Advertisement

فيض الخاطر الجزء التاسع


فيض الخاطر (الجزء التاسع)




فيض الخاطر (الجزء التاسع)

وهو مجموعة مقالات أدبية واجتماعية

تأليف
الدكتور أحمد أمين




فيض الخاطر (الجزء التاسع)

أحمد أمين

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: سيل?يا فوزي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2012 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



الإسلام والمسلمون


من البديهي أنه يجب التفريق بين الإسلام في مبادئه وتعاليمه، كما يدل عليه القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وبين أعمال المسلمين من وقت أن اعتنقوا الإسلام إلى اليوم، فمن أراد الحكم على الإسلام فليرجع إلى أصوله الأولى، وينظر إلى جوهر تعاليمه ويزنها بميزان الحق والعدل، ومن الخطأ الفاحش أن يحكم على الإسلام بالمسلمين؛ فقد يكون الدين صحيحًا، ومعتنقوه خارجين عليه، منحرفين عنه، فيكون الخطأ خطأ أصحابه لا خطأه هو، بل أحيانًا يكون الدين فاسدًا في جوهره وتعاليمه، ويرتقي معتنقوه، فتصدر عنهم أعمال فاضلة، لا تمت إلى دينهم الأصيل بسبب، وإنما هم الذين حوَّروا دينهم، وصاغوه صياغة خيرًا مما كانت عليه — والحق أن الفرق كبير بين الإسلام نفسه، وعمل المسلمين في مختلف العصور، وأكاد أجزم بأن الإسلام لم يحيَ حياة عملية صحيحة طبق مبادئه إلا عصرًا قصيرًا جدًّا، وهو عصر الرسالة وما بعدها بقليل، وأما ما عدا هذه الفترة؛ فقد عاش المسلمون عيشة منحرفة عن الدين، وإن اختلف هذا الانحراف قلة وكثرة أو شدة وضعفًا.
لننظر قليلًا في أهم عنصر من عناصر الإسلام، وهو التوحيد الذي تبلور في قولنا: «لا إله إلا الله» فهل سار المسلمون عمليًّا واقتصاديًّا على هذا المبدأ، وإلى أي حد؟ — إن هذا المبدأ يدعو إلى اعتقاد أنه لا يصح تأليه غير الله، وعبادة غير الله، وأما من عداه من الناس فسواسية لا إله ولا مألوه، قد يختلفون في النسب، وقد يختلفون في الثورة، وقد يختلفون في غير ذلك، ولكنهم كلهم إخوة فيما بينهم، وعبيد لله وحده.
ولكن هذه العقيدة بعدم تأليه أحد من الناس، تحتاج إلى جهد جهيد في تطبيقها في الحياة العملية؛ إنها تحتاج إلى رياضة قوية، تحتاج إلى أن يحتفظ الضعفاء بإيمانهم، فلا يركعوا للأقوياء، وتحتاج إلى أن يلجم الأقوياء غرائزهم، فلا يحاولوا السيطرة على الضعفاء، وهذا مطلب ليس باليسير، وإن كان هو جوهر الإسلام.
ومن أجل هذا كان أسرع الناس إلى الإسلام أكثرهم من الضعفاء — لا من أصحاب السيطرة — كبلال وأمثاله؛ لأنهم وجدوا في الإسلام تحررًا من عبوديتهم لغير الله، وكان أكبر المعاندين أصحاب السيطرة والتأله من مثل صناديد قريش، فلم يسلموا إلا أخيرًا، وبعد عناد طويل، كأبي سفيان بن حرب في مكة، أو إسلامًا ظاهرًا بعد أن سدت الأبواب في وجوههم، كعبد الله بن أبيّ في المدينة، وأكبر سبب في تأخرهم، أنهم رأوا الإسلام يفقدهم تألهم وعظمتهم وربوبيتهم.
ولما فتح المسلمون فارس والروم، كان أغرب ما استرعى أنظارهم، عبادة الرعية لسادتهم؛ لِما وقر في نفوسهم بسبب الإسلام من أنه لا معبود إلا الله، والقرآن مملوء بلعن الذين اتخذوا سادتهم أربابًا، أو خلعوا القدسية والربوبية على رؤسائهم الدينيين، وكانت دعوة الإسلام دائمًا دعوة إلى عبادة الله وحده وعدم الاعتراف بربوبية أحد غيره يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ.
ولذلك حارب الإسلام الاعتزاز بالنسب، والاعتراف بالجاه، والاعتزاز بالمال؛ لأن كل ذلك من ضروب التأله، والإسلام عدو كل تأله.
ولكن لم يستطع كثير من المسلمين أن يحتفظوا بهذا المبدأ الجليل القويم، وظهر التراجع من أول عهد معاوية أو قبله أحيانًا، فعاد الاعتزاز بالحسب والنسب، وأصبح مُلك معاوية — كما عبر كثير من المسلمين — ملكًا عضودًا؛ فيه اعتسافٌ، وفيه تأله، وخاصة من أهل بيته، وعادت الفروق بين الطبقات قريبًا مما كانت في الجاهلية، وتتابع الأمر على هذه الحال، وكلما تقدم الزمن نمت غريزة التأله، كما كان في العصر العباسي وبعده؛ وبلغ ذلك التأله أوجه في مثل جنكيز خان وتيمورلنك وأشباههما.
إن نظرة الإسلام إلى الألوهية، والدعوة إلى إله واحد يتساوى أمامه الناس جميعًا تقضي على كل فكرة من شأنها وجود طبقة يكون لها الشفاعة أو الوساطة بين الله وخلقه، ولكن ما لبث المسلمون أن عادوا إلى سيرتهم الجاهلية الأولى، فاتخذوا أصنافًا من الناس شفعاء يستشفعون بهم عند الله ويتقربون بهم إلى الله، متأثرين بالديانات القديمة، أما الإسلام نفسه فيدعو إلى أنه لا حجاب بين أي عبد مهما ضعف وبين الله، وقد عاب على النصارى واليهود اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله.
