Advertisement

حصاد الهشيم


حصاد الهشيم




حصاد الهشيم

تأليف
إبراهيم عبد القادر المازنى




حصاد الهشيم

إبراهيم عبد القادر المازنى

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



مقدمة


بقلم  إبراهيم عبد القادر المازنى
 القاهرة ?? سبتمبر ????
أيها القارئ!

هذه مقالات مختلفة فى موضوعات شتى كتبت فى أوقات متفاوتة وفى أحوال وظروف لا علم لك بها ولا خبر على الأرجح. وقد جمعت الآن وطبعت وهى تباع المجموعة منها بعشرة قروش لا أكثر! ولست أدعى لنفسى فيها شيئًا من العمق أو الابتكار أو السداد، ولا أنا أزعمها ستحدث انقلابًا فقريّا فى مصر أو فيما هو دونها، ولكنى أقسم أنك تشترى عصارة عقلى وإن كان فجًّا، وثمرة اطلاعى وهو واسع، ومجهود أعصابى وهى سقيمة، بأبخس الأثمان! وتعال نتحاسب!
إن فى الكتاب أكثر من أربعين مقالًا تختلف طولًا وقصرًا وعمقًا وضحولة. وأنت تشترى كل أربعة منها بقرش! وما أحسبك ستزعم أنك تبذل فى تحصيل القرش مثل ما أبذل فى كتابة المقالات الأربع من جسمى ونفسى ومن يومى وأمسى ومن عقلى وحسى، أو مثل ما يبذل الناشر فى طبعها وإذاعتها من ماله ووقته وصبره.
ثم إنك تشترى بهذه القروش العشرة كتابًا، هبه لا يعمر من رأسك خرابًا ولا يصقل لك نفسًا أو يفتح عينًا أو ينبه مشاعر، فهو — على القليل — يصلح أن تقطع به أوقات الفراغ وتقتل به ساعات الملل والوحشة. أو هو — على الأقل — زينة على مكتبك. والزينة أقدم فى تاريخنا معاشر الاَدميين النفعيين من المنفعة وأعرق، والمرء أطلب لها فى مسكنه وملبسه وطعامه وشرابه، وأكلف بها مما يظن أو يحب أن يعترف.
على أنك قد لا تهضم أكلة مثلًا فيضيق صدرك ويسوء خلقك وتشعر بالحاجة إلى التسرية والنفث وتلقى أمامك هذا الكتاب فالعن صاحبه وناشره ما شئت! فإنى أعرف كيف أحوِّل لعناتك إلى من هو أحق بها! ثم أنت بعد ذلك تستطيع أن تبيعه وتنكب به غيرك! أو تفككه وتلفف فى ورقه المنثور ما يُلف، أو توقد به نارًا على طعام أو شراب أو غير ذلك!
أفقليل كل هذا بعشرة قروش؟
أما أنا فمن يرد إلىّ ما أنفقت فيه؟! من يعيد لى ما سلخت فى كتابته من ساعات العمر الذى لا يرجع منه فائت، ولا يتجدد كالشجر وتعود أخضر بعد إذ كان أصفر، ولا يُرقع كالثياب أو يُر فى؟!
وفى الكتاب عيب هو الوضوح فاعرفه! وستقرؤه بلا نصب، وتفهمه بلا عناء.. ثم يخيّل إليك من أجل ذلك أنك كنت تعرف هذا من قبل وأنك لم تزد به علمًا! فرجائى إليك أن توقن من الاَن أن الأمر ليس كذلك وأن الحال على نقيض ذلك!
واعلم أنه لا يعنينى رأيك فيه! نعم.. يسرنى أن تمدحه كما يسر الوالد أن تثنى على بنيه، ولكنه لا يسوءنى أن تبسط لسإنك فيه إذ كنتُ أعرف بعيوبه ومآخذه منك. وما أخلقنى بأن أضحك من العاتبين وأن أخرج لهم لسانى إذ أراهم لا يهتدون إلى ما يبغون وإن كان تحت أنوفهم!
ومهما يكن من الأمر، وسواء أرضيت أم سخطت، وشكرت أم جحدت، فاذكر، هداك الله، أنك اخر من يحق له أن يزعم أن قروشه ضاعت عليه! — أولى بالشكوى منك الناشر ثم الكاتب.

الفصل الأول
على تخوم العالمين


(?) الصحراء?

بيتى على حدود الأبد — لو أنه كان للأبد حدود! — وليس هو ببيتى وإن كنت ساكنه، وما أعرف لى شبر أرض فى كل هذه الكرة، ولقد كانت لى قصور — ولكن فى الاَخرة!! — بعت بعضها والبعض مرهون بحينه من الضياع، ووقفت معلقًا بين الحياتين، كما سكنت على تخوم العالمين!
•••

ولغيرى الأحراز والأملاك، ولكنّ من الصعب أن يتصور المرء أن «أرضًا» ملكه — ملكه كيف؟! يستطيع أن يزرعها إذا شاء، أو يبنى فوقها إذا أحب، ولكن هذا ليس إلانوعًا من الارتفاق. فأما أن يفهم العقل على وجه مقبول جلى أن هذا القطعة من الأرض — هذه القشرة المنتشرة على كتلة العالم، هذه الطبقة المتصلة بطبقاتٍ دونها — ملكه! فمما لا أصدقه ولا أدركه!! وتصور أن جبلًا من الجبال ملكك؟! جبلًا أشم شامخًا تتجاوب فى مخارمه الأصداء، وتصارع كتلته الرازحة الرياج والأنواء — ملكك؟! لأصدقُ من ذلك وأقربُ إلى الصواب فيه أن تقول إنك أنت ملكه!
•••

وإلى يمينى الصحراء، وإلى يسارى.. الصحراء، وفى كل ناحية يرتمى فى فجاجها الطرف.. الصحراء، وفى الصدر.. لا أدرى سوى أنه قواء!!
وفى كل يوم أهبط إلى ساحل الحياة وأتريث على حفافيها برهةً أشهد عبابها المتدفق ينهزم على الرمال ويتكسر على الحصى والصخور ويقذف بأشلاء غرقاه ثم يرتد ليؤوب بسواهم، مطويين فى أكفان أثباجه، محمولين على نعوش من مربد أمواجه. وبعد أن أقضى حق العين من التأمل والشهود، كأنى موكل بعدّ الموتى وحساب البيود، أكر راجعًا إلى صحراواتى!
والقمر يضيئها كما يضيئكم أبناء الحياة! ويبسط على رمالها الصفراء نوره الفضى اللين اللألاء، ويضربها سارى الطل ضربة الروضة الفيحاء، وتوامض بلوراتها الأنجم الزهراء، وتطلع عليها الشمس وتغيب كل صباح ومساء، فما تميز «العناية» بين ممرعة وجدباء، وكل شىء عند الطبيعة ككل شىء سواء بسواء، ولو خلت منكم الدنيا لما أحست فقدكم لا الأرضُ ولا السماء!
•••

ويزحف الليل فأبرز إلى الصحراء، فيلفنى الظلام فى شملته، وتلطمنى الريح وتدفعنى وترد من خطاى كأنما تريد لتصدنى عن هولها، وأعود كبعض ذراتها لا تراها العين، ولا يحسها ولا يحفل بها كون، فليت من تخدعهم الحياة وتنسيهم ضآلة أقدارهم يخرجون ليلة إلى الصحراء!
وماذا يعرف عن الليل من يسكن المدن ويعيش بين أضوائها الناسخة للظلمة، المضيعة لوقعها فى النفس؟! ها هنا الليل الطاغى العاتى يا من ألفتم نعومة الحياة وطراوة العيش! فوقك السماء لا تراها ولكن تحس أنها دنت منك، وأسفَّت إلتك، فلو رفعت يدك لدفعتها.. وتحتك الرمل تغوص فيه قدمك وتريد أن تقتلعها منه ويأبى أن يدعها لك كأنما شوّقه طولُ الجدب إلى غرسٍ ولو كان إنسانًا!! ومن الريح فى أذنيك الرعدُ مرسلًا دافقًا — هل رأيت «الدوامة» فى الماء؟ إليها تنحدر كل موجة، وصوبها يجرى كل طاف، وفيها يغرق كل محمول على متن التيار — كذلك تكون أذناك للريح! فيهما ينصب صفيرها، وإليهما يجرى مزمزمها. كأنما آضتا قطبًا شماليّا يجذب الرياح من الجهات الأربع! فيالفرحة الريح بطارق الصحراء!!
•••

ويتجرد الإنسان فيها من اسمه، ولا يعود فلانًا بن فلان — كائنًا من كان هذان الفلانان — بل بعضها وأهون ما فيها، وتسقط عن نفسه — كأوراق الشجر الذاوية — عواطف الغضب والألم والمراح واالأمل واليأس والندم والأسف والطماح، وتسكن الشهوات الجامحة وتختفى النزعات المقلقة الطائشة ولا يبقى سوى طمأنينة وادعة، كصفحة الغدير المصقولة إذ يمسحها النسيم الوانى، حتى والريح تعصف والظلمة مسحنككة.
ويحدّث نفسه إذا شاء — بل هو لا يسعه إلا أن يحدثها — ولا ينكر صوته ولا يستغرب أو يلحظ أنه تغير وأنه صار أشبه شىء بالصدى واثبًا عن جوانب الغار.
ويغنيها فى الليلة القمراء..
•••

وقد تزاحف الناس ببناهم فما عمروا منها فيما أرى خرابًا، ولا تحيفوا منها طرفًا أو ضيقوا لها رحابًا، هى أبدٌ صغير، وله ينتقص من الأبد كر الأيام والشهور!
والمرء ينفض فوقها غبار الحياة، وينضو عندها كل ثوب مستعار، وينسى أنه سعى وفاز أو خاب، وأن عليه أن يعود كرته إلى خوض قديم العباب.
ويا عجبًا لها! أهبط إلى ساحل العيش كل يوم وأعود وبى حاجة إلى أن أميط عن نفسى ما علق بها من الأوحال، فأغشى الصحراء فأصفو من الأخلاط والأوشاب، وأرجع ولم يعلق حتى بثوبى التراب..
(?) صفحة سوداء من مذكراتى

أنا الساعة فى خلوة بنفسى — لا سمير إلا طيف الماضى — هذا أنيسى، يعمر لى فجاج الصحراء، ويكظها بالأشباح الجوفاء، ويحيطنى بحاشية من الذكريات ليس لها، انتهاء، ويُطرفنى بأحاديث أيامى التى تقضت، وأحلامى التى انتسخت، وهماتى التى فترت، وبساتين امالى التى صوّحت..
رقدتُ على الرمال وجعلت عينى قيد هذه السماء المجلوة التى لا تعرف فن الإمطار. وكان القمر طالعًا ولكنه باهت كابى الضوء، كالذكرى، يغرى بالوجوم ولا يُشيع فى النفس حرارة.. وهفا فوقى عصيفير حط على صخرة.. هناك!.. هناك حيت لم أكن أجلس وحدى! … وانطلق يغرد.
اه لو علمت عُصيفيرى أن صوتك كان يكون أصفى، وتغريدك أحلى وأشجى.. ولكن عينها لن تُفتح على هذه السماء، وسمعها لن يرده هذا الغناء!!
والمرء فى خلوته يكون أقرب إلى الجنون إذا ذهبتَ تعتبر سلوكه، كما يقول ماكسيم جوركى، لأنه يرسل نفسه على سجيتها حين يأمن عيون الرقباء، وتقول أو يفعل ما بدا له غير محتشم. وقد أذكرتنى كلمة جوركى أنى أحيانًا أجدنى أنحنى ساخرًا من شخص لا وجود له إلا فى وهمى، أو أحك أنفى بأصبعى مكايدًا من أتخيل أنى أعابثه، أو أخرج لسانى لصورتى فى المرآة!
وكأن العصفور أعدانى فرحت أغنى.. وما أنا بالمحتمل الصوت ولا هذا من عاداتى، وإنّ فى طبعى لاحتشامًا، كثيرًا ما ينغص علىّ متعى ولذاذاتى. غير أنى لم ألتفت إلى صوتى ولا أحسبنى حتى سمعته، وإنما هو ذهول عرانى فمضيت أرسل من الأصوات ما كان يطربنى حين يصافح أذنى كأنما أردت لأستدنى به نائيًا … فخيل إلىّ أنى سامع وقع قدمين تدلفان نحوى … ولكن الطيف مرّ بى لم يتريث، واشتمل عليه ظلام الليل كما طوى صاحبه ظلامُ الأبد!
•••

وا أسفى عليكِ! — لا بل علىّ — لم يبق منك إلا طيفٌ يعتاد ذاكرتى! لا أثر على الرمال الخائنة التى كنا نمشى فوقها ونرقد عليها، ونملأ أكفنا منها، وندعُ ذراتها تتساقط خيوطًا من بين فروج أصابعنا! ولقد نسيتكِ النجومُ التى كنت تحبينها وتشيرين إليها ببنانك وتعدينها ولم تستوحش خلو مكانك إلى جانبى تحت عيونها المتلامحة — بل هى لم تذكرك حتى يقال نسيتك — والقمر الذى كنت تأنسين بطلعته وتخالسينه النظر من بين خصل شعرك الدجوجى المرخى على وجهك تحت ضوئه الفضى اللين — لا يزال يبتسم كالعهد به ابتسامة السخر والسهوم كأنه لم يفتقدك!
كلا! ما من شىء فيما أرى يحس افتقادك كأنك لم تحبى وجه هذه الطبيعة الخامدة الحس، الميتة المشاعر، التى تروعنا وهى لا تحفلنا، وتسبينا ولا تذكرنا. حتى أنا الباكى عليك تعرونى رعدة كلما تصورت ما يصنع البلى بك! شفتاك الحساستان اللتان كانتا تستديران لتتلقيا قبلتى، ماذا صارتا الآن؟ صديدًا سائلًا! وعيناك؟ أليستا الساعة كهفين بشعين أعالج أن أطرد من مخيلتى صورتهما؟ وأنفك الأشم المنسجم لعله فى هذه اللحظة مرتع ديدان ومرعى حشرات! وأناملك الغضة التى كانت تضاغط كفى عن أرق عاطفة وأحناها؟ إيه ما أشنعها صورة وأهولها!!
وماذا أنا الآن؟ حى من الأحياء لايدرى الناس أنى مت منذ سنين وأنى قبر متحرك كشمشون ملتون، أو جثة لم تجد من يدفنها أو صورة باهتة لما كنتُه فى حياتى. وما أعد فيمن لا يزالون على قيد الحياة إلا لأنى ينقصنى أن تكتب لى شهادة بالوفاة! ولقد كنتُ كما يتوهمنى الناس الآن، حيّا تتدفق الدماء الحارة فى عروقى، فلما تأملت مصائر الخلق ركدت الدماء قليلًا وابتردت ومات منى شىء! ثم قضى ولدانا فأحسست دبيب الفناء، وضَحِىَ ظلُّك فتساقطت أزهار الحياة بين يدىّ وذوت نوارات امإلى تحت عينى، وإذا كفى ملأى بميت الزهر مما قطفت قدمًا، فشاع فىّ الموت علوّا وسفلًا..!!
وإنى لأقضى أيامى على نحو ما — أروح وأجىء وأكتب وأتكلم وأضحك واَكل وأشرب، ولكنى لا أرجو ولا أغضب، ولا أحزن ولا أطرب، ولا أرهب ولا أرغب لأنى لست أحيا الآن!!
•••

وإنى لغارق فى لجج هذه الخواطر، وإذا بفتاة رودٍ تعدو إلى وتنادينى باسمى، فأفقت ورُددت إلى الدنيا ولكن كما يفيق المغشىّ عليه: يتلفت فى كل ناحية ويسأل أين هو؟ ويعجب لنفسه ولمن حوله، وبذهنه بعض الكلال، وعلى عينيه كالغشاوة، ثم اعتدلت فوق الرمل ونبهت حواسى ومداركى بجهد وقلت: «من عسى تكونين يا فتاتى؟».
قالت: «لقد ذهبت أملأ جرتى من بيتكم هذا (وأشارت إليه وكان بحيث يُرى) كعادتى كل ليلة بعد أن تنقطع الرجل،? ألم ترنى قبل الليلة؟». قلت: نعم (ولكنى لم أذكرها).
فمضت فى كلامها وهى تلهث وتلقى علىّ الأسئلة ولا تنتظر جوابها: «إنى كل ليلة أتسلل إلى البيت وجرتى تحت مُلاءتى وأدفع الباب برفق. لماذا لا توصد بابك؟ ألا تخشى سارقًا؟ ولكن لو كنت توصده لتعذر علىّ أحيانًا الدخول ولكنت أخجل أن أزعجكم كل ليلة من أجل جرة ماء! وبعد أن أدخل وأضع جرتى فى الحوض أتركها تمتلئ على مهل وأرود الحديقة، ولكنى والله لم أقطف منها شيئًا، وإن كنت أحب ثمر الحناء! وقد انتهرتنى ليلة وأنا أتمشى تحسبنى أريد أن أسرق، فخفت وبكيت فى الطريق وقلت: كيف يسىء الظن بى؟ نعم كيف أسأت الظن بى؟!». فقلت: «لم أكن أعرفك يا فتاتى فلا تغضبى وخذى ما شئت من الحديقة فما بها ما يستحق أن يضن به المرء». فانحنت إلىّ وأنا قاعد على الرمل، ووضعت راحتيها على ركبتيها وأكبّت بوجهها على وجهى وحدّقت فى عينىّ وقالت بلهجة العاتب المحاسب: «كيف لم تكن تعرفنى؟ ألستُ أحييك كلما دخلت ورأيتك جالسًا فى ذلك الركن المظلم تحت الكرمة؟».
فتناولت وجهها بين كفىّ وجذبته إلىّ فى رفق وقبلتها إذ لم يكن ثمة بد من ذلك، وقلت: «لا تغضبى يا فتاتى. وإذا كنت تريدين ثمر الحناء فاجنيه كله، أو العنب فعناقيده لك، ولكن خبرينى: من دلك على مكانى؟» ونهضتُ. فعادت إلى التحذر وقالت: «من دلنى؟! يا له من سؤال! كأن الدنيا كلها لا تعرف! ولقد وجدت بابك الليلة موصدًا فعلمت أنك خرجت إلى هنا فجئت أبحث عنك لتفتحه لى فإنى أستحيى أن أقرعه». قلت: «أحسنت، فتعالى إلى هذه الصخرة». قالت: «لماذا؟». قلت: «لتعدّى لى النجوم!». قالت: «أوَ هذا ممكن؟ إنها كثيرة جدّا جدّا!». قلت: «نعم، ولكنك كلما عددت نجمًا وأشرت إليه بإصبعك اختفى واستسر حتى لا يبقى فى السماء ولا الأرض إلا عيناك!». قالت: «أصحيح هذا؟»
وجعلت تثب وتصفق حتى لخلتها إحدى بنات الليل.. ومضينا إلى الصخرة، وجلست وأجلستها على ركبتى وطوقتها بذراعى وانطلقت هى تعد النجوم وأنا ألثم فاها كلما عدَّت واحدًا، وهى فرحة بلثماتى، تردها مضاعفة حارة وتهز رأسها وتنفض شعرها ثم تلقى بنفسها على ذراعى كرة أخرى وتستأنف العد، ووجهها إلى السماء، وشعرها المرسل متدل إلى الأرض. ولبثنا كذلك لا أدرى كم! ولكن الذى أدريه أن سنى حسنها طرد خفافيش خواطرى التى كانت تمرح فى ظلام رأسى!
الغريرة

مرت عشاءً — بىَ — فتانةيا حسنها لو أن حسنًا يدوموالليل ساج شاحب بدرهكأنما أضناه طول الوجومفقلت: ياغًادة أذكرتنىأحلامَ عيش نسختها الهمومأمتل هذا الحسن لمَّا يزلفى عالم الشًر القديم العميم؟ألم يزل «كوبيد» ذا صولةيرمى فيدمى كل قلب سليم؟قالت: ومن كوبيد هذا الذىتذكره مقترنًا بالكلوم؟فقلت: هذا ولد مولعبصيد أكباد الورى كالغريم!فتمتمت عائذة باسمهمن كل شيطان خبيث رجيم •••

يا بدر هل أبصرتها موهنًابين ذراعىّ تعد النجوم؟أم كنتَ فى ليلة ذاك النعيمفى شغل عنا بكحل الغيوم؟يا بدر ما أفشاك رغم الوجوم!
فى جوارها

ولثمته …!
لم أكلمه، ولكن نظرتى
ساءلته: أين أمك؟
أين أمك؟
•••

وهو يهذى لى، على عادته
مذ تولت، كل يوم
كل يوم
•••

فانثنى يبسط من وجهى الغضون،
ولعمرى كيف ذاك؟
كيف ذاك؟
•••

قلت، لما مسحت وجهى يداه،
«أترى تملك حيلة؟
أى حيلهَ؟»
قال: «ما تعنى بذا يا أبتاه؟»
قلت: «لا شىء أردته»
ولثمته!
هاتف من جانب القبر

جَمَالَكَ? — لا تأسف علىّ ولا تأسىفإنى، تحت الأرض، لا أحفل الحبساطوانى الردى عن ناظريك فجاءةوما كان ظنى قط أن أسكن الرمساأرانى الصبى شمسى بعيدًا مغيبهافسرعان ما ولَّى النهار وما أمسى!!وكنت سرور العين والأنف والحشىفأصبحت أوذى العين والأنف والنفساولا تتجشم لى الحفاظ، فإننى،وقد مت، لا أوليك شكرًا ولا حساوأدخل إليك الشمس من كلّ كوّةفما يتملى العيش من يحجب الشمساستسليك عنى، كلُّ زهراء ناهدوإن بقيت ذكرى تهمس بى همسافما أنت بالباكى علىّ، وإنما،على فقد ما قد كنت طبت به نفسارفيق

يلازمنى فى جيئتى وذهوبىرفيق من الماضى أليف شحوبأقول له «قد مت يا صاح فاحتجب»فيفتر عما «كان» ثغر حبيبوما بجميل منه تنغيص حاضرىبأن عليه منه عين رقيبوقد كان قدمًا «حاضرًا» لا يمضهشريك، ولا يشكو حساب حسيبما الفرق

توقلتُ طودًا لم تكن? تتوقلوأصعدت فيه جاهدًا أتنقلخلاءٌ، قواءٌ، جنُّه عبقريةٌ»تعاوى به طورًا، وطورًا تجلجلمن اللاء كم صالت وجالت بمثلهعمالقة الدنيا الذين تحملوا?ولم تك تهواه، فكنت أرودهوحيدًا، ولا أشكو لا أتململفكيف غدا من بعدها جد موحشولم تك تغشاه معى حين أفعل؟فى الفسطاط

أيا بلدة الفسطاط ما أنت بلدةولكنما ذكرى لمؤتنف الخفضطواك قضاء الله فى الأرض حقبةوأنشرك الإنسان نقضًا الى نقضخطوط وأنقاض، كما جاهد الفتىليحى ذكرى، وهى تمعن فى الغمضخرائب من حولى، وفى النفس مثلها،وأهول منها، ويل بعضى من بعضىوكم خلت نفسى بعض أدراس نؤيها،فأقررت حتى كان يفزعنى نبضىقضيت بها ليلًا طويلًا قصيرهوهل تقصر الليلات من شدة المخض؟فوا أسفا، لو ههنا كنت لأنثنىقصيرًا على الليل ذو الطول والعرضلأوحشتنى لما خلت منك رقعتى،ولم تؤنسى ذا وحشة فى حشى الأرض!أ آسفة للموت؟ أم أنت يا ترىأراحك منى الله ذو البسط والقبض؟الأسى

بكيتك بالدمع السخين، ولم أزلبقلبى، وإن جفت مآقىّ، باكيًاولست أرى الدنيا التى كنت روحهاوريحانها تأسى عليك ولا لياوليس الأسى أن تذرف العين عبرةيبرد مهواها القلوب الصوالياولكنه عطف، ولهف، وحسرة،وتقليعك الأحلام حمرًا داميًاصورتها

تأملتها حتى تحرك ساكنمن الثغر والعينين والرأس والصدرأيصبح هذا الحسن قيحًا؟ وجيفة؟بلى! ويسد الأنف من نتنه المزرى!ويمسى صديدًا كل ما كان من قوىوماء شباب مستحير ومن سحرفيا بؤس للبوغاء يعفر وجههاويكحل جفنيها ويلصق بالنحر!وللدود، يقتات، الليالى، بحسنهاويتركها كومًا من الأعظم النخر!شؤم الخيال

أرى رونق الحسناء فى ميعة الصبىفيوضع بى شؤم الخيال ويُعنق?ويشهدنيها فى التراب مرمّةًوقد غالها غول الحمام الموفق? عند هذه الصحراء تفترق مساكن الأحياء عن مقابر الموتى. وليس فى الصحراء مقابر.? شركة الماء تحظر هذا.? جَمَالَكَ أى اصبرْ وتجمَّلْ. ? لم تكن «هى».? تحملوا، أى ارتحلوا. وفى الأساطير أن العمالقة كانوا يتقاذفون بالجبال. ? الإيضاع والإعناق ضربان من السرعة. والمعنى أنى كلما رائت حسناء فى ريعان شبابها تخيلتها ميتة مدرجة فى قبرها وقد صارت جيفة.
الفصل الثاني
النجاح


قال أحد كتاب الروس، ولست أذكر اسمه لأرويه: كان بمدينة كذا رجل ضعيف العقل. وكان الناس لا يمسكون عن الخوض فى أمره والتحدث بتخلف ذهنه وغلظ عقله.. فكرَبهُ ذلك وساءه، وأحب أن يغير رأى الناس فيه، فلم يزل يعمل فكره حتى هداه طول التفكير والتدبر إلى ما هو خليق بأن يبلغه أمنيته ويحقق له غايته ورغبته.. وذلك أنه صار كلما لقى واحدًا من معارفه وإخوانه يستسخف رأيه ويستجهله. فإذا ذكر أمامه كتابًا ورأى أنه يستجيده قال له: هذا كتاب سخيف ليس فيه معنى ولا وراءه محصول، وإنك إذ تستحسنه وتستجيده لتدل برأيك فيه على تخلفك عن عصرك وتأخرك عنه. وإذا امتدح أحد صورة على مسمع منه انبرى له بالتنقص والاغتماض قائلًا: ليس فى هذه الصورة شىء يستجاد، وإنك بمدحك إياها وإكبارك لها لتثبت أنك متأخر عن عصرك.
وهكذا ظل صاحبنا يستهجن كل ما يستحسنه الناس ويتهمهم بضعف، العقل ويرميهم بالقصور والتخلف عن الزمن وبجهل ما عفّى عليه من الآراء وأجدّ من الحقائق، فيمضون عنه وهم خجلون من سقاطهم وعثراتهم حتى أكبروا عقله وإن أفزعتهم وقاحته وراعتهم جرأته.
وبلغ من نجاح صاحبنا فى ما قصد إليه أن صاحب جريدة استكتبه وسأله أن يوافيه بارائه فى الأدب والفنون والاجتماع! فلم يحد عن خطته التى رسمها لنفسه وهى تنقص كل عمل ورمى مستجيديه بالتخلف وعدم الاطلاع على أحدث الآراء التى أنتجها العصر! فصار قوة لا يملك إهمإلها الكتاب والمؤلفون والمصورون وسائر الفنيين.
وقد أراد واضع القصة أن يدل القارئ بها على سر من أسرار النجاح. ولم نرد نحن بإيرادها أن نذهب إلى أن الدعوى والتبجح لازمان فى الحياة وأنهما وسيلة النجاح لا وسيلة سواهما، ولكنا أردنا أن نقول إن الحياء شىء حسن له فضله ومزيته، ولكنه، على ذلك، ثوب يحسن أن يخلعه المرء إذا شاء أن يفوز بحقه ويظفر بما هو أهل له. فقد تكون أقوى الناس استعدادًا وأكثرهم مواهب وملكات وأقدرهم على الاضطلاع بالأعباء والقيام بخطيرات الأمور وجلائل المساعى، ويحرمك الحياء أن تجنى ثمرة تعبك وزهرة غرسك. وليس فى الخجل معنى فى الحياة أو نتيجة، إلا أن الناس يملئون بطونهم وأنت جائع، ويدخلون وأنت واقف بالباب، ويتقدمونك وأنت متردد!
واعلم أنك إذا أنزلت نفسك دون المنزلة التى تستحقها، لم يرفعك الناس إليها، بل أغلب الظن أنهم يدفعونك عما هو دونها أيضًا ويزحزحونك إلى ما هو وراءها، لأن التزاحم على طيبات الحياة شديد، والجهاد والتنازع لا يدعان للعدل والإنصاف مجالًا للعمل. فلا تصدق من يشيرون عليك بالترفق والوداعة وينصحون لك بالاستحياء، فإنه لا حياء فى الحق ولا خجل من السعى لإحراز ما تستحقه من الأنصباء.
وأحسبُ هؤلاء النصحاء أرادوا أن يستأثروا بالسبق فأشاروا عليك بالتقاعد! ويستبدوا بالفوز فزينوا لك الزهد والقناعة! ألست ترى إلى الدول كيف تعلن عن فضائلها ومحاسن صفاتها ومميزاتها وهى قد أوتيت كل الرذائل والمقابح والخسائس؟ وكيف تدعى سمو العقل ونبل المقاصد وشرف المنازع وهى فائرة الصدور بالحقد والضغينة؟ وكيف تتظاهر بالزهد والعفة عما فى يد الغير وهو شاغل شعاب مطامعها ومالئ جو آمالها؟ وكيف تزعم أنها تفيض عطفًا على أمم العالم وحبا لبشر وإيثارا لخيره، وهى قد أكل قلبها الكره والاحتقار؟ وكيف تقاوم كل حركة رقى وهى تباهى بأنها مولد الآراء الجديدة؟ كيف تفاخر بما تسنمته من تلاع الرقى وأنجاد الرفعة وهى تجر رجليها وراء أصغر الشعوب؟ وكيف تتشدق بمبادئ الحق والعدل وهى تظلم الضعفاء وتسترقهم وتسلبهم حريتهم وتنتهك كل حرمة وتفجر فى كل عهد وتنقض كل وعد؟ والناس يسمعون هذه الدعاوى الخلابة وتسحرهم فتنتها ويصدقونها ولا ينتبهون — ولو نبهتهم — إلى أن اليد لا تكترث لما يجرى به اللسان!! وإذا كان هذا مبلغ التبجح بالباطل فماذا عسى ينبغى أن يكون مقدار الجرأة فى الحق؟
لو كان فى هذه الدنيا موازين لا تغل شعيرة تزن أقدار الناس والأمم وتقسم الحقوق بالعدل والقسطاس لما عادت بنا حاجة إلى النصح بالمغامرة واطِّراح الحياء والخجل ونفض غبار التقاعد والخمول، ولكن ما تستحقه رهن بتقديرك وحدك دون سواك. فمن أفحش الحمق أن تدع أمرك موكولا لإنصاف خصمك — نقول خصمك لأن كل الناس وكل الأمم خصوم على الحقيقة — وما من أحد إلا وفوزك بشىء أو سبقك إليه، يحرمه إياه فهو مضطر إلى مغالطتك فيه وصرفك عنه ومغالبتك بالقوة عليه إذا لم تجدِ معك الحيلة.. وعلى قدر سعى المرء وما يبذله من الجهود يكون استحقاقه، لأن الحياة هى الحركة والجهاد لا النوم والتواكل، وما أحق من يقعد ويفتح فمه أن يملأه الزمان ترابًا!!

الفصل الثالث
شكسبير فى اللغة العربية


تاجر البندقية (?)

ما هو الابتكار؟ سؤال نحس بالحاجة إلى الإجابة عنه لما ركب الناس فى أمره من الخطأ، ودخل عليهم فيه من الوهم، حتى صاروا يفهمون من الابتكار أن يأتى المرء بشىء جديد لا صلة قربى له بالقديم ولا لحمة نسب بينه وبين الحاضر الذى يكتنفه. فإذا قيل «فلان» شاعر أو كاتب مبتكر، توقع جمهور القراء وعامة الخواص منهم الذين لا قِبل لهم، لسبب ما، بالتقصى فى البحت والتدقيق فى النظر — أن يفجأهم الشاعر أو الكاتب بما يختلف عن كل ما قرءوه أو سمعوا به اختلاف الإنسان عن النبات! وذهبوا يطالبون هذا الشاعر أو الكاتب بأن يكون «كالعنكبوت لا ينسج خيوط بيته إلا مما تؤتيه إياه أمعاؤه».
ولكن الطبيعة مقتصدة غير مسرفة، وهى لا تكترث للفظ نحته الناس وأرادوا أن يفهموا منه معنى معينًا يخالف قوانينها وسننها ولا يتسع له ضيق الحياة الفردية وقصرُ الآجال الشخصية. فهى تأبى إلا أن تجعل أعظم الشعراء أكبرهم دينًا. وتعجبنى كلمة لأمرسون شبه فيها نبوغ الشاعر فى قومه بظهور البطل فى إبان المعركة، وعنفوان الوعكة. وليس أمامى كتابه فأسوق ما قاله بحروفه ولكن هذا مفاد التشبيه وليس أعون منه على تصور حقيقة الواقع وعلى إصلاح الخطأ الشائع.
فكما أن البطل مدين لغيره من سابقيه ومعاصريه، ولظروف الأحوال، بأدوات القتال وبمادة الحرب وبجانب من أساليبها وبإلهاب نار الحماسة وبتمركز الخواطر واستجماع شتاتها، وإنما يكون فضله فى حسن استخدامه لذلك كله، والانتفاع به على أصلح وجه وأكفله بالنجاح، وفى حذقه وأستاذيته فى توجيه الجهود وتصريفها، وفى قدرته على الاستيلاء على النفوس بما رزق مَن قوة الجذب — كذلك ليس على الشاعر أن يخلق مادته ويوجد من العدم بضاعته، وإنما يُلفى الطين مهيأ، والحجر منحوتًا، والقاعدة مرصوصة، فيشيد على هذه بذاك ويخرج لك مما وجد بناءً ليست قيمته فى انقطاع النظائر بل فى مبلغ اتساع الأفق وبعد المدى والإحاطة.
وماذا عساها كانت حال الإنسان تكون لو أنه كان على كل فرد أن يخلق مادته التى يستخدمها؟ كانت إذًا كل حياة تكون تجارب لا ينتفع بها أحد، تضيع فيها الأعمار ولا تكون فيها عائدة على الفرد ولا على الجماعة. ولكن الطبيعة لحسن الحظ تأبى هذه الفردية الضيقة وترفضها ولا تسمح بالعظمة للفرد إلا مستلخصةً من قوى الجماعة وقائمةً على جهودها.
وماذا كان شكسبير يستطيع كما يتساءل أمرسون أيضًا لو أن الطبيعة لم تُزخر له تيار الحياة ولم تخرج كيد ومالون وجرين وجونسون وشابمان وديكر وهيوود ومدلتون وبل وفورد وما سنجر وبومنت وفلتشر؟ بل ماذا كان يصنع لو لم يكن المسرح فى عهد ظهوره مستوليًا على هوى الجمهور؟ بل لو لم تكن قد تكدست قبله كل تلك الروايات التى لا يعرف أحد تاريخها ولا حفظ الزمن أسماء واضعيها أو مؤلفيها أو منقحيها، والتى ظلت زمنًا وهى ملك خالص للمسارح يأخذ منها كل شاعر ويحوّر فيها كما شاء قلمه واستوجب زمنه؟!
وكأنا بالطبيعة مع حفظها حقوق التأليف لنوابغ الأفراد الذين يكون من حسن طالعهم أن يظهروا بعد انقضاء عصور الاستيحاش والظلمة — كأنا بها لا تحب أن تغمط الجَماعة حقها أو تسلبها فضلها. ولكن تاريخ فن الشعر مع ذلك هو تاريخ لجور الفرد على حق الجماعة. ومن الذى يخطر له أن يعزو شيئًا من فضل شكسبير أو هومر أو إيسكيلاس إلى غيرهم؟ لقد كان الشعر الأول أغانى تشترك فيها الجماعة كلها.. وكان الشعر — إذا صح استقراؤنا — ينظم فى ظروف اجتماعية وينشد فى اجتماع القبيلة أو العشيرة كلها، وكإن الرقص والغناء والموسيقى شيئًا واحدًا، وكانت الألفاظ أقل شأنا إذ كانت العاطفة أسبق إلى إيجاد التعبير عنها من الفكر، ولم يكن التأليف معروفًا فى هذه الدرجة من تاريخ البشر.. ثم أخذ الفرد يظهَر لما أحس أن له عواطف وخواطر خاصة به وحده وأن له استقلالًا عقليّا، وصار على قدر ظهوره واستقلاله اختفاءُ الجماعة وغموض أثرها حتى صارت طائفة تجتمع لسماع قصيدة تُنشد أو تُغنى وهى لا تحس أثرها فيها بعد أن كانت فيما خلا من العصر هى المؤلفة لها، شأنها فى ذلك كشأنها مع رجال السياسة والحكومة.
ولا ريب فى أن الجماعة تظل زمنًا مشاركةً للشاعر فى حالته النفسية، ولكنها لا تلبث أن يستبد بالأمر الفنىُّ الماهر ويروح يوحى إليها — وإن كان ما زال يستمد منها — ويبعثها على مشاطرته هذه الحالة النفسية ويحيى فيها راقد مشاعرها كما يرسل المرء الصوت فتتجاوب بأصدائه أركان الكهف — وهذا تطور طبيعى فإن المدنية معناها «كلّ له عمل» أى الأخصاء. ومتى انتقل مركز الثقل فى حياة الجماعة، بعد أن تتألف تأليفًا سياسيّا، انتقل معه المركز الأدبى، ولكن أثر الجماعة لا يزول وإن كانت لا تدريه ولا تحسه، وقد لا يحسن أحد التفطن إلى تقدير مبلغ هذا الأثر إلا بعد جيل أو أجيال.
•••

قدمنا هذا على سبيل التوطئة للكلام على رواية «تاجر البندقية» التى نقلها إلى لغتنا الأستاذ خليل مطران الشاعر المعروف. ومن قبل ذلك ما نقل رواية عطاء الله أو عطيل كما آثر أن يسميها وهى لشكسبير كذلك كما يعرف القراء، وإنه لطماح مشكور له على كل حال، وتسام محمود عن الإسفاف إلى الروايات والقصص الفاترة السخيفة التى تخرجها مطابع الغرب والتى كلف بترجمتها بعض شبابنا المساكين.
ولكن هناك مسألة معضلة يجدر بكل ذى رأى أن يفكر فى حلها خدمة للغة العربية نفسها: ذلك أن رواية شكسبير كلها شعر وليس فيها من النثر إلا صفحات معدودة يجريها على ألسنة بعض أشخاصه من حين إلى حين لغرض مفهوم وعلة واضحة. ولكن الأستاذ أسبغ على رواية تاجر البندقية حلة من النثر كستها من فاتحتها إلى ختامها ما عدا بضعة عشر بيتا، وحل بهذه الطريقة مشكلًا نراه نحن أعوص وأشد تعقيدا من أن يحل على هذا الوجه.
ونحن ممن يقولون بأنه يجب أن تكون هناك، إلى جانب الترجمة الشعرية، ترجمه نثرية حرفية.. ونقول إلى جانب الترجمة الشعرية لأن النثر، وإن كان أدعى إلى الدقة فى النقل وأعون على الاحتفاظ بما فى الأصل، يجرد الرواية من مزية الشعر، وليست هذه بالضئيلة التى لا يقام لها وزن. ولو كان يستوى أن تسوق الكلام نثرًا أو شعرًا لما نشأت الحاجة إلى الشعر بل لكان الشعر قيدًا اختياريّا لا معنى له ولا مزية فيه، ولكن الواقع أن الشعر فن قائم بذاته لم يخترعه الإنسان، ولكن سبق إليه وتدفقت عواطفه — وهى الأصل فى كل شعر — على أوزانه، ونشأ مع الجنس الإنسانى مذ صار الإنسان حيوانًا اجتماعيّا.
فنقل الشعر من لغة إلى أخرى نثرًا لا ينفى وجوب ترجمته شعرًا. ولكن كيف يكون ذلك فى لغتنا العربية؟ هذا هو محل الإشكال. وأى البحور تختار لشعر شكسبير وغيره من الروائيين؟ إنهم يستخدمون فى لغات الغرب الشعر المرسل وهو بحر سلس التدفق لا يكاد القارئ يحس مقاطعه فضلًا عن إطلاقه من قيد القافية. وبحور الشعر العربى أصلح ما تكون للشعر الغنائى أو ما يطلقون عليه فى الغرب لفظة «ليريك» وهو لا يصلح لحوار الروايات التمثيلية لفرط غلبة الموسيقية عليه. والحوار التمثيلى أحوج ما يكون إلى بحر لين لا يظهر فيه التوقيع الموسيقى كما يظهر فى سواء. أضف إلى ذلك أن البيت من الشعر فى القصيدة العربية «وحدة» تامة فى ذاتها قائمة بنفسها من حيت التأليف اللفظى وتعلق الكلام بعضه ببعض على معانى النحو، وليس يربطه بما قبله وبعده من الأبيات — إذا ربطه شىء — إلا المعنى.. وليس كذلك البيت أو «السطر» فى الشعر الغربى، فهو هناك ليس بوحدة ولا يجب فيه أن يكون مشتملًا على جملة أو جمل تامة من حيت التأليف اللفظى، وكثيرًا ما تستوعب الجملة الواحدة عدة أبيات أو «أسطر» متلاحقة. وإمكان مثل ذلك فى الشعر العربى عسير إلى الآن. وواضح من موجز ما بينا أن ترجمة شكسبير وأمثاله شعرا تستوجب اختراع بحر جديد شبيه بالوزن «الأبيض» كما يسمونه، وتستدعى ألّا يكون البيت أو السطر وحدة كما هو إلى الآن. ولم نشر إلى القافية لأن قيدها مما يسهل صدعه والتحرر منه. فليفكر معنا من يعنيهم الأمر — وهو يعنى كل أحد.
تاجر البندقية (?)

«أصل هذه القصة أحدوثة جرت على الألسنة فى إيطاليا محصلها أن فتاة ذات مال وافر، وجمال باهر، وعقل كالكوكب الزاهر، مات عنها أبوها فخطبها إلى نفسها ملك مراكش وأمير أراغون فى جملة النبهاء ممن خطبها. ولكنها وجدت نفسها أميل إلى شاب رقيق الحال من مسقط رأسها استدان المال الذى أنفقه فى الزلفى إليها بضمان صديق له رهن لليهودى الذى أقرضه ذلك المال رطلًا من لحم صدره. فاستخارت الفتاة الله فى مستقبلها وناطت أمرها بثلاثة صناديق: ذهبى. وفضى. ورصاصى. جعلت فى الأول منها جمجمة ميت، وفى الثانى رأس هزأة أبله، وفى الثالث رسمها. ومن اختار «الأخير» أصبحت له حليلة. وقد جاء فى هذه الحكاية ما يجىء عادة فى أمثالها: أن حبيب الفتاة هو الذى ألهم الصواب ففرحت به واحتالت لإنقاذ صديقه من تبعة ضمانه لليهودى بأن تزيت بزى عالم قانونى وقضت على المرابى».
صدق الأستاذ المترجم فإن مصدر القصة إيطاليا. ولكنها لم تكن قصة واحدة، كما جعلها شكسبير، بل عدة قصص جمع هو شتاتها وألف بينها من خمسة مصادر على ما يظن الشراح، أولها «جستا رومانورام» وهى مجموعة حكايات باللاتينية، وفيها قصة الضمان ورطل اللحم والنصول من شرط الضمان بنفس الحيلة. وثانيها «آل بيكورونى» وهى كالأولى طائفة من القصص وردت فيها، فضلا عن حكاية الضمان، حادثة تبادل الخواتم. وثالثها «الخطيب» لسلفين وفيه فصل عن يهودى يريد فى مقابلة دينه رطلًا من لحم رجل مسيحى. ورابعها «قصة جرنوتوس يهودى البندقية» وفيها زيادة على ما سبق أن اليهودى «يشحذ سكينه» استعدادًا لقطع رطل اللحم. وخامسها «يهودى مالطة» لمارلو، وفيها نظير لعلاقة لورنزو المسيحى وجسكا اليهودية، وذلك أن براباس اليهودى، فى رواية مارلو، له ابنة تحب مسيحيّا وتتنصر لأجله. ومن المعروف أن مارلو كان له تأثير كبير فى صدر حياة شكسبير.
هذا إلى مصادر أخرى عديدة لا يعقل أن يكون شكسبير قد اطلع عليها. ومهما يكن من الأمر فإن الثابت الذى لا مجاز إلى الشك فيه هوأن شكسبير لم يخلق حكايته. ولكن ما قيمة هذا؟ وكيف يغض من قدر الشاعر ويطأ من منزلته التى تبوأها وحده؟
إن القصص والحكايات التى تصلح للروايات التمثيلية لا يأخذها حصر ولا ينالها حساب. وهى كالحجارة ملقاة فى طريقنا جميعًا، ولكن ليس كل أحد يستطيع أن يخرج من إحداها رواية كتاجر البندقية. فإن كان أحد يشك فى ذلك فما عليه إلا أن يجرب! هذا أصل القصة موجود فى أكثر من كتاب واحد، وتلك رواية شكسبير قريبة المنال ممن شاء، فليأخذ هذه وتلك وليضع هو رواية مثلها ليقيس عجزه إلى قدرة شكسبير وعبقريته!
وليس فضل شكسبير ومزيته فى أنه ما من خصلة من خصال الخير أو الشر إلا أحسن تصويرها، أو كما يقول الأستاذ المترجم: «تجد الطمع فتقول لا يصور بأدق من هذا. تجد الجبن فتقول لو تمثل رجلًا لكان هذا. تلمح الحقد فتقول كأننى بفلان وفلان وفلان وقد كشف كلٌّ عن جزء من الحقد الذى فى قلبه، فاجتمع من الثلاثة الأجزاء هذا النوعُ التام من الحقد، بل النوع الأتم. وهكذا الحكم فى كل ما تصدى شكسبير لإظهاره بمظهره البشرى».
نقول ليس الأمر كذلك لأن النفس الإنسانية ليست خزانة مرصوفة فيها الفضائل والرذائل — أو الصفات — كما ترصف الكتب بحيت تستطيع أن تنتزع إحداها من بين أخواتها ثم تصورها كأنها شيء قائم بذاته لا صلة بينه وبين أخواته. وإنما النفس ميدان لتنازع الغرائز والعواطف. والمزية كل المزية فى رسم الخلق الحادث من تفاعل هذه الغرائز والعواطف والصفات ومؤثرات البيئة والنشأة. خذ مثلًا لذلك شيلوخ فى هذه الرواية التى هى موضوع كلامنا والتى عليها مدار البحث.
يهودى فى القرون الوسطى — ومن ذا الذى لا يعرف ما كان اليهودى يعانيه فى تلك العصور المظلمة؟ — مهدد فى كل ساعة من عمره، ككل أبناء جلدته، بأن يحرق حيا وأن يُسطى عليه وتُنهب ماله وُتنفى ويشرد عن بلده وعياله.. وهبه نجا، لحسن طالعه من ذلك، فهو ليس بمنجاة من الامتهان والسب والضرب واللعن. ولم يكن اليهود إذ ذاك أقل تعصبًا ومقتًا لأديان غيرهم، ولا أكثر تسامحًا من حيث العقيدة والجنس، ولكنهم كانوا الضعفاء الذين لا حول لهم ولا سلطان. يضطرهم الحرمانُ من الأعمال الاجتماعية المباحة لغيرهم أن يقصروا همهم على استرباء المال.. ولا بدع إذا تعلم شيلوخ، من طول الاضطهاد واليأس من الإنصاف، أن يتظاهر بالخنوع وأن يداجى وأن يكتم ما ينطوى عليه من مقت وتحفز وألّا يُجرى لسانه إلا بالمعسول من الألفاظ. وإذا تفلتت منه كلمةٌ واشية بمرارة نفسه وبما ضُمت عليه أضالعه من النزوع إلى التمرد على هذا الظلم، عاد فمسح من خصمه فى الذروة والغارب. انظر هذا الحوار الذى استدعاه طلب الاقتراض منه، والذى كأنما أراد به شكسبير أن يليح للقارئ بنية اليهودى وإسراره الانتقام.
شيلوخ: «يا سنيور أنطونيو! كثيرا ما قرعتنى فى الريالتو (المصفق) على أعمالى المالية ومراباتى، ولقد احتملت ذلك أبدًا صابرًا وكنت أقابله برفع الكتفين؟ إذ كان الصبر شعارًا لأمتنا. وطالما نعتنى بالكفر والكلب العقور، وبصقت على عباءتى التى تنطق بيهوديتى، وكل ذلك لأننى أستربى مالى الذى هو ملكى. فالآن يظهر أن بك حاجة إلى معونتى: تأتى إلى وتقول: «شيلوخ! نريد مبلغًا من المال!». أنت تقول ذلك. أنت يا من أفرغ فى لحيتى لعابه، وضربنى برجله كما تطرد الكلب الغريب عن عتبة بيتك:المال طلبتك. فماذا ينبغى أن أقول لك؟ ألا ينبغى أن أقول: «أعند الكلب.مال؟! أيمكن أن يُقرض الكلب ثلاثة اَلاف دوقى؟»،أم يكون على أن أنحنى وأقول بلهجة العبد وصوته الخافت وذلته الهامسة «يا سيدى الجميل! لقد بصقت فى وجهى يوم الأربعاء المنصرم، وطردتنى ضربا برجلك يوم كذا ودعوتنى الكلب يومًا اَخر، فوفاء بحق هذه المكارم سأقرضك هذا القدر من المال!!»أنطونيو: «من المحتمل أن أسميك كذلك مرة أخرى، وأن أبصق فى وجهك ثانيًا، وأن أطردك برجلى أيضَا. فإذا كنت مقرضًا هذا المال فلا تقرضه كأنك تجامل به صديقًا. ومتى كانت الصداقة تستولد المعدن العاقر؟! ولكن أقرضه عدوك حتى إذا قصَّر فى الوفاء كنت فى حل من إلزامه العقوبة.شيلوخ: «انظر كيف تعصف! أرتد أن أكون صديقا لك وأن أنال حبك، وأن أنسى المعائب التى لطختنى بها، وأن أقضى لك حاجتك الراهنة، وألا أتقاضاك دانقًا من الربا على مالى، ومع ذلك تأبى أن تستمع إلى!!». وهو لهذا أيضًا سئ الظن، يخشى كل شىء، ويتوهم الغدر من كل ناحية يطمئن إليها غيرُه، ولا يثق حتى ببنته، لأن سوء المعاملة أفسد عليه نفسه، ولذلك تراه يخشى أن يكون بينها وبين خادمه لونسلوت اتفاقٌ أو مؤامرة، ولا يكتم قلقه لدعوة مسيحى له أن يتعشى معه.
«ولكن لماذا أذهب؟ … إنهم لا يدعوننى عن حب!». ويطلب إلى ابنته — إذ يذهب — أن تحكم إيصاد الأبواب والنوافذ التى يسميها «آذان بيته» ويحذرها أن تطل بوجهها من الكوة إذا هى سمعت طبلًا أو زمرًا إذ يطوف «أولئك النصارى البلهاء».. ويزعم أنه قد لا يلبث أن يعود كأنّ من عادته أن يراقبها مستريبًا. فيا لها من حياة ليس فيها ذرة من الطمأنينة!
وإنه للمرءُ الذى حب المال عنده سواء والسجود، حتى لقد حإل قانون الأخلاق عنده قانونًا ماليا! فأنطونيو «رجل طيب» أى قادر على الوفاء إذا اقترض! ولئن كان يكره أنطونيو لنصرانيته فهو أشد كرهًا له «لأنه أبله يقرض المال بلا ربح ويسقط قيمة الربا هنا بيننا فى البندقية». ولقد سوى بين المال وابنته لما فرت به وجعل يصيح: «بنيتى! دوقياتى! وابنيتاه! فرت مع نصرانى! وا دنانيرى المتنصرة!». ولكن حب المالى عفَّى حتى على غريزة حب الاَباء للأبناء، فصرخ وبه من خسارة المال مثلُ الجنون: «ليت بنتى ميتة عند قدمى وفى أذنيها الماستان!».
وقد برح به ما لاقاه من صنوف الأذى والتحقير فنزعت نفسه إلى الانتقام، واحتج له احتجاجًا قويّا فصيحًا مقنعًا يُشعر القارئ بأنّ فى مرارة مقته لأنطونيو إحساسًا قويّا عميقًا بالعدل ممتزجًا بهذه المرارة. وهل تكاد تنفصل الرغبةُ فى الانتقام عن الشعور المتغلغل بوقع الظلم؟ إن المرء ليحس عطفًا على هذه الروح المتمردة تحت هذه العباءة «اليهودية» — روح استفزها إلى الجنون الألمُ من تكرر الاستثارة بلا مسوغ، ودفعها إلى معالجة اطراح ثقل الظلم بالالتجاء إلى الانتقام عن طريق القانون. وكأن شكسبير أراد إثارة هذا العطف حين أجرى على لسانه هذه العبارة البديعة ردّا على بسانيو النصرانى إذ سأله ماذا تفيده بضعة من لحم أنطونيو.
شيلوخ: «أتخذُ منها طعمًا للسمك! وحسبى بها قوتًا لغليل انتقامى إذا لم تصلح قوتً! لشىء اَخر! لقد جلب علىّ التحقير، وحال دون اكتسابى نصف مليون، وسخر من خسائرى وهزأ بمكاسبى، وامتهن قومى، واعترض أعمالى، وفتَّر أصدقائى وألهب علىّ أعدائى. وما دافعه؟ أنى يهودى؟! أليس لليهودى عينان؟ أليس لليهودى يدان وأعضاء وجسم وحواس ومودات وعواطف؟ أليس طعامه كطعام النصرانى؟ ألا يجرحه نفس السلاح؟ وتصيبه عين الأدواء؟ ويشفيه نفس الدواء؟ ويكر عليه الحر والبرد فى الصيف والشتاء، كالنصرانى سواء بسواء؟ وإذا شككتنا ألا ندمى؟ وإذا جمشتنا ألا نضحك؟ وإذا سممتنا ألا نموت؟ وإذا اذيتنا ألا نثأر؟ وإذا كنا مثلكم فى الباقى فنحن مشبهوكم فى هذا! ما جزاء اليهودى إذا اذى نصرانيّا؟ الانتقام! وإذا أساء نصرانى إلى يهودى فماذا ينبغى أن يكون جزاؤه على ما سن النصارى؟ إنه الانتقام! وإنى لعامل بالنذالة التى تعلموننى، وسيفدح الأمر إن أنا لم أحذق الدرس الذى تلقيته عليكم».? وجدير بمثل هذه الحدة فى طلب الانتقام أن تنبه راقد المواهب وتبعث كامن الذكاء، ولذلك ترى شيلوخ متحفز الذهن ساهد القلب يعصف بكلام خصومه بحججه الدامغة المحتذاة على مثال مبادئهم وأساليبهم. انظر كيف يفحم الدوج.
الدوج: «أى رحمة يجوز لك أن ترجوها وأنت لا ترحم؟!شيلوخ: «أى عقاب أخشى وأنا لم أصنع شرّا؟! إن بينكم من لهم أرقاء كثيرون يستخدمونهم كحميرهم وكلابهم وبغالهم فى أعمال حقيرة مذلة لأنهم مما ملكت أيمانهم بالشراء. فهل أقول لهم: «أعتقوهم وزوجوهم ورثتكم؟ لماذا يتصببون عرقًا تحت ما يوقرون به من الأثقال؟ لتكن أفرشتهم وثيرة كأفرشتكم. ولتنعم حلوقهم بكذا وبكذا من الأطعمة؟» لو قلت لكم هذا لأجبتم: «إن الأرقاء ملكنا»، وكذلك أجيبكم! إن رطل اللحم الذى أطلبه (من أنطونيو) قد ابتعته بثمن غال. وهو لى ولا بد لى منه! فإن أبيتم علىّ ذلك فواخجلتا لقوانينكم! وما أضيع أوامر البندقية. وأعجزها! إنى أطلب الحكم! تكلموا! هل اَخذه؟» وهو ككل الضعفاء المضطهدين، إذا تمكن طغى ولم يرحم. ومن هنا كان رفضه مرة بعد أخرى أن ينزل عن رطل اللحم وأن يأخذ دينه مضاعفًا أو مثله أضعافًا كثيرة. ولكن شيلوخ ليس بوحش! وإنه لإنسان تعجبك منه نعرة قومية صادقة. لا يذكر قومه إلا واصفًا إياهم بأنهم «أمتنا المقدسة» وليس بغضه للنصارى شخصيّا بل إن العامل فيه جنسى. ومظالم الفرد عنده متسربة فى مظالم الجنس كله. ومع استهوالك أن يذهب شيلوخ إلى المحكمة مستعدّا بسكينه وميزانه، واستبشاعك شحذه السكين على نعله كأنما تجرد من كل إحساس بشرى — مع كل هذا، وعلى الرغم منه، تحس إذ تنهار قضيته ويخرج من المحكمة مصادرة كل أمواله كأن الرجل مظلوم!
هذا هو شيلوخ كما صوره شكسبير. وإلى جانب هذه الصورة التامة الرائعة البارزة ماذا عسى أن تكون قيمة المصادر التى أخذ منها هيكل الحكاية العريان؟
? القطع المنقولة من الرواية من ترجمتنا نحن عن الأصل الإنجليزى.
الفصل الرابع
المدينة الفاضلة


ودرو — مور! وتوماس ولسن!
ودرو — ولسن رجل حالم، أو إن شئت فقل كمالى يتسخط نظام الأمم ويتبرم به ويرى فيه أصل الشر ورأس البلاء ويود أن يديل منه، وأن يبدله من فساده صلاحًا. فهو من طراز توماس مور صاحب «اليوتوبيا» وهو كتاب لذيذ ظريف يذكرنا به وبمؤلفه ما يبذله ولسن من المجهودات لإعادهّ تنظيم العالم على قواعد الحق والعدل والحرية — نقول «كتاب لذيذ ظريف» ولا نخشى لائمة العار فيه لأنا لا نتنقصه وإنما نعنى أن محاولة فرد إصلاح ما فى الدنيا من خلل لا يمكن أن يكون إلا فكاهة يضحك من جرأتها القدر — ولكنها على هذا فكاهة جليلة تبعث الرجاء وتنشئ الأمل فى تحقيق … المستحيل!!
ونظام حياة الأمم ليس من صنع صانع ولا وضع واضع، ولكنما يتكون على الأدهار والأحقاب — كجزائر المرجان — وهو يتحول ويتعدل لأن الحياة قائمة على التطور، مبنية على التغير، لا لأن إنسانًا هنا أو هناك أراد هذا أو أشار به.
وقد يظهر من حين إلى حين رجل يكون من دقة الإحساس ولطف الإدراك بحيت يشعر بتيار الزمن واتجاه التدفق فى مجرى الحياة فيعالج العبارة عن هذا الذى تولته مشاعره، وتعلقت به مداركه، ويحاول أن ينطق بلسان الحوادث. ويكون من قوة الخيال وفرط الاعتداد بالنفس بحيث يحسب أن نطقه هو الصحيح، وفهمه هو الصواب. ومن هذا النوع ولسن ومنه أيضًا توماس مور.
والناس يعلمون عن الأول ما فيه الكفاية، أما الثانى فلا يعرفه إلا أهل الاطلاع الواسع ولذلك نورد هنا ترجمته باختصار.
ولد مور فى عام ???? أى فى عصر النهضة العلمية، وذهب إلى أكسفورد ثم انتقل بعد عامين إلى لندن لدراسة الحقوق. وفى الحادية والعشرين من عمره انتخب للبرلمان فلم يلبث أن أحس به زملاؤه. وفى ???? أرسل إلى البلاد الواطئة (هولاندة وبلجيكا) وظل شهورًا فى أنفرس وبروكسل يفاوض رسل الإمبراطور شارل الخامس. وهناك عرف «إرسم» والتقى زميل صباه بيتر جيلز وإليه أهدى كتابه، ثم صار رئيس مجلس العموم فى عام ????، ولما سقط الوزير ولزى صار مور أكبر رجال هنرى الثامن، فأراد الملك أن يطلق من زوجته فلم يشايعه مور على رأيه فذهب ضحية ذلك.
وقد توخى مور فى كتابه أن يصور الدنيا كما ينبغى أن تكون لا كما كانت فى أيامه، وأن يصف المدينة الفاضلة الكاملة كما هى فى ذهنه. وكان مخلصًا جادّا فى ذلك لا هازلًا ولا مدلسًا، ولكنه اتخذ كتابه على الرغم من هذا ذريعة للزراية على الحياة الاجتماعية. والكتاب غاص بالغمزات وبما لا بد فى فهمه من الإحاطة بأحوال زمانه، ولكن كثيرًا مما يعيب به عصره وينعاه على زمانه واضح بيّن لا يحتاج إلى إعنات روية أو مراجعة. ومن قوله: «ولما كانت كل الأمم الأخرى — يعنى غير يوتوبيا — لا تفتأ تبرم المحالفات أو تنقصها، فإنهم — أى أهل يوتوبيا — لا يحالفون أمة كائنة ما كانت لأن المحالفات فى رأيهم عديمة الجدوى. وإذا كانت روابط الإنشانية لا تؤلف بين الناس فليس للعهود والوعود عمل كبير أو نفع».
وإلى هذا الرأى يميل ولسن وإن خالفت حجته فى الزهد فى المحالفات حجة مور.
وأكثر الكتاب عبارة عن رواية حديث جرى بين مور وصديقه جيلز من ناحية وبين ثالث يدعى رفائيل صادفاه فى أنفرس، وهو رحالة عاد من يوتوبيا بعد أن لبث بها خمس سنين، وعلى لسانه وضع المؤلف وصف هذه البلاد السعيدة! وحكومة يوتوبيا مؤلفة من نفر يختارون لسنة واحدة ويمثل الواحد منهم ثلاثين أسرة ولكن ولايتهم الحكم لا تميزهم عن غيرهم من أهل البلاد. وواجباتهم المفروضة عليهم كبيرة، غير أنهم مع هذا لا يختلفون عن سواهم فى أساليب حياتهم.
والحياة الاجتماعية فى يوتوبيا أساسها الأسرة، وهى تتكون من عدد لا يقل عن عشرة أشخاص ولا يزيد على ستة عشر، فإذا جاوز عددهم الحد الأقصى نقل بعضهم إلى أسرة أخرى.
وأهل يوتوبيا لا يستعملون النقود فيما بينهم، وليس عندهم بيع ولا شراء لأن الخير وفير وكل امرئ واجد ما يشتهى، وإنما يستخدمون المال فى الاتجار مع الأمم الأخرى — وفيها معادن ثمينة ولكنّ أحقر الأشياء وأتفهها تصنع من الذهب والفضة، وكذلك الأغلال التى يقيد بها الأرقاء حتى لا يزهى الناس بهذين المعدنين أو يقبلوا على احتجانهما!
والاستقرار فى يوتوبيا مباح كما هو فى جمهورية أفلاطون، والأرقاء يُتخذون من المجرمين ومن الأغراب الذين أغرتهم مزايا الحياة فى يوتوبيا بانتجاعها، وهم يقومون بالأعمال الدنيئة القذرة ويكون منهم القصابون، لأن أهل يوتوبيا لا يرتضون أن يذبحوا الماشية لأن ذبح الحيوان من شأنه أن يبلد الإحساس بالرحمة التى هى من خير ما ولد مع الإنسان، ولا يسمحون لمتزوج أن ترتبط حياته بشريك سقيم عليل يساهمه العيش حتى يغيب أحدهما اللحدُ، وقوانينهم قليلة وليس عندهم محامون!!
ولم يغفل مور أمر الحرب، فقد جعل أهل يوتوبيا يذهبون إلى ضرورة التأهب إذا استوجبت الحال ذلك، غير أنهم لا يرون فى الحرب مجدًا يجتبى، أو ثمرة تجتنى ويعتقدون أن مما يفرضه عليهم الواجب أن يقاتلوا إذا اعتدت أمة على جارتها أو حاولت إكساد تجارتها، ويخجلهم أن يحرزوا نصرًا داميًا على أعدائهم فلا يزالون فى الحرب أهل رفق وإبقاء على خصومهم، وإذا لم يكن من القتال بد فعليهم أن يذيعوا فى بلاد العدو الوعد «بإجزال العطاء لمن يقتل الأمير وغيره ممن أوقدوا نار الحرب». وهم عدا ذلك يعتمدون الإحسان إلى الأسرى ليتألفوا قلوبهم «ولأن أكثرهم لم يقاتل عن رغبة فى إهراق الدماء وإنما ساقته إلى الحرب طغوى الأمير».
أما من حيت العقيدة فهم يؤمنون بالله، ولا يرون من حقهم أن يتصدوا لأحدٍ بإعناتٍ من أجل رأى أو معتقد. وختام الكتاب زراية واستطالة على نظام الاجتماع الذى يترك الناس طبقتين: أغنياء متبطلين، وفقراء متوجدين.
وهذه خلاصة وجيزة لصورة الحياة الكاملة فى رأى مور. وقد يلاحظ أن مثل هذه الاراء والصور إنما تظهر فى العصور التى تؤذن بتطور كبير.
ولعل القارئ بعد هذا يتساءل، وما معنى «يوتوبيا» وأين هى؟ فنقول: معناها «لا وجود له» وكذلك الكمال فى الدنيا لا سبيل إليه!

الفصل الخامس
ديوان العقاد


ترجمة شيطان من نار إلى حجر
فى حومة السياسة الآن ركدة قصيرة الأجل، يرصد فى خلالها كل فريق أهبته، ويحشد لما بعدها قوته، وغدًا سنشبع من الطبل والصيال، ومن أبواق الدعوة إلى أقدس النضال. فما علينا لو اهتبلنا هذه الفرصة وأركضنا الفكر فى حلبة الأدب؟ فى ميدان خالص لوجه الإنسانية قاطبة، لا تعتلج فيه إلا القوى النزاعة إلى الكمال، ولا تشرئب فيه العيون إلا إلى مثل الجمال والجلال؟! نعم ماذا علينا وأى بأس من ذلك؟ أليست حياة الأدب خاصة، والفنون عامة، هى طليعة كل نهضة سياسية واجتماعية؟ أين فى التاريخ أمة وثبت إلى الحياة القوية دون أن يهيئ لها الأدب أسبابها؟ أليس الواضح الذى لا يحتاج إلى إبانة أو تدليل أنه لا بد من أن يفطن المرء إلى وجوده، ويعرف نفسه، ويدرك صلتها بما حولها، ويطلع على جوانب حياته، قبل أن يسع مجموع الأمة أن يقدر وجوده وحقوقه بين أمثاله وأنداده؟ لا ريب فى أن هذا كذلك!
وإنها لمن أعجب القسم أن يضطر أحدنا إلى الدفاع عن نفسه وتسويغ عمله فى مستهل كلام له يهم به على الأدب حتى فى وقدة المعمعة السياسية!! وكان حسب كل منا أن يسأل نفسه: بأى حيلة شاعت مثل الحياة العليا بين الجماهير الساذجة؟ وكيف شغلت من النفوس كل خلية؟ وما الذى أعد القلوب لاستيلاء الاَمال القومية على هواها؟ ولعمرى إن هذا لبعض ما يؤديه الأدب لأنه عالمى فى اثاره كما هو إنسانى فى بواعثه الأولى. ومن يا ترى ينكر علينا قولتنا هذه ممن يعلمون أن مرد انتفاء الأمية بانتشار القراءة والكتابة يكفل للشعوب الأخذ بأسباب النهوض؟
وكأنى بالقارئ قد طالت به الفاتحة وشقى صبره فأحب أن يخلص منها إلى الخاتمة، والعبرة بها! أليس كذلك؟ فهو يقول «وماذا بعد؟»
بعدُ أن أخانا العقاد أصدر الجزء الثالث من ديوان شعره فى نيف ومائة صفحة بالحرف الدقيق. وليس هذا كل ما قاله مذ ظهر جزؤه الثانى ولكنه طائفة كبيرة منه لا يسعنا أن نتناولها كلها قصيدة قصيدة ولكنا مجتزئون بواحدة منها لغاية سنجلوها للقارئ.
لأول مرة فى تاريخ الأدب المصرى — والعربى أيضًا — يرى القارئ عملًا فنيّا تامّا قائمًا على فكرة معينة تدور على محورها القصيدة وتجول. ولعل هذا من أظهر مميزات الأدب الحديث وأكبرها. فقد كان الرجل يقول القصيدة مسوقًا إلى قرضها بباعث مستقل عن النفس، ولكنك هنا ترى بناءً مشيدًا نبتت فكرته لسبب مفهوم وعلة طبيعية مشروحة وأعمل الشاعر ذهنه فى جملتها وتفاصيلها ثم أفرغها فى قالب تخيره لها بعد الروية، وعرضها فى أسلوب فنى موسيقى أبدعه لها.
فأما موضوع القصيدة — كما هو ظاهر من عنوان هذا المقال — فترجمة شيطان:
صاغه الرحمن ذو الفضل العميمغسق الظلماء فى قاع سقرورمى الأرض به رمى الرجيمعبرة، فاسمع أعاجيب العبر فهوى الشيطان إلى الأرض ليضل فيها من يشاء فحار بادئى الرأى أين يمضى:
بيد أن الشر ما زال أريبًا
وسبيل الغى ممهود الجناب
لن تراه حيث تلقاه غريبًا
أبد الدهر ولا نزر الصحاب
فهبط أول ما هبط فى أرض الزنوج حيث:
لا ينام الظل فى أرجائها
وهمو ظل عليها قائم
فاحتقرهم الشيطان اللعين المزهو، وسخر من قسمته «ومشى ينغم فى غير طرب» إلى أن استقر به المقام «حول بحر الروم أو بحر العجم»:
ورمى أول فخ فأصابا
ودعاه «الحقَّ» واستلقى فنام
وأناب الحق عنه فاستجابا
فإذا الحق لجاج واختصام
لاوإذا الحق طلاء الخبتاء
رسن الواهن، سيف المعتدى
ضلة الجهال، لغز الحكماء
ذلة العبد، عرام السيد
وتمادى اللعين فى شره «كلما أنبت زرعًا ينعا».. غير أنه استهدف للتلف لمداخلته الناس من جهات الضعف فى نفوسهم، ثم أنف من فتنته أممًا هو يأنف من إهلاكها:
ما له يفسد خلقًا عدموا
آية الرشد؟ وهبهم رشدوا
كلهم طالب قوت، والثرى
— ذلّ قوم أو تعالوا — مخصب
وقصارى الأمر فى هذا الورى
راسبٌ يطفو وطافٍ يرسب
فكفر الشيطان بالشر الذى تبذره كفاه، وذلك كفر شر من الكفر بالخير «لأنه يرى الخير أهون من أن يستحق العناية بإزالته ورصد المكائد له، فالراشد والغاوى عنده سيان». وعد الله منه ذلك ندمًا وأدخله جنته:
فاعجبوا من نعمة الله العجابوانظروا كيف تلقاها الرجيم فنزل الشيطان من الجنة «منزلًا يرضى به الفن الجميل»:
ونفيض الوصف لولا أننا
نصف الدار لكم يا داخليها
على أن الشاعر مع ذلك لا يسعه إلا أن يطيع قوة خياله وإلا أن ينزل على حكم الشاعرية الضخمة، فألم بصورة خلابة من إبداعه فى عشر مقطوعات. غير أن الشيطان لم تخلد نفسه الخبيثة إلى الخلد، فكان «يزداد على التسبيح قبضًا». ونظرت الملائكة إلى وجهه فرأت شيئًا عجبًا لم تألفه، وكان راكبًا فى رفقة منها فوق السلسبيل «مركبًا يزجيه سلسال النغم». فلما تمادى الأمر سئموا وناموا نوم الأطفال غلب عليهم الملال، وتساءلوا لدهشتهم وطهارة قلوبهم: «هل الويل الذى يصيب أهل وادى جهنم هو هذه الفترة التى تجلب النعاس للعيون»؟
فانثنى العابس وقاد الجبين
صارخًا صرخة مقضى الهلاك
أى واد؟! قال وادى الكافرين،
قال دع هذا فما أنت وذاك
وسأل الملائكة: كيف تروننا ها هنا؟ فقال أحدهم: إننا للفائزون:
قال لكنى أرانا كلنا
وأراكم قبل، أشقى ما يكون
فذعروا «كالجيش فى هول الفرار» وساءهم ألّا يحسدهم فى الجنة وأن ينكر عليهم السعادة ويسلبهم إياها بإنكارها، وينغص عليهم مقامهم فى الفردوس، ويعلمهم ما لم يعلموه من الغضب. ولطف الله فلم يرجموه بالنجوم. ثم أوحى الله الوحى فى جنته:
فإذا الجنة أمن وسكون
كسكون الليل فى ضوء القمر
خشعت حتى الشوادى فى الغصون
وصغت حتى وريقات الشجر
وانجلى الموقف «عن جلال الله فردًا فى علاه»:
وتنحى كل مشهود فما
ثم إلا الله والطاغى المريد
وحاقت اللعنة بالجانى الذى لا يندم، وجهر اللعين بعصيانه، وأخذ يبرره بكبرياء لا تسمح له أن يطلب العفو أو يصغى حتى للوم، «وجعل يستصغر الفردوس لأن له رجاء فوقها ولذلك لا يسميه فردوسًا ولا يعد الرضا به نهاية السعادة، كما أن الضب يرضى بجحره وليس جحره بأقصى ما ترتقى إليه الآمال.. وجعل يتسخط قيمته ويقول: كيف يرضى بهذه القسمة الخالدون؟ أيعافون ذلك الشأو الذى فوقهم وهو لا يعاف؟ أو يجهلونه والجهل نقص فى مرتبة الخلود؟ أو يطلبونه فلا ينالونه فيكونون من المحرومين؟». فرأى الله من الرحمة بالخلق أن يخمد جذوته:
حين جارت فتنة الغاوى على
عصمة الأملاك فى عزتها
عجّل الله به ما أجلا
وحمى الدولة فى بيضتها
فمسخه صخرًا! ولكن هل يزول الطبع؟ إنه لا يزال يستهوى العقول فى الدمى والتماثيل. ولم يأسف عليه إبليس، بل عجب كيف طاش لسانه وأخذته الغيرة على الصراحة وشك فى أنه شيطان صميم:
أترى شيطانة من قومنا
أغوت الأملاك فهو ابن ملك؟
وليس ما أوردناه من خلاصتها إلا هيكلًا عارًيا لهذه القصيدة التى تقع فى أكثر من ثلاثمائة بيت على هذا النسق البديع الرائع، وقد كان الباعث على وضعها ما انتاب الشاعر فى أواخر الحرب وفى إبان الحوادث المصرية الأولى من الشك والغيظ اللذين رجّا عنده «كل قواعد الرأى وشوّها كل حالات الوجود الإنسانى فوقر عنده أن الحياة، كما قال سليمان الحكيم بعد تجربتها «قبض الريح، وباطل الأباطيل»، ولكن هذه الغيمة انجلت فعاد إلى رأيه الأول «فى الحق والعدل معتقدًا أن الحق كائن فى صميم الأشياء وأن الوجود والباطل نقيضان لا يتفقان إلا كما يتفق الوجود والعدم».
أما نحن فإنا نحمد غيمة هذا الشك التى دفعته إلى صوغ هذه الاَية الفريدة فى لغة العرب والتى يحق لنا أن نباهى بها براعات الغرب. وإن فى ظهورها لدليلًا على انتهاء دور التمهيد الذى اضطرنا إليه ركودُ اللغة قرونًا عدة، وإننا الآن فى دور البناء الفنى. وإذا كانت اللغة قد اتسعت للشعر القصصى على هذا النسق فهى لن تضيق عن غيره من فنون الشعر بحمد الله ثم بفضل العقاد.

الفصل السادس
الأدب ينهض فى عصور المشادة لا عصور اللين والامن


كتاب الفصول
مجموعة مقالات فى الأدب والاجتماع، وطائفة من الخطرات والشذور فى موضوعات شتى، ينظمها فى سلك واحد تيارُ الفكر الذى أنضجها وما بينها من التناسب والاشتراك فى المنحى: فمن نظرات فى فلسفة المعرى إلى نقد لسير الرجال وتقدير لحياتهم وأعمالهم، ومن مقال فى الألعاب الرياضية إلى ساعات مقضية بين الكتب واَراء فى الشعراء وخارجياتهم، ومن تحليل للإحساس بجمال الطبيعة وتبيين لمواضع الملاحة فى الإنسان، إلى وصف لمغنى المجالس، ومن «جولة فى الماء محدودة وجولة فى السماء غير محدودة» إلى اراء فى الأساطير ونقد للكتب وتعليل لما يلقاه مثل شارل شابلن من الحفاوة فى حيثما حل.
ولو شئنا، وكان ذلك يلائم مزاجنا ويليق بمهمة النهضة بالأدب وتحريره، لباهينا بالمذهب الجديد فيه وبفوزه على صنوف الاستبداد التى همت به وعالجت خنقه، فقد خرج من كل ما خاض من المعارك.
إلى هذه الساعة، صادقَ الرجولة تام الاتزان، مبرأً من عيبين على وجه الخصوص: مجال الماضى البائد، وطيش الانتقال وما تغرى به أدوار الانقلابات الأدبية من التعلق بالتطرف ومجاوزة المدى المعقول والحد الطبيعى. وناهيك به من فوز على الاستبداد السياسى الذى تعانيه الأمة، وتجرع مرارته، وتضج من أذاه منذ سنين على فرض تشددها، وعنتِ التحيز الذى يأبى إلا أن يقضى — لو استطاع — على ما لا يجب أو يخاف أن يظهر، واستبداد التعصب حيال الجديد، واستبداد الشهرة الذى يمكّن صاحبها من تخطى الرقاب والاستغناء عن الإخلاص والصدق، واستبداد الأغلبية العمياء التى يفتنها العابثون والمحتالون بالكلام الخلاب والعبارات الجوفاء، ثم استبداد الجهل الذى يجعل كل ضرب من ضروب الاستبداد الأخرى ميسورًا مستطاعًا.
فاز المذهب الجديد على هذه وغيرها من صنوف العنت وضروب الاستبداد. ولكنّ العراك العنيف الذى دارت أرجاؤه لم يستثر — كما يحدث كثيرًا — العواطفَ الدنيا ولا شيئًا من الشهوات المرذولة أو الطغيان الذى يحيل النصر فى اخر الأمر شرّا من الهزيمة، لأن دعاة هذا المذهب يفهمون الحرية على حقيقتها ويبغون الحقيقة وحدها، ولا ينشدون سوى تنبيه خير ما فى الطبيعة الإنسانية، ولا يطلبون أن يرفعوا نير الجهل ويفكوا القيود العارقة ويتحرروا ليستبدوا بغيرهم ويضعوا اللجم كأسلافهم فى الأفواه، والأصفاد حول الأعضاد، والعقبات فى سبيل النفوس الناشئة السائرة على الدرب. وما خير أن يحتذى المرء مثال رجال الثورة الكبرى فى فرنسا حين نفضوا عنهم استبداد البورين ثم لم يلبثوا، لما عاد المجد القومى على يد بونابرت، أن أقاموا مقامه الاستبداد العسكرى!
ومن المظاهر الغريبة لهذا العراك والصراع أن دعاة المذهب الجديد كانوا — وما يزالون — مستعدين لمنازلة من شاء ومقارعته بالحجة الدامغة والبرهان القاطع، ولكن المذهب القديم لا يعول على حجة ولا يستند إلى عقل، فكان وما يزال حسبه من المقاومة الاعتماد على الجهل الفاشى وعلى غفلة النفوس وعلى اعتياد الجماهير الطريقة القديمة وعلى الصعوبة الطبيعية التى تواجه كل من يعالج تحويل التيار وصرف النفوس عما ألفت والقلوب عما اعتنقت، بالغًا ما بلغ ذلك من الخطل والضلال. ولا شك فى أن الأدب على الخصوص خطا خطوات واسعة فى هذا الجيل وأن نهضته هذه لم تكن فى ظل الحرية! أفليس من العجيب أن ينشأ فى مصر أدب صحيح وأن تصبح هذه البلاد مهد الأدب والتهذيب فى الشرف على الرغم مما ترسف فيه من الأغلال؟ ولكن هذه الظاهرة ليس فيها شىء من الغرابة، ولا هى فذة نادرة فى تاريخ الأدب فى الأمم الأخرى. والواقع الذى يهدى إليه الاستقراء هو أن من المشكوك فيه جدّا أن تستطيع أمة اَمنة طامحة إلى الرخاء القومى والرفاهية المادية أن تأتى جليلًا فى عالم الأدب والفنون. ولقد كانت أزهى وأمجد عصور الأدب فى إنجلترا ورومية هى العصور التى كانت فيها هاتان الدولتان تذودان عن كيانهما وتناهضان ما يتهددهما بالقضاء عليهما وينذرهما بالإلواء بهما.
ألم يكن عصر اليصابات مقاومة مستمرة لعدوان إسبانيا فى الخارج ولشتى الخصوم فى الداخل؟ ألم يُخرج فيرجيل وهوراس وليفى وغيرهم من كتاب «العصر الذهبى» فى رومية براعاتهم فى إبان الحرب الأهلية الكبرى التى جعلت أغسطس إمبر اطورًا أو بعده! مباشرة؟ وتأمل بعد هذين، ألمانيا أيام تفككها وانحلالها، وحين كانت تر هقها عشرات الحكومات الصغيرة المستبدة وا لأوليجاركيات والإمارات والأسقفيات ومدن الإمبراطورية «الحرة»؟ لم يكن فى ألمانيا لذلك العهد من حر سوى الفكر. ولقد كان فردريك الكبير يفخر بالاتفاق بينه وبين رعاياه على أن يفعل ما يشاء وأن يدعهم أحرارًا فيما يرتئون ويقولون. أما فرنسا فكانت منغمسة فى التوسع غارقة فى لجج النظريات السياسية، أسيرة لشهوة الفتح.. وأما إنجلترا فكانت تُثرى وتفعم جيوبها وتنقاد إلى شهوة الرخاء المادى على حين كانت ألمانيا المنقسمة المتدابرة المتطاحنة التى تقيمها وتقعدها الدسائس والأحقاد الوراثية — خالصة لها دولةُ العقل أو «ملك السماء» كما شاء بومةُ ألمانيا، جان بول رختر، أن يقول — وشبيه بهذا ما حدث فى إيطاليا قبل نيف وثلاثمائة عام حين أخرجت للعالم أساتذة النهضة الأدبية والفنية فيما يسمونه عصر الرينسانس. ومثل هذا أيضًا وقع فى بلاد الإغريق قبل ألفى عام أو أكثر. وهذه الروسيا خير أدبائها وأفحلهم من نبغوا فى ظل الاستبداد القيصرى مثل تولستوى وديستويفسكى وتورجينيف وجوركى وهاتزيباشيف ولينين أيضًا!
وتعليل ذلك سهل. فإن عصور الأمن عصور طراوة ودعة لا تحفز النفوس ولا تستثير قواها الكامنة. وعلى النقيض من ذلك عصور المشادة والجهاد التى تحرك أعماق النفوس وتزخر كل تياراتها، وتبتعث رواقدها، لما تتطلبه طبيعة العراك من استمداد كل قوة. نعم إن عهد الاستبداد يغرى النفوس بالتماس الفرار من الإحساس بوقع الظلم ومرارة العسف، فيكثر الإقبال على أسباب التلف، والإفراط فى معاقرة المتع الضئيلة واللذاذات الحقيرة. ولكنه لا يكلف بذلك إلا النفوسُ الجدباء التى لا خير فيها فى أى عصر، أما ما عداها فسلواها تأمل نفسها وما حولها، ودرس هاتيك جميعًا، وقياس بعضها إلى بعض، ومعالجة جعل ظروف الحياة وفق مطالبها وآمالها. وقد لا يبيح لها الاستبدادُ إلا توخى ما يحسبه أسلمَ الأعمال وآمنها مغبة، كوضع الروايات وهو ما جرى فى الروسيا. ويظن المستبدون أن لا ضير فى هذه ولا بأس منها! كأن تصوير ظروف الحياة ووقعها للقارئ الغافل أو العاجز عن تأليف هذه الصورة لنفسه وجمع شتاتها وتقدير أثرها — لا أثر له فى تكوين إرادة الجماعة وحفزها إلى نشدان ما ينقصها ودفع ما يرهقها. ولقد حدث أن بعض القياصرة كان يستمع إلى روايات ديستويفسكى — أو غيره — ويضحك ويعجب لمهارة الكاتب وصدق تصويره ودقة تحليله. ولم يكن يدرى أن هذه الروايات بعينها هى التى ستثل عرش أسرة رومانوف بما نفثت فى النفوس ونبهت! كما كان لويس الرابع عشر يشهد روايات موليير وتغرب فى الضحك وإن كانت على هذا من أول بواعث الانقلاب الاجتماعى!
إذن فلا عجب أن ينهض الأدب فى مصر، وأن تكون نهضته قوية جارفة تعفى على القديم وتفتح أبواب الفكر، التى أغلقها التقليد، والمتنفسات التى سدتها السخافة والجهل. وإن المرء لتعروه هزة جذل حين يرى كتابًا جامعًا كهذا الذى أخرجه أخونا الأستاذ العقاد وكتب به للمذهب الحديث نصرًا جديدًا، وفوزًا آخر مبينًا. ومن ذا الذى لا يفرج لتحرر العقل وخفق أجنحته فى الفضاء الطليق؟
ولقد كانوا يعيبون على المذهب الجديد أنه يهدم ولا يبنى، كأنما يمكن أن يبنى المرء قبل أن يزيل الأنقاض ويصلح الأرض ويهيئها للبناء. فاليوم ما عساهم أن يقولوا؟ هذا كتاب كله بناء وتشييد، فهل يفرح الجاحدون كفرحنا به؟ لا نظنهم يستطيعون ذلك! وما كنا لنطالبهم بما يفوت ذرعهم ويخرج عن طوقهم. إذن فليغصّوا به إذا شاءوا!!

الفصل السابع
ماكس نورداو


(?) رأيه فى مستقبل الأدب والفنون

أصبحت يومًا على ذكر ماكس نورداو.. وأكثر ما أذكره إذا جنحت نفسى إلى الرضا واستشعرت التفاؤل، أو إذا برمت بهذر الأدعياء وسفسطائيتهم، أو أكثرتُ من قراءة القصص.. فهو عندى دواء أجرع منه على قدر الحاجة، وأكافح به وبأمثاله عدوى أساليب التفكير الشائعة، وأدفع فتور النفس. وليس ذلك لأنه من المتطيرين، فإنه على نقيض ذلك يذهب إلى التفاؤل ويلج به الأمل على الرغم مما يشهر به وينعاه من الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، ومما يعرضه على قرائه من مظاهر الانحطاط والهستيريا فى الفنون والشعر والفلسفة. وهو ناقد ينشد الإصلاح بقوة البيان، ومرارة اللسان، ودقة التحليل، ووضوح التدليل، لا متسخط ممن يكلفون بذم كل ظواهر الوجود المعروفة ولا يرون الحياة إلا حالة سخيفة لا غاية لها ولا معنى فيها. غير أن تفاؤله هذا لا يعدى القراء ولا يكاد يتردد له فى جوانب النفس إلا صدى يذهب بأسرع مما جاء، ولكن للكلام فى هذا أوانًا لا نستعجله.
ذكرته فامتدت يدى إلى كتابه الذى طبق فيه نظرية موريل ولمبروزو فى الانحطاط، على المؤلفين ورجال الفنون ليصحح ما يأخذه الجمهور عن الكتاب والفنيين والشعراء من المثل العليا للجمال والآداب، وفتح الكتاب من اخره فأخذت عينى قوله متكهنًا بالمستقبل البعيد للشعر والفنون: «فى وسعى أن أثبت — أو على الأقل أن أظهر — أن الفنون والشعر لن تشغل إلا مكانًا ضئيلًا جدّا فى الحياة العقلية للقرون البعيدة. ذلك أن علم النفس يقول لنا إن التطور طريقه من الغريزة إلى المعرفة، ومن العاطفة إلى الموازنة والحكم، ومن التفكك إلى الانتظام فى اتصال الخواطر. فيحل الالتفات محل العفو فى نشوء الفكرة، وتأخذ الإرادة — يهديها العقل — مكان الهوى. وحينئذ يزداد تغلب الملاحظة على الخيال والرموز الفنية، أى أن التفسيرات المغلوطة للوجود يعفى عليها فهم قوانين الطبيعة. هذا، وخليق بسير المدنية إلى الآن أن يعيننا على تقدير المصير الذى لعله مذخور للفنون والشعر فى المستقبل البعيد جدّا. ذلك أن ما كان من أهم مشاغل الرجال الراشدين وأنضج أعضاء المجتمع وخيرهم وأحكمهم يصبح شيئًا فشيئًا ملهاة ثانوية حتى يعود اَخر الأمر سلوى الأطفال، فقد كان الرقص فى الزمن الغابر على أعظم جانب من الأهمية … وليس هو اليوم إلا ملهى النساء والشبان وسيقتصر آخر الأمر على الأطفال. وكانت القصص الخرافية أسمى ما يخرجه العقل الإنسانى وكانوا يضمنونها أخفى حكمة القبيلة وأغلى تقاليدها، وهى اليوم ضرب من الأدب لا يتخذ إلا للأطفال. وكان الشعر فى الأصل النوع الوحيد من الأدب فاقتصر اليوم على تصوير العواطف وغلب النثر فى كل ما عدا ذلك. ونحن فى عصرنا هذا نرى الراية تزداد انحطاطًا ولا يكاد أهل الجلد والتثقيف يرونها خليقة بالعناية، ووقعها يزداد اقتصارًا على النساء والشبان. ولنا أن نستخلص من هذه الأمثلة أن الفنون والشعر بعد بضعة قرون ستصير آثارًا بحتة لا يتخذها غير من تغلب عليهم العاطفة أى النساء والشبان، بل الأطفال فيما يحتمل».
قرأت هذا، ثم طويت الكتاب ومضيت إلى عملى وجعلت أفكر فى الطريق فى هذا الذى يستشفه نورداو من أستار غيب الله المسدلة دون المستقبل البعيد فخيل إلىّ أن ما نقلته من كلامه يمثل موطن الضعف فيه وفى أمثاله من العلماء لحاجة فى الاستقراء المنطقى ومبالغة فى التعويل على ما عرف إلى الآن من الحقائق العلمية وما ظهر من قوانين الطبيعة.
وظاهر أن الخطأ فى هذا التقدير مرجعه إلى أمور كثيرة: منها افتراضه أن الأدب لم يلحقه هذا التطور الذى وصفه وقال إن علم النفس يقرره. ومنها إغفال العامل الإنسانى فى حسابه وإسقاطه طبيعة الحياة البشرية من تقديره.. وإنه لمن دواعى العجب أن يغفى هذا العقل الكبير هذه الإغفاءة فيحسب أن الحقائق لا تتعدى معامل الطبيعة والكيمياء وأن كل ما تخطى هذه الحدود انتقل إلى عالم الوهم واللهو الزائل. ومنها اعتباره الأدب والفنون سلوى وملهاة، وما هى فى شىء من هذا ولا هى تتخذ لهوًا إلا فى عصور الاضمحلال التى تعترى الأمم، وإنما هى فى الصميم من الجد بأدق معانى الكلمة. وإنى لأعجز عن تصور الأدب والفنون كيف تكون لهوًا زائلًا وسلوى يقطع بها الوقت ويقتل الفراغ. إذن فأنت تلهو إذا عشقت وإذا كرهت، أو غضبت أو خفت، أو راعك منظر فاتن، أو أقضك خاطر مخامر أو هم باطن.. وهذا الذى تراه من ظواهر الطبيعة وتنوع لبوسها فى الصباح والمساء وتحت نور الشمس وفى ضوء القمر وعند ركود الجو وهبوب الرياج وما تحسه من وقع الحوادت والشخصيات — كل هذا وهم وخدعة وأكذوبة، وهذه الحياة بخيرها وشرها وسعودها ونحوسها باطل ومحال ولا حق إلا المعدة يرحمنا الله، ولا جد إلا مكرسكوب العلماء!
على أن الناس عاشوا وما يزالون يعيشون بالطبع أكثر مما يعيشون بالعقل وحقائق العلم، والحياة قائمة على طبيعة النفس والغرائز. وسبيل المدنية أن نجعل قياد الغرائز البشرية والعواطف الإنسانية فى يدها وأن تتخذ منها قوى دافعة تستخدمها لإنتاج ما ليس فى الغالب من الغايات الأولى لهذه العواطف التى لولاها لآض الإنسان كتلة من اللحم والعظم لا خير فيها ولا غناء عندها كما بين ذلك نورداو نفسه فى كتاب اخر. ولا بد من تحرك هذه العواطف تحركا جديّا فى بادئ الأمر لينتفع المجموع من الفرد. وأنت قد تعلم أن العادات والأنظمة الاجتماعية ليست إلا أقنية ومسارب تتدفق فيها العواطف لتنظم وينتفع بها ويتأتى تسخيرها. أليست عاطفة الحب هى الأصل فى بقاء النوع عامة وفى نظام الزواح خاصة؟ وعاطفة الرحمة أليست هى مبعث هذا النظام الاجتماعى على ما فيه من مظاهر الأثرة والظلم وقلة ما يبدو لمتأمله من التعاطف الذى هو أصله؟ ثم أليست الأنانية هى أصل الوطنية؟
والطبيعة البشرية ثابتة لا يلحقها نقصان ولا يطرأ عليها زيادة، وهى مثل الكاليدسكوب تدير الكف قطع زجاجها الملون التى تمثل عواطفنا وامالنا ومخاوفنا ومباهجنا ومطامحنا ونزعاتنا إلى الخير والشر وغير ذلك وتزاوج بينها وتشكلها أشكالًا مختلفة ولكن العناصر المكونة لها تبقى على حالها وتبقى القطع الزجاجية لا يطرأ عليها نقص ولا زيادة.
والقوانين الطبيعية التى يقولون إن المستقبل سيكون قائمًا عليها مبنيّا على فهمها كانت أبدًا موجودة فعالة منذ كانت الدنيا. ومن ذا الذى يظن أن هذه القوانين كانت غير موجودة أو معطلة قبل أن يهتدى إليها الباحثون والمفكرون؟ أكانت العوالم والأشياء متنافرة متدافعة قبل أن يوفق نيوتن إلى نظرية التجاذب وقانونه؟ أكانت العين لا تلتذ ما تأخذ من الألوان والأذن لا ترتاح إلى ما يرد عليها من الأنغام، فلم تستشعر العين لذة الألوان ولا الأذن حلاوة الألحان إلا بعد أن وقفنا على ما نشره «هلمهولتز» و«بروكه» من نتائج بحثهما، وإلا بعد أن قررا أن الإحساس بالألوان والأنغام رهن بالنسب الحسابية والهندسية البسيطة أو المركبة بين حركات الأثير أو المادة؟
وغير منكور ولا مردود أن العقل سبيله أن ينفى عن الشىء كل ما هو أجنبى منه، وأن أبحاث العلماء قد صيرت أفق المدارك أوسع، ومرامى الفكر أبعد. ولا شك فى أن أهل النظر والاجتهاد المخلصين قد أحصوا وسجلوا واجتلبوا المنافع واستدروا المرافق، غير أننا مع هذا — على قول شيللى — لا نعجز أن نتصور حال العالم لو أنهم لم يكونوا ولم يخلقوا، أو لم يبحثوا ولم يحققوا — لا يعيينا أن نتخيل العالم خلوًا من خطوط الحديد والمصانع على تعدد شكولها، ومن المعارف العلمية والاقتصادية والسياسة، ومن اراء الفلاسفة وعشاق الإنسانية. أليس كل ما كان يحدثه فقدان ذلك أن العالم كان يمضى فى هذره القديم وخلطه الأول وعنجهيته السابقة قرنا أو عدة قرون أخرى؟ وإن عددًا من الرجال والنساء والأطفال كان يرمى بالكفر والإلحاد والمروق ويحرق؟ ولكنه من وراء الطاقة أن يتصور المرء حال الدنيا لو أن الشعراء لم يكونوا، والفنيين لم يخلقوا، ولم ينقل إلينا شعر العبرانيين، ولم يستأنف الناس دراسة الأدب الإغريقى، ولم يتغلغل فيهم شعر الأديان القديمة البائدة مع عقائدها. وبالجملة خلو العالم من كل أسباب الحياة. أكان عقل الإنسان يبعثه من رقاده شىء لولا هذه؟ أكان يتاح له أن يحيط بما أحاط أو أن يخوض حيث خاض؟
ومعلوم أن الآداب والفنون إنما أتت النفس أولًا من طريق الطباع والحواس ثم من جهة النظر والروية، فهى أمس بقوانين الطبيعة رحمًا وأقوى لديها ذممًا، وأقدم لها صحبة، واكد عندها حرمة. وليس هذا الرقى إلا تطورًا فى الحق. والفرق بين حياة الإنسان فى عهده الحديث وبينها فى ما سلف ليس فى الكيف ولكن فى الكم، وفى المقادير وليس فى الصفات الغريزية. هذه هى القضية المبرمة الثابتة. فإن قلت: فماذا عساك تقول فى مخترعات العصر الحاضر وفى امتلاك الإنسان رق الطبيعة بها؟ قلنا لك ليس من قصدنا أن نتنقصها، وما ننكر ما لها من شرف المحل وجلال الخطر وعظم الأثر، وإنما نروم أن نبين لك أنها لا تدل على ميزة اختص بها هذا العصر وانفرد، واستأثر بها زمننا واستبد، ذلك لأن الاختراع والاكتشاف إنما يؤدى إليهما النظر وحب الاستطلاع المركوزان فى الطبائع المركبان فى الجبلات، وهما خاصتان فى الإنسان لم تزايلاه فى كل ما مر به من الأطوار وكر عليه من الأدوار.. ولئن اخترع اليوم الطيارة وكشف عن الكهرباء، لقد اخترع قديما المساكن والثياب وفطن إلى النار. فالخاصة الإنسانية والقدرة الطبيعية اللتان أفضتا إلى الاختراع والاكتشاف ثابتتان لم يعدمهما الإنسان فى زمن من الأزمان، وإنما الذى يقع عليه الاختلاف وتتباين فيه العصور، الأعداد والكميات وما كانت هذه لتكسب الإنسان الحديث مزية تحيله عن أصله وتخرجه عن فطرته.
وقد نسى نورداو — فيما قاله عن القصص الخرافية — أن الزمن إذا كان قد عفى عليها فلقد نشأت مكانها الروايات السيكولوجية وشاعت على نحو لا نظير له فى ما مضى، ولم ينج من تأثيرها ولا قاومه حتى العلماء أمثال نورداو نفسه الذى وضع عدة روايات وإن كان يقول إن أهل الجد والثقافة لا يرونها حقيقة بالعناية!
•••

دارت بنفسى هذه الخواطر. وما هى إلا ساعة وإذا بالبرق ينعى إلينا ماكس نورداو! فعجبت لهذا الاتفاق ولما كان عسى أن يقول فى مثله! وكم فى الدنيا من أسرار وألغاز لم يستطع العلم أن يحلها!
وقد بدا لى أن أسوق هذه الخواطر فى مستهل الكلام عن نورداو. وما يتسع مقال واحد لذلك، فإن الرجل لم يدع بابًا من أبواب النظر والبحث إلا طرقه ونفذ منه إلى مقالة حق، ومذهب صدق.
(?) القوة الدافعة ومقاومة الجماهير

نظرية الحاجة

قال ماكس نورداو فى كتاب «المتناقضات»: «من حيل الكلاميين أن يقسموا الإنسانية إلى شطرين: رعية كبيرة وطائفة قليلة من الرعاة، ولكن من الخطأ أن نقول إن بضعة عقول خاصة هى القوة الدافعة الوحيدة وأن نصور الجماهير كأنها العقبة المعترضة أبدًا. ولا يسعنى إلا أن أعترف أنى ظللت زمنًا طويلًا أشاطر القائلين بهذا خطأهم، وكنت أذهب إلى أن الجنس الأبيض كله يمكن أن يرد إلى مستوى العصور الوسطى، بل إلى ما هو وراءها أو قبلها لو أن عشرة الاَلاف الذين هم أمهر معاصريى وأذكاهم، والذين يخيل إلينا أنهم عماد مدنيتنا الوحيد، فصلت رؤوسهم عن أجسادهم. غير أنى الآن لم أعد أعتنق هذا الرأى وذلك لأن أسمى صفات الإنسانية ليست ميراث الشواذ القليلين دون سواهم وإنما هى صفات أساسية موزعة على الناس جميعًا، شأنها فى ذلك شأن الأعضاء والأنسجة والدم ومادة الدهن والعظام، ولا شك فى أن لبعض الأفراد نصيبًا أو فر ولكن لكل فرد حظا من هذه الصفات..
صور لنفسك طائفة من الأوساط العاديين ليس لهم مواهب عقلية خاصة أو معارف فنية غير ما يفيده المرء من مطالعة مقالات الصحف أو أحاديت المجالس، وهبهم تحطمت بهم سفينة وقذف بهم الحظ إلى جزيرة جرداء. فماذا يكون مصيرهم؟ لا شك فى أنهم فى بادئ الأمر يكونون أسوأ حالا من مستوحشى البحار الجنوبية إذ كانوا لم يتعودوا أن يستخدموا مواهبهم الطبيعية ولا يدرون أن فى الوسع أن يتناول المرء طعامه دون أن يقدمه إليه الخدم، وأن الأغذية توجد فى حيث لا أسواق.. ولكن هذه الحالة لا تطول، وأخلق بهم أن يفطنوا إلى ما كان خافيا عليهم من نفوسهم وأن يوفقوا بعد ذلك إلى اختراعات مهمة، فيظهر لهم أن لأحدهم مهارة فنية عظيمة، وأن لآخر مواهب فلسفية، وأن ثالثًا قد رُزق القدرة على التنظيم، فلا يلبثون أن يعيدوا فى خلال جيل أو جيلين تاريخ التقدم الإنسانى كله. ولما كانوا قد رأوا الآلات التجارية — وإن كانوا على الأرجح لا يعرفون على وجه الدقة كيف تركيبها — فسرعان ما يهديهم التفكير إلى أصل المسألة فيصنعون لأنفسهم الة من هذا النوع.. وهكذا فى غير ذلك، فيصبح هؤلاء الأوساط صورًا مصغرة من نيوتون ووطسن وهلمهولتز، وجراهام بلز لأنهم بين ظروف المدنية كانت تعوزهم تلك الفرصة التى أتاحتها لهم الجزيرة الجرداء».
ويقول نورداو فى ذيل هذا: «ولا أحتاج إلى عناء كبير لأعتقد أن فى كل رجل عادى النضوج، مواهب يمكن أن تجعله عاملًا كبيرًا فى تقدم المدنية، وكل ما يحتاج إليه الأمر هو أن يضطر إلى أن يصير كذلك. كما يمكن اتخاذ الجذور من أغصان الأشجار إذا دُليت وغرست رؤوسها فى الأرض وأكرهت بهذه الطريقة على امتصاص الغذاء اللازم لها من الثرى».
وبعبارة أخرى يقول نورداو: (?) إنه ليس ثم قوة دافعة من شواذ الأفراد وعقبة معترضة من كتلة الجماهير، و(?) إن الصفات الإنسانية يشترك فيها الناس جميعًا وإنما تتفاوت الأنصبة، و(?) إن الضرورة «مدعاة الجد ومبعث التفكير العميق وأم الاختراع»، و(?) إن تاريخ الرقى الإنسانى خليق أن يتكرر هنا على وجه مختزل وهذا هو ما لا خلاف بيننا وبينه فيه. وفى كلامه فيما عدا هذا مواضع للنظر.
إذا صح أن من الخطأ أن يذهب أحد إلى أن المتفوقين هم القوة الدافعة وأن الجماهير عقبة معترضة، فليتصور القارئ حال الدنيا — دنيا الإنسان — كيف تكون وأى رقى يحدث إذا لم يظهر فيها أناس يمتازون بجرأة أو أمل أو إرادة أو عقل، أى بنصيب أوفر من نصيب الرجل العادى من المواهب والملكات والصفات الإنسانية كما يقول نورداو، لا علماء يخدمون النوع بما يحصون ويقيدون ويستنبطون، ولا أدباء أو فنيين يوقظون الحواس الراكدة، والمشاعر الخامدة، ويملئون الصدور، ويحركون الطبيعة البشرية، ويبتعثونها على نشدان الكمال والتماس تحقيق المثل العليا التى ينزعون إليها، ولا يفتحون العيون ويوقظون القلوب على عظمة الجلال والأبد والحق، ولا زعماء ولا قادة يغرون الناس بالمجد. ماذا تصير الحياة؟ هشيمًا يابسًا ولا شك. وأخلق بالجنس الإنسانى إذن أن يعود كغيره من أجناس الحيوان. وأن يروح الآدميون ولا عمل لهم فى الحياة سوى الطعام والشراب والتناسل. لا يتميز بعضهم عن بعض إلا بضخامة الأجسام أو ضالتها، ومتانة العضلات أو رخاوتها، وحدة الأنياب أو كلالها.
ثم ليتصور القارئ بعد هذا أن الجماهير الإنسانية لا تقاوم ولا تقف عقبة فى سبيل سعى، ولا يحتاج الشواذ الأفذاذ أن يجروها ويعالجوها بمختلف الوسائل وشتى الأساليب لتتبعهم وتسايرهم، بلِ تجيب كل مهيب، وتعتنق كل جديد، وتلبى كل دعوة. ونضرب مثلَا متطرفًا بعض التطرف لنعين القارئ على تصور الحال ولنحضر فى ذهنه مثال ما ندعوه إلى تخيله. فنقول إن الحج فى الإسلام أشق قواعده والذى لا طاقة لكل امرئ به، ومن أجل هذا لم يحتمه الشارع تحتيمًا لا مفر منه ولا معدى عنه بل فرضه على المطيق دون ظاهر العجز عنه. فهب رجلا منا قام يدعو إلى دين هو كالإسلام فى كل ما دق وجل من أحكامه وأصوله واَدابه وأوامره ونواهيه ولا يختلف عنه إلا فى إسقاط الحج وتحريمه على أتباعه: أتظن الناس يسرعون إلى الدخول فى هذا الذى ليس فيه من جديد على الحقيقة والذى لا يختلف عن الإسلام إلا فى هذه القاعدة وحدها؟ ولا نفيض فى المسألة بل ندع للقارئ إتمام هذه الصورة التى رسمنا له معالمها الكبرى.
ولو أن الجماهير تبذل قيادها لكل مهيب بها لعاد المجتمع ريشة فى مهاب الرياح لا استقرار له ولا انتظام، يساق ويدفع إلى كل ناحية، ويتقدم ويتأخر فى كل اتجاه. لأنه لا يكون فى هذه الحالة على الأفراد الممتازين إلا أن يفكروا ويريدوا، ولا على جمهرة الناس إلا أن يترجموا خواطرهم إلى العمل، ويخرجوا إرادتهم فى صورة محسوسة ملموسة كائنة ما كانت هذه الفكرة أو الإرادة. ولا أدرى حينئذ لماذا يكد الرجل الممتاز ويتعب ذهنه وتكلفه التفكير ويعالج إنضاج الرأى وليس ما يدعوه إلى كل ذلك والأمر لا يكلفه إلا أن يريد فيكون ما أراد؟ ونورداو نفسه لا يخفى عليه أن الأمر ليس كذلك. وهو يقول فى موضع اخر من كتاب المتناقضات الذى نأخذ منه اليوم ونسرد: «وماذا غير ذلك مما يتهم به الرجل العادى؟ إنه لا يبادر إلى التسليم أمام حملات الرجل العبقرى؟ ألا إن هذا لهو المطلوب! ومن أجل هذا ينبغى أن يبارك الرجل العادى. فإن ثقله أو اتزانه الوطيد الذى لا يسهل إزعاجه يجعله نوعًا من الجهاز الرياضى أو ضربًا من الأثقال إذا عالجه الرجل الممتاز استطاع أن يختبر قوته وأن يضاعف كذلك مُنته. ولا شك فى أن من أشق الأمور ابتعاث الأوساط على الحركة ولكن معالجة هذا تدريب نافع فلا يزال يجرب حتى يفوز بالنجاح».
وهذا صحيح فإن المقاومة التى يلقاها الجديد هى التى تكشف عن مزيته وتظهر فضله. وهى كذلك الضامن ألّا ينجح إلا الأصلح والذى أوتى القوة الكافية ورزق النصيب اللازم من ملاءمة الاستعداد له، وقد لا يفوز الأفضل؟ لأن الصلاح والملاءمة، لا الفضل، شرط النجاح.
وليس على القارئ ليدرك مبلغ المقاومة التى تبذلها كتلة الجماهير إلا أن يفكر فى بطء التغير الذى يلحق الأنظمة من معاشية وحكومية وقانونية، وكيف أن فيها كثيرا من المسخطات ومن بواعث الألم والكرب والضيق، وكيف أن المرء مهما كان رأيه فى العرف الذى ألفه الخلق، ومبلغ استقلاله واعتداده بنفسه، لا يسعه على هذا إلا النزول على حكم الجماعة فى كثير من العادات. وما الذى يصون القانون؟ أهو قوة الحكومة أم الرأى العام أى قوة العادة والعرف؟ والقانون نفسه ماذا هو إن لم يكن رأى الجماعة فى صورة أوامر ونواه؟ والأنظمة الديمقراطية أليست مظهر ا من مظاهر نزوع الجماعة إلى مقاومة الفرد الذى تحدثه نفسه بتسييرها كما يشاء؟ وتأمل كيف كانوا فى الأزمنة السالفة يحرقون أهل الابتداع ويحتشدون حولهم اَلافًا مؤلفة وهم يشتوون! لا شك فى أن الجهل له دخل كبير فى هذا ولكن ذلك لا يحيل المسألة عن أصلها.
•••

وأرى نورداو قد تابع القدماء وحاكاهم فى اعتبار الحاجة أمَّ كل اختراع، والضرورة مبعث الفكر ومدعاة الجد.. وقديما صورها اليونانيون أم الحظوظ وزوجة «دميورجاس» — صائغ العالم ومكيفه — وأم القدر كذلك، وجعلوا سلطانها الأعلى، وسطوتها التى لا ترد ولا تدفع وجعلوا بأسها فوق بأس الآلهة أنفسهم، وعزوا إليها حروب العمالقة التى دارت أرحاؤها بينهم فى قديم الزمان قبل أن يلى «الحب» حكم العالم. ومثلوا الأرض تدور حول مغزلها الذى فى حجرها. وكان المصريون القدماء يعدونها أحد أرباب أربعة يحضرون مولد كل ادمى، والثلاثة الاَخرون هم الروح الحارس والحظ وإيروس — وكان للضرورة أو الحاجة فى قلعة كورنثة معبد يشاطرها «العنف» إياه، ولا يؤذن لأحد أن يلجه. وقد وصفها هوراس فى إحدى قصائده بأنها «رائد الحظ ورفيقه» وأنها تحمل فى كفها النحاسية مسامير هائلة ورصاصًا مصهورًا، رمزًا لقوة الشكيمة والثبات.
وإنها لكذلك إلى حد لا سبيل إلى المبالغة فى بعد مداه، ولكن من الإغراق فى رأينا أن نزعمها أصل كل اختراع، وسبب كل اكتشاف، وسر كل فكر، ووحى كل عمل. ولا شك فى أن الإنسان أحس الحاجة إلى ما يقيه الحر والبرد فاتخذ الثياب، واضطر إلى المساكن فبناها وأراد التحصن والوقاية فشادها طبقات وأحاطها بالأسوار. واحتاج إلى ما يعجز الحيوان عن الفرار ويقعده عن الكر على مطاردته فاخترع السهام واستعمالها ضد خصومه وعداته. ولا ريب كذلك فى أن الحاجات الجوهرية التى تُعين ضعف الإنسان على مقاومة الطبيعة، أو تجعل الاحتفاظ بالنفس أسهل، أتت الإنسان بدافع من الضرورة. ولكن من الغلو أو من السهو أن نضع القدماء فى مواضعنا وأن نتصور أن حاجاتهم هى عين ما نحس الآن من الحاجات. وأن نقيس حياتهم على حياتنا. فالنار مثلًا لا غنى بالإنسان عنها والحياة بدونها لا ندرى كيف تدوم. وعلى أنها جوهرية فى حياتنا لا نظن أن الحاجة هى التى أغرت الإنسان القديم بالتماسها والتفكير فيها حتى اهتدى إليها. نعم إنه كان لا بد له من نشدان الدفء بشكل من الأشكال — بالثياب والمساكن والعدو والوثب، والحركة على إِلعموم، ولكن اهتداءه إلى قدح النار كان محض اتفاق لا عمد فيه، وإن كان بعد أن عرف ذلك رقاه وهذب طرقه. وهو ما يمكن أن يقال حتى عن المساكن والثياب. وكان الإنسان يأكل اللحم نيئًا كالحيوان ولا نحسبه شعر بإلحاح الحاجة إلى الشىّ فشوى طعامه وطهاه. بل جاءه ذلك وما هو إليه اتفاقًا. وتأمل فى عقب هذا، الاختراعات والاكتشافات الحديثة التى يفتح بعضها بعضًا، والتى يكون من المبالغة ولا شك أن نزعم الإنسان حتى فى حاضره الحافل تلج فيه الحاجة إلى نشدانها.
على أنه ينبغى أن نميز بين حاجة الجماهير وحاجة الأفراد الممتازين الذين لا يجتزئون بالواقع ولا يقنعون بالحاضر والذين تسبق عقولهم ومطالب نفوسهم، عصورهم. هؤلاء هم أول من يشعر بالنقص وبضغط الضرورة وثقل وطأة الحاجة، وهم الذين ينبهون الجماهير إلى ذلك ويشعرونها بما يعوزهم، ولا يزالون بها حتى يتنبه فى نفوسها مثلُ إحساسهم فتطلب ما يطلبون. وقد مرت بالأمم عصور ركود كثيرة انقطع فيها مدد العظماء والممتازين فبقيت الجماهير حيث خلفها اَخرُهم، ولبثت على هذه الحالة الشبيهية بالجمود حتى تداركها الله. وقلما ينجح أول ممتاز يظهر كل النجاح، وحسبه من الفوز أن يقطع حجرًا أو اثنين من جبل هذا الجمود، ثم يأتى بعده من يواصل عمله ويتقدم خطوة أو خطوات أخرى فى التمهيد وفى زحزحة كتلة الإنسانية وفتح عيونها المغمضة، أو المفتوحة كالمغمضة، وفى تنبيه مشاعرها وإذكاء نار الحياة فيها. وهكذا حتى تتهيأ الفرصة للمجدود من الممتازين فيلفى كل شىء حاضرًا مهيأ لظهوره. ولو أنه كان فى وسع الجماعة المؤلفة من الأوساط أن تستغنى بحظها من الصفات الإنسانية الأساسية، وأن يضطرها عدم وجود الممتازين إلى استخدام ما لها من مواهب، وإنضاج ما رزقت من قدرة وملكات، لما بدت فى التاريخ هذه الفترات، فترات الركود والكلال والجزر، التى تطول أحيانًا عدة قرون حتى تتاج قوة دافعة ممن يظهرون بعد ذلك من الممتازين والنوابغ والعظماء. على أن باب التخريج والتفسير هنا واسع، ومجال الجدل الكلامى رحيب، وهو يمتد إلى غير غاية.. ولكن الذى لا يسعنا أن نؤمن به هو أن الحاجة وحدها هى أصل كل رقى، وأن العظماء ليسوا قوة دافعة تلقى البرحَ والعنت من نزعة الجماهير إلى الاحتفاظ بالقديم، وأن الإنسان كالنبات يمكن أن يُفسر قسرًا.. والمثل الذى ضربه نورداو خلاب، ولكن عيبه عيب غيره من الأمثال المنقولة من دائرة إلى أخرى، ولا يخفى أن الحيوان والنبات مختلفان، وإن اشتركا فى صفة الحياة وفى كثير من مظاهرها.
ويرى القارئ من النبذ التى أوردناها من كلام نورداو أن له «متناقضات»! فبينما هو ينفى مقاومة الجماهير إذا به فى موضع اخر من الكتاب عينه يعترف بهذه المقاومة وتعللها ويذكر نفعها، وكأنا به يغتر بقدرته على نصر الموقف الذى يقفه، ويسحره بيانه وتفتنه خلابة منطقه وقوة حجته، فيمضى إلى أبعد من المدى، ويسوقه تيار علمه ومقدرته إلى حيت ينأى عن موقفه قبل صفحات. ولعله بعدُ معذور، فإن وجوه النظر كثيرة وللحياة أكثر من صفحة واحدة.

الفصل الثامن
التصوف فى الأدب


عمر الخيام — أمن المتصوفة — ترجمة رباعياته
نريد «بالتصوف» ما يطلقون عليه فى بلاد الغرب كلمة «مستيسزم»، وهى كلمة من أشق الأمور أن يعالج المرء تعريفها على وجه الدقة، إذ كانت تدل على حالة من حالات الفكر، أو الإحساس، تبدو مقرونة بمحاولة العقل الإنسانى أن يتغلغل إلى حقائق الأشياء وأن يستجلى صفاتها الربانية، أو الاستمتاع بنعمة الوصول إلى الذات العلية والاتصال بها والتسرب فيها، ومن هنا ظهر التصوف فى الفلسفة والأدب، وفى الدين كذلك.
وهذه النزعة عريقة فى العقل الإنسانى، وليست بالشاذة ولا النادرة. ولكن الناس ليسوا سواء فى قوة الذهن وقدرته على توضيح ما يعرض له وجلائه، ولا فى صلابة الإرادة التى تعين على مواصلة الالتفات. والمرء إذا لم يرزق القوة والإرادة استراح إلى الأحلام، واستسهل أن يطلق لخياله العنان، إذ كان هذا أقل كلفة وأيسر مئونة، وكان لا يتقاضى المرء من الجهد ما تتقاضاه الملاحة والوزن.. على أن المرء لا يكاد يكون له خيار فى ذلك، فإذا عدم الإرادة التى تؤتيه القدرة على الالتفات استهدف للأخطاء، وغاص فى لجج من الخرافات، واعتل رأيه فى الصلات الكائنة بين الظواهر المجتلاة، وفسد حكمه على الوجود وصفات الأشياء وعلاقتها، ولم يستطع وعيه أن يأخذ إلا صورة مشوهة غامضة للعالم الخارجى، وضعف تمييزه، واختلط الحابل بالنابل فى خواطر ذهنه — إذا صح هذا التعبير — وماج بالمختلف والمؤتلف منها، وبالواضح والمستبهم، وعالت الخواطر — بحكم اتصالها — بلا كابح، وراحت تظهر أو تختفى من تلقاء نفسها ومن غير أن يكون للإرادة عمل ما فى تقويته! أو نفيها، واستدعى احتفاظُ الوعى بجمهرتها فى وقت معًا أن تتكون من خليطها فكرة مضطربة غير صادقة فى تصوير العلاقات بين الظواهر. وقد ضرب نورداو فى هذا الصدد مثلًا لذهن الرجل الضعيف قال: «كل من حاول فى ليلة مظلمة أن يستجلى ظاهرة بعيدة يستطيع أن يحضر لنفسه الصورة التى يرسمها عالم الفكر لذهن الرجل الضعيف. انظر ثم! كتلة مظلمة! أى شىء هى؟ شجرة؟ كوم من الدريس؟ لص؟ حيوان مفترس؟ أينبغى أن أفر؟ أم يجب أن أحمل عليه؟ ويعود العجز عن استبانة الشىء — الذى يحرزه ولا يراه — مدعاة لإشاعة الخوف والقلق فى نفسه. وهذه هى الحالة التى يكون عليها عقل الرجل الضعيف تلقاء ما يأخذه وعيه، فيروح يعتقد أنه يرى مائة شىء فى وقت معًا، ويصل ما بين الصور التى يخيل له أنه يتبينها وبين الخاطر الذى كان مثارها.. على أنه يحس مع ذلك أن هذه العلاقة لا مفهومة ولا معللة، ولكنه مع هذا يؤلف من أشتاتت ما فى ذهنه، فكرة تناقض كل تجربة ولكنه مضطر إلى أن ينزلها من الصواب منزلة غيرها من آرائه وخواطره إذ كانت كلها قد نشأت على هذا النحو. وهذه الحالة الذهنية التى يحاول المرء معها أن يرى، ويحسب أنه يرى وهو لا يرى، ويضطر إلى أن يؤلف فكرة من خواطر تضلله وتسخر من وعيه، وتخيل له أنه يدرك علاقات مستسرة بين الظواهر الواضحة والظلال الغامضة الملتاثة — هذه هى الحالة العقلية التى تسمى التصوف».
فهى حالة مرجعها إلى ضعف الإرادة ضعفًا تمتنع معه القدرة على «الالتفات» أى مواصلة الملاحظة والتمييز.. ولكن هناك نوعًا اخر من التصوف لم يفت نورداو أن يلتفت إليه، وقد عزاه بحق إلى الاضطراب فى حساسية الذهن والجهاز العصبى، وهو اضطراب يُنتج التصوف العملى ويفضى إلى الهذيان والغيبوبة حين يبلغ من عنف حركة الجزء المهتاج من الذهن أن يتعطل عمل سائره. ويعود المرء وهو لا يحس ما حوله لاستغراق خاطر واحد أو طائفة من الخواطر للوعى كله وتمتزج الغبطة والألم. ولا شأن لنا بهذا الضرب من التصوف.
وقد لا نخطئ كثيرًا إذا قلنا إن التصوف فى بلاد الشرق متفرع من فلسفاتها السائدة، وإنه عبارة عن الإحساس الدينى فى حيثما ظهر، ولكنه فى الهند غيره فى فارس مثلًا. وذلك أن البرهمية التى تقول بتأليه الكون ووحدته، والبوذية التى تذهب إلى العدمية — كلاهما ينكر حقيقة العالم الظاهر وتدعو إلى التسرب فى الغاية العليا، وكلاهما يعصف بالإحساس بقيمة الشخصية الإنسانية. وقد علل الأستاذ أندرو برنجل باتيسون شيوع التصوف فى الهند بطبيعة الإقليم وما يغرى به المناخ من التسليم والفتور، وبأن فرط الخصب فى حياتى النبات والحيوان هناك يبلد الإحساس بقيمة الحياة.
أما الصوفية الفارسية فأقل حدة، وهى ألطف وأرق، والصيغة الأدبية فيها أعم. والمطلع على تاريخ الأدب الفارسى يجده بعد القرن التاسع مشبعًا بروح البانثيزم (وحدة الكون وتأليهه).. ولكن الإدراك الصوفى لوحدة الأشياء وألوهيتها يزيد ويضاعف التذاذ الجمال الطبيعى والإنسانى ولا يفتره أو يصرف عنه. وهذا ملحوظ فى شعر حافظ والسعدى وغيرهما ممن كثر فى شعرهم التغنى بالخمر والغزل تغنيًا خرَّجه المفسرون تخريجًا اَخر وأولوه بغير المستفاد من لفظه فزعموا ما فيه من ذكر لذاذات الحب رمزًا لغبطة الاتصال بالذات العلية، وادعوا أن الخمارة اسم مستعار للمعبد وأن نشوة الخمر هى ذهول الحس. ولا شك فى أن لهؤلاء الشعراء قصائد بعث عليها الإحساس الدينى فى أول الأمر، وهذه تغلب عليها البانثيزم، وتحس فيها حرارة الرغبة فى خلاص الروح واتصاله بالله. ولعل هذه الحالة التى تعتريهم أحيانًا وتغريهم بعدّ الطبيعة والجمال ومتع الأرض عبثًا وباطلًا — رد فعل للإغراق فى التماس اللذاذات وإفراط فى إرضاء الجسم، أو لعلها الجانب الاَخر للصورة.
ومن شعراء الفرس الذين ذاع صيتهم وسار ذكرهم فى الشرق والغرب عمر الخيام. وقد حاول بعض النقاد أن يزج به فى زمرة المتصوفة من شعراء الفرس وأن ينفى عنه ما يدل عليه ظاهر ألفاظه، وأن يخرِّج كلامه على نحو ما أسلفنا، وأن يدفع عنه تهمة الأبيقورية جهلًا كما سترى. ولكن الواقع، كما قال مترجمه إلى الإنجليزية فتزجرالد، أن عمر لم يكن أبغض إلى أحد منه إلى متصوفة عصره الذين كان يسخر منهم ويركبهم بالدعابة والتهكم «وأنه لما عجز أن يهتدى إلى شىء سوى القدر أو دنيا غير هذه — بالغًا ما بلغ خطؤه فى ذلك — قنع بحظه المقسوم له، واَثر أن يرفه عن نفسه من طريق الحواس على أن يرهق نفسه باستجلاء الغوامض».
على أنه كانت له موهبة تنأى به عن التصوف، ذلك أنه كان رياضيا! بارعًا. ومما يذكر له فى هذا الباب تنقيحه التقويم السنوى تنقيحًا أظهر فيه من الحذق والأستاذية ما أطلق لسان جيبون المؤرخ الإنجليزى بالثناء عليه. وله كذلك طائفة من الجداول الفلكية ومؤلف فى علم الجبر بالعربية. والذهن الرياضى مجاله وعمله ضبط الحدود والحصر، وتعليق النتائج بأسبابها، والمعلول بعلته، وهو عمل يتطلب من الدقة والعناية والترتيب والتبويب ما لا يطيقه أو يقوى عليه ذهن المتصوف. ومن العجيب أن فتزجرالد لم يفطن إلى دلالة هذا ولا خطر له أن يسوق هذه الحجة فيما ساقه لتبرئة الخيام من التصوف.
وأمامى — وأنا أكتب هذه السطور — «خيامان»: الخيام الذى صوره لنا فتزجرالد فى مائة وأربع وعشرين رباعية أفاض عليها من روحه هو، والخيام الذى يرسمه الأستاذ أحمد حامد الصراف مترجمه من الفارسية إلى العربية نثرًا، فى مائة وثلاث وخمسين رباعية أكثرها لا تجده فى فتزجرالد، والشاعر أحمد رامى مترجمه عن الفارسية شعرًا، والقليل المشترك مختلف حتى ليتردد المرء فى الجزم بأن هذه الرباعية هنا هى تلك هناك. وإذا كانت ترجمتا الأستاذ الصراف والشاعر رامى دقيقتين — وتظهر أنهما كذلك، فما نعرف الفارسية — فيخيل إلينا أن فتزجرالد عمد إلى الرباعيات المتشابهة فصاغ منها واحدة استغنى بها عن الترديد والتكرار. مثال ذلك، أن الخيام — فى ترجمة الأستاذ الصراف — يكرر فى عدة رباعيات الدعوة إلى قلة الاكتراث ليومين: اليوم الذى مضى، واليوم الذى لم يأت، فيقول مثلًا فى رباعية: «ذهبت أيام العمر القليلة كالماء فى الوادى، أو الريح فى البيداء.. أنا لا أغتم ليومين من الأيام، اليوم الذى لم يأت واليوم الذى مضى».
وفى أخرى يقول: «الا تذكر اليوم الذى مضى، ولا تجزع من غد لم يأت بعد — طب نفسًا ولا تنغص عيشك».
فيجىء فتزجرالد، ويعجن هاتين الرباعيتين بما هو شائع فى أكثر الرباعيات، ويخرج من هذا المزيج رباعية يقول فيها:?هات لى الكأس فما يجدى الفطنكيف يطوى تحت رجليه الزمنقد قضى الأمس، ولم يولد غدفكفانا اليوم، فاليوم حسنAh, fill the cup: what boots it to repeatHow time is slipping underneath our feetUnborn tomorrow and dead yesterdayWhy fret about them if today be sweet! ويظهر أن فتزجرالد راقه قول الخيام إن أيام العمر القليلة ذهبت كالماء فى الوادى أو الريح فى البيداء، ورأى هذا المعنى مكررًا فى بعض ما ينسب إلى الخيام — وهو كثير — فنظم فيه رباعية تحرى فيها أن يصدر عن روح الخيام، فقال:
كم بذرنا حكمة العقل سواءوتعهدت بكفى النماء?وتأمل: ها حصادى كله:جئت كالماء، وأمضى كالهواء!With them the seed of wisdom did I sow.And with my own hand labour’d it to grow!And this was all the harvest that I reap’d“I came like water, and like wind I go”. ومن أمثلة تصرفه الحسن أنه نقل قول الخيام: «سمعت هاتفًا فى السحر من حانتنا يقول: إيه يا أخا الشراب المفتون، قم لنملأ الكأس بالخمر قبل أن يملئوا كأسنا».
وقد نظمها رامى فى هذه الرباعية:
سمعت صوتًا هاتفًا فى السحرنادى من الحان: غفاة البشرهبوا، املئوا كأس الطلى قبل أنتفعم كأس العمر كف القدر فنقحها وجعلها هكذا:
بينما أحلم، والفجر رطيب،طرق السمع من الحان، مهيب?«كأسكم! من قبل أن تؤذنكمكأس محياكم بمحتوم النضوب»Dreaming when dawn’s left hand was in the skyI heard a voice within the tavern cry“Awake, my little ones, and fill the cupBefore life’s liquor in its cup be dry” ولا شك فى أن نضوب الحياة أشبه بمعنى الموت من امتلاء كأسها.
ومن أمثلة هذا التصرف المعقول المحمود أن الخيام يقول: «نحن ألاعيب أطفال، والفلك هو اللاعب بنا، ذلك أمر حقيقى غير مجازى، لقد لعبنا مدة فى ساحة الوجود ثم ذهبنا إلى صندوق العدم واحدًا بعد واحد».
وترجمها رامى هكذا:
وإنما نحن رخاخ القضاءينقلنا فى اللوح أنى يشاءوكل من يفرغ من دورهيلقى به فى مستقر الفناء فتناولها فتزجرالد، وزاد التشبيه وضوحًا فجعله هكذا:
هذه رقعة شطرنج القضاءولها لونان: صبح ومساء?ننقل الخطو بها كيف يشاءثم تطوتنا صناديق الفناءTis all a chequer—board of nights and daysWhere destiny with men for pieces playsHither and thither moves, and mates, and slaysAnd one by one back in the closet lays ولا شك فى أن المعنى فى رباعية فتزجرالد، أتم وأشد منه فى الترجمة الحرفية النثرية لرباعية الخيام، وأوضح منه فى رباعية رامى، والتشبيه مستوفى من جميع نواحيه، وهو فوق ذلك أجمل وأبرع، وإن كان عيبه أننا لا ندرى أى ثان للقضاء أمام هذه الرقعة؟ أم ترى القضاء عنده عابث يلاعب نفسه؟
ومن أمثلة التصرف الشديد أن للخيام هذه الرباعية: «كأس، وخمر، وساق فى روضة، خير من الجنة التى وعدتها. لا تسمع من أحد حديث الجنة والنار — من ذا ذهب إلى الجحيم؟ ومن ذا جاء من الجنة؟».
ويظهر أن هناك رباعية أخرى تشبهها فى الفارسية، فقد وجدنا بين ما اختاره الشاعر رامى هذه الرباعية:
زجاجة الخمر ونصف الرغيفوما حوى ديوان شعر طريفأحب لى إن كنت لى مؤنسافى بلقع من كل ملك منيف ورباعية فتزجرالد صنو رباعية رامى إلا أنها أكثر اتزانًا:
وبحسبى تحت أفنان رطابزق خمر ورغيف وكتاب?وتغنين، فيرتد اليبابمثل همى، من فراديس رغابHere wtth a loaf of breead beneath the bough.A flask of wine, a book of verse and thouBeside me singing in the wilderness.And wilderness is paradise enow. والرغيف كنصف الرغيف فى الدلالة على الكفاف، وليس وجوده كاملًا بالترف حتى يكون تنصفه رقة حال.. وتخيل المرء أن القفر انقلب شبيهًا بما تشتهيه النفس من نعم الجنة والعيشة الراضية، أقرب إلى طبيعة الإنسان وأشبه بروحه من أن يذهب يفضل اجتماع هذه الثلاثة على الملك المنيف والعيش الرغيد. وقد اكتفى فتزجرالد بتصوير ما ينشده الشاعر الخيام — كما فهمه هو — فى حياته، زق خمر يسرى به عن نفسه فتخرس ألسنة الهواتف التى لا تفتأ تذكره بالحياة والموت والقضاء والقدر. ورغيف يرمز به إلى الصناعة ويدل به على أنه ليس مبطانا همه المعدة وما تكظ به. وديوان شعر أو كتاب فى ذكره إشارة كافية إلى حياته العقلية والنفسية وإلى أن القائل — وهو شاعر — ليس مجرد حيوان.. واحتفظ فتزجرالد بالساقية، أو المؤنسة، ولكنه تلطف وارتقى بها ولم يذكر صفتها، وجعلها أشبه بالحبيبة تغنيه.. والموسيقى غذاء الروح، وهى صنو الشعر ومن معدنه، ثم آثر الاعتدال فى التعبير فقال: إذا اجتمع هذا صارت البيداء (كأنها) الفردوس المشتهى.
وهناك رباعية قوية ترجمها كل من فتزجرالد ورامى، ولم نعثر عليها فى ترجمة الأستاذ الصراف. أما رامى فصاغها هكذا:
لن يرجع المقدار فيما حكموحملك الهم يزيد الألمولو حزنت العمر لن ينمحىما خطه فى اللوح مر القلم أما فتزجرالد، فتناولها من اَخرها ليزيد المعنى بروزًا وتأكيدًا وليقويه فهو، يقول:
أبدًا يسطر، ما شاء، القلمثم يمضى — نافذ الحكم أصم!?ليس يمحو نصف سطر ورعلا ولا يغسله دمع سجم!The moving finger writes. And having writ.Moves on: nor all thy piety nor witShal lure it banck to cancle half a lineNor all thy tears wash out a word of it والابتداء هكذا أروع فى تصوير القدر: فالقلم يخط فى اللوح، فإذا خط مضى شأنه ونفذ الحكم ولم يُجْد فى رد القضاء لا ورع ولا بكاء!
وثم رباعيات لم نجدها فى ترجمة الصراف ورامى وإن كانت قوية، وهى هذه كما نظمها فتزجرالد:
كُرَة تذهب فى كل اتجاهما لها إلا الذى شاء الرماه?إن من ألقاك فى ميدانههو يدرى — هو يدرى — لا سواهThe ball no question makes of ayes and noes.But right or left as strikes the players goes.And he that toss’d thee down into the field,He knows about it all—he knows—he knows! يعنى الإنسان — لا رأى له فى حياته ولا إرادة.
ثم هذه الصرخة الخارجة من أعماق القلب:
إيه أمهلنى بصحراء البيودأتذوق سر ينبوع الوجود!أفل النجم — مضى الركب إلىفجر «لاشىء» — فعجل يامجود! أى يا ظماَن.
One moment in annihilation’s waste,One moment, of the well of life taste— The stars are setting and the caravan.Star for the dawn of nothing—oh, make haste! فماذا هو هذا الخيام؟ ما الصورة النفسية التى تخلص لنا من رباعياته هذه وأمثالها؟
الخيام الذى يصوره فتزجرالد فيما اختار من رباعياته، شاعر، لا يرتقى إلى الطبقة الأولى ولا يقاربها، ولكنه شاعر له نظره وروحه وإلهامه. أما فى الترجمتين العربيتين عن الفارسية، فهو يقصر عن ذلك ولا يرتفع إلى مستواه.. فهو مثلًا ينهض إذا انبثق الفجر ليسكر، أو كما يقول الشاعر رامى:
شقت يد الفجر ستار الظلامفانهض وناولنى صبوح المدامفكم تحيينا له طلعةونحن لا نملك رد السلام ولكن فتزجرالد يهمل هذا الصبوح ويضرب عن ذكر الخمر كراهة منه لاستقبال الشاعر جمال الفجر وهو مخمور. وللخمر فى كل رباعية مما ترجم فتزجرالد علتها المفهومة الراجعة فى مرد أمرها إلى أسلوب تفكير الشاعر.. فهو يشرب لأن الحياة وشيكة الزوال، وكأس العمر ككأس الشراب ما أسرع ما تنضب: ولأن المقام فى هذه الدنيا قليل، والذاهب لا يرجع، أو لأن الشراب ينعش النفس ويشعرها بهجة الربيع ويطرح عن العاتق ثوب الندامة الشتوى الذى يقوس الظهر ويحنى القناة، أو لأن الخمر تزور له الحياة وتحلى مرارتها وتخفف وقعها، وتخيل إليه نشوتها أنه متمتع بما تشتهيه نفسه وما هو محروم منه، أو لأنها تبدو له أحيانًا كالنقد، وهو خير من نسيئة الخلد، أو لأنها تجلو الصدر من الأسف على ما مضى أو الخوف مما هو آت، وتوقيه التفكير فى الغد، وما الغد؟ قد يلحقه الغد بالأمس الذى ينطوى فيه سبعة اَلاف سنة، أو لأنه يريد أن يغتنم فرصة هذه الحياة أو ما بقى منها قبل أن يصبح ترابًا فى تراب.. فهو يضع الحياة أمام الموت فيعصر قليه قصر الأجل، وتهوله رقدة الموت الأبدية فيصيح:
إيه دعنى أغتنم هذا المدىقبل أن يطوى ترابى فى الثرى?حيث لا خمر ولا شدو، ولاقينة، كلا! وما من منتهى!Ah, make the most of what we yet may spend,Before we too into the dust descend,Dust into dust, and under dust, to lie,Sans wine sans sing, sans singer, and—sans end! أو لأنه اقتنع بعبث الجدل لبحث يعد بحب أن يعنى نفسه بمعاودة هذا العبث:
خضت فى عهدى غمار الجدلوسمعت الشيخ يتلوه الولى?غير أنى كنت ألفى أبدًا!مخرجى — بعدعنائى — مدخلى!My self when young did eagerly frequentDoctor and saint, and heard great argumentAbout it and about: but ever moreCame out by the same door as in I went أو لأنه يريد أن يغرق فى الكاسات ذكرى فضول التساؤل: من أين جىء به؟ وإلى أين به؟ ولأن التفكير لم يفتح له الباب الذى عالجه ولم يرفع الستر الذى حاول أن يبارحه، أو لأنه، يئس من قدرة عقله المحدود أو فهمه الكفيف عن استكناه سر الحياة، فهو يصبح:
صحت — حيران — بأجواز السماء«أى نبراس به يهدى القضاء?صِبْيَة تعثر فى هذى الدجى»؟فأجابتنى «بمكفوف الذكاء؟»Then to the rolling heav’n itself I cried,Asking “what lamp had destiny to guide”“Her little children stumbling in the dark?”And “a blind understanding!” heav’n replied. ولهذا عاذ بالكأس:
عذت بالكأس، لعلّى بفمىاستقى سر الحياة الأعظم?فأسرت شفة الكأس «ارتشف!ما لميت رجعة من عدم!»Then to this earthen bowl did I adjournMy lip the secret well of life to learn:And lip to lip it murmur’d—“while you liveDrink!—for once dead you never shall return” ولا خير بعد ذلك فى تساؤل أو تفكير، ولماذا يطيل عناءه ويعذب نفسه بالجدل والمحاولة؟ أليس الأولى به أن يسكر ويطرب؟ أليس هذا خيرًا من أن يخرج بالكآبة والأسى وبلا محصول، أو بالمر من الثمر؟ ولهذا طلق العقل وباعد ما بينه وبين التفكير والبحث:
يا أخلاى لقد كنتم شهودىحين دار القصف فى عرسى الجديد?طلق العقل عقيمًا وغدتبنت هذا الكرم زوجى وعقيدىYou know, my friends how long since in my houseFor a new marriage I did make karouse:Discovered old barren reason from my bed,And took the doughter of the vine to spouse, وإذا كان النبيذ الذى تشربه، والشفة التى تلثمها يصيران إلى «اللاشىء» الذى هو نهاية كل شىء — فما عليك ما دمت حيّا إلا أن تتصور أنك ما أنت صائر إليه — لا شىء — فلن تكون أقل من ذلك.
وإذا كان قد انتهى إلى اليأس فهو لا يرى خيرًا فى أن ترفع بصرك إلى السماء مبتهلًا، ملتمسًا المعونة، فإن السماء مثلك لا حول لها ولا قوة، ولا هى تملك من أمرها إلا كما تملك أنت.
فهو يشرب الخمر، لا لأنه عربيد مستهتر، أو بليد كثيف مغلق النفس، بل لأنه، عالج لغز الحياة فأعياه وأضناه، وحرقه، وأرقه، وأطار صوابه.. واحتياجه للخمر فى رباعيات فتزجرالد اعتذار على الحقيقة، ينطوى على إدراك صحيح لقيمة هذه التعلة وأنها ليست أكثر من مسكن يخدر الحس ويفتر الشعور وينيم العقل وتقلب نسب الأشياء أو يضعف مايجده المرء من وقعها.
وليس كذلك شرب الخيام للخمر فيما ترجم الصاحبان: الصراف نثرًا، ورامى شعرًا — عن الفارسية، فهو هنا سكير «عاقر الكأس فى مجلس الحبيب ليلًا» كما يقول صديقنا رامى فى مقدمته: «فى ضوء القمر، وسحرًا عند طلوع الفجر، ومساء عند غروب الشمس على نغم الناى والرباب فى الربيع، على شفا الوادى وعلى ضفاف الغدير بين الزهر المفتر والجو العبق.. فإذا ذكر حرمانه من الخمر بعد الموت طلب أن يغتسل بها، وأن يقد نعشه من كرمها حتى إذا بلى جسمه تمنى لو تصاغ منه الدنان والأقداح.. فإذا خاف ألسنة السوء قال: لا تهتم بالناقدين. أرض نفسك قبل أن ترضى الناس. لا تظهر التقى واسخر من المتزهدين واعلم أنه ليس فى العالم إنسان كامل. وقد أحب من الخمر حتى طعمها المر ولونها الصافى، وأحب كأسها الشفافة ودنها الملاَن. وكان يجد السعادة فى مجلس الشراب بين الصاحب والنديم».
ويخيل إليك وأنت تقرأ رباعياته المترجمة إلى العربية عن الفارسية كأن الخيام «كأولاد البلد» أبناء الجيل الماضى فى مصر، ممن كان همهم أن يحيوا الليل بالشراب والطرب والأنس، فإذا تنفس الصبح عادوا بمخادعهم وأسدلوا الأستار وحجبوا الضوء وألقوا رؤوسهم على الوسائد وناموا. ولا تعدم من هؤلاء أيضًا فلسفة، فقد تسمع منهم قولهم إن العمر قصير، وإن المنايا راصدة، وإن العصفور فى اليد خير من ألف عصفور على الشجرة، وبعد رأسى لا كانت الدنيا.. إلى اخر هذه الكلمات التى تخطر بكل بال وتكاد تجرى على كل لسان، والتى هى من الشيوع والابتذال بحيث لا تستحق تكريم الارتفاع بها إلى مستوى النظرات فى الحياة.
فهو يقول مثلًا فيما ترجم رامى:
أين النديم السمح؟ أين الصبوح؟فقد أمض الهم قلبى الجريحثلاثة من أحب المنىخمر وأنغام ووجه صبيح أو يقول:
طبعى التناسى بالوجوه الحسانوديدنى شرب عتاق الدنانفاجمع شتات الحظ وانعم بهامن قبل أن تطويك كف الزمان أو يقول:
لا تشغل البال بماضى الزمانولا بآتى العيش قبل الأوانواغنم من الحاضر لذاتهفليس فى طبع الليالى الأمان أو يقول:
الخمر فى الكأس خيال ظريفوهى بجوف الدن روح لطيفأبعد ثقيل الظل عن مجلسى!فإنما للخمر ظل خفيف أو يقول:
مذ أبدع الكون العليم السميعلم ير مثل الخمر، شىء بديععجبت للخمار، هل يشترىبماله أحسن مما يبيع أو يقول:
أنا الذى عشت صريع العقارفى مجلس تحييه كأس تدارفعد عن نصحى، لقد أصبحتهذى الطلى كل المنى والخيار إلخ …
فهل ترى أن معانى هذه الرباعيات ترتفع عن طبقة المواويل والموشحات التى كانت تغنى فى ليالى «الضمم» فى الجيل الماضى؟ وهل ترى الخيام فيها إلا «ابن بلد» قح من ذلك الطراز الذى عفى عليه العصر الحاضر؟ وهل ذكر الأيام والفناء والأقدار هنا وفى أمثال هذه الرباعيات يشعرك لفح الحرارة التى تحسها من رباعيات فتزجرالد، وألم الجنون من عجز الشاعر عن حل الألغاز التى يعالجها وفك المعميات التى يعانيها وكشف الأسرار التى يغوص عليها؟
والخيام فى رباعيات الصاحبين، سكير ظريف، وأنيس حصيف، وجليس خفيف، وذكر الموت على لسانه معسول لا يفزع، والكلام على القضاء والقدر لا تحس أنه يدور على غير اللسان.. ولكن الأمر فى رباعيات فتزجرالد غير ذلك، والحال على خلافه.. هناك الخمر ملجأ من مخوف الهواجس ومرعب الخواطر، وحمى من الجنون الذى أحسه وهو يواجه عالم الفناء اللانهائى، أو «اللاشىء» الذى هو ماَل الأحياء فيما هداه تفكيره، ولسخره لذعة تحس أنت أنه هو أحسها، ولعبثه المتكلف كى أليم، وهو يضعك أمام ما انتهى إليه من الحقائق المرة.. ولعل فضل فتزجرالد أنه أضاف إلى الخيام روح الاتزان فتعادلت المرارة والتهكم، وتكافأ الهم والاستخفاف ونضح على كآبة النفس ماء الورد، وأطلق إلى جانب الفزع ضحكة، ليعتدل الميزان.
ونقول بإيجاز إن الخمر فى رباعيات الصاحبين هى الأصل، ولكنها فى رباعيات فتزجرالد هى النوط الذى يعلق عليه الشاعر آراءه. ولعل الخيام لم يكن كذلك، ولكنه هكذا أحلى وأشعر، ولا ذنب للشاعر رامى ولا للأستاذ الصراف، وإنما الذنب للأصل، وهما خليقان بالشكر على أمانتهما، غير أنا نستأذنهما فى أن نقول إننا نؤثر تصرف فتزجرالد.
•••

كلا! ليس الخيام أبيقوريا ولا شبهه، وعلى أن الناس كثيرا ما يركبهم الخطأ والوهم فى أمر «أبيقور» أيضًا، فلعل هذه المقابلة الوجيزة التى سنجربها بين الرجلين تكشف عن الحقيقة. ويعنينا هنا منها على وجه أخص عقيدتهما ومذهبهما الأخلاقى. لا ينكر أبيقور ما دان له الناس فى عصره من الأرباب، لكنه ينكر تدخل الاَلهة، ويقول إنها لا تحمل على عاتقها عبء هذه الدنيا، ولا تكلف نفسها حكمها وتسيير أمورها، وإنها (أى الآلهة) ليست إلا ما ينتجه نظام الطبيعة، أى إنها ليست سوى نوع راق من الإنسانية لا تتحكم فى الإنسان، ولا هى خلقت الدنيا ولا وكلت بحفظها وتسيير أمورها.. وهذا عند أبيقور لا يستوجب أن يكف الإنسان عن عبادتها غير أن هذه العبادة إن هى إلا إجلال للمثل العليا للنعيم التام، ولا ينبغى ألّا يكون الباعث عليها لا الأمل ولا الخوف، والخيام يذهب إلى عكس ذلك ونقيضه ويقول إن القلم سطر على اللوح كل شىء وإن الأقدار صاغت اخر إنسان من أول طينة للأرض وبذرت فى مبدأ الخليقة اَخر ما يحصد فى هذه الدنيا، وكتبت فى أول صبح للوجود ما سوف يقرؤه اخر فجر «للحساب» ولا حيلة لأحد فى تغيير كلمة واحدة مما جرى به القلم.
أبدًا يسطر ما شاء القلم!ثم يمضى — نافذ الحكم أصمليس يمحو نصف سطر، ورعلا ولا يغسله دمع سجم ويرفض أبيقور نظرية القضاء المحتوم الذى لا مهرب منه، ويأبى أن يعتنق مذهب القائلين بأن لهذا العالم نظامًا مقدرًا لا يتغير ولا يسع الإنسان إلا امتثاله والإذعان له، وهو فى هذا يخالف «زينون» الذى يدين بالقضاء والقدر. ولا يقف أبيقور عند هذا الحد، بل يتعداه إلى رفض الاضطرار فى دائرة العمل الإنسانى، وإلى القول باستقلال البشر عن الآلهة، واستطاعة الإنسان — كالآلهة — أن يقف بمنجاة من المؤثرات الخارجية، وأن «يعيش إلهًا بين البشر».
والخيام يقول بالقضاء والقدر، ويذهب إلى أن أساس الكون ومحور نظامه هو الاضطرار والجبر، وأن القدر أزلى والقضاء أعمى، وأننا اَلات بأكف الأقدار تحركنا كما تشاء أو رخاخ فى رقعة شطرنجها.
وليس لنا من إرادة ولا فى وسعنا أن نستقل أو يكون لنا رأى فى حياتنا. إنما نحن كرة يلعب بنا من ألقانا فى الميدان.
على أنهما اتفقا على شىء، وهو أن الإنسان إذا مات فنى وانقضى أمره، وأنه ليس له حياة غير هذه، ومن هنا لا يخاف أبيقور أهوال الآخرة ولا يرجو ثوابها.
ويقول الخيام:
عذت بالكأس لعلى بفمىأستقى سر الحياة الأعظمفأسرت شفة الكأس «ارتشف!ما لميت رجعة من عدم!» ولا شك فى أن مذهب أبيقور مناقض للعلم، وعلة الخطأ فيه أنه لم يستطع أن يهتدى إلى انتظام الارتباط بين الظواهر الكونية ارتباطًا يجعل كل واحدة منها رهنا بما عداها، ولا يجعل فى الوسع أن يفصل المرء إحداها عن سائرها وأن يفهمها على حدة.
أما فلسفة أبيقور الأخلاقية فضرب ملطف من الهيدونزم أى القول بأن السعادة هى الخير فى الحياة، وهى نتيجة منطقية لعقيدته، بيد أنه لم يدع قط إلى الشهوانية البحتة الصريحة، وإنما فعل ذلك أتباعه فيما بعد حتى صارت الأبيقورية والشهوانية الإباحية مترادفتين، وليست اللذة عنده ما يقتنصه المرء من متع الساعة الحاضرة بل هى أقرب إلى أن تكون عادة من عادات الفكر تلازم المرء طول حياته، وحالة سلبية لا إيجابية ولا فعالة، أو إذا شئت فقل إنها أشبه بالسكون والاطمئنان منها بالاستمتاع، ومحك الاستمتاع عند أبيقور هو زوال كل دواعى الألم وتحرر الجسم منه واستراحة العقل من التعب، فكأن السعادة عند أبيقور لذة جليلة رزينة — راحة القلب، وخلوّ البال، وانتفاء الآلام الجسمية والعقلية.
وأين من هذا الخيام؟! إنه رجل لا يستقر على حال من القلق والتبرم ومن التساؤل والتفكير، لا البحث يهديه ولا الكأس تسليه ولا الكتاب والرغيف وزق الخمر، وغير ذلك مما ذكر فى شعره، بمؤتيه راحة النفس وفراغ الفؤاد وانتفاء الاَلام. ولقد صار الموت عنده خاطرًا مخامرًا ينغص عليه كل لذة ويكدر له صفو كل نعيم. والفزع من الموت هو أساس تفكيره والذى تقوم عليه كل نظراته. ومن ذا الذى يقرأ له هذه الصرخة الخارجة من أعماق قلبه ويخطر له بعدها أنه استشعر الراحة لحظة واحدة؟!
إيه أمهلنى بصحراء البيودأتذوق سر ينبوع الوجود!أفل النجم — مضى الركب إلىفجر «لاشىء» — فعجل يا مجود? نعم قد يمزح فى بعض شعره ويتهكم بالعقل ويقول:
يا أخلاى لقد كنتم شهودىحين دار القصف فى عرسى الجديدطلق العقل عقيمًا وغدتبنت هذا الكرم زوجى وعقيدى ولكنه تهكم الموجع الذى آلمه ألّا يهتدى إلى شىء وألّا يحل لغزًا واحدًا، وسخرية البائس الذى لا يرى إلا رحى دائرة على الناس بإلإرداء، وضحك الساخط على عجزه عن تخليص رجليه من شباك الأقدار وعن لمح بارقة واحدة تجلو له بعض ما خبأه الغد، ومزح الآسف لاضطراره إلى أن يرتد إلى اليوم الزائل حتى ليتمنى أن يقف على سر نظام هذا الكون ليمزقه ثم يعود فيصبه فى قالب أدنى إلى رغبة قلبه وهوى نفسه!
وعلى طالب السعادة الأبيقورية أن يروض نفسه على توخى الحكمة واستهداء الحزم فى الموازنة بين اللذات والاَلام المقدرة، وأن يتلمس طريق الاستمتاع وأن يخطو فيه بحذر.. ومن هنا كان الحزم هو رائد السعادة الذى لا يكذب، وهو لهذا عند أبيقور أسمى الصفات وأساس الفضائل، بل هو كما يقول: «قوة أنفس من الفلسفة». ولا بد منه فى التماس الملاذ وفى تحرى نظام للحياة يكون أداة للسعادة. ومع أن الإحساس عنده هو واسطة التمييز بين الخير والشر إلا أنه يخضع للعقل ويدع له الفصل فى قيم اللذات بغية الفوز بهدوء النفس والجسم وراحة العقل.
والعقل عند الخيام لا يغنى عن الإنسان شيئًا لأنه كفيف أعمى:
صحت — حيران — بأجواز السماء«أى نبراس به يهدى القضاءصِبْيَة تعثر فى هذى الدجى»؟فأجابتنى «بمكفوف الذكاء!» وأحسب الناس لما عجزوا عن إثبات استهتاكه على كثرة ذكره للخمر ومحاسن التفرد والخلوة بقمره «الذى لا يعرف الأفول» كثرة ليس أدل منها على وحشة صدره والامه، ذهبوا يزعمونه صوفيّا وينفون أن الخمرة التى يذكرها «من عصير الكرم، وأن ساقيه من اللحم والدم».. واستشهدوا بكلام له يقول فيه: إنه يعاقر الخمر لعله يرشف من شفتها سر ينبوع الحياة وإنه يلمح بارقة من سنا الحق فى ألحانه يخطئ مثلها فى المعبد المظلم. ولا شبهة فى أن نشأته وكثرة غشيانه مجالس الفقهاء والصوفية، وتعلقه فى صدر أيامه بالجدل الذى كان فاشيا فى عصره — كل ذلك مضافًا إلى استعداده الفطرى — ترك فى نفسه أثرًا من التصوف مظهره نزوعه فى شعره إلى البحث فى إحساسه الدينى.. غير أنه على هذا استطاع أن يخرج سليم العقل موفور الصواب، وأن يفطن إلى عبث الكلاميات. وقد أشار إلى ذلك فى كثير من رباعياته منها:
خضت فى عهدى غمار الجدلوسمعت الشيخ يتلوه الولىغير أنى كنت ألفى أبدًامخرجى — بعد عنائى — مدخلى •••

كم بذرنا حكمة العقل سواءوتعهدت بكفى النماءوتأمل: ها حصادى كله:جئت كالماء وأمضى كالهواء! فهو فى الحقيقة رجل حر الفكر لا يزال يحتج فى شعره على تحجر العقول وضيقها وعلى تشدد المتعنتين من أهل عصره، وعلى شذوذ الصوفية وهذيانهم. وإذا استعمل شيئًا من عباراتهم فإنما يتخذها أداة للنيل من التصوف الذى ضيع فيه خير شطرى عمره، والذى لم يستطع أن يعيش مع ذلك بريئًا منه.
غير أنه مع هذا رجل متشائم يئوس أعياه البحث فنكص وفر من الميدان ولم يشعر بأن عليه مهمة فى هذه الحياة، ورسالة يؤديها إلى أبناء الدنيا. ولو أنه أحس شيئًا من هذا لأغراه ذلك بالبقاء فى الميدان كغيره من المتشائمين الذين يشبههم من بعض الوجوه مثل بيرون وشوبنهور.
? قد ترجمنا نحن رباعيات فتزجرالد Fitzgerald وراعينا فى ترجمتها الدقة بقدر ما وسعنا وأثبتنا الأصل إلى جانبها — المازنى.? من ترجمتنا نحن، عن فتزجرالد.? المجود الظمآن.
الفصل التاسع
كروبوتكين


حياة ضخمة
قل من الناس هنا من يعرف شيئا — قل أوكثر — عن البرنس كروبوتكين العالم الاشتراكى الروسى الذى جاءت الأنباء بأنه توفى بمدينة موسكو بالغًا من العمر ثمانيًا وسبعين سنة، وإن كانت شهرته قد طبقت الخافقين واَثاره قد سارت فى العالمين. على أن خبر وفاته يفتقر إلى التأييد لا سيما بعد أن نفته موسكو. وليست هذه بأول مرة خفقت فيها أسلاك البرق بنعيه. فإن صح أنه حى يرزق وأنسأ الله فى أجله حتى يصل إليه تأبينه وما جرت به أقلام الكتاب فى الإشادة بذكره وإكبار أمره، فليكونن فى ذلك مسلاة له فى اَخر أيامه وفكاهة يتعلل بها فيما بقى من عمره. لولا أن مما قد يعكر عليه صفو هذه الفكاهة أن أكثر مادحيه ينظمون له عقودالثناء لاحبّا فيه بل كراهة منه لقرينه لينين!
ولا نحب أن نكون من المتعجلين حتى فى هذه!! فلندع ترجمته إلى حينها ولنسق من حوادث حياته ومما لقيه من الناس ما له دلالة فى ذاته. فقد كانت حافلة بالتجارب المضنية التى ليس أقسى من امتحانها للصبر وعجمها للنفس والجسم جميعًا، ولقد ذهب بخير شطريها السجن، واستبد بالشطر الثانى النفى، ولكنه مع هذا لم يعرف عنه أنه شكا وتوجع أو بكى وتفجع.. وكان يدهش الناس بمراحه وانبساطه وإيمانه بفوز الحق فى روسيا وسواها آخر الأمر. فهو من النوع الحقيق بالحياة الكفء لأهوالها ومن طراز «بروميثيوس» — وطيد ركيز، لا يضعضعه عنت الأزمان ولا يزيده إلا رسوخ إيمان — ومن الطبقة التى تؤثر بمتانة الشخصية وبروزها أكثر مما تؤثر باثارها العقلية.
والرجل ممن ضحوا بكل شىء فى مصارعته ظلم القيصرية. والروسيون أول من يقدرون له جهاده ويذكرون له بلاءه ويجازونه إحسانًا بإحسان.. حتى لينين نفسه — وهو خصمه فى الرأى وعدوه فى المذهب وإن جمعهما الخروج على النظام القديم — نقول حتى لينين نفسه عنى بتوفير أسباب الراحة للرجل فى شيخوخته. روى المستر «ميكين» وكان مراسل الديلى نيوز فى الروسيا منذ عهد قريب أن حكومة السوفيت همت أن تسلب كروبوتكين بقرة له طبقًا لأمرها ألّا يكون لأحد شىء من الماشية إلا الزراع فأمر لينين ألا يمسها أحد فبقيت له وما كان أنفعها له وأحوجه إليها. ولم يقتصر لينين على ذلك، بل رتب له جراية خاصة أكبر مما يسمح به لغيره من الناس ليعينه على استرداد العافية والاحتفاظ بالصحة المتداعية. ولكن كروبوتكين أبى له طبعه المستقل القوى أن يُميَّز عن سواه من جمهور الأمة وقال: لا اَخذ شيئًا لا سبيل لروسى عادى إليه. وظل فى شيخوخته المريضة يعانى ما يتجشمه السواد الأعظم من أبناء بلاده، وكان إذا غالبته الهموم اوى إلى مكتبته وتناساها فى أعماله الأدبية. ثم إن ذخيرته من الزيت والشمع نفدت فكان يقضى الساعات الطويلة السوداء فى ليالى الشتاء جالسًا لايعمل شيئًا ولايجد حتى من يحدثه.. ولما جاء الربيع وتيسر استخدام الكهـرباء إلى حد محدود، سمع بعض العمال بما يقاسيه فى ظلام الليل فحمل سلكًا إلى منزله وجهزه بمصباح. وكان قلما يخرج، فإذا فعل حياه الناس ولا طفوه وأعربوا له عن إجلالهم له وحبهم إياه بوسائل شتى فيرتبك ويحس بحيرة شديد ودهشة كبيرة.
ولم يكن كروبوتكين غنيّا وإن كان من بيوت الشرف العريقة فى الروسيا ولكن بيته فى إنجلترا مع ذلك كان يفتح يوم الأحد لكل اللاجئين الهاربين مثله من سطوة الظلم القيصرى. وروى الرواة الثقات أنه كان قلما يصبح يوم الاثنين وفى بيته شىء يطعم لأنه كان يشاطر الناس كل شىء على أنه مع هذا كان يأبى أن يعيش على حساب الغير، وكان يستطع فى بعض الأحوال أن يعود إلى موطنه ويسترد أملاكه ولكنه رفض كل شىء والى ألّا يعيش إلا بكده وكسب يده، حتى إنه لما كان يصدر فى سويسرا صحيفة «الثورة» وثقلت عليه وطأة النفقات، تعلم صناعة الطباعة وجعل يصف الحروف بيديه ليقتصد ويتمكن من المثابرة.
وكان قوى البنيه ولكن السجن هده، وسمع بعض أصدقائه فى إنجلترا بأنه أصيب بمرض فى القلب وكانوا يعلمون رقة حاله وتحامله على نفسه وإرهاقها بالعمل فرجوه أن يقصد إلى مكان حسن الجو فى إنجلترا أو غيرها وجمعوا له من المعجبين به مبلغًا كبيرًا وطلب إليه أحدهم — شارلس روللى — أن ينزل عنده ضيفًا ليتيسر له إذا شاء أن يتمم كتابه الذى كان قد بدأه فى «التعاون» بعد نشر كتابه فى «التعاون بين الحيوانات» وكان غرضه منه إثبات القانون الطبيعى الذى أشار إليه داروين، وهو أن التعاون من أكبر العوامل فى البقاء كالتنازع أو التنافس. فلم يستطع كروبوتكين أن يقبل إعانتهم إياه ورد المال كله ولم يسمح لهم حتى باستبقائه لزوجه وابنتهما « ساشا».
وقد حذق كروبوتكين أكثر لغات أوربا وسأله بعضهم مرة بأيها يفكر؟ فكان رده أن هذا يتوقف على الموضوع الذى يفكر فيه وأنه يفكر بالألمانية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو الروسية حسب مبلغ بحت أهلها للموضوع.
ومع أنه مقيم فى الروسيا منذ سنة ???? فقد انتقد النظام البلشفى الذى يعيش فى ظله بأصرح عبارة وتنبأ للجمهورية الشيوعية القائمة على استبداد حزب واحد بالفشل والإخفاق ولم يزل إلى آخر أيامه — إذا كانت قد انتهت — متقد النفس وثابها وإن كان هرم الجسم ولم تضعف مواهبه ومداركه. وسيظل معروفا فى تاريخ المذاهب الحديثة بأنه مؤسس «الشيوعية الفوضية». ولا ينبغى أن يخطئ القارئ فيتوهمه من القائلين بالعنف فإنه إنما كان يرمى بدعوته إلى حمل من بيدهم الأمر وسياسة الجماهير على تغيير اَرائهم وتطهير قلوبهم. ومن منا — كما يقول — يبلغ من حكمته وطيب نفسه أن يحق له إرغام غيره؟ ولقد عانى هو وأمثاله من غباء السلطة وضلالها وعمايتها ما زهده فى أساليبها العنيفة وأغراء بوسائل المسالمة. فعنده أن تجديد نظام الاجتماع وصلاحه يستلزم: أولا: تحرير المنتج من نير الرأسماليين لكى يتأتى الإنتاج المشترك والتمتع الحر.
ثانيًا: التحرر من نير حكومة موطدة حتى يتيسر للأفراد أن يتحدوا ويصيروا طوائف منتظمة انتظامًا حرّا متدرجا مترقيًا من حالة البساطة إلى حالة التعقد حسب حاجاتها.
ثالثًا: التحرر من نظام الأخلاق الكنيسى والاعتياض منه الأخلاق الحرة التى تدعو إليها حياة المجتمع نفسه.
ومن رأيه أن إحساس التضامن والتماسك خليق أن يعيّن أعمال الناس ويجددها، وينبغى أن يترك لكل امرئ حق العمل كما يتراءى له وأن يبطل حتى المجتمع فى عقاب الرجل من أجل عمل اجتماعى «إن جمهور الإنسانية — على نسبة التهذيب ومبلغ التحرر من القيود — سيعمل دائمًا بطريقة نافعة للمجتمع».
وأعظم قانون اجتماعى يدين به كروبوتكين هو قانون «التعاون المتبادل».. وقد كتب أشهر مؤلفاته «التعاون» لشرح هذا القانون والدفاع عنه ضد من ينحو نحو سبنسر، وخلاصته أن قانون التعاون أهم فى نشوء الاجتماع وترقيته من قانون تنازع البقاء.
وظاهر من موجز ما أوردناه من مذهبه أنه نتيجة رد فعل لإغراق النظام القيصرى فى إرهاق الروسيين وتقييدهم بكل أنواع الأغلال وتحميلهم جميع أنواع الظلم والعنت.. وواضح كذلك أن كروبوتكين من الثوريين الكمالين أو الفوضيين السلميين الذين يحلمون بجعل الأرض فردوسًا من طوائف القرى والمدن الحرة المتعاونة وأن يحلوا ذلك محل النظام الأوتوقراطى القيصرى. ولقد راعته ثورة سنة ???? وهزته وفتحت عينيه على الحقائق الأرضية.. غير أنه مع هذا كف عن كل معارضة لحكومة السوفيت وإن كان كما أسلفنا قد استنكر منها «مركزة» القوة السياسية والصناعية وأنحى بأعنف العبارات وأمرِّها على تدابير القمح التى رأت حكومة السوفيت أنها ضرورية للدفاع عن الثورة.

الفصل العاشر
الجمال فى نظر المرأة


اتفق لى فى ليلة من ليالى العيد أن سمعت واحدًا من مشاهير القراء يتلو سورة يوسف عليه السلام بصوت فيه من العمل ومن المجاهدة فى مغالبة فعل الشيخوخة وتعويض ما فاته بتغير روح العصر، ومن التصابى المرذول، ما أملّنى وصدع رأسى، وإن كان جمهور الناس من حولى يصرخون طربًا وهو يجاريهم ويقارضهم صياحًا بصياح، ويكثر لهم مما بدا له أنهم محبوه من النغمات ومؤثروه من التواءات الأصوات. والسرادق كأنه جوف بركان من فرط الجلبة بعد كل آية حتى تلا هذه الآيات: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ? قَالَ مَعَاذَ اللهِ ? إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ? إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ? وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى? بُرْهَانَ رَبِّهِ ? كَذَ?لِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ? إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ? قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ? وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى? قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ? إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـ?ذَا ? وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ? إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ * وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ? قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ? إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ? فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَـ?ذَا بَشَرًا إِنْ هَـ?ذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَ?لِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ? وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ? وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ? وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
يوسف: ??–?? فكأنى ما كنت قرأت هذا ولا سمعته من قبل ونسيت تنغيص القارئ وثقله، وذهلت عن ضوضاء الجمهور، وانطلقت أفكر فى أمر يوسف وما لعله كان له من رواء ساحر وحسن باهر، وذكرت هذه الصورة الملونة التى تباع له فى الطرقات ويقتنيها العامة وأشباه العامة والتى جملها رساموها ما استطاعوا. وقلت لنفسى إنى أعلم كما يعلم غيرى أن هذه السورة أحب إلى النساء واثر عندهن من سواها من الكتاب الحكيم. ولكنى مع ذلك وعلى الرغم من المأثور عن جمال يوسف عليه السلام لو كنت مصورًا لخالفت أصحابنا الرسامين الذين أشرت إليهم ولم أجعله كما جعلوه شبيهًا فى حسنه بالمرأة. بل لكنت أتخيل له من معانى الجمال ما أظن أن المرأة بفطرتها أصبى إليه وأكلف به، لا ما ألفنا أن نعجب به نحن معاشر الرجال. وإذا كان هذا يحتاج إلى إيضاح فقد خطر لى أن أقول فيه كلمة أجعلها موضوع هذا الفصل.
يستغرب كثير من الناس رأى المرأة فى الجمال وما يبدو أحيانًا من شذوذها فى ذلك عما ألفه الرجال شذوذا لا مجال للشك فيه ويحيلون أكثر ما يلاحظونه من هذا على الزيغ فى الفطرة أو السقم فى الذوق أو نقص التهذيب أوغير هذا وذاك مما يرجع إلى نشأة المرأة والأوساط التى عاشت فى ظلها.. ولا ريب فى أن لهذا تأثيره إلى حد ما. ولكن هذا لا يحل المعضلة. وما أسهل أن ننفض الأكف من كل مسألة بأن نحيل على اختلاف الأذواق والفطر صحة وسقمًا. إذن لما بقى شىء يحتاج إلى نظر وتفكير!
ولو أن المرأة كان لها مثل حظ الرجل من القوة والعقل والقدرة على التفكير والتقصى والترتيب لعرفنا من رأيها فى الجمال مثل ما عرفنا من رأى الرجل ولأراحنا ذلك من إجهاد النفس للإلمام بوجهة نظرها التى لم تكشف لنا عنها. ولكن طبيعة الحياة شاءت غير ذلك إلى الآن. وأبت أن تجعل الرجل والمرأة سواء. وحسبنا من الفرق ما بينهما من الاختلاف فى تكوين الجسم وما لا بد أن ينتج عن هذا التكوين المختلف من الاستعدادات والكفاءات المتنوعة. ومهما قيل عن تساوى المرأة والرجل، وعلى كثرة ما يلهج به البعض من أنهما لا فرق بينهما وأن الواجب أن يكون للمرأة مثل حقوق الرجل — نقول إن بينهما على الرغم من ذلك وسواه تباينًا جوهريّا. فليس للرجل أثداء تدر اللبن ولا ما يحول الغذاء إلى لبن يرضعه الطفل ويتغذى به، وهو لا يحمل الأجنة فى جوفه ولا فى جوفه مكان معد لذلك.
وكفى بهذا اختلافا كبيرًا يحيلهما مخلوقين ويجعلهما جنسين ونحن لم نأت من وجوه الاختلاف فى التكوين إلا على بعضها وإلا على ما يحتمل المقام ذكره منها. وليس يعجز القارئ أن يتصور النوعين وأن يمضى فى المقابلة إلى نهايتها.
وقد شاءت الطبيعة أن يكون الرجل أكثر تمثيلًا فى حياته للفردية منه للنوعية، فكتبت عليه — أو على الأصح استوجبت قوته منه — أن يتولى هو مكافحة الطبيعة بما فيها من قوى وكائنات من جنسه وغير جنسه وأن يتكفل بالسعى. والسعى يعرض للأخطار فلا مندوحة له عن الاحتيال لدفعها بالقوة إذا تهيأ له ذلك وبالمكر والتدبير وحسن التصرف وما إلى ذلك إذا خانته مُنته. ولمّا لم تكن الحياة لقمة سائغة فقد احتاج إلى مغالبة الصعاب ومعالجة تذليلها. وهو فى كل خطوة يخطوها يصادف ما ينبه غريزة حفظ الذات أو صيانة النفس. ومن أجل هذا صارت هذه الغريزة أقوى وأنضج وأسرع تنبهًا وأكثر عملًا، لأن حياته تجعل أعماله متصلة بها أكثرَّ من اتصالها بغريزة حفظ النوع. وهو لذلك أحس بها وأسرع تأثرًا من ناحيتها. ومن هنا كانت الأنانية فى الرجل أظهر وأقوى. والعامة يلاحظون ذلك ويفطنون إليه ويذهبون فيما وضعوه من أمثالهم إلى أن الأم أحنى على طفلها من أبيه. وقد ترى الرجل يداعب طفله برهة أو ساعة، ولكنك قل أن تجد رجلًا يقوى على ما تقوى عليه المرأة من ملازمة الطفل، والمثابرة على مداعبته، والصبر على التحدث إليه، ومن توهم فهم ما لعله يرتسم على صفحة وجهه من الحركات، أو يند عنه من الأصوات، واحتمال ذلك وما هو أشق منه ساعة بعد أخرى ويومًا بعد يوم وشهرًا تلو شهر وحولًا عقب حول.
ولاحظ غير ذلك: أى الاثنين أصلح للتمريض؟ المرأة بلا نزاع! ذلك لأن المرض يرد المرء إلى مثل عجز الطفولة وحاجتها، وما عسى صبر الرجل على الطفولة وما يضاهيها؟ والمرأة أقسى من الرجل وأغلظ كبدًا منه على رأى «فيننجر» — وإلا لما احتملت أوجاع المرضى على نحو ما ترى وفر الرجل منها. أو هى تستغرقها الغريزة النوعية بكل ما تنطوى عليه، وتلك حكمة من الله بالغة. ولولا ذلك لما استطاعت المرأة أن تقوم بوظيفتها الجنسية وما ينطوى تحتها من المشاق التى لا قبل للرجل بها. ولا شك فى أن بقاء النوع رهن بالمرأة على الاكثر وهى فى ذلك مثال التضحية التامة. وحسبك دليلًا ما تتعرض له من أخطار الحمل والوضع. وهى على علمها بهذا الخطر الحيوى وفزعها منه، واستهوالها له، لو خيرت لاختارت أن تستهدف له. وهى فيماعدا ذلك ليس عليها أن تجاهد جهاد الرجل ولا أن تعالج ما يعالجه من الكفاح والتدبير ودرء الأخطار وتذليل المصاعب. ولهذا كانت المرأة أسرع تأثرًا على العموم بكل ما له علاقة بالجنس والأمومة، لأن وظيفتها دائرة على محورهما، وهى لفرط إحساسها بالأمومة تحب كل رقيق لطيف — أى ما هو كالأطفال بالقياس إلى الكبار — وتعانقه وتقبله ولو كان جمادًا لا يجيب ولا يحس لا العناق ولا التقبيل ولا يجازى لثمًا بلثم. وإذ كانت الغريزة النوعية فيها أكثر عملًا وأقوى فعلا فهى أحس بالجمال من الرجل وإن كانت أضيق فهما له.
ولكن ما هو الجمال؟ هو — كما عرفه بعضهم وأصاب — الإحساس بما يهيج فى الذهن مركز التوليد من طريق مباشر أو غير مباشر أو بواسطة تسلسل الخواطر. ولما كان بين الرجل والمرأة كل هذا الاختلاف فى التكوين الجثمانى، وفى الوظيفة التى يؤديها كل منهم! فى الحياة، وفيما يترتب على اختلاف الوظائف من إرباء النضوج فى بعض الغرائز على النضوج فى البعض الآخر، فمن المعقول أن يؤدى ذلك إلى الاختلاف فى النظر إلى الجمال، وأن يكون الرجل الجميل فى نظر المرأة هو الذى تتوافر فيه الصفات التى تحس بفطرتها أنها أكفل من سواها بحفظ النوع وأعونُ على ذلك — شعرت بهذا أم لم تشعر — وليس من الضرورى حينئذ أن يكون الرجل وسيمًا قسيمًا فى نظر الرجال وأن يرزق من الملاحة وغضاضة البزة وحسن الرواء ما يطلبه الرجل فى المرأة ويسبيه منها.
هذا هو الأصل والذى درجت عليه الطبيعة. معانى الجمال عند الرجل غير معانيه عند المرأة. ولكن المرأة مع ذلك طرأ على رأيها شىء من التحوير، وأصاب إحساسها مقدار من التنقيح، واستطاعت على مر الأيام أن تكون قريبة من الرجل من حيث رأيه فى الجمال. وعسى من يسأل: وكيف كان هذا وما علته؟ وجوابنا: أن الرجل أقوى من المرأة ومن أجل ذلك وسعه أن يوحى إليها ويبث فى نفسها رأيه وإحساسه شأن الأقوياء مع الضعفاء، ولا يخفى أن للإيحاء أثرًا لا يستهان به فى كل آراثنا وعواطقنا وأعمالنا. وأكثر الناس مدين بعضهم لبعض بسبب هذا الإيحاء. والقوى يستطيع أن ينقل آراءه وإحساساته ونزعاته إلى الضعيف، وأن يتغلب على مقاومته، ويثنى عزمه، ويُلين من جانبه، وينسق له ما يختلط فى ذهنه وتضطرب به نفسه على النحو الذى يريده تبعًا لمقدار قوته ومبلغ إربائها على ضعف صاحبه.
ولعل معترضًا يقول: إذا كانت المرأة من الضعف بالقياس إلى الرجل بالمنزلة التى تصفها، وبحيت يتمكن الرجل من الإيحاء إليها ومن قسرها على مشايعته، فبأى شىء تعلل كون الرجل يعود ألعوبة فى يد المرأة التى يحبها، ويروح وهو أطوع لها من بنانها؟ فنقول: إنه لاشك فى أن الرجل هو الأقوى وإنه كذلك بطبيعة تكوينه، وتبعًا لما يزاوله من الكفاح ويألفه من المقاومة والتدبير مما هو ضرورى لحياته. ولا نعنى بالقوة الجسدى منها وإنما نريدها على الإطلاق، فقد يكون المرء ضعيفًا ويكون مع ذلك أقدر على التدبير والاحتيال وحسن التصرف وعلى تفادى الأخطار، ويبلغ بدهائه وعقله ما لا يبلغ سواه بمتانة الأسر وتوثق العضلات. وليس بصحح أن كل رجل تغلبه المرأة التى يحبها على أمره، ولكن هب هذا هكذا، فأى غرابة فيه؟ وما وجه العجب فى أن تتضاءل قوة الرجل أمام قوة إرادة الحياة التى تسخر المرأة لبقاء النوع وللاحتفاظ بمزايا الجنس؟ أليست المرأة المحبوبة تجمع فى شخصها كل ما يروق الرجل من المعانى الجنسية؟ أليست هى أقرب مثال مجسد لما يتصوره خياله من هذه المعانى؟ فهو — كما قال صديقنا العقاد ونحن نتكلم فى هذا — لا يواجه امرأة بل يقف أمام ممثلة لجنسها جامعة فى شخصها لكل ما فى هذا الجنس من قوة ولكل ما لغريزة حفظ النوع من سلطان على النفوس.
ولكن هذا الضرب من الاستسلام ضعف على كل حال، ودليل على نقص الرجولة. نفهمه ونعللهُ ولكنا لا نستطيع أن تحترمهُ، لأن فيه إلقاء لسلاح الدفاع عن النفس. وليس من الاحتفاظ بالذات وصون النفس فى شىء أن يسلم المرء نفسه إلى مخلوق اخريبيت رهن إشارته. وإذا كان هذا دليلًا على شىء، فهو دليل على أن الغريزة الجنسية قد طغت بغريزة حفظ الذات وغلبتها، وأن مقدار الأنوثة فى الرجل أربى على مقدار الرجولة فيه — فعاد أشبه بالمرأة وإن كان له شكل الرجال.
•••

ولو كنت مصورًا وبدا لى أن أثبت على اللوح صورة الرجل الجميل فى نظر المرأة، لآثرت أن أرجع إلى الأصل فى نشوء فكرة الجمال عند المرأة، وأن أثبت فى وجه الرجل ما يناسب إحساس المرأة بالغريزة النوعية، وما تبحث عنه بفطرتها الذكية من الصفات التى تتطلبها هذه الغريزة. وهذا لا يمنع أن أجعل له نصيبًا من الحسن كما هو ممثل فى خواطر الرجال. بل إن الواجب أن يكون له حظ من ذلك، لأن الذكور على العموم فى كل حيوان أجمل من الإنإت على عكس الشائع عند الناس — أو نحن معاشر الرجال نزعم ذلك ونستخلصه من المقارنات التى نجريها — ولكنى على كل حال ما كنت لأجعل له محيا امرأة كاللواتى نحس أنهن فتنة العين ومنى النفس!

الفصل الحادي عشر
الرجل والمرأة فى الهيئة الاجتماعية


حول رواية غادة الكاميليا (خلاصة الرواية — بحث فى موضوعها — الممثلون)
الكاميليا زهرة نضيرة بيضاء أو حمراء أو شتى الأصباغ، منبتها الشرق، ومنه نقلت إلى الغرب.. والرواية التى نحن بصددها الآن من تأليف إسكندر دوماس الصغير، ولعله بها أشهر من الكبير، وقد أطلق عليها هذا الاسم لأن مرجريت التى تدور على حياتها الرواية تحبها ولا تكاد تبدو إلا بها. وهذه أول رواية كبيرة تمثلها فرقة يوسف وهبى على مسرحها.. وموضوعها غاية فى البساطة وحسن السبك: فتاة من بنات الهوى المترفات اسمها مرجريت (روزا اليوسف) يحبها أرمان (يوسف وهبى) من أبناء الشرفاء، وتجازيه هى حبّا بحب وإخلاصًا بإخلاص، وتغضى عن ضيق ذات يده بالقياس إلى خطاب ودها من مثل دى فارفيل (إستيفان روستى) والكونت دى جيرى (حسن فايق) وتذهب معه إلى ضاحية تقضى معه فيها شطرًا سعيدًا من حياتها التى ينغصها السُّلال. وكلما احتاجت إلى مال باعت مما تملك من حلى أو خيل أو غير ذلك مما يتعلق به هوى أمثالها من زينات الحياة ومتع الغرور.. وحبيبها جاهل ما تصنع، حتى إذا علم هم بالتصرف فيما ورث عن أمه وكر إلى باريس لإتمام ذلك تاركًا إياها مع عذراء من صديقاتها هى نيشت (فاطمة رشدى) وخطيبها جستاف (مختار عثمان).
وكان والد أرمان (عزيز عيد) يعلم هذه العلاقة الغرامية ويتسخطها، فذهب إلى مرجريت وصادقها فى فترة غياب أرمان وانتهرها لتوهمه أنها تحتلبه، فكاشفته بالحقيقة التى كتمتها عن أرمان وأرته عقود بيع أثاثاتها وخيولها وما إلى ذلك، فأنس إليها بعد الاستيحاش، واطمأن إلى إخلاص وسمو عاطفتها، واتخذ ذلك ذريعة قاسية لحملها على التضحية بنفسها وبحبها فى سبيل ابنته التى ارتهن مستقبل زواجها ببتِّ ما بين أرمان ومرجريت من صلة، فقبلت على مضض ووعدت أن تكتم السر. وكتبت هى إلى أرمان رسالة قطيعة وعادت إلى باريس حيث عاودت حياتها الأولى، وإن كان أرمان أبدًا بالذكر والألم المر الفاجع بين العين والقلب.
ويلاقيها أرمان على أمل الوقوف على سر القطيعة فتأبى إلا وفاء بعهدها لأبيه، ورعيا لوعد الكتمان الذى بذلته، وتزعم أنها تحب فارفيل الذى صارت خليلته، فيهينها على مشهد من صواحبها وأصحابها، فتصيبها نوبة عصبية ويفدحها ما تحمل من إرهاق التضحية، وفى كلمة منجاتها لو شاءت.
وتثقل عليها وطأة السل فتلزم الفراش، وفى هذا الدور يكتب والد أرمان إليه بالحقيقة، وإلى مرجريت برسالة يعللها بها، فتتعزى بأخيلة الماضى وما تتوقع من حضور أرمان إليها. ويأبى القدر أن يوافيها حبيبها إلا فى اَخر أيام دنياها، ويأبى الفن على المؤلف إلا أن يجعل هذا يوم زفاف نيشت، وإلا أن تدعى مرجريت إلى الكنيسة لشهوده، وإلا أن تعتذر من التخلف بأنها ستموت قبل تمامه، وإلا أن تأتى العروس فى حلة زفافها ومعها بعلها السعيد بها إلى البيت الذى يوشك أن يقوم فيه المأتم. وإن مرجريت لتعلم أنها لا محالة قاضية نحبها فى يومها هذا.. ولكن رؤية حبيبها تنعشها وتشعرها دبيب الحياة التى عادت مطلوبة بعودة حبيبها والتى يغالبها القضاء المحتوم فتفيق ولكن إفاقة الموت، وتستحد قوة ولكن كلسان الشمعة يثب وقد أشرفت على الفناء ثم تهوى جثة هامدة بين ذراعيه.
هذه هى خلاصة الرواية التى وضعها دوماس الصغير فى عام ???? بعد أن صاغها قصة قبل ذلك بأربع سنوات وهى، كما يرى القارئ، دفاع عن المرأة زلت بها القدم وأبى المجتمع أن يغتفر لها زلتها. وأحسب المؤلف أراد أن يقول إنه ما من إنسان يكون كل ما فيه شرّا، وإنك قد تجد فى النفوس المنبوذة، لخروجها عن عرف الجماعة ومألوف أنظمتها، عناصر من الخير قد تخطئها فيمن يلتزمون هذا العرف والمألوف. وكأنا به أراد أن يقابل بين أثرة والد أرمان وإصراره — برغم إجلاله لعاطفة مرجريت واعتقاده فيها الشرف وسمو النفس وعلو الروح — على أن تضحى بنفسها من أجل ابنته، وبين ما استطاعته مرجريت وحملت نفسها على مكروهه من الإيثار والتضحية — نقول كأنا به تعمد هذه المقابلة ليحمل القراء أو السامعين المتفرجين على مشايعتهم إياه على رأيه ومجاراته فى مذهبه ومسايرتهم له إلى غرضه.
ولكن ما غرضه؟ إن كان كل نفس فيها من الخير والشر عناصر، ولها من الفضيلة والرذيلة حظوظ، وإن قبح المجتهر قد يكون دونه عفاف سر وحسن مختبر، فمن ذا الذى يجرؤ على المجادلة بالخلاف فى ذلك؟ من الذى يحسب أن النفس الإنسانية يمكن أن تكون كلها شرّا محضًا أو خيرًا محضًا؟ بل من ذا الذى يخطر له أن الشر يوجد صرفًا والخير يتجسد محضًا؟ بل نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ونتساءل: من من الناس لا يعلم أن الزواج فى صورته الحالية طارئ على المجتمع وأنه لم يكن موجودا فى العصور الأولى التى مرت بالإنسان — عصور الاستيحاش التى اجتازت دورها الجماعات البشرية قبل أن تنشأ هذه الأنظمة المدنية القاسية المعقدة؟
نعم الخير والشر صنوان يلزمإن معًا، ولا ينبت كل منهما على حدة. ولا شك فى أنهما كعود الزهر فيه الوردة المعطار والشوكة الواخزة. والثابت أن الزواج نظام طارئ حديث وإن كان قديم العهد، ولكن أليس له مظهر يقوم مقامه فى حياة الإنسان الأولى؟ فى عصور الهمجية الفطرية حين كان كل امرئ مرسلًا على سجيته، منطلقًا وفق غريزته، دون ما كابح من عرف منظم أو قانون مشترع؟ ونسأل قبل ذلك: ما هو الزواج؟ أليس هو طريقة لتنظيم علاقة الرجل بالمرأة وما يترتب على ذلك من النتائج المتعلقة بالنسل؟ أليست غايته تنظيم علاقة الحب خدمة للنوع؟ وليس هذا فيما نعلم بالجديد فى تاريخ الإنسانية. فأما الحب، فهو قوام غريزة حفظ النوع، وما هو بالطارئ ولا بالذى بعثت عليه حالة الاجتماع المنظمة الحديثة، وهو ينشأ فى حيثما يلتقى إنسانان من جنسين. لأنه الوسيلة التى تتخذها الحياة لبقاء مظهرها الإنسانى، أو بعبارة أخرى هو الأداة التى تستخدم لحفظ النوع، والحب من مميزاته — لا بل من لوازمه — الأثرة التى تتطلب الانفراد بالمحبوب وتتقاضاه الوفاء، وليس الوفاء فى الحقيقة إلا مظهرًا لشهوة الملك والاحتياز، وهى شهوة عريقة فى الإنسان، وما أكثر ما يضن المرء بالتافه من الأحراز والأملاك لا إكبارًا له ولا تعلقا به لنفاسة فيه، بل كراهة منه لأن يحوزه سواء؟
وقد يعيينا أن نتصور ما أحسه الإنسان الأول — إن كان قد أحس شيئًا — حين ألفى نفسه فى عالم لا يعلم من — أمره شيئًا ولا يفهم من ظواهره لا كثيرًا ولا قليلًا. على أنه لا شك فى أن الأجيال الإنسانية الأولى اكتنهت معنى ما يحيط بها من ظواهر الطبيعة والحياة شيئًا فشيئًا، وأن أعينهم كانت تتعقب الدائرة الوضاءة بين طرفى السماء، وأنهم لاحظوا النار والنور اللذين يأتيان من حيت لا يعلمون وسمعوا جلجلة الرعد وأصداءه فى مخارم الجبال، وشهدوا اتفاق ذلك وما تحدثه العاصفة من التخريب، وإن إحساساتهم وحاجاتهم كثرت وتضاعفت وتنوعت وألحت عليهم ولجت بهم، فاندفعوا فى طريق العمل والتفكير، وساعفتهم الغريزة، واضطرهم لفح الشمس إلى الاستذراء بالشجر وتوشيج أغصانه، وخافوا فعل البرد فاكتسوا جلود الحيوان.. ولما لم تكفهم الغيران والكهوف الطبيعية، ولا وفت بحاجاتهم، صنعوا لأنفسهم ملاجئ فى أحضان الجبال، والتمسوا النور وبغوا النار وشحذوا الحجارة ليتخذوا منها أداة أو سلاحًا — وفقوا إلى ذلك وسواه على مر الأيام، وبالتدريج، لا طفرة واحدة. ولكنهم لم يتعلموا الحب بالتدريج، ولا عرفوا ما يثيره من الأثرة وطلب الانفراد دون سائر المخلوقات بسببه وباعثه على كر الحقب. بل لقنتهم الغريزة ذلك مذ وجدوا على ظهر الأرض كما أودعت غيرهم من المخلوقات ما يشبه ذلك وركبت طبائعها على الذود عن صغارها.
فاباؤنا الأولون كانوا يحتازون مثلما نحن نتزوج، ويأبون إلا الاستئثار كما نأباه، ويطلبون الوفاء الذى نطلبه، ويغارون غيرتنا ويدافعون عمن استأثروا بهن من النساء دفاعنا عن زوجاتنا، وليس من فرق على الحقيقة سوى هذا العقد الذى يكتب ويسجل وتنظم به علاقة الزوجية وما ينشأ عنها من النسل والميراث.
وعسى من يقول: ولكن الإنسان لا يأبى المشاركة فى الطعام فما باله يأباها فى الحب؟ فنقول: ليس الغرض من الطعام ما عسى أن يجده الآكل من اللذاذة المستفادة من نكهته ومذاقه، بل ما يؤدى إليه من الصحة ويكسب المرء من القوة التى يستعين بها على أداء مهمته فى الحياة. وليس له بعد ذلك غاية ولا ثم غرض آخر غير المساعدة على حفظ الذات. والقليل منه يكفى حتى إذا توافر الكثير. وقد تتغلب عاطفة التعاون على التنازع. ولعل المشاركة فى الطعام أشحذ أحيانًأ للشهوة، وأعون على إصابة القدر اللازم منه، وفى هذا ما يغرى بها، ويجعلها مرغوبة ومطلوبة. فالأنس المستفاد من اجتماع الأوداء، والغبطة التى يحدثها ذلك، وتنبيه المعدة وشحذها بهذه الطريقة، من العوامل المعقولة فى جعل المشاركة محبوبة أحيانًا، ولكن الإنسان مع ذلك أخلص لطبعه من أن يرضى هذه المشاركة فى كل حال. ولنفرض مثلًا أن الطعام قل أو حدث قحط لسبب من الأسباب وطغى الجوع بالناس: أتظن حينئذ أن المرء تطيب له هذه المشاركة؟ ألا يخطف المرء ويستأثر بما تصل إليه يده؟ ألا يقتل فى سبيل إشباع بطنه؟ نعم قد تكون النفوس أقوى من الجوع فيتغلب التعاطف على سورة السغب وجنونه.. ولكنا إنما نتكلم عن أوساط الناس لا القليلين النادرين من الشواذ الذين تسمو بهم نفوسهم وتحلق فوق جماهير الخلق.
ثم لماذا نرى الجود مما يمدح به الناس بصفة خاصة؟ قد لا يكون الجود مما يدور عليه الثناء فى العصور الحديثة. ولكن الأدب القديم حافل به، فلماذا خطر لهؤلاء الناس أن يميزوا ممدوحهم بالجود إذا كان ذلك عامّا طبيعيّا؟ لم كان حاتم الطائى مثلًا خالد الذكر لأنه كان ينحر نياقه أو خيله لضيوفه؟ ولسنا نعنى حاتمًا على وجه التخصيص، وإنما نتخذه رمزًا لأمثاله وأنداده من أجواد العالم المذكورين. ليس الأصل فى الإنسان الكرم ولا الايثار ولا شيئا مما يجرى هذا المجرى، وإنما الأصل فيه أن يعمل وفق غريزتيه الكبريين. غريزة حفظ الذات وغريزة حفظ النوع. فإذا كانت المشاركة أعون على ذلك فيها وإلا فلا شىء إلا الأثرة والأنانية فى أقسى مظاهرهما.
وإذا كانت المشاركة فى الطعام معقولة أحيانا لما تعين عليه من شحذ المعدة وتفيده من الأنس والغبطة فليس مما يتصوره العقل أن يكون من شأنها أن تعين على الغاية من الحب وهى حفظ النوع. ولا هى يمكن أن تفضى، فيما تفضى إليه، إلى الإيناس وشرح الصدر وغبطة القلب، وحسن العاطفة فى تبادلها وفيما يحسه المرء من صداها فى غير صدره وتجاوب قلب اخر بها. والحب — كما أسلفنا — يثير شهوة الملك فى نفسى المتحابين واستئثار كل منهما بالآخر. هذه طبيعة العاطفة التى نحن بصددها. وكذلك كانت مظاهرها قديمًا وكذلك هى الآن وغدًا وفى كل أوان. فماذا يريد دوماس؟ وأى شىء يبغى أن يقول فى روايته؟ ألّا ننقم من البغى شيئًا؟ وأن نجلها وننزلها منزلة المحصنات اللواتى يأبين أن يجعلن أنفسهن كالشمس لكل الناس؟ إن الفضائل لم توجد فى الدنيا عبثًا. وإذا كان الملل فى طبيعة النفس البشرية، وطلب التحول والتنقل كالنحلة بين زهرات الحياة معقولًا فإن ذلك لا يسوغ البغاء ولا ينفى ضرورة العفة.
أم نفعل ذلك رحمة منا بالضعيفات اللواتى يهوين إلى هذا الدرك ولا يستطعن أن يقاومن المغريات أو يجتنبن حبائل الرجال؟ حسن أن نكون رحماء وأن نغتفر الزلات، ولكن لمن؟ لمن يستحق ذلك، لا لمن تريد أن تعيش عيالًا على المجتمع وحميلة على الخلق وأن تجرر أذيال الغنى وتقضى أيامها فى ظل البذخ والترف بغير حق وعلى حساب الشريفات المحصنات — وإذا كان هؤلاء لا يطقن أن يغالبن المؤثرات وأن يفزن على المغريات فهن ضعيفات قد يدرك الفرد العطف عليهن ولكن الحياة لا ترحم ولا ترثى لأحد وليس فى الطبيعة محل للضعيف.
وقد يكون هوى أرمان فى هذه الرواية مما يعجب الشبان ويروق ضعاف النفوس والأغرار، ولكنه ليس فيه شىء مما يعجب الرجولة ويقع من قلب الفحل ذى القوة — هذا لا يفهم كيف يذيب الحبُّ النفسَ ويحيلها كالقميص البالى الذى لا يصلح لشىء أو الورقة المبلولة، وتقعدها عن أداء مهمتها فى الحياة والنهوض بفرائضها، ولا يترك لها من عمل سوى البكاء والعويل أى التخنث المرذول.
•••

هذه كلمة لم نر بدّا من قولها عن رواية دوماس التى شقَّت له طريق الشهرة. فلسنا ممن يوافقونه على فكرته التى بثها فيها، وأنشأها لأجلها، ولا ممن يحمدون هذا النوع من الحب الذى يذوى النفس، ويعصف بالرجولة، وينسى المرء فرائض الحياة. وقد كان تمثيلها بديعًا وأداء الذين قإموا بأدوارها جيدًا. وجاء حسن التمثيل مسعدًا لموضوع الرواية حتى اغرورقت ماَق كثيرة!! والسيدة روزا اليوسف حقيقة بأعطر الثناء على جودة تمثيلها على الرغم من أن دورها فادح طويل مرهق.. ولقد بلغت فى الفصل الثالث الغاية التى ليس وراءها مطمح، وذلك حين يتوسل إليها والد أرمان أن تضحى بنفسها وتبذل حبها فداء لابنته، وهى جالسة سابحة فى عباب طاغ من العواطف الجائشة المتعارضة، وبين يديها زهرة الكاميليا تنثر غلائلها ولا تعى ما تفعل. ولم نر أعظم ولا أبهر من قدرتها فى هذا الفصل عينه حين يعود حبيبها وتغالب دمعها المترقرق وتعالج أن تبتسم وتضحك وفى صدرها الفائر جحيم من الألم تصارعه. ولو أنها أضافت شيئًا من السعال فى الفصل الأخير إلى تمثيلها الذى لا يبارى وقطعت كلامها لما وجدنا مأخذًا ما.
وأجاد يوسف وهبى أداء دوره، وعرف كيف يجعل حركاته طبيعية ملائمة لمواقفه، وأعجبنا منه على وجه الخصوص اقتداره على تمثيل الزراية والاحتقار وجعل نظرته وهيئة جسمه فى وقفته أصدق ناطق بذلك، وحبكه دور الحائر الذى لا يفطن إلى ما انتوت حبيبته من مهاجرته.
والآنسة فاطمة رشدى ماذا نقول عنها؟ كيف تمثل غرارة الصبى وسذاجة النفس واطمئنان القلب إلى حب الحبيب وفرحه بقربه إلا كما فعلت؟ إن هذه الفتاة اَية ولا يخالجنا شك فى أن مستقبلها سيكون أبهر وأروع. ذلك أن لها، كالسيدة روزا، قدرة عظيمة على تقمص الدور وتشرب روحه بحيث تصدر عنها كل كلمة أو حركة وكأن الأمر واقع والمسألة حقيقة. ومن مزاياها الواضحة التى تدل على استعدادها للتمثيل أنها تنسى الجمهور كأنه غير موجود، وهذا هو الواجب، فإن على الممثل أن يتفرغ لدوره وألّا يفرض أن هناك أحدًا ينظر إليه، على عكس الخطيب الذى لا يسعه إلا أن يعنى بجمهور السامعين وإلا أن يلاحظ التيار بينهم ليتمكن من توجيهه وجهته التى يريدها هو.
ونحب أن ننبه الأستاذ عزيز عيد إلى وجوب التمكن من استظهار دوره، فإن عدم الحفظ يضطر الممثل إلى جعل باله إلى الملقن، فيصرفه ذلك عن تجويد دوره، وتحمله على ملء الفترات بين الجمل أو أبعاضها، بحركات قد لا يكون لها محل، أو تكون كثرتها وتواليها بلا مبرر سوى نسيانْ الكلام، من بواعث الضعف فى التمثيل. ولم نكن لننبه إلى ذلك لولا إعجابنا بقدرته، واعترافنا بمواهبه، ورغبتنا فى تنزيهها عن هذا العيب الصغير الذى لا تستعصى مداواته.
وقد أطلنا، فليقنع الباقون من زملائهم بالشكر منا لهم على ما أجادوا وأحسنوا.

الفصل الثاني عشر
الادب والفنون


الأثار فى مصر
الحجر لا يحس الحجر. هذا — فيما نظن! — لا نزاع فيه. ولقد غبر بنا زمنُ انحطاط كانت فيه آثار الفراعنة والعرب وغيرهم ممن حفظت مصرُ ذكرهم، حجارةً، وكان الناس شبهها لا يتنزلون إلى نظرة يلقونها عليها، وإذا أخطرها شىءٌ ببالهم عجبوا للقدماء وما تجشموه من جهد، وأضاعوه من وقت ومال فى نقل هذه الحجارة ورصفها وتوطيدها وتلوينها. وكان أهل الغرب يفدون إلى هذه الحجارة ويوسعونها نظرًا وتدبرًا وإعجابًا، ويوسعهم أهلُ مصر عجبًا وتهكمًا واستسخافًا! ويهزون رؤوسهم وهم يقولون — وعلى شفاههم ابتسامةُ الفطنة الساخرة! — «رزق العبطاء على المجانين»!
فالآن تغير كل شىء. حلنا نحن وحالت الحجارة. نطقت لنا ووعينا منطقها، وارتسمت على ألواح صوانها معان ندركها ونتحرك لها، وتجسدت لعيوننا وقلوبنا وعقولنا صورُ مجدٍ قديم وعز باذخ تالد نتعشقها ونكبرها ونحنُّ إلى مثل الحياة التى أنتجتها. وإذا جاءت وفود الغرب إليها ألفونا أشد منهم «جنونًا» بها ووجدوا من بيننا من لهم فى أصل المصريين وعلاقتهم بالعرب الأقدمين نظرية لا يبعد أن يحققها ما يقال إنه ظهر فى سبأ من الاَثار الشبيهة بآثار الفراعنة الأولين. ومن من المصريين لم يحرك أغوار نفسه وأعمق أعماق قلبه ما سمعه من العثور على جثث محنطة على الطريقة المصرية فى أمريكا؟! من ذا الذى لم يشعر بأن قامته اعتدلت لما صافح أذنه هذا النبأ؟! أى حجر — ذلك الذى لم تشع فى جوانب نفسه الخيلاءُ وزهو الفخر ولم يحس أن أمته أخت الدهر؟
ومن شاء فليفرض أن هذا الخبر طُير إلى مصر منذ مائة عام: أكان فى ظنك أحد يعبأ به؟! وإذا عبأ أكان يعرب إلا عن إعجابه بهمة رجال «الغرب» وصبرهم على التنقيب؟!
ألا لقد حلنا حقّا! وهذا هو الذى يطمئننا على حركتنا القومية ويذيع فى نفوسنا الإيمان بها واليقين فيها والثقة بحسن مصيرها — لا شىء سواه، وما كان بحّ الأصوات بالهتاف بالاستقلال، ولا اللجاجة فى المطالبة به، وما يبدو من التصميم على نيله كاملًا غير منقوص — ما كان لهذا وحده أن يقنعنا بأن هبتنا صادقة وحركتنا صميمة عميقة. فما رأينا فى تاريخ بلد ما، نهضةً قومية لم يكن يريدها نهضة فنية. ولعمر الحق هل يعقل أن يحس المرء بحقوقه وواجباته ووظيفته فى الحياة قبل أن يحس بنفسه وبما حوله وقبل أن يعرف ماذا هو؟ وماذا كان من شأنه؟ وقبل أن ينشئ هذا الإحساس والذكر فى نفسه الآمال؟!
(?) فى معرض الفنون

الفنون على نقيض السياسة لا تثير ضجة، ولا تحدث ضوضاء، ولا تخلق اللغط إلا فى الأوساط التى تُعنى بها وتفهمها وتقدرها، وإلا بين من يعرفون لها قيمتها وفعلها ويفطنون إلى دلالتها، وهؤلاء فى كل أمة قليلون، وليس ذلك لأن لها أصولًا يجهلها من لم يدرسها، إذ لو كان الأمر كذلك لما اكترث لبراعات التصوير والحفر وما إليهما إلا العارفون بهما أى رجالهما وحدهم. وهو ما يخالفه الواقع وتنقضه: وشبيه بهذا الخطأ أن يقول قائل إنه لا يقدر الشعر ولا يفهمه إلا العارف ببحوره وأصول الصناعة فيه، ولا يطرب للموسيقى إلا واضعوها والواقفون على ضروبها، وهو كلام يرفضه العقل وتنكره الغريزة والبديهة وإنما يقل من يفهمونها فهمها لاتصالها بفلسفة الحياة العالية وبأسرار الجمال العويصة.
ونضرب لذلك مثلاً بسيطًا قريب التناول لا يُحفى قلمنا ولا يكد ذهن القارئ — صورة «الأمل» لجورج فردريك واطس، وهى عبارة عن فتاة على كرة، وعيناها معصوبتان ورأسها مائل إلى قيثارة فى يسراها لم يبق بها إلا وتر واحد تعالجه بأصابع يمناها، والجو جهم والسماء محلولكة. ماذا تفيدك قواعد الفن فى فهمها؟! إن هذه القواعد ليست فى الواقع إلا كالنحو فى اللغة، وكما أن النحو وظيفته أن يعصم الكاتب من الخطأ فى تعليق الكلام بعضه ببعض، ويردك عن رفع المنصوب وجر المرفوع وعن جعل المبتدأ خبرًا والحرف فعلًا، كذلك قواعد الفن لا عمل لها إلا فى بابه الصناعى على الأكثر، لا فى مجاله المعنوى والروحى. وكما أن بحور الشعر لا تخلق الشاعر إذا أعوزته روحه، كذلك قواعد التصوير والحفر وحدها لا تجعل من المرء مصورًا أو مثالًا ولو كان فيها ما كان الخليل فى العروض.
وارفع هذه الصورة لعيون الناس تجدهم لا يسعهم إلا أن يدمنوا النظر إليها والتحديق فيها وإطالة الفكرة فى معانيها حتى ولو لم يعدّها أكثرُهم صورةً صادقة «للأمل». وما قيمة هذا الاسم؟ إنه رمزٌ لرمز فإحذقه إن شئت! وحسبك الصورة ففيه! الكفاية للعبارة عن ذلك الشىء الغامض الذى لا يزايل النفس مدى الحياة حتى فى أعصب الساعات المزلزلة للإيمان والأمل وإرادة الحياة. ولا ريب فى أن هذا تصوير رمزى ولعله من أشق ما يعالج الفنى وأدناه دائمًا من الإخفاق. ولم ينشأ بعد هذا الضربُ من التصوير فى مصر، ولكنا سقنا المثل منه لنطمئن القارئ غيرَ الفنى ولنقوى قلبه وننفخ فيه من روج الثقة بنفسه والاعتداد بذوقه إلى الحد المعقول. وإذا كان لا يستطيع أن يعرف وجه الإجادة والإتقان من ناحية الصناعة وأصولها فإنه يستطيع دائمًا أن يلتذ جمالها ويستمتع بمعانيها وبحسن التأليف فيها وبالبراعة فى أداء فكرتها وإبراز الغرض منها.
•••

وأمامه الآن فرصة سانحة لا تتاح له إلا مرة فى كل عام. فقد افتتح أمس معرض القاهرة للفنون المصرية «بدار الفنون والصنائع المصرية». وفيه أعمال ثمانية عشر مصريّا وثلاثة عشر أجنبيّا.
فى المعرض أكثر من مائتى قطعة كثيرٌ منها صور لأشخاص وليس بالقليل بينها ما هورسم للمناظر الطبيعية. ولكنها كلها على العموم نقل عن الطبيعة. ولم نر إلا قطعتين اثنتين أراد بهما صاحبها شيئًا غير مجرد النقل، ونعنى بذلك أنه جعلهما «درسًا» كما يسمون ذلك. والصورتان للأستاذ أحمد أفندى صبرى وإحداهما لغلام متشرد والثانية لخفير. ولا نتصدى للحكم عليهما من وجهة الأصول الفنية فالله ورجال الفن أعلم بذلك وأدرى. ولكن الذى ندريه أن صورة الخفير ناطقة بفراغ رأسه وخلوه من كل ما يسمى عقلًا أو خيالًا، وبامتلاء نفسه بالرضا بحاله، والتجرد من كل رغبة فى تحسينها أو التماس تغييرها. وقد خيل إلى وأنا أتأمله أنى لو نقرت بأصبعى على دماغه هذا لتجاوبت فيه أصداء النقرة! وهو ما أظن مصورنا قصد إليه من رسمه.
والأولى رأس غلام فى نحو العاشرة من عمره الضائع سدى، وهو وسيم الوجه، تقول لك عينه إنه وطن نفسه على هذه الحياة الضالة إذ كان لا عهد له بغيرها ولا حيلة له فى تغييرها، وتقول لك محيّاه، الذى بواجهك بخد ويثنى عنك خدّا، وشفتاه المضمومتان، إن تحت هذه الأطمار نفسًا فيها خير كثير واستعداد قوى، ولو أن يدًا مدت إليها وساعفتها لكان لها شأن اَخر، ويا له من جمال مخبوء فى أوحال، ونفس مستعدة مطوية فى أسمال! ومن ذا الذى يرى انفراج ثوبه عن نحره وصدره ولا تتمثل لعينه صورةُ الصراع الهائل الذى يدور بين هذه النفس الغضة وبين عواصف الحياة، ومرارةُ هذا العراك وفظاعته، بين قوى شاكية مستعدة وروح عارية عزلاء مزجوج بها فى أحرّ أتون وليس لها مفزع ولا نصير لا من العلم ولا من التجربة ولا من العطف!
ومما راقنا كذلك صور هزلية بالمكعبات (كيوبزم) رسمها الأستاذ محمد أمين عالى بك العمرى، وهى عبارة عن مستقيمات وأقواس لا غير.. وقد صور على هذه الطريقة أشخاصا عديدين نخص بالذكر منهم سعد باشا ورشدى باشا وحافظ بك إبراهيم الشاعر ولويد جورج. وهو أسلوب فى التصوير يحتاج إلى درس طويل للوجه، وكد شديد للذهن لمعرفة هندسته وتركيبه. وصاحبها حقيق بكل حمد وثناء. ولم تعجبنا صور الأستاذ محمود بك سعيد فى هذا العام. وقد كنا، ونحن فى طريقنا إلى المعرض، لا نفكر فى غيره، وكان الذى نتوقعه أن نشهد فى أعماله اَية التقدم، وأن نلمح فيها ما يدل على اطراد التحسن. ولقد أفردنا له وحده فى العام المنصرم مقالًا برمته.. وتسوءنا أننا مضطرون إلى أن ننقده هذه المرة. والنقد يصلح المستعد، ولو كان لا أمل لنا فيه لما عبأنا به. نعم إنه من «الهواة» ولكن له ميزة محرومًا منها رجال الفن المصريون. فإن هؤلاء لم يروا براعات الغربيين وليس أمامهم منها إلا صور منقولة عنها لا تغنى غناء الأصل. وهو يراها بمتاحف أوربا العديدة كلما ذهب إليها. ونحب أن نقول له إنه لا فائدة من التصوير إذا كان عبارة عن فوتوغرافية بالألوان، وإن مزية التصوير أنه يجمع بين الطبيعة — إذا كان نقلًا — وبين جمال الفن، وإن الوجه، ما لم يبرز المصور فيه معنى، ليس له مزية على الفوتوغرافية. وقد رأينا له صورة سيدة إنجليزية باسمة خيل إلينا أن فيها معانى قصَّر المصور فى إبرازها، وأن المرء لو غرز أصبعه فى جانب خدها لما صادف عظامًا تقاومه، وهذا خطأ فى التخييل بلا ريب، فإن الجسم عظام ولحم، ومهما بلغ من امتلاء الخدين على جانبى الفم فإن من الغلط أن يصورا بحيث تنتفى فكرةُ وجود عظام الشدقين مستورةً تحت اللحم. وليس حول السيدة جوّ ما ولا هواء فكأنها ملصقة بستار، أوكأن ظهرها ورقة على ورقة. ويجب أن يشعر الناظر بأن حول السيدة هواء كما يشعر إذ ينظر إلى صورة الغلام المتشرد، وهى مقارنة يجب على المتفرجين أن يقوموا بها ليدركوا الفرق. هذا فضلا عن الدرس الذى فى الألوان فى صورة الغلام، والمقابلة بين الوردى الباهت فيها وبين البنفسجى هى مقابلة تلذ العين وتروق النظر.
(?) صورة الوجوه

قضيت فى هذا المعرض ساعات رجحت عندى بقفر العام الذى صارت تاجه وختامه. وليس ما يُلزم المرءَ أن يقسم مراحل حياته على دورة الفلك، وأن يقيسها أبدًا بمسطرة جريجوار فلا تسبق واحدة منها يناير ولا تنلكأ بها الخطا وراء ديسمبر. وما أجمل أن يصادف المرءُ فى فيافى العمر، من حين إلى حين، واحة جمال يستروح فى ظلها ويتريث عندها، ويعتدها مغنمًا تنسيه حلاوةُ الطفر به مرارةَ السعى إليه ووحشة الجدب دونه!
ساعات رخية من أمتع ما يمر بالنفس وأنداه وأحلاه، وجدت فيها من السرور باستيعاب المحاسن أضعاف أضعاف ما أنا واجد من الاهتداء إلى المعايب. نعم إن استقراء المآخذ واجتلاء العيوب يرضيان غرور المرء من ناحية إظهار ذكائه وفطنته، ولكن للتفطن إلى الحسنات لذةً لا تعادلها لذة ومتعة أنعم بها من متعة. ألست ترى أننا لو كنا لا تغيب عنا محاسنُ الحياة، ولا تتخطاها عيوننا وهى تبحث عنها وتبغيها فى كل ناحية، وتنشدها من وراء كل سعى وأمل وفكر — نقول لو أنا استطعنا أن نلتذ دائمًا محاسن الحياة لخفت وطأتها وارتفع ثقلها، ولوجد المرء فى الإعجاب بالحسنات سلوى عن سيئاتها وعزاءً عن شرورها وملهاة عما ينعاه منها ويثيره عليها ويرمض نفسه إذ يتدبرها.
وفى المعرض وجوه ومناظر. وإذ كنت لا أستطيع أن أجمع فى ان بين الخواطر المختلفة التى تحركها صورة الوجه وصورة المنظر فقد جعلت وكدى فى الساعات التى أتيح لى أن أقضيها هناك أن أخص كلا بحصة كاملة من وقتى، وسيكون كلامنا هنا على الوجوه دون المناظر.
لذيذ جدّا أن يحس المرء أن مصورًا رأى فيه معنى يبعث عاطفته الفنية ويغريه بإبرازها، وأن يشعر بأن نفسه ليست صفحة بيضاء خالية مما يستحق أن يُقرأ بل كتابًا حقيقًا بأن تعبره العينُ وتنقّب فيه، وتختزل ما حواه بين دفتيه فى تقويسة هنا، أو ضغطة هناك، أو لمعة يشيعها المصور فى العينين. وأن يعلم أن هذا المعنى الذى لمحه المصور سيخلد على الأيام فلا يلحقه تغيير ولا تعدو عليه الصروف — لا كالمرآة تريك حاضر أمرك وما يتفق لك ساعة النظر إليها من فتور أو نشاط ومن توقد أو خمود — نعم لذيذ هذا لأنه راجع فى أصل الإحساس به إلى طلب النفس الإنسانية للتعدد ومتصلٌ فى مرد أمره بغريزة حفظ النوع التى تدفع المرء إلى التماس النسل والخلود فى الذرية.
ولكن لهذا جانبا آخر حالكًا. فإن كل نفس صندوقُ أسرار، وقد لا يحب الإنسان أن يكشف عنه ويفتحه لعيون النظارة. والمصور ذو نظر فاحص منقب يفتش السريرة لينتزع منها سرها ويلقى ظله على الوجه، وما أحرى المرء أن يحس، وهو جالس إلى المصور، كأنه متهم فى حضرة محقق بحاوره ويداوره ويقلب معه البحث على كل وجه — ولكن بالعين فى الأكثر — ليهتدى إلى سر الجريمة أوبراءة الضمير.
وفى هذا الشعور — إذا نشأ — ما يغرى المرء بكتمان نفسه. وقد يعجز الجالسُ إلى المصور عن جلاء شخصيته فى وجهه وعن حصر خصائصه فى معارف طلعته، فتخرج الصورة، برغم المصور، فاترة ليس فيها إلا معالم وجه مغلق لا ينطق بشىء. ولا يكون هذا راجعًا إلى ضعف المصور بل إلى عجز الجالس.
دارت فى نفسى هذه الخواطر وأنا أتأمل صورة — عليها أثر التعب الذى عاناه المصور والجهد الذى بذله لانطلاق الوجه حتى عاد ظاهر تعبه فيها من عيوبها الملحوظة. وماذا يصنع المصور إذا كان صاحب الوجه أحرص على ستر نفسه من أن يدع عين أجنبى تنفذ إلى صميمها؟! ما حيلته إذا كان الجالس لا يريد أن يُطلعنا على رأيه فى نفسه؟! لا حيلة البتة! وهذا عيب الصورة فإن عليها ستارًا غير مرسوم! وليس أعجب ممن يؤاتيه النوم وهو جالس إلى المصور! هذا، ولا ريب، رجل ناصب النفس جافُّ معين الشخصية ليس فيه قطرة من الحياة المشبوبة. وإلا لما وسعه أن يطبق جفونه وأمامه رجل يشرحه ويدرسه كأنما الأمر لا يعنيه؟ ومن هذا القبيل صورة رجل ساذج، تراه فى الصورة فتشفق لتدلى رأسه — على صدره — أن ينكسر عنقه وتسأل نفسك: أليس لهذه العين جفنان ينفتحان؟ أليس فى رقدة الأبد الطويلة ما يزهدنا فى الرقاد فى أحفل الساعات بحركات النفس وأشدها اكتظاظا بالعواطف المتنوعة؟! ساعة يدرسك المصور ويحتثّك على درس نفسك والتفتيش فيها مثله باحثًا عن المعنى الذى وجده بلا عناء، ويبعث فيك كامن الغرور وتخلق بينك وبينه فى لحظة تعاطفًا متولدًا من اشتراككما فى موضوع ليس أهم منه فى نظريكما فكأنكما زوجان حبيبان بينهما غلامهما!
ويقرب من هذا ويتصل به من الطرف الاَخر الأطفالُ. وهؤلاء كما لا يخفى، كل ما لهم من حيوية فى أعضائهم لا فى رؤوسهم، أما عواطفهم فساذجة لم تصقلها الحياة ولم يعقدها النضوج. فإذا ألزمتهم السكونَ — ولا بد منه فى التصوير — كادت دماؤهم تقف فى عروقهم وتركد الحيوية التى كانت منذ برهة واحدة شائعة فى أعضائهم متدفقة كالسيل، ولعل من أصدب الأمور على المصور أن يرسمهم، وكأنى به يحتاج إلى أن يداعبهم إذ كان كل حديث جدى أوهزلى معقول لا محل له معهم.
ويقول بيرك فى كتاب «الجليل والجميل» إن أجمل ما فى الطبيعة جيد الحسناء البريئة — أو ما هو فى معنى ذلك — فإذا كان هذا هكذا — وأحسبه على الأقل فتنة العين — فإن المصور معذور إذا اقتصر على جانب فتنة دون جانب، فليس أخطر من رسم الوجوه وإدمان النظر إليها وإثارة حيائها بطول التحديق والفحص وتعليق العين بالعين، ولا ينقذ الفريقين من حرج الموقف إلا أن المصور يستغرقه الفن، وهو أبدًا ينتقل بينه وبين الطبيعة، وبين حياة المادة وجمود الظل. فيحول الأصل الجالس صورة تدرس ويتحول الإحساس بالمعانى إلى إحساس لذيذ بالواجب. وفى صعوبة الأداء ومشقة التعبير ما يكفى لانصراف الذهن إلى العمل. ولولا ذلك لما أمكن لمصور مثل الأستاذ ألفريد كمبيولة أن يرسم «الهانم» — أعنى أن يتمها — وهى صورة سيدة إفرنجية فى ملاءة مصرية، وعلى وجهها النقاب، وثوبها الأحمر القانى تحت الملاءة يزلّ عن كتفها. والصورة من أحسن ما رأيناه للفنيين الأجانب فى هذا العام وإن كان عليها بعض التصنع فى كتفها اليسرى.. وهى فى جملتها وتفصيلها صورة امرأة بالمعنى الجنسى!
وقد كان كبار الفنيين الغربيين مثل تيتان ورفائيل يتحسرون على عجزهم عن محاكاة جمال الجسم العارى ويذهبون إلى أنه لا سبيل إلى نقل جماله إلى اللوح. وأراهم على حق لأن الجسم العارى مجمعُ كل المعانى والعواطف والإحساسات الإنسانية، دقيقها وجليلها، وساذجها ومهذبها، وعنيفها ولينها، وعميقها وخفيفها. وقد حاولت السيدة أرمه بانجية الفرنسية تصوير أخرى نصف عارية فلم تأت بشىء. جسم كل شىء فيه أسطوانى، ولونه على رغم احمراره كلون البرنز وكأنما نزعت كل العظام قبل الرسم. وتركيب العينين والأنف غير طبيعى، فلعلها تعنى بدرس تركيب الجسم الإنسانى فلا بد منه لكل مصور.
(?) الحدود الطبيعية

زارنى ذات يوم شاب أزهرى النشأة لا تنسجم البذلةُ الإفرنجية على جسمه، ولا يعتدل الطربوش على رأسه، وكان يحمل تحت «إبطه» كراسة مما يستعمل التلاميذ فى المدارس محشوّة بكلام كثير فى الشعر عامة والشعر الوصفى خإصة. وما هو إلا أن جلس حتى استأذن فى قراءة ما كتب فى كراسته.. ولم يكد يفعل حتى قلت لنفسى إنه لم يغير شيئا حين غير ثيابه! ولم يزد على أن ردد بعبارة تعتورها الركاكة، ما كتبه ابنُ رشيق وأضرابه بلغة جزلة. ولست أدرى لماذا عنيت بأن أبين له أن ما سمعت من كلامه لا يؤدى إلى شىء تطمئن إليه النفس ويسكن إليه العقل، لكن الذى أدريه أن ظنه أن الأدب شىء يستطيع المرء أن يخبط فيه خبط العشواء، فإذا وفق كان التوفيق عفوًا، وأنه ليس هناك مقاييس عامة ولا محك مضبوط — أقول إن هذا الظن صدمنى فأنشأت أشرح له خطأه وأريه أن هناك على الأقل جدّا، مقياسًا عامّا وميزانًا لا يكاد يغل شعيرة، وأن ثم شيئًا اسمه الحدود الطبيعية، فى دائرتها يقع الإمكانُ وتكون الاستطاعة. وأعيد هنا الآن مع الإيجاز ما ضربته له من الأمثلة إيضاحًا لذلك.
لنفرض أن مصورًا أراد أن يرسم الفجر، فماذا يسعه؟ إذا كان المنظر الطبيعى هو المقصود بالذات فليس يدخل فى مقدوره سوى أن يجمع لك فى رقعة اللوح الصغيرة ما تأخذه عينه من مميزات هذا المشهد الرائع الجميل. وأن يضيف إليه ويزيد عليه، جمالَ الفن نفسه وهو جمال تجتليه فى اختيار وجهة النظر، وفى الألوان وتنسيقها والمزاوجة بينها، وفى القطعة المنتقاة من المشهد الطبيعى، وفى الروح التى يصور بها هذا المنظر. ولكنه لا يخفى أن فى وسع الفنان أن يمثل لك معنى «الفجر» بأسلوب اخر وعلى نحو مختلف جدّا. فلا يعمد إلى منظر الطبيعة كما هو فى الواقع، لأن غايته قد لا تكون نقل الواقع المعجب، بل يستعين الخيال ويستوحى الوجدان والمشاعر ويضع لك على اللوح، لا منظرًا، بل رمزًا يشير به كما أسلفنا إلى ما يفهمه من الفجر: أى إلى الإحساس الذى يحركه والخالجة أو الخوالج التى يولدها — إلى فجر الحياة، لا فجر الأرض والسماء، وإلى وهج الشعور الأول الساذج بالدهش والعجب، وإلى النور الذى لم يغمر قط لا برّا ولا بحرًا والذى لا ينفك. مع ذلك مراقًا على كل شىء لا مضيئًا من خلاله — النور الذى يُليح لك بالدنيا ويثير فى نفسك الإعجاب بها وإكبارها والتيقظ لها — وبعبارة أخرى مختزلة — يرفع لعينيك صورة رمزية ليس فيها نقل عن مشاهد الطبيعة بل عن الحقائق الروحية المركزية الخالدة التى يحوم ويلوب حولها الأدب والفلسفة أيضًا ولكن من ناحية أخرى وبأسلوب اخر، أى تصوير الفكرة كما فعل فريدريك جيمس واطس حين رسم شيئا كالرباوة المعشوشبة وقفت عليها امرأة يزل ثوبها عن ظهرها إلى فخذها، وقد أمسكته بشمالها إلى جنبها، وبيمينها على يافوخها، وشعرها منهدل مرسل يعبت به النسيم الندى، وهى كالذى يتمطى من سبات (وقد منحتك ظهرها البادى إلى الردفين وانصرفت بوجهها وصدرها إلى الحياة التى يتنفس فجرها ولا تزال نجومها طالعة، وعند قدميها طائر ناشر جناحيه ينفض عنه الطل ويوقظ روحه ويعدها للحياة.
قد تنظر إلى هذه الصورة فلا تدرك الغرض منها والمقصود بها لأول وهلة، ثم تقرأ كلمة الفجر تحتها فيخطر لك أن هذا الاسم كتب خطأ، وقد يجرى ببالك بعد ذلك أن المصور مجنون! ولكنك لا تلبث أن تنيم هذه الخواطر الجامحة التى تفجؤك فى أول الأمر ثم تُدمن النظر إلى الصورة الملفوفة فى مثل الضباب الرقيق الشفاف فيدب فى نواحى نفسك معنى غامضٌ قوى، وتحس أن هذه الصورة تمثل شيئا يعجز عنه التعبيرُ لأنه أعمق وأوسع من أن تأخذه العين جملة، وأخفى وأغرب من أن يكشف لك عنه كلام، وتدرك أنك واقف ترنو إلى حقيقة كبيرة تذكرك بها هذه السماءُ السوداء التى فتر فيها توامضُ النجوم الباهتة، وذلك الكوم من الرباوة والعشب، وتلك المرأة المتجردة إلى نصفها فكأنك أمام القوى والعناصر الأولى قبل أول يوم من أيام الخلق!
وعلى أنه لا شأن لنا بهذا التصوير الرمزى وإن كنا قد استطردنا إلى ذكره بطبيعة الحال. وكلامنا هو على التصوير من حيث قدرته على نقل المشاهد الطبيعية. وليس من شك فى أن المصور يستطيع أن ينقل لك المنظر كما هو بادٍ لعينيه، وأن يُريك على اللوح وبالألوان ما رأى هو فى الواقع، وأن يضعك بذلك موضعه، وأن يعينك على أن تأخذ فى لحظة واحدة وبنظرة واحدة جملةً ما اكتحلت به عينه هو وتفاصيله. وليست كذلك قدرةُ الشاعر أو الكاتب، فما يستطيع مهما بلغ من تمكنه من ناصية اللغة وافتتانه وتصرفه وعلمه ودقته أن يرسم لك منظرًا كما هو أو أن يعينك بما يصف على تأليف المنظر وتخيله من أشتات العناصر والنعوت التى يقدمها إليك ويعرضها عليك. فالفرق من هذه الوجهة بين التصوير والشعر هو أن للتصوير لحظةً فى الفضاء وللشعر لحظات فى الزمن، أى أن المصور فى مقدوره أن ينقل لك المنظر الذى رآه وراقه كما هو كائن فى الطبيعة ولكن الشعر لا قبل له بذلك ولا طاقة له عليه وإنما يسع الشاعر أن يُفضى إليك «بوقع» هذا المنظر وبما يثيره فى النفس من الإحساسات والمعانى والذكر والاَمال والآلام والمخاوف والخوالج على العموم بأوسع معانى هذا اللفظ. وعلى العكس من ذلك يسع الشاعر أن يصف لك الحركات المتعاقبة فى الزمن وأن يُحضرها إلى ذهنك ويمثلها لخاطرك وذلك ما لا سبيل إليه فى التصوير.
وليس من همنا أن نستقصى حدود الفنون، وأن نقيم ما بينها من الفواصل العديدة والفروق الكثيرة وأن نبيِّن ما يدخل فى دائرة كل منها، ولكن الذى نقصد إليه هو أن نقول إن الحدود التى تقيمها طبائع الأشياء مقياس أولى يكفى المبتدئ ليستطيع أن يقول هل من الميسور أن ينجح هذا الشاعر أو المصور فيما يعالج؟ وماذا عسى أن يبلغ من نجاحه فيما يزاول؟ وإلى أى درجة من الإجادة يسعه أن يوفق؟ فإذا رأى شاعرًا يحاول أن يتخذ من قلمه ريشة مصور أو فوتوغرافية كان له أن يوقن أنه مخفق لا محالة، وإذا رأى مصورًا معنيّا بأن يرسم لك على اللوح حركات متتابعة فى الزمن أو وقعَ المشاهد فى النفس فإن من حقه أن يجزم بأن الفشل نصيبه.
وإلى هنا يتبين أن للمصور نقلَ المنظور وأن للشاعر وصفَ الوقع والحركات المتتابعة لا تصوير المنظر، فأين يكون مجال الموسيقى مثلا بين هذين؟ ونحسب أن ليست بنا حاجة إلى التنبيه إلى أننا إذ نذكر الموسيقى لا نعنى الشرقية منها أو المصرية إذ كانت هذه لا تزال فى الواقع شعبةً من الشعر أو الرقص لا فنّا ناضجًا مستقلا كما صارت عند الغرب. ومعلومٌ أن الموسيقى ضرب من التعبير الصوتى، وأن الأصوات أسبق فى تاريخ النشوء الإنسانى من اللغات، وأنها هى الأداة الرئيسية التى تتوسل بها الحيواناتُ الراقية أو أكثرها إلى العبارة عن إحساساتها وإثارة مثلها فى غيرها. كذلك كانت الألوان فى عالمى الحيوان والنبات أسبقَ من التصوير وأقدم. وليس يخفى ما لصيحات التحذير أو التوعد من الأهمية فى تاريخ غريزة حفظ الذات، وهى أصوات تخرجها الغريزة حين تتنبه، عفوا وبغير تفكير أو تلكؤ، كما ترى الواحد منا يثب وتقفز فجأة إذا باغته الشعور بجدارٍ ينقض أو نحو ذلك مما هو مظنةُ التهديد للحياة وهذه الحقائق وأمثالها، مما جَعل التعبير الموسيقى ظاهرة قديمة فى تاريخ الحياة، هى، فيما نرى، التى أكسبت هذا الضرب القديم من التعبير قوته السحرية وتأثيره البالغ فى نفسى السامع والموسيقى جميعًا، لأنه يوقظ غرائز أقوى — إذ كانت أقدم وألزم — من كل ما عسى أن تحركه بضعةُ خطوط يرسمها المرء بعد التفكير على سطح مستو ويذكر العينَ بواسطتها بمنظر المرئيات فى الفضاء. وما يعجب بعد ذلك أن تظل الموسيقى، على الرغم من نقصها وسذاجتها على الأقل فى الشرق، هائلة السلطان على النفوس.
وكل أداة للتعبير ناقصة، ومن العسير أن يحاول امرؤ أن يعبر بالألفاظ أو غيرها من الأصوات، أو بهذه وتلك جميعًا، عن كل ما فى الأرض والسماء والجحيم من الحقائق، وعما فى النفس من الحركات ودرجاتها وظلالها التى لا يأخذها حصر، وعن أسرار الذاكرة وآلام الرغبة، ولكن الموسيقى، على كونها أداة للتعبير تُسمع ولا ترى، على خلاف التصوير، لا تصلح أن تكون وسيلة للتفاهم والتحادث، فلا تستطيع أن تقول ببضعة ألحان متعاقبة كما تقول بالألفاظ: «قمت اليوم مبكرًا وأكلت رغيفًا وشربت شايًا بغير سكر، وبعت وشريت وربحت كذا قرشا». ومن هنا قالوا إن الموسيقى لغة الروح.
وهى بطبيعتها أقرب إلى الشعر وأمس به رحمًا لأن كليهما مُعوَّلُه على الأداة الصوتية وإن اختلفت اللغتان وتباينت حدود قدرتهما. ونعود الآن بعد هذه التوطئة الوجيزة التى لا مندوحة عنها إلى المثل الذى ضربناه، فنقول إن الموسيقىّ، إذا خطر له أن يؤلف قطعة موسيقية عن الفجر، لا يسعه — كما يسع الشاعر — أن يصف لك بطريقة مباشرة وقع هذا المنظر فى النفس وما يثير من الإحساسات ويوقظ من الذكريات أو ينشئ من الخواطر والآمال، ولا يدخل فى طوقه أن يرسم المنظرَّ على حقيقته كما يفعل المصور، ولكنّ له مع ذلك مضطربا واسعا يستطيع أن يصول فيه ويجول، وأن يكون له فيه عمل جليل، وإذا كان يعيبه أن «يحدثك» عن الخوالج المتنوعة التى يحركها منظرُ الفجر فى النفس وُيجيشها فى الصدر، أو أن يرسم لك المنظر بطائفة من الخطوط والألوان تريكه كما خلقه الله وأبدعته قدرته، فليس يعجزه مثلًا أن يُسمعك من الأصوات ما يذكرك به ويخطره ببالك ويجريه فى خيالك، كأن يحكى لك حفيفَ النسيم الوانى البليل إذ يهب مع الفجر ويوسوس فى آذان النبات والشجر، وتغاريدَ العصافير التى تنبه فيها ساعته الغريزةَ المغردة، وأغانى الرعاة الذين يستيقظون مع العصافير ويستولى على نفوسهم مثلها جماله وروعته فيحيونه ويناجونه بالغناء وبألحان المزامر — وبهذا وأشباه هذا، يحضر إليك الموسيقى منظرَ الفجر بما ينتقيه من الأصوات المألوفة فى ساعته والتى من شأنها أن نذكرك به، ويُعرب لك من ناحية أخرى عن الخوالج التى يبعثها ولكن بطريقة غير مباشرة يجمع فيها بين شىء من التصوير التخيلى وشىء من الشعر، وذلك أنه لا يرسم لك المنظر ولكن يسمعك أصوات الحياة المميزة له فى جميع مظاهرها الممكنة، ولا يصف لك خوالجه هو بل يُطلق عليك من الأصوات ما يحرك هذه الخوالج ويشعرك إياها بكل قوتها.
وهنا نمسك القلم إذ ليس من وكدنا أن نتقصى وإنما أردنا كما قلنا أن يبين للقارئ أن هناك حدودًا طبيعية لا سبيل إلى إغفالها ولا خير فى تخطيها واهمالها. فليقس القارئ على هذا فقد دللناه على النهج، وأحْرِ به إذا سار على الدرب أن يصل.

الفصل الثالث عشر
فى معرض الفنون


(خواطر وملاحظات شتى) فن التصوير والمشاهد الجليلة — الغاية الاجتماعية — عنصر الجمال
أكتب هذا الفصل وحولى صحراء ما لها فى رأى العين انتهاء كأنها التى قال فيها ابن الرومى:
خلاء قواء خيرُ مرعى مطيةٍوموردهافيه النجاءُ الغشمشمُينوح به بوم وتعزف جِنَّةٌٍفيعوى لها سيد ويَضْبَح سَمْسَم وأذكر قول مسلم فى فدفد مثل هذا:
تمشى الرياحُ به حسرى مولهةًحيرى، تلوذ بأكناف الجلاميد وأسأل نفسى ترى أللتصوير قبل بهذا المنظر؟ أيسع المصورَ أن ينقل لنا على اللوح هذا الفضاء المترامى العازف بأنفاس الرياج الذى:
يُقصر قابَ العين فى فلواتهنواشزُ صفوانٍ عليها وجلمد؟ أيستطيع أن يحرك فى نفسك معانى الجلال التى يثيرها هذا المشهدُ فى الطبيعة؟ وكالصحراء القصورُ السامقة والمهاوى العنيفة التى تورث الرعب وتدير الرأس، وقطعُ الجبال الناتئةُ المشرفة كأنها معلقة. إن الصورة، مهما كبرت وذهبت طولًا وعرضًا، محدودةُ السعة ضئيلة بالقياس إلى هذه المشاهد. وترامى الأبعاد، لا تقاربُها، هو الذى يثير معانى الجلال فى النفس وإن لم يكن وحده كل ما يبتعثها. والمصور مضطر أن يصغِّر المشهد حتى تضمه رقعةٌ صغيرة، ومن شأن هذا أن يحول دون الإحساس بالجلال، بخلاف الشعر، فإنه يستطيع أن يحركه فى النفس إلى حد كبير كما ترى فيما أوردناه لك من أبيات ابن الرومى ومسلم وكما استطاع شكسبير فى رواية «الملك لير» حيث وضع على لسان إدجر — وهو يقود جلوستر إلى حافة الصخرة المطلة على المهواة — قوله: «تعال يا سيدى. هذا هو المكان. قف ولا تتحرك. ما أهول أن يومئ المرءُ لحظة إلى هذا العمق! وما أشد عصفه بالرأس! إن الغربان الطائرة فى منتصف هذا المهوى لا تكاد تبلغ حجم الخنافس: وثَمَّ طائر يلتقط الأعشاب النابتة على الصخور. ما أخوف ما يعالج! إنه لا يبدو أكبر من رأسه! والصيادة الذين يمشون على سيف اليم أراهم كالجرذان، وذلك الزورق الطويل الراسى قد تقلّص حتى لتكاد العين تخطئه.. ولايسمع المرء من هذا العلو الشاهق صوت الماء المرغى على الحصى الراقد الذى لا يعد. سأكف عن النظر إلخ.. إلخ».
فههنا ترى شكسبير قد صور لك علوَّ الصخرة وبعدَها عن مستوى الماء بأن صغَّر لك، ما تأخذه العينُ من فوقها، وبأن مثَّل لك أحجام هذه المرئيات بما تعرف ضآلته. فإذا استعنت تجربتك الشخية استطعت أن تحضر إلى ذهنك مقدار البعد أو العلو الذى تبدو منه الأشياء فى مثل هذه الضؤولة وينقطع عنده صوتُ الماء المنظور.
قارن بين هذا وبين وصف ملتون — فى الكتاب السابع من الفردوس المفقود — للهاوية التى لا قرار لها حين يقف على حافتها «الابن» فى حاشيته السماوية، وذلك حيت يقول: «وقفوا على أرض سماوية ونظروا من الشاطئ إلى الهاوية السحيقة التى لا يقاس لها غور — طاغية كاليمّ، مظلمة قواء تبعث من أعماقها الرياحُ الدائرة والأواذىُّ المصطخبة مثلَ الجبال تريد أن تناطح السماء وأن تمزج بمركز الأرض قطبها».
فهِذه هاوية أعمق وأهول من هاوية شكسبير بطبيعتها، ولكنّ وصف ملتون لها لا يحدث التأثير الذى يحدثه وصف شكسبير ولا يعينك على تمثل هذا القرار السحيق الذى لا يبلغ مداه، إذ كان لم يذكر ما يجعلنا نحسه الإحسإس الواجب. وإن يكن، فيما عدا ذلك، قد أحسن تصوير الموج المشرئب الطامح وجسَّم لك اشرئبابه وإلهاب الرياح له بأن قال إنه كالمريد أن ينطح السماء وأن يمزج بقطب الأرض مركزها.
ونعود إلى التصوير فنقول إنه لا قبل له بمثل هذا ولا طاقة له عليه، إذ كانت رقعة الصورة محدودة، وكان التصغير الذى يضطر إليه الرسامُ لا يحرك الإحساس بالجلال تحريك الضخامة وترامى الأبعاد على الرغم مما يصنعه المصور ومما يستطيع أن يقوم به خيال الناظر. ولكن المصور مع ذلك يسعه، إلى حد، أن يعطينا فكرة عما لا يقوى على المحافظة على حقيقة أبعاده، وذلك بواسطة المقارنة بمقياس معروف مقرر فى البداءة، وخير مقياس هو الإنسان، على الرغم من تفاوت أطوال الناس واختلاف أجرامهم. وقديمًا جعل الإنسان نفسه مرجع المقاييس، واتخذ بالنسبة إلى نفسه «القدمَ» و«الذراع» و«الشبر» و«القامة» و«الخطوة» وعلى أن أمامه أشياء أخرى غير الإنسان ألفتها العين وفى الوسع اتخاذها مراجع. ولكنه بغير هذا أو ذاك لا سبيل له إلى إعطائنا ولا شبه فكرة عن المشاهد الطبيعية الضخمة. ومن السخافة الواضحة أن يعمد أحد إلى منظر جليل رائع فيصغره ويدعه على لوحة وحده، وليس إلى جانبه لا إنسان، ولا حيوان ولا منزل أو شجرة أو غير ذلك مما يناسب المشهد ويعين على تصور ضخامته.
جرى هذا بذهنى وأنا أتأمل ما فى معرض التصوير الذى فتح منذ أيام من الصور التى تمثل ما فى طيبة والأقصر من المشاهد الطبيعية والمناظر الأثرية مثل صورة وادى الملوك التى رسمها عياد أفندى، ومثل منظر بهو الأعمدة فى معبد الأقصر لمصور اخر نسيتُ اسمه. كلا الرجلين اجتزأ بالمنظر الذى رسمه ولم يعن بأن يهيئ للناظر وسيلة تعينه على تصور الحقيقة الجليلة بكل ما فيها من روعة أو ببعضه. فهل تراهما لا يفهمان حدود فنهما؟
•••

أيمكن أن يخدم التصويرُ غاية اجتماعية؟ لم لا؟ ماذا يمنعه أن يؤدّى هذا الواجب فيما يؤديه ويبلغ إليه من الأغراض والغايات؟ أى شىء من العلوم أو الفنون أو غير هذه وتلك لا يخدم المجتمع؟ عسى من يقول: «ولكنك بهذا تجعل الفنون الجميلة منفعية». فتقول: إننا لا نكترث لهذه التقسيمات العرفية المتداخلة على الرغم من كل الفروق التى يضعونها والحواجز التى يقيمونها. وعلى أن الذى نعرفه هو أن التصوير قوامه عملان: أولهما وأسبقهما فى الوجود الرسم، أى التخطيط الذى تتضح به المعالم ويبدو به المرسوم، وثانيهما التلوين، أو طبقة اللون التى تنشر على صفحة الصورة. والباعث الأول على كليهما منفعى أو هو على كل حال غير فنى. قال «جرالد بولدوين براون» مؤلف كتاب الفنون فى إنجلترا القديمة: «قد لوحظ أن الهمج إذا أراد أحدهم أن يؤدى إلى زميل له وقعَ حيوان أو شىء فى نفسه، رسم بأصبعه فى الهواء المميزات التى يعرف بها هذا الحيوان أو الشىء. فإذا لم يفده ذلك ولم يبلغ به غايته، رسمه بعصا مدببة على الأرض. وليس بين هذا وبين الرسم على رقعة تنقل وتحفظ ما ينقش عليها، إلا خطوة».
وقال عن التلوين: «إن الجسم الإنسانى — وهو أول ما يعنى الإنسان — رقيق حساس. والخشب — وهو من أقدم أدوات البناء والذى تتخذ منه كل السفن — عرضة للتداعى ولا سيما إذا تعرض للرطوبة. كذلك اَنية الطين القديمة نضاحة لأنها لم تكن تُحرق الإحراق الكافى. ومن هنا كان خليقا بالإنسان أن يلتفت بسرعة إلى خواص بعض المواد الصالحة لأن يُتخذ منها دهان شديد اللصوق بما يُراد وقايته أو تقويته. وبعض الهمج يدهنون أجسامهم بأنواع من الزيوت وما إليها بعد أن يمزجوها بغيرها من المواد لينالوا من وراء ادِّهانهم بها الدفء المطلوب فى المناطق الباردة، ولتحميهم من لدغ الحشرات فى الأقاليم الحارة. والقطران أو الشمع أو ما إليهما، إذا أذابته الشمس أو النار، صلح لطلى الخشب به وجعله بذلك موقى من الرطوبة. وقد اهتدى الإنسان إلى الدهانات التى تطلى بها الأوانى المصنوعة من الطين لسد مسامها. وليس هذا كله من الفن فى شىء إلا بمقدار ما يكون التخطيط أصلًا للفن. ولكن هذا يكتسب صبغة فنية متى أدّى التلوين دوره. وهناك أسباب فزيولوجية تجعل للون الأحمر تأثير الإهاجة، وللألوان القوية على العموم وقعًا فى النفس، وهذا الاستعداد للتأثر بالألوان أصل ثان بيِّن لفن التصوير».
والتصوير فن «ذهنى» كالشعر، غرضه العاطفة وأداته الخيال أو الخواطر المتصلة التى توجهها العاطفة وجهتها، وإذا كانت ريشة المصور لا تستطيع أن تجارى القلم فى إيضاح القوانين التى ينبغى أن تجرى على مقتضاها حالات المعيشة وأنظمة الاجتماع وغير ذلك، فإنها تستطيع ولا شك أن تمثل بما تسعه قدرتها الام الفقر وحنان المرزوئين به ونزاعهم إلى السعادة، ومكافحتهم لقوى الطبيعة ونظام الاجتماع، وتسامى نفوسهم وتعاليها عن الدرك الذى هم فيه إلى جو أرقى وأمجد وأحفل بمعانى الحياة الحقيقية. وبذلك تحرك فى نفوس النظارة العواطف التى تتولد منها الرغبة فى التغيير والنزوع إلى الإصلاح.
ومن أجل ذلك سرنا أن نرى فى المعرض صورة من صنع الأستاذ أحمد أفندى صبرى يريد بها شيئًا غير مجرد الرسم وإثبات ملامح الوجه ومعارف السحنة بالغًا ما بلغت الدقة فى ذلك والقدرة عليه. وهى صورة تمثل صبية بائسة قذرة شعثاء الشعر. يخيل إليك أنها تهم بالبكاء، وتكاد تلمح فى حملاقها الدمعة المترقرقة. وقد رسمها مرة أخرى بعد أن أصلح من حالها، وأبدلها من أقذارها وأسمالها ثوبًا نظيفًا ومنديلًا تعصب به رأسها وتجمع تحته شعرها مضفرًا، فجاءت على دقة الشبه وكأنها إنسان اخر، فيه أمل وخير، لا كتلك المتمرغة فى الفاقة التى تثير رثاثتها وبؤسها العطف والألم والرغبة فى المواساة وفى إصلاح هذا النظام الغريب الذى كم شقيت به من نفس مستعدة.
•••

والتصوير فى أصله فن تقليدى، ولكن ليس معنى ذلك أن تمثيل الطبيعة، تمثيلًا لا يتجاوز مجرد النقل من دون زيادة أو نقص، هو كل ما يطلب من التصوير. ومن المسلم به أن إثبات صورة الشىء ليس عملًا فنيّا، وإنما يصبح كذلك إذا كان الإثبات بحيث يبرز صفة الشىء ويؤكد مميزاته وينفث فيه روحًا. أو بعبارة أخرى لا يكون الرسم فنيّ! إلا إذا ظهر فيه عنصرُ الجمال فى الترتيب أو التأليف، وإلا إذا صار إبرازُ الفكرة والأداءُ وعناصر التمثيل والجمال وطابع المصور فى عمله — كل ذلك واحدًا فى جوهره بحيث تصبح الصورة وليست عبارة عن فكرة رُسمت وأُلبست عمدًا هذا الثوبَ الفنى، بل فكرة خليقة ألا يكون لها وجود إلا بمقدار ما تستطاع العبارة عنها بالتصوير.
ويقول لنج: «إن غاية كل فن لا يمكن أن تكون إلا ما يستطيع هذا الفن أن يبلغه دون الاستعانة بسواه من الفنون». والتصوير، على أنه فن تقليدى، لا غنى به عن عنصر الجمال، حتى ليصح أن يقال إن الجمال هو غايته التى ليست وراءها غاية. وأسمى ما يكون الجمال فى الإنسان، من ناحية واحدة هى ناحية وجود مُثل عُليا له، وذلك ما لا يكاد يكون له وجود فى الحيوان، وما لا وجود له على التحقيق فى النبات والجماد، ومن هنا كان مصورُ المناظر الطبيعية ورسامُ الأزهار والورد دون غيرهما ممن مجالهم الإنسان، إذ كان ما فى الطبيعة والأزاهر وما إليها من الجمال، عاجزًا عن كل مَثل أعلى، وكان المصور الذى يجعل وكده إثباتَ هذا الجمال لا يعدو أن يشتغل بعينه ويده.
وليس أكثر فى هذا المعرض من صور الناس ولكنا لم نجد إلا صورةً واحدة نستطيع أن نقول إنها فنية. وتلك صورة للأستاذ أحمد صبرى لشابة جميلة استطاع المصور أن يثبت فى وجهها حالة مخامرة لا زائلة، وشعورًا باطنا ملازمًا، وكأن هذه الشابة تدرك أنها جميلة، ولا تخفى عليها مزاياها وما تؤهلها له هذه المزايا والمفاتنُ، ولكنها مع ذلك تشعر بأن شيئًا ينقصها، وأن حياتها تعوزها كلمة واحدة يخطها قلم المقدور. غير أنها لا تدرى ما هو هذا الذى ينقصها ويمنع حواسَّها أن تثمل بنشوة الحياة، ولا يُفيض على الدنيا أضواء الفراديس، نعمٍ لا تدرى وإن كانت تحس. وليست لجهلها ما تبغى، أقلَّ تبرمًا ومللا ونزوعًا إلى الإشاحة بوجهها عن متع الحياة، على فرط ما تنطق عيناها به من الشوق إلى ارتشاف كأس الاستمتاع الذى يعدها له، وتغريها به، نضوجُها واستيفاؤها حظّا وافيًا من تمام الجسم وجماله، بل لعلها لهذا السبب أشدُّ تبرمًا وأكثر أسى، وإن كان تبرمها التبرم الذى قد يذهلها عنه، بين آن وان، ما لا بد أنها موفَّقة إليه، ظافرة به. ولعل خير ما تسمى به هذه الصورة «النفس الظامئة».. ولكن غير هذه من الصور لا ترى فيه إلا حالة زائلة ليست هى بالتى ينبغى أن يطلبها المصور ويعالج أن يؤديها ويثبتها، إذ لم يكن فى إثباتها مزية خاصة أو براعة شاذة وقدرة وتجويد فى أدائها. وليس الحال كذلك فى تلك الصورة التى لا تكاد تمضى عنها حتى تنساها كأنك ما رأيتها. ذلك إلى عيب فى الرسم كالذى وقع فيه الأستاذ ناجى فى صورة «مدام اَدم» إذ جعل ما ينسدل على ساقيها من ثوبها وهى جالسة كأنه قطعة من الجلد الغليظ ملتفة عليهما تحسّ بعينيك سمكه وغلظه.

الفصل الرابع عشر
التصوير والشعر الوصفى


(?) الحركة والسكون — وصف المناظر ورسمها — الجمال ووقعه

مذهب الأمبرشنزم

يقول ابن الرومى:?ما أنسَ لا أنس خبازًا مررت بهيدحو الرقاقةَ وشكَ اللمح بالبصرما بين رؤيتها فى كفه كرةًوبين رؤيتها قوراءَ كالقمرإلا بمقدار ما تنداح دائرةٌفى لجة الماء يُلقى فيه بالحجر وهى أبيات مشهورة، فيها — كما يرى، أو كما سيرى، القارئ — صورة مركبة.. ونعنى بذلك أن فى هذه الصورة التى رسمها، منظرين: أحدهما منظر الخباز يتناول قطعة العجين كرة ولا يزال بها يبسطها ويدحوها حتى تعود رقاقةً مستديرة مسطحة يصنع بها بعد ذلك ما شاءت صناعته لإنضاجها مما لا شأن لنا به الاَن. والمنظر الثانى الماءُ يُلقى فيه حجر فيُحدث وقوعُه فيه دوائرَ تتسمع شيئًا فشيئًا حتى تضعف قوةُ الدفع ويفتر الاضطرابُ الذى سبَّبه سقوطُ الحجر. وفى كلا المنظرين حركة، أو قل إن كلّا منهما مؤلف من عدة مناظر متعاقبة سريعة التوالى. إذا أراد المرء أن يثبتها بالرسم على اللوح احتاج إلى أن يصنع فيها صورًا كثيرة تمثل كلّ منها واحدًا.
ولكنه بعد أن يفعل ذلك لا يكون قد صنع شيئًا على الحقيقة ولا أمكننا من النظر إلى جملتها كما فعل ابن الرومى بأبياته الثلاثة. لأن ههنا حركةً هى مجال الشعر، وليس للتصوير قبل بها أو قدرة على إثباتها. وإنما كان هذا هكذا لأن الشاعر يسعه أن يتدرج وأن ينتقل من وصف حركة إلى وصف أخرى وثالثة وإن كان لا يسعه أن يفعل ذلك بمثل السرعة التى تتوالى بها الحركاتُ. ولكن تسامح القارئ أو السامع هنا قليل، وما يطلبه الشاعر من خياله أو يعول فيه عليه ليس بالكثير، وما عليه إلا أن يغتفر البطء الذى فى طبيعة اللغة التى هى أداةُ الشاعر. وهو بطء قد اعتاده المرء فى حياته وفى كل مظهر من مظاهر اتصاله بالناس. ولكن هذا البطء الطبيعى المغتفر يحول فى التصوير جمودًا غير مقبول ولا سبيل إلى احتماله أو اغتفاره، لأن وظيفة التصوير أن يعطيك المنظرَ دفعة واحدة لا على أقساط، وأن يمكنك، بنظرة واحدة، من أخذ جملة المنظر بكل ما فيه من تفاصيل. وكما أن المصور يخفق إذا عالج تصوير الحركات المتعاقبة، كذلك يخفق الشاعر إذا هو حاول أن يرسم لك، بالألفاظ المتعاقبة، منظرًا ثابتًا خاليا من الحركة. خذ مثلا أبيات أبى تمام فى وصف روضة فى مقدمة المصيف:
يا صاحبىّ تقصيا نظريكماتريا وجوه الأرض كيف تُصَوَّرُتريا نهارًا مشمسًا قد زانهزهرُ الربى فكأنما هو مقمردنيا معاش للورى حتى إذاحلَّ الربيعُ فإنما هى منظرأضحت تصوغ بطونُها لظهورهانورًا تكاد له القلوب تنورمن كل زاهرة ترقرق بالندىفكانها عين إليك تحدرتبدو ويحجبها الجميمُ كأنهاعذراءُ تبدو تارة وتخفرحتى غدت وهداتها ونجادُهافتتين فى خلع الربيع تبخترمصفرة محمرة فكأنهاعصب تيمّن فى الوغى وتمضرمن فاقع غضّ النبات كأنهدر يشقق قبلُ لم يزعفرأو ساطعٍ فى حمرة فكأنمايدنو إليه من الهواء معصفرصبغ الذى لولا بدائع لطفهما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر والأبيات فى ذاتها، وبالقياس إلى أمثالها مما فى الشعر، حسنة جميلة، ولكنها من حيث القدرة على تصوير المنظر للقارئ وإحضاره إلى ذهنه ليست إلا مظهرًا للفشلٍ التام والعجز البيّن الذى يُمنى بهما من يريد أن يتخذ من القلم ريشة كريشة المصور. وخيال القارئ هنا هو الذى يفعل كل شىء ويتناول العناصر التى سردها الشاعر ثم يرتب منها صورة على مثال ما يروقه من المناظر المألوفة. وفى وسعه أن يرسم لنفسه من هذه الأبيات ألفَ صورة لا تشابه واحدة منها أختها. وفى مقدور كل امرئ أن يتصور اَلافًا من هذه المناظر. وقد يكون ذلك حسنًا وجميلًا، وربما ذهب البعض إلى أنه مزيةٌ وإلى أن فيه فضلًا، ولكنا لم نقصد إلى هذا ولا أردنا شيئًا سوى أن اللغة عاجزة عن أن ترسم لك جملة المنظر الذى تأخذه عينك حين تقع عليه.
غير أن هذا الذى لا يتيسر للشاعر أو الكاتب يتهيأ للمصور كما لا يتهيأ سواه. وهنا موضع التحرز من خطأ قد يقع فيه القارئ أو يتوهم أنا نقوله. ذلك أن المصور، حين يرسم لك مثل هذا المنظر، لا يرسم فى الحقيقة أغصان النبات وألياف أوراقه وغلائلَ الأزهار وما إلى ذلك من التفاصيل وإنما هو يُحدث من تأليف ألوانه والمزاوجة بينها ما «يوهمك» أنك ترى كل ورقة وكل عود. ونقرّب المسألة قليلًا فنقول هبه يرسم لك وجهًا تتدلى منه لحية، فإنه لا يرسم كل شعرة فى هذه اللحية، ولو حاول ذلك لرام المستحيل، ولكنه «يوهمك» بألوانه وبإثبات الضوء والظل أنه فعل ذلك وُتدخل فى روعك أنك ترى شعرات اللحية وأن فى وسعك أن تمسك كل واحدة منها وتفتلها إذا شئت. وهذا «الإيهام» أو التخييل الذى يتأتى فى التصوير لا سبيل إليه فى الشعر والكتابة على هذا الوجه وإن كان فى الشعر نوع اخر من الإيهام.
فالمصور له لحظة فى الفضاء والشاعر له لحظات متعاقبات فى الزمن، ومن أجل ذاك كان على المصور أن يتخير أحفلَ اللحظات بالمعانى والدلائل وأنمَّها — إذا استطاع — على اللحظة التالية مباشرة وأدلها، إذا تيسر له هذا، على اللحظة السابقة. ولكن ليس له أن يطمع فى تصوير أكثر من لحظة واحدة أو رسم التعاقب الذى يقع فى الزمن. غير أنه يستطيع، بحسن تخيره وانتقائه للحظة الحافلة، أن يجمع بين لحظتين متعاقبتين متداخلتين فى الحقيقة. ومن هذا القبيل صورة (العمامة) فى المعرض المقام فى القاهرة. وهى للأستاذ صبرى وفيها يرى الناظر رجلًا من عامة المصريين فى سروال أبيض، وقميص مثله ينسدل إلى الركبتين، وفوقه صدرية مفتوحة الأزرار، وطربوشه على ركبته اليمنى، وكفاه على طيات العمامة. والناظر إلى هذه الصورة يرى من وضع اليد اليمنى من أين جاءت فى لفّها حول العمامة، وتكاد يحس أنها ستتحرك ماضية فى طريقها. فالمصور هنا استطاع أن يُنبئك عن الحركة التالية التى لم يرسمها، وتلك قدرة ولا شك وأستاذية لا خفاءَ بها. ولكن المصور مع هذا أخطأ فيما عدا ذلك فى رأينا. ذلك أنه لم يختر اللحظة التى تتناسب مع إشعار الناظر إلى الصورة باستمرار حركة الكفين. وهذا لأن العمامة تامة حول الطربوش، وأنت ترى من الصورة أن عملية اللف قد انتهت وأن هذه الحركة الواضحة من رسم الكفين والمرادَ بها توجيه طية العمامة، لا محل لها تقريبًا، ولو أن جانبًا من العمامة كان باقيًا لم يُلف لتناسبت هذه الدلالة على الحركة مع استمرار عملية اللف. على أنه قد يعتذر له بأن الرجل يسوّى عمامته وبحبكها بعد أن أتم لفها، وهو اعتذار مقبول ولكنا كنا نحب أن نربأ بهذه الصورة البديعة المتقنة عن الاعتذار لها مما يبدو لنا فيها من عدم تحرى أنسب اللحظات فيما نرى.
ولكن الشعر يستطيع مع ذلك حين يعالج وصف المناظر ألّا يقصّر عن التصوير وأن يبذه ويفوته. ذلك أن المصور إنما يُلقى إليك المنظرَ مجردًا من خوالج النفس ومن وقعه فى الصدر. نعم إن فى اختياره معنى، وقد يحرك المنظرُ المرسوم خالجة أو عاطفة أو إحساسًا فى قلبك، غير أن المصور لا يسعه أن يضمِّن المنظر إحساسه هو أو يُنهى إليك كيف كان وقعه فى نفسه كما يستطيع أن يفعل الشاعرُ لأن الشعر بطبيعته مجاله العاطفة. خذ مثلاً أبيات البحترى فى الربيع:
أتاك الربيعُ الطلق يختال ضاحكًامن الحسن حتى كاد أن يتكلماوقد نبَّه النيروزُ فى غلس الدجىأوائل ورد كنّ بالأمس نوّمايفتّقها برد الندى فكأنهيبث حديثًا كان قبلُ مكتّماومن شجر ردّ الربيعُ لباسهعليه كما نَشَّرت وشيًا منمنماأحل فأبدى للعيون بشاشةوكأن قذى للعين إذ كان محرماورق نسيم الريح حتى حسبتهيجىء بأنفاس الأحبة نُعَّمافما يحبس الراح التى أنت خلهاوما يمنع الأوتارَ أن تترنما فلم يحاول أن يرسم لك صورة وإنما أفضى إليك بما أثاره الربيعُ من المعانى فى نفسه وبما حرَّكه من طلب الانشراح فى عيد الطبيعة. ولو أنك جئت بأبدع صورة مرسومة ووضعتها إلى جانب هذا الكلام أو غيره مما يجرى مجراه لما أغنت شيئًا. فإن لكل من الفنين دائرة إذا عداها ضعف وسمج ولحقه الوهنُ وقصّر عن الغاية.
•••

وأجمل ما فى الطبيعة وأرقى ما فيها الإنسان، وما أحسبنا نكترث لشىء فيها إلا من أجله. وأقوى ما فى الإنسان عواطفه التى مردُّها إلى غريزة حفظ النوع، وكما يعجز الشعر عن رسم جمال الطبيعة بما يعالجه من الوصف، كذلك يعجز الشاعر عن إثبات صورة من يحب من الناس مهما أوتى من القدرة والحذق. بخلاف التصوير فإن بضعة خطوط مجتمعة، وألوان مؤتلفة، تحضر إليك الصورة دفعة واحدة.. ولكن الجمال ليس مظهرًا فحسب، وليس كل ما فيه ألوانًا مؤتلفة وأصباغا متناسقة حتى ينفض الشاعر يده من تصويره يائسًا ويدع كل أمره للمصور.. وإذا كان من السخف أن يجور شاعر، كبشار بن برد مثلًا على مجال المصور ويقول:
بنت عشر وثلات قُسمتبين غصن وكثيب وقمر ويحاول بهذا الجمع السخيف بين هيف الغصن وضخامة الكثيب وبياض القمر أن يحدث صورة معقولة لها معنى أو من ورائها محصول أو لها دلالة سوى العجز المستبين والتقليد السمج، إذ كان القمر مثلًا ليس جميلًا لأنه أبيض أو مستدير بل لأن لياليه شائقة ولذكراها نوطة فى القلب وعلوق بضمير الفؤاد ولأن حسنها محرك للأشجان متير للرغبات وكذلك الغصن ما أسخف أن يكون قدّ إنسان كقده وإنما يكون جميلًا بما حوله من حاشية المعانى — نقول إذا كان ما يعالجه الشاعر من هذا القبيل ليس فيه خير ولا وراءه فائدة، فإنه يستطيع أن يأتى بخير كثير إذا نظر إلى الجمال باعتباره حركة. أى إذا مثّل لك رشاقته وسحرَه ووقعَ محاسنه العديدة كما فعل بشار إذ يقول:
كأن لسانًا ساحرًا فى كلامهاأعين بصوت للقلوب صيودِنمُيت به ألبابنا وقلوبنامرارًا وتحييهن بعد همود أوإذا صور لك ما تثيره الملاحةُ فى نفس رائيها من الرغبة والطلب كما يظهر من قول النواسى:
مقسومة فيه ملاحتُهما بين مجتمع ومفترقفإذا بدا اقتادت محاسنهقسرًا إليه أعنةَ الحدق والبيت الثانى هو المقصود. فهذا مجال إذا زج المصورُ بنفسه فيه استهدف لكل عيب وجعل نفسه أضحوكة. وتصور البيت الثانى مرسومًا! امرأة بارعة الجمال وحولها نفرٌ من الرجال تكاد عيونهم تخرج من وجوههم! غاية السخف ولا شك. لأن وظيفة المصور ليست أن يؤدى إليك التأثيرَ بل أن يدع الصورة تؤثر بذاتها وبما تنطق به دون أن يعالج أداءَ الأثر الذى تحدثه.
لا. ليس بالشاعر حاجة إلى أن يسرد لنا أوصاف الجميل وأن يذكر لنا مثلًا ما لونُ عينيه وكيف حمرة خده ونضوج صدره واعتدال قوامه، بل يكفينا أن يقول مثل ابن الرومى:
ليس فيما كسيت من حلل الحسنولا فى هواى من مستزاد لنعلم أننا هنا نقرأ عن جمال نتخيله وفق هوانا ولا نحتاج إلى صورة قد تكون أقل مما تصورناه فتخيب أملنا. وحسبك أن نقرأ له هذا السؤال:
أهى شىء لا تسأم العينُ منهأم له كل ساعة تجديد؟ لتغرى بأن تصور لنفسك المثل الأعلى للجمال ولتعد كل صورة مرئية دون ما تتخيل، أو قوله فى مغنية:
ذات وجه كأنما قيل كن فردا بديعًا بلا نظير فكاناومتى ما سمعت منها فشدويطرد الهمَّ عنك والأحزاناهى حلمى إذا رقدتُ وهمىوسرورى ومنيتى يقظانا •••

ومن العبث ولا شك أن يعالج المصور رسم وقع المنظور كما أسلفنا، أو أن يحاول أن يلف لنا الصورة فى مثل الضباب وأن يقول لنا إن هذا هو ما تعلقت به عينى من معنى ما أرى. وقد نشأ مذهب الأمبرشنزم من الخطأ فى فهم وظيفة التصوير. إن وظيفة التصوير هى أن ينقل المرئى نقلا تتوافر فيه معانى الجمال مع مراعاة قوانين الرسم والأصول التى ترجع إلى السنن المقررة. أما التأثير والوقع فشىء خارج عن دائرة المصور. نعم إن للأمبرشنزم أصلًا صحيحًا فى ذاته. ذلك أنك قد تنظر إلى الشىء وتتأمل تفاصيله، واحدًا واحدًا، وتُدير فيه عينك على مهل لتأخذه فى جملته وفى تفصيله، أو قد تنظر إلى الشىء نظرة عامة لا تتوخى فيها تأمل التفاصيل. أو قد تنظر إلى جزء معين منه تعلق به عينك وتترك ما حوله يبدو لك فى غير وضوح لأنك لا تقصده بنظرك ولا تعتمد بلحظك إلا الجزءَ الذى أَتْأَرت إليه بصرك. والمصورون على طريقة الأمبرشنزم يتوخون الحالتين الأخيرتين لا الأولى، ولكنهم يضحون فى هذا السبيل بالرسم ذاته مقابل الحصول على المنظر جملة أو على جانب منه على الخصوص مع ترك باقيه ملفوفًا فى ضباب عدم الالتفات إليه مع العناية إلى جانب ذلك بالألوان الزاهية، ولو أنهم دققوا فى الرسم وعُنوا به أيضًا لجاز عملهم، ولكن الألوان تذهب على الزمن فلا يبقى على اللوح شىء لأنه لا رسم هناك أى لأن الأصل غير موجود. فهو مذهب يقوم على خطأين: الخروج عن دائرة التصوير أو تجاوز حده، وإهمال الرسم الذى هو قوامه. ومن الغريب أن ينشأ هذا المذهب فى مصر وأن يتعلق به بعض مصورينا. وأحسبهم يؤثرونه لأنه لا يكلفهم مر اعاة ا لأصول التى لايحسنونها على ما يظهر!
(?) الدمامة — الإحساسات المركبة — المضحك — التصوير الهزلى

نعود فى هذا الفصل إلى مثل ما بدأناه من الكلام على الشعر والتصوير وإظهار فرق ما بينهما فى طريقة التعبير عن المعانى التى يكون لهما أن يتناولاها، معتمدين فى ذلك على ما قرأناه فى هذا الباب وعلى ما يمكن استخلاصه من درس براعات القدماء، وهو موضوع يدق فيه الكلام، ولا يؤمن معه الغموض والاستبهام، ولا يتيسر استقصاء بحثه من جميع جهاته فى بضعة أنهر أو أعمدة. فعلى القارئ أن يُتم النقص ويسد الفراغ، فما نطمع أن نقدم له أكثر من بذرة إذا هو تعهدها ربت واهتزت واتته ثمرًا كثيرًا وخيرًا وفيرًا.
الشعر والتصوير لبوسهما الجمال. والدمامة فى الدنيا كثيرٌ بل أكثر من أن تحتاج إلى وصف أو تصوير، والناس أحس بها، وأشد نفورًا منها، وأعظم اتقاء لما تثيره من الإحساسات المنغصة من أن يرتاحوا إلى تمثيلها أو يطلبوا أن يروها مصورة. فهل للشعر والتصوير أن يتناولاها؟ سؤال لا نجرؤ أن نجيب عنه بالنفى الشامل، ولكنا مع ذلك نقول إن الدمامة، من حيث هى، لا ينبغى أن تكون مما يعتمد الشاعر أو المصور تمثيله لذاته فقط. ولا شك فى أن التصوير باعتباره فنّا تقليديّا، له أن يفعل ذلك وأن ينقل القبح ويصوره على اللوح ولكنه باعتباره فَنّا جميلًا ليس له أن يتخذ الدمامةَ فى ذاتها غرضًا، وإنما هو يتخذ منها أداة إلى استثارة إحساسات أخرى غير التى تبعثها الدمامة نفسها. وإنما كان هذا هكذا لأن المصور يستطيع أن يجمع على اللوح كلَّ مكونات الدمامة فتأخذها العينُ دفعة واحدة. وقد يكون صدق التصوير ودقةُ الحكاية مصدرَ سرور للناظر ولكنه سرور أو ارتياح مبعثه قدرةُ الفن ذاته لا الصورة، فهو عرضى لا يتصل بأصل الموضوع بل يأتى من طريق العمل، ولهذا لا يكون إلا وقتيّا لا يلبث أن يزول. ولما كانت قدرة الفن مفروضة سلفًا وصدقُ النقل والأداء مقدرًا من قبل، فإن الناظر لا يطول تأمله لهذه القدرة التى كانت محسوبة وكان من أمرها على ثقة، ولا يلبث أن يتحرك فى نفسه النفورُ الناشئ عن منظر القبح الدائم الذى هو أصل الصورة وقوامها لا عرض جاء من غير طريقها.
والأمر ليس كذلك فى الشعر إذ كان لا يسعه أن يقدم للقارئ جملةَ الدمامة مجتمعة، بل هو يسردها عليك متفرقةً ويؤديها إليك على أقساط ويسوقها مقطعة الأوصال، فيضعف فى أثناء أدائه لها ذلك الإحساسُ بالنفور الذى تستشعره حين تقع عينك على جملة ذلك مجتمعة على اللوح. فالتنغيص المستفاد من الصورة يضعف ويفتر فى الشعر حتى لا يكاد يحس. وإذا كان الشاعر يفسد عليك الأمرَ إذا هو عالج وصفَ الجمال فإنه يهوّن عليك التغثية حين يسرد أوصاف الدمامة. بخلاف المصور فإنه يُغثى النفس ويكرب الصدر بتصوير الدمامة ويسر بتمثيل الجمال.
وعلى أن الدمامة ليست مطلوبة لذاتها ولا هى ينبغى أن تكون من أغراض الشاعر أو المصور وإنما هما يبغيانها — إذا احتاجا إليها — وسيلة إلى غيرها وأداة يستعينان بها على تحريك إحساسات متزاوجة أو مركبة غير التى ينبهها منظرُ الدمامة. وقد تعلم أنه قل من بين الإحساسات البغيضة — كما يقول نيقولاى — ما لا يكون مختلطًا بغيره أو نقيضه، فالخوف مثلًا قلما يخلو من خيط من الأمل كما يقول ابن الرومى:
أخاف على نفسى وأرجو مفازَهاوأستارُ غيب الله دون العواقبألا من يرينى غايتى قبل مذهبى؟ومن أين والغاياتُ بعد المذاهب؟ والغضبُ تزامله الرغبةُ فى الأخذ بالثأر. ومن الأمثلة الواضحة لذلك فى الشعر ثورةُ ابن الرومى على ابن المدبّر لما أحقده بتخييب أمله، فقال فيه قصيدته التى مطلعها (يا بن المدبر غرنى الرواد) وفيها يقول:
أدعو على الشعراء أخبثَ دعوةإذا مجدوك، وغيرُكقل لى بأية حيلة أعملتها،هتفوا بأنك، لاحفظتلكن أخال معاشرًا خيبتهمنصبوا الحبائل للأسى فأجادواأثنوا عليك ليستميحك غيرُهمٍفيخيب خيبتهم وتلك أرادوالتلاقين شتائمى ناريةلا يجتوتك حريقها الوقادولأرمينك بعدها بقصائدفيها لكل رميّة إقصادشنعاء تضرم فيك نارَ شناعةتبقى نوائرها وأنت رماد والحزن أبدًا مرتبط بذكرى ما سلف من الأيام الحسان والساعات المحبوبة. وأظهر ما تجد ذلك فى شعر ابن الرومى أيضًا. تأمل قوله فى رثاء ابنه محمد — وكان طفلًا — وكأنه هنا يحب أن يتعزى بابنيه الباقيين وإن كان ينفى ذلك، ولكن حسبك أن تسأل نفسك لماذا يذكر هما؟
وإنى وإن منعتُ بابنىّ بعدهلذاكره ما حنت النيب فى نجدوأولادنا مثل الجوارح أيهافقدناه كان الفاجع البين الفقدلكلٍّ مكانٌ لا يسد اختلالهمكانُ اخيه من جزوع ولا جلدهل العين بعد السمع تكفى مكانه؟أم السمع بعد العين يهدىأقرة عينى لو فدى الحى ميتًافديتك بالحوباء أول منكأنى ما استمتعت منك بضمةولاشمة فى ملعب لك أومهد والبيت الأخير هو الشاهد. وأظهر من ذلك وأدل على ارتباط الحزن والأسى بذكريات السعادة قصيدته فى رثاء بستان المغنية، وهى طويلة جدّا نختار منها لما نريده من التمثيل هذه الأبيات:
إنا إلى الله راجون لقدكال الردى سيرةً من السيريامشربًا كان لى بلاكدريا سمرًا كان لى بلا سهرما كنت أدرى أطعم عافيتىأعذبُ أم طعم ذلك السمرلهوٌ أطفنا ببكر لذتهوما فضضنا خواتمَ العذرولم ننل من جناه نهمتناوإن حظينا بمونق الزهركأننى ماطلعتِ مقبلةعلىَّ يومًا بأملح الطررفى كفك العودُ وهو يؤذن بالإحسان إيذان صادق الخبركأن عينى ما أبصرتكِ ضحىفى مجلسى — والوشاةُ فى سقركأنها ما رأتك صادحةوالصّدَّحُ الورق عكّف الزمركأننى ما استعدتُ مقترحىيومًا فكررته بلا ضجرلولا التعزى بذاك اونةلا نفطر القلب كل منفطر فالقلب كما ترى يتعلق مرة بالسار وأخرى بالسىء من عناصر العاطفة، ويتنقل من هذه إلى تلك تنقلًا هو أشجى وأكثر إمتاعًا من عاطفة السرور الخالصة، ومن هنا يقول نيقولاى إن المَغيظَ المحنق يكون أشد تعلقًا بغضبه، والحزين بحزنه، وأعظم زهدًا فى كل ما نحاول أن نسكنه به ونسرِّى به عنه. ولكنّ الاشمئزاز المنبعثَ عن الدمامة شىءٌ اخر، والنفس لا تحس من ناحيتها ما يمزج بهذا الاشمئزاز شيئا من السرور، ولهذا نرى الشعراء والمصورين الذين يدركون غايات فنيهما لا يطلبون الدمامة لذاتها وإنما يتخذونها سلمًا إلى تحريك الإحساسات المتزاوجة، مثال ذلك أن يضيفوا إليها تكلف الرشاقة أو تصنع الوقار أو مبالغة الدميم فى رأيه فى نفسه أو غير ذلك مما يُخرج لنا صورة مضحكة.
وهنا موضع التحرز من خطأ. ذلك أن الدمامة ليست إلا نقصًا أو عدم استواء قد يكون باعثًا على العطف، ولكن الروح قد تعوض ذلك وتسد النقص كما يسده العلم أو الفضل أو غيرهما، ولكن إثارة الإحساس بالضحك لا تكون فى الغالب إلا من طريق الدمامة التى هى نقص إذا اتُّخذ دعوى كمالٍ فتح الباب للسخرية. وقد فطن ابن الرومى إلى ضرورة الدمامة فى حيثما أراد أن يُحيل المهجوَّ مضحكًا وموضعَ استهزاء. وقد هجا كثيرين ولكنه إذا أراد أن يركب المهجوَّ بالسخرية والفكاهة ألزمه صفة الدمامة. وقد تفرد هو والمتنبى من بين شعراء العرب بدقة التفطن إلى هذا. تأمل قوله فى أبى بكر الرقى:
لأبى بكر كلامواحدٌ لا يتعدىضرب الله عليهدون لفظ الناس سدَّالا يرى من وصفه البستانَ بالبصرة بُدَّاوإذا ناظر خصمًاذات يوم فأجدامطّ للخصم جبينًاكجبين الأ.. صلداوادعى الإجماعَ فيماكان للإجماع ضداوله أبيات شعرأُلفت زوجًا وفردامقويات مكفاَتصلحت للفرد عِقداجمع الإعرابَ طرّافى قوافيهن عمدامثل ما مضت سبيلمن شعوب الناس وفداثم من أحلفِ خلق اللهأن لا يتغدىوألج الناس ما داميُحْمَى ويفدىفإذا أعرضتَ عنهجاء نحو الزاد شداكصبى السوء يلقىمنه من قاساه جهداوإذا قال «رسول الله»مدّ الصوتَ مدافعلَ ساسىّ من القصاصأعمى يتجدى فانظر كيف وصفه بالقبح وشبهه بالقصاص الأعمى المستجدى ونعته بتكلف العلم والشعر والعزوف عن الطعام وتصنع التأبى والزهد ثم الإقبال عليه من تلقاء نفسه إذا تركه الداعون وكيف جعله يمط جبينه ويمد صوته ويفخّم لفظه ليخرج منه صورة مضحكة. وانظر قوله فى اخر:
أقصر وعوروصلع فى واحد؟شواهد مقبولةناهيك من شواهدتخبرنا عن رجلمستعمل المقافدأقمأه القفدُ فأضحىقائمًا كقاعد أى أن كثرة الصفع — القفد — صغرته حتى صار قائمًا كقاعد، أو قوله فى مغن:
تخاله أبدًا من قبح منظرهمجاذبًا وترًا أو بالعًا حجرا أو قوله فى وصف اَخر:
أو شكل ميزان قتّ، جانبٌ صعدوجانب ثقَّلوه فهو منحدر وليس للتصوير يدانِ بهذه المعانى كلها لأن أكثرها مظهرُ حركةٍ تصاحب الدمامة فتحيلها مضحكة، والدمامة إذا اجتمع معها الضعف والعجز صارت كذلك، كما تصير مرعبة إذا توافرت لصاحبها القدرةُ على الأذى كما ترى من قول شكسبير على لسان دوق جلوستر الذى وصل على العرش بأفظع الفظائع: «ولكنى أنا — أنا الذى لا يصلح شكلى للعب ولا لأن أجتلى مراَى فى صقال مراَة.. أنا الذى خدعتنى الطبيعةُ عن نصيبى من حسن الطلعة.. أنا المشوه المخدج الناقص الخلق الذى أرسل قبل الأوان فى هذه الدنيا المتنفسة — أنا الذى تنبحنى الكلاب إذا وقفتُ حيالها.. لا أفيد لذة من قضاء الوقت اللهم إلا فى النظر إلى ظلى تحت الشمس والتعليق على تشوه خلقتى — ولما كنت لا أستطيع أن أكون عاشقًا — فقد اعتزمت أن أكون نذلًا».
فهذه دمامة مرثية ومسموعة، ونقص فى الوجه وطغوى فى النفس. والشعر أقدر على تصوير ذلك لأنه يسعه أن يفرّق المجتمعَ وأن يتناوله شيئًا بعد شىء، وأن يضم إلى ما يتناول من مظاهره وجوهًا أخرى من المعانى والحركات لا تتأتى فى التصوير، بيد أن التصوير مع هذا يستطيع، بخروجه بعض الشىء عن غايته، أن يعطينا لمحة من بعض هذه المعانى، ومن هنا نشأ التصوير الهزلى حتى صار فنّا قائمًا بذاته مستقلّا فى الحقيقة عن التصوير.. ذلك أن القواعد والأصول المتعلقة بالرسم والنسب الطبيعية والتلوين لا تُراعى فيه وإنما يكون هم المصور أن يُبرز إلى جانب الرسم الذى يريد أن يدلنا به على المرسوم صفةً تُحيل المنظر مضحكًا. ولكن هذا ليس إلا شعبةَ لهو من فن التصوير وليس له إلا قيمة زائلة وهو عرض من أعراض المًدنية فيه متعة ولذة، ولكنه فيما عدا ذلك لا يخلد ولا يبقى ولا يفهمه ويلتذه الناظرُ إلا إذا كان عارفًا بالأصل الذى يُراد التهكمُ عليه، ملمّا بالعادة التى تعلق بها الرسامُ وأثار بسببها الإحساس بالمضحك فى نفوس الناظرين.
إذن فهل فن التصوير عاجز عن مجاراة الشعر فى إحالة الدمامة مضحكة أو فظيعة؟ وجوابنا على ذلك: إنه عاجز إلى حد كبير. نعم يستطيع أن يضم مظهرَ العجز إلى الدمامة على نحوٍ ما فيحدث الإحساس بالمضحك، أو أن يضيف إليها الطغوة فيروع. ولكنه لا يستطيع أن يأتى بما يقارب ما يستطيعه الشعر لأن الدمامة تفقد كثيرًا فى أثناء وصف الشعر لها حتى تكاد تتجرد منها ولاشيما إذا زاوج الشاعر بينها وبين معان أخرى من مثل ما أسلفنا القول عليه والتمثيل له.
أما فى التصوير، فالدمامة مجتمعة بكل قوتها، ولما كانت هى الأصل وكانت المعانى المضافةُ إليها ليست من الكثرة والتنوع بحيث تستغرق الخاطرَ فإن الفكر لا يلبث أن يرتد إلى هذا الأصل وأن ينسى المضحك أو غيره ويطويه فى ثنايا الدميم.
? هذا الفصل قائم على أصول مقررة، وقد تحرينا بصفة خاصة أن نتبت ونشرح ونطبق نظريةً للسنج يعرفها من قرأ كتابه «لاؤكون».
الفصل الخامس عشر
أبو الطيب المتنبى


(?) سيرورة شعره — قوة المتنبى — عناصر قوته?

لى عامان وبعضُ عام لم أر ديوان المتنبى. وكنت قبل ذلك لا أدمن قراءته، ولا أكثر من مراجعته، وإذا تناولته لا أعكف عليه عكوفى على غيره من شعراء العرب من مثل ابن الرومى والمعرّى والشريف، وقد أبدأ القصيدة فلا أتم قراءتها. وربما استوقفنى بيت فى أول مقطع منها فأضع الديوان وأذهب آخذ فيما فتحه لى البيتُ من أبواب التفكير. ولا أزال ماضيًا على سننى حتى أنسى الشاعر وما قرأت له. ولا أذكر أنى قرأت له فى حياتى قصيدتين فى يوم واحد.
ولكنى على شغفى بغيره، وقلة إقبالى ومواظبتى عليه، وطول الفترات التى قد تمضى قبل أن أعود إليه — أقول على الرغم من كل ذلك أرانى أحفظ من شعره أكثرَ ممّا أحفظ لسواه، وإن لم أكن بالقوى الذاكرة، ولا بالذى يحفظ لشاعر، كائنًا من كان، شيئًا يُذكر مهما بلغ من حبى له وكثرة مطالعتى لكلامه. وقد أنسى له البيتَ كنت أظننى ذاكرَه ولكنى لا أنسى معناه. وقد تعابثنى الذاكرة فلا أجد حتى المعنى حاضرًا، ولكنى على هذا أحسه، وإن كان يعيينى تحديده وإيضاحه، وأشعر كأن أثره شائع فى صدرى، مستفيضٌ فى جوانب نفسى، مالئ لشعاب قلبى. فأقنع بهذا الإحساس الغامض وأستغنى به عن المعنى الذى أحدثه، وأستشعر الرضا والغبطة كأنى حللتُ مشكلًا أو جلوت معمّى.
ولقد فقدت نسخة ديوانه — أو بعتُها — فلم أشعر بإلحاح الحاجة إليه. وكنت كلما نازعتنى نفسى أن أشتريه أقول: ما ضرورة ذٍلك؟ أليس خيرًا أن يحيا المتنبى فى نفسى من أن يعيش على رف فى المكتبة؟ أترى الغاية من الأدب هى اقتناء الكتب؟ لا. وليست هى أن يكون المرءُ كثيرَ الحفظ أو مدمن القراءة لما لا ينتفع به. وحسب المرء من الكتب أثرها فى نفسه وفعلها فى تهذيبها ورفع مستواها وصقلها. ولخيرٌ له أن يقرأ، وينسى لفظ ما قرأ بل معناه أيضًا، ما دامت الفائدةُ قد حصلت. والنفس إذا كانت خصبة مستعدة تنمى البذرة التى غرست فيها، وليس يمنع النماءَ أن البذرة تحت التراب مدفونة.
ولكن لماذا يبقى عندى من كلام المتنبى ما لا يبقى من كلام سواه؟ الذاكرةُ واحدة وليس هو بأحب إلىّ وأعز علىّ من الشعراء الفحول غيره؟ أيكون تعليل ذلك أن حُفّاظ شعره كثيرون وأن أبياته متداولة ملوكة تُساق فى كل معرض من معارض الاستشهاد والاقتباس، وأن كثرة سماعى لشعره من أفواه الناس ورؤيتى إياه موردًا فى غضون الكتابات — كل ذلك كان من اثاره أن علقت أبيات كثيرة له بذاكرتى؟ هذا التعليل لا يزحزح المسألة عن موضعها قيد أنملة. ويبقى بعد ذلك أن نسأل: لماذا نرى الناس أحفظَ لشعره وأكثر رواية وتمثلًا به منهم لشعر غيره؟ وكل ما هنالك من الفرق أن دائرة السؤال اتسعت فصارت عامة تشمل الناس جميعًا بعد أن كانت خاصة قاصرة على كاتب هذه السطور؟
وعندنا أن علة هذه السيرورة التى رُزقها شعرُ المتنبى هى أن فى شعره «قوةً» تخطئها فيمن عداه من مشاهير شعراء العرب. وإذ كنا لا نحب أن يكون كلامنا مبهمًا فالأولى والأمثل أن نخرج من هذا التعميم إلى التخصيص، وأن نبين مظاهر هذه «القوة» فى المتنبى وقد لا نحصيها أو نستطيع الإتيان على أكثرها، ولكن هذا لا قيمة له ولا خطر، وليست غايتنا الاستقصاءَ فإن المقام أضيق من أن يتسع له، والوقت أقل من أن يعين عليه. على أنه لا حاجة بنا إلى التقصى وحسبنا أن ندل المحتاج من القراء إلى الطريق وليسر هو بعد ذلك على الدرب.
لم يكن المتنبى من المكثرين بل من المقلين، وهو على على إقلاله لا يُطيل قصائده. وقد حسب له الواحدى ما اشتمل عليه ديوانه فبلغت عدة أبياته خمسة الاف وأربعمائة وتسعين، وهذا كل ما قاله فى أكثر من خمس وثلاثين سنة. وقد قال ابنُ الرومى مثلًا فى ثلاثين من قصائده الطوال أكثر من هذا. وهذا على الرغم من طول اتصاله بسيف الدولة وكافور خاصة وبغيرهما من مثل ابن العميد وعضد الدولة. وهذه رواية صاحب «الصبح المنبى»، قال إن أبا فراس الشاعر قال يومًا لسيف الدولة وكان قريبه: «إن هذا المتسمّى كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة الاف دينار على ثلاث قصائد» وهى رواية قريبة من الصحة وإن لم تكن فى الصميم من حبة الصواب؟ لأن المتنبى إنما كان يقول الشعر فى سيف الدولة إذا عرضت مناسبة لذلك كغزوة أو نحوها ولم يكن فارضًا على نفسه أن يقول ثلاثَ قصائد فى كل عام، ولكن العبارة صحيحة فى دلالتها على أن المتنبى كان يُقل من الشعر ولا يكثر، وأنه كان أشبه بصديق لممدوحه منه بشاعرٍ وظيفته الثناءُ عليه.
وكان المتنبى فضلًا عن ذلك يستنكف أن ينشد وهو قائم، وقد بدأ حياته بالتطلع إلى ولاية أمرٍ من أمور الدنيا ولم يزل يطمع فى ذلك إلى أن وافاه الحينُ. وفى هذا وحده، فضلًا عن حوادث حياته، دلالة كافية على روحه وأنه من أصحاب الشخصيات القوية التى خُلقت للكفاح والنضال لا للاستخذاء والتمسح بالأقدام.. وهذه الشخصية البارزة ظاهرةٌ فى شعره وحسبك شاهدًا عليها أنه لما شعر بتغير سيف الدولة دخل عليه وأنشده قصيدةً يعاتبه بها، وفيها يقول:
وما لى إذا ما اشتقتُ أبصرت دونهتنائف لا أشتاقها وسباسباوقد كان يُدنى مجلسى من سمائهأحادث فيها بدرها والكواكباأهذا جزاء الصدق إن كنت صادقًا؟أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا؟ وهو أشبه بالمحاسبة منه بالمعاتبة. وأدل من ذلك قصيدته التى مطلعها:
واحرَّ قلباه ممن قلبه شبم وفيها يقول:
يا أعدل الناس إلا فى معاملتىفيك الخصام وأنت الخصم والحكمُأعيذها نظراتٍ منك صادقةًأن تحسب الشحمَ فتمن شحمُه ورم (يعنى أبا فراس وحزبه).
سيعلم الجمعُ ممن ضمّ مجلسنابأننى خيرُ من تسعى به قدمانا الذى نظر الأعمى إلى أدبىوأسمعتْ كلماتى مَن به صممأنام ملء جفونى عن شواردهاويسهر الخلْقُ جرَّاها ويختصموجاهلٍ مدَّه فى جهله ضحكىحتى أتته يدُفراسة وفمإذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا تظنَّنَّ أن الليث يبتسم إلى أن يقول:
يا من يعز علينا أن نفارقهموجداننا كل شىء بعدكم عدمما كان أخلقنا منكم بتكرمةلو أن أمركم من أمرنا أممإن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألموبيننا — لو رعيتم ذاك — معرفةٌإن المعارف فى أهل النهى ذممكم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكمويكره الله ما تأتون والكرمما أبعد العيب والنقصان عن شرفىأنا الثريا، وذان الشيب والهرمإذا ترحلتَ عن قوم وقد قدرواأن لا تفارقهم فالراحلون همشر البلاد بلاد لا صديق بهاوشر ما يكسب الإنسان ما يصموشر ما قنصته راحتى قنصشهبُ البزاة سوا: فيه والرخمهذا عتابك إلا أنه مقةقد ضمن الدرَّ إلا أنه كلم وليس هذا بكلام مداح مأجور وما كان ليصدر عنه لولا شعوره بنفسه وبحقه، وأنه فوق أن يُعَدَّ أحد الأذيال. وقد أنس إليه سيف الدولة على أثر هذه القصيدة وعاد فأدناه، وقال بعض الرواة وقبَّل رأسه وأجازه.
ومن الإطالة فى غير محل لذلك أن نفيض فى بيان شعور المتنبى بنفسه، ومعرفته لقدره، وطموحه وبروز شخصيته، وكفى دليلًا على ذلك قوله فى أمه:
ولو لم تكونى بنتَ اكرم والدلكان أباك الضخمَ كونُك لى أمّا وهو فى شعره يأخذ بيدك إلى ما يريد مباشرة، ولا يطيل اللف والدورانَ معك إلى غايته. وهذا من أسباب القوة. وليس ممن يهذرون ولا يقدرون قيمةَ الاقتصاد أو يحشون كلامهم بما يراد به التظاهرُ والمفاخرةُ بسعة المجال وطول الباع. بل هو يدفع إليك المعنى الذى فكر فيه وأنضجه، تامّا محبوكًا لا يحتاج إلى زيادة ولا يتأتى نقصُ حرف مما عبر به عنه، كقوله:
ومن عرف الأيامَ معرفتى بهاوبالناس، روَّى رمحه غير راحمفليس بمرحومٍ إذا ظفروا بهولافى الردى الجارى عليهم باَثم ثم يتركك وشأنك وما يبدو لك فى هذا الذى ألقاه إليك. إذا شئت خالفته أو وافقته، أما هو فينام كما يقول ملء عينيه ولا يبالى كيف وقع كلامُه من نفسك بعد أن ألقاه بلهجة الجزم القاطعة التى لا تردد فيها.
ولو كان غيره مكانه لمهد لهذا المعنى وراح يسوق الحجج والأمثلة والشواهد على صحته وسداده حتى يملك، ولأغرق هذه الخلاصة فى بحر من الكلام حتى تعود وليس لها أثر محسوس. وأين من يدعى مثلًا أن المتنبى هو الوحيد الذى له معان مستجادةٌ وأبيات متخيرة وأمثال حكيمة؟ أليست دواوين الشعراء حافلة بنظائر ما فى شعر المتنبى؟ ولكنها ليست سائرة على الألسن لأن أصحابها لم يُرزقوا رجولة المتنبى التى تخرج البيت مخرج المثل، ولم يمنحوا مثله إحكام التسديد إلى الغاية، والاقتصاد إلى الحد الواجب، وحسن تخير الألفاظ التى يؤدى بها المعنى، والحلاوة فى سبكها وتعليق بعضها ببعض. وهى صفات قلما يخلو منها شاعرٌ كبير، ولكنها لا تؤدى إلى مثل ما تحسه من القوة فى شعر المتنبى إلا إذا اجتمعت.. ولو أنه كان كابن الرومى مولعًا بشرح المعنى وتصفيته والتوليد منه، أو كالشريف كَلِفًا بفخامة اللفظ ورنة الأسلوب وجزالة التعبير، أو كمهيار فى حشوه وفتور روحه، أو كالمعرى فى التردد وكثرة المو ازنة والتحليل — نقول لو أنه كان كهؤلاء لما أجدتْ عليه مزاياه الأخرى. نعم كان يكون له محلّ رفيع بينهم ولكن شعره لم يكن ليسير هذا المسير، ولا كانت الأمثال والحكم تكثر فيه هذه الكثرة. وقد لا توافقه على ما يذهب إليه من الرأى ولكنه لا يسعك إلا أن تحترم منه ما تحسه فى شعره من عمق الاقتناع، ومن قوة الجزم البات، وإلا أن تتأثر بطريقته المباشرة فى العبارة عن فكرته، وأن تشعر بقيمة اقتصاده وما ينم عليه ذلك من يقينه أن الأمر لا يحتاج إلى إطناب وإسهاب، وأنه بديهى يُلمس السدادُ فيه ويحس وإلا أن تفتنك موسيقية الأسلوب وحلاوته وإن كانت أشبه بموسيقى الحرب!
ولكن المتنبى كثيرًا ما يُزهى بقوته هذه فيسىء استعمالها ويأتى بالثقيل الذى تستك منه المسامع، وبالضعيف المهلهل. ولهذا كثرت السفاسف وحفل بها شعره وإن كان كثير من ذلك مما قاله فى صباه أو مما تعمده ولا عجب! فإن عثرة الوثَّاب شديدة.
(?) شخصيته وجوانبها — موقفه من كافور

يقول ابنُ رشيق فى كتاب العمدة: «ثم جاء المتنبى فملأ الدنيا وشغل الناس».. ووُفق بهذه العبارة الوجيزة إلى ما عجز عنه سواه من النقاد والشراح والخصوم والأنصار. والواقع أننا لا نعرف شاعرًا اَخر كان له من الشأن ما كان للمتنبى، أو أحدث فى عالم الأدب مثل ضجته، وأثار من العداوات المرة بعض ما أثار، حتى ولا ابن الرومى الذى بسط لسانه فى كل عرض حتى خافه القاسم وأشفق أن يستطيل عليه بمثل ما وصم به غيره فدعاه إلى الطعام ودس له السم فيه. وحسبك دليلًا على عمق ما تركه المتنبى من الأثر فى بعض النفوس قولُ الجرجانى عن فريق خصومه إنه (أى هذا الفريق) «يسابقك إلى مدح أبى تمام والبحترى ويسموِّغ لك تقريظَ ابن المعتز وابن الرومى حتى إذا ذكرتَ أبا الطيب ببعض فضائله وأسميته فى عداد من يقصر عن رتبته امتعض امتعاض الموتور ونفر نفارَ المضيم فغض طرفه وثنى عطفه وصعَّر خده وأخذته العزة بالإثم».
ولا يُعقل أن تكون علةُ ذلك أن شعر المتنبى يهيج هذا النفارَ ويغرى بذلك الامتعاض ويشعر القارئ كأنه بطبيعته وتر أو ضيم. فإنا نقرؤه فى عصرنا هذا فنوافقه أو نخالفه ونستجيد قوله أو نسترذله ونعجب به أو لا نُعجب، ولكنا لا نحس شيئًا من هذا الذى يصفه الجرجانى فى كتاب الوساطة. ولا شك فى أن الناس كانوا مثلنا على عهده ولكنهم كانو ا فريقين: فريقًا يراه ويعرفه ويبلو منه بعض صفاته، وفريقًا لا يتأدى إليه سوى شعره ولا يحكم عليه إلا به وبأخباره مثلنا. وقد روى عن أحد النحاة، واسمه أبو على الفارسى، أن بيته كان فى طريق المتنبى إلى عضد الدولة. وكان أبو على هذا يستثقله ولا يرتاح إلى ما يأخذ به نفسه من الكبرياء. وكان ابن جنى كثير الإعجاب بالمتنبى يكره من يذمه ويحط منه ويسوءه إطناب أبى على فى ذمه.. واتفق أن أبا على هذا قال يومًا: «اذكروا لنا بيتًا من الشعر نبحث فيه».
فبدأ ابن جنى فأنشد:
حلتِ دون المزار فاليوم لو زرتِ لحال التحولُ دون العناق فاستحسنه أبو على واستعاده، وقال: لمن هذا البيت فإنه غريب المعنى؟
فقال ابن جنى للذى يقول:
أزورهم وسوادُ الليل يشفع لىوأنثنى وبياضُ الصبح يُغرى بى فقال: والله هذا أحسن فلمن هذا؟ فقال: للذى يقول:
ووضع الندى فى موضع السيف بالعلىمضر كوضع السيف فى موضع الندى فقال: وهذا أحسن والله! لقد أطلت با أبا الفتح فأخبرنا من القائل؟ قال: هو الذى لا يزال الشيخ يستثقله ويستقبح فعله وزيه! وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟ قال: أظنك تعنى المتنبى؟ قال: نعم، قال: والله لقد حببته إلىّ إلخ إلخ.
نقول: ونحن لا نطمئن كثيرًا إلى أمثال هذه الروايات ولا نمنحها ثقتنا التامة، ونشتم من أكثرها رائحة التأليف والاختراع، ولكن هذه الرواية فى ذاتها معقولة وإن كان يلاحظ أن ابن جنى لم يتخير أجودَ ما للمتنبى وما يصح أن يبهر من شعره، ولكنا نحسب ابن جنى تعمد ألّا ينشد من كلام أبى الطيب ما عليه طابعه الخاص، مخافة أن يفطن أبو على فيزهد فى الاستزادة ويفوت على ابن جنى غرضه ويقطع عليه متوجهه، فاثر صاحبنا أن ينشده من الأبيات ما قدر أن يكون أوقع فى نفس لغوى نحوى مثل أبى على الفارسى: على أننا إنما سقنا هذه القصة شاهدًا على أن «شخصية» المتنبى هى التى أقامت قيامةَ الناس فى زمنه وجعلتهم لا يعدون فريقيين: أنصارًا متعصبين، وخصومًا متعنتين. وذلك ما تفعله كل شخصية قوية كالعاصفة لا يبقى أحد إلا عُنى بها واكترث لها.
وما حاجتنا إلى القصص والأخبار نسوقها ونستشهد بها على ضخامة شخصية المتنبى؟ إن شعره أصدقُ راوٍ وأوثق شاهد. وإذا كنا فى حاجة إلى شاهد من غيره فكفى ما قاله رجل ساذج بفطرته فى رثاء المتنبى لما بلغه قتله، وهو رجل يدعونه أبا القاسم المظفر بن على الطبسى لا نحسب أديبًا قرأ له أكثر من هذه الأبيات:
لا رعى الله سربَ هذا الزمانِإذ دهانا فى مثل ذاك اللسانِما رأى الناس ثانى المتنبىأى ثانٍ يُرى لبكر الزمان؟كان من نفسه الكبيرة في جيشوفى كبرياء ذى سلطانهو فى شعره نبىّ ولكنًظهرت معجزاته فى المعانى والبيت الثالث هو الشاهد. وقد فطن فيه صاحبنا أبو القاسم إلى الحقيقة.. وانظر بعد ذلك إلى قول المتنبى نفسه من قصيدة له يهنئ فيها كافورًا ببناء دار:
فارم بى ما أردتَ منى فإنىأسدُ القلب، آدمىُّ الرواءوفؤادى من الملوك، وإن كانَ لسانى يُرى من الشعراء وإنه لكذلك، وما به من عيب إلا ما تكشف عنه الشهرة. والشهرة إذا استفاضت، صار صاحبها هدفا لعيون الخلق وألسنتهم، تلك تفلى وتنقب، وهذه تروى وتسرد، حتى تعود كل كلمة لصاحب الشهرة محفوظة، وكل حركة ملحوظة، وكل عمل محسوبًا، وكل رأى مكتوبًا، وحتى تشغل التوافهُ من أعماله، والفلتاتُ من حركاته أو أقواله، أكثر من محلها الصحيح. فيشتهر بالبخل وقد لا يكون كزّا بخيلًا، ويوصم بالجبن ولعله أجرأ ذى قلب، وهذا هو الذى مُنى به المتنبى.
ولقد ذكرنا فى مقالنا السالف أنه لم يكن يعد نفسه شاعرًا يُثنى على سيف الدولة ويدوِّن وقائعه وحسناته ويمشى فى ظله، بل صديقًا وكفئًا، وأوردنا من شعره بعض ما ينم على ذلك. ولم يكن حيال كافور إلا كذلك. تأمل قوله وهو يهنئه:
وأنا منك، لا يُهنئ عضوٌبالمسرات سائرَ الأعضاء ولو سوى المتنبى لشعر بالضعف أمام القوة المادية التى يملكها الملوك الذين غضب عليهم وجفاهم وهجاهم. ولكنه كان يشعر بقوة لدُنّيَّة تكافئ فى نظره قوة الجيوش وبأسها، بل كان يحس أن فى وسعه أن يعتو ويسطو كذلك على العاتين والساطين. فمن ذلك قوله لما خرج من مصر:
لتعلم مصرُ ومن بالعراقومن بالعواصم أنى الفتىوأنى وفيتُ وأنى أبيتوأنى عتوت على من عتا ولو شاور الحزمَ الدنيوى لما أصدر هذا الإعلان، ولا أشهر هذا الإنذار، ولخطر له أن يتقرب إلى من نابذهم قبل مضيه إلى مصر كسيف الدولة على الأقل. ولكن المتنبى ليس من هذا الطراز لأنه لا يعرف ضعف النفس ولو خلت يده من كل وسائل البطش وكثر عُداته وقل إخوانه. فنفسه أبدًا شابَّة قوية على الأيام كما يقول:
وفى الجسم نفسٌ لاتشيب بشيبهولو أن ما فى الوجه منه حرابيغير منى الدهرُ ما شاء غيرَهاوأبلغ أقصى العمر وهى كعاب لا يكربه أن يفارق وطنه إذا نبا به مقامه فيه، ولا تحز فى عظامه الفاقةُ ولا يلين عزمه بُعْدُ الشقة وكثرة الأعداء وقلة الأسباب إذا وجد ما يركب فيها، وإلا فالسير فى المهامه والقفار على الأقدام أشرف وأفخر وأمثل به:
غنىٌّ عن الأوطان لا يستفزنىإلى بلدٍ سافرت عنه، إيابوعن ذملان العيس إن سامحت بهوإلا ففى أكوارهن عقاب وماذا يهمه؟ إن مطلبه ضخم ومراده عظيمٌ، وعلى قدر علو المطلب تكون صعوبة المرتقى، وهو لعظم ما يحس من ذات نفسه يدرك أنه وحيد فى هذه الدنيا، فوطنه وغيره سواء:
أهمُّ بشىء والليالى كأنهاتطاردنى عن كونه وأطاردوحيد من الخلان فى كل بلدةإذا عظم المطلوب قل المساعد وهو لعظم رجولته يستنكف من صفات النساء ويتبرأمما يُجَمِّلهن حتى من غير أن تدعو مناسبةٌ إلى هذا التبرؤ، ويقول «وما بى حسن المَشَى» أى إنه ليس جميل المشية، والواقع أنه كان مشَّاءً قويّا صبورًا على المشى سريعًا فيه، حتى زعموا أنه كان يوهم أغرارَ البدو أن الأرض تُطوى له.. وبلغ من ذلك أنه لما رثى خولة أخت سيف الدولة نعتها بصفات الرجال وأخرجها من جنسها، ولم يرض إلا أن يجعلها «غير أنثى العقل»! وإن كانت قد خلقت أنثى، وإلا أن يفضلها على عشيرتها التى نمتها، وذلك حيت يقول:
فإن تكن خُلقت أنثى لقد خلقتكريمةً غير أنثى العقل والحسبوإن تكن تغلبُ الغلباء عنصرَهافإن فى الخمر معنى ليس فى العنب ومثل ذلك رثاؤه لعمة عضد الدولة حين أشار إليها بضمير المذكر وقال إن حسن ذكرها ينم على تذكيرها:
يحسبه دافنه وحدَهومجدُه فى القبر من صحبهويظهر التذكير فى ذكرهويستر التأنيث فى حجبه قد يقال: إذن فما بال هذا الرجل القوى العاتى لا يرى أن يقصد إلا كافورًا بعد أن فارق سيف الدولة على حين كان كثير من الأمراء يتوقون ويشتهون أن يقدم عليهم، فأحقدهم باطراحه إياهم وصمده إلى كافور؟ والجواب: إنه لم يمدح كافورًا لأنه راة أهلا لمدحه، بل طمعًا فى ولاية بعض أملاكه، كما هو مشهور معروف. أما المدح فإنا والله نراه تهكَّم به ولم يثن عليه. وما قرأنا له قصيدة فى كافور إلا عثرنا فيها على بيت أو أبيات تُشعر بأن المتنبى كان يركبه بالدعابة ويرى نفسه أجل وأخطر شأنا من أن يمدحه.. ونورد لذلك بعضَ الشواهد. قال:
أنت أعلى محلةً أن تُهنىبمكان فى الأرض أو فى السماءولك الناسُ والبلاد وما يسرح بين الغبراء والخضراء فمن يرى فى قوله هذا مدحًا؟ أى امرئ يقال له هذا ولا يدرك أنها مبالغةٌ قد جاوزت كل حد مع أعظم التسامح حتى انقلب هجاءً؟ ومن الذى يرضيه أن يقال لهإن لك ما بين السماء والأرض؟ أليس هذا فراراً التهنئة؟! قد يقال: ولكن المتنبى كثير المبالغات وتلك عادته، حسن! فتأملو إذن قوله واذكروا أن كافوراً أسود الجلد:
يفضح الشمس كلما ذرَّت الشمسبشمس منيرة سوداء شمس سوداء تفضح شمس النهار؟! ولقد اضطر المتنبى لما نظم هذا البيت أن يفسر المعنى و يؤوله على خلاف عادته من إلقاء الكلام وترك الناس وشأنهم فيه، وجارى ابن الرومى فى هذه المره فقال:
أن فى ثوبك الذى المجد فيهلضياءٌ يزرى بكل ضياءإنما الجلد ملبسٌ وابيضاض النفسخير من ابيضاض القباء ولم يكتف بذلك بل راح يقول له فى القصيدة نفسها: إنه أمل العيون! وماذا ترى العين فى كافور الأسود، الضخم البطن، القبيح السحنة، الغليظ «المشفرين»؟
«يا رجاء العيون» فى كل أرضلم يكن غير أن «أراك» رجائى أيمكن أن يستقيم المعنى ويعقل إلا على تأويل واحد هو أنه اشناق أن يبصر عبد السوء هذا الذى صارت له فى مصر دولة كما يحب المرء أن يرى قردا يقلد الآدميين مثلاً؟
وأدل على شعور المتنبى وهو يمدح كافوراً قوله من قصيدة آخرى!
أما تغلط الأيام فىّ بأن أرىبغيضا تنائى أو حبيبا تقرب؟ ومن أقرب إليه يومئذ من كافور وأبعد من سيف الدولة؟ وما الداعى إلى ذلك، والمناسبة لا تستوجبه؟ ولم يكتف ببيت واحد بل أنشأ يقول بعد أن وصف سيره وقدومه إلى مصر:
عشيةَ أحفى الناس بى من جفوتهوأهدى الطريقين الذى أتجنَّب وهل من المدح أن يقول لك قادم عليك إن أرشد الطريقين هو الذى تجنبته وأضلهما الذى سلكته؟ وقد زاد المتنبى الطين بلة فقال:
وما طربى لما رأيتك بدعة!لقد كنتُ أرجو أن أراك فأطرب فجعله هزأة وأضحوكة وقرر أن لا غرابة إذا طربت لما رأيته. وقد فطن ابنُ جنى إلى أن المتنبى أراد الاستهزاء فقال: «لما قرأت عليه (على المتنبى) هذا البيت قلت: جعلت الرجل أبا زنة! (وهى كنية القرد) فضحك».
وشر من ذلك وأدهى قوله بعد هذا البيت:
وتعذلنى فيك القوافى وهمتى،كأنى بمدحٍ قبل مدحك مذنب والشطر الأول صريح فى السب والهجاء، وإن كان قد رقعه فى الشطر الثانى.
وحسبنا أن أبا الطيب لما انصرف عن مصر شعر بأن عليه أن يعتذر للأدب عما تكلفه من مدح كافور، فقال ما معناه أن الناس هم الذين أحوجوه إلى مدحه، وأن هذا المدح كان عبارة عن هجاء للخلق لأنهم اضطروه إلى أن يقصده، وهذا قوله:
وشعرِ مدحتُ به الكركدنبين القريض وبين الرُّقىفما كَان ذلك مدحا لهولكنه كان هجوَ الورى ولم يكن يخفى عن كافور أنه ما قصده حبّا فيه بل ليستعين به على كبت خصومه، فقد كان يقول له فى وجهه إن قومًا خالفوه فى مجيئه إلى كافور ولم يسايروه إليه استنكافًا فذهبوا شرقًا وحضر هو:
وما شئتُ إلا أن أذل عواذلىعلى أن رأيى فى هواك صوابوأُعلِم قومًا خالفونى فشرّقواوغرّبت، أنى قد ظفرت وخابوا وما هذا من المدح فى شىء على الرغم من احتراسه فى الشطر التالى من البيت الأول.
(?) اعتراض مدفوع — المتنبى ومظاهر الرقة — طماحه — بعض مشابه من نابليون

تلقيت اليوم رسالة من الأستاذ الشيخ عبد العظيم يوسف ينكر فيها علىَّ بعض ما ذهبت إليه فى كلامى عن شخصية المتنبى ويؤاخذنى على قولى «وهو لعظم رجولته يستنكف من صفات النساء ويتبرأمما يُجمِّلهن حتى من غير أن تدعو مناسبةٌ إلى هذا التبرؤ، ويقول «وما بى حسن المَشَى» أى إنه ليس جميل المشية والواقع أنه كان مشّاءً قويّا صبورًا على المشى سريعًا فيه … إلخ».
وأنا أجتزئ من رسالة الأستاذ بما يمس الموضوع دونى. قال تعليقًا على هذه الكلمة: «وهذا رأى إدٌّ لا تغتبط الحثالة من الأقنان إذا امتدحت به، ولا ترتاح السفلة من الدهماء إذا ألبسته، بله ذا البطولة كالمتنبى، فصرف هذه الصفات إلى مزنون بالتخنث أحق وأجدر، فأرجع فيها بصرك كرة أخرى. ولقد ظهر منك بعض التردد والإنكار لهذا الوصف إذ تقول: «من غير أن تدعو مناسبة إلى هذا التبرؤ». ومنشأ ما فرط وهمك إليه فيما أحسب، هو اقتطاعك لجزء فى بيته عما يلتحم به قبله وبعده، وتأويلك له على حسب ما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة من لفظه، فجاء معناه كما ترى.
«وقبل مساق البيت مشدودًا بأواخى أخويه، أقول إن قول العرب «ما بى كذا» مثلًا معناه ما أكترث به وما أهتم له وما أباليه. أما الجزء المذكور فمن قصيدته التى أثبتها عند وصوله الكوفة من مصر يهجو كويفيرها ونواطيرها الغافلين عن أعمال الثعالب ويصف منازل سيره التى اجتاب ومصاعب سبله التى اجتازَ بقوله:
ألا كلُّ ماشيةِ الخيزلىفدى كل ماشية الهيدبىوكل نجاة بَجاويةٍخنوف — وما بى حسن المشىولكنهن حبالُ الحياةوكيد العداة وميط الأذى واضح جلىّ أنه يفدِّى الخيل والنياق وضروب سيرها بكل امرأة جميلة حسنة المشية، ويقول وما بى حسن مشى النسوة أى لا ابه ولا أحفل بمحاسن مشيهن. وتحتمل العبارة وجهًا آخر أن تكون الألف واللام فى «المَشَى» عوضًا عن ضمير مضاف إليه يرجع، لا إلى المرأة، لكن إلى الخيل والإبل، أى أنه لم يؤثرها على النساء لحسن مشيها على مشيهن، كلا فإنه لايهتم ولايحفل ما يشتغل به الضعفة من التلهى بالمحاسن البادية ولكنه اعتصم بها فوصل ساحل الحياة وشارف بر السلامة فأعاناه على كيد عداه وكبتهم ودفع أذاهم عنه. ذلك هو المعنى الفحلى تبرق أساريره بأشعة الصواب، وهو مراد أبى الطيب فى مقام المفاضلة بين الماشيتين».
نقول والذى يقرأ هذا يحسبنا وصمنا المتنبى بسبة، وطوقناه بعار! أو يتوهمنا على الأقل لم نفهم معنى البيت. وما فعلنا شيئًا من هذا وإنما أردنا أن نتخذ من قوله دليلًا على نزعته. ولا بأس من العود إلى هذه النقطة لنجلوها وندفع الإشكال فنقول إن «الخيزلى» هذه مشية يصفونها بأن فيها استرخاء وتفككا من مشية النساء، و«الهيدبى» مشية سريعة للإبل والخيل، و«النجاة» الناقة السريعة التى تُنجى راكبها والبجاوية نسبة إلى بجاوة وإليها تنسب النوق. ومعنى الأبيات الثلاثة: فدت كل امرأة تمشى الخيزلى كلَّ ناقة تمشى الهيدبى، أى أنه ليس من أهل الغزل وليس به حب النساء، وإنما هو رجل أسفار يحب كل ناقة سريعة السير توصل إلى الحياة وتكيد الأعداء وتدفع الأذى.
هذا هو المعنى الصريح الذى لا يحتاج إلى تأويل ولا يستلزم أن نحل الألف واللام محلَّ ضمير محذوف مضاف إليه، والذى لم نتردد كما يزعمنا الأستاذ فى استخلاص مدلوله وإضافته إلى أمثاله مما سقناه. وقد قلنا إنه رجل قوى عظيم الإحساس بالرجولة ومقتضياتها، وإن إحساسه هذا ظاهرٌ من استنكافه الطراوة والرخاوة، ونفوره من نسبة شىء من ذلك إليه فى نفسه أو فيما هو جاعلُه أداة إلى غايته.
وليقل الأستاذ ما شاء فإنه يبقى أن فى الأبيات تعريضًا بمشية النساء المسترخية، وذكرًا لزهادته فيها وعزوفه عنها، وهذا شأن أبى الطيب فى كل حالاته.. وهو لا يكره التطرى فى المشية وحدها، بل يتجاوز ذلك إلى كراهة الترف والنعومة فى جميع مظاهرهما. وإذا كان قد بقى بعد الذى سقناه فى كلمتنا السابقة مستزادٌ فإليك قوله من قصيدة يمدح بها كافورًا.
وفى الناس من يرضى بميسور عيشهومركوبه رجلاه والثوب جلدهولكنَّ قلبًا بين جنبىَّ ما لهمدى ينتهى بى فى مراد أحدّهيرى جسمه يكسى شفوفًا تربّهفيختار أن يكسى دروعًا تهدّه والشفوف هى الثياب الرقيقة، وتربه أى تنعمه والمعنى ظاهر. يقول قلبى لا يطلب رفاهيةً لجسمه بأن يكسوه ثيابًا رقيقة ناعمة، وإنما يطلب لبس الدروع الثقيلة.. حتى الثياب الناعمة لا يرتاح إليها وإن كان مضطرّا إلى أن يلبسها، إذ كان لا يسع أحدًا أن يظل فى الدروع وحلق الحديد. وتراه حتى إذا اضطر إلى المفاضلة بين امرأة وامرأة، آثر الساذجةَ الجمال التى لا تكسب نفسها الحسن بالاحتيال والتى لا يكون حسنها إلا طبعًا لا مجلوبًا.. ومن قوله فى ذلك:
ما أوجُه المستحسنات بهكأوجه البدويات الرعابيبحسن الحضارة مجلوب بتطريةوفى البداوة حسن غير مجلوبأفدى ظباءَ فلاةٍ ما عرفن بهامضغَ الكلام ولا صبغ الحواجيبولا برزن من الحمام مائلةأوراكهن صقيلات العواقيب لقد كان للمتنبى شغلان بمساعيه عن الحياة الرخوة، وعما يروق الضعفاءَ وأوساط الناس من العيش الناعم اللين. ولقد افتتح حياته بما ختمها به: يطلب ذلك «الشىء» الذى ليس له غايةٌ تعرف، أو حد يوصف والذى يبتر العمر كما قال فى صباه.
إذا لم تجد ما يبتر الفقرَ قاعدافقم واطلب الشىء الذى يبتر العمرا وهو لا يعرف على وجه الدقة ماذا يريد من الأيام. نعم لقد طلب الحكم، وبغى أن يؤمر على الناس، ولكنى أحسب أن لو كان نال ذلك لما قنع به ولا قعد عن الطلب. ذلك أن نفسه تجيش برغبة جامحة عنيفة فيما تحسه من أبياته الاَتية، وإن كان لم يسعه، ولا يسعك تحديدُه.
ولا تحسبن المجد زقّا وقينةفما المجد إلا السيف والفتكة البكروتضريبُ أعناق «الملوك» وأن تُرىلك الهبواتُ السود والعسكر المجروتركك فى الدنيا «دويّا» كأنماتداولُ سمعَ المرء أنملُه العشر هذا هو الذى يبتغيه. يريد أن يدوخ الدنيا وأن يترك فيها دويّا لا ينقطع أبد الدهر.. ولو شاعر غير المتنبى قال هذه الأبيات لجاء البيت الثانى على الأرجح هكذا.
وتضريبُ أعناق «الرجال» وأن تُرىلك الهبواتُ السود والعسكر المجر ولكن نفس المتنبى فوق هذا، أعناق الرجال العاديين يتركها لعسكره. أما هو فلا يضرب إلا أعناق «الملوك». ولو شاعر غير المتنبى قال هذا وراح فى كل شعره يطلب هذا المجد، ويذكر الفتكات البكر، لابتسم القارئ ابتسامة المسرور من هذه المبالغات الظريفة الجوفاء! ولكنك تقرؤها للمتنبى الفقير، الصغير النشأة، الذى زعموه ابن سقاء، وقال بعضهم فى هجائه أن أباه:
عاش حينًا يبيع بالكوفة الماءوحينًا يبيع ماء المحيا نقول تقرأ له هذا — وتلك نشأته — فلا تضحك ولا يخامرك شك فى صدقه وفى إخلاص سريرته حين يتحدت إليك بهمة نفسه ومطمح قلبه، وتحس أنه لو كان الحظ آتاه وحباه الملك لحاول أن يكون كالإسكندر المقدونى.
ولقد فخر غيره من الشعراء وباهوا بأصولهم، وحدثوا عن أطماعهم وطلبهم للمعالى، ولكنك لا تجد غيره يسمى مايطلبه «حقّا» له! انظر قوله فى مستهل قصيدة يمدح بها محمد بن سيار بن مكرم:
سأطلب «حقى» بالقنا ومشايخكأنهمُ من طول ما التثموا مرد،ثقال إذا لاقوا — خفاف إذا دعوا —كثير إذا شدوا — قليل إذا عدوا،وطعنٍ كأن الطعن لا طعنَ عندهوضرب كأن النار من حره بردإذا شئت حفت بى على كل سابحرجال كأن الموتَ فى فمهم شهدأذم إلى هذا الزمان «أهيله»فأعلمهم فدم، واحزمهم وغدوأكرمهم كلب، وابصرهم عمٍوأسهدهم فهد، واشجعهم قردومن نكد الدنيا على الحر أن يرىعدوّا له ما من صداقته بدّبقلبى — وإن لم أرو منها — ملالة،وبى عن غوانيها — وإن وصلت — صد وبهذا الكلام الشامل يجبه ممدوحه.. ومن الغريب، بل مما له دلالة خاصة، أن أحفل قصائده بمثل هذا التحديث عن نفسه والإشادة بها أماديحه، وأن أخلاها من ذلك أهاجيه.. حتى لكأنه يتعمد أن يثنى على نفسه ويذكر فضلها قبل أن يتطرق إلى الثناء على ممدوحه!
ولم يكن من يقصدهم من الأمراء والملوك يستخفّون بشأنه، أو يقللون من خطره، أو لا يعتدون برأيه. فقد كان اهتمامهم لمعرفة حقيقة رأيه فيهم عظيمًا. يدلك على ذلك ما حكاه عبد العزيز بن يوسف الجرجانى، وكان كاتب الإنشاء عند عضد الدولة، عظيم المنزلة منه قال: «لما دخل أبو الطيب المتنبى مجلس عضد الدولة، وانصرف عنه، أتبعه بعض جلسائه وقال له: «سله كيف شاهد مجلسنا؟ وأين الأمراء الذين لقيهم منا؟». قال فامتثلت أمره، وجاريت المتنبى فى هذا الميدان، وأطلت معه هذا القول، فكان جوابه عن جميع ما سمعه منى أن قال: «ما خدمت عيناى قلبى كاليوم!». فاختصر اللفظ وأطال المعنى، وكان ذلك أوكد الأسباب التى حظى بها عند عضد الدولة».
•••

ولكن هذه النفس الكبيرة التى كان منها فى جيش، كما يقول صاحبنا أبو القاسم المظفر بن الطبسى، لم تخل من مواضع الضعف وإن كان لها من ظروف حياته ما يبررها أو يجعلها معقولة على الأقل، وأى نفس تخلو؟ ألم يكن نابليون زمن المروءة والفتوة؟ ألم يكن من أقل الناس كرمًا وأريحية ووفاء، ومن أخونهم عهدًا، وأغدرهم ضميرًا وأفجرهم يمينًا، لا يأنف أن يتدلى إلى سرقة الحق، أو يتسفل إلى الكذب، أو يحقد على رجل من أعوانه فيقتله أو يسمه؟ يظلم قواده وينشر فى صحيفته الرسمية ما يحب أن يُعرف عنه ما لا فيه للحق إنصاف. حتى بعد هويّه وبعد أن ذهب إلى منفاه كان يزور الحديث ويختلق الأباطيل ويقلب الحقائق؟ ولكنه على الرغم من كل ذلك عظيم بمزاياه وإن كثرت عيوبه. وكذلك المتنبى، وإن لم تكن العيوب واحدة.
وليس نابليون بالعظيم الوحيد فى الدنيا، ولم أسقه مثلا لأن المعايب مشتركة، بل «لبعض» مشابه نراها بين الرجلين: فكلاهما وضيع النشأة، على الأقل بالقياس إلى الذروة التى تسنماها والرفعة التى بلغاها كل فى ميدانه. وكان كل منهما يحفزه طلبُ المجد، ولا يدع له قرارًا دون أن يعرف لغايته حدّا. وكما أن المتنبى يرى أن المجد أن تترك فى الدنيا الدوى الذى يصفه، كذلك كان نابليون يقول: «ليست الشهرة إلا ضجة عظيمة كلما اشتدت كان ذلك أذيعَ لذكرك وأطير لشهرتك، ولتسلم أن القوانين والأنظمة والأمم كلها إلى فناء، ولكن ضجيج الشهرة دائم خالد لا يزال يدوى فى آذان الأجيال الآتية». وكلاهما كان يعلم أن لا وفاء ولا صداقة فى هذه الدنيا، ولا يرى ذلك ضائره. وكان نابليون يقول: «ما للرجال والرحمة والرقة؟ ذلك بالنساء أحرى. وأخلق بالرجال أن يكونوا كالسيف مضاء وكالطود ثباتًا، ومن لم يأنس من نفسه ذلك فليتنحّ عن ميادين الحرب والحكم». ويذكرنا ذلك قول المتنبى:
ومن عرف الأيام معرفتى بهاوبالناس، روّى رمحه غير راحمفليس بمرحوم إذا ظفروا بهولا فى الردى الجارى عليهم بآثم ولكن بينهما على ذلك من الاختلاف ما بين اثنين عاش أحدهما بالفضيلة، ونجح الآخر فى حياته ثم هوى بغيرها.
(?) سخافة وحكمة — مقتضيات الخلود — العفو (أو التعمد فى حكمة المتنبى)

أحكى للقارئ قصة شخصية تبقى سخافتُها بى عالقة وإن كنت قد تفاديتها، وتدل على مكان المتنبى من الفضل وحكمة الطبع، ولولا ذلك ما سقتها: صنعت يومًا قصيدة، هى قصة مروية على لسان بطلها، وجعلتُ الجحيم مسرحها، وتصورت فيها بعض ما يقع فى دنيانا هذه وما تجيش به نفوسنا من شتى العواطف والغرائز الأرضية. ونورد هنا بعض أبياتها فى موقف ليفهم القارئ المراد:
ذهبتُ أجوس خلال الجحيموأنفض أجوازها والحجرفما راعنى غير مرأى اللعينإبليس يرمقنى كالنمروأنصفه: إنه كيسظريف، وإن كان ينبوع شرولولاه آضت حياةُ الورىكجنات ربك ذات السدرجمال وليس له مدرك،وخير ولكن من المفتقر؟وإبليس، فا علم، أبو مرة،له جرأة الليل إمّا اعتكرغنى بقوته والجلاللا يسأل الخلق أن ينتصرسواء عليه أأنصفتَهأم ارتدت ساحته بالعرروما كان يعدم من حزبهرسولًا، وإن أعوزته النذرفنازعنى الشوقُ أن أنتحيهوخامرنى الخوف مما يسروأدرك أنى له وامقوأنى مستعصم بالحذرفحيا وأنغض لى رأسهكما يفعل الأفعوان الذكروقال، وفى صوته نبرةمن السخر شائكة كالإبر«رصيفى الجليل! إذا لم أكنركبت من الوهم شرَّ الحمر!فإنك توشك أن تنثنى!إلى الله مستغفرًا، لو غفرألا انظر فتاتك تحسو الهوى!وتحتث مختارها المنبهريموج على عطفها شعرهاإذا أسقط الوجدُ عنها الأزرتبارك خالق هذا الجمال!ومشبعه بالشباب النضروطوبى لمن قد غدا لصقهاوإن عجّ من عنفها أو جأرتعاطيه أنفاسها حرةوتُلمسه جسمها والشعروتدفع فى صدرها وجههوتحنو على شعره بالثغروتجعل من معصميه لهانطاقًا، وتدعوه أن يهتصروتنأى، وكلتا يديها له،وتنآد من بعد إذ تنأطروتجذبه وهو فى غمرة،وتورده، ويشاء الصدر!وتجلو مفاتنها لاتضنعليه بشىء ولاتدخرويأبى الغرير سوى أن يفر!فواهًا له من سعيدٍ بطر! وكنت ضنينًا بها، مزهوّا بفكرتها، أحملها معى إلى حيثما ذهبت. ثم ضاعت منى مسودتها — ولا أدرى كيف حدث ذلك — كما ضاع غيره! فأسفت، ولبثت زمنًا أشكو افتقادها إلى إخوانى.. وزاد فى ألمى أنى لا أذكر منها إلا كلمات أو أبعاض شطور لا خير فيها، ولعلها أردأ ما فى القصيدة. وانقضت شهور وشهور، وهى بين العين والقلب، والذاكرة كإخوان ماعهدتها. ثم أصبحت يومًا على ذكر ماكس نورداو، فتناولت كتابا له فإذا فيه المسودة الضائعة! وفى هذا اليوم نُعى إلينا ماكس نورداو فأحسست بدافع إلى الموازنة بين مقدارى الخسارة والربح، وإلى المقابلة بين العواطف المتعارضة التى حركتها فى النفس وفاةُ هذا العالم الكبير واهتدائى إلى قصيدتى التائهة! ولم يزل يخب بى التفكير ويوضع بهذه المناسبة حتى ذكرت قول أبى الطيب من قصيدة يرثى بها مولى تركيا لسيف الدولة اسمه يماك:
سُبقنا إلى الدنيا، فلو عاش أهلهامُنعنا بها من جيئة وذهوبتملكها الآتى تملك سالبوفارقها الماضى فراق سليبولا فضل فيها للشجاعة والندىوصبر الفتى لولا لقاء شعوب فعدت إلى قصيدتى وتناولت مسودتها ومزقتها بيدى غير آسف على تمزيقها!
•••

وأنت أيها القارئ أفهمت؟ لا أدرى! ولكن الذى أدريه أنى قلت لنفسى إن المتنبى أصاب كبد الحقيقة حين قال إن الموت هو علةُ الشجاعة والكرم والصبر، ولو اتسع مصراعا البيت لقال إنه مبعث كل الصفات والعواطف والغرائز الإنسانية جليلها ودقيقها وشريفها ووضيعها. وما على من شاء إلا أن يتصور أن الله حبا الناس الخلود وحماهم الموت: أتظن أن غرائز الإنسان يكون لها حينئذ محل أو عمل؟ المرء خالد. ومتى كان الخلود مضمونا والموت مأمونًا فلا عمل لغريزة حفظ الذات ولا حاجة بالإنسان إلى الطعام يدفع به غائلة الجوع — وهو أبسط مظاهر الغريزة — لأنه لا غائلة هناك، وتقوى به جسمه لأنه لا حاجة إلى القوة ولا خوف أن يعتريها نقصان أو يصيبها كلال. ولا لزوم للسعى والكدح إذ لا طائل تحتهما ولا ضير من رفع مؤونتهما. والاجتهاد يبطل وتذهب معه كل ما عسى أن يوفق الإنسان إليه من العلوم والمعارف والاختراعات والاستكشافات. فيعيش الإنسان على أتم ولاء وأصدق وداد مع الميكروبات التى تفتك بالعالم الآن، ويلقى بنفسه فى أطغى لجج اليم وكأنه يتمطى على فراشه الوثير، ويساكن الوحوش الضارية التى لم تعد أنيابُها ومخالبها تؤذى وتردى. ويهدم المساكن ويرمى بالثياب ويؤثر العرىَ، إذ ما حاجته إليها؟ وأى سوء يتقيه بها؟ ولا يعود «.يستحيى» أن يمشى هكذا عاريًا — كما سنثبت ذلك — بل لا يعود يحس حتى الحاجة إلى النوم لأن جسمه مركب بحيث لا يضمحل ولا ينتابه التداعى أو يعدو عليه الفناء. ولا يبقى ثم فرقٌ بين إنسان وإنسإن: لا شجاعة، لأن معنى الشجاعة الإقدام على الخطر أو مايتوهمه المرء خطرًا، وليس هنإك خطر ما، ولا كرم لأن الفقر والغنى سيان، وما بأحد حاجة إلى شىء، ولا بخل إذ لا كرم ولا خوف من الفقر وما ينطوى تحته من المعانى. والأرض ما الداعى إلى حرثها واستغلالها؟ والمصانع لماذا ننشئها؟ والمتاجر لأى غاية نتخذها؟ والسفن ما إضاعة الوقمت فى ابتنائها؟ وأى داع للعجلة فى الانتقال من مكان إلى مكان؟ والعمر عمر الأبد لا يحد؟ بل ما الحاجة إلى الانتقال وكل بقعة ككل بقعة؟ حتى الحكومات لماذا نقيمها وننظم أمورنا بواسطتها وليس لنا أمور أو شؤون تنظيم؟ والمثل العليا هل ينشدها أحد أو يحلم بها؟ كلا! ولا تبقى هناك آداب ولا علوم ولا صناعات ولا ملاهٍ ولا شىء على الإطلاق إلا جسم خامد لا يحفزه حافز حتى إلى تحريك إصبعه.
بقيت الغريزة النوعية، ومظهرها الحب وغايتها حفظ النوع. وهى تبقى ما بقيت الغاية مطلوبة مسعيّا إليها. أما إذا أصبحت الغاية موجودة بطبيعة الحال، وصار النوع باقيًا خالدًا لا خوف عليه، فإن الغريزة لا يبقى لها عمل، وإذا بطل عمل الغريزة انعدمت وبطل كل ما نتج عنها من العواطف. وصار الرجل يرى المرأة ولا يشعر بحاجة إلى التعارف بينهما، والمرأة ترى الرجل ولا تحس أنه نصفها الثانى كما يقولون فى تعابيرهم الجديدة، أو أن بها حاجة إلى تكميل نفسها به. لا بجذب أحدهما الاَخر أو يصغيه إليه أو يحرك فيه بواعث الشعر والغناء. ومتى امتنع الشعور الجنسى المتبادل بين الرجل والمرأة امتنع تبعًا لذلك ما نسميه الاَن الجمالُ والحياء والخفر والدلال والوصل والهجر والغيرة وسائر أمثال هذه المعانى التى ترجع فى مردّ أمرها إلى الحب، وزالت عاطفة ا لأمومة والأبوة، وتجرد «البيت» من معناه، واستحال أن يكون «للأسرة» وجود، وتقوضت دعائم الاجتماع وصار الإنسان مخلوقًا «غير مدنى بالطبع»! لا يخالجه غضب أو رضا أو حب أو بغض أو قوة أو أمل أو ندم، ولا خوف ولا يأس ولا احتقار ولا رحمة أو قسوة ولا غيرة أو إعجاب، وزايلته مادة الحياة الحاضرة بأسرها.
وعسى من يسأل: ولكن ألا يبقى له شىء؟ ألا يحتفظ بصفة واحدة أو شهوة من شهواته كالشهرة والحكم؟ كلا! حتى ولا هذه! لأنها جميعًا ليست إلا مظاهر للتعزى عن الخلود الممتنع فى الحياة بخلود الذكر. وماذا يصنع الإنسان بالشهرة؟ ولماذا يطلبها وليس من يكترت لها أو يفهمها؟ وبأى شىء يريد أن يشتهر؟ الأدب معدومة بواعثه، والعلوم لا ضرورة إلى تحصيلها، والخير ليس خيرًا، والشر لم يعد شرّا ولا شىء هناك ينفع أو يضر. وما يُستطاع من الأعمال التى نعدها الآن أعمال بطولة مستحيل إذا ضمن الخلود. إذ ما هى البطولة الحربية مثلًا؟ هى أن تقوى بشجاعتك وبصرك بفنون القتال على سحق عدوك وإخضاعه لك. والسر فى خضوعه هو هول الفتك به. والآن فتصور جيشين رجالهما خالدون وقل لى كيف يستطيع أحدهما أن يقهر خصمه؟ إن الموت هو نفاد القوة الحيوية، والخالد لا يموت أى لا تنفد قوته ولا يعروه نصب فلا بد أن يظل الجيشان يتحاربان أبد الدهر بلا نتيجة، فأولى ألّا يتحاربا، وعلى أن الباعث على التقاتل يمتنع من تلقاء نفسه مع الخلود. وهب هذا الباعث الطمع أو شهوة التحكم أو غير ذلك، فما محله مع الخلود؟ الطمع لا يشعر به الخالد لأنه بلغ أقصى غاية الطمع وصار فى غنى عن كل ما دونه. وشهوة التحكم يثيرها علم المرء أن فى الناس الخنوع والخوف والجبن ورهبة القوة، والخلود يُعفِّى على هاتيك جميعًا ويقطع الطريق على نشوئها. وإذ كان لا فضل لإنسان على اخر ولا مزية، لأن الخلود سوّى بين الناس، فكيف يمكن أن يلج بالمرء مثل شهوة الحكم ولا قوة له ينفرد بها، ولا فى غيره عجز عما يطيقه ولا من وراء ذلك غاية؟
إذن فالناس إذا خلدوا يتجردون من كل صفاتهم ونزعاتهم وغرائزهم وعواطفهم وإحساساتهم التى نعرفها ونسير بها فى حياتنا وفق طبائعها، ويحولون مخلوقات أخرى يستحيل على العقل الآدمى أن يتصور حالتها وما تكون عليه أو ما تغرى به.. وكل ما يهدينا إليه القياس هو أن كل ما للإنسان مما ذكرنا يصبح باطلًا ومحالًا. ومن هنا كان من السخافة المطبقة أن أتصور أن مثل ما يقع لنا فى حياتنا يمكن أن يكون جائزًا مقبولًا ومحتملًا مع الخلود فى الاَخرة. ولهذا لم يسعنى إلا تمزيق القصيدة إذ كانت فكرتها قائمة على استحالة!
•••

ولكن هل كان المتنبى يقصد إلى كل هذه المعانى حين قال:
ولا فضل فيها للشجاعة والندىوصبر الفتى لولا لقاء شعوب؟ أليس الأرجح أن لو كان يدرك ما ينطوى تحت بيته هذا من المعانى التى استخلصناها لأتى عليها فى بيت أو أبيات أخرى يُصفى فيها المسألة ويبين ما أغفل من الجوانب المتممة للفكرة؟ أليس أقرب إلى الصواب والأرجح فى الرأى أن يكون هذا البيت قد جاء منه عفوًا كالشرارة تطير عن حافر الجواد وهو يعدو على الحصى والحجارة؟ وكما أن الجواد لم يتعمد أن يقدح الشرارة، كذلك المتنبى لعل تدفُّقَ الذهن فى مجرى الكلام على الموت قاده عفوًا إلى هذا الخاطر دون أن يفطن إلى عمق ما كشف عنه. نقول: قد يكون هذا كذلك فما ننكر أن للذهن انتباهات يرى فيها حتى الغيب كما يقول ابن الرومى:
وللنفس حالات تظل كأنهاتشاهد فيها كل غيب سيشهد ولكن السياق يرجح عكس ذلك، لأنه فى معرض التقدم بالعزاء لسيف الدولة عن يماكه التركى، وقد شاء أن يعزيه عن فقده بأن يبين له ضرورة الموت وفضله وأنه حتم لا مفر منه، فمضى يقول له: لو أن من سبقونا عاشوا أبدًا وخلدوا فى الدنيا لما وجدنا نحن، فإذا كانت الحياة خيرًا فالفضل فيها للموت الذى عصف بسابقينا.. وأراد أن يزيد فى بيان ما للموت من الفضل وما ينتجه من المزايا ويخلقه فى النفس من الخلال الحميدة، فقال بيته الذى جعلناه مدار هذا الفصل.. ولعله تعمد أن يغفل أن الموت سبب الرذائل كما هو علة الفضائل، لأن المقام استوجب منه ألّا يذكر إلا حسنات الموت وأياديه البيضاء على الإنسانية، ليحمل سامعه على الرضا بهذا القدر المر. أو لعله لم يفطن حين قال هذا البيت إلى كل جوانب الفكرة التى ساقها.
وما أظن شاعرًا أو كاتبًا لم يجرب ذلك: يخطر له المعنى فيبادر إلى تقييده، ثم يفطن فيما بعد إلى أنه لم يُحط بكل جوانبه. وقد يتيسر له أن ينقح ما كتب أو نظم فيوفى المعنى حقه. وقد تشغله الشواغل عن ذلك فيبقى المعنى ناقصًا وإن كان قد تم ونضج فى ذهن صاحبه. وتجىء ناقد مثلى أو مثلك أيها القارئ فيدرك هذا النقص فى استيفاء المعنى ويفرح بذلك وينعاه على قائله ويطبل ويزمر ويقيم الدنيا ويقعدها كأنما يقول للناس: «تأملوا ذكائى وفطنتى! ما أعظمهما وأكبرهما! وما أشد إرباءهما على ذكاء صاحبكم الشاعر أو الكاتب الذى كنتم تحسبونه بذّ الأوائل والأواخر!».. وصاحبنا الشاعر أو الكاتب — إذا كان معاصرًا وكان واسع الصدر — يضحك ويقول «ما أظلم الدنيا والحظ!».
ولعلى بعدُ أخطأت حين مزقت القصيدة. ذلك أن المرء ليس مطالبا بما يفوق طوق الإنسان ويجاوز مدى قدرته. وليس من العيب أن يُعجزه أن يتصور الحياة الخالدة فى الاَخرة أو غيرها إلا على مثال الدنيا. وإنه ليكون من العنت البحت أن يطالب أحد بأن يكون صادق التصوير لنوع من الحياة لا يعلمه ولا هو يتاح له أن يجربه فى مدى عمره أو عمر سواه من الخلق. وأحسب أن لو استطاع أحد أن يصف لنا حقيقة الحياة الخالدة لما وسعنا أن نفهمها نحن أبناء الموت، بل لبدت لنا حافلة بكل ضروب الاستحالات.
ولكنى مع ذلك فعلتها! فكنت سخيفًا فى الأولى والثانية!
(?) حكايات بخله — نقدها — الحزم لا البخل — شاهد من شعره

زعموا أن المتنبى بخيل كز، وأنه أهان نفسه الكبيرة — أو التى زعمها كبيرة — فى سبيل المال.. وقالوا إن بخله هذا ودعواه الشجاعة لا يتفقان، واعتمدوا فى ذلك كله على مشهور الاعتقاد دون الانتقاد، وأخذوا فيه بالتقليد لا بالتمحيص والاختبار، وقابلوا أصحاب هذا الرأى بالتسليم والامتثال، ولم يعن واحد ممن قرأنا لهم فى هذا الباب بأن يبين عوار ما رُوى عن الرجل وزلله وعلة الخطأ فيما حكوه عنه وخلله، وليس هذا من النقد الأدبى فى شىء. ولا هو يدل على وجود الاستعداد لفهم الشعر على الوجه الصحيح. ويحسن بنا قبل أن نخوص فى هذه المسألة أن نورد ما يستندون إليه فى دعواهم.
حكوا أن أبا الفرج قال: «كان أبو الطيب يأنس بى ويشكو من سيف الدولة ويأمننى على غيبته له، وكان ما بينى وبينه عامرًا دون باقى الشعراء، وكان سيف الدولة يغتاظ من تعاظمه ويجفو عليه إذا كلمه والمتنبى يجيبه فى أكثر الأوقات ويتغاضى فى بعضها — قال أبو الفرج الببغاء هذا — وأذكر ليلة، وقد استدعى سيف الدولة بدرّة فشقها بسكين الدواة، فمد أبو عبد الله بن خالويه طيلسانه فحثا فيه سيف الدولة صالحا، ومددت ذيل دراعتى فحثا لى جانبا، والمتنبى حاضر، وسيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا. فما فعل! فغاظه ذلك، فنثرها كلها على الغلمان.. فلما رأى المتنبى أنها قد فاتته زاحم الغلمانَ يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة فداسوه وركبوه وصارت عمامته فى رقبته، فاستحيا ومضت به ليلة عظيمة، وانصرف — فخاطب أبو عبد الله بن خالوبه سيف الدولة فى ذلك فقال: يتعاظم تلك العظمة وتنزل تلك المنزلة لولا حماقته؟».
هذه هى أشهر القصص التى تروى عن المتنبى، وهى إذن أصبحت أدل على الحماقة منها على البخل — وعلى حماقة لحظة دون حماقة العمر التى تُعيى المداوى. ولكن فيها مواضع للنظر تبعث على الشك فى صحتها وتثير الريب فى صدق راويها. ذلك أن أبا الفرج الببغاء لم يكن يحتاج إلى كل هذه المقدمة فى بيان منزلته من أبى الطيب واطلاعه على سره لو أنه كان حقيقة بحيث يصف نفسه. إذن لكان هذا معروفًا لا يحتاج إلى شرج، ومفهومًا بطبيعة الحال لا يستلزم أن يسوقه توطئة للحكاية، وليلاحظ القارئ كذلك أن أبا الفرج هذا جعل نفسه «شاهد عيان» للحادثة التى يرويها. ولو أنه كان يحكيها على أنه سمعها من المتنبى نفسه لفهمنا منه أن يقول عن نفسه فى مستهلها إن المتنبى كان يأتمنه على غيبته لسيف الدولة، وإن ما بينهما كان عامرًا دون سائر الشعراء. فأما وهو شاهد عيان فلا محل على الإطلاق لهذه المقدمة التى يُخيل لنا أنها دفاع سابق لتهمة مقدرة.
ولم يعرف عن المتنبى أنه كان ممن يغتابون الناس، وبخاصة سيف الدولة. وهذا بالبداهة لا يمنع أنه كان يشكو جفوته فى بعض الأحيان، ولكن الغيبة شىء والشكوى شىء اَخر. وما حاجة المتنبى إلى مؤتَمَن على الغيبة وهو يعلن عتبه ويذيعه فى شعره الساتر مسير الشمس حتى قبل أن يفارق سيف الدولة؟
وليس هناك من الشهود على صحة الحكاية غير ابن خالويه، وهذا خصم للمتنبى لا يصدق قوله فيه. وفى الحكاية مبالغة ظاهرة لا يُعقل أن تصدر عمن كان كالمتنبى تعاظمًا وترفعًا. ومن ذا الذى يصدق أن المتنبى يبلغ من حماقته واستهانته بكرامته ألّا يكتفى بمزاحمة الغلمان له على الدنانير حتى يرضى أن يدوسوه ويركبوه؟!
وحكوا غير ذلك. أن أبا الطيب دخل مجلس ابن العميد وكان يستعرض سيوفًا، فلما نظر أبا الطيب نهض من مجلسه وأجلسه فى دسته، ثم قال: «اختر سيفًا من هذه السيوف»، فاختار منها واحدًا ثقيل الحلى، واختار ابن العميد غيره، ثم قال كل واحد منهما: «سيفى الذى اخترته أجود»، ثم اصطلحا على تجربتهما فقال ابن العميد: «فبماذا نجربهما؟». فقال أبو الطيب: «فى الدنانير يُؤتى بها فينضد بعضها على بعض ثم تُضرب به فإن قدّها قاطع». فاستدعى ابن العميد عشرين دينارًا ثم ضربها أبو الطيب فقدها فى المجلس، فقام من مجلسه الفخم يلتقط الدنانير المتبددة، فقال ابن العميد: «ليلزم الشيخُ مجلسه فإن أحد الخدام يلتقطها ويأتى بها إليك»، فقال أبو الطيب: «بل صاحب الحاجة أولى».
نقول والاختراع فى الحكاية واضح. وحسب القارئ أن ننبهه إلى أنها ناقصة! ماذا فعل ابن العميد بسيفه الذى اختاره؟ لقد عرفنا أن المتنبى جرب سيفه فقدَّ به الدنانير فتبين له ولغيره أنه قاطع. ولكنا لم نعرف شيئا عن سيف ابن العميد. وهذا على الرغم من أن القصة محورها الخلاف على أىّ السيفين أقطع!!
ومن هذا النقص يتبين للقارئ أن الراوى — وهو مجهول! — إنما ساق الحكاية للتنديد بالمتنبى، ولهذا نسى أن يتمها على عادة المشنِّعين، ولهذا أيضًا تحرى فيها أن يحمل السامع أو القارئ على ازدراء عمل المتنبى، وذلك بأن يفخم من أمره لتزداد الهوة التى انحدر إليها عمقًا، فجعل ابن العميد يتخلَّى له عن مجلسه. ثم يعرض عليه السيوف دون الحاضرين جميعًا وُيفرده فضلًا عن ذلك باختيار واحدٍ لنفسه. ثم يأبى الراوى المجهولُ إلا أن يجعل المتنبى يختار سيفًا كثير الحلى ثقيلها ليوقع فى روعك أن أبا الطيب نظر إلى الحلى ولم ينظر إلى مهزِّ السيف وفرنده. ثم بعد ذلك يقيم المتنبى من مجلسه ليلتقط الدنانير ويجسم لك الأمر فيصف المجلس — هنا فقط — بأنه فخم!
وبعد، فهل بقيت بنا أو بالقارئ حاجة إلى تقصِّى أخبار البخل المرويّة عن المتنبى لنزنها ونحصَّهإ؟ لست أشعر بالحاجة إلى ذلك. وأكبر ظنى أن بالقارئ مثل استغنائى عنه. فإذا شاء المزيد فعليه بالصبح المنبى وأشباهه من كل كتاب لم يتوخ صاحبه إلا مجرد النقل حتى لتحسبها جميعًا لرجل واحد لولا ما تلمحه من قصد هذا إلى الدفاع، ومن تعمد ذلك الزراية والتشهير. ولو أن هؤلاء أو غيرهم من الكتاب المعاصرين الذين رأينا لهم كتبًا فى هذا الباب نظروا إلى شعر الرجل باعتباره صورةً لنفسه وجوانبها المتعددة لنبذوا هذه القصص، ولفطنوا إلى أن المتنبى لم يكن بالرجل البخيل وإنما كإن رجلًا يعرف قيمة المال وما له من الأثر البالغ فى الحياة.
ولقد عرف القارئ مما كتبنا عن المتنبى، ومن شعره نفسه، أنه كان «يتعاطى كبر النفس وعلو الهمة وطلب الملك» كما يقول أبو البركات ابن أبى الفرج المعروف بابن زيد التكريسى الشاعر. ولم يكن يخفى على المتنبى أن المال «عضل» المساعى والمطالب الضخمة كما يقولون. أو «زندُها» كما يقول المتنبى. والمال عند المتنبى لم يكن مطلوبا لذاته، ولا لأن له قيمة قاتمة بنفسها، ولا لأن به مرضا يدفعه إلى التماسه وتكديسه، بل لأنه عونٌ على الغايات، وفى ذلك يقول:
وما رغبتى فى عسجد أستفيدولكنها فى مفخر أستجده ويقول لكافور وهو يمدحه ويطلب منه الولاية التى جاءه طامعًا فيها:
وأتعب خلق الله من زاد همهوقصر عما تشتهى النفس وجدهفلا ينحلل فى المجد مالك كلهفينحلّ مجدٌ كان بالمال عقدهودبّره تدبير الذى المجدُ كفهإذا حارب الأعداءَ، والمال زندهفلا مجد فى الدنيا لمن قل مالهولا مال فى الدنيا لمن قل مجده أى أنه يقول: أشقى الناس من زادت همته وقصر ماله عن مبلغ ما يهمّ به، وينصح لكافور ألّا يُسرف فى العطاء فيذهب ماله كله فى طلب المجد والرياسة، لأن المجد لا يعقد إلا بالمال، فإذا ذهب المال انحل ما كان معقودًا به. وكما أن الضرب لا يكون إلا باجتماع الكف والزند، كذلك المجد والمال قرينان. وصاحب المال بلا مجد فقير زرىٌّ وصاحب المجد بلا مال موشك أن يزول عنه مجده.
وقد زعم بعضهم أنه إنما يصف كافورًا بالبخل فى هذه الأبيات لأنه حرمه وضنَّ عليه ببغيته، وأنه سلك فى ذلك مسلك كثيِّر إذ دخل على هشام فمدحه فلم يثبه فقال كثيِّر يخاطبه:
إذا المال لم يوجب عليك عطاؤهصنيعةَ تقوى أو خليلًا توافقهمنعت، وبعض المنع حزم وقوةومجد ولا يعنيك إلا حقائبه فقيل لكثيِّر: ما حملك على أن تعلم أمير المؤمنين البخل؟ فقال: إنه منعنى من رفده، واَلمنى برده، فأردت أن أحبب إليه المال، فيمنع غيرى كما منعنى، فيتفق الناس على ذمه!
وهى حكاية مخترعة. والحقيقة الواضحة أن بعض المولعين بالتأليف عثر على هذين البيتين فى قصيدة كثيِّر، فوجدهما غريبين من شاعر يريد أن يمدح ملكًا بالكرم ليستوكف رفده، فنسج حولهما هذه القصة السخيفة. فقد كان هشام بخيلًا بطبعه لا يحتاج إلى أن يعلمه كثيِّر الحرص. ولو كان جوادًا لما بلغ كثيِّر عزة غايته منه ببيتيه هذين.
وفرقٌ بين بيتيه وأبيات المتنبى التى يوصى فيها بالحزم وضبط الأموال لغاية مفهومة معقول أن يُضبط لها المال. وقد صارت القضية الآن جلية بعد الذى سقناه. رجل له غاية معينة، يريد أن يوفر لها الوسائل، وأن يحشد لها المال، فى غير كزازة، إذ كان المال أقوى أداة، وأمتن وسيلة.
? كتبت هذه المقالات بمناسبة ظهور مؤلف حديث عن المتنبى، وقد تناولنا فيها ما اغفله أو أخطأ فيه المؤلف، فموضوعاتنا محدودة بهذا القصد.
الفصل السادس عشر
تقليد القدماء


كتبنا نقد حافظ منذ أعوام، ولم يكن الباعث لنا عليه، كما حسب بعض البله والحمقى، ضغينة نحملها للرجل أو عداوة بيننا وبينه. وكيف يكون شىء من ذلك ولا علم لنا به ولا صداقة ولا صحبة،? ولا نحن نرتزق من الكتابة والشعر، أو نزاحمه على الشهرة، لأن ما بيننا من تباين المذهب واختلاف المنزع لا يدع مجالًا لذلك. ولكنى لسوء الحظ أحدُ من يمثِّلون المذهب الجديد الذى يدعو إلى الإقلاع عن التقليد والتنكيب عن احتذاء الأولين فيما طال عليه القدمُ ولم يعد يصلح لنا أو نصلح له. أقول لسوء الحظ، لأنه لو كان الناس كلهم يرون رأينا فى ضرورة ذلك، وفى وجوب الرجوع عن خطأ التقليد لربحنا من الوقت ما نخسره اليوم فى الدعوة إلى مذهبنا ومحاولة رد جمهور الناس عن عادة إذا مضوا عليها أفقدتهم فضيلة الصدق ومزية النظر، وهما عماد الأدب وقوام الشعر والكتابة. ولو كان الناس اعتادوا النقد وألِفوا الصراحة فى القول وتوخى الصدق فى العبارة عن الرأى، لما كانت بى حاجة إلى هذه المقدمة أو ضرورة إلى تبرئة نفسى ودفع ما يرموننى به؟ ولكنت أنشر النقد على ثقة من حسن ظن القراء بى وبخلوص نيتى وبراءة سريرتى مما تصفه الأوهامُ ويصوِّره الجهل. ولكنا لسوء الحظ مضطرون إلى أن نثبت حسنَ القصد فى كل ما ننقدُ كأن المرء لايمكن أن يفعل شيئًا إلا ودافعه الضغائن والأحقاد! ومن سوء حظ الناقد فى مصر أنه يكتب لقوم لا يستطيع أن يركن إلى إنصافهم أو يعول على صحة رأيهم. وليسامحنى القراء فى ذلك فقد رأيت عجبًا أيام كنت أنشر هذا النقد: من ذلك أنى كنت إذا قلت إن حافظًا أخطأ فى هذا المعنى أو ذاك، قال بعضهم «لم يخطئ حافظ وإنما تابع العرب، وقد ورد فى شعرهم أشباه ذلك»، كأن كل ما قال العرب لا ينبغى أن يأتيه الباطل ولا يجوز إلا أن يكون صحيحًا مبرأ من كل عيب! إلى غير ذلك مما يُغرى المرء باليأس ويحمله على القنوط من صلاح هذه العقول!
وإذا فرضنا أن العرب أصابوا فى كل ما قالوا، أفترى ذلك يستدعى أن نقصد قصدهم ونحتذى مثالهم فى كل شىء ونحن لا نحيا حياتهم؟ ألسنا الوارثين لغتهم وللوارث حق التصرف فى ما يرت؟ هل تقليدك العربَ وجريك على أسلوبهم يشفعان لك فى خطأ نحوى أو منطقى؟ كلا! إذًا فكيف يشفع لك فى غير ذلك مما لا يصح فى العقول ولا يتفق مع الحق؟ وكيف نتحاكم إلى العقل فى الأولى ولا نستقضيه فى الثانية؟
لا ننكر ما لدراسة الأدب القديم من النفع والفائدة، وما للخبرة ببراعات العظماء، قديمهم وحديثهم، من الفائدة والأثر الجليل فى تربية الروح، ولكنه لا يخفى عنا أن ذلك ربما كان مدعاة لفناء الشخصية والذهول عن الغاية التى يسعى إليها الأديب والغرض الذى يعالجه الشاعر، والأصل فى الكتابة بوجه عام.
على أنه مهما يكن فضل القدماء ومزيتهم فليس ثَمَّ مساغ للشك فى أنك لا تستطيع أن تبلغ مبلغهم من طريق الحكاية والتقليد. فإن الفقير لا يغنى بالاقتراض من الموسرين. ولست أقصد إلى نبذ الكتّاب والشعراء الأولين جملة وعدم الاحتفال بهم فإن هذا سخف وجهل، ولكنى أقول إنه ينبغى أن يدرس المرء فى كتاباتهم الأصول الأدبية العامة التى لا ينبغى لكاتب أن يحيد عنها أو يغفلها بحال من الأحوال — كالصدق والإخلاص فى العبارة عن الرأى أو الإحساس — وهذا وحده كفيل بالقضاء على فكرة التقليد.
(وبعد) فإنه لا يسع من ورد شِرعة الأدب، وعلم أنه يحتاج إلى مواهب وملكاتٍ غير الكد والدؤوب والاحتيال فى حكاية السلف والضرب على قالبهم والاقتياس بهم فيما سلكوه من مناهجهم، ومن تبسط فى شعر الأولين، لا ليسرق منه ما يبتنى به بيوتا كبيوت العنكبوت ولكن ليستعين بنوره ويستعين به على استجلاء غوامض الطبيعة وأسرارها ومعانيها، وليهتدى بنجوم العبقرية فى ظلمة الحياة وحلوكة العيش، وليتعقب بنظره شعاعها المتغلغل إلى ما لم يتمثل فى خاطر ولم يحلم به حالم — أقول لا يسع من هذا شأنه وتلك حاله إلا أن ينظر إلى حال الأدب العصرى نظرة فى طيها الأسف والخيبة واليأس. وكأنما شاءت الأقدار أن يذيب أحدُنا نفسه، ويعصر قلبه، وينسج اماله ومخاوفه التى هى آمال الإنسانية ومخاوفها، ويستورى من رفات آلامه شهابًا يضىء للناس وهو يحترق، ثم لا يجد من الناس أخًا حنَّانًا يؤازره ويعينه على الكشف عن نفسه وإزاحة حجب الغموض عن إحساسات خياله التى ربما التبست على القارئ لفرط حدتها أو غابت فى مطاوى اللفظ واستسرت فى مثانى الكلام.
أليس أحدنا بمعذور إن هو صرخ وبه من سانح اليأس خاطر: «يا ضيْعةَ العمر! أقص على الناس حديثَ النفس، وأبثهم وجد القلب ونجوى الفؤاد، فيقولون ما أجود لفظه أو أسخفه! كأنى إلى اللفظ قصدت!!
وأنصب قبل عيونهم مرآة للحياة تُريهم، لوتأملوها، نفوسهم باديةً فى صقالها فلا ينظرون إلا إلى زخرفها وإلى إطارها، وهل هو مفضض أم مذهب؟ وهل هو مستملح فى الذوق أو مستهجن؟! وأفضى إليهم بما يُعيى أحدَهم التماسُه من حقاتق الحياة فيقولون لو قلت كذا بدل كذا لأعيا الناس مكان ندك! ما لهم لا يعيبون البحرَ باعوجاج شطآنه وكثرة صخوره؟! يا ضيعة العمر!!».
سيقولون ما فضل مذهبكم الجديد على مذهبنا القديم؟ وماذا فيه من المزية والحسن حتى تدعونا إليه؟ وبأى معنى رائع جئتم؟ وماذا ابتكرتم من المعانى الشريفة والأغراض النبيهة؟ فنقول: قد لا يكون فى شعرنا شىء من هذه المعانى الشريفة والأغراض النبيهة التى تطلبونها وتبحثون فيه عنها ولا تألون (أنتم) جهدًا فى الغوص عليها وفتح أغلاقها والتكلف لها! وقد لا نكون أحسنَّا فى صوغ القريض ورياضة القوافى ولكن خيبتنا لا يصح أن تكون دليلًا على فساد مذهبنا وعقمه، إذا صح أننا خبنا فيما تكلفناه وهو ما لانظنه، بل هى دليل على تخلف الطبع لا أكثر — وعلى فرض ذلك كله فإن لنا فضل الصدق وعليكم عار الكذب ودنيئة الافتراء على نفوسكم وعلى الناس جميعًا، وحسبنا ذلك فخرًا لنا وخزيًا لكم!
ليس أقطع فى الدلالة على أنكم لا تفهمون الشعر، ولا تعرفون غاياته وأغراضه، من قولكم إن فلان! ليس فى شعره معانٍ رائعة شريفة، لأن الشاعر المطبوع لا يُعنت ذهنه ولا يكد خاطره فى التنقيب على معنى لأن هذا تكلف لا ضرورة له. أو ليس يكفيكم أن يكون على الشعر طابع ناظمه وميسمه، وفيه روحه وإحساساته وخواطره ومظاهر نفسه سواء أكانت جليلة أم دقيقة، شريفة أم وضيعة؟! وهل الشعر إلا صورة للحياة؟ وهل «كل» مظاهر الحياة والعيش جليلة شريفة رفيعة حتى لا يتوخى الشاعر فى شعره إلا كل جليل من المعانى ورفيع من الأغراض؟ وكيف يكون معنى شريفًا وآخر غير شريف؟ أليس شريف المعنى وجلالته فى صدقه؟ فكل معنى صادقٍ شريفٌ جليل.
ألا إن مزية المعانى وحسنها ليسا فى ما زعمتم من الشرف، فإن هذا سخف كما أظهرنا فيما مر، ولكن فى صحة الصلة أو الحقيقة التى أراد الشاعر أن يجلوها عليك فى البيت مفردًا أو فى القصيدة جملة، وقد يتاح له الإعراب عن هذه الحقيقة أو الصلة فى بيت أو بيتين، وقد لا يتأتى له ذلك إلا فى قصيدة طويلة، وهذا يستوجب أن ينظر القارئ فى القصيدة جملة لا بيتًا بيتًا كما هى العادة، فإن ما فى الأبيات من المعانى، إذا تدبرتها واحدًا واحدًا، ليس إلا ذريعة للكشف عن الغرض الذى إليه قصد الشاعر وشرحًا له وتبيينا.
وأنتم فما فضل هذا الشعر السياسى الغث الذى تأتوننا به الحين بعد الحين؟ وأى مزية له؟ وهل تؤمنون به؟ وهل إذا خلوتم إلى شياطينكم تحمدون من أنفسكم أن صرتم أصداء تردد ما تكتبه صحف الأخبار؟ وهل كل فخركم أنكم تمدحون هذا وترثون ذاك؟ وأنتم لا تفرحون بحياة الواحد إلا لماله، ولا تألمون موتَ الآخر إلا لانقطاع نواله؟ ما أضيع حياتكم!
ليس أدل على سوء حال الأدب عندنا من هذا الشك الذى يتجاذب النفوس فى أولى المسائل وأكبرها. ولقد كتب نقاد العرب فى الشعر، على قدر ما وصل إليه علمهم وفهمهم، ولكنهم لم يجيئوا بشىء يصلح أن يتخذ دليلًا على إدراكهم لحقيقته. ولسنا ننكر أن كتّاب الغرب متخالفون فى ذلك، ولكن تخالفهم دليل على نفاذ بصائرهم وبُعد مطارح أذهانهم ودقة تنقيبهم وشدة رغبتهم فى الوصول إلى حقيقة يأنس بها العقل ويرتاح إليها الفكر، كما أن إجماع كتاب العرب وتوافقهم دليل على تقصيرهم وتفريطهم وأنهم كانوا يقلد بعضهم بعضًا إن لم يكن دليلًا على ما هو أشين من ذلك وأعيب.
غير أن هذا القلق والشك المستحوذين على النفوس لعهدنا هذا هما الكفيلان بأن يفسحا رقعة الأمل ويطيلا عنان الرجاء، لأن القلق دليل الحياة، والشك اية الفطنة وما يدرينا لعلنا فى غد نجنى من رياض هذا القلق أزاهير السكينة والطمأنيته!
? نقدنا شعر حافظ فى ????. ثم جمعنا متفرقه وطبعناه فى ????–???? وجعلنا هذا المقال مقدمة له، ولم يكن بيننا يومئذ وبين حافظ أى صلة. وقد أثبتا هذا المقال هنا لدلالته على حال الأدب يومئذ.
الفصل السابع عشر
الحقيقة والمجاز فى اللغة


(?) رأى لوك — نشأة المجاز — الترادف فى اللغة

يقول «لوك» فى كتابه «العقل الإنسانى»: «وقد يكون مما يهدينا إلى أصل كل آرائنا ومعارفنا أن نلاحظ مبلغ توقف ألفاظنا على الآراء المحسوسة العامة، وكيف أن الألفاظ التى تستخدم للعبارة عن أعمال وآراء بعيدة عن الحس، مرجعها إليه، ومنشؤها ذلك.
«ثم انتقلت بها الحال من العبارة عن المحسوسات، إلى ما هو أخفى دلالة وأعوص، حتى صارت رموز الآراء لا تتناولها المشاعر. مثال ذلك، يتخيل، ويدرك، ويتصور، ويتمسك بالشىء ويبث، والتقزز، والاضطراب، والسكينة، إلى اخر ذلك. فهذه كلها ألفاظ مأخوذة عما يتناوله الحس، ومنقولة إلى أساليب معينة من التفكير. والنَّفْس معناها فى الأصل النَّفَس، وما أشك فى أننا نستطيع — إذا اهتدينا إلى المصادر الأولى فى كل اللغات — أن نرد كل الألفاظ الدالة على غير المحسوسات إلى ما تدركه المشاعر، وبذلك يتيسر لنا أن نحزر إلى حد ما، الخوالج التى كانت تملأ عقول الأولين على عهد حداثة اللغات، وكيف نشأت هذه الخوالج، ونعلم كيف أن الطبيعة — حتى فى تسمية الأشياء — أوحت إلى الناس أصول المعارف ومبادئها، وكيف أنهم لما أرادوا العبارة عما يحسونه فى نفوسهم، وأن ينقلوا الإحساس به إلى سواهم، استعاروا الألفاظ المؤدية للواقع تحت الحس، وبذلك أعانوا غيرهم على إدراك ما يخالجهم، ويدور فى نفوسهم، مما ليس له مظهر خارجى محسوس. ثم لما صارت لهم ألفاظ معروفة مقررة يرمزون بها إلى ما يدور بأخلادهم، استطاعوا أن يعبروا عن كل المعانى الأخرى، إذ كانت هذه المعانى مكونة من المحسوسات أو آرائهم فيها، وهذا إنما كان هكذا، لأن اراءنا كلها، كما أثبتنا مرجعها إلى ما يقع تحت الحبس، أو ما ندركه فى نفوسنا».
هذا ما قاله «لوك» — وهى قطعة مشهورة، وإن كانت معقدة يعتورها الغموض، تناولها الكتاب بالتمحيص واختلفوا فيها: فمنهم من وافق وزادها إيضاحًا، مثل «هورن توك»، ومنهم من عالج نقضها وأبى أن يشايع لوك على رأيه فيها، مثل «فيكتور كوزان» فى كتابه «محاضرات فى تاريخ الفلسفة فى القرن الثامن عشر» وفى الجزء الثانى منه هذه العبارة: «وسأورد لفظين أسألكم أن تردوهما إلى أصليهما الدالين على ما هو واقع تحت الحس. أولهما لفظ «أنا» — هذه اللفظة، فيما أعلم، ليست قابلة أن ترد إلى أصل أو أن تحلل إلى عناصر أولية. وليست دالة على فكرة محسوسة، ولا هى تمثل إلا المعنى الذى يفهمه العقل منها، فهى رمز صاف صادق، ليس فيه أدنى إشارة إلى فكرة محسوسة. كذلك لفظ «يكون» أولى ذهنى محض، ولا أعرف لغة يؤدى فيها لفظ «يكون» بكلمة تعبر عن معنى محسوس. ومن أجل هذا لا أرى من الصواب أن الرموز الدالة على ما يقع تحت الحس هى أصول اللغة».
على أن اعتراض كوزان لا يحيل القضية من أصلها، ولا يجعل رأى لوك حائلًا. ولقد نقض «موللر» اعتراض كوزان بما يطول شرحه إذا نحن حاولنا نقله. على أن كوزان نفسه عاد فقال: «وهب هذا صحيحًا لا مجاز إلى الشك فيه، وهو ما ليس كذلك، فماذا يكون لنا أن نستخلص منه؟ أن الإنسان فى أول الأمر، بفعل كل مداركه، خرج من دائرة نفسه إلى العالم الخارجى. ومن المعقول أن تكون ظواهر العالم الخارجى أول ما يستلفته، ومن هنا كانت هذه الظواهر أول ما سماه الإنسان، وكانت الألفاظ الأولى من نصيبها.. فإلرموز الأولى مستعارة من الأشياء المحسوسة ومصطبغة إلى حد ما بألوانها. ومتى كر الإنسان إلى نفسه بعد ذلك وعنى بالظواهر العقلية — التى لم تزايله وإنما كانت مدركة بصورة غامضة — وأراد أن يعبر عن الظواهر الجديدة لعقله ونفسه، قادته المشابهة إلى وصل الرموز التى يبغيها بالرموز المقررة والمشابهة هى سبيل كل لغة ناشئة، ومن هنا كانت المجازات التى رد تحليلنا إليها أكثر الرموز والأسماء المتخذة للمعنويات».
وليس أصدق من قول كوزان ولا أعمق، فإن المجاز أقوى أداة فى اللغة. واللغة بدونه خليقة أن تضيق على كل شىء، ولا تكاد تتسع إلا للأصول البسيطة الأولية. والمجاز، كما هو معروف، هو نقل لفظ مما وضع له فى الأصول إلى غيره مما يشاركه فى بعض صفاته أو خصائصه? فالروح فى اللغة العربية أيضًا أصل معناها النَّفَس (بالتحريك) ومن ذلك قول ذى الرمة. فقلت له ارفعها إليك وأحيهابروحك واقتته لها قيتة قدرا ومنه قولهم «ارتاح فلان لأمته بالرحمة» وهو أن يهتش للمعروف ويهتز له، ويتحرك كما يُراح الشجر والنبات إذا تفطر بالورق واهتز، وقول النابغة:
وأسمر مارن يرتاح فيهاسنان مثل مقباس الظلام أى يهتز. ومثله الشملة الثوب جاء منها: شملهم الخير أو النعمة، وفلان مشتمل على داهية، أو مشتمل على أخلاق جميلة، ومنها كذلك اشتمل فلانٌ على فلان، وقاه بنفسه. قإل عبيد الله بن زياد للمنذر بن الزبير: «إن شئت اشتملت عليك ثم كانت نفسى فى ون نفسك».
وأدرك التى ضربها لوك مثلًا أصل معناه! لحق، ومن هنا جاء قولهم: أدرك حاجته، وتدارك الخطأ بالصواب، وفرس دَرَكُ الطريدة. وصار معنى الدرك أيضًا ما يلحق المرءَ من التبعة، ومن ذلك قول بعضهم «ما أدرَكَه مِن دَرَك فعَلىَّ خلاصه»، وتداركت الأخبار تلاحقت، إلى آخر ذلك مما يطول بنا الكلام إذا نحن أردنا أن نتقصى فيه.
وهناك نوعان من المجاز: لفظى وشعرى. فأما اللفظى فذلك الذى ينقل فيه اللفظ إلى أشباه ما وضع له، كالإشراق مثلا يستعمل للشمس والنار والوجه والمعانى. وأما الشعرى فنعنى به أن يعمد القائل مثلًا إلى الشمس فيجعل لها أيديًا يرمز بها للأشعة، أو للسحب فيسميها جبالًا أو يشبهها إذا أمطرت بالإناث، فيقول مثلًا استحلبت الريح السحاب، أو يشبه البرق بالسهم المضىء، أو يجعل الليالى تلد الحوادث، أو تتمخَّض عنها، وذلك كثير فى شعر الأقدمين. وقد لا يروقنا أو يعجبنا، بل قد يتعذر علينا فهمه فى بعض الأحايين، ولكنه لا شك فى أن كل لغة مرَّ بها طور كانت فيه العبارة عما يتجاوز الحياة اليومية الضيقة، لا تتأتى للناس إلا من طريق هذا النوع الساذج من المجاز الشعرى.. ولعل هذه المجازات التى صارت عبارات تقليدية فى عصرنا، يُفهَم المراد منها، ولا تُحَس حقيقتها — نقول لعل الأقدمين كانوا يفهمونها على أن فيها بعض الحقيقة، فقد كان الأقدمون يتصورون كل شىء من ظواهر الطبيعة ويقيسونه على حياتهم.
ومن هنا جاء إطلاق اللفظ الواحد على عدة أشياء مختلفة، كاستعمال الإشراق للشمس وللوجه ولديباجة الكلام. ومن هنا جىء كذلك الترادف فى الألفاظ، أى استعمال عدة ألفاظ لشىء واحد، وليس أكثر من هذا فى لغتنا، وحسبك ما فيها من أسماء النياق والسيف والخمر وغيرها، وليست معانى هذه المترادفات واحدة فى الحقيقة وإنما هى أوصاف شتى للشىء. مثال ذلك الشمول، من أسماء الخمر، وهى الباردة، وقد يريدون أن يصفوها بفعلها وسورتها فيقولون الحميا أو برائحتها أو طريقة عملها فيسمونها الخمرة. وكذلك القولُ فى سائر المترادفات، فهى أوصاف مختلفة نعت بها الموصوف فى ظروف شتى ثم صارت بكثرة الاستعمال والعادة فى حكم الأسماء. وأذكر أن رجلًا من علماء اللغة نسيت اسمه سئل: كم اسما للسيف؟ قال: واحد. فعجبوا فبيَّن لهم أن السيف هو اسمه وأن ما عدا ذلك صفات.
ومن سوء حظ الباحث فى اللغة العربية أن تاريخها القديم مجهول، وأطوارها الأولى التى لا بد أن تكون مرت بها غير معروفة، وأنه! وصلت إلينا بعد أن استوفت نضوجها وصارت على الحقيقة لغة عصرية وافية تامة التكوين. وليس ينفى ذلك أنه ينقصها بعض زيادات، أو ألفاظ على الأصح تدل على حديث المخترعات وما إليها، فإن هذا نقص غير جوهرى وليس مرجعه إلى مقومات اللغة وتركيبها. وإنما هو نقص من شاء سد فراغه بأيسر طريقة وأقرب حيلة، نعنى بالنقل الحرفى للألفاظ الجديدة.
ولو أننا كنا نعلم تاريخ الأدوار الأولى التى مرت بها لغتنا العربية كغيرها من اللغات، أو لو أن من بيننا من عنى بدرس اللغة العبرية وأمثالها مما ينتمى معها إلى أصل واحد، لا ستطاع الباحثون أن يصلوا إلى ما وصل إليه الغربيون. ولكن جهلنا باللغة العبرية وبالتاريخ الأول للغة العربية يحول بيننا وبين الرجوع إلى أقدم من نشوء المجاز. ولا شك فى أن بنا حاجة إلى أن نعرف ماذا كانت حالة هذه اللغة فى أوليات نشأتها قبل العهد الذى ظهر فيه الترادف.
(?) هل اللغة ألفاظ مصطلح عليها؟

التوليد — طور انعدام الفردية — أصول الاشتقاق — نشأة المجاز

كتبنا فصلًا وجيزًا فى المجاز ونشأته فى اللغات على العموم، وإن كنا قد تحرينا أن نورد الأمثلة من لغتنا العربية على الخصوص. وقد قال لنا بعض الفضلاء إن فى مقالنا غموضًا حال دون استجلاء الغرض منه، وذهب آخرون إلى أننا خالفنا ما اشتملت عليه كتب اللغة. ومن أجل هذا لم نجد مندوحة عن العود إلى الموضوع بشىء من البيان نوضح به ما أشكل.
ونحب أن ننبه فى فاتحة هذه الكلمة إلى أن موضوعنا فى وادٍ، وما احتوته كتبُ البلاغة فى واد اخر — هذه تتناول اللغة بعد أن استوفت نضوجها وصارت كما ورثناها، ونحن نعالج فى بحثنا هذا أن نرسم خط التطور قبل أن تستكمل اللغة أوضاعها. ولما كانت هذه سبيلنا وتلك وجهة نظرنا، فلا محل فى كلامنا لهذه الكتب، إلا إذا كنا سنشايع أصحابها الذين يقولون — ولا يزال مع الأسف الشديد الأساتذة فى عصرنا يدرسون قولهم هذا — إن اللغة هى ذلك الكلام المصطلح عليه بين الناس. وهو تعريف للغة عفّى عليه الزمن ولم يعد مما نستطيع أن تقبله العقول وتسيغة الأفهام؟ لأن القول بأن الناس اصطلحوا على ألفاظٍ معينة وتواضعوا بالاتفاق فيما بينهم على أن يؤدوا بهذه الألفاظ ما يختلج فى نفوسهم من المعانى والخواطر — هذا القول ينقض نفسه. وحسبك أن تسألى: كيف استطاعوا أن يتفقوا على هذه الألفاظ والتراكيب؟ وبأى لغة تفاهموا قبل أن تكون لهم لغة؟ أليس من الواضح أن اتفاقهم هذا يستوجب أن تكون لهم لغة يتفاهمون بها؟ وإذا كان هذا كذلك، فعلى أى شىء يتفقون؟ ولماذا يصطلحون ويتواضعون، ولديهم لغة تكفيهم وتغنى فى نقل المعنى أو الخاطر أو الإحساس أو غير ذلك من رأس إلى رأس؟
ونحن — فى هذا العصر الذى نملك فيه لغةً وافية ناضجة — ماذا يصنع أحدُنا إذا جال بنفسه معنى جديد أعياه أن يلتمس له لفظًا أو ألفاظا يعبر بها عنه؟ أتراه يحشد الخلقَ مؤتمرًا ويشاورهم فى طريقة العبارة عن هذا المعنى الجديد الذى حاش به صدرُه، ودار بنفسه، وتعاظمه أداؤه؟ أيقول لهم قد خطر لى أيها الناس معنى لا أدرى كيف أصوره لكم وأنقله بالألفاظ إلى رؤوسكم، فاختاروا له اللفظ الذى يؤديه والكلمة التى تخرجه من مطاويه؟ أم يقول: قام بنفسى معنى هو كيت وكيت، ويشرحه باللفظ ثم يسألهم لفظًا له؟ إن كانت الأولى فكيف يعبرون له عن معنى مدفون فى صدره لا علم لهم به؟ أو الثانية فما حاجته إلى لفظ له بعد أن اهتدى إلى العبارة عنه؟
لا. لم تنشأ اللغة دفعة واحدة. ولا تواضع الناس على ألفاظها واصطلحوا على كيفية تعليق الكلام بعضه ببعض، وإنما حدت ذلك شيئًا فشيئًا، ومرت باللغة — بكل لغة — أطوار شتى وانتقلت بها الأحوال من مرحلة إلى مرحلة حتى صارت كما نراها اليوم. وإن أحدنا ليكد ذهنه إذا خطر له معنى جديد — أو معنى يحسبه جديدًا — حتى يعبر عنه التعبير الذى يسعه طوقه، فإما وفق فى ذلك فجاء كلامه مفهوما، وإما أخفق فخرج المعنى ملفوفًا فى مثل الضباب، وقد يبتكر أحدنا لفظًا أو ينحته، فإذا وافق مكان الحاجة إليه استقر فى موضعه وسار على الألسنة وإلا سقط ولم يلتقطه قائل أو كاتب غيره.
وقد تعمدنا أن نقول إذا خطر لأحدنا معنى «يحسبه جديدًا»، ولسنا نعنى بذلك أن القدماء سبقونا إلى كل معنى يمكن أن يخطر على البال وأنه لا جديدَ تحت الشمس، فإن هذا يكون أدخل فى باب الهراء منه فى باب الكلام المعقول، وما يسع رجلًا يحترم نفسه وما وهبه الله من المدارك والمشاعر أن يقول هذا. وإنما الذى نعنيه أن كل معنى جديد «مولّد» من معنى اخر أو معان أخرى قديمة أو حديثة اتصل بعضُها ببعض فى الذهن وتزاوجت وأنتجت هذا المعنى «الجديد»، فهو كالابن — مخلوق جديد إلا أنه خلاصة أبوين، لا بل سلسلة اباء وأجداد لا يأخذهم إحصاء — إذ ليس من المعقول بتةً، ولا من الممكن، أن ينشأ فى الذهن معنى لا صلة له على الإطلاق بأى شىء فى هذا الذهن.. وقد يعيينا أن نعرف هذه الصلة ويُعجزنا الإعجاز التام أن نتبين أو هى علاقة بين هذا المعنى الطارئ وبين ما فى الذهن غيره أو ما وجد فيه قبله. ولكن هذا يدل على أى شىء؟ إنه أولًا لا ينفى أن هناك صلةً وإن كانت قد خفيت علينا ثم هو لا يدل بعد ذلك على أكثر من أن هناك معانى أو خواطر، أو ما شئت فسمها، تختفى فيما وراء الواعية. وهذا هو الثابت علميّا.
•••

ونعود إلى ما استطردنا عنه، فنقول إن اللغة لا يمكن أن تنشأ إلا بعد أن يقطع الإنسان مرحلة الاستيحاش المطلق، أى بعد أن يأنس الناس بعضهم إلى بعض ويألفوا أن يجتمعوا. إذ كان الاستفراد لا يُحوج الكائن إلى لغة. ومن يخاطب بها وليس إلى جانبه أحد ولا هو يطيق أن يرى إلى جانبه أحدًا؟ وهو حال يعيينا أن نتصوره ولا نكاد نعقله، ولكن المحقق، مهما يكن من الأمر، أن نشوءَ لغة ما، معناه وجود جماعة من الخلق احتاجوا إلى أن يتفاهموا.
ويقول «مونكالم» الفرنسى: «ليس أعظم وقعًا فى واعية الإنسان ولا أكفل بسرعة إحداث التفاهم المتبادل، من الأعمال التى يزاولها عدد من الناس معًا لغاية واحدة وبدافع واحد». وهى كلمة حكيمة تصدق على القدماء صدقها على المحدثين.. وأخلق بالناس — قديمًا — وهم ينقبون الغيران، أو يقيمون الأكواخ، أو يذرون الحبوب، أن تتبع عيونهم التطور التدريجى الذى تُفضى إليه جهودُهم المشتركة، وأن تتنقح تبعًا لهذا التطور الأصواتُ أو أنصاف الكلمات التى تندّ عن شفاههم، وأن تحور هذه الأصوات أو أنصاف الكلمات شيئًا فشيئًا حتى تصير ألفاظا عليها طابع الجماعة الخاص. وهذا دور لا وجود للفردية المتميزة فيه.
ونقرب هذا لذهن القارئ فنسأله: ألم تشهد قط جماعةً من العمال البنائين أو النوتية أو غيرهم وهم يغنون فى أثناء تأدية عملهم الموكل إليهم؟ إنه منظر قل من لم يشهده، وأكثر ما يراه المرء فى القرى النائية عن الحواضر.. هناك يرى المرء طائفة من الناس يغنُّون. وواحد منهم يقودهم: يبدأ بشطر يرددونه بعده ويعود هو فيرتجل شطرًا آخر وثالثًا ورابعًا وهكذا وهم يكررون، بعد كل شطر أو بيت، الترديدة ا لأولى.. ثم يكل هذا القائد أو الزعيم فينضم إلى المكررين ويحل محله آخرُ يمضى فى الارتجال الذى يُعين عليه الوزنُ وامتلاءُ النفس به وبنغمته، إلى آخر حدود طا قته، وهكذا يتعاقب المرتجلون ثم ينفض القوم وتذهب القصيدة مع الريح.. وهبها لا تذهب، فإنها على كل حال ليست من نظم فرد بل مما أخرجته الجماعة بعملها المشترك ومجهودها المجتمع. لا يعرف أحدٌ ههنا حقوقًا للتأليف، لأن الفردية لا وجود لها أو ليس وجودها على الأصح بارزًا مؤكدًا. وإذا كان هذا يحدث فى القرن العشرين، فما ظنك به قبل مئات من القرون؟
لم يكن فى ذلك الوقت للفردية محلّ على الإطلاق بل كان ما ْيراه الواحدُ يراه الآخرون على منواله، وما ينطق به الواحد ينطق به الجميع. ولا مشاحةَ فى أن شعور الناس يومئذ بأعمالهم هو الأصل فى مدركاتهم الأولى التى لم تزل تلج بهم حتى رمزوا لها بالإشارات ثم بالألفاظ. ويذهب ماكس موللر فى كتابه «أصل الفكر» إلى أن أصول اشتقاق اللغة تعبر عن الإدراك أو الشعور بالأعمال المكررة التى يكون الإنسان فى حداثته أكثر إلفا لها واعتيادًا. يعنى بذلك أن الرموز التى عبروا بها تدل على عمل مكرر.. مثال ذلك «يحفر» ليس معناها أن يضرب المرء الأرض بالفأس مرة واحدة بل أن يفعل ذلك مرات كثيرة متعاقبة. كذلك «شحذ» لا تفيد حكَّ الحجر بالحجر مرة فقط بل الحكَّ المستمر. وهكذا. وهذا الشعور بفعل عمل مكرر، كأنه عمل واحد، هو أول جراثيم التفكير.
والآن فلنتصور أن الإنسان وُفق إلى أصول اللغة كلها واستطاع أن يعبر عما تتناوله مداركه الساذجة ويقع تحت حسه، وأن أفق حياته أخذ يتسع بعد ذلك، ورقعة مساعيه ترحب، وأنه أراد أن يؤدى معنى ما يخالجه مما لا يدخل فى باب المحسوسات، فماذا تظنه يصنع؟ أليس المعقول أن يعمد إلى لفظ يقرب معناه مما يريد ليعبر به عن هذا الجديد؟ وهو بعدُ كما أسلفنا ليس جديدًا بالمعنى الصحيح بل مولدًا مما فى رأسه ومن مجموعة خواطره وإحساساته ومدركاته.. فالخطوة قصيرة، أو قل إنها ليست من الطول بحيث تبعد المسافة بين الموجود والمطلوب.
نعم إنه لا شك فى أن الإنسان ظل زمنًا طويلًا لا يعرف إلا نوعًا واحدًا من الحياة هو حياته، وليس له إلا لغة واحدة هى التى تعبر عن أعماله وحالاته هو، ولكنه اضطر بعد ذلك إلى أن يلتفت إلى ظواهر الحياة العامة وإلى ما فى الوجود غيره من القوى، وأن يعطى هذه أسماءَها من صفاتها وآثارها، وأن يعزو إليها ما فى حياته هو مقابل له فيقول «طلع النهار» و«زحف الليل» وبذلك ينسب إليهما ما نعلم نحن أنهما عاجزان عنه غير مطيقين له، ولكنه لم يكن يستطيع أن يتكلم عن الليل والنهار والسماء والفجر والصيف والشتاء إلى آخر ذلك إلا بأن يجعل لها صفات الفرد، وأن يجعل منها إناثًا وذكورًا، ثم اندفع فى هذا التمثيل الذى بعثت عليه المشابهةُ إلى اخر مداه، وأضفى ثوبه على عالم تجاربه كلها. ولما كان ناسُ ذلك الزمن الأول لا يستعملون إلا ألفاظا قليلة العدد فقد اضطروا، كلما أرادوا أن يجاوزوا أفق حياتهم اليومية الضيقة، أن ينقلوا اللفظ مما نشأ له فى الأصل إلى غيره مما استجد، وهذا هو أصل المجاز الذى لولاه لما تعدت اللغات العناصرَ الأولى القليلة.
وقد قلنا إن هناك نوعين من المجاز، أولهما وأسبقهما فى الوجود هو اللفظى، ونعنى به نقل اللفظ من معناه الذى يقع تحت الحسّ إلى المدركات المعنوية. مثال ذلك العضد والساعد كلاهما فى الأصل معناه الذراع التى تعمل بها، فإذا أردت أن تقول إن فلانًا يؤازرك وينصرك، قلت هو عضدى وساعدى، وليس هو كذلك فى الحقيقة، ولكنك أردت أن تقول إنه يقوم لك مقام الذراع وُيغنى غناءَها.
كذلك الضحك، مثلًا، معروف. وقد نقله الإنسان فوصف به الطبيعة وقال إن الربيع جاء يضحك، وإنه ليعلم أنه لا يفعل ذلك غير أنه ألفى شبها بين إحساسات السرور والانشراح وبين انتعاش الطبيعة فى هذا الفصل فنقل الكلمة للدلالة على هذا.
ومن العبث أن نحاول الاستقصاء فى التمثيل لذلك فإنه لا آخر له، وما من كلمة فى اللغة إلا استعملت على المجاز وخرجت عن معناها الأول إلى معان شتى متصلةٍ بها. ويكفى القارئ أن يتناول ما شاء من الألفاظ وأن يردها إلى أصلها وأن يتأمل بعد ذلك فى أى معنى تستعمل الاَن ليتحقق صحة هذا الكلام.
ولكن الإنسان لم يدع شيئًا عن الطبيعة إلا نفت فيه من عواطفه، وكساه ثوب خواطره، فتراه مثلًا يجعل الشمس آدميةً ويقول إنها مدت أذرعها يعنى بذلك أشعتها التى تصل إليه. وليس هذا من طراز المجاز الذى أسلفنا عليه القول. لأن اليد هنا لم تستعمل فى غير موضعها، ولم تنقل إلى معنى خلاف معناها الأول، كما هو الحال مثلا حين تقول فلان «يدى التى أضرب بها» بل هو استعمل الذراع فى مكانها بعد أن تصوَّر الشمس مخلوقا مثله. وهذا الضرب من المجاز هو الذى نسميه المجاز الشعرى كقول ابن الرومى:
إمامٌ يظل الأمسُ يُعمل نحوهتلفتَ ملهوف ويشتاقه الغدُ وإنما نشأ هذا الضرب من المجاز لأن آباءنا الأولين كانوا يقيسون حياة الطبيعة على حياتهم ويتصورونها قائمة على ما تقوم عليه حياتهم من التناسل وغيره، ومن ههنا أنثوا الشمس فى لغتنا والريح وغيرهما، وذكروا القمر والنجوم. ولنا أن نسأل: أترى كانوا يؤمنون بذلك ويعتقدون أن المسألة كما عبروا عنها؟ هل الشمس كانت فى نظرهم أنثى والقمرُ ذكرًا — أو على العكس كما فى بعض اللغات الأخرى — وهل جاءت الشمس والقمر بالنجوم ولادةً كما يتناسل الناس وغيرهم من الحيوان؟ إن هذا السؤال يستدعى أن نخوض عبابَ الأساطير التى نشأت فى اللغات وأن نعلل نشوءها. وهو باب واسع من الكلام يضيق عنه هذا المقام. وعندنا أن الأقدمين لم يكونوا أصفى ذهنا وأهدى عقلًا وأحكم من أن يعتقدوا ذلك ويؤمنوا به. وإنّ من الناس من يؤمن فى عصرنا هذا بما هو أبعد عن العقل من ذلك، فماذا يمنع أن يكون أباؤنا البسطاءُ السذج قد آمنوا بأن الأمر كما وصفوا والحال على ما تخيلوا؟ ونخشى أن نلج هذا الباب من البحث فنخرج عما قصدنا إليه ويمتد بنا نفس الكلام إلى غير غاية. وعلى أنه موضوع يستطيع كل امرئ أن يسمت فيه لنفسه سمتًا وجيهًا.
? هذا التعريف غير ما فى كتب اللغة وقد استنكره بعض شيوخها وهم لو تدبروه لما وجدوا داعيًا إلى الإنكار والدهشة!
الفصل الثامن عشر
الواجب


تلقيت كتابى الآنسة مى — الصحائف، وظلمات وأشعة — فى ساعةِ نحس! وكنت قد باعدت بينى وبين الأدب وطلقته ثلاثًا، أو على الأصح فترتُ عنه وضعفتْ عندى بواعثه، ثم قلبت القضية وعكست المسألة وحملت الأدب عيبى وزعمته أصل البلاء والداء العياء. وإذن فالنجاء منه النجاء! وفى الكتب، كما فى الناس، المجدود والمنحوس، والموموق من القلوب والبغيض إلى النفوس، وما أصدق قول الرصيف القديم إذا نقلت معناه إلى الكتب.
عش بجد فلن يضرك نوكٌإنما عيش من ترى بالجدودٌ وهى تلقى من تصاريف الأيام وانتقال الأحوال مثلَ ما يلقى كتابها وقراؤها — وغير كتابها وقرائها — سواء بسواء، فكم من كتاب جليل لازمه الخمول فكأنه حين خرج من المطبعة سقط فى جب! وكم من مؤلَّف قيم عبر «هولاكو» على جثته، وأفاض روحه فى وثبته! فليس الناس وحدهم يموتون، ولكن هى الكتب أيضًا تحيا وتموت، وتطول آجالها وتقصر، وتبيت جميعة وتصبح مفرقة. ويارب كتاب أخمل آخر كما يخمل الرجلُ الرجل. قد يجنى الفضل على الكتاب جنايته على الإنسان، وتسىء إليه صراحته، وتكسده رجاحته، ويقعد به ثقل اَرائه المعوصة، وتؤخره دقة أفكاره الممحصة. وامض أنت فى القياس إذا شئت، واعكس الصورة إذا أحببت، فلن تلفَيها إلا طبق الأصل.
وقلت لما تلقيت الكتابين: يا لها من ثرثارة! وأحسب أن الواجب يقتضى أن أقرأهما وأعنى بتدبرهما ثم أكتب عنهما! لاشك فى أن هذا هو واجبى — على الأقل فى رأى آنستنا! فما أثقل الواجب! وما أعظم شكى فى إخلاص من لا يفتئون يتغنون بحمده ويشيدون بحسنه وجلاله! من الذى يحب «الواجب» لذاته؟ أين هذا الفنانُ الذى يزاول «الواجب» ويتوخاه إرضاءً لعاطفته الفنية؟ لست أنا به على كل حال! وما أظن بالقارئ إلا أنه مثلى. وإذ كنا من الأوساط فسبيلنا أن يدفعنا الإحساس بالواجب إلى مباشرة أعمالنا والقيام بما هو مفروض علينا، وإلى مجانبة المغريات التى نلاقيها فى طريقنا ومقاومة المفاتن. ونحن إذ نفعل ذلك نعترف بالحاجة التى تحمل على النهوض بعبء الواجب، وبالضرورة التى تحتم الإذعان لأمره، ولكنا لا نحس «الحب» لهذا الواجب وإنما نحس ثقله من الفاتحة إلى الخاتمة! وقد لا نقاوم أو نناهض — بعنف — غير أنّا على هذا نود لو أن الأمر لم يكن كذلك، والحال لم تكن تقتضى ذلك!
ويفتح أحدنا كتابًا — قبّح الله الكتب! — فيُلفى «وردزورث» مثلا قد نظم فى هذا «الواجب» قصيدة من أجف ما قرض وأصلبه وأبعده عن الإقناع! فلا يصدق — أو أنا على الأقل لا أصدق — أن هذا الشاعر صافحت عينه ابتسامة على وجه هذه الآلهة القاسية! وينتقل إلى «كانت» فإذا به يقارن الواجب، فى جلاله وروعته، بصفحة السماء المجلوة، ويجد نفسه مكرهًا على الاعتراف بأن هذا الفليسوف قد يجيش صدره بمثل هذه العاطفة الصادقة، فقد كان «كانت» يرى فى الواجب جلالًا ويستشعر له روعة، ولكن «كانت» و«وردزورت» أبعد عن حد الأوساط وأرفع مستوى من أن يصح اتخاذهما مقياسًا عامّا لهذا الناس.
ويقلب كتب الفلسفة الحديثة فإذا هى تعالج أن ترد إليه القدرة على الإيمان بالواجب، وتقول له إن الواجب يمكن أن يحبه كل امرئ! ولماذا يا ترى؟ قالوا لأنه مرتبط بالحياة العالية أو هما شىء أحد! فأما من خبروا هذه الحياة العالية وعرفوها فيفضلونها لا محالة على الحياة الواطية! نعم إن «الواجب» يتصارع مع المتع واللذاذات التى هى أحط، ولكن هذا الصراع يفتر فى النهاية ويتطابق الواجب والرغبة.
ونقرأ هذا، نحن الأوساط، فلا نرى فيه سوى تلاعب بالألفاظ وشعوذة بما لا يُفهم. والحق أقول إنى ما استطعت أن أسيغ الفلسفة فى يوم من أيام حياتى! وكثيرًا ما اتهمت نفسى بكثافة الذهن وضعف الاستعداد حتى رأيت من يحبون الفلسفة ويعكفون على كتبها يقفون مثلى حيارى أمام من لا أفهم من رجالها مثل هجل وشاجل ممن لا يصلح بعض كلامهم إلاليعزم به المرء على الجن.
والرجل من الأوساط محقّ حين يقول: إذا صار الواجب مطلوبًا مرغوبًا فيه، فإنه لا يبقى «واجبًا» لأن الأصل فيه أنه فرضٌ علينا من غير أنفسنا. وأكثر ما يكون الواجب، سلبيّا أو نواهى مفرغة فى مثل هذا القالب «لاتفعل كذا» «وإياك وكذا». حتى حين «نريد» ألّا نعمل إلا طبقا لما يفرضه الواجب، لا يكون هذا منا إلا إيثارًا لأهون الشرين. ولو أن أحدنا استطاع أن يخلق الدنيا على ما يحب ويشتهى، لما أبقى لكلمة «الواجب» أثرا فى معاجمنا، ولعفى عليها هى ونظائرها من مثل يجب وتنبغى وما هو إليهما أو منهما بسبيل، ولما أبقى سوى «أريد»، ومتى خرجت «أريد» من القلب فقد انتسخ آخر ظل للواجب!
والواجب يتطلب جهدًا، وطبيعة الحياة تدفع إلى توخى أسهل السبل، وكما أن الماء إذا صادفته فى تحدره الصخورُ يدور حولها ويحفر مجراه فيما هوألين وأقل استدعاء للمغالبة، كذلك المرء فى سلوكه فى حياته اليومية يؤثر أن يوفق إلى أقصى السهولة والسلاسة، وأن يتقى كل جهد متعب. هذا، على الأقل، مطلب. وإن كان الواقع أنه لا سبيل إلى انتفاء الجهود انتفاءً تامّا، ولكن هناك بونا عظيمًا بين الجهد يبذل حين تكون الرغبات الأولية معترفًا بها وكل مطلب آخر لا يُواجه إلا بالمقاومة والخضوع الجبرى، وبينه حين تكون القيمة الحقيقيةُ للحياة العالية مدركة تمام الإدراك. وليس ثم من فضيلة فى الخضوع مع النفور والتكره، كما أنه لا خير فى التعليم الذى يتلقاه المرء كارهًا مضطرّا. وأخلق بالمرء ألّا يفيد شيئًا من درس يُلقى عليه إذا كان يقاوم السعى لتعليمه. ومن الذى صار خيِّرًا بالاضطرار إلى فعل الخير على رغم أنفه؟ ولو أنك ألزمت ابنًا لك بكرهه أن يجود فى كل صباح على متسول بقرش لما صار بذلك كريمًا ولا رحيمًا، ولكان الأرجحُ أن يكف عن هذا التسخِّى متى رفعت عنه يدك التى تقسره على البذل للمساكين. ولا شك فى أنه يجدر بكل امرئ أن يقوِّى فى نفسه عواطف الرحمة، وأن يبث مثلها فى نفوس الصغار، ولكن ذلك لا يتأتى بالقهر. والأنانيةُ الصارخة خير فى النهاية وأقل ضيرًا من الاستمرار على إجبار غير المستعد.
وأكثر ما يكون فعلُ الواجب، نزولا على مقتضيات الجماعة التى نعيش فيها. وأكثر ما يكون الباعث على امتثال أمر الواجب أو القعود درجَ نواهيه، الخوفَ من الرأى العام وعدم الرغبة فى معارضة مألوف الجمهور. أى أن الناس، فى الأغلب والأعم، إنما يؤدون الواجب إجابة لمهيب أجنبى منهم غريب عنهم، ولكن الأصل فى الواجب، بأسمى معانيه، أن يكون الداعى إليه من النفس ومن الخارج جميعًا. ويكون من النفس بمعنى ألّا يفعل المرءُ غير ما هو فاعل ولو اتفقت الدنيا كلها على خلاف ذلك؟ وتكون من الخارج لأن هناك دخلًا لما هو فوق الإرادة الفردية والرغبة الشخصية. وعلى هذا لا يكون «الواجب» بغيضًا أو محبوبًا إلا باعتبار هذا العامل الخارجى ومبلغ بعده عن النفس أو قربه منها وقابليته للتطابق مع رغباتها. وعلى أنه مهما بلغ من مسايرته لنفوسنا، يظل واجبًا. وكفى بهذا إشعارًا لها بسلطان عاملٍ أجنبى حتى حين يطيعه وهو جذل، كما أفعل الآن.
•••

كذلك كنت أحدِّث نفسى قبل أن أفض الغلاف عن الكتابين. وقد مضت على ذلك أسابيع كنت أقدر أن تكون كلها معاناةً للإحساس بمرارة الإذعان لعامل أو باعث من غير النفس. ولكنى ما كدت أتصفحهما وأقرأ من هذا فصلًا ومن ذاك صفحة حتى شعرت كأن الواجب قد استحال رغبة. وزايلنى انقباضى عن الأدب.

الفصل التاسع عشر
الكتب والخلود


ماذا يصنع أحدنا إذا قُدمت له صحفةٌ فيها طعام هذا أول عهده به؟ قد يكون هذا اللون الجديد الذى يُطاف به عليه أشهى ما ذاق أو يذوق فى حياته. ولكن جهله به حقيق أن يكون مدعاة للتهيب، فتراه يود لو سمع من إنسان كيف طعمه؟ وما هو؟ ومن أى شىء رُكب؟ ليطمئن ويقبل عليه امنا واثقا من التذاذه جامعًا بين متعة الخيال وحسن الحقيقة. ثم هو — حتى بعد أن يسمع ما ينفى قلقه — لا يملك إلا أن ينظر إليه ويحدق فيه من قريب ومن بعيد. ويمد إليه يده، ولكن فى إشفاق. ولا يتناول ويأكل كما يفعل المجرب العارف بما ينتظر، بل يقلبه ويقدم ويؤخر، فعل الفاحص المتقصى، ويحمل إلى فمه اليسير من هنا وههنا فى حذر وأناة، وتحرص على ألّا يتجاوز النزر الذى لا يملأ الفم، ثم يلوكه ويتذوقه، وعينه ثابتة الحملاق، وعلى وجهه سماتُ التفكير، حتى إذا اطمأن مضى …
كذلك أرانى مع الجديد من الكتب: أخشى التغثيةَ وأخاف إضاعة الوقت فيما لا طائل تحته ولا محصول وراءه، أو فيما هو شر من ذلك. ولو أنى لم أكن قرأت شيئًا لما تهيبت جديدًا، ولا أشفقت أن يفسد علىَّ لذةً قديمة أفدتها. ولكن إلفى للجيِّد من براعات الكتاب والشعراء يدفعنى إلى الضن بها أن أنغص على نفسى متعتها بهذا الجديد الذى لا أدريه كيف يكون.
ولا يتعجل القارئ فيحسب أنى أُكبر القديم لأنه قديم، وأمقت الجديد لأنه جديد، فما لهذا محل فى نظرى. وليس من فضل أحدنا أن يتقدم به الزمن أو يتأخر. وقد أتردد فى قراءة الكتاب مضى على موت صاحبه مئاتٌ من السنين لأنه يكون جديدًا بالقياس إلىّ وإن كان قديمًا من حيت عمره فى هذه الدنيا.. ومع ذلك هبنى كنت أؤثر كل قديم على كل جديد. فماذا إذن؟ من الذى يستطيع أن يتجرد من المودات والخصومات وما إلى ذلك وأن يُنصف معاصرًا له الإنصاف الواجب؟ من الذى يسعه أن يكون على يقين جازم من أن الزمن سيؤيد رأيه فى معاصره بعد عشرة أعوام أو عشرين أو مائة؟ كتابك يا معاصرى بديع رائع. أعترف بذلك ولا أنكره. ولكن أنفك الضخم يجعل شكلك مرذولا أو مضحكا، فتقل روعةُ آرائك وحسنها كلما تصورت هذا الأنف الذى رُكب على وجهك، وليس يسعنى إلا أن أتصوره وأحضره أمام عينى! وهذا الكاتب الآخر رجل فإضل عظيم المواهب ولكنه صريح جرىء يتقحّم على الناس بآرائه فيهم ولا يبالى من رضى ممن سخط منهم، وأنا من الساخطين أو المزاحمين له فى ميدانه، فليس يروقنى أن أرى كلامه مطبوعًا. ولا سبيل إلى شىء من هذا وأشباهه حين تتناول كتابًا عليه جلالُ القدم وبعيدًا عن عصرك بكل ما فيه من الجلائل والصغائر.
•••

وكم كتابا تخرجه المطابع فى العام، لا بل فى الأسبوع أو اليوم؟ ليكن محصول المطابع أو ثمراتها — إن صح هذا التعبير — كثيرًا أو قليلًا، فما من شك فى أن ما تُخرجه فى اليوم أكثر مما يسع أشرهَ الناس أن يقرأ فى اليوم. وما أكثر ما نتلهف ونتحسر لأن الوقت أضيقُ من أن يتسع لقراءة ما نود أن نقرأ! من منا لا تضطره المشاغل أو العلل أو الملل أو غير هذا وذاك إلى طىّ كتاب يريد أن يلتهمه، أوإلى الاكتفاء بواحد من مئات؟ بل من منا لم يخطر له خاطر لم يجد وقتًا لتقييده، ثم كرت الأيامُ واستسرَّ الخاطر فى ظلام النسيان، فكأنه ما مر بالذهن؟
والزمن ماض لا يثقِّل رجلَه ولا يتوقف. والمطابع دائرة لا تكف عن إخراج الكتب ولا تبالى أقرأها كل شراتها، أم أهملوها على رفوفهم. وإذا كان الناس اليوم لا يقدرون أن يقرءوا كل ما يكتب فأحر بهم أن يكونوا فى مقبل الأيام أعجز!
فكرت فى ذلك حين وردنى كتابا الآنسة مىّ وقبل أن أقرأهما، ودارت فى نفسى هذه الخواطر وأنا أتأمل غلافيهما وورقيهما، وتمثلت لعينى المطابعُ. فوثب بى الخيالُ إلى جبل أوليمبيا? أو طار بى إليه! وتصورت المخلدين من الكتاب والشعراء على قممه وسفوحه وفى مخاومه، وقد غص بهم وشرق بجموعهم الوافدة عليه من كل أمة. فأدركنى العطفُ عليهم والمرئيةُ لحالهم ولما يعانونه من الضيق والكرب. وتراءى لى كأنهم ضاقوا صدرا بهذا الحال فحشدوا أنفسهم مؤتمرًا وقام فيهم الخطباء يشرحون آلامهم ومتاعبهم ويفصلون أسبابها. ويصفون العلاج ويطرحون الاقتراحات، وكأنى أسمعهم يذكرون من أسباب هذا الزحام الذى لم يعد يطادتى، فشوَ التزييف فى مؤهلات الخلود، وانتشارَ المطابع والصحف على ظهر الأرض التى لا تزال تتعقبهم مصائبها، ويقولون إن الصحف دأبها أن تقرظ وتمدح، وإنها قلما تعنى بالتفلية والنقد، أو تكثرت للتمييز بين الجيد والردىء، حتى اجترأ الضعفاء واغتر الأدعياء، وزادت الكتب بأنواعها حتى عن حاجة الأسواق! وحتى صار كل امرئ بعد موته يأتى إلى الجبل ومعه حمل بعير من شهادات الصحف! فكثر بين الخالدين الواغلون ومن لا يستحقون إلا النار طعامًا لما سوَّدوا من ورق! وأصيب سكان الجبل بغلاء الآكال والأشربات الأولمبية غلاءً فاحشًا مزعجًا يهدد بحدوث قحط عام! ثم بدا لى كأنما أجرى الانتخاب لتأليف لجنة تتولى التحقيق ويوكل إليها أن تراجع مؤهلات كل من فى الجبل للتثبت والتحقق من أنه أهل للخلود، وإعلان كل ساكن بإبراز أوراق اعتماده والمستندات التى يثبت بها حقه، مخافة أن تكون الأغراض الشخصية قد فعلت فعلها وحشرت بين الخالدين من لا يستحقون إلا جحيم تارتاروس التى يقذف فيها بالعاصين!
•••

ثم أفقت من هذا الحلم، وابتسمت، وتناولت الصحائف وأنا أسائل نفسى: ترى غدًا كيف يكون حظ كاتبتك؟ ليس فى مصر من لا يشهد لها بالبراعة، وما من صحيفة إلا وهى تثنى عليها، فهل تكفى هذه الشهادات للسكنى على جبل أوليمبيا؟ وفتحت الكتاب لعلى أهتدى إلى رأى تسكن إليه نفسى، فقرأت فيه: «ومن الكتاب من هو ملخصُ جلسات ومدونُ وقائع. ومنهم «كولمب» جاء لاقتحام البحار وركوب الأخطار واكتشاف عوالم مجهولة».
وهذا صحيح. والزمن يؤخر الملخصين والمدونين ويُخملهم، ولا يقدم وتضع تاجَ الخلود إلا على مفارق من يكونون فى عالم الأدب ما كان «كولمب» فى عالم الارتياد.
وقد عهدنا الزمن لا يرحم ولا يعرف وسطا، فإما النبوغ فالخلود، وإما الخروج من الشعر العربى، ولكنا مع ذلك نحيل القارئ على جيمية ابن الرومى التى قالها لما قُتل يحيى بن عمر بن حسين بن يزيد بن على، ومطلعها:
أمامك فانظر: أى نهجيك تنهجٌطريقان شتى، مستقيم وأعوجٌ وفيها يصف طغيان العباسيين وضلالهم فى الفتك بالعلويين واستهتاكهم وضعفهم إلى حدٍّ استباح لنفسه معه أن يقول «لرجالهم»:
لا تجلسوا وسط المجالس «حُسرًا»ولا تركبوا إلا ركائب «تحدج»! فإنه فى هذه القصيدة يُشرف على ضعةٍ من مرقب عال يرفع إليه القارئ بقوة روحه وسمو نظرته. وهو يشعرك بمطلع القصيدة أن قتل أبى الحسين هذا قد أثار مسألة تقتضى الفصل، ويرسم لك طريقى الضلال والواجب، ويهيج إحساسك الأدبى بالتمرد على الانتكاس الخلقى الذى أنطقه بهذه القصيدة. ولولا أن المقام يضيق عن ذلك لأوردنا القصيدة كلها على طولها ولتناولناها بيتا بيتا!
وغير منكور أن الموضوع الجدى يسمو بنفسه ويساعد الشاعر الذى يتناوله. وليس الحال كذلك حين يعالج الشاعر الفكاهةَ. وأنت حين تجدُّ قد لا يشق عليك أن تحلِّق، ولكنك حين تجنح إلى الفكاهة لا يعود من السهل أن تحافظ على الاستواء الواجب، وأن تتقى الهبوط، وتجنب الإهاجة، وتكبح عواطفك، وترخى العنان لعقلك وأن تشيع الجمال فى موضوعك لتسد نقصه وتملأ فراغه وتعوض تفهه.. ومن هنا قالوا إن غاية الفكاهة هى أقصى ما هو مقدور للإنسان. ويعنون بذلك التحررَ من تأثير العواطف العنيفة، والقدرةَ على التأمل فى سكون واطمئنان، والنظر إلى ما يقع، لا إلى القدر أو الحظ أو الاتفاق، ومنح الحماقات والسخافات والمتناقضات ابتسامةً رضية.
? هو جبل يقول القدماء إن الخالدين يعيشون عليه بعد موتهم.
الفصل العشرون
الطبيعة عند القدماء والمحدثين


يقول «ريدر هجرد» فى مقدمة رواية له اسمها «أللان كواترمين»: «وإذا نزلت بأحدنا نازلةٌ عفَّرت وجهه، خذلته المدنيةُ وعجزت عن الترفيه عنه، فيميل عنها ويستلقى «كالطفل» على صدر الطبيعة الحنَّان، علها تنسيه بثه أو تسلب الذكرى ألمها ولذعَها. ومن ذا الذى لم يشتق، وقد تأوبته الهموم، أن يجتلى وجه أمنا جميعًا، وأن يمتهد الجبال، أو يرقب قطع الغمام تسبح فى الفضاء، أو يصغى إلى تهزم الأمواج وتكسرها على الشطآن — عسى تمتزج حياته بحياتها — وأن يحس دقات قلبها الأبدى ونبض عروقها البطىء وأن ينسى أشجانَه فى أشجان الطبيعة، ويدع شخصيته تغيب فى حركتها الدائمة العظيمة التى لا يدركها حس ولا يتولاها شعور، وأن يفتى فيما منه كنا وإليه نعود».
وكنْ ممن تعجبهم أو لا تعجبهم «دقات قلب» الطبيعة و«نبض عروقها» ووصف صدرها «بالحنان» فإن كلام الرجل صادق على علاته وليس من شك فى أن المرء تمر به ساعاتٌ تحرك فيها الطبيعةُ نفسه وتُجيشها، وأن هذا قد لا يكون سببه أنها تُدخل السرور على نفسه أو تقنع عقله وذوقه، فقد يكون الأمر على خلاف ذلك ونقيضه. ولسنا نعنى بالطبيعة الجبالَ والأودية والسماء والبحار وحدها بل الأطفالَ أيضًا والريف وآثار العصور الأولى، أو بعبارة أعم وأشمل: البساطة التى لم يعْدُ عليها الفن، أو الوجود فى ذاته وبكل حريته.
كذلك تصطفق أمواجُ العواطف فى صدورنا حين نشهد الأطفال، وأحسب أن ليس هذا لأنا نصوب إليهم، ونلقى عليهم، نظرة من سماء قوتنا ونضوجنا! أو لأن العطف يدركنا عليهم، والمرئية تشيع فى نفوسنا لهم، بل لأنا نرفع، إلى استعدادهم وطهرهم، نظرنا من أعمق أعمادق ضعفنا المرتبط بما صرنا إليه من حالة التحديد، فإن الطفل كله استعداد، أما الرجل فمعنى تام، والأول قوة حرة نقية، وهذه مغلولة مشوبة مرنَّقة.
ولا نحتاج إلى أن نقول إن هذا الإحساس الذى يخالجنا حين نجتلى الطبيعة ونتأمل بساطتها لا دخل فيه للشعور الفنى ولا للأشياء نفسها، إذ ماذا فى زهرة أو حجر أو عصفور يغرد؟ إنها ليست هى ذاتها التى تثير فى نفوسنا عواطفها، بل ما هو وراءها: أى الحياة وعملها الباطن أو الوجود الحر فى ظل سنته. ومن هنا تمثل الطبيعة طفولتنا الذاهبة الحبيبة إلينا العزيزة علينا أبدًا.
وكالأطفال، الرجالُ الذين يظلون، على الرغم من نضوجهم واكتمالهم، أطفالى القلوب أغرارًا يفكرون أو يعملون على نحو بسيط ساذج فى هذه الحياة المكظوظة بالتكلف. وينسون أنهم فى عالم فاسد موبوء. ويذيعون حولهم كأنفاس الرياض، وينفثون الشجاعة والثقة والقوة، ويضرمون فى الأفئدة ما تخمده عواطف الحياة.
ولكن القدماء كانوا يتوجهون إلى الطبيعة بروح غير روحنا نحن أبناء المدنية. فقد كانوا يعيشون فى ظلها، وكانت لذلك أساليب تفكيرهم وتصورهم وإحساسهم، أقرب إلى بساطتها منا نحن الذين لم يبق لنا من بساطتها، إلا الطفولة. ولهذا كان شعرهم مرآة يجتلى فى صقالها هذا التقارب، أو إن شئت فقل التطابق. وكان شعراؤهم أدق منا وأعظم أمانة فى وصف الطبيعة. وقد لا نبالغ إذا قلنا إنهم لم يكونوا يمنحونها من عنايتهم أكثر مما يمنحون غيرها، أو إنهم لم يكونوا يفرقون بينها — أى بين الموجود بذاته — وبين ما هو مدين بوجوده لإرادة الإنسان وفنه من مثل سيف أو درع أو سهم. هذه وتلك كلها كانت سواء لا تستغرق نتيجة الفن من التفاتهم أقلَّ مما تستغرق الشجرة أو البحيرة أو الرعد. ولعل القارئ يعجب ويحسب هذا إما خلطًا منهم وعجزًا عن التمييز، وإما خلطًا منا وتخبطًا فى التقرير. ولكن الأمر ليس فيه ما يبعث على العجب أو يغرى بإساءة الظن بهم أو بنا. فقد كانت حياتهم وحياة الطبيعة شيئًا واحدًا أو ممتزجتين. والمرء إذا ألف شيئًا لم يكن حقيقًا أن يسترعى باله أو يجتذب التفاته الخاص. ومن اعتاد أن يسكن البيوت العالية التى يعرج إليها على سلاليم، كان خليقًا ألّا يستغرب أن تكون البيوت كلها كذلك ولم ير فى هذا ما يدعو إلى طول التحدث به والعجب له. وإنما يعجب ويصدم ويحسن ما يلفته حين تطأ قدمه عتبةَ بيتٍ لا يرفعه عن الأرض سلم وليس له إلا طبقة واحدة.
وقد كان الإنسان محورَ الوجود فى تلك الأزمان الغابرة، وكان أهلها يقيسون كل حياة على حياته، ولا يتصورونها إلا على مثالها. فألهوا الطبيعة وعزوا إليها مثل إرادة الإنسان وأعماله، وجردوها من صبغة الضرورة الساكنة التى تروعنا اليوم وتجذبنا. ولم يكن خيالهما يجوب أرجاء الطبيعة إلا ليتخطاها ويجاوزها إلى رواية الحياة الإنسانية ووقائعها وما يجرى فيها من الصروف والغير على تنوعها. وكانوا، عفا الله عنهم، لا يتحرجون من إطلاق العنان لخيالهم، أو لا يسعهم إلا ذلك، فلا يأخذون عليه مذهبه أو يحولون دون متوجهه خوفًا من الزلل وإشفاقًا من العثار، وكانوا من البساطة بحيت يصدق الواحد منهم ما يخترعه خياله، ومن السذاجة بحيث يقيسون — كما أسلفنا — حياة الوجود على حياة الحيوان ويتوهمونها قائمة مثل حياتهم على التناسل ويعزون إليها من المظاهر شبه ما يجتلون فى معيشتهم، ولا ينزهونها عما يقع لهم من الحالات.
ولسنا اليوٍم كذلك. وإنَّا لأسمى من الأقدمين مداركَ، وأوسعُ آفاقا وأعمق إجلالا للطبيعة وأسمى نظرًا إليها وأشد تعلقًا بها وأقدر على إحساسها والتفطن إليها وإدراك حقيقتها والتأثر بظواهرها. لأنا لم نعد نجتلبها فى الإنسان أو نواجه بساطتها إلا خارج الدائرة البشرية، إذ كنا قد صرنا أقل من الأقدمين تطابقًا مع الطبيعة، وأشد بعدًا عنها، ومعارضة لها فى أساليب حياتنا وعلاقاتنا وآدابنا. فهل عجيب بعد هذا، إذا استيقظت فى نفس أحدنا غريزةُ الصدق والبساطة، أن يصبو إلى الطفولة ويحن إلى سذاجتها وهى كل ما بقى لنا من بساطة الطبيعة؟
وكان قوام الحياة فى العصور الأولى الإحساس، لا الفكر ولا الفن، حتى أديانهم وعقائدهم كانت مما أنتجته الروح الساذجة والخيال المرح، ولم تكن عيونهم تخطئ الطبيعة فى الإنسان، فلم يدهشوا لها ولم ترعهم. وكانوا أعمق منا إحساسًا وأقوى شعورًا بإنسانيتهم فتعلقوا بها وأدنوا منها كل ما عداها. وأين نحن من هذا الإحساس؟ أترانا نعانى إحساسًا ألحَّ من السخط على ما جربناه من الحياة، والرغبة فى الفرار من جثومها على الصدر وأخذها بالمخنق؟ ألم نعد كالمريض الذى يشتاق الصحة؟ أما هم فكانوا أصحاء معافين فى أبدانهم وأرواحهم فلم يعانوا لحاجة الحنين إلى الصحة والنزاع إلى العافية.
وكلما بعد الإنسان عن الطبيعة كان أحسَّ بها وأصبى إليها، وكانت فكرتُها أبرز فى ذهنه، وصورتها أعلق بخاطره، وآضت فكرة وغرضًا، ولست تجد فى كلام القدماء ما تراه فى المحدثين من الإطالة والإغراق وطلب التصفية عند ذكر الطبيعة. كما ترى فى هذا المثال الذى نسوقه لك من كلام الاَنسة «مى» عن نهر الصفا: «هنا سالت صورُ الكون الهيولية وذابت ذرات الأثير، هنا اجتمعت بلابل أرفيوس لتعيد ذكرى أوريديس ذات القلب الكسير، هنا تنهدت العطورُ تنهداتها الغرامية وتحولت الورود إلى أشعة سحرية، هنا اغتسل قوس قزح فترك فى الماء من ألوانه ألحانًا فضية، ومن دماء الأحلام المتجمدة استخرج قوس قزح ألوانه السرمدية، هنا بعث الأفق بأسراره إلى الأرض مع خيوط من الأثير ذهبية، هنا نامت الأشباح بين أجفان بنات المياه فامتزج النور بالظلام وتلاشت اليقظة بالمنام، هنا ناحت حمائم الشعر وغنت أطيار الأنغام، هنا لثمات النسيم شوق وهيام، ومداعبة الموجة للموجة تبادل نظرة وابتسام، وجمود الشاطئ حقلأ على فتور الليالى ومعاكسات الأيام، هنا ارتعاش الأوراق على الغصون تحية همت من مقل الكواكب وسلام، وتمايل الأفنان ودلالها نجوى ملك الوحى والإلهام، هنا ليلة أنوار وفجر ظلام، وألغاز ملامس وألوان وأنغام، حينما يمر الفجر على قمم الجبال يرى صورته فى هذه المرآة البلورية — يرى رمز الشبيبة مع مايتبعها من الامال النضرة كالأزهار، والميول المتنقلة كالأطيار، ثم يأتى الغروب ساكبا فى أعماقها مرارة أحزانه، مع ما يرافقها من النظرات المتحولة، والابتسامات المتغيبة، والجباه الكئيبة، والشفاه المتحركة بالصلوات، الساكنة بالتأملات».
ولو رجل من عصر هومر، أو قبله، عرض له ذكر هذا النهر، لما ساورته كلُّ هذه الخيالات، ولا أحس الدافع إلىِ الاستقصاء، كالخائف أن يفوته شىء، ولا أخذته هذه الرقة! ولما ألقى إليك إلا الكلمة أو الجملة بسيطةً مشتعلة بحرارة الإلهام، وفى رزانة وتؤدة، ولكان الأرجح فى الاحتمال ألّا يزيد على أن يقول: «نهر الصفا الذى يجرى عند سفح الجبل الفلانى».
وسنزيد هذا توضيحًا ونمثل له من الشعر القديم والحديث.

الفصل الحادي والعشرون
القدماء والمحدَثون


البساطة من مظاهر الصحة والاستقامة فى الإحساس والنظر. خذ لذلك مثلًا: طفل يسمع من أبيه أن جاره، فلانًا، أشفى على الموت جوعًا، فلا يكاد يعلم ذلك حتى يعمد إلى مال أبيه فيقبض منه قبضة ويذهب بها إلى الجار المتضوّر. فهذه بساطة فى الإحساس، تنم عن صحة فى الطبيعة، وسلامة فى الفطرة، واستقامة فى النظر، لأن الطفل هنا لم يتمثل لخاطره سوى أمرين: بؤس الجار، وأسرع طريقة لإنقاذه من ميتة الجوع الشنيعة، ولم يخطر له أن فى هذه الدنيا شيئًا اسمه حق الملك، وأن هذا الحق ليس قاتما على الطبيعة وحدها، وأنه يسمح بأن يموت من شاء جوعًا، على حين ينعم جاره بالتخمة …!
وقد يكون فيما أتاه هذا الصبى ما يُسخط أباه، ويثير ثاثرته. ولكن الأب على الرغم من غضبه وحزنه على ماله، لا يملك إلا الإعجاب بابنه، وإكبار مروءف، وصدق عاطفته وغرارتها، وإلا الشعور بعجزه عن إقناعه بأن فى عمله هذا عيبًا أو خطأ أو منكرًا.
كذلك عظماء الدنيا يمتازون بالبساطة، ولا يعرفون هذه الأصول المستحدثة التى هى كالإسناد للضعف. وهم كالأطفال فى اعتدال تواضعهم فى غير ذلة، وفى بعدهم عن أدب الرياء، وبراءتهم من المكر والدهاء، وفى إخلاصهم لطبيعتهم وميولهم، وفى جهلهم سرَّ نفوسهم، وفى اجترائهم على الحياة أو انتفاء القلق عنهم، إذ لا علم لهم بمخاوف الطريق الذى تدفعهم الطبيعة فيه.
والبساطة فى أسلوب التفكير، تؤدى لا محالة — كما لا يخفى — إلى البساطة فى العبارة. ولست بواجد فى عظماء الأدب وفحولتهم تلك العناية التى يتحراه! العلماء، لاجتناب الأخطاء ولتصفية الألفاظ والمعانى، بسبكها فى نار المنطق والنحو، وملاحظة القارئ التفكير فيه حتى لايصدمه أو يتعبه شىء. كلا! لا شىء من هذا، وإنما يلقى إليك المطبوع ما يخطر له فى عبارة حرة قوية، فلا تكاد ترى الرمز الذى وضعه لمعناه، وإنما تبصر أو تحس المعنى عاريًا سافرًا، لا يطويه شىء، ولا يحجب حسنه أو قوته عن عقلك وقلبك حجابٌ من المّكلف والأناقة.
والاَن فلنسق لك الأمثال لتوضيح ما نعنى. وسنورد أولها من هومر، إذ كان أقدم من نعرف ممن انحدر إلينا كلامهم أو شىء منه. وهنا يبغى أن ننبه القارئ إلى أننا لسنا فى مقام المفاضلة بين قديم ومحدث، أو غربى وشرقى، فما إلى شىء من هذا نقصد، وإنما غايتنا أن نبين بعض ما يختلف فيه قديم عن حديث، من حيت الروح ووجهة النظر، وأسلوب التناول ليس إلا.
ولم أكن أطيق صبرًا على هومر فى أول عهدى بالأدب، وكان ينفرنى منه، كلما تناولته، جفاؤه، وأنه يقف من موضوعه موقف القصاص أو الراوية الذى لا يعنيه مما يحكى شىء، وأنه يتريث، أو يمسك، حيت أحس الحاجة إلى الانطلاق، أو يمضى على سننه، حين يطيب لى أن أقف أفكر وأعجب، وأنه لا يظهر فى شعره، بل يتوارى وراءه، ولا يحدثنا عن نفسه أو يجلوها علينا، فكأن شعره نبت فى ثرى الأدب بفعل الجو ولم يجر به لسانُ إنسان!
ويعرف من قرأ هومر أن فى الكتاب السادس من إلياذته حادثةً رائعة، يقصها الشاعر بجفوته المعهودة، وبروده المألوف، وذلك حين يلتقى جلوكوس وديوميد فى ميدان الحرب، فيهمان بالتناحر، حتى إذا عرفا أنهما كانا فيما سبق مضيفًا وضيفًا، ألقيا السلاحَ وتبادلا التحايا والهدايا وذلك أن ديوميد يعرف من كلام جلوكوس خصمه، أن جلوكوس هذا كان من عهد أبويهما صديقَ أسرته ومضيفها، فيغرز رمحه فى الأرض، ويقبل على خصمه يحادثه، ويتفقان على أن يجتنب كل منهما صاحبه. وماذا يقول هومر فى هذا الورع الذى يستغرق النفس حتى فى ساحة القتال إكبارًا لكرم الضيافة، وحفظًا لحقوقها؟ لا شىء! حتى ولا كلمة واحدة! بل يدع الحادث ينطق بنفسه، ويكشف عما انطوى عليه من معانى النبل وسمو النفس، ولا يزيد على أن يقول (ونحن ننقل من ترجمة بوب لشاعر الإنجليزى) على لسان ديوميد: «فأنا مضيفك الأمين فى أرجوس، وكذلك أنت مضيفى فى ليسيا، حين أزور تلك البلاد. ولنتحاش أن تلتقى رماحُنا فى ساحة الحرب. أوَ ليس ثم من أبناء طروادة من أقتلهم غيرك حين يرسلهم إلىّ إلهٌ وتبلغنيهم خطاى؟ وأنت يا جلوكوس، أليس يكفيك من تلقى من الآشيين لتضحى بهم حين تشاء؟ فلنتبادل سلاحنا ليرى الناس كذلك أننا نباهى بأن كنا ضيوفًا ومضيفين على عهد آبائنا». كذلك تكلما ثم نزلا عن مركبيهما، وتصافحا وأقسما على الولاء والإخاء.
يقرأ أحدنا هذا فيود لو تمهل هنا هنيهة ليطوى الكتاب ويتدبر ويقلب خواطره ويَثنيها إلى نفسه وعصره، ولكن هومر جليد يسوق قصصه ولا يعلق عليها، ولا يكاد يفرغ من هذه الحادثة حتى يخبرك فى بساطة، «أن ابن ساترن» (زحل) أعمى جلوكوس الذى تبادل السلاح مع ديوميد وأعطاه أسلحة ذهبية تساوى ماتة ثور وأخذ منه سلاحًا لا يساوى إلا تسعة ثيران»؟!
اقرأ بعد هذا قصة الفارسين المتزاحمين على قلب «أنجليكا» كما رواها «أريوستو» فى الفصل الأول من «أورلندو فيور بوزو»، وهى حكاية ليست دون حكاية هومر دلالة على النخوة ونبل النفس وشرف الفروسية. وخلاصتها أن الفارسين فيرجوس، وهو مغربى مسلم، ورينالدو المسيحى، كانا متنافسين على فتاة، اسمها أنجليكا، وكانت قد فرت، فبعد أن اقتتلا ما شاءا ومزق كل منهما جلد مزاحمه ما استطاع، تصافحا وامتطيا جوادًا واحدًا وذهبا يعدوان به فى إثر أنجليكا.
ولكن أريوستو كان يعيش فى عصر أحدث من عصر هومر، ولم يكن لتلك البساطة الأولى وجودٌ فى زمنه، فوقعت القصة من نفس راويها الشاعر وقعها من نفوسنا نحن القراء، وأكبر فيها تغلبَ الإحساس الأدبى على العاطفة الجامحة، ولم يستطع أن يخفى إعجابه ويكتمه، كما فعل هومر، فبرز من وراء المسرح وترك موضوعه وعقّب عليه بقوله: «ما أنبل الفروسية القديمة وأكرم عاداتها! إن هذين المتزاحمين كان الدين يفصلهما وكان كيانُهما يكابد مرارةَ الألم الناشئ عن عراك قاسِ، فتأملهما الآن يركبان معًا فى طريق مظلم معوج دون أن تخاَلج أحدَهما ريبة! ويعدو الجوادُ تستحثه أرجلهما الأربع حتى يبلغ بهما مفترق الطرق!».
وكهومر، شكسبير إلى حد كبير، وإن فصلتهما هوة عميقة من الزمن. هذا أيضًا يتناول موضوعه كما يتناول الجراجُ المبضعَ ولا يتحرّج، بدافع من الرقة وطراوة النفس وسقم الذوق، أن يمزج، حتى فى أشجى المواقف كما فى هملت، ويمزجها بهراء مجنون كما فى رواية الملك لير. ومن من الناس يقرأ هملت ولا يستوقفه، فى فاتحة الفصل الخامس، مزاحُ حفارى القبور وهم يُعدون القبر ليتلمَّأ على أوفيليا، ويغنون ويذكرون الحب وحلاوته، والصبا ورونقه وهم يُعملون الفأس وترمون الجماجم! ويسأل هملت أحدهم:
هملت: لأى رجل تحفر هذا القبر؟ الحفار: لا لرجل يا سيدى.هملت: لأى امرأة إذن؟ الحفار: ولا لامرأة! هملت: من الذى سيُدفن فيه؟الحفار: كانت امرأةً يا سيدى، ولكنها، رحمها الله، ماتت! ثم يسأل هملت: كم لك فى هذه الصناعة؟
الحفار: زاولت هذا العمل فى نفس اليوم الذى تغلب فيه ملكنا الأخير، هملت، على فورتنبراس. هملت: منذ كم هذا؟ الحفار: ألا تدرى أنت؟ إن كل مجنون يعرف هذا! إنه نفس اليوم الذى ولد فيه هملت الصغير الذى جن وأرسل إلى إنجلترا هملت: ولماذا أرسل إلى إنجلترا؟ الحفار: لماذا؟! لأنه مجنون! سيثوب إليه عقله هناك. فإذا لم يثب، فليس فى هذا بأس هناك. هملت: لماذا؟ الحفار: لن يلاحَظ هذا لأن الناس هناك مثله جنونًا! هملت: وكيف جن؟ الحفار: بشكل غريب على ما يقولون.هملت: كيف؟ الحفار: بأن فقد عقله! هملت: كم يظل الرجل فى جوف الأرض قبل أن يبلى؟ الحفار: إذا لم يكن قد بلى قبل أن يموت! — فإنه ترد علينا فى هذه الأيام جثث كثيرة مجدرة لا تكاد تحتمل الدفنَ — فإنه يظل حوالى ثمانية أعوام أو تسعة، والدباغ يمكت تسعة. هملت: ولماذا يمكث أكثر من سواه؟ الحفار: لأن جلده يا سيدى تدبغه ممارسته لصناعته فيبقى زمنًا لا ينفذ الماء منه. والماء يا سيدى معفِّن شديد لجسمك الميت الحقير. هذه جمجمة. لقد ظلت فى جوف الأرض ثلاثًا وعشرين سنة. هملت: جمجمة من هذه؟ الحفار: ابن خُنًى مجنون! من تظنه؟ هملت: لا أدرى!الحفار: يا للطاعون لهذا الوغد المجنون! لقد صب على رأسى مرة زجاجة من نبيذ الرين. هذه الجمجمة يا سيدى كانت ليورك مضحك الملك. منظر قاس! ولكن الشاعر أعظم وفاءً وأصدق من أن تأخذه رقة أو تنطوى نفسه فيموه الطبيعة الإنسانية. وهذه أبيات لابن الرومى يبكى فيها أوسط أولاده الصغار.
أقرةَ عينى لو فدى الحىُّ ميتًافديتك بالحوباء أول من يفدىكأنىَ ما استمتعت منك بضمةولاشمةٍ فى ملعب لك أو مهدأُلام لما أبدى عليك من الأسىوإنى لأخفى منه أضعاف ما أبدىمحمدُ ما شىءٌ تُوُهِّمَ سلوةلقلبى إلا زاد قلبى من الوجدأرى أخويك الباقيين فإنمايكونان للأحزان أورى من الزندإذا لعبا فى ملعب لك لذّعافؤادى بمثل النارعن غيرما قصدفما فيهما لى سلوة، بل حزازةيهيجانها دونى وأشقى بها وحدى والأبيات الثلاثة الأخيرة هى المقصودة. وأخلق بغير المطبوع أن يشعر بما يكبحه عن الإعراب عن هذا الجانب من عاطفة الحزن، أو يخشى أن يوصم بالقسوة والتوحش. وابن الرومى لا يجتزئ بهذا بل يقول أيضًا إن بقاء ولديه لا يعزيه عن فقد ثالثهما ولا يسد الخلة التى أحدثها، ويعلل ذلك بقوله:
وأولادنا مثل الجوارح أيهافقدناه كان الفاجعَ البين الفقدلكلٍّ مكان لا يسد اختلالهمكانُ أخيه من جزوع ولا جلدهل العين بعد السمع تكفى مكانهأم السمع بعد العين يهدى كما تهدى
الفصل الثاني والعشرون
جيئة وذهوب


الحركة مبنية على التغير، قائمة على التحول، تستطيع أن تلخص حركتها فى أنها جيئةٌ وذهوب. ولا تخش أن نركض بك بين وعوث الفلسفة ووعور ما وراء المادة، فأنا أشد حرصًا على أعناقنا أن تُدوق من أن نغامر فيها، وأعظم جهلًا بمسالكها ومخارمها ومداخلها ومخارجها من أن نفكر فى اعتسافها. وما خامرنا الطمع يومًا أن نقيس بمساطر عقولنا المحدودة هذه المجاهل اللانهائية التى يأبى اللحظ أن يُمَدَّ فيها ويستهول القلبُ أن يتعرّفها.
إذن ماذا نريد أن نقول؟ لا شىء سوى أننا نجىء إلى هذا الدنيا من حيت لا نعلم، ثم نحس أننا جئنا إليها وصرنا فيها، ثم نمضى عنها ولا ندرى أننا مضينا!! وليس فى هذا شىء من الفلسفة كما ترى! وإن لم يكن تدبر هذا بأقل إرعابًا منه!! ويقول مترلنك، فيما أذكر فى بعض رواياته، إننا ننحدر إلى دنيانا هذه وفى يمين كل واحد منا حقيبة يحمل فيها المقدور له والمقضى به عليه! ويظهر أن الموكل بتحميلنا هذه الحقائب أشدُّ يقظة من أن يدع واحدًا يهبط إلى الأرض فارغ اليد! أترى لم يحاول أحدُنا أن يفلت ليجىء خالى الوفاض بادى الأنفاض كما يقولون؟ وكيف يا ترى تكون حياته إذا جاء إلى الدنيا كالصفحة البيضاء التى لم يُخط فيها حرف؟ أيبقى كالدرهم المسيح لا تتناوله أيدى الصروف، ولا يتعاقب عليه من الحياة لا خير ولا شر؟ ومن الذى يسعه أن يرسم لنفسه صورة ما قبل الحياة؟
ومن الغريب أن الإنسان فكر فيما يكون بعد الموت وتصوره على وجوه شتى، وأعياه أن يرجع البصر إلى ما كان قبل هذه الوفادة إلى دار التحول! ويذكرنى هذا قول توماس هاردى من قصيدة اسمها «ساعة السنين»: «قال الروح: إنى أستطيع أن أرد ساعة السنين فتكر عقاربها راجعةً، ولكنى لا أستطيع أن أقفها حيث تشاء.»
قلت: اتفقنا على هذا. فامض بها راجعة. فإنه خير من أن أتصورها (يعنى حبيبته) ميتة!
فأجابنى: «سلام!».. ونشر صورتها كما كانت فى آخر عهدى بها. ثم صارت ترجع أصغر فأصغر حتى عادت إلى يوم عرفتها أول مرة، ناضجة الصبا، ريا الشباب، فصحت: «قف! وكفى — دعها تبقَ هكذا أبدًا!». ولكنه هز رأسه: واأسفاه! لا سبيل إلى الوقوف.. فمضت تعود صيبةً فطفلة، ويتضاءل وجهها شيئًا فشيئًا، حتى صارت لا شىء كأن لم تكن! فتوجعت وقلت: «لقد كان خيرًا من هذا أن تبقى عندى ميتة! إذن لبقيتْ حيةً بذكراها. أما الآن فلا سبيل إلى ذلك». فقال فى جفوة: «إنك أنت الذى اخترتَ أن تُغير المقدور وتفسده».
وأحسب أن أول جيئاتنا شرُّها! ومن ذا الذى لا يحس أن ابن الرومى إنما يعبر عما يخالجنا جميعًا حين يقول:
لما تؤذن الدنيا به من صروفهايكون بكاءُ الطفل ساعة يولدوإلا فما يبكيه منها وإنهالأرحبُ مما كان فيه وأرغد؟وإذا أبصر الدنيا استهل كأنهبما سوف يلقى من أذاها يُهدد ثم هذا البيت الصادق الرائع:
وللنفس حالات تظل كأنماتشاهد فيها كلَّ غيب سيشهد وفى مثل هذا يقول شاعر غربى: «جئنا إلى هنا باكين. وإنك لتدرى أننا لا نكاد ننشق الهواء حتى نصيح: نصيح حين نولد لأننا جئنا إلى هذا المسرح الكبير للمجانين!».
ولعل هذه هى الجيئة الوحيدة التى نلقى فيها الحفاوة الحارة! نهبط إلى الدنيا عرايا عاجزين باكين صارخين فى غير أدب أو رفق، فيُحتفل بنا وتزف البشائر بمقدمنا، وتترى التهنئاتُ من أجلنا، وتبذل العنايةُ بر احتنا، وتتوخى مرضاتنا. ويسام الخير من لمحاتنا، وتؤنس آيةُ الرشد من حركاتنا، ويستشف فينا العرف كما يستشف ويقدر حقين الرحيق فى العناقيد:
ومن العجائب أن نسربما يشد بأن نهد كما يقول ابن الرومى:
أوَ ما أرى ولدى قوىمنى بنقفى تُستجدكلم من سرور لى بمولود أؤمله لغدوبأن يهدنى الزمان رأيت منتَه تشد! ثم لا حفاوة ولا احتفال بعد ذلك! أو لا حرارة فى الحفاوة على الأصح.
وإنه لمن سوء الأدب، ولا شك! أن نستهل حياتنا بكل هذا الصخب، وأن نعلن مقدمنا بمثل هذه الضوضاء! ولكن عذرنا أن هذا أول عهدنا بالمسرح، وأننا أغرار تعوزنا الدربةُ وينقصنا التهذيب. وإذا كنا لا نحسن الوفادةَ ولا نتحرى آداب الدخول، فحسبنا أننا نكفر عن ذلك حين نخرج، ونعنى بأن يكون خروجنا لا شذوذ فيه، وأن يكون على أسلوب يقبله الذوق وتقرّه الاَداب. وقد يدَّعى بعضنا العجب ممن يُعدون لذهابهم عدته، ويجمعون له أهبته ويحرصون على ما يكلف من نفقة يدخرونها لذلك اليوم الذى يرحلون فيه، ويطلبون أن يكون تشييعهم على أسلوب معين يرسمونه. غير أن الأمر لا محل فيه للعجب، وما يدرينا؟ لعلنا نريد أن نتفادى أن يقال عنا إنه ليس أجدر بنا ولا أمثل من هذا الرحيل! وما أكثر ما نزعم أن الأمر لا يعنينا، وأننا لا نكترث له، وأننا سنذهب، حين يأتى ذلك، بقدم ثابتة. وقد نحب أن نمسح أعشار قلوبنا بالسلوان فنقول إن الموت مسألة تافهة، وإننا نلقى إليه الحياة كما يلقى أحدنا أعقاب السجائر! وإننا مللنا أن نظل ندفئ أيدينا أمام موقد الحياة، وإننا متأهبون للرحيل وسنلبس له أبهى الحلل ونلف فى أزهى الحرائر وأغلاها، وستوضع على أجداثنا الرياحين والأزاهير، ويذكرنا الناس على حين ننساهم ونذهل عنهم! وهذه صفة تميز بها الإنسانُ عن سائر الحيوان، ونعنى قدرته على أن يدعى أنه لا يكترث للموت!
وقد كان الرئيس ابن سينا رحمه الله يقول: «اللهم لا أسألك حياةً طويلة ولكن أسألك حياة عريضة». وأحسبها الكلمة الوحيدة التى لا يعيى المرءَ أن يفهمها، من كل ما سح به ذهنه، على وجه من الوجوه. وأفهم منها الجاه والاستغناء وتوافر الوسائل لسد الحاجات وإرضاء الشهوات، أو أفهم منها أن يتيسر للمرء أن يملأ الأجل القصير بالجلائل فكأنه عاش بأعماله وبما أحس وأدرك وتفطن إليه وحصله، أجيالا كثيرة لا سنوات قليلة. وعلى أيهما فالدعاء مما تتصاعد به أنفاس الناس جميعًا، ولست أعرف ما هو أحكم منه. ذلك أن الحياة منتهية على كل حال طالت أم قصرت. وليس أسفُ المعمِّر على فراقها بأقل من أسف الشاب، وإذ كان الأسف واحدًا، والأجل إلى انتهاء، وكل تعز أكذوبة وباطل ومحال، فخير فى الجملة أن تقصر مع الامتلاء من أن تطول مع الفراغ!
نعمِ من الاكاذيب ومغالطة النفس أن يدعى أحدٌ الزهد فى الحياة والشوق إلى الرحيل، وأن يتظاهر بالارتياح إلى ذكره بعد ذهابه. حتى التيقن من خلود الذكر ليس فيه سلوان. وتعجبنى قصيدة لتوماس هاردى أيضا يتهكم فيها ويسمخر، عنوانها «أتحفر فوق قبرى؟». وهذا بعضها (والسائل هنا سيدة دفينة).
– «أهذا أنت يا حبيبى تحفر فوق قبرى لتغرس غصنًا؟».
– «كلا! لقد ذهب أمس وتزوج فتاة صبيحة ربيبة غنى، وقال (عنك) إنها لا يمكن أن يسوءها الاَن ألّا أكون وفيّا!».
– «إذن من يحفر فوق قبرى؟ أهو أدنى أقربائى؟».
– «كلا! إنهم يجلسون وتقولون: أى جدوى من غرس الأزهار؟ إن العناية بقبرها لا تخلص روحها من شباك الموت».
– «ولكن من الذى يحفر فوق قبرى؟ أهو عدوة لى؟».
– «كلا! إنها لما سمعت أنك اجتزت الباب الذى يوصد على كل حى، عاجلًا أو اجلًا، لم تركِ بعد ذلك أهلًا للبغض ولم تعد تعبأ بك أو بمرقدك».
– «إذن من الذى يحفر فوق قبرى؟ — خبرنى فإنى لم أحسن التخمين!».
– «إنه أنا يا سيدتى العزيزة! كلبك الصغير الذى لا يزال يعيش قريبًا منك، وأرجو ألّا تكون حركاتى تزعجك».
– آه! نعم أنت تحفر فوق قبرى!.. كيف لم يخطر لى أنى خلفت قلبا وفيا ورائى؟ أى إحساس فى الإنسان يضارع وفاء الكلب؟!».
– «سيدتى لقد حفرت فوق قبرك لأدفن عظمةً تكون ذخرًا لى إذا جعت وأنا أطوف بقرب هذا المكان.. وإنى لآسف، ولكنى نسيت أن هذا مرقدك!!».

الفصل الثالث والعشرون
كلمة فى الخيال


كان بودنا لو استطعنا فى هذا الفصل أن نعتاض من كلمة «الخيال» لفظًا اخر لم يخرجه سوء الاستعمال عن معناه، ولم يحطه بحواشى أجنبية منه غريبة عنه. إذن لاسترحنا وأرحنا ولتيسر أن نقيم كل شىء على حدة، وأن ننقذ الأدب من الفوضى التى يعانيها. ولكن خلق لفظ ليس بالأمر الهين الذى يتأتى كلما أراد المرء ذلك أو تمناه. وعلى أن من فضل الله الذى يذكر ليشكر ومن رحمته بنا أن ليس فى مقدورنا أن نستحدث من الألفاظ ما نشاء لما نشاء من المعانى حين نشاء. فإنها قدرة كانت حقيقة أن تفضى إلى فوضى أعم وأشمل تتبلبل بها الألسنة ويمتنع معها التفاهمُ الذى لا معدى عنه فى حياتنا، إذ يصبح لكل واحد لسان يتكلم به، ومعجم يتناول منه لمعانيه ومقاصده.
وماذا يفهم الناس من لفظ «الخيال»؟ تسمع من كثيرين قولهم: هذا خيال شاعر! ونعرف بالتجربة الطويلة أنهم يفهمون من الخيال مجافاةَ الحقاتق وتنكبَ التجارب واقتناص شوارد الأوهام والمحالات، وكأنا بهم يحسبون أن المرء على قدر بعده عن مألوف الناس وتجاربهم، يكون نصيبه من الخيال وقدرته عليه، وأن هذا التناسى للحياة وسننها ولحقائقها ولأحوالها يكلف ما لا يكلف تحريها والقناعةُ بميسورها. وهذا كله خطأ فى خطأ وجهل فوق جهل.
ومن العسير أن تعالج هذه الأوهام التى قررها الجهل والعادةُ فى الأذهان وعرَّق أصولها. وقد تستطيع أن تقنع الشاب المتطلع إلى مراتب الأدباء ومنازل الشعراء بأن كتابة حوالة مالية بمائة جنيه لا تكلف الإنسان فوق ما تكلفه كتابةُ حوالة أخرى بجنيه واحد، وأن حامل الحوالة ذات الجنيه الواحد قد يجد الجنيه فى المصرف ويرجع به عنه، على حين يذهب حامل الحوالة الكبيرة فيلفيها مزيفة أو لا يجد لصاحبها وديعة أو رصيدًا أو حسابًا يأخذ منه ويذر.. نقول فى وسعك أن تقنع الشاب بهذا ثم تحاول أن تخطو به خطوة أخرى وأن تبين له، قياسًا على هذا المثل الذى تسوقه، أنه ليس بصحيح أن الشطط الذى تحسبه خيالًا يكون أدل على القدرة، وأن من يجيئك، مثلًا، بوصف بستان يغاير كل ما ألفه الناس وعهدوه فى البساتين وارتبطت به آراؤهم وخوالجهم، ليس من اللازمِ أن يكون أشعرَ وأقدر على التخيل ممن لا يعدو أن يسوق إليك وصفَا ساذجًا لا ينكره الحس ولا ينزعج من جرائه العقل — تعالج أن تبين له هذا وتشرحه فيعود إلى رأس أوهامه التى حشا بها رأسه معلموه، ومطالعاته للكلام الزائغ الذى كلف به من نسميهم نحن أهل المذهب القديم.
كيف إذن نميط هذه الأوهام وننفى أذاها عن العقول ليتنزه الأدب عنها؟ من سوء الحظ أننا مضطرون فى مصر إلى أن نقيم الدليل حتى على البدائه، وأننا لو خلونا من هذا التكليف وارتفعت عنا مؤونته لاستطعنا أن نضرب بسهم فى ميدان الأدب وأن يكون لنا فيه عملٌ أجل وأضخم، ولكن البلاء فى مصر أنك تجد فيها أناسًا قليلين رفعتهم تربيتهم إلى مراتب الغربيين ونقلهم تهذيبهم إلى مستواهم، على حين ترتع بقية الأمة وتمرج فى بحبوحة الأمية. وعلى هؤلاء القليلين يقع عبءُ التهذيب العام ونشره! ومتى كانت الحاجة هى إلى المكاتب الأولية فمن الخرق أن تبدأ نشرَ التعليم بإقامة الجامعات! وليس هذا سوى مثل..
كذلك نحن. علينا أن نُسفَّ دائمًا إلى البدائه وأن نقص أجنحتنا حتى لا نحلق فى سماء الأدب حيث لا يرانا أحد ولا يحسنا ديَّار! ولا مفر لنا حين نكتب فى الخيال من أن ننحدر عن القمم السامقة إلى السهول المنبسطة التى تأخذها العين بنظرة، وأن نقرر أن الإنسان عاجز عن أن يتخيل ما لم ير ولم يعرف، وأن القدرة الفنية ليست فى الإغراب وتكلف المحال والإتيان بما لا يكون، بل فى حسن اختيار التفاصيل المميزة كما يقول «تين» فى فلسفة الفن، وإنه من أفحش الغلط أن يتوهم المرء أن إلفه الشىء يجعل تناوله إسفافًا ونبذه سموّا. فإن الأشياء موجودة نراها ونحسها كل يوم من أيام حياتنا، والحقائق معروضة على أذهاننا وقلوبنا، غير أن كونها كذلك ليس بمستلزم أن نكون قد انتفعنا بشهودنا إياها ووعيناها وأحطنا بها، وأكثرنا لا يفكر فيها ولا يلتفت إليها أو يعنى بها. وقل من بيننا من يُحضر إلى ذهنه صورة شىء مما يحيا بينه من المشاهد والمناظر. ولما كان الذهن بطبيعته يعييه إلى حد كبير أن يجسِّد لنفسه صورة منظر بجملته وتفاصيله كما هو كائن فى الطبيعة أو الواقع، فإن الأمر يحتاج إلى غريزة دقيقة التمييز يستهدى بها الذهن فى انتقاء التفاصيل وضم بعضها إلى بعض وترتيبها. وما على القارئ إلا أن يجرب! هذه هى الدنيا أمامه، وفيها ما هو أقرب إليه وأمس به وما هو أعرف به وأدرى، فليتناول ما يظن أنه أسهل عليه وأقل مؤونة وليصوره لنفسه وليعرض عليها كل جوانبه وليحاول الإحاطة والاستقصاءَ ليعرف أى عسر يكابد، وليدرك أن تناول المألوف ليس فيه إسفاف، وأن المألوفات، وإن كانت فى طريق كل أحد، لا يفطن إليها كل ذهن ولا تلتقطها كل عين، وليصدق قول «جورج إيليوت» أن بعض الناس حين يرون الشاعر يسبح بين الضباب يحسبون أن مجرد ذهابه فى الجو يُكسبه جلالًا، ويتوهمون أنه صار أقرب إلى السماء لأنه نأى عن الأرض!
وهى ملاحظة فى الصميم من حبة الصواب، فما دنا هذا الطائر من السماء ولكن بعُد عن الأرض، وما اكتحلت عينه بقليل ولا كثير بين أجواز السموات بل غابت عن عينه الأرض واستسر كل ما فيها عنه، فلا هو وصل إلى شىء وفاته كل شىء! غير أن الناس يرون الكاتب أو الشاعر يبتّ كل ما يربطه بحقائق الحياة ويلقى إليهم كلامًا شاردًا مما أملته الأوهام المعربدة فيحسبونه سما إلى منزلة من القدرة الفلسفية لا تدرك!
أتقول حقائق الحياة؟ إذن فما هذه الشياطين وعرائس البحر والغاب وما إليها مما ابتدعه خيال الغربيين ووصفوه فى شعرهم؟ من أين جاءوا بهاتيك المحالات؟ وكيف عرفوها ووصفوها ولا خير لأحد من أبناء الدنيا بها ولا عهد؟ ولمن يقوم بنفسه هذا الاعتراض بعض العذر، فلعله لا يدرى أن هذه الشخصيات ليست مخلوقة خلقًا وإنما هى، على بعدها وغرابتها، مما استحدثه الخيال النشيط من مألوف بنات الدنيا ولصوصها: فهى أسماء مستعارةٌ لشخصياتٍ مكوَّنة من متفرق ما يلحظ فى ناس هذه الدنيا: وهو خيالى، ولكنه محلق فى سماء الشعر بجناحين من الحقيقة. وليست قدرة الشاعر هنا فى أنه أوجد شيئًا من العدم، فذاك محال، ولكنما قدرته فى أنه استطاع أن يكون صورةً من أشتات صورٍ وأن يُحضر الصورةَ المؤلفة إلى ذهنه إحضارًا واضحًا وأن يمثلها لنا كما ينبغى أن تكون.
وليس من فضل فى أن تأتى إلىّ بمعان أو صور كالزئبق لا تتمكن اليد منه، ولكن المزية كل المزية أن تجىء بما يحتمل النقد الصامت للتجربة العامة، وأن تسوق ما لا يضيره بل يزيده إشراقًا وصحة أن تواجهه بالحقائق. ونورد لك مثلًا لما نريد: قول شاعر قديم لا يحضرنى اسمه:
بكت عينى اليسرى فلما زجرتهاعن الجهل بعد الحلم أسبلتا معًا فأين فيمن عرفنا وعرف أسلافنا وسيعرف من يأتى بعدنا، إنسان يبكى بعين ولا يبكى بالأخرى؟ ودرجات الحزن لا تُقاس بهذا، حتى إذا أمكن، فيكون المرء حزينا إذا بكت له عين واحدة، وحزينًا جدّا إذا فاضت كلتا عينيه بالدموع! ومبلغ الفجيعة لا يدل عليه هذا التكلف للمحال، وما كانت الدموع مظهر الشجى الوحيد والدليل الفذ عليه، حتى يشط القائل هذا الشطط كله ويخرج عن حدود الطبيعة. ومن شأن الحزن العميق أن يصرف النفس عن التصنع فضلًا عن هذا الإفحاش. فماذا صنج شاعرنا؟ هذا إلى أنه لم يأت بشىء معقول فى ذاته ولا مع التمحل والتكلف له. وأقنعنا أنه كاذب فيما زعم من الحزن والأسى وما أراد أن ينحل نفسه من صفات الرجولة. إذ كان لا ينافى الرجولة أن يبكى المرء، ولا يثبتها أن تجمد العين، لأن جمود العين قد يكون مرجعه إلى البلادة فى الإحساس لا إلى القدرة على ضبط النفس وحكمها. فمن حيت نظرت إلى هذا البيت لم تجد فيه إلا ما يستحق من أجله ألّا يحسب فى الشعر وإن كان موزونًا مقفى مع ما سبقه وتلاه.
ولا يتعجل القارئ فيحسب أنا من أنصار «الريالزم» فى الشعر، أى ما يمكن أن نسميه المذهب الحسى، أو تناول الشىء كما هو واقع تحت الحس، ولكى نوضح هذا نقول كلمة صغيرة فى موضوعه.
الأصل فى الشعر وسائر الفنون الأدبية على اختلاف أنواعها وتباين مراميها وغاياتها، النظر بمعناه الشامل المحيط.. وعلى قدر اختلاف النظر يكون اختلاف المعانى والأغراض. والشاعر لا يسعه إلا أن يصور ما «يرى» بالمعنى الأوسع، ما يراه الواحد قد لا يراه الآخر، وربما أخذت عين الشاعر منظرًا فأبدع الخيال تنويقه، وأحسن ما شاء تفويقه وتزويقه. واعلم أن رؤية الشىء فى أجل مظاهره وأسمى مجاليه وأروع حالاته هى ما يعبر عنه «بالأيديالزم»، وعلى العكس من ذلك «الريالزم».
ومن الضرب الأول قول البحترى يصف الربيع:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًامن الحسن حتى كاد أن يتكلماوقد نبه النوروز فى غلس الدجىأوائلَ وردٍ كن بالأمس نوَّمايفتقها برد الندى فكأنهيبث حديثًا كان قبل مكتماومن شجر رد الربيع لباسهعليه كلما نشّرت وشيًا منمنماورق نسيم الريح حتى حسبتهيجىء بأنفاس الأحبة نعما والأبيات مشهورة، ومنه أيضًا قصيدته البديعة فى إيوان كسرى وفيها يقول:
والمنايا مواثل وأنوشروان يُزجى الصفوف تحت الدرفس أما الضرب الثانى — أى الريالزم — فإن من الصعب العسير التمثيل له، لأن الخيال لا محالةَ عامل فى كل ما يزعم الزاعمون أنهم أمناء فى تصويره على حاله، شعروا بذلك أم لم يشعروا. والحقيقة التى لا مساغ للريب فيها عندى هى أن هذا المذهب من الأكاذيب، فإنهم يقولون إن الغاية منه هى تصوير الشىء على حقيقته، وتلك لعمرى غاية كل شاعر وكاتب ومصور كائنًا من كان هذا الشاعر أو المصور، وما يستطيع أحد أن يعدل عن هذه الغاية، لأن العدول عنها يخالف كل قوانين العقل الإنسانى، فإن الأصل فى الفنون قاطبة، النظر كما أسلفنا، فإذا ابتكر الإنسان شيئًا فإنما يؤلف من أشتات الصور العالقة بذاكرته، وهذه الصور إنما حصلت بالنظر، فإذا رأيت شاعرًا أقرب إلى الحقائق من شاعر فلا تحسب أن هذا إنما كان هكذا لأن الأول مذهبه حسى والثانى تخيلى، فإن شيئًا من هذا لم يكن، وإنما السبب أن هذا أقدر من ذاك وأقوى ملاحظة. وهذا الذى نراه من الاختلاف فى المناهج بين شاعر وشاعر راجع إلى الاختلاف بين شخصيتيهما: هذا يستمد البواعث على الابتكار من ظواهر الطبيعة، وذاك يستمدها من نفسه.

الفصل الرابع والعشرون
كلمة عن ابن الرومى وحياته


وجدتُ أكثر من ترجم ابن الرومى من الكتاب المتقدمين لم يستقصوا أخباره ولا توخوا الإحاطةَ بها أو ترتيب ما أثروا منها. ومن أين لكاتب أن يوفى القول فيه وكل ما انتهى إلينا لا يبرد الغلة ولا يسد الحاجة؟ وكيف نقتفى معالم سيرته، ونتتبع نمو عقله، ونستقرى أطوار نفسه، ونحن لا نعلم أى أخباره أسبق أو أصح ولا نعرف عن كثير ممن اتصل بهم وصاحبهم وتقلب بينهم إلا أنهم عاشوا وماتوا كسائر الناس؟
ورأيت، كذلك، المؤرخين السابقين رحمهم الله، قد أتحفونا بطائفة غير صالحة! من نوادره وفضائله ورذائله، رواها بعضهم عن بعض بالتواتر، كما هو مألوف العرب وديدنهم، وهو مذهب أشبه بالعمليات الحسابية منه بالتحليل الأخلاقى، وليس فيه تصوير للنفس ولكنه قياس لطول الصورة وعرضها. وشتان بين أن تجمع شتيت الصفات ثم تسردها واحدة واحدة، وبين أن ترسم الخلق الحادثَ من تفاعلها واصطكاك بعضها ببعض! فإن مما لا شبهة فيه أن النفس الإنسانية ليست كخزانة الكتب تُرى فيها الفضائلُ والرذائل مرصوفةً مرتبة لا تعدو واحدة مكانها ولا تتجاوزه إلى سواه، وإنما هى ميدان لتلاقيها وتفاعلها، وعالم صغير تتصادم فيه الغرائز والملكات، تقتتل على الحياة والتغلب كما يحترب الناس فى هذا العالم الكبير ويتنازعون البقاء والغلبة فيما بينهم، وبحر تتسرَّب فيه الطبائع بعضها فى خلال بعض كما تتسرَّب الموجة فى خلال الموجة وتغيب فى أثنائها.
الحقيقة أن كتّاب العرب ومؤرخيهم قصّروا أشد التقصير وأسوأه فى ترجمة شعرائهم وكتابهم وعلمائهم وعظماء رجالهم، ولم ينصبوا أنفسهم فى هذا المعنى على كثرة ما ألفوا وصنفوا، ولا جاءوا بشىء يضارع ما عند أمم الغرب منه. تأمل «حيوات الشعراء» لـ«جونسون» مثلًا، أو تاريخ جونسون لـ«بوزويل»، وقس إليه تراجم ابن خلكان وأشباهه، وانظر ما بين هذا وذاك من البون. وإنك لتقرأ للمؤرِّخ من العرب السفر الضخم ذا الأجزاء العديدة والحواشى والتعاليق، وتعانى فى تصفحه من البرح والعنت ما تعانى، ثم لا تظفر إلا بأشياء لا تستحق ما عالجتَ فى سبيلها من الشدة، وبذلت من الجهد، وأنفقت فى طلبها من الوقت والمال والعافية، ولا تجد إلا قصصا وأخبارا لا ترى عليها طابعَ العقل وميسم التفكير، كأن لم يكتبها إنسانٌ وهبه الله عقلا وفهما وفؤادا يتذكر وذهنا يتفكر وقلبا يتدبر، أو كأنما كانوا يكتبونها وهم رقود! حتى ابن خلدون الذى عاب من سبقه من المؤرخين، وفطن إلى مواضع الضعف فيهم ليس خيرًا منهم حالًا.
ولسنا نقصد إلى تنقّص مؤرخى العرب، والتسميع بهم، والوقوع فيهم، وتحقير شأنهم، أو إلى تفضيل مؤرخى الفرنج عليهم والتنويه بمفاخرهم، فإن هذا ما لا يسنح لنا فى فكر. وعلى أننا لو قصدنا إلى ذلك التفضيل لا تَّسع لنا فيه نطاق المعذرة ولبرأنا العقلاء من اللائمة، فإن مما لا يخفى على أحد له أدنى معرفة أن مؤرخى العرب لم ينظروا إلا إلى الدولة دون الأمة، وإلى الحكومة دون الشعب، ولم يعنوا إلا بذكر الفتوح والحروب وتعاقب الولاة واختلاف الحكام، ولم يفطنوا إلى عظمة الشعر وجلال الأدب فطنةَ الغربيين لذلك، وهذه أسفارهم فليراجعها من شاء وليحكِّم عقله، وليتجرد من الهوى فإنه لا بد صادر عنها بآماله، وراجعٌ بالخيبة وحبوط المسعى، ولعل للعرب، بعدُ عذرًا من زمانهم وأحوال حياتهم ونحن نلوم!
•••

الإنسان وجهة الإنسان، وموضع عنايته، وليس أدلّ على مدنيته واستئناسه من حبه للترجمة والتاريخ وكلفه بهما على الرغم مما يُدلى به لرد ذلك ودفعه، وأى شىء أحلى فى القلب، وأثلج للنفس، وأشرح للصدر، من أن يُساهم أحدنا شعورَ أخيه الإنسان، ويشاطره إحساسه، ويتغلغل نظره إلى قلبه، ويحيط بحركات نفسه، ويقف على ما يضطرب به جنانه، ويدور فى خاطره ويجرى فى ذهنه؟ بل أى شىء أدعى إلى طرب العقل، وأبعث على لذة الفكر ومتعة الذهن، من أن ينظر أحدنا بعين أخيه ويرى العالم كما هو باد فى مرآة عينه؟
تلك لذة لا تعادلها لذة، ومتعة أنعمْ بها من متعة.. فأما من تغيرت قلوبهم على البشر واعتقدوا للنوع البغضَ والعداوة، وطووا أحناء الصدور على الكراهية والمقت والاحتقار — أو بدوا كأنما طووها على ذلك — فلعمرى إن هذا لمظهرٌ من مظاهر حبهم للنوع وإخلاصهم له، وإنما غلبت عليهم السوداءُ واحلو لكت الدنيا فى عيونهم، وتنكرت لهم الحياة فتنكروا لها لا للناس، وان خيل غير ذلك، ثم لم يدروا كيف يجازونها بغضةً ببغضة، ومقتا بمقت، فانقلبوا على الناس إذ لم يصيبوا غيرهم ما يشفون منه غيظهم، فهم صديق فى ثياب عدو!
قلنا إن من أظهر الأشياء فى الإنسان حبه للتأريخ والترجمة وكلفه بهما وإنا لا نعرف معنى أجمع لصفات المدنية ولا أدل على جماع الإنسانية، من ميل المرء إلى ذلك، وتقليبه وجوهَ الرأى له، وتصريفه أعنّة الفكر فيه، ونقول إن هذا الميل مركب فى السلائق ومركوز فى الطبائع، وإن كل إنسان مؤرخ ببعض الاعتبارات. فإن أردت دليلًا محسوسًا على ذلك فانظر فيمن حولك وتدبر ما يجرى بينهم من الكلام فى متحدثاتهم ومجالس سمرهم، أليس أكثر ما يرد على السمع منه حكايات وقصصًا وأنباءً؟ فمن ناقلِ إليك ما ترامى إليه من الأخبار، ومن مُسرٍّ إليك بذات نفسه وما لقيهَ من المحنة والبلاء، وكيف عدلت الأيام عنه ثم عطفت عليه:
وبينا نعمة إذ حال بؤسٌوبؤس إذ تعقبه ثراءومن واجدٍ قد ألزم القلبَ كفَّةومن طربٍ يعلو اليفاع ويشرفومستعبر قد أتبعَ الدمعَ زفرةتكاد لها عوج الضلوع تثقف ومن لعب مجّان يتداعب على الناس ويركبهم بالهزل والمزاج، ويروى لكً النادرة المضحكة إثر الطريفة المستملحة، إلى آخر ذلك مما لا حاجة بنا إلى الإفاضة فيه. ثم تأمل الشعر، أليس شعورًا مترجمًا وقصة مروية، وخاطرًا مجلوّا؟ والعلوم بأنواعها، أليست مجموعة تجارب، فهى أيضًا تاريخ للعقل الإنسانى؟ وهل الحياة إلا قصة طويلة يمثل كل منا فيه! دورَه الذى خُص به وقدِّر له، ثم يحدِّت الناس به؟
والمرء مدفوع إلى ذلك بعاملين: أحدهما علمى والثانى شعرى. فأما إنه لا يزال يحاول أن يطَّلع على نفس أخيه الإنسان ويستكشفها، مسوقًا إلى ذلك بدافع علمى، فلأن الطبيعة قد اختصت كلَّ أحدٍ بمسألة من مسائل الوجود هو مطالب أن يحلها على الوجه الذى يبدو له، ولو لم يكن من ذلك إلا كيف وَفَّق بين جسمه وروحه، وكيف عالج هذا فى سبيل ذاك، وأراد ذاك على طاعة هذا، لكان ذلك حسبه دافعًا وسائقًا مستحثّا! إلا أن العامل الشعرى أقوى دفعًا وأشد حملًا للنفس وإغراء لها وحضّا، فإن هذا التنازع بين الإرادة البشرية والحاجة المادية، هو الشعر ولا شعر إلا به. وما زال العنصر الشعرى فى النفس أقوى من العنصر العلمى وأظهر، وإن كانا فى الحقيقة مظهرين مختلفين لشىء هو فى جوهره واحد … وكذلك ينظر أحدُنا بعيون الناس فتكتحل عينه بعوالم متباينة، ويشاطرهم إحساسهم، ويسد النقص فى تجاربه، فيحيا حياتهم كما يحيا حياته، وكأنَّ كل واحد مرآه مجلوةٌ — علمية شعرية — طبيعية سحرية — نود لو أتيح لنا أن نرفع ما أرسل عليها من الحجب لنرى فيه! وجوهنا، ونبصر فى صقالها نفوسنا؟ ونستبين فى نورها أغمض أسرار الضمير وأخفى طوايا الصدر …
ولا يحسبن أحد أن الأمر ينتهى عند هذا القدر، ويقف عند هذا الحد، فإنه أكبر من ذلك وأعظم، والمسألة أدق وألطف. وما فى النفس ميل أعرق، ونزعة أثبت من هذه النزعة الإنسانية التاريخية، لأن الإنسان كما قدمنا قبلةُ الإنسان فى كل شىء، ومن أجل هذا تجد عنايته به شديدة، واهتمامه بآثاره كبيرًا، وإجلاله لقدرها عظيمًا. ومن أجل هذا أيضًا لا ينفك أحدنا، وهو ينظر فى قصيدة الشاعر أو رسالة الكاتب، يحاول أن يصور لنفسه روحه التى كانت تحفزه، وعقله الذى أوحى إليه، وقلبه الذى أملى عليه. ومن ذا الذى لم تُذهله عن نفسه قصيدة من الشعر حتى تجرد من نفسه وتعرّى من شخصيته وروحه وعقله؟ وأى معنى فى ظلك لهذا التجرد الوقتى؟ … بل أى متعة ألذ من هذه الغيبة وأشهى وأطيب على رغم أنوف النقاد الذين لا يفتئون يطلبون أن يتجرد المرء من إنسانيته ليتجرد من الهوى وليكون أصح حكمًا وأصدق نظرًا! كأن قيمة الشعر لا تقدر أيضًا على حسب اللذة المستفادة منه!
كذب النقاد وصدق الأنسان! ولعمر النقاد لو ان قصيدة ابن الرومى التى يقول فيها:
أجنيْنك الوجدَ أغصان وكثبانُفيهن نوعان: تفاح ورمانوفوق ذينك أعناب مهدلةسود لهن من الظلماء ألوانوتحت هاتيك عنّاب تلوح بهأطرافهن قلوب القوم قنوانغصونُ بانٍ عليها الدهر فاكهةوما الفواكه مما يحمل البانونرجس بات سارى الطل يضربهوأقحوان منير النوْر ريانألّفْنَ من كل شىءطيب حسنفهن فاكهةٌ شتى وريحانثمار صدقٍ إذا عاينت ظاهرهالكنها، حين تبلو الطعم، خطبانبل حلوة مرة، طورًا يقال لهاشهد، وطورًا يقول الناسُ ذيفانيا ليت شعرى، وليت غير مجديةإلا استراحة قلب وهو أسوانلأى أمرٍ مُراد بالفتى جُمعتتلك الفنون فضمتهن أفنانتجاورت فى غصون لسن من شجرلكن غصون لها وصل وهجرانتلك الغصون اللواتى فى أكمتهانعم وبؤس وأفراح وأحزانيبلو بها الله قوما كى يبين لهذو الطاعة البرُّ ممن فيه عصيانوما ابتلاهم لإعنات ولا عبثلا لجهل بما يطويه إبطانلكن ليثبت فى الأعناق حجتهويحسن العفوَ، والرحمن رحمنومن عجائب ما يمنى الرجال بهمستضعفات لنا منهن أقران. إلخ نقول لو إن هذه القصيدة الصادقة لم تكتبها يد الشاعر أو يد سواه من الناس وإنما ارتسمت حروفها على صفحة الطرس من تلقاء نفسها، ونبتت شطورها فى ثرى القرطاس بفعل الهواء وتأثير الجو كما تخضر الأرض جادتها:
«ديمة سمحةُ القياد سكوب»
أكان يكون لها فى تقديرك ما لها من الواقع؟ أم كنت مبوئها أخص موضع بين غيرها من القصائد «البشرية» كما أنت اليوم صانع بها؟ كلا! وبلا نزاع!
وتدبر ذلك تدبر من شأنه التوقُ إلى أن يعرف الأشياء على حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويتجافى بنفسه عن مرتبة المقلد الذى يجرى مع الظاهر، ولا يعدو الذى يكون فى أول الخاطر، وعن منزلة المكابر الذى يخطئ كل قول ويعيب كل رأى، فإنه باب كثير المحاسن جم الفوائد يُؤنس النفس ويثلج الصدر بما يُفضى بك إليه من المعرفة ويؤديه إليك من التبيين.. أوَ ما ترى الناس يأتون فى كل عام إلى الأهرام، وما أظنها أروع جلالًا، وأبرع تكوينًا، وأفتن جمالًا، ولا أدل على القدرة من جبال الهملايا؟!
ثم ألا ترى كيف تجاوز البحترىُّ جبالَ لبنان وهضبها إلى رِباع الفتح ابن خاقان فى قوله:
تلفتُّ من عليا دمشق ودونناللبنانَ هضبٌ كا لغمام المحلقإلى الحيرة البيضاء فالكرخ بعدماذممت مقامى بين بصرى وجلقمقاصير ملكٍ أقبلت بوجوههاعلى منظر من عرض دجلة مونقكأن الرياض الحوَّ يكسين حولهاأفانين من أفواف وشىٍ ملفقومن شرفات فى السماء كأنهاقوادم بيض من حمام محلقرباع من الفتح بن خوقان لم تزلغنى لعديمٍ أو فكاكًا لمرهق وكيف أنه وصف الجعفرىَّ والإيوان والكامل والمتوكلية والصبيح والمليح والبزكة وغير ذلك ولم يقل بيتا فى كهف أو جبل؟ وإنما كان هذا كذلك لأن النفس تجد لذة وعزاء فى استجلاء آثار النفس.
كفرحة الأديب بالأديبوطرب المحب بالحبيبوحنَّةِ المريض للطبيب
والناس عن الناس أفهم، وإليهم أصبى وأسكن، وبهم آنس وأشغف، وليس معنى هذا أن الشىء لا يروقك ويقع من قلبك إلا إذا كان صانعه اَدميّا، فإن هذا ما لا نذهب إليه أو نقول به، وإنما نعنى أن الإنسان حبيب إلى الإنسان أى إلى نفسه، وأن أكثر ما يفتنه ويستولى على لبه وهواه ما كان عن الإنسان صدره، وما تبين عليه ميسمه وأثره، وهذا ملموح فى كل حركة، وملحوظ فى كل لفظة. وما تأملتُ قط هذا الأمر إلا أثار لى التأمل واستخرج لى التفرس، غرائب لم أعرفها وعجائب لم أقف عليها، وإلا استيقنت أن الأمر كما ذكرت والحال على ما وصفت، وأن الإنسان لا يزال يتلمس الإنسان ويحاول أن يجتليه فى كل شىء، كأنما هو يستوحش الشىء إذا أحس أنه منه خلاء، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان الإنسان إنسانًا ولا كان على الدنيا طلاوة، ولا للحياة رونقٌ وحلاوةٌ، ولعمرى هل تروقنا الأرض إلا لأنها مسكننا ومثوانا، ومراحنا ومغدانا؟ وهل يملأ الروضُ عينَ مَن نظر إلا إذا أحس أن رياحينه تحييه، وحمامه يغنيه ويلهيه، وغصونه توسوس إليه، وأنه متصل بحاضره وماضيه، وبذكرياته وأمانيه؟ ولعمرى كيف الحياةُ؟ وماذا العيش إذ أنت حرمتنا هذا الإحساس الحلو والأنانية اللذيذة، وسلبتنا هذا الخلق الإنسانى والغريزة التاريخية، وذلك أصل الدين، وأصل الشعر، وأصل العلم؟!
وأى شىء يدفع الناس إلى إنفادتى الوقت فى طلب التاريخ، واستنزاف الأيام فى معاناته، والتوجه إلى طلب اللغات الدارسة، والانقطاع لحل الرموز الهيروغليفية مثلًا وإيضاح مشكلها والكشف عن معانيها؟ وماذا يحمل الناس على الغوص على آداب العرب والفرس والهند واليونان والرومان؟ ولماذا يستنفدون الطاقة كلها ويعنون بترجمة هذه الاَداب من لغة إلى لغة؟ أوَ ليس حسب كل أمة ما عندها من ذلك؟ وما السر فى أن أساطير الأمم القديمة وقصص البربر والهمج ربما كانت أخلب للب، وأفتن للنفس، وأسحر للعقل من فلسفة أفلاطون وكانت وغيرهما؟ وماذا يحثث الناس ويسوقهم إلى هذا الكد والتصرف؟ أليس هو أن المرء ينبغى أن يعرف كيف كان الإنسانُ فى العصر الخالى ليعرف أى شىء هو؟
يرى سقراط، ورأيه الحق، أن غاية الفلسفة أن يحيط المرء بنفسه: وأن ذلك أحقُّ بالتقديم وأسبق فى استيجاب التعظيم، وأنه لا عرفان إلا وذلك هو السبيل إليه، ولا علم إلا وهو الدليل عليه، ولا معرفة إلا وهو مفتاحها، ولا حقيقة إلا وهو مصباحها، ولكنه أخطأ السبيل إلى هذه الغاية، وذهب فى مذاهب لا تؤدى إلى هذا العلم، وطرقٍ لا تفضى إلى هذه المعرفة، وما أضلَّه إلا حسبانه أن الإنسان ليس مظهرًا من مظاهر قوة بعينها، ولكنه فرد قائم بذاته، وروح مستقلة بنفسها منفردة عما عداها، فهو أبدًا يحاول أن يفض ختم هذا السر الإنسانى بأن يتدبر ما يجرى فى ذهنه، ويتوسم ما يحصل فى نفسه، ويحلل المعرفة إلى أصولها، ويضع لكل شىء حدّا، وما فاز من ذلك بشىء، ولا عاد إلا بالخيبة، وبقيت الحقيقة عنه مستورة، واستولى الخفاء عليها، واستمر السِّرارُ بها، حتى فطن الناس إلى هذا الغلط الذى دخل عليها، والرأى الفاسد الذى عن له بسوء الاتفاق حتى صار حجازًا بينه وبين العلم بها وسدّا دون الوصول إليها.
الإنسان ليس فردًا قائمًا بنفسه، كاملًا فى ذاته، وإنما هو واحد من عشيرة وعضو من فصيلة، لا يتأتى العلم به والوقوف على أمره إلا بالقياس إلىِ أنداده وأشباهه من الناس. وقديمًا حسب الناسُ الأرض جسمًا منعزلَا لا نظير له ولا شبيه، فركبهم فى أمرها جهلٌ عظيم وخطأ فاحش، وسبقت إلى نفوسهم اعتقادات بان فسادُها لما وضح للناس أنها كوكب كبقية الكواكب. وكذلك يختلف اليوم رأينا فى الإنسان عن رأى آبائنا فيه. قد كانت كل أمة تمتهن ما عداها من الأمم وخلاها من الشعوب، وتزدريها وتستخف بها، ولا تعدها إلا فى الهمج والبربر. ومن ذلك زعم العرب أنهم أشرف الأمم. ونحن نرى فيها اليوم إخوانًا صدعت شملهم البحار، وفرقتهم اللغات، وقطعت بينهم العداوات … لهذا يعكف أحدنا على تاريخ آبائه وأجداده فيقرأ فى صفحاته آيات الحكمة الإلهية. ويعبر فى سطوره مظاهر القوة الإنسانية، واجدًا من الروح والخفة، ومن الأنس والغبطة، فى مطالعة أخبار القرون الخالية والأجيال الماضية، ما لا يجده فى أخبار العصر الحاضر..
وكما أن أحدنا، إذ تلقى المصادفة فى يده شيئًا من رسائله القديمة المهجورة، يقلّبها بادئ الأمر وهو غير حافل بها ولا ملتفت إليها، ثم لا يلبت أن يعتاده الذكر، ويلهيه ماضيه عن حاضره، فيترسل فى قراءتها بعد العجلة، ويتمهل بعد المسارعة، ويقف على كل حرف، ويستخبر كل لفظ، كأنما يستبعد أن يكون هذا خطه وتلك مقاطر قلمه، ولايصدق أن هذه الأيام مرت به، وتلك الهموم والمسرات وردت عليه، ثم تنزاح عن الماضى حجبُ الغموض، وتنتفى عنه معتلجات الشكوك، فتدب فى شبحه روح الشباب وتجرى فى عروق طيفه دماؤه، ويعلم أن هذه رسائله من غير شك — كذلك يستغرب أحدنا التاريخ القديم فى أول الأمر، وتخفى عليه نسبته إليه، وقرابته منه، وما هى إلا صفحة أو بعضها حتى تذهب عنه الوحشة، وتنجلى الشبهة، وتحل مكانهما بهجة الأنس وروعة اليقين، ويصبح وكأنه يقرأ تاريخ نفسه ويتصفح ترجمة حياته! ولعمرى ماذا يفيدنا التاريخ إذا هو لم يحرك فى نفوسنا هذا التعاطف، ولم يؤكد العقدة بين الحاضر والغابر؟ إن الحياة قصةٌ طويلة، يمثل كل فيها دورًا. وإذ كان هذا كذلك أفليس ينبغى أن نحيط علمًا بدور من خلا مكانه، وحللنا محله لنكون على بينة من أمرنا؟ وهل ثمةَ شىء من الغرابة فى أن يرجع أحدنا بصره فى الفصل المنصرم؟ أوَ ليس من الضرورى الذى لا معدل عنه فى كل رواية أن تكون الفكرة الأساسية واحدة فى كل الفصول؟
ولا ريب فى أن كثيرًا من فصول هذه الرواية الإنسانية قد استسر خبره، وامَّحى أثره وأصبح عند الله علمه، ولكن ذلك لم يغلل أيدى الناس عن التنقيب والبحث، ولم يحل دون ما يرومون من تفحص أخبار الإنسان والمبالغة فى استخبار اَثاره عنه، وإن كانوا، بعدُ، لم يتمكنوا من الحجة ولم يجدوا رائحة الكفاية، ولا ثلجوا ببرد اليقين.. ألا ترى الناس، على عجزهم الظاهر وقصورهم البادى عن الإفضاء إلى حقيقة الأمر، لا يزالون يجمعون ما تصل أيديهم إليه من آثار أبطال العالم وعظمائه، وإن كانت فى ذاتها تافهة لا قيمة لها ولا وزن، علهم يستشفون منها نفوسهم، ويستجلون أحلامهم وهواجسهم؟
إلا أنا اليوم على قلة الوسائل، ونزارة الذرائع، وضعف الأسباب، أفطن لمعانى العظمة والبطولة فى الإنسان، وأشدُّ إدراكًا لها، وأحسن فى الجملة تقديرًا لها من أسلافنا، فإنهم، وإن كانوا قد رفعوا أبطالهم إلى مراتب الاَلهة ومنازل الأرباب، غير أن الناقد المتأمل ليجد فى عبادتهم هذه شيئًا عن عنجهية حياتهم. ونحن اليوم لا نسكن عظماءنا جبال «أولمب» أو «فلهللا» ولا نعتقد أن الشمس من مظاهر «أورمزد» غير أنا على ذلك ألطف حسّا وأصفى نفسًا وأصح نظرًا وأوسع إدراكًا وأحسن تقديرًا. وليس معنى هذا أن آباءنا كانوا لا يفطنون للعظمة والبطولة — فلعلهم كانوا أحس بها وأسرع إلى الإقرار لها — ولكن معناه أن صلتهم بعظمائهم ونسبتهم إليهم كانتا غير متعددة الجوانب. ولو نحن أردنا أن نثبت ذلك من طريق البرهان القيم والدليل المقنع لأحوجنا إلى التطويل وإلى تكلف ما لا يجب وإضاعة ما يجب.
والإنسان مطبوع على الإيمان بالعظيم إيمانه بالحياة، وليس ثمةَ ما يُعين على احتمال الحياة ويجلى من وحشتها مثل هذا الإيمان، لأن العظيم فى كل عصر كوكبه اللامع، ونبراسه الساطع، وبدره الزاهر، وبحره الزاخر، وهل الناس لولا العظماء إلا جبال من النمال أو تلال من الذباب؟
وكما أن الوردة لا يعييها أن تسطعك نفحتها ويتثور إلى أنفك نسيمها، والجميل لا يشق عليه أن يتمثل لعينك حسنه، وترتسم فى قلبك ملاحته، كذلك لا يرهق العظيم أن يسوغك من صفاته ويضفى عليك الإحساس بما أفاض الله عليه وأسنى له وآثره به.
ولكن ذلك لا يتهيأ حتى يكون بينه وبين الناس اتصال، وله إليهم انتساب وانتماء، وحتى يحس الناس — وإن أنكروا وكابروا — أنهم واجدون عنده ما يحبون، وبالغون منه ما يطلبون.. فإن من الناس من يسدى إليك ما لا حاجة بك إليه، أو يجيبك إلى ما لم تسأله، وهذا لا طائل وراءه ولا ثمرة عنده ولا خير فيه، وإنما العظيم من فطن إلى حاجة الناس فسدّها، وأدرك مواضع الافتقار والضعف فراشها، ومن عرف موضعه وبلغ الناس ما فى نفوسهم، وأمكنهم مما يطلبون، حتى ولو لم يدرك هو ولا الناس ذلك. وليس يخطئ العظيم موضعه، أو يخفى عنه موقعه، لأنه كالنهر يحفر لنفسه مجراه ويكون له مسيلًا أينما تحدر ويعمقه مع التدفق.
وأنت إذا رجعت إلى نفسك ونظرت فى تاريخ العصور التى ظهر فيها العظماء، علمت علمًا يأبى أن يكون للشك فيه نصيب، وللتوقف نحوك مذهب، أن العظيم لا يظهر إلا إذا كانت الحاجة إليه ماسة، والافتقار إلى مثله شديدًا، وأنه لو لم تلد آمنة محمدًا لولده غيرها من نساء العرب، ولو لم يهرب شكسبير من بلده إلى لندن لنبع من غيره مثل هذا الشعر الذى تقرأه له اليوم، ولأيقنت أن العصر الواحد قد لا يسع أكثر من عظيم واحد، أو هو يسعه ويسع نقيضه فى مذهبه وعكسه فى منزعه.
وكما أن النبات يحول معادن الأرض غذاء صالحًا للحيوان، كذلك العظيم يتناول الطبيعة فيستخدمها ويجىء الناس منها برجعة صالحة، والطبيعة إذا صادفت كفؤا حقيقا بها، وواليا مطيقا لها، وناهضا مستقلا بأعبائها، أضفت عليه ملابسها، وكشفت له عن نفائسها، وأماطت عن سرها الحجب ونفت عنه معتلج الريب، وكانت له رائدا فيما يطلب، وهاديا حيت يؤم ويذهب، فإنما تفصح الطبيعة عن مضمونها، وتظهر مكنونها، لمن تكون فيه القدرة على فهمها، وتوسمها من معاريض رموزها، واستشفافها من وراء لثامها، ومن تظن فيه الإيفاء فى الوفاء، وتستشعر من الأبرار فى الحفاظ، فإن دقائق الطبيعة وأسرارها وخصائص معانيها ليست مبذولة لكل أحد، ولا مذللة لكل من يبسط إليها كفّا، أو يرفع إليها طرفًا، ولكن لمن إذا نظر كان وما ينظر شيئًا أحدًا، والشىء لا يعرفه إلا شبيهه ولا يحيط به إلا ضريبه أو ما فيه منه شناشن، كما يعرف الحديد الحديد ويجتذبه إليه، والإنسان من طينة الأرض فليس ينسى منبته، أو تخفى عليه طينته وجرثومته، والطبيعة كتاب مطوى تعلق منه فى كل عصر صحائف يتلوها على الناس أناس هدوا إليها، ودلوا عليها، وكشف لهم عنها، ورُفعت الحجب بينهم وبينها.
«وكما أن الماء إذا بلغت حرارته المائة، لم يزده إلحاحُ النار شيئًا، واستوى عند هذه الدرجة كل ماء، كذلك لعظمة الإنسان غاية ليس وراءها زيادة لمستزيد، ولا فوقها مرتقى لهمة، يستوى عندها كل من بلغها» مهما تباينوا وتفاوتوا.
يظهر فى العصر ثلاثة أو أربعة يحاولون أن يبلغوا هذه الغاية، ويرتقوا إلى هذه النهاية. والناس، من حولهم، يرمونهم بعيونهم ويتبعونهم بإمالهم، وهم مجدون فى الإصعاد، مندفعون فى التوقل، لا يكترثون لمن نظر ولا لمن لم ينظر، ولا يبالون ما يعترضهم فى سبيلهم، حتى تتعاظم أحدهم عقبة فيهن ويتعلل بأن لو كان على الجهد مزيد لبلغه، ويثبط الثانى تعاقب الموانع وتواصل العقل، فينكل عما شمر له، والناس بين مبتئس له عاذر، وضاحك به ساخر، وتمضى الاَخران حتى تكتنفهما السحب ويغيبا عن عيون الناس وترمقهما النسور، ثم يشتد البرد ويعظم الخطب وتثور الرياح وتهيج العواصف ويتوعر المرتقى وتتصدع الأرض فيهوى أحدهما، والمجد خوان وغرار، وينطلق الآخر متخطيًا رقاب الموانع، مذللًا ظهور العوائق، بين بروق السحب ورعودها، وثورة العواصف وهجودها، حتى ينتهى إلى الغاية، ويبلغ النهاية، فيصافح كونفوشيوس وبوذا وموسى وعيسى ومحمدًا وهومر وشمكسبير وملتون والمعرى والمتنبى وجوته وشيللر وتوماس هاردى والفردوسى وغيرهم ممن لا حاجة بنا إلى حصرهم.
وهنا شبهة ضعيفة عسى أن يتعلق بها متعلق ممن لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم، ولا يفوتون أطراف بنانهم، وهى أن يدعى أن صاحب هذا الرأى والمثل قد أسرف فى القول وجاوز الحد فيما زعم من أن للعظمة غاية لا مزيد عليها ولا متجاوز وراءها، وأن من بلغها من العظماء متكافئون فى المزية، لا فاضل بينهم ولا مفضول.
وهى شبهة سائرة على الأفواه، وإنما دخل الغلط على الناس فيها من جهة حسبانهم أن العظمة تقاس كما تقاس الأرض طولا وعرضا، وتحد كما تحد الدار شرقا وغربا، وخلطهم بين ما يحتمل النسبة والقياس وما لا يحتملها، ونسيانهم أن الشاعر الفحل مثلًا لا يخمل أخاه الفحل إذا أخمل العالم العالم، وأنه وإن كان كل روائى مدينًا لهومر، إلا أن هذا ليس بمانع أن يدرك شأوه أحد من غير أن يزرى به، كما أزرى جاليليو بدائنه متزو، وكما أزرى كيلر بجاليليو، وديكارت بالجميع.
وإنما كان هذا كذلك لأن العلم لا يقف عند حد ولا يطمئن إلى حال، فهو أبدًا فى تقدم. ولعل خير الكتب العلمية أحدثها، فالجديد منها ينسخ القديم، والمتأخر من العلماء يبنى على ما أسس المتقدمون ويشيد على ما وضع الأولون، والأصل فى كل شىء أن يزيد ويقوى ويتقدم، ولكن جمال الشعر فى أنه ليس قابلًا لشىء من هذا «النوع» من الزيادة والتقدم لأنه ابن الإرادة والإحساس، ولأن العلم اكتسابى، والشعر وحى وإلهام، وهو صورة من الحياة، والحياة كحجارة النرد لها أكثر من جانب واحد، فإن امتريت فى هذا فأرجع البصر فى القرون الخالية، هل ترى شكسبير غض من دانتى؟ أو دانتى من هومر؟ أو ابن الرومى من المتنبى وإن كان هذا مدينا له بأكثر مما يدرى الناس؟ وليس معنى هذا أن الشعر جامد لا يطرأ عليه تغير ولا يلحقه تحول وإنما معناه أنه يتحول مع الحياة ويتسع أفقه مثلها ولكنه كالبحر لا يزيد ولا ينقص.
ولكن — كما يقول صاحب الرأى والمثل السابقين — ما عسى دهشة صولون تكون، إذا علم أننا لا نعتمد اليوم فى حساب السنة على القمر؟ أو زينون إذا رآنا نسخر من قوله إن الروح مقسمة إلى ثمانية أجزاء؟ أو أفلاطون، وهو من تعلم، إذا قيل له إن ماء البحر لا يشفى كل داء؟ أو أبيقور إذا علم أن المادة تتجزأ إلى ما لا نهاية له من الأجزاء؟ أو أرسططاليس إذا قيل له إن خامس العناصر ليس له حركة كريّة لأنه ليس ثمةَ عنصر خامس؟! أو إيمنيد إذا علم أن اختلاط الشاء والنعم بيضائها بسودائها وتقديم بعضها قربانًا للآلهة لا ينفع من الطاعون ولا غيره؟ أو كريسباس إذا قيل له إن الأرض ليست سطحًا، وإن الكون ليس بمستدير محدود وإن لحم الإنسان ليس خير طعام للإنسان، وإن الأب لا ينبغى أن يتزوج من ابنته، وإنه ربَّ كلمة لا تقتل الحية ولا تذلل الدبَّ، ولا توقف النسور فى الجو، وانه وإن كان سيف جوبتر مصنوعًا من خشب السرو فليس يجب من أجل ذلك ألّا يصنع النعش منه، وإن العنقاء لا تعيش فى النار ولا فى غيرها، وإن الهواء لا يحمل الأرض كما تحمل العربةُ الأثقال، وإن الشمس لا تشرب من البحر ولا القمر من الأنهار.. وأخيرًا.. إنه لا يعرف شيئًا!! وإن كان أهل أثينا قد نصبوا له تمثالًا نقشوا عليه: «إلى كريسباس الذى يعرف كل شىء»!!
والأمر فى الشعر على خلاف ذلك لأن الآتى لا يفوق الفائت ولكن يبلغ شأوه. ولا خوف على متقدم من متأخر، فإن المتنبى لم يخمل اسم النابغة، ولا صغر المعرى قدر البحترى، ولا أنزل الشريف من رتبة ابن هانئ، ولا ابن الرومى من بشار. وتعجبنى كلمة كتبها جوته إلى معاصره وزميله شيللر قال: «لقد عادت النفس فحدثتنى أن أنظم فى قصة «وليم تل» قصيدة، ولست أخشى علىّ من روايتك ولا بأس عليك منى، ولا بأس علىّ منك».
وهذا صحيح لأن الشعراء لا يركب بعضهم أكتاف بعض، ولا يدفن بعضهم بعضا ويمشى أواخرهم على هام الأوالى.
وليس الأصل فى الشعر التقليد والحكاية والطبع على غرار من سبق، إذ لو كان هذا كذلك لاستوجب ذلك أن يظهر الفحولُ فى آخر العصور ولما ظهر أحد منهم فى أولها، ولكنك ترى الشعر فى جاهلية الأمم وبداوتها كالشعر فى حضارتها، لطف تخيل، ودقة معنى، وسداد مسلك، وقصدًا للغاية، وإن اختلفت وجهه النظر وتباينت أساليب التناول. لأن شاعرية الإنسان لا يلحقها نقصان ولا يعروها فتور، كالبحر، وليس يزيد البحرَ صوبُ الغمام ولا يضيره احتباس الغيث، وكما أن البحر إما جاش يبثك ما فى صدره مرة واحدة، وتفضى لك بجميع سره موجه الملتطم، واَذيه المصطفق، ولجه المربد، وثبجه المغبر، كذلك يستريح إليك الشعراء بمكنون سر النفس الإنسانية وباطن أمرها، ويفرشونك ظهرها وبطنها فى كل عصر، وكتتابع الأمواج تتابع الشعراء.. «تسكن الإلياذة فتثور الرومانسيرو، ويرسب الإنجيل فيطفو القرآن»، وتأتى بعد نسيم النواسى زوبعة ابن الرومى، وبعد صبا البحترى صرصر المعرى.
ورب مستفسر يقول: إذا كان هذا كذلك أفليس كل واحد صورة معادة لمن سبقه؟ وهذا خطأ، وهو أيضًا صواب، فإن الشعراء جميعًا أشكال، على أنهم، بعد، يتفاوتون التفاوت الشديد، فالنفس واحد والأصوات مختلفة، والقلوب متطابقة والأرواح متباينة، وكل شاعر يطبع الشعر بطابعه ويسمه بميسمه.
كذلك الرياح نسيم وعواصف، وصرصر وحرور، وهى بعد كلها رياح.. والأيام سبت وأحد واثنان، ولكل يوم حوادثه ومميزاته، وهى بعد كلها أيام، والشعراء هومر وشكسبير وفرجيل.. ولكل صفته التى يتميز بها، وهم بعدكلهم شعراء وكلهم هومر وكلهم شكسبير..
وبعد، فإنا — كما رأى القارئ مما أسلفنا عليه القول فى صدر كلامنا — لا نرى رأى كارليل الذى بسطه فى كتابه «الأبطال وعبادة البطولة» حيث يقول: «هذه حقائق كان الأقدمون أسرع إلى إدراكه! منا نحن.. كانوا بدلًا من اللغو واللغط فى شأن الكائنات ينظرون إليها وجهًا لوجه، والروع والإجلال حشو قلوبهم. أولئك كانوا أفهم لآيات الله فى كونه وأدرك لسره فى عبيده. كانوا يعرفون كيف يعبدون الطبيعة، وأحسن من ذلك كيف يعبدون الإنسان!».
بيد أنا لم نذهب إلى أن الأقدمين كانوا أضعف منا إدراكًا للعظمة والبطولة، ولا أقل فطنة لمعانيهما ولا أبطأ حسّا. وإنما قلنا إنا أحسن تقديرًا لهذه المعانى منهم وأقل غلوّا وأدق استشفافًا واستبطانًا لكنهها، وهذا ما لا ينكره علينا كارليل فى كتابه الذى أشرنا إليه، فإن الناظر فى كتاب الأبطال يعرف من تبويبه وتنسيق فصوله كيف تطور معنى البطولة واتسعت دائرته كما تطور كل شىء فى العالم، وكيف أن الإنسان كان فى بادئ الأمر يعبد الأبطال ثم عرف أن الألوهية ليست للإنسان، فظهر الأنبياء وصرفوا الناس عن عبادة الناس، وصححوا خطأهم فى ذلك وكسروا من غلوائهم وأقاموهم على طريقة هى لا ريب أمثل وأفضل، ثم أدرك الناس بعد ذلك أن البطولة ليست مقصورة على الأنبياء وأنهم لم يختصوا بها وحدهم دون غيرهم، وأنه رب قسيس كلوثر هو فى المنزلة الأولى بين الأبطال، ثم فطنوا إلى أن الأنبياء والقساوسة ليسوا كل العظماء، وأن الشاعر عظيم، والفيلسوف عظيم، والملك عظيم، فهل يدعى بعد ذلك أحد أنا اليوم لسنا أوسع من الأقدمين مجال فكر وأبعد مطارح نظر؟ وأننا لسنا أفطن للعظمة فى جميع مظاهرها؟ ثم ألست ترى أن الأقدمين كانوا يتوجهون إلى العظماء بقلوبهم دون عقولهم، وأنا نتوجه إليهم بقلوبنا وعقولنا معًا؟!
•••

وبعد، ففيم كل هذه المقدمة؟ ألنكتب ترجمةً لابن الرومى؟ وافرحةَ ابن الرومى لو علم أنه سيظهر فى القرن العشرين رجل يخرج به من الظلمات التى أرخاها عليه إهمال المؤرخين السابقين من العرب، وأسبلها على حياته حظه الأعمى وجده العاثر؟ وأن هذا المؤرخ المنصف الطيب القلب سينظمه فى سلك العظماء؟
كلا. فما نطمع أن نؤدى للقارئ ترجمة لهذا الشاعر محكمة الحدود، مدمجة التأليف، واضحة الطريقة، وأنا من ذلك لعلى يأس كبير، فما نعرف رجلًا أصابه ما أصاب ابن الرومى ولا شاعرًا تهاون به الناس حيّا وميتًا وتناسوا ما يجب له إلا هو! بل لست أعرف قومًا هم أشد استصغارًا لكبرائهم، وأقل إجلالا لرجالاتهم، وأعظم تعاونًا بحقوقهم، وأضأل تنبهًا لحقيقة أقدارهم من العرب! وليس يخفى عنا أن هذا القول سيقع من نفوس البعض موقعًا سيئًا ويصادف منهم كل السخط وأشد النفور لأن للقديم روعة وجلالًا وقدرًا فى النفوس، ومهابة فى الصدور، وللجديد المباغت صدمة يضطرب لها الذهن ويتبلد لها العقل، حتى إذا سكنت الطبيعة واطمأن الروع، وثابت النفس، تبين المرء مبلغه من الصواب وحظه من السداد.. ومن أجل ذلك قالوا ينبغى أن يكتب الكاتب على أن الناس كلهم أعداء وكلهم خصوم. بيد أن من راض نفسه على توخى الصدق والتجافى عن قول الزور، ومن شأنه التوق إلى أن تقر ا لأمور قرارها، وتوضع مواضعها، ومن يربأ نفسه عن مرتبة المقلد — سيتابعنا فى رأينا هذا، ويؤاتينا على ما نقوله.. وإن اَلمته الصدمة فإن الحق، وإن كان صادق المرارة، إلا أنه حق، ولنحن خلقاء ألّا تدفعنا العصبية الباطلة والتشرف الكاذب إلى وصف الزور ونسج الإفك وتمويه الحق وتلبيسه بالمين والبهتان. وماذا علينا إن فارت بعض النفوس من الغضب، وثارت بها الحمية المصطنعة والحفيظة الملفقة وشهوة المباهاة الكاذبة؟ — مباهاة المعدم اللاصق بالتراب بأن كان له آباء يزعمهم أغنياء؟ وما نبالى من سخط ممن رضى إذا نحن اخترنا كل ما فيه للتاريخ رضوان؟ وهل ترى غضبهم يغير الحق الصراح المعلوم فى بدائه العقول؟ أم هل ينفى تسخطهم أن مؤرخى العرب مقصرون، وأن تفريطهم قد ألبس ابن الرومى وغيره بردًا كثيف النسج غليظ السرج لا تنفذ العين فيه؟
وليس ينزلنا عن رأينا هذا ما عسى أن يحتج به خصومنا فى المذهب من أن البيت الواحد من الشعر كان يرفع قبيلة أو يحط منها، وأن القبيلة من العرب «كانت إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر وتباشر الرجال والولدان»، وأن أمراء العرب وخلفاءهم كانوا يقربون الشعراء ويملئون أكفهم بالعطيات وأيديهم بالجوائز والصلات، وينزلونهم منهم فى أمرع جناب وأصدق منزل، أو غير ذلك من الحجج والشواهد والنصوص التى لا تدفع قولنا ولا تديل منه، وإن كانت فى ذاتها مما لا يمارى فيه ولا تنكر صحته.
وذلك أن الهجاء والتشهير وخبث اللسان أوجع ما يتجرعه المرء وتتوجره النفس، وما زال الناس فى كل عصر يتفزعون من ذلك ويتوقونه بكل ما فى الوسع والطاقة، تارة بالعطاء الجزل والنائل الغمر، وأخرى بالمصانعة والمداراة أو الوعد أو الوعيد. ومن ذا الذى يرضى أن تشتهر له شهرة فاضحة وسمعة قبيحة؟ بل من ذا الذى لا يتقى الذم ولا يحفل بالغضاضة ولا يبالى ما قيل فيه؟ أوَ ما ترى كيف أن الكلمة الواحدة تخرج من فم الرجل قد تعطل تجارة أمة بأسرها وتفقدها ثقة غيرها بها؟ والعرب قوم أولو سذاجة، شأن كل البدو وسكان الخيام، فليس بمستغرب أن يتخذوا من أبسطهم لسانا وأقواهم عارضة وأوراهم زندا وأسمحهم قريحة درعًا يحمون بها أعراضهم، ويذبون بها عن أحسابهم، وسلاحًا يستظهرون به على خصومهم، ويستطيلون به على أعدائهم، كما كانوا يتقنعون فى الحديد لصيانة جسومهم وأموالهم وحريمهم، وكما كانوا يعدون الخيول للملاحم والزحوف. وليس بعجيب أن يبسط الخلفاء أكفهم للشعراء بالنوال والمبرات فإن ذلك أطلق لألسنتهم بالمديح وأكف لها عن القدح والطعن وأصون للملك وأحفظ له من الضياع.
هذه حقيقة الحال وواقع الأمر، وليس فى ذلك ما يدل على أكثر من أن الشعراء كانوا بمنزلة الخيول والسيوف والدروع، أو ما يتفكه به على الشراب من النقل، وما تزين به مجالس اللهو من الريحان والورد. أوَ لم يقل ابن رشيق فى كتاب العمدة: «إن العرب كانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ فيهم أو فرس تُنتج»؟! بلى لقد قالها والله! وكفى بذلك هوانًا!
مهما قيل فى الاحتجاج للعرب والنضح عنهم والتنصل لهم مما تحدجهم به، فإنه لا ريب عندى فى أن الشعر كان عندهم فى منزلة دون التى هو فيها عند غيرهم من الأمم والشعوب، ولا شك فى أنهم لم يكونوا من سعة الروح بحيت يفطنون إلى جلالة الشعر، ويدركون ماهيته وحقيقته وعظم وظيفة الشاعر، وإلا لكانوا انصرفوا عن هذه السخافات التى أولعوا بها وأمعنا فيها، ولتناولوا من الأغراض الشعرية ما هو أشرف من المدح وأنبل من الهجاء.
وهذا باب من القول له اتساع وتفنن لا إلى غاية، ولم نكن نحب أن نفتحه لئلا تستفتح أبوابٌ من اللداد خير لنا أن تظل موصدة، لأن عهد الناس بأمثال هذه المباحث ما زال حديثا، وما زالت عقول السواد الأعظم غضة ناعمة تجرحها خشونة الحقيقة. وليس الداء بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان منه مع كل أحد مسعفًا، والسعى فيه منجحًا، فإنك لتلقى الجهد حتى تميل أحدهم عن رأى يكون له، ثم إذا قدته بالخزائم إلى النزول على رأيك والصدور عن فكرك، عرض له خاطر يدهشه فعاد إلى رأس أمره! ولكنا خلقاء ألّا ننكص عن أمر نحن أثرنا غباره وهجنا دفينه، وأحسب أن كثيرًا من الناس تهجس فى صدورهم هذه الآراء وإن كانوا يشفقون من إبرازها والمعالنة بها، والبلاء، والداء العياء، أنهم ربما ماروك ولاجوك بألسنتهم وهم بقلوبهم يطابقونك، جريًا منهم وراء الجمهور، وذهابًا إلى رأى الغوغاء والأسقاط.
أظهر عيوب الأدب العربى فى تقديرنا اثنان: فساد فى الذوق وشطط فى الذهن عن السبيل السواء. وليس بخاف أن هذين العيبين متداخلان، وأنك تستطيع أن ترد الثانى إلى الأول، أو الأول إلى الثانى، ولكنهما على تداخلهما واضحا الحدود.
وشرح ذلك أن العرب وإن كانوا بطبيعتهم شديدى الإحساس، لطاف الشعور، دقاق الإدراك ككل البدو، إلا أن فيهم جفوة الصحراء وعنجهية البادية فهم يجمعون بين فضائل البوادى ورذائلهم وحسناتهم وسيئاتهم ودماثتهم وتوعرهم، وهم لما ألفوا من الحرية، لا يستطيعون أن يكسروا من غلواء نفوسهم أو يحبسوا من أعنة عواطفهم، ففى كل حركاتهم وانفعالاتهم حدة جامحة بغير لجام وشِرَّة ماضيةٌ بغير عنان. يبكون ويضحكون، ويثورون ويسكنون، وتحبون وتبغضون، فى غير رفق ولا أناة، حتى لتكاد تلمح فى كل أقوالهم وأفعالهم مظاهر الغلو واَيات الحدة ولوائح الطغيان. فكأنهم استعاروا من الشمس وقدتها، ومن الأرض حزونتها وجدبها وشدتها. وكأن شعرهم العود النابت فى الخلاء، لا الزهرة الزهراء فى الروضة العذراء، وكأنما ألفاظهم فهرس للمعانى التى فى نفوسهم تشير إليها إشارة البنان، وكأن قائلهم لجلاج تحتشد فى خاطره المعانى فيجيل بها لسانه فى شدقه ثم يخرجها مزدحمة بعضها فى أثر بعض، وقد تخرج متصادمة، وبينها وقفات يشقى بها صبره. ولشعراء العرب شياطين! وهل تخرج هذه الفيافى غير ذلك؟ وهى لا تألف إلا الرسوم المحيلة، والأطلال البوالى، ولا تغشى إلا الأربع الأدراس. وهل وجدتُ خيرًا منها وصدفت عنها؟ فإذا أراد الشاعر أن يستمد منها الوحى ركب إليها ظهور الإبل ومتن النياق، حتى إذا انثنى عنها، شغله وصف ما رأى فى طريقه إليها من النجوم، وكيف كان اهتداؤه بها، وما هب عليه من الرياح، وأومض من البروق، خلبها وصادقها، وأظله من السحاب، جهامها وماطرها، وكيف أذكره القمر وجه حبيبته المتألق، وجفلةْ السرب فى الظلام نفرتها ليلة السفح، ثم لا يزال يذكره الأمرُ الأمر ويفضى بك من حديث إلى حديث حتى ينسى ما أوحى إليه شيطانه من بنات الشعر فيجتزئ بما قال!!
وهذا صحيح لا يدفعه أنا نرمى به إلى الدعابة والمزح، فرب هزل ترجم عن جد.. والناظر فى شعر العرب يجد أن الشعراء جميعًا قد ساروا فى طريق واحد كما كانوا يسلكون فى صحراواتهم طرقا واحدة، وكان المتأخر منهم يقلد المتقدم ويجرى على منهاجه. وأكثر الفرِق إنما هو فى اللفظ والأسلوب لا فى الأغراض، وحسبك ذلك دليلَا على ضيق الروح والحظيرة والعجز عن التصرف.
لسنا نحاول الزراية على العرب أو الغض من شعرهم، وإنما نريد أن نقول إن العرب ليسوا أشعر الأمم! ولو أن الله فسح فى البقاء للدولة العربية وزادها نفسا فى أجلها وسعة — ولكنه لم يشأ! وإن أحدنا ليقرأ آثار الغرب فيملك قلبه ما يتبين فيها من سمات الصدق والإخلاص ومخايل النبل والشرف، وما يستشفه من دلائل الحياة والإحساس بالجمال وحبهما وعبادتهما فى جميع مظاهرهما، وما يتؤسمه من ذكاء المشاعر ويقظة الفؤاد وصدق النظر وصفاء السريرة وعلو النفس وتناسيها وتجاوبها مع ما يكتنفها من مظاهر الطبيعة.
هذه حقيقة لا موضع فيها للشبهة، وما ينكر أن الشعوب الآرية أفطن لمفاتن الطبيعة وجلالة النفس الإنسانية وجمال الحق والفضيلة إلا كل مكابر ضعيف البصيرة أو رجل أعمته العصبية الباطلة عن إدراك ذلك — ونقول العصبية الباطلة لأن الحق غاية الوجود، وكلنا سواء فى التماسه، فأيما رجل فاز منه بنصيب فهذا السعيد الموفق، وإلا فهو معذور ومشكور، وليس يغض من أحد أنه انصرف عن هذه الدنيا غير مُنجح.
وأنت إذا تأملت شعراء العرب وكتابهم وكبار رجالهم لتعرف منازلهم من العظمة، ومواقعهم من العبقرية، وجدت أولاهم بذلك، وأولهم هنالك، وأسبقهم فى استيجاب التعظيم، واستحقاق التقديم، قوما ينتهى نسبهم إلى غير العرب من مثل بشار بن برد، ومروان بن أبى حفصة، وأبى نواس وابن الرومى ومهيار وابن المقفع وابن العميد والخوارزمى وبديع الزمان وأبى إسحاق الصابئ وأبى الفرج الأصبهانى وأبى حنيفة النعمان وغيرهم ممن لا ضرورة إلى حصرهم.. وقد تعلم أن للوراثة أثرًا لا يستهان به فى تركيب الجسم واستعداد العقل، فليس بمستغرب أن يرث مثل ابن الرومى وهو اَرى الأصل — فارسى يونانى — كثيرًا من شمائل قومه وصفاتهم، وأن يكون فى شعره أشبه بهم منه بالعرب. وحسب القارئ أن يقارن بين قصيدة لابن الرومى وأخرى لغيره من صميم شعراء العرب فى أى باب من أبواب المعانى ليعلم الفرق بين المنزعين، وكيف أن ابن الرومى أقرب إلى شعراء الغرب وبهم أشكل، وإن بقى عربيّا فى لغته وموضوعاته.
وما ترجمة هذا الرجل؟ قالوا إن اسمه على بن العباس بن جريج، وقيل جورجيوس! حتى جده لم يعن أحد بتحقيق اسمه! وقالوا إن ولادته كانت بمدينة بغداد يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين فى الموضع المعروف بالعقيقة ودرب الختلية فى دار بإزاء قصر مولاه عيسى بن جعفر بن المنصور من نسل العباس بن عبد المطلب.
هذا جل ما ذكره المؤرخون من ترجمته «المبسوطة»! فيما وصلت إليه أيدينا من الكتب، وليتنا جهلنا ذلك وأحطنا بغيره مما طووه عنا ودفنوه فى زوايا الغيب! وليت شعرى أى نفع لنا من علمنا أنه وُلد بعد طلوع الفجر أو قبله؟ ولليلتين خلتا من رجب أو بقيتا منه أو من سواه؟ وبالعقيقة أو بغيرها من المواضع التى طمست أشراطها وعفت رسومها؟ وأنه كان مولى عيسى ابن جعفر أو جعفر بن عيسى؟ ما دمنا لا ندرى كيف كان منه أو من غيره من الناس، وكيف كانت مؤالفتهم له ومعاشرته لهم، كأن ابن الرومى لم يكن شاعرًا كالبحترى أو أبى نواس اللذين امتلأت من أخبارهما الأسفار، أو كأنه لا يستحق من عناية المؤرخين مثل ما استحق عمر بن أبى ربيعة وأضرابه المخنثون، من مثل كثير وجميل، أو المجنون الذى ينكره بعضهم وينفى وجوده، أو مثل ما استحق مركوب أبى القاسم!!
مولى عيسى بن جعفر! مثل ابن الرومى لا يذكره المؤرخون إلا مقرونًا بأنه كان مولى لهذا المخلوق! وليت المولى مع ذلك تعهده وعنى به وكفله واستحق أن ينسب ابن الرومى إليه!! هذا العيسى بن جعفر هو الذى يقول له ابن الرومى:
مالى أسل من القراب وأغمد؟لم لا أجرد والسيوف تجرد؟لم لا أجرد فى الضرائب مرةيا للرجال — وإننى لمهند؟ —بل قد حكى التجريبُ أنى صارمذكر فلم أُلقى ولا أُتقلد؟لم لا أُحلى حلية أنا أهلهافيُزان بى بطل ويكفى مشهد؟أنا من علمت مكانه وابن الذىما زال فيكم يُستعان فيحمدلا تبتروا عندى وعند أبى يدًابيضاء ما جُحدت وليست تجحدأولوا وليَّكُمُ حديثا مثلهيصل القديم وتُستتم به اليديثمر لكم حمدين: حمًدا منكملهما، وحمدًا منهما لا ينفدلا بل دعونا وانظروا لصنيعكمفينا فلم يك مثله يستفسد ولد فى خلافة المعتصم وأدرك الواثق والمتوكل والمنتصر والمعتز والمهتدى والمعتمد والمعتضد، فلم يؤاسوه بأموالهم ولا أسهموا له فى هباتهم، ولا استحيوا أن يكون فى عصورهم شاعر مثله فى الحضيض الأوهد من الفقر والخصاصة ورقة الحال، ولسنا نظن أنه كان من الخمول وغموض الحال بحيت لم ينتشر به الصوت إليهم، فقد كان مولى رجل من العباسيين وكان متصلا بالوزير أبى الحسين القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد. وقد روى المسعودى فى مروج الذهب عن محمد بن يحمى الصولى الشطرنجى قال: «كنا يومًا نأكل بين يدى المكتفى فوضعت بين أيدينا قطائف رفعت من بين يديه فى نهاية النضارة ورقة الخبز وإحكام العمل، فقال: هل وصفت الشعراء هذا؟ فقال له يحيى بن علىْ نعم. قال أحمد بن يحيى فيها:
قطائف قد حشيت باللوزوالسكر الماذى حشو الموزتسبح فى آذى دهن الجوزسررت لما وقعت فى حوزىسرور عباس بقرب فوز
قال: وأنشدت لابن الرومى:
«وأتت قطائف بعد ذاك لطائف».
فقال: هذا يقتضى ابتداء، فأنشدنى الشعر من أوله، فأنشدته لابن الرومى:
وخبيصة صفراء ديناريّةثمنًا ولونًا زفها لك جؤذرعظمت فكادت أن تكون أوزةوثوت فكاد إهابها يتفطر، إلخ فاستحسن المكتفى الأبيات وأومأ إلىّ أن أكتبها له فكتبتها».
وفى موضع آخر من الكتاب قال محمد بن يحيى الصولى: «وأكلنا يومًا بين يديه بعد هذا بشهر فجاءت لوزينجة، فقال هل صف ابن الرومى اللوزينج؟ فقلت: نعم. فقال: أنشدنيه. فأنشدته:
لايخطتنى منك لوزينجإذا بدا أعجب أو عجبالم تغلق الشهوة أبوابهاإلا أبت زلفاه أن يحجبا، إلخ فحفظها المكتفى فكان ينشدها».
وفى مكان اخر من الكتاب عن أبى عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى المعروف بنفطويه قال: «أخبرنا بن حمدون قال تذاكرنا يومًا بحضرة المكتفى، فقال: فيكم من يحفظ فى نبيذ الدوشاب؟ فأنشدته قول ابن الرومى:
إذا أخذت حبه ودبسهثم أخذت ضربه ومرسهثم أطلت فى الإناء حبسهشربت منه البابلى نفسه فقال المكتفى: قبحه الله ما أشرهه! لقد شوقنى فى هذا اليوم إلى شربه!».
وإنما استكثرنا من إيراد هذه الأخبار لتعلم أن اسمه كان مذكورا فى مجالس الخلفاء، وذكره فاشيًا على ألسنة ندمائهم — ولكنه على تصرفه فى كل فنون الشعر المعروفة، وإجادته فى جميع أبوابه، وكثرة ما سار عنه من ذلك، كان من الفاقة وحقارة الشأن وسقوط الجاه بحيث كان يستجدى من إخوانه الكساء فلا يصيب منه قصاصة، وله فى ذلك شعر كثير. فمن ذلك قوله لأبى جعفر النوبختى:
طلبت كساءً منك إذ أنت عاملعلى قرية النعمان تعطى الرغائبافأوسعتنى منعًا إخالك نادمًاعليه، وفى تمحيصه الآن راغبافإن حق ظنى فاستقلنى بمترصيقينى إذا ما البرد أبدى المخالباوإن كان ظنى كاذبًا فهى هفوةوما خلت ظنى فيئة الحر كاذباوما كان من آباؤك الخير أصلهولبك مجناه ليمنع واجبافعجل كسائى طيبًا نحو شاكرسيجنيك من حر الثناء الأطايبا وقوله له أيضًا:
كسائى بنى نوبخت فهلًا فإننىأراك تناغى طيلسان بنى حربأعيذك أن تأبى مسيرة ليلةوتصير للتسيير فى الشرق والغربكسائى كسائى! إنه الدرب بيننافلا تدع الثغر المخوف بلا دربولا تحسبنى لا أغرد بالتىتلينى بها فى الحفل طورًا وفى الشربفأعف بحقى فى الشتاء فلن أرىقبول كساء منك فى الصيف ذى الكربوصبرًا فإن الحر باللوم تبتغىإنابته، والعبد بالشتم والضرب فهذا وما سبق من مثله خليق أن يريك مبلغ فاقته ورقة حاله وخصاصته، وإذا ذكرت أنه ربما لزم كسر بيته أيامًا لا يخرج فيها ولا يتصرف، وحوله صبية غرثى قد أخذتهم لوعةُ الجوع، يشربون على ريقة النفس وما ثملوا شرابهم بشىء، وهو يخشى أن يبرح بيته مخافة أن يفجأه ما لا يطيق احتماله، والناس لا يرحمون ضعفه ولا يرفقون به، ولا يكفون عن التضاحك منه والعبث به.. فمن هازل يتداعب به وتعيبه بمشيته، ومن لئيم يزعم أنه عنين ويرميه بأنه مخنث، ومن حاسد يعيب شعره ليهيجه وهو ينفسه عليه، وأنه ربما رق له جيرانه وحنوا عليه فبعثوا له بشبعة من طعام وشربة من ماء، وأنه كان يمدح أهل الثراء فلا يفيد سوى الرد، ويستصرخ ذوى الغنى واليسار فلا يغنون عنه قلامة ظفر — إذا ذكرت ذلك لم تستغرب قولنا فى مفتتح هذا الكلام إننا لا نعرف رجلًا أصابه ما أصاب ابن الرومى، ولا عظيمًا تهاون به الناس حيّا وميتًا إلا هو، على أنه لو لم يكن عظيمًا وكان من أجلاف عصره وهمجهم، لعجبنا كيف يجوع ويظمأ، ولاستغربنا كيف يخلو عصره من أهل المروءة والأريحية، فكيف وهو أشعر أهل زمانه والموفى على أقرانه؟
روى أبو إسحق الحصرى فى زهر الآداب قال: «قال على بن إبراهيم كاتب مسروق البلخى، كنت جالسًا بدارى فإذا حجارة سقطت بالقرب منى، فبادرت هاربًا وأمرت الغلام بالصعود إلى السطح والنظر إلى كل ناحية من أين تأتينا الحجارة، فقال امرأة من دار ابن الرومى الشاعر قد تشوفت وقالت اتقوا الله فينا واسقونا جرة من ماء وإلا هلكنا فقد مات من عندنا عطشًا. فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة، أن تصعد إليها وتخاطبها، ففعلت وبادرت بالجرة وأتبعتها شيئًا من المأكول ثم عادت إلىّ فقالت: ذكرت المرأة (التى فى دار ابن الرومى) أن البيت مقفل عليها من ثلاثٍ بسبب طيرة ابن الرومى فتعجبت من حديثها».
على أن شعره حافل بالشكوى مما لقيه فى حياته من أذى الناس وصرف الأيام وعنت الليالى وإنكار حقه وفضله على الشعر، ولو نحن أردنا استقصاء ذلك لاحتجنا إلى أن ننقل أكثر ديوانه.
ولو وقف الأمر عند حد الفقر والخصاصة لقلنا فقير معدم أمثاله فى الأرض كثير لا يحيط بهم حساب، وما زالت تلك حال الأديب: يُقبل على الأدب فتعرض عنه الدنيا ويدبر عنه المال والنشب، إلا فى حيثما يفهم الناس وظيفة الأدب فهمها، ويكون نظام المجتمع بحيت يوفر لكل ذى كفاية أسباب الظهور والانتفاع بآلته. ولكن الأمر لسوء طالع ابن الرومى قد جاوز الإملاق والفاقة إلى ما هو شر من ذلك وأصعب.
قالوا: كان ابن الرومى مفرط الطيرة شديد الغلو فيها. وكان من عادته أن يلبس ثيابه كل يوم ويتعوذ. ثم يصير إلى الباب، والمفتاحُ معه،فيضع عينه على ثقب فى خشب الباب، فتقع عينه على جار له كان نازلًا بإزائه، وكان (أى جاره) أحدب يقعد كل يوم على بابه، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه وقال: لايفتح أحد الباب.
وفى هذا الأحدب يقول:
قصرت أخادعه وطال قذالهفكأنه متربصٌ أن يُصفعاوكأنما صفعت قفاه مرةوأحس ثانية لها فتجمعا وقال على بن عبد الله بن المسيب: كان ابن الرومى يحتج للطيرة ويقول إن النبى ? كان يحب الفأل وتكره الطيرة. أفتراه كان يتفاءل بالشىء ولا يتطير من ضده؟ ويقول إن النبى مرِّ برجل وهو يرحل ناقة ويقول: يا ملعونة! فقال: لا يصحبنا ملعون! وإن عليّا رضى الله عنه كان لا يغزو غزاة والقمر فى العقرب. ويزعم أن الطيرة موجودة فى الطباع قائمة فيها، وأن بعض الناس هى فى طباعهم أظهر منها فى بعض، وأن الأكثر فى الناس إذا لقى ما يكرهه قال: على وجه من أصبحت اليوم؟! «فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين (ومائتين) وقد أُهدى إلىّ عدة من جوارى القيان، وكانت فيهن صبية حولاء وعجوزٌ فى إحدى عينيها نكتة. فتطير من ذلك ولم يُظهر لى أمره. وأقام باقى يومه. فلما كان بعد مدة يسيرة سقطت ابنة لى من بعض السطوح فماتت، وجفاه القاسم بن عبيد الله (وزير المعتضد) فجعل سبب ذلك المغنيتين».
وكان أبو الحسن على بن سليمان الأخفش، غلام أبى العباس المبرد، فى عصر ابن الرومى شابّا مترفًا، ومليحًا مستظرفًا، وكان يعبث به فيأتيه بسحر فيقرع الباب، فيقال له: من؟ فيقول: قولوا لأبى الحسن «يعنى ابن الرومى» «مرة بن حنظلة»! فيتطير لقوله ويقيم الأيام لا يخرج من داره.. وذلك كان سبب هجائه إياه.
ولابن الرومى فى الأخفش أفحاشٌ كثيرة مثبتة فى ديوانه. وكان أصحابه، غير الأخفش، يعبثون به أيضًا فيرسلون إليه من يتطير من اسمه فلا يخرج من بيته أصلًا ويمتنع من التصرف سائر يومه — وأرسل إليه بعض أصحابه يومًا بغلام حسن الصورة، اسمه حسن، فطرق الباب عليه فقال: من؟ قال حسن! فتفاءل به وخرج، وإذا على باب داره حانوت خياط قد صلب عليها ورقتين كهيئة اللام ألف، ورأى تحتها نوى تمر، فتطير وقالى: هذا بشير بألّا تمر.. ورجع ولم يذهب معه.
وروى بعضهم قال: بعثت بخادم لى يعرفه وأمرته يجلس بإزائه، وكانت العين تميل إليه، وتقدمت إلى بعض أعوانى أن يدعو الجار الأحدب، فما حضر عندى أرسلت وراء غلامى لينهض إلى ابن الرومى ويستدعيه للحضور، فإنى لجالس ومعى الأحدب، إذ وافى أبو حذيفة الطرسوسى ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتضد، ودخل ابن الرومى، فلما تخطى باب الصحن عثر فانقطع شسعُ نعله، فدخل مذعورًا — وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرًا يدل على تغير حال — فدخل وهو لا يرى جاره المتطير منه، فقلت له: يا أبا الحسن! أيكون شىء فى خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم ونظرك إلى وجهه الجميل؟ فقال: قد لحقنى ما رأيت من العثرة لأنى فكرت أن به عاهة، وهى قطع أنثييه. قال برذعة: وشيخنا يتطير؟ قلت: نعم ويفرط! قال: ومن هو؟ قلت: علىّ بن العباس. قال: الشاعر؟! قلت: نعم. فأقبل عليه وأنشده أبياتًا منها:
ومن صحب الدنيا على جور حكمهافأيامه محفوفة بالمصائبفخذ خلسة من كل يوم تعيشهوكن حذرًا من كامنات العواقبودع عنك ذكر الفأل والزجر واطَّرحتطير جار او تفاؤل صاحب ثم قال أبو حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومى لا يتطير من هذا ولا من غيره، وأومأ إلى جاره!
(وبعد) فإن ما أوردناه من أخبار ابن الرومى على قلتها، وما سقناه من شعره على نزارته، خليق أن يرى القارئ أنه هنا بإزاء رجل غريب ليس كالناس، وإلا فلو أن ابن الرومى كان غير شاذ، وكانت حاله مألوفة، وأمره غير خارج عما عهد أهل عصره، لما أنكروا من أموره شيئًا، ولما وجدوا من أحواله داعيًا إلى العجب، ولا باعثًا على التضاحك واللعب.. وإذا كان هذا هكذا فنحن خلقاء أن نتلمس أسباب هذا الشذوذ لعلنا نهتدى إلى بعض السر إذا لم نُوفق إليه كله.. نقول بعض السر لأن النفس الإنسانية أعمق من أن يسبر غورَها نظر الناظر، وأغمض من أن يحسر عنها ظلالَ الإبهام فكرُ مفكر.. تلك دعوى يقصر عنها باعنا ولا يسعها طوقنا، لأن للحقائق المادية حدّا نقف عنده، وغاية ننتهى إليها، وإنما يقول أحدنا بالأغلب فى الظن إذا قال، وبالأرجح فى الرأى إذا نظر، فإذا أصاب فموفق مجدود، وإن أخطأ فمشكور ومحمود، وليس يعيب أحدًا أنه سعى فخاب، وإنما يعيبه أنه قصر وفرط، لأن دواعى الخطأ أكثر من دواعى الإصابة، إذ كانت الوسائل قليلة محدودة، والغايات لا آخر لها ولا نهاية.
على أنه مهما يكن من الأمر، فإن من الحقائق التى صححها القياس وأيدتها كل الدلائل فى هذا العصر، أن العبقرية والجنون صنوان، وأنهما جميعًا مظهران لشرٍّ واحد هو اختلال التوازن فى الجهاز العصبى. وقديمًا أدرك الناس ذلك، فقال العرب: ذكاء المرء محسوب عليه. وفطن أرسطاطاليس إلى ما ينتاب العظماء من المرض ويظهر عليهم من ايات اضطراب الذهن واعتلاله، وفرَّق أفلاطون بين نوعين من الجنون — الجنون العقيم المعتاد، والجنون الذى ينتج الشعراء ويخرج الأنبياء والعظماء، وهذا ليس فى رأيه داءً أو شرّا بل هبة من الاَلهة — وأدرك «سنيكا» و«دريدن» ما بين الذكاء والجنون من الصلات، وسمى لامارتين النبوغ «ذلك المرض العقلى الذى نسميه العبقرية». وقال بسكال: «الجنون المفرط أخو الذكاء المفرط» لأن حالات العقل متشابهة فى العبقرى والمجنون، وذلك أن ذهن العبقرى يفيض بالخواطر ويجيش بمختلف الذكر ويرى من الصلات بين الحقائق والأصوات والألوان ما يعجز الرجل العادى عنه، والمجنون فى كل ذلك قرينه وضريعه، كلاهما يرجع السبب فى أساليب تفكيره وعمله إلى فرط نشاط أو شدة اهتياج أو فتور أو نحو ذلك فى بعض نواحى الذهن، وليس الفرق فى درجة حدة الإحساس، وقد يكون السبب فى الحالين وصول مقدار جم من الدم الفاسد إلى موضع فى الذهن، وقد تكون خلايا هذا الموضع العصبية ووشائجه بطبعها مفرطة الحس. وكثيرًا ما تصير العبقرية جنونًا أو ينقلب الجنون عبقرية. وليس بنا إلى شرح ذلك للقارئ حاجة لئلا نخرج عما قصدنا إليه، وإنما نقول إن الذى غلط الناس فيما مضى من الزمن، وورطهم فيما تورطوا فيه من الجهالات، وأداهم إلى التعلق بالمحالات، هو حسبانهم أن العقل البشرى شىء غير محسوس وأنه جوهر روحانى متصل بالجسم ولكنه غير خاضع لقوانين المادة، وقد أبان العلم الحديث خطأ هذا الظن وفساد ذلك الزعم فليرجع القارئ إلى مصنفات العلماء فى هذا المعنى إذا أراد التحقيق.
وبعد، فإنه لم ينته إلينا شىء عن أبوى ابن الرومى? وذلك ما نأسف له لأن للوراثة أثرًا كبيرًا وفعلًا لا يستهان به. وما يدرينا لعل بعض الخفاء كان يبرح لو عرفنا عنهما شيئًا، ولكن أحرى بمن قصر فى حق ابن الرومى أن يقصر فى حق أبويه! ومن ذا الذى يتوقع من مؤرخى العرب أن يعنوا بغامضين خاملين وقد ناموا عن نبيه مذكور؟ غير أن مما يعزينا أن شعر ابن الرومى كاف فى الدلالة على مرضه وإثبات اعتلاله. فأول ما يلفت النظر إليه من ذلك رثاؤه لأبنائه الذين رُزئهم واحدًا بعد واحد، وكان له ثلاثة كما هو ظاهر من قصيدته التى يقول فيها:
توخى حمامُ الموت أوسطَ صبيتىفلله كيف اختار واسطة العقد؟وإنى وإن متعت بابنى بعدهلذاكره ما حنت النيب فى نجدوأولادنا مثل الجوارح أيهافقدناه، كان الفاجع البينَ الفقدلكلٍّ مكان لا يسد اختلالهمكانُ أخيه من جزوع ولا جلدهل العين بعد السمع تكفى مكانه؟أم السمع بعد العين يهدى كما تهدى؟ وهذه القصيدة صريحة فى أن أبناءه كانوا ثلاثة، وأن محمدًا ابنه هذا، كان أوسطهم وأسبقهم إلى القبر فى حداثة السن وطراءة العمر، ولسنا ندرى أى داء أصابه فمضى سابقًا أجله، إذ ليس فى القصيدة ما يشير إلى شىء من ذلك وإن كان فيها وصف ذبوله ولكنه وصف شعرى لا يصح التعويل عليه.
وفى رثاء أحد الباقيين يقول:
حماه الكرى همّ سرى فتأوبافبات يراعى النجم حتى تصوباأعينى جودَا لى فقد جدتُ للثرىبأكثر مما تمنعانى وأطيبافإن تمنعانى الدمع أرجع إلى أسىإذا فترت عنه العيون تلهبا وفى ثالت بنيه، هبة الله، يقول:
أبنىَّ إنك والعزاء معًابالأمس لُف عليكما كفنتالله لا تنفك لى شجنايمضى الزمان وأنت لى شجنما أصبحت دنياى لى وطنًابل حيث دارك عندىَ الوطنما فى النهار وقد فقدتك منأنسٍ ولا فى الليل لى سكنولقد تسلى القلب ذكرتُهأنى بأن ألقاك مرتهنأولادنا! أنتم لنا فتنوتفارقون فأنتم محن وليس يخفى أن فقدان أولاده جميعًا فى حدثانهم لا يدع مساغًا للشك فى اعتلاله واضطرابه وأنه لم يكن صحيحًا معافى فى بدنه.
ومما هو جدير بالنظر والتأمل فى شعر ابن الرومى لدلالته، فحشُ أهاجيه وإكثاره فيها من ذكر أعضاء التناسل ذكرًا لا نظنه ضربًا من التكلف لمجرد الذم والقدح ولا نحسبه شيئًا لا يستند إلى أصل. لأنه إذا كان هذا كذلك فكيف نؤول اتهام الناس له بالعنة تارة وبالتخنث تارة أخرى؟ وكيف نفسر موت أولاده على هذه الصورة؟ أليس البرهان من ذلك كله لائحا معرضا لكل من أراد العلم به، وطلب الوصول إليه، والحجة فيه وبه ظاهرة لمن أرادها، والعلم بها ممكنًا لمن التمسه؟ وانظر أىّ باطلِ نتكلف إذا نحن زهدنا فى هذه الدلائل على وضوحها وجلائها؟ وأىَ جهل يركبنا إذا اثرنا الجهل على العلم، وعدم الاستبانة على وجودها. وتعجبنى كلمة للعقاد فى شعور ابن الرومى بالعلاقة بين تبرج الأزهار وتبرج النساء، وإحساسه بالصلة بين محاسن الطبيعة ومحاسن المرأة، قال: «وربما كان علة هذا الشعور الغامض اضطرابا فى جهاز التناسل أهاج جميع أجزائه فهز خيوطها ونبه وشائجها القديمة المختلفة، ومنها الإحساس بذلك التبرج كما هو فى قلب الطبيعة». وهذا صحيح لأنه لا بد لذلك من سبب يحور إليه. ولو وقف الأمر عند بيت لقلنا معنى عنَّ له، ولكنه لا يزال يكرره فى حيثما سنحت له الفرصة فكأنه يريد أن يلفتنا إليه.
تأمل قوله:
ورياض تخايلُ الأرض فيهاخيلاء الفتاة فى الأبراد وقولًه فى موضع اخر يصف الرياض:
تبرجت بعد حياء وخفرتبرج الأنثى تصدّت للذكر وقوله من قصيدة فى وصف العنب:
لو أنه يبقى على الدهورقرّط آذان الحسان الحور وقوله:
لمن تستجد الأرض بعدك زينةًفتصبح فى أثوابها تتبرج؟ وقوله:
(وظلت عيون النور تخضل بالندىكما اغروقت عين الشجىّ لتدمعا)(يراعينها صورًا إليها روانياويلحظن ألحاظًا من الشجو خشعًا)وبين إغضاء الفراق عليهماكأنهما خلّا صفاء تودعا هذا، وليس أقطع فى الدلالة على ضيق خلق ابن الرومى ونزق طبعه وقصر أناته، من أهاجيه هذه. والظاهر منها أنه كان يندفع فى الشتم والذم وبسط اللسان فى الناس لأهون سبب، ومن أجل أشياء لا تهيج الرجل السليم الرشيد، كأن يعيبه واحد بمشيته أو ينعى عليه صلعه، فيفور فائره ويمتلئ غيظًا على عائبه ويتناوله بكل قبيح ويلصق به كل سوءة شنعاء ومعرة دهماء. وفى ضيق الخلق وتوعره برهان على الاضطراب واختلال توازن الأعصاب.
ولا ريب فى أن الناس كانوا يتحككون به ويهيجونه لما يعلمون من ضيق حظيرته وسرعة غضبه، لأن الناس فى العادة لا يستثيرون بالدعابة إلا الطيّاش، لعلمهم أن الحليم الراسخ الوطأة لا تقلقه المجانةُ والمفاكهة. أو لست ترى الأطفال والصبيان فى الطرقات، هل يستفزون إلا المرهّق ومن يعلمون عنه الخفة والحدة وسرعة البادرة؟ ولقد كان أهلُ زمانه يعيبون شعره على إقرارهم بمزيته وحسنه، وإنشادهم له فى المجالس، وإملائه على طلاب الأدب فى حلقات الدروس، فهل تحسب أنهم كانوا يفعلون ذلك إلا ليستثيروه ويضحكوا منه؟ ولقد روينا لك فيما أوردناه من أخبار ابن الرومى أن بعضهم قال: «كان ابن الرومى إذا فاجأه الناظر رأى منظرًا يدل على تغير الحال».. فهل بعد هذا شك فى مرض ابن الرومى واختلال أعصابه؟
? رثى ابن الرومى أمه بقصيدة ميمية يقول فيها:ولست أرانى مذهلى عنك مذهليد الدهر إلا أخذة الموت بالكظمرجعنا وأفردناك غير فريدةمن البر والمعروف والخير والكرمفلا تعدمى أنس المحل فطالماعكفت فآنست المحاريب فى الظلمفوصفها كما ترى بالتقوى والصلاح ولا يبعد أنه جرى فى ذلك على عادة الشعراء، كما لا يبعد أن يكون صادقًا فيما عزاه إليها من شدة التقوى وفرط الصلاح. فإن صح الثانى كان ذلك شاهدًا على اعتلالها لأن الغلو فى أى شىء دليل على اضطراب الذهن واختلال التوازن فيه.
الفصل الخامس والعشرون
ديوان ابن الرومى


(?) كلمة عامة تمهيدية

هذا الكتاب أصغر من عنوانه. اسمه «ديوان ابن الرومى»، وحقيقته أنه مختارات من شعره انتخبها شاب فاضل من أنصار المذهب الجديد فى الأدب، هو كامل أفندى كيلانى، وأهداها إلى روح والدته التى «فقد بفقدها أكبر مصدر من مصادر الحنان والعطف»، وجعلها ثلاثة أجزاء فى مجلد واحد، جملة صفحاته خمسمائة، فيها قريب من سبعة آلاف بيت. وصدَّرها بمقدمة رائعة وضعها صديقنا الأستاذ العقاد فى «عبقرية ابن الرومى» لم يدع فيها شاردةً ولا واردة، ولا ترك شيئًا لسواه يقوله، حتى صار قصارى غيره إذا كتب أن يترسمه ويفصل ما أجمل.
وهذه المختارات، فى ذاتها، خير ما كان ينتظر. وإن كانت على هذا مجموعة حيثما اتفق، ومسرودة على غير نسق مفهوم ونظام معلوم، ولم تكن وراءها فكرة ظاهرة أوغرض يطالعك، سوى حشد طائفة من الشعر! ولقد والله آلمنا، ونحن نتصفح الكتاب ونعبر ما فيه من المختارات، أن نرى ابن الرومى مقطَّع الأوصال مبعثر الأشلاء على هذه الصورة! ولعلنا مخطئون أو مبالغون فى إساءة الظن بالمختارات على العموم، وفى عدم الركون إليها والاعتماد عليها. ولكن ابن الرومى ليس كغيره من شعراء العرب، وما فى الوسع أن تقتطع له أبياتًا من هنا، وأخرى من ههنا، ثم تقول هذا هو ابن الرومى. كما لا يسعك أن تختار نخبًا من رواية لشكسبير مثلًا، وأن تزعمها بعد ذلك هملت أو الملك لير أو مكبثَ أو غير ذلك.. إنما كان هذا هكذا لأن ابن الرومى أقربُ إلى شعراء الغرب وبهم أشبه، ولأن البيت فى قصائده يندر أن يكون وحدةً قائمة بنفسها، مستقلة عما قبلها وبعدها إلا من حيت معانى النحو، كما هو فى قصائد العرب. وكثيرًا ما يشذ ويخالف أوضاع العرب فى اعتبار البيت كلامًا تامّا فى ذاته غير متعلق بما يليه على مقتضى أحكام اللغة.
ولسنا نطمع أن نضيف شيئًا إلى ما قاله صديقنا الأستاذ العقاد فى مقدمته الجامعة، فأنا من ذلك على يأس كبير، وإنه ليكون حسبنا أن نستطيع أن نصف هذا الشاعر، لا أن نحلله، لمن لا يعرفون عنه إلا اسمه، وإلا بضعة أبيات سارت على الرغم من خمول قائلها، وأن نحبب إليهم، ونغريهم بقراءته والإقبال على مطالعته. وابن الرومى، بعد، أحب شعراء العرب إلينا وأعزُّهم علينا، فليس أعذب ولا أشهى لدينا من أن نقضى ساعة معه ولو كل أسبوع.
وكأنّا بابن الرومى قد بدأ النحس يزايله! ففى بضعة أعوام طبع جزء من ديوانه وجمعت له مختارات يستحق جامعها وناشرها أطيب الثناء. وما بالقليل أن يفوز بذلك من خمل فى حياته خمولًا منقطع النظير فى تاريخ الآداب، مع وضوح حقه والإقرار له بالتفرد حتى فى زمانه، ومن خفى شأنه أكثر من عشرة قرون طويلات المدد! وناهيك برجل كان يسح بالشعر سحّا، ويملأ الدنيا بالرائع منه المتداول الذى ينشد فى مجالس الخلفاء والأمراء والوزراء، ويروى فى حلقات العلماء والأدباء، وهو مع ذلك يجوع ويظمأ ويعرى، ولا يجد من يسد خلته، ويستر فاقته، ثم يموت فيطوى معه ذكره وشعره، ويظل مغمورًا كل هذه القرون لا يعرف عنه حتى الخاصة أكثر مما ورد فى تراجم العرب، غفر الله لهم، من أن اسمه على بن العباس بن جريج أو جورجيوس — فإن فى اسم جده شكا واختلافًا!! — وأن ولادته كانت ببغداد يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين فى موضع يعرف، أو كان يعرف، بالعقيقة ودرب الختلية فى دار بإزاء قصر لمولاء عيسى بن جعفر بن المنصور من نسل العباس بن عبد المطلب! ثم كأنه لم يكن!!
أما كيف كان يعيش أو ماذا كان يصنع غير الشعر الذى يقولون «إنه كان أقل أدواته» فلا يدرى أحد! فليس أمامنا ما نعول عليه سوى شعره. ويؤخذ منه أنه كانت له ضيعة! نعم ضيعة مغلة أشار إليها فى قوله يعتذر لبعضهم من التخلف والانقطاع عنه:
وبعدُ فإن عذرى فى قصورىعن الباب المحجّب ذى البهاءحدوثُ حوادث منها حريقتحيّف ما جمعت من الثراءفلم أسأل له خلفًا ولكندعوت الله مجتهد الدعاء:ليجعله فداءَك إن رآهفداءك، أيها الغالى الفداءوأما قبل ذاك فلم يكن لىقرارُ فى صباح أو مساءأعانى «ضيعة» ما زلت منهابحمد الله فدمًا فى عناء غير أن الله لم يبارك له فيها ولا فى غلتها! كما هو ظاهر من الأبيات التى أوردناها. وكان إذا أخطأه الحريق الذى يتحيف ماله، لا يخطئه الجراد يأتى على زرعه كما يقول:
لى زرع أتى عليه الجرادعادنى مذ رُزيته العوادُكنت أرجو حصاده فأتاهقبل أن يبلغ الحصادَ الحصاد وكانت له دار غير التى مات فيها فغصبتها منه امرأة!! فكاد يجن! واستصرخ الوزير عبد الله بن سليمان بقصيدة يقول فيها:
أحين أسرت الدهر بعد عتوهوفللت منه كل ناب ومخلبفأصبحت مكفيّا همومى مزايلاغمومى، مُوَقّى كل سوء ومعطبتهضّمنى أنثى؟ وتغصب جهرةعقارى؟ وفى هاتيك أعجب معجبلقد أذكرتنى لامرئ القيس قوله«فإنك لم يغلبك مثل مغلّب»!أجرنى! وزيرَ الدين والملك إننىإليك بحقى هارب كل مهربتوثب شخص واهن الركن والقوىعلى إيد الأركان لم يتوثبهو النكر من وجهين غصب وبدعةوفى النكر من وجهين موضع معتبفلا تسلمنى للأعادى وقولهم:ألا من رأى صقرًا فريسة أرنب!أريد ارتجاع الدار لى كيف خيلتبحكمٍ مُمرّ أو بلطف مسبب يعنى بحكم قضائى نافذ أو بحيلة لطيفة. فيا له من مسكين!
ولم يكن مولاه هذا العيسى بن جعفر يوليه شيئًا من جاهه أو ماله فكثر عتاب ابن الرومى له، ومما قاله:
مالى أسل من القراب وأغمد؟لم لا أجرد والسيوف تجرد؟لم لا أجرد فى الضرائب مرةيا للرجال وإننى لمهند؟بل قد حكى التجريبُ أنى صارمذكر فلم أُلقى ولا أتقلد؟لم لا أُحلى حلية أنا أهلهافيزان بى بطل ويكفى مشهد؟أنا من علمت مكانة وابن الذىما زال فيكم يستعان فيحمدلا تبتروا عندى وعند أبى يدًابيضاء ماجحدت وليست تجحدأولوا وليَّكم حديثًا مثلهيصل القديم وتستتم به اليديثمرلكم حمدين: حمدًا منكملهما وحمدًا منهما لا ينفدأرعوا زروعكم عيونَ تعهدمنكم، فمثل زروعكم تستعهدأنا من عرفت وفاءه وصفاءهوولاءه إياك إذ هو أمردإلا أكنْ فى كل ذلك أوحدًافردًا، فإنى فى المودة أوحدهبنى امرأً ليست له بك حرمةترعى، أما لى زلة تستغمد؟ فلم يجده العتاب والتألف، وقضى أكثر عمره فى ضيق ليس أبلغ فى الدلالة على أثره فى نفسه وفى جسمه من قوله:
أيا حسرتا إن أفسد الضيق صحتىفضاعف حاجاتى وأوهى قوى نهضى! وكان يبلغ من فاقته ورقة حاله وهوان أمره، أن كان يدفع عن الأبواب بفظاظة، وإلى هذا يشير بقوله:
وكم حاجب غضبان كاسر حاجبمحا الله ما فيه من الكسر بالكسرعبوس إذا حييته بتحيةفيالك من كبر ومن منطق نزر!يظل كأن الله يرفع قدرهبما حط من قدرى وصغر من أمرىإذ مارآنى عاد أعمى بلا عمىوصم سميعًا ما بأذنيه من وقرأزف إليك البكرَ ما زُفّ مثلهافيدفع منها فى الترائب والنحرومن شيم الحجاب أن قلوبهمقلوب على الآداب أقسى من الصخر بل كان من الفقر بحيث كان يستجدى من إخوانه الكساء فلا يصيب منه قصاصة، وله فى ذلك شعر كثير ومنه قوله:
جعلت فداك لم أسألكذاك الثوب للكفن!سألتكه لألبسهوروحى بعد فى البدن وربما فاز، ولكن بما لا يعد ثوبًا إلا على المجاز! كما يقول فى ثوب عتيق جاء مرة:
قد طوى قرنًا فقرنًاوأناسًا فأناسالبس الأيام حتىلم يدع فيها لباساغاب تحت الحس حتىما يُرى إلا قياسا! وكان يمدح أهل الثراء فلا يصيب إلا الرد ويستصرخ القادرين فلا يغنون عنه، بل لا يقرءون كلامه أحيانًا كما يدل على ذلك قوله لصاعد ابن مخلد:
يا سيدًا لم يلتبس عرضهبذم رائيه ولا خابرهظاهره أحسن من غيبهوغيبه أحسن من ظاهرهومن إذا الرأى خبا نورهفإنما يقدح من خاطرهفلا ترى أثقب من ذهنهفيه ولا أيمن من طائرهأول ما أسأل من حاجةأن تقرأ الشعر إلى آخرهقراءةً تصدر عن نيةتفهم قلب المرء عن ناظره ولم يكن أهله على ما يظهر أرفق به ولا أحسن رعاية له كما هو واضح من قوله:
لىَ ابن عم يجر الشر مجتهدًاعلىّ قدمًا ولا يصلى له نارًايجنى فأصلى بما يجنى، فيخذلنىوكلما كان زندًا كنت مسعارًا وقوله من قصيدة أخرى وهو أوضح وأعم:
وإنى لبر بالأقارب واصلُعلى حسد فى جلهم وعلى بغض ولو اقتصر الأمر على ذلك لهان بعض الشىء ولكن شيخنا كان أيضًا يتطير. وكان طياشًا وبه حماقة. أو إن شئت فقل إنه كان لطيف الشعور دقيق الحس عارفا قدر نفسه وأقدار غيره من معاصريه، فأورده ذلك موارد مرة، وكان ربما لزم بيته أيامًا لا يخرج ولا يتصرف، وحوله صبية ونساء جياع ظماء، مخافة أن يبرح الدار فيباغته ما لا قبل له باحتماله مما يتطير منه، وقد كان يتطير من كل شىء! والناس لا يدركهم عليه عطف، ولا تأخذهم بضعفه رحمة، ولا يصدهم إنصاف أو تقدير عن معابثته بما يكره وما يثقل وقعه عليه. فواحد يعيبه بمشيته ويزعمها مثل مشية المخنثين، كما فعل أخو «نضير» وكان ابن الرومى يريد أن يتزوج ابنته. وآخر يقدح فى شعره وهو يستجيده ليهيجه ويدفعه إلى الهجاء، وكان ذلك دأب الأخفش ووكده، وثالت يعيره ببغضه للقلانس والبرانس وإيثاره العمامة على خلاف أهل عصره. ورابع يستفزه بالإيماء إلى صلعته والتضاحك منها. وهو أحس بذلك كله من أن يستطيع الاحتمال والسكوت، حتى لقد كان فى شغل مضن من الرد على عائبيه ممن لا يخفى عليهم مكانه، ولا يقصدون إلا على استثارته ليركبوه بالمزاح.
وهكذا عاش ابن الرومى. فقر وغمط وحرب طاحنة الأرجاء بينه وبين مناجزيه به من الجادين والهازلين، ولم يكن ينقصه إلا أن يدس عليه الوزير أبو القاسم من يطعمه فطيرًا مسمومًا لتتم رواية الشؤم التى لا تزال لها ذيول على ما يظهر! فقد كتبت عنه منذ عشر سنين بضع مقالات فلم أكد أفرغ من الأولى أو الثانية حتى كسر رجلى ما لا يكسر! وشرح الشيخ شريف الجزء الأول من ديوانه فأحيل إلى المعاش! وطبع صاحب المكتبة التجارية هذه المختارات من شعره فهيضت ساقه! فعسانا حين نعود للكلام عليه لا تكون قد دقت عنقنا!
(?) أصله

لم يكن ابن الرومى عربيّا ولا شبيهّا بالعرب وإن كانت العربية لغته التى لم يكن يعرف — أو التى لا نعلم أنه كان يعرف — سواها، ولقد ولد وشب وترعرع بين العباسيين ولابسهم وصار منهم «بقضاء من ختمت رسل الإله به» كما يقول، ولكنه لم يصر بذلك كالعرب، لا فى طبيعته ولا فى فنه ولا فى أساليب تفكيره، بل حتى ولا فى عاداته وأخلاقه. وقد ذهب بعض كتاب العرب إلى أنه سمى ابن الرومى لأنه كان جميلًا فى صباه، وأوردوا ذلك على أنه احتمال معقول وتعليل مقبول. وليس الأمر كذلك ولا هو يمكن أن يكون كما زعموا، وأحسب من يقول بذلك إنما يدل على أنه لم يقرأ شعر ابن الرومى بغير عينيه.. فإن الرجل لم يدع مجالًا للشك فى أنه رومى على الحقيقة لا على المجاز. ومن غريب ما يلاحظ المطلع على ديوان هذا الشعر، أنه ينمى نفسه إلى الروم، ويذكر فى أكثر من موضع واحد أنهم أصله، وإن كان جده لأمه فارسيا كما أن جده لأبيه رومى، وشاهدنا على ذلك قوله فى نونيته الشهيرة التى مطلعها:
أجنينك الوجد أغصان وكثبانفيهن نوعان: تفاح ورمانإن الرحيل إلى من أنت آملهأمنُ، لمزمعه بالنجح إيقانفادع القوافى ونص اليعملات لهتجبك كل شرود وهى مذعانإن لم أزر ملكا أشجى الخطوب بهفلم يلدنى أبو الأملاك (يونان)بل إن تعدت فلم أحسن سياستهافلم يلدنى أبو السواس (ساسان) ولكنه يدع الفرس قوم أمه ولا ينتسب إلا للروم أهل أبيه، حتى حين يفخر بمواليه من بنى العباس ويعتدهم أهله، مع أنه لم يكن يخفى عليه مقدار تغلغل الفرس فى الدولة العباسية وتغلب المدنية الفارسية عليها:
قومى بنو العباس، حلمهمحلمى كذلك، وجهلهم جهلىنبلى نبالهم، إذا نزلتبى شدة، ونبالهم نبلىلا أبتغى أبدًا بهم بدلالف الإله بشملهم شملى!ومتى وردت حياضهم معهملم بشربوا صفواتها قبلىقوم، غدا برى وتكرمتىمن شغلهم، ومديحهم شغلىالمنعمون علىَّ أنعمهموالحامدون لكل ما أبلىأنا منهم، بقضاء من ختمترسل الإله به، وهم أهلىمولاهم وغذىّ نعمتهموالروم حين تنصنى، أصلى ويكرر ذلك حين يمدح الأخفش المعاصر له ويفضله على الأخفش القديم، ويذكر أنه غريب بين الاثنين وأنه لذلك بعيد عن المحاباة، وفى هذا يقول:
ذُكر الأخفش القديم فقلناإن للأخفش الحديت لفضلاوإذا ما حكمت — والروم قومى —فى كلام معرب كنت عدلاأنا بين الخصوم فيه غريبلا أرى الزور للمحاباة أهلا ويعاتب محمد بن عبد الله فيقول فى آخر القصيدة:
إذا الشاعر الرومى أطرى أميرهفناهيك من مطرىّ وناهيك من مطر لا كأبى نواس الذى كان يخلط فى دعوته وينتسب مرة إلى النزارية، وينتمى مرة أخرى إلى اليمانية، وكان قبل ذلك يتعاجم فى شعره، وإنه ليعلم أن الفرس قد مضوا بأصله وأنهم أحق به إذا أراد أن يدعى لأحد. ويظهر أنه كان شديد الإحساس بروميته والشعور بغربته. والاثنان متلازمان. فتراه يزهو تارة ويباهى بأن اليوم أصله، كما هو ظاهر مما مر بك من كلامه. ويألم تارة أخرى أنه غريب بين العرب، وفى ظلهم، وأنه فقد بذلك وطنه. كما تتبين ذلك من قوله لبعضهم وكان قد بلغه أنه يحسده ويعيب شعره، ولعله الوحيد الذى فرق بين الجنسية الدينية والجنسية القومية وأحس الألم لفقدانه «الوطن»:
أيها الحاسدى صحبتى العسروذمى الزمان والأخواناحسدًا هاجه على ثلب شعرىولقائى معبسًا غضباناوانتقاصى مع «العدو» وقد كان يرى لى نقائصى رجحاناليت شعرى ماذا حسدت عليهأيها الظالمى إخائى عيانا؟أعلى أننى ظمئت، وأضحىكل من كان صاديًا ريانا؟أم على أننى ثكلت شقيقىوعدمت الثراء والأوطانا؟ ولسنا نظن أحدًا سيقول إنه ما جاء بالأوطان إلا من أجل القافية! فليس ابن الرومى من تعييه القافية أو تضطره إلى غير ما يريد أن يقول.
وإنك لتقرأ شعره فيخيل إليك أنه يتناول الألفاظ ويقسرها قسرًا على أداء المعانى التى يقصد إلى تبيينها والعبارة عنها.
ومن أجل ذلك لم يكن يفخر بقومه كما فعل مهيار الديلمى — وهو فارسى الأصل — حين قال يعنى الفرس:
قومى استولوا على الدهر فتىومشوا فوق رؤوس الحقب بل كان يقول حتى حين يمدح نفسه ويشيد بكرم أخلاقه:
أغضى الجفون عن السوءى مراقبةلما يكون من الحسنى وما كاناأجزى الأخلاء صفحًا عن إساءتهم— إذا أساءوا — وبالإحسان إحساناأذكر النفس مثنى من محاسنهمإذا ذكرت ذنوب القوم أحداناوليس ذاك لآبائى ومجدهملكن لأنى اتخذت العدل ميزانا والبيت الأخير هو الشاهد. وهو لفرط إحساسه بغربته دائم الالتفات إلى هذا المعنى. يمدح يحيى بن على المنجم فيقول فيه:
رب أكرومة له لم تخلهاقبله فى الطباع والتركيبغرّبته الخلائق الزهر فى الناس وما أوحشته بالتغريب فكأنه يعنى نفسه بهذا البيت ويحتاط فى التعبير من أجلها ويصف حاله هو لا ممدوحه.
ويهجو إسماعيل بن بلبل فلا يرى إلا أن يشتهر بانتسابه إلى شيبان زورًا ويقول:
تشيبن حين همَّ بأن يشيبالقد غلط الفتى غلطًا عجيبا ويقول فى قصيدة أخرى مشنعًا:
عجبت من معشر بعقوتناباتوا نبيطًا وأصبحوا عربامثل أبى الصقر إن فيه وفىدعواه شيبان آيةً عجبابيناه علجا على جبلتهإذ مسه الكيمياء فانقلباعربه جده السعيد كماحول زرنيخ جده ذهباوهكذا هذه الجدود لهاإكسير صدق يعرب النسبا •••

وبعد، فلأى غاية نأتى بهذه الشواهد ونستكثر منها؟ أكل ذلك لنقول إنه كان روميّا ولم يكن عربيّا؟ أو لم يكن يكفى أن نذكر اسمه، وأن نقول إنه كان مثله أجنبيا من الأمة التى شب وشاب بينها، ونطق بلسانها وحذق علومها، وتوفر على آدابها، واستظل بمدنيتها؟ وما قيمة ذلك؟ ألم يكن كغيره من الغرباء من مثل بشار بن برد ومروان بن أبى حفصة وأبى نواس ومهيار وابن المقفع وابن العميد والخوارزمى وبديع الزمان وأبى إسحاق الصابئ وأبى الفرج الأصبهانى وغيرهم ممن لا يكاد يأخذهم حصر؟ نقول نعم، كان كهؤلاء من غير الأمة التى نبت فيها، ولكنه يختلف عنهم — أو عن كثير منهم — ويباينهم بأنه احتفظ بطبيعة الجنس الذى انحدر منه، حتى صارت روميته هذه التى يتشبث بها ويعلنها، ولا يكتمها ولا يقشبها بالفارسية — مفتاح شعره ونفسه، وحتى لا سبيل إلى فهمه وتقديره بغير الالتفات إليها والتنبه لها. وإنه ليصلح أن يتخذه المرء شاهدًا على قوة الوراثة وفعلها، على الرغم من كل تأثير مناهض لها مضعف لفعلها. «فالرومية» كما يقول صديقنا الأستاذ العقاد بحق: «هى أصل هذا الفن الذى اختلف به ابن الرومى عن عامة الشعراء فى هذه اللغة، وهى السمة التى أفردته بينهم إفراد الطائر الصادح فى غير سربه وربما بذَّهم فى أشياء، وقصر عنهم فى أشياء غيرها، ولكنه لا يشبهم ولا يشبهونه فى تفوقه وتقصيره على السواء، فلهذا انقطع ما بينه وبينهم من نسب الأدب وجرثومة الفن، لا لأنه أفضل منهم جميعًا ولا لأنهم جميعًا أفضل منه».
وسنحاول فى المقال الآتى أن ندير هذا «المفتاح» فى القفل، وإنها لفرصة نغتنمها لنستأنف ما حاولناه منذ عشر سنين من تعريف الناس بهذا الشاعر الفذ، فلعلنا نوفق فإن المهمة شاقة، وحبل الكلام طويل، وشعبه كثيرة.
(?) شخصيته

(أ)


عاش ابن الرومى، ما عاش، ساخطًا على الحياة ناقمًا على العصر وأبنائه، مضطغنًا على الزمن وصروفه، طافح النفس بالمرارة والألم إلى حد لم يعرفه أحد من الشعراء المعاصرين. وشعره الذى قيد فيه كل حالة من حالات نفسه، وأودعه ما استطاع من التفاتات ذهنه، حافل بالشواهد على ذلك. وعذره من هذا التمرد عذْر كل حساس مصقول النفس مثقف العقل، تصطدم عنده الآراءُ والعقائد بمظاهر الحياة وواقع الحال. وليس أقسى من أثر ذلك فى النفس ولا أوجع. ولسنا نحتاج أن نرجع إلى عصره بصفة خاصة. فإن الحياة كانت قديمًا وما زالت إلى الساعة، وستظل إلى آخر الزمن، إن كان له اخر، صراعًا دائمًا وجهادًا متواصلًا. وما نظن الحياة الإنسانية خلت قط من بواعث السخط ودواعى التذمر. وما كان المرء ليهتدى إلى الشعور بنفسه ولينطق بقوله «أنا» لولا ذلك، ولولا إحساسه إلى جانب هذا — أو قبله — بحدود قدرته، وباحتكاكه بما يجاوز هذه الدائرة، ويحدد هذا المجال، وقد يعين الجهل أو البلادة أو كلاهما على الرضا وإشعار النفس الراحة الحيوانية، فلا يرى المرء فيما يحيط به ويضيق عليه، إلا عدلًا مقنعًا وضرورة لا مهرب منها، ولا خير فى التبرم بها. وليس كذلك المثقف الذكى المشاعر الذى كأنما يحس الحياة بأعصابه العارية. مثل هذا لا يسع طوقه أن يغمض عينيه وينيم أعصابه حتى لا يرى ولا يحس ما فى الدنيا من الظلم والغبن والخلط والفساد والتناقض. ومهما كانت وجوهُ الاختلاف ومواضع التباين بين عصرنا هذا، مثلًا، وعصر ابن الرومى، فإن مساوئ الحياة ومتاعبها واحدة. وما كان سخط ابن الرومى على مظهر عارض أو عيب طارئ، فنحتاج إلى أن نصف هنا ما كان عليه زمانه، ولكنه كان على ما يخلو منه عصر ولا يبرأ من مثله زمن.
ومن الذى يقرأ قوله مثلًا:
أترانى دون الألى بلغوا الآمال من شرطة ومن كتاب؟وتجارٍ مثل البهائم فازوابالمنى فى النفوس والأحبابأصبحوا يلعبون فى ظل دهرظاهِر السخف مثلهم لعّابغير مغنين بالسيوف ولا الأقلام فى موطن غناءَ ذبابويظلون فى المناعم واللذاتبين الكواعب الأترابلهم المسمعات ما يطرب السامع والطائفات بالاأكوابَنعَمُ ألبستهم نِعَمُ اللهظلالَ الغصون منها الرطابحين لا يشكرونها وهى تنمىلا ولا يكفرونها بارتقابكم لديهم للهوهم من كعابوعجوز شبيهة بالكعابخندريس إذا تراخت مداهاليست جدّة على الأحقاببنت كرم تديرها ذاتُ كرمموقد النحر متمر الأعنابلذة الطعم فى يدى لذة الملثمتدعو الهوى دعاءَ مجابيونق العين حسن ما فى أكفثم تسقى، وحسن ما فى رقابومزاج الشراب إن حاولا المزج رضابٌ يا طيب ذاك الرضابمن جوار كأنهن جواريتسلسلن من مياه عذابلو ترى القوم بينهن لأجبرتصراحًا ولم تقل باكتسابمن أناس لا يرتضون عبيدًاوهم فى مراتب الأربابوكذلك الدنيا الدنية قدرًاتتصدى لألأم الخطاب، إلخ نقول من الذى يقرأ هذه الأبيات — وإن كان ما حذفناه أضعاف ما أثبتناه — ولا يحس ما فيها من الصدق، ولا يذكر بها كثيرين ممن يرفلون فى حلل السعادة، وهم لم يمدوا إليها يدًا، ولا سدت بهم فى سبيل اكتسابها قدم ولا استحقوها إلا بأن الحظ أورثهم إياها، وإن لم يكونوا خير الناس ولا أكفأهم ولا أفضلهم؟
وعسى من يعترض فيقول إن هذا أشبه بأن يكون حسدًا لا سخطًا على جور الحظ، ودليل ذلك قوله بعد أبيات:
لم أكن دون مالكى هذه الأملاك لو أنصف الزمان المحابى نقول كلا! ليس هذا فى شىء من الحسد. وإنما الذى يغلّط المعترض أن ابن الورمى يعرف قدر نفسه ولا يخفى عليه مكانه من الفضل وا لاستحقاق، وأن إحساسه بثقل القيود المحيطة به، وشعوره بعرفها وحزها، وإدراكه لمبلغ تعويقها، كل هذا قد أبرز «أنا» فى شعره وفى حياته إلى المكان الأول من الواعية. ونظن أننا فى غنى عن الإطالة فى تبيين أن الذاتية إنما يُبرزها إدراكُ حدودها والتصادمُ بما هو خارج عنها، إذا صح هذا التعبير. ومن الجلى أن الرجل الذى تتدفق حياته فى مجرى لين لا يعوقه شىء، يختلف إحساسه بذاتيته عمن تعترضه العقبات فى كل خطوة.
وقد كان ابن الرومى يريد أن يحيا حياة فنية: أى حياة تكون أقرب إلى مُثُله العليا التى كان ينشدها، وأخلق بما يفهمه من وظيفة الشاعر وأليق بمنزلته، كما هى فى نظره، فبغى ذلك وعجز عنه ولم يظفر به، وعزَّه أن يكيف نفسه على مقتضى الظروف والأحوال التى تحيط به، ومن هنا حفل شعره بذكر نفسه، واكتظ بالمقابلة بين الرغبة والإمكان، وبين الأمل والواقع.
ونرجع إلى القصيدة التى سقنا منها هذه الأبيات، فنقول إن ابن الرومى بعد أن أفاض فى صفة هؤلاء الناس وما ينعمون به استطرد إلى ذكر رجل راة أحق بهذه النعم الجزيلة منهم وأسِف لما هو فيه ولعدم انتفاعه بفضله وعلمه، فقال:
كابن عمَّارٍ الذى تركتهحمقاتُ الزمان كالمرتابمن فتى لورأيته لرأت عيناك علمًا وحكمة فى ثياببزه الدهر ما كسا الناسَ إلاما عليه من لحمه والإهابأو حلى ظرفه التى نحستهفلو اسطاع باعها بجرابسوءةً سوءة لصحبة دنياأسخطت مثله من الأصحاب وليس ابن عمار هذا الذى عدا عليه الدهر وسلبه كل ما كسا الناس إلا اللحم والجلد — نقول ليس هو بالذى كتبت إليه القصيدة بل ذاك غيره. فليس بابن الرومى حسد، وإنما هو سخط على ظلم الحظوظ ويؤكد ذلك، وإنه لا يقصد إلّا إظهار ما فى الدنيا من التخليط والغبن، إنحاؤه بعد ذلك فى القصيدة عينها على الشرط وهم الأعوان الذين يوكل إليهم حفظ الأمن:
شرط خولوا عقائل بيضًالا بأحسابهم بل الأكسابفإذا ما تعجب الناس قالوا:هل يصيد الظباءَ غير الكلاب؟أصبحوا ذاهلين عن شجن الناس وإن كان حبلهم ذا اضطرابفى أمور وفى خمور وسمور وفى قاقُم وفى سنجاب?وتهاويل غير ذاك من الرقمومن سندس ومن زريابفى حبير منمنم، وعبيروصحان فسيحة ورحابفى ميادين يخترقن بساتينتمس الرؤوس بالأهدابليس ينفك طيرها فى اصطخابتحت أظلال أيكها واصطحابعندهم كل ما اشتهوه من الاَكال والأشربات والأشوابوالطروقات والمراكب والولدان مثل الشوادن الأسرابواليلنجوج فى المجامر والندترى نشره كمثل الضباب ولا ينبغى أن يفوت القارئ وهو يقرأ هذه القصيدة وغيرها من مثيلاتها التى قد تتخذ دليلًا على ما انطوت عليه نفس ابن الرومى من الحسد أو الحقد، نقول لا ينبغى أن يفوته أن الرجل كان دقيق الحس لطيف الشعور، وأنه كان من قوة الخيال بحيت يستطيع أن يحضر لذهنه ويتمثل أمامه ما يتخيله، ويجسده لنفسه كأنه واقع يحس ويلمس. ومن هنا تراه إذا وصف أفاض واسترسل، وتوخى الاستقصاء والتصفية ولم يدع شيئًا. ودفعه إلى الاسترسال وأغراه به، لا الحسد ولكن لطفُ الحس الذى يتناول أدق الأشياء وأخفاها، ومراحُ الخيال القوى الذى يجسد الصورة وُيشعر صاحبه اللذة والمتعة المستفادتين من استقصاء الجوانب وإتمام النواحى.
وقوة الخيال تغرى أبدًا بمثل هذا وتبعث عليه. وقد يبدأ المرء غير معتزم إطالةً، حتى إذا استولت عليه قوةُ ما يتخيل، سحره ذلك وتملكته روح الفن، فالدفع على غير قصد ومضى ولم يكن فى حسبانه أن يمضى …
فليس ما به حسدًا ولكنه قوة الخيال ودقة الشعور وبروز الإحساس بالنفس، ومع ذلك هبه كان حسدًا وحقدًا، أو ما شئت فسمه، فماذا إذن؟ أليست هذه طبيعة الناس؟ ألسنا قد خلقنا الله كذلك؟ فأى بأس فى أن نكون كما برئنا؟
«وأين عن طينتنا نعدى؟»، كما يقول ابن الرومى. ونرد المسألة إلى أصلها الأول، فنقول إنه لم يستطع أن يتكيف على مقتضى الأحوال التى يعيش فى ظلها كما استطاع ويستطيع أكثر الناس. وأكثرهم بلا مراء أوساط عاديون، ومرد هذا العجز إلى حالة الأعصاب، ولا يخفى أن الدافع إلى التكيف هو الرغبة فى سد حاجة عضوية أو اتقاء متعبة. ومعنى هذا بعبارة أخرى، أن المرء يسعى إلى التكيف ليحس الارتياج ولينفى أو ينقص المتاعب. فإذا لم يستطع ذلك ولم يقو عليه ولم ينل ما يناله مَنْ وَسِعه ذلك من الارتياح، ولم يتق ما اتقاه غيره من الإحساسات المنغصة. ولا مفرَّ له بعد ذلك من أن تثقل وطأة الحياة والناس عليه، ومن هنا يأتى سخطه على الحياة، ونقمته على المجتمع، وتبرمه بأنظمته وأحواله، وقلة صبره على ما يسوءه مما يحتمله الأكثرون أو لا يلتفتون إليه، وسرعة تهيجه وغضبه على معاشريه والمحتكين به والذين يلتقى بهم فى طريقه. ومن هنا أيضًا تنشأ الأوهام وتصير عنده حقائق ثابتة لا سبيل إلى طردها أو التفطن إلى أنها ليست إلا مما يحدث فى جوفه ويجرى فى نفسه لا مما تحدثه إرادة خارجية. ومن هنا كذلك تتولد فكرة الاضطهاد المتوهم والإشفاق من العالم الخارجى ومن ساكنيه وتوقع الأذى من ناحيتهما. وهذا كله ظاهر ينطق به شعر ابن الرومى.
(ب)


كان ابن الرومى فى صباه فتى غرانقًا، كما يقولون، وسيم الطلعة، مقدود القوام قدّ السيف، كما يقول:
أنا من خفّ واستدق فما يثقلأرضًا ولا يسد فضاء خفيفَ الروح أنيس المحضر، مزهوّا بملاحته مغرورًا بشبابه، مدفوعًا بحرارته وبقوة إحساسه إلى اغتنام فرصة الحياة، فلبس هذا البرد «لبسَ ابتذال» كما يقول، وأخلقه ولم يصنه ولا ادّخر منه شيئًا للكبر، وفعل بصباه فوق ما يفعل الناس فى العادة. ولعل الذى أعجزه عن القصد وعدل به عن الاعتدال، وقدةُ إحساسه مع الشباب من جهة، ووسامته من جهة أخرى، ولم يكن ابن الرومى يخفى عليه أنه جميل، وأن جماله يصبى النساء كما يصبيه حسنهن، ولا كان يتحرج أن يذكر ذلك فى شعره ويباهى به، حتى بعد أن شِينت ديباجته، وتقوست قناته، فتراه مثلًا يقول وهو يستسقى عهد الشبيبة ويتلهف عليها:
ولو شهد الشبابُ، إذن لراحتوإن بها — وعيشك — ضعف ما بىفياغوثا هناك بقيد ثأرىإذا ما الثأر فات يد الطلاب! وقد أورده ذلك ما يورد، فاغتال اللعبُ بأول الدهر شِرَّته «بأخرى حقود، والجرائم تحقد» وتضعضع كبانه ودب الكلال فى عظامه وتوكأ على العصا:
ولذَّت أحاديتى الرجال وأعرضتسليمى وريا عن حديثى ومهدد!وبدَل إعجاب الغوانى تعجبًافهن روان، يعتبرن، وصدد وفقد شبابه بسرعة ولم يفقد لباناته وأوطاره فصار كما يقول:
شعرميت لذى وطرحىٍّكنار الحريق ذات اللهيبمعه صبوةُ الفتى وعليهصرفةُ الشيخ، فهو فى تعذيب وناهيك بهذا من عذاب! وقد يحب أن يتعزى فيقول:
لو يدوم الشبابُ مدةَ عمرىلم تدم لى بشاشةُ الأوطار ولكنه لم يستطع عزاءً، ورزح شيئًا فشيئًا على مرّ الليالى، وانتابته الأسقام واصطلحت عليه العلل والأمراض، وصار كما يقول:
أنا ذاك الذى سقته يدُ السقمكؤوسا من المرار رواءورأيت الحمامَ فى الصور الشنعوكانت لولا القضاء قضاءورماه الزمان فى شقَّة النفسفأصمى فؤاده إصماءَوابتلاه فى ذاك بالعسر والوحشةحتى أمل منه البلاءوثكلت الشباب بعد رضاعكان قبل الغذاء قدما غداء ولم تسلم حتى عيناه، فقد كانتا كثيرًا ما ترمدان، وفى ذلك يقول لعبيد الله بن عبد الله:
شُغلت عنك بعوّار أكابدهلا بالملاهى ولا ماء العناقيدقاسيت بعدك — لاقاسيت مثلهمانهارَ شكوى يبارى ليلَ تسهيدأمسى وأصبح فى ظلماء من بصرىفما نهارى من ليلى بمحدودكأننى من كلا يومى وليلتهفى سرمد من ظلام الليل ممدودإذا سمعت بذكر الشمس أسّفنىفصعدت زفراتى أى تصعيدلا يطمئن بجنبى لين مضطجعوما فراشُ أخى شكوى بممهودأرعى النجومَ — وأنى لى برعيتهاوطرف عينىَّ فى أسر وتقييد؟!وإنّ من يتمنى أن يؤاتيهرعىُ النجوم لمجهود المجاهيدوضاقت الأرض بى طراّ بما رحبتفصار حظى منها مثل ملحودى يعنى بالملحود القبر، وقد لازمته علته هذه شهرًا وتكررت ثم انتهى الأمر به إلى ضعف البصر كما يقول فى دالية له يندب فيها شبابه:
وبورك طرفى، فالشخوص حيالهقرائنُ من أدنى مدى، وهى فرد وله فى قصيدة أخرى:
وأحدث نقصانُ القوى بين ناظرىوسمعى، وبين الشخص والصوت برزخاوكنت إذا فوّقت للشخص لمحتىطوت دونه سهبًا من الأرض سربخافحالت صروف الدهر تنسخ جدتىوما أمليت من قبل إلا لتنسخا وأخلق به أن يضعفه ويصيره إلى هذا المصير استهتارُه فى صدر أيامه، وإدمانه القراءة والاطلاع، فقد أحاط ابن الرومى بكل ما يحاط به من العلوم والمعارف والآداب فى عصره، كما يدل على ذلك ما فى شعره من الإشارات التى يحتاج المرء فى فهمها إلى العلم بتاريخ العرب والفرس جميعًا والوقوف على كل ما كان لهم فى كل باب. وقد ذكرنا لك أن أحد مؤرخى العرب قال عنه إن الشعر كان أقل أدواته، ويقول ابن الرومى نفسه للقاسم بن عبيد الله:
إن أكن غير محسنٍ كل ما تطلبإنى لمحسن أجزاءفمتى ما أردت طالب فحصكنتُ ممن يشارك الحكماءومتى ما أردت قارض شعركنتُ ممن يساجل الشعراءومتى ما خطبت منى خطيبًاجل خطبى ففاق بى الخطباءومتى حاول الرسائلَ رسلىبلغتنى بلاغتى البلغاء، إلخ. وليس بغريب بعد ذلك ألّا تسلم أعصابه، وأن تضطرب ويختل توازنها. ومهما يكن من الأمر فإن من المحقق أنه لم يكن سليم الأعصاب، وأن جهازه العصبى كله كان غير منتظم. يدل على ذلك موتُ أبنائه الثلاثة واحدًا بعد واحد، وفى غير السن التى يكون فيها الإهمال من أسباب الوفاة، ومراثيه لهم، وبخاصة داليته فى رثاء أوسطهم، لا يفوقها شىء فى لغة العرب أو غيرها من اللغات التى اطلعنا على آدابها. وقد كان إلى جانب ذلك أحمق طياشًا سريع الغضب، وكان إحساسه الجنسى حادّا ليس فيه شىء من الاعتدال البته، وهنا لا يسعنا بكرهنا إلا أن نذكر أن معاصريه كانوا يستفزونه بقولهم عنه إنه عنين، وكانت ثائرته تثور لذلك فيهجوهم أفحش الهجاء وأقذعه، وينكر التهمة، ويعنى بدفعها، ولكنه مع ذلك قال وهو يتحرق على شبيبته:
لهفَ نفسى على القناع الذى محّوأُعقبت منه شر عقيبمنع العين أن تقر، وقرتعين واش بنا وعين رقيبنفّر الحِلمَ ثم ثنَّى فأمسىخيَّب العرسَ أيما تخييب والبيت الأخير هو الشاهد. والاعتراف فيه صريح لا يحتاج إلى تعليق، فكأن ما قيل عنه حق، أو هو إلى الحق أقرب وبه أشبه. ثم لا تنس أنه فى هجائه قلما يفوته أن يبسط لسانه تسطًا شنيعًا فى أعراض من يهجوهم من الرجال والنساء أحيائهم والأموات.
على أنه ليس أقطع فى الدلالة على اضطراب أعصابه من طيرته. وكان مفرطًا فيها، وبلغ من غلوه أنه كان كلما أراد الخروج من البيت «يتعوَّذ» بعد أن يلبس ثيابه ثمِ يمضى إلى الباب وفى يده المفتاح، ولكنه لا يديره فيه، بل ينظر أولَا من ثقب هناك فى خشب الباب لأن له جارًا أحدب يتطير من رؤيته ويخشبى أن يلقاه، فإذا رآه من الثقب عاد أدراجه، وخلع ثيابه، وأقام فى بيته لا يبرحه، ولعل حاجته إلى الخروج شديدة، وكثيرًا ما كان يصبر على الجوع والظمأ هو ومن معه من الأولاد والنساء ويغلق الأبواب عليهم، ويؤثر ذلك على الخروج والتصرف بعد أن رأى أو سمع ما يتطير منه. وقد وصف جاره الأحدب أبدع وصف، أو رسمه على الحقيقة، فقال:
قصرت أخادعه وطال قذالهفكأنه متربص أن يُصفعاوكأنما صُفعت قفاه مرةوأحس ثانية لها فتجمعا وكان إخوانه يعرفون ذلك منه ويعابثونه، فيبعثون إليه من يقرع بابه فإذا قيل له من؟ قال: «مرة بن حنظلة» فيتشاءم ويستعيذ بالله ويقيم فى بيته لا يبرحه. وكان على بن سليمان الأخفش أجرأ الناس عليه بذلك. وبلغ من تطيره أنه كان يقلب الأسماء فيقول مثلًا «حسن مقلوبة على نحس. ويتشاءم إذا رأى نوى تمر فى الطريق، ويقول إن النوى الفراق، وإن هذا يشير بأن لا تمر. وإذا أصابه هو أو سواه شىء، عزاه إلى أمر من هذا القبيل. وحدث مرة أن صاحبًا له بعث إليه بغلام جميل يعرفه ابن الرومى ويطمئن إليه فجاء به فلما تخطى باب الصحن فى دار صديقه عثر فانقطع شسع نعله فدخل مذعورًا وعلل هذه العثرة بأن الغلام به عاهة وهى قطع أنثييه. وأقام اخر مهرجانا وكان من بين الجوارى فى ذلك اليوم صبية حولاء وأخرى فى عينها نكتة، فتطير ابن الرومى. ثم إنه حدث بعد مدة أن سقطت ابنة الرجل من بعض السطوح فماتت، وأنْ جفا القاسمُ بن عبيد الله ابنَ الرومى فرد هاتين المصيبتين إلى الجاريتين، وكتب بذلك إلى والد الفتاة يقول:
أيها المحتفى بحول وعورأين كانت عنك الوجوه الحسانفتحك المهرجان بالحول والعور أرانا ما أعقب المهرجانكان من ذاك فقدك ابنتك الحرة مصبوغة بها الأكفانوجفانى مؤمل لى خليللج منه الجفاء والهجران وأخذ فى هذه القصيدة يثبت أن الطيرة معقولة، ويدفع قول من قال إن النبى نهى عنها:
لا تصدق عن النبيين إلابحديث يلوح فيه البيانخبر الله أن مشأمة كانت لقوم، وخبر القرآنأفزورُ الحديث تقبل أم ماقاله ذو الجلال، والفرقان؟ وهجا مرة كاتبا اسمه أبو طالب فحذر الناس من شؤمه:
أحذر أهل الأرض حدّ ابن طالبفمازال مشحوذا على من يصاحبوقد جُربت منه على آل مخلدتجارب ليست مثلهن تجاربأزيرق مشئوم، أحيمر قاشر،لأصحابه نحس على القوم ثاقبوهل أشبه المريخَ إلا وفعلهلفعل شبيه السوء شبه مقاربأعوذ بعز الله من أن يضمنىوإياه فى الأرض البسيطة جانبشبيهُ قدارٍ بل قدارٌ شبيههوإن قيل كليم وإن قبل كاتبوهل يتمارى الناس فى شؤم كاتبلعينيه لونُ السيف والسيف قاضب؟ويُدعى أبوه طالبًا، وكفاكمبه طيرةً أن المنية طالبألا فاهربوا من طالب وابن طالبفمن طالب مثيلهما طار هارب! وكان ينفى عن نفسه أنه نحس ويهجو من يزعمه كذلك كما قال فى ابن موسى:
أتأمر بالتقزز من كلامىوذكرك يُصدى الذهبَ السبيكا؟زعمت بأننى نحس، وإنىمجيبك — معلنًا — لا أتقيكا ويقول عن نفسه إنه ميمون مبارك، كما فعل فى همزية طويلة وجّه بها إلى القاسم بن عبيد الله الوزير:
كل شىء أراه منك بشيرصدّق الله هذه البشراءوإذا ما مخابرُ الناس غابتعنك فاستشهد الوجوهَ الوضا إلى أن يقول مخاطبًا القاسم:
أجميل بك اطراحى وقد قدمت فى رأيك الجميل رجاءولىَ الطائر السعيد الذى كان بريدًا بدولة زهراءما تعرفتَ، مذ تعيفت، طيرىغير نعماء ظاهرت نعماءثم أدنيتى فزادك يمنىمن أمير مؤيّد إدناءوتناولتنى ببر فبرتكيد اللّه ثرة بيضاءوكذا كلما نويتَ لمولاكمزيدًا أوتيته والهناء إلخ.. ولقد طلب إليه فى هذه القصيدة أن يتخذه «عوذة» لمجلسه فقال:
يا لقومى! أأثقل الأرض شخصى؟أم شكت من جفاء خلقى امتلاء؟أنا من خف واستدق فما يثقلأرضًا ولا يسد فضاءإن أكن عاطلًا لديك من الآلات — حاشاك أن تجور غباء!فلأكن «عوذة» لمجلسك المونق أردُد عين الردى عمياء! ويقول فى بائية له إنه يخاف:
أن يقول الوشاة بى إن شؤمىجر هذا الشخوصَ والإفكَ حوب ولو وقف الأمر عند حد التطير لهان بعض الشىء، ولكنه كان يكابد ما هو أدهى. ذلك أنه كان مصابًا بتوهم الاضطهاد واقعا عليه من الناس ومن الطبيعة نفسها. فأما من الناس فلا نحتاج إلى أن نورد من شعره شيئًا، فقد عرف القراء أنه حافل بما ينم على ذلك. وأما من الطبيعة فقد يكون مما له دلالة، قوله فى يائيته التى مدح بها أحمد بن ثوابة:
وصبرى على الإقتار ائسر محملاعلىَّ من التغرير بعد التجاربلقيت من البر التباريحَ بعد مالقتت من البحر ابيضاض الذوائبسُقيت على رىٍّ به ألف مطرةشغفت لبغضها بحب المجادبولم أسقها، بل ساقها لمكيدتىتحامقُ دهر جدَّ بى كالملاعبإلى الله اشكو سخف دهرى فإنهيعابثنى مذ كنت غير مطايبىأبى أن يُغيث الأرض حتى إذا ارتمتبرحلى أتاها بالغيوث السواكبسقى الأرض لأجلى فأضحت مزلةتمايل صاحبها تمايل شاربلتعويق سيرى أو دحوض مطيتىوإخصاب مزْوَرّ عن المجد ناكب ولعل ذلك راجع على اقتداره على التشخيص وإلباس المعانى صورَ الأحياء، ولكنا نعود فنسأل: لماذا يعد نفسه مقصودًا بالذات؟
(جـ)


الطفل، إلى حد كبير، صورة مصغرة من الجنس الإنسانى يمر به، باختصار، ما مرّ بجنسه من الأطوار، وينتقل شيئاً فشيئًا من الذاتية غير المدركة، إلى الذاتية المدركة، ثم إلى التفطن لما هو خارج عنها. أول ما يحسه هو ما يجرى فى جوفه، كما تنم على ذلك حركاته التى يسعه أن يقوم بها، وصيحاته — وهى أيضًا حركات عضلية — وكما يدل على ذلك ما يبديه من الشعور بالحالات العامة من مثل الجوع والظمأ وما إليهما. هذا هو الطور الأول، وهو طور ليس فيه وعى. فلا المخ يهيمن على المراكز الدنيا، ولا ما يتولاء الحس يمكن ترتيبه وتوليد فكرة منه، ولا للإرادة دخل فى الحركات.
ثم يأتى طور آخر تقوى فيه المراكز العليا على الأيام، فيعنى الطفل بما يأخذه حسه ويكوّن من ذلك فكرة إلى حد ما، وتصدر عنه حركات يبغى بها غاية. وهذا الدور هو مولد الإرادة، وبه يرتبط الشعور بالذاتية والتنبه إلى أنه فرد. غير أنه حتى فى هذا الدور تظل واعيتُه غاصةً على الأكثر بحالات نفسه، ويبقى هو أكثر اشتغالًا بما يجرى فى جوفه منه بالعلم الخارجى. فهو مثال بارزٌ للأنانية إذ كان لا يكترث إلا لما له اتصال مباشر بنفسه وحوائجه وميوله.
ثم يترقى فينضج رأيه فى علاقته بغيره وبالطبيعة، ويتزن إحساسه بذلك، وتتضاءل عنايته بما يجرى فى كيانه العضوى، إلا إذا ألحت عليه ضرورة، ويعظم التفاته إلى ما يتناوله حسه، فتتراجع ذاتيته إلى ما وراء ما عداها، وتملأ صورة العالم الخارجى أكثر جوانب الواعية. ويصبح الطفل رجلًا من الأوساط العاديين الذين هم السواد الأعظم من الناس الذين تتمثل فيهم أسمى درجات الذاتية باشتمالها على ما عداها، أى بإدراك العالم، ويقهر الأنانية، أى بالانتقال إلى ما يسمونه «الألترويزم» وهو الاهتمام بالغير بدافع من العطف أو سواه مما يجرى مجراه، لا رضاء لحاجة جسمية ملحًة، ولا إشباعًا لعضو من جوع وقتى، كما هو الشأن فى الجوع وفى الغريزة التناسلية ومن الواضح أنه لا سبيل إلى الحياة المدنية العادية بغير ذلك أى بغير الألترويزم. وكيف تكون الحياة الإنسانية إذا كان الناس لا يستطيعون أن يحضروا لأنفسهم إحساسات سواهم وأن يمثلوها لخواطرهم أيشعر بالعطف من لا يسعه أن يتصور آلام الناس؟ أيكترث للناس مخلوقٌ لا يقوى على تخيل الأثر الذى يحدثه ما يعمل أو ما يُغفل أن يعمل؟ — هذا ولا بد للمرء أن يدفع عن نفسه سوءَ فعل قوات الطبيعة، وأن يستخدمها لخيره ولفائدته، وذلك ما لا سبيل اليه ما لم يعرف هذه القواتِ معرفتها، وما لم يستطع أن يتصور فعلها. وهذا كله يستوجب من المرء أن يكون أكثر التفاتا إلى ما عداه. وذلك مظهر الرجل العادى فى الأغلب والأعم. عنايته بما يقع فى نفسه من الخارج، أشدُّ وأعظم استغراقًا له من عنايته بما يأتى من ناحية نفسه، وواعيته أغص بصور العالم الخارجى منها بنشاط كيانه وأعضائه، وليس له من الذاتية أكثر من القدر اللازم للاحتفاظ بفرديته. وليس كذلك الرجل الشاذ الذى يخلق على غير طراز الأوساط، والذى يظل طولَ عمره أشبه بالطفل من حيت علاقة الذاتية بما عداها. ومن هنا تكون المبالغة فى تقدير العمل الشخصى والغلوُّ فى أهميته. وما من شك مثلًا فى أن الأدب من لوازم الحياة الإنسانية، ولكن تاريخ العالم لا يدور على محوره وحده، وهب الأمر كذلك فهو على التحقيق ليس رهنًا بشعر شاعر واحد معين. ولا ريب فى أن كل امرئ يعتز بعمله ويكبره، ولكن الفرق بين الرجل العادى وبين الشاذ، هو أن الأول لا يغالى بعمله ولا يعدو به قدره، وأن الثانى يجاوز الحد المعقول، ولا يستطيع أن يتصور أن واحدًا من الناس قد يخالفه فى ذلك ولا يرى رأيه فيه، فإن فعل، فهو خصم وعدو.
وقد كان ابن الرومى لسوء حظه — أو لحسنه ولحسن حظنا على الأصح — واحدًا من هؤلاء الشواذ. فنه الشعر. فالشعر عنده أحق ما فى الحياة بالعناية والإكبار، وقائله أولى الناس بأن توفر له أسباب الحياة التى يتطلبها فنه. وهو (ابن الرومى) بصفة خاصة أحق مخلوق أو شاعر بذلك، فمن حقه على الناس أن يرزقوه إذا لم يستخدموه:
أأحييتنى بالأمس ثم تميتنىبرفضى وإقصائى وحقى أن أُدنى!ولو أننى أحييتُ ميتا — عشقتُهبحسن الذى آثرتُ فيه من الحسنىألا يعشق المفضالُ ميتًا أعاشهوأجناه من معروفه الحلوِ ماأجنى؟أذو آلةٍ؟ فاستخدمونى لآلتىبقوتىَ — أولًا، فارزقونى مع الزمنى! وهى صرخة مؤلمة! — ثم يجب بعد ذلك، أى بعد أن يوفر له رزقه ولو من غير طريق الاكتساب، أن يمكن من السماع لأن أذنه حساسة واعية تحن إلى السماع الجميل، ومن إرضاء حواسه الأخرى أيضًا لأنها قوية مُلحة فى طلب الإرضاء:
أدنِ شخصى إذا شدت لك بستانُ وغنت غناءها غناءفاستثارت من اللحود المغنينفأضحى أمواتُهم أحياءيا لإحضارها مع ابن سريجمعبدًا والغريضَ والميلاء؛وتلتها «عجائبُ» فتغنتمشبهاتِ اسمها صُيابا وِلاء?فحكت هذه وتلك يمينيكإذا ما تبارتا إعطاءذا، ولا تنسنى إذا نشر البستانُأصناف وشيه وتراءىوحكتك الرياضُ فى الحسن والطيبوإن كان ذاك منها اعتداءوتغنى القمرىُّ فيها أخاهوأجابت مُكّاءةٌ مكاءوأبدَّتك لحظَها قضب النرجس ميلًا إليك تحكى النساءفجمال لمنظر، وثناءلمشم يحكى ثناك ذكاءوَاهْوَ قربى إذا شرعتَ على دجلةفى ظل ليلة قمراءوأجاب الملاح فى بطنها الملاحيحتث بالسفين الحداءوادَّكرنى إذا استثرت سحاباذات يوم عشية أو ضحاءفتعالت فوارة تحسد الخضراءإغداق مائها الغبراء.. إلخ. ولماذا:
حسن علمى إذ ذاك بالحسن الموقع مما يروى القلوب الظماءوارتفاعى عن الجفاة المسوّينبشدو المجيدة الضوضاءموجبٌ أن أكون أدنى جليسلك، أعلو بحقى الجلساء وليس هذا، على صحته بالسبب الموجب على القاسم أن يجعله أدنى جلسائه! لأن القاسم قد يكون كهؤلاء الجفاة الذين لا يميزون بين الضوضاء والغناء الجيد، وقد لا يحب أن يؤلم نفسه بحضور من هو أفطن منه وأدق حسّا.
وقد يحتاج إلى أن يتزوج فيخطب لنفسه فتإة ويعين يوم الزفاف فيطالب صديقًا له بأن يعينه على زفافها:
يا سمىَّ الخليل إياك أدعودعوة يممت سميعًا مجيباأَمَة من إماء فضلك أجمعتُعلى نقلها إلىّ قريبا وما ذنب صاحبه إبراهيم هذا؟ قال لأنى:
ما تزوجتها على غير تأميـلك فانظر أجائز أن أخيبا؟ نقول نعم جائز! وقد كانت له أرض كما قلنا وكان عليه أن يؤدى عنها الخراج، فكتب إلى وهب بن سليمان يستعفيه من ذلك:
غير أن ليس فى خراجى وحدىما بأعلاقه يسوغ الشرابلك فى مكثرى الرعية دونىحلب كيف شئت بل أحلاب ولكن غيره قد يستعفون مثله، فماذا يكون العمل؟
ومتى رام رائم كخصوصىقلت ما كل دعوة تستجاببل لقوم وسائل يستحقون، إذا ما دعوا بها، أن يجابوامنهم معشر ومنهم أناسفضلتهم بفضلها الألبابوأديب له ثناء بما يسدىإليه وللثناء ثوابولبعض الرجال فضل على بعضبما نفلتهم الآدابولقد جاء فى الرواية والآثار أنا على العقول نُثاب وهكذا. فما ثم داع للإطالة فإنه هو القائل:
حق الأديب لازم لذى الكرمفإن تناسى حقه، فقد ظلمأما رآه لم يزل أعنى الخدمبالأدب الشعرى طورًا والحكممستمليًا من عرب ومن عجممنحرفًا عن كل كسب يُغتنم؟ كذلك لم يكن بينه وبين الناس ما ينبغى من التعاطف بل حتى ما يجعل الحياة ممكنة. وقد لا يكون هذا ذنبه إلا من ناحية أعصابه المضطربة، وذلك ما لا حيلة له فيه. أما الناس فواضح من شعره أنهم لم يكونوا يقدرون حاجات نفسه، أو يدركون مبلغ إلحاحها عليه، وعذره فيها واضطراره إليها، فلم يستقم الأمر بينه وبينهم. ومهما يكن من الأمر فهذا هو الواقع على كل حال. وما أكثر ما ترى فى شعره مثل قوله أو قريبًا منه:
حلفت بمن لو شاء سد مفاقرىبما لىَ فيه عن ذوى اللؤم مرغبلما آفتى شعرٌ إليهم مبغضولكنه منعٌ إليهم محببوأعجب منهم معشر ليس فيهمبشعرى ولا شىء من الشعر معجببراذينُ ألهاها قديمًا شعيرهاعن الشعر تستوفى القديم وتركب أو قوله:
أنا شاك إليك بعض ثقاتىفافهم اللحنَ فهو كالإعرابلى صديق إذا رأى لى طعامًالم يكد أن يجود لى بالشرابفإذا مارآهما لى جميعًاكفيانى لديه لبس الثيابفمتى ما رأى الثلاثةَ عندىفهى حسى لديه من آرابىفىّ طبع ملائكىّ لديهعارف صادف عن الإطرابأو حمارية فمقدار حظىشعبة عنده بلا أتعابليس ينفك شاهدًا لى بفهموبيان وحكمة وصوابومتى كان فتح باب من اللهتوقعت منه إغلاق باب فما ظنك بغير الثقاة؟ وهذا يدعونا إلى الكلام على هجاء ابن الرومى.
(?) السخر

(أ)


كلمة فى السخر أولًا: ما هو السخر، إذا ذهبنا نعتبره من فنون الأدب؟ إن هذه الوجهة هى — بالبداهة — كل ما يعنينا. وهو بهذا الاعتبار، العبارة — بما يناسب ذلك من الكلام — عما يثيره المضحك أو غير اللائق، من الشعور بالتسلى أو التقزز، على أن تكون الفكاهة عنصرَّا بارزًا والكلام مفرغًا فى قالب أدبى.
ولسنا نظن أننا أحطنا فى هذا التعريف بكل ما ينبغى أن يُحاط به، أو أقمنا كل المعالم والحدود. ولكنه على هذا كاف فى رأينا للدلالة على المراد، فهو حسبنا إلى مدى بعيد. فالشاعر حين يسخر، يتناول بُعد ما بين الأشياء والطبيعة، ويركض فى حلبة يتقابل عند طرفيها الواقع من ناحية ومُثُلُ الكمال من ناحية أخرى. وقد يفعل ذلك جادّا أو متفكها مداعبًا، أى أنه قد يستوحى إرادته ومشاعره أو يستملى عقله. فإن كانت الأولى فهو هاج منتقم، وإن كانت الثانية فهو ساخر يركب ما بدا له بالدعابة. وإلى هنا لا يكون هذا أو ذاك أدبًا أو من الأدب فى شىء.
وعسى من يخونه الصبر فيسأل: وكيف يكون هذا كذلك؟ أتريد أن تُخرج من الأدب كلَّ ما قاله العرب مثلًا فى باب الهجاء والتهكم؟ ألا يُعَدّ من الشعر ما نظمه فى هذه المعانى جريرٌ والفرزدق أو دعبل وبشار وابن الرومى والمتنبى مثلًا؟ إذًا فماذا أبقيت؟ نقول: كلا يا سيدى القارئ! هوِّن على نفسك! فما نقصد إلى شىء مما قام فى وهمك. وما أردنا سوى أن نقول إن الشعر ليس أداةَ انتقام ولا هو عبثُ يتلهى به الفارغون من قالته وقرائه. ومن الصعب على المرء ألّا يفسدَ الصورةَ الشعرية حين يهجو جادّا مستطيلًا، وألّا يفجع الشعرَ فى حرية الحركة، وهى من أغلى ما فيه ومن ألزم لوازمه. وهو حين يتفكه كثيرًا ما يخطئه روح الشعرَ وتذاد ألحاظه عن اللانهاية.. فالأمر معضل كما ترى فكيف نشير؟ نشير يا سيدى القارئ بهذا: بأن تخلع فى الحالة الأولى على كلامك خلعة من الجلال، وبأن تُضفى عليه فى الحالة الثانية حلة من الجمال.
وأحسبك ستقول:
هذا كلام له خبىءمعناه ليست لنا عقول فنقول أى نعم والله ياصاحبى! ولكن المسألة أبسط مما نظن فلا ترع! وما عليك إلا أن تنفى عن ذاكرتك — إذا استطعت — ما فيها من «ضوضاء» الهجاء القارص والطعن المقذع، وما كوّنته على أثر هذه الجلبة من الرأى الذى لعله عنَّ لك بسوء الاتفاق. ثم هلمَّ نتفاهم: وما أيسر ذلك إذا أخليت رأسك من هذه الضوضاء، وتفضلت فتناولت رأيك ووضعته إلى جانبك لحظة. وفى وسعك أن ترده إلى مكانه من دماغك إذا لم يعجبك كلامنا!
نحن متفقان — فيما أظن — على أن السخر على العموم مبعثه مقابلة الواقع باعتبار ما فيه من النقص، بصورة الكمال باعتبارها أسمى الحالات التى ينبغى أن يكون عليها الواقع. كثيرًا ما تكون صورةُ هذا الكمال غامضةً ملتاثة، بل لعلها لا تعدو هذا الغموض أبدًا، ولا تخلص من ظلامه قط إلى نور الوضوج والبيان. وعلى أنه يكفى الإحساسُ العام بها؟ ولما كان المرء قلما يتهيأ له — أو لا يتهيأ له قط — أن يتمثل صورَ الكمال واضحة مشرقة، فأكثر ما يسعه هو أن يلفتنا إليها ويوقظ فى نفوسنا مثل إحساسه العام بها. وهذا هو ما ينبغى أن يجعله وكده: أى أن ينبه فينا هذا الإحساس الذى لا يستطيع أن يصوره لنا على وجه الدقة. والى هنا نرى أن كلامنا أوضح من أن نحتاج معه إلى إفاضة فلنخط خطوة أخرى لها أيضًا ما بعدها.
ينفر المرء من شىء واقع أو يتقزز أويشمئز منه أو ما شئت غير ذلك من هذه المترادفات التى لا أحسن أن أرصها رصّا. فتثور عليه نفسه. ولكن لماذا؟ الآن الشىء فى ذاته، ومن حيت هو، من شأنه أن يبعث فى النفس الإحساس بالتقزز ويثيرها عليه؟! لا نحسب أحدًا سيذهب إلى ذلك. وشبيه بهذا أن يقول قائل إن كلمةً معينة من الكلمات رديئة، وإن حروفها التى تتألف منها ثقيلة بغيضة، وإنها كيفما كانت، وفى أى كلام وردت، لا تكون إلا قبيحة كريهة الورود على الأذن — وهو ما لا نظن عاقلا يقول بمثله. فالشىء فى ذاته لا يبعث على سخط أو رضا، ولا يكون غرضًا لذم أو حمد، وإنما يكون هذا أو ذاك حين تقيسه إلى المثل العليا، وتجريه على صورها، وتقرنه بها.
وهنا محل التنبيه إلى خطأ كثيرًا ما يؤدى إلى الخلط. ذلك أن المرء قد تلجّ به حاجة من حاجات جسمه أو نفسه. ويلقى شيئًا مما هو كائنٌ، عقبةً فى سبيل إرضائها فيسخط، ولكن لا على العراقبل التى تأخذ على رغبته مذهبها، بل على الجماعة، وربما تجاوزها إلى الجنس الإنسانى كله، وإلى الحياة على الإطلاق، لما يتعلق به وهمه من أن مصادر هذا الإحساس عامة، ولما يعزوه إليه من البواعث الأدبية السامية. وهذا هو دأب الضعاف والمتخلفين. على أن غيرهم قد لا يسلمون من هذا الخلط، لأن القدرة على تحريك النفوس تخدعهم وتغرّهم. ومهما يكن من الأمر فإن هناك فرقًا بين أن يؤثر الشاعر بإهاجة العواطف وبترك القلب تستغرقه الإحساسات المؤلمة، وبين أن يثير فى النفس الإحساس بالاستقلال الأدبى إحساسًا يبقى العقلُ حرّا فى اللجاجة فيه على الرغم من الاهتياج. ولا عبرة بسمو الموضوع أو ضعته، بضخامته أو ضؤولته، وإنما العبرة بالقاعدة التى يضع الشاعر عليها الأمرَ الواقع، وبقدرته على تهيئة النفوس لقبول ما يُلقى إليها وينفث فيها، وبالمنزلة التى يشرف منها على غرضه. وما دامت هذه ساميةً رفيعة فلا اعتداد بعد ذلك بالموضع. وبعبارة أخرى يكفى أن يكون لنظرة الشاعر حظّ كبير من الجلال والسمو. ومن العسير التمثيل لذلك من الشعر العربى، ولكنا مع ذلك نحيل القارئ على جيمية ابن الرومى التى قالها لما قُتل يحيى بن عمر بن حسين بن يزيد بن على، ومطلعها:
أمامك فانظر: أى نهجيك تنهجطريقان شتى، مستقيم وأعوج وفيها يصف طغيان العباسيين وضلالهم فى الفتك بالعلويين واستهتاكهم وضعفهم إلى حدٍّ استباح لنفسه معه أن يقول «لرجالهم»:
فلا تجلسوا وسط المجالس «حُسرًا».ولا تركبوا إلا ركائب «تحدج»! فإنه فى هذه القصيدة يُشرف على ضعةٍ من مرقب عال يرفع إليه القارئ بقوة روحه وسمو نظرته، وهو يشعرك بمطلع القصيدة أن قتل أبى الحسين هذا قد أثار مسألة تقتضى الفصل، ويرسم لك طريقى الضلال والواجب، ويهيج إحساسك الأدبى بالتمرد على الانتكاس الخلقى الذى أنطقه بهذه القصيدة. ولولا أن المقام يضيق عن ذلك لأوردنا القصيدة كلها على طولها ولتناولناها بيتًا بيتًا.
وغير منكور أن الموضوع الجدى يسمو بنفسه ويساعد الشاعر الذى يتناوله. وليس الحال كذلك حين يعالج الشاعر الفكاهةَ. وأنت حين نجدُّ قد لايشق عليك أن تحلِّق، ولكنك حين تجنح إلى الفكاهة لا يعود من السهل أن تحافظ على الاستواء الواجب، وأن تتقى الهبوط، وتجنب الإهاجة، وتكبح عواطفك، وترخى العنان لعقلك وأن تشيع الجمال فى موضوعك لتسد نقصه وتملأ فراغه وتعوض تفهه، ومن هنا قالوا إن غاية الفكاهة هى أقصى ما هو مقدور للإنسان. يعنون بذلك التحررَ من تأثير العواطف العنيفة، والقدرةَ على التأمل فى سكون واطمئنان، والنظر إلى ما يقع، لا إلى القدر أو الحظ أو الاتفاق، ومنحَ الحما قات والسخافات والمتناقضات ابتسامةً رضية لا عبرة متحدرة، وكبحَ جماح الغضب عند شهود لؤم الإنسان ومعاناته. ولعل خير من يذكر على سبيل التمثيل فى هذا الباب هو «هينه» الألمانى. أتقول الألمانى؟ كلا والله! فما تستأثر بهينه أمة ولا زمان ولا مكان! ولقد طلق ألمانيا ولم يصر فرنسيّا، ونبذ اليهودية ولكنه لم يصبح مسيحيّا، وزعمه «تيك» فى قصة رمزية شيطانًا قزما متقلبًا مسيئًا! ولكن أغانيه أحلى وأعذب، واستيلاءه على ينابيع الضحك والبكاء أعظم مم! شاء «تيك» أن يعترف.
ولا ينبغى للقارئ أن يتوهم مما أسلفنا الكلام عليه أن العبث جائز فى الشعر لأن الشاعر يتناول المضحكإت أحيانًا ويمزح ويسخر وتركب الأشياء والناس بالهزل، فإن هزله أبدا مبطنٌ بالجد، وهو لا يقصد إلى الهزل فى ذاته حين يريك الهزل ويصوره لك. ولقد كان «لوسيان» و«أرستوفانيز» يتعاقبان سقراط بالنكات القاسية ولم يكن غرضهما أن يمزحا فحسب، بل كانا يريدان أن ينتقما للحقيقة من السفسطة فى رأيهما، وأن يبرزا إلى المكان الأول ما يلقى به الناس وراء ظهورهم من المثل العليا. ثم ما أجمل وأبهر الصور الهزلية التى رسمها قلم «سرفانتس» فى قصة دون كيشوت!
وفولتير؟ ذلك الذى لم يشهد العالم ساخرًا مثله؟ ذلك الذى كان سخره عاملًا كبيرًا فى إحداث انقلاب ضخم لا يزال أثره محسوسًا إلى هذه الساعة! من الذى يفوق هذا الأستاذ ويبذه؟ من الذى يشبهه فى أسلوبه؟ إن الحكم على فولتير حكمًا فنيّا بحتًا يستدعى قبل كل شىء تجريدَه — إذا أمكن ذلك — من صفته القومية الحادة، إذ بغير ذلك لا يستقيم الحكم عليه ولا يتأتى إنصافه وإنصاف الأدب معه. وما من شك فى أن صدق سريرته وبساطة طبيعته تلمحان هنا وههنا فى خارجيَّاته، وتحركان فى نفس القارئ العواطفَ الشعرية حين يتوخى البساطة فى تمثيل الطبيعة وتصويرها، كما فعل فى «الأنجينى» أو حين يبغيها ليقتص لها كما فعل فى «الكانديد» وغيرها. وهو فيما عدا ذلك يسلينا ويسرنا بملحه الطريفة، ولكن — نعم ولكنً لا يصل إلى قلوبنا. وهذا قول قد يسخط كثيرين من المعجبين به مثلنا، والمغالين بقدره غيرنا. غير أنه قد يسمح لنا أن نتهجم قليلًا! ومن الذى لا يتهجم؟! من الذى يلزم حده أبدًا فلا يتقدم عنه ولا يتأخر؟ أين فى الناس من لا يتطاول به الغرور؟ وإن لنا لحظّا من الغرور قسمه الله لنا فلنقتحم إذًا!! ولنقل إنا لا نلمح المقدارَ الكافى من الجد وراء تهكمه فى كثير من المواطن. ولن يفوتك أبدًا أن تلتقى بذكائه وبراعته وحذقه، ولكنه يعييك أن تهتدى إلى إحساسه، وأن تطَّلع على شعوره وعواطفه، وأن تلمس قلبه. وهو دائم الحركة، لا يفتر ولا يكل، غير أنه ليس هناك شىء ثابت وراء هذه الحركة المتواصلة، أو نجم قطبى يصمد إليه ويتجه نحوه، وقد أسبغ على كتابائه مئات من الكسى، وصبها فى أشكال لا يأخذها حصر، ولى يوفق إلى شكل واحد يضع عليه طابع قلبه ويسمه بميسم نفسه. فهو غنى الذكاء فقير القلب، خصب المادة سخى المظهر، ولكنه كان يمشىِ فى هذه الدنيا، ويخرج فيها من درب إلى درب، ويعرج يمينا وشمالَا، وينثر براعاته فى كل مكان، ويسح بملحه وطرائفه سحّا، وفى جوفه صحراء لا تونس وحشتها واحة واحدة!
(ب)


من الصعب على الناقد الذى تأخر به الزمن مثلنا أن يُجرى أحكامَ ما يأخذ به من الآراء فى الأدب عامة والشعر خاصة، على قوم طوتهم الأيامُ بخيرهم وشرهم، وتغيرت الدنيا بعدهم، فلو أُنشر والأنكروها وما عرفوها. لأن الناقد لا يأمن، إذا هو فعل ذلك، ألّا يظلم أولئك الأقوام حتى حين يريد إنصافهم وتبيين أقدارهم. ومن أجل ذلك يخيل لنا بعد الذى قلناه عن السخر أننا نوشك أن نظلم ابن الرومى، وأن نحمله جريرة أحوال لم تكن مما جنى، وظروف لا يد له فيها ولا حكم عليها. أو على الأقل هذا ما نرجح أن سيعتقده عامةُ القراء من عارفى هذا الشاعر أو السامعين به. ولكنا مع ذلك سننصفه من حيث يبدو أننا خفناعليه وغمطناه.
لم يكن الشعر على عهد ابن الرومى فنّا يزاول لذاته، أى للترفيه عن النفس وإدخال السرور عليها من طريق الجمال. ومعلوم أن الباعث الأول على الشعر هو حدةُ إحساس المرء ودقة شعوره، وذلك لأن كل مؤثر قوى يثير فى المرء حركات تتعلق بها المداركُ فى صورة عاطفة أو انفعال نفسى لا يزال يبغى مخرجًا ويلتمس متنفسا حتى يصيبه فى حركة عضلية أو نحو ذلك، فإذا كان المرء من أوساط الناس العاديين كان ذلك حسبه للترجمة عن عواطفه وانفعالاته. وصار قصاراه أن يبكى إذا حزن، وأن يضحك إذا فرح، وأن يثور ويتوعد إذا غضب، حتى تفنى العاطفةُ نفسها ثم يثوب إلى نفسه. ولكن دقيق الشعور لا يكفيه هذا المتنفس لأنه أحسُّ من غيره بما تطلع عليه نفسه من الظواهر، وأعمق مع دقة الحس شعورًا. وليس يخفى أن دقة الإحساس وعمق الشعور يطيلان أجلَ العاطفة، ويمدان فى عمرها، ويفسحان فى مدتها وبقائها. فإذا استولت عليه عاطفة لم تزل تجيش وتضطرم حتى تقر وتنتظم، ثم تتحول فكرة قاهرة تظل تجاذبه وتدافعه حتى ينفس عنها عمل يناسبها — هذا هو الفن لذاته فحسب. ولو أنك أردت أن تجد لهذا ضريبًا فى عصرنا يقرب إليك المسألة ويصورها — على قدر الإمكان — لكان بك أن تبغيه بين جدران المدارس. ولقد قدمنا لك فى مقال سابق أن خصائص الآباء تظهر فى الطفل، وأنه يعيد فى شخصه تاريخ التطور النوعى كله. فاذهب إلى المدرسة إذن فماذا تجد؟ تجد هناك فى ذلك الركن من «الفصل» — كما يسمون مكان الاجتماع لتلقى الدروس — تلميذا مكبّا على غلاف الكتاب، وفي يده قلم يرسم به خطوطًا قليلة ساذجة يطالعك منها شىء كالوجه. وأظهر ما فيها شاربان ضخمان طويلان مفتولان لا نسبة بينهما وبين بقية الصورة، إذا جاز أن تسمى هذا التخطيط صورة. فماذا تظنه يعنى؟ ما الغرض الذى صار أمثل فى خاطره وأحضر فى ذهنه حتى فعل ذلك؟ لا ندرى! ولعله هو أيضًا لا يدرى على وجه الدقة. غير أن الأرجح فى الرأى والأقرب إلى الاحتمال أن يكون قد قصد أن يرمز إلى الرجولة التى يتطلع إليها ويحلم بها، فزاد فى الشاربين وبالغ فيهما على نسبة عكسية لتجرده منهما، إذ هو لا يزال أمردَ لم يطرّ له شارب ولا نبت فى عذاريه شعر. والشوارب أدل على الفتوة، وأدنى إلى معانى القوة من اللحية. وتلميذنا إنما يريد أن يرمز إلى سن القوة والفحولة التى تأنس إلى الشوارب ولا تُطيق اللحى التى لا يطمئن إليها المرءُ إلا مع فتور الحيوية.
وثم فى مكان آخر من «الفصل» تلميذ ثان يحفر على غطاءِ «درجه» يدًا ممسكة عصا ضخمة، فماذا ترى جرى بباله حين حفر خطوط هذه وتلك بعبراته؟ لعل معلمه أذاقه طعمَ العصا فخامره الإحساسُ بها، ولم تزل تدور فى نفسه رهبةُ هذا السلطان الذى يدل عليه وقعُ العصا، فأجرى مبراته على الخشب بهذه الخطوط التى تمثل له المظهر المؤلم البارز لهذا السلطان. وهناك فى مكان ثالت صبىّ آخر يدنو منه المعلم فتتحرك يده فى خفة وسرعة لتخفى فى جيبه ورقةً، ويلمحه المعلم فينزعها منه فإذا فيها صورة أنف كبير كخرطوم الفيل! فماذا يا ترى فى هذا أيضًا؟ مإذا يريد فتانا بهذا الأنف الذى كأنما عناه ابن الرومى بقوله:
حملت أنفا يراه الناس كلهممن رأس ميل عيانًا — لابمقياس!لوشئت كسبًا به، صادفت مكتسبًاأو انتصارًا مضى كالسيف والفاس! لعل هذا الأنف رمزٌ لمعلم يتضاحك به التلاميذ، ولا يقوى هو على حكمهم لضعف فيه أو قلة حزم أو لأن شكل أنفه على وجهه أغرى للتلاميذ، بالضحك من أن تجدى معهم شدة أو حيلة! وثم، فى مكان آخر من «الفصل» أيضا، تلميذ ناهز الثالثة أو الرابعة عشرة يتناول المدرس كشكوله — كراسة الأعمال اليومية — فإذا هو قد ملأه بما يشبه أن يكون صورَ أجسام عارية: فى صفحة صورة فتاة أظهر ما فيها شعرها المنسدل على كتفين يبرز من تحتهما ثديان ناهدان، وفى صفحة أخرى رسمٌ أبرز ما فيه ضخامة الردفين وانسجام الساقين تحتهما، وفى صفحة ثالثة من كشكول تلميذنا رسم قدمين صغيرتين فى حذاءين جميلين. وهكذا.. فإلى أى شىء يرمز هذا الصبى الجرىء؟ ماذا يعنى بهذه الرسوم وبالاشتغال بها عن الدروس؟ لعله هو نفسه لا يفهم السر ولا يستطيع أن يشرح لك الدافع. ولكن المدرس، إذا كان لبيبًا فطنًا، يدرك أن هذا التليمذ أكبر من زملائه قليلًا، وأنه لا يبعد أن يكون قد بدأ يبلغ مبالغ الرجال، وأنه يعبر بما يخطط عن إحساسه الجنسى الغامض الذى أخذ يدب فى جسمه ويتمشى فى نفسه ويلفته كرهًا إلى المرأة ومواضع الملاحة فيها وبواعث الافتتان بها ودواعى الرغبة فيها..
فلماذا يفعل التلاميذ ذلك؟ نظن أنه لا خلاف فى أنهم إنما يرمزون بما يخطون — إذ كان لا يسعنا أن نقول بما «يصورون» — لكل ما له فى نفوسهم وقع وأثر. ولا يفعلون ذلك طلبًا للثناء، أو التماسًا لحسن الأحدوثه وخلود الذكر، لأن دأبهم أن يخفوا هذا الذى يصنعونه، ولا يدعوا عينًا أجنبية تطلع عليه. وكل ما فى الأمر أنهم دلوا بما خططوا على ما له تأثير فى نفوسهم أو ما يشغل خواطرهم. فكانوا بذلك مثالًا مصغرًا لمزاولة الفن لذاته.
وهناك طور آخر يتلو هذا ويكون الشاعر فيه قوامَ النظام الاجتماعى، ونصير الدين أو الملك أو الرئيس أو الوطن أو لسان العصبية. وهو طور خلا به فى الواقع عصرُ القبائل عند العرب، أيام كان الشاعر عضدَ القبيلة ونصيرها وفارسها وحاجبها وجلادها والداعى إلى خوفها وخشية بأسها، والمشيد بذكرها والمدونَ لمفاخرها وأيامها، أو بعبارة أخرى أيام كان العرب «لا يهنئون إلا بمولود يولد وفرس تنتج وشاعر ينبغ»: بالمولود ليشب منه فارسٌ يذود عن القبيلة، ويحمى حقيقتها، وتدفع عن بيضتها، وبنتاج الفرس ليركب فى الحرب، وبالشاعر ليذيع محامد القبيلة، ويهجو عداتها «ويدون تاريخها ويسجل أيامها. ولم يكن الأمر كذلك على عهد ابن الرومى. نعم، كان الشاعر لا يجد سوقًا تنفق فيها بضاعته إلا بين الملوك الحكام والأمراء والأشراف والموسرين، إذ كان هؤلاء وحدهم القادرين على تنويله وصلته، والإحسان إليه جزاء إحسانه إليهم وإلى فنه. وما كان هؤلاء ليلقوا بأموالهم من النوافذ، فإذا وصلوه وأجدوا عليه فإنما يفعلون ذلك ليخلدهم فى شعره، ولينتقم لهم من خصومهم ومنافسيهم وحسادهم. ولكن حالات الاجتماع كانت قد تغيرت قليلًا، وتبدلت مراتبُ الناس وعلاقاتهم ومساعيهم غير ما كانت. والشعر كغيره ظاهرة اجتماعية، فكيف ينجو من هذا التطور الذى طرأ على ظروف الاجتماع؟ كان قضاةُ الكلام وفياصله، الشيوخ والرؤساء أو الملوك والوزراء والأمراء، فظل هؤلاء، ولكن ظهر إلى جانبهم العلماء والأدباء والرواة والنقاد، وبدأ الجمهور يبرز بعد الخفاء، ولم يكن ينقص الشعرَ إلا أن تظهر المطابعُ ووسائل النشر التى جدت بعد ذلك، وفى غير ذلك الزمن، وفى أمم أخرى، ليستقل هذا الفنُّ عن الملوك والأمراء والرؤساء، وتدول دولة تحكمهم فى الشعر وأغراضه ومناحيه، وليتحرر الشعراء ويخلو لهم الجو، ولتصبح الصلةُ بينهم وبين الجمهور مباشرةً لا يعترضها شىء كما هى الآن مثلًا. وهو ما لم يشأه الله للشعر القديم.
إذن فقد كان ابن الرومى فى طور انتقال؟ نعم. وبذلك يشهد شعره. وليس فى عزمنا أن ننقل هنا كل ما يدل على ذلك وسنجتزئ بأمثلة قليلة. منها قصيدته الرائعةُ لما اقتحم الزنجُ البصرةَ وأعملوا فى أهلها السيفَ، وفى مساكنها ومساجدها النارَ، فقال ميميته الفريدة فى لغة العرب، واستنفر فيها «الناس» — الناس أى الجمهور لا الخليفة ولا زراءه ولا الأمراء. وجعل يستفز نخوتهم فيها بوصف البصرة وعزها وفرضتها (مينائها) ثم بالأهوال التى حلت بها من غارة الزنوج، والفظائع التى اجترحوها، والحرمات التى استباحوها، ثم بتصوير الخراب الذى حل بها، والهوان الذى أصابها؟ ثم بتصوير الموقف فى الآخرة حين يلتقى الضحايا والقأعدون عن نجدتهم «عند حإكم الحكام» وتأنيبه سبحانه لهم على خذلانهم إخوانهم؛ ثم بإهابته «بالناس» أيضًا أن يمثلوا لأنفسهم النبى ? ولومه أمته؟ ثم استنفارهم بعد كل هذه المثيرات والحوافز إلى إدراك الثأر وإنقاذ السبى. وهى قصيدة فى الطبقة الأولى من الشعر، لو غيرت ما فيها من الأسماء والمحليات لخيّل إليك أنها مما قال بيرون فى سبيل استقلال اليونان أو توماس هاردى فى إبان الحرب العظمى. وإنه ليؤسفنا أنها أطول من أن تنقل، وأنها لا تحتمل الاختيار ولا تقبل الاختصار. فليرجع إليها القراء فى الديوان ليروا كيف عدل بالخطاب عن سياقه المألوف فى ذلك العصر، ولم يعبأ لا بالملوك ولا الأمراء، ولم يفرض أنهم هم وحدهم المطالبون بالدفاع والنجدة، بل اتجه إلى جمهور الناس بصفته فردًا يقدر ما عليه وما على الأفراد مثله من واجب قومىّ دينىّ لا يخليه هو أو سواه منه شىء. وإنه لعجيب أن تخلو القصيدة من كل ذكر أو إشارة، صريحةٍ أو خفية، للحكام. وليس يسع القارئ إلا أن يذكر بها ما كان يستفز به الكتابُ والشعراء والجماهير فى أممهم فى إيان الحرب العظمى الأخيرة.
ومن الأمثلة أيضا أسلوبه الروائى الذى يطالعك من أكثر قصائده، وعدم اقتصاره فى الوصف على الظواهر المحسوسة، ومحاولته الإفضاء إلى البواطن وتصويرها، وتتبعه لحالات نفسه ولما يتقلب عليه ويمر به، حتى غلب ذلك على شعره على الرغم من الأغراض الأخرى التى كان ينظم فيها الشعرَ من مثل المدح والهجاء والعتاب والاستعطاف وغير ذلك.
وليس يخفى علينا أن هذه من خصائصه هو، ومميزاته التى انفرد بها، ولكن من الذى يستطيع أن ينكر أن ما تبتكره الشخصياتُ الممتازة يكون من عوامل التطور التى لا يمكن إغفالها؟
وبعد، فإذا كان فى أهاجى ابن الرومى كلام لا يعد من الشعر الصحيح بمعناه الأسمى، فذلك على الاكثر ذنب عصره الذى كان يقبل ذلك ويتسع له وُيغرى به فى الواقع، كما هو الشأن فى أفحاشه وعرره التى لا تطاق فى عصرنا الحاضر مثلا. ونقول على الأكثر، لأن ابن الرومى كان حادَّ المزاج سريع الغضب متمرد الطبع. فعصره، من ناحية، كان يُبيح له أن يُفحش وأن يأتى بالشناعات، ويخرج بالشعر عن سبيله، ويعدل به عن غايته، ويتخذه فى بعض الأحايين أداة انتقام شخصى فظيع. ولكنه لا يعيبك، حتى فى أفحاشه، أن تلمح باعثًا خلقيّا ساميًا يُخرجه عن طوره. فقد كان الرجل على كثرة أضاحيكه جادّا فى حياته وفى النظر إليها. ولم يكن لهوه وعبثه إلا لفرط إحساسه بمرارة الجد فى هذه الحياة، ويشعرك بذلك قوله، وهو حسبنا شاهدًا مغنيًا عن كثير أمثاله:
كيف العزاءُ وما فى العيش مغتبطولا اغتباطَ لأقوام يموتونامتى نعش، فبِلى الأحياء يدركناوإن نمت، فبلى الأموات يقفونالا بد من ميتة للمرء أو هرميظل منه جليدُ القوم موهوناوالبيض والجون لا نهوى فراقهماولا نزال نذم البيض والجوناوكل لهو لهاه الناس مشغلةٌعن ذكر ما هم من الأحداث لاقونا وهو على كثرة ما فى شعره من الفحش، صحيح الإدراك من حيت الآداب والأخلاق. ومن شاء أن يقدر مبلغ ما رُزق ابن الرومى من صحة الإدراك الأخلاقى فما عليه إلا أن يدع ما يراه فى كلامه من التنزى إلى المقابح وأن يبحت عن البواعت التى دفعته، والأسباب التى أغرته، فإنه لا يلبث أن يتوسم من معاريض كلامه، ويستشف من وراء لفظه، صحة مبادئه وعظم نصيبه من سمو النفس وجلالة الروح.
أما أهاجيه الفكاهية فمن أبدع ما له. وهو فى أكثرها مصور كعادته «لا تنقصه إلا الريشة واللوحة. بل لا تنقصه هاتان لأنه استعاض من الريشة بالقلم، ومن اللوحة بالقرطاس، فاكتفى بهما وأثبت فى النظم البديع ما لا تثبته الألوان والأشكال»، كما يقول صديقنا الأستاذ العقاد. فمن ذلك قوله فى بعضهم:
ويحَ ابن يوسف! ليت الويح عاجلهفما يدانيه فى بلواه أيوبطول وعرض بلا عقل ولا أدبفليس يحسن إلا وهو مصلوب! ولو غيره من الضعاف لعدل عن «المصلوب» إلى ما هو دون ذلك.
ومنه وصفه للأحدب، وقد تقدم، وقوله فى أبى حفص الوراق وكان قصيرًا:
وقصير تراه فوق يفاعفتراه كأنه فى غيابهلم تدع فقدَه يدُ الدهر حتىقمعت فيه طوله وشبابهوجلت رأسه — نعما — فأضحىبارز الصرح ما يوارى صوَابهيا أبا حفص الذى فطن الدهرلميدان رأسه فاستطابهظرف الدهر فى اتخاذك صفعانا وما خلته ظريف الدعابه وقوله فى بخيل:
غدونا إلى ميمون نطلب حاجةفأوسعنا منعًا جزيلًا بلا مطلوقال: اعذرونى إن بخلى جبلّةوإن يدى مخلوقة «خلقة القفل» إلى كثير من وصفه للأقفاء واللحى والعثانين والمواقف المضحكة كقوله:
إن أبا حفص وعثنونهكلاهما أصبح لى ناصباقد أغريا بى يهجوانى معاوحدى، وكان الأكثرُ الغالباأقسمت ما استنجد عثنونهحتى غدا لى خائفًا هائباإن كان كفؤًا لى فى زعمهفليعتزل لحيته جانبا! وشبيه بهذا الموقف المضحك قوله فى متفلسف دعىٍّ يتسقرط وتزعم نفسه فارسًا كميّا:
أطْلِق الجرذانَ بالليلوصح: هلِ من مبارز؟! وقوله فى بخيل أو من يزعمه ابن الرومى بخيلَا:
يقتر عيسى على نفسهوليس بباق ولا خالدفلو يستطيع لتقتيرهتنفس من منخر واحد!! وليلاحظ القارئ أنه لا يخلط بين مجال المصور ومجال الشاعر، ولا يحاول أن يجعل قلمه ريشةً، فإن ذلك لا خير فيه ولا ثمرة له، ولكن يجىء لك بما هو حرى أن يعينك على تصور ما يريد. وآية ذلك أنه حين أراد أن يصف قِصَر أبى حفص وضعه على يفاع أو مرتفع ليساعدك على تقدير النسبة، وذكر لك أن «صرح» رأسه مجلوّ، وأنه من الصلع بحيت لا يوارى بيض قملة، لأنه لا شعر هناك، وأن صفع الدهر له قمع طوله! وتأمل كذلك تصويره معنى البخل بقوله إن اليد مخلوقة خلقة القفل! ولعمرى ماذا يسع المصور بريشته فى مثل هذا؟ إن البخل ليس مما ينطق به الوجه، ورسمُ اليد مُطبقه لا يدل عليه ولا يفيد الناظر شيئًا. فهو كما ترى مصور، ولكن فى حدود فنه وفى الدائرة التى تعينها قدرةُ الألفاظ.
(?) فلسفته

(أ)


هل لابن الرومى فلسفة تستخلص من شعره الذى كان يهضب به ويسح؟ أو إن شئت، وكنت مثلنا لا تقوى أضراسك على مضغ الجلاميد التى يطلقون عليها اسمَ الفلسفة أحيانًا، فقل هل له مذهب فى هذه الحياة؟ وكيف كان إدراكه لسنتها، وإحساسه بصروفها، ومجاوبته لوقعها، وملابسته لحالاتها؟ وهل أركض عقله فى ميدانها وأطلق خياله فى سمائها؟ وفى الجواب على ذاك، الحكمُ على ابن الرومى. فإذا كان الجواب نعم، وكان الرجل عندك صاحبَ نظرة خاصة إلى الحياة، فقد سلكته مع الفحول. وإن كان لا، وأرجح ألّا يكون كذلك، فقد هبطت به إلى منزلة الظرقاء الذين يلتمسهم المرءُ أحيانًا وينضو عند عتبتهم الجد والتفكير، وتحاضرهم محاضرة المترفِّه المتلهى، كما يداعب الشيخ الوقور فتاه الحدث، ويمسح له جبينه، ويلمس كفه صباحة محياه الجديد ونضارة متوسمه القشيب، ويجرى معه لسانه بالكلام الخفيف، ويضاغيه ويلاثغه ويمتع سمعه وعينه بسذاجته وبجهله الحلو وغفلته اللذيذة!
ونعتذر إلى ابن الرومى من هذا السؤال — لو أنه يعى اعتذارنا أو يحفل ما نقول فيه! — وأكبر الظن أنه لو كان حيّا، ورانا نسأل أَلهُ مذهب أو رأى فى الحياة، لأخبّت إلينا وأوضعت أهاجيه النارية:
من كل سائرة بذلك يرتمىبركابها الأغوار والأنجاد فالحمد لله الذى أماته قبل أن يُحيينا! فما نظنه كان يشفع لنا عنده أنا نُشيد بذكره وننشر مطويه وننصف عبقريته.
كلّا! لا مراء فى أن ابن الرومى من كبار الفحول، وأنه كان يحس الحياة بكل جارحة فيه، بل يقبل على الحياة وينشد الإحساس بها ويعرِّى أعصابه لها، ليتملى من الشعور بها يلابسها بروحه، ويدير عينه ويقلبها تارة فى نفسه وتارة أخرى فيما حوله، ولا يمل التأمل، ولا يفتر عن التدبر، ولا يكف عن المقايسة والمقابلة، وعن إرسال النظر رائدًا وإجالة الفكر حاصدًا. وبماذا خرج؟ قد لا يرضيك ما انتهى إليه واستقر عليه. ولكن ما قيمة ذلك؟ إن الشاعر ليس مطالبًا بأن يقدم لك مذهبًا فلسفيّا جامعًا مفصل الحدود واضح المعالم، ولا بأن يحسر لك ظلالَ الإبهام عن مشكلات الحياة، ويزيح حجبَ الظلام عن أسرار الوجود. بل حسبنا منه أن تكون له فكرة عن الحياة بخيرها وشرها، وسعودها ونحوسها، وقوانينها ومظاهرها، وأن يفضى إليك بوقعها الذى لا مهرب منه ولا متحول عنه، والحياة، بعد، لها أكثر من وجه واحد ومظهرَّ واحد وليست صفحتها الغامضةُ السوداء التى يفتحها لك الشاعر بأقل فتنة أو أضأل نصيبًا من الصواب، من صفحتها الواضحة البيضاء التى ينشرها لك الفلاسفة والعلماء. فإذا كان لا يروقك ما خطه ابن الرومى فى صفحته، وأطلعك منه على جانب من تاريخ الإنسانية، فإن فى الحياة كثيرًا مما لا يروق ولا يعجب، وهو مع ذلك من لوازمها. ولقد سبق من ابن الرومى الاعتذار من ذلك بأن سأل: «أما ترى كيف رُكب الشجر؟».
رُكب فيه اللحاءُ والخشب اليابس والشوك بينه الثمروكان أولى بأن يهذب ما يخلقربُّ الأرباب لا البشر وكان ابن الرومى يرى أن الأدب فن يُزاول ويتعهد ويكون المرءُ له «أعتى الخدم» وتنقطع له ويتوفر عليه وينحرف بسببه عن كل كسب، ويبيت «يمرى فكره تحت الظلم» وأن للأديب من أجل ذلك حقّا على الناس وحرمة واجبة الرعاية، وقدمًا تستحق أن تثاب، وأن من تناسى حقه فقد ظلم. فليس الشعر عنده عبثًا ولا لهوًا، بل هو غاية الجد، وليس مطلبه بالسهل الهين بل هو مغاص فى درك اللجة «من دون درها الخطر».
وفيه ما يأخذ التخير من غالٍ ثمين، وفيه مايذر وهو فن حى ينشأ ويشب ويهرم ككل حى آخر:
والشعر كالعيش، فيهمع الشبيبة شيب ولا نكران أنه قال فى آخر حياته:
حتّام ياسائس الدنيا تؤخرنىوإننى لنظير الصدر لا الكفللكل قوم رسوئم أنت راسمهاولست فيهم بذى رسم ولا طلللا فى التجار ولا العمال تنصبنىوإننى لقليل المثل والبدل ولكن ذلك لم يكن لزراية على الأدب، أو اغتماض لقدره بل هى لهفة على سوء حظه المادى. وكيف تعقل منه الزراية على فنه وهو فى القصيدة عينها يقول:
فى «دولتى» أنا مغصوب وفى زمنىعودى ظمئ بلا رى ولا بلل! ومن أين جاءته «الدولة» وصار له «زمن» بغير شعره؟ وحسبك شعوره هذا بأن له دولة وزمنًا، دليلًا على إكباره فنه. وليس هذا بالخاطر العارض، فإنه المتسائل فى معرض هجاء لأبى إسحادتى البيهقى:
أبيهقىّ يقول الشعر فى زمنى؟أولى له، ما لمثلى تنبغ النبغهْوما امتهانى به شعرى، وخلقتُهتهجوه عنى وعن غيرى بكل لغه؟ ولم يكن يقول كالعرب إن أمتهم أشعر الأمم، وحكمتها أعظم الحكم، بل كان يقول:
قد تحسن الرومُ شعرًاما أحسنته العريبيا منكرَ المجد فيهمأليس منهم صهيب؟ وصهيب هذا، ابن سنان، صحابى أصله رومى وأسلم، وفى نظرته هذه اتساع وإنصاف وخلو من عصبية كانت تكون منه متكلَّفة غير سائغة: وهو كما أسلفنا رجل متشائم. وعنده أن الطفل إنما يبكى «لما تُؤذن الدنيا به من صروفها»، وإنه لذلك:
إذا أبصر الدنيا استهل، كأنهبما سوف يلقى من أذاها يُهدد ويعلل ذلك بأن للنفس أحوالًا «تشاهد فيها كلَّ غيب سيشهد» وكأنه يريد أن يقنعك بأن هذا الرأى هو ثمرة التجربة، وأنه لا يرمى به جزافًا، ولا يلقيه على عواهنه، ومن أجل هذا يمهد له بأنه إنما يذهب إلى ذلك بعد أن شابت رأسه، وقوست قناته، ودب الكلال فى عظامه، وتوكأ على العصا. ولا غرابة بعد ذلك أن الدنيا عنده:
دار غريب خيرهاوترى الشرورَ بها مُربهأدوت وغاب دواؤهاعن كل نفس مستطبه والمرء منذ يولد إلى أن يوارى فى التراب «رهن النوائب» وحسبه من هذه النوائب فقدُ شبابه:
ولو لم يصب إلا بشرخ شبابهلكان قداستوفى جميعَ المصائب وما دام المرء يموت فليس فى العيش مغتبط، وكل لهو مشغلة عن ذكر ما يلاقيه المرء من الأحداث. وكيف يطيب العيش للإنسان وهو موقن بأن طيبه سيذهب كالحلم؟!
ومن كان فى عيش يراعى زوالَهفذلك فى بؤس وإن كان فى نِعَم وكر الأيام انتقاصٌ من القُوى. حتى الأبناء تخوُّن وتنقص من المرء يُزاد فى «الأبد»، ويضاف إليه وهم عبارة عن قوى تستجدها الحياة بَأن تنقصها من الآباء، والمرء يسر بمولوده وهو لا يدرى أن الزمان يهده بشد أبنائه منه.
ومن العجائب أن أسربمايُشد بأن أهد! ولكن هذا ليس بعجيب، إذ لولاه لما طلب الناس الذرية.
والمرء إذا أمل أن يعيش مثل ما عاش «فيا ويحه إن خاب أو أدرك الأمل» لأنه إذا طالط عمره اكتهلت همته ولم يعد يجد ابتهاجًا بما كان يبتهج به، أو قدرةً عليه أو بشاشة له:
وحسب من عاش من خلوقتهخلوقة تعتريه فى أربه وإذا فاتت المرءَ متعةٌ فهو غير مغبون فى الواقع، لأن من يدرك شيئًا لا يزال قلقًا خائفا يترقب افتقاده. أما من فاتته متعة فهو مطمتن وقد أمن أن يُرزأها:
وكفى عزاء لامرئ عن فائتأن لا يخاف عليه صرفَ زمان ومتى كان الأمر كذلك:
فلا تغبطن المترفين فإنهمعلى حسب مايكسوهم الدهر يسلب وسليم الزمان كمنكوبه، وموفوره كمحروبه، والممنوح مثل الممنوع، والمكسوُّ مثل المسلوب:
ومحبوبه رهن مكروهومكروهه رهن محبوبهومأمونه تحت محذوره،ومرجوه تحت مرهوبهوريب الزمان غدًا كائنوغالبه مثل مغلوبه فإذا غصبك الزمان حظك فاستر نفسك فإن هذا الستر لا يغصب. ولا مفر على كل حال من القدر، فطامن حشاك فإن ما تحب وما تكره واقعان بك لا محالة:
وإذا أتاك من الأمور مقدروهربت منه فنحوه تتوجه والسعادة والشقاوة حظوظ. والحظ يأتى صاحبه وادعًا، ويُعيى سواه ساعيًا:
إذا كان مجرى كوكب سمت هامةعلاها، وإلا اعتاص ذلك مطلبا والذى يسعى ليدرك حظه «كسار بليل كى يسامت كوكبا».
ولو لم يسر، وافاه لاشك طلبهبغير عناءٍ بادئًا ثم عقبا ولا يحسبن أحد أن ابن الرومى راض عن ذلك. وكيف يرضى عنه وهو لا يرى مطلب الدنيا يهون إلا للجهلاء والحمقى؟
فليس ينفك ذو علم وتجربةمن مأكل جشب أومشرب رنقوذو الجهالة منها فى بُلهنيةمن مسمع حسنٍ أو منظر أنق وهل يعد راضيًا من يقول:
تبارك العدل فيها حين يقسمهابين البرية قسمًا غير متفق! وقد أنحى فى قصائد شتى على الحظوظ، وعزى نفسه مرة بأن الصخر راجح الوزن راس، وأن الذر شائل الوزن هاب، ومرة أخرى بأن الجيف المنتنة هى التى تطفو على اللجة، أما الدرِ فيكون تحتها فى حجاب، وطورا بأنه لا وجه للعجب والألم من تخطى الحظ لأصيل الرأى لأن الله خلق الناس بلا وبروكسا البهائم «أوبارًا وأصوافًا»! وطورًا بأن هذه الدنيا ليست سوى جيفة ميت: «وطلابُها مثل الكلاب النواهس»!
وأنه لا محل لتفاضل الناس «بتفاضل الأحوال والأخطار»، فإن هذا جور.
وإذا كانت الدنيا كذلك، وكان الشر فيها غالبًا، فالحذر واجب والحزم فرض، ليقل التجنى على المقدور. وعلى المرء إذا ظن شرّا أن يخافه! فرب شرٍّ يقينُه مظنونه.
كم ركون جنى عليك حذارامن أطال الركون قلَّ ركونه ولا تبيتن آمنا من أحد، فآمن ما يكون المرء إذا لبس الحذَر من الخطوب.
ومن أمْن النفس أن تخاف، وأن تستشير الحزم، والعدو مستفادٌ من الصديق.
فإن الداء أكثر ما تراهيكون من الطعام أو الشراب ومن الحكمة أن لا يقذع المرء الحاكم فى أيامه، خوفًا لسطوته بل حتى إذا أصابه الزمن بصرفه، حذرًا من رجعته.
فليعلم الرؤساء أنى راهبللشر، والمرهوب من أسبابه واعلم أن الناس من طينة خسيسة «يصدق فى الثلب لها الثالب».
لولا علاجُ الناس أخلاقَهمإذن لفاح الحمأُ اللازب وأديم الإنسان من أديم الأرض، فهو مثلها خسيس، والنفس تلؤم رجوعًا إلى طينتها، واللؤم مركوز فى الطبع البشرى، مركب فى الجبلات:
ولابد من أن يلؤم المرءُ نازعًاإلى الحمأ المسنون ضربةَ لازب حتى النفس الكريمة لا مفر لها من رجعة إلى هذا الحمأ المسنون «ثم تكرم». والشر بين الناس عام مشترك، وهو الأصل، أما الخير فيهم فغير مشترك. والضعيف فى الدنيا موطّأ مهين، والقوى محترم مرهوبة شِرته. والخيِّر المسالم أو المقلم الأظفار لا يعبأ به أحد أو يحسب له حسابًا.
لا بدع! إن الحرب مرقوبةوالسلم لا يرقبه راقب ولهذا كان الحلم ضعفًا، وكانت رقابُ أهله مقصودة بالهوان، فلابد من ادِّراع الجهل فوق الحلم، وإلا اعتُمد المرء بالإساءة واستخف به الناس واستطالوا عليه.
من صونك الحلمَ أن تدرعه الجهل فظاهرْ من دونه زرده وأكثر الناس يتسخَّون طلبًا للحمد ونفاقًا، ويتكلفون الندى ولكن الكريم ليس الذى يعطى عطيته عن ثناء أو التماسًا للذكر.
بل الكريم الذى يعطى عطيتهلغير شىء سوى استحسانه النفلا ومن كان هذا شأنه فهو لا يبذل العرف ليصيد به محمدةً ولا يمنُّ على من يقلده منته.
والإحسان الذى من هذا الضرب آنسُ للقلوب، والنفس إذا تذكرت أياديَها الخالصة لوجه الله «أفاقت من معالجة الكروب». والنعمى قيد، ولكنها إذا قوبلت بالشكر زال القيد، وتكافأ المنعم والشاكر، لأنه إذا كان المنعم قد جاد بماله أو جاهه، فقد جاد الشاكر من فؤاده.
ولقد كافأ بالنعمى امرؤكافأ النعمى بإخلاص الوداد ولا ينبغى أن تكون الفضائل باعثها الرغبة أو الرهبة.
أأحب قومًا لم يحبوا ربهمإلا لفردوس لديه ونار؟ والحلف الكاذب جائز عنده مع الاضطرار وضيق الحال:
وإنى لذو حلف حاضرإذا ما اضطررت وفى الحال ضيقوهل من جناح عًلى مرهقيدافع باللّه ما لايطيق؟ والحشمة محبوبة بين الصديقين لتحجز بينهما وبين العقوق، أما التبسط الذى يؤدى إلى بخس واجبات الحقوق فلا حبذا هذا وأقبح به!
(ب)


قد بلغنا، ولا حمدَ، أعوصَ مسائل ابن الرومى. ونعنى بها نظراته فى فلسفة الجمال. وليس وجهُ الاعتياص أن فى شعره غموضًا أو التباسا أو اضطرابًا يدفعك إلى الشك فى تأويل نظرته، أو التردد فى حملها على ما يغريك به بعضُ كلامه. كلا! فإن ابن الرومى شاعر مشرق الديباجة، ناصع الأسلوب، واضعٍ المحجة، وهو غوّاص لا يستخفه ما يعن له فى أول الخاطر، ومصف يأبى أن يدع ذرة تتفلت، ودقيق دوَّار العين يطلب الإحاطة بجوانب ما يتناول، وملحاح لا يجتزئ بأن يدفع إليك الفكرة ناضجة تامة ويدعك وشأنك معها، بل يبرزها لك كلما عرضت مناسبةٌ ليقسرك على الالتفات إليها والعناية بها، حتى كأنه لا يطمئن الى ذكائك وقدرتك على الالتقاط والتفطن.
وإنما وجه العسر والمشقة هو كيف نتناول الموضوع؟ ومن أى ناحية نطرقه؟ وماذا نأخذ وماذا نذر؟ ومما يضاعف المشقة أننا لا نحب أن نظل نكتب عن ابن الرومى إلى اخر العمر! وأحر بألّا نفرغ منه إذا أردنا الاستقصاء. إذ كان معنى الاستقصاء أن نضع نحن كتابًا ضخمًا له أولٌ وليس له آخر فى فلسفة الجمال، وأن نعتسف من أجل ابن الرومى وإكرامًا لخاطره ولسواد عينيه — إن صح أنهما كانتا سوداوين! — تلك الوعورَ التى زحم بها الطريقَ أفلاطون وأرسططاليس وبلوتيناس من القدماء، وكانت وشلنج وهيجل وشوبنهور وهربارت ولسنج وجيته وشيللر ومئات غيرهم من الألمان، وبيربوفييروتين وليفيك وسواهم من الفرنسيين، وهتشنسون وشفتسبرى وريدورسكن وهوم وبيرك وإليزون وبين وسبنسر من الإنجليز؟ وأن نحاول أن نقامس فى ذلك اليم الطامى كلَّ هاتيك الحيتان الفظيعة! لا ياسيدى القارئ عفوك! فإنى كابن الرومى لو ألقيت فى هذا البحر «صخرةً، لوافيت منه القعرَ أول راسب!».
ولم أتعلم قط من ذى سباحةسوى الغوص، والمضعوفُ غير مغالب وكما كان أيسرُ إشفاقه من الماء أن يمر «به فى الكوز مرَّ المجانب» كذلك أيسر إشفاقى من مباحث أصحابنا هؤلاء ألّا أقرب الرفَّ الذى فيه كتبهم! وإذا كتب الله لى أن أفتحها أغمضتُ عيني! ولقد كنت فى بعض ما سلف من عمرى جريئًا، وكنت لا أتهيب كل التهيّب أن أفتح واحدًا من هذه الكتب، ولكنى كنت لا أكاد أعبر بضعَ صفحات حتى أحسّ كأنى مُطلّ من زحلوقة على هاوية سحيقة، فتنفرج شفتاى عن صوت كهذا «بورررر!» فأرفع رأسى فزعًا، وأمسك بجوانب ا لكرسى حتى تطمئن نفسى ويذهب عنى الروعُ وأحمد الله على السلامة!
إذن فما العمل؟ وكيف تتم — على أى وجه — ما بدأناه من الكلام عن ابن الرومى؟ الحق أقول لك، أيها القارئ، إنى لا أدرى! وقد بدأت أشعر لابن الرومى بغيظ واضطغان لدفعه إياى إلى هذه المآزق المرعبة. ولقد حدثتنى نفسى أن أبتر الكلام مكتفيا بما سبق، وأن أجعل الختام هجاءً له! — لكنى ذكرت قوله:
رقادَك! لا تسهر لىَ الليل ضلةولا تتجشم فىّ حوك القصائدأبى وأبوك الشيخ آدم، تلتقىمناسبنا فى ملتقى منه واحدفلاتهجنى! حسبى من الخزى أننىوإياك ضمتنى ولادةُ والد فعضضت شفتى وعدلت! وبدا لى أن أضرب صفحًا عن الشواهد على قدر الإمكان، لأنها آلاف مبعثرة لا يتسع لنقلها المقام، وأن أورد ما يدل عليه شعره، أى أن أقدم للقارئ صورة عامة مجملة عن اراء ابن الرومى وأن أدع له رسمَ الخطوط التفصيلية إذا شاء. ولماذا لا يتعب القارئ قليلًا؟ ما الذى يوجب على الكاتب أن يتكلف كل ضروب العناء حتى لا يحوجه حتى ولا إلى «هضم» الفكرة؟ ماذا يصنع القارئ برأسه هذا الذى فوق كتفيه؟ أليس أجدى عليه أن يحتاج إلى التفكير بنفسه ولنفسه حتى لا يعتاد الكسل، وحتى لا يعود رأسُه حملًا على كتفيه؟ هذا أصلح ولا شك! فإن كان لا يعجبه هذا، ولا ترضيه طريقتنا الجديدة، فما عليه إلا أن يقف عند هذا الحد ولا يمضى فى قراءة المقال! والاَن فلنبدأ: من أول ما يستلفت النظر فى شعر ابن الرومى نوعُ إحساسه بالطبيعة. فهو لا يحسها ولا يتأملها إلا إحساسًا شعريّا؟ ونعنى بذلك أن خياله ينشط، وأنه حين يتدبر قواتها ومباهجها وحالاتها المتنوعةَ، يفيض من حياته عليها، وتعيرها من إحساسه وخوالجه حتى تعود فى نظره حية نابضة مثله، لها حسٌّ وروح وذاكرة، بل إرادة. نعم إرادة! وحسبك أن تقرأ له هذا البيت من جيميته التى يرئى بها أبا الحسين العلوى.
لمن تستجد الأرضُ بعدك زينةفتصبح فى أثوابها تتبرج؟ فإنك على أى محمل حملته، وكيفما أولت صدر البيت، لا تستطيع أن تهرب من الشعور بأن هذه الأرض — التى «تسمى الأرض أحيانًا» — ليست مادةً خالية من الحياة ولا صورة ميتة. على أن الطبيعة عنده مسخر للحياة، فهى دونها وبعضها، ووسيلة إلى تحقيق غاياتها، وليست نوعًا من الحياة قائمًا بذاته مستقلّا عن حياة الإنسان. وهذه نظرة واضحة العلة، لأنه بعد أن يريق عليها من فيض حياته هو، لا يسعه إلا أن يشتمل عليها أويجعل الحياةَ نفسها مشتملةٌ على الطبيعة معه.
وقد تراه، أحيانًا، حين يصف منظرًا، لا يكتفى بأن يعزو إليه الحياة والحس، بل يكاد بخياله يتسرَّب فى خلال هذا المنظر ويغيب فى أثنائه، لا من الوجهة المادية بل من حيث الإحساس. ونظن أن هذا الكلام يحتاج إلى مثل يُضرب ويستعين به القارئ على فهم المراد فنقول: هبك تتدبر هيكلًا من الهياكل المصرية القديمة مثلًا فإنك إذا كنت قوى الخيال أو نشيطه، وأرقت على هذا الهيكل بعض حياتك أمكنك أن تتصور أن هذه العمد ليست حجارة مرفوعة يستوى فوقها سطحٌ ويتزن، بل هى مثلًا حركة صاعدة مستمرة، أو قوى حية تعالج أن تقاوم الضغطَ الواقع عليها الذى يريد أن يهبط بها. وليست تستطيع أن تتصور ذلك دون أن يخالجك إلى حد كبير نفس الإحساسات التى تفيضها على هذه العمد وما فوقها — وابن الرومى حين يصف الطبيعة يعيرها روحه، ويضع نفسه موضعها، ويفضى إليك بإحساسه معزوّا إلى الموصوف. ولكنه مع هذا لا يفقد شعوره بنفسه وبالعالم، ولا يكون كالمسحور، بل يظل متفطنا إلى حقائق الدنيا اليومية، فكأن شعوره مزدوج: بقبل تصوير خياله للحقيقة، ويتعلق به، ويكبحه عن الغلو والاستغراق المفرط الإقرارُ الباطن للحقيقة الملموسة وراء ذلك. وليس يخفى أن الأمر فى هذين يتوقف على عنصر النشاط الخيالى الذى يختلف باختلاف الناس، وعلى مقدار الاختلاف فى التجارب السابقة، وعلى طبيعة المزاج وغير ذلك مما يدفع إنسانًا إلى إيثار المرئيات، وآخرَ إلى التعلق بالأصوات، وهكذا.. مما يجعل مجال الخيال وعمله فيما يتناوله الحس، مختلفًا باختلاف الناس.
وواضح من شعر ابن الرومى أن إحساسه بالجمال فى الطبيعة وفى الإنسان لم يكن من طريق النظر والسمع وحدهما، بل كان لحواسه الأخرى، ولا سيما اللمس والشم، حظّ وافر من القدرة على إفادة الاستمتاع بالجمال. فكان إذا نظر مثلًا إلى زهرة يكاد «يلمسك» غلائلها من وصفه لها، ويشمك أريجها ويشعرك كأنه يمسحها بكفه فى رفق، ويدنيها من أنفه فى سكر، وكان حظُّ الشم عنده عظيمًا أيضًا. غير أن أوفر الحظوظ للسمع والعين ومن حقهما ذلك ولا سيما عند ابن الرومى الذى «يكاد» يدور كل إحساس له بالجمال فى الطبيعة وفى الإنسان على «الغريزة النوعية» وذلك لأن النظر والسمع، لكونهما يستطيعان أن يتناولا المرئى والمسموع عن بُعد، يسمحان بأن يشترك فى المنظور أو المسموع، خلق كثير — وذلك أيضًا ما تستطيعه حاسة الشم إلى حد كبير. ومن هنا كانت حاستا النظر والسمع، ثم حاسة الشم، حواسّا اجتماعية، أى أن بها — ولا سيما با لأوليين — يتمكن أكثر من فرد واحد من الاشتراك فى التأثر بالجمال، ولذلك كانتا هما الحاستين الفنيتين، لأنهما وسيلة مشتركة للإحساس بالجمال، ولمضاعفة هذا الإحساس وتقويته بتأثير التعاطف. وإذا شئت دليلًا محسوسًا على ذلك من عصرنا الحاضر فالتمسه فى نجاح المسارج التمثيلية ودور الغناء والرقص والصور المتحركة وما إليها. أضف إلى ذلك أن الإحساس من طريقهما أصفى وأسمى، إذ كانا أبعد أخواتهما عن وظائف الحياة الضرورية وحاجاتها الملحَّة ومطالبها المقلقة. وهما يحضران إليك الأشياء المادية فى أقل حالاتها إزعاجًا. لأن الأشكال والألوان الأصوات، إذا قيست بما يلمس ويتصل من طريق اللمس بأجسامنا، أشبه بصورٍ للأشياء المادية أو رموزٍ بعيدة لها، ومن أجل ذلك كانت هاتان الحاستان أصلحَ من غيرهما لأن يكونا أداةً إلى الاستمتاع الفنى بالجمال.
وقد كان ابن الرومى كما أسلفنا يرى الطبيعة مسخرةً للحياة ومعوانًا على حياة الفرد وحياة النوع أيضًا. فهو القائل:
إذا شئتُ حيتنى رياحين جنةعلى سوقها فى كل حين تنفسوإن شئت ألهانى سماع بمثلهحمام تغنى فى غصون توسوستلاعبها أيدى الرياح إذا جرتفتسمو وتحنو تارة فتنكسإذا ما أعارتها الصبا حركاتهاأفادت «بها أنس الحياة» فتؤنستوامض فيها كلما تسمع الضحىكواكب يذكو نورها حين تشمس والقائل فى وصف روضة:
ورياضٍ تخايلُ الأرض فيهاخيلاء الفتاة فى الأبراد وتأمل إلى جانب هذا البيت قوله فى نسوة.
وميسن فى حلل الأفواف عاطرةفخلتهن لبسن الروض أفوافا فالروضة كأنها الفتاة تميس فى برد مفوّف، والفتاة كأنها الروضة فى وشيها المطرف؟ وكما أن المرأة تتجمل وتتزين وتتعطر وتتدهن لتملك قلبَ الرجل وتستولى على هواه حين تبرز له، كذلك الطبيعة فى الربيع:
أصبحت الدنيا تروق من نظربمنظر فيه جلاءُ للبصرأثنت على الله بآلاء المطرفالأرض فى روض كأفواف الحبرنيرة النوار زهراء الزهرتبرجت بعد حياءٍ وخفرتبرج الأنثى تصدت للذكر
والمرأة إنما تتجمل وتتحلى للرجل، لا حبّا فى الزينة ولا طلبًا للتجمل من حيث هو وباعتباره غرضًا فى ذاته. وإنما تفعل هذه لأنه بعض سلاحها الذى تقنص به الرجلَ لتؤدى وظيفتها التى خلقت لها، وهى المحافظة على النوع. وكذلك الحياء، عنده، سلاح جنسى، لا تتكلفه المرأة ولا تتصنعه، ولكنه من الصفات التى تضيف إلى جمالها وتجعله أفتن للب وأسحر للقلب. والمرأة حين تفوز بإرضاء عاطفتها الجنسية لا تعبأ بالتجمُّل ولا تحرص على زينتها أو حيائها أو دلالها، أو غير ذلك من أدوات قنصها، إذ لم يبق لها من محل أو عمل. وله فى ذلك أبيات ليس أعمق منها ولا أصدق، وإن كان فيها فحش كثير، ومنها:
تتجمل الحسناءُ كل تجملحتى إذا ما أُبرز المفتاحنسيت هناك حياءها ودلالهاشبقا، وعند الماح ينسى الداح! وليس الجمال عنده شكلًا فحسب، بل هو أيضًا «تعبير» وهو فوق هذا يأبى أن يكون له حدود ينحصر فيها ويقتصر عليها ويسهل تعديدها، ثم هو، إلى هذا، صفة يتعذر التفريق الدقيق بينها وبين ما هو إليها من الصفات. وما عليك إلا أن تقرأ له داليته فى وحيد المغنية، وكان مشغوفًا بها. وفيها يقول:
وغرير بحسنها قال صفهاقلت أمران: بينُ، وشديديسهل القول إنها أحسن الأشياءطرّا، ويصعب التحديدتتغنى كأنها لا تغنىمن سكون الأوصال وهى تجيدلا تراها هناك تجحظ عينلك منها، ولا يدر وريدمن هدوء وليس فيه انقطاع،وسجوّ وما به تبليد وفى صوتها يقول:
مد فى شأو صوتها نفسُ كاف، كأنفاس عاشقيها، مديدوأرق الدلال والغنج منهويراه الشجى فكاد يبيدفتراه يموت طورًا ويحيامستلذّ بسيطه والنشيدفية «وشىُ» وفيه «حلى» من النغممصوغ «يختال» فيه القصيد ثم يقول مستغربًا مجيبًا:
ليت شعرى إذا أدام إليهاكرةَ الطرف مُبْدئ ومعيدأهى شىء لا تسام العين منه؟أم لها كل ساعة تجديد؟بل هى «العيش» لايزال متى استُعرض يملى غرائبًا ويفيدمنظر، مسمع، معان من اللهوعنادٌ لمايحب عتيد وبهذا البيت الأخير يفطن إلى ما فطن إليه شيللر الشاعر الألمانى، وتابعه عليه سبنسر الإنجليزى، من العلاقة بين الإحساس الفنى بالجمال وبين اللهو الذى هو نتيجة الفائض من النشاط العضوى.
وقلَّ من بين شعراء العرب أو غيرهم من يقارب ابن الرومى فى دقة إحساسه بالجمال فى جميع مظاهره وأشكاله، ولقد فقد شبابه وبكاه فى عدة قصائد، فكان أكثر ما بكى منه أن فقد به القدرةَ على التمتع بالجمال.
اقرأ له قصيدته التى مطلعها:
أبين ضلوعى جمرةٌ تتوقدعلى ما مضى أم حسرة تتجدد وتأمل قوله فيها:
وفقدُ الشباب الموتُ يوجد طعمهصراحًا، وطعم الموت بالموت يفقد فماذا تراه فى ظنك يبكى بهذا البيت؟ الموت فى الحياة؟ وماذا يكون هذا إلا ما ذكرنا؟ ثم قوله بعده:
سلبت سواد العارضين، وقبلهبياضهما المحمود إذ أنا أمردوبدلت من ذاك البياض وحسنهبياضًا ذميمًا لا يزال يُسودلشتان ما بين البياضين: معجبأنيق، ومنشوء إلى العين أنكدوكنت جلاءً للعيون من القذىفقد جعلت تقذى بشيبى وترمدهى الأعين النجل التى كنت تشتكىمواقعها فى القلب، والرأس أسودفما لك تأسى الآن لما رأيتهاوقد جعلت مرمى سواك تعمد؟ إلى أن يقول فى انصراف نبل الغانيات عنه:
إذا عدلت عنا وجدنا عدولهاكموقعها فى القلب، بل هو أجهد ثم صرخته:
أأيام لهوى هل مواضيك عوّدوهل لشباب ضل بالأمس منشد؟? السمور والقاقُم بضم القاف الثانية والسنجاب حيوان تتخذ فراؤها لنعومتها ونفاستها. ? معبد وغريض مغنيان، والميلاء وعجائب مغنيتان معاصرتان لبستان.
خاتمة


بقلم  إبراهيم عبد القادر المازنى
?? يناير سنة ????
أخطأ حسابى وحسابُ الناشر، فجاوز الكتاب ما كنا نتوقع له، وما كان العزم أن نقصره عليه، فمعذرة إذا كنا قد أسأنا بالإطالة، وضاعفنا بها بواعث الملالة!
والكتاب، كما هو الاَن فى يد القارئ، يمثِّل منزعَ الناشر أكثر مما يمثل نفسَ الكاتب. فقد أبى إلا أن يخليه من نقد المعاصرين ليريح نفسه من حماقات المعاتبين! وحسنًا فعل، أو شرّا فعل، كما تريد! ومن الذى يستطيع الراحة ولا يستريح؟ غير أن الكتاب بهذه الصورة يعرض منى جانبًا وتطوى جانبًا، ويصور للقراء لين ملمسى ويستر أظافرى، ويبدينى مفترَّ الثغر منزوع النيوب مقلوع الضروس! ولست أبالى كيف أبدو للقارئ! وما كنت لأعنى بجمع هذه أو تلك من مقالاتى ونشرها، بعد أن طويت مع الصحف التى ظهرت فيها، لولا أنى فرَّجت بذلك أزمة كانت مستحكمة! وما أرانى أنقذتها أو أحييتها، بل بعثتها من قبورها لتلقى حسابها! ولعله كان خيرًا لها أن تظل ملفوفة فى أكفانها!
وأحسبنى بعد أن صارحت القارئ بهذا الذى لم يكن يعلمه، لا أحتاج إلى أن أقول إنى لا أكتب للأجيال المقبلة، ولا أطمع فى خلود الذكر. وهل ترى ستكون هذه الأجيالُ المقبلة محتاجةً — كجيلنا — إلى هذه البدائه؟ أليست أحق بأن يكتب لها نفرٌ منها؟ أَمِنَ العدل أم من الغبن أن نكلَّف الكتابة لجيلنا ولما بعده أيضًا؟ تالله ما أحق هذه الأجيال المقبلة بالمرثية إذا كانت ستشعر بالحاجة إلى ما أكتب!! ليتهمها غيرى بالعقم إذا شاء!
ويرى القارئ فى كتابى هذا مقالًا كان فى الأصل مقدمة لكتاب جمعتُ فيه ما نقدتُ به شعر حافظ منذ أكثر من عشر سنين. وللقارئ الحق أن يستغرب أن أنقل مقدمة كتابٍ مطبوع وأن أدسها هنا. ولهذا سبب لا أرى بأسًا من إيضاحه: جمعت فيما مضى نقدى لشعر حافظ وطبعته ونشرته، وبعت منه عددًا ليس بالقليل، ثم أخذ الشراةُ يبطئون علىّ، فضقت ذرعًا بما بقى من نسخه، فحملتها إلى بقال رومىٍّ اشتراها منى بالأقة! وعزيت نفسى عن ذلك بقولى لنفسى إن جبن الرومى وزيتونه أحق بهذا النقد!! ثم مضت عشرة أعوام وبعض عام وشرعنا نطبع «حصاد الهشيم» هذا، وإنا لماضون فى ذلك إذ جاءنى صديق يعودنى، وكنت مريضًا، وأطلعنى على صحيفة ينشر فيها بعضهم نقدًا لشعر حافظ، وأكثره مسروق من قديم نقدى!! وسألنى الصديق: «أأنت الكاتب؟» قلت: «كلا».
قال: «إذن فهى سرقة يحسن التنبيه إليها».
وألحّ علىّ فى ذلك، فقلت له «اسمع! زعموا أن لصّا تسلل إلى بيت فألفاه أفرغ من فؤاد أم موسى! وعز عليه أن ينقلب صفر اليدين، أو كما يقول العربُ رحمهم الله، أو ما شاء فليصنع بهم، خالى الوفاض بادىَ الأنفاض، فواصل البحث وهو مغيظ محنق، فما راعه إلا رجل فى بعض الغرف مختبئ فى ركن، ووجهه إلى الحائط. فلما ثابت إليه نفسه بعد الدهشة، قال لعله لص مثلى وضحك! ودنا منه فلم يتحرك، فوضع يده على كتفه فى رفق وسأله: «من أنت يا هذا؟ وماذا تصنع هنا».
فاستدار الرجل وقال، ووجهه إلى الأرض: «أنا صاحب البيت!! وقد شعرت بدخولك وأدركت غرضك فتواريت منك خجلًا!!».
وأنا يا صديقى كصاحب هذا البيت العارى! أستحيى أن أنبِّه إلى سطو صاحبنا المتلصِّص على نقدى، مخافة أن يتنبَّه الناس إلى ما أرجو مخلصًا أن يكونوا قد نسوه من أنى أنا كاتب ذلك الهراء القديم! ومن أجل ذلك أهب للصِّنا ما عدا عليه وبزَّنى إياه، وما أسهل أن يهب المرءُ غير شىء!!
فضحك صاحبى وانصرف! وخطر لى بعد أن وهبت النقد لسارقه أن أستنقذ المقدمة.
ولم يبق مما أريد أن أقوله فى هذه الخاتمة سوى كلمة واحدة: هى أنى مستغن عن رضا النقاد المتحذلقين عن كتابى هذا، وقانعٌ باستحسان أمثالى من الأوساط المتواضعين وهم بحمد الله كثيرون فى هذا البلد الأمى! بل أكثر مما يلزم لى!