Advertisement

تأملات قبل النوم أوشو

تأملات قبل النوم

يوماً بعد يوم

على مدار 12 شهراً

كيف ننتصر على "الأنا"؟
كيف نستعمل مفاتيح المحبة؟
كيف نمتلك الوعي المتنور؟
كيف نحيا بتناغم مع الوجود؟
كيف نصل إلى النعمة؟

أوشو

تعريب: صفوان حيدر



















تأملات قبل النوم
يوماً بعد يوم



تأملات قبل النوم

يوماً بعد يوم

على مدار 12 شهراً
كيف ننتصر على "الأنا"؟
كيف نستعمل مفاتيح المحبة؟
كيف نمتلك الوعي المتنور؟
كيف نحيا بتناغم مع الوجود؟
كيف نصل إلى النعمة؟

أوشو
ترجمة: صفوان حيدر


دار الخيال للطباعة والنشر والتوزيع



Contemplation Before Sleep
تأملات قبل النوم

تأليف: أوشو
ترجمة: صفوان حيدر

حقوق الطبع محفوظة للناشر

دار الخيال
للطباعة والنشر والتوزيع
بناية يعقوبيان بلوك ب طابق 3 – شارع الكويت
المنارة – بيروت – 2036 6308
لبنان – تلفاكس: 740110 – 009611
E-mail: alkhayal@inco.com.lb

الإخراج والتنفيذ دار الخيال للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة الأولى 2011

لا يجوز نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيلة من الوسائل سواء التصويرية أم الالكترونية أم الميكانيكية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو سواها وحفظ المعلومات واسترجاعها دون إذن خطي من الناشر.



المقدمة

إنه كتاب يضم بين دفتيه أحاديث المتصوف المتنور "أوشو" لتلامذته ومريديه، ويعتبر لكتابه الآخر "تأملات الصباح". إنها أحاديث أشبه بأفكار تأمليه ينهي الإنسان بها نهاره.
قيل إن الإنسان، يأوي إلى فراشه، مثقلاً بهموم يوم مضى، أو بآمال يوم سيأتي، لذا، فأفكار لحظة النوم، هي ذاتها التي تشغله عند صباح اليوم التالي. من هنا، نرى كثيرين منا، يأوون إلى فراشهم وعقولهم منشغلة بما حصل معهم في اليوم السابق، لربما في أحداث دراما شاهدوها على التلفاز، أو بما جوبهوا به من مشاكل في عملهم أو علاقاتهم مع الآخرين.
وإذا كان كتاب "تأملات الصباح"، يحتوي على ما يعين المرء لاستقبال يوم جديد بحيوية ومرح وحماس وبرغبة في مشاركة الآخرين نشاطاتهم وتفاؤلهم، فإن هذا الكتاب "تأملات قبل النوم: يحتوي مقتطفات أختيرت بعناية فائقة وبتسلسلية منطقية حتى تمنحنا نوماً عميقاً هادئاً وقدرة على الاسترخاء الجسدي والإستراحة الوجدانية. حتى يصبح الإنسان مستعداً لتقبل محبة الله ونعمته.









ليس من الضروري أبداً، اعتبار الشهر الأول في هذا الكتاب، هو أول شهور السنة، التقويمية، بل هو بداية علاقتك مع أفكار أوشو وتأملاته التي هي تتمه لما جاء في كتاب تأملات الصباح.
ليس ضرورياً قراءة هذا الكتاب وكأنه رواية عاطفية أو ما شابه، بل على أساس ، أن كل مقطع هو مستقل عن المقاطع الأخرى، وإن كان على تسلسل معها، لذا، ليس عجباً أن نقرأ مقطعاً ونحن نتناول العشاء أو بعده، أو ونحن نلقي رأسنا على الوسادة. كذلك فهذه التأملات، لا تهدف إلى طلب رضا القراء أو عدمه، وليست لإثارة النقاش والتحليل. وليست لتؤخذ على أنها حقيقة مطلقة، وإلا ستتحول إلى نوع من القيد أو العائق الذي يحول دون البحث عن شمولية المعرفة. إنها فقط، تقدم لك، ما ينعش ذاتك فتنتشي، خذ المعاني مجردة من الكلمات الجامدة.
قراءة كلمات أوشو، هي أشبه بسماع معزوفة موسيقية، تريح الجسد والعقل معاً. اختبر هذه الموسيقى وتخيل أنك تتنشق باقة ورد، واسمح للعطر والأريج أن يتسللا إلى ذاتك الروحية.















"ليستُ بصدد تعليمك أية عقيدة ولا أي نظام إيماني، ولا أية فلسفة أنا ببساطة سأسلمك مفتاح الدخول إلى الذات، لتتعلّم كيف توقظ روحك"

أوشو








































الشهر 1
كن واعياً مثل كولمبوس

تتعاظم معاناة العالم يوماً بعد يوم، نتيجة فقداننا ورفضنا اتباع قوانين الطبيعة وإنحرافنا عن مسار الوجود والوعي الإنساني. لم يعانِ أي فرد أبداً في الماضي ما نعانيه اليوم. كان الناس في الماضي فقراء، فقراء جداً، وعانوا قديماً من الجوع والإملاق، لكنهم لم يكونوا مثلما هم عليه اليوم من فقر روحي كبير. لم يفتقر الناس إلى الروح أبداً مثلما يفتقرون إليها اليوم. عملي هنا هو أن أعيد إليك رؤيا مفقودة إلى داخل الوجود. إذا لم يصبح الإنسان متجذراً في الوجود، من جديد ، فلن يكون له مستقبل.













يمتلك الإنسان إمكانية أن يصير أغنية محبة، رقصة محبة، ولكن، قلة نادرة من الناس، تحوّل إمكاناتها إلى فعل واقعي. ولد الناس كالبذور، وأغلبهم يموتون كالبذور أيضاً، ولا يبقى من حياتهم شيء يذكر، إلا بوصفه إختباراً في الخصوبة.
ملاحظتي: أن الخوف والخوف فقط هو الذي يدفع الكثير من الناس لكي يذهبوا إلى المعابد أو المحافل الدينية والكنائس، وليس نتيجة للمحبة. نعم، الناس الأكثر تقدماً في السن، يذهبون إلى المعابد أكثر من سواهم، أنهم أصبحوا أكثر خوفاً من الموت. إنهم لا يذهبون إلى الكنيسة أو إلى المعبد، لأنهم عرفوا شيئاً هائل القيمة في الحياة، ولكن لأن الحياة تنساب هاربة من بين أيديهم، ولأن الظلام العظيم للموت أصبح أكثر قرباً منهم، ولأنهم أصبحوا أكثر خوفاً. إنهم يحتاجون إلى من يحميهم،وهم يعرفون الآن أن أموالهم، وأصدقاءهم سوف لن يبقون معهم، وعائلاتهم سوف تتركهم ليواجهوا الموت وحدهم. فيبدأون بالإقتراب من الله نتيجة لليأس والإحساس، وليس نتيجة للمحبة والإحساس بالشكر. فالإيمان المتولد عن الشعور بالخوف هو إيمان مزيف.
إن جهدي الكامل هنا، هو أن أفتح النوافذ على الوجود، من أجل أن لا تذهب إلى الله نتيجة للخوف، بل من خلال تجربتك مع الجمال، مع الإبداع، والمحبة. وعندما يذهب فرد ما إلى الله، من خلال تلك التجارب، يكون الإتصال بالله هائلاً، متحولاً ومفعماً بالمحبة والخشوع، ولسوف تكون إنساناً جديداً.











فقط من خلال تحديات عظيمة يصبح المرء متكاملاً، وتصبح طاقات حياته متبلورة. وتذكّر ما يأتي:
لا تجمع الدين إلى جانب الخوف، بل إجمعه إلى جانب اللاخوف، إلى جانب الشجاعة التي تستطيع أن تساعدك على الذهاب إلى المجهول.
المسألة شبيهة بالإبحار في المحيط الهائج في زورق صغير وبلا أي خريطة، وبلا أي معرفة ما عن الشاطئ الآخر. إنه إبحار شبيه بإبحار كولمبوس- فقط بالإستناد إلى الافتراض الضعيف بأن الأرض كروية.
ومع الأمل بأن المرء سوف يصل هكذا إلى مكان ما، ينبغي عليه أن يكون واعياً مثل كولمبوس.















إقتراحي هو الآتي: إبدأ في البحث عن المحبة، وليس عن الله بشكل مباشر، لأنه إذا بحثت عن إله، سيكون إلهك تماماً، من صنع مخيلتك ، سيكون على هواك ومن صنعك، وبالتالي لن يكون إلهاً حقيقياً.
إبحث عن الله من خلال المحبة، لأن أجمل ما في المحبة أنها غير محدودة، ممتدة لا متناهية.
فالمحبة ليست مسيحية، ولا هندوسية، ولا محمدية . المحبة ببساطة هي محبة بلا أية صفات تنسب إليها. وهذا ما يجعل المحبة جميلة بشكل رائع. إذا بدأت الإنسانية في البحث عن المحبة بدل البحث مباشرة عن الله، فإننا نستطيع أن نخلق إخاءً إنسانياً عظيماً، وبسهولة.














طوال قرون مضت، حاول العلماء ورجال الدين إثبات إعتقادهم بأن الله بعيدٌ جداً، ويبدو أنهم نجحوا في ترسيخ هذه الفكرة في عقولنا، ففي كل مرة تلفظ فيها كلمة "الله" تشعر أن مسافة كبيرة تفصلك عنه، له مكانه المترفع في الأعالي، في السماء، عكس كلمة "المحبة" التي حين تتلفظ بها تبدو قريبة جداً منك، تلمس جوانب القلب والروح.
هؤلاء العلماء هم بالفعل ماكرون وبارعون، لأنهم فقط بإثباتهم هذا الإعتقاد يمكنهم أن يكونوا ممثلين ووسطاء وعملاء الله في الأرض.
في اللحظة التي تلفظ كلمة الله، تكتسب إحساساً بوجود شخص. هكذا، يصبح الله محدوداً ومعرفاً. أما المحبة، فليست شخصاً، إنها صفة، حضور، شذى، ليست وردة – إنها أكثر اتساعاً، أكثر رحابة، أكثر بعداً. عندما تقول "الله "، تشعر ببساطة أنك عاجز وحائر ما الذي ينبغي فعله الآن مع وجود الله؟ ولكن إذا كانت المحبة هي الموجودة دائماً، فيمكنك أن تفعل شيئاً من أجلها. إنها – المحبة- طبيعتك الأكثر غوراً في داخلك. هدفي أن تكون محباً ومحبوباً، وبالتالي فإن معظم تعاليمي تدور حول كلمة "المحبة". يقول السيد المسيح "الله هو المحبة"، أما أن فأقول "المحبة هي الله".












إنسان المحبة يعرف كيف يعيش بشكل كلي، لأنه يحيا حياةً كلية. نفسه ممتلئة بالمحبة، خلايا جسده تتراقص بالمحبة. عقله ممتلئ بالمحبة وليس ممتلئاً بالمنطق بل بالمحبة. ومن امتلأ قلبه بالمحبة ليس متواجداً فقط ضمن نظام تنقية للدم، أو ضمن جهاز تنفسي، بل هو يتنشق محبة، ويزفر محبة روحه الخالصة ليست أكثر من محبة نقية، ومن محيط هادر بالمحبة.
مثل هذا الإنسان ملزم باكتشاف الوجود. أين يمكن أن يختفي الوجود أمام هذا الإنسان؟ الحق أقول، مثل هذا الإنسان لا يحتاج إلى أن يمضي باحثاً عن الوجود، بل الوجود يأتي باحثاً عنه. وهذا هو الجمال: عندما يأتي الوجود مستهدفاً وجودك وباحثاً عنك.

















أحبوا بلا تحفظ. المحبة هي الوجود بأكمله. الأشجار والجبال والناس ليست مختلفة عن بعضها إنها حقيقة واحدة. نحن جميعاً نتشارك مع بعضنا ونتواجد مع بعضنا في تناغم عميق. نحن نستنشق الأوكسجين ونزفر ثاني أوكسيد الكربون، والأشجار تستنشق ثاني أوكسيد الكربون وتزفر الأوكسجين – من خلال التمثيل الكلوروفيلي – وبدون الأشجار لن نكون قادرين على الحياة. نحن والأشجار متصلون ومتداخلون ببعضنا. وهكذا هو الوجود بأكمله متداخل ببعضه. لذا أحبوا بلا تحفظ : الأشجار، النجوم، الجبال، الناس ، الحيوانات.
المسألة ليست من هو الذي تحبه، المسألة هي أن تحيا المحبة.















عافية الإنسان متناغمة ومرتبطة مع الوجود. إذا امتدت جذورنا في هذا الوجود ، نصبح وجوداً كلياً وصحياً. وإذا بقينا بلا كينونة، نبقى بلا جذور، ولا تغذية.
الوجود هو الأرض، تغذيتنا ، عافيتنا. وعامل الحياة ليس أكثر من اكتشاف – اكتشاف المصدر لبقائنا بسلام وعافية.




















يمكن الإتصال بالوجود فقط من خلال التخلي الكامل. أقل من ذلك لا نفع منه. مثلما يتبخر الماء عند الدرجة المئة، إنه التخلي الكامل عندما تتبخر الأنا. عندما تصبح الأنا فضاء فارغاً فقط.
لا أحد أو شيء في داخله بل فيه صمت عظيم، لا محدود، بلا حواجز تحيطه، ولا أحداً فيه.
تلك هي اللحظة عندما تنزل السماء بكاملها إلى داخلك. عندما تلتقي الأرض بالسماء تتحول من كائن ميت إلى روح خالدة.

















على المرء أن يمضي إلى ما وراء إرادته من أجل أن يصبح جزءاً من الإرادة السماوية. عليه أن يسقط ويتخلى عن إرادته الخاصة، إنها المشكلة بأسرها. متى تذوب إرادتنا، عندئذٍ ، يبدأ الوجود العمل من خلالنا. حينها، لن يكون هناك بؤس، ولا قلق.
يصبح المرء مسترخياً كلياً؟ ليس هناك أية مشكلة.
كل المشاكل تنبثق من إرادتنا، لأنها تعني التقاتل مع الوجود بأسره . في اللحظة التي تتخلى فيها عن إرادتك، يصبح كل شيء ملكاً لك. فوراً يفتح الوجود بأسره أبوابه لك. تصبح قادراً على اكتناه كل الأمور. تتسلم يداك كل الأسرار، وكل المفاتيح. المشكلة كامنة في أنه عليك التخلي عن الإرادة، لتصبح سيداً آمراً ناهياً ومعلماً. بينما، عندما تحتفظ بالإرادة وتقاتل من أجلها، فسوف تبقى عبداً لها.















الناس مقاتلون قساة. تجعلهم الحياة قساة لأنها تحولهم إلى مقاتلين. فيفقدون شيئاً فشيئاً سلامهم الداخلي وإنسانيتهم ويصبحون أشبه بالصخور. والشخص الشبيه بالصخرة هو شخص ميت فهو يحيا بالإسم فقط، إنه لا يحيا حقاً.
تحتوي الحياة الحقيقة اللطف، والتسليم بالسقوط والانفتاح. لا تَخَفْ من الوجود. الوجود يهتم بك ويحبك. ليس هناك حاجة لأن تتقاتل مع الوجود، لأنه مستعد أن يعطيك أكثر بكثير مما تطلب وأكثر بكثير مما تتصور. ولكن الوجود يعطيك فقط إذا كنت لطيفاً وحساساً.
إذا كنت راضياً بالإختراق، عندئذٍ، يمكن أن يدخل إليك الوجود من كل الأمكنة. كن راضياً بالإختراق، كن راضياً بالتعامل مع الوجود. لا تخف . ليس هناك حاجة لأن تكون خائفاً . إنه وجودنا، نحن ننتمي إليه وهو ينتمي إلينا.















آن الأوان اليوم ليصبح الدين حياً فاعلاً وحقيقياً. يكفينا ما عانيناه. لقد عشنا مع اللاحقيقي زمناً طويلاً بما يكفي. الحياة حقيقية والحب حقيقي. وعندما تكون محباً للحياة، تصبح الحياة وجود بأسره.
الطريقة الوحيدة لمحبة الحياة هي أن تغني، ترقص، تتفتح، وأن تكون مبدعاً، وكريماً بما تقدمه لهذا الإحتفال، لهذا الكرنفال الذي يستمر فينا ويبقى . فالنجوم تتراقص، والأشجار تتمايل، والمحيطات تتهاوى.
إن زهدي بالدنيا ومحبتي لها في آن، يجب أن تصبح جزءاً من المحيطات ، من الأشجار، من الغيوم ومن النجوم. هذا هو معبدي، أنا لا أؤمن بأي معبد آخر. هذه هي تجربتي، وأريد أن أتقاسمها مع جميع الناس.
أن تكون زاهداً ومحباً لها في آن، بشكل إيجابي لا بشكل سلبي، يعني ببساطة أنك الآن تتحرك باتجاه البعد الاحتفالي. إنها دعوة إلى الربيع. إنه الاستعداد للربيع.














يقول فردريك نيتشه: "مات الله". ولكن أحداً لم يسأله "من الذي قتل الله؟". هناك احتمالات فقط: إما أن الله أقدم على الانتحار أو أن أحداً قد أرداه قتيلاً. ولكن الله لا يُقدِم على الانتحار. هذا مستحيل. فهو النعمة والبركة. لماذا ينبغي على النعمة والبركة أن تُقْدِم على الإنتحار؟ الله يعني الحقيقة. لماذا ينبغي على الحقيقة أن تنتحر؟ فالله هو الخلود. وبالتالي فالانتحار مستحيل. لا بد – بحسب نيتشه – أن يكون هناك من قتل الله. والرهبان هم الذين فعلوا ذلك. كل الرهبان، في جميع الأديان، كانوا جزءاً من المؤامرة الكبيرة. لقد "قتلوا الله"، بحسب نيتشه طبعاً، إنهم لا يستطيعون أن "يقتلوا الله" الحقيقي، ولكنهم يستطيعون أن "يقتلوا الله" الذي ابتدعوه لأنفسهم. لأنه، واستناداً إلى العشرة آلاف سنة الماضية من التاريخ الغبي باسم الدين، حينئذٍ، تأتي الألوهة، إليك من تلقاء نفسها. إنها ملزمة بأن تأتي إليك. إنه متعذر إجتنابها وتحاشيها. بزهدك ستشعر بوجود الألوهة وستأتي اليك.















يولد الجسد ويموت وكذلك العقل يولد ويموت. لكن، أنت لست الجسد ولا العقل. أنت شيء يتجاوزهما. أنت شيء لا يموت أبداً ولا يولد أبداً. لقد كنت دائماً هنا ولسوف تبقى دائماً هنا. في اللحظة التي يبدأ فيها المرء بالشعور بذلك، يبدأ مشهد الحياة بأكمله بالتغير. كل ما كان مهماً حتى تلك اللحظة يصبح بلا أهمية: المال، السلطة، المكانة، والموقع الإجتماعي وكل ما يشبه ذلك. وكل ما لم يكن مهماً قبل الآن، سيحظى فجأة بأهمية عظيمة: الحب، التعاطف، التأمل الصلاة، الألوهة والإيمان.
عليك أن تتذكر: في داخل أعماق ذاتك هناك شعلة خالدة دائماً.
















يقول السيد المسيح: إن مملكة الله موجودة داخل ذاتك. هذا هو التعليم الأساسي لكل أولئك المستيقظين. لا تذهب إلى أي مكان ولا تبحث خارج ذاتك. فلن تجد شيئاً هناك. ستبقى فارغاً، غير ممتلئ ، مقموعاً، لأن المملكة الحقيقية، والثروات الحقيقية هي جزء من عالمك الداخلي، من ذاتيتك، من روحك.
تتجه الإنسانية، مثلما هو معتاد حتى الآن إلى الخارج. أما إذا توجهت الإنسانية إلى الاتجاه المعاكس تماماً فهو توجه إلى الداخل وهو الأكمل.
أنا لست ضد العالم الخارجي، ولكن أن لا تعرف نفسك، تلك هي المسألة الخطيرة. متى عرفت نفسك يمكنك أن تتجول في كافة أنحاء العالم مشاركاً الآخرين ببهجتك ومتبادلاً معهم بهجتهم.
إذا كنت متجذراً في كينونتك يمكنك أن تتجهً إلى الخارج، مثلما يريد، ولا شيء يمكن أن يؤذيك، ولن تكون هناك مشكلة. يمكنك أن تحيا وسط الضجيج والإزدحام، ولكن تأملاتك ستبقى صافية غير مشوشة.
لكن في البداية عليك أن تستوطن داخلك، وأن تتعرف على حقيقتك الداخلية. كل جهدي هو أن أحولك إلى التوجه نحو ذاتك، في أي طريقة ممكنة، وأن أساعدك على الذهاب إلى الداخل.
أنا لا أستطيع أن أعطيك الحقيقة، لا أحد يستطيع ذلك، ولكنني أستطيع أن أدلك أين تجدها. إنها لا توجد على القمر، ولا على قمة إفرست، بل في داخلك.
تعلَّم أن تغمض عينيك وأن ترى ما بداخلهما.








كل ما هو موجود على الأرض موجود في السماء. والله ليس شخصاً ولكنه صفة، ليس شخصاً بل حضور.
إن فكرة الله باعتباره شخصاً هي فكرة تعطي صفات بشرية إلى الخالق. لقد صنعنا هذه الصورة عن الله في مخيلتنا. إنها ليست أكثر من إسقاط إنساني. إنها ليست الله الحق.
إن تجربتي الخاصة هي بالتمام نفسها تجربة بوذا: هناك الألوهة والوجود بأسره يفيض بها. ليس هناك إنقسام بين الألوهة والعالم، فالوجود سماوي وأرضي في آن.
إبدأ بالنظر إلى الوجود من هذه الزاوية، وبهاتين العينين، ولسوف تندهش برؤية أشياء لم ترها من قبل أبداً. لقد مررت بمحاذاة الأشياء نفسها كل يوم:الأشجار نفسها، الطيور نفسها، الناس أنفسهم. ولكن حين تملك تلك الرؤيا التي تفيض على الأشياء نوراً إلهياً، تبدأ في النظر إلى الأشياء بنور جديد. عندئذٍ لا يبقى العالم أحجية، ولا يبقى مشكلة، ولا يبقى سؤالاً، إنه ليس سؤالاً يجب الإجابة عليه، ولكنه يغدو سراً غامضاً يجب أن تعيشه.












الألوهة هي المادة التي نحن صنُعنا منها. إنها وجودنا المميز. إنها ليست شيئاً موجوداً خارج أنفسنا، إنها نواتنا المنيرة الأكثر عمقاً في داخلنا. لا ينبغي علينا أن نسعى أو أن نبحث عنها. هذا ما يجب أن نتذكره دائماً. فلقد نسيناها. ألوهيتنا ليست مفقودة، بل فقد نحن الذين نسينا من نكون.



















يستطيع الإنسان أن يصبح مستضيفاً للوجود. منزلاً يدخله الوجود. وسيبقى المرء فارغاً إن لم يكن كذلك، وسيبقى أيضاً في كبت عميق، لأنه فقط في اللحظة التي يدخل فيها الوجود إلى كينونتنا، نتحول إلى وجود.
ذلك هو مصيرنا في حده الأقصى. فقط بامتلائنا بالوجود يكون هناك الرضى بنعمة الوصول . وصول الوجود إلى أعماق دواخلنا.


















نحن على إقتراب حميم من الوجود. ولكن أجسادنا ونفوسنا تسير كخطين متوازيين يمضيان في اتجاه الحياة، ولا يلتقيان أبداً. وإلى أن نتوقف عن التوغل في الماضي أو في المستقبل ، يبدأ الخطان المتوازيان – نفوسنا وأجسادنا- بالإقتراب من بعضهما. ذات يوم، فجأة، سيبقى هناك خط واحد فقط.
الخطان قد اتحدا. تلك هي لحظة البهجة العظمى. بالمنحة المباركة العظمى. هذا ما يسعى إليه كل إنسان وما يبحث عنه. ولأن الناس يستمرون في نسيان تلك اللحظة، يصبحون تعساء.
كن مستعداً لها، لتلك اللحظة. والطريقة الوحيدة التي تجعلك مستعداً لها، هي أن تحيا الحاضر. ولسوف تصبح منزلاً يدخله الوجود. ذلك هو الإمتلاء بالحياة.















وحده الوجود يجعلنا نشعر بالأمان. فالمال، السلطة، والمكانة، لا أمن فيها. العائلة، الأصدقاء، حتى الحياة نفسها، لا أمن فيها. نحن محاطون بانعدام الأمان.
هناك شيء واحد يشعرنا بالأمان، لا يمكن إيجاده في أي مكان خارجنا، يمكن أن يكون موجوداً فقط ضمن النواة المنيرة الأعمق التي في أنفسنا التي يكمن الله فيها. ذلك مكان الله الذي يقيم فيه والذي هو كامن في قلب قلوبنا. ومن أجل أن تعرف الله في داخلك عليك أن تمضي إلى ما هو أبعد من كل احتياجاتك للأمان. عندئذٍ، يصبح كل شيء آمناً. وهكذا يزول الشقاء والقلق بشكل طبيعي، وتصعد من ذاتك نعمة عظيمة، التي هي التوق الأعمق في كيانك الوجودي.
















يتحقق الإنتصار من خلال معرفة السر. والسر الوحيد الجدير بالإكتشاف والمعرفة، هي نفسك في داخلها الأعمق، وهو المكان الأكثر امتلاءً بالأسرار.
يسافر الناس بعيداً في طول العالم وعرضه. وذلك ليس بالصعب – فقد وصل الإنسان إلى القمر – وهذه المهمة أصبحت سهلة. ولكن من الصعوبة بمكان وصولك إلى مركز ذاتك الداخلي. سر الأسرار كامن هناك. إنه المفتاح القادر على كل الأسرار.
فقط عندما تصبح زاهداً تصبح قادراً على الدخول إلى درب الوصول إلى اكتشاف الذات.
الهدف موجود في داخلنا، وما علينا سوى إكتشافه. يجب فقط إزالة بعض الأشياء غير الضرورية: بعض الستائر. ونصبح فجأة وجهاً لوجه أمام القدرة الكلية نفسها. السرّ هو أننا آلهة، والبؤس والشقاء هو أننا أصبحنا متسولين.














الشيء الأهم الذي ينبغي تذكره هو أن الحياة أُعطيت لنا، وليست إنجازاً حققناه. في الواقع، نحن لا نستحق الحياة أبداً. إنه قانون الوجود الغريب جداً، والذي على أساسه تخلى الأنبياء المستحقون للوجود عن حياتهم، بينما يستمر أولئك الذين لا يستحقون الوجود في الحصول على الحياة من جديد، وباستمرار. متى استحققت الوجود تصبح جاهزاً للاختفاء في المطلق، أما إذا كنت غير مستحق للوجود، فعليك أن تركض إليه من جديد.
الشيء الثاني الذي عليك تذكره ه قدرة الروح. فالروح ليست ملكاً لك. إنها إنسياب القدرة الكلية المستمر فيك. إنك، في كل لحظة، ولا وعي تتنفس القدرة الكلية بالطبع. وفي اللحظة التي تعي فيها ذلك، ستصبح مندهشاً. نحن نتغذى بالقدرة الكلية. إنها غذاؤنا ، جذورنا، غصوننا، أوراق نباتاتنا، أزهارنا، ثمارنا. إنها كل شيء أما نحن فلا شيء ...














الأمر الأكثر صعوبة في الحياة هو أن تتلقى هديةً بلا مقابل، لأنها تكون تأتي ضد أنانيتك. من الأسهل أن تعطي بمقابل، ولكن أن تتلقى بلا مقابل أمر صعب جداً. وأن تتلقى هدية لا تستحقها، عندئذٍ تصبح المسألة أكثر صعوبة.
نحن لا نستحق شيئاً ، لأننا ، كنا أطفالاً رُضَّعَاً لم نكتسب أي شيء. نحن لسنا جديرين بالنعمة، ولكن الوجود يستمر في العطاء ، ليس لأننا نستحق عطاياه، ولكن لأن الوجود يمتلك الهدايا وبوفرة. حين تتلقى نعمة الوجود، تشعر النعمة بالإمتنان منك. لقد حملت عبء هذه النعمة، وأخذت بعضاً من قيمة وجودها. ولكن تذكر: صعب جداً أن تتلقى هدية بلا مقابل. تشعرك هذه الهديد بنوع من الامتهان. وبالإحراج نوعاً ما.
على الزاهد أن يتعلم كيف يتلقى الهدية ببهجة عظيمة وباحتفال، لأنه كلما أصبحت أكثر تلقياً، ازداد الوجود عطاءً لك. وإذا كنت متلقياً كلياً، متخلياً كلياً، يمكن للسماء بأكملها أن تهبط إلى كينونتك فوراً.
ما هو مطلوب منك هو أن تكون منفتحاً كلياً ومستعداً للتخلي عن أنانيتك وأطماعك.












أعلن كل المرشدين الروحيين الكبار في كل العصور أن الإنسان يولد مِلكاً سماوياً دون أن يعي هذه الحقيقة. إن جهلنا معرفة عالمنا الداخلي الخاص بنا، يجعلنا نبقى غير واعين لمملكتنا، لأننا نجهل المملكة التي تنتمي إلينا، والتي هي ملكنا للأبد. إننا نستمر في تمني وتسوّل الأمور الصغيرة. لكننا نتوهم فقط عندما نعتبر أنفسنا متسولين.
وحين يستيقظ المرء من أحلامه، يواجه مفاجأة عظيمة: يجد أنه ليس متسولاً، بل هو ملك.
هذا هو الهدف الكامل للتأمل: أن تصبح واعياً لمملكتك مهما كانت صغيرة أو كبيرة، أن تصبح واعياً لأقصى طاقاتك الممكنة. ومتى بدأت تصير واعياً، تصبح الرحلة سهلة. فقط تحتاج للقليل من اليقظة، عندئذٍ، يرحل النوم تقريباً عن جسدك. عندئذٍ، تصبح المسائل أكثر سهولة. لكن، ما لم تستيقظ، لن تصير المملكة حقيقية. ولن تتحقق.














عندما تغدو واعياً تبدأ في السعي والبحث عن ولادة ثانية في حياتك. والولادة الثانية ممكنة فقط من خلال التأمل. تتم الولادة الأولى من خلال الأم ، أما الثانية، فتتم من خلال التأمل. وبالتالي، يسمى التأمل في الكتابات القديمة بـ "الأم الحقيقية".
قال السيد المسيح لتلامذته: " فقط حين تولد مرة ثانية تستطيع أن تدخل إلى ملكوت السموات". وفي الشرق، يسمى الشخص الذي وصل إلى الله بـ "دويج"، أي المولود مرتين.
فالولادة الثانية تزيل ما اعترى أريج نفسك وعبيرها من تشويش.
















التأمل الغربي ليس أكثر من نوع من أنواع التفكير، إنما التفكير بمسائل عالية القيمة. فعندما تفكر بالله، وعندما تفكر بالمحبة، كل ذلك يدعى تأملا.
أمّا في الشرق فالتفكير لا يعتبر تأملاً أبداً.
فسواء فكرت بالله أو بالمال، لا فرق، فالتفكير بأي موضوع في الشرق يعتبر تشويشاً للتأمل.
في الشرق، التأمل يعني حالة من اللاتفكير، فقط حالة نقية الكيان. هذا هو الاختبار الأعظم في الحياة، عندما، وببساطة، تكون موجوداً متأملاً أي حين لا فكر يعترض وجودك ، وحين تتوقف حركة السير بأكملها، يختفي العقل. لكن الوعي قائم وموجود أكثر مما كان. لأن كل ما كان مختبئاً خلف الأفكار لم يعد مختبئاً. كل ما كان متورطاً في أفكار معينة لم يعد متورطاً. كل الطاقة التشويشية جرى التخلص منها. لقد أصبح المرء، وببساطة، بحيرة من الطاقة، بحيرة ساكنة وصامتة، حتى أنه لا موجة واحدة تظهر على السطح. وفي بحيرة الوعي الصامتة تلك، بحيرة الطاقة، ينعكس الوجود. هكذا نتأهل لأن نعرف "الشيء الذي يكون"، الله هو الإسم الآخر لذلك "الشيء الذي يكون"، والذي هو جوهر الوجود، سر الوجود، نور الوجود.











أن تضع العقل جانباً، هو الاستعداد الوحيد المطلوب للتعرف على الألوهة. هذا هو كل ما يفضي إليه التأمل: استراتيجية أن توقف هذا العقل المناقش باستمرار، الثرثار من غير سبب على الإطلاق، إنه مشغول باستمرار من غير وظيفة معينة مناطة له.
أنا لا أقول إنه ينبغي تدمير العقل، بل يجب فقط أن تضعه جانباً، حتى إذا احتجت إليه يمكنك استعماله من جديد. كما لو أنك وضعت سيارتك في المرآب، يمكنك أن تخرجها عندما تريد استعمالها. عندئذٍ، تصبح أنت السيد المرشد؟ لكن، في الأحوال العادية، يصبح الوضع على عكس ما هو عليه تماماً: تصر السيارة على أن لا تتوقف في المرآب! تقول السيارة: "أنا سوف لا أتوقف"! وتضيف السيارة: "عليك أن تسير معي!". وتستمر السيارة في التحرك، أربعاً وعشرين ساعة في اليوم! حتى عندما تكون نائماً، يستمر العقل بالعمل وباستمرار.
منذ أن تحرك عقلك في طفولتك، لم يتوقف أبداً عن العمل، ولن يتوقف ، حتى ساعة الموت، إلا إذا بدأت بالتحرك نحو التأمل. بالنسبة لأولئك الذين يدخلون ملكوت التأمل، يتوقف العقل عن العمل. فجأة تصبح واعين لوجود الشمس التي كانت مختبئة خلف غيوم العقل. هذا الوعي بالضوء الأول، بالشمس الأولى، بالنور الأول، هو المعرفة الإلهية.











نستمر بالإصغاء إلى الخارج، وبالتالي نستمر في فقدان الصوت الداخلي. الصوت الذي يتحدث من داخلك هو نواتك الأعمق. نحن نعيش على السطح. نعيش داخل العقل، والعقل مثير للضجيج لدرجة أنه لا يسمح لنا بسماع الصوت الهامس الساكن في أعماق دواخلنا. لذا، مطلوب وجود المعلم المرشد فقد بوصفه وسيطاً. لأنك تستمع فقط إلى الخارج. المعلمُ المرشد يقول لك، "من الخارج"، إن الوجود كان يحاول أن يخاطبك من داخلك منذ قرون عديدة موغلة في الماضي.
أن تكون متواجداً مع المعلم المرشد هو ببساطة أن تكون مستعداً لأن تتحول نحو الداخل يوماً ما. أن تغمض عينيك وتنظر إلى داخلك.
أن تبدأ في سماع ما يقوله لك حدسك باستمرار. لأن الحدس صائب دائماً. أما الذهن فيمكن أن يكون مصيباً ويمكن أن يكون مخطئاً. إنه دائماً يردد إما وَ أو . هكذا، فالشك مستمر فيك. إنه ثابت لا سبيل إلى استبعاده إلا بجهد نفسي عميق. أما الحدس فلا يشوبه، الشك. إنه، وببساطة، يعرف ما ينبغي معرفته. والشخص الحدسي لا يندم أبداً. لأنه يحاول أن يرتكب الأخطاء. ولا يريد ارتكابها. إنه يلاحق، صوت الوجود الكامن في داخل كل إنسان، وفي داخله












أنت لست الجسد ولا حتى العقل. بل أنت وعي حضورهما معاً. وإذا لم تنضج أكثر فأكثر في وعي حضورك، لن تعرف أن الفرد الواحد هو روح النفس الواحدة.
تصبح واعياً عينيك فقط حين ترى. إذا تركت عينيك مغمضتين ستنسى كل شيء عنهما. وإذا لم يسمح لطفل ما أن يستعمل رجليه فإنه لن يكون قادراً على المشيء وسينسى كل شيء عن رجليه. هكذا، وباستعمالنا مقدرة معينة نصبح واعيين لوجودها. فبواسطة النظر نصبح واعين تملكنا العينين، وبواسطة السمع نصبح واعين تملكنا الآذنين، وبواسطة الشم نعي أن لنا أنفاً. ومثل ذلك تماماً، بوعي حضورنا المشتمل على العقل والجسد معاً، يصبح الفرد منا واعياً أنه يملك الروح. إن وعي الحضور المزدوج للعقل والجسد هو وظيفة الروح.
هذا ما كان المسعى عليه في الشرق.
فكيف تصبح واعياً للحضور الكلي، للمقدرة الكلية، فقط بوصفك مراقباً، مراقباً نقياً من غير هوية تتماهى معها؟ تلك هي المسألة. أنت فقط تنظر إلى الجسد والعقل بكل وظائفهما ونشاطاتهما وحركاتهما، ولكن عليك فقط، وببساطة، أن تكون مراقباً واقفاً إلى جانب الطريق حيث حركة السير مستمرة. أنت لست السيارة التي تسير أو الشاحنة، أو الناس ولست ثوراً أو بقرة .. لست واحداً منها. أنت وببساطة المراقب الواقف إلى جانب الطريق. هذا هو التأمل . أن ترى تركيب الجسد – العقل من غير أن تتطابق معه. فوراً، تختبر ظاهرة جديدة كلياً: وجود الروح.
هذا هو عملي هنا: أن أجعلكم وأجعلكنَّ واعين وواعيات أنكم وأنكنَّ آلهة وآلهات وأنكم وأنكنَّ كائنات خالدة.








ما هي الشجاعة؟ ما هو التجرؤ؟
التعريف الأكثر أهمية هو المقدرة على إسقاط المألوف المعروف، لأن المألوف المعروف هو واقع حال العقل من مفاهيم من الماضي.
أما في اللحظة التي تسقط فيها الماضي، فإنك تصبح منفتحاً على اللامتناهيات. لكن الإنسان يخاف أن يصير منفتحاً، لأنه يشعر بالضياع في ذلك الفراغ الشاسع الكبير.
إن عقل الانسان صغير. يشعر العقل أنه مستكين ومطمئن ودافئ. إنه مثل قفص ذهبي ، جميل: يمكنك تزينه. كل فرد معنا يحاول أن يزينه .. هذا ما تهدف له تربيتنا: تزيين القفص الذهبي وجعله جميلاً فيصبح من المستحيل مغادرته. العقل يجعلك متمسكاً به. تنسى أنك تملك جناحين، وأن السماء تتحداك. وأنه ينبغي عليك أن تسافر إلى النجوم. وأن هناك رحلة طويلة طويلة بانتظارك.
لذا، فإن تعريفي للشجاعة هو المقدرة على إسقاط القفص الذهبي للعقل والرحيل إلى اللامعروف والمجهول، على الرغم من كل المخاوف ، وعلى الرغم من انعدام الأمان في كل ما سترحل إليه. فقط الشخص الذي يمتلك هذه الشجاعة هو المؤمن – المتصوف.











الحياة مرادفة للقدرة الكلية. ليست القدرة الكلية هي الوالدة للحياة بل هي الحياة بذاتها. وهذه القدرة ليست منفصلة عن الحياة. الفكرة التي تنادي بوجود والد للكون فكرة زائفة. فالخالق، القادر الكلي القدرة، ليس رساماً، لأن الرسام قادرٌ على الانفصال عن لوحته. بينما الخالق، القادر الكلي هو كالراقص، إنه يبقى متحداً برقصته.
هكذا، من أجل عبادة الله الخالق القادر الحق، الكلي القدرة، لا يحتاج المرء للذهاب إلى المعبد أو أي مكان آخر. فالحياة هي أسمى من أن تكون حاجة.
فالأرض بأسرها، والسموات بأسرها، والوجود بأكمله، ممتلئة بالله، وتفيض به. الله كامن في اخضرار الأشجار واحمرارها وصفرتها الذهبية. الله في كل مكان ولا يمكنك تجنبه . نحن نتحد به في كل لحظة من حياتنا.
لكن، ولأننا نمتلك فكرة معينة ثابتة عن الله نستمر في فقدانه. نحن نمتلك فكرة معينة تقول إن الله شيء موجود في مكان بعيد جداً في السماء ... ولذا تحت نستمر في فقدانه. إسقط يا إنسان تلك الفكرة وستجد الله في كل مكان. إنه قريب جداً منك. (إنه قريب منك "كحبل الوريد"، كما يقول صوفيو الإسلام).
مرة سأل أحدهم راما كريشنا : - "أين الله"؟
فأجاب كريشنا: "أخبرني أنت أين لا يوجد الله. بحثت عن المكان الذي لا يوجد فيه الله، وفشلت، لم أجد مكاناً لا يوجد الله فيه" ....










الشهر 2
قل "نعم"

تعاسة الإنسان ناتجة عن مقاومته للوجود.
منذ هذه اللحظة لا تقاوم. استرخِ . دعِ الأمور تأخذ مجاريها. دعِ الوجود يتولى كامل حياتك.
عندئذٍ ستكون للحياة نكهة مختلفة كلياً.
وعندئذٍ ستكون النعمة طبيعية كتنفسِ رئتيك.














كل شيء هدية من الوجود. نحن لا نستحق أي شيء. إننا غيرُ جديرين بأي شيء. لكن الوجود يعطينا الحياة والمقدرة على الحب، ويعطينا المقدرة على الشعور بالجمال والقدرة لنكتشف الحقيقية. وكل تلك المنح لم تعطى لأننا نستحقها بالفعل، بل لأن الوجود لديه الكثير ليعطيه.
يبدو الوجود كما لو أنه غيمة ممتلئة بالمطر: وعلى الغيمة أن تمطر، وكل ما نتلقاه هو فيض من وفرتها.
ويبدو الوجود كما لو أنه وردة تمتلك عطراً لا ينضب، عطراً ملزماً بأن يتناثر مع الرياح. وكما لو أنه نور بلا بداية ولا نهاية. وعلينا أن نتشارك مع هذا النور بالتنور والتنوير، وإلا تحوَّل الوجود إلى عبء ثقيل.














النعمة ليست شيئاً حتمياً ننتظر حدوثها في المستقبل، بل هي حاجة دائمة ومستمرة، غير أننا وببساطة منقطعين عنها. ولكنها باقية، كما لو أنها تيار يجري تحتنا، لكن المشكلة هي أنك نسيت كيف تتصل بهذا التيار.
كل همي هو أن أصلك من جديد بذاك التيار التحتي من الفرح والنعمة والسلام والحب والتناغم. أما الطريقة لإعادة وصل ما انقطع، فتتم عبر التأمل، وهو الذي يرشدك إلى السبيل السليم لإغناء طبيعتك الخاصة.



















الحياة هدية وكذلك الولادة والحب والموت هدايا. إذا عرفنا كيف نكون شاكرين فكل شيء يتحول إلى هدية. وإلا لن يبقى سوى التذمر من الحياة.
هناك نوعان من الناس فقط: أولئك الذين يشكرون جمال الوجود وجمال ما أعطي لهم، من جهة وآخرون يفتقرون إلى الإحساس بالشكر، من جهة ثانية.
النوع الثاني من الناس يدينون الآخرين دائماً ويتذمرون ويطلبون المزيد والمزيد. بينما النوع الأول فقط يمكن أن يصبح متديناً، ورعاً وشكوراً، على عكس النوع الثاني الذي لا يستطيع أن يصبح متديناً ونقياً وشكوراً ورعاً. فهذا النوع ملزم بإنكار وجود الله عاجلاً أم آجلاً، لأن الله قد يصبح عندهم عدواً لا يلبي رغباتهم. إنهم أولئك الناس الذين صنعوا المَثَل القائل: ( الإنسان يطلب والله يرفض). لقد صنع هذا المثل أناس ملحدون، يشعرون دائماً أنهم مكبوتون، وأن كل ما يحدث باطل ومخادع، إذ لا شيء يلبي رغباتهم، لا شيء يملأ قلوبهم بالرضى. دائماًَ، تحدث الأمور الحسنة بعيداً عنهم. إنهم يعيشون في بؤس وشقاء ، لأنهم يحملون دائماً الشكوى والحقد والإنكار، كما لو أنهم مبعدون عن شيء ما. كيف يستطيعون الشعور بالإمتنان؟ وبغير الإمتنان ليس هناك صلاة، وبدون الصلاة ليس هناك دين.











الصلاة شكر لله على كل النعم، كائناً ما كانت. إنه موقف يتضمن قول كلمة نَعَمْ. ولا يعرف الشك، ولا الإرتياب، ولا التشاؤم ولا السلبية . والعالم هو الجمال والروعة لدرجة إنه لا يمكنك إلا أن تبادله الرقص والغناء. إنها هدية لسنا جديرين بها، فنحن لا نستطيع أن نرد الجميل إلى الله.
كل ما نستطيع فعله هو أن نشكر الله ونحمده. فنحن نستطيع أن نغني "هللوليا"، حتى وإذا ما أصبح الفرد مغنياً "هللوليا" كاملة، فلن يعود بحاجة إلى أي شيء آخر. عندئذٍ يصبح كل شيء ممكناً، وعندئذٍ حتى المستحيل يصير ممكناً.
إِذنْ، إجعل الصلاة دربك. كن شكوراً في كل الطرق الممكنة ، ولا تتذمرْ أبداً. أسقط العقل العقل الساخط. فالمسألة فقط قضية قرار، وما إن تقرر أن تسقط التذمر، حتى تبدأ في إسقاط العادة القديمة في الشكوى وتبدأ كل الطاقة بالتحرك باتجاه الشكر. الشكر يستحضر البركات، كن شكوراً في كافة الطرق الممكنة: أشكر طلوع الشمس والطعام الذي يقدم إليك. لا تكن تعيساً ولا بخيلاً في امتنانك. أُشكر بكامل قلبك، كلياً، والشكر سيقربك أكثر فأكثر من قلب الوجود. سيصبح الشكر جسراً، إنه الطريق الأقصر إلى داخل الوجود. لأن التأمل درب طويل، أما صلاة الشكر فوصلة قصيرة بينك وبين جوهر الوجود.











الإبتهال هو أساس الدين. وما الإبتهال إلا تحقيق لتجربة الوجود. وما الصلاة إلاّ تعبيراً عن الإمتنان. كن عظيماً ، فالوجود هو من أهداك العظمة، وهي تتمظهر أمامك باستمرار، ولكننا نتعامل معها كما لو كانت أمراً عادياً. ذلك هو واحد من الأمور الأكثر غباء التي يمكن أن يفعلها الإنسان، ولكن العقل الإنساني يفعل ذلك باستمرار، إنه يتناول الأمور كما لو كانت أمراً عادياً.
تشرق الشمس، للفجر جمال هائل، ولكن عقلك يقول: "إذن ماذا؟ ذلك يحدث كل يوم. إنه فقط صباح آخر، مثل سهواه". الجهة الشرقية كلها محمّرة بشروق الشمس والغيوم ممتلئة بالإحمرار، ولكن العقل يقول: "إذن ماذا؟! لا شيء جديد. لقد حدث ذلك ملايين المرات في الماضي، وسيحدث ذلك ملايين المرات في المستقبل".
إذا كانت هذه هي الطريقة في النظر إلى الأشياء، وهذه هي الكيفية التي ينظر فيها العقل إلى الأشياء، فإنها ستصبح طريقة بلا إحساس، بالجمال، بالموسيقى بلا بالشعر، بالحب، بلا إحساس بأي شيء ذي قيمة روحانية. وهكذا ستعيش في الظلمة، رفيق البشاعة، إنه عالمك الخاص.
إبدأ بالشعور بالامتنان. نمِّ حاسة التقدير عندك. عظّم الوجود على كل ما حدث وعلى كل الأشياء التي ستحدث معك.
وكلما أكثرت من الشكر، كلما أصبحت أكثر قدرة على الرؤية، وكلما أصبحت أكثر تفهماً واستيعاباً. فالورع يصبح أكثر قدرة على رؤية الوجود في كل مكان، سيلاحظ بصمات الوجود وإمضاءه في كل مكان، كتابات في الصمت، إحتفالات في الأحجار!








ما عليك سوى الذوبان والإندماج في طاقة المحبة. كن أنتَ طاقة المحبة، أحِب أي شيء وكل شيء حتى بلاشيء. ليست المسألة مسألة الموضوع الذي عليك أن تحبه، ولكنها مسألة طاقة المحبة المنسابة والمتدفقة منك.
إغتنم فرصة الهدوء المخيّم على غرفتك، ودعِ الغرفة تمتلئ بطاقة المحبة، واخلق هالة من المحبة حول ذاتك. دعِ النجوم تبادلك الحب، لست سوى حب متجسد، هذا كل ما في الأمر.
هكذا، في أي مكان كنت، حافظ على سكب محبتك فوق الصخور. وعندما تسكب المحبة على الصخور، حتى الصخور تلين.
الحب هو المعجزة، هو السحر، وتتجسد الحياة في المحبوب، وتصبح عاشقاً والوجود معشوقاً، ويصبح الوجود هو الله.
يبحث الناس عن الله قبل المحبة. فكيف يصلون إليه؟
إنهم لا يمتلكون لا الآلية ولا المسار. إصنع الحب واتركه لله، وفجأة يوماً ما ستجد نفسك مغموراً به.












كن صامتاً بقدر ما استطعت، إغرق في الصمت ... ليس في صمتٍ جسدي فقط، وهذا يساعدك للوصول إلى نقطة الإنطلاق.
مهم جداً أن يرتاح العقل، وأن يمتنع عن الثرثرة الدائمة، ولكننا لم نحاول فعل ذلك يوماً. كل ما نحتاجه هو فعلٌ بسيط.
أدخل إلى نفسك وتأمل، ودع العقل يفعل كل ما بوسعه حتى ولو لم يكن عادلاً، لا تقل شيئاً ولا تختر شيئاً أو ترفضه، حتى لحظة الإستراحة، ورويداً تشعر أنك إنسان آخر.
أول ما يفعله العقل هو التخلص من الماضي ومن ثم ملاقاة المستقبل. إنه الطريق الصحيح. وإن تأثرت به سيسهل العقل لك كل الأمور ، لا تقف في طريقه ، كن إلى جانبه لا تكن ضحية الماضي، كن إنساناً إيجابياً.
أحياناً كثيرة ستجد نفسك منغمساً في شيء ما وفي لحظة التذكر، أخرج من ذاتك. أعد تركيب نفسك، وثانية راقب النجوم، تزدحم الأفكار في رأسك، إنتقِ الأفضل منها، ستكون أمامك على شاشة الوجود ومن ثم تختفي، كن منتبهاً، هناك فيها ما هو جيد وما هو عاطل ، إن كانت أول لم تكن طبيعية، فانظر إليها بعين العالم.
وذات يوم، فجأة لن تراها ثانية، وفي هذا اليوم سيغمرك صمت لم تتعرف عليه من قبل، سيبقى إلى جانبك، سيكون معك كنفسك، إنه يحررك من عبودية الجسد.










إغتنم الفرص والتزم الصمت.
إجلس وحيداً صامتاً، بلا عمل دون تأمل، هكذا بلا سبب ولا هدف.
شيئاً فشيئاً، ينمو الصمت وتغرق في تجربته، وحين يصبح الصمت جزءاً من حياتك، ستتعرف على ذاتك، وتتعرف على الحياة. إنها المعرفة التي تقودك إلى الله.



















قبل مجيء الساعة، عليك التفكير إلى أين أنت ذاهب. لا تفكر طويلاً، فالمكان المقصود هو في داخلك ، فلماذا الشطط في التفكير ، كل ما عليك هو الصمت والعودة إلى الذات.
حين يتوقف العقل، يتوقف الزمان والمكان. في هذه اللحظة تبدأ البذور بالنمو بلا حدود ، الثمار، الأزهار، الشمس، الريح والمطر، هكذا تشعر باللذة. وهكذا تسايق الريح، تشارك الغيوم مرحها وتهمس في آذان النجوم.


















العفوية هي طريق الألوهة، وحتى تكون عفوياً يجب أن تكون قريباً من الله. يستحيل أن يكون العقل عفوياً، أنه صانع الماضي ومسيّر المستقبل.
إنه في ما وُجد وفي ما سيأتي. وفي كلا الحالتين ستبحث أنت عن الباب.
ليست اللحظة الراهنة جزءاً من الزمن، وهكذا ليس بمقدور العقل إستيعابها.
العقل والزمان متجانسان. يمكنك القول إن العقل هو الزمان في وجودك الإنساني، وأن الزمان هو العقل خارج ذلك، ولكنهما ظاهرة واحدة.
لكن اللحظة الراهنة ليست جزءاً من الزمان ولا من العقل. في هذه اللحظة تكون أنتَ في حالة الألوهة. هذه هي حقيقة الرجاء، حقيقة معنى التضرع، حقيقة معنى الحب.
وخروجك من هذه اللحظة هو ليس بإرادة منك إنها مشيئة الله،واستمرارية الألوهة في داخلك.













أسقط كل الحواجز. كن بلا حدود فكر فقط في خلال اللانهاية والخلود. كل ما عدا ذلك لم يُرض ولن يُرضي أبداً أياً كان.
ينبغي إسقاط حواجز الجسد. فنحن متماهون كثيراً بأجسادنا. نعتقد أننا أجساد، ونحن لسنا كذلك. هذه هي الفكرة الزائفة الأولى التي ينبغي إسقاطها . هذه الفكرة الزائفة تولد أفكاراً زائفة أخرى. إذا كان الواحد منا متماهياً مع الجسد فإنه سوف يكون خائفاً من الشيخوخة، المرض، الموت.
هذا الخوف يخلق من هذا التماهي والالتصاق بالجسد.
فكر بنفسك كما لو كنت وعياً نقياً. أنت لست الجسد. أنت الذي يدرك هذا الجسد. وأنت لست العقل أيضاً.
إبدأ أولاً بالعمل مع الجسد، لأنه من الأسهل الإبتداء مع كل ما هو محسوس. ثم تحرك نحو الأرق والألطف. أنظر إلى العقل باعتباره منفصلاً عن ذاتك. حين تصبح واعياً أنك لست الجسد ولا العقل ، ستشعر بحرية كبيرة بلا قيود أو حواجز. لن يكون هناك جدران، سيكون فقط الفراغ المطلق في كل الإتجاهات. عندئذٍ ينبغي اسقاط الحاجز الأكثر شافية، وهو المتعلق بالمشاعر.
أولاً: تحرر من الجسد، ثم من الفكر، ثم من القلب. وحتى تكون متنوراً عليك أن تتحرر من القلب.
عندما تعرف أنك لست الجسد ولست العقل ولست القلب، ستعرف مباشرة من أنت. وما هو الوجود وما هي الحياة بكل معانيها. وسينكشف الستار مباشرة عن كل الأسرار.







جميعنا هنا غرباء . هذا ليس بيتنا، هو في كل مكان آخر. نحن في أرض غريبة. أن تبقى خارج ذاتك هو أن تبقى بلا منزل، وبرجوعك إلى المنزل ، تعود إلى داخلك.
كرّس جهودك كلها للعودة إلى الداخل، لا شيء أكثر قيمة من هذا التوجه، لذا عليك المخاطرة والتضحية بكل شيء، وما عداه يعدّ أمراً تافهاً.



















لا "أنا" عند الإنسان المؤمن لأنه "جزء من الكل الشمولي، جزء أساسي ورئيس من هذا الكل الشمولي ولا إنفصال بينهما". هكذا تصبح حراً، لا حدود لوجودك، كل ما تراه عيناك يكون ملكاً لك، فأنت لم تعد تحيا حياة "الأنا" المحدودة بالمكان والزمان.
كلما التصقنا بالأنا، كلما كثر البؤس والشقاء. وتصبح كمن يريد تحويل المحيط إلى قطرة ندى. نحن عصافير نحلق في رحابة السماء، ليس بمقدور أحد تقييد حريتنا، تكمن السخرية، في ارتضائنا أن نبقى مساجين، أن نكون السجن والمساجين والسجانين في آن. إنه الحلم بالنسبة للمتصوفين. الحياة كلها أشبه بحلم لا أحد غيرك فيه "تحلم أن أسداً كان يطاردك ولكنك كنت الأسد في الوقت ذاته وكونك كنت تحلم فهذا يعني أنك كنت المشاهد لعملية المطاردة هذه".
يحق للأطفال إرتكاب الأخطار ولكن لا يحق لهم هذا حين يكبرون. في طفولتهم تكون الغلبة للأنا، أي يكونون في قفص التخيلات والأوهام والرغبات.
فما عليك إلا أن تعي خطورة "الأنا"، وتبدأ بالإنعتاق من سيطرتها رويداً رويداً.












الأنا هي جحيمنا. ولمن السخرية أن نكون نحن نخلق هذا الجحيم الذي هو سبب معاناتنا، في حين بمقدورنا إلا نفعل هذا. الأنا والمعاناة توأمان، وهكذا لا تشعر بالنعمة مع وجود الأنا. هناك فرق كبير بين المعاناة والنعمة التي إن أردت الحصول عليها، عليك ألا تكون سبب للمعاناة، ألا تتبع الأنا.
الأنا سبب معاناتك، كن زاهدا وتعرف على غايات الأنا، فتتعرف على النعمة ، قل لنفسك "لا أحد في هذا العالم أكثر تواضعاً مني" هكذا تقضي على الأنا، وعلى المعاناة . دع التواضع يتغلغل إلى ذاتك.

















الأنا هي اقتناعنا، أننا أشبه بجزر متفرقة منفصلة عن الوجود. إنه الإقتناع باللامنطق. فلا إنفصال بيننا وبين وجودنا، فحين نستنشق الهواء، نكون نقيم علاقة تواصلية مع الخارج الذي هو الوجود.
ليس الأنف وحده أداة تنفس، بل كل مسام الجسد.
نعطش فنشرب، ويتدفق الماء من الخارج إلى داخل الجسد. نعرق، فيخرج الماء، حتى الطعام له دورته الطبيعية، من خلال التنفس نثبت عدم انفصالنا عن الخارج ، وإن هناك ألف ألف وسيلة لاستمرارية هذه العلاقة.

















الأنا هي الرغبة في محاربة الآخرين، ولا يقضي عليها إلا الرغبة بالعيش بسلام، ولا وجود لهما معاً، وموت الأنا يعني ولادة جديدة.
لا يوجد سيفان في غمد واحد، لذا، فإما أن تكون إنسانيتك داخل جسدك وإما الأنا. تمنحك الشعور بالإطمئنان والراحة، تعيدك إلى الهدف الذي خلقت من أجله.
حياتك هي الأداة التي تعبر فيها عن وجودك، كن مزماراً من البامبو، يغني أغنية الحياة، وإذا وجب الصمت، فافعل، واعلم أن الصمت هو كالأغنية يعبر عن جمالية الحياة.

















يحيا الإنسان الذي لا يعرف شيئاً عن التأمل حياة عارية قاحلة، كما لو كانت صحراء مقفرة.
يصبح كالسائح الأميركي الذي يرتدي ثياب السباحة ويركض لاهثاً بحثاً عن المحيط، وعرق التعب ينسكب من جسده .. أخيراً التقى برجل وسأله: "كم يبعد المحيط عن هنا؟".
نظر الرجل إلى الأميركي وشعر بالأسف نحوه وقال:
"سيكون صعباً جداً الوصول إلى المحيط – نحن هنا في الصحراء والمحيط بعيد عن هنا بما لا يقل عن 800 ميل. أجاب الأميركي: "إذن ينبغي أن أرتاح هنا عند الشاطئ".!
يمكنك أن تعتقد أن صحراءك هي الشاطئ!
هكذا يحيا الناس، معتقدين أن صحراء حياتهم هي الشاطئ. بينما، وببساطة، حياتهم صحراء قاحلة.
على الأقل ، في الصحراء، وبعد السير مسافة 800 ميل، سوف تجد المحيط، ولكن في حياة بلا تأمل ليس للصحراء من نهاية، ولا حتى بعد 800 ميل ...












النعمة ليست إنجازاً نحققه، إنما هي موت الأنا. وادعاؤنا أننا وصلنا إليها، هو مجرد وهم، مجرد حلم، ما أن ينتهي حتى نعود إلى البؤس والتعاسة.
إن العقل الذي يسيرك، يجعلك لاهتاً وراء النعمة، وكثيراً ما تنخدع ، تشعر أنك وصلت إليها.
النعمة الحقيقة، هي موت الأنا ، الأنا سد منيع يحول دون إتحادك بوجودك. النعمة هي في الصمت المتصل بوجودك، هي في رقصة الحياة، بلا حواجز ولا موانع.
إغرق في التأمل، تقضِ على الأنا، وهكذا تغمرك النعمة.
















معنى التأمل أن لا تبقى فرداً من الأفراد. معناه أن تذوب نفسك في الكل، لا أن تحافظ على انفصالك، لا أن تقاوم ، بل أن تذوب. إنها قضيةُ حب للكل، قضية إتحاد عضوي مع الكل. بالطبع، قبل وجود الكل لم نكن شيئاً كنا صغاراً مثل قطرات الندى قبل تكوِّن المحيطات . في اللحظة التي تدرك فيها أنك لا شيء بالمقارنة مع الكل تتقبل ذلك ببهجة ، ليس عن طريق الإستقالة من الوجود ولكن عن طريق الإبتهاج المتحرر.
لأنه عن طريق الإبتهاج المتحرر من الأنا تختفي كل المتاعب والمخاوف. حتى وفي لحظة سقوط الأنا يتلاشى الخوف من الموت!
الأنا وحدها تموت. أما حقيقتك فخالدة. عندما ترحل كل المتاعب والهموم تستريح في راحة كلية. التخلي عن الأنا هو بداية التأمل. والراحة هي الإحساس أن لا شيء يثير المخاوف في ذاتك، يعني ذلك أنك قد عدت إلى ذاتك .. وهو ما أصبح معروفاً في الشرق بحالة "الساتشي تانند" وهو الثالوث التالي: الحقيقة، الوعي، النعمة. وهي الوجوه الثلاثة لله، الثالوث الحقيقي. وحين تصير مسالماً كلياً، وهادئاً، تصبح هذه الوجوه الثلاثة ملكاً لك؟ تصبح إلهياً. في الواقع لقد كنت دائماً إلهياً، ولكننك الآن تتعرف على ألوهيتك.










لا إيمان بلا تأمل. التأمل يوصلك إلى عبير وعطر الإيمان، ويجعلك تمنح الآخرين تجربتك، فتصبح أنت العبير والعطر معاً، وتكون قادراً على تحويل الغضب إلى سكينة، حتى الغبار سيتحول ذهباً إن لامسته، تلك هي قدرة الإنسان المؤمن.
الإيمان هو ذاك السحر الذي يخطفك إلى الأعلى ، ولا إنخطاف دون تأمل، دون سكينة روحية التي ترشدك إلى دروب الإيمان، إلى منابع العبير والعطر، لذا لا أهمية للصلاة دون سكينة. السكينة تفجر ذاتك عطاء ومحبة، إنسانية وإيماناً، هذا هو الإحساس باستنشاق نعمة الحياة.


















لا معنى للصلاة دون إيمان ولا قيمة لها، إذ تكون مبنية على "إعتقاد". إعتقاد الإيمان بإله لا تواصل بينك وبينه. وكيف يكون هذا؟ أتريد خداع الآخرين كما تخدع نفسك؟ الإيمان هو أساس الصلاة.
كثيرون هم الذين يصلون دون إيمان، يصلون ويصلون، يتنشقون زهوراً إصطناعية متوهمين أنها زهور طبيعية. وهكذا يستمرون بالإستنشاق إنما دون رائحة عطر وعبير. حياتهم مستنقعات وهم ونهم وجشع وخداع. حياتهم لا لون لها ولا طعم.
التدين يبدأ بالإيمان، والإيمان حالة صمت واسترخاء، ليس حولها ما يزعجها أو ما يخرجك منها. الصمت هو الشعور بالإمتنان لله الذي أعطاك النعمة، الذي منحك تجربة سماع موسيقى الصمت التي من خلالها يمتلئ قلبك بالإيمان وتنحني أمام الله بخشوع.














هكذا لم تعد الصلاة إلا صمتاً، صمتاً نقياً. عليك أن لا تقول شيئاً لأي انسان، فالآخر أصبح غائباً بشكل مطلق. لم يعد هناك أي محتوى في وعيك، ولا حتى موجة صغيرة واحدة في بحيرة الوعي، بل أصبح كل شيء ساكناً وصامتاً.
لا تقل شيئاً. ولكن القلب، ضربات القلب، تدفق الدم، النعمة الخالصة التي تحيط بهذا الصمت، والرغبة العارمة بالانحناء للوجود بأسره، من أجل كل ما يحدث لأجلنا، هذه هي الصلاة. أنا لا أعلَّم الصلاة بل كيفية الصمت، لأن الصلاة نتاج ضروري للصمت. إنها الصلاة التي فيها يتفتح الصمت.
واجبك خلق الصمت. وعندما يكتمل عملك تصعد الصلاة من داخلك. المسألة شبيهة بتدفق الينبوع قرب الأشجار الممتلئة بالزهور. إخلق الصمت، يتفجر الينبوع وتزهر الأشجار وتكثر البراعم.















النعمة يحبها الجميع. مهما يكن نوع ما نفعله، فنحن نسعى إلى النعمة. ففي كل عمل، صائباً كان أم مخطئاً، اخلاقياً أم غير اخلاقي، مادياً كان أم روحياً، السعي هو نفسه، السعي إلى الغاية الأسمى، تلك هي النعمة.
تنبع اللحظة التي تصبح فيها هادئاً كلياً وصامتاً من داخل كينونتك. تلك اللحظة هي اللحظة التي يولد فيها المرء حقاً. قبلها، يولد المرء فيزيولوجياً فقط، وليس روحياً. نحن لا نملك روحاً قبل تلك اللحظة. فقط بعد الولادة الثانية الحقة يمتلك المرء روحاً خالدة تمنحه إمكانية الخلود.

















الإيمان عن وعي، هو إندماج مع الآخرين. هكذا يصبح بمقدور الإنسان معرفة كل شيء. رنين الهاتف، بكاء الطفل، إرتفاع صوت المذياع عند الجيران، دون إقحام نفسه بما لا يعنيه. سكينة روحه تجعله فوق الأشياء المادية، لا صفير القطار يزعجه ولا عبور طائرة فوق رأسه ولا صياح الديك.
إنها القدرة على التعالي التي بمقدورك إكتسابها من خلال التأمل والصمت، وهكذا تولد من جديد، هكذا يولد الوعي فيك ولا تعود جسداً ولا عقلاً مجرداً، وتتعرف أن هذا الوهي هو فيك قبل أن تولد، وسيبقى بعد الموت، إنه الخلود. إكتشافك للوعي، يعني إكتشافاً لمعنى البقاء الذي سر الخلود.















عليك أن تتعلم كيف تختفي، كيف تتبخر. كيف لا تكون. هذا هو الفن الأعظم في الحياة، الأنا ماكرة جداً. إنها دائماً تجد طريقة ما لتدخل إليك من الباب الخلفي. تستطيع الأنا أن تصير متواضعة ، ورعة، أن تصير ملائكية، مقدسة. تستطيع الأنا أن تلعب كل الألعاب.
كن يقظاً وحذراً. كلما ازددت معرفة بأساليب وطرق الأنا، أصبحت أكثر قدرة على التحرر منها. إنها لن تستطيع الإستمرار في اللعب عليك مهما كان نوع استراتيجية الأنا التي أصبحت تعرفها. رويداً رويداً ستصبح كل الأبواب منفتحة. وذات يوم، عندما تتحطم الإستراتيجية الأخيرة لأنانيتك ستصبح متحرراً من نفسك. هذا هو التحرر. وهذا هو الهدف الأقصى لكافة الجهود الدينية – التصوفية. فقط في تلك الحالة المتحررة يستطيع المرء أن يعرف معنى الحقيقة. ليس التحرر والحقيقة شيئين منفصلين. إنهما وجهان لعملة واحدة. فالتحرر هو الحقيقة.















فليكن الإيمان نقطة إرتكاز إهتمامك، وليكن تفكيرك حول رحابة الفضاء مدخلاً إلى ذاتك، وهكذا، تفقد كل الأمور الثانوية أهميتها.
رويداً رويداً يبدأ الوعي عندك يفعل ما عليه فعله، وحين تتعلم كيف تواجه ذاتك، تكون تقترب من الوصول إلى عبث حياة أكثر جمالاً، وترى الحياة بروعتها وبهائها.


















يولد الإنسان وفيه نور الألوهة، وإن خلف طبقات ظلام الجسد، لذا فالوصول إلى هذا النور لا يمكن أن يكون إلا عبر ممرات الظلام وهذا ما يخشاه الكثيرون.
كثيرون يحاولون التعرف إلى ذواتهم، لكنهم لا يفعلون، خوفاً من رؤية الظلام، الظلام الذي هو أشبه بالموت.
إنه الظلام الذي سماه صوفيو المسيحية "ليلة الظلمة" من يعبرها يتعرف إلى ضوء الفجر وأشعة شمس الصباح. إنها الرحم بالنسبة للطفل، وما إن ترى بصيص النور داخل عتمة الظلمة، حتى تصبح قادراً على فعل كل شيء دون مساعدة أحد. فالشكر لله وحده الذي أوصلك إلى بيت السكينة وهكذا تنتهي الرحلة.

















إغتنم الفرصة، وانسَ كل ما هو متعلق بالقشور. إدخل إلى ذاتك، فنور الحياة بانتظارك، النور الذي نحن صنعنا منه وكذلك الوجود.
فيما مضى، كان النور يسمى الله. اليوم، وفي الغرب خاصة، لم يعد كذلك، إنها تسمية تقليدية باعتقادهم ، من إختراع الكنيسة والكهنوت.
أما أنا، فلا مهرب عندي من الإقرار ، نعم ستواجه الله في أعماق داخلك ، النور هو الله، ومن لم يتمكن من العبور إليه – داخل ذاته- سيبقى متلهياً بالقشور بعيداً عن الجوهر.
















ليس الدين أكثر من وسيلة لجعلك جزء من الكل المطلق الذي هو الله، وحين تصبح هذا الجزء لن تبقى منفصلاً عن الوجود، لن تكون مكعب الثلج وسط المحيط ، بل ستذوب في مياهه.
حين تذوب وتصبح جزءاً من المحيط، لن تسقط في مزالق الخوف، ستتعرف على النعمة، ولن تعرف التعاسة طريقاً إليك.
الإنسان "الأنا" لن يتعرف إلى النعمة ، فالأنا تبقيه تعيساً. أما ذاك الإنسان الذي يتخلى عن الأنا، فلن يعرف التعاسة حتى ولو حاول ذلك، النعمة هي موت الأنا.


















ما إن تكتشف نورك الداخلي حتى تتحول حياتك إلى نعمة نقية. ليست لذاتك فقط، بل إنها حالة متنقلة التأثر والتأثير. وستبدأ هذه النعمة في التأثير على الآخرين. فأولئك الذين هم متلقون يبدأون بالشعور بشيء ما، عندما يكونون على قرب منك. قلوبهم ستتجاوب معك، وستبدأ بعض الأجراس بالرنين في كياناتهم الداخلية. إنه نوع من التناغم المتبادل.
يستطيع المراء الذي يصبح مباركاً بالنعمة، أن يوزع بركته على آلاف الناس المحيطين به. وبالتالي ، فإن اهتمامي ليس مرتكزاً على المجتمع ، بل على الأفراد. إذا استطعتُ تحويل عدة آلاف من الناس، فذلك يكفي. فهؤلاء قادرون على تنوير آلاف أخرى. وهي عملية لا تنتهي . بل تستمر وتمضي إلى الأمام.
















الشهر 3
إقفز من الظلام إلى النور

ليس الإنسان صغيراً مثلما يظن السطحيون. إنه يحتوي كل السماء ضمن ذاته ويحتوي كل المحيطات . إنه مثل قطرة ندى، ولكن هذا المظهر مخادع جداً. وما زالت العلوم منشغلة وستبقى منشغلة بهذه القطرة من الندى.
لقد أصابت الدهشة العلماء الذين توغلوا عميقاً في الوعي الإنساني، حين اكتشفوا أنه كلما توغلوا بشكل أعمق في ذات الإنسان، بدا هذا الإنسان أكثر اتساعاً. وعندما توصلوا إلى نواة الإنسان الأعمق، اكتشفوا أنها تحتوي الكون بأسره. ذلك الإكتشاف هو ما يسمى بإدراك "التجربة الإلهية".
تأمل واذهب عميقاً إلى داخل نفسك.
الألوهة كامنة تماماً هناك، وما عليك سوى رفع الغطاء عنها.











أي شيء يجلب النعمة إليك هو غذاء للروح. فليست فقط أجساد الناس تتضور جوعاً، بل أرواحهم أيضاً، وإلى حد كبير.
كن يقظاً: إختر النعمة على قدر الإمكان. تجنب البؤس، لا تتعاون أبداً مع أي بؤس يحيط بك. محتوم على البؤس أن يحيط بك، تماماً مثل الغيوم التي تأتيك في أحد الأيام ثم يكون النهار التالي مشمساً.
راقب الغيوم، راقب الشمس، وتذكر أنك منفصل عنها. اللحظات المظلمة لها وقتها، واللحظات المضيئة لها وقتها، فنحن نتحرك على دولاب يحتوي الليل والنهار، الولادة والموت ، الصيف والشتاء. ولكن إذا استطعنا التذكر أننا لسنا طرفاً في هذه التحولات، عندئذٍ ترتفع النعمة في الذات.
وحينئذٍ يتصالح المرء مع نفسه ومع الوجود. تلك هي النعمة ، ذلك التناسق ، ذلك السياق، ذلك التناغم.
فجأة تتعلم كيف تصير مغتبطاً بالنعمة، وتبدأ روحك بالنمو، وإلا فإن روحك تبقى بذرةً، ولا تتحول أبداً إلى شجرة. وإن لم تصبح البذرة شجرة، تزهر وتعطي الكثير من الثمار ، فلن تكون الحياة إلا كوم نفايات.












لا يستطيع الإنسان المغتبط بالنعمة أن يؤذي أي إنسان آخر، ولا أن يؤذي نفسه.
ببساطة، يصبح الإنسان المغتبط غير قادر على ارتكاب الأخطاء. أما الإنسان البائس فمحتوم عليه فعل الخطأ. حتى ولو اعتقد أنه يفعل فعلاً خيراً، لكنه لا يستطيع مع أنه يمتلك النية والرغبة في فعل الخير، إلا أن المحصلة الناتجة عن تلك النية سوف لا تكون فعلاً خيراً. قد يعتقد أنه يحب الناس ولكنه سوف يستبد، وببساطة، باسم الحب. قد يعتقد أنه خادم عظيم للناس، ولكنه سوف يصبح وببساطة، سياسياً، ومن خلال تلك الخدمة للناس سيحاول أن يسيطر عليهم. فالإنسان البائس عاجز أساساً عن فعل الخير.
بالنسبة لي ، يمكن للفضيلة أن تختصر بشيء واحد: "الإغتباط بالنعمة".
أما الرذيلة فهي البؤس . الرذيلة هي البؤس والفضيلة هي النعمة.
نصيحتي لك: كن مبتهجاً، كن مباركاً، كن راقصاً، كن مغنياً، وعندئذٍ، كل ما ستفعله سيكون صائباً.












لا يستحق النعمة إلا الشجعان المخاطرون، ولا يستحقها إلا من تجاوز المادي المحسوس، إلى عالم الماورائيات. فالبقاء ضمن محدودية المادة، تعني التعود على تكرارية الفعل، تعني الرقص على إيقاع واحد، والتحرك ضمن دوائر مغلقة.
رويداً رويداً، تفقد الحس والشعور وتتصنم الحياة، ويصبح البشر طرشاً، عمياناً أغبياء، إذ تفقد الأشياء طعمها ولونها، التكرار يقتل الذات البشرية. الحياة ليست دائرة حزن وبؤس وإحباط، إنها الشجاعة للإنعتاق من الذات المادية إلى ذات الروح، من المألوف إلى اللامألوف.
الحياة مجازفة، فمن يدرك ماذا سيحدث حين تنتقل إلى عالم نجهله، نحن هنا كمن يركب زورقاً يمخر به عباب المحيط دون أن نغرق حتى نصل إلى شاطئ الأمان، ولا نعرف إذا كان بمقدورنا العودة إلى حيث انطلقنا، لا وصول للنعمة بلا مجازفة.
لكي تحيا عليك أن تخاطر، أن تعرف أن عليك فعل شيء – ليس أي شيء- يوصلك إلى الحياة. الشجاعة هي الفضيلة التي تحقق النعمة، إن أردت أن تزهر ذاتك فما عليك إلا المخاطرة.













الشجاعة الأعظم هي أن لا تقلد الآخرين، هي أن تعيش حياتك بخصوصيتها واستقلاليتها، على قدر الإمكان ومهما كانت التكاليف. وحتى إذا ضاعت الحياة بين يديك، في محاولاتك أن تحيا بخصوصيتها واستقلاليتها، فإنها جديرة بهذا الضياع ، لأنها الطريقة التي تسمح بها لروحك أن تنبثق وتترعرع وتتفتح.
عش حياتك من غير أن تهتم بالأخلاقيين، والبيوريتانيين، والأغبياء الذين يستمرون في الوعظ والتحذير. عش حياتك . وحتى إذا عشت في الأخطاء ، فإنه من الأفضل أن تحيا حياتك الخاصة على أن تكون مصيباً بحسب رأي إنسان آخر، لأن الإنسان الذي على صواب، بحسب رأي إنسان آخر، هو انسان مزيف، أما الرجل الذي على خطأ بحسب قراره الذاتي فسوف يتعلم من أخطائه عاجلاً أم آجلاً. وسوف ينمو ويتطور من خلال تلك الأخطاء، وسوف يستفيد من أخطائه الماضية ليتجنبها في المستقبل . وحده الإنسان الذي يتعلم هو الإنسان المعرض لارتكاب الأخطاء. والخطأ أن تكون مسيراً من الأخرين، فانطلق معتمداً على ذاتك.














الحياة لا تليق إلا بالشجعان، أما الجبناء فليس بمقدورهم أمر ما، إنهم يترددون وهكذا يفقدون الفرص. يريدون الحياة، ينشدون الحب، لكنهم يريدون فقط ولا يفعلون شيئاً. وما أكثر هؤلاء.
يعيش الجبان في خوف داخلي، خوف من المجهول، ولا يحاول الإنعتاق من خوفه، لا يعرف كيف يكون شجاعاً يخترق حاجز حجب المعرفة إلى المعلوم، مع أن هذا يعرضه للمخاطرة، ولكن كيف للمرء أن يحقق ذاته دون مجازفة؟ عليك بالتحدي، عليك الخروج من سجن الجسد إلى رحابة الروح. هناك من يرى الرو- "إمكانية" والإمكانية ليست واقعاً. أما الشجعان فهم الذين أرواحهم ممتلئة نوراً.
















أن تكون شجاعاً، أن تمتلك النعمة، فهذا يعني أنك قادر على تقبل الألوهة. كن شجاعاً، كن باحثاً عن المعرفة فالألوهة لا تدرك، معرفة الألوهة تعني إندهاشاً، فهي لا تلمس ولا ترى، إنها تحل عليك، وتستوطن ذاتك.
صعب عليك أن تشرح حياتك الألوهية، فالله لا يوصف، إنه أسمى من الإدراك، محتجب وراء الذات.
حين تقول إنه متصوف، تعني أنه أبكم وأخرس، فهو يعيش تجاربه الروحية ليتمكن من العبور إلى "الحقيقة"، الحقيقة الغامضة التي لا تتحدر بشيء بل تحدّد كل شيء.
















عندما ترغب بالتسامي لملاقاة الله – أعلى ذرى الحقيقة – تصبح الأشياء في واد سحيق. سعيك هذا ، يعني الرغبة في التحدي. المعجزة الكبرى هي ما أن تبدأ بالتسلق نحو الله، حتى يبدأ هو بالنزول إليك، وهكذا تلتقيان وسط الطريق ، إنها حركة التناغم بين قطبين لظاهرة واحدة، ظاهرة الإلتقاء بالله. الطالب والمطلوب، الناشد والمنشود.
الله لا يقترب إلا من مريديه، هناك من تشغلهم هموم الحياة ومشاغلها الدنيوية عن التفكير فما هو في العلى. النمو الأكمل لأي وجود إنساني، هو الإقتراب من الله.
ليس مهماً أن يسعى الإنسان لله، بل أن يسعى الله إليه أيضاً، إنه سعي ثنائي الأطراف، إنه سعي المشتاق لمعشوق، هكذا يصبح اللقاء لقاء حب متبادل بينك وبين الله، حب يغمرك بالدفٍ والنور.















حياتك ، ليست حيتك، بل هي مسيرة حياة الله فيك. ليس البشر سوى صفحات تملؤها الكلمات، وبينها نقاط وفواصل، الوجود أوركسترا، نحن ألحانها ، آلاتها، وحين نعزف بتناغم، نكون نستحضر النعمة ، وإذا عزفنا كل على هواه، نكون نستحضر البؤس. فكلما إنتابك البؤس، فاعلم أنك بإرادة منك أو بغير إرادة، تكون تغرد خارج سربك. إذن أنت بإرادة منك أو بغير إرادة ، تكون تغرد خارج سربك. إذن أنت من يجلب البؤس لذاته. وكلما تناغمت مع الكل الشمولي، كلما حلت النعمة فيك، وكلما أردت نعمة أكثر، عليك أن تكون جزءاً من الكل.
تعلم جيداً من البؤس والنعمة، واهتدِ إلى طرق التواضع ، فلا ضرورة لوصايا أو إرشادات.















حتى تستحق النعمة، كن جسداً متماسكاً كما الصخرة. لا تكن مثل أولئك الذين هم من رمل، ما أن تهب الريح حتى يتطاير، ولا مثل قطعان الماشية أو أسراب الطيور، كن كتلة صلبة، هكذا تتعرف إلى النعمة، وإلا ستبقى في صراع مع ذاتك تعاني من التوتر والقلق.
كل ما عليك أن تتحد مع ذاتك، أن تكون كلاً متكاملاً، كلاً صلباً، وهكذا تأتيك النعمة التي هي النتاج الطبيعي لتكاملك الذاتي.


















أنت أنت محاط بطاقة إلهية، تحميك تهتم بك ومستعدة لإنقاذك ، فلا تبتعد عنها، وإلا ستكون أنت سبب بؤسك.
لن تدخل أشعة الشمس بيتك، طالما الأبواب مغلقة، وهكذا ستبقى في ظلام دامس، وحتى ولو فتحت الأبواب لعبور الشمس، وبقيت مغمض العينين، ستبقي كذلك في الظلام، كذلك هي محبة الله، إنه في كل مكان، ولكن علينا أن نفتح لها قلوبنا.
كن دائم الإستعداد لتقبل الإلهية، لتقف في حضرة الله، كن كلاً شمولياً متحداً بتناغم وإنسجام، هكذا تمتلك النعمة.
















الغارقون في التأمل هم أذكياء أكثر من غيرهم، أما الأغبياء وسواهم ففي الوهم يغرقون. يفعلون شيئاً ويقصدون آخر. التأمل ملازم للإحساس ، للذكاء، للإبداع ، للمحبة، للعطاء وللعطف، فلا تأمل دون هذه الصفات وإلا كيف سنتعلم أن نوقف ظنون العقل؟
حين تتمكن من الإبتعاد عن ظنون العقل وشكوكه، تصبح سيد نفسك وسيد عقلك.


















كن مدركاً لكل ما تفعل، لتخيلانك، لرغباتك، لأحلامك. إن لم تعِ ما أنت فاعل، لن تصل إلى أهدافك ، لا تسمح للأفكار الغريبة أن تتغلغل في ذاتك، واعلم أنك لا بد واصل إلى يوم تمتلك فيه آلية التفكير اللامتناهية، التفكير الذي يقول لك ، أحلامك هي مجرد أحلام.
حين تتمكن من فعل هذا التحول، التحول من اللاوعي إلى الوعي، ستصبح كائناً جديداً، ستولد من جديد في عالم جديد، تسيطر فيه على أهوائك ورغباتك وأفكارك. رويداً رويداً تصبح الشاهد على ما يجري في الحياة، ولست المشهود عليه. هكذا تمتلك حقيقة الكمال.
















دعني أقول لك: حطم جدران الخوف ورهبة العقاب. ولماذا تخاف؟ أبعد الخوف وأسبابه عن تفكيرك، وستحيا بهدوء وسكينة. أقول: "أبعد الخوف" لأنه لا شك سيحاول السيطرة عليك، وإن استسلمت له، ستجد نفسك عاجزاً عن فعل شيء ، صائباً أم لا، أخلاقياً أم غير أخلاقي، مخالفاً لتعاليم الدين والشريعة أم لا. الخوف دمارك، الخوف هو أقرب الطرق إلى التهلكة والخطيئة.
أنا أدرك أنك معرض للوقوع في الخطأ، ولكن لا تسمح للخوف أن يضعك تحت التجربة ثانية أو ثالثة، وإلا ستكون غبياً. تعلم من الحياة، كن واعياً أنك بالخوف لن تصل إلى أهدافك الأسمى، بل ستبقى قابعاً في صفر الأخطاء والخطايا، لا تستمع لأولئك الذين جعلوا الدين سوطاً مسلطاً على جسدك، أو سيفاً فوق عنقك. الدين فرح ونور، رحمة ومحبة.
الإيمان يعطيك الشجاعة، شجاعة إكتناه أسرار الحياة، فالله هو القاضي الأعلى، وهو غفور رحيم، حين تقف في حضرته، كن صادقاً ، إعترف له بخطاياك واطلب الغفران منه والمسامحة ، فهو سميع مجيب.














إخلع ثوبك البالي حين يخاط لك ثوب جديد. صعب عليك أن تفعل هذا، أن تتخلص من قديمك وتستقبل جديدك، إنه شيء غريب غير مألوف، لماذا التردد والخوف؟ فلا تطور ولا نمو دون جديد.
كن شجاعاً وتخلَّ عن قديمك ، كن دائم التطلع نحو الأمام، كن دائم التجدد، تجديد اليوم، سيصبح غداً قديماً، وكل يوم سيقرع بابك فاستجب لما هو آتٍ لك من نور ومحبة.
أعمالك الماضية قيود في معصميك، أما رؤياك المستقبلية فهي الحرية، إنها الحقيقة المتجددة، كما تتجدد حبيبات الندى عند كل فجر، كذلك هو الله.















لا تبحث عن الحقيقة في مخطوطات الماضي ، لا في الوصايا ولا في ما "قيل وقال"، إبحث عنها في ذاتك. الحقيقة ليست وجبة طعام جاهزة، بل عليك معرفة إعدادها بنفسك.
ليس بمقدور أحد إعطاء الحقيقة لآخر، فهي لا تعطي ، إنها ليست شيئاً مادياً قابلاً للتسلم والتسليم. إن صارت كذلك، لن تعود حقيقة، بل أكذوبة ، فلا تطلب الحقيقة من الآخرين، بل إسعَ إليها بذاتك.
الرب يهديك إلى طريق الحقيقة، ولكن أنت من سيسير وحيداً على هذه الطريق، أنت وحدك ستمضي في هذه الرحلة الطويلة الشاقة المليئة بالمفاجآت والغرابة.

















الحقيقة في كل مكان تنتظر الباحثين عنها، ولكن لا يمكن الوصول إليها وعقولنا يأكلها الصدأ. علينا محو غبار الأيام المتراكم فوق وعينا، حتى نصبح قادرين على تلقي الحقيقة. وهل بمقدورك رؤية وجهك بمرآة يغطيها الغبار؟ هكذا الحقيقةـ لن تصل إليها إلا إذا كنت خالياً من الأكاذيب.



















نحن الحقيقة، فلماذا نبحث عنها في كل مكان، وهي في داخلنا؟ عبئاً نفعل إن لم نتوغل في ذواتنا.
لا تبحث عن الحقيقة خارج كيانك، إجلس وحيداً مع ذاتك واغرق بالصمت، هكذا ستجد أن الحقيقة تخرج منك ولك، كما الحياة تتدفق من الينبوع، كذلك الحقيقة تنبثق من ذواتنا، إدخل إلى ذاتك فالحقيقة تنبثق من ذواتنا، إدخل إلى ذاتك فالحقيقة في إنتظارك.


















النور يتأجج في داخلنا، فلماذا نبحث عنه في الخارج؟ لماذا نبقي أنفسنا في الظلمة؟
نحن نُغرق ذواتنا بالظلمة، لأننا نشيح بأنظارنا عن النور المتوقد فينا، الظلمة هي في البحث عن النور حيث لا يوجد نور. النور هو الوجود ، والوجود حقيقة النور. أما قرأت في الوصايا والشرائع "إن الله نور". لا تسمع لما يقوله علماء اليوم "الكون تماذج بين الكهرباء والمادة والإلكترونيات" هذه مصطلحات علمية، أما النور فمصطلح شاعري الوحي.
إذن إبتعد عن الظلمة وادخل إلى ذاتك وتعرف إلى النور.
















من النور ولدنا، وفيه نحيا ونموت: نحن النور. هكذا قال المتصوفون منذ القدم، واعترف العلماء به، ، فيما مضى ، كان العلماء يسخرون من هذه المقولة، لكنهم اليوم يقولون "كل شيء مصنوع من الكهرباء والإلكترونيات"، أي من النور.
عبر العلم درباً طويلة حتى وصل إلى هذه الحقيقة. كانت الدرب طويلة، لأن العلم كان يبحث عن النور حيث لا يوجد، النور في داخل ذاتك ، لا ضرورة لتعقيدات الأجهزة والمختبرات ، فقط أغمض عينيك وتأمل النور يتدفق من داخلك. أغمض عينيك والتزم الصمت والسكينة، هكذا تشعر بأنك نور .
ما إن تدرك نورك الداخلي، حتى تصاب بالدهشة، أيعقل هذا، النور داخل كل إنسان؟ نعم إنه هناك. وهكذا يتحول الوجود إلى محيط، ليس من الموج، بل من النور. النور ليس مادة ، بل طاقة الحياة.














بسبب خوفنا من الظلام، إعتقدنا أن الله نور فقط. الله نور وظلمة في آن، وإلا كيف تواجد الظلام؟ الله هو الأعلى والأدنى، هو المادة واللاملموس في آن. إنه الكلّ الشمولي المحتوي على الشيء ونقيضه.
لا تقترب من الله خوفاً، بل حباً به. إن اقتربت منه خوفاً، فسينعكس الخوف على كل ما حولك، ولن ترى الأشياء واضحة. الخوف أشبه بسحابة دخان تحيط بك، تحجب الرؤيا عن عينيك وهكذا ليس بمقدورك رؤية الله، فالله لا يُرى إلا من خلال الوضوح، وليس من خلال أي شيء آخر.
بالوضوح ترى الله نوراً وظلمة في آن: صيفاً وشتاءً، حياة وموتاً. وبالوضوح تنتفي الإزدواجية وتبرز الوحدانية. الإزدواجية قيد، والوحدانية حرية. "البحث عن الله هو طيران من الواحد الأحد إلى الواحد الأحد" على حسب ما يقول بلوتينوس.
أنظر إلى كل شيء باعتباره ألوهياً، حتى إلى الظلام، سواء عرفنا الشيء أم لا، سواء أدركنا أم لا. الموضوعي لا أهمية له، الأهمية للذات، للذات الألوهية إذا عرفناها، عرفنا الفرح، غمرتنا الغبطة، وإلا الويل لنا.












ظاهرياً يبدو الإنسان متناهياً في الصغر، قطرة ندى. إنما في داخله، يحتوي المحيطات واليابسة، يحتوي السموات. خارجياً هو كلة غبار، لا شيء سوى الغبار الذي يتطاير مع هبوب الريح، داخلياً هو الكون بأسره.
إنه الفرق بين العلم والدين، الأول يرى الإنسان مادة فيزيولوجية أو كيميائية، إنه علم الأحياء البيولوجيا، لا ألوهية فيه ولا روحانية. وهكذا يثابرون على دراسة التركيب الحيواني لفهم الإنسان، دون دراية وفهم، إن الحيوانات هي أكثر بساطة من الإنسان ، يجرون الإختبارات على الفئران لتطبيقها على الإنسان.
المسألة أكثر تعقيداً، فلا تشابه بينه وبين الفئران، العلم حوّل الإنسان إلى فأر. العلم يدرس الإنسان من خلال دراسته للفئران والكلاب.
الإنسان لا يفهم، إلا من خلال فهم المرسلين والأنبياء. والنبي العربي. فليس بمقدورك فهم الأعلى من خلال الأدنى، ولا الأدنى من خلال الأعلى. لأن الكائن الأعلى يحتوي الكائن الأدنى، بينما هذا الأخير لا يحتوي على الكائن الأعلى.
لا يُفهم الإنسان من خلال النظر إليه من الخارج إلى الداخل، بل ينبغي التأمل فيه والغوص في أعماقه، في أعماقه نرى العجب، نرى حقيقة مرعبة، إذ نكتشف أن الإنسان ما هو إلا إله حي.











منذ ثلاثة قرون والعلم يتحدث عن نظرية النشوء والإرتقاء التي تقول: "إن الإنسان يعود إلى سلالة القرود لكنه يرد متطور".
البشر ليسوا حيوانات ، بل هم مخلوقات إلهية وكذلك الحيوانات. فالله وحده الخالق . والبشر على صورته وفعاله. ينظر العلم إلى زهرة اللوتس على أنها تنبث في القرية ومنها نتغذى، بينما الصوفي ينظر إلى التربة ويقول هناك آلاف من زهرات اللوتس فيها.
العلم يبحث في المادة والدين يبحث في الروح. أنت مخلوق إلهي، وكذلك الكون.
هكذا، بمعرفتك وباقتناعك أنك مخلوق إلهي، تكون قد بدأت مسيرتك نحو الله، نحو الخالق الواحد والأحد.















كل واحد منا إله. لا أحد بلا ألوهة، الله متواجد وموجود في كل مكان. فالله مرادف للوجود ومتداخل بالوجود. أن تكون ذلك يعني أن تكون إلهاً. لكننا لا نتذكر هذه الحقيقة، بل نتجاهلها. المسألة ليست كيف ننجز الألوهة، بل كيف نكون آلهة. إنها لغة منسية.
أنا هنا لأذكرك بما هو حقيقة دائمة. عليك فقط أن تكتشف ذاتك، أن تكتشف من تكون ، وسوف تعرف أنك إله.
متى عرفت أنك إله، يصبح الوجود بأسره إلهياً، ويصبح كل إنسان إلهاً.
هذه هي البهجة الهائلة: عندما يبدو لك الوجود بأسره إلهياً. هكذا يتدفق الفرح من داخلك.















الإنسان جسد بين عالمي الحيوان والألوهة. إنه الممر ، وبالتالي فإن الإنسان ليس له كينونة ثابتة. الأسد له كينونة معينة، وللزهرة كينونتها الخاصة، وكذلك للصخرة. أما الإنسان فكينونته غير ثابتة. الإنسان ليس ثابتاً في وجوده، كينونته متحولة وفي صيرورة دائمة. يصبح الإنسان كائناً كاملاً فقط عندما يعلو متجاوزاً إنسانيته، عندما يصبح روحاً ألوهية، فلا يعود إنساناً عادياً. لقد عبر الجسر. وعليك أن تنتقل فوق الجسر. وتذكر، لا تشيد منزلك فوق الجسر . بل عليك أن تنتقل عبر هذا الجسر، عليك أن تتجاوز هذا الموقع . في ذلك التجاوز يكمن جمال الإنسان. الصخرة لا تستطيع أن تصير شيئاً آخر مغايراً للصخرة. والكلب لا يستطيع أن يتحول إلى شيء آخر مغاير للكلب. بل إنهما ثابتان. ليس لهما مقدرة التحول والتغير.
وحده الإنسان يتغير ويتحول. وحده الإنسان يمتلك إمكانية المغامرة، إمكانية السفر إلى المجهول. الجمال الاعظم للإنسان، والمجد الأعظم له، أنه قادر على تجاوز نفسه. يبدو ذلك، لأول وهلة، مستحيلاً . إذا فكرت به، يبدو مستحيلاً. أما إذا اتخذت قرارك بالقفز، يصبح الأمر ممكناً. كلما أمعنت في التفكير، بدت لك تلك المهمة مستحيلة. وحدهم الأفراد الشجعان قادرون على القفز.
قبل في الماضي: "فكر مرتين قبل أن تقفز"، وأنا أقول: "إقفز أولاً، ثم فكر ... مرتين، ثلاثاً ... فكر قدر ما تشاء".
كن مرتاحاً ومتساهلاً، فكر بمحتوى ما يفيض به قلبك، ولكن نَفَّذْ قرارك بالقفز أولاً!










يقودك التأمل إلى رحابة المحيط، من التناهي في الصغر إلى التناهي في الكبر، من بنية الجسد، من السجن إلى الحربة، من المحدود إلى اللامحدود، من الزمن إلى الأبدية، من الولادة إلى الموت إلى الحياة الأبدية. وحده التأمل يحتاج إلى إسقاط فكرة الأناء، وهو عمل ليس صعباً بالنسبة للمتنورين. كلما كان الفرد أكثر تنوراً ، كلما ابتعد عن الأنا واكتشف أخطاءها.
لا يمكننا أن نكون منفصلين عن العالم، ولو للحظة واحدة. إذا لم ندخل أنفاسنا إلى صدورنا، نرحل فوراً عن هذا العالم. نحن نتبادل حركة الوجود، خارجنا وداخلنا، والتنفس هو الجسر بين عالمنا الداخلي والعالم الخارجي بأكمله. التنفس أشبه ما يكون بالجذور المتصلة بهذا الكل الخارجي. إذا اقتلعت الشجرة من الأرض، تبدأ الشجرة في الاحتضار . إذ تتوقف الجذور عن مدها بالغذاء. وإذا توقف المرء عن التنفس يموت فوراً.
التنفس هو الطريقة الأمثل لتجذر وجودنا في الكل الخارجي. كلمة "تنفس" تعني الحياة، لأنه من غير التنفس لا حياة. فالتنفس هو العلامة الظاهرة على أن شخصاً ما على قيد الحياة. إذا كان يتنفس فهو حيّ، وإذا توقف عن التنفس فهو ميت.
ولكن، لأننا لا نرى التنفس، فنحن لا نهتم به. نحن، وباستمرار، نأخذ شيئاً من هذا الوجود الخارجي، وفي كل لحظة . لذا، إذا نظرنا إلى الحياة، التي نتبادل معها محتويات وجودنا، نستطيع أن نكون واعين ، وبسهولة، أن "الأنا" فكرة مزيفة. حين نسقط فكرة الأنا، تتهاوى كافة الحواجز، ونهرول نحو المحيط الشاسع الذي بانتظارنا ، نصبح متحدين بالمحيط.
إنها التجربة هي التجربة الأنجح لنشوة الإبتهاج وللحرية.






التأمل هو الفن الذي يهبط بك إلى نقطة الإرتكاز في العالم. نحن نعيش على السطوح – كيف تقفز من السطح إلى المركز؟ إنه فن كامل. أُسميه فناً ولا أُسميه علماً لأن العلم يميل أكثر إلى الرياضيات بينما الفن أكثر ميلاً للشعر والجمال.
لا استثناءات في العلم، إنه يتعامل مع القوانين الكونية. بينما في الفن هناك استثناءات ، في الواقع ، كل فرد يصل إلى مركز ذاته بطريقته الخاصة، لأن كل فرد يمتلك شيئاً مميزاً في داخله. تلك هي الألوهة والنعمة العظمى لهذا الكون الذي يتواجد فيه أفراد مميزون ومختلفون ، مهما تكاثرت أعدادهم.
التأمل هو الجسر بين السطح والمركز، بين الخارج والداخل، بين العقل واللاعقل، بين المادة والوعي.















التأمل معجزة سحرية، إنه هدية المؤمنين للإنسانية.
أعطى العلم أشياء كثيرة، لكن كل هذه الأشياء لا تقارن بمعجزة التأمل الذي هو حتى اليوم وحتى الأبد سيبقى روح الإنسانية.
العلم يدرس الأشياء الموضوعية، بينما التأمل، يمنحك استراحة الوجدان، ويسمح لك باكتشاف ذاتك هي أسمى وأرفع من المادة.
العالم هو موضوع العلم، إذن هو الأهم، والعالم بدون ذوات إنسانية لا يعود عالماً، إذن الذات هي الأهم، هي الأسمى.
















الخوف من المجهول، يجعلنا نعاني شتى أنواع العذاب.
يعتبر البعض معاناتهم سر وجودهم وإلا فهم لا شيء، إنهم غير موجودين، وكأنهم لا يعرفون أن الجسد وحده يتعذب. أما الذات – الروح- فلا تتعذب.
الروح، إنه مغادرة شاطئ إلى شاطئ آخر لا تعرف أين هو ولا متى تصل إليه، وقد يكون موجوداً وقد لا يكون، إذن أنت بحاجة لمرشد يرسم لك الطريق، وعليك المضي عليها، إنه يقدم لك المفتاح، أما إكتشاف الحقيقة فهو عملك.
قد يقول لك، أنظر، "هذه هي الطريق" لكنه لا يمسك بيدك وأنت سائر عليها. فقط، يفعل ذلك، حين تنظر إلى عينيه، حيث تكتشف حبة لك وحين تناوله الحب، تنشأ علاقة الروح بالروح، علاقة حلول الألوهية بذاتك. وهكذا تتعرف على تجربة معرفة الذات، التجربة التي لا شيء مثيل لها.














يستطيع الإنسان أن يحيا حياة مسوَّرة من كل الجوانب، متشرنقاً داخلها، ويستطيع أن يحيا حياة حرة طليقة محفوفة بالمخاطر.
كثيرة الأسباب التي تدفع ملايين الناس لاختيار النوع الأول لأنها حياة آمنة، مضمونة، عائلية، ولكنهم يفتقدون شيئاً أكثر قيمة، يفتقدون المغامرة وسوف لا يتعرفون إلى الحقيقة، وسوف يفتقدون الألوهة والمحبة والنور. الحق يقال، إنهم سوف يفتقدون كل شيء، إلا الموت المريح. حياتهم أشبه بحياة القبور. داخل القبر ليس هناك أخطار، ولا يمكنك أن تموت مرة ثانية في القبر الذي ترقد فيه. إنه المكان الأكثر أمناً، ولكن مع أنه مكان آمن، إلا أنك فقدت الحياة في داخله.
فقط عندما يتعلم المرء كيف يحيا النوع الثاني من الحياة، يصبح جاهزاً لتلقي الألوهة.
النوع الأول من الحياة هو عيش متشرنق مسوَّر، إنه اختيار الملايين . لذا هم قبور تمشي على الأرض، أحياء بالمعنى الحيواني للحياة. لا يملكون أرواحاً تنيرهم وتتخطى الحواجز والأسوار.
أما عندما يبدأ المرء بالعيش حياة ممتلئة بالمخاطر والمجازفة يكون قد بدأ العيش للمرة الأولى. أن تحيا المخاطر والمجازفة هو أن تحيا حياة إلهية: المسيح عاش حياة محفوفة بالمخاطر ، بوذا أيضاً، سقراط أيضاً، منصور الحلاجٍ عاش أيضاً حياة محفوفة بالمخاطر. ولكن هؤلاء كانوا أشخاصاً وصلوا إلى القمم العليا للفردية البشرية المتحررة من القيود . لقد وصلوا إلى قِمة "إفرست" الوعي.







الألوهة لا شكل لها، لا إسم، لا تعريف. الله لا يُعرَّف، لا يوسف، لا يشرح. وكل ما يقال عنه بعيد عن الصواب.
باستطاعة المرء يكون صائباً في كلامه عن الله إذا بقي صامتاً. فلا تتكلم. لا شيء يمكن قوله عن الله، ولكن الله يستطيع أن يكون تجربة تمر بها. ليس هناك برهان منطقي ، وليس هناك تأكيد منطقي على وجود الله، ولكن هناك حضور وجودي للألوهة.
الإستنساك أقرب الطرق إلى معرفة الأشياء. إنه أسلوب في النظر إلى الأشياء بحيث، رويداً رويداً، يبدأ الله بالدخول إليك. ومع أنه لا شكل له، لكنه يعبر عن نفسه في كافة الأشكال الممكنة. وتبدأ أنت في الشعور بوجوده في كافة الأشكال الممكنة.
بكلمة واحدة، الموجة الواحدة تختصر المحيط. بمعنى آخر من المعاني، كل موجة مما لا يعد ولا يحصى من الموج، هي المحيط. باختصار، الله بلا شكل، وإن كل شكل من الأشكال يعبر عن الألوهة.
لا يستطيع العقل أن يدرك الألوهة، العقل يستطيع فقط أن يستحوذ على الأشكال الملموسة. من أجل أن تتعرف على الشيء الذي لا شكل له عليك أن تمضي إلى أبعد مما يطاله العقل. عليك أن تسقط دور العقل وملاقاة الله. تلك اللحظات هي اللحظات ضائعة. إنها لن تنجيك، وحدها اللحظات التي تعيشها مع الله وبحضور الله هي توصلك إلى النجاة وإلى الخلاص.










الشهر 4
التأمل شعلة الحياة


للنهر سلم نفسك، فسيأخذك معه نحو المحيط، حيث تجد الرضا والقناعة والإطمئنان.
النهر ينزع من أمامك كل الحواجز والعوائق التي تمنع بلوغك المحيط، حيث الرحابة واللانهاية. فالحدود والحواجز والعوائق، هي وسائل العبودية والاستعباد، وكلما اتسع أفق الرؤية أمام عينيك كلما اقتربت من الخلود الأبدي.
هذا هو هدف الإيمان، بلوغ الخالد المخلّد. الذي لا حدود له، الواحد الأحد، المعروف من غير أن يعرف ، لأنه القدس الأقدس.












الحياة هي البقاء في حالة حركة وجريان نحو الهدف الأسمى، فلتكن رحلتك هذه، رحلة استمتاع دون اهتمام متى تصل إلى الهدف، فالأهداف ليست صنيعة الحياة، بل من صنعنا نحن، نصنعها كي تسعى للوصول إليها، إذن فلتكن أهدافنا، بلوغ الكمال.
لن يكون لك ذلك، إلا متى كنت حراً، تتخذ قرارك بحرية، دون خوف أو وجل، دون التفكير بالمصاعب والمتاعب. نحن نختلق الأعذار لفشلنا، ونحن نغش في الوصول إلى هدفنا، لأننا نخشى أن نتخلى عن الأنا.
أنا أسعى لله، لا خوفاً، ولا تزلفاً، ولا رغبة بالحصول على أجر أو مكافأة. أنا أسعى إليه حباً به، ولكي تزهر نواة الجمال في داخلي.
عش لحظات رحلتك هذه بفرح، ولا تتوقف. بل امضِ قدماً. لا تسأل عن معنى الحياة، فالحياة تمتلك معناها بذاتها. الحياة هي أنت. أنت موضوعها وأنت غايتها ولا حياة بدون نعمة أو بدون حب.















الحرية نعمة الوجود وأساسه، تمنحك القدرة على الانطلاق، من أن تحب ، من أن تسعى لمعرفة الحقيقة، أن تشعر بالفرح والغبطة. لا زهد ولا استغراق في عبادة الله، دون الحرية.
أنا أدعوك للتخلي عن انتمائك إلى فئة معينة. بل أدعوك للإنتماء إلى الإنسانية، لا تهتم بالعرق والعنصر، ليس هما إن كنت هندياً، اميركياً، ألمانياً أو عربياً. المهم أن تكون حراً قادراً على تخطي الحواجز التي تضيق مسيرتك نحو الأعلى والأسمى، المهم أن تهدم جدران سجنك لتخرج إلى العالم الرحب الذي خلقه الله لك.
هذا قرار أن تتخذه ، فإما أن ترضى بالسجن والعبودية وإما أن يستقضي الوعي في داخلك، وتتعرف على ذاتك، هكذا تتخلص وتتحرر من عبودية الأنا.
إن لم تكن الحرية في صميم وجودك وتفكيرك، فلا تبحث عنها في أي مكان آخر. من ذاتك تتفجر الحرية لذا الحياة جميلة ويحلو الحب وتتسم بروح الألوهة.














نحن بذور، لا تزرع لنموت، بل لننبت زهوراً يعبق أريجها وعطرها، هكذا تشعر بالسكينة والطمأنينة.
الشجرة المعطاء هي تلك التي ما أن يطل الربيع، حتى تتبرعم وتسكب روحها في ألوان زهورها، وتزفر أنفاسها في أريج الأزهار وعطرها. حين تتراقص الريح، حين تتآخى مع الشمس، حين تعطي ثمراً قل: "مباركة أنت أيتها الشجرة".
أنا هنا، لأنفض الغبار عن الطاقة الروحية الكامنة فيك، وهكذا تتعرف إلى لا محدودية امكانياتك، فتصبح قادراً على تسلق أعلى القمم وسبر أعمق الأعماق، واعلم أنك القمة التي هي أعلى من قمم جبال هملايا، وأعماق نفسك أعمق بكثير من جميع محيطات العالم.
ما دمت أنت هكذا، فلماذا لا تعبر عن العرفان بالجميل لمن جعلك هكذا، لمن منحك النعمة التي لا توصف . أنت قادر على فعل هذا ، بالاستغراق في التأمل بماهية هذا الوجود وليس بماديته ، وساعتئذٍ لا تعود تتسول النعمة، بل تصبح أنت النعمة.











كلما مررت بتجارب الحياة، كلما تراكمت الذكريات وصارت كجبل ثقيل يتعب كتفيك، كجبل يسحق كل من هو تحته. أما أنت فقادر على إزاحته عنك. قادر على فعل ذلك، حين تتأكد من عدم جدواه.
كذلك ستعلمك الحياة، أن أوان المستقبل المنشود قد يأتي وقد لا يأتي، فلماذا تتعب نفسك بالتفكير به. إنه المجهول، فلماذا تسعى إلى مجهول، لماذا تهدد طاقتك بالسعي إلى شيء لا تعرف عنه شيئاً.
ما عليك إلا مواجهة الحياة، والتأمل والتفكير بها بهدؤ وسكينة، هكذا تدرك أن الماضي والمستقبل يتصارعان في داخل عقلك. وكلما تعمقت في التأمل ترى أن الماضي يشدك إلى الوراء والمستقبل يدعوك للسير إلى الأمام، وهكذا تختفي اللحظة الراهنة، وقد تشعر أنك عبثي عدمي.
استثمر اللحظة التي أنت فيها، استغرق في التفكير حتى تصل مرحلة الوعي، مرحلة النقاء الذهني الذي يوصلك إلى ما لا تندم عليه، إلى عدم الشعور بالذنب، لأنك ستتحد بالله.












الحواجز جدران سجنك. لذا ينبغي تجاوزها وتخطيها.
حين تخرج من سجنك حيث لا وجود لحواجز تصبح، وببساطة، بلا أي تعريف، وعندما تتجاوز كافة الحواجز التي تعيق عمل الجسد والعقل، تدخل عالماً رحباً شاسعاً كالمحيط.
لذا، لا تلتحم بشيء ولا تمضِ خلف شيء لئلا تتسمر مكانك ولا تعرف الإنسياب أو الحركة. كن النهر، يجري عبر مناطق عدة، وعبر وديان جميلة، والجبال، والغابات، ولكنه يستمر في الجريان. إنه يمر عبر العديد من المشاهد الجميلة ولكنها لا توقف جريانه بل يستمر في الجريان حتى المحيط.
كن مثل النهر، متدفقاً، منساباً، وإلا فسوف تصبح مثل حوض مغلق. لا يستطيع الحوض المغلق أن يصل أبداً إلى المحيط، فقط النهر باستطاعته الوصول. لذا، ابق مستمراً بالانسياب. عندئذٍ، لن يكون المحيط بعيداً عنك. حتى لو كان بعيداً فستشعر أنه قريب منك.













هدفي مساعدتك لتقبل ذاتك فاستمر في البحث والسعي للوصول إلى روحك المستقلة ذاتياً.
قد تكون هذه الروح مثقلةً بالعديد من الأفكار الغبية والسخيفة التي عليك أن تتخلى عنها. فقط من خلال إخلاء كل ذلك الهراء الذي أعطاه لك الآخرون، تستطيع التواصل مع وجودك الحقيقي.
وعندئذ تمتلك حرية هائلة. إنه التحرر من الزمن، من العقل، ومن الموت.
فجأة تدخل إلى البعد الخالد. فجأة تصير رفيقاً معاصراً ومتزاملاً مع الألوهة. فلا تقبل بأقل من ذلك، وإلا لن تصل الخلود.















في عمق أعماق قلوبنا، ينبغي فهم أن الحياة أروع هدية، وأن كل لحظة هي ثمينة بحد ذاتها، ينبغي علينا عدم إضاعتها. الحياة مناسبة للإرتقاء نحو الألوهة.
على المرء منا أن لا يستمر في التقاط الأحجار الملونة وأصداف البحر عند الشاطئ. ثمة شيء آخر أكثر أهمية ينبغي فعله. على المرء أن ينظر باتجاه الداخل. عليه أن لا يبقى مهتماً فقط بالأشياء الخارجية، فهذه هدر للحياة. على المرء أن يبدأ في البحث عما هو في الداخل. عليه أن يتعمق عميقاً في داخل وعيه ليستشعر مركز ذاته الداخلي. عندما تستشعر مركزك الداخلي تصبح قادراً على الإجابة عن كل الأسئلة، وتختفي الألغاز. ويصبح كل شيء واضحاً، نقياً، وشفافاً. تستطيع حينئذٍ أن ترى الأعماق أكثر فأكثر.
في تلك اللحظة يفهم المرء معنى ما أعطاه الكون لنا، وكم نحن جاحدون بما أعطي لنا من نعم.
فلنكن مؤمنين ولنشكر الله على ما أعطانا ونرفع الصلاة ونتجه نحو المحبة، والنعمة المباركة. ولكن المرء لا يشعر بالامتنان والشكر، إلا إذا شعر بالقيمة، التي تكتنز بها الحياة، التي لا تقدر بثمن.













ما إن تصبح مستيقظاً متنبهاً حتى تبدأ بعيش الحياة بطريقة مختلفة كلياً. ومع أن حياتك تبقى هي نفسها إلا أنك لم تعد الإنسان نفسه. لقد تغير موقفك، تغير أسلوبك الخاص. لقد أصبحت تحيا الوعي. ولا تتخبط في الظلام. لقد أصبحت تحيا من خلال القلب وليس من خلال الرأس. أصبحت حياتك محبة وتعاطفاً. أصبحت أغنية، رقصة، إحتفالاً.
وطبيعي ستؤثر بكل من يتصل بك. فالحياة ناقلة للعدوى، عدوى التغيير السريعة الانتشار. بل إن الحياة أشبه ما تكون بالنار، نار البراري، السريعة الإنتشار.

















لا حدود لله، لا بداية له ولا نهاية له، إنه شاسع الإتساع أشبه ما يكون بالمحيط ونحن كقطرات الندى. علينا تعلم فن التلاشي في المحيط بجرأة وشجاعة. وحين تنصهر في المحيط، لا تعود قطرة ندى، بل ستولد من جديد. فالشجرة لا تنبت ولا تنمو إلا بعد موت البذرة، وكذلك كل الكائنات.



















بالنسبة إلى الله ليس هناك ظلام. وكذلك بالنسبة للنور. يتواجد الظلام فقط حين يكون النور غائباً. النور لا يعترب أبداً بالظلام. لأنه عندما يحضر النور يختفي الظلام. الله لا يعترف بوجود الظلام. أنا الإنسان فيعترف . لهذا السبب نحن منفصلون عن الله.
لذا، علينا الوصول إلى النور والإبتعاد عن الظلام، حينها تحل علينا البركة . ولن يكون هذا إلا إذا أدركنا أننا نور بنور.


















كن مباركاً منيراً. لطالما كانت الشعلة منيرة في داخلك. لست ملزماً فعل شيء، سوى اكتشاف نور الشعلة الموجودة في داخلك، ولا يتوجب عليك الذهاب إلى أي مكان خارجي بحثاً عنها. فقط كن صامتاً، كن هادئاً، انظر إلى داخل ذاتك، وابحث عنها.
سيتوجب عليك أن تمر من خلال عدد كبير من الأفكار والرغبات. ولكن تلك الأفكار والرغبات ليست كبيرة بمثل ما تبدو عليه من الخارج. نعم، عليك أن تنسحب وأن تندفع إلى الداخل بعض الشيء، وعليك أن تأمر نفسك بالتوغل إلى داخلك. لعبة جميلة، ومسألة مثيرة للمرح وللسرور. ففي التأمل كثير من البهجة. وما إن تصبح قادراً على العبور بين الأفكار والرغبات للوصول إلى الفضاء المتسع لوجودك الداخلي حتى ترى الشعلة المنيرة التي هي جزء من الشعلة اللامتناهية يشعله النور الإلهي الذي يغير الأرض والسموات.














الإنسان رسالة مكتوبة مغلقة. نقرأ الفيديات، الأناجيل، القرآن، ولكننا لا نقرأ وجودنا الداخلي أبداً، مع أنها تهدف إلى مطلق النقاء.
ولكن في اللحظة التي تتكلم فيها عن الحقيقة تصبح الحقيقة كذبة كبيرة. حين تتلفظ بالحقيقة تصبح الحقيقة مزيفة لديك. تبقى الحقيقة صادقة فقط عندما تحياها في صمت عميق ضمن ذاتك الداخلية.
فقط ضمن داخل وجودك الخاص ستكشف أن الله يناديك، ولن تسمع صوت الله، إلا إذا غرقت بالصمت، ومتى سمعت صوته، تدرك معنى ما تقرأ في الكتب السماوية.

















في حقيقتك الداخلية الفعلية: "أنت إله". قد تنام، وتحلم أنك أصبحت متسولاً، أو أصبحت رجلاً أو إمرأة، أبيض أو أسود، صرت هذا أو ذاك، فقيراً أو غنياً، ولكن كل تلك التصورات لا تخرج عن كونها مجرد أحلام. عندما يتوقف العقل عن إفراز الأحلام، يبقى هناك شيء واحد، "أنا إله".
وموتك قبل الوصول إلى هذه القناعة يعني أن حياتك كانت عبثية.
يشعر المرء بالإمتلاء فقط عندما يقول: "أنا إله". إنها ليست مسألة اعتقاد فقط. لقد قال الأنبياء منذ عدة قرون: "إن مملكة الله موجودة داخل كل منا".
فاختبر الأمر وستجد أنه من السهل أن تبدأ بالاعتقاد أنك إله. يصبح ذلك، وببساطة، نوعاً من مرض "جنون العظمة" هلوسات الجنون. المسألة ليست مسألة "اعتقاد"، بل مسألة اختبار.
عندما تقول "أنا إله"، يبدو ضمير المتكلم "أنا" مهماً جداً ويبدو "الله" ظلاً له.
أما عندما تختبر نفسك جملة "أنا إله"، تصبح "أنا" كلمة فقط، كلمة وظيفية، وتصبح كلمة "إله" كلمة حقيقية. هذا هو الفرق بين العبثي والمتصوف. العبثي بإمكانه أن يعلن أيضاً "أنا إله" ، ولكنه إعلان يركز على "أنا أكون"، وهذه هي أبشع الأنانيات. أما المتصوف فيعلن أيضاً "أنا إله" ولكنه يضيف: "أنا لا شيء، ولكني إله".









لن يكون أية قيمة، مادية كانت أم معنوية، ما لم تحقق الوهيتك، هذا ما عليك فعله، منذ لحظة ولادتك.
أولى مهام وجودنا على هذه الأرض، هي تحقيق ارادة الله، وتنفيذ مشيئته، ولن يكون هذا ونحن غافلون عما في داخلنا من روح إلهية هي أسمى وأعلى من وجودنا الإنساني . الإنسان جسد، بينما الألوهة هي حقيقة وجودنا.


















مخطيء من يعتقد أن الإنسان محدود في الزمان والمكان. إنه لا يشبَّه حتى بالمحيط الذي هو أبعد من امتداد النظر، للمحيط حدود من كل الجهات، أما الإنسان فلا جنوب له ولا شمال. لا شرق ولا غرب.
حين يصبح الإنسان لا محدوداً يكون يقدم البرهان على وجود الله، الإنسان الألوهي غير مفيد لا بالجسد ولا بالفعل، إنه بتجاوز الاثنين معاً.
حين نسعى للوصول إلى أعلى درجات الزهد، نكون كذلك الطاهي الذي يقشر البصل، طبقة بعد طبقة. وهكذا نحن، رويداً رويداً وبهدوء، ننزع عنا الطبقات المادية حتى نصل إلى الجوهر.
الأشياء محدودة ومحددة، بينما اللاشيء غير ذلك ولله لا حدود له، لا بداية ولا نهاية، إنه ليس فرد، بل هو المطلق غير المحسوس.
خلقنا على صورته ومثاله، فلماذا لا نبقى على الصورة التي خلقنا بها. لماذا نخالف مشيئة الله؟












عبثاً تدعي وجود "إله" إن لم تعترف به دون أية شكوك وظنون بوجوب وجود تناغم وانسجام داخل ذاتك، وانهما يسيران الوجود . وأنهما سبب الإحساس بالحب.
بين المحبة والحقد خيط رفيع لا يراه أحد إنما نشعر بوجوده. الحب هو سبيلك إلى وعي الحقيقة التي لا نهاية لها. بالتناغم والإنسجام لا تتعرف إلى الحب والحقيقة وحسب، بل إلى الفرح والغبطة.
أنت محكوم عليك أن ترى جمالية الوجود وروعة الغبطة، ولن يكون هذا إلا بتفاعل التناغم والإنسجام داخل ذاتك.


















المحبة هي تلاشيء قطرة الندى في المحيط. إنها فقدان الأنا، الخضوع التام للوجود، الإلتقاء مع الكل، إنها الإسقاط التام لحدودك ولهويتك. إنها هجران ذاتك. في اللحظة التي تهجر فيها ذاتك، تسعر بمدى إتساع أفق وجودك.
نحن متمسكون بهويتنا. نقاتل من أجلها، ومستعدون للموت من أجلها. إنه الغباء الكلي، لأن الأنا هي الشيء الأكثر تضليلاً. إنها الطريق إلى الظلمة.
كل يوم أنت ترى الظلام. رغم عدم امتلاكه أي وجود محسوس. إنه، وببساطة، غياب النور. إنه لا شيء بذاته، ولكنه غياب النور. إسمح للنور أن يدخل إليك، عندئذٍ، لن تجد أي ظلام. أطفئ زر الكهرباء، فيحضر الظلام. إنه لا يدخل من الخارج، بل يمكنك أن تبقى الأبواب والنوافذ مغلقة. الظلام يأتي من لا مكان لأنه بلا وجود، إنه غياب محض للنور. الظلام لا يأتي ولا يرحل. النور يأتي ويرحل لأنه نور.
الشيء نفسه يصح على الأنا. فالأنا هي غياب المحبة. وحين تشعر أن النور يشع فيك، تتلاشى الأنا.












المحبة كلية متكاملة لا ضرورة لتبادل الحب بين اثنين حتى تكون المحبة. المحبة عطر يتدفق. وأريج يتضوع، قد يكون هناك من يتنشق هذا العطر أو ذاك الاريج وقد لا يكون، هذا ليس هماً، فكم من زهرة تنبت بين صخور أعلى قمم جبال هملايا إنها تنبت وهي تعي أنه قد لا تشاهدها عين إنسان.
هناك عند أعالي قمم جبال هملايا، سفح مليء بالأزهار متنوع الألوان والأنواع، ولا أحد قادر للوصول إليه، يتحدث المتسلقون للجبال عنها، لكنهم يعترفون بعدم قدرتهم للوصول إليها واستنشاق أريجها ورغم هذا فهي تنبت وتتجدد عاماً بعد عام. فكن كتلك الأزهار، كن الحب ذاته، فلربما يأتي يوم يزورك فيه طالبو الحب والمحبة.

















المحبة هي سر إستمرارك في البقاء، بالمحبة تتحول إلى طاقة حب، وهكذا تصبح متنعماً بروح الألوهة.
لا شيء مطلوب أكثر من ذلك. بل هو أكثر مما يستطيع المرء أن يطلبه، وأكثر مما يستطيع المرء أن يحلم به. المحبة تجلب لك إمتلاءً مطلقاً، وتجلب لك تفتح الأزهار. وعندما تزهر ذاتك بالمحبة، تبدأ أزهار الوعي بالتفتح في داخلك.

















حين تستغرق في التأمل، تكون قد بدأت أولى خطواتك للإبتعاد عن الكراهية والاقتراب من المحبة والشعور، تكون بدأت رحلة الصعود إلى دار الألوهة. الشاعر أقرب إلى باب تلك الدار من العالم، والراقص أقرب من السياسي، والعاشق أقرب من رجل الأعمال.
كلنا نقف عند عتبة مدخل تلك الدار، ولكن هناك من يحدق بما هو خارجها، وهؤلاء هم المدعون المعرفة، القائلون بالمنطلق، وهناك من يحاول سبر اغوار تلك الدار، هؤلاء هم المؤمنون، أصحاب الشعور بالمحبة.

















كن صبوراً ولا تكن لجوجاً، هكذا تتجلى فيك روح الله، حين تستغرق بالتأمل، لا تفكر بأي شيء آخر، تأمل فقط للتأمل، فالنتائج ستأتيك في مواعيدها. لا تجعل من العبادة وسيلة بل غاية ترى نفسك غارقاً في بحور الغبطة والفرح. وتتغير حياتك.
لا وصول لهذا التغيير إلا بالصبر فتعلم كيف تكون صبوراً. لما العجلة؟ لماذا لا أحد مستعد للانتظار؟ لا تكن كمن يطلب فنجان قهوة سريعة التحضير، بدلاً من انتظار غليانها على نار خفيفة.
أنا ادعوك للصبر اللا محدود: فهو السبيل لحدوث التجلي وبأسرع من القهوة السريعة التحضير فبالصبر تكتمل روحك وتكتشف الحقيقة، واعلم أن للحقيقة وجهان متناقضان، وعليك اكتشاف الوجه المنير منها.















إجعل التأمل وسيلة للشعور بالمرح والفرح والتسلية. لا تجعله عملاً مطلوباً منك فأنت هنا لا تؤدي وظيفة، بل تسعى لتحقيق ذاتك.
التأمل هو الاسترخاء، بنقاء ذهني، بهدف الإحساس بحقيقتك ومواجهة وجودك وجهاً لوجه. أقول لك استرخِ، لئلا تنشغل عن رؤية نفسك، إنشغالك بأمور مادية يلفك بدخان كثيف، يحجب الرؤيا عن عينيك.
حين تتعلم فن الاسترخاء، تكون تتعرف إلى الاستراحة الوجدانية، وستعرف أنه ليس بمقدور أحد الحؤول دون شعورك هذا. إذن ما عليك سوى الاستغراق في التأمل والاسترخاء ذهنياً وجسدياً، واعلم أن هذا لن يمنعك من القيام بنشاطاتك.
















بالتأمل تصل إلى وعي وتحسس الجمال، وإلى أن تصبح أنت بحد ذاتك جميلاً. إنه يمنحك النعمة كنعمة رؤية الجمال.
كل ما حولنا هو جمال بجمال، ولكننا لا نراه هكذا، لأننا نهتم بسلبيات وجودنا وننسى الايجابيات. نحصي الاشواك وننسى الورود. نتوجع من الجراح وننسى أن هناك أيادي بيضاء تضمد هذه الجراح.
ما إن تستغرق بالتأمل، حتى تصبح أكثر صمتاً، أكثر هدوءاً، أكثر استرخاء، أكثر استراحة وجدانية وأكثر وعياً للجمال، جمال الطبيعة ، جمال السماء، وجمال بني البشر ، كل ما هو حولك يصبح جميلاً.
الجمال في كل شيء، لأن كل شيء هو من خلق الله. حتى تلك الصخور، وكل ما تراه، هو من خلق الله. وإلا لماذا هذا الاتساع للنعمة الإلهية، فلا تغمض عينيك عن رؤية الإشعاع النوراني.














الوردة جميلة، كذلك الزهرة. لكنها ليست الجمال. الجمال كامن في عمق نواة روحك. ولو لا هذه النواة لما تفتحت زهرة، ولا نمت شجرة، ولا كنت أنت جديراً بالحياة. إن وجود نواة الجمال داخل روحك يعطي حياتك معنى وقيمة.
اعلم أنك أهديت الكثير: الولادة، الحياة، الحب، النعمة، إنما الهدية الأعظم والأهم تنتظر رغبتك في الحصول عليها، تنتظر لتصبح واعياً ، مدركاً للجمال الذي هو داخلك، هذا الجمال الذي يترجم "النشوة الكلية" النشوى بالنعمة والمحبة.



















أنت حتى اليوم ما تزال كالبرعم، لا ورقة أعطيت ولا زهرة. فكن كزهرة اللوتس. التي ما إنت تشرق شمس الصباح . حتى تتفتح أوراقها ويتضوع أريجها. إنها تعبر عن معنى وجودها، عن المحبة الكامنة في نواتها. كن مثلها، تشعر بالرضى ، تشعر بأهمية وجودك، فأنت لم تخلق لتكون وحيداً ولا لتأخذ فقط، فالله يهب، ويمنح وأنت لن تستحق أن يُعطيك إلا أن أدركت أنك هنا للعطاء وليس للأخذ.


















كن محباً للآخرين. كما لنفسك. بالحب وحدة تتحقق وحدانية وجودك. لقد أُعطيت جسداً وعقلاً. فاعرف كيف تستغل قدرة العقل، اجعله مفتاح باب قلوب الآخرين ولن يكون هذا إلا بالحب. عبثاً تقول للآخر "أحبك" عليك أن تجعله يشعر بحبك له ويتحسسه دون أن تقول له إنك تحبه.
أعطاك الله الوجود وشعلة الروح، فماذا تريد أكثر؟



















الحب يغمرك بالنور، وإلا فأنت في ظلام دامس. داخل روحك، يتناغم الحب والنور. وإن أردت أن تبقى مغموراً بالنور، فما عليك سوى إعطاء الحب، الحب للحب فقط، فلا تجعله طريقاً لمكاسب آلية ومادية، وإلا تحول إلى وسيلة تملك وامتلاك.
دع حبك منزهاً عن الشهوات، ولا تسأل عمن تحب: من هو؟ ما هي صفاته ...؟ فالمسألة هي في كونك تحب.
حتى تبقى حياً، أنت بحاجة للتنفس، وكذلك الروح، هي بحاجة للحب حتى تبقى حية، إنه غذاؤها وسر انتشائها، وكلما ازددت حباً، وكلما أحببت بلا حدود، تكون تحقق مشيئة الله وارادته. فالله محبة.















الحب هو أقصر الطرق للإنتصار على الذات. إنه يطلب منك التخلي عن أشياء كثيرة، حتى تصل إلى لحظة الإنتصار على الكراهية والحقد. أمر مثير للجدل، أليس كذلك؟ حتى تنتصر عليك أن تتخلى.
نعم عليك فعل ذلك، لأن لا انتصار يدون ولا مجد يخلد، إلا ذاك الإنتصار على الشهوات والغرائز، ولا مجد يخلد، إلا ذاك المجد الروحي الذي يتخطى عتبات أبواب الموت. الحب وحده يجعلك منتصراً دائماً ويمنحك المجد الخالد. فتعرف إلى معنى الحب. كن الحب للحب واعطِ للعطاء وهكذا تحل عليك النعمة.

















كن منبع النعمة بالحب ، واقطف من ثمار شجرة السعادة. النعمة بلا حب، لن تدوم. النعمة تسألك إشراك الآخرين بها، أتعرف لماذا؟
حتى تبقى كالجدول ينساب ويروي العطاش.
ليس مهماً أن تكون متمسكاً بأهداب الدين، المهم أن تتخلى عن أطماعك وشهواتك، المهم أن تسعى لإسعاد الآخرين وليس لسحقهم، وإلا لن تعرف السعادة. حتى القديسون، سيغرقون في الحزن إذا لم يتخلوا عن أنانياتهم. ولا تفرح إن وجدت يوماً ولو بالصدقة. منبعاً للنعمة. لأن هذا النبع قد يجف ، إن لم تشارك الآخرين به.
من يرغب منح النعمة للآخرين، لا يفكر، لمن يمنح ولا يضع مواصفات الشخص الممنوح، يفكر فقط، عما إذا كان الآخر مستعداً لتقبل النعمة أم لا. عليك أن تمد له يدك، أن تدعوه لمشاركتك في الإستفادة من النعمة الإلهية.













الحب يعني مشاركتك الآخرين في النعمة. فلا نعمة بلا حب ولا حب لا نعمة. وكلما ازددتَ نعمة ازددتَ قدرة على الحب، وهكذا ومن خلالهما تصبح كائناً كاملاً.
العقل يحدد لك الأشياء، أما التأمل فهو جسر للعبور . قد يكون العقل سبباً في إنقطاع صلة، أما التأمل فهو الجسر لإعادة وصل ما انقطع ، إنه يجعلك متحداً بالله، وساعتئذٍ تصبح متحداً بكل مخلوقاته، حتى بالأشجار ، بالجبال، بالأنهار، بالنجوم، بالشمس والقمر وببني البشر طبعاً. وتُعطى لك الحرية، وتُمنح البهجة وتزال الحواجز من أمامك.
إننا عن قصد أو غير قصد ، بمعرفة أو بلا معرفة نسعى للاتحاد بالله، أن نذوب في كليته وشموليته. ومتى تكل سعينا بالنجاح، نصل إلى قمة النعمة.















الشهر 5
إغتنم فرصة الحياة


دع الوجود، رفيقاً لك في رقصة الحياة، ودعه يزرع البهجة في داخليتك ، حتى تتعرف على معنى البهجة.
ذاتك هي نقطة الإلتقاء بين وجودك وكيانك، إن تخليت عنها يلتحم كيانك بوجودك . وعندئذٍ تتساقط النجوم بين يديك، ويصبح دربك مزروعاً بملايين الأنواع من الازهار.














الزهد بالحياة، هو تكريس نفسك لخدمة الله. ولن يكون هذا بوجود الأنا المادية ولا من أجلها بل من أجل الله.
الانسان كغصن شجرة البامبو،يحوله الله إلى مزمار، تصعد منه ألحان الرحمة والنعمة. إذن كل ما عليك أن تكون غصن شجرة بامبو مجوفاً. تسمح لنفس الله أن يعبر من خلالك إليك. وستسمع صوت الله يغني في داخلك.
الله هو القوة الأقوى، إنه ليس شخصاً، ولا مادة. إنه ما وراء الادراك، لا يمكنك لمسه ولا رؤيته، لكنك قادر على الشعور به من خلال ما أعطاك وما سيعطيك. أنظر إلى كل ما بمقدور عينيك أن تراه، أو إلى ما هو أبعد من هذه الرؤيا، أنا ترى كل شيء في تناغم وانسجام مع ذاته ومع ما يحيط به؟ إنه سر الخلق الإلهي فلماذا تبعد نفسك عن جمالية الحياة وتغرق في البؤس والشقاء؟
















وجودك، هدية من عنده، كذلك الحب في داخلك. قد تكون بغفلة عن كل شيء ، وترى كل شيء يقدم إليك: الحب، الحقيقة والنعمة. يكون لك ذلك فقط حين تتخلى عن الأنا، حين تكون نقياً طاهراً.
إنه أعطاك وسيعطيك، ولكن، كيف يعطيك وأنت مملوء بالماديات، بالحقد، بالكراهية، بحب الذات؟ إنه يعطيك الحب والمحبة والنعمة. وهل يتناغم الحب مع الحقد أو يتجانس معه؟


















بالتأمل، تتعرف إلى الإله الحق، وكل ما عدا ذلك هو وهم بوهم: فالله الحق، هو الواحد الأحد، لم تخترعه مخيلة، ولم يعبد بسبب خوف، لا يُسمع ولا يُرى، بل يراك ويسمعك. اطلب منه بصدق يستجيب لدعاك.
فيما مضى، كانوا يخترعون آلهة، يخافون الشيء فيؤلهونه، أما اليوم، أنت مدعو للاتحاد بالله الذي "كان وسيكون وسيبقى" الله الذي ليس مخصصاً لشيء، بل هو الحياة والوجود.


















يكدس الانسان المال، يتسلط على الآخرين، يفرض عليهم احترامه. معتقداً أنه هكذا يحصل على النعمة، نعمة السكينة والهدوء الداخليين دون أن يدري أن هناك سبيلاً واحداً للحصول على النعمة التي لن يصل إليها إلا بوعيه لوجود الله وبحلول روح الله فيه.
كلما ازددت وعياً لحقيقة الألوهة، كلما ازداد شعورك بالسكينة والنعمة، وكلما تفتحت الأزهار في دالك. الإنسان أشبه برعم، إما أن يتفتح وإما أن يذبل ويسقط عند جذع شجرة الحياة.
لذا تصرف في هذه الحياة، من خلال وعيك لله . إن في الفكر أو في الفعل أو في الشعور. إنها أبعاد الحياة الثلاثة، أما البعد الرابع فهو أنت، فإما أن تتناغم وتتجانس مع الابعاد الثلاثة وتتحول إلى كتلة نور، وإما أن تبقى بعيداً مستقلاً، يلفك الظلام.















حين تنجز عملاً جمالياً، كنظم قصيدة رائعة. أو رسم لوحة تشكيلية، تشعر بالرضا على ذاتك. وتغرق في صمت رهيب هو تعبير عن اعجابك بما فعلت.
لقد شاركت الله في عملية الخلق، إنما على طريقتك وبقدر قدراتك ، ولكن، لا تنسَ أن الله هو من منحك وأعطاك هذه الموهبة وأنت قبلت عطاءه وتلقفت منحته.
الابداع، دلالة على تفتح أزهار الوعي في داخلك، دلالة على حضور الله فيك، دلالة على أن نفسك ممتلئة بنعمته.

















دائماً نضع اللوم على الآخرين، دائماً ندعي أنهم سبب شقائنا، كثيراً ما يتذمر الزوج من زوجته ويتهمها أنها سبب متاعبه، أو يتهم الدولة ولربما الجيران "أصحاب العيون الفارغة". إننا نخترع أسباباً ، تطيل فترة تعاستنا، تجعلنا نتعذب أكثر فأكثر، لا نبحث عن سبب يمنحنا استراحة الوجدان وراحة الضمير.
لماذا لا نلجأ إلى الاستغراق في التفكير وبصمت مطلق، لماذا لا تحاول معرفة الحقيقة؟
حين نفعل ذلك، ونفتش عن أسباب معاناتنا في داخل ذواتنا، ندرك أننا قادرون أن نكون سعداء، وبدلاً من البقاء خارج المنزل المملؤ نعمة لماذا لا نعود إليه؟















كل ما حولنا جمال بجمال. الحياة هدية الله، إذن هي قمة الجمال، لكننا نغمض عينينا عن الرؤيا ونمنع الإحساس أن يتفجر، فنرى كل الأشياء حولنا ، قباحة بقباحة.
كن جميلاً ، ترى الوجود جميلاً، كن محباً للسعادة وارتمِ في أحضانها، سر على دروب المستقبل بخطى متجانسة مع خطوات الحياة، وستصل إلى حقيقة الله الأوحد.
ليس في الحياة ولادة ولا موت، إنها خلود مؤبد، ولكن لا خلود بلا نقاء وشفافية. حين يتراكم الغبار فوق المرآة، لا تعدو مرآة، لأنها لن تعكس الصورة الحقيقة للواقف أمامها. هكذا نحن حين نقف أمام ذواتنا الصدئة، فلن نرى الله فيها لقد حجبته رغباتنا ، وشهواتنا وأحلامنا اللامعقولة. والحال هذه كيف نتمكن من رؤية من "كان وسيكون وسيبقى"؟
لماذا لا نمسح الغبار عن المرآة التي نقف أمامها، ونتخلى عن الشهوات والرغبات، رغبة في رؤية وجه الله؟ لماذا نكون كمن يقتله الظمأ وأعذب الينابيع أمامه؟













منازلنا، ليست هنا، إنها في مكان آخر. نحن غرباء على هذه الأرض، في هذه الحياة . نحن هنا لنتعلم، لنختبر قدرتنا على النمو والتسامي.
نحن كالأطفال، كل صباح يذهبون إلى المدرسة، وكل مساء يعودون منها. يذهبون لتلقي العلم والمعرفة لإنماء قدراتهم وتحقيق ذواتهم. منهم من يتلقى ما يُعطى له فيشعر بالبهجة. ومنهم من يتلهى عن التلقي باللعب والشبطنة. الناجحون يرفعون من صف إلى أعلى، وهم المتلقون المتعطشون لمعرفة الحقيقة. أما الراسبون، وهم اللاهون، فلا يرفعون ، ولا ينتقلون إلى الأعلى. هكذا نحن في هذه الحياة. علينا أن نكون دائماً مستعدين للإنتقال إلى منازلنا التي هي في مكان آخر، إلى منازلنا الحقيقية. حيث لا أوجاع ولا آلام، لا عذابات ولا معاناة. ولن يكون لنا هذا إلا حين نكون مستعدين له، وإلا علينا العودة إلى المدرسة ولربما إلى الصف ذاته مثنى وثلاثاً ورباعاً.















وقف مطرب يغني أمام جمهور من كبار عشاق الموسيقى. ما إن انتهى من أغنيته، حتى طلبوا إليه إعادتها ثانية، ففعل، لكنهم عادوا وطلبوا إليه إعادتها ثالثة، ففعل أيضاً، وهو يشعر بالسعادة تغمره، ظنناً منه أن أغنيته تلقى الاستحسان، لكنهم لكنهم طلبوا إليه إعادتها للمرة الرابعة، فما كان منه إلا أن قال "لست بقادر على تلبية طلبكم".
وهنا صاح أحد المستمعين قائلاً "سنبقى نطلب منك إعادتها، إلى أن تغنيها بشكل رائع"؟
هكذا نحن، نأتي إلى هذه الحياة، فإما أن ننشد أغنيتها بأداء رائع، وإما سنعود إليها ثانية وثالثة وحتى سادسة أو سابعة، حتى تتمكن من الأداء السليم.















الناس نوعان، متذمرون وشاكرون. الأولون هم الذين أزهارهم لا تتفتح ولا ينظرون إلى إلا الجانب المظلم من الوجود ويمتنعون عن رؤية النور، إنهم يحصون عدد الأشواك، وينسون أن هناك أزهاراً ووروداً، ولا يشكرون الله على ما أعطى.
أما الشاكرون ، فهم الذين ينظرون إلى جمال الأزهار والطبيعة، ويدركون معنى الصمت في الظلام، ومعنى اندفاع النهر نحو المحيط.
هؤلاء تتفتح الحياة في دواخلهم، يعبرون جسر الحياة المادية إلى الحياة الأبدية، يقدرون الجمال الرائع المحيط بهم، إنهم يقدرون ما أعطي لهم من قبل الذي لا بداية له ولا نهاية.
حين نشعر أننا جزء من عالم الجمال هذا نشعر بالبهجة الأعظم وبالفرح الأكبر، ونغرق في بحر السرور والطمأنينة.
إذن لماذا لا نصلي الله شاكرين، وكأننا لا ندري أنه بالشكر تدوم النعم؟












عبثاً نبحث عن النعمة، ونحن لا نعطي شيئاً. النعمة تحصيل حاصل لعملية الخلق والإبداع، فكيف يسعى البعض وراءها وهو لاهٍ ومتلهٍ؟
الإبداع سبيلك للبهجة. افعل شيئاً رائعاً ، انظم قصيدة، ارسم لوحة، اعزف موسيقى، وستشعر أنك ممتليء نعمة وأن فرحاً يفيض منك. من خلال ابداعك، تشارك الله في عملية خلقه وابداعه. إنه خالق الكل، لا شيء بدونه، وأنت، حين تبدع في خلق شيء صغير، تكون تحقق مشيئة خلقه لك، "إنك على صورته ومثاله". عبثاً تصلي، عبثاً تتبع طقوس العبادة، عبثاً تتضرع، كل هذه تفاهات بتفاهات إن لم تقترن بالإبداع.
الصلاة الحقة تتمثل في ابداعك، في التعرف إلى الطاقة الكامنة فيك والتي هي من خلقه، وفي تفجير هذه الطاقة عملاً ابداعياً، يُشكر الله ويُحمد.
ببساطة استغرق في التأمل، كن واعياً لذاتك فسترى النور يشع منك وستكون محاطاً بهالة من الأضواء والانوار.














في داخل كل منا طاقة موسيقية هائلة. حين أقول موسيقى، لا أعني الموسيقى التي نسمعها كل يوم بل أعني إيقاع موسيقى الذات الداخلية. قلة هم الذين يمتلكون هذه الطاقة.
أعني الموسيقى التي هي نتيجة التناغم والإنسجام الداخلي، وليست الموسيقى التي نؤلفها أو نوزعها. إنها موسيقى الروح التي لا تحتاج لآلات تعزف عليها، ولا لمؤلفين أو ملحنين، هذه الموسيقى التي أعنيها مطلوب منك سماعها ولن تسمعها إلا إذا استغرقت في صمت رهيب، إلا إذا ولجت إلى داخل ذاتك، فهي منك تنبعث ومنك تُسمع.
الموسيقى الحياتية تحتاج إلى عازف يعزف وإلى آلات وأوتار، ومن خلال نقر الأصابع على الأوتار تولد موسيقى الحياة، أما الموسيقى التي أعنيها فهي أشبه ما تكون بنبضات القلب. لا بل أعمق من ذلك بكثير إنها التناغم والإنسجام داخل ذاتك.













هناك سبيلان للوصول إلى الوعي، سبيل الفلسفة الذي يعتبر أرسطو مؤسسه ، وسبيل التصوف الذي بدوره قد يخرج منه من يصبح فيلسوفاً، أو يبقى متصوفاً.
الذين يفهمون ويعون عظات المعلم المتصوف، يسلكون طريق التصرف، أما الذين يغرقون في تحليل ما يقوله يصبحون فلاسفة.
سقراط كان متصوفاً، أما تلميذه أفلاطون، فقد انتحى طريق الفلسفة، وكذلك فعل أرسطو تلميذ أفلاطون.
أنا لا أؤمن بأسلوب الفلاسفة. أنا أؤمن بوجود النعمة. لأنها موجودة، وليست بحاجة لنظريات وتحليلات لإثبات وجودها. أنا أطلب النعمة، ولا أفكر كيف سأحصل عليها، لأني أريد تناول الطعام وليس التفكير به. حين تكون عند نبع متدفق بماء عذب، اروِ عطشك ولا تفكر بكيفية تدفق مياه النبع ولا بما تحتوي هذه الماء من عناصر، فقد يقتلك الظمأ قبل الوصول إلى النتيجة الحقيقية. لا تكن فيلسوفاً، بل متصوفاً ، اختبر جمال وجودك، وهذا جزء من عملية التجلي التي أنت مدعو لإكتشافها بذاتك.












الموقف الديني يدعوك لأن تكون شاعرياً وليس جامداً. يدعوك لأن تكون متصوفاً لا يتساءل عن الجمال بل ينظر إليه باندهاش وينحني أمامه. إنه لا يفكر بالوجود بل يشعر به. إنه يُبقي أبواب ونوافذ قلبه مشرعة لاستقبال نور الشمس، وكذلك للريح والمطر. هذه هي الشاعرية.
المتصوف شاعر ورسام، رغم أنه قد لا ينظم قصيدة، وقد لا يرسم لوحة، لكنه يعي أهمية الإبداع الشعري وجمالية الفن التشكيلي.
الحياة، ليست متاعب ومصاعب دون حلول، على العكس إنها جمالية الهبة الإلهية.
إذن عش حياتك بفرح، تمتع بها، ارقصـ غنِّ ولا تكن متسائلاً محللاً، لا تكن فيلسوفاً بل كن شاعراً يقدس الجمال، وهكذا تصل إلى الكنز الدفين، إلى مملكة الله.














حاول الانسان تفسير وجود الله، فصار ملحداً، فالله لا يفسر، ولا يوصف، عليك أن تؤمن به من خلال ما يحيط بك من جمال. من خلال التناغم والإنسجام في الكون.
هناك أشياء في الأديان، إن أخضعتها للعقل والتحليل الفلسفي ستعود بك إلى المتاهات وقد تجعل اتباع هذا الدين أو ذاك يتخلون عن دينهم. إنما عليك أن تؤمن بها لأنها ركن أساسي من أركان الايمان بالله.
ابتعد عن كل ما يسيء إلى ايمانك، عن كل ما يضعف ايمانك. كن كالصوفي الذي لا يحاول معرفة حقيقة الله إلا من خلال الاستشعار به.
استغرق في التأمل، وبصمت، وستصاب بالاندهاش، فالله سيحل فيك، لا تتعجب فلا صوت لوقع خطاه، وهكذا يصبح العالم أكثر جمالاً.















إن عشت وجودك، تشعر بالقوة، سيمنحك الله قوة من عنده، وإلا ستبقى في ضعفك. ولهذا السبب ترى البؤس يعم العالم، والملايين يغرقون في الشقاء.
كثيرون يرون الحياة عبثية لا معنى لها، ورغم هذا فهم يستمرون في العيش لأنهم يخافون الانتحار، أو بالأحرى يخافون الموت. إنهم يجهلون ماذا هناك في لحظة الموت وما بعدها، لذلك يستمرون في جرجرة أنفسهم عبر دروب الحياة. المؤمنون فقط لا يشقون في الحياة، لأن الله معهم وفيهم، ولا يخافون الموت، لأن منازلهم الحقيقية ليست هنا، بل في العالم الآخر.

















لا شعور بالرضى والإطمئنان بوجود الرغبات . إذ يصعب عليك اشباعها، كلما حققت شيئاً كلما طالبتك بالمزيد.
يمكنك الحصول على ما تشتهي، ولكن ما إن يصبح هذا الشيء بيد يديك، حتى يفقد قيمته، وهكذا تبدأ بالبحث عن شيء جديد تتملكه. إن أردت تلبية طلبات رغباتك تكون كمن يرى السراب ماءً، يركض نحوه ليروي عطشه، ولكن عبثاً يركض فالسراب يركض أمامه وبوتيرة أسرع.
مع الرغبة لا شعور بالسعادة، لا إحساس بالرضى ولا اكتفاء ذاتياً. ما عليك إلا كبح جماح الرغبة. ما عليك إلا البحث عن منزل آمن، منزل يضج بالفرح والقناعة، ولن يكون هذا، طالما أنت عبد لرغباتك.















يستحيل علينا تخفيف رغباتنا، إنها أحلام متلاحقة، والاحلام لا تأتي إلا في الليل ولا تزور إلا النائمين، إلا الغارقين في السبات.
لقد أفنيت ردحاً من عمرك نائماً، فلماذا تستمر نائماً؟ النوم إهمال لحياتك ، إهمال لذاتك، ويمنعك من السعي نحو الإمتلاء بالنور الإلهي.
استيقظ من نومك ، من نومك الروحي خاصة، أنا لا أهتم بالجسد، فالروح هي كل غايتي . ينام الجسد أما الروح فلا تنام إلا إذا أردت لها أن تنام.

















حقيقة ، نحن نجهل من تكون، نجهل ماهية أنفسنا، نعرف الكثير عن الشمس والقمر والأرض، ندرك أهمية التاريخ والجغرافيا، ولكن المشكلة أننا لا نعرف شيئاً عن أنفسنا، ولا عن العالم الذي لا حدود لعلمه ومعرفته. إننا نهتم بالمادة ونترك الروح.
في البدء علينا معرفة أنفسنا، أن نحقق ذواتنا، وماذا ينفع الإنسان إن ربح العالم وخسر نفسه؟ هذا متوقف علينا وحدنا، لا أحد يمكنه اخراجنا من الظلام، إن لم نكن راغبين ومستعدين لذلك.
حين نستيقظ من سبات يمنعنا من رؤية حقيقة أنفسنا وماهية وجودنا، حينئذٍ تصبح الحياة معزوفة موسيقية، نعمة ومحبة وبركة.















أن تكون إنساناً، تلك هي النعمة الكبرى. إنما قلة هم الذين يعرفون هذا، قلة هم الذين يدركون أن الإنسان ليس كصخرة، ولا كنبتة البطاطا.
من هنا ضرورة وعي الإنسان لإنسانيته ونفسه، ضرورة وعي أننا كائنات إنسانية، مميزة عن غيرنا من مخلوقات الله، إن في داخلنا قدرة على استكشاف المجهول، قدرة النمو وبعث النعمة والمحبة.
كونك إنساناً، يعني قدرتك على معرفة حقيقة الله، على الوصول إليه، على أن تكون مستعداً لحلول روحه فيك، أما الحيوانات فهم غير قادرين على هذا.
كذلك ليس كل البشر قادرون على معرفة الله، فقط اولئك الممتلئة أنفسهم بالنعمة، قادرون، على عبور الجسر الفاصل بين المادة والروح، اولئك هم المتخلون عن الأنا الضيقة من أجل ال "نحن" الشمولية.














كثيرة هي دروب الظلال التي تمنعنا من الوصول إلى الله، والخوف أهم هذه الدروب. الخوف من الله لا يوصلك إليه، فالقاعدة المثلى تقول أن عليك الابتعاد عمن تخافه وتخشاة، فكيف إذن تخاف الله وتحاول الاقتراب منه؟ المؤمنون ليسوا هم الخائفون منه، بل هم الواعون لحقيقته، هم الراغبون بالوصول إليه لا خوفاً ولا رغبة، بل حباً.
كثيرون يرون في الله وسيلة وليس غاية. وسيلة لتحقيق اطماعهم وإشباع جشعهم. إنهم يطلبون منه تلبية حاجاتهم ورغباتهم. نعم إنهم يدركون أهمية مشيئة الله وارادته في هذا المجال، ولهذا يتوسلون إليه، لا حباً به، بل حباً بذواتهم, الله لا يمكن أن يكون وسيلة، بل هو الغاية، هو البداية والنهاية. لا شيء قبله ولا شيء بعده. إن أردته، أرده لأن الله دون رغبة في أي شيء آخر.
وحدها المحبة توصلك إليه، والمحبة لا تعرف إلا ذاتها، المحبة تعني العطاء دون مقابل ، فانهل من ينابيعها، واشرب من مائها، اجعل نفك مصباحاً ينير دروب الآخرين. فلا شك ستنال رضا الله ومحبته ونعمته وبركته.













نبع المحبة لا ينضب ولا يجف، إنه دائم التدفق بإرادة من الله وتحقيقاً لمشيئته، وهكذا لن تعرف الظمأ ، ولن تعطش نفسك، فالحب يرويك . بالحب تختبر وجود الله في داخلك وتنتشي نفسك.
المحبة ليست كلمة تقال، بل هي فعل وممارسة، إنها ليست كلمة منزلة، إنما هي فيض من نور ودفق ينبوع.


















لا إيمان بالله دون محبة، دون ولاء مطلق لله، وثقة عمياء به على أنه المستجيب السميع وإلا لن نتعرف إلى رحمته، ولن تعرف معنى الجمال وقيمة الوجود.
فقط من خلال المحبة، المحبة التي هي للمحبة. تعبر عن شكرنا له سبحانه وتعالى وعن امتنانا ونتواصل معه كي نخرج من حياة الشكوك والظنون إلى حياة اليقين والثقة.


















الصلاة لا تعني مخاطبة الله، ولا الطلب منه، بل تعني الوقوف في حضرته. وإذا كان لا بد من قول ما، فليكن تعبيراً عن الشكر والإمتنان ولتكن كلمة واحدة "يا رب ارحم".
لا تردد الصلاة، كما الببغاوات، فهذه ليست صلاة، الصلاة الحقيقية هي الاستغراق في الصمت، في الصمت العميق، الصلاة الحقيقية هي التي يتلوها القلب وليس الشفاه.
لا تكن منشغلاً عن الله، فهو يبحث عنك يريدك فيه ومنه، كن مستعداً لاستقباله في قلبك وسماع صوته الذي هو أشبه بنسمة ريح باردة أيام الحر، إنه لا يخاطبك كي تسمعه بأذنيك إنه صوت صارخ داخل حناياك.
الصلاة الحقة، هي تلك المياه المتدفقة من نبع التناغم والانسجام داخل روحك. هي تلك المعبرة عن المحبة، عن الشكر والامتنان ، هي التي تشعر بنشوة الفرح حين تصدر منك.













كثيرون هم المعذبون. معذبون لأنهم لا يحاولون التقرب من الله صلواتهم طقوسية، أكثر منها إيمانية. لا محبة في قلوبهم، إنهم عطاش، ويجهلون كيف يروون عطشهم.
أنا هنا، لا لأعلمك صلاة بلا معنى، وبأية لغة كانت. أنا أدعوك لرؤية الجمال المحيط بك، كي تتعرف إلى حقيقة الله، فالله لا يتجلى إلا بالجمال، إلا في كل ما يجعل الوجود جميلا في الأشجار ، في الأزهار، في الشمس، في القمر، وفي مخلوقاته البنوية. كن متحسساً وجود الله، ولا تعتقد أنه موجود.
انظر إلى التناغم والإنسجام في هذا الكون، انظر إلى الشمس ساعة شروقها وساعة غروبها، كم هو منظر رائع الجمال، أما يوحي لك أنه عطية الله؟ اسمع صياح الديك كل صباح قبيل بزوغ الفجر وتساءل من علمه أن يفعل هذا دون كلل وبانتظام ، أوليس هو الله؟














لا تفكر ما يقوله الناس، بل فكر بالله الذي هو وحده ديان جميع البشر، وفكر كيف ستقف في حضرته ساعة الدينونة، وليكن هذا التفكير هو المسيطر على سلوكك اليومي.
كن دائماً مستعداً للوقوف أمام قوس محكمته. لأنك تجهل متى تأتي هذه الساعة.



















لا يميز الله بين إنسان وآخر، لا فرق عنده بين هذا وذاك، إلا بمقدار ما يعطي ، إلا بمقدار الإحساس بالمحبة والشعور بوجوده. إذن لماذا نغض النظر عن عيوننا ونقول: "الله أراد ذلك".
لا تطلب من الآخرين رسم الدرب الذي توصلك. أنت وحدك من يفعل ذلك، كن على علاقة مع جمال الوجود تكون قد بدأت المسيرة. الله واحد لا شريك له في الألوهة، وهو وحده القادر على كل شيء، إنه يبحث عنه فكن من مريديه، وافتح قلبك للمحبة للعطاء.

















كثيرة هي المفاهيم الدينية، التي تجعل الإنسان ممزقاً داخلياً، منقسماً على ذاته بين رغبته الخيرة ونزعته إلى فعل الشر.
هذا الإنقسام جعل الإنسان في حال أقرب إلى الإنفصام النفسي، والأبشع أن ذاته تصارع ذاته التي هي ذات الذات، وتتسبب له بالألم والوجع خلاص الإنسان من هذه التفاهات، هو في الشعور بوجود الله ولا شيء غير ذلك.



















الله معنا، كل لحظة، إنه في قلوبنا النابضة، في رئتينا حين نتنفس ، لكن المشكلة هي أننا نحن لسنا مع الله. نريده أن يكون معنا ولنا، في حين لا نحاول التقرب منه.
حين نصبح مع الله، نعي أهمية موسيقى الحياة. نعي أن علينا الإحساس بالشكر والإمتنان، ونعي أهمية وجودنا.



















ليس بمقدورك الاستيلاء على الحقيقة، بل أن تسعى إليها، أن تفتح قلبك لها، ولن يكون هذا إلا بالتأمل، إلا بالإستغراق في التفكير، في كيفية جعل نفسك ممتلئة بالنعمة، في أن تكون شاعرياً وليس عالماً في أن تصلي من الاعماق، وليس من الشفاه.
صلِ بثقة إن الله يستجيب لدعائك، وأنه سيكون معك.

















الشهر 6
السماء هي أنت

أهم ما في وجودك، هو وعيك للحقيقة. بدون هذا الوعي تتخبط خبط عشواء. كثيرون هم الذين لا يهتمون بهذا، إنهم الضالون، المتخلون عن السعادة طلباً للتعاسة.

















كن مصباحاً ينير ذاتك، قبل إنارة غيرك. فلا أحد بمقدوره اعطاءك المعرفة، وإن اعتقدت بهذا، فهي يعني أنك لن تتعرف إلى المعرفة.
لماذا نبحث عن النور، خارج ذاتك؟ فالله أعطاك كل ما أنت بحاجة إليه. منحك النور الداخلي وهو دائماً إلى جانبك ومعك لساعدك على التمييز بين الصح والغلط، يغمرك بغبطته ورضاه. لا تكن مثل أولئك المستلقين على قارعة الطريق بانتظار من يقلهم معه، فهذا مضيعة للوقت وهدر للطاقة الكامنة فيك.
أنا لن أقول ما عليك فعله، ولا كيف يجب أن تفعل هذا أو ذاك، بل اطلب إليك أن تكون أنت أنت لا أحد غيرك.
















أنت قادر على تحقيق احلامك، وعلى أن تمتلك الحقيقة وتشعر بالغبطة، إنما عجبي من الذين يحققون أحلامهم ولا يدورن أنهم فعلوا؟ ويستمرون في البحث عن السعادة حيث لا توجد سعادة.
إنهم يسيرون في الاتجاه المعاكس، وهكذا لا يقدرون على تحقيق شيء وتبقى حياتهم عذاباً بعذاب وكأنهم في الجحيم. الجحيم ليس بقعة جغرافية في مكان ما من هذا العالم، بل هو حالة نفسية تصيب اولئك الذين خسروا أنفسهم ولم يربحوا العالم.


















كلنا غارقون في تحليل الامور وفلسفتها، وهذا ما يغرقنا في الظلام ويسبب الآلام النفسية.
إذن لا تستشعر وجود الله بدلاً من تقصي حقيقته؟
حين تفعل ذلك، تتضح الامور وتصبح أكثر شفافية.
الله ليس عنصراً مادياً أو كيميائياً، نحلل خواصه. الله هو المطلق الذي لا يعرف إلا بالإحساس بعظمته.


















عن قصد أو غير قصد، يفعل الانسان ما يبقيه تعيساً، ويبعده عن السعادة. لكنه حين يعي حقيقة أفعاله هذه، سيغرق في الضحك ويتساءل كيف كنت أصنع هذا؟ كيف كنت أعض النظر عن مطارح سعادتي، وأتجنبها؟
أنت وحدك من يختار بين الليل أو النهار، بين الاشواك والورود، بين الشقاء والسعادة، بين الحب والكراهية. فحين تختار الليل فلن ترى سوى الظلام. وإذا اخترت الاشواك، لن تعرف أهمية الورود. ولن تتنشق عطرها وعبيرها.
كن كمن اختار النهار، والورود، وتعرف للشعور فانتعشت نفسه برائحة الورود، كن كمن اختار المحبة، فغرقت نفسه في النعمة.
















كثيرة هي الدروب والسبل التي تجعلك بتواصل مع الآخرين، افعل ذلك عن طريق السلام وسيجازيك الرب باعطائك نعمته ومحبته، تفهم معاناته ، لتنال العفو والغفران. تخلَّ عن الأنا كي تزهر روحك إختر المحبة سبيلاً، وهكذا لن تكون على تواصل مع الآخرين وحسب، بل تكون قد دخلت معبد الله، تكون قد امتلكت مفتاح الباب الذي يوصلك إلى النعمة الإلهية.
المسيح ومحمد وزرادشت وبوذا، فعلوا هذا، ومن خلال إيمانهم وشعورهم بالله، تمكنوا من التواصل مع الآخرين ومن هدايتهم إلى طريق الخلاص الإلهي. طالما طلب المسيح من تلامذته أن يكونوا متنبهين واعين، وطالما ردد محمد "الله غفور رحوم" ولكن عليك أن تكون على علاقه به. كلهم دعوك لعبادة الله حباً لا خوفاً ولا رغبة. كل ما هو مطلوب أن تعي كيف تتواصل مع الآخرين، وكيف تتقرب من الله.















الإنسان دون وعي، أشبه بالمتسول، الذي يستجدي عطف الآخرين. أما الإنسان الواعي لحقيقة وجوده ومعناه، هو الذي يدخل ملكوت الله.
هذا الملكوت، الجنة، هي لك أساساً، فلماذا تتخلى عما هو لك وتبحث عن شيء آخر لن يجديك نفعاً.



















المجتمع المادي، لا يهتم بحياتك، بل بتدميرك وجعلك شيئاً وأنت على قيد الحياة ما تزال. إنه يهتم بالمادة، وليس بالروح، بالسلع والبضائع، بحركة البيع والشراء، وليس ببناء الإنسان داخل الإنسان، إنه يدعوك للطاعة، ويسمي طاعتك سلماً اجتماعياً.
قبولك الطاعة، يعني الغباء، يعني أنك جاهل لقيمة الثمن الذي تدفعه ثمناً لسلام لن تناله أبداً.
إنه السلام الذي يسلبك حريتك، السلام الذي يجعل منك آلة، تدور إذا أرادوا وتتوقف عن الدوران متى يريدون. في هذا المجتمع، الناس ليسوا أناساً من خلق الله،بل مجرد قطع غيار لآلة صناعية كبيرة إذا مات فلان حل محله فلان آخر، وكذلك إذا تعب فلان أو فلان. السلام ليس استراتيجية سياسية كما يريده أصحاب الأطماع، بل هو إحساس داخلي نابع عن ارادة حرة غير مستعبدة.
السلاك على طريقتهم يعني الخضوع لمشيئتهم ، يعني العبودية والله خلقنا أحراراً، خلقنا لنكون مستحقين نعمته وبركته، وكيف نستحق هذه النعمة وتلك البركة ونحن بلا ذوات تعبق بالنور ويتفوح منا العطر والاريج؟











السلام والنعمة وجهان لعملة واحدة، عملة الإيمان بالله، هذا الإيمان الذي يزرع الدفء في ثناياك، ويجعلك محباً للآخرين.
حين تصير جزءاً من الكل الشمولي، تصبح جزءاً من هذا الوجود، ومعرفتك لهذا، تعني أنك تمتلك المعرفة.
مشكلتنا، إننا لا نقدر أنفسنا، لا نقدر قيمة ما أُعطي لنا. ولأننا كذلك، فإننا مستمرون في الجري خلف أمور تافهة لا تغني ولا تفيد، مستمرون في التنازع ، والتقاتل، والتنافس تحقيقاً لأطماع مادية.
فقد، حين نعي ما أُعطي لنا، وحين نسعى وراء النور، حين ننشد السكينة الداخلية، فقط حينئذٍ يبدو الوجود جميلاً، ونتخلى عن الأنا لصالح النحن.















في الواقع نحن خلقنا لنكون خالدين. نعم إن أرواحنا تسكن الأجساد، وعبرها تتواصل مع الآخرين. لا انفصال بين الجسد والروح، ولكن المشكلة، أن للجسد رؤى تتباين مع تلك التي للروح. كوننا أجساد نخاف الموت، نخاف الآلام والعذاب. إذن ما علينا إلا الإعتراف بسيطرة الروح على الجسد. الروح خالدة. الجسد فانٍ. الروح لا تخاف الموت لأنها لا تموت. بل تسكن ابداناً عديدة عبر الزمن.
الجسد له متطلباته حتى يبقى حاضناً للروح، الجسد يأكل، وليس الروح. إنما للجسد أيضاً رغبات شهوانية، وتلبيتها تعني تسخير الروح لصالح الجسد، أي تسخير الخالد لصالح الفاني.
















ليست الحياة، إلا تمجيداً لله، لكننا نغفل، عن قصد أو عن غير قصد، هذا الأمر الحيوي، نتجاهل أن الله هو الوجود الاروع جمالاً، الأكثر كمالاً، إنه النعمة والمحبة.
إننا نغط بسبات عميق. وهكذا، لا نعرف ماذا يعني الربيع، ولا نرى أغصان الاشجار تتراقص مع بعضها، كلما هبت نسمة ريح. فمتى نستيقظ من النوم، ونكون نحن الربيع نحن الشجر المزهر والمثمر؟
لا يمكننا إدراك أن الوجود هو ربيع دائم طالما نحن غافلون، لاهون عن تذوق البهجة عن الإنصهار بجمالية الوجود. فلنكن طامحين لنيل رضاه لنستحق النعمة. فلنصلي امتناناً وشكراً.
















وحّد طاقاتك وكن واعياً مدركاً، هكذا تولد من جديد، وتتجلى روح الله لك وأمامك. ولن يكون هذا، طالما ولادتك من خارج ذاتك. ولادتك الجديدة هذه لن تكون إلا من ذاتك ولذاتك.
ولادتك الجديدة هي إنتقالك من المادة إلى الروح، من الدونية إلى العلوية، من الجهل إلى الحكمة، من اللاوعي إلى الوعي، هي انتقالك من التعاسة إلى السعادة، حيث تتجلى الوهية الله، جمالاً في الطبيعة، وسكينة في داخلك، تزيد من بصيرتك، فترى الاشياء بوضوح وهكذا لا تقع في الغلط.
الوعي هو أساس بناء شخصيتك، هو ابتعادك عن الرغبات والشهوات، لصالح المحبة ولا شيء غير المحبة.















متى عرفت نفسك، تكون قد عرفت كل ما في هذا الوجود. لا أحد قادر على جعلك تعرف نفسك. وحدك أنت قادر على فعل ذلك.
لن تعرف نفسك، إلا إذا أدركت ووعيت سبب وجود، وأن في داخلك نواة بذرة الرحمة والمحبة.




















لماذا لا تجعل حياتك حديقة أزهار، متعددة الألوان، والانواع، وكل زهرة تسعى أن تعطي أكثر من الأخرى. إنه التنافس على العطاء، فلماذا لا نكون مثلها، نتنافس من أجل بلوغ التسامي.
كثيرون من البشر يعانون من انقسامات وصراعات داخلية، يحتارون أي طريق يسلكون، لأنهم ليسوا كتلك الازهار التي توحدك في سبيل العطاء، لن يشعر الإنسان أن حياته ليست مصادفة ، بل هي مجموعات تخلت عن أنانياتها ونذرت نفسها لفعل الخير.
لا نعمة ولا محبة، ولا سعادة، إلا بتوحد الذات الإنسانية ، إلا بتوحد ساع الوصول إلى نعمة الله، إذن فلنكن أوركسترا تعزف بتناغم وانسجام.















التواضع أهم صفات الإنسان إنه الفضيلة التي توصل الإنسان إلى الحقيقة. وحدهم المتواضعون يرتفعون. أما الآنانيون المتعالون، لا يعرفون إلا الأنا التي تمنعك من التواصل مع الآخرين، وتجعلك تعتقد أنك وحدك في هذا العالم، أو كأنك جزيرة نائية مستقلة عن اليابسة وعن المحيطات والبحور بمعنى أنك تكون منغلقاً على ذاتك، فلا قمر ولا شمس ولا نور ولا ضياء، يلفك ظلام قاتل، ويصح بك القول أنت حي ميت.


















الأنا تجعلنا صغاراً، أغبياء، تجعلنا ضعفاء نسعى وراء المباهج الدنيوية، وراء اللذات العابرة، الأنا لا تعترف بأهمية الحياة إلا لأجلها أنها الحواجز والعوائق التي تمنعك من التواصل مع الآخرين.
حالما تفقد سيطرتها عليك، تتوحد مع الوجود الإلهي، وتصبح كالأشجار المثمرة، كالشمس، كالقمر، تختفي كل أسباب تعاستك، لأنك لا تكون في قلب الله، بل هو في قلبك.

















حين خلق الله الحياة، لم يضع لها حدوداً، لم يضع لها قالباً تتحرك بداخله. للمحيطات الشاسعة حدود أما الحياة فلا حدود لها، لا بداية لها ولا نهاية.
كذلك هي روحنا. وما الجسد إلا وعاء لها، إلا منزلاً متحركاً. ولطالما مرت الارواح بأجساد كثيرة فنيت وبقيت الروح تتابع رحلتها من زمان إلى زمان ومن مكان إلى آخر.
الروح لا شكل لها، ومتى تدرك هذا، تكون قد استجبت لايحاء الله وإلهامه، وبأنك ستصير جزءاً من الله، والله كل وجودنا.

















الإنسان أشبه بقطرة نجى والمحيط في آن، وإما أن يبقى قطرة ندى متناهية في الصغر، وإما تندمج هذه القطرة بالمحيط وتنصهر به، وتصبح من الرحابة والإتساع بقدر لا يوصف.
هكذا هو الإنسان، إما أن يبقى منغلقاً على ذاته، وإما يُذيب نفسه في العالم الارحب ويشعر بالبهجة والسعادة.
علينا أن نعلم، أننا بعد إذابة أنفسنا في العالم الرحب، لن نعرف الموت. الزمن يموت، أما الخلود فلا، وهكذا نحن تموت أجسادنا أما أرواحنا فخالدة.

















تماماً، كما النهر يندمج مع البحر ويختفي به، كذلك علينا أن نندمج بالله، ونختفي فيه. بعدنا عن الله هو الكفر والإلحاد، أما الاقتراب منه، لا خوفاً ولا رغبة فهو الإيمان. الإيمان بوجوده، الايمان بعظمته.
كن كشروق الشمس قاهراً للظلام باعثاً للنور. هكذا تكون المحبة . رويداً رويداً، ومع التأمل الصامت ستكتشف من أنت بالنسبة لله.


















حين تتذكر أن فيك شيئاً من الألوهة، يعني أن عليك التذكر، أنك هنا مجرد زائر وكل ما يجري على هذه الأرض هو أشبه بسحابات غيم عابرة. عالمك ليس هنا، بل هناك في السماء حين الله وملائكته.
إن أردت الوصول إلى الفرح الداخلي عليك عبور طرق تسبب لك المتاعب والآلام. فلا تشكُ من ألم فيه لذتك.


















التأمل هو نقطة الإنطلاق للحياة الفعلية. فحياتك لا تبدأ يوم تلدك أمك، أمك تعطيك فرصة الحياة، ليس أكثر.
ولادتك الأولى تجعلك قادراً على الحياة. وعليك تحويل هذه القدرة إلى فعل، لتصبح كائناً حياً فعلياً. التأمل هو فن تحويل القدرة إلى فعل، فن تحويل البذرة إلى زهرة أو شجرة. أمل تلدك جسداً، أما التأمل فهو سبب ولادتك الثانية، ولادة الروح.
بدون أن نولد ثانية، ستبقى حياتنا مجرد تفاهات، والبذرة ، لن تصبح نبتة، والنبتة لن تبرعم، ولن تزهر أبداً، ولن تصبح شجرة تعشش فيها الطيور وترتاح تحت ظلالها.
ليس التأمل ، سوى النافذة التي من خلالها ترى الوجود على حقيقته ، ترى الجمال، فنسمع موسيقى الروح.














كثيرون هم الذين يعيشون والغيرة تغتالهم، يغضبون لأتفه سبب، لا يفكرون إلا بأناهم. إنهم مسكونون بحب التملك، تملك أي شيء قبل أن يمتلكه غيرهم. إنهم يهدرون طاقاتهم الكامنة في ذواتهم، بينما عليهم تحويل هذه الطاقات إلى ألحان، إلى أغنيات تزرع البهجة في قلوب الحزانى إلى حب وسلام.
حين تنفتح رئتاك وتنغلق لتتنفس، فهذا برهان على وجود الله، فأنت تتنفس الهواء الذي أرسله الله لك ليدخل صدرك ويُشعرك بالنشوة. وتصبح حياتك نغماً يعزف على اوتار الحب والمحبة، أو رقصة على إيقاع يرسم لك حركة الجسد. إنه القادر على شيء، فاستجب لندائه.
















الأنا علة العذاب النفسي عند بني البشر. تشجعهم على الطمع، تثير شهوتهم، تزرع الغيرة في صدورهم. وهكذا، بدلاً من أن يتآلف بنو البشر، امعنوا في التناحر والتقاتل، تحقيقاً لاطماعهم وتعبيراً عن شهواتهم، فإن لم تتخلَ عن أناك، تكون كمن يزرع شجرة ثمارها لا تغذي بل تميت، ومهما حاولت تشذيب أغصانها فإن فعلك يذهب سدى.
لماذا تهتم بالأغصان والاوراق، وتتناسى الجذر الذي هو سبب الأغصان والازهار. هذا الجذر هو الأنا. إذن تعلم كيف تعيش بلا أنا تحقيقاً لإنسانيتك التي هي جزء من الألوهة الشاملة.
استغرق في التأمل، وادخل إلى أعماق ذاتك واكتشف أن الأنا قاتلة، وأنك لست وحدك على هذه الأرض، بل هناك آخرون.















أنا لا أوافق شكسبير على قوله: "إما نكون أو لا نكون" أنا أقول إن المسألة ليست في أن تكون أو لا تكون، بل في كيفية استفادتك من كينونتك، في سعيك لأن تصبح عالماً رحباً، وأن تزرع الفرح في محيطك.
الجسد هو وعاء الروح، إنه منزلها، إذن إن أردنا أن نمتلك روحاً نقية طاهرة، علينا ابقاء منزلها أو وعائها نظيفاً، علينا المحافظة عليه، والعلاقة بين الروح والجسد تشبه علاقة السائق بسيارته، معاً يسيران على الطريق ولكن تبقى السيارة هي السيارة، ويبقى السائق هو السائق.
الأجساد تتشابه، لكن الارواح لا، وفي التأمل تشعر أنك وعي مطلق، إن عليك قتل الأنا، للإنتقال إلى عالم الديمومة والبقاء.















من الغرابة بمكان أن نكون نعرف أننا نولد، وتولد النعمة معنا، ونبقى متجاهلين هذه الحقيقة ولا ننظر إلى داخل ذواتنا، بل نتقبل الحياة كما هي دون أدنى تساؤول لماذا نحن هنا ولماذا ولدنا؟ إنه الغباء القاتل أن نذهب إلى القمر سعياً وراء النعمة، والنعمة كامنة فينا. نحمل النعمة ونبحث عنها في مكان آخر تماماً كالعيش في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول. حتى إننا لا نتعب أنفسنا بالتساؤل (ماذا في داخل كل منا ولماذا يحبنا الله؟).
دائماً نحاول أن نتعرف إلى أنفسنا ولكننا نتوقف في منتصف الطريق بسبب الخوف من معرفة الحقيقة.
صدق سقراط حين قال (اعرف نفسك) إنه لأجمل قول وأصدقه. متى عرفنا أنفسنا تتضح الانوار وتنقشع الغشاوة عن أعيننا.















يقول جان بول سارتر: (الجحيم هو الآخر) أنا لا أوافقه الرأي مع أن ملايين البشر يرددون هذا القول ويؤمنون به. هذا القول ليس فيه ذرة من الحقيقة، لأن المسألة لا تتعلق بالآخرين بل بنا، بأنفسنا، نحن من نصنع الجحيم لنتعذب فيه ونحن من نصنع الجنة لنتنعم بها. أما الآخرون فهم الذين نلقي عليهم تبعات فشلنا أو عدم نجاح محاولاتنا.
الجنة ليست مكاناً جغرافياً وكذلك الجحيم. هما حالتان نفسيتان. وما إن تعرف أنك أنت وحدك من يخلق هذه الحالة أو تلك حتى تشعر أنك قادر على فعل كل شيء.
إذا كان الآخر هو سبب تعاستك واستمرارك في الشقاء فهذا يعني أنك لست حراً بل أنت في حالة تبعية له، إن أراد، جعلك سعيداً وإن أراد، أبقاك في التعاسة. كيف يكون هذا والله خلقنا أحرار؟ خلقنا تواقين للحرية، إذن نحن من نصنع الجحيم ومن نصنع الجنة.














يحيا الإنسان حالة اللاوعي، يحب التقليد، يفعل ما يفعله الآخرون دون إرادة منه ودون ادراك لماذا يفعل هذا، حتى أنه كثيراً لا يعي من يكون، ولا من أين هو آت، ولا إلى أين هو ذاهب.
كل هذه المسائل، لا تحل عن طريق الفلسفة بل عن طريق التأمل، الفلسفة تقدم لك أجوبة افتراضية، تتطلب منك تحليلاً وتدقيقاً فتجد فيها ثغرات.
التأمل مسألة روحية وليس مسألة فلسفية. التأمل يوجب عليك التنبه إلى أهمية نفسك إلى اكتشاف الحقيقة.
الحقيقة لا تستدعى، ولا هي استنتاج لأفكار مسبقة، بل هي تهدف إلى الإرتقاء بالنفس إلى المصاف العلوية.















الأخلاق شيء والبراءة شيء آخر. الأخلاقي ليس بالضرورة أن يكون بريئاً، إنه يرغب بفعل الفضيلة رغبة للوصول إلى الفردوس والتنعم بما في الفردوس من مباهج ومسرات، من هنا فهو ليس بريئاً.
الأخلاقي يعقّد الحياة، بدلاً من أن يبسطها لذا فلن نجد براءة الأطفال في نفسه، البراءة في النقاء والبساطة هي فعل الفضيلة لأنها فضيلة فقط وليس لأنها قد تجلب شيئاً.
الطفل لا يعي معنى الخير ولا معنى الشر، تلك هي البراءة، هي في تجاوز هذه الثنائية من السلوكية. فإما أن تكون شريراً أو تكون خيراً. البراءة هي فضاء مطلق.
الاخلاقي هو من يختار ما يفعله، لأنه لا يفعل الشيء لمجرد فعله، بل لغاية عنده، بينما البريء يحيا بتلقائية. يتصرف بعفوية. يهمه أن يبقى قريباً من الله، ولا فرق عنده إن تقرب الله منه أو لا.














النقاء هو أن نحيا غير مهتم بثنائية الخير والشر ، هو معرفة أن الله هو كل شيء ومن أجل كل شيء. الله لا يريدك منقسماً على ذاتك بل وحدة متكاملة.
حتى في الشيطان يمكنك التعرف إلى الله، ويمكنك رؤية النور في الظلام، والحياة الخالدة في الموت. عليك تجاوز أن لكل شيء نقيضه، أن هناك خيراً وشراً، حياة وموت، صيفاً وشتاء، عليك فعل هذا، والتفكير بالله الواحد الأحد، يمكنك رؤية الله في ملايين الاشكال المتواجدة حولك، لكنه يبقى هو الله ، فلا يكون هنا مختلفاً عما هو هناك.
كل ما هو مطلوب منك بذل بعض الجهد للوصول إلى مرحلة الوعي واليقظة والانتباه لذاتك، فلماذا تهتم بعدد السيارات التي تعبر الشارع يومياً أمامك، فيما أنت غافل عما في داخلك ، عما يوصلك إلى مرحلة النقاء لتكون قريباً من الله.















كن واعياً لما تفعله ومنتبهاً لما يجري حولك. كن واعياً لجسدك، لعقلك وقلبك.
إذا وعيت أنك من جسد ولك عقل وقلب وأنك مسير بالأفكار والمشاعر، ساعتئذٍ يتولد فيك بعد رابع هو الروح، أو نواتك الداخلية التي تزهر وتثمر، الروح التي تجعلك تتأكد أنك ما ولدت لتموت بل لتحييا إلى الأبد، لأنك جزء من الخلود.
هذا البعد يمنحك الشعور بالخلود، بالعظمة فأنت لا تعود أنت، بل تصبح العالم كله. سيجعلك شبيهاً بالأطفال الصغار، وإن لم تكن كذلك فلن تدخل ملكوت السموات. أتعرف لماذا؟ لأن الأطفال هم الذين يمتلكون البراءة.
حين تحصل على البعد الرابع الذي هو الروح تكون ولدت من جديد، تكون ولدت ثانية. في المرة الأولى ولدتك أمك دون وعي منك، أما في المرة الثانية فقد ولدت بوعي منك وبارادتك، أنت سعيت لتولد من جديد، وهكذا لن تعرف التعاسة ولا الشقاء لأنك اخترت طريق الله.














المتصوف عن وعي، ليس انساناً معذباً، بل هو يحب الحياة الخالدة ويزهد بالحياة الدنيوية، إنه يعي كل الوعي أن الحياة هي الاقتراب من الله لهذا تصبح كلماته أغنيات تنعش القلب والعقل والجسد.
يصبح الصوفي هكذا، حين يترك كل شيء خلفه في سبيل الله، يترك الجسد والملذات والشهوات ويتجه نحو النقاء الكلي، نحو النقاء اللامحدود نحو المحبة.
حين تصل إلى هذه المرحلة تتصاعد الألحان من داخلك النقي وتتفتح آلاف الازهار في كيانك، وتعرف أن البذور ما وجدت إلا لتموت من أجل أن تنبت الشجرة.
هذا هو الإنسان المتحد بالله يموت ليحي غيره.
على الإنسان أن يموت دائماً محتاجاً لله متشوقاً إليه ساعياً إلى تخطي الحواجز التي تمنعه من تحقيق ذاته. كل انسان قادر على فعل هذا إذا توافرت عنده الارادة الحقة إذا رغب في أن يولد من جديد، أن يولد مرة ثانية.














الشهر 7
جنّة عدن


حين يمتلك الانسان الحقيقة الكاملة لا يعود بحاجة للكذب. ولماذا يكذب؟ وما الذي يدفعه لفعل ذلك؟ الانسان الذي يمتلك الحقيقة لا يعود يهتم بالامور الدنيوية ولا بالاغراءات المادية لقد وصل مرتبة أعلى بكثير من المرتبة الناتجة عن امتلاك المال أو السلطة. لقد أصبح يعي أن الحياة ليست هنا.
أصبح يعي أن بيده مفتاحاً سحرياً يفتح له باب النعمة والمحبة. إذن كن جميلاً ترَ الوجود جميلاً، غنّ فتطرب أنت وتطرب الآخرين معك. اجعل حياتك حلبة رقص احتفالاً بوصولك إلى الحقيقة .












منذ أن ولد الانسان وأصبح يدب على وجه الأرض وهو أشبه بآلة ميكانيكية. لقد ولدته أمه بيولوجياً وليس روحياً. الولادة الروحية لا تتم إلا بالمعرفة الشاملة، إلا بامتلاك المحبة والحقيقة. إذن أنت لست بحاجة لمعلم يعلمك التاريخ والجغرافيا وما شابه، بل أنت بحاجة لمعلم يعلمك كيف تولد ثانية وبارادة منك. أنت بحاجة لمعلم يعلمك كيف تدخل إلى ذاتك لتكتشف ما فيها من مكنونات وقدرات. ومتى فعلت هذا تكون قادراً على خلق ذاتك مجدداً على أن تولد ثانية ليس بيولوجياً بل روحياً. كل فرد قادر على فعل هذا إلا إذا انشغل عن هذا الفعل بتفاهات الدنيا البالية.
ليس مهماً أن تحاول، المهم أن تكون مثابراً على هذه المحاولة. وحين تولد من جديد، بمقدورك أن تجعل ذاتك أكثر التصاقاً بالنعمة الالهية، بمقدورك أن تكون متفاعلاً مع الوجود ومنفعلاً به. بعد أن تولد ثانية عليك التسليم أن حياة جديدة أمامك وأن عليك أن تصبح أكثر وعياً وادراكاً. وكلما تعمقت بالوعي كلما اقتربت أكثر من النعمة.














نأتي إلى هذا العالم صفحة بيضاء. نأتي بنقاء كلي وببراءة طفولية. لا نهتم لا بالخير ولا بالشر. ولكن حين يبدأ العالم بالتأثير علينا تسودّ الصفحة البيضاء وتختفي البراءة ولا يعود هناك نقاء.
حين يكبر الطفل ويصبح قادراً على الاتكال على نفسه جعلوه مشلول الفكر والحركة عاجزاً عن الوقوف على رجليه. لم يعلموه الاعتماد على ذاته بل الاعتماد على الآخرين حتى صار بحاجة إلى عكازهّ تساعده على المشي.
إنه الخطر الذي يهدد الانسانية. الانسان المولود حراً يصير كائناً يزحف على يديه ورجليه وتدمر نفسيته من قبل المجتمع اللاواعي لحقيقة خلق الانسان والغاية من خلقه. فيجعل منه مغلق الأفكار عبداً لرغباته وشهواته محباً للأنا لاهثاً وراء الدنيونيات. إنها استرتيجية العالم المادي، العالم غير المدرك، أن في نفس كل كائن فيضاً من روح الله. وهكذا تتراكم الأشياء الدنيونية فوق بعضها كما الغبار فوق المرآة فلا تعود قادراً على رؤية شيء من خلالها وتصبح بحاجة للآخرين لرؤية نفسك أي معتمدا على الآخرين.
نصيحتي لك ألا تقلد الآخرين ولا تستجيب لتعاليمهم، بل ابق نقياً بريئاً، استغرق في التأمل واغرق في الصمت وادخل إلى ذاتك كي تتعرف على ما فيها من كنوز وخيرات، العقل يحلل بيتنا التأمل هو ذاتك به تصبح حراً مستقلاً وبواسطته تكتشف الحقيقة والمحبة ومن خلال التأمل تسمع أغنيات تصعد من داخلك تخبرك بأنك خالد إلى أبد الأبدين طالما أنت مع الله.









يفرض على الطفل الذهاب إلى المدرسة، فالكلية الثانوية ومن ثم الجامعة، مما يعني إضاعة ما يقارب ثلث عمره وهو يتعلم أشياء تبعده عن إنسانيته ولا تقربه منها، عبر كل هذه المراحل نادراً ما يهتمون بذاته الروحية، بل بالأشياء المادية.
طبيعياً، يجب أن يربى الطفل على أساس تنمية وجوده الإنساني أو لا، أي تعبئة مركز الشعور عنده، الذي هو القلب ، ليصبح هو السيد، وليس الرأس الذي نحشوه بالتاريخ والجغرافيا، والفيزياء وما شابه، ولا نحاول إنماء قدراته الروحية وكأننا لا ندري أن العلم بدون ضمير هو تدمير للإنسانية.
كل ما نفعله ، أننا نتجاهل الطاقة وسلوكية الفرد، فنصبح عبيداً للفعل المادي.
هكذا، حين يعي الواحد منا، ما يفعله المجتمع به، يعي كيف عليه أن يتفاعل مع مجتمعه وينفعل به، يعي أن في داخله طاقة يجب تفجيرها محبة وعطاء.
قادرة المجتمع المادي، يخافون الحب، يخافون العطاء، لأنهم بحاجة إلى المزيد مما يعطى لهم، إلى عبيد المادة وليس إلى عبدة الروح.
إنما، إن وعيت إيها الإنسان ذاتك تكون كالسجين الذي فتحت له أبواب السجن ليخرج إلى عالم الحرية، ليخرج من عالم الإطاعة إلى عالم القيادة. فماذا تنتظر؟ لماذا لا تفعل أنت هذا؟ لماذا لا تجعل إنسانيتك هي الآمرة الناهية؟










مشكلتك، أنك صدقت الأغبياء، واستمعت إلى آراء الجهلة ونصائحهم، ولم تستمع إلى ما تقوله ذاتك ولا إلى نصائحها. مشكلتك أنك أعطيت المعارف المستعارة التي رسخوها في ذهنك قيمة لا توصف، وأنك صدقت ما قيل لك، أنك إنسان خاطيء، أنك تولد حاملاً إرث الخطيئة الأصلية، خطيئة آدم وحواء.
كيف يكون هذا؟ كل إنسان هو بعض من الله، كل إنسان هو على صورة الله ومثاله، فحتام تبقى غارقاً في سباتك، تخيفك الكوابيس، كوابيس الخطيئة الأصلية؟ هذه الكوابيس، كوابيس الخطيئة الأصلية؟ هي مجرد كوابيس.
إن استيقظت ووعيت تصبح تلك الكوابيس محض أوهام. إستيقظ، وعد إلى ذاتك الألوهية، إلا إذا كنت من الذين يتمتعون برؤية الكوابيس. في هذه الحال، أنت حر.
بودي أن أراك مستيقظاً واعياً، أما إذا لم تستيقظ ، فابق في معاناتك، إبقَ في جحيمك الذي أنت صنعته بنفسك ولنفسك.
في الأساس، كل أبناء الله متشابهون، وكلهم يمتلكون قدرة وعي، الحقيقة الإلهية، لكنهم ليسوا متماثلين، فالتماثل شيء والتشابه شيء آخر. إنهم أفراد فرد خصوصيته.












يولد الإنسان نقياً بريئاً، وكلما تقدم العمر له، كلما تراكمت التناقضات فيه، وغرق في بحور المادة التي تمنع عنه وضوح الرؤيا والتي تجعله مخدراً حتى يتقبل الفكرة القائلة، إن الموت هو تطور طبيعي.
لهذا نرى الأطفال أكثر توهجاً ، وأكثر وضوحاً، ولهذا نقول إنه طفل والطفل لا يكذب، نقول هذا، لأننا نعرف كل المعرفة أننا لم نكسبه بعد معارف بالية، وأن مرآة حياته ما تزال شفافة. لم يتراكم عليها غبار الحياة. لهذا يخشى السياسيون أشواك الأطفال في عمليات الإقتراع، بل يمنحون هذا الحق للبالغين "الراشدين" على حد تعبيرهم، أي للذين فقدوا وضوح الرؤيا، للذين زرعنا مفاهيمنا في عقولهم. الأطفال يمتلكون رؤية ثاقبة، لهذا فحق الاقتراع لا يعطى لهم، بل للذين فقدوا مثل هذه الرؤيا، أي للذين جعلناهم شبه مكفوفين.
لكنك، يا أيها الانسان، قادر على نفض الغبار عن مرآتك، قادر على استعادة وعيك لحقيقة وجودك ، فلماذا لا تفعل؟













يغرس القيمون على المجتمع شتى أنواعه المفاهيم التافهة في عقل الإنسان، خلال مراحل نموه ودونما اهتمام بذاته الانسانية أو مشاعره أو أحساسيه. إنهم، ومن خلال العقل اللاواعي، يحولونه إلى مجرد آلة، وطبيعي أن تكون الآلة مطيعة تنفذ إرادتهم ولا تعرف التمرد، على عكس الذات الانسانية التي هي في حالة تمرد دائم. ولهذا لا يهتمون بتنميتها لأنها تهدد مصالحهم.
العقل، يحلل، يفند، يجزئ الأشياء، يقنع ويُقنع، وينضح بما فيه من معلومات. إنه كالحاسوب، نلقنه ما نشاء من معلومات ولن يعطينا إلا ما أدخلنا عليه بمعنى أنه غير قادر على التجديد والتجدد تلقائياً. وحده الانسان الحر قادر على فعل هذا، قادر على أن يجدد ويتجدد.
القلب مركز الشعور، والشعور لا يحيا إلا بالحب والمحبة، أي أن حياتنا يجب أن تكون بلا قيد أو شرط إذ لا أحد يعلم أين يوصله الحب ولا أين تحط المحبة ترحالها. الحب احساس عفوي تلقائي وكذلك المحبة. الحب هو أمس واليوم وغداً. بينما العقل هو أمس واليوم وغداً. بينما العقل هو أمس وما قبله. كل انسان يحاول الانتصار على ما يعيق مسيرته والانتصار يستوجب ثورة، يستوجب تمرداً، لذا فلا نستطيع الانتصار إلا من خلال الحب لأنه ثوري متمرد. قد تخطيء الفرضيات المبنية على المنطق أما الاحساس فلا يخطئ.
تحدث المعجزة الكبرى حين تتمرد على اولئك الذين يريدونك عبداً لهم. لأنك بالتمرد تسلك طريق الوعي لذاتك، طريق الحرية والتحرر. حينئذٍ تكون مستعداً – بناء لارادتك – للتخلي عن أنانيتك لتندمج في الكل الشامل وحينئذٍ، أيضاً تكون تستحق نعمة الله والوهيته.







جاء في الكتب أن الإنسان ولد في جنة عدن، ومنها طرد. ومنذ ذلك التاريخ وهو هائم في البراري والصحاري حاملاً ذكريات سعيدة عن مسقط رأسه، ذكريات تؤرقه. ويشده الحنين إلى تلك الجنة.
لهذه القصة التوراتية مغاز كثيرة. إنها تدل على حقيقة مشاعر الإنسان الذي هو يفتقد دائماً شيئاً ما، والذي يعتقد أنه موجود الآن، لا في المكان المناسب ولا في الزمان المناسب، إذن هناك أمر يجب تسويته.
أراد الإنسان أن يكون عارفاً فأكل من شجرة المعرفة، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ كانت أن طرد من جنة عدن وهام على وجهه، دون دراية منه أن المعرفة تقطع خيط التواصل مع قلبه الذي هو مركز الأحاسيس والمشاعر، والذي هو الجنة التي يحن إليها. كل واحد منا يحمل قلباً في صدره، إذن جناتنا موجودة فينا، لكننا نتجاهل هذه الحقيقة. ونمضي خلف أوهام المعرفة، معرفة المادة ونتناسى الروح. المعرفة مجرد معلومات قد نستفيد منها وقد لا نستفيد ومن يدري قد تكون سبب بؤسنا وشقائنا.
جنة عدن، هي قلب الإنسان، لذا لماذا لا يحاول الإنسان العودة إليها، من خلال البحث عن السعادة في داخله، في ذاتيته الروحية، بدلاً من إستمراره تائهاً في المدن والقرى والدساكر يبحث عن السعادة.











يستطيع المرء، ببذل الجهد وزيادة التركيز الذهني، وتقوية قدراته العقلية. يستطيع الوصول إلى المعرفة لكنه لا يستطيع الوصول إلى الحكمة. المعرفة هي تراكم المعلومات في رأس الانسان، ولا ريب أنها معلومات مكتسبة، أما الحكمة فلا تكون إلا من تمازج الحب والمحبة مع المعرفة، والمعرفة ليست شرطاً أساسياً إليها.
هكذا، وبكل بساطة،حين يمتليء قلب الإنسان بالحب ويفيض بالمحبة وتهدأ سكينته في استراحة الوجدان، وحين يخضع القلب لمشيئة الله الكلي الشامل وارادته، حينذاك تتفجر قدرة الإنسان ويشعر أن شيئاً داخلياً يساعده على رؤية الأشياء بوضوح ونقاء، وعلى فهم ماهيته وسبب وجوده في هذا الوجود، وهكذا تتكشف له أسرار الحياة، من خلال الحب والمحبة.
الله يحل في قلب الإنسان، وليس في عقله، لأن القلب هو مركز الحب ونبع المحبة، لأنه لا يحلل ولا يجادل. وماذا لو جعلت القلب سيد العقل، وسخرت هذا الأخير لصالحه، واستفدت من معرفتك التي تراكمت طوال سنين. من أجل الوصول إلى الحكمة وهكذا تكون المعرفة عبدة للحب والمحبة.
افعل ذلك، اتبع قلبك واستفد من تراكمية المعرفة، وتفجر حباً ومحبة، فستجد نفسك زهرة لوتس في صحراء قاحلة، شجرة مورفة الظلال عند مفترق طرق، تحتها يستظل المتعبون الذين أتعبهم المسير وأرهقهم حر الشمس، وستشعر بتحول داخلي ، يمنحك الهدوء والسكينة، إنها الحكمة حلت عليك، وإذا كانت المعرفة تستوجب التعرف، فالحكمة تستوجب الإرادة الحرة والرغبة في الوصول إلى الله.









مع مرور الأيام وتقادم الأزمان، وبسبب التقدم على كافة الصعد، تراكمت المعرفة برأس الإنسان، حتى أنه صار يمتلك كمية معرفة تفوق بكثير تلك التي كانت عند الأنبياء والرسل، لكن هذا لا يعني أبداً أنك أكثر معرفة منهم. أنت تمتلك معرفة اكتسبتها من الخارج، بينما هم يمتلكون معرفة ناتجة عن اتصالهم بالله. وهي المعرفة الأشمل. الإنسان مثل الحاسوب، تدخل ما شئت إليه من معلومات، تبرمجه ليكون رهن اشارتك، ولكن هل بإمكان الحاسوب أن يصير نبياً؟ أن يصير متصوفاً، أو عارفاً لله؟
بإمكان الحاسوب إختزان ملايين المعلومات، وبكبسة زر يعطيك أية معلومة تريد، لكنه ليس قادراً على الإمتلاء بالنعمة، نعمة التأمل والتحول. ليس بمقدوره أن يعشق ويهوى، لا بمقدوره التعبير عن ذاتيته، عن أحاسيسه، عن مشاعره، لأنه لا يمتلك ذاتاً ولا أحاسيس أو مشاعر. ليس بمقدوره القول "يا فتاتي أنا أحبك ومستعد للموت من أجل حبك" بأسلوب شاعري جمالي، وإن لقنته هذا القول، فهو يردده كالببغاء. وتبقى الكلمات مجرد كلمات، بلا إحساس إنساني. المشكلة أن بشراً كثيرين هم أشبه بالحواسيب يرددون صلوات تعلموها إنما صلواتهم تتردد على الشفاه ولا تصدر من الداخل ، على عكس الإنسان المتنور، الغارق في النعمة، الإنسان المحب للحب، الإنسان المشتاق إلى اكتساب بُعدٍ جديد في حياته. بُعد الخلود والألوهة، بُعد النعمة والحرية.









هناك فرق بين المعرفة والتعرف، المعرفة هي معلومات وافية عن زمن مضى، بينما التعرف، هو محاولة إكتساب معرفة جديدة، إنه عملية تحول تطوري. لذا، إذا كنا فعلاً راغبين بالتعرف، علينا الإعتراف، أن كل شيء قابل للتحول، حتى اللغات التي نكتبها اليوم أو نحكيها، قطعت مراحل تحول كثيرة حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، ولهذا انقرضت لغات، لأنها لم تتحول . فلا شيء في هذا الوجود ثابت بل كل شيء في تحرك دائم.
لذا، لا تقل "معرفة" بل "تعرف". ولا تقل "الحب" بل "أنا عاشق ومعشوق في آن". المشكلة أننا تعودنا على ترداد الاشياء فما نزال نقول "النهر" مع أنه جريان المياه، وإنه ليس هو ذاته بين ثانية وأخرى. وكذلك الأشجار، مع أنها تنمو كل لحظة وتتغير، تتساقط أوراقها وتعود وتورق من جديد، إذن لا شيء ثابت في الوجود.
إذن، يا أيها الإنسان كن مع الحياة، متحركاً ومتحولاً، ولا تكتفِ بالنظر إلى ما يجري دونما اهتمام، بل بهدف التعرف على التحول الذي يصيب الأشياء، ولا تكتف بما عرفت، بل ثابر على اكتساب المعرفة، هكذا ترى الأشياء واضحة.
مهما عرفنا، يبقى هناك الكثير من الأشياء والأمور التي علينا التعرف إليها، ففي كل لحظة شيء جديد، حتى أنا الآن لست أنا بعد الانتهاء من كتابة هذه الكلمة أقول "الكلمة: وليس الكلمات، فالحياة مستمرة في التحول ولا تتآلف مع الغموض. والله لا يحل إلا بأولئك الذين هم قادرون على التحول والراغبون في التعرف.









يتم اكتشاف المعرفة، الحقيقية، الحكمة، من خلال الوهي المنتبه، وليس من خلال مراكمة المعلومات، بل من خلال الذهاب إلى داخل عملية التحول. الوعي المنتبه هو تحول داخلي متطرف، لقد ولدت الآن من جديد.
بصورة اعتيادية، غالباً ما يتواجد المرء في حالة نائمة. وعيه المنتبه في أدنى درجاته، فقط بنسبة واحد بالمئة أو بنسبة أقل من ذلك. ولكن ذلك يكفيك لعملك اليومي، يكفيك لتكسب خبزك ولتوفر ملجأك وليكون لك أولاد وعائلة. يكفيك هذا الوعي الضئيل لتحقيق ذلك، ولكنه لا يكفيك لتحقيق ما هو أكثر من ذلك. تسع وتسعون بالمئة من وجودك يبقى ظلاماً دائماً. لكن، كل ذلك الظلام يمكنك تغييره. بإمكان المرء أن يمتلئ بالنور. عندئذٍ، يتعرف المرء على كثافة العيش، وعلى النشوة الهائلة للعيش وللحياة.
بدءاً من هذه اللحظة فَكَّرْ بالوعي المنتبه كمسألة حياة أو موت. في الواقع إنها مسألة حياة أو موت. ومن غير الوعي المنتبه أنت وببساطة ميت في كل يوم. مع الوعي المنتبه تبدأ في العيش للمرة الأولى، وبعدئذٍ تمضي الحياة بالنمو بشكل أكبر فأكبر وبالاتساع بشكل أوسع فأوسع. وفي أحد الأيام القادمة ستصبح حياتك حية ووافرة لدرجة لا تعود فيها حياً فقط، بل يصبح كل ما يصير قريباً منك ممتلئاً بالحياة أيضاً. عندها، تستطيع أن تبدأ في منح بعض السحر للآخرين أيضاً، وتبدأ بالتدفق بالحياة، وبالتدفق بالحب والمحبة والنور. تلك هي حالة لاوتسي وبوذا والمسيح وحالة محمد، وحالة الرجل الحكيم والمرأة الحكيمة حين يتجاوزا الحدود المألوفة للوعي البشري.









منذ أن وجد الإنسان والعقل عاجز عن معرفة ماهية الحقيقة. إنه يعرف أشياء عنها ، لكنه لا يعرفها بذاتها. أن تعرف شيئاً عن الحقيقة، أمر مختلف عن معرفتها. قد تكون قادراً على التحدث عن الحب، دون أن تعرف ما هو. وحتى تتعرف عليه، يجب أن تمر بتجربة الحب، يجب أن تكون عاشقاً.
جمع المعلومات شيء والوصول إلى الذات شيء آخر. بمقدورك حفظ ما قاله كل الفلاسفة. وكذلك نظريات وفرضيات العلوم، ولكن ليس بمقدورك الإدعاء أنها أقوالك ونظرياتك وفرضياتك، لا أحد ينكر أنها تعينك على تعميق وعيك، وهنا يكمن الخطر، لأنها قد تجعلك مدعياً أنك تعرف كل شيء.
دائماً عليك معرفة أنك إن حفظت شيئاً، وغابت عنك أشياء، عليك معرفة الشيء ونقيضه. وعليك الاعتراف أنك جاهل لأمور كثيرة . لماذا؟ حتى تبقى باحثاً عن الحقيقة، عن حقيقة المعرفة. وهكذا تمضي حياتك باحثاً عن حقيقة الوجود باحثاً عن الوعي الكلي الشامل، بهدف الوصول إلى الحقيقة واختبارها.













إن لم تكن بريئاً كالطفل، فلن تنفتح لك أبواب السماء. التي هي مغلقة بوجه كل مدعي المعرفة، معلمين كانوا أم أكاديمين أم رهباناً، فهؤلاء فقدوا حتى الإندهاش والتعجب من كل شيء جديد.
وحده الطفل يمتلك نعمة الإندهاش والتعجب. ليس في رأسه مخزون من المعرفة المتراكمة، بل هو يبحث عن المعرفة، الأصداف عند الشاطئ يراها صحارة الماس، تسحره رؤية الزهور المتمايلة في الحقل. والفراشات تحوم فوقها. إنه كلما رأى شيئاً جديداً يحس وكأنه حل لغز غامض.
واعلم، أنه ليس بمقدورك اكتشاف نعمة الوجود الالهي إلا إذا كنت كالطفل براءة، تندهش لرؤية مخلوقات الله. هذا ما أوصي به تلامذتي، أن يكونوا أطفالاً صغاراً.















كلما اقترب المرء من الحكمة، كلما أدرك أنه بحاجة للمزيد من المعرفة. وكلما كان غبياً، كلما أدعى المعرفة الشاملة وأصبح متشبثاً برأيه، مع أن ما وصل إليه من معرفة هو ليست نتيجة تجاربه وأبحاثه، بل عصارة فكر غيره، لذا فالأغبياء يمتلكون معرفة غيرهم ويريدون فرض هذه المعرفة على غيرهم من الناس البسطاء.
في أواخر أيامه، قال سقراط: "اليوم توصلت إلى حقيقة واضحة، إلى أني أعرف أني لا أعرف شيئاً وما يزال درب المعرفة أمامي طويلاً" إنها الحكمة بعينها، لقد صار حكيماً، ولم يعد فيلسوفاً.
نملأ الرأس بالاستنتاجات والفرضيات، بينما قلب الانسان البريء يجد نفسه باحثاً عن المزيد من المعرفة، القلب هو ذاك الطفل البريء، بينما الرأس المحشو بالأفكار هو كرجل عجوز. إذن كن ذاك الطفل، كن ذاك القلب النابض بالحياة أبداً.















المعرفة المستعارة، والمتراكمة بفعل الآخرين، هي معرفة ناقصة وغير واعية. إنها تستر جهلك، ولا تقربك من الحكمة.
في هذه الحال، تكون كمن يضع ضمادة فوق الجرح دون الدواء. أي أخفاه عن عينيه، وتركه دون شفاء، ودون علم منه، إن الجرح قد يتسبب بالتهابات كثيرة وخطيرة. أما المعرفة النابعة من الذات، تقضي أن تبلسم الجرح، أن تتركه عرضة للريح ، للشمس والمطر، اخفاؤه خطر، أما كشفه فشفاء له. دع الطبيعة تعالجه.
أولى خطواتك نحو المعرفة الصادقة، هي في اعترافك أنك لا تعرف شيئاً، هي في اعترافك بجهلك. المعرفة الصادقة هي تلك النابعة من ذاتك. المعرفة لا تأتيك عن طريق الدراسة بل عن الاستغراق في التأمل. المعرفة معشوقة النقاء والصفاء. إذن كن نقياً صافياً، وانظر إلى ذاتك فسترى المعرفة تتدفق منها.
ذاتك هي نبع المعرفة المتفجر، لكن الأغبياء يتوقفون عند البرك حول الصخور ويعتبرون أنفسهم وصلوا إلى نبع المعرفة، لأنهم يخافون الولوج داخل الذات.
هذه الصخور، ليست هي المعرفة، بل هي الحواجز التي تعيق إنسياب مياه النبع المتدفق من ذاتك، المعرفة هي في تعرفك إلى ذاتك.












الإنسان جسد ووجود. الجسد محدود المساحة، أما الوجود فواسع رحب إنه أرحب بكثير من أكبر محيطات العالم التي وإن إتسعت تبقى محدودة تبدأ هنا وتنتهي هناك. أما وجودنا فلا بداية له ولا نهاية.
يتميز الوجود الإنساني بصفات ثلاث:
الأولى وهي حقيقة الوجود، للوهلة الأولى، تعتقد من خلال من يقال عن الحقيقة إنك تعرفها، مثلك مثل رجل يعرف الكثير عن مزايا ومذاق طعام معين، لكنه لم يتذوقه بعد، وهكذا أنت تعرف الكثير عن الحقيقة، لكنك لم تختبرها بعد،لأنك تكتفي بالمعرفة السطحية لها ولا تحاول الدخول إلى ذاتك الثانية وهي الوعي حين تدخل إلى ذاتك محاولاً أن تجد معرفة حقيقة وجودك، تكون قد بدأت تعي من أنت.
ولماذا أنت هنا، لتعي أنك لست إنساناً آلياً، تقوم بما يطلب منك القيام به، وإلا يبقى الوعي مجرد كلمة جوفاء.
ومن خلال وعيك لذاتك، تبدأ بالبحث عن النعمة أو الصفة الثالثة، الكامنة في أعماق أعماق نواة وجودك وليس في أي مكان آخر.
النعمة إذن ، هي أقصى ما يطمح الإنسان إليه، وحين يتذوق الإنسان طعم النعمة ينسى كل متاعبه، وكل الحواجز التي تخطاها وهو في طريقه إليها.









يقول العلماء، إن للعقل الإنساني قدرة استيعابية لا حدود لها، حتى أن عقل إنسان واحد، قادراً على اختزان كل ما احتوته مكتبات العالم من معلومات، لكن هذا الإختزان لن يجعل منه حكيماً كسقراط، ولا إنساناً يمتلك قدرة الاستشراق أو الروح الإلهية، ويبقى غير قادر على السعي إلى ما هو أبعد من حدود الكلمة الجامدة، ومن حدود ما اختزن في رأسه من معلومات ونظريات.
إذن، نصيحتي لك، ألا تكون إنساناً ببغاوياً، مكتفياً بمعرفة المعلومات، بل عليك تحويل هذه المعرفة إلى قدرة لا حدود لها، قدرة الإلتقاء مع ذاتك والاستغراق في التأمل، تأمل وجودك، وتأمل ما يحيط بك، لأنك بهذا تكون تتخطى حدود الكلمة الجامدة إلى معنى الحياة، تكون أدركت أنك ما تزال بحاجة للمزيد من المعرفة وللإندهاش أمام كل معرفة جديدة تكون استعدت براءة الطفولة، التي هي أشبه بمرآة لا غبار عليها، ولا تعكس سوى الحقيقة، الحقيقة الناصعة النقاء، ومتى عرفت الحقيقة، تكون قد اكتشفت ذاتك.














منذ إبصارنا النور، يبدأ القيمون على المجتمع الذي ولدنا فيه بحشو رؤوسنا، بمعلومات تجعلنا أدوات طيعة بين أيديهم، وكثيراً ما يزيفون الحقيقة. حتى لا نتوصل إليها. إنهم يمتلكون قدرة التزوير وقدرة الإقناع. ولكن إقناع من؟ إقناع أولئك السذج الذين يسهل خداعهم، أولئك السذج الذين هم على استعداد على تلقف ما يعطى لهم دونما سؤال عن ماهية ما يُعطى ولماذا يتكرم هؤلاء على إعطائه.
منذ الطفولة، والإنسان عرضة للإستغلال من قبل الأقوياء الذين يريدونه جاهلا، مهادنا، مقدماً للتنازلات، غير قادر على اتخاذ قراره بنفسه. فالطفل كالعجين، طيّع، لهذا هم يحاولون تشكيل وجوده بما يتناسب مع مشيئتهم ورغباتهم. مسكين هو الطفل، إن قال صدقاً يعاقب، وإن حاول بناء ذاته يصطدم بألف ألف مليون عائق وحاجز. وهكذا، إذا حان الوقت الذي من المفترض، أن تكون وصلت فيه إلى قول الصدق، إلى قول الحقيقة تجد نفسك لا تقول ما تحب أن تقوله أنت، بل هو ما مغروس فيك، ما لٌقنته عن غير وعي منك.
إذن، حتى تكون قادراً على قول الحق، ولا شيء غير الحق، على قول الصدق كل الصدق، عليك أن تولد من جديد، وتبدأ بتعلم الأشياء بناء لارادتك. ولادتك الجديدة، هي فرصتك الوحيدة لإدراك أن تراكمية المعرفة. لا توصل إلى الحقيقة. بل اختبار المعرفة. وحتى إن اختبرت المعرفة، تدرك أن "الأنا" ليست سوى مجرد وعاء فارغ لا تأخذ منه إلا مما وضعنا فيه.










ليس مستغرباً أن يقلد الأطفال أفعال الكبار، مساكين أطفالنا يجلسون أمام شاشات التلفزة، يشاهدون ما يعرض عليها من مشاهد قتل، سلب، نهب، وإغتصاب وعنف، مشاهد تتكرر ليس كل يوم وحسب، بل وحتى عدة مرات في اليوم الواحد، فتترسخ في أذهانهم ويعتبرونها سنة الحياة ويتصرفون على هذا الأساس. الغرابة، أن كل واحد منا، يبحث عن المعرفة، خارج ذاته، وليس داخلها، حيث الكنز المفقود.
لطالما ردد المسيح أن "مملكة الله هي داخل نفوسنا" لكن أحداً، حتى تلامذته لم يفهم ما عناه وما رمى إليه من قوله: "مملكة الله هي داخل نفوسنا". واستمر الناس في غبائهم باحثين عن مملكة الله في كل الأمكنة . في كل الزوايا، إلا حيث هي . كذلك قال "مباركون أولئك الذين لا يتوقون أن يصيروا الأوائل، لأنهم يفعلهم سيكونون الأوائل" وكذلك طالما ردد "من ارتفع اتضع، ومن اتضع ارتفع" و "كبير القوم خادمهم" . لكن أحداً من الذين تتراكم المعرفة في رؤوسهم، لم يفهم ما قاله المسيح، بل مضى وراء شهواته، ونزواته، معتبراً وجوده المادي هو كل شيء. مسكينة هي الإنسانية تسعى خلف بؤسها وتتناسى أن طريق السرور أقرب.













الحقيقة لا تُخترع بل تكتشف. هي موجودة داخل كل إنسان. والموجود يكتشف ولا يخترع. فقط علينا، تذكر أننا نولد وتولد الحقيقة معنا، أن نعي هذا ونتصرف بموجب هذا الوعي حتى لا نبقى نقول معرفة الحقيقة . وإلا نكون كمن يحب النوم، حتى يبقى مبتهجاً بالأحلام، ومخافة إكتشاف مدى سخافة هذه الأحلام، بعد أن يستفيق ، فلماذا لا نبحث عن البهجة في ذواتنا.
لماذا نبحث عن مملكة الله في الأشياء المادية، بينما هي في نفوسنا وطالما أننا نمتلك الطاقة الكاملة والقدرة على اكتشاف الحقيقة، إنما المهم أن تستيقظ ونعي.

















أن تكون إنساناً حقيقياً، فذلك يعني أنك مغمور بالبهجة التي تخرجك من الظلمة، ويعني أيضاً، أنك تمتلك البساطة التي تسمح لك بحياة خالية من التعقيدات.
أما كونك إنساناً غير حقيقي، فهذا يستوجب عليك العيش في حياة مزيفة، ويضطرك للكذب، لا على الآخرين وحسب، بل وعلى نفسك أيضاً، إذ أنت مضطر للدفاع عن اكذوبة حياتك، ولا شك أنك ستختلق كذبة جديدة لتدافع عبرها عن الكذبة السابقة، وهكذا دواليك، مما يعني أنه لم يعد لديك وقت للتفكير بذاتك، بل بأكاذيب جديدة تبرر أكاذيبك السابقة. أما الحقيقة فهي التي تمنحك الصدق. إذ لا حقيقة مع الكذب، الذي هو من صنع البشر، بينما الحقيقة هي عطية الله. الكذب شيء خارجي قد تجده في كل مكان على عكس الحقيقة، فهي في داخلك . وليس في أي مكان آخر.
لذا، إن أردت أن تكون مؤمناً بالله، حباً لا خوفاً، عليك البدء بتكريس حياتك لاكتشاف ذاتك، وإياك أن تذهب بعيداً بحثاً عنها، كل ما عليك هو التأمل بوجودك والدخول إلى ذاتك.













دانيال النبي، رفض إنكار إيمانه، أو التراجع عنه، فماذا كانت النتيجة؟ رمي في بئر فيه أسود كاسرة وجائعة، لكن هذه الأسود لم تهاجمه ولم تمسه بأذى.
أرأيت أن حب الحقيقة الإلهية هو أهم من حب الحياة المادية، وأن من يكون هكذا، يكون محمياً من الأذى؟ أراد الأغبياء لدانيال أبشع ميتة، لكنه بقي حياً لأن نوراً شع من داخله منع الأسود من الاقتراب إليه.
ورغم مرور الزمن، وتقادم الأيام على هذه الحكاية، ورغم التطور الذي أصاب حياة بني البشر، فما يزال المؤمنون يعانون من عذاباتهم النفسية بسبب كذب الآخرين وزيف وجودهم.
لم يخف دانيال، لأن من يمتلك ذاتاً فيها فيض من روح الله، لا يمكن إيذاؤه، ليس هناك من هو قادر على إيذائه، إنه خالد خلود الوجود ويمتلك نعمة الحقيقة الصادقة.














ليست الحقيقة فريسة تُطارد، ولا سهماً نتداوله في البورصة، ولا سلعة تباع وتشترى. الحقيقة هي أنت، هي نواة ذاتك الموجودة في داخلك. فلماذا إذن تبحث عنها هنا وهناك؟
لمن من السخرية بمكان. أن نتعب ونشقى في البحث عنها في كتب الديانات وفي تحاليل الفلاسفة. كل هذه، تتحدث عنها، ولا تقدمها لك، إذ لا أحد يمكنه إعطاءك ما أنت تمتلكه، وما هو فيك، والحقيقة موجودة في ذاتك، وليس مطلوباً منك سوى الدخول إلى ذاتك لتكتشف أنك الحقيقة، وأن الحقيقة هي أنت.
حين تتحول الحقيقة إلى سلعة تباع وتشترى، تصبح وكأنها جزء من أموالك المنقولة أو غير المنقولة. وفي هذه الحال، يتوارثها أبناؤك من بعدك، وكأنها عقار أو قطعة أثاث، وكذلك يمكنك أن توصى بها لمن تشاء أو توزعها على من تشاء وكأنها شيء مادي محسوس وملموس، وهي غير ذلك.
الحقيقة هي وحدتك المطلقة ، هي أنسجامك وتناغمك مع ذاتك، أثناء انعزالك في معبد التأمل بحثاً عن الروح الإلهية.












الدين الحقيقي لا يستند إلى المعتقدات. إنه فقط الدين اللا حقيقي الذي يستند إلى المعتقدات. الدين الحقيقي متجذر في التجربة والتعامل والإختبار. كل أنواع المعتقدات هي حواجز ومعوقات تعيق اختبار الحقيقة. إذا كنت مؤمناً بمعتقد ما ومُسَلَّماً به، فسوف تتوقف عن السعي والاستعلام والاستفسار، وسوف تتوقف عن التأمل في محتوى ذلك المعتقد وأبعاده الظاهرة والخفية. حين يكون المعتقد مهيمناً على تفكيرك تعتبر نفسك عارفاً ومدركاً للحقيقة.
يسود المعتقد ، وببساطة، حين تقمع كل شكوكك، بينما الاستعلام والاستفسار والتساؤل يمكن أن يبدأ فقط عندما تكون شكوكك حية طازجة شابة.
لا يجوز قمع الشكوك. بل يجب استعمالها بوصفها الطريق إلى الحقيقة.
ليست الشكوك شريرة. وليست هي عيب. ولكن على المرء أن يحيا في الشكوك إلى الأبد. يجب على المرء أن يستعمل الشكوك ليكتشف الحقيقة. عندما تجد الحقيقة بنفسك، تجد لها معنى مختلفاً كلياً عما توقعته، وأن للحقيقة صفة مختلفة كلياً عما تصورتها. فالحقيقة ليست معتقداً ثابتاً، جامداً، عقيماً.
الحقيقة دائماً حية. إنها، أولاً، حقيقتك أنت، وتستطيع أن تخاطر بحياتك من أجل عيش الحقيقة واختبارها. والحقيقة جديرة بهذه المخاطرة وتستحقها.











الحقيقة متواجدة وموجودة. تحيط بنا دائماً.
إننا محاطون بها، ولكننا مرتبكون داخلياً إلى درجة أننا لا نستطيع أن نعكس الحقيقة. البدر الكامل أمامنا، النجوم أمامنا ، ولكن البحيرة فيها الكثير من الأمواج التي تعكس البدر والنجوم إنها معتكرة، فلا تستطيع أن تبتهج بالبدر الكامل، ولا بالنجوم. تبقى البحيرة عمياء أمام السماء التي فوقها. كل ما هو مطلوب أن تهدأ أمواج البحيرة.
كل جهدي هنا هو أن أساعدك لتصنع بحيرة هادئة وصامته من وعيك. وهذا أمر ممكن! إذا كان ممكناً حدوثه عندي، فإنه ممكن حدوثه عندك.
أنا لا أدعي قدرتي على امتلاك أية امتيازات . بإمكان البحيرة أن تكون هادئة وصامتة داخل كل إنسان. مطلوب فقط بعض الجهد، لا شيء آخر. ليس مطلوباً أي امتياز بالولادة، فقط مطلوب بعض الجهد وقليل من الذكاء المتنور الموجود عند كل إنسان. عندما تصل إلى الصمت والهدوء الداخلي، يحدث تغير داخلي متطرف . عندئذٍ، تستطيع أن تول: أنا أبتهج بكل ما يبهجني ويجعلني مبتهجاً!












الشيء الذي يجب أن نتذكره هو أن المعرفة ليست تكديساً للمعلومات، ولا التعلم من الآخرين، على العكس، إنها تحتوي على عملية من عدم التعلم. إذ عندما يغدو المرء بريئاً مثل طفل من جديد يصبح حقاً عارفاً. عندما تصير مرآة الوعي صافية تماماً، وبحيرة الوعي بلا أمواج، وبلا دوائر متموجة، عندئذٍ، تنعكس السماء بأكملها ، وينعكس الوجود بأكمله في داخلك ، بكل عظمته وبكل جماله وبكل بهائه.
تلك التجربة الانعكاسية هي الله. كن فارغاً، كن هادئاً. في الواقع، كن لا شيء. كن فقط ذلك اللا شيء حتى يستطيع الكل أن يهبط إليك، حتى يستطيع الكل أن ينعكس في وعيك.
تلك هي التجربة الدينية الوحيدة، التجربة الصوفية الوحيدة، التي تعطيك يقيناً بوجود الله. وليس اعتقاداً بوجوده، بل يقيناً تاناً بوجوده. إنها تعطيك وضوحاً تاماً. يصبح الله تجربتك الخاصة. إنه ليس ما يقوله الآخرون أو ما اقوله أنا، ولكنه ما تعرفت عليه أنت. هكذا تخترق التجربة أعماق أعماقك. تصبح التجربة جزءاً من وجودك. حينئذٍ ، وفقط حينئذٍ، يصير الهدف منجزاً وتصير الحياة ممتلئة بالوجود الإلهي.











إذا كان الواحد منا مستعداً لأن يصير لا أحد، فعندئذٍ، يصير الواحد منا هو الأعظم! كن لا شيء، عندئذٍ تصير الكل. كن لا أحد، عندئذٍ تحصل على امتيازات هائلة. كن فقط فارغاً، وستصل إلى أن تعرف الأعظم الذي في داخلك، الأعلى والأنقى الذي في داخلك ولكن تذكر: لا تكن "لا شيء" من أجل أن تصير "اللا شيء". أن تصير "اللا شيء" لا يعني أن تستعمل "اللا شيء" وسيلة لتصير الأعظم. العظمة هي النتاج، وليست الهدف، أو النهاية.
المسألة شبيهة بأريج الزهرة. الزهرة هي النهاية، بينما تفتح زهرة وعيك هو كل شيء، وعندئذٍ، بعد تفتح زهرة الوعي يأتي الأريج. إذا بحثت عن الأريج فلسوف تفقد الزهرة. لا أريج بدون زهرة. إذا بحثت عن الزهرة، فالأريج سوف يأتيك من تلقاء ذاته. إذا كان المرء حليماً، متواضعاً، لا أحد، عندئذٍ تتفتح أمامه أبواب مملكة الله. هكذا يصير المرء ضيفاً سماوياً. عندئذٍ، سيرتفع المرء فجأة إلى القمة الأعلى للحياة. ولكن ذلك هو النتاج فقط. إنه ليس الهدف ولا هو النهاية. ليس الوصول إلى مملكة الله هو هدف كل متصوف. المتصوف الحقيقي لا يريد الاستحواذ على مملكة الله ولا يريد تملك تلك المملكة. المتصوف الحقيقي يريد أن يحيا تجربة الألوهة فقط ولو مرة واحدة ضمن سياق وجوده التصوفي. إنسَ كل ما له علاقة بالاستحواذ أو التملك أو الحصول على مملكة الله. المتصوف الحقيقي عليه أن ينسى الأنا في ذاته، حتى لو كانت تلك الأنا تصوفية. ليس الاستحواذ والتملك من صفات المتصوف الحقيقي. كل تعليمي هو فقد أن أجعلك قادراً على أن تصير لا أحد. عليك أن تستمر في رمي الأثاث والمفروشات المتعفنة من داخل وجودك إلى خارج دوائر أناك، لتصبح فارغاً كلياً.
هذا الفراغ سيفيض بوجودك، لأن وجودك أصبح متحرراً وقادراً على النمو. أصبح وجودك مستوعباً الفراغ اللازم للنمو. كيان وجودك يستطيع أن يفتح وريقات أريجه، ويستطيع أن يصبح زهرة لوتس بألف وريقة ووريقة. عندئذٍ، يتواجد رقص عظيم في داخلك. وتتواجد في داخلك موسيقى عظيمة وشعر عظيم وجمال وبهاء عظيم. عندئذٍ ، يتحرر البهاء المسجون في داخلك، لأنه لم يعد هناك حاجز يمنعه. تصبح مُتَّسِعاً. تغدو الحياة انفجاراً بالنور، بالحب والمحبة، بالنعمة والبركات.





منذ طفولتنا علمونا أن علينا أن نصير أسماء شهيرة في العالم، أن نصير معروفين، ناجحين، مدراء، وزراء، أو رؤساء دول .. حائزين على جوائز نوبل إلخ .. هكذا، يجري تسميم كل طفل بفكرة أن يصير شخصاً مرموقاً، بينما نحن في الحقيقة لسنا كذلك على الإطلاق. هذه الحقيقة جميلة بشكل هائل. إن فكرة أن تكون لا أحد تستحضر بهجة ونشوة لا يستطيع الواحد منا تخيلها. الشهرة لا تجلب شيئاً. الشهرة سجن والميول والدوافع الغريزية سجون. والشهرة لعبة غبية جداً، طفولية جداً وغير ناضجة.
إن تعريفي للإنجاز الحقيقي هو ذلك الذي لا يمكن انتزاعه بالموت .. إن أي شيء يمكن انتزاعه بالموت ليس إنجازاً حقيقاً ولكنه إنجاز مزيف. إنه لعبة يمكن التلهي بها.
بدءاً من هذه اللحظة عليك أن تصير لا أحد وأن تتمتع باللا أحدية وبالحرية التي تستجلبها اللا أحدية. كن مجهولاً وشاهد البهجة كيف تعتريك. ليس عليك أن تقلق أو أن تهتم. حين لا توجد الأنا في ذاتك فإنك سوف لا تشعر بالأذى الذي يتهدد وجودك. لا شيء يمكنه أن يؤذيك عندما تصير لا أحد. يستطيع شخص ما أن يهينك وتستطيع أن تقف وتراقبه باسماً وتتمتع بإهانته لك لأنه لا يوجد أحد داخلك يشعر أنه قد تأذى. وليس في داخلك أحد قد جُرح. يمكنك أن تتمتع بالإهانة وتضحك. حين يستطيع الإنسان الابتسام والضحك أثناء تعرّضه للإهانة يكون قد أنجز شيئاً مهماً. لقد أصبح جزءاً من الخلود. لقد دخل إلى عالم الخالدين.









إذا كان عندك بصيرة في عينيك فسوف تندهش: حتى المتسول ليس متسولاً وحسب، إنه أيضاً كائن إنساني . إختبرَ الحب ، والغضب، واختبر ألف شيء وشيء حتى أن الأباطرة يمكن أن يغاروا منه. حياته جديرة بالإهتمام. لأن حياة المتسول هي أيضاً إمكانية من إمكانيات حياتك.
يعيش كل شخص منا إمكانية ما، ويحول تلك الإمكانية إلى واقع فعلي. كل تلك الإمكانيات هي ملك لك أيضاً. يمكنك أن تصير أدولف هتلر ويمكنك أن تصير المسيح عيسى بن مريم. البابان مفتوحان أمامك. يمكن لهتلر أن يدخل من الباب الأول، ويمكن لعيسى المسيح أن يدخل من الباب الثاني. البابان مفتوحان أمامك. وبالتالي، أنا شخصياً كنت مهتماً بأدولف هتلر مثلما كنت مهتماً بغوتاما بوذا. لقد كنت مهتماً بالمسيح أيضاً ولكنني كنت مهتماً بيوضاس أيضاً وأيضاً، لأن كل كائن إنساني إمكانية من إمكانياتي.
حين يفهم الإنسان ذلك، يصبح الكون بأسرة تكاملاً كلياً جامعاً. هذا بالضبط معنى التكامل الكلي الجامع. إنه تكامل يأتي من كلمتي الكل والجامع. عندئذٍ كل المواقف تصبح مواقف تعليمية واسترشادية وكل التحديات تصبح تحديات بوجه التقدم بالعمر. وهكذا، فرويداً رويداً يكتشف الإنسان نفسه ويكوّنها.
لقد ولدنا كفرص وكإمكانيات ثم اعتمد كل شيء على خياراتنا، وعلى ما نريد أن نصير، وعلى ما ستصير النتيجة النهائية لكل شيء.








السنوات السبع الأولى هي الزمن الأكثر أهمية في حياة كل إنسان. إذا كان مقدراً للإنسان أن يحيا سبعين عاماً، فعندئذٍ ستكون تلك السنوات السبع الأولى مقررةً وحاسمة للسنوات السبعين القادمة، لأنه سوف يكرر النموذج نفسه على صعد مختلفة. سوف يزعم أنه يحب زوجته، وأولاده وأصدقاؤه. وسوف تمضي هذه المزاعم عمقاً حتى لا يدرك أنها محض مزاعم .. وسوف يظن أن هذا الحب هو الحب المفترض أن يشعر به ..
هذا هو السبب لماذا تحول العالم إلى بيت للمجانين.. لذا، ينبغي على الناس أن يشعروا بالنعمة، فإذا كان يوجد كل هذا الحب الصادق في العالم، فإنه ينبغي على كل فرد أن يتفتح كالأزهار. ولكن لا أحد يبدو متفتحاً كالأزهار! هناك شيء أساسي مفقود.
هدفي مساعدتك لتصبح واعياً لمزاعمك وأوهامك وحالما تعي تلك المزاعم والأوهام يمكنك بسهولة إسقاطها المسألة بأسرها هي أن تصير واعياً زيف تلك المزاعم والأوهام. لقد مضت تلك المزاعم والأوهام عميقاً في أحاسيسك، ووصلت جذورها عميقاً إلى عظامك، بل إلى لب عظامك .. لذا، ينبغي على المرء أن يكون منتبهاً جداً، واعياً جداً، ليسمك بكل تلك الجذور المزيفة. ما إن تمسك بكل جذور حبك المزيف ، حتى يمكنك أن تقتلعها.
يمكنك أن تقتلع كل الأعشاب الضارة، وتعود طفلاً من جديد. عندئذٍ ستبدأ تحيا حياتك من جديد، وبحيوية طازجة تعيدك إلى بداية براءة الطفولة. عندئذٍ ستكون هناك العفوية والحياة الطبيعية.










الشهر 8
أن تحيا ألفاً على مئة


المحبة هي النجم الأكثر إشعاعاً في السماء الداخلية لوجودك. النجوم الخارجية هي لا شيء بالمقارنة مع نجم المحبة. فالنجم الخارجي جميل، ولكنه لا يقارن بنجم المحبة الداخلي. في العالم الداخلي المحبة هي النجم الأكثر إشعاعاً، إنها شمس عالمك الداخلي. إنها الروح الخاصة بعالمك الداخلي، إنها مصدر وجودك، فاذهب واكتشفه. وعندما تجد نجم المحبة، شارك الآخرين بأنواره واحتفل بسطوع إشعاعه على حياتك وعلى حياة كل من تتعامل معهم بضياء المحبة.













إذا نسيت معنى أن تكون منيراً فسوف تنسى معنى أن تكون بكامل الابتهاج، لأنهما وجهان للظاهرة نفسها. أن تكون منيراً ، تلك حاجة أساسية، لحلول البهجة في نفسك. فالبهجة تحدث فقط في حالات نفسية منيرة. عليك ألا تعتبر الحياة مشكلة، إنها ليست مشكلة على الإطلاق. إنها غموض يجب أن يعاش، لا أن نجد حلولاً له. يجب التمتع بالحياة، والرقص معها، ومحبتها وغناءها، ولكن لا يجب إيجاد حل لها. إنها ليست أحجية ولا لغزاً يجب إيجاد حل له. الحياة نوع من التحدي يجب اكتشافه، بتعجب وباندهاش ، مثلما يفعل طفل صغير.
لذا، عليك أن تتعلم كيف تصير مبتهجاً . إعتبر الأشياء كلها نوعاً من الفكاهة. كل شيء يجب اعتباره فكاهة. حتى الموت يجب أخذه على محمل الفكاهة.
















ليس هناك شخص غير كامل، لذا، ليس هناك إنسان يحتاج إلى أن يكون كاملاً. كل ما تحتاج إليه هو أن تحيا حياتك بشكل كامل. الكمال كامن في الحياة من الكمال جئنا، لذا ، لا نستطيع إلا أن نكون كاملين. من المطلق ولدنا، نحن موجات في محيط الله. إذا كان الوجود الإلهي كاملاً فنحن كاملون. لذا، ففكرة أننا نحتاج إلى أن نصير كاملين فكرة عبثية . ليس هناك حاجة إلى أن تصير كاملاً، لأنك كامل أصلاً. لكننا لا نحيا ذلك الكمال في كليته. بل في حده الأدنى. نحن لا نستعمل طاقتنا الكامنة، بل جزءاً منها. كما يقول العلماء لا يتعدى السبعة بالمئة. ثلاث وتسعون بالمئة من طاقتنا الكامنة مفقود. تلك الطاقة الكامنة موجودة فينا، قابلة لأن نستعملها.
عندما تحيا بنسبة مئة بالمئة تكون تستعمل كل الفرص العظيمة التي أعطاها الله لك. فقط عند نسبة مئة بالمئة يحدث التحول، ولا يحدث هذا التحول الوجودي العميق قبل الوصول إلى هذه النسبة.
لذا، أدعوك لأن أجعلك تحيا بأكبر كثافة ممكنة، أن تحيا كل لحظة بأكبر كلية متكاملة ممكنة. بهدوء بهدوء بعد ذلك، يبدأ شيء في التواجد داخل ذاتك لم يكن موجوداً من قبل. تبدأ في اكتشاف غوامض نفسك. وكلما أعطيت نفسك المزيد من التحديات التي ينبغي مواجهتها باتجاه تجاوزها والانتصار عليها ، ازدادت اكتشافاتك لذاتك الوجودية اللامتناهية.










عليك أن تحيا في خضم هذا العالم ولكن عليك أن ترى العالم بوصفه دراما كبيرة، مسرحاً كبيراً. أنا ضد الاستقالة من العالم. عليك ألا تهرب من العالم ، بل إن تعيش فيه، ولكن بطريقة مختلفة كلياً عن الطريقة التي يفرضونها عليك. لا تأخذ العالم على محمل الجد. خذ العالم بقلب خفيف جداً. اعتبر العالم نكتة كونية. إنه كذلك. في الشرق نسمي العالم مسرحية الله. وإذا كان العالم مسرحية الله فإننا لسنا أكثر من ممثلين في هذه المسرحية. ولا أحد يعتبر التمثيل مسألة جادة.
يمكنك أن تصير ملكاً في هذه المسرحية، ولكن عليك أن تأخذ هذا الدور على محمل الجد أيضاً. فما إن تنسدل الستارة، عليك أن تنسى كل ما له علاقة بدور الملك. فهذا الدور يحب أن لا يبقى متقمصاً قناعاتك البعيدة. إذ كنت غنياً، لا تجعل غناك يستولي على تلك القناعات. وإذا كنت فقيراً لا تتعامل مع فقرك بجدية. نحن جميعاً نلعب أدواراً مسرحية، إلعب تلك الأدوار بكفاءة وعلى قدر الإمكان. ولكن تذكر باستمرار أن كل الحياة مسرحية، وعندما يأتي الموت تنسدل الستارة الأخيرة. ويختفي جميع الممثلين. إنهم جميعاً سيختفون حتماً في طاقة كونية واحدة لا تستثني أحداً.
إذا كان المرء قادراً على العيش في العالم متذكراً هذه الحقيقة، فإنه حرّ كلياً من كافة أنواع البؤس . فالبؤس نتاج أخذ الأمور على محمل الجد. والنعمة نتاج أخذ الأمور بخفة ورشاقة. اعتبر الحياة فكاهة كوميدية، وابتهج بدورك في هذه الحياة.










أقترح عليك مقاربة جديدة كلياً إلى الدين. ينبغي على الدين أن يكون تأكيداً للحياة. ينبغي على الدين أن ينشط حياتك، ويجعلها أكثر جمالاً وتنوعاً. ينبغي على الدين أن يكون مبدعاً ، وليس هروبياً. ينبغي على الدين أن لا يجعل حواسك بليدة وغبية، بل أن يجعلها أكثر حيوية وتحسساً.
بالنسبة لي، ليس هناك ألوهة خارج الحياة . ليس هناك معبد للعبادة سوى الوجود ذاته. عندئذٍ، يصير كل شيء احتفالاً إلهياً. عندما أقول كل شيء أعني كل شيء: الحياة، الموت، اللقاء، الفراق، الطفولة، الشباب، الشيخوخة .. كلها أنواع مختلفة من الاحتفالات. إذا بدأن تحتفل بكل شيء تصبح عابداً متديناً حقيقياً. أنت لا تحتاج إلى أن تؤمن بشيء، مهما كانت حالتك، ومهما كان نوع ما تفعله، فإنه يصبح صلاتك، ويصبح تأملاتك ويصبح هو النظام الديني الذي تؤمن به، وتتعبد الوجود من خلاله.















المحبة هي القوة الأشد علاجاً وشفاء في العالم. لا شيء يذهب بمثل عمق ما تذهب المحبة إليه. فالمحبة لا تعالج أو تشفي الجسد أو العقل فقط، بل الروح أيضاً. إذا كان باستطاعة المرء أن يحب من خلال المحبة، عندئذٍ تختفي كل الجراح. عندئذٍ يصبح الفرد الواحد كامل الحضور الكلي. وأن يكون حضورك كاملاً وكلياً يعني أنك مقدس.
إذا لم يكن الواحد منا كامل الحضور الكلي فلن يكون مقدساً. الصحة الفيزيولوجية ظاهرة مؤقتة وسطحية. يمكن تحقيقها من خلال الدواء والطب، ويمكن تحقيقها من خلال العلم والتمارين الرياضية. ولكن النواة الداخلية لوجود الكائن الإنساني فلا تعالج ولا تشفى إلا من خلال المحبة.
أولئك الذين يعرفون سر المحبة يعرفون أعظم أسرار الحياة. حيث لا بؤس ولا شيخوخة ولا موت. طبعاً سيشيخ الجسد ويموت، ولكن المحبة تنقل إليك حقيقة أنك لست الجسد ، بل أنت وعي نقي .. وليس عندك ولادة ولا موت ..
أن تحيا في ذلك الوعي النقي هو أن تحيا بتناغم مع الوجود. والنعمة هي نتاج هذا التناغم.












أنا لست مهتماً بالسماء، ولكنني مهتم كلياً بالمحبة، لأن الذي يعرف ماهية المحبة، يعرف ما هو الله. بإمكان المرء أن يستمر في الاعتقاد بوجود الله (الشخص) ولكنه لن يصل إلى معرفة ما هي المحبة. في الواقع، خلق المؤمنون بوجود الله (الشخص) الكثير من الكراهية على الأرض، وتسببوا بالكثير من الأذى بالناس. المسيحيون، الهندوس، المحمديون، إنهم جميعاً مشاركون في مؤامرة عظيمة التأثير والإهلاك. إنهم جميعاً، يتكلمون عن الله، عن السلام، عن المحبة، عن العدالة، ولكن ما فعلوه في الواقع، هو سفك الدماء .. هذا ما تم عمله لعدة قرون.
في الحقيقة، لم يرتكب المخطئون مثل هذا القدر من الخطايا بقدر ما ارتكب من خطايا من نسميهم بالقديسين.
ربما لم يفعلوا ذلك بشكل مباشر، ولكنهم حرضوا أتباعهم على فعل تلك الفظائع حتى دون توديه أوامر مباشرة بارتكابها.
الآن ، عندما يصبح الإنسان أكثر تنبهاً وأكثر وعياً، تبدو كل تلك الارتكابات الفظيعة سخيفة جداً، بدائية وغبية جداً. هذه الفظائع ارتكبت باسم الدين وباسم صراع الأديان، بينما المطلوب هو حوار سلمي بين الأديان للوصول إلى جوهر كل دين، الذي يجعل الأديان في خدمة الناس وليس الناس في خدمة الأديان.
لذا، فأنا أدلك على المحبة بوصفها المفتاح المشترك الذي يفتح أبواب الأديان على بعضها، لأنه إذا تحققت المحبة، فعندئذٍ يتحقق كل شيء آخر. والإنسان المحب الذي تزهر المحبة في قلبه، لا يستطيع الإبتعاد عن ملاقاة الألوهة ومعاينتها. حتى إذا أراد الهروب من الألوهة فإنه لا يستطيع. إنه سوف يجد الألوهة، إنه بمحبته للوجود، ملزم بإيجاد الألوهة ومحبتها. إنها مسألة لا يمكن الهروب منها.







المرء النابض بالمحبة يحبه الوجود بكامله. الوجود يتردد صداه في داخلنا من كل الاتجاهات ومن كل الأبعاد. إذا غَنَّينا أغنية جميلة تعود الأغنية إلينا، ملتفة حول نفسها ألف مرة ومرة، أكثر جمالاً. إنها ترشرش أنغامها من جديد علينا. مهما يكن نوع ما نعطيه فإنه يعود إلينا. الناس بؤساء لسبب بسيط هو أنهم يعطون الآخرين البؤس والألم والشقاء.
ما نزرعه نحصده. طبعاً إذا زرعنا برة واحدة، سوف نحصد لاحقاً، إذا تمهلنا، آلاف البذور. الوجود ليس بائساً، إنه يعطي بوفرة، ولكنه يستطيع أن يعطي فقط عندما يكون قد أعطي. الوجود سيعطيك أضعاف ما أعطيت. لذا، فكل شيء يعتمد أساساً عليك. إذا أردت الحصول على النعمة وزَّعْ النعمة على كل فرد حولك، وعلى كل شيء. إذا أردت الحصول على الحب وبالتالي على المحبة، فبادر إلى أن تحب إنساناً ما وصولاً إلى أن تحب كل الناس. إذا أردت الحصول على أي شيء أخر، فالانتظار لن يساعدك، بل عليك السعي للحصول عليه، وعليك أن تجعل ما تحصل عليه شيئاً ملموساً، وسرعان ما ستكون مندهشاً، فمهما كان نوع ما تعطي أو نوع ما تبذل من جهد لأجله، فإنه سيعود دائماً إليك، مضاعفاً ألف مرة ومرة .. كل ما تريد الحصول عليه عليك أن تكون مستعداً لإعطائه أيضاً، وهكذا تصبح ممتلئاً، وممتلئاً بكثافة، فيما يتعدى خيالك، وبما يتعدى أحلامك.











ما كان بحوزتك هو الذي تسعى الآن للحصول عليه، لأن ما كان بحوزتك أصبح قوة مغناطيسية تجذب الشيء الشبيه به. فإذا جاء سكران إلى المدينة، سرعان ما سيجد السكارى الآخرين. وكذلك المقامر أو اللص. أما إذا جاء متسامح كريم إلى المدينة، فسيتعرف على الكرماء المتسامحين. وإذا جاء باحث عن الحقيقة إلى المدينة، فسوف يجد باحثين آخرين عن الحقيقة. كل ما نخلقه في أنفسنا يصبح مركزاً مغناطيسياً يجذب أشباهه، إنه يخلق حقلاً معيناً من الطاقة. وفي حقل الطاقة ذاك تبدأ الأحداث وتتوالى وتتعاقب. لذا، إذا طلب المرء خيرات الوجود وبركاته، فعليه تقديم أي نوع من الخير والبركات هو قادر على تقديمه ، وعلى المرء أن يفعل أقصى منا بوسعه من أعمال الخير والبركات، عندئذٍ ستصير ملكه. وكلما تملكت أكثر، وأعطيت أكثر ازداد ما يُعطى لك. حلما يصبح هذا السر مفهوماً ، يغدو المرء أكثر غنى في داخله ، وأكثر عمقاً في بهجته، حتى لو كان محدود الثروة وضئيل البهجة. إذ ليس هناك نهاية للانتشاء بثروات الوجود وبهجاته، على المرء أن يبدأ بالسير في الاتجاه الصحيح الذي يحقق التفاعل المغناطيسي بين الوجود الداخلي والوجود الخارجي.












الوجود يحب الجميع. وليس متجاهلاً لنا، إنه يبدو لا مبالياً لسبب بسيط هو أننا لا مبالون. الوجود يعكس حياتنا: إنه مرآة تعكس وتردد صدانا. إذ صرخنا أمام الوجود، صرخ أمامنا. إذا غنينا له، تعود الأغنية إلينا. كل ما نفعله أمامه يعود إلينا مكرراً ألف مرة ومرة، ومن كل أبعاد الوجود اللامتناهية، ومن كل مسطحات الوجود اللامحدودة.
يبدو الوجود لامبالياً بنا إذا كنا غير محبين. وما إن نبدأ بمحبة كل ما حولنا: النهر، الجبل، النجوم، الناس، الحيوانات، وبالانخراط في الحياة بحب عميق ، وبالإحساس بالدفء، حتى يصبح كامل الوجود دافقاً نحوك. يبدو الوجود بلا معنى لأننا لا نفقه معناه. يبدو الوجود كما لو أنه تافه جداً وأعوج جداً لأننا تافهون وعوج. بالنسبة إلى بوذا، لا يبدو الوجوه كذلك. قال بوذا مرة: "عندما أصبح متنوراً يصير الوجود بكامله متنورا".
ما يقوله بوذا صحيح تماماً. تلك هي تجربتي أيضاً: "مهما كان نوع حالتك ، تلك هي حال الوجود بالنسبة إليك.
سوف يعلمك التأمل شيئين: التأمل بقدر ما يتعلق بعالمك الداخلي، والمحبة بقدر ما تتعلق بالوجود الخارجي. بوعيك المنتبه، ومراقبتك الصامتة، يصير الوجود مركزك الداخلي، والمحبة تصير محيطك الخارجي. وعليك أن تحتضن الدفء بلا سبب، لأنه جميل جداً أن تكون دافئاً.
في المركز الداخلي كن متأملاً، وفي محيطك الخارجي كن محباً للمحبة. بالمحبة سترى كيف يتغير كامل وجودك. إنه الوجود نفسه المتغير مع تغيرك. في الواقع، أنت تتغير، ولكن ما إن تتغير حتى يتغير كامل الوجود معك. ولأن المحبة لا تعرف الثبات، لذا فالوجود بداخلك أو في خارجك لا يعرف الثبات أيضاً. المحبة روح الحياة، داخلاً وخارجاً ، والتأمل نورها الداخلي الذي يشع على الخارج أيضاً.






يجب على الدين أن لا يكون نشاطاً روحياً منعزلاً ومنفصلاً عن الناس، جميع الناس. لا يجوز فصل الدين عن الحياة. بل يجب على الدين أن يكون في صميم حياتك. كل ما يفعله المرء: الطبخ، غسل الملابس، تنسيق الحدائق وتشذيبها .. إلخ، كل ذلك نوع من الصلاة، نوع من تأمل، نوع من احتفال.
عندما يصير الدين شيئاً منفصلاً عن الحياة، فإنه يخلق النزعة الهروبية عند الإنسان .. وحتى يهتم الدين بالحياة، يتحول إلى إبداع. ولكن، عليك أن تأخذ الحياة على محمل الخفة والإستسهال. كلما كانت الحياة أكثر خفة وأقل ثقلاً، غدوت أكثر اقتراباً من التنور المعطاء.
















السلام هبة إلهية. إنه منحة من الله. والله عادل لا حدود لعدله. الألوهة عادلة جداً: إذا اتجهت إلى التأمل بجد وإخلاص ستكافأ على ذلك دونما اعتراض.
لقد حدث ذلك دائماً بتلك الطريقة التأملية. ولكن ينبغي أن تتذكر: السلام منحة من الألوهة. لا نستطيع أن نفعل أي شيء يلغي الحروب ويحقق السلام بشكل مباشر، ولكننا نستطيع أن نخلق الظرف المناسب لإحلال السلام من الأعالي على كوكبنا.
السلام كالأزهار: لا يمكنك فعل أي شيء مباشر بصدد الأزهار، ولكنك تستطيع أن ترتب قاعدتها ... يمكنك أن تزرع البذور، تستطيع أن تساعد النبتة المزهرة على النمو، ثم عليك أن تنتظر الفصل المناسب واللحظة المناسبة لظهور الأزهار. جهودك ستكافأ بتفتح الأزهار. ولكنك لا تستطيع أن تسحب الأزهار من داخل الشجرة.. بل عليك أن تترك الأزهار لشؤونها . تأتي الأزهار من مصدر غير معروف، مصدر غامض، ولكنها تأتي وتتفتح دائماً. على المرء أن يكون صبوراً بما يكفي . على المرء أن يفعل ما بوسعه من أجل أن تظهر أزهار السلام، وعليه أن يثق بأنه ما إن يحين الوقت حتى تظهر الأزهار وتتفتح.
لقد ظهرت أزهار السلام دائماً أمام الساعين إليه. ظهرت أمام المسيح وبوذا ومحمد، وستظهر أمامك أيضاً. لا تفضل الألوهة زهرة على زهرة، ولا أحداً على أحد، ولا فلاناً على فلان. الألوهة ليست مع شخص معين ضد شخص معين. الألوهة تعني وببساطة القانون الأكمل الأشمل والأعلى للطبيعة. فقط قم بواجبك المسالم، وسترد عليك الطبيعة مباشرة بواجبها المسالم أيضاً. أما إذا انقلبت على الطبيعة وتحديتها ولوثتها ودمرتها، فإن الطبيعة ستنقلب عليك وتدمرك. عليك أن تكون صديقاً للطبيعة لا سيداً عليها ولا عبداً لها، عندئذٍ ، يصبح الوجود الخارجي (الطبيعة) صديقاً لك ولوجودك الداخلي. صادق الطبيعة تصادقك. حارب الطبيعة تحاربك. صادق الوجود الخارجي يصير الوجود الخارجي صديقاً لوجودك الداخلي. حارب الوجود الخارجي يصبح الوجود الخارجي عدواً لك. أنت الأساس والميزان.





عليك أن تبدأ بالتمتع بالجلوس بصمت، لا لسبب على الإطلاق ، لا لهدف على الإطلاق، فقط من أجل المتعة المجردة في الجلوس بصمت، فقط من أجل أن تتنفس وتصغي لزقزقة العصافير وتراقب تنفسك شهيقاً وزفيراً. بهدوء بهدوء يبدأ أريج جديد بالصعود من داخل وجودك. ذلك الأريج هو التأمل، ذلك التوازن، ذلك الهدوء، تلك السكينة، تلك الطمأنينة. كلها من الغيب تأتيك باعتبارها منحة إلهية. وحالما يكون المرء مستعداً لحضور تلك المنحة فإنها تحضر دائماً ، وبشكل لا يمكن تجنبه.
ليست الطبيعة أبداً غير عادلة باتجاه أي إنسان. كل من يستحق شيئاً ما، ومهما يكن نوع ما يستحقه، يحصل عليه. إذا كان الناس بؤساء فإنهم استحقوا ذلك البؤس، وإذا كان شخص معين موفور النعمة فهذا يعني ببساطة أنه استحقها. الطبيعة تعطيك دائماً كل ما أصبحت جديراً به، وستعطيك الطبيعة كل ما أنت مستعد لتقبله ومستعد لاستقبال مجيئه إليك.














الصبر ميزة أساسية للباحث عن النعمة. قلة الصبر عائق في ذلك البحث. لا يمكنك أن تكون متعجلاً فيما يتعلق بمجيء الألوهة إليك، لأن الألوهة تحيا في الأبدية. الاستعجال يعني أنك تعد الدقائق والثواني والساعات. هذا لن ينفعك . إذا أردت معرفة الألوهة والحقيقة عليك أن تعرف الدرب الذي يؤدي إلى الخلود. لهذا السبب مطلوب منك الصبر والتمهل. إنسَ كل ما يتعلق بالوقت. لا تكن في عجلة من أمرك. لا تكن عديم الصبر. انتظر. وبمحبة وبترقب عظيم انتظر. ولكن لا تتوقع شيئاً محدداً. كن ممتلئاً بالبهجة لأن الضيف ، ضيف الألوهة ، قد يأتيك في أية لحظة . وإذا لم تأتِ الألوهة إليك حتى الآن فلا تشعر بالحرمان وبالاضطهاد. حافظ على جهوزيتك لاستقبالها. استمر في الاستعداد لمجيئها. إذا لم تأت الألوهة حتى الآن، فهذا يعني ببساطة أنك لم تصبح مستعداً حتى الآن بما يكفي لمجيئها.
لذا، لا شيء يدعوك للشعور بالاضطهاد والحرمان, فقط أنظر حولك، كن مستعداً ومستعداً ومستعداً. وعندما يصبح استعدادك كاملاً، وصمتك كاملاً وسكينتك كاملة ، وفراغ ذاتك كاملاً، فستأتي الألوهة مباشرة إليك.













من السهل أن تصير مسالماً في دير ما. وأي شيء آخر بمقدورك فعله باستثناء أن تكون مسالماً؟! ولكن ذلك سلام ميت. إنه أقرب ما يكون إلى العقم ..
يشكل العالم تحدياً عظيماً إذا استطعت تعلم فن الصمت بين الركام والأنقاض. حينئذٍ فقط يكون صمتك حقيقياً، أصيلاً، حياً. فقط من خلال سلام داخلي حي تستطيع الألوهة أن تأتي إليك. الألوهة هي الحياة بينما السلام الميت لا جدوى منه ولا نفع.
لذا، كن في العالم الحي ولا تكن جزءاً ميكانيكياً منه. عِشْ في العالم، ولا تسمح له أن يجتاحك . تحرك، أُعبر طريقك من خلال العالم، ولكن إبقَ غير مهتز وغير مترجرج بالعالم. إنها مسألة ممكنة. إنها المعجزة الأعظم، ولكنها ممكنة الحدوث. عندما تصبح هذه المعجزة ممكنة الحدوث يتعرف المرء لأول مرة على ماهية النشوة الصادرة عن إحساسه بالوجود وعن امتلائه بذلك الوجود.















يتمنى أكثر الناس أن يصيروا رجال سلام، ولكن من خلال التمنى فقط لا يستطيع الإنسان أن يصير رجل سلام. يستمر الناس في الصراخ من أجل السلام، وهم أنفسهم يستعدون للحرب. يتحدثون عن السلام ويصنعون القنابل الذرية والهيدروجينية .. إنها ظاهرة غريبة حقاً أن يعيش الإنسان في مثل هذا التناقض لسبب بسيط وهو أنه من السهل أن ترغب بأمور جميلة وجيدة، ولكن أن تحققها ، تلك مسألة مختلفة كلياً. أن تحلم، تلك مسألة معينة، ولكن أن تحول الحلم إلى حقيقة، تلك مسألة أخرى.
يستطيع كل إنسان مواجهة الأحلام، وعندما تحلم تستطيع أن تحلم أحلاماً جميلة، ولكن الأحلام تبقى أحلاماً. عندما تستيقظ تعجز الأحلام عن تغيير حقيقتك حتى بمقدار ضئيل. فالحقيقة تبقى هي نفسها. هكذا، يصبح الإنسان منشطراً إلى قسمين: يحلم بأشياء جميلة تتعلق بالألوهة بالسلام وبالمحبة، وبالمقابل يستعد للحرب والتدمير والعنف.
على رجل السلام الحقيقي أن ينطلق من داخله، عندئذٍ، وفقط عندئذٍ، تغدو الأحلام المسالمة حقيقية. فالتأمل بعد الاستيقاظ من الأحلام هو الكيمياء التي تحول طاقاتك العدوانية إلى طاقات مسالمة. التأمل يحول عنفك إلى محبة. هذه الطاقات ليست مختلفة في طبيعتها، إنها الطاقة نفسها، بوجوه مختلفة. نحن نمتلك تلك الطاقة ولكننا لم ننضج بعد. وبالتالي فإن طاقتنا تضيع وتذهب سدى.
إن التأمل هو العملية التي تؤدي إلى نضوج طاقاتك باتجاه السلام الداخلي أولاً ، وصولاً إلى السلام الخارجي لاحقاً.








حتى اليوم، امتدحت الإنسانية وما تزال تمتدح القسوة كثيراً، خصوصاً عند الرجل. منذ عدة قرون أصبح الإنسان خنزيراً برياً شوفينياً. لقد امتدحت الإنسانية كل ما هو عدواني، عنيف، قتالي، وأدانت كل ماهو أنثوي لين لطيف ومسالم.
نتيجة لذلك ظهرت مشكلة كبيرة. المشكلة هي: كل الجمال واللطف هو انثوي، وإذا ألغيب الأنثوي يختفي الجَمال. البشاعة سيطرت على الجَمال، وتم تفضيل القسوة على النعومة واللين واللطف. يقول لاوتسو: "لا تكن قاسياً مثل صخرة، بل كن ليّناً مثل الماء:، ويسمى لاوتسو طريقته في الحياة طريقة مجرى الماء باتجاه الصخرة. يقول لاوتسو: "دائماً ينتصر الليّن على القاسي، فالصخرة سوف تختفي في يوم من الأيام. دعِ الماء ينسكب عليها، ومع الوقت ستتفتت الصخرة وتصبح تراباً". طبعاً لا يمكنك مشاهدة ذلك الآن، فالمسألة تحتاج إلى وقت، ولكن الصخرة لا تستطيع أن تفتت الماء. لأجل ذلك، يحتاج المرء إلى قليل من الرؤية الأعمق، والأطول، وإلى مجال أرحب للمشاهدة. ولكننا قصيرو النظر جداً. نحن نشاهد فقط ما يبدو أمامنا. وبسبب قِصَرِ النظر هذا نفضل أن نختار الصخرة لا الماء. أما أولئك الذين شاهدوا الحقيقة اللطيفة في المجال الحقيقي للخلود، فيرون الأشياء بشكل مختلف كلياً.
فلنجعل اللين واللطف والنعومة منحة وهدية وموهبة نرتجيها.










الرحمة واللطف من الصفات الأكثر ألوهة، فالمسلمون يهتفون من وقت لآخر "يا رحيم، يالطيف" .. والشرط الأول لأن يكون الإنسان مثل ربه، رحيماً، لطيفاً، هو أن يُسقط الأنا. لأن الأنا ليست لطيفة ولا رحيمة أبداً. الأنا عدوانية دائماً، لا تستطيع أن تكون لطيفة أو رحيمة. الأنا ليست متواضعة أبداً، ومن الصعب جداً أن تصير كذلك. فالمشروع الأناني يتهاوى بأسره إذا أصبحت الأنا متواضعة.
اللطف والرحمة هما الدرب الذي يؤدي إلى الإمساك بالوجود واحتوائه، بينما العنف يؤدي إلى تدميره وإفنائه. على المرء أن يصير ليناً شبيهاً بالماء بدلاً من أن يصير شبيهاً بالصخور. وتذكر دائماً: في النهاية سينتصر الماء على الصخور.
















إذا أصبحت حياتك متعاطفة مع الآخرين ومع العالم الخارجي، فذلك هو البرهان، الأكيد على أنك عبرت خلال تحول داخلي نحو الألوهة. فكل التوترات اختفت، وحل في داخلك هدوء كامل، صمت كامل، سلام كامل. لقد وصلت إلى بيت السلام. ولقد غدا التعاطف مع الآخرين ومع العالم الخارجي الرمز والمنهج والتمظهر لما حدث في النواة الأعمق في وجودك.
التأمل يحدث داخل الذات، أما التعاطف مع الآخرين فهو التعبير الخارجي عن حالة التأمل الداخلية.
لا يمكن رؤية التأمل الداخلي لأي إنسان، ولكن نستطيع أن نلمس ذلك من خلال التعاطف والمحبة التي تصل الإنسان بأخيه الإنسان.
حتى تكون متعاطفاً مع الآخرين ومع الوجود الخارجي بكل موجوداته، ما عليك إلا التأمل بعمق. تلك هي الحقيقة الأكمل للحياة.














فلتتعلم كيف تصير صامتاً أكثر فأكثر، وكيف تصير ساكناً أكثر فأكثر. تمتع بالصمت والسكينة. هذان هما الاستعدادان الأساسيان لاستقبال الضيف الكامل الآتي.
عندما تكون في صمت عميق تصبح قادراً على أن تصير مستعداً لمجيء الألوهة إليك.



















يجب أن لا ينطلق الدين الذي تؤمن به من منطلق الخوف، بل من منطلق المحبة. لا تخف من الجحيم، ليس هناك جحيم. لم يكن هناك جحيم أبداً. فالجحيم قصة خيالية ابتكرها الكهنة لاستغلال الإنسان. لقد أمعن الكهنة في استغلال الإنسانية منذ عدة قرون. ليس هناك جنة أيضاً وليس هناك أي فردوس سماوي أيضاً. نعم ، هناك نوع معين من الجحيم والجنة، ولكنها عموماً، حالات نفسية ضمن ذات كل انسان، وفي وجوده الداخلي. لا علاقة للجنة وللجحيم بأي مكان خارجي،ولا علاقة لهما بمكان تحت الأرض أو في أعالي السماء. فالجحيم والجنة وجودان نفسيان ولكن لا مكان جغرافيا لهما.
عليك أن تسقط فكرة الجنة والجحيم، فالدين الحقيقي، إسلامياً كان أم مسيحياً أو بودياً أم هندوسياً أم لاوياً، لا علاقة له بكل هذا الهراء. كذلك عليك أن تسقط فكرة الله باعتباره شخصاً. إن تسمية الله باسم الأب تثير ببساطة خوفك، لأن كل طفل يخاف من الأب ، منذ بدايات الحياة.
ليس هناك إله شخص وليس هناك أب مميز في السماء. الله ببساطة يعني النور والينبوع للوجود الخارجي والداخلي معاً. إنه الإسم الآخر للحياة بكل أنوارها وتلاوينها وموجوداتها. عليك أن تحب الحياة، وأن تكرس نفسك للحياة، وأن تحيا الحياة بكليتها وعلى قدر الإمكان. قَدَّمْ نفسك للحياة بالكامل من غير أن ترتد إلى الخلف أو تتهور في الاندفاع إلى الأمام، وعندئذٍ تنهض نعمة كبرى في ذاتك الداخلية وتنعكس على وجودك الخارجي. نعمة لها بداية ولكن لا نهاية لها.









عندما تتحرك عميقاً باتجاه داخل ذاتك تدرك أن الناس الذين ذهبوا عميقاً إلى داخل ذواتهم لا يستطيعون أن يتركوا آثار أقدام لمن يلحقهم. ذلك مستحيل . لأن المنطقة الداخلية لأي إنسان مميزة باختلافها عن سواها من الذوات إلى درجة أن آثار أقدام بوذا، مثلاً، لن تساعدك. وإذا تتبعت آثار أقدام بوذا الداخلية خطو فخطوة، فإنك سوف لن تجد نفسك أبداً.. وخارطة مسيرة المسيح الداخلية لن تساعدك أيضاً، وكذلك خارجة مسيرة المسيح الداخلية لن تساعدك أيضاً، وكذلك خارطة مسيرة محمد الداخلية .. إنك لن تستطيع ملاحقة خرائط مسيرات هؤلاء الكبار الداخلية، خطوة خطوة. مسيرات هؤلاء تساعدك بطريقة غير مباشرة، وتستطيع أن تجعلك واعياً لبعض الأشياء في داخلك، ولكن إحساسك بتلك الحقائق الداخلية سيبقى غامضاً إلى حد كبير. تستطيع تلك الخرائط الداخلية أن تعطيك الثقة بأنه "نعم توجد عوالم في الداخل، لا شك في ذلك، لأن مثل هذا الكم من الرجال الكبار لا يمكن أن يكذبوا : بوذا، زرادشت، المسيح، لاوتسو ، ماهافيتان كريشنا، محمد، فريد الدين العطار، جلال الدين الرومي، السهروردي، محي الدين بن عربي .. إلخ، مثل هؤلاء الرجال الكبار لا يمكن أن يكذبوا. لا يمكنهم أن يتآمروا عليك، ولأي سبب؟ إنهم لم يتواجدوا مع بعضهم في زمن واحد، بل تواجدوا في أزمنة مختلفة وفي بلدان مختلفة وفي عوالم مختلفة، ومع ذلك، فإنهم جميعاً يتكلمون تقريباً اللغة الواحدة نفسها، ولكنك لن تستطيع أن تلاحق تلك اللغة بدقة متناهية، كل إنسان يختلف عن سواه. كل فرد إنساني كائن مميز جداً إلى درجة أنه عليك أن تكتشف نفسك وحدك. لذا، فأنت تحتاج إلى جرأة عظيمة. تلك هي المغامرة الأخطر في الحياة، والمرء الذي يمضي قدماً في تلك المغامرة الداخلية – الخارجية مبارك هو.








الحياة موسيقى والعقل ضجيج. وبسبب عقولنا الممتلئة بالضجيج فإننا نعجز عن سماع موسيقى الحياة. ما لم نتوقف عمل العقل الضاج، فإننا لن نستطيع أبداً أن نصل إلى التمتع بالموسيقى الجميلة للحياة. وعندما يتوقف العقل المضج عن العمل، تتواجد النعمة. وعندما يعاود العقل عمله، تختفي النعمة.
هذا هو السر الكامل لجميع الأديان، ولجميع الاتجاهات التصوفية. إذا لم يستطع الواحد منا أن يفهم هذا السر البسيط، فإنه لن يتبقى لنا ما يجب أن نفهمه في حياتنا. يكفيك هذا السر، إنه المفتاح المركزي.

















تقترب الموسيقى كثيراً من التجربة الإلهية لأن الألوهة هي الموسيقى الأكمل للوجود. إنها الإسم الآخر للتناغم الذي يتواجد في الوجود.
ما نسميه الموسيقى هو قطرة ضئيلة من الوجود. ولكنها تحتوي كامل السر للمحيط الهادر للوجود.
تلك هي جاذبية الموسيقى: إنها تحرر التأمل في داخل ذاتك. تحرر البهاء المسجون في داخلك. وهكذا، تختفي كل جدران السجن في لحظة واحدة، وتنتقل ذاتك إلى عالم آخر. وتتجاوز الزمان والفضاء، وتصبح لا حدود لها .. تلك هي البداية، بداية رحلة لا تنتهي أبداً ..
لقد ولدت الموسيقى من التأمل العميق. فالموسيقى هي الجهد الذي يخلَق في خارج ذاتك: الإطار الظرفي الذي يحدث ضمن تأمل عميق داخل ذاتك. وبالتالي فإن المتأمل الداخلي الحقيقي هو الموسيقيُ الحقيقي. قد يعزف الموسيقى أو لا يعزفها: قد يؤلف الألحان ود لا يؤلفها. ولكنه يعرف السر. إنه يمتلك المفتاح الذهبي. والموسيقي الحقيقي ملزم أن يكتشف عاجلاً أم آجلاً حقيقة التأمل. إنه لا يستطيع تجنب تلك الحقيقة لزمن طويل. إنها حقيقة لا يمكن تجنبها لأن العالم الخارجي يستفز العالم الداخلي، العالم الخارجي يتحدى الموسيقى الداخلية في ذات كل إنسان والتي غالباً ما تكون نائمة أو محجوبة. غنها في كل مكان . لذا، فالموسيقى هي واحدة من أكثر الظواهر ألوهة.









التأمل أشبه ما يكون بالموسيقى الكاملة: موسيقى بلا صوت، موسيقى الصمت. إنها الموسيقى الأكثر غنى، والأكثر عمقاً من أية موسيقى نستطيع أن نخلقها من خلال الصمت، لأن الصوت، أي صوت، ليس أكثر من إزعاج. نحن نجعله محبوباً، ولكنه يبقى إزعاجاً ، بينما الصمت هو غير ذلك. لا شيء يتحرك .. في الصمت موسيقى عظيمة وفية تناغم عظيم من العالم بلا أصوات تزعجك.
التأمل يقودك إلى حالة الصمت تلك، وما لم يعرف الإنسان ذلك الصمت فإنه ليس واعياً بما يحمل في قلبه. إنه يبقى غير منتبه وغير مدرك لقيمة المملكة الداخلية الخاصة به، وغير مدرك لقيمة غناه الداخلي، وكنوزه الداخلية.
إنه يبقى متسولاً بينما هو يستطيع أن يصبح إمبراطوراً على وجوده الداخلي .. فقط من خلال الالتفات إلى داخل ملكوت ذاته، والتأمل في كنوز الملكوت يستطيع ذلك.
العلم هو الخبرة بالكيمياء وبالفيزياء. حين تخترق حاجز الصوت، وتصل إلى النواة الداخلية لوجودك، تصل إلى المركز الداخلي للوجود . أولئك الذين سمعوا موسيقى ذلك المركز سموها عدة أسماء . وإسم من تلك الأسماء هو الله.












ليس الله فلسفة بل موسيقى لا تنضب. ليس الله لاهوتاً، بل شعراً لا ينضب. ليس الله فرضية أو نظرية، بل الله مزيد من الرقص المتحرك المتناغم الذي لا ينتهي. إبدأ في البحث عن الله في هذه الاتجاهات وستصل إلى البيت. عليك أن تلاحق الموسيقى في العالمين الخارجي والداخلي. لا حاجة للذهاب إلى أي معبد. الموسيقى تكفيك . عليك أن تتعلم كيف تصغي إلى موسيقى الوجود. موسيقى النسائم التي تمر عبر أغصان الصنوبر، أو صوت المياه المتساقطة، أو أصوات البحار والمحيطات في رقص أمواجها المتنوع الهائل، هدوءاً فاضطراباً فهدوءاً من جديد. إستمع بعناية، بانتباه، استمع بلا تفكير، بلا عقلنة، حتى تستطيع تلك الأصوات الهادرة أن تخترق النواة الأعمق من وجودك . وسوف تندهش من موسيقى الطبيعة.
















الإنسان الذي لا يحيا متأملاً، هو إنسان لا يحمل أية أغنية في قلبه، ولا يمتلك أية شاعرية في وجوده،ولا أي احتفال.
ينبوعه لم يتدفق بعد، أزهاره ما زالت في حالة انتظار، لم تتجسد، لم تتفتح وأريجه لم يتحرر بعد. إنه ما زال كالبذرة المتشرنقة داخل ذاتها، لا يعي ما يمكن أن يصير وجوده، وما هو صائر. إنه يستمر في العيش حياة اعتيادية بلا متعة، بلا نعمة، بلا رقص. يجرجر نفسه، فصارت الحياة عبئاً ثقيلاً، وهو يحاول تحمل ذلك العبء. حتى صار الموت خلاصاً له، وعاجلاً أم آجلاً سينتهي كل شيء ولن يعرف الاستراحة إلا في القبر.
الحياة مدرسة . فيها نتعلم أشياء وأشياء. وأكثر الأشياء أهمية أن نتعلم كيف نغني، كيف نرقص، كيف نبتهج. كل ذلك يصبح ممكناً من خلال التأمل. فالتأمل يحرر كل تلك الطاقات في ذاتك، وتتفتح آلاف الأزهار في وجودك . ويصبح الفردوس هنا على هذه الأرض وليس بعد الموت فقط وهكذا نتعرف إلى حقيقته.













الإبتهاج هو الخطوة الأولى باتجاه الحقيقة. إنها خطوة راقصة عميقة داخلية. على المرء أن يسقط كل ما يمنع الخطوات الراقصة عن الظهور، وعلى المرء أن يسقط كل ما يمنع حياة الإنسان عن أن تصبح احتفالاً. نحن جميعاً نحمل عدة معوقات وارتباكات تحول دون إحساسنا بالنعمة.
في الواقع أصبح الدين رديفاً لأخذ الأمور على محمل الجد. فالرجال المتدينون يبدون حزانى جداً، كما لو كان الضحك خطيئة يجب تجنبها. إنهم لا يستطيعون الغناء، لا يستطيعون الرقص، ولا يستطيعون التمتع بأي شيء. إنهم ضد الحياة. تلك ليست هي الطريقة لاكتشاف الحقيقة.
عليك أن تحب الحياة. وأن تحب حتى الأشياء الصغيرة جداً في الحياة، تناول الطعام، المشي، النوم، كل النشاطات اليومية للحياة يجب أن تتحول إلى ابتهاج. يجب ممارستها ببهجة, عندئذٍ، لا تبقى الحقيقة بعيدة .. بل تصبح الحقيقة أكثر قرباً واقتراباً منك.
شعورك الحقيقي بالنعمة يوصلك إلى الحقيقة التي تحررك من كل القيود.












إذا استطاع الفرد أن يعرف معنى الضحك، والحصول على المحبة، فلا يعود بحاجة لأي صلاة أخرى، لأنه يكون قد نال نعمة الألوهة.
لم أشاهد أبداً أي شخص داخل إلى الألوهة وهو حزين. بل من خلال الرقص التصوفي. لذا، تعلَّم كيف ترقص كمتصوف، كيف تغني كمتصوف، كيف تحتفل وتبتهج كمتصوف. وستجد الله في كل مكان. وتصبح كل تجربة، تجربة إلهية وتبدأ الأمور الاعتيادية بالتحول إلى أمور غير اعتيادية. يختفي المدنس لصالح المقدس. ويصبح كامل الحياة ممتلئاً بالألوهة. وحتى لا تبقى المسألة مسألة بحث عن إله في مكان ما في أعالي السماء، عليك كيفما وأينما تواجدت أن تشعر أنك محاط بالألوهة. فأنت تمشي دائماً على أرض مقدسة. كل حجر يمتلك موعظة في ذاته وكل صخرة هي منحوتة تتكلم.
يحتاج المرء فقط إلى قلب كبير، قلب يخفق بالمحبة والتصوف، من أجل أن يرى ، ويشعر أنه موجود.














أنا أحيا بمحبة هائلة للعالم وللحياة، وأقدم تعاليم الزهد ليصبح الناس عشاقاً كباراً للحياة. ما على الناس إلا أن يرقصوا مع الرياح متصوفين، أن يرقصوا تحت الأمطار متصوفين، وحول الأشجار متصوفين، وستندهش حين تكتشف أن الدين والتدين ليس في المخطوطات القديمة فقط، بل هما في كل الوجود. يمكنك أن تحصل على معالم الدين وتختبر الألوهة من خلال رؤية قوس القزح، كما ويمكنك أن تختبر الدين والألوهة من خلال رؤية رقص الطاووس أو من خلال سماع صوت الديك يناديك من مكان بعيد، أو من خلال سماع شخص لا تعرفه يعزف على الناي.
ليس الدين فكرة ميتة. الدين فكرة ممتلئة بالحياة. ويجب عليك أن تكون موفور الامتلاء بالحياة لتقيم اتصالاً مع الدين ومع الألوهة. أما إذا عشت حياة بائسة، فمعنى ذلك أنك ميت في هذه الحياة. أما إذا عشت في النعمة تصبح ممتلئاً أكثر فأكثر بالحياة. وعندما تصل نعمتك إلى القِمة، قمة النشوة، عندئذٍ، يتم اتصالك بالوجود. هذا الاتصال يعطيك البرهان على أن الحياة ليست مادة فقط بل هي أكثر من ذلك. هذا الأكثر لا يمكن تحديده. يمكنك أن تسميه آخر حروف الأبجدية، ويمكنك أن تسميه "التنور"، "الحقيقة"، "التاو"، "الألوهة".
إنها كلمات تشير إلى شيء لا يمكن احتواؤه في كلمة واحدة.










رؤيتي الكاملة تتعلق بالرقص التصوفي، الغناء التصوفي، المحبة التصوفية، الضحك، الإنسانية التصوفية.
أتمنى أن أملأ كامل الأرض بالضحك، بالموسيقى، بالشعر، بالرسم، بالإبداع، وبمزيد من الإحساس بالألوهة الكامنة في هذا الوجود. وكلما كان الإنسان أكثر إحساساً كان أكثر تديناً، وأكثر إبداعاً، وصار أكثر قرباً من الخالق.
لذا، إبتهجْ بالحياة، وتذكر، الإبتهاج بالحياة هي رسالتي إليك.


















الشهر 9
إبتهج لملاقاة الله


الحكمة أغنية. لا تأخذ الأمور على محمل الجد. إنها مسرحية الحياة. الحكمة ليست حزينة، بل احتفال. وما لم تبق الحكمة أغنية، فإنها لن تكون صادقة، بل تغدو مجرد معرفة. معرفة تريد أن تصير حكمة. ولن الحكمة الحقيقية هي التي تستطيع أيضاً أن تصير أغنية مولودة من خلال التأمل فقط. وليس من درب آخر.














ينبغي أن نبتهج بالحياة ونحيا الحياة بكليتها. لقد خلق الله الحياة، وهو لا يبدو زاهداً، وإلا لماذا هذه الأزهار وأقواس القزح والفراشات، وما غايتها؟
ليس الله زاهداً. ذلك مؤكد بشكل مطلق. الله محبة، هو الخلق ، الشاعر، المغني، والراقص.
وليس الله رافضاً كل ما هو دون مرتبة الكمال. إنه يحب النمو، يحب الاستطلاع والاكتشاف ، يحب الناس الذين يكتشفون أنفسهم. إنه مهتم كثيراً بالناس الذين يكبرون بطريقتهم الخاصة. وهو يقبل أن يتيه بعضهم عن الصراط، وإلا فإنهم لا يستطيعون كسب التجربة ويقبل الله أن يقترف بعض الناس (بعض) الأخطاء. فالإنسان من أخطائه يتعلم.
وإلا فإنه سوف لا يكون قادراً على الخلق والإبداع. ينبغي عليك أن تتعلم نوعاً جديداً من التدين. التدين الذي يغني، يرقص، ويحتفل.















الابتهاج بالحياة هو الدرب إلى الألوهة .. فابتهج لملاقاة الله! لقد تعب الله من قديسيه الجادين. منذ قرون برز أولئك القديسون الأغبياء إلى الوجود .. كان على الله إما أن ينتحر بسبب كل هؤلاء القديسين – أنا لا أستطيع حتى أن أحتفظ بصورهم في غرفتي – أو أن يغدو مجنوناً، أو يهرب منهم أجمعين.
إذا نظرت إلى الحياة، إذا كانت هذه الحياة ابداعاً خلقه الله، تعبيراً عن وجوده، عندئذٍ، فلا شك أن الله إله راقص، ممتلئ بالأزهار – والأريج، ممتلئ بالأغنيات، مبدع جداً، حساس وممتلئ بالموسيقى ... إذا كانت هذه الحياة هي البرهان الأوحد على وجود الخالق، فكيف يكون الله شخصاً جدياً.















يجعلك التأمل واعياً لموسيقى عظيمة، خارجياً وداخلياً. إنها موجودة في الخارج والداخل، ولكننا لا نتبه لها، لأننا لا نمتلك اليقظة الكافية، لذا، فنحن نستمر في فقدانها. أما الوجود بكامله فليس إلا أصداء لتلك الموسيقى. تلك الموسيقى يسميها الصوفيون الله. فالله ليس شخصاً بل هو التناغم الأشمل والأكمل والأقصى للوجود، إنه الاوركسترا التي تعزف موسيقى الوجود.
كل شيء على تناغم مع الآخر. الأشجار تتناغم مع الأرض، والأرض مع الرياح، والرياح مع السماء، والسماء مع الوجود، وهكذا دواليك .. دون تسلسل ورائي. فحتى كومة الأعشاب الصغيرة تحتوي من المعاني ما تحتويه أكبر النجوم. كلاهما، الأعشاب والنجوم، هديتان مقدمتان إلى أوركسترا الوجود.
كلاهما إغناء لها، وتجميل لها.















لا يوجد عندنا ما نقدمه إلى الوجود، ولكننا نستطيع الغناء، الرقص، نستطيع العزف على آلة موسيقية جميلة. نستطيع تحويل كامل حياتنا إلى أغنية، رقصة، مهرجان. وهذا هو التقديم الصادق الوحيد الذي نستطيع أن نقدمه إلى الوجود.
قطف الأزهار عن الأشجار وتقديمها إلى الوجود عمل غبي، لأن تلك الأزهار تنتهي للأشجار وليس لك. في الواقع، لقد قدمت الأزهار نفسها إلى الوجود بواسطة الأشجار. فهي حية على أغصان الأشجار وحين قطفتها فكون قد قتلتها، ودمرت جمالها. وهكذا تكون تقدم جثثاً لا أزهاراً.
أيضاً لا تستطيع أن تقدم كلمات قالها المسيح. لأنها كلماته وأغنياته. جميل أن تستعملها ولكنها مستعارة، إنها لم تنبثق وترتفع من داخل قلبك، ولا تمتلك نبضات قلبك، وتوقيعك ليس ممهوراً عليها. يمكنك أن تقدم إلى الوجود أغنيات جميلة لكريشنا وبوذا، ولكنها كلها مستعارة.
موقفي من الوجود، هو أنه يجب على كل إنسان أن يجعل وعيه نامياً وكأنه شجرة مزهرة. يجب على كل انسان أن يصل إلى تفتح ما. وطبعاً، أزهار الإنسان ليست كأزهار الشجرة، وهي لن تكون شبيهة بأزهار اللوتس.
أزهار الإنسان ستكون أزهار حبه، أزهار حريته، أزهار بهجته، وستكون أنواعها عالية الجودة. أنا أسميها الأغنيات.
عندما يفقد الإنسان ذاته من خلال أغانيه، في تلك اللحظة، يكون قد قدم الأغاني إلى الوجود. وعندما يفقد الإنسان ذاته من خلال الرقص، يكون الراقص قد قدم رقصه إلى الوجود. وعندما تبدأ في تقديم بهجتك ، حبك، وأغانيك، إلى الوجود، ستندهش من حقيقة أنه كلما قدمت المزيد، نلت المزيد.







كل شيء يمضي إلى الأمام في سياق عميق، دونما انتباه من الإنسان. فيغدو بائساً ومتألماً من كوابيسه التي اخترعتها ذاته البائسة. إلا أن الحياة احتفال دائم، استمرار في احتفال لا نهاية له . علينا أن نغدو أكثر صمتاً بقليل من أجل أن نستمع إلى ذلك الاحتفال. وعندما نصبح صامتين كلياً، عندما نصبح الصمت بذاته، وعندئذٍ، نختفي، ونصبح جزءاً من ذلك التناغم الكوني الشامل. ذلك هو اللقاء بين الانسان والوجود بين الجزء والكل.
بمعنى ما، نحن نختفي، ونتحول بوصفنا الأنا والشخص. لنصبح الكل، بمعنى آخر نصبح ما صرنا إليه، للمرة الأولى. تختفي قطرة الندى ولكنها تصير المحيط. إنها ليست الخاسرة، إنها لم تخسر شيئاً. سوى حدودها الصغيرة التي لا ضرورة لها.
في الواقع، هذه الحدود هي سبب متاعبها: الخوف، الاضطراب، الخوف من شروق الشمس وغيابها، الخوف المستمر من أن الشمس سوف تموت يوماً ما ...
كل حدودنا وحواجزنا يرسمها موتنا في الواقع. الموت هو الذي يرسم حدودنا. وفي اللحظة التي نفقد فيها حدودنا نفقد موتنا. ونصبح خالدين، لامتناهين.
عليك أن تتذكر أن التأمل يمضي إلى الأمام في نجاحاته عندما تصبح متنبهاً أكثر فأكثر للموسيقى العظيمة التي كانت موجودة دائماً، تلك الموسيقى تحتاج إلى أُذُنٍ حساسة. التأمل يخلق تلك الأُذُن، وذلك القلب.










حياتنا جديرة بأن تسمى الحياة. الحياة تبدأ فقط عندما تبدأ بالتحرك في البعد الذي يتجاوز الموت. هذا ما يسعى التأمل إليه.
حينئذٍ تعرف أن الجسد وحده يموت، لا أنت. الجسد وحده يولد، لا أنت. لقد كنت هنا موجوداً قبل ولادتك وستكون هنا موجوداً بعد موتك. أنت جزء من الخلود.
عندما يختبر المرء ذلك، تغدو الحياة مباركة، ويشعر أن الوجود قد باركه. ثم وبشكل طبيعي، تلقائي، يرتفع الامتنان من داخل ذاتك. أنا أسمي ذلك الامتنان صلاة. وكل أنواع الصلاة الأخرى ليست أكثر من أكاذيب.
الصلاة الحقيقية ترتفع فقط عندما تختبر النعمة التي تباركك. ثم وبشكل طبيعي عليك أن تصير شاكراً، وتنحني أمام الوجود. وستشعر بأهمية الهدية التي أعطيت لك وأنت لم تطلبها، بل أنت لا تستحقها. لا أحد يستحقها، لا أحد جدري بها، ولكن الوجود يعطي من وفرة عطائه اللامحدود.














الصلاة كالزهرة. النعمة كالربيع الذي تتفتح فيه الأزهار. وعندما تتفتح الأزهار يكون الأريج تحرر من سجنه.
عندما تبدأ الصلاة بانسياب طبيعي، تلقائي، تكون شاكراً فقط، لا لأي سبب على الإطلاق، فقط أن تكون نفسك فذلك يكفي، فقط أن يتحقق وجودك في لحظة واحدة فذلك يكفي ...
أن تصل إلى ذلك الأريج هو أن تصل إلى قمة حياتك، إلى الأعالي الصاعدة.
هناك يكون الامتلاء والرضى الهائل. لقد وصل المرء إلى البيت.















كان عند الكهنة القدامى "للأوبانيشادا" صلاة جميلة. إنها واحدة من الصلوات الأكثر جمالاً التي جرى التلفظ بها. الصلاة هي. "آن سيدي، خذني من الظلام إلى النور. من اللاحقيقة إلى الحقيقة. من الموت إلى اللاموت".
إنها صلاة جميلة، بل هي الأكثر جمالاً، لكنها قديمة جداً وبحاجة للتعديل. فأنا لن أقول: "خذني من الظلام إلى النور" لأن الظلام لا وجود له. بل أقول: "خذني من النور إلى مزيد من النور".
ولن أقول :"قدني من اللاحقيقة إلى الحقيقة"، لأن اللاحقيقة لا وجود لها، بل أقول : "قدني من الحقيقة إلى مزيد من الحقيقة".
ولن أقول: "خذني من الموت إلى اللاموت" لأن الموت لا وجود له، بل أقول: "خذني من اللاموت إلى مزيد من اللاموت، من الحياة إلى حياة أكثرة وفرة، ومن الكمال إلى مزيد من الكمال".
عادة نعتقد أن الكمال يعني النهاية ، ولكنني لا أعتقد ذلك. فالكمال يمكن أن يصير أكثر كمالاً. في كل مرحلة هناك كمال. ولكن ذلك الكمال ليس مغلقاً، إنه مفتوح. بإمكان الكمال أن يصير أكثر غنى، وأكثر تلوناً، وأكثر امتلاء بمزيد من الأغاني، وبمزيد من الرقص، وبمزيد من الاحتفالات.
فليس هناك نهاية للتطور وللنماء.











هناك نوعان من الناس. أناس يطلبون المزيد دائماً ولا يكتفون بما هو متوفر. وعندما يصبح ما يطلبونه متوفرا، يستمرون في طلب المزيد. إنهم لا يسعون إلى التمتع بما يحصلون عليه. إنهم يستمرون في تأجيل تمتعهم طوال حياتهم. حياتهم ليست أكثر من تأجيل طويل طويل. إنهم دائماً يؤجلون مباهجهم إلى الغد, اليوم عليهم أن يعملوا، اليوم عليهم أن يكسبوا المال، وغداً سيرتاحون ويبتهجون. ولكن غداً لا يأتي أبداً، لأن حياتهم غارقة في السعي اليومي.
لذا فإنهم يعيشون دون إدراك لمعنى الحياة.
وأناس يتمتعون بما يملكون، ولا يهتمون بالمزيد. والمعجزة هنا هي أنه في كل يوم يتوار لهم المزيد والمزيد مما يتمتعون به. ومقدرتهم على التمتع تتزايد. إنهم يمارسون تلك المقدرة باستمرار، إنهم يتمتعون بكل لحظة، ويصبحون أكثر مهارة في التمتع، خبراء في ممارسته، أكثر حساسية فيما يتعلق بالتفاصيل الصغيرة للمتعة. كل مشاعرهم تصبح حية، ويصبحون أذكياء ومثقفين بشكل هائل.
ومن خلال الثقافة، الوعي، الانتباه، والحساسية، تولد عندهم اللحظة التالية. طبعاً يمكنهم أن يتمتعوا باللحظة التالية أكثر من تمتعهم باللحظة الحاضرة. حياتهم تغدو عملية مستمرة من التعمق . إنهم يتحركون دائماً باتجاه الأعماق.










يأتي الإنسان إلى الوجود بكل الطاقة الكامنة التي تجعله إلهاً، لكنه يبقى حيواناً لسبب بسيط هو أنه يبقى ملتصقاً بالطاقات الأولية الفجة. وهو لا يحاول أبداً أن يحول تلك الطاقات الأولية الفجة إلى أشكال أكثر رهافة وتهذيباً. بينما بالإمكان تحويلها: فالغضب يمكن أن يصير تعاطفاً ، من خلال التأمل، الجشع والطمع يمكن أن يصيرا تشاركاً، الشهوةُ يمكن أن تصير حباً، والحب يمكن أن يصير صلاة.
ومع ذلك نحن نحيا عند أدنى درجات السلم، نحيا حيث ولدنا. ولا نعتبر أنفسنا أبداً كائنات إنسانية تمتلك امكانيات كبيرة، بل لا نأخذ الحياة كيفما اتفق، كما لو أننا ولدنا للتو كاملين وتامين. لكن الأمر ليس كذلك. لقد ولدنا حاملين الإمكانية التي تجعلنا كاملين، ممتلكين الإمكانية التي توصلنا إلى القمة الأعلى. ولكنها تبقى إمكانية فقط. ينبغي أن تتحقق في الواقع . وحتى تتحول الإمكانية إلى واقعية تحتاج إلى منهجية معينة.
نحتاج إلى نوع من العلوم، الذي هو علم التأمل. إنه ليس علماً معقداً على الإطلاق، بل هو علم بسيط: ولكن يحدث أحياناً إننا نستمر في نسيان الشيء الأبسط في الحياة. الواضح أننا دائماً نتطلع إلى البعيد الأبعد. نحن دائماً ننجذب إلى الأبعد، ولكن الأقرب إلينا يبقى دائماً متواجداً قربنا.
حين تبدأ بالذهاب إلى دواخل داخلك، ستندهش حين تدرك أن التأمل ظاهرة بسيطة يمتلك جمالاً باهراً، ويمتلك البهجة الأعظم الممكنة، والتفتح الأعظم الممكن. فكيف تجاهلت التأمل كل هذه الفترة الطويلة؟ لا شك أنك لست قادراً على تبرير ذلك. فالتأمل وحده يستطيع تحويل كامل وجودك إلى ذَهَبٍ نادر وثمين.









ما إن تدخل إلى عالم التأمل، حتى تتغير رؤيتك ويتغير مدى اتساع نظرك مباشرة. حتى تبدأ في الشعور أنها ليست الصدفة هي التي أوجدتك هنا. بل هي حاجة الوجود إليك.
الوجود بنفسه كامن خلفك. يمكن اكتشافه فقط في صمت عميق، عندما تتوقف أفكارك، وعقلك وأناك عن العمل. في ذلك الوضوح، عندما تختفي كل الغيوم، وعندما تشرق الشمس مشعة، وفي نور الشمس هذا تتحول الحياة بشكل مباشر. تبدأ الحياة في امتلاك المعنى والأهمية، ومع المعنى والأهمية تأتي البهجة والنعمة.

















تماماً مثلما كل شجرة متجذرة في الأرض، كذلك كل وعي متجذر في الألوهة. الله يعني الوعي الأكمل والأقصى. والتأمل هو الجسر الذي ينقلك إلى المصدر الأعمق لوجودك. وما إن تتذوق بهجة أن تكون في المصدر، حتى يصبح كل شيء آخر في الحياة بلا معنى. عندئذٍ تستطيع أن تستمر في عيش حياتك الاعتيادية. ولكن كل في ما في الحياة هو مجرد مسرحية. فالحياة دراما جميلة. إلعب لعبة الحياة بقدر ما تستطيع، ولكنك تعرف الآن أنك لست جزءاً من هذه اللعبة. إنه دور فقط تلعبه في دراما الحياة، ولكن هذا الدور ليس وجودك.
ما إن تنفتح النوافذ حتى يحدث التحول في ذاتك: وهذا هو الهدف الكامل للزهد: أن تفتح تلك النافذة للتعرف أن ذاتك إلهية.
















إذا بحثت في العمق الداخلي لكل انسان فستجده كومة من الّلاآت:
لا، لا، لا. تستطيع أن تستمر في البحث، وستجد المزيد من اللاآت، وستجدها أكبر وأكبر. من النادر أن تجد النَّعَم في مكان ما، وحتى لو وجدتها، فإنها ستكون مسيرة، مكبوحة. فالنَّعَم المسكينة ستكون مقتولة، في حالة تشتت أو فرار مذعور.
وحتى لو عاشت النَّعَم في ركن هادئ أو في زاوية مظلمة في مكان ما، فإنها ستكون في حالة موت، أو في حالة حياة غير كاملة.
تستطيع الحياة أن تصير كلمة نَعَمٍ في كل شيء، ولكن ينبغي علينا أن نغير النموذج المألوف بكامله. جميع لآاتك يمكن إذابتها وإعادة تشكيلها في كلمات لا حصر لها من النَّعَم الموافقة. المسألة ليست صعبة كما يعتقد أغلب الناس. ليس مستحيلاً تحويل كلمة "لا" إلى كلمة "نعم". فلقد حدث ذلك التحول عند عدد كبير من الناس وحول أرجاء كرتنا الأرضية، ويمكنه أن يحدث عندك . بل يجب أن يحدث. في الواقع نحن نتواجد في هذه الحياة من أجل ذلك التحول الذي أسميه الانتقال السريع من أسلوب الحياة النثري إلى أسلوب الحياة الشعري. إنه الانتقال السريع من الرياضيات إلى الموسيقى. وتصبح الحياة أغنية ونشوة عارمة.
أنا لا أعلمكَ ديناً قائماً على الحزن. أنا ضد كل الأديان السادية المازوشية. أنا أعلمك نوعاً من التدين المتجذر في الحب والمحبة. لا الخوف، المتجذر في الحاضر، ولا في المستقبل ، المتجذر في المحبة وليس في المنطق.









يستطيع الإنسان أن يعيش الحياة كما لو أنه كلمة نعم أو كلمة لا . إذا عشت حياتك كما لو كنت كلمة لا فإنك تبقى محارباً باستمرار. وتتحول الحياة إلى صراع حرب تقاتل الآخرين. طبعاً، إنها حرب خاسرة، فأنت محكوم عليك أن تخسر. لأن المرء لا يستطيع أن يربح ضد الكل الشامل. الانتصار على الكل الشامل فكرة سخيفة تستحسنها الأنا. لأن فكرة الأنا تريد دائماً أن تقول لا. فكلمة لا هي غذاء للأنا.
أما النعم فإنها غذاء للإبداع. أسلوب الخلق والابداع، المحبة للمحبة. كلمة نعم تعني التخلي والاستسلام . إذا كانت كلمة لا، تعني الحرب، فإن كلمة نعم تعني الاستسلام. إنه الاستسلام للكل الشامل، وإنها الثقة بالكل الشامل بوصفه صديقا. إذ ليس هناك حاجة إلى القتال. إنها الثقة بالحياة والثقة بالتواجد في الوجود.
عليك أن تتعلم كيف تقول نَعَمْ، عليك أن تتعلم كيف تصير النَّعَم بذاتها، وكيف تصير كلمة نَعَم شاملة كاملة.
لا تتراجع عن كلمة النعم متمسكاً بأي شيء، ولا تضع أية شروط لكلمة نعم، وستندهش. فالحياة تبدأ بالنمو والانتشار، والتحول إلى بهاء وجمال، ونعمة لا يستطيع المرء أن يتصور حجم أبعادها.
هكذا تستطيع الحياة أن تغدو نشوة لا تنتهي . كل ما أنت محتاج إليه هو أن تفتح نوافذك وأبوابك . قل نعم للرياح، للشمس، للقمر، للمطر، وللكل الشامل.









عادة يحيا عدد كبير من الناس حياة مغلقة. لا يفتحون أبوابهم ونوافذهم. يعيشون في الخوف من المجهول . لا يسمحون للشمس وللمطر وللريح أن تدخل إلى كياناتهم . ولكن إذا وضعت شتلة ورد في غرفتك وأغلقت كل النوافذ وكل الأبواب ولم تسمح للريح ولا للمطر ولا للشمس أن تصل إليها، فإنك لن تستطيع التمني أن تحيا شتلة الورد، إنها سوف تموت.
هكذا هي حال هؤلاء الناس. إنهم أشباه موتى. يعيشون حياة ميتة، فقط يجرجرون أنفسهم جثثاً حية بطريقة ما.
أن تحيا الحياة حقاً، عليك أن تكون متجاوباً مع كل ما في الحياة. عليك أن تكون بلا مخاوفٍ. هناك فقط شيء واحد عليك أن تخاف منه: أن تصير خائفاً. كن رافضاً للخوف من أي شيء. لأنه يشلك، يقتلك. حين تبدأ في المسير باتجاه المجهول، على الرغم من كافة المخاوف، تبدأ حياتك في اكتشاف أشياء جديدة عديدة لم تكن واعياً لها، وكلما تعمقتْ مغامرتك، تعمقت دهشتك ونشوتك.
وعندما تبدأ في المسير باتجاه المجهول يواجهك الكثير من التحديات التي عليك أن تجابهها، والتعامل معها، فتصبح وبشكل طبيعي أكثر انتباهاً، ويقظة، ووعياً, عليك أن تصير ما صرت إليه. كما لو أنك تمشي على حد السكين، كيف يمكن أن تبقى نائماً، متهاوناً عليك أن تصبح يقظاً ومنتبهاً، إنها مجازفة عليك أن تتحمل تبعاتها. وحينما تكون هناك مخاطرة ، يغدو ذكاؤك حاداً. وعندما يكون الذكاء حاداً، تكون النشوة عظيمة، وتغدو منتشياً في كل لحظة.
فقط في مناخ المغامرة، النشوة ، التكامل ، المخاطرة، الذكاء ، الوعي يفتح الوجود الداخلي أبوابه، ويصير البرعم زهرة.








عندما لا تكون خائفاً من المجهول، يقرع المجهول مباشرة بابك. ولن يزعجك . فالله لا يتدخل في حياة إي إنسان، الله يحب مخلوقاته. لذا، فالله يترك لكل إنسان حريته الكاملة، حتى الحرية التي تتحرك ضد المشيئة الإلهية، فتلك الحرية جزء من الحرية الكاملة التي أعطاها الله لنا. حتى أن تغلق الباب أمام دخول الله إليك، فذلك جزء من الحرية المعطاة لك. ولكن من الغباء أن تستخدم الحرية في تلك الطريقة السلبية. عليك أن تستعمل الحرية بطريقة إيجابية. من أجل أن تستقبل الضيف المجهول، من أجل أن تخلق الثقة والمحبة والنعمة التي تجعل الله قادراً على الدخول إليك.
إن اللقاء بين وجودك والوجود الكلي الشامل هو بداية النور، بداية الحياة الأبدية، بداية الخلود. وهذا هو البحث الذي يسعى إليه كل انسان، عارفاً أم جاهلاً.
كل فرد منا يريد أن يعرف الشيء الذي لا يمكن تدميره، ولا مصادرته كل فرد منا يريد أن يصل إلى النور، كل فرد يريد أن يمتلك عينين ليرى، ووضوحاً في الرؤية. ولكن الناس يستمرون في فعل أمور تمنع عنهم الرؤية، وتعيق بصيرتهم، وتشل وجوههم.











إذا اخترت القديم فإنك تختار التعاسة، أما إذا اخترت الجديد، فإنك تختار النعمة. ليكن هذا مفتاحك. إختر الجديد دائماً، المجهول المفعم بالأخطار ، اللا آمن، لأنه فقط من خلال المخاطرة ينمو الإنسان. والنمو هو النعمة، النضوج هو النعمة.
تتمسك بما هو قديم لأنه سيتساقط ويهوي. حين تصبح الأمور قديمة عليك أن تنهيها. عليك أن تضع نقطة على السطر أمامها.
لا تنظر أبداً إلى الوراء لا شيء جدير بالإهتمام.
لا يستطيع المرء أن يبقى ملتفتاً إلى الوراء ، بل عليه أن يسير إلى الأمام. ودائماً إلى الأمام. فكن محباً للمخاطرة.
المسألة أشبه ما تكون بتسلق قمة جبل منعزلة: بالتأكيد إنها مسألة ممتلئة بالأخطار لأنه لم يصل إلى تلك القمة أحد من قبل. عليك أن تبتكر طريقتك في الوصول إلى هناك. وطبعاً تكمن المخاطر في طريقك، ولكن المخاطر دائماً جميلة، لأنه من خلال المخاطر نصبح متنبهين، يقظين، واعين.
المجازفة والمخاطرة واللا أمان تجعلك واعياً منتبهاً. والوعي المنتبه هو القيمة الأعظم لأنه من خلال الوعي المنتبه يدخل كل شيء إلى وجودك.
المحبة، البهجة، الألوهة، الحقيقة، التحرر.











المسألة الأكثر جمالاً فيما يتعلق بالمخاطر هي أنها تعطيك الانتباه والوعي: وبالتالي فالناس الذين ينطلقون في تسلق قمة مجهولة، بلا خارطة تدلهم على الطريق ، فإنهم يسعون حقاً إلى امتلاك الوعي المنتبه.
إنهم ليسوا مدركين ما يسعون إلى البحث عنه. فالناس الذين وصلوا إلى القطب الشمالي والقطب الجنوبي، متحملين كافة أنواع المخاطر ، والناس الذين وصلوا إلى القمر، ليسوا واعين حقاً لما يبحثون عنه. إنهم يسعون إلى الوعي المنتبه ولكن ليس بطريقة واعية مدروسة.
أما المتأمل فيسير بوعي مدروس. ليس هناك حاجة لأن تصل إلى قمم هملايا، أو إلى القمر، لأن هناك قمماً أعلى في داخلك، ومسافات أبعد موجودة في داخلك، وهناك نجوم في داخلك أكثر أهمية من النجوم التي تراها بالعين المجردة، السموات بأسرها موجودة في داخلك. ولكن الوصول إلى تلك النجوم الداخلية يكلفك تحمل المخاطر أكثر بكثير من الذهاب إلى القمر أو إلى قمم أفرست. فالفضاء الأعظم ، والأكثر خطورة موجود داخل ذاتك. وبالتالي، قلة من الناس تجرؤ على الذهاب إلى ذلك الداخل. وبالسقوط من على تلك القمم التي هي موجودة في داخلك ، فإنك تسقط في متاهات أعمق من كل ما عرفته من قبل متاهات.
ولكن لا أحد أبداً يسقط من على تلك القمم الداخلية للسبب البسيط التالي: كلما تسلقت باتجاه الاعالي الداخلية تصبح أكثر انتباهاً، أكثر وعياً، وتصبح منتبهاً إلى حد السكين الذي تمشي عليه. أنت تشبه من يمشي على الحب وعليه أن يكون يقظاً، ويقظاً جداً. إنه لا يستطيع أن يفكر في الماضي، ولا يستطيع أن يفكر في المستقبل.
اللحظة الحاضرة كافية بحد ذاتها. لذا، لن يكون هناك سقوط. لم أسمع عن أي شخص سقط من على قمته الداخلية. ولكن المخاطر موجودة. وبسبب وجود تلك المخاطر، فإن قلة من الناس تذهب إلى دواخل العالم الداخلي الذي يُكَوَّنُ وجودَها الخاص والمميز.





العالم الخارجي سوف لن يكفيك، لأنه عالم متغير، مؤقت، وتوقك الداخلي الأعمق بنشد الخلود الثابت. هذا التوق لا يُشبع من الخارج. لذا، إبق في الخارج مبتهجاً بالمؤقت، ولا تطلب من الخارج أن يكون خالداً. لا شيء خالد في الخارج. إبتهج بالمؤقت بوصفه مؤقتاً، مدركاً تماماً أنه مؤقت. فالزهرة التي تفتحت في الصباح ، محكوم عليها أن تذبل في المساء.
لقد تفتحت مع شروق الشمس، وستذبل مع غروبها. لذا كن مبتهجاً. أنا لست ضد المصير الذي آلت إليه الزهرة. لذا، ابتهج!
ولكن تذكّرْ، لا تلتصق كثيراً بالعالم الخارجي، ولا تأمل منه الكثير ، وإلا فإنك ستصاب بخيبة الأمل وبالإحباط.
إبتهج بالمؤقت الموجود في الخارج، وابحث عن الخالد في الداخل .. وفي الداخل سوف تجد الرحيق الخالد الذي لا يفنى ولا يزول، الإلهي. وما إن تكتشف أنه لم يعد هناك المزيد الذي ينبغي كشفه، يتحول كل شيء إلى نعمة، وفرح. لقد امتلأت الحياة. لقد دخلت إلى البيت.












الإنسان أشبه ما يكون بالسلَّم المتعدد الدرجات. فيه بالتالي الخطر والكرامة، المجد والمعاناة. من الأسهل السقوط عن ذلك السَّلم، السقوط هو الأسهل، لأنه لا يتطلب جهداً، على عكس الصعود. كلما أردت الصعود إلى أعلى، احتجت إلى جهد أكبر. إذا أردت الصعود إلى قمم الوعي العليا عليك أن تخاطر بكل شيء.
على المرء أن لا يأخذ وجوده بعين الاعتبار كيفما اتفق لأن وجود المرء إنما هو طيف من الإمكانيات، طيف إشعاعي كامل. ذلك هو جمال الإنسان، وبؤسه أيضاً. إنه وحده الحيوان القلق في هذا الوجود، الشي يشعر بالحزن والكرب النفسي. إنه دائماً عند تقاطعات الطرق، وعليه أن يختار طريقة في كل لحظة:أن يكون هذا أو أن يكون ذاك. إنه دائماً بين احتمالات عدة.
الزهد هو القرار والتصميم على الصعود إلى القمم الأعلى.
















إبق في العالم نقياً طاهراً غير متشابه مع أحد.
هذا ما يريده الزهد منك: أن تحيا في العالم وأن يبقى وجودك منفصلاً عنه، أن تحيا في العالم وألا تسمح للعالم أن يحيا فيك، أن تعبر من خلال العالم واعياً كلياً أن كل شيء مؤقت. لذا عليك ألا تسمح لمزاجك أن يعتكر، وألا تسمح لأي شيء أن يحيرك أو يلهيك.
عندئذٍ تصبح الكوارث والبركات، الإحباطات والنجاحات، تصبح كلها متشابهة. وعندما تستطيع أن تعتبر الظلام والنور، الحياة والموت، متشابهة كلها وكأنها شيء واحد، ينتابك هدوء هائل، وتوازن وتعادل. وذلك الصمت العميق الذي يعقب هذا الهدوء هو الحقيقة.














أن تحيا ضمن حدود ضيقة معناه أنك تحيا في العتمة، وبلا كرامة . إنها إهانة لك. لأن وجودنا يحتاج إلى السماء بأسرها، حتى يستطيع أن يرقص ويغني. وإلا فكل شيء يبقى منكمشاً، مشلولاً: ليس هناك طيران أو تحرك، طالما أن الإنسان يحيا ضمن حدود ضيقة: حدود الجسد والعقل، والعواطف، والأمزجة. كل هذه الحدود ينبغي تجاوزها.
على الإنسان ألا يرضخ أبداً لأية حواجز معيقة. ما إن تصل إلى حاجز معيق حاول المضي نحو الأمام.
وعندما يتم تجاوز كل الحواجز، وعندما يتم وصولك إلى اللانهاية، تكون قد دخلت إلى قلب الوجود. وصلت إلى البيت.














تنمو زهرة اللوتس في تربة موحلة، الزهرة الأكثر جمالاً تنمو من تربة موحلة وسخة. هذا يعني حتى أوساخ الوحول تحتوي شيئاً جميلاً. لذا، عليك أن لا ترفض الوحل المتسخ، فهو يحتوي اللوتسات. وإلا لن تدرك أن هذه الزهرة الجميلة، الأنيقة ، وما تحتويه من رحيق وألوان قد نبتت في تربة موحلة.
كذلك الإنسان مولود من الوحل ويمتلك زهرة لوتس ما زالت بذرة في ذاته. لا يجوز لك أن ترفض نفسك، بل ينبغي عليك أن تقبل نفسك وتحولها. ولا يجوز رفض العالم ، لأن العالم يحتوي أشياء جميلة جداً لا تحصى. هذه الأشياء الجميلة ليست موجودة على السطح ، بل يجب جلبها إلى السطح.
لذا، أنا لست معادياً لأي شيء. لا للجسد، ولا للعالم، ولا للوجود الخارجي. أنا لست ضد أي شيء ، ولكنني مع تحويل كل شيء. كل ما يعطيه الوجود هو شيء ذو قيمة مميزة ، إذا لم نستطع فهم هذه القيمة فإنها غلطتنا، وبصيرتنا المحدودة.
الشيء الثاني الذي يجب معرفته فيما يتعلق بزهرة اللوتس هو أن اللوتس تعيش في الماء، ولكن الماء لا يلمسها.
إنها تحتوي وريقات ناعمة تتجمع قطرات الندى عليها ولكنها تبقى منفصلة عنها.
عليك أن تحيا في داخل العالم دون السماح له بالدخول إليك. كن متواجداً داخل العالم ولكن لا تكن تابعاً. إبقَ متحفظاً، منعزلاً، بارداً، غير ملموس. عندئذٍ يعلمك العالم الشيء الكثير. العالم أداة بيد الوجود، هذا هو الموقف الذي عليك أن تنمو من خلاله وتصبح ناضجاً.








في الظلام يتكوَّن الإنسان. وفي الظلام يولد. والظلام هو البذرة الأساسية لبداية وجودنا. هناك ظلام في رحم الأم . نحن نحتاج إلى ذلك الظلام لأن النور سيعيق نمو الطفل في رحم أمه. الطفل ناعم، رقيق، يحتاج إلى ظلام مخملي حوله. ينام الطفل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم. في تلك الشهور التسعة ينمو الطفل كثيراً إلى حد أنه لا يحتاج لأي إزعاج، وإلا فالطاقة الخارجية سوف تشوهه.
كل شيء ينمو في البداية في الظلام. أنت تزرع البذرة في التراب، تحفر لها حفرة صغيرة، ثم تضع البذرة فيها. إذا اكتفيت برمي البذرة على سطح التراب فلربما لن تنمو، لأن الكثير من النور يتواجد حولها. البذرة تحتاج إلى الرحم، رحم الأرض حيث الظلام لتنمو. ما إن تبدأ البذرة في النمو حتى تبدأ في الارتفاع عن سطح الأرض. ثم تبدأ في التوجه صوب أشعة الشمس، وصوب أشعة القمر، والنجوم.
يولد الطفل. إنه يأتي جسدياً إلى النور، أما روحياً فيبقى في الظلام الذي لا خروج منه إلا من خلال التأمل وهكذا تولد ثانية. الولادة الأولى جسدية، أما الثانية فروحية. جسدياً أنت في النور ، والآن أنت تحتاج إلى ولادة ثانية أيضاً، من أجل أن تصير نفسياً وروحياً في النور أيضاً.
النور هو الإسم الآخر للوجود.
وفي اللحظة التي تولد فيها متجهاً إلى النور تصبح متنوراً. أنت لن تنقسم إلى نور وظلام. ولن تبقى بذرة، والنور الذي يغشاك لا تستطيع أن تراه. تغدو واحداً . تغدو جسداً وروحاً واحداً. تصير النور بالنور.









تعلم من الطيور غناءها، ومن الأشجار رقصها ، ومن الأنهار موسيقاها. وحين تنفتح ذاتك على هذا الوجود ستصاب بالاندهاش: الوجود بأسره ظاهرة شعرية.
لا يحتاج المرء للتساؤل حول معنى الوجود، وإلاَّ أصبح الوجود مسألة فلسفية. في اللحظة التي تتساءل فيها: "ما معنى هذا؟" تفقد آثار الشعر. في اللحظة التي تبدأ فيها بالرقص حول الشجرة من غير أن تتساءل "ما معنى تماوج الشجرة مع الريح؟" تصبح شاعراً. والمعجزة، معجزة المعجزات، هي أن الشخص الذي لا يهتم بالمعنى يجده فوراً.
أرقص مع الأشجار، غَرَّدْ مع الطيور، إسبح في المحيط، وستجد المعنى من غير أن تبحث عنه. فقط عليك أن تصير جزءاً وستجد المعنى من غير أن تبحث عنه. فقد عليك أن تصير جزءاً من هذا الوجود الجميل.
غَنَّ أغنيتك لأن كل إنسان جاء إلى الوجود حاملاً أغنيته في قلبه، وإذا لم تغنَّ أغنيتك ستبقى فارغاً. عليك أن تنجز ما يخصك، وهذا ما أعنيه بجملة "غّنِّ أغنيتك" . مهما كان نوع ما ترغب أن تحققه، حققه. لا تشغل بالك بأقوال الآخرين. كن مصراً ومتمسكاً بما تنوي تحقيقه، دونما إهتمام بالنتائج ودون مساومة.
الشاعر ثائر حقاً. إنه لا يساوم أبداً. إذا ساوم يفقد شاعريته ويصبح رجل أعمال . وإذا لم تساوم، ينمو حبك أضعافاً مضاعفة.
غّنِّ أغنيتك وستجد الحب واصلا إليك من مصادر مختبئة في ذاتك. وسيتدفق الحب منك نحو الآخرين.








أثناء صمتك تهمس طاقتك الكامنة في أذنك دون ذكر "إذا" أو "لكن". القلب لا يعرف شيئاً عن "إذا" أو "لكن"، بل يقول لك وببساطة "مصيرك أن تكون رساماً أو شاعراً أو نحاتاً أو راقصاً أو موسيقياً.
"هذه هي الطريقة التي تصير فيها ممتلئا". القلب يبدأ في توجيهك.
وظيفة المعلم أن يساعدك لتصير صامتاً، لتستطيع سماع همساتك الداخلية. عندئذٍ ، تبدأ حياتك بالتحرك من خلال نظام داخلي. لذا، أنا لا أُعطيك أي نظام خارجي. أنا أساعدك من أجل أن تكتشف بصيرتك الداخلية ، لتصير حراً، وقادراً على التحرك بحرية.
هكذا، والزهد ليس حاجزاً معيقاً، وليس ثقافة ، وليس طمعاً ولا جشعاً. إنه إعلان حريتك، وفرديتك وفرادتك، هكذا فالزهد ليس إعلان محبة وحب وإبداع.














لا تعتقد أن ثمة أشياء تافهة وأخرى مقدسة. فبالنسبة للإنسان الذي يعرف كيف يبتهج بوجوده كل شيء مقدس. لا انقسام بين العالم والله، بل كل ما يحتويه الوجود هو إلهي. لقد كان العالم تمظهراً لله وكان الله مظهراً للعالم. وعندما يبتهج الإنسان بوجوده، لماذا عليه أن يصنع اختلافاً بين التمظهر واللاتمظهر؟ الزهرة تمظهر البذرة والبذرة تمظهر الزهرة، إنهما شيء واحد. وهكذا هو هذا العالم وذاك العالم، هذا الشاطئ وذاك الشاطئ. أنت لا تحتاج إلى أن تقيم اختلافاً بين المادي والروحي، إنهما متداخلان ببعضهما.
لذا، كن مبتهجاً حين تصنع حتى أصغر الأمور وأتفهها: حين تغتسل في الحمام أو حين تشرب الشاي.
بالنسبة إلى الإنسان الذي يعرف كيف يكون ممتلئاً بالنعمة، شرب الشاي هو بمثل قداسة أي صلاة يقيمها، ونومه هو بمثل قداسة أي نشاط ديني.
البهجة تستحضر رؤية جديدة، وتستحضر مجالاً جديداً لتلك الرؤية. البهجة تحول العالم بكامله. عندئذٍ يصير تقطيع الأخشاب ونقل الماء من البئر بمثل جمال أعظم الأعمال.
لذا لا تكن حزيناً أو جاداً. إضحك وارقص وغنَّ، وعش حياتك بطريقة بسيطة متواضعة جداً، من غير أية رغبة في تحسينها، ومن غير رغبة في الإستحواذ على أي شيء ، ومن غير أي طموح جارف، لأن الحياة جميلة جداً في أمورها العادية إلى حد أن أي تحسين تطمح إليه من شأنه أن يدمر جمال الحياة وصفائها ورونقها.







ببساطة، تعبر الأغنية عن حالة يكون فيها المرء منفتحاً وجاهزاً ليكسب قلبه في الوجود. الأغنية رمز يدل على أن المرء الذي يغنيها ليس بائساً، إنه كالطيور التي تغني في الصباح. عليك أن تكون دائماً في مزاج يسمح لك بالغناء، كما لو أنه دائماً وقت شروق الشمس. عليك أن تكون منتبهاً، فالضيف قد يأتيك في أية لحظة. الطيور التي تغني إنما تستعد للترحيب بقدوم الشمس. كذلك تبدأ الأزهار في التفتح، والأشجار في التماوج. الأرض بكاملها تمتلئ بالحياة، وبالتوهج، مستعدة لاستقبال يوم جديد.
القلب الشادي، القلب الراقص، القلب المحب، مستعد لاستقبال الله. الإنسان البائس لا يستطيع أن يبتسم في الصلاة، ولكن انطلاقاً من بؤسه يتجه الإنسان البائس المصلي إتجاهاً خاطئاً منذ بداية صلاته. صلاته أصبحت ثقيلة وترتد عليه لتقع على الأرض. صلاة البائس لا تملك أجنحة، ولا تستطيع الذهاب إلى المطلق، ولا تستطيع الوصول إلى الله.
عندما يكون المرء ممتلئاً بالنعمة، بالمحبة، بالضحك، والفرح، وعندما لا يكون المرء جاداً في موقفه من الحياة، ولكن بشوشاً مثل طفل صغير، بريئاً متعجباً من أي شيء ومن كل شيء، ناظراً إلى كل شيء نظرة اندهاش، وعندما يكون القلب مغنياً الـ "هللويا"، عندئذٍ، يمكن أن يأتي الله في أية لحظة. عليك أن تتعلم كيف تصير متقبلاً للوجود، منفتحاً ، محباً ، مغنياً، مبتهجاً، بشوشاً، والله سيأتي حتماً إليك. يقول المسيح: " إقرعوا يفتح لكم" أما أنا أقول: عليك أن تغني وسيقرع الله بابك ويقول "هل أستطيع أن أدخل؟".
إجعل نفسك ممتلئة بالنعمة، إلى درجة أنه حتى الله سوق يرغب بالدخول إليك. رَحَّبْ بدخوله بدلاً من القرع على بابه !








الشيء الأساسي جداً هو أن تعرف طبيعة الشيء لتكون على إنسجام معه. وإلا فكل إنسان سوق يخرج عن المسار، ليغرق في البؤس. أن تكون في تناغم مع الوجود هي النعمة، وأن تكون في انسجام عميق مع الوجود هي النعمة. أما أن تكون في حالة اختلال مع الوجود فذلك هو البؤس.
هكذا، فالشيء الوحيد الذي يستطيع أن يجلب التحول الكامل إلى حياتك هو أن تصبح واعياً لحقيقة وطبيعة وقانون الوجود. والدرب المؤدي إلى ذلك لا يمضي إلى الخارج، بل إلى داخلك. إنها رحلة داخلية. أولاً عليك أن تجد مركزك. وفي اللحظة التي تجد فيها مركزك تجد مركز الوجود، لأنهما ليسا منفصلين. نحن نختلف عن بعضنا عند السطوح، بينما عند المركز فإننا نلتقي جميعاً وننصهر ونذوب. عند المركز جميعنا واحد: الأشجار، الجبال، الناس، الحيوانات والنجوم.
عندما تخترق مركزك تصل إلى معرفة التاو الذي يفسر لك كل شيء، وما أن تتعرف على التاو، الطبيعة، "الدهارما"، فإنك لن تستطيع مقاومتها.
لأن تلك المقاومة ستكون وببساطة نوعاً من الانتحار. ولكن من غير أن تعرف ذلك "التاو"، فأنت محكوم عليك أن تتعثر، محكوم عليك أن تنحرف عن المسار وتضيع.
التأمل هو الدرب الذي يوصلك إلى مركزك الداخلي. الضروري والأساسي لك هو التأمل، إذا استطعت أن تتعلم التأمل تستطيع أن تتعلم كل شيء.









يبحث ويسعى العديد من الناس إلى الوصول إلى الله من غير الاهتمام أبداً بما يجعلهم جاهزين للقياه، وبما يجعلهم جاهزين لأن يقبل الله لقياهم.
إنهم لا يفكرون بذلك أبداً. تأكيدي لك هو التالي: إنسَ كل ما يتعلق بالله، فقط جَهَّزْ نفسك. ما إن يصبح الوقت ناضجاً وتصبح أنت جاهزاً، حتى يأتي الله إليك. أنت لا تحتاج إلى أن تهتم بذلك، ولا تحتاج إلى أن تفكر بالله، تفكيرك بالله لن يساعدك. كن مستعداً، وأن تكون مستعداً يعني أن تبتهج، وأن تتفتح كالبرعم، أن ترقص ، وتغني وتحب وتتأمل من أجل أن تتفتح كل الأبعاد، ومن أجل أن تبدأ كل وريقات وجودك في التفتح.

















الشهر 10
النعمة

سر مع النهر المتجه نحو المحيط، مسلماً نفسك له، ليأخذك معه إليه، دونما أية حاجة للسباحة.
المحيط مثل الله، وإن لم نصل إليه، فلن نشعر بالإمتنان والرضى، بسبب الحواجز والعوائق التي تحول دون بلوغك لأهدافك.
حين يلتقي النهر بالمحيط، يتحول إلى لامتناه، ويصير خالداً، وهذا ما يرنو الزاهد إليه، كما يرنو إلى مساعدتك للوصول إلى اللامتناهي، إلى الخلود الذي لا حدود له وليس بمقدور أحد أن يصفه.












على رمال الأحلام، يبني الإنسان حياته، ولهذا السبب يتساقط البناء ويهوي. إنه غير مبني على أسس ثابتة، بل متحركة، إنها مبنية فوق المؤقت وطبيعي كلما تداعى منزل عليك بناء منزل آخر، ولكنك ستبنيه كما الأول، وكأنك لم تتعلم أي درس جديد من التجربة السابقة.
وهكذا إذا لم نحقق حلماً ما، نبحث عن حلم جديد، وإذا فشلنا في إشباع رغبة ما، نبدأ بمحاولة إشباع رغبة أخرى، دون أن نفكر أن تحقيق الرغبات هو أمر مستحيل. مستحيل، لأن الرغبة تعني الأنا، وتعني أيضاً مناهضة الكلي الشامل، إذن ما عليك إلا تسليم ذاتك له، الكلي الشامل، عازفاً عن تحقيق أية رغبة فردية.
لماذا لا نتعلم كيف نصير جزءاً من الحياة، وكأننا لا ندري أننا أمواج في المحيط، لا وجود لنا بدونه، ولا يحق لنا أن نسعى إلى أهداف فردية.
بالتأمل نصل إلى معرفة أننا لسنا كيانات منفصلة أو جزراً متباعدة، بل جزء من كل لا بداية ولا نهاية، بمقدورك أن تسميه ما تشاء: الله – المطلق – المجرد – أو أي إسم تنتقيه له.












لسنا منفصلين عن الوجود، ولكننا نحيا الفكرة التي تقول بانفصالنا عنه. فكرة الانفصال هذه هي الأنا ، التي تخلق جحيمنا بكامله، لأننا عندئذٍ نغدو خائفين على معيشتنا، خائفين على مستقبلنا، خائفين على يوم سيأتي ونموت فيه، كل ذلك متعلق بفكرة الأنا. نحن لا نفهم أننا واحد متصل بالكل، وأنه لم تكن هناك ولادة ولن يكون هناك موت، لأننا كنا دائماً متواجدين هنا، جزءاً من هذا الكل الشامل.
المسألة تشبه تماماً الموجه التي تعلو في البحر، لقد كانت الموجه متواجدة في البحر حتى قبل أن تعلو، وعندما تعود الموجه إلى الهدوء والانخفاض، فإنها تبقى في البحر. الولادة والموت كلاهما مزيفان ، فالموجه تكون ساكنة أحياناً وهادئة، أحياناً تظهر وتعلو، ولكنها موجودة في الحالتين. إنها موجودة دائماً في المحيط. إنها جزء من المحيط.
نحن أيضاً جزء من هذا الوجود. نحن أمواج في المحيط. ومتى أدركنا ذلك، تزول كافة أسباب القلق، ولا يبقى ما يقلقنا. فالوجود هو بيتنا ، ونحن جزء منه.













نستطيع الإعتقاد أننا متواجدون بوصفنا كيانات منفصلة، لكنه اعتقاد فقط، وليس حقيقة. ومتى اتجه المعتقد في اتجاه معاكس للحقيقة فإنه يولد المعاناة، لأنك عندئذٍ تحيا بحسب اعتقاد لا يعبر عن الواقع.
بينما عندما تحيا بحسب الواقع لا يكون هناك بؤس، وتتولد عن ذلك الواقع النعمة.
إذا امتلكت ورقة الشجرة وعياً قد تبدأ في الاعتقاد أنها منفصلة عن الشجرة، وذلك لا علاقة له بالشجرة، ولكن مباشرة، ستظهر المشاكل، وسيكون الصراع.
ستغدو ورقة الشجرة مغتربة أكثر فأكثر عن مصادر طاقتها. فالشجرة هي أمها، والشجرة ليست فقط شجرة، إنها متجذرة في الأرض، إنها تمثل كامل الأرض. إنها تتنفس الهواء من الغلاف الجوي. ومتصلة بالشمس وبالنجوم البعيدة. أن تتقاتل الورقة مع الشجرة، يعني ذلك أن تتقاتل الورقة مع الوجود.
الفكرة تبدو غبية. ولكن هذا ما يستمر الإنسان في فعله. إنه يستمر في السباحة ضد تيار النهر.
الزهد يعني إسقاط الصراع والقتال مع النهر، والسباحة مع النهر لا ضده، والسماح للنهر بأن يأخذك في مجره، وأن تتعلم كيف تقول "فلنترك الأمور تأخذ مجراها". هذه الجملة البسيطة تحدد روح الزهد. عندئذٍ يسحب المرء إرادته من المواجهة، وحين تسحب إرادتك من المواجهة ، تغدو حياتك غنية بشكل كبير. إذ يغدو الكل الشامل معك، وتستطيع أن تصير منتصراً فقط إذا كان الكل الشامل معك.








كل طفل ما زال في رحم أمه هو مبارك. إنه لا يملك شيئاً في رحم أمه، إنه ليس رئيس الولايات الأميركية، ولا الإنسان الأغنى أو الأقوى في العالم ، لا يمتلك أية قصور، ولا أي شيء على الإطلاق، ولكن نعمة تواجده في رحم أمه لا حدود لها.
يقول علماء النفس إن نعمة الرحم تلاحق الإنسان طوال حياته: فالإنسان يتساءل دوماً في حياته اللاحقة كيف يستعيد تلك النعمة. لقد تذوق شيئاً في رحم أمه لا يستطيع أن ينساه أبداً. يبذل الجهود لينسى نعمة الرحم ولكن تلك النعمة تبقى حية في كيانه. لقد كانت تجربة عميقة إلى حد أنه من المستحيل محوها.
تلك التجربة يمكن استعادتها من جديد وبكل سهولة. على المرء فقط أن يغدو من جديد مثل طفل صغير وعليه أن يعتبر الوجود بأسره كرحم أمه. هذا ما يفترض بالدين أن يفعله حقاً. أن يساعدك على أن تعتبر الوجود أمك حتى لا يحدث الصراع بينك وبينه، ومن أجل أن تعرف عميقاً أن الوجود يهتم بك، وأنك لا تحتاج إلى أن تكون قلقاً باستمرار، ومتوتراً، وأن كل ما يخصك يعتني به الوجود. عندئذٍ تتحقق في ذاتك النعمة العظيمة فجأة.
وحده التأمل يساعدك على الرجوع من جديد إلى رحم الوجود.












من خلال تناغم داخلي عميق يمكن معرفة الحقيقة فقط. في الأحوال العادية، نحن نعيش في خضم الفوضى، متنافرين ومتخاصمين، ليس هناك شخص واحد في داخلنا بل أشخاص عديدون. نفسياتنا متعددة، هناك العيد من العقول في رؤوسنا. كلها تدفعنا للتحرك في اتجاهات مختلفة. وهناك العديد من الأصوات في صدورنا. أنت لا تستطيع أن تتعرف على صوتك المميز بينها. أحد الأصوات يقول لك "افعل هذا" وصوت آخر يقول "لا تفعل هذا" الواحد منا يبدو متماوجاً مترجرجاً كالأمواج، ويبدو مكسراً ألف قطعة مثل مرآة مرمية على الأرض. ولكن كل هذه القطع المكسرة يمكن جمعها، ويمكن صهرها وإذابتها في الكل الشامل، ويمكن تنميتها وبلورتها من جديد.
وحين تصعد تلك الوحدة المستجدة في ذاتك، تولد موسيقى عظيمة، ويتحول كل الضجيج إلى عزف أوركسترا، فقط عندئذٍ تستطيع التمكن من الرؤية، السماع، والشعور بحقيقة الوجود. لقد كانت تلك الحقيقة هنا وستبقى، ولكن عقولنا كانت متخمة بالضجيج فعجزنا عن الشعور بوجودها.
حين تزول هذه الفوضى الداخلية، نستطيع أن نسمع الصوت الساكن الصغير الكامن في داخلنا. وعندئذٍ ، بلا أية شكوك، وبلا أية أخطاء، يقول المرء: "هذا هو صوتي، هذا هو وجودي يتكلم في داخلي". وسوف لا ينتابك أي شك بعد الآن. فقط فوق تلك الصخرة الثابتة من الثقة الحاسمة، فوق تلك الصخرة من التأكد واليقين، تستطيع الحياة أن تغدو هيكلاً شامخاً، وإلا بقينا، وببساطة، نبني عند الشاطئ بيوتاً من رمال، سرعان ما تتهاوى بين المَدَّ والجزرْ.








نحن لا نصير كاملين، لأننا ولدنا كاملين. نحن لم نخترع النعمة، بل اكتشافها.
المسألة ليست بمثل هذه الصعوبة كما يعتقد الناس. إنها مسألة استرخاء بسيط جداً، أن تستريح وتصل بهدوء بهدوء إلى داخل مركزك.
في اليوم الذي تعثر فيه على مركزك، يكون هناك نور فجأة، لقد وجدت زر الكهرباء. كما لو كنت تتخبط في غرفة مظلمة، تبقى متخبطاً في الظلام إلى أن تجد زر الكهرباء. هذا هو الوضع الفعلي، نحن نصرخ ونبكي في الظلام من غير أية ضرورة. معاناتك بلهاء. كما لو أن رجلاً شاهد حبلاً واعتقد أنه ثعبان، فيهرول مبتعداً خائفاً ويتزحلق على قشرة موز ويكسر وركه وربما ينقل إلى المستشفى . أنت تعرف أن ذلك المرء كان، وببساطة، أبله. لأن لا ثعبان على الإطلاق !
إن نموذج الحياة العبثية والسخيفة يجب أن يتغير كلياً. أنظر إلى داخلك، إذا لك تستطع أن تجد شيئاً هناك، فانظر إلى خارجك. ولكنني أقولها لك بصراحة، لا أحد نظر إلى داخل ذاته وأضاع ذلك النور. لذا، ليس هناك سبب يدفعك إلى تضييع ذلك النور. لا أحد يشكل استثناء، فالقانون ينطبق على الجميع وهو قانون مطلق. المرء الذي يذهب إلى داخل ذاته، يجد النور، يجد مملكة الله، النعمة الكاملة، والحقيقة المطلقة.
حينئذٍ، تغدو الحياة نشوة ثابتة ومستمرة. يرتبك الإنسان وينذهل أمام كثرة النشوات التي من الممكن أن يحصل المرء عليها : "هل أستطيع أن أحصل على المزيد؟" ولكن المرء بإمكانه أن يحصل على نشوات لا نهاية لها. قد يبدو ذلك غير معقول، لأنك تعتقد: "هذا هو الحد الأقصى، ومن غير الممكن الحصول على المزيد"، ولكن في اليوم التالي تكتشف أن هناك المزيد مما يمكن الحصول عليه، وتستمر في الاكتشاف. هذه العملية لا تقل إلى أية نهاية. هناك بداية لهذه الرحلة ولكن لا نهاية لها.






يستطيع المرء خلق جحيمه الخاص أو فردوسه الخاص، إنه قراره ، ومسؤوليته.
كل الأشياء الحسنة في الحياة، بل الحياة نفسها، هدية من الله. لذا فالمشكلة لا تكمن في كيفية البحث عن هذه الأشياء بل في كيفية قبولنا لها. خذ النعمة أو تقبل النعمة على سبيل المثال.
ليست النعمة موجودة في مكان بعيد عنا، في التيبت، في جبال هملايا. ليست المسألة مسألة ذهاب إلى هناك، بل المسألة البسيطة هي: كيف نصبح أكثر استعداداً لاستقبال النعمة. فالهدية – النعمة تأتي إلينا باستمرار ولكنها تجد أبوابنا مغلقة. الشمس تشرق علينا ولكننا نستمر في الجلوس في الظلام، لأن عيوننا مغمضة. الهدية – النعمة متواجدة بين أيدينا ولكن المسألة هي في أن نفتح أعيننا فيكون كل شيء منيراً. أما إذا أبقينا أعيننا مغمضة فسنبقى في الظلام.
إفتح ذاتك على الحياة والوجود، كن أكثر عرضة للتلقي وللاستقبال. هذا ما هو الدين: القابلية، التلقي، الانفتاح، الثقة. أنت لا تحتاج إلى أن تخاف من الحياة، كن مستقبلاً للحياة بكل الوسائل الممكنة، وستندهش حين تعرف أنه لم تكن هناك حاجة ولا للحظة واحدة، لأن تكون بائساً، بل تستطيع أن تكون ممتلئاً بالنعمة دائماً وباستمرار.











هناك أناس أصبحوا خبراء في إيجاد أسباب بؤسهم. ولا يستطيعون أن يصيروا سعداء إلا إذا كانوا تعساء. هم يعرفون سعادة واحدة هي تلك المكونة من التعاسة. وعندما يتحدث هؤلاء عن تعاستهم، تستطيع أن ترى في أعينهم، في وجوههم، في الطريقة التي يتحدثون بها، أنهم يستمتعون بتعاستهم، بل إنهم يتفاخرون بها ويتباهون.
ربما كانوا مبالغين، جاعلين تلك التعاسة تبدو على مثل هذه الضخامة. فكيف يستطيع هؤلاء الامتلاء بالنعمة؟
إنت دائماً أمام خيارين: التعاسة أو النعمة. إبدأ في النظر إلى المسألة بهذه الطريقة. وحاول أولاً أن تكتشف ما سوف يجعلك تعيساً وما سوف يجعلك سعيداً.















عندما كنت طفلاً صغيراً، بنى والدي بيتاً جميلاً. ولكن المهندس المعماري خدعه – كان والدي رجلاً بسيطا – وانهار المنزل مع أول هطول للأمطار. كنا بعد يومين أو ثلاثة أيام ستنتقل إلى ذلك البيت، لينهار البيت علينا. كان والدي متواجداً في مكان بعيد. أرسلت برقية إليه: "تعال فوراً. لقد انهار البيت". لكن والدي لم يأت ولم يُجب على برقيتي. ولكنه أترى عندما كنا نتوقع منه أن يأتي. وكان أول شيء قاله لي: أنت أحمق وغبي! لقد انهار ذلك البيت. لماذا أهدرت عشر روبيات في إرسال تلك البرقية الطويلة؟ تلك الروبيات العشر كان يمكن توفيرها! والشكر للرب أن ذلك البيت إنهار في الوقت المناسب . فلو انهار بعد أربعة أو خمسة أيام أخرى، لكان قضى على كامل العائلة!".
ثم دعا جميع أفراد قريتنا للاحتفال بهذه المناسبة السعيدة. لقد أحببت تلك الفكرة! ضحك جميع أبناء قريتنا قائلين: "هذا غبار كامل: لقد انهار بيتكم، وكل واحد منا يشعر بالحزن لذلك". لكن والدي استقبل جميع الناس في القرية – كانت قرية صغيرة- لنشكر الرب على مساعدتنا، لأنه لو انهار بعد أربعة أيام، لكانت عائلتنا بأسرها قد ماتت!
هذا ما أدعوه الاختيار، إختيار الموقف المعبر عن السعادة والإمتلاء بالنعمة وعن الشكر.










ماتت إحدى شقيقاتي. كنت أحبها حباً كبيراً وشعرت بالتعاسة بسبب موتها، مع أن لي عشر شقيقات وأشقاء. قال لي والدي :" لا ضرورة لأن تشعر بالحزن والانزعاج. أشكر الرب لأنه بقي لك عشر شقيقات وأشقاء على قيد الحياة! كان بإمكان الرب أن يأخذهم جميعاً. ماذا نستطيع أن نفعل؟ تماماً مثلما أخذ واحدة كان بإمكانه أن يأخذ الجميع. لقد أخذ واحدة فقط. هذا لا شيء، وبإمكاننا احتماله. نستطيع أن نقدم طفلة واحدة إلى الله. إنه يحتاج إليها. فاسمح له بالحصول عليها. لكن ما يزال عندك عشر شقيقات وأشقاء. كن سعيداً لأنك مازلت حياً، بدلاً من أن تكون سعيداً . هذا هو الموقف الذي يجب أن يلتزم به كل شخص متدين. عندئذٍ، تغدو حياتك ظاهرة مباركة.
يعرف كل طفل كيف يكون منفتحاً، لهذا السبب كل الأطفال جميلون ومباركون. أنظر في عيونهم، إنها هادئة تماماً، وأنظر إلى فرحهم، أنه متدفق منساب. كل طفل يعرف كيف يكون مباركاً، ولكنه ينسى ذلك عاجلاً أم آجلاً. إما أنه ينسى أو أننا نجعله ينسى.
أن نكون ونبقى مباركين، مسألة يمكننا إعادة تعلمها. عليك فقط أن تتذكر كيف تبقى منفتحاً . ولا شيء يضيع. لا شيء ناقص . هذا هو العالم الأكثر كمالاً بما هو عليه.
إجعل نفسك محباً للوجود في كل مظاهره. وستجد الأزهار نابتة في قلب الأحجار. وستصاب بالدهشة حين تكتشف أن لا يوجد حاجة إلى النظر إلى المخطوطات الدينية لأن الكون بكامله مخطوطة حقيقية. في كل مكان هناك إمضاء الوجود تحتها.







كن مبتهجاً – هكذا تكون متديناً . أن تكون حزيناً يعني أنك مذنب، بينما أن تكون مبتهجاً يعني أنك قديس!
إذا استطعت أن تضحك من أعماق قلبك، تكون تقدس حياتك. الضحكة من أعماق القلب شيء مميز ومتفرَّد. لا شيء يستطيع أن يجعل ضحكتك أكثر قداسة من الضحك من أعماق القلب. وعندما تضحك، إجعل كل خلايا جسدك تضحك معك. إجعل الضحك منتشراً من الرأس إلى القدمين. دع الضحك يصل إلى الفجوة الأعمق من وجودك.
وستندهش حين تدرك أن المرء يصبح أكثر قرباً من داخل وجوده من خلال الضحك وليس من خلال الصلاة الببغاوية.















اليوم كنت أقرأ قصة عن رجل عجوز، يبلغ من العمر خمسة وتسعين عاماً. سئل عن سر عمره الطويل وسر صحته الدائمة. أجاب: "أشعر قليلاً بالاحراج إذا قلت الحقيقة. الحقيقة هي أنني كنت أستمد حياتي من الأشجار. كنت أعانقها. وفجأة كانت تدخل إلى جسدي تدفقات لطيفة من الطاقة. لقد أبقتني الأشجار حياً ومنتعشاً بعصيرها".
فعلاً إنه على حق. ربما لم يستطع أن يبرهن تلك الحقيقة علمياً، ولكن عاجلاً أم آجلاً، ستتم البرهنة عليها علمياً. إذا أحببت شجرة ستتجاوب الشجرة معك، إذا أحببت صخرة، فحتى الصخرة ستتجاوب معك.
أقم التجارب مع الحب في كل الوسائل الممكنة، وستغدو أكثر غنى يوماً بعد يوم. ستكتشف مصادر ووسائل ومواضيع جديدة للحب. وعندئذٍ، وبالتأكيد، ستأتي لحظة يجلس فيها المرء من غير مواد أو مواضيع للحب، محباً للبساطة، وليس لأي إنسان آخر، بل محباً فقط، ممتلئاً بالحب، متدفقاً بالحب. تلك هي حالة التنور. لقد امتلأ ذلك المرء، ورضي رضاءً كاملاً، حتى بلغ نهاية المطاف. وانتفى الشعور بفقدان شيء ما.
عندما تشعر بأنه لا يعوزك أي شيء على الإطلاق، فذلك هو اليوم العظيم في حياتك. سوف تبحث، وسوف تكتشف أنك لا تفتقد أي شيء، كل شيء قد امتلأ واكتمل في كيانك. تدرك أنك عشت حياتك حقاً. بينما الآخرون، وببساطة، يضيعونها، يضيعون فرصة ذهبية ولا يستفيدون من لحظات عمرهم.









عندما تسر برؤية جمال غروب الشمس تعتقد أنه سبب سرورك. هذا ليس صحيحاً. الغروب الجميل قد أثار التأمل في داخلك. كان جميلاً جداً إلى درجة أن تفكيرك قد توقف. ووقعت في حالة من الدهشة التي امتلكت كيانك. وحين يتوقف التفكير تغرق في تأمل عميق، وتتصل بمصدر الفرح والسرور في داخلك. ويظن العقل المنطقي أن غروب الشمس الجميل هو سبب الفرح والسرور ! لا، لكنه حرك شيئاً في داخلك ، بكلمة واضحة، لقد تزامن سرورك مع رؤيتك لغروب الشمس. والعديد من الناس لا يتأثرون به. وهناك عدد قليل من الناس ينظرون إليه بحزن، فالمسألة تتعلق بهم لا بالشمس، وبحالتهم العقلية، وبمزاجهم. وليس محتوماً أن يشعر المرء بالسعادة.
ما إن يتم فهم ذلك، حتى وفي كل لحظة سعيدة تستطيع الإمساك مباشرة بالحالة الطبيعية للتأمل. هكذا اكتشفت حالة التأمل في البداية. وهي دائماً الحالة نفسها. لا أفكار . العقل متوقف عن العمل، وفجأة يعمك الفرح والسرور.














غداً يجب أن يكون غداً، لا أن يكون اليوم. عليك أن لا تتوقع أن يكون غدك كيومك. ذلك التوقع بالذات تكمن فيه المخاطر، لأن الغد لن يكون كاليوم، وبالتالي إذا توقعت التماثل بين الغد واليوم ستشعر بالإحباط. وإذا، بالصدفة، حدث أن جاء الغد كاليوم، فستشعر بالضجر، ولكن الإحباط ليس متوافقاً مع السرور.
دعِ المستقبل منفتحاً عليك. دون أية توقعات. دعه مجهولاً، لا يمكن التنبؤ به، ولا تحاول بأية طريقة أن تجعل الأمور ثابتة لا تتغير. فالتغير طبيعة الحياة، وعلينا أن نتدفق مع هذه الطبيعة إلى الأمام، ومع القانون الجوهري للوجود.
كن منسجماً مع قانون التغير في الوجود، من غير أية توقعات وستزداد غنى روحياً.
كل لحظة جديدة، تجلب لك فرحاً جديداً، حياة جديدة، نوراً جديداً، ألوهة جديدة. والشخص الذي يحب الوجود لمجرد الحب وبدون أن يكون حبه محدداً بزمان أو بمكان، يكون متسعاً كالسماء.
في ذلك الاتساع، يدرك المرء ماهية الوجود. ذلك الاتساع هو الوجود.












أن تحيا الحاضر هي الطريقة الوحيدة لأن تحيا دائماً. وعندما تحيا في الحاضر من غير ماضٍ يشدك إلى الخلف ولا مستقبل يدفعك إلى الأمام، وعندما تتركز طاقتك الكلية في اللحظة الحاضرة، تشعر بتوتر الحياة وبأنها قصة حب عاطفية عاصفة. تصبح ملتهباً بطاقتك الذاتية، تغدو ممتلئاً بالنور،لأنه عند توتر معين تغدو النار حياة، ويصير التوتر نوراً.
تلك هي الطريقة الوحيدة لتصير غنياً، مزدهراً. كل الوسائل الأخرى تجعلك فقيراً كأغلب الناس. ربما يمتلكون كل مال العالم لكنهم فقراء.
هناك نوعان من الفقراء في العالم: الفقراء الفقراء والأغنياء الفقراء.
لا علاقة للغنى بالمال وبالامتلاك ولا علاقة للغنى بكيفية العيش، وبنوعية الحياة. كل هذه الأمور تحصل عليها فقط من خلال التأمل. ليس هناك أبداً أية طريقة أخرى تجعلك غنياً بالروح، إنها غير موجودة ولن توجد أبداً.














الطريقة الوحيدة التي تجعلك غنياً هي أن تتقبل الوجود الإلهي، بكل ألوانه، وأقواس قزحه، بكل الأغاني، بكل الأشجار والأزهار، لأن الله موجود في الطبيعة.
تستطيع أن تجده في الكواكب والنجوم، وفي الأرض. عندما تمطر السماء لأول مرة في الخريف ويتصاعد أريج عيني بقرة أو في مكاغاة الطفل قبل أن يتعلم الكلام. تستطيع أن تجد الله في كل مكان، باستثناء الأمكنة التي اخترعها لنا الآخرون.
حين يكون المرء مستعداً لتقبل الحياة مثلما تأتي من غير أية شروط أو اشتراطات، يدخل الله إليه من كافة الأمكنة والاتجاهات. أن تكون ممتلئاً بالله، تلك هي الإمكانية الوحيدة للحصول على المعنى والقيمة في الحياة. والشخص الذي يعرف الله يعرف الخلود.
عندئذٍ، وحده اجسد سيموت، بينما النواة الأساسية لوجوده ستبقى دائماً وإلى الأبد.














يفسد الناس حياتهم بكاملها وهم يفكرون بالله، ويجادلون ويتناقشون حول الله، ولا يستمعون أبداً إلى قلوبهم. القلب لا يمتلك أية رغبة في الوصول إلى الله. القلب يريد فقط أن يتراقص نابضاً، ويغني نابضاً، ويفرح نابضاً، ويحيا، ويحب، وأن يكون محبوباً. القلب يريد أن يحيا مثل زهرة ممتلئة بالعبير، مثل عصفور يطير في أرجاء السماء. القلب يريد أن يصير شعلة نور في ظلام الحياة. ليست هناك رغبة في الوصول إلى الله. ما لم يكن الوالدان أو المعلمون أو الرهبان قد أخبروك عن الله ، فإنك سوف لا تفكر بالله على الإطلاق. لذا، أنا أقول النعمة هي الله، وليس هناك إله آخر. كل الآلهة الآخرون من اختراع الإنسان. من الأفضل لنا أن نستغني عن تلك الآلهة من أجل أن ننظر في الاتجاه الصحيح.
















الحب هو الجسر الوحيد الذي يؤدي إلى الانتصار. ولكنه جسر يشترط عليك التخلي عن الأنا. إنه الانتصار الذي يؤدي إلى امتلاك جمال هائل. الحب ليس عدوانياً، إنه استقبالي. ليس الحب نصر للعاشق بل للمعشوق.
أغبياء أولئك الذين يحاولون امتلاك الله، إنهم عاجزون عن فعل ذلك. والحكماء يستسلمون إلى الله، ويدعونه للسيطرة عليهم.
أنت لا تستطيع امتلاك الله، ولكنك تستطيع أن تسمح لله بأن يمتلكك. تلك هي طبيعة الحب. إنها تسمح للمرء بأن يتم امتلاكه. الحب ليس امتلاكياً، ولا يحتوي أية رغبة بالتملك. إنه فقط يتوق إلى أن يتم امتلاك المحب، أن يتم امتلاك المحب كلياً، فلا يبقى هناك شيء في ذات المرء ملكاً له.















الحب هو التجربة الإلهية الجوهرية. الحب هو الدليل على أن للوجود وللحياة قيمتها. إذا لم يختبر المرء الحب سيشعر باللامعنى، وبأنه عرضة للأقدار، وتحت رحمة قوى الطبيعة المجهولة واللاواعية. ذلك هو أسلوب الماديين في النظر إلى الحياة. يعتبرون الحياة نتيجة تفاعل المادة.
ولكن عندئذٍ، لا تبقى هناك قيمة للحياة، وبدون هذه القيمة يجرجر الانسان نفسه على دروب الحياة، ولا يستطيع الرقص. بدون القيمة، الجبناء فقط يستطيعون الاستمرار في الحياة. بينما الشجعان سوف ينتحرون على طريقة الهاراكيوي.
لا أحد في الواقع يقبل أن يقتنع بأن الحياة بلا معنى، لأنها ليست كذلك، الحياة تحتوي على قيمة كامنة فيها. ولكن يجب علينا اكتشافها.
إننا واعون لها بشكل حدسي، غرائزي. يجب أن يكون هناك معنى ما للحياة، ولكن هذه الحقيقة ليست واضحة لنا تماماً، لأن هذه الحقيقة لم تتعرض للنور، ونحن لا نملك أي برهان عليها. وحده الحب يعطينا ذلك البرهان.
يمنحك الحب لمحة تأمل، ومن خلال التأمل نفتح نافذة على وجود الله في وجودنا. لذا أنا أسمي الحب الظاهرة الأكثر ألوهة على الأرض.











الحب هو أسمى مراتب الشعر، ولا أعني الشعر الأدبي. الشعر بالنسبة لي أبعد بكثير من نظم القصائد التي يمكن أن يؤلفها شخص لا يمتلك أية حياة شعرية، أو موهبة شعرية. تستطيع أن تنظم القصائد، إن كنت تمتلك تقنية معينة. وهكذا تغدو تقنياً لا شاعراً. ومن خلال مئة قصيدة تسع وتسعون قصيدة منسوجة تقنياً. والأمر نفسه ينطبق على كل فن من الفنون.
من بين مئة مؤلف موسيقى ... هناك واحد يعتبر مؤلفاً موسيقياً حقيقياً واحد فقط أما التسعة والتسعون فهم تقنيون. الأمر نفسه ينطبق على النحت والرسم والهندسة المعمارية، وعلى كل بعد من أبعاد الفنون.
الشاعر الحقيقي ليس عنده حاجة ملحة لتأليف الشعر، قد يؤلف شعراً وقد لا يؤلف ... الرسام الحقيقي قد يرسم وقد لا يرسم، ولكن حياته ممتلئة بالألوان، وتحتوي على التناسب والتوازي والتوازن. ذاته هي لوحاته، ذاته هي شعره، ذاته هي منحوتاته.
هذا ما أعنيه عندما أقول الحب هو الشعر: إنه يعطيك بعداً جديداً، ويجعل حياتك أكثر جمالاً. ويجعلك واعياً لأشياء عديدة لم تكن تعيا من قبل.
يجعلك واعياً لوجود النجوم والازهار، ولخضرة وإحمرار الأشجار . ويجعلك واعياً لوجود الناس، لأعينهم، لوجوههم ، وأساليب حياتهم. كل شخص منا هو ظاهرة هائلة غير ممتلئة بإمكانيات لا تحصى ولا تعد. كل شخص منا هو قصة غير معقولة، وكل شخص منا هو رواية حية. كل إنسان يحتوي العالم منطوياً في ذاته.









كثيرة هي الأشياء المطلوب منا تحقيقها، وحتى نتمكن من فعل ذلك، ما علينا إلا تحويل الرغبة إلى فعل. كما لو أنك تمتلك أرضاً واسعة، وبذوراً وماء وشمساً ولكنك لم تبذر البذور. الأزهار سوف لا تنبت وستبقى أرضك جرداء. وستنبت الحشائش والأعشاب البرية مكانها. ذلك هو واحد من الأمور الأكثر أهمية التي عليك تذكرها، كل ما هو واحد من الأمور الأكثر أهمية التي عليك تذكرها، كل ما هو بلا نفع ينمو من تلقاء ذاته، وكل ما هو مهم وقيّم يجب الاعتناء به.
إنجاز مهم والنافع عمل شاق وعسير. إذا لم تفعل شيئاً نافعاً ستنمو الأعشاب البرية، وستملأ كل حقلك. ولن تأمل بنمو الورود، وكأن هذا هو الوعد الذي فشلت في تحقيقه.
كل إنسان يأتي إلى هذا الوجود بوصفه وعداً عظيماً، ولكن قلة من الناس تحقق وعودها. أغلب الناس يأتون إلى الوجود بأيد خاوية ويغادرون الوجود بأيد خاوية. يا للعار!
تلامذتي الزاهدون عليهم تحقيق ما جاؤوا من أجله، عليهم تحقق ما وعدوا الحياة به، كما عليهم إشباع حاجات المصير الذي ينتظرهم.












لا تستطيع أن تتواجد منعزلاً عن الكل الشامل، ولا يستطيع الكل الشامل أن يتواجد منعزلاً عنك. مجرد أن تكون ما أنت عليه هو البرهان على أن الوجود يحتاج إليك بطريقة أو بأخرى. فأنت تشبع حاجة معينة.
الوجود بحاجة حتى إلى ورقة العشب الصغيرة كما هو بحاجة للنجم الكبير. ليس هناك هرمية وراثية في الوجود.
لا أحد أعلى من أحد، ولا أحد أدنى من أحد، ولا أحد يحتاجه الوجود أكثر أو أقل من سواه.
الجميع يحتاجهم الوجود، لأن الوجود يعني اجتماع الجميع.
كلنا نقدم شيئاً إلى الوجود، والوجود يستمر في إعطائنا كل ما نحتاج إليه. حين نسقط الأنا ونتخلى عنها، حينئذٍ، لا شيء يسير في الاتجاه الخاطئ. يصبح كل شيء صحيحاً بالتمام والكمال. هذا تماماً معنى الله – كل شيء حسن وصحيح وتام مثلما هو عليه.












كتب الكثير عن الحب. أكثر مما كتب عن أي شيء آخر. بل أكثر مما كتب عن الله. الكثير من الشعر، الكثير من الأغاني، العديد من الحكايات ، الروايات ، والقصص – كلها تهتم بظاهرة الحب. لماذا الإنسانية مهووسة بالحب؟ الأفلام السينمائية، البرامج التلفزيونية، برامج الراديو، والمجلات ، والأدب ، كلها تهتم بالحب. يبدو أن الإنسان مهتم بالحب بشكل هائل.
صحيح أن الإنسان مهتم بالحب. ولكن كل هذه الكتابات هي بدائل. فأغلب الناس لم يتمكنوا من اختيار الحب. المرء يذهب إلى السينما، يشاهد شخصاً يلعب دوراً في قصة حب، ويصبح هذا المشاهد مشاركاً، وبطريقة إستبدالية في تلك القصة. ناسياً أنه مشاهد فقط، بل يصبح جزءاً من القصة ويتمتع بمشاهدتها، ويصبح متماهياً مع بعض شخصياتها. وأثناء قراءته لقصة حب، يصبح جزءاً من تلك القصة، وأثناء تلاوته شعراً غزلياً جميلاً يشعر المرء كما لو أنه يتحدث عن تجربته الخاصة. تلك هي البدائل لفقدان التجربة الحقيقية.
إذا خاض الإنسان حقاً تجربة الحب، سيختفي كل هذا الكلام الفارغ عن الحب عن وجه الأرض. دائماً تذكر، الناس الجياع فقط يفكرون بالطعام، والعراة يفكرون بالملابس، والذين لا يملكون أي سقف يفكرون بالمنازل. نحن نفكر فقط بالأشياء التي لا نملكها، ولا نفكر بالأشياء التي نملكها.
أنت تحتاج إلى مواهب كثيرة من أجل أن تصير عاشقاً، لأن الحب يتطلب أحد أعظم الأمور في الحياة، وهو التخلي عن الأنا.
عندئذٍ تداهمك المعجزات. عندئذٍ، يدخل الحب إليك، يندفع إليك، يملؤك، ويبدأ بالتدفق منك. ويصبح الحب تجربتك مع الوجود، وتجربتك مع الحقيقة.







تبدأ الرحلة في الحب وتنتهي في النور أو في التنور والجسر بينهما هو الصلاة. زيارة الحج بكاملها من الجهل إلى الحكمة ليست أكثر من زيارة حج للصلاة.
تعني الصلاة: "أنا جد صغير إلى حد أنه لا شيء ممكن حدوثه من خلالي إلا إذا ساعدني الكل الشامل". الصلاة هي استسلام الأنا للكل الشامل. الاستسلام لا يعني الوقوع في اليأس بل التفهم العميق. كيف يمكن للموجة الصغيرة أن تسير ضد إرادة المحيط؟ نحن جميعاً أمواج صغيرة في محيط الوعي الشاسع. تستطيع أن تسمي محيط الوعي الله، الحقيقة، التنوير، كلها تعني الشيء نفسه، وهو أننا جزء من هذا المحيط اللامتناهي. ولكننا جميعاً أمواج صغيرة جداً ولا نستطيع امتلاك إرادتنا أو مصيرنا. الرغبة في امتلاك ارادتنا الخاصة بنا وفي إنجاز شيء ما تطلبه رغباتنا هو سبب بؤسنا.
تعني الصلاة أنه في فهمنا للاجدوى الإرادة الإنسانية، نستسلم للإرادة السماوية. عندها يقول المرء "فلتكن مشيئتك، وليأت ملكوتك". وهذا ممكن فقط إذا كان حبنا العظيم للوجود متوافراً. لذا أقول، تبدأ الرحلة في الحب وتنتهي في التنوّر. وفي منتصف هذه الرحلة تتعرف إلى الصلاة، وتسمح للأمور أن تجري في مجاريها.












إله النبي موسى يقول: "أنا إله غيور جداً. وعلى أعدائي أن يتألموا إلى الأبد". إله موسى إله غير متسامح، وحقود جداً. هذه الفكرة تبدو بدائية، ومحكوم عليها أن تكون كذلك. كان موسى رائداً آنذاك، كان آنذاك يحطم قطع الجليد لأول مرة.
أما المسيح فقد قفز قفزة نوعية . فبعد موسيى بثلاثة آلاف عام قال المسيح: "الله هو المحبة".
أن تجعل الله المحبة يعني التخلي عن الغيرة والحقد.
تجربتي مختلفة كلياً: المحبة هي الله. والمحبة هي المسألة الرئيسية . في الواقع الألوهة هي إحدى جوانب المحبة، والعكس ليس صحيحا.ً
إذا كان المرء محباً، فهذا يكفي. لأن الحب يستحضر أوتوماتيكياً صفة الألوهة إلى وجود المحب. ففي المحبة يكمن دائماً شيء من الماوراء السماوي.
لقد صار الوقت لنسير خطوة أبعد من خطوة المسيح. ألفا عام كافيان ! إذا كان المسيح قادراً على السير خطوة واحدة أمام موسى، فعلينا أن نسير خطوة أمام المسيح. في الواقع، حين نسير بتلك الخطوة فنحن نحترم المسيح لأننا نفعل الشيء نفسه الذي فعله.
عش حياتك وفقاً لقلبك، ووفقاً لحبك ولمحبتك. إجعل الحب والمحبة نورك وسوف لا تنحرف عن الاتجاه السليم.









الدين ليس التيولوجيا، إنه المحبة. ليست التيولوجيا أكثر من منطق، لذا كانت تسميتها "لوجيا". ولا علاقة للمنطق بالدين، بل هو ضده.
المنطق تمرين عقلاني، جدال في أمور لفظية ورصف للكلمات. يستطيع المنطق أن يولد بنى كلمات جميلة، ولكنها قصور مبنية فوق الرمال، لا نفع منها، بإمكانها أن تبقيك مشغولاً، إنها تخدم الهدف نفسه حين تكون جالساً عند الشاطئ وتلعب بالرمال وتبني قصور رمال فقط لأنه ليس عندك عمل آخر. يمكنك أن تستمتع بهذه اللعبة ولكنها غير مفيدة على الإطلاق، إنه لعب أطفال.
التيلوجيون ليسوا أناساً ناضجين أبداً. لم يكن المسيح تيولوجياً. لم يكن هناك معلم حقيقي تيولوجياً أبداً، ولكنه كان محباً، محباً هائلاً، إنه يحب الوجود بأسره.
المحبة صلاته، المحبة عبادته ، ومن خلال المحبة يمكن الاتصال بالوجود، تستطيع من خلال المحبة أن تجري حواراً مع الوجود. كل ما تحتاج إليه قصة حب عميقة، مجنونة.
الذين يشعرون بالضجر هم الذين يعيشون في عالم من المنطق، المنطق مثير لضجر. أما المحبة فليست مضجرة أبداً. المحبة تمنحك مفاجآت مستمرة. المحبة تبقي إندهاشك حياً والمحبة تبقي شاعريتك ورقصك واحتفالك منتعشاً. وإلا، فكل ما هو جميل في داخلك يحتضر ويموت. تجنَّب المنطق واختر المحبة دائماً.











أنا لا أعلمك أي طمع أو أي نَهَمْ. أنا فقط أساعد أتباعي من أجل أن يصيروا أكثر وعياً بكل شيء في داخل أنفسهم وفي خارجها. تلك هي تعاليمي. كن واعياً، كن منتبهاً واحيا من خلال انتباهك. ليكن وعيك وانتباهك صاحبا القرار. لا تفرض أي نظام من الخارج على داخلك ، بل دعْ ذلك النظام ينبثق من داخلك، واسمح له بالخروج منك. وعندئذٍ يصير كل شيء منعشاً، فتياً، حياً. وتغدو الحياة أكثر تماسكاً وعاطفية. تغدو مشتعلة بالفرح والنعمة والبركة.

















مباركون من أنعم الله عليهم، لأنهم دخلوا مملكته، غير عارفين أنهم قد دخلوا إلى قلب الله. في الواقع، لا يمكن أبداً إيجاد الله مباشرة. ولا تستطيع الاقتراب من الله مباشرة. فالله ليس عنده عنوان، وليس عنده إسم ولا شكل. إذا بحثت عن الله وسعيت إليه فإنك لن تجده أبداً.
بسبب هذه الحقيقة، تحولت الإنسانية إلى الإلحاد. لأن الناس بحثوا عن الله ولم يجدوه. لقد بحثوا عنه وأفسدوا حياتهم بالبحث عنه، وأخيراُ اكتشفوا أن بحثهم كان تمريناً بلا جدوى على الإطلاق.
المسؤولية تقع على أولئك الذين يستمرون في دعوة الناس إلى البحث عن الله، والسعي إليه، هذا كلام فارغ.
أنا أقول لك. إبحث عن النعمة وسوف تجد الله. إبحث عن الله وسوف لا تجد الله. وسوف تغدو حياتك أكثر بؤساً مما كانت عليه. لأنه بعدم إيجادك الشيء كان يرتكز عليه كامل حياتك سيصيبك بالإحباط. لذا، إنسَ كل ما له علاقة بالله، وابحث فقط عن النعم. إكتشف أسباب بؤسك واسقط هذه الأسباب، وانتزع تلك الأسباب من جذورها. وستندهش حين تكتشف أن النعمة تبدأ في الصعود من داخل ذاتك حالما تسقط كل أسباب البؤس من حياتك. وفي لحظات النعمة تلك، ستصبح واعياً لحضور جديد يحيط بك، ولا يحيط بك فقط بل يحيط بكامل الوجود.
ذلك الحضور هو الله. فالله ليس شخصاً بل حضور . الله ليس الله بل الألوهة.









يعيش الإنسان منهزماً إذا لم يجد النعمة. يبقى كامل حياته في إحباط وفشل محتومين. ويمكنك أن تشاهد ذلك الإحباط في وجوه أناس تقدموا في العمر وأصبحوا أكثر حزناً. وكلما تقدموا في العمر كلما صاروا أكثر غضباً، غاضبين من الحياة نفسها، لأنها شتتت كل أحلامهم مع الرياح. لكن الخطأ ليس كامناً في الحياة نفسها، فهم مسؤولون عن أخطائهم. فقد كانوا يحاولون الحصول على أشياء بلا معنى. المال، السلطة، والجاه.
إذا لم تنل تلك الأشياء فأنت محبط ومكبوت، وإذا حصلت عليها تصبح أكثر إحباطاً وكبتاً. في الواقع، الذي لم يحصل على شيء من هذه الأشياء هو في وضع أفضل لأن في إمكانه أن يستمر بالأمل في الحصول عليها. في يوم من الأيام وعندئذٍ ، سيكون كل شيء موضوعاً في مكانه المناسب.
الذي نال هذه الأشياء هو في ظلام مطبق حقاً، لأنه بعد الحصول عليها لم يبق هناك أمل. لقد ركز كل جهوده من أجل نيل تلك الأشياء التافهة، وأهدر كامل حياته من أجلها ولكنه أصبح الآن بلا امتلاء كما كان في بداية حياته.
أما النعمة فهي شيء داخلي، فردي إلى حد بعيد، يمكنك أن تجده ضمن ذاتك، أنت لا تحتاج لأي شخص آخر من أجل الحصول عليه.
ما إن تجده حتى تصبح منتصراً. عندئذٍ يغدو للحياة بهاء عظيم. عندئذٍ تمتلئ كامل سماء حياتك بالنجوم.
وعندما يعرف المرء أنه لم يعش حياته بشكل تافه، يغدو الموت جميلاً. عندئذٍ لا يموت الإنسان متحسراً، بل يموت ممتلئاً بالنعمة المطلقة. لقد تفتحت أزهار نفسه، وانتشر عبير حياته، الآن جاء وقت الراحة، وقت التلاشي في الكل الشامل.
الزاهد يعيش جميلاً ويموت جميلاً. حياته كانت احتفالاً وموته صار ذروة الاحتفال.





الشيء الأكثر أهمية في ما يتعلق بالنعمة هو أن لها طبيعة تناقضية بشكل جوهري. وبسبب طبيعة النعمة التناقضية جرت دائماً إساءة فهمها. التناقض هو: يحتاج الإنسان إلى بذل الكثير من الجهد، ومع ذلك لا تأتي النعمة بسبب الجهد المبذول، بل تأتي النعمة دائماً بوصفها هدية من الوجود. ولكن من غير الجهد لا يصبح الإنسان أبداً قادراً على تلقي تلك الهدية. ومع أن تلك الهدية متوافرة، يبقى الإنسان مغلقاً أبواب ذاته في وجهها.
لذا، إن كامل الجهد الإنساني ليس هو السبب في الحصول على النعمة، هذا الجهد لا يسبب النعمة. إن هذا الجهد يستطيع فقط أن يزيل الحواجز.
إنها عملية سلبية تماماً. كما لو أنك تحيا في غرفة مغلقة، كل النوافذ وكل الأبواب مغلقة. لقد أشرقت الشمس ولكنك تعيش في الظلام. لا تشرق الشمس بسبب جهودك. مهما كان نوع ما تفعله فإنه لا يسبب شروق الشمس، ولكنك تستطيع أن تفتح أبواب غرفتك أو تبقيها مغلقة، هذا ما يعتمد عليه جهدك. إذ فتحت الأبواب تدخل الشمس، وإلا فإنها تبقى منتظرة عند أعتاب بابك، حتى من غير أن تقرع الباب. تستطيع أن تحيا في الظلام إلى الأبد، وكل ما أنت محتاج إليه هو أن تزيل الحاجز بينك والشمس.
قليل من الجهد مطلوب منك وقليل من الثقة. قليل من الجهد لتزيل الحواجز، وقليل من الثقة، الصبر، والانتظار، "الله كريم رؤوف، لذا، ما إن تزيل حواجزك، وتصبح مستعداً، فالنعمة محتوم عليها أن تأتي إليك، ولا يمكنك أن تتجنّبها".










الشهر 11
الموت من أجل الإنبعاث


عليك أن تتعلم كيف تصير واعياً أكثر فأكثر، واعياً لجسدك، لعقلك، لقلبك، لأفعالك ،لأفكارك وأحاسيسك. هذه هي الأبعاد الستة التي ينبغي أن تعيها.
وعندما تصبح واعياً لهذه الأبعاد الستة تغدو واعياً للبعد السابع الذي هو الوعي بحد ذاته. البعد السابع هو التجاوز الذي يقودك إلى الألوهة.














يبدو الإنسان الحيوان الوحيد الذي لا يتعلم أبداً من تجاربه. تلك هي ملاحظتي. حتى الحمير فإنها تتعلم من تجاربها.
في الثقافة الشعبية العربية هناك مثل ما يقول: حتى الحمار لا يسقط في الحفرة نفسها مرة ثانية. ولكن هل يستطيع الإنسان تجنب فعل هذا؟ إنه يقع في الحفرة نفسها آلاف المرات. كل مرة يقترب فيها من الحفرة يسقط فيها! قد يقول لنفسه، "دعني أجرب مرة أخرى، ربما تغيرت الأمور، ربما لم تعد الحفرة هي نفسها، وبالتأكيد أنا لم أعد ذلك الشخص نفسه. لقد تغيرت أمور كثيرة، وفي المرة الأخيرة، كان الوقت مساء، بينما الآن إنه الصباح. إذاً فما المشكلة؟ فالأحاول مرة أخرى ...".
هذه بالتأكيد الملاحظة الأكثر أهمية حول الإنسان، وهي أنه لا يتعلم أبداً من تجاربه.
أن تسير على درب النعمة تحتاج إلى أن تتعلم من تجاربك، فلا تكرر الأشياء التافهة نفسها – الغضب نفسه، الطمع نفسه، الغيرة، الشهوة الامتلاكية نفسها. لا تكررها. آن الآوان لأن تكون واعياً، مراقباً، منتبهاً، حتى لا تسقط في الأفخاخ القديمة ثانية وثالثة ورابعة.
كلما أصبحت قادراً على المراقبة، تصبح، أكثر فأكثر، قادراً على أن تصير متحرراً من كل هذه الأفخاخ. وسوف تأتي اللحظة التي تصير فيها متحرراً كلياً منها ومن السجون، تلك هي لحظة النعمة. تبدأ النعمة بالهطول عليك، كأزهار تهطل من السماء. وتستمر في الهطول. حياة الإنسان تغدو نعمة له ونعمة للآخرين أيضاً.








على المرء أن يعمل من أجل الحصول على النعمة، ولكن، بالتأكيد، تبقى النعمة هدية من الوجود. هذا يبدو متناقضاً، إنها مسألة غير منطقية. لأن المنطق يقول: إما عليك أن تعمل من أجل الحصول على النعمة، فتنالها، أو أن النعمة هدية من الوجود، فعندئذٍ أنت لا تحتاج إلى العمل، لأنه كلما شعر الوجود بالرغبة في إعطائك النعمة فإنه سيعطيها إليك. ولكن الحياة لا تسير بحسب المنطق.
موقفي من هذه المسألة أن الإنسان يحتاج إلى جهد وإلى اللاجهد. هناك أسباب تدعوك إلى الاعتقاد أن الجهد مطلوب، وهناك أسباب مقنعة تماماً تدعوك إلى الاستنتاج أن الشيء المطلق يأتي دائماً من خلال نعمة الوجود.
بهذه الطريقة يمكن فهم المسألة. الجهود مطلوبة لتجعلك مستعداً لتقبل النعمة.
في الأحوال الاعتيادية أنت لست مستعداً حتى لأن تتلقى النعمة، أبوابك مغلقة، وقلبك مغلق أيضاً. حتى لو صرخ الوجود بوجهك فلن تسمعه. يستمر الوجود في قرع أبوابك، ولكنك لا تفتحها أبداً. أنت لا تعتقد بوجود تلك الأبواب. أنت تستمر في عيش حياتك الاعتيادية، الميكانيكية، اللاواعية. لذا، مطلوب منك الجهود التي تجعلك واعياً ، ولكن الجهود تجعلك واعياً فقط، إنها لا تستطيع أن تمنحك النعمة.
حالما تصبح ممتلئاً بالنعمة، هذا يعني أن شيئاً ما قد نزل عليك من الأعالي. أولئك الذين تلقوا النعمة شعروا أن "جهودنا قد نظفت قلوبنا، فتحت أبوابنا، أزالت كل حواجزنا، ثم ، ذات يوم، فجأة، انسكب فينا شيء ما أتى من الماوراء، من مصدر مجهول". وعندما تنظر إلى ما قبل حصولك على النعمة، تستطيع أن ترى أن جهودك كانت ضئيلة جداً. ولا تستطيع أن تقول إن تلك النشوة الهائلة هي نتاج جهودك الضئيلة، ومع ذلك فإن جهودك مطلوبة، ولا يمكن تجنبها.








جذورنا متواجدة في مركزنا. إذا كنا أعشاباً ضارة فالجذور متواجدة في وسط مراكزها، وإذا رغبنا أن نصير وروداً علينا أن ننمي جذور أغلفة الورود في وسط المركز، وسيتعرف السطح الخارجي على أوراق النبتة الخضراء وعلى وريقات الأزهار وعلى الرحيق.
ولكنك لا تستطيع التحرك من السطح الخارجي إلى وسط المركز، فالحركة هي دائماً من المركز إلى السطح الخارجي. السطح الخارجي ظِلٌّ وفيءٌ فقط. ولأنه، وبسبب محاولة رجال الدين، والأخلاقيين، وكل أنواع المصلحين، أن يغيروا السطوح الخارجية للإنسان، ومنذ آلاف السنين، فإنهم جلبوا الضياع للإنسانية، بينما بقي المركز الداخلي هو نفسه.
البذور تشتمل على الجذور بينما عند السطوح الخارجية نأمل أن تنبت الورود، ولكنها لا تنبت باستمرار ... وإذا كنا ماهرين جداً، نستطيع أن نستعير وروداً بلاستيكية نزين بها السطوح. نستطيع خداع الآخرين، وخداع أنفسنا أيضاً ولكن الأزهار البلاستكية ليست أزهاراً حقيقية.
لهذا السبب تبدو الشخصية الأخلاقية بلاستيكية، إصطناعية. الشخصية الحقيقية لا يجب زرعها وتشذيبها وتقليمها. إنها تنمو كنتاج طبيعي للتأمل.










عليك أن تموت من أجل أن تولد من جديد. هذا هو معنى الرمز المسيحي للصليب. ولكن المسيحيين فقدوا معنى هذا الرمز، مثلما جميع الأديان فقدت رسالة مؤسيسها.
البوذيون فقدوا بوذا، المسيحيون فقدوا المسيح، المحمديون فقدوا محمدا، إنها ظاهرة غريبة جداً أن الأتباع يستمرون في تسمية أنفسهم مسيحيين بينما هم حقاً يقتلون روح المسيح.
أولاً يموت الجسد. إبدأ في إسقاط فكرة الجسد المنفصل، تستطيع أن ترى غباء تلك الفكرة. ففي كل لحظة، يستمر الوجود في سكب طاقة جديدة في داخلك، فكيف تعتبر نفسك منفصلاُ عن الوجود؟ إذا انقطع تنفسك ستموت! وليس التنفس وحده الذي يعطيك الحياة، ففي كل يوم يدخل مات، تستمر الحياة في الدخول إليك وتستمر الأشياء الميتة في الخروج منك. هذا ما يمثله الموت الأول، اليوم الأول.
ثم يأتي دور العقل ، الذي هو أرفع شأناً من الجسد، فالأفكار تأتي إلى داخلك من الخارج أيضاً، مثلما يأتي الهواء والماء والطعام من الخارج. ويستمر عقلك في التقاط الأفكار من كل مكان ويموت العقل بوصفه كياناً منفصلاً. وعندئذٍ، تحدث الأمور الألطف والأرق في اليوم الثالث – هذه الأيام الثلاثة هي رموز فقط- المشاعر، والعواطف، ويموت القلب. وعندئذٍ يكون هناك الانبعاث من جديد.
عندما تختفي هذه الأشياء الثلاثة، وتصبح واحدة مع الوجود، تصبح فجأة واعياً بوجودك الذي لك يعد ملكاً لك، بل ملكاً للكون. هذا هو الانبعاث من جديد.








ليس التأمل عملاً فاعلاً على الإطلاق، إنه وعي نقي خالص. ولكن ثمة معجزة تحدث، المعجزة الأعظم في الحياة. إذا بقيت في حالة ترقب، تبدأ أمور هائلة وغير معقولة في الحدوث . يغدو جسدك مباركاً، لا يعود جسدك مرهقاً، متوتراً، بل يغدو جسدك خفيفاً، متحرراً من الأثقال، وتستطيع أن ترى أوزاناً عظيمة، أوزاناً كأنها الجبال، تتهاوى عن جسدك . يبدأ جسدك يصير نقياً من كافة المنبهات والسموم. وسوف تكتشف أن عقلك لم يعد نشيطاً كما كان في السابق، بل إن أنشطة عقلك تبدأ في التقلص والضمور وتظهر الفجوات، فجوات ليس فيها أية أفكار. معاينة لك الفجوات من أكثر التجارب العقلية جمالاً، لأنه من خلال تلك الفجوات تبدأ في رؤية الأشياء كما هي عليه من غير أي تدخُّل يقوم به العقل.
لا يعود هناك قمم ولا وديان، لا مزيد من الليالي المظلمة ولا مزيد من الليالي المقمرة. تختفي كل هذه الأقطاب . تبدأ في التمركز في الوسط تماما.ً وكل هذه المعجزات تغدو أعمق تأثيراً في داخلك . وأخيراً، وعندما يغدو جسدك في توازن كلي، ويصبح عقلك صامتاً تماماً، ويخلو قلبك تماماً من الرغبات، تحدث في داخلك قفزة نوعية. تغدو فجأة واعياً للبعد الرابع، البعد الذي لم تدركه أبداً من قبل.
هذا البعد الرابع هو أنت. تستطيع أن تسميه الروح، النفس، الله، أو أي شيء، مرجع التسمية يعود إليك. أي إسم تختاره سينفع لأنه لا إسم له.
وفي تلك اللحظة يصير كل شيء هالة نور. لقد انفتحت عينك الداخلية. وفقط من خلال تلك العين الداخلية ومن خلال ذلك النور، يصبح المرء واعياً لحقيقة الوجود. وتلك الحقيقة تحررك.








عندما تختفي كل الرغبات سوف لا تعود ذاتك إلى جسدك بل ستبقى متواجدة في الوعي الكوني بوصفها جزءاً من اللانهاية.
هذا ما نسميه "النرفانا" في الشرق، الحالة القصوى للوعي، عندما لا تبقى هناك حاجة إلى أي جسد، ولا تبقى هناك حاجة إلى أن تسجن نفسك في قفص الجسد من جديد. نسمي "النرفانا" الحرية القصوى، لأن تواجدك في قفص الجسد هو حبس لنفسك ضمن حدود الحواجز. طبعاً الجسد شيء محدود جداً، بينما ذاتك بلا حدود، كما لو كنت تدفع اللامحدود إلى الدخول إلى عالم الجسد المحدود الصغير. لهذا السبب هناك إحساس مستمر بالتوتر، وعدم الرضى، ويستمر المرء في الشعور بأنه مكبل، ومحطم، ومزدحم، ومسجون ومقيد بالأغلال.
قد لا يكون المرء واعياً بدقة لهذه الحالة، ولكن كل انسان يشعر أن الأمور تسير باتجاه خاطئ ولو بشكل غامض. هذا هو الاتجاه الخاطئ. نحن وجود غير محدود ولكننا نحاول أن نتواجد من خلال عالم الجسد الصغير المحدود.
الوعي يحررك من قيود الجسد. حين تعرف أنك لست الجسد، في تلك اللحظة تختفي كل الرغبات التي امتلأ بها الجسد.
كما لو جلبت النور إلى غرفة مظلمة، فيختفي الظلام. هكذا يمارس الوعي دور النور بينما كل الرغبات ليست أكثر من ظلام. والوعي، إضافة إلى أنه النور، هو الرحيق الفوّاح المنتشر أيضاً.









ولادتنا الاولى بالجسد هي السبيل إلى ولادتنا الفانية، الولادة الروحية التي إن لم نتوصل إليها، نكون قد عشنا حياتنا بصورة عبثية.
لقد كنت ، قبل ولادتك الروحية الثانية، فرصة إمكانية ممنوحة، تماماً مثل البذرة ، ولكنك كنت بذرة لم تتحول إلى برعم، ولم تصبح شجرة. البذرة التي هي أنت، لم تعرف الربيع، ولم تزهر، ولم يتضوع منها الرحيق.
ليس كامل جهدي أن أعطيك نوعاً من شكل دين معين، أو عقيدة أسجنك ضمنها، بل أن أعطيك وجوداً جديداً، إنسانيةً وعياً جديداً.
على المرء أن يمر بمرحلتين. المرحلة الأولى هي الموت، موت القديم، موت الماضي، موت أسلوب الحياة الذي عشته حتى الآن. أما المرحلة الثانية فهي إعادة الولادة من جديد.
إبدأ حياتك بانتعاش جديد، كما لو أنك قد ولدت اليوم. ليست هذه استعارة تشبيهية، بل حقيقة. لقد ولدت اليوم لتدخل هذه القناعة عميقاً إلى قلبك من أجل أن تقطع كل اتصال يربطك بالماضي. عندئذٍ، ينتهي ليل حياتك، وتشرق شمس وجودك فوق الآفاق البعيدة.











يمتلك الإنسان ثلاثة مصادر للطاقة في ذاته. المصدر الأول هو الجسد، الثاني هو العقل، الثالث هو القلب. عندما تلتقي هذه المصادر الثلاثة، وتندمج ، وتصبح واحداً ، يتولد منها المصدر الرابع الذي لا تستطيع أن تسميه جسداً، أو عقلاً، أو قلباً، ببساطة إنه "توريا". وانبثاقه هو بداية المقدس، إنه التحول، بداية الحياة الحقيقية، الأصلية، الخالدة، الحياة الإلهية.
هذه المصادر الثلاثة متواجدة في ذات كل إنسان، ولكنها نادراً ما تلتقي. في الواقع، إنها تسير في اتجاهات مختلفة . يسير العقل في اتجاه، والقلب في اتجاه آخر، وللجسد اتجاهه الخاص. اتجاهات مختلفة لا تتفق أبداً.
إذا راقبت أنشطتك الثلاثة الداخلية ستصاب بالدهشة. إنها أنشطة متعارضة دائماً. يقول الجسد: "توقف. لا تأكل المزيد أشعر بكثير من الإمتلاء". ولكن العقل يقول: "الآيس كريم لذيذ جداً، فلتجرب المزيد منه"، ويقول القلب: "هذا جميل". يقول العقل: "أنت غبي تماماً، أبله، ومجنون". وحالما يقع القلب في حالة حب، يقول العقل:" لقد أصبت بالعمى"، وحالما يتجه القلب في أي اتجاه، يجد العقل العيوب في ذلك الاتجاه.
تهدف عملية التأمل إلى مساعدة كل هذه القوى المتصارعة على التلاقي والذوبان، من أجل أن تصير متناغمة مع بعضها. عندئذٍ تصير ممتلئاً بالطاقة لأن كل تلك الطاقة المهدورة في صراعات لا ضرورة لها، تصبح ملكاً لك. إنها تلك الطاقة التي تنبت لها الأجنحة والتي تنقلك إلى ما وراء الوجود.









يقولون "كما تزرع تحصد". فإذا كنا تعساء فهذا يعني ببساطة أننا زرعنا التعاسة. لا أحد يخلق التعاسة لك سواك. طبعاً، هناك فجوة بين ما نزرع وما نحصد، وبسبب وجود تلك الفجوة نظن أن هناك شخصاً آخر مسؤولاً عن تعاستنا. فالفجوة تخدعنا.
كن مسؤولاً كلياً عن حياتك. إذا كانت بشعة فكن متحملاً لمسؤولية بشاعتها. إذا كانت حياتك مؤلمة ومثيرة للأحزان فتحمل مسؤوليتها . في البداية من الصعب أن تقبل القول: "أنا سبب الجحيم الذي أحيا فيه". ولكن تلك الصعوبة موجودة في البداية فقط. فسرعان ما ستنفتح أبواب التحول عليك، لأنه "إذا كنتُ مسؤولاً عن الجحيم الذي أحيا فيه، فإنني قادر على خلق نعيم أحيا فيه أيضاً". وإذا كنتُ قد خلقت كل هذا الألم في ذاتي، فأنا أستطيع أن أخلق نشوة فرح معادل أيضاً. فالمسؤولية تستحضر الحرية وتستحضر الخلق والابتكار.
حين ترى أن كل ما أنت فيه هو من ابتكارك تغدو متحرراً من كل شيء آخر منوط بك، تستطيع أن تغني أغنية جميلة، أن ترقص رقصة جميلة، أن تحيا حياة احتفال، وتستطيع حياتك أن تصير كرنفالاً مستمراً، دون إزعاج. هذا هو جوهر الكرامة الإنسانية. والله هو المحترم العظيم لفرادتك وتميزك وفرديتك، ويصبح الواحد منا فرداً متفرداً ومميزاً فقط عندما يتخذ مسؤولية على عاتقه معتمداً على ذاته.










الحقيقة تعني التجربة. وليس معتقداً . المعتقدات كاذبة دائماً وقد تريحك نوعاً ما، هذا كل شيء. إنها كالمهدئات. بينما الحقيقة توقظك. والمرء يحتاج إلى الاستيقاظ ، لا إلى المهدئات التي توقعه في نوم عميق. ولكن لعدة قرون مضت، بقي الإنسان يتعاطى الكحول، وغيرها من المسكرات المخدرة.
منذ أيام "الريغ فيدا" وحتى الآن، والانسان مدمن على المخدرات. وكل هذه المخدرات، والكحول وما شابهها ، ليست سوى محاولات للهروب من مواجهة الحقيقة، والبقاء في حالة التعاسة.
نعم، نستطيع أن نجعل الحياة المحاطة بالبؤس مريحة. إنه الغباء الأكبر. نستطيع أن نمتلك حياة ممتلئة بالنعمة بعد إسقاط الأكاذيب والبحث عن الحقيقة. دون أية أفكار مسبقة . إمضِ في بحثك من نقطة الصفر.
حينما يتحرك الانسان في حالة من عدم المعرفة، فلا شك سيعرف الحقيقة التي تستحضر النعمة. هدفي أن أدفعك إلى البحث، لأن البحث، البحث الأصيل، يجلب الإنسان إلى الحقيقة، إلى تحقيق الحقيقة. وعندئذٍ تصير النعمة لك، ويصير الخلاص ملكاً لك.












الانسان الأنا هو كالجراح – إنه مريض، غير معافى، يتألم باستمرار. هناك ألم ومعاناة. تعاسة، قلق ، وظلام. يشعر أنه لا نفع منه على الإطلاق. ولكننا لا نسمح لأحد أن يداوي الجرح الذي يؤلمنا كثيراً. لا نعرضه للشمس، للمطر، للرياح. بل نبقيه مختبئاً، نخاف أن يعرف شخص ما أن هناك جرحاً يؤلمنا.
ولأننا نخبئه فإنه يبقى بلا علاج. ولأننا نبقيه تحت طبقات وطبقات من الهرطقة، فإنه يبقى كالسرطان، ويغدو ورماً سرطانياً أكبر فأكبر. وكلما ازداد حجم ذلك الورق السرطاني خبأناه أكثر، رويداً رويداً يحول حياتك إلى كابوس.
هؤلاء هم الناس، ثقوب مظلمة. مسؤولون عن هذا المصير، فهذا الجحيم الأسود من اختراعهم. الله مستعد دائماً لأن يعالج أورامنا السرطانية، فالكل الشامل مستعد دائماً أن يعالجنا. ولكن علينا، بدورنا، أن نوجه أنفسنا للخارج.
على المرء أن يقف عارياً أمام الوجود، عارياً كلياً، بلا أسرار ، بلا خصوصيات ومباشرة يحدث العلاج. عندما يحدث العلاج للمرة الأولى لا يصدق المرء أن الجرح بكامله قد شفي بهذه السرعة. كما لو وكأن شيئاً لم يكن، كما لو أن السرطان كان حلماً، مزعجاً. في الواقع تلك هي حقيقة: الأنا! هي كابوس.
الوجود يقوم بالعلاج دائماً. ولكن عليك أن تسمح له. عليك أن تظهر له جرحك، وتريه الموضع الذي يؤلمك.
لا يجب عليك أن تخدع الطبيب ، عليك أن تخبره، مهما كان نوع الجرح ، ومهما بدا الجرح بشعاً. فقط حينئذٍ، يستطيع طبيب الوجود أن يقتلع الورم، ويعالج الألم.








من السخرية بمكان أن تستجيب للآخرين، وتخلق شخصية ثانية داخل ذاتك إلى جانب شخصيتك الأساسية. شخصيتك الثانية، ليست وليدة إرادتك أو مشيئتك، إنها مفروضة عليك من الآخرين الذين أخذوا على عاتقهم تقرير ما هو خطأ وما هو صواب، وما عليك إلا الموافقة على ما قرروا.
حين تستجيب لما يطلبون، تكون تقمع ذاتك، دون أن تدري أن ليس بهذا الأسلوب تتغير طبيعة الإنسان، ولأن وجود شخصيتين داخل ذاتك سيجعلك تعيش صراعاً داخلياً، دائماً، صراعاً بين النجاسة والقداسة بين المادة والروح، بين رغبات جسدك المادية وتطلعات روحك إلى الألوهة.
رغباتك قد تجعلك إنساناً مختلفاً، متألماً يغتاله الحزن، وسط عالم يلفه البؤس والشقاء، أما تطلعاتك فتزرع فيك النعمة التي تفيض نوراً وبركة.
أنا لا أهتم بخلق شخصيات أخلاقية، ولا أدعو إلى اللاأخلاقيات، إنما أحث الناس على إكتساب الوعي ، على خلق وعي عن طريق التأمل الذي هو الطريق إلى الوعي، واليقظة، وهكذا، كلما ازددت وعياً ويقظة، كلما أحدثت تغييراً في حياتك، وكلما إمتلكت القدرة على التناغم والإنسجام ومتى تتحد ذاتك مع ذاتك، سترى الحياة فرحة ومتعة ورقصة إيقاعية.











منذ قرون، والإنسان يعيش أكاذيب جميلة. نؤمن بوجود الجنة والجحيم ، نؤمن بالخلود، بالروح، ولكنها كلها معتقدات، والمعتقدات نوع من الأكاذيب. أنت لا تعرف شيئاً بالاعتماد على ذاتك، ما إذا كانت هناك روح داخلك أم لا. والمسألة ليست قابلة للنقاش. حتى لو ثبت منطقياً أنك تملك روحاً فإن ذلك لن يغير شيئاً يتعلق بنوعية حياتك. أو إذا ثبت أنه لا يوجد روح، فذلك أيضاً لن يغير شيئاً.
هناك مؤمنون وملحدون، يعيشون الحياة نفسها تقريباً. هناك من يؤمن بوجود الله ومن لا يؤمن بوجوده، ولكن إذا نظرت إلى حياتهم لن تجد فرقاً بين الجماعتين.
وإذا كنت لا تعرف ما إذا كانت الروح موجودة ضمن ذاتك أم لا، فماذا تستطيع أن تعرف؟ كيف ستتعرف على الله والجنة والجحيم؟ وأنت لم تكتشف روحك التي هي الأقرب إليك. ومع ذلك، فأنت تتكلم على جنة ما في مكان ما في السماء، وعن جحيم. ولا تملك أية فكرة عما تتكلم عليه . إن أهم ما عليك معرفته هو أن تعرف من أنت!.














كثيرون يجدون في الأكاذيب راحتهم ولا يريدون الحقيقة، فهم يبقون مؤمنين بالخرافات، والتقاليد والأعراف لأن القديم باعتقادهم هو أساس وجودهم ولكن الحقيقة ليست كذلك.
الأغبياء وحدهم يعتقدون ذلك.
الحياة جديدة ومتجددة في كل لحظة، إنها ليست قديمة أبداً. الوجود موجود دائماً الآن وهنا. لا علاقة للوجود بالماضي ولا بالمستقبل أيضاً. في اللحظة التي تكون فيها الآن وهنا يحدث اللقاء بينك وبين الآن والهنا، وهذا اللقاء يتحول إلى حقيقة تبعثر العديد من الأوهام، والأيديولوجيات، والمفاهيم، وكل الآراء المسبقة، لأن الحقيقة لا تستطيع أن تناسب مع أفكارك، ولا تستطيع أن تتهاون معك ومع آرائك فيها. عليك أن تصير مستعداً لأن تتوافق أنت مع الحقيقة ذاتها.
هذا ما أسميه حب الحقيقة، الاستعداد للذهاب معها إلى أي مكان تقودك إليه. وكل ما ينبغي إسقاطه عليك أن تكون مستعداً لتلقيه، وهذا ممكن فقط إذا توافر حب الحقيقة. الحب يستطيع فعل أي شيء، والتضحية بأي شيء. والحقيقة تحتاج إلى تضحية كاملة.












يعيش الإنسان المعاصر في لهاث مستمر إلى درجة أنه لا يستطيع الجلوس، ولا أخذ قسط من الراحة، وغير قادر على الارتياح. وحين تغدو عاجزاً عن الارتياح تغدو عاجزاً عن نيل كل ما هو ذو قيمة. الواقع أننا لا نحتاج إلى أن نهتم بأي شيء. فالحياة أبدية. لقد كنا دائماً هنا وسنبقى هنا. نحن خالدون. الجسد يتغير وكذلك العقل، ولكننا لسنا الجسد ولا العقل.
فقط من خلال التأمل العميق يكتشف المرء الحقيقة البسيطة التي تقول، نحن لسنا جسداً ولا عقلاً. نحن وعي وانتباه. نحن الشهود الذين يشاهدون اللعبة بكاملها. وحين تعرف هذه الشهادة تتذوق شيئاً من الرحيق. إنه الرحيق الذي بحث الخيميائيون عنه طويلاً ولم يجدوه.















في الأحوال الاعتيادية، يحيا الانسان كالروبوت (الرجل الآلي). إنه يستمر في فعل أعماله دون إحساس . إنه يأكل، يمشي، يتحدث ، يستمع. وعقله يتجول في كافة أنحاء العالم. منظوراً إليك من الخارج، قد تكون جالساً إلى الطاولة تتناول طعام الصباح، ولكن منظوراً إليك من الداخل، قد تكون متواجداً آنذاك على سطح القمر .. أو أي مكان آخر. يستطيع الإنسان أن يكون متواجداً في أي مكان. ولكن ثمة شيئاً واحداً ثابتاً تقريباً. إنك لست متواجداً. إلى الطاولة . وجودك إليها عملية أتوماتيكية، أنت تستمر في تخزين الطعام في جوفك، ولكنك لست هناك.
علينا أن نفكك أوتوماتيكية أعمالنا، علينا أن نصير أكثر هدوءاً في كل فعل نفعله. لذا، عليك أن تصير واعياً ومنتبهاً. عندما تمشي، لا تمشِ على الدرب نفسه، وبالسرعة القديمة نفسها، خفف سرعتك، إلى درجة أن تصبح منتبهاً، وإلا ستعود إلى سرعتك السابقة. ذلك عمل أوتوماتيكي.
إفعل أي شيء بصمت تام، بهدوء تام، بسلام تام، بشكل وامتنان تامين، حتى يغدو كل عمل تقوم به تأملاً عميقاً في الوعي. إذا استطعنا تحويل أفعالنا إلى تأملات، عندئذٍ تستطيع تأملاتنا أن تنتشر فوق كامل حياتنا، من الصباح إلى الليل. حين تستيقظ في الصباح، كن واعياً للتو، إنهض من فراشك، ولكن كن منتبهاً.
سوف تنسى ذلك عدة مرات في البداية، استنهض ذاكرتك مرة ثانية وثالثة. وبهدوء بهدوء، يمتلك المرء مفتاح الانتباه. وما إن تمتلك مفتاح الانتباه لكيف تكون واعياً في حياتك اليومية، تحصل على المفتاح السري للوعي. وهذا هو أهم ما يمكنك الحصول عليه. ليس هناك ما هو أكثر أهمية من ذلك المفتاح السري.








لقد سيطر أناس حزانى على كامل ماضينا. إنهم يستمتعون بالسيطرة على الآخرين. ليس عندهم أية متعة أخرى، متعتهم الوحيدة سحق الآخرين وسحق حرياتهم، وجعل المزيد من الناس بلا متعة. إنهم يغارون ويغضبون كثيراً من السعداء الذين يستطيعون الغناء والرقص والابتهاج.
لقد سلبوا فرح البشرية ومتعتها وجعلوا من الخوف رفيق الإنسان.
أنا هنا لأخلق إنساناً جديداً، من خلال رؤية جديدة لمفهوم التدين الذي يجدد حياة ووجود الإنسان. أنا أعلِّمُ دينَ المحبة، الضحك، والاحتفال. هذه هي تجربتي الخاصة، التي تقيم لك جسراً تعبر فوقها إلى الوجود وأنت ممتلئ بالنعمة.
أنا أُعلِّم النعمة ولا شيء سوى النعمة.















تذكر كلمتين: الجاذبية والامتنان. الجاذبية قانون الأرض، إنه يجذب الأشياء إلى الأسفل. الامتنان قانون السماء، إنه يجذب الأشياء إلى الأعلى. لقد اكتشف العلم الجاذبية، واكتشف الدين الامتنان.
نولد عادة ونحيا بقانون الجاذبية. كامل حياتنا انجذاب نحو الأسفل. نبدأ بالولادة وننتهي بالموت. نبدأ بكامل حيويتنا وننتهي جثثاً . هذا هو الانجذاب نحو الأسفل.
ما لم يبدأ المرء بالتحرك إلى داخل ذاته، لا يستطيع القانون الثاني، الامتنان، أن لعمل. إذا بقينا متماهين مع أجسادنا، يهيمن علينا قانون الأرض، فالجسد جزء من الأرض.
عندما نبدأ بالتحرك إلى داخل ذواتنا – وهذا هو مجال التأمل – نصير واعين لوجود شيء ليس جزءاً من الجسد. لكنه موجود في داخله. الجسد هيكل فقط. إنه ليس مؤلماً ولا معبوداً.
حين تصير واعياً لوجود المؤله والمعبود الداخلي الذي يسكن داخل الجسد، يبدأ القانون الثاني مباشرة بالعمل، تشعر أنك منجذب إلى الأعلى. تغدو الحياة أكثر وفرة، أكثر غنى، أكثر اتساعاً لا محدودة، أكثر كمالاً. تتحرك حياتك باتجاه السماء، ليست السماء الحد النهائي لحياتك. سر كل ذلك كامن في التأمل.











للجسد مجال محدود، بين الحياة والموت، وكذلك هو العقل. فالعقل ليس منفصلاً عن الجسد . إنه الجانب الداخلي للجسد.
اللغات تعطي الفكرة الخاطئة التي تعتبر الجسد والعقل كيانين منفصلين. الحقيقة أنهما كل واحد يسمى: جسد العقل. إنها عبارة واحدة وحقيقة واحدة. وتماماً كما لقطعة النقود وجهان ولكل جدار جانبان، كذلك هو الحال مع عبارة جسد العقل . الجسد محدود والعقل محدود . وبالتالي هناك الخوف من الموت. الجسد لا يخاف لأنه لا يمتلك الوعي. ولكن العقل يخاف فيرتجف.
إنه الخوف من مجيء الساعة عاجلاً أم آجلاً. المشكلة هي أننا لم ننجز شيئاً بعد، بينما حياتنا تتدحرج نحو الهاوية. في كل لحظة يصير الموت أكثر اقتراباً منا وتنزلق الحياة من بين أيدينا. وبالتالي، إنه الخوف، والقلق، والكآبة.
يحتاج المرء إلى أن ينفصل عن التماهي مع جسد العقل الذي يحيط بوجوده الداخلي. يمكن فعل ذلك. لقد فعل ذلك آخرون. وكل إنسان قادر على فعله. إنه ليس عملاً مستحيلاً، هو صعب بالتأكيد، ولكنه ليس مستحيلاً. وأمر حسن أن يكون ذلك الانفصال صعباً، لأنه يولد التحدي في أنفسنا.












أن تتمرد ضد كل ما هو ميت وغبي، تلك هي المغامرة الأعظم ، الثورة الأعظم. وهي التي تعطيك رهافة الروح والذكاء. في الواقع إنها تُوّلَّدُ فرداً متكاملاً في ذاتك وضمن ذلك التكامل تتفتح أزهار النعمة، هكذا تبدأ ذاتك في النمو، بينما يبقى الآخرون متقاعدين خاملين.
إن متوسط العمر البسيكولوجي للكائنات البشرية لا يتعدى الإثني عشر عاماً ، بينما نحن نعيش في عالم متقاعد. حتى الناس الذين بلغوا الثمانين أو التسعين هم مسنون جسدياً فقط. لقد تقدموا في العمر الزمني، ولكن على المستوى البسيكولوجي ما زالوا قريبين من عمر الإثني عشر عاماً.
هكذا يمكنك أن ترى هؤلاء المسنين كيف ينسون أعمارهم أحياناً، ويبدأون في التصرف تصرفاً صبيانياً. اعطهم مزيداً من الشراب المسكر الذي اعتادوا على شرابه، وسوف ترى كيف يتصرفون كصبي غبي. المسكر لا يولد الغباء، ولا يحتوي مواد كيماوية. إذا كان الغباء موجوداً فإن المشروب يستطيع إخراجه، هذا صحيح. المخدر يستطيع إخراج حقيقتك الداخلية. لا يستطيع المشروب أن يضيف شيئاً إلى تلك الحقيقة، ولا يستطيع أن يلغي شيئاً منها. ببساطة، يستطيع المخدر مساعدتك على إفلات سيطرتك على نفسك.
فقط قم فإهانة شخص ما وخلال ثوان لا يعود ذلك الشخص في عمر الثمانين، بل يصير إن الثانية عشرة، ويفتعل مشكلة معك. إنه ينسى كل ما يتعلق بحكمته وتجاربه.
كن جسوراً، جسوراً بطريقة عاطفية مركزة، جسوراً كلياً، مخاطراً بكل شيء ، لأنه ما لم تخاطر بكل شيء فإنك سوف لن تكون قادراً على معرفة البهاء الداخلي لحياتك . عندما تخاطر بكل شيء تنفتح حياتك للمرة الأولى إلى حدها الأقصى وبشكل كامل.






ما لم نسكب طاقتنا الكاملة في التأمل يبقى التأمل حلماً، ولا يتحول أبداً إلى واقع. يحتاج التأمل إلى كليتنا. لا نستطيع التأمل جزئياً، أو لبرهة وجيزة، لمدة ساعة في اليوم أو ربع ساعة في المساء.
التحول ممكن فقط عندما يصبح يومنا بكامله تأملاً مستمراً، الاستمرارية مطلوبة. لذا، مهما يكن نوع ما تفعله أثناء السير أنت تتأمل، تناول الطعام أنت تتأمل، أثناء الإصغاء وأثناء التكلم أنت تتأمل.
ببساطة، أعني بالتأمل الوعي. مهما يكن نوع ما تفعله على المرء أن يكون واعياً كلياً لأي نشاط يقوم به، جسدياً، عقلياً ، عاطفياً، عندئذٍ يصير التأمل ظاهرة تمتد طوال أربع وعشرين ساعة في اليوم.
في يوم ما ستحدث المعجزة، وتلك المعجزة هي أن المرء يستطيع النوم بوعي تأملي. الجسد ينام ، ولكن في مكان ما في عمق ذاتك يستمر جريان تيار وعيك. تصير واعياً في نومك. إنها ظاهرة مثيرة للتناقض، ولكنها تحدث. في ذلك اليوم ، يصل التأمل إلى ذروة اكتماله. وما لم يحدث ذلك يبقى هناك شيء مفقود. فقط حينئذٍ يستطيع المرء أن يموت متأملاً. إذا لم تستطع أن تنام متأملاً، كيف يمكنك أن تموت متأملاً؟ والذي يموت متأملاً لا يولد مرة أخرى من جديد. بل يصبح جزءاً من الكون الخالد، إنه ينتقل ليحيا في الخلود، في الوجود. إنه سوف لا يعود أبداً إلى سجون الجسد من جديد.









ليس صدفة أن يشعر المسنون بالمرارة الشديدة. من الصعوبة بمكان العيش مع المسنين، حتى إذا كانا والديك. صعب جداً لسبب بسيط هو أن كامل حياتهما ذهب سدى. لذا، إنهما يشعران بالمرارة الشديدة. إنهما يزعجهما كل شيء ولا يستطيعان التسامح مع الأطفال إذا كانوا سعداء، يرقصون، يغنون، ويصيحون صيحات الفرح، إنهما لا يستطيعان التسامح مع ذلك أبداً.
في الواقع إنهما يشعران بالمرارة من كل ما يسمى الحياة. ويستمران في اختلاق الأعذار .. من النادر جداً أن نجد رجلاً مسناً لا يشعر بالمرارة. إذا كان ذلك الرجال موجوداً، فهذا يعني أنه قد عاش حياة جميلة حقاً، ويمتلك هذا الرجل المسن جمالاً هائلاً لا يستطيع أي شاب امتلاكه. لقد شاهد الكثير من الأمور وعاش الكثير من الأمور إلى حد أنه يشعر بامتنان هائل نحو الوجود.
ولكن من الصعب جداً أن نجد ذلك الرجل المسن، فقط الشخص اليقظ والمنتبه يستطيع ألا يشعر بالمرارة في عمر متقدم، ويدرك أن الموت آتٍ لا محالة، فماذا تبقى لهذا الرجل العجوز ليكون سعيداً؟
الشعور بالمرارة حالة من الجهل. عليك أن تتجاوزها، عليك أن تتعلم الوعي الذي يصير جسراً ينقلك إلى ما هو أبعد من التذمر والتشكي إلى حيث يفوح العبير. فالطاقة نفسها التي كانت تشعرك بالمرارة تحولت إلى عبير.










التطور ظاهرة لا واعية. إنها ظاهرة طبيعية. يقول العلماء إن الإنسان ابتدأ في الوجود كسمكة في المحيط. ومرت ملايين السنوات بين مرحلة السمكة ومرحلة الكائن الإنساني. لقد توجب على الإنسان أن يمر بكافة أنواع المراحل الحيوانية. المرحلة الأخيرة قبل الإنسان كانت حيواناً يشبه القرد.
كل ذلك حدث بشكل لا واعٍ. لم يُبذل جهد لتحقيق ذلك. ولكن منذ أن أصبح الإنسان إنساناً يبدو أن تلك العملية التطورية توقفت. يبدو أنها وصلت إلى ذروتها، لأن الانسان أصبح موجوداً منذ آلاف السنين ولم يحدث تطور أبعد من الإنسان. هذا يظهر لنا شيئاً واحداً، الطبيعة قد فعلت كل ما بوسعها أن تفعله. الآن حان الوقت لأن نمسك الأمور بأيدينا. علينا أن ننتقل من التطور إلى الثورة.
التطور يعني اللاوعي، الثورة تعني الوعي. التطور هو النمو، ولأن التطور ليس واعياً فإنه استغرق ملايين السنين. الثورة نمو أيضاً، ولكن لأن الثورة عملية واعية فإنها شبيهة بالقفزة النوعية . إنها ليست تدريجية، أنت لا تثور خطوة فخطوة وبهدوء. كل المسألة تعتمد عليك ، وعلى شجاعتك. حتى من خلال خطوة واحدة، يستطيع الإنسان أن ينتقل من الكائن الإنساني إلى الله، كل ذلك يعتمد على طاقتك، والتزامك، وكليتك وشمولك.
لم يعد هناك إمكانية للإنسان بالنمو الطبيعي. سوف يبقى إنساناً إلا إذا قرر أن ينمو نمواً واعياً، حراً، هادفاً. هذه هي غاية الزهد: تصميم على النمو نمواً واعياً. وتلك هي بداية الثورة . إذهب إلى ما وراء التطور وابدأ الثورة في حياتك.









تفرض الإنسانية مخاطبة الطفل بالقول: "أنت تمتلك بذور الحب، النعمة، الحقيقة، ولكنها ما زالت بذوراً. وعليك بذل جهداً هائلاً لزرع هذه البذور، وتعلم فن العناية بها، وتصبر لحين تصبح نبتة ومن ثم عليك إنتظار موسم تفتح الأزهار".
وهذا هو ما نفعله في هذا الكتاب. إنه اختبار في الزراعة الداخلية، في فن العناية الداخلية بالحدائق، إنما عليك إدراك أنت حتى الآن ما تزال تعيش في التفاهات وأن كل ما فعلته، فعلته متأثراً بها. علينا أن نمسح لوح حياتنا ونجعله نظيفاً وفارغاً وعدما لإلتفات إلى الماضي.
إبدأ من اللاشيء. كما لو أنك قد ولدت اليوم، وعليك الآن أن تبدأ الحياة. إنسَ الماضي، لا تحمله على كتفيك.
الماضي لم يعطك شيئاً. لقد كان ماضيك تراجيدياً، وليس هناك حاجة إلى أن تتحمل أثقاله. كن متحرراً من ماضيك من أجل أن تختبر الحياة بانتعاش جديد.














يولد كل فرد بلا بصيرة ولكنه يمتلك قدرة الإبصار. نولد عمياناً لأننا لا نكون واعين أو منتبهين. فقط من خلال الحياة وتجاربها، الصالح منها والطالح، المؤلم والمنعم، يبدأ الإنسان رويداً رويداً في الاستيقاظ. فقط من خلال الحياة الغنية. وبكلمة غنية أغنى الحياة التي عشناها بكثافة وعمق، يصبح المرء قادراً على فتح عينيه. في تلك اللحظة بالذات يمر المرء بتحول هائل. عندئذٍ، لا تبقى الحياة أبداً على ما كانت عليه.


















عندما تكون عيناك مغلقتان فأنت لا ترى سوى الظلام. عندما تكون عيناك مفتوحتان تتلون حياتك بكل الألوان وبكل الأنوار. الله هو معاينة الوجود بعينين مفتوحتين. أولئك الذين ينكرون وجود الله يقولون ببساطة إنهم عميان. وهم ليسوا عمياناً فقط، بل معاندون أيضاً. إنهم يؤكدون أنهم ليسوا عمياناً، ولا يعترفون بوجود الله.
إذا أبقيت عينيك مغلقتين، قد تكون الشمس مشرقة في السماء وتفيض بالأنوار ، ولكنك لا ترى سوى الظلام. فقط غشاء صغير على عينيك يكفي ليمنعك من رؤية الحقيقة.
الحياة هي المعلم الأعظم. إنها تجعل كل إنسان مستعداً للقيام بالقفزة الكبرى من الظلام إلى النور.















في اللحظة التي نستيقظ فيها من عمائنا، نتعجب من عبثية وبلاهة وسخافة كل تعاساتنا ومعاناتنا ، ونتساءل: "لماذا كانت معاناتنا؟ وما جدواها؟ عانينا لمدة طويلة، ولسبب تافه ورثناها وبسبب أفكار خاطئة".
لذا يعتبر الصوفيون عالمنا وهماً، أو "مايا". إن طبيعة المعاناة طبيعة إبهامية . أما النعمة فهي طبيعتنا الحقيقة، تذكر ذلك ثانية وثالثة ورابعة.


















يستطيع الإنسان أن يحيا بثلاثة وجوه: إما بوصفه حيواناً أو بوصفه كائناً إنسانياً أو بوصفه إلهاً. عادة يحيا الناس كالحيوانات، حياتهم لا تختلف كثيراً عن حياة باقي الحيوانات. الفرق الوحيد هو أن الإنسان حيوان أسوأ من سائر الحيوانات. الفرق الوحيد هو أن الإنسان حيوان أسوأ من سائر الحيوانات. إنه أكثر مهارة منها وبالتالي أكثر فساداً وإفساداً. إنه يسيء استعمال قدراته. بدلاً من أن يكون خلافاً يغدو مدمراً.
يولد المرء شبيهاً بالحيوان. قلة فقط تعدو كائنات إنسانية. فالإنسانية إسم بلا مسمى ولم نصل إليها بعد.
وحدهم الناس القادرون على الاختيار، هم الكائنات الإنسانية المتفوقة على الحيوانات، الذين صاروا قادرين على التحكم بمصيرهم، من يمتلكون حس الاتجاه، المبدعون والمبتكرون، الذين حياتهم استكشاف مستمر، لوجودهم ولنموهم والذين لت يكتفون بالغرائز ويريدون أن يصيروا مثقفين. أولئك هم البشر الإنسانيون. وقلة منهم فقط ترتقي إلى المطلق والإلهي.













يحيا الانسان بشكل ميكانيكي ، تماماً كمن يسير في نومه، إنه يستمر في فعل الأشياء ولكن مثل الروبوت. إذا بدأت بمراقبة أفعالك ستندهش من تكرارك للأخطاء نفسها كل يوم. كنت قد اتخذت قراراً إلا تكرر تلك الأخطاء، ولكن قرارك بقي بلا جدوى. عندما يواجهك الموقف من جديد، يكون رد فعلك المباشر كما كان في السابق. أنت لا تعرف يف تستجيب استجابة مناسبة.
هناك كلمتان لهما دلالة خاصة: "رد الفعل" الذي هو ميكانيكي، غير واعٍ، و"الإستجابة" التي هي غير ميكانيكية وواعية. الاستجابة تعني العمل بحسب طبيعة الموقت بكل ما يستجد فيه من امكانيات، و "رد الفعل" يعني العمل بحسب النموذج القديم.يعني الانصياع لأجوبة جاهزة والانسياق وراء برنامج موضوع، وأن تصير مأموراً وخاضعاً للماضي، هذا هو "رد الفعل"، بينما العيش في اللحظة الراهنة، من غير أي تدخل من الماضي، يعني "الاستجابة".














الفرق الوحيد بين الحالة الحيوانية والحالة الإنسانية هو أن الحالة الحيوانية غير واعية بشكل مطلق، بينما الحالة الإنسانية واعية إلى حد ما. والفرق الوحيد بين الحالة الإنسانية والحالة الإلهية هو أن الحالة الإلهية واعية بشكل مطلق.
يحيا الإنسان بين اثنتين: الحالة اللاواعية بشكل مطلق عند الحيوانات والحالة الواعية بشكل مطلق عند أنصاف الألهة. ويستطيع الإنسان إما أن يهوي ويسقط من جديد في الظلام، أو أن يرتقي نحو الأعلى.



















الشهر 12
ليس مطلوباً من الإنسان أن يزحف
أو يدب على الأرض


يتكون الجسد الإنساني من الظلام، والروح الإنسانية من النور، وحيث يلتقي النور بالظلام، تكون هناك منطقة العقل.
العقل هو قليل من النور وقليل من الظلام، لذا هو في حالة من التوتر الدائم، لأنه مشدود إلى اتجاهين متعارضين متقابلين . يشد الجسد العقل نحوه، وتشد الروح العقل نحوها. كلاهما، الجسد والروح، قوتان مغناطيسيتان متعادلتان تقريباً. وهكذا، يبقى العقل معلقاً بينهما. يختار الجسد أحياناً والروح أحياناً. ولكن مهما كان ما يختاره العقل، هناك دائماً الإحساس بأن الاختيار كان خاطئاً، لأن الجانب الآخر قد أهمل. هناك الإحساس أن ثمة شيئاً ما مفقود دائماً.
يعيش العقل باستمرار في حرية الاختيار . كل حرية اختيار ستصبح نصفاً فقط، والنصف الآخر سيقوم بالانتقام ، وبالتالي العقل هو القلق والمعاناة.
لا يستطيع العقل أن يصبح جزءاً إما من الجسد أو من الروح. لذا، ينبغي على المرء أن يخرج من عقله ليتحرر من التوتر. ما لم يتجاوز المرء عقله، ويمضي إلى ما وراءه، لن يستطيع أن يشعر بالسلام.
ليس هناك ما هو أفضل من سلام العقل. يتحدث الناس ، بلغو باطل، عن سلام العقل . العقل يعني اللاسلام. ليس هناك عقل معنيٌ بالسلام. لذا، فالتعبير الصحيح يجب أن يكون " سلام اللاعقل"، عندئذٍ أنت متمركز في كينونتك الحقيقية.



العقل محب للجدل وللنقاش. إنه مستمر في جدليته إلى اللا نهاية. إنه يجعلك متورطاً ولا يعطيك أبداً أي استنتاج. إنه غير حاسم. تلك هي طبيعته. ولهذا السبب لم تستطع الفلسفة أن تكون قادرة على إعطاء الإنسانية استنتاجاً واحداً. لقد كانت الفلسفة تمريناً لا طائل تحته، وبلا جدوى ، بكل ما في الكلمة من معنى، ولآلاف من السنوات ، بقي فيها الناس الأكثر ذكاء منخرطين، في ذلك العمل الفلسفي الغبي.
يجادل العقل ولكنه لا يصل إلى استنتاج، أما القلب فلا يجادل أبداً ويعرف الاستنتاج. هكذا هو الأمر كما هو عليه، وتلك هي إحدى خفايا الحياة. العقل مثير للضجيج، ولكن كل هذه الضجة هي بلا نفع . أما القلب فصامت ، يتسلم البضائع ويرسلها بصمت دؤوب.
إنتقل من الرأس إلى القلب، من الجدل والنقاش إلى اللا جدل، فتصبح الحياة فجأة ظاهرةً جديدة، ممتلئة بالمعنى والأهمية ، بالجمال والشذا والأريج، ممتلئة بالنور والحب.
كل هذه الخصائص الأخيرة مجتمعة مع بعضها، هي معنى الألوهة والإيمان.












الأفكار كالظلام، إنها تظهر إلى الوجود مثلما يظهر الظلام إلى الوجود. تبدو الأفكار الشبيهة بالظلام حقيقية، ولكن ما إن يدخل النور حتى يختفي الظلام.
لهذا السبب أنت لا تستطيع فعل أي شيء مباشر مع الظلام: لا تستطيع أن تستجلبه إلى الداخل . لا شيء على الإطلاق يمكن فعله مع الظلام لأنه، غير موجود أساساً. فهو لا وزن له، إنه غياب النور. لذا عندما تُدخل النور إلى الداخل، يختفي الظلام.
تصح المسألة نفسها على العقل. العقل غياب التأمل. حين تدخل إلى داخل التأمل يختفي العقل كالظلام تماما.ً فقط حينئذٍ يعرف المرء أنه قد عاش في عالم وهمي لا وجود له. العقل هو العالم الذي نعيش فيه. لكن العالم الحقيقي بعيد جداً هنا. العقل كامن بيننا وبين الحقيقي، إنه يستمر في تشويه الحقيقي، وتفسيره، وفي أسقاط نفسه عليه . إنه لا يسمح لك أبداً أن ترى الحقيقة، ولا يسمح لك أبداً أن ترى حتى نفسك. وحين تحيا من خلال العقل، وكما يحيا العقل، يصير اللا ملموس واللا أساسي مهيمناً على كل حياتك ومسيطراً عليك.
تلك هي المشكلة الوحيدة . أن نحيا ضمن شيء وهمي هو أن تحيا في ضلال. حيث لا نمو، ولا نضوج، لا غنى ، لا تفهم، لا نعمة، لا حقيقة، ولا جمال.











وحده القلب المحب يستطيع أن يلامس قلب الوجود. العقل ضحل وسطحي، إنه لا يعرف شيئاً عن الأعالي والأعماق. لا يستطيع العقل أن يعطيك أية رؤية داخلية إلى قلب الحقيقة. لهذا السبب يحتاج قلبك إلى أن يقوم بوظائفه ، واحب ليس أكثر من رنين القلب وطنينه.
اسمح للقلب أن يعني أغنيته. ولا تصغ لما يقوله العقل. العقل سوف يدين قلبك، ويقول: "هذا غير عقلاني!".
مثلاً عندما تفرض المناسبة عليك أن تكون تعيساً، وتبدأ بإنشاد أغنية ، سيقول العقل: "هذا ليس صواباً، ليس هكذا تكون الأمور، عليك أن تكون تعيساً، هذا هو المنطلق.
اسمح لقلبك أن يغني، يرقص، ويبتهج . ستبقى كلاب عقلك تنبح قائلة: "هذا غير عقلاني، هذا ليس متوقعاً، هذا ليس أخلاقياً". ستدين هذه الكلام كل ما هو شاعري في داخلك، والحب الكامن في داخلك. ستحاول هذه الكلاب بكل طريقة ممكنة أن تسحبك من داخل قلبك ، لأن قواها النابحة في خطر داهم. ولكن لا تستمع إليها بل استمر في الغناء والرقص والاحتفال. وفي يوم قادم ستصاب بالدهشة: الكلاب لم تعد تنبح، لقد تركتها في مكان بعيد.
ذلك اليوم حين يأتي هو يوم مبارك بشكل عظيم. ستبدأ الأزهار بالهطول عليك، وسيبدأ كامل الوجود في سكب كل أنواع المسرات والمباهج عليك. لقد صرت متصلاً بالكل الشامل، أصبحت مبصراً. الحب يجعل المرء مبصراً، إنه يمنح المرء عينين مبصرتين.








العقل المتذمر لا يستطيع أبداً أن يصير متديناً. من المستحيل على العقل المتذمر أن يصير متديناً، لأن العقل المتذمر لن يغدو واعياً لحقيقة أساسية وهي أن الوجود يحبك ، ويهتم بك، وأن الرياح والأمطار والشمس والقمر ... كلها تصادقك. ومهما يحدث، قد يبدو لعنة بالنسبة إليك، ولكنه ليس لعنة أبداً ، إنه نعمة دائماً. ربما في البداية، قد يبدو ما يصيبك شبيهاً باللعنة،لأن بصيرتنا محدودة جداً، ومجال الرؤية صغير جداً عندما. فنحن عاجزون عن رؤية المسألة بكاملها، بل نستطيع فقط أن نرى تداعياتها. ولا نستطيع رؤية كامل مسلسل الأحداث الذي سيلحقها ، أما إذا استطعنا رؤية كامل مسلسل الأحداث الذي سيلحقها ، أما إذا استطعنا رؤية ذلك، فسنشعر بالامتنان، وبالنعمة.
حتى في الموت، فإن الإنسان الذي يفهم حقيقة الموت سوف يواجهه بشكر هائل نحو الوجود، لأن الموت بالنسبة إليه نوع من الراحة. بالنسبة إليه ليس الموت نهاية الحياة بل بداية حياة أعظم وأوسع بكثير من هذه الحياة. هذه الحياة كانت فقط تدريباً اختبارياً للحياة الحقيقية. هذه الحياة الميتة لم تكن حقيقية. الدراما الحقيقية تبدأ بعد الموت. أما بالنسبة لأولئك الذين لا يتفهمون فإن التدريب الاختباري هو الشيء الحقيقي، وعندما ينتهي التدريب يصرخون ويبكون ولا يريدون المغادرة ، بينما كل ما في الوجود هو نعمة.












التأمل يعني ببساطة أن تصير فارغاً من كل محتويات العقل: الذاكرة، المخيلة، الأفكار ، الرغبات، التوقعات ، المشاريع، والأمزجة.
على المرء أن يفرغ نفسه من كل محتوياتها. اليوم الأعظم في حياتك هو عندما لا تستطيع أن تجد شيئاً ترميه خارج ذاتك، عندما يكون هناك فراغ نقي. في ذلك الفراغ ستجد وعيك النقي.
الفراغ في ذاتك فارغ فقط في ما يتعلق بالعقل. باستثناء ذلك، فراغك ممتلئ ودفاق. إنه فراغ ممتلئ بالوجود، فارغ من العقل ولكنه ممتلئ بالوعي. لذا، عليك ألا تخاف من كلمة " فراغ" ، إنها ليست كلمة سلبية تنفيك. إنها تنفي فقط الحوائج والأغراض غير الضرورية والتي لم يعد لها فائدة والتي كانت تحملها عاداتك القديمة والتي لم تعد تفيدك، بل أصبحت عائقاً لحركتك، والتي باتت أحمالاً ثقيلة ترهق كاهلك.
ما إن تتخلص من هذه الأثقال حتى تصير متحرراً من كل الحواجز ، تغدو لا متناهياً كالسماء. تجربة هذا التحرر هي تجربة "الألوهة المتألهة" أو أي كلمة تريدها. سمها "الدهارما" أو "التاو"، أو "الحقيقة" أو "الترفانا"، كل هذه التسميات تعني شيئاً واحداً.










يحتاج الإنسان إلى قلب نقي ليتواصل مع الوجود . يصير القلب نقياً عندما لا يعود العقل مسيطراً على ذاتك. لذلك يبقى القلب مشوشاً. يلتصق العقل على القلب مثلما يلتصق الغبار على المرآة. العقل ليس أكثر من غبار للأفكار. كل فكرة هي حفنة من غبار ولا شيء آخر. ينبغي على المرء أن ينظف مرآة قلبه من كافة الأفكار، بهدف الحصول على النقاء.
لا علاقة للنقاء بالأخلاق، بالطبع، القلب النقي ممتلئ بالأخلاق، ولكن الشخص الأخلاقي ليس نقياً بالضرورة.
الشخص الأخلاقي ما زال يحيا من خلال عقله: واخلاقيته نتيجة سيطرة العقل عليه. والعقل لا يعرف النقاء لأنه ليس بريئاً. لذا، تذكر ، الأخلاقيات لا تؤدي إلى النقاء والعكس صحيح. النقاء يؤدي بالتأكيد إلى الأخلاقيات ، ولكن يأتي النقاء أولاً، ثم تتبعه الأخلاق.















وجودنا الحقيقي كامن في نواتنا الداخلية الأعمق وليس في أي مكان. لا يحتاج المرء إلى الذهاب إلى أي مكان، بل عليه أن يرجع إلى البيت. إنها ليست رحلة من هنا إلى هناك ، على العكس، إنها رحلة من هناك إلى هنا. لقد كنا موجودين هناك وعلينا أن نتواجد هنا. لقد كنا منطلقين دائماً مع "الحينئذ" وعلينا أن نعود إلى الآن.
لذا، حالما يبدأ عقلك بالتحرك إلى مكان بعيد "هناك"، أرجعه إلى الـ "هنا". هنا يبدأ عقلك بالتحرك إلى الماضي أو المستقبل أرجعه إلى الآن. عليك أن تتذكر هاتين الكلمتين: الآن وهنا. وبهدوء بهدوء يبدأ الإنسان في عيش الحاضر الآن وهنا. وتلك هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع من خلالها الالتقاء بالوجود. فالوجود هو الآن وهنا.
وللأسف ، لسنا متواجدين الآن وهنا أبداً. حين تصير متواجداً الآن وهنا يحدث اللقاء الذي لا مفر منه بالوجود.













حبذا لو ندرك أهمية الإنتباه والإهتمام في عملية نمو الروح. الطفل يحتاج إلى حليب الأم، ولكن حتى أكثر من ذلك، يحتاج إلى اهتمامها. إذا اكتفت الأم بإعطاء الغذاء لجسد طفلها ولم تقدم أي عناية أخرى، فسيشعر الطفل أنه مهمل، متجاهل ويتوقف نموه ويفقد ثقته، ويفقد الهدف الأساسي للحياة. يبدأ بالشعور بأنه بلا نفع، وأنه لا حاجة إليه. أن تشعر بالحاجة إليك هي الحاجة الأعظم. بدونها، وبدون مناخها الحميم لا شيء ينمو.
الشيء نفسه يحدث في عالمنا الداخلي، إذا بقيت دواخلنا صحراء جرداء فنحن مذنبون. لأننا لم نقدم لها عنايتنا، ولم نهتم أبداً بها .. والشيء الأكثر أهمية الذي نحتاج إليه هو الاهتمام: إعطِ مركزك الداخلي المزيد من الاهتمام. كلما كان عندك وقت أغلق عينيك أمام العالم بأسره وانسَ كل ما يتعلق به. إغسل مركزك الداخلي بكل اهتمام. إنه نوع من العناية بالحدائق، نوع من الزراعة، يستحضر متعة هائلة لأنه عندما تصل إلى رؤية أزهار وعيك تدرك أن الحياة لم تذهب سدى، وأنك لم تضع الفرصة، بل لقد استعملتها.













التجربة الأكمل للحياة تثير التناقض. إنها صوت الصمت. الآن، من وجهة نظر المنطق، إنها فكرة عبثية، إما أن يكون للشيء صوت أو يكون صامتاً، لا يمكن أن يجمع الشيء الميزتين معاً. ولكن أولئك الذين عرفوا الكل الشامل يوافقون على أن هناك صوتاً للصمت. إنه صوت كف واحدة تصفق . كل أولئك العارفون يتفقون على الطبيعة التناقضية للحقيقة الأكمل لأنها تحتوي المواجهة بين الأقطاب. إنه النهار والليل في وقت واحد، إنها الحياة والموت معاً. المنطق طبيعته تقسيميه، والتجربة طبيعتها توحيدية. المنطق يولد المتناقضات ، والتجربة تجعلك واعياً لعدم وجود المتناقضات على الإطلاق. كل المتناقضات هي استكمالات.
تعريف الحقيقة هي الذي يؤكد على خلودها. كل ما هو غير خالد هو واقعة أو حادثة فقط لكنه ليس الحقيقة. والفرق غير خالد هو واقعة أو حادثة فقط لكنه ليس الحقيقة. والفرق بين الواقعة والقصة الخيالية ليس كبيراً. ما هو واقعة حدثت يمكن أن يكون قصة خيالية وقعت أحداثها قبل لحظة معينة، وما هو قصة خيالية الآن يمكن أن يصير واقعة ستحدث في اللحظة التالية.
لا القصة الخيالية حقيقية ولا الوقائع حقيقية. لهذا السبب ، في الشرق لا يهتمون بالتاريخ كثيراً، لأن التاريخ يحتوي الوقائع. أما الغرب فاهتمامه متجه كثيراً صوب الوقائع.










يحيا العقل الغربي في الوعي الزمني، بينما العقل الشرقي مقارباته لا زمنية. لذا، كان التعريف الشرقي للحقيقة هو ما يتعدى الزمن. هكذا، ما لم تتجاوز الزمن لن تعرف شيئاً عن الحقيقية. في الزمن أنت ترى فيلماً على الشاشة فقط – قد يكون جميلاً ولكن لفترة من التعمق الداخلي تعرف أنه ليس إلا قصة خيالية. ثم تأتي نهاية الفيلم وتغادر، ثم تدرك فجأة أن الشاشة كانت الشيء الحقيقي والفيلم كان إسقاطاً عليها.
عالم الوقائع هو إسقاط فقط، الشاشة هي الحقيقة الموجودة أمام ذلك الإسقاط.
الشاشة هي الله، والعالم هو فيلم يتحرك فوقها. كيف يمكن اختراق الحقيقي، ذلك الذي هو والذي سيكون والذي كان دائماً؟
الطريقة التي اكتشفناها لذلك في الشرق كانت التأمل. يعني التأمل ببساطة إسقاط كل القصص الخيالية والوقائع، وتنظيف العقل من القصص الخيالية والوقائع حتى تبقى الشاشة وحيدة نقية وفارغة، نظيفة وبيضاء. ولا شيء يتحرك عليها. كل الصور المتحركة اختفت لأن كل الصور تتحرك في الزمن.
لقد توقف الزمن، وتوقفت الساعة
فجأة تنتقل إلى عالم آخر، العالم التجاوزي. عالم الحقيقة. أن تعرف الحقيقة يعني أن تعرف كل شيء. وأن تعرف الحقيقة يعني أن تكون جزءاً منها، لأنه عندئذٍ، لا يعود العارف منفصلاً عن المعروف. ويصير العارف هو المعروف، والناظر هو المنظور، والملاحِظ هو الملاحَظ.
تلك هي التجربة الأكمل التي تتحرك من كافة تخيلات العقل ومن كافة الوقائع الدنيوية للعالم.






الحقيقة إشكاليتها تناقضية، إنها تحتوي كل الأقطاب المتقابلة داخلها. ولكن من خلال رؤية الحقيقة في المجال الصحيح لا تبدو تلك الأقطاب متقابلة، بل تبدو مكملة لبعضها. لذا فإن ما يبدو متعاكساً ينظر إليه من عالم التفكير التحتي.
عندما تصل إلى قمة اللامفكر، لا يعود هناك أي تعارض، بل سترى فجأة وحدة كل المتقابلات. في المطلق يلتقي النهار بالليل ويذوب به، وتلتقي الحياة بالموت وتذوب به، والصيف والشتاء يلتقيان ويذوبان، لا يعود هناك أي اختلاف ... من الصعب جداً فهم ذلك ذهنياً، لأنه على المستوى الذهني هناك دائماً متعاكسات . الذهن لا يدرك أن تلك المتعاكسات يمكن أن تلتقي ببعضها. بسبب محدوديته.
عندما اكتشف الفيزيائيون للمرة الأولى أن جزء المادة المتناهي في الصغر، الإلكترون – الذي تحتوي عليه كل أنواع المواد – يتحرك بشكل مثير للتناقض، صاروا في حيرة من أمرهم كيف يشرحون تحركه. إنه يتحرك كجزء من نواة وكموجة في الوقت نفسه. الجزء يعني أنه كالنقطة. ويستطيع أن يكون خطاً في الوقت نفسه. الخط يعني عدة نقاط متتالية خلف بعضها. النقطة الواحدة ليست خطاً. ولكن الموجة خط.
لعدة سنوات كان هناك نقاش مثير للجدل حول كيفية وصف الإلكترون، لأن حركته لا تتناسب مع المنطق. ثم كان عليهم أن يستمعوا إلى صوت الحقيقة. إذا كانت الحقيقة تتحرك في تلك الطريقة المجنونة، فعلينا أن نشرح تحركها كما هو، وعلينا أن نترك منطقنا جانباً.
أخيراً قرر الفيزيائيون أن الإلكترون يحتوي الشيئين معاً: النقطة والخط في آن، الجزء والموجة في آن. منذ ذلك اليوم، أصبح الفيزيائيون ميتافيزيائيين. ومنذ ذلك اليوم صار الفيزيائيون يتحدثون كالمتصوفين. لقد توجب عليهم ذلك. والآن لا يوجد فيزيائي بكير يستطيع أن يقول إن أفكار المتصوفين بتناقض. الآن يعرف الفيزيائيون أنفسهم أنك لا تستطيع أن تتجنب التناقض عندما تتعامل مع الحقيقة.





الخطوة الأولى هي صمت العقل عندما تتلاشى الأفكار . حين تبدأ التأمل عليك أن تبدأ بمراقبة أفكارك. ومن خلال المراقبة فقط، تختفي الأفكار في يوم واحد.
ثم تبدأ الخطوة الثانية. صمت القلب. ذلك يحدث من خلال مراقبة المشاعر. إنها ظاهرة أكثر لطفاً، وعمقاً من الخطوة الأولى، ولكن العملية هي نفسها. إذا نجح المرء في الخطوة الأولى، فسيكون قادراً على النجاح في الخطوة الثانية. عندئذٍ وللمرة الأولى، تعرف أن المراقب الذي هو أنت قد اختفى لأنه لم يعد هناك شيء ينبغي مراقبته. ولم يعد هناك ما ينبغي معرفته لأن العارف قد اختفى أيضاً. ذلك هو الصمت المطلق الذي وصلت إليه. الخطوتان تتجهان بك إلى المطلق، الصمت.
















أن تكون مرافقاً للمعلم هو أن تحيا مع شخص مستيقظ، لم يعد نائماً، أحلامه توقفت، وكوابيسه انتهت. إن تواجُدك متناغماً مع المعلم يوقظك بهدوء بهدوء. تبدأ الطاقة الخاصة بالمعلم في اختراق وجودك. وبهدوء بهدوء تنسل تلك الطاقة إلى قلبك، وتمنحك قلباً جديداً، ونبضاً جديداً. ولا يمكنك المكوث مع المعلم من غير أن تستفيق، لأنه يناديك باستمرار، يدعوك بإلحاح إلى أن تستيقظ، يدعوك بإلحاح إلى أن تنهض من قبرك. وإذا استطعت أن تفتح عينيك، فإنك ستختبر فجأة ولأول مرة الموسيقى، الأغنية، الرقص ، وسيستمر سيل الأغاني في التزايد ، وفي التحرك إلى تصعيد يعلو شيئاً فشيئاً نحو ارتفاع لا يستطيع الشخص العادي تصور درجة علوه على الإطلاق. إنه ارتفاع يتجاوز حدود العقل، لا يمكن وصفه، أو تحديده.يبدو العقل قاصراً عن بلوغه بكل ما يحمله من منطق، لغة، كلمات، وبكل ما يحمل من إمكانيات.
في التعامل مع الماوراء، يشعر العقل للمرة الأولى بعجزه الكامل. ولكن عجز العقل يولد طاقة جديدة في ذاتك. تلك الطاقة أسميها الأغنية، الرقصة، النشوة .. إنها مملكة بين يديك. وتغدو إمبراطوراً فقط عندما يمتلئ قلبك بالأغاني، وعندما تكون تلك الطاقة كبيرة إلى حد أنك ترغب بالرقص وأن يتشارك الآخرون معك بالرقص.











كل ما هو موجود إنما هو هدايا ممنوحة لنا. نحن لم نكتسبها، بل حتى لا نستحقها. رؤية غروب جميل للشمس، هل حدث أن فكرت بجمال ما تراه، هل تستحق ذلك الجمال؟ الاستماع إلى صياح ديك بعيد، هل فكرت أنك تستحق التمتع بهذا الصياح؟ أو الإحساس بالريح من خلال أشجار الصنوبر أو مشاهدة النهر متراقصاً في مساره إلى المحيط بينما السماء ممتلئة بالنجوم .. ما الذي فعلناه لنستحق هذا الكون الجميل؟ نحن لم ندفع ثمناً للوجود، نحن لا نستحق هذا الوجود.
لكنه أُعطي لنا. انه الوعي الديني، والشعور بالامتنان الهائل للأيدي المجهولة، الأيدي غير المرئية التي خلقت هذا الوجود الجميل ، واللامعقول في جماله.
بذلك الامتنان يصير المرء متديناً، ليس بوصفه مسيحياً أو هندوسياً أو محمدياً، بل فقط من خلال شعوره بالامتنان لله.















الوجود شاسع متسع بلا حدود، وكذلك وجودنا، لأن وجودنا جزء من هذا الوجود. والجزء متحد بشكل لا انقسام فيه مع الكل الشامل، لذا مهما كانت طبيعة هذا الكل الشامل، إنها أيضاً طبيعة هذا الجزء من الكل.
عليك أن تتذكر دائماً هذه المعادلة الصغيرة. إذا كانت كل الأجزاء محدودة متناهية فإن الكل الشامل لا يستطيع أن يكون محدوداً ولا متناهياً. أما إذا كان الكل الشامل بلا حدود، عندئذٍ يجب أن تكون كل الأجزاء أيضاً بلا حدود. ونحن جزء من هذا الوجود اللامتناهي واللامحدود. نحن أيضاً بلا حدود. هكذا أعلن أصحاب الرؤيا الشرقيون جملتهم الشهيرة: "أنا لله"، قال أبو منصور الحلاج: "أنا الحق". إنها تصريحات مهمة بشكل هائل. لقد أعلنوها بالنيابة عن كل الإنسانية . إنها ليست تأكيدات أنانية، إنها عبارات تحتوي على كل الحقائق. فقط عليك أن تشعر أنك جزء من وجود بلا حدود، لا بداية له ولا نهاية.
وستشعر فوراً أنك ارتفعت وأصبحت بلا وزن. لقد تساقطت همومك ومشاغلك الصغيرة.
لقد أصبحت هذه الهموم والمشاغل ضئيلة الأهمية، بالمقارنة مع الاتساع الرحب الذي أنت عليه. لقد فقدت هذه الهموم معناها، وأصبحت لا علاقة لها بحقيقتك الداخلية.











يشعر كل انسان استفاق وعيه وانتباهه بتعاطف هائل مع الآخرين وبأنه قد قام بما في وسعه القيام به من أجل هذا التعاطف. ولكن ثمة شيئاً في عمق التجربة الوجودية لا يمكن تفسيره أو شرحه، إلا من خلال اختباره.
الحقيقة لا تستطيع أن تكون إلا التجربة. أنت ممتلئ بالنجوم، وبالأزهار، ولكنك غير قادر على نقلها إلى أي إنسان آخر. إنها غير قابلة للانتقال، ولا يمكن تعليمها. ولكن أولئك المستفيقون على الوعي والانتباه، يمكنهم الإمساك بها. الحقيقة لا يمكن تعليمها ولكن يمكن الإمساك بها.
















من المستحيل شرح الحقيقة المطلقة. إنها أشبه ما تكون بتذوق طعم ما. إذا تذوقته تعرفه. إذا لم تتذوقه، ليس هناك طريقة لإدراكه. المرء الذي لم يتذوق العسل لا يستطيع أن يدرك معنى حلاوته. المرء الذي لم يشاهد النور أبداً، غير قادر على فهم أي شيء يتعلق بالنور. الإنسان الذي عرف هو الذي اختبر، حتى لو وجد أنه من المستحيل شرح ما اختبره، بسبب عجز اللغة. التجربة واسعة واللغة ضيّقة. التجربة مقدسة واللغة اعتيادية. ولا إمكانية لبناء جسر بينهما.
هكذا تمت معرفة الحقيقة عدة مرات، ولكن أولئك الذين عرفوها حاولوا شرحها، لكنهم فشلوا. نحن ممتنون لجهودهم، لأنها اغنت حياتنا.
















كل شيء حقيقي يستمد حقيقته من اختبارك، لذا، كان تأكيدي على التجربة لا على الاعتقاد. لا تصدق ما أقوله لك ... بل حاول أن تجربه. وإذا لم تختبره قاوم إغراء الاعتقاد.
الإغراء متواجد دائماً لأن الاعتقاد سهل ورخيص. يقول العقل: "ما هي نقطة البحث، التساؤل، الإستكشاف؟ لماذا تهتم؟ إعتقد فقط!".
بوذا يعرف، المسيح يعرف، لاوتسو يعرف، زاردشت يعرف، فما هي المسألة؟ إذا اتفق كل هؤلاء على القول إن المسألة هي هكذا، فيجب أن تكون هكذا". ولكن إذا شرب زادشت ماء، فإن عطشه ينطفئ لا عطشك. إذا عرف زرداشت، فهو يعرف، لا أنت ...
المعتقد محكوم عليه بالموت، نقطة على السطر. أنت لا تهتم بهذا الأمر. هناك من تعتبره ملهماً لك. وأنت ببساطة تصدقه وتدمر ذكاءك وثقافتك. كل المرجعيات مدمرة للذكاء المثقف.
يطلب المعتقد أناساً لا يعرفون. يخافون من البحث، يخافون من الشك، يخافون من الأسئلة. إنهم يقمعون كل من يتساءل . ويدينون كل من يشك. لذا، سأكون فرضية فقط بالنسبة إليك. سأقدم لك الفرضيات، عندئذٍ عليك أن تسير باتجاه البحث. وأعرف أنك ستجد الحقيقة، لأنني وجدت الحقيقة من خلال البحث نفسه. أنا أثق بذكاء كل انسان وأثق بإمكانياته الفطرية. وعندما تكتشف أنك واحد متحد بالكل الشامل، تصل إلى البيت. الآن ستشعر بالنعمة إلى حد أنك ستبارك بهذه النعمة كامل الكون.








كل إنسان يولد حاملاً صوتاً إلهياً، مع أننا لا نسمعه أبداً. إنه صوت منخفض ساكن. إنه صوت الله فينا. ولكن رؤوسنا تمتلئ بأصوات أخرى – وهناك ألف صوت وصوت – لذا لا نستطيع أن نسمع كل الموجات الصوتية بشكل متزامن. ثمة ضجيج في داخل رؤوسنا حتى أن الله إذا نادانا لن نسمعه. وهو لا ينادي أبداً، إنه يهمس. المحبة تهمس دائماً لأن الصراخ يحتاج إلى بعض العنف. والمحبة تعرف كيف تنتظر وتصبر عليك، لذا ينتظر الله ويصبر. والمحبة تعرف كيف ترتجي وتتمنى، لذا يرتجي الله ويتمنى.
في يوم ما ستسمع صوت الله، إذا لم يكن اليوم فغداً. لذا عليك أن تصير صامتاً أكثر فأكثر، وأقل ضجيجاً من أجل أن تسمع همس الله في داخلك. تلك هي بداية الحياة الجديدة، الحياة الخالدة.















الإختبار الأكثر فرادة في الحياة هو ذلك المتعلق بالصمت، وإلا صارت الحياة ممتلئة بالضجيج. في الخارج هناك ضجيج وفي الداخل ضجيج وكلاهما كافيان ليجعلا أي انسان مصاباً بالجنون. لقد دفعا، ضجيج الخارج وضجيج الداخل، كامل العالم إلى حافة الجنون.
ينبغي على المرء أن يوقف الضجيج الداخلي – الضجيج الخارجي خارج سيطرتنا ولا حاجة، لإيقافه – ولكننا نستطيع إيقاف الضجيج الداخلي. وما إن يتوقف الضجيج الداخلي ويستوطن الصمت في داخل ذاتك، لا يعود الضجيج الخارجي مشكلة على الإطلاق . يمكنك أن تتمتع بالضجيج الخارجي، ويمكنك أن تحيا في خضمه من غير أية مشكلة. تجربة الصمت الداخلي تجربة مميزة لا يمكن مقارنتها بأية تجربة أخرى. ليس هناك تجربة أخرى تحتوي قيمة تجربة الصمت الداخلي، لأنه نتيجة لتلك التجربة تنمو كافة التجارب الأخرى. إنها الأساس لكامل معبد الدين وهيكل الإيمان.
من غير الصمت ليس هناك حقيقة، ولا حرية، ولا ألوهة. مع الصمت، تصير الأشياء غير الموجودة موجودة، وتصير الأشياء التي كانت موجودة غير موجودة. هكذا يتغير مجال رؤيتك ومجال سمعك. الصمت يجعلك قادراً على معرفة المحتجب وغير المنظور وغير المسموع ، يجعلك قادراً على معرفة المجهول. ذلك هو تميز الصمت وفرادته.










لا يهتم المجتمع بقدرتك على المحبة. بل برأسك، وبطاقتك المنطقية، لأن تلك الطاقة يمكن استعمالها كسلعة في السوق. يريد المجتمع منك فقط أن تكون كفؤاً، لا ممتلئاً بالمعنى، بل كفؤاً فقط، بمثل كفاءة الآلة. ولكن الآلة لا تمتلك أية فكرة عن الحب ولن تكون قادرة أبداً على امتلاك أية فكرة عنه.
فيما يتعلق بالرأس المفكر، عاجلاً أم آجلاً يتم استبداله بالكومبيوتر. ما يستطيع الرأس المفكر فعله يستطيع الكومبيوتر فعله بطريقة أفضل بكثير. ولكنني لا أعتقد أن أي كومبيوتر سيقع يوماً في شباك الحب. المنطق طاقة ميكانيكية، تستطيع الآلات تأدية دورها. ولكن العنصر الإنساني في داخلك هو الحب، والمجتمع ليس مهتماً به، لأنه لا يجني منه أي نفع. لذا يعلم المجتمع الناس المنطق ولا يعلمونهم شؤون الحب. وكلما شنقت رأسك بالمنطق، نسيت شؤون القلب.
نتعرف على الألوهة من خلال القلب، وكذلك على الحقيقة . القلب هو المركز الذي نستطيع أن ننطلق منه إلى الوجود. إنه العتبة التي نقفز منها إلى المحيط.
الانسان خالد. ليس هناك موت.
ولكن كيف يعرف ذلك رؤوسنا الممتلئة بالمنطق. ليس هناك وسيلة ما . الوسيلة تمر بالقلب . لذا، أقول: الحب هو التجربة الوحيدة في الحياة التي تجعلك واعياً لخلودك. وما إن تعرف أنه ليس هناك موت، ستحتفل حياتك بالشعر والرقص والغناء والابهتاج. ولأنه ليس هناك موت يستطيع المرء أن يصيح: "هاللويا"!









جهدي هنا هو أن أساعد حبك كي يصير أكبر. كل المعتقدات تعتبر الحب يولد التعاسة وتدعو للتخلي عنه. أنا أيضاً أرى أن الحب يولد التعاسة، ولكن باعتباري أعلم التخلي عن الحدود المفروضة على الحب. عليك أن تجعل حبك بلا حدود.
موقف ما يسمى بالتقاليد الدينية وموقفي ينطلقان من النقطة نفسها، ولكننا نتحرك في اتجاهات مختلفة. التقاليد الدينية تعتقد أن الحب يولد المشاكل، أما أنا فلا أعتقد أن الحب يولد المشاكل. الحدود المفروضة على الحب هي التي تولد المشاكل. التخلي عن الحب ليس هو الحل. بل عليك أن تتخلى عن حدود الحب. كن محباً فقط.
إجعل الحب ظاهرة طبيعية متدفقة منسابة.
عندما تحرر حبك من الحدود المفروضة عليه تصبح حراً. وحين يصير حبك حراً يصير وجودك حراً، لأن وجودك يحتوي المحبة وروحك تباركها المحبة.














كامل جهدي هنا أن أجعلك أكثر احتفالاً ، أكثر فرحاً، أن أجعلك واعياً لكل الهدايا التي أعطاها الكل الشامل لك من أجل أن يصعد الامتنان من داخلك.
ومن خلال ذلك الامتنان ترتفع الأغاني. وينحني المرء أمام الوجود، شعوراً بالامتنان، ويقدم للوجود الخارجي عدة أزهار متفتحة من وجوده الداخلي. هذه الأزهار هي ما أعنيه بالأغاني، قليل من الإبداع والابتكار الذي تستطيع إبداعه وابتكاره.
الشعور الخالص بأنك قد قدمت شيئاً قليلاً إلى جمال العالم، إلى نعمة الوجود، وبأنك قد أعطيت مزيداً من النور إلى ليل الروح المظلم، يؤدي بك إلى الشعور بالامتلاء، وبالرضى الهائل. أنت لا تحتاج إلى أي شيء آخر.
الإبداع هو الدين . الإبداع هو الصلاة. ولكن الإبداع يُستحضر فقط من خلال الحالة التأملية.














هناك الكثير من الناس يعتبرون مجانين لسبب بسيط هو أنهم أناس يفكرون من خلال قلوبهم ولا يستطيعون التواصل مع العالم الذي تتحكم به الرؤوس المفكرة. مشكلتهم الوحيدة أنهم متواجدون في فضاء أفضل بكثير من الفضاء المتبقى للآخرين في العالم. المسألة شبيهة برجل يمتلك عينين ولكنه يحيا مع أناس لا يمتلكون عيوناً، سيجد نفسه في مصاعب دائمة، لا أحد سيصغي إليه، ولا أحد سيفهمة. سيساء فهمه حتماً، في كل مسألة، وعند كل محاسبة.
لذا قلة من الناس تتجرأ على العيش من خلال القلب. إنهم المتصوفيون. لقد صاروا قريبين من الله، ولكن أن تكون قريباً جداً من الله يعني أنه ما زالت هناك خطوة أخرى. قفزة نوعية أخرى مطلوبة، لتصل إلى ما لا يمكن وصفه وإلى ما لا يستطيع الجسد ولا العقل ولا القلب التقاطه، بينما كامل لغتك تحتوي كلمات تنتمي إما إلى الجسد أو إلى العقل أو إلى القلب.
لا يوجد كلمات تنتمي إلى تلك الحالة.














تمتلك الصداقة شيئاً روحياً بداخلها. الحب متصل بالجسد بينما الصداقة متصلة بالروح. وما لم يتحول الحب إلى ما يشبه الصداقة فالمعاناة ستستمر من خلال الحب، وبدلاً من ايجاد النعمة يجد المحب المزيد والمزيد من التعاسة. ولكن السبب ليس كامناً في طاقة الحب. السبب هو أنك لم تستطع أن تنقي حبك. كما لو أنك تعاملت مع الحب ليس النهاية.
حول حبك إلى صداقة ومحبة، وصلاة. هناك إمكانيتان: إذا صادقت الشخص الذي تحبه ، عندئذٍ تستطيع أن تحب العديد من الأشخاص. عندئذٍ ينتشر حبك ويتسع، وتصير الدائرة أكبر فأكبر. هذا هو الجانب الأول. الجانب الثاني هو أنك إذا بدأت تحب العديد من الأشخاص من غير ارتباط بأحدهم وإصا سمحت لهؤلاء الأشخاص بالمعاملة بالمثل، ينمو حبك في اتجاه جديد، إسمه الصلاة.
الصلاة تعني محبة الكل الشامل، كامل الكون. أن تصبح صديقاً للأشجار وللصخور وللأزهار وللجبال وللنجوم. وعندما تبلغ هذه الصداقة حد الصلاة يصير حبها متديناً.











تخلى عن الأنا، وعن نزعة الامتلاك. كل ما تحتاج إليه كان قد أعطي لك. ما تحتاج إليه هو السماح لما تحتاج إليه بأن ينمو. عليك أن لا تتخلى عن طاقتك الكامنة، بل أن تزيل العوائق من دربك. تستطيع أن تعتبر تفكيري سلبياً وليس إيجابياً. التفكير الإيجابي يدعوك إلى أن تحول أفكارك إلى ما تريد أن تصير إليه. أما أنا فأقول إن الوجود قد صيرك إلى ما أنت إليه، فقط عليك أن تزيل العوائق من الطريق.
تلك كانت التعاليم القديمة للصوفيين العظام. نسمي تلك التعاليم " نتي نتي". أي أن تستمر في القول: "هذا ليس أنا، هذا ليس أنا". وأن تستمر في إزالة كل شيء حتى لا يتبقى هناك شيء تنبغي إزالته، عندها لا يتبقى هناك إلا اللاشيء في ذلك اللاشيء، تتفتح زهرة اللوتس. ولأول مرة، تكتشف أنك عندما لم تعد موجوداً، أصبحت موجوداً. وأن معايشة هذا التناقض هو أعظم تجربة في الحياة.
















الإنسان المتدين حقاً، هو إنسان ملتصق بهذه الأرض. عليه أن يكون كذلك، وإلا فإنه لن يمتلك أية جذور. لذا أنا أعلم كيفية التجذر في الأرض. أنا أعلم محبة الأرض، لأنني أعرف أنه فقط إذا امتدت جذرونا إلى داخل الأرض سنكون قادرين على أن ننمو إلى ما هو أعلى من الغيون. ستنبت الأزهار ولكنها ستنبت فقط، إذا امتلكت جذوراً ممتدة إلى الأعماق.
بالنسبة لي ليس الدنيوي – الأرضي مختلفاً عن المقدس، إنهما وجهان لعملة واحدة. لذا، الغناء والرقص الحب الإبداع والإبتهاج والضحك، هذه كلها ليست موجهة ضد المقدس. إنها جزء جوهري منه، وليست جزءاً صغيراً، بل هي وبدقة نصف المقدس. وإذا كان هذا النصف الأول متواجداً، فإن النصف الثاني سوف يتبعه تلقائياً. المقدس والدنيوي لا يمكن فصلهما. ولكن في الماضي أصبح النصف الثاني، المقدس، أكثر أهمية ، وأفرغ منه النصف الأول، الدنيوي. هكذا مات الدين. وهكذا مات الله على الأرض. أصبح الله شجرة بلا جذور.
يستطيع الله أن يحيا من جديد، ولكن الوسيلة الوحيدة التي تكفل إحياء الله من جديد هو أن تكون له جذور متجذرة في الأرض، وهذه الجذور هي الابتهاج، السرور ، الغناء، والاحتفال.











تكمن في زهرة اللوتس التي تنمو من قلب الأوحال رمزية كبيرة. الروح تنمو من خلال الجسد، الذي لا يختلف كثيراً عن الوحل، والألوهة تنمو من داخل العالم. ظاهرياً يبدو ذلك مستحيلاً. إذا نظرت إلى الوصل لن تستطيع أن تصدق أن هذا الوحل يستطيع أن ينبت اللوتسات. وإذا نظرت إلى زهرة اللوتس لن تستطيع أن تصدق أنها نبتت من داخل أقذار الوحول. ولكنها الحقيقة. الأدنى والأوسخ متصلان بالأعلى والأنظف. الأعلى متواجد في الأدنى والأدنى متواجد في الأعلى. كل شيء متصل ببعضه . والحياة سلالم نرتقي عليها.
هذا هو تعليمي الأساسي: لا شيء يجب إنكاره، حتى الوحل المتسخ.
كل شيء ينبغي أن يتحول إلى زهرة لوتس.















يستطيع الإنسان أن يحيا إما في الزمن أو في الخلود. إنه حر. إنه يأتي إلى هذا الوجود من غير أي مصير يوجهه. المستقبل مفتوح أمامه، دائماً الأبواب مفتوحة مصاريعها، وولادتك ليس مقرراً سلفاً موعدها. بعد الولادة، يكمن اختيارك في كل فعل تفعله، وفي كل خطوة تتبعها تستطيع أن تغير الاتجاه الخاص بحياتك.
يعيش ملايين الناس في الزمن ، لسبب هو أنهم ولدوا ضمن جماعة لا تعرف شيئاً عن الخلود. آباؤهم وأمهاتهم عاشوا في الزمن، وكذلك أساتذتهم وقادتهم وزعماؤهم. لذا يبدأ كل طفل حياته مقلداً حياة الآخرين . هذه هي طريقة التعلم عند الطفل ولكنها أيضاً الكيفية التي يصبح فهيا وجوده مشروطاً ومقيداً.
لقد تم إخبار كل إنسان أن الزمن يحتوي على ثلاثة مراحل. الماضي، الحاضر، والمستقبل. ولكن ذلك خطأ كامل. الزمن يحتوي فقط على الماضي والمستقبل. ولكن ذلك خطأ كامل. الزمن يحتوي فقط على الماضي والمستقبل. أما الحاضر فهو اختراق الأبدية للوجود. الحاضر لا ينتهي إلى الزمن، إن طبيعة الحاضر تجاوزية.
أن تحيا في الحاضر هو أن تتخلص من أعباء الزمن، وأن تكون الآن هنا، خارج قضبان الدولاب، دولاب الزمن. والمعجزة هي أنه حين تكون خارج دولاب الزمن، تكون خارج دولاب التعاسة فالتعاسة هي نتاج الزمن والنعمة هي نتاج الخلود، اللازمن.
يستطيع المرء أن يتحرك باتجاه الخلود في أي لحظة، لأن الخلود متواجد في الحاضر دائماً. بينما الماضي لا وجود له، ولكننا نتعلّق به، لأننا نحب التعلق بالعدم. ولأن كلتي يدينا متعلقتان بالعدم فنحن نتجاهل ما هو كائن تماماً في الوسط: الحاضر، الحقيقي، هو الوجودي بامتياز.







كلتا يدينا ممتلئتان: واحدة بالماضي وأخرى بالمستقبل. جزء من وجودنا ممتلئ بالذكريات، وجزء آخر ممتلئ بالمتخيلات والأحلام، والمشاريع. وبين هذين الإثنين تكمن اللحظة الراهنة، الدقيقة، اللطيفة المصقولة. إنها – اللحظة الراهنة- كما لو كانت وردة يانعة ولكنها مسحوقة ومفقودة. التأمل يعني ببساطة أن لا تفقد هذه الوردة، بل أن تنسجم مع أريجها.
بهدوء بهدوء، افرغ يديك من الماضي والمستقبل، من أجل أن تصبح ممتلئاً باللحظة الحاضرة الآن، هذا هو معنى التحول. إنه يفتح الباب على الألوهة السماوية.
الحياة هي الله الواحد الأحد. على المرء أن يحياها وأن يحياها بكثافة ، بتعاطف شديد ليس باعتبارها نصفاً للقلب، وليس بطريقة فاترة تعوزها الحماسة، بل على المرء أن يضيء مشعل حياته الكهربائي من طرفيه معاً، عندئذٍ حتى اللحظة الواحدة الحاضرة العابرة تصبح أكثر أهمية من كامل الخلود. إحيَ كل لحظة بلحظتها، وعش من غير التعلق بأي شيء مضى وزال. كن حاضراً الآن، كما لو أن هذه اللحظة هي اللحظة الاخيرة. هذه هي الطريقة التي ينبغي على المرء أن يحياها: كل لحظة ينبغي أن تكون اللحظة الأخيرة . فلماذا تعيش حياة مكونة من نصف قلب؟ قد لا تستطيع أن تحيا لحظة أخرى آتية، لذا استفد من كل ما حصلت عليه، وخاطر بكل ما حصلت عليه، في اللحظة الراهنة، لأنه من ذا الذي يعرف ما ستكون عليه اللحظة الآتية القادمة.
هذه هي كيفية العيش، وعندما لا تهتم بالنتيجة تصبح زهرة لوتس. ينبغي أن تتذكر زهرة اللوتس دائماً ومن جديد، من أجل أن تستطيع أن تمضي بعزم أكبر نحو الآن، نحو الحاضر، من غير أن تكون معلقاً بهذا الحاضر ، أو ملتصقاً به، أو ممسوساً به. إهجز المستقبل من أجل أن تحيا الحاضر بكليته، واهجر الماضي من أجل أن تبقى غير ملتصق به. في اللحظة التي يتم فيها ذلك تغدو الحياة نعمة – نعمة مطلقة غير مقيدة ولا محصورة ولا محدودة، نعمة غير متناهية، نعمة خالدة.





من هو المؤلف؟

أغلبنا يمضي أوقاته مع ذكريات الماضي، أو بالتطلع للمستقبل، ضمن سياق الزمان والمكان المحدودين. ونادراً ما نختلي بأنفسنا، محاولين اختراق حدود الزمن، نتلمس لحظات الإندهاش بسبب تعرفنا إلى شيء جديد. أو نتوقع لقاء مع الحبيب، وحدوث ما لا يتوقع.
قلة هم الذين يحاولون تخطي عتبة الزمان، والإنعتاق من إشتمالية العقل الطامح بجموح، ليعيشوا حالة من الفرح والبهجة، ومن بين هذه القلة، برزت أسماء في عالم الروحانيات، في محاولة لمشاركة الآخرين تجاربهم، فاعتبروا أشخاصاً غير طبيعين وحتى وصفوا بالمجانين. إلا أن الزمان أنصفهم بعد وفاتهم، فاعتبروا فلاسفة متنورين، وصاروا قدوة يقتدى بها في الإبتعاد عن التفاهات والماديات والتوجه نحو الماورائيات والميتولوجيا، وواحد من هؤلاء هو أوشو.
تمكن أوشو من اكتشاف الطريق المؤدية للعيش في الحياة خارج البعد الزمني، وكرّس حياته لجعل الآخرين في حالة سعي دائم ودؤوب للوصول إلى عالم خلود النفس متجاوزين الزمن، ماضياً كان أم مستقبلاً.
في الحادي عشر من كانوا الاول عام 1931 ولد أوشو في كوتسوادا مادهيا برادش في الهند، ومنذ بداية شبابه ، راح يبحث عن الحقيقة، انطلاقاً من تجاربه واختباراته وليس من خلال المفاهيم الإجتماعية السائدة في مجتمعه أو من خلالما حاول البعض أن يلقنه من معارف ومعلومات، ما إن بلغ الحادية والعشرين، حتى اكتملت تجربته مع الحياة ، وبعد تخرجه من الجامعة، درّس مادة الفلسفة في جامعة جلبور. غير أن هذا لم يمنعه من التجوال في طول البلاد وعرضها. داعياً الناس إلى السير على خطاه، والثورة ضد كل ما هو تقليدي وتلقيني متحدياً بذلك رجال الدين المتشددين ، والزعماء الزمنيين.





بعد دراسة عميقة لسيكولوجيا الإنسان المعاصر، ومنذ أواخر الستينات من القرن الماضي، شرع أوشو يطور تقنياته الديناميكية لمساعدة "الإنسان لمعاصر المثقل بتفاهات التقاليد العتيقة، وهموم الحياة اليومية"، لمساعدته على اكتشاف ذاته من خلال التأمل والتحرر من الفرضيات والأفكار المسبقة، وتطهير أنفسهم من رواسب المفاهيم البالية.
في بداية السبعينات من القرن الماضي، أخذ الغرب يتعرف على أفكار أوشو عام 1974 ، وفي مدينة بونا الهندية، تأسست حلقة فكرية حول أوشو، ومنذ ذلك التاريخ والزوار الغربيون خاصة يقصدونه للاستماع إليه رغبة في التحول من عالم المادة إلى عالم الروح، ولم يترك أوشو جانباً من جوانب الحياة إلا وتحدث عنه، داعياً إلى تطوير الوعي عند الإنسان والارتقاء بالروح الإنسانية إلى ما هو أبعد من المفاهيم الثقافية السائدة، إلى التعرف على الحياة من خلال الممارسة اليومية واختبار مدى أهمية الذات الانسانية . يقول أوشو "أنا لا أنتمي إلى فكر ديني معين، أنا بداية وعي جديد للأديان، لذلك أنا غير مرتبط بالماضي الذي لا يستحق حتى أن نتذكره".
أحاديث أوشو التي ألقاها على طلابه ومريديه في نحو من ستماية كتاب. ترجمت إلى ما يزيد عن ثلاثين لغة. يقول أوشو "رسالتي لك ليست معتقداً تعتنقه، ولا هي فكر فلسفي. إنها نوع من الكيمياء الإنسان، إنها علم التحول. لذا فلن يستدعيها إلا أولئك الراغبون في ملاقاة الموت، على أمل ولادة جديدة، إلا أولئك الشجعان الذين هم على استعداد للإصغاء، رغم معرفتهم. بما لهذه التجربة من خطورة.
"الإصغاء هو الخطوة الأولى على طريق الولادة الجديدة، إذن هو ليس فلسفة، أو معطفاً وتفاخر به، وليس معتقداً يعطيك أجوبة على أسئلة مقلقة، ترؤق حياتك. وليس عملية تواصل شفهية بينك وبين الآخرين، إنه أبعد من ذلك بكثير، إنه ليس أقل من موت وانبعاث.
في التاسع عشر من كانون الثاني عام 1990، رحل أوشو عن هذا العالم. رحل، لكن حلقته ما تزال مستمرة، وما زالت أفكاره الروحانية، تزهر في أماكن عدة من العالم، جاذبة الآلاف من كل القارات، للمشاركة في عملية العلاج من خلال التأمل، ومن أجل المساهمة في الإبداع والعطاء.



لجان أوشو الدولية


يمكن وصف لجان أوشو الدولية في بوما، الهند ، المسترشدة برؤى المعلم التنويري أوشو، بالمختبر أو بالتجربة الساعية إلى خلق "الإنسان الجديد"، الكائن الإنساني الذي يحيا بتناغم مع نفسه ومع بيئته والذي هو متحرر من كافة الأيديولوجيات وأنظمة المفاهيم التي تنقسم حولها الإنسانية اليوم.
تقدم لجان أوشو المتنوعة مئات ورش العمل، والجماعات والتدريبات متمثلة بتسع مؤسسات مختلفة:
1- مدرسة أوشو الاستبطانية لفنون الزن الجريئة.
2- مدرسة أوشو للفنون الإبداعية.
3- أكاديمية أوشو الدولية للفنون العلاجية.
4- أكاديمية أوشو للتأمل.
5- مؤسسة أوشو للحب وللوعي.
6- مدرسة أوشو الصوفية.
7- مؤسسة أوشو للعلاج التيبيتي النابض.
8- مركز أوشو للتحول.
9- نادي أوشو للتأمل: الاستراحات الإبداعية.

كافة هذه البرامج مصممة لتساعد الناس على اكتشاف موهبة التأمل: المعاينة السلبية للأفكار والعواطف والأفعال، من غير أحكام مسبقة أو تماهيات مع المعتقدات الجاهزة.





بخلاف العديد من الأنظمة التقليدية المشرقية، فإن التأمل عند لجان أوشو جزء لا يتفصل عن الحياة اليومية. والنتيجة هي أن الناس يجب أن لا يرفضوا العالم بل يجب أن يجلبوا للعالم روح الوعي والاحتفال، في احترام عميق للحياة.
يبدأ فجر النهار في هذه اللجان باللقاء مع أخوية أوشو بالأزياء البيضاء. فهذا الاحتفال الصباحي الذي يستمر لمدة ساعتين والحافل بالموسيقى والرقص والصمت مع خطاب مسجل لأوشو، هو احتفال مميز، إنه تأمل كامل بحد ذاته حيث يذوب آلاف السامعي لكلمات أوشو في بحر الوعي.
لمزيد من المعلومات:
تمت ترجمة العديد من كتب أوشو وإصدارها في مختلف اللغات عبر العالم.
من أجل الحصول على المعلومات عن أوشو، تأملاته، كتبه، تسجيلاته، وعناوينها، اتصل بـ :
- Osho international Foundation, 24 St James's street, St James's, London, SW1A 1HA, Tel: 0171 925 1900
- Osho Commune international 17 Koregaon Park, Poona 411001, India.
- Chidvilas Inc P.O.3849, Sedona, AZ 86340










يقدم "تأملات قبل النوم" إلى القارئ مختارات من تأملات المتصوف الهندي العظيم أوشو، حول طبيعة الوجود، الإبداع والحب، مقسمة إلى أيام وشهور، هذه المختارات مكتوبة لتقرأ في سياق يعمق فهمك للوجود وينمي وعيك للحقيقة.
هذه القراءات كفيلة بنقل العقل والروح إلى شاطئ الأمان.


بوصفه أستاذاً سابقاً للفلسفة ، يعتبر أوشو واحداً من أعظم المتصوفين عبر العصور، تعاليمه في علوم التحول والتجاوز أغنت وأنضجت حياة ملايين الناس.

دار الخيال للطباعة والنشر والتوزيع
بناية يعقوبيان – بلوك ب طابق 3 – شارع الكويت – المنارة – بيروت – 2036 6308
لبنان – تلفاكس: 740110 – 009611 E-Mail: alkhayal@inco.com.lb



















أحاديث
1