ولعل السبب في ذلك، أن هذه العقيدة الصحيحة، عقيدة الإيمان بالله وحده، والخضوع له وحده، وعبادته وحده، تحتاج إلى رياضة شديدة في تصفية النفس من الشوائب، والنفوس القوية عادة تعشق التأله والاستعلاء، والنفوس الضعيفة سرعان ما تستسلم، وهذا مشاهد في كل أمة، وفي كل جماعة، وفي كل عصر، من عهد أن قال فرعون: «أنا ربكم الأعلى» ومن قبله ومن بعده.
وهؤلاء الأقوياء يتخذون لتألههم أشكالًا وألوانًا من المظاهر، فمنهم من يتأله بجنوده وبنوده، وكثرة ماله ونحو ذلك، ومنهم كبار المستبدين في أممهم مثل نابوليون، ومثل هتلر وستالين، ومنهم كبار أصحاب رؤوس الأموال في كل أمة، ونحو ذلك، كلهم يتألهون، وكل الناس حولهم تؤلههم، وإن لم يسمِّ الأولون أنفسَهم آلهةً، وإن لم يسمِّ الآخرون أعمالَهم عبادةً، ولكن العبرة بالحقيقة لا بالأسماء، والإسلام يكره هذا التأله بجميع أشكاله وألوانه، والمسلمون — مع الأسف — في كل عصورهم ما عدا الفترة الأولى لم يخل سلوكهم من تأله من جانب القوة، وعبادة وخضوع من جانب الضعف.
هذه ناحية من نواحي التأله والعبودية، يصح أن نسميها ناحية سافرة، وهناك ناحية أخرى من التأله والعبودية يصح أن نسميها مُحَجَّبَة؛ ذلك أن هناك قومًا لم يكن لهم من قوة السلطان، وكثرة المال والجنود والعصبية، ما يمكنهم من الاستعلاء في الظاهر، فبحثوا عن وسائل للاستعلاء من طريق خفي، ولهؤلاء أمثلة كثيرة كالسحرة والمشعوذين والدجالين من رجال الدين الذين يدعون الاتصال بالغيب والاستمداد من السماء، وأن بينهم وبين الله نسبًا، أو بينهم وبين الجن صلة، وأنهم يستطيعون بذلك أن يقربوا إلى الله من يشاءون، ويحرموا من الجنة من يشاءون، أو أنهم يستطيعون أن يسيطروا على قوانين الطبيعة في هذا الكون بسحرهم وتعاويذهم وتعزيمهم وما إلى ذلك، كل هؤلاء وأمثالهم لما فقدوا السلطة الظاهرة والقوة الدنيوية، لجئوا بمكرهم وحيلهم إلى ادعاء سلطة خفية يستمدون منها سلطانهم، ويبسطونها على السذج والبله، وكان من سوء الحظ وضعف العقل أن قُبِلَتْ دعوتهم، وتألهوا هم الآخرون، وعبدهم أتباعهم، فكان في الدنيا مملكتان: مملكة السلطنة المادية، ومملكة السلطنة الغيبية، والناس موزعون في العبادة بين هؤلاء وهؤلاء، وكل هذا حرب على الإسلام في جوهر تعاليمه وهو الذي ينادي دائمًا، ويجعل شعاره دائمًا: أن لا إله إلا الله، وأن كل تأله باطل، وأن كل عبادة لغير الله باطلة، ولكن كم من المسلمين في العصور المختلفة استطاعوا أن يحتفظوا بهذه الوحدانية خالصة لم يشبها شيء من عبادة وتأله.
ومن الأسف أنه في كثير من عصور تاريخ المسلمين، تعاونت القوتان، الظاهرة والباطنة، والمادية والغيبية، على إفساد حال المسلمين، فتحالف الملوك الظلمة والسلاطين الغاشمة مع الدجالين من رجال الدين، والدجالين من المتصوفين، وأعملوا قوتهم في إفساد عقيدة الوحدانية، وفي تعديد الآلهة وعبادتها، واتخذوا لذلك وسائل لا تحصى، فالسلاطين الغاشمة تحيط مظاهرها بكل أنواع الجبروت والطغيان، ورجال الدين تضع لهم من الأحاديث مثل «السلطان ظل الله في أرضه» والخطباء والوعاظ يصرفون الناس عن المطالبة بحقوقهم بإفهامهم أن الفقر من الله والغنى من الله، وليس للجد ولا للعمل أي دخل في الغنى والفقر، وأن ظلم الظالمين إنما هو انتقام من الله لسوء سيرة المسلمين، ونحو ذلك من تعاليمَ تفسد الروح، وتذل النفس، وتمكن المتألهين من التأله، وتوجه الأذلة إلى عبادة المتأله، ولم يكن هذا من جوهر الإسلام في قليل، ولا كثير.
ولو نحن نظرنا نظرة شاملة، لرأينا أن أكثر شرور العالم في الشرق والغرب، وفساد حال الأمم يرجع إلى هذا التأله من جانب، والعبادة والضعف من جانب آخر، فالعلاقات بين الأمم، والحروب المتتابعة إنما يبعثها في الغالب حبُّ الاستعلاء، أو بعبارة أخرى التأله ومحاولة الدولة القوية أن تسيطر على العالم لتكون إلهته، وليكون غيرها عبادًا أذلة، وكان كل هذا يزول لو اعتنق الجميع أن لا إله إلا الله.
وبعد، فهذا أصل من أصول الإسلام، رأينا كيف انحرف المسلمون عنه، فساء حالهم، وانحط شأنهم، ولعلنا نتبع ذلك ببيان بعض الأصول الإسلامية الأخرى، ونبين كيف عطلت وأهملت، والله الموفق.

