Advertisement

بصحبة كوب من الشاي

" ليس هناك أجمل من كوب شاي تتناوله بصحبة من تحب "

بصحبة

كوب من الشاي





ساجد العبدلي












بصحبة كوب من الشاي




ساجد العبدلي


























بصحبة كوب من الشاي






بصحبة كوب من الشاي
تأليف : ساجد العبدلي
نشر في دولة الإمارات العربية المتحدة
الطبعة الأولى : 2014 م
دار كتّاب للنشر و التوزيع
جميع الحقوق محفوظة
info@kuttab.ae
يمنع نشر أو نقل هذا الكتاب أو أي جزء منه ، بأي وسيلة من الوسائل الورقية أو الإلكترونية إلا بإذن خطي من الناشر أو المؤلف .
تمت الموافقة على الطباعة من المجلس الوطني للإعلام .
رقم المطبوع : 748/2014
ISBN9789948209768
الأفكار و الآراء المنشورة في هذا الكتاب تعبر عن آراء الكاتب و لا تعبر عن رأي دار كتّاب للنشر و التوزيع بأي شكل من الأشكال.

الطباعة
www.upp.ae
UAE





الإهداء

( إلى الشمس و مطلعها )
















شكر وثناء
" إلى كل أصدقائي: أنا بكم من الأغنياء...
وإلى أولئك الذين ساعدوني في إنجاز هذا الكتاب بكل الطرق والأشكال أقول: جزاكم الله خيراً، تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام حين قال: إذا قال الرجل لأخيه: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء"



الصديق
" الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءًا منك ليس فيك، فسائرك يحن إليه، فإذا أصبح من ماضيك بعد أن كان من حاضرك، وإذا تحول عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود، وإذا مات، يومئذ لاتقول: إنه مات لك ميت، بل مات فيك ميت؛ ذلك هو الصديق."
مصطفى صادق الرافعي
(1880-1937)












" أعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب"
المتنبي



مقدمة
أنا رجل يحب الشاي، ولقد كنت دومًا أحبه إلى أبعد ما تعود بي الذاكرة.
أحب الشاي، فأتناوله في الصباح وبعد الظهر وعند المساء.
أتناوله في العمل وفي البيت وعند الأهل والأصحاب.
أتناوله قبل الطعام وبعد الطعام، وفي لحظات هدوء البال والخلوات.
الشاي شرابي المفضل دائمًا، لذلك أتناوله في كل رحلاتي..
وأنا رجل كثير السفر، تناولت الشاي في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب بنكهات مختلفة.
تناولته مفردًا، وبالحليب وبالنعناع وبالليمون..
بسكر كثير تارة وبقليل من السكر تارة أخرى..
واليوم وبعد سنوات عديدة لذيذة من تناول الشاي أستطيع أن أقول بكل اطمئنان أني خلصت إلى نتيجة واحدة وهي:
أنه ليس هناك أجمل من كوب شاي تتناوله بصحبة من تحب!
وفي اليمة الأخرى...
فأنا رجل يحب القراء أيضا، ليس فقط لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لاتكفيني، ولاتحرك كل مافي ضميري من بواعث


الحركة، والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، كما قال عباس محمود العقاد، رحمه الله، وإنما لأني أعشف الكتب وأعشق رائحتها وأعشق ملمسها، وأعشق تلك الحالة التي تتلبسني عندما أمسك كتابًا جديدًا، أو أتصفح كتابا طال انظاري للحصول عليه وأنهكني البحث عنه. أشعر بانتشاء عجيب حين أحلق بين سطور أفكار كتاب بين يدي، وأغوص في أعماق أفكاره ومعانيه.
الكتاب صديقي. بل إن كل صديق حق للكتاب هو صديقي.
وليس أجمل عندي من صحبة الكتاب، وأصدقاء الكتاب.
وعندما يجتمع في حضرتي كتاب وكوب من الشاي فليس قصارى الأمر أن تصير المتعة متعتين، أو أن الشعور يصبح شعورين أو أن الخيال يصبح خيالين، وإنما تصبح المتعة بهذا التلاقي مئات من اللحظات السارة والتأملات الساحرة والخيالات المدهشة.
بصحبة كوب من الشاي، هذا الكتاب، ليس سوى مجموعة من المشاهدات والتأملات والتفكرات التي كتبتها في جلسات متعاقبة من حياتي، في حضرة كتاب ما وكوب من الشاي دائما.
مشاهدات وتأملات وتفكرات حول نفسي ومشاعري ومزاجي تجاه الحياة وتقلباتها وظواهرها والناس وأطوارهم.
لكنني وإن كنت قد قلت ما قلت، فما أنا إلا تجربة بشرية ستظل قاصرة مهما تطورت وارتقت. كانت لي نجاحاتي الكثيرة، ولله الحمد، وكانت لي إخفاقات أكثر. هي لي بمثابة الدروس والعبر التي دلتني على الطريق وقادتني إلى جادة الصواب من جديد.
ظللت طوال ما مضى من عمري، وسأظل في القادم منه بإذن الله، أحيا بالأمل، وإيمانا بمقولة الحكيم الذي قال: أنا رجل أحيا بالأمل فإن تحقق فبفضل الله، وإن لم يتحقق فقد عشت به زمنا.
الأمل والتفاؤل والإيجابية أسلوب للحياة والعيش، والكتابة بالنسبة لي حياة وشغف وعشق، وماكنت لأتصنع، وماكنت لأكتب إلا كما أحيا وأعيش.
لذا جعلت هذه المشاهدات والتأملات والتفكرات التي ستجدونها بين دفتي هذه الكتاب تفيض أملا وتفاؤلا وإيجابية، فإن تحققت فبفض الله، وإن لم تتحقق فقد عشت بها زمنا هانئا سعيدا.
آمل أن تجدوا "بصحبة كوب من الشاي" شيئا من هذا.
صديقكم
ساجد بن متعب العبدلي
الكويت - مارس 2014م




















من هم القراء الحقيقيون













الوقوع على النص وما بعده
الناس عند قراءتها لنص ما تكون على أشكال ثلاثة:
الشكل الأول: أناس يلتبس عليهم النص فيستغلق عليهم الفهم ويعجزون عن إدراك مقصود الكاتب , ويضلون عن بلوغ المراد مما هو مكتوب . فمثلاً لو قرأ هؤلاء نصًّا يقول : إن الوقت الذي تستمتع وأنت تضيعه ليس وقتًا ضائعًا!) لعلهم سيقولون : هه ! ماذا تقصد؟
والشكل الثاني , وهو الأكثر: أناس يقفون عند حدود النص تمامًا, فيدركون معناه المباشر , وينهمكون في معرفة تفاصيله وإدراك معناه المتبادر من الوهلة الأولى . فلو قرأوا النص السابق لقالوا : هذا كلام غير صحيح؛ لأن كثيرًا من الذين يقضون أوقاتهم في المتعة واللهو ساعات طويلة يستمتعون بذلك ولكن وقتهم قد ضاع بلا فائدة في حقيقة الأمر !
أما الشكل الثالث , وهو النادر: فهم أناس يستشرفون ما وراء النص , فيبصرون معانيه البعيدة , ودلالاته المترامية الأطراف , متمكنين من قراءة ما بين الأسطر , مما يحتاج لحاشية تشرحه . وهؤلاء لو قرأوا عليهم النص السابق لأدركوا أن المراد هو ذلك الوقت الذي يقضيه الأنسان في الترفيه عن نفسه والتسرية عنها لأجل التقوّي على مواجهة
مشاغل حياته وأعبائها , و لأدركوا أن المراد هو أن الإنسان بحاجة ماسة لمثل هذه الاستراحات التي تعينه على الاستمرار , وأن الوقت الذي يقضيه فيها ليس وقتًا ضائعًا, وإنما هو وقت رابح في الحقيقة .
والقارئ المجتهد غالبًا ما يسير في عالم القراءة على هذا السلّم ,فهو يبدأ قارئًا قد لايصل بإدراكه إلى معاني النصوص فيقع حبيسًا لظاهرها, ثم يتطور فيصير قادرًا على إدراك بعض خصائص النصوص بمعانيها المتبادرة فحسب, ثم يرتقي ليصير ممن يدركون ما وراء النصوص مما لم يكتب .
وهؤلاء هم القراء الحقيقيون!






















"الفكرة وحدها لا تكفي الكاتب كي يكتب"






















سر الكتابة
لي في عالم الكتابة قرابة عشرة أعوام , كتبت خلالها آلاف السطور في شتى الموضوعات والمجالات , كنت كتبتها بمختلف الأمزجة والحالات النفسية , ما بين فرح وحزن , وغضب ورضا, وتفاؤل وتشاؤم وغيرها, وكان فيها الجيد وفيها ما هو دون ذلك , وفيها ما كنت ولا أزال راضيًا عنه تمامًا, وما هو دون ذلك أيضًا.
لكنني طوال هذه السنوات, التي تبدو لي الأن كأنها ساعة من نهار, لم أواجه وقتًا أجد فيه نفسي عاجزًا عن الكتابة المتواصلة كما أشعر بذلك الآن , صحيح أني قد توقفت عن الكتابة لبعض من الوقت ولعدة مرات خلال مسيرتي الصحفية لأسباب متفرقة , إلا أنه لم يكن منها أبدًا ما ارتبط بالشعور بعدم الرغبة في الكتابة بسبب العجز عن الإتيان بشي يقنعني كما شعرت مؤخرا !
يظن البعض’ وقد كنت واحدًا منهم لزمن طويل , أن الكاتب بحاجة فقط إلى الفكرة ليتمكن من تحويلها إلى مادة مكتوبة , سواء على هيئة مقال أو غير ذلك , لكنني اليوم أصبحت أؤمن تمامًا أن الأمر يحتاج لأكثر من ذلك بكثير, فالفكرة وحدها لا تكفي الكاتب كي يكتب , بل لعلي أزيد أن الكاتب المحترف يصبح مع كثرة المرن والمراس قادرًا على رؤية الأفكار في أبسط الأشياء من

















حوله والأفكار ملقاة على قارعة الطريق , كما قال الأول , وكل ما تحتاجه عين مدربة على الرؤية والالتقاط , قد تكون الأفكار كثيرة حول الكاتب , لكنها تظل مع ذلك كالمواد الخاملة غير القادرة على التحول والتشكل إلى أية هيئة ذات معان ودلالات مميزة بالنسبة إليه .
وأنا أقر أن الكاتب المخضرم يستطيع أن يبتكر من هذه الأفكار لو أراد, لكن الناتج سيكون في الغالب تقريريًا خاليًا من التميز والإبداع كخلو الأطعمة المعلبة الجاهزة من المذاق الحقيقي الذي لا يأتي إلا من يد طباخ ماهر .
الكاتب بحاجة إلى شيء أشبه مايكون بالاشتعال الداخلي كي يستطيع الامتزاج بفكرة ما , سواء أكانت الفكرة بسيطة أم معقدة فيتفاعل معها لينتج عن هذا التفاعل شيء يحمل ملامح فكره وأسلوبه ونفسه , شيء يمثله, أو بعبارة أخرى يكون انعكاسا حيًّا له على الورق , وهذا الاشتعال بدوره لايمكن أن يحصل ما لم يوجد الكاتب في الحالة النفسية الملائمة لذلك , ولا أعني هنا حالة نفسية بعينها ؛ لأن هذه تحتمل أن تكون على أشكال مختلفة من فرح وحزن أو من تفاؤل وتشاؤم ,أو من غير ذلك , بل أعني أي حالة نفسية مناسبة .










لهذا فسر الكتابة، بالنسبة لي على الأقل ، هو أن يوجد الكاتب في الحالة النفسية المناسبة عند ورود الفكرة، حتى يمكن أن ينتج عن ذلك شيء صالحللقراءة. فقد تصل فكرة بديعة إلى ذهن كاتب، فتسقط عنه، كأنها اصطدمت بجدار أصم، لمجرد أنه لم يكن في الحالة النفسية المناسبة، وقد تصل فكرة أبسط من ذلك ذهنه، وهو في الحالة النفسية المناسبة، فيتفاعل معها ويمتزج بها وينتج عن ذلك شيء رائع.
لهذا يتبادر سؤال هنا: هل يحق للكاتب أن يتوقف عن الكتابة بعض الوقت، كثيراً أم قليلاً، متعللاً أنه لا يجد في الأفكار التي من حوله مايثير في نفسه ذلك الاشتعال الذي ينتج عنه ما سيكون عنه راضياً، أو أن عليه أن يستمر في الكتابة، ولو بالطريقة التقريرية الإنشائية في مختلف الظروف، حتى يكون موجوداً أمام القراء ؟
هذا السؤال لا أظن أن له إجابة واحدة يمكن أن يتفق عليها، وأعتقد أنه سيكون مجالاً للاختلاف، لكنني سأظل شخصياً أحرص قدر ما أستطيع على عدم الكتابة ما لم أكن أشعر بأني سأنتج شيئاً أكون راضٍ عنه بقدر معقول .














" على الكاتب الحق أن يكتب نفسه "












قرف الكتابة

يعلم كُتاب الصحافة اليومية أن الكتابة المتواصلة مرهقة جداً للكاتب على المستويات المختلفة ، مرهقة على مستوى إيجاد الوقت والطاقة الجسدية والنفسية للجلوس ،ومن ثم تحويل فكرة ما إلى مادة مقروءة صالحة للاستهلاك البشري ،ومرهقة أيضاً على مستوى إيجاد تلك الفكرة المستساغة أصلاً قبل ذلك ،ومرهقة كذلك على مستوى مصارعة هاجس أن تروق المقالة بعدها للقراء، بحيث تكون متوائمة مع الأحداث السائدة أو مع اهتمامات الناس في لحظة النشر ، ومرهقة فوقها على مستوى أن تكون منافسة لمقالات الزملاء الكتاب ، كي يبقى الكاتب محتلاً مكانته المتميزة أو الجيدة على الأقل بين أقرانه، وألا تصبح كلماته حبراً إضافياً تم لطخه على ورق الصحيفة المطبوعة أو الإلكترونية ليضاف إلى ذلك الركام الكثير الذي لا ينفك الكتاب عن تلويث الأوراق وإزعاج العالم به. إرهاق كبير وكثيف ومتراكم ينتهي ليكون حالة ممتدة من الانزعاج المتواصل والقرف المستمر.
وهذا الكلام ينطبق على أولئك الكتاب الذين يحملون هم الكتابة حقاً، أعني بذلك الذين يستشعرون مسؤولية هذه الصنعة، ويدركون أن كلماتهم التي سيكتب لها أن تنجو من هذه المعاناة وهذا الشعور الضاغط بالمسؤولية ستكون سلاحاً فعالاً يمكن أن يفتح ويخترق عشرات الأبواب المغلقة والجدران الحصنة، فيصل إما إلى الخير والصلاح ، وإما إلى الشر والغي.



أما أولئك الكتاب المزيفون الذين دخلوا عالم الكتابة تسللاً من الشبابيك أو قفزاً على الأسوار، فهملا يعيشون هذا الهم ، بل لا يدركون معناه، لأنهم لا يستشعرون شيئاً من معاناة الكتابة مطلقاً، وقصارى الأمر بالنسبة لهم البريق والشهرة .
وفي هذه اللحظة سأقول إني أدرك أن مصطلح "القرف" قد يبدو فجاً ومستفزاً لبعضكم ، أن بعضكم قد يكون تساءل : ما الذي يجبر أياً كائن على الاستمرار في تجرع مثل هذا القرف !
والإجابة هي أن الكاتب الحقيقي يصل مع مرور الوقت إلى حالة من إدمان هذه الحالة المتوترة الدائمة ، وهي حالة لافكاك منها ، فيصبح غير قادر على الحياة بعيداً عن هذا التوتر ، وعاجزاً عن العيش بشكل طبيعي حين يأخذ إجازة، مثلاً ، فيتوقف عن الكتابة فيها لبعض من الوقت.
هو مزيج من الشعور بإدمان الحالة الكتابية والممارسة نفسها، وكذلك الشعور بالمسؤولية تجاه النفس وتجاه الكلمة وتجاه القارئ، يستشعر الكاتب الحقيقي أن مساحته وكلماته، كائناً ما كانت طبيعتها وكائناً ما كان موضوعها ، هي مساحة لابد لها أن يتم ملؤها ، وكلمات لابد لها أن تخرج كي تتخذ وضعها في هذه الحياة ، وأنه لا أحد غيره قادر أن يعبر عن أفكاره بذات الطريقة التي سيعبر بها عنها .








حين سألوا الأديب الأرجنتيني الشهير خورخي بورخيس لمن يكتب :" أكتب لنفسي ".
وقد مارست حقي في فهم العبارة كما يحلو لي ،ففهمت أن الكاتب الحق يجب أن يكتب لنفسه ، أي يكتب وفقاً لما يرضي ذائقته، وهي ذائقة نزقة كنزق حسناء مغرورة بعيدة المنال ، فهو لا يكتب إلا ما يصل إلى أعلى مقاييس رضاه عن نفسه فكراً وخلقاً ومقاماً، ونيل هذا الرضا صعب جداً ومتعب .
نعم ، هي حالة قرف ، بالنسبة لي على الأقل، وبالذات في اللحظات الأولى لتشكل المقالة وتحول الأفكار إلى كلمات مكتوبة ، لكنها سرعان ماتصبح حالة من الانتشاء والبهجة التي لايضاهيها شعور آخر حين تولد المقال وتجد طريقها إلى النشر ، ولهذا لايمكن لي أن أتنازل عنها أبداً، أو أن أجد راحة في غيرها !

















"إن لكلمة الشكر المخلوطة بابتسامة طيبة
أثر السحر على من يتلقاها"










إنهم يصنعون يومي

الكتابة الصحافية والعمل الإعلامي عمومًا ليس بالرحلة السهلة السعيدة طوال الوقت, فلهذه المهنة مشاقها ومصاعبها وضغوطها المتواصلة التي لا يدركها على وجه الدقة إلا أبناؤها الحقيقيون, لأنهم هم القابضون على جمرها المكتوون بنارها, لكن هذه المهنة تأتي ايضًا ومعها قدر لا يستهان به من الجوائز التي منها ما هو مادي وما هو معنوي .

بعض الجوائز المادية, و الشيء بالشيء يذكر, يفوق التصور في بعض حالات الكتّاب, خصوصًا أولئك واسِعِي الانتشار الذين لا يترددون عن تبني وحمل قضايا وآراء أناس آخرين لا يترددون بدورهم عن تقديم الجوائز والهدايا لمن يساعدهم ويخدم قضاياهم, بغض النظر عن إيمان هؤلاء الكتّاب بتلك القضايا والآراء من عدمه, وبغض النظر عن طبيعة هذه القضايا والآراء .

ومن ناحية أخرى , من الجوائز المعنوية التي يهبها العمل الإعلامي لممارسيه رصيد كبير من الشهرة , وإن تذمر منها الإعلاميون وادَّعو أنها سرقت منهم راحة البال وقدراً كبيراً من حرية الحركة والتصرف ببساطة وعفوية , لكونهم مراقبين مرصودين طوال الوقت , إلا أن الشهرة والأضواء على الرغم من كل هذه المزاعم تظل شيئًا لذيذًا يرضي غرور الإعلامي, بل لعلها جائزته وترضيته الكبرى, وهي
الجائزة التي عند اختطافها منه أو خُفُوتها عنه ولو قليلًا تشكل له أزمة نفسية وقلقًا, وتجعله يدخل في دوامة التساؤل حول ما إذا كان تأثيره قد تقلص عند الجمهور أو تلاشى!
بالنسبة لي شخصيًا, ولست من يعد نفسة إعلاميًا كاملًا, فلست سوى كاتب مقال ,فإن أعظم جائزة كسبتها من العمل الإعلامي هي محبة الناس وتقديرهم لما أطرحه .
نعم, أعترف أني أحب مقدار الشهرة الذي اكتسبته, وهو أمر لن أخفيه, لكن أجمل ما في هذا الأمر هو عندما أكون في مكان ما فيتقدم نحوي من لا أعرف ويصافحني شاكرًا إياي على الأفكار ووجهات النظر التي أساهم بها من خلال كتبي, أو حساباتي على شبكات التواصل الاجتماعي, أو عمودي في الجريدة, أو مدونتي, أو ظهوري القليل على الشاشة .
كم يسعدني ويريح نفسي عندما أرى أن هؤلاء الناس من الفئات المجتمعية المختلفة, مما يعطيني شعورًا بأني قد استطعت أن أحقق هدفي بقدر معقول بأن أكون كاتبًا متوازنًا يخدم قضايا وطنه بمختلف أطيافه دون ميل لفئة على حساب فئة .
حين يصادفني شخص لا أعرفه فيشكرني على ما أكتب, فإنه حينها يصنع
يومي, كما يقول التعبير الغربي الشائع ( he makes my day )



إن لكلمة الشكر المخلوطة بابتسامة طيبة أثَرُ السحر على من يتلقاها ,
أثر رائع عظيم يدوم لفترة غير قصيرة .
شكرًا جزيلًا لكل من منحوني تلك اللحظات الجميلة, وأتمنى أن اظل دومًا عند حسن ظنهم.



















( صاحب القلب الأخضر
شخص لا يزال ذلك الطفل الصغير
الفرح المرح نابضًا حيًا في داخله.
عيونه مرآة صادقة لما في داخله من طيبة وعفوية وشفافية )














قلب اخضر!

يقول الناس عندنا: (فلان قلبه خضر), ويقصدون بها ذلك الشخص السريع الوقوع في (الهوى) , أو كما كتب مجهول في الإنترنت :
(القلب الأخضر مصطلح يطلق على كل من تكون تربة عواطفه صالحة دوماً لزراعة بذرة أي قلب عابر, ولا يكون بحاجة إلا لقليل من رذاذ مطر كلمات أو نظرات أو ابتسامات, لتبدأ أشجار علاقات الحب المحتملة بالنمو في قلبه ) .
لكنني ومع إدراكي لذلك فقد دأبت على استخدام هذا المصطلح اللطيف قاصداً معنى اوسع وأشمل كم ذلك. صاحب القلب الأخر في رأيي, هو ذلك الشخص المتعلق بالحياة , الباحث دوماً عن كل ما يجعله سعيداً.
صاحب القلب الأخضر ,رجلاً كان أو امرأة, وإن كان الناس لا يطلقونه عادة إلا على الرجال, ولذلك لحساسية أن توصف امرأة ما بأنها صاحبة قلب ( تربة عواطفه صالحة دوماً لزراعة بذرة أي قلب عابر ), وكأن النساء لا يقعن في هذا الأمر , أقول إن صاحب القلب الأخضر بحسب تعريفي الأكثر اتساعاً, هو شخص قلبه بنقاء الماء, واتساع وصفاء السماء .
شخص لا يزال ذلك الطفل الصغير الفرح والمرح نابضاً حياً في داخله.
شخص عيونه مرآة صادقة لما في داخله من طيبة وعفوية وشفافية, لا يجيد التخفي ولا ارتداء الأقنعة ولا التلون.

شخص لم تخطف الأيام منه شغفه وإقباله على الدنيا , شخص لم تشخ دهشته ولم تتيبس أغصانها وتتساقط أوراقها , بل لا تزال روحه ريّانة خضراء تنمو وترتفع باتجاه شمس الحياة .
صاحب القلب الأخضر يدرك أن المرء ليس سوى أيام ولحظات, وأنه كلما مضت أيامه ولحظاته مضى بعضه, ولهذا فهو يحرص على ألا يضيع شيئاً من عمره في الحزن والهم والنكد ما استطاع الى ذلك سبيلاً, مدركاً أن الحياة بأسرها رحلة (ترانزيت) عابرة سرعان ما ستصل , ربما أسرع مما يتوقع أي واحد منا, إلى بوابة الرحلة الحقيقية بعدها, وأن السعيد الهانئ الحامد في رحلة الترانزيت سيكون هو السعيد الهانئ الحامد في مرحلة (الما بعد) .
امتلاك القلوب الخضراء نعمة عظيمة, لأن أصحابها هم من يعيشون الحياة الحقيقة, وأما الاستغراق في النكد والهم والضيق والحزن والقلق الدائم فليس من الحياة في شيء, ومن يعيشون هكذا هم أولئك الأشقياء (الأحياء والأموات), ما أتعسهم !














 





“اللا عفو , مرارة مستمرة يحملها الإنسان في نفسه " 
 
 















ليست دعوة للغباء 
 
التقيت منذ فترة أحد الأشخاص في مناسبة اجتماعية , بادرني بالسلام مذكرًا إياي بنفسه , باعتبار أن أحدنا يعرف الآخر , فعجزت عن التذكُّر , ولكن بقينا نتجاذب الحديث بكل أريحية طوال الأمسية , وظللت في ذات الوقت أحاول أن أسترجع من يكون , حتى تذكرته بعد مدة ليست بقصيرة , كان أحد الذين تعرضوا لي بالإساءة الشديدة غير المبررة أكثر من مرة في شبكات التواصل الاجتماعي , لم يؤثر الأمر في تعاملي معه ليلتها , بل واصلت الحديث معه كأن شيئًا لم يكن . 
 
لا أحاول من خلال هذه الحكاية أن أصور نفسي كأنني شخص مثالي , فما أنا إلا بشر له من الأخطاء الكثير , ولكنني أذكرها لأصف لكم كيف أن الله قد أعطاني ذاكرة لا تحتفظ أبدًا بكثير من الأشياء , ذاكرتي مثل المغناطيس الذي لا يجذب إلا تلك الأشياء التي يصنفها في خانة المهم والضروري للبقاء على قيد الحياة , وكل ما عدا ذلك يدخل ويخرج كما يدخل ويخرج الماء عبر المنخل , ذاكرتي ضعيفة جدًّا , ولولا أني أستخدم القلم والأجهزة الحديثة لسهوت عن كثير من المواعيد والالتزامات والأشياء المهمة حتى إلى أقرب الناس إلي . 
 
هذا الشيء جعلني أنسى , في جملة ما أنسى بشكل سريع , كل الإساءات التي تطالني , وأنا هنا لا أتكلم عن " العفو " فهذا خلق ديني يجب أن يحرص كل إنسان بقدر ما يستطيع على التحلي به دائمًا طمعًا في ما عند  
 
 
 
 
 









 
 
الله ولكنني أقصد الجزء الخاص بنسيان ملابسات الإساءة وتفاصيلها , وربما حتى مصدرها . 
 
أقول ذلك وأنا أدرك أن القاعدة الدارجة بين الناس تقول : " سامح واعفُ , ولكن لا تنسَ " بل ربما يرى بعض الناس أنه من الغباء أن ينسى المرء الإساءات ولا مَن أساؤوا إليه . 
 
لكن تجربتي الشخصية في هذا الأمر أظهرت لي بشكل متكرر كيف أن النسيان أراح نفسي من ذلك الشعور التلقائي بالمرارة والغضب عند تذكر الإساءات ومصدرها , فوجدت أن الذاكرة الضعيفة التي حباني الله بها , فظننتها "بلاء" هي في الحقيقة نعمة جميلة . 
 
وعلى كل حال فأنا أعتقد أن عدم النسيان في حقيقته ما هو إلا درجة من درجات عدم العفو , فمن يستمر في استرجاع ذكرى الإساءة  بتفاصيلها وملابساتها , حتى لو زعم أو ظن انه قد عفا عمّن أساء , هو في الحقيقة كالمترصد المنتظر لأية علامات لتكرارها أو لغيرها , كي يتخذ موقفًا مضاعفًا , كأنه يصفي من خلاله الحسابين ؛ حساب الإساءة السابقة والجديدة !  
عدم النسيان وهذا الاستذكار المتواصل هو " لا عفو " في الواقع , " واللا عفو " مرارة مستمرة يحملها الإنسان في نفسه , فذاك الذي لا ينسى أبدًا إساءات الآخرين لم يسامح أيًّا منهم في الحقيقة , وسيظل بذلك يزيد من جريان المرارات 
 
 
 
 
 












 
 
 
 في جوفه , واحدة تلو الأخرى , حتى تري منه مجرى الدم فيجد طعمها في فمه وأنفاسه , مفسدة عليه بذلك نقاء مشاعره وصفاء مزاجه , ومنعكسة على أفعاله وتصرفاته مع الآخرين , سالبة إياها كل أثر للعفوية والبساطة . 
 
هذه ليست دعوة للغباء , صدقوني , ولا للتحامق وترك الحذر , بل حسبها أنها دعوة للعيش بسلام مع النفس ومع الآخرين من خلال وصفة سهلة للتخلص من المرارة التي يمكن لها أن تفسد على الإنسان هناءة حياته . 
اعفُوا وسامِحُوا وانسُوا لتعيشوا في هناء وسلام , أما المسيئون فشأنهم عند ربهم . 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 








































 
 










 
 
 
" مزاج الإنسان هو المتحكم فيه رغمًا عن أنفه " 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 






























 
 
 
كي يروق مزاجك 
 
تخيل لو أن شخصًا جلس أمامك في يوم صبح جميل , وأنت في حالة نفسية جيدة فأخذ يحدثك باستفزاز , ويذكر لك قوائم السلبيات والنقائض والإخفاقات والإحباطات والمشاكل والمعوقات التي في حياتك , واستمر بذلك بلا توقف لفترة من الزمن فهل تراه سيكون قدرًا على إفساد مزاجك . 
 
توضح مشاهداتي وتجربتي الذاتية أنه في الأغلب والأعم من الحالات سيتمكن من ذلك بسهولة , وأنك ستجد نفسك فريسة لتلك الكلمات السلبية المحبطة المثبطة , وستتغير حالتك النفسية , لتفقد الرغبة مباشرة في العمل والتواصل وربما فعل أي شيء ! 
هذه الحقيقة المشاهدة التي لم أر خلافها إلا نادرًا وفي حالات استثنائية , تثبت أن الإنسان كائن تتحكم فيه حالته النفسية رغمًا عن أنفه , وأن مزاجه هو المتحكم بأفعاله في الأغلب , فإن راق المزاج راقت الافعال , وإن تعكر المزاج تعكرت الافعال , ولهذا السبب كان مزاج الإنسان هو من أغلى ما يملك ؛ لأنه المهيمن على سائر تصرفاته وأفعاله وأقواله . 
 
مزاجك هو أغلى ما تملك , فاجعله مرتفعًا لتقرأ ولتكتب ولتعمل ولتتفاعل بإيجابية , ولهذا لا تعطي أي مخلوق فرصه لتعكيره .  وحين أقول " مخلوق " فلا أعني فقط مجموعة الأشخاص المحيطين بك , إنما كل
 شي , 
 











بما فيها المواقف والظروف , حتى الافكار الداخلية التي تطن في أذن الإنسان طوال الوقت إيجابًا وسلبًا في الأغلب وفق ما تشير إليه الدراسات السلوكية القادرة على تغيير مزاج الإنسان . 
 
حين يكون الإنسان في مزاج رائق فلا يعني ذلك أن حياته قد خلت من المنغصات , أو أن كل التحديات التي تواجهه قد تلاشت , أو أن المعوقات التي طالما اعترضت سلبيه قد تحطمت , فلا توجد حياة وردية على هذه الشاكلة أبدًا . كل ما في الأمر أن الإنسان في تلك اللحظة كان ينظر إلى الناحية الإيجابية من حياته , فيرى الجوانب المشرقة المضيئة , ويبصر فيها ما يستحق السعادة والفرح واعتدال المزاج . 
 
لذلك فالإنسان نظريًّا قادر على السيطرة على مزاجه , ويتبع ذلك السيطرة على طريقة تصرفاته وأفعاله وأقواله , لو هو تعلم كيف يفعل ذلك , شريطة إيمانه قبلها بأهمية ذلك طبعًا . 
 
عندما يؤمن الإنسان بأهمية اعتدال المزاج , فإن من الذكاء والحكمة حينها أن يحرص على البحث عن الدوافع الإيجابية التي تجعل مزاجه طيبًا رائقًا , كما يجب أن يحرص على البحث عن الدوافع الإيجابية التي تجعل مزاجه طيبًا رائقًا , كما يجب أن يحرص على الابتعاد عن المنغصات المفسدة لمزاجه , وهي موجودة برحمة الله بنا في أبسط الأشياء لو أننا كلفنا أنفسنا فقط أن نبحث عنها . موجودة في السلام على من نعرف ومن لا نعرف , موجودة في الابتسامة الصادقة في وجوه خلق الله , موجودة في الكلمة الطيبة نفشيها بيننا , موجودة في تشجيعنا لمن 
 
 
 
 
 











 
 
 يحسن عملًا وشكره , موجودة في الهدية نتبادلها بيننا ولو لم تكن غالية الثمن , ولو كانت مجرد بطاقة تحمل بعضًا من عبارات المودة والتقدير , موجودة في رفقة الأخيار الطيبين والأنس بصحبتهم , موجودة في الهوايات المفيدة وقضاء الوقت بشكل مفيد للجسد والفكر والنفس . الدوافع الإيجابية التي تجعل المزاج طيبا موجودة ومتاحة ومبذولة في أشياء كثيرة جدًّا من حولنا , وغالبًا بلا ثمن , أو بأرخص الأثمان , لو أننا أردنا حقًّا أن نجدها . 
 تخيلوا معي مجددًا لو أن شخصًا امتلك مناعة مزاجية عالية جدًا , فكان قادرًا بذلك أن يقاوم كل المؤثرات السلبية التي تحيط به , فلا هو يتأثر بها , ولا هي تتمكن من النفاذ عبر قشرته الخارجية إلى عمق نفسه لتفسد مزاجه , كم سيكون رائقَا ورائعًا وجميلًا طوال الوقت , وكم سيكون منتجًا معطاءً طوال الوقت . 
 
فليتنا نتعلم ولو قليلًا , كيف نتحكم بمزاجنا وكيف نبرمجه إيجابيًّا , وكيف نسيطر على انفعالاتنا من خلال البعد عن مفسدات المزاج والبحث عن تلك الدوافع الإيجابية التي تساعدنا على الحياة الجميلة . 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 











 














 
 
" مزاجك هو أثمن ما تملك , 
فلا تترك لأحدٍ أو لشيء فرصة أن يفسده لك " 
 














































 
مزاجك أثمن ما تملك 
مسألة (المزاج الرائق) وأهميتها في الحياة عمومًا , على الرغم من وضوحها وبداهتها, ليست مدركة بعمق عند كثير من الناس. صحيح أن أغلب الناس يدرك عمومًا أن المزاج الحس الرائق أفضل من المزاج السيئ, لكننا لا نرى إدراكهم هذا ينعكس بشكل واضح على تصرفاتهم الإرادية . 
نشاهد دومًا أن مزاج كثير من الناس - لو قلت الأغلبية لم كنت عن الصحة ببعيد - مرتهن بالظروف والمؤثرات الخارجية التي لا يتحكمون فيها على الإطلاق, ولذلك تسهل استثارة انفعالاتهم واستدراجهم نحو التوتر والقلق وربما الاكتئاب عندما تعترضهم أية عقبة في الحياة, أو من خلال استدراجهم إلى الجدالات والمشاحنات والمواجهات العقيمة مع الآخرين . 
وبطبيعة الحال  فعندما يتعكر المزاج ويخسر الإنسان صفاء نفسه, فإنه غالبًا ما يفقد القدرة على التركيز واتخاذ القرارات الصائبة, والعمل بشكل جيد منتج, ويفقد الرغبة تبعًا لذلك في التواصل الإيجابي مع الآخرين من حوله, سواء من عائلته أو أقربائه, ناهيك عن أصدقائه وزملائه. وقد يظل أسيرًا لهذه الحالة السلبية المتوترة المتشنجة لوقت قد يطول في كثير من الحالات, الأمر سينعكس سلبيًا على سائر حياته . 
 
 
 
 
 





















 
 
 
تقول كتب التنمية البشرية إن حياة الإنسان تتشكل بنسبة 10% من خلال تلك الأمور الخارجة عن أرادته وهي التي لا يستطيع تغييرها, وبنسبة 90% من خلال قراراته وردود أفعاله تجاه هذه الأشياء . 
وهذا الكلام صحيح إلى حد بعيد , فذلك الإنسان الذي حكمت عليه الظروف, مثلًا أن يترك مقاعد الدراسة لوضع اجتماعي ما , هو صاحب القرار بعد ذلك في أن يستمر قانعًا مكبلًا بالوظيفة البسيط التي اضطر إلى التحاق بها مجبرًا, أو أن يعمل ويقوم بإكمال دراسته في الوقت نفسه في الفترة المسائية على سبيل المثال وذلك الإنسان الذي خسر فرصة مالية ما, هو نفسه صاحب القرار بعد ذلك في أن يستسلم وينسى التجارة تمامًا ويظل قانعًا بوظيفته المتواضعة, أو ان يعود ليحاول مرة أخرى فينجح وغير ذلك من الأمثلة كثير 
أغلب القرارات وردود الأفعال الحياتية التي يتخذها الناس, تكون مرتبطة بتوقيت محدد لاتخاذها, وإلا ضاعت الفرصة على صاحبها. ودون المزاج السليم الرائق, ودون المشاعر المنضبطة الصحيحة, فإن الإنسان لن يكون قادرًا على اتخاذ قراراته بشكل سليم في التوقيت السليم . 
كم من شخص من حولنا أضاع في لحظه غضب فرصه مهمة لحياته . وكم من شخص حولنا خسر في لحظة انفعال علاقة مهمة في حياته. وكم من شخص حولنا قدم في لحظه تهور على تصرف كارثي خاطئ أودى بمسيرة  
 
 
 
 












 
 
 
  حياته. ومن هذا يتضح لنا أن أهمية المزاج السليم الرائق أكبر بكثير مما قد يتصور البعض  
ولكنني مع هذا أدرك تمامًا أن التحكم في المزاج ليس سهلًا جدًا, وأن القدرة على ذلك تتفاوت بين الناس, ولكنني في ذات الوقت أعلم يقينًا أن كل إنسان قادر على إعادة برمجة نفسه في النهاية بقليل أو كثير من الجهد, وتحسين هذا الجانب فيه , فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنما العِلمُ بالتَعَلُّمِ, وإنمَا الحِلمُ بالتَّحَلُّمِ « . 
وعليه فمن الضروري لنجاح حياة الإنسان ألا يترك مزاجه ومشاعره نهبا للظروف والمؤثرات الخارجية, وأن يضع في وعيه وإدراكه أنه قادر على السيطرة عليها, بالإصرار والتدريب والممارسة  
ولهذا أكرر دائما: مزاجك! مزاجك! مزاجك! هو أثمن ما تملك, فلا تترك لأحد أو لشيء فرصة أن يفسده لك ! 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 





























 
 







 
" مزاج الصباح كغزال بري لا يصح أن نقترب منه بفظاظة وقسوة " 
 
 
 
 
 






































 
 
لنحترم الصباحات ! 
 
في مقطع من (فالس الوداع ) لميلان كونديرا, الأديب والفيلسوف التشيكي المعروف, صاحب الرواية الشهيرة (كائن لا تحتمل خفته ) تقول إحدى شخصيات الرواية : ( في هذا البلد لا يحترم الناس الصباح , إنهم يوقظون أنفسهم بفظاظة بوساطة منبه يقطع نومهم بضربة فأس , ويستسلمون في الحال لسرعة مشؤومة ! هل باستطاعتك أن تقول لي ما يمكن أن يكون عليه نهار يبدأ بهذا الفعل العنيف ! ما الذي يمكن أن ينتج عن أناس تُنزل بهم منبهاتهم صدمة كهربائية صغيرة يوميًا ! إنهم يعتادون كل يوم على العنف وينسون كل يوم ما حفظوه عن السعادة . صدقني صباحات الإنسان هي التي تقرر طباعه !) 
لطالما كنت من عشاق الصباحات , ولطالما كنت ممن لا يستسيغون السهر بالرغم من كل إغراءات ما ينسج حول سحر الليالي وعذوبة السهر , وأن الليل هو رفيق الشعراء والأدباء والعاشقين . 
نعم , يا سادتي , أنا كائن صباحي على طول الخط , وأعترف بهذا بلا تردد , وما ضرني ألا يعدّني القوم في زمرة الشعراء والأدباء , ولا حتى العاشقين ! 
ولأني كائن صباحي , فصباحاتي , كما قال كونديرا , هي التي تقرر طباعي , لست ممن تقطع صباحاتهم صدمات كهربائية يطلقها عليهم منبه تعيس , بل أنا ممن يفيقون بسلاسة لأني أصلًا ممن يخلدون إلى النوم باكراً . 























 
أحرص كثيرًا على أن يكون صباحي جميلًا هانئًا هادئًا وادعًا سلسًا قدر الإمكان , لأن يومي حين يبدأ كذلك فإنه غالبًا ما يستمر كذلك , بل أزيدكم أني ممن يتقصدون صنع الصباحات الجميلة عبر تصرفات محددة أسعى من خلالها إلى ( دوزنة) أوتار نفسي وفكري وروحي على سُلَّم سعيد إيجابي مبتسم , كي أستطيع بعدها أن أعمل وأنتج وأعطي بفعالية وسعادة . 
وفي تلك الأيام الغائمة التي تغلبني فيها الظروف فيبدأ الصباح الصباح رغمًا عني عكرًا نكدًا عسيرًا , لسبب ما , فإن برمته ينحرف إلى السلم العكر النكد العسير طوال اليوم , فتصبح النفس غير قادرة على استعادة أنغامها الإيجابية , وتغدو الحواس جميعًا كمغناطيسات لا تقع إلا على السلبيات , بل تصير عدسات مكبرة ترى في أصغر حبة أكبر قبة ! 
مزاج الصباح كغزال برِّيٍّ لا يصح أن يقترب منه الإنسان بفظاظة وقسوة , بل يحتاج اقترابًا مسالمًا ذكيًّا حتى لا ينفر ويشرد , لهذا لا يصلح أن يقطع الإنسان نومه بضربة قاسية من صراخ المنبه , وألا يكون قد أخذ كفايته من النوم لسهره طوال الليلة السابقة , هذه الضربة المباغتة المتبوعة بالقفز الإجباري في وتيرة الحياة السريعة كفيلة بإفساد حتى المزاج لمصنوع من الحديد , ولكم أن تتخيلوا حالة المفزوع هذا في طريقه إلى عمله وبعدها في عمله وفي سائر يومه . 
 
 
 
 

















 
 
 
 
نحن بحاجة حقًّا إلى أن نعود إلى احترام الصباح , كما قال كونديرا, واحترام الصباح يكون أولًا وقبل أي شيء بأن نحصل على قسط وافر من النوم يمكننا بعده أن نفيق بهدوء وروية ودون حاجة لمنبه يصعقنا صعقًا !  






























« إن الإنسان هو من يقرر و يختار ويتخذ ردود الأفعال ، وهو بذلك من يرسم لوحة حياته وينقل نفسه من حال إلى حال »


إنما نحن صنيعة قراراتنا

الإنسان صنيعة اختياراته وقراراته وردود أفعاله في الأغلب، فحياة الواحد منّا بأسرها عبارة عن سلسلة لا تنقطع من الصعوبات و التحديات و المواقف التي تتطلب منه اتخاذ القرارات وحسم الاختيارات وإعطاء ردود الأفعال المناسبة .
نعم ، صحيح ولا شك أن المقادير هي التي تضع الإنسان في الظروف المختلفة وتوقعه في المصاعب والابتلاءات ، لكنه هو من يختار ويقرر على إثر ذلك أن يتحرك أو يقف ، أن يسير إلى الأمام أو يتراجع إلى الخلف ، أن ينعطف يميناً أو يساراً. ومع كل خطوة في كل اتجاه فإنه ينتقل من قدر الله إلى قدر الله، كما قال عمر رضي الله عنه يوما : إنما نفر من قدر الله إلى قدر الله .
بل حتى الإيمان و الكفر، والذي هو القرار والاختيار الأهم في حياة كل إنسان ، هو اختيار حر للمرء وحده بعد أن يتبين له السبيل؛ ألم يقل الله عز وجل في الإنسان ? إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) ? وقال في سورة البقرة ?لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ? قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ??
إن الإنسان هو من يقرر ويختار ويتخذ ردود الأفعال، وهو بذلك من يرسم لوحة حياته وينقل نفسه من حال إلى حال ، سواء أكان الأمر بعد ذلك سهلاً أو صعباً .


واتخاذ القرارات وحسم الاختيارات في الحقيقة ليس بالأمر الهين ، بل إن من الناس من لا يستطيع أن يتخذ حتى أبسط القرارات ولا أن يحسم أسهل الخيارات ، ناهيك عن مواجهة تلك القرارات المعقدة والاختيارات الصعبة. كثيراً ما تختلط عند المرء الأفكار المتضاربة و المشاعر و الانفعالات عندما يقدم على اتخاذ القرارات و حسم الاختيارات ، وبقدر تعقيد هذه و صعوبتها يكون اختلاط الأفكار و المشاعر والانفعالات أشد ضراوة وصعوبة ؛ لذلك ينقسم الناس في مثل هذه المواجهة إلى ثلاثة أشخاص :
شخص يستطيع أن يفصل ما بين الأفكار المختلفة ويفندها فكرة فكرة بطريقة موضوعية صرفة فيعزلها عن التأثر بحزمة الانفعالات النفسية التي تجيش في صدره، وهذا الشخص شخص نادر قليل الوجود . وشخص ثانٍ يتسرع في اتخاذ القرارات وحسم الاختيارات مدفوعاً بعواصف أفكاره ومنجرفاً مع سيل حمم براكين مشاعره فتكون قراراته واختياراته ردود أفعال متسرعة بعيدة عن الصواب في الغالب الأعم . وشخص أخير تأخذه الحيرة و تشله الصدمة فلا يستطيع اتخاذ القرار ولا حسم الاختيار ، ليظل متردداً يؤجل البت في الأمر، قد ينتهي هارباً من المواجهة بأسرها .
و الحقيقة أن من النادر أن نجد شخصاً لم يمر بهذه الحالات المختلفة في مراحل حياته المختلفة ، لأن من الصعب أن يكون الإنسان من ذلك الطراز الفريد القادر على حسم الأمور واتخاذ القرارات الصعبة بذهن حاضر صافٍ


طوال الوقت، فهذه الحالة لا يصل إليها الواحد منّا عادة إلا من خلال المرور بالعديد من التجارب و التدريبات الحياتية التي تصقل شخصيته فتجعله على هذه الشاكلة المتميزة ، بل إن أغلب الناس يتجاوزون عمرهم كله ولا يصلون إلى ذلك أبدا .
وجميعنا قد مررنا في الواقع بهذه الحالات المختلفة أمام قراراتنا الصعبة و اختياراتنا المعقدة ، فلطالما تسرعنا في القرارات و الاختيارات فوقعنا في الخطأ ، ولطالما ترددنا وتلكأنا وأضعنا الفرص الجيدة التي ما كانت لتتكرر، لكن الرابح منّا حقاً، من استطاع أن يتعلم من أخطائه وأن يكتسب الخبرة من عثراته وزلاته ، ليصبح إنساناً أفضل و أقوى . أن يصبح إنساناً قادراً على مواجهة تلك التحديات المتعاقبة و التي لن تتوقف المقادير عن إلقائها في طريقه . وسأعود هنا لأكرر ما بدأت به بأن الإنسان ، في كل الأحوال ،سيظل دوماً صنيعة اختياراته و قراراته و ردود أفعاله .









" ماذا تراك كنت ستفعل قبل أن تغرب شمسك الأخيرة "


ملاحقة نور النهار
كان رئيسًا لواحدة من أهم الشركات المالية في العالم ، صاحب ثروة طائلة ، ووضع عائلي مستقر، ومستقبل مبهر ، لكل من يراه . كان من أولئك النظاميين الحازمين في عملهم، ممن يعشقون مواجهة التحديات و التغلب عليها. في مرة من المرات احتاج أن يتحدث مع أحد رجال الأعمال المؤثرين، فلم يتمكن من تحديد موعد قريب، فرافقه في سفر لأجل أن يتمكن من الحديث معه طوال الرحلة الجوية ، وبالفعل نجح في عقد الصفقة !
كان كالساعة السويسرية، وكل شيء في حياته كان يبدو رائعًا وغير قابل للفشل، حتى جاءت إحدى زياراته للكشف الطبي الدوري التي كان عليه أن يقوم بها وفقًا لقانون العمل في شركته ، فلم تحمل أخبارًا سارة، حين اكتشف طبيبه وجود علامات غير طبيعية في الصورة الإشعاعية لدماغه ، وكان التشخيص أنها ورم دماغي خبيث في المراحل المتقدمة غير القابلة للعلاج !
صدمة ثقيلة ينهار أمامها أصلب الرجال و أقواهم ، ولكن في مقابلها قال «جين أوكيلي»: لكن كنت محظوظًا ، لقد أخبرني الأطباء أن لدي ثلاثة أشهر متبقية من العمر حتى يتسنى لي ترتيب أموري الأخيرة!
دون إبطاء وبلا تردد كثير ، تعامل جين مع المسألة بذات النفسية و العقلية التي كانت قد جعلته لسنوات طويلة في منصبه القيادي الفذ .








