لعقيدة توحده وتلم ما تبدد من وجدانه، وتضعه كما وضعت عقيدة الإسلام أبناءها من قبل في عالم واحد تواجهه نفس واحدة متمالكة الأوصال متماسكة الجسد والروح.

الفصل الرابع والثلاثون
آسيا والسَّيطرة الغَربيَّة


قرأت كثيرًا من الفصول التي كتبها المستشرقون باللغة العربية، فلا أذكر أنني قرأت فصلًا واحدًا منها يصح أن يُقال إن صاحبه يكتب العربية كما يكتبها أحد أبنائها!
ولا يرجع ذلك إلى الوقت فإن بعض المستشرقين قضوا في دراسة العربية أكثر من أربعين سنة، وهي أطول من عمر بعض الكُتَّاب الذين وُلِدوا وتعلموا وأتقنوا الكتابة بلغتهم قبل الثلاثين!
ولا يرجع ذلك أيضًا إلى المولد والنشأة، فإن الكُتَّاب الشرقيين الذين وُلِدوا في الهند أو في مصر يكتبون الإنجليزية، ويشهد أبناء الإنجليزية الثقات أنهم يكتبونها كأحد أبنائها.
كلا، ليست المسألة إذن مسألة وقت ولا مسألة مولد ولكنها في الغالب مسألة مَلَكة يمتاز بها الشرقيون، ولا يصعب تعليل هذا الامتياز مع قدم عهدهم بالحضارة والكتابة والتعبير على اختلاف أساليبه مع كثرة الاختلاط بينهم قديمًا يوم كانت القارة الأوروبية في عزلة تفصل القبيلة عن القبيلة فضلًا عن الأمم والشعوب.
كتاب جديد

يحضرني هذا الخاطر وأنا أقرأ كتاب «آسيا والسيطرة الغربية» لمؤلفه «السردار بانيكار» سفير الهند في مصر الآن وسفيرها في الصين قبل ذلك، فإن سهولة التعبير فيه باللغة الإنجليزية لا تفوقها سهولة الكثيرين من الساسة الذين يتناولون أمثال هذه الموضوعات التاريخية السياسية من صميم الإنجليز.
ولا يطوي القارئ من الكتاب فصلًا أو فصلين حتى يتبين له أن المؤلف يملك موضوعه كما يملك قلمه، ولعله من أجل هذا يستطيع أن يقول ما يريد كما يستطيع أن يريد ما يقول.
يبدأ المؤلف دراسته للسيطرة الغربية من عصر الرحلات الكشفية، ولكنه يعود بها إلى العصر السابق لهذه الكشوف وهو عصر الحروب الصليبية؛ لأنها فاتحة الاحتكاك بين الغرب والشرق في القرون الوسطى.
فالحملة الأولى من محاولات السيطرة على آسيا تحركت مع الغزوة الصليبية واستمرت معها إلى نهايتها.
وقد انتهت الحروب الصليبية حين شُغِلت القارة الأوروبية فيما بينها بالمنازعات الدينية وما اقترن بها من النضال العنيف بين سلطان الدين وسلطان الدولة، وتمادت هذه المنازعات بعد زوال الخطر المفاجئ من ناحية الترك منذ فتح القسطنطينية.
وقد تحولت الحملة من الغزوات العسكرية إلى غزوات التبشير والدعوة إلى الإنجيل، فانتشرت بعثات المبشرين في أقطار الشرق من أدناها إلى أقصاها، ولم يمضِ غير قليل حتى بدأ عصر السيادة الفعلية مبتدئًا بالتجارة ومتدرجًا منها إلى الاستعمار بقوة السلاح.
سيطرة الاستعمار تتوقف

ودامت سيطرة الاستعمار على أشدها إلى فترة متوسطة بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فتوقفت شيئًا فشيئًا أمام عاملين طارئين من جانب الغرب: أحدهما ظهور أمريكا في ميدان الشرق الأقصى، والآخر عامل الحرب العظمى في سنة ????، وهي الحرب التي تُسمَّى بالعالمية ويعتبرها الآسيويون حربًا داخلية أو حربًا أهلية بين الغربيين!
فظهور أمريكا في ميدان الشرق الأقصى كان بمثابة دعوة قوية لكبح مطامع اليابان وألمانيا، وكلتاهما كانت تطمع في الاستيلاء على أقاليم جديدة من الصين، أو كانت تطمع على الأقل في كسب الامتيازات الاقتصادية على انفراد، وكانت السياسة الأمريكية ترمي إلى الانتفاع بالمزايا العامة المشتركة بين جميع الدول، فدعتهن جميعًا إلى التعاهد على سياسة الباب المفتوح بحيث يمتنع الاستيلاء على الأقاليم كما يمتنع احتكار المرافق والامتيازات.
أما الحرب العظمى فقد زلزلت مكانة الاستعمار بين الشرقيين وكسرت وحدته وأبرزته في صورة غير تلك الصورة الرائعة التي تمثل بها زمنًا في أعين الآسيويين، وعاد الجنود الوطنيون الذين شهدوا ميادين القتال في الغرب، وقد تزعزعت في نفوسهم ثقتهم «بالصاحب» أو الرئيس، وكاد أن يفقد لديهم ما كان له من الهيبة والوقار.
عوامل غيَّرت موقف الشرق

والمؤلف القدير يبسط هذه العوامل في نسق جميل وتسلسل دقيق، ثم لا يدعها حتى يقابلها بالعوامل المضادة لها، وهي العوامل التي غيَّرت موقف الشرق من الغرب، وكان لها أثر فعال في نظرة كل منها إلى الآخر.
وأول تلك العوامل أن الأوروبيين أخذوا يعرفون شيئًا عن حضارة الشرق وما أنشأته من الصناعات الأنيقة كصناعة الخزف والحرير وورق الجدران وتوابل الطعام والشاي وما إليها … فزال من أذهانهم ما توهموه من همجية الشرق وتخلفه في معيشة الحضارة.
ووافق هذا الوقت ترجمة الثقافة الشرقية من دينية وأدبية، فأقبلت عليها طائفة من المفكرين وأُعجِب ?ولتير بتفكيرها الروحي الذي لا معجزات فيه ولا خوارق للطبيعة، وخشي فريق منهم فتنة هذه الثقافة فتصدى فينلون في محاوراته بين الموتى للموازنة بين سقراط وكنفشيوس على نحو يرضي الذين يصفون أهل الصين بالسخافة لتفضيل حضارتهم على سائر الحضارات.
ثم كانت الثورة الفرنسية فعمَّت مبادئها بلاد الشرق وتمكنت بين الغربيين أنفسهم، فشاعت بينهم آداب جديدة عن حقوق الإنسان، وشعروا بالحاجة إلى تسويغ الاستعمار بضروب من المعاذير والتعلات لم يشعروا بالحاجة إليها قبل ذلك.
واضطرب الشرق بتيار الوطنية الجارف فانبعثت فيه كبرياؤه بتراثه القديم، وتشبث دعاته وشعوبه بحق تقرير المصير، وزادهم تشبثًا بهذا الحق وجود الألوف من الوطنيين المتعلمين ممن تدربوا على وظائف الإدارة في حكومات الاستعمار، على استعداد للعمل في حكوماتهم المستقلة.
سلاح في يد الشرق

وعرف الشرقيون سلاحًا ماضيًا يُشهِرونه على قوة الاستغلال، وهو سلاح المقاطعة ورفض التعاون مع السيطرة الأجنبية، وكان سلاحًا فعالًا كما ثبت من حوادث هونج كونج في الصين ومن حملة المقاطعة الهندية.
ومن العوامل الحديثة التي أضافها المؤلف إلى ما تقدم تطور الأحزاب اليسارية في الأمم الأوروبية وقيام الثورة الشيوعية في روسيا.
والتفت التفاتة دقيقة إلى التفرقة بين الدعوة الوطنية والدعوة الآسيوية التي ترددت في الزمن الأخير، فهذه الدعوة الآسيوية لم تكن معروفة قبل الجيل الحاضر، وليست هي من قبيل الدعوة الوطنية التي تنبهت في القرن الماضي، ولكنها تضامن آسيوي يقابل التضامن الأوروبي في هذه المرحلة من مراحل السياسة العالمية.
قال المؤلف في تعقيبه على هذه الآثار المتبادلة بين الشرق والغرب ما فحواه أن بعض الناقدين الأوروبيين لا يزالون يؤمنون بأن الشرق شرق والغرب غرب، وأن الشرقيين لم يستفيدوا من علاقاتهم بالثقافة الغربية أثرًا باقيًا يثبت على مر الأيام بعد استقلال الشرقيين بحكم أنفسهم وخروجهم من سيطرة الغرب مباشرة على حكوماتهم.
الإفادة من علوم الغرب

ويعتقد المؤلف أن هؤلاء الناقدين ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية، وأن الزمن وحده كفيل بتصحيح أوهامهم وإقرار ما سوف يستقر من علوم الغرب وصناعاته وشرائعه في مستقبل الأمم الغربية، وسوف ينجلي للعيان موقف الديانات الكبرى في الشرق أمام الأطوار الفكرية التي انتهى إليها تقدم الغربيين، وسوف يتحقق مرة أخرى أن حصر الحكمة في ثقافة الإغريق أو ثقافة الغرب الحديث تضييق لحدود الطاقة الإنسانية تنقضه وقائع التاريخ.
المؤلف يتحرى الحقيقة وحدها

إن كتاب «آسيا والسيطرة الغربية» يقع في أكثر من خمسمائة صفحة، لا تخلو صفحة منها من واقعة تاريخية أو رأي أو تمهيد لنتيجة تسبقها مقدماتها، فليس من المستطاع تلخيصه في صفحتين إلا على سبيل الإشارة وإجمال الموضوع كله في حدوده الواسعة.
وإنه لمن التوفيق الحسن أن يتناول هذا الموضوع المتشعب كاتبٌ له ما للمؤلف البحاثة من الاطلاع الواسع على التاريخ، ومن الخبرة العملية بسياسة الغرب والشرق في القارة الآسيوية من أقصاها إلى أقصاها، وسيحمد له جهدَه القيِّم أبناءُ الشرق كما يحمده له أناسٌ من الغرب يريدون الحقيقة ولا يجدونها في التصانيف التي يمليها التحيز وتجري مع الأهواء إلى غرضٍ مسمومٍ.

الفصل الخامس والثلاثون
مؤتمر بَاندُونج في الميزانِ


يحضرنا هذان السؤالان قبل الحكم على نصيب المؤتمر الإفريقي الآسيوي من النجاح: السؤال الأول: ماذا كان يحدث لو أن طائفة من الساسة الأوروبيين دعوا إلى عقد مؤتمر عام يحضره مندوبون من جميع الأمم في القارة الأوروبية؟
والسؤال الثاني: ما هي النتيجة التي كانت منتظرة للمؤتمر الإفريقي الآسيوي على أحسن تقدير؟
أما الدعوة إلى مؤتمر عام للأمم الأوروبية فلا نغالي إذا قلنا إنها لا تصدر من أول الأمر، وإنها إذا صدرت لم يجتمع المؤتمر بعد الدعوة إليه بثلاثة أشهر أو أربعة، وإنه قد تمضي السنة على توجيه الدعوة الأولى ولا ينعقد المؤتمر، إذا انعقد على الإطلاق!
وأما النتيجة التي كانت منتظرة للمؤتمر الإفريقي الآسيوي في أسبوع انعقاده فمن المحقق أنها لم تكن لتنتهي في تقدير أحد إلى القضاء على الاستعمار كله بجرة قلم، ولم تكن لتنتهي إلى إلغاء الفوارق بين الأجناس البشرية قبل انفضاض المؤتمر، ولم يكن منظورًا أن تزول جميع الخلافات في الرأي والشعور بين الأمم الإفريقية والآسيوية بين ليلة ونهار؛ لأن هذه الأمم تقارب الثلاثين وتجمع أكثر من ألف وخمسمائة مليون من الأجناس البشرية المتفرقين في أقطار العالم القديم.
المؤتمر نجح

فإذا حضر في أذهاننا هذا السؤال فمن البيِّن جدًّا أن المؤتمر قد نجح، وأن نصيبه من النجاح غير قليل.
فقد أدرك في دعوته نجاحًا لا تحلم به الأمم الأوروبية التي تدَّعي لنفسها قيادة الحضارة الإنسانية، وها هي ذي الدعوات بعد الدعوات تبحث هناك سرًّا وعلانية بين أقطاب الدول الكبرى ولا تنتهي إلى اجتماع ثلاثة أو أربعة من الرؤساء، فضلًا عن ثلاثين وأربعين.
وقد عمل المؤتمر الإفريقي الآسيوي، كل ما استطاعه دون المعجزات التي لم تكن في حساب أحد من أعضائه أو غير أعضائه … فقرر المشكلات التي يواجهها وحدَّد موقفه من كل مشكلة منها، وأنشأ قبل هذا وذاك كيانًا عالميًّا جديدًا لم يكن له وجود في العالم، منذ أول عهد التاريخ.
قراراته عن الاستعمار

ولا نخفي عن أنفسنا أن قراراته عن الاستعمار كان يصح أن تفرغ في قالب أصرح وأقرب إلى رسم الخطة العملية من القالب الذي تم الاتفاق عليه، ولكننا لا نرى في التوفيق بين وجهات النظر على هذا الأسلوب حرجًا كبيرًا إذا تذكرنا أنه أول اجتماع بين ضحايا الاستعمار، وأنه يجمع المتفرقات بين ألوف الأميال ومئات الملايين.
ولا شك أن المؤتمر كان عنوانًا قويًّا للضمير الإنساني، أو للضمير العالمي في الشرق أو الغرب، لمسألتين كبيرتين من المسائل التي اتضح فيها طريق المستقبل أمام جميع الشعوب، ولا بد أن تُضاف إليها مسألة فلسطين التي لا تزال في حاجة إلى مزيد من الحزم والتوكيد.
كان عنوانًا قويًّا للضمير الإنساني في مسألة الشعوب التي سُلِبت حق تقرير المصير، وفي مسألة الأجناس الملوَّنة أو مسألة التفريق بين البِيض والصُفر والسُّود، فانهدم السُّور الذي كانت تحتمي وراءه دول الاستعمار وأصحاب المذاهب الرجعية في مسألة الألوان، وانكشف الميدان وراء ذلك السور عن موقف ضعيف يزداد مع الزمن ضعفًا ولا يُستطاع الثبات عليه.
شخصية المؤتمر

ونعتقد أن المؤتمر قد أثبت وجوده فعلًا في كثير من المواقف التي تحوَّلت إليها الدول العالمية الكبرى حتى الآن.
من ذلك أن هذه الدول قد تحولت عن مقاومته ومحاربة دعوته إلى خطة المجاملة والتشجيع على حضوره أملًا في كسب الأنصار واتقاء العداوات بهذه الخطة الحكيمة، ومن قرأ التعليقات الأولى على الدعوة إليه لم يخامره الشك في النيات التي كانت تخفيها وأولها السعي الخفي إلى الإحباط والتعطيل.
ومن آثار «باندونج» مسلك الدول الكبرى في المؤتمر الذي يسمونه مؤتمر «السياتو» إشارة إلى تنظيم المعاهدة بين الدول في الشرق الجنوبي من القارة الآسيوية.
فقد كان الغرض من اجتماع هذا المؤتمر أخيرًا أن يقرر القواعد العسكرية واتفاق القيادة وقيام الحاميات المختلطة في جهات معلومة من آسيا الشرقية الجنوبية، وكان المقصود بالاجتماع أن يُوجَد لآسيا في الشرق الجنوبي نظام على مثال نظام الدفاع عن شمال المحيط الأطلسي المعروف بالناتو.
وكان المفروض أن السياتو نسخة آسيوية من الناتو الأوروبية، وأنها ستحذو حذوها في الأصول والفروع.
فلما تقرر قيام المؤتمر الإفريقي الآسيوي توقفت تلك المشروعات في انتظار الخطوط التي يرسمها مؤتمر الآسيويين والإفريقيين، أو في انتظار الوجهة التي يتجهونها والنظرة التي ينظرونها إلى تلك المشروعات، ولا نظنها تتم بعد اليوم إلا مع الاستئناس بالشعور المقبول نحوها في كل من القارتين الشرقيتين.
الولايات المتحدة والصين

ولم يخفَ على أحد أن المؤتمر الإفريقي كان له أثر ظاهر — قبل انعقاده — في مسلك الولايات المتحدة الأمريكية نحو الصين، وأن هذا الأثر قد ازداد ظهورًا من الجانبين بعد اجتماع المؤتمر، فأعلن رئيس وزراء الصين أن شعبه لا يضمر العداء للشعوب الأمريكية، وأعلنت الولايات المتحدة من جانبها رأيًّا يتقدم بقضية النزاع رويدًا رويدًا إلى التفاهم والوفاق.
ولم يخلُ المؤتمر من أي أثر يُؤبَه له في مسألة الأحلاف العسكرية التي انقسمت فيها آراء الأمم الآسيوية، فخلاصة الرأي في هذه المسألة أن الأحلاف العسكرية — كما قلنا في مقالين سابقين — ضرورة عنيفة لا تلجأ إليها الأمة الحرة وهي مالكة لزمام اختيارها، وأنها تجعل العالم من الآن ميدان حرب منقسمًا إلى معسكرين يستعد كلاهما للقتال كأن الحرب واقعة لا يعوزها غير الإعلان، أو هي واقعة بغير إعلان!
وقفة من الأحلاف

فهذه المسألة قد أُقِيم فيها الحد الفاصل بين الأنصار والمعارضين على أثر المناقشة بين الجنرال كارلوس روميولو — مندوب الفلبين — والبانديت جواهر لال نهرو — رئيس الوزارة الهندية، فكان كلام مندوب الفلبين بمثابة اعتذار عن المحالفة العسكرية التي لا مناص منها بحكم الضرورة، وكان قرار المؤتمر بعد ذلك في مسألة السلام والأسلحة الذرية دليلًا على صمام الأمان من هذه المحالفات وهذه التقسيمات «الحربية» بين الأمم والبلاد، وإذا تبيَّن من شعور الأمم الآسيوية جميعًا أنها لا تريد التحالف العسكري تشجيعًا للعدوان، وأنها تستخدم قوتها على نقيض ذلك في مقاومة العدوان، فالمحالفات العسكرية باقية في نطاق الأمان.
أفضل من المؤتمرات

وصفوة القول في أمر هذا الاجتماع التاريخي النادر أنه خير من كثير من المؤتمرات الدولية التي عرفناها في التاريخ القريب أو في العهد الأخير، وأن نصيبه من النجاح لا يقل عن نصيب مؤتمر منها في المقاصد التي تُعقَد من أجلها المؤتمرات.
ففي ذاكرة الأحياء عشرات المؤتمرات لم تعمل في برامجها المرسومة بعض ما عمله المؤتمر الإفريقي الآسيوي في برنامجه المرسوم، وليس في ذاكرة الأحياء مؤتمر عالمي قد اجتمع وانفضَّ على نتيجة أوفى من هذه النتيجة التي حقَّقها الإفريقيون والآسيويون، وهم يَخطُون خطوتهم الأولى في هذه المؤتمرات.
حادث عظيم

إن الدعوة وحدها نجاح، وإن استجابة الدعوة نجاح أتم وأكبر، وإن انتظامَ المؤتمر في خلال انعقاده بين التيارات المتضاربة والدسائس الخفية والمناورات المكشوفة أنجحُ مما توقعه المتوقعون وتفاءل به المتفائلون، وستُذكَر حوادث النصف الثاني من القرن العشرين بعد مئات السنين فلا يُنسَى في مقدمها هذا الحادث العظيم.
كتاب في طبعته الأولى، ولكنه كتاب مرتَّب مبوَّب وليس بأشتات من العناوين والخطوط.
وكان ينبغي لهذا الكتاب أن يظهر أولًا ليتم فيه ما نقص ويزداد عليه ما يحتاج إلى الزيادة، وقد ظهر على خير ما يُنتظَر، وسيظهر مع الزمن على خير مما ظهر لأول مرة، وسيقرأ فيه العالم سفرًا جديدًا من أسفار التاريخ.

الفصل السادس والثلاثون
بعد انقضاء عام على مؤتمر باندونج ماذا حقق المؤتمر من أهدافه؟


لمَّا انعقد مؤتمر «باندونج» في السنة الماضية كان مجرد انعقاده تطورًا كبيرًا في تاريخ الشرق خاصة وفي تاريخ السياسة العالمية على الإجمال.
لأن الدعوة إلى مثل هذا المؤتمر لم تكن مما يخطر على البال إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولم يكن من الجد أن يشتغل الزعماء المسئولون بالدعوة إليه؛ لأنها دعوة تُجاب، وإذا أُجِيبت لم يكن من يجيبها من القادرين على عمل شيء بالنيابة عن شعوبهم فضلًا عن حكوماتها، وكثيرًا ما كانت تلك الحكومات في أيدي الأجانب المستعمرين.
فإذا لم يكن من أثر المؤتمر الآسيوي الإفريقي إلا تسجيل هذا «التطور» التاريخي العظيم، فهو أثر جدير بالاهتمام والنظر إلى نتائجه في زمن قريب.
وهذه نتائجه خلال سنة واحدة، تدل على تغير في كل اتجاه من اتجاهات السياسة الدولية، خارجية كانت أو داخلية:
تدل على تغير اتجاه سياسة الكتلتين الشرقية والغربية نحو شعوب آسيا وإفريقيا.
وتدل على تغير في اتجاه سياسة الكتلتين إحداهما نحو الأخرى.
وتدل على تغير في علاقات الشعوب الآسيوية الإفريقية فيما بينها.
(?) اتجاه الكتلتين

أما التغير في اتجاه سياسة الكتلتين نحو شعوب آسيا وإفريقية، فمن ظواهره الواضحة أن الدول الكبرى أصبحت تتجه إلى الشعوب الشرقية في معاملاتها التي ترتبط بها.
ومعنى ذلك أن هذه الشعوب الشرقية أصبحت ذات كيان عالمي معترف به لا يتأتى لمن يتجاهله أو يتخطاه أن يثق من نجاح خطة يجري عليها مما يمس شئون الشرق عامة أو شئون كل أمة فيه على حدة.
كانت الخطة الشائعة قبل ثلاثين سنة أن يكون التفاهم على مسألة من مسائل الشرق موضوع بحث بين الدول الكبرى لا يشترك فيه الشرقيون، وكانوا يقسمون الأقاليم في القارتين إلى مناطق نفوذ يتبادلون المنافع فيها على غير علم أو موافقة من أهلها.
فاليوم لا تستطيع دولتان كبريان أن تتفقا على شئون أمة شرقية — مهما صغرت — بغير مشاركتها وحضور ساستها المختارين من قبلها للنيابة عنها.
وأصبحنا نرى كبار الوزراء في أمريكا وروسيا وإنجلترا وفرنسا يزورون عواصم الشرق، ويباحثون ساستها كما يزورون عواصم الغرب ويباحثون نظراءهم فيها، وربما كانت الزيارات للعواصم الشرقية أكثر وأهم من الزيارات للعواصم الغربية، بل وربما جاز لنا أن نقول إن التبعيات في صميم القارة الأوروبية أكثر اليوم من التبعيات في القارتين الآسيوية والإفريقية، وهما إلى سنوات قليلة لم يكن فيهما شعب واحد لا يُعَد من الأتباع لدولة من دول الاستعمار.
ففي القارة الأوروبية اليوم أمم لا تبرم شيئًا ولا تنقضه في خاصة أمورها وعلاقاتها بغير إذن الدولة التي تشرف عليها أو تساعدها.
وليس في آسيا على الخصوص ولا في البلاد المستقلة من إفريقية، أمة مضطرة إلى مثل هذه «التبعية» تارة لأمريكا وتارة لإنجلترا وتارة لروسيا، وإذا وُجِدت الأمة الآسيوية أو الإفريقية المستقلة التي ترتبط بإحدى الدول الكبرى في عمل من أعمالها فهي مسألة اختيار على حسب الموازنة بين الظروف، وليست مسألة اضطرار أو تقليد «رسمي» بحكم مركزها السياسي، كما كانت الحال قبل ثلاثين سنة!
وكان المظنون — مثلًا — أن الصين تجري على سياسة روسية لاشتراك الدولتين في دعوة اجتماعية واحدة، فإذا بالصين تعمل ما ترضاه روسيا وما لا ترضاه في علاقتها بأمريكا وبريطانيا العظمى، وفي نظام الحكام الداخلي ومبادئ السياسة المحلية، وتسبق الكرملين إلى بعض الخطط ولا يكاد الكرملين أن يسبقها في خطة من خططه العالمية.
وحدث في شمال إفريقية ما لم يكن يحدث قط بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
حدث أن فرنسا تعترف باستقلال الشعوب وتتفاهم مع قادتها وترسل المندوبين من كبار وزرائها إلى عواصم تونس والجزائر ومراكش التي أُعِيد سلطانها إلى عرشه بإرادة شعبه.
وكل أولئك تغيير واضح في موقف الكتلتين من شعوب القارتين: تغيير معناه أن شعوب هاتين القارتين قد أصبح لها كيان عالمي وإرادة مستقلة يتوقف عليها كل أمر من أمورها العامة، ولا يكفي فيه أن يستأثر بالتفاهم عليه أصحاب «مناطق النفوذ» من دول المستعمرين.
(?) بين الكتلتين

وقد أسلفنا في مقالنا الأول عن مؤتمر «باندونج» أن استقلال شعوب الشرق بسياستها حماية للدول الكبرى نفسها من غوائل مطامعها، ووسيلة محققة إلى توطيد أركان السلم في المشرق والمغرب، باختيار الكتلتين أو على غير اختيار منهما.
إن الخطر الأكبر على السلم إنما كان يأتي «أولًا» من التنازع على المطامع في البلاد الشرقية، ويأتي «ثانيًا» من الاعتماد على تسخير الشرقيين جنودًا وعمالًا وثمرات وأسواقًا لمساعدة هذا الفريق أو ذاك في حربه للفريق الآخر.
وكانت كل دولة كبرى على يقين من تسخير طائفة من الشعوب الشرقية في حروبها وتدبير لوازمها العسكرية من الخامات والأيدي العاملة، أو من المواصلات وتأمين طرقها البرية والبحرية والجوية.
أما اليوم فلا توجد دولة كبرى تستطيع أو تزعم بينها وبين نفسها أنها قادرة على تسخير الشعوب الشرقية في حروب لا تعنيها.
وهذا التردد سبب قوي من أسباب التردد في الإقدام على المنازعات والحروب، وسبب أقوى منه للعمل الإيجابي على فض المشكلات واجتناب النزاع الذي يُخشَى من جرائره على السلام.
ولولا هذا التردد لانطلقت السياسة الدولية في أساليبها العتيقة، ومضت كل دولة تجمع من حولها الأتباع والأذناب وتدخلها في معسكرها من الآن قبل نشوب القتال، وكان تقسيم المعسكرات على هذا الأسلوب العتيق خطوة في طريق الحرب لا بد أن تتبعها خطوات سراع إلى النهاية المحتومة.
ولولا هذا التردد لما حصل هذا التقارب المباشر بين ساسة الكتلة الشرقية وساسة الكتلة الغربية، وهو تقارب لم يصل بعد إلى قراره المأمول عند الجانبين، ولكنه قد ابتدأ في طريق غير الطريق العتيق، ولا مناص له من الاتجاه إلى وجهة غير وجهة التعويل على التسخير وتقسيم المعسكرات علانية بين الفريقين.
(?) وبين شعوب القارتين

وما ينبئ عن تغير الاتجاه في السياسة العالمية أن شعوب القارتين تعتمد في علاقات بعضها ببعض على التفاهم والتشاور، وتجري في تفاهمها وتشاورها على سنة المساواة والإخاء.
ولا نزال نذكر الساعة ما كان يُقال عن البواعث الخفية إلى عقد المؤتمر الآسيوي الإفريقي من قبل الدولتين العظيمتين في آسيا، وهما: الهند والصين.
فقد زعموا أن هذا إنما أُقِيم لتغليب نفوذ الدولتين على القارة أو لتقسيمها بينهما إلى «مناطق نفوذ» جديدة على نحو المناطق العتيقة!
وقد كان هذا الزعم من مبدئه ظاهر البطلان؛ لأن الدعوة إلى المؤتمر قد اشتركت فيها إندونيسيا والباكستان، وعدة كل منهما تقارب مائة مليون، ولم تكن إحداهما لقمة سائغة للدول المستعمرة في إبان عصر الاستعمار حتى يمكن أن يُقال إنها مطمع سهل لجارة من جاراتها في قارة الثورة على الاستعمار، ولكن الواقع كان أبلغ في التقدير والتفكير في الدلالة على أغراض المؤتمر ونيات الداعين إليه، فإن الدولتين الكبيرتين لم تخلقا لهما منطقة نفوذ في شبر من الأرض، ولم تكسب إحداهما بكثرة عددها حقًّا لا تكسبه أصغر الشعوب الآسيوية أو الإفريقية، وكان نفوذهما ونفوذ أخواتهما منصرفين إلى غاية واحدة، وهي التعاون على توفير حظ الشعوب في القارتين من حقوق الحرية ومعالم الحضارة والثقافة، ولم نعرف حتى الآن علاقة بين أمتين في القارتين خرج بها مؤتمر «باندونج» من صبغتها باسم القوة أو الكثرة أو الرجحان في الثروة والعتاد.
وخلاصة العام في أمر «المؤتمر» أنه أسفر عن تغيير ملحوظ في اتجاه السياسة العالمية من جانب الكتلتين نحو القارتين، ومن جانب كل كتلة في سياستها مع الكتلة الأخرى، ومن جانب العلاقة بين الشعوب الآسيوية والإفريقية.
والعام مسافة قصيرة من الزمان، ولكن العام الذي يُلحَظ فيه مثل هذا التغيير خطوة كبيرة إلى مستقبل السلام.

الفصل السابع والثلاثون
الطفْرَة غَيْر مُحَال


من الأمثال التي شاعت في الزمن الحديث أن الطفرة محال، وهو مثل — كسائر الأمثال — يتوقف على فهم معناه، وقد يصدق أو لا يصدق على حسب المفهوم من الكلمة المهمة فيه.
أما الكلمة المهمة في المثل فهي كلمة الطفرة، فما هي الطفرة؟
إنك إذا سألت إنسانًا من المتشددين في المحافظة على القديم والناظرين بعين الحذر والتهيب إلى كل تغيير في أوضاع الأمور علمت منه أن الطفرة هي الطموح إلى العظائم والهجوم على المجهول في سبيل هذا الطموح، وبخاصة ما كان منه ممتزجًا بالحماسة الملتهبة والغيرة المتوثبة والتقدم إلى الأخطار في ثقة وصلابة وإصرار، على حد قول الفتى الحكيم أبي تمام:
إذا همَّ أَلْقى بين عينيهِ عزمَهُونكَّب عن ذِكْرِ العواقِبِ جانبا وإذا سألت إنسانًا آخر من غير المحافظين ولكنه من المترددين المفرطين في التدبر وإعمال الروية علمت منه أن الطفرة هي كل عمل تعترضه الصعوبات وتقف في طريقه العقبات، ويقلق صاحبه فلا يستريح أو يكون له ما يريد.
ولكنك إذا أردت أن تعرف أن هذه الطفرة محال أو غير محال، فحوادث التاريخ خير مقياس لما يمكن وما لا يمكن من مطالب الطامحين وذوي الهمم والعزائم، فإنك إذا أحصيت الأعمال التي قِيل عنها قبل وقوعها إنها طفرة مستحيلة، ثم تمَّت وتحقَّقت وتبيَّن أنها ممكنة لا استحالة فيها؛ جاز لك أن تقول إن الطفرة كما يفهمها هؤلاء غير مستحيلة وغير نادرة في التاريخ القديم أو الحديث، ولا سيما الأعمال التي يستبعدها من يكرهها ولا يريد وقوعها، فهو يتمنى أن تكون مستحيلة ويصدق أنها مستحيلة؛ لأن المرء في كثير من الأمور يصدق ما يتمناه.
وجملة القول: أن المستحيل قبل وقوعه سهل ممكن بعد وقوعه، كما قال أبو الطيب:
كلُّ ما لم يكن من الصَّعبِ في الأنفــسِ سهلٌ فيها إذا هو كانا ودولة «الباكستان» إحدى هذه المستحيلات الممكنات.
كانت دولة الباكستان مستحيلة عند أناس كثيرين مخلصين في اعتقادهم وغير مخلصين، وفي مقدمتهم من كانوا يكرهون قيام الباكستان ويسرهم أن تكون أملًا مستحيلًا، أو تكون أملًا غير معقول وغير رشيد.
ومنهم من كان يحكم عليها بالاستحالة ويبني حكمه على أسباب يُخيَّل إليه أنها من البديهيات التي لا تقبل المراجعة.
كانت مستحيلة لأسباب جغرافية، فإن المسافة البعيدة بين شطرها الشرقي وشطرها الغربي مانعة في رأيهم أن تنتظم فيها الإدارة، وتستقر فيها دعائم الحكومة.
وكانت مستحيلة لأسباب اقتصادية؛ لأنها مضطرة إلى القروض الأجنبية للدفاع عن حدودها، ثم تبحث عن تلك القروض فلا تجدها، أو لعلها تجدها بعد الجهد والرضا بشروطها الثقيلة، فترهق شعبها وتعطل مرافقها بما تبذله من تلك الجهود وتحتمله من تلك الشروط.
وكانت مستحيلة لأسباب نفسية وحيوية؛ لأن الأمم — كما يقولون — تُخلَق ولا تُصنَع، وكل أمة تلفق كيانها من البعيد والقريب وتقتلع جذورها من جهة وتغرسها في جهة أخرى فهي عرضة لجرائر ذلك التلفيق.
كانت على الجملة مستحيلة لكل سبب ولم تكن ممكنة لسبب واحد، فإذا بأسباب الاستحالة كلها تزول، وإذا بأسباب الإمكان كلها توجد من سبب واحد لم يكن جديرًا عندهم بالجد والنظر، وهو وجود الباكستان في قلوب أبنائها وإيمانهم بإمكانها، فكانت في عالم المكان والزمان؛ لأنها كانت قبل ذلك في عالم الإيمان.
كانت طفرة، ولكنها لم تكن مستحيلة؛ لأنها كانت طفرة عند من يكرهون قيامها أو عند الذين يحبون قيامها ولكنهم يتهيبون ويترددون، أما الذين وجدوها في نفوسهم حقيقة حيَّة لا تموت فقد جعلوها سحرًا ملموسًا يصدق عليه قول البحتري:
يغتلِي فيها ارتيابيَ حتَّىتتقرَّاهمُ يداي بلمسِ فأمسى الليل وهي حلم وأصبح الصباح وهي عيان يتملاه اليقظان.
لا تستحيل الطفرة إذن كما يقول الجامدون والمترددون، ولكنها في الواقع لم تكن طفرة؛ لأنها لم تُخلَق من الحلم وحده، بل خُلِقت بالأمل والعمل والصبر والانتظار إلى اليوم الموعود.
ربما وُلِدت الباكستان قبل مولدها بنيف وسبعين سنة، وربما كان مولدها مع مولد عليكرة في سنة واحدة، وقد وُلِدت عليكرة سنة ????، وتخرج منها الأقطاب الذين حملوا الباكستان في مهدها، وهمَّ رجل يتولى أمورها الآن وهو السيد «لياقت علي خان».
كان خروج الإنجليز من الهند أمرًا مقدرًا في بصيرة الرجل العظيم الذي وضع أساس التعليم الحديث والتعليم العالي لأبناء الهند المسلمين، ونعني به السيد «أحمد خان».
كان المسلمون هم أصحاب الثقافة وأصحاب المناصب التي يتولاها المثقفون يوم كانت الثقافة قائمة على العلوم العربية والفارسية، ويوم كانت الدولة في أيدي «بابر وأرانزيب» ونظرائهم من سلاطين المسلمين، فلما دخل الإنجليز الهند أصبحت معرفة الفارسية أو الأردية أو العربية لا تغني صاحبها في الوظيفة كما تغنيه معرفة الإنجليزية، وأصبحت معرفة الإنجليزية تُستفَاد في مبدأ الأمر من مصدر واحد وهو مدارس المبشرين، فأحجم عنها المسلمون وأقبل عليها غير المسلمين، وعلم السيد «أحمد خان» أن العاقبة ضياع لقومه إن لم يتعلموا ويعملوا في الدواوين والأسواق، فأهاب بهم سائلًا: متى خرج الإنجليز من الهند فمن يحكمكم وأنتم لا تتعلمون؟ ومن يبرز منكم في المجتمع القومي وليس في أيديكم من مرافق البلاد غير القليل؟ … تعلموا واعملوا في التجارة والصناعة، وإلا فمصيركم إلى الضياع.
ولم يقلها مقترحًا ولا حالمًا، بل قالها مفتتحًا وعاملًا، وشفع دعوته إلى العلم بإقامة المعهد الذي يتعلم فيه طالب العلم، وإبانة الطريق لمن يتوجس من أعمال التجارة وأعمال الشركات والمصارف في العصر الحديث.
فلم تكن الباكستان حلمًا كلها، ولا طفرة كلها، ولكنها لم تكن لتكون بغير الحلم الذي استخف به الجامدون المترددون، وبغير الطفرة التي قالوا عنها إنها «مستحيل».
ونحسبها «أدوارًا» أو شخصيات تتكرر في كل نهضة واسعة النطاق بعيدة الآفاق، فلا غنى في جميع هذه النهضات عن رسل الحماسة والأمل، ولا عن رسل الروية والعمل، ولا استثناء لنهضة واحدة من هذه الشريعة الخالدة: طفرة تصاحبها فكرة، وأمل يقترن به عمل، ثم لا استحالة ولا مستحيل.
كان جمال الدين الأفغاني ينطلق كالعاصفة الثائرة بين أرجاء العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وكان يبذر بذور الثورة حيث حل وحيث رحل كأنه كان يحملها معه في علبة السعوط، وكان معه إمام عظيم لا يقل عنه في القوة والهمة وهو محمد عبده تلميذه الكبير، ولكنه كان يخالفه في الطريقة وكان يرى على الدوام أن تعليم عشرة من المريدين يعلم كل منهما عشرة من أمثاله ينفع العالم الإسلامي حيث لا تنفعه الثورة العاجلة والهجوم السريع، فكان أستاذه وصديقه يجيبه بلسان العطف تارة ولسان المؤاخذة تارة أخرى: أنت مثبط … أنت مثبط يا بني، فهلُم إلى الدعوة، هلُم إلى الفلاح!
لم يخطئ جمال الدين.
ولم يخطئ محمد عبده.
ولكن المطلب عظيم لا يدركه من يطلبونه من طريق واحد، فلا بد من الغيرة الملتهبة ولا بد من العمل الثابت، ومع هذين لا طفرة ولا مستحيل في عظائم الأمور.

الفصل الثامن والثلاثون
خَواطِر في الجمهُوريَّة


الناس جمهوريون، ما لم يعرض لهم عارض قاهر فهم إذن ملكيون.
حقيقة تاريخية، نسيها الناس حتى استغربوها، ولكنها من الحقائق التي يسهل تذكرها؛ لأنها لا تحتاج إلى تعمق بعيد في أغوار التاريخ.
كان أقدم الأنظمة جمهوريًّا متطرفًا إذا صح هذا التعبير؛ لأن الصلة فيه بين الحاكم والمحكوم أوثق وأقرب من صلة الانتخاب، كانت قرابة الدم هي التي تربط بين الراعي والرعية، فكلهم أسرة واحدة، وأحقهم بالولاية عليهم هو أحقهم بالتوقير والطاعة من الجميع.
ثم جاء النظام الملكي في صورته القديمة، بعد اتساع البلاد وتعدد القبائل المحكومة، فكان اضطرارًا لا حيلة فيه.
ومن ضروراته «أولًا» ضرورة الفتح والغلبة، تلك الضرورة التي كانت تلجئ قبيلة إلى اقتحام مواطن القبائل الأخرى، فهي سيادة على الأجنبي وليست سيادة على القبيلة الغالبة.
ومن ضروراته «ثانيًا» بعض العبادات الخرافية التي تفرضها الجهالة من جهة وتفرضها السياسة من جهة أخرى؛ إذ كان الحاكم ملكًا وكاهنًا في وقت واحد، فكان يحكم بأمر الله لا بأمره حتى في ذلك الزمن السحيق.
وكثيرًا ما كان الكاهن يحل محل الملك، فيجعل الملك معبودًا أو شبيهًا بالمعبود، وكأنه بذلك ينكر — من حيث لا يدري — حق الإنسان في التسلط على الإنسان، فلا بد من صفة إلهية لمن يريد أن يستبيح لنفسه القوامة على العباد.
ومن ضروراته المتكررة وجود الأنهار الكبيرة كالنيل والرافدين والكنج واليانجستي في مصر وبابل والهند والصين، فالنظام الملكي إنما استقر قديمًا على بلاد الأنهار الكبيرة؛ لأن السياسة فيها تحتاج إلى سعة واستمرار وشمول للأرض التي تسقيها تلك الأنهار، ولم تكن رياضة الأنهار يومئذ قد أصبحت علمًا تتولاه الدواوين المنتظمة التي يتعاقبها الموظفون بعد الموظفين، بل كانت السلطة الواسعة هي كل ما يتطلبه تنظيم الري من الأنهار الكبيرة على تتابع السنين.
النظام الملكي والأديان

ويمكن أن يُقال إن الأديان الكتابية جميعًا جاءت بعد الأديان الوثنية، فنظرت إلى النظام الملكي نظرة الريب والكراهية.
فالإسلام يعرف المبايعة ولا يعرف الوراثة الملكية، وإشارات القرآن الكريم إلى الملوك تدل دائمًا على الريب والحذر، ولما أشار إلى الحق الذي خوَّل طالوت أن يُملَّك على بني إسرائيل كان ذلك الحق إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى? يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ.
ولما طلب بنو إسرائيل ملكًا قال لهم صمويل: «هذا يكون قضاء الملك الذي يملك عليكم، يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه، لمراكبه وفرسانه … ويجعل لنفسه رؤساء ألوف ورؤساء خماسين، فيحرثون حراثته ويحصدون حصاده، ويعملون عدة حربه وأدوات مراكبه، ويأخذ بناتكم عطارات وطباخات وخبازات، ويأخذ حقولكم وكرومكم وزيتونكم من أجودها ويعطيها لعبيده، ويعشِّر زروعكم وكرومكم ليعطي خصيانه وعبيده، ويأخذ عبيدكم وجواريكم وشبانكم الحسان وحميركم ويستعملهم لشغله … فتصرخون من وجه ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يستجيب الرب في ذلك اليوم.»
ولم يُعرَف عن دين كتابي أنه يؤيِّد الملكية الوراثية، وإنما قام الملك الوراثي على السيف وعلى اتقاء الفتنة حين يُخشَى اختلاف الناس وشيوع الفوضى، ولا يكون قبول الحكم في هذه الحالة إلا اختيارًا لأهون الشرَّين.
الملكية في العصر الحديث

أما اختيار النظام الملكي الوراثي في العصر الحديث فهو مسألة ضرورة أو مسألة شكل وصورة، وتاريخه في القارة التي يحسبونها أقرب القارات إلى الديمقراطية مزدحم بالشواهد والأمثلة على اختيار الضرورة واختيار الشكل والصورة.
فالأمم الأوروبية التي تحررت خلال القرن التاسع عشر إنما اختارت لها ملوكًا منها أو من خارجها؛ لأنها تحررت بسلطان الدول الكبرى، وكانت الدول الكبرى يومئذ متعاقدة على حماية السلطة الملكية لمقاومة المبادئ الثورية، وتلك هي الحركة التي كانوا يسمونها بالحركة الشرعية تمييزًا لها من حركات الغضب والتمرد، فلما تحررت الأمم الأوروبية الصغيرة وأعلنت استقلالها لم يكن في مقدورها أن تتحدى الدول الكبرى، وتتخذ الحكم الجمهوري نظامًا لها على الرغم من تلك الدول التي حققت لها استقلالها.
ولم تكن الأمم المتحررة على اتفاق بينها في الداخل على أسرة من الأسر الوطنية أو دستور من الدساتير الديمقراطية.
فكان اختيارهم للحكم الملكي الموروث أشبه شيء بالاضطرار.
دلالة اسم الملك

والعجب الأعجب في الأمر نظام الحكم الملكي في بلاد الشمال التي تكاد تنفرد اليوم بالمحافظة على هذا النظام.
فاسم الملك نفسه معناه بلغات تلك الأمم «الجمهوري» أو الشعبي أو القومي …!
وكلمة كنج King أي: الملك في لغات الشمال تتألف من مقطعين: «كين» بمعنى الأهل والقوم والجنس، ومنها «كايند» Kind و«كندر» و«كندر جارتن» … إلخ إلخ. والمقطع الآخر هو «إنج» ing علامة النسبة. فكلمة الملك إذن معناها: الشعبي أو القومي أو الجمهوري؛ وسُمِّي كذلك لأنهم كانوا يختارون الملوك بالانتخاب، ولم يكن لهم حق توريث العرش لمن بعدهم إلا إذا اختاره جماعة العقلاء Witenagmat، ولا تزال كلمة Wise وكلمة Wit تفيد معنى الحكمة والفطنة في تلك اللغات. وقد تحوَّل مجلس العقلاء أو الحكماء أو الشيوخ كبار السن إلى مجلس نيابي يسمى «ركسداج» يرجع تاريخه إلى أوائل القرن الخامس عشر، وقيل في وصف وظائفه إنه يختار الملك ليقمع النبلاء، والشعب والنبلاء معًا يقمعونه ويخلعونه إذا خالف عهده، ولم يكن مَلِك منهم يتولى المُلْك إلا بعقد مكتوب، ولولا العهد الذي التزمه أكبر ملوكهم المحدثين جستاف أدولف لما استوى على عرش بلاده.
والملك في البلاد الإنجليزية بقية من بقايا هذا النظام بين أمم الشمال، وإنما احتفظوا بهذا النظام؛ لأن سلطان العرش عندهم دون سلطان رياسة الجمهورية، ولأنهم يجمعون حول التاج دولة واسعة الأطراف تتفرق فيها الأوطان والأقوام.
مسألة ضرورة

وكذلك كانت بقايا النظام الملكي عند الأمم الأوروبية مسألة ضرورة أو مسألة شكل وصورة، وبقي هذا النظام في أمم الشمال على الخصوص؛ لأنه جمهوري أكثر من الجمهورية.
أما عندنا نحن المصريين فقد بلونا النظام الملكي في أحسن عهوده وبلوناه في أسوأ عهوده، وصحبناه من أقدم الأزمنة يوم كان ضرورة قاهرة بحكم الجغرافية وحكم الواقع، ولم نزل نصحبه حتى قضى الزمن على تلك الضرورة وآل الأمر فيه إلى اختيارنا كما نريد.
ولقد ودعنا النظام الملكي، وهو بحالة لا يأسى عليها أحد، وبلغ من فساده أنه فقد كل مزية للأنظمة الملكية الوراثية، فلم يكفل للأمة استقرارًا ولا ضمانًا ولا وقاها غائلة التقلقل والاضطراب، وأصبح مركز الحكومة أضعف من مركز الخادم الذي يُطرَد في كل ساعة، وزالت الثقة في نفوس الموالين وفي نفوس الخصوم على السواء.
ماذا تختار الأمة؟

ولما ذهب فاروق لم يكن بمصر إنسان واحد على ما نعتقد يريد لبلده سيطرة ملكية أو يريد لولي الأمر حقوقًا أكبر من حقوق رئيس الجمهورية، وإنما أصبحت المسألة مسألة زمن لا مسألة مبدأ ولا عقيدة؛ لأن ملك الطفل أحمد فؤاد الثاني لم يكن حقيقة عملية، ولم يكن له سلطان واقع ولا كان يمكن أن يؤول إليه هذا السلطان في زمن قريب …
ماذا تختار الأمة؟
تختار أن تملك خيارها.
تختار أن تجرب الحكم لنفسها بنفسها، ونحن نستقبل التجربة الجمهورية لأول مرة، وليس في استطاعتنا أن نجعلها أسوأ من التجربة الملكية الأخيرة، فليكن في استطاعتنا أن نجعلها خيرًا منها وأبقى، وستكون خيرًا وأبقى بمشيئة الله.

الفصل التاسع والثلاثون
لو أصبَحت مِصر اشتراكيَّة


وقد أصبحت مصر اشتراكية أو شبيهة بالاشتراكية قبل أكثر من مائة سنة … ولم تكن اشتراكيتها تطبيقًا لنظرية من النظريات التي ينادي بها أصحاب المذاهب الاقتصادية، ولكنها كانت اشتراكية عملية تستلزمها أحوال الزمن، وكانت أسبق الاشتراكيات العملية من نوعها في الزمن الحديث.
كانت الأرض كلها ملكًا للدولة في عهد محمد علي الكبير، وكانت التجارة الخارجية تُدار بيد الحكومة، وهي التي تقدر لكل محصول من المزروعات الغذائية أو المزروعات التي تُستخدَم في الصناعة كالقطن والكتان والتوت مساحة من الأرض تناسب الحاجة إليه في أسواق مصر أو الأسواق الأجنبية.
وكان عشاق الآراء النظرية ينتقدون هذه الخطة ويفضلون عليها حرية التجارة والزراعة، ولكنهم كانوا على خطأ مبين في تطبيقهم لهذه الآراء على مصر خاصة في عهد الإنشاء أو عهد بناء الثورة الزراعية والصناعية، فإنه عهد يستلزم التوفيق بين محصولات البلاد وبين ما تطلبه الأسواق الخارجية منها، ولم تكن لهذه المطالب سابقة يُقاس عليها، وليس في استطاعة الآحاد أن يجمعوا الإحصاءات ويحكموا الصادرات ويفرضوا مشيئتهم على غيرهم من المشتغلين بالزراعة والتجارة، فلا غنى في هذه الحالة — حالة الإنشاء والبناء — من الإشراف العام الذي لا يستطيعه أحد غير الحكومات.
كانت مصر في ذلك العهد «اشتراكية» عملية أو شبيهة بالاشتراكية العملية، ولعلها عادت إلى نظام قريب من ذلك النظام في أيام الحرب العالمية وما بعدها، تحقيقًا للغرض من توفير محصولات الطعام وتدبيرها من طريق تحديد المزروعات واستيلاء الدولة عليها، وخضوعًا لشروط المبادلة بين التصديرات والتوريدات المتفق عليها في حساب العملة الدولية.
فالاشتراكية ليست بالنظام الغريب عن بلادنا … وتجاربنا لهذا النظام تنتهي بنا إلى اختيار الخطط المناسبة لنا ولتقاليدنا ومصالحنا القومية والفردية، وهي خطط الاشتراكية الوسطى أو الاشتراكية المعتدلة بين الطرفين: طرف السيطرة الحكومية الشاملة وطرف الفوضى التي تتيح لكل فرد أن يفعل ما يشاء، في أمور لها مساس بسلامة المجتمع ووسائل المعيشة فيه.
إن تجارب مصر وتجارب غيرها قد أثبتت لنا على التحقيق أن المرفق الذي تديره الحكومات تتضاعف تكاليفه وتزيد فيه المغارم على المغانم، ويؤول شأنه إلى الإهمال وقلة الاكتراث، وبداهة العقل تأبى أن يُقال إن عمل الإنسان لغيره كعمله لنفسه، فإن الطبيعة برمتها — كما ألمحنا إلى ذلك مرارًا — لا تحمل الحي على إبقاء نوعه ما لم يكن في تكوينه دافع من المتعة الشخصية، ومن الحنان الأبوي، ومن الأمل الذي تدور عليه عواطف الأحياء.
فمن الخطر تسليم المرافق جميعًا إلى الدولة، وإلغاء البواعث الفردية التي تشحذ الهمم وتقنع المرء بأنه يعمل لنفسه وذريته مع خدمته للمجموع.
وإنما قوام الأمرين بالنسبة إلينا نحن المصريين على الخصوص أن نبقي للفرد حق الملك وحق التصرف فيما يقدر عليه، وندع للحكومات أن تستأثر بالأعمال العامة التي لا قِبَل بها للأفراد ولا للشركات.
وسبيل ذلك أن نعتمد على خطتين تصلحان لبلادنا كل الصلاحية، بعد التدريب عليهما والإحساس بضرورة كل منهما … وهما خطة الضرائب التصاعدية، وخطة التعاون في كل مادة من مواد التجارة والزراعة على درجات من الاتساع والوفرة تلائم جماعات المتعاونين والريف.
إن الضرائب التصاعدية ترضي شعور الفرد بحقه في الملكية، وتغني عن تقييد الملكية الزراعية أو العقارية بمقدار محدود.
فإذا رأى الزارع أن الضيعة التي تزيد مساحتها على خمسمائة فدان مثلًا تتساوى أرباحها وأرباح الأربعمائة، أو رأى أن الفرق في الربح تقابله زيادة الضرائب وزيادة التكاليف … فهو من غير أمر ولا قانون سيتحول بالمال الزائد إلى مرفق آخر غير الزراعة، وسينتهي هذا التحول في القطر كله إلى التوازن بين مرافق الزراعة ومرافق التجارة وإلى التقارب بين أصحاب الضِّيَاع الكبيرة وأصحاب المزارع الصغيرة، دون أن يُخلَّ بنشاط الفرد في رعاية ملكه والسهر على مصالحه، ثم يتم التحول بالتوريث بعد جيل واحد، فلا يطغى مرفق على مرفق ولا طائفة على طائفة، ولا يختلف الوضع في الحقيقة إذا نظرنا إلى مصلحة المجتمع كله، فإن الزارع الذي يربح من ضيعته الكبيرة بضعة ألوف من الجنيهات لا اختلاف بينه وبين الموظف الذي تنتدبه الدولة لإدارتها وتعطيه مرتبه من خزانتها، لو فرضنا أننا ألغينا الملكية وجعلنا الدولة مالكة للأرض كلها في القطر كله، وقد يكون هناك اختلاف محقق بين مجهود المالك لعمله وربحه ومجهود الموظف الذي يعمل لغيره ويضمن مرتبه من كل محصول يجنيه.
أما التعاون فهو الوسيلة المثلى للقضاء على الاستغلال، والقضاء من ثم على حرب الطبقات، فإنه هو الوسيلة التي تجعل المشتري بائعًا وشاريًا في وقت واحد، وتجعله رابحًا بزيادة السعر ورابحًا بنقصه، فإذا زاد الكسب فهو راجع إليه وإذا نقص الكسب فهو رابح من قلة الثمن الذي يشتري به سلعته، وهو على الحالتين غير مغبون ولا عاجز عن الوصول إلى السلع الميسرة للجميع.
قد يُقال: وهل تضمن الأمانة في إدارة الشركات التعاونية؟ وهل يخلص الموظفون الموكلون بالبيع والشراء في توفير الربح لهذه الشركات؟
والجواب عن هذا السؤال يختلف بين الناس على اختلاق تجاربهم أو اختلاف ثقتهم بالقائمين عندنا على الأعمال العامة، ولكن الأمر الذي لا خلاف فيه أن الشك هنا في أمانة الموظفين وقدرتهم يشمل كل نظام وكل مشروع من مشروعات الإصلاح، فإذا قدرنا الإخفاق لنظام التعاون؛ لأن موظفيه يخونون الأمان ولا يبذلون الهمة في خدمة الشركة، فهذا الإخفاق من نصيب كل نظام آخر يتولاه الموظفون المتهمون، أما إذا أمكننا أن ندفع التهمة عنهم في نظام من الأنظمة المتعددة، فلا موجب لحصر التهمة إذن في التعاون وموظفيه.
إذا أصبحت مصر «اشتراكية» فأصلح الاشتراكيات لها أن تتوسط ولا تندفع مع الشطط في جانب من الجانبين، فليس من مصلحة مصر أن تستولي الحكومات على مرافقها وأن تُدار فيها الأعمال العامة كما تُدار أعمال المكاتب والدواوين، وليس من مصلحة مصر أن تغفل عن مجرى الأمور في العصر كله وفي العالم بأسره، وأن تبقي هذا التفاوت الشاسع بين أغنيائها وفقرائها الزراعيين، وبين أصحاب رءوس الأموال وأصحاب الأيدي العاملة، وفي وسعها أن تحقق المصلحة لأبنائها جميعًا بنظام الضرائب التصاعدية ونظام التعاون في الريف والحاضرة، فلا ينهدم لها مجتمع ولا تنحرف عن تقاليدها التي قامت على الأسرة والميراث، ولا تتسع الفجوة بين أغنيائها وفقرائها أو تتفتح أبواب الاستغلال والشكوى بين من يبيع فيها ومن يشتري وبين من يعطي السلعة ومن ينتفع بها.
وإذا أصبحت مصر اشتراكية على هذا النظام فلا خوف عليها من دعوة طائشة أو مذهب هدام، ولا انفصام بين ماضيها قبل ألف عام، وبين مصيرها بعد ألف عام.

الفصل الأربعون
عَهدُ الإقطَاع يلفظ أنفَاسه


من الواضح أن عهد الإقطاع يلفظ أنفاسه الأخيرة في بلد بعد بلد من بلاد الحضارة، فإن لم يمت عبطة يمت هرمًا كما قال الشاعر، أو كما قال الشاعر الآخر:
ومَن لَمْ يمُتْ بالسَّيفِ ماتَ بغيرِهِتعدَّدتِ الأسبابُ والموتُ واحِدُ! ففي البلاد التي تقدمت فيها الصناعات الكبرى يموت بالشيخوخة، ومن بقي من أصحابه فإنما يبقى منقسم السلطان متهدم الأركان، يشاركه في سلطانه التاجر الكبير كما يشاركه الصانع الكبير، وتشاركه نقابات العمال كما يشاركه قادة الرأي العام من الساسة ودعاة الإصلاح.
أما في البلاد التي تخلفت فيها الصناعات فلا استقرار له بين أهلها ولا قدرة له على التماسك والثبات في وجه القُوَى التي تنوشُه من جميع جهاته وتعمل على التعجيل بذهابه، وقد تقوَّضت أركانه في بلاد زراعية لم تتقدم فيها الصناعة الكبرى، وتقوضت أركانه في بلاد يتوسط فيها الأمر بين الزراعة والصناعة، ولم يكن الفضل في رجوعه — بعد ذهابه — لقوة فيه أو مقاومة فعالة بين أجزائه، وإنما كانت علة رجوعه حماقة أعدائه وجهلهم بالسلاح الذي يرديه، كما تبين ذلك مرتين من تجربة المجر بعد الحرب العالمية الأولى، وتجربة إسبانيا قبل الحرب العالمية الثانية …
فالثورة على عهد الإقطاع إنما أخفقت في بلاد المجر بعد الحرب العالمية الأولى؛ لأن القائم بالثورة «بلاكون»، كان يجهل الشيوعية التي يدعيها كما يجهل أطوار الأمم وأنظمة الحكم وأساليب الإصلاح، فجرَّد المُلَّاك الكبار من ضِيَاعهم، وأبى كل الإباء أن يوزِّعها على صغار الفلاحين؛ لاعتقاده أن المِلكية تناقض الماركسية، وأن المالك الصغير يقاوم الشيوعية كما يقاومها المالك الكبير، والواقع أن الشيوعية تناقض المِلكية كما اعتقد «بلاكون» ولكنه لم يلتفت إلى رأي أستاذه «لنين» في مرحلة الانتقال بين ملكية الإقطاع والملكية العامة، فلم يجد لنظامه سندًا من كبار الملاك ولا من صغار الفلاحين، وانهزمت ثورته العاجلة بعد قليل كما ينهزم كل نظام بغير نصير.
وجاءت التجربة الثانية في المجر نفسها فأفلحت حيث أخفق «بلاكون»؛ لأن القائمين بها حاربوا الإقطاع وسالموا صغار الفلاحين، وتدرجوا من الملكية الإقطاعية إلى الملكية التعاونية والملكية الجماعية، فانهزم الإقطاعيون ولم تقم لدولتهم قائمة.
أما التجربة الإسبانية فقد كانت حماقة الشيوعيين فيها أظهر وأخرق من حماقة «بلاكون»، فتماسك عهد الإقطاع بحماقة خصومه ولم يتماسك بقوة أركانه وصلابة بنيانه، واشتركت العوامل الخارجية مع العوامل الداخلية، فاستفاد منها النظام القديم لكثرة مؤيديه من الخارج والداخل وتفرق الكلمة بين خصومه ومنكريه.
لقد كانت الغلطة الكبرى التي تورط فيها الجمهوريون الإسبانيون أنهم صادروا أملاك الكنيسة وصادروا مدارسها في وقت واحد، ولم يحسبوا حسابًا للفلاحين الذين كانوا يحرمون على أنفسهم استغلال الأرض «المقدسة»، ولا حسابًا لعشرات الألوف من الأطفال الذين كانوا يتعلمون في مدارس الكنيسة ولم يجدوا مدارس للحكومة تغنيهم عنها، فأصبح آباء هؤلاء الأطفال يرحبون بكل نظام ينقذ أبناءهم من نشأة الجهل والتشرد بغير أمل في تربية الصبا ولا في التعليم العالي الذي يعقبها، وأطبقت البلوى حين تهجم أراذل الشيوعيين على الأديرة والكنائس، فلوَّثوها واعتدوا على راهباتها وهتكوا الأعراض جهرة بغير حياء على مرأى ومسمع ممن ينكرون هذه الفضائح ولو لم يكونوا من المتدينين.
وانفرد الجمهوريون بعد حين بين خصوم من الإقطاعيين وخصوم من الشيوعيين، بل خصوم من معسكرهم نفسه؛ لأنهم منحوا المرأة الإسبانية حق الانتخاب فانتخبت مرشحي الكنيسة سرًّا وعلانية، وكلهم ساخطون على النظام الجديد.
ثم أطبقت العوامل الخارجية فوق هذه العوامل الداخلية، فجاء الانقلاب من القوة المرابطة في مراكش بمعزل عن الحكومة، وظفر هذا الانقلاب بتأييد النازيين والفاشيين ولم يلقَ معارضة قط من الدول الديمقراطية التي كانت تحارب النازية والفاشية، وتوالى التأييد للانقلاب من أمم أمريكا الجنوبية التي كانت تحارب الشيوعية، وتناصر كل من يخذلها، فأخفقت التجربة بحماقة أنصارها، ولم تخفق بقوة الإقطاع في البلاد الإسبانية، على كونه قوة لا يُستهَان بها في تلك البلاد.
واتفق أن الشعور الوطني في هذه الآونة كان عونًا للإقطاعيين ولم يكن عونًا للجمهوريين؛ لأن الجمهورية اعترفت لقطالونيا وبلاد الباسك بحكومتين منفصلتين وفيهما من السكان نحو تسعة ملايين، فقيل يومئذ إن النظام الجديد يمزق الوطن الإسباني ويوقع الفتنة في الوطن الكبير بعد انفصال هذه الأقاليم.
وجملة القول أن التجربة الإسبانية تجربة شاذة لا يُقاس عليها؛ لأن العوامل فيها بين النظامين غير متكافئة، وهي من جهة أخرى عوامل خاصة بالبلاد الإسبانية لا تتكرر في غيرها، بل لعلها خاصة بالفترة التي وقع فيها الانقلاب من حيث علاقته بالحوادث الوطنية المحلية وعلاقته بالحوادث العمالية وحوادث أمريكا اللاتينية على التخصيص.
أما التجارب في البلاد الأخرى، سواء في أوروبا الوسطى أم أوروبا الشرقية، فهي آخذة في التطور والانتقال إلى حالة جديدة غير حالة الإقطاع، ولم تبقَ فيها للإقطاع قوة قادرة على استئناف حياته الأولى، لو وقف هذا التطور يومًا لعارض من العوارض التي لا تدخل الآن في الحساب.
وليس من الميسور أن نستقصي في هذا المقال ظروف كل أمة زراعية قضت على عهد الإقطاع، واستبدلت به نظامًا من الملكية غير نظام الضياع الواسعة واحتكار الثروة الزراعية، ولكننا نكتفي هنا ببيان الظروف التي تميزت بها تلك التجارب في جملتها، ومنها يظهر لنا أن ظروفنا في مصر أصلح من تلك الظروف لنجاح التجربة مع توافر أسباب الحيطة والتدبير القويم.
فمن الظروف التي تميزت بها تجارب أوروبا الشرقية وبعض الأقطار في أوروبا الوسطى أن الملاك الكبار فيها كانوا أقوى من كل قوة سياسية أو اجتماعية بين قواها المختلفة.
كانوا أقوى من الأسر المالكة الحديثة؛ لأن هذه الأسر قد نشأت بعد استقلال تلك الأمم من السلطنة العثمانية، أو كان أصحاب العروش فيها أمراء محدودين لا سلطان لهم على رعاياهم؛ ولهذا توقفت التجربة التي بدأت في رومانيا نحو سنة ????، واقتصرت على توزيع الأرض التي خرجت من حوزة العثمانيين وأعوانهم في ذلك الحين، وظل الملاك الكبار عقبة في طريق الإصلاح الزراعي إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.
إلا أن هذه القوة لم تكن على الدوام عقبة مانعة في طريق الإصلاح، بل حدث في السنوات الأخيرة أن الملاك الكبار هربوا من البلاد بعد هزيمة الدول الجرمانية والدولة القيصرية؛ إذ كان الكثيرون منهم أجانب يرجعون في نسبهم إلى السلالات النمسوية أو المجرية أو الروسية، فوضع الفلاحون الصغار أيديهم على أملاكهم بغير عوض، واستراحت خزانة الحكومة الوطنية من سداد العوض الذي كان لهم أن يتقاضوه منها، لو لم يهجروا مزارعهم قبل توزيع الأرض على صغار الفلاحين.
وجاء الشعور الوطني معززًا لحركة الإصلاح في البلاد التي كان الملاك الكبار فيها أجانب مكروهين يستغلون فيها صغار الفلاحين بقوة الحكومة وقوة الإقطاع، فكانت جنسيتهم الغريبة عونًا على الإصلاح، بعد أن كانت عقبة لا يسهل تذليلها منذ جيل.
ومن الظروف التي تميزت بها التجارب الأوروبية أنها حدثت في بلاد لم تثبت لها حدود قط في هذا القرن قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية، فالإقليم الواحد يتنقل من حكومة إلى حكومة ومن نظام ومن ظروف اقتصادية إلى ظروف تشابهها تارة وتناقضها تارة أخرى، فكان هذا الاضطراب المتتابع إحدى العقبات التي اصطدمت بها حركة الإصلاح الزراعي، ولولاه لتيسرت طريق الحركة منذ سنين.
ومن تلك الظروف أن تلك الأمم كانت فريسة لأصحاب النظريات ممن يهتمون بمذاهبهم قبل كل شيء، ولا يقصرون الإصلاح على مقتضياته في كل بيئة من البيئات التي يطبقون نظرياتهم عليها، وكثيرًا ما يعتمدون في نظرياتهم على دول أجنبية تدين بالشيوعية، أو تدين بالفاشية والنازية، أو تعارض هؤلاء وهؤلاء، ولو أنهم حصروا غايتهم في هدم الإقطاع وعالجوا كل نتيجة بما تقتضيه لحفظوا كثيرًا من الجهود التي أُرِيد بها إكراه الوقائع على مجاراة النظريات.
وعند الموازنة بين هذه الظروف وبين ظروفنا في مصر يبدو لنا أن الإصلاح الزراعي عندنا ألزم وأيسر من وجوه شتى.
هل من الصواب أن يُظَن أن هذا الإصلاح خلو من عقباته ومصاعبه؟ كلا … وليس في الوسع أيضًا أن نحصرها كلها قبل الشروع في التطبيق والتقدم به خطوة بعد خطوة، ولكننا إذا ضربنا المثل بالصعوبة الأولى التي ظهرت بوادرها أمكننا أن نقيس عليها ما يتبعها.
فالبوادر التي ظهرت حتى الآن تتلخص في ارتفاع أجور العمل الزراعي وهبوط أثمان المحصولات مع تحديد أجرة الفدان، ومن المصلحة فيما نرى أن يرتفع مستوى المعيشة بين عمال الزراعة، فلا محل للحد من أجرة العامل الزراعي كلما أمكنه الحصول عليها، فهل من العسير علاج هذه الصعوبة بغير تحديد الأجور؟
نعتقد نحن أن إشراف الدولة على تصدير الحاصلات المطلوبة في الخارج ييسر لها أن تشتري حاصلات الأرض بالثمن الذي يجزئ المالك والعامل، وأن الإصلاح يحتاج حتمًا إلى مؤسسة مالية تتكفل بتمويل الحركة كلها، وقد يؤدي جمع المال لهذه المؤسسة إلى تخفيف التضخيم النقدي وتمكين الحكومة من سداد أثمان الأرض المستغنى عنها ومعونة الفقير الذي يزرع أرضًا ولا يملك أدوات زرعها، وكل صعوبة تعترض هذه الحلول وما شاكلها هي أهون على أية حال من دوام عهد الإقطاع الذي لا مصلحة لأحد في دوامه، حتى الإقطاعيين لو أنهم يتبصرون.

الفصل الحادي والأربعون
عَالم الكِتَابة والكُتَّاب في حَاجة إلى التطهِير


نعم؛ تطهير لابد منه في عالم الكتابة، ولعله أوجب من كل تطهير وأنفع من كل تطهير، بل لعل عالم الكتابة أحوج إلى التطهير من كل بيئة نُودِي إلى اليوم بوجوب التطهير فيها.
ولست أرى أن التطهير في عالم الكتابة أوجب وأنفع؛ لأنني أعتقد كما يعتقد بعض المغالين بصناعتهم المفاخرين بأقلامهم أن الكتابة هي المسيطرة على أقدار الشعوب وهي الموكلة بالتذكير والتبشير بغير شريك ولا نظير.
كلا! إن الكتابة قد تكون متأثرة كما تكون مؤثرة، وإنها قد تكون تبعًا لمن حولها كما يتبعها من حولها في أحيان أخرى، وإنما نعتقد وجوب التطهير في عالم الكتابة قبل غيره؛ لأن الكتابة في الأمة صورة للكاتب والقارئ في وقت واحد، فإذا حسنت هذه الصورة فهي علامة حسنة على خلائق الكتاب وعقولهم، وعلامة حسنة كذلك على الأخلاق والأفكار بين أنواع القراء، وما كان صدق الأقلام قط شهادة للكتاب وحدهم؛ إذ لا يستطيع الكاتب الصدق إذا كان القراء جميعًا معرضين عنه غير قادرين على تمييزه أو تفضيله على الباطل والبهتان، فإذا صدرت الأقلام جميعًا عن صدق وأمانة فذلك هو الدليل «أولًا» على حسن الإدراك عند القراء، وأن الفضل فضلهم في صدق كتابتهم ونهوضهم بأمانتهم؛ لأن هؤلاء الكتاب لا يقدرون على الكذب والزور حيث يظهر الكذب والزور لكل قارئ، وحيث يُحاسَب كل كاتب على كذبه وزوره، وحيث يُقابَل بالإعراض فلا تُنفَق له تجارة بينهم بعد ذلك، ولا يُزال عبرة لغيره ممن يكذبون ويزوِّرون، ثم يعلمون أن الصدق فضيلة ومصلحة وليس قصاراه أنه فضيلة وكفى.
تعجبني كلمة لجمال الدين الأفغاني حين قيل له: «إن المستعمرين ذئاب.» فقال: «لو لم يجدوكم نعاجًا لما كانوا ذئابًا!»
وهذه كلمة جديرة بأن تُذكَر ولا تُنسَى كلما تحدث المتحدثون بالجناية على الأمم والجماهير، ويرحم الله البكري؛ حيث قال:
لا تعجبوا للظُلْمِ يَغْشَى أمةًفتنوء مِنْهُ بفادحِ الأثقالِظُلْمُ الرعيَّةِ كالعِقابِ لجهلِهاألمُ المريضِ عقوبةُ الإهمالِ فمن الواجب أن نقول لمن يشكُونَ الظلم وهم قادرون على دفعه: إنكم أنتم الظالمون، بل أنتم أظلم من الظالمين؛ لأن الظالم له عذر فيما يكسبه من ظلمه أو يستطيل به من قوته، وأما أنتم فإنكم تقبلون الظلم وتستديمونه، وإنكم لخاسرون مهانون.
يجب أن نقول لمن يشكُونَ الدجل في الكتابة: إنكم أنتم الملومون وأنتم المسئولون؛ لأن الكاتب الدجال ينتفع ويرتفع، وأما أنتم فإن أدركتم الغفلة وسكتم عليها فأنتم شر من الدجال الذي تنفعه الغفلة وترفعه، وإن مرت بكم الغفلة وأجزتموها فليس المغفل بأفضل من الدجال، وليس الدجال لولاكم بقادر على الاستغفال.
التطهير في الكتابة أوجب وأنفع لهذا، لا لأن الكتابة قوة لا نظير لها في الإصلاح والإفساد.
التطهير في الكتابة دليل على صدق الكاتب ويقظة القارئ، وشهادة حسنة للأفكار والأخلاق بين من يكتبون ومن يقرءون.
ويحزننا أن نقول إن الكتابة في جملتها لم تكن عندنا قط قامعة للطغيان في عهد من العهود، وإنها كثيرًا ما كانت عونًا للطغيان وسترًا له من يقظات العيون والأذهان.
ويجب أن تتطهر …
ويجب أن يشترك في تطهيرها كل من يعنيه تطهيرها وكل من يقدر عليه، ومنه ما يقدر عليه ولاة الأمر، ومنه ما يقدر عليه جمهرة القراء، وكل منهم مسئول عن عمل الكتاب حيث يجترئون على الغش والنفاق، ومن أعمالهم هم حيث يستغلون الغش والنفاق، أو حيث يصابون بهما فيسكتون أو يشجعون.
تطهير الكتابة تطهيران: تطهير من قبل الحكومة وتطهير من قبل الجمهور، ويشمل هذا القول كتابة الصحف كما يشمل كتابة المصنفات والوسائل وكل كتابة منشورة على العموم.
من التطهير الذي تستطيعه الحكومة أن تراجع أضابير الدواوين وتستخرج منها أسماء أصحاب «الرواتب السرية» في عهد كل وزارة غابرة، وأن تحاسب الوزراء الذين أخذوا من خزانة الدولة مالًا باسم «المصاريف السرية» كيف أنفقوه وعلى من وزعوه، وكيف استجازوا أن يستعينوا بمال الأمة على تضليل الأمة وحملها على قبول الرأي المأجور والثناء الزائف والفكرة التي يكتبها الكاتب غير مؤمن بها ولا مخلص في الدفاع عنها.
وليست «المصاريف السرية» هي كل الأجرة التي يُؤجَّر بها أصحاب الأقلام المسخرة والضمائر الخربة، فهناك الوساطات في الصفقات والمنافع، وهناك السمسرة «الأدبية» في الشفاعات والاستثناءات، وكلها فساد ذو حدين: فساد في الوسيط والمنتفع وفيمن يقبل الوساطة من الحكام مخالفة للعدل والقانون في تصريف أمور الدولة، ولولا الوساطة والشفاعة لكان له تصريف فيها غير ذلك التصريف.
في هذه المهمة تقدر الحكومة على مراجعة الأوراق والحسابات وعلى سؤال الموكلين بتوزيع المصروفات وعقد الصفقات.
بل تقدر على كشف الأقلام المأجورة لغير المصروفات السرية من خزانة الدولة، فإن خزائن الأحزاب وخزائن الشركات تنفق الأموال الكثيرة على شراء الأقلام وتسخير الضمائر وترويج النفوذ الذي يسيطر على الحياة العامة من غير الطريق المستقيم، وقد تستطيع الأحزاب والشركات هنا ما لا يستطاع بمصروفات الخزانة؛ لأن مصروفات الخزانة قد تكون اليوم في يد هيئة وقد تكون غدًا في يد خصومها، فهي لا تثابر على خدمة سياسية واحدة ولا تنحصر في غرض واحد، ولكن الشركات تثابر على خطتها وتملك السامع في أزمنة متعاقبة، فهي أقدر على ترويج الأباطيل الباقية وأبلغ ضررًا من الهيئات السياسية في استغلال الغفلة وتسميم الأفكار.
هذه مهمة حكومية يتعين القيام بها على الحكومة التي تتصدى للتطهير وتصدق النية في اقتلاع جذور الفساد.
أما مهمة القراء من جمهرة الناس على اختلاف طبقاتهم فكل ما يطلب منهم أن يحترموا عقولهم، ويضنوا بمصالحهم العامة أن تلعب بها أقلام المأجورين وتلعب بهم معها.
وسهولة المهمة هنا بمقدار سهولة التمييز عند حضرات القراء الموقرين.
عليهم أن يميزوا قليلًا، ولا حاجة إلى تمييز كثير ليطهروا الكتابة من كل قلم لا يعرف غير الثناء على السلطان القائم، ولا يعرف النقد والمذمة إلا إذا تكلم عن السلطان الزائل.
عليهم أن يميزوا قليلًا، ولا حاجة إلى تمييز كثير، ليطهروا الكتابة من كل قلم يكتب دائمًا ليرضي ولا يكتب مرة ليغضب، وإن أغضب بكتابته أحدًا فإنما يغضب الذين لا ينفعون ولا يضرون؛ ليزدلف بذلك إلى القادرين على المنافع والأضرار.
عليهم أن يطهروا الكتابة من كل قلم يجري مع التيار ولا يقف يومًا في وجه التيار، فما من أمة تعجز عن توفير المئات من الأقلام التي تجري مع كل تيار، وقد تحتاج في وقت من الأوقات إلى قلم واحد يقف في وجه التيار فلا تجده، وهو ألزم لها من تلك المئات.
عليهم أن يطهروا الكتابة من الأقلام التي تطلب لأصحابها أكاليل الغار، وهم لا يستحقون من الناس غير أغلال السجون ومذلة الاحتقار.
أقلام تسخرها الدول الأجنبية جواسيس على أوطانها لتفسد سياسة أوطانها وتخدم سياسة تلك الدول، ثم تطالب الناس بشرف البطولة وهي بوصمة الخيانة وعقوبة القانون أولى ما تكون.
ومن التشريف لتلك الأقلام المأجورة أن يُقال عنها إنها تبشر بالمذاهب الهدامة أو بما شاكلها من مذاهب الفوضى، فإن صاحب المذهب الذي يؤمن به يعمل على المصلحة العامة كما يراها وإن أخطأ في تقديرها.
ولكن الوصمة وصمة من يخدم الجاسوسية الأجنبية حيث اتجهت وجهتها، فلا وفاق مع إسبانيا ولا مع تركيا ولا مع الصين الوطنية ولا مع الأمم التي تحاربها تلك الجاسوسية الأجنبية، وقد يصعب تمييز الخيانة حين تكون الحملة منصبَّة على الدول الكبرى؛ لأنها حملة تتلبس بلباس الغيرة الوطنية وتمضي في طريقها … أما الجاسوسية فهي الحملة على كل عدو للدولة التي تنشر شباك الجاسوسية، وإن لم يكونوا أعداء للمصريين في القضية الوطنية، وهي الحملة على كل دولة ما عدا الدولة التي تشتري الأقلام لخدمة مآربها وتسخير الوطنية المصرية لغاياتها.
ونجاة الخائن من جريمة إجحاف معيب، ولكن الإجحاف الذي لا يدانيه إجحاف أن يخرج الخائن متوَّجًا بأكاليل الغار مزفوفًا بأناشيد الأبطال.
وكلما كان المعمول الأكبر في تطهير الكتابة على التمييز والإدراك صغرت تبعة الحكومة وكبرت تبعة الأمة، فلا يجلس أحد في مقعده ويطلب من ولاة الأمر أن يقدِّموا له التطهير لقمة سائغة بين شدقيه، ولا تفعلن كما فعل بنو إسرائيل يوم قالوا لموسى عليه السلام: فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ.
كلا! إن هذا القعود لا يجدي في تطهير الكتابة إن كانت له جدوى في تطهير كائنًا ما كان، وإنما الجدوى التي لا جدوى مثلها في تطهير الكتابة أن نطهرها بالتمييز السريع والعقول اليقظى، ويومئذ لا يهمنا كثيرًا ما تصنعه الحكومات وما يصنعه الكتاب وما يصنعه المغرضون الذين يلجئون القانون والرأي العام إلى التطهير.

الفصل الثاني والأربعون
أزمَة التعليم


كان التلميذ ينجح في امتحان الشهادة الابتدائية فيضمن على الأثر وظيفة في دواوين الحكومة …
وكانت الموسيقى العسكرية تحيي التلميذ المنقول من سنة إلى سنة، ويشهد تسليمه شهادة النقل حفل من كبار الموظفين والأعيان …
وكان التلميذ يُقبَل في السنة الابتدائية بعد العاشرة من عمره …
وكانت الأماكن في المدارس خالية مع كل هذه الرغبات؛ لأن الناس كانوا لا يفرقون بين السخرة والتعليم …
ولم يكن ذلك كله في زمن بعيد …
بل كان معروفًا معهودًا في جهات كثيرة من البلاد المصرية قبيل القرن العشرين ببضع سنوات …
واليوم يتقيد القبول في المدارس المختلفة بالسن ودرجات النجاح ومادة العلم المطلوب، ولا يضمن المتخرج في أعلى المدارس وظيفة في دواوين الحكومة.
ومع هذا تزدحم الأماكن في كل مدرسة، ويشتد الطلب عليها، ولا يزال المطلوب من الأماكن في جميع المدارس أكثر من الموجود.
أتُسمَّى هذه أزمة؟
نعم؛ تُسمَّى أزمة إذا نظرنا إلى الحاضر والمستقبل، ولكننا إذا نظرنا إلى الماضي غير البعيد فهي فرج قريب …
على أننا لا نريد أن ننظر إلى الماضي إذا كان النظر يقنعنا بالحاضر، ويحول بيننا وبين إطلاق الأمل إلى أبعد الحدود …
فلننظر إلى المستقبل!
بل ننظر إلى أبعد مستقبل يمتد إليه البصر، فنرى أن أزمة الأماكن في المدارس إنما هي في الحقيقة «أُزَيْمَة» صغيرة إلى جانب الأزمة الكبيرة التي يجب علينا أن ننظر إليها من الآن؛ وهي أزمة الأماكن في المجتمع المصري لجميع هؤلاء المتعلمين …
هذه أزمة يخافها كثير من المتشائمين الذين يخافون الحياة، ولا يقدمون عليها بثقة الحي الذي يحق له أن يعيش، ويعلم على ثقة أنه سيعيش.
يخافها هؤلاء الخائفون؛ لأنهم يتساءلون: أين يذهب جميع هؤلاء المتعلمين بعد انتهاء الدراسة؟ ألا يُخشَى يومئذ من أزمة عاطلين؟ … ألا يتعرض المجتمع لخطر الثورة كلما تكاثر فيه الشبان الذين يطمحون إلى المجد والمكانة، أو يطلبون الرزق والعمل، ثم لا يجدون أمامهم أعمالًا في المجتمع المصري تستوعب هذا العدد الكبير؟
سؤال تستطيع أن تجيبه بنعم، وتستطيع أن تجيبه بلا، ويتوقف الجواب بهذه أو تلك على المجتمع الذي تتصوره بعد عشر سنين أو بعد عشرين سنة، قياسًا على التطور الدائم الذي رأيناه، والذي نراه وسنراه …
فإذا كان مجتمعنا المصري سيظل على حالة واحدة إلى الأبد «فنعم» هي الجواب الصحيح …
وإذا كان مجتمعنا سيتطور مع الزمن — وهو يتطور فعلًا — فنحن بين أمرين: إما خطر يمكن التغلب عليه عند وجوده، وإما لا خطر على الإطلاق.
لقد كان الشاب المصري يحصر رجاءه كله في الحكومة حين كان التعليم مزية محصورة في بضع مئات أو بضعة ألوف من الشبان …
كان الشاب المصري يومئذ يعتقد أنه إنسان ممتاز، فمن حقه أن يتطلع في المجتمع المصري إلى مكان ممتاز …
أما اليوم، وبعد اليوم، فقد تغير نظر الشاب إلى مزية التعليم وتغير نظره إلى وظيفة الحكومة …
فالتعليم قد أصبح — وسيصبح — قسطًا مشتركًا بين جميع الشبان، فلا مزية فيه لأحد على أحد …
ووظيفة الحكومة قد أصبحت — وستصبح — عملًا لا امتياز فيه، بل لعله أقل ربحًا ومظهرًا من أعمال كثيرة يستطيعها الشبان …
والبركة في الحرب العالمية الأولى، وفي الحرب العالمية الثانية، فإن الشاب المصري يفتح عينيه فيرى أمامه جاهلًا يجمع الثروة التي تُعَدُّ بألوف الجنيهات، وينظر في كل بيئة فيرى مجالًا للسعي والاجتهاد يغنيه عن أبواب الوظائف، ولا يتوقف على أحوال الحروب ومفاجآت الحوادث الخارقة التي تحيط بهذه الحروب.
ففي جانب كل شاب يعلق الأمل على الوظيفة شبان لا يعلقون عليها أملًا ولا يزالون يبحثون عن العمل الحر في مختلف ميادين الحياة …
أعرف صاحب مكتبة يعلم ابنه تعليمًا لا يرشحه لوظيفة من وظائف الحكومة، ولكنه يرشحه أحسن ترشيح للعمل في تجارة أبيه.
وأعرف تاجرًا يعلم أبناءه تعليمًا لا يفتح لهم بابًا من أبواب الدواوين، ولكنه يفتح لهم كل باب من أبواب التجارة ومشروعات الاقتصاد …
وأعرف كثيرين من الشبان كانوا في وظائف الحكومة، وكانوا موعودين بالترقي السريع فيها، فتركوها غير آسفين وأقبلوا على الشركات أو على المرافق الفردية التي يحسنونها، ولم يندموا على ما فعلوه، بل كان إقدامهم هذا مشجعًا لغيرهم من طلاب الحرية والكفاح …
ومن اليوم إلى عشر سنين أو عشرين سنة مقبلة، سيتم كثير من وجوه الإصلاح التي تتطلب جهود الألوف من الشبان، ثم لا تزال تتطلب المزيد.
أرض تُستصلَح للزراعة.
مشروع كهرباء، أو مشروعات عدة للكهرباء، لا تضيق بمن يقصدها من دارسي الهندسة والصناعة.
مصارف وشركات، ومكاتب وساطة داخلية وخارجية تتسع لطلب الرزق والثراء ولا تكلف طلابها شيئًا من العنت الذي يتكلفونه وهم يطرقون أبواب الدواوين.
أُمِّيون يذهبون ويخلفهم قراء ينشدون المعرفة والاطلاع من الصحف والمؤلفات وسائر المطبوعات …
والمعلمون يزدادون، وهذه المرافق تزداد، ويُرجَى أن تكون الزيادة هنا مكافئة للزيادة هناك، وأن يقترن التطور في الأخلاق والنظر إلى قيم الأمور بكل تطور يجري في مطالب العيش وتكاليف الحياة.
وإذا لم يكن هذا فماذا؟
أتكون أزمة؟ أيكون خطر؟
فلتكن أزمة، وليكن خطر، فإنما خُلِقت الأزمات لمن يفرجونها، وخُلِقت الأخطار لمن يكافحونها، وعلى الجيل المقبل أن يضطلع بأزماته وأخطاره، ويخرج منه أصلح وأقوى مما كان، ما دام صالحًا للبقاء قويًّا على احتمال الصدمات …
فإذا سُئِلنا عن شِعار نتخذه لسياسة التعليم، فالشِّعار الوحيد الذي لا نتردد فيه هو: علِّموا وعلِّموا وعلِّموا … علِّموا كل شيء، وعلِّموا كل إنسان، واتركوا الأزمات لقوم متعلمين فذلك خير من أن تتركوها لقوم جهلاء!
والكلمة التي نلقيها في آذان المتعلمين بعد ذلك هي: إن الأزمة الحقيقة اليوم هي أزمة لعلم للعلم، هي أزمة العلم الذي يتعلمه الإنسان لنفسه ولا يكون تعليم المدرسة بالنظر إليه إلا ضربًا من التمهيد والتوجيه …
وستبقى أزمة العلم للعلم باقية، ما دام العلم عندنا علم مظاهر وألقاب، وعلم مراسم وأشكال …
وعساه لا يدوم على هذه الحال …!

الفصل الثالث والأربعون
العِلم فَيضان ولا بد أن نسبقه بإقامة جسور


اتفق علماء التربية في العصر الحديث على أن تعميم التعليم واجب.
واتفقوا كذلك على أن تعميم التعليم من نوع واحد أمر لا تصلح عليه أمة من الأمم، ولا تحتاج إليه، ولا يتأتى تحقيقه إذا أُرِيد.
وإذا أُرِيد وتأتى تحقيقه فهو ضار شديد الضرر، ولا خير فيه على الإطلاق للأمة في جملتها ولا لآحادها متفرقين.
لأن أبناء الأمة يختلفون في المطالب والرغبات، كما يختلفون في الملكات والأعمال، فمنهم من يتعلم ليشتغل بالصناعة، ومنهم من يتعلم ليشتغل بالزراعة، ومنهم من يتعلم ليشتغل بالتجارة، ومنهم المستعدون للفنون والمستعدون للتوسع في العلوم، وغير ذلك من ضروب الاستعداد.
والذين يشتغلون بالصناعة أو الزراعة أو التجارة يشتغلون بذلك على درجات لا على درجة واحدة، حسب اختلاف الطاقة أو اختلاف الحاجة أو اختلاف طبيعة الإقليم الذين يعيشون فيه.
فهناك تعليم يمكن تصميمه.
وهناك تعليم لا يمكن تعميمه ولا يُطلَب فيه التعميم.
ما الفرق إذن بين التعليمين؟
الفرق بينهما أن التعليم الذي يجب تعميمه لا اختلاف فيه بين طفل وطفل في الاستعداد.
فمهما يكن نصيب الطفل من الذكاء أو قلة الذكاء، ومهما يكن مستقبله من الاتجاه إلى الصناعة أو الاتجاه إلى الفلسفة والعلوم النظرية، فلا غنى له عن نصيب من القراءة والكتابة ونصيب من مبادئ الحساب والجغرافيا وما إليها.
كل طفل بين السابعة والعاشرة، أو ما بعد العاشرة بقليل، يساوي غيره من الأطفال في الحاجة إلى هذا التعليم العام.
ثم يبدأ الاختلاف بين الأطفال حين يتجاوزون الثانية عشرة، فلا يتعلمون على نسق واحد ولا يتساوون في الملكة ولا في المستقبل الذي يتطلعون إليه.
ما هي الوسيلة للتفرقة بينهم على حسب هذا الاختلاف؟
هل نفرق بينهم بمقدار ما يستطيعونه من المصروفات المدرسية؟ هل نفرق بينهم بما عندهم من المال؟
كلا؛ لأنها تفرقة لا تعرفها الديمقراطية ولا تسيغها، بل لا تعرفها التربية الصحيحة ولا السياسة الرشيدة.
وإنما تسيغ الديمقراطية والتربية أن نفرق بينهم على حسب الاستعداد والمزية العقلية.
من ظهر من درجاته المدرسية أنه مستعد للتفوق في العلوم، فالواجب على الدولة أن تمكنه من التوسع فيها، مهما يكن حظه من الثروة أو قلة الثروة.
ومن ظهر من درجاته المدرسية أنه مستعد لغير هذا السلك من التعليم وجب أن يتحول إليه، وأن يكون تعليمه الفني على نفقة الدولة إذا كان من الفقراء.
أما إذا كان أبوه غنيًّا قادرًا على مصروفاته في مدارس التعليم على اختلافها فما هي المصلحة في إعفائه؟ ولماذا نحمل الفقير ضريبة الإنفاق عليه؟
إنها مزاحمة لأبناء الفقراء في حق المجانية، ومساواة للأغنياء بالفقراء ونحن نطلب للفقراء مساواة الأغنياء.
التعليم ليس احتكارًا!
وللمسألة بعد هذا وجه آخر أحق بالاعتبار من كل وجه يتعلق بالمجانية والمصروفات.
المسألة الكبرى هي أن التعليم مهمة قومية ولا يصح أن يكون حكرًا للسلطة في جميع مراحله ودرجاته.
فإذا كان التعليم بالمجَّان في جميع المراحل والدرجات، فمعنى ذلك أنه حكر للحكومة وحدها، وأن مجاله مغلق في وجه العمل الحر والجماعات القومية … وليس هذا من مصلحة الثقافة ولا من مصلحة الحرية الفكرية في شيء.
إن التعليم الثانوي الحر مثلًا لن ينشط ولن يتقدم مع تعميم المجانية في المدارس الثانوية للقادرين وغير القادرين، وللمستعدين له وغير المستعدين.
ومن الجائز أن الدولة تعطي أصحاب المدارس إعانة مالية تعوضهم عن تكاليفهم وتغنيهم عن مصروفات التلاميذ.
ولكننا بهذا نعمل في الحقيقة على «تصفية» المدارس الموجودة ونمد الطريق على من يفكرون في إنشاء المدارس الجديدة، ولن يطول أمد هذه التصفية حتى ينحصر التعليم كله في «الحكر الحكومي»، ويقف التطور في هذه المهمة القومية عند حد يتراجع عنه ولا يتقدم عليه.
والأولى في تقديرنا أن نوفق بين إعانة الحكومة للمدارس الحرة وبين استقلال هذه المدارس في تطورها، فنقصر الإعانة على أبناء الفقراء الذين يتعلمون فيها بالمجان، وندع الأغنياء وواجبهم في تعليم أبنائهم وقدرتهم على إعفاء الدولة من هذا العبء المشترك بين الفقراء والأغنياء.
مهمة قومية …
والرأي الذي أجملته في هذا المقال هو الرأي الذي أخذت به في كل فرصة أُتِيحت في خلال أعمالي النيابية وأعمالي الكتابية.
فهو الرأي الذي أخذت به عند بحث القوانين التعليمية في لجان مجلس الشيوخ ومن قبله لجان مجلس النواب.
وهو الرأي الذي فصلته في الصحف غير مرة، وآخرها مقالي ? «المصور» في الحادي عشر من شهر نوفمبر الماضي، حيث أقول عن تنويع التعليم: «إن أبناء الأمة لم يُخلَقوا جميعًا للتلمذة في المدارس التي نسميها بالمدارس النظرية والمدارس العلمية، ولم يُخلَقوا جميعًا لابتداء التعليم الذي نهايته الجامعة أو المدرسة العالية أو حتى المدرسة الثانوية، فلا بد للبلاد من صناع ولا بد لها من زراع، ولا بد لها من مشتغلين بالبيع والشراء، ومن العبث أن نتكلم عن تدبير المستقبل لأبناء الأمة المصرية كأنهم كلهم تلاميذ نظريون أو علميون.»
وختمت ذلك المقال سائلًا: «هل يغنينا في ارتقاب ذلك اليوم وزير المعارف؟ … بل هل تغنينا الحكومة وما فيها من الوزارات والدواوين؟ … كلا؛ لأن الأمة التي تتمنى على وزير واحد، أو وزارة واحدة، أو عدة وزارات، تتمنى المستحيل.»
وهذه هي المهمة القومية التي نُعنَى بها اليوم، وقد عُنِينا بها على الدوام.
يجب أن يُعمَّم التعليم حيث يتساوى الاستعداد.
يجب أن تُفتَح الأبواب للفقراء المستعدين للعلوم العالية.
يجب أن نفتح للتعليم الحر أبواب التطور والارتقاء.
يجب أن نتخذ الحيطة لاتساع الفصول وتدبير الكفاية من المعلمين.
هذه هي الواجبات التي لا محيد عنها ولا اختلاف عليها.
وزميلنا الدكتور طه حسين يقول حين سألوه عن هذه الحيطة: «إن الجهل حريق، وإن الحريق يعجلنا عن كل احتياط.»
ونحن نقول: إن كلام الدكتور هنا هو كلام الأديب الذي يعتمد على بلاغة التشبيه.
ولكن بلاغة التشبيه تعطينا الشيء ونقيضه في لحظة واحدة، وفي وسعنا أن نمضي مع التشبيهات فنقول: إن العلم فيضان، ولا سلامة مع الفيضان إن لم نسبقه بإقامة الجسور وبناء القناطر وشق الترع وتوزيع المناوبات، وقد كان النيل نفسه خطرًا على مصر حينما استقبلت فيضانه بغير الحيطة اللازمة في عصرنا هذا وفي العصور الخالية، وهي بِنْتُ النِّيل كما قيل بحق في جميع العصور!
وتشبيه الجهل بالحريق لا يعلو في طبقة البلاغة على تشبيه العلم بالفيضان.

الفصل الرابع والأربعون
الصَّحافة والجنون


رفع صاحبي نظره عن الصحيفة وهو يبتسم، ثم ناولني الصحيفة وأشار إلى موضوع فيها قائلًا: هل قرأت هذا؟
فقرأت ما أشار إليه فإذا هو خبر من واشنطن خلاصته أن أطباء الأمراض العقلية في مستشفى القديسة «اليصابات» نجحوا في علاج الجنون بتدريب المجانين على صناعة الصحافة، وأنهم أنشأوا في المستشفى صحيفة عهدوا في تحريرها وإدارتها إلى مائة وخمسة وسبعين مجنونًا، فأخذوا يشفون من مرضهم واحدًا بعد واحد، وثبت للأطباء أن الصحافة دواء صالح لهذا الداء (داء الجنون).
والتفت إليَّ صاحبي منتظرًا متسائلًا: ما رأيك؟
قلت: معقول؟
قال: لا أفهم ما تعني … ما هو هذا المعقول؟
قلت: إن علاج الجنون بالصحافة في اعتقادي أمر لا غرابة فيه، ولكن الذي أستغربه هو: كيف خطرت هذه الفكرة لطبيب المستشفى أو أطبائه؟ ولماذا اتجهت أذهانهم إلى صناعة الصحافة دون غيرها لعلاج المصابين بعقولهم، فليس هذا بالخاطر الذي يخطر على بال الطبيب بغير مقدمات تدعوه إليه!
قال صاحبي: لعلهم يعتقدون أن الصحافة صنعة مجانين.
قلت: لو اعتقدوا ذلك في أمريكا خاصة لما أخطأوا، فإنك كثيرًا ما تلمس دلائل الجنون الصارخ في الصحف التي تُنشَر على الناس خارج المستشفيات، فإذا عهدوا بهذه الصناعة إلى نزلاء المستشفيات فهي بضاعة رُدَّت إلى أصحابها وإدارة حُصِرت في مكانها!
على أنهم لا يخطئون كثيرًا إذا عمَّموا الحكم على الصناعة كلها ولم يقصروه على الصحافة الأمريكية دون غيرها، فليس من البعيد أن الصحافة تحتاج إلى شيء من الجنون في جميع الأمم، وأن الإنسان لا يملك عقله كله وهو يقبل على هذه الصناعة.
سواء شقي بها أو سعد … فالسعداء فيها ولا ريب أجن من الأشقياء.
قال لي: أيملك عقله رجل يتجرد عن شئونه ليشتغل بشئون الناس؟ أيملك عقله رجل يُخيَّل إليه أنه يشرف على الكون ويصلح أخطاء العالمين؟ أيملك عقله رجل يشبع جنون الفضول في نفوس الجماهير ويزودها أبدًا بما يلبي هذا الفضول ويرضي هذا الجنون …؟ إن لم يكن هؤلاء مجانين فقل على الأقل: إنهم أنصاف مجانين، وإن نزلاء المستشفى يجدون في هذه الصناعة برزخًا بين الجنون والعقل ينتقلون عليه من الجنون المطبق إلى ضرب من الجنون «المعقول»!
قال: فالصحافة إذن هي الجنون المعقول!
قلت: لك أن تقول هذا فلا تخرج من عداد العقلاء، ولك أن تقول غير هذا وتبقى أيضًا في عداد العقلاء.
قال: وما غير هذا؟
قلت: غير هذا هو الذي أظن أن الأطباء قصدوه حين فكروا في اتخاذ الصحافة علاجًا لنزلاء مستشفاهم، فإن في الصحافة عناصر كثيرة من تلك العناصر التي يُداوَى بها مرضى العقول، وأولها الثرثرة والتنفيس عن الضمير المكظوم.
فمن المعلوم أن «الكبت» سبب من أقوى أسباب الجنون: ينطوي الإنسان على نفسه ويطيل كتمان حزنه ويعيد ويبدئ في هواجسه وهمومه، فتفعل فيه هذه الآلام المكبوتة فعل السم القاتل، ويخالط في عقله لا محالة ما لم يسترح من محنته بالنفث والشكاية، أو بالتعبير عنها على وجه من الوجوه.
هنا تسعفه الصحافة على الرغم منه؛ لأنها لا تدع في نفسه ذخيرة مخزونة يبيت عليها وتضطره إلى تصريف ما عنده حتى يقول على غير وعي منه كل ما يريد، بل يبحث أحيانًا عما يقول فإذا هو يقول ما لا يريد.
وهناك عنصر آخر من عناصر الصحافة يساعد على علاج الجنون، وهو: الشعور بالرقابة، والتنبه إلى الجمهور.
فلا يخفى أن المجنون الذي يخرج عاريًا إلى الطريق إنما يفعل ذلك؛ لأنه فقد الإحساس بوجود الناس.
وكذلك تنشأ عادات الجنون غالبًا من فقدان هذا الإحساس على نحو من الأنحاء، فإذا أخذ المجنون في التنبه إلى جمهور يتعقبه ويتابع كلامه فهذا في الحقيقة هو بدء الشفاء، وهذا هو أول عمل الصحافة في تنبيه المجانين إلى وجود الرقباء والقراء.
فلا عجب أن تكون الصحافة علاجًا للجنون.
قال صاحبي: نعم؛ لا عجب، وقد يكون «المصل» الشافي من جرثومة الداء.
والحق أن خبر «المستشفى الأمريكي» جدير بعناية كل طبيب وكل مشتغل بالمسائل النفسية؛ لأنه على ما فيه من دواعي المزاح جد لا شك فيه.
وأحسب أن تجاربنا الصحفية في مصر تؤيِّد هذا الكشف الطريف الذي اهتدى إليه أطباء «القديسة اليصابات».
فإنني واحد من الصحفيين الذين طال اشتغالهم بالصحافة لا أذكر زميلًا واحدًا انتقل من مكاتب الصحف إلى مستشفى المجاذيب، وأذكر على نقيض ذلك رجلًا كان في مستشفى المجاذيب فانتقل إلى مكاتب الصحافة وزاول فيها أعمالًا كثيرة منها التحرير والإدارة والإشراف على المطبعة، فكان مثلًا في الاجتهاد والتوفيق.
وأذكر من تجاربي في الصحافة ما يشهد بفراسة الأطباء الذين اختاروها لجذب المجانين إلى العمل النافع.
فإن فيها لجاذبًا قويًّا لكثير من المجانين والمخبولين، وقلما مضى أسبوع في أيام عملي بالصحافة اليومية لم أتلقَّ فيه خطابًا من مجنون يعرض عليَّ فيه بعض المقترحات أو يشير عليَّ ببعض الموضوعات.
وأعجب ما تلقيت من ذلك ولا أزال أتلقاه أن أحدهم تصدى لإصلاح الكون كله، وأوحي إليه أنني مطالب بكتابة مقالات ثلاث أبشر فيها برسالته وإلا حلت عليَّ لعنة الله وبطلت مهمة الإصلاح، وأنا المسئول!
قلت له: أأنت نبيٌّ؟
قال: أكثر من نبي، أنا ملهم الأنبياء.
قلت: ولكن إذا كانت رسالتك كلها تتوقف على مقالات ثلاث أكتبها فأنا أقوى منك وأجدر بالنبوة، وأشهد أمامك إنني لست من الأنبياء ولا من الأولياء.
فلم يقنعه كلامي وما زاد على أن قال: إنما هي أسباب، إنما هي أسباب …
وحدث مرة أنني كنت أعمل في الصحيفة التي أزامل فيها طليق المستشفى الذي أشرت إليه، فلم أدرِ ذات يوم إلا ومجنون شارد العينين يهجم على مكتبي وهو يصيح: اكتب عندك، لقد منعوني من دخول الديوان.
فسألته: أي ديوان؟
قال: ديوان رياسة الوزارة.
قلت: ومن تكون أنت؟
قال: ألا تعلم؟ أنا صاحب الدولة رئيس الوزراء.
قلت في ذات نفسي: لا يفل الحديد إلا الحديد، وبالغت في الاعتذار إليه وأنا أدعو بالفرَّاش ليقوده إلى مكتب ذلك الزميل، وأرجوه أن يعفيني من كتابة الخبر؛ لأن مقامي في الصحيفة لا يسمح لي بالتعرض لهذه الأخبار الجسام، وإنما هي من اختصاص المحرر الذي أرسله إليه.
ولم تنقضِ خمس دقائق حتى كانت الصحيفة من أعلاها إلى أدناها تعجُّ بصوتين متعاليين لا يفهم أحد ما يقولان: صوت صاحب الدولة المطرود من ديوانه، وصوت زميلنا المطرود — لحسن حظه وحظي — من مستشفى المجاذيب!
إنها لفكرة عبقرية تلك الفكرة التي أوحت إلى أطباء واشنطن أن يستغلوا جاذب الصحافة في علاج المجاذيب، وأكبر الظن أنهم وقعوا عليها؛ لأنهم يفهمون جيدًا ما هو المجذوب! يفهمونه بمشاركة في شيء من الأشياء، لا بمجرد العلم والتجريب!

الفصل الخامس والأربعون
الجَيش وقائده


لا نعتقد أن فاروقًا كان يعقل أن يضع لنفسه سياسة يحمي بها عرشه ويوطد عليها دعائم ملكه، ولكنني أرجح أنه تلقى من أبيه وصية مكتوبة أو محفوظة تلخص له قواعد السياسة التي يعتمد عليها لحماية العرش وتوطيد دعائم الملك، ومنها الاحتفاظ بولاء الجيش وولاء الأزهر، وقد كان أبوه يحاول الاحتفاظ بولائهما غاية ما وسعه، ولم يكن وسعه بالقليل.
هذه السياسة — ولا شك — أصح سياسة يوصي بها الملك من يخلفه على عرشه، فليس أنفع للعروش من ولاء القوة والعقيدة، وهما متمثلتان في رجال الجيش ورجال الدين.
ولكنها منفعة لا تتأتى إلا للملك النافع، فإن كان ملكًا غير نافع فأخطر الخطر عليه من حيث يقدر الحماية والأمان.
ولهذا كنت أقول وأكرر القول لصاحبي في السنوات الأخيرة على الخصوص: إذا خُلِع فاروق، فلن يتم خلعه بمعزل عن الجيش أو الأزهر، وقد يخلعانه متفقين.
إن الفاسد يفسد على نفسه كما يفسد على غيره، ولن يكون الملك فاسدًا حيث تصلح سياسته لكسب الأنصار والاحتفاظ بولاء أنصاره، فإذا فاته أن يكسب الأنصار المحافظين على ولائه فلا حماية له ولا لعرشه من أحد، وجاءته الرزايا من وجوه المطالب كما قال الشاعر الحكيم.
كل ما فهمه فاروق من الاحتفاظ بولاء الجيش وولاء الأزهر أن يفرض على كل منهما أعوانًا وأذنابًا يخدمونه ويخدمون مصالحهم في وقت واحد، ووقع في خلده أنهم يخشونه لا محالة ما دامت مصلحتهم مقرونة بمصلحته وما دامت مناصبهم موقوفة على مشيئته، فما زال على هذا الجهل حتى انتهى الأمر إلى موقف لا لبس فيه بينه وبين جيشه؛ إن هؤلاء الخدم الذين فرضهم على الجيش قد أصبحوا لازمين له لحمايته هو من الجيش، ولو وقف الأمر عند هذا لكان الخطب أعظم من أن يُستدرَك، ولكنه كان أخطر وأفدح من ذلك بكثير؛ كان هؤلاء الخدم يحتاجون إلى من يحميهم هم من الجيش أيضًا ولم يكن لهم تعويل على غير مرجع واحد، فمن هو هذا المرجع؟
فاروق!
لقد كانت السياسة الرشيدة أن يحتفظ الملك بولاء الجيش؛ لأن الأمة كلها تدين له بالولاء وتحميه بكل قوة وفي طليعتها القوة العسكرية.
فما زال به الجهل حتى أصبح أذنابه وأعوانه حِمى له من الجيش، وهم أعجز من أن يحموا أنفسهم، لو لم يعتمدوا عليه …!
وصل فاروق إلى هذا الموقف قبل حرب فلسطين، فلما تكشفت تلك الحرب عن فضائح السلاح «لم يبقَ في الجيش المصري ضابط، ولا جندي يضمر الولاء للملك المجرم الذي بلغت به الضعة — والعياذ بالله — أن يتجر بأرواح جنده وهم في ساحة القتال»، وشملت الريبة كل عامل في القوى العسكرية من المقربين إليه والمقصيين عنه على السواء، وغاية ما بينهما من الاختلاف أن أذنابه المقربين كانوا ينظرون إلى منافعهم ويخشون على مراكزهم، ويحسبون حساب العقاب، ولا يعرفون سبيلًا إلى المخرج من المأزق الذي انحصروا فيه … فيودون لو بقي فاروق حماية لهم، وهم على هذا متوجسون غير مطمئنين إليه.
ولقد وضح منذ سنوات أن دوام فاروق على العرش أمر مشكوك فيه، ولكنه كان شكًّا يقترن ببعض الأمل في الصلاح وبعض الحيرة في المصير، ثم أخذ هذا الأمل ينقطع شيئًا فشيئًا وأصبح السخط في القلوب غالبًا على كل حيرة في العقول، حتى إذا كانت الأسابيع الأخيرة من عهده المشئوم جرى ذكر الكوارث التي تتعاقب على الأمة في مجلس يضم أكثر من عشرين مصريًّا بين أديب وصحفي وأستاذ وطالب، فقال قائل: وما العمل؟ … قلت: إنها الثورة لا محيص لنا منها، وليكن ما يكون! والحمد لله … جاءت الثورة ولم يمضِ شهران.
وجاءت سليمة لم يُسفَك فيها دم ولم يضطرب فيها حبل الأمور، وقد كان الخلاص من عهد فاروق ضرورة لا تستكثر عليها أن تقدم الأمة في سبيلها على خسارة في الأرواح والأموال، واضطراب الأمور شهورًا أو أكثر من شهور، فلما تكفل الجيش للأمة بالثورة التي كانت مطلوبة منها عُوفِيت من جرائرها وأهوالها وانتظمت الأمور في سياقها، وانجلى ملك مكروه من عرشه بأيسر من جلاء عمدة في قرية صغيرة، ينصره أناس ويخذله آخرون.
وبحق أعلن الجيش أنه يحارب فساد فاروق، ولا يقصر حربه على شخص فاروق.
وبحق أعلن كذلك أنه فساد في نظام الإقطاع كله، فلا يتأتى القضاء عليه إذا انقضى فاروق وترك وراءه ألوفًا من الفواريق الصغار.
وقبل أن يسأل السائل: وما للجيوش ولهذه الشئون؟ عليه أن يسأل: كيف كان الخلاص لو لم تخلصنا حركة الجيش من فاروق؟
إن فاروقًا قد نزل عن العرش وهو في الثانية والثلاثين من عمره، فلو أنه بقي على العرش إلى نهاية أجله فلا يعلم إلا الله كم سنة تتعاقب على مصر وهي تنحدر من هاوية إلى هاوية، وتتقهقر من نكسة إلى نكسة، وتتهافت من خرابٍ على خراب، وتتلطخ بوصمة بعد وصمة من وصمات ذلك الفساد الذي جعلها مضغة في أفواه العالمين، وأسقط الثقة بها في حساب العروض والأعراض.
أما إذا قُدِّر له أن يخلع قبل نهاية أجله، فمن المستبعد جدًّا أن يتفق ملوك الإقطاع الصغار على خلع ملك الإقطاع الكبير، وإنما يجيء خلعه بقوة أجنبية، تعصف باستقلال البلد أو بثورة شيوعية تعصف بكل خير فيه وتسلمه إلى الفوضى التي لا يدري أحد متى تثوب إلى قرار.
فإذا كانت ثورة الجيش قد عصمت مصر من إحدى هذه العواقب وكلها شر لا خير، فمن حقه — بل من واجبه — أن يدفع غائلة النكسة عن هذا الوطن فلا يرجع إلى الهاوية التي لم يكد يخرج منها، ولن تُؤمَن هذه النكسة مع بقاء نظام الإقطاع على شره الذي عهدناه، ولو عقل الإقطاعيون لسبقوا غيرهم إلى حمد الله على هذه النتيجة، فإنها حماية لهم في آخر المطاف.
ومن التوفيقات الإلهية أن يتولى قيادة الجيش في هذه الثورة رجل من أصلح القادة لحرب الإقطاع، رجل لو قيل فيه إنه محصن الضمير ? «مصل نفساني» مضاد لآفات الإقطاع لما اختلف تعبير المجاز وتعبير الحقيقة في وصفه، فإن آفات الإقطاع جميعًا تتلخص في الولع بالمظاهر والاستكثار من جمع المال بغير حاجة إليه، وكل من عرفوا ذلك القائد عن كثب، يعرفون عنه طبيعة النفور من المظاهر والميل إلى الاعتكاف والزهد في المال.
ومن التوفيقات الإلهية أيضًا أن يُبتَلى جشع فاروق بقناعة ذلك القائد الملهم، وأن يدخر القدر لثورة الجيش في حرب الإقطاع رجلًا من أصلح الناس أن يكون قدوة لمن يحاربون الإقطاع، ويعتصمون بنزاهة اليد والضمير من آفات الإقطاعيين وفتن الإقطاع.
ولم يكن كافيًا لتمام العمل التاريخي الذي لا يتكرر كل يوم أو كل جيل أن يزول فاروق ويبقى بعده ألف فاروق أو أكثر من ألف فاروق، فليست نهاية فاروق هي نهاية الحركة، ولكنها فاتحة عهد لا بد أن تستقر على أساس وطيد.
وليس المقصود بهذا أن عمل السياسة في مصر قد بطل، وأن القوة العسكرية مسئولة وحدها بعد اليوم عن تدبير معضلات السياسة والاجتماع والاقتصاد، وسائر ما ينتظم في جملة مهام الإصلاح.
إن كاتب هذه السطور آخر من يرى هذا الرأي أو يقول بهذا القول، وإنه لقول لا يقول به فيما نعتقد إلا متملق جاهل، والمتملق الجاهل يسيء إلى من يتملقه من حيث يحسب أنه يثني عليه.
فالعلم بالفنون العسكرية في هذا العصر أوسع من أن يحيط به رجل واحد؛ لأنه معرفة تتناول أسلحة الجو والبحر والبر وأبواب العلم الطبيعي والرياضي التي تدخل من قريب أو بعيد في هذه الفنون، وتحتاج مع هذا إلى الخبرة بالأطوار النفسية وأساليب الدعوة والاستطلاع، لا يحيط بها قائد فرد ولا يستغني فيها على أية حال عن مشورة الخبراء ممن يعلمون مثل علمه أو ينفردون بعلم لم يطلع عليه.
فليست القيادة العسكرية من السهولة بحيث ينهض بها قائد واحد، وينهض بغيرها من المهام الكبرى في وقت واحد.
وليس هذا — فيما نرى — هو المطلوب في مرحلة الإصلاح، فما هو المطلوب في هذه المرحلة بالإيجاز؟
إننا نعلم المطلوب إذا علمنا المحذور الذي اتقيناه ولا نزال نتقيه.
وهذا المحذور هو شعور الموظف الفاسد بحماية الفساد الأكبر له.
إنه يخالف الشرع والعرف والحياء ولا يبالي العاقبة؛ لأنه يخدم بالمخالفة سيدًا يغريه بها ويكافئه عليها، فإذا زال هذا السيد وزالت هذه الحماية فقد زال المحذور.
والذي نرجوه من حراسة الجيش لحركة الإصلاح أن يؤمن كل عامل بزوال حماية الفساد وقيام حماية في مكانها، تؤيد الصالح المصلح وتملأ سريرته بالطمأنينة إلى النجاح والتوفيق فيما يتوفر عليه ويصمد له من الخدمة العامة والجهد الشريف.
كانت حماية المفسدين أس الفساد.
فإذا زالت هذه الحماية المفسدة وقامت في مقامها الثقة بحماية العمل النافع والعاملين النافعين، فذلك هو أس الصلاح والإصلاح.

الفصل السادس والأربعون
مَلكان ومَرضَان


نزل طلال ملك الأردن عن عرشه لمرض أصابه، وقيل عن هذا المرض: إنه هو داء «الفصام» الذي يعرفه الأطباء النفسانيون في أوروبا وأمريكا بأسماء متعددة منها الشيزوفرانيا Schizophrenia وDementia praecax أي: الخرف المبكر. واسم «الشيزوفرانيا» من وضع الطبيب السويسري الدكتور أوجين بلولر Eugen Bleuler الذي عاش إلى سنة الحرب العالمية الثانية، ودرس هذا المرض دراسة خاصة دعته إلى تغيير اسمه في سنة ????، وتابعه على هذا التغيير طائفة من الأطباء الأمريكيين على الخصوص. وأعراض هذا المرض عند «بلولر» هي فقدان التجاوب العاطفي بين المريض ومن حوله وما حوله، والاستسلام أحيانًا والتصلب أحيانًا أخرى، وبدوات التفكير التي تخالف القياس المنطقي، والوساوس التي تعاود صاحبه كلما صدمته الوقائع أو لغير سبب ظاهر في كثير من الأوقات.
وينطوي هذا المرض على أنواع كثيرة، منها الخرف البسيط Simplex Dementia والأفانين الشاذة Catatonia وأوهام الخيلاء Paranoid والاضمحلال Heberphrenia وقد رده فرويد كعادته إلى الأسباب الجنسية، فقال إنه يرجع في أصوله إلى شذوذ جنسي كامن، ولكنه رأي لا يأخذ به معظم النفسانيين، ومنهم من يلخص المرض في نزاع داخلي دائم ينجم عن شعور بالهوان لا فكاك منه وعجز من المريض عن الثقة بكرامته بين الناس، فلا يزال ناقمًا مما يتوهمه من علامات احتقارهم واستخفافهم، لائذًا بالعزلة فرارًا من هذا الشعور واعتقادًا منه أنهم يطلعون على هوانه كلما نظروا إليه. على أن الاسم القديم — وهو الخرف المبكر Dementia praecax — لا يزال هو المعوَّل عليه في التعبيرات العلمية، ودلالته على أنواع المرض كلها وأسبابه جميعًا أوسع وأصدق؛ لأن هذا الاسم يدل على الإصابة بالمرض في سن الشباب قبل بلوغ الشيخوخة، ويدل على الأعراض جملة وهي إعياء العاطفة وفقدان الصلة بالأحوال الجديدة تشبثًا بالأحوال التي استقر عليها شعور المريض وعجز عن تبديلها، ويدل على تداعي البنية تداعيًا يشبه أعراض الهرم وينتهي كنهايته، إلا إذا كُتِب الشفاء للمريض، ومن رأي الدكتور السويسري أن المصاب بهذا المرض قابل للشفاء. وقبل أن يصل الملك طلال إلى القاهرة للعلاج في مستشفياتها لحق به ملك مصر نفسها ونزل عن العرش لأسباب غير أسباب المرض، وهي استجابة رغبات الأمة التي أعرب عنها الجيش في بيانه.
على أن فاروقًا في رأي الكثيرين لم يسلم من مرض نفسي كمرض طلال أو من قبيله، وقد ازداد الظن باختلاله وثوقًا على أثر الأخبار التي عُلِمت عن أطواره المجهولة مما كان يطلع عليه خاصته ويكتمونه أو ينشرون ما يناقضه.
وقيل: إن بعض الأطباء الأجانب لحظوا أعراض الاختلال على تكوينه بعد الكشف عن إصابته في حادث القصاصين، وقيل: إن عشراءه كانوا يشهدون منه على الدوام نزوات عنيفة لا تصدر عن العقلاء.
ولكننا لم نسمع قولًا قاطعًا عن تقرير الأطباء الأجانب الذين تولوا علاجه الأول في حادث القصاصين، وأكثر الذين يقرأون الدراسات النفسية من غير الأطباء — ونحن منهم — يطبقون ما قرأوه على أخباره وأطواره، فيجدون أنها تنطبق تارة على جنون القسوة Sadism وتنطبق تارة أخرى على جنون السرقة Kleptomania، وتنطبق تارات على جنون الشهوة Satyriasis ولا تعوزهم الأدلة على نوع من هذه الأنواع. ونحن على اعتقادنا أن التوصيف الطبي يساعد كثيرًا على تمييز هذه الأمراض نعلم أن مجال التقديرات الفكرية لم يزل متسعًا جدًّا لغير المتخصصين في المسائل النفسية؛ لأن المعول الأكبر فيها على شواهد الأعمال وقرائن العادات والمألوفات.
فالمفهوم أن جنون القسوة Sadism هو نفسه نتيجة لأنواع مختلفة من الاختلال، وليس هو العلة التي تنتج ذلك الاختلال. ومن أنواع الاختلال هذه ما يرتبط بالنوازع الجنسية، ومنها ما لا علاقة له بالنوازع الجنسية ولكنه ينم على النكسة Atavism التي يرتد بها صاحبها إلى قسوة كقسوة الوحشية الضارية، ومنها ما يدور على كل مركب للنقص يدفع المصاب به إلى الخلاص منه بإظهار القوة وشغل العاطفة بما يثير ويغيظ ويبعث الدهشة أو الامتعاض. وربما كان جنون القسوة من آفات فاروق، ولكنه لا يغني عن سبب آخر يُرجَع إليه.
أما جنون السرقة فمن شرائطه الغالبة حب الاختلاس والإخفاء، وقد كانت آفة فاروق أقرب إلى السطو منها إلى السرقة المختلسة، وعلة الحالتين فيما نرى أنه أضعف من أن يقاوم الإغراء كلما ألمح شيئًا يحب أن يحتجنه ويدخله في حوزته، وذلك مرض آخر سنعود إليه.
وأما جنون الشهرة الذي يُنسَب إلى «الساتير» فهو دوافع غريزة وليس مجرد مظاهرات وتمثيليات كما يُفهَم من أطوار فاروق في قصص المغامرات والشهوات، إن المرض الأصيل الذي غلب على طبيعة فاروق فيما نعلم هو (توقف النمو).
ويسمى بالإنجليزية Arrested development وتتفرع عليه حالة تُسمَّى بحالة التشبث Fixation وقد كانت ظاهرة الأعراض على فاروق. وتوقف النمو هذا مرض كثير الشُّعَب متعدد المقاييس، فقد يكون الإنسان رجلًا مستوفيًا نموه الجسدي وهو مع ذلك طفل في نموه الاجتماعي أو العقلي، وقد يكون ناقص النمو في جميع هذه الوظائف بالقياس إلى إنسان آخر في مثل سنه وظروفه.
ومن أشد آفات هذا المرض أن يكبر الرجل، ولا يزال شعوره نحو أبيه خاصة شعور الطفل نحو الأب الذي يعوله ولا يقوى على فراقه.
وقد يتخذ له بديلًا من الأب يركز حوله شعوره ويتعلق به، ولا يطيق الانفصال عنه أو نسيانه والتغاضي عن ذكره، وهذه هي حالة التشبث.
ويجوز أن يكون هذا البديل هو ضريح أبيه أو صورته أو أثرًا من آثاره التذكارية يحتفظ به الابن احتفاظًا جنونيًّا لا يفسره مجرد الحب الأبوي أو الوفاء.
ومما لا شك فيه أن فاروقًا كان مصابًا بهذه الآفة على أشدها، وكانت غرائبه كلها تدور عليها، فقلما حدث حادث سياسي إلا ذكر فيه أباه، وقلما تكلم عن مشروع إلا أشار فيه إلى رغبات أبيه، وقلما عرضت مناسبة إلا ذهب فيها لزيارة ضريحه وبكى عنده أو تباكى بعد الوفاة بسنوات.
هذه الآفة من شأنها دائمًا أن تشعر صاحبها بقصوره وتلعج نفسه «بمركب النقص» الذي يدفعه إلى إظهار القوة وإظهار القسوة والشك في كل أحد غير «محور التشبث»، كأنه يتهمهم جميعًا ولا يلقي باعتماده الباطن كله على غير هذا المحور.
وهذه الآفة، من جانب ما فيها من توقف النمو، تقترن بدوافع كدوافع الطفولة التي تحب أن تضم كل شيء إلى حوزتها علانية أو خلسة دون أن تشعر بغرابة عملها، وهذه هي الأعراض التي تلتبس بأعراض «الكلبتومانيا» أي: جنون السرقة، وليست هي جنون السرقة بعينه في سائر الأعراض.
إن «التشبث» الناشئ من توقف النمو يفسر لنا قسوة فاروق كما يفسر لنا ولعه بالاستيلاء على كل ما يراه، ويفسر لنا كذلك مظاهراته وتمثيلياته التي حسبها بعضهم من جنون الشهوة، فما هي في حقيقتها إلا «مركب نقص» في طبيعة لا تشعر باستيفاء كيانها، فهي تتخلص من ألم النقص بتلك المظاهرات والتمثيليات.
ومن المرجح أن يكون الاختلال المقترن بأمثال هذه الآفات كامنًا بالوراثة تضاف إليه الطوارئ الاجتماعية والشخصية، فينكشف على درجات، أو ينكشف دفعة واحدة في بعض الأطوار.
وقد حصرت مراحل العمر التي تكشف عن الجنون الكامن في أسنان ثلاث: سن المراهقة وهي من الحادية عشرة إلى السادسة عشرة، وسن النضج وهي من العشرين إلى نحو السادسة والعشرين، وسن اليأس أو سن الحرج وهي في الرجال بين الخامسة والأربعين والخمسين، وقد تتأخر إلى الستين وما بعد الستين.
وقد تكون العوامل الاجتماعية والعوامل الشخصية مضاعفة للآفات الكامنة أو معجلة بظهورها واستشراء أمرها، فإذا كان الأب هو «محور التشبث» في نفس المريض فمن العوامل التي تضاعف هذا التشبث أن ينقطع التعاطف بينه وبين أقربائه أو يحدث منهم ما يذله ويحيره، ويدفعه إلى المزيد من التعلق بذكرى أبيه، وإذا اتفق أن الابن فقد أباه وهو قاصر، يعلم قصوره وتذكره به الظروف، فمن المؤكد أنه لا يتخلص من هذا الشعور بسهولة كما كان خليقًا أن يتخلص منه لو كبر ونما حتى يكون سلطان الأب مضايقًا له دافعًا به إلى التمرد عليه.
ومن المؤكد كذلك أن الإلحاح على البنية بالسهر والإجهاد والتعرض للمخاوف والمقلقات حائل دون الشفاء، ومدد جديد للعلة، ومعجل لظهورها قبل الأوان.
ومن كان ملكًا يصنع ما يروقه ويأبى أن يحاسب نفسه ويتعالى أن يحاسبه غيره أو يستمع إلى ثناء المتملقين وينفر من نصيحة المخلصين، فقد أطبقت عليه البلية وامتنعت عليه سبل النجاة، وصحت فيه قولة قالها أبو تمام، لا تُنسَى في عبرة من عبر الأيام الجسام:
قد يُنعِم اللهُ بالبلوى وإن عظُمتْويبتلي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعَمِ أعاننا الله على بلاء النعم قبل بلاء النقم، ووقانا مزالق السراء والضراء حيث نشاء وحيث لا نشاء.

الفصل السابع والأربعون
حُريَّةُ القَلم والرِّيشة والإزمِيل


حرية الرأي قوة لا تقف في طريقها قوة.
ومن الخطأ أن يُقال إن حرية الرأي كانت محبوسة أو مقيدة في عصور التاريخ القديم، فإن الواقع أنه لم يكن هناك رأي، فلم ينطلق الرأي لأنه غير موجود أو غير قادر على الانطلاق، ولم تدعُ حاجة من الحاجات العامة إلى حبسه أو تقييده.
فلما وُجِد الرأي وُجِدت حرية الرأي على الأثر؛ لأن السلاح نفسه ينكسر في وجه الرأي الحر ولا يصمد لمقاومته، وليس من الميسور لأحد أن يحكم بقوة السلاح عشرات الملايين من الآدميين الذين يخالفونه في الرأي؛ لأن الحكم يتطلب أشياء كثيرًا غير إخضاع المحكومين بالقوة، ولأن أصحاب القوة أنفسهم قد يسري إليهم رأي المحكومين فيضم القوة إليه.
وكان الناس قديمًا يحكمون على حسب حاجتهم إلى الأمن والمعيشة لا على حسب حاجتهم إلى الرأي والمذاهب الفكرية.
كان المحكومون لا يطلبون نوعًا من الحكومة غير الذي يطلبه الحاكمون، فكان الراعي والمرعي متفقين على قاعدة الحكم أو على أصول الحكومة، وكان غضب المحكومين غضبًا على أشخاص يسيئون سياس الرعية، ولم يكن ثورة على الأصول التي تقوم عليها سياسة الدولة.
فإذا ثاروا فليست هي ثورة رأي ولا دعوة إلى فكرة جديدة، ولكنها ثورة قوة مادية على قوة مادية من نوعها، ثورة أجساد على أجساد، لا ثورة عقول على عقول أو أفهام على أفهام.
أما السلطة الدينية في الزمن القديم فقد كانت سلطة مطلقة يوم كانت «معلومات» المتدينين لا تدعوهم إلى الشك في العقائد التي تعززها تلك السلطة، فلما وُجِد الشك وُجِدت الحرية معه ووُجِدت على قدره، واتفق كثيرًا أن عقيدة جديدة تنقض عقيدة قديمة، فكان يتفق أيضًا أن تجري العقيدة الجديدة في مجراها على حسب تمكنها من النفوس، وإن وقفت لها قوة السلاح بالمرصاد.
ثم نما نصيب الفرد من الحرية على حسب نصيبه من العلم والمعرفة والدوافع النفسية، فأصبح الإنسان يحكم برأيه ولا يكفي في سياسته أن يحكم على حسب حاجته إلى الأمن والمعيشة، بل أصبح له رأي في الخطط التي يستقر عليها الأمن وتحسن بها المعيشة، فبلغت حرية الرأي قوتها التي لا تصمد لها قوة، ولا تزال في ازدياد كلما ازدادت مع الزمن حرية الآحاد.
وكان قسط الفنون من هذه الحرية على حسب حاجتها إلى الصراحة من جهة، وعلى حسب الخطر منها على ذوي السلطة من جهة أخرى.
فكان الجهاد في سبيل حرية القلم أظهر من الجهاد في سبيل حرية الريشة والإزميل، وكان سبقها إلى طلب الحرية على ترتيب صراحتها وخطرها، فسبق اللسان ثم تلاه القلم، ثم تلته الريشة والإزميل ثم تلاها المعزف؛ لأنه أقل الفنون حاجة إلى جهاد السلطة والمتسلطين.
سبق اللسان لأنه كان قبل المطبعة أقوى من القلم، وكان هو أداة الخطاب الأولى بين طالب الحرية ومن يخاطبهم ليطلبوها مثله.
ثم جاء دور القلم حين شاعت القراءة وشاعت وسائل نقلها إلى العدد الأكبر من المتعلمين.
ولم تكن بالريشة أو الإزميل حاجة إلى مثل هذا الجهاد في طلب الحرية؛ لأن الصورة تجمع بين الحاكم والمحكوم في تعبير واحد أو تعبير متقارب، فإذا كانت صورة ثائرة تصدى لها من يمنعها، ووجب لها في هذه الحالة جهاد الألسنة والأقلام.
أما الموسيقى فهي لغة إنسانية عامة، وهي لهذا تتكلم بكل لسان ويغلب فيها الجانب المشترك بين جميع الناس على الجانب الذي ينفرد به الآحاد.
ولسنا نعني بذلك أن فنون التصوير والنحت لا تعاني حجرًا أو تقييدًا في زمن من الأزمان، ولكننا نعني به أن الحجر يصيبها من أصحابها قبل أن يصيبها من سلطة غاشمة أو دولة قائمة، فلا تزعج الحاكمين ولا يضيرهم أن يقع الخلاف بينها وبينهم إلى زمن طويل.
ويقع الحجر على الفنون الجميلة من الشعوب المحكومة قبل أن تستهدف له من الحاكم المسيطر عليها.
فإذا جمد الشعور، وفترت النفوس، وقصرت الهمم، وضاق أفق الخيال، فهي التي تحجر على الفن الجميل من غير حاجة إلى سلطان أو تشريع، ويأتي عمل السلطان والتشريع في الحجر عليها تابعًا لعمل الرعية، وهو في الواقع أحرى أن يسمى عجزًا عن العمل وانصرافًا إلى الدعة والجمود.
فالفن المصري كان في عهد العظمة الفرعونية لا يلقى عنتًا من الفراعنة العظام وهم في ذلك العهد أرباب يُعبَدون.
فلما انقضى عهد العظمة وأعقبته عهود الضعف والخمول جاءته القيود من أصحابه، وجاء الحجر على صناعة التماثيل من المثَّالِين، وكان المثالون عنوانًا للشعب كله في جمود شعوره وعجزه عن تذوق الفن الجميل على إطلاقه، وهذه هي الفترة التي أصبح فيها التمثال البشري مجموعة من المقاييس المقررة بين حجم الرأس وأحجام سائر الأعضاء، وبين طول الذراع وطول الساق، أو طول الكف وطول القدم، على نحو لا يختلف بين إنسان وإنسان، وإن رأى المثال بعينه أن التمثال يخالف صاحبه في هذه المقاييس.
ويحدث في صناعة المعزف ما يحدث في صناعة الريشة والإزميل، فيسري الجمود إلى ألحان من جمود السامعين والمستمعين، ولا يسري إليها كثير من جمود رجل السياسة أو جمود رجل الدين، وينتهي الأمر بالحس الجامد في صناعة الألحان إلى مقاييس محفوظة كمقاييس المثالين التي يفرضونها على نسب الأجسام والأعضاء، فلا يأتي اللحن معبرًا عن شعور لأنه لا شعور، ولكنه يأتي على حسب المقاييس المفروضة لكل نغمة ولكل مقام، أو يأتي آليًّا يخرج من آلات، ولا يأتي إنسانيًّا يخرج من قلوب ونفوس.
ويُخيَّل إلينا أننا وصلنا في هذا العصر إلى حالة لا نتكلم فيها عن الحرية ولا عن الحجر على الحرية فيما يرجع إلى الفنون الجميلة، ولكننا نتكلم عن «البطر» في استخدام الحرية الفنية، فإن الشبع من الحرية قد وصل إلى حد «البطر» الذي يُخشَى منه على جمال الفن كما كان يُخشَى عليه قديمًا من الحجر والتقيد أو من الجمود والخمول، وكلا الطرفين يلتقيان، كما يُقال.
فمن البطر في الحرية تلك المذاهب السخيفة التي تبتلي فنون الكتابة والتصوير والغناء في هذا الزمن بنكسة من نكسات السقم والاعوجاج لا موجب لها، إلا أن الفنان قد ملك الحرية كلها فظن أنه يفعل ما يشاء.
كان الأديب يستخدم الرمز في الخرافات والأمثال والحكم التي هي من قبيل حكم لقمان؛ لأنه كان في خوف على نفسه من ذوي السلطان، فأصبح لدينا في العصر الحديث من يتعسفون الرموز لغير حاجة، ثم تسألهم عن المعنى الذي أرادوه فإذا هو «أولًا» معنى لا يؤديه ذلك التعبير، وإذا هو بعد ذلك معنى يُقال في لفظ صريح وعبارة واضحة، لا يلجئ أحدًا إلى اللف وراء الرموز.
وكان الهمجي يرسم الإنسان أو الحيوان في صورة شائهة؛ لأنه لا يحسن الرسم ولا يعرف تمثيل المنظور في الظل والنور، فأصبح لدينا في العصر الحديث من يشوهون أشكال الإنسان والحيوان ويرسمون رجلًا أو امرأة، فلا يعرف أحد — ولو كان من المصورين — من هو ذلك الرجل ومن هي تلك المرأة … وتسألهم فيقولون لك: إنه مذهب المستقبليين أو مذهب فوق الواقعيين، وإنهم ينقلون عن الوعي الباطن الذي يتشدقون به ولا يعرفونه، ولا يعرفون أهو وعي باطن الراسم أو وعي باطن المرسوم، ويتمادون في ذلك مدرسة بعد مدرسة، وفنانًا يسابق فنانًا في الإيهام والتشويه، كأنما التصوير فن من فنون التنجيم، أو كأنما الوعي الباطن قد ألغى الحس الظاهر، أو كأنما الوعي الباطن مخترع حديث لم يصحب الإنسان منذ كان، أو كأنما المصور أقدم من أصحاب الصناعات في هذا المضمار، وهو إن لم يحسن النظر بعينه إلى الأشكال والظلال فليس له حجة في ادعاء ملكة غير هذه الملكة بحق صناعة التصوير.
هذا هو دور البطر، وهو يصيب جمال الفن كما يصيبه فَقْدُ الحرية، ولكننا نعود فنقول: إن الحرية الفنية أقوى من القيود وأقوى من البطر، وهي التي يصح فيها أن نستعيد كلمة سليمان الحكيم فنقول: إنها هي أقوى من الموت نفسه؛ لأن النفس البشرية في سبيل حريتها تقتحم سدود الموت، ثم تقهر الموت بالخلود في عالم الفنون.