موقف المسلمين إزاء المدنية الحديثة


تسربت المدنية الحديثة إلى المسلمين في جميع الأقطار على حسب استعدادها، سواء في ذلك ماديتها ومعنويتها؛ من تلغرافاتٍ وإذاعاتٍ ودساتيرَ ونحو ذلك، وكان ذلك في أول الأمر لا عن وعي وتفكير؛ لأن المدنية الحديثة غزت المسلمين وهم يغطون في نومهم، ولما يفيقوا من سباتهم العميق، فلما فتحوا عيونهم على طلقات المدافع رأوا المدنية قد غزتهم ودخلت في ديارهم وحكوماتهم وكل شيء عندهم، وبدأ المفكرون يفكرون فيما يجب أن يكون موقفهم بإزائها: هل يسمحون أن تدخل بحذافيرها، أو يمنعونها بتاتًا، أو ماذا يعملون؟ لقد انقسم المصلحون في تلك المشكلة أقساما ثلاثة.
فمثلًا رأى مصطفى كمال أن ينقل إلى أهله في البلاد العثمانية كل المدنية؛ مادية ومعنوية، من تنظيم البيوت، وخلق برلمان يسير على دستور، وتقنين مدني، وتقنين للعقوبات وللزواج والطلاق والمواريث، ونظم اجتماعية واقتصادية، حتى لبس القبعة، والكتابة بالحروف اللاتينية.
•••

ورأى غاندي عكس ذلك، فقاوم المدنية الحديثة بجميع ما فيها، ودعا قومه الهنود إلى الغزل باليد حتى لا يتصلوا بمصانع لا نكشير في إنجلترا، وحتى لا تتسرب إليهم الخمور والملاهي التي تسود المدنية الحديثة، وظل متمسكًا بدينه يدعو إليه، ولكن تيار المدنية الحديثة جرفه، فتقبل أهله المدنية الحديثة في كثير من شؤونهم، وهو نفسه لم يسلم من ذلك؛ فقد كان يتكلم اللغة الإنجليزية، ويضع على عينيه منظارًا من اختراع المدنية الحديثة، وهكذا.
•••