قام بإعداد خطة استندت إلى إعادة ترتيب الأولويات ، لم تحتمل أبدًا شيئًا غير الأهم ، فانطلق بعمل ما أسماه (( فك الارتباط )) مُنهيًا بشكل خاطف كل ارتباطاته العملية ، حيث استقال من عمله مباشرة ، ثم بدأ بعدها وبسرعة في تهيئة معارفه وأصدقائه لموته وتوديعهم.
وكان ل((جين)) طريقته الخاصة في عمل ذلك ، حيث قام برسم درائر بعضها حول بعض ، ثم قام بترتيب الناس الذين يعينه أمرهم في تلك الدوائر ، ابتداء من الدائرة الخارجية ثم التي في داخلها ةهكذا وصولًا إلى دائرة القلب ، حيث وضع أقرب الناس إلى نفسه ، زوجته أبناءه وأصدقاءه المقربين ، وهم من يريد أن يقضي الأيام الأخيرة معهم ، ولم يضيع حتى دقيقة من الوقت ، حيث اكتفى في بعض الحالات باتصال هاتفي أو لقاء سريع مع معارفه ليقوم بوداعهم معتذرًا بأن ليس لديه من العمر ما يكفي لأكثر من ذلك !
- وتحت تهديد هذه المقصلة التي كانت سيسقط نصلها بعد أيام معدودة قرر جين أيضاً أنه سيكتب كتابُا يستودعه العِبرة التي اكتسبها ، والأفكار التي أشرقت فيداخله في أيامه الأخيرة تلك ، وهو الأمر الذي آثار استغراب من حوله ، ولكن بالفعل تمكن من ذلك فصدر كتابه الذي حمل عنوان ((ملاحقة نور النهار)) وعنوان جانبي
.”Chasing Daylight” ... ((كيف غيَّر خبر موتي المعلن حياتي؟))
يقول جين في ((ملاحقة نور النهار)) أنه تقبل خبر موته بهدوء نفس ، لأنه كان محظوظًا أن علم ذلك قبلها بفترة كافية ، مما مكنه من توديع أحبته






ومنحهم ذكريات أخيرة جميلة ، منهيًا بذلك ارتباطاته بالحياة بسعادة وسلام ، وأنه سيموت وهو لا يحمل في نفسه أي ندم أو أسى على أي شيء ، اللهم إلا أساه أنه سيترك زوجته وحدها فيما بقسمن عمرها ، ولن يتمكن كذلك من حضور حفلة تخرج وزواج ضغرى بناته .
يقول جين الذي توفى عن ثلاث وخمسين عاماً في سبتمبر 2005م أنه ظل يدعو الله طوال شهوره الثلاثة الأخيرة أن تبقى قواه العقلية والنفسية متماسكة حتى يتمكن من إنهاء مهمته الوداعية على أكمل وجه ، وأنه لم يندم أبداً أن قضى تلك الفترة الأخيرة من عمره بذلك الترتيب الصارم الدقيق.
ليس كل الناس بقوة شخصية ((جين أوكيلي)) وبالتالي فلا أظن الجميع قادرين على مواجهة الموت بنفس صفاء ذهنه ، وذاك السلام الداخلي الذي سكنه ، ولكن ما استوقفني كثيراً من سيرة موت هذا الرجل كيف أنه رأى أهم شيء في حياته في تلك اللحظات ، فالتفت بلا تردد نحو أحبته المقربين ، ولم يقبل أن يضيع لحظة واحدة من عمره المتبقي بعيداً عنهم .
تجربة مثيرة للعقل والنفس تقودني إلى أهم سؤال ، السؤال الذي لا أحد منا يمكن أن يكون مُعفًى من مواجهته ، ربما في يوم من الأيام قد يكون قريبًا ، ماذا لو نظر إليك الطبيب المعالج في عينك مباشرة وأخبرك مثلما أخبر ((جين)) ؟ ماذا تراك كنت ستفعل قبل أن تغرب شمسك الأخيرة ؟












" الأكثر مرونة وسلاسة في هذه الحياة هم الأكثر نجاحًا "













الناس سوائل
1((تجدون الناس معادن)) قال رسول الله صلّ الله عليه وسلم :
والمراد بذلك أن الناس تختلف في الطباع حسنها ورديئها ، وأساليب التعامل جيدها وسيئها ، والمواقف قويها وضعيفها ، وكذلك في التحمل عند تعرضها لحرارة الشدائد الضغوط ما بين الثابت والمهزوز ، وأيضًا يختلف بعضها عن الآخر في القيمة ما بين الثمين والرخيص ، وتختلف كذلك في النقاوة ما بين النقي والمَشُوب ، كما تختلف المعادن عن بعضها بعضًا في هذه الخصائص جميعًا .
وكما أن الناس نعادن ، فهم كذلك سوائل ّ نعم ، إن الناس سوائل تختلف بعضها عن الآخر في طريقة جريانها في الأ,عية والقنوات التي تحكم جريانها فيها .
فهناك من الناس من هو ثقيل عسر ، شأن السوائل الشحمية الثقيلة ، لا يجري ولا يتحرك إلا بشق الأنفس ، فلا يتجاوب سريعًا مع تغيرات الظروف من حوله ، ناهيك عن أن يستشعر إشارات تغيرها قبل وقوعها ، كأنه يريد التمسك غلى الأبد بأوضاعه السابقة التي استكان لها واستراح ، ولا يريد أن يخرج أبدًا عن دائرة ذلك المألوف المريح.







وهناك من هو أخف من ذلك على درجات ، فمنهم من يتلكأ حينًا ويجري حينًا آخر ، ومنهم من كأن أجزاءه تلتصق بجدران الوعاء الذي هو فيه ، كأنه يرفض تجاوز ذكرياته السابقة والإقبال على الحياة الجديدة بأوضاعها التي تغيرت ، ومنهم. وهؤلاء هم الفائزون – من هم كالسائل الخفيف الشفاف الذي لا يتردد عن الجريان بخفة وسلاسة في الأوعية والقنوات التي تضعه الحياة بتحدياتها المتجددة ةظروفها المتغيرة فيها .
تعلق الإنسان بأهداب الماضي وبقاياه ، وتمسكه بقديمه المألوف المريح لن يغير من حقيقة سنة التغيير شيئًا ، فهذه السُّنَّة مكتوبة على جميع البشر ، بل هي كالعجلة الحجرية الدائرة ، من لا يعرف كيف يدور معها ويجرِي في مجاريها فسينتهي إلى أن تسحق عظامه وتمضي عنه مخلفة إياه وراءها بعض أصابع الندم.
الأشخاص الأكثر مرونة وسلاسة في هذه الحياة هم الأكثر نجاحًا وسعادة ، أما المعاندون المتلكئون في الإقبال على التغيرات الحياتية وغير القادرين على الانسجام معها فهم الخاسرون الأشقياء.
ومن حق الإنسان أن يرفض ويعاند ، ولكن عليه أن يدرك تمامًا في المقابل أن هناك ثمنًا باهظًا سيدفعه ، ستمضي عنه الحياة بعيدًا ، وتفلت فرصها من







بين يديه ، ويتفوق عليه أقرانه ، وسَرعان ما سيكتشف حقيقة الأمر بعدها فيدخل في نفق الحسرة والندامة ، فيكون خاسرًا مرتين .
لنكن من السلسين الهينين ، أيها الأحبة ، وًلْنَجْرِ في قنوات الدنيا وأوعيتها بخفة وسلاسة ومرونة ، فلا نقاوم حين لا تنفع المقاومة ، ولا نعاند حين لايجدي العناد ، فلا نكون بذلك من الخاسرين.




















" المشاهد المؤلمة والحقائق القاسية في عالم اليوم
لا بد أن تجعل الإنسان يستغرق في التفكير في جوهر ومعنى الحياة"













مدينة سمك القرش

سمك القرش لا يتوقف عن الحركة لأنه إن توقف فلن يطفو, وسيغوص إلى الأعماق فيغرق, لذلك يقال إن سمك القرش لا ينام, فنومه وتوقفه عن الحركة يعنيان موته.
الناس في نيويوك, وأظن في كل المدن الكبرى المشابهة, مثل سمك القرش, لا يتوقفون عن الحركة بحثًا عن لقمة العيش والحياة , ومن ثَمَّ الموت!
في هذه المدن لا أحد يكترث بمعيشة أحد, فكل واحد يهتم بنفسه أولًا وقبل كل شيء, بل على حساب الآخرين لو اقتضى الأمر, وكل واحد كذلك مسؤول شخصيًا عن البحث عن لقمة عيشه وتأمين احتياجات حياته بشكل عام, لذلك فكل واحد يبدأ بالبحث عن فرصة للعمل ما إن نصل إلى سن الثامنة عشرة, ويخرج عن دائرة كفالة أبويه له.
وهذا الأمر جعل الناس هنا في هذه المدن لا يتوانون عن العمل في أي مجال يمكن أن يدر عليهم دخلًا يعينهم على مواصلة الحياة على الأقل, وربما السعي بعدها إلى تحقيق ذواتهم, كلٌ وَفْقَ طموحاته وأحلامه.







كل الأعمال والوظائف في مدن سمك القرش مشغولة بالعاملين والموظفين من أبناء المدن نفسها, يزاحمهم في ذلك المهاجرون بصورة غير شرعية, وغيرهم ممن يتوافدون على هذه المدن بلا انقطاع, رغبة في الاندماج في نظامها الحياتي بعدما ضاقت بهم السبل في بلدانهم.
لذلك فكل واحد هنا بحاجة للآخر؛ فموظف البنك بحاجة لشرطي المرور, والشرطي بحاجة لبائع القهوة, وبائع القهوة بحاجة لعامل النظافة, والعامل بحاجة للطبيب, والطبيب بحاجة لعامل الكهرباء, وهكذا, وكلهم في ذات الوقت مجبر على دفع الضرائب للدولة للتمتع بالخدمات العامة والأمن, وللسماح له بذلك بالبقاء في منظومة المجتمعية المتوافق على اتزانها, وهكذا تستمر دورة الحياة وتظل الطاحونة تدور بلا هوادة!
من يتوقفون عن الحركة والسعي في هذه المدن لأي سبب من الأسباب إما يموتون أو ينتهون مع المشردين الذين ينامون في العراء في الأزقة وعلى وجوانب الطريق, يتوسدون الأرض ويلتحفون السماء, في صحبة الكلاب الضالة.
رأيت الناس هنا لا يتوانون عن عمل أي شيء لأجل دولارات قليلة, حتى لو اضطرهم لأمر إلى التعري من ملابسهم الداخلية, وربما دونهما, والوقوف في الشوارع صيفا وشتاء لاستدرار عطف واستهجان أو استغراب الناس وضحكاتهم, على أمل أن يلقى لهم أحدهم بالقليل من المال!





مدن كونكريتية تستعمرها أسماك القرش التي تحتاج بعضها بعضًا ما دام الواحد فيهم صحيحًا قويًا يتحرك, لكن سرعان ما يترك ليغرق ويموت ما إن يتوقف عن الحركة!
هذه المشاهد المؤلمة والحقائق القاسية في عالم اليوم لابد أن تجعل الإنسان يستغرق في التفكير في جوهر ومعنى الحياة, جوهر حياته هو قبل أي شخص آخر, وهذه حقيقة دوره شخصيًا وقيمته في المجتمع الذي يعيش فيه, وتجعله - وهذه هو الأهم بالنسبة إلي هنا- يشكر الله (, على أن جعله من أتباع منظومة دينية وأخلاقية تعلي من قيمة الإنسان وتحفظ كرامته حين ضعفه وعجزه, وتأمر بالتكافل المجتمعي والتآزر بين الناس.



























"هل ساهمت تقنيات التواصل الحديثة في زيادة الفجوات
بين الانسان وأخيه الانسان؟"








من يجمع ريش الإشاعات!
روى القسيس في إحدى العظات الكنيسة أن سيدة جاءت إلى الكنيسة ذات يوم , وقصدت غرفة الاعترافات طلبًا لمغفرة الرب.
فقال لها الأب : ماذا فعلتٍ يا ابنتي ؟
فقالت : لقد اقترفت عملاً خاطئًا , فقد كنت لا أتورع عن اغتياب جاراتي ونشر الأقاويل والإشاعات حولهن , وقد أدرت اليوم خطئي , وأريد الاعتراف أمامك طلبًا لمغفرة الرب .
فقال لها الأب : ليس بهذه السرعة يا سيدتي , عليك أولاً أن تعودي إلى منزلك وتأخذي مخدة مليئة بالريش ,ثم تشقيها بسكين , وتعدي بها بعد ذلك إلى السطح وتنثري الريش في مهب الريح , وتعودي إليّ بعدها .
فخرجت المرأة إلى بيتها , وفعلت ما طلبه منها الأب , وعادت إليه في اليوم التالي قائلة: لقد فعلت ما طلبته مني أيها الأب .
فقال لها : حسنًا , اذهبي الآن واجمعي كل الريش الذي تطاير وأتيني به.
فقالت : ولكن ذلك مستحيل أيها الأب !
فقال لها : ولماذا مستحيل؟
فأجابت :لأني لا أعرف أين ذهب كل الريش !






فقال لها : كذلك هي الغيبة و الأقاويل والإشاعات , لا يمكن جمعها بعد أن تنتشر !
استوقفتني كثيرًا هذه الحكاية التي كنت سمعتها في فيلم اسمه " الشك " وتأملت مليًّا كيف أن الواحد منّا لا يتورع طوال أوقات يومه , بقصد و دون قصد , عن المشاركة في نشر الأقاويل و الإشاعات عن هذا وذاك دون تثبيت وبلا مبرر , وكيف أن شبكات التراسل الإلكتروني مثل "واتس أب" و "تويتر" و "فيسبوك" والرسائل القصيرة وما يشابهها , وقد ساهمت جميعها بتسهيل هذه العملية , بل بتسريعها وتطويرها وتضخيمها.
تأملت كذلك عميقًا في مقادير الضرر الناشئة عن مثل هذه الأفعال التي غدت معتادة ومألوفة على نفوس الناس و أعراضهم وسمعتهم , وحجم الجرح ومقدار الألم المتخلف فيهم جراء ذلك , وهي الأفعال التي نحسبها هينة , فلا نلقي لها بالاً, خصوصًا أنها قد صارت ليست أكثر من ضغطة زر في زمن الهواتف الذكية !
لن أكرر القول أن على الإنسان ألا يشارك في الغيبة ونشر الأقاويل و الإشاعات لاعتبارات دينية تحرم ذلك وتعده من أشر الشرور , على الرغم من صحة هذا القول , ولن أقول كذلك أن عليه ألا يفعل ذلك لاعتبارات أخلاقية تستنكف ذلك وتعتبره من التصرفات الدنيئة التي تحط من كرامته , على الرغم من صحة هذا القول أيضًا , ولكنني سأقول أن عليه ألا يفعل







ذلك لاعتبارات إنسانية في المقام الأول , لأن الغيبة ونشر الأقاويل والإشاعات تمامًا كأكل لحم الميته الذي تعف عنه وتعافه حتى أغلب البهائم , فما بالك بالبشر الأسوياء !
والمفارقة أن تقنيات التواصل في العصر الحديث , على الرغم من أنها جاءت لتقريب الناس بعضهم ببعض والارتقاء بهم يشرًا يتحدثون ويتصلون و يتواصلون , حيث ساهمت في زيادة الفجوات بينه وبين أخيه الإنسان وفي شرذمتهم وتفكيكهم أخلاقيًا.
في المقابل شخص واحد أجده اليوم يتحدث عن الفوائد التي تحصَّل عليها من استخدامه لهذه التقنيات , أجد خمسة وربما عشرة يتحدثون عن سيئاتها وسوءاتها , كل ذلك بسبب استغراق الناس في الاستخدام غير السوي لها , وقلٌ من يحاولون استدراج النفع منها .
علينا جميعًا أن نتوقف قليلاً عن هذا الاندفاع المحموم لاستخدام هذه التقنيات , وأن نتفكر في سلبياتها والشر الناتج عنها , و أن نرصد دورنا فيما يحدث وهل نحن ممن يساهمون في نثر الريش الشرير في مهب الريح أم لا !















" لا أحد كامل , وكل بني آدم يعتريهم النفص ,وإن أصر على كمال ومثالية الأطراف التي يتعامل معها , فهو يطلب المستحيل "









"ضغاط"
"ضغاط" في اللهجة الكويتية تعني الضغط , والمراد بها أن يمارس شخص ما الضغط النفسي أو الكلامي أو الاثنين معا على شخص آخر , و يقوم بذلك إما على سبيل المزاح الثقيل الجارح أ بداعي التذاكي ومحاولة إظهار القدرات العقلية والنفسية المتفوقة على الطرف الآخر, وتبيان أنه واعٍ جدًّا لكل ما يحيط به , أو كطريقة رد فعل يحاول من خلالها الشخص أن يصمد في خضم علاقة اجتماعية صعبة أو ملتبسة لسبب من الأسباب.
"الضغاط" هو إحدى الحيل النفسية الدفاعية المعروفة في علم النفس , التي قد يظن الشخص من خلالها أنه ينتصر لنفسه ويحميها ويخفف عنها الألم , شعوريا أو لا شعوريا , ولكنه في الحقيقة يكتشف مع مضي الوقت أنه قد أساء إليها من حيث لا يدري, لأن " الضغاط" ثقيل على النفس ومؤلم وجارح , حتى لو كان مستندًا إلى حقيقة يظنها الشخص , كتقصير الطرف الآخر , أو إخفاقه في شيء ما , أو سوء تصرفه , أو حتى غبائه أو سذاجته , والاستمرار به وعدم مراعاة مشاعر ذاك الطرف الآخر وقدرته النفسية على الاحتمال يهدد استمرار العلاقة , حيث يؤثر في المقام الأول في صحتها , فنراها قد اعتراها المرض و اعتَلَّت و أخذت في التعثر والاضطراب , وسرعان ما وصلت إلى حد الافتراق .







من يستمر في ممارسة "الضغاط" على من حوله, وبالأخص على من يعنيه أمرهم , يغامر ببقاء تلك العلاقات واستمرار وجودها في حياته , حتى لو كان هناك رصيد كير من الحب بينه وبين أطراف هذه العلاقات , لأنه ليس بالحب , كعاطفة مجردة , وحده تستمر العلاقات وتنجح , بل هي بحاجة إلى عاطفة الح ومعها مقادير كبيره من الاستيعاب والتقبل والتحمل والاحترام المتبادل .
لا أحد كامل , وكل بني آدم يعتريهم النقص , وإن أصر الواحد منا على كمال ومثالية الأطراف التي يريد أن يتعامل معها , فهو في الحقيقة يطلب المستحيل , وسينتهي أمره إلى أن يصبح في عزلة عاطفية واجتماعية .
من الضروري لراحة بال الإنسان وسعادته وسيطرته على الأمور حقًّا أن يمارس فنون "التطويف" و " التطنيش " وأن يتغاضى كثيرًا ويتغابى إزاء كثير مما يمر حوله ويظهر ممن يتعامل معهم , وليس في هذا ضعف أو قلة حيلة , بل هو على العكس قوة وتسيد للمواقف , وكما قال الشاعر:
ليس الغبي بسيد في قومه ولكن سيد قومه المتغابي
من الذكاء والحكمة أن نعطي لمن حولنا , خصوصا من نحب , مساحاتهم و أن نغفر لهم زلاتهم , وألا نوقفهم أما كل منعطف , و ألا نضغطهم جدًّا , بل نعطيهم الفرصة للقيام من عثراتهم, وتصحيح أخطائهم , وتبرير ما يبدر منهم وتفسيره , قبل أن نركب موجات الظنون السيئة .






علينا جميعًا أن نستفيد من التجارب التي مر بها سابقًا وكيف انتهت , وأن نتعلم من هذه الدروس الدائمة والمستمرة .
وتذكروا دومًا , سادتي , أن الحب مهم وضروري , ولكنه كما قلنا ليس عاطفة مجردة , بل هو منظومة متكاملة من التعبير شعورًا وقولًا وفعلًا , و"الضغاط" والعتب واللوم المستمر ليست منها أبدًا .























" السر في إدارة الحياة الناجحة هو أن يعتني الانسان بنفسه أولا , جسديا ونفسيا وفكريا وروحيا "











إن لنفسك عليك حقّا!
في المشاهد الأولى من الفيلم الرائع (The Bucket List ) يكتشف الميكانيكي كارتر تشامبرز أنه مصاب بالسرطان , وأن حظوظه من زمن الحياة المتبقية لت تتجاوز عدة أشهر أو عام , بحسب أبعد تقرير طبي , ويصادف أن زميله في ذات الغرفة هو رجل الأعمال المليونير إدوارد كول مصاب بالسرطان كذلك , وليس له من العمر المتبقي إلا أشهر معدودة أيضًا كما أخبره طبيبه المعالج , فتنشأ صداقة فريدة ما بين كارتر (مورغان فريمان) وإدوارد (جاك نيكلسون ) وهما اللذان جمعتهما الظروف الغريبة في غرفة واحدة رغمًا عنهما , ولهذه الجزيئية قصة لن أحرقها على من يود مشاهدة هذا الفيلم الإنساني البديع .
يعرض المليونير إدوارد على صديقه كارتر أن يقضيا الأشهر المتبقية من حياتهما في تنفيذ محتويات قائمة أعداها سويا أسمياها(The Bucket List ) أي : قائمة الجردل , والمستوحى اسمها من التعبير الإنجليزي الشائع حين يقال إن فلانًا ركل الجردل , أي أنه مات . كالقفز من طائرة بالباراشوت , وقيادة سيارات سباق , والصعود إلى قمة الهيمالايا , وإدخال السرور على قلب إنسان , وتقبيل أجمل فتاة في العالم , وغيرها من الأمنيات .








أمام هذا العرض المفاجئ المدفوع التكاليف بالكامل من قبل صديقه المليونير يواجه كارتر سؤالًا صعبًا : هل أقضي الأشهر الأخيرة من حياتي في تنفيذ هذه الأمنيات أو بجوار زوجتي ؟ وقد كانت رافضة تمامًا فكرة ابتعاده عنها وعن عائلته للقيام بهذه الأمور المجنونة , خصوصًا في الأيام المتبقية من عمره .
سأتوقف هنا عن سرد أحداث الفيلم , و سأنتقل إلى طرح ذل السؤال الذي واجهني كما واجه كارتر , السؤال الصعب : أين يمكننا أن نرسم الخط الفاصل بين حق الإنسان لنفسه وبين واجبه تجاه من م حوله من أهل و أحبة و أصدقاء ؟
قد يبدو هذا السؤال سهلًا جدًا للوهلة الأولى لبعضكم , خصوصًا صغار السن , أولئك الذين لم يواجهوا تحديات معيشية تضعهم في مواجهة مثل هذا السؤال , لكنه , وصدقوني حين أقول ذلك , ليس بالسؤال الهين أبدًا عندما يمضي العمر بالمرء فيجد نفسه وقد كبر وقد تكاثفت مسؤولياته وتشابكت علائقه إلى حد الاختناق !
والناس في هذا الزمن نوعان :
إما أولئك الذين يقضون جل أعمارهم يستنزفون أنفسهم و أرواحهم لمراعاة وخدمة الآخرين من حولهم .
وإما أولئك الذين يعيشون أغلب وقتهم لإسعاد أنفسهم وتلبية رغباتهم الذاتية فحسب , فلا يكادون يكترثون بغيرهم .






أما الذين يعرفون كيف يضبطون هذه المعادلة الدقيقة بين خلق النفس وواجبهم تجاه المجتمع فهم القلة القليلة .
صحيح أن نبينا العظيم عليه الصلاة والسلام علمنا أن "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا..." إلى آخر الحديث الذي يوضح مسؤولية الإنسان تجاه الآخرين , لكن ذلك لم يعن بأي شكل من الأشكال أن يكون الأمر على حساب النفس , فقد ورد في الحديث أيضًا أن الصحابي سلمان الفارسي , رضي الله عنه , قد قال : "إِنَّ لرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، ولأهلِك .... الحاصل أنه قال له: وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعطِ كل ذي حق حقه " وحين سمع النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قال : " صدق سلمان "(2) وهذا هو الذي يبين الكفة الثانية من ميزان معادلة حق النفس والآخرين , بل أن حق النفس قد جاء من بعد حق الله , عز وجل , مقدمًا على كل الحقوق الأخرى , وهذا هو السر في إدارة الحياة الناجحة ,فحين لا يعتني الإنسان بصحته الجسدية والنفسية و الفكرية ، ولا يفرد لها الوقت والجهد الكافيين للحفاظ عليها ولاستعادة النشاط والتجديد ، فإنه سرعان ما سيسقط أو لعله سينهار

________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض , باب : العبد راع في مال سيده (رقم 2400) ومسلم في كتاب الإمارة , باب : فضيلة الإمام العادل ( رقم 1829).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الصوم , باب : من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع (رقم 1968).




تمامًا تحت وطأة المسؤوليات والضغوط المتلاحقة ، فلا هو أسعد نفسه حينها ولا هو أسعد غيره !
لا أتمنى أن يواجه أحد منا لحظة أليمة كتلك اللحظة التي واجهها كارتر في الفيلم ، فاكتشف حينها أنه لم يعط نفسه عبر سنوات عمره حقها من الفرح، فقرر أن يحلق ما فاته في اللحظات الأخيرة، ولكنني أتمنى- وهذه نصيحة أوجهها لنفسي أولا – أن ننتبه إلى أنفسنا في المقام الأول قبل فوات الأوان حتى يمكننا أن نعطي من حولنا حقوقهم!






















"كم من الأشياء الجميلة حولنا نمر بها دون انتباه ووعي؟!"












فتش عن الطفل في داخلك
جلس رجل في صباح يوم بارد في محطة قطارات الأنفاق في العاصمة الأميركية واشنطن، وبدأ يعزف على كمانه مقطوعات موسيقية لبيتهوفن ، حيث عزف الرجل لمدة 45 دقيقة ، مر خلالها آلاف الناس بقربه ، وكان أكثرهم ذاهبًا إلى عمله في زحام الصباح.
بعد ثلاث دقائق انتبه رجل في الخمسينيات من عمره لعازف الموسيقى المنهمك بالعزف على آلته , فخفف قليلًا من مشيته, ووقف لبضع ثواني ثم تابع طريقه, وبعد لحظات حصل العازف على أول دولار رمته له امرأة في حاضنة الكمان دون أن تتوقف ولو للحظة واحدة , وبعد بضع دقائق أخرى استند شخص إلى الجدار ليستمع قليلًا , ولكنه نظر إلى ساعته فعاد ليمشي مبتعدًا , لأنه من الواضح أنه كان متأخرًا عن العمل أو عن موعد ما .
أما أكثر الذين أظهروا اهتمامهم بالرجل فكان طفلًا عمره قرابة ثلاث سنوات , يمسك يسد أمه ويسير جانبها دون توقف , لكن نظره كان معلقًا بالعازف , وحتى بعد ابتعادهم عن العازف ظل يسير وهو ينظر إلى الخلف , وقد حصل هذا الأمر مع العديد من الأطفال الآخرين , إلا أن جميع الآباء , دون استثناء , كانوا يجبرون أبنائهم على السير , رغم نظرات الأطفال وانتباههم لعازف الموسيقى







بعد مضي 45 دقيقة أخرى من العزف على الكمان , كان ستة أشخاص فقط هم اللذين توقفوا واستمعوا للعزف لفترة ثم انصرفوا , وقدم حوالى عشرين شخصًا المال للعازف وعادو للسير على عجلة من أمرهم, فجمع 32دولارًا فقط عند انتهائه من العزف, ليعمّ الصمت في محطة المترو , فلم ينتبه لذلك أحد , ولم يصفق للعازف أو يشكره أي شخص .
لم يعرف المارة أن عازف الكمان كان " جوشوا بيل" أحد أشهر وأفضل الموسيقيين في العالم , وقد كان يعزف إحدى أعقد المقطوعات الموسيقية المكتوبة للعزف على الكمان , حيث تقدر قيمتها بــ 3.5 ملايين دولار , وهي التي كان قد عزفها قبل يومين في قاعة مكتظة لأحد مسارح بوستون , حيث كان سعر البطاقة الواحدة 100 دولار أمريكي .
عزف " جوشوا بيل " تلك المقطوعة الشهيرة متخفيًا في محطة مترو الأنفاق كجزء من تجربة اجتماعية قامت بها صحيفة الواشنطن بوست حول الإدراك الحسي والذوق والأولويات عند البشر , و كانت الخطوط العريضة للتجربة و التساؤلات العامة التي انطلقت منها هي كالتالي :
في بيئة عامة مزدحمة, وفي وقت غير ملائم , هل لدينا القدرة على استشعار الجمال ؟
هل نعطي انفسنا الفرصة للتوقف لتقدير الجمال ؟







هل نستطيع أن نميز ونكتشف الموهبة والإبداع في مكان غير متوقع ؟
والسؤال الأهم بالنسبة لي : إذا لم يكن لدينا الوقت للوقوف لحظة وسماع أعظم عزف لواحدة من أجمل المقطوعات الموسيقية في تاريخ الفن , فكم من الأشياء الجميلة الأخرى التي نمر بها دون وعي , ودون أن نشعر بقيمتها , و دون أن نعطيها حقها !
قصة مبهرة , وتجربة مثيرة , وتساؤلات إنسانية تستحق منا التوقف والتأمل , ليس فيها وفي معانيها وحسب , إنما في داخل أنفسنا و ذواتنا , ومنها مثلًا : اهتمام الأطفال وحدهم بجمال العزف .
فهل نحتاج أن نفتش مجددًا عن ذلك الطفل في داخلنا لنرى الأشياء الجميلة من حولنا !



















"يجب أن نكون في سعي دائم إلى هداية الناس بالحسنى , وقبلها إلى هداية أنفسنا "











تدين ملوث
يبدولي ان فكرة ومعنى التدين ,أي ان يكون الانسان متدينا, قد تلوثت كثيرا اليوم عند البعض, فالتدين كما افهمه, هوحالة روحانيه داخليه في المقام الاول, وبعد ذلك حالة أخلاقية سلوكية, واخيرا ملامح مظهرية, تماما بهذا الترتيب, فلا فائدة من مظهرديني, بأي شكل من الأشكال, يرتدي الشخص, كائنا من كان, لكنه غيرمصحوب بحالة اخلاقية سلوكية راقية تدل على جريان فلسفة التدين على الجوارح, ولافائدة كذلك من المي وافق صلاحا لهيئة الخارجية صلاح الباطن, وهذا معنى قول الرسول "عَن ْأَبِي هُرَيْرَة َقَال َقَالَ رَسُولُ اللَّه ِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْه ِوَسَلَّم َإِنّ َاللَّه َلا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِن ْيَنْظُر ُإِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ "
لكن مانراه اليوم هوان كثيرا ممن ظاهرهم وهيئتهم دينية, قد صار بعضهم يرى نفسه حارسا من حراس الفضيلة, في حين انه يعجزعن الاتيان بالحالة الاخلاقية السلوكية الراقية التي يجب ان تصاحب هذه الهيئة التي تدل على صحة الباطن, حيث ان كثيرا منهم يتعاملون مع غيرهم بفظاظة وغلظة لاتصدق, كأنهم يظنون ان مظهرهم الخارجي قد اعطاهم تفويضا دينيا بالتعالي على غيرهم والقسوة عليهم والحط منهم!
والامرالاهم ان مفهوم الدعوة الى الله في اذهان كثيرا منهم قد انقلب اليوم راسا على عقب, فالدعوة الى الله كما نفهمها هي وجوب ان يكون

________
(1) أخرجه مسلم في كتاب البر , باب : تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ( رقم 2564)






المسلم في سعي دائم الى هداية الناس, وقبل ذلك هداية نفسه, الى الحق والخير, وهذا مفهوم من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام" لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمرالنعم"(1)
لكن مجمل مايبدر من هؤلاء من اقوال وتصرفات عبارة عن هجوم شرس
على غيرهم, مسلمينوغيرهم, وتصنيفهم, واستعداؤهم, وحرق كل جسريمكن حملهم عبرالى طريق الهداية والراشد.
وهذه الفكرة الاجتماعية ليست مقصورة على "الدعوة الدينية" ان نحن اردنا قول ذلك, بل تسريع لىكل شيءفي هذه الحياة, فلا احد يتقبل رأيا من غيره مالم يعرض عليه بالطيب والحسنى, فما بالكم ان هو بوشر بالإساءة والتهجم!
تجد احد هؤلاء اذا قابل غيره يبادره قائلا: يامن بك كذا وكذا! يامن انت كذا وكذا! يامن عليك كذا وكذا! الا تتقي الله ! ثم يقول: لقد دعوته ولم يستجيب! يقضي يومه بتصنيف هذا, وتبديع هذا, والحكم على هذا, والتهجم على ذاك, وينتهي بحصيلة معتبرة ممن احتسبهم من الخارجين عن الجادة المستحقين عقاب الله, ولم يظفرفي المقابل بهداية واقناع شخص
(1) اخرجه البخاري في كتاب الجهاد, باب: دعاء النبي صل الله عليه وسلم الناس الى الاسلام والنبوة (رقم 2942) مسلم في كتاب فضائل الصحابة, باب:من فضائل علي بن ابي طالب (رقم2406)









واحد, في حين انه مكلف شرعا بهداية الناس الى النور بالحسنى, بقوله وبأخلاقياته وبتصرفاته وسلوكياته, لا الحكم عليهم بالضلالة!
يا سادة, اتقوا الله في دينكم الذي تزعمون تمسككم به, واتقوا الله في هذه الرسالة السماوية السامية الرفيعة التي تسيئون اليها بأقوالكم وتصرفاتكم, وراجعوا انفسكم, فإنما عثتم مبشرين لا منفرين, فكفوا اذاكم عن الناس .























"سؤال بلماذا يجب ان يأتي دائما قبل السؤال بكيف"













"لماذا؟" قبل "كيف؟"
في كتابي "كلمة وكلمتين" نشرت مقالا بعنوان "الأميات الأربع" تحدثت من خلاله عما أسميته "امية التفكير السليم" وقلت ان الأمية الأخطر في زمننا الحالي ما عادت أمية قراءة والكتابة, فهذه تكاد تكون قد انعدمت اليوم, وليست أمية اللغة الثانية الأن أغلب الناس قد صاروا في زمننا يستطيعون الحديث باللغة الإنجليزية ولو بطرية ابتدائية لتيسير شؤونهم, وليست امية التعامل مع الكمبيوتر والتكنولوجيا الأن عموم الناس قد صاروا يحملون طوال الوقت اجهزة كمبيوتر صغيرة تسمى الهواتف الذكية, وانما الأمية الأخطر هي امية التفكير بشكل منهجي سليم.
ما اقصده هو انعدام القدرة على التفكير بطريقة صحيحة للوصول الى نتائج سليمة واتخاذ قرارات صائبة في سائر شؤون الأنسان: في العمل والبيت والأسرة, وفي عموم الحياة.
لكن المشكلة التي طالما توقفت عندها ان محاولة اقناع الناس بأن هناك طريقة سليمة للتفكير وطرقا اخرى غير سليمة, ليست بالأمر الهين, فعموم الناس يظنون ان للتفكير طريقة واسلوبا واحدا, وان الأنسان يولد مبرمجا على التفكير بها, ويتطور تلقائيا في مسار محدد مع مضي السنوات, وقد لمست هذه من خلال مشاهدتي الأقبال الناس على الكتب والدورات







التي تهدف الى اكسابهم مهارات جديدة, منها ما هو غريب جدا احيانا, وعزوفهم الى حد كبير نسيبا عن تلك التي تهدف الى تعليمهم الاسس السليمة للتفكير وادارات الذات قبل الشروع في أي شيء اخر.
يندفع الناس نحو الكتب والدورات التي تعلمهم " كيف" يفعلون هذا وذاك و"كيف" يكتسبون هذا وذاك, وتتكاثر هذه الكتب والدورات تكاثرا سريعا الأدراك أصحابها ومسوقيها لحجم تفاعل الجمهور مع السؤال الذي يبدا بالمفتاح "كيف؟" لما فيه من جاذبية ووعد بالكشف عن كل شيء مجهول. كيف تصبح ناجحا؟ كيف تصبح قارئا سريعا؟ كيف تكسب المزيد من المال؟ كيف تتعرف على شخصيات الاخرين من خطوطهم؟ وكيف؟ وكيف؟ وكيف؟
في حين ان السؤال الأهم من "كيف" هو السؤال الذي يجب ان يسبق في مسار عملية التفكير المنهجي السليم, باستخدام المفتاح "لماذا؟" من الضروري ان اعرف : لماذا اريد النجاح في هذا المجال او ذاك قبل ان اعرف كيف؟
لماذا اريد ان أقرا بسرعة؟ لماذا أريد ان اكتسب مزيدا من المال؟ لماذا أريد ان أتعرف على شخصيات الأخرين من خطوطهم؟ لماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ قبل كيف؟ وكيف؟ وكيف؟







الأهمية الكبرى للمعرفة باستخدام المفتاح "لماذا؟ قبل مشروع في استخدام "كيف؟" تكمن في ان الأنسان عندما يدرك اجابة السؤال "لماذا؟" على وجه الدقة, فأنه يكون المساهم الأول في ايجاد الدفاعية الحقيقية للانطلاق في عملية التعلم بأستخدام "كيف؟".
وفي المقابل فأن الشخص الذي لا يعرف السبب الجوهري الدافع وراء قيامه بأي عمل سرعان ما يفتر, او سرعان ما ينحرف عن وجهته, او سرعان ما يتوقف, وان هو استطاع ان ينجو من هذه الاحتمالات كلها فأنه ان أنجز الامر فلن يستطيع الاستفادة منه على الوجه الأمثل والأكمل في حياته من بعد ذلك.
كثيرا ما شاهدت أشخاصا ينخرطون في الدورات ودراسات عليا وأنشطة تأخذ من أموالهم جهودهم وأعمارهم الشيء الكثير, وهم لا يعرفون على وجه الدقة لماذا يقومون بها! وكيف يستفيدون منها في حياتهم من بعد ذلك! وكيف ستضيف لهم!
السؤال ب"لماذا؟" يجب ان يأتي قل سؤال ب"كيف؟" دائما.
من الضروري للنجاح في الحياة ان نفكر بشكل منهجي سليم, ومن أهم عناصر التفكير السليم ان نسأل دائما وقبل الشروع بتعلم أي شيء او عمله: لماذا نريد ان نفعل ذلك؟ وعند غياب الإجابة او عدم وضوحها فيجب ألا نغامر بهدر أموالنا وجهودنا وأعمارنا!












" الجوانب والحياة الخاصة بالمشاهير والمبدعين
ليست على أحسن ما يرام دومًا "










خميرة الإبداع
طالما كنت ممن لا يستوعبون مسألة اهتمام كثير من الناس بالحياة الخاصة للمشاهير من الفنانين والرياضيين والشعراء وغيرهم من المبدعين ، وحرصهم على تتبع أخبارهم الخاصة غير المرتبطة بشكل مباشر بنشاطهم الإبداعي ، عبر البرامج والمجلات وصفحات الجرائد المهتمة بذلك ، الأمر الذي جعل من المسألة صناعة وتجارة كبيرة حتى صار لها صحافتها الخاصة وأطقم صحافييها ومصوريها ( الباباراتزي ) وغيرهم .
وكنت دومًا أظن أن المسألة مرتبطة فقط بالفضول البشري المألوف ، من باب أن أكثر الناس عادة ما يرغبون في معرفة الأسرار والجوانب الأخرى للأشياء والأشخاص وهتك ستر حكايات الآخرين المخفية وبالأخص المشاهير منهم .
لكنني وصلت مؤخرًا إلى فكرة أن الناس لعلها تهتم بهذه الجوانب ليس من باب الفضول فحسب إنما لأنها – وإن كانت في أحيان كثيرة بلا وعي وإدراك مباشر منها – تريد أن تتعرف على ذلك الجانب الآخر الخاص بهذا الشهير أو ذاك الذي أنتج صورته الإبداعية الظاهرة على السطح .
أظن الناس يريدون أن يتعرفوا على الخميرة الإنسانية التي نتج عنها مركب الإبداع الذي يرون سواء كان فنًا أو رياضة أو أدبًا أو غيره ، يريدون أن يتعرفوا عليه ربما كي يقلدوه فيضاهوه ليحصلوا على النتيجة الإبداعية فيلحقوا بالمشاهير .






لكن الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع أن الجوانب الخاصة بالمشاهير والمبدعين ليست على أحسن ما يرام دومًا ، وفي الغالب ليست بذات البريق والجمال الذي تظهر به صورهم الخارجية المنمقة المبهرة ، بل لعل فيها ما فيها من الآلام والمصاعب والعقبات والانكسارات والدموع أو الفتور والخمول والبرود شأنهم في ذلك شأن غالب الناس على هذه البسيطة .
يكفي المبدع أنه إنسان استطاع أن يتغلب على تلك العقبات والصعوبات التي في حياته ، وأن يصمد أمامها فيتجاوزها ، واضعًا أقدامه في عالم الإبداع ، لينتج ويقدم للعالم منتجاته الإبداعية بشكل من الأشكال الرائعة وبصورة من الصور المدهشة ، بل إن هناك من المبدعين من جعل من مصاعب حياته وآلام أيامه ذاتها وقودًا لصناعة إبداعه ، فكانت معاناته الشخصية مع المرض أو الأسرة أو المجتمع هي نسيج كتاباته مثلًا ، أو كان فقره وشقاؤه في صغره هما دافعه للتفوق والتميز ، أو كان فراقه عن أهله أو عمن يحب هو جسره لبلوغ فنه وهكذا .
إن الإنسان – أي إنسان – يظل قادرًا على أن يصبح شيئًا مذكورًا إن هو أراد ذلك حقًا ، فالأمر لا يرتبط ارتباطًا محتمًا بالظروف المحيطة به ، لأن كل الظروف مهما يكن شكلها وحالتها سلبًا وإيجابًا يمكن تجاوزها ، بل يمكن أن تكون هي نفسها العناصر البنائية الأولية لصناعة إبداعه والتاريخ القديم






والحديث مليء بالنماذج المبدعة التي ولدت من أرحام مختلفة متفرقة ، منها ما كان شقيًّا بائسًا ، ومنها ما كان منعمًا هانئًا ، لكن الأمر المشترك دومًا بين كل هؤلاء المبدعين أن جذوة الإبداع كانت متقدة في صدورهم وهممهم عالية ، ورغباتهم في الوصول لا يحدها حد !

























" ذات الإنسان ليست مرتهنة أبدًا باسمه أو أصله
أو طائفته أو عمله أو منصبه "














من أنت ؟
من أنت ؟
سؤال سهل في ظاهره ، وربما ساذج نوعاً ما ، لكنه صعب ومهم في واقع إجابته ، وهي إجابة حمالة لعشرات الأوجه ، بل المئات ، وربما الآلاف ، ويكفي على ذلك دليلاً أن يقوم كل واحد منكم بتوجيهه إلى من حوله تِباعاً ، ثم يجلس يستمع الإجابات المتنوعه التي ستأتيه ، ويلاحظ في ذات الوقت طيف الزوايا المختلفة التي سينطلق منها كل مجيب !
حين أقول: من أنت ؟ لا أعني السؤال عن اسمك أو أصلك أو عملك أو ما شابه ، إنما مرادي أن أسأل عن الإنسان الذي أنت هو ، بأفكاره وأهدافه وآماله وطموحاته وأحلامه ، أسأل عن تلك المكونات التي تحقق ذاتك الإنسانية وتعطيك عميق الإحساس أنك تحتل مساحتك البشرية المقنعة لك شخصياً على هذه الأرض التي تشعر من خلالها أنك موجود حقاً كعنصر فعال في معادلة الحياة .
هل رأيتم الآن كم هو صعب ومهم في واقع إجابته هذا السؤال السهل الساذج في ظاهره !
مما يلفت النظر أن الغربيين أكثر قدرة على التعامل مع مثل هذا النوع من الأسئلة شيئاً ما ، ولا أقصد أنهم يأتون بإجابات خارقة أو مميزه .







إنما المقصد أنهم يعرفون كيف يتعاملون مع السؤال ويفكرون بإجابته من زاوية أكثر عمقاً من زاوية تفكيرنا نحن العرب ، حيث ننطلق غالباً من زوايا الإجابات السطحية أو الشكلية الظاهرية ، كالاسم والعمل والانتماء العرقي أو الطائفي ، وربما السياسي في أبعد الحالات ، ولعل مرد ذلك أن من أساسات الثقافة الغربية حرية الفرد في تصرفاته وقبلها في تعبيره عن ذاته ، وعما يريد أن يحقق أو يفعل من أمانٍ وطموحات وأحلام ، كبيره كانت أم صغيرة ، وأعترف أن ذلك يصل عندهم إلى مستويات شاذة في كثير من الأحيان ، في حين أن ثقافتنا المعاصرة على الأقل تتجاهل حرية الفرد إن لم تكن تسحقها ، وتعلي من شأن التبعية والانتماء والانضواء والانصهار في المجموع !
ليست هذه دعوة إلى أن يشطح الواحد منّا كشطحات الغرب في مسألة الحريات الفردية ، لكنها دعوة على فكرة السعي إلى اكتشاف الذات واستظهار آمالها وطموحاتها وأحلامها على مستواها الفردي ، والتخلص في موازاة ذلك من قيود التبعية المطلقة للآخر ، أيّاً كان ، شخصاً أو عرقاً أو طائفة أو ما شابه .
ذات الإنسان ليست مرتهنة أبداً باسمه أو أصله أو طائفته أو عمله أو منصبه ومكانته ، وذات المرأة – وأخصها بالذكر لما لها من خصوصية في مجتمعاتنا الشرقية – ليست مرتهنة بذات أي من الرجال الذين في حياتها ، سواء كان هذا الرجل أباً أو أخاً أو زوجاً .







من اللازم أن نصبح قادرين على الإجابة عن هذا السؤال: من أنت ؟ وقادرين على التفكير فيه بشكل سليم ، وأن ننطلق بعدها لإجابته من زاوية متميزة .
من أنت ؟ سؤال مهم حقاً ، بل لعله سؤال الأسئلة .
























,, احمد الله أن جعلك في موضع من يُسأل لا موضع من يَسأل ،،











تصدقوا !
يقع أحدنا في خطأ جسيم حين يظن أنه حين يتصدق أو يساعد مسكيناً ذا حاجة أنه هو المتفضل ، والحقيقة أن السائل المحتاج هو صاحب الفضل في المقام الأول والأخير .
أقول هذا لأن القدرات والامتيازات التي يمتلكها الإنسان سواء أكانت مادية أم جسدية أم رصيداً من المعارف والعلاقات ، ليست سوى أدوات اختبره الله بها في الدنيا ليرى ما يفعل بها ، أيكفر أم يشكر ، وما كان المرء ليأخذ منها شيئاً بعد الموت ، وحسبه أن من استخدمها في الخير مما استودعه الله عنده ، فيزكي نفسه وبقية ماله وينجيه بذلك من الوقوع في نار الشح ونار الإنفاق في الشر ، أو في غير ما هو خير على أقل تقدير ، بل إن هذا السائل حين يمد يده نحو من يملك مالاً سائلاً إياه أن يعطيه فإنه هو في الحقيقة من يعطيه الفرصة كي يتصدق ، فيمارس تلك القُربة التي جاء في الحديث " إن صدقة السر تُطفئ غضب الرب " 2
وجاء أيضاً في الحديث الآخر أنها " تُطفئ








الخطيئة كما يُطفئ الماء النار 3
وبنظرة من زاوية أخرى ، فإن على من يتأفف حين يأتيه السائل المحتاج ، أو ذاك الذي يجد العطاء ثقيلاً على نفسه ، أن يحمد الله عز وجل ، أن جعله في موضع من يُسأل لا موضع من يَسأل ، وألا يشح ويبخل فتنقلب به الأحوال فيصير في ذلك الموضع ، وما ذلك بعيد !
وقد كانت عائشة رضي الله عنها ، تعطر الدنانير والدراهم قبل أن تتصدق بها ، فتُسأل عن ذلك فتقول: إنني أضعها في يد الله تبارك وتعالى قبل أن تصل إلى يد المسكين . وهذا من الفقه والأدب العظيم ، حيث كان جليِّاً وواضحاً لديها أن المسكين ليس سوى قنطرة أتيحت لها لتمر فوقها نحو مرضاة الله ؛ ولذلك كانت تحرص أشد الحرص على أن تؤدي صدقتها بأحسن حال وعلى أكمل وجه .
فلنفرح بعمل الخير ونشكر الله عز وجل ، حين يبعث في طريقنا من يتيحون لنا الفرصة لأداء هذه القربة العظيمة للتقرب منه سبحانه ، وإطفاء نار غضبه ، ومحو خطايانا وإطفائها كما يطفئ الماء النار ، ولنحذر الوقوع في فخ الرياء والغرور ، ليس أمام الآخرين فحسب إنما أمام أنفسنا ، فلا يظن







الواحد منا بأنه حين يتصدق وينفق ويعطي , ولو كان كثيرًا , أنه قد بلغ مبلغًا عظيمًا ,وإنما حسبه أن أعطى وأنفق من مال الله الذي آتاه إياه , ولو شاء لمنعه عنه وحرمه وجعله مع الملايين المحرومين في أنحاء الدنيا .


























‘‘ العائلة تأتي أولا , والأحبة هم تاج الصدارة ‘‘











السعادة مابين القلب والجيب
تخيل نفسك في فصل الشتاء القارس جالسًا في قصر عظيم , أو في فيلّا ضخمة مؤثثة بأفخر الأثاث وأجمل التحف واللوحات , مشيدة في أرقى الأحياء , ولكن بلا مدفأة حيث برودة الجو تحاصرك وتلدغك من كل الجهات ومن فوقك ومن تحتك , ألن تفضل حينها أن تكون حيث الدفء ولو كان في غرفة صغيرة متواضعة الأثاث والزخارف في حي سكني بسيط !
وهذا المشهد هو حال كل واحد منا في الحقيقة عندما يواجه الشدائد والملمات , حينها يرجع للبحث والتمسك بالحاجات الأساسية بالنسبة إليه,تلك الحاجات التي لا يمكن له الاستغناء عنها , هذه الحاجات الأساسية هي سر السعادة الحقيقية , واللافت أن الحاجات الأساسية غالبًا تكون في متناول اليد ومتاحة , ولا يدرك قيمتها إلا من فقدها وحرم منها .
ومن الأحاديث المدهشة التي طالما توقفت عند مدلولها مرات عديدة قوله
صلى الله علية وسلم (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ , مُعَافًا فِي جَسَدِهِ , عِنْدَهُ يَوْمٍ ,فَكَأَنَمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَفِيرِها ))4 وهذه الأعمدة الثلاثة هي أساس الاستقرار النفسي والسعادة الحقيقية في واقع الأمر إن نحن أَمْعَنَّا النظر وتأملنا في ما وراء المفردات .




فالأمان المراد في هذا الحديث هو الأمان الشامل، أي الأمان المادي والمعنوي، حيث يستقر الإنسان في وطنه ومسكنه، ولا يقلق أن يصيبه أذى أو مكروه على المستوى المادي، وأن يستقر أيضاً في نفسه مع من يحب من أهله وأسرته وصحبه. والعافية في الجسد هي الصحة والطاقة على الحركة والعمل. والقوت هو ما يكفي الإنسان ويشبعه من الطعام والشراب. 
لكن المفارقة أن الإنسان يقضي سائر عمره لاهثًا وراء تلك الأشياء الواقعة في خارج دائرة هذه الأساسيات، والمؤلم أنه في طريقه للحصول على هذه الأشياء قد يضحي بكثير من الأمور المهمة في حياته، ويتجاوز الكثير من القيم والمعايير الأخلاقية وربما القانونية، ولا ينتبه إلى ذلك إلا عندما يفيق من سكرته فيجد نفسه في مواجهة أحد المواقف الإنسانية الفاصلة في حياته، كأن يمرض هو أو من يحب، أو أن يفقد عزيزاً على قلبه، إما بالرحيل أو الموت. 
كلنا بحاجة إلى أن نواجه أنفسنا، وأن نعيد حساباتنا، وأن نعود إلى ترتيب قائمة الأولويات وتحديد الأهم فالمهم بالنسبة لنا قبل أن تضطرنا إلى ذلك مخالب اللحظات العصبية، وحينها قد لا يسعفنا الوقت لإصلاح أي شيء ولا تساعدنا الظروف للعودة عن خطئنا. 
كل واحد منا بحاجة إلى أن يدرك الآن، قبل فوات الأوان، أن العائلة تأتي أولاً، وأن الأحبة هم تاج الصدارة، وأن الاستقرار المالي لا يعني الثراء الفاحش، 
 
 








 








 
وأن السعادة والهناء هي حالة نفسية وعقلية قبل أن تكون في مقدار ما يمتلكه من الماديات، وأن هناك الملايين من البشر في السهول والوديان وفي أعالي الجبال وفي الصحاري والأحراش والغابات قد أدركوا هذه الحالة بأقل القليل من كفاف العيش. السعادة في القلب وليست في الجيب يا سادتي! 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 






































 
 
 
 
 
" عمر الإنسان قصير ولو طال " 
 
 
 
 
 
 

















 
فاصل صفحات 
دقيقة غضب   
منذ فترة نشرت في «تويتر» مقولة للشاعر الأمريكي رالف إيميرسون، كنت وجدتها في كتاب صغير جميل اسمه «مميز بالأصفر» جاء فيها: (لكل دقيقة واحدة من الغضب فإنك تخسر ستين ثانية من السعادة) ولقيت التغريدة صدى جميلاً، حيث حصلت على الكثير من الردود وإعادة النشر. 
وفي الحقيقة فإن إيميرسون كان بليغاً جداً حين استخدم في عبارته (دقيقة من الغضب في مقابل ستين ثانية من السعادة) لأن الغضب يوزن بالدقائق لأنه مجنون ورخيص ومتاح لكل شخص، أما السعادة فيجب ألا تقاس إلا بالثواني لأنها جميلة ونادرة وغالية لا ينالها إلا الأذكياء، تماماً كالألماس الذي يقاس بالقراريط الصغيرة، على عكس الحديد الذي يقاس بالأطنان الضخمة البلهاء!  
نعم، دقيقة مجنونة رخيصة من غضب أعمى ينجرف المرء في لجتها تضيِّع من عمره مباشرة ستين ثانية غالية لا يمكن تعويضها، لكن الحقيقة الصارخة الأكثر إيلاماً أن دقيقة الغضب هذه قد تضيِّع من عمره أكثر بكثير من هذه الثواني الستين، فقد تحرق معها جسور محبة، وقد تقطع صلات رحم و قد تجرح نفوسًا جراحًا بليغة، وقد تخلق عداوات، وتوقع صاحبها في مشاكل لعلها تستعصي على الحل، وقد تورث من بعد ذلك ألماً و ندمًا لا يزول و لا ينجلي.  
  
 
 










  
 
لذلك عندما جاء ذلك الرجل إلى نبينا عَلَيٌهِ اٌلصَّلَاةُ وَاٌلسَّلَامُ وقال: أوصني.   
طالباً منه وصية جامعة قال له: «لَا  تَغْضَبْ» و كررها مراراً، لتكون هذه النصيحة بمنزلة مفتاح للخير كله، وبالطبع فإن النبي عَلَيٌهِ اٌلصَّلَاةُ وَاٌلسَّلَامُ لا يعني هنا اْلا يغضب الإنسان مطلقاً، فليس هذا في استطاعة بشر، بل إن شخصًا يُستَغضب لأمر يستحق فلا يغضب هو شخص مختل نفسيًا وربما عقليًا، إنما المراد البدهي أن يسيطر الإنسان على مقدار انفعالاته ويتمالك نفسه عندما يغضب حتى لا يطيش صوابه فيفقد قدرته على الحكم السديد ووزن الأمور بالشكل السليم.  
و هذا يتفق مع ما جاء في الحديث: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» وكان من دعائه عَلَيٌهِ اٌلصَّلَاةُ واٌلسَّلَامُ: «وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ» فالغضب الأعمى مخلوق شيطاني يحرف الإنسان عن طريق الحق، وقد قال النبي عَلَيٌهِ اٌلصَّلَاةُ وَاٌلسَّلَامُ: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضًأْ».5  
 1 
 














 
وبعد هذا كله فلأ أظن عاقلاً يجادل في خطورة الغضب وفقدان السيطرة على الأعصاب.  
يوم توفي أخي الأصغر عبدالعزيز، ولم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره، بعد معاناة أليمة مع مرض السرطان، أصابتني شهوراً تلك التجربة المؤلمة ومن ثَمَّ وفاته الصاعقة في صميم نفسي، وكأنها صفعتني على وجهي بقبضة من رصاص، وحقنت شراييني بمصل تجربة عمرها عشرات السنين، كانت تجربة بليغة تعلمت منها الكثير، ولعلي أكتب عن ذلك باستفاضة يوماً، ولكن من أهم ما تعلمت منها أن عمر الإنسان قصير ولو طال، وأن المرء يظلم نفسه كثيراً حين يضيع جزءًا من هذا العمر في الغضب المجنون و النزاعات والصراعات التي لا طائل وراءها، ليخسر في مقابل ذلك الكثير من لحظات السعادة التي لا يمكن تعويضها مع من يحب، والأهم من ذلك مع نفسه.   
العمر قصير، وتمر سنواته كمر الجياد الراكضة في السهول، فلنحسن اقتناص اللحظات واستغلالها، ولنحذر قتل ثواني السعادة على مذبح الغضب، فقد يأتي الرحيل والفراق والموت بغته!  
  
  
 
 














" كل التحديات التي تواجهنا في حياتنا
يجب أن تجعل منا أناسا أفضل .. أناسا أقوى "








كي تصبح إنسانًا أقوى
هنالك عبارة قديمة تقول : ( لا تسأل الله أن يعطيك تحديات أقل في
حياتك ، ولكن أسأله أن يهبك قدرة أكبر على مواجهة التحديات )
هذه العبارة صحيحة إلى حد بعيد جدًّا، وأقول هذا من واقع التجربة
الشخصية ، فكل التحديات التي واجهتها في حياتي، سواء الاجتماعية أو
الفكرية أو العملية أو السياسية أو المالية أو غيرها ،جعلت مني إنسانًا
أقوى، إنسانًا أفضل ،على الأقل على صعيد معرفة التعامل مع تلك التحديات
نفسها وإجادته، أتخيل الأمر كالتمرينات الرياضية لحمل الأثقال، فبمقدار
ما يتمرن الشخص أكثر تكتسب عضلاته قوة أكبر فيصبح قادرًا على حمل
أثقال أكبر !
كل المشاكل التي وقعت فيها ، صغيرها وكبيرها ، وبالأخص تلك الكبيرة
التي شعرت معها أحيانًا بأنها عصية على الحل، ولا يمكن احتمالها إلى الحد الذي جعلني أشعر بأنها هي النهاية ربما ، سرعان ما مضت وولت،
حالها في ذلك حال كل المشاكل والمصائب التي ابتلي بها الإنسان منذ فجر
التاريخ حتى يومنا هذا !
مرور الوقت كفيل بمعالجة أعتى المشاكل .
لي صديق يكرر هذا دائمًا ، فيقول : يكفيك أن تصمد وتصبر في وجه أي
مشكلة لتتجاوزها ؛ لأن دوام الحال من المحال ، وكما أن عمر السعادة لا


يستمر ولا يدوم ، فكذلك عمر البؤس لا يستمر ولا يدوم ، إنما هي دورات
متلاحقة ، تطول وتقصر وفق ظروفها ، ولكن أبدًا لا تستمر .
ولعل صديقي مصيب من زاوية ما ، ولكنني أؤمن أنه مما يعين المرء على تحمل أي مشكلة ومواجهتها ، وتحمل خطو الزمن الثقيل على النفس ، وهي التي تثقل أصلًا حين المشاكل والمصائب والآلام ، أن يكون المرء صاحب همة وقرار ومبادرة وحركة ، وألا يكون من أولئك الذين تشلهم من الصدمات وتجمدهم التحديات ولعلها تكسرهم .

نعم يتفاوت الناس في امتلاك هذه القدرات ، فتكون ظاهرة قوية عند
البعض منهم ، وضعيفة وربما خافية عند البعض الآخر ، لكم الأكيد أن كل واحد منا بحاجة إلى شيء من هذه القدرات حتى يمكن له أن يستمر صامدًا ، والأكيد أيضًا أن استمرار مواجهة التحديات والمصاعب يكسب الناس ، على اختلافهم وتفاوتهم ، الخبرة والقدرة على النجاح في مواجهة
مصاعب أكبر وتحديات أعظم مع مرور الأيام .



















" رب كلمة قادت صاحبها إلى قمة شامخة وأخلدت ذكره الطيب
ورب كلمة ألقت به في هاوية ليس لها قرار "











ألف كلمة !

إيدي ميرفي أحد ممثلي الكوميديا في هوليود . ولهذا الممثل
الأسمر سجل حافل بالعديد من الأفلام والمسلسلات التي كثيرًا ما كانت تدور حول فكرة إنسانية بسيطة في الغالب ، تنسج حولها قصة وأحداث ظريفة ومضحكة . ومؤكد أنه ليست كل أفلامه جيدة وتستحق المشاهدة ، بل هناك من سيقول إن أغلب أفلامه رديئة . على كل حال هذه قصة أخرى .

ما أريد الحديث عنه الآن هو أني شاهدت له أخيرًا فيلمًا جديدًا
اسمه " ألف كلمة " تدور قصته حول ناشر كتب ، يقوم بدوره ميرفي
نفسه . يجد أن مصيره قد ارتبط بمصير شجرة سحرية نبتت فجأة في باحة منزله ، حيث يكتشف أنها تفقد من أوراقها كلما تكلم بعدد الكلمات التي ينطقها أو حتى يكتبها ، وأنها مع فقدانها للمزيد من الأوراق تقترب من نهايتها ، ويقترب هو أيضًا بدوره من نهايته ، وتستمر عجلة الأحداث الظريفة في فيلم " ألف كلمة" في الدوران مع معاناة البطل ميرفي للتواصل مع الآخرين من خلال إشارات اليد فقط التي يتخللها الكثير من المواقف المضحكة ، ليفقد خلال تلك الأحداث فرصًا كثيرة في عمله وتهجره زوجته ، مع استمرار فقدان الشجرة لأوراقها شيئًا فشيئًا ، وهو
يكابد ويحاول الخلاص من الأمر !



لن أحرق الفيلم على من يود مشاهدته ، ولكن سأكتفي بالقول بأن
الشجرة تعود فتخضر من جديد في النهاية بعدما يصل ميرفي إلى قول الكلمات الذهبية التي كانت تنتظرها الشجرة مع سقوط آخر ثلاث ورقات منها .
بعدما شاهدت الفيلم لمع في ذهني بعدما مباشرة أن كل إنسان منا في
الحقيقة ليس سوى مجموعة من الكلمات والأفعال عبر سنوات عمره التي
قد تطول أو تقصر .
ودعونا نركز الآن على الكلمات فقط .
كلمات الإنسان التي يقولها أو يكتبها ، في أي مكان ، إما أن تكون سببًا
في سعادته أو سببًا في شقائه ، إما أن ترتقي به عاليًا أو على النقيض من
ذلك تمامًا تُرديه في مكان سحيق ، فرب كلمة قادت صاحبها إلى قمة شامخة وأخلدت ذكره الطيب بين الناس ، ورب كلمة ألقت به في هاويه ليس لها قرار ، لا يتردد فيها إلا صدى ذكره مقرونًا بالخزي والعار .
يتحدث الواحد منّا طوال الوقت ولا يبالي ولا يكترث ، متناسيًا أن كل
كلمة تخرج منه محسوبة ومرصودة بدقة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
كلمات المرء التي تخرج منه طوال حياته أشبه ما تكون بأوراق نقد
يستمر في إنفاقها في الدنيا ليجد أثرها بعد مماته في الآخرة ، فإما أن يجدها





قد أينعت كأوراق أشجار بستان جميل في الجنة, وإما أن يجدها قد حجزت له مقعداً في جهنم, والعياذ بالله !

فالكذب والغيبة والنميمة, والكلام الفاحش البذيء, والكلام الفظ الغليظ الجارح لنفوس الناس, سواء القريب منهم او البعيد, كلها من آفات اللسان التي تكاد لا تفارق مجالسنا وشوارعنا وبيوتنا ومقار أعمالنا اليوم, والناس في غفلة عن أنها كأوراق تلك الشجرة التي تتساقط, وهم حين يتلفظون بها أو يكتبونها يتساقط رصيدهم, إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة ولا شك.

الكلام سهل جدًا, لذلك كان هو مكمن الخطورة العظمى على مصير
الإنسان في دنياه وآخرته, فلنحاذر ولننتبه لآفات اللسان حتى لا تسقط كل
أوراق الشجرة وتموت!

















"الأمل هو العيش, وأما اليأس والقنوط فهما الموت"














عجلة والنبي

في عمق زحمة شوارع مدينة القاهرة, حيث تلتصق السيارات ببعضها
ويكاد بعضها يعلو فوق بعض, ويختنق الطريق ويتوقف سيره تماماً, تجد
سائق سيارة الأجرة وقد أخرج رأسه من نافذة سيارته صارخاً بالسائق الذي أمامه: »عجلة والنبي!» طالباً من صاحبه «بجاه النبي» أن يتحرك ولو بمقدار عجلة واحدة, أي بمقدار دورة واحدة لإطار سيارته! فيا للعجب! ماذا ستفعل عجلة واحدة في تلك الزحمة!

إنه الأمل يا سادة! صاحبنا يبحث عن بصيص من الأمل ولو بمقدار عجلة واحدة!

نعم يا سادتي, فالحركة مهما صغرت تبث الأمل في الأوصال, وتثير النفس لما قد يكون بعدها, حيث تفتح باب الفكر والنفس لإمكانية حصول التغيير, لإمكانية العيش حقَاً, أما الوقوف والجمود والشلل فهي بداية النهاية, بل هي النهاية, بل الموت بعينه!

حين يفقد الإنسان الأمل في حياته فإنه يكون قد فقد أثمن وأغلى ما يملك, وحين يستمسك بالأمل ولا يتخلى عنه دائماً فقد امتلك أثمن وأغلى أداة يمكن أن تمنحه السعادة وراحة البال والاطمئنان في حياته ومعيشته, بل الأداة التي تمكنه من العيش حقَاً.


يروى عن علي بن أبي طالب, رضي الله عنه, أنه قال: (أنا رجل أحيا بالأمل, فإن تحقق فبفضل الله, وإن لم يتحقق فقد عشت به فترة).

وفي هذه العبارة الجميلة قُرِن الأمل بالعيش, حيث قال: (عشت به فترة) وهذا هو المراد.

الأمل هو العيش, وأما اليأس والقنوط فهو الموت.

من يتفاءل ويتمسك بالأمل ويتحرك وفقاً لذلك يعش هانئاً مرتقباً لما عند الله من الخير, وإن لم يتحقق له ما كان يأمل في النهاية, واختار الله له بديلاً آخر لحكمة هو أدرى بها سبحانه, فإنه على الأقل لم يُضِع أيامه التي مضت يتجرع كآبة التشاؤم ومرارة اليأس, فكان بذلك كأنه قد عاش الهزيمة النفسية مرتين, مرة حين لم يحصل على مراده في النهاية, ومرة طويلة سبقتها عندما كان يائساً وقانطاً أصلاً من إمكانية تحقق ما يريد, بل لعله في حالته البائسة تلك هو من أقعد نفسه عن الحركة, وهو من خذلَ روحه عن التوق, وهو من أصاب قلبه في مقتل فأخرس نبضه.

أعجب كثيراً من اليائسين والقانطين والمتشائمين, ولطالما قلت لهم: ما ضركم لو تمسكتم بالأمل وتفاءلتم حتى اللحظة الأخيرة! ماذا ستخسرون!

التفاؤل والإيجابية والأمل دائماً وفي كل الأوقات والأحايين ليست خداعاً للنفس, وليست شراء للوهم أبداً, بل هي منتهى الثقة بالله, عز وجلّ.


نعم, إن التفاؤل والإيجابية والأمل علامات الثقة بأن مآل أمر المؤمن إلى ربه في كل الظروف ومهما حصل إلى الخير, مهما دل ظاهر الصورة على غير ذلك, وهي كذلك تربية للنفس وتهذيب لها بعدم استعجال القطاف, لأن الليل مهما طال ظلامه للأبد للصبح أن ينجلي وأن تشرق الشمس ويشع النور.

























"مساحات الحياة بين الزوجين ليست كلها مشتركة"











الحب وحده لا يكفي

نجاح أي علاقة زوجية لا يعني بالضرورة وجود الحب بين الزوجين ، وكذلك فشل أي علاقة زوجية لا يعني أبداً انعدام الحب بينهما .
كلام مختلف بعض الشيء أليس كذلك ؟ لعله كذلك فعلاً ، ولذلك سأبين مرادي أكثر .
العلاقة الزوجية الناجحة هي معزوفة موسيقية رائعة تعزفها فرقة قوامها الزوج والزوجة ، ولأن هذه العلاقة لا تتطلب أبداً ان يكون الطرفان في تطابق أو تماثل بل على النقيض لا تحتمل ذلك ابداً تماماً كالفرقة الموسيقية التي تستخدم آلات مختلفة دوماً كي يمكنها أن تعزف شتى الألحان ، فإن كلا الزوجين يمثل آلة موسيقية مختلفة قد يكون الزوج كماناً والزوجة قيثارة ، أو أي آلات موسيقية أخرى يحلو لكم أن تتخيلوها ، فيجمعها رباط الزواج العظيم ، ذلك اللحن المشترك الذي خُلق ليتماوج حول السعادة والاستقرار والرغبة المشتركة بين الصفاء والنجاح على مر الأيام مع عزف كل واحد منهما لنصيبه من هذا اللحن ، يعزفان سوياً فيتحاوران ويتجاوبان ، وقد يتماثلان هنا ويختلفان هناك ، وقد يعلو أحدهما في هذا المقطع ليخفت الآخر أمامه بانسجام ، ولعله يصمت برهه ولكن يظلان دوماً في تفاهم وتكامل وإدراك كل طرف لدوره ومساحته حتى ينجح هذا اللحن المشترك فيسعدان ويسعد من معهما وحولهما .


وفي اللحظة التي يحاول فيها أي طرف أن يعزف منفرداً فإنه سيفسد اللحن بأكمله ، مهما ظن هذا الطرف أن عزفه جميلاً .
سأدع الموسيقى جانباً هنا وأقول ان عماد أي علاقة زوجية في المقام الأهم وقبل كل شيء هو وجود رصيد كاف من الذكاء الاجتماعي ( أو ما يسمى بالذكاء الوجداني او العاطفي ) عند الطرفين ، وأقصد بالذكاء الاجتماعي قدرة الطرفين على إدراك المراد الأسمى من علاقتهما التي قررا ان يرتبطا من خلالها وإدراك الأهداف المشتركة منها ، وكذلك معرفة كل التحديات والصعوبات التي ستعترض مسيرتهما سواء من داخل بيتهما لسبب نابع منهما مباشرة كاختلاف الطباع أو الاهتمامات او نمط التفكير أو من خارج بيتهما من أي مصدر كان او لأي سبب كان ، وان يعرفا كذلك المكسب والخسارة من كل تصرف يتخذانه ويقومان به تجاه هذه التحديات وتجاه بعضهما ، وهذا الذكاء يعني كذلك إدراكهما لحقيقة انه ربما لا يكون بإمكانهما السيطرة على المؤثرات والتحديات الخارجية في أغلب الأحيان ، ولكن بإمكانهما في الأغلب الأعم ان يسيطرا على انفعالاتهما وان يتحكما في ردود افعالهما وان يضبطا نفسيهما امامها فيحافظا بذلك على تماسك رباط الزواج المقدس بينهما .
من الذكاء الاجتماعي أيضاً ان يدرك الزوجان ان مساحات الحياة ليست كلها مشتركة ، بل يجب ان تكون هناك مساحات ثلاث : المساحة




المشتركة بطبيعة الحال ، ومساحة الزوج الخاصة ، ومساحة الزوجة الخاصة ، ووجود المساحتين الخاصتين لا يتنافى مع مفاهيم الاستقرار والتفاهم والتكامل الزوجي بل هي على العكس من ذلك تماماً لأنها من الضرورات التي يحتاجها الطرفان كي يجددا نشاطهما ويمارسا متطلبات ذاتهما النفسية والفكرية فيخضرَّا ويتجددا ليعودا زاهرين مقبلين على العطاء في مساحتهما المشتركة من جديد .
علاقات زواج كثيرة استمرت في استقرار كبير وهناء بالرغم من انها لم تنعقد في بدايتها على أي رصيد من الحب المسبق وحسبها ان قامت على رصيد كاف من الذكاء الاجتماعي امتلكه طرفا العلاقة او ربما رصيد كبير كان يمتلكه احدهما على الأقل لتنشأ بعد ذلك ومع مر السنوات مظلة المودة والمحبة والرحمة فتظلهما من حرارة شمس الزمان .
وفي المقابل فإن علاقات زواج عديدة فشلت وانقطع رباطها بالرغم من وجود الحب المسبق بين طرفيها ، لأنه كان ينقصهما الذكاء الاجتماعي الكافي والحكمة اللازمة لإدارة دفتها وإيصالها الى بر الأمان .
نعم ، لا شك ان الحب بين الزوجين مهم جداً ، ولكنه يظل في قناعتي بمنزلة تلك البهارات السحرية التي تضيف مزيجاً من الإثارة واللذة وشهقات الدهشة الدائمة والصخب الطفولي الجميل للعلاقة الزوجية ،



ولكن لن يكون بإمكانه وحده ابداً دون وجود الذكاء والحكمة ان يصمد بالعلاقة الزوجية في وجه التقلبات في محيط الناس وامواج القيل والقال .
ليس اعظم من علاقة الزواج في حياة المرء ، احبتي ، فالزوج والزوجة يمكن ان يصبح كل واحد منهما الصديق والرفيق الأقرب للطرف الآخر ، لو أراد ذلك وسعى اليه صادقاً ، ويمكن ان يصبح كذلك خنجراً مغروساً في خاصرة الآخر يزداد طعناً وايلاماً على مر الأيام !



















,, ليس ثميناً ما يمكن الحصول عليه بسهولة ،
وليس ثميناً ما يكون التفريط فيه بسهولة ,,






لأنكم سبائك الذهب
البحث عن الذهب ليس بالمهمة السهلة كما قد يظن بعض الناس ، فالذهب لا يوجد مرميا بين الجبال او في البراري مسكوكا في سبائك او عملات مبذولة لمن يلتقطها ، وانما يتكون في الطبيعة عروقا وشذرات صغيرة تختبئ في قلوب الصخور تحتاج الى تنقيب عميق وجهد مُضنٍ لاستخراجها ومن ثم نقلها الى الافران حيث يتم تعريضها لدرجات حرارة عالية وقاسية تصهرها وتذيبها فتنقيها من الشوائب ، ومن ثم يصب السائل الذهبي النقي في قوالب ليبرد فيها على مهل ويصبح في نهاية المطاف سبائك تعادل اغلى الاثمان .
احبتنا ! انتم سبائك الذهب في اعمارنا خبأتكم لنا الاقدار اشهر وسنوات ثم اظهرتكم في لحظة فارقة من أيامنا عروقاً وشذرات مزروعة في قلوب التحديات والصعاب والظروف العنيدة ، فكابدنا حرارتها سوياً وتعبنا من نارها وتعبتم ، وشقينا من لهيبها وشقيتم ، وتألمنا وهي تنتزع الراحة وهدوء البال من أيامنا وتألمتم ، تماما كمعاناة ذلك الذهب الذي ينتزع من قلوب الصخور ثم يصهر ويذاب في تلك الافران المشتعلة ،
احبتنا سبائك الذهب ! لم يكن ممكنا ابدا ان نخلص بكم سبائك صافية نقية غالية وان تخلصوا بنا لولا مواجهة هذه الآلام ودون هذه المعاناة ، لم يكن ابداً ان نصل بكم ومعكم الى حيث مرافئ الراحة والسعادة والثقة والاطمئنان لولا الإبحار على امتداد الأمواج العاتية لكل هذه الظروف




العسيرة والتحديات المضنية.
أحبتنا سبائك الذهب! شرارات الحب قد تقدح بين الناس بسهولة والنار قد تشتعل ، ولكن ليس من اليسير أبدًا أن يظل الحب مشتعلاً على مر الزمان كي يمدهم بالدفء والنور دون أن يمدوه في المقابل بالوقود . فنار الحب تحتاج إلى وقود الرعاية والعناية والاهتمام والعطاء والتمسك والتغافل عن الزلات والصفح والتسامح والتسامي حتى تظل مشتعلة دافئة وضاءة ، ووقودها يستخلصه المحبون من أرواحهم وأنفسهم وأحاديثهم الحانية وطاقتهم المبذولة وجهدهم المعطى.

أحبتنا سبائك الذهب! ليس ثميناً ما يمكن الحصول عليه بسهولة ، وليس ثميناً ما يكون التفريط فيه بسهولة ، وليس ثميناً ما لا يستحق المعاناة والبذل والعطاء والتضحية . وأنتم من لم نفز بهم بسهولة، ولأجل الوصول إليكم أرخصنا الغالي والنفيس وقدمنا كل معاناة وعطاء وتضحية ، وما كنا بعدها لنفرط فيكم أبداً.

أحبتنا! هذا هو الحب الذي نعرف ، وهذه هي الحقيقة التي بها نؤمن ، وهذا هو المقياس الذي به نزن الأمور ، وأنتم من سنظل نتمسك بهم أبداً ، لأنكم بكل بساطة ثروتنا الأغلى ، فأنتم سبائك الذهب!













" من يقبلون المختلفين عنهم ، ويقدرون الاختلاف ، هم من يشعرون بالراحة النفسية العميقة "








فعل الحب

تخيلوا لو كان جميع الناس سواء! تخيلوا لو كانوا يشتركون جميعاً في توجيهاتهم السياسية واهتمامًاتهم الفكرية! تخيلوا لو كانوا يشتركون جميعاً في مذاهبهم الدينية وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم ! تخيلوا لو كانوا يتشابهون جميعاً في تفضيلاتهم وأمزجتهم واختياراتهم في الأدب والفنون والموسيقى والألوان ، وفي أذواقهم في اختيارات الطعام والشراب! تخيلوا لو كانوا يتشابهون جميعاً في كل شيء تمامًا!

سيكون الأمر مملاً جدًا ! أليس كذلك !
هذه الفكرة التي وجدت ما يشبهها مكتوباً على كوب قهوة منسوبًا لمعد أفلام وثائقية أميركي يدعى بيل برومل ، أثارت تفكيري.

بالفعل سيكون الأمر مملاً جداً لو تشابه الناس في كل شيء ، حيث سيصبحون أشبه ما يكونون بالرجال الآليين المبرمجين وفق برنامج واحد متشابه ، وحينها ستفقد الحياة سر جمالها المرتبط بروح المفاجأة ، وروح الخروج عن النمط المألوف والقواعد الثابتة المعتادة ، حيث ستتوقف معادلة الاختلاف البشري الخلاقة بطبيعتها عن الابتكار والإبداع ، وستتوقف عن الإشراق وصنع الجديد في كل المناحي وتطويره وإنتاجه ، في الفكر والفن والأدب والترفيه والصناعة والتقنية والموضة ، بل حتى في العلاقات الإنسانية والتواصل البشري ، ستتوقف كل الحياة بمعناها العميق في الحقيقة .





المفارقة هنا هي أن أغلب الناس يسعون جاهدين طوال حياتهم إلى إلغاء الفروق والاختلافات بينهم وبين من حولهم ، فتراهم لا يتقبلون المختلف ، ولا يهضمون الأفكار الجديدة الخارجة عن المألوف ، ولا ينسجمون مع غير المعتاد ، ويقاومون التغيير بشتى الطرق ، وكأنهم بذلك من حيث لا يشعرون يحاولون إيقاف عجلة الحياة التي تدور مدفوعة بطاقة ووقود الاختلاف لا التشابه والتماثل.
من يستطيع أ يصل إلى تلك المرتبة التي يؤمن فيها حقاً بأنه لا مشكلة في اختلاف الآخرين عنه دينياً ومذهبياً وفكرياً وسياسياً ومزاجياً وفي تفضيلات الذوق وغيرها ، وأن هذا الاختلاف هو من صميم الحق البشري بحرية الاختيار والممارسة على هذه الأرض ، طالما أن هذه الاختلافات وهذه الممارسات الحرة لم تتجاوز حدودها المتعارف عليها ، ولم تتعد على حدود الآخرين وعلى حقهم هم أيضاً في ممارسة اختلافاتهم وحرياتهم المقابلة.
أقول إن من يستطيع أن يصل إلى هذه المرتبة هو من يعيش بسلام مع نفسه ومع الآخرين ، فمن يقبلون المختلفين ، ويقدرون الاختلاف ، ويؤمنون بأن سنّة الحياة هي التغيير والتبديل والتحول والاختلاف والتمايز والتفاضل ، هم فقط من يشعرون بالراحة النفسية العميقة في واقع الأمر ، بل الراحة الجسدية أيضاً ، لأنهم سيتوقفون عن مصارعة عجلة الحياة ،





وسيتوقفون عن منازعة المختلفين عنهم ومقاومتهم ، وسيتقبلون حقهم في الاختلاف وحقم في الحياة.
لنكن جميعاً كذلك. لنحترم الاختلاف ، ولنقدر حق المختلفين في الحياة، ولنتعايش معهم بسلام ، بل لنرتق أكثر فنحب الاختلاف ونحب المختلفين عنا ، ليس بالضرورة لشخوصهم أو لما هم عليه من عقائد ومذاهب وأفكار وأمزجة وأذواق مختلفة عما نحن عليه ، إنما تقديراً وحبًا لفكرة الاختلاف بحد ذاتها ، لأنها هي التي جعلت هذه الحياة أكثر إثارة وأكثر جمالاً.
















" لكل أمر يعترض المرء ، سلبا أو ايجابا ، ثمرتان ؛ ظاهرة وباطنة "












وللنجاحات مذاقات مختلفة
كبقية الناس في هذه الدنيا ، كان لي نصيبي من الإخفاقات والنجاحات منذ بداية مسيرة حياتي التي أعيها ، ابتدأت بإخفاقات ونجاحات في الدراسة ، ومن ثم إخفاقات ونجاحات في العمل ، وتخللها دومًا الكثير من الإخفاقات والنجاحات في العلاقات الإنسانية .

ولطالما كنت وبعد كل إخفاق أو نجاح أمر به ، وبعدما أتجاوز مرحلة الألم وعبرات الانكسار أو مرحلة الانتشاء المشوب بلذة الانتصار ، أجلس وأتأمل فيما جرى ، محاولاً أن أتعلم درسي ، وأن أستخلص الثمرة الحقيقة ، ظاهرة وباطنة ، ومن يتوقف عند الظاهرة فحسب ولا يتجاوزها فيغوص نحو الأعمق يكون قد فاته الكثير غالباً .
ولن أتحدث عن الإخفاقات هنا ، مكتفيا بالحديث عن النجاحات .

النجاحات ، على نوعين في العموم ، وبين هذين النوعين تندرج درجات أخرى يمكن إرجاعها إما إلى هذا النوع وما إلى ذلك :
نوع يأتيك كأنه بلا تخطيط مسبق ولا استعداد كبير ولا جهد يذكر ، فيكون أشبه مايكون بخبطات الحظ أو ضربات الفوز بأوراق اليانصيب، يقتحم حياتك فيسعدك ويفرحك ، ولعله يعصف بك حينها من الغبطة


والسرور ، ولكن مع مرور الوقت ، أياماً أو شهورًا وربما سنة أو أثنتين ، سرعان ما تذوي تلك المشاعر وتتضاءل فتختفي تمامًا ، كتلاشي طعم السكر شيئًا فشيئًا من فم تناول للتو قدحًا من مشروب حلو المذاق .
وأما النوع الثاني فهو ذاك الذي لا يتحصل عليه المرء إلا بعد الكثير من التخطيط والقدر الكبير من الاستعداد وبذل الجهد والتعب . هو ذلك النوع الذي يسعى إليه الإنسان بشكل دؤوب حتى يظفر ويفوز به ، وحين يحصل ذلك فإن هذا النجاح ، وإن لم يأت مصحوبا بذات الجلبة السعيدة التي تأتي عادة مصاحبة لتلك النجاحات الخاطفة، فإنه يتحول إلى عمود من الأعمدة الراسخة التي ترسم شخصية هذا الإنسان ، ولعلها تشكل ملامح نفسه وشكل حياته المقبلة.
من أمثلة النجاح الأول ، أعني ذلك النجاح السريع القطاف ، التحصل على الماديات المجردة ، كالتمكن من شراء سيارة ، أو قطعة حُلي غالية الثمن ، أو ما شابه ، فرح غامر وسعادة كاسحة ، ولكنها سرعان ما تختفي مع عودة ذلك الشيء المادي إلى حقيقته التي هو عليها ، إنه مجرد شيء مادي خال من الدلالة الباقية والمعنى بعيد الأثر.
زمن أمثلة النجاح الثاني ، وهو ذلك النوع الذي لا يتأتى للإنسان بين ليلة وضحاها ، التمكن من إنجاز مشروع ما ، في العمل أو الحياة العامة أو حتى في داخل أسرة الفرد نفسه ، مشروع ذي أثر تغييري يمس حياة الآخرين ويظل باقياً فيها ، إما أبداً وإما لفترة طويلة على أقل تقدير . وكل مشروع على هذه الشاكلة




لا يمكن إلا أن يمس أولًا وأخيراً حياة من تمكن من إنجازه، حيث سيجعله إنساناً أفضل وإضافة أجمل لهذه الحياة، وكما قال القائل في ذات المعنى: إن لم تزد شيئًا على الحياة كنت زائدًا عليها.

ولعلي عندما ضربت هذين المثالين قد بدوت متطرفًا بعض الشيء في نظر بعضكم، خصوصًا في المثال الثاني، من باب أن أغلب الناس أبسط بكثير من حكاية المشاريع هذه.

وهنا أقول: إنه ليس شرطًا أن تكون مشاريعنا بحجم مشروع الدكتور عبد الرحمن السميط، رَحِمَهُ اللَّهُ، الذي كرس كل عمره للإغاثة والدعوة في إفريقيا، فكان رجلًا بأمة، وإنما يكفي أن يجعل الإنسان في حياته أهدافاً واضحة محددة، مهما كان حجمها يبدو صغيرًا بالمقارنة مع غيره، فيسعى للنجاح في تحقيقها، وسيجد في نهاية المطاف أن سعيه نحو تحقيق هذه الأهداف التي بذلها تجاه أسرته ومجتمعه ونفسه في المقام الأول والأخير، هو الذي شكّل الجوهر الحقيقي والمعنى العميق لكل حياته.

دعواتي الصادقة لكم جميعًا بالسعادة الحقيقية، تلك السعادة ذات الطعم الباقي الذي يظل مطبوعًا على أنفسكم، وفي مساحات أرواحكم، فلا يذوي ولا يتلاشى أبدًا.











" لا مهرب للإنسان من مسببات الضغط النفسي والقلق
إلا بتقوية نفسه من الداخل وتعزيز مناعتها"


حياتك دوائر

عصرنا الحالي هو العصر المتسارع، وأعني المتسارع في كل شيء.
في الأحداث السياسية حيث البلدان تُحتَلّ وتَستقل، والرؤساء يرتفعون ويسقطون في أشهر معدودة؛ وفي الاقتصاد على صعيد الربح والخسارة حيث الشركات ترتفع ثم تهوي بسرعة البرق، والمتسارع في العلاقات الاجتماعية حيث يرتبط الناس وينفصلون في أيام معدودة.

وهو كذلك في عصر «التقدم التقني»، حيث التقدم في تقنيات الخير وتقنيات الشر. هناك تقنية الكمبيوتر والإنترنت والدواء لعمران الدنيا وإسعاد أهلها، وأيضًا تقنية الأسلحة والسموم لتخريبها وإهلاك أهلها. وهو عصر «الإعلام الصاروخي الخارق» حيث لا حدود رغم آلاف الحدود، ولا حواجز رغم آلاف الحواجز.

لكن أسماء العصر جميعها وإن اختلفت وتنوعت تقود في النهاية إلى الاسم الجامع الذي نصل إليه من كل سبق، عصر «التوتر والقلق النفسي»!

القلق النفسي بحسب التعريف الطبي: هو رد فعل الجسم البشري مع أي تغيرات تحصل في البيئة من حوله أو داخله.

وقلت (تغيرات) ولم أقل (أحداثًا سلبية) لأن من المهم أن ندرك أن التغيرات التي تسبب القلق النفسي ليست مقصورة على السلبية منها، كمصاعب العمل


أو فقدان قريب، أو ما شابه، بل حتى التغيرات الإيجابية تسببه، فالترقية الوظيفية تسببه، والمسكن الجديد يسببه، والاستعداد للسفر، حت الزواج يسببه، هذه التغيرات كلها تشكل ضغطًا كبيرًا على نفس الإنسان وإن لم يدرك ذلك، وهي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان الذي يعيش في هذا العصر.

هذا الإدراك هو المفتاح السحري للتعامل الناجح مع القلق النفسي، من المهم أن ندرك أنه لا يمكن أن يتخلص الإنسان من القلق مادام يعيش في هذا العصر، لأنه مهما فعلنا سنبقى مطاردين بأخبار الحروب والدمار عبر الصحف والتلفاز والإذاعة والإنترنت، كما أن العصر سيبقى مليئًا بالتحديات في كل مكان، في العمل والبيت وفي الشارع! لذلك فلا مهرب للإنسان إلا بتقوية نفسه من الداخل وتعزيز مناعتها.

وذلك يمكن من خلال استراتيجيتين متلازمتين:
الأولى تتمثل في أن يسعى إلى أن يفصل ما بين مصادر القلق، فلا يحمل معه ضغوط العمل إلى البيت، والعكس، ولا يسمح لأي من المصدرين بالاستيلاء على حقه في الحصول على قسط كاف من النوم، فحياة الإنسان تنقسم إلى ثلاث دوائر: دائرة في العمل ودائرة خارجه (في البيت وأنشطته الأخرى) ودائرة في النوم، والتوازن مهم وحيوي بين الدوائر الثلاث، وحينما يختل فسيصبح الإنسان مكشوفًا أمام سياط الضغط النفسي.


هذه الاستراتيجية ليست سهلة لكنها أيضًا ليست مستحيلة، ويمكنها أن تتحقق بالتمرين والممارسة.
الاستراتيجية الثانية أن يجعل الإنسان فيما بين تلك الدوائر الثلاث من حياته فترات يقضيها في أنشطة تداخل الراحة على نفسه، رياضة معينة، أو هواية، مهما تبدو سخيفة للآخرين، ويمكن كذلك أن يقضي تلك الفترات في مجرد الاسترخاء التام والتأمل، وأعرف أن هذا قد يبدو غريبًا بعض الشيء، لكنه مفيد جدًّا، فالبحوث والتجارب أثبتت أنه يعيد إلى النفس الكثير من توازنها.







"الصديق إمام أن يكون لصيق النفس والروح،
أو لا يكون صديقا أبدا"


هل أنت من الأغنياء؟

كلما تقدمت بي تجارب الحياة ومضت بي السنوات آمنت أكثر بأن لا شيء في هذه الدنيا يعدل الصديق، وعندما أستخدم كلمة «الصديق» هكذا مجردة فأنا أقصد بها أن ذلك الشخص المقصود إما أن يكون صديقًا أو لا يكون، فلا يوجد شيء اسمه صديق حقيقي وآخر غير حقيقي مثلًا، لأن الصديق لا بد أن يكون حقيقيًا، وإلا فإنه ليس بصديق من الأساس.

كما أنه لا توجد مراتب للصداقة، فالصداقة مرتبة واحدة، ولا يوجد صديق مقرب، وصديق أبعد قليلًا، وصديق بعيد. الصديق إما أن يكون لصيق النفس والروح، أو لا يكون صديقًا أبدًا.

نعم، هناك مراتب للرفاق وللمعارف وللزملاء، ولكن ليس هناك مراتب للصداقة أبدًا، الصداقة مرتبة واحدة ناصعة البياض فاقع لونها تسر الناظرين!

وقد أدركت اليوم أهمية الصديق بعدما مررت بعشرات بل مئات التجارب الإنسانية، فتأكدت أن الإنسان مهما تمتع بالرجاحة العقلية وبالصحة النفسية يظل محتاجًا إلى عقل آخر يكون امتدادًا لعقله فيستند إليه، وإلى نفس أخرى تعانق نفسه فتشد من أزره، وإلى كتف يرمي عليه برأسه المتعب إن هي أطبقت علية الأفكار، وإلى صدر يلقي فيه بنفسه حين تجتاحه الهموم.




صديقك، يا عزيزي، هو أنت الآخر، صديقك هو مرآتك الصادقة التي تستطيع أن ترى بها نفسك على حقيقتها بلا زيف ولا تزويق، وكما قال القائل: (صديق المرء هو شريكه في عقله) لذلك فصديقك هو ضميرك الحي،
وصوت عقلك الراجح الذي يتجرد من أهواء العاطفة وتقلبات الشعور، ولكنه في ذات الوقت لا يحرمك لمسته الحانية في أقسى حالات ضعفك وانكسارك، وفي أشد خضم لانفعالاتك، وفي أعمق دوامات أخطائك.
صديقك هو ذلك المرسى الذي تقصده سفينتك في كل وقت من نهار أو ليل بلا تردد ولا حرج ولا خوف من ملامة أو من حكم مسبق.
هو ذلك الصدر الملجأ الذي تطرح عليه عنك مؤونة التحفظ والكبرياء وتطلق سراح دمعتك.
صديقك هو ذاك الذي يفهمك ويعذرك في كل الظروف، وحتى إن اختلف معك فهو لا يتخلى عنك.
صديقك كما قال جبران: (هو كفاية حاجاتك، هو حقك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر، هو مائدتك وموقدك).
وهذا الكائن الرائع العجيب، يا سادتي، مهما تَبْدُ في نظركم صفاته مغرِقةً في الخيال، أو ربما الاستحالة، فهو موجود في الحقيقة، بل أسهل مما يمكن أن نتصور، لأنه بكل بساطة ضرورة من ضرورات الحياة التي لا تستقيم من دونها.
والغني حقًّا هو الغني بأصدقائه!
فهل أنت من الأغنياء؟





,,أغلب الناس يعانون من عدم القدرة على التمييز
بين مراتب الناس من حولهم،،


















الصداقة وجنكيز خان
تحكي الأسطورة أنه كان لجنكيز خان صقر عزيز على قلبه جدًّا، لأنه كان مثالاً للصديق الصادق الذي يلازم ذراعه دائمًا، فيقنص به ويطلقه على أعداءه. فخرج جنكيز خان يومًا في الخلاء هو وصقره، فانقطع بهما المسير، واشتد بجنكيز خان العطش، فأراد أن يشرب إذا بصقره ينقض على الكوب فيسكبه، وكلما أعاد جنكيز خان الكَرَّة عاود الصقر انقضاضه على الكوب ليريقه، ومع تكرر الأمر استشاط جنكيز خان غضبًا، فضرب صقره بالسيف ضربة واحدة فقطع رأسه، وما أن رأى ذلك وأدرك فعلته حتى شعر بالألم الشديد يعتصر قلبه وأحس بالندم، وحين صعد إلى أعلى الجبل وجد في منبع الماء حية كبيرة ميتة، وقد سال منها السم في الماء، وحينها أدرك أن صديقه كان يريد منفعته، لكنه لم يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.
بغض النظر عن طفولية القصة، العبرة التي أريد الوصول إليها هي أن الصديق يجب أن يظل صديقًا مهما فعل ما لا يعجب.
لكن المشكلة الكبرى في ظني أن أغلب الناس يعانون من عدم القدرة على التمييز بين مراتب الناس من حولهم، وضعف القدرة على معرفة من







هم من يستحقون أن تطلق عليهم صفة الأصدقاء ومن لا يستحقون ذلك، فتراهم يقعون في خلط شديد ما بين الأصدقاء الحقيقيين وبين الزملاء والمعارف السطحيين، ويتعرضون تبعًا لذلك لكثير من الإحراج والمواقف المؤلمة بل الصدمات النفسية، وذلك عندما يفاجَئون أن من اعتبروهم أصدقاء لهم لا يعتبرونهم كذلك، أو لا يستحقون ذلك.
ولهذا قبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة الثقة التامة بصديقه، وهو المراد في قصة أنه أحسن الاختيار في المقام الأول، وأن هذا الصديق يستحق أن يسمى صديقًا، ويستحق أن يتم نقله من مرتبة الزميل إلى مرتبة الصديق القريبة من النفس والراقية جدًّا.
في كتابه القديم، الجديد دائمًا << حياة في الإدارة >> يتحدث د/ غازي القصيبي، رَحِمَهُ اللهُ عن شيء من هذا، فيقول ما معناه أنه لا ملامة على أحد اعتبرناه صديقًا لنا حين لا يتصرف معنا بمقتضى هذه الصداقة، من وفاء وإخلاص وما شابه، لأن الخطأ ليس خطأه في المقام الأول، وإنما الخطأ خطؤنا نحن الذين أسأنا التقدير وأسأنا الاختيار، فاعتبرنا من لم يرتق لمرتبة الصداقة صديقا لنا.







ويضيف أن الناس من حولنا يجب أن يظلوا على مراتب كأنهم في دوائر متداخلة في البعد والقرب منا، وكلما ضاقت الدوائر قل من يسكنها؛ لأنها لا تتسع إلا لعدد قليل من الأشخاص الذين يمكن أن نعتبرهم أصدقاء حقيقين لنا.
وأقول إن إدراك هذه المعاني الدقيقة مهم جدًّا لاستقرار الإنسان نفسيًّا في علاقاته الاجتماعية، وأولئك الذين يعانون من اختلال هذه المعاني وعدم وضوحها جدٍّا أمام ناظرهم، هم الأكثر تعرضًا للألم، وهم أغلب الذين يعانون دومًا من الفشل في العلاقات الاجتماعية



















الناس, على اختلاف مواضعهم, بحاجة إلى أن يستشعروا التقدير ممن هم حولهم "













كن ذكيًا لتنجح

منذ مدة ليست بالقصيرة وأنا أتعامل بشكل مستمر مع أحد مطاعم الوجبات السريعة في منطقتي, ونفس البائع المسؤول عن خدمة السيارات يخرج ليأخذ مني الطلب, فترة طويلة وليس بيني وبين هذا الإنسان سوى السلام المقتضب والابتسامة, وفي الأيام الأولى تردد الطلب فحفظه مع الوقت, فصار يأتيني به ما إن يرى سيارتي قد توقفت أمام المحل.
منذ فترة، وأنا هناك، انتبهت إلى أني لا أعرف اسم الرجل مطلقًا، فبادر إلى سؤاله عن اسمه معتذرًا عن تقصيري وتأخري في السؤال, فأجابني وعرفته في المقابل بنفسي.
سؤالي الذي جاء متأخرًا، وأعترف بهذا، عن اسم (مصطفى) وهذا هو اسمه كما اخبرني، لم يكن لحاجة ما, فأنا لا أظن أن علاقتي به ستتجاوز يومًا إطار العلاقة البسيطة القائمة بيننا منذ أشهر, لكنني في تلك اللحظة التي انتبهت فيها إلى كوني أجهل اسمه, شعرت أن من واجبي نحوه كإنسان أتعامل معه طوال هذا الوقت أن أعرف اسمه لأناديه به.
ولا يزال بارقًا في ذاكرتي كيف أن لحظة سؤالي له عن اسمه أشرق وجهه بابتسامة امتنان، على الرغم من أني لم أقدم له شيئًا كثيرًا، بل لم أقدم له أكثر حقه علَّي كأخ في الإنسانية يقوم بعمله نحوي على أكمل وجه ويتعامل معي تعاملًا طبيًا.






كل الناس, كائنًا من هم, وفي أي منصب كانوا يعملون أو وظيفة يؤدون, بحاجة إلى أن يستشعروا التقدير ممن حولهم, وهذه الحاجة بالذات هي من الأهمية بمكان أن جعلها علماء النفس والسلوكيات - وأشهرهم البروفيسور أبراهام ماسلو صاحب النظرية الشهيرة (هرم الحاجات الأساسية )- واحدة من حاجات الإنسان الأساسية التي لا يمكن له أن يحيا دونها, ووضعوها مباشرة بعد حاجته للطعام والشراب والمأوى والأمان الوظيفي والاجتماعي.
وهذا ما نراه دون الحاجة للعودة إلى أية دراسات, فعند استشعار الإنسان بتقدير من حوله له أولًا كإنسان, وثانيًا لقيمة وأهمية عمله وأدائه وعطائه ونتاجه, فإنه يزداد بهجة وسرورً, ويزداد أيضًا عملًا وعطاء وإنتاجًا, ويشعر حينها بأنه قد نجح في حياته, سواء أكان في العمل أو المنزل أو في المجتمع عمومًا, وأفلح في تحقيق ما يصبو إليه .
هذا الأمر المبني على الدراسات النفسية والسلوكية الاجتماعيات, وقبل ذلك على مشاهداتنا وتعاملانا اليومية مع الناس من حولنا, أعني أهمية تقدير الإنسان واحترامه, وكذلك الكثير من الأمور الأخرى غيره, كأهمية التبسم في وجوه الآخرين, وتقديم كلمات الشكر والثناء, وأهمية الاعتذار عن الخطأ دون تردد في الوقت والمقام المناسبين, وغير ذلك من المهارات - تمثل جميعها جسورًا يمكن لنا أن نمر فوقها إلى تواصل طيب ومثمر مع الناس من حولنا, مما سيقود في المحصلة إلى نجاح علاقاتنا معهم واستقرارها, ها بغض النظر عن طبيعة وحجم هذه العلاقات .




هذه الحقائق , وإجادة التعامل بمفرداتها , وحسن استخدامها مع الآخرين , ليس بالأمر الصعب جدًّا , لكنه في ذات الوقت ليس بالأمر الهين أبدًا , وإنما يحتاج إلى أن يتعلمه الإنسان بعناية واهتمام حتى يجعله جزءًا من ثقافته وعاداته اليومية , لينطبع بعدها في سلوكه فيصبح دأبه الدائم .
أغلب الناس يعرفون ما يسمى بالذكاء العقلي (IQ) ولكن القلة من الناس هي التي تعرف أو سمعت عن الذكاء الوجداني (EQ) .
وتعريف الذكاء باختصار : هو قدرة الإنسان على تعريف وتحديد وتقييم مشاعره وعواطفه والسيطرة عليها , وكذلك التعرف على وتحديد وتقييم مشاعر الآخرين وإحسان التعامل معها .
والذكاء الوجداني قد أصبح محل اهتمام العلماء والمختصين في السنوات الأخيرة , ولهذا فقد أخضعوه للكثير من البحوث والدراسات , ليجدوا مثلًا أن غالبية من يفقدون أعمالهم ووظائفهم لا يفقدونها لضعفهم في باب الذكاء العقلي أو المهارات العملية أو الحرفية , وإنما لضعفهم في المقام الأول في مهارات التواصل والاتصال وتقدير الآخرين وإحسان التعامل معهم , والتي تمثل صلب الذكاء الوجداني وأهم مهاراته .
ابتسموا في وجوه الناس , ونادوهم بأسمائهم المحببة إليهم , وأشعروهم بالتقدير والاهتمام , واجعلوا ألسنتكم رطبة بكلمات الشكر والثناء للكبير








والصغير , حتى عند أبسط الأشياء , ولا تترددوا في الاعتذار عند وقوعكم في الخطأ أو الزلل تجاه أي منهم , وانظروا بعد ذلك كيف ستصبح علاقاتكم بهم أكثر بهاء وجمالًا , وانظروا كيف سيقبلون عليكم ويوالونكم .




















" كم هو جميل ومفيد للصحة أن نتخيل ونحلم ونسعد "


















لو كنت بائعاً ماذا ستبيع؟
وأنا في طريقي إلى عيادتي في أحد الأيام, وفي هدوء الطريق الجانبي الذي أسلكه, وصخب الأفكار التي تصيح في رأسي جاءني هذا السؤال الغريب مُطِلًّا بأنفه الفضولي, كعادة كثير من الأسئلة التي تشاغب فكري طوال يومي المزدحم: ماذا لو سنحت لي الظروف وأُعْطِيتُ كل الإمكانات لافتتاح محل ما لبيع شيء ما, فماذا سأبيع!
واقعيًّا لا أتخيل نفسي بائعًا لشيء ما أصلاً, ولا في عالم التجارة إطلاقًا, فأنا فاشل جدًّا في هذا المجال, بدليل كل التجارب الخرقاء التي اقترفتها.
ولكن سأفترض هذا: لو تم هذا فعلًا ماذا سأبيع!
وجدتني أمام خيارين رئيسين:
الخيار الأول هو بيع الكتب. فأنا عاشق للكتب وللقراءة, وأظن أني سأكون مبدعًا في هذا الأمر, وسأكون سعيدًا ولو كانت البضاعة كاسدة, فليس أجمل من الجلوس طوال اليوم في مكتبة بين آلاف الكتب, وتصفح هذا الكتاب وقراء ذاك, وحمل هذا ورفع ذاك!
ويا لها من رائحة, رائحة الأوراق المختلطة بالأحبار...أعتقد بأني سأكون كالسكران الحالم!






الخيار الثاني بيع الورد. نعم, بيع الورد, ولعل بعضكم يضحك الآن, ولكنها بالفعل حرفة طالما أعجبتني وأسعدني التفكير فيها, فكلما دخلت إلى محل لبيع الورد أرى عشرات الأفكار التطويرية تتقافز أمامي, وعشرات الألوان والتنسيقات الممكنة لباقات الورود والزهور تلوح في مخيلتي, خصوصًا أني أكون حينها قد ثملت تحت وطأة رائحة الزهور التي تملأ المكان, وتلك الرطوبة الخفيفة الرائعة التي تحيط بي.
كم هو جميل ومفيد للصحة أن نتخيل ونحلم ونسعد! أليس كذلك؟ حسنا, ماذا عنك أنتَ؟! ماذا عنكِ أنتِ؟! ماذا ستبيع أو تبيعين لو سنحت لك الفرصة أن تبيع أو تبيعين؟!





















" لا غنى لأي واحد منا عن عودة ذلك الطفل الذي كان في داخله,
حتى يظل محتفظا بانسانيته وانطلاقته وابداعه"











غريندايزر
أنا من كثيري القراءة في كتب التنمية البشرية, وبالأخص كتب وسائل وطرق الإبداع, لأني صرت منذ مدة ليست بالقريبة, من المؤمنين جدًّا أنه << تؤخذ الدنيا إبداعًا>> لا <<غلابًا>> فهذه قد ولى زمانها, وصار الصدر للمبدعين والمبدعين فقط, أما غير المبدعين فعليهم أن يقنعوا بالذيل, أعني ذيل القافلة.
وقد وجدت في أغلب هذه الكتب, إن لم يكن كلها, فكرة تقول أن على من أراد أن يصير من المبدعين أن يعيد استنهاض ذلك الطفل الذي كان في داخله, ذلك الطفل الذي مع مرور السنوات, والتعود على ثقل الروتين والنمطية, والوقوع في أسر الخوف من السقوط في <<العيب>> و <<الحرام>> و<<الخطأ>> دخل في حالة من السبات والبيات الزمني الثقيل!
الطفل متحرر من كل شيء, يفكر باندفاع ودون توقف, يتخيل بلا حدود ولا قيود, فيأتيك بالأفكار من المشرق ليضعها في بنيان المغرب, ويلتقطها من جوار نجم الشمال ليرسم بها على لوحة يلمع بها نجم سُهيل, ويخلط الأحمر بالأخضر بالأصفر بكل لون يمكنك تخيله, ليخرج لك بقوس قُزَحَ خاص به لم يسبق لك أن شاهدته.
هذه القدرة الطفولية الفذة على التفكير الحر هي ما يجعل من المبدعين مبدعين, ومن المتميزين متميزين, أما أسرى التفكير النمطي, وأتباع المدرسة التقليدية في التفكير, فحسبهم ان يخرجوا للناس بالمألوف





المعتاد المكرر الممجوج!
لذلك قررت منذ مدة أن أستخرج ذلك الطفل النائم في تلافيف نفسي, رغبة ببث دماء الإبداع في أوصالي من جديد, بعدما آنست أني أقترب شيئًا فشيئًا من الوقوع في قوالب الجمود والنمطية البغيضة. إلى هنا الأمر جميل وسلس, لكن الظريف المضحك أنني حينما ارتحلت بذاكرتي إلى أيام الطفولة, وكلما قلبت وجهًا من وجوهها, وجدتها لا تكشف لي إلا عن ذكريات مسلسل كارتوني شهير كنت أتابعه, وأهيم بغرامه صغيرًا اسمه <<غريندايزر>>. أظن أبناء جيلي يعرفونه جيدًا!
هذا المسلسل بشخصياته:<<غريندايزر, وفيغا الكبير, ودايسكي, وكوجي>> وغيرهم كثير, شكّل كثيرًا من ملامح تفكيري وشخصيتي آنذاك, ولعلي أعزو كثيرًا من ملامح تفكيري وشخصيتي الحالية إلى خيوط تأثرت به في ذلك الوقت, فلا أزال حتى الساعة أتذكر حرارة الأدرينالين التي كانت تضخ في جسدي عند مشاهدة دايسكي يقود غريندايزر منطلقًّا في وجه الأعداء, وهو يصيح <<الموت للمعتدين>> لينهال عليهم بالرعد القاصف, وشعاع الإعصار!
ذلك المسلسل الذي كان يعبر عن صراع الخير والشر, وحب الإنسان الصالح للخير والسلام, ورغبته بالتعايش والأمن, لا يزال حتى الساعة حيًّا نابضًا في داخلي, لذلك قمت منذ مدة بالبحث عن كل شيء يتعلق به على شبكة الإنترنت من باب استعادة الطفل المفقود ورغبة بإحياء الإبداع في





نفسي, فعثرت على تمثال لغريندايزر بارتفاع متر تقريبًا, بالألوان الطبيعية, وبصناعة متقنة, فتعلقت به من أول نظرة, وعشقته, وأصررت على اقتنائه مهما كان المثل, وبالفعل دفعت سعره الغالي وطلبته فجرى شحنه لي بالبريد السريع.
صدقوني يا أصدقائي, لا غنى لأي واحد منا عن عودة ذلك الطفل الذي كان في داخله, حتى يظل محتفظًا بإنسانيته وانطلاقه وإبداعه, وإلا تحول إلى إنسان رخامي بارد لا يخرج عن دائرة نمطية ثقيلة من التصرفات والنتائج.
استعيدوا أنفسكم, واسترجعوا طفلكم المفقود, ولو احتاج الأمر من الواحد منكم الاستعانة بغريندايزر, كما جرى في حالتي!














" إن حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم,
يجب أن يكون حبا عقليا في الأساس "


أحبه أكثر من نفسي
حين قرأت الحديث الشريف ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده و والده والناس أجمعين) () ظللت لزمن طويل أتساءل: كيف يكون ذلك! كيف لي أن أتحكم بمشاعري وعاطفتي التي لا سيطرة لي عليها لأوجهها نحو محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يبلغ الأمر أن يكون هو أحب إلي من والدي و ولدي والناس أجمعين !

وفي كل مرة كنت أشعر فيها بعاطفة حب جياشة نحو شخص ما كان يساورني التساؤل نفسه : كيف لي أن أشعر بحب أكبر من هذا نحو رسول الله والأمر ليس بيدي وخارج إرادتي !

وحين قرأت أنه صلى الله عليه وسلم كان مع جمع من أصحابه- رضي الله عنهم- بينهم عمر- رضي الله عنه- فقال له: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا, والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الآن يا عمر) () ظللت محتارا, كيف





أمكن عمر أن يغير مشاعره بطرفة عين, فيحب رسول الله أكثر من نفسه مباشرة وفي ذات اللحظة, لمجرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك, وبقيت أشعر أن في الأمر معنى أعمق من ظاهر الحديث.


ظلت تلك التساؤلات بيني وبين نفسي لفترة من الزمن, حتى سمعت الشيخ الشعراوي رحمه الله في واحدة من تسجيلاته القديمة وهو يتحدث عن هذا المعنى, فأشرقت الدلالات أمام ناظري كشمس النهار, يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله :
أنت تحب ابنك, ولو كان غير مجتهد وبليدا بعاطفتك, ولكنك تحب ابن جارك الذكي بعقلك, وتتمنى لو أن ابنك مثله في الذكاء, وحين تحضر حاجة حلوة ستعطيها لابنك وليس لابن جارك. والإنسان يحب الدواء المر, أيحبه بعاطفته؟ لا إنه يحبه بعقله؛ لأن هذا الدواء المر هو الذي يأتي له بالعافية, ويسر لمن يأتي له بالدواء المر, وإن كان لا يجده في الصيدلية سيسر كثيرا عندما يحضر له (انتهى كلامه) .

هذا هو المقصود الذي أدركه عمر في ذلك الموقف مع رسول الله وهو الذي جعله في لحظة واحدة يتغير من فكرة أنه يحب رسول الله أكثر من كل الناس إلا من نفسه, إلى أن يحبه حتى أكثر من نفسه.
إنه الحب العقلي إن حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون حبا عقليا في الأساس؛



إنني أحبه أكثر من نفسي لأنه هو الذي أنقذها من الظلمات إلى النور, وهو الذي أعطاني الخير كله, إذا أنا أحبه بعقلي, بإدراكي, بإرادتي, وهذا هو الحب المستقر الراسخ, ولا شيء سواه.












هل عواطفك أسيرة لأفكارك؟
أم أن أفكارك أسيرة لعواطفك؟ من الذي يسيّر الآخر؟


الذئبان المتصارعان في صدري

يعتبر موروث الهنود الحمر, سكان أميركا الأصليين, واحدا من أغنى الموروثات الإنسانية, بالرغم من المحاولة الأميركية المعروفة المكشوفة الأهداف, سواء من خلال الأدب المكتوب أو من خلال الأفلام السينمائية والتلفزيونية, التي حاولت جاهدة ولعلها أفلحت في ذلك كثيرا, تصوير هؤلاء البشر على أنهم قطعان من الهمج الأشرار الذين كان لا بد من غزو أرضهم والاستيلاء عليها لإعمارها وتخليصها من شرورهم.
من بديع ما وقعت عليه هذا الموروث قصة تعود لهنود < الشيروكي> وهم أبناء واحدة من أكبر من ثلاث قبائل من سكان أميركا الأصليين. تتحدث القصة عن شيخ هندي كبير كان جالسا مع حفيده, فقال له: هناك صراع في داخلي يا بني, صراع رهيب بين ذئبين؛ أحدهما ذئب شرير, هو ذئب السعادة والسلام والحب والاطمئنان وراحة البال وهدوء النفس والأمل والتواضع والعطف والكرم والصدق والإيمان والإحسان, وهذ الصراع الدائر المستمر بين هذين الذئبين يدور في داخلك أنت أيضا يا بني, وفي داخل كل إنسان آخر.









صمت الحفيد لبعض من الوقت ، وهو يفكر فيما قاله جده ، ثم قال : وأي الذئبين هو الذي سينتصر يا جدي ؟ فنظر إليه الجد الحكيم وقال : سينتصر الذئب الذي تطعمه أكثر !

حين قرأت هذه القصة ، أحسست برعشة سرت في جسدي كتيار كهربائي ، بعدما ضربت على وتر كان مشدوداً في نفسي حينها .
السؤال الأزلي المطروح : من هو الذي في أسر الآخر : هل عواطفك أسيرة لأفكارك أو أفكارك هي أسيرة عواطفك ؟ من الذي يسيّر الآخر ؟

يعتقد أكثر الناس أن عواطف البشر هي التي تسير أفكارهم ، وهذا الكلام صحيح إلى حد ما ، بل إن علوم التنمية البشرية تقول إن الإنسان يتخذ قراراته على أسس عاطفيه ثم يبحث لهذه القرارات عن حجج عقليه تدعمها ، فمثلاً : يشتري الإنسان سيّارة لأنه عشقها و أغرم بها ، قبل أن يكون مقتنعاً بأنها إقتصادية ذات كفاءة عالية وقوة محرك ممتازة ! وهكذا ، ولهذا السبب ينشط علم التسويق غالباً في إثارة عواطف النَّاس قبل إثارة عقولهم .

لكنني بالرغم من هذا أؤمن بأن العاطفة لا يمكن أن تنشأ من العدم ، وإلاّ صارت كالعزيمة الحيوانية المنفلتة عن كل رابط وضابط ، أو لصار الإنسان مخبولاً ل يملك زمام أفكاره ونفسه .
إن العاطفة، أيّاً ما كانت ، تنشأ حتما نتيجة لفكرة ما ، إلا أن مقدار نضوج هذه الفكرة هو الذي يحدد شكل وطبيعة العاطفة الناتجة عنها .






من المهم أن يحكم الإنسان وثاق عواطفة ، وأن يمسك بزمام ذلك الذئب الشرير المسعور في داخله حتى لا ينطلق فيدمر كل شي جميل قد لا يمكن إصلاحه بعد ذلك . من الضروري أن يراقب الإنسان بذور الأفكار وهي تنثر ، بيده أو بيد غيره ، في تربة نفسه ، ويراقب نموها ، فيقتلع الضار منها قبل أن يكبر ، ويتعاهد الجيد منها بالرعاية والحماية حتى ينمو ويستوي ، فيثمر عواطف جميلة ناضجة وإنجازات صالحة طيبة له ولغيره .

لكن الأخطر حقاً عندما يكون الذئب الشرير الذي يعتمل في صدر الإنسان محكوماً بيد إنسان آخر ، حينها سيُصبِح المرء عبداً لغيره ، يلعب به ويسيره كيف يشاء ، ويضحي لا يملك قرار نفسه ، ولا يدير من أمره شي.
لهذا السبب كان مهماً جداً أن يراقب الإنسان منشأ عواطفة ، ويرصد الأفكار التي أشعلت شرارتها ، وينتبه لمصادرها ، وكيف توالدت في داخله ! ومن الذي جاء بها إلى عقله ! وأن يتذكر دائماً أنه هو الذي يسيطر في النهاية على الذئبين المتصارعين في نفسه ، فهو الذي يطعمهما ، وهو الذي سينصر أحدهما على الآخر حين يرعاه أكثر ، كما علم ذلك الحكيم الهندي حفيدة قبل مئات السنين !









" عندما ينغمس المرء في أداء شي يحبه


فإن الوقت يمر عليه سهلاً سلساً سريعاً "











نظرية النسبية ببساطة !
لآينشتاين عبارة ظريفة قالها عندما سألوه عن معنى نظريته الشهيرة حول النسبية ، فقال : ضع يدك علو فرن ساخن لدقيقة واحدة ، ستبدو كأنها ساعة ، اجلس بقرب امرأه حسناء لساعة ، ستبدو كأنها دقيقة ، هذه هي النسبية !

تذكرت هذه العبارة " الآينشتاينية " المشاغبة بعدما مررت منذ مدة بموقف خاطف أحسست معه فعلاً بمعنى النسبية .

توجد في طريقي إلى مقر عملي إشارة ضوئية، طالما شعرت بأنها إشارة خانقة ، حيث الوقوف عندها كأنه الدهر ، ، فهي تشكل عنق زجاجة تتكالب عنده السيارات القادمة من اتجاهات متعددة ، إشارة سقيمة بكل معنى الكلمة ، ولسقمها كثيراً ما كنت أحاول الإستفادة من تلك الفترة المهدرة عندها بممارسة تمارين التأمل ، وضبط النفس ، والشهيق والزفير ، والتنفس البطني ، وكل تلك الحيل التي تعلمها كتب ودورات التنمية الذاتية ، فأفلح مرات وأفشل مرات ، حسب الحالة النفسية !

وصباح يوم توقفت عند نفس الإشارة ، وكانت تشغلني عند خروجي من البيت فكرة أردت الكتابة عنها ، وصباحاتي دائما ما تكون حافلة بالأفكار المتسارعة المتفرعة المتشابكة ، التي إن لم أقم بتقييدها لا يكاد ينتصف النهار حتى أجدها تطايرت أجازؤها وتلاشت كخيوط الدخان في فضاء .


فأخرجت " الآيفون " وشرعن في الطباعة مستغلاً فترة الإنتظار ، ولعجبي لم أشعر بمرور ثوان ، وقبل أن أتمكن من كتابة شي كثير إلا والإشارة الخرقاء قد صارت خضراء مجدداً !

إلا أنني مع عجبي أدركت حينها أن ليس في الأمر سر كبير ، فكما أخبر صديقي المشاغب أينشتاين ، هذه هي النسبية .

عندما ينغمس المرء في بحر شيء يحبه ويجد المتعة في أدائه فإنه يمر الوقت عليه سهلاً سلساً سريعاً ، وخلاف ذلك عندما يكون مجبراً على عمل شيء يبغضه أو لا يحبه ، يشعر كأن الساعة قد أصيبت بشلل الأطراف ، أو كأن عقرب الثواني يدور عبثاً دون أن تأبه له العقارب الأخرى .

لاحظوا تلك المسألة في سائر مناحي حياتكم ، في بيوتكم وفي مقار أعمالكم وفي أنشطتكم الأخرى .

كل أمر تجدون المتعة والسعادة فيه يمر عليكم بسلاسة وسرعة ، ويكون مغلفاً بالإبداع والإبتكار والعطاء ، وينتهي إلى الشعور بالرضا وغالباً إلى النجاح ، في حين أن تلك الأمور التي لا تحبون عملها ، وناهيك عن كونها لا تمر عليكم ولا تفرغون من أدائها إلا بشغف الأنفس ، فإنها تكون روتينية نمطية خالية من الإبداع والإبتكار ، وتنتهي مخلفة وراءها في نفوسكم شعوراً بالملل والضيق في الغالب



هذا المفهوم – أَعني مفهوم النسبية – وكيف أن اللحظات السعيدة والممتعة تمر سريعاً بنجاح ورضا ، وفي مقابلها كيف أن اللحظات الثقيلة الصعبة لا تكاد تمر إلا وتخلف في النفوس ضيقاً ومللاً – قد صار اليوم من المفاهيم الأساسية والمطبقة دائماً في مناهج إدارة الحياة ، والنجاح في العمل ، وزيادة الإنتاجية والإستيعاب ، وتخفيف الضغوط وما شابه






















" النجاح كلمة مغرية تداعب نفس كل إنسان، ولكنها أيضًا كلمة مبهمة ملتبسة نسبية حمّالة لأوجه "


الاندفاع نحو النجاح
يندفع أغلب الناس في هذه الحياة دون أن يكون عندهم تصور واضح عما يريدونه منها، بل أحيانًا لا يكون عندهم أي تصور بأي شكل من الأشكال، فتجدهم يدورون في عجلة الحياة وَفْقًا لدورتها ولظروفها دون أي تدخل يذكر من قِبَلِهم، فإن هبَّت الريح شمالًا اتجهوا شمالًا، وإن هبت جنوبًا اتجهوا جنوبًا، ولو سألت الآن أي شخص ممن هم حولك عما يريده من هذه الحياة لقال لك في الغالب: أريد أن أكون ناجحًا. هذا إن لم يكن من أولئك الذين يجيبون عادة بتلك الإجابة المبهمة ( أريد الستر ) لكنك إن سألته بعدها مباشرة: وما تعريف النجاح عندك؟ لوجدته غير قادر على الإشارة بإصبعه إلى المقصود من ذلك!
النجاح كلمة مغرية لا شك، تداعب نفس كل إنسان، فمن منا لا يريد النجاح، ولكنها أيضًا كلمة مبهمة ملتبسة حمّالة لأوجه؛ فنجاح شخص ما في عمله قد يكون فشلًا في رأي شخص آخر، ووصول شخص إلى مراده المالي في فترة من الزمن قد يكون نجاحًا عنده، لكنه فشل ذريع عند آخر، والعكس صحيح. وكذلك قد يُحكم من الخارج بظاهر الأمور على شخص ما بأنه ناجح، في حين أنه نفسه يرى خلاف ذلك، وذلك أن النجاح في حياة الإنسان


لا يكون على مستوى واحد، فقد يكون المرء ناجحًا في عمله، لكنه ليس كذلك في حياته الأسرية، والعكس، وقد يكون غير ناجح في هذين المستويَين ولكنه ناجح في نشاطاته المجتمعية، وهكذا.
إذَا فالنجاح كما نرى أمر نسبي، تتشابك فيه الكثير من العوامل والمؤثرات، لهذا فليس بكافٍ على الإطلاق أن يقول المرء إنه يريد أن يكون ناجحًا ويسكت، بل لابد أن يكون واضحًا في إجابته تعريفُ النجاح الذي يقصد، هل هو نجاحه على صعيد العمل والوظيفة؟ أو على صعيد الحياة الأسرية؟ أو على صعيد النشاطات المجتمعية؟ أو على صعيد اللياقة الجسدية والصحية؟ أو على صعيد الحياة الروحانية؟ أو على كل هذه الأصعدة جميعها؟
كما يجب أن يكون محددًا أيضًا في كل حالة، وعلى كل مستوى، شكل ومقدار هذا النجاح، وأن يكون مرتبطًا بقيد زمني، فالحصول على الشهادة الجامعية في أربعة أعوام ليس كمثل الحصول عليها في ست أو سبع، وتوفير 100 ألف دينار خلال عامين ليس كتوفيرها في عشرة، وهكذا.
مرادي من كل ما سبق مباشر وبسيط، وأستطيع تلخيصه بالرسائل التالية:
لا نجاح ما لم يكن محدّدًّا بشكل ومقدار وزمن.


ولا نجاح مالم يكن منعكسًا على كل جوانب حياة الإنسان، فما قيمة نجاحي في عملي وحياتي الأسرية مفككة! وما قيمة النجاح المالي وأنا مفلس من المبادئ والقيم!
ولا نجاح مالم يصل بالمرء في نهاية المطاف إلى راحة البال والرضا والسعادة.
وبهذا يمكن أن ينظر كل واحد منا في صحيفة حياته وأعدادها السابقة، ويحكم بنفسه على نفسه، ويحدد موقعه على سلم النجاح.









" إن استذكار المعنى الحقيقي للصداقة، والتشبث بمن حولنا من أصدقاء حقيقيين، يستحق دونه الكثير الكثير "


ألف صفحة لأجل صديق
تميل مشاعر الإنسان نحو التبلد كلما مرت به التجارب و تعرض لذات المثيرات، فالطبيب كثيرًا ما يفقد التأثر بمشاهد الدماء مع كثرة ملامسة الجراح، ورجال الأمن كثيرًا ما يفقدون الشعور بحرارة الدموع مع كثرة مشاهدتها، وهكذا دواليك.
والقارئ كذلك قد يفقد الإحساس بحرارة الكلمات، فلا يرى وهج الأفكار مع كثرة المطالعة والقراءة، خصوصًا حين لا يخرج المكتوب عن دائرة المألوف والمستهلك من الأساليب والتجارب.
وأكثر الكتب عرضة لفقدان قدرتها على التأثير، في ظني، كتب التنمية الذاتية، فهذا المجال يكاد يكون قد وصل اليوم إلى حالة من التشبع، والقراء المتعمقون فيه قد صاروا يدركون أن أي كتاب جديد يصدر لا يزيد ما يتضمنه من جديد المعاني والأساليب على 20% وأن مدار الأمر كله قد أضحى حول القالب الجديد الذي يجري صب نفس المعلومات القديمة المكررة فيه، وكذلك حول تفرد الكاتب في أسلوبه وتميز طريقته في التعبير.
توقفت هذه الكتب منذ زمن ليس بالقصير عن إيصالي إلى حالة الانبهار، وصار من النادر أن ينتزع واحد منها إعجابي المطلق، خصوصًا إذا تذكرنا أن









أغلبها كتب مترجمة ترجمة تقليدية ركيكة دأبت دور النشر على استخدامها لتخفيض التكاليف ، ولتجعل تسويقها بحثاً عن الربح السهل السريع ، لكنني مع ذلك لم أتوقف عن قراءتها ولا حتى عن اقتنائها، وذلك لقناعتي بأن خروجي منها ولو بفكرة جوهرية تغييرية واحدة من بعد ألف صفحة وصفحة يستحق كل العناء والتعب .
كان بيدي ذات مرة كتاب من هذه الكتب ، لاتقل عدد صفحاته عن 250 صفحة من القطع المتوسط ، قرأتها جميعاً ، فلم أخرج منها إلا بصفحات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وأبرز ما أثار اهتمامي فيها قصة قرأتها كأنني أقرأها للمرة الأولى ، فتأثرت بها كثيراً .
تقول القصة بأنه أثناء خروج إحدى الكتائب العسكرية من أرض المعركة ، اكتشف العسكر اختفاء أحدهم ، فأصر زميل له على العودة بحثاً عن الجندي المفقود ، وبرغم محاولة قائد الكتيبة ثنيه عن العودة بدعوى أنه قد مات حتماً ، وأنه لاداعي للمخاطرة بلا طائل ، إلا أن الجندي أصر على العودة بحثاً عن زميله ، فاستجيب لطلبه ، وبعد ساعات طويلة عاد الجندي حاملاً جثة زميله المفقود على كتفيه ، فما كان من القائد إلا أن قال له : ألم أخبرك بأنه قد مات ، و إنه لم يكن هناك داعٍ لهذه المخاطرة أصلاً فأجابه الجندي : لا يا سيدي ، فحين








وصلت لم يكن قد مات بعد ، بل كان في الرمق الأخير ، وقال لي قبل أن يُسلم روحه : لقد كنتُ واثقاً بأنك ستعود لأجلي يا صديقي !

أخشى أن أكتب الآن ما قد يفسد أثر القصة ، ولكن سأكتفي بالقول : بأن استذكار المعنى الحقيقي للصداقة و التشث بمن حولما من اصدقاء حقيقين ، يستحق دونه، بالنسبة لي على الأقل قراءة آلاف الصفحات .

"انتهى"





















فصل موجز حول الشاي











تاريخ الشّاي
كان أوّل ظهور لنبات الشّاي في الصين ، بالقرب من حدود التبت الجنوبية وشمال الهند ، بالقرب من التقاء دائرة عرض 39 مع خط طول 98 ، ثم انتشر في أكثر من 52 دولة ، وتعدّ دول آسيا أول من وزّع الشّاي و استخدامه ، فالصّين أول من استخدم الشّاي ، و كان ذلك في القرن العاشر قبل الميلاد ، وفي أحد النصوص الطبيّة الصّينية في القرن الثالث الميلادي إفادة بأن الشّاي يُحسّن من قدرة الشخص الإدراكية ، كما وجدت-أيضا-عبوات شاي ترجع إلى الفترة نفسها. وصف الفيلسوف المعروف"لاو زي"الشاي بأنه "رغوة الجاد Jade السائلة" وتمحس لتأليف كتاب عن إرشادات تحضير الشاي التي علمه إياها مفتش الجمارك الذي دعاه في إحدى المرات لاحتسائه ، وبحلول عهد أسرة "تانج" أصبح الشّاي يُعرف بوصفه المشروب الرّسمي للصين ، وكتب "لويو" -أيضًا- في ذلك الوقت كلاسيكيّته "تشاجينج" استعرضَ فيها مراحل نموّ الشّاي ، معالجته ، تحضيره ، وتقويمه ، و إنتاجه .

ظهرَ مسحوق الشّاي في عهد أسرة "سونج" الذي شهد تغيرات في إنتاجِ الشّاي وتحضيره ، وإليه يرجعُ أصل الشّاي على الوجهِ المعروف لنا اليوم ، فبعد استخدام مسحوق الشّاي طُوِّرَت طريقة جديدة لمعالجة أوراق الشّاي من طريق تحميصها ، وهكذا ظهر الشّاي بصورتهِ الحاليّة ، ومن الأرجح أنّ هذا التطوّر كان له أثر الأكبر في ثقافة الشّاي في العالم بأسره .





بحلول القرن السّادس وصل الشّاي إلى اليابان ، وكانت الرموز الدينية -في البداية- تستخدمه استخداماً أساسيّاً ، إضافة إلى السّفراء الّذين يتصلون بالصّين ، ثم أصبح مشروباً تقليديًا للبوذيّين ، ونالَ شهرة واسعة بين اليابانيّين من الطّبقات الرّاقية ، ومن المرجّح أن كلاسيكيّة "لويو" المعروفة بـ "تشاجينج" قد أدّت دوراً أساسيّاً في التأثير في حفلات الشّاي اليابانيّة التقليديّة بينما تُشير البيانات إلى أنّ ثقافة حفلات الشّاي انتقلت حفلات الشّاي انتقلت إلى كوريا بحلول القرن العاشر الميلادي .
بعيداً عن ضعفِ معرفة البرتغاليّين بالشاي ، فقد عُرِفَ الشّاي أولاً في أوربا بين الطّبقات الرّاقية في هولندا بعد أوّل شحنة شاي تُنقَل من الصّين إلى هولندا عام 1606 ، ثمّ بدأت شُهرة الشّاي في الاتّساع بين شعوب أوربا الغربية الأخرى ، حتى إنّه صار مشروب الأغنياء في بريطانيا بعد زواج كاثرين من براجنزا -التي كانت تشرب الشّاي البرتغالي- من الملك تشارلز الثّاني ، فقد كانت شركة الهند الشرقيّة البريطانيّة تُرسل شحناتٍ من الشّاي بانتظامٍ إلى المملكة المتحدة من جزيرة جافا ، ومع ذلك تظلّ الصّين مُهيمنة على إنتاج الشّاي حاليّاً . أمّا أكياس الشّاي الحديثة المعروفة لنا اليوم ، فقد صُمّمت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في أوائل عام 1900 وبدأ استخدامها في المملكة المتحدة في بدايات السّبعينيّات .







زراعةُ الشّاي
تُعرف أنواع النّباتات الّتي تُزرع لصناعة الشّاي علميّاً باسم "الكاميليا الصينيّة camellia sinensis " وتُصنّف بأنّها من النّباتات دائمة الخضرة ، وتُزرع منها أصناف مُختلفة قليلاً في شرق آسيا وجنوبها ، ولأنّ نبات الشّاي يحتاجُ إلى مناخٍ دافئٍ للنّموّ فإنّ زراعته في مناطق مُعيّنة بين خطّ الاستواء وخطّ طول 20 .

تحتاج نباتات الشّاي حديثة النموّ إلى وقتٍ كبير ، فلا يُمكن حصادها إلّا بعد ثلاث سنواتٍ من زراعتها ، بينما يحتاج تكوين البذور إلى عامٍ آخر في الأقل ، ولتحضير الأرض لزراعتها يجب التخلّص من الحشائش الضارة ، وتقليب التّربة جيّداً ، وبعد ذلك تُنثَر الحبوب بعد تخطيط المنطقة المُخصّصة للزّراعة ، ثم تنثر في الحفر المصنوعة في الأرض نحو ثلاث بذور ، ويجب أن تُغطّى الحفر بالطّين بعد نثر البذور مُباشرةً ، ويجري زيّ النّبات مرّتين في اليوم قبل نموّه وبقدار مرّة كل يومين فيما بعد ، وإذا نضجيجب أن تُقطف الأوراق في الصّباح الباطر من طريق الضّغط بخفّةٍ على الأوراق بإصبعي: السّبابة و الإبهام ، ثمّ تُنقلُ بأسرع وقتٍ مُمكنٍ إلى المصانع لمعالجتها وإلاّ تأثر مذاق الشّاي سلباً .
مع الوقت الكبير الذي تحتاج إليه نباتات الشّاي للنموّ إلاّ أنّها تُنتجُ محاصيل جديدة بسرعةٍ بعد قطف الأوراق ، حيثُ تنمو البراعم بعد -




قرابة- أسبوع أو اثنين في الأكثر، مع أنّ الاقتلاع المفرط للأوراق يتسبّب في أضرارٍ كبيرةٍ، وعادةً ما تُقَلّمُ معظم نباتات الشّاي بما يتوافق مع ظروفِ المزارعين، وإذا لم تُقلّم: فإنّ طولها يُمكن أن يصلَ حتّى 16 مترًا.






الاقتصادُ وتجارةُ الشّاي


يُعدُّ الشّاي- إلى حدًّ كبير- أكثر المشروبات استهلاكًا على مُستوى العالم, فشهرتهُ تتساوى مع غيرهَ من المشروبات الأُخرى مُجتمعةً, ويتركَّز أغلب إنتاج الشّاي في الهند وسيريلانكا, حيثُ يُنتجُ بصورةٍ أساسيّةٍ ويُباع للشّركات الأكبر حجمًا.
وفقًا لإحصاءاتِ مُنظّمة الأغذية والزّراعة لعام 2007 فإنّ كينيا تتصدّرُ قائمة مُصدّري الشّاي في العالم, تليها الصّين في المرتبة الثّانية ثُمّ الهند ثُمّ سيريلانكا.
أما قائمة مُستوردي الشّاي فتتصدّرها روسيا ثُمّ المملكة المتّحدة ثُمّ باكستان ثُمّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة. وفي عام 2011-وفقاً لإحصاءات مُنظمة الأغذية والزّراعة- جاءت الصّين في المرتبة الأولى, حيثُ أنتجت ما يُقارب 1.6مليون طنّ من الشّاي, أي-نحو- ثلاثة أضعاف إنتاج كينيا الّتي حلّت ثالثةً.
أما لاستهلاك الفرد للشّاي فجاءت تُركيا في الصّدارة لعام 2009, حيثُ بلغ استهلاك الفرد نحو 6.87 كج. تليها المغرب في المركز الثّاني باستهلاك 4.34 كج, ثُمّ إيرلندا في المركز الثّالث باستهلاك كج 3.22 للفرد.






من المفارقات اللّفتة أنّ استهلاك الشّاي يزداد مع أنّ الإنتاج يرتفع بصورةٍ أسرع, وذلك أدَّى إلى تدهور التّأمين المالي لزارعي الشّاي في بعضِ الأوقات, لكنّ أسعاره ارتفعت مُؤخّرًا ما قد يُحسِّن من أوضاع المُنتجين إذا ما رفعَ التّجار أسعار البيع.



تختلفُ أسعار الشّاي من مكانٍ لآخر, ومن بلدٍ لآخر, وتوجدُ أنواع من الشّاي مرغوبة بشّدة مع أنّها باهظة الثّمن للغاية, حتّى إنّ عبوّة شاي narcissus oolong وزن 20 كج بيعت بـ 80.000 دولار في مزاد 2013 بهونج كونج.



يواجه جامعو أوراق الشّاي في الدّول النّامية ظروفًا قاسية, فلا تكاد أجورهم تُغطّي احتياجاتهم, لذا فهناك العديد من التحدّيات البارزة الّتي تُواجه مُنتجي الشّاي فيما يتعلّق بحقوقِ مُوظّفيهم مثل: سكنهم وأجورهم, وفيما يخصّ البيئة أيضًا.


أنواعُ الشّاي المختلفة وكيفيّة تحضيرها

حديثًا, يَستعمل العالم كلّه أكياس الشّاي في تحضيره.
أمّا قديمًا, فكان يُعدُّ باستخدام أوراق الشّاي, وذلك بوضعها كما هي في فنجان الشّاي أو الإبريق, ويُصبُّ الماء المغليّ فوقها, ويُتخلّص من الأوراق-غالبًا- قبل تقديم الشّاي.


تختلف مدّة تحضير الشّاي ودرجة الحرارة المناسبة حسب نوع الشّاي, فيحتاج أعداد شاي الأعشاب Tisanes والشاي الأسود إلى درجة غليان 99 درجة مئويّة, حيثُ إنّ كثيرًا من المواد النّشطة به ربّما لا تتكوَّن إذا لم يكن درجة حرارة الماء عالية بالدّرجة الكافية, كما ستضيع نكهة الشّاي إذا لم تكن المياه ساخنة بالقدر الكافي, ويحتاج تحضير الشّاي الأبيض إلى درجات حرارة تتراوح بين 65 و 70 درجة مئويّة.

يعتمدُ زمن النّقع -أيضًا- على مدّة تأكسد أوراق الشّاي, فمن الأفضل غلي أوراق الشّاي الّتي تأكسدت في مدّةٍ قصيرةٍ في درجاتِ حرارةٍ مُنخفضة, أمّا الّتي تأكسدت في مدّةٍ أطول فتحتاج إلى درجاتِ حرارةٍ أعلى لغليها.
يستغرقُ الوقت المطلوب للنّقع من دقيقةٍ إلى ثلاث دقائق لمعظم أنواع الشّاي, وتختلف مدّة النّقع من منطقةٍ إلى أخرى, ففي الغرب لا تزيد مُدّة نقع الشّاي غالبًا على 30 ثانية إلى 5 دقائق, أمّا في الهند فتستمرّ عملية النّقع فوق ربع ساعة,




وأمّا شاي Pu`er فيمكننا نقعه قدر ما نشاء, وطريقة معالجة الشّاي هي الّتي تجعله مختلف المذاق.


يُعدُّ الشّاي الأسود من أكثر الأنواع أكسدةً, لذا نجد لهُ مذاقًا قويًا, وعادةً ما يُشرَي هذا النّوع في الغرب, وتبلغ نسبة استهلاكه 90% ويُطلَق عليه في الصّين اسم " الشّاي الأحمر" وقد يستمر مذاقه عدّة سّنوات, وفي الهند يُخلط الشّاي الأسود بالّلبن والتّوابل والعسل لصنع مشروب الشّاي التّقليدي الّذي يُعرَف باسم Masala Chai , ويُعدُّ شاي الصّباح الإنجليزي والإيرلندي مثالين لأنواع الشّاي الأسود المشهورة.



أمّا الشّاي الأخضر فيُنتج من طريق منع الأوراق من التّأكسد, وقد زاد استهلاكه في الغرب في الأعوام الأخيرة, وتُعدُّ اليابان أكثر الدّول استهلاكًا له, حتّى إنّه عادةً ما يُشار إليه بـ " الشّاي الياباني", وكثيرًا ما ترتبطُ معظم الفوائد الصّحيّة بالشاي الأخضر. تؤثّر درجة حرارة الماء الّذي يُنقَع فيه الشّاي الأخضر بصورةٍ كبيرةٍ في مذاقه, فيُفضّل الأوروبيّون ومن في منطقة شرق آسيا الشّاي مُعتدل المذاق الّي يُعدُّ في درجاتِ حرارةٍ مُنخفضة, أمّا في آسيا الوسطى وشمال أفريقيا فيُفضِّل النّاس الشّاي الأخضر الأكثر مرارة الّذي يُحضَّر في درجاتِ حرارةٍ أعلى.



أمّا شاي Oolong فيُجفَّف في الشّمس لتذبيله قبل مُعالجته، ويرجع أصل الكلمة الإنجليزيّة إلى الاسم الّذي يُطلَق على الشّاي في اللّغة الصّينيّة وهوcha wulong أو "شاي التّنين الأسود" ويُحضَّر شاي Oolong بوجهٍ عام في درجات حرارة تتراوح بين80 و 100 درجة مئويّة, ويمكن إعادة استخدام أوراقه عدّة مرّات, ويظنّ كثيرٌ من النّاس أنّ مذاقه يُصبح افضل عند نقعه لعدّةِ مرّات مُتتاليةٍ خلاف غيره من أنواع الشّاي الأخرى, حتّى إنّه في بعض حفلات الشّاي قد يتخلّص بعضهم من المياه الّتي نُقع فيها الشّاي في البداية.


من أنواع الشّاي, الشّاي الأبيض الّذي يُنتج ويُستهلَك بصورةٍ أساسيةٍ في الصّين, الّذي يؤكسد قليلاُ قُبيل استهلاكه, أمّا الشّاي الأصفر فهو يُشبه الشّاي الأسود, ويُشبه الشّاي الأخضر في عمليّة إنتاجه.

تختلف الإضافات الّتي تُستخدم في الشّاي وطريقة تقديمه على وجهٍ واسعٍ وفقًا للمكان المُستعمل فيه, ففي الولايات المتّحدة وكندا- عادةً- يُقدَّم الشّاي باردًا, على النّقيض ما يحدث في الهند, غذ دائمًا ما يُقدَّم ساخنًا ويضافُ إليه الّلبن, وأحيانًا بعض التّوابل.


أما الاحتفالات بتناول الشّاي وطريقة تحضيره وتقديمهِ فهي شائعة في ثقافاتِ الشّرق الأقصى مثل الصّين واليابان.

فوائدُ الشّاي للصحة
أصبحت فوائد الشّاي الصَّحيّة محلّ اهتمام كثير ممن يشربونه في الصّين منذُ القِدم من عصور الأباطرة الأسطوريّين , فالأدلّة العلميّة تُفيد بأنّ الشّاي يُسبّب كثيراً من التَغيُرات الملحوظة في صحّة الإنسان المحدودة نسبيّاً, إلا أنّ أهم فوائده المتعلقة بالصحة هي قُدرته على مُحاربة الفيروسات, كما تحتوي مُعظم أنواعه كميّة الفيتامينات والإنزيمات نفسها الّلازمة للحفاظِ على الصّحة تقريباً , وأكثر الدراسات التي تناولت آثار الشّاي كان بها قصور, حتّى إنّ كثيراً من العلماء كانوا يعتقدون أن الشّاي دوراً مهماً في مكافحة السّرطان ؛ إلّا أنّه لا يُوجد تأكيدٌ علمي لذلك حتّى الآن .
معظم الفوائد الصحية المحتملة للشاي ترتبط بالشاي الأخضر , فهو يحتوي عدداً من الفيتامينات والمواد الأخرى الضروري للتغذية السليمة, بما في ذلك الكربوهيدرات والأحماض الأمينية, كما يرى العُلماء أن تناوله قد يُخفِّض مُستويات الكوليسترول, ولا توجد أدلّة علميّة حتى الآن تُؤكّد أنه قد يُقلّص مُعدل الوفيات بين مُصابي أمراض القلب, بينما تُوجد بعض الأدلة المحدودة التي تُفيد أنه ربما يكون له دور في مُكافحة السّرطان, كما أظهر استفتاء بين كبار السّن أن الذين يشربون كميّات أكبر من الشاي الأخضر يؤدون بطريقةٍ أفضل في حياتهم اليوميّة, وقد يُؤدّي تناول الشاي الأخضر


دوراً في تحفيز الجهاز المناعي للجسم, في أسكوتلندا وُجد أنه من المحتمل تقليل حجم الأورام من طريق الاستخدام المباشر لِمُرَكَّبٍ مُعينٍ موجود في شجرة الشاي الأخضر ؛لكنه ليس من المعروف إذا ما كان لمجرد إستهلاك الشاي الأخضر التأثير نفسه. وفقاً لبعض العلماء ربما أدّى شرب الشاي الأسود إلى خفض ضغط الدّم بصورةٍ طفيفٍ, غير أنه لن يكون كافياً لعلاج مرض ارتفاع ضغط الدّم المزمن.
أما عيوب استهلاك الشاي المحتملة فترجع إلى مادة الكافيين التي يحتويها, فقد يؤثّر الكافيين في كمية المياه التي يتخلص منها الجسم؛ لكن بعض الدراسات التي أجريت في بريطانيا أظهرت أن الاستهلاك المعقول للشاي لا يمكنه التأثير في مستوى المياه في الجسم.
كما يحتوي الشاي – أيضاً - الفلوريد, وهذا يعني أن استهلاك كميات هائلة من الشي قد تكون ضارة, غير أنه فيم يتعلق بالفلوري فقد تكون التركيزات المنخفضة مُفيدة لصحة الأسنان .






الشاي في علم الأساطير
تقول الأسطورة الصينية أن الإمبراطور shennong هو الذي اكتشف الشاي , وذلك في سنة 2737 قبل الميلاد , ويعني اسم shennong " المزارع الرائع" وقد قيل إنه كان يفضل شرب الماء السابق غليُه حيثُ يكون أكثر نقاءً, وتوضح الأسطورة قصة اكتشاف shennong للشاي, فتقول إنه أثناء إحدى الحملات سقطت ورقة من نبات الشاي في الماء المغلي الذي يشربه الإمبراطور, ولم يُلاحظ سقوط الورقة في المياه وقُدِّم للإمبراطور, وأشار اللون البني للماء إلى أنه قد تخمر بوساطة ورقة الشاي بسبب حرارته المرتفعة, وأثار ذلك اهتمام shennong حيثُ كان اختصاصيّ أعشاب ما دفعه لتجربة مذاقه الذي أعجبه للغاية.

تذكر أساطير أخرى أنه عند اختبار العديد من الأعشاب لدراسة إمكانية استخدامها في مجال الطب اكتشفshennong أن الشاي قد يُستخدم كترياقٍ للتسمّم

تقول أسطورة أخرى إن إلهَ الزراعة استخدم بعض أجزاء النبات المتعددة- بما في ذلك الجذور والأوراق والسّيقان- لتحديد الاستخدامات الطبية لها , وأنه عند استخدامه لنبات سامّ كان يشرب الشاي لإيقاف مفعول السُّم


في أسطورةٍ أُخرى ترجعُ لعهد أُسرة تانج بُدهيدهارما Tang Bodhidarama مؤسس بوذية تشان chan تقول إنه بعد سنواتٍ من التدريب على مقاومة النوم , قرر مُعاقبة نفسه بقطع جفنيه خوفاً من عدم قدرته على الإستمرار في التأمل , وقبيل سقوطهما على الأرض كوّنتا جذوراً وتحولتا إلى نباتاتِ الشاي .
في كوريا وُجدت وثيقة ترجعُ إلى أحد المراسم الدِّينية عام 660 ميلادي حيثُ قُدِّم الشاي إلى روح الملك سورو الأسطورية.
لا يمكن معرفة أي من الأساطير السابقة هي الصحيحة ؛ لكن كثيراً السّجلات القديمة التي ذكرت الشاي تنسب اكتشافاته وأصوله إلى خلفيّاتٍ دينية أو ملكّيةٍ , وقد ساعدت هذه الأساطير في جعل الشاي مشروباً ثابتاً العشبيّة, وكدليلٍ على ثروةِ الشخص؛ حيثُ كانت الطّبقات العُليا هي الأكثر استخداماً له في الماضي.






في أسطورة أخرى ترجع لعهد أُسرة تانج بُدهيدهارما tang bodhidharma مؤسس bodhidharma lcss أسرة تانج بدهيدهارما مُؤسّس بوذية تشان chan إنه بعد سنواتٍ من التّدريب على مُقاومة النوم , قرر مُعاقبة نفسه بقطع جفنة خوفا من عدم قدرته على الاستمرار في التأمل , وقبيل سقوطهما على الأرض كوّنتا جذوراً وتحولتا إلى نباتات الشّاي .
في كوريا وُجدت وثيقة ترجعُ إلى أحد المراسم الدينية عام 600 ميلادي , حيث قدم الشّاي إلى روح الملك سورو الأسطورية .
لا يمكن معرفة أي من الأساطير السابقة هي الصّحيحة , لكن كثيرا من السجّلات القديمة التي ذكرت الشّاي تنسب اكتشافاته وأصوله إلى خلفيّاتٍ دينية أو ملكيَةٍ , وقد ساعدت هذه الأساطير في جعل الشّاي مشروباَ ثابتاً في العديد من دُول آسيا . كما أدّت-أيضاَ- إلى استخدامِه كنوع من الأدوية العشبية , وكدليلِ على ثروةِ الشَخص , حيث كانت الطبقات العُليا هي الأكثر استخداماً لهُ في الماضي .










الفهرس
الموضوع رقم الصفحة
الإهداء .....................................................5
شكر وثناء .................................................6
الصديق.....................................................7
المقدمة .....................................................9
الوقوع على النص وما بعده ..............................13
سر الكتابة ..................................................16
قرف الكتابة ................................................20
أنهم يصنعون يومي ......................................24
قلب أخضر ! ..............................................28
ليست دعوة للغباء..........................................31
كي يروق مزاجك.........................................35
مزاجك أثمن ماتملك .......................................39
لنحترم الصباحات !.......................................43
إنما نحن صنيعة قراراتنا..................................47
ملاحقة نور النهار .......................................51




الموضوع رقم الصفحة
الناس والسوائل ................................................55
مدينة سمك القرش ..............................................59
من يجمع ريش الإشاعات !.....................................63
ضغاط.............................................................67
أن لنفسك عليك حقاً...............................................71
فتش عن الطفل في داخلك .......................................76
تدين ملوث.........................................................80
لماذا؟.قبل,كيف؟....................................................84
خميرة الإبداع .......................................................88
من أنت ؟ ...........................................................92
تصدقوا!............................................................96
السعادة مابين القلب والجيب ......................................100
دقيقة غضب .....................................................104
كي تصبح إنساناً أقوى ...................................................................108
ألف كلمة!...................................................................111
عجلة والنبي.............................................................115



الموضوع رقم الصفحة
الحب وحده لا يكفي ......................................................119
لأنكم سبائك الذهب ....................................................124
فعل الحب .................................................................127
وللنجاحات مذاقات مختلفة ..........................................131
حياتك دوائر .........................................................135
هل أنت من الأغنياء؟................................................139
الصداقة وجنكيز خان ...............................................142
كن ذكياً لتنجح ......................................................146
لوكنت بائعا ماذا ستبيع ؟............................................151
غريندايزر...........................................................154
أحبه أكثر من نفسي .................................................158
الذئبان المتصارعان في صدري ....................................162
نظرية النسبية ببساطة !..........................................166
الاندفاع نحو النجاح ................................................170
ألف صفحة لأجل صديق ..........................................174
تاريخ الشّاي ........................................................178




الموضوع رقم الصفحة
زراعة الشاي ...........................................................180
الاقتصاد وتجارة الشّاي ................................................182
أنواع الشّاي المختلفة وكيفية تحضيرها .............................184
فوائد الشّاي للصحة........................................... ......187
الشّاي في علم الأساطير ...........................................189

































صفحة واحدة من كتاب , بل فقرة واحدة , بل ربما سطر واحد أو أقل من ذلك ,من الممكن أن تصبح عنصر التغيير الأكبر في حياة إنسان ما .



بصحبة كوب من الشاي أنا رجل كثير السفر, تناولت
الشاي في الشرق الغرب , وفي
وفي الشمال والجنوب بنكهات
مختلفة .
تناولته مفرداً , وبالحليب وبالنعناع
وبالليمون ..
بسكر كثير تارة وبقلبل من السكر
تارة أخرى ..
واليوم وبعد سنوات عديدة لذيذة
من تناول الشاي أستطيع أن أقول
بكل اطمئنان أني خلصت إلى
نتيجة واحدة وهي :
أنه ليس هناك أجمل من كوب
شاي تتناوله بصحبة من تحب !










1 أخرجه البخاري في كتاب الأحاديث الأنبياء ، باب : قوله تعالى [ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ] (رقم 3383) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة ، باب : خيار الناس (رقم 2526).
2أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ( 1/289 رقم 743 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 4/535 رقم 1908 ).
3أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان . باب: ما جاء في حرمة الصلاة ( رقم 2616 ) وابن ماجه في كتاب الفتن ، باب: كف اللسان في الفتنة ( رقم 3973 ) وصححه الألباني في صحيح الجامع ( رقم 1643 ).
4 أخرجه الترمذي في كتاب الزهد ( رقم 2346) وابن ماجه في كتاب الزهد , باب : القناعة (4141) وصححه الألباني في صحيح الجامع ( رقم 833).
5 1 أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: الحذر من الغضب (رقم ????).
? أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: الحذر من الغضب (رقم ????) ومسلم في كتاب البر، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب (رقم ????).
? أخرجه النسائي في كتاب السهو (رقم ????).
? أخرجه أبو داود الأدب، باب: ما يقال عند الغضب (رقم ????).
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

1