Advertisement

إليك أختاه قلائدُ من نور




إليك أختــاه..
قـــــــلائــــــــــدٌ مِـــــــــن نـــــــــــــــــــــور

نور محمد مؤيد الجندلي

دار الإرشاد للنشر



الإهداء

إلى المرأة المسلمة ، وهي شامةٌ بين نساء الأرض إيماناً وعفّة ، حياء وطهراً .
إليها وهي تتوقُ إلى ثياب السّندس والحرير ، وأساور الذهب والفضّة ، وقلائد اللؤلؤ والمرجان ، تتزيّنُ بها في الجنّة ، فتنافس الحور العين بهاءً وحسناً ..
إليها وقد تاقت النفوسُ لأن ترى فيها الأمل والحياء ، وكلّ الخير والعطاء ..أهدي قلائداً من نورٍ لعلّ الله ينفع بها .

نور الجندلي





المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمد الهادي الأمين، الذي شرّفنا الله تعالى بأن نكون من أمّته، خير أمّة أخرجت للناس.. فقد قال تعالى: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} 11. سورة آل عمران
نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له..
أمّا بعد..

فقد جُبلت النّساء على حبّ الزّينة والتزيّن ، وتاقت نفوسهنّ إلى أنواع من الحليّ والمجوهرات ، فتحلّين بالأقراط والأساور والقلائد ، وتباهين بالذهب والفضّة والماس ، تلك حُليٌّ أحلت لهنّ في الدنيا ، هي حليٌّ دنيوية ، وهناك حُليّ من نوعٍ آخر ، حليٌّ تقودُ إلى الجنّة ، انتقيتُ منها بعض قلائد ، صغتها في مقالات متنوّعة ، لعلها تتركُ في قلبِ كلّ مسلمة أثراً جميلاً ، وبصمةً من نورٍ لا تمحى ، فزينة المسلمة كانت وستبقى زينة الإيمـان .

انتقيت خطوطاً أساسيّة في حياة المرأة المسلمة ، وسلّطتُ عليها الضوء بشيء من التفصيل، وبيّنت لها مهمّة المسلمة في هذا العصر ، وماذا ينبغي لها أن تفعل إن أظلم المجتمع بشرٍّ أو فساد..
فلهذه الخطوط أعظم الأثر في القلب ، إن هي تمسّكت بها ، وسارت على دربها ، فالقرآن والسنّة أساسها ، وسير الصحابة والتابعين زادها .
إنها مجموعة مقالات من حقل النّصح ، جمعتها آملة من الله تعالى أن ينفع بها .
فالله تعالى أسأل أن أكون قد وفّقت في ذلك، فإنه جهد المقلّ وعلى الله التوكّلُ والاعتماد.


نور الجندلي



القلادة الأولى:
أغلى الجواهر.. كتاب الله

آياتُ نورٍ وخيرٍ وإيمان ، ومعجزة الإسلام الخالدة على الدوام ، هو حلية قلب المؤمن إن تحلّى به ، والنورُ السائرُ في دربه ، والمرافقُ له في حياته ، وبعد موته ، في قبره ، والقائدُ له إلى أعلى الجنان .
إنه القرآن الكريم ، منهاج حياة، ونظام حكم، ومصدر استلهام ، وهو منبع العلوم وأصلها .
أمرنا الله تعالى بتلاوته وتدبر معانيه ، وتطبيقه والعمل به ، ذلك أن في اتباعه سعادة البشريّة ، وانتصار الحق ، وإعلاء لكلمته ، ونصرة للخير ، ونشر لدين الله تعالى .

قال الله تعالى : " إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا " الاسراء آية 9
وهو الذي : " لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ"-. فصلت آية 42

في لفظه البلاغة والبيان ، وفي معانيه قيمٌ ومبادئ وأخلاق ، سار عليها نبيّ الأمة صلى الله عليه وسلم ، وسيسير عليها المسلمون إلى يوم الدين .

إن بحثتِ في معالي الأخلاق ، فلن تجدي أروع من كتاب الله تستخلصين من آياته دعوة للصدق والبرّ والتقوى والإخلاص وإعمار الأرض بالخير والطاعات .
وقد كان نبيّنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم خير من تخلّق بأخلاق القرآن .
سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق ـ رضي الله عنها وعن أبيها ـ عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ( كان خلقه القرآن ) .

وإن أردتِ أن يخاطبكِ الله تعالى فافتحي كتاب الله وتأمّلي آياته ، ترغيبٌ وترهيب ، وعدٌ ووعيد ، إصلاحٌ للنفس وتنقية للقلب .
أنصتي إلى آيات تنادي : ( يا أيها الذين ءامنوا ... ) تأملي معانيها ، إنها موجّهة لكِ ولكلّ مؤمن بالله ، وحاولي أن تفهميها وأن تتدبّري مضمونها ، واعقدي العزم على التطبيق .
وإذا مرّت بكِ آيات ترهيب فاستحضري القلب ، وليمتلئ خشية ورهبة ، ولتسألي الله الجنة ، ولتستعيذي به من النار .
وهكذا عوّدي النفس على التلاوة الصحيحة أولاً ، فهي مفتاح الفهم للآيات ، ومن ثمّ تخشّعي في التلاوة ، واقرئي بتدبّر ، ولا تمرّي على الآيات مرور الغافلين ، فبعض الصحابة كانوا يقضون الليلة يتفكّرون في آية ، وبعضهم كانوا يتهجدون بآية يرددونها ويبكون من خشية الله ، لأنهم كانوا يشعرون بأنها تخاطبهم حقاً ، فيحضر القلب ، وتتنزل السكينة ، ويكون الخشوع والإيمان دافعين لحسن الخلق وحسن العبادة وحسن العمل .

أختي الكريمة :
فضائلُ القرآن عظيمة لمن يستشعرها ، وكنوزه كثيرة لمن يبحث عنها ، وإنّ بعضاً من فضائله :


أولاً / رفع الدرجات في الجنة:
عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (يقال لصاحب القرآن قرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)"رواه أحمد وأبو داود والترمذي "
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران)"متفق عليه"

ثانياً/ الفوز بالشفاعة:
فعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال:سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :(اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)"رواه مسلم"

ثالثاً/ القرب من الله :
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:( إن لله أهلين من الناس). فقيل: من أهل الله منهم؟ قال: (أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) رواه الإمام أحمد وابن ماجه "

رابعاً/ الفوز برضى الله تبارك وتعالى :
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- :(يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: ياربِّ حلّه، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: ياربِّ زده. فيلبس حُلة الكرامة. ثم يقول: ياربِّ ارض عنه. فيرضى عنه. فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكلِّ آية حسنة) رواه الترمذي والحاكم

تلك هي فضائله فكيف نزهد به ؟ وكيف لا تتوق أرواحنا إليه لنرتشف من عذب معينه فيرتوي القلب .

يقولُ الشاعر :
وإنَّ كتابَ الله ِأوثقُ شافع ٍ **** وأغنى غَنَاء ٍ واهبًا متفضلا
وخيرُ جـليسٍ لا يُمَلُ حديثه*** وتردادُه يـزدادُ فيه تجملا

وللصحابة أحوالٌ مع كتاب الله بها نقتدي ، وعلى سناها نسيرُ ونهتدي ، وعن تعلّقهم بالقرآن وعلمهم به يقول ابن مسعود:" ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، وفيمن نزلت، ومتى نزلت، وهل نزلت بليل أو نهار أو بسفر أو حضر، ولو كنت أعلمُ أحداً أعلمُ مني بكتاب الله تضرب إليه أكباد الإبل لرحلت إليه". فهاهي الصلة وطيدة منهم بكل شيء متعلق به.
أما العلم والعمل فها هو عبد الرحمن السلمي يخبرنا فيقول:"كان الذين يُقْرِؤونَنَا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات حتى نعرف ما فيها من العلم والعمل فتعلمنا العلم والعمل معاً ".
تلك أحوالُ الصحابة ، فماذا عن أحوالنا الآن يا ابنة الإسلام ؟ لماذا الزيغُ يسري في جسد الأمة ؟ ولم نشتكي قسوة القلب ، وجفوة البعد عن الله ؟ أوليس من أهم أسباب انحراف السّلوكِ عدم التأثّر بالقرآن ؟!
نقرأ فلا نتدبّر ، وإن تدبّرنا لا نعمل ، ونسابقُ في الحفظ ولكن لا نطبّق ، ولأجل هذا انتكست الأمّة ، وغرقت في الحضيض .
ولعلّ شهادة ابن عمر رضي الله عنهما تشعرنا برهبة تدفعنا لأن نعمل بالقرآن ، ولأن نقتدي به أحسن اقتداء ..

فعن عبد الله بن عمـر – رضي الله عنهما - : " كنّا صدرَ هذه الأمّـة ، وكان الرجـل من خيـار أصـحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مامعـه إلا السّـورة من القرآن أو شبـه ذلك ؛ وكان القرآن ثقيـلاً عليهم ، ورُزقوا العمـل بـه . وإنّ آخـر هذه الأمّـة يُخفّف عليهم القرآن حتّى يقـرأ الصّبـيّ والأعجمـيّ ، فلايعملون بـه " .

فلنسأل الله تعالى أن يبصّرنا بكتاب الله ، فإن عطاء القرآن عظيم لمن يحصل عليه ، وهو في الدنيا نورٌ ، وهو في الآخرة حياةٌ ونعيم .
أختي في الله ..
إنّ المرأة المسلمة إذا تقلّدت بقلادة القرآن الكريم سَمَت وأفلحت وارتقت إلى مدارج الفلاح ، ونافست الحور العين بما عملت وتعلمت ، فمن منّا تقول أنــــا لها ؟!

القلادة الثانية:

على خُطى الحبيب

الحديث عن العظماء يأخذ بمجامع القلوب و تشرأب إليهم الأعناق و تزدان بسيرهم المجالس و تعطر بأخبارهم الأندية و يتوق إلى معرفة سيرهم أصحاب الهمم و عشاق المعالي فكيف إذا كان الحديث عن إمام العظماء و أشرف الشرفاء و سيد النبلاء محمد صلى الله عليه وسلم .
حديثنا سيكونُ حديث المحبّة والاتباع والاقتداء ، حديثُ علاقة بدأت مع إشراقة شمس الإسلام واستمرت وستبقى إلى قيام السّاعة .وكم تفرّعت شجرة الحب في القلوب فتاهت عن الجذور والأصل ، وابتعدنا عن الحب الأسمى ، حب الله ورسوله .
ذلك الحبّ الذي إذا سكن القلب شفّ وأضاء وسمى ..لأنه الحب المبنيُّ على أساس الإيمان ، وفيه يجد المرء حلاوة ولذّة . وفي الحديث الشريف : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان .. بعض الناس يسأل فيقول : إنني لا أشعر بلذة في الدين ، ولا أشعر بلذة الطاعات ، ولا أشعر بلذة الإيمان .. فتأتيه الإجابة :
ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان .. أول الثلاث : أن يكون الله ورسوله أحب إليه من مما سواهما ..
وكيف لا يملأ حبه شغاف القلب وقد جاء الرسول الكريم ليعيد كرامة الإنسان عموماً ويولي للنساء نصيباً كبيراً من رعاية واهتمام وتكريم .
وقد سئل صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك ؟ قال : " عائشة "
وكان يؤتى صلى الله عليه وسلم بالهدية ، فيقول : " اذهبوا بها على فلانة ، فإنها كانت صديقة لخديجة "
وهو القائل : (( استوصـــوابالنســـــاء خيــراً ))
وهو القائل : (( لا يفرك مؤمن مؤمنه إن كره منها خلقا رضى منها آخـر ))
وهو القائل : (( إنما النـســاء شقـائق الرجــــال ))
وهو القائل : (( خيركم خيركم لأهـــله وأنا خيركم لأهــــــــــلي ))
وهو القائل : (( ولهن عليكم رزقهن وكسوتهـــــن بالمعـــروف ))
وهو القائل : (( أعظمها أجرا الدينـار الذي تنفقــــــه على أهــــلك ))
وهو القائل : (( من سعــادة بن آدم المرأة الصالحـــة ))
ومن هديه : ((عن عائشة قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ))
وهو القائل : (( وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك ))
ومن مشكاته : (( أن امرأة قالت يا رسول الله صل علي وعلى زوجي فقال صلى الله عليه وسلم صلى الله عليك وعلى زوجك ))1

وإن هذا الحبّ له أسس وواجبات علينا أن نؤديها ، فالحبّ عملٌ وإخلاص وحسن اتباع ، ومن أسس محبته صلى الله عليه وسلم :

1. تقديم محبته على كل شئ ، وذلك بطاعته (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول )
وفي الحديث: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.).أخرجه البخاري.
2. الإكثار من الصلاة عليه في كل وقت وخاصة يوم الجمعة .
3. الصلاة عليه تتأكد عندما يذكر .وقد ورد في الحديث( البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ) صحيح الجامع
4. تقديم كلامه وسننه على آراء الرجال .
5. التثبت من صحة الأحاديث التي تُنسب إليه .وفي الحديث:( من يقل علي مالم أقل فليتبوأ مقعده من النار) .أخرجه البخاري
6. العمل بسنته على قدر الاستطاعة (فاتقوا الله ما استطعتم ) وذلك بتطبيق ما ورد عنه في أبواب العبادات ، والأخلاق , وغيرها.
7. نشر سنته بين الناس بالأسلوب الحسن , و في الحديث ( بلغوا عني ولو آية ) أخرجه البخاري .
8. الدفاع عن سنته عندما يقدح فيها أحد ، ومن الغريب أن بعض الناس لو طعن في نسبه أو قبيلته لغضب غضبا شديداً ولكن عندما يتكلم أحد في الرسول صلى الله عليه وسلم أو سنته التي هي وحي من الله تعالى لا يرد بشيء ، ولاشك أن هذا من علامات ضعف المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم.
9. تصديقه في الأخبار التي جاء بها من الغيبيات وغيرها .
10. البعد عن ما نهى عنه وزجَر لأن ذلك طريقنا للجنة ، قال ( كلكم يدخل الجنة إلامن أبى ، قالوا : ومن يأبى يارسول الله ، قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى )رواه البخاري.
11. عدم الغلو فيه وإعطاءه صفات الألوهية من دعاء ، وحلف ، وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله، قال تعالى مبينا بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) .
12. أن نعود إلى سنته عند الاختلاف ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول .. ) أي إلى الكتاب والسنة ولكنك عندما تتأمل حال بعض الناس في هذا الأصل الكبير فإنك ترى العجب العجاب ، فمنهم من يذهب عند النزاع إلى الأعراف والتقاليد ، وآخر يذهب إلى ما تمليه عليه نفسه الأمّاره بالسوء ، وآخر يذهب إلى آراء البشر وأذواقهم ، والواجب هو العودة إلى الكتاب والسنة.
13. الاستجابة الكاملة لأمره ونهيه وعدم التردد ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ولو تأملت حال الصحابة الكرام في مدى استجابتهم للرسول صلى الله عليه وسلم لرأيت حقيقة الإيمان وصدق الحب للرسول صلى الله عليه وسلم ،
14. الإيمان بأنه أفضل خلق الله ، وأنه خاتم الرسل فلا رسول بعده .
15. دراسة سيرته وأخذ العبر والمواعظ منها.

أختي في الله ..

ألا تتمنين لقاء النبي عليه الصلاة والسلام في الجنّة ..؟! الشرط إتباع هديه عليه الصلاة والسلام . الإخلاص لله وإتباع هديه .. قال :" كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى! " قيل : ومن يأبى يا رسول الله ؟! قال :" من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى "..

فلتكن أيامكِ طاعة وحباً ، ولتنصري رسولكِ بمحبتكِ وامتثالك واتباعك لسنته ، وتربية أجيال رائدة مؤمنة ترفع راية الإسلام خفاقة ، فاجعلي أخيتي الطريق إلى الله نوراً وهدى وابقي سائرة على خطى الحبيب .











القلادة الثالثة:

ذكرُ اللـــــــه

اللســــــان آفةٌ ونعمة ، خطرٌ وأمان ، كم رفع أقواماً وأهلك آخرين ، وكم أسعد أناساً وأشقى غيرهم ، فهو سلاحٌ ذو حدّين قد نستخدمه لتعزيز مواطن القوّة والإيمان في النّفس ، فنرتقي بها . وقد نستخدمه في آفاتٍ كثيرة كالغيبة والنميمة والكذب وسوء الخطاب فتهبط إلى أسفلِ سافلين .
وإن المؤمنة الواعية الحصيفة هي التي تعوّد لسانها على دوام الذّكر ، فتحميه من الوقوع في المهالك .
فذكر الله شفاءٌ للقلب ، وجنّة دنيا ، إذا أدمنه اللسان واستشعره القلب ، كانت لذّة القرب من الله تعالى .

وقد اقترن الذكر بالكثرة في كتاب الله فقال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً الأحزاب:35، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) الأحزاب:42،41

فالذكرُ نوعٌ من العبادة يؤدّى بأيسر الطرق ، وفي كلّ حالة ، من قيام أو قعود أو تقلّب في فراشٍ أو على طريق . لكنّ فيه من الثواب الخير الكثير .
قال تعالى: ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) العنكبوت:45
وقال تعالى: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ( البقرة:152

وهو من أحبّ الأعمال إلى الله تعالى ، رغّب به القرآن ، وكذلك السّنة المطهرة ..
فهاهي الأحاديث تحدثنا عن فضل الذكر وأهميته :
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { سبق المفردون } قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: { الذاكرون الله كثيراً والذاكرات}رواه مسلم.
وعنه أن رسول الله قال: { يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم } متفق عليه .
وعن أبي موسى الأشعري عن النبي قال: { مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحيّ والميت} رواه البخاري.
وعن عبدالله بن بُسْر أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبّث به، قال: { لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله }رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله : { ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من انفاق الذهب والفضة. وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ } قالوا: بلى، قال: {ذكر الله تعالى } رواه الترمذي، قال الحاكم أبو عبدالله: إسناده صحيح].
وعن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: { أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله}رواه ابن حبان في صحيحه، وهو حديث حسن بشواهده.


وللذكر صيغ كثيرة يحصل بها الأجر العظيم ، وينالُ بها الثواب بإذن الله
فلنتعلمها ولنعلّمها ، كي يتضاعف الأجر بدلالة على خير .

عن أبي سعيد الخدري عن النبي أنه قال: { قال موسى: يا رب علمني شيئاً أذكرك به، وأدعوك به، قال: يا موسى قل لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقول هذا، قال: قل لا إله إلا الله، قال: إنما أريد شيئاً تخصني به، قال: يا موسى! لو أن أهل السماوات والأراضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهنّ لا إله إلا الله} [رواه النسائي في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه واللفظ له.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: { من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمشي، ولم يأت بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه} [رواه مسلم .
وعن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ، قال: { من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل } [متفق عليه].

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { من قال سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حُطّت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر } متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم } متفق عليه
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله : { لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان وأنّ غراسها، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر } رواه الترمذي وقال: حديث حسن].
وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله : { إنّ ما تذكرون من جلال الله: التسبيح، والتهليل، والتحميد، ينعطفن حول العرش، لهنّ دويّ كدويّ النحل، تذكّر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون أو لا يزال له من يذكّر به } [رواه ابن ماجه، والحاكم في المستدرك وصححه.
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله : { ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله؟ إن أحبّ الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده } [رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : { إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبّر الله، وحمد الله، وهلّل الله، وسبّح الله، واستغفر الله، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكةً أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد الستين والثلاثمائة السّلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار } رواه مسلم.
وعن أنس بن مالك قال رسول الله : { إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله تنفض الخطايا، كما تنفُضُ الشجرة ورقها } رواه الإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد
* عن أبي موسى قال: قال لي رسول الله : { ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ } فقلت: بلى يا رسول الله، قال: { لا حول ولا قوة إلا بالله } متفق عليه.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { من جلس في مجلس، فكثر في لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك } رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وابن حبان، والحاكم.




ومن عجائب الذكر والذاكرين قصص تخبرنا عن حضور قلوبهم ، واستشعار عظمة من يذكرون .
فقد أتى رجل أبا مسلم الخولاني فقال له : أوصني يا أبا مسلم ؟ قال اذكــر الله تعالى تحت كل شجــرة ومدرة ، فقال : زدني ، فقال : اذكر الله حتى يحسبك الناس من ذكر الله تعالى مجنونا ، قال : وكان أبو مسلم يذكر الله تعالى ، فرآه رجل وهو يذكر الله تعالى ، فقال : أمجنون صاحبكم هذا ؟ فسمعه أبو مسلم فقال : ليس هذا بالمجنون يا ابن أخي ، ولكن هذا دواء المجنون .

حدث أحدهم فقال : مررت بجماعة يترامون بالنبل ورجل جالس بعيدًا عنهم فأردت أن أكلمه فقال : ذكرُ الله أشهى ، فقلت : أنت وحدك ؟ فقال : معي ربي وملكاي ، فقلت : من سبق من هؤلاء ؟ فقال : من غفر الله له ، فقلت : أين الطريق ؟ فأشار إلى السماء ومشى ، وقال : يا رب أكثر خلقك شاغل عنك .

ماتت ابنة أحد الصالحين فرآها في المنام فسألها عن حالها فقالت له : يا أبتِ ، نحن هنا نعلم ولا نعمل وأنتم تعملون ولا تعلمون ، والله الذي لا إله غيره إن قول سبحان الله رأيناه هنا خيرًا من الدنيا وما فيها ..


كان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون ونامت الجفون نزل إلى البحر وقام في الماء يذكــر الله مع دواب البحــر .

نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنت كلما استيقظتُ من الليل وجدته يذكر الله فأغتمّ ، ثم أعزي نفسي بهذه الآية ) : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )

كان خالد بن معدان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن ، فلما مات وضع على سريره ليغسل ، فجعل يشير بإصبعه يحركها بالتسبيح .

جعلنا الله من الذاكرات الله كثيراً وأعمر قلوبنا وألسنتنا بما فيه الخير والصلاح .

القلادة الرابعة:


حفظ اللسـان

تحدّثنا عن الذكر وما فيه من فوائد عظيمة تعود على المسلمة بالخير الوفير .
وهنا ستكون لنا وقفة مع حفظ اللسان ، وتطويعه لما فيه رضا الله تعالى .
فإن لكلّ إنسان رقيب عليه من الملائكة يحصون كلماته وخطرات نفسه ، ويدوّنونها في صحيفته إن كانت خيراً فخير ، وإن كانت شرّاً فشر .
قال اللّه تعالى: {وما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18.
وإن من آفات اللسان ما يقع به عادة من غيبة تؤدي إلى إشعال ضغائن القلوب وتنافر الأرواح ، ولذلك كان النهي واضحاً وصريحاً عن الغيبة : قال اللّه تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [الحجرات:12]
وقال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة:1] وقال تعالى: {هَمَّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم:11] (همَّاز: غيّاب، أو مغتاب للناس(.
كما أنه تعالى نفّر من قول كلّ سوء حيث قال : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ) النساء 148

وفي السيرة النبوية أحاديث كثيرة تبيّن خطر اللسان وتحذّر منه .
فعن عبد الله أنه ارتقى الصفا فأخذ بلسانه فقال يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أكثر خطايا بن آدم في لسانه.... " أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب بسند حسن.
وقد عرّفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنسان المفلس حين قال : " أتدرون من المفلس " ؟ قال الصحابة : المفلس من لا درهم له ولا متاع .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات وزكاة وصيام وحج ، ويأتي وقد شتم هذا وسفك دم هذا وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه وإلا أُخذ من سيئاتهم وطُرحت عليه فألُقي في النار . رواه مسلم.

وعن أبي موسى الأشعري قال: قلتُ يا رسولُ اللّه، أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ".

كم نتكلم في حياتنا من كلماتٍ نظنها قد عبرت ، وانتهى بها المقام إلى طيّ النسيان ، ولا ندري أنها قد توقع بنا إلى نار جهنم والعياذ بالله .
ورد في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أنه سمع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيها يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ" وفي رواية البخاري: "أبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ" من غير ذكر المغرب، ومعنى يتبين: يتفكر في أنها خير أم لا.

وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: "إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما يُلْقِي لَهَا بالاً يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بها دَرَجاتٍ، وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالاً يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ" قلت: كذا في أصول البخاري "يَرْفَعُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ": أي درجاته، أو يكون تقديره: يرفعه.

ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه سفيان بن عبد اللّه رضي اللّه عنه أنه قال: قلت: يا رسول اللّه! حدّثني بأمر أعتصم به، قال: "قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ" قلت: يا رسول اللّه! ما أخوف ما يخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هَذَا". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وفى الترمذى عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال:
قلتُ يا رسولَ اللّه، ما النجاة؟ قال: "أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ" قال الترمذي: حديث حسن.
وفيه أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه،
عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: "إذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَم فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتقِ اللَّهَ فِينا فإنما نَحْنُ مِنْكَ، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وَإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا".

فكم فرّطنا في حقّ أنفسنا ، وكم حملناها أثقالاً بما قالته ألسنتنا ولم تعي خطره عقولنا !
ولعلّ حديث المعذبيْن في القبر يكون لنا تذكرة ورادعاً ..
فقد مرّ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقبرين فقال: "إنَّهُما يُعَذَّبانِ ومَا يُعَذَّبانِ في كَبير" قال: وفي رواية البخاري: "بلى إنَّه كَبيرٌ، أمَّا أحَدُهُما فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأما الآخَرُ فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ".
قلتُ: قال العلماء: معنى وما يُعذّبان في كبير: أي في كبير في زعمهما أو كبير تركه عليهما.

و في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي،
عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "أتَدْرُونَ ما الغِيْبَةُ؟" قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قال: "ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ" قيل: أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: "إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.


ولنتذكر أختي المسلمة حديثاً روته عائشة رضي الله عنها نتعلم من خلاله دروساً عظيمة في حفظ اللسان .
ففي سنن أبي داود والترمذي، عن عائشة رضي اللّه عنها قالتْ:
قلتُ للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم: حسبُك من صفيّة كذا وكذا ـ قال بعضُ الرواة: تعني قصيرة ـ فقال: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ" قالت: وحكيتُ له إنساناً فقال: "ما أُحِبُّ أني حَكَيْتُ إنساناً وأنَّ لي كَذَا وكَذَا" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلتُ: مزجته: أي خالطته مخالطة يتغيرُ بها طعمُه أو ريحُه لشدّة نتنها وقبحها.

فلنكن حرّاساً على الكلمة والخطرة ، وليكن ما نقوله باباً لنا إلى الجنة ، فاللسان عضلة ستعتاد الخير إن نحن عوّدناها عليه .

إضاءة :
عن محمد بن سوقة قال : " أحدثكم بحديث لعله أن ينفعكم ؛ فإنه قد نفعني ، قال لنا عطاء بن أبي رباح : يا بني أخي ، إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ، وكانوا يعدون فضوله ما عدا كتاب الله عز وجل أن تقرأه ، وتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر ، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها . أتنكرون أن عليكم حافظين كراما كاتبين ؟ ، عن اليمين وعن الشمال قعيد ؟ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ؟ أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته يوم القيامة ، ليس فيها من أمر دينه ولا دنياه شيء ؟ " .












القلادة الخامسة

قلادة العِلم

" الناس محتاجون إلى العلم قبل الخبز والماء لأن العلم يحتاج إليه الإنسان في كل ساعة والخبز والماء في اليوم مرة أو مرتين "
يقيّم الناس بعضهم البعض بمقاييس كثيرة ، فالبعض يقيّم بالمال أو النسب أو الجمال ، وقيمة أناس عند أناس أخلاقهم ، وقيمة نساء الإسلام في عقولهنّ ، ولن ينلن شرف هذه القيمة إلا بالتّعلم ، والجدّ والإخلاصُ في ذلك .
يقول سبحانه و تعالى:" يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ".المجادلة:11
ويقول تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " [فاطر:28] فهم أهل خشية الله.
فإليكِ يا من تاقت نفسكِ إلى رفيع الدّرجات ، واشتاقت روحكِ إلى معرفة الله دعوة لتتقلّدي حلية العلم ، فتترفعي عن كلّ خرافة وجهالة وتيه ، فاجعليها نصب عينيكِ فبها الخير كلّ الخير بإذن الله .



صح عند أحمد وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما مثل العلماء كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة . (
إنها دعوة في زمن كثرت به الانحرافات ، وضلّ أناس الطريق إلى الله ، فكما نرى في أمتنا الإسلاميّة ما لا يخفى على ذي لبّ من حاجتها الشديدة للعلم، وافتقارها إليه..
كثُر المتعلّمون، لكن قلَّ المخلصون!
فهيّا معي في جولة عبر التاريخ نقطف من أقوال أعلامه درراً نزيّن بها قلائدنا ..
يقول الإمام علي (عليه السلام): (العالِم مصباح الله في الأرض، فمن أراد الله به خيراً اقتبس عنه).
ولقد فضله الإمام علي (عليه السلام) على المؤمن العابد المجاهد فقال: (العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا غيره). إحياء علوم الدين

يقول الإمام أبو بكر الآجري رحمه الله: "فما ظنكم بطريقٍ فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت فئامٌ من الناس لا بُدَّ لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ أطفئت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ فهكذا العلماء في الناس".
ولقد أخبر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد:41] قال: بموت علمائها وفقهائها .
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله.
وقال الحسن رحمه الله: "موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار".
وقيل لـسعيد بن جبير رحمه الله: "ما علامة الساعة وهلاك الناس؟ قال: إذا ذهب علماؤهم".
ولما مات زيد بن ثابت رضي الله عنه قال ابن عباس رضي الله عنهما: من سرَّه أن ينظر كيف ذهاب العلم فهكذا ذهابه ، وقال رضي الله عنه: لا يزال عالم يموت وأثر للحق يدرس حتى يكثر أهل الجهل، ويذهب أهل العلم، فيعمل الناس بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل.

ولعلّ هذه الأقوال تكون قد وضّحت المقصد ، وبيّنت الحاجة الماسّة للعلم ، فها هو الجهل يغزو العقول، وهاهي مظاهر الشرك تنتشر، والبِدَعُ تزداد، إضافة لتقصير المسلمين في أمور جوهرية من أمور دينهم.
فتستدعي الحاجة أن نتّجه للعلم الشرعيّ من منابعه، كي ندرأ عن أمّتنا سموم الجهل والضّياع، ونحن بهذا نحميها من شرور تُكَادُ لها، أقصى أمنياتها أن يبتعد المسلم عن دينه..
وها هي المصاحف تُحَرَّّف بمعانيها، والأحاديث المكذوبة تنتشر، والفتاوى الباطلة تُرَوَّجُ بين الناس وهم في غفلة! وما أكثرها في الفضائيات!
في حين أنهم لو كانوا على قَدْرٍ من العلمِ والفهمِ لما تجرّأ أحد أن يَمَسَّ بيده الخبيثة حرفاً من كتاب الله فيبدّل معناه، ولا حديثاً فيضيّعه أو يغيّره..
إضافة إلى أننا نحتاج للعلم الصحيح منبعاً عذباً في دعوة غير المسلمين، به نتحصّن مع العلوم الأخرى بشتّى صنوفِها وجميع مجالاتها فتستغني الأمّة عن غيرها، وتصبح قائدة ركب الحضارة بينما هي الآن وللأسف في آخره.






أختي الحبيبة.. أقْدِمِي ولا تترددي..
هي خطوة واحدة إيجابيّة نحو الطريق الصحيح، فاعزمي على خطوها، ولا تنتظري غيركِ، كوني كما الغيث أينما حلّ نفع.. فليس أجمل في الحياة من امرأة زيّنها العلم، وكمّلها العمل بما علمت.
هيا افتحي لنفسكِ آفاقاً بلا حدود، واهنئي بخلود ذكر في الحياة، ونعيم لا يُرفعُ في جنان وارفات.


القلادة السادسة
كنزكِ.. حجابكِ...

لكلّ شيء رمزٌ يدل عليه ، ولكلّ كتاب عنوان يُقرأ منه .
وحجاب المرأة هو رمزها الذي تعتزّ به ، وهو عنوانها الذي تقرأ منه عفّتها وطهارتها وحياؤها .

فرض الله تعالى الحجاب على المسلمات حماية لهنّ من الوقوعِ في دنس الفتن ، وأهواء الرجال ، ولكي لا تكون سلعة رخيصة تجتاحها الأعينُ بالسوء ..
وقد أمر تعالى في كتابه الكريم بغضّ البصر لأن في إطلاقه مفتاح النظر إلى الحرام
فقال تعالى : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [النور : 31]

ونهى عن تبرج النساء تبرج الجاهلية الأولى فقال تعالى ً: { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } [الأحزاب :33]

وأمر المسلمات بارتداء الحجاب تحصينا لهن وتطهيراً لقلوبهن وقلوب المؤمنين حيث قال : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ } [الأحزاب : 59].

أما السّنة ، فقد كان لها شأن كبير في موضوع الحجاب وضرورته ، نذكر منها ما ورد في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله، احجب نساءك . قالت عائشة : فأنزل الله آية الحجاب . وفيهما أيضاً : قال عمر : يا رسول الله، لو أمرتَ أمهات المؤمنين بالحجاب . فأنزل الله آية الحجاب .

ونذكر أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : "المرأة عورة" [ الترمذي وصححه الألباني ] .

وتفتح أم سلمة رضي الله عنها باب خيرا بسؤالها النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجاب في الحديث :
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "من جرَّ ثوبه خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقالت أم سلمة رضي الله عنها : فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال : "يرخين شبراً" فقالت : إذن تنكشف أقدامهن . قال : "فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه" [ رواه أبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح ] .

أختي الحبيبة .. حتّى متى نُسْرِفُ على أنفسنا ؟ ، استمعي إلى ما قالته أمُّ سلمة رضي الله عنها .. ، قالت (استيقظَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الليل وهو يقول: لا إلهَ إلا اللّه!! ، ماذا أُنْزِلَ الليلةَ منَ الفتن؟ ، ماذا أُنزِلَ من الخزائن ؟ من يوقظُ صواحبَ الحُجُرات؟ [ يقصِد زوجاتِه (صلى الله عليه وسلم)] كم من كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ يومَ القيامة) ، ولاحظي لفظة ( كم من ) في قوله : (كم من كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ يوم القيامة ) فهذه اللَّفْظة تعني الكَثْرة ، يعني : أن النساءَ العارياتِ يوم القيامة كثيراتٌ جدّاً ( نسأل الله السِّتْرَ والسلامة ) ، إذن فالمسألة ليست زِيّاً تلبسينه وانتهى الأمر .. ، لا ، ليس بهذه البساطة !! ، هناك مراقبةٌ لكل فِعْل ، وتسجيلٌ لكل حركة ، ومحاسبة ، وعقاب ، وثواب ، ولذلك .. انظري كيف كان إيمانُ الصحابيات وشدّةُ تأثِّرِهِنَّ بالأحاديث ، يقول الزُّهري : وكانت هند بنتُ الحارث(رضي الله عنها) ، وهي التي روت الحديث عن أم سلمة ، كانت لها أزرارٌ في كُمَّيْها بين أصابعها ، والمعنى ، أنها كانت تخشى أن يبدو من جَسَدِها شيء بِسَببِ سَعةِ كُمَّيْها ، فكانت تُزرِّرُ ذلك لئلا يبدوَ منه شيءٌ ، خوفاً من أن تدخلَ في قولِه (صلى الله عليه وسلم) (كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ يوم القيامة ).
ولا يقتصر الحجاب على كونه قطعة من القماش تستر جسد المرأة
بل إن الإسلام قد حدد له قواعداً وشروطاً ومنها :
ألا تمس المرأة عطراً عند خروجها من المنزل .
والدليل على ذلك : ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية" .
وعن زينب الثقفية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً)) [رواه مسلم والنسائي].

كما أن اللعنة من الله وقعت على المتشبهات من النساء بالرجال ، وعلى المتشبهين من الرجال بالنساء ، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال " .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل "

المرأة المسلمة هي المتواضعة في زيّها ، الأنيقة في مظهرها دون عجرفة أو كبر .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارا .

وإذا تأملنا حال الصحابيات رضي الله عنهن ، وتأملنا حرصهنّ على الستر في كلّ أحوالهنّ لرأينا عجباً ، فعن أم جعفر بنت مقعد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت( يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها)) فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة، فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة: "ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل فإن مت أنا فاغسليني أنت وعلي، ولا يدخل علي أحد" فلما توفيت غسلها علي وأسماء رضي الله عنهما)).


هذا مثالٌ والأمثلة كثيرة لنساء رائعات أثبتن أنهنّ رائدات في كلّ مجال ، قد كملهن التقوى ، وأعزّهن الحجاب .

وإلى كلّ مسلمة أهدي هذه الأبيات :

يا من هديت إلى الإسلام راضيــة *** وما ارتضيت سوى منهاج خير نبي
إن الحجاب الذي نبغيــه مكرمـة *** لكل حواء مـا عابت ولم تعـب
نريد منها احتشـاماً، عـفة، أدبـاً *** وهم يـريدون منـها قـلة الأدب
لا تحسبي أن الاسـترجـال مفخرة *** فهو الهزيمة أو لـون من الهــرب
صوني حياءك،صوني العرض،لا تهني *** وصـابري واصـبري لله واحتسبي



أختي في الله ..
ولك أن تستمعي لما قالته "فابيان" أشهر عارضة أزياء فرنسية سابقاً؛ بعد أن هداها الله للإسلام: لولا فضل الله عليَّ ورحمته بي لضاعت حياتي في عالم ينحدر فيه الإنسان ليصبح مجرد حيوان كل همّه إشباع رغباته و غرائزه بلا قيم و لا مبادئ.
لقد قالت ذلك بعد أن ارتدت من أفخرالثياب ما لا تحلم به أيّة فتاة، وجرّبت من خطوط الموضة ما تتوق له أيّة امرأة، ولكنها أدركت أن كلّ ذلك سراب خادع، وأن نهاية الإنسان -لا محالة- للحساب،جعله الله تعالى لنا ولك يسيراً إن شاء الله.

أختي الحبيبة..
أراك تسابقين إلى الأزياء، وفنون التجميل، وفي المدارس والجامعات تسابقين لتكوني الأسبق نجاحاً وتميّزاً.. فهل فكّرتِ بسباقٍ من نوعٍ آخر؟
سباق أعظم، وجوائزه أكبر..
السباق إلى الله تعالى؟!
هل فكّرتِ بأن تكوني من الأوليّات المسارعات للخير والرّضوان؟ فتستجيبي لنداء الله تعالى في قوله: {سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}2 فتحصدي نتيجة عملك في جنّات النّعيم..
قال تعالى: {والسابقون السابقون،أولئك المقربون،في جنات النعيم،ثُلَّةٌ من الأولين وقليلٌ من الآخرين، على سُرُرٍ مَوضُونَة مُتَّكِئين عليها متقابلين،يطوفُ عليهم ولدانٌ مُخلَّدون، بأكوابٍ وأباريقَ وكأسٍ من معين،لا يُصَدَّعون عنها ولا يُنْزِفون،وفاكهةٍ مِمَّا يتخَيَّرون، ولحمِ طَيرٍ مِمَّا يشتهون، وحُورٌ عِينٌ، كأمْثالِ اللُّلؤِ المكنونِ، جزاءً بما كانوا يعملون} 3
وهل تعلمين أن المرأة المسلمة لا يجوز لها الخروج من المنزل بأيّ حال من الأحوال حتى يستوفي لـبـاسـهـا الشروط المعتبرة في الحجاب الشرعيّ والواجب على كل مسلمة تعلُّمها، فنحن جميعاً نحرص على تعلم أمور الدنيا ولكن لا يصحّ أن ننسى الأمور التي تنجينا من عذاب الله وغضبه بعد الموت، ألم يـقل الله تعالى: {فَاسْأََلُوا أََهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ}4

فإذا كان لا بد من الخروج،فــلا نخرج إلا بالحجاب الشرعي؛ إرضاءً للرحمن، وإذلالاً للشيطان؛ لأن مفسدة الخروج بدون حجاب أكبر من مصلحة الخروج للضرورة.
فلو صَدَقَتِ النيّة وصـحّـتِ العـزيـمة لامتدت ألف يدٍ خيِّرة كي تعين، ولسهل الله تعالى كل الأمور! أليس هو القائل: {وَمَن يـَـتَّـقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}5
وبعض النّساء يتذرّعن بحرارة الجوّ في بلادهنّ..
ولكلّ واحدة منهنّ نقول:
لنتذكر أن نار جهنّم أشدّ حرّاً.. لكلّ من خالفت وعصت أمر ربّها..
ألم تكن الجزيرة العربيّة حارّة الجو لما فُرض الحجاب ولبّت كل نسائها طائعات لله؟
في تلك الأيام كانت الظّروف قاسية.. والحياة بدائيّة..
لا تبريد ولا تكييف! لكنّ كلّ امرأة من الصحابيات الكريمات رضي الله عنهن آثرت رضوان الله على لحظة دنيويّة زائلة..
وبهنّ اقتدت وستقتدي كل نساء الأرض المسلمات إلى يوم الدين..
فلنحكّم العقل ونقتدي..
لن ننتظر الفرصة كي تأتي، نحن من سيجلبها، لن نؤجل أو نسوّف..
ولن نكون كتلك التي قررت أن ترتدي الحجاب عندما تتزوّج، فمرّ قطار العمر عليها سريعاً، ومضت عليها الأيام عاصية لله ولم تحتجب.
فمن يضمن العمر أن يطول حتى موعد الزفاف، ومن يضمن دقيقة أخرى من حياته يقوى بها على توبة.
وقد نجد فتاة تقول:
إنني أخجل من الظهور بالحجاب أمام زميلاتي، أو أمام أناس بعينهم!
عجباً لها! فكيف تخجل من العفة والاحتشام،وإرضاء الله ولا تخجل من معصية الله؟!
أما علمت أن من أرضى الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس،ومَن أرضى الله بسخط الناس،رضي الله عنه وأرضى عنه الناس؟!
أختي الحبيبة..
كوني كتلك التي بحجابها الأصيل كانت قدوة، ومفتاح خير، أينما مضت أسعدت القلوب بحسن التزامها، وعرّفتهم بصمتٍ عن الإسلام، فكانت هي الداعية الصّامتة.. بها وبرفيقاتها الواعيات تأثّرت الكثيرات من نساء الغرب، ووجدن في حجابها أثمن معانٍ للفضيلة، فكأنهن كنّ تائهات في ظلمات الجهل، ضائعات في معاني التحرر الزائفة..
ولما نظرن إلى القلب المحجّب بالإيمان أدركن فضائله، وحكّمن العقل فانتمين للإسلام.

أختي الحبيبة..
إليكِ قصصاً لنساء شهيرات فضّلن الآخرة على الدنيا، وتخلّين عن كل شيء في سبيل رضوان الله تعالى.
1-الكابتن طيار "نيرين سالم": هي واحدة من عدّة سيدات يعملن في مجال قيادة الطائرات بمصر، وقد فُصلت من عملها بسبب ارتداء الحجاب، وقد نصرها الله سبحانه وعادت إلى عملها مرفوعة الرأس تزهو بحجابها،بعد أن اعترضت وقاضت الشركة التي تعمل بها استناداً إلى أن قانون عملها لا ينص على منع المرأة من الحجاب ما دام لا يعوق عملها.
2-"رانيا علواني" وهي أشهر سباحة مصرية فقد نالت بجدارة 77 ميدالية على المستوى الدولي والإفريقي والعربي وتم تصنيفها ضمن أفضل 11 سباحة في سباق 100 متر على مستوى العالم، تخلّت عن كلّ ذلك باختيارها.. فارتدت الحجاب، وودعت المال والشهرة والأضواء،دون أن يرغمها أحد. (والغريب أن رانيا لم تهتد على يد أحد الدعاة في مصر ممن يُتهمون بالدعوة بين الفنانات لمحاربة الفن! بل على يد أسرة مسلمة مهاجرة تعيش في أمريكا؛ وتلك واقعة تحتاج إلى تمحيص: فالحقيقة أن هناك أسراً مسلمة في الغرب تمثل نماذج مضيئة للمسلمين من حيث الالتزام والعلم والقدوة والدعوة مما يغري الكثير من الغربيين باعتناق الإسلام اقتداءاً بهذه النماذج).

والآن أنقل لكِ همسات صادقة اقتبستها من قراءاتي لأذكِّر نفسي و إياك بها، فالذكرى تنفع المؤمنين..
1-الحجاب شرف للمسلمة، وتكريم لها فاشكري الله على ما أنعم به عليكِ واسأليه الثبات على الحق.
2- أنتِ بحجابكِ قدوة لغيركِ، فلا تشوّهي صورتكِ بالمعصية.
3- إن آلاف المحجبات لا يعطين أثراً في النفس كواحدة تعلن اعتزازها التام بل وفخرها بحجابها وحبها له.
4- إن حجابك فضل ٌمن الله عليك وليس تفضّلاً منك،فاحمدي الله الذي عافاك مما ابتلى به كثيراً من خلقه،وادعيه-سبحانه- أن يَمُنَّ به على أخواتك المسلمات.
5- تذكّري أن غير المحجّبة ضحيّة لشياطين الإنس والجن؛ وأن وقت هدايتها لم يحِن بعد؛ فرفقاً بها،وتذكّري قول الله تعالى:{كذلك كُنتم من قبلُ فمنَّ الله عليكم}.
6- لا تجعلي من حجابك زينة لأي سبب ولو كان السبب هو الدعوة.
وتذكري دائماً أختاه أنك عندما ترتدين حجابك فأنت تحتسبين:
1. ثواب السمع والطاعة.. والرضا والتسليم لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، أي الفوز بالجنان التي تجري من تحتها الأنهار. قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 6
2. عبادة تتقرّبين بها إلى الله محتسبة قوله تعالى في الحديث القدسي:
(... وإن تقرب مني شبراً, تقربت إليه ذراعاً, وإذا تقرب إلي ذراعاً, تقربت منه باعاً, وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة) 7
3. أن الله سبحانه يحبّ الحجاب فاحتسبي أن يحصل لك حب الله ورضاه لأنك تفعلين محابَّه... قال تعالى في الحديث القدسي: "وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يَسمع به وبصره الذي يُبصر به ويده التي يبطِش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه..." 8
4. أجر الصبر على: طاعة الله تعالى... والصبر عن معصية الله... وعلى حرارة الطقس، وما أروع قطرات العرق تنحدر من جبينك لتملأ وجهك النقيّ عندما تحتسبينها عند الله، ولن يزعجك وجودها أبداً فهي لا تعني لك شيئاً! لأن المحبّ يصبر من أجل رضا محبوبه، ولن تكون شدّة حرارة الطقس سبباً في تهاونك بالحجاب أبداً لأنك تدركين جيّداً معنى قول الله تعالى: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} 9
5. ثواب نصرة الإسلام عن طريق نصرة الحجاب الشرعي بتكثير سواده في المجتمع. فأبشري بالعزّ والظفر، قال الله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) 10
6. ثواب الاقتداء بالصالحات والتشبّه بهن،عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحبّ قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب) 11
7. ثواب العفاف، فأنت مأمورة بصون عرضك وحفظ نفسك، وهي عبادة تؤجرين عليها، والحجاب يعينك على أداء هذه العبادة...
8. أجر صون المجتمع من الاختلاط المؤدي إلى الرذيلة وتفشّي الفاحشة،فإنك بالتزامك بالحجاب الشرعي الكامل تقفين مع أخواتك المحجّبات سدّاً منيعاً دون تقدُّم الفساد في بلادك...أما إن كان عدد المحجّبات قليلاً في بلدك فالسيل يبدأ بقطرة واحدة... فارتدي الحجاب واحتسبي أن تكوني أنت تلك القطرة.
9. ثواب إحياء الفضيلة ونشرها، فمجتمع نساؤه جميعهن محجّبات أحرى بأن تسوده الطهارة والعفّة، وحجابك لبنة أساسيّة في بناء الفضيلة فتمسّكي به بقوّة.

إضاءة:
(بحجابك أنت سفيرة لدينك...
بحجابك أنت قدوة للفتيات..
بحجابك تدلّين كلّ أنحاء العالم والكون على وجود دين عظيم... يميّز المرأة لتكون شامة... شامة على خد الكون الفسيح... فتحجّبي أختي... فالكون كله يتحجب ولا تشذي عن الكون.. فمن شذ.. فقد شذ في النار).









القلادة السابعة
هل أنتِ محجّبة حقاً؟

عينٌ على الدنيا، وأخرى على الآخرة، رغبة في الجنّة، وهوى في النفسِ يلحّ!
رقّةُ في القلبِ تجذبها إلى دين، ودنيا تتزيّنُ لها، تغريها ؛ هذا جمالكِ.. لا تهمليه.. وهذا حُسنكِ لا تضيّعيه! وماذا إن كنتِ محجّبة؟ هل تقهرين هذا الجمال خلف حجاب؟!
تعلّقَ قلبكِ بالجنّة، وفاض حنينكِ للقاءِ أمهات المؤمنين هناك.. واعتززتِ بنفسكِ، فأنت مسلمة! فارتديتِ الحجاب..
لكنّكِ شيئاً فشيئاً شعرتِ بأنّكِ غريبة، مختلفة، غير مرغوبٍ بها بين الصحاب..
فعزمتِ أن تغيّري من شكلك، وأن تحسّني – كما ظننتِ مظهركِ – وغرّتكِ دعواتٌ سافرة، وفتاوى بلا علم، فكان في حياتكِ انشطارٌ عن الفطرة..
وظهرتِ أخيراً، بلا معنى، بلا هويّة!
المظهرُ يوحي بملامح إسلاميّة، هيكلُ حجابٍ لامرأة مسلمة، لكنّ الغرب قد طبع بصماته ببراعة ليخفي أصالتك..
تتساءلين.. وأنتِ تعلمين.. " وما الخطأ في حجابي وإن ضاق قليلاً؟ أوليس حجاباً؟
هلا عدتِ إلى الحديث الشّريف في قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام) 12
ومعنى قوله كاسيات عاريات: أي تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها. وقيل تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها. ومعنى مائلات: أي مائلات عن طاعة الله. وقيل يمشين متبخترات ومميلات؛ أي: إنهن مميلات لقلوب الرجال. ومعنى قوله كأسنمة البخت: أي يصففن شعورهن فوق رؤوسهن أو يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة. معنى ذلك أن الثوب يجب أن يكون فضفاضاً غير ضيق لا يظهر لون البشرة أو يجسم العورة ولا يبرز مواضع في جسد المرأة من شأنها إثارة الفتنة، وبذلك لا يصلح مع الحجاب الملابس الضيقة أو الخفيفة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) 13
تقولين: أنا محتشمة، ألبس الفضفاض من الثياب حتى وإن كان بنطالاً.
راجعي نفسكِ للحظة.. ألا يشبه هذا الثوب ملابس الرجال، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، قال: قلت له وما المترجلات من النساء؟ قال: "المتشبهات من النساء بالرجال" 14
ومن مِنَّا تحتمل لعنة الله ورسوله؟
وقد تزعجكِ ألوانٌ قد فرضت عليكِ، فتتخيرين الملفت من الألوان..
انظري لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارا) 15
وقد يقنعونكِ بأشكالٍ وألوان من حجاب كلها بعيدة عما فرضه الله تعالى..
ألا تكفي كلمة (جلابيبهنّ) في هذه الآية ليكون المغزى واضحاً؟ {ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً}16
وأعلم أن في فطرتكِ حبّ التزين والعطور.. ولكن.. فلتكن في منزلكِ، وليس في شارع أو مكان يتواجد فيه رجال من غير محارمك.. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيَّما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهدن معنا العشاء)17
ومن حجابكِ أيضاً.. ألاّ تخضعي بالقول، فلا تليني وترقي في اللفظ ففي ذلك فتنة كبيرة. قال تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً}18
والآن.. وبعد أن عرفتِ حدود حجابكِ وأصوله وضوابطه.. هلا استجبتِ فكنتِ مسلمة حقة؟ هلا قلتِ سمعتُ وأطعتُ واحتسبت حجابي عبادة أتقرّب بها إلى مولاي..
وهل شعرت بأنكِ حفيدة لأمهات المؤمنين تقتدين بهنّ وتسيرين على خطاهن؟
إن في حجابكِ عبادة، ودرء فتنة، وتحقيق إيمان، وحصانة أمة، واعتزازاً بهويّة..
فكوني العابدة الطائعة المجاهدة بحجابها، كي تكوني من سيدات القصور في الجنة..
ومن يدري، فقد يُلبسكِ حجابك الدنيويّ الملتزم في الدنيا سندساً وإستبرقاً في الآخرة..فاعقدي العزم وأخلصي النّيّة، وتوكلي على الله في كل أمر فهو المعين عليه. 















القلادة الثامنة
صوني كرامتكِ
الاختلاط (1)

داء العصر، ومفتاح الفتنة والفساد، قد يتراءى لنا بألف صورة وصورة، فلا تتبدى لنا حقيقة ملامحه، ولا ندرك مخاطره! ولو أدركناها لولينا منه فراراً، ولبذلنا جهودنا كي نتقي، ونقي أجيالنا شرّه..
إنه الاختلاط..
كثير من الناس برروا له، ودافعوا عنه بآلاف الوسائل، واخترعوا له طرقاً ملتوية لا تؤدي إلا إلى الفساد. فخالفوا الكتاب والسّنة، وتغاضوا عن أدلة واضحة تبيّن حكمه، وتوضّح خطورته..
وسأكتفي بثلاثة أدلة من الكتاب ومثلها من السّنة تتحدّث عن تحريمه..
أمّا من الكتاب:
فالدليل الأول: قال تعالى: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} وجه الدلالة أنه لما حصل اختلاط بين امرأة عزيز مصر وبين يوسف عليه السلام ظهر منها ما كان كامناً فطلبت منه أن يوافقها... وكذلك إذا حصل اختلاط بالنساء اختار كل من النوعين من يهواه من النوع الآخر.
أما الدليل الثاني:أمر الله الرجال بغض البصر، وأمر النساء بذلك فقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن}19. وجه الدلالة من الآيتين: أنه أمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وأمره يقتضي الوجوب، ثم بين تعالى أن هذا أزكى وأطهر... وما أمر الله بغض البصر إلا لأن النظر إلى من يحرم النظر إليهن زنا، فروى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (العينان زناهما النظر).....فإذا نهى الشارع عن النظر إليهن لما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه.
والدليل الثالث:الأدلة التي سبقت في أن المرأة عورة، ويجب عليها التستر في جميع بدنها، لأن كشف ذلك أو شيء منه يؤدي إلى النظر إليها، والنظر إليها يؤدي إلى تعلق القلب بها، ثم تبذل الأسباب للحصول عليها، وذلك الاختلاط.
ومن سنة نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم:
الدليل الأول: روى مسلم في صحيحه، عن زينب زوجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها، قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً... قال ابن دقيق العيد: فيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم.... قال الحافظ ابن حجر: وكذلك الاختلاط بالرجال.
الدليل الثاني: روى أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء). وجه الدلالة: أنه وصفهن بأنهن فتنة، فكيف يجمع بين الفاتن والمفتون؟ هذا لا يجوز.
الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل في النساء) رواه مسلم. ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتقاء النساء، وهو يقتضي الوجوب، فكيف يحصل الامتثال مع الاختلاط؟ هذا لا يجوز.
وأعجبُ مع كثرة الأدلة كيف يبرّر أقوام الاختلاط، ويسمحون له بتدمير بيوتهم، وتشتيت شمل أسرهم، فكم من قلوب تعلّقت بحبائل النظرة الحرام فأدت إلى حرام، وكم من قلوب استهوتها كلمات، فسارت إلى حرام..
وأتساءل هنا.. ترى لم ندافع عن شيء بعيد كلّ البعد عن ديننا، وعقيدتنا، ومجتمعنا النظيف وتقاليده الرائعة؟ أهو انبهارٌ بالغرب، أم انجراف أعمى خلفه؟
ها هو رأي امرأة غربية أورده لكم على سبيل المثال لا الحصر حول الاختلاط عن كاتبة أمريكية تقول: "امنعوا الاختلاط وقيدوا حرية المرأة".ونلخص المقال فيما يلي: واسم الكاتبة: "هيلسيان ستانسبري" الصحفية الشهيرة وقد زارت الجامعات و معسكرات الشباب و المؤسسات الاجتماعية في جمهورية مصر العربية فكان مما قالته:"إن المجتمع العربي مجتمع كامل وسليم... إلى أن قالت: لهذا أنصحكم بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم وامنعوا الاختلاط وقيِّدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب" وتضيف قائلة: "لقد أصبح المجتمع الأمريكي، مجتمعاً معقداً، مليئاً بكل صور الإباحية والخلاعة وإن ضحايا الاختلاط والحرية قبل سن العشرين تملأ السجون والأرصفة والحانات والبيوت السرية! إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا قد جعلت منهم عصابات المخدرات وعصابات الرقيق الأبيض "20.
أما الكاتبة الإنجليزية اللادي كوك فتقول: إن الاختلاط يألفه الرجال ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها وعلى كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا وها هنا البلاء العظيم على المرأة. إلى أن قالت:علموهن الابتعاد عن الرجال أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد.
وقالت الدكتورة ايد إيلين: إن سبب الأزمات العائلية في أمريكا وسر كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأسرة فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق. ثم قالت: إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى الحريم هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه.
وقال أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي: إن المرأة تستطيع أن تخدم الدولة حقاً إذا بقيت في البيت الذي هو كيان الأسرة.
سبحان الله! ها هم أهل الاختلاط يُظهرون شروره، ومخاطره وآثاره..
ونحن ما زلنا في غيبوبة تامّة عن فكرهم!
فمتى تُعَفُّ المرأة، وتُحفظ لها كرامتها مثل درّة غالية نفيسة لا تُرخص ثمنها، ولا تهب بريقها إلا فيما يرضي الله؟!
















القلادة التاسعة

صلة الرّحم

لأنه دينُ المحبّة والتآلف والتراحم ، فإنه يأبى على المسلمين إلا أن يكونوا يداً واحدة ، وقلباً واحداً ، يجتمعون على رضوان الله ، ويفترقون على طاعته ، مهما فرضت نفسها مشكلات فعلمت على تفرّق ، فإن الإسلام يبقى رادعاً لكلّ ضغينة ، ساعياً بتعاليمه الرّفيعة على تقويم القلوب وصفائها ، جاعلاً صلة القرابة من أكثر العلاقات قوّة بين النّاس .
فالأجرُ كلّ الأجر لمن تبع تعاليمه ، وسار مستقيماً على دربه .

هاهي الآياتُ الكريماتُ تحدّثنا في مناسباتٍ كثيرة عن صلة الرّحم ، تذكّرنا بما نسيناه أو تناسيناه من علاقات ثمينة .. يقولُ تعالى في كتابه العزيز : : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (النساء:36 .

ويقول تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) النحل:90 .

ويشدد تعالى على ضرورة إيتاء ذوي القربى حقوقهم بصيغة الأمر في قوله : ( فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه وأولئك هم المفلحون) .
كما نهى في كتابه العزيز عن قطع الأرحام ، وبيّن أن عقوبة ذلك اللعن عنده . قال سبحانه وتعالى : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (محمد:23 0

وهاهي عشرُ أحاديث منتقاة من السّنة المطهّرة تتحدّث عن الرّحم وصلتها ، وتحذّرُ كل التحذير من قطيعتها :

1- عن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه - أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني بعمل يدخلني الجنة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تعبد الله،ولا تشرك به شيئاً،وتقيم الصلاة،وتؤتي الزكاة،وتصل الرحم) البخاري ومسلم

2- عن أنس-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله : (إن الرحم شُجْنةُ متمِسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق ، اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني ، فيقول ـ تبارك وتعالى ـ : أنا الرحمن الرحيم ، و إني شققت للرحم من اسمي ، فمن وصلها وصلته،ومن نكثها نكثه) الحديث له اصل في البخاري رواه البزار وإسناده حسن والترغيب والترهيب
3- عن أبي ذر- رضي الله عنه- أنه قال : ( أوصاني خليلي أن لا تأخذني في الله لومةُ لائم ، وأوصاني بصلة الرحم وإن أدبرت ) : ذكره في المجمع وقال : رواه الطبراني
4- عن عائشة_ رضي الله عنها_ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله،ومن قطعني قطعه الله ) البخاري- ومسلم وهذا لفظه.

5- عن أنس بن مالك_ رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سرهُ أن يبسط له في رزقه ، ويُنسأ له في أثرة فليصل رحمه) البخاري ومسلم

6- عن عبدا لله بن سلام _ رضي الله عنه_قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، انجفل الناس قِبَلهُ . وقيل : قد قدم رسول لله صلى الله عليه وسلم ، قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فجئت في الناس لأنظُرَ فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ،فكان أول شيء سمعتهُ تكلم به أن قال : ( يا أيها الناس أفشوا السلام ،وأطعموا الطعام،وصلوا الأرحام،وصلوا بالليل والناس نيام،تدخلوا الجنة بسلام) الترمذي.وابن ماجه وأحمد.

7- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه،ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) البخاري ومسلم
8 ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم ) رواه أحمد وإسناده صحيح .

9 ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر وقاطع الرحم) رواه أحمد .

10 ـ وعن جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة قاطع) أي قاطع رحم .
ولعلّ من أروع قصص التاريخ تلك التي قرأناها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال صلى الله عليه وسلم: « لئن كنت قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم. والمل هو الرماد الحار،
فكأنه شبه ما يلحقهم من الألم والإثم - والحالة هذه - بما يلحق آكل الرماد الحار. كما قال صلى الله عليه وسلم « ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.
ومعنى الحديث: إن صلة الرحم ليست في أن يكتفي الإنسان بصلة من وصله فهذه تسمى مكافأة... بل أعظم ما يكون من الصلة هي في وصل من حصلت منه القطيعة.
 ولنا في سيرة الصّديق أبو بكر الصديق عبراً نستشفّ منها روعة الأخلاق الإسلاميّة : حيث كان أبوبكر رضي الله عنه ينفق على ابن خالته لأنه كان فقيرا، ولما كان حديث الإفك عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تكلم عنها ابن خالته مع من تكلموا في حقها، فلما بلغ ذلك أبا بكر قطع عليه النفقة وهذا في نظرنا أقل ما يمكن فعله، ولكن الله سبحانه وتعالى أنزل في ذلك قرآنا كريما ليسطر لنا مثلا عظيما في التعامل الاجتماعي بين الناس فنزل قوله تعالى {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ِ} النور22، قال أبو بكر رضي الله عنه: بلى!! أي بلى أحب أن يغفر الله لي وأن يعفو عني فرد أبو بكر رضي الله عنه النفقة التي كان ينفقها على ابن خالته رغم ما كان منه في حق أم المؤمنين رضي الله عنه.
ولعلّ في هذه القصص وقفات لنا لنراجع أنفسنا ونحاسب تقصيرها ، لعلها تكون بداية خير تعيدُ للعلاقات الأصيلة الودّ والاحترام وكلّ المحبة .













القلادة العاشرة
كوني جميلة بحقّ!

مقاييس الجمال تختلف من امرأة لأخرى، وتتفاوت من ذوقٍ لآخر..
الكلُّ يركضُ خلف أدوات التجميل، ويلاحق (الموضة) بشغف، ويتابع أحدث ما استجدّ فيها، كي يكون الأسبقَ في اتّباعها..
ولا ننكر على المرأة طبيعتها الفطريّة في حبّ الزينة والتجمّل، فهذا حقّها الذي لا اعتراض عليه إن كان في حدود الشريعة..
ولكن.. في هذا الزّمان طغى حبّ الزينة والتجميل حتى غدا كلّ شيء في حياة المرأة المسلمة، وأصبح الأمر الهام الذي يتربّع على قائمة اهتماماتها، وأصبح الرّكض حول كل جديد وغريب هاجساً للنِّساء، فسارعن إلى دور الزينة، وباتت أحاديثهنّ تدور حول الموضة وخطوطها، وحول الأزياء وصرعاتها، وحول التجميل، وآخر ما توصّل إليه..
والنّتيجة، نقود تصرّف بلا وعي، تصبّ في دائرة الإسراف المبالغ به.. وأرباح خياليّة يجنيها التجّار وهم يبيعون بضاعتهم دون تفكير إن كانت تناسب ديننا وشريعة الله..
لقد تخلّى الجميع عن اعتزازهم بقيم الإسلام ومبادئه وخطوطه، وتعاليمه، والتي لم يختلف أحدٌ على أنها الأنسب والأصلح للمرأة وللمجتمع على حدّ سواء.
وامتلأت مخازن حجراتهنّ ملابسَ قد لا يرتدينها إلا لمرّة واحدة، ثم تُصبُّ في خانة النسيان..
نسين أن في العالم من هم أحوج لتلك النقود المبعثرة دون تفكير، ولتلك الملابس وهم لا يكادون يجدون ما يستر عوراتهم، فقد مزّق الفقر حياتهم وأحوجهم إلى ذلّ السؤال..
وإذا فكّرنا قليلاً في مهمّة المرأة المسلمة في الأرض.. لِمَ خُلِقت؟ وما هي رسالتها؟ وأهدافها.. وهل تُراها سارت على الدرب الذي اختاره لها لوجدنا النساء قد ابتعدن كثيراً عن هذا المسار، وتُهْنَ في مسالك كثيرةٍ متشعبةٍ، أذهبت عنهنّ ذلك الوعي، وبعثرت ثقافتهنّ الرّاقية، وهمومهنّ العظيمة، إلى ثقافة الموضة والتصاميم..
ليتهنّ يدركن بأنَّ هناكَ جمالاً لا يبلى، وزينة لا تزول، وأناقة بلا حدود.
يبهرني دائماً وأنا أتأمّل النساء المسلمات اللّواتي قلن لمّا سمعن آية الحجاب: سمعنا وأطعنا فيما روته صفية رضي الله عنها : ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت : إن نساء قريش لفضلاء ، ولكني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتنـزيل ، لقد أُنزلت سورة النور: (وَليَضْرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها ، ما منهم امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان ).
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين)[ 83 ، 84 المائدة ]

ولنا في سيرة فاطمة رضي الله عنهت تمسُّكها بدينها، وتمسكها بعفتها وحيائها وصبرها العظيم، تلك المرأة التي تزوجت بعلي –رضي الله عنه وأرضاه- فما حملت معها الجواهر ولا الفساتين، وما دخلت القصور ولا الدُّور، وإنما دخلت بيتًا من طين. أما جهازها –يا أمة الله- فهو وسادة محشوة بليف وسقاء وجُرَّتين ورَحَى تطحن الحبَّ عليها، وهي سيدة نساء العالمين –رضي الله عنها وأرضاها- ما ضرَّها ذلك وما أنقص من قدرها ذلك. انظري إليها يوم يتحدث عنها زوجها في آخر حياته يتحدث عنها علي -رضي الله عنه وأرضاه- فيقول: كانت بنت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وكانت أكرم أهله عليه، جرت بالرحى تطحن الحب حتى أثر الجر في يديها، واستقت بالقربة حتى أثَّر الحبل في نحرِها –رضي الله عنها وأرضاها- وقَمَّت البيت حتى تغيَّرت هيئتها -رضي الله عنها وأرضاها- وأوقدت النار حتى تغيرت هيئتها، وأصابها من ذلك ضرٌ أيَّما ضر. اسمعي إليها يوم تقول -يومًا من الأيام-: خير للنساء ألا يَرَيْنَ الرجال، ولا يراهنَّ الرجال . بضعة منه -صلى الله عليه وسلم- أخذت من علمه وفقهه وحكمته -صلى الله عليه وسلم- انظري إليها يوم تَقمُّ البيت، وتوقد النار، وتجرُّ بالرَّحى، وتطحن الحب، وتصبر، ولم تتصخب، ولم تتشكى، ولم تسخط من قضاء الله -عز وجل- ثم فوق ذلك تربي أبناءها تربية عظيمة؛ تربيهم على كتاب الله، وعلى سنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- وألا يراقبوا أحدًا غير الله –عز وجل- فمن كان من أبنائها؟ كان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة –رضى الله عنهم أجمعين- هي بنت مَنْ؟ هي أمُّ مَنْ؟ هي زوج مَنْ؟
طلبت من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن يخدمها مملوكة من المماليك، أن يخدمها إياها؛ فماذا كان منه –صلى الله عليه وسلم- قال: "لا والله ما دام على الصفة فقير يحتاج إلى لقمة أو إلى كسرة" –أو كما قال –صلى الله عليه وسلم-، فذهبت إلى بيتها وقد تعبت من أعمال البيت، وجاء النبي –صلى الله عليه وسلم- إليها ليدخل بيتها وهي وزوجها في فراش واحد، ثم قال لهما –صلى الله عليه وسلم-: "أولا أدلكما على خير لكما من خادم" أولا أدلكما على خير لكما من خادم من الذي قال هذا؟ إنه من لا ينطق عن الهوى. إنْ هو إلا وحي يوحي. قال: "إذا أويتم إلى فراشكما فَسَبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين؛ فذلكما خير لكما من خادم". هل فعلنا ذلك يا أيها الأحبة؟ بل هل علمنا نساءنا أن يذكروا هذا الذكر قبل أن يناموا؟ إنه من المعين على خدمة البيت. يقول عليٌّ: والله ما تركته من بعد ذلك اليوم حتى لقيت الله -جل وعلا- قالوا: حتى ولا ليلة صفِّين قال: ولا ليلة صفين في وسط المعركة وفي وسط ما حصل ما نسيه -رضي الله عنه وأرضاه-.
تلك سير نساء اتّبعن أوامر الإسلام فازددن جمالاً، وعرفن أن الحشمة جمال، فتأنّقن بزيّ ساتر، وعرفن أنَّ الحجاب الأسمى حجاب الرّوح، فجمعن المظهر والجوهر..
ليتكِ يا بنت الإسلام تدركين بأنكِ حسنـاءُ بلا مساحيق، فاتنة بلا غرور، عظيمة بتواضع، وخلقٍ رفيع.

إضـاءة:
سُئِلت أعرابيّة نضرة الوجه عن سرّ جمالها فقالت:
أستخدم لشفتيّ الحقّ ولو كان مرّاً.. ولصوتي الصّلاة وقراءة القرآن والتسبيح..
ولعينيَّ الرحمة والشفقة وغضّ البصر .. وليديَّ الإحسان قدر الاستطاعة ..
ولقوامي الاستقامة .. ولقلبي الحبّ في الله..
فتمّت سعادتي في مراقبتي لله..!






القلادة الحادية عشرة
خمسٌ لا تضيّعيها!

الصّلاة.. نزهةٌ روحيّة في رياض الإيمان، يتنشّق المؤمن عبيرها كلّما وهبها من وقته وروحه، وكلّما أفرغ قلبه من شواغل الدّنيا، وأصبح بكلّيته عابداً بين يدي مولاه..
ومن روعة هذا الدّين أن جعل لكلّ مؤمن متدبّر مكافأة عقب كلّ صلاة، ينالها إن أحسن التفكّر..
فمن استغفارٍ ماحٍ الذنوب إلى تسبيح وتكبير وتحميد منقٍّ من الخطايا، وإن كانت كزبد البحر!
ليعود إلى حياته نقيّاً تائباً مفعماً بالأنس الإلهيّ والرضا الرباني.
وتتوالى العطايا لكلّ طارقٍ لأبواب الخير، هاهي آية الكرسيّ بوابة ميسّرة لدخول الجنة، تهيؤها أمامه فلا يمنعه من دخولها إلا الموت!
الصّور المضيئةُ تتكرّر في حياتنا خمسَ مرّاتٍ في اليوم والليلة، ولا نكتفي بلقاءٍ عظيم بربّ العالمين يُفتَتَح تكبيراً ويُخْتَتَم تسليماً، بل إنّها خمسُ دقائق تعقبها تملأ حياتنا نوراً وإشراقاً..
مساكين أولئك الذين ضيّعوا على أنفسهم أبواب الخير والأجر، محرومون هم من عطايا الرحمن السّخيّة، تائهون بفكرهم في مشاغل الدنيا الدّنية، ضائعون بقلب نسي الذّكر فأُشغلَ عن خير كثير.
لو تأمّلنا عظيم الخطر في ترك الصّلاة، لما توانينا لحظة عن أدائها على أحسن وأصلح الوجوه..
فالمولى تبارك وتعالى يتبرّأ من تارك الصلاة. عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: (لاتترك الصلاة متعمّداً، فإنه من ترك الصلاة متعمّداً فقد بَرِئَت منه ذمّة الله ورسوله) 21
ومعنى برئت منه ذمّة الله ورسوله: أي ليس له عهد ولا أمان.
وإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصف تارك الصلاة بالكفر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)22
ومُنكرُ الصّلاة إذا مات لا يدفن في مقابر المسلمين!!
تعالي إلى الحديث النّبويّ الشّريف لنتأمّلَ معاً عقوبة تارك الصّلاة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه - أي يشدخه - فيتدهده الحجر -أي يتدحرج - فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، فقلت: سبحان الله! ما هذان؟ فقال جبريل عليه السلام (إنه الرجل ينام عن الصلاة المكتوبة) 23
إضافة إلى أنَّ أوّل ما يحاسب عليه العبد هو الصلاة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة عن الصلاة، فإن صَلُحَت، صَلُحَ سائر عمله، وإن فسدت، فسد سائر عمله) 24
ولا ننسى أنَّ الصلاة وصيّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند خروجه من الدنيا؟ قال رسول الله صلى عليه وسلم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: (الصّلاة، الصّلاة وما ملكت أيمانكم).
هل تعلمين أختي المسلمة أن الصّلاة مفتاح كلّ خير؟ قال ابن القيّم الجوزي رحمه الله: الصّلاة: مجلبة للرزق، حافظة للصحّة، دافعة للأذى، طاردة للأدواء، مقويّة للقلب، مبيّضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشّطة للجوارح، ممدّة للقوى،شارحة للصدر، مغذّية للروح، منوّرة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة, مبعدّة من الشيطان, مقرّبة من الرحمن.
فمن الناس من يصلّي وله خُمس الأجر من صلاته ومنهم السدس ومنهم العشر بل إن منهم من يصلّي ولا تُقبل منه صلاته بل تُلَفّ في خرقة بالية وتقول ضيعك الله كما ضعيتني.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل لينصرف، وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تُسعها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، ربُعها، ثُلثها، نُصفها) 25.
وهناك فئة من النّاس تصلّي، تظنّ نفسها في نجاة من العذاب.. لكنّها فئة سرقت!
لم تسرق مالاً، ولا ذهباً، ولا متاعاً..
بل سرقت شيئاً أغلى، وكنزاً أعظم.. وأيّ شيء أعظم عند المسلم من صلاته؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلـم: (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته) قالوا: يا رسول الله كيف يسرق من صلاته، قال: (لا يتمّ ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها) 26
نعم هو أسوأ الناس سرقة لأنّه يسرق في بيت الملك فأين الحياء؟!
وهو أسوأ الناس سرقة لأنّه يسرق من صلاته فيفسدها.
وهو أسو الناس سرقة لأنّ سارق الدنيا ينتفع بما يسرق ويتمتع به أمّا هو فيسرق من حق نفسه في الثواب ويشتري بذلك العقاب في الآخرة.
ولنتأمّل معاً هذا الحديث:عن أبي عبد الله الأشعري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلـّم رأى رجلاً لا يتمّ ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي فقال: (لو مات هذا على حاله مات على غير ملّة محمد صلى الله عليه وآله وسلـّم) 27
ولكن.. كيف السبيل إلى صلاة صحيحة، تجمع حضور القلب، واستجابة الجوارح؟
ها هو الحديث الشّريف يردّ على التساؤلات بأبلغ مقال:
جاء في حديث أبي أيّوب أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّـم قال: (إذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودِّع).
وقال صلى الله عليه وسلـّم: (اذكر الموت في صلاتك وصلّ صلاة رجل لا يظن أنه سيصلي صلاة غيرها)28
وإن الله سبحانه قد امتدح الخاشعين في مواضع كثيرة من كتابه فقال:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2،1]، وقال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]، وقال: {خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران:199]، وقال: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:9.]، وقال: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء:1.9].
فما أوسع أبواب الخير ونحن نغتنمها في خمس دقائق، خمسَ مرّاتٍ في اليوم!
وما أضيقَ العيشَ لولا نفحاتُ إيمان تشرقُ بها الرّوح وتطمئنُّ إيماناً وسلاماً.
إضاءة:
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سبّح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، غُفِرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)29.
وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (من قرأ آية الكرسيّ دُبُرَ كلّ صلاة مكتوبةٍ لم يمنعْهُ من دخول الجنة إلاَّ الموتُ ) 30

القلادة الثانية عشرة:

الصّدقة

جعل الله قلب المرأة صندوقاً مليئاً بالمحبّة والعطف والحنان ، فكانت هذه العاطفة النبيلة لها كنزاً عظيماً تستطيعُ إن أحسنت توجيهه أن تجني جبالاً من الحسنات .
وتبحثُ نساء كثيرات عن مواطن الخير والإحسان ، فلا ترحل عنها إلا وقد تركت فيها أثراً عظيماً .

المرأة المسلمة تدركُ أن المال وسيلة لبلوغ الجنّة ، وليس غاية تطمحُ إليه .
فهي تستخدمه وسيلة لإسعاد من حولها ، كما أنها تستخدمه في مشاريع الخير والإحسان ومساعدة الفقراء واليتامى والمساكين عبر الصّدقة .

فقد جعلت نصب عينيها آيات كريمات حثّت على الصّدقة ، ومنها قوله تعالى : ( إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم ) الحديد 18

وهي تدركُ أنّ في الصدقة نماءٌ للمال وخير جزيلٌ يعود عليها بالبركة والنّماء والأجر الجزيل .
يقول الله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) البقرة: 245

فالإنفاقُ للمالِ يتنامى كما تتنامى سنبلةُ قمح تتضاعفُ وتنبتُ الخير الكثير . فترتفع بهذا درجاتها عن الله تعالى .
قال تعالى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) البقرة: 261

وليس للمرأة حجّة في أن تشكو فقراً ، فالبرُّ كلّ البر أن تنفق من المال الذي تحتاجه ، ومن الملبس الذي تجده جميلاً ، ومن الطعام الطيب ، ومن كلّ متاع يستهويها في الحياة الدنيا ، فبذلك ترتفع درجاتها ، وتزداد مرتبتها ، ويسطر في صحيفة عملها أنها من أهل البرّ .
قال تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) آل عمران: 92

في الصدقة تفتح أبواب الخير ، وتكفّر الخطايا ، فهاهي السنة المطهّرة تتحدث عن الصدقة .
فمما أخرجه البخاري في صحيحه في باب: الصدقة تكفر الخطيئة ، من حـديث حذيفـة ـ رضي الله عنه ـ وفيه: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف " .
وفي حديث رافع بن خديج ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً: "الصدقة تسد سبعين باباً من السوء".
ومنها أيضاً: قوله صلى الله عليه وسلم حين هلع الناس لكسوف الشمس: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا"
قال ابن دقيق العيد في شرحه له: "وفي الحديث دليل على استحباب الصدقة عند المخاوف لاستدفاع البلاء المحذور .

ومن قصص التاريخ نقتبسُ مشاعل نور وإيمان تنير لنا الدرب ، فنتعلم منهم معانٍ كثيرة من البذل والعطاء والسّخاء ، وتلمّس مواطن الخير دون بخلٍ أو إقتار .
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالاً من سُّكَّر ويتصدق بها، فقيل له: هلاَّ تصدقت بقيمتها؟ فقال: لأن السُّكَّر أحب إليَّ؛ فأردت أن أنفق مما أحب .
وكان لزوجة عمر بن عبد العزيز جارية بارعة الجمال، وكان عمر راغباً فيها، وكان قد طلبها منها مراراً فلم تعطه إياها، ثم لما ولي الخلافة زينتها وأرسلتها إليه، فقالت: قد وهبتكها يا أمير المؤمنين فلتخدمك، قال: من أين ملكتِها، قالت: جئت بها من بيت أبي عبد الملك، ففتش عن كيفية تملكه إياها، فقيل: إنه كان على فلان العامل ديون فلما توفي أُخذت من تركته، ففتش عن حال العامل وأحضر ورثته وأرضاهم جميعاً بإعطاء المال، ثم توجه إلى الجارية ـ وكان يهواها هوى شديداً ـ فقال: أنت حرة لوجه الله تعالى
وليس هذا فحسب؛ بل إن بعض السلف كانوا يرون أن الصدقة تدفع عن صاحبها الآفات والشدائد ولو كان ظالماً، قال إبراهيم النخعي: "كانوا يرون أن الصدقة تَدْفَع عن الرجل الظلوم"

ومن عظيم أمر الصدقة ما روي ..
أن مسكيناً استطعم عائشة ـ رضي الله عنها ـ وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: "خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت عائشة: أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة؟!

وأختم بقول يحيى بن معاذ عن عظم أمر الصدقة : "ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا من الصدقة " .

فلتكن الصدقات لنا باباً نتقرب إلى الله عبره ، لعلنا نجني الخير يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم .







القلادة الثالثة عشرة:
الدعاء

لأنَّ كلّ خليّة في جسمكِ تسبّح الله، وكلّ قطرة من دمكِ توحّده.
ولأنكِ تدركين بأنّ حياتكِ من دونهِ هباء..
ما أحوجكِ إلاَّ لتسأليه، وما أمرضكِ إلا لترجيه، وما آلمكِ إلاَّ لتنطرحي على أعتابه فتدعيه، ويجيبكِ العظيم، ويعطيكِ الكريم، ويشفيكِ ويسعدكِ ويصلح كلّ أمرٍ لديكِ.
لِمَ زهد خلقٌ كثير من الناس بالدعاء؟! أتراه يأسٌ أسود تسلّل إلى قلوبهم، أم قنوطٌ من رحمته والعياذ بالله!
هل اختلّت في داخلهم موازين العدالة الإلهيّة فاختلّ بها اليقين بالله؟ أم باتوا لا يحتاجون إليه تعالى – وهذا ولا شكّ محال –.
فكلّ لمحة طَرَفٍ بيديه، وكلّ نفس، وكلّ خفقة قلب تشهد أنه الإله الواحد المعبود المتصرّف في مُلكه.. فما بالُ الأيدي كلّت من أن ترفع داعية؟ وما بال العيون تحجّر في داخلها الدمع، وما بال القلوب قاسية؟
كيف وقد أكّد لنا تعالى بأنه المجيب لمن دعاه حين قال: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} 31، وحين قال: {أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء} 32.
كلّها دعوات إلهيّة موجّهة للإنسان تحثّه على الطّلب من الله..
وغريبٌ أمر الإنسان، يلهث خلف البشر، ويطرقُ أبوابهم، ويتذلّل يسألهم حاجته، يتألّم قلبه وهو يمدّ يديه، وبخجل يطلبُ حاجته!
أما عَلِم بأنّ هؤلاء الذين يسألهم مجرّد عبيدٍ عند خالقهم، إن شاء أعطاهم، وإن شاء منع.
وإن شاء ألّف قلوبهم، وأودع الرّحمة فيها ليبادروا بالعطاء دون سؤال!
لكنّ الإنسان لا يتبصّر! ينكرُ عطاءَ الله وهو عاصٍ لا يتفكّر.
لا يذكّرُ نفسه بتوبةٍ أو ندمٍ، لا يعتزم الإقلاع عن ذنب، وينادي بصوتٍ حزين قانط: لقد دعوت فلم يُجبني ربّي!
فلو أنّه أتى الله بقلبٍ سليم فلن يُمنع، وإن دعاه بإلحاح، بخشية، بحبٍّ ورجاءٍ، فهو الكريم لن يخيّب أَمَلَه..
اقرأي هذه القصّة لتعرفي بعض أسرار الدعاء:
جاء رجل إلى الحسن البصريّ وطلب منه أن يَدْعُوَ له بالشفاء فقد مرِض هذا الرجل منذ سنوات ولم يُشفَ من مرضه، وقد وعده الحسن البصريّ أن يدعو له، وبالفعل لم يتوقّف الحسن البصريّ عن الدعاء لهذا الرجل لفترة طويلة ولكنّ الرجل لم يُشف من مرضه، واستمر الحسن البصريّ في الدعاء لأيّام وشهور كثيرة ولكنّ الرجل لم يُشف من مرضه، وتوقّف الحسن البصريّ عن الدعاء بعد وقت طويل.
وبعد شهور عديدة جاءه الرجل وقال له إن الله قد منّ عليه بالشفاء، وبعد فترةٍ وجيزةٍ لم يَرَ الحسن البصريّ هذا الرجل فسأل عنه فعرف أنه قد مات وهنا بدأ الحسن البصريّ يفكّر لماذا لم يستجيب الله لدعائه بشفاء هذا الرجل، ولماذا قد شُفي الرجل قبل موته، ولماذا قد مات بعد شفائه ولم يَمُتْ أثناء مرضه.
ونام الحسن البصريّ وهو يفكّر في تلك التساؤلات ولا يجد لها إجابة، وإذا به يرى في منامه أن هذا الرجل يدخل الجنّة و هناك صوت يقول له "ارتق في الجنّة بعدد أيام مرضك " و إذا بالرجل يرتقي و يعلو درجات في الجنّة بعدد أيام مرضه حتى يصل إلى مكانةٍ عاليةٍ فيفرح بها ويحمد الله أن جعله مريضاً في الدنيا، ثم ينظر الرجل إلى أعلى فيجد درجة في الجنة أفضل وأعظم مما هو عليه فيتمنى في نفسه أن يرتقيَ إلى تلك المنزلة الأعلى، فيسمع صوتاً يناديه " لقد أنزلناك في الجنّة على قدر صلاحك في الدنيا، ولو كنت أصلح مما أنت عليه لأدمنا عليك مرضك حتى موتك ولأوصلناك إلى تلك المنزلة الأعلى.
نعم إنه على قدر الصلاح يكون البلاء، وعلى قدر الصبر على البلاء يكون الجزاء، وصدق الله العظيم حين قال: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}33
 فقراء نحن دون إيمانٍ، أذلاَّء حين لا نعتزٌّ بالله، ضعفاءُ ونحنُ لا نوقن بقوّته!
ألا ما أعظمَ هذا الخالق وهو يدعونا لقربه، وما أروع هذا الدّين الذي ينادينا لأن نطلب مباشرة من خالقنا أغلى أمنياتنا، وأروع أحلامنا فتتحققّ دون وسيطٍ.

إضاءة:
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: ( إنَّ ربكم حييٌّ كريمٌ يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردّهما صفراً) صحيح

القلادة الرابعة عشرة:
كوني قويَّة..

أريدكِ قويّة... لا كما تتخيّلين في قوّة البطشِ والجبروت، وانسلال الأنثى من شخصيّتكِ، بل قويّة في المبدأ، في الموقف، في الثباتِ على الحقّ! أجل..... هكذا دوماً أتمنّــاكِ.
كثيرون هم الأشخاصُ الذين أضاعوا معاني القوّة الحقيقيّة من داخلهم، فعبّروا عنها في أسوأ أسلوب، ظانّين بأنهم قد وفّقوا في الوصول بأسرعِ طريقٍ إلى أهدافهم..
ظنَّ البعضُ أنَّ في الصّوت قوّة، فجلجلت أصواتهم تروّع الآمنين، وما نالوا بذلك إلا البُغضَ من النّاس.
وظنّ آخرون بأن نعمة الجسم الصحيح قوّة تلبّي مطالبهم، فبطشوا بمن حولهم، وكانوا سبباًُ في تعاستهم، وقضوا حياتهم يتجرّعون الندم، ويبكون على ما فاتهم!
وفي فلسفةِ الغاب المراوغة قوّة، والكذبُ قوّة، والخداعُ قوّة! مادامت تخدم الهدف المنشود.
ما أذلّ العالم القادر على التلوّن كحرباء في سبيلِ نيل الغايات مهما كانت، وما أشدّ بؤس عبيد أنفسهم، حين تغشى أعينهم عصابة سوداء تمنعهم من رؤية شمس الحقيقة ساطعة بنورها خارج أطرهم!
حكمـاءُ أولئكَ القادرون على مساندة الحقّ بجلدٍ وثبات، بأسلوبٍ هادئ رصين، أذكياء هم المتسلّحون بسلاح الابتسامة تغلّفُ أفكارهم. إنهم يغزون ببسماتهم كلّ القلوب بسرعة، ليصيبوا بسهام الحقّ ما استطاعوا، فلا يغادروا إلا وقد تركوا خلفهم أثراً مضيئاً.
رائعون هم الأشخاص الذين لا يتنازلون عن مبدأ، ولا يحيدون عن حقّ، ولا يجادلون في مسلّمات.
لهم رسوخ الجبال، وثبات يدفعهم لتحمّل كلّ ضرّاء في سبيل الخير..
هكذا أتمناكِ، شامخةً بدينكِ، معتزّة بهويّتكِ، واثقة من نفسكِ، قويّة بالحكمة والعقل والإقناع..
فإنّ أقصرَ السّبل لتعبّري عن نفسكِ هي في أن تبتسمي في كلّ معركة، فإن لم تعلني فيها الانتصار، فقد نجحتِ في إيصالِ فكرتكِ.
إضاءة:
أعلى درجات القوّة، قوّة الحقّ!



القلادة الخامسة عشرة:
رصيدكِ، رأس مالكِ هنا!

في بنك العمر وُضعَ لكِ رأسُ مالٍ كبير، وأُعطيتِ حرّية التصرّف به كما تريدين..
كيف تتصرّفين؟
أتنفقينه ما بين لهوٍ وترف، وتمضين باقي العمر مفلسة!
أم تفكّرين بمشروعاتٍ كبيرة تغذّيه وتنمّيه كي يغدو أكبر؟
الأمرُ لا يحتاجُ إلى تفكيرٍ طويل، فحبُّ الكسبِ من صفات الإنسان..
ولكن، ماذا في الحقيقة عليه أن يكسب؟ وبأيّ شيء عليه أن يتاجر؟!
الرّصيدُ كبير، عمرٌ كاملٌ بأعوامه وشهوره وساعاته ودقائقه!
وكثيرٌ منّا أسرف على نفسه بإهدار الرّصيد، وفوجئ بانقضاء العمر دون كسب، فكانت تجارته خسارة..!
وهناك من أتقن فنون التجارة منذ البداية، فبحث عن سُبلِ الرّبح الأخرويّ فسلكها، وجعل من كلّ دقيقة في الحياة مفتاح كنز يقود إلى خير..
لم يسمح لأيّ دقيقة أن تمرّ عبثاً..
حتى أوقات النوم والرّاحة أحسن المتاجرة بها، ونواها في سبيل التقوّي على طاعة الله، فامتلأ الرّصيدُ أرباحاً، وفاض الخير لديه فعمّ وانتشر ونفع غيره!
ولقد كان السلف الصالح أحرص ما يكونون على أوقاتهم؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها، وكانوا يحرصون كلَّ الحرص على ألاَّ يمرّ يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قَصُرت دون أن يتزوَّدوا منها بعلم نافعٍ أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير، يقول الحسن: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشدّ منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم.
فمن الواجب على المسلم نحو وقته تنظيمه بين الواجبات والأعمال المختلفة دينية كانت أو دنيوية بحيث لا يطغى بعضها على بعض، ولا يطغى غير المهمّ على المهمّ.
يقول أحد الصالحين: أوقات العبد أربعة لا خامس لها: النعمة، والبليّة، والطاعة، والمعصية. ولله عليك في كل وقت منها سهم من العبوديّة يقتضيه الحقّ منك بحكم الربوبيّة: فمن كان وقته الطاعة فسبيله شهود المنَّة من الله عليه أن هداه لها ووفّقه للقيام بها، ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر، ومن كان وقته المعصية فسبيله التوبة والاستغفار، ومن كان وقته البليّة فسبيله الرضا والصبر
أمّا الفراغ فنعمة يغفل عنها كثير من الناس فنراهم لا يؤدّون شكرها، ولا يقدرونها حقّ قدرها، فعن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (نعمتان من نعم الله مغبون فيهما كثيرٌ من النّاس: الصحة، والفراغ) [ رواه البخاري ].
وقد حثّ النبيّ على اغتنامها فقال: (اغتنم خمساً قبل خمس...) وذكر منها: (... وفراغك قبل شغلك) [ رواه الحاكم ].
يقول أحد الصالحين: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجرَّ في قِياد الشهوات، شوَّش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه.
ولو أدركنا أنَّ كلّ يوم يمضي، وكلّ ساعة تنقضي، وكلّ لحظةٍ تمرُّ، ليس في الإمكان استعادتها، وبالتالي لا يمكن تعويضها. وأنّ هذا معنى ما قاله الحسن: ما من يوم يمرُّ على ابن آدم إلاَّ وهو يقول: يا ابن آدم، أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، وإذا ذهبتُ عنك لم أرجع إليك، فقدِّم ما شئتَ تجده بين يديك، وأخِّر ما شئتَ فلن يعود إليك أبداً.


من أحوال السلف مع الوقت :
قال الحسن البصريّ: يا ابن آدم، إنّما أنت أيّام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك. وقال: يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك. وقال: الدنيا ثلاثة أيّام: أمّا الأمسُ فقد ذهب بما فيه، وأمّا غداً فلعلّك لا تدركه، وأمّا اليوم فلك فاعمل فيه. وقال ابن مسعود: ما ندمت على شيءٍ ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي.
وقال ابن القيم: إضاعة الوقت أشدّ من الموت؛ لأنّ إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.
وقال السريّ بن المفلس: إن اغتممت بما ينقص من مالك فابكِ على ما ينقص من عمرك.
إنّ أبواب الخير كثيرة ولو تساءلنا: بأيّ شيء يمكننا أن نستغلّ وقتنا، لكانت الإجابات كثيرة ومتّسعة، وإليكِ أختي الحبيبة وظيفة تدرُّ عليكِ الملايين ، فلا تضيعيها :
- أختاه دعي النوم ودعيه ونظمي حياتك منذ الصباح الباكر فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اللهم بارك لأمتي في بكورها )
- ولتبدأي يومك بقراءة القرآن الكريم واجعلي لك كل يوم آيات معينة للحفظ .
- وعليك قراءة تفسيرابن كثير لهذه الآيات التي حفظتها .
- وفي كل أسبوع مرة واحدة اقرئي في أحد كتب الفقه ، وهي كثيرة ومتوفرة للمبتدئين .
- وأيضا يجب عليك أن تتفقهي بأمور العقيدة بقراءة كتب التوحيد وذلك بتخصيص يوم لها في الأسبوع .
- وكذلك أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى إذا ما أنكرتِ على أحد منكر تستطيعين الرد عليه بالقرآن والسنة وانصحك بكتاب ( الأربعين النووية ) وهو كتيب صغير في كل مرة احفظي حديثا واحداً فقط ، مع قراءة شرحه ... ثم تنتقلين بعد ذلك إلى ( رياض الصالحين )
- اقرئي سيرة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ثم سير الصحابة والسلف الصالح وبعد القراءة قومي بتطبيق ما كان يفعله الرسول الكريم في كل أحواله وكذلك اجعلي من الصحابيات قدوة لك.
- وعليك بالصبر والمجاهدة حتى تكسبي ثروة من العلم الشرعي في نهاية العام .
- ثم عليك بالمداومة على سماع إذاعة القرآن الكريم والبرامج المفيدة واستعيضي بها عن البرامج الهابطة.
- عند محادثتك بالهاتف إحدى الصديقات اجعليها عبادة بأن تسألي عن أخبارها وكأنك عدتِ مريضا.
- لا تكثري من الذهاب للأسواق إلا لضرورة ففيها ضياع القلب وإهدار الوقت دون طائل.

وأخيرا اعلمي أيتها الفتاة بأن هذه الوظيفة ليست متوفرة لأي فتاة وإنما هي فقط لمن أحبها الله واختارها من بين مئات الفتيات فهنيئا لمن تقبل في هذه الوظيفة بالملايين من الحسنات

هكذا تُستغلُّ الأوقات، وبهذا يصلحُ أمرُ المسلم، عندما يدرك قيمة الوقت فلا يفرّط ولا يبذّر، لأنه يدركُ جيّّداً قيمته، ويثمّن نعمته، وهو بهذا قد حقّق لنفسه السعادة في الدنيا، والنّجاة في الآخرة.

وفي هذا يقول الشّاعر:
إذا كان رأس المالِ عمـــــرك فاحترز
عليــــه من الإنفـــــــاقِ في غيــــرِ واجبِ
فبين اختلاف الليل والصّبح معركٌ
يكرُّ علينـــــــا جيشــــــــــــــه بالعجــــائب



القلادة السادسة عشرة:
لا تبددِّي عواطفكِ

أودع الله تعالى الرّحمة في قلب المرأة كي تكون في المستقبل أمّاً حنوناً، تدفعها محبّتها لصغارها للإحسان في العمل وأداءه على خير الوجوه..
بالرّحمة تصبرُ على أذى وتحتمل بؤساً ونَصباً وعناءً.
وبالعطف تكسب كلّ القلوب، تداوي الجراح، وتبعثُ دفئاً أينما حلّت، وتكون في الأزمات خيرَ معين.
كلماتها شفاءٌ ودواء، ونظراتها ينبوع حنان، ولمساتها مسكٌ وطيب، فمَن من المخلوقات يملكُ ما يملكه قلب امرأةٍ حنون!
غير أنّنا نلحظ وللأسف مظاهر كثيرة لحنانٍ غير موجّه تقدّمه الأمهات للأبناء، ربّما عن غفلة، أو قلّة إدراك، أو عدم تنبّه للعواقب الوخيمة التي تنجم عن هذا الحبّ الذي حلّ في غير موضعه..
الحنان غير الموجّه يقودُ إلى دروبٍ شائكة، يصعّبُ مهمّة التعليم وبناء الإنسان، ويعوّد الآخرين على الكسل والاتّكالية، فهناك من يقضي حوائجهم إن أرادوا، ويمسح دموعهم مهما أخطئوا، ويغفر زلاَّتهم إن أساءوا دون عتاب أو عقاب! بل يقدّم لهم سموماً على أطباق من فضّة، ظناً بأنّ هذا أمر حسن، وأنهنّ بذلك لا يحرمن الأبناء ممّا يريدون..
وعندما أسرفت بعض النساء في الحنان وجدنا البيوت المشتتّة والقلوب الضائعة... ومآسٍ نعجز أن نحصيها..
خادمات يربين أجيالنا، وإِعلامٌ هابطٌ يعلّمهم! مشكلاتٌ معقّدة تتناوشهم، وما من يدٍ حانية تكفكِفُ دمعهم!
ففي بحث أجري حول أثر الإعلام على تربية الأجيال قرأت:
بقدّم الفن الجديد المسمى " الفيديو كليب " لأبنائنا وخاصّة الشباب منهم كلّ يوم جديداً وعصريّاً، ولكنّه في معظمه يُقدَّم لهم على أطباق مذهبَّة ومزخرفة بنقوشٍ من الزيف والتزوير، يُقدِّم لهم الأفكار التافهة والمعاني الرخيصة، وما نقوشُه ولا زخارفُه إلاَّ تعرٍّ وكشفٍ للمفاتن، ومحاصرة جريئة لأخلاق الأسر وعاداتها ودينها...
أكَّد استبيان أجرته " مجلة ولدي " أنَّ 98 % من الأبناء يتابعون " الفيديو كليب " بشغف!
ويؤكّد الدكتور عماد الدين عثمان أن الهدف من الابتذال هو سلخ الهويّة الإسلاميّة.
ويضيف د. عماد الدين: إنّ إدمان بعض الأبناء على مشاهدة الأغاني والتفاعل معها هو تعبير عن حاجات داخليّة لم يتمّ إشباعها، وهذا تقصير يقع على العديد من المؤسّسات التي تساهم في صياغة وتشكيل فكر الأبناء، بدءاً من المنزل وانتهاء بالمدرسة ومروراً بمحطّات تربيةٍ وتنشئةٍ كثيرةٍ تقع بين هاتين المؤسّستين، يتقدّمها جميعاً الإعلام بمختلف وسائله ورسائله.
وحول خطر الإعلام على المجتمع يقول عبد الملك القاسم في مجلّة الأسرة:
....وصرفت الفتاة إلى الأزياء والحليّ والعريّ والخلاعة..
والمجال خصب والمرتع وخيم فهناك شهوات تؤجّج ونيران تتّقد بحثاً عن الحرام! ومع هذا الانصراف نجد الموافقة في الغالب من المربّين آباءً وأمهاتٍ! ولهذا انتشرت العلاقات المحرّمة وهُدِرت الطاقات وضيّعت الأوقات!
وما دمنا نتحدّث عن المشكلة فلا بدّ لنا من أن نتطرّق إلى بعض البدائل للأبناء، ولا بدّ من أسس عليها نسيرُ كي نحيا بمأمن عن مخاطر الحياة..
وما من أسس أعظم من سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم تُعلّم ويتربّى عليها الجيل السويّ..
ولتنمية محبّة النبيّ صلى الله عليه وسلّم في قلوب أطفالنا عدّة طرق منها:
-أن يقصّ عليهم الوالدان ما ورد من قصص أطفال الصحابة في عهده صلّى الله عليه وسلّم، وقتالهم لمن يؤذيه، وسرعة استجابتهم لندائه، وتنفيذ أوامره، وحبّهم لما يحبّه صلّى الله عليه وسلّم، وحفظهم للأحاديث النبويّة.
- أن يحاولا أن يحفّظوهم ما تيسّر من الأحاديث، ويكافؤوهم على حفظهم، وممّا ورد في ذلك قول الزبيريّ: كانت لمالك بن أنس ابنة تحفظ علمه – يعني الموطّأ – وكانت تقف خلف الباب، فإذا غلط القارئ نقرت الباب فيفطن مالك فيردّ عليه، وعن النضر بن الحارث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: قال لي أبي: يا بُنيّ اطلب الحديث، فكلّما سمعتَ حديثاً وحفظتَه فلك درهم فطلبتُ الحديث على هذا.
- أن يشرحا له ما يناسب إدراكه من سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ومغازيه، وسير الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم، حتّى ينشأ على حبّ هؤلاء الصفوة، ويتأثر بسلوكهم، ويتحمّس للعمل والإخلاص في سبيل تقويم نفسه ونصر دينه.
ولا بدّ أن ينتقي الأب أو الأم وهما يقصّان على الطفل من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم وحياة الصحابة والصحابيّات رضوان الله عليهم ما يثير وجدانه مثل: طفولته صلى الله عليه وسلّم، وبعض حياته عند حليمة السعديّة، وكيف أغدق الله تعالى الخير والنعم على حليمة وأسرتها بسببه صلى الله عليه وسلّم، وليلة الهجرة كيف غشّى الله أبصارَ المشركين، وغير ذلك من الجوانب التي تظهر العناية الربانيّة به، فتملأ قلب الطفل بحبّ الله عز وجل وحبّ رسوله صلّى الله عليه وسلّم.34

فأين الحنانُ البنّاء يا نساء الإسلام؟
أين لمساتكنّ الواعية في اقتلاع ألمٍ عشّش في القلوب، أين نظراتكنّ الحانية التي تحملُ لُغز التعلّم، وكلماتكنّ المحفّزة للخير..
أين لمساتكنّ الساحرة تربّتُ على أكتافِ جيلٍ ضائع، تخبره بأنكنّ له برّ الأمان!

فهلاَّ استيقظت في قلوبكنّ جمرة العاطفة، وهلاّ استعدتنّ بها بهاء الفطرة!






القلادة السابعة عشرة:
أنتِ أجمل بابتسامة!

القلوبُ أقفالٌ، ومفتاحها ابتسامة..
والأحزان جبالٌ ثقالٌ، وتخفيها ابتسامة!
ترهقنا هموم الحياة، وتسودُّ في وجوهنا الأيّام، فنراها قاتمة كئيبة، وأوّل ما تصافحُ عيوننا بسمة طفلٍ بريء، حتّى يشعّ الأمل، وتنزاح الهموم، وتتلاشى الأحزان، فقد ولد لنا أمل جديد، وها نحنُ نهدهده في مهده، ونسعد!
فقد ولد لنا الفرح من أمّه.. الابتسامة!
الابتسامةُ علاجُ لأمراض الحزن والكآبة، ينصح بها كلّ أطبّاء الرّوح علاجاً سحرياً بعيد المدى، يتركُ في القلبِ مروج الفرح، تتفتّح فيها زهورٌ ملوّنة من أمل، فننسى اليأس ونودّعه، ونرمق الحياة مبتسمين لها على مرارتها.
والابتسامةُ صدقة يخرجها أغنياءُ الأرواح على فقراء أمّتهم، والمعذّبين فيها، لتشعرهم بأن أمّتهم أغنى الأمم، لا يتعامل أفرادها مع بعضهم البعض بلغة الأرقام والأموال، كما في الأمم الأخرى، بل يتعاملون بصيغة أخرى، ويتصدّقون بسخاءٍ من بنوك عواطفهم، فتشفى الجراح بابتسامات منثورة تملأ الأرواح سروراً، ويشعرون بمعنى الأخوّة في الله، فيستقيم المجتمع بمودّة غرستها ابتسامة في قلوبهم، تطبيقاً لقول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: (تبسّمك في وجه أخيكَ صدقة) 35
الابتسامة نورٌ يزيد الوجوه نوراً، وبهاء يضفي مسحة حسن رائقة على صفحات الوجوه النقيّة، بها نشعرُ أنّ الحياة أجمل، وعبرها نعلم أنّ فيها متّسع لعطاء..
فلتكن بسماتنا منارات فرح لغيرنا، ولننفق منها بسخاء، ولنتحرّ الصدق فيها كي تصل أسرع، وتبهج أكثر.
إضاءة:
عن عبد الله بن الحارث أنّه قال:
ما رأيتُ أحداً أكثر تبسُّماً من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. رواه الترمذيّ



القلادة الثامنة عشرة:
أوهام الحبّ !

جميلٌ أن تلتقي يوماً بإنسانٍ يحبُّكِ، يَفهمُكِ، يُسمِعُكِ من الحديثِ سِحراً في تعداد محاسنكِ، تحادثينه، وكأنكِ تتكلّمين مع روحكِ، فهو ساكِنُها، ويخاطبكِ خطاب الحبِّ فلا تملّين لحظة من إصغاء..
الحبُّ شعورٌ رائع.. ولكن هل يدوم؟!
إن طرق أبوابنا يوماً.. هل نفتح له دون تردّد، هل نستقبله بحفاوة؟ أم نتساءل..
هل هو الحبُّ الحقيقي؟ من يكون؟ وما هي أهدافه؟ وهل سيستمرُّ في حياتنا إلى الأبد؟
وهل سيكونُ محض وهم زائل وخيالٍ يتركنا حطاماً في يومٍ كئيب!
إنّ العقل يفرضُ حكمته، ويحمينا من الوقوع في الزّلل، ويجنّبنا حسرات وآهات وأحزاناً لا تنقضي.. إن زارتنا أوهامٌ للحبّ!
ولكن.. كيف نحكّم العقل في أمرٍ قلبيّ؟ وهل بوسعنا أن نحيا بلا حبّ؟ كيف ذلك وهو فطرة داخل كلّ قلب!
بالطبع..لا يستطيع الإنسان أن يحيا بدونه.. لأنه فطرة فطرنا الله عليها، وبه يكتمل إيماننا، ونتقرّب لله عزّ وجل.
يقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين).36
وعلى مرّ التاريخ والعصور، سكن الحبُّ قلوباً مؤمنة، وتنوّع في داخلها وتدرّج من الحبّ الأعظم والأسمى ــ ألا وهو حبُّ الله تعالى الخالق العظيم ــ إلى حبِّ البشر، وأعظمهم نبيّ الرحمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى حبّ الوالد والولد والزوج والأخ والرفيق..
ولو فتّشنا في صفحاته المضيئة لقرأنا نماذج رائعة للحبّ الراقي الكبير الطاهر..
فقد كان سيّدنا إبراهيم عليه السلام يحبّ زوجته سارة حبّاً شديداً،حتّى أنّه عاش معها ثمانين عاماً وهي لا تُنجب،لكنّه من أجل حبّه لم يرد أن يتزوّج غيرَها أبداً حتى لا يؤذي مشاعرها،فلمّا طلبت منه السيّدة سارة أن يتزوّج من هاجر وألحَّت عليه اضطرّ إلى النزول عند رغبتها"
وهذا قدوتنا ومعلّمنا صلّى الله عليه وسلّم الذي لم يستَحِ من إعلان حبّه لعائشة رضي الله عنها حين عاد "عمرو بن العاص" منتصراً من غزوة "ذات السلاسل"،وسأله:" مَن أحب الناس إليك؟"-ظنّاً منه أنّه سيكون هو- فقال له صلّى الله عليه وسلّم أمام الناس:" عائشة"!،فقال عمرو:" إنّما أسألك عن الرجال"،فقال صلّى الله عليه وسلّم مؤكداً اعتزازه بعائشة: أبوها"،ولم يقُل أبو بكر أو صاحبيّ...
ولنتأمّل معاً موقفاً آخر لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول فيه لعائشة حين غارت من خديجة رضي الله عنها: (إنّي قد رُزِقتُ حبَّها) رواه البخاري... هكذا ببساطة ووضوح،وهو ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ يعلم أن كلّ كلمة يقولها سوف تُنشر بين النّاس إلى يوم القيامة!!
ولما جاءه ــ كما روى ابن عباس ــ رجل وقال له:" عندنا يتيمة قد خطبها رجلان: موسِر ومُعسِر، قال له:" فهَواها مع مَن؟!" قال مع المُعسِر، فقال رسول الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم: (لم يُرَ للمُتحابِّين مثل النِكاح) ابن ماجة.
ولم يغضب صلّى الله عليه وسلّم من رجل يسأل عن علاقة عاطفيّة أو قلوب تهوى وتُحِبّ،وإنّما بارك هذا الحب،وقال: (إنَّ خير ما يُمكن أن نفعله لمَن يتحابا هو مساعدتهما على الزواج)!.
إذن.. فالحبّ عاطفة راقية إذا أُحسن توجيهها، ولم تتعدّ حدود الشّرع.. ولم تخترق قوانين الإنسانية الصافية النّقيّة..
فالشّاب حين يتقدّم لخِطبة فتاة سكنت قلبه، فهو يعبّر لها بذلك عن حبّه لها بأسمى طريقة..
والصادق يدخل البيوت من أبوابها، فلا يراوغ ولا يماطل، ولا يطلب لقاءً في الخفاء.
والفتاة الصّادقة النقيّة تلتزم حدودها ولا تتجاوزها، وتدرك قيمة هذه العاطفة فلا تدنّسها، فلا تخاطب غريباً من غير محارمها، ولا تجتمع به في خلوة، ولا تخفي من أمره شيئاً عن أهلها، لأنّها تقدّر عظم الثّقة التي منحوها إيّاها، ولذلك لا تفرّط بها أبداً مهما قادتها عاطفتها لذلك..
وهي تعلم تمام العلم أنّ من يقدرها لشخصها لن يرضى لها بمقابلة كمقابلة اللّصوص، ولن يعرّضها لموقف مشين، فالمحبّ لا يرضى لحبيبه بأيّ نوع من الأذى، فإن كانت محبّته صادقة فسيحترمها، وسيتقدّم لها زوجاً يتعاهد معها على بناء الأسرة المسلمة التي تعمر الأرض خيراً وصلاحاً..
كم من شاب قابل فتاة دون علم أهلها ثم تخلّى عنها لأهون سبب، وذلك لأنه فكر في خيانة تلك الفتاة لثقة والديها، وكذبها عليهم كي تقابله، ولن ينسى خلوتها به دون علمهم... ومن ثمّ فإنه سيفقد ثقته بها ولن يصدّقها أبداً ؛ حتّى لو تزوّجها، فإن الحياة الورديّة التي كانت تحلم بها ستنقلب إلى جحيم من الشكّ والغيرة والمشكلات التي لا تنتهي.
ونِسب الطلاق بين من تزوّجا بعد علاقة حب خفي قبل الزواج!أكبر شاهد على ذلك.
وسأذكر لك منها إحصائيّة أجريت في جامعة القاهرة، كان مفادها أنّ 88% من هذه الزيجات ينتهي بالإخفاق.
من المؤلم أن نجد في الحياة أحلاماً محطمّة على قارعة الحبّ، فتيات بعمر الورود خسرن نضارتهنّ وعفّتهنّ لقاء ثمن رخيص، قالوا إنّه الحب!
ها هي قصّة تدمي القلب عن فتاة سلكت درب الضياع ولم تعد منه أبداً..
-بدأت علاقتها وهي في سن الرابعة عشرة عن طريق الهاتف، وتطوّر الأمر بعد شهور إلى لقاءات في الخارج، ثم لقاءات في شقة، ثم حمل وإجهاض، ثم انتهاء للعلاقة من جانب الرجل؛ حيث تبيّن أنه متزوّج، ولا يستطيع الارتباط، واكتفى بذلك! وخرجت صاحبتنا محطّمة.. هائمة تبحث عن الحب من جديد لتجده في الشارع... شابّ لم يضيِّع وقته، فهم ما تريد أن تسمعه، فقالت: إن هذا هو الحبّ خاصّة وهو شاب مقارب لسنّها، ولتمنحه كلّ شيء وأيّ شيء، ولتكتشف بعد ذلك خداعه، ووضاعته؛ حتى إنه قدّمها لأحد زملائه؛ ولتكتشف أنّه غير مؤهّل لأيّ ارتباط، لكنّها تظلّ تردّد إنّها تحبّه.. تحبّه!!
وأخرى لاحقت خيالاً، حلماً جميلاً، هكذا ظنّته، وهكذا قرأت عنه في الروايات، وشاهدته في الأفلام، فأحبّت ابن الجيران الذي سرعان ما وصل بها إلى شقّة المصيف، ولتحمل في أحشائها جنيناً، ويشعر الأهل؛ ويتمّ الإجهاض وهي في سنّ الخامسة عشرة، ولتستمر المسيرة، وتحبّ شخصًا آخر زميلاً في الجامعة، ويسمع قصّتها، فقد أصرت أن تحكي له فهي لا تريد أن تخدعه، فما كان منه إلاَّ أن استولى على مصوغاتها الذهبية، وهرب، ووجدت نفسها أمام شاطئ البحر لتنتحر؛ فإذا بصديق يعرف عنها كلّ شيء، يظهر ليقول لها: بدلاً من الانتحار تعالي تزوّجيني!
وتتزوّج ابنة الثامنة عشرة دون علم أهلها بحثاً عن الحبّ والحنان الذي تصوّرت أنّها وجدته فتُفاجأ بأنها تعيش مع نصّاب عندما حضر الأهل واكتشفوا أن الزوج له سوابق للحصول على الأموال بالابتزاز مقابل تطليقها...
وأخرى بدأت أيّامها لاهثة خلف سعادة الحبّ فخلَّفَهَا حطاماً..
أحبّت الشاب اليتيم الفقير الذي أعجبتها قوّته واحتقاره لجمالها، وانصاعت مختارة له تعطيه من مصروفها وطعامها، وكلّما أمعن في البعد اقتربت، وأصرّت، وسلّمته نفسها يقودها إلى حيث يريد، وبعد ستّ سنوات بعد أن حصل على كلّ شيء تركها دون سبب وبلا رجعة؛ لتعيش تائهة حتى تُسرِّ لها إحدى المخلصات بأن الحلّ أن تتعرف على آخر حتى تُشفى من حبّه ليزداد الأمر سوءًا، وتشعر بالشّقاء ويزداد شغفها ولهفتها إلى الحبّ لتقع في يد شيطان أجهز على ما تبقّى منها بعد أن عرف كلمة السرّ: الحب!
قِصصٌُ كثيرةٌ، وآلامٌ عظيمة لا تتّسع لها الأوراق، ولا حتّى القلوب من فرط الألم!
إنّ هؤلاء الفتيات تصوّرن أنه هذا هو الحبّ، فهو الكلمة التي تلُوكُها الألسنة طوال ساعات الإرسال وفي الأفلام وفي المجلات ؛ فتظلّ الفتاة المسكينة مشتاقة لهذه المشاعر الملتهبة التي تمنح صاحبتها السعادة، كما تراها مرسومة على وجه البطلة التي تكرس ثنائية (الحب ـ الجنس) في آنٍ واحد، والتي تكسر الحاجز النفسي للإقدام على هذه التجربة، ولتأتي أغاني (الفيديو كليب) ومشاهدها المثيرة التي تركّز أساساً على صورة غريبة للعلاقة بين الفتى والفتاة تقوم على اللّمسات والقبلات والنّظرات، تجعل كل فتاة تهيم في عالم وهميّ يجعلها تستسلم لأوّل كلمة قد أحسن صاحبها صياغتها.
إن الحبّ الحقيقيّ موجود، ولكنّه غالٍ ويحتاج إلى مجهود للوصول إليه.. إنّه حبّ يبني ولا يهدم.. حبّ يقود إلى الفضيلة ولا يمكن أن يؤدّي إلى الرذيلة.. حبّ ضارب بجذوره في الأرض ينمو بطريقة طبيعية، يبدأ بذرّة تحتاج إلى العناية والرعاية في جوّ صحيّ من الوضوح والعلانيّة والشرعيّة، ثمّ ينمو نباتاً قويًّا صامداً. ولكن.. كيف تتّقي الفتاة سموم الحبّ الكاذب وأوهامه، لا بد لها من عون ومساعدة على الثبات على الطهر والإيمان، ولذلك أختي الحبيبة.. نقلتُ لكِ بعض الثّوابت المعينة لكِ على أمر دينكِ ودنياكِ.. فاقبليها لتكون حياتكِ وسعادتكِ الأغلى..
1- عليكِ بمصاحبة الطاهرات العفيفات الفاضلات مثلك لتتعاونّ جميعاً على الفضيلة، وابتعدي عن رفيقات السّوء فرفقتهنّ مجلبة للمخاطر، ومعرفتهنّ كمعرفة نافخ الكير.
2- ابتعدي -قدر الإمكان-عن سيل الأغاني العاطفيّة التي ليس لها هدف سوى تخريب العقول، وإيقاظ العواطف، واستثارة الغرائز.
3- لا تصدّقي الأكاذيب التي تنشرها الأفلام التي لا تكاد تخلو من قصّة حبّ ملتهبة، وكأنّ الدنيا تنحصر في رؤية المحبوب والقرب منه، وكأنّنا ما خُلقنا إلا لنحبّ هذا النوع من الحبّ!
فالأفلام تنهي القصّة ـــ بعد الّلقاءات المحرّمة ـــ بالزواج...أمّا الحديثة منها تتطوّر فيها العلاقة إلى الزنا وشرب الخمر والرقص الخليع!!
وبالمناسبة...هل رأيتِ فيلما واحداً تحرص فيه الفتاة على عفّتها وحيائها وطهرها؟
4- لا تقتني القصص والروايات الموجَّهة لغواية الفتيات والتي تتراوح قصصها بين الحبّ الرومانسي، والزنا، وتنتشر إعلاناتها في كلّ مكان... ويصل عددها إلى ما فوق الألف قصّة، فكم بنت في خيال الفتيات من أوهام!
5- مارسي هواياتكِ المختلفة سواء الرياضيّة أو القراءة أو الأشغال اليدويّة،أو غيرها...واحرصي على التفوّق في الدراسة بنِيّة أن تكوني مسلمة فَطِنة واعية،قويّة،وبِنيّة بِرِّك لوالديك،فتنالي الأجر والثواب عن كلّ ما تقومين به من مجهود وتعب.
6- لا تكوني كالوردة: رخيصة الثمن، سهلة المنال، يقطِفها مَن يريد، ولكنّها مع الوقت تذبل وتموت...ولكن كوني كاللّؤلؤة: غالية الثمن، صعبة المنال، لا يحصل عليها إلا مَن يستحقُّها،أمّا قيمتها فتزداد مع مرور الوقت!!
7- التحقي بدروس لتعلُّم تجويد القرآن،واحرصي على المشاركة في المحاضرات والندوات الدينيّة وهناك تجدين الصحبة الصالحة والعون على طاعة الله ومن ثمّ السعادة والراحة والهناء في الدّنيا والآخرة.
8- شاركي في المنتديات النسائيّة الراقية المتاحة على شبكة الإنترنت، فتستمتعي وتُفيدي وتستفيدي...

أخيراً.. أختي الحبيبة.. هي نصيحة أرسلها لكِ سائلة الله أن تجد في قلبكِ القبول.. " لا تتزوجي بعد ذلك إلا مَن ترضين دينه وخُلقه، فإنه إن أحبَّكِ أكرمك، وإن كرهك لم يظلمك... واعلمي أن الدنيا فانية وأنّها دار اختبار وعمل وليست دار بقاء وخلود،وأن الله سيبدلك خيراً إن شاء الله في الآخرة حين تكونين أجمل من الحور العين بطاعتك وخشيتك لله ومجاهدتك لنفسك والشيطان... وعساه أن يزوِّجك من حبيبك في الجنة بعد أن تصبح الظروف هناك مهيّأة لزواج سعيد مبارك."
والله يحفظكِ ويرعاكِ.
إضاءة:
أختي الحبيبة
إذا تعارض حبّان في شيء فلابد أن ينتصر أقواهما..
فمن أحبّ إليك؟ الله أم الطرف الآخر!
فان انتصر حبّك لله فهنيئا لك وان انتصر الحبّ الآخر فابْكِ على نفسك..







القلادة التاسعة عشرة:

الكتاب


ليس في الحياة أروع من شعورٍ بأنك تحملين فكراً وضّاءً، وعصارة فكرٍ، وخلاصة تجارب سنين طوال من عمل وجهد ومعرفة أينما حللتِ. تجمعها أوراق كتاب.
كتاب قد يكون صغيراً، لكنّه كبير جدّاً بما يحمله -إن أحسنّا اختياره-.
مهما قضيتِ من ساعات تعملين أو تتعلّمين هنا وهناك، ومهما جدّدتِ آفاقكِ، ونمّيت من شخصيتكِ، وطوّرتِ من نفسكِ، لن تحصلي على ذلك الجوهر النفيس الذي يهبه لك الكتاب، ولن تتذوقي ذات النكهة الأصيلة المتميّزة التي ذاقها العلماء الأوائل منذ سالف الزمان وحتّى زماننا هذا عبر صفحات الكتب!
ولعلّي أراكِ الآن تستغربين قولي، وتقولين بأنه عهدٌ سالفٌ ومضى في عصر إلكترونيّ بعيد الحدود ، لكنني أجزمُ بأن الأصالة لا تموت، بل تتنامى وتخلد مع الزمان.
والكتاب شيء أصيل، وصديقٌ نادر، وسيكون إجحافاً كبيراً في حقّه أن نظلمه، ونتناسى دوره الرائع بيننا!
فبمقدورنا أن ننجز حضارة بتطهير الفكر، والبحث عن منابع نقيّة نتشرّبها منه.. ونعين غيرنا أن يفيد أيضاً منها عبر خطواتٍ سريعة قد تقرّبه في أسرع وقت لتحقيق النجاح..
بالتشجيع على القراءة وتبيان أهميّتها، بالترويج للكتب القيّمة في كلّ مكان، وبمحاولة غرس حب المعرفة منذ الصغر وتعهّدها مع كلّ مرحلة من مراحل الحياة.

القراءة مفتاح المعرفة وطريق الرقي ؛ وما من أمة تقرأ إلا ملكت زمام القيادة وكانت في موضع الريادة وخير شاهد ما نعاصره من تفوق النصارى في الغرب والبوذيين في اليابان وتراجع المسلمين الذين نزل كتابهم العزيز المقدس مبتدئاً بالأمر " اقرأ " ؛ والأمر ذاته يصدق في حق الأفراد من الناس. والقراءة نزهة في عقول الرجال كما قال المأمون وتجربة ماتعة لا يكاد يهجرها من سحرته الكتب وهام بالمؤلفات وعشقها فهي سميره وحديثه ورفيقه ومحور حديثه وموضع اهتمامه .

أما عن نوعيّة الكتب التي نقرأ فعند هذا سنتوقف :
ماذا تقرأ ؟
1. لا بد من العناية بأركان الثقافة في خطة القراءة، وهذه الأركان مشتركة بين جميع الأمم والحضارات وإن اختلفت في الماهية، وهي :
• الدين : فلا مناص من إكثار القراءة في علوم الشريعة الغراء إلى درجة التضلع من بعضها فهي أشرف العلوم وأجلها وأسماها لارتباطها بالرب العظيم سبحانه .
• اللغة : فليس مثقفاً من لا يعرف لغته ؛ ويجمع حشفاً وسوء كيلة إذا أحسن لغة أجنبية وهو أجهل بلغته من دابته التي يمتطيها . وقد يحوز السوء كله حين يترجم من لغة أجنبية إلى لغته التي لا يجيدها.
• التاريخ : فمن جهل ماضيه صعب عليه فهم حاضره وصنع مستقبله .
2. ويتبع ذلك بناء قاعدة معرفية أفقية واسعة بالقراءة في أساسات الفنون وتواريخ العلوم بحيث يتكون لديك إلمام عام بكثير من العلوم .
3. ثم يتخصص القارئ في مجال يرى نفسه مقبلة عليه أو الحاجة إليه عظيمة .
4. ومن الحكمة أن يعتني القارئ بالنظر في القضايا المستجدة التي تطرأ بين الحين والآخر ويتأكد هذا الأمر في شان العلماء والدعاة والكتاب .

أخيراً وليسَ آخراً ..
كلّنا يعلم أن حاجتنا للعلم والثقافة والفكر مثل حاجتنا للماء والهواء تماماً
فما قيمة الإنسان إن قضى حياته يأكل ويشرب وينام، وأهمل ذلك الكنز الذي أودعه الله في رأسه!
فلنتعهّد حاجتنا، ولننظم أوقاتنا، ولنجعل تغذية العقل من أسمى أهداف حياتنــا.













القلادة العشرون:
السلام مع النفس ..

أحياناً.. يكون للحروفِ طعمٌ مرًٌّ، يذيقهُ صاحبها لغيره وكأنّه يهديهم عسلاً مصفّى من رحيق النصح، ثمّ ينصرف وأماراتٌ من الغبطة تحتلّه، دون أن يرى ذلكَ الكمّ الهائل من الأسى الذي خلّفته نصيحته المرّة في قلب مَنْ تجرّعها بصمتٍ، ثمّ بات يتحرّق على فراش الحزن واليأس، وحيداً يئنُّ وما منّ طبيب يداوي ما أفسده في لحظات داء السخريّة!
السخريّة.. تلك هي الأفعى السّامة التي حفرت جحورها في كلّ مكان من عالمنا، ولدغت فيه الأبرياء، و روّعت من ضحايا الضعف وحطّمتهم. ثمّ مضت تقهقه فوق ركامهم، وكأنّها بريئة من ذاك الدمار الذي نالهم، وهي في الحقيقة الجانية الرئيسة، والمتّهمة الحقيقيّة في جنايتهم..
أتأمّلُ ذلك المتباهي بقوّته، فأجده ضعيفاً بأدوات تدميره الهشّة، خاوي الرّوح، كائناً بلا معنى.. حين يبحثُ في الآخر عن مواطن خلل فيفتضحها، وقد أمر الله بستر العيب، وتقويم الضعف، وحسن النصح لكلّ مسلم..
وأنظرُ إلى ذلك الطائر الجريح فيهولني أمره، ويحزنني ضعفه، وأتمنّى لو كان أكثر صلابة ليصمد أمام الهجوم الموجّه صوبه بشخصيّة أكثر رسوخاً وثباتاً.. أتمنّى لو اعترف بضعفه بكلّ شجاعةٍ، وعزم على التغيير، وشكر ذلك الكائن الساخر، لأنه كان سبباً في دفعه نحو الأفضل..
يؤلمني أن أرى الناس تتهاوى من جرّاء كلمة عبثيّة بلا قيمة،وأعتبُ على الطرفين حيث أضاعوا فرصة ذهبيّة قدّمت لكليهما، فرصة قد تغيّر خللاً، لو مزج النصح بشرابٍ حلو عذبٍ فغدا لذيذاً طيّباً يشفي العلّة ويداوي السقم!
كما أنهم بددوا مشاعر عميقة من الاحترام والودّ وتبادل المنفعة، كانت لتقوّم الاعوجاج بكلّ سلاسة..
ما أحوجنا لأن نتعامل مع الآخر بتواضعٍ ورحابة صدرٍ ولين جانبٍ، وأن نضع نصب أعيننا: {لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهنّ......)) 37
عندها نستطيع أن نبدّل مرّ الحروف بحلوها، فتحلو بنا الحياة.. بجمال من يسقي ويستقي... في آنٍ معاً..
القلادة الواحدة والعشرون:
قاومي المرض

عندما يضعف منكِ الجسد فإنك تشعرين وكأنكِ شبح غريب تجهلينه، والأغرب استطاعتكِ أن تقنعي نفسك بأنكِ هذا الشبح.
تلازمين فراشك طويلاً، وتغزوكِ الأحلام بأشكالها وأنواعها، ترافقكِ كلّما أغمضتِ عينيكِ لتتناسين ألمك، ولا تبتعد عنكِ إلاَّ عندما يطردها الألم بعيـــدا.. ليحتلّك!!
عندما يرافقكِ المرض، تتمرّد أعضاء جسدكِ عليكِ..
فواحد يصرخ، وآخر يئنّ، وثالث ذاهل حائر منهك بلا قوّة!
رأسك الذي ظلّ طويلاً يبهرك بما يحتويه من آفاق وفكر يعاندك..
ويبحث عن أقتم بقعة سوداء في داخلك، ليريك إيّاها مكبّرة تحت المجهر!
وأطرافك التي طالما كانت تحملك وتعينك، تخونك وتتجاهل نداءاتك لأبسط داء قد يعتريك.
ولا تستغربي أبداً إن تقدّمت الغربة بجحافلها القويّة، وجيوشها الجرّارة كي تحاصر مدائنكِ، فتُسقِط كلَّ حصونك وقلاعك، وترفع رايتها السوداء إذا بقيتِ وحيدةً في فراشك بضعة ساعات لا يسأل أحد عنك.
إلاَّ أنّك إذا تأمّلتِ روحك، لوجدتها قد أشرقت بنور عميق، وغشيتها سكينة ربانيّة.
كيف لا وقد استسلم الجسد وأسلم أمره لله..
أفلا تعتلي الروح صروح نقاء؟ أفلا تعلو ثغركِ راية رضى بقضاء الله؟
عند المرض.. تذكّري لحظة أنّك بين يدي الله، تذكّري مريضاً على وجه الأرض يعاني افتقاراً للصحّة.
وأخبري أعضاء جسمك أنّها بيد الله ..
فلا تتجبّر إن أعطاها القوة.. ولتستسلم لكلّ قضاء إن أصابها وهن.
ولتخبري غربتك أنّ الزمن زمن الغرباء ..
وأنّكِ ماضية على الطريق..
فلا تهدّدنكِ بغربة مؤقتة.. فالاغتراب الحقيقي هو عن كلّ ما يغضب الله..
ولتتذكري كلّما مرضتِ بنعمة العافية.. ولتحمدي الله عليها.. وعلى عافية أخرى.. من داخل القلب تسطع.. لتبدّد كلّ ظـلام، ولتقهــر كلَّ ظلمــة!!





القلادة الثانية والعشرون:
أنتِ ريحانة الأسرة

مثل صورة فوتوغرافيّة ساحرة تبدو لي الأسرة في الماضي، أتأمّلها من كل زواياها فأزداد إعجاباً بانسجامها، صورة تحتوي الكثير من الأشياء التي قد تكون متضادة، لا علاقة لأحدها بالآخر، لكنّها تبدو متكاملة ساحرة عجيبة الإيحاء، تدفع للطمأنينة وتُشعر بالأمان!
يحتلُّ الأب فيها منصب الزعامة، بينما تكون الأم له مستشارة، ووزيرة رائعة للداخليّة، أما الابن الأكبر فهو السّند، المعتمد عليه في كلّ الشؤون كمساعدٍ أساسيّ، وعضو بنّـاء، ولكلّ فرد من الأفراد وظيفة لا تقلّ أهميّة عن غيره، يعيشون بانسجام تام رغم تفاوت الأعمار وتنوّع الشخصيات والأمزجة واختلاف الأفكار.
ويدين الجميع بالولاء للأب باعتباره قائد الرّكب المحنّك، الذي خبر الحياة، واعتزم أن يجعل له بصمة خالدة فيها عبر أجيال يُحسِن تنشئتها وتربيتها، وعبر استقامة وتقوى يغرسها في قلوب الأبناء، تارة باللّين وتارة بالشّدّة، المهمّ أن تخدم الموقف، وتقوده إلى موقف ناجح يترك الأثر العميق في نفس كلّ فرد.
أمّا الأمّ فهي موطن الحنان، ومستودع الأسرار لكلّ الأفراد، في ساحات قلبها يتجوّلون بحرّية، ويبنون صروح أمجادهم واثقين بأنّها ستُرعى بعناية حتّى تتحقّق!
في مملكة الأسرة يسود النّظام، ويشيع الاحترام المتبادل بين الأفراد. وعندما تطرأ مشكلة مباغتة فإن الاحتواء يكون البلسم المداوي لكلّ الجراح، وحسن النّصح والمتابعة هما الديدن الأساسيّ في داخل كلّ فرد، حتّى تتلاشى الزوبعة ويعود الاستقرار.
وأَنظرُ اليوم إلى صورٍ لبعضِ الأسر فأراها ممزّقة متناثرة، منظرها مؤلم يثير الشّفقة، وحالها لا يدعو أبداً للمسرّة. الوالدان في خلاف دائم، والأبناء في تشتّت وضياع، والألم سيّد الأسرة يعصف بالقلوب ويستبدّ بها، ويثقلها حتى يحرقها.
وأسمع صيحات نداء من فتيات أحزنهنّ ما آلت إليه أسرهنّ من دمار، وتألّمن كثيراً لغياب الوعي المطلوب في علاج المشكلات، واختفاء لغة الحوار بين الأفراد، وسيادة قانون الغاب الذي يأكل فيه القويّ الضعيف.
أولئك الفتيات قد احتجن يوماً للرعاية والحبّ والعناية، لكنهنّ وللأسف لم يجدنها، فآل طريقهن إلى انحرافٍ ومنه إلى دمار!
وتاهت كثيرات في مسالك مظلمة ضيّقة، ولم تنجُ إلا من أعانها الله برفيقة خير وصلاح فأنقذتها ودلّتها على طريق الإيمان.
وأتساءل..
هل بمقدورنا أن نستعيد عبر هؤلاء الفتيات تلك الصورة الساحرة المتكاملة للأسر المتماسكة، أم أنّ ذلك ضربٌ من المستحيل!؟
إنّ ذلك ممكن حقّاً..
فعندما يتملّك القلبَ حبُّ الله، وينطلق منه حبّ الإصلاح والرّغبة بالتغيير والصلاح، وعندما يكون الهمّ واحداً، فبمقدور الإنسان أن يصنع العجائب، وبإمكانه إِنْ سعى وصبر أن يحقّق الكثير من النجاحات.
لدى كلّ فرد طاقة كامنة لتحقيق ما يُظَنُّ مستحيلا، إِنْ أراد هو ذلك وعقد العزم على النجاح فلن يَعدم الأساليب التي بها يُحقّق ما يصبو إليه.
وها هي نصائح ذهبيّة يوردها لنا الدكتور ناصر العمر من أجل حياة أجمل:
- ذلك الكمّ الهائل من عمرك والذي يعدّ بعشرات السنين، قد تحقّق من أنفاس متعاقبة وثوان متلاحقة.. وآلاف الكيلو مترات التي قطعتها في حياتك ؛ ليست إلاَّ خطوات تراكمت فأصبحت شيئاً مذكوراً.
- وكذلك الأهداف الكبرى؛ تتحقق رويداً رويداً، وخطوة خطوة، فعشرات المجلّدات التي يكتبها عالم من العلماء، ليست إلاَّ مجموعة من الحروف ضُمّ بعضها إلى بعض، حرفاً حرفاً؛ فأصبحت تراثاً خالداً على مرّ الدهور والأجيال.
- علو الهدف يحقّق العجائب، فمن كافح ليكون ترتيبه الأوّل؛ يحزن إذا كان الثاني ومن كان همّه دخول الدور الثاني ؛ يفرح إذا لم يرسب إلاَّ في نصف المقرّرات والمواد.
وإذا كانت النفوس كـباراً تعبت في مرادها الأجسام
مـن يهـــــــــــــــن يسهــــــل عليه ما لجــــرح بميــــــــت إيـلام
- الإبداع لا يستجلب بالقوّة، وتوتّر الأعصاب؛ وإنّما بالهدوء، والسكينة وقوّة الإيمان، والثقة بما وهبك الله من إمكانات، مع الصبر والتصميم، وقوّة الإرادة والعزيمة ؛ ولذلك فأكثر الطّلاب تفوّقاً؛ أكثرهم هدوءاً، وأقلّهم اضطراباً عند الامتحان. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وأربطهم جأشاً، وأثبتهم جناناً، وأقواهم بأساً ؛ يتّقون به عند الفزع، لا يعرف الخوف إلى قلبه سبيلاً.
- التفكير السليم المنطقيّ يقود إلى النجاح، والتخطيط العلميّ العمليّ طريق لا يَضلّ سالكه.
وفشل كثير من المشروعات منشؤه الخطأ في طريقة التفكير، والمقدّمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة.
- الواقعية لا تتعارض مع تحقيق أعظم الانتصارات، والريادة في صناعة الحياة ؛ بل هي ركن أساسيٌّ من أركانها، وركيزة يبنى عليها ما بعده، وعاصمٌ من الفشل والإخفاق بإذن الله.
- كثير من المشكلات الأسريّة، والشخصيّة، والاجتماعيّة؛ منشؤها توهّم صعوبة حلّها، أو استحالته. بينما قد يكون الحلّ قاب قوسين أو أدنى؛ ولكنّ الأمر يحتاج إلى عزيمة وتفكير، يبدأ من تحديد المشكلة ثمّ تفكيكها إلى أجزاء، ومن ثمّ المباشرة في علاج كلّ جزء بما يناسبه.
فلو عملت كلّ ريحانة مؤمنة تعيش في أسر ممزّقة على لمّ الشتات بالخلق الحسن، وحاولت بصبر وجهد أن تعين، لتكون في مواقف تستدعي الحنان أمّاً لإخوتها، وفي مواقف تتطلب الحزم أباً حريصاً على الإصلاح. وأن تكون الأخت الواعية والحريصة على إخوتها، المشفقة عليهم من ضياع، وفي نيّتها أن يرضى الله وأن تسعد وتُسعد في حياتها فستعمل على تلافي حدوث المشكلات قبل وقوعها، وستحلّق كحمامة سلامٍ في سماء موطنها الصّغير، تقرّب القلوب، وتنشر الدفء والحبّ، وستنادي كلما انهارت صروح عمّرتها،أو شارفت على انهيار، وعندها سينتشر السّلام في القلب، بل في كلّ القلوب!
قال الله تعالى: {إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما} سورة النساء آية 35
فالبنية الصالحة والنيّة الحسنة تقرّبنا أكثر من بعضنا البعض، وتجعلنا يداً واحدة، كما كان صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فاجعلي يا أخيّتي نيّتكِ بناء أسرةٍ صحيحة سليمةٍ حتّى يوفّقكِ الله لذلك.


القلادة الثالثة والعشرون:

مجالس النّــور..

إن قيل لكِ أنّ وباءً لمرضٍ ما قد غزا مدينتكِ، وأصيبت به كثيرات، وأدّى إلى هلاكهنّ... ترى.. ماذا سيكون موقفكِ حينها؟ لا بدّ أنكِ ستسارعين إلى أقرب عيادة لأخذ الاحتياطات، والتعرّف على المرض، ستحاولين جاهدة تجنّبه بكلّ الوسائل، وستجنّبينه كلّ من تحبّين، ببذلكِ جهداًَ مضاعفاً لإبعاده عن حياتكِ.
فهل فكّرتِ يوماً بالتّلوّث المعنويّ الذي يُلحِقُ الأذى بروحكِ كيف ستنجين منه؟ كيف ستحمين منه من تحبين؟ كيف تكافحينه وتنتصرين عليه؟!
إنه حقاً وباء يهاجم مجتمعكِ يطاردكِ حتى في بيتكِ وغرفتكِ، ويتسلّلُ إلى خبايا نفسكِ، فيحاوركِ حواراً خفيّاً يُدعى الوسوسة، فإن وجد منكِ استجابة فإنه لا يمضي حتى يهلككِ.
هذا الوباء أصبح مألوفاً في أيامنا هذه، تقتات عليه معظم النساء في مجالسهنّ، في غيبة أو نميمة أو كلام سوء، ينشرنه كالسّم في كلّ قلب، حتى يُعتاد عليه فيموت، ويفقد الإحساس بخطره، بل ويدمن على ممارسة الذنب ويسعى إليه فيؤذي غيره!
خطره عظيمٌ مدمّر.. ولا سبيل لمكافحته إلاَّ بالتسلّح بسلاح إيماني معاكس له.
ابحثي عن مجالس الطهارة والفضيلة، احجزي لكِ مقعداً دائماً فيها.
فإذا جلستِ مجلسكِ وحدكِ أو مع أخواتكِ فليكن ذكر الله على ألسنتكنّ كي تنلن وافر الأجر..
واجعلي بين عينيكِ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قعد مقعداً لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله تِرة، ومن اضّجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة) 38 ومعنى ترة: حسرة وندامة يوم القيامة.
وتذكري دائماً كفّارة المجلس ليغفر لكِ كلّ لغطٍ كان في مجلسكِ وهي أن تقولي: (سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) 39
وليكن حضوركِ مفتاح خيرٍ في كلّ مجلس، وانتقي من حدائق الكلمات أغناها وأثمنها، وأكثرها خيراً وبرّاً، وتجمّلي بلين القول وطيب المقال، وحسن النّصح والتواصي بالخير.
فليس أجمل من كلمة تترك أثر خيرٍ في القلب، كغرسة نخل تنمو وتطرح أطيب الثّمر.

إضاءة:
قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم:
والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمنّ لكم بالله: إن أحبّ عباد الله إلى الله: الذين يُحبِّبون الله إلى عباده، ويحبِّبون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنّصيحة.



القلادة الرابعة والعشرون:
من أجل قلوبٍ نقيّة..
الإختلاط ( 2)

أعجبُ من بستانيٍّ غرس زهرة في حوضه، ولما تفتحت ونضرت وفاح أريجها، سلّط أقدام المارّة على الحوض يمرّون كيف شاؤوا، وكتب عبارة قربها تقول: (انتبه للأزهار!)
هذا بالضبط ما يفعله ربّ أسرة كريمة حين يعرّض ابنته لداء الاختلاط.
يسلّطُ عليها المخاطر والفتن، ويطالبها بالعفّة والطّهر والحياء! ويغضب كثيراً إن عكّرتها كلمة ألقيت من فم نجسٍ، ويتساءل.. ما بال هذا الزمان؟ لا مكان فيه للعفّة أو الحياء؟!
بعضُ الأسر قد خلعت رداء الحياء، ففتحت الأبواب على اتّساعها للاختلاط بدعوى التحضّر..
فعشّشت في داخلها الفتن، وقاست من مصائب وويلات اجتماعيّة وخلقيّة عندما لم يعد هناك تفريق بين الحلال والحرام!
بدعوى التحضّر ونبذ الرجعيّة تعزّزت فكرة الاختلاط.
ولعلّهم لم يتمعّنوا قليلاً في قوله تعالى: {وإذا سألتموهنّ متاعاً فاسألوهنّ من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ} 40
فكان السؤال من وراء حجاب، أي بوجود حائل بين المرأة والرجل، وبهذا تحدث طهارة القلب بمنع الاختلاط.
ولعلهم غضّوا الطرف عن قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظنّ فروجهنّ} 41

فالأمر هنا بغضّ البصر، وغضّ البصر شبه مستحيلٍ في الاختلاط، ومن هنا دلّت الآية على تحريمه.
وإني لأعجب من أناس يفتحون لعائلاتهم أوسع الأبواب ليستقبلوا كلّ قريب أو غريب أو عابر سبيل، ويكون ذلك دون ضوابط أو حواجز أو حدود.
فهم إن أمنوا أن الظاهر سليم، فكيف يأمنون صفاء القلوب وطهرها من الفتن؟! وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)42، فبأيّ حجّة واهية يُجمع الفاتنُ والمفتونُ في مكان واحد وتؤتمن القلوب على النقاء؟!
زعم السفور والاختــــــــلاط وسيلة للمجد قوم في المجانة أغرقوا
كذبوا متى كان التعرض للخنا شيئاً تعــزّ به الشعوب وتسبق
إننا في زمن الفتن، ولا سبيل للوصول إلى مجتمع مثالي صالح إلاَّ بأن تتحصّن المرأة بالحياء، وتعتصم بأمر الله، فتتجنّب مواقع الشبهات، وتحصّن قلبها، وتغضّه عن الحرام.
وأن يتّقي كلّ رجل ربّه في إماء المسلمين، فيحفظ فرجه، ويغضّ بصره، ويرضي ربّه. وليتّفقوا جميعاً رجالاً ونساء على أن يفسحوا الطريق للفضيلة كي تتربّع من جديد في كلّ بيت وشارع ومدرسة وسوق.
وكم أتوق لأرى الفتاة المسلمة وهي تبتعد عن مواطن الشبهات..
وأن تقاوم كلّ الظروف العصيبة حتّى وإن دُفعت إليها دَفعاً لتجد نفسها في مجتمع ملوّث، فعليها أن تبدأ بنفسها أوّلاً، تتحرّى الصّواب، وتدعو إليه وتنادي به، وتعمل أن تنتشل الزهور الطيّبة وتعيدها إلى تربتها الطيّبة القائمة على أسس من الدين والتقوى والإيمان.
فبذلك قام المجتمع المسلم المثاليّ، وبذلك عاشت أمهاتنا المسلمات حرائر، وكنّ قدوة تحتذى للفضيلة والعفاف.


القلادة الخامسة والعشرون:
التوبة

كثيرات تمنّين أن يعشن حياتهنّ طويلة، يبذلن فيها ما استطعن من جهدٍ ووقتٍ، كي يجنين ثمرة نجاحهنّ في لحظة يسمّينها (لحظة العمـر)!
هي لحظة يرتدي بها القلب حلّة السعادة البيضاء القشيبة، وتزغرد فيها الرّوح فرحاً.
لحظة حصاد الجهد والتّعب في جائزة رائعة، تُشعرُ الإنسان بأنه لن يأبه إن أتاه ملك الموت فقبضه، فما عاد يتمنى من الدنيا أيّ شيءٍ أكثر ممّا حظي به في هذه اللحظة!
أتأمل أحوال النّاس، وأسمحُ لنفسي باقتحام أحلامهم..
أطرحُ تساؤلاتي بعفويّة وصدق، لأنتظر إجابات بذات الصدق والعفويّة..
تُرَى... ما هي لحظة العمر بالنّسبة إليكِ؟
تبتسم العين وتقول: إنّها لحظة زفافي التي أنتظرها منذ سنين طوال!
وأخرى تدمع قائلة: عندما أُرزقُ بمولود يملأ حياتي بهجة وحيــــاة!، وثالثة تضجُّ ملامحها بالثّقة والقوّة تهتف قائلةً: عندما أحصل على أعلى الشهادات العلميّة، أو..... عندما أكون أغنى امرأةٍ في العالم.
جميع هؤلاء النساء على اختلافهنّ يتّفقن على أنّ لحظة العمر هي لحظة انتصار الفرح، وطمأنينة القلب، وتحقيق الحلم!
ولو نظرنا للحياة بمنظار أبعد لوجدنا أن الفرحة الحقيقيّة للمسلم هي في رضا الله تعالى عنه.
فالإنسان يسعى ويكدّ ويكدح، تطبيقاً لأمر الله تعالى له بعمارة الأرض، ويجاهد في عبادته ويصبر ويزيد امتثالاً لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُوْن} 43
إذن فالغاية الحقيقيّة تتحقّق في اتّباع أوامر الله واجتناب نواهيه، لكنّ المرء يُخطئ ويُصيب، ويُذنب، ويَعصي..
وهنا تأتي الفرصة الذّهبيّة إليه، وتصبح لحظة العمر بين يديه، عبر توبة خالصة لله، يقطعها على نفسه بألاَّ يعودَ إلى خطيئةٍ أبداً، وهنا يتجلّى الصدق في أروع تواجد، ويحلّ النقاء بديلاً لغبار العوائق، وتشرق في روح المسلم ألف شمسٍ تنير الأرض، ويطهر المجتمع، من لحظة عمر مرّت بالإنسان فأحسن استغلالها.
ومن كرم الله تعالى وإكرامه للإنسان بأنّه جعل هذه اللَّحظة تمرّ مع كلّ لمحة عين، وكلّ نفسٍ يتنفَّسه، ومع كلّ خفقة قلب، إذا ما صدقت التوبة!.
قال الله عزَّ وجل: {يا أيُّها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبَة نصوحًا}44 وقال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعًا أيُّها المؤمنون لعلَّكم تُفلحون}45 وعن مغفرته تعالى التي وسعت كلَّ شيء: {واستغفروا ربّكم ثم توبوا إليه إنّ ربّي رحيم ودود} 46ويقول تعالى: {وإنّي لغفّار لمن تاب وءامن وعمل صالحًا ثم اهتدى}47
هذه الآيات أتت معطّرة ببشائر إلهيّة لكل تائب وتائبة..
وهاهي السّنة تذكّرنا بأن التوبة حياة حقيقيّة جديدة لكل توّاب..
روى ابن ماجه رحمه الله أن الرسول محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع عن ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهما أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلم قال: (لو أنّ لابن ءادم واديًا من ذهب أحبّ أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلاِّ الـــتـــراب، ويــتــوب الله على من تاب). رواه البخاري ومسلم.
فمهما عظمت ذنوبنا، سنذكر دائماً أن هناك طريقاً مفتوحاً لا يُغلق مادامت تنبض بنا حياة..
فلا نقنط، ولا نيأس أبداً من رحمة الله..
فالمسلم العاقل هو الذي يقوّم نفسه ويأخذ بزمامها إلى ما فيه مرضاة الله تعالى ورسوله، وإن جنحت نفسه يومًا للوقوع في المعاصي والانهماك في الشهوات المحرّمة، يعلم أنّ الخالق غفورٌ رحيمٌ، يقبل التوب ويعفو عن السيئات، وأنّه مهما أسرف في الذنوب ثم تاب منها فإنّ الله يغفرها جميعاً. لقوله عزّ وجل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرحيم}48 والقنوط من رحمة الله هو أن يجزم المرء في نفسه بأنّ الله لا يرحمه ولا يغفر له بل يعذّبه، وهذا القنوط ذنب من الكبائر.
وفي التاريخ لنا عبر في قصص تجلّت رحمة الله تعالى بها على عباده التائبين..
ففي قصّة المرأة من جهينة لما زنت وحملت ووضعت ثم شُدّت عليها ثيابها ثم أمر بها فرُجمت ثم صلّى عليها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فقال عمر: تصلّي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ قال: (لقد تابت توبة لو قُسّمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجَدْت أفضل من أن جادت بنفسها لله عزّ وجل). رواه مسلم رحمه الله.
وقد وردت قصّة عن مسلم من بني إسرائيل قتل مائة إنسان ثمّ سأل عالمًا: هل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة، اذهب إلى أرض كذا فإن بها قوماً صالحين، يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتّى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك بصورة ءادمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية في الصحيح: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها، وفي رواية فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغُفِر له.
فما أعظم لحظة التوبة وما أسعد التائبين، فكم من أناس فاسقين فاسدين بالتوبة صاروا من الأولياء المقربين الفائزين.
فلينظرُ أولئك الذين يلهثون بحثاً عن لحظات ملأى بالفرح تنير حياتهم بالبهجة، ماذا صنعوا بعد مرور لحظة دنيويّة عابرة؟ وأيّ هدف رسموه؟ وليقارنوا أنفسهم بتجّار الآخرة الذين أتقنوا تثمين البضاعة، وانتقوا الأغلى والأبقى لهم، فاحتفظوا بها إلى يوم الدين.
إضاءة:
يا نفسُ توبي فإنّ الموت قد حانــــــــــــــا
واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانـــــا
في كل يـــــــــومٍ لنـــــــا ميت نشيّعــــــــــــه
ننسى بمصـــــــــــــرعه آثــــار موتانــــــــــــــا
يا نفس مالي وللأمــــــــوال أكنزهـــــا
خلفي وأخرج من دنيــــــــاي عريانـــــــــا
قد مضى الزمان وولى العمر في لعب
يكفيك ما كانا قد كان ما كانا





القلادة السادسة والعشرون:
الجرأة

نظرتُ يوماً إلى السماء في ليلة قمريّة صافية، فسحرت بنور القمر الفضيّ ينشر في الأرض جمالاً آسراً، وكأنّه يودّ أن يوصل رسالة لأهل الأرض تقول " مهما ازدادت الظلمة، ثق بأن هناك من يسعى لنشر الأمل والنور في كلّ مكان ".
ونظرتُ حولي فإذا بي أرى حديقة من زهر مضيء تنتشر بزهوٍ حوله، تتباهى كلّ نجمة بسطوع وألق، تسعى لتوصل رسالتها المضيئة إلى كلّ قلب.
وفي مكان بعيد، رأيتُ نجمة تتوارى بنورها خجلى، تحاول أن تخفيه، تارة تبذلُ الجهد فتسطع، وتارة تنطفئ بفتور غريب!
حار فكري وأنا أتأمّل تلك النجمة الساحرة، لم تتعمّد أن تختفي فلا تضيء؟! إنّها مثل قريناتها سحراً وألقاً، بل قد تزيد عنهنَّ حجماً وسطوعاً، فلم تدفن نفسها في الظلمة بينما بإمكانها أن تنشر النور؟
تذكرتُ أناساً من البشر يحملون صفات رائعة، لكنهم لا يجيدون استغلالها بدعوى الخجل.
بعضهم قد تفوّق في العلم الشرعي، ورأى العالم حوله يقبع في ظلمة، لكنّه لم يقدم على التغيير، بل تنحّى وترك مكانه فارغاً!
بعضهم رأى المفاسد تحيط بالمجتمع، تلتهمه بجشع دون رحمة، وما تحرّكت في داخله رغبة لمكافحتها، رغم أنه قد تحلّى بالقوّة والذكاء!
ونساء كثيرات تركن السموم تنتشر في محيطهنّ،فتلوّث بغيبة ونميمة وحقد وحسد، وما نبسن ببنت شفة! ولا فكّرن يوماً بنصحٍ أو تغيير!
لقد تركن المقاعد فارغة لعل الزمان يأتي بمن يملأها، وتركن أهدافهنّ الحقيقيّة في نصرة الحقّ تتلاشى، فما عُدن يبحثن عن أسباب تحقيقها، أما علمن أن " الأعمال صورٌ قائمة، وأرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها ".
وإنهنّ لمحاسبات..
فقد استسلمن للخجل ولم يحاولن للحظة المقاومة!
ولو عقدن العزيمة على التغيير لوجدن الأبواب مفتّحة لهنّ، ولو أقدمن على خطوة جريئة لتتالت الخطوات، ولتحققت النجاحات، ولسافر الخجل بعيداً، ولسطعت النجمة معتزّة بنورها الوضّاء، من بين نجوم شتّى.
فإلى متى نخفي أنوار القلوب خلف ستائر الليل البهيم؟ وإلى متى الصّمت في زمن الحوار والإقناع بحبٍّ، ونصرة الحقائق!

أختي النّجمة السّاطعة..
هذه زهور قطفتها من حقل النصح فاجعلي منها قلادة تبرز جمال روحكِ :
-لا تهتمي بتوافه الأمور، ولا تجعلي صغائر المشاكل تهدم سعادتك، ولا تسمحي لنفسك بالثورة من أجل أشياء تافهة.
-لا تعطي الأمور أكثر مما تستحق، قدري قيمة الشيء، وأعطي كل شيء حقه من الاهتمام.
-استغرقي في عملك، فإذا ساورك القلق أشغلي نفسك بالعمل أو بأمر آخر مفيد..
-لا تكوني أنانيّة، وصبّي اهتمامك على الآخرين، واصنعي في كلّ يوم عملاً طيباً يرسم الابتسامة على وجه إنسان.
روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً) "49.

-اجعلي عملك خالصا لله تعالى، ولا تنتظري الشكر من أحد. قال عليه الصلاة والسّلام: " إنّما الأعمال بالنّيات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى " رواه الشيخان.
- ركّزي جهودك في العمل الذي تشعرين من أعماقك أنّه صواب، ولا تستمعي للوم اللاّئمين، وإذا ما وجدت نفسك على خطأ فالتراجع عنه فضيلة.
-احتفظي لنفسك بسجّل تدوّنين فيه الأخطاء التي ارتكبتها، واستحققت النقد من أجلها، عوّدي إليها من حين لآخر، لتستخلصي منها العبر التي تفيدك في مستقبلك.
-اكظمي غيظك ولا تغضبي، فالله تعالى يمتدح الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. قال تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} 50
-حاولي أن تغيّري الأشياء السلبيّة إلى إيجابيّة.. ويضرب ديل كارنجي مثلا فيقول: " إذا لقيت بين يديك ليمونة مالحة، فحاول أن تصنع منها شراباً سائغاً حلواً ".. وفكّر دوماً في السعادة، واصطنعها لنفسك تجد السعادة ملك يديك...
-اعرفي نفسك ولا تحاولي التشبّه بغيرك، ولا تحسدي أحداً من الناس، فقد رفع اللهُ الناسَ بعضهم فوق بعض،قال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم} الأنعام 165
-التزمي في عملك بالقواعد التالية:
استريحي قبل أن يدركك التعب.
حين تعترضك مشكلة احسميها فور ظهورها.
أضيفي إلى عملك ما يزيد استمتاعك به.
تعوّدي النظام والترتيب.
افعلي الأهمّ ثمّ المهمّ.
لا تؤجّلي عمل اليوم إلى الغد.
لا تحمّلي نفسك ما لا تطيقُ. قال تعالى: {لا يكلّف الله نفساً إلاَّ وسعها}.
إذا أصابتك لحظات من القلق والخوف، فلا تجزعي ولا تيئسي فقد تكون ابتلاء من الله تعالى، فعليك بالصبر والاستعانة بذكر الله تعالى.. قال تعالى: {ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون) سورة البقرة 155 – 157
وقال تعالى: (إنّه لا ييئس من روح الله إلاَّ القوم الكافرون) سورة يوسف87















القلادة السابعة والعشرون:
نهاية الرّحلة

كلمة ترعب الكثيرات ممّن وجدن أنّ الدنيا هي المقرّ، وأنّ الآخرة بعيدة، فيتحاشين النطق بها، والتطرّق إليها بأيّ حال من الأحوال..
لكنّها حقيقة! ولا مفرّ منها.
الموتُ آتٍ مهما هربنا منه، آتٍ في موعده المحدد، لا يتأخّر لحظة، مهما تمنّينا ألاَّ يفعل..
لنتخيّل أنفسنا في موقف يأتينا فجأة، ونحن عنه غافلات، فيقودنا إلى مكان ليس منه رجوع، ولا تقبل منه توبة، ولا يشفع فيه إلا العمل الصالح..
ولنتخيّل شريط الحياة اللاهية يمرُّ أمام أعيننا، فنرى تلك العاصية المستكبرة على دينها، الغافلة عن تعاليمه، ماذا حلّ بها! ما أفقرها رغم الغنى، وما أضعفها رغم القوّة!
إنها لحظة تأتي، ستتراءى لنا بها الصلاة معاتبة، كم أهملتِ، وكم قصّرتِ وكم ضيّعت!
وكم نداء إلهيّ تجاهلت، وأنت تسمعين: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح!
سنتمنّى لو عاد بنا العمرُ لحظة للوراء كي نتوب توبة نصوحاً فتغفر كلّ الذنوب، سنتمنى عمراً مفروشاً بالعمل الصالح والطاعات، ولكن، لا.. لن تكون هنالك عودة للدنيا، قال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون} (99)سورة المؤمنون
لقد نسينا في غمرة الحياة هذا الزائر الذي لا يتأخّر لحظة عن موعده، وهاقد أتاك..
بعد لحظات.. سيغسّلونكِ، ويصلّون عليكِ، وقد لا يأتون لسوء ذكرك!
ولحظاتٌ أخرى، ويلامسُ وجهكِ التراب، ويهيلونه عليكِ فيكون لكِ غطاءً..
حياة جديدة!
وها أنتِ الآن وحيدة في قبرٍ مظلمٍ بلا أنيس..
عارية من كلّ شيء في هذه الدّنيا، من عمل صالح، من آية قرآن تضيء ظلمة قبرك!
ومن خلق حسن أو عمل صالح يشفع لكِ!
أهلكِ، لا تستنجدي بهم! ها قد رحلوا وتركوكِ وحيدة، لن يذكروكِ بخير صنعته يوماً .
هل كنتِ عابدة، فيسألون الله أن يرفع منزلتك؟
أم كانت يدك يدَ خيرٍ فيدعون الله أن يرحمك؟
أم كان طريقك مستقيماً فيسألون الله لك النجاة؟!
سيبكون عمراً أنفقته في ترف ولم تفكّري يوماً أن تتصدّقي، وقرآناً غطّاه التراب ولم تفكّري يوماً أن تتدبّري..
لحظات.. وسيأتي الملكان ليسألاكِ
من ربّك؟ فهل عرفته!
من نبيّك، فهل على أثره سرت؟
ما دينكِ، فهل لشرائعه اتبعت؟!
هل ستطيقين جواباً، هل سيحتمل جسدك الرقيق عذاباً!
تأخذنا الحياة بزينتها، وترفها، ومشاغلها بعيداً عن التفكير في الآخرة، تنسينا أنّنا مهما نجحنا أو ارتقينا، ومهما تكبّرنا أو تجبّرنا أو تعالينا.. فلن تكون نهايتنا سوى حفرة تضمّنا في أرض منها خرجنا وإليها نعود..
يا ابن آدم أتدري ماذا يقول ملك الموت وأنت نائم على خشبة الغسل... ينادي عليك ويقول: يا ابن آدم أين سمعك ما أصمّك، أين بصرك ما أعماك، أين لسانك ما أخرسك, أين ريحك الطيّب ما غيّرك، أين مالك ما أفقرك.

فإذا وُضِعْتَ في القبر نادى عليك الملك يا ابن آدم جمعت الدنيا أمْ الدنيا جمعتك. يا ابن آدم تركت الدنيا أمْ الدنيا تركتك. يا ابن آدم استعددت للموت أمْ المنيّة عاجلتك، يا ابن آدم خرجت من التراب وعدتَ إلى التراب... خرجت من التراب بلا ذنب وعدتَ إلى التراب و كلّك ذنوب. فإذا ما انفضّ الناس عنك وأقبل الليل لتقضي أول ليلة صبحها يوم القيامة، ليلة لا يؤذن فيها الفجر، لم يقل المؤذّن يومها الصلاة خير من النوم... انتهت الصلاة... انتهت العبادات...

إنّ الذي سيؤذّن فجرها هو إسرافيل. أيّتها العظام النخرة، أيتها اللحوم المتناثرة قومي لفصل القضاء بين يديّ الله ربّ العالمين.


إن الله تعالى يقول: {ونُفِخَ في الصور فجمعناهم جمعاً}. سورة الكهف آية 99 ويقول الله تعالى : {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً.} سورة الكهف آية 47
في لحظة واحدة تنتقلين من حياة إلى أخرى، يتركك الجميع ويرحلون، فلا يبقى معك سوى العمل، وما قدَّمت في دنياك..
الموت.. هادم اللذات،ومفرّق الجماعات، دعانا النبي صلى الله عليه وسلّم إلى كثرة تذكره! إذ يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (أكثروا ذكر هادم اللّذات) رواه الترمذي والنسائي/ صحيح النسائي
فلمَ تُراه أمرنا أن نذكره؟ ألأَجل أن تلين قلوب قست فتتذكّر أنّها في سفر إلى دار القرار؟ أم لتقدّم أفضل، وتعمل خيراً، وتبذّر صلاحاً!
أم لأجل ذلك كلّه معا؟!
أُخيّتي: أليس من العجيب أن نودّع كل يوم ميّتاً! ثمّ لا يحرّك ذلك قلباً؟! ولا يثير خوفاً أو فزعاً؟!
بل كأنَّ الموت مكتوب على هذا المشيّع وحده! فكم هي هذه الغفلة قبيحة! وكم هي كريهة وشنيعة! إنه عمى القلوب! وما أسوأه من عمى.. {فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} سورة الحج/ 46
أختي الحبيبة:
إذا شغلتك الدنيا! فتذكّري الموت فإنّك راحلة! ولن تجدي لتلك النفس سوطاً أشدُّ عليها من تذكُّر الموت!
» فهل تفكّرت يا ابن آدم في يوم مصرعك وانتقالك من موضعك؟! وإذا نقلت من سعة إلى ضيق! وخانك الصاحب والرفيق! وهجرك الأخ والصديق! وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر! وغطّوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر! فيا جامع المال والمجتهد في البنيان! ليس لك والله من المال إلا الأكفان! بل هي والله للخراب والذهاب! وجسمك للتراب والمآب! فأين الذي جمعته من المال؟! فهل أنقذك من الأهوال؟! كلاَّ بل تركته إلى من لا يحملك! وقدَّمت بأوزارك على من لا يعذرك!» الإمام القرطبي.

هل ترانا حدثنا أنفسنا عن قدومه؟ وهل فكرنا بأننا قد نموت اليوم أو غداً؟ وإن حصل... فماذا ترانا قد قدّمنا!
هل كنّا في حياتنا على حذر منه، وهل استعددنا لملاقاته ونحن على أفضل حال!
لِمَ لَمْ نتزوَّد في أيَّامنا عملاً صالحاً يكون لنا نوراً في القبور، وسعادة عند البعث والنّشور..
فالعمل الصالح خير زاد.. وخير رفيق يوم المعاد.. وروضتك يوم الرقاد.. وأنيسك إذا تفرّق عن قبرك العباد..
هيا لنسلّط الضوء على صحابة أخيار، قابلهم الموت، فالتقوه بإيمان ورضا، استعدّوا في حياتهم للقاء الله فكانت في حسن خواتيمهم لنا عبراً..
أبو بكر الصّديق رضي الله عنه:
حين وفاته قال: وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. وقال لعائشة رضي الله عنها: انظروا ثوبيّ هذين، فاغسلوهما و كفنوني فيهما، فإن الحيّ أولى بالجديد من الميّت.
و لما حضرته الوفاة أوصى عمراً رضي الله عنه قائلاً: إنّي أوصيك بوصيّة، إن أنت قبلت عني: إنّ لله عز و جل حقّاً بالليل لا يقبله بالنهار، و إنّ لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، و إنّه لا يقبل النافلة حتى تؤدّى الفريضة، و إنّما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في الآخرة باتّباعهم الحقّ في الدنيا، و ثقلت ذلك عليهم، وحقّ لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلاً، و إنّما خفّت موازين من خفّت موازينه في الآخرة باتّباعهم الباطل، وخفته عليهم في الدنيا و حقّ لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً.



وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
جاء عبد الله بن عباس فقال: يا أمير المؤمنين، أسلمتَ حين كفر الناس، وجاهدتَ مع رسول الله صلى الله عليه و سلّم حين خذله الناس، وقتلتَ شهيداً ولم يختلف عليك اثنان، وتوفيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ.
فقال له: أعد مقالتك. فأعاد عليه، فقال: المغرور من غرّرتموه، والله لو أنَّ لي ما طلعت عليه الشمس أو غربت لافتديت به من هول المطلع.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه.
فقال: ضع رأسي على الأرض. فقلت: ما عليك كان على الأرض أو كان على فخذي؟!
فقال: لا أمَّ لك، ضعه على الأرض. فقال عبد الله: فوضعته على الأرض. فقال: ويلي وويل أمّي إن لم يرحمني ربّي عزّ وجلّ.

أمّا أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: فلمّا جاءه الموت قال: ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟ ثم قُبض رَحِمَه الله.
وهذا سلمان الفارسيّ رضي الله عنه يبكي عند موته، فيقال له: ما يبكيك؟ فيقول: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب، وحولي هذه الأزواد.
وقيل: إنما كان حوله إجانة وجفنة ومطهرة!
الإجانة: إناء يجمع فيه الماء، والجفنة: القصعة يوضع فيها الماء و الطعام، والمطهرة: إناء يتطهّر فيه.
لحظاتٌ حقّ لنا أن نتأمّلها، وأن نتفكّر في عواقبها، لنلقى الله وقد أعددنا العدّة لخير لقاء..
لتصير كلمة (الموت) ليست مجرّد شبح يطاردنا، بل لنلقاها بابتسامة راضية للقاء الله، مطمئنّة لجواره.
وسيكون الموت بداية لحياة أروع، حياة الخلود، في جنّات ونعيم.
فلنبادر بالتوبة، وليكن طريقنا محفوفاً بالخير، لنلقى الله بنفسٍ مطمئنّة، فتنير قبورنا، ونحظى برضوانٍ الله في الآخرة، ونفوز بجنّات الخلود.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس:شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه البيهقي وابن حجر العسقلاني

إضاءة:
قال أحد الزهّاد: لو كانت الدنيا ذهباً يفنى والآخرة خزفاً يبقى لآثر العاقل خزفاً يبقى على ذهبٍ يفنى، فكيف والدّنيا أقلُّ من خزف و الآخرة أكثر من ذهبٍ.
وقال مالك بن دينار:حبُّ الدنيا رأس كل خطيئة فآثر ما عند الله وآثر الآخرة على الأولى وآثر ما يبقى على ما يفنى.




وتوّجي قلائدك بنصيحة من ..
حُلِيُّ النّســــــــــاء

إلى من تاقت نفسها إلى ثياب السندس والإستبرق، وحليّ اللؤلؤ والياقوت والمرجان..
إليكِ أهدي حليّاً أخروية تنفعني وتنفعكِ يوم تلقينه تعالى، وإنّي لأسأله أن نلقاه وهو عنّا راض..

-توّجي حياتكِ بالعمل الصّالح، واجعلي هدفكِ الحياة الطّيبة التي يكلّلها رضوان الله في الدّنيا وجنّات الفردوس في الآخرة..
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة النحل آية 97
-تزيّني بالتقوى، فالتقوى كانت زينة النساء المؤمنات والصحابيات الجليلات، بالتقوى تطمئنّ القلوب وتشرق، وتتزوّد الأرواح فتحلّق، وبها يقظة للضمير، وجلاء للقلب، فما أروع أن نسير في طريق الآخرة وبأيدينا زاد المسير.
قال تعالى: {وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى واتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} سورة البقرة آية 197
والتقوى تجعل في القلب فرقاناً يكشف له الحقّ من الباطل ويبصره بطريق الحقّ.
قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ويُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيم} سورة البقرة آية 197
والتقوى الحقيقية يا أختاه هي تقوى القلوب لا تقوى الجوارح ولذلك تكون المسلمة أحرص على إصلاح سرّها منها على إصلاح علانيّتها، وتخشى الله ولا تخشى الناس.

-اجعلي صلاتك هي الأغلى في حياتكِ، واجعليها نور دربكِ ونصب عينيكِ، جاهدي كي تخشعي، وابذلي القلب في سبيل طاعة، واجعلي منها منطلق حياتكِ فإنها إن صلحت صلحت دنياكِ وآخرتكِ.
-بادري إلى الله تعالى بالطّاعات، وهذّبي جواركِ وطهّري قلبكِ بالصّيام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة آية 183
(والصوم يربّي الإرادة، الإرادة التي تصمد للحرمان وتستعلي على الضرورات وتؤثر الطاعة).
وقد أشار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى مقام الصائمين الذين استعلوا على أهوائهم وغرائزهم ولجموها بلجام التقوى، فقال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أيْ ربّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالّليل فشفّعني فيه قال فيشفّعان) حديث صحيح
وقال صلّى الله عليه وسلّم: (إنّ في الجنّة باباً يُقال له: الريّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد) صحيح البخاري.
وبيّن صلّى الله عليه وسلم أنَّ الصوم يكون حجاباً بين صاحبه وبين النار، فقال: (من صام يوماً في سبيل الله، بعّد الله وجهه عن النّار سبعين خريفاً) صحيح البخاري .
فهل حدثتِ نفسكِ بباب الرّيان؟ وهل تاقت روحك لأعلى الجنان؟!

-جددي حياتكِ بالتوبة وأتبعي السّيئة الحسنة تمحُها، واجعلي صفحات حياتك ناصعةَ البياض، كلّما لبّدتها سيّئة سارعت بمحوها عبر توبة صادقة لله تعالى.. وتذكّري أن بابه واسع مفتوح، وأنّ التوبة ليس لها زمان أو مكان، فاجعلي قلبكِ لها مسكن، والله يرعاكِ .

-تزيّني بالحياء، واجعليه عنوانكِ، وتذكّري بأنّه خُلُق الإسلام كما قال صلّى الله عليه وسلّم: (لكلّ دين خُلقٌ وخُلق الإسلام الحياء ) رواه مالك.
وأعلى مراتب الحياء هي: الحياء منه تعالى.
قال عليّ رضي الله عنه: من كسى بالحياء ثوبه لم يَرَ النّاس عيبه.
وقيل: إنّ الحياء دليل الخير كلّه.
فلا تجعلي قوافل الخير تفوتكِ.

-إن غرّت الدنيا أناساً فلا تكوني منهم، وتحلّي بالزهد، فهو أعلى مراتب القناعة.
قال ابن تيميّه رحمه الله: " الزهد هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدنيا في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله عز وجل "
والزهد لباس الراغب في لقاء الله الطامع في جنّته، وظلال المتيقّن بدناءة هذه الدنيا وخسّتها، وعيش المقرّ بفنائها وزوالها.
-المسلم كريمٌ بطبعه، والكرم زينته..
والكرم من علامات البرِّ. قال تعالى: {لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممَّا تحبُّون} آل عمران(92)
وهو أحد مقوّمات هذا الدّين العظيم، إذْ لا يقبل البخل،ويتضجّر من أهل الشحّ، وتوعّد أهل الإنفاق بالخير الكثير. قال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} سبأ (39)
وأقربه إلى الله حينما يكون خالصاً لوجه الله الكريم، لا يقصد منه المراء، ولا يراد منه السمعة قال تعالى: {إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً} الإنسان (9).
و: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
وكرم الفقير أجلُّ الكرم، وأبلغ الجود، وأعظم معاني السموّ، وأطهر عبارات السماحة.
فكوني كريمةً في نفسكِ، كريمةً في خُلقكِ، كريمةً في مالكِ. يُكرمكِ الله ويُصلحُ حالك.
-احرصي على العدل دائماً في كلّ أمركِ، ولا تجعلي العاطفة تقودكِ إلى غير ذلك..
فالعدل هو ميزان الله تعالى في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القويّ، والمحقّ من المبطل.
وقد قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى.... } النحل (9)
فحريٌّ بك أيّتها المسلمة العدل في جميع شؤون حياتك؛ في بيتك، وفي عملك، وبين أهلك وجيرانك وأصدقائك.
فبالعدل تسير الحياة كما نريد ويريدها الله جلَّ في علاه، وبالعدل يتمّ لنا الرضى بما قسم الله لنا من أرزاق وأموال وأولاد، وبالعدل تهنّأ النفوس، وتستريح الأفئدة، وتبتهج الخواطر.
قال تعالى: {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} الحجرات (9).
-الزمي الصدق في مقالكِ، ولا تقولي كذباً..
عن أبي محمّد الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضيّ الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة) رواه الترمذي وقال حديث صحيح.
وقال عمر رضي الله عنه: عليك بالصدق وإن قتلك.
وأصدق من ذلك ما روي عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (تحرّوا الصدق وإن رأيتم أن الهلكة فيه، فإن فيه نجاه) رواه ابن أبي الدنيا.
وقال ابن القيّم رحمه الله: ومن صَدَقَ الله في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحّة الأخلاق وصدق التوكّل، فأصدق الناس من صحّ إخلاصه وتوكّله.
وقيل: أحسن الكلام ما صدق فيه قائله، وانتفع به سامعه.
فكوني صادقة مع الله يجعلك من الصّدّيقات بإذنه.
-من أروع الخصال في الإسلام وأشدّها على المسلم في حملها وتحمّلها.. الأمانة..
قال تعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولاً} الأحزاب (72)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا أوعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) متّفق عليه. وفي رواية: وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم.
الأمانة أمرها عظيم، ومعانيها كثيرةٌ وجليلة، يحملها جميع الناس علموا ذلك أم لم يعلموا، الإمام، القاضي، العالم، الطالب، الموظف، الجندي، ربّ الأسرة.....الخ. (كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته)
رواه البخاري
فاحفظي أمانة قلبكِ، وكوني خير مؤتمنة على رعيّتكِ، وقابلي الله تعالى في آخرتكِ وقد أديّتِ أمانتكِ على أصلح وجه يرضاه تعالى عنكِ.
-كوني حليمة، فإنّ الحلم يتواءم مع فطرتكِ الرّقيقة التي تميل للخير والعفو والصفح عن النّاس..
والحلم هو كظمك الغيظ، وعفوك عن المخطئ، وصبرك على الإساءة.
والحلم سيّد الأخلاق، وعلامة للصابرين المحتسبين، وصفةٌ محبوبةٌ لرب العالمين.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأشجّ عبد القيس: (إنَّ فيك خصلتين يحبّهما الله ــ الحلم والأناة ــ) رواه مسلم.
والحلم هو أساس الرفق، قال صلى الله عليه وسلّم: (إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلاّ زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلاّ شانه) رواه مسلم.
وبالحلم تكونين من المحسنين:
قال الشافعي رحمه الله:
يخاطبني السفيه بكل قبحٍ.. فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفــــــاهةً فأزيد حلماً كعودٍ زاده الإحــــــراق طيبا
قال تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين} آل عمران (134).
-استعيني على مصائبكِ بقوّة الصّبر، وكوني مثل الماس لا يبرق إلاَّ بعد أن يُصقل ويُطرق!
قال الشاعر:
الصبر مثل اسمه مرٌ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
والصّبر لمن يتحلى به بشرى ونور من الله تعالى {.... وبشّر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} البقرة (155ــ157).
وللصبر أنواع ثلاثة:
1-الصبر على طاعة الله في الإتيان لكلّ ما أمر به.
قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلاَّ على الخاشعين} البقرة (45).
2 - الصبر على المعصية، وذلك بأن يعمل المؤمن على تحصين نفسه من كل ما هو مزيّن أمامه، ومن الشهوات الدنيويّة والتي تُكسب الإنسان ذلاًّ في الدنيا، وعذاباً شديداً في الآخرة.
قال تعالى:{ربّنا أفرغ علينا صبراً وتوفّنا مسلمين} الأعراف (126).
3 - الصبر على النوازل والمصائب، لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل.
عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غمّ، حتّى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه) متفق عليه.
فمهما ابتليتِ فاصبري، لأن الله تعالى مع الصّابرين.
4-التواضع هو حلية للمرأة المسلمة، في زمن التكبّر والعجرفة والغرور، ولا جزاء لمن تواضع سوى الجنة بإذن الله.
قال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين} القصص (83) . وهو لين الجانب للكبير والصغير، وخفض الجناح للمؤمنين.
ولنا في تواضع رسول الله عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة وهو أشرف وأجلُّ مَن وطأت قدماه الأرض، والذي بُعِثَ رحمةً للعالمين فقد كان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويعاون أهله في شؤون بيته، ويسلّم على الصغير، ويوقّر الكبير، ويرعى الغنم، ويمشي في الأسواق.
وقيل قديماً : التواضع سلّم الشرف.

الخاتمة
الحمدُ لله الذي منّ علينا بنعمة الإسلام، وجعله في حياتنا نبراس خير ورحمة، وطوق نجاة نصلُ به إلى الآخرة بسلام إن التزمنا بمنهجه..
الحمد لله الذي بصّرنا وأعاننا على الخير، نحمده ونشكره على ما منّ به علينا من فضل.. أمّا بعد..
فقد تمّ بحمده تعالى وتوفيقه إنجاز هذا العمل المتواضع، سائلة الله تعالى أن يحقّق الهدف المنشود منه في زراعة بذور الخير في القلوب المؤمنة، وأن ينفع به المسلمات، ويجعل فيه الخير لهنّ في الدنيا والآخرة.
لقد كانت كلماتٌ باح بها القلب لكلّ مسلمة، راجية أن تصل إلى قلوبهنّ فتضيء وتشرق فجراً ندياً.
فما كان من خيرٍ فمن الله، وما كان من سوء فمن نفسي والشّيطان..
والله أسأل أن يجعل في الجيل القادم منارات خير وعزّة للإسلام، في فتيات مؤمنات صالحات..
يعدن المجد لهذا الدّين، وينهجن نهج القرآن والسّنة، فيتّبعن بذلك طريق أمّهات المسلمين.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرّحيم. الخميس 9/2/2006 م
المصـــــــادر:
مقالات متنوّعة لكلّ من:
محمد الغزالي، أحمد الزين، د. منى البصيلي،د. أماني زكريا، الرمادي، الدكتور رياض بن محمد المسيميري، الداعية الإسلامي الأستاذ عمرو خالد، محمد سعيد مرسي، سعاد عبد الرحمن الولايتي، حنان عطية الطوري، هبة حسين، د. محمد محمود عبد الله، فضيلة الشيخ" محمد راتب النابلسي، فضيلة الشيخ "صفوت حجازي"، د. محمد ندا، د. هويدا إسماعيل، عبلة محمد سعيد، هناء بنت عبد العزيز الصنيع.
وأيضاً مقالات منتقاة بتصرف من المواقع:
-صيد الفوائد. -منتديات المسك الإسلاميّة. -طريق الإسلام.
-ركن الأخوات. -عالم حواء. -لها أون لاين.
وغيرها.

الفهرس
المقدمة 6 القلادة العاشرة: كوني جميلة بحق 64
القلادة الأولى: أعتزُّ بديني 8 القلادة الحادية عشرة: خمس لا تضيعينها 67
القلادة الثانية: غاية وجودي 13 القلادة الثانية عشرة: لا تفارق أروع صديق74
القلادة الثالثة:أغلى من الجوهر:كتاب الله18 القلادة الثالثة عشرة: ادخلي من هذا الباب 78
القلادة الرابعة: أرقى مدرسة 25 القلادة الرابعة عشرة: كوني قويّة 83
القلادة الخامسة: طالبة علم من المهد 31 القلادة الخامسة عشرة: رصيدك رأس مالك85
القلادة السادسة: كنزك حجابك 34 القلادة السادسة عشرة:لا تبددي عواطفك 91
القلادة السابعة: هل أنا محجّبة حقّاً 50 القلادة السابعة عشرة:أنتِ أجمل ابتسامة 97
القلادة الثامنة: احذري السموم 55 القلادة الثامنة عشرة: احذري أوهام الحب 99
القلادة التاسعة: اقصدي مجالس النور 61 القلادة التاسعة عشرة: تخيَّري صديقاتك 111

القلادة العشرون: السلام مع النفس 115 القلادة الخامسة والعشرون: لحظة العمر 134
القلادة الواحدة والعشرون:قاومي المرض 117 القلادة السادسة والعشرون: كوني قويّة 141
القلادة الثانية والعشرون:أنتِ ريحانة الأسرة120 القلادة السابعة والعشرون: لنذكره دائماً 148
القلادة الثالثة والعشرون: اعملي بهمّة 127 كنوز للنساء 159
القلادة الرابعة والعشرون:من أجل قلوب 130 الخاتمة 171
نقيّة المصادر 172 الفهرس 173

المؤلفة في سُطور
 نور محمد مؤيد الجندلي
 من مواليد مدينة حمص – سورية 1978م
 حاصلة على إجازة في الأدب العربي
رئيسة رابطة أديبات العرب
مشرفة عامة في منتديات المسك النسائية
مشرفة في رابطة رواء للأدب الإسلامي
عضو رابطة أدباء الشـام
عضو موقع القصة السوريّة
نشرت مقالاتها وخواطرها وقصصها القصيرة في مجلة ( حياة للفتيات ) ، ( جريدة آفاق عربيّة ) ،  ( المجلة العربيّة ) ، ( مجلة الفرحة ) ، ( مجلة البيان ) .. وغيرها .
كما نُشرت في صفحة / نـورٌ ومسك -  موقع صيد الفوائد .
حاصلة على المركز الأول في مسابقة الخاطرة في رابطة الواحة الأدبية عن خاطرتها : ( رُفاتُ المجد ) .


مؤلفات الكاتبة نور الجندلي :
 (إليك أُختاه: قلائد من نور ) مقالات للمرأة المسلمة – دار الإرشاد .
( بَريقٌ في داخلي ) مجموعة من القصص القصيرة .
( رَوحٌ وريحان ) في موضوعات سُور القرآن .
( رُؤى ) طاقةٌ من الخواطر الأدبية.
 مدينة الحروف ( مجموعة قصصية تعليمية للأطفال ).
مدينة الكلمات ( مجموعة قصصية تعليمية للأطفال ).
 سلسلة الأخلاق الإسلاميّة – دار الإرشاد حمص.
سلسلة الآداب الإسلاميّة - قصص للأطفال دار الإرشاد – حمص.
من روائع قصص القرآن ( سلسلة قصصية للأطفال ) دار الإرشاد حمص.
 
ومجموعات قصصية أخرى قيد النّشر .
 البريد الإلكتروني للكاتبة : nourjandali@hotmail.com
 

1 المرأة قبل الإسلام وبعده / ابن القرية الفلاح المعتصم
2 - الحديد: 21
3 - الواقعة10-24
4 - النحل: 43
5 - الطلاق: 2، 3
6 - النساء 13
7 - رواه مسلم
8 - صحيح البخاري
9 - التوبة:81
10 - الحج:4.
11 - البخاري
12 - رواه مسلم
13 -رواه البخاري
14 - أخرجه البخاري
15 - أخرجه أبوداود وابن ماجه وإسناده حسن
16 - الأحزاب 59
17 - رواه مسلم
18 - الأحزاب 32
19 -سورة النور 30-31
20 - صحيفة الجمهورية المصرية
21 - حديث صحيح
22 - رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح
23 - صحيح البخاري
24 - رواه الترمذي
25 - رواه أبو داود والنسائي
26 - صحيح الترغيب والترهيب
27 - صحيح الترغيب والترهيب
28 - صحيح الجامع
29 - صحيح مسلم
30 - فيض القدير
31 - سورة غافر آية رقم 6.
32 - سورة النمل آية رقم 62
33 - سورة البقرة آية رقم 216
34 - من كتاب تنشئة الفتاة المسلمة لـ حنان الطوري
35 - حديث صحيح

36 - صحيح البخاري
37 - سورة الحجرات آية رقم 11

38 - حديث صحيح
39 - حديث صحيح.
40 - سورة الأحزاب آية رقم 53

41 - سورة النور آية 3.
42 - صحيح البخاري
43 - سورة الذاريات آية رقم 56
44 - سورة التحريم/ءاية 8
45 - سورة النور/ءاية 31
46 - سورة هود/ءاية 9.
47 - سورة طه/ءاية 82.
48 - سورة الزمر/ ءاية 53
49 - أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي
50 - سورة آل عمران آية رقم 134
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------









1