ويرى مصلحون آخرون أنه تجب عملية الاختيار، اختيار الصالح من المدنية الحديثة واجتناب الضار، واختيار الصالح من المدنية القديمة، فليس كل الجديد نافعًا، ولا كل القديم ضارًّا، ففي القديم ما يفوق الجديد بمراحلَ، فماذا علينا لو اخترنا من القديمِ التسامحَ والتأملَ الروحيَّ والسماحةَ، واخترنا من الجديدِ بناءَ الحياةِ على العلم وحرية الفكر ونحو ذلك؟ إننا نصل إذا سرنا على هذا إلى مدنية خير من المدنية القديمة والحديثة، فيها خير القديم والحديث، وليس فيها شرهما.
•••

نعم، إن كثيرين حاولوا هذا الاختيار فلم ينجحوا، كما فعل المسلمون في بعض شؤونهم، في الزراعة والتعليم والقضاء، فطورًا يعلمون في مدارسهم على النمط الأوروبي، وطورًا على نمط القرون الوسطى، وطورًا يزرعون بأحداث الأدوات، وطورًا بالساقية والشادوف والاتكال على القدر، وعندهم محاكم شرعية ومحاكم وطنية، وبعضهم يلبس الملابس الأوروبية، وبعضهم يلبس الملابس البلدية، وبعضهم يربي الأطفال على أحدث الأنظمة، وبعضهم يربيهم على الخرافات والأوهام وهكذا، فكان من ذلك كله مجموعة متنافرة تؤدي إلى نتائج متعاكسة، فإن أريد الإصلاح الحقيقي وجب أن يكون ذلك في يد مصلحين ماهرين، يعرفون أي العناصر ينسجم، وأيها يتنافر.
•••

وهناك أمور أخرى يجب أن تراعى، وهي أن تكون عين المصلح على ما يأخذ من المدنية القديمة والحديثة، وعينه الأخرى على ظروف بلاده، وبيئتها الطبيعية والاجتماعية؛ فقد يكون شيء يناسب أمة ولا يناسب الأخرى، وشيء يناسب الغرب ولا يناسب الشرق، فيكون الفشل، كالذي شاهدت أن صديقًا سافر إلى إنجلترا؛ ليدرس كيفية عمل الملابس الجديدة من الصوف القديم، فرأى أنهم في إنجلترا يجمعون الملابس الصوفية القديمة ويدخلونها في آلات ويضيفون إليها بعض المواد الكيمياوية فتخرج ناصعة بيضاء، ثم يلونوها كما يشاءون، ويبيعونها جديدة رخيصة، ودرس صاحبنا كل ذلك، ولما عاد إلى مصر تزود بالآلات، وأتى بصناع مهرة، وعملوا كما يعمل الأوروبيون، ولكنه فشل؛ لأنه نسي شيئين هامين: الأول: أن ملابس الإنجليز الصوفية كثيرة؛ لبرودة جوهم، وهي قليلة في مصر؛ لحرارة جوهم، والسبب الثاني: أن الإنجليز يخلعون ملابسهم الصوفية وفيها بعض الرمق، وأهل مصر لا يخلعون ملابسهم إلا إذا تهلهلت، فكان الفشل لاختلاف عادة الأقاليم، ولو أنه درس المسألة من جميع نواحيها ما أقدم على ما أقدم عليه، وهكذا شأن المصلحين، قد تغيب عنهم الأشياء الدقيقة في اختلاف الزمان والمكان، فيقعون في مثل هذا الخطأ، ولو أحسن الاختيار، وعرفت العناصر الصالحة تمامَ المعرفةِ، ودرست علاقاتها بعضها ببعض، فلم يسمح بانضمام عنصر إلا ما كان ملتئمًا مع العناصر الأخرى، وروعي النظام الدقيق في تطبيق الإصلاح على الأمم، لم أرَ وجهًا للفشل.

أسباب انحطاط الثقافة عند المسلمين في القرون الوسطى


يرجع انحطاط المسلمين في القرون الوسطى إلى عدة أسباب:
السبب الأول انهيار المعتزلة، وغلبة المحدثين عليهم؛ فقد كان المعتزلة يحملون راية العقل، فهم يفسرون آيات القرآن بما يتفق والعقل، بل يفسرون آية وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى? نَبْعَثَ رَسُولًا بأن معنى الرسول هو العقل، ولا يقبلون من الحديث إلا ما اتفق والعقل، فليس يكفي في صحة الحديث صدق الرواة، بل يجب أن نتحقق من أن المتن أيضًا مقبول عند العقل، فإذا سمعوا حديث البخاري «من أكل سبع بلحات عجوة، لم يمسسه سم»، ورأوا أن من أكل سبعين بلحة لا يصيبه السم، استنتجوا من ذلك أن الحديث كاذب؛ لأنه ضد العقل، وضد الواقع، وإذا سمعوا حديثًا يقول: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» عرضوه على الواقع، فإذا رأوا أن حكم فكتوريا في إنجلترا هو العهد الذهبي لها، لم يقبلوا هذا الحديث؛ لأنه يخالف الواقع، ولكنهم مع الأسف مزجوا العلم بالسياسة، وأدخلوا المذهب في الدولة، وأسرفوا في حمل الخلفاء على معاقبة مخالفيهم، فكرههم الرأي العام وأسقطهم، فلما رأى المعتصم ذلك تقرب إلى الرأي العام بطردهم وتقريب المحدثين، فكان هذا نقمة على الثقافة الإسلامية؛ لأن منهج المحدثين تحكيم الرواية والاعتماد عليها لا تحكيم العقل.
وطبيعة منهج المحدثين تنافي الابتكار، وأحسن الناس في نظرهم أكثرهم رواية، وأكثرهم تحريًا للسند، لا أكثرهم استقلالًا، لذلك نرى من ينيغ بعد ذلك هم الذين ينتسبون إلى المعتزلة أيضًا، كالزمخشري، وابن جني، وأبي علي الفارسي، وقليل من غيرهم كابن خلدون.
ومن أسباب انحطاط الثقافة عند المسلمين أيضًا: سقوط بغداد عند غزو التتار لها، فكانت هذه حادثة روعت المسلمين، وأفزعتهم، وخلعت قلوبهم؛ لكثرة ما سفك من دماء، وكذلك أثرت على ثقافتهم لقتلهم كثيرًا من العلماء، وإتلافهم كثيرًا من الكتب القيمة، يضاف إلى ذلك أنه ترتب عليها إقفال باب الاجتهاد في الفقه وغيره، ذلك أن العلماء لما رأوا انحطاط العلم يئسوا من أنهم يبتكرون مثل ما ابتكر من قبلهم من الفقهاء، وتمنوا أن يصلوا فقط إلى درجتهم من الاجتهاد المقيد، فأغلقوا باب الاجتهاد، وقصروا كل جهدهم على التقليد، فإن توسعوا قليلًا، فالاجتهاد اجتهاد مذهب، لا اجتهاد مطلق، وهكذا كان الشأن في اللغة والتاريخ وغيرهما من العلوم.
فلما تجمعت هذه الأسباب وغيرها، وكان للمسلمين بحكم الطبيعة نشاط عقلي، لا بد أن يتجهَ اتجاهًا ما، لم يتجهوا إلى الابتكار، ولكن اتجهوا إلى تأليف الموسوعات، كصبح الأعشى، ونهاية الأرب، والمسالك والممالك، لا تكاد تجد فيها جديدًا، ولكنها جمع لما تفرق في الكتب في الموضوع الواحد، وهو على كل حال نشاط، ولكنه ليس من الصنف الأول.
فإن نحن تساءلنا: كيف ننهض بعد هذا الخمول؟ قلنا: إننا إذا عرفنا الداء، سهلت معرفة الدواء، بإزالة الداء، فلا بد من غلبة طائفة من المسلمين يقولون بسلطان العقل كما يقول المعتزلة، وتكون لهم الكلمة العليا والسيطرة، وتكون بجانبهم طائفة مجتهدة اجتهادًا مطلقًا يقدرون على أن ينظروا في حال المسلمين اليوم، ويعرفوا ما يناسبهم وما لا يناسبهم، لقد وُجِدَ مجتهدون فعلًا بين المسلمين، ولكن مع الأسف، بدل أن يقلدوا أسلافهم قلدوا الغربيين، ووضعوا في نفوسهم سؤالًا دائم التردد على أفكارهم، وهو: ماذا فعل الغربيون في هذه المسألة؟ وللاجتهاد الحكيم أن يتساءل: ماذا يجب أن يحكم به العقل ويشرع في هذه المسألة؟ إن لكل زمن رجالًا، لهم علم واسع، بالشرق والغرب، وما يناسب الشرقيين وما لا يناسبهم، فيستطيعون أن يحكموا: أين الصالح العام للمسلمين وللأمة التي يتبعونها، وإلا كانوا كالغراب الذي نسي مشيته وقلد مشية غيره، فلا هو أحسن هذا، ولا هو أحسن ذاك.

التقليد والابتكار


أما التقليد فالجري على سنن السابقين من غير تحوير ولا تبديل، وخير تعبير عنه قوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ، وأما الابتكار فهو إبداع الشيء لا على مثال سبق، هذا هو المعنى المفهوم من التقليد والابتكار، والذي نلاحظه أن المسلمين في أول أمرهم كانوا مبتكرين، ولولا هذا الابتكار ما استطاعوا أن يفتحوا هذه الفتوح الكبيرة وينظموها، ويديروا شؤونها، مع العلم بأن كثيرًا منهم ومن عظمائهم كانوا نتاج الجزيرة العربية البدوية، فكانوا يقابلون مدينتي الفرس والروم، ويواجهونهما بأحسن ما يكون من المهارة واللباقة والذكاء، هذا عمر بن الخطاب مثلًا يعرض في حكومته لأدق المسائل السياسية والاقتصادية والإدارية التي تواجهه عند فتح مصر والشام وفارس والعراق، فيصرفها كلها تصريفًا صحيحًا دقيقًا، مع أنه نشأ نشأة بدوية صرفة، إنما وسع عقله الإسلام، وجعله صالحًا لأن يسوس الناس، حتى المتمدنين، وهؤلاء الفاتحون أمثال: خالد بن الوليد، والمثنى بن حارثة، وأبي عبيدة، وقتيبة بن مسلم، وموسى بن نصير، كلهم واجهوا مشاكلَ كبيرةً في كيفية القتال، وفي أدوات الحروب، وفي تنظيم البلاد المختلفة بعد فتحها، فلو لم يكن لهم قوة ابتكار تسهل لهم حل المشاكل التي يواجهونها ما نجحوا، وقد واجهوا مشاكل كثيرة بحكم ضيق أنظمة البداوة وبساطتها وسعة أنظمة الحضارة وتعقدها.
وفي العلم كانوا يبتكرون، ومن أجل هذا اخترع الأئمة المشرعون القياس والاستحسان والمصالح المرسلة إلى غير ذلك، فواجهوا كل الجزئيات الحادثة بأحكام إسلامية تليق لها، وكان طابع المعتزلة الابتكار، ففلسفوا الحجج الدينية واعتمدوا على الشك والتجارب، فنرى الجاحظ مثلًا لا يؤمن بكل ما قاله أرسطو في الحيوان والنبات؛ بل يجرب ذلك في بيته الخاص، وحديقته الخاصة، فإذا قيل له: إن الثعابين تهرب من رائحة الشيح، جرب ذلك بنفسه، فوجد أن بعض الأقوال في هذا غير صحيحة، وإذا قيل له عادة من عادات النبات أو الحيوان، لم يعتمد على أقوال أرسطو في ذلك، بل لم يؤمن بها حتى يجربها، وقد يتعارض عنده قولان: قول لأرسطو، وقول لعربي جاهلي بدوي، فيفضل قول ذلك العربي؛ لأن التجربة أثبتت صدقه دون قول أرسطو، وكان النظَّام يمتحن الحديث المروي، ويعرضه على العقل، فما وافق منه العقل قبله، وإلا فلا، وكان المعتزلة على العموم لا يؤمنون كما يؤمن العامة برؤية الجن، وما حيك حولها من خرافات، بل يستندون إلى قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ فينكرون رؤيتهم، ويضحكون من العامة؛ لخوفهم منهم، إلى نحو ذلك.
وعلى العموم فطابع العصور الإسلامية الأولى طابع ابتكار ونشاط عقلي، ومما يدل على ذلك اختراعهم للعلوم المختلفة لا على مثال سبق، فاخترعوا النحو والصرف والعروض، وعمل المعاجم، والنقد الأدبي، والبلاغة بأقسامها إلخ، ولكن مما يؤسف له أن طابع العصور الوسطى والمتأخرة طابع تقليد لا ابتكار، ومن مظاهر ذلك أن العلوم كلها وقفت عند نتاج هؤلاء المبتكرين الأولين، ولم تتقدم إلى الأمام خطوة، وكان التأليف عبارة عن جمع متفرق، أو تفريق مجتمع.
وليس أدل على ذلك من كتب الموسوعات، كصبح الأعشى، ونهاية الأرب، والمسالك والممالك، ونحوها، فكلها جمع لما تفرق في الكتب، وحسبنا دليلًا على ذلك أن العلوم التي بين أيدينا ليست إلا صدى لما ابتكره الأولون، فالنحو جار على ما كتبه سيبويه؛ إلا ما اعتراه من التبسيط، والبلاغة جارية على ما كتبه عبد القاهر؛ إلا قليلًا من الزيادة، أو الجمع، والعروض هي عروض الخليل بن أحمد، وعلى هذا القياس.
وإذا فتشنا في التاريخ فقلما نجد مبتكرًا، مثل ابن خلدون في تأسيسه علم الاجتماع، وأبحاثه الجديدة المبتكرة، ومثل ابن مضاء الأندلسي الذي أراد أن ينشئ نحوًا جديدًا، على غير فكرة سيبويه في بنائه على العامل الظاهر أو المقدر، وقليل جدًّا أمثال هؤلاء، أما الباقون فكلهم مقلدون لا ابتكار عندهم، وحتى النشأة الحديثة من الشرقيين، فهي أيضًا مقلدة، غاية ما في الأمر أنها لم تشأ أن تقلد أسلافنا من المتقدمين، بل قلدت الأوربيين في أفكارهم وبحوثهم، ولكن مع الأسف الكل تقليد، وإن اختلف المقلد، والمنطق الذي يجري بين المثقفين اليوم في الأمم الشرقية مرتكز على السؤال الأتي: إذا عرض موضوع من الموضوعات عليهم تساءلوا: «ماذا فعلت الأمم الأوربية فيه؟».
وأمامنا مجال الابتكار كبير، فعندنا وجوه الإصلاح المختلفة في كل النواحي تحتاج إلى ابتكار، وعقل فعال، وليس يغني فيها التقليد للأوربيين، فموقفنا غير موقفهم، وظروفنا غير ظروفهم، كما لا يغني فيها التقليد للأقدمين؛ لأن الزمن تغير، والبيئة تغيرت.
والباحث يعجب من وقوع الشرقيين في هذه المصيبة الكبرى، والتجائهم إلى التقليد في كل شيء، مع أن كتابهم الكريم ينعي على المقلدين الذين قالوا: «إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم لمقتدون»، ويشجع على إعمال العقل ويمدح العقلاء المفكرين الذين يستعلمون عقولهم في أحكامهم على الأشياء، والقرآن والأحاديث مملوءة بهذا النحو، فما الذي أصابهم؟ الذي يظهر أن تتابع الظلم عليهم، وما أصابهم من غزوات التتار، وما أتعبهم من الحروب الصليبية، ونحو ذلك، كله فَتَّ في عضدهم، وكسر من نفوسهم، فالابتكار يحتاج إلى سرور بالحياة، وتفتح لها، وأما من لم يسر بالحياة، ولا يستمتع بها، وينتظر الموت إن عاجلًا وإن آجلًا، فلا تتفتح نفسه لابتكار ولا تفكير فيه، يضاف إلى ذلك أن غلبة منهج الحديث مع الأسف على منهج الاعتزال يحمل على اتباع الرواية أكثر مما يحمل على الدراية، ومن أجل هذا نشأت عبادة عبارات الكتب؛ لأن الذي لا يخطو خطوة إلا بحديث مروي يسلمه ذلك إلى الاتباع لا الابتداع، وشاع بينهم ذم البدعة والابتداع، والقديم على قدمه، ونحو ذلك من الأقوال التي تكسر النفس وتصدها عن الإبداع والابتكار.
وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن ينفضوا عنهم غبار الماضي؛ فيخلعوا التقليد، ويقدسوا الابتكار، ويعملوا عقلهم في كل شيء، ماديًّا كان أو معنويًّا، ويأنفوا أن يقلدوا أسلافهم، أو يقلدوا الأمم الحية الأخرى، فكل تقليد معيب، وحتى التقليد للأوربيين لا يخلو من خطأ؛ لأن معيشتهم غير معيشتنا، وقد يكون الشيء عندهم نافعًا، فإذا نقل إلينا كان ضارًّا، والعكس، وحبذا لو نادى الزعماء طويلًا بالحث على الابتكار، والدعوة إليه، والتنبيه على أضرار التقليد، ووضعوا في برامجهم التعليمية تعويد الناشئين أن يتساءلوا دائمًا عندما يروى لهم خبر أو سير على طريقة خاصة: «لِمَ هذا؟ وما برهانه؟ وما الفائدة منه؟ ولعل هذا هو المعقول أو عكسه»، إنهم إن عودوهم ذلك وهم ناشئون شبوا وعقلهم ناضج؛ فأحبوا الابتكار، وسعوا إليه، وعملوا به، كما يجب على الزعماء أن ينقوا الأقوال القديمة والشعر القديم والأدب القديم من كل ما يحث على الاتباع والتقليد، وينفر من الابتكار والتجديد، فيحذفوها من تراثهم، ولا يستبقوا من التراث إلا ما كان صالحًا لبرنامجهم الجديد، والله يوفقهم.

مادية الغرب وروحانية الشرق


اعتاد الكاتبون أن يصفوا الشرق بالروحانية والغرب بالمادية، حتى قال فيدلبند في كتابه تاريخ الفلسفة: إنه قد التقى في الإسكندرية أيام أينعت فلسفتها مادية الغرب بروحانية الشرق. وجرى على أثره كثيرون، وقد طعن في هذا المعنى بعض الكتاب في العهد الحديث؛ إذ قالوا: إن الغرب يفوق الشرق أيضًا في المعنويات، كما يفوق في الماديات، فتجد أن عواطفه أرق، وأن عنايته بالمستشفيات والملاجئ وتنظيم الإحسان أرقى.
فإن أريد بالروحانيات الخرافات والأوهام؛ كتحضير الجن، والجن، والسحر، والعزائم، فذلك صحيح في الشرق، وهو أكثر منه في الغرب، أما إن أريد بالروحانية رقي العواطف وأعمال البر والإحسان، على أساس معقول، فذلك في الغرب خير منه في الشرق، وبناء على ذلك يكون الغرب أرقى في الماديات والروحانيات جميعًا، ولكن يظهر أن للمسألة وجهًا آخر غير الذي قصد إليه الأديب الحديث: وهو أن الناحية الروحانية غير الناحية العقلية، وغير الناحية العاطفية، ويتجلى ذلك في الشرق في أمور: الأول: أن الشرق منبع الديانات الكبرى فاليهودية والنصرانية والإسلام، وهي الثلاثة الأديان الكبرى في العالم، بل ومذهب بوذا وكنفوشيوس، كلها نبعت في الشرق، وانتقلت منه إلى الغرب، وقد كانت ولا تزال في الشرق أعظم منها في الغرب، ولا شك أن هذه الأديان كلها تبعث في النفس الروحانية، على نحو غير الناحية العقلية والعاطفية.
الثاني: أنه من أثر انتشار الأديان والتعمق فيها، قيست أمور الحياة بمقياس غير مادي، فالعمل في الغرب يقاس بنفعه أو ضرره فقط، أما في الشرق فإنه يقاس بمقياس حليته وحرمته، أي أنه يرضى الله عنه أو لا يرضى.وقد بلغ من الغرب عند مقياسه بالنفع والضرر أن نشأ مذهب كبير يرى قياس الأمور خيرها وشرها بمقياس اللذة والألم، فإذا رجحت كفة اللذائذ لأكبر عدد ممكن، فالعمل فضيلة، وإلا فرذيلة، ومن أجل هذا رتبت الفضائل في الشرق ترتيبًا غيره في الغرب، فالمروءة والسماحة والنبل والطاعة من أكبر الخصال الحميدة في الشرق، بينما حفظ الوقت والاقتصاد والصدق في المعاملة من أكبر الفضائل في الغرب.
الثالث: أن الناس في الشرق — عادة من أثر الأديان أيضًا — يمزحون في أعمالهم وغاياتهم من أعمالهم الحياة الأخرى بجانب الحياة الدنيا، فهم إذا قدروا عملًا راعوا ذلك كل المراعاة، فحسبوا حساب ما ينالهم من الجزاء الأخروي بجانب الجزاء الدنيوي، وأضافوا على أعمارهم الآخرة على الدنيا، ولا شك أن هذا نوع من الروحانية، أما في الغرب فيكادون يقصرون حسابهم على الدنيا وحدها.
الرابع: أن الشرقيين يبنون حياتهم على أن هناك عالمًا آخر هو المسمى بعالم الغيب، فيه الجنة والنار، وفيه الملائكة والجن، وفيه المعجزات إلخ، وكلها أمور روحانية لا مادية، إذا استفتي فيها العلم المادي يقف أمامها حائرًا.نعم … إننا لا ننكر أن بين الغربيين من يبني حسابه على جنة أو نار، وعلى دنيا وآخرة، ولكنهم ليسوا كالشرقيين في ذلك، وحتى هذا القدر كان نتيجة للاعتقادات الدينية التي انتقلت من الشرق للغرب.
الخامس: أن من مظاهر الحياة الروحانية في الشرق الاعتقاد بالقضاء والقدر والحظ، وكرامات الأولياء، ونحو ذلك مما ليس له نظير في الغرب، هذا ما أظن أن القائلين بروحانية الشرق ومادية الغرب يقصدونه، يضاف إلى ذلك ما يظهر في أعمال الغربيين عادة من إمعان في المادية، فالعمل يعمل بعد حساب ما ينتجه من الفوائد، وما ينفق عليه قبل الإنتاج، فإن رجحت كفة الفوائد بعد النفقات أقدموا على العمل، وإلا لا، يظهر ذلك في أعمال الشركات ودور الصناعات والنقابات وغير ذلك، وبعبارة أخرى: إن حسابهم غايته الأخيرة هي مقدار الربح المادي، ولا نظر في ذلك إلى خير الإنسانية أو ضررها، فالدور الكبