Advertisement

فيض الخاطر الجزء العاشر


فيض الخاطر (الجزء العاشر)




فيض الخاطر (الجزء العاشر)

مقالات أدبية وإجتماعية

تأليف
أحمد أمين




فيض الخاطر (الجزء العاشر)

أحمد أمين

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



الفصل الأول
التجديد في الأدب


موضوع ثار فيه الجدل بين الكتَّاب، واحتدم فيه الخلاف بين الباحثين؛ هل أدبنا العربي يحتاج إلى تجديد؟ وهل سواءٌ في ذلك شعره ونثره؟ وتعصَّب قوم للقديم يذودون عنه ويحافظون عليه، ولا يسمحون بأي تغيير فيه، وهبَّ المحدثون ينعون على المحافظين جمودهم، وينذرونهم بسوء العاقبة إن هم ظلُّوا متمسِّكين بالقديم معرضين عن الجديد.
ولكن أسوأ ما يسوءني في هذا الموضوع وأمثاله الغموضُ والإبهامُ؛ فإذا سألت المجدِّدين ماذا يريدون بالتجديد، وما ضروبه، وما مناحيه، وماذا يقترحون أن يُدخِلوه على الأدب العربي، جمجموا في القول، وأتوا بكلمات غير محدودة المعنى، ولا واضحة الدلالة، وقد يجوز إذا حدَّدوا أغراضهم وأبانوا عن مقاصدهم، أن يوافقهم المحافظون أو أكثرهم، ولا يكون ثمَّت خلاف، وإن يكن فخلافٌ معروفٌ تُقام عليه حُجج واضحة.
من أجل هذا كله، أحاول أن أعرض لوجوه التجديد التي يخيَّل إليَّ أنهم يريدونها، وأدلي برأيي فيها، وأدعو الكتَّاب أن يساهموا فيها بآرائهم، ويستدركوا ما يفوتني من حججهم وأغراضهم.
في أدب كل لغة عناصر ثابتة، لا يعتريها تغيُّر ولا ينالها تجدُّد، هي قدرٌ مشترك من الأسلوب والتراكيب وتأليف الجمل، به تمتاز اللغة من سائر لغات العالم، وينفرد أدب الأمة عن آداب العالم، وقدرٌ مشترك من الفن، نتبيَّن به الجيِّد من الأدب في كل عصر وكل جيل، هو فوق البيئة وفوق العوامل السياسية والاجتماعية، وفوق ما يطرأ عليها من كل تغيير.
وهذا وذاك هما اللذان يجعلاننا نتذوَّق الأدب الجاهلي، وندرك ما فيه من جمال، ونشعر بما فيه من نقصٍ، ويستطيع الأديب منَّا أن يعرف خيرَ ما قال امرؤ القيس، وما قال طرفة، وما قال زهير، وهو الذي يجعلنا نتذوَّق ما في القرآن الكريم من جمالٍ في الأسلوب والمعنى، وندرك ما في العصر العباسي إلى عصرنا هذا من نثر وشعر، ونَزِنُه ونقوِّمه، ونحكم على بعضه بالحسن والجمال والقوة، وعلى بعضه بالضعف والقبح والغموض، ولولا هذا القدر المشترك لانقطعت الصلة بيننا وبين القديم؛ فلا نحسُّ له جمالًا، ولا نتذوَّق له طعمًا.
وهذا النوع من العناصر لا يقبل تجديدًا ولا تغييرًا؛ إذ بتغييره تضيع اللغة وتفقد مشخِّصاتها؛ فلو قلبنا تركيب الجمل رأسًا على عقب، أو لم نراعِ الوضع الذي تسير على نهجه اللغة، لكان لنا من ذلك لغة جديدة، ليس بينها وبين الأولى نسب.
وهناك نوع آخر من العناصر في اللغة والأدب، خاضع للتغيُّر، قابل للتشكُّل، يتأثَّر بالبيئة وبدرجة الحضارة، وبالأساليب السياسية، وبالحياة الاجتماعية، وغير ذلك.
وفي هذا النوع يكون التغيير والتجديد، ومن أجل هذا التغيير كانت الفروق واضحة بين الشعر العباسي والشعر الجاهلي في التعبير والتشبيه والأسلوب والموضوع ونحو ذلك، ومن أجل هذا أمكن الأديب إذا عُرِض عليه نوعٌ من الأدب، أن يعرف عصره ولو لم يعرف قائله؛ لأنه يستطيع أن يتبيَّن خصائص كل عصر ومميزاته، ويطبِّق ذلك على ما يعرض عليه من شعر أو نثر.
ومن أجل هذا أيضًا ترى الفرق واضحًا بين لغة الأدباء الآن وبين لغتهم منذ عشرين عامًا، وتجد الفرق واضحًا بين لغة الجرائد المصرية اليوم وبين لغة الجرائد السورية والعراقية، وإن كانت كلها تصدر باللغة العربية، وتشترك في العناصر الأساسية.
وهذا التغيير أو التجديد في الأدب وتأثُّره بما حوله خضع له الأدب العربي وكل أدب على الرغم من المحافظين والجامدين؛ فقد رأينا في العصر العباسي مدرسة — وعلى رأسها الأصمعي — لا تحب إلا الشعر الجاهلي، ولا تحب من المحدثين إلا من قلَّد القدماء، ورأينا من كان ينشد الشعر فيستحسنه، فإذا قيل له إنه محدث استهجنه واتهم ذوقه، ولكن هذه المدرسة أخضعها الزمن لحكمه، ونشأ أدب عباسي جديد احتفظ بالعناصر الأساسية للأدب العربي، ولم يأبه لما عداها، وكان الفرق كبيرًا بين الأدبين كما قال الجاحظ: كم من الفرق بين قول امرئ القيس:
تقول وقد مال الغبيط بنا معًا
وقول علي بن الجهم:
فبتنا جميعًا لو تراق زجاجةمن الماء فيما بيننا لم تَسَرَّبِ وجاء المتنبي وعلى أثره المعري، فجدَّدا في الشعر من ناحية الأسلوب ومن ناحية المعاني، فأنكر عليهما أدباء عصرهما نزعتهما الجديدة، حتى رأينا من بين العلماء من أبوا أن يعدوهما من الشعراء، ثم حكم الزمن على هؤلاء العلماء ووضع المتنبي والمعري في مكانهما اللائق بهما.
وكان هذا هو الشأن في كل عصر، حتى عصرنا الحديث، نشأ قوم تأثَّروا بالأدب العربي القديم وحذوا حذوه، ولم يخرجوا قيد شعرة عنه؛ فلو ركبوا الطائرة قالوا ركبنا الهودج والبعير، وإذا استهلكت البنزين قالوا رَعَتِ السعدان?، وسموا الجنيهات الإنجليزية وعملة الورق دراهم ودنانير، وإذا لم يكن لهم من الأمر شيء قالوا لا ناقة لنا ولا جمل، وهم في الحقيقة لا ناقة لهم ولا جمل، إلى كثير من أمثال ذلك. وتأدب قوم بالأدب الغربي إلى ثقافتهم العربية، فثاروا على كل ذلك، واختلفوا بينهم في مقدار هذه الثورة؛ فقوم يريدون أن يتحرَّروا من الأوزان والتزام القوافي، وآخرون يريدون أن يتحرَّروا من التشبيهات البالية والمجاز العتيق، وآخرون يعافون بعض الأساليب القديمة والموضوعات التي جرى عليها السابقون، وكان صراع بين الطائفتين نعرض له بعد.
على كل حال، دلَّتنا أحداث الزمان على أن عوامل البيئة في التغيير والتجديد لا يمكن أن تُقاوَم، كما دلَّتنا على أن ليس كل تجديد يصادفه التوفيق ويتسع له صدر الزمن، وأن نجاح من نجح من دعاة التجديد، وفشل من فشل منهم، إنما كان خاضعًا لقوانين طبيعة ظاهرة حينًا وخافية أحيانًا، وأن نوع التجديد إن كان صالحًا، وكان مما تسمح به القوانين الطبيعية للأدب، فمعارضة المعارضين لا يكون لها من أثر إلا أن تؤخر زمن الإصلاح، وهو واقع لا محالة يومًا ما، وإذا لم تسمح بها هذه القوانين كانت دعوة التجديد صيحة في فضاء أو خطًّا في ماء.
وبعدُ، فأي أنواع التجديد يتطلبه المجددون؟ وهل من خير الأدب العربي قبوله أو رفضه؟
? السعدان: نبت من أفضل مراعي الإبل، وفي المثل: (مرعى ولا كالسعدان).
الفصل الثاني
التجديد في الأدب (اللفظ)


إن أول أنواع التجديد وأبسطها تجديدُ الألفاظ؛ لأنها مادة الأديب الأوَّلية، وخيوطه التي ينسج منها قطعته الفنية.
وتجديد الألفاظ على ضربين: (?) اختيار الألفاظ التي تناسب العصر ويرضاها ذوق الجيل الحاضر؛ لأن لكل أمة في كل عصر ذوقًا خاصًّا بها، تختار ألفاظًا تناسبها وتأنس بها، وتمجُّ ألفاظًا لا تستحسنها ولا تستسيغها، وذوق الأمة في حياة مستمرة، فهو كذلك في عمل مستمر إزاء الألفاظ، وأدباء كل عصر لهم معجم يخالف معاجم اللغة القديمة؛ فلو أن أديبًا استعمل اليوم كلمة «هَبَيَّخ» للجارية الحسناء لكَفَتْ في إسقاط قصيدته أو مقالته، ولو استعمل كلمة «بُعاق» للمطر أو السيل لدلَّ على فساد ذوقه وسوء أدبه، ومن أجل ذلك، لا يُستحسن في هذا العصر بعض ما كان يُستحسن في عصور سابقة؛ فقد كان يُستحسن من أبي الطيب قوله:وترى الفضيلة لا ترد فضيلةالشمس تشرق والسحاب كَنَهْوَراولكن (كَنَهْوَرا) الآن ثقيلة في اللفظ، كريهة على السمع، وهذا بديهي لا يحتاج إلى إطالة، وكلُّ مَن جهل هذه الحقيقة لا يفلح أن يكون أديبًا.لقد أراد الأستاذان الشنقيطي وحمزة فتح الله أن يُحْيِيَا غريب الألفاظ، ويستعملاه في قولهم وكتابتهم، ففشلا كل الفشل، وكان الناس يستظرفون ذلك منهما كما نستظرف فتاة حضرية لبست ثيابَ بدويةٍ، وفهموا أن ذلك ليس جدًّا من القول، وليس طبيعيًا أن تعيش بداوة القرن السابع في حضارة القرن العشرين، إنما يحيا الأديب يومَ يُوفَّق لاختيار الألفاظ الرشيقة التي تناسب ذوق عصره، والعصر الآن أميل إلى السرعة والاقتصاد، وكلاهما يتطلب الوضوح والجلاء، لا الغموض والغرابة.لذلك أصبحت في معاجم لغتنا ألفاظ كثيرة ليس لها قيمة إلا أنها أثرية، تُحفَظ فيها كما تُحفَظ التحف في دار الآثار.
(?) ألفاظ تُخلَق خلقًا، تلك الألفاظ التي تساير المدنية الحديثة بكل ما اخترعت من أدوات وصناعات، وما ابتكرت من فن وعلم ومعاني وآراء، واللغة العربية اليوم قاصرة كل القصور في هذا الباب؛ فليس لدينا ألفاظ لكثير مما اختُرع وابتُكر، وهذه مشكلة المشاكل اليوم وقبل اليوم، تَجادَل العالم العربي فيها طويلًا ولمَّا يستقر على حال.وكان لقصور الألفاظ أثر كبير في ضعف الأدب؛ فكيف يستطيع الأديب أن يصف حُجرة وكل ما فيها من أثاث ليس له ألفاظ تدل عليه؟ وكيف يستطيع الكاتب أن يؤلِّف رواية، وهو في كل خطوة يعثر بمسميات لا أسماء لها؟ ولذلك يهرب كثير من الأدباء من التعبير الخاص إلى التعبير العام؛ فإذا أراد أن يصف رجلًا يلبس طربوشًا قال إنه يلبس عمامة أو قلنسوة، والحقيقة أنه لا يلبس عمامة ولا قلنسوة، وإنما يلبس طربوشًا، وإذا أراد أن يقول إنه يضرب على البيانو قال إنه عزف على آلة موسيقية، وهذا منتهى الفقر في التعبير.كل هذا حَقَنَ الأفكار في أدمغة الأدباء، وسبَّب ضعف الوصف والرواية وغيرها في الأدب العربي الحديث، وجعل الأدباء يفرِّون إلى الموضوعات الإنسانية العامة والأفكار الميتافيزيقية، فإن نحن شئنا أن يكون الأدب ظلًّا لحياتنا، وحياتنا الآن، وَجَبَ أن نحلَّ مشكلة الألفاظ حتى يُطلَق الأدباء من أغلالهم، وإلا ظلُّوا يدورون حول أنفسهم، وظل أدبهم غذاءً ناقصًا للأمة، ليس فيه كل العناصر التي لا بدَّ منها للحياة.

الفصل الثالث
التجديد في الأدب (العبارة)


عرضتُ فيما سبق للبحث في الألفاظ وما تتطلب من جدة، واليوم أعرض لضرب آخر من ضروب التجديد، وهو التجديد في العبارة، وأعني بالعبارة الجملة التي يُؤدَّى بها المعنى على اختلاف ألوانها؛ من حقيقة ومجاز وتشبيه واستعارة وكناية.
ومما لا شك فيه أن البليغ يستمد تشبيهاته واستعاراته، وما إلى ذلك، مما يحيط به من بيئة طبيعية واجتماعية؛ فالأدب الجاهلي — مثلًا — صورة صادقة لمعيشة العربي في الجاهلية؛ إذا بكى فإنما يبكي الأطلال والمنزل الداثر والرسم العافي، وإذا رحل، فعلى ناقة أو بعير، وإذا أعجبه نبت، فالشيح والقيصوم، والخزامى والعرار، وإذا ذكر النسيم، فصبا نجد، وإذا حنَّ إلى مكان، فموطنه من الرقمتين ورضوى وثبير.
كذلك كان في تشبيهاته واستعاراته وأمثاله، يستوحي ما يحيط به، ويستلهم ما يقع حسُّه عليه؛ فقال: استنوق الجمل، وهو أعزُّ من الأبلق العقوق، وأبدت الرغوة عن الصريح، وهم أكثر من الحصى، وهو ليثُ غابةٍ، وما تُحَلُّ حَبْوتَه، وألقى حبله على غاربه، وقصرت الأعنة، واشتجرت الأسنة، وزلزلت الأقدام من رنين القِسِي وقراع الرماح، وطحنهم طحن الرحى، ومطله مطل نعاس الكلب، وكالباحث عن حتفه بظلفه وحط راحلته، وضرب أوتاده، وألقى عصاه، والقافلة تسير والكلاب تنبح، إلى كثير من أمثال ذلك؛ فهم في كل هذا يصفون حياتهم ويشتقُّون منها تشبيهاتهم، ويضربون منها أمثالهم.
وتتابع أدباء العرب بعدُ، يزيديون في التعبير تبعًا لتغيُّر المعيشة الاجتماعية، وتقدُّمهم في الحضارة، فقالوا: صندل الشراب وعنبره — وكأن أخلاقه سُبِكت من الذهب المصفَّى — ويكاد يسيل الظُّرف من أعطافه — ويمازج الأرواح لرقته — قد دسَّ له الغدر في الملق — وهو من صيارفة الكلام يتطفَّل على موائد الكتَّاب — وكأن ألفاظه قطع الرياض، وكأن معانيه نسيم الآصال، وهكذا كانت العبارات المحدثة في العصر العباسي تخالف من وجوه كثيرة العبارات الجاهلية والأموية.
وقد جارى المؤلِّفون الأدباء، يدونون ما اخترعوا، ويقيِّدون ما أبدعوا؛ فرأينا عبد الرحمن الهمذاني يجمع في كتابه (الألفاظ الكتابية) العبارات المختارة من جاهلية وإسلامية، ورأينا الحصري يملأ كتابه (زهر الآداب) بفصول يُعَنوِنها «ألفاظ لأهل العصر»، يجمع تحتها ما اخترعه أهل عصره من تعبير رقيق وتشبيه أنيق، ونَهَجَ المؤلِّفون بعد هذا المسلك، حتى كان خاتمتهم إبراهيم اليازجي في كتابه «نجعة الرائد وشرعة الوارد»، جمع فيه أحسن العبارات والألفاظ مما قال السابقون والمحدثون إلى عصره.
وبعدُ، فلو قارنَّا بين الأدب العربي الحديث والأدب الغربي في هذا الباب — أعني باب العبارة — وجدنا في أدبنا العربي قصورًا ظاهرًا، وضعفًا بيِّنًا.
ذلك أن الأدب الغربي ساير الزمن، واعترف بكل ما حدث فيه واستمد منه، على حين أن الأدب العربي الحديث أغمض عينه من كل ما كان، ولم يعترف بوجوده؛ نظر الأدب الغربي إلى ماضيه وحاضره ومستقبله، ولم ينظر الأدب العربي إلا إلى ماضيه؛ وزَّع الأدب الغربي لفتاته لينظر نظرة شاملة، وثبَّت الأدب العربي عينيه فيما وراءه، فلم ينظر إلا إلى قدميه، فكان ناقصًا لا يسايرنا، ولا يصفنا ولا يمس حياتنا، وإنما يمس حياة آبائنا.
اعترف الأدب الغربي بالأدب القديم فأخذ منه خيره، واعترف بالدنيا الحديثة فاستمد تشبيهاته واستعاراته منها؛ رأى في دنياه مخترعات ومستكشفات لا حدَّ لها؛ من كهرباء ومواد كيميائية وطيارات وغواصات وغازات وأضواء وراديو، وما لا يُحصى كثرةً، كل هذه الأشياء قلبت الحياة الاجتماعية رأسًا على عقب، فلماذا لا تقلب الأدب! فأقبل الأديب عليها يتعرَّفها ويستلهمها تشبيهات واستعارات عصرية طريفة، فكان له منها ما أراد.
ورأى الأديب علم النفس ينمو ويرقى، ويحلِّل أعمال الإنسان تحليلًا علميًّا دقيقًا، ويعرض لكل المظاهر اليومية من ابتسامة وعَبوس ورضى وغضب، فأخذ بحظٍّ وافر منه، واستعان به في أدبه وتعبيراته، حتى استطاع أحد الكتَّاب الفرنسيين؛ وهو مارسل بروست (Marcel Proust)، أن يحلِّل ابتسامة سيدة في ست صفحات. ورأى نُظُمًا في الحكم تقوم وأخرى تسقط، وكان لها من الأثر في حياة الناس وعقليتهم ما يخيِّل إليك معها أنهم أصبحوا بها خلقًا آخر، فجعل يتتبَّع هذه التغيُّرات ويقتبس منها ما شاء ذوقه الأدبي.
كل هذا وأمثاله جعل الأدب الغربي يسير محاذيًا لكل نظم الحياة، ويشاركها في رقيِّها واتجاهها، وإن استضاء الناس بمصباح كهربائي فالأدب يعبِّر عنه ويستعير منه ويشبِّه به، وإن كان نظام الحكم ديموقراطيًّا فالأدب ديمقراطي، والصور التي يصورها ديمقراطية، ويتعمَّق السيكولوجي في بحثه، فيتعمق الروائي في تحليل شخصيات روايته.
وهكذا كانت الاختراعات والصناعات والعلوم ونظم الحكم والسياسة والأدب تسير معًا، لا يخطو عنصر منها خطوة إلى الأمام حتى يدرك الآخر سرَّ تقدمه، فيعمل على أن يحتذيه، أما الأدب العربي، فيحارب متراليوزًا بقوس وسهم، ويضيء في أدبه سراجًا بزيت، والناس اليوم قادمون على أن يغيِّروا المصباح الكهربائي بخير منه، ويبكي الأطلال ولا أطلال، ويحنُّ إلى سَلْع ولا سَلْع، ويستطيب الخزامى والعرار ولا خزامى لدينا ولا عرار!
من الحق أن نحبَّ القديم الجميل، ونحفظه ونتعلم منه، ونُعجب بما فيه من مظهر عاطفة حية وشعور قوي، ولكن لا ننشئه، وإذا قلناه وجب أن نقول معه ما نحياه ونعيش فيه.
إذا أنت لم تحمِ القديم بحادثٍمن المجد لم ينفعك ما كان من قبل وقفتِ العبارة العربية حيث كانت في العصر العباسي، ولم تتقدَّم إلا قليلًا بما اقتُبس من الأدب الغربي، والذي تتطلَّبه من التجديد فيها أن نستمد من حياتنا الواقعية، ومن كل ما يحيط بنا، جملًا حيَّة تلائم ما في نفوسنا، وأن نخترع عبارات من المجازات والاستعارات والتشبيهات والكنايات، نستمدها من الحياة التي نعيشها، والمخترعات التي نستخدمها، وما وصلت إليه علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد.
•••

وقد عاق الأدب العربي الحديث عن الوصول إلى هذه الغاية عوائقُ كثيرة؛ أهمها: (?) ما سبقت الإشارة إليه من أن المخترعات ليس لها أسماء، وأن أئمة اللغة لم يرضوا أن يستعملوا الكلمات الأجنبية، ولا وضعوا لها أسماء عربية، وتركوا الأدباء في حيرة من أمرهم، فكيف يستطيعون أن يستلهموها في جملة لتكسب المعنى قوة، وهم يفرِّون من التلفُّظ بها، ويخشون من علماء اللغة استعمالها؛ لذلك رضينا من الأدب بالعدول عنها جملة وتفصيلًا، حقيقة ومجازًا، وبهذا سُدَّ أمام الأديب العربي بابٌ من أوسع الأبواب وأغزرها فائدة.
(?) وسبب آخر من أهم الأسباب في فقر الأدب العربي في التعبير، هو أن الأدب العربي الحديث أدب أرستقراطي لا أدب شعبي؛ وأعني أرستقراطية العلم لا أرستقراطية المال؛ ذلك أن الأدب الإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني أدبُ شعبٍ لا أدب طبقة خاصة — نعم، قد يرقى الأدب الإنجليزي — مثلًا — فلا يفهمه إلا الراقون، ولكن بجانبه أدب إنجليزي شعبي لا يختلف عن أدب الخاصة من ألفاظه وتراكيبه وإن اختلف في دقة المعنى وبساطته — أما الأدب العربي فأدبٌ خاصٌّ لطائفة المتعلمين تعلمًا راقيًا فحسب، لا يشاركهم فيه العامة وأشباه العامة، وللعامة أدب بلدي خاص يستمتعون به في أغانيهم ونكتهم وزجلهم وموَّاليَّاتهم، وحتى الخاصة لا يتذوَّقون الأدب العربي إلا في الكتب والمجلات والجرائد، أما أحاديثهم وتنادرهم وفكاهاتهم فباللغة العامية، وليست أمة من الأمم الحية الآن بين لغتها اليومية ولغتها الأدبية من الفروق ما بين اللغة العربية واللغة العامية.نتج من هذه الظاهرة نقص كبير في الأدب العربي الحديث؛ لأن استعمال الألفاظ والعبارات في البيت وعلى المائدة وفي الشارع يُكسِبها حياة قوية، ويزيدها صقلًا ومرونة، ولو اقتصر في استعمالها على الكتب كانت حياتها ناقصة، لا يهذِّبها الاستعمال ولا يرقِّيها الصقل اليومي، وحسبُك دليلًا على ذلك أن النكت والنوادر، وهي من أهم أركان الأدب، لا تجد منها سائغًا عذبًا في أدبنا العربي عشر معشار ما تجده في الأدب العامي، وأن النادرة تُحكَى بالعامية فتُضحِك إلى أقصى حدٍّ، ثم تحكيها باللغة الفصحى فتخرج باردة تافهة، وأن كثيرًا من الألفاظ والتعبيرات العامية قد أفادها الاستعمال روحًا قوية، فإذا عبَّرتَ عنها بالعربية لم تجد لها من التعبير قوة العامية وحسن دلالتها على المعنى.وكل أمَّة قد كسبت من توحيد لغتها الكلامية والكتابية ما لا يُقدَّر؛ فقد أصبح الشعب كله منتجًا أدبًا وتعبيرًا قويًّا، وأصبح الحديث على المائدة وفي حجرة الجلوس وفي التمثيل والسينما يُخرج أدبًا جديدًا ويُحيي أدبًا قديمًا، والأمة كلها تتعاون في الإنتاج الأدبي؛ هذا بتعبيره الرقيق، وهذا بنكته ونوادره، وهذا بقصته وأمثاله، وهذا بشعره، وهكذا.وليس كذلك الحال في الأدب العربي؛ فالأمثال والنوادر والحكايات باللغة العامية، والأحاديث اليومية وقضاء كل شئون الحياة باللغة العامية، وليس للُّغة العربية إلا الكتاب وما إليه؛ ولذلك أصبح عندنا أدبان؛ أدب أرستقراطي، هو هذا الشعر والكتب التي تُؤلَّف، والمجلات والجرائد التي تُنشر، وأدب شعبي، هو الزجل والأغاني والحواديث وما إليها، وبين الأدبين فواصل كبيرة وحواجز متينة، وفي هذا ضرر كبير على الأمة والأدب معًا؛ أما الأمة، فلأن شعبها لا ينتفع بنتائج المتعلمين منها، وأما الأدب، فلأنه ليس أدبًا صحيحًا؛ إذ الأدب الصحيح هو ما كان ظلًّا لحياة الأمة الاجتماعية كلها، لا لحياة طبقة خاصة منها.ولا أمل لحياة الأدب العربي من هذه الناحية إلا بإزالة الحواجز القوية بين العامية والعربية، على أي وجه يرضاه قادة الأمة، ويحفظ للغة العربية مكانتها من حيث هي لغة الدين ورابطة الشعوب الشرقية؛ إذ ذاك تصبح اللغة حية، والتعبيرات حية، وإذ ذاك تزول الحيرة التي نعيش فيها الآن؛ فإنك تستعمل اللفظ العامي والعباراة العامية فلا تجد لهما نظيرًا في العربية، وإن وجدت لهما نظيرًا فنظير ميت ليس فيه حياتهما.كنت أقرأ الآن في جريدة، فوجدت فيها كلمة «بعبع»، وكنت أسمع، فسمعت من يقول: إنه بيت «مبهوأ»، ومن يقول: «رزق الهبل على المجانين»، ووجدتني إذا أجهدت نفسي قد أعثر على تعبيرات عربية مرادفة لها أو قريبة منها، ولكن ليس فيها حياتها؛ لأن الحياة وليدة الاستعمال، وأريد الاستعمال الشعبي، وهذا أحد الأسباب في أن مقالات الأستاذ فكري أباظة، والمجلات الهزلية، والهزلية الجدية، لها من الرواج في أوساط الجماهير ما ليس لغيرها، وتتفتَّح لها نفوس شعبية أكثر مما تتفتَّح للمقالات العربية الصرفة، وترنُّ الكلمة أو العبارة في الأذن رنينًا دونه رنين العربية الكلاسيكية.
(?) وسبب ثالث، هو أن الحواجز عندنا بين العلم والأدب قوية متينة، وإن شئت فقل إنه ليس هناك صلة بين كلية العلوم والآداب، وإن الثقافة التي يتثقَّفها الأديب ينقصها — غالبًا — قدرٌ ضروري صالح من المعلومات العلمية، تجعله يستطيع أن يلمَّ إلمامًا ما بالمخترعات والمستكشفات، ويستغلها في أدبه، وهذا القدر يلقفه الأديب الأوربي في بيته، وفيما يقع في يده من كتب ومجلات أولية، ثم في مدرسته، وأدباء الطبقة الأولى منهم كانوا على حظٍّ عظيم من الثقافة العلمية، استغلوها في منتجاتهم، فأصبحت هناك أنواع من الأدب ومن التعبيرات والتشبيهات القوية التي تعتمد على الثقافات العلمية، أخذها منهم الشعب واستساغها، أما برنامج الأديب العربي فقاصر من هذه الناحية كل القصور؛ ولذلك كان نتاجه قاصرًا كل القصور.

الفصل الرابع
التجديد في الأدب (الموضوع)


ومن أوضح الظواهر أن الجمهرة العظمى من المتعلِّمين الذين درسوا أدبًا عربيًّا وأدبًا أجنبيًّا يعكفون على الأدب الأجنبي، يتذوَّقونه ويُكثِرون من مطالعته، في جدِّهم إن شاءوا الجد، وفي لهوهم إن شاءوا اللهو، وهم إن قرأوا في الأدب العربي ففي القليل النادر، وإن فعلوا لم يُطيلوا ولم يتعمَّقوا، وقلَّ أن يدرسوا كتابًا دراسة جيدة، إنما أكبر همهم أن يقلبوا صفحات الكتاب ليقع نظرهم على أبيات من الشعر يستملحونها، أو قصة طريفة يتفكَّهون بها، ومكتبتهم — على قلتها — تمثِّل ميلهم؛ فالكتب الإنجليزية أو الفرنسية فيها غالبة، والكتب العربية قليلة نادرة، ذلك — ولا شك — حال أغلب المثقَّفين ثقافة عصرية.
ويذهب بعض الباحثين في تعليل هذه الظاهرة إلى أن السبب يرجع إلى فساد تعليم اللغة العربية وآدابها في المدارس؛ فإن أساتذتها لا يحبِّبون إلى الطلاب الأدب العربي، ولا يصلون به إلى نفوسهم، وإنما هي أمثلة محدودة تتكرَّر عامًا بعد عام، ونماذج من الشعر والنثر تُعرَض مرة بعد مرة، ولا غرض من دراستها إلا أن يذكرها الطلبة عند الامتحان فيؤدُّوها كما تُليَت عليهم، ثم تذهب بذهاب الامتحان؛ لأنهم قد تجرَّعوها على مضض، فهم يفرحون بنسيانها فرح المريض — وقد شفي — بالخلاص من دواء مرِّ المذاق.
قد يكون هذا سببًا صحيحًا، ولكنه فيما أرى ليس بالسبب الجوهري؛ فإن بعض اللغات الأجنبية التي تدرس بيننا ليست دراستها بأحسن حالًا من دراسة اللغة العربية، ومع هذا فالطلبة يسيغون أدبها، ويتذوَّقون كتبها بما لا يظفر ببعضه الأدب العربي.
أهم سبب عندي يرجع إلى موقف الأدبين؛ الأدب العربي والأدب الأوربي؛ ذلك أن كل أدب أوربي له قديم وحديث، والأدب الحديث هو الذي يناسب جمهور المتعلِّمين وعامة الشعب؛ لأنه في الغالب يعرض لما يشعرون به فيعبِّر عنه التعبير الفني؛ فالأديب المحدث يرى ظاهرة اجتماعية فيضعها في قصة، أو منظرًا جميلًا فيضعه في قصيدة، أو معنى أثارته في نفوس قومه أحداث سياسية أو اقتصادية فيضعه في مقالة أو كتاب، فيُقبِل الجمهور على قراءة ذلك ويعجبون به، وسبب الإعجاب أن الأديب شعر بما يشعر به الجمهور، واستطاع أن يعبِّر عنه التعبير الفني الذي لا يستطيعه الجمهور.
أما الأدب الأوربي القديم، فإنما يناسب خاصة المتعلِّمين؛ لأنه يتطلَّب دراسة لغوية وأدبية عميقة، كما يتطلب — لتفوقه — أن يلمَّ المتعلِّم بشيء كثير من المسائل التاريخية والاجتماعية التي أحاطت بالأديب وبالقطعة الفنية؛ حتى يستطيع أن يفهمها فهمًا صحيحًا، وليس ذلك في مُكْنة السواد الأعظم من الناس؛ فالذين يفهمون الإلياذة والأوديسة وخطب ديمستين قليل بالنسبة إلى الذين يقرءون الأدب الحديث ويفهمونه، وكذلك الذين يفهمون الأدب الإنجليزي أو الفرنسي في القرون الوسطى ويتذوَّقونه هم الخاصة من الأدباء، وإن قرأ الجمهور شيئًا من الأدب القديم فإنما يقرأه مترجمًا إلى اللغة الحديثة، أو معروضًا في شكل جديد قد ذٌلِّلت فيه كل الصعوبات التي يحتمل أن يلقاها القارئ العادي، أما الأدب الإنجليزي أو الفرنسي الحديث، فيكاد يكون من حظِّ الإنجليز أو الفرنسيين جميعًا.
وسبب ذلك أن الأدب هو نقد الحياة في أسلوب فني، وإذا كانت كل أمة تفهم حياتها الحاضرة فهمًا ما — وإن اختلفوا في مقدار الفهم — كان الأدب الحديث أقرب إلى فهمهم وأيسر متناولًا لجمهورهم، وإذا كان الأدب القديم وصفًا لحياة قديمة لا يستطيع فهمها فهمًا صحيحًا إلا من عرف بيئتها وتاريخها كان ذلك الأدب أدب الخاصة.
•••

وبعدُ، فالأدب العربي أدب قديم لا حديث له، وإن شئت تعبيرًا دقيقًا فقل إنه أدب قديم لم يستكمل حديثه؛ لذلك كان الأدب العربي أدب الخاصة لا أدب الجمهور.
لا يستطيع القارئ أن يفهم الأدب العربي القديم إلا بفهم دقيق للتاريخ، وفهم بالغ للظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الأدب، ومعرفة واسعة بالجغرافيا، وعلم تام بقوانين الصرف المعقَّدة — كأنها قوانين اللوغارتمات — ليعرف كيف يبحث في معاجم اللغة العربية عن كلمة غريبة، وليس يصبر على ذلك كله إلا المجاهدون الصابرون، وقليلٌ ما هم.
يريد سواد المتعلِّمين أن يغذوا مشاعرهم من حبٍّ يحلَّل تحليلًا دقيقًا، أو إعجابٍ بمنظرٍ طبيعي مَلَكَ عليهم نفوسهم، فأرادوا أن يصوَّر هذا الإعجاب في قطعة فنية، أو تبرم بأسر ورق، فهم يريدون أدبًا يتغنَّى بالحرية، ويحفِّز النفوس إلى تحقيقها، أو ألمٍ من سوء حالة اجتماعية فهم يبتغون قصة تمثلها، أو قصيدة تصفها، أو كتابًا يحلِّلها، أو نحو ذلك من ضروب المشاعر، فلا يجدها في الأدب العربي الحديث إلا قليلًا نادرًا، فيضطر إلى الأدب الأجنبي يقرؤه ويتغنَّى به ويستمرئه.
وهو على الرغم من أن ذلك الأدب ليس بلغته، ولا يصف مشاعر تمثل بالدقة مشاعره، ولا يحلل حالات اجتماعية تشبه مشابهة تامة حالاته، على الرغم من ذلك كله مضطرٌ أن يقرأه؛ إذ ليس عنده من أدبه ما يكفي لغذائه، وفي الأدب الغربي كل صنوف الغذاء على اختلاف الأنواع وعلى اختلاف الأساليب؛ إن شاء سهلًا وجد السهل، أو صعبًا وجد الصعب، أو بين ذلك وجد بين ذلك، وإذا غمض عليه لفظ استطاع أن يكشف عنه في المعاجم من أول درس تعلَّمه؛ فكيف لا يهمل بعد ذلك الأدب العربي ويعكف على الأدب الغربي؟
إن شئت فوازن بين ما يدرسه الطالب في المدارس الثانوية أو العالية في الأدبين، فهو في الأدب الغربي يدرس شكسبير وأمثاله، فيجد موضوعًا شيِّقًا يمثل حالة من الحالات التي تتصل بنفسه، وتمس حياته الاجتماعية بقدر ما، قد صيغت في قالب فني رشيق، فخرج من الدرس يحبُّها ويحبُّ موضوعها، أما في الأدب العربي، فيدرس مختارات من جرير والفرزدق والأخطل، أو مختارات من مقامات البديع والحريرى أو نحو ذلك، وهذه كلها لا تمثِّل ناحية اجتماعية يحياها أو ما يقرب منها، ولا فكرة عميقة حلِّلت تحليلًا واسعًا؛ لذلك يخرج منها وهو لا يحبُّها، أو على الأقل يكون على الحياد منها.
لست أنكر أن في جرير وأمثاله، والمقامات وأمثالها، وفي الأدب العربي على العموم، جمالًا وفنًّا وإبداعًا، ولكن ذلك لا يدركه إلا الخاصة الذين مرنوا طويلًا على الدرس، وبذلوا الجهد في تدريب أذواقهم على تقويمه واستساغته، وليس ذلك في استطاعة كل الطلبة، ولا أكثرهم.
فإن أنت نظرت إلى الأدب العربي الحديث فماذا ترى؟ ترى كثيرًا من الأدب الغربي قد تُرجِم إلى العربية، وليس من الحق أن يعدَّ هذا أدبًا عربيًّا في جوهره وموضوعه؛ إذ ليس له من العربية إلا لغة ملتوية على النمط الغربي، وترى نتاجًا مبتكرًا قليلًا، وأكثر هذا القليل مقالات وفصول جُمعت بعد ذلك وسمِّيت كتبًا مجازًا، ولا تربطها وحدة غالبًا، والبقية الباقية من القليل هي التي يصحُّ أن تسمَّى أدبًا عربيًّا حديثًا لم يكتمل.
ذلك في نظري أكبر سبب في انصراف جمهور المتعلِّمين عن الأدب العربي، فإن أُريدَ إقبالهم عليه فلا بدَّ من إنتاجٍ حديثٍ وافرٍ يغذي كل مشاعر الحياة كما يغذي العقول، وليس من الحق أن ندعو السواد الأعظم إلى الأدب العربي قبل أن نستكمله، أو على الأقل نُوجد فيه ما يُسدُّ رمقهم، وإن أردنا الإنصاف فواجب أن ندعو الدعوتين: دعوة الأدباء في العربية إلى أن ينتجوا، ودعوة القراء إلى أن يقرءوا.
ولن ينجح الأدباء إذا اقتصروا على أن يحتذوا حذو القدماء شكلًا وموضوعًا دون أن يمسوا حياتهم الواقعية وبيئتهم الاجتماعية ومشاعرهم النفسية؛ فالأدب متغير، خاضع لقانون النشوء والارتقاء، فإذا تقيَّد أدباؤنا بالموضوعات التي عالجها القدماء، وبالأشكال التي صُبَّ فيها الأدب القديم عُدَّ أدبهم قديمًا لا حديثًا، ولم يصلح علاجًا لما نَصِفُ من أمراض.
مثال ذلك: أنَّا إذا وضعنا أيدينا على مختارات البارودي — وهو كتاب ضخم في أربعة أجزاء، اختار فيها الثلاثين شاعرًا من شعراء العصر العباسي — وجدناه قد اختار نحو أربعين ألف بيت؛ منها أربعة وعشرون ألفًا في المديح، وإذا أضفت الهجاء والرثاء إلى المديح وجدت جميع ذلك يقرب من ثلاثين ألفًا، والربع الباقي في الأدب والصفات والزهد والنسيب!
فترى من هذا إفراط الأدباء القدماء في وصف العواطف الشخصية؛ من كرم ورثاء وهجاء، وتقصيرهم في أبواب كثيرة؛ أهمها وصف المناظر الطبيعية، وتحليل الانفعالات النفسية، وغير ذلك من ضروب الأدب.
وهذا التقصير وقع في الأدب الأوربي القديم كما وقع في الأدب العربي؛ فلو قرأنا شعر هوميروس وفرجيل ودانتي، وجدنا فيه قليلًا من وصف جمال الطبيعة؛ من جبال وبحار ونجوم، على حين أن الشعر الأوربي الحديث قد ملئ بهذا الضرب من القول، وأبدع الشعراء فيه إبداعًا لا حدَّ له؛ فأفاضوا في القول في السماء ونجومها، والأشجار وازدهارها وذبولها، والبحار والصحراء وغيرها، ووجدوا في ذلك كله كنوزًا استمدوا منها شعرهم، وكان تقصير القدماء وإجادة المحدثين في ذلك قانونًا طبيعيًّا؛ لأن الإعجاب بجمال الطبيعة نتيجة رقي كبير في الذوق، فإذا قصر أدباؤنا المحدثون في هذا — كما هو حادث الآن — وتابعوا الأقدمين في المديح والهجاء والغزل فقط، ظلَّ نقصُ الأدب العربي على ما هو عليه.
كذلك يعيش الشرقي عيشة خاصة غير التي كان يعيشها آباؤه؛ سفرت المرأة بعد حجابها، وتغيَّر في العشرين سنة الأخيرة كلُّ نظم الحياة تقريبًا؛ من معيشة بيئية، ونظم اجتماعية، وحياة سياسية، وأصبح كل باب من هذه الأبواب يتطلَّب قصصًا جديدًا وشعرًا جديدًا وكتبًا أدبية جديدة، فإن نظر أدباؤنا إلى دواوين الشعراء الأقدمين ولم ينظروا إلى دواوين الطبيعة وصحائف العالم الذي فيه يعيشون فلا أمل في شعرهم ولا نثرهم، وظلَّ المتعلِّم منصرفًا عنهم إلى الأدب الغربي على الرغم منهم.
ونوع آخر من الأدب يصحُّ أن يستغله الأدباء، وهو أن يعمدوا إلى الأدب القديم، وأبطال الشرق، والأحداث التاريخية العربية، فيجعلوا منها موضوعًا لدراستهم، ثم يلقوا عليه أضواءً ممَّا وصل إليه العلم الحديث، والأدب الحديث، وعلم النفس الحديث، فيترجموه إلى لغة العصر، ويبرزوه في شكل يناسب ذوق الجمهور، ويحبِّب إليهم قديمهم.
إنهم إن فعلوا ذلك استطاع من لا يعرف لغة أجنبية أن يجد غذاءه في الأدب العربي، واستطاع أن يكون إنسانًا مثقفًا تكفيه ثقافته، واستطاع من يعرف لغة أجنبية أن يباهي بأدب قومه كما تباهي كل أمة بأدبها، وفي ذلك اعتداد بشخصيتها العربية الشرقية لا يستهان به.

الفصل الخامس
التجديد في الأدب (الشعر)


من قديم حاول الأدباء والنقاد أن يضعوا تعريفًا للشعر، فاختلفت تعاريفهم؛ لاختلاف أنظارهم، ولأن كلمة الشعر استُعملت في معانٍ مختلفة، فكان كل أديب يعرفه حسب نظره، وحسب المعنى الذي يرمي إليه، وكان سواء في ذلك أدباء العرب والفرنج.
ذلك أن الشعر — على العموم — يتكوَّن من عنصرين أساسيين، وهما: الوزن والقافية أولًا، وإثارة المشاعر ثانيًا، فإذا فقد الكلام عنصرًا من هذين العنصرين لم يصحَّ أن يسمَّى شعرًا، غير أن بعض العلماء طغى عليه النظر إلى عنصر الوزن فعرَّفه تعريفًا أفقده روحه، فقالوا: إن «الشعر هو الكلام الموزون المقفَّى»، ومثله قول بعض الفرنج: «أي كلام موزون يسمَّى شعرًا؛ سواء أكان جيدًا أم رديئًا»، وعلى هذا التعريف فألفية ابن مالك شعر، وقواعد الحساب المنظومة شعر، والمتون الفقهية المنظومة شعر.
كما أن بعض العلماء طغى عليه النظر إلى روح الشعر ومعناه، فعرَّفوه تعريفًا أفقده موسيقاه؛ كالذي قال بعضهم: «الشعر فيضان من شعور قوي نبع من عواطف تجمَّعت في هدوء»، ومثله قول رسكن: «الشعر إبراز العواطف النبيلة من طريق الخيال»، وهو تعريف يصحُّ أن يكون للأدب كله؛ نثره وشعره، بل للفن جميعه؛ من أدب ونحت وتصوير وموسيقى.
وابن خلدون نقد التعريف بأنه الكلام الموزون المقفى، وقال إنه إن صح تعريفًا عند العروضيين لا يصحُّ عند البلاغيين، ثم اختار أن يعرفه «بأنه الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصَّل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله، الجاري على أساليب مخصوصة»، وعيب هذا التعريف أنه ممل، وأنه لم يلتفت إلى مزية الشعر وروحه، وهو إثارة المشاعر، واستقلال كل جزء منه في غرضه ومقصده ليس من العناصر الأساسية التي يصحُّ أن تدخل في التعريف.
فلو قلنا إن الشعر هو الكلام الموزون المقفَّى، المنبعث عن عاطفة، والمثير لعاطفة، كان تعريفًا أقرب إلى الصواب.
فإذا وجدت نوعًا من الأدب يجمع الوزن والاتصال بالمشاعر فسمِّه شعرًا وإلا فلا.
والشعر يثير المشاعر بما فيه من خصائص: فأولًا: بأوزانه وقوافيه؛ ولذلك كان المعنى الواحد إذا قيل مرة شعرًا ومرة نثرًا كان في الشعر أقوى أثرًا.
وثانيًا: بلغته؛ فللشعر لغة غير لغة النثر، ولسنا نعني بلغة الشعر الكلمات الغريبة أو أنواع البديع أو نحو ذلك، فقد يكون الشعر في منتهى الرقي وكلماته في منتهى السهولة، وهو كذلك خلو من كل أنواع البديع، إنما الذي نعنيه أن للشاعر مَلَكة لا يمكن أن نوضِّحها تمام الوضوح، بها يستطيع أن يتخيَّر من ألفاظ اللغة ما يرى أنها أبعث للشاعر، وهو كذلك يضعها في قوالب يتخيَّرها من القوالب العديدة والتراكيب اللغوية المختلفة، وهذا هو ما يجعل الشاعر شاعرًا؛ فقد يكون عندنا شعور فياض كالشعور الذي عند الشاعر أو أغزر منه، ولكن ليس لنا هذه القدرة على الإفصاح واختيار الألفاظ والقوالب والتراكيب، ومن ثمَّ كان من المستحيل ترجمة الشعر إلى شعر؛ لأن الترجمة لا ترينا ما للشاعر من قدرة فنية على اختيار الألفاظ والأساليب، والذي نترجمه هو المعنى الذي حواه الشعر وما فيه من تصوير وخيال.
ويعدُّ المترجم أمينًا إذا هو استطاع أن ينقل هذا، أما طريقة الأداء فلا يمكن ترجمتها؛ نعم، إن بعض الشعراء قد يقرأ القطعة من الشعر، ويكون له قدرة فنية فيصوغ هو شعرًا مستمدًا من وحي ما قرأ، وقد يجري مع الأول في وادٍ واحد، وتكون له عذوبة ما للأول، ولكن ليس هذا ترجمة على الإطلاق.
كذلك يثير الشاعر الشعور بما عنده من لطف النظر، أو الإلهام، أو اللقانة، أو ما شئت فسمِّه، فللشاعر روح غامض طُبِعَ عليه لا يُكتسَب بتعلُّم، به ينظر إلى الأشياء نظرًا خاصًّا، وبه يبعث الشعور عند السامع، ولعل هذا هو الذي جعل شعراء العرب يعتقدون أن لكل شاعر شيطانًا ينفث فيه الشعر، ولأمرٍ ما خلط العرب فسمَّوا النبي شاعرًا أحيانًا، وكاهنًا أحيانًا، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ? قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ? قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ.
وللشاعر ناظر باطن للحياة، يغوص فيها ويستخرج معانيها، ويعرضها في شعره، ولأن الشعر هو معنى الحياة كان شعر كل عصر مرآة له، وقديمًا قالوا: (الشعر ديوان العرب)، والحق أنه ديوان الأمم، تسجِّل فيه حياتها وأفكارها ومشاعرها؛ فالشاعر يعطينا صورة روحية حية أكثر مما يعطينا إياها التاريخ، والشعراء عادة في مقدمة قومهم شعورًا، وشعرهم إيذان بالفلسفة وإرهاص لها؛ فهم يلهمون الشيء إلهامًا غامضًا، ثم يتضح ما ألهموا به على مرِّ الأزمان، وتأتي الفلسفة بعد فتشرح وتحلِّل وتدلِّل.
•••

أما الوزن في الشعر فهو موسيقاه، وله قيمة كبرى في الشعر، حتى عُدَّ أهم فارق بينه وبين النثر، والشعر يقوى بالموسيقى الجيدة، ويضعف شأنه إذا ساءت موسيقاه، وارتباط الشعر بالموسيقى أشد من ارتباط الفنون الأخرى؛ كالنقش والتصوير، حتى كان الرومان يقولون: «إن الشعراء ليسوا إلا مغنِّين يترنَّمون بشعرهم، ويغنُّون به لأنفسهم ولمن شاء أن يردِّده بعدهم».
ومن أنواع الشبه بين الموسيقى والشعر ما لاحظه بعضهم من أن كلًّا منهما يتنوَّع أنواعًا متماثلة؛ فالصوت يختلف عن الصوت من نواحٍ أربعة: (?) من ناحية الطول والقصر.
(?) والغلظة والرقة.
(?) والارتفاع والانخفاض.
(?) ومن ناحية مصدر الصوت؛ كعود أو قانون.
وهذه النواحي الأربعة يمكن أن نراعيها في الشعر؛ فمن النوع الأول اختلاف التفاعيل طولًا وقصرًا، فالرجز أقصر في التفاعيل من الطويل، وهكذا؛ ولهذا الاختلاف تأثير كبير في الأذن الموسيقية.
كذلك نرى في الشعر ما يتناسب مع الشدة والضعف والغلظة والرقة؛ فالشعر قد يناسبه — أحيانًا — حروف وكلمات ضخمة قوية، وقد يناسبه حروف وكلمات ليِّنة رخوة؛ كالذي قالوا في قوله:
ألا أيُّها النُّوام وَيْحَكُمُو هُبُّواأُسَائِلُكُمْ: هَلْ يَقْتُلُ الرَّجْلَ الحُبُّ؟ فالشطر الأول قوي شديد، والثاني رخو ناعم.
وفي الشعر ما يناسبه الهدوء والرقة؛ كشعر الغزل، ومنه ما يناسبه الشدة والبطش، ويناسبه إنشاده في قوة وجلبة؛ كشعر الحماسة.
ونلاحظ في الموسيقى أن النغمة الواحدة إذا وقعت على الكمنجة، ثم وقعت بعينها على البيانة، كانت النغمتان مختلفتين تأثيرًا، وهذا يقابله في الشعر القافية؛ فالقصيدة على قافية قد يكون لها أثر لا يكون إذا قيلت على قافية أخرى، وهكذا.
•••

والشعر أقل تقدمًا وأبطأ خطًى من النثر؛ سواء في ذلك اللغة العربية وغيرها من اللغات، وسبب ذلك على ما يظهر أن الشعر لغة العواطف، والنثر لغة العقل، والمشاعر والعواطف قليلة التغيُّر بطيئة الرقي، وما حدث فيها من تغيُّر فأكثره تغيُّر في الشكل لا في الموضوع، أما العقل فراقٍ أبدًا، وثًّاب في الرقي، ومظهر ذلك الرقي العلمي الذي نحسُّه من سنة إلى أخرى، ولأن الشعر تعبير شخصي؛ وأعني بذلك أن الشاعر يعرض علينا في شعره مشاعره ونظراته إلى الحياة وإحساسه بها.
أما الناثر فعالمي إنساني، يعرض الشيء كما هو لا كما يرى، تحس في الشعر دائمًا بالشاعر يحدِّثك عن نفسه، وتحسُّ في النثر بعقلٍ يخاطب عقلك، وإن شعرت بالشاعر فمن وراء حجاب، ومن أجل هذا خضع النثر للمنطق ولم يخضع له الشعر، ترى في الشعر غالبًا مبالغة لا يرضاها المنطق، وتناقضًا لا يقرُّه المنطق، وتحكُّمًا في الحكم لا يؤيِّده المنطق، وتخبُّطًا وهراء يغتفرهما العقل في الشعر ولا يغتفرهما في النثر.
وهذه الظاهرة — وهي سير النثر إلى الأمام في سرعة وقفز، وسير الشعر في بطء وتمهل — هي التي جعلتنا نتذوَّق النثر في ذلك العصر؛ لأن الصلة بين نثرنا والنثر القديم صلة ضعيفة قد خالفناها كل المخالفة، ولم يبقَ منها إلا أساس التركيب الذي تقتضيه طبيعة اللغة، بل إن مسافة الخلف بين نثرنا والنثر من عشرين سنة بعيدة كل البعد، وعلى العكس من ذلك الشعر، فالفرق بين الشعر القديم والحديث قليل تافه، ومع هذا، فالشعر يجب أن يخضع لسُنَّة النشوء والارتقاء، ويجب أن يتقدَّم ويجاري الزمان، كما حدث في الشعر الغربي.
يجب أن يتقدَّم الشعر في كل من عنصريه؛ عنصر الوزن وعنصر المعنى؛ ففي الوزن نرى أن العرب في الجاهلية صَبَّت شعرها في ستة عشر بحرًا، وكان خضوعها لهذه البحور لا لأنها حصرت كل ما يمكن أن يكون، ولكن ابتكروا — أولًا — بحرًا أو بحرين، ثم جاء الخلف فزادوا هذه البحور شيئًا فشيئًا، لا يهديهم في الابتكار إلا الأذن الموسيقية، وهم لا عيب عليهم في ذلك، ولكن العيب عيبُ مَن أتى بعدهم فقدَّسوا هذه البحور، ولم يشاءوا أن يخرجوا عنها قيد شعرة.
وقد تحكَّم العلماء والأدباء في أذواق الناس، فأبوا عليهم أن يقولوا في غيرها، أو أن يشذُّوا ولو قليلًا عنها، وهو تقديس في غير محله؛ لأن أوزان الشعر — كما قلنا — هي موسيقاه، وكما تطورت الموسيقى في العصور، واختُرعت نغمات، وولِّد من القديم نغمات جديدة، وكانت موسيقى العصر العباسي غير موسيقى العصر الأموي، وهما غير موسيقى الجاهلية، كان واجبًا أن يغيِّر الشعراء موسيقى الشعر، ولا يقفوا عند الحدِّ الذي رسمه الجاهليون.
وعجيب أن نسمح في عصرنا للموسيقى الشرقية أن تطعَّم بالموسيقى الغربية، ونهيِّئ آلاتنا للتوقيع عليها بهذه النغمات الجديدة، ونهيِّئ آذاننا لسماعها، ثم لا نفعل ذلك في الشعر! نعم، أخذ بعض الناس يتحلَّلون من قيود البحور والقوافي الجاهلية؛ كما فعل الأندلسيوف بالموشحات وما إليها، ولكن وقف مَن بعدهم على اختراعهم، ولم يسيروا على سنَّتهم في التقدم.
يجب أن يتحرَّر نوابغ الشعراء من هذه القيود، ويشعروا بما يحسُّون، ويوقِّعوا على النغمة التي يرتضون، وليس الحكم بيننا وبينهم هو البحور الستة عشر، ولكن الحكم هو الأذن الموسيقية، والأذن الموسيقية وحدها، وكما نرجع في كل فنٍّ إلى الخبيرين نستفتيهم ونحتكم إليهم، فكذلك في هذا الضرب، يجب أن نحتكم إلى من رقَّت أذنهم الموسيقية وأذواقهم الفنية، وليس في هذا ضير ما على ثروتنا القديمة في الشعر، فإنَّا باختراعنا بحورًا وأوزانًا نزيد في ثروتنا إلى ثروتهم، كما نزيد في موسيقانا إلى موسيقاهم، وفي علمنا إلى علمهم.
أمَّا من حيث الموضوع ومعاني الشعر، فمجال القول فيه أوسع، وتقصير الشعراء فيه أبين، ولئن كانت كل أمة تعد الشعر ديوانًا تسجل فيه نزعاتها وآمالها وحياتها، فإني أخشى أن يكون الشعر العربي سجلًا ناقصًا لم يدون فيه إلا وقائع قليلة من نزعات كثيرة، وصفحات ضئيلة من حياة حافلة مركَّبة معقَّدة؛ لقد دوَّن الشعر كثيرًا من وقائع المديح والرثاء والغزل والخمريات وما إليها، وهذا حسن، وهو ضرب من الشعر لا بدَّ منه، ولكن ليس هذا كل مشاعرنا ولا أكثرها.
لقد مررت في هذا العام على تلاميذ مدارس ثانوية خارجين من لعب الكرة، فسمعت بعضهم يصيح: «يا محنِّي ديل العصفورة، ومدرستنا هي المنصورة»، فجرت من عيني دمعة على ما نحن فيه من ضعة وانحطاط، وقلت أين الشعراء يضعون الأناشيد تجاري نفسية الطلبة، وترقِّي من مشاعرهم، وتزيد في روحهم حماسة وقوة، وتميِّز الطبقة المتعلِّمة من طبقة العامة وأمثالهم؟
وأتى كشافة العراق ينشدون الأناشيد المختلفة في المناسبات المختلفة، فلم يجد كشَّافة مصر ما يجيبونهم به ويساجلونهم فيه إلا هراء من الكلام وسخفًا من الغناء، ثم أين الشعراء يضعون أغاني للشعب وأغاني للمتعلمين تناسب حياتهم وموقفهم الاجتماعي؟
نعم، تنبَّه بعض الشعراء لهذا، ووضعوا أغاني أرقى مما وضع من قبلهم، ولكن أكثرها بكاء وحنين وذوبان، وهي من الأدب الذي سمَّيتُه أدبًا مائعًا، والذي لا يصح لأمة ناهضة أن تقتصر عليه، بل أين شعراء الشرق الذين تغنَّوا بما حوته طبيعة بلادهم من جمال وإبداع، فرَقَّوا ذوق شعوبهم وأشعروهم بجمال الطبيعة، وغذَّوا عواطفهم، وعوَّدوهم تقدير الجمال والهيام به؟!
لقد قصَّر شعراء العرب قديمًا وحديثًا في هذا الباب، فلا نعثر منه في الأدب العربي إلا على قليل، وهذا القليل لا يكفينا الآن، ولا يسدُّ رغباتنا؛ لأن شعر الطبيعة قد رقي عند الأمم، وأصبح مؤسَّسًا على شيئيين لا بدَّ منهما؛ وهما: عِلمٌ بالطبيعة ومعرفة بقوانينها، وحُبٌّ للطبيعة وهيام بها، ثم صياغة ذلك في قول ساحر جذاب، وهذا الضرب من الشعر قطع فيه المحدثون من الغربيين شوطًا بعيدًا، وسبقوا فيه من قبلهم بمراحل طويلة.
وبعد هذا كله، أين الشعر الاجتماعي العربي الذي يساير نزعات أمم الشرق ومطامعها وآمالها في الحياة؟ إن أمم الشرق تنزع إلى الحرية، وتأمل أن تتبوَّأ في العالم الإنساني المكان اللائق بها، وتنشُد ضروبًا من الإصلاح الاجتماعي ترى الحاجة ماسة إليه، وكلها مجال فسيح للشعر يلهب حماستها ويقوي إيمانها ويهديها سبل الحياة؛ فأين الشعراء الذين وقفوا هذه المواقف، وقادوها قيادة صالحة؟
إن عواطف الأمم الشرقية ساغبة تنتظر من يغذِّيها ولا تجده.
الحق أن أدباء النثر قد أدَّوا رسالتهم خيرًا مما أدَّاها أدباء الشعر، وفي كلٍّ من الفريقين تقصير.

الفصل السادس
مدرسة القياس في اللغة


من طبيعة الأشياء أن يكون في كل جماعة بلغت شأوًا ما من الرقي طائفةٌ من المحافظين، وطائفةٌ من الأحرار؛ فالمحافظون بطبيعتهم ميَّالون إلى السير على القديم، من غير تفكير في تغييره ولا الخروج عليه، ويدعوهم إلى ذلك: إما خمودهم الذهني، وفقدان النشاط العقلي الذي يبعث على التفكير ويدعو إلى التغيير، وإما حب السلامة وعدم تنغيص الحياة بما يستوجبه التجديد من الاضطراب والتعرض للنقد، وإما منفعتهم الشخصية من النظام القديم على وجه ما، وإما إخلاصهم للقديم وإجلالهم له؛ لما أسبغ عليه من تقديس.
والأحرار ميَّالون إلى التجديد، يدعوهم إلى ذلك نشاط ذهنهم، وما يرونه في القديم من عيوب تدعوهم إلى نقدها وتغييرها، ولهم من الشجاعة والغيرة ما يحملهم على مجابهة القديم والدعوة إلى الجديد.
هذا هو الشأن دائمًا في تاريخ الحياة الإنسانية؛ وقد كان هذا عند العرب كما كان عند غيرهم؛ فالدعوة إلى الإسلام نفسه دعوة إلى التجديد، وكان في الصحابة أنفسهم محافظون وأحرار، قد يمثلهم جميعًا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله.
وُجد هؤلاء الأحرار والمحافظون في الفقه؛ فكان أهل الحديث الذين يقفون عند جمعه واستنباط الأحكام منه، وأهل الرأي أو أهل القياس، وهم الذين يقيسون ما لم يرد فيه نصٌّ على ما ورد فيه نصٌّ، وهذا هو الشأن في كل جماعة يشتغلون بكل علم: منهم من يقف عند ما قرره العلماء، ومنهم من يبتكر ويستنبط ويبيِّن خطأ مَن قبله ويصححه.
وكذلك الشأن في اللغة حتى بين الأدباء؛ فمن الشعراء والأدباء مَن كان يلتزم ما ورد في اللغة ولا يخرج عنه بحال من الأحوال، ومنهم من كان يجيز لنفسه أن يجدِّد؛ فيحكون عن العجاج وابنه رؤبة أنهما كانا يصوغان ألفاظًا لم يُسبقا إليها، ويروى عن بشار أنه كان يقيس ما لم يرد على ما ورد؛ فرأى العرب تصوغ فَعَلى من الفعل للدلالة على السرعة، فقالوا: جَمَزَى لسرعة السير، فقاس عليها وقال:
والآن أقصر عن سمية باطليوأشار بالوَجَلَى على مشير وقال:
على الغَزَلَى مني السلام فربمالهوت بها في ظل مخضلة زهر وعابه المحافظون على ذلك، فقالوا: لم يسمع من العرب وَجَلى ولا غَزَلى. وأنشد الخليل رجل فقال:
ترافع العز بنا فارفنععا
قال الخليل: فقلت هذا لا يكون، فقال: كيف جاز للعجاج أن يقول:
تقاعس العز بنا فاقعنسسا
على كل حال، بدأ العلماء يجمعون اللغة من أفواه العرب سواء في ألفاظها وأساليبها، وقد بذلوا في ذلك جهدًا مشكورًا، وتحمَّلوا في ذلك من العذاب ما لا يستطيعه إلا أولو العزم، وفضَّلوا أن يأخذوا عن العرب العرباء الذين لم تفسدهم الحضارة ولا الاختلاط، وعُدُّوا أصحَّ من تُؤخذ عنهم اللغة؛ وهم: قيس، وتميم، وأسد، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يأخذوا عن غيرهم من سائر قبائلهم، كما لم يأخذوا عن حضري، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم.
ولكن يؤخذ عليهم أنهم ساروا في الجمع حيثما اتفق؛ فلم يفردوا كل قبيلة بما أُخذ عنها، ولو فعلوا ذلك لأفادونا فائدة كبرى، وفي رأيي أن كثيرًا من الاضطراب في اللغة — كالذي نراه في أوزان جموع التكسير المختلفة، وجمع الكلمة على أشكال عدة؛ مثل جموع ناقة وعبد — سببه اختلاف لغات القبائل، وأن كل لغة كان لها موازينها القياسية المطردة غالبًا، وكذلك اختلاف أوزان الأفعال الثلاثية كثير منها كان سببه هذا، وكذلك تعدُّد المصادر للفعل الواحد؛ ففعل لقي — مثلًا — له أكثر من عشرة مصادر، وما أظن أن قومًا عقلاء يجعلون للغتهم مصادر أكثر من عشرة لكلمة واحدة، وهذا ما جعل اللغة العربية تنوء بالمترادفات، فلو أن جامعي اللغة جمعوها على نمط منظَّم لأفردوا كل لغة بمجموعة، وكان هذا يفيدنا كثيرًا في تنظيم لغتنا، وحذف ما يحذف، وإثبات ما يثبت.
كما يؤخذ عليهم أنهم لم يفرِّقوا في جمعهم بين اختلاف الكلمات الواحدة من حيث مادتها وبين الكلمات المختلفة بحسب اللهجات؛ فقد تكون الكلمة واحدة في الأصل، ولكن اختلفت لهجات القبائل في وضع حرف مكان حرف، أو تقديم حرف وتأخيره؛ مثل أن تقول قبيلة: نكف عن الشيء، وقبيلة: كنف؛ ومثل: عاث يعيث، وعثا يعثو، والشيء الشائع، والشيء الشاعي، وبضا بالمكان وباض؛ أي: أقام؛ ومثل: كدر وكدل وكدن، إلى كثير من أمثال ذلك.
والمعاجم مملوءة بها وبتعدادها، مع أن الواضح فيها أن أصل المادة شيء واحد، واختلفت فيها اللهجات، فلمَّا جاء أصحاب المعاجم جمعوا هذا حيثما اتفق أيضًا، وكان الواجب أن يكون بعد هذا الجمع الترتيب والتبويب والغربلة والدراسة، كما هو الشأن في كل علم تُجمع مادته الخاصة حيثما اتفق، ثم تُفحص وتُرتَّب حسبما يدل عليه العلم؛ فمثلًا: جمع المشتغلون بالحيوان أصناف حيوانات البحر وسمَّوها سمكًا؛ اعتمادًا على سكنى الماء وتماثل الصورة، وجعلوا صنفًا يسمى الرهيل من السمك لهذه الشواهد الظاهرية، فلما عُني علماء الحيوان بالبحث وجدوه من ذوات الثدي، فألحقوه بالخيل والبقر، وأخرجوه من دائرة الأسماك.
وعَدَّ الأقدمون الأجرام السماوية من ذوات النفوس، لمَّا شاهدوا في حياتهم الأرضية من أن المتحرِّك من غير محرِّكٍ محسوسٍ لا يكون إلا ذا نفس وإرادة، فجعلوا للنجوم نفوسًا وإرادات، وعدُّوها أرقى من الإنسان؛ لأنها في السماء وهم في الأرض، فلما اكتُشف قانون الجذب، وتقدَّم العلم، تبيَّن أنها ليست بذات أنفس وإرادات، وإنما هي مادة جامدة كالأرض، إلى كثير من هذه الأمثلة.
وقد قصر أصحاب المعاجم في بحثهم المستقصي عن النمط العلمي.
وكان هذا الجمع هو المادة الخامة للغويين والنحويين؛ فأما النحويون والصرفيون فقد برعوا في القياس إلى أقصى حدٍّ، فكل علمهم قياسي؛ نظروا إلى الأعم الأغلب فجعلوه قاعدة، وجعلوا ما جاء على خلافها شاذًّا لا يصح لنا الإتيان بمثله؛ فالعرب لم تلتزم — مثلًا — نصب اسم إن، ولا رفع خبرها، ولا عطف المرفوع على المرفوع، والمنصوب على المنصوب، وهكذا، بل ورد في القرآن رفع اسم إن في قوله تعالى: إِنْ هَـ?ذَانِ لَسَاحِرَانِ، وجاء فيه: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى?، فقعَّدوا قواعدهم على الكثير الغالب.
وكذلك الصرفيون في قواعد الإعلال والإبدال، واشتقاق صيغ اسم الفاعل والمفعول والزمان والمكان … إلخ، فضبطوا بذلك اللغة في اختصاصهم، وكل هذا عن طريق القياس.
أما اللغويون، فسادت عليهم المحافظة، وقلَّت فيهم الحرية، وليس الاختلاف في أن اللغة توقيفية أو غير توقيفية إلا مظهرًا من مظاهر المحافظة والحرية؛ فمن قال بأنها توقيفية، أو بعبارة أخرى: من وضع الله، أسبغ عليها حلَّة من التقديس، والتزمها من غير تصرُّف فيها، ومَن قال إنها غير توقيفية، أو بعبارة أخرى: من وضع البشر، كان أكثر حرية في التصرُّف فيها.
على كل حال، نرى كثيرًا من اللغويين وقفوا عند ما ورد، وكانوا محافظين، ومن هؤلاء جامعو اللغة؛ كالأصمعي، وابن الأعرابي، وأبي زيد، فلم يكونوا يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا كلمة، أو يشتقُّوا اشتقاقًا، إلا عن سماع، ومن هؤلاء أيضًا أصحاب المعاجم؛ كالجوهري، والفيروزابادي، وابن منظور، فلم يقيسوا على ما رووا، وإن اختلف بعضهم عن بعض في زيادة الكمية المروية أو نقصها، وكثرة الاستشهاد وقلته، وذكر أسماء البلاد والأعلام أو عدمه، ونحو ذلك.
وبجانب ذلك قلَّةٌ من القياسيين، أو بعبارة أخرى: مدرسة القياس، وربما كان من أعلام هذه المدرسة أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني؛ فأما أبو علي الفارسي، ففارسي الأب عربي الأم، مات ببغداد سنة ??? في أيام الطائع لله عن نيف وتسعين سنة، طَوَّفَ كثيرًا في بلاد الشام، وأقام بحلب مدة، وخدم سيف الدولة بن حمدان، ثم رجع إلى بغداد وخدم عضد الدولة، وبقي بها إلى أن مات.
وقد كان معاصرًا لأبي سعيد السيرافي، وكان أبو سعيد هذا أكثر من الفارسي رواية، وكان الفارسي أكثر منه قياسًا، حتى لقد قال أبو علي الفارسي: «لأن أُخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية أَحَبُّ إليَّ من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية»، وقد قال فيه بعض تلاميذه: «أحسب أن أبا علي قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا»، وما العلل إلا مقدمة القياس.
وكان يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، فإذا عَرَّبتُ لفظة أعجمية أَجريتُ عليها أحكام الإعراب وعددتُها من كلام العرب، وأُجيز الاشتقاق منها، كما عرَّب العرب لفظة الدرهم، واشتقوا منه درهمت الخبَّازي؛ أي: صارت كالدراهم؛ وقالوا: رجل مدرهم؛ أي: كثرت دراهمه.
وكان يقول: لو شاء شاعر أو ساجع أو متسع أن يبني بإلحاق لام الكلمة اسمًا أو فعلًا أو صفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو قولك: خرجج أكرم من دخلل، وضربب زيد عمرًا، ومررت برجل ضربب وكرمم، ونحو ذلك، فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالًا؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم، فهو إذن من كلامهم، ثم قال: ألا ترى أنك تقول: طاب الخشكنان، فتجعله من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به هكذا.
قال: فرفعك إياه كرفعها ما صار لذلك محمولًا على كلامها ومنسوبًا إلى لغتها.
وكان جريئًا إلى حدٍّ لم نصل إليه إلى اليوم، فكان من رأيه أن الألف اللينة في الكلمة الثلاثية تكتب ألفًا مطلقًا؛ سواء أكان أصلها واوًا أم ياءً، وقد علَّل ذلك بحمل الحظ على اللفظ.
وأما ابن جني، فهو من أب رومي، وكان من أمهر العلماء في التصريف، مات في سنة ??? في خلافة القادر، اجتمع بالمتنبي في بلاط سيف الدولة، وكان المتنبي يقول فيه: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس»، وكتابه الخصائص نحا فيه منحًى جديدًا طريفًا يدل على تذوُّقه للغة، وتعمُّقه في فهم أسرارها ومحاولة فلسفتها.
وقد صحب أبا علي الفارسي أستاذه أربعين سنة، واستوعب علمه، وزاده تفصيلًا وتعليلًا وتدليلًا، وقد رأى الفقهاء وضعوا للفقه أصولًا، والمتكلِّمين وضعوا للعقائد أصولًا، فأراد أن يضع للغة والنحو كذلك أصولًا، فكان بذلك واضعَ علمٍ جديد يقول فيه: «إنه من أشرف ما صنَّف فيه من علم العرب، وأذهبه في طريق القياس والنظر، وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائق الإتقان والصنعة»، ووصف ما كان يعاني في ذلك الباب من إمعان النظر، وطول التفكير، ومقارنة الأشياء بالأشياء، وموازنة النظائر بالنظائر، فكان له من ذلك كله اكتشاف كثير من حقائق اللغة، وسر الوضع، ورسم مناهج القياس.
وكذلك له فضل كبير فيما سمِّي الاشتقاق الكبير، وهو الذي سماه بهذا الاسم، وقد تنبَّه إليه أستاذه أبو علي الفارسي؛ قال ابن جني: «إن أبا علي (رحمه الله) كان يستعين به ويخلد إليه، لكنه مع ذلك لم يسمِّه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة ويستروح إليه»، فجاء ابن جني فوسَّعه ونمَّاه وسمَّاه، وسمِّي الاشتقاق المعروف في أيدي الناس بالاشتقاق الصغير؛ كأن نشتق من كتب: يكتب وأكتب وكاتب ومكتوب ومكتب وكتاب … إلخ.
أما الاشتقاق الكبير، فيعنون به حصر أصول الكلمة وتقليبها على وجوهها المختلفة، وأن نستخرج منها التباديل والتوافيق ونقرن بينها؛ كأن نأخذ كلمة كلم ونحوِّلها إلى: ك م ل، م ك ل، م ل ك، ل ك م، ل م ك، وتمعن النظر فيها لتنظر هل هذه الحروف إذا جُمعت كلها على نحو ما، دلَّت على شيء واحد يتنوع بتنوع تركيب هذه الحروف، فتستخرج — مثلًا — أن هذه الحروف الثلاثة إذا اجتمعت دلَّت على القوة، وتستخرج معنى القوة من كل ما دلَّت عليه في أشكالها المختلفة، وهذا باب عظيم من أبواب أصول اللغة تفوَّق فيه ابن جني.
ومما يؤسَف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر في سيرها حتى تؤتي ثمارها؛ فإن النكبة التي أصيب بها المعتزلة نكبةٌ أصيب بها العلم العربي كله؛ فقد كانت الحرب بين المعتزلة والمحدثين حربًا أيضًا بين منهجين للعلم: منهج تحكيم العقل مع المحافظة على أصل الدين — وهو الذي دعا إليه المعتزلة — وهو منهج البحث والتجربة والاستدلال العقلي والشك والقياس، وما إلى ذلك، كما يظهر في منهج النظَّام والجاحظ وأشباههما، ومنهج الذين يقتصرون على الرواية والجمع والتخريج والتعديل، وما إلى ذلك، وهو منهج المحدثين؛ فلمَّا نصر المتوكل المحدثين ونكَّل بالمعتزلة سادت طريقة المحدثين المؤسسة على الرواية، وانكمشت طريقة المعتزلة المؤسسة على العقل والقياس، وأثَّر ذلك في وقوف جميع العلوم ومنها اللغة.
وقد كان للمعتزلة أثر كبير في القياس في اللغة، يظهر في قولهم بأن اللغة اصطلاحية من وضع البشر، لا توقيفية، كما يظهر في تحرُّر الجاحظ وأمثاله من المعتزلة في تشقيقهم الكلام، واستعمالهم للمولَّد من الألفاظ، بل والأعجمي، وكما يظهر أيضًا في أن زعيمي مدرسة القياس؛ وهما أبو علي الفارسي وابن جني، كانا من المعتزلة، وكما يظهر في البحوث اللغوية الطريفة التي حقَّقها الزمخشري في كتبه، وتفريقه بين دلالة الألفاظ عن طريق الحقيقة، ودلالتها عن طريق المجاز، وهو معتزلي أيضًا، فلما ذهبت دولتهم غلبت دولة المحافظين في اللغة كما هو الشأن في كل علم، فإن قلت إن العلم العربي وقف عند نكبة المعتزلة أو بعدهم بقليل — لأن أثرهم لم يمحَ مرة واحدة، بل ظل قرنًا أو أكثر يعمل بحكم دفعتهم القوية — وقلت إن العلم أصبح في الأعم الأغلب جمعًا ورواية وتأليفًا لمفترق وتفريقًا لمجتمع من غير نظر عقلي قوي أو ابتكار، لم تكن بعيدًا عن الصواب.
•••

ونحن إذا أيَّدنا القول بالقياس في اللغة ودعونا إليه، فما الذي نريده؟ وما الذي نستفيد منه في مثل موقفنا؟
يمكننا أن نستفيد من القول بالقياس في اللغة فوائد كثيرة، من أهمها في نظرنا: (?) أننا نجد كتب اللغة كثيرًا ما تذكر المصادر ولا تذكر أفعالها أو العكس، أو يُذكر الفعل ولا يُذكر من أي باب هو، فالقول بالقياس يمكننا من تكميل هذا النقص بحمل المجهول على المعلوم، فمتى رأيناهم يكثرون من المصادر على وزن خاص إذا كان الفعل على وزن خاص في الأعم الأغلب، أمكننا أن نقيس ما لم يذكروا على ما ذكروا، وأن نعدَّه من كلام العرب، وهكذا، وهذا الباب يكمل نقصًا كبيرًا في المعاجم.
(?) أننا إذا وجدناهم يشتقُّون وزنًا خاصًّا، ويستعملونه للدلالة على شيء خاص، أمكننا أن نقيس عليه ما لم يذكروا؛ فإذا وجدناهم — مثلًا — يصوغون «فعَّال» للدلالة على محترف الحرفة أو المهنة؛ كنجَّار وحدَّاد وقفَّال، أمكننا أن نقيس عليه من أسماء أصحاب المهن والحرف ما لم يذكروه.
(?) الاعتراف بالمولَّد والدخيل، وعدُّه عربيًّا، وإدخاله في معاجمنا ما دام يجري على الصيغ العربية، ويسير على نمط العرب في وضعهم أو اشتقاقهم؛ مثل: كلمة الوزائع، وقد استعملها ابن خلدون بمعنى الضرائب التي يوزِّعها الحاكم على الرعية؛ ومثل: تندَّر، إذا جاء بالنادرة، وتنادر عليه، إذا جعله موضع نادرته؛ وقد استعملها صاحب الأغاني؛ ومثل: المقيِّدة، وهي الدفتر الذي يكتب فيه الرجل ما يمر به تذكرة لنفسه؛ ومثل: تفرَّج، بمعنى اطلع على الشيء ليتسلَّى به، ومثل مئات الكلمات التي استُعملت في العصور المختلفة للدلالة على معانٍ جديدة من مثل ما أثبته دوزي في معجمه؛ فما بالنا لا نثبته في معاجمنا قياسًا على ما فعل العرب؟
(?) أننا نجد العرب أحيانًا يلحظون في الشيء معنى من المعاني، فيسمونه باسم مشتق من الكلمة التي تدل عليه؛ فقد سموا القارورة؛ لأنهم لحظوا أن الشيء يقرُّ فيها، وسموا الدار دارًا؛ لأنه يكثر فيها الدوران، فلماذا لا نستعمل هذا الباب فيما يقابلنا من كثير من ألفاظ الحضارة والمصطلحات العلمية الكثيرة التي نقف أمامها حائرين ولا نشتق من الكلمات العربية كلمات تدل عليها، ملاحظين ما نلمحه من معنى فيها؟
(?) وهناك باب أخطر من ذلك وأجرأ، وهو التفهُّم في عمق وأناة، كيف وضع العرب لغتهم؟ فنرى — مثلًا — أن العرب كان لها ذوق مرهف في وضع الكلمات استنفادًا على محاكاة الأصوات؛ تارة بتقليد الأصوات، كما سموا صوت الماء خريرًا، وصوت الحجر صكًّا، وصوت الريح هبوبًا، والضفدع نقيقًا، واللبن درًّا، والمريض أنينًا … إلخ؛ محاكاة للأصوات التي يسمعونها أو يتخيلونها من صوت هذه الأشياء، ثم صاغوا من هذه الأسماء أفعالًا، ثم توسعوا في الاشتقاق منها للدلالة على ما يشبهها وما يقرب منها.فاللغة عند حدوثها الأول كانت أصواتًا يُحدِثها المتكلم حاكيًا للأصوات المسموعة، ثم صارت تلك الأصوات المحكية علامة لِمَا يُسمَع بالأذن، أو يُبصَر بالعين، أو يُلمَس باليد، أو يُشمَّ بالأنف، أو يُعقَل بالعقل، شأنها في ذلك شأن الخط؛ كانت عند حدوثه تصويرًا للمجسمات؛ فالباء للبيتن والعين للعين، ثم صارت علامة للأصوات المسموعة، ولكن عادة يكون صوت الحاكي أقصر من المحكي، فيكتفي في الحكاية بالرمز، أما النحت والتصوير فتكون الحكاية كاملة.
والأمر في دلالة الكلمات على الأصوات أدق مما يُتصور، وكثيرًا ما تعتمد الكلمة في حكاية الصوت على حرف يدل عليه، وتكمل بقية الحروف لخدمته؛ فحرف السين أساسي في كلمة التنفس والحس واللمس؛ لأنه يتخيَّل في مدلولها صوت السين عند الاحتكاك، وحرف الراء هو الأساس في البحر والنشر والفجر والنحر والبذر والغر؛ لأنه يتخيل في هذه الأشياء كلها صوت الراء، وحرف النون هو الأساس في الظن والرن والفن، وحرف القاف في الدق والشق والطرق، وهكذا.
وعند تحرِّي هذا الباب نراهم يحاكون — أولًا — صوت المسموع بالأذن، ثم ينقلونه إلى المبصر بالعين، ثم ينقلونه إلى المحسوس بباقي الحواس الخارجية، ثم إلى المعقول بالعقل؛ فمثلًا: لو نظرنا إلى كلمة: حس، وتتبعناها، وجدنا أن المصدر الأصلي لحس كان صوتًا سينيًّا تخيلوا أنه يُسمع عند الحس؛ أي: عند المس باليد، ثم انتقلوا من الإحساس باليد إلى الإحساس بغيرها، فسموا كل ما يشعر به محسوسًا، وسموا الآلات التي يحس بها حواس، ثم أطلقوها على العلم الحادث من الحواس، وعلى اليقين الحاصل من العلم بها، واشتقوا أحس بالشيء؛ أي: أيقنت به، ولو تتبعت المادة لوجدتها كلها من هذا القبيل متدرجة على نحو ظريف.
ثم نوَّعوا هذا الصوت السيني فجعلوه مرة حسًّا ومرة لمسًا ومرة مسًّا … ولو تقصينا هذا الباب على هذا النمط لأفادنا فائدة كبرى، ولدلَّنا على أن مصادر اللغة التي تحاكي الأصوات في منبعها الأول كانت مصادر محصورة تُعدُّ بالعشرات، فإن توسَّعنا قليلًا قلنا بالمئات، ثم تضخَّمت هذه المصادر بالاشتقاق الصغير والاشتقاق الكبير على مدى الأزمان، وعلى حسب ما يجدُّ من المعاني وما يقرب من المصادر الأصلية، وهو باب يفيدنا عندما يفسِّر أصحاب المعاجم أو المفسِّرون للقرآن والحديث والنصوص الأدبية اللفظ بتفسيرات مختلفة، فنستطيع به أن نرجِّح قولًا على قول، ورأيًا على رأي، كما نستفيد منه استكشاف بعض الأغلاط التي وردت في معاجم اللغة ومنشؤها خطأ في النقل، أو تصحيف في الكتابة، أو نقل عن ألثغ، أو نحو ذلك، وهذا باب عظيم يحتاج الكلام فيه إلى أكثر من محاضرة، وإذا كان ابن جني قد سمَّى هذا ما اكتشفه الاشتقاق الكبير فيصحُّ أن نسمِّي هذا الضرب الاشتقاق الأكبر.
وتارة كانوا يلحظون ما بين الحرف والمعنى من مناسبة؛ فيلحظون في الحاء إذا أتت في آخر الكلمة دلالة على الاتساع والانتشار؛ مثل: ساح وباح وصاح وشرح ومرح، والكلمة المبدوءة بالشين على التشتت والتفرق؛ مثل: شتت وشطر وشعث وشعَّ … إلخ، والكلمات المبدوءة بالغين على الغموض؛ مثل: غمض وغابت الشمس وغبش الليل وغار الماء وغطى الشيء … إلخ، وقد فطن بعض كبار اللغويين إلى هذا الأمر، ونبَّهوا عليه كما يفعل الزمخشري كثيرًا في تفسيره.
وهذا الأمر، وإن لم يصرح العرب به، فقد كان مركوزًا في طبيعتهم، مقدسًا في أذواقهم، يعتمدون عليه في وضع الكلمات والاشتقاق منها، فمن بلغ من قوة الحس مبلغهم، ومن دقة الملاحظة دقتهم، كان له بمقتضى القياس مثل ما لهم.
ولكن مَن الذي يجوز له هذا؟ إننا إذا قلنا بجوازه لكل فرد كان الأمر فوضى، وتعرَّضت اللغة للاضطراب، ولكنَّا نقول كما قال الفقهاء، ونحذو حذوهم؛ ففي عصورهم الزاهية كان الاجتهاد، وكان البحث في المجتهد والقول في شروطه، وحصروا قياس الأحكام وتقويم العدالة وصحة الحكم في يد المجتهدين، وشرطوا للمجتهد شروطًا تتلخص في أن يكون محيطًا بمدارك الشرع، متمكنًا من وسائل النظر فيها والاستنباط منها، وعلى الجملة، يكون — فضلًا عن مواهبه الذهنية — مثقفًا ثقافة شرعية وما يلزمها من ثقافة لغوية ونحوية … إلخ.
وعلى هذا القياس يجب أن نقول في المجتهد اللغوي، فلا بدَّ أن يكون مثقفًا ثقافة لغوية وأدبية واسعة، متمكنًا من النحو والصرف؛ لأنهما وسائل من وسائل إتقان اللغة، وفوق ذلك أن يكون له ذوق قد أرهف بكثرة القراءة اللغوية والأدبية، ومعرفة بسرِّ الوضع على النحو الذي أبنَّا؛ حتى يستطيع أن يدرك بحسه الذي كوَّنته الثقافة وعلمه العميق، الجيد من الرديء، وما يصح وما لا يصح، ونحو ذلك، كما يستطيع بهذه المؤهلات كلها أن يتخيَّر اللفظ المناسب للمعنى المناسب؛ إما بوضع جديد، أو اشتقاق من لفظ قديم، فإذا بلغ هذا المبلغ كان له الاجتهاد اللغوي، كما كان لنظيره الاجتهاد الفقهي.
وكما أن للهيئات القضائية مركزًا هامًّا يستند إليه فيما يصدر عنه من أحكام، ويستأنس بما وصل إليه في القضايا المعروضة من اجتهاد، فكذلك يجب أن يكون الشأن في اللغة — في الاجتهاد، وشروط المجتهد، والجمعيات اللغوية التي تتمثل في المجامع وأشباهها — لا يمكن أن تحيا أمة حياة صحيحة إلا بالاجتهاد؛ الاجتهاد في التشريع، والاجتهاد في كل علم من العلوم، والاجتهاد في اللغة؛ ودعامة الاجتهاد التي يرتكز عليها هي القياس.

الفصل السابع
الأدب فن جميل


لعله من الخطأ المزمن دراستنا للأدب على أنه فنٌّ مستقل، فإن ربطناه بغيره فإنما نربطه بقواعد النحو والصرف واللغة، على أنها وسائل لا بد منها للأدب والأديب، مع أن هناك رابطة أوثق، واتصالًا أحكم ما يزال أكثرنا غافلًا عنه للآن، وهذه الرابطة إن دُرِست دراسة دقيقة واسعة غيَّرت نظرنا للأدب وتقويمه، وأفادتنا أكبر فائدة في النقد الأدبي؛ وأعني بهذا أن تدرس الأدب على أنه فن من الفنون الجميلة؛ كالنقش والتصوير والموسيقى، يخضع للقوانين العامة التي استكشفها علم الجمال، ويشترك فيها مع كل هذه الفنون، كما يخضع النبات والحيوان والإنسان للقوانين العامة لعلم الحياة، وكما تخضع كل المواد على اختلاف أنواعها لقوانين علمي الطبيعة والكيمياء.
فهناك فرع من فروع الفلسفة هو «علم الجمال» أخذ يتساءل: ما هو الجميل، وما الشروط التي تتوافر في الشيء حتى يعد جميلًا؟ وأجاب عن ذلك إجابات عديدة، ووضع القواعد المختلفة التي تنطبق على كل جميل، وهذه الأسئلة والإجابات والقواعد يمكن تطبيقها على الأدب كل الانطباق؛ لأن الأدب ليس له قيمة إلا في جماله؛ جمال لفظه، وجمال معانيه، وجمال عواطفه، وجمال خياله، فإن هو عرى عن هذا الجمال لم يعد أدبًا.
ومن أجل ذلك كان الأدب يخاطب العاطفة لا العقل وحده، كما هو الشأن في الموسيقى والتصوير والنقش، إنما الذي يخاطب العقل وحده هو العلم لا الفن؛ فالقصيدة من الشعر، والوردة في غصنهان والقمر في سمائه، والجبل المعمَّم بالثلج، والتمثال المُحكَم الأنيق، والبناء الشامخ المشيد، والقطعة الموسيقية الجيدة التوقيع، ووجه المرأة الحسناء، والرواية الحسنة، والقصة الحلوة؛ كلها نسمِّيه جميلًا، وكلها يخضع لقوانين الجمال، فإن اختلفتْ في شيء فاختلافٌ في التفاصيل لا في الأسس.
فإن نحن نظرنا إلى الأدب على أنه أحد الفنون الجميلة كان هذا المنظر خليقًا أن يصحِّح نظرنا؛ لأن ما نضعه من قواعد الأدب الأساسية يمكن امتحانه بتطبيقه على الموسيقى والنقش والتصوير؛ حتى نتبيَّن صحته من فساده، أمَّا إن استمر الأدباء في نظرتهم إلى الأدب مستقلًا، وقعوا في خطأ قصور النظر، وكان مثلهم مثل من بنى قواعد كلية بعد مشاهدته جزئيًّا واحدًا، أو بعد أن استقرأ استقراءً ناقصًا.
وشيء آخر، وهو أن نظرنا إلى الأدب في ضوء الفنون الجميلة الأخرى يوسِّع نظرنا إلى مناحٍ نعجز عن إدراكها إذا نظرنا إلى الأدب وحده؛ فقوانين الجمال واحدة مهما اختلفت مادتها الأولية، فقد تكون المادة حجرًا فتكون تمثالًا، أو لونًا فيكون تصويرًا، أو صوتًا فيكون موسيقى، أو يكون شعرًا أو نثرًا، وقد ندرك الجمال بأعيننا، وقد ندركه بآذاننا، ولكن مع كل هذه الاختلافات هناك صلة مشتركة صار بها الجميل جميلًا، وإذا عُدِمتْ عُدِم الجمال، وهذه الصلة تكون في الأدب فيكون أدبًا جميلًا، وفي الموسيقي فتكون جميلة، وفي الصور فتكون جميلة، وعلى مقدار تحقُّق هذه الصلة يكون مقدار الجمال؛ سواء كانت هذه الصلة في الشيء الخارجي وحده — كما يقول بعضهم — أو في الشخص الرائي والسامع وفي المرئي والمسموع معًا — كما يقول آخرون، ولكنها على كل حال قدر مشترك بين جميع فروع الفن.
ونظرة واحدة ترينا الارتباط المتين بين فروع الفن المختلفة؛ فالشعر — مثلًا — ليس إلا تصويرًا ناطقًا، والتصوير ليس إلا شعرًا صامتًا، والشعر والموسيقى أشد ارتباطًا؛ فأوزان الشعر أوزان موسيقية تختلف في الحركات والسكنات والطول والقصر كما هو الشأن في الموسيقى، ونلاحظ في الموسيقى أن النغمة الواحدة إذا وقعت على «الكمنجة» ثم وقعت بعد على «البيانو» كانت النغمتان مختلفتين كيفية ومختلفتين تأثيرًا، ولكل منهما طعم غير طعم الأخرى، وهذا يقابله في الشعر القافية؛ فالقصيدة على قافية قد يكون لها أثر غير القصيدة إذا قيلت على قافية أخرى، وهكذا.
بل هناك دليل أقوى من هذا، وهو أن مرجع كل الفنون من أدب وتصوير وموسيقى إلى «الذوق»، وهذا الذوق خاضع لقوانين النشوء والارتقاء والرقي والانحطاط في الفنون كلها؛ فالطفل قبل أن يشعر بلذة من جمال شكل أو جمال حركة تأخذ ببصره الألوان الزاهية والصور البديعة، ومن أخذ بحظ قليل من المدنية يميل إلى الألوان القوية؛ كالأحمر القاني والأصفر الفاقع، ويعجبه من الثياب الألوان الكثيرة الصارخة.
أما المتمدنون فتعجبهم الألوان الخفيفة المتناسقة، الخافتة الهادئة، وكذلك الشأن في الأدب؛ فالقطعة الأدبية التي تعجب الشعب المنحط لا تعجب الأديب الراقي، من ناحية الألفاظ ومن ناحية المعاني، وهذا — من غير شك — يرجع إلى اختلاف الذوق وتدرُّجه في الرقي، بل الأديب نفسه إذا رقي استحسن ما لم يكن يستحسن، واستهجن ما لم يكن يستهجن؛ تبعًا لرقي ذوقه، وإذا كان الذوق يرقى وينحط فهو خاضع لنظام وقوانين، يمكن دراستها وإن لم تستكشف جميعها الآن، وهذه القوانين يمكن تطبيقها على الأدب كما يمكن تطبيقها على الموسيقى والتصوير وكل فن جميل.
بل كل الفنون مرجعها عند الفنان والسامع والرائي إلى الشعور بالجمال، والفنان يشعر بالجمال، ثم يتحول الشعور عنده إلى إنتاج، وما ينتجه يثير في نفس السامعين والناظرين شعورًا بالجمال؛ فالمنظر الجميل يثير عند الفنان شعورًا بالجمال فيحوله الشاعرُ شعرًا، والمصوِّرُ صورة، والموسيقيُّ موسيقى، وهي كلها تثير الشعور بالجمال عند من رآها أو سمعها، ولا فرق بين الفنان وغيره إلا أن الفنان قابل فاعل معًا، وغيره قابل فقط.
فجميع الفنون تتفق في الأصل، ولا تختلف إلا في الشكل، وكل الفروق بينها أن هذا يصوغ فنَّه من كلمات، وهذا من نغمات، وذاك من ألوان؛ لأن هذا يعتمد على قلمه، والآخر يعتمد على عوده أو قانونه، والثالث يعتمد على ريشته، إلى آخر ما هنالك من فروق لا تمسُّ الأصل.
•••

إن كان ذلك كذلك كان من الخطأ البيِّن أن ندرس الأدب والبلاغة والنقد الأدبي دراسة مستقلة عن دراسة قواعد الجمال في الفنون الجميلة عامة، بل يجب أن ندرسها في ضوء جميعها، ويقيني أن الدراسة على هذا النحو الذي أقترحه تعدِّل نظرنا في الأدب وقواعده، وتكشف لنا عمَّا وقعنا فيه من ضروب النقص؛ فنظرُنا إلى المجاز والاستعارة والكناية يتغيَّر إذا نظرنا إليها في ضوء التصوير الرمزي، والموسيقى؛ من محسنات وبحور الشعر، تصحَّح بدراسة حركات الموسيقى، وهكذا.
ولأضرب لذلك مثلًا يوضح ما أريد: خذ — مثلًا — المبالغة، فإننا ندرسها في الأدب مستقلة، ويعرضون لها في البلاغة بنظرات ضيقة، فإن هم ألقوا نظرة على الفنون الجميلة جميعها رأوا أن المبالغة لا بدَّ منها في الفنون بقدر ما توضح الحقائق، وأن الفنان إن اقتصر على تقليد الطبيعة لم يكن لفنه قيمة، فهو يبالغ في الطبيعة لتوضيحها؛ فالمصور يبالغ في بعض أجزاء الصورة لمعنى يوضِّحه، والشاعر يكبر حجم الرجل ليشعر بعظمته، وواضع القصة أو الرواية يبالغ في نواحي أشخاص الرواية حتى تدلَّ بوضوح على المعاني التي يريدها، والخطيب يبالغ في المعنى الذي يريده حتى يثير إلى أقصى حدٍّ عواطف من يخطبهم، وهكذا؛ فلو نظرنا إلى المبالغة في ضوء الشعر والرواية والخطابة والتصوير والموسيقى أمكننا أن نستخلص من ذلك كله قواعد تفوق بمراحل ما استنبطناه من قواعد المبالغة حين عرضنا للأدب وحده.
كذلك نراهم — مثلًا — يعرضون عند الكلام في النقد الأدبي لعلاقة الأدب بالأخلاق، وهل يجب أن يخضع الأدب للأخلاق أو أن الأدب للأدب، وأن القطعة الأدبية قد تكون بالغة أقصى السمو ولو لم تتفق والأخلاق؟ ومن رأيي أن هذه المسألة إذا لم تدرس في حدود الأدب وحده بل درست في دائرة الفن جميعه؛ من موسيقى وتصوير ونحت وتماثيل، اتضح وجه الحق فيها أكثر من وضوحه عند قصر نظرنا على الأدب وحده.
لقد تعددت دراسات الأدب، وسلك الباحثون فيه سبلًا كثيرة؛ فقومٌ درسوا الأدب دراسة تاريخية، فدرسوه على أنه ظل للحياة الاجتماعية، وقالوا لا يمكن أن نفهم الأدب حق الفهم إلا إذا درسنا البيئة التي أنتجته، فلسنا نستطيع أن نفهم المتنبي — مثلًا — إلا إذا فهمنا الأوساط التي قيلت فيها قصائده؛ ففهمنا حال مصر إذ ذاك، وما قال فيها وفي ملوكها، وفهمنا حال العراق، وما قال فيها من قصائد، وهكذا.
ودرس آخرون الأدب من ناحية حياة الأديب، ولاحظوا في ذلك أن نفس الأديب هي المنبع الذي صدرت عنه القطعة الفنية، فيجب أن تدرس هذه النفس ليفهم ما يصدر عنها؛ فالكتاب الذي أُلِّف، والقصيدة التي نُظِمت، لا يمكن فهمها حق الفهم إلا إذا فُهمت نفسية القائل.
واتجه آخرون اتجاهًا غير هذا وذاك، فقالوا يجب أن ندرس الأدب من حيث هو، لا من البيئة ولا من حياة الأديب، وأن نقوِّم الآثار الأدبية بقطع النظر عن بيئتها وقائلها، وأن نجيب عن الأسئلة الآتية: ما منزلة القطعة الفنية؟ وما موضع الحسن فيها؟ وما الذي جعلها أثرًا فنيًّا على مرِّ الزمان؟
والذي أدعو إليه في مقالي الآن شيء غير هذا كله، وهو أن ندرس الأدب من حيث هو فن جميل، ومن حيث هو خاضع لقوانين علم الجمال، ومن حيث الارتباط الشديد بينه وبين سائر الفنون الجميلة.
وهذا يتطلب أن عالم الأدب ينبغي — أولًا — أن يدرس علم الجمال، وما وُضِع له من قواعد، وما أثيرت حوله من مسائل، وإذا كان علم الجمال فرعًا من فروع الفلسفة فيجب أن يدرس ما يتصل به من فروع الفلسفة؛ وخاصة علم النفس، وهو إذا درس القواعد العامة لعلم الجمال استطاع بعدُ أن يدرس القواعد الخاصة التي يمتاز بها كل فن جميل؛ فالموسيقى تمتاز بأشياء لأن عمادها الصوت، والتصوير يمتاز بأشياء لأن عماده اللون، والأدب يمتاز بأشياء لأن عماده اللفظ والمعاني، ولكن هذه الأشياء التفصيلية لا تُفهم حق الفهم إلا في ضوء النظريات العامة التي تشترك فيها كل الفنون الجميلة؛ ذلك أن الفنون الجميلة جميعها ترتبط بالعاطفة، وتعتمد عليها، وتوضع من أجلها، وتقوم بها، فما لم تدرس العاطفة وحاجتها إلى الجمال وغذاؤها بالجمال لا يمكن أن يُفهم أي فن ومنه الأدب.
بهذه الطريقة وحدها يمكننا أن نفهم الأدب ونقدره تقديرًا صحيحًا، وبذلك نستطيع أن نضبط النقد الأدبي، ونعالج ما هو فيه من فوضى لا تستند إلى أساس، ويذهب كل ناقد مذهبه، ويركب رأسه من غير أن يتحدَّد بحدود تقيده وأسس يلتزمها ويسير عليها.
وأنا على يقين أنَّا إذا سرنا على هذا النمط تغيَّرت وجوه دراستنا التقليدية التي سرنا عليها إلى الآن في البيان والبديع والنقد الأدبي، وتجلَّت لنا أمور في منتهى الخطورة، ورأينا أنفسنا نمسك بالقلم نحذف كثيرًا من أمور السخف أوقعتنا فيها النظرة الجزئية للأدب، ورأينا أنفسنا نؤسِّس علمًا جديدًا ومذهبًا جديدًا ونظريات جديدة.

الفصل الثامن
أغنية


تعجبني أحيانًا بعض الأغاني الشعبية؛ إذ أراها تمثِّل روح الشعب وآماله وآلامه، وأراها أصدق في وصف الحياة المتنوعة مما يفعل أدباء اليوم؛ فكل أغانيهم لا تمثِّل إلا عاطفة الحب البائس، وما يتبعه من ألم ممض، ولوعة مضنية، أما الأغاني الشعبية ففيها الحب البائس والحب الباسم، وفيها التغنِّي بالبطولة والشكوى من الظلم، وأحيانًا فيها فلسفة اجتماعية كالأغنية التي سأعرضها اليوم، ومرماها تصوير الهيئة الاجتماعية في صورة الجسم الواحد تتعاون أعضاؤه لتحقيق المصلحة العامة، وهو معنى عرض له الفلاسفة والأدباء في الأمم المختلفة قديمًا وحديثًا؛ فمثَّله اليونان مرة بإضراب أعضاء الجسم:
قال القلب: لماذا أوزِّع الدم على سائر الأعضاء ولا ينالني أنا منه إلا قطرات؟ فلأضرب.
وقالت المعدة: ولماذا أهضم أنا أيضًا الأكل كله وليس يصيبني منه إلا قليل، أفما كان الأولى ألا أهضم إلى ما ينالني؟ فلأضرب.
وقالت الأسنان: وما لي أنا كالطاحون تطحن دائمًا ولا ينالني من الغذاء إلا قدر السمسمة؟ فلأضرب.
وقالت الرِّجْل: وأنا دائبة السعي يمينًا وشمالًا وليلًا ونهارًا في جمع العيش وتحصيل القوت، ثم حظِّي من كل هذا فتات الموائد؟ فلأضرب.
وقال كل عضو هذا القول أو شبهه، فأضربت الأعضاء جميعًا؛ فلا الرِّجْل تسعى، ولا اليد تحمل الغذاء إلى الفم، ولا الأسنان تمضغ، ولا المعدة تهضم، ولا القلب يوزع.
ثم بعد قليل شعرت المعدة بالجوع، ولم تستطع الرجل المشي، ولا اليد الحركة، وأدركت كلها أنها سائرة إلى الفناء السريع، فاجتمعت على عجل وقررت فض الإضراب، إذا رأت أن كل عضو يعمل لنفسه ولغيره، وأن غيره يعمل لنفسه ولغيره، فالغرم بالغنم والربح على قدر الخسارة.
ولحظ هذا المعنى شعراء العرب، فقال أبو العلاء المعري فيه:
المرء كالنار تبدو عند مسقطهاصغيرة ثم تخبو حين تحتدموالناس للناس من بدوٍ وحاضرةبعض لبعض وإن لم يشعروا خدموكل عضوٍ لأمر ما يمارسهلا مشي للكفِّ بل تمشي بك القدم أما هذه الأغنية التي أشرت إليها فتمثِّل هذا المعنى من ناحية أخرى ظريفة، وهي ارتباط الصنَّاع وأرباب الأموال برباط وثيق، لا يمكن أن يستغني أحد عن أحد، وها هي بعد حذف ديباجتها:
«وحصاني في الخزانة، والخزانة «عاوزة» سلِّم، والسلِّم عند النجَّار، والنجَّار عاوز مسمار، والمسمار عند الحدَّاد، والحدَّاد عاوز بيضة، والبيضة في بطن الفرخة، والفرخة عاوزة قمحة، والقمحة عند القمَّاح، والقمَّاح عاوز فلوس، والفلوس عند الصرِّيف، والصرِّيف عاوز عصافير، والعصافير في الجنَّة، والجنَّة عاوزة حنَّا» … إلخ. أغنية لطيفة حقًّا، لا يزال أطفالنا إلى الآن يتغنَّون بها بتوقيعهم الظريف، وصوتهم الشجي، وهم إذ ينشدونها لم يدروا أنهم يتغنَّون بفلسفة عالية، وفكرة سامية.
قد يلاحظ عليها أن الربط في بعضها مُحكَم؛ كحاجة السلم إلى النجار والنجار إلى المسمار، وبعضها غير مُحكَم؛ كحاجة الحدَّاد إلى البيضة، وحاجة الصرِّيف إلى العصافير، ولكن أظن أن تحكيم المنطق الدقيق الحاد في الأدب كالشعر والأغاني وسائر الفنون مجاوزة للحد؛ فالأغنية ظريفة لطيفة رغم المنطق.
ومن أسباب جمالها هذا النوع البديع الذي يصح أن أسميه: «جمال الدوران»، أو جمال التسلسل؛ مثل قولهم: «لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل».
وقولهم: «الحجر يكسر الزجاج، والحديد يكسر الحجر، والنار تذيب الحديد، والماء يطفي النار، والريح تلعب بالماء، والإنسان يتقي الريح، والخوف يغلب الإنسان، والخمر تزيل الخوف، والنوم يغلب الخمر، والموت يغلب النوم».
ومثل قولهم: «العالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان جاهلًا، والجاهل لا يعرف العالم؛ لأنه لم يكن عالمًا» … إلخ.
•••

وبعدُ، فما تاريخ هذه الأغنية ومن واضعها؟ لا بدَّ أن يكون فيلسوفًا أو حكيمًا بعيد النظر، وما يؤسف له أن هذه الأغاني والأزجال والمواويل لم يُعنَ بها عناية الأدب الأرستقراطي؛ فبينا يُعنى العلماء والأدباء بنسبة بيت الشعر إلى قائله، والقصيدة إلى منشئها، ويحتدم بينهم القتال على ذلك، إذا بنا لا نجد هذه العناية ولا بعضها في الأغاني والأزجال الشعبية، وهذا نوع مما أصاب الأدب الشعبي من الظلم، وكم أصابه من أنواع! وها هي الأغاني التي تُخترع في عصرنا نجدها على الأفواه ونستعذبها، وتهشُّ لها نفوسنا، ولا نكلِّف أنفسنا مئونة البحث عن منشئها.
ولكن من حسن حظ هذه الأغنية، أو من حسن حظنا نحن، أننا نجد ظلًّا لتاريخها؛ فقد ذكرها الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة ???? هجرية، فيكون عمرها أكثر من قرنين، وظلَّت الأجيال تتعاقبها إلى يومنا.
ويظهر من كلام الجبرتي أن واضعها عالم كبير جليل من أكابر علماء الأزهر في القرن الثاني عشر، هو الشيخ الحفناوي أو الحفني، كان سيد الأزهر في أيامه، له حلقات الدروس الحافلة بنوابغ الطلبة، يقرأ فيها أعوص الكتب وأصعبها؛ كجمع الجوامع، والأشموني، وحاشية السعد، وله التآليف الكثيرة في البلاغة والميراث والجبر والمقابلة، كما كان بيته ساحة كرم يغشاه أعيان مصر وعلماؤها وأدباؤها، ويلجأ إليه الفقراء وذوو الحاجات، وكان راتب بيته من الخبز كل يوم نحو الإردب، وطاحون بيته دائرة ليل نهار، ويجتمع على مائدته الأربعون والخمسون والستون، إلى هيبة ووقار، حتى يهاب العلماء سؤاله لجلاله.
وهو مع هذا كله ظريف أديب، سمع تلميذًا له يومًا يقول:
قالو تحب المدمس؟ قلت بالزيت حاروالعيش الأبيض تحبه؟ قلت والكشكار فضحك الشيخ وقال: أنا لا أحبه بالزيت الحار، وإنما أحبه بالسمن، ثم قال:
قالوا تحب المدمس؟ قلت بالمسليوالبيض مشوي تحبه؟ قلت والمقلي وله المواويل الظريفة؛ كقوله:
بحياة يا ليل قوامك وصوم الحرتحجز لنا الفجر دا فوت الرفاقه حرلما يجي الفجر يصبح ركبهم منجرأزداد لوعة ولا عمري بقيت أنسر إلى غير ذلك، فيحدِّث تلميذه أن الشيخ الحفني قال له يومًا: «أحدثك حدوته بالزيت ملتوته، حلفت ما آكلها، حتى يجي التاجر، والتاجر فوق السطوح، والسطوح عاوز سلم … إلخ»، فحكاية التلميذ، ولم يكن سمعها من قبل، وروايته لها عن شيخه، ترجِّح الظن أنها من عمل الشيخ الحفني.
وقد زاد الشيخ على ذلك، فشرح الأغنية على طريقة الصوفية، ففسَّر التاجر بالمرشد الكامل والمربى الواصل، والتاجر فوق السطوح في مستوًى عالٍ، والسطوح لا يمكن صعوده إلا بمعراج … إلخ، وقد كان للشيخ جانب آخر صوفي عظيم.
فالأشموني وجمع الجوامع، والحواشي والتقارير، كلها لم تمنع الشيخ العالم الأزهري الجليل من أن يكون أديبًا وزجَّالًا ظريفًا، يضع الأغاني والمواويل يتغنَّى بها الشعب، وهذا يذكرني بما سمعت عن فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الرحمن قراعة المفتي الأسبق — مد الله في عمره — من أنه واضع الدور المشهور: «الله يصون دولة حسنك».
فمن لنا بعلمائنا الأزهريين اليوم يشرفون على الأدب كما يشرفون على الدين، ويتعرَّفون حياة الناس الاجتماعية، ومناحيهم الأدبية، ويضعون الأناشيد الظريفة، والأغاني اللطيفة، ويكونون عنوان الدين وعنوان الظرف، يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا.

الفصل التاسع
تراثنا القديم


خبران أثَّرا في النفس أبلغ التأثير، وأثارا في القلب كوامن الأسى والأسف؛ أولهما: أن أديبًا كبيرًا وخطيبًا خطيرًا طلب من إحدى المكاتب القاموس المحيط للفيروزابادي، فأرسلته إليه، فاستبقاه أيامًا ثم رده شاكرًا لأنه لم يستطع أن يعرف طريقة الكشف فيه، وإذا استطاع فلا يفهم ما يقول، ولا يتبيَّن ما يشرح؛ لذلك يعتذر عن شرائه ويطلب بدلًا منه معجمًا من المعاجم الحديثة؛ كأقرب الموارد، ومحيط المحيط، والبستان؛ لسهورة الكشف فيها، ووضوح القصد من معانيها.
والثاني: أن مجلسًا من مجالس المديريات قرر إنشاء مكتبة يتردد إليها طلبة المديرية ومثقفوها، وعهد إلى بعض رجاله اختيار الكتب الصالحة، فلم يختر فيما اختار كتابًا قديمًا؛ كالقاموس المحيط، ولسان العرب، وتاريخ ابن الأثير، والأغاني، والعقد الفريد، ونفح الطيب، وإنما قصر اختياره على ما أنتجه الأدباء المحدثون من روايات وقصص وتاريخ حديث وأدب من الوزن الخفيف.
راعني ما في هذين الخبرين من دلائل مؤلمة، وما يحملان من نتائج خطيرة! دلالة الخبرين أن تيار الفكر إنما يسير نحو الثقافة العصرية، وأن المثقفين إنما يعتمدون على ما تخرجه المطابع من آثار للثقافات الأجنبية، فأما تراثنا القديم وما فيه من ثراء ضخم فتنبو عنه أذواق الناشئة ومن يقودهم ويختار لهم، ولا يُقبِل عليه إلا المستشرقون وأمثالهم من علماء قليلين يسيرون نحو الفناء دون أن يخلف من بعدهم خلف يقوم على هذا التراث فيحفظه ويستثمره.
ولهذه الظاهرة أسباب، أهمها:

أن هذه الكتب جارت عصرها ولم تجارِ عصرنا؛ فالتعبير معقَّد، والمعنى غامض، والتأليف مشتَّت، والمصطلحات جامدة، والأمثلة واحدة، فقطع هذا كل الصلة بين القديم والحديث، ولم يستطع أن يتفهَّم هذه الكتب القديمة إلا مَن نشأ عليها، وأنفق أكثر العمر في فهم عباراتها، وحل معميَّاتها، وكثير منهم وقف عند ألفاظها ومصطلحاتها، ولم يسعفه الزمان بالتغلغل في أعماقها، واكتناه أسرارها واستخراج كنوزها، فلمَّا نشأ الجيل الجديد، وقد تعلم أول أمره في رياض الأطفال، وأسلمته هذه إلى مدارس ابتدائية وثانوية يجتهد مدرسوها أن يعلِّموا على أحدث طرق البيداجوجيا، ويقرأ تلاميذها في كتب ألِّفت على غرار الكتب الأوربية في الشكل والموضوع، أصبح الخرِّيجون لا يربطون جديدهم بقديم آبائهم، وصارت الكتب الأوربية أشهى إلى نفوسهم وأقرب إلى عقولهم من كتب الأدب العربي والفلسفة الإسلامية، وكتب القانون الفرنسي أحب إليهم من كتب الفقه الإسلامي، وهكذا!
وهم إذا نظروا في هذه الكتب العربية هزئوا بها، وضحكوا منها! فإذا وقع نظرهم في الفقه على تحديد ماء الطهارة بأنه عشر في عشر بذراع الكرباس، قالوا: ما لنا ولذراع الكرباس؟ إنما نعرف الذراع البلدي والذراع المعماري، وإذا رأوا نظام أخذ العشر قالوا: ماذا يقابل ذلك من نظام الضرائب والجمارك؟ وإذا نظر الأطباء في كتاب القانون لابن سينا وقفوا أمام أحاجي لا طاقة لهم بها، وإذا نظر الأدباء في الأغاني والعقد وأمثالهما رأوا شرًّا كثيرًا وخيرًا قليلًا! وكان ما فهموا أندر ممَّا لم يفهموا!
الحق أن هذه مشكلة كبيرة تحتاج في علاجها إلى مهرة الحكماء، وأن ما في كتب أسلافنا من ثروة يحتاج إلى عقول كبيرة تضع منهجًا قويمًا للاستفادة منها.
ونحن بين اثنين: إما أن تتخصَّص منا طائفة صالحة لترجمة ثروتنا القديمة إلى لغة العصر وروح العصر وأسلوب العصر، فيستطيع ناشئتنا أن يضعوا أيديهم على تراث آبائهم، وإما أن يتثقَّف أكبر عدد ممكن بنوع من الثقافة الشرقية القديمة، فضلًا عمَّا عندهم من الثقافة الحديثة، فيجمعوا إلى مواردهم الأجنبية الموارد العربية، ويخرج نتاجهم متشبِّعًا بالروحين، مستمَدًّا من الثقافتين.
فإن لم يكن هذا ولا ذاك، خشيت بعد قليل أن تصبح كتبنا القديمة غير صالحة إلا للأرضة تعيث فيها، والعنكبوت ينسج عليها، ويكون شأننا معها كما قال أبو العلاء:
سيسأل قوم ما الحجيج ومكةكما قال قوم ما جديس وما طسم
الفصل العاشر
الأدب والعلم


مرَّت كلمة الأدب والعلم في اللغة العربية في أدوار عدة؛ استعملوا كلمة الأدب أحيانًا فيما يرقِّي الخلق ويهذب النفس، واستعملوها أحيانًا بمعنى أوسع، حتى عدُّوا أفحش شعر لجرير والفرزدق والأخطل أدبًا، وعدُّوا خمريات أبي نواس وغلمانياته أدبًا، كما يعد الفنان بعض الصور فنًّا وإن كانت صورة لوضع مستهجن أو فعل فاضح.
وكذلك الشأن في كلمة العلم؛ كانوا أحيانًا لا يستعملونها إلا في العلم الديني، ثم توسَّعوا في معناها حتى شمل كل ما ينتجه العقل والفن.
وفي العصور الحديثة فرَّقوا بين الأدب والعلم، ورسموا لكلٍّ دائرة، ومن ثمَّ كانت الصحيفة أو المجلة أحيانًا أدبية، وأحيانًا علمية، وأحيانًا أدبية علمية، وأصبح من المضحك أن نقول علم الأدب؛ لأن العلم غير الأدب، وأصبح لدينا من يسمَّى «أديبًا» فلا يكون عالمًا، وعالمًا فلا يكون أديبًا، وقد يكون أديبًا عالمًا، ولكن كلمة «عالم» الأزهرية إنما اشتُقَّت من العلم بالمعنى الواسع الذي يشمل الأدب والعلم معًا.
وبعد، فما الفرق بين العلم والأدب، وما الذي يجعل الأدب أدبًا والعلم علمًا؟
الحق أن كلمة الأدب والعلم من الألفاظ الغامضة التي نفهمها نوعًا من الفهم، فإذا أردنا تحديدها حِرْنا في أمرها؛ كالجمال والعدل والخيال والحرية والعبودية، وإذا سألنا — حتى الخاصة — في معناها أجاب كلٌّ حسب ميوله وأغراضه وحسب طبيعة فهمه للكلمة.
هناك أشياء لا نشك في أنها علم أو أدب؛ فلو سئلت عن نظريات الهندسة وقانون اللوغارتمات وقوانين الحساب والطبيعة والكيمياء فذلك علمٌ بالبداهة، وإذا سئلت عن قصائد بشار وأبي نواس والمتنبي ومقامات الحريري فذلك أدبٌ، ولكن ما حدود الأدب، وما حدود العلم؟
قد عوَّدتنا الطبيعة أن الأضداد تُفهم ما تباعدت، فإذا ما تقاربت حدودها صَعُبَ فهمها؛ ما أسهل ما تقول أن هذا ظل وهذا شمس، ولكن عند تقارب الظل من الشمس تجد خطوطًا يصعب أن تقول أهي ظل أم شمس، وما أسهل ما تقول إن هذا الماء حار أو بارد إذا اشتدت حرارته وبرودته، ولكن ما أصعب ذلك إذا أخذ الحار يبرد والبارد يسخن، فإنك تصل لا محالة إلى درجة يعسر عليك الحكم فيها بالحرارة أو البرودة.
أكبر ظاهرة في التفريق بين الأدب والعلم أن الأدب يخاطب العاطفة، والعلم يخاطب العقل؛ فإذا قلت إن زوايا المثلث تساوي قائمتين فإنك تخاطب العقل ولا تمس العاطفة، وإذا قال المتنبي:
خلقت ألوفًا لو رحلت إلى الصبالفارقت شيبي موجع القلب باكيا فهو يمس العاطفة أولًا، ومن أجل هذا كانت الجملة الأولى علمًا، وبيت المتنبي أدبًا.
العالِم يلاحظ الأشياء؛ يستكشف ظواهرها وقوانينها، وعلاقتها بأمثالها وما يحيط بها، على حين أن الأديب لا ينظر إليها إلا من حيث أثرها في عواطفه وعواطف الناس، ينظر النباتي إلى شجرة الورد فيدرس كل جزء منها، والتغيُّرات التي تطرأ عليها من وقت بذرها إلى وقت فنائها، ومن أية فصيلة هي، وما علاقتها بالفصائل التي تقرب منها، أما الأديب فينظر إلى أجزاء الشجرة منسَّقة متناسبة، ويرى أنها لم تخلق إلا لزهرتها الجميلة، وأن بين الزهرة وقلبه نسبًا؛ يُعجب بحمرة لونها على خضرة أوراقها، ويذهب خياله في ذلك كل مذهب، أما النباتي فيبحث لم كانت الزهرة حمراء وأوراقها خضراء.
عالِم الحياة لا يرى في الفتاة المحبوبة إلا إنسانًا خاضعًا لكل أبحاث البيولوجيا، أما الأديب فيرى في محبوبته شيئًا وراء كل ما يبحث عنه العالِم؛ هي الحياة، وهي الدنيا، وهي النعيم إذا وصلت، والبؤس إذا صدَّت، أو يقول مع القائل:
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضتوقع السهام ونزعهن فالكلام إذا لم يُثِر عاطفة لم يكن أدبًا، فإذا هو خاطب العقل وحده كان علمًا، وإذا أمعن في إثارة العاطفة كان أمعن في الأدب.
وليس الأدب وحده هو لغة العاطفة، فقد تفوقه في هذا الموسيقى؛ فهي قادرة على أن تضحك وتبكي، وتسرَّ وتحزن، وتسرَّ سرورًا حزينًا، وتحزن حزنًا سارًّا، وتؤلم ألمًا لذيذًا، وتلذَّ لذة أليمة، وتثير الشجاعة حتى لتدفع إلى الموت، وتنفث الخمول حتى لتدعو إلى النوم، تقدِر الموسيقى أن تفعل كل ذلك في العاطفة، وهي أقدر من الأدب؛ لأن الأدب يخاطب العاطفة بواسطة الكلام ومن طريقه، أمَّا الموسيقى فتخاطب العاطفة وجهًا لوجه من غير وسيط، تؤثِّر فيك أدوار العود والقانون والبيانو، ولو لم تصحب بكلام، ولو لم تفهم أي معنى منها، بل قد تكره أن تفهم إلا النغم وحلاوته، والتوقيع وعذوبته.
أما الأدب، فلما اعتمد على الكلام — والكلام إنما يفهم بالفعل — كان لا بد للقطعة الأدبية من قدر من العقل ومن المعاني تُستثار بها العاطفة، وتهيج منها المشاعر.
وارتباط العاطفة بالأدب هو الذي منح الأدب — لا العلم — الخلود؛ فالنتاج الأدبي خالد أبدي لا النتاج العلمي؛ فقصائد امرئ القيس والنابغة وجرير والفرزدق وبشار وأبي نواس والمتنبي كلها خالدة، تقرؤها فتلتذ منها كما يلتذ منها من كان في عصرهم، فإن احتاج إلى شيء فتفسير ما غمض من الألفاظ والمعاني، وهو بعدُ يشعر بشعورهم ويسرُّ كسرورهم، ثم القطعة الأدبية لا تملُّ؛ تقرؤها ثم تقرؤها فتسرُّ منها في الثانية سرورك منها في الأولى، بل تحفظها ثم تتعشق تلاوتها وتكرارها.
وليس ذلك هو الشأن في العلم؛ فحقائق العلوم خالدة، ولكن منتجات العلوم غير خالدة، فما في كتاب إقليدس من نظريات هندسية خالدة، ولكن الكتاب لا يقرؤه الآن إلا من أراد أن يرجع إلى تاريخ الهندسة، وكل كتاب في الهندسة يموت بمرور سنين عليه، ولا تعود له قيمة إلا القيمة التاريخية مهما حوى من نظريات جديدة وترتيب جديد، وكذلك كتب الحساب والجبر والطبيعة والكيمياء والفلك ليست خالدة وإن كانت الحقائق التي فيها خالدة، بل الطبعة الثانية من هذه الكتب تقضي على الطبعة الأولى بالفناء إذا دخلها تغيير، وليس طالب علم الآن يرجع إلى ما أُلِّف من خمسين عامًا إلا إذا أراد أن يؤرِّخ العلم، ولكن طالب الأدب يرجع إلى ديوان المتنبي الآن ليتذوق أدبه ويلذَّ مشاعره كما كان ذلك منذ ألف عام، وقد حفظتُ بعض قصائده، ولا أزال أستمتع بترديدها، ولكن إن أنت قرأت كتابًا في الرياضة، وفهمت ما فيه، لا تستطيع بحالٍ أن تعيد قراءته إلا على مضض.
والسبب في هذا — على ما يظهر — أن عواطف الناس لم تتقدَّم كما تقدَّمت عقولهم، قد ترقى العواطف شكلًا فترى أن الإحسان إلى الفقير بإعطائه درهمًا ليس خيرًا، ولكن خيرًا منه بناء مستشفى، وإنشاء ملجأ، ونحو ذلك، ولكن العاطفة هي هي في أساسها، وقد ترقى عاطفة الحنوِّ الأبوي فلا ترى مانعًا من دفع الأولاد إلى حرب الحياة وَجَوْب الأقطار، ولكن العاطفة في أساسها واحدة، أما العقل فوثَّاب دائمًا راق أبدًا، في الشكل وفي الأساس؛ يرى حلالًا اليوم ما كان حرامًا بالأمس، ويرى حقًّا الآن ما كان باطلًا من قبل، ويخترع كل يوم جديدًا، ويصوغ حياته وفق الجديد، ومن أجل ذلك لا يلذُّ له أن يقرأ عقل السابقين إلا كما يقرأ تاريخهم، ولكن عواطفه هي هي ركزت وثبتت فتلذذ اليوم بما يمثل عواطف الأقدمين وإن كرت عليها الدهور وتوالت العصور.
وليس الأمر بهذا القدر من السهولة في الفصل بين الأدب والعلم، فهناك أنواع يصعب الفصل فيها حتى على الخاصة، أأدب هي أم علم؛ هناك أدب «معلِّم»، وهناك علم «مؤدَّب»، هناك تاريخ صيغ صياغة أدبية فلا يكتفي بسرد الحقائق وتعيين زمن وقوعها، وإنما يضع ذلك في قالب يثير شعورك للاحتذاء والقدرة، أو للحب أو الكراهة، وهناك فلسفة صيغت في قالب قصة، وهناك طبيعة وكيمياء صاغتها يد صنَّاع ماهرة في الفن تحمل قلم أديب، فأخرجت منها موضوعات شيقة تثير عاطفة الجمال، وتستخرج الإعجاب بما في هذا العالم من إبداع وفن.
هذه الموضوعات وأمثالها ليست أدبًا خالصًا، ولا علمًا خالصًا، وإنما هي علم أدبي أو أدب علمي؛ هي أدب بمقدار ما تثير من عاطفة، وهي علم بمقدار ما فيها من حقائق.
العلم لغة العقل، والأدب لغة العاطفة، ولكن لا بد في هذه الحياة أن يلطَّف العلم بالأدب، والأدب بالعلم؛ فالعقل إذا جمح استخفَّ بالشعور، وجعل الحياة ثمنًا للعلم، وهو إذا مزج بشيء من الأدب مسَّ الحياة ورفَّه على الناس، والعاطفة إذا شردت كانت ثورانًا وهياجًا؛ ألا ترى التعجب يزيد فيكون نباحًا، والعشق يهيم فيكون جنونًا!

الفصل الحادي عشر
جواب عن سؤال?


لك الحق كل الحق — يا أخي — أن تصرخ ونصرخ معك في وجه زعماء الأدب العربي طالبين أن يلتفتوا إلى الأدب القومي، ويكثروا القول فيه؛ فالعالم العربي كله يجيش صدره بآلام وآمال، والأدب يجب أن يعبِّر عن هذه الآلام والآمال، بأسلوبه الرشيق، وعواطفه القوية، وخياله الرائع، وإذ ذاك يجد الناس غذاءهم فيما يقرءون، ولذَّتهم ومتعتهم فيما يسمعون وينشدون، والناس في كل عصر يتطلَّبون من الأديب أن يكون موسيقاهم التي تناسب عاطفتهم، فإن كانوا فرحين مرحين كانت الموسيقى فرحة مرحة، وإن كانوا باكين محزونين كانت الموسيقى حزينة باكية، ومن السماجة أن توقِّع الموسيقى نغمة فرحة في مأتم، أو نغمة باكية في عُرس، وقد كان الناس يقصدون إلى الشعراء يشرحون إليهم عواطفهم، ويطلبون منهم شعرًا يناسبها ويرويها.
كان بيت بشار في البصرة مقصدًا لهذا النوع من الناس، يذهب إليه الغَزِل الذي تجيش في صدره عاطفة الحب ولا يستطيع أن يعبِّر عنها، ليجد بشار من فنِّه ما يعبر عما في نفسه، وتذهب إليه النائحات لينشدهن شعرًا يستنزف الدمع ويبعث الشجا والشجن.
وكل عصر له مطالبه، وكل أمة لها مواقفها وعواطفها، ولا خير في الأدب إذا لم يصف الحياة، ويغذِّ العواطف، ويجد الناس في كل موقف يقفونه قولًا أدبيًّا قويًّا يشرحه، وشعرًا جميلًا يعبر عنه.
والعالم العربي الآن له عواطف قومية جديدة لم تكن لديه قبل سنين، هي نتاج التيار الحديث الذي غمر أوربا وسار منها إلى الشرق، فملأ مشاعرها ألمًا مما هي فيه، كما ملأها أملًا في حياة خير من الحياة التافهة التي يحيونها، ثم التفتوا إلى الأدب القديم فلم يجدوا فيه غذاءهم كافيًا؛ ليس فيه شعر يتغنَّى بالحرية كما نودُّ، ولا بالقومية كما نحب، وإنما هي أبيات مبعثرة مجملة، قيلت لوصف مشاعر غير مشاعرنا، وفي مواقف غير مواقفنا.
وتلفَّتْنَا إلى الأدب العربي الحديث فوجدناه ناقصًا كأخيه، لم يسدَّ الفراغ، ولم يكمل النقص، قد أفرط القدماء في الغزل فأفرط المحدثون فيه، وقصَّر القدماء في وصف المناحي الاجتماعية والنزعات القومية فقصَّر المحدثون فيه، وأصبح ناشئُنا لا يجد الغذاء الكافي في القديم ولا في الجديد، فلك الحق أن تطلب من الزعماء، وأن تطلب من الرسالة أن تدعو الكتَّاب والشعراء أن يلتفتوا إلى وجوه النقص فيكملوها، حتى إذا احتاج الشباب إلى نشيد أو أناشيد وجدها، وإذا وقف موقفًا يتطلَّب قصيدة في معنى من معاني القومية أو الحرية انطلق بها لسانه، وإذا طرب لمنظر طبيعي في بلاده وجد القصائد قد قيلت فيه واستوفت محاسنه، وهكذا.
ولك أن تطلب من كتَّاب الروايات أن يبحثوا عن نواحي الضعف في الحياة الاجتماعية الشرقية، فيجلُّوها ويعالجوها، وأن يكون لهم نظر صادق في تعرُّف نفسيات الأفراد والجماعات فيحلِّلوها، وأن يتجه الكتَّاب الاجتماعيون فيدرسوا أمراض قومهم، ويستخدموا الأدب في الخطب والمقالات تثير مشاعر الناس وتهيِّجهم ليتخلوا عن رذيلة، ويستكملوا فضيلة، ويعالجوا نقصًا، وينشدوا كمالًا.
لك الحق أن تنعي على الأدباء أن أكثرهم في الشرق لم يتجه هذا الاتجاه إلا قليلًا، وأنهم بين أن ينظموا في الأغراض القديمة ولا يحسنوها إحسان القدماء وبين أن ينقلوا من الأدب الغربي ما فقد روحه، أو لم يتناسب وروحنا، وإلا فأين أدبنا القومي؟ وأين التغنِّي بمناظر طبيعتنا؟ وأين الروايات الاجتماعية تصفنا؟ لا شيء من ذلك إلا القليل الذي لا يتناسب ونهضتنا الحديثة.
أنا معك في هذا كله، ولكن لست معك في إنكارك: أن يكون الفن للفن، والأدب للأدب، ولست معك في أن تطلب أن يكون الأدب للحياة؛ فليس من شك في أن القطعة متى استوفت عناصرها الأدبية كانت أدبًا، مهما كان موضوعها الأخلاقي، وليس أحد ينكر أن قصائد أبي نواس الفاجرة الداعرة أدب، كما لا ينكر أحد أن الصورة العارية إذا أجيد تصويرها فن جميل، وإن لم ترضَ عنها الأخلاق، فالأدب للأدب والفن للفن، ولكن هذا لا يمنع أن تكون سلطة المصلحين فوق سلطة الأدباء؛ فإذا رأى المصلحون أن ضربًا من الأدب يحلُّ الأخلاق ويفكَّ عُرَى المجتمع، حاربوه بكل ما استطاعوا من قوة، وإذا رأوا أن ضربًا من الأدب في الأمة ضعيف ويجب أن يقوى، طلبوا الإكثار منه بشتى الوسائل، وشجعوا عليه، ومهدوا له السبل، وهذا هو موقفنا بالضبط؛ فقد كثر فينا ما نسميه بالأدب المائع، وهو من غير شك أدب، وقد يكون أدبًا راقيًا، ولكن يصحُّ أن نخضعه لنظر المصلح، فإذا كان المصلح الاجتماعي قويًّا ضرب على هذا النمط من الأدب، ولو إلى زمن محدود؛ حتى تستكمل الأمة قوتها ورجولتها.
ومثل الأدب في ذلك مثل العلم؛ فالأدب للأدب كالعلم للعلم؛ فالعلم يبحث كما يشاء، فإذا أردت أن تستخدم العلم في أشياء عملية؛ كصنع أسلحة وغازات وما إلى ذلك، خضعت للمصلحة والإنسانية، وسُنَّ لها قوانين، وهذا لم يطعن في أن يكون العلم للعلم، فإن أردت بقولك إن الأدب لا يكون أدبًا إلا إذا خدم الحياة، فأنا مخالفك، وإن أردت أن المصلحين والدعاة يجب أن يُخضِعوا الأدب لأغراض الحياة الصحيحة، فإني موافقك.
وبعد، فقد غلوت يا أخي في رأيك، فلم ترِد أن يكون في الأدب حبٌّ إلا من نوع خاص، وأردت من الأدب أن يكون قويًّا، وقويًّا فقط، وبعبارة أخرى: تريد أن تكون حياة الأدباء حياة حربية ليس فيها إلا القوة وما يبعث على القوة، ليس فيها زهرة جميلة ولا غزل ظريف، وأنا أخشى أن الأدب باقتصاره على القوة يفقد القوة؛ فإن للنفوس سآمة، ويحسن أن يكون بجانب صوت المدفع والقنابل صوت العود والقانون.
ولقد كنت أكتب في هذا الموضوع حتى إذا وصلت إلى هذا الموضع شعرت بملل، فما هو إلا أن سمعت نغمة رقيقة من بيانو، فأصغيت إليها حتى استكملتها، فعادت نفسي إلى نشاطها؛ ألا يكون في هذا مثل صالح للحياة الأدبية؟ فجدٌّ وهزلٌ، وتغنٍّ بالحرية، ونعيٌ على الاستبداد، وتغزُّلٌ في زهرة وفكاهة حلوة! هذا — يا أخي — أصلح، حتى من الناحية الجدية؛ فمن لم يلهُ أبدًا قصرت حياة جدِّه وتقبَّضت نفسه، ولم يتحمَّل طويلًا مرارة العمل، وإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.
أحب أن تكون الحياة الأدبية كفرقة الموسيقى؛ لا طبلًا فقط، ولا نايًا فقط؛ بل هما وغيرهما، وعيب حياتنا الأدبية الحاضرة أنها رخوة فقط، فيجب أن يضاف إليها نغمات القوة، لا أن تحلَّ النغمات القوية وحدها محل النغمات الرقيقة، فإنَّا إن فعلنا ذلك كان الأدب أبعث على الحياة، وأحفظ للقوة، فطمئنْ نفسك، ولا تأسَ على شاعر طال ليله، وأرَّق جفنَه حبيبٌ أعرض عنه، وابتسامة احتجب عنه نورها، فمن يدرينا لعل الحب كله من وادٍ واحد، فمن أحب فتاته كان أسرع استعدادًا لأن يحب أمَّته، ويحب ربَّه، ومن تحجَّر قلبه لم يبكِ على شيء.
وبعد، فموقف «الرسالة» كما أفهم من مبادئها يجب أن يكون الدعوة إلى تكميل النقص في الأدب العربي، وحثِّ قادته على أن يطرقوا من الأبواب ما نحن في أمسِّ الحاجة إليه؛ حتى يكون أدبنا صورة تامة لنا، وحتى يكون غذاءً كافيًا لمختلف عواطفنا، يجب أن يكون موقفها — فوق الموقف الأدبي — موقف المصلح؛ فترفض أن تنشر الأدب الساقط المرذول، المضعِف للخلق والمفسد للرجولة، ولكن يجب كذلك أن تفسح صدرها لنوع من الأدب، لا هو بالقوي الذي تتطلَّب الاقتصار عليه، ولا هو بالضعيف المائع، هو أدب الحبِّ العفِّ، والفكاهة الحلوة البريئة، والهزل يشفُّ عن جدٍّ، والمزح مبطَّنًا بعظة، ونحو ذلك، ففي التزام الجد خروج إلى الجفاء، وانحدار إلى الجمود.
هذا إلى أن الرسالة يجب أن تكون بجانب دعوتها إلى الإصلاح سجلًّا للنزعات الأدبية على اختلاف أنواعها، ما لم تكن النزعة مستهترة، تميط قناع الحياة، وتخرق حجاب الحشمة.
وأخيرًا لك الشكر — يا أخي — على ما حوى كتابك من غيرة صادقة، وعاطفة نبيلة، وما أقرت من موضوع يستحق العناية ويدعو إلى طول التفكير.
? نشرت هذه المقالة بمجلة الرسالة مصدَّرة بالعبارة الآتية: (وجَّه الأستاذ علي الطنطاوي في العدد الماضي إلينا وإلى أدباء الرسالة سؤالًا ملخصه: أنعمل وغايتنا الأدب للأدب، أم نعمل وغايتنا الأدب للحياة؟ ثم سأل: لماذا ينصرف أدباؤنا عن الأدب القومي الذي يعالج «القضية الكبرى» إلى ذلك الأدب الغزلي الضعيف؟ وقد أجبنا إجمالًا في ذلك العدد عن بعض هذا السؤال، وتفضَّل صديقنا الأستاذ أحمد أمين فأجاب تفصيلًا عن البعض الآخر).
الفصل الثاني عشر
الأدب العربي منذ أول عصوره حتى اليوم


لو نظرنا نظرة عامة إلى الآداب المختلفة في العالم قديمها وحديثها، وجدناها كلها تخضع لبعض قوانين عامة يشترك فيها كل أدب، وقوانين خاصة ينفرد بها أدب كل أمة؛ فمثلًا: من القوانين العامة أن الآداب تكاد تشترك في أنها نظم ونثر وقصص، وأن النظم يتميز بالموسيقى التي يعبَّر عنها بالأوزان وإن اختلفت هذه الأوزان، وأن النثر في كل أدب يأتي عقب الشعر؛ لأن الشعر تعبير عن العاطفة والخيال، والنثر مصبوغ بصبغة عقلية إلى حد ما، والعاطفة والخيال أقدم في تاريخ الإنسانية من العقل.
كما أن قوانين رقي الشعر والنثر والقصص في الأمم تكاد تكون واحدة، كذلك تكاد تشترك الآداب كلها في تاريخها وتطورها ومرورها في مراحل ثلاث: فالمرحلة الأولى: مرحلة القبائل، ويكون الأدب فيها مصبوغًا بالصبغة القبلية، فيخضع للنظام القبلي، ويكاد الشاعر فيها يشعر بقبليته أكثر مما يشعر بفرديته، ويتغنَّى بالقبيلة وأعمالها أكثر مما يتغنَّى بشخصيته وفرديته وعمله، حتى إذا تطوَّرت القبائل إلى أمَّة، وتطوَّر شيخ القبيلة إلى حاكم، رأينا الأدب يصل إلى:
المرحلة الثانية: فتكون الآداب في خدمة القصور والحكام، والأغنياء والولاة وأمثالهم، ويكون الأدب إذ ذاك أشبه ما يكون بالتحفة الفنية البديعة؛ تُهدى أو تباع للسادة المترفين، ويكثر إذ ذاك شعر المديح والقصص حول القصور، وتكثر في الأدب المحسِّنات اللفظية كأنها نقوش في التحفة الفنية، ولا يُنظر في هذا الطور إلى الشعوب كثيرًا. ثم تأتي:
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الديمقراطية، فيُعنى فيها بوصف الشعوب ويتجه الأدباء نحوها، وتؤلَّف الروايات حول الحياة في الكوخ الحقير كما تؤلَّف حول الحياة في القصر الكبير، ويتجه الأدب نحو الظلم والعدل، ويبيِّن حقوق الراعي وحقوق الرعية، وتكثر في الأدب على العموم المظاهر التي تعبِّر عن آمال الشعوب وآلامها.
فإذا نحن نظرنا إلى الأدب العربي في ضوء ذلك وجدناه أدبًا طويل العمر، له من العمر أكثر مما للآداب الأخرى؛ كالأدب الإنجليزي والفرنسي والألماني والإيطالي، فكلها حديثة العهد إذا قيست بالأدب العربي، وعمر الأدب العربي في العصور التاريخية نحو خمسة عشر قرنًا، خضع فيها لمؤثِّرات مختلفة وأحداث متباينة، كان فيها أدب قبائل في العصر الجاهلي يخضع لكل الظواهر القبلية، ويستجيب لها، فيعبِّر فيه الشعراء عن عواطفهم، ويسجِّلون ما يحدث لهم ولقبيلتهم، ويصفون مشاعرهم نحو نسائهم بالحب والذكرى، ومشاعرهم نحو خصومهم وأعدائهم — وهم خصوم قبيلتهم — بالهجاء، ويحرِّضون على القتال والأخذ بالثأر، ويصفون فيه الطبيعة حولهم من الصحراء ونباتها وحيوانها.
وإذا سار الشاعر في طريق وصفه، وعرض لما رأى فيه من جبل ووهد وسهل وحزن، وهكذا، كان الشاعر بدويًّا في موضوعه وصيغته وبساطة وصفه وبساطة فنه، ومَن كان من الشعراء الجاهليين في مدينة أو على حواشي مدينة تأثَّر بذلك؛ كما نرى في شعراء الحيرة والعراق والغساسنة؛ فقد تأثَّروا بالمدنية الفارسية والرومانية في ألفاظهم وتشبيهاتهم.
وشعراء الجاهلية على وجه العموم متأثرون ببيئتهم الطبيعية والاجتماعية، يشتقُّون منها تشبيهاتهم، فيشبِّهون الليل بالجمل يتمطَّى بصلبهن والبرق بمصباح راهب أمال السليط ونحو ذلك، وأوزانهم وموسيقاهم متأثرة بوقع أقدام الإبل في الصحراء، وما يناسب ذلك من حداء، إلى غير هذه من مظاهر التأثر والتجاوب، فكانت هذه هي المرحلة الأولى للأدب العربي.
ولما جاء الإسلام غيَّر الحياة الاجتماعية، فدعا إلى الفخر بالعمل الصالح دون الفخر بالأنساب، ودعا إلى أن الظالم يُقتصُّ منه؛ شريفًا كان أو وضيعًا، وقال: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، وهدم نظام القبائل بالتدريج إلى حدٍّ كبير، وغزا المدنية الفارسية والرومانية، وأخضعهما واطَّلع عليهما واستفاد منهما، وأصبحت الجزيرة العربية وما تبعها من فتوح دولة واحدة حكمها خليفة واحد، وانقلبت الخلافة بعد ذلك إلى ملك عضوض، فجاء الدور الثاني، وهو الدور الأستقراطي في الأدب الذي يتجه نحو الخلفاء والولاة والحكام والأغنياء، وإن تغنَّى فيه الفرد لنفسه أحيانًا بغزل أو شكوى أو تعبير عن عاطفة، وتأثَّر الأدب الإسلامي؛ وخاصة النثر الفني والقصص، بما نُقل إليهما عن الهند والفرس واليونان، وتطوَّر بتطور الحضارة في موضوعاته في حديث يطول شرحه.
وفي العصور الأخيرة، انتقل الأدب العربي إلى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الديمقراطية، فاتجه إلى الشعوب في شعره ونثره وقصصه، وفي موضوعاته وأساليبه.
فإذا نحن نظرنا إلى الأدب العربي بجانب الآداب الأخرى وجدنا أنه ككل الآداب فيه جوانب ضعف وجوانب قوة؛ فمثلًا: نجد أن الأدبين اليوناني والروماني وما تفرع عنهما من الآداب الحديثة؛ كالإنجليزية والفرنسية، أكثر تنوُّعًا، وأكثر تفنُّنًا في نقد الحياة والنظر إليها في أشكالها المختلفة؛ الخاصة منها والعامة: أدب للملاحم وسَّع خيالهم — وأدب للتمثيل وسَّع نقدهم في السياسة العامة للحكومة والقادة والزعماء وللحياة العامة وحياة الأفراد الشعبية — وغنًى في القصص لم يبلغه الأدب العربي، ولكن الأدب العربي غني من نواحٍ أخرى.
فقد جرت عادة الأوربيين أن يقسِّموا الشعر إلى شعر غنائي، ويقصدون به ما يعبِّر به الشاعر عن عواطفه؛ وشعر ملاحم، ويقصدون به ما يصف به الشاعر أو الشعراء وقائع الحروب في قصائد طويلة؛ وشعر تمثيلي، وهو ما يكون في الروايات التمثيلية؛ فالشعر العربي غني بالنوع الأول غنى كبيرًا، والكنوز التي تركها في وصف المشاعر؛ من فخر وحماسة وغزل وهجاء ورثاء ومديح، كنوزٌ وافرة؛ وخاصة في الحب؛ فقد برع الأدب العربي فيه، ونوَّعه من حب عذري إلى حب شهواني، ومن حب مادي إلى حب فلسفي، ومن وصفٍ للجمال الحسي إلى وصف للجمال المعنوي، فهذا النوع قد تفوَّق فيه الأدب العربي تفوقًا كبيرًا، وسبق غيره من الآداب الأخرى، حتى إن هذا النوع من الأدب لمَّا ظهر في أوربا في القرون الوسطى في أسبانيا وفرنسا أخذ النقَّاد يبحثون عن مصدره في الأدب العربي كيف أخذوه عنه؛ شعورًا منهم بأن منبع هذا النوع من الأدب هو الأدب العربي، وكذلك لمَّا ظهرت في أوربا حركة الأدب الرومانطي، رأى كثيرون أن لهذه الحركة بالشعر العربي علاقة وثيقة.
كذلك نرى الأدب العربي غنيًّا غنًى تامًّا في ناحية الحِكَم، فقلَّ أن نرى أدبًا يدانيه في ذلك، قد صُبَّت فيه تجارب الأمم المختلفة من عرب وفرس وهند وروم، وصيغت هذه التجارب في شكل أمثال وحِكَم في الشعر والنثر على ألسنة الطيور والحيوانات.
على أنه ما تمَّ احتكاك الشرق والغرب في العصور الحديثة أخذ الأدب العربي يستعرض مواضع قوته وضعفه، فلما أحسَّ بحاجته إلى القصص؛ سواء منه ما كان تمثيليًّا أو غير تمثيلي، أخذ يستكمل نقصه بما يترجم أولًا وأُلِّف ثانيًا، وهو في سبيل استكمال نواحيه كلها مع احتفاظه بميزاته القديمة، كما أخذ يساير الأمم العربية في التعبير عن آلامها وآمالها، ويدعو إلى الإصلاح الاجتماعي في أشكاله المختلفة، ولكن أمامه عقبة كبيرة يجب أن يتغلَّب عليها، وهو أنه لا يغذِّي إلا طبقة المثقفين، أما السواد الأعظم من الشعوب فيعيش على قليل من الأزجال، وتافهٍ من الغناء، وبقايا من «الحواديت»، ولا بدَّ للأدب الكامل أن يغذِّي الشعب كله؛ خاصته وعامته، بحسب عقليته البسيطة أو الراقية؛ حتى لا تفلت من يده أي طبقة من طبقاته، أمَّا إن هو اقتصر على المثقفين وحدهم لم يكن قد قام إلا ببعض واجبه، وحاجة الأمة إلى الغذاء الأدبي — كما أسلفنا — في مثل حاجتها إلى الغذاء المادي، لا يصح أن يستغني عنه أحد ولا يعيش بدونه.

الفصل الثالث عشر
ملوك الإسلام والأدب العربي


ظاهرة واضحة — من ظواهر الأدب العربي — أنه أكثر ما نما كان في ظل الملوك والأمراء، وكان هذا شأنه من أول عهد النابغة الذبياني في الجاهلية إلى شوقي في عصرنا.
لقد كان العرب في أول عهدهم يعيشون عيشة قبائل، وكان للقبيلة شيخها، وكان المعنى القبلي متغلِّبًا عليهم، وكان الفرد يعيش لقبيلته ويموت لقبيلته، أما شعوره بشخصيته فضعيف فاتر، من أجل هذا كان شعر الشاعر إنما هو في الإشادة بقبيلته والتشهير بأعدائها، فلما ظهر للعرب ملوك رأينا الشعر بدأ يتحول نحوهم؛ فقصد النابغة الذبياني النعمان بن المنذر، ومدحه وقَبِل الصلة منه، واستطعم الترف والنعيم، فكان أكله وشربه في صحاف الذهب والفضة مما كان يناله من الملوك.
وفاقه الأعشى في ذلك؛ فكان رحالة إلى الملوك يمدحهم وينال عطاءهم، فقصد المناذرة على تخوم العراق، والغساسنة على تخوم الشام، بل وقصد ملوك العجم يمدحهم فيجزلون عطاءه ويملئون يده.
فلما جاء ملوك بني أمية عرفوا قيمة الشعر وأثره في الدعوة لهم، ومكافحة خصومهم، فقرَّبوا الشعراء وأجزلوا لهم العطاء، فكان من شعرائهم: الأخطل، وجرير، والفرزدق، وغيرهم من مشهوري الشعراء، وكان كل من طمع في الملك من مناوئيهم يتخذ الشعراء أداة له في الخصومة والنزال؛ فللخوارج شعراؤهم وللشيعة شعراؤهم، ولعبد الله بن الزبير شعراؤه.
ولا يُستثنى من مشاهير شعراء بني أمية إلا عدد قليل لم يتصل بملك ولم يقبل عطاء؛ مثل: عمر بن أبي ربيعة؛ فقد كان يغنِّي لنفسه وللنساء، واكتفى بجاهه وغناه، وأَنِفَ من المدح والهجاء، ولكن هذا وأمثاله قليلون إذا قيسوا بمن نبغوا في ظل الملوك والأمراء.
فلما جاءت الدولة العباسية أكثر الملوك من عطاياهم فقصدهم الشعراء من كل فجٍّ، فكانت بغداد موطن الخلفاء، وموطن الشعراء معًا، ومن نبغ في مصر أو الشام أو الحجاز لم ينفق شعره ولم يشتهر أمره إلا إذا قصد الملوك والأمراء ببغداد، فإذا عددت نوابغ الشعراء في ذلك العصر؛ أمثال: بشار بن برد، ومسلم بن الوليد، وأبي العتاهية، وأبي نواس، وأبي تمام، والبحتري، وابن الرومي، وابن الجهم، رأيتهم نبغوا في ظل القصور، ورأيت تاريخهم وتاريخ شعرهم جزءًا من تاريخ الخلفاء والأمراء، هؤلاء يقصدون الخلفاء، وهؤلاء يقصدون البرامكة، وهؤلاء يقصدون الأمير أبا دلف، إلى غير ذلك.
وقلَّ أن ترى في هذا العصر شاعرًا لا صلة له بملك أو أمير، حتى العباس بن الأحنف فإنه أَنِفَ عن المدح، وقصر شعره على الغزل، ومع هذا أخذ صلة الرشيد وغيره على حسن تغزُّله ولُطف مقصده في التشبيب بالنساء.
ومن هؤلاء الشعراء من كان يقنع بمدح أي أمير وأي غني، ومنهم من كان يأنف أن يمدح إلا الملوك، فسلم الخاسر يعير مروان بن أبي حفصة بتكففه من هذا ومن ذاك، ويفخر هو بأنه لا يمدح إلا الملوك، فيقول:
من مبلغ مروان عني رسالةمغلغلة لا تنثني عن لقائكاحباني أمير المؤمين بنفحةثمانين ألفًا طأطأت من حبائكاثمانين ألفًا نلت من صلب مالهولم تك قسمًا من أولى وأولائكا ويفتخر بشار بن برد، فيقول:
وإني لنهاض اليدين إلى العلاقروع لأبواب الهمام المتوج إلى كثير من أمثال ذلك.
وفي بلاط سيف الدولة بن حمدان في حلب اجتمع عشرات الشعراء، وعلى رأسهم المتنبي وأبو فراس، يشيدون بفضله ويسجِّلون وقائعه، وهو يغدق عليهم من ماله، حتى قال فيه أبو الطيب:
وانعلت أفراسي بنعماك عسجدا
ولما ضعفت الخلافة ببغداد وعلا شأن مصر تحوَّل غرض الشعراء من بغداد إلى مصر، فكانت مصر مقصد المغاربة والشاميين والعراقيين، وكان من شعراء صلاح الدين الأيوبي القاضي الفاضل البيساني، والعماد الأصفهاني، وابن سناء الملك، وكان من شعراء الملك الصالح الأيوبي ابن مطروح، والبهاء زهير.
فلما جاءت دولة المماليك ارتفع شأن مصر بقدر ما ضعف شأن بغداد، فأصبحت مركز الثقافة للعالم الإسلامي، ومجمع العلماء والأدباء والشعراء، ولكن لم يكن حظ الشعراء في عصر المماليك كحظ العلماء؛ لأن ملوك المماليك لم يكونوا يحسنون فهم العربية، ولم يكونوا يتذوَّقون الشعر، فضعف من أجل ذلك الشعر وخمل الشعراء، وعلى العكس من ذلك قوي العلم وعظم شأن رجال الدين.
حتى جاءت نهضة مصر الحديثة، فأخذ الشعر يستعيد رونقه، وكان أكثر النابغين من الشعراء في ظل الملوك والأمراء أيضًا؛ فالسيد علي أبو النصر كان في رعاية البيت العلوي من عهد محمد علي (باشا) إلى عهد توفيق (باشا)، والشيخ علي الليثي كان شاعر الخديو إسماعيل والخديو توفيق ونديمهما، وولد شوقي — كما يقول هو — بباب إسماعيل، وأزهر شعره في ظل الخديو عباس الثاني.
•••

وعلى الجملة، فلو أحصينا شعراء العرب، وعددنا النابغين منهم، وقرأنا تاريخ حياتهم، لوجدنا الجمهرة العظمى منهم قد نبغوا في ظل الملوك والأمراء.
وسبب هذا أن الشعر فن جميل، والفنون الجميلة إنما تنمو وتزهر في القصور؛ كالغناء والموسيقى والنحت والتصوير والخطوط؛ لأنها تعد من الأمور الكمالية، ومن الزينة والترف، وأحسن أنواع الزينة إنما مكانه اللائق به القصور؛ كاللؤلؤة الكبيرة والحجر الكريم النادر والصورة الرائعة والمصحف المخطوط خطًّا بديعًا، فكل هذه وأمثالها لا يقوِّمها حقَّ تقويمها إلا الملوك والأمراء، فإليهم تُهدى، وفي قصورهم تزداد روعة وجمالًا.
ثم كان أن اتجه الشعر العربي أكثر ما اتجه إلى المديح، فلو أحصينا الشعر العربي ووزَّعناه على أبوابه لوجدنا نحو ثلثيه مديحًا، والثلث الآخر تتقسَّمه الأبواب المختلفة الأخرى، ومن أليق بالمديح من الخلفاء والملوك والأمراء؟ إنهم أقدر على المكافأة وأسخى في العطاء، فالشاعر يبدأ يتعلَّم في مدح متوسطي الحال، فإذا نبغ لم يجد موضعًا لشعره لائقًا إلا الملوك، فقصدهم وقصر مديحه عليهم، ومن أجل هذا نرى أنواع الشعر الأخرى تنمو خارج القصور بعيدة عنها؛ كاللزوميات لأبي العلاء المعري، وشعر التصوف؛ مثل شعر عمر بن الفارض، وشعر الغزل الصرف؛ كشعر جميل والعباس بن الأحنف، وأمثال ذلك؛ لأن الشاعر فيها يغنِّي لنفسه، ويرضي عاطفة تجيش بصدره، لا يتطلب من أجل ذلك جزاءًا ولا شكورًا.
•••

هذه ناحية واحدة من نواحي الأدب العربي، وهي ناحية الشعر، وهناك نواحٍ أخرى كان للملوك كبيرَ أثرٍ فيها أيضًا؛ فالكتابة الديوانية إنما ازدهرت كذلك في حماية الملوك والأمراء؛ فعبد الحميد الكاتب أثمرت كتابته في ظل مروان بن محمد، وابن المقفع في ظل الأمير عيسى بن علي، وعمرو بن مسعدة في ظل المأمون، وابن العميد في ظل بني بويه، والقاضي الفاضل في عهد صلاح الدين، والعماد في عهد نور الدين … إلخ.
وذلك أن الكتابة الإنشائية كانت وظيفة حكومية، فكان في العهد الأول لكل أمير كاتب يجيد الكتابة عنه، ويجتهد في تنميق أسلوبه وحسن بيانه، وبطبيعة الحال كان خير الكتَّاب كتَّاب الملوك؛ فهم يُتخيَّرون أدق تخيُّر، وعنهم تصدر أروع الكتب وأبلغ المقالات.
وحظ التأليف من الملوك ليس أقل من حظ الشعر والنثر؛ فالجاحظ يهدي بعض كتبه للمأمون وبعضها للفتح بن خاقان، وأبو الفرج الأصفهاني يهدي كتابه الأغاني لسيف الدولة الحمداني، وكثير من التآليف الأدبية والعلمية والدينية نراها قد أُهديت في تاريخها أو في ديباجتها إلى ملك أو أمير؛ ذلك لأن كثيرًا من هؤلاء الملوك والأمراء كانت لهم مشاركة علمية أو أدبية، فكانوا يقترحون على العلماء والأدباء موضوعات يؤلِّفون فيها، وكثير منهم كان يرى أن تقديم الكتاب إليه يخلِّد ذكره، ويبقي على الدهر اسمه؛ فكتاب علمي أو أدبي يؤلَّف باسمه ورسمه بمثابة مسجد يقيمه، أو مدرسة ينشئها، أو «سبيل» يتقرَّب به إلى الله.
يضاف إلى ذلك سبب آخر هام، وهو أن الثروة لم تكن موزَّعة على حسب المنهج الذي نراه الآن، بل كانت أغلب الثروة في يد الملوك والأمراء، والعلماء ليس لهم إلا قليل من الأوقاف ونحوها، فلم تكن هناك وزارة معارف تجري مرتبات على المدرسين ونحو ذلك، إنما كان العلماء يعيشون على القليل من مال الوقف، وعلى الكثير من عطايا الخلفاء والأمراء؛ فكان ارتباط العلماء بالأمراء أقوى، وحاجتهم إليهم أشد، فالعالم مخيَّر بين أن يعتزل الأمراء ويعيش عيشة كفاف، أو يتطلَّب عيشة الغنى فعليه أن يتصل بالملوك والأمراء؛ يسامرهم ويحدِّثهم ويؤلِّف لهم.
وحاجة الأدباء في ذلك أشد؛ لأن طبيعة أدبهم وحياتهم لا تتفق والزهد، ولأن الأوقاف لا تشملهم؛ فليسوا رجال علم ولا رجال دين، فمنهجهم الوحيد الذي يتطلَّبونه ويقصدونه هو قصور الخلفاء والملوك والأمراء والأغنياء، ففيها عيشة الترف التي تناسب الأدب وتغذِّيه، وفيها يجد سلعته رائجة وعمله مكافأ، ومن أجل هذا الفرق قد نرى علمًا خارج القصور، ولكن قلَّ أن نرى أدبًا نما وازدهر خارج القصور.
وبعد، فاتصال العلم العربي والأدب العربي بالملوك والأمراء اتصال وثيق، وشرح أسبابه ونتائجه لا يمكن أن يتسع له مقال، فلنجتزئ الآن بهذا القدر.

الفصل الرابع عشر
أدبنا الحديث أدب ديمقراطي


الأدب ظاهرة اجتماعية؛ كاللغة والحكومة ونظم التربية، كلها تخضع للحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للأمة؛ فالجماعة من الناس الذين يعيشون على الصيد، أدبهم من قصص وأمثال وشعر مشتق من نوع حياتهم، والذين يعيشون في مدينة ممدَّنة منظَّمة، ينتج أدبهم صورة صادقة من حياتهم، فمحال أن يكون ابن المعتز بدويًّا أو أن يكون شعره بدويًّا، ومحال أن يكون طرفة بن العبد حضريًّا أو أن يكون شعره حضريًّا؛ فالأدب يشتق مظاهره وموضوعاته وأساليبه من الحياة التي يحياها الأديب، وأدب كل جماعة يعتمد على درجتها في النظام الاجتماعي والاقتصادي.
فلنقصر نظرنا على الأدب العربي من هذه الناحية، فنرى أنه قد مرَّ بأدوار ثلاثة: (?) أدب قبلي في العصر الجاهلي وصدر العصر الإسلامي.
(?) وأدب أرستقراطي في القرون الوسطى.
(?) وأدب ديمقراطي في العصر الحديث.
فالأدب الجاهلي صورة صادقة لحياة العرب القبلية، فهو يمثل لنا حياتهم الواقعية من غير أن يكون فيها كبير عناية بتجميل، أو تلوين بلون زاهٍ برَّاق، يمثل لنا حياة لا تستند على ثقافة واسعة ولا علم غزير، يمثل حياة حسية لا يتجاوزها إلى الروح والعناية بها؛ فالمرأة الجميلة هي الجميلة جسمًا، والمنظر الجميل هو ما يدركه البصر جميلًا، قد اشتق أدبه من حروبه وعلاقته بالإبل وبالخيل، ورحلته عليهما من مكان إلى مكان، ورعيه لهما، ونحو ذلك.
لا يمكننا أن نسمي هذا الأدب أدبًا ديمقراطيًّا؛ لأن أساس الديمقراطية شعور المرء بنفسه، وتقديرها لشخصية كل فرد؛ عظيمًا كان أو وضيعًا، والشاعر الجاهلي كان يشعر بقبيلته، وأن إغارة أحد من العرب على أحد ليست إغارة فرد بل قبيلة على قبيلة، وأن العار الذي يلحق الفرد يلحق القبيلة، والمفخرة التي يأتيها الفرد مفخرة القبيلة، وعلى الجملة كان شعور الفرد بقبيلته أكثر من شعوره بشخصه.
وإذا استعرضنا الأدب الجاهلي اتضح لنا هذا المعنى؛ فنرى قبيلة الشاعر في المقام الأول، وشخصيته مستترة وراء قبيلته، فهو قلما يعبِّر «بأنا» وإنما يعبِّر «بنحن»، وقلَّما يشيد بذكر أفعال قام بها، وإنما أغلب ما يفخر بأعمال قومه وآبائه، فالشخصية الفردية تكاد تكون معدومة، والشخصية القبلية طاغية عليها؛ ولذلك لا يمكننا أن نسمي الأدب الجاهلي أدبًا ديمقراطيًّا، بل أدبًا قبليًّا.
•••

تحضَّرت الأمة العربية، وفُتحت أعظم الممالك، وتدفَّق المال عليها من البلاد المفتوحة، وكان أكثر المال والغنى في أيدي الخلفاء والأمراء، وإذا كان عطاء للأفراد (مرتب أو ماهية) فللجند وأمثالهم لا للشعراء وأمثالهم، وضاع الشعور القبلي، أو على الأقل أصبحت قبيلة الشاعر لا تعوله كما كانت تعوله في الجاهلية، فوجد الشاعر نفسه أمام أحد أمرين: إما أن يشعر لنفسه ويرضى بالفقر، أو يشعر للخليفة والأمير فيغنِّي لهما، ففضَّل الثانية.
والخلفاء والأمراء من ناحيتهم رأوا أن الفن — ومنه الشعر والأدب — أداة من الأدوات الجميلة؛ كالتحف تعلَّق في القصور، وكالدُّرة الجميلة والعقد الثمين والحجر الكريم، فرحَّبوا بأهل الفن يزيِّنون بهم قصورهم.
كان الشاعر يرضى من قبيلته بالقليل فأصبح وقد كثر المال يطمع في الكثير، وكان يغنِّي لقبيلته فأصبحت قبيلته لا تجزيه، وكان شيخ القبيلة فقيرًا فأصبح الخليفة وعنده القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وكانت حاجات الفنان قليلة فأصبحت بفضل الحضارة كثيرة مركَّبة، والشعب لا يلتفت كثيرًا إلى الفنان؛ لأن فنه نوع من الترف، والترف إنما هو في قصور الخلفاء والأمراء.
كل هذا وأمثاله قَلَبَ الأدب إلى أدب أرستقراطي، وأعني به الأدب الذي قيل في الخلفاء والأمراء مديحًا أو رثاء، أو إجابة لمطلب لهم من وصف مائدة ووصف طرفة ووصف روضة ونحو ذلك، أو قيل تحريضًا من الخلفاء والأمراء للشعراء على هجاء أعدائهم، أو كتابًا أدبيًّا ألفه الأديب لخليفة أو أمير، وعلى الجملة، كل ما قصد به أمير أو بعث على الإتيان به أمير.
وهذه هي الخاصة الواضحة في الأدب العربي في القرون الوسطى، فلو نظرت إلى الأدب الذي قيل في هذه الأغراض ولهذه الأسباب، لوجدته طاغيًا على غيره من الآداب؛ أي إن الشاعر القدير قلَّ أن يغني لنفسه في شرح عاطفة تملَّكته، أو مناظر أعجبته، أو يشعر للشعب في وصف آماله وآلامه، أو للإنسانية في وصف سرَّائها وضرَّائها، وإنما همُّه إذا أجاد أن يحتمي في حمى خليفة أو أمير أو وزير يغني له ويقول ما يعجبه.
لنضرب لذلك مثلًا مختارات البارودي؛ فقد اختار لثلاثين شاعرًا من شعراء الدولة العباسية، فبلغ ما اختاره لهم من المديح ????? بيتًا من الشعر، على حين أن ما اختار لهم من الأدب ???? بيتًا، ومن الغزل ????، فإذا أضفت ما اختاره لهم من الرثاء والهجاء إلى المديح — لأنها كلها أرستقراطية — بلغت ?????، وهي نسبة كبيرة جدًّا لبيان طغيان الأدب الأرستقراطي على النزعات الأخرى، وخاصة إذا علمت أن كثيرًا من الغزل كان ليس إلا تمهيدًا للمديح، وأن كثيرًا من أبيات الأدب ليست إلا تعليلًا للمديح، ثم تبحث في كل هذا عن نصيب الشاعر من شعره، أو نصيب الشعب منه، فلا تجد إلا القليل.
وهذه ظاهرة طبيعية اجتماعية أيضًا؛ فالخلفاء والأمراء كانوا كل شيء، والشعب مهمَل إلا في النادر، فانصرف الفن إليهم، ومثل الأدب في ذلك التاريخُ؛ فالتاريخ في هذه العصور لم يؤرِّخ إلا الملوك والأمراء وحروبهم ونزاعهم وموتهم وولادتهم، ويجهد المؤرخ الصادق الآن نفسه ليعثر على ما يستنتج منه حالة الشعب، فقلَّ أن يجد كلمة في صفحات عدة.
•••

سادت بعد ذلك الديمقراطية أوربا في العصر الحديث، وبُنيت على أساسين: كل إنسان يجب أن يكون حرًّا، وكل إنسان يجب أن يشعر بالمسئولية؛ فالقوانين إنما توضع لحماية حرية الأفراد لا لتنفيذ إرادة الملوك، والفرد إذا أطاع القانون فإنما يطيعه لأنه يشعر بفائدته ولمواطنيه، لا لأن سلطة أخرى ينبغي أن تُطاع، وعلى الجملة، فقد أحس الفرد أنه يسيِّر نفسه لا يسيِّره غيره، وأنه سيِّد في نفسه لا عبد لغيره، ولو كان هذا الغير ملكًا أو أميرًا.
سادت هذه النزعة أوربا فصبغت كل شيء بلونها، فنظَّمت الحكومات على هذا الأساس الذي يضمن للفرد حريته ويشعره بمسئوليته، وأثَّرت في التعليم؛ فشعر كل فرد أن له الحق أن يتعلم، وعلى الحكومات أن تهيِّئ له وسائل التعلم، بل أثَّرت هذه النزعة في الانقلاب الصناعي والتجاري والزراعي، وأنتجت نتائج خطيرة ليس هنا موضع شرحها، وإنما الذي يهمنا هنا أنها أثَّرت كذلك في الأدب فحولته من أدب أرستقراطي إلى أدب ديمقراطي، فأخذ عظماء الأدباء يصوِّرون هذه النزعة الجديدة، فملتن — مثلًا — يكتب ويلحُّ في الكتابة أن حقوق الناس أقدم من حقوق الملوك، وأن الناس ليسوا ملزمين بإطاعة الملك الظالم، وأن الناس ولدوا أحرارًا، وليس الملوك إلا أُجَرَاءها، وكذلك فعل روسو في فرنسا وجفرسن في أمريكا، وأمثالهم كثير.
وتلوَّن الأدب فأصبحت الأغاني الشعبية تتغنَّى بالحرية، وانتشر نوع من الأدب، وهو «اليوتوبيا» أو «الطوبى» أو «المدينة الفاضلة»، وهي الكتب التي ترسم صورًا لمعيشة الناس عيشة أسعد مما يحياها الناس في الواقع، وتعدَّدت موضوعات الأدب التي تؤيد الديمقراطية، فهذا أديب يشيد بالإنسانية، وهذا شاعر يؤيد أمة تجاهد في سبيل استقلالها، وهذا يشهِّر بظلم القوانين، وهكذا.
وصلت هذه الموجة في سيرها إلى الشرق، فأخذ يحارب الاستعمار، ويجاهد في نيل الحرية، وينشد الديمقراطية، وأخذ يقلِّد أوربا في حركاته وأعماله، وتشبَّع القادة بحب الديمقراطية، وتغنَّوا بها، ونشروا مبادئها بين الناس فآمنوا بها، ورسموا خططًا لنيلها، فهذه خطب في المجالس النيابية، وهذه مظاهرات تعرقل أعمال المستعمر، وهذه احتجاجات ومؤتمرات وتشهير بالدول الأوربية وعسفها، إلى كثير من أمثال ذلك.
وأخيرًا رأينا الأدب العربي يتبع هذه النزعة، ويبعد قليلًا قليلًا عن الاستظلال بالأمراء، ويقرب قليلًا قليلًا من الاستظلال بالشعب؛ فلئن كان شوقي في حياته الأولى شاعر الأمير، فهو في حياته الأخيرة شاعر الشعب، وأخذ شعراء العراق والشام ومصر يتغنَّون بالحرية، ويعلنون ألمهم من الظلم وأملهم في تحقيق العدل، وطرق كتَّابهم وشعراؤهم موضوعات شعبية صرفة بعد أن كانوا يقفون أدبهم وشعرهم على مديح الأمراء والخلفاء؛ فقاسم أمين يكتب في تحرير المرأة، وشوقي يُشعِر في بنك مصر، ويرثي مصطفى كامل وسعد زغلول، ويلتفت إلى موضوعات شعبية بحتة؛ كانتحار الطلبة والعمال ونهضة مصر؛ هذا شوقي الأرستقراطي فما بالك بحافظ الذي أخذ يتابع الحركة الديمقراطية ويصوغ فيها شعره!
وكان من أكبر مظاهر الديمقراطية في الغرب والشرق نضج «فن الروايات»؛ فهي تُعنى أكبر عناية بتحليل حياة العامة والجماهير، وقلَّما تُعنى بحياة البلاط، فالديمقراطية — لما كان أثرها الشعور بالذاتية — وجَّهت الأدب إلى تحليل الشخصيات وتحليل أنواعها وضروبها، وما كان يمكن أن يرقى هذا وذاك في أحضان السلطة الأرستقراطية.
وتبع شعور الفرد بنفسه وشخصيته أن رأينا كثيرًا من الأدباء يتحوَّلون من مدح غيرهم إلى تحليل نفوسهم؛ فطه حسين يكتب «الأيام» يشرح فيها طورًا من أطوار حياته ويصور فيها مشاعره، وهيكل يشرح ما يشعر به في رحلاته إلى السودان والحجاز، والعقاد يحلل في بعض مقالاته نفسه، بل يحلل نفسية كلبه وخادمه … إلخ.
وعلى الجملة، ظهرت أعراض الديمقراطية في الأدب العربي بأشكالها المختلفة، وهي سائرة في طريق كمالها، فكما أن النزعة الأرستقراطية تعد الفرد للدولة، والنزعة الديمقراطية تعد الدولة للفرد، كذلك الشأن في الأدب؛ ففي العهد الأرستقراطي يعد الفنان ليكون طرفة للقصور، وفي العهد الديمقراطي تعد القصور لتكون طرفة للفنان.
وبعد أن كانت ساحة الأدب والشعر هي القصور؛ لأنها حصن الأرستقراطية، أصبحنا نرى ساحة الأدب هي الكتب والجرائد والمجلات؛ لأنها مظهر الديمقراطية، وبعد أن كان الأديب يعيش على موائد الأمراء ومن عطائهم وهباتهم أصبح الأديب والشاعر يعيش على موائد الشعب ومن عطائه وهباته، وإن كانت الشعوب أحيانًا — وخاصة في الشرق — تهمل من يغني لها، فيلذها غناؤه ولا يؤلمها بؤسه وشقاؤه.

الفصل الخامس عشر
تعاون العرب في وضع دائرة معارف عربية


كل الأمم الحية اجتهدت في أن تضع لها دائرة معارف تشتمل كل الفروع، وهي تجدِّدها كلما مرَّ زمن تغيَّرت فيه معالم العلوم، حتى إننا نرى (الأنسيكيليوبديا) الإنجليزية جُدِّدت أربع عشرة مرة، وسارت الأمم الأخرى سير إنجلترا في دائرة معارفها، وكل أمة تعتز بذلك لأنه يدل على تقدُّمها ونهوضها، ومن المؤسف أن الدول العربية لم تضع لها دائرة معارف كاملة إلى اليوم!
لقد فَكَّر في ذلك في عهد إسماعيل المعلِّمُ بطرس البستاني، وأمده إسماعيل بجزء من المال، ولكن كان عيبها: أولًا: أنه لم يكن قد وصل في تأليفها إلا إلى حرف العين ولم يتمَّها، واختارته المنية هو وابنه قبل إتمامها.
وثانيًا: أن العلوم والآداب والفنون تقدَّمت منذ عهده، ولم تعد دائرته صالحة كل الصلاحية.
وقام بمثل هذا العمل أيضًا الأستاذ محمد فريد وجدي، ولكن عيبها أيضًا أنها غير وافية، وثانيًا، أنه اعتمد فيها على نفسه فقط، ولم يستعن بالإخصائيين، مع أن دائرة المعارف عادة تشمل الجغرافيا والتاريخ والأدب والطبيعة والكيمياء والحساب والهندسة والفلك وما إلى ذلك، ومحال أن يلمَّ إنسان كائنًا من كان بهذه الفروع كلها، فضلًا عن التبحر فيها!
فما أحوجنا اليوم إلى دائرة معارف تناسب العصر؛ نعم، قام بعض كبار المستشرقين بدائرة معارف إسلامية، ولكنها مقصورة على المواد الإسلامية من جهة، وغير مشبَّعة بالروح الإسلامية من جهة أخرى، وهذه الدائرة التي نطمح إليها لا بد أن يسبقها الفراغ من وضع المصطلحات الحديثة في الأدب والعلم والفن؛ ليستعين بها كتَّاب دائرة المعارف، وهذه وظيفة المجامع اللغوية؛ يضعون المصطلحات لهذه الأمور كلها، يفرغون منها ويتفقون عليها، والطريقة المثلى في ذلك أن يمسكوا بدائرة من دوائر المعارف الأجنبية الفنية ويفرغون من وضع مصطلحات لها، ثم يأتي دور كتَّاب دائرة المعارف.
ولا بد أن يتفرغ لها المتخصصون بجميع الأقطار العربية؛ كلٌّ في فرعه الخاص، من فلسفة وعلم وأدب وفلك ورياضة إلى غير ذلك، وهذا عمل ضخم يحتاج: أولًا: إلى مال كثير؛ لأن الأيام عوَّدتنا أن من لم يُؤجر لا يعمل،
ثانيًا: يحتاج إلى إنشاء مكتب فني يكون من اختصاصه وضع الفيشات لكل المواد على حسب التسمية العربية، وتوزيع كل مادة أو طائفة من المواد على الفروع المختلفة، وهذا لا بد له من مهارة فنية خاصة،
وبعد ذلك يُطبع طبعًا أنيقًا محلَّى بالصور والخرائط، وتساهم فيه جميع الأقطار العربية، وعندئذ فقط يمكن أن نقول إننا وضعنا الحجر الأساسي للنهضة الشرقية؛ فدائرة المعارف هذه كفيلة بأن تذيع الثقافة العالية بين المتنورين من المتكلمين بالعربية، ولا نكون إذ ذاك عالة على الغربيين في دوائر معارفهم، ويمكن بعد ذلك أن نقوم باختصار لهذه الدائرة لتكون قرب اليد ونهزة المستنجد. وربما كان لا بد أن يسبق هذا تنسيق وتوسيع للمعاجم المختلفة؛ هذا معجم للغة يوافق حاجات العصر، وهذا معجم للطب كذلك، وهذا معجم للجغرافيا، ونحو ذلك؛ بحيث تكون مواد أولية لدائرة المعارف، وإذا كان الغربيون يولون أكبر عنايتهم لعلماء الغرب ونوابغهم وشعرائهم وأدبائهم وفلاسفتهم، فلنولِّ نحن عنايتنا برجالنا ونوابغنا وعلمائنا وفلاسفتنا وأدبائنا وشعرائنا؛ سواء منهم الأقدمون أو المحدثون، وإذا كان الغربيون يولون اهتمامهم لجغرافية بلادهم، فلنولِّ نحن اهتمامنا بجغرافيتنا، ولنا من التراث القديم والتراث الحديث ما يملأ أجزاء عدة، وعندنا من المختصين في كل علم وفن من يستطيع أن يملأ مادته بحمد الله، مستعينين على ذلك بما سبقنا به الغربيون في تدوين دوائر معارفهم، وعندنا أيضًا من الموسوعات اللغوية أمثال لسان العرب والمخصص، والموسوعات الأدبية والتاريخية والجغرافية أمثال نهاية الأرب وصبح الأعشى ونحو ذلك.
ولم تبقَ أمَّة حيَّة على وجه الأرض من غير أن يكون لها دائرة معارف بلغُتِها، تسايرها مع الزمن، وكلما تقدَّم العلم والفن طبعتها طبعة جديدة تساير العلم والفن، إلا الشعوب العربية؛ لأنها وقفت ولم تقم بهذا العمل، وربما كان أكبر سبب في ذلك أن الشعوب العربية لم تضع مصطلحات حديثة للعلوم والفنون الحديثة، وإذا وضعت شيئًا لم تتفق كل البلاد على مصطلح واحد؛ هذه بلد تقول الطبيعة، وأخرى تُعرِّب الكلمة الإفرنجية وتسميها فيزيقيا، وهكذا يجب أن توحَّد هذه المصطلحات أولًا، وتتم ثانيًا، ثم تُستغل في دائرة المعارف ثالثًا، فمما لا شك فيه أن دائرة المعارف هذه من أول مظاهر المدنية الحديثة.
وقد كان المسلمون الأولون يؤلِّفون دوائر معارف؛ مثل إخوان الصفا في الفلسفة، وكتب الجاحظ في الاجتماعيات والأدبيات ونهاية الأرب ومسالك الأبصار في العلوم المختلفة، ولكنها لم تكن شاملة من جهة، ولم تكن مرتبة على حسب حروف المعجم من جهة أخرى، فجاءت المدنية الحديثة فنظَّمت هذا العمل ووسَّعته، وجعلته وفق حاجات العصر الحديث، فما بالنا لا نعمل عملهم ولا نسير سيرهم، والحاجة شديدة إلى مثل عملهم!
إن كثيرًا من الشبان يهرعون إلى دوائر المعارف الأجنبية، فيأخذون منها بغيتهم، ولكن المثقفين باللغة الأجنبية في كل أمة عدد قليل، بجانب الكثرة البالغة ممن لا يعرفون غير لغتهم، ولقد سئل السيد أحمد خان (رحمه الله)، عن أيهما خير: أنعلِّم طائفة من الهنود لغة أجنبية أم ننقل العلوم والمعارف الأجنبية إلى لغة البلاد؟ فنصح بالطريقة الثانية؛ لأنها تثقِّف عددًا أكبر، وقال: لوددت أن أكتب بحروف من نور على جبال الهملايا مطالبًا بنقل العلوم والمعارف الأجنبية إلى لغة البلاد.
لقد مرَّ على الأمم العربية زمان طويل يزيد على مئة سنة، وكان هذا يكفي لتعريب المصطلحات الأجنبية، واستخدامها في دائرة المعارف العربية، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث إلى اليوم فتراكمت المصطلحات والمعلومات، وأصبح العمل شاقًّا عسيرًا؛ لأن العلم لم يقف عند حدٍّ، وكلما مرَّ الزمن تضاعفت المواد، فما لم تبادر الأمم العربية غرقت في هذا التيار الغزير قبل أن تتغلَّب عليه، ومن غير شك تأليف دائرة المعارف العربية ومساهمة الشعوب العربية في وضعها يوثِّق الصلات بينها، ويقلل من الاختلافات اللغوية والعلمية والأدبية، ويجعلها تسير سيرًا واحدًا، وفي طريق واحد.
قد تسألني: إن هذا العمل الضخم يحتاج إلى مال كثير، فمن أين نأتي بهذا؟ فأقول: إن هذا المال يَسهُل على الشعوب العربية المختلفة أن تتحمَّله؛ فهي قادرة على تخصيص مليون من الجنيهات، أو مليونين، أو أكثر متى صدقت النية، ومثل هذه المبالغ أُنفِقت فيما يقلُّ عنها فائدة، ولكن العلم والأدب ضائعان دائمًا، وتبذر الأموال فيما لا يبقى ولا يفيد، وتحجز الأموال عما يبقى ويفيد، واستنارة مئة واحدة من كل أمة من هذا العمل الضخم يساوي هذا المبلغ أو أكثر منه؛ فقتل الجهل لا يقل شأنًا عن إحياء نفوس الأفراد، والشرقيون على العموم لا تنقصهم الفكرة الصالحة، فعندهم آلاف من الآراء النافعة، ولكن ينقصهم ربط الفكرة بالعمل، والتنظيم الإداري للتنفيذ، والأمم تختلف في ذلك اختلافًا كبيرًا؛ فالأوربيون على العموم أكثر تنفيذًا للفكرة من الشرقيين، وربما كان الأمريكيون أكثر من الأوربيين في ذلك؛ فقد عُدَّ من أكبر فضائلهم ربط الفكرة بالعمل، ولو كانت الفكرة غريبة.
أما الشرقيون، فلا يخلو مجلس من مجالسهم من اقتراحات، ومن تعداد للعيوب، ومن ذكر وسائل لإصلاحها، ولكن كل هذه المجالس تنتهي بعد الأخذ والرد بقولهم … أصلح الله الحال … لأن الله لا ينزل الإصلاح من السماء، من غير مباشرة عمل منهم، وقد عهدنا — كما قال عمر — أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، ونقول نحن: ولا تمطر دوائر معارف، ولا تمطر أنواع الإصلاح المختلفة، ما لم يبدأ الزعماء بالعمل، والله الموفق!

الفصل السادس عشر
أبو نواس


الشاعر المجدد

شهد العصر العباسي الأول زعيمين من زعماء التجديد في الشعر: أولهما: بشار ابن برد
وثانيهما: أبو نواس
فأما بشار فأكبر ميزة له — استحق من أجلها أن يلقَّب بزعيم المحدثين — أنه كان فنانًا بارعًا، استطاع أن يصوِّر بفنِّه الحياة الاجتماعية الجديدة في العصر العباسي تصويرًا دقيقًا؛ فقد تغيَّر نظام الحياة الاجتماعية عما كان عليه في الدولة الأموية في جميع مناحي الحياة: في اللهو وفي الجد، وفي السياسة وفي العلم، وفي النزعات المختلفة من عصبية غريبة، وميل إلى الشعوبية، وغير ذلك، فكانت كل هذه النواحي تتطلَّب شاعرًا ماهرًا ينغمس فيها ويصوِّرها، ويغترف منها ويعرضها، لا يكون مقلِّدًا في شعره جاهليًّا ولا أمويًّا؛ لأن الحياة العباسية ليست جاهلية ولا أموية، فوجدت في بشار لسانها الناطق وريشتها الماهرة ويدها الفنانة؛ فغزله لم يكن بدويًّا متعففًا، إنما كان حضريًا متهتكًا، وفخره لم يكن بقبيلته، إنما كان بفارسيته، وهجاؤه لم يكن كهجاء جرير والفرزدق والأخطل يعيِّر بعضهم بعضًا بفعال القبائل، إنما كان يهجو بالرمي بالكفر والزندقة والقدح في الأعراض في فحش وشناعة.
وعلى الجملة، فكان يجيد صياغة ما يتحدَّث به الناس، وما يحبون، وما يكرهون، وما يعرفون، وما ينكرون، وكما أصبحت حياة الناس ناعمة رخوة أصبح شعر بشار في الكثير الغالب ناعمًا رخوًا، يفهمه الرجال والنساء، والأحرار والإماء، ويتمثَّلون به في مواقفهم، ويتغنُّون به في مجالسهم، ويشعرون أنه المعبِّر عن عواطفهم، المغذِّي لمشاعرهم.
إن أُغرِم الأصمعي وأبو عمرو بن العلاء وأمثالهما من العلماء بشعر الجاهلية وبشعر جرير والفرزدق والأخطل من الأمويين، للغته وغريبه، فإن الشعب أُغرم بشعر بشار؛ لأنه صورة صادقة له، يمثل حياته ويرسم آلامه.
من أجل هذا كله كان بشار زعيم المجدِّدين.
المجدد الثاني

وجاء بعده أبو نواس، فسار على أثره وجدَّد ما فاته، فإن كان بشار يستحق لقب «المجدد الأول» فإن أبا نواس يستحق لقب «المجدد الثاني».
ولنعرض الآن في إيجاز لضروب التجديد التي أتى بها أبو نواس:
رأى أبو نواس طائفة كثيرة من الشعراء لا يزالون يتَّبِعون منهج الجاهلية في الشعر، فيبدءون بالوقوف على الأطلال، وبكاء النؤى والأحجار، ولا أطلال في العراق ولا نؤى ولا أحجار، ويشمُّون الشيح والقيصوم، ولا شيح ولا قيصوم، ويُشعِرون شعرًا بدويًّا، وهم يعيشون عيشًا حضريًّا؛ فيصفون الإبل وسيرها، والصحراء وأرضها ونبتها، والصيد وضباعه وذئابه، والجزور وما فعلوا به، والخيام وطنبها وأوتادها، ويعدِّدون أسماء القبائل وفعالها، ولا شيء لهم في الحقيقة من ذلك، لا يصفون واقعًا، وإنما يصفون خيالًا، ولا يعبرون تعبيرًا صادقًا، ولكن تقليدًا وادِّعاء.
فصرخ فيهم أبو نواس صرخة قوية، يريد أن يردَّهم عن باطلهم، ويصدَّهم عن تصنُّعهم، ويطلب إليهم أن يصفوا أنفسهم، ويشعروا في واقعهم، فإذا لم يشمُّوا عرارًا فيجب ألا يذكروا العرار، وإنما يذكرون الورد والنرجس، وإذا كانوا يشربون الخمر، فلا يصفون شرب الألبان، وإذا كانوا يأكلون لحوم الضأن، فلا يذكرون أكل الضب، وإذا كانوا لا ينتسبون إلى قبائل، فما معنى ذكر أسد وطيء وتميم وقيس، وقد أكثر من ذلك في قصائده؛ ولا سيما الخمريات، فقلَّ أن تخلو قصيدة فيها من التنبيه على هذا المعنى.
دع الأطلال تسفيها الجنوبوتبكي عهد جدتها الخطوبوخلِّ لراكب الوجناء أرضًاتحثُّ بها النجيبة والنجيبولا تأخذ من الأعراب لهوًاولا عيشًا فعيشهم جديبذرِ الألبان يشربها أناسرقيق العيش عندهم غريببأرض نبتها عشر وطلحوأكثر صيدها ضبع وذيبإذا راب الحليب فبُلْ عليهولا تحرج فما في ذاك حوبفأطيب منه صافية شموليطوف بكأسها ساقٍ أريب •••

عاج الشقي على رسم يسائلهوعجت أسأل عن خمارة البلديبكي على طلل الماضين من أسدلا درَّ درك قل لي: من بنو أسدومن تميم ومن قيس ولفهماليس الأعاريب عند الله من أحدلا جفَّ دمع الذي يبكي على حجرولا صفا قلب من يصفو إلى وتدكم بين ناعت خمر في دساكرهاوبين باكٍ على نؤى ومنتضد والديوان مملوء بالشواهد على هذا المعنى، فهو يريد أن يكون الشعراء واقعيين، يصفون حياتهم، ويذكرون لذاتهم، ولا لذة عنده خير من الخمر، ولا ذكر أحلى عنده من ذكر الخمر، وهو في هذا أسبق الشعراء إلى هذه الدعوة — فيما أعلم — وأصرحهم، وإن كانت دعوته لم تلقَ نجاحًا كبيرًا، فظل الشعراء بعده إلى يومنا يصفون الأطلال، ويقطعون الفيافي على ظهور الإبل، ويستعذبون ذكر الجمل والهودج، وإن ركبوا القطار والطيارة، حتى إن أبا نواس لم يلتزم مذهبه دائمًا، ووقع فيما حذَّر منه أحيانًا؛ فكان يقول مثلًا:
أرَبع البلى إن الخشوع لبادعليك وإني لم أخنك ودادي ويقول:
لمن دمن تزداد حسن رسومعلى طول ما أقوت وطيب نسيم ويقول:
ألا حي أطلال الرسوم الطواسماعفت غير سفع كالحمام جواثماأبرز نواحيه في التجديد

وعلى العموم، فقد كان مجدِّدًا يدعو إلى الحياة الواقعية في باب اللذائذ، ويسير في كثير من الأحيان على نمط السابقين في باب المديح، وشأنه في ذلك شأنه في اللغة والأسلوب أيضًا؛ فهو في باب اللذائذ يذوب رقَّة، وينفر من الغريب، ويترك على سجيتها لا تكلُّف ولا تصنُّع، وهو في باب المديح جزل الأسلوب، جارٍ على نمط القدماء، مستعمل للغريب من الألفاظ، والرصين من الأسلوب، كما ترى في قصيدته: «أيها المنتاب من عفره».
ومن أهم ما أتى به أبو نواس أنه فلسف اللذة كما فلسف أبو العتاهية الزهد، لقد أوتي أبو نواس حسًّا مرهفًا لإدراك اللذة، وشعورًا حساسًا دقيقًا للاستمتعاع بها، ولسانًا فنانًا في التعبير عنها، يلذُّ الخمر والغلمان، ويلذُّ أن يسمع اسميهما، ويلذُّ أن يقول فيهما، فأفاض في الحديث عنهما كما أفاض في الاستمتاع بهما، وأخذ يولِّد المعاني فيهما حتى كاد لا يدع معنى لقائل.
قد شعر بشار في الخمر قبله، ولكن ما وصل إلينا من شعره فيها قليل، وهو فيه لا يكاد يخرج عمَّا استنَّه قبله الأعشى والأخطل، وقال فيها مسلم بن الوليد فأبدع بعض الإبداع، ولكن أحدًا منهما لم يدانِ ما قال فيها أبو نواس، ولقد أبدع في تصويرها وتشبيهها وفعلها في النفس، كما أبدع في كل ما يتصل بها من نديم وساقٍ وكأس وخمَّار، وكما أبدع في وصف مجلسها وما فيه من ريحان وأزهار وطرب وغناء وجوارٍ وغلمان.
يشربها صرفًا وممزوجة، وفي السرِّ والجهر، وشربًا متواصلًا ومتقطعًا، ومطبوخة بالشمس وبالنار، وفي الدور وفي البساتين، وساقيه جارية أو غلام، أو جارية في زي غلام، ويشرب في الأرطال وفي الكؤوس العسجدية قد صوِّرت عليها التصاوير، وهو في كل هذه يصف فيجيد الوصف، ويظل وراء المعنى يولِّده ويقلِّبه على أشكاله المختلفة حتى يستنفده، وما يفوته في قصيدة يتممه في أخرى، حتى أوفى في ذلك على الغاية، وخلَّف للشعراء بعده ثروة ظلوا ينفقون منها إلى اليوم.
ويطول بنا القول لو عددنا المعاني التي ابتكرها والمعاني التي أخذها من غيره فجمَّلها وزيَّنها، وأخذها — كما يقولون — عباءة وأخرجها ديباجًا.
كذلك كان شأنه في الغزل بالمذكر، هل هو منشئ هذا الباب وفاتحه على مصراعيه؟ فقد فشا حب الغلمان والحديث عن الغلمان في عصر أبي نواس أكثر مما كان في عصر بشار، وأفرط الناس فيه، وتسرَّب إلى قصور بعض الخلفاء، حتى إن زبيدة رأت هذه الميل في الأمين فاتخذت له سربًا من الجواري في زي الغلمان، وأُطلِق عليهن «الغلاميات»، فكان أبو نواس أصدق معبِّر عن هذا المرض الاجتماعي لتهتكه وفجوره، ولنشأته منذ صباه هذه النشأة، فتفنَّن ما شاء في وصف الغلمان وقدودهم وخدودهم، وكل ما يتصل بهم، وكوَّن من ذلك كله بابًا في غزل المذكر، على نمط ما قال الشعراء قبله في غزل المؤنث، وأضاف إلى أبواب الأدب بابًا جديدًا لا يزال مفتوحًا إلى اليوم.
فكاهته الحلوة

وشيء آخر كان لأبي نواس فيه الحظ الأوفر والقدح المعلى، وهو فكاهته الحلوة، ونادرته العذبة، ومجونه الفكه؛ فقد كان ينغمس — كما قلنا — في الملاهي والملذات، ويعلُّ منها وينهل، وقد كان مع هذا صريحًا إلى أقصى حدود الصراحة، لا يهاب أحدًا، ولا يرعى دينًا، فيرسل نفسه على سجيتها، ويصوغ من مجالسه وحياته وخلَّانه وندمانه شعرًا لطيفًا يستخرج العجب ويثير الضحك، ويعمد إلى من يعيبون عليه استهتاره، وإلى المتزمتين من رجال الدين ورجال اللغة، وإلى الثقلاء من أي صنف، فيهجوهم ويتنادر عليهم، ويلذعهم لذعًا فاحشًا مؤلمًا في لغة سهلة سلسلة يفهمها كل من سمعها، وفي دعابة قاسية مضحكة.
ومن أجل ذلك اشتهر أبو نواس بالفكاهة والمجون، وجرى أهل زمانه على مثاله، فداعبوا مداعبته ومزحوا مزاحه، وأرادوا ذيوع نوادرهم، وأن تقع من الناس موقعًا حسنًا، فنسبوها إليه كما نسبوا إلى «جحا» كل ما صُنع بعده من جنس قصصه ومُلَحه.
أما بعد، فقد وضع أبو نواس في الأدب العربي أسسًا إن لم ترضِ الأخلاق، فقد أرضت فن الأدب، وإن كرهها رجال الدين، فقد أحبَّها رجال الفن، على أن رجال الدين ورجال الأخلاق وإن كرهوها من أبي نواس، وشدَّدوا النكير عليها، فلم يمنعوا أنفسهم من الانتفاع بها والاستفادة منها؛ فقال الصوفية في الغزل الإلهي ما قال أبو نواس في الغزل المادي، ووصفوا خمرهم الروحية بما وصف به أبو نواس خمره الحسية، وما قاله أبو نواس صراحة، قالوه هم كناية، فكان هو المشرِّع لهم، وسالك الطريق قبلهم.

الفصل السابع عشر
صفحة من سير البطولة العربية


(?) أبو عبيدة بن الجراح

بطل من أبطال قريش، اشتهر في قومه قبل إسلامه بالرأي والدهاء، فكان يقال: داهيتا قريش أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح، وكان من أسبق الناس إلى الإسلام، وكان مخلصًا لدينه، مخلصًا لعقيدته، مخلصًا لرسول الله منذ أسلم، حتى لقَّبه رسول الله بأمين هذه الأمة؛ علمًا بصدق إيمانه وقوة يقينه: استخلفت أمين الله وأمين رسوله.
ظهرت بطولته حين صحب رسول الله في غزواته، ثم ولَّاه أبو بكر قيادة جيش من الجيوش التي وجَّهها لفتح الشام، فلمَّا تولى عمر قيادة الجيوش كلها التي أرسلت لفتح الشام، بعد أن عَزَل عن الإمارة خالدَ بن الوليد، ففتح دمشق بعد أن حاصرها سبعين ليلة، ثم سار إلى أرض الأردن وهزم جيوش الروم، ثم سار إلى بيسان ففتحها، ثم إلى حمص وحماة وحلب وأنطاكية، ففتحها كلها؛ إما عنوة وإما صلحًا.
وكل بلدة يفتحها يرتِّب فيها الجيوش المحافظة عليها، وينظم شئونها، فيبسط العدل فيها، حتى إذا رأى أهل البلاد حكم المسلمين لهم، ووازنوه بحكم الروم، فضَّلوا حكم المسلمين، ومكَّنوا لهم من البلاد، وعاونوهم في الفتح.
لقد جمع أبو عبيدة بين مهارته الحربية ومهارته السياسية؛ فإذا حارب عرف كيف يقاتل، وكيف يحاصر، وكيف يفتح، فإذا تمَّ له الغلب عرف كيف يسوس الناسن وكيف يحكمهم بالعدل حتى يستخرج رضاهم.
متواضع لا يرى لنفسه ميزة على أي رجل من جنده؛ لقد كان يأبى أن يقدَّم إليه شيء أكثر مما يقدَّم لجندي من جنوده، ومات ولم يملك من حطام الدنيا إلا سيفه وترسه، ولم يكن في بيته ما يأكل إلا كسيرات من الخبز.
من أجل هذا كان أبو عبيدة من أحب الناس إلى جنده، ومن أحبهم إلى من يتولَّى عليهم، ومن أحبهم إلى خليفته؛ فيروون أن عمر بن الخطاب قال يومًا لجلسائه: «تمنَّوا»، فأخذ كل جليس يتمنَّى، فقال عمر: «أما أنا فإني أتمنَّى بيتًا ممتلئًا رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح»، وقال فيه عبد الله بن عمر: «ثلاثة من قريش أصبحُ الناس وجوهًا وأحسنُهم أحلامًا وأثبتُهم جنانًا، إن حدَّثوك لم يكذِبوك، وإن حدَّثتهم لم يكذِّبوك: أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح».
فلو قلنا إن فتح الشام وفلسطين في العهد الأول من عهد الإسلام كان أكبر الفضل فيه لأبي عبيدة بن الجراح لكان قولًا صادقًا؛ لقد تم الفتح بحسن قيادته، وما وضعه من خطط، وما بثَّ في نفوس الجنود من حماسة، حتى يروى أنه في واقعة من وقائع الشام استعظم الناس جند الروم واستعدادهم وكثرتهم، فقام أبو عبيدة في جنده خطيبًا يقول: «أيها الناس! إن هذا اليوم له ما بعده، أمَّا من حيَّ منكم فإنه يصفو له ملكه وقراره، وأمَّا من مات فإنها الشهادة، فأحسنوا بالله الظن، ولا يكرِّهنَّ إليكم الموتَ أمرٌ قد اقترفه أحدُكم دون الشرك، توبوا إلى الله وتعرَّضوا للشهادة، فإني أشهد وليس الأوان أوان كذب أني سمعت رسول الله يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة».
فلما سمعها الجند كانوا كأنما فُكُّوا من عقال، ونشطوا نشاطًا لم يُرَ مثله، وخرج بهم إلى القتال وخالد بن الوليد على الميمنة، وابن عباس على الميسرة، وأبو عبيدة في القلب، فقاتلوا قتالًا عنيفًا حتى انهزم هرقل بجنوده، وظفر المسلمون ظفرًا عظيمًا.
وتم فتح الشام وفلسطين والأردن كلها على يده وعلى يد أعوانه من القواد العظام؛ أمثال خالد بن الوليد، وخالد بن سعيد، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاوية، وحبيب بن مسلمة الفهري.
وقد عاش ما عاش لدينه وعقيدته، ولم ينل شيئًا من الدنيا، حتى إن عمر حين قَدِم إلى الشام واستقبله أبو عبيدة قال له عمر: «اذهب بنا إلى بيتك»، ولعله كان يريد استطلاع ما ادَّخره أبو عبيدة، وهل يعيش عيشة ترف ونعيم، فقال له أبو عبيدة: «وما تصنع عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليَّ!»، ثم دخل منزله فلم يَرَ شيئًا، فقال: «أين متاعك وأنت أمير؟»، ثم سأله: «أعندك طعام؟»، فقام أبو عبيدة إلى جونه فأخرج منه كسيرات، فبكى عمر وقال: «غيَّرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة».
حتى لقد كان عظيمًا في موته؛ فقد أصيب في الشام بطاعون في سنة ثماني عشرة من الهجرة، سمِّي طاعون عمواس، وانتشر في البلاد، وكان أبو عبيدة قائد الجند، ومات من جنده كثير، فاستدعاه عمر أن يذهب إلى المدينة؛ خوفًا من عمر أن يصيب أبا عبيدة ما أصاب الجند من الطاعون، فأبى أبو عبيدة، وكتب إليه: إني في جند من المسلمين، لن أرغب بنفسي عنهم، فإذا أتاك كتابي هذا، فحللني من عزمتك، وائذن لي في الجلوس.
وبقي في الجند يتعذَّب عذابهم، ويتحمل العناء معهم، حتى أصابه الطاعون فمات عظيمًا كما عاش عظيمًا.
(?) صلاح الدين الأيوبي

أحدثكم عن بطل آخر عظيم من أبطال العرب، وهو صلاح الدين الأيوبي، وهو — لا شك — بطل عربي مهما قيل إن أصله كردي، وإن مولده في آذربيجان؛ ففي اعتقادنا أن كل من نشأ في البلاد العربية وتثقَّف الثقافة العربية عربي، وهذا هو الشأن في جميع العالم؛ فمن نشأ في إنجلترا وتثقف الثقافة الإنجليزية فهو إنجليزي؛ سواء كان أجداده فرنسيين أو ألمانًا، وهكذا الفرنسيين والألمان، وإلا ما عُدَّ نابليون فرنسيًّا، ولا بعض ملوك إنجلترا إنجليزيًّا، وهكذا؛ فصلاح الدين عربي بهذا المعنى من غير شك.
ما أصدق قولهم: إن التاريخ يعيد نفسه فيما يلقاه العرب اليوم في فلسطين، واضطهاد العالم الغربي لهم، وعدم مراعاة أبسط قواعد العدل معهم ليس جديدًا، وإنما هي رواية مثِّلت من قبل مرارًا بالشكل الذي تمثَّل به اليوم، ولأقص عليكم كيف مثِّلت هذه الرواية في عهد صلاح الدين الأيوبي.
فقد تألَّب على المسلمين في العصور الوسطى رجال الدين والأمراء، وكان لرجال الدين المسيحي السلطة والكلمة المسموعة، لا يستطيع ملك أو أمير أن يخالف كلمة البابا وإشارته؛ ففي سنة ????م، أعلن الباب في مجمع رجال الكنيسة الحرب على المسلمين، واكتساح أرضهم، وأخذ بيت المقدس منهم، فأطاعت الأمر، ولبَّت الدعوة الأمراء والشعوب المسيحية، فكانت الحروب الصليبية، وقادها أربعة من كبار أمراء أوربا، فساروا بجموعهم واكتسحوا الأناضول، وما زالوا في انتصاراتهم وتقدُّمهم حتى دخلوا الشام وأقاموا به أربع دول، عليها أربعة أمراء منهم، وهي: «الرُّها» و«أنطاكية» و«طرابلس» و«بيت المقدس».
ارتاع العالم العربي الإسلامي لهذه الأحداث العظيمة، وهو المعتز بدينه، الفخور بقوميته، الذي يرى بحق أن مدنيته وعزَّته خير وأعظم من مدنية أوربا إذ ذاك، ولكنه كان مفرَّقًا مبعثرًا لا تجمعه جامعة؛ فدولة الفاطميين في مصر تعالج سكرات الموت، والبلاد التي كانت تكوِّن الدولة العباسية مقسَّمة موزَّعة بين أمراء مختلفين، والعداء مستحكِم بين الفاطميين في مصر والعباسيين في العراق وما إليه، فجاءت صدمة الحروب الصليبية فنبَّهتهم من رقدتهم، وأرتهم عاقبة تفرُّقهم.
وكانت نفسية الشعوب خيرًا من نفسية أمرائهم؛ فصرخت الشعوب تنبِّه على الخطر، وتدعو إلى ترك الخلاف بين الأمراء وتضحية شهواتهم للمصلحة العامة، وإبعاد مَن لم يلبِّ الدعوة منهم، وعلى هذا الوجه تمت إرادة الشعوب، وظهر في العالم العربي إذ ذاك بطلان عظيمان يقودان هذه الحركة، ويخصصان أنفسهما لدفع العدو المُغِير على البلاد، وهما: نور الدين محمود زنكي، وكان والي حلب ودمشق وما حولها، وقد أبلى بلاء حسنًا في ردِّ الصليبيين، وأخذ بعض البلاد الإسلامية منهم، والثاني: بطلنا صلاح الدين الأيوبي، الذي بدأ فوحَّد البلاد المصرية والشامية وغيرهما، وجعلها كلها في قبضة يده، حتى كانت مملكته تمتد إلى آخر حدود النوبة جنوبًا وبرقة غربًا، وبلاد الأرمن شمالًا، وبلاد الجزيرة والموصل شرقًا، وبعدما تم له ذلك وجَّه كل قوى هذه البلاد لطرد الصليبيين إلى بلادهم، فكان له ولشعوبه العربية ما أرادوا.
لقد كان صلاح الدين يفكِّر أيضًا هل يحارب في ميادين متعددة أو يحارب في ميدان واحد؟ ثم هداه طول التفكير إلى الرأي الثاني، وهو الحرب في ميدان واحد، فكان من ذلك واقعة «حطين» العظيمة.
لقد استدرج صلاح الدين خصومه حتى تجمَّعوا له، فنازلهم بمجموعة في حطين بالقرب من طبرية، وتحمَّس الفريقان حماسة هائلة، وكان في الصليبيين فرقتان مشهورتان بالبسالة والاستماتة في القتال؛ وهما فرقتا الداوية والاسبتارية، أشبه شيء اليوم بفرقتي الهاجانا واشترن، وبيعت الأرواح في هذا اليوم بيع السماح، وحرَّض صلاح الدين المؤمنين على القتال، وكان الزمن زمن قيظ، فكانوا مع ذلك يأتون بالعجائب من أعمال البطولة، وأخيرًا هُزمت جيوش الصليبيين، وأُسر الملك واستسلم من بقي من الفرسان، ووصف واصف ما حدث في تلك الموقعة فقال: «وكان من يرى الأسرى لكثرتهم لا يظن هناك قتلى، فإذا رأى القتلى حسب أنه لم يكن هناك أسرى»، ولما شاهد صلاح الدين ذلك سجد لله شكرًا وبكى من السرور.
وأثَّر انتصاره في موقعة حطين على موقف القتال جميعه، فكان ينتصر بالرعب، فإذا توجه لحصار بلد انخلعت قلوب الصليبيين لمقدمه، فسُلِّمت له قلعة طبرية سريعًا، ثم سار إلى عكا ففتحها في زمن قليل، ثم طهَّر الساحل من يافا إلى ما بعد بيروت، ولم يُضع الزمن فانقضَّ على الصليبيين في بيت المقدس وحاصرها حصارًا شديدًا؛ وعرض على أهلها الصلح، وأن يعوِّضهم أرضًا زراعية فأبوا، فاستعد لقتالهم، وتلمَّس نقط الضعف في سور المدينة، فوجد أضعف نقطة عند الباب المعروف بباب كنيسة صهيون، فنصب المجانيق، ونظَّم الرماة، وبعث بالجنود تنقب الثغرات، فلما يئس الصليبيون من أمرهم بعد حصار وقتال داما أسبوعًا استسلموا، وبعثوا إلى صلاح الدين يطلبون الصلح، فأبى صلاح الدين أولًا، وطلب أخذ المدينة عنوة؛ ليفعل بالفرنج مثل ما فعلوه بالمسلمين يوم دخلوا المدينة.
ولكنه قبل أخيرًا الصلح على أن يدفع كل رجل يريد الخروج عشرة دنانير، وكل امرأة ثلاثة، وكل طفل اثنين، وبدأ تسليم المدينة وخروج الصليبيين منها في أكتوبر سنة ????، ودخل صلاح الدين بيت المقدس بجيشه الظافر بعد خروج الصليبيين منها، وهكذا تمت هذه الصفحة البيضاء من أعمال صلاح الدين وقومه، وخرج الصليبيون مخذولين مهزومين من بيت المقدس بعد أن استولوا عليه نحو قرن.
هذه رواية مثِّلت قديمًا في هذه البلاد كما تمثَّل اليوم، ولم يتغيَّر في الرواية إلا أن أوربا كانت تبعث بجنودها الصليبيين وتقذف بهم لفتح فلسطين، واليوم تؤيد أوربا وأمريكا هؤلاء الصهيونيين لفتح فلسطين، ونرجو أن تتم الرواية أخيرًا كما تمت أولًا، فالله يهب نصره لمن أخلص له، وصدق عهده، وبذل الأرواح والأموال لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكافرين السفلى.
هذه صفحة من صفحات بطلنا صلاح الدين، وما أكثر صفحاته المجيدة، والسلام عليكم ورحمة الله.
(?) أسامة بن منقذ

أحدِّثكم عن بطل آخر من أبطال العرب، دوى اسمه في أيام الحروب الصليبية، وكان له من أعمال البطولة في الحروب ما يستحق العجب والإعجاب، وحفظ لنا التاريخ سيرته بطلًا عظيمًا وأديبًا كبيرًا، يسجِّل بطولته بفعاله، ويسجِّل نواحي عظمته في شعره؛ ذلك البطل هو أسامة بن منقذ.
لقد كان عربيًّا من كنانة، وكان قومه يسكنون مدينة وحصنًا على بعد خمسة عشر ميلًا شمالي حماة، بالشام، تسمَّى المدينة شيزر، والحصن حصن شيزر، وقد اشتهرت هذه المدينة والحصون بأعمال البطولة من جانب العرب ومن جانب الصليبيين؛ لأنها كانت مركزًا هامًّا، تشرف بارتفاعها على المسالك حولها، ويتحكَّم من فيها على الجنود الغادين والرائحين.
وكان من سوء الحظ أن سقطت هذه المدينة وهذا الحصن في أيدي الصليبيين، فآذوا العرب به إيذاءً كبيرًا، حتى قيَّض الله للعرب رجلًا من كنانة شجاعًا مقدامًا، قوي النفس كريمًا، جمع قومه في هدوء، وتحيَّن الفرصة حتى وجدها، فطوَّق الحصن، وحاصره حصارًا شديدًا، فلم يجد الصليبييون بدًّا من الاستسلام وطلب الأمان، وكان هذا البطل الكناني جدَّ بطلنا أسامة بن منقذ.
وكان أهل حصن شيزر ومدينة شيزر يعيشون عيشة حربية بطبيعة مركزهم؛ إذ كانوا إما أن يُغِيروا على الأعداء أو يُغِير عليهم الأعداء؛ فهم إما في حرب أو استعداد لحرب، على هذا كانت رجالهم وشبَّانهم وشيوخهم وفتياتهم ونساؤهم، كلٌّ شجاع لا يهاب الموت، وكلٌّ له وظيفته في الحرب؛ فقد يبلغ الشيخ الستين، بل والسبعين، فإذا دعا داعي القتال أمسك سيفه وخرج للغزو أو للدفاع، والفتاة تختار زوجها لإتيانه بعمل من أعمال البطولة، والأم تترك بنتها حارسة للدار وتخرج مع الجيش للقيام بواجبها في القتال، والموت في نظرهم أمر عادي، لا بأس به إذا نزل، وتربيتهم لأبنائهم وبناتهم تربية حربية عمادها الفروسية.
هذا أسامة يُعوَّد من صغره أن يخرج مع أبيه وأعمامه لصيد الوحوش، وكان بالشام إذ ذاك غابات تسكن فيها السباع والضباع، فلما شبَّ كان يخرج لصيدها، وقد حدَّث أسامة عن نفسه بما لقيه من تجارب في صيد الأسود، وأبوه يعرِّضه للموت من غير خوف:
رأى أبوه حيَّة عظيمة في قاعة من قاعات داره، وبجانبه أسامة، فقفز أسامة وأخرج سكينًا من وسطه، ووضعها على رقبة الحية وهي نائمة، فلما انتبهت التفَّت حول يده، وما زال بها حتى قتلها، وما جزع أبوه وما فزع، بل تبسَّم واغتبط!
وهكذا تعلَّم النزال في الصيد مقدِّمةً لنزال الرجال في الحرب، وبدأ حياته الحربية وهو في الخامسة والعشرين من عمره؛ إذ خرج مع عمه ونفر من قومه، فخرج عليهم جماعة من الصليبيين أكثر منهم عددًا، وقاتلوهم قتالًا تشيب من هوله الأطفال، وأخذ الموت يحصد رجال أسامة، وكان تحته فرس مثل الطير في سرعة العدو وخفة الحركة، فأخذ يطعن هذا ويدور على آخر، ويحمي ما استطاع من قومه، فإذا أصيب فرسه ركب أخرى، حتى انتصر على أعدائه، ورجع هو ومن بقي من أصحابه إلى شيزر سالمين، وفي المساء وصل إلى الحصن رأس الفرقة الصليبية ليهنِّئ عمَّ أسامة بما رأى من أسامة من شجاعة ومهارة وإقدام في القتال على عادة الفرسان إذ ذاك.
وظل على هذا الحال طول حياته؛ كل يوم غارة منه يُغِيرها، وغارة على قومه يردُّها، وهو في قتاله موفَّق كل التوفيق، شجاع كل الشجاعة، لا يعبأ بما يصيبه من جراح، حتى كاد كل موضع في جسمه أن يكون موضعًا لطعان.
ودَعتْه الظروف أن يخرج إلى دمشق ويتصل بأميرها ويقاتل معه، ويأتي من أعمال البطولة في دمشق ما أتاه في شيزر، ثم يرحل إلى مصر في آخر عهد الفاطميين، في خلافة الحافظ لدين الله، فيقرِّبه الخليفة إليه، ولكن يرى أسامة في دور الخلافة العيشة الناعمة، والغرق في الترف والنعيم والإفراط في حياة الدعة، فيكره ذلك كله، ويحن إلى حياة الجهاد، ويتسلَّى بالصيد، ولكن لا تقنعه هذه التسلية، ويرى في آخر الدولة الفاطمية تعفُّن الحياة الاجتماعية، والإسراف في ملذات الحياة، ودسائس الولاة والحكام، فخرج من مصر والتحق بجيش نور الدين، وهو في الرابعة والستين من عمره، وما زال يقاتل في كل جيش يحارب الصليبيين حتى بلغ الخامسة والسبعين، فشكا ضعفه وعجزه عن القتال.
فلما بلغ الثمانين زاد ضعفه، فانقطع للأدب يؤلِّف فيه ما يدعو إلى الحماسة والجهاد، ويعدُّ النفوس بقلمه، كما كان يقدِّم لها المثل بسيفه، ثم كان لما رأى في حياته الطويلة العريضة مستودع تجارب قيمة؛ وخاصة في القتال ومكايد الحروب، فاتصل بصلاح يعينه في الرأي، ويمدُّه بالخطط التي تضمن له الظفر والنصر، وظل على هذه الحال يؤلِّف في أدب الحرب ويعين صلاح الدين على الحرب حتى بلغ السادسة والتسعين، فعجز عن حمل القلم وعن الإمداد بالرأي، كما عجز من قبل عن حمل السيف، وفي ليلة من ليالي رمضان سنة ??? أسلم روحه لخالقه، وهو يدعو الله لصلاح الدين أن يتمَّ نصره على الصليبيين، ويسأله لنفسه الرحمة والغفران.
هذه ناحيته الحربية، ولم يكن في ناحيته الأدبية بأقل منه شأنًا في ناحيته الحربية؛ فهو يسجل في شعره أعمال بطولته، ويسجل دور حبه وغرامه، ويسجل مواقفه في القتال، ويسجل مشاعره في مراحل حياته تسجيلًا صادقًا قويًا ممتعًا.
يقول في مستهل حياته:
لأرمينَّ بنفسي كل مهلكةمخوفة يتحاماها ذوو الباسحتى أصادف حتفي، فهو أجمل بيمن الخمول وأستغني عن الناس ويقول:
تجهل في الإقدام رأي معاشرأراهم إذا فروا من الموت أجهلاأترجو الفتى عند انقضاء حياتهوإن فر، من ورد المنية مزحلاإذا أنا هبت الموت في حومة الوغىفلا وجدتْ نفسي من الموت موئلاوإني إذا نازلت كبش كتيبةفلست أبالي أيُّنا مات أولا ويقول:
سأنفق مالي في اكتساب مكارمأعيش بها بعد الممات مخلَّداوأسعى إلى الهيجاء لا أرهب الردىولا أتخشَّى فارسًا ومهنَّدافإن نلت ما أرجو فللمجد ثم ليوإن مت خلَّفت الثناء المؤبَّدا فلما تقدمت به السن ووضع السيف وحمل العصا قال:
أصبح كفي مالكًا للعصامن بعد حملِ الأسمر الذابلكأنني لم أمشِ يوم الوغىإلى نزال البطل الباسلولم أشقَّ الجيش لا أختشيمن الردى، كالقدر النازلفانظر إلى ما فعل العمر بيمن طوله لم أحظ بالنائليا حسرتا! إني غدًا ميتعلى فراشي ميْتَة الخاملهلا أتاني الموت يوم الوغىبين القنا والأسل والناهل
الفصل الثامن عشر
شوقي أمير الشعراء


في رأيي أن عرش الشعر العربي كان قد استولى عليه المتنبي عن جدارة واستحقاق، فلما نزل عنه بموته ظل شاغرًا حتى تبوَّأه شوقي، فلما قضى نحبه لم يستوِ عليه أحد إلى اليوم.
وللاستواء على عرش الشعر شروط دقيقة قاسية، قد تكون أشد وأصعب من عروش السياسة، وقد تكون أشد وأصعب من عرش النثر وعرش سائر الفنون؛ لأن الشعر تلتقي فيه المعاني بالخيال بالعواطف بالموسيقى بالأسلوب، ولا بد أن تكون كلها جميلة رائعة وإلا كان عدمها خيرًا من وجودها؛ كالزهرة لا بد أن تكون جميلة ناضرة ليستمتع بها، فمتى أدركها شيء من الذبول فاختفاؤها خير من ظهورها.
ولعل أهم ما يرشح الشاعر للإمارة أن يكون لسان الناس في عصره وبعد عصره، يعبِّر أحسن تعبير حيث لا يحسنون التعبير، ويصوغ الأفكار والمشاعر والآمال والآلام أحسن صياغة حيث لا يجيدون الصياغة، فيجد كلُّ مثقف في شعره الجميل ما يعبر عن نفسه أصدق تعبير؛ إن تألَّم ففي شعره ترديد لألمه وتحليل له وعزاء لنفسه، وإن سُرَّ ففي شعره استجابة لسروره مضاعفة له، وإن جَبُنَ ففي شعره القضاء على جبنه وتعييره بالإحجام ودعوته إلى الإقدام، وهكذا.
ثم ليس أمير الشعراء يعبِّر عن ذلك كله كما يعبر سائر الناس ولا سائر الشعراء، بل يعبِّر التعبير كأنما يأتيه من السماء، ويشعر السامع أو القارئ كأن هذا التعبير هو الذي كان يتلمَّسه فلا يجده، وكأن الفراغ الذي لم يكن أحد يملؤه بالضبط قد ملأه، وكأنه بلغ من الجودة ما ليس لأحد بعده قول.
كذلك كان المتنبي يعبر عن كل نفس في كل موقف أصدق تعبير وأقواه وأجمله، حتى لم يُتمثَّل بشعر أحد منذ وُجد المتنبي ما يُتمثَّل بشعره؛ في الشجاعة، في الحزن، في السرور، في مصائب العالم، في طبيعته، في آلام العرب، في آمالهم، إلى ما لا يحصى.
كذلك كان شوقي، مكَّنه تاريخ حياته من أن يرى أفلام الحياة على اختلاف أنواعها؛ رأى فلم الحياة المصرية في أسرته، وفي مدرسته، وفي الشوارع، وفي الأحياء الوطنية والأحياء الأرستقراطية، ورأى فلم القصر، وهو فلم عجيب: كيف يتصل الشعب بالقصر في أعيانه وموظفيه وأغنيائه وفقرائه وسياسييه وممثليه، ورأى فلم أوربا؛ وخاصة فرنسا وباريس، وتموُّج الحياة فيها، ورأى فلم المنفى في إسبانيا وعذابه، ورأى فلم القصر وقد أعرض عنه، فاتصل بالناس والجماهير والأدباء يذمونه ويمدحونه ويعجبون به وينتقدونه.
فلما اطَّلع على كل ذلك، وصادفت منه هذه الأفلام قدرة بارعة على الصياغة والفن والإخراج، خرج على الناس بشعره رائعًا يعبِّر عن مجالي الحياة في شتى أنواعها، فشغل الناس وملأ قلوبهم.
لقد كان للناس في عصره نزعات تشغل بالهم فأرواها كلها بخير ما يقال، كان المصريون يتعطشون إلى التغنِّي بمجدهم القديم وأملهم في المستقبل، فقدَّم إليهم تاريخهم من عهد الفراعنة إلى العصر الحديث في قصيدته الرائعة:
همت الفلك واحتواها الماءوحواها بمن تقلُّ الرجاء مشبِّهًا متأسِّفًا فخورًا ناعيًا، مستفَزًّا حافزًا، وكذلك شأنه في قصيدة:
قف ناج أهرام الجلال ونادهل من بناتك مجلس أو ناد وقصيدة:
أبا الهول طال عليك العصروبلغت في الأرض أقصى العمر وقصيدة:
قفي يا أخت «يوشع» خبِّريناأحاديث القرون الغابرينا ولا تأتي حادثة تهيج لها عواطف المصريين نحو استقلالهم إلا غذَّاها وعبر عنها وتجاوب معها؛ كمشروع ملنرن وتصريح ?? فبراير، ووداع اللورد كرومر، وذكرى دنشواي، ورثاء عظماء النهضة؛ أمثال: محمد عبده، ومصطفى كامل، وسعد زغلول، ومحمد فريد، وقاسم أمين، وعبده الحامولي، والشيخ سلامة حجازي … إلخ إلخ.
وهناك بجانب النزعة القومية المصرية كانت النزعة إلى العروبة، وكانت في مستهلِّ عهدها، فغذَّاها أحسن غذاء بما قدَّم لها في المناسبات، فإذا نكبت بيروت بضرب الأسطول الإنجليزي لها قال قصيدته:
يا رب أمرك في الممالك نافذوالحكم حكمك في الدم المسفوك يقول فيها:
لك في ربى النيل المبارك جيرةلو يقدرون بدمعهم غسلوك وإذا نكبت دمشق بضرب الفرنسيين لها قال قصيدته التي يتغنَّى فيها:
سلام من صبا بردى أرقودمع لا يكفكف يا دمشق يقول فيها:
نصحت ونحن مختلفون داراولكن كلنا في الهم شرقويجمعنا إذا اختلفت بلادبيان غير مختلف ونطقوقفتم بين موت أو حياةفإن رمتم نعيم الدهر فاشقواوللأوطان في دم كل حريد سلفت ودَيْن مستحق وتقيم سوريا ذكرى استقلالها فيقول قصيدته:
حياة ما نريد لها زيالاودنيا لا نود لها انتقالا إلخ … إلخ.
ثم كانت نزعة إسلامية تدعو إلى الارتباط بالخلافة والأتراك، فأفاض في الشعر فيها إلهاب العواطف نحوها، فقال فيها أكثر من عشرين قصيدة من أروع قصائده.
وكما كان لسان الناس في هذه النزعات كان لسانهم في كل ما يعرض لهم من شئون اجتماعية؛ في العلم والتعليم، في الحجاب والسفور، في انتحار الطلبة، في بنك مصر، في نشأة الطيران، في تأسيس الجامعة، حتى في كوليرا سنة ???? قال فيها ما لم يقله أحد حتى سنة ???? فيقول:
لهفي على مهج غوال غالهاخافي الدبيب محجب الأظفارخمسون ألفًا في المدائن صادهمشرك الردى في ليلة ونهار وهكذا كلما يجدُّ من أمرٍ حتى يتلفَّت الناس إلى شوقي ينتظرون ما يقول، وحسبُك دليلًا على أنه كان ملجأ الناس ومفزعهم أنهم حتى بعد موته لم يجدوا في مواقفهم الحرجة ومواقفهم البهيجة غير شعره يتغنَّون به ويرتوون منه، فإذا التهبت عاطفتهم الحماسية وطلبوا نجدتها بالشعر، لم يجدوا إلا أمثال قصيدته الرائعة:
سلوا قلبي غداة سلا وتابالعل على الجمال له عتابا •••

وإذا تفرق الزعماء ونكبت البلاد بفرقتهم فلم يجدوا خيرًا من أن يتغنَّوا بقوله:
إلام الخلف بينكم إلاماوهذي الضجة الكبرى علاما •••

وفي مجال الفرح والسرور لم يجدوا خيرًا من أغانيه: يا جارة الوادي — وأوبريت مجنون ليلى وأمثالها.
لهذا كله، ولهذا المعنى الذي ذكرت من أنه شغل الناس وملأ حياتهم بأجمل فن وأروع تعبير، استحق أن يكون أمير الشعراء من غير منازع.
قد يقول شاعر في هذه الموضوعات كلها وأمثالها الشيء الكثير، ولكن لا يكون له فضله، ولا تكون له روعته، وإذا تلهَّف الناس فإنما يتلهَّفون إلى شوقي وشعره؛ لأنه أكثر تجاوبًا مع نفوسهم، وألطف تناغمًا مع عواطفهم.
هذه ناحية واحدة من نواحي عظمة الشاعر التي لا بد منها لإمارة الشعر، وقد كانت في شوقي متوافرة واضحة جلية.
رحم الله شوقي وعوَّض العالم العربي عنه أحسن تعويض.

الفصل التاسع عشر
بطولة الفاروق تتمثل في أخلاقه وعقليته


لعمر بن الخطاب نوعان من البطولة، كان كل واحد منهما يكفي ليكون بطلًا عظيمًا، وفي التاريخ أمثلة كثيرة من الأبطال كانت بطولتهم من ناحية واحدة، أما بقية نواحيهم فعادية، أو أقل من العادية.
في الناس مَن بطولته من ناحية علقه؛ فهو يرى أبعد مما يرى الناس، ثم هو في غير هذه الناحية كسائر الناس، وفيهم مَن بطولته من ناحية شجاعته؛ فإذا جاوزت الشجاعة وجدته كأوساط الناس، أو أقل من أوساطهم، وفيهم مَن بطولته من ناحية مهارته السياسية، ثم هو لا شيء بعد ذلك.
ولكن عمر كان بطلًا في أخلاقه، وليس في خلق واحد منها، وكان بطلًا في عقليته، وليس في ناحية واحدة منها أيضًا.
أما ناحية الأخلاق، فكان رجلًا بكل ما تحتمله كلمة الرجل من المعاني، كان رجلًا في كفره، ورجلًا في إسلامه، لا يميل إلى الدنية، ولا ينظر إلى الصغائر، كان كافرًا فكان الكفر يعتز به، ثم كان مسلمًا فكان الإسلام يعتز به، وكان رسول الله في أول دعوته يقول: «اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك؛ عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام»، فاستُجيب دعاؤه في عمر، فلمَّا أسلم رنَّ إسلامه في الأوساط الوثنية، وأحدث حسرة وأسفًا وانخذالًا، ورنَّ في الأوساط الإسلامية فأحدث فرحًا وسرورًا واغتباطًا؛ لأن كفر عمر وإسلامه ليس كسائر الناس؛ ففي الناس من إذا وُضع في كفة أو في أخرى لم تتأثر الأولى ولا الثانية، وفيهم من إذا وُضع في كفة رجحت، ورجحت حتى النهاية، ومنهم عمر، ومن أجل ذلك قال ابن عباس: «لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا»، وأنزل الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
أسلم عمر فغيَّر حياة المسلمين الاجتماعية، كانوا لا يجرءون على الجهر بشعائر دينهم فجهروا بها منذ أسلم عمر، وكانوا يتستَّرون في الدعوة فأعلنوها، وخرج المسلمون على أعين المشركين في صَفَّيْن؛ في أحدهما حمزة، وفي الآخر عمر، حتى دخلوا المسجد، فلو أن آلافًا من عامة الناس أسلموا ما عدلوا عمر، وصدق ابن مسعود إذ يقول: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر».
كان الحق متقنِّعًا فأبى عمر لما أسلم إلا أن ينبلج، وكانت الدعوة إلى الإسلام من وراء حجاب، فأبى عمر إلا أن تكون علانية، وعلى سمع الناس وبصرهم، فكان ما أراد.
وهكذا كان بطلًا في صراحته، بطلًا في شجاعته، حمل نفسه على كفه دفاعًا عن عقيدته، فلم يخشَ بأسًا ولم يخشَ قتلًا، وصمَّم أن يموت أو تعلو كلمة الإسلام، فكانت الثانية.
هاجر الصحابة مستخفين من أذى قريش واضطهادهم، أما عمر فلمَّا أراد أن يهاجر إلى المدينة تقلَّد سيفه وتنكَّب قوسه وانتضى في يده أسهمًا، ومضى نحو الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أتى المقام فصلَّى متمكِّنًا، ثم طاف على جماعات قريش واحدة واحدة يعلنهم بهجرته، ثم قال: «من أراد أن تثكله أمه وييتِّم ولده ويرمِّل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي»، فما تبعه أحد منهم.
لم تكن المسألة مسألة قوة في بدنه واستكمالٍ لآلات قتاله، فقد كان في قريش من هو أعلم منه بالقتال، وأشد منه في النضال، ولكن نفس عمر كانت دونها كل نفس من هؤلاء المحيطين بفناء الكعبة، وكانت هذه النفس القوية الكبيرة تشعُّ رهبة، وتبعث إجلالًا، حتى تُستخذى أمامها النفوس، كذلك كانت نفسه في جاهليته، ثم زادت قوة في إسلامه، «والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام».
ثم تنجلي بطولة عمر الأخلاقية في العدل التام أيام خلافته.
لقد كان يَتصوَّر العدل تصورًا دقيقًا بديعًا، ثم مُنح من الإرادة القوية ما استطاع به أن ينفذ هذا العدل الذي يتصوره في دقة وقوة وحزم، قلَّ أن يكون لها نظير.
طبَّق العدل في كل شيء، ومع الجميع، إلا مع نفسه وأهله، فقد تحامل عليهم، وحرمهم حتى مما أحلَّه الله، وضحَّى بنفسه وبهم ليردَّ طمع العمال والولاة، ويقيم سيرته مثلًا لمحاربة الأنانية وتضحية الشهوات والملذات في سبيل الله والمصلحة العامة.
يعدل مع العمال في كل صغيرة وكبيرة، ولا يرحم من تبدر منه بادرة أو يزل زلة، وينصف الرعية من العمال، ويبعث المفتشين يستقصون أخبار الرعية وأخبار العمال.
ويعدل في أهل الذمة من يهود ونصارى فيوصي العمال والرعية بهم خيرًا.
ويعدل مع الجنود فيوفِّر عليهم رزقهم، ولا يطيل مدة غربتهم.
وهكذا يقدِّر المسئولية تقديرًا في منتهى الدقة، ويخشى أن يقع ظلم ما على امرأة نائية في أقصى الأرض فيحاسبه الله عليها، يضاف إلى ذلك ما مُنح من فراسة صادقة في اختيار الولاة والعمال، ينظر النظرة في وجه الرجل فإذا هو كأنه صحيفة مكتوبة يقرأ فيها كل ما يخفيه الرجل في نفسه، يعرف مواضع القوة في رجاله، ومواضع الضعف فيهم، ثم يعرف كيف يستغل ضعف هذا وقوة ذاك في خير الناس.
صراحة في القول والعمل إلى أقصى حدٍّ، وشجاعة تستهين بالموت في سبيل العقيدة، وعدل دقيق في كل أمر، ومهابة تملأ صدر كل من رآه أو سمع به، وفراسة صادقة تخترق الحجب لترى ما وراءها، وسهر على مصالح الرعية، وعظم تقدير ما عليه من مسئولية؛ كل هذه بعض خصال عمر التي تكوَّنت منها بطولته وجعلته موضع الإعجاب على اختلاف الأجيال، ممن كان من أهل دينه، وممن خالفه في دينه.
•••

وليست تقلُّ بطولته العقلية عن بطولته الخلقية، فما نشأة عمر هذا؟ لقد كان في صباه يرعى غنم أبيه أحيانًا، ويحتطب أحيانًا، فلمَّا شبَّ كان يتاجر في ماله القليل، ولكنه مع هذا مُنح عقلية في منتهى الغرابة في الصفاء وبُعد النظر، وإدراك الحقائق، تجلى هذا في أول إسلامه، فكان رأيه موفقًا، وكثيرًا ما يرى الرأي فينزل فيه القرآن موافقًا له، حتى بلغ هذا أكثر من عشرين موقفًا؛ من ذلك رأيه في الخمر وتحريمها، وقد روى في هذا الباب أن رسول الله قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون (أي ملهمون) فإن يكُ في أمتي أحد فإنه عمر».
أغرب من هذا كله أن هذا الراعي الصغير، والتاجر الصغير، ومَن لم يجلس في حياته في مدرسة، ولم يتعلم درسًا في الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والحرب، ينظم الجيوش لفتح أعظم مملكتين في العالم؛ وهما فارس والروم، ويعرف مواقع البلاد، ومن أين تؤتى، ويبعث بالأوامر تلو الأوامر للقواد، كيف يقاتلون، وأين يتوجهون، ويرسم لهم الخطط كيف ينتصرون، حتى يتم له القضاء على هاتين المملكتين العظيمتين.
وكان يكون الأمر سهلًا لو كانت المسألة مسألة فتح وغزو كما تفعل الأمم المتبربرة في غزو الأمم المتحضرة، ولكن ليس الأمر كذلك، فهو فتحٌ منظم، وإدارة للأمم المفتوحة، وحكم لهم بأساليب خير مما كانوا يحكمون، هذه العقلية الجبارة العجيبة هي التي نظمت الدواوين في بلاد فارس والروم، ووضعت نظم زرع الأرض وريِّها وخراجها، ووضعت التعاليم التي تنظِّم علاقة الفاتح بالمفتوح، حتى كانت تعاليم عمر في الجهاد وفي الفتح وفي الخراج وفي نظام الكنائس والأديرة وفي معاملة أهل الذمة هي المصدر الذي يعتمد عليه الخلفاء والفقهاء والقضاة في شئون الدولة على مر العصور.
هذا العقل الذي يعلِّم فارس والروم نظام الحياة الاجتماعية، وهم هم أبناء المدارس النظامية، والنظريات القانونية، والتعاليم الحربية، والمبادئ الاقتصادية، هو — ولا شك — عقل جبار خارق للعادة، خارج عن مألوف ما نرى ونسمع في تاريخ الأمم.
تدفَّقت الأموال على جزيرة العرب،فعرف كيف يضبطها وينظمها ويوزعها في مصالح المسلمين، وأنشأ لذلك الدواوين.
وفُتحت الفتوح الواسعة فعرف كيف يقسِّمها إلى إمارات حربية، وإمارات سياسية، وكيف يوزِّع الاختصاص حتى لا تتعارض المصالح.
ويسافر إلى الشام فيرتب الجند التي تغزو في الصيف، والتي تغزو في الشتاء، وينظم المصالح، ويأمر بإقامة الحصون، وترتيب المقاتلة.
ويرتب البريد حتى تصل إليه الأخبار عن البلاد النائية في أسرع ما يمكن، ويمصِّر البلدان كما فعل في البصرة والكوفة، ويستفتي في كل ما يعرض من مشاكل الفتح الحربية والاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، فيأمر فيها بالرأي الصادق والنظر البعيد.
يضاف إلى ذلك معرفة دقيقة بطبيعة الأمة الفاتحة وأخلاقها، وما يصلح لها وما لا يصلح، والأمم المفتوحة وكيف تساس على اختلاف نزعاتها وعقلياتها.
•••

إن أخلاقًا كالتي وصفنا، وعقلية تتسع لكل ما عددنا، تبتكر في النظم وتعدل — مع نشأتها البدوية — مناهج السياسة الفارسية والرومية، وترقِّيها إلى مستوى أعلى كثيرًا مما كانت عليه، لهي جديرة حقًّا بكل إعجاب، وخليقة أن تُذكر في أوائل سجل الأبطال، على مرِّ الأجيال.

الفصل العشرون
محمد عاطف بركات (????–????)


من الأقوال المأثورة أن كل إنسان إما أن يكون أفلاطون أو أرسطو؛ يعنون بذلك أنه إن غلب عقله عواطفه كانت نزعته أرسططالية، وإن غلبت مشاعره عقله فنزعته أفلاطونية.
ونستطيع قياسًا على هذا أن نقول: إن كل متصدٍّ للإصلاح وقيادة أمور الناس إما أن يكون عليًّا أو معاوية؛ فإن غلب عليه تحرِّيه للعدل المطلق في كل صغيرة وكبيرة، وعدم رضاه عن أي ظلم مهما كانت نتيجته، فهو أقرب إلى نزعة عليٍّ، فعنده أن الخط إما أن يكون مستقيمًا أو أعوج، ولا شيء بينهما، ويحب عليٌّ السير في الخط المستقيم دائمًا من غير نظر إلى العواقب.
أما معاوية فشيء آخر، يرى أن الغاية تبرر الوسيلة، وهو يعلن عن سياسته بقوله: «إنَّا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل»، فمن سار على هذا النهج وارتكب الظلم أحيانًا بغية الوصول إلى نفع كبير فهو أميل إلى خطة معاوية.
والسياسيون — عادة — من قبيل معاوية، ينحرفون عن الحق أحيانًا بحجة أنهم يقصدون إلى منفعة كبرى، وينظرون إلى المسائل السياسية نظرة البائع والمشتري؛ يدفع الثمن ظنًّا في الربح، فهم يضحُّون بالحق أحيانًا أملًا في تحقيق حق أكبر، وقد يخدعون بذلك أنفسهم.
وقادة مصر وساستها كغيرهم من القادة، والساسة أكثرهم من هذا القبيل؛ لأنهم رأوا أن السياسي والقائد لا بد أن يأخذ ويعطي ويتنازل عن شيء ليستمسك بشيء، وإلا كان كالشجرة الصلبة أمام الريح العاصفة لا بد أن تنكسر لأنها لم تلِنْ.
وهذا لم يمنع أن يهب الله مصر كما يهب العالم رجالًا صلب عودهم واشتد خلقهم، فوهبوا أنفسهم للحق، لا شيء غير الحق.
كان من هذا القبيل في عصرنا الحديث «حسن (باشا) عاصم»، كان رئيسًا للديوان الخديوي، وطلب الخديو عباس من الأوقاف أن تعطيه تفتيشًا من تفاتيشها في الجيزة من الأراضي المعدة للبناء، في نظير أن يعطيها مزرعة من مزارع الخاصة الخديوية، وأن تعطيه الأوقاف ثلاثين ألف جنيه فرق بدل، وعرض الأمر على المجلس الأعلى للأوقاف، فوقف في ذلك حسن (باشا) عاصم ومعه الشيخ محمد عبده، وعيَّنا لجنة تقدير رأت الغبن في ذلك على الأوقاف، وأن الخاصة الخديوية إذا أرادت البدل وجب عليها أن تدفع عشرين ألفًا، لا أن تأخذ ثلاثين ألفًا؛ فغضب عليه الخديو وأحاله على المعاش.
وكان من أغرب تمسُّك حسن عاصم بالمبدأ والعدل المطلق أن تبرَّع غنيٌّ من أغنياء المحلة الكبرى للجمعية الخيرية الإسلامية بإنشاء مدرسة وَقَفَ عليها أطيانًا، فلما تمَّ فتح المدرسة قدَّم هذا الغنى طلبًا لابنه لدخول المدرسة، وكان يتجاوز السن المحدَّدة بأشهر، فرفض حسن عاصم قبوله، وكان إذ ذاك مدير مدارس الجمعية، وقال: إن هذا الغني تبرع بالمدرسة فنشكره، وأراد أن يكسر قوانيننا فلا نقبل ذلك منه، وترتب على ذلك أزمة بينه وبين الشيخ محمد عبده وحسن (باشا) عبد الرازق، وغيرهما من كبار رجال الجمعية، ولكنه أصرَّ على رأيه، وأخيرًا اضطروا إلى موافقته.
وجاء عاطف بركات يمثل هذا الطراز، ويتخذ من حسن عاصم أستاذًا؛ إذ كان يعاشره ويعجب به، كما كان يتخذ من «كنت» مثله الأعلى، وكثيرًا ما كان يحدِّثنا عنه ويستثير إعجابنا به في دقته ونظامه في حياته، وأنه كان إذا خرج من بيته ضبط الناس ساعاتهم على موعد خروجه، وهكذا.
هذه أكبر ميزة لشخصيته: حبه للنظام الدقيق، وتحريه للعدل المطلق، والتمسك به مهما جلب عليه من متاعب.
تولى نظارة مدرسة القضاء الشرعي، وظل فيها أربعة عشر عامًا، فأشعَّ فيها روحه، وكان طلبتها وأساتذتها وزائروها يلمسون العدل ودقة النظام، ويتنفسون كل ذلك من جوها، فالمدرسة سائرة كالساعة، كل عضو يعرف عمله ويؤديه في وقته، وهم يرونه دائبًا لا يملُّ، فيخجلهم بجده ونشاطه، فيقلدونه في سيرته؛ فإذا جدَّ الجد تجلَّى عدله في أكبر مظاهره.
أراد الخديو عباس أن يعطي أحد المدرسين بالمدرسة درجة مالية أعلى من درجته، وأوفد إلى أعضاء مجلس إدارة المدرسة بذلك، فكلهم قبل نزولًا على إرادة الخديو ورغبة في المسالمة، ولكن «عاطفًا» رأى أن غير هذا الأستاذ أحق منه، وأن في إعطائه ظلمًا على الآخرين، فأبى وأصرَّ على الإباء، ووضع نفسه والمدرسة في أزمة مع ناظر المعارف ومع السراي، فلم يعبأ بهذا كله.
ومثَّل الدور نفسه مع سعد (باشا) زغلول؛ إذ كان «عاطف» وكيل وزارة المعارف، ولسعد زعيم الأمة كل السيطرة على شئون البلاد ومصالح الحكومة، فطلب سعد منه أن يقبل ابن حمد (باشا) الباسل في مدرسة ثانوية، وكانت سنه تتجاوز السن القانونية بأشهر، فأبى «عاطف» وقال: إما أن نغير القانون ونقبله ونقبل كل أمثاله، وإما أن نرفض الجميع، وغضب سعد من ذلك أشد الغضب فلم يبالِ بذلك.
لا فرق عنده في تحقيق العدالة بين قريبه وغير قريبه، ومن يعرفه ومن لا يعرفه، بل ولا بين من يحبه ومن يكرهه؛ أمام عينيه قوانين العدالة وكفى، وهو ليس إلا قاضيًا يطبقها معصوب العينين عن كل اعتبار وكل عصبية، ومثل هذا الرجل — وخاصة في مثل أممنا التي اعتادت الإفراط في المجاملة والمحسوبية — لا يكون محبوبًا إلا من تلاميذه وخاصته، ولكنه يكون محترمًا من الجميع، وكذلك كان، فكم رُجي فرفض الرجاء، وكم طُلب إليه أن يغض طرفه عن القانون فأبى إلا القانون، وكم نُصح أن يرعى الكبراء؛ وخاصة في المسائل الصغيرة لتجاب مطالبه في المسائل الكبيرة، فلم يستسغ عقله هذه المساومة، فكان كل هذا مدعاة لمحاربته وكثرة اصطدامه.
لقد كان من ذلك حادثة طريفة، وهي أن ناظر المعارف كان أحمد حشمت (باشا)، وقد اقترح على مدرسة القضاء أن تعيِّن فلانًا مدرس خط، وكان فلان هذا من أحسن الناس خطًّا وأحسنهم خلقًا، ولكن «عاطفًا» أبى؛ لأن قانون المدرسة يجعل اقتراح التعيين من حق مجلس إدارة المدرسة، وليس لناظر المعارف حق إلا القبول أو الرفض، لا حق الترشيح ابتداء، وكانت أزمة طويلة، و«عاطف» يرى الحق بجانبه، وناظر المعارف يرى أنه مُسَّ في كرامته، ولقيت المدرسة من ذلك عنتًا واضطهادًا صبر له «عاطف»، وأخيرًا نزل ناظر المعارف عن رأيه، وأقرَّ من رشحته المدرسة لا من رشحه هو، وهكذا كانت حياته كلها صراعًا، فما استمسك أحد بالحق إلا أوذي، ولكنه في الوقت عينه أُجلَّ وأُكبِر.
وناحية أخرى كانت ترتكز عليها عظمته؛ ذلك أنه لم يكن واسع الاطلاع ولا بحاثة في الكتب، ولا عاكفًا على البحوث العلمية والأدبية، وإنما يقرأ ما يقرأ في رفق وهوادة، ولكنه مع ذلك نظيف العقل، لا يقبل عقله الفكرة إلا إذا كانت واضحة، ولا يعبِّر عنها إلا إذا كانت ناضجة محددة، وهو إلى ذلك حرُّ التفكير، لا يعبأ بالآراء الموروثة، ولا بالتقاليد المرعية في الأفكار، ثم هو طويل النفس في الجدل، قوي الحجة في المناظرة، لا يملُّ ولا يتعب، حتى قد يسلِّم له مجادله لا عن اقتناع، ولكن حبًّا في الراحة، وطلبًا للسلامة.
ولوثوقه من نفسه في ذلك، وحبه في نشر أفكاره، اتخذ طريقة «سقراط» في تعليمه؛ فكان ينتهز كل فرصة لإثارة الموضوعات التي تنبعث من الظروف الحاضرة، في حجرة المدرسين، في مطعم الطلبة، في حلقاتهم، في الفسح، فيثير مسألة من المسائل ويبرهن عليها، ويتلقَّى الرد عليها من المدرسين أو الطلبة، وتكون المسألة حديث المدرسة في الفصول وأوقات الفسح، وقد تستمر أيامًا والعقول متيقظة باحثة فاحصة، فإذا انتهت أثير غيرها، وهكذا.
فكان هذا مثار نشاط ذهني عجيب، ومدعاة لتحرير الأفكار، وتعويدًا على الاستقلال في التفكير، وعدم الخضوع للتقاليد، هذا في المجادلة العامة في المدرسة وحجر المدرسين والفصول، وكان له مع خاصته وفي بيته جدل في المسائل الدقيقة؛ سياسية كانت أو دينية، يتحرر فيها العقل من كل القيود إلا قيود الحجج والبراهين.
كانت أخلاقه هذه الصارمة القوية صالحة كل الصلاحية لإصلاح مدرسة عالية؛ ولذلك نجح فيها كل النجاح، وخلق جوًّا من العدل والنظام وحرية التفكير، يستنشق منه كل أستاذ وكل طالب على حسب استعداد رئته، وطبع كل من في المدرسة بطابع بيِّن الأثر، وكانت لهم في حياتهم العامة بعد روح مستمدة من روحه، وأخلاق هي صدى لأخلاقه.
فلما تقلَّد منصب وكالة المعارف، اصطدم اصطدامًا عنيفًا بالرجاوات والدرجات والعلاوات، ولم تتحمَّل ميوعة الناس صلابته، ولا عذوبة مجاملاتهم مرارته، فلم ينجح فيها نجاحه في مدرسته.
ولما انغمس في السياسة العامة للبلد، وبالحركات السياسية مع سعد وصحبه، لم تسعفه أخلاقه؛ لأن ألف باء السياسة المصانَعةُ والمجاملة والمهارة في المساومة، وهو لا يحسن شيئًا من ذلك؛ ولذلك كله كان نجاح أخيه فتح الله (باشا) بركات في هذا الباب أكثر من نجاحه هو، وكلٌّ ميسرٌ لِمَا خُلق له.

الفصل الحادي والعشرون
الإسلام كعامل في المدنية?


لعل أهم تراث الإسلام وأثره في المدنية أمران: الأول، العقيدة الإسلامية؛ لأني أرى أن كل ما نشأ عن الإسلام، من فتح وعلم وإدارة وفن وغيرها، أثرٌ من آثارها؛ فالعربي قبيل الإسلام كان هو العربي بعينه، في جسمه، وجوهر عقله، ومعدنه، ولم يجعله يتجه إلى الفتح ويرى نفسه جديرًا بأن يقف في المستوى الذي تقف فيه أرقى الأمم في عصره — وهما الفرس والروم — بل يرى نفسه أرقى منهما، وأجدر بأن يحكمها ويوجههما وجهة خيرًا من وجهتهما، ويدخل التعديل على مدنيتهما، إلا عقيدته؛ فهي وحدها الشيء الجديد في حياة العربي المسلم.
لم يأتِ الإسلام في أول دعوته بنظريات هندسية، ولم يخترع آلات حربية، ولا فنونًا جديدة، ولا نوعًا من الإدارة جديدًا؛ لأن هذه كلها أمور ثانوية بجانب العقيدة؛ فالعقيدة إذا صلحت أصلحت كل فاسد، ونشأ عنها كل أسباب التقدم ولو كان صاحبها فقيرًا جاهلًا، حتى ولو كان في بلد جدب وأرض قفر، ولو لم ينشأ في مدنية ولو لم يرث حضارة.
والعقيدة إذا فسدت أضاعت الثروة الموروثة، ولم ينفع معها علم ولم يفِد غنى، كلا، ولا تنفع أرض خصبة ولا مدنية فخمة؛ ففيلة الفرس لم تثبت أمام بعير البدوي، ولا الدروع المضاعفة الرومانية استطاعت أن تصمد أمام نبال العربي وقوسه الساذجة؛ لأن بعير البدوي كان يحمل على ظهره قلبًا مؤمنًا، وفيل الفارسي كان يحمل فؤادًا هواء، والقوس العربية كانت تصدر عن عقيدة صحيحة قوية ملتهبة، ودروع الروماني كانت تتضمن قلبًا لا عقيدة فيه، كل همِّه شهوة ينالها ومتاع زائل يأمل أن يلتذ به.
فإن فقد العربي حياته في القتال فلا بأس، فإنما يعجِّل ذلك قربه من الله، وإذا فقد الفارسي أو الروماني نفسه فيا لها من خسارة؛ فقد حُرِم الخمر، وحُرِم النساء، وحُرِم متع الحياة، فإذا قاتل العربي قدَّم حياته فحفظت حياته، وإذا قاتل الآخر قدم عدده وادخر حياته فخسر عدده وحياته؛ لم يتغير شيء في حياة العربي عند ظهور الإسلام إلا عقيدته، وكل شيء تغيَّر غيرها فبسببها.
وقد كنت أود أن أقتصر على الكلام فيها لولا أن هناك ناحية أخرى تهمُّنا كأثرٍ قوي في بناء المدنية، وهي «أثر الثقافة الإسلامية في المدنية»؛ فهي من جهة أكبر أثر للعقيدة، ومن جهة أخرى أقوى مركز ترتكز عليه المدنية، لهذا سنحصر قولنا في هاتين الناحيتين، وفيهما الغناء.
أولًا: العقيدة الإسلامية

كان العرب في جاهليتهم يعبدون الأصنام، وقد اتخذت كل قبيلة إلهًا من صنم أو وثن، وقدَّمت إليه القرابين، وجعلته الآمر الناهي، وهو طَوْر تكاد تكون الأمم كلها قد مرَّت عليه، وإن اختلفت أسماء أصنامها باختلاف بيئاتها؛ ذلك لأن في طبيعة الناس الإيمان بقوة فوق قوتهم، تدفع عنهم الشر وتجلب لهم الخير، وتحيي وتميت، وتخلق وتفني، وإذا كان العقل قاصرًا ركَّز هذه القوة في شيء من المادة خلع عليه هذه الصفات؛ فأحيانًا يكون صنمًا، وأحيانًا يكون الشمس والنجوم، وأحيانًا يكون شجرًا، وأحيانًا يكون حيوانًا، وأحيانًا يكون نهرًا أو بحرًا؛ فكل هذه الكوائن عُبدت عند الأمم المختلفة؛ لأنها أحسَّت أن في أعماق نفسها عقيدة بقوة فوق قواها، تساوت الأمم في هذا، ولكنها اختلفت في الشكل الذي تجسِّد فيه هذه القوة فتعبده، بحسب قوتها العقلية والخيالية ومواضعها الجغرافية وبيئتها الاجتماعية.
وكانت هذه هي الحالة الساذجة للعبادة عند الأمم؛ يعترفون بإله أو آلهة، ويشكِّلونها في شيء محسوس يقدِّمون لها صنوف التعظيم والتمجيد؛ فكرةٌ حقٌّ، ولكنها اتخذت مظاهر خرافية؛ كالطفلة في غريزتها الأمومة، وفي طبيعتها الإشراف على تنظيم الحياة البيتية، فهي تتخذ لها لعبًا من عرائس تجعلها أبناءها وبناتها وتمنحها عطفها، وتنفِّذ عليها أوامرها؛ إجابة لداعي الغريزة الكامنة، وإرهاصًا لما يكون منها بعد نموها.
وأحيانًا يحاول أن يتخلَّص من المادة فيعبد أرواحًا؛ جنًّا أو ملائكة أو نحو ذلك، ولكن سرعان ما ينتكس ثانية فيسبغ عليها أوصاف المادة، فيجعلها ذكورًا وإناثًا، ويجعل لها أجنحة تطير بها، ويجعل لها قرونًا وذيولًا؛ لأنه لم يرقَ حتى يستطيع أن يتحرَّر من عبادة المادة بتاتًا.
كذلك كان العرب، بل كان أكثرهم في حالة منحطة من عبادة المادة، يعبدون الحجر لا النجوم ولا الأرواح، ويأتمرون بأمرها — في زعمهم — في إقامة ورحيل، وإقدام وإحجام، وزواج وطلاق.
وعبادة الأصنام — كائنة ما كانت — تشلُّ حركة العقل، وتُضعِف قوة النفس، وتحطُّ الحياة الاجتماعية، وتجعلها حياة خرافية وضيعة، مثل هذه العقيدة تعوق العلم؛ لأن العلم لا يلائمها، وتعوق التفكير الصحيح؛ لأنه ليس من طبيعتها، وتعوق التقدم الاجتماعي؛ لأنه أساس إطلاق الفكر من قيوده، والفكر مشلول بعبادة الأصنام.
ومن أجل هذا كان أهم ما أتت به سلسلة الأنبياء محاربة هذه العقيدة، وتخليص الفكر من قيوده التي قيدته بها العقيدة، في الحجر والشجر، والنجوم والبحار والأنهار، وكان نجاحهم في أول الأمر قليلًا قليلًا؛ لأنه لم يكن يقوى على احتمال تجريد الإله عن المادة إلا القليل من الناس، وحتى في العصور الحديثة لا تزال النزعة إلى مادية الإله تتسرَّب في أشكال مختلفة، مع رقي العقل البشري ونموه ونضوجه.
وقد بدأت هذه الدعوة إلى التجديد في الأمم السامية من عهد إبراهيم، واستمرت بين الظهور والخفاء، وكلما تقدم الناس كانوا أكثر لها استعدادًا وأقرب قبولًا، حتى أتى محمد (?) فدعا دعوته الجريئة الصريحة إلى كسر الأصنام وتحطيم الأوثان، وتخليص العقيدة من كل شرك، وتجريد الله عن كل مادية، وكان شعار عقيدته «لا إله إلا الله»، ومدار عقيدته «ليس كمثله شيء»؛ فالأصنام ليست تصلح لشيء إلا للمعاول، والنجوم هو الذي خلقها ونظَّم حركاتها، والبحار والأنهار هو الذي خلقها وأجرى ماءها، والملائكة هو الذي خلقهم لَّا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، لا شيء يشاركه في ألوهيته من مادة أو روح، هو حقيقة واضحة معقولة لا في شكل، غيبت عن العقول حقيقته، وظهرت لهم صفاته، فهو الخالق لكل هذه الظواهر، وهو الذي يسيِّرها، وهو غرضها الأسمى، هو وحدة لا تعدد فيها بأي حال، تنزَّه عن المادة، وتنزَّه عن الشريك.
سلك القرآن في الدعوة إلى الإيمان مسلكًا خاصًّا، فبعد أن أبان للإنسان أن الله خالق كل شيء، وأنه رب العالمين، طلب إليه أن ينظر إلى كل شيء في العالم من صغير وكبير، فسيرى فيه مظهرًا من مظاهرًا الألوهية، ودليلًا على عظمة الله وقدرته، لم ينهج القرآن منهج الفلاسفة في دوران العقل حول نفسه ليستخرج منها نظريات مجردة، ومقدمات ونتائج منطقية، إنما طلب أن تمتزج النفس بالعالم، وأن ينفذ العقل إلى رب العالم عن طريق العالم؛ لأن هذه الطريقة أكثر إحياء للشعور، ومبعثًا لحياة القلوب.
والإيمان ليس يعتمد على العقل وحده، بل هو يعتمد على القلب أكثر من اعتماده على العقل، ومن أجل هذا طلب القرآن النظر إلى كل شيء في العالم؛ من الذباب والنحل والعنكبوت، إلى الفيل والجمل، إلى البحر والنهر، إلى السماء والأرض، إلى السحاب المسخَّر بين السماء والأرض، إلى الشمس والقمر، إلى الليل والنهار.
والقرآن مملوء بالآيات التي تصل الإنسان بالعالم، وتصل العالم بالقلب، وتبعث حرارة الإيمان بالله، وتملأ القلب حياة وحماسة، وهذا هو الذي ملأ صدر الصدر الأول من المسلمين بالعقيدة، وجعلهم يبيعون أنفسهم في سبيل الله عن سخاء، وهذا بعينه هو الذي شجَّع المسلمين على البحث العلمي؛ فقد اتجهوا إلى العالم يستدلون به على خالقه، فدفعهم ذلك إلى العالم يتعرفون طبيعته وقوانينه، وهذا هو العلم.
لم يتطلب إليهم الإسلام أن يعيشوا في صوامع يديرون طاحونة العقل على هواء، بل طلب إليهم أن يتصلوا بالعالم يدرسونه وينظرون فيه خالقه وخالقهم، فكان ذلك داعية للعلم والمدنية معًا، لم يتطلب الإسلام من صاحبه أن يعيش عيشة روحية مطلقة مجردة عن المادة، بل طلب إليه أن يمزج الحياة الروحية بالحياة المادية، وأن يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته، وأن يتزوج ويصلي، وأن ينعم بالحياة فلا يحرِّم على نفسه زينة الدنيا وطيبات الرزق، كما ينعم بالنظر وبالتفكير في ملكوت الله، وبعبارة أخرى، لم يتطلب الإسلام من الإنسان أن يكون مَلكًا، وإنما طلب إليه أن يكون إنسانًا كاملًا، يعيش وفق ما خُلق، فقد خُلق جسمًا وروحًا؛ فلسجمه عليه حق، ولروحه عليه حق، فلا عجب بعد أن رأينا المسلم يساهم في بناء المدنية لأنها واجبة، وفي بناء الروحية لأنها مطلبه!
لم ينحُ الإسلام منحى العلم، يقرر القوانين جافة جامدة كما تفعل علوم الرياضة والطبيعة، وكما تفعل الميتافيزيقا اليونانية، فهذا هو العلم، ولكنه سلك مسلكًا سماه «الحكمة»، وقال: وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ? وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ، وما الفرق بين العلم والحكمة؟ العلم هو هذا النوع من المعرفة التي تأتي من طريق الحواس وما تألَّف منها، فإذا نُظِّمت هذه المعارف ووُضعت كل طائفة منها في مجموعة سمِّيت علمًا، أما الحكمة، فمزج الروح والنفس بالعالم، والعلم يغذي العقل وحده، أما الحكمة فتغذي العقل والمشاعر، وهذه المشاعر هي التي عبَّر عنها الدين بالقلب والفؤاد.
إذا كان العلم ينظر إلى الإنسان فيقسمه إلى أجناس، وإلى أمم، وإلى ذكور وإناث، فالحكمة تنظر إلى الإنسانية في الإنسان، وإلى الإنسانية التي من ورائها الله يسيِّرها وينظِّمها ويمنحها الوجود ويمدُّها بروح منه، وإذا كان العلم يقسِّم النبات إلى فصائل، ويميز اختصاص كل فصيلة، فالحكمة ترى في اختلاف أنواع النبات دليلًا على القدرة الإلهية، وهكذا بينما في العلم تمدُّ الطبيعة رباطًا بينها وبين العقل، تمد الحكمة رباطين؛ أولهما وأولاهما بينها وبين القلب، وثانيهما بينها وبين العقل.
ومن أجل هذا عني القرآن بمظاهر الاختلاف بين القوانين الطبيعية أكثر مما عني بتقرير القوانين الطبيعية الجزئية، فهو يلفت النظر إلى الإنسان، كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم كان من المضغة عظام، ثم كسا العظام لحمًا، ثم كان من ذلك إنسان.
ولفت النظر إلى اختلاف الليل والنهار، وتعاقب الشمس والقمر، واسترعى النظر إلى السحاب يسير بإذن الله، ثم يمطر ماء فتكون منه زروع وجنات يأكل منها الإنسان والأنعام، وإلى الإنسان واختلاف ألسنته، وإلى حركة الماء في البحار والأنهار وتلاقيهما، وهكذا عني القرآن بهذه المناظر المتغيرة، وبهذه الحركة الدائمة؛ لأنها أمسُّ بالشعور، وأقرب إلى الحكمة، وأدل على المحرك والخالق والمدبر، فكانت بذلك مبعث إيمان صادق حار لا يفتر.
وقد غفل علماء الكلام من المسلمين عن الفرق بين العلم والحكمة، وبين الفلسفة والدين، وبين منهج القرآن ومنهج اليونان، فحوَّلوا — وعلى رأسهم المعتزلة — الدين من القلب إلى العقل البحت، وألَّفوا العقائد في شكل قضايا منطقية، فتحجَّر الدين وانقلب جسمًا جامدًا لا روح فيه، فخمدت حرارته، وضعفت شعلته، وقلَّ نوره وضياؤه.
بهذه العقيدة التي ألممنا بها نقل الإسلام العرب من أفق خرافي ضيق كسَمِّ الخياط ينحصر في تقديس الحجر والرجوع إليه في أهم الأحداث، إلى أفق فسيح لا حد لسعته، يطالع فيه جميع المخلوقات في الأرض والسماء، ويسبح بعقله وشعوره فيها، ويمتزج بها، بل هو لا يقف عند ذلك، وإنما يتعداه إلى إله مجرد عن المادة، ومنزَّه عن شبه المادة، يحكم العالم، ويسيطر عليه، وينظِّمه ويسيِّره، وهو وحده لا شريك له رب العالمين.
وضع الإسلام في يد العرب الذين كانوا يدينون بالأصنام معاول يكسرون بها الأصنام، وهم إذ كانوا يكسرونها حسيًّا كانوا يعلنون بعلمهم أنهم تحرروا من رقِّ الخرافة، وسَمَوا عن تقديس حجر، وارتفعوا بتفكيرهم وشعورهم إلى ما فوق المادة، واتصلوا بإله الكون يستمدون منه القوة، ونظروا من طيارة إلى مَن حولهم من الناس يرثون لحالهم، إذ رأوهم بائسين، كما كانوا هم بالأمس، من فرس مجوس يعبدون نارًا، وما النار إلا مخلوق ضعيف تشبه في ضعفها الأحجار التي كانوا يعبدونها أيام جاهليتهم، ومن رومان تركوا وراءهم دينهم الصحيح وأخذوا يعبدون شهواتهم؛ فعبدوا الخمر وعبدوا النساء وعبدوا المال وعبدوا الجاه، وما كل ذلك إلا أصنام كأصنامهم التي حطموها بالأمس، وما هي إلا ضرب آخر من ضروب النار التي يعبدها المجوس تشب بين جوانحهم.
هؤلاء الفرس وهؤلاء الرومان الذين كانوا بالأمس القريب المثل الأعلى للعرب، والذين كانوا يرون في أعماق نفوسهم أنهم عبيد، وأن الفرس والروم سادتهم، وأنهم سوقة، والفرس والروم ملوكهم، وأنهم أذلة والفرس والروم أعزة، وأنهم فقراء وأمل الآمل منهم أن ينال من متاجرته مع الفرس والروم شيئًا من فتاتهم، ومما تناثر من أيديهم، هؤلاء الفرس والروم أصبحوا في نظر العربي المسلم أسرى عقائد فاسدة، وأسرى شهوات وضيعة، وأن مالهم وجاههم وعدَّتهم وزينتهم لا تساوي شيئًا بجانب صحة عقيدتهم هم.
لقد كانوا ينظرون إليهم من غواصة، فيحسدونهم على استنشاق الهواء على ظهر الأرض، فأصبحوا ينظرون إليهم من طيارة عالية جدًّا فيرونهم حشرات حقيرة تتقاتل على متع دنيئة، ويرونهم المثل الأدنى للإنسانية، وقد كانوا المثل الأعلى، وأنهم أحق بالعطف عليهم والأخذ بيدهم، وقد كانوا من قبل يستجدونهم ويستذلون لهم ويخطبون ودهم، لم يقلب هذا الوضع عند العرب إلا العقيدة، وكفى بها ثورة: ثورة في العقل، وفي القلب، وفي الخلق، جعلتهم كأنهم خلق آخر.
هذه العقيدة بما أضاءت وبما بعثت من حكمة جعلتهم فوق العلم؛ إن شئت فانظر إلى عمر بن الخطاب، وأبي عبيدة، وسعد بن أبي وقاص وأمثالهم، ماذا كانت ثقافتهم العلمية بالمعنى الذي نفهمه الآن؟ كانت لا شيء، أو كانت ضعيفة كل الضعف، فليسوا على علم واسع بقوانين الحساب والهندسة، ولا بالجغرافية، ولا بشيء من فروع العلم، ولكن أضاءت الحكمة أذهانهم وقلوبهم ففاقت العلم، وإلا فكيف استطاع عمر بن الخطاب — مثلًا — أن يدير هو وأعوانه مملكة الفرس والروم، وقد بلغتا في الحضارة شأوًا بعيدًا، يعرف أهلهما الجغرافية معرفة واسعة، ويؤسسون المملكة على نظم إدارية وحربية دقيقة، وعندهم علم وأدب وفن.
لو عهد بإقليم من أقاليم الفرس والروم إلى عمر في الجاهلية لحار في إدارته وارتبك، ولساسه كما يرعى الشاة والإبل، ولكنه الإسلام وما بعث من حكمة، غيَّر نظره إلى الأشياء، وجعله ينفذ ببصيرته إلى نظم الفرس والروم فيدرك منها الصالح وغير الصالح، ويعدِّل في إدارتها وشئونها الاجتماعية تعديلًا لا يستطيعه العالم الماهر الذي تنتجه حتى حضارة اليوم؛ فهو يغيِّر من نظام الضرائب، وتوزيع الأراضي، وتدوين الدواوين، ويستطيع وهو في مكة أن يرسم خطة السير لحكومة تسوس العراق ومدن الفرس، كما تسوس الشام ومدن الروم!
إنها إحدى العجائب الكبرى أن يصل بدوي إلى ذلك، وعهدنا بالبدوي الهمجي يخرِّب ولا يعمِّر، وإذا غزا وانتصر فكل مطمعه في الغنيمة، فما بال عمر وأمثال عمر يدخل التحسينات على الحضارة، ويقترح فيما يزيد العمران، ويبثّ في الحضارة القديمة روح العدل والإحسان؟ لا شيء غير العقيدة الإسلامية محَّصت نفسه، وطهَّرت قلبه، وجعلت نظره ينفذ إلى بواطن الأمور، يعدِّل على الذين لا يرون إلا الظواهر، ولا يهمهم إلا بهرجة الدنيا والزخرف الظاهري.
فإن نحن عددنا العقيدة الإسلامية — بالشرح القليل الذي شرحنا — أثمن ما قدَّمه الإسلام إلى المدنية لم نكن مبالغين.
هذه العقيدة لا تقرُّ بعظمة إلا عظمة الله، ولا تقرُّ بتقديس ملك ولا بامتياز لرجال دين، ولا تعترف بوساطة أحد بين الإنسان وربه، ولا بأي نوع من أنواع الأرستقراطية: لا أرستقراطية المال، ولا أرستقراطية العلم، ولا أرستقراطية رجال الدين، كل الناس سواء؛ الناس من تراب وإلى التراب يعودون، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وخير الناس أنفعهم للناس.
ثانيًا: الثقافة الإسلامية

وأريد أن أكرر هنا ما أشرت إليه من أن الثقافة الإسلامية كانت أثرًا من آثار العقيدة الإسلامية التي ألممت بها؛ فالقرآن رفع مستوى العقل إلى درجة يستطيع فيها التفكير الصحيح بما حارب من خرافات وأوهام وعبادة أصنام، وبما حثَّ على النظر في الكون ومراقبة تغيُّراته، واختلاف مظاهره، ودوام حركاته، وبتوجيه العقل إلى أن وراء كل المظاهر المختلفة وحدة؛ فالناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم يرجعون إلى أصل واحد، هو آدم وحواء، والبحار والأنهار المختلفة كلها ترجع إلى ما أُنزل من السماء من ماء، والعالم كله يرجع إلى وحدة الخالق مَّا تَرَى? فِي خَلْقِ الرَّحْمَـ?نِ مِن تَفَاوُتٍ.
فهذه الوحدة في العالم تحلُّ على التفكير الصحيح والثقافة العميقة والنظر الفلسفي الروحي؛ فالقرآن من ناحية فك قيود العقل، وهذا هو العامل السلبي، ومن ناحية أخرى أخذ بيده ليشرف على العالم من مرقب عالٍ، وهذا هو العامل الإيجابي.
ومن أجل هذا كانت الثقافة الإسلامية نتيجة العقيدة الإسلامية لا نتيجة شيء آخر، فإن هي اتجهت إلى الاستعانة بالفلسفة اليونانية والثقافة الفارسية والهندية، فلأن الدين حملها على ذلك، وطلب منها أن تتطلب العلم حيث كان، ومن أي كائن كان.
وقد بذر الإسلام في نفوس أصحابه بذورًا تأصَّلت فيهم، فكانوا إذا اقتبسوا من الفلسفة اليونانية أو أية ثقافة أخرى لم يكونوا مقلِّدين تقليدًا صرفًا، إنما كانوا دائمًا يُعملون العقل فيما نقلوا، ويُعملون العقيدة الدينية فيما قرأوا؛ فإذا نظرنا إلى ما كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد رأيناهم لم يقفوا موقف التلميذ فحسب، بل نقدوا وزادوا ووفقوا بين الفلسفة والدين، وأمدوا كل شيء أخذوه بروح من عندهم، فكان لثقافتهم طابع خاص وشارة تعرف بها.
حتى هذا المنطق اليوناني الذي دانت له كل الأمم زاد الغزالي في بعض كتبه فصولًا عن القرآن، وابن تيمية وابن حزم وغيرهما نقدوا منطق اليونان، وعدوه منطق شكل لا منطق مادة، وكان شأنهم في كل فرع هذا الشأن تقريبًا؛ فدعوى أن المسلمين في ثقافتهم كانوا حفظة للثقافة اليونانية أكثر منهم مبتكرين لثقافة خاصة، دعوى أملاها عدم الدراسة للثقافة الإسلامية دراسة وافية.
والحق أن فضلهم على المدنية الحديثة كان من الناحيتين جميعًا: من ناحية حفظهم لثقافة غيرهم من الأمم، ولولاهم لضاع كثير منها، ومن ناحية ما أنشئوا وابتكروا وبثوا من روح في الثقافات القديمة.
وقد بدأ علماء أوربا يبحثون نواحي تأثير الثقافة الإسلامية في الثقافة الأوربية، وكان من آخر ما أظهروا في هذا الباب كتاب ما خلفه الإسلام (Legacy of Islam) تناولوا فيه أثر الثقافة الإسلامية في الجغرافيا والتجارة، وفي القانون والاجتماع والفن والعمارة، وفي الأدب، وفي التصوف، وفي الفلسفة واللاهوت، وفي العلم والطب والرياضيات، وهذا البحث وإن كان آخر ما ألفوا فهو أول ما اكتشفوا من طريق يشرف على آثار قيمة ضخمة لا تزال تنتظر مكتشفين أبعد مدى، وأقوى على تحمل مشاق الطريق. ولعلنا لكي نقرب من موضوعنا نسأل هذا السؤال: هل كان العالم يستطيع أن يقف على درجة السلم التي يقف عليها الآن لو لم تكن مدنية الإسلام؟ هل لو لم يكن في الوجود مدنية بغداد ومدنية قرطبة والحروب الصليبية، كانت المدنية الحديثة تبلغ ما بلغت الآن؟ هل كانت النهضة الأوربية الحديثة تحدث في الزمن الذي حدثت فيه لو لم ترتكز على المدنية الإسلامية؟
هذا سؤال واحد في أوضاع مختلفة، والإجابة عنه يسيرة، وهي إجابة بالنفي القاطع، ولا يعلم إلا الله كم كانت تتأخر المدنية الحديثة لو لم ترتكز على المدنية الإسلامية وتطير على عاتقها، فالمتتبع لتاريخ المدنيات يرى أنه حلقات يسلِّم بعضها إلى بعض، ويستفيد لاحقها بما وصل إليه سابقها، وقد كانت المدنية الإسلامية هي التي في الذروة قبيل المدنية الحديثة، ولم يكن يضارع بغداد وقرطبة مدنية أخرى في العالم في مدنيتهما وثقافتهما وصناعتهما، ونظمهما الإدارية والحربية، ولتوضيح ذلك ننظر في أسس المدنية الحديثة ونبين علاقة هذه الأسس بالمدنية الإسلامية:
لقد بنيت النهضة الحديثة في الثقافة على أساسين؛ وهما الشك والتجربة — كانت الثقافة في القرون الوسطى تعتمد كل الاعتماد على آراء اليونان، وتقدس ما قال أفلاطون وأرسطو كل التقديس، فإذا قال أرسطو قولًا فلا يمكن إلا أن يكون صحيحًا، وإذا كان الحس يدل على غير ما يقول وجب أن نعتبر الحس خداعًا، والحقيقة ما قال أرسطو!
لقد قال أرسطو إن الجسم إذا كان أثقل كان إلى الأرض أسرع، ولكن صعد بعضهم من مكان عالٍ ورمى في وقت واحد كتلتين وزن إحداهما ضعف الأخرى فوصلا إلى الأرض معًا، ومع هذا قالوا إن الحق ما قال أرسطو، ويجب أن يؤول الواقع، وهكذا.
وكانوا يعتمدون كل الاعتماد على القياس المنطقي وحده يؤيدون به المذاهب والآراء، والقياس المنطقي وحده وسيلة عقيمة؛ لأنه يجعلك تسلم بالمقدمات تسليمًا أعمى وتعنى فيه بالشكل، فجاءت النهضة الحديثة تشك في هذه المقدمات العامة، وتمتحنها، وتجري التجارب عليها، ولا تؤمن بشيء حتى تدل التجارب على صحته، وكان هذا دعامة النهضة الحديثة.
والحق أن هذه طريقة لم تكن بعيدة عن المسلمين ولا خفيت عليهم؛ فالتاريخ يحدِّثنا أن النَّظَّام ألَّف في نقد آراء أرسطو، وأن تلميذه الجاحظ في كتابه الحيوان يطلع اطلاعًا واسعًا على أقوال أرسطو ثم لا يمنحها هذا التقديس، بل ينقدها نقدًا جريئًا ويقول: قد جربنا قول أرسطو فلم نجده صحيحًا، ويقول: «إن قوله هذا غريب»، وهو «قول لا يجيزه العقل»، إلى كثير من أمثال ذلك، وربما فضَّل على قوله قولًا آخر قاله عربي جاهلي في بيت من الشعر؛ لأنه أقرب إلى العقل، فهو بهذا قد جعل عقله حكمًا على أرسطو؛ على حين أن فلاسفة القرون الوسطى في أوربا جعلوا أرسطو حكمًا على العقل.
والبيروني يحكم عقله في الرياضيات، ويقارن بين نظريات اليونان ونظريات الهند، ويفضل هذه حينًا وهذه حينًا في كتابه الآثار الباقية، وحينًا لا يقبل هذه ولا تلك ويعتمد على عقله الصرف، ويقف الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» الموقف الذي وقفه بعدُ ديكارت فيقول: «إنه رأى صبيان النصارى ينشأون على النصرانية، وصبيان اليهود على اليهودية، وصبيان المسلمين على الإسلام، وإنه لم يقنع بهذا الدين التقليدي التلقيني، وطلب أن يعلم حقائق الأمور، وأن يبني دينه على يقين، وقال إنه بدأ بالشك في كل ذلك حتى يقوم البرهان على صحته، ولم يسمح لنفسه باعتقاد حتى يتأكد من صحته»، وقال: «كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به، ولا أمان معه، فليس بعلم يقيني»،.
وابن خلدون نظر إلى المجتمع الإنساني هذا النظر الحر الطليق، فاستفاد مما قال أرسطو وغيره، ولكنه لم يتقيَّد به، ونظر في مجتمعات لم يصل إليها علم أرسطو، وهي القبائل العربية والدول الإسلامية، واستنتج من ذلك كله نظرياته التي كانت ولا تزال محل تقدير علماء الاجتماع والتاريخ من الأوربيين وإعجابهم.
وعلى الجملة، فهذه الأسس التي بنيت عليها النهضة الحديثة في أوربا من تحرير العقل من قيود الأوهام، ومن عبادة العظماء أمثال أرسطو، ومن وضع القوانين بعد الملاحظة والتجربة، وبعد الشك فيما اتخذه الأقدمون قضايا مسلمة، كله كان منبثًّا في الثقافة الإسلامية في عصورها الزهية، وكل ما في الأمر أن الذين بنوا على هذه الأسس القيمة هم الأوربيون لا المسلمون، وأن من سوء حظ المسلمين أن وضعت في سبيلهم عقبات، ليس منشؤها دينهم، حالت بينهم وبين أن يتموا ما بدأوا، وأن يشيدوا فوق ما أسسوا، ولكن من الحق أنَّا إذا أردنا أن نقوِّم بناء لا نكون سطحيين فنقوِّم ظاهره ولا نقوِّم باطنه، ونقوِّم أعلاه ولا نقوِّم أساسه.
ووجه آخر بجانب هذا، وهو أن ثقافة المسلمين لم تكن جميعها متجهة اتجاه الفلسفة اليونانية والعلوم اليونانية، فقد كانت لهم مناحٍ في الثقافة خاصة بهم، لم يعتمدوا فيها على غيرهم إلا اعتمادًا ضعيفًا غير مباشر، فما أنشأوا من علوم لغتهم كالنحو والصرف والبلاغة، وأدبهم الذي رقوا به أدب جاهليتهم وساروا به على منهج خاص بهم، لا على المنهج اليوناني، ولا على المنهج الفارسي، والعلوم الغزيرة التي أنشأوها حول دينهم من تفسير للقرآن والحديث ومن فقه، قابلوا به قضاياهم ونظامهم وحياتهم الاجتماعية الخاصة، وما أسسوا له من أصول الفقه الذي لم يجروا فيه على منوالٍ سبق؛ كل هذه وأمثالها كانت مظهرًا من مظاهر الاختراع العقلي للمسلمين، وكل هذه كانت عوامل في بناء المدنية الإسلامية التي بنيت عليها المدنية الحديثة.
وقد حفظ لنا التاريخ بعض الصلات التي ربطت بين المدنية الإسلامية والمدنية الأوربية، وأبان لنا كيف استمدت الثانية من الأولى، وكشف لنا عن بعض الجداول التي كانت تتسرَّب من المدن الإسلامية تصبُّ في المدن الأوربية، وإن كان بعضها لم يزل مطمورًا إلى اليوم ولم يستكشف بعد.
فقد اتصل الأوربيون بالمسلمين في الأندلس اتصالًا وثيقًا، واتخذ علماؤهم فلاسفة المسلمين أساتذة يتعلمون منهم ويدرسون عليهم، ونشطت حركة واسعة النطاق لنقل أهم المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، وهي لغة الأدباء والعلماء في القرون الوسطى، حتى إن كثيرًا مما بقي من مؤلفات ابن رشد حفظت إلى الآن باللغة اللاتينية، ولا نجد أصلها بالعربية، وكان من أشهر من قام بهذه الحركة «ريموند» Raymond الذي كان مطرانًا لطليطلة من سنة ???? – سنة ????، فقد أسس جمعية لنقل أهم الكتب الفلسفية والعلمية العربية إلى اللغة اللاتينية، فنقلوا من العربية أهم كتب الفارابي وابن سينا، وكان من أثر هذه الجمعية أن رأينا منطق أرسطو المترجم من العربية إلى اللاتينية يُقرأ في باريس بعد ثلاثين سنة من عمل هذه الجمعية، وقد مرَّت حركة استفادة الأوربيين من الثقافة اليونانية في ثلاثة أدوار: الدور الأول: نقل الفلسفة اليونانية والكتب العلمية من العربية إلى اللاتينية.
والدور الثاني: النقل من اليونانية مباشرة بعد سقوط القسطنطينية.
والثالث: نقل الشروح العربية إلى اللاتينية.
وجاء فردريك الثاني سنة ????، واتصل بالمسلمين اتصالًا وثيقًا في صقلية وفي الشام في حروبه الصليبية، واقتبس كثيرًا من آرائهم وعاداتهم وعقائدهم، وقد وصفه المؤرخون بأنه كان يعجب بفلاسفة المسلمين، وكان يعرف اللغة العربية ويستطيع أن يقرأ بها الكتب الفلسفية في مصادرها الأصلية، وأنشأ سنة ???? مجمعًا في نابلي لنقل العلوم العربية والفلسفة العربية إلى اللاتينية والعبرية لنشرها في أوربا، وبفضل فردريك ذهب «ميكائيل سكوت» إلى طليطلة وترجم شروح ابن رشد على أرسطو، وقبل ذلك كانت قد نقلت إلى اللاتينية جمهرة من كتب ابن سينا، واستعملت في باريس حول سنة ????م.
وفي القرن الثالث عشر كانت كل كتب ابن رشد تقريبًا قد ترجمت إلى اللاتينية ما عدا كتبًا قليلة، منها كتاب تهافت التهافت الذي رد به على تهافت الفلاسفة للغزالي، فقد ترجمت في القرن الرابع عشر.
وكان أهم مركز لتعاليم ابن رشد في جامعة بولونيا وجامعة بادوا Padua في إيطاليا، ومنهما انتشرت هذه الثقافة في إيطاليا الشمالية الشرقية إلى القرن السابع عشر، واستمرت كتب ابن سينا في الطب سائدة إلى ما بعد هذا العصر. ورجال النهضة الحديثة الذين قاموا بحركة الثورة الفكرية كانوا يدرسون على هذه الكتب، أو يتتلمذون لمن درسوا عليها، فروجر بيكون الذي سبق أهل زمنه في معارفه وطريقة بحثه أخذ ثقافته العلمية من الأندلس، ودرس فلسفة ابن رشد، والقسم الخامس من كتابه في البصريات Optics مستمد ومساير لكتاب ابن الهيثم في هذا الموضوع نفسه. وطالما ارتفعت شكوى رجال الدين في الأندلس من أن المسحيين يدرسون علم العرب المسلمين، وعابوا مطران أشبيلية لأنه يدرس في جدٍّ فلسفة الكافرين؛ يعنون المسلمين.
وعلى كل، فجملة الأمر في مدنية المسلمين كما لخصها الأستاذ لكي Lecky خير تلخيص، إذ قال: لم تبدأ النهضة الفكرية في أوربا إلا بعد أن انتقل التعليم من الأديرة إلى الجامعات، وإلا بعد أن حطمت العلومُ الإسلامية، والأفكار اليونانية والاستقلال الصناعي، سلطانَ الكنيسة.
•••

هذا هو موقف المسلمين أمس من المدنية، ولا بد أن نلقي نظرة على موقفهم اليوم من المدنية الحديثة، ومما يؤسف له حقًّا أن نقول إن المسلمين لا يشتركون اليوم في بناء صرح المدنية اشتراكًا كبيرًا؛ لأن حديثهم هو تقليد للمدنية الحديثة، وقديمهم هو مدنية القرون الوسطى، فهم في الصناعات والمخترعات ونظم الحكومات والإدارات، وفي كتبهم التي تؤلَّف في العلوم الحديثة من جغرافيا وتاريخ وطبيعة وكيمياء وما إليهما، ونظام مدارسهم الحديثة ومحاكمهم وقوانينهم، كل هذا يقلدون فيه المدنية الغربية، وكلما زاد التقليد فيها عدت أقرب إلى الكمال، وقديمهم من مثل دراسات علومهم كالنحو والصرف والفلسفة الإسلامية، ومن مثل قضائهم في المحاكم الشرعية، ومن مثل مدارسهم الدينية، ونحو ذلك، كلها على نمط مدنية القرون الوسطى؛ فهم — في ظاهر الأمر — لا يضعون أحجارًا كبيرة في بناء المدنية الحديثة، ولا يلونونها بلون خاص، ولكن هل الذنب في ذلك ذنب الإسلام والمسلمين؟
إذا عرضت نفسك لتبني فمنعك صاحب البناء بالقوة، فالذنب ذنب من مَنع لا من مُنع، وهكذا الشأن في موقف المسلمين، لقد سبقهم الغربيون باستخدام العلم في قوة تسلُّحهم إلى أقصى حدٍّ يمكن فيه استخدام العلم، فوجَّهوا هذه القوى الهائلة إلى الشرق، ولم يكن قد صحا بعد من سباته الذي سببه ما فسد من عقيدته، وما فسد من سياسته، وما فسد من شئونه الاجتماعية، فسلط عليه الغرب نظرة استغلال فساعده على كل ما يفيد الاستغلال، ومنعه من عمل كل شيء يفيد الاستقلال، فهو إذا أراد أن يتثقف كما يشاء، أو يرقِّي شئونه الاجتماعية كما يشاء، أو أن يحكم نفسه كما يشاء، أو أن يرقِّي أخلاقه كما يشاء، منعه الغرب من ذلك حرصًا على فائدته في هذا الاستغلال، والشرق لا يستطيع أن يقاوم إلا بالقوة، والقوة محرمة عليه؛ فهل بعد بذلك هو الذي يتحمل تبعة عدم اشتراكه في البناء؟!
إني لأرجو أن الزمن ورقيَّ الأفكار السياسية التي تخطو هذه الأيام خطوات سريعة تجعل الغربي ينظر إلى الشرق نظرة تعاون، فيدرك أن طريقة الاستغلال ليست أصلح الطرق حتى من الناحية الاقتصادية، وأن رقيَّ الشرقي والسماح له بالبناء يزيد في صرح المدنية ويرفع بناءها، ويُسرِع في علو شأنها، وكما تبيَّن للناس أن نظام الإقطاع وتسخير الملك للعبيد لم يكن في مصلحة المُلَّاك ولا العبيد، فحطموا هذا النظام من أساسه، وأسسوه من جديد على تحرير العبيد وتعاون الملوك والمستأجرين، وأرباب الأموال والعمال، فكذلك سيكون الشأن مع الحاكمين والمحكومين؛ يتعاونون ولا يتقاتلون، ويتفاهمون ولا يتنازعون، ويتحاكمون إلى الرأي والعقل لا إلى القوة والسلاح، وأرجو ألا يكون ذلك بعيدًا.
على أن من العدل أن نقول إن التبعة في ذلك كله لا تقع على الغربيين وحدهم، فإن هناك عوامل في المسلمين أنفسهم جعلتهم في هذا الموقف الحرج؛ فهناك علماء جامدون ضيَّقوا العقل، وقفوا موقفًا مزريًا في تاريخ المسلمين، وعاقوا رقيَّهم وتقدُّمهم، فكان كلما حاول الإصلاح محاول ثاروا عليه باسم الدين؛ إن أراد إصلاح المحاكم ثاروا عليه ورموه بالمروق، وإن أراد تنظيم الإدارة الحكومية قالوا لا عهد لنا بهذا، ويجب أن نتتبع آباءنا وإنَّا على آثارهم مقتدون، وإن أراد تعليم المرأة قالوا ما بهذا أتى الدين!
وهكذا كانوا حجر عثرة في سبيل كل مصلح حتى عظم الخطب، واشتد الكرب، وأولو الأمر في المسلمين إذ ذاك لم يكن يهمهم إلا شهواتهم وفخفختهم الكاذبة، ومظاهرهم الخادعة، أما الاتجاه الصحيح إلى ترقية رعيتهم وتثقيفهم، وتنوير أذهانهم، ونشر العدل بينهم فكانوا قلَّما يأبهون له؛ فهؤلاء وأولئك كانوا السبب في أن يقف المسلمون هذا الموقف الذي شكونا منه من قبل.
ومع هذا فتنبُّه المسلمين اليوم، وسير حركات الإصلاح بينهم سيرًا حثيثًا، يدعونا أن نؤمِّل قرب اليوم الذي يتبوأون فيه مكانتهم اللائقة بهم، فإذا قارنت هذه النهضة الداخلية في رقي الفكر السياسي عند الغربيين، وتعديل نظرتهم نحو المسلمين كان من وراء ذلك كله نهضة جدية يبني فيها المسلمون في المدنية بناء صالحًا مصبوغًا بعقيدتهم وأفكارهم، فنرى إذ ذاك فلسفة خاصة وثقافة خاصة، وروحانية خاصة، قد تلوِّن المدنية الحديثة عامة بلون خاص غير لونها الحالي.
? محاضرة ألقيت في جمعية الشبان المسيحيين ببيت المقدس سنة ????.
الفصل الثاني والعشرون
المسلمون أمس واليوم


في نحو ثلاثة وعشرين عامًا استطاع محمد رسول الله (?) بما مُنح من قوة العقيدة، وصدق العزيمة، وبُعد النظر، وتأييد الله، أن يحوِّل العرب من جماعات مختلفة اللغة، مختلفة الدين، مختلفة الرأي، مختلفة الأهواء، تشعر بالضعة إذا قارنت نفسها بمن حولها، وبالذلة إذا رأت مَن في جوارها، لا يفكر الفرد فيها إلا في نفسه، فإن اتسع أفقه ففي قبيلته، فإن فكَّر في قبيلة أخرى ففي الانتقام والأخذ بالثأر، وشنِّ الغارة للسلب والنهب — إلى أمة واحدة، متحدة اللغة، متحدة الدين، متحدة الرأي، يشعر الفرد فيها أنه من أمة أعزها الله بالإسلام، وفضَّلها به على الأنام، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، وليس ذلك بالكثير في تاريخ الأمم.
فإن مات محمد (?) ولم يتعدَّ إصلاحه جزيرة العرب، فقد أعدَّ أمة لإصلاح غيرها، ولسيادة الناس خير إعداد، حتى إذا وجَّهها قادتها نحو الفتح، أتوا بما حيَّر علماء السياسة والاجتماع والتاريخ إلى اليوم؛ بسطوا سلطانهم على جزء كبير من العالم في أقل من عشر سنين، ولم يكن فتحهم تخريبًا وتدميرًا، إنما كان فتحًا منظمًا أُحكِمت قواعده وأصوله، واستمروا ينتقلون من فتح إلى فتح، ومن ظفر إلى ظفر، مما يجعل الباحث يقتنع بأن نجاحهم لم يكن حظًّا أتيح لهم، ولا مصادفة وقعوا عليها، إنما كان نتيجة مبادئ صحيحة اعتنقوها، ونفوس قوية حتمت صدورهم عليها، ومع ما عرض لهم من خلاف فيما بينهم كان من طبيعته أن يودي بأمثالهم من حروب داخلية ومنازعات سياسية وخلافات دينية، تغلَّبوا على كل ذلك، ولم يمنعهم من الظفر بعدوهم واستمرارهم في فتوحهم.
ثم هم ساهموا في كل شأن من شئون المدنية؛ إن نظرت إلى الدين فقد دعوا إلى دينهم فدخل الناس فيه أفواجًا في هدوء من غير عنف، ولم يمضِ قرنان على فتحهم حتى كان أكثر البلاد المفتوحة على دينهم، ثم هو لا يزال ينتشر إلى اليوم مع انعدام الدعاة وعدم حماية الدعوة، وإن نظرت إلى اللغة رأيتهم هيَّئوا لغتهم لكل جديد ووسعوها — وهي البدوية الأصل والمنشأ — حتى أحاطت بكل مرافق المدنية إذ ذاك، وحتى زاحمت الفارسية في فارس، والرومانية في الشام، والقبطية في مصر، وسارت مع الدين جنبًا لجنب، كلما ظفر الدين ظفرت اللغة، وكسبت لغتهم قادة الفكر في كل هذه الأمم المفتوحة، فأصبحوا يمنحونها خير أفكارهم وأفكار أممهم، وظلت اللغة العربية تسود حتى نسي كثير من الأمم لغتهم الأصلية، وأحلُّوا محلها العربية، ولو لم يعتنقوا الإسلام.
وإن نظرت إلى النظم والتشريع فكذلك؛ قد أقلم المشرفون أنفسهم وكانوا حيث حلُّوا مرنين يقفون موقف المتفهِّم للموجود من نظم وقوانين، ثم يقرُّون ما لم يتعارض وأصول دينهم، ويغيِّرون أصول ما تعارض، ووقف الفقهاء في كل قطر يوسِّعون مذاهبهم حسب الحاجة وحسب الإقليم الذي حلُّوه، وخلَّفوا من كل ذلك قوانين لا تزال إلى اليوم محل إعجاب المنصفين من المتشرعين.
وإن التفتَّ إلى العلم رأيت أنهم في كل فرع من فروع العلم أخذوا بحظ وافر، لم يمنعهم دينهم أن يأخذوا عن وثنيي اليونان فلسفتهم، ولا عن النساطرة طبهم، ولا عن اليهود ما يروون من أخبار أنبيائهم وعلمائهم، وأبلوا في العلم بلاء لا يقل عن بلائهم في الحرب؛ فحيث حلُّوا رأيت علمًا كثيرًا وجدًّا عجيبًا، ثم خلَّفوا من كل ذلك ثروة فيها غاية ما وصل إليه العلم لعهدهم؛ فَهِموا ما كان من علم قبلهم، وتداولوه بالشرح والنقد، وضمُّوا إليه ما أوحته نظرات دينهم من علوم إسلامية ومذاهب دينية، وزادوا في ثروة من قبلهم بما بذلوا من جهد وأنفقوا من مال ونفس.
فلمَ لم يكونوا سادة العالم؟ فقد كانوا سادة في العالم، وإن لم يكونوا رأسه المفكر، فقد كانوا رأسًا من الرءوس، لا عبيدًا ولا أذنابًا، ووقفوا في بعض أيام تاريخهم من العالم موقف المعلِّم؛ يرحل من أراد العلم من الأوربيين إليهم، وينقلون إلى اللاتينية كتبهم، ويدرِّسون في جامعاتهم علمهم، وفي السياسة العالمية وقفوا موقف الموازن، يُسمع لقولهم ويُحسب حسابهم، وتعقد المعاهدات المحترمة معهم.
•••

ثم دار الزمن دورته وأصبح سادة الأمس عبيد اليوم، ورءوس الأمس أذناب اليوم، وشباب الأمس هرم اليوم، وقضى على حضارتهم ما قضى على حضارة اليونان والرومان والآشوريين والبابليين وقدماء المصريين، إلا فرقًا واحدًا، وهو أن حامل لواء الحضارة الإسلامية لا يزال حيًّا وإن كان شيخًا فانيًا، وإن الشيخ إن لم يُصب بالعقم فقد يلد طفلًا يمر بأدوار الحياة، ومنها الشباب، وإن الأمم إن لم تمت فلها أيام، فقد يكون للإسلام فجر، وضحى، وعصر، وغروب، ولكن لا يلبث الليل حتى ينجلي عن صبح آخر فيه كل صفات الصباح، من نور وضياء، وإشراق يدفع للحركة، ونسيم يبعث الحياة.
وبالفعل يظهر أن هذا الشيخ الفاني قد مات أو كاد، وأن الله فالق الإصباح ومخرج الحي من الميت لم يصبه بالعقم، ووهبه ما وهب زكريا إِذْ نَادَى? رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ? وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى? لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا.
ولكن إن ورث «يحيى» من زكريا علمًا وحكمة فإني أخشى أن يرث «يحيانا» تركة قد أُثقلت بالديون وأفعمت بالمغارم، فهل من سبيل إلى أن يرث من آبائه الأبعدين لا من آبائه الأقربين؟ يحدِّثنا علماء الوراثة بأن ذلك جائز في قوانينهم، وأن بعض الأبناء يرث من جده الأبعد لا من أبيه الأقرب.
وإن كان ذلك كذلك فخير له؛ فإن أباه أشعث أغبر، لوحته الهموم وأحنت ظهره الأحداث، أما جدُّه البعيد فجميل المحيَّا، مشرق الجبين، صارعه الدهر فصرع الدهر، وأرادت أن تنال منه الأحداث فنال منها، ولكن أنَّى لنا ذلك، ومربوه من جنس أبيه، فإن لم تفسده الوراثة أفسدته البيئة، وأفسده المربي، وأفسده الموالي من ورائه يكيدون له ويضعون الخطط تلو الخطط لاغتياله!
لا يكون ذلك حتى يُرزق «يحيى» بالمثل الصالح والمربى الصالح، يفتح عينيه ليرى ما حوله، ويضع له البرامج ليعده أن يكون سيدًا مع السادة ورأسًا بجانب الرءوس، يبني صرح المدنية مع بُناته، ويشيد العالم مع مشيديه، فإن كان العالم لا يسع إلا مدنية واحدة شارك فيها، وإن كان يسع مدنيتين فأكثر أسس هو مدنية تتفق وروحه، وعقليته ونفسيته، ودينه وخصائصه.
•••

من نحو خمسة قرون فقد المسلمون مركزهم العالمي، وأصبحوا حيث حلُّوا عنوان الذل والعبودية، وحلفاء الفقر والمسكنة، ولم يكن تأخرهم راجعًا إلى بيئتهم كما يذهب بعض الباحثين، فهم يسكنون بيئات تختلف حرارة وبرودة، وتختلف خصبًا وجدبًا، وتختلف جفافًا ورطوبة، وهم مع ذلك في مستوى واحد من الضعة والتأخر، على أن الأمر لو كان يرجع إلى البيئة ما تداول عز وبؤس ونعيم وشقاء، وسيادة الأشراف وصعلكة العبيد، ولكانوا على حال واحد أبدًا؛ لأن البيئة تلازمهم أبدًا.
كما أن الأمر لا يرجع إلى ما يجري في عروقهم من دم؛ فدمهم الذي يجري فيهم اليوم هو من نوع الدم الذي كان يجري في عروقهم أمس، وقد بطلت نظرية أن الله اختار من عباده جميعًا شعبًا واحدًا عهد إليه تنظيم العالم وسيادته، هو الشعب النيوتوني أو الشعب الآري، فليس من أمة إلا وهي خليط من دماء مختلفة، ولو كان كذلك لما عزوا وذلوا وعلوا وسفلوا.
وليس أمر المسلمين كذلك يرجع إلى دينهم؛ فدينهم قديمًا كان هو سبب سعادتهم، وهو الذي انتشلهم من بؤس وأعزهم من ذل، والدين متى كان صالحًا في أسسه؛ كالإسلام، كان باعثًا على الإصلاح لا الفساد، وعلى النهوض لا الانحطاط، إنما هو ككل دين يختلف باختلاف العين التي تنظر إليه، فإن صلحت العين صلح ما تنظر إليه، وإن ساءت ساء، بل قد رأينا في تاريخ الأمم عينًا صحيحة ودينًا مريضًا استطاعت العين لصحتها أن تصلح منظره وتجمِّل شكله.
على أني لا أرى أن المسلمين تأخروا وانحطوا بالمعنى الحرفي الذي يُفهم من الكلمة؛ أعني الرجوع إلى الوراء، بل كل ما في الأمر أنهم وقفوا حيث كانوا من خمسة قرون، وغيرهم سائرون، وناموا وغيرهم أيقاظ، فلما بدأوا ينتبهون رأوا الشقة بعيدة، واللحاق يتطلب عزمًا قويًّا وجهدًا بالغًا.
مظاهر هذا الوقوف — وإن شئت فسمه الركود — متجلية في كل مرفق من مرافق الحياة؛ ففي اللغة — وهي أداة الثقافة، وآلة العلم، ووسيلة الرقي العقلي — وقفنا حيث انتهى الأمر بالدولة العباسية، ولم نساير الزمن ولم نخطُ معه خطواته، تغيَّر وجه الحياة، واختُرعت ألوف الآلات، ومعاجم لغتنا كما هي، لا تعترف إلا بما كان، وتهمل ما هو كائن وما سيكون، فلا هي توسعت في مدلول الكلمات العربية ووضعت منها أسماء للجديد، ولا هي سمحت بالكلمات الأجنبية أن تدخل من غير تعديل أو بتعديل، والخلاف محتدم، والنزاع قائم، ومركزنا كما هو لم نتقدم فيه شبرًا، مع أنَّا واجهنا هذا الأمر منذ احتكاكنا بالمدنية الحديثة، وحرنا في تصرفاتنا؛ فحينًا ندرس كثيرًا من المواد في مدارسنا بلغة أجنبية، وحينًا تأخذنا العزة القوية فنحوِّلها إلى العربية، والنقص كما هو، والموقف كما هو.
وفي التشريع تغيَّر العالم في معاملاته، فأنتجت المدنية الحديثة أنواعًا من المعاملات عديدة، وأنواعًا من الجرائم جديدة، ونظمًا في الحكم والقضاء، فأبى رجالنا إلا أن يقفوا حيث هم، أبوا أن يفتحوا أعينهم لأنواع الشركات إلا ما نُصَّ عليه في الكتب القديمة من شركة مفاوضة ووجوه وعنان، وأبوا أن ينظروا إلى نظام الجمارك إلا ما ورد في كتب الفقه في باب العاشر، وأبوا أن ينظروا في جرائم الكيوف والاختلاس والتزوير إلا ما جاء في باب التعزير، فكان من الزمن أن تركهم فيما هم فيه، وسلب من يدهم أوسع أبواب التشريع، وهي ما يتعلق بالمسائل المدنية والعقوبات، واستمد من قانون نابليون؛ إذ أبى بالعلماء أن يمدوه بالفقه، أو لم يترك في يدهم إلا الأحوال الشخصية إلى حين.
وكان موقفنا في الأخلاق موقفنا في اللغة والتشريع؛ فالمدنية الحديثة كان لها من الأثر ما غيَّر قيم الأخلاق، وقلب أوضاعها، وطبعها بطابع جديد؛ ذلك أن أكبر أسس المدنية الحديثة وأهم أركانها الصناعةُ، ومن أجل هذا قوِّمت الأخلاق من جديد على أساس الصناعة، ورُتِّبت قائمة الأخلاق ترتيبًا يتفق والصناعة، فخير الأخلاق النظام، والنظافة، والصدق في المعاملة، والمحافظة على الزمن، والاقتصاد، وما إلى ذلك، وجعلت هذه الصفات في المنزلة الأولى، ووُضع للعمال نظم لحمايتهم وترقية شئونهم من نقابات وجمعيات، وقُلبت القائمة التي وُضعت في القرون الوسطى رأسًا على عقب؛ فالحياء والتواضع والسماحة ونحوها قلَّ أن تعدَّ فضائل، وإذا سمح بعدِّها ففي ذيل القائمة؛ لأنها لا تتناسب مع أخلاق القوة وأخلاق الصناعة؛ فليس خير الصناع أشدهم حياء وأكثرهم تواضعًا، ولكن خيرهم أقواهم وأمهرهم، وأحفظهم على نظام، وأشدهم مراعاة لموعد، وهكذا.
وجاء العلم فخدم هذا النظر؛ لأنه رقَّى الصناعات رقيًّا عظيمًا بفضل ما يقدمه لها كل يوم من مكتشف جديد، وبجانب هذا تحكَّم العلم في تقويم الأخلاق، فغيَّر الأنظار القديمة، وجعل المقياس سعادة الناس ورفاهيتهم في الحياة الدنيا، ولم يعبأ بالتقدير المأثور عن السلف، فنظر من جديد إلى الموسيقى والألعاب وسائر الفنون وحكم بالحسن على ما كان يحكم عليه من قبل بالقبح، وعدَّ كثيرًا مما كان قبلُ إثمًا وحرامًا وجريمة محمدة وخيرًا وفضيلة، ورأى أن ما في حياة القرون الوسطى من رهبنة واعتكاف في الأديرة والتكايا ونحو ذلك، عيشة كسل وخمول لا تتفق وخير الناس «فمن لم يعمل لا يأكل».
جرى كل هذا والمسلمون حائرون بين تقاليدهم القديمة وما تقدمه المدنية الحديثة من نظر جديد، والزمن لا ينتظرهم في حل الإشكال واختيار أحد الطريقين، فلما ترددوا جرفهم طوعًا أو كرهًا من غير أن ينظرهم حتى يبتُّوا فيما يتفق وأخلاق المدنية الحديثة مع تقاليدهم ودينهم وتاريخهم، وما لا يتفق.
ويطول بنا القول لو عددنا كل مرفق من مرافق الحياة وأبنَّا ما أصابه من ركود، فنجتزئ بما ذكرنا من أمثلة للدلالة على باقيها.
•••

ثارت أوربا في التاريخ الحديث ثورات سياسية وثورات صناعية، كان من نتائجها تغيُّرها تغيُّرًا كبيرًا في القرن التاسع عشر؛ فمن الناحية السياسية حلَّت الديمقراطية محل الأرستقراطية بما يتبع ذلك من تغيُّر في النظم والتشريع، ومن الناحية الصناعية، حلَّت المصانع الكبيرة والشركات والسكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات والكهرباء محلَّ المظاهر الساذجة من صناعات يدوية، وحملٍ على الخيل والبغال، واستنارة بالشمع والزيوت، وما إلى ذلك.
وهذا التغيير السياسي والصناعي هو ما نسميه بالمدنية الحديثة، وتبع هذا التغير الداخلي في أوربا تغيُّر آخر خارجي، فقد اتجهت أفكار قادة الرأي فيهم إلى غزو آسيا وإفريقيا، وكان الباعث لها على ذلك جملة أمور: أولها: اقتصادي، وهي أن تجد لها في الشرق أسواقًا لصناعاتها التي ذكرنا، ولتجد لها في الشرق مواد أولية لتغذية صناعتها،
وثانيها: وطني، وهو أن كل أمة من أمم أوربا فشت فيها النزعة الوطنية، وامتلأت نفوس أهلها حمية، ودفعها ذلك لأن تتطلب كل أمة قوة المظهر داخلًا وخارجًا، ومن أهم ذلك، التوسع في الاستعمار وبسط النفوذ، والفخر بلون الخرائط.
وثالثها: وهو أقل من الأولين شأنًا، الدافع الديني؛ فقد دفع قومًا من أوربا لنشر الدعوة المسيحية في البلاد الإسلامية، واستعانوا بالسلطة على حمايتهم.
على كل حال، حمل الأوربيون إلى آسيا وإفريقيا مدنيتهم مع فتحهم، وكان لا بد لهم أن ينظموا الحال فيهما بما يتفق والنظام السائد عندهم؛ ففي التشريع لا بد أن تسود المبادئ القانونية السائدة في أوربا؛ حتى تسهل التجارة، ويأمنوا على معاملتهم للشرقيين، ولا بد من انتشار المدنية الحديثة بآلاتها وأدواتها؛ حتى تروج في الشرق البضائع الأوربية، ولا بد أن يتعلَّم طائفة من المفتوحين على النمط الأوربي الحديث، وأن يكونوا هم المتولين المناصب الكبيرة؛ حتى يمكن التفاهم معهم في تسيير الشئون.
وهكذا، كان من أثر انتشار هذه المدنية بين المسلمين نتائج كثيرة؛ أهمها فيما يظهر لي أمران: الأول: اختلال التوازن بين الأمم الشرقية عامة، والأمم الإسلامية خاصة، وأكبر ما تُمنى به أمة اختلالُ توازنها؛ ذلك أن المدنية الحديثة بما استتبعها من تغيُّر في مظاهر الحياة الاجتماعية ومن تعديل في قيم الأخلاق، كانت نتيجة لثورات داخلية شبَّت، وآمال وآلام جاشت في صدره، وتجارب جرَّبها وأخطأ فيها فأصلح خطأه، وهكذا كانت حركاته سلسلة متصلة تسلِّم حلقة منها إلى حلقة، وتسير في التدرج فيها سيرًا طبيعيًّا.أما في الشرق فجاءته هذه المدنية لا من داخل نفسه بل من خارجها، وفرق كبير بين ما دعت إليه الطبيعة وما دعا إليه التقليد، ولاختلال هذا التوازن مظاهر كثيرة؛ فإن نظرت إلى القضاء فقضاء شرعي في الأحوال الشخصية يُطبِّق نظم المدنية الإسلامية، وقضاء أهلي يطبق نظم أوربا ممصَّرة وقضاء مختلط يخالفهما، وفي الحياة الاجتماعية، نرى قرى لم يتأثر أهلها بالمدنية الحديثة في قليل من شئونهم ولا كثير، ومدنًا تأثرت إلى حد كبير بها حتى في أدق أمورها، ولعل خير ما يمثل مظاهرنا المختلفة المضطربة اختلاف ملابسنا وتعدد أشكالها، مما لا يعرف له نظير في أوربا.وفي التعليم أنواع تتبع الأنماط الإسلامية في عصورها، وأنماط تتبع المدنية الحديثة في مظاهرها وأشكالها، وهكذا فإن أنت نظرت إلى أية أمة أوربية في كل مظاهر الحياة من لغة وتعليم وملبس ومظهر اجتماعي، رأيت فيها وحدة رغم الاختلافات السطحية، وإن أنت نظرت إلى حياة المسلمين في كل مرفق من هذه المرافق لم تجد هذه الوحدة، ووجدت الخلاف في الصميم: نرى نزعات تتجه نحو تاريخهم ودينهم ومدنيتهم القديمة، ونزعات تتجه نحو المدنية الحديثة، ولا رابطة تربط هذه النزعات.وترى ناحية من نواحي المدنية الحديثة تطغى وتكثر ولا يماثلها ما يقابلها، فيطغى — مثلًا — في الشرق لهو أوربا من خمر ورقص وحياة مترفة، وهي كثيرة في أوربا كثرة تفوق بمراحل ما في الشرق، ولكنها في أوربا تتعادل وتتوازن؛ فلهو كثير يزنه جد كثير، وإجرام يوازنه حزم، وليس كذلك في الشرق؛ فلهو لا يعد له جد، وإجرام لا يوازنه حزم، وعلى هذا النمط يختل التوازن، وتفقد الأمة قوتها الحيوية، ولا يمكن أن تصلح هذه الحال إلا إذا توافر جماعة من خير الأمة على دراسة الموقف الاجتماعي للمسلمين والشرق، دراسة عميقة مسلحة بما وصل إليه علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ، ثم يضعون بعد هذه الدراسة الأكاديمية خططًا للسير في هذا الظرف العصيب؛ ظرف الانتقال؛ يعرفون الداء ويصفون الدواء، يعلمون مدنيتهم القديمة والمدنية الحديثة ومعايب كل، ومزايا كل، ويعلمون الحالة النفسية لأممهم وما يناسبهم وما لا يناسبهم، ويبيِّنون «خطة الانتخاب»؛ يعرفون مناحي اختلال التوازن وأسبابها، ويرسمون طريقة إعادة التوازن.
والأمر الثاني: من نتائج انتشار المدنية الحديثة بين المسلمين أمر يناقض الأول ويكاد يسير سيرًا عكسيًّا معه؛ ذلك أن انتشار التعاليم الجديدة للمدنية الحديثة واضطرار الأوربيين لتأليف فرقة من المسلمين يتكلمون لغتهم، ويتعلمون مناهجهم، ويتشربون مبادئهم، أمكنت هذه الطائفة من الاطلاع على المبادئ التي تدعو إلى الديمقراطية، وتبث روح الوطنية فكان من ذلك أن أشربوا روح الثورة؛ نظروا إلى أممهم بالعين التي نظرت إلى هذه المبادئ فأيقنوا بحقهم في الحياة، وحقهم في الاستقلال، وحقهم أن يساهموا في بناء صرح المدنية، وأن يشاركوا في تحمل أعباء الإنسانية، وزادهم عقيدة في ذلك ما رأوا من أن أوربا تحكم آسيا وإفريقيا على قاعدة مختصرة موجزة واضحة طبيعية، وهي أنها تتجه في تسيير آلات الحكم إلى منفعتها هي، فحيث اتفقت مصلحة آسيا وإفريقيا مع أوربا نفذت المصلحة المشتركة، وحيث اختلفت مصلحة آسيا وإفريقيا مع مصلحة أوربا فطبيعي أن تنفذ مصلحة أوربا، وقد ينظر في تقدير المصلحة النظر الضيق القريب لا النظر الواسع البعيد.
كان من جراء هذا وذاك وجود الاصطدام وشعور الشرق بالغبن، وقيام الطائفة المتعلمة على النمط الحديث ببث روح الوطنية، وعملت هذه الحركة في النفوس سنين، وتكفَّل الزمن بأن يظهر كل حين وآخر حادثة تفتح عيونهم وتقوي شعورهم، فكان القلق في كل مكان في الشرق؛ في مصر، في تونس، في الجزائر، في مراكش، في فلسطين، في الشام، في العراق، في الهند، في غيرها من البلدان، قلق اقتصادي، وقلق وطني، وقلق ديني، هذا القلق أنتج وليدًا جديدًا هو ما وصفته قبل، ماذا ينتهي إليه هذا القلق؟ ماذا يكون شأن هذا الوليد؟ ما تاريخه المستقبل؟ هذه الأسئلة وأمثالها خارجة من عنوان مقالنا، وهي بعنوان «المسلمون غدًا» ألصق وأليق، وكل ما أعلمه الآن وأريد أن أقوله عن هذا الطفل أنه «لن يموت».

الفصل الثالث والعشرون
قوانين الحرب في الإسلام


في الوقت الذي تحمل إلينا فيه الأنباءُ تدميرَ المدن الأوربية الآهلة بالسكان?، واحتمال عودة حرب الغازات السامة، وتخريب الطيارات والغواصات لكل ما تصل إليه، بكل ما تستطيع من قوة، ونحو ذلك من ويلات الحروب التي يعجز القلم عن وصف هولها — يلذ القارئ أن يعود إلى التاريخ يستعرض فيه التشريع المختلف للحرب، والأنظار المختلفة في تقدير الإنسانية. ولعل من أروع هذه القوانين قانون الحرب في الإسلام، فمنذ ثلاثة عشر قرنًا ونصف شرع الإسلام قوانين بلغت الغاية في تقدير الإنسانية، وبثِّ الرحمة في النفوس، والدعوة إلى الرفق.
من ذلك أن لا حرب قبل الدعوة؛ لأن غرض الإسلام من الحرب ليس المال ولا الغنائم ولا الاستعمار، وإنما غرضه نشر دعوة يرى فيها الخير للإنسانية، فمن قَبِلها، أو قَبِل الخضوع لأحكامها، أو لم يمانع في سبيل نشرها، كان آمنًا على نفسه وعلى ماله، وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، لا عبرة باللون من أبيض وأسود، ولا عبرة بالدم ولا بالجنسية، ولا بنحو ذلك مما تُعيره الأمم الحديثة أكبر اهتمام، فالمسألة ليست حرب أجناس ولا حرب أوطان ولا حرب أمم، إنما هي في نظر الإسلام حرب مبادئ صالحة تنفع الإنسانية لمبادئ تضر الإنسانية، فالأخوَّة في نظره أخوَّة مبادئ، لا أخوَّة دم، ولا أخوَّة جنس، ولا أخوَّة وطن.
وكان مما أوصى به أبو بكر الجيش الذي بعثه في حروب الردة: «أن يؤذِّنوا إذا نزلوا منزلًا، فإن أذن القوم فكُفُّوا عنهم … وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقرُّوا فاقبلوا منهم، وإن أبوا فقاتلوهم».
ولذلك لما تسرَّع خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة بعد أن أظهر الإسلام، كان في ذلك موضع المؤاخذة، وطلب عمر من أبي بكر أن يقتصَّ منه، ولكن أبا بكر قبل عذره وودى مالكا من بيت مال المسلمين، وأسرَّها عمر في نفسه، حتى إذا ولي الخلافة عزل خالدًا عن الإمارة.
•••

فلا تكون حرب حتى تكون دعوة، وحتى يكون رفض ممن وجِّهت إليهم الدعوة، فإذا وقعت الحرب فهناك قيود للجيش المحارِب ينبغي ألا يعدوها، ولعل أوضحها وأجمعها ما روي أنه: «لما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان إلى الشام خرج معه أبو بكر يوصيه، ويزيد راكب، وأبو بكر يمشي، فقال يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، يا يزيد، إنكم ستجدون أقوامًا قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع (يعني الرهبان) فاتركوهم وما حبسوا أنفسهم له … ولا تقتلوا كبيرًا هرمًا، ولا امرأة، ولا وليدًا، ولا مريضًا، ولا راهبًا، ولا تخربوا عمرانًا، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلًا ولا تغرقنه، ولا تغدر ولا تمثِّل، ولا تجبن، ولا تغلل، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله لقوي عزيز، أستودعك الله وأقرئك السلام، ثم انصرف».
وقال عمر: «اتقوا الله في الفلاحين، فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب»، ومرَّ رسول الله (?) في غزوة من غزوات المشركين بامرأة مقتولة ذات خلق، اجتمع الناس عليها، فقال رسول الله: «ما كانت هذه لتقاتل!» وسأل: «من قتل هذه؟» فقال رجل أنا أردفتها خلفي، فأرادت أن تقتلني فقتلتها، فأمر النبي (?) بدفنها.
وروى ابن عباس أن رسول الله (?) «كان إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع».
وقال رسول الله (?) مرة: «لا تقتلوا الذرية في الحرب»، فقالوا: يا رسول الله، أوليس هم أولاد المشركين؟ قال: «أوليس خياركم أولاد المشركين؟».
من كل هذا نرى أن القانون الإسلامي حصر الحرب في دائرة من جُنِّدوا للحرب، ومنع حرب من لم يُجنَّد، إلا أن يكون له من الوسائل ما يساوي القدرة على الحرب، كأن يكون شيخًا، ولكنه يساهم في إبداء الرأي وتدبير المكايد، فإنه إذ ذاك يعد محاربًا، كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بدريد بن الصمة؛ لأنه كان مع تقدُّم سنه يمدُّ قومه بالرأي في الحرب، فأمر رسول الله بقتله، أما من عدا هؤلاء فقد حُفظت دماؤهم، وحوفظ على حقهم في الحياة.
ويعجبني في ذلك تعليل الفقهاء لهذا الرأي بقولهم: «إن الآدمي خلق معصوم الدم ليمكنه تحمل أعباء التكاليف، وإباحة القتل عارض بمحاربته لدفع شرٍّ، فمَن لم يتحقَّق شرُّه بقي على أصل عصمة دمه»، بل تجاوز الإسلام حرمة المحاربين إلى حرمة ملكية الأمم المحاربة، فأمر باحترامها والمحافظة عليها؛ فمنع قطع الأشجار وهدم البنيان، وكان من وصايا أبي بكر: «لا تقطع شجرًا مثمرًا، ولا تخرِّب عامرًا، ولا تعقرنَّ شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله».
•••

ثم أمر الإسلام أمرًا باتًّا حازمًا حاسمًا بالتزام ما يُعقد من معاهدات، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، ووَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وقال: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِي.
ولما عقد النبي (?) الصلح مع قريش، وكان فيه إجحاف بالمسلمين؛ إذ قد اصطلحوا «على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكفُّ بعضهم عن بعض، على أن من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليِّه ردَّه عليه، ومن جاء قريشًا ممَّن مع محمد لم يردوه عليه»، فارتاع بعض المسلمين من ذلك الصلح، ودخل على الناس من ذلك أمر عظيم، وصرخ المسلمون الذين رُدُّوا إلى قريش؛ قال رسول الله: «إنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنَّا لا نغدر بهم».
وانظر إلى عمر لما اضطر إلى إلغاء عهد من العهود ماذا صنع؟ قَدِم عليه عمير بن سعد الأنصاري وقال له: «إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها «عربسوس»، وإن أهلها يخبرون عدونا بعوراتنا، ولا يظهروننا على عورات عدونا، ولهم علينا عهد، واستشاره في أمرهم، فقال عمر: «فإذا قدمت فخيِّرهم أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين، ومكان كل شيء شيئين، فإذا أُرضوا بذلك فأعطهم إياه وأجْلِهم واخربها، فإن أبوا فانبذ إليهم وأجِّلهم سنة ثم اخربها».
فالقوم هم الذين نقضوا العهد وأساءوا المعاملة، وعمر هو هو الذي رحمهم واحتال عند إلغاء العهد؛ ليكون أعدل ما يكون وأرحم ما يكون، وتاريخ العهد الأول من المسلمين مملوء بمثل هذه الشواهد.
فلم يسمع المسلمون الأوَّلون مطلقًا، ولم يخطر لهم ببالٍ ما عبَّر عنه بعض الممدَّنين المحدثين بأن المعاهدات قصاصات أوراق، ولم يُخضِعوا المعاهدات — كما يفعل كثير من الممدنين — لمقياس في المنفعة، فإن كان في نقضها منفعة لهم نقضوها، وإلا احتفظوا بها، بل لم يكن العربي يفرِّق في التقدير، ووجوب المراعاة بين العقد يمضي، والكلمة الشفوية ينطق بها؛ كلاهما ملزم، وكلاهما واجب التنفيذ.
•••

ثم دعا قانون الإسلام إلى تلبية الدعوة إلى الصلح فقال: وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا؛ لأن الغرض إذا تحقَّق كان القتال عبثًا، ثم كان أساس الصلح لا يستفز عاطفة، ولا يترك في النفوس حقدًا، ولا يبعث على تحفُّز للقتال، فكتب عمر إلى أبي عبيدة في حصاره حلب: «ومن صالحك منهم فاقبل صلحه، ومن سالمك فسالمه»، وكتب لأهل إيلياء (بيت المقدس): «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنقص منها ولا من حيِّزها ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارُّ أحد منهم».
وجاء في عهد حذيفة بن اليمان: «هذا ما أعطى حذيفة بن اليمان لأهل (ماه دينار)؛ أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم، لا يغيرون عن ملة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنعة ما أدوا الجزية كل سنة إلى من وَلِيَهم من المسلمين، على كل حالمٍ في ماله ونفسه على قدر طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل وأصلحوا الطرق وقَرَوا جنود المسلمين مَن مَرَّ بهم فآوى إليهم يومًا وليلة، ونصحوا، فإن غشُّوا وبدَّلوا فذمتنا منهم بريئة»، وأمثال هذا كثير.
•••

فليت المدنية الحديثة في القرن العشرين — وقد برعت في العلم، وتفنَّنت في المخترعات، وتقدَّمت في كل مرفق من مرافق الحياة — تعود بنظرها إلى قرون عدة حيث الفتح الإسلامي، فترى قانون الحرب وقانون السلم على أسمى ما يكون من الإنسانية فتلتزمه، ولو تمَّ ذلك لأمنت المدن البريئة من الغزوات، وأمن غير المحاربين من الغارات، وأمنت السفن التجارية من الغواصات، وأمن سكان القرى والمدن من الطائرات، ولو تمَّ ذلك أيضًا لوُضع الصلح يوم يوضع على أساس القومية، ولخير العالم لا خير أمة، ولاستلال الضغائن لا لوضع بذور الضغائن.
لقد مرَّت على الإنسان دروس حروب كثيرة، ولكنه لم يتعلم منها؛ نعم، تعلَّم في تقدُّمه في فن الحرب وكيفية التغلب على الخصم، واختراع المخترعات وإنشاء الاستحكامات، ولكنه لم يتعلم من ويلات الحرب كيف يقضي على الحرب، فلعل الحرب الأخيرة تكون الدرس الأخيرة، فيتعلَّم جاهل، ويصلح فاسد، وتتعزى الإنسانية عما يصيبها في حاضرها بالخير العام في مستقبلها.
? كتبت هذه المقالة سنة ????.
الفصل الرابع والعشرون
المدارس الغربية في البلاد الشرقية


كانت البلاد الإسلامية تعيش على الكتاتيب المتوارثة منذ العصور الوسطى، فهي تحفِّظ القرآن، فإن زادت شيئًا فهي تعلِّم طرفًا من الحساب، وإذا أراد الطالب أن يتمم تعاليمه ذهب إلى الأزهر أو معاهد تشبه الأزهر، حتى غزتنا المدنية الغربية بالتعليم بعد أن غزتنا بالسيف والنار، وقد بُهر الشرقيون أول الأمر بهذه المدارس الغربية؛ إذ رأوا فيها نظامًا خيرًا من نظام مدارسهم، ومناهج خيرًا من مناهجهم، وهم يعلِّمون الناشئين فيها لغة أجنبية تعليمًا ناجحًا، حتى ليقربوا من أن يكونوا كأهل اللغة أنفسهم؛ طلاقة لسان، وسهولة بيان، وهم إذا تعلَّموها وضعوا أعينهم على ثروة كبيرة من الآداب الأجنبية، يرون فيها كتبًا ومجلات تريهم الدنيا الحاضرة لا الدنيا الماضية، فيقبلون عليها، ويأنفون من لغتهم وأدبها.
لذلك كله استُقبلت هذه المدراس بالترحيب، وتعاونت الحكومات المختلفة على التسهيل لها في مهامها؛ فهي تمنحها أراضي بثمن صوري ليقيموا عليها مدارس، وهي تعفيهم من الضرائب الجمركية على ما يأتي إليهم من أدوات وكتب، بل قد تمنحهم مساعدات مالية، وقد تقدِّم إليهم مدرسين ليدرسوا لغة البلاد، وتدفع لهم أجورهم، ومن مظاهر إقبال الناس عليها أن أرسل كثيرون من أعيان الناس ووجهائهم أولادهم وبناتهم إلى هذه المدارس، حتى ليرسل بعض وزراء المعارف أولادهم إليها!
وكان من مزاياها أنها خرَّجت كثيرًا من طليعة المصلحين والزعماء، فقد تعلموا فيها، وقرأوا الكتب باللغات الأجنبية التي تمجِّد الحرية، وتدعو الشعوب إلى الاستقلال، فآمنوا بذلك، وحرَّضوا شعوبهم على المطالبة بالحريات والاستقلال، ولكن حدثت حوادث كشفت الأخطار التي تؤدي إليها هذه المدارس، فأغلبها يبشِّر بالنصرانية، ويخدم السياسة الاستعمارية.
فمن أوائل هذه الحوادث في مصر — مثلًا — أن جماعة من المبشرين نصَّرت فتى مسلمًا، وحملته على أن يعظ الناس في المجامع والكنائس، ويدعو إلى النصرانية، فحزَّ ذلك في نفس السيد جمال الدين الأفغاني، واتفق مع جماعة من الإيرانيين أن يخطفوه وهو يعظ في كنيسة في حي الأزبكية، ففعلوا ذلك، ووضعه السيد جمال الدين في مكان خفي، وذهب هو وتلميذه الشيخ محمد عبده ليقنعا الشاب المتنصِّر بالرجوع إلى دينه، وبيَّنا له سوء فعلته، فعاد إلى الإسلام، وكان من أثر هذه الحادثة وأمثالها أن تنبَّه الناس إلى خطر المدارس الأجنبية من ناحيتين: ناحية الدعوة إلى التنصير، وناحية ما عُرف عنها من أنها أداة من أدوات الاستعمار.
وحدث أن كان الشيخ محمد عبده عضوًا في مجلس المعارف الأعلى سنة ????، فقدَّم اقتراحًا للمجلس بجعل جميع مدارس الأجانب في القطر المصري تحت مراقبة الحكومة وتفتيشها، فعارض أعضاء المجلس من الأجانب وأمثالهم، ولكنه فاز في ذلك بالأغلبية، غير أن وقوع البلاد بعد ذلك في يد الاستعمار جعل هذا القرار حبرًا على ورق؛ فقد كان كبار ساسة الإنجليز؛ كاللورد كرومر عميد الإنجليز في مصر، ومستر دانلوب مستشار وزارة المعارف في مصر، يؤيِّدون المدارس الأجنبية كل التأييد، ويخدمون المبشرين ما وسعهم، حتى لأعلم أن اللورد كرومر طلب من وزير الأوقاف إذ ذاك أن يلغي مستشفى بَنَتْهُ وزارة الأوقاف في حي مصر القديمة؛ لأنه كان على مقربة من مستشفى هرمن، فوعد الوزير بأنه سينقل المستشفى إلى مكان بعيد عن مستشفى التبشير.
وفي الواقع، إن حكومات المستعمرين وضعت أمام أعينها إنشاء المدارس الأجنبية في الشرق لأسباب كثيرة:
منها نشر الثقافة الأجنبية، والنشء إذا تثقَّف بثقافة قوم أحبَّهم ودعا لهم؛ ولذلك تزاحم الإنجليز والفرنسيون والألمان والأمريكان على ذلك؛ ومنها الرغبة في تنصير أبناء الشرق ما استطاعوا، وقد رأوا أن خير الوسائل في التبشير أمران: التعليم في المدارس الأجنبية، والمستشفيات؛ إذ ينتهزون فرصة مرض المريض فيدسُّون له الدعوة إلى التنصُّر.
وكان أول دعاة نشر التعليم والتبشير البعثات البروتستانتية؛ فقد كانوا أول من أدركوا أن التعليم أحسن ميدان للتبشير، وإذ كانت الشعوب الأوربية والأمريكية متحمسة لنشر دينها، أمدَّت هذه المعاهد بالأموال الكثيرة.
قال بعض هؤلاء المبشرين: «إن أهداف المدارس والكليات التي تشرف عليها هذه البعثات هي التنصير، حتى إن الموضوعات الدنيوية التي تُعلَّم فيها؛ كالجغرافيا والتاريخ تحمل معها الآراء النصرانية»، وقال آخر: «إن التعليم أنفع وسيلة يستغلها المبشرون لتنصير الأفراد»، واشترطوا في الأساتذة المدرسين في هذه المدارس أن يكونوا مسيحيين ما أمكن؛ لأن دين المعلم يؤثر ولو من طريق خفي في تلاميذه؛ ولذلك أيضًا تحتفظ ما أمكن بوضع منهج خاص يحقق أغراضها، ولا تسير على مناهج البلاد إلا إذا شعرت بالقوة، واضطرت إلى ذلك اضطرارًا.
ومن غريب الأمر أن هؤلاء المبشرين شديدو التحمس لنشر دينهم؛ فهم يتحمَّلون من أجل ذلك كل ما يصادفهم من صعاب، ولو أدَّت إلى ضياع أرواحهم، ولخدمة أغراضها لم تتورَّع من تحريف التاريخ، فصبَّته في صيغة خاصة، ولوَّنته باللون الذي يعجبها، وطعنت في أديان الشعوب الذين لا يدينون بالنصرانية، حتى تنشر نصرانيتها، وكل يوم كان يحدث في مصر مثلًا — بعد أن تنبَّه الوعي — القومي أن يُكتشف طعن في هذه الكتب في الدين الإسلامي، أو محمد (عليه الصلاة والسلام)، أو في المسلمين، فيثور الرأي العام على ذلك، ثم تجمع هذه الكتب من يد التلاميذ وتنطفئ الثورة.
ومن مكرهم أنهم رأوا أن يوجِّهوا أكبر همهم إلى تعليم البنات، فأنشأوا لهن المدارس الخاصة، علمًا بأن البنات سيكوننَّ أمهات، فإذا كنَّ قريبات من النصرانية، أثَّرن في أولادهن.
وانتشرت المدارس الأجنبية في الشرق انتشارًا كبيرًا، حتى كان في الشام وحدها ??? مدرسة أمريكية منبثَّة في المدن والقرى، وغزت أنواع التعليم كله؛ من رياض الأطفال، إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، والجامعة الأمريكية في القاهرة، والجامعة الأمريكية في إستانبول، وأجبروا الطلبة على دخول الكنيسة في المدارس، وحضور الصلاة، فلمَّا أضرب الطلبة قال قائلهم: «إننا نأخذ الأموال من المتبرعين بعاطفة نشر الدين، ونحن إذا أبطلنا الدين من المدارس لم نجد من يتبرَّع لها».
ولكن الذي حدث أن هؤلاء المبشرين لم ينجحوا نجاحًا كبيرًا في نشر الديانة النصرانية؛ وخصوصًا بين المسلمين؛ لأن في الإسلام حصانة قوية، فاضطروا إزاء ذلك الفشل أن يحوِّلوا مناهجهم، ويصلحوا أساليبهم، ويتساهلوا في إجبار الطلبة على حضور الصلوات في الكنائس، ولكن — مع الأسف — اكتُشف أن هذه المدارس — وقد عدلت عن التبشير القوي بالنصرانية — أخذت تخدم السياسة الاستعمارية.
وممن تنبَّه إلى ذلك أشد التنبه الأتراك في بلادهم، فقد منعوا الأطفال المسلمين من دخول مدارس المبشرين، وجعلوا التعليم في هذه المدارس قاصرًا على المسيحيين، وفي عام ???? أغلقت الدولة العثمانية مدارس المبشرين الأمريكيين، وكان من أنشط مدارس التبشير بالنصرانية وبالسياسة اليسوعيون، فقد ضيَّقت فرنسا عليهم في بلادها، وشجَّعتهم كل التشجيع في خارج بلادها.
ومن الغريب أيضًا أننا نلاحظ أن أكبر أعداء المبشرين هم المسلمون، فهم أعدى لهم من الوثنيين واليهود، لأسباب يطول شرحها؛ أهمها: أنهم ورثوا العداء للمسلمين من أيام الحروب الصليبية، وأنهم يرون الإسلام يحوط اتباعه بسياج قوي لا ينفذ إليه التبشير، وأنه دين يحارب الاستعمار والانتداب، ولا يرضى إلا أن يحكمه أهله.
وبعد، فواجب الشرق ألا يشجِّع هذه المدارس؛ لأنها مأوى التبشير والاستعمار معًا، وهي تجعل من نفسها داعية لدين غير دين البلاد، كما تجعل من نفسها حكومة داخل حكومة البلاد، وفي ذلك إهدار للاستقلال، ومدعاة للفساد.
إن الأمم الحية الحريصة على توحيد كلمتها وتوحيد آمالها، تصب أبناءها في قالب واحد؛ حتى يكونوا متفقين متساندين، أما هذه المدارس فتجعل أبناء البلاد شيعًا، كل طائفة تصطبغ بصبغة خاصة، وإذ ذاك تتضارب الميول، وتتنازع الآمال، ويكون أبناء البلد الواحد بعضهم أعداء بعض، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى.

الفصل الخامس والعشرون
الأخلاق الاجتماعية


هنالك أخلاق يصح أن نسميها أخلاقًا فردية، وهي التي يقصد بها أول الأمر إلى إصلاح الفرد وترقيته؛ كالصدق والعفة وضبط النفس، وإن كانت آخر الأمر ترقِّي المجتمع كما ترقِّي الفرد؛ بطبيعة أن المجتمع يتكون من الأفراد، وهناك أخلاق اجتماعية يقصد بها أول الأمر إلى إصلاح المجتمع؛ كأداء الواجب والتعاون.
ويتجلى هذا التقسيم أيضًا في الغرض الذي يرمي إليه الفرد؛ فأحيانًا يكون غرضه تحسين حالته الفردية، فيصوغ أعماله وفق هذا الغرض، فقد يقصد — مثلًا — إلى أن يكون غنيًّا، فيوجه أخلاقه وأعماله هذه الجهة، ويشكِّل حياته التشكيل الذي يتناسب وهذه الغاية، من جدٍّ في العمل وحسن سمعة واقتصاد، وما إلى ذلك، وقد يرمي إلى أن يكون عالمًا، فيتخلَّق بالأخلاق التي تعدُّه لهذه الغاية من جدٍّ وصبر على البحث، وسعة اطلاع وعمق في الدراسة، وبجانب هذا قد يكون غرضه رقي مجتمعه، فيبذل المال لبناء مدرسة، أو تأسيس مستشفى، أو نحو ذلك مما يفيد المجتمع الذي يعيش فيه ويرقيه.
والذي نلاحظه على الشرق عامة أن الأخلاق الفردية تحسنَّت وارتقت إلى حد ما أكثر مما تحسنت وارتقت الأخلاق الاجتماعية، ولعل أكبر ما يوضح ذلك خلق التعاون، فهو في الشرق على العموم ضعيف، ويتجلى ضعفه في الأعمال التي تحتاج إلى تنظيم الجهود؛ كالنقابات والشركات والجمعيات الخيرية، وما إليها، فهي لا تنجح عادة كما تنجح أعمال الأفراد، وكثيرًا ما نسمع بعشرات الجمعيات ومئات اللجان، والعدد العديد من الشركات والنقابات تتأسس ثم لا تلبث أن تفشل، وقد نلاحظ أن ما ينجح منها، وما يقدَّر له البقاء إنما هو في الحقيقة عمل فرد في شكل شركة، أو نقابة، أو جمعية؛ فهي تُرزق بفرد جادٍّ نشيط أمين، يتحمَّل العبء كله أو أكثره، ويقوم بمهام الأعمال كلها أو أكثرها، ثم يظن أن العمل عمل جماعة، والنجاح نجاح جماعة، والحقيقة أنه عمل فردي، والنجاح نجاح فردي.
فالأخلاق الاجتماعية لم ترتقِ الرقي الكافي، والنظر إلى الغاية التي ترمي إلى رقي المجتمع لم يكن متوافرًا في الكثير من الناس، وتتغلب النزعة الفردية على النزعة الاجتماعية، ويضعف الشعور «بنحن» عن الشعور «بأنا»، والناس قد يشعرون بحاجة مجتمعهم إلى مرافق كثيرة لعلاج الجهل والفقر والمرض، من مستشفيات وملاجئ ومؤسسات علمية ونحو ذلك، ثم لا يتحركون لإخراج هذا الشعور إلى حيز الوجود؛ لأنه يتطلب عملًا تعاونيًّا دقيقًا منظمًا، وهو ما لم يصلوا إليه بعد؛ ولذلك يخفون هذا النقص؛ إما بكثرة الكلام في وصف العيوب من غير عمل، وإما برمي العبء كله على حكوماتهم، ومطالبتها أن تقوم بكل شيء وهم لا يقومون بشيء.
وربما تجلَّى هذا النقص الاجتماعي أيضًا في الأحزاب السياسية؛ فالانضمام إلى حزب والخروج منه، يبعث عليه في الغالب الأعم نظر العضو إلى مصلحته الشخصية، أكثر من نظره إلى المبادئ الأساسية التي يدعو إليها الحزب، ثم النظر إلى الزعيم؛ من هو، وما صفاته، أكثر من النظر إلى نوع الإصلاح الذي يدعو إليه الحزب، بل إن الأحزاب لا تتميز بالمبادئ وإنما تتميز بالزعماء، وقلَّما ترى أعمالًا عظيمة أنشئت بتبرعات قام بها الأفراد لخدمة المجتمع، والقليل الذي أُسس منها كان الداعي إلى التبرع له خشية ذي جاه أو سلطان، أو رغبة في التقرُّب إلى مدير أو رئيس حكومة أو نحوهما، أكثر من أن يكون الباعث عليه الشعور بالحاجة إلى مؤسسة تصحُّ المريض أو تغيث الفقير.
وعلى الجملة فإن هذه الظاهرة — أعني ظاهرة عدم التعاون الاجتماعي — واضحة في كل ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية، فتتجلَّى في السياسة بعدم تعاون الأحزاب السياسية حتى في الأزمات الحرجة، وتتجلى في الناحية الاقتصادية بعدم نجاح الشركات والنقابات والمصارف إلا قليلًا، وتتجلى في الناحية الاجتماعية بقلة المؤسسات الخيرية.
خلق التعاون يتطلَّب شعورًا عميقًا بأن الفرد نتيجة لمجتمعه، وبأن الخير الذي يناله أتى من مجمتعه، فلولا مجتمعه ما وُجد، ولولا مجتمعه ما سَعِد، فهذه العقيدة تؤدي إلى شعور بوجوب سداد هذا الدين، وذلك بالنزول عن جزء من ماله، أو عن جزء من جهده وصحته ونشاطه وعلمه؛ زكاةً عما ناله من مجتمعه، وهذا الشعور — مع الأسف — لا يزال في حالة بدائية، وسر ما نحن فيه من متاعب هو نقص هذا الشعور، حتى إضراب رجال البوليس والممرضين وأمثالهم إنما حملهم عليه نظرهم إلى شخصهم كطوائف لا إلى الأمة كأمة.
ومن الغريب أن هذه الناحية الخلقية الاجتماعية لم ترتقِ رقيًّا سريعًا واضحًا كالرقي الفردي؛ فما السر في هذا؟
لعل السبب أن الشعور «بنحن» متأخر في الطبيعة وفي الوجود عن الشعور «بأنا»، شأن المجتمع في ذلك شأن الطفل، لا يشعر في أول وجوده إلا بنفسه، ويريد أن تكون الدنيا كلها له، حتى إنه ليطلب من أبويه أن ينزلا له الشمس ليضعها في يمينه والقمر ليضعه في يساره، ولا يفرِّق في ذلك بين ممكن ومستحيل، ولا يأتي الشعور «بنحن» إلا متأخرًا، عندما تصطدم رغباته برغبات إخوته وأسرته، ثم رغباته برغبات إخوانه في المدرسة، ثم بالناس في الحياة، فيبتدئ الشعور بالغير، وينمو بالتجارب، وهذا قانون طبيعي؛ فأفراد الأمة في مبدأ حياتهم كالأطفال لا يشعرون إلا الشعور الفردي الأناني، فإذا رقوا شعروا الشعور الاجتماعي، ثم إذا زاد رقيهم زاد شعورهم، فكانت التضحية.
أو لعل السبب ما توالى على الشرق من استبداد وظلم، والاستبداد يميت النفس ويثير شعور السخط على من بيده الحكم، ويحمل الفرد على كره المجتمع الذي يعيش فيه؛ لأنه فقد فيه حريته، والظلم إذا شاع في المجتمع جعل الفرد لا يفكر إلا في أن ينجو بنفسه، ونتيجة هذا كله التفكير في النفس لا في الغير، والتخلُّق بالأثرة لا بالإيثار.
أو لعل السبب أن الأخلاق الاجتماعية في الغرب نشأت عما حدث فيه من الانقلاب الصناعي؛ فالآلات الجديدة والمخترعات وتقدُّم الصناعة احتاجت إلى كثير من رءوس الأموال، وتأسيس المصانع، وتعاون العقول التي تديرها، وتعاون الأيدي التي تعمل فيها، فكان من ذلك الشعور القوي بأن التعاون لا بد منه لنجاح هذه المشروعات الضخمة، فتعاونوا وأصبح التعاون خلقًا يتوارثه جيل عن جيل؛ ولذلك بدأ التعاون يظهر في الشرق عندما بدأ يتحول من اعتماد على الزراعة وحدها إلى اعتماد أيضًا على الصناعة.
أو لعل كل هذه مجتمعة هي الأسباب في ذلك، وأيًّا ما كان فلا نجاة للشرق من أزماته المختلفة وما يحيط به من أخطار إلا بتخلقه بالأخلاق الاجتماعية.

الفصل السادس والعشرون
ميادين القتال بين الأجناس والأمم والطبقات


أحب الحديث إلى النفوس ما وافق الظروف، فمن اللياقة أن نتحدث في الكوارث والمصائب والصبر عليها في المآتم، وأن نتحدث في السعادة والسرور والهناء في حفلات العرس، فإن أنت عكست فغنَّيت نغمة حزينة في عرس، أو نغمة سارة في مأتم، رُميت بضعف الذوق وقلة اللياقة.
والناس الآن كلهم في حالة حرب، وحديث حرب، واستعداد لحرب، فلنختر موضوعًا للكتابة يتفق وهذه الحالة النفسية، وإلا كان الكلام غثًّا باردًا وحديثًا سمجًا، والكاتب كالمغني، يجب أن يساير الشعور، ويراعي العواطف، ويتخيَّر لكل مقام مقال، ولكل موقف أنشودة، ولكن إن كان الكاتب موظفًا وجب أن يبتعد عن السياسة، فهو إذا اختار موضوعًا سياسيًّا كعنوان هذه المقالة، وجب أن يكتب فيه علميًّا أو أدبيًّا، ويترك للساسة أن يعالجوه سياسيًّا، فهم به أعرف، وعليه أقدر، وبحكم ظروفهم أصرح.
والعالم كله ميادين قتال؛ فحيثما التفتَّ وجدت ميدانًا، ووجدت حروبًا، ووجدت ضحايا، فكأن الذي خلق الخلق سلَّط بعضهم على بعض، فهم في نزاع مستمر وحرب دائمة؛ إن نظرت إلى الحيوانات فهي تتناطح دائمًا، ويفترس القوي الضعيف دائمًا: ذئب يفترس شاة، وسبع يفترس ذئبًا، وهكذا، وميدان قتالهم فسيح لا حد له.
وإن نظرت إلى الإنسان والحيوان وجدت ميدانًا آخر للقتال بديعًا: إنسان يفترس دجاجًا وشياهًا وأنعامًا، وأسد يفترس إنسانًا، وميكروب يفترس هؤلاء جميعًا، وإن نظرت إلى عالم الإنسان وحده وجدت ميادين القتال أروع، والحرب فيها أبرع، ووجدت ما كان في الميادين الأخرى عن غريزة ساذجة، وانفعال فطري، هو في الإنسان وليد الغريزة والعقل معًا، برز العقل في الميدان، فكان أبرع ما كان، عرف كيف يستخدم العلم والطبيعة وكل شيء في الحياة في حروبه، فكان فتكه ذريعًا، وحصده شنيعًا، وسلاحه مبيدًا، واختراعه وبيلًا.
وكل يوم يمد العقل ميادين القتال بصنوف المهلِكات والمدمِّرات، ويعم الميادين من الأرض إلى السماء ومن البر إلى الماء، ويمعن في اختراع الآلات من حجر إلى رصاص، ومن رصاص إلى غازات، ومن غازات إلى ما لا يعلمه إلا الله خالق العقل، ثم هو لا يكتفي بما عرف عن الحيوان من قتال، بل يقاتل في المعاني كما يقاتل في الأجسام؛ فهناك ميادين للقتال في الأخلاق، وميادين في الشهوات، وميادين في النظم الاقتصادية والاجتماعية، فكانت ميادينه لا تحصى، ولا يمكن أن تستقصى!
فإن قلت إنك في كل خطوة تخطوها، وفي كل حركة تتحركها، وفي كل معاملة خلقية ومالية واجتماعية تصدرها، فأنت في ميدان حرب، وإنك كاسب في كل منها أو خاسر، وإنك تظفر بعدو لك أو يظفر بك عدوك، لم تَعْدُ الصواب، ولم تخطئ القول.
ولكن إن اتسعت الميادين بهذا الشكل لم يستطع الكاتب أن يشملها بالكتابة، وأن يعمها بالقول جملة، فخير أن يختار منها ميدانًا يصفه، ويقتصر على شرحه، فلنكنف اليوم بأهم أنواع القتال بين بني آدم.
(?) ميادين القتال

إذا دققنا النظر وجدنا أنها أنواع ثلاثة: القتال بين الأجناس، والقتال بين الأمم، والقتال بين الطبقات.
القتال بين الأجناس

فالعداء بين الأجناس سببه الاختلاف الطبيعي والاجتماعي بينهم؛ فالإنسان من طبيعته العطف والميل والتعصب لمن يشاركه في لونه وملامحه وشعره وملبسه، وقد جرَّ هذا العطف إلى التعاون بينه وبين أمثاله من هذا القبيل، فتقاربوا كذلك في الأخلاق، وفي العقلية، وفي المظاهر الاجتماعية، فتأكدت بينهم الصلة، كما أن من طبيعته الكره والبغض والتعصب على من لا يشاركه في تلك الخصائص الجسمية، فجرَّ هذا الكره إلى عدم التعاون، فتباعدوا في الأخلاق، وفي العقلية، وفي المظاهر الاجتماعية، فبعدت مسافة الخلف بينهم.
وعملت الوراثة والبيئة عملهما في توثيق الصلة بين الأولين، وشدة التنافر بين الآخرين، وأصبح الخلاف بين السود والبيض — مثلًا — ليس خلافًا في اللون وحده، بل خلافًا في العقلية، والأخلاق، وفي الحياة الاجتماعية، وفي النظر إلى الأشياء وتقويمها، وفي الحياة الاقتصادية وغيرها.
وليس القتال بين الأجناس المختلفة الألوان مقصورًا على القتال لتحصيل العيش، بل هو كذلك قتال على السيادة؛ فالجنس الأبيض — مثلًا — يرى أن له من المزايا والصفات ما يؤهله أن يحكم الجنس الأسود ويسيطر عليه؛ وأكبر مظهر لحرب الأجناس المشكلة التي بين البيض والسود في أمريكا؛ فقد بدأ النزاع بينهما من القرن السابع عشر، وما تزال هذه المشكلة إلى اليوم أهم مشاكل الولايات المتحدة.
والنظريات العلمية تتنازع بينهما تنازع الجنسين أنفسهما؛ فنظرية ترى أن استعداد السود لا بأس به، وأنهم يصلون في الأعمال الاقتصادية والحكومية وفي الفنون إلى درجة ليست بالمنحطة، وأنهم إن لم يبلغوا شأو البيض، فليس لقصر في استعدادهم، وإنما هو لما أحاط بهم من ظروف، ولعزلتهم وعدم معاونة البيض لهم، ونحو ذلك من أسباب، ونظرية ترى أن استعدادهم الفطري ضعيف، وعقليتهم منحطة مهما هيِّئ لهم من ظروف، وأنه مهما أعينوا وسوعدوا فلن يصلوا إلى درجة البيض بحال؛ وعلى هاتين النظريتين ثارت مشاكل فرعية: هل يصح تزواج السود والبيض؟ وإلى أي حد يسمح للسود بالاشتراك في المسائل الاجتماعية والسياسية؟ إلى كثير من أمثال ذلك.
وليس النزاع بين السود والبيض في أمريكا هو المثل الوحيد في النزاع بين الأجناس، فالحقيقة أن هذا النزاع دائرته أوسع مما يظن، فحركة مصر والهند نحو الاستقلال، والعداء بين أمريكا واليابان، وحركة الأمم الشرقية جميعًا نحو التحرر من الاستعمار والانتداب، من أسباب الاختلاف بين الأجناس، ولست أقول إنه هو السبب الوحيد.
وكثير من العلماء يرى أن هذا النحو من النزاع آخذ في الضعف؛ لأنه يرجع إلى العواطف الموروثة التي تبعث على الكراهية، فإذا حلَّ محلها العقل وحسن التقدير وسعة النظر قلَّ هذا العداء، وضبطت هذه العواطف، وأدرك الناس أن هذا النزاع ليس في مصلحة أحد المتخاصمين، ولا في مصلحة الإنسانية، وأن تعاون الأجناس خير لكل مرافق الحياة؛ سواء كانت اقتصادية، أم علمية، أم سياسية، أم اجتماعية.
القتال بين الأمم

وهذا النزاع بين الأمم يرجع عادة أيضًا إلى سببين: سبب نفسي، وسبب اقتصادي؛ فالنفسي منشؤه الاختلاف بين الأمم في الأخلاق والعادات والمميزات والثقافة والتاريخ، والسبب الاقتصادي منشؤه قلة الحاجات بالنسبة إلى سعة الرغبات؛ فخيرات الدنيا أقل من شهوات الأمم؛ ولذلك يشتد النزاع وتتسابق الأمم للحصول على أكبر قسط منها، فيكون الاصطدام.
وهذا النزاع الذي بين الأمم هو بعينه الذي كان بين القبائل أيام البداوة، وبين الأشراف أيام حكم الإقطاع، فلما تكوَّنت الأمم بحكم الظروف بدأ هذا النزاع القبلي والإقطاعي يتحول إلى نزاع أممي، وعظم شأنه بعظم المتحاربين؛ فالقبيلة قليل عددها، ضعيف دخلها، محدودة قدرتها، فلما حاربت قبيلة قبيلة أخرى مثلها كان القتال بنسبة قوتهما، فلما قوي المتحاربون، وأصبحت وحدة الجبهة هي الأمة لا القبيلة، زادت ويلات الحروب وعظم خطرها.
والغرض الذي ترمي إليه الحروب بين الأمم كذلك نفسيٌّ، واقتصاديٌّ؛ فالاقتصادي تحصيل خيرات الأمم المغلوبة وإذلالها وإخضاعها لحكمها، وهذان الغرضان كانا وما زالا يعذِّبان نفوس الشعوب، ويدفعان أفراد كل أمة للتعصب الشديد لأمتهم، والعداء الكامن لغيرهم.
ولكن أخذ يتجلى للناس شيئًا فشيئًا أن هذا القتال لا يحقِّق الغرض منه؛ فمن الناحية الاقتصادية قلَّ أن تساوي نتائج الحرب ما ضاع بسببها؛ سواء في ذلك الغالب والمغلوب، وكل أمة هي في الواقع عامل من عوامل الثروة في العالم، فإذا أُضعفت ضعف إنتاجها، فيتضرر العالم من ضعفها.
ومن الناحية النفسية، لا خير في هذا العداء ولا في هذا التعصب، فهو نفسه يزيد الحالة الاقتصادية سوءًا، ويزيد النار وقودًا، والعلماء القائلون بهذا يتفاءلون بأن العالم صائر إلى أن يفهم هذه الحقيقة فهمًا جليًّا، فتقلُّ الحروب أو تنمحي، فكما كان في القديم إذا خاصمت أسرة أسرة حاربتها، وإذا خاصم فرد فردًا بارزه، ثم ترقَّى الناس فأحلُّوا التفاهم محل القتال، وإذا لم يكن تفاهم فهناك محاكم يخضع لها المتخاصمون، فكذلك يجب أن يكون الشأن في الأمم، لا تتحاكم إلى السيف، وإنما تتحاكم إلى العدل؛ ولكن كلما أمل المتفائلون خيرًا أتت حوادث العالم فخيَّبت ظنهم وأقصت أملهم.
القتال بين الطبقات

كل أمة جاوزت طور البداوة نشأ فيها جماعات ممتازة، وأوضح شيء في هذا الامتياز هو الثروة أو الملكية، وهذه الثروة هي السبب في كل الامتيازات الأخرى؛ فالغنى ينشأ عنه سعة أوقات الفراغ، فليس يصرف الزمن كله في تحصيل القوت، ومتى وجد الفراغ استطاع صاحبه أن يتفرَّغ للعلم أو الفن، وبذلك يكبر عقله، ويرقى ذوقه، فتصبح الطبقات متميزة في الثروة والثقافة جميعًا، والثروة والثقافة تسببان قوة، وهم يستخدمون هذه القوة في مظاهر مختلفة، فتتمايز الطبقات في الثروة والثقافة والقوة وما ينشأ عنها.
وهذا التمايز يورث في الأسر؛ فالأسرة ترث عن عميدها ثروة، وترث جاهًا وقوة، وترث ثقافة، ويمضي الزمان واستمرار الإرث يزيد الفواصل بين طبقات الأمة، فتجد طبقةٌ من الشعب أن ليس لها من الوسائل ما يثقِّفها، ولا من الوسائل ما يحييها حياة طيبة صالحة، ولا من الوسائل ما يمكِّنها من أن تكون لها مكانة في المجتمع، وترى طبقة الأغنياء ممتَّعة بكل هذه الوسائل، فيكون هناك ميدان ثالث من ميادين القتال؛ فكان قتال بين ملوك الأراضي وعبيدهم، وكان قتال بين أصحاب رءوس الأموال والعمال، وكان قتال بين أصحاب الآلات الحديثة والصانعين بأيديهم.
وعلى الجملة، كان هناك قتال بين الأرستقراطيين والديمقراطيين؛ فالأستقراطيون يريدون أن يحتفظوا بثروتهم وبقوتهم وبجاههم، والديمقراطيون يريدون أن يحيوا حياة خيرًا من حياتهم، وهم لا يرضون أن يكونوا عبيدًا، ولا يقنعون بالفتات الذي يتبقَّى من موائد الأغنياء، ولا أن يعيشوا في جهل وظلام، فكان من ذلك صراع، أي صراع، يمتاز عن حرب الأجناس وحرب الأمم بأنه حرب دائم مستمر، لا يظفر أحد الجانبين ظفرًا إلا ويستعد للموقعة التي تليها، وهكذا تنتهي الحياة بين حرب واستعداد للحرب وتوزيع للغنائم.
وقامت النظريات الاشتراكية وغير الاشتراكية تتنازع في المبادئ تنازع الطبقات في الحياة، وكان ظفر الديمقراطية — على الجملة — أكبر، وانتصارهم أنمُّ وأبهر، فحسُنَ مركزهم في الهيئة الاجتماعية، واستطاعوا أن ينالوا حظًّا من التربية والتعليم، وكانوا كلما ظفروا بشيء استخدموه في الموقعة التي تأتى بعده؛ فاستخدموا تعلُّمهم، واستخدموا القوانين المشروعة لهم في تنظيم ساعات عملهم ورفع أجورهم في المطالبة بأكثر مما نالوا، وبحقهم أن يعيشوا خيرًا مما عاشوا، وحاربوا الأفكار الشائعة أن طبقة من الناس خلقت لتحكم وتنعم بالثروة، وطبقة أخرى خلقت لتحكم، وقالوا إن في كل طبقة مزاياها وعيوبها، وفي كل طبقة أناسًا متميزين بفطرتهم واستعدادهم يستطيعون أن يتبوءوا أحسن المراكز ويتحملوا أشق التبعات لو أتيحت لهم الظروف، وهؤلاء موجودون بين الفقراء كما هم بين الأغنياء.
وأهم مظهر للنزاع بين الطبقات كان في تولي شئون الحكم؛ كالنزاع بين طبقة المحافظين وطبقة العمال عند كثير من الأمم، كما كان في كسب الرأي العام بعرض كل فريق حججه وأدلته، وشرح قضيته شرحًا مستفيضًا؛ ليكسب الناس بجانبه ويفوز بتأييدهم له.
وكان أكبر نصر نشأ من هذا النزاع بين الطبقات تقرير حقوق الإنسان، وسيادة المبادئ التي تقرر أن الحكومة إنما وظيفتها أن تخدم كل الطبقات على السواء لا طبقة خاصة، وألا تعير أي التفات إلى انقسام الناس إلى طبقات، وأن تتجه إلى الرأي العام من غير تمييز ولا تحيُّز، وأن تتيح الفرص في التعلُّم والكسب والمناصب للناس على السواء، وأن تنظِّم الشئون الاجتماعية على أساس المساواة لا على أساس الطبقات، وأن تفهم الناس أن قيمة كل فرد إنما هي في شعوره بالواجب وأدائه، لا في الفخر بأجداده وآبائه.
(?) أساليب القتال

الصراع العقلي أليق الأساليب بالإنسان

أبنت في المقال السابق أهم ميادين القتال، وهي: الحرب بين الأجناس، والحرب بين الأمم، والحرب بين الطبقات، ووعدت القراء أن أذكر في هذا المقال أساليب القتال.
وأساليب القتال كذلك متنوعة الأشكال، متعددة النواحي، ولكن أهمها أيضًا ثلاثة، فلنحصر كلامنا فيها: وهي الحرب، والصراع الاقتصادي، والجدل والمناقشة والحجج والبراهين.
الحرب

لسنا ننكر ما للحرب في تاريخ العالم من أثر كبير في تقدم الإنسان، فالحرب بين الأفراد كان لها أقوى الأثر في تقوية أخلاقهم، والحرب بين القبائل أدت إلى قوة المجتمعات، وإنشاء المدنيات، والحرب بين الأمم أدت إلى شحذ الهمم، والتسابق إلى المجد، والتسامي إلى الكمال.
فالحرب تدمِّر وتفني، ولكن من يبقَ بعدها يكن أصلح للبقاء، وأقوى على احتمال الآلام، فكم من ملايين الأرواح أكلتها، وكم من كنوز الأموال ابتعلتها، ولكنها مع ذلك كله قوَّت أخلاق الشعوب، وعلَّمتها البذل والتضحية، والأمم التي لم تساهم في الحرب ولم تتخلَّق بأخلاق الحرب تفنى وتموت، وقديمًا قالوا: «ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا».
وكان أهم ما قدَّمته الحرب للإنسانية أنها علَّمت الشعوب النظام والخضوع لأوامر سلطة قوية تهيمن على شئونها، وتدبر أمورها، فكان من أثر ذلك أن انتقل المتوحشون من حالة همجية إلى حالة استقرار وخضوع لنظام، فتكوّنت الأمم، وتقدَّمت المدنية.
ولكن بتقدُّم الناس في المدنية عظمت ويلات الحروب، وصارت الموازنة بين منافعها ومضارها محل تفكير العلماء، فالحرب عمادها الفتح، وطمع الفاتح في الثروة من مال «المفتوح»، ولكن هذا الأسلوب في تحصيل الثروة — إذا نظر إليه من الناحية الإنسانية — أسلوب فاسد؛ فالثروة المشروعة هي الثورة بالإنتاج أو في مقابل إنتاج؛ كالذين يربحون من تجارة أو صناعة أو نحو ذلك، أما ثروة الحرب، فثروة من جنس ثروة الغاصب أو السارق أو المقامر، وهي كذلك تحرِّك في نفوس الفاتحين نزعات الطمع والقسوة والبغض وحب التدمير وغير ذلك من أوصاف تحتقرها الإنسانية، ثم هي تشغل الأمم المتحاربة وتصدها عن التقدم الحقيقي، فهي تقضي زمانها الحربي في حرب، وزمنها السلمي في استعداد للحرب وإصلاح لما أفسدته الحرب، وفي ذلك بلاء عظيم.
ولقد كانت الحرب العظمى الأخيرة مجالًا صالحًا لدراسة العلماء نفعها وضرها؛ إذ كانت مواد الدراسة فيها متوافرة، وكانت أسبابها ونتائجها ماثلة بين أعينهم، وكانت الدراسات الاجتماعية والاقتصادية قد تقدمت تقدمًا عظيمًا، فاستطاعوا من ذلك كله أن يلقوا ضوءًا قويًّا على مقدار ما استفاد العالم منها وما خسر.
لقد رأوا أن خسارة العالم منها كانت أكثر من الربح بدرجة عظيمة، وأن أضرارها تفوق ما كان في الحروب السابقة، وأكبر سبب في ذلك قوة الجبهتين المتحاربتين؛ نعم، إن في كل حرب كان تدمير وخراب، ولكن هذه الحرب كانت أكثر تدميرًا وخرابًا؛ فقبل هذه الحرب كانت الأسس الاقتصادية لكل أمة تكاد تكون مستقلة، فإذا حاربت أمة أمة انتقلت مزايا الأمة المغلوبة إلى الأمة الغالبة في سهولة، وبقدر الغلبة، أما الآن فالأسس الاقتصادية ليست وحدتها الأمة، ولكنها مشتركة بين الأمم — كشركة النفط في العراق تشترك فيها إنجلترا وفرنسا وأمريكا، وهذا هو الشأن في أهم منابع الثروة من صناعة وتجارة؛ فالحرب لا تنقل المغانم من يد إلى يد، ولكنها تهدم البناء على الجميع؛ على الأعداء والحلفاء، وعلى الغالبين والمغلوبين، وعلى المدافعين والمهاجمين، ومن ثم كان الخراب في الحروب الحديثة أتم، والبلاء أعم، هذا إلى اتساع رقعة القتال وعدد المقاتلين؛ فلم يعد القتال بين أمة وأمة — غالبًا — بل إن المصالح المشتبكة جعلت القتال بين نصف العالم ونصفه الآخر تقريبًا، وبذلك كان الخراب في الأنفس والأموال لا يقاس به كل ما سبق من قتال.
لقد أحصى الأستاذ إروين (Irwin) مقدار الخسارة المالية في الحرب العظمى، فكانت حسب تقديره ???????????? دولار، وهذا — كما يقول هو — مقدار الخسارة المالية المباشرة، فإذا أضيفت إليها الخسائر غير المباشرة من مثل تخريب الأملاك ووقوف حركة الإنتاج، كان المجموع ???????????? دولار، وكانت الخسارة المالية المباشرة في اليوم الواحد في السنة الأخيرة من الحرب تكلِّف الأمم المحاربة ????????? دولار، وأحصى بعضهم الخسارة في الأنفس فكانت نحو عشرة ملايين من الجنود قتلى، وبين مليونين وثلاثة ملايين عجزة! وليس يستطيع كاتب بليغ ولا شاعر مفلَّق أن يصف ما أصاب الناس فيها من هول وفزع وكرب، حتى كان كثير ممن نجا من القتل والجرح غير صالح نفسيًّا لمداومة الحياة، وكثرت بعد الحرب الوفيات، وزادت إحصاءات الأمراض، وورَّث الآباء القاتلون أبناءهم أعصابًا مريضة، وأوصافًا سيئة، ولم يقف الأمر عند هذا، بل إن الحرب هزَّت النظم الاجتماعية من أساسها، فبلبلت الآراء والأفكار في القانون وفي العقائد وفي الأخلاق، وأفقدت الناس ثقة بعضهم ببعض، فساءت الحالة الاقتصادية؛ لأن مبناها الثقة، فكان مصيبة الناس في تزعزع النظم الاجتماعية والمثل الأخلاقية والثقة الاقتصادية، أكبر من مصيبتهم في الأنفس والأموال.
وتحوَّلت كل القوى من قوى بانية إلى قوى مخربة؛ فالعلماء وجَّهوا مجهودهم لاختراع المخرِّبات والمهلِكات، وأموال الأمم التي كانت تعد للبناء صرفت في التسلح واقتناء المدافع المدمرة والغواصات والطيارات، وانتشر الميل إلى التخريب بين أفراد الشعوب، فقد كانت الحروب الماضية حروبًا بين الجنود فحسب، فأصبحت الحرب الأخيرة بين طبقات الشعوب كلها من أطفال ونساء وشيوخ، كلٌّ يعمل أعمالًا حربية تلائمه، فانحل بذلك كثير من أسس المدنية؛ لأن المدنية تقوم على البناء لا على الهدم والتخريب.
أفبعد هذا يستطيع أن يؤمن منصف بخير الحروب ومزاياها؟
لا شك أن العالم الآن في حاجة قصوى إلى تغيير في الآراء السياسية، والنظم السياسية، وإلى تأسيس مشاعر إنسانية لا قومية، وعادات إنسانية لا قومية، وتفكير إنساني لا قومي، وعواطف إنسانية لا قومية، وعلاقات اقتصادية إنسانية لا قومية، وحكومات ترعى هذه المشاعر والعواطف والعادات الإنسانية لا القومية، فبذلك وحده يختتم العالم فصول الحرب، ويحلُّ البناء والتعبير محل الهدم والتخريب، ويسير العالم إلى الرقي بخطى لم يكن لها نظير في الماضي.
الصراع الاقتصادي

وهذا هو النوع الثاني من أساليب القتال، وهو كثير الدوران بين الناس في كل ساعة وأوان؛ فالبائع يصارع المشتري، والمشتري يصارع البائع، والمستهلك والمنتج يتصارعان دائمًا، والعمال وأصحاب رءوس الأموال في صراع دائم، وكذلك ملاك الأرض والمستأجرون، ثم كل طائفة متحدة العمل يتصارع بعضهم مع بعض؛ فالباعة يتنازعون على المشترين، وأصحاب رءوس الأموال يتنازعون على العمال وغيرهم، والملَّاك على المستأجرين وهكذا.
وقد نشأ من هذا الصراع الاقتصادي نتائج كثيرة، بعضها نافع؛ كتحسين الإنتاج وتخفيض الأسعار على المستهلكين؛ إذ لو انعدم هذا الصراع لكان الاحتكار، وفي ذلك ضرر على الناس كبير؛ وبعضها ضار؛ كالذي نشاهد من النزاع العنيف بين العمال وأرباب رءوس الأموال، ومشكلة العاطلين، ومشاكل إضراب العمال، وغيرها.
ومن مظاهر الصراع الاقتصادي بين الشرق والغرب، فمن أهم أسبابه أن الغرب يريد أن يستغل الشرق إلى أقصى حدود الاستغلال، فهو يريده مزرعة والشرق يريد نفسه حرًّا، يريد الغرب أن يرقّي الشرق، ولكن كما يرقِّي المالك مزارعه؛ فهو يساعد على حفر الترع وتنظيم الري وتسهيل المواصلات ونحو ذلك مما يزيد في الثروة؛ لأن هذه الثروة نتيجتها في الغالب وفي النهاية للغرب، ويريد الشرق أن يثقِّف أبناءه على النمط الذي يريده، ويضع لنفسه نظام الحكم الذي يتفق ومصلحته، فيأبى الغرب عليه ذلك؛ لأنه ليس في مصلحة الاستغلال، فيكون من ذلك صدام وصراع كالذي نشاهد الآن؛ نعم، إن هناك أسبابًا لذلك الصراع غير اقتصادية، ولكن السبب الاقتصادي في النهاية أهم الأسباب.
وإذا تغيرت الأنظار الإنسانية التي أبنَّاها من قبل في هذا المثال سهلت هذه المصاعب، وقلَّ هذا الصدام، وساعد الضعفاء على حسن الإنتاج وحسن الانتفاع.
الجدل والمناقشة

وهذا الصراع أدق أنواع الحرب وأظرفها، تقوم فيه الآراء مقام الجنود، وتقوم الحجج مقام السلاح، وتقوم العقول مقام مصانع الذخائر والأسلحة، وفي هذا الصراع الخير كل الخير؛ فقد نتج عنه خير المخترعات، وخير النظريات، وخير العلوم والمعارف، وكان من أثر النزاع بين الآراء معرفة جيدها من رديئها، وصحيحها من زائفها، وكان من أثر النزاع بين النظريات التعادل بينها، وأخذ القدر الصالح من كل منها.
وهذا الجدل والمناقشة بدأ في أول أمره فوضى لا ضابط له ولا نظام، ثم دخله النظام فرقَّاه؛ ففي النواحي السياسية نُظِّمت البرلمانات والأحزاب، كما نُظِّمت المناقشات في الانتخابات، وفي النواحي الاجتماعية الأخرى نُظِّمت جماعات الأديان وجماعات التربية، وفي المحاكم نُظِّمت المناقشة في المحاماة وفي منصة القضاء، ونُظِّمت المؤتمرات لتبادل الآراء، فكان هذا التنظيم داعيًا لحسن التفاهم وزيادة الإنتاج العقلي؛ نعم، قد يشوِّه الجدل التحزب والتعصب واتهام الخصوم بعضهم بعضًا ونحو ذلك، ولكن كلما رقي النوع الإنساني تضاءلت هذه الأشواك، وتجلَّت المناقشة في أحسن مظاهرها.
ثم هذا النوع من الصراع أليق الأنواع بالإنسان، وهو الأمل الوحيد في أن يحلَّ محل كل نزاع وصراع، فيحلُّ بالرأي ما كان يحلُّ بالحرب، ويحلُّ بالجدل والمناقشة ما كان يحلُّ بالإضراب، وما كانت «عصبة الأمم» في أسمى أشكالها وأرقى مناهجها إلا ضربًا من هذا، ونزوعًا إلى تحكيم العقل بدل تحكيم السلاح، وإحلال الرأي محل السيف.
لقد كان التباهي قديمًا بقوة العضلات وكبر الحجم، فكانت المشاكل تحل بالقوة؛ بقوة الجسم والسلاح، ثم نمت في الإنسان قوة عليا غطَّت على القوة الأخرى، وهي «قوة العقل»، فلمَ لا يكون التحاكم إليها والقول الفصل لها؟
إنما الحرب أثر من آثار القوة المادية، ونزعة عتيقة من نزعات القرون الأولى، ولم يعد يليق بمقام الإنسان من أنواع الصراع إلا صراع الآراء والأفكار.

الفصل السابع والعشرون
النقد والتقريظ


أصل كلمة النقد من نقد الدراهم، وهو امتحانها ومعرفة الجيد منها، فهي بهذا المعنى لا تقتصر على ذكر العيوب والتشهير بها، بل تدل على استعراض الشيء والوقوف على محاسنه ومساويه.
وقد تستعمل في معنى الذم والعيب خاصة، ومنه حديث أبي الدرداء: «إن نقدت الناس نقدوك، وإن تركتهم تركوك»، فاستعمل الكلمة بمعنى العيب والذم.
وهي بهذا المعنى ضد التقريظ، فالتقريظ مدح الشيء والثناء عليه، مأخوذ من قرظ الجلد دبغه بالقرظ، وقرظه بالغ في دباغه، وسموا المدح تقريظًا؛ «لأن المقرِّظ يحسِّن ويزيِّن صاحبه كما يحسن القارظ الأديم»، وبهذا المعنى يستعملها الكتَّاب المحدثون، فيعنون بالنقد ذكر المساوئ، وبالتقريظ ذكر المحاسن.
ولست أعرض في مقالي هذا للكلمتين من الناحية الأدبية، فلا أعرض لمذاهب النقد الأدبي ومقاييسه، كما لا أعرض لأساليب التقريظ وألوانها، وإنما أعرض لظاهرة نفسية تلفت النظر؛ هي أن الناس على اختلاف درجاتهم في البداوة والحضارة والرقي والانحطاط، مولعون بالنقد أكثر من ولوعهم بالتقريظ، ومولعون بالبحث عن العيوب وإظهارها والمبالغة في تصويرها أكثر من ولوعهم بالبحث عن المحاسن وإظهارها وتصويرها، وهم في ذلك بين اثنين: إما ممثِّل على المسرح يمثِّل دور الباحث عن العيوب المتجسس على السقطات، يستبشر كلما عثر على خفايا الزلات، ويقيس نجاحه بمقدار ما كشف من أخطاء، وإما شاهد لهذا المنظر، أكثر ما يهتم له العيب الفاضح والسقطة الشنيعة، يطيل التصفيق لكاشف الزلل، ويمنح الإعجاب من أصاب من آخر مقتلًا.
ومظاهر ذلك في الحياة كثيرة، فلا تكاد تجد عظيمًا بإجماع، ولكنك كثيرًا ما تجد أصاغر؛ لأن النفوس ترتاح لمنظر الحقير إذ خرج من ميدان المنافسة، ونزل عن مستوى المقارنة، ويضنيها العظيم فتتلمس وجوه النقص فيه، وتخلقها إن لم تكن، وتبالغ فيها إن كانت؛ لأن العظيم يكلفها العناء في إدراك شأوه وبوغ منزلته.
ومن مظاهر ذلك، أن مجلات عديدة في العالم كله تعيش على النقد، وليس هناك — فيما أعلم — مجلات تعيش على التقريظ، وقد أدركتْ هذه المجلات إدراكًا صحيحًا هذه الظاهرة النفسية، ورأت أن رواجها يكون أتم كلما ارتفعت نغمة هجوها، وكلما كان نقدها أقذع وسهامها أنفذ، والجرائد في العالم تبذل المدح بالحَبَّة والنقد بالقنطار، ومن آية ذلك أن الناس في كل أمة يقدِّرون — غالبًا — جرائد المعارضة أكثر من قدرهم جرائد التأييد، فإذا تغيرت الحكومات وأصبحت جرائد المعارضة بالأمس جرائد تأييد اليوم، نزلت قيمتها من ناحية أنها لم تعد تروي رغبات الناس وشهواتهم.
ثم، ما النقد الأدبي؟ أليس هو في الغالب إرضاء لعاطفة البحث عن الغلط والتشهير به؟ إذا مدح النقاد فبحذر وقدر، وأكثر مدحهم «طُعم» يستدرجون به القراء لإقناعهم بأنهم عدول في تقديرهم، منزَّهون في ذمهم ومدحهم، حتى إذا اطمأن لهم القارئ بالغوا في النقد وأسرفوا في اللوم، وأكثرهم الناشئين من الأدباء يتطلَّبون الشهرة من طريق مهاجمة النابغين والتعرض لهم، والتسميع بهم، حتى إذا تصدوا للرد عليهم رفعوا من شأنهم؛ إذ جعلوهم في منزلتهم، وقديمًا حكى لنا «بشار بن برد» أنه — وهو ناشئ — هجا جريرًا، فأعرض عنه واستصغره، ولو أجابه لكان — كما يقول — أشعر الناس؛ قد يكره الناس الناقد الجريء، ولكنهم يهابونه ويلتفتون إليه ويشجعونه على أن يبني نفسه من أنقاض ما هدم من غيره.
ومما نلاحظه ارتياح الناس للهازئين الساخرين، وما يصدر منهم من هزء وسخرية، على شرط ألا يكونوا هم موضع الهزء والسخرية، فأوسع أبواب الظرف والكياسة، وأشد ما يستخرج الضحك والإمعان فيه، ما لذع به الناس في أعراضهم وأخلاقهم وملكاتهم، والذي يعده الناس لطيف الروح خفيف الظل، بارع الظرف، هو مَن يومئ الإيماءة الفاتكة، ويرشح لسانه باللفظ يقتل به البريء الغافل، ويضحك به اللاهي الماجن.
وقد تقام حفلات التكريم للإشادة بصفات عظيم، أو التنويه بما قام به من عمل جليل، ولكن أكثرها حفلات تأبين، تقام بعد أن اختفى المحتفَل به عن المسرح وغاب عن الأنظار، أو بعد أن أعجزته السن وخرج من ميدان العمل والمنافسة، أو هي حفلات تجارية أقيمت لمنفعة المحتفِلين لا المحتفَل بهم؛ الحق أن هذه العاطفة — عاطفة البحث عن الخطأ وإذاعته، والولوع بالنقد أكثر من الولوع بالتقريظ — عاطفة تشارك الإنسان في جميع أدواره.
وتعليلها — على ما يظهر — يرجع إلى غريزة الأثرة وحب النفس، كأن الإنسان يرى أن القول بعيوب الناس يتضمَّن القول بتفوقه، والتشهير بأغلاطهم إقرار سلبي بنبوغه، والعمل على تحقيرهم قد يُنتِج مع الزمن انفراده بالعظمة، والسخرية منهم تستتبع الاعتراف بجلاله وحده.
ولكن المدنية والحضارة، والرقي العقلي والخلقي، تهذِّب من هذه العاطفة كما تهذب من سائر العواطف؛ فالناقد المهذَّب يكتفي بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة دون التجريح، يقول ما في نفسه، ولكن يتخيَّر الألفاظ ويتخيَّر المواقف، ويترفَّع عن ألفاظ الغوغاء وأساليبهم، والمقارنة بين الجرائد والمجلات، وأساليب النقد في الأمم المختلفة تؤيد هذا كل التأييد.
لو سار الأمر على المعقول لخفَّ كثير مما يصدر من لوم ونقد؛ لأن أساس إمكان المسئولية، فإذا لم تكن فلا لوم، فلسنا نلوم المرضى إن لم يأتوا بأعمال الأصحاء، ولا نلوم البدوي كما نلوم الحضري، ولا نلوم الجاهل بما نلوم به العالِم، ولا نلوم الطفل في المدارس الابتدائية إذا لم يحلَّ معادلة جبرية أو نظرية هندسية.
إنما نلوم الإنسان عندما يكون في الإمكان أن يفعل خيرًا مما كان، ولو قدر اللائمون تقديرًا حقًّا ما يحيط بالملوم من حالة عقلية وجسمية وبيئة اجتماعية، ومن عوامل خفية معقدة يصدر عنها العمل، لخففوا من غلوائهم، ولطَّفوا من لومهم، ولعلموا أن استحقاق اللوم نسبي يرتبط بالسن، وبدرجة الثقافة والمدنية، وحالة الفرد في أمته، وموقف أمته في العالم.
ولو سار الناقد على المعقول، لوقف موقف المصلِح لا موقف الجاسوس يهمُّه أن يرى الخطأ ليبرهن على كفايته، ويسرُّه أن يرى العيب ليقبض على فاعله، وكلما أوغل في استكشاف العيب الدفين، وتعمَّق في إظهار جريمة مستورة، كان أدلَّ على قدرته ونبوغه، ويأسف إن لم يكن عيبٌ؛ كأنه يشعر شعورًا باطنيًا أنه إرهاص بأن لا حاجة إليه.
والمصلح يستكشف العيب لا ليشهر به، ولكن ليعالجه، وأقصى أمانيه ألا يكون عيبٌ، وإذا كان فأن يداوى، ويعتقد أن مهمته تتم — مع السرور — يوم يزول المرض ويتلاشى النقص، وأنه بنقده ولومه إنما يصف دواءً يستأصل الداء ويأتي عليه، وأسوأ ما نرى أن يكون الناقد كالفرس الجموح ينال من الناس بهوجه وخبطه، أو أن يقف في نقده موقف الغرِّ يداعب بالنار، أو الطفل يلعب بالسكين.

الفصل الثامن والعشرون
عبادة الماضي


أتظن أن الناس يعبدون إلههم وحده؟ ويقيمون له الشعائر وحده؟ ويطيعونه ويعظمونه وحده؟
كلا، إن هناك معبودًا آخر للناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم، يطيعونه ويخضعون له، ويقدسونه ويصدرون عنه فيما يفعلون ويتركون، وهو الماضي الحافل بتقاليده وأفكاره وأعماله.
لئن كانت ميزة الإنسان الكبرى هي تطوره وقدرته على التغيير والتحسين والتجديد، فإن فيه عنصرًا قويًّا موروثًا من أصله الحيواني، هو عنصر الثبات والاستقرار، وبقاء القديم على قدمه.
هل رأيت القطيع من الغنم يسير أمامه حمار يهديه ويرشده، فإن سار الحمار يمينًا سار القطيع يمينًا، أو يسارًا فيسارًا، وإن قفز عقبة قفز كل القطيع وراءه، واحدة بعد أخرى؟
في الإنسان شبه كبير من هذا المنظر، فهو في أغلب أعماله لا يعمل العمل أو يتجنبه لأنه وزن منافعه ومضاره وحسب نتائجه، ولكن لأن من قبله من الناس عملوه أو تركوه، والجيل اللاحق يتبع الجيل السابق بالتقليد؛ كقطيع الغنم في سيره وفي قفزه.
•••

ماذا نأكل وماذا لا نأكل، وماذا نشرب وماذا لا نشرب، وكيف نأكل ونشرب، وماذا نلبس وكيف نلبس، وكيف نحترم وكيف نحتقر، وكيف نبدأ التحية وكيف نردها، وما الأعداد التي نتشاءم منها والتي نتفاءل منها، ولمَ نحارب وكيف نحارب، ونظام الحكومة وكيف يكون، وأساليب الشعراء في شعرهم وبحور الشعر وأوزانها، وأساليب النثر، وآداب اللياقة، واحترام الأغنياء واحتقار الفقراء، وآلاف الآلاف من الأمثلة في الحياة المادية والسياسية والفنية والاجتماعية والعقلية والاقتصادية، لم نفعلها لأننا درسناها وعرفنا خيرها وشرها، ولكن هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وإنَّا على آثارهم لمقتدون.
وليس يستطيع أن يظهر فوق لجة الماء، ويكافح ضد التيار، إلا أفراد أقلَّ من القليل، يظهرون على توالي الأجيال، ويستطيعون أن يكفروا بعبادة الماضي، وأن يزنوا الأمور بقيمتها الذاتية، لا بالتقاليد المرعية، ويفرقوا بين السخيف والمعقول، وما يستحق البقاء وما يستحق الإعدام من النظم والأفكار والعادات؛ كم من آلاف السنين مضت قبل أن يرى الناس عبادة الأصنام سخف، وأن استرقاق الإنسان لأخيه الإنسان عار … وكم من آلاف السنين مرت ولمَّا يدرك قادة الأمم أن الحرب وحشية! وهكذا.
من البديهيات أن كل نظام يوضع يجب أن يكون لخير الأمة، وأنه يجب أن يُبحث ليُتبيَّن خيره، وأنه إذا تبيَّن نفعه يجب أن يبقى، وإذا تبين ضرره يجب أن يُلغى، ولكن هذه البديهيات العقلية في ناحية، والعمل الذي يجري عليه الناس في ناحية أخرى، وقلَّما يعملون ما يعقلون، إنما يعملون ما يقلدون.
تقدم الغرب في هذا الباب خطوة، فوضع كثيرًا من الأشياء المادية في «المعمل»، وأجرى عليها الاختبار والتجارب، وأصغى إلى نتيجة الاختبار والتجارب، فقلب زراعته وجعلها على أساس العلم لا على أساس التقاليد، وكذلك فعل في الصناعة، واخترع أدوات الحضارة، ولكنه لم يضع في «المعمل» النظم الاجتماعية والآراء السياسية والاقتصادية ووسائل السلم والحرب، ولم يجرِ عليها الاختبار والتجارب كما فعل في المادة، ولا يزال يصغي فيها إلى صوت التقاليد ولا يزال يعبد الماضي.
•••

أما الشرق، فغلبت عليه عبادة الماضي في الماديات وغيرها، فلا يزال يزرع كما كان يزرع أجداده، ويصنع كما يصنع أجداده، ويخضع للنظم المالية والسياسية والاقتصادية، كما كان الشأن في القديم، إلا في القليل النادر، ومع هذا، فكلٌّ من الشرق والغرب يعبد الماضي، وإن اختلف مقدار العبادة ووجهها … ولو وفِّق الناس إلى من يهديهم أن يضعوا كل شيء، وكل مشروع، وكل اقتراح في «أنبوبة الاختبار»، ويقيسوه بمقياس المنفعة العامة، لا بمقياس عبادة الماضي، لقفز العالم إلى الأمام قفزة واسعة، وحقَّق كثيرًا مما يرجو من سعادة.
•••

إن العالم الآن مختل التوازن، وسبب هذا الاختلال أنه وزن بعقله بعض الأشياء، وسار عليها بمقتضى العقل، ووزن بعض الأمور بميزان الشعور الصحيح الصادق، وسار عليها بمقتضى الشعور، ولكنه في نواحي السياسة والاجتماع والاقتصاد لا يزال مقيَّدًا بعبادة الماضي، فكان كمن فُكَّت يداه، ولا تزال مغلولة قدماه.
ما هذا الفزع الذي استولى ويستولي على نفوس الناس؟ ما هذه الضحايا التي بذلت في الحروب؟ ما هذه الفوضى والاضطرابات المتفشية في كل أنحاء العالم؟ لا سبب لهذا كله إلا أصنام يعبدها الناس؛ وخاصة قادة السياسة ورؤساء الحكومات وزعماء رجال الأعمال والأموال؛ وأحد هذه الأصنام وأضخمها، صنم اسمه الاستعمار والتوسع في الفتح والملكية، فالأمم الفائزة في الحرب تتسابق في عبادة هذا الصنم من غير تفكير، إلا أن السابقين عبدوه من قبل فليعبدوه هم، ولكن هل بحثوا بحق وعدل واطمئنان فوائد الاستعمار ومضاره حتى للمستعمرين أنفسهم؟
ما هي النتيجة لو حسب ما يستغله الفاتحون من أموال المفتوحين، وماذا يكلِّفهم ذلك من نفقات الجيوش والأسلحة في السلم والحرب، وما يكلفهم من ضحايا في الأنفس بجانب الضحايا في المال، فضلًا عن الحزازات النفسية الدائمة؟ الاستعمار لهذا الغرض — والنتيجة لا محالة أن الأضرار أكبر من المنافع — أم الاستعمار للحصول على المواد الخام من الأمم المفتوحة؟ فهل حسب حساب الفروق بين احتكار المواد الخام، وجعلها عرضًا مشاعًا للجميع فيشتريه كل من قدر عليه، وما يسببه الحل الأول من حرب، وما يسببه الحل الثاني من سلم؟ وهل بُحثت العلاقة بين الاستعمار وسعادة الأمم فرئي أن سعادة الأمة بقدر ما تستعمر؟
الحق أن هذه المسائل وأمثالها كلها تُبحث في «المعامل» كما بٌحثت المسائل المادية، وإنما فعلها الأولون لبقايا وحشية فيهم، وفعلها الآخرون عبادة للصنم القديم.
•••

وقلْ هذا في النظم الاقتصادية، فهي لمنفعة الأقوى لا منفعة الأحق، وهي تساعد السلَّاب النهَّاب على السلب والنهب، أكثر مما تساعد المستقيم العفيف على نيل حقه.
وإنما يمنع من تغييرها مع ظهور خطئها أنها صنم قديم يعبد، وليس من يشجع على تكسير الأصنام.
ومن عجيب الأمر أن عبَّاد الأصنام القديمة أسعد بالًا وأكثر اطمئنانًا، ويصفِّق لهم ويرحِّب بهم مَن يشقى بنظامهم، فإذا دعا داعٍ إلى كسر الصنم، ووزن الأمور بميزان العقل، ووضع المسائل في «المعمل» تحت التجربة والاختبار، فهو المغفل، وهو الخائن، وهو الذي يُرجم بالحجارة، ومما يزيد الأمر سوءًا، أن زمام العالم في يد حفنة من الناس تسيِّرهم النزعات القديمة وعبادة القديم؛ إما عن اعتقاد منهم أو لضغط البيئة عليهم، ودعاة «المعمل» والاختبار لا شيء في أيديهم، ودعاة الأصنام القديمة كل شيء في أيديهم.
ألا تستطيع كل الأهوال التي لقيها الإنسان في هذه الحرب — وما كان أقساها! — وما يجد الآن من وفوضى وقلق واضطراب وفزع، أن تكشف الغطاء عن بصره، فيرى أنه كان مفتونًا بعبادة أصنام لا تضر ولا تنفع، وأن عبادتها سبب كل ما هو فيه من شقاء، فينتقم منها ويحطمها، ويرى أن الحق وحده — لا القديم — أولى بالعبادة؟!
هذا هو الأمل الوحيد، وإلا فويل للإنسان!

الفصل التاسع والعشرون
الأخلاق السياسية


سيطرتها اليوم وأثرها في حياة الشعوب
يخطئ من يظن أن الأخلاق السائدة في العالم اليوم هي الأخلاق التي وردت بها الأديان وقررها في كتبهم فلاسفة الأخلاق.
إنما السائد الآن نوع من الأخلاق يصحُّ أن نسميه «أخلاقًا سياسية».
وأهم فرق بين الأخلاق التي أتت بها الأديان وتعاليم الفلاسفة، وبين الأخلاق السياسية التي نتخلق بها اليوم، أن الأولى مؤسسة كلها على اشتراك الناس في الحقوق والواجبات على حد سواء، فإذا أمرت بالعدل طالبت به الناس كلهم، لا فرق بين أسودهم وأبيضهم، ولا فرق بين أفريقي وأسيوي وأوربي، ولا فرق بين أن يعامل الإنسان فردًا من أمته أو فردًا من أمة أخرى.
أما الأخلاق السياسية، فمحورها وأساسها نفع الأمة التي ينتسب إليها الفرد، وبعبارة أخرى: إن الأخلاق الدينية والفلسفية جعلت غايتها عالمية؛ فهي ترمي إلى حسن علاقة الناس جميعًا بعضهم مع بعض، من غير نظر إلى جنس ولا إلى لون ولا إلى وطن، وتضع تعاليمها على هذا الأساس، وتجعل مثلها الأعلى أن يسلك الناس السبيل التي يرقِّي مجتمعهم «ككل»؛ فهي تنظر إلى العالم كعالم لا باعتبار أنه مكوَّن من عدة أمم، وتنظر في تعاليمها إلى الناس كمجموعة واحدة، تنظِّم علاقاتهم، وتصلح من شئونهم، وتضع المبادئ العامة التي توصل إلى خيرهم؛ مثل المبدأ الإسلامي: «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به»، ومثل مبدأ (كانت): «اعمل فقط ما يصح أن يعمله كل الناس»، ومثل مبدأ مذهب المنفعة القائل: «إن العمل خير إذا سبَّب من اللذة أكثر من الألم لكل مخلوق»، وهكذا.
أما الأخلاق السياسية، فنظرت إلى الأخلاق نظرها إلى «القانون»؛ فكما أن لكل أمة قانونها، فكذلك لكل أمة أخلاقها، فمحور الأخلاق السياسية خدمة الأمة التي يعمل لها الساسة، بقطع النظر عن غيرها من الأمم؛ فإذا كان هناك عمل ينفع الأمة ويضر سائر الأمم، فالأخلاق العامة تنهى عنه وتحذر منه، وتجعله شرًّا ورذيلة، على حين أن ساسة هذه الأمة يرون الإتيان به فضيلة ونبلًا، وإن تضررت منه كل الأمم!
وقد عبر القرآن عن ذلك بحكايته عن قوم من اليهود كانوا يرون أن الأمانة إنما تجب على اليهودي لليهودي لا لغيره من العرب ويقولون: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ.
وقد كان اليونان في أيام سلطانهم، والرومان في سطوتهم، ينظرون هذا النظر الضيق في تقويم الأخلاق؛ فالأخلاق تجب على اليوناني لليوناني لا لغيره، والناس ينقسمون إلى قسمين: يونان ومتوحشين، والفضيلة إنما وُضعت عند معاملة اليوناني لمثله، إذا عامل اليوناني غيره فليس هناك فضيلة واجبة، وهكذا كان الشأن عند الرومان، ولعل اضطهاد الرومان النصرانية كان من أسبابه الكبرى ما أتت به النصرانية من نظرة أخلاقية عالمية، على عكس ما أتت به روح الدولة الرومانية، ولعل من أسباب اضطهاد اليونان لسقراط أيضًا والحكم بموته، تعاليمه الفلسفية العامة، مقاومًا بذلك تعاليم اليونان الخاصة كما قال الأستاذ «مكدوجل».
ولكن على الرغم من تعاليم الإسلام والنصرانية، وعلى الرغم من تعاليم فلاسفة الأخلاق، فالذي يسود أوربا الآن هو الأخلاق السياسية القومية، لا الأخلاق الدينية والفلسفية العامة؛ فالإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني يقوِّم الأعمال من ناحية أمته لا من ناحية الإنسانية عامة، فإذا عُقدت معاهدة لم ينظر السياسيون إلا إلى أمتهم، هل تنتفع بهذه المعاهدة فيمضوها أو لا تنتفع فيرفضوها، والأمة المقترحة والأمة المشتركة في التوقيع لا تنظر في ذلك إلا إلى نفسها، وقلَّ أن تنظر في ذلك إلى ناحية عالمية أو ناحية إنسانية!
وعند إعلان الحرب أو عقد الصلح لا تنظر كل أمة إلا هذا النظر؛ والسبب في هذا أن مفهوم العدل عند هؤلاء الساسة مفهوم ضيق، ومثلهم مثل شيخ القبيلة الذي سئل عن معنى العدل فقال: «إذا أغرتُ على قبيلة أخرى واستلبت إبلها فهذا عدل، أما إن أغارت عليَّ واستلبت إبلي فهذا ظلم»، فالعدل والظلم دائران حول المصلحة الذاتية، أو بعبارة أدق: حول المصلحة القبلية أو القومية، لا حول المصلحة العامة، وربما كان الداعي إلى هذا تغلُّب الروح الوطنية على الأمم، وإخضاع الأخلاق لحكمها، وأن الحكم بأن هذا الشيء في مصلحة الإنسانية أو في ضررها حكم أكثر تعقُّدًا من الحكم بأن هذا الشيء في مصلحة الأمة، فعقول الناس إلى اليوم لم تقوَ على هذا السمو الذي تحكم فيه المصلحة الإنسانية فتقبل العمل أو ترفضه.
ولذلك نرى أن في كل أمة أفرادًا فلاسفة — يختلفون قلة وكثرة — ينتقدون هذه الأنظار الضيقة في تقويم الأعمال، ويدعون إلى النظرات الواسعة، ولكنهم — مع الأسف — ليسوا القابضين على زمام الأمور، ولا هم المتصرفين في شئون الدول، فقلَّما تجد دعوتهم سميعًا، والسبب في تفوق رأي الساسة على رأي الفلاسفة أن الساسة لا الفلاسفة هم ظلُّ الرأي العام ولسانه الناطق، والفلاسفة يحتاجون إلى زمن طويل حتى تتقطَّر آراؤهم إلى الشعب، والرأي العام — كما لاحظ بعض الفلاسفة — أكثر أنانية وكبرًا وتعصبًا من الفرد.
ومن أهم شرور هذه الأخلاق السياسية — بالمعنى الذي شرحنا — ما تستلزمه من نفاق؛ وذلك أن هذا النوع من الأخلاق مؤسَّس — كما ذكرنا — على الشعور القومي الوطني، والأمم مهما خلت من شعورها الوطني لا يمكن أن تنسى عقلها ولا دينها ولا إنسانيتها؛ فقدر كبير من النفاق لا بد منه للساسة ليوائموا بين الشعور والفكر وبين الوطنية والإنسانية، وبين حكم العواطف وحكم العقل، وأشد أوقات الحاجة إلى ذلك النفاق الأزمات وأوقات الحروب؛ لأن الأمم في مثل هذه الأوقات تغلي مشاعرها الوطنية، وتهتاج عواطفها حفظًا على كيانها، والساسة مضطرون إلى إيقاد هذا الشعور حتى تتقدَّم الأمة بما يجب من تضحية، ولكن في مثل هذه المواقف يستيقظ العقل أيضًا فيكثر التساؤل: ما فائدة هذه الحروب للإنسانية، وماذا يكسب العالم، وماذا يخسر منها؟
وليس يمكن التوفيق بين هذه المشاعر اليقظى والعقول الصاحية إلا بضروب كثيرة من الخداع والنفاق، فتُدَّعى الدواعي العريضة — عند ذاك — في أن الحرب لخير الإنسانية، ولنشر المدنية، ولمحاربة الهمجية، ولإذاعة الثقافة، ولتمدين الشعوب البربرية، ونحو ذلك، والغرض من هذا كله محاولة إقناع مشاعر الشعوب وعقولهم معًا، وأحيانًا تُستغل العاطفة الدينية أيضًا من هذه الناحية، فيُدَّعى أن الحرب لنشر الدين الصحيح في العالم وهكذا، والناظر في الأدب الذي تنتجه الحروب يرى مصداق هذا في وضوح وجلاء، والتاريخ السياسي للأمم المختلفة مملوء بالدعاوى من هذا القبيل.
والمتفائلون من الفلاسفة وعلماء الأخلاق والاجتماع يرون أن العالم سائر من هذه الأخلاق السياسية التي أساسها الوطنية، إلى الأخلاق العامة التي أساسها الإنسانية، ولكن يقلل من تفاؤلهم ما يرون من أنه كلما سنحت فرصة للقرب من هذه الغاية استطاع رجال السياسة أن يحولوها لخدمة الوطنية لا الإنسانية، كما فعلوا في «عصبة الأمم»؛ فقد كانت أسسها التي رمى إليها واضعوها إنسانية بحتة، فما زال الساسة بها يعدِّلونها ويحوِّرونها حتى سلبوا روحها، وقلبوا وضعها، وجعلوها حزبية لا عالمية!
وكان المتفائلون من هؤلاء الفلاسفة يرون، قبل الحرب العظمى، أن المبادئ والأفكار العامة التي انتشرت بين الناس تبعد احتمال وقوع حرب كهذه، فلما وقعت على حال أسوأ مما تخيلوا، شعروا بخيبة الأمل وبُعد الرجاء، ولكنهم مع هذا كله لم يفقدوا أملهم، ولم يعدلوا عن نظريتهم، ورأوا أن هذا هو الطريق الطبيعي للإنسان، وأن ما قطعه في الماضي يدل على اتجاهه في المستقبل، فهو من حين إلى حين يتسع أفقه؛ فقد كان لا يرى إلا نفسه، ثم صار لا يرى إلا قبيلته، ثم صار لا يرى إلا أمته، فسيأتي عليه زمن يرى عالمه، ويقوِّم الأخلاق تقويمًا عالميًّا لا تقويمًا قوميًّا، كما تتطلَّب الفلسفة والأديان.
ومشكلة المشاكل في هذا الصراع من الناحية السياسية والأخلاقية أن الأخلاق القومية والنزعة الوطنية أفادت العالم فوائد لا تنكر، فهذا التسابق إلى المجد بين الأمم، وهذا التناحر المستمر، والصراع الدائم، وحب الغلبة، كان له أكبر الفضل في المخترعات التي اخترعت، وفي النظريات العلمية التي استكشفت، وفي جميع التحسينات التي أُدخلت على الشئون الاقتصادية والاجتماعية إلى غير ذلك؛ فهذه كلها إنما تقدمت هذا التقدم السريع بفضل العداء لا بفضل المسالمة، وبفضل التعصب القومي والتحزب الوطني، فلو أننا أحللنا مكان هذه النزعة نزعة إنسانية عامة، وأسسنا الأخلاق على أسس عالمية، وطالبنا الساسة أن ينظروا في قراراتهم ومعاهداتهم وجميع شئونهم إلى الناحية الإنسانية الصرفة، فهل يظل العالم في تقدمه السريع ونجاحه المستمر أو تقل الحماسة وتفتر الهمم؟
والحق أنها مشكلة كبيرة، وهي وإن كانت صعبة الحل فليست مستعصيته، وكل ما في الأمر أنها تحتاج إلى مجهود عالمي جبار يُصرَف في وضع التربية على أسس جديدة يكون محورها الإنسانية لا الوطنية، والعالمية لا القومية، وتكون غايتها تعويد الفرد أن يتحمس للأخلاق العامة، وأن يقيس الخير والشر بمقياس النفع للإنسانيته لا لأمته، وأن يغار على الخير للناس أكثر مما يغار على الخير لأمته، وأن يقدم في ثبات على فعل ما يضر أمته إذا كان فيه نفع للإنسانية؛ على أن الناس إذا بلغوا منزلة عالية سامية زال كثير من التعارض، ورأوا أن الخير لأشخاصهم والخير لأمتهم والخير للإنسانية شيء واحد، وأن التعارض إنما ينشأ من ضيق الأفق وقصر النظر.

الفصل الثلاثون
القوى الضائعة في الأمة


إذا نحن نظرنا إلى ماكينة من الماكينات وجدنا أنها إنما تكون صالحة وفي حالة جيدة إذا أدَّت الغرض منها كاملًا في الزمن المعقول، وبنفقات معقولة؛ فالسيارة — مثلًا — إنما تكون في حالة جيدة إذا قطعت المسافات المقررة لها بمقدار من البنزين يناسب سرعتها، ويناسب حجمها، ونحو ذلك، فإذا أنفقتْ بنزينًا كثيرًا في مسافة قصيرة دلَّ ذلك على فسادها، وأن قوتها لم تؤدِّ واجبها.
كذلك الشأن في الأمة، تعمل فيها قوى كثيرة: قوة لتحصيل الغذاء وتوفير وسائل العيش من زراعة وتجارة وصناعة، وقوة لتوفير الأمن والرفاهية، وقوة لأداء مصالح الناس، وقوة للتعليم والتثقيف، وقوة للإنشاء والتعمير، وغير ذلك من القوى؛ والأمة تعد راقية تمام الرقي، إذا كانت كل قواها تعمل لتحقيق أغراضها في أقصر فرصة ممكنة وبالمجهود المناسب.
فإذا عُطِّلت بعض القوى فلم تعمل، أو أنتجت إنتاجًا صغيرًا في زمن طويل، أو عملت القوى أعمالًا متعاكسة بعضها يهدم بعضًا، أو بعضها يعوق بعضًا، دل هذا على تأخر الأمة وانحطاطها.
ولم تصل أمة من الأمم إلى حد الكمال في هذا، بحيث تعمل كل قواها متعاونة متناغمة، وتعمل لتحقيق غايتها في أقرب وقت بأقل جهد، ولا يكون منها قوى تالفة أو متعاكسة، ولكن الأمم على العموم تتفاوت في هذا تفاوتًا كبيرًا بمقدار التآلف ومقدار التعاون أو التجاوب، ومقدار المجهود الذي يُصرف والزمن الذي يُنفق.
فلننظر الآن في القوى الضائعة في الأمة …
فمن الناحية المادية، نرى أراضي كثيرة صالحة للزراعة ولم تزرع، وصحراء وجبالًا ووديانًا وبحارًا وأنهارًا مملوءة بالمعادن والزيوت والقوى الكهربية ونحو ذلك، وهي صالحة لأن تدرَّ كثيرًا من المنافع ثم لم تستخدم، فهذه قوى ضائعة، ومن ناحية أخرى نرى كثيرًا من الناس يستهلكون ولا ينتجون، فأفراد الأمة الذين لم يعلموا ولو علموا لأنتجوا نتائج عظيمة، والمرضى الذين يقعد بهم مرضهم عن العمل ولو عولجوا لصحوا وأنتجوا، والذين يكسبون من الوسائل الدنيئة كالقمار والغش والخديعة … كل هؤلاء وأمثالهم قوى ضائعة لو وُجِّهت الوجهة الصحيحة لأنتجت نتاجًا حسنًا، كذلك الكسالى، والذين يكسبون من الإجرام، والذين لا يعملون ولكن يأخذون مجهود غيرهم ويتلفون في ترفهم وسرفهم وشهواتهم، والذين يدمنون على الخمر والمكيِّفات المختلفة من حشيش وأفيون وكوكايين مما يضعف الصحة ويضيع المال، هي قوة ضائعة.
كذلك من القوى الضائعة إتلاف المال في المظاهر التي لا قيمة لها ونحو ذلك، كلها قوى ضائعة كان يمكن استخدامها في النفع لا في الفساد.
ومن هذا القبيل الكفاءات الضائعة، ومن أمثلة ذلك: أن الطلبة في المدرسة الثانوية والعالية لا يعرفون نوع كفايتهم، وليس هناك من يوجههم، فطالبٌ استعداده نظريٌّ ويُوجَّه وجهة عملية، وطالبٌ استعداده عمليٌّ ويُوجَّه وجهة نظرية، ومن يَصلُح للقوانين يدرس تجارة، ومن يصلح للتجارة يدرس هندسة؛ وحسبك دليلًا على ضياع هذه القوى أن تنسب إلى عدد من يتخرج في هذه المدارس العالية إلى عدد من تخلَّف في الطريق وضاعت كفايتهم، ولو كانوا وُجِّهوا وجهة صحيحة لكثر لإنتاج، وكان نتاجًا طيبًا تبرز فيه الكفايات.
والمسئول عن ذلك أولياء أمور الطلبة، ونظام التربية الذي لا يستكشف الكفايات ولا يوجِّهها وجهة صحيحة، ثم ما نرى من رجال يعملون عملًا غير الذي أُعِدُّوا له؛ فمتخصص في الطب يشتغل سياسيًّا، ورجل أعمال يشتغل موظفًا في الحكومة، وذو كفاية ممتازة في الإدارة يعمل في وظيفة كتابية، إلى جانب ذلك عدد كبير يشتغل — مثلًا — في المحاماة، والأمة أحوج إلى أطباء، أو عدد كبير يزدحم على مكاتب الحكومة والأعمال الحرة مقفرة … وهكذا من آلاف الأمثلة التي تضيع فيها الكفايات، والأمة الصالحة هي التي تكتشف الكفايات وتعرف كيف تستغلها.
والذي يوجِّههم إلى ذلك ليس الكفايات، ولكن الرغبات الكاذبة في المنصب أو الجاه، ويوجِّههم إلى ذلك أيضًا الرغبات الفردية لا مقدار حاجة الأمة إلى النوع.
وبالأمس قرأت لكاتب أمريكي يروي أنه راقب قطع أشجار في شارع من شوارع مصر استغرق ثلاثة أشهر، وكان يمكن أن يُعمَل في ساعة أو ساعتين!
ولو حسبت حساب ما تنتجه من العمل عامة، وما يصرف من الزمن، لراعك مقدار الوقت التالف، ثم لو نظرت إلى مقدار قوتهم وما يمكن أن ينتجوه لكانت النتيجة مريعة.
كم من الناس لا عمل لهم في الحياة؟
فكم من النساء لا عمل لهن في البيت ولا خارج البيت؟ وكم من المتعطلين الذين يتسكعون في الشوارع أو يقضون أوقاتهم في المقاهي والأندية؟
وكم من المتخاصمين الذين يقضون سنين في المحاكم في نزاع وخصام، ولو حُكِّم العقل لانفض النزاع في ساعة.
إلى جانب ذلك، كم من ملايين الفلاحين يعملون في الأرض بوسائل الزراعة القديمة، ولو استخدمت الآلات الحديثة لعملت في يوم ما يعمله الفلاح في أسابيع؟
وكم من الصنَّاع يشتغلون في الصناعات اليدوية، والآلات الحديثة تنهج أضعاف ما يعملون بأيديهم، ولو استخدمت هذه الآلات لانتفعنا بهؤلاء الفلاحين وهؤلاء العمال وهؤلاء الصناع في أعمال أخرى؟
فهذه أيضًا كلها قوى ضائعة.
ومن القوى الضائعة في الأمة المنافسات الحزبية حول الأمور التافهة، والمهاترات السياسية بدون جدوى، وما يتبع ذلك من خطب واجتماعات وملء فراغ في الصحف، وإفساد لعقول الشبان وسوء توجيههم، وصرفهم عن النزعة القومية النبيلة إلى النزعة الحزبية الضيقة، فكل ما يبذل في هذا الباب قوى ضائعة.
ومن القوى الضائعة المجالس واللجان تثار فيها المسائل، فيطول الجدل العقيم حولها، ويكثر الكلام فيها، وتستغرق مناقشاتها الساعات والأيام والشهور والسنين، وكان يكفي المنطق الصحيح والعقل السليم للبت فيها بسرعة، لولا ما يحيط بها من حب للكلام، وتظاهر بالفصاحة، ولعب المصالح الشخصية الخفية في توجيه المناقشة والجدل واصطناع الحجج.
هذه بعض مظاهر القوى الضائعة في الأمة، وما أكثرها! والناظر إليها يأخذه الرعب من كثرة ما يرى من القوى مع قلة الإنتاج؛ لضياع أكثرها، فمَثَل الأمة في هذا الموقف مَثَل سيارة تستنزف كثيرًا من (صفائح البنزين) لتسير بضع خطوات، أو كوابور مياه يحرق مقدارًا كبيرًا من البترول لاستخراج حفنة من الماء!
حتى لو قلنا إن تسعة وتسعين في المئة من قوى الأمة ضائعة أو مهملة من مثل الذي ذكرنا وأشباهه، وإنها تعيش على واحد في المئة فقط، لم نكن مبالغين ولا مجافين للحق.

الفصل الحادي والثلاثون
امتحان الحياة


إذا امتحنا الحياة الإنسانية — سواء كانت حياة فرد أم حياة مجموع — وجدناها تخضع لقانونين أساسيين:
أولهما: أن الإنسان يمثِّل الرواية التي تمثلها كل الكائنات: كينونة، ثم نمو ونضج، ثم تدهور وفناء، مثله في ذلك مثل كل أنواع النبات والحيوان والجماد والنجوم والكواكب.
وهو خاضع كل الخضوع للبيئة التي تحكمه وتحكم قوته، وتحدد قدرته على المقاومة؛ ولا سيما بيئته الطبيعية من جوٍّ وإقليم وما إليهما.
وقد بدأت الحياة في أرضنا متحدة متشابهة، ثم أخذت تتنوَّع في شكلها وحجمها وعقليتها حسب هذه البيئة، إلى أن وصلت في تنوعها إلى الإنسان، والإنسان نفسه أخذ يتنوَّع إلى أسود وأبيض وأصفر، وإلى بدوي ومتحضر، وإلى راقٍ ومنحط، تبعًا لكل ما يحيط به من بيئة، وكلما تقدَّم الزمان زاد التنوع، وكثر التحول، حتى تصير الأرض إلى غايتها في النمو والنضج، ثم تتدهور وتأخذ في البرود شيئًا فشيئًا فيعتري سكانها الفناء، ويأتي الفناء أولًا لأرقى الأصناف؛ للطفها ورقة حالها، ثم لما هو دونها، إلى أن يأتي على آخرها رقيًّا.
هذه هي الطبيعة، وهذه هي الحياة؛ فالشتاء لا محالة يتبع الصيف، والهرم يتبع الشباب، والفساد يلحق الكون، وليس موجودًا على ظهر الأرض اليوم أحد ممن كانوا قبل مئة وخمسين سنة على أكثر تقدير؛ خضوعًا لقانون الفناء.
يخضع جسم الإنسان لقوانين الطبيعة كما يخضع الحجر، فهو خاضع لقوانين المادة والقوة خضوع الحجر لقوانين المادة والقوة، وبفعل الحر والبرد وكل أحداث الجو فيه فعلها في الحجر، وكل ما هناك من فرق أن قوانين جسم الإنسان معقَّدة أكثر من تعقُّد الحجر، لكثرة تركُّبه.
والجمعية البشرية خاضعة لقوانين الطبيعة ككل شيء، حتى ليمكن إرجاع كثير من المعاني إلى هذه القوانين، فاختلاف الأمم في العادات والتقاليد، واختلافهم في الغنى والفقر، وفي الخمول والنشاط، واختلافهم في الزراعة والصناعة والتجارة، واختلافهم في الآداب والفنون، واختلافهم في العقلية، بل واختلافهم في أنواع الحكومات التي تحكمهم، كل هذا يرجع — إلى درجة كبيرة — لحالة الإقليم الطبيعية التي تسيطر على الإنسان وتحكمه حكمًا لا مناص له منه.
ثم هو يخضع خضوعًا تامًّا لقوانين الحياة، كما يخضع كل جسم حي من نبات وحيوان؛ فبناؤه العضوي يخضع لقوانين الجسم ذي الأعضاء، من توزع الوظائف على الأعضاء، والتعاون بينها، ونموها من داخلها، ونموها من جنسها، فبذرة الورد تنمو لتكون شجرة ورد، والطفل ينمو ليكون رجلًا، والجرو ينمو ليكون كلبًا، وهو يخضع ككل الأحياء لقوانين النشوء والارتقاء؛ يخضع لهذه القوانين كلها كفرد وكمجموع.
بل إن عقله يخضع للقوانين خضوع جسمه وأعضائه، فتكوين المخ والأعصاب يجعل أكثر أعمال الإنسان من شعور وغريزة تأتي عن طبيعته، وتأتي ميكانيكية كأعمال الحيوان، والعقل في كثير من شئون الحياة ليس إلا خادمًا مطيعًا للمشاعر والغرائز، وكثير من العادات التي نظنها اختيارية ليست إلا نتيجة طبيعية لحالة المخ والأعصاب والبيئة، بل الذكاء والغباوة ونوع التفكير ونظامه راجع إلى ما منحه الإنسان طبيعيًّا من مجموع عصبي، وما أحاط به من ظروف.
•••

وبجانب هذا القانون الأساسي: «الخضوع لقوانين الطبيعة»، هناك قانون آخر يعارض الأول ويعاكسه، وهو قانون تعديل الإنسان للبيئة واستخدامها في منفعته؛ فالإنسان منذ وُجد على ظهر الأرض يحاول أن يُخضع قوانين الطبيعة لأمره، وبدأ ذلك بمحاولات قليلة ضعيفة كان يفشل في أكثرها، ولكنه تعلَّم من الفشل كما تعلم من النجاح؛ فكان يمتحن سر فشله ويعيد التجارب حتى ينجح، وكلما تقدم به الزمن زاد نجاحه وقوي أمله، وسيكون من بعدنا أكثر إخضاعًا لقوانين الطبيعة وتعديلها منا، حتى كان من أهم مقاييس رقي الأمم وانحطاطها مقدار معرفة استخدامها لقوانين الطبيعة وتحويلها إلى مصلحتها، وما الزراعة والتجارة والصناعة في جميع أشكالها إلا محاربة لقوانين الطبيعة، أو على الأصح تعديل لها، أو بعبارة أدق: تحويل لها في خدمة الإنسان.
على هذا الأساس، وبهذه الفكرة، اتخذ له مسكنًا يحتمي فيه من قوانين الطبيعة وربى الحيوانات، وعالج المأكولات، واتخذ الملبوسات، وخالف بينها صيفًا وشتاء؛ لقد ضايقته قوانين الماء في البحر فاتخذ السفن يُخضع بها البحر لسلطانه، وعرف قوانين الجذب فاستخدمها في مصلحته، وما المستكشفات والمخترعات وجميع صنوف المدنية إلا تحقيق لغرض واحد، هو استخدام قوانين الطبيعة لخدمة الإنسان، بل ليست الوسائل المعنوية من تربية وتهذيب وإصلاح اجتماعي ودين، إلا لتحقيق هذا الغرض، بل ليست قيمة الوسائل الفنية من أدب وموسيقى وحفر وتصوير إلا أن تزيدنا حياة وتمنحنا قوة نستعين بها على مقاومة قوانين الطبيعة والتغلب عليها.
ومقياس التربية الصحيحة والإصلاح الصحيح والدين الصحيح والفن الصحيح، هو مقدار ما فيها من قوة تجعل الإنسان أصلح لمواجهة قوانين الطبيعة، وليس عمل الأطباء ولا الصيدلة بجميع ما فيها من عقاقير إلا ضربًا من ضروب محاربة قوانين للطبيعة، وكلما تقدَّم الطب كان معنى ذلك أن الأطباء استكشفوا القوانين الطبيعية للأمراض، وأخضعوها لمصلحة الإنسان؛ وليست التعاليم الأخلاقية ولا علم النفس إلا من هذا القبيل؛ كلاهما يعالج النفس كما يعالج الطبيب الجسم، وكلاهما يكتشف القوانين الطبيعية ويحاول إخضاعها.
•••

بين هذين القانونين — قانون الخضوع لقوانين الطبيعة وقانون تعديلها — سر الحياة، وبينهما حيرة العلماء، وبينهما اختلاف أنظار الفلاسفة؛ لقد نظر قوم إلى الحياة من جانب القانون الأول وحده فقالوا بالجبر، وأن الإنسان كالريشة في الهواء، وقالوا بالقضاء والقدر، ونظر قوم إلى القانون الثاني وحده فقالوا بحرية الإرادة، وقالوا بسلطة الإنسان، وأنكروا الحظ وأنكروا القضاء والقدر، وتفلسف قوم فنظروا إلى القانونين معًا، وقالوا إن الطبيعة التي تُخضِع بقوانينها الإنسان قد منحت الإنسان نفسه قدرة على محاربتها والوقوف أمامها لمقاومتها.
والحق أن لا حرب ولا خصام، وأن حياة الإنسان نفسها ضرب من ضروب القوانين الطبيعية، وأن هناك التئامًا بين القوانين الطبيعية والإنسان، وأن هناك «وحدة في الوجود» لا أثينية في القانون، وأن الإنسان لا يحارب الطبيعة، ولكن يندمج فيها ويعيش في وفاق معها، وكلما رقي، فهم أسرارها وقوانينها، وإذا فهمها لم يعدلها، ولكنه يعدل نفسه ليوافقها، وليكوِّن هو وهي نغمات متجانسة لا نشوز فيها، وأن النزاع والخصومة بين الإنسان وقوانين الطبيعة سببه الجهل بها، فيكون شأنه كالطفل يلعب بالنار، والغرِّ يتجرَّع السم يظنه سكَّرًا، والمثل الأعلى للإنسان إنسان عرف كل قوانين نفسه ووفق بينهما؛ كالإناء يوفِّق بينه وبين غطائه، والسيف يختار له ما يوافق من غمده؛ وإذن فلا جبر ولا اختيار ولا خصومة ولا نزاع، ولكن أين هو ذلك الإنسان؟

الفصل الثاني والثلاثون
متاعب الحياة (?)?


الحق أن هناك صنفين من المتاعب: متاعب حقيقية، ومتاعب وهمية، وربما كانت الأخيرة أكثر من الأولى؛ فمن كان فقيرًا لا يجد ما يسد رمقه ورمق أسرته، فهذا مصدر تعب حقيقي، ومن رُزقت بزوج غير صالح فتعبُها منه تعب حقيقي، ولكن هذا وأمثاله قليل بجانب المتاعب الوهمية التي يخلقها الإنسان خلقًا، والتي تعود إلى حالة مرضية في نفسه، أكثر مما تعود إلى سبب خارجي متعب حقًّا.
ولنستعرض الآن نماذج من الناس يتعبون متاعب جمة، ومصدر تعبهم هم أنفسهم، وكان في إمكانهم أن لا يتعبوا إذا غيَّروا نفسيتهم، وأصلحوا من نظرتهم إلى الحياة.
هنالك الرجل الذي لا يعمل عملًا إلا وأغضب من حوله، فإذا وُظِّف أتعب زملاءه بما يجرحهم من كلام، أو ما يصدر عنه من تصرف، وإذا ساق سيارة لم يبالِ بما يصنع في الطريق، وإذا أشرف على أسرة لم يعبأ بزوجته ولا ولده، وإذا تصرَّف أي تصرف في الحياة، استطاع بقدرته العجيبة أن يحوِّل تصرفه إلى معركة مهما كان نوع العمل بسيطًا.
وهناك المرأة التي تخلق من كل شيء سببًا للنزاع؛ حول ما تشتري، وحول ما تلبس، وحول ما تسكن، ولا يعجبها أي تصرف من تصرفات زوجها، ولا يعجبها أي عمل من أعمال أولادها، فهي ناقمة أبدًا، ساخطة أبدًا، متعبة لنفسها ولأسرتها أبدًا.
وهناك الرجل الذي حطَّم أعصابه بسلوكه، وتوقَّع الفشل في كل شيء سيحدث؛ فهو إذا تزوج اعتقد أنه سيفشل في الزواج، وإذا رُزق أولادًا توقع أنهم لا ينجحون في مدارسهم، وإذا سار في الطريق توقع أنه ستصدمه سيارة أو ترام، وإذا عهد إليه عمل توقع أنه لن ينجح فيه، وهكذا؛ فنظرته إلى الدنيا نظرة تشاؤم مستمر، وهذه النظرة كفيلة بأن تنغِصَّ عليه وعلى من حوله معيشتهم.
وهناك العيَّابون والظنَّانون الذين لا يعجبهم العجب، فلا أسرتهم تعجبهم، ولا حكومتهم تعجبهم، ولا الجرائد إذا قرأوها، ولا المجلات إذا تصفحوها، ولا التعليم إذا عرضت عليهم أساليبه، ولا أي نظام في بلدهم يعجبهم، ثم هم يعيبون ولا يقترحون، ويهدمون ولا يبنون، فاسودَّ العالم أمامهم، وسوَّدوه مِن حولهم.
هذه بعض أمثلة من متاعب الحياة الوهمية التي أوجدها الإنسان بنفسه، وخلقها بأوهامه أو أعصابه أو تشاؤمه، ثم رمى نفسه فيها وتعب منها وأتعب من حوله بها، والعالم مملوء بهذه المتاعب الوهمية التي ليس لها علاج خارجي، وإنما علاجها ليس إلا في إصلاح النفس ونظرتها إلى الحياة.
والناس في هذه المتاعب الوهمية كلابس المنظار، فمن لبس منظارًا أسود رأى الدنيا كلها سوداء، ومن لبس منظارًا أبيض رأى الدنيا كلها بيضاء.
وفي استطاعة الإنسان إذا ربَّى نفسه تربية صحيحة أن يتغلَّب على المتاعب الوهمية، بل وكثير من المتاعب الحقيقية؛ نعم، إن هناك متاعب خارجة عن إرادته؛ كمتاعب الغارات الجوية، وكوارث الحرب، وبعض ما أنتجته المدنية الحديثة من شرور، ولكن هذه نادرة الحصول في الحياة العامة للإنسان.
أما المتاعب اليومية الكثيرة الوقوع فيمكن التغلب عليها بتسليح النفس وتقويتها، وأهم سلاح للنفس تستطيع به التغلب على المتاعب قدرتُها على تعديل نفسها على وفق الصعاب التي تعترضها؛ فإذا كانت متاعب الحياة من قلة دخل البيت أمكن بالحكمة في الإنفاق التغلب على الصعاب، وإذا كان التعب من غضب الزوجة أو الزوج، فالعلاج أن يتعوَّد الحلم ويقابل الإساءة بالإحسان، وكلما استطاع الإنسان أن يعدل نفسه وفق الظروف التي حوله كان أسعد حالًا وأقل متاعب.
يروى أن ستة أشخاص قضت عليهم الظروف السيئة أن يُحبسوا في حجرة ضيقة مغلقة ستة أشهر، ومعهم طعام قليل، وماء قليل، فأما اثنان منهم فتبرَّما أشد التبرم من هذه الحياة، ولم يريا بصيصًا من الأمل يسرِّي عنهما، فأصيبا بالجنون، وأما ثلاثة آخرون منهم، فنظروا إلى هذه الحياة بمنظار أقل سوادًا من الأولَيْن، فأصيبوا بنوبات عصبية متقطعة، وأما السادس، فأبعد عن ذهنه ما استطاع فكرة البؤس الذي هو فيه، والتفكير في ما سيحدث، وشغل نفسه بتأليف كتاب يستمده من أفكاره وآرائه ومعلوماته، فلما فُتح عليهم الباب ليطلق سراحهم كانت حالتهم ما شرحنا، ولا فرق بينهم إلا من نجا منهم، عدَّل نفسه وفق ظروفه، وأما الخمسة الآخرون فلم يستطيعوا ذلك.
إن كثيرًا من متاعبنا تنشأ من جبننا، واستسلامنا للمتاعب تطغى علينا وتخيفنا وتحاربنا فتهزمنا، أما من شجَّع قلبه وصمَّم على أن يتغلَّب على المتاعب مهما كثرت وكبرت، فإنه يغلبها ويظفر بها، وينجو من أضرارها.
إن موقف الإنسان أمام المتاعب كموقف الجنود في ميدان القتال؛ إن فرُّوا هُزموا وتغلَّب العدو عليهم، وإن صبروا واحتملوا وصمَّموا على أن يغلبوا العدو، فازوا وظفروا.
من أراد أن يعالج نفسه علاجًا حقيقيًّا ليخفف عنه وعمن حوله ما يصدر عنه من متاعب، فليعرف نفسه أولًا.
? أحاديث ألقيت في الإذاعة المصرية في سنة ????.
الفصل الثالث والثلاثون
متاعب الحياة (?)


حدثتكم في الحديث الماضي عن متاعب الحياة، وأن كثيرًا من هذه المتاعب وهمي، وبعضها حقيقي.
واليوم أذكر لكم أن هذه المتاعب بعضها يكون مصدرها الشخص نفسه، وبعضها يكون مصدرها النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي الذي يحيط به مما له به علاقة.
فأبدأ بذكر المتاعب التي مصدرها الإنسان نفسه؛ فقد نرى ثلاثة أشخاص أو أكثر في ظروف واحدة أو متشابهة؛ من حيث الدخل، ومن حيث الوظيفة، ومن حيث الأسرة ونحو ذلك، وأحدهم سعيد في حياتهم، فرح مسرور مغتبط، يحمد الله على ما هو فيه من خير، والثاني شقي منقبض الصدر، كثير الشكوى متململ مضطرب، والثالث وسط بين هذا وذاك، ليس بسعيد كالأول، ولا شقي كالثاني، يبكي ويضحك، ويحزن ويفرح، ولا فرق بينهم إلا حالتهم الشخصية.
ومن الحكايات الطريفة في ذلك أن دِلوَيْن كانا مربوطين بحبل ومعلقين في بكرة على بئر، ورجل واقف على البئر يستقبل الدلو الملآن، ويفرغه في حوض، ثم ينزله إلى البئر ثانية بواسطة البكر، وفي العادة أن الدلوين يتقابلان في منتصف البئر؛ أحدهما مملوء والآخر فارغ، فلما تقابلا سأل الدلو الفارغ الدلو المملوء: لماذا تبكي؟ فقال: وكيف لا أبكي، وقد ملئت ماء رائقًا، وها أنا أصعد ليفرغني الرجل ثم ينزلني قاع البئر المظلم؛ وأنت لمَ ترقص؟ قال الدلو الفارغ: وكيف لا أرقص وأنا أنزل أمتلئ ماء رائقًا ثم أصعد إلى الجو المضيء المشمس؟
وهكذا، يعمل الدلوان عملًا واحدًا، وأحدهما يبكي منه، والآخر يرقص له، وفي الناس كثير من أمثال هذين الدلوين؛ يعملون عملًا واحدًا وظروفهم واحدة، وبعضهم يبكي، ويضحك بعضهم.
•••

كل إنسان مهما صحَّ جسمه، ومهما صحَّ عقله، فيه نقطة ضعف جسمي، ونقطة ضعف عقلي، وليس هناك إنسان سليم الجسم سليم العقل سلامة تامة، وكلنا نألم من هذا الضعف وهذا المرض إلى حد ما.
والجسم والعقل مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، فالجسم يؤثر في النفس والعقل، والنفس أو العقل يؤثر في الجسم؛ فالإنسان قد يحس قوة في جسمه فيصحُّ مزاجه ويصحُّ تفكيره، وقد يمرض جسمه فيسوء مزاجه ويسوء تفكيره، بل قد يأكل أكلة ثقيلة فيثقل ذهنه، ويأكل أكلة لطيفة فتنبسط نفسه وينبسط تفكيره، وقد تخجل الفتاة فيحمرُّ وجهها، وقد يغضب الرجل فتحمرُّ عيناه، ويكاد ينقدح منها الشرر، وتتوتر أعصابه، وقد يخاف الإنسان فترتعش أطرافه، ويقف شعر رأسه، وآلاف الأمثلة من هذا القبيل، ترينا أثر الجسم في العقل، وأثر النفس في الجسم.
وكثير من متاعب الحياة الشخصية سببه مرضه الجسمي، أو العقلي، وعلى الخصوص هذا المرض العقلي أو النفسي.
وكثير من متاعب الحياة ترجع إلى مزاج الشخص، والمزاج هو أساس ما يصدر عن الإنسان من سلوك، وقد كان الأقدمون يقسمون الأمزجة إلى أربعة: دموي، وبلغمي أو لميفاوي، وصفراوي، وسوداوي، وقد خصصوا لكل مزاج من هذه الأمزجة صفات خاصة؛ فالدمويون يمتازون بحب الحركة، والمرح، والخفة، وسعة الأمل، والطيش، وقلة الصبر؛ والبلغميون يميزهم بطء الحركة والخمول، وقلة الجلد والوداعة، والميل إلى السكون؛ والصفراويون يميزهم الطموح والعناد؛ وحب العمل والشجاعة؛ والسوداويون يميزهم الانقباض، والحزن، والتشاؤم، والتأمل، والتواضع.
وقد قسموهم إلى هذه الأقسام بناء على أن في الجسم سوائل مخلوطة، إذا غلب سائل منها نسب المزاج إليه، والعلم الحديث لا ينكر أقسام الناس إلى هذه الأمزجة، ولكن يعللها بأسباب أخرى، ويرى أحد علماء النفس أن الناس كلهم يمرون في حياتهم بجميع الأمزجة؛ فهم يبدأون دمويين في الطفولة، ثم سوداويين في الشباب، ثم صفراويين في الكهولة، ثم بلغميين في النهاية.
وأيًّا ما كان، فمزاج الإنسان أو كيفية سلوكه في الحياة قد تكون مصدر سعادة له، وقد تكون هي مصدر المتاعب، والمسئول عنها هو الشخص نفسه.
استعرضْ كثيرًا من الأسر، وابحث سبب متاعبها، تجد أن أسرة — مثلًا — سبب متاعبها ما أصيب به الزوج أو الزوجة، أو هما معًا، من حدة المزاج وسرعة الغضب، فهي أو هو يغضب لأتفه الأسباب، يغضب من طبق كسر، أو قرش ضاع، أو طفل عمل عملًا لا يرضاه، أو كلمة نابية صدرت من أحد أفراد الأسرة فيغضب، فإذا غضب خرج عن وعيه وأتى بأعمال جنونية أو شبه جنونية، وكثيرًا ما تسبِّب هذه الأعمال متاعب متسلسلة يصعب حلُّها، وهكذا تصبح الأسرة بين أعمال شاذة ومعالجة لنتائجها السيئة، ولا سبب لهذا كله إلا مزاج شاذ.
فالمرض في أصله مرض نفسي تسبَّبت عنه أعمال مادية شاذة أيضًا، وهذه زوجة أصيبت بالإسراف فهي تستولي على مرتب الزوج في أول الشهر، وتنفقه في كماليات من فستان فخم، أو أدوات زينة، ونحو ذلك، وتظل الأسرة بعد هذا التصرف في عذاب ونزاع وعتاب ولو بقية الشهر، وهذا التبذير إذا دققت النظر فيه وجدته يرجع إلى مرض نفسي، أو إلى مزاج خاص؛ سببه إما غلبة حب الظهور عند الزوجة، أو حب التعالي على مثيلاتها، أو الاعتداد بالجمال، والاعتداد بالنفس، ويضاف إلى ذلك عدم الاكتراث بالنتائج، وعدم النظر في العواقب؛ فهي تنفعل انفعالًا وقتيًّا، وتتصرف حسب هذه الدوافع الوقتية من غير النظر إلى النتائج.
وهذا رجل يعذِّب الأسرة بسقوطه في (كيف) من الكيوف وإدمانه عليه، فهو ينفق على (كيفه) أكثر ماله، ويسطو على ما لزوجته وأولاده من حقوق في هذا المال، كما أنه يفقد بهذا (الكيف) الاستمتاع الصحيح بحياة الأسرة، وأداء واجبها، وما عليه من التزامات نحو زوجته وأولاده، وهذا أيضًا مرض نفسي، يرجع إما إلى وراثة ورثها عن أبيه، أو إلى تقليد لأصحاب صحبهم، أو انهيار أعصاب، حسَّن له بعدها أصدقاء السوء أن ينتشل أعصابه المحطمة (بكيف) من الكيوف فزادتها تحطمًا.
وهذه فتاة نغَّصت على الأسرة حياتها بمزاجها، فهي تريد أن تتزوج من لا يرضاه أهلها، أو هي متسامية جدًّا لا يعجبها كل من تقدم إليها، ورسمت لنفسها حياة خيالية لا يحققها الواقع، أو هي تأثرت بمناظر السينما، فأرادت نوعًا من الحياة غريبًا عن حياتنا الشرقية، وتقاليدنا الاجتماعية، فهي في نزاع دائم مع أسرتها؛ لا تريد ما يريدون ولا يريدون ما تريد، وهذا أيضًا يرجع إلى مزاج الفتاة وسرعة تأثيره بالمحيط من غير نظر في النتائج، ومن غير تفكير عميق فيما يقلَّد وما لا يقلَّد.
وهكذا وهكذا من آلاف الأمثلة التي تدل على أن كثيرًا من متاعب الحياة سببه مرض نفسي أو مزاج شاذ، فيسبب لنفسه ولمن حوله من أسرته، ومن يتصل به متاعب لا تنتهي، وقد يكفي تصرف واحد من هذه التصرفات الشاذة في متاعب سنين تستوجب من الألم المتعاقب المتسلسل ما لا يعد وما لا يحصى.
ولا يمكن التغلب على المتاعب من هذا القبيل إلا إذا عُرف السبب، ثم عولج علاجًا صحيحًا عميقًا لا علاجًا سطحيًّا ظاهرًا، وهذه هي نقطة الصعوبة في الموضوع، فكثير من الأمراض النفسية لا يمكن علاجه إلا إذا عُرف أصله، وعرف تاريخه.
وفي كثير من الأحوال يرجع المرض النفسي إلى حالة الشخص في طفولته، أو حادث قديم حدث له في شخصه، أو حدث في أسرته، وعلى ذلك أمثلة كثيرة؛ فالأبوان اللذان لم يرزقا إلا طفلًا واحدًا، وهما على حالة جيدة من الثراء، يعتادان أن يجيبا الطفل من صغره إلى كل مطالبه، فلا يذوق ألم الحرمان، ولا يتعود شيئًا من التضحية؛ وليس له أخ ولا أخت يعلِّمانه في البيت درس الأخذ والعطاء، والأثرة والإيثار، فينمو عنده الاعتداد بشخصه، وعدم النظر إلى شيء إلا إلى نفسه، فمالُ الأبوين له ولملذاته، وصحتُهما ومتاعبهما لراحته، وينمو وهو مدلل، يغضب أشد الغضب إذا لم تحقق رغبته؛ هكذا هو في بيته وخارج بيته.
مثل هذا الشاب يكون مصدرًا لمتاعب لا تنتهي؛ متاعب في مدرسته عند تعلمه، ومتاعب في وظيفته إذا وُظِّف، ومتاعب في زواجه إذا تزوج، فإذا أردنا أن نعرف السبب في متاعبه لا يمكن أن يتضح إلا بالرجوع إلى حالته في الطفولة — كما رأينا، وإذا أردنا العلاج فلا يصح علاج إلا بعد معرفة سبب المرض، وهكذا لا يمكننا أن نعرف سبب المتاعب التي تصدر من بخل البخيل، وإسراف المسرف، وغضب الغضوب، وخوف الجبان، والوقوع في مصايب (الكيوف)، ونحو ذلك، إلا بالرجوع إلى أساسها الأول: كيف نشأ الطفل في بيته، وما هي الظروف التي أحاطت به، وما أصل هذه العادات السيئة، وكيف نمت، وإلامَ وصلت، وفي ضوء هذا كله يمكن معرفة العلاج إذا حسُنت النية، وصدقت الإرادة، أما غير ذلك فإنما يكون علاجًا كما يعالَج الصداع بحبة من الأسبرين من غير أن يُعرف السبب الحقيقي للصداع؛ فقد يكون المعدة، وقد يكون الأمعاء، وقد يكون الأسنان، وهذا ما جعل قول سقراط باقيًا على الدهر وهو: «اعرف نفسك».
فمن أراد أن يعالج نفسه علاجًا حقيقيًّا ليخفف عنه وعمن حوله ما يصدر عنه من متاعب، فليعرف نفسه أولًا، في أي نقطة هو ضعيف، وبأي مرض هو مريض، ثم يبدأ بالعلاج، وليس هذا بالأمر الهين، فمعرفة الناس لا بد لها من كشف ستائر تحيط بها، والدخول منها إلى قاعة مظلمة لا بد من تسليط الضوء عليها، وكثيرًا ما يعوقه غرور الإنسان واعتقاده الكمال في نفسه، أو يعوقه جبنه وعدم جرأته على كشف هذه الستائر عن الوصول إلى حقيقة المعرفة.
ولكن على كل حال، هذا هو العلاج الوحيد للتغلب على متاعب الحياة التي مصدرها مزاج الشخص، أو حالته النفسية المريضة.

الفصل الرابع والثلاثون
الابتهاج بالحياة (?)


لقد أكثرت في أحاديثي الماضية عن متاعب الحياة، فلأحدثكم اليوم عن الابتهاج بالحياة.
والحق أنَّا لو قارنَّا بين الغربيين والشرقيين وجدنا أن الشرقيين تغلِب عليهم طبيعة الحزن والاكتئاب، وهذا ما يلاحظه الغربيون على الطلبة الشرقيين الذين يتعلمون عندهم، وهذا أيضًا ما نلاحظه نحن على أنفسنا، فنحن إذا حدث ما يستوجب الحزن أفرطنا فيه؛ كما يحدث في الوفيات، نبالغ في البكاء على الميت، وننغص حياتنا لفقده مدة طويلة، ونقيم التقاليد الكثيرة من مآتم وخمسان وأربعين وحفلات تأبين ونحو ذلك، على حين أن الغربي يحزن ولكن في رفق وهوادة، ويرى أن الموت يكاد يكون أمرًا طبيعيًّا كالحياة.
وكذلك نبالغ في الحزن في النكبات؛ كالحزن عند الأمراض، والحزن عند خسارة مالية ونحو ذلك، وكثير منَّا إذا لم يجد سببًا من أسباب الحزن خلقه، فهو وأهله في صحة، وعندهم من المال ما يكفيهم، ودنياهم سائرة على ما يرام، ولكنهم مع ذلك يخلقون أسباب الحزن خلقًا؛ فيحملون همَّ المستقبل، وماذا سيكون فيه، أو يتنازعون على شيء تافه فيحزنون من أجله، وعلى كل حال فطبيعتنا يغلب عليها الحزن، ومَن فَرِح بالحياة وابتهج بها فابتهاج قليل يعقبه حزن طويل، أو إفراط في مباهج الحياة يسبِّب تنغيصًا وحزنًا وألمًا يعقبه أضعاف ما ناله من فرح وابتهاج.
ولعل السبب في انتشار طابع الحزن علينا يرجع إلى أمور كثيرة؛ أهمها ما مضى على الشرق من عصور كان فيها ظلم الحكام شديدًا قاسيًا، أمات روح الناس وقلَّل من ابتهاجهم، وتلا هذا الاستعمار وما فيه من ظلم واستغلال وضغط على الحرية جعل الناس يألمون ويكتمون ألمهم، والألم المكتوم أفعل في النفس من الألم الظاهر، وهناك سبب آخر، وهو أن الحياة في الشرق تسودها الفوضى وعدم النظام، والفوضى في الحياة تسبِّب المتاعب والألم، فإذا كان البيت فوضى تَعِب أفراد الأسرة، وإذا كانت الوظائف فوضى تعب الموظفون، وإذا كان الترام والسيارات فوضى تعب الراكبون، وإذا كان الطباخون وسائقو السيارات والخدم لا يسيرون في حياتهم على نمط معقول تعب من يعاملهم، وهكذا.
فالإنسان في استمرار يعامل طائفة كبيرة من أفراد المجتمع، فإذا لم تنتظم الحياة معهم سبَّبت الألم والمتاعب، وهيَّجت الأعصاب، وأورثت الحزن، وهكذا.
والحياة فن من الفنون، فإذا ضاع فن الحياة ضاع السرور بها، بل إن السرور بالحياة نفسه فن من الفنون، ويخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط لأجل أن يكون مسرورًا مالًا وبنين وصحة ونحو ذلك.
فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم، ومنهم من ينعم في الشقاء، ومن الناس من لا يستطيع أن يشتري ساعة سعيدة ضاحكة مستبشرة بأغلى الأثمان، ومنهم من يستطيع أن يشتريها بأتفه الأثمان، وذلك لاختلافهم في الطبع والمزاج.
إننا نحتاج للابتهاج بالحياة إلى شيئين هامين؛ أولهما: تنظيم الحياة في أنفسنا وفي من حولنا؛ فالبيت إذا نُظِّم — أعني نظمت ميزانيته، ونظمت حياة صغاره وكباره، ونظمت العلاقة بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد — كان أهله أقرب إلى الابتهاج بالحياة، والموظف إذا نُظِّمت مصلحته — أعني حسنت علاقته بينه وبين رؤسائه ومرءوسيه — كان أهدأ بالًا وأسعد حالًا، وكذلك كل ما يتعلق بالإنسان من شئون إذا نُظِّمت كانت مبعث سعادة وابتهاج.
والأمر الثاني الشجاعة؛ فكثيرًا ما يكون سبب الحزن فقدان الشجاعة؛ يخاف من الموت، ويخاف من الفقر، ويخاف أن تنزل به كارثة، ويخاف من المستقبل، ويخاف أن يفشل في عمله، فهذا الخوف كله ينغص عليه حياته، ويجعله منقبضًا غير مبتهج.
وسبب آخر، وهو عدم تنظيم أسباب السرور، وهذا أمر يحتاج إلى مهارة؛ فالزوج أو الزوجة في البيت إذا مهرا في خلق أسباب السرور جعلا البيت جنة، ونحن تنقصنا هذه المهارة في خلق السرور مع مهارتنا الكبرى في خلق المنغصات؛ فاجتماعات المنزل كثيرًا ما تنتهي بنزاع، حتى الملاهي العامة كثيرًا منها لا يُرضي الذوق السليم ولا الفن الرفيع، وكثيرًا ما تكون تافهة لا يجمِّلها فن ولا يرقِّيها ذوق، ومن أجل هذا كان أشد الناس بؤسًا في الحياة هنا من رقي ذوقه ونبلت نفسه.
إن الناس يختلفون في قدرتهم على الابتهاج بالحياة اختلاف المصابيح الكهربائية؛ فمنها مصباح محترق لا ضوء فيه، ومنها مصباح يضيء بقوة عشر شمعات أو خمس عشرة أو عشرين أو مئة أو مئتين، وهكذا الناس طبيعة منيرة مضيئة مشرقة، وطبيعة حزينة أسيفة مكتئبة مظلمة.
وجزء من هذا الاختلاف طبيعي في خلقة بعض الأفراد، ولكن الجزء الكبير يرجع إلى العادة، فمن السهل تعويد النفس النظر إلى الحياة نظرًا بهيجًا مفرحًا.
ومن الملاحظ أن الذين يغلب عليهم الحزن هم الذين يكثرون التفكير في أنفسهم، والتفكير في مستقبلهم، فإذا اعتدل الإنسان في التفكير في نفسه، ووسع أفقه، وفكَّر في غيره، وفكَّر في العالم، كان أقل حزنًا وأكثر ابتهاجًا، وهذا الفن — فن الابتهاج بالحياة — يتطلَّب أن يقبض الإنسان على زمام تفكيره فيصرفه كما يشاء، فإن رأى نفسه قد تعرض لموضوع مقبض؛ كميزانية بيته، أو سوء مصلحته، أو متاعبه في وظيفته، فليحول تفكيره إلى أخرى، ويثير مسألة من المسائل التي تجلب السرور عليه.
ومن الحكمة والعقل ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقيع الشر، والألم بحصول الشر؛ فليسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت — لا قدر الله — فليقابلها بشجاعة وحكمة واعتدال.
إن الرجل المبتهج بالحياة يزيده الابتهاج بالحياة قوة، فيكون أقدر على الجد وحسن الإنتاج ومقابلة الصعاب، من الرجل المنقبض الصدر الممتلئ بالهم والغم، وكما أن كل عادة تكتسب بالتمرين، فالصانع يكتسب صناعته من التمرين، والموظف يتقن عمله بالتمرين، والنظافة والقذارة حسب الاعتياد، والأخلاق الفاضلة أو الرذيلة حسب الاستعداد، فكذلك الشأن في مقابلة الحياة بالحزن والألم، أو الابتهاج والسرور.
وما الحياة؟ مرحلة عابرة لا تستحق أن ينغص الإنسان على نفسه فيها بكثرة الألم، وكل ما يُطلب من الإنسان فيها أن يقضيها على أحسن وجه مبتهجًا مسرورًا فعالًا للخير، يشعر بالفرح لفرح الناس، وبالخير يصلون إليه، ويبتهج بجمال الطبيعة وجمال ما فيها، فإن صادفه ما يؤلم نحَّاه جانبًا إن أمكنه، ورضي مطمئنًا بما لم يمكن تغييره، وبهذا يعيش عيشة راضية، عيشة سعيدة موفقة.
إن أردت أن تعرف شيئًا صحيحٌ هو أو فاسد؛ سواء كان هذا الشيء عادة من العادات، أو خلقًا من الأخلاق، أو فنًّا كأدب أو موسيقى أو تصوير، فانظر هل هو مما يزيد الحياة قوة، ويُكسب الحياة صحة، فاحكم عليه — إذن — بأنه عمل نافع وفن نافع، وإن كان يضعف الحياة ويجعلها مريضة فاحكم عليه — إذن — بأنه عمل ضار وفن ضار، ولا شك أن الهمَّ والاستسلام للحزن، والخوف من توقُّع المكروه، والإفراط في تقدير الآلام، مما يضعف الحياة ويضعف الإنتاج، ويزيد الآلام والبؤس والشقاء.
فحارب الكآبة في نفسك، وابتسم للحياة وابتهج بها في غير إسراف، تَزِدْ حياتك قوة، وتشعر بالسعادة، وتُشعِر بها مَن حولك.

الفصل الخامس والثلاثون
الابتهاج بالحياة (?)


أكرر القول بأن حياة الناس في الشرق يغلب عليها طابع البؤس والحزن، إذا قارناها بالحياة في الغرب، وأزيد اليوم القول بأن من أسباب ذلك أن عواطفنا حادة لا معتدلة؛ فنحن نبالغ في الغضب إذا غضبنا، ونبالغ في الحزن إذا حزنَّا، ونبالغ في الفرح إذا فرحنا، وأسباب الحزن عندنا أكثر من أسباب الفرح؛ لذلك يغلب علينا الحزن والإفراط فيه، وقلَّ منَّا من مُنح الاعتدال في عواطفه، وضبط نفسه عند تعرضه لأسباب الحزن أو لأسباب الفرح.
يتجلَّى ذلك في كل مظاهرنا؛ فخير الأكل عندنا ما كثرت فيه الأقاوية والبهارات والدسم، فإذا خلا من ذلك، أو قلَّت كمية توابله ودسمه عددناه أكلًا تافهًا! والموسيقى لا ترضينا إلا إذا تناغمت مع عواطفنا الحادة؛ فكانت إما حزبية باكية أو مرحة صاخبة، والممثل لا يرضينا إلا إذا بالغ في الانفعال، وصخب في الأقوال، وأكثر من الحركات، وهكذا، ولما كانت أسباب الحزن كثيرة ونحن نبالغ فيها ونطيل زمنها، كانت أكثر أوقاتنا حزنًا.
إن أسباب الحزن تقع للشرقيين والغربيين، ولكن الغربي معتدل في عواطفه، يؤمن بأن العزم وقوة الإرادة تستطيع أن تتغلب على الحزن والألم، فينجح في ذلك — أعرف كثيرًا من الحوادث يظهر فيها الغربي بمظهر الجلد الصبور الشجاع المحارب للأحزان لا المستسلم لها.
كان عندنا في كلية الآداب أستاذ ألماني مستشرق شهير اسمه الأستاذ برجستراسر قضى عام دراسته في مصر، ثم ذهب لقضاء إجازته في ألمانيا، فحدَّثني صديق له أنه خرج يومًا للنزهة يتسلق جبلًا عاليًا، حتى إذا بلغ القمة زلَّت قدمه، فظل يهوي حتى وصل إلى القاع ميتًا، فأُخذ إلى المستشفى وأُخبرت زوجته بالحادث، وكان أبوها يزورها هذه الليلة قادمًا من الريف، فأبت أن تزعجه، وصمَّمت أن يبيت عندها ليلة سعيدة هانئة، فكتمت عنه الخبر، وكانت تدخل الحجرة وحدها فتدمع على زوجها، ثم تخرج إلى أبيها تحدِّثه كأن لم يكن شيء، حتى أصبح الصباح فأخبرت أباها بالخبر في هدوء، وذهبت إلى المستشفى تقوم بواجب الوفاء لزوجها!
وحدث في الحرب العالمية الأخيرة أن عميد معهد علمي في بيروت، وهو أمريكي الجنس، فقد ابنه في الحرب، فذهب بعض أصدقاء الأسرة من بيروت يعزونه حينما قرأوا الخبر في الجرائد، فاستقبلهم الرجل وزوجته بالبشر والترحاب على عادتهما، وأخذ الجميع يتحدثون في المسائل العامة والجو وما إلى ذلك، كأن لم يحدث شيء، فشك الزائرون في صحة الخبر، ولم ينبسوا بكلمة في العزاء، حتى إذا انصرفوا تأكدوا من صحة الخبر!
وهكذا من كثير من الحوادث والأخبار التي تدل على اعتدال في المزاج وضبط للنفس، وأخذهم بمبدأ مات الميت فليحيى الحي، ولعل من الأسباب في ذلك أنه قد مضى علينا قرون طويلة من غير أن ندخل حربًا، فأصبحنا نستعظم الموت ونبالغ في نتائجه، والأمة الحربية عادة لكثرة ما تلاقي من الشدائد وويلات الحروب ونكباتها تعتاد أحداث الموت، وتتلقى الكوارث بصبر وثبات.
إن الابتهاج بالحياة فن من الفنون جهلناه، فأصبحت حياتنا كالماكينة التي وُضع جزء منها في غير موضعه، فسبَّب ذلك خراب الماكينة كلها وضوضاءها في سيرها وعدم انتظامها، والذنب ذنبنا لا ذنب أي شيء آخر؛ خذ — مثلًا — الأسرة، فكل أسرة غالبًا لها أوقات فراغ تقضيه في البيت مجتمعة، وهذا الوقت عند الأمم الراقية من أسعد الأوقات؛ يقضونه إما في حديث ممتع، أو في لعب فنية، أو نوادر طريفة، أو (فوازير) جميلة، فتنتعش بذلك النفس وتبتهج الحياة، وينسى كل فرد ما لقيه من متاعب عمله خارج البيت، فماذا نصنع نحن في مثل هذا الوقت؟ لم نتقن فن اللعب الظريف ولا النوادر اللطيفة، وإنما أتقنَّا فن المشادة والغضب لأتفه الأسباب، وتنغيص الحياة بما لا يحصى ولا يعد من أسباب!
إن أهم ما في الحياة معرفة طرق المعيشة، وكان من الطبيعي وقد كانت حياتنا أعز شيء علينا أن نبذل جهدًا كبيرًا في البحث عن أسباب سعادتها والابتهاج بها، فإذا خرجنا عن الأسرة إلى الحياة خارج البيت وجدنا الرجل يضيع أكثر أوقاته في الجلوس على مقهى ولعب شطرنج أو نرد أو نحو ذلك، أو جلس مع أصدقاء يتحدثون حديثًا سخيفًا في العلاوات والدرجات، وتركوا أسرتهم تضيع الوقت أيضًا في توافه الأمور، فلا الرجل يفكر كيف يسعد أهله، ولا المرأة تفكر في كيف تسعد أسرتها، وقلَّ من استفاد من الحياة كما ينبغي، فلا المناظر الطبيعية الجميلة تجذب أنظارهم، ولا القراءة اللذيذة الممتعة تستدعي انتباههم، ولا تخصيص وقت للخدمة الاجتماعية العامة تنال حظًّا من أوقاتهم؛ فمن أين يفرحون، وبأي شيء يبتهجون؟
فالحق أن الحياة رواية في استطاعة الإنسان أن يجعلها رواية ضاحكة مبتهجة، وأن يجعلها مأساة حزينة مكتئبة.
إن أهم سبب في الابتهاج بالحياة هو أن يكون للإنسان ذوق سليم مهذب، يعرف كيف يستمتع بالحياة، وكيف يحترم شعور الناس ولا ينغص عليهم، بل ويُدخِل السرور على أنفسهم، فالذوق السليم قادر على استجلاب القلوب وإدخال السرور على نفس صاحبه ونفس من حوله، وكما قال قائل: «ما تريد نيله بالتخويف والإرهاب يمكنك أن تناله بالابتسام».
تصوَّر أسرة ساد فيها الذوق السليم؛ نرى كل فرد فيها يتجنَّب جرح إحساس غيره بأي لفظ أو أي عمل يأباه الذوق، بل إن ذوقه يرفعه إلى حدِّ أنه يتخيَّر الكلمة اللطيفة والعمل الظريف الذي يُدخِل السرور على أفراد أسرته؛ إن الذوق السليم في البيت يأبى النزاع، ويأبى حدة الغضب، ويتطلب النظام وحسن الترتيب، والاستمتاع بجمال الزهور وجمال النظافة وجمال كل شيء في البيت، فلسنا مبالغين إذا قلنا إن رقي الذوق أكثر أثرًا في السعادة من رقي العقل.
إن الذوق إذا رقِّي أَنِف من الأعمال الخسيسة، ومن الأقوال النابية، ومن الأفعال السخيفة، والذوق السليم إذا رقِّي في الأمة رقَّى موسيقاها ورقى أغنانيها ورقى رواياتها وتمثيلاتها، وكل هذه مباهج للحياة تزيل غمومها وهمومها، ولو استطعتُ لجعلت جزءًا كبيرًا من مناهج التعليم في المدارس لتربية الذوق بجانب المناهج المكتظة بتربية العقل.
كل إنسان في الدنيا يضع على عينه منظارًا حقيقيًّا أو مجازيًّا، وأكثرنا مع الأسف يلبس منظارًا أسود يريه كل شيء أسود؛ فإذا نظروا إلى الأشياء نظروا معايبها ولم ينظروا إلى محاسنها، ولم يعجبهم حاضرهم، ورأوا السعادة في غير ما هم فيه؛ ولذلك يكثرون من إذا … ولو … ولعل … وعسى … ولو حصل كل ما يتمنون ما زادوا شيئًا، وما تغيَّرت حالتهم ما دامت على أعينهم هذه النظارات، وتغييرها بنظارات بيضاء ترى الحياة على حقيقتها، وترى الدنيا مملوءة بالمسرات، مع قليل من الأحزان وكثيرًا من النعم مشوبة بقليل من النقم، وهذه الأحزان وهذه النقم قليلة القيمة إذا تسلَّح الإنسان بالشجاعة في مقاومتها، وفي استطاعة الإنسان أن ينصب في نفسه سرادقًا كبيرًا، إما لمأتم كبير أو لفرح كبير.
ويخطئ كثير من الناس فيظن أن الابتهاج بالحياة معناه اللذة الحادة الجامحة، ويظنون السعادة في الإفراط في الملاهي على اختلاف ألوانها؛ إما في سُكْر مفرط، أو غشيان دار من دور اللهو الخليعة أو نحو ذلك، وليس هذا ابتهاجًا بالحياة، وإنما هو إبادة للحياة، وهذه اللذات الحادة كنار القش تلتهب سريعًا وتخمد سريعًا، وقد يكون من أضرار التهابها وآلامها ما يساوي أضعاف لحظات لذتها.
إنما نعني بالابتهاج بالحياة موقف النفس إزاء الحياة، والاستمتاع بها استمتاعًا معتدلًا لا إفراط فيه ولا تفريط … نريد بها حالة من أحوال النفس تهيِّئ ذوقًا للاستمتاع بمحيطنا استمتاعًا أطول ما يمكن وأقوى ما يمكن، استمتاعًا يقوينا على الجد في الحياة، ويجعلنا أقدر على إسعاد أنفسنا وإسعاد من حولنا، أما اللذات الحادة الوقتية فلذات وهمية يتبعها من الألم أكثر مما تستوجب من اللذة.
إن راحة الضمير، ولذة العقل، ولذة الروح، ولذة النفس، واللذة التي يشعر لها المرء أنه مصدر للخير يشعُّه على الناس كما تشع الشمس ضوءها، كل ذلك ابتهاج بالحياة لا يعادله التمرغ في اللذات الدنيئة الوقتية التي تسبِّب لذة عارضة تعقبها حسرات دائمة.

الفصل السادس والثلاثون
استفد من تجاربي


ميزة إنسان على إنسان وأمة على أمة، هي القدرة على الاستفادة من التجارب وعدمها؛ فالحادثة تحدث أمام جمع من الناس فيستفيد منها أحدهم بمقدار مئة، وآخر بمقدار خمسين، وثالث تمر منه الحادثة على عين بلهاء، لا يستفيد منها شيئًا.
عند الإنجليز مثل يقول: «إن العاقل له عينان تبصران، أما الأبله فله في وجهه تجويفان».
وكم من الناس من لهم أعين، ولكن لا يبصرون بها، وآذان ولكن لا يسمعون بها.
إنك قد تستطيع أن تفتح عينيك على كتاب وتقرأ كلماته، ولكن لا تعي منه شيئًا ولا تفهم شيئًا إذا كان عقلك غائبًا، فلا فائدة في النظر من غير ملاحظة، ولا في التجارب من غير عقل.
وأنت في شبابك تستطيع أن تمرِّن عينيك وأذنيك وجميع حواسك على أن تربطها بالعقل، فتلاحظ وتجرِّب وتستفيد من الملاحظة والتجربة.
والفرق بين من يستفيد من التجربة ومن لا يستفيد، أن الأول يستطيع بتجاربه أن ينتهز الفرص في حينها، وأن يتجنب الخطر قبل وقوعه، على حين أن الثاني لا ينتهز فرصة، ولا يشعر بالخطر إلا بعد وقوعه.
إنك تقرأ كتب التاريخ لتستفيد من أعمال الناس، وما وقع لهم، وما صدر منهم، وما كان من نتائج أعمالهم، وتقرأ سير العظماء لتتشبه بهم، وتدرك موضع عظمتهم، وتقرأ الطبيعة والكيمياء لتستفيد من استكشاف من قبلك لقوانين الطبيعة، فالحياة كلها تجارب واستفادة من التجارب.
إنك الآن في شبابك تختزن معلومات من كل ما تسمع وترى وتقرأ، فمن الخير أن يكون مخزنك أنظف ما يكون وأثمن ما يكون، وأن يكون أشبه «بدكان» تاجر الجواهر الثمينة، ليس فيه شيء رخيص، ولا شيء تافه، ثم اجتهد بعد ذلك أن تستخدم هذا المخزن خير استخدام.
•••

والآن أقصُّ عليك شيئًا من تجاربي لعلها تنفعك:
من الدروس الأولى التي تعلمتها، أني لم أخرج إلى هذا الوجود صحيفة بيضاء، كما كان يظن القدماء، بل كثير من صفات أبوي وأجدادي وما حدث لهم قد نُقشت في صحيفتي؛ سواء في ذلك الصفات الجسمية أو العقلية أو الخلقية.
ولأضرب لك مثلين، كان لهما أثر سيئ في حياتي: أحدهما: أني وأنا حمل في بطن أمي كانت لي أخت، فتاة في الثانية عشرة من عمرها، كلَّفتها والدتي ووالدتها أن تصنع قهوة لضيوفها، فما أشعلت النار في «السبيرتو» حتى التهب، وأصابها في شعرها، ثم في وجهها، ثم في ملابسها وجسمها، فصرخت، ثم أدركوها وهي شعلة نار، ولم ينفع فيها إنقاذ ولا طب، وأسلمت روحها لخالقها، فقضيت أشهرًا تعيسة في بطن أمي أتغذَّى بدمها الحزين، وتتكون أعصابي من أعصابها المحطمة، ويتحول بعض جسمي إلى دموع مسفوحة، وآهات مضنية، ثم وُلدت في هذا الجو الحزين، لم أشاهد أول ما شاهدت ضحكة ولا ابتسامة، بل كان حزن وسكون ودموع وضنى.هل كان لهذا الحادث أثر في نفسي؟ وهل كان ما أجد في كل حياتي من حزن عميق، وميل إلى الغناء الحزين والمنظر الحزين، وتفضيل المأساة على الملهاة، هل كان مرجع ذلك كله إلى هذا الحادث؟ قد يكون، وقد يكون أحد الأسباب غذَّته الأحداث والتربية التي لم تمحُ أثره ولم تصلح فاسده؛ ولهذا كان القدماء على حق في أن ينصحوا الحامل أن تنظر إلى الصور الجميلة، وأن تحيط نفسها بالمناظر السارة والأحاديث المفرحة.
والحادثة الثانية: أني ورثت من والدتي (رحمها الله) قِصرًا في النظر، أتعبني في حياتي، وقد عالجته أخيرًا بالمنظار، فلم يكن فيه الغناء الكافي، وكم فوَّت عليَّ قصر النظر من فوائد، وأوقعني في مآزق، وأخجلني في مواقف، وأربكني في التصرف، وكان له أثر في أخلاقي.
•••

وزاد في الحادثين سوءًا أن التربية كانت عندنا — وما تزال — متروكة للمصادفة، ولو كانت تربية صحيحة لدرست فيها شئون كل طفل وشئون أسرته، وعرفت أمراضه ومنشأها، ووضعت لها طرق العلاج الصالحة لها.
لو كانت تربيتي صحيحة لاكتشفت أعراض الحزن في الحالة الأولى، وعولجت من الناحية النفسية علاجًا صحيحًا، وعوَّدني المشرفون على تربيتي أن أتذوق السرور كما أتذوق الحزن، وأن أنعم بالحياة كما ينعم بها صحيح الأعصاب صحيح النفس، ولعولج قِصر نظري من أول الأمر — كما يقتضيه العلم — فخفف من حدته إن لم يستطع أن يذهب بالمرض كله.
كم تستطيع التربية أن تُصلح من فساد وتعالِج من مرض، ولكن كل شيء عندنا متروك للمصادفة؛ زراعة الزارع، ومالية التاجر، وسياسة الأمة، القاعدة عندنا «كل شيء حيثما اتفق»، وعند غيرنا «كل شيء حسبما وصل إليه العلم الحديث».
•••

استفد من تجاربي بأن تؤمن بقانون الوراثة، فتسير في عملك على وفقه، فليس يصح أن يتزوج قصير النظر من قصيرة النظر، ولا مصدور من مصدورة، ولا ضعيف القلب من ضعيفة القلب.
وأن تؤمن بالبيئة وأثرها في الإنسان، فتحيط نفسك بخير بيئة ما أمكنك، وأن تؤمن بالتربية فتعالج بها المرض، وتكمل بها النقص، فلكل داء دواء من التربية متى أجيد فهمها.
وأن تؤمن بالعلم وتحلَّه في حياتك محل المصادفة وترك الأمور حيثما اتفق، فقد أصبح بناء كل شيء على العلم هو دعامة المدنية الحديثة وشعار التقدم الإنساني.
(?) حياتنا مربَّى بلا خبز!

في السنين الخمس الأولى من حياتي كان يقوم على تربيتي أسرتي وحارتي، فأما أسرتي فكانت أبًا وأمًّا وإخوة وأخوات فقط، فهي من هذه الناحية من خير الأسر، فلا أهل للأب ينغصون حياة الأم، ولا أقارب للأم ينغصون حياة الأب، فليس هناك نزاع بسبب الأقارب يفسد على الأسرة سعادتها كما يحدث في كثير من العائلات.
ولكن كانت أسرتنا أسرة أبوية؛ أي إن الأب فيها هو السلطان الأعظم والحاكم المستبد، ولا شيء للأم ولا للأبناء والبنات؛ فالأب بيده المال، وبيده وضع الميزانية، بل هو الذي يتحكَّم فيما نأكل كل يوم وصنفه، ولا يحدث شيء في البيت من غير إذنه، والأم والأولاد ليس عليهم إلا الطاعة من غير جدال.
وكثيرًا ما يحدث أن أبي وأولاده الذكور يأكلون وحدهم ويأكلون أولًا، وتأكل الأم مع بناتها وحدهن ويأكلن ثانيًا، وليس للأم أن تخرج من الدار إلا بإذن، وليس لأحد من الأبناء أن يتأخر عن البيت بعد الغروب، والعقوبات على المخالفات كثيرة من تأنيب وتهديد وشتم، فإذا كان الذنب كبيرًا فالضرب، وقد احتفظ أبي (رحمه الله) بعصًا من جريد النخل، أعدَّها لهذا اليوم الأغبر الذي تقع فيه جريمة كبيرة من أحدنا؛ كأن يتأخر عن الموعد، أو يدنِّس ملابسه، أو نحو ذلك، وحينئذ لا يصحُّ للأم أن تتدخل بيننا وبين أبينا، وإلا نهرها وزاد في عقوبتنا.
•••

والحياة كلها جافة جادة، فلا سينما إذ لم تكن سينما، ولا حديثًا لذيذًا على المائدة أو في مجالسنا، وإنما كانت متعتنا أن كانت لي جدة — هي أم أمي — كانت تزورنا من حين لآخر، وتبيت عندنا يومين أو ثلاثة، وكانت (رحمها الله) كنز حكايات و«حواديت»؛ فكانت تقصُّ علينا قصصًا لذيذًا ممتعًا طويلًا، وكنا نأنس بذلك كل الأنس، ونفرح لمجيئها كل الفرح، وكان كنزها هذا لا يفنى، فما تأخذ في حكاية حتى تنظمها في أخرى إلى أن يغلبنا النوم.
وأحيانًا كنا نجلس مع أمنا وأخواتنا، فيقرأ علينا أخونا الأكبر كتبًا قصصية؛ كعنترة وألف ليلة، فنستمتع بقراءته، أما أبي فليس لديه إلا الجد، يعلِّم إخوتي ويحفِّظهم القرآن والنحو ويفقِّههم في الدين، فكان أبي جادًّا شديدًا تخاف منه، على رحمته التي يخفيها ولا يظهرها إلا عند مرض المريض وبُعد المسافر، وكانت أمي رحيمة تلطِّف رحمتها من شدة أبي وإمعانه في الجد.
وأحيانًا نحتال فنذهب إلى ملهى على باب حارتنا اسمه «خيال الظل»، وهو الذي حلَّت محله «السينما» اليوم.
ولست أنسى مرة سمعت رجلًا يضرب على الدف، وينشد أناشيد في مدح النبي، وكان توقيعه جميلًا وصوته جميلًا، وهو يتنقَّل في الحارات يغنِّي ويوقِّع، ويستعطف الناس للإحسان عليه، فأعجبني صوته وتوقيعه، فتبعته من حارة إلى حارة حتى انتهى، فعدت إلى بيتنا بعد الغروب، فكان جزائي ضربًا شديدًا، ولو أنصف أبي (رحمه الله) لقبَّلني لعاطفتي الفنية.
هذا النوع من الأسرة، وهذا الضرب من الحياة، قد تغيَّر الآن كل التغير، فإن بقي منه شيء ففي سبيل الفناء؛ فقد اتجهت الأسرة إلى الديمقراطية، وأصبح للأم سلطان، وللأبناء سلطان، وللبنات سلطان، ونقصت سلطة الآباء حتى أصبحت موضوع الرثاء، وخرج الأبناء والبنات إلى السينما والتمثيل، ووُجدت في الأسر المباهج المختلفة والمسرَّات المتنوعة.
لقد كانت تربيتنا قاسية عنيفة، فكان من أثرها الذي نشعر به خجل قبيح، وضعف في الحرية الشخصية، وقلة ابتهاج بالحياة، وزهد في متعها، وعدم تفتُّح النفس لمسرَّاتها، وكان أبي يكثر من ذكر الموت وحقارة الدنيا، فأكسبنا هذا لونًا من الحزن والقناعة في طلب المجد، ولكن بجانب ذلك علَّمنا الجد في الحياة، والصبر على المكاره، والترفُّع عن صغائر أمور الدنيا؛ لأن كبارها قليلة القيمة.
على حين أن التربية الحديثة في الأسرة الحديثة فتحت النفس للحياة، وعلَّمت الاستمتاع بمسرَّاتها، وحقَّقت للأفراد شخصيتهم، وعوَّدتهم الطموح للمجد، ولكن نلاحظ في كثير من الأسر ميوعة في السلوك، وقلة احتمال للشدائد، وعدم الجد في الحياة، والاستهتار في اللذائذ! فلئن كانت تربيتنا في زمننا ناقصة فالتربية الحديثة ناقصة، وما كسبناه في ناحية خسرناه في ناحية، ونحن أحوج ما نكون إلى تربية تجمع مزايا تربيتنا القديمة وتتجنب رذائلها، وتجمع مزايا الحياة في الأسرة الحديثة وتتجنَّب رذائلها.
•••

لقد كانت حياة أسرتنا القديمة خبزًا بلا مربَّى، فأصبحت حياة أسرتنا الحديثة مربَّى بلا خبز … فمتى نستطيع إصلاحها حتى تكون مربَّى بخبز؟
استفد من تجاربي!
(?) راحت أيام … وجاءت أيام

أثر فيَّ — إلى جانب بيتي وأسرتي — حارتنا وكتَّابنا؛ فأما حارتنا فكانت من طراز القرون الوسطى وعصر المماليك، نحو عشرين بيتًا يُغلق عليها باب كبير. وفي هذا الباب الكبير باب صغير يفتحه البواب لمن أتى متأخرًا في الليل، وكان هذا هو الغالب على حارات القاهرة، وكان الباب ضروريًّا للحياة الاجتماعية إذ ذاك؛ لكثرة الشغب والهجوم من اللصوص ليلًا، فكانت الحارة تحمي نفسها بباب وبواب، تغلقه في المساء، وتفتحه في الصباح، وقد شهدتُ مصرع هذا الباب يوم انتشر الأمن، ونظم الحراس والخفراء.
كانت حارتنا مجمعًا تتمثَّل فيه كل الطبقات، من طبقة عليا، وطبقة وسطى، وطبقة دنيا، كان يتزعم الطبقة العليا رجل ذو منصب كبير، وغنى وفير، وكانت له عربة يجرُّها جوادان فخمان، وذلك قبل اختراع السيارات، فكانت العربة إذا دخلت الحارة دبَّت الخيل بأرجلها فساد الحارة سكون ووجوم وهيبة ووقار؛ إعلانًا بأن «الشيخ» حضر، فلا يصح للأطفال أن يلعبوا في الحارة، ولا يصح للنساء أن يتحدثن من الشبابيك، ولا يصح لخادم أن يضع الكناسة أمام الدار حتى لا يقع عليها نظر «الشيخ»، ولكن إذا خرج الشيخ ملكت الحارة حريتها «فزاطت» الأولاد، وتحدث النساء من الشبابيك، وأبيحت المنازعات والشتائم من الطبقة الدنيا.
والطبقة الوسطى تمثِّل موظفين في مصالح الحكومة، و«ملتزمين» يعيشون من أملاكهم، ونحو ذلك.
والطبقة الدنيا تتكوَّن من بائعي فواكه على العربات، أو صنَّاع، أو عمَّال.
ومع هذه الفروق كانت الحارة كلها أسرة واحدة؛ كل رجل في الحارة وكل سيدة تعرف أفراد كل بيت، وأحوالهم، ودخلهم وخرجهم، وإذا مرض المريض عاده أهل الحارة، وإذا أعوز أعانوه، وإذا أصيب عزُّوه، وإذا تزوَّج أو زوَّج هنئوه.
وكانت الطبقة الوسطى في حارتنا طبقة مرحة، عمادها موظف في الأوقاف اتخذ من بيته «منظرة» يجتمع فيها من في طبقته من أهل الحارة كل ليلة، فأحيانًا يحضرهم فقيه حسن الصوت يقرأ لهم القرآن الكريم بصوت جميل، وأحيانًا يسمرون سمرًا لذيذًا، وترتفع الضحكات حتى تصل إلى بيتنا.
وكان في حارتنا «عوَّاد» ماهر، يحترف الضرب على العود في «جوقة» تشترك في الأفراح، فكان أصحابه من حين لآخر يجتمعون عنده في بيته بآلاتهم الموسيقية، وينصبون «فرحًا» بديعًا يوقِّعون ويغنُّون إلى ما بعد منتصف الليل، فيملئون الحارة بهجة وسرورًا، ولم تكن الفونوغرافات والإذاعات.
ومن حين لآخر يتزوج أحد أفراد الطبقة الدنيا، فيقيمون الأفراح أسبوعًا أو أكثر، وفي كل ليلة منظر جديد من أغانٍ بلدية، ومواويل، و«دخول قافية»، وفكاهات ونوادر، لا يُتحرَّج فيها أحيانًا من المجون المكشوف ولا النكت اللاذعة، فكان كل هذا معرضًا أمامي، استطعت أن أعرف منه حالة البلد الاجتماعية ودقائقها، من غير قصد مني، ولا وعي، ولا شعور.
وكنا أطفالًا نجتمع في الحارة فنلعب الكرة على أشكال، ونلعب «البلي»، ونلعب القمار أحيانًا بزهر النرد، ونتسابق في الجري، وكنا ديمقراطيين بالمعنى الصحيح، نتصادق من غير أن يفرِّق بيننا غنى الغني أو فقر الفقير، فمنَّا المتأنِّق في ثيابه، ومنَّا الحافي القدمين، ومنا مهلهل الثياب، فلا نقيم لذلك كله وزنًا، وإنما نقيم الوزن للمهارة في اللعب.
ولست أنسى في حارتنا مظهر السقَّائين يحملون القرب على ظهورهم، ويروحون ويجيئون منادين على «الماء»، والقربة من الماء العذب بخمسة مليمات، ومن الماء المالح بمليمين، والحساب بالشهر، ولا أنسى العراك عند الحساب؛ فهي تقول إنها أخذت عشرين قربة، وهو يقول خمسًا وعشرين، ونفدت كل الحيل في ضبط الحساب؛ فأحيانًا يخطُّ السقَّاء خطًّا على الباب كلما أحضر قربة، ولكن هذه الطريقة عرضة لأن تمحو الغشَّاشة خطًّا أو خطين، وأحيانًا يتبع السقَّاء طريقة أخرى بأن يعطي للسيدة ثلاثين خرزة ويأخذ ثمنها، وكلما أحضر قربة أخذ خرزة حتى يستنفدها، فتشتري السيدة خرزًا آخر، ولكن هذه الطريقة أيضًا عرضة لغش من نوع آخر، وهي أن تشتري الغشَّاشة خرزًا من الخارج وتغالط السقَّاء.
وظلت هذه المشكلة قائمة من غير حلٍّ حتى رأيت الحفَّارين يحفرون الأرض ويمدون المواسير خارج البيت وداخله، ويركِّبون الحنفيات، وإذا الماء في كل بيت، وإذا بالسقَّائين يختفون من المسرح، وتُحَلُّ المشكلة باختفائهم.
وراحت الأيام وجاءت الأيام، وتركتُ الحارة حاملًا لها أجمل ذكرى لأجمل أيام الصبا، وأنشدت مع المتنبي قوله:
خُلِقتُ ألوفًا لو رجعتُ إلى الصبالفارقتُ شيبي موجَع القلب باكيا وسكنَّا في مساكن الحضارة العصرية، ورأينا الأسرة تسكن في شقة في عمارة قد لا تعرف من جاورها، ولا تتبادل معه تهنئة ولا تعزية، ورأينا المجموعة الواحدة في الحارة الواحدة، بل والأسرة الواحدة نفسها قد انحلَّت، ورأينا البيت مزوَّدًا بالماء وبنور الكهراباء، وبالتليفون والراديو، وبما شئت من أدوات ومخترعات؛ فهل صرنا أسعد حالًا؟

الفصل السابع والثلاثون
التعب العصبي.. والخوف


من الكلمات التي دخلت اللغة العامية حديثًا «النرفزة»، و«تنرفز» بمعنى هاجت أعصابه، وهي مأخوذة من الكلمة الإفرنجية (nerves) بمعنى أعصاب، وليس معنى هذا أن النرفزة لم تكن موجودة ثم وجدت، بل هي موجودة منذ وجد الإنسان، ولكن كنَّا نسميها سورة الغضب، أو نحو ذلك من أسماء. وإنما الجديد هو التسمية فقط بالنرفزة، والجديد أيضًا أن حياتنا المعقدة المركبة التي خلَّفتها المدينة الحديثة، وزادت من أعبائها ومسئولياتها، زادت أيضًا في هياج أعصابنا، بدليل أن الفلاحين في القرى ومن عاشوا عيشة بسيطة أقل نرفزة من سكان المدن، وأن الطبقة الفقيرة من سكان المدن أقل من الطبقة الوسطى والعليا لقلة مسئولياتها.
والنرفزة أو هياج الأعصاب تنشأ من المجموع العصبي عند الإنسان، والمجموع العصبي يتكوَّن من المخ ومن النخاع الشوكي، وهو المادة الهلامية الموجودة في سلسلة العمود الفقري، ومن ملايين من الخيوط الدقيقة التي تتفرَّع من المخ ومن النخاع الشوكي، وتصل إلى كل خلية من خلايا الجسم، وهذه الأسلاك أو الخيوط من أهم وظائفها أنها ترسل الإشارات إلى المخ، وتتلقى منه الإشارات، فهي أكبر وأعقد من أي محطة للأسلاك التلغرافية؛ فمثلًا: إذا لمس إصبعك شيئًا ساخنًا جدًّا فجذبت يدك فمعنى هذا أن خلاياك التي في الإصبع لمست هذا الشيء الساخن، وأرسلت خيوط أعصابك إشارة إلى المخ بما وجدت وما أحسَّت، وتلقت إشارة من المخ بالانسحاب فانسحبت، وكل هذا يحدث في سرعة البرق، وهكذا إذا أردت المشي، أو تحريك يدك، أو الراحة، أو نحو ذلك.
والأعصاب من مخ ونخاع وأسلاك، شيء مادي يُرى بالعين أو بالميكروسكوب، ولكن التيار الذي يجري فيها كالتيار الكهربائي لا يُرى ولكن يُعرف بآثاره.
وتختلف هذه المجموعة العصبية عند كل إنسان عن الآخر، فكما أن كل فرد يختلف في ملامح وجهه، وقوة حواسه، وعضلاته، وبناء جسمه، عن الشخص الآخر قوة وضعفًا، وجمالًا وقبحًا، فكذلك المجموعة العصبية يختلف الناس فيها قوة وضعفًا، وهذا ما نشاهده؛ فنرى أشخاصًا قويت أعصابهم، فهم يتحملون المسئوليات وأحداث الزمان والشدائد في صبر وثبات، وهناك على العكس من ذلك من تهزُّهم هزًّا عنيفًا الأحداث الخفيفة والمسئوليات الطفيفة، بل هناك من تهزُّهم هزًّا عنيفًا أيضًا الأوهام المختلفة والخيالات المصطنعة، بل نرى أن الشخص الواحد يكون في حالة من الحالات قوي الأعصاب فيواجه الأحداث العظام في صبر وثبات، ثم تتعب أعصابه لسبب من الأسباب فيواجهها في قلق وجزع وثبات، ثم تتعب أعصابه لسبب من الأسباب فيواجهها في قلق وجزع واضطرب!
بل خذ مثلًا الطفل إذا مشى مشيًا طويلًا وتعب من الحركات، عاد إلى بيته هائجًا مضطربًا كثير الصراخ كثير البكاء، يتلمَّس أي سبب للغضب، حتى إذا نام وهدأ قام كالمعتاد هادئًا مطمئنًّا، وكذلك الرجل أو المرأة تتعب أعصابه فيغضب مما لا يُغضب منه، ويثور من أجل التافه من الأمور؛ يثور من أجل كسر طبق، ومن أجل قرش صاغ في غير محله، ومن فعلة صغيرة فعلها الموظف الذي معه، ومن زوجته إذا كلمته كلمة في غير محلها، ومن ابنه إذا طلب منه مصاريف المدرسة، مع أن هذه الأحداث نفسها وأكبر منها إذا حدثت وأعصابه غير متعبة قابلها مقابلة عادية ولم يعبأ بها ولم يهِجْ منها.
ومن أعجب ما لاحظه الأطباء في الأعصاب أن هناك سدودًا للتيارات التي تمرُّ في الأعصاب، وظيفتها أنها تقلِّل من قوة التيار حتى يصل إلى المخ هادئًا، فإذا ضعفت هذه السدود وصل الانتباه إلى المخ في قوة تسبِّب اضطرابًا، ومثله في ذلك مثل الأسلاك من الرصاص التي تركَّب في «الكوبس»، ينتقل فيها التيار من الخارج، وإذا زاد التيار احترق الرصاص ليمنع احتراق المنزل بالتيار القوي.
وتضعف هذه الأعصاب بالتعب المضني، وبالكوارث المتتالية، وبالهزَّات العنيفة المتتابعة، وهذا الضعف على درجات؛ فهو يبدأ بقلق وأرق، ويتدرَّج إلى عجز عن تركيز الفكر وإظلام نفس، ويزيد إلى يأس شديد وهيجان لأقل الأسباب، وعجز عن الراحة والهدوء، ونحو ذلك.
ومما يلاحظ أيضًا أن هذا التعب العصبي يتبعه دائمًا الخوف، وهذا الخوف يتخذ أشكالًا مختلفة حسب ظروف كل شخص، فمن نما عنده الشعور الديني تمثَّل خوفه في الموت، فهو يخاف الموت ويخاف العقاب بعد الموت، ويخاف الخطايا التي ارتكبها والمعاصي التي وقع فيها في شبابه، وتتجسَّم هذه المعاني في نفسه، وتكبر حتى تقلق باله وتعكر صفو حياته.
ومن كان شديد الشعور بالمال خاف الفقر؛ إن كان غنيًّا فألجأه ذلك إلى شدة الحرص والهياج عند كل قرش يُصرف، والغضب الشديد عند كل ما يعرض من مطالب مالية، ومن كان رحيمًا شديد العطف على أولاده ظهر خوفه من هذه الناحية، فهو يخاف على أولاده من الترام والسيارات، ويقلق أشد القلق إذا تغيبوا عن البيت ساعة، وكلما قرأوا أو سمعوا عن حمى أصابت ولدًا أو شابًا أو شابة مات في ريعان شبابه زاد خوفهم واضطرب حالهم، ومن بلغت سن الزواج ولم تتزوج خافت أن يمر موسم زواجها، وإذا خُطبت خافت أن تفشل في زواجها، وهكذا وهكذا الخوف فنون.
وقد يزيد الخوف حتى يكون خوفًا من أوهام، فهو يتخيَّل أن دسائس تحاك حوله، وأن له أعداء يتربصون له، وأن بعض أقربائه يكيد له، وأن له في المصلحة من يُفسد الأمر بينه وبين رؤسائه، وهكذا، فيخلق أوهامًا يخاف منها، وفي الناس ألوان شتى من هذه المخاوف، وعددهم ليس بالقليل، وكلما عظمت المدنية زادت ضحايا ضعف الأعصاب؛ وخاصة أيام الحروب، فيقول طبيب أمريكي إنه في أوائل الحرب العالمية الثانية كان عدد سكان أمريكا ??? مليونًا، وكان عدد ضحايا الأمراض العصبية يقرب من ?? مليونًا بين مجنون ومضطرب ومختل التوازن، وقد كان كثيرًا جدًّا عدد الشبان الذين يتقدمون للجندية، فيُردُّون عنها بعد الكشف الطبي عليهم؛ لاختلال توازنهم العصبي.
•••

وبعد، فما علاج هذا؟ الواقع أن علاجه في يد الإنسان أكثر من أن يكون في يد الطبيب، وأهم علاج له شيئان، يستنتجان مما وصفنا قبلًا: أولهما: الراحة الجسمية، فقد رأينا أن الخوف يتبع التعب الذي ينال المجموع العصبي، كما ينال الشخص عقب مجهود كبير بذله، أو تفكير طويل فكَّره، أو حادثة جليلة هزته.فهذه الأشياء وأمثالها تُضعِف المجموع العصبي، وتضعف السدود التي تحجز بعض التيار عن المخ، فإذا استرد الإنسان راحته قويت هذه السدود، كالشأن في الإنسان يتعب ثم ينام نومًا عميقًا، فيسترد ما فقده من خلايا؛ ومن وسائل هذه الراحة تغيير البيئة والمكان، والرياضة المعتدلة، والرحلات الخفيفة اللطيفة، ونحو ذلك؛ فإنها تفعل في النفوس ما لا تفعله الأدوية، ومن ذلك أيضًا عدم التعرض لما يهيج الأعصاب، فمن عرف أن شيئًا معينًا يهيجه فليبتعد عنه، وليبتعد عن الأوساط التي تخلقه، وليرأف به أهله فلا يسببون له متاعب في النواحي التي يعرفون أنها تقلقه وتزيد اضطرابه، فإذا تمت راحته رأينا أنه قد زال خوفه، وتلك نتيجة طبيعية لما رأينا من أن التعب يتبعه الخوف.
والأمر الثاني: الإيحاء الذاتي، فهو يفعل في النفوس فعل السحر، فليكرر المريض على نفسه الإيحاء بأن جسمه سليم، وأنه يستطيع التغلب على هذا الخوف، وأن يومه خير من أمسه، وأن غده سيكون خيرًا من يومه، وأن ما هو فيه أوهام تزول بقوة إرادته، وليعرف منتحى خوفه فليعالجه من الناحية التي توائمه، فمن كان يخاف الموت، ويخاف ما ارتكب من المعاصي، فليكرر على نفسه أن الله غفور رحيم، وأنه يغفر الذنوب جميعها، وأن ما ورد في القرآن من آيات الرحمة أكثر مما ورد من آيات العذاب، وأن الله أحنى على العبد من الوالد على ولده، فإذا ردَّد هذه المعاني كلها، وكررها كل يوم، انتعشت نفسه، وأحس أنه يتقدم تقدمًا عظيمًا.
ومن كان يخاف الفقر فليكرر على نفسه فلسفة المال، وأن المال عَرَض من أعراض الحياة، وأنه ليس هو السعادة، وإنما هو وسيلة السعادة، وأنه لا يحق على نفسه الخوف من الفقر قبل حدوثه، وهكذا الشأن في الخوف على الأولاد وكل نوع من أنواع الخوف، فكل إنسان بقليل من التفكير يستطيع أن يكون له فلسفة تشجعه ضد خوفه، وتملأه غبطة وطمأنينة.
هذان في نظري هما العلاجان الطبيعيان للأعصاب، وهما في يد كل إنسان إذا صحَّت عزيمته وقويت إرادته.

الفصل الثامن والثلاثون
معركة الحياة كيف نفوز فيها …؟


أهم نقطة يرتكز عليها النجاح، الإرادة القوية التي يصحبها التنفيذ السريع، وانتهاز الفرص، ألم يقولوا: «إن الحرب جهاد»، وبعبارة أخرى: «الحياة حرب».
وخير محارب من هاجم ولم يقتصر على الدفاع، وعمل ولم يقتصر على الحذر، ومتى سنحت له فرصة أقدم فانتهزها، ولم يتوانَ لحظة حتى يضيعها، ثم هو يسدد المرمى، ويُحكِم إصابة المرمى، ولا بأس من الفشل، فإنما يفشل لينجح.
إذا أنت أكثرت من التردد وبالغت في الحذر، ولم تُقدِم على عمل حتى تثق من نجاحه مئة في المئة، فقد تصلح أن تكون أديبًا حالمًا، أو فيلسوفًا في الخيال سابحًا، ولكن لا تصلح أن تكون رب عمل ناجحًا.
فليس يكسب المعركة القائد الجبان، ولا القائد الحذر، ولا القائد الذي لا يريد أن يضحِّي بشيء من جنوده، وإنما يكسبها من يفكر حسب طاقته، ولا يطيل التفكير أكثر مما يلزم، ثم يضرب الضربة في حينها، وهو يغلِّب النجاح وإن كان لا يتأكده، فإن فشل بعد ذلك فقد أدى واجبه.
•••

إن الأخلاق الحديثة تفضِّل «فعل الأمر» على «فعل النهي»؛ «فاصدق» خير من «لا تكذب»، و«اعدل» خير من «لا تظلم»، والأمر بعمل الفضيلة خير من النهي عن الرذيلة؛ لأن في الأولى عملًا ووجودًا وحياة، وفي الثانية تركًا وعدمًا وموتًا.
كل شيء في الحياة يجاهد، الجسم يجاهد المكروبات حوله وفيه، والصحة لا تعتمد على الوقاية وحدها، وإنما خير من الوقاية «الحيوية» بالرياضة والعمل والحركة والنشاط وما إلى ذلك، وإنما يُعتمد على الوقاية — والسكون وقلة الحركة والسير الدقيق على طرق العلاج — المرضى في أسرَّتهم، والمرضى في المستشفيات، أما الأصحاء فيعتمدون قليلًا على الوقاية، وكثيرًا على الحيوية والعمل؛ والعقل يجاهد الأفكار السقيمة، والخيالات السامة، وخير وسيلة للتغلب عليها حيويته ونشاطه وتفكيره المنتج، لا خنوعه واستسلامه.
وهكذا كل شيء في الحياة جهاد، والجهاد الصحيح يعتمد على الإرادة الصحيحة، والتجارب الدائمة، والعمل المستمر.
إن العالم مملوء بالحيوية، وهو في حركة دائمة، ونشاط مستمر، وقوى متفاعلة أبدًا من كهرباء وقوى ذرية، وحرارة وبرودة، ورياح وعواصف ونحو ذلك؛ فالذي ينجح في هذا العالم المتحرك النشيط، إنما هو من انسجم معه بالعمل والقوة والحيوية؛ ولذلك كان السكون التام موتًا.
•••

وبجانب هذه القوى المادية في الحياة، قوى معنوية هي الأخرى في حركة مستمرة وجهاد دائم؛ كالنظام وعدمه، والجهل والعلم، والرأي العام وقوته وضعفه، والعدل والظلم، واختلاف رغبات الناس في التزاحم على كسب الخير لأنفسهم، ولا بد للنجاح في الحياة من تحديد موقف الإنسان أمام هذه القوى المادية والقوى المعنوية، فأمام القوى المادية لا بد أن يعرف كيف يستخدمها في مصلحته، ويسايرها ولا يعاكسها؛ فالكهرباء قد تصعقه إذا هو لم يعرف استخدامها، ولكنه يستطيع أن يستنير بها ويستدفئ بها ويسيِّر القطارات بها إذا هو أحسن استخدامها، وكذلك كل قوة من القوى الطبيعية.
وفي القوى المعنوية يجب أن يحدد موقفه أمام التيارات المختلفة للنظم الاجتماعية، فينغمس فيها، ويكون هو نفسة قوة معها، يصلحها ما استطاع، ويستخدمها في خيره وخير الناس ما استطاع.
وكلما كان الإنسان أقوى جسمًا وعقلًا وخلقًا، كان أقدر على الانتفاع بالقوى المادية والروحية؛ فالإنسان استطاع أن يلجم الفرس ويركبه ويوجهه في خدمته؛ لأنه أكبر منه نفسًا وعقلًا، فكذلك هو يستطيع وسط الظروف الاجتماعية المتضاربة، أن يصرفها ويستغلها للخير الخاص والخير العام، فإذا خمل أو كسل أو أفلت زمام الأمور من يده، لم يستطع نجاحًا، وساقته الظروف أكثر ما يسوقها هو.
فالإنسان إنما ينجح بتقوية ملكاته الداخلية، وعلمه بالقوى الطبيعية والاجتماعية التي حوله، ثم بانسجامه معها ومعرفته كيف يستخدمها، وإن شئت فاستعرض كل من نجح في الحياة نجاحًا حقيقيًّا، تجد نجاحه بمقدار تطبيقه هذه القاعدة، ولو لم يُحسِن التعبير عنها.
•••

ثم شأن الأمم والحكومات شأن الأفراد، فلكل أمة قواها الطبيعية التي حولها، وقواها المعنوية التي تحيط بها؛ فالأمة الفاشلة هي التي تكون في أرضها معادن لا تعرف كيف تستغلها، وقوى مائية لا تعرف أن تنتفع بها، وأراضٍ زراعية لا تعرف كيف تستخرج منها أغزر ما تنتج وهكذا، ثم حولها ظروف اجتماعية ترتبك في توجيهها، وتحار في التصرف فيها، ليس لها إرادة قوية في التنفيذ، ولا رغبة صادقة في الإصلاح، تسيِّرها القوى الطبيعية كالريشة في الهواء، وتسيِّرها القوى الاجتماعية حيثما اتفق! ليست هي إنسانًا يمسك بزمام فرسه، ولكنها فرس ملجمة تقاد!
أما الأمة الناجحة فكالرجل الناجح، يدرس قوى الطبيعة، ويعرف أنها لا تتغير ولا تتبدل، ولكنه كالملاح الماهر يعرف متى ينشر شراعه ومتى يطويه، وكيف يسيِّر سفينته وإلى أي اتجاه، يعرف أنه لا قدرة له على تغيير الرياح، ولكن له قدرة على استخدامها في مصلحة سفينته؛ كذلك هذا شأن الأمة الناجحة مع القوى الاجتماعية، ترى الفوضى فتنظِّمها، وترى الرأي العام ضعيفًا فتقوِّيه، وترى الأضرار من بطء الآلة الحكومية فتجدِّدها، وترى ظلمًا هنا وظلمًا هناك فتمحوه بالعدل، ولا تكتفي بالوقاية وعلاج الأمراض، بل تبعث في الأمة الحيوية والنشاط؛ وهكذا قانون الفرد وقانون الأمة في النجاح والفشل واحد.
فكِّر واعمل وابتكر وجاهد وغامر وانتهز الفرصة تنجح، وإلا فالموت أو شبهه.

الفصل التاسع والثلاثون
فن الصداقة


هل لاحظت مرة جماعة من الموسيقيين يوقِّعون قطعة موسيقية على آلات مختلفة من عود وقانون وناي ورق، فيتوافق الإيقاع ويتناغم وينسجم، حتى كأن الآلات المختلفة آلة واحدة في ارتفاعها وانخفاضها، وجهارتها ورقتها، وبدئها وانتهائها؟
وهل رأيت مرة نجارًا دقيقًا يصنع ما يسمَّى في النجارة «بالعاشق والمعشوق»، فيؤلِّف بين الأسنان في قطعة ومكان التحامها في القطعة الأخرى، حتى إذا تعاشقتا كوَّنتا ما يشبه القطعة الواحدة، بل أمتن وأقوى؟
تلك هي الصداقة؛ مزاجان متناسبان ولا أقول متحدين، وغرضان متناسبان ولا أقول متحدين أيضًا، فلا بد من التنوع؛ كالتنوع بين نغمة العود والقانون، والتنوع بين العاشق والمعشوق، ولكن هذا التنوع يعتمد على ذوقين متشابهين كتشابه ذوقي العوَّاد والقانوني، ولا بد أن يُدعَم هذا كله بالتناسب في المركز الاجتماعي، واستعداد كلٍّ للسير على قانون الأخذ والإعطاء، لا الأخذ من جانب والإعطاء من جانب، فهذه شروط لا بد منها في دوام الصداقة وإلا كانت عرضة للتفكك السريع.
•••

ومن التناسب في الصداقة ما نرى من غَضوب يصادق حليمًا، ومَرِح يصادق رزينًا، ونشيط يصادق خمولًا، وثرثار يصادق مقلًّا؛ فإن في هذا تناسبًا لا اتحادًا؛ كأن كلًّا يشعر بناحية من نواحي نقصه، أو من نواحي مبالغته، ويجد في الآخر ما يكمل نقصه، أو يحد من مبالغته فتكون الصداقة.
ونلاحظ في الحياة اليومية أن بعض الأشخاص سريع الصداقة، سرعان ما يألَف ويؤلَف، وأشخاصًا آخرين لا يألَفون إلا ببطء ولا يؤلَفون إلا ببطء، ويرجع ذلك في الغالب إلى طبيعة النفوس؛ فهناك نفوس مكشوفة تُعرف بمجرد النظر إليها؛ كالماء الخفيف الصافي يظهر ما تحته، ليس بين ظاهره وباطنه إلا نسيج شفاف لا يحجب ما وراءه، وهناك نفوس غامضة لا يدل ظاهرها على باطنها، وقد سُتِرتْ بنسيج كثيف، أو غطِّيت بطبقة سميكة لا تظهر إلا بعد طول المراس، بل كثيرًا ما يدل ظاهرها على خلاف باطنها، ومن هذا قد يُكرَه الشخص ثم يُحبُّ، ويعادي ثم يصادق؛ لأن نفسه لم تنجلِ لأول وهلة، إنما تنجلي بالمران والاحتكاك واختلاف المواقف ومواطن الجد التي تُظهر النفوس على حقيقتها.
والصداقة كالبذرة توضع في الأرض، فإن صادفت تربتها الصالحة، وغذِّيت الغذاء الصالح، وتعهَّدها صاحبها بما يناسبها، كبرت ونمت وصارت شجرة يانعة، وإلا ماتت في مهدها أو في أثناء نموها؛ كذلك الصداقة قد تكون بنت ساعة، وبنت شهر، وبنت سنة، في المواقف الحرجة، ولا شيء يسمِّم الصداقة كشعور الصديق بأن صديقه يستغله، ويصادقه لمنفعته هو، فيوم يأتي دور التضحية ينفض يده! وأبعد الناس عن الصلاحية للصداقة من كان أنانيًّا يتخذ الصداقة وسيلة من وسائل التجارة.
•••

ثم هذه الصداقة درجات كدرجات السلم؛ تبتدئ بالمعرفة، ثم رابطة العمل؛ كالرابطة بين الموظفين في مصلحة أو محل تجاري، أو الرابطة بين أعضاء حزب سياسي، أو أعضاء جمعية من الجمعيات لتحقيق غرض، فإذا زال الغرض زالت الرابطة، وهكذا تتدرج حتى تصل إلى أن تصبح نفس الصديقين نفسًا واحدة في جسمين، هي فوق المنافع المادية، وفوق تحقيق الأغراض، وإنما هي غذاء الروح، وسراج الحياة، وملء فراغ النفس، حيث لا يملأ بدونها.
والناس يختلفون في الاستعداد لدرجات الصداقة، وذلك بمقدار استعدادهم للتعاطف، فمن حُرم التعاطف حُرم الصداقة، ولم يكن له إلا معارف؛ ولذلك نرى الماديين الجشعين لا يتذوقون الصداقة، ولا يفهمون لها معنى إلا أنها وسيلة من وسائل الكسب كدفع العربون، وقبض الفوائد، وكلما أمعن الإنسان في التعاطف كان أقرب إلى تذوق الصداقة بمعناها الصحيح.
كذلك من أبعد الناس عن تذوق الصداقة المتشائمون الذين لا يرون في الوجود ما يستحق التقدير، ولا في الناس من يستحق الإعجاب، فهؤلاء لا يرون صديقًا يبادلونه حبًّا بحب، ولكن يريدون سمِّيعًا يسمع شكواهم ووصف آلامهم، وسبَّهم للدنيا وما فيها، وأكثر استعدادًا للصداقة من تفتَّحت نفسه، وتفتَّح العالم أمام عينيه، ورأى في الوجود شرًّا قليلًا وخيرًا كثيرًا، وأنه مملوء بوسائل السعادة، وعلى رأسها الصداقة.
•••

وكثير هم الذين نعرفهم، ووسائل التعارف يسيرة متعددة، في القطارات وفي المجتمعات ولأدنى المناسبات، ولكن قليلًا من هذا التعارف هو الذي ينضج بكثرة الاختلاط وبمعرفة المزاج واكتشاف النفوس، فيتحول من معرفة إلى صداقة.
وأثر الصديق في الصديق كبير، وهذا الأثر يختلف باختلاف قوة الشخصية في كل من الصديقين؛ فقد يكون أثر أحدهما أكبر من أثر الآخر؛ لأن الأول أكبر شخصية والثاني أكبر تأثُّرًا، ثم قد يكون للشخص الواحد جملة أصدقاء مختلفين كل الاختلاف، وذلك عندما يكون للشخص نواحٍ متعددة؛ فهذا صديق تربطه به الناحية العقلية والفكرية، وهذا صديق آخر تربطه به ناحية الشعور الوطني، وهذا صديق ثالث تربطه به ناحية مادية أو ناحية الاشتراك في متعة من متع الحياة، وهكذا، وهذا هو السبب في أنه ليس من اللازم أن يكون صديق الصديق صديقًا؛ لأن الصديق المشترك قد تكون صداقته مع طرف مؤسَّسةً على غرض ليس موجودًا في الطرف الآخر.
•••

ثم الصداقة لا بد أن تتغذَّى لتدوم، فإذا انقطعت الزيارات والمقابلات والمحادثات والمكاتبات أمدًا طويلًا أخذت الصداقة تذبل شيئًا فشيئًا، حتى تنعدم أو تكاد، وغذاؤها تبادل العواطف وتبادل المشاعر، وتبادل تفتُّح النفس.
ولا بد لدوامها كذلك من دوام الأساس الذي أُسِّست عليه الصداقة، فإذا أُسِّست على ما بين الصديقين من مزاج أو عقلية أو تحقيق غرض من الأغراض، ثم زال هذا الأساس زالت الصداقة، وهذا يفسِّر لنا ما يعرض كثيرًا من أن صديق الصبا غير صديق الشباب غير صديق الشيخوخة؛ لأن الإنسان في كثير من أحواله يتغير مزاجه، أو تتغير ثقافته، أو تتغير نظرته إلى الحياة، فيرى بطبيعته أن الرباط الذي كان يربطه بصديقه قد تحلَّل، وأنه محتاج إلى نمط آخر من الناس ليؤلِّف معه صداقة جديدة.
وبعد، فالصداقة نعمة من أكبر نعم الحياة، ومن رُزق صديقًا وفيًّا فقد رُزق كنزًا ثمينًا هو خير من الأخ الشقيق؛ إذ لا قيمة للأخ إلا إن كان صديقًا، هو نور في الظلماء، وعدة في البأساء، وأنس من وحشة، وفرجة في كربة.
•••

والصداقة الصادقة علامة في الأخلاق؛ إذ هي امتزاج الأرواح، وتعانق النفوس، وفيض من إخلاص، ودرس في التضحية، ومن تهيَّأت نفسه للصداقة تهيَّأ للخير يفيضه على الناس.
وأدنى حدود الصداقة أن يسوءك ما يسوء صديقك، وأن يسرُّك ما يسرُّه، وأعلاها ألا تعدَّ نفسك شيئًا بدونه، ولا يعدَّ نفسه شيئًا بدونك، وأن ينبض قلبك بما ينبض به قلبه، وأن تتناغم مشاعرك ومشاعره.

الفصل الأربعون
الحياة النيابية


ها نحن في مصر نبدأ حياة نيابية جديدة ببرلمان جديد، فمن الواجب أن نتحدَّث ونُكثر الحديث عن هذه الحياة وواجبنا نحوها، وآمالنا فيها، وما ينتابها من عيوب، وما يصادفها من عقبات؛ وأهم ما يقوم به البرلمان أعمال ثلاثة: (?) مراقبة الحكومة في أعمالها: فالوزراء يقومون بأعمال الدولة، ولكنهم قد يصيبون وقد يخطئون، فواجب كل حزب وكل عضو في البرلمان أن يتتبع أعمال الوزراء في وزاراتهم، ويدرس ما يعملون، ويكوِّن رأيًا في تصرفاتهم؛ أأخطأوا أم أصابوا، فإن رأى خطأ استفسر عنه وبحثه مع أهل الاختصاص، فإن اقتنع بعد كل هذا بخطأ الحكومة رفع صوته في البرلمان بنقدها؛ مثال ذلك: أن عضوًا بلغه سوء حال التموين في بلد، وحصول الظلم في التوزيع، فليبحث ذلك، وليسافر إلى حيث يقع الظلم، وليتحقق مما قيل، وليجمع الأدلة والبراهين على هذا الظلم، ثم ليتكلم في صراحة، وليستمع للرأي المعارض، فإن تبيَّن الحق بجانبه وجب على الحكومة أن ترفع هذا الظلم وإلا صوَّت البرلمان ضدها وأسقطها.والفكرة الأساسية في هذا البرلمان معناه حكم الشعب نفسه بنفسه، فكلٌّ له نصيب في الحكم: هذا عن طريق العمل، وهذا عن طريق المراقبة والإشراف، فإذا شعر المنفِّذ أن وراءه قوة كبيرة تراقبه فتح عينيه وتحرَّى العدل وخشي الحساب العسير، فسارت العدالة في الأمة سيرًا حسنًا، وإلا تخلت الحكومة عن الحكم لمن يقوم بصالح الأمة خيرًا منها.
(?) والأمر الثاني: تشريع القوانين: وذلك أن الأمم في تطور مستمر، والنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في حركة مستمرة، فلا بد أن يتنبَّه البرلمان والحكومة لكل ما يجري حولها، وتواجه كل ما يعرض من المسائل الهامة بتشريع جديد.إن حالة الأمة كحالة السيارة يجب أن نصلحها إذا فسدت، ونغيِّرها إذا تلفت، ونأتي بنوع جديد منها إذا أدى أغراضًا خيرًا من النوع القديم، وكل أمة لها تشريع يناسبها؛ فالتشريع في البلاد الزراعية غيره في البلاد الصناعية، وفي البلاد الغنية غيره في البلاد الفقيرة، وفي البلاد التي قطعت شوطًا بعيدًا في المدنية غيره في البلاد نصف المتمدنة، وهكذا.والمسئول عن التشريع الصالح في البلاد الحكومة والبرلمان معًا، والمصدر دائمًا هو البرلمان، وواجبه أن يتعرَّف ما يناسب الأمة وما لا يناسب، وما هي في حاجة إليه من التشريع وكيف يكون، وهذا عمل هام من أعمال البرلمان؛ لأن كل إصلاح في الأمة يرجع إلى التشريع، كيف يوضع، وكيف يسار فيه حتى يحقق الغرض منه وهكذا؛ إن أردت مكافحة الأمية أو معالجة الفقر أو إصلاح الزراعة أو ترقية التعليم أو القضاء، وجب التشريع لكل ذلك، وكلما قطعت الأمة مرحلة من مراحلها ودخلت في مرحلة جديدة وجب أن يسايرها التشريع المناسب؛ فقد كنا ننظر — مثلًا — إلى التعليم على أنه من واجب الآباء، إن شاءوا علَّموا أبناءهم وإن شاءوا أهملوا، ثم ارتقت الأفكار وأصبحنا نرى أن واجب الحكومة أن تزيل الأمية بتاتًا، وأن من لم يطِع يُعاقَب، فكان لا بد من تشريع جديد.
(?) الأمر الثالث: الإشراف على ميزانية الدولة: وذلك لأن المال عصب الحياة، ووسيلة الإصلاح في كل ناحية من نواحيها، فإن أردت التعليم فبالمال، وإن أردت الجيش فبالمال، وكذلك الشأن في أمور الزراعة والأشغال والتجارة وما إلى ذلك، فمن غير المال الكافي تُشلُّ حركة الحكومة، ويستحيل أي ضرب من ضروب الإصلاح، ومن أجل هذا كان من أهم أعمال البرلمان الإشراف على ميزانية الدولة، فبهذا الإشراف يتحكَّم البرلمان في كيف يجمع المال من الضرائب وغيرها، وكيف ينفق.وكان للبرلمان هذا الحق لأنه يمثل الأمة، والأمة هي التي تدفع الأموال، فيجب أن تسيطر على طرق إنفاقها بواسطة ممثليها.
والبرلمان الراقي الناجح هو الذي يستطيع بثقافته ودقته وسعة إطلاعه وخبرته ودراسته أن يعرف أي النواحي أحوج إلى المال من غيرها، ومقدار ما تحتاجه كل ناحية على حسب ما يصدر عنها من خير، وكيف يفرِّق بين ضروريات الأمة وكمالياتها، فلا ينفق على الكماليات قبل الضروريات، فإن كان ولا بد فتجب مراعاة النسبة بين الضروريات والكماليات؛ فكما أنه من العبث أن يشتري رب البيت أزهارًا إذا لم يكن عنده خبز، كذلك من العبث أن تنفق الأمة الأموال الطائلة على أنواع الزينة والترف وفلَّاحُها لا يشرب ماء صافيًا، ولا يأكل أكلًا كافيًا.
هذه هي الأركان الثلاثة التي بني عليها البرلمان، وما عداها فثانوي لها، وقليل الأهمية بالنسبة إليها، والبرلمان الحق هو الذي يرعى مسائله بحسب أهميتها، ويعطيها من المجهود والعناية والدرس حسب استحقاقها.
في ضوء هذا نستطيع أن نتعرَّف أمراضًا تعتري البرلمانات، وعيوبًا تشلُّ حركتها، وتصرفها عن أهم وظائفها، ولنمثل لذلك ببعض الأمثلة: (?) فمن أهم العيوب أن يتنحَّى البرلمان عن واجبه في الرقابة، ويشغل نفسه بتوافه الأمور؛ كأن ينقسم أعضاؤه إلى قسمين: قسم يهتم بتأييد الحكومة مهما أخطأت، وقسم يهتم بالعمل على إسقاطها مها أصابت، وبذلك يجعلون الأمر أمر من يتولى الحكم بدل أن يكون الأمر في وضعه الصحيح، وهو كيف توجَّه سياسة الحكم إلى وجهتها الصالحة، وبهذا تتبخر كل قوى الحكومة وقوى المعارضة وقوى التأييد إلى نزاع حول الحكم من يتولاه، والوظائف من يشغلها، وتضيع الدراسة الحقة والتوجيه الصالح والنقد البريء، وينقلب الأمر إلى مهاترات ومؤامرات وتهريجات، ويوجِّه خصوم الحكومة كل جهودهم لخلق العقبات، وتوجِّه الحكومة وأنصارها كل جهودها لإحباط المؤامرات، وتكون النتيجة صفرًا دائمًا، فلا الحكومة فرغت لدراسة شئون الدولة وواجب الإصلاح، ولا المعارضة فرغت للدرس النزيه لمعرفة فوائد المشروعات المعروضة ومضارها، ويصبح الأمر كمن يبني كل يوم جديدًا، وغيره كل يوم ينقض ما بناه صاحبه، فمحال أن يكون مع ذلك بناء.ويستتبع ذلك أن تُصرف الأموال هباء في سبيل خلق المؤامرات وإحباطها، وشراء الذمم بالرشا وما إليها، واستخدام الأبرياء؛ كالطلبة، والزج بهم في أهواء الحكم بين تأييد وتفنيد، وهكذا من مضار لا تحصى، ومرجع ذلك كله إلى الغفلة عن الغرض من البرلمان.
(?) جهل العضو البرلماني بواجبه الذي أشرنا إليه، وأنه أمانة في عنقه، ودرس لما يُعرض عليه، وتفكير في وجوه الإصلاح ينشدها ويتقدم بالتشريع لها، وسماع صوت ضميره عند التصويت، وتحويل ذلك كله إلى وجاهة يستعملها في قضاء مآربه الشخصية، وسلعة يبيعها لمن أراد حسب الثمن الذي يعرض لشرائها، وتضييعه النهار والليل في اللف على الوزارات ومقابلة رجال الدولة، يرجوهم في نقل موظف أو تعيينه أو ترقيته أو نحو ذلك من الشئون الخاصة، وينسى بذلك أول واجب عليه، وهو أنه يمثل الأمة لا بلدته ولا مركزه ولا فلانًا وفلانًا.
(?) كذلك من أهم ما يفسد البرلمان لعب التيارات الخفية التي توحي باتجاهات خاصة للظروف والمناسبات والملابسات، ومحاولة صياغتها في شكل مصلحة عامة طاهرة بريئة، فالبرلمان الحق هو الذي يرعى مصلحة الأمة وحدها، ويدرس المسائل كما يدرس القاضي قضيته، كل شيء فيها على المكشوف، المدعي يدعي دعواه والخصم يفندها، والقاضي يقدِّر قول الخصمين التقدير القانوني العادل، وينطق بحكمه بناء على ذلك فقط، فإن هو راعى تيارات خفية من وجاهة أحد المدعين، أو أي اعتبار آخر غير ما ذكرنا، كان قضاؤه فاسدًا، وبعث بذلك الفزع في نفوس المتخاصمين، فكذلك الشأن في البرلمان، ما لم يدرس مسائله على المكشوف، ولم تلعب به التيارات الخفية، وما لم يتجرد من كل اعتبار إلا مصلحة الأمة، فبرلمان مزيف.

الفصل الحادي والأربعون
مظاهر الرقي في الأمم


كل أمة في حركة دائمة وتغير مستمر؛ فهي لا تعرف القرار والثبات على حال، غير أن هذا التغيُّر قد يكون إلى حال خير مما كانت عليه، وقد يكون إلى أسوأ، فإن كان الأول سمَّيناه رقيًّا وتقدمًا ونجاحًا، وإن كان إلى أسوأ سمَّيناه تدهورًا وتأخرًا وانحطاطًا.
غير أن حسبان التقدم والتأخر أو الرقي والانحطاط في منتهى الصعوبة، لأسباب عديدة؛ أهمها أمران: الأول: أن كثيرًا من المظاهر موضع خلاف، هل هي أسباب رقِّي أو أسباب انحطاط، أو هي ليست أسباب رقي ولا انحطاط، وقد يكون الشيء سبب رقيٍّ؛ كالحرية والمساواة، فإذا غلت فيه الأمم، وتجاوزت حدوده، انقلب إلى سبب انحطاط، وهذا يجعل حسبان التقدم والانحطاط عسيرًا.
والثاني: أن كل أمة في الوقت الحاضر تتغيَّر من نواحٍ مختلفة تغيُّرات قد تعدُّ بالمئات أو بالآلاف، وهذه التغيرات مشتبكة معقدة، متجهة اتجاهات متعاكسة، بعضها يعد تقدمًا ورقيًّا وبعضها يعد تأخرًا وانحطاطًا، فعمليات الجمع والطرح لتعرف النتائج في منتهى الدقة والصعوبة، بل العامل الواحد قد يسبب رقيًّا في ناحية وانحطاطًا في ناحية أخرى؛ يسبب رقيًّا في الناحية الاقتصادية وانحطاطًا في الناحية الخلقية، أو العكس؛ رقيًّا في الناحية العلمية وضعفًا في الناحية الدينية، أو العكس؛ فحسابه إذ ذاك يكون عسيرًا، والوصول إلى تصفية نتائجه في غاية المشقة، وهذا هو الشأن في عامل واحد، فكيف يكون الشأن في آلاف العوامل والمؤثرات والأسباب؟ فلأكتفِ الآن بجزء من الموضوع، وهو الإجابة عن السؤال الآتي:ما أهم مظاهر الرقي في الأمم؟
لعل أهم ما يعد فاتحة لتقدم، وإرهاصًا لنجاحها ورقيها، تقارُب أفرادها في العقلية والعاطفة، وتوحدها في المثل الأعلى الذي تنشده، واشتراكها في العادات والتقاليد، وشعور كل فرد أنه جزء من أمة يعمل لنفسه ولها، ولخيره وخيرها؛ ذلك أن الركن الأساسي في تكوين الأمة هو وحدة المصالح، ووحدة العواطف ووحدة اللغة … إلخ، فكلما أمعنت الأمة في هذا التوحد كانت أشد استحقاقًا لاسم الأمة، ومن أجل هذا حافظت الأمم على أن يكون لكل منها قانون يعمُّ جميع أفرادها، وتعليم متحد في الأساس يتثقف به أبناؤها، ونظم عامة يخضع لها شعبها، وأهم غرض لذلك كله تدعيم هذه الوحدة؛ فإذا كانت الأمة منقسمة انقسامًا كبيرًا إلى بدو وحضر، أو تنازعتها الأديان المختلفة في شكل قوي واضح، أو تقسَّمتها صنوف التعليم؛ فمدارس فرنسية تتبع برامج فرنسا، ومدارس إنجليزية تتبع مناهج إنجلترا، ومدارس أهلية تتبع نظامًا خاصًّا، وتعليم ديني من أول الأمر، وتعليم مدني من أول الأمر؛ أثَّر هذا كله في وحدتها، وخالف بين نزعات أفرادها، وأصبح تسميتها أمة مجازًا لا حقيقة، وعاق ذلك رقيها وتقدمها.
قد تختلف الأمة في ثقافة أفرادها — وهذا ما يحدث بين كل الأمم الراقية — ولكن أسس الثقافة عندها واحدة، والاختلاف في الكمية فقط لا في النوع؛ كشأنها في اللباس، كل رجل فيها من فلاح إلى ملك يلبس ملبسًا يتكوَّن من «بنطلون وجاكته»، ولكن الاختلاف في نوع الصوف وجودة الصناعة وإجادة الخياط.
أما أمم الشرق، فالاختلاف في كل أمة منها في الأسس؛ تعليم ديني من أول أن يسلم الطفل للمكتبة، وتعليم مدني من يوم أن يسلم لروضة الأطفال، وتعليم أجنبي من يوم أن يدخل مدرسة الفرير أو الجزويت، فيخرج المتخرجون أنواعًا مختلفة في مثلهم العليا، وفي عاداتهم وتقاليدهم، وشأننا في هذا الاختلاف أيضًا كشأننا في الملابس تختلف نوعًا لا صنفًا فقط؛ فمعمَّم، ومطربش، ولابس جلبابًا، ولابس لباسًا إفرنجيًّا، إلى ما لا يعد ولا يحصى، ثم ما شئت من ضروب الاختلاف في العادات والتقاليد والمثل العليا، مما لا تجد له نظيرًا في الأمم الراقية.
فالقرب إلى توحد الأمة في ذلك كله مظهر من مظاهر رقيها، والبعد عن ذلك مظهر من مظاهر انحطاطها، وكما أن توحيد الله أرقى مظاهر الديانة، وتوحيد الزواج وعدم التعدد أرقى مظاهر الأسرة، فتوحيد الأمة — في كل ما ذكرنا — أرقى مظهر لها، ولعل هذا ما حدا بقادة الفكر في تركيا يوم عملوا على ترقية أمتهم أن يوحدوا زيهم، ويوحدوا أسس تعليمهم ونظام مدارسهم، ويوحدوا قوانينهم وجيشهم، وكل شيء لهم.
وشيء آخر من مظاهر الرقي في الأمة، أعني به انقسام الأمة إلى جماعات حسب تعدد الأعمال وتعدد الوظائف، وقيام كل جماعة بوظيفتها، على أن يكون الغرض الأخير لكل جماعة مصلحة الأمة.
لقد كانت الجماعة في حالة بداوتها، وفي حالة عيشتها القبلية، تتركَّز سلطتها في يد فرد واحد، وهو شيخ القبيلة، فلمَّا تكوَّنت الأمم وارتقت أخذت تتوسَّع الأعمال، وتتعدد الوظائف، ويتعدد القائمون بها؛ فبرلمان ومحاكم وجيش ورجال دين ورجال تعليم وصناع ونقابات … إلخ، وكلما تقدمت الأمة اتسعت أعمالها وتعددت وظائف القائمين بها، وعهدت لخير رجالها تنظيمها وإدارتها.
وليس رقي الأمة الذي نعني بكثرة الأعمال وتعدد القائمين بها فحسب، بل أهم من ذلك تنظيم العلاقات بين الجماعات المختلفة العامة، حتى كأن الأمة كلها آلة ميكانيكية، وكل جماعة فيها تعمل وفقًا لسير هذه الآلة، حتى تنتظم كلها في عملها، فليس كل جزء من الآلة يعمل عمله مستقلًّا، وإنما يعمل وفق سير الآلة كلها، وليحقق الغرض الذي ترمي إليه كلها.
وهذا ضرب آخر من ضروب التوحيد الذي أشرت إليه قبل، فإن الأمة بذلك يكون لها أغراض معينة لا تتعارض ولا تتعاكس، والقوى العامة على اختلاف أنواعها من قوى اقتصادية وأخلاقية وتعليمية واجتماعية، تعمل متساندة متفاهمة لتحقيق هذه الأغراض، أما إن هي لم تتفاهم ولم تتساند، هدم بعضها ما يبني الآخر، ونقض بعضها ما غزل الآخر، فضاعت قواها بين بناء وهدم وغزل ونقض، وكانت كما قال الشاعر:
تهتز وهي مقيمةفكأنما هي زلزلة ثم لكل ناحية من النواحي الاجتماعية مظهر واضح يدل على الرقي؛ فمن الناحية السياسية، مظهر الرقي تحقُّقُ العدل الاجتماعي وقربه من الكمال، وأكبر مظهر لذلك أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، فيختار المشرِّعين له والمنفذِّين لقوانينه ونظمه، اختيارًا تراعى فيه الحرية التامة، وليس هذا فحسب، بل يجب أيضًا أن يفسح الطريق لكل فرد ليصل إلى هذه الوظائف السياسية ما سمحت له مقدرته وكفايته؛ أعني ألا يدخل عامل من العوامل في الرقي إلى المراكز السياسية غير الكفاية وحسن الاستعداد، فلا الغنى ولا الجاه ولا البيت الرفيع ولا المحسوبية مما يصح أن تكون عاملًا من عوامل المناصب؛ فالأمة الراقية حقًّا من الناحية السياسية هي التي سهَّلت الفرص لكل الناس على السواء، وعدلت بينهم عدلًا مطلقًا، وأزالت كل العقبات من طريق السباق حتى يكون الفائز فيه من أعدَّته الطبيعة والمران ليكون الفائز.
وبمقدار قرب الأمة من هذا المثل الأعلى، وبُعدها عنه، يُحكَم عليها بالرقي السياسي أو الانحطاط السياسي، فإن حكمها غيرها أو حكمت نفسها واستبدت بالحكم فيها طبقة خاصة تعتز بالنسب أو بالمال، واعتز ذيولها بالمحسوبية لها، فما أبعدها إذن عن مظاهر الرقي!
ومن ناحية «الثروة»، مظهر الرقي أن يتجه الأفراد والحكومات بنظرهم في تحصيل الثروة، وإنفاقها إلى الخير العام للأمة، فإذا أنفق الفرد ثروته في تقوية نفسه وأسرته فهذا من مصلحة الأمة، وإذا نظم حياته بماله تنظيمًا يدعو إلى رقي نفسه وأسرته؛ فعرف كيف يدخر، وكيف ينفق، وإذا أنفق أنفق في تقوية بدنه وعقله وروحه، وأسبغ على حياته وحياة أسرته القوة من جميع نواحيها، فذلك في مصلحة الخير العام، ومثل هذا إذا خصص جزءًا من فضل ماله لما يرى من وجوه النفع العام التي تلائم ذوقه وتتفق مع ميوله.
أما إذا أنفق ثروته فيما يضعف نفسه وأسرته، من انهماك في نوع من أنواع اللذائذ المنهكة للقوى المتلفة للمال، من ميسر أو إدمان مسكرات أو نحو ذلك، فمظهر من مظاهر الانحطاط؛ لأنه يضعف بذلك نفسه وأسرته، وفي ذلك إضعاف للأمة؛ لأن الأسرة وحدة الأمة، وكذلك الشأن في ثروة الحكومة من حيث الدخل والخرج، فإذا راعت في فرض الضرائب مصلحة المجموع، وراعت في وضع ميزانيتها ووجوه إنفاقها مصلحة المجموع كذلك، فذلك مظهر رقيها، أما إن هي راعت في ضرائبها مصلحة فئة من الناس، وراعت في ميزانيتها طبقة من الطبقات، وأنفقت على المدن وضنَّت على الفلاح، وأسرفت في الكماليات وشحَّت في الضروريات، وبالغت في توسيع الشوارع وغرس الأشجار قبل أن يجد الفلاح ماءه النقي الذي يشربه، ومسكنه الصحي الذي يسكنه، ونوره الذي يستنير به، فمظهر من مظاهر الضعف والانحطاط.
ولتنظيم الثروة أهمية كبرى لا من الناحية المالية فحسب، بل إن أثرها يتعدى — تقريبًا — كل مناحي الحياة؛ فالثروة هي عماد رقي الصحة، ورقي العقل، ورقي الروح، والرقي في تنظيمها يستتبع رقيًّا في جميع هذه النواحي، كما أن الانحطاط فيها يستتبع الانحطاط في جميع هذه النواحي.
وهناك نواحٍ أخرى لا يتسع لعدها مقال، ولكن يمكننا أن نُجمِل القول فيها وفيما ذكرنا قبل بأن «خير مقياس لرقي الأمة أن تنظر الحكومات في تصرفاتها لمصلحة المجموع، وأن تنظر الأفراد في تصرفاتها لمصلحة الأمة».
وهذا هو مظهر الرقي من الناحية المجردة، وهناك مقياس لرقي الأمة نفسها؛ أعني أننا إذا تساءلنا هل هذه الأمة بعينها تسير نحو الرقي أو نحو الانحطاط، فبمَ نجيب؟
أظن أن الإجابة عن ذلك سهلة، وهي أن الأمة — في كل ما ذكرنا — إذا كانت في يومها خيرًا من أمسها، وأقرب إلى المثل الذي ألممنا بوصفه، فسائرة إلى الرقي، وإذا كانت في يومها شرًّا من أمسها، وكانت أبعد عن المثل الذي وصفنا، فسائرة إلى الانحطاط، وإن كانت في يومها خيرًا من أمسها في بعض النواحي وشرًّا في البعض الآخر، وجب أن نعمل عمليات دقيقة لتقويم الحسن والقبح، وعمليات جمع وطرح دقيقة نعرف بها ما يتبقى بعد ذلك من ضعة أو كمال، ثم الحكم بعد ذلك حسب نتائج هذه العمليات.

الفصل الثاني والأربعون
مناهج الفقهاء الأئمة في التشريع


اتفقت كلمة المشرِّعين على أن أصول الأحكام الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإن اختلفوا في الاعتماد والتفسير لبعض هذه المصادر؛ فمثلًا: يعتمد الإمام أحمد بن حنبل على الحديث كل الاعتماد، ويجمع في مسنده نحو ستة آلاف حديث يبني عليها أحكامه الفقهية، على حين أن أبا حنيفة لم يصحَّ عنده إلا نحو تسعة عشر حديثًا، كما يخبرنا بذلك ابن خلدون، ويضيِّق الإمام مالك فكرة الإجماع ويقصرها على إجماع أهل المدينة، على حين أن غيره من الأئمة يجعل الإجماع عامًّا لجميع المسلمين؛ استنادًا إلى قوله (?): «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ويتوسع أبو حنيفة في القياس حيث يضيِّقه أحمد بن حنبل، وهكذا تختلف منازعهم وإن اتفقوا على الأصول الأربعة.
وعدا ذلك اختلفت منازع الأئمة في التشريع، وكان لا بد من اختلاف اتجاهاتهم؛ فإن الأحكام الواردة في القرآن والسنة أكثرها أحكام كلية؛ مثل: لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، ومثل: «لا ضرر ولا ضرار»، وهكذا، وقد واجه الأئمة بعد فتح الأمصار حالات كثيرة جديدة لم تكن معروفة في جزيرة العرب؛ ففي العراق واجهوا مسائل الرَّي الناشئة عن دجلة والفرات، واجهها أبو حنيفة، ثم من بعده تلميذه أو يوسف ومحمد، وفي مصر واجه الشافعي مشاكل الري الناشئة عن النيل، هذا إلى مشاكل المعاملات والجنايات.
ولكل قطر عاداته في المعاملات والجنايات، ومن أجل ذلك كان للشافعي مذهبان: قديم وجديد؛ قديم قبل أن يدخل في مصر، وجديد استدعته أحوال مصر؛ ولذلك أود أن يتجه بعض الناشئين الباحثين فيقارنوا بين مذهبه القديم والجديد؛ ليعرفوا إلى أي حد غيَّرت مصر من مذهبه القديم، ويعرفوا الحالة الاجتماعية التي استدعت ذلك.
هذا إلى أن كثيرًا من الأمم التي دخلت تحت حكم الإسلام؛ كالفرس والروم، كانت لهم عادات خاصة، فلما دخلها الإسلام كان لا بد أن يعرضوها على الأئمة، ليعرضها هؤلاء بدورهم على الأصول الكلية للإسلام، ويقرُّوها أو يحكموا ببطلانها.
وأسباب الخلافات بين الأئمة ترجع إلى عوامل كثيرة؛ منها صحة حديث عند بعض الأئمة في بعض الأقطار، وعدم صحتها عند الآخر، ومنها فهم الإمام لآية وحديث حيث لا يفهم الإمام الآخر هذا المعنى منهما، ومنها أن أحد الأئمة يشترط شروطًا كثيرة في قبول الحديث حيث لا يشترطها الإمام الآخر، ومنها تأثر الإمام إلى درجة كبيرة بالبيئة التي يعيش فيها، حيث يتأثر الآخر ببيئة غيرها، ومنها ثقافة كل إمام، وإن كان كلهم مثقفين إلا أنه مهما كانت ثقافتهم فإن كلًّا منهم يختلف عن الآخر في نوع الثقافة ومقدارها؛ فمثلًا: الإمام مالك متأثر ببيئة المدينة، حيث كان يسكن رسول الله، والصحابة الذين كانوا يعيشون حوله، وكان يقدِّرهم تقديرًا كبيرًا حتى جعل الإجماع الذي يعتد به هو إجماعهم، ووجوده في المدينة مكَّنه من معرفة الأحاديث الصحيحة التي اعتمد عليها في كتابه الموطأ، ولكن من ناحية أخرى، كان وجوده هذا في المدينة سببًا في عدم اطلاعه على المدنيات الأخرى، ومعاملاتها وجناياتها، كالتي اطلع عليها أبو حنيفة في العراق، والشافعي في مصر.
والشافعي — مثلًا — تلميذ الإمام مالك، ومتأثر به، ومطلع أكثر من الإمام مالك على المدنيات الأخرى التي رآها في مصر والعراق، ومما امتاز به اهتداؤه إلى علم الأصول ووضعه له، ثم استنباطه الأحكام على وِفقه، مما لم يصل إليه إمام آخر؛ ولذلك كان مذهبه أكثر المذاهب انطباقًا على المنطق، بعكس الأئمة الآخرين، فإنهم كانوا يعتمدون على فهمهم لآيات الأحكام وأحاديثها، وكان الاستنباط كالملكات في نفوسهم، فجاء الشافعي فوضع تلك الأصول والتزمها.
والشافعي — كما تدل عليه رسالته في الأصول — يقدِّر السنَّة تقديرًا عظيمًا؛ لأنها في كثير من الأحوال مبيِّنة للكتاب، مفصِّلة لمجمله، وقد نفعه في ذلك دراسته الموطأ على الإمام مالك، وملاقاته مشاهير المحدثين في بغداد ومصر.
وملخص منهجه أنه إذا عرض له أمرٌ بحث عنه في الكتاب، فإن لم يجده بحث عنه في السنة، وإذا وجده في الكتاب مجملًا، بحث عنه في السنة مفصَّلًا؛ ولذلك يجعل الشافعي العلم بالسنة في مجموعها في مرتبة القرآن، ويعني بذلك الحديث الذي ثبتت صحته؛ إذ قيَّد السنة التي في مرتبة القرآن بالسنة الثانية، فإذا لم يجد الحكم في كتاب ولا سنة اتجه إلى الإجماع، فإن لم يجد إجماعًا، التجأ إلى القياس؛ وقد عني الشافعي بدرس القياس وتحديده، وقد حدده بالمثال، ووضع قواعد معينة لاستعمال القياس.
أما أبو حنيفة فقد تشدد في الحديث الذي يقبله؛ ولذلك قلَّ اعتماده على الأحاديث — كما ذكرنا — واضطره ذلك إلى التوسع في القياس؛ لأنه إذا لم يكن في المسألة العارضة حكم في الكتاب ولا في السنة، اضطر إلى أن يلجأ إلى القياس، فتوسع فيه أكثر من باقي الأئمة.
وأما أحمد بن حنبل، فقد توسع في الحديث ما شاء الله أن يتوسع، فلم يعتمد على القياس إلا قليلًا، ولم يتصور إجماعًا غير إجماع الصحابة.
•••

وبجانب هؤلاء الأئمة الأربعة كان هنالك أئمة يتجهون اتجاهات مخالفة بعض الشيء؛ فمنهم من كان ينكر الحديث بتاتًا، وقد حكى ذلك عنهم الإمام الشافعي نفسه في الأم، وأئمة رفضوا القياس بتاتًا، ولم يعتمدوا إلا على النص، حكى عنهم ذلك الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» كما فعل أهل الظاهر؛ فأهل الظاهر يرفضون القياس، ولا يعتمدون إلا على النصوص، ويعتبرون أن النص إذا ذكرت علته، كان أخذ الحكم من هذه العلة بناء على النص لا بناء على القياس.
ومع اعتمادهم جميعًا على الأصول الأربعة، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فإنهم واجهوا مسائل اضطروا فيها إلى الرجوع إلى العدالة، كما يقرِّرها العقل، وهي التي كان يسميها القانون الروماني بقانون الطبيعة، وسماها كل إمام باسم خاص؛ فسماها بعضهم استحسانًا، وسماها بعضهم استصلاحًا، وسماها بعضهم المصالح المرسلة.
وقد تعسَّف بعضهم فأرجعها إلى القياس، وسماها قياسًا خفيًّا، مع أن العقل غير المتعسف يرى أنها ترجع إلى طبيعة المشرِّع في تقويم العدالة، وليست من قبيل القياس المعروف.
•••

فنرى من هذا أن مناهج الفقهاء تكاد تكون متقاربة؛ لأن اختلافها إنما هو في التفصيلات لا في الأسس، على أنَّا لا ننكر أن السياسة لعبت دورًا كبيرًا عند بعض الفقهاء، وأقرَّت في بعضٍ آرائهم؛ فمثلًا: كان الزهري المتوفى سنة ???هـ رجلًا كبير النفس، واسع العلم، ومع ذلك كان كثير الاتصال بالأمويين، فكان يسهل أحكامهم، ويمهد الأمور لسلطانهم، وربما كان يرى أن مسالمتهم وعدم الخروج عليهم مما يجمع أمر المسلمين ويوحد كلمتهم، وكان كثيرون يرون أن سوء العقيدة مع العمل والقوة خير من صحة العقيدة مع الضعف والظلم.
أما في الدولة العباسية فتدخلهم في التشريع ظاهر أكثر من ظهور ذلك في الدولة الأموية؛ فأولًا: رويت الأحاديث الكثيرة عن عبد الله بن عباس، وأُعلي شأنه كثيرًا، وثانيًا: ظهر في التشريعات أشياء كثيرة، تخدم سياستهم التشريعية؛ كالتشديد على النصارى بلبس الزنار، وتميزهم بالملابس الخاصة، يدرك ذلك من دَّقق النظر في كتاب «الخراج» لأبي يوسف، وهذا التدخل السياسي في التشريع هو الذي كان السبب في رفض كثير من الأئمة تولي القضاء، وإن عُذِّبوا وأهينوا؛ لأنهم متى قبلوا القضاء، فقد خضعوا للسلطة السياسية، وجاروها وعملوا حسب رأيها.
على كل حال قد أفاد هؤلاء المشرِّعون بمناهجهم الإسلام فائدة كبيرة، والذي يريد أن يدرس فلسفة المسلمين الأصيلة وبُعد نظرهم، وجدَّهم المضني، فليدرس المشرِّعين وتاريخهم وفقههم وأصولهم، فهنا يجد الأصالة التامة، حيث لا يجد ذلك في دراسة للفلسفة والفلاسفة المسلمين؛ فإنها تقليد لليونانيين، وليس فيها الأصالة ما للمشرعين، ولو ظل باب الاجتهاد مفتوحًا طول العصور، لرأينا العجب العجاب من نمو الفقه وتطوره، مما يناسب كل عصر، ولكنهم — جازاهم الله على عملهم، — ضيَّقوا في الدين واسعًا، وحرَّموا على أنفسهم ما أحلَّه الله، فكان كلام الخَلَف ليس إلا ترديدًا لما قاله السَلَف، حتى في الأمثلة.
وليسوا يبيحون لأنفسهم أن يواجهوا مسألة جدَّت ولم يكن لها في الماضي نظير، ولا أن يقدِّروا عمل الزمان في تغيير الأحداث والأحكام، فنحن أحوج ما نكون إلى طائفة مجتهدة تماشي العصر وتشرِّع للزمان.
لقد ملئ العالم بانقلابات خطيرة في الصناعة؛ كالطيارات والغواصات والقطارات والقنابل الذرية والراديوا والتلفزيون، وغير ذلك من آلاف المخترعات، وكلها تتطلب تشريعات جديدة؛ فمثلًا: الطائرات تقتضي بحثًا في مدى ملكية الأمة لسمائها، وهل يجوز لطائر من أمة أن يطير بطائرته في سماء أمة أخرى من غير إذنها، ونحو ذلك من مشاكل، وكثيرًا ما كان الشيخ محمد عبده (رحمه الله) يُستفتى في مسائل جديدة تواجه المسملمين؛ كلبس البرنيطة وإيداع المال في صناديق التوفير، وأكل ذبائح النصارى، ونحو ذلك، فكان يجتهد ويشنَّع عليه في اجتهاده، ولولا اجتهاده هذا لحار المسلمون في أمرهم.
أما هذا الجمود، وإغلاق العين عمَّا يحصل، فنتيجة إهمال الساسة الفقه الإسلامي، والاتجاه إلى غيره من القوانين الغريبة؛ كما حدث في عهد الخديو إسماعيل، فقد روي أنه طلب من جمهرة العلماء أن يجمعوا الأحكام من سائر المذاهب المختلفة، ولا يتقيَّدوا بمذهب واحد، وأن يعدلوا عن بعض المسائل في مذهب إلى غيرها أصلح منها في مذهب آخر، فلم يقبلوا، فاضطر إلى التشريع على أساس القانون الفرنسي وإنشاء المحاكم الأهلية، فكان ذلك ضربة كبرى على التشريع الإسلامي.
ولو كان مصطفى كمال قد رأى من علماء المسلمين مرونة واجتهادًا ما التجأ إلى القوانين الأوربية ينقلها بحذافيرها من غير مراعاة لوطنه، ومن هذا نرى أننا نحتاج إلى ثورة فقهية، وثورة أدبية بجانب الثورة السياسية، والله الموفق!

الفصل الثالث والأربعون
النجاح في الحياة


كل إنسان في الوجود يأمل النجاح في الحياة؛ رجلًا أو امرأة، صانعًا أو زارعًا أو تاجرًا أو أديبًا أو عالمًا، وإن اختلفت الصورة التي يرسمها كلٌّ لغايته في النجاح.
وهناك صفات كثيرة لا بد منها في النجاح؛ بعضها خاص بنوع العمل الذي يعمله الشخص؛ فالتاجر تلزمه صفات خاصة لنجاحه قد لا يتطلبها نجاح العالِم أو الأديب، وهناك صفات عامة لا بد أن يتصف بها كل مريد للنجاح.
وقد دلت التجارب على أن النجاح في الحياة على وجه العموم يعتمد على الأخلاق أكثر مما يعتمد على العلم؛ ومن أمثلة ذلك: ما يُشاهَد من تجار كبار كانوا أميين أو شبه أميين بنوا لأنفسهم مجدًا في التجارة، ونجحوا فيها نجاحًا باهرًا بجهدهم واستقامتهم وحسن سمعتهم، ومعرفتهم بالسليقة نفسية الجمهور، ثم رُزقوا أولادًا أرادوا أن يكونوا خيرًا منهم في التجارة، فأرسلوهم إلى ألمانيا أو فرنسا أو إنجلترا، وعلموهم على آخر طراز، ونالوا الشهادات العالية في الاقتصاد وما إليه، ثم عادوا وحلُّوا محل آبائهم بعد وفاتهم، وكانت النتيجة أن خسرت تجارتهم، وأقفلت محالهم بعد إفلاسهم، وأصابهم الفقر بعد الغنى، وبين أن آباءهم الأميين أو شبه الأميين كانوا خيرًا منهم.
وليس المسئول عن نجاح الأولين وفشل الآخرين هو الجهل أو العلم، ولكن الأخلاق؛ فالأب — على أميته — كان يُحسِن الأخلاق التي تتطلبها التجارة فنجح، والثاني لم يحسنها ففشل، ولو كان الابن المتعلم في مثل أخلاق أبيه الجاهل لكتب له من النجاح أكثر مما كتب لأبيه، وهكذا في كل نواحي الحياة.
قد يضرب الناس أمثلة كثيرة بقوم فاسدي الأخلاق نجحوا في الحياة برذائلهم، حيث لم ينجح كثير من الناس بفضائلهم، ولديهم أمثلة كثيرة على ذلك؛ وخاصة في أيام الحرب؛ فالتاجر المستقيم ربح بحساب أو لم يربح مطلقًا، والتاجر الذاعر ربح من غير حساب، والموظف الأمين عاش على مرتبه الضئيل، والموظف الخائن حاز الأموال الطائلة حتى لم تعد تهمة الوظيفة، ثم الموظف المتملق لرؤسائه قد يرقَّى على أكتاف الموظف المستقيم، وهكذا.
قد يكون هذا صحيحًا، ولكن لا بد أن تحسب راحة الضمير للمستقيم وقلقه عند الخائن، وتحسب احتقار الرأي العام للخائن واحترامه للنزيه، وتحسب حساب المسئولية أمام الله، وتحسب حساب أن المال الحرام قلَّما يفيد صاحبه وأولاده لأسباب دينية ونفسية واجتماعية، وتحسب حساب من ضُبطوا في حياتهم فعوقبوا فخسروا الدنيا والآخرة، فلو حسبت حساب هذا لترددت كثيرًا في تسمية هذا نجاحًا، وهَبْهُ صحيحًا فأغنياء الحرب الذين اكتسبوا من طريق الرذائل استثناء من الحياة العامة، ومن نجحوا في السلم عن طريق غشهم وخداعهم وملقهم استثناء من الحياة العامة، أما القانون العام في كل زمان ومكان فهو أن النجاح في الحياة يتوقف كثيرًا على الأخلاق التي يستلزمها العمل من صفات خاصة وعامة؛ من اعتدال في الحياة، وضبط للنفس، وجد في العمل، وأمانة واعتماد على النفس وثقة بها، وإخلاص في العمل، وإخلاص لنفسه وللناس، وصدق في المعاملة، إلى غير ذلك من فضائل؛ وكلما رقيت الأمة كان من مظاهر رقيها نجاح الذين يعتمدون على أخلاقهم، وفشل الذين يعتمدون على رذائلهم.
وهكذا الشأن في الأمم؛ تنجح الأمة في عالم التجارة إذا أحسنت سمعتها، وحسنت معاملاتها، وحسن إنتاجها، وتفشل إذا انهارت هذه الأخلاق، وتنجح في السياسة إذا صدقت وعودها، وشرفت في معاملاتها، وخدمت الإنسانية بأغراضها، فإن نجحت بغير ذلك فنجاح مؤقت، ونجاح كنجاح الموظف الخائن، ومؤرخو الدولة الرومانية — مثلًا — مجمعون على أن نجاحها في عصر ازدهارها كان مؤسَّسًا على أخلاقها، فلما تدهورت أخلاقها تدهورت أملاكها.
ثم قد ينجح المرء في الحياة بسبب النبوغ العلمي النادر، أو الذكاء العقلي اللامع، أو القدرة الفائقة على إدارك الفرص وانتهازها ولو لم تدعمها الأخلاق الفاضلة، ولكن حتى في هذه الأحوال النادرة لو كان لهذه المزايا الفائقة مستند من أخلاق فاضلة لكان صاحبها أكثر نجاحًا؛ فالأخلاق الفاضلة تقويه وتقوي نجاحه، والأخلاق السيئة تضعفه وتضعف نجاحه.
إن الذكاء اللامع والعقلية القوية والقدرة على انتهاز الفرص ونحو ذلك، لو دعَّمتها أخلاق فاضلة لتوجَّهت إلى خير صاحبها وخير الناس، وإن هي لم ترتكز على الأخلاق الفاضلة كانت عرضة لأن تتجه للعمل لشر الناس، وفي ذلك من الخطر ما لا يخفى، والنابغ والذكي أقدر على الخير والشر من الرجل العادي.
وهناك أمر لا بد من التنبيه إليه، ويقع في الخطأ فيه كثير من الناس، وهو أن الأخلاق الفاضلة التي تسبب النجاح يجب أن تصحبها اللباقة، أو الأدب في المعاملة، أو حسن المجاملة، أو ما شئت من أسماء؛ فالأخلاق الفاضلة وحدها لا تكفي في النجاح إذا هي اصطُحبت بجفاف في المعاملة، أو خشونة في الطباع، أو عدم ظرف ولباقة؛ قد يكون التاجر أمينًا مستقيمًا ولكنه خشن غير لبق، وقد يكون الموظف مستقيمًا أمينًا جادًّا في عمله قائمًا بواجباته، ولكنه جاف غليظ سمج في معاملاته لرؤسائه وللناس، وقد يكون الأديب أو العالم مستقيمًا في سلوكه مخلصًا لأدبه أو علمه، ولكنه غير لبق في معاملته لمن حوله؛ كل هؤلاء قد يفشلون في الحياة ولا ينجحون، ثم هم يخطئون إذ يظنون ويظن بعض الناس معهم أن فشلهم أتى من استقامتهم وجدهم وإخلاصهم، والحقيقة أن فشلهم أتى من قلة لباقتهم وعدم ظرفهم، لا من حسن أخلاقهم.
واللباقة والأدب والظرف في المعاملة لا تكرهه الأخلاق، بل تدعو إليه الأخلاق، وهذه اللباقة غير الكذب وغير الملق، فقد يكون الإنسان صادقًا ومع ذلك فهو مؤدب لبق، وقد يكون الإنسان صريحًا غير متملق ومع ذلك مؤدب لبق، وعدم اللباقة قد يهدم الصداقة، وقد يسبب كثيرًا من العداوة، وقد يسيء إلى السمعة، وكل ذلك يعرِّض للفشل، وليس المسئول هو الأخلاق الفاضلة، ترى هذا في التاجر والعالم والموظف والمحامي وعضو البرلمان وجميع صنوف الناس، إذا خلوا من اللباقة سبَّبوا لأنفسهم وأهلهم من حولهم متاعب تؤدي إلى الفشل والخيبة، مع ما قد يكون لهم من كفاية نادرة وأخلاق فاضلة، على حين أن من دونهم كفاية قد يكونون أكثر نجاحًا للباقتهم وظرفهم.
وشأن المرأة من ذلك شأن الرجل؛ فالمرأة الفاضلة اللبقة أكثر نجاحًا في الحياة الزوجية والحياة الاجتماعية، وقد تكون الحياة جحيمًا؛ وليس لذلك من سبب إلا أن المرأة مع استقامتها وسمو أخلاقها قد حُرِمت اللباقة والظرف، فهي تسبِّب بعدم لباقتها كل يوم مشكلة جديدة قد يصعب حلها.
وبعد، فالأخلاق الفاضلة مع اللباقة والظرف والكياسة عُدَّة النجاح.

الفصل الرابع والأربعون
كيف ترقى الأمم


أعتقد أن الأمم في حركة مستمرة دائمًا، وهي أما حركة تقدمية أو رجعية، ولكن لا وقوف، وهذه الحركات كثيرة جدًّا تعد بالآلاف، وهي حركات معقدة لا تتجه اتجاهًا واحدًا دائمًا، بل قد تتجه اتجاهات متعاكسة، فالحركة تكون مربحة ماليًّا وغير مربحة أدبيًّا، وقد تساعد التجارة، ولكنها تضعف الخلق، وقد تغير الرجال، ولكنها تضر النساء، والعكس وهكذا، ومن أجل ذلك فالحكم على الحركات إجمالًا بالنفع أو الضر يحتاج إلى عين ماهرة فاحصة، ثم إن الحركات التي تصدر عن الأمة اليوم لا بد أن يدخل في نسيجها أعمال الأمس، بل يدخل فيها أيضًا رغبات الناس في المستقبل؛ من آمال وسعادة وغنى ونحو ذلك، فهي أشبه ما تكون بالسوائل المائعة، تقبل التقدم والتأخر والاستقامة والاعوجاج في سهولة ويسر، لا كالأشياء الجامدة المتحجرة.
وهذه الحركات دائمًا في تغير مستمر، فكل يوم تظهر قضايا لم تكن موجودة، وتختفي قضايا كانت موجودة، والاختلاف في قضية قد يستتبع خلافًا في قضايا أخرى، فالمرأة لما سفرت استتبعت تغييرًا في نظام الزواج والطلاق، وتغييرًا في تفصيل الملابس وخياطتها، ورواجًا للقبعات بدل البراقع ونحو ذلك.
والمجتمع لديه شعور طبيعي، مجهول لنا سببه، وهو الميل دائمًا إلى التوازن؛ فحيث تجد حرارة في ناحية تجد برودة تقابلها في ناحية أخرى، ويتجلى ذلك في الثورة الفرنسية — مثلًا — والثورة الصناعية، فقد خلقت نظامًا خاصًّا، فاستتبع هذا النظام تغييرًا في الأنظمة الأخرى تناسبه وتلتئم معه، وتكوِّن توازنًا لا بد منه.
ويحدث عادة أن كثيرًا من الناس قبل البدء في الرقي تظهر عليهم أعراض السخط على الماضي، ومن هؤلاء من يزيد سخطهم فيتشاءمون، ولا يعودون يصلحون لعمل إيجابي، ولا يكون أمامهم إلا إظهار العيوب ونقدها والتحسر عليها، وبجانبهم — عادة — يكون قوم آخرون إيجابيون، يتألمون من الماضي، ولكن يحفِّزهم ألمهم على البحث عن طريق الخلاص منه، فيضعون برنامجًا لذلك الخلاص، ويرسمون خطة للعيش اليوم في ضوء المستقبل، ويعيشون عيشة يعدلون فيها حياتهم وفق آمالهم ومثلهم العليا على قدر الإمكان.
ولكن مع الأسف لم يخلق الله شخصين متحدين في المزاج والعقلية والتجارب، حتى يضعا برنامجًا واحدًا للمستقبل، بل لكل إنسان برنامجه؛ نعم, قد يتفقان في الغرض؛ كأن يتفقا على القضاء على الفقر المدقع، وعلى وجوب تقارب الطبقات، وعلى أن يكون لكل فرد من الملك ما يعيش به عيشة سعيدة، ولكنهما إذا أخذا في التفاصيل اللازمة لتنفيذ هذا الإصلاح فسرعان ما يختلفان، على أنهما كثيرًا ما يختلفان في الأساس نفسه؛ فقد يكون المثل الأعلى لأحدهما سعادة الأفراد سعادة مادية؛ من أكل ولبس ومسكن ونحو ذلك، على حين أن الآخر يرى المثل الأعلى في هذا أيضًا، وفي السعادة العقلية والنفسية من رقي في الفنون والعلوم والأخلاق والدين ونحو ذلك.
ومهما كان الاختلاف فقد اتفق المفكرون تقريبًا على أن أسس الإصلاح التي ينبغي أن تُطلب وتُحقَّق ثلاثة: النوع الأول: الإصلاح المالي للدولة، ويشتمل على أشياء كثيرة سنتعرض لها بعد، والإصلاح الثاني: تنظيم المعاهد والمرافق، وتوجيهها وجهات متعاونة لا متعاكسة، والأساس الثالث: تعديل حالة الأمة وتسييرها، مع مراعاة ما يحيط بها من ظروف خارجية وعلاقات بالدول الأجنبية، مع العلم بأن كل أساس من هذه الأسس يؤثر نظامه على الأساسين الآخرين جودة أو رداءة، فإذا حسن تنظيم أحدها ساعد على تنظيم الآخر، وإلا لا.
ونعني بالتنظيم المالي جملة أشياء: مثل تنظيم معاهد العمال ونقاباتهم وشركاتهم، ووضع ما يكفل نشاطهم وجدهم وأمانتهم في العمل وإتقانه ونحو ذلك، ومثل تنظيم المعاهد العلمية ومعاهد الأبحاث ونحو ذلك، وقد يكون غريبًا أن نعد هذا من ضمن التنظيم المالي، ولكنه هو الصحيح؛ لأن الأبحاث العلمية ونتائجها قد تدرُّ على الدولة من الأموال ما ليس له حد؛ خذ لذلك العلم الذي يبحث في معرفة الأرض، وهل فيها بترول أو لا؟ وكيفية استخراج البترول والانتفاع به … فإن هذا يفيد الدولة اقتصاديًّا ما لا يفيده أي شيء آخر.
ومثل تنظيم الضرائب على الشعب، وإلى متى يتحمل، وكيف تضرب الضرائب على الكماليات أكثر مما تضرب على الضروريات، وكيف تختلس الضرائب اختلاسًا حتى لا يتألم منها الجماهير ونحو ذلك، ومثل التنظيم الزراعي، ودراسة الأرض، وما تحسن وما لا تحسن، وكيف تستغل الأراضي بالآلات الحديثة، لنستخرج منها أكبر محصول بأقل مجهود، وهكذا، ومثل تعاون النقابات وكيفيته وتنظيمه، فيساعد بعضها بعضًا لخير الأمة، ومساعدة الفلاحين بواسطتها حتى تسهل أمورهم ومعاشهم؛ هذه هي أهم التنظيمات المالية التي يجب أن تحققها الدولة إذا أرادت الرقي.
أما الأساس الثاني، وهو تنظيم الحياة العلمية والفنية وترقيتها، ووضع البرامج لهما، وإمدادهما بالمال اللازم لهما؛ فإنه مهما صُرف عليه من المال فإنه سيعوض أضعاف ما صرف عليه، وأهم شيء في ذلك اختيار الصالحين لهذا العمل اختيارًا صحيحًا، وقد وزع الله المَلَكَات على الناس؛ فمنهم من ملكته في يده، وهؤلاء يكون منهم الصانعون، ومنهم من ملكته في رأسه، وهؤلاء يكون منهم العلماء والباحثون، ومن ملكته في قلبه، ومن هؤلاء يكون الفنانون، وإنما يصلح كل شخص إذا أُسند إليه عمل يناسب ملكاته، وإلا كان الشأن شأن كتاب فقه يوضع في يد أديب، وكتاب شعر يوضع في يد فقيه.
وأما الأساس الثالث، وهو معرفة الظروف الخارجية، وتسيير الأمة وفقها فأساس لا بد منه لهدوء بال الأمة، وإمكان السير في حياتها الداخلية سيرًا هادئًا مطمئنًّا، فقد تعتري الأمة هزة فظيعة من جراء جهلها بالظروف الخارجية، وقد تفوت عليها مصالح هامة من جراء جهلها أو عدم انتهازها للفرص، مما يؤثر في مجرى حياتها الداخلية.
هذه الأسس الثلاثة متى أحسن تدعيمها تقدمت الأمة بمقدار هذا التحسين، ويجب أن ننبه هنا على شيء هام، وهو أن القائمين على تنظيم هذه الأسس يجب أن يكونوا مرنين متأقلمين، لا جامدين متزمتين، فإذا ظهرت بوادر تغيير في الظروف غيروا في التنظيم، وساروا مع الأحوال الجديدة سيرًا جديدًا، ولا يفعلون ما يفعل الساسة الأجانب، تمر عليهم الأجيال وتتغير الأحوال، ثم هم يعاملون من يعاملونهم كأن الدنيا ما تغيرت، وكأن الزمان ما حال.
إن الفتاة الباريسية التي تتغير كل حين في بدعها (مودتها)، ولا تلبس اليوم ما كانت تلبسه بالأمس، ولا في الصيف ما كانت تلبس في الشتاء، أعقل من العلماء الجامدين ومن الساسة المتزمتين؛ إن الأمة إذا وجهت عنايتها لهذه الأمور الثلاثة، ووجهت عنايتها أيضًا إلى توحيد هذه الاتجاهات التي تعاكسها، ضُمِن لها النجاح، ومن حسن الحظ أن الدولة الناشئة لم تثقل أكتافها التقاليد القديمة ولا الأساليب العتيقة، فهي حرة في التجديد أكثر من حرية من أثقلها الماضي وغلَّها بقيده، والفرق بينهما كالفرق بين فتى انفتلت عضلاته واشتد ساعده ومرن عقله، وبين شيخ أقعدته السنون وأثقلته الهموم وقيدته أحداث الزمان، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الفصل الخامس والأربعون
رسالة المرأة العربية


لا شك أن رسالة المرأة جليلة الخطر، فلا تصلح نهضة لأمة ما لم تعتمد في أساسها على المرأة؛ لا لأنها تكون نصف الأمة فقط، ولكن لأنها هي التي تربي الأمة كلها.
وإذا كانت النساء تُكثر في مؤتمراتها ودعواتها من ذكر حقوقها والمطالبة بها، فليحسن لنا أن نُكثر من ذكر واجباتهن، فخير ما يمهد لهن كسب حقوقهن عنايتهن بأداء واجبهن.
وواجب المرأة العربية ورسالتها أشق وأصعب من واجب مثيلاتها في الممالك الأوربية المتمدنة؛ إذ عدد المتعلمات المثقفات في بلاد العرب قليل جدًّا إذا قيس بعددهن عامة، ولا تنظروا إلى عدد قليل مثقف في المدن، فهؤلاء لا يمثل المرأة، إنما الذي يمثلها النساء الفلاحات في القرى والأرياف.
إن المرأة العربية التي تقدمت هي المرأة التي دخلت المدارس وتعلمت تعليمًا ثانويًا أو عاليًّا، ولكن كم عدد هؤلاء بجانب السواد الأعظم من النساء اللاتي لا زلن على حالهن منذ القرون الوسطى، بل منذ التاريخ القديم.
إن الذي يمثل مصر — مثلًا — ليس خريجات الجامعة، ولكن نساء دهشور وبوصير ونجع حمادي وشلشمون، وليس الذي يمثل مصر شوارع الأهرام «بفللها» الجميلة، ولكن أكواخ الفلاحين بجاموسها وبقرها، والذي يمثل المرأة حقًّا ليست ملابسها الجميلة خارج البيت ومظاهرها الأنيقة في المجتمعات، ولكن الذي يمثلها حقًّا هو معيشتها داخل بيتها.
فعلى هذا الأساس نرى أننا لم نتقدم كثيرًا في رجالنا ولا نسائنا، فلا تزال الجمهرة من الرجال أميين، والنساء أكثر من ذلك، ولا يزال نحو هذا العدد لا يجد الماء النظيف الذي يشربه، والمسكن النظيف الذي يسكنه، والنور الصالح الذي يستنير به؛ ولقد دخلت في قرية في سويسرة بيتًا لبقر فلاح، فرأيته على أتم ما يكون من النظافة، مضاء بالكهرباء، غُطِّيت أرضه بالخشب لينام عليه البقر، وعملت فيه مجارٍ كقنوات يجري فيها ما يخرج منه، فقلت متى يكون لفلاحينا وعمالنا وفقرائنا بيوت كبيوت البقر السويسري.
لست يائسًا، فالنهضة الأوربية ليست إلا بنت ثلاثة قرون، والنهضة النسائية في أوربا ليست إلا وليدة قرن ونصف، فقد كانت المرأة في أوربا تعد سلعة من السلع، وفي بعض الأماكن كان لزوجها الحق في بيعها، وكان خير ما ينظر فيه إلى المرأة أن ينظر إليها كما ينظر إلى الطفل يدلل ويضحك منه ولا يعتمد عليه.
وتاريخ المرأة في العالم يكاد يكون قصة قصيرة واحدة في الضعف والتحول والارتقاء، فليست أوربا عجبًا من العجب، أو أنها خلقت من طبيعة غير طبيعتنا يستحيل علينا بلوغ شأوها، فلدينا من الاستعداد الطبيعي والبيئة الطبيعية وموارد الثروة ما يمكِّننا من أن نبلغ مبلغهم في رجالنا ونسائنا، لو حفَّزنا الهمة، وبذلنا الجهد، وضاعفنا السير إلى الأمام في ثبات وحزم.
مرت الأسرة الأوربية بالدور الذي مررنا به، وهو نظام الأسرة الأبوية الاستبدادية التي كان فيها الأب السيد الأعظم الآمر الناهي المتصرف الوحيد في البيت وشئونه، والمرأة ليس لها حق بجانب حقوقه، بيده المال، وبيده الإدارة، وتخليق المرأة والأطفال بالأخلاق التي يراها، ثم تغيرت الظروف الاجتماعية فتغير مركز المرأة، ويرجع هذا التغير إلى أمور؛ أهمها التطور الاقتصادي، فانهدم النظام الإقطاعي وتقدمت الصناعات، والنظام الإقطاعي والمعيشة الزراعية تساعد كثيرًا على تثبيت سلطة الآباء، فلما انهدم النظام الإقطاعي ورقيت الصناعات ضعفت سلطتهم؛ ومنها انتشار الثقافة بين أفراد الشعوب؛ وخصوصًا نوع الثقافة الذي يُشعر الإنسان بحقوقه وواجباته: من حقها أن تتعلم ومن حقها أن تكون شريكة الرجل في البيت لا خادمته.
ومن ذلك الحين اتجهت الأسرة إلى طلب المساواة وتحقيقها شيئًا فشيئًا، حتى كاد أن يطلب الرجل المساواة، وجاءت الحرب الماضية فساهمت المرأة الأوربية في تحمل أعبائها، فنالت بعد الحرب كثيرًا من مطالبها؛ ومنها دخول الجامعات الذي لم يتم في بعض جامعات إنجلترا إلا سنة ????، وها هي في هذه الحرب تقدمت خطوات في المشاركة فيها، فلا بد أن تتقدم خطوات بعد الحرب في الكسب.
هذه هي قصة المرأة الأوربية، وهي بعينها قصة المرأة العربية، وإن كان جزء كبير من التقدم نشأ من العدوى أكثر من نشوئه من التطور الطبيعي للحياة الاجتماعية العربية.
ومما لا شك فيه أن تقدم المرأة في العشرين سنة الأخيرة كان تقدمًا عظيمًا، فأذكر أنه في سنة ???? حين عُينتُ مدرسًا في كلية الآداب، لم أرَ مصرية واحدة تستمع لدرسي إلا بنات المرحوم الدكتور علي إبراهيم رامز، وكانت أمهن ألمانية، فتساءلت هل أعيش حتى أرى مصرية تحضر دروسي في الجامعة، وكان الأمر أسرع مما كنت أتوقع؛ فالفتيات المصريات يملأن الكليات، ويسابقن الشبان في ميدان العلم.
ولكن يؤخذ على حركة التقدم هذه أمران؛ الأول: أنها تكاد تكون حياة محصورة في المدن لم تنتقل إلى المدن الأخرى والأرياف؛ ولذلك لا نستطيع أن نقول إن الحركة النسائية شاملة، بل وُجد عندنا طبقتان متميزتان جدًّا؛ إحداهما في السماء والأخرى في الأرض، وليس كذلك الشأن في الأمم الراقية؛ فهناك تقارب في التفاهم بين نساء الشعب، ومقدار لا بد منه في الثقافة لكلهن، أما الشأن في الشرق؛ وخاصة في مصر، فنظام الطبقات واضح جدًّا: متعلمة جدًّا أو جاهلة جدًّا، ولا قدر من الثقافة إجباري عام، فمثله مثل الغني جدًّا بجانب الفقير جدًا، والقصر الشاهق بجانب الكوخ الحقير.ولا تكون الحركة النسائية صادقة حتى تكون عامة وإن اختلف مقدار الثقافة، ولست أبرئ الرجال من هذا العيب، فشأنهم في مصر كذلك: فيلسوف ومن لا يعرف أن يكتب اسمه.
والأمر الثاني: الذي يؤخذ على حركة التقدم النسائي: شعورهن بالمظهر أكثر من الحقيقة، فليس السفور معناه كشف الوجه وغشيان دور السينما والتمثيل بمقدار ما معناه ألا يكون هناك فارق في العقلية، ولا فرق في العمل بين الرجل والمرأة، فإذا جالستِ المرأة الرجل فالندُّ للندِّ، وإذا ألقي العبء على المرأة بوفاة زوجها أو عائلها استطاعت أن تعمل وتكافح في الحياة، وقد يكون المثل الصادق للسفور الحق ما قامت به النساء المصريات في مكافحة الملاريا، وجمعية مكافحة السل، والمتبرعات للتمريض ونحو ذلك، على أنه مما يبشر بالخير ما نرى من تطور طبيعي نحو شعور المرأة بمسئوليتها، ونأتي إذن إلى النقطة الجوهرية، وهي مسئولية المرأة ورسالتها.
أول رسالة للمرأة: عنايتها بالأسرة، والأسرة تقوم بوظائف عديدة اقتصادية وسياسية ودينية، ولكن أهم عمل لها أنها مربِّي للطفل، ففي الأسرة يأكل الطفل، ويلبس، ويسكن، ويحافظ عليه من الأحداث، ويتعلم دروس الحياة الأولى التي تلازمه طول حياته، وما الحياة خارج المنزل؛ في المدرسة أو المصنع أو المتجر أو الجامعة أو في الحياة العامة، بعد أن يمارسها إلا نتيجة للبذرة الأولى التي بذرتها الأم في البيت، فالأم في البيت ترسم في ذهن الطفل رسمًا ثابتًا، المثل الذي سيتبعه في حياته، فإن عدلت الحياة العامة فيه ففي العرض لا في الجوهر. فالإصلاح الحقيقي للأمة إصلاح المرأة، إصلاح الأم، فالألماني والفرنسي والإنجليزي والروسي ليس طابعه كما نرى إلا بأمه، وأكثر العيوب التي نراها في الأمة ترجع في الحقيقة إلى البيت؛ فخصامنا في الشارع، وفي المدرسة، وفي المجتمعات، صورة لخصام الأب والأم في البيت، وعدم ضبط العواطف في المعاملة صورة لعدم ضبط عواطف الأب والأم في البيت، والكذب في الخارج من الكذب في الداخل، وجبن الابن من جبن الأم، والأنانية المفرطة في الخارج من دروس الأنانية في البيت، وهكذا وهكذا، كثرة وفيات الأطفال وكثرة أمراضهم راجع إلى البيت، إلى الأم.
في مصر الآن نحو ستة ملايين من الأطفال بين سن ??، ??، وهذه السن عادة تكون ثلث السكان، فتصوروا حالهم إذا كان كثير من أسرهم مصابين بالجهل والفقر والمرض، كيف تكون حالتهم العقلية والخلقية والجسمية، وتصوروهم وقد صلحت حال أسرهم في الثقافة والقدرة المالية والصحة الجسمية، كيف يصبح هؤلاء الأطفال نواة جيل جديد خير ألف مرة من جيلنا؟!
أكثر هؤلاء الملايين الستة يعيشون في بيوت الفلاحين القذرة الفقيرة التعيسة، وسط آباء وأمهات جهلة، يرضعونهم مع اللبن الأمراض والجهل والتخريف، ثم ليس في الأمة من يأخذ بيدهم أو يلتفت لحالهم، وجزء كبير من ميزانية الدولة يُصرف فيما يعد ترفًا بالنسبة لهذه الحال، وجزء كبير من مجهود المصلحين والعاملين إنما يذهب إلى العدد القليل من الأمة، وهو طبقة الأرستقراطية، فالأدب الذي ننشئه، والجرائد والمجلات التي نحررها، ونحو ذلك كله للطبقة الأرستقراطية ماليًّا أو علميًّا، والسواد الأعظم من الأمة متروك وشأنه للفقر والجهل والمرض، فلم يعمل شيء يذكر لهذه الملايين الستة الذين هم عماد الأمة في جيلها الآتي.
فلو وجَّهت الجمعيات النسائية جهدها إلى هذه الناحية لأتت بالخير الكثير، هي من غير شك لا تستطيع أن تقوم بإصلاح أطفال الفلاحين والصناع وحدها، ولكنها تستطيع مطالبة الرجال والحكومة بالعمل على مكافحة الأمية ورفع مستوى المعيشة، وصوتهن مسموع ما دام الرجال لا يصرخون من سوء هذه الحال.
بل إنهن يستطعن المساهمة في العمل — متى أسست الجمعيات لرعاية الأطفال — بالتطوع لتعليم الأطفال، وبإرشاد الأمهات الجاهلات في البيوت كيف يحافظن على صحة الطفل ويرعينه.
وأذكر أني قرأت مرة عن امرأة سوداء في أميركا، استطاعت أن تغير حالة السود بإنشاء جمعية من بني جنسها، كانت هي وجمعيتها تتنقل في قرى السود، فيدخلن القرى يعلِّمن أهلها كيف تُرعَى الصحة، وكيف يٌنظَّف المسكن، وكيف يُرتَّب، ويقمن بالعمل في بيت من البيوت ليكون نموذجًا، فهذا موضع للفراخ، وهذا موضع لكذا، وهذا موضع يمكن أن تنشأ فيه حديقة للمنزل، ويزرعنها فعلًا، حتى إذا وضعن النموذج للقرية، انتقلن إلى غيرها، وهكذا.
هذا مثل من أمثلة السفور الحقيقي للعمل الحقيقي، إن الرجال لصوت النساء أسمع، والإصلاح على يدهن أسهل، فمتى اتجهن إلى هذه الجهة من الإصلاح خجل الرجال من أنفسهم، وضاعفوا جهودهم، ولبَّت الحكومة طلبهن أكثر مما تلبي طلبهم.
أليس من العار علينا أن أغلب فلاحينا — وهم السواد الأعظم — لا يجدون ماء صالحًا للشرب، ولا الغذاء الضروري للقوت، ولا الكساء الضروري للملبس، في بلاد غنية كبلادنا؟! وفي هذا الوسط ينشأ الأطفال في الأسر، ومع هذا كله نفكر في توسيع شارع في القاهرة، أو غرس أشجار على جانبي الطريق، فيكون مثلنا مثل من عضه الجوع ومعه قرش فاشترى به وردة.
ما أقسى حالة الأطفال البائسين ممن يموت عائلهم ولا يترك لهم شيئًا، وممن وقعوا في أسْر أسَر فقيرة، وممن أصيبوا بأب مجرم أو أم غير صالحة، أو ممن هدمت الأسرة عليهم بسبب الطلاق! فأين هي الحكومة، أو الجمعيات التي ترعاهم؟ وقد يكون من بينهم المجرم الذي يخسر الأمة خسارة لا تقدر بإجرامه، وقد يكون منهم النابغة الذي قد يسدي إلى الأمة من الخير ما لا يقدر.
ليس أمر هؤلاء مما يصح أن يُترك، فعلى الحكومات أن تضع لهم من النظم والمال ما يكفل لهم العيشة الصالحة.
الأمر الثاني من «رسالة المرأة»: المساهمة في الخدمة الاجتماعية، والمرأة في هذا الباب تستطيع بما منحتها الطبيعة من قوة في العاطفة وفضيلة الشفقة والرحمة والعطف وإصغاء الناس لهن أكثر مما يصغون للرجال، أن ينجحن فيه أكثر مما ينجح الرجال. وأهم أبواب الخدمة الاجتماعية ثلاثة: مكافحة الفقر، ومكافحة الجهل، ومكافحة المرض.
والفقر في مصر عدو خطير يصيب أكثر أفراد الشعب، في كل قرية أفراد معدودون هم الذي يستطيعون أن يعيشوا بدخلهم، والباقون لا يجدون ما يأكلون وما يلبسون، ولا يغرنَّكم القصور الفخمة والبيوت الكبيرة، فهي كالشعرة البيضاء في الفرس السوداء، وبعض البلاد فقرها طبيعي؛ لقلة ما تنتج، وسوء البيئة الطبيعية حولها، ولكن مصر — ولله الحمد — ليس فقرها من طبيعتها، ولكن من سوء توزيع ثروتها من ناحية، ومن عدم الاستغلال الجيد من ناحية أخرى، ومن عدم صلاحية السكان لكسب العيش من ناحية ثالثة.
وفقر الشعب هو العقبة في سبيل كل إصلاح تعليمي أو اجتماعي أو سياسي، وإذا زال الفقر في أمة صلحت وتقدمت في جميع النواحي، بل المرضين الخطيرين في المجتمع؛ وهما الجهل والإجرام، كثيرًا ما يكون سببهما الفقر، وأسباب الفقر هي أسباب انحطاط الإنسانية، والفقر قد يكون سببه من الفقير نفسه؛ لضعف كفايته العقلية والفنية والجسمية، وقد يكون سببه من الخارج؛ أعني سوء الحالة الاقتصادية في البلاد، ولا أطيل في هذا؛ فالموضوع طويل معقد أوسعه العلماء بحثًا.
ولكن موضوعنا ماذا تستطيع المرأة أن تعمل في هذا الباب: من قديم والفقر يُعالَج بالإحسان، وفكرة الإحسان مبنية على أساس أن القادر يُعِين غير القادر، ومن رزقه الله بسطة في المال يعين من حرمه منه، وهذا هو الشائع إلى الآن؛ يرى الرجل فقيرًا مسكينًا أو امرأة مسكينًا فيخرج من جيبه قرشًا وينتهي الأمر، ولكن هذه النظرة إلى الإحسان تغيرت، وأهم تغير فيها ناحيتين؛ ناحية أن المسألة لم تعد مسألة إحسان، والفقير ليس فقيرًا بالقدَر، والغني ليس غنيًّا بالقدَر، ولكنه سوء النظام الاجتماعي.
والفقير ليس يطلب إحسانًا، ولكنه يطلب حقًّا له على الأمة وعلى الحكومة، هو يطلب أن يضمن له معيشة هي أقل ما يطلب لإنسان، له الحق أن تكفل له الحكومة مستوى من المعيشة لا ينزل عنه في مأكله وملبسه ومسكنه ومشربه، هو العيش الضروري الذي لا يصح أن يعيش أقل منه، فإذا لم تفعل الأمة والحكومة ذلك فقد اغتصبته حقه لا أنها منعت عنه الإحسان.
ولا بد أن تكونوا قد سمعتم بمشروع بيفردج وغيره من المشروعات، مما أسس على هذه النظرة، ومن أهم وسائل تحقيق ذلك الضرائب التصاعدية.
ومع هذا فالناحية الأخرى لم تنعدم، وهي ناحية الإحسان، ولكنه الإحسان المنظم لا الإحسان الفردي، وقد قطعت الأمم الحية شوطًا كبيرًا في تنظيم الإحسان، وأهمه نظام «همبرج» الذي وُضع للفقراء والعاطلين، ومقتضاه تنظيم مكتب رئيسي في كل مدينة للنظر في شئون الفقراء، وتقسيم المدينة إلى أقسام، وتعيين مشرف أو مشرفة على الفقراء في كل قسم وظيفته درس أسباب الفقر في كل أسرة، وإعانة العاطلين على إيجاد عمل لهم، وإنشاء مدارس صناعية لأولاد الفقراء، ومستشفيات لمرضاهم، ومن أراد الإحسان فليحسن إلى هذه الجمعيات لا إلى الأفراد … إلخ، وقد عمِّم هذا النظام في أوربا كلها، وأُدخل عليه تعديلات كثيرة، وأهم ما عني به هذا النظام العناية بأولاد الفقراء أكثر مما عني بالفقراء الكبار؛ لأن في إصلاحهم القضاء على الداء من أساسه.
والمرأة العربية تستطيع أن تساهم في هذا الإحسان، فتنظِّمه وتقوم عليه، وقد قامت «فعلًا» بقسط لا بأس به في هذا الباب، فدعت المرأة إلى التبرعات للمشروعات الخيرية الكثيرة، وساهمت في الإحسان تبرعًا وجمعًا، ولكن ألاحظ أنها أجادت في تنظيم الدعوة إلى التبرعات أكثر مما أجادت في تنظيم الإنفاق، وحبذا لو أنشئت جمعية نسائية نموذجية تشرف على فقراء حي من الأحياء البلدية، تكون مهمتها معالجة الفقر والبؤس، حتى إذا جُرِّبت ونجحت عُمِّمت في أنحاء القطر.
أما نصيب المرأة في مكافحة الجهل فلا يزال قليلًا، وشأنهن في ذلك شأن الرجال، وقد وضعت الحكومة المصرية مشروعًا لمكافحة الأمية لم ينفذ بعد، وهو تحت نظر وزارة الشئون الاجتماعية ونرجو — عند البدء في تنفيذه — أن تساهم المرأة المتعلمة فيه بنصيب كبير، فماذا يمنعها أن تتطوع لتعليم بنات الفقراء وبنات الشارع، ويتفق كل ثلاثة أو أكثر على فتح مكتب لتعليم الأميات، ويطلبن من وزارة الشئون إعداد المكان لهن، وإمدادهن بكل وسائل التعليم وأدواته، فيكون لهن فضل كبير في مكافحة الأمية.
ثم هن يستطعن تأليف جمعيات تجوب البلاد وتلقي المحاضرات في الشئون النسائية، وهذا — من غير شك — يكون عملًا واسع الأثر لو قامت وزارة الشئون الاجتماعية بتوزيع الراديو على القرى، إلى غير ذلك من أعمال ثقافية في استطاعتهن القيام بها، فحتى الآن لم نجد مجلة نسائية تخاطب المرأة المصرية فيما يفيدها.
أما الناحية الثالثة، وهي مكافحة المرض، فإنَّا — من غير شك — نرحب بما قامت به المرأة المصرية في مكافحة الملاريا، ومكافحة السل، والتمريض في المستشفيات، ولكن لا يزال أمامهن فسيحًا في هذا الباب؛ وخصوصًا من ناحية مرض الأطفال الذين لا يستطيع آباؤهم القيام بنفقات أمراضهم.
وليس من الحق اعتذارهن بقلة المال، فكما أن من واجبهن جمع المال من طريق التبرعات، كذلك من واجبهن مطالبة الحكومة بإنشاء ما يرين إنشاءه لمصلحة الأمة.
وبقيت مسألة أخيرة في رسالة المرأة: وهي أنها الرسول الذي بعثته العناية الإلهية لنشر السعادة في المجتمع، وفي الحق أن ما لا يقل عن تسعين في المئة من سعادة الأمة يرجع إلى المرأة، وقد زرت أوربا مرتين زيارتين قصيرتين فتساءلت بعدهما ما الفرق بين الشرق والغرب؟ فكان الجواب كلمة واحدة: «المرأة». تستطيع المرأة أن تكون سعادة الأسرة وسعادة المجتمعات، وبلسمًا لجراح الأمة، وأداة فعالة في بناء نهضتها.
المرأة هي مبعث حياة الأمة، فإذا قصَّرت فهي مبعث شقائها، هي مبعث الإصلاح السياسي والاجتماعي، هي روح الفن، هي التي تستطيع أن تجعل الرجال رجالًا، وأن تجعل الأطفال أبناء الله لا أبناء الشيطان.
أتعلم المرأة لم خلقها الله؟ إنما خلقها لتخلق من الرجال عظماء.

الفصل السادس والأربعون
نهضتنا الفكرية ما زالت صراعًا بين القديم والجديد


إذا أردنا أن نجمع أسباب النهضة من عهد محمد علي إلى الآن في كلمة واحدة قلنا إنها: «اتصال الشرق بالغرب»، فكما انبعثت شرارة من الشرق إلى الغرب في القرون الوسطى سبَّبت نهضة الغرب، ردَّ الغرب ما اقترضه فبعث شرارة إلى الشرق ألهبت حماسته، وأشعلت غيرته، فبدأ يقلد الغرب في مناحي نشاطه، ويتبعه في اتجاهاته، حتى ليمكننا أن نلخِّص «منطق» قادة الفكر في الشرق في الجملة الآتية: «إن الغرب يفعل كذا فيجب أن نفعله، والغرب يترك كذا فيجب أن نتركه»، وكلما أريد وضع نظام أو سن قانون أو بدء بمشروع تساءلوا: ماذا تفعل أوربا في ذلك؟
وكان أسبق الأمم الشرقية إلى الاقتباس من أوربا «مصر»؛ لموقعها الجغرافي أولًا، ولسبقها في العمل على الانفصال من سيادة الترك ثانيًا، فأخذ محمد علي يحذو حذو أوربا في جميع مرافق الحياة، من علمية واقتصادية وحربية وسياسية وغير ذلك، وإذا كان موضوعنا النهضة العلمية فلنقتصر عليها.
استعدت مصر لأخذ هذا الدرس عن الغرب من عهد حملة نابليون على مصر، فكان في حملته علماء أعلام بجانب رجاله الحربيين؛ منهم الرياضي، ومنهم الطبيعي، ومنهم الأديب، ومنهم الاقتصادي، وقد احتكَّ بهم بعض المصريين وشاهدوا آثارهم العلمية، وقرأوا ما ألَّفوا، ونظروا فيما جرَّبوا، كما يحكي ذلك الجبرتي في تاريخه.
وجاء محمد علي والنفوس على استعداد ما للسير في هذا السبيل، واستكمال ما بدأوا به من قبل، فأراد محمد علي الحركة — التي كانت بطيئة — بقوة وعنف، وأدخل عليها النظام بعد أن كانت مهوشة مضطربة، وبعد أن كانت حركة الاقتباس مقصورة على فئة قليلة جدًّا من المتنورين عمَّمها حتى وصلت إلى الجندي في الجيش والعامل في الحقل، ومن أبى منهم الاقتباس أجبره عليه، وأنفذه بسلطانه؛ فقد وضع «محمد علي» كل الأسس التي بنيت عليها الاتجاهات العلمية الحديثة؛ وأهمها أمران: (?) إرسال البعثات للتعلم في أوربا؛ حتى يكونوا نواة لتعليم المصريين على النمط الأوربي، ولينقلوا إلى العربية أهم ما ألَّف في الغرب، فأرسل كثيرًا من الشبان إلى فرنسا، وبعضهم إلى إنجلترا، واستمرت حركة البعثات إلى مختلف البلدان الأوربية إلى اليوم، وقد حققت — إلى حد ما — الغرض الذي أسست لأجله، فقد نشر المبعوثون بين أفراد الأمة تعاليم أوربا ومناهجها، وتسلَّموا أهم الأعمال في المصالح المختلفة، فكانوا منارًا يتلقون ضياءهم من أوربا، ويعكسونه على مصر، كما قاموا بترجمة بعض الآثار الأوربية إلى اللغة العربية.وإن وُجِّه نقدٌ إلى هذه الحركة فهي أنها لم تؤدِّ كل ما كان يُنتظر منها، فقد أُرسل إلى أوربا الألوف من المصريين، وعادوا بعد أن أتموا دراستهم، ونالوا أكبر الشهادات، ومع ذلك لم يكن مجهودهم في تنظيم الأعمال، وإدخال الأساليب الحديثة، ونقل المؤلفات القيمة يتفق وعددهم؛ فحركتهم في الترجمة حركة ضعيفة غير منظمة، وحسبك دليلًا على هذا أنه لم يقم من المصريين بعد رفاعة (باشا) ومدرسته من يسدَّ مسدَّه أو يغني غناءه، ولو سار من أتى بعده على نهجه لما رأيت كتابًا هامًّا أوربيًّا في مختلف العلوم والفنون لم يترجم إلى العربية، وهكذا قل في تنظيم الأعمال، وليس يصحُّ أن تلقي كل المسئولية على عاتقهم، فبعضها يرجع إلى أن الاحتلال الإنجليزي لم يكن يشجِّع على هذه النهضة، بل كان يعمل على إعاقتها.وأيًّا ما كان فهو اتجاه علمي أدى بعض واجبه، وخدم الحركة العلمية خدمة لا تُنكَر.
(?) وكان يقابل هذا الاتجاه ويكمِّله حركة أخرى ترمي إلى بعث الأدب القديم، وقد بدأ هذه الحركة المستشرقون، فبذلوا جهدًا كبيرًا في جمع الكتب القيمة في مكاتب، كما بدأوا في نشر أهمها، ثم قلدتهم مصر في هذا العمل، فبدأت مطبعة بولاق في عهد محمد علي تنشر الكتب العربية القديمة، ثم تأسست المطابع الأهلية تنشر ما لا يحصى من الكتب.وهي مع كثرة ما تُخرِجه مقصِّرة عما يُخرِجه المستشرقون؛ لا من ناحية العدد، بل من ناحية المنهج؛ ذلك أن أكثر ما يُطبع في مصر من الكتب القديمة ينشره التجار، أما في أوربا فينشره العلماء، وفرق كبير بين منهج العالم ومنهج التاجر؛ فالعالم الأوربي إذا نشر كتابًا رجع إلى أهم النسخ الموجودة في العالم وقابل بعضها ببعض، وتحرى الأمانة في الأصل، وبذل الجهد في المراجعة، ثم فهرس الكتاب بأعلامه وبلدانه، ونحن — إلى اليوم — لم نبلغ هذا المبلغ في إخراجنا إلا في القليل النادر.وألاحظ في هذا الاتجاه أن حركة النشر زادت في مصر وغيرها من البلدان العربية بقدر ما نقصت بين المستشرقين، وهي حالة تغتبط بها لو أضيف إليها العناية بالنشر.
•••

وقد أصبح لنا من هاتين الحركتين ثروة واسعة من الأدب الغربي والعلم الغربي، وثروة واسعة من الأدب العربي والعلم العربي، ونشأ عنهما، وإن شئت فقل إنهما كانا رمزًا لتيارين مختلفين.
وهذان التياران المتحاذيان أحيانًا، المتعاكسان أحيانًا، قسَّما الناس في مصر إلى أقسام، ووجهاهم وجهات مختلفة، وطبعاهم بطوابع متباينة؛ منهم المغالي ومنهم المعتدل، منهم من لم يلتفت إلى التيار الآخر أي التفات، ومنهم من اغترف منه غرفة بيده، فنشأ من ذلك تبلبل في الألسنة، واختلاف في الأفكار والآراء، وتنازع في مناهج البحث وطرق التفكير.
هذان التياران يتنازعان الشعراء والكتاب والمؤلفين، ويتنازعان مناهج التعليم، وطرق التفكير، وكل مظهر من مظاهر الحركة العلمية.
فمن الشعراء من مَثَله الأعلى امرؤ القيس أو بشار أو أبو نواس، ومنهم من مثله الأعلى شكسبير أو جوته.
ومن الكتَّاب من مثله الأعلى ابن المقفع أو الجاحظ أو الحريري، ومنهم من مثله فيكتور هوجو أو فولتير أو نحوهما.
بل مناهج التعليم في مصر مضطربة بين التيارين؛ فهي تعلِّم النحو والبلاغة على نمط سيبويه والسكاكي ونحوهما، وإن اختلفت عنهما ففي الأمثلة ووضوح العبارة، وتعلِّم الطبيعة والكيمياء والجغرافية على نمط الكتب الإفرنجية.
ومن المقنِّنين من يرى خير مثل هو القانون الفرنسي أو الألماني أو السويسري، ومنهم من يراه الشريعة الإسلامية.
ويمثِّل هذين التيارين الجامعة المصرية، ومثلها الأعلى التعليم الأوربي، والجامعة الأزهرية، ومثلها الأعلى الآداب والعلوم الإسلامية، على أن الجامعة الأزهرية بذلت بعض المحاولات في إدخال عناصر التجديد.
وهذان الاتجاهان في الشرق؛ وخاصة مصر، أوضح منهما في الغرب؛ نعم، إن في الغرب محافظين وأحرارًا، ولكنهما معًا يدوران حول مبادئ واحدة كل فريق يرى فيها رأيًا، أما في الشرق فالآراء متعاكسة، وموضوعات الاتجاهين ليست واحدة؛ ذلك أن الغرب قد نظر طويلًا في التراث القديم وصفَّى مركزه فيه، وأخذ منه ما يستحق الأخذ، وسار به على النهج الجديد، ولم تبقَ للقديم دراسة إلا للتخصص فيه على أنه أثر من الآثار.
ومن عهد محمد علي إلى الآن والحرب مستعرة بين الاتجاهين، وهي حرب هادئة أحيانًا، عنيفة أحيانًا، تظهر في الآداب بين دعاة القديم ودعاة الجديد، وتظهر في الدين فيقوم لها الرأي العام ويقعد؛ كالثورات التي قامت على السيد جمال الدين ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وطه حسين، وتظهر في التقنين؛ كالثورات التي قامت من قديم حول المحاكم الشرعية وتنظيمها واختصاصها.
•••

وهنا يجب أن نتساءل: هل من مصلحة مصر والشرق عامة أن يظل فيها هذان الاتجاهان، أو أن تخنق القديم وتعيش بالجديد وحده؟
لقد سارت تركيا على المنهج الثاني، فأبادت القديم ولم تحفل به، ولم تعبأ برجال الدين، ولا برجال الأدب القديم، ولا بحروفها القديمة، ولا بزيِّها القديم، ولا بقوانينها القديمة، وعلى الجملة، فقد أرادت أن تقضي على القديم في كل شيء، وعزمت أن تسير بالأمة نحو الجديد البحت، وبدل أن يكون مثلها الأعلى مشتقًّا من الاتجاهين أرادت أن يكون مثلها الأعلى مقتبسًا من أوربا وحدها، ونزعاتها وحدها، فهل من مصلحة الشرق أن ينهج هذا المنهج؟
أظن أن الجواب بالسلب، وأن من مصلحة الشرق بقاء الاتجاهين معًا؛ ذلك أن في القديم ثروة لا تقدَّر، وفي الجديد ثروة لا تقدَّر، كما أن في كل من القديم والجديد بذورًا سامة يجب إعدامها، كما أن في أجسامنا وألواننا وعقولنا نتيجة وراثتنا وبيئتنا، وهي تختلف عن القديم البحت والجديد البحت، فيجب أن يكون غذاؤنا منهما معًا.
أهم واجب على قادة الرأي عملية «التنقية»؛ تنقية القديم لنعرف خيره وشره، وتنقية الجديد لنعرف خيره وشره.
ولكن يجب أن يسير المجددون أمام الجمع، وخلفهم أنصار القديم، ويجب ألا يخفَّ المجددون خفة تدعو إلى التهور، وألا يثقل أنصار القديم ثقلًا يعوق المجددين عن السير.
ثم إن أنصار القديم لا يصح أن يستمروا على نمطهم القديم بحال من الأحوال، فهم مكلفون كل التكليف أن يعرضوا قديمهم في شكل جديد؛ فالأدب القديم لا بد أن يعرض عرضًا جديدًا، وأؤكد أن انصراف الناس عن الأدب العربي والعلم العربي والدين، أكبر سبب له سوء العرض، فتذوُّق الناس الآن غير تذوقهم فيما مضى، قد كان الناس يتذوقون طريقة «الأغاني» في ترجمة امرئ القيس، فأصبحوا لا يتذوَّقونها ويودُّون عرضًا جديدًا، يتفنَّن فيه كما يتفنَّن في عرض الثياب في مخازن البيع، وكان الناس يتذوَّقون كتب الفقه على نمط حاشية ابن عابدين، فأصبحوا يمجُّونها، وأسلوب كتب الدين القديمة لا تجاري أذواق الناس في العصر الحاضر، فيجب أن يدخل التجديد في القديم، وهذا ما فعلته كل الأمم في تراثها، كما يجب أن يلوَّن جديد الأوربيين عند نقله إلينا بما لنا من منطق خاص، وأسلوب في التفكير خاص.
إنَّا إن فعلنا ذلك نلنا الحسنيين، وأخذنا خير ما في الذخيرتين، ووصلنا إلى الغرض من غير ثورة، وأدركنا الغاية في غير عنف.

الفصل السابع والأربعون
مشاكل الشباب وكيف تعالج


من أكبر مظاهر المدنية الحديثة عنايتها بمظاهر الطبيعة، وتحليلها ودرسها درسًا عميقًا، ومعالجتها على أسس علمية؛ سواء في ذلك طبيعة الكون وطبيعة المجتمع وطبيعة الإنسان، فهي تؤمن إيمانًا قويًّا بنظرية «الأسباب»، فمهما حدث في الكون فلا بد له من سبب معقول، ولا يحدث شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تسقط ورقة من أوراق الشجر ولا يهب نسيم ولا تموج موجة، إلا بسبب، وغاية الأمر أن بعض الأسباب عرفناها وفهمناها، وبعضها لم نعرفها ولم نفهمها، ونحن سائرون إلى معرفتها وفهمها.
ومما اتجهوا له اتجاهًا بديعًا نفسية الأطفال ونفسية الشبان؛ فالإنسان ككل كائنات العالم لا ينفعل ولا يتأثر ولا يؤثر إلا بسبب، وهذا السبب يمكن فهمه إذا دققنا النظر ودرسنا الإنسان على أنه جزء من طبيعة الكون، خاضع لقوانينها، سائر على مناهجها.
إذا بكى الطفل فلا بد من سبب لبكائه، وإذا مرض فلا بد من سبب لمرضه، وكذلك إذا انفعل أي انفعال، أو ساء سلوكه أو حسن، وإذا صدق أو كذب، وإذا كان هادئًا رزينًا، وإذا كان مرحًا لعوبًا، فعالم النفس يستطيع أن يعلل ذلك تعليلًا معقولًا، وإذا كان كذلك أمكن تربية الطفل على هذا المنهج الدقيق؛ فإن أنت أسلمت طفلًا لعالم ماهر في دراسة النفوس، وقلت إني أريده على نمط كذا، أمكنه أن يخرجه لك كما تريده، كما يستطيع الصائغ أن يخرج لك السبيكة من الذهب على النحو الذي تريده، وإذا هو لم ينجح في ذلك كل النجاح فلأنه لم يبلغ من الخبرة مبلغ الصائغ؛ ولأن علم النفس لم يتقدم تقدم فن الصياغة.
نعم، إن للوراثة دخلًا كبيرًا في إعداد الطفل وتحديد مواهبه، ولكن عملها كعمل الطبيعة في إعداد الذهب، ثم يصوغها الصائغ كما شاء، وليس يستعصي على المربي شيء إلا لجهله ببعض قوانين من يربيه.
وإذا ثبت ذلك فالتربية التي لا يكون أساسها معرفة قوانين النفس مقضي عليها بالفشل كتربيتنا نحن لأولادنا؛ فالأبوان يربيانهم تبعًا لتقاليد توارثاها لا حسب قواعد تعلَّماها، إذا كانت التربية حسبما اتفق خرج الطفل أيضًا حسبما اتفق، وأهم فارق بين الطفل الشرقي والطفل الأوربي أن الثاني دخل العلم إلى حد كبير في تربيته، فأصلح من جسمه ومن نفسه، ولم يدخل العلم في تربية الأول إلا بقدر قليل.
بالأمس كنت أقرأ حكاية لطيفة تدل على هذه العناية، ذهبت أم إنجليزية إلى طبيب وعالم من علماء النفس، وقصَّت عليه أن ابنها، وهو في الثامنة من عمره، أذكى طفل في الفصل في مدرسته، وخير ولد في بيته، ولكن إذا جنَّ الليل صرخ وبكى، وإذا نام قام فزعًا، ومشى وهو نائم وترنح في مشيته، وتخيل أنه يسقط على الأرض فيصرخ، وتحاول أن تفهمه أنه نائم في سريره فلا تفلح، وإذا حكت له في نهاره ما كان منه في ليله ضحك واستغرب، ولكنه يعود في ليله إلى هذه الحالة المفزعة!
فحصه الطبيب النفسي فوجد جسمه سليمًا من كل مرض، وصحته على أحسن حال، ومنظره في غاية الجمال، ففكَّر ثم فكَّر، ثم سأل الأم: من الذي ربَّى الولد في صغره، ومن كان ينيمه؟ فقالت إنها كانت تسافر مع أبي الطفل وتتركه عند جدته، فسأل الجدة: كيف كانت تنيمه؟ قالت كانت تغنيه أغنية معروفة سمعها، فوجد فيها عنفًا وفيها ريحًا عاصفة تهز الأرجوحة، وقالت إنها كانت تخبط على الأرض برجلها وقت الغناء لينام، فعلم الطبيب أن هذا هو السبب في فزع الطفل ليلًا، وعالجه بأن تغنيه وقت النوم أغنية لطيفة عذبة سارة، وتكررها في لطف ورقة حتى ينام، وقد نجح الطبيب في ذلك، فذهب عن الطفل الخوف، ونام في طمأنينة وأمن.
وكم مثل هذه الحالات تعرض لأطفالنا ولا نعيرها التفاتًا؛ لأننا لا نؤمن أن لكل شيء سببًا يمكن أن يعلم.
كذلك الشأن في شبابنا، كل ظاهرة نستحسنها أو نستهجنها فيهم لها سبب نفسي يجب أن ندرسه، والنصائح وحدها لا تغني؛ لأن الأسباب إذا ظلت باقية نتجت عنها هذه الظواهر لا محالة رغم النصائح والإرشادات، ويكون مثلنا مثل من يحارب الجيش الغازي بالدعوات، أو الأمراض الفتاكة بالرقي والتعويذات، إنما ننجح يوم نحلل هذه الظواهر إلى عواملها الأولية وأسبابها الخفية، ثم نضع العلاج لكل منها بما يناسبه.
ومن غريب الأمر أن من أكبر مشاكلنا مشكلة الشباب، ومع هذا لا نجد بحثًا علميًّا عميقًا وُضع في هذه المشكلة، إنما نقتصر على شيئين: الشكوى والنصائح، وهما لا يغنيان، يشكو الأب في بيته من الشباب، ويشكو المدرس في مدرسته من الشباب، وتشكو الجامعات من الشباب، ويشكو أصحاب الأعمال وأرباب الأموال من الشباب، وتشكو الأمة كأمة من الشباب؛ وتتعدد الشكاوي وتتنوع، ولكن لا تبحث، ولا تلمس الوقائع، ولا يستفيض الحديث ويكتفي بالنصح.
فأمامنا الآن مشكلة الحب؛ هل يسمح للشاب أن يحب؟ وهل في الإمكان نفسيًّا واجتماعيًّا ألا يحب؟ وما الحدود التي يجب أن تحد في الحب؟ وما طرق الوقاية من الغلو فيه؟ لا شيء عندنا من البحوث في ذلك إلا شكوى الآباء والأمهات ورجال الدين والأخلاق، إنما نريد بحوثًا صريحة جريئة تحلل فيها الحالة النفسية للشبان، والحالة الاجتماعية للأمة، ثم يوضع العلاج بعد ذلك لا قبله.
ولدينا مشكلة السياسة والشبان؛ هل من الواجب أن يشتغل الشبان بالسياسة؟ وإلى أي حد؟ وهل يتصلون بالأحزاب أو لا يتصلون؟ وهل يتعارض واجبهم العلمي والواجب السياسي؟ وإذا تعارضا فما الموقف؟
مسائل نواجهها كل يوم ولا باحث، وإنما الأمر فوضى من جميع النواحي، تُرك الأمر فيها للشبان يفعلون ما يشاءون من غير بحث، وكل ما يفعله الكتَّاب والأدباء هو الملق، فالشبان بنوا، والشبان أسسوا، والشبان هم عماد الأمة، ونحو ذلك من الألفاظ المعسولة، وهذا حق إلى حد ما، ولكن هناك نغمة أخرى يجب أن توقَّع بجانب النغمة الأولى حتى يتم التوازن، وهي نغمة إشعارهم بالواجب، وذلك لا يكون إلا بعد بحث عميق ومصارحة الشبان بالحقائق في غير مواربة ولا مجاملة.
ولدينا مشكلة الشباب العاطل، وقد اقتصرنا فيها على النصح للشبان أن ينزلوا ميادين العمل، ولكن لم نبحث جديًّا سبب العطل من الناحية النفسية، ومن الناحية الاجتماعية، ومن الناحية الخلقية، وكيف يمكن التغلب على البطالة.
ثم الشبان أنفسهم واقعون في أشد الأزمات ينشدون مثلًا أعلى غامضًا غير محدود، ويسلكون لهذا الغامض مسالك غاضمة، فلو سألت أكثر الشبان عن حالهم وجدتهم ساخطين، ثم إذا سألتهم عن سبب سخطهم لم يجيبوا إجابة صريحة واضحة، فهم يضطربون بين ما هم عليه وهو لا يرضيهم، وبين أملهم في الحياة وهو بعيد عنهم، وهم يضطربون بين قديم رأوا عليه آباءهم وطالبوهم به وحديث يرونه في السينما وفي الطبقات العالية وفي الجالية الأوربية، وهم يضطربون بين علم وسياسة، وحب وواجب، وإرضاء أهل وإرضاء أصدقاء، وكل ما فعلناه أننا تركناهم في أزماتهم يحلونها بأنفسهم من غير أن نقدم إليهم أية عناية، وقد عوَّدهم الآباء والمعلمون والقادة ألا يصارحوهم، فلا الشاب يجد من هؤلاء رحابة صدر في أن يبثه آلامه، ويفتح له قلبه، ويشرح له أزماتهن، ولا الآباء والمعلمون شجعوهم على مثل هذا، فكان من ذلك حاجز متين بين الابن وأبيه، والطالب ومربيه، فحمل عبئه وحده، من غير أن يسعفه من هو أكثر منه تجربة؛ ولذلك كثرت الضحايا؛ لأن الأزمات فوق مقدور الشبان، وهم وحدهم الذين يحاولون حلها بأنفسهم أو بأمثالهم من أصدقائهم.
•••

لا يمكن أن نتقدم في فهم مشاكل الشباب ووضع العلاج الصحيح لها إلا بأمور ثلاثة: (الأول): توافر جماعة من الإخصائيين في علمي النفس والاجتماع على دراسة نفسية الشباب وبيئاتهم دراسة علمية عميقة تمتحن فيها الأعراض، ويرجع فيها إلى الأسباب، وتمتحن التجارب ويوضع فيها العلاج على أسس هذه الدراسة، وما لم نفعل هذا فكل علاج نضعه يكون سطحيًّا، ويكون شأنه شأن طبيب متسرع يكتفي بالمظهر الخارجي، ويكتب تذكرته بناء على ذلك، فيكون المريض عرضة لخطر كبير.ونحن إلى الآن لم نكوِّن علماء من هذه الناحية، فعندنا علماء نفس واجتماع، ولكنهم عالمون بما في الكتب من نظريات، وقد يكون لهم فيها آراء، ولكن الذي أتمناه درجة وراء هذا، وهو علماء قد درسوا هذه النظريات، ثم كان لهم معمل لتطبيق هذه النظريات على أطفالنا وشبابنا، يمتحنون ويجربون، ويرصدون النتائج ويضعون الإحصائيات، ولهم رأي شخصي بعد كل ذلك في حالتنا نحن ووسطنا نحن، لا في الحالات الأوربية والأوساط الأوربية، وإلى أن يكون هذا نظل متخبطين في طرق العلاج، نكتفي بموضوعات إنشائية ونصائح أدبية ووصفات أشبه ما تكون بالوصفات البلدية.
(الثاني): وجود عيادات للأزمات النفسية تشبه عيادات أطباء الجسم، يشرف عليها إخصائيون في النفس والاجتماع، فقيمة النفس ليست أقل من قيمة الجسم، وأمراض النفس قد تصل إلى حد أخطر من أمراض الجسم، والشبان في هذا الطور محتاجون أشد الاحتياج إلى خبراء يعرفون سر أزماتهم وكيفية دوائهم.وقد عنى بعض الإخصائيين في أوربا بهذه الناحية، وقصُّوا علينا حوادث كثيرة أنقذوا بها الشبان من مشاكل بعرضهم عليهم أنفسهم، حتى في حالات يصح أن نعدها نحن حالات ترف؛ قال أحدهم: جاءتني فتاة تستشيرني، وقالت إن أمها محبة للفنون الجميلة من موسيقى وتصوير، وهي تقضي كل أوقات فراغها في ذلك، وأباها رجل عمل يصرف أوقاته في إدارة متجره وأعماله، وزادت الفتاة أنها ورثت عن أمها حب الموسيقى، وورثت من أبيها حب إدارة العمل، وهي مضطربة أشد الاضطراب بين الوراثتين؛ فهي يومًا تحب أن تلبث في بيتها تعزف على آلات الموسيقى، ويومًا تكره ذلك كل الكره وتريد أن تخرج تدير عملًا اجتماعيًّا، فهي لا تستقر على حال؛ فامتحن هذا الإخصائي أي ميليها أقوى ووصف لها علاجها.وهكذا مئات من الحوادث تُحكَى وتُعالَج، ونحن لا نُعنى بهذه الناحية أية عناية.
(الثالث): ما أشرت إليه من قبل، وهو أن هناك هوَّة سحيقة بين أولى الأمر والشبان، بين المعلمين والطلبة، وبين الآباء والشبان. ولست أقصد أن بين هؤلاء جفاء في المعاملة، وإنما أقصد أن الشاب لا يفتح نفسه لمعلمه وأبيه، والمعلم والأب لا يفتحان نفوسهما للشاب، فإذا تحدثوا جميعًا فحديث عام يتصل بالدنيا العامة والدنيا التافهة، وبجوار ذلك خزانة مغلقة يكتمها الشاب عن أستاذه وأبيه، وإنما يفتحها لخاصة أصدقائه؛ في هذه الخزانة حب وغرام، وفيها خطط سياسية، وفيها أزمات نفسية، وعلى الجملة، ففيها أخطر شيء في حياة الشاب، وهو لا يفتحها لمن هو أكثر منه تجربة، وأوفى منه عقلًا، وأعرف منه بالأيام وأحداثها، لا يفتحها لعالم نفسي ولا لطبيب روحي، ولا لمعلم ولا أب، وإنما يفتحها لشاب مثله لم تعركه الأيام، ولم تعلمه الحوادث، فيشير عليه بالرأي الفاشل والفكرة الصبيانية.وتبعة هذا الجفاء، ووجود هذه الهوة، لا تقع على الشباب وحدهم، بل لا بد أن يتقدم الآباء والأساتذة والمعلمون خطوات في ذلك، ويشعروا الشبان أنهم يقدرون ظروفهم وحدة شبابهم، وأنهم لهم ناصحون لا مسيطرون، وأنهم يسوسونهم سياسة الطبيب لمريضه، لا سياسة الضابط لجنوده.وبعد، فلا بد من إيجاد هذه الأنواع الثلاثة من العلاج، والإسراع بها، وإلا استفحل الداء وعز الدواء.

الفصل الثامن والأربعون
حديث إلى الشباب


تفضلت «مجلة الهلال» فطلبت إليَّ أن أتحدث هذا الشهر إلى «الشباب»، فرحبت بهذا الطلب؛ لأن الحديث مع الشباب وعن الشباب وإلى الشباب، حبيب إلى النفس قريب إلى القلب، وكيف لا يكون كذلك وهم — كما قال أبو العتاهية — رائحة الجنة، وأيامهم خير أيام الحياة، وهي أكبر مظاهر القوة، وأكبر مظاهر الإنسانية، وهي في الأيام كالربيع في الزمان، تغنَّى بها الشعراء يوم كانوا ينعمون بها، وبكوا عليها يوم حرموا منها، فالشباب كان شغلهم الشاغل إذا وُجد وإذا فُقد، وما أكثروا من القول في الحزن على الشيب إلا لأنهم أعظموا الشباب.
ثم أين حكمة الشيوخ من قوة الشباب، فلطالما كانت الحكمة معوقة عن العمل، بما ملئت من حذر، ومن دعوى بعد النظر، بل وما الحكمة التي زعموها إلا وليدة الشباب وبفضل الشباب، فلولا حركة الشباب الدائمة، وإقدامهم في شجاعة على الخطأ والصواب، ما كانت حكمة ولا تجارب، ولا مران ولا شيء مما يدَّعي المحنكون.
والحق أن لا شيء في الشيوخ يعوض ما للشبان من لمعان في عيونهم، وقوة في عضلهم، ويقظة في عقلهم، ويقين في قلبهم، ليسوا بالأطفال يصعدون ولا بالشيوخ ينحدرون، وإنما هم في الذروة التي ليس بعدها غاية؛ هم حجر الزاوية وواسطة العقد في الأمة.
طريق المستقبل

في سن الشباب «ينعقد» الإنسان ويتحدد قالبه، ويكتب بنفسه قضاءه وقدره، ويرسم خطة نجاحه وفشله، وليس له بعد الشباب إلا تنفيذ ما رسم، واستقبال ما قضى وقدَّر، فإن حدث شيء غير عادي فبفعل الظروف لا بفعله.
وعلى الجملة، فحياته بعد شبابه هي حركة «القصور الذاتي»، واستمرار في دفعة الشباب، وإذا كتب لكل إنسان تاريخ فكتب الناس متشابهة في أن أهم فصولها فصول شبابه، وليس بعد «فصل» الشباب إلا فصل «النتيجة»، وهل بعد صب العجين في القالب إلا التصلب؟ أو هل بعد استكمال المقدمات إلا النتائج أو بعد انتهاء الفصول إلا الخاتمة، أو بعد انتهاء المهندس من رسم البناء والموافقة عليه إلا التنفيذ؟
ولكن — وا أسفاه — يخطئ كثير من الشباب فصب نفسه في قالب غير القالب الذي يناسبه، أو يؤلف كتاب تاريخه على غير ما خُلق له، أو يرسم هندسة بنائه ومساحة نفسه التي يقيم عليها البناء لا قوائم شكل البناء، فيخرج معيبًا مشوَّهًا، فكثير من رجال الأعمال أضاعوا شبابهم في دراسة نظرية بحتة، وكثير ممن حسن استعدادهم للفلسفة والنظريات البحتة أضاعوا شبابهم في عمل يدوي، ففقدت الأمة نبوغ هؤلاء وهؤلاء جميعًا، وكنا كأننا في مصنع يكنس أرضه المهندس، ويهندس آلاته الكنَّاس، ويقوم بكل عمل فيه من لا يحسنه؛ وهذا أكبر سبب في ضياع الشبان وفساد الأعمال.
فنقطة البدء في حياة الشباب يجب أن تكون هي دراسة نفسه، وتعرُّفه موضع نبوغه، ومواضع ضعفه، واختيار العمل الذي يعمله، ونوع الدراسة التي تناسبه، وتحديد الغاية التي ينشدها؛ ولعل الطبيعة لم تخلِ أحدًا من نبوغ في ناحية من نواحي الحياة، وإنما يميت هذا النبوغ أو يضعفه أن الشاب لا يستكشفه، فيختار ما ليس له بأهل، فتكون النتيجة المحتومة الفشل تلو الفشل، ويُلصق ذلك بالقضاء والقدر، وما القضاء والقدر في هذا إلا أن بين جنبيه كنزًا لم يعرف مفتاحه، وكم بين العاطلين والبائسين ومن لم يجدوا قوت يومهم من لو اتجه وجهة صالحة لأصبح نابغة فنه أو علمه، ولأتاه الرزق من كل مكان!
ولكن كم من الناس يموتون عطشًا في الصحراء والماء على مقربة منهم، لم يهتدوا إليه، ولم يوفقوا إلى مكانه!
وليس يستطيع أي عالم أو مرشد أو ولي أمر أن يستكشف موضع النبوغ في الشاب كما يستطيع الشاب نفسه؛ فنفسه بين جنبيه هو أقدر على أن يقيسها ويقيس اتجاهاتها، وهو لو دقق النظر وأخلص النية في تعرُّف جوانبها، ولم تغرَّه المطامع الخادعة والمظاهر الكاذبة، لعرف سر نفسه وموضع عظمته.
صعوبات الشباب

وليست هذه هي الصعوبة الوحيدة للشباب، فهناك صعوبات عدة تعترضهم وتحاربهم، وتدفعهم إلى الشر، وتصدهم عن الخير.
من أهم هذه الصعوبات «الوراثة والبيئة»؛ فهناك كثير من الشباب ورثوا الميل إلى الإجرام، والميل إلى الخمر، والميل إلى النساء ونحو ذلك عن آبائهم، وظلت هذه الجذور الموروثة كامنة فيهم مدة صباهم، حتى إذا دخلوا في دور الشباب تحركت هذه الميول بقوة وشدة، فظهرت فيهم مرعبة مزعجة.
كما أن كثيرًا من الظروف السيئة تحيط بالشاب الطيب فتلتهم ميوله الطيبة، وتهدم آماله وطموحه، وتستأصل شعوره بالشرف والنبل، وتجعل على عقله غشاوة فلا يستطيع التفكير، وتجعل كل طموحه وكل أمله وكل تفكيره في شهوات وضيعة، وكل يوم تقوم لنا البراهين العدة على هذا.
فمن هذه الظروف «الصداقة السيئة»؛ فقد يكون الشاب طاهرًا نقيًّا، فما هو إلا أن يصاب بصديق يفتح له حديث الشر، ويحيي فيه كوامن شهواته، ويقص عليه مغامراته ومغامرات أمثاله في النساء وفي الشراب، ويستدرجه من سيجارة يدخنها، إلى كأس يشربها، إلى ما هو أسوأ من ذلك، فإذا رأسه مشتعل بالشر، وإذا هو يطلِّق كل ما اعتنقه من مبادئ الخير، وإذا هو لا يصلح لجدٍّ ولا لدراسة، وإذ هو لا يصلح إلا لضروب الشر.
ومثل هذه الصداقة، صداقة الكتب والمجلات والجرائد التي من هذا النوع؛ فهناك أنواع من الأدب مضلَّة مغوية، وكم من الشباب اتخذوا مثلهم العليا من روايات السينما الداعرة الفاتكة بالعقول، الممثِّلة للجرائم واللصوصية، المحرِّكة لأسفل أنواع الشهوة، وكذلك الكتب والمجلات والصحف والصور التي من هذا القبيل.
ومما نأسف له أن هذا النظر وهذا القول يعد عند بعض الشبان من أخلاقية القرون الوسطى، لا يصح أن ينطبق على عصرهم وزمنهم، والواقع أن التجارب التي أجريت والحريات التي منحت في هذا الباب دلَّت على صحة أخلاقية القرون الوسطى، وأصبح المعاصرون من كتَّابِ أرقى الأمم الممدنة يخشون من تهور الشباب في هذا الباب، وأصبحوا في فزع مما يرونه من المآسي التي يرتكبها الشاب باسم الحرية.
كيف يبني الشاب نفسه

والآن نتساءل: ماذا يجب أن يكون الشاب، وكيف الوصول إلى ما يجب؟
أول واجب على الشاب أن يبني نفسه، فينظر في مَلَكاته واستعداداته، ويكوِّن منها نفسه على أحسن وضع يمكن أن تكون عليه المواد الأولية، والناس كلهم مختلفون في كمية الملكات والاستعدادات وكيفياتها، ولكن كل كمية وكيفية يمكن أن يصاغ منها إنسان جيد في ناحية من النواحي، له شخصية ممتازة نوع امتياز، وليس يفسد هذا العمل إلا عدم القدرة على البناء، أو عدم الاهتداء لخير الأشكال.
يجب أن يبني نفسه جسميًّا وعقليًّا وخلقيًّا، فيرسم له مثلًا أعلى محدودًا في كل ناحية من هذه النواحي، ويرسم خطة السير للوصول إلى هذه الغاية، ولا يترك نفسه سهلًا كالسفينة بلا قائد تتقاذفها الأمواج وتدفعها الرياح كما تهوي؛ ولا يتسنَّى له ذلك إلا إذا امتلأ عقيدة بخير هذا المثل ومناسبته له، وقد دلت التجارب على أن القلب لا العقل هو الذي يبني الإنسان ويكتب تاريخه، ويحدد مقدار نجاحه، فلا خير في عقل كبير لا قلب معه؛ وتاريخ الإنسانية يشهد أن خدمة القلوب الكبيرة لها أقوى من خدمة العقول الكبيرة.
وأهم ما يدعو إليه القلب ويتطلَّبه من الشاب أن يكون «رجلًا»، والرجولة وصف جامع لكثير من الصفات المحمودة؛ أهمها: الجد في العمل، والشجاعة في مواجهة الصعاب، والحرص على المبادئ، وهذه الصفة نحن الشرقيين أحوج ما نكون إليها الآن، وأحق صفة لكثرة الكلام فيها؛ لأني أرى في الشباب ميلًا إلى الانحدار والتحلل من الواجبات، وعدم الاكتراث بالمبادئ، والميوعة في السلوك، وهي كلها مظاهر لقلة «الرجولة» أو عدمها، وهي أكبر سبب فيما نرى من عدم نجاح الشبان في الأعمال الحرة وتهافتهم على وظائف الحكومة؛ لأن طلب العيش في الحكومة سهل يسير، أما العمل الحر فيتطلب جدًّا فائقًا، ونشاطًا كبيرًا، وعملًا شاقًّا في زمن طويل، وإعمال العقل في الابتكار والتفكير في وسائل النجاح، فإذا لم يكن الشاب مسلحًا بكل هذه الخصال فشل فشلًا تامًّا.
لماذا يفشل الشاب

ولعل من أكبر أسباب هذا الفشل وعدم هذا الخلق — خلق الرجولة — أن الآباء لم يتعوَّدوا عندنا أن يزجُّوا بأبنائهم الشبان في معترك الحياة ويحملوهم عبء أنفسهم، بل يفتحون لهم صدورهم وبيوتهم وجيوبهم حتى بعد أن يتخرجوا من المدارس العالية، ويتركونهم في البيت يأكلون ويشربون وينامون وينعمون، وكل عملهم السعي في دواوين الحكومة لعلهم يجدون لهم «وظيفة».
ولم يعتد الآباء فينا هذه العادة الجيدة التي اعتادها الغربيون، وهي أنهم منذ تعليمهم يطلبون منهم أن يصطدموا بالحياة، ويلجئونهم أن يجدوا لهم عملًا، وأن يبحثوا لهم عن قوت، وأنهم وقد أعانوهم على إتمام دروسهم قد أنهوا الواجب عليهم، فوجب على الشاب أن يحمل عبء نفسه، ويتعلم أن يعوم في الحياة كما يعوم في البحر، وأن يكافح الأمواج ويحارب الصعاب، ويبذل جهده حتى يجد قوته.
فهذا هو ما يبني الشاب حقًّا، ويستخرج منه الرجولة، أما طريقتنا التي نسير عليها فلا نتيجة لها إلا ما نشاهد من ميوعة وتسكع على أبواب المصالح الحكومية، ومبلغ قليل يكسبه من عرق جبينه وبجده وباعتماده على نفسه خير في تكوين خلقه من عشرة أمثاله يحصِّلها من وظيفة حكومية أو من إعانة من والديه.
إن الشاب يحب الوظيفة لأنها عمل ميكانيكي محض، عملٌ راتبٌ كعمل الآلة يعقب رزقًا محدودًا يقبضه آخر الشهر، وأشجع منه وأكبر رجولة من يغامر ويستخرج رزقه من فم الأسد؛ فالأول تُسلِمه الوظيفة إلى الخنوع والاستسلام والتواكل وعدم الثقة بالنفس، على حين أن جد الآخر ومشقته في تحصيل العيش يكسبه شجاعة وجرأة وطموحًا واحتمالًا للصعاب.
وللوصول إلى هذا يجب أن يكون الشاب — دائمًا — باسمًا للحياة، متفائلًا لا متشائمًا، آملًا في النجاح؛ فاليأس يستلزم الفشل والخيبة، ويسمم الحياة كما يسمم «المكروب» الماء.
وأخيرًا على الشاب أن يمتلئ شعورًا بأنه مكلَّف أن يفعل ما يستطيع لتصحيح الخطأ الذي يقع فيه الناس من جرائم وشرور، فلا يكون في حياته أنانيًّا بحتًا لا ينظر إلا إلى نفسه، بل هو مطالب بعد أن يبني نفسه أن يشترك في بناء أمته، وفي بناء الإنسانية عامة، على قدر جهده وكفاياته، بخلقه وبعلمه وبماله وجاهه.
على الشباب أن يكونوا قوة فاعلة دائمة في حياة أمتهم، ويجب أن يتحملوا في الحياة أكبر عبء؛ لأن حيويتهم في الأمة أقوى حيوية، وهم المقياس الصحيح لرقي الأمة أو انحطاطها، فإذا أردت أن تعرف هل ارتقت أمة أو انحطت، وما مقدار هذا الرقي أو الانحطاط، فاعرف الفرق بين شباب الأمة وشيوخها، فبمقدار تفوق الشبان على الشيوخ في العلم والخلق والصحة يكون الرقي، وبمقدار ضعفهم عن الشيوخ في ذلك يكون الانحطاط.
إن كل طبقة من طبقات الأمة لها رسالة يجب أن تؤديها، وليس في كل هذا أجدى وأنفع من أن يؤدي الشباب رسالتهم.