Advertisement

حليب أسود إليف شفاق

حليب أسود
إليف شفاق
ترجمة أحمد العلي




تقديم

حليبٌ أسود؛ مُذكّرات الروائية التركية ألف شفق، كاتبة الرواية المعروفة (قواعد العشق الأربعون). طرحَت السيّدة شَفَق في كتابها هذا، بلُغةً بيضاء و أسلوبٍ لا يحملُ وجه التعب، أسئلةً جوهريّة عن علاقة الكاتبات بمجتمعاتهن و بالدوائر الثقافية من حولهن. و قدَّمَت مراجعةً تتلمّسُ -بنعومةٍ مسلولة- نماذج منتخبة من تاريخ النضال النسوي حول العالم. تسيرُ في عرضها ذاك ساردةً صراعها الذاتي، الحميم الشّرس، في تناقضات الكتابة و الإبداع مع التزامات الحُب و الزواج و تدبير أمور المنزل و الحمل و العناية بالأطفال. عاشت السيّدة شفق اكتئاباً صاهراً، عشّشَ فيها رُعبٌ أمسكها عن فعل أيّ شيء، حتى عن فتح باب الشّارع. اكتئاب ما بعد الولادة ذاك، دفعها للظّن بأنها لن تستطيع العودة للكتابة إلّا أن يصير حليب صدرها أسودً؛ على طعام أطفالها أن يكون، هو نفسه، طعام الورق.
أحمد العلي.



الحلقة الأولى
شاطِفَةُ الأواني المحظوظة

ها نحن ذا، أنا و أمي، عالقتان في متاهةٍ من مشاعِرَ حُلوَةٍ مَشوبَةٍ بمرارة، مشاعرَ لا يدخُلُ مغارتها سوى الأمهات و بناتهن. فرغم أنني فاجأتها بأخبارٍ مُباغتة، إلا أنها تجاوبَت معي بطريقةٍ جعلت قلبي يمتلئُ نحوها بالعِرفان، و قَد شَكَرتُها لوقوفها إلى جانبي و تشجيعي.
أوه، حبيبتي، لم أقصد أن أكون لطيفةً معكِ أو أن أقف إلى جانبك، أبداً. أنا مثل شاطفة أواني فقيرة، التقطَت ورقة يانَصِيب مُلقاةٍ على الرصيف، صُدفةً، لتجد أنها قد ربحت الجائزة الكبرى.
أَحسَبُ أنني أَلِفتُ رموزَ أُمي و شفراتها، لكنني هذه المرة لم ألتقط ما رَمَت إليه فَوراً. خَوفي أنني لم أفهم يا أمي.
لكن الأمر واضحٌ يا عزيزتي. أنتِ خِفتِ من أن أستاء منكِ عندما عرفتُ أنك تزوجتِ سِراً في بَلَدٍ بعيد، و عندما وجدتِ أنني لم أُعِر الأمر أدنى اهتمام، شعُرتِ بالامتنان. أليس ذاك صحيحاً؟
أومأتُ برأسي: بلى.
هل رأيتِ! وحدها الأم التي تأمَلُ أن ابنتها ستتزوجُ يوماً ما، مَن يخيبُ أملها عندما تعرفُ أنها فعلت ذلك من وراء ظهرها. و بصراحة، لم أتوقع أبداً أن تتزوجي يوماً!. بدى لي أنك آخرُ من يُمكنه الارتباط على وجه الأرض!. لذا، لم أذهب لأبتاع ورقة يانصيب كُل أسبوع و أُعلق أحلامي عليها. هل يبدو ذلك منطقياً الآن؟
للتو، بدأ حديثها يتضح لي.
ثُم أردَفَت بحماسٍ بالغٍ، بعد أن ابتهجَت لحصولها على انتباهي كُله: هكذا تقبلتُ الوضعَ كما هو، و أكملتُ حياتي. ثُم يوماً ما، و من لا شيء، صادفتُ ورقة اليانصيب هذه على الرصيف، و وجدتُ أنني قد ربحتُ الجائزة. هذا ما شعرتُ به عندما سمعتُ بخبر زفافك؛ مذهولةً و محظوظة مثل شاطفة الأواني تلك!.
تزوجتُ في برلين قبل وقتٍ قصير. لم يكن اختيارنا هذه المدينة لعقد قراننا مصادفةً. إذ بدى أن ما نقومُ به، بالنسبة لنا على الأقل، لا يقلُّ دهشةً عن البغتة التي أُعيدَ فيها توحيد ألمانيا. نحنُ أيضاً، مثل شرق برلين و غربها، كُنا سويا لفترةٍ، ثم انفصلنا، و الآن نعودُ لبعضنا. تحلينا أنا و زوجي –ولا نزال- بشخصياتٍ مختلفةٍ اختلافَ الشيوعية عن الرأسمالية. أيوب رجُلٌ مُهذبٌ و ذا روحٍ كريمة، حَصيفٌ و عاقلٌ على الدوام، و قد أُعطيَ أن يكون مُستَتِباً نفسياً و مُتمتعاً حقاً بصبر النبي أيوب الذي أخذَ عنه اسمه. أما أنا، فعلي أن أُشير لكُل ما يُعاكس سجاياه تقريباً؛ بدءاً بسريعة الغضب و مُتسرعة و عاطفية و فوضوية.
لقد أحجمنا عن إقامة زفافٍ لنا، إذ لم يكُن أحدنا مولعاً بالطقوس و المراسم. هكذا و ببساطة دلفنا السفارة التركية في جادَة كاباوم و أعلنا عن رغبتنا في الزواج. و هناك، أثناء ذلك، مُتشرِّدٌ يجلسُ على دكةٍ بالقُرب من مدخل السفارة، يزدحمُ رأسه بالأفكار و القمل، و وجهُه يتقلبُ في السماء، يتدفئ بسعادةٍ تحت الشمس. خَطَرَ لي أن يكون شاهداً على زفافنا، لكنني عندما حاولتُ سؤاله الدخول معنا، لم يكن يتحدث الإنجليزية، و لم أكن أتحدث الجرمانية، و لُغةُ الإشارة التي ابتكرناها للتو بيننا لم تكن رفيعةً بما يكفي لتتناول موضوعاً غير معتاد كالذي أردته. هكذا وَهبناه عُلبة سجائر مالبورو مُخففة، فبادلنا الامتنان بابتسامةٍ تخلو من الأسنان. أعطانا أيضاً إصبع شوكولاة ملفوفٍ بغلاف ذهبيٍّ قامَ بأَناةٍ و لفترة طويلة بدَعكه حتى أضحى ناعماً. قَبِلتُ هديته جذلانةً، و اعتبرتها فألَ خير.
لم أرتدي ثوب زفاف. ليس لأنني لا أتذوقُ مثل هذه الشعائر المتوارثة و حسب، بل لأنني لا أرتدي ثياباً بيضاء على الإطلاق. فكرتُ مراراً و لأوقاتٍ طويلةٍ و مُعقدة في قُدرة الناس على ارتداء البياض. لم أكُن أستطيع لسنواتٍ تحمُّل حتى الجلوس على أريكةٍ بيضاء. لكنني، على مُهلٍ، تشافَيت من هذه العادة. وضعَ أصدقائي و صديقاتي عدة فرضيات حولَ سبب كرهي للون الأبيض. إنهم يعتقدون أنني في طفولتي وقعتُ داخلَ مِرجَلٍ قِدرٍ كبيرةٍ مِنَ الأَرُز بالحليب خلافاً لما حدث لـ أوبيليكس عندما سقطَ في مِرجَلٍ من الدواء السحري، لم أحصل على طاقاتٍ خارقة من وراء سقوطي، فانتهى بي الحال إلى كُره اللون وحده، لا الرز بالحليب. غير أنني لا احملُ أي ذاكرةٍ لمثل ذاك الحدَث، و لم تكن فرضيتهم الثانية عني صحيحةً أيضاً، إذ أعادو كُرهي للأبيض إلى أنني مُتحيزةٌ دوماً ضد الأطباء البشريين و أطباء الأسنان و فنيو المختبرات- الناسُ الذين يرتدون الأبيض دوماً.
على كُل حال، في ذاك اليوم من شهر أيار، تحليتُ باللون الذي أُفضله: الأسود. أما أيوب، فقد ارتدى بنطالاً أسوداً و قميصاً أبيضاً، إكراماً للعادات إلى حَدٍّ ما.
هكذا كُنا عندما أجَبنا: قَبِلتْ، في نَزوةٍ، و بلا ارتباك. و بالرغم من أن والدا أيوب و أخواته الخمس، و أمي و جدتي، كانوا لَيحبون أن نُقيم زفافاً تُركياً تقليدياً يعُجُّ بالطعام و الموسيقى و الرقص، إلا أنهم كانوا لطفاء جداً عندما علموا بأمر زواجنا و احترموا طريقتنا التي اخترناها لنقوم بذلك.
لندع شاطفةَ الأواني المحظوظة جانباً، لم تكن أمي وحدها من لم تتوقع زواجي يوماً، من الواضح أن قُرائي أيضاً قد فاجأهم ذلك. مُتابعوا رواياتي و مقالاتي كانوا دائماً الأقرب لمعرفة ما أشعر به. إلا أنهم هذه المرة قد أظهروا صدمتهم من قراري، لا تفهُّمَهم له، و عبروا عن دهشتهم تلك في رسائلهم الورقية و الإلكترونية  و بطاقات البريد، و حتى أن بعضهم قد بعثَ إلي مقتطفات فيديو من مقابلاتي الأولى عندما قلت: حياةٌ برجوازيةٌ أليفَة؟ إنسى! لا يُناسبُني ذلك، و لا أظن أنني أتحلى بمَلَكة تربية الأطفال. لكن، أعتقد أنني سأكون زوجة أبٍ لطيفة؛ أنت تدري، مع مَنْ أستطيع بسهولةٍ أن أذهب لمُباراة كُرة، أو إلى بروفة حفلة مدرسية راقصة. و الآن، في لَحظَةِ “بالجُرم المشهود” في أعينهم، هؤلاء القُراء الأذكياء بسُخريتهم الظريفة يُطالبون بمعرفة مالذي تغير.
لم يكُن في يدي سوى جوابٍ واحدٍ أقدمه لهم: الحُب.
أُحبُّ زوجي، و إني لأشعُرُ دوماً بهدوءٍ غريبٍ و سرورٍ يتنزلُ علي عندما أصيرُ بجانبه. بيج أن جانباً آخر مني لم يستطع أن يتعاطى مع تلك السكينة و لم يقدر، أو لا يقدر، على أن يتنعمَ في تلك الغبطة. رُبما لأنني لم أستقر في مكانٍ بعينه لزمنٍ طويل. حيثُ وُلدتُ في ستراسبورغ، و نشأتُ في مدريد و تنقلتُ بين أنقرة و اسطنبول و عمان و كولونيا و بوسطن و ميشيغن و أريزونا. عشتُ على حقيبة سفر-مُتيقنةً من قدرتي على المكوث في أي مكان و كُل مكان من هذا الكوكب، طالما لم أضرب بجذوري و أستقر في جهةٍ بعينها. مُبكراً، آمَنتُ بحقيقةٍ إنسانيةٍ واحدةٍ شهدتُ رفض الآخرين لها دونَ جدوى: الوحدةُ جُزءٌ مُلازمٌ لكينونة الإنسان. عشقتُ الوحدة. توددتُ إليها. عرفتُ أُناساً قد يُصابون بالجنون لو تُركوا وحدهم لساعاتٍ طويلة. كان الأمرُ على العكس بالنسبة لي. قد أُصابُ بالجنون لو كان علي مُرافقةٍ أناسٍ لوقتٍ مديد. سأفتقدُ عُزلتي.
ازدهار مهنتي كروائية مرهونٌ بالعزلة. إن الاشتغال في أغلب مناحي الفن و الأدب يتطلب العمل مع أناسٍ آخرين يشاركون في العملية الإبداعية نفسها. و حتى أكثر مُخرجي الأفلام غروراً، عليهم أن يُحسنوا الانسجام مع الآخرين و أن يُناغمو طاقاتهم بهم، و أن يتعلمو العمل ضمنَ فريق. و هكذا أيضاً مُصممو الأزياء و المُمثلون و الراقصون و كُتاب المسرح و المُطربون و الموسيقيون.
إلا أن الروائيين أمرٌ آخر. لأسابيع، أو لأشهُرٍ، و أحياناً لسنواتٍ كاملة، ننكفئ على الرواية التي نكتب؛ نستلقي داخل هذه الشرنقة البصرية مُحاطين بأبطالٍ مُتخيلين، نكتب الأقدار و نَحسَبُ أننا آلهة. هكذا ننتهي بسهولةٍ، و نحن ننسج خيوط الرواية مُضيفين تحولاتٍ صادمةٍ نرفعُ الشخصيات بها ثم نهوي بهم، إلى الظن بأننا مركز الكون. الغرور الصارخ و إرهاق الذات هما أكبر الأضرار الجانبة لمهنتنا.
لهذا نجد أنفسنا عُشاقاً بائسين، و أسوأُ من ذلك، زوجاتٍ و أزواجاً تعيسين. الكُتابُ بالدرجة الأولى ليسوا اجتماعيين- رغم أننا قد ننسى ذلك بقليلٍ من النجاح و الشُّهرة. الرواية هي أكثر الآداب وِحدَة، كما قال مرةً والتر بنجامين.
كنتُ أُلقي محاضارتٍ في أريزونا في الفترة التي اعقَبَت زواجي. أصعدُ كُل بضعة أسابيعٍ طائرةً و أُسافرُ 26 ساعة مع محطات التحويل لأجتمع بزوجي و أصدقائي في زِحام اسطنبول و ألوانها و جنونها، و أعودُ بعدها إلى أريزونا مُنكفشةً في بَيداء عُزلتي.
أن أول ما تشعُر به خارجاً من مطار توسكون الدولي هو لَفْحُ الحرارة- صاعداً من أعماق الأرض، يلعقُ وجهك بألسنة لهبٍ خَفيٍّ. و أول ما تشعر به خارجاً من مطار أتاتورك الدولي في اسطنبول هو مَوجُ الصخب، جيئةًو ذهاباً. و استمر حالي هكذا لعامَين، حتى عرفتُ في أحد الأيام أنني حامل.
صُعقت. لم أشعر قط بأنني أريد أن أصير أماً. بيد أنني أردت هذا الطفل. بدى الأمر و كأن جزءاً مني- جزءاً أصيلاً، حاضِناً و أمومياً- يسعى الآن ضد الجزء الذي شاعَ في و احتلني كل هذه السنين. هذه القِوى و عواطف الأمومة تثورُ الآنَ و تجتاحُ قُدُماً القُرى الجنوبية الصغيرة لشخصيتي بسرعة محيرة و خِفةٍ نَشِطَة. بيد أن القوى الأخرى التي تحتلُّ العاصمة لا تزال متماسكة القِوى، و متكاتفة.
غير أنني لم أكن أرغب بفقدان تلك الروح التي في؛ تلك الهائمة المُستقلة و غير العابئة. هناك، داخل رأسي، سِتُّ أصواتٍ تتحدث إلي جميعها في نفس الوقت. هكذا دخلتُ تجربة الحمل، بمشاعر مختلطة، كأنني مختطفة إلى المجهول بشذحنة كهربائية أعلى مما يتحملها قلبي. و لم يساعدني أبداً أنني ذهبتُ للمحكمة خلال مراحل حملي الأخيرة بسبب بعض الكلمات التي قالتها شخوصي الروائية الأرمنية في روايتي لقيطة اسطنبول. و بمحض الصدفة، تقرر انعقاد محاكمتي في اليوم الذي يتلو تماماً يومَ ولادتي المتوقع. و على أن تهمتي قد ثبتت في أول جلسة محكامة، و لك يكن لذلك أي دخل أو تأثير فيما يخص اكتئاب ما بعد الحمل الذي عانيته، إلا أن تلك الأيام العصيبة قد انضافَت  للتحديات التي واجهتُها تلك السنة.
و ضعتُ مولودي في سبتمبر 2006م، أجملُ شهور السنة في اسطنبول. كنتُ مبتهجة و مغتبطة، لكنني محتارة أيضاً و لست مستعدة. أستأجرنا منزلاً صغيراً و حميماً في إحدى جزر المحيطة باسطنبول، حيث يمكنني ارضاع طفلي و الكتابة بهدوء. هذه خطتنا. و تَكَشَّفَ لما لاحقاً أنني لستُ قادرةً على القيام بأيٍّ من الأمرين! لم يكُن حليب صدري كافياً، و كُلما عُدتُ لعالم الروايات و هممتُ بالبدء في كتابة روايةٍ جديدة، أجد نفسي أُحَدِّقُ في صفحةٍ فارغةٍ تُضاعفُ صعوبة الأمر علي. لم أنضب في حياتي، أبداً، من القصص. لم أواجه مرةً مشكلة العجز عن الكتابة أو أي أمرٍ مشابه. فمنذ بلوغي الرشد، هذه هي المرة الاولى التي لا تصد عني فيها الكلمات، لا تتحدث إلي مهما تقربتُ منها.
داهمني خوفٌ خانقٌ بأن أمراً نهائياً لا يمكن الرجوع عنه أو إبطاله قد أَلَم بي و أفسدني، و لم يعُد بإمكاني العودة كما كنت. مَوجَةٌ من الذُعر مَخَرَتني. رُحتُ أظُنُّ بأنني الآن و قد صرتُ أُماً و ربة منزلٍ، فلن يعود بإمكاني كتابة الروايات. مثل سجادةٍ قديمةٍ، سُحِبَت شخصيتي القديمة من تحت أقدامي.
تعودُ صداقتي الحميمة بالكتب منذ اليوم الذي تعلمت فيه القراءة و الكتابة. أنقذتني الكتب. فقد كنت طفلةَ انطوائية إلى حَد أنني كنتُ أتحدث مع أقلام التلوين و أعتذرُ من الأشياء عندما أصطدم بها.
وهبتني القصصُ حِساً باتصال الأشياء ببعضها، بالمركزية، بالفهم. تنفستُ الحروق و شربتُ الكلمات و تقمصت القصص، واثقةً من قدرتي على أن أميلَ باللغة و و أبرمها بشغفٍ في رقصة تانقو.
مَلَأت كتاباتي، كل هذا الوقت، حقيبتي الوحيدة التي أحملها أينما ذهبتُ. الحِسُّ الروائي كان دوماً الصمغَ الخفي الذي يُبقي على جوانبي المختلفة ملتصقةً ببعضها، و عندما لم يعد معي المزيد من ذاك الصمغ، تساقَطَت أجزائي حولي. هكذا بدى العالم لي، دونه، مكاناً موحشاً و أبدي الحُزن. الألوان التي طالما كانت مشرقة و باعثة على البهجة، صارت مملة. لم يهد هناك ما يُرضيني، لم يعد هناك ما أعرفه. أنا التي عَبَرتُ القارات، و وجدتُ بسهولةٍ منازلَ لي في العديد من البلدان، لا أجدُ الآنَ القوة و الجرأة على الخروج للشارع. صارت بَشَرَتي جِدُّ رقيقة و صارت أقل الأشياء تخُزُّني و تؤذيني. الشمسُ شديدة الحرارة، و الرياحُ عنيفة، و الليل أكثر عُتمة. كنتُ شديدة التوتُّر و مُتخمةً بالقلق، و قبل أن أنتبه، انتابني اكتئابُ ما بعد الولادة.


الحلقة الثانية

جدتي لأُمي امرأةٌ لطيفةٌ و قُدسيةٌ، و غفيرةٌ بالخُرافات. بعد أسابيع من مشاهدتها بكائي المتواصل، وضعَت كفي بينَ كفيها و هَمَسَت بصوتٍ أنعم من المخمل: طفلتي العزيزة، عليكِ أن تستجمعي قواكِ. ألستِ تعرفين بأن كُل دمعةٍ تذرفها الأمُّ الجديدة، تجعل من حليبها حامضاً أكثر؟.
لم أكُن أعرفُ ذلك.
وجدتُ نفسي أُفكرُ في تلك الصورة؛ مالذي سيحدثُ لو أن حليبي صار خاثرا؟ هل سيصبح قاتما و يأخذ هيئة أكثر ثخانة و دُكنة؟. لم تقُم هذه الفكرة بتنبيهي أكثر، بل أشعرتني بالذنب. و كُلما حاولتُ التوقف عن البكاء، كُلما زادت رغبتي به. كَيفَ حدثَ أن كُل امرأةٍ عرفتُها قد تأقلَمَت مع الأمومة بسهولة، أما أنا فلم أستطع ذلك؟ أردتُ إرضاع طفلي من حليبي كأفضل ما أستطيعه، و لأطول فترةٍ ممكنة، لكنني لم أتمكن من ذلك. صورةُ إفسادي لحليبي استمرت بإزعاجي في النهار، و بالهجوم علي حتى من داخل أحلامي.
بعدها، في أحد الصباحات، بعد أشهُرٍ من الاكتئاب و التقوقع و محاولات العلاج الفاشلة، استيقظتُ مدفوعةً للكتابة مُجدداً، و جلستُ إلى مكتبي. الهدوءُ وقتها يعُمُّ المكان، سوى أصوات مراكب صيدٍ بعيدة، و طفلتي تنام في مهدها الهزاز. نسائمٌ من شذى الياسمين في الهواء، و السماء فوق مياه البوسفور شاحبة الزُّرقة حتى كادت أن تخلو من أي لون. و بغتةً انتابني ذاك الحِسُّ الباعثُ على ارتياحٍ عميقٍ بأن كُل شيء كان ولا يزال على مايرام. كما قال جلال الدين الرومي: الليل يُنجِبُ النهار. نستطيعُ البدء بالحياة من جديد، في أي وقت، و أي مكان.
لا بأس، ذُعرتُ و لم أتوقف عن البكاء. لا بأس، خفتُ و ما كان بيدي أن اكتُبَ و أمارس الأمومة في نفس الوقت. لم يكُن حليبي أبيضا كالثلج، لا بأس في ذلك أيضاً. ربما أقدرُ، لو بدأت الكتابة عن تجربتي هذه، أن أجعلَ من حليبي المسوَد، حِبراً. فللكتابة دوماً تأثيرٌ ساحرٌ يُشفي روحي، أقدرُ أن أشُق طريقي خارجةً من هذا الاكتئاب.
في ذاك اليوم تحديداً، وضعتُ طفلتي في عربتها و دفعتُ بها خارجةً من المنزل إلى هدير الشوارع. كنتُ حَذِرَةً في البدء، ثم أكثر جُرأة، حتى رُحتُ أسألُ من أصادفهن من النساء عن تجاربهن مع اكتئاب ما بعد الولادة. فوجئتُ أن الكثيرات منهن قد مررنَ باضطراباتٍ عاطفيةٍ مُشابهةٍ لتلك التي مررتُ بها. لماذا لم نعرف أكثر عن ذلك؟ لطالما قيل لي أن النساء يقفزن من السعادة فورَ أن يحملنَ مولودَهُن بين أذرعهن. لم يقُل أحدٌ أنهن، أثناء قفزهن فرحا، قد تصطدم رؤوسهن بالسقف، و يُمسينَ دائخاتٍ بعضَ الوَقت.
أثناء كتابتي لكتابي هذا حليبٌ أسوَد، أجريتُ مُحادثاتٍ عديدةٍ مع نساءٍ من كُل الأعمار و الأصناف.  ببطءٍ و ثبات، حل الهدوء علي و عرفتُ أنني لستُ وحدي. أعانَني ذلك كثيراً. يبدو مُضحكا أن تقومَ فتاةٌ أمضَت حياتها تفخرُ بقدرتها على العيش وحيدةً بالبحث عن السلوى و العزاء عند ما لا يُحصى من الناس. لكنني، مع ذلك، اخترتُ ألا أغرق في ذاك البحث، فالحقيقة بسيطة: اكتئابُ ما بعد الولادة شائعٌ جدا، أكثر مما نريد أن نُصَدقهُ نحنُ كمُجتمع.
من المُثير أن النساء قد خَبروا ذلك في الأيام الخوالي. جَداتُ جَداتنا كُن على عِلمٍ بكُل اضطرابات ما بعد الولادة، و لذلك أفضلُ تدبيراً لها. و قد نَقَلنَ معرفتهن لبناتهن و حفيداتهن. بيد أننا اليوم مبتعدون عن الماضي، حتى أننا لا نملك مدخلاً لحكمتهن تلك. فنحنُ النساء العصريات، عندما يُصيبُ دواخلنا العطب و العياء، نُخفي علاماتهما و أعراضهما بأحدث تقنيات التجميل. نَظُنُّ أن بإمكاننا الولادة اليوم و المُضي في حياتنا بشكلٍ طبيعيٍّ غدا. البعضُ مِنا يستطعن ذلك بالطبع. المشكلة أن بعضنا الآخر، ببساطةٍ، لا يستطعن ذلك. الكبيراتُ في السن، في تركيا، يؤمِن بأن على الأُم الجديدة، خلال الأربعين يوماً الأولى من ولادتها، أن تبقى في حفاوة و رفقة مَن تُحبهم. فهي، إن تُركَت لوحدها و لو للحظةٍ واحدة، فستكون فريسة هجمات الجن- تغرقُ ضحيةً لطوفان الهموم و القلق و المخاوف. لهذا تقومُ العوائل التقليدية حتى الآن بتزيين فِراش حَديثَةِ الوِلادة بشرائط قُرمزية، و ينثُرنَ بِذار الخشخاش المُقدسة في أرجاء الغُرفة لطردِ أي روحٍ شريرةٍ تحومُ في الهواء.
لا أُحاولُ هُنا القول بأن علينا الاقتداء برُزمَةٍ من الخُرافات، أو أن على الرعاية الصحية أن تَصرفَ لحديثة الولادة حِبالَ زينةٍ مشكوكةٍ بفصوص الثوم، أو خُرَز العين الحافظة من الحسد التي تُعلقُ على ستائر سرير المرأة الوالد. ما أقوله هو أن النساء في عصور ما قبل الحداثة، من خلال حكاياتهن القديمة عن المتزوجات و عاداتهن و معتقداتهن، مَيزنَ حقيقةً لم نعُد نعرف كيف نُقِرُّ بها: تعبُرُ المرأةُ خلال حياتها بمراحل انتقالية صعبة، فالعبور من مرحلةٍ إلى أخرى ليس سهلاً كما قد يبدو؛ إذ تحتاج الكثير من المساعدة و الدعم  و النصيحة قبلَ أن تعودَ بأكملها للحياة في الزمن الحاضر مرةً أخرى. وفيما هي تسيرُ من يومٍ إلى آخر، تُصارعُ و تواجه المشاكل و تتدبرُ أمرها. تمُرُّ أوقاتٌ تتعثر فيها آلَةُ جسدها و تنعطب. هذه هي الحكمة القديمة و البسيطة التي لا نُعيرها اهتماماً في سَعينا لنكون قويات و ناجحات و دائماً في أَوْجِ كَمَالِنا.
شخصية السيدة الركيكة، التي تضعُفُ و تحتاجُ الآخرين، ليسَت مشهورةً بين السيدات و الشخصيات النسائية الأخرى في جيلنا. لم يعُد أحدٌ يعرفُ أين رحلَت. إلا أن هناك شائعاتٍ تقول بأنها منفية في جزيرةٍ في المحيط الهادئ، أو في قريةٍ على مشارف جبال الهملايا. الجميعُ سَمِعَ بوجودها، لكن يُحَرمُ النطق باسمها عالياً. عندما يأتي أحدٌ على سيرتها، في أماكن عملنا و مدارسنا و منازلنا، نخافُ العواقب. و رغم أنها ليست مُدرَجةً في قائمة أَشَد المطلوبين للعدالة في جهاز الإنتربول، إلا أنه لا يرغبُ أحدٌ بأن تربطه بها أية علاقة.
لا شيء مما قلته يتنكرُ للأمومة كَونها أعظم هدايا الحياة. إنها قالَبٌ يُعيدُ تشكيلَ طينة القلب، و يجعلُ الإنسانَ مُتناغماً مع إيقاع الكون. هناك سببٌ لتقول ما لا يُحصى من النساء بأن الأمومة هي أحسنُ ما جرى عليهن في الحياة. أتفقُ مع ذلك من أعماق قلبي.
غيرَ أن المرأة لا تصير أُما بمُجرد الإنجاب. بل عليها أن تتعلم الأمومة؛ إنها معرفةٌ، يأخُذُ استيعابُها عند البعض وقتا أطولَ من الآخرين. فهناك مَثيلاتي، مَن يجدن أنفسهن يرتعشن حتى العظام من هَول التجربة. لا أقولُ بأن الانتقال إلى مرحلة الأمومة أصعب على المُبدعين من غيرهم، إذ أنني رأيتُ نساء من جميع مشارب الحياة يخُضنَ كُل الذي مررتُ به، نفس الأغنية الكئيبة، و لو بدرجاتٍ متفاوتة. رُبما، أكثرنا قوة و ثقة هُن في الحقيقة أكثرنا هشاشة. و من المثير أن هذا الدولاب النفسي قد يدورُ ببساطةٍ في الولادة الثانية أو الثالثة أو حتى السادسة، كما دارَ في الأولى تماماً.
الحواملُ، برغم كل شيء، مثل نُدَف الثلج؛ لا تتشابه اثنتان منها تماماً.


الفصل الثاني:
علامات

إنها الظهيرة في اسطنبول. تُقِلُّني باخرةٌ تُسَمى الغجرية لأنها لا تُبحرُ و حسب، بل ترقص على المياه الزرقاء، مُقِلةً الرُّكَاب بين المدينة و ما جاوَرَها من جُزُر. عُشاقٌ في أول الحُب يسرقون القُبَل، و طُلابُ مدارس يُضَيعون حصصهم، و موظفوا مكاتب يُطيلون استراحة الغداء، و فوتوغرافيون يُلقمون كاميراتهم بالعدسات، و بَاعَةٌ يعرضون سلَعَهُم على ظهورهم ، و سائحون يسوحون. أُناسٌ من كُل مشارب الحياة، وجدوا أنفسهم، بأعجوبةٍ، على متن مركبٍ صغيرٍ، يميلُ بهم يُمنةً و يُسرةً، و كنت هناك، محشورةً بين امرأةٍ  بدينةٍ و سيدٍ أنيقٍ و متقدمٍ في السن بعضَ الشيء، مُتكومةً في زاويةٍ، و كتبي تجلسُ في حُضني، إذ بعدَ أن انتهيتُ من مقابلةٍ أجرتها معي مجلةٌ أدبيةٌ في إحدى الجُزُر، ها أنا في طريق عودتي، فتاةُ المدينة تذهبُ لمنزلها الآن، وحيدة.
بالكاد مر وقتٌ على مغادرة الباخرة ميناءها، حتى أدركتُ أنني نسيتُ دفتر أفكاري حيثُ أجريتُ المقابلة. فانتابني شعورٌ بالغَم؛ لماذا أتجول دوماً ناسيةً أشيائي هنا و هناك؟ مظلات، و هواتف نقالة، و رُقَعُ فيتامينات، و عُلَب مكياج، و مُرطبات شفاه، و مشابك شعر، و قفازات، إلى درجة أنني أنسى فطيرةً قد التهمتُ نصفها ثم وضعتها جانباً لبضعة دقائق، و أنسى في دورات المياه العامة خواتمي الفضية بعد نزعها لأغسل يدي. و مَرةً نسيتُ حَوضاً زُجاجياً تعيشُ فيه سلحفاتان، كان هدية عيد ميلادي من صديقةٍ مقربة جدا مني. و لأنني لم أجرؤ على الاعتراف لها بأنني، في نفس اليوم الذي قدمت فيه الهدية، قد فقدتها، رُحتُ في الأسابيع الني تَلَت ذلك أبتكرُ قصصا عن السلاحف في كُل مرةٍ تسألني فيها عن أحوالها.
? أوه، إنهم يُحسِنونَ الصُّنع، يلتهمون أعشابَ شُجيرة مريم خاصتي، و يزدادون وزناً.
ثُم أكمَلتُ:
? تَدرين، في أحد الأيام، تسللَت إحدى السلحفاتين خارجَ الحَوض دون أن ألحظها. بحثتُ عنها في كل مكان و لم أجدها. و بعدها، عندما أشعلتُ ضوءَ القِراءة، ها هي ذي! تجلسُ مُرتاحة على المصباح، و ظلها يرتمي على الجدار كوحشٍ هائل.
هكذا تابعتُ اختلاقَ مُغامراتٍ لتلك السلاحف حتى جاء ذاك اليوم. وَضَعَت صديقتي عيناها في عَينَي و طَلَبَت مني أن أكُف عن ذلك. راحَ صوتُها يتضاءَلُ حتى صارَ هَمساً، و قالت أنها تريدُ أن تُصارحَني:
? أُريدُ أن أُزيلَ هذا الأمرَ عن صدري. في البدء، عندما اشتريتُ السلاحف، راودتني شكوكٌ حادةٌ حول قدرتك على الاعتناء بها. لكنك أثبتي خطئي. أنتِ تُحسنين صُنعا معها. و لذا، أدينُ لكِ بهذا الاعتذار.
أُقسِمُ أن شَفَتَي و أجفاني قد يبست دون حراكٍ و لم أتنفس. و منذ تلك اللحظة تحديدا، توقفت. لم أَعُد قادرةً على اختلاق مغامراتٍ عن السلاحف أكثر. و بعدها بعدة أيام، حانَ دَوري لأعترف لها بما حدث. أخبرتها بأنها لا تدين لي بأدنى اعتذار، و أنني أنا من يجب عليه أن يعتذر منها، ليس مرةً، بل مرتين؛ الأولى لإهمالي، و الثانية لخداعي لها. ثم رحت أروي لها كيف أن سلاحفها لم تصل بيتي أبدا.
قالت، بعد أن لبثَت صامتةً و صافنةً لوقتٍ طويلٍ و مُحرجٍ:
? تَدرين، لقد راوَدَتني تلك الفكرة مرة، عندما أخبرتِني أن السلاحف كانت تلتقط حُبيبات عباد الشمس من كفك. خَطَرَ لي أنَ الأمر اختلطَ عليكِ بين السلاحف و طيور الكناري!.
ارتحتُ عندما انفجرَت صديقتي ضاحكةً فانضممت إليها، و تندرنا على تعابير وجهي عندما أكون مرتبكة.  في الحقيقة، لم أهتم؛ فَفِي ما عَدَا الإحراج الحاصل من فقداني للهدية، لم تجُرني هذه الحادثة إلى أي شكلٍ من أشكال تأنيب الضمير أو النقد الذاتي. مالذي سيحدث لو كنت حريصةً أم مُهمِلة؟ ففي النهاية، كان المطلوب مني الاعتناء بسلاحف، لا أطفال.
و فجأةً ترتَجُّ الباخرة، كعملاقٍ يتمددُ بعد نومٍ طويل. فيعيشُ الركاب أثناء ذلك لحظاتٍ من الذعر؛ شفاهٌ ترتجفُ دون ارتياح، و  الأكُف تطالُ كل ما يمكن التشبث به، فقد كانت تُبحرُ هناك في البعيد ناقلةٌ روسية، تُراكِمُ مَوجاً هائلاً في البحر يجري نحونا. نَحدُجُ الناقلة و نرقبها حتى تختفي شيئا فشيئا. و فورَ أن يعود الماء لتموجه الناعم، نُنهي صلواتنا و نُحل أحزمة الأمان و نغوص مُجَددا في الخمول.
لكنها أمورٌ أخرى تلك التي تشغل ذهني. فمنذ أدركتُ أن دفتري لم يعد بحوزتي، لم أفكر بشيء سوى الكتابة. أظن أنني أميلُ إلى جعل حياتي أكثر تعقيداً دوماً. لو كانت عندي ورقة، لَمَا شعرتُ بهذه الحاجة المُلحة لتدوين أفكاري، هذه اللحظة بالذات. و لكن لأنه ليست بحوزتي ورقة، فعلي أن أكتب. نبشتُ بشراسةٍ حقيبتي و أفرغتُ كل ما بها في حضني، و رغم ذلك لم أجد حتى فاتورة أستطيع الكتابة على ظهرها.
لا أعرفُ لِمَ أشعُرُ بأنني أتآكل. في رأسي فكرة تطُنُّ ولا أستطيع معرفة كنهها إلا بأن أستجليها بالكتابة. يحب الكثير من الناس، و منهم بالطبع كُتاب و كاتبات، أن يُقلبوا الأمور و يُفصلوها قبل أن يخربشوها على الورقة. لكنني على العكس، إذا ما أردتُ معرفة الأفكار التي تخُض رأسي و فهمها، فعلي أولا أن أرى ارتسامها على الورقة، أن أنظر إليها كالرسائل. أعرف أن فكرةً في رأسي الآن، بيد أنني أحتاج لورقةٍ و قلمٍ لأتبينها. و لهذا، أحتاجُ ورقةً في الحال.
أخذتُ نظرةً إلى يميني و أخرى إلى شمالي. لا يبدو أن المرأة الجالسة بجانبي بإمكانها مساعدتي. يظهر لي أن هناك أطنانا من التحف و الألعاب الرخيصة في أكياس التسوق خاصتها، لكنني أشك أن يكون من بينها دفترا واحدا. الآن، و قد أعطيتها بعضَ اهتمامي، رأيتُ كم هي يافعة و صغيرة، بَدَت لي في الخامسة والعشرين من عمرها، إلا أن وزنها الزائد يجعلها تبدو للوهلة الأولى أكبر بعشر أو خمس عشرة سنة. إنها ترتدي فستانا لازورديا ذو أكمام واسعة، و يأخذ بالانهمار منفوشا بدءا من خصرها. كأنها للتو خرجت من فيلم يعودُ لفترة الثلاثينيات الميلادية، و صَعَدَت معنا الباخرة في اسطنبول. شعرها المتموج بني داكن، مقصوص إلى أكتافها و مجدولٌ منذ وقتٍ قريب. زوجٌ من الأقراط الذهبية يتدلى من أذنيها، و تمكن رؤية أظافر قدميها و قد طُلِيَت بالأحمر الفاقع من خلال الصندل الذي تحتذيه. و يبدو أنها لا تمانع أبدا مظهرها و أزرار فستانها على وشك الانفتاق. لقد تقبلَت الحجم الهائل لنهديها كنِعمَة، و هكذا تقومٌ بعَرض صدرها بامتنانٍ لكُل البشر دون تفرقة. امرأةٌ فخورةٌ بأنوثتها، و كُلما زاد تحليها بمميزات الإناث، كلما أظهَرَت قوةً و جاذبيةً نسويةً هائلة.
هكذا، بالقرب من كل النساء المشعات بهذا النوع من النسوية، أشعر بأنني مغشوشة، أنني تمثيلٌ واهنٌ لجنسي. بالنسبة لها، تجيء الأنوثة كالطبيعة، كالتثاؤب أو العطاس، هكذا بلا تعب. أما أنا، فالأنوثة أمرٌ علي مراقبته و دراسته، علي أن أتعلمه و أُحاكيه، و رغم ذلك لا أستطيع أبدا احتواءه.


الحلقة الثالثة
مانيفيستو الفتاة العزباء

لو أن المرأة التي بجانبي كانت قِطة، لكانت تستلقي في سلة وثيرة بالقرب من مدخنة، بالكاد ترفع جفنيها من الترَف، أو أنها ستكون متكومة في حُضن صاحبتها، تموء مُستأنسة، و تلوحُ بذيلها كيفما يحلو لها. لو أنني كنت قطة، لكنت أجلس متلهفة عند إفريز النافذة طوال اليوم، أرقُبُ السيارات العابرة و المُشاة المهرولين، و لكنتُ هربتُ من المنزل نحو العالم الواسع في الخارج عند أول فرصة سانحة.
يجلسُ إلى جانب المرأة صبيٌّ في الثامنة من عمره تقريبًا و آخَرٌ، أخوه، أصغر منه و يستعير ملامحه بشكلٍ مُبهر. يرتديان نفس الجينز و نفس القمصان الكحلية المخططة بالأبيض، و يحملان نفس الألعاب بين أيديهما؛ رجالٌ عسكريون من البلاستيك، يرتدون الأخضرَ الداكن، بعضلاتٍ مفتولةٍ و عُدةٍ كاملة، في اليد الأولى قُنبلةٌ بمسمارٍ مُعَدٍّ للسحب و التفجير، و في الأخرى كلاشينكوف. كِلاهما يمضغان علكةً كبيرةً بحجم حبات البندق، ينفخونها فقاعاتٍ تلوَ أخرى. و كُلما تفرقعت إحداها، أجفلُ، كأنهم أطلقوا النار على أحدٍ ما بتلك الأسلحة البلاستيكية؛ عَدوٌّ آخر تمت تصفيته على الباخرة!.
قَد تقومُ تلك الألعابُ بتوجيه الإهانات بشكلٍ ما، لكن الصبْيَةَ أنفسهم لن يقومو بذلك، أبدًا. إنهما لا يجرُءان حتى على رفع رأسيهما و النظر لوالدتهما. أعتقد بأنه ليس من السهل على طفلين بعمرهما أن يحظيا بأُمٍّ جذابةٍ كهذه!
مقتعنة بأنه ليس بوسع الصبيين ولا أمهما مساعدتي في مهمة البحث عن ورقة، إلتفتُّ نحو الرجل الجالس إلى شمالي؛ إنه يرتدي نظارةً ذات إطارٍ معدنيٍّ، و ملامحه صارمة بعضَ الشيء، و أفترض أنه قد بلغ الأربعين توًّا، إذ بدأت قمة رأسه بالتخفف من الشعر.
أما لغة جسده فتصرخ: أنا تاجر. إنه يقبض على حقيبة جلدية، و هناك، في مكان ما بداخلها، ورقة! أنا متأكدة من ذلك. عندما سألته ورقةً، أعطاني بلطفٍ أكثر من واحدة، و قد كانت أوراقاً يُزينها هذا الشعار: شركة النيزك للتسويق المحدودة.
شاكرةً الرجُل، بدأتُ الكتابةَ ناظرةً للحبر يجفُّ و أنا أمضي. تنسكبُ الحروفُ مني كأنها تكتبُ نفسها بنفسها و تقودُ السطور:
مانيفيستو الفتاة العزباء.
بحَيرةٍ أنظُرُ للورقة: أهذا إذن ما كانَ يدورُ في رأسي؟
اقتربت مني المرأة التي بجانبي، التصقت بي، و مدت رأسها نحو الورقة التي في حُضني. ستعتادُ، في بواخر اسطنبول، على الناس يقرأون معك جريدتك من فوق كتفك، إلا أن هذه السيدة تقرأ ورقتي بوقاحةٍ و صراحة. لذا، أَمْلَت علي غريزتي أن أقوم بتغطية ما كتبته، إلا أنني بعد بُرهةٍ استسلمتُ لعدم جدوى البحث عن أي نوعٍ من الخصوصية في هذه المساحة الضيقة و المحدودة، و سمحتُ لها بالقراءة.
? التسليمُ بأن الله سبحانه قد تفردَ بالوحدة في أعاليه، و أن ليس للبشر، بالتالي، أن يخوضوا الحياة وحيدين، بل عليهم أن يتزاوجوا، هو أكبرُ وهمٍ ابتكره الإنسان على مر التاريخ. فقط لأننا صعدنا مركب نوحٍ اثنين اثنين، لا يعني أبداً أن علينا إكمال الرحلة على نفس الحال.
أنا أكتب، و المرأة على حالها تقرأ. في إحدى اللحظات مالَت كثيراً على كتفي الأيمن حتى لامَسَ شعرها وجهي. استنشقتُ شذى غَسول شعرها. فواكهٌ لاذعة. و يبدو أنها تواجه صعوبةً في قراءة ما أكتب، لكنني، بوضع خَط يدي الرديء في الحسبان، لا ألومها. اجتهدتُ أكثر في توضيح خطي.
? كيفَ حَدَثَ، في المجتمعات التقليدية، أن مَن تَنذُر حياتها لإيمانها و تُُقْسِمُ ألا تتزوج، تكونُ مَحَط تبجيلٍ من قِبَل الجميع. لكنها، في ثقافة اليوم، تُعتَبَرُ “عانسا”، و هو وضعٌ مذمومٌ و مُخزٍ و مُثيرٌ للشفقة؟.
? و كيف أيضاً، بالرغم من أن الزواج يحتاج إلى رجُلٍ و امرأة، و بالرغم من أن وضعَ العنوسة ينطبق على الجنسين بالتساوي، أقول: كيف يكونُ لصفة العنوسة وقعٌ أشدُّ و دلالاتٌ أكثر سلبيةً على المرأة من الرجل؟
أخرَجَت جارتي من أكياس تسوقها عُلبةمُكسرات، تَنَاصَفَتها مع أبنائها، ثم عادَت بانتباهها لورقتي مرةً أخرى، تمضغُ و هي تقرأ؛ فول سوداني مملح، و حبات حمص صفراء مُحمصة، و حُبيبات اللب. أَكتُبُ و هي تنظُرُ، سعيدة و مُستمتعة.
? يجبُ إعادة الكرامة لكُل النساء اللواتي تُرِكنَ “على الرف”، و أن نُصَفقَ لهُن لشجاعتهن في العيش بلا رَجُلٍ يعتني بهن.
? أولئك الذين يُحبون القولَ بأن أنثى الطير هي من تنسُجُ العُش، لا يفهمون الطيور. صحيحٌ أن الطيور تبني أعشاشها، إلا أنها تهجر منازلها تلك كُل فصلٍ لتبني غيرها في أماكن أخرى. لا يوجد طيرٌ يبقى في نفس العش إلى الأبد.
شعرتُ بالارتجافة السريعة التي انتابت المرأة بجانبي. شعرُ ذراعيها انتصب، كأن هذا النهار لا ينبضُ بالحرارة.
? التغيُّر و التغيير أبجدية الحياة. ليسَ القَسَمُ بالبقاء معاً حتى يُفرقنا الموت سوى فنتازيا ضد جوهر الحياة. و علاوةً على ذلك، نحنُ لا نموتُ مرةً واحدة. يَجمُلُ بنا أن نتذكر دوماً أن الإنسان يموتُ مراتٍ كثيرةٍ قبل موت جسده.
? هكذا، لا يستطيع أحدٌ أن يعقد عهداً بالحُب إلا لتلك اللحظة التي يحياهاـ دونَ تجاوزها.
? لو أنني أُجبرتُ على تخيُّل أنني سأتزوج، فسأدعي أن الأَدَبَ زَوجي و الكُتُبَ أطفالي. إن الطريقة الوحيدة التي يُمكنني الزواج بها هي ان أُطَلِّقَ الأدب، أو أن أقترن بزوجٍ ثانٍ في نفس الوقت.
? و لأن الطلاق من الأدب أمرٌ مفروغٌ من استحالته، و لأن لا وجودَ لرجُلٍ في العالم يقبلُ بأن يكون الزوج رقم اثنان، فالاحتمالاتُ كُلها تقولُ بأنني سأعيشُ عزباء مدى العُمر.
? هنا، على هذه الورقة، بَيَاني، مانيفيستو الفتاة العزباء.
أسندتُ ظهري للخلف و انتظرتُ المرأة لتُنهي قراءة الورقة. إنها تتأخر، تتلكأُ و تتهجى الكلمات صوتًا صوتًا كفَتاةِ مَدرَسَة تعلَّمَت للتو الأبجدية. النسيمُ الرقيقُ الذي يلثُمُ مَتنَ الباخرة يحملُ شذى البحر نحونا، فأتذوقُ مُلوحته بلساني. و بعدَ لحظات، ترتمي المرأة إلى الخلف، و تُطلقُ تنهيدةً عاليةً، عاليةً حقاً.
لم أملك سوى أن أشعر بالفضول. مالذي كانت تقصده بذلك؟ هل توافقني الرأي؟ هل كانت تنهيدةً بمعنى: أنتِ مُحِقةٌ يا أُخيتي، و لكن هكذا سارَ و يسيرُ العالم. أم أنها، على العكس، أرادت القولَ: تكتبين هذا الهُراء كُله يا عزيزتي، بينما العالمُ يمضي في طريقٍ أُخرى تماماً. لدي شعورٌ بأنها قالت في سِرها تنبؤي الأخير.
بغتةً، عَصَرَتني رغبةٌ في وَكزها. هذه المرأةُ هي “آخَري”. إنها من ذاك النوع من النساء اللواتي نذرنَ حياتهن لمنازلهن، لأزواجهن و أبنائهن. لقد ركَّزَت، منذ شبابها، في الحصول على زوجٍ مثاليٍّ، و البدء بتأسيس أُسرتها الخاصة، أَن تكونَ أُماً قبل أن تعطي فترةَ شبابها حقها من الطيش، و قد زادَ وزنها في سبيل ذاك، و بَدَت أكبر من عمرهاا، و سَمَحَت لرغباتها بأن تجري داخلها حَسَراتٍ و نَدَم. هذه المرأة، بأحلامها المُعلبة، و وضعها الاجتماعي المريح و أمانيها المهجورة، هي نقيضي. أو هكذا أحبَبتُ أن أُصَدق.
كَتَبَ مرةً بيامي صَفَا، أَحَدُ أشهر الروائيين في بلادي: الطريقة الصحيحة للخلق بالنسبة للمرأة، أية امرأة، هي رَحمها، لا عقلها. هكذا إذن يظنون! إنهم يدعون أن تأليف الروايات مُلكيةٌ تخصهم وحدهم، مُهمةٌ يرثُها الذكور و حسب. الروايةُ بناءٌ منطقيٌّ في أغلبها، عَمَلٌ دماغيٌّ يتطلبُ مهاراتٍ هندسيةٍ و تخطيطية. و لأن النساء كُن، حسب العُرف، كائناتٍ عاطفيةٍ، فإنهن لن يصرنَ روائياتٍ جيدات. أولئك الروائيون المُحتفى بهم، رأوا أنفسهم “آباءً روائيين”، و أن أبناءهم القُراء بحاجةٍ لتوجيهاتهم. إن إرثهم يجعلني أقول بأني إن أردتُ تحقيق وجودي و تفوقي في عالم الأدب، فإن علي أن اختار بين العقل و الرحم. لو وصلَت الأمور إلى هذا الحَد، فلن أتردد إطلاقاً أيهما سأختار.
الباخرة على وشك الوصول. و بلا دراية عن ما يدور في ذهني، تنحني المرأة نحو قدميها. إجمعي الأكياس، أغلقي علبة المكسرات، جهزي الأطفال، إحزمي ألعاب الكلاشينكوف، دُسي أقدامك في أحذيتها مُجدداً. و خلال أقل من ثلاثين ثانية، قامت بتهيئة كل شيء. تتحرك، و إلى جانبها ولداها، نحو المَخرَج؛ تدفعُ و تُزاحمُ الرُكاب مُبتعدةً عني.
حينها فقط، عندما نهضَت المرأة، عرفتُ ما كان علي أن أشعر به من قبل. لم تكُن بدينةً أبداً، أو منتفخة، إنها و حسب حامل! هذا كل ما في الأمر. بطنها منتفخٌ و ثقيلٌ جداً، و أعتقدُ أنها ستُنجبُ توأمًا أو ثلاثة.
و لسببٍ أجهله، هذا التفصيلُ الذي خَفِيَ علي قد قَلَبَ كياني. لكن لم يكن هناك من وقتٍ لأتأمل حالي، فقد وقفت الباخرة عند رصيف الميناء، وقفَز الجميعُ على أقدامهم و راحوا في عُجالةٍ و فوضى بالتزاحم نحو البوابات. في ذاك الهَيَاج، التقَت عَينا الرجل الذي كان يجلسُ بقربي، بعيني.
قلت له: شكراً على الورق. فأجاب: على الرحب و السعة، كم أنا سعيدٌ لأنني كنتُ عَوناً لك. قلتُ: أوه، لقد كُنتَ كذلك بالفعل، لكنني أتساءل، ماهي شركة النيزك للتسويق المحدودة؟.
فأجاب: نحن شركة متخصصة في تسويق المنتجات الخاصة بالأمهات و الأطفال حديثي الولادة. مثلاً، مضخات الحليب الآلية، و مدافئ الرضاعات، و أشياء أخرى شَبيهة.
افتر ثغرُ الرجُل عن ابتسامةٍ تتفتح كبذار القمح، أو أنها بَدَت لي وحدي كذلك. أشعُرُ فجأةً أن في مكانٍ ما هناك، في هذه السماء الزرقاء الرائقة، حيث بدأت الشمس بالغروب الآن، تُشيرُ إلي ملائكةٌ بأصابعَ بَضةٍ كاللبن و تتندرُ علي. إنني أجدُ مُفارقة حين أُفكرُ بما حدث؛ لقد كتبتُ مانيفيستو الفتاة العزباء على ورقةٍ تخُصُّ شركةً لتسويق مُنتجاتٍ خاصةٍ بحديثات الولادة. هكذا وقفتُ مذهولةً لهذه المفارقة و حِرتُ كيف أتصرفُ حيالها. إلا أن صَوتا داخليا راح يُحدثني: ليس في الكون صُدَف، بل علامات، هل تستطيعين فهمَ العلامات؟.
طَرَدتُ الصوتَ بعيدًا و دَسَسْتُ المانيفيستو في جيبي، و شعرتُ أنني لم أعُد واثقةً من إيماني بما كتبته فيها مثلما كنتُ لحظةَ كتابتها. و على هذه الحال، ترجلتُ من الباخرة الغجرية. هل هي حقًّا علامةٌ لم أُعِرها اهتمامًا؟ كتبتُ مانيفيستو الفتاة العزباء دونَ واعزٍ أو سببٍ أبدًا، و في نفس اللحظة، نفس النَفَس، رأيتُ بجانبي امرأة تقفُ الضِّد مني، إنها “آخَري”؛ ربةُ المنزل و الأم و الزوجة التي لم أسمح لنفسي أن أصيرها. و ظناً مني بأنني لستُ مختلفةً عنها و حسب، بل أفضل منها بمراحل، أقسمتُ أن أبقى على حالي، الآنسة العزباء الكاتبة. و في تلك الأثناء، لم أكن أرى أن ما يلمعُ أعلى صفحة المانيفيستو كان اسم شركةٍ متخصصةٍ في خدمة الأمهات. هكذا راح الكونُ يسخرُ من عنجهيتي. لابُد و أن كانت هناك علاماتٌ أُخرى، لا واحدة و حسب، بل الكثير منها، لأنني بعد كتابتي المانيفيستو ببضعة أشهر، سقطتُ رأسًا على عَقِبٍ في الحُب، و حتى أنني تزوجت. خلافًا لما ظننته طوال الوقت بأنني سأنزلُ من مركب نوحٍ وحيدةً، أَفَقتُ على جمال أن تكونَ شريكاً و زَوجاً. و بعد ذلك بعامين، أنجبتُ طفلتي الأولى. و لطالما تذكرتُ، أثناء حملي، كيف استصغرتُ المرأة في الباخرة، فأندمُ على ذلك، أندمُ بحدة. لابُد و أن كانت هناك علاماتٌ أُخرى، لا واحدة و حسب، بل الكثير منها، لأنني بعد ولادتي بأسابيع قليلة، وقتَ أن باتَ واضحاً بأن حليب صدري لن يكون كافياً لإرضاع طفلي، و أن علي زيادته، اتصلتُ برقمٍ حصلنا عليه من بعض أصحابنا، و استأجرنا آلةً لضخ الحليب، و بعد أن تم شحنُ الآلة و وَصَلَت إلى البيت، لاحظتُ شعار شركةٍ مألوفٍ لي على صندوق الشحن: شركة النيزك للتسويق المحدودة!. مَن يدري، لعل الرجل نفسه الذي قابلته في الباخرة هو من أَوصَلَ الشُّحنةَ إلى البيت. مَن يدري، لعل المرأة التي اتضحَ أنها ليست ببدينةٍ، بفستانها الأزرق و أولادها و ألعابهم البلاستيكية و حبات الحمص و التوأم أو الثلاثة توائم، هي أيضاً، تختبئ خلف شجرةٍ ما، و تضحك علي ناظرةً إلى حياتي كيف تغيرَت، إلى الانعطاف المباغت للقَدَر.


الحلقة الرابعة
البدايةُ دَومًا كوبُ شاي

لاحقاً، بعد أسابيع معدودةٍ من أحداث الباخرة، و مبكراً جداً على تجوال فكرة الزواج في رأسي، ها أنا أحتسي كوب شاي مع روائية. ما أقل ما كنت أعرفه قبل هذا اللقاء عن الخيار الصعب بين إنجاب الأطفال و إنجاب الكتب. هذا لقاءٌ دفعني للتفكير ملياً بالأمر.
قبل أيام قليلة من اللقاء، قالت لي عبر الهاتف:
? الآنسة شفق؟ أود لو ألتقيك، لِمَ لا نحتسي الشاي سوياً في منزلي؟.
ثم أضافت بضحكة عالية:
? لا يعدو الشاي أن يكون عُذراً و حسب، فليس هناك من مناسبةٍ سوى أنني أود أن نتحادث، تفضلي عندي.
كانت قد بلَغَت الحادي و الثمانين من عمرها ولا تزال شغوفَةً بالكتابة كما كانت أيام صِباها. السيدة عدالة آؤلو من أشهر الأصوات الأدبية التركية في جيلها، و أنا جِدُّ مُتحمسة للقائها.
بالرغم من أنها لقنتني اتجاهات الطرق الموصلة لبيتها، إلا أنني تهت بعض الوقت بحثاً عن مسكنها تلك الليلة. فهذه المنطقة،  كالكثير من مناطق اسطنبول، تضُم متاهةً من الوديان الملتوية صعوداً و هبوطاً، و تمتدُّ لتتفرع إلى شوارع جديدة بأسماء مختلفة. و أخيراً، عندما وجدت مسكنها، كان قد تبقى لي خمس دقائق على حلول الموعد، لذا تجولت في الجوار قليلاً. هناك في المنعطف، إلى جوار بعض ورود الزينة، تجلس فتاتان غجريتان بسيقانٍ متقاطعة و سراويل واسعة براقة الألوان، يُجلجلن أساور الذهب في معاصمهن، و ينفثنَ دخان السجائر. لقد أكْبَرتُهُن، لا لأجل خواتم الدخان المكتملة الني ينفثنها و حسب، بل لأنهن لم يُعِرنَ وزناً للحدود الاجتماعية. إنهن من أولئك النسوة اللواتي يُدَخن السجائر في الشارع، في ثقافةٍ تعتبرُ الأماكن العامة و التدخين فيها حِكراً على الرجال.
بعد خمس دقائق، قرعتُ الجرسَ حاملةً باقةً من زنابق صفراء بين يدي و الفضول في قلبي. لم أكن أعرف، مُنتظرةً الباب أن يُفتَح، بأن هذا اللقاء ستكون له آثارٌ عميقةٌ في حياتي، عاكساً العديد من التساؤلات داخلي حول الأمومة و النسوية و مهنة الكتابة.
فتَحت السيدة آؤلو الباب. بَشَرَتها شاحبة بعض الشيء، و ابتسامتها متسائلة، أما شعرها فكان قصيراً و مصفوفاً بطريقةٍ تقول أنها من أولئك النسوة اللواتي لا يُرِدنَ قضاء وقتٍ طويلٍ مع شعورهن.
قالت بصوتٍ مُفعمٍ بالطاقة:
? ها أنتِ هنا! أهلاً، تفضلي.
تَبعتها إلى غرفة الجلوس. المكان رَحبٌ، يتسمُ بالنقاوة، و مُزينٌ بِذَوقٍ رَفيع، كأن كل شيءٍ قد نَزَلَ في مكانه هنا بتناسُبٍ و تناسُقٍ بديعين. و بالرغم من أننا في صميم قلب الصيف، إلا أنه يومٌ عاصفٌ بسبب رياح اسطنبول الشمال شرقية غير المشهورة، المسماة بويرس؛ إنها تضربُ أفاريز النوافذ و تتخللُ شقوق الأبواب. بيد أن بيت السيدة آؤلو مُحصنٌ، و تضوعُ منه رائحة أعوامٍ طويلةٍ من الانضباط و الهدوء التام.
ألقيتُ بنفسي على أول كرسي صادفته، لكنني لاحظتُ فور أن أسندتُ ظهري إليه أنه أرفَعُ كُرسيٍّ في الغرفة، و أنه ليس من اللائق و المناسب الجلوس عليه. وثبتُ على قدمي و رحتُ أُجَربُ الأريكة التي في الجهة المقابلة، إنها وثيرة إلى درجة أنني غرقتُ فيها. و أثناء ما كان يراودني شعورٌ بأنني لن أرتاح هنا أيضاً، انزلقتُ إلى المقعد الملاصق تماماً للأريكة، و ندمتُ فوراً على فعلتي هذه، إذ من يُفَضلُ الجلوس على مقعدٍ خشنٍ عندما يكون متاحاً الجلوس على كنبةٍ ناعمة؟.
و في خضم ذلك، كانت السيدة آؤلو مستقيمةَ الظهر، رَصينةً، تضعُ أكُفها مُشتبكةً في حضنها، و من خلف زجاج نظارتها ترمقني أتنقلُ من مكانٍ لآخَرَ بمُتعةٍ لم تشعُر بأن عليها إخفاءها أبداً. و لولا تلك النظرة في عينيها، لتابعتُ تبديل أماكن جلوسي، لكنني حبستُ أنفاسي و سيطرتُ على نفسي. قالت:
? التقينا أخيراً! الكاتباتُ لا يُظهرنَ عادةً إعجابهن ببعضهن، لسنَ جيداتٍ أبداً في القيام بذلك. إلا أنني أردت مقابلتكِ أنتِ بالذات شخصياً.
لم يَرِد إلى ذهني كيف أتجاوب مع ما قالته للتو، فابتسمتُ مُرتابةً و حاولتُ جاهدةً البدء بحديثٍ أقلُّ توتُّراً:
? المكانُ هُنا غزيرُ السكون.
? حمداً لله، من الصعب تحقيق ذلك في مدينةٍ مزعجةٍ مثل اسطنبول. بيد أنَ أخفَضَ الأصوات بإمكانه تشتيتي أثناء الكتابة. إنه لأمرٌ أساسيٌ عندي أن أكون في سلامٍ و سكونٍ لأستطيع العمل.
ثُم سَكَتَت، تقيسُ اهتمامي بما قالَته بعَينَين براقَتين. ثُم تابَعَت:
? لكنني أفهمُ أنكِ لستِ كذلك. قرأتُ مُقابلتكِ ذاتَ يوم. يبدو أنكِ تكتبين في الحركة، تُمتِعُكِ الفوضى و عدم الترتيب. إني أَجِدُ ذلك حقاً…
فأكملتُ فوراً عنها جملتها:
? غريباً؟
قَوسَت حاجبيها النحيفين ببطء، بحثاً عن الكلمة الصائبة. فحاولتُ مرةً أخرى:
? لا يمكن فهمه؟
? بل سوقياً! أجدُ ذلك سوقياً بالفعل.
أومَأتُ برأسي. كيف أشرحُ لها بأن الهدوء و النظام الذين تُجِلهما يُشعراني بأنني غريبة الأطوار؟ أن أحيى في نفس المنزل لعصورٍ بأكملها! أن أُمَيزَ وجه كُل بائعٍ في دكاكين الجوار، أن أتجذر في نفس الشارع و الحي و المدينة. يا لها من فكرةٍ مروعة. الثبات و الاستقرار مفاهيمٌ غريبةٌ علي، بعيدةٌ عني بُعدَ روسيا و الصين؛ إذ بالرغم من معرفتي بأن تلك الدول تتكلمُ لغاتٍ عظيمة التاريخ، إلا أنني لا أتحدثها.
الهدوء هو الأسوأ. أينما تحل غيمةٌ مثقلةٌ بالصمت، يُمسي الزعيق الذي بداخلي مسموعاً أكثر، و يطفو إلى سطحي صوتاً صوتاً. يُفرحني إيماني بأنني أعرف هؤلاء الحريم اللواتي بداخلي، إلا أن منهن من لم أتعرف عليها و أقابلها بعدُ. تُشكل أولائ الحريمُ جوقةً لا تعرفُ كيف تهدأ و تُنزلُ من صخبها، أُسَميها جوقة أصوات الفوضى.
إنها جوقةٌ سوقية. هكذا بَدَت لي، ليس لأنها نشازٌ و حسب، بل لأن لا أحد من أعضائها يستطيع قراءة النوتات الموسيقية أصلاً. في الحقيقة، لا وجود لأية موسيقى فيما يفتعلنه. إنهن يتحدثن جميعاً، هكذا، في نفس الوقت، ولا يستمعن لأيٍّ مِما يُقالُ على الإطلاق. إنهن يجعلنني أرتابُ من تعدُّدي الذاتي و أرتعب من هذه الشظايا التي بداخلي. لهذا لا أُحِبُّ الهدوء. و حتى أنني أجده مزعجاً، ليس مُريحاً ولا يبعثُ على السكينة. عندما اكتب في المنزل أو في غرفة فندق، أتأكدُ من إدارة مفاتيح الراديو أو التلفاز أو المسجلة، و أحياناً جميعُ ذلك آناً واحداً. لقد تعودتُ الكتابةَ في المطارات المكتظة و الكافيهات المُزدحمة، أو المطاعم الصاخبة. أنا في أَوج إبداعي عندما أُحاطُ بصَخَبٍ غَني.
يخطُرُ لي الآن فجأةً، أنني لهذا السبب، على عكس أصدقائي، لا يزعجني سائقو السيارات عندما يُنزلون نوافذها و ينشرون موسيقى البوب إلى أقاصي تلال اسطنبول السبعة و ما وراءها. ففي اعتقادي أن هؤلاء الطائشون يخافون الهدوء مثلي. إنهم أيضاً لا يُريدون أن يُترَكوا وحيدين مع أصواتهم الداخلية تلك.
تماماً كأولئك السائقين المتبهرجين، أفتَحُ نوافذي و أجلسُ لأكتُبَ روايتي. و بالطبع ليس من أهدافي غزو العالم الخارجي بموسيقايَ، أبداً، بل أريد لموسيقى الخارج أن تجتاح دواخلي؛ صياح النوارس، أبواق المركبات، صياح سيارات الإسعاف، خطوات الزوجين الذين يعيشان في الأعلى، ضجة الصبيان الذين يلعبون الكُرة مقابل الشارع، أصوات النرد يَقرعُ الطاولات في المقاهي القريبة، هُتافُ الباعَة المتجولين، و موسيقى الروك، قديمها و حديثها، تموجُ في مسجلتي. فقط وسط هذه المعمعة، يغرقُ المَرَح الصاخب الذي بداخلي لبعض الوقت. حينها فقط، أستطيعُ الكتابة بسلام.
سألَتني السيدة آؤلو:
? هل تودين رؤية المكتب الذي كتبتُ عليه مُعظَمَ رواياتي؟
? بالطبع، أُحبُّ ذلك.
طاولة مكتبٍ رائعة من خشب ماهاغوني، عليها مسودات مُرتبة و كتب، و مزينة بدقة ببعض التذكارات، و مصباحٌ كلاسيكيٌّ أنيقٌ يُشيعُ ضوءًا أصفرًا ناعما عليها. قالت لي أنها لا تسمح لأحدٍ سواها بتنظيف طاولتها، حيث أنها تريد الاطمئنان إلى أن كل شيء يبقى في مكانه الصحيح. و قد تساءَلتُ لحظتها ما إذا كان هذا النوع من الحَظر يطالُ أيضاً أغراضَ الغرفة جميعها أم لا، إذ أن هناك العديد من التذكارات و الصور متناثرة على أَرفُف الكُتُب، كذلك أكواب القهوة و طاولات الكراسي. لطالما حيرني هذا النوع من الشغف بجَمع الأشياء المُثقلة بالمعنى و الذكريات.
علاقتي بالأشياء عبارة عن سلسلة من الخيانات. آتي بها، أحبها، ثم أتخلص منها. اعتدتُ منذ طفولتي على حَزم الأغراض و إعادة حَزمها في صناديق. عندما تُكثِرُ من الانتقال بين الأحياء و المُدُن و البُلدان، لا تستطيع أن تحمل معك سوى القليل من الأشياء لا غير، أما بقية ما تملك، فستتعلم مُرغماً أن تتركه خلفك.
أناييز نين، وُلدَت في فرنسا عام 1903م، و قد كانت مؤلفة تركت أثراً كبيراً في عالم الأدب و أيضاً في الحِراك النسوي في القرن العشرين. و بالرغم من أنها كانت غزيرة الإنتاج في الرواية و القصص القصيرة و النقد الأدبي، لكن كتاب يومياتها الذي نشرَت معظمه أثناء حياتها هو ما اشتُهرَت به. قال النقاد بأن أغلب الشخصيات النسائية التي في قصصها، إذا لم تكن جميعها، كُن هيَ.  بيد أنها أنكرت ذلك. و من بين الأمور الخارجة عن المألوف التي قامت بها هي أنها، مُتعبةً من قوانين عالم النشر، قامَت بنَشر كتبها بنفسها؛ ابتاعت آلة طابعة يدوية، و تعلمت كيف تستخدمها ثم بدأت بالطباعة. كان عملاً شاقاً كما قالت، خصوصاً على كاهل امرأةٍ لم تزن أكثر من 45 كيلوغراماً. لاحقاً، عندما تحدثَت عن هذه التجربة، قالت بأن طباعة كتبها بنفسها، أن تطبع كُل جملةٍ مكتوبة، قد علمها ككاتبة كيف تُمسي مُقتضبةً و قليلة الكلمات.
الظروف تُدَرِّسُنا كيف نكون غفيري المضمون بكلماتٍ قليلة.
و بالمثل، علمني الترحال و الانتقال كيف أحيى بأقل ما يمكن من الأثاث. ما أشتريه في مدينة ما، أتركه قبل سفري للمدينة التي تليها. لكأنني مع كل خطوة أخطوها و كل مكسب أحققه، أخسر شيئاً آخر في مكان ما. لكن هناك شيئاً واحداً تدبرت أَمرَ حمله معي أينما ذهبت في حقيبة يدي: محفظةُ قديمةٌ قِدَمَ البحر الميت، لكنا أخف من الريشة، ولا يمكن للمفتشين رؤيتها أينما ذهبت في العالم: إنها فن حكاية القصص.
لا أستطيع حتى أن أضع أثمَنَ كتبي مع بعضها البعض، إنها مُغلفة في صناديق موزعة في أقبية بيوت الأهل و الأصدقاء. مجموعة من الأدب الروسي خاصتي تجلس في أنقرة في بيت أمي، و أما الليالي العربية، الألف ليلة و ليلة، فتنتظرني في كلية ماونت هوليوك حيث تحصلتُ على الزمالة في وقتٍ ما.
و بشكلٍ مُستغرب، تجعلُ تلك الفوضى ذاكرتي ثخينة بعض الشيء، إذ عندما لا تستطيع الاحتفاظ بكتبك إلى جانبك، لا خيار لك سوى أن تحفظ عن ظهر قلب ما استطعت من القصص و المقاطع التي وردت فيها. هكذا أستطيع استذكار ما كتبه باسترناك من شظايا حوارٍ  في روايته الدكتور جيفاغو، و قصائد من كتاب ابن الرومي المثنوي، منقوشةً في ذهني. لا أستطيع حملها معي، ليس إن كانت بذاك الحجم، أو بتلك الأجزاء الكثيرة لكنني أستطيع تسميعَ سطورٍ قالها ابن الرومي –مثلاً- فوراً، حاضرة في رأسي:
إن جوهرةَ حُبي داخلي، فليتهاوى هذا الوجود الرخيص حجراً حجراً..
قالت السيدة آؤلو:
? هل لديك مكانٌ للكتابة كهذا؟ هل تشعرين بقداسة نحوه؟
أجبتها عارفةً أنني سأبدو مدعاةً لرثائها، لكنني قلت لها على أية حال:
? ليس تماماً، عندي حاسوبي المحمول.
رمقتني بعينَي الحيرة، ثم تركَت الأمر ينتهي و حسب، ثم قالت:
? هل لنا أن نحتسي الشاي الآن؟ هيا..
ابتسمتُ بارتياح:
? بالطبع، شكراً للطفك.
عدتُ إلى غرفة الجلوس منتظرةً مضيفتي أن تعود إلي. واجهتُ حقيقةً لطالما عرفتها إلا أنها تضرب بجذورها الآن و تقف أمامي: تشبثت دوماً، أو أنني أردت التشبث دوماً ببعض القطع و النتف هنا و هناك عِبرَ حياتي، بلا احتواء كامل، ولا تمركُز، ولا استدامة. لدي طريقة مختصرة لقول هذا: أنا الفوضى.
اتضح لي في تلك اللحظة بالضبط، أنه إلى الدرجة التي تحياها السيدة آؤلو من الاستقرار، أحيا أنا الهيام. في من الانفلات بقدر الانضباط الذي هي عليه. و كلما حاولت بصعوبة أن أمكث في مكان أو عنوان أو بيت أو علاقة، لا يعود الصمغ الذي استعمله قوياً كفاية، لكن، و قد يبدو هذا مُريبًا، هذا التيه كان لي لعنةً و نعمة.
و بعد حين، ظهرَت السيدة آؤلو مرة أخرى و معها صينية تحملُ  أكواب شاي و أطباق برسلانية. في صحني فطائر، و بسكويتات مالحة إلى يسارها، و كعكٌ مُحلى إلى يمينها. تصطف جميعها في خطٍّ مكتمل الاستقامة و بأعدادٍ متساوية.
و خلال نصف الساعة اللاحقة، خبرَتني عن أحوال الكاتبات في الماضي، و مالذي تغير اليوم من وجهة نظرها. أنصَتُّ إليها مستمتعةً بالنقاش، إذ لا مواعيد عندي لألحقها ولا مهام لأقضيها. تكلمنا عن الأدب و الفن، عن مَن جاء و رحل من الكُتاب، و عن حال الكاتبة في مجتمعٍ أبوي.
و عندها، من لا شيء، تمكنَت مني السيدة آؤلو و شرعَت بالحديث في أمرٍ آخَر:
? أعتقد أن على الكاتبات، في لحظةٍ ما من حياتهن، أن يتخذن قراراً واضحاً. على الأقل هذا ما حدث لي، قررتُ ألا أُنجِب، و أن أُكَرسَ نفسي للكتابة.
أخبرتني بصوتٍ هادئ و متماسك بأنه كان عليها للوقوف على أقدامها ككاتبة، و لكي تكتب بحرية و غزارة، أن تختار ألا تحضى بأطفالٍ من إنجابها. قالت:
? كنتُ محظوظةً، إذ أن زوجي قد دعمني في هذا الخيار الصعب. كان من المستحيل المضي في قرارٍ كهذا لولا تأييده.
انقبضَ بطني. لا تسأليني، أرجوكِ. لكنها سألَت:
? ماذا عنكِ، هل الأمومة أمرٌ يراودك؟


الحلقة الخامسة
حديث فيروز مع فيرجينيا وولف!

انقبضَ بطني. لا تسأليني، أرجوكِ. لكنها سألَت: ماذا عنكِ، هل الأمومةُ أمرٌ يراودك؟
المانيفيستو الذي كتبته في الباخرة يومضُ في عيني بأحرُفٍ وهاجةٍ و كبيرة. قد يكون هذا هو الوقت المناسب لإلقاء بعض الأسطر منه. لكن قبل أن تواتيني الفرصة، راحت جوقة أصوات الفوضى تُغني، و كأن أحدًا قد كبسَ زر التشغيل. همستُ في جُعبتي: أوصصص… إخرسنَ يا بنات بحق الله.
قالت السيدة آؤلو: عفوًا، هل قُلتِ شيئًا؟.
أجبتها شاعرةً بالحُمرة تجتاح وجهي: لا، لا.. أعني، بلى، كنت في الواقع أتهامس و نفسي و حسب، لا شيء مهم.
ثُم سألَتني السيدة آؤلو دون أن تترك لي فرصةً للتخلص من هذه الورطة: وما الذي كنتِ تهمسين به لنفسك؟
بلعتُ ريقي بصعوبة حتى أن كلانا قد سَمِعَ صوتَ الارتجاع في حلقي.
لم أجرؤ على القول: كنت وحسب أوبخ الفتيات الأربعة بداخلي، أنتِ تعرفين، إن لهن أراءً متعاكسة حول الأمومة، كأيٍّ من المواضيع المهمة الأخرى في حياتي.
لم أجرؤ على القول: هناك مجموعةٌ صغيرةٌ من الحريم بداخلي. عِصابَة نساء يتشاجرن باستمرار على أتفه الأمور ويختصمن، يتحين الفرصة لتمزيق بعضهن البعض. إنهن مخلوقات بالغة الصغر، بحجم الأنملة تقريبًا، يبلُغن من الطول من أربع إلى خمس إنشات، ويبلغ وزنهن من عشر إلى أربع عشرة أونْصة. هذا هو حجمهن بدقة. ويجعلَنَ حياتي تعيسة. غير أنني لا أعرف كيف أحيى من دونهن. يخرجن و يختبئن كيف شئن. كل واحدة منهن اتخذت زاوية من روحي لإقامتها. ولا أستطيع أن أخبر عنهن أحدًا. وإن فعلت، فسيجعلن مني عُرضةً للتشخيص بالشيزوفرينيا. لكن، أليست “الشخصية” في صميم تعريفها نوعًا من الشيزوفرينيا؟
لم أجرؤ على القول بأن كل عضوةٍ في جوقة أصوات الفوضى تدعي أنها شخصيتي الحقيقية، ولذا، ترى إلى الأخريات على أنهن منافساتٍ وحسب.
عميقٌ عدم استساغتهن لبعضهن، لو أُعطينَ الفرصة لاقتلعنَ أعيُن بعضهن البعض. إنهن أخواتٌ باللحم والدم، بيد أنهن يتصرفن بدمويةِ قوانين السلطان محمد الفاتح؛ لو أن إحداهن اعتلت العرش، فإني أخاف أن أول أمرٍ ستقوم به هو التخلص من شقيقاتها مرة واحدة وإلى الأبد.
زمنيًّا، لا أعرف أيهن جاءت أولاً، و من ثَم مَن تَبِعَ مَن. البعض منهن أوسَعُ حكمة من البعض الآخر، ولا يعود ذلك لما بلغنَهُ من عُمرٍ أكثر من كونه عائدًا لأمزجتهن. أظن أنني اعتدت على سماع أصواتهن يختصمنَ في رأسي طوال الوقت.
لم أجرؤ على قول أي من ذلك. و بدلاً عنه، دفعتُ بسؤالٍ في المعركة، هذه أسهل طريقة للخروج من هذا المأزق:
? أخبريني يا سيدة آؤلو، لو كان عند شكسبير أختٌ موهوبةٌ بالكتابة بشكلٍ لا يُصَدق، أو أن عند الشاعر الفضولي البغدادي أُختًا موهوبةً بالشعر مثله تماماً، ما الذي كان سيجري على أولئك النسوة؟ هل كُن سيكتبن الكتب؟ أم يُربين الأطفال؟ أظن أن ما أفكر به هو: هل كان بإمكانهن القيام بالأمرين معًا؟
قالت بنبرةٍ مرتفعةٍ قليلاً: هذا سؤالٌ قَد تناولتُهُ منذ زمنٍ بعيد، و الإجابة التي توصلتُ إليها بوضوحٍ هيَ: لا. لكنه زَمَنُك الآن يا عزيزتي، إنه وقتك لكي تُجيبي على هذا السؤال. هل تعتقدين أن بإمكانك التوفيق بين الأمومة و مهنة الكتابة، معًا، و بموازينَ عادلة؟
أُختٌ موهوبةٌ
فيرجينيا وولف، في كتابها “غُرفَةٌ تخُصُّ المَرءَ وحده”، تُجادِلُ في أنه لم يكُن لامرأةٍ، أية أمرأة على الإطلاق، أن تكتب مسرحيات شكسبير في زمنه. و لتوضح حجتها، ابتكرَت امرأةً خيالية و قدمَتها كأختٍ لِشِكسبِير. إسمها “جودث”. لنفترض للحظة أن جودث هذه كانت شغوفةً بالمسرح كما كان شكسبير، وتتمتع بنفس الموهبة. ما هو مصيرها؟ هل كان لها أن تُسَخر حياتها في تنمية موهبتها كما فعل شكسبير؟ تقول فيرجينيا:
الجواب هو لا، لأن هناك أنظمة و قوانين مختلفة لكلٍّ من الرجال والنساء. تستطيع جودث أن تكون موهوبةً كيفما تشاء، مولعةً بالآداب والفنون كيفما تُحب، بيد أن طريقها ككاتبة سيكون مرصوفًا بالعقبات، صغيرها وكبيرها. ستمر بوقتٍ عصيبٍ لتجد فسحة متذبذبة بين الزوجة الاجتماعية والزوجة الرفيقة والأم المخلصة التي عليها أن تكونهن. وأهم من ذلك، بين واجبات الأم والزوجة، لن تجد وقتًا للكتابة. سينقضي يومها قائمةً بأعمال المنزل الروتينية؛ الطبخ والكَي والاهتمام بالاطفال والتبضع للمنزل والاعتناء بكل مسؤولياتها العائلية، وقبل أن تنتبه، ستجد نفسها امرأةً منخولة؛ يتسرب وقت العالم كله من ثقوب حياتها. وفي تلك اللحظات النادرة التي تجد نفسها فيها وحيدة، ستكرسها للاسترخاء والتخلص من التوتر. كيف لها أن تكتب؟ متى ستقوم بذلك؟.
منذ البدء، الفُرَص المُتاحة لشكسبير محظورة على جودث. في هذا العالم حيث تُثبط عزائم النساء عن تنمية فرديتهن، ويُلَقن بأن دورهن الأساسي في الحياة هو الوقوف كأم وزوجة صالحة وحسب، حيث النساء مجرد أصواتٍ في حيز الثقافة الشفهية، ولكن لسنَ منظوراتٍ أبدًا في حيز الثقافة الكتابية، الكاتبات يبدأن باللعب منذ الخسارة: صفر لِسَبعة.
لنقُم الآن بطرح سؤال فيرجينيا وولف على الشرق الأوسط.
محمد بن سليمان، أو الفضولي البغدادي، أحد أشهر أصوات الشرق. عُرِفَ كشاعر في القرن السادس عشر وهو جليلٌ حتى اليوم عند العرب والفُرس والأتراك على حَدٍّ سواء. لنفترض أن عند فضولي أُختًا موهوبةً تصغره عمرًا، ومن المرجح في الحقيقة أن له أختًا كهذه- واسمها فيروز، وهو لونُ عينيها أيضًا.
فيروز هذه بارعة، مغامرة بالفطرة، عاكفة على التعلم وتفور بالأفكار. مجعدة الشعر، ناعمة الابتسامة وذهنها مزدحم دومًا بأسئلةٍ مُتشابكةٍ ببعضها البعض. وكالصور في مرايا متقابلة، تتضاعف أفكارها بلا نهاية، وتنداحُ في فضاء لا نهاية له. ينسكبُ الخيالُ من كلماتها كالمياه المنسابة من أقواس القناطِر، نقية دومًا، و دومًا حُرة.
تُحب القصص، كُلما زادت المغامرة وارتفع الخطر، كلما ناسَبَها ذاك أكثر. ليلاً ونهارًا، لا تتوقف و لو للحظةٍ عن إلقاء القصص عن قراصنةٍ يحملون جماجمَ بشريةٍ والياقوت موضوع في محاجر أعينها، عن سجادات سحرية تطير فوق أسواق التوابل، ومغارات كريستالية، وعَمَالقة خُضْر برأسَين يتحدثون لغةً مُبهمةُ لكُل الآذان ما عَدَى أذنيها. تروي، دون توقف، هذه القصص لأمها وجدتها وعماتها وخالاتها. وعندما لا يطيقون الاستماع إليها أكثر، تذهبُ لترويها للضيوف و الخَدَم و أي أحدٍ تسمعُ حسه في المكان.
كِبارُ العائلة يومئون برؤوسهم، منصتين لها:
? يا صبية، إن خيالك أعمق من المحيط، كيف تجيئين بكل هذه الحكايا؟ هل تتسللين مُعتليةً قمة “جبل قاف” في منامك وتسترقين السمع لحديث الجنيات هناك حتى مجيء الصباح؟
تتساءل فيروز ما هو ذاك المكان المسمى بجبل قاف. إنها لتود الذهاب إليه و رؤيته بأم عينيها. العالم مليء بالألغاز، وهناك زوايا في الأرض تذكرك بالجنة. إنها تعرف ذلك لا لأنها خَبِرَته، بل بالبداهة. لقد قرأَت آياتٍ في القُرآن عن الجنة، حيثُ يُحَلى داخلوها بأساور من شهب، وثياب من سندس أخضر. إن أكثر ما يسليها هو إطباقها لأجفانها لتتخيل نفسها مرتدية أنعَمَ الأردية، تخشخش خلاخل كاحليها و هي تتمشى، تشقُّ مجاري مياهٍ باردةٍ، تقطف من الأشجار فاكهةً الواحدةُ منها أكبر من بيض النعامة.
الحُلْمُ فتاةٌ وردية الوجنتين، أخاذةٌ كحورية البحر، و لعوبَةٌ مثلها أيضًا. لو تقدمتَ لتحملها بين ذراعيك، لانزلقَت منك، لينةً وخفيفة، مثل سمكة، أو مثل السراب المخلوقة من مادته. أولئك الذين يشتاقون للمسها، لا يفعلون سوى استنزاف حيواتهم.
الحقيقةُ عجوزٌ بشعرٍ رماديٍّ كالسماوات العاصفة، بلا أسنانٍ و تُثرثر بشكلٍ يبعثُ القشعريرة. هي ليست قبيحة، ليسَ تمامًا، بيد أن فيها شيئًا مُريبًا وغير مريح مما يجعل النظر لعينيها أمرًا صعبًا.
الحُلمُ هو الحُضن الحميم لفيروز، صديقها المُقرب.  وهُما يلعبان، يضحكان و يتبادلان النكات، وهُما يعدوان معًا، تراقبهما الحقيقةُ من بعيدٍ بعينين مزمومتين.
قالت الحقيقة: “اقتربَ اليومُ الذي سيخرُجُ فيه الحُلمُ المُدللُ هذا من الباب، و سأسترخي على عرشها ذاك، مكانه. ستلعب فيروز مع الحلم لبعض الوقت فقط. غير أنها ستصبح امرأةً عن قريب، و لِزامًا عليها عندما أن تفترق عن حبيبها و صديق لعبها ذاك”.
استيقظَت فيروز في أحد الصباحات، هُناكَ بلَلٌ غريبٌ بين ساقيها، و رأَت بُقعةً حمراء تُلطخُ ثوبَ نومها. انقبضَ قلبها بشدةٍ و عُنف. اجتاحها الرعب من أنها قد جرحَت نفسها بشيءٍ ما دون أن تدري. هكذا أسرعَت راكضةً إلى والدتها و هي تشهَقُ وتبكي. وبالكاد مرت بضعة لحظاتٍ قالَت خلالها كلماتٍ معدودةٍ في أذن أمها، حتى دوى صوتٌ و تلقت فيروز صفعةً على خَدها أيقظتها إلى الأبَد.
قالت لها أمها بنظرةٍ رحيمةٍ في عينيها لا تتماشى أبدًا مع حِدة صوتها: “إهدئي”.
همسَت فيروز مذعورةً: “أمي! ما الأمر؟ ماذا حدث؟”


الحلقة السادسة
أختي شاعرة! ما العمل؟

دوى صوتٌ و تلقت فيروز صفعةً على خَدها أيقظتها إلى الأبَد.
قالت لها أمها بنظرةٍ رحيمةٍ في عينيها لا تتماشى أبدًا مع حِدة صوتها: “إهدئي"
همسَت فيروز مذعورةً: “أمي! ما الأمر؟ ماذا حدث؟”
أجابَت: “يحدث هذا لكل النساء. لكن لا تُخبري أحدًا عن ذلك. أشقاؤك على وجه الخصوص. خُذي هذه الثياب و اذهبي لتنظيف نفسك"
رددَت فيروز مُتشككة: “يحدث هذا لكل النساء؟”
قالت أمها: “هذا صحيح. ويعني أنك لم تعودي طفلة بعد الآن. عليكِ أن تُراقبي تصرفاتك. لا يمكنك الركض في كل مكان والقفز على الحبل. لا يمكنك الحديث بصوتٍ عالٍ أو القهقهة. أنتِ الآنَ امرأة.”
متى؟ لِمَ؟ كيف انتقلَت من الطفولة إلى النضج؟ لطالما ظنت أن عليها – لتصير امرأة – أن تقطع طريقًا مُتعرجًا تقفُ على جانبيه الأشجار، وهي تشقه خطوة خطوة، تتعرفه وتتعلمه. لماذا لم يقل لها أحد أنه كان – في الحقيقة – فَخًّا، بابًا سحريًّا تخطو منه فتهوي بغتةً دون أن تعرف عن وجوده أصلًا؟
تشعُرُ فيروز بالوساخة والذنب، لا لأمرٍ قامَت به، ولكن لِما هيَ عليه. أمرَتْها جدتها ألا تلمس القرآن حتى يكُف النزف بين ساقيها عن الجريان، وتُطهر نفسها تمامًا.
هكذا بدى لها أن الله، حتى الله، لم يعُد يُريدها.
الوجع. هذا ما تشعُر به فيروز. بهَت لونُ وجهها ورحلَت الابتسامة من عينيها. تلك الفتاة غير المبالية التي يتردد صدى ضحكتها في أرجاء المنزل مثل دزينة أجراسٍ رنانة، أُبْدِلَت الآن بامرأة يُثقلُها جسدها. رأسها مُطأطئة، ووجهها غائمٌ بالأفكار.. فيروز في أرضٍ غريبةٍ حتى ولو كانت جالسةً إلى مجمرة المنزل، مع الواقع.
كبارُ السن في العائلة، لا يرفعون أعينهم عنها، يتهامسون فيما بينهم عن خُطابٍ مُحتملين. الخطابات يأتين ويذهبن، حاملاتٍ مُكعبات راحة الحلقوم ملفوفةً في مناديل حريرية. وعلى أن والديها يساومان حول تكاليف عرسها، إلا أن الأهم على الإطلاق هو أن تظهر فيروز بشخصيةٍ دَمِثَةٍ ووقورة. بيد أنه مهما كانت الرقابة عليها شديدة، لا يمكن لوالديها إيقافها عن الركض إلى الطابق العلوي وحشر أنفها في شبابيك النوافذ. إنها تبقَى هناك حتى تترك تلك الفتحات علاماتٍ على وجهها فيصبح كَقِن الدجاج، مستنشقةً شذى أعشاب الأرض العظرية محمولاً على الريح من الوديان البعيدة.
لو أنها تستطيع فقط أن تسير خارجةً من البيت لتجد قافلة تأخذها إلى أبعد من مدينة كربلاء، إلى نهايات العالم. أرادت أن تذهب للمدرسة كأخيها فضولي، وأن تدرس التوحيد والتفسير والفلك والخيمياء. لو أنها فقط تستطيع السير في الطرقات فخورةً تحملُ كتبًا ومعاجمًا بحجم الطوب تحت ذراعيها. لو أن والديها فقط يقولان لها: “أحسنتِ يا فيروز، ستصبحين شاعرةً عظيمةً كأخيكِ بمشيئة الله"
تكتم فيروز سِرًّا لم تُذعهُ لأي أحد. إنها تكتب الشعر لسنوات طويلة. في البدء، كانت وحسب تدون ما يُثقل قلبها، بلا أية توقعات، وكأنها تتحدث إلى نفسها. ثم أدركَت، بمضي الوقت، أن الكتابة بالنسبة لها أكثر من تزجيةٍ للوقت، إنها شغَف.
تتقدم كتابتها كمرضٍ أصابَ جسدها وروحها وانتشر فيهما. وفي أكثر الأوقات مما عداها، يجيؤها الإلهام في الفجر. تنهضُ قبل انبلاج الصباح، تضع شالاً ناعمًا على منكبيها، ثم تأخذها الكتابة. أولئك الذين يسمعون وقعَها الناعم في غرفتها، يظنون أنها قامت للصلاة. إنهم لا يعرفون أنها تقوم بأمرٍ شبيهٍ بها، الشعر عندها صلاةٌ حقيقيةٌ تنهضُ من أعماق الروح، مُشعةً نحو قوةٍ بعيدةٍ، أعلى وأقدَس. لولا الشعر، تقول فيروز، لكان الله في وحدةٍ قاسية.
إنها تقرأ الأعمال الشعرية لشعراء آخرين، بخاصةٍ الإيراني حافظ والتركي نظامي, وهي تُثمن أيضًا شِعر أخيها، وقد مرت اليوم على إحدى قصائده وحفظتها فورًا، 
“ليس في العالم سوى الحُب. أما المعرفة، فهي إشاعَةٌ وحسب..”
بالرغم من حُبها للقصيدة، لم تستطع الاعتقاد بأن رجُلاً ومتأدباً في النحو واللغة يذهبُ لكتابة قصيدةٍ كهذه. فبالنسبة لفيروز، وكُل من حُرِمَ من المدرسة، المعرفة بالتأكيد أكبر من كونها إشاعة.
إنها عطشٌ مُتحرق.
هنالك محظيةٌ كبيرةٌ في السن، امرأةٌ سمراء البشرة كخشب الأبنوس، كانت ترعى فيروز منذ يوم ولادتها. عندما تمشي، تتسحَّبُ في الغرفة بصمتٍ كخيط حرير، وعندما تتحدث، تنبسُ همسًا ليس إلا. في أحد الصباحات، وهي تُقطبُ وتحيكُ شرشفَ دانتيل، التفتت فيروز لمُربيتها وقالت: “أريدُ أن أذهب للمدرسة، أُحب أن أصبح شاعرةً عظيمة.”
أجابتها بحبورٍ: “حقًّا!”، ونهداها الكبيران يرتجان من الضحك.
قالت فيروز وفي صوتها بعض الألم: “لماذا تضحكين؟.”
فأجابت المُربية بنبرةٍ صارمةٍ هذه المرة: “دعيني أُخبرُكِ بهذه القصة أولاً..”
وكانت هذه قصتها: في أحد الأيام، كان جُحا يعمل في حقل بطيخ، عندما توقف ليرتاح قليلاً تحت شجرة جوز، همسَت له نفسه وهو ينظر للأعلى: “ربي، إنني حقًا لا أفهم أساليبك في الحياة. لماذا جعلتَ هذا البطيخ الضخم، ينمو قريبًا من الأرض على أغصانٍ نحيفة وضعيفة، وتُعلق هذا الجوز الصغير القليل هناك على أغصانٍ ثخينة؟ أما كان أجدى لو عكستَ الأمر؟.” وفورَ انتهائه من حديث النفس هذا، هبت ريحٌ قوية وتساقط بعض الجوز من الشجرة على رأسه. صرخَ جُحا من الألم. هكذا، و هوَ يُدلك رأسه من أثر الكدمات، عرفَ خطأه. قال: “سامِح يا إلهي لساني السليط، أعرفُ الآن لِمَ لم تُدلي البطيخَ من الأشجار، إذ لو أنك أبدلتَ الجوزَ بالبطيخ، لما كنتُ الآن على قيد الحياة. دع كل شيء في مكانه، أرجوك، أنتَ أعلَم مني"
أنصتت فيروز وهي تتنفس بصعوبة: “و ما شأني أنا بهذه القصة؟قالت المربية: “أيتها الفتاة المجنونة. ألا تُدركين؟. مَن سمع قط عن امرأةٍ شاعرة؟ هناك سبب لجعل الله المرأة على حالها هذا، ومن الأفضل أن نحترم ذلك ولا نسائله، إلا إن أردنا أن يُمطر البطيخ على رؤوسنا!.”

تمشت فيروز عصرَ ذاك اليوم في الحديقة، اجتازت البئر نحو قن الدجاج في الزاوية، فتحت بابه الخشبي الصغير، دلفَت مستنشقةً الرائحة اللاذعة للأرض والغبار والوسخ. لا الدجاج ولا الديك أعارها اهتمامًا. قن الدجاج هو غرفتها. هذا المكان، بساكنيه المزعجين ورائحته الحادة، هو مُتنفسها الوحيد. تحت طاسات طعام الدجاج وشرابه، هناك صندوقٌ مخمليُّ البطانة، تحفظُ فيه قصائدها. ماسحةً عنه الغبار، تأخذ الصندوق وتذهب لرؤية أخيها.
متفاجئً من رؤية أخته تقف مترددةً على بابه، قال فضولي: “أهلًا بأختي الصغيرة! ما الذي جاء بك؟.”
مدت له قصائدها، والابتسامة على شفتيها مشدودة كوتر عود: “اقرأها الآن من فضلك، هلا فعلت؟.”
و قد فعل. الوقت يُبطِئُ ويأخذ إيقاعاتٍ مختلفة، كالسير أثناء النوم. وبعد مُضي ما بدى أنه الدهرُ كله، رفع فضولي رأسه، وفي عينيه لمعةٌ جديدةٌ لم ترها من قبل.
سألها: “من أين جئتِ بهذه القصائد؟.”
أشاحَت فيروز بوجهها و عينيها اللامعتين بعيدًا عن أخيها. لم تجرؤ على قول الحقيقة. وإلى جانب ذلك، أرادت أن تعرف ما إذا كانت قصائدها جيدة على أية حال. هل تملكُ الموهبة حقًا؟
قالت: “إحدى الجارات جاءت خلال الأيام الماضية، والقصائد هذه تعودُ لإبنها. إنها ترجوك أن تُلقي نظرةً عليها وأن تُخبرها، بكل صدق، ما إذا كان ابنها موهوبًا أم لا.”
عَبَرَ ظِلٌّ وجهَ فضولي كأنه شَك فيما إذا كان ما تقوله فيروز صحيحًا أم لا، لكنه قال بصوتٍ مِلؤه الهدوء والثقة: “قولي لتلك الجارة أن على ابنها المجيء لمقابلتي فورًا!.


الحلقة السابعة

عَبَرَ ظِلٌّ وجهَ فضولي كأنه شَك فيما إذا كان ما تقوله فيروز صحيحًا أم لا، لكنه قال بصوتٍ مِلؤه الهدوء والثقة: “قولي لتلك الجارة أن على ابنها المجيء لمقابلتي فورًا. إنه يتمتع بموهبةٍ رائعة.” و راحَ يُمسدُ لحيته البُنية الكَثة.
خَفت فيروز من السعادة. إنها تُخطط لتُخبر أخيها الحقيقةَ عندما تحينُ اللحظة المناسبة. إذا استطاعت إقناع أخيها بموهبتها، يستطيع هو إقناع باقي أفراد العائلة. سيفهمون ما للكلمات من معنى عندها. الإيمان بالشعر يعني الإيمان بالحُب. الإيمان بالشعر يعني الإيمان بالله. كيف لأحدٍ أن يُنكرَ ذلك؟.
إلا أن اللحظة التي انتَظَرَتها لم تأت أبدًا. فبعدَ عدة أسابيع من تلك المحادثة، تزوجت فيروز من رجُل دينٍ يكبُرها بثمانية عشرَ عامًا.
على إيقاع الطبول وقرع الدفوف، غنت النساء في ليلة حنائها. رقصنَ في البدء وتضاحكنَ بسعادةٍ في العَلَن، ثُم تغضنَت وجوههن و أشحنَ بعيدًا مُخفياتٍ دموعهن المالحة. في أيام العرس، خلال احتفالات النساء، هناك وحسب، في ذاك الوقت وحسب، الحُزنُ والفرحُ: إسمانِ مختلفان لأمرٍ واحد.
كانت طفلةً بالأمس
تسبحُ في بحرٍ من الرسائل
تنزِفُ الشعر.
ثم انتشرت بُقعةٌ في ثوب نومها،
مُظلمةٌ وغامضة.
وخلال نبضةٍ واحدة، رفة جفن، صارت امرأة،
و صار اسمُها
فاكهةً مُحرمة.
ونظرًا لعلاقات زوجها، فقد تقرر أن يستقر الزوجان في إسطنبول. أنتُزعَت فيروز من بيتها وأهلها وطفولتها. لم تذهب، وهي تُغادرُ المنزل، لزيارة قن الدجاج للمرة الأخيرة. لم تعُد تهتم. مُخبأةً في حُفرة، تحت طاسات الحبوب، ذهبَت قصائدها للهباء. سِرها الكبير أضحى غُبارًا، غُبارًا منثورًا.
وبعد أشهُرٍ في إسطنبول، جلسَت فيروز  في المَضيفِ على البسفور، تنظُرُ للمياه الغامقة النيلية، إنها تكتُمُ فمها بكفها، لكنها لا تتقيء هذه المرة، فقد مضت سبعة أسابيع على حملها. إنها تأمَلُ أن تُنجب صبيًّا ليحمل اسمَ والده على مَر الأجيال وإلى آخر العالم. ومن حينٍ لآخر، تهمسُ شعرًا، بيد أنها لا تدونه. تنتشرُ الكلمات التي تتنفسها في الريح كظلالٍ لحُلمٍ مُهشمٍ كان لها، لكنها لم تعُد تتذكره جيدًا.
مَن يدري كم امرأةٍ كفيروز عاشَت في تاريخ الشرق الأوسط؟ نساءُ كان بإمكانهن أن يُصبحن شاعرات أو كاتبات، إلا أنه لم يُسمح لهن بذلك. نساءُ خبأنَ قصائدهن في قن الدجاج أو صناديق المهور، حيث فسدَت إلى الأبد. وبعد سنوات طويلة، وهُن يحكين القصص لحفيداتهن، قد تقول إحداهن:
? كُنتَ مرةً أكتُبُ الشعر! هل تعرفنَ ذلك؟
? وما ذاك يا جدتي؟
? الشعر؟ إنه مكانٌ ساحرٌ، خلفَ جبل قاف!.
? هل بإمكاني الذهاب هناك أنا أيضًا؟ هل أستطيع ذلك؟
? بلى، تستطيعين ذلك يا عزيزتي. لكن لا يمكنك المكوث هناك. زيارةٌ قصيرةٌ وحسب. هذا ما يُسمَحُ به لك.
وستقولُ ذاك هامسةً، وكأن ما قالته، حتى هذا، إحدى حكايات العفاريت.
ربما أن السؤال الواجب طرحه لم يكُن: لِمَ لم يكُن هناك الكثير من الشاعرات والكاتبات في الماضي. بل السؤال الحقيقي هو: كيف استطاعت حفنةٌ من النساء أن يخُضنَ طريقهن في عالم الأدب وسطَ كل تلك الظروف؟.
إذا جئنا إلى موضوع تقديم فُرَصٍ متساويةٍ للنساء مثل فيروز، فإن العالم لم يتقدم في هذا الشأن كثيرًا، أو لم يتقدم إلى القدر الذي يبدو عليه. يَسري إلى اليوم ما قالته فرجينيا وولف: عندما يقرأ أحدٌ عن امرأةٍ تملكتها الشياطين، أو عن امرأةٍ حكيمةٍ تبيعُ الأعشاب، أو حتى عن رجُلٍ بارزٍ و خلفه أُمه، فإنني أظن أننا قد وقفنا حينها على دَربِ روائيةٍ تاهَت، أو شاعرةٍ عظيمة، صامتةٍ ومغمورة مثل جين أوستن، أو إيميلي برونتي، وقد أنهكَت ذهنها وأيسته بمَهَام الجَلي والغسيل، نادبةً طُرُقَ الحياة، مخبولةً من وطأة التعذيب الذي تضعها تحته موهبتها المظلومة.
هناك قاعدةٌ عاشت إلى اليوم، ولا تزال صحيحةً، في الوَسَط الثقافي: الكُتاب الرجال يجيؤونَ إلى الأذهان كـكُتابٍ أولًا، ثُم كرجال. أما الكاتبات، فإنهن إناثٌ أولاً، ومن ثَم كاتبات.
المَزيدُ من الشاي
? هل أنتِ على ما يُرام؟
سألَت السيدة آؤلو:
? تبدينَ على بعُد أميالٍ من هُنا!
فابتسمتُ شاعرةً بالذنب:
? أوه، حقًّا؟!
وبنظرةٍ فاحصةٍ مررتها على الطاولة، عرضَت علي كوبَ شاي، و قالت:
? لا تعارُض بين الكتابة والأمومة. ليس هكذا بالضبط. إنهما صديقتان لا تفيان لبعضهما.
يتصرفُ عقلي الآن كجهازِ حاسوبٍ أصابه العطب؛ أسماءٌ وصورٌ تتقافَزُ على الشاشة، لا علاقة تربطها ببعضها ولا تنسيق. أُفكرُ بالكاتبات اللواتي هُن أيضًا أُمهات: نادين غورديمير ومارجريت آتوود وآني برولكس وأنيتا ديساي وجومبا لاهيرى ونعومي شهاب ناي وآن لاموت وماري غوردن وآن رايس والأسطورة كرستينا بيجو جوسو.. عددٌ ضخمٌ من الكاتبات أنجبنَ مرةً وحسب، أو مرتين. وهناك أيضًا من أنجبنَ ثلاث وأربع مرات أمثال أورسولا لي جوين.
بيد أنه، وفي نفس الوقت، هناك عددٌ كبيرٌ أيضًا من الشاعرات والكاتبات من لم يُنْجِبْنَ أطفالاً لأسبابٍ يرونها وجيهة: إيميلي ديكنسون وفرجينيا وولف وإيميلي برونتي ودوروثي باركر وليليان هلمن وآين رايد وجيرترود ستاين وباتريشا هايسميث وجانت وينترسون وإيميلي تان وساندرا سيسنيروس وإليزابث جيلبرت.
ومن ثم هناك من الكاتبات من أنجبنَ وتبنينَ في نفس الوقت! والألمع من بينهن امرأةٌ لم تكُن كاتبة باهرة وحسب، بلا أيضًا ناشطة في الحراك الحقوقي المُطالب بالمساواة العِرقية والجنسية، امرأةٌ بقلبٍ واسعٍ وحاصلة على جائزة نوبل في الآداب، إنها بيرل بوك.
استمرت بيرل بوك في ملاحظة أن نظام التبني في أمريكا يُفرق بين البيض وبين الآسيويين والسود لصالح البيض. هكذا قررت عام 1950م أن تُحارب هذا النظام وتُساعد مَن لا حيلةَ لهم ولا قوة. وبعد صراعٍ طويل، أسست بيت الضيافة؛ أول مركز تبني عالمي لا عِرقي- فغيرت بذلك حيوات ما لا يُحضى من الأطفال. وفي خِضَم قيامها بذاك كُله، لم تتنازل عن الأدب، ولم تُبطئ من وتيرتها في الكتابة. بل على العكس تمامًا، أمومتها ونشاطها الحقوقي استحثا مهنتها ككاتبة.
وأخيرًا، هناك كاتبات من المُحتمل أنهن قد أردنَ الإنجاب، إلا أن أزواجهن لم يكونوا راغبين في ذلك، وبالتالي لم يُنجبن. يعتقد الكثير أن هذا هو حال الكاتبة البريطانية المعروفة آيريس مرداك. يُقال أن زوجها جون بيلي لم يرغب قط بإنجاب الأطفال فاستسلمَت لرغبته. وبعد وفاة مرداك، نُشِرَ كتابٌ عن حياتها أضاءَ هذه الجهة المُعتمة من علاقتها بزوجها، مما أحدثَ ربكةً في الوسط الثقافي آنَ ذاك.
إني أُحاولُ أن أجد مُعادلةً ذهبية، تنطبق على أغلب الكاتبات، أو حتى عليهن جميعًا، لكن من الواضح أنه لا وجود لمثل تلك المعادلة.


الحلقة الثامنة
أحلامُ الخادمات

إني أحاول أن أجد معادلةً ذهبية، تنطبق على أغلب الكاتبات، أو حتى عليهن جميعًا، لكن من الواضح أنه لا وجود لمثل تلك المعادلة.
بدأت ج.ك.رولينق بكتابة سلسلة روايات هاري بوتر بعد ولادتها ابنها، وأهدت ما لحقه من كتب إلى ابنتها الرضيعة. تقول أن الأمومة هي مصدر إلهامها. قد يفترض أحدٌ منا أن أمًّا تكتب عن السحر والخوارق لابد وأنها تقص ذلك على أبنائها عندما تدسهم في أسرتهم، بيد أن ج.ك.رولينق تقول إنها لا تؤمن بالسحر والشعوذة! بل فقط بالدين. لا أعرف إلى أية درجةٍ يسهل عليها تسيير أمور منزلها، لكن يبدو أن رولينق بارعةٌ حقًا في صهر الأمومة والكتابة معًا.
وهناك توني موريسون، والتي كان لديها صبيان صغيران تربيهما وحدها عندما بدأت الكتابة. لقد أمضت سنواتٍ طويلةٍ لا تستطيع أثناءها الكتابة في ساعات النهار، فموعدها مع القلم والحبر يحل قبيل الفجر، قبل موعد استيقاظ أطفالها. وبقدر ما كانت حياتها صعبة في ذلك الوقت، قالت أنها اعتصرت الإلهام من كل مهنةٍ زاولتها.
في أحايين كثيرة، يبدو أن أكبر جائزةٍ تأمل كاتبةٌ أن تحوزها، ليست بوكر أو أورانج، بل مربية دافئة القلب ومخلصة. إنه حلمٌ مشتركٌ بين كاتباتٍ كثيرات، أن يسمعن هذه الكلمات الأربع السحرية: والرابحة بمدبرة المنزل هي…. ولا عجب أن من بين المنح المالية التي فازت بها سيلفيا بلاث هي منحة مربية!– مالٌ تستطيع به أن تستأجر مربيةً ماهرة تعتني بالبيت كي تجد الوقت والطاقة للكتابة.
غير أن هناك، حينها، الوجه الآخر من العملة. في كتابها المحرض للتفكير ملاحظاتٌ لكاتبٍ شاب، تتناول ساندرا سيسنيروس سؤال الطبقة، والكاتبات والشاعرات اللواتي حضين بخادماتٍ لهن وحدهن. تقول: أتساءل ما إذا كانت مدبرة منزل إيميلي ديكنسون الإيرلندية قد كتبت الشعر أو أنها أسرت أبدًا الرغبة بالدراسة وأن تكون شيئًا آخر إلى جانب اعتنائها بالمنزل. وتتابع سيسنيروس: ربما كان على مدبرة منزل إيميلي ديكنسون أن تضحي بحايتها ليكون بإمكان ديكنسون أن تحيى حياتها مغلقةً عليها الباب في الطابق العلوي، في زاوية غرفة نومها حيث كتبت ال 1775 قصيدة خاصتها. بقد ما يتجنب الوسط الأدبي الحديث عن هذه الأمور ال”دنيوية”، فإن للمال والطبقة نفس القدر من الامتياز المانح للقوة للبعض دون الآخر.
علينا أن نعير اهتمامًا هنا للأطفال أيضًا، لا أمهاتهم الكاتبات وحسب. لقد سار إبن سوسان سونتاج المدعو ديفد راييف على خطى والدته، وصار كاتبًا ومحررًا. في الحقيقة، كان هو محرر أمه لفترة. أيضًا، لطالما تحدثت كيران ديساي عن علاقتها الكتابية الطويلة بأمها أنيتا ديساي. وبالمثل، غاي جونسون، إبن أحد الأصوات الشعرية المحبوبة في أمريكا على اتساعها مايا آنجيلو، قد اختار هو أيضًا أن يصير شاعرًا كأمه.
رحت أقول لنفسي: لو أن هؤلاء الأبناء قد كرهوا لأيّ سببٍ يذكر عالم أمهاتهم، لما ساروا في طرقاتهم نفسها. أعتقد، في نهاية المطاف، أن الكاتبات لسن أمهاتٍ رديئات.
لكنني، وأنا أقول ذلك، أعرف أن هناك أمثلةً على عكس ما ذكرت، حالاتٍ من الصعب جدًا الحديث عنها. هناك كاتبات تمتعْن بمواهب رائعة، إلا أنهن لم يكن كذلك في أمومتهن. لا نعرف الكثير عنهن. العلاقة التي تبدو محسودةً على مظهرها، تقول حقائق أخرى تختبئ خلف الأبواب المغلقة. خلف الفوتوغرافات الرائعة والواجهات البراقة، هناك أفئدةٌ مسحوقةٌ لا نعرف عنها إلا اللممْ.
إحدى الأمثلة المعروفة هي: موريل سبارك.
سبارك، بلا شك، إحدى أهم المؤلفات الملهمات في القرن الماضي. كتبت أكثر من عشرين رواية والكثير من الأعمال الأخرى، بما فيها كتب للأطفال، ومسرحيات وقصص. وعندما رحلت عن هذا العالم في عمرٍ يناهز الثمانية والثمانين عامًا، أصدقاؤها وأهلها وناشرو ومحررو كتبها ونقادها وقرائها وصحفيون أيضًا، الجميع حضر جنازتها. هناك فقط شخصٌ واحدٌ لم يفعل. ابنها روبن.
يحتار المرء. ما الذي اتضح لابنها في ذلك الوقت، ابنها الوحيد، عندما عرف أنها قد رحلت إلى غير رجعة، ليرفض الذهاب إلى جنازتها؟. كم من الألم والمعاناة يتطلبه هذا الأمر؟ وكيف لأمٍّ، تعرف أنها ستموت قريبًا، أن تقضي أيامها الأخيرة وهي تدري أنها ليست على وفاقٍ مع وحيدها؟ كم من الحزن والوجع قد دفعها لاتخاذ قرارٍ كهذا؟
ولدت سبارك في إدنبورغ، ورحلت عن بلدها بعد فترةٍ وجيزةٍ أعقبت زواجها، حيث استقرت في دوديسيا في زيمبابوي، حيث عرض على زوجها وظيفة أستاذٍ هناك. وفي عام 1938م أنجبا إبنًا. لا أعلم ما إذا كانوا أكثر تعاسةً من العوائل التي عيش هناك من حولهم، ولكنها لاحقًا، بعد مرور بعض الوقت، قررت العودة إلى بريطانيا.
لقد رحلت وحدها. هل شعرت، وقت أن سارت مبتعدةً عن إبنها ذي الست سنوات، بأن هذه هي أصعب لحظةٍ في حياتها؟ أم أنها اعتقدت، بكل براءة و وفاء، بأنها ستعود قريبًا مرة أخرى؟ بيد أنها لم تعد على أية حال. كبر روبن على يد أبيه وفي أحضان جدته.
وبمضي الأعوام، اتسعت المسافة بين الأم وابنها. لكن ليس إلا الآن، عندما صار روبن رجلاً ناضجًا، أعلن عن رغبته في اعتناق اليهودية، هكذا ليقطع أية صلة باقية بأهله. أما سبارك، التي كانت وقتها كاثوليكية مخلصة، فإن ردة فعلها جاءت عنيفة إزاء محاولة ولدها إثبات أن جدته وبالتالي أمه كانا في الحقيقة يهودًا. لقد زعمت أن ابنها قام بذلك بحثًا عن الإثارة والفضيحة كي ينال منها وحسب. بعدها، أضحت علاقتها بإبنها متأزمة حتى أنها أجابت صحفيًا سألها ما إذا كانت قد قابلته قط، قائلةً: طالما أبقى على نفسه بعيدًا عني، فليفعل ما يشاء.
و هكذا ظل كلّ منهما مبتعدًا عن الآخر.
في الخارج، خلف الستائر نصف المسدلة، تجري الرياح مسرعةً في الشوارع، يخرج من أوراق شجر الأكاسيا حفيفٌ عبر أنوار المساء المائلة. وبموازاة الريح المسرعة، يسرع الوقت أيضًا. إنه الآن يجري حثيث الخطى حتى أنني أشعر بنوبة ذعرٍ وكأنني تأخرت عن أمرٍ ما، لكن ماهو بالضبط، لا أعرف. كم أبلغ من العمر؟ خمسة وثلاثون. بدأت الأرقام بالارتفاع كعداد الأرقام الدوار في مضخة تعبئة البنزين: ستة وثلاثون، سبعة وثلاثون، ثمانية وثلاثون، تسعة وثلاثون.. إلى كم سنة أخرى أستطيع تأجيل قرار الإنجاب؟ الساعة على الجدار، الساعة في رأسي، الساعة في قلبي، الساعة في رحمي، كلها تدقّ في وقتٍ واحد. وبغتةً، يجتاحني إحساسٌ غريبٌ وكأن كل تلك الساعات قد أعدت لتقف كلها في لحظةٍ ما: الآن!.
في تلك اللحظة بالضبط، بدأت النساء الصغيرات داخلي بالطرق علي جدران صدري بعنف. أردن جميعهن الخروج. أردن أن يعقدن معي اجتماعًا طارءًا.
وفيما أقوم بأفضل ما أستطيعه لأبدو واثقةً ومتماسكة، وثبت على قدمي وسألت:
? أعتذر، هل بإمكاني استخدام دورة المياه؟
قالت السيدة آؤلو، متفحصةً وجهي بعينيها ذوات اللون البني الغامض:
? بالطبع، الباب هناك إلى اليسار.
لكنني لا أملك لا الوقت ولا الإرادة لأشرح لها أيًّا مما يحدث لي. اندفعت إلى دورة المياه وأغلقت الباب خلفي، وأدرت صنبور المياه كي لا يتناهى إلى سمع السيدة آؤلو أنني أتحدث ونفسي. همست:
? حسنًا، بإمكانكن الخروج الآن.
صمتٌ مطبقٌ. على المنضدة أمامي شمعةٌ عطريةٌ برائحة التفاح الأخضر. أرمق شعلتها تتهفهف جراء تحرّكاتي المتوترة.
? مرحبًا؟ لتخرجن، هيا!
أعرف أنني أصيح، لكن ما الذي بوسعي فعله عدا ذلك؟. كان هذا قبل أن يجيبني صوتٌ غارقٌ في الخمول:
? أوف، توقفي عن الصراخ وكأنك تعانين من مغص، إذا سمحتي!.
أتساءل أية واحدةٍ من أفراد جوقة أصوات الفوضى تحمل هذا الصوت، لكنني فضلت ألا أسأل:
? لماذا لا تخرجن لي؟ ظننت أنكن تردن عقد اجتماعٍ عاجلٍ، لقد حبست نفسي في دورة مياهٍ من أجلكن في بيتٍ لست فيه سوى ضيفة.
? لقد أردنا أن نجتمع، إلا أننا أدركنا أنه وقت العشاء، فذهبت كل واحدةٍ منا إلى منزلها لتأكل لقمة. لذا، لا نستطيع أن نخرج الآن هكذا.
? أوه، رائع.! هذا ما كان ينقصني..
? لا تكوني نزقة. أقول لك أمرًا؟ لم لا تهبطين إلينا هنا بنفسك يا حبيبتي؟
خلافًا لشخصية أَلِس في بلاد العجائب، لا أحتاج أن أتجرع دواءًا سحريًّا كي يتضاءل حجمي حتى أصير كإصبعٍ لأتمكن من الترحّل في عالمٍ آخر، إذ لم يكن جسدي من أراد الترحال، بل ذهني. أستطيع أن أتخذ أية هيئةٍ أردتها وأبقى في نفس الوقت دون هيئةٍ على الإطلاق. وبعد أن فكرت بذلك، أخذت نفسًا عميقًا، واختطفت الشمعة عن منضدة دورة المياه، ونزلت الدرج المغطى بالطحالب داخلي، إلى حيث تقبع زنازين روحي.
لقد حان الوقت لحديثٍ صارمٍ مع نسائي الصغيرات الأربع الصغيرات.


الحلقة التاسعة
الحريم اللواتي بداخلي

الحريم اللواتي بداخلي
المكان في الأسفل مظلمٌ وضبابي. تبدو روحي، بمتاهات أزقتها هذه وممراتها السرية، موقعًا مثاليًا لروايةٍ مرعبة أو فيلمٍ عن مصاصي الدماء. أدركت، ناظرةً يمنةً ويسرةً، أنني مشوشةٌ بالكامل. لقد مشيت هذه الطرق المسدودة والشوارع الخلفية المعتمة مراتٍ عدة، لكنني أضيع فيها حتى الآن.
هناك تقاطع في البعد، حيث تنشقّ عنه أربعة مسالك. وأنا أرمش، رفعت الشمعة إلى مستوى عيني وحدقت في الضباب الثخين غير المرحّب بي. أي مسلكٍ أتخذ الآن؟ أحاول أن أفكر بآلةٍ ضخمةٍ، آلةٍ دوارةٍ، بين البوصلة ودولاب الحظ. هذا تمرينٌ ذهنيٌّ أقوم به عندما أتذبذب. رغم أنني لست واثقةً من أنه يساعدني حقًّا. في عين عقلي، أدرت العجلة بأقوى ما استطعته، انطلقت مسرعةً، ثم انتظرتها تبطء  وتبطء، حتى وقف مسمارها مشيرًا على الحرف غ. قررت سريعًا أن هذا يعني أن أتجه غربًا. وبانقيادٍ تام، اتجهت لذاك السبيل.
هناك، في مدينةٍ دقيقة التنظيم مثل بروكسل، في شقةٍ أنيقةٍ وحديثة التصميم، مفروشةٍ باعتدال، تعيش الآنسة العملية القصيرة. إنها جانبٌ مني، الجانب الذي يتمتع بمنطقٍ سليمٍ وواقعيةٍ عالية. كبست على جرس بابها، وأثناء ما كانت تتحقق من هويتي عبر كاميرا المراقبة على الباب، سمعت طنينًا، وانفتح قفل الباب لأدخل. ها هي! تجلس إلى طاولتها مفعمةً بالحيوية في ملابس رياضية. على الصحن أمامها شطيرةٌ من جبنة الماعز وشرائح من الدجاج التركي المدخن على قطعةٍ من الرغيف الأسمر. وإلى جانب الصحن مقدارٌ قليلٌ من شراب الكوكا الخاص بالحمية. إنها تراقب وزنها منذ عرفتها. بالكاد يبلغ طولها إحدى عشر سنتيمترًا ونصف، وبالكاد تزن نصف كيلوغرام. ترتدي ملابس عادية ومريحة: قميصًا منشمًا لونه بيج، ونظارةً بإطارٍ كاملٍ أحمر، وبنطالاً بنيًّا كثير الجيوب لتبقي أشياءها في مطال يدها. تندسّ قدماها في صندلٍ جلدي. شعرها الأشقر الداكن كان قد قص كي يكون قصيرًا ولا يحتاج لأي تصفيفٍ وجهد؛ يكفيه أن يغسل وحسب سائل الشامبو وسائل ترطيب الشعر ممزوجان في علبةٍ واحدة!. أما تجفيف شعرها فهو أمرٌ بعيدٌ تمامًا عن الحدوث.
قالت بمرح:
? “يا هلا! الكبيرة وصلت.." ما الذي جرى عليك؟ شكلك مريعٌ للغاية.
أجبت متذمرةً:
? بلى، شكرًا.
سألت:
? “طيب، وش جديدك؟”
ولسببٍ ما لا أستوعبه، تحب هذه الفتاة أن تتحدث بسرعة، كأنها تطلق كلامها من مسدس، تحشر فيه أيضًا تعابير عاميةٍ وأخرى سوقيةٍ أحياناً.
قلت:
? آه، يا آنستي العملية الصغيرة، يجب أن تساعدينني.
? “نوبروبلم!” النجدة في طريقها إليك!
? هل تناهى إلى سمعك السؤال الذي ألقته علي السيدة آؤلو؟ لا أعرف كيف أجيب عليه، هل من الممكن أن أكون أمًّا جيدةً وكاتبةً رائعة في نفس الوقت؟ هل أنا راغبةٌ بالإنجاب؟ إذا كان الجواب لا، فلم لا؟ وإذا كان نعم، فمتى ولماذا وكيف؟
قالت وهي تربت بمنديلٍ على فمها لتجففه بعد تناولها الطعام:
? “أوووه، يا بنت! الموضوع سهل! لا تعملي من الحبة قبة!” تستطيع الفتاة أن تصير كاتبةً و “ماما” أيضاً، لم لا؟ كل ما تحتاجينه هو أن تضعي كامل ثقتك بي.
? حقًّأ؟
? نعم. إليك ما ستقومين به. ستقسمين وقتك إلى شطرين: وقت للكتابة ووقت للحضانة.
ثم توقفت، وبنظرةٍ شقيةٍ تقيس بها مدى قبولي لما تقول، وقالت:
? هذا يعني أن عليك البدء بارتداء ساعة اليد!
أجبت:
? أنت تعرفين أنني لم أرتد ساعة يدٍ قط؛ الساعات، واللون الأبيض، والفجل، ثلاثة أمورٍ سأبقى هاربةً منها إلى الأبد.
قالت بغموض:
? حسنًا، هناك أمرٌ والحالة هذه قد ترحبين به. يحدث وأن يكون هذا الأمر هو حلّ مشكلتك.
? ما هو؟
? الانفصام!
فور أن رأتني قد جفلت، راحت تضحك:
? فصل حبوب الحنطة عن قشرتها.
ثم أردفت:
? ذاك بالضبط ما عليك القيام به.
مرةً أخرى يَضْحى وجهي بلا تعابير. ومرة أخرى تبتسم هي بثقةٍ كأنها تشعر بنبض العالم كله تحت سبابتها.
? “يا بنتي شوفي الموضوع كذه”: العقل الإنساني يشبه أدراج المطبخ؛ الأواني الفضية في درج، والمناديل في آخر، وهكذا. اتبعي نفس التصميم. عندما تدخلين وقت الحضانة، افتحي درج الأمومة، وعندما تدخلين وقت الكتابة، افتحي درج الرواية. هكذا ببساطة. أغلقي درجًا وافتحي الآخر. بلا اشتباهٍ ولا تناقض. ودون أن يبْريك الهم. كل الشكر للانفصام!.
? واو! كان ذلك رائعًا. بيد أن هناك تفصيلٌ صغيرٌ لم تأت عليه. أثناء انشغالي بالكتابة، من سيعتني بالأطفال؟
قالت بنخرةٍ في صوتها:
? وكأن هذه مشكلة تذكر! مرحبا! هنا عصر العولمة! بحركةٍ صغيرةٍ من إصبعك تستطيعين أن تجدي مدبرة منزل؛ فلبينية أو من المالديف، أو حتى بلغارية.. بإمكانك اختيار جنسيتها إن أردت.
حشرت الآنسة العملية القصيرة كفها في إحدى جيوبها ثم قدمت لي ورقة:
? أنظري، أعددت لك قائمةً بكل المعلومات التي تحتاجينها؛ أرقام هواتف وكالات تأجير مدبرات المنازل وجليسات الأطفال و أيضًا أرقام حضاناتٍ وأطباء أطفال. عليك أيضًا أن تجدي مساعدةٍ لتجيب على رسائلك الإلكترونية. ستجعل من حياتك جنة. ولو فكرتي في إيجاد سكرتيرة والحصول على مسجّلة صوت، فستتوقفين عن الكتابة باليد مرةً واحدة! “شفتي كيف؟"
وبقلبٍ مثقلٍ سألتها:
? ما الذي تقصدينه؟
? أقصد أنك بدل أن تكتبي رواياتك، إحكيها لهم وحسب. المسجلة ستسجل صوتك. ولاحقًا، ستطبع سكرتيرتك النص كله. أليس هذا عمليًّا؟ هكذا تستطيعين أن تنهي روايةً دون أن تضطري لمغادرة أطفالك.
قلت لها ممسكةً أعصابي بقدر ما استطعته:
? من باب السؤال فقط، كيف سأتمكن بالضبط من تحمّل نفقات مدبرة منزل ومساعدة وسكرتيرة؟
قالت:
? أوه، تبدين سلبيةً جدًا. أنا هنا أقدم حلولاً عملية لمشاكل حقيقية وأنت لا تنظرين إلا للتوافه.
فانفجرت معترضةً:
? لكن المال مشكلة حقيقية.
ولوهلةٍ صمتنا، ولم يصدر من أحدنا أي صوت. كنا نعبس ونتجهم. ثم استأنفت الحديث:
? وزيادة على ذلك، حتى لو كنت أملك المال، لا زلت لا أستطيع القيام بما اقترحته. إنه ضد قيم العدالة والحرية اللتان أؤمن بهما بشكلٍ مطلق. لا أستطيع أن أجيش كل هؤلاء الناس لخدمتي، وكأنني مهراجا.
قالت الآنسة العملية القصيرة بتهكّم:
? الآن تتحدثين بلا منطق. ألا تعرفين أن كل كاتبة ناجحة، هي مهراجا؟
? كيف جاز لك أن تقولي ذلك؟
فردت علي:
? كيف لك أنت أن تنكري ذلك؟ تذكري تلك الكاتبة الذئبة التي تجلّينها كثيرًا!
وفورا أن نويت سؤالها عن أية امرأةٍ تتحدث، خطر لي أنها تعني فرجينيا وولف.
? هل تظنين أن سيدتك تلك لديها “غرفةٌ تخصها” وحسب؟ بالطبع لا. كان لديها طباخةٌ تخصها، وخادمةٌ تخصها، ومزارعٌ يخصها، دون ذكر مدبرة شؤونها الخاصة! إن مذكراتها مليئة بالاعتراضات على خدمها الكثر.
مثقلةً بالفضول، سألتها:
? منذ متى تقرأين عن حياة الكاتبات؟
اطلاع الآنسة العملية القصيرة يقتصر على نوعين من المواضيع وحسب: الكفاءة والعملية؛ عناوين مثل: كيف تكسب أصدقاءًا وقلوبًا، ومفتاح النجاح الساحق، وعشر خطوات للوصول للقوة، وفنّ معرفة الناس، وأيقظ الملياردير بداخلك، وسرّ الحياة الهانئة. إنها تلتهم كتب تطوير الذات كحبات الفشار. لكنها لا تقرأ الروايات إطلاقًا. الخيال، في عينيها، ليس عمليًّا.
قالت تدافع عن نفسها:
? إذا كان من فائدةٍ فيها، فأنا أقرؤها.
? وما هي فائدة المرأة الذئبة تلك؟
حدجتني بنظرة استصغارٍ قاتمة:
? اعتادت سيدتك على كتابة أوامرها لخدمها على قصاصاتٍ من ورق الخردة؛ المهام التي تريدهم إنجازها، والأطباق التي تريدهم أن يعدوها، والثياب التي تريدها أن تغسل. كل ذاك تكتبه لهم. هل تتخيلين؟ لقد عاشوا معها تحت سقف واحد، وبدل أن تتحدث إليهم، قامت بالكتابة لهم.
قلت خانعةً:
? حسنًا، لكننا لا نعرف الحكاية كما تراها هي.
? كل شيءٍ كان دوماً ما تراه هي من الحكاية. هي وحسب. “لأنها يا حبيبتي الكاتبة"
لا أشعر بأنني أريد الشجار معها. في يدها مسطرة، وآلة حاسبة في جيبها، وفي رأسها خطط، هذه هي الآنسة العملية القصيرة، لقد اعتادت على القياس والحساب والتخطيط لكل شيء. أخذت القائمة التي أعدتها لي وغادرتها مسرعةً، ولا زلت أشعر بالضيق.
أدرت العجلة مرةً أخرى، فتوقفت على حرف الش. هذه المرة، اتجهت شرقًا.



الحلقة العاشرة
الله وتشيخوف، والطبيب النسائي!

 هناك، في مدينةٍ تشبه في روحانيتها جبل آثوس المقدس في اليونان، تجلس السيدة الدرويشة خلف بابٍ خشبيٍ- رأسها محنيٌّ بخشوع، وأناملها تقلب خرز سبحةٍ للصلاة. على الصينية أمامها طاسةٌ من حساء العدس وقطعة رغيف، وكأس معدنيٌّ ممتلئ ماءً. إنها تقنع بالقليل وحسب. على رأسها عمامةٌ مرتخية بعض الشيء، إلا أنها تشدّ إلى جبهتها حصاةً كبيرة. تمكن رؤية بعض ما تغطيه من شعرها من خلل العمامة. ترتدي رداءًا بلون الجاد الأخضر يخطّ على الأرض، وسترة داكنة الخضرة، و تنتعل شباشب من قماش الكاكي.
لاحظت أنها، عند دخولي عليها، كانت تصلي. فتسللت بخفةٍ وأنصتّ لدعواتها: “إلهي، أيها الجمال والحب النقي، إجعلنا من الذين يسبحون باسمك، الواجدين الخلاص فيك. لا تجعلنا نقضي حياتنا في الأرض بأعين معصوبة، وآذانٍ مسدودة، وقلوبٍ ختمت عن الحب"
تبسمت لسماع كلماتها، وأكملت تبسّمي لما قالته بعد ذلك:
“رجوتك إلهي أن تفتح عين إيليف الثالثة على الحب، و زدْ سعتها لاحتضان الحقْ. جوهر كونك هو الاقتران، رجوتك ألا تحرمها من الاقتران بحبك"
قلت: “آمين"
جفلت، وانقشعت عن أفكارها كالستائر. لكنها عندما رأتني أقف هناك، كشفت عن ابتسامةٍ، ووضعت كفها على صدرها في امتنان. قلت:
? أحتاج مساعدتك. هل تناهى إلى سمعك ما سألتْنيه السيدة آؤلو؟ لا أعرف كيف أجيبها.
? سمعته بالطبع، ولست أعرف لم أنت مذعورة هكذا. يقول الله أنه يضعنا في امتحانات جميلة. هذا ما يطلقه على الصعوبات التي نواجهها في الحياة. امتحان جميل. لا داعي لأن تسرعي نحو الإجابة لأن الإجابات كلها نسبية. ما يناسب شخصًا ما قد لا يناسب الآخر. بدل هذه الأسئلة الفضفاضة عن الأمومة والكتابة، اسألي الله أن يجري عليك ما هو في صالحك.
? ولكن كيف لي أن أعرف ما هو صالح لي؟
تجاهلت سؤالي وأكملت:
? لا يهم ما إذا كنتِ قد أنجبتِ أطفالاً أم كتبت كتبًا، أو بعت الفطائر في الشارع، أو وقعت عقد عملٍ بمليون دولار، ما يهم هو أن تكوني سعيدةً ومكتفيةً من الداخل. هل أنت كذلك؟
قلت: “لست أدري"
أخذت السيدة الدرويشة نفسًا عميقًا ثم قالت:
? إذًا دعيني أسألك سؤالاً آخر: هل تلك الروايات التي كتبتها هي حقًا رواياتك؟ هل أنت من أوجدها؟
? بالطبع إنها رواياتي. كتبتها صفحةً صفحة.
? كتب جلال الدين الرومي أكثر من ثمانين ألف قصيدة رائعة، ولم يقل عن نفسه أبدًا أنه من خلقها، ولم ير نفسه قط شاعرًا. بل قال إنه مجرد آلةٍ، معبرٍ لإبداع الخالق، الله.
قلت بعنفٍ أشد مما أردت: “أنا لست الرومي"
التقت أعيننا للحظةٍ ثم أشحت بعيدًا في توتّر. لا أريد أن أمنح أحدًا صفة المؤلف لرواياتي، حتى ولو كان الله نفسه.
قالت السيدة الدرويشة:
? دعيني أخبرك بهذه القصة: في ليلةٍ ما، اجتمعت فراشاتٌ على إحدى الرفوف، يشاهدن شمعةً مضاءة. احترن في سر طبيعة الضوء، فأرسلن واحدةً منهن لتفحّصه. حامت الفراشة الكشافة حول الشمعة أكثر من مرة ثم عادت بهذا الوصف: “كان الضوء مشعًّا" بعدها، ذهبت فراشةٌ أخرى لتتفحص الضوء أيضًا، وقد عادت بوصفٍ آخر: “كان الضوء دافئًا" وأخيرًا، فراشةٌ ثالثة تطوعت للذهاب، لكنها عندما وصلت للشمعة لم تتوقف كرفيقاتها، بل حلقت مندفعةً نحو لهب الشمعة تمامًا. لقد تلاشت هناك. حينها وحسب، عرفت طبيعة الضوء.
قلت منذرةً السيدة الدرويشة:
? تريدينني أن أقتل نفسي؟
? لا يا عزيزتي. أريدك أن تقتلي غرورك.
? إنه الأمر نفسه، أليس كذلك؟
تنهدت السيدة الدرويشة، ثم حاولت معي مرة أخرى:
? أريدك أن تتوقفي عن التفكير، توقفي عن التجريب، توقفي عن التحليل، وابدئي بعيش التجربة. حينها وحسب ستعرفين كيف توازنين بين أن تكوني أمًّا، وأن تكوني كاتبة.
? حسنًا، ولكن ماذا لو…
? لا مزيد من “لو” بعد الآن. هل قالت الفراشة “لو”؟
? حسنًا. أنا لست إبن الرومي ولست فراشة. أنا إنسان ذو عقل وأربع نسوة قصار يعشْن بداخلي. لذا، من المؤكد أن طريقتي في التعامل مع مثل هذه الأمور ستكون أكثر تعقيدًا.
فقالت السيدة الدرويشة وهي تمضغ بعض الرغيف:
? أوه، آها..
إنها ال “أوه، آها..” التي تعني أمرًا واحدًا: “أنت لست مستعدة بعد. كفاكهةٍ تحتاج المزيد من الوقت كي تنضج، لازلت صلبة الداخل. اذهبي، و لتنطهي قليلاً بعد، ثم سنعاود الحديث مجددًا.."
متثاقلةً نهضت، استأذنت بالانصراف. هذه المرة، سرت إلى الجنوب.
هناك، في مدينةٍ تشبه في اكتظاظها طوكيو، وخلف بابٍ محكم الإغلاق بثلاثة أقفال، تقبع الآنسة التشيخوفية الطموحة، العنيدة والمدمنة على العمل. طولها إحدى عشر سنتيمترًا، ووزنها ثلاثمئة غرام وحسب. إنها الأكثر نحولاً من بين النسوة الأربع القصيرات بداخلي. وهي دائمًا تأكل، تأكل أكثر مما يبدو عليها أنها تأكله، لكنها بطبيعتها ذات وزنٍ لا يزداد أبدًا. إنها مهووسة بالقول: “الوقت ليس مالاً، الوقت هو كل شيء"
ولكي لا تضيع وقتًا، تتناول المكسرات والرقائق والكثير من الفيتامينات كمكملات غذائية بدلاً عن طبخ عشاءٍ وإعداد مائدة. حتى الآن، عندما دخلت عليها، رأيت هناك علبة بسكويت و صحنًا من مكعبات صغيرة من الجبن والقليل من عصير البرتقال بالجزر أمامها. هناك أيضًا بجانب صحنها رقاقةً من أقراص فيتامين ج وأخرى من حبوب شجرة الجنكو. هذا هو عشاؤها.
من بين كل ما قاله الرجال والنساء منذ بدء الخليقة، هناك جملةٌ واحدة قالها تشيخوف اتخذتها شعار حياتها: “إنه هو، من لا يرغب بشيء، ولا يأمل لشيء، ولا يخاف من أي شيء، الذي لا يستطيع أن يصير فنانًا" لهذا هي تشيخوفية مخلصة. إنها ترغب وتأمل وتخاف؛ كل ذلك، بوفرة، وفي نفس الوقت.
ترتدي الآنسة التشيخوفية الطموحة اليوم تنورة نيلية بالكاد تجاوز ركبتها، وسترةً تناسب بلوزةً حريريةً عاجية اللون تحتها, وحول عنقها عقدان من اللؤلؤ. تضع على وجهها الأبيض كالثلج كريم أساس، و أحمر شفاهٍ داكن. شعرها الكستنائي مشدودٌ للخلف وملفوفٌ على شكل كعكة محكمة الوثاق،  لدرجة أنه لم تستطع شعرة واحدة أن تطفر أو تتهدل منها. إعتنت بكل جديلة من شعرها، ثبتتها وملستها كالعادة. أما أسنانها فهي تلمع كالبرسلان، مصطفةً باستقامة كاللالئ الثمينة. ولها شخصية مصممة، شخصية حازمة وساعية لما تريد.
قلت لها:
? أيتها الآنسة التشيخوفية الطموحة، هلا ساعدتني من فضلك؟ لقد سمعت ما قالته السيدة آؤلو، فما هو جوابك؟
تجهمت في وجهي، وعقدت حاجبيها النحيفين:
? كيف لك أن تسألينني هذا السؤال؟ الأمر واضح، أنا ضد قرار الإنجاب جملةً وتفصيلاً. فمع كل ما نريد القيام به وتحقيقه، لا نملك وقتًا على الإطلاق للأطفال.
نظرت إليها بعينين متسعتين وبريئتين وتستدران العطف، ثم قلت:
? لكنني زرت السيدة الدرويشة قبل دقائق وقالت إنه لا معنى للركض المسعور خلف الحياة وأشيائها.
قالت بتهكّم:
? إنسي أمر هذه الضئيلة الخرفة. ما الذي تعرفه حقًّا؟ ما الذي تدركه من رغبات الدنيا؟ لقد فقدت عقلها في مكانٍ ما داخل سبح الصلاة التي تقلبها طوال اليوم.
ألقمت نفسها قطعة بسكويت وحبة فيتامين، وأخذت رشفةً من العصير لينساب ذاك كله إلى جوفها.
? إسمعي يا حبيبتي، دعيني أوجز لك فلسفتي في الحياة: هل سئلنا ما إذا أردنا المجيء لهذا العالم؟ لا. لم يهتم أحدٌ برأينا في هذا الموضوع. لقد سقطنا في أرحام أمهاتنا وخضنا مشاق الولادة، وها نحن ذا، هنا، وبما أننا جئنا بهذه الطريقة العرضية، هل هناك من أمرٍ أكثر سموًّا من رغبتنا في أن نترك خلفنا ما هو قيمٌ ويستحقّ الخلود بعد رحيلنا عن هذا العالم؟.
أجد نفسي أومئ لها من صميم قلبي. بيد أنه كلما استمرت في الحديث ازداد التيه الذي أخوض فيه.
? للأسف، هناك الكثير من الحيوات المسحوقة في رتابة الروتين. يا للتعساة! على المرء في الحقيقة أن يسعى ليصير مميزًا. علينا أن نصبح خالدين ونحن على قيد الحياة. عليك أن تكتبي رواياتٍ أحسن وأن تطوري موهبتك أكثر. “تحتاجين إلى العمل بلا توقف ليلاً ونهارًا، أن تقرئي بشكل متواصل وأن تدرسي وأن تمتحني قدرتك.. الساعات ثمينة، كل واحدةٍ منها.."
سألت والشك يملؤني:
? هل هذا تشيخوف مرة أخرى؟
قالت بنبرٍ صارمة:
? أنطون بافلوفيتش تشيخوف.
و لكي تواصل نقطتها جيدًا، أعادت اسمه، ولكن بالروسية هذه المرة.
تنهدت: “بلى"
? أنظري، لقد أجريت حساباتي؛ لو كتبت روايةً جديدةً كل عام خلال العشر سنوات القادمة، وألقيت محاضرةً كل شهر، وتواجدت في كل الفعاليات الأدبية المهمة في أوروبا وجبتي العالم، حينها، وخلال ثمانية أعوام وشهرين، ستكونين قد وصلت للأعالي في حياتك المهنية.
قلت مستاءةً:
? – أوه، أعطني مهلةً هنا من فضلك. هل تظنين الأدب حصان عدو؟ هل تظنين أنني مكنة؟
قالت دون مبالاة:
? وما الضير في ذلك؟ أن تكوني مكنةً خيرٌ من أن تصبحي إحدى الخضروات! بدل أن تعيشي مثل صرة بقدونس، بلا طموحٍ ولا حياة، عيشي باندفاع ولذة مكنة العمل.
? وماذا عن الأمومة؟.
قالت مشدوهةً وكأن كلمة “الأمومة” قد تركت طعمًا سيئاً في فمها:
? الأمومة.. الأمومة.. من الأفضل أن تتركي الأمومة للنساء اللائي ولدن ليصبحن أمهات. كلانا يعلم أنك لست كذلك. الأمومة ستخرب كل خططي المستقبلية. عديني الآن، قولي أنك لن تصبحي أمًّا، هيا!.
نظرت للأفق، تمنيت لو أنني في مكانٍ آخر. وأثناء الصمت الذي تلا كلامها، نهضت الآنسة التشيخوفية الطموحة ببطء، تمشت نحو حقيبة يدها وأخرجت منها ورقةً صغيرة.
قلت عندما مدتها نحوي:
? ما هذه؟
? هذا عنوان، عنوان طبيبٍ نسائيٍ ممتاز. خمني ما الذي حدث! لقد حجزت لك موعدًا معه سلفًا، إن الطبيب يتوقع وصولك يوم الثلاثاء في تمام الساعة السادسة والنصف.
? ولكن لماذا؟
لمعت عينا الآنسة التشيخوفية الطموحة، وصار صوتها حنونًا بشكلٍ غريب:
? لأننا نريد أن نتخلص من هذه المشكلة مرةً واحدةً وإلى الأبد. هذه العملية التي ستجرينها ستبعد كل تلك الأسئلة الوجودية التي لما تزل تفسد عقلك. قررت أن أجعلك عقيمة.
صرخت والحمرة تجتاح وجهي غيضًا:
? هل أنا قطة شوارع أمامك أم ماذا؟
تجاهلتني غير راضيةٍ واستدارت عني:
? الأمر عائدٌ إليك.
أعرف أن علي السيطرة أكثر على غضبي، لكنني لم أتحمل. ولا زلت متبرمة. غادرت مخيم حملتها البيطرية هذاه، واتجهت شمالاً.


الحلقة الحادية عشرة
فلسفة الحسد

هناك، خلف بابٍ معدنيٍّ منمق، في مدينةٍ تشبه في صخبها نيويورك، تعيش الآنسة المثقفة الساخرة. ستائرٌ بلون العنب رهيفة تغطي نوافذها التي تتشابك عليها خيوط ناعمة من شباك العناكب. أما الجدران فمكسوةٌ بملصقات تشي غيفارا ومارلون براندو.
دائمًا ما ترتدي أزياء ال”هيبز“؛ ملابس رثة تخطّ على الأرض، فوق سترات الهنود الحمر التي تتناظر النقوش على جانبيها وتتطابق. تلفّ أوشحةً حريريةً حول عنقها وتزين يدها بأساور من كل لونٍ تصطفّ حتى كوعها. تخرج من مسكنها ذاك، من وقتٍ لآخر، كي تحصل على وشمٍ جديدٍ أو ثقبٍ آخر في جسدها. وبالنسبة لشعرها القصير حتى آخر رقبتها، فهو رهن مزاج اليوم؛ قد تتركه محلولاً على كتفها، أو تلمه وترفعه للأعلى كيفما اتفق. تمارس رياضتي اليوغا والريكي، وقد وصلت فيهما لمراحل متقدمة. وتحاول، عن طريق علاج الوخز بالإبر، أن تكف عن التدخين، فإذا لم تكن تدخن سيكارةً أو سيجارًا، فإنها تمضغ علكة تبغ.
حقائب يدها أكياسٌ مبعثرة، تحشر فيها العديد من الكتب والدفاتر وكل أنواع المكسرات. وهي لا تضع مكياجًا في العادة، ليس لأنها ضده، ولكن لأنها حين تضع قلم الكحل أو أحمر الشفاه في حقيبة يدها، لا تستطيع أبدًا أن تجده ثانية.
تتبع الآنسة المثقفة الساخرة هذه الأيام حميةً مختلفة. أمامها صحنٌ من السبانخ العضوية، والكوسة العضوية، وخضروات منوعة ممزوجة بالزعفران. إنها تحبّ النباتات وعلى شفا أن تصير نباتيةً خالصة. لقد مضت سنواتٌ منذ تناولت لحمًا آخر مرة، أكان أحمرًا أم أبيضا. إنها تدعي أننا عندما نأكل حيوانًا فإننا نمتص خوفه من الموت. وظاهريًا هذا هو السبب الذي يجعلنا نصاب بالأمراض كلها. لقد خلقنا، على العكس، كي نأكل بسلامٍ الخضروات الورقية، كالسبانخ والملفوف والجرجير والكرنب.
قلت:
? مرحبًا أيتها المثقفة الساخرة.
ردت ملوحةً لي بيدها دون مبالاةٍ:
? السلام يا أختي.
? أحتاج أن أستشير عقلك في أمرٍ مهم.
? حسنًا، جئت للمكان الصحيح، فأنا بكاملي عقلٌ!
? جيد. ما هو رأيك في الأمومة.
قالت:
? “وما الفائدة من طرح أسئلةٍ منمقةٍ كهذه، عندما يكون معلومًا أن الجميع يستمعون لما يريدون سماعه وحسب“. لقد كتب فيجنشتاين عن حدود اللغة لسبب وجيه. عليك أن تقرئي كتابه تراكتاتوس.
قلت:
? لا أملك وقتًا الآن لأقرأ تراكتاتوس. إن السيدة آؤلو في مجلسها تنتظر مني إجابةً ما. يجب أن تنجديني الآن.
? حسنًا إذًا. أنا أشجعك على التفكير في أمر الحسد!.
? بالله عليك! قولي شيئًا آخر.
? ليس الحسد إحساسًا بسيطًا. العفو منك. الحسد معضلةٌ فلسفيةٌ عميقة. في الحقيقة، إنه مهمٌ لدرجة التأثير على مجرى تاريخ العالم. لقد أعاد جان بول سارتر جذر العنصرية والخوف من الغرباء إلى الحسد.
? خوفي أنني لا أفهم كلمةً واحدةً مما تقولين. هل بمقدورك أن تتحدثي إلي بشكلٍ أوضح؟
? حسنًا، سأصوغ الأمر بشكلٍ أبسط: العشب أكثر اخضرارًا دومًا في الضفة الأخرى.
? مما يعني؟
? يعني أنك لو أنجبت طفلاً، ستظلين في حسدٍ دائمٍ لكل النساء اللائي لم ينجبن ووضعن كامل تركيزهن في أعمالهن الإبداعية. وفي المقابل، لو اخترتي أن تصبي كامل حياتك في مهنتك، فستحسدين النساء اللائي أنجبن. لا يهم أي دربٍ تسلكينه، ستجدين عقلك في هوسٍ دائمٍ بشأن الدرب الذي أهملتي اختياره.
سألتها:
? وهل هناك من طريقٍ للخروج من هذه الورطة؟
حركت رأسها بيأس:
? يكمن الحسد في جذر خوفنا الوجودي. أنظري إلى تاريخ بني آدم، كل تلك الحروب وذاك الخراب. هل تعرفين ما الذي قالوه عندما توقفت الحرب العالمية الأولى؟ قالوا إنها الحرب التي ستنهي كل الحروب! وبالطبع لم يحدث ذلك. لم تنتهي الحروب لأن هناك ظلمًا وتفرقة، وبدلاً من الاشتغال على حلٍّ لذلك، أنتجنا سلطةً ذات عوائد اقتصادية غير متساوية، تسببت في اشتباكاتٍ عرقيةٍ ودينية. ونحن للآن موعودون بمزيدٍ من التعارضات التي لم نعرف لها مثيلاً في التاريخ.
أخذت نفسًا عميقًا:
? أنت تصيبينني بالاكتئاب.
قالت مشيرةً بسبابتها إلى وجهي:
? عليك أن تكتئبي. أن تعيشي يعني أن تتورطي بالوحشة. ليس من قبيل الصدفة أن بول كليب رسم لوحة ملاك التاريخ كما هي؛ ملاكٌ وحيدٌ جدًا وبلا أضأل أملٍ ممكن. تذكري النظرة في عيني ذاك الملاك. أنصحك بشدة أن تقرئي كتابات والتر بينجامين عن…
اعترضت:
? أنت تجعلينني أكتئب أكثر.
حدقت في كأنها تراني للمرة الأولى:
? أوه، فهمت الآن. في عصر الإنترنت والوسائط المتعددة، لم يعد يملك أحدٌ الصبر والوقت للمعرفة العميقة. حسنًا، سأعطيك الزبدة.
? أرجوك!
? ما أقصده هو: لا يهم أي امرأةٍ ستصيرينها، ستتمنين دومًا لو أنك الأخرى. وفقًا للفيلسوف الفرنسي العظيم إيمانويل ليفيناس، فإن جوهر الأخلاق هو النقطة التي تلتقي عندها وجهًا لوجهٍ بالآخر. طبعًا، من موقفٍ ظاهري، نستطيع أن نتحدث عن ال”آخر “الذي في ال”أنا"
همهمت:
? آه، أوهوه..
? إقرئي هايدغر لتعرفي أن الإنسان، أي إنسان، لا يمكن أن يؤخذ بالاعتبار إلا في علاقته بالأشياء والظروف المحيطة به. مفتاح الوجود كله هو أن تكون حاضرًا، أي أن تكون في العالم.
ثم اتسعت عيناها الخضراوتان الداكنتان:
? لذا، جوابي عن سؤالك التافه، هو التالي: لا يهم ما ستكونين عليه حقًا.
قلت لها محاولةً إخفاء الخيبة من صوتي:
? ما الذي تعنينه؟
قالت بثقةٍ مألوفةٍ:
? أعني أنه لا يهم ما إذا كنت ستنجبين دزينةً من الأطفال، أم أنك لن تنجبي أبدًا. الأمران متطابقان. سينتهي بك الأمر إلى حسد الآخر على اختياره المخالف، وستشعرين بعدم الرضا الوجودي. لا يعرف البشر كيف يرضون. كما قال سيوران، نحن محكومون جميعًا بالسقوط داخل ذواتنا والبقاء يائسين.
نسمة باردة انسلت من النافذة المفتوحة. الشمعة في يدي ترتجف بحزنٍ وأنا أقشعر. كان صوت الآنسة المثقفة الساخرة مشدودًا بمتعةٍ وثقةٍ خدشت أذني. بدأت بالابتعاد عنها.
? هيييه، أنت، إلى أين تذهبين؟ عودي إلى هنا، لم أنتهي منك بعد..
قلت:
? ولن تنتهي أبدًا. وداعًا الآن.
صار الوقت متأخرًا، و الآنسة المثقفة الساخرة قامت باستنزافي بعمقٍ حتى أنني لم أعد أقوى على الوقوف وسماع كلمة واحدة أخرى في هذا الشأن. أصعد الدرج نحو الواقع، درجتين درجتين، ألهث وتتدافع أنفاسي. رميت نفسي في دورة مياه السيدة آؤلو من جديد. تحركت بسرعةٍ لأغسل وجهي، إلا أن الماء الجاري من الصنبور كان دافئًا جدًا، وإعادة وزن حرارته يتطلب طاقةً لم أعد واثقةً من امتلاكها الآن. لذا أغلقت الصنبور، وقمت بما في وسعي عائدةً إلى المجلس لأبدو هادئةً ومتماسكة.
لا يزال السؤال الذي سألتْنيه السيدة آؤلو قبل قليلٍ عالقًا في الهواء بيننا. بيد أنني لا أحير له جوابًا. ليس الآن.
قلت:
? إممم.. شكرًا جزيلاً لكرم ضيافتك، إلا أنه علي المغادرة الآن.
? حسنًا، سعدت بلقياك؛ امرأةً لامرأة، كاتبة لكاتبة.
فور أن خطوت خارجةً الشارع، لمحت الفتاتين الغجريتين تجلسان في مكانهما نفسه. عرفت، من خلال النشوة الطافحة من وجوههن، أنهن يتحدثن في شأنٍ ما يثير حماستهن.  لكنهن سكتن عندما رأينني.
صاحت نحوي إحداهن:
? هيييه، أنت.. لماذا تبدين محطمةً هكذا وفي أسفل سافلين؟
أجبتها:
? ربما لأنني هناك بالفعل!.
ضحكت المرأة:
? تعالي، أعطني كفك، وسأدلك على سبيل الخروج..
قلت:
? إنسي أمر قراءة حظي. ما أحتاجه هو سيكارة، لندخن معًا.
وكأنني اقترحت أن نسرق بنكًا!. صرن بغتةً صارمات الوجه ومشتبهاتٍ بي، وينظرن إلي بأعين الشك. تجاهلت نظراتهن وجلست إلى جانب الرصيف وأخرجت علبة سكائري من الحقيبة. حينها، انحفرت ابتسامة على شفتي الغجرية التي عرضت علي قراءة كفي، ثم انزلقت إلى جواري، وبعد ثوانٍ معدودة، انضمت إلينا الغجرية الأخرى.
والظلام يهبط، مبتعدًا عن نافذة غرفة معيشة السيدة آؤلو، كنت والغجريات بائعات الورد نجلس على حافة الرصيف بأرجلٍ متقاطعة، ندخن. تعلونا سحابة ناعمة من الدخان، ماكثة فوقنا ومتراخية. شعرت، للحظةٍ، أن العالم مسالمٌ وحلو، كأن لم يكن هناك من أمرٍ لأقلق عليه. لا أسئلة تنخر رأسي.


الحلقة الثانية عشرة
زوجة تولستوي: إنه رديءٌ تسكنه البراغيث!

تزوج تولستوي عام 1862م امرأةً تصغره بستة عشر عامًا: صوفيا أندريفنا بيرس. وبالرغم من أن هذا الزواج قد عرف لاحقًا بأنه أحد أتعس الزيجات في تاريخ الأدب، إلا أنه من المحتمل، في السني الأولى من علاقتهما على الأقل، أن ما جمعهما هو الحب والشغف. جرى وقتٌ قد ضحكا فيه معًا؛ هو يشبه في ضحكه حصانًا يعدو بسرعةٍ فائقة، وتشبه هي خيلةً تخبّ في اصطبلها، خجولةً ومثارة. أنجبا، جراء هذا الاقتران، ثلاثة عشر طفلاً تسعة عشر في بعض الدراسات. مات خمسة منهم أطفالاً، وحملت صوفيا مهمة تربية الأطفال الثمانية الباقين أو الأربع عشرة. قضت جزءًا هائلاً من شبابها إما حاملاً أو مرضعة.
كانت شبيهةً بالقمر في تحولاته، مشعًّا بوجه السماوات المكتظة بالنجوم. كان جسدها يتغير كل دقيقة خلال اليوم، كل أسبوع، كل شهر؛ تنتفخ، تتكور حتى الامتلاء، ثم تنخرط تمامًا لتمتلئ من جديد. كانت صوفيا امرأة القمر.
أثناء ما كان تولستوي في غرفته يكتب على ضوء قنديل الزيت، كانت صوفيا تلهي الأطفال لئلا يقاطعو والدهم. إن ما كتبته من يوميات تحمل شهادةً على إخلاصها. استغربت صوفيا كثيرًا عندما طلب منها تولستوي ألا تتذمر منه إذا وجدت أنه يقضي بعض الوقت دون مزاولة الكتابة، وحتى أنها كتبت في دفتر يومياتها: “ولكن كيف يمكنني أن أتذمر؟ ما الحق الذي أملكه أصلاً؟“. ليلةً بعد ليلة، عامًا بعد آخر، عملت جاهدةً لتجعل مهمة الكتابة أسهل على زوجها. ففي الساعات التي لا يستهلكها الأطفال، كانت سكرتيرةً له؛ لم تقم فقط بجمع وحفظ أوراق رواية الحرب والسلام، بل أعادت كتابة المسودة كاملة سبع مرات. وقد قلقت مرةً، بعد حادثة إجهاضٍ تركتْها عليلةً وطريحة الفراش لأيام، من أن زوجها، بسبب مرضها، لن يستطيع الكتابة. لقد ألهمته ودللته وأعانته. هذه حقيقةٌ يصعب ذكرها عندما نرى عمق الضغينة التي انزرعت بينهما لاحقًا في الحياة.
ثم كتب رائعته آنا كارنينا- الرواية التي تبدأ بالسطر الأكثر اقتباسًا في عالم الأدب: “تتشابه العائلات السعيدة. أما التعيسة، فلكلٍ منها تعاسةٌ على طريقتها“. سؤالٌ واحدٌ يطرحه مؤرخو الأدب وأدباء السير بهوس، وهو إلى أي حدٍّ ألهمت حياة تولستوي الخاصة أحداث الرواية. كم من مخاوف تولستوي، فيما يخص زوجته وزواجه، وجدت طريقها إلى آنا كارنينا؟. ربما كان الكاتب المغمور وقتها في الرابعة والأربعين، وقد ساق حكايته إلى مياه الفجور والغواية العاصفة لينذر صوفيا، والتي كانت وقتها في الثامنة والعشرين وحسب. ربما، عبر الكتابة عن النتائج الكارثية التي قد تعانيها سيدة من الطبقة الراقية جراء خياناتها، أراد ببساطةٍ أن يحذر زوجته.
وكأن فجور امرأةٍ متزوجةٍ ليس شيطانيًا بما يكفي، فعندما يعيش العاشقان لا فوق هضبةٍ معزولة، بل وسط العالم المتمدن، تصبح الخيانة ذنبًا أبعد ولا يغفر. في المرة الأولى التي صارح فيها أليكسي أليكساندروفتش زوجته، قام بذلك بشكل واضح: “أريد أن أخبرك بأن نتيجة لا مبالاتك وقلة حذرك هي أن سيرتك ستغدو على كل لسان“. تخرج الأمور عن السيطرة لا لأن امرأةً تكنّ مشاعر لرجلٍ غير زوجها، ولكن عندما يصبح ذلك معروفًا بين الناس.
يجوز أيضًا أنه، خلال روايته، لم يكن تولستوي يبعث الرسائل لزوجته وحسب، بل كان أيضًا يعلم بناته ذوات الأعمار المختلفة درسًا في الأخلاق. وبشكلٍ مستغربٍ كان للرواية تأثيرٌ عليه هو أكثر مما كان على زوجته وبناته؛ فقد دخل في نوبة عذابٍ معنوي، كانت الأولى من سلسلة نوباتٍ انتهت إلى تمهيد طريقه نحو عذاباتٍ وجودية من نوعٍ آخر، عذاباتٍ قصفت أساس زواجه نفسه.
ليست مهمةً نتائج تحليلنا لما حدث بعد ذلك، هذا القدْر الحقيقي منها يكفينا: لم تنظر صوفيا أبدًا إلى آنا كارنينا على أنها صورة لها، أإيجابية كانت أم سلبية. الشخصية الخيالية التي ترتدي الأرجواني الداكن، والتي تمنت أن تعيش سعيدةً كالهيروين في روايةٍ إنجليزية، والتي تعمل على كتب الأطفال وتدخن الأفيون- وحتى لو كانت شبيهةً بصوفيا بعض الشيء، لكنها لم تكن هي بشكلٍ واضح. وبالرغم من الظنون التي كتمها زوجها، لم تهجره إطلاقًا ولم تحب رجلاً آخر غيره. بل على العكس، لقد ظلت مرتبطةً أشد ما يكون الارتباط به وبأسرتها. إلى أن دفعها ذلك عن الحافة. تنجب طفلاً كل عام، ومع كل طفلٍ تصير صوفيا نزقةً بعض الشيء ويتعرض زواجها لمصيبةٍ أخرى.
لا يمرّ يومٌ دون جدالٍ يسري مزعجًا في البيت، تجفّ طاقات الزوجة والزوج جراء مشاحناتٍ بائسةٍ على أمورٍ ليست أكبر من ذرة غبار. هكذا، خاض تولستوي ضبابًا كثيفًا في زواجه لعدة أعوام. وقد كان الجنس طريقةً لإعادة اللحمة، ولكن عندما اضمحل حتى هذا –بنفس القدر لكليهما- وبدأ الضباب بالانقشاع، لم يستطع تولستوي أن يتحمل ما كان يخفيه بعد ذلك.
عندما أطل تولستوي في روح زوجته، رأى الشباب والرغبة والطموح، ولم يرضيه ما وجده. وعندما أطلت صوفيا في روح تولستوي، رأت التمركز على الذات ممزوجًا ببذار الإيثار، ولم تستشعر كيف أنه سيؤثر عالمه على حياتهما المشتركة مستقبلاً. حدق فيها وتساءل، كيف لها وهي التي كبرت في نعمةٍ وترعرعت في بيئةٍ حسنة أن يكون لها مثل تلك الرغبات؟. وحدقت فيه وتساءلت كيف يستطيع وهو المدلل والمحترم أن يحب أي شيءٍ فوق حبه لها؟ سواءً كان حبه ذاك للكتابة أم حتى لله نفسه.
مثل الدكتور فرانكنشتاين– الذي عانى ليتخلص بنفسه من المخلوق الذي صممه وبناه، جعل تولستوي من تلك الفتاة المفعمة التي تزوجها منذ سنوات زوجةً تعيسة ومولعة بالخصام.
حاول لفترةٍ أن يتحملها، إلا أن صبره نفد بسرعة. شكى في رسالةٍ لابنته أليكساندرا إلفوفنا على صوفيا التي تتجسس عليه دائمًا، مسترقة السمع والمتنصتة، شكى اعتراضاتها المتواصلة وأوامرها الدائمة وسعيها لتسييره كما يحلو لها. ثم، و خلال نفسٍ واحدٍ، كتب أنه يريد التحرّر منها. هكذا بغتةً و دون تراجع، أقصى نفسه عن زوجته وعن كل ما يرتبط بها.
هكذا ببساطةٍ، في الأحد الأيام، غادر.
تلك الظهيرة، وللمرة الأولى منذ وقتٍ طويل، شعر بالحرية إلى جانبه، لا كمفهومٍ مجردٍ أو فكرةٍ للدفاع عنها، ولكن كحضور، قريبةٍ وصلبة وملموسة. لقد مشى. لقد وثب وقفز. وبعلوّ صوته غنى أغانٍ لم يسمع بها أحدٌ من قبل. الفلاحون الذين يعملون في الحقول المجاورة شهدوا تولستوي، أكثر الروائيين الروس احترامًا وتقديرًا، يقوم بأعمالٍ تتنافس في الجنون، ولم يخبروا عنها أحدًا. و جزاءً لهم على صمتهم، ودعمهم، في تلك الليلة نفسها، قرر تولستوي أن يتبرع بممتلكاته وثروته كلها للفقراء. الرجل الذي جاء من طبقة أرستقراطية، الذي عاش تحت سقفٍ صلبٍ طوال حياته، يقوم الآن بنثر كل امتيازات موقعه الاجتماعي في الهواء.
عندما علمت بذلك صوفيا، الحاكمة، قالت هائجةً: وحده الأحمق من يبدد ثروته بهذا الشكل. لقد كانت واثقةً- وحده الأحمق الذي بلا زوجة ولا أطفال ليهتم بهم. بعدها، وهي في عز كدرها، أعلن تولستوي على الملأ أنه غسل كفيه من أشياء العالم المادية. تبرع  بكل أمواله، وأراضيه، وهجر الولائم التي لطالما أولع بها، وأقسم ألا يأكل اللحم وألا يصطاد ولا يشرب، وأن يعمل عمل حرفي القرى.
راقبت صوفيا تحولاته برعبٍ شديد. النبيل الذي تزوجته، الكاتب الذي قدرته والزوج الذي حملت منه أبناءها، ذهب! أستبدل بفلاحٍ رديء الملابس وتسكنه البراغيث. كانت تلك إهانةً أصابت قلبها تمامًا.
قالت عن عادات تولستوي الجديدة بأنها “عاداةٌ مظلمة”، كأنها تتحدث عن وباءٍ مكينٍ، أتلف أسرتهم. تشققت شفتيها من العض، والتوى فمها بتعاسةٍ وصار وجهها يشير إلى عمرٍ أكبر من عمرها، وعانت من انهياراتٍ عصبيةٍ متتابعة. ويومًا ما، سألها ابنها ليف ما إذا كانت سعيدة. استغرقها الجواب على هذا السؤال البسيط وقتًا، لكنه سؤالٌ يتحدى ويستفز، وأخيرًا قالت: نعم. لقد كنت سعيدة. فسألها ابنها: ولماذا إذًا يبدو على وجهك أنك قتيلة؟.
مهما تكن قوة الحب التي جمعت مرةً زوجًا وزوجة، لا يستطيع أن يتسع للمرأة والرجل اللذان سيصبحانهما لاحقًا، مما يتسبب في غضبٍ مشتركٍ واستياءٍ مثل جرحٍ ينزف للداخل.
وأخيرًا، في خريف عام 1910م، بعد أشهرٍ معدودةٍ من تطليقه رسميًّا لزوجته سرًّا، ووهْب حقوق نشر رواياته لمحرره، سقط تولستوي مريضًا بالالتهاب الرئوي. يخبو داخلاً إلى وعيه، ويخبو وخارجًا منه، بنفس الشكل الذي خبى فيه داخلاً خارجاً من حياة زوجته لعقود. مات في محطة قطارٍ بعد أن فر من مشادةٍ أخيرةٍ في المنزل. أجد الأمر رمزيًّا أن الكاتب الذي بدأ أدبه بادعاء أن السعادة الحقيقية تكمن في حياة العائلة، انتهى به الحال إلى أن يبتعد عن عائلته، وعنها.
لزمنٍ طويلٍ، نظر إلى صوفيا كمجرد أمٍّ وزوجة. أما مشاركتها العظيمة في أسطورة تولستوي الأدبية فلا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها. قمنا مؤخرًا فقط برؤيتها تحت ضوءٍ جديدٍ ككاتبة يوميات ومفكرات وامرأة أعمالٍ حرة- ويمكن تقديرها كموهبةٍ وكامرأةٍ غير أنانية، ولديها الكثير من القدرات والأحلام التي لم ندركها بعد.



الحلقة الثالثة عشرة
النبي أيوب: صياد السمك الأكبر

ما يعرفه صيادو السمك
 مضى شهران . إنها السادسة صباحا من يوم أحد، أسير على ساحل البحر . كنت دوما ولا أزال من المبكرين في النهوض من النوم، فالاستيقاظ بعد شروق الشمس يجعلني أتبرم بعض الشيء . وفوق هذا، أشعر حينها أن العالم كله راح يصطخب منذ مدة ولم أستطع اللحاق به، كأنني قد وصلت الحفل في آخره .
لذا ها أنا، في قمة صحوي ذاهبة للتنزه سيرا على الأقدام . وهناك سواي بالطبع من أشكال الحياة قد استيقظَتْ في هذه الساعة المبكرة؛ نوارس البحر وقطط الشوارع وهواة صيد السمك والإسطنبوليون جميعا . أتنزه، ومن جهاز ال iPad  خاصتي تصدح أغاني آمي واينهاوس، وفي جيبي فشار أعتقد أن الفشار، في عالمٍ أفضل من هذا، سينجح في الوصول إلى قوائم أطباق الفطور . أمشي متأهبة، أستعيد متأملة حياة صوفيا تولستوي .
للهواء من حولي صفاءٌ بلوري، والسماء النيلية تتدلى من فوقي، مجعدة بغيومٍ كورودٍ متفجرة التفتح، تدرج نحو هضاب إسطنبول البعيدة . تبدو هذه المدينة وكأنها قد استعادت شبابها، صافية كعروسةٍ خارجة من حمام عرسها . يستطيع المرء أن يرى أن هذه المدينة ليست هي نفسها تلك التي تدفع أهلها إلى الجنون يوما بعد يوم، تبدو الآن فاتنة وخلابة ومغرية أيضا، مدينة مغموسة في العسل . أظن أن إسطنبول تكون في أجمل أوضاعها عندما لا نكون نحن الإسطنبوليون في شوارعها ومن حولها- وهذا سببٌ آخر للنهوض مبكرا .
على خطى الساحل المؤدي إلى منطقة بيبك، كان هناك قرابة الثلاثين صيادا- الصبية من المراهقين وحتى الأجداد بعكاكيزهم- يصطفون ممتدين في خط مستقيم، مقابلين البحر كخرز مسابيح الصلاة وقد نظمه خيط، يقفون إلى جانب بعضهم ومعهم دلاء بلاستيكية و جرار مملوءةٍ بديدانٍ تتلوى، وأعينهم مثبتة على الأفق، أما أصابعهم فناشبة حول حبال الصيد .
لا يتحدثون أبدا ولا يتندرون . كل واحدٍ منهم ينتظر، بشكلٍ محضٍ، وفي صبر، للأسماك كي تجيء وقد أغواها الطعم .
بعد ساعةٍ ارتفعت الشمس، لكنني لاحظت أنها كانت برفقة أحدٍ ما؛ القمر لا يزال هناك، قضى يوما أو يومين خجلانا من امتلائه . عيناي منصبتان على السماء . ألا يعرف القمر أنه في المكان الخطأ، وفي الوقت الخطأ أيضا؟ وأنا أنظر إلى هالته الباهتة، فكرت في صوفيا من جديد .
تساءلت: لو كانت صوفيا روائية، هل كان من تولستوي أن يعينها كما أعانته؟ هل كان لينسخ مسودات زوجته المرة تلو الأخرى؟ هل كان ليأخذ الأطفال للتنزه، وأن يلبي كل حاجاتهم، حتى تتمكن زوجته من الحصول على ساعاتٍ أكثر من الهدوء والصفاء لتنغمر في الكتابة وفي ما تكتب؟ .
مثقلة بهذه الأسئلة، سرت إلى الحديقة التي تتوسط الحي المجاور . الملعب هناك يكتظ بالأمهات والأطفال والرضع خلال النهار، لكنه يقفر في هذا الوقت . استرحت جالسة على أحد المقاعد، أرقب بضع يماماتٍ تتهادى هنا وهناك . إنها تلتقط فتات الرغيف المهمل من شقوق الأرض .
وبغتة، انطلقت صرخة شقت الفضاء، جذبتني خارج بلاد الخيال التي سرحت فيها . وثبت على قدمي، وقلبي ينبسط وينقبض بعنف:
? من هناك؟
منتظرة جوابا ما، ارتفعت صرخة أخرى، ملعلعة وعالية، متبوعة بصوت ارتطام، كأن شيئا ما قد ترك فسقط، أو أن أحدا لطم بقوة . تصدر الأصوات من مكانٍ ما خلف أغصان شجرة التوت تلك، على بعد خطواتٍ من مكاني . وبدافع الفضول، لا الحذر وحسب، اقتربت من تلك البقعة ببطء .
? النجداااااة . .
أعرف هذا الصوت النسائي، لقد سمعته في مكانٍ ما، لكن أين بالضبط؟ لست أذكر .
? “إنتي سدي حلقك . ساعديني أنا بدالها"
إنه شخصٌ آخر من يصرخ هذه المرة . هل هناك سيدتان تختطفان في نفس الوقت؟
صاح الصوت الأول:
? أليس من أحدٍ هنا لينقذني من هذه السليطة؟
ماذا؟ يبدو لي أنهما سيدتان تختطفان بعضهما!
انقدح الصوت الآخر بفظاظة:
? “إيش؟" أنت من يرعبني الآن . لقد تعبت منك وبلغت أقصاي من وقوفك الدائم في طريقي . لم لا تسافرين في إجازة؟ إذهبي إلى ديزني-لاند . .
? ولماذا علي أنا الرحيل؟ أنت من يجب عليه الرحيل . لقد تحملت كفايتي منك وأنت تشوشين ذهن أليف بأفكارك الرعناء .
فور أن سمعت اسمي، تجمدت، وأرهفت سمعي جيدا .
? ذاك لأنك تريدين التأثير عليها، لكنني لن أدع ذلك يحدث . “على جثتي . فهمتي؟"
إلى هنا اكتفيت من استراق السمع، تقدمت وأزحت الأغصان عن بعضها، وها هن، تقفان على جذع الشجرة، وكل واحدة منهما ناشبة أظفارها في خناق الأخرى . إنهن فتاتان بحجم الإصبع، ولم أخطئهما أبدا .
قالت إحداهن وهي تحاول جاهدة أن تبتسم:
? “أوووووه، إنتي، يا كبيرتنا . . كيفك؟”
أما الفتاة الأخرى، فأبعدت كفها الأولى عن خناق عدوتها ورفعت الأخرى بعلامة النصر:
? من الجيد رؤيتك يا عزيزتي!
عبست في وجه الفتاتين:
? الآنسة العملية القصيرة! الآنسة المثقفة الساخرة! ماذا تفعلان هنا؟
هاتان الفتاتان منذ عرفتهما وهما في حالة صدامٍ دائم . تبدو كل واحدة منهما، للوهلة الأولى، إنها تتبنى التفكير العقلاني والمنطق . وهذا صحيحٌ إذا اتفقتا حول أمرٍ ما أو تشابهتا في شيء وحسب .
بينما الآنسة العملية تريد أن تكسب تحديات الحياة بطريقة براغماتية، الآنسة المثقفة تهتم بالحلول السهلة . تريد الأولى أن تنتهي من الأمور بأسرع وقتٍ ممكن، بينما الأخرى تشغف بالتفاصيل، معقدة، وفلسفية المقاربات . حيث تفضل الأولى الوضوح والدقة، تفضل الأخرى الغموض والرمزية .
مدت الآنسة العملية عنقها من مكان جلوسها الآن على كتفي الأيسر، وقالت:
? انظري لصيادي السمك هؤلاء، يا لسخفهم، كم سمكة يظنون أنهم سيصطادون بوقوفهم هكذا؟ إنهم يمكثون الساعات الطويلة، ثم يعودون لمنازلهم ببعض الأسماك الصخرية الحزينة في دلائهم . كانو لَِيستطيعو بهذا الوقت الذي يقضونه أن يعملو ويكسبو الوفير من المال الذي يبتاع لهم سمكة سلمون كبيرة! .
قالت الآنسة المثقفة الساخرة، بنبرةٍ متذمرة، من مكانها على كتفي الأيمن:
? وما أدراك أنت؟ ما الذي يمكن لأي براغماتيٍّ أن يعرف عن الفلسفة والفن والأدب، والأمور التي تجعل للحياة قيمة ومعنى كي نحياها؟
سألتها الآنسة العملية:
? وما دخل صيادي السمك فيما تقولين؟
فجاءها الجواب:
? صيد السمك هو الذي له علاقة! إنه الصورة المثلى لاستيعاب ألغاز الكون الأبدية .
أومأت برأسي مؤيدة . بيد أنني، حتى أنا، لم أفهم ما يفعله صيادو السمك فعلا! ما الذي يشعرون به، وما الحالة الذهنية اللازمة- ألا تسرع ولا تندفع؟ ما هي الدرجة المطلوبة من التواضع كي يقْنع المرء بما يجد، وأن يسعد بالذهاب للمنزل وفي دلوه سمكتان رهيفتان بعد نهارٍ طويلٍ من الجهد؟ .
من بين كل الأنبياء، وحده النبي أيوب، إلى درجة ما، لا أستطيع التعاطف معه . أيوب الذي، طبقا للقرآن، رمز الصبر والتسليم السلمي، لم أفهم أبدا كيف أنه لم يغضب، ولم يستأ من المحن التي يضعه الله فيها تباعا . بل يبقى صابرا وشكورا! .
ومن دون علمٍ بما يدور في رأسي، أكملت الآنسة المثقفة الساخرة أطروحتها:
? يظهر السمك في الكثير من الكتب كشخصيات رئيسية! .
تسأل الآنسة العملية القصيرة:
? أية كتب؟
بالطبع، إنها تسأل “أية كتب” لأنه لا وجود لكتاب من بين كتب تطوير الذات عنوانه: أيقظ صياد السمك في داخلك! .
? “Your knowledge is nothing when no one knows that you know”
? “إيش الخرابيط ذي . مافهمت شي"
رفعت الآنسة المثقفة صوتها فوق همهمات المدينة التي بدأت بالهدير .
? قلت: لا وزن لمعرفتك عندما لا يعلم أحدٌ أنك تحملها .
تبرمت الآنسة العملية وقالت بصوت منخفض:
? هل هذه أحجية أخرى؟
? نقطتي هي: كيف يمكننا تتبع مجازفات “إسماعيل” و “الكابتن إهاب” في موبي دك للروائي هيرمان ملفيل دون أن نبصر مكاننا الضيق المتناهي من هذا الكون؟ وماذا عن ملحمة صراع الرغبات عند هيمنغواي بين الصياد العجوز والسمكة المهولة التي لطالما شغف باصطيادها؟ ولنأخذ كتاب صياد سمك البحر الداخلي لـأورسولا لي دوين– ستفكرين أضعاف ما فكرت به في حياتك كلها عن أدوار الخير والشر . هل رأيت كيف أن صيد السمك مضفورٌ بالفلسفة؟ .
قالت الآنسة العملية:
? حسنا، حسنا، أستوعب ما رميت إليه . وبما أنك أشرعت الأمر هكذا، فقد ترغبين بإخبار الفلاسفة الذين يصطادون السمك هناك شيئا عن مفهوم “الكفاءة" لابد وأن هناك منهم، ثلاثون تقريبا يقفون هناك . لم لا يستأجرون، على سبيل المثال، قارب صيدٍ معا؟ و من ثم، عندما يدخلون به البحر، ينشرون شباكهم، وسيزداد صيدهم عشرة أضعاف؟ .
أطلقت الآنسة المثقفة تنهيدة:
? في صيد السمك عمق ما، إن فيه حكمة . لن تفهمي ذلك أبدا ما دمت مشغولة بأمر الإنتاجية . لم أضيع وقتي معك أساسا؟ لا فلسفة ولا فن سيأتيان أبدا من المياه الضحلة التي تعومين فيها .
تذمرت الآنسة العملية:
? “إنت كلك على بعضك كلام كبير بس فاضي" تتحدثين دائما عن العمق . “إنت إيش؟ غواصة؟"
اعترضت:
? يا آنسات، رجاء . .
أعرف أنني أحتاج أن أعالج الأمر بحساسية مفرطة بينهما:
? دعونا لا نتجادل في هذا الصباح الجميل .
اعترضت الآنسة المثقفة الساخرة:
? وما الضير في الجدل؟ لقد استخدم الفيلسوف الألماني إرنسخ بلوخ مفهوما يقول أن أشياء الحياة لم تصل لشكلها النهائي بعد . هكذا، بدلا من محاولة أن نكون كاملين، علينا أن نمجد فكرة أننا بلا بداية ولا نهاية، أننا في حالةٌ من الديمومة وتوالد الأجيال، ولهذا السبب وجب ألا نجيب على الأسئلة، بل علينا تعميقها بالمزيد منها .
وفجأة، جاء صوت مشاكسٌ آخر من جهة المنعطف.



الحلقة الرابعة عشرة والأخيرة
النبي أيوب: صياد السمك الأكبر – 2

<سيصدر الكتاب هذا العام>
14
? هذا أكثر أمرٍ مجنونٍ سمعته في حياتي .
أدرنا رؤوسنا ورأينا الآنسة التشيخوفية الطموحة تقف على مبعدةٍ منا، بين أقدام صيادي السمك . ارتعبت من احتمال أن يطأ أحدهم عرضا عليها، بيد أنه لا يبدو عليها أقل اهتمام .
? تعميق المعضلات بالمزيد من الأسئلة؟ وماذا بعد . هل تعرفين كم من الوقت استغرقه التنزه في صباح الأحد السخيف هذا من حياتنا المهنية؟ أليف، كان المفترض منك أنك تكتبين الآن، لا أن تضيعي وقتك هكذا .
قلت بصوتٍ خفيضٍ كالهمس:
? ما الذي تفعلينه هنا؟
قالت دون مبالاة:
? كنت آمل انك قد قضيتي وقتا كافيا لاتخاذ قرارٍ بشأن ما تحدثنا عنه قبل بضعة أسابيع، أنت تعرفين، أمر استئصال الرحم؟! .
قلت:
? لقد جننت فعلا . .
راحت الفتاتان القصيرتان تصفقان لي مظهرتان دعمهما .
قالت الآنسة التشيخوفية الطموحة:
? إذا أردت أن تكوني امرأة القمر، فلتحملي، ولتزدادي وزنا، ولتقلقي بشأن الرّضاع الطبيعي، إعني بتربية الطفل وإرساله المدرسة وبعدها الجامعة ـ وقبل أن تلتفتي حتى، ستنسين كل ما يخص الأدب والكتابة .
أردت الاعتراض لكنها لم تدع لي أية فرصة:
? لا تجرؤي على القول بأن عالم الأدب لا يقوم على التنافسية، وأنه ليس عليك أن تتدافعي فيه وتتسابقي، لأنك ستبدين ضحلة جدا . إذ حتى وإن لم تكوني في سباق مع كاتبين آخرين، فأنت في سباق مع نفسك، مع موتك .
فتحت فمي لأتحدث، إلا أنها قاطعتني مرة أخرى:
? ولا تنسي أبدا أن الكاتب هو تولستوي، لا زوجته صوفيا امرأة القمر . .
سألتها:
? وما الذي يعنيه ذلك؟
? يعني ما يعنيه . تذكري تلك المرأة في الباخرة التي كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، إلا أنها بدت في الأربعين، تلك التي جمعت وزنها وغيضها كالكعك المجاني . هل تريدين أن تمسي مثلها؟
قالت الآنسة المثقفة الساخرة:
? تتحدثين وكأنك وحدك التعيس في هذا العالم . بينما البشر كلهم في وضعٍ مشابه . الكآبة شرطٌ من شروط الإنسانية .
تجاهلناها سويّا، ثم قالت الآنسة العملية القصيرة:
? هيا! تستطيع المرأة أن تكون أمّا جيدة وصاحبة مهنة ناجحة معا، وأن تكون سعيدة أيضا . . الأمر بسيط؛ المفتاح هو إدارة الوقت . .
تذمرت الآنسة التشيخوفية الطموحة:
? بالطبع هناك نساءٌ كذلك، لكنني ادعوهن ببهلوانيات السّرك؛ إنهن يرسلن أطفالهن صباحا للمدرسة، ثم يقمن بإعداد وجبة أومليت رائعة لأزواجهن؛ بيضتان وملعقة من الزبدة، ثم ترتدي ثيابها على عجلٍ، وبالكاد تصل إلى عملها في الوقت المناسب . ثم تعود مسرعة لمنزلها بعد انقضاء النهار لتعد طاولة الطعام وتطعم أطفالها، بعدها تغيب عن الوعي نائمة على الأريكة وهي تشاهد التلفاز . بَلى، مثل هؤلاء النسوة موجودات، إلا أنهن لا يجدْن كتابة الروايات أبدا .
قمت بتوبيخها على ما قالته:
? أنت ملكة المبالغات . .
اشتعلت عيناها الداكنتان هياجا، ثم أعطتني ابتسامة ساخرة وقالت:
? النقطة هي، يا عزيزتي، أن البهلوانيات يستطعن أن يتدبرن أمر اللحظة وحسب، أن يحملن واجبات الأمومة والوظيفة، إلى هذا القدر وكفى . أما إلى أي مدى يستطعن الوصول إليه في مهنهن، فهذا سؤالٌ آخر . .
أجبتها:
? الأدب ليس مهنة وحسب . .
قالت:
? بالضبط! . إنه أسلوب حياة . إنه طموح عمرٍ بأكمله . يحتاج الفنان إلى الطموح والاتقاد، إنه لا يعمل من التاسعة حتى الخامسة، بل يتنفس فنه خلال ساعات اليوم الأربعة والعشرين كلها، وأيام الأسبوع السبعة . لهذا عليك التفكير جديّا في أمر استئصال رحمك! .
وبعد نصف ساعةٍ عدنا إلى الحديقة . جلسنا على مقاعد أخرى نحن الأربعة، شاحباتٍ ونغالب النعاس . هذا ما يحدث غالبا عندما تلتقي امرأتان قصيرتان بحجم الإصبع . هذا الخصام والتنافر يجفف طاقاتنا . وفوق ذلك، فتيات الأصابع أولائي لا يعرفن كيف يختصمن كما يجب أصلا .
? مرحبا بالجميع! هل أستطيع الانضمام إليكن؟
إنها السيدة الدرويشة، فجأة نبتت كالفطر على المقعد بجوارنا كنسخةٍ صوفيةٍ من الساحر هاري هوديني .
إنها تلبس رداءا رماديّا كالدخان، وحجابا أيضا بنفس اللون معقودا ومثبتا بدبوسٍ له رأس لؤلؤة . أطراف ثوبها تتصافق بنعومةٍ والنسيم . وحول رقبتها قلادةٌ تتدلى منها كلمة هوْ؛ أي الله كما يناديه الصوفيون، محفورٌ بالخط العثماني .
رحبت بها:
? أهلا بعزيزتي الصوفية، تفضلي بيننا .
قالت:
? شكرا، أشعر بالحفاوة، أتمنى أن تشعرين أنت بها أيضا . أنظري لنفسك! أنت في حالةٍ دائمةٍ من الترقّب والتقييم، وفي عجلةٍ أيضا . تحاولين أحيانا أن تنجزي خمسة مهامٍ الواحدة تلو الأخرى . لم العجلة؟ فلتعيشي اللحظة . لا ينوجد الوقت إلا هكذا . إن السبعة الذين دخلوا في سباتٍ لثلاثمئة سنة، أولئك الذين دعاهم القرآن بأصحاب الكهف، شعروا عندما استيقظوا بأن الوقت لم يمضي سوى لبضع ساعاتٍ وحسب .
قطبت في وجهها وقلت:
? هل تريدينني أن أنام؟
? أريدك أن تتوقفي عن مغالبة الوقت ومباراته .
حاولت أن أعيش اللحظة بالفعل، لكنني أدركت أنني لا أفهم حقا ما يعنيه ذلك .
? أيتها السيدة الدرويشة
? هممم؟
? هل تظنين . . أعني، لو كنت أرغب أبدا بإنجاب الأطفال، وهذا لا يعني أنني أريد ذلك بالطبع، ولكنني أسأل وحسب، لو جرى ذلك في حياتي يوما ما . . أعني، نظريّا . .
آخذ نفسا عميقا وأحاول مرة أخرى:
? هل تظنين أنني سأصير أمّا حسنة؟
اتسعت عيناها الخضراوتان الداكنتان حتى تجعدت بشرة محاجرها:
? فقط إذا استوفيتي شروطا ثلاثة، ستحسنين الصنع .
? أية شروط؟
? في البدء، على الله أن يريد ذلك أولا، كي ينكتب فصلٌ جديدٌ في قصة حكايتك . وثانيا، يجب أن تريدين أنت ذلك، بالطبع، ومن أعماق قلبك، وشريكك بالمثل أيضا .
? لا ضير، وما هو الشرط الثالث؟
? للشرط الثالث علاقةٌ بصيادي السمك، عليك أن تنهلي مما يعرفون .
رفعت الآنسة العملية القصيرة يديها معترضة وقالت بنبرةٍ معترضة:
? صيادو السمك مرة أخرى!!
نظرت حولي بحيرة . ما الذي من المحتمل أن يعرفه هؤلاء الصيادون عن خيار الأمومة وتبعاته؟ ما الذي قد يعرفونه ولا أعرفه؟
قالت السيدة الدرويشة وكأنها تكتب لي رسالة:
? عزيزتي أليف . .
? نعم؟
? هل صادف وأن رأيت صياد سمكٍ يجري خائضا البحر؟ ما كان لك أن تري ذلك قط، لأن المدعو بصياد السمك لا يلاحق السمك، إنه ينتظره كي يأتي إليه . .
? مما يعني؟
حيتني السيدة الدرويشة قبل أن تقول لي:
? يعني: توقفي عن الركض خلف الأمواج . دعي البحر يجيء إليك! .
حينها تماما، عبرتْ أمٌّ تدفع عربة أمامنا، وجذبتني بذلك لأعود إلى حواسي ومحيطي . نظرت إلى طفلها- و بالرغم مني وجدتني أبتسم .
جذبت ذراعي الآنسة التشيخوفية الطموحة:
? هيا لنذهب من هنا، ما الذي نحن في انتظاره حقا؟ الوقت من ذهب . .
قالت الآنسة المثقفة الساخرة:
? لنذهب لقراءة روايةٍ ما . .
هكذا وجهت إلينا الآنسة العملية القصيرة أوامرها:
? لنأخذ أقصر الطرق، لنوقف سيارة أجرة . .
وبغتة، وجدت نفسي لست راغبة في رؤية وسماع أيّا منهن . لبعض الوقت على الأقل . قلت لهن بلباقةٍ لكن بصرامة:
? غادرن أنتن . أنا باقية .
ولحسن الحظ، بعد عدة اعتراضات، غادرن النسوة القصيرات الأربعة . يتجادلن فيما بينهن عن الطريق الأفضل، ابتعدن ماشياتٍ على أقدامهن الصغيرة، وأصواتهن تضمحل في الهواء .
لاحظت، بالقرب، قطة صفراء سمينة، تتبعهن وعيناها مسمرتان عليهن . هل تستطيع تلك القطة رؤيتهن؟ يبعث على الحماسة هذا الظن للوهلة الأولى، بيد أنه أفزعني بعدها . ما الذي سيجري لو أن القطة لم تفرق بينهن والفئران والطيور، وبالتالي حاولت أن تبتلعهن؟ بيد أن ما يبعث على الراحة أن القطة أطبقت أجفانها واستأنفت قيلولتها مدركة ربما أنهن سيسببن لها عسر هضم . الأمّ الشابة تخرج وطفلها من الحديقة . آخذ نفسا عميقا . ما الذي سأفعله حيالهن هؤلاء القصيرات؟ إنهن يجعلن الأمور أكثر صعوبة علي . لكنني أحبهن جميعا .
ولوهلةٍ طويلةٍ جدا، أردت، أنا أيضا، أن أكون صياد سمك .


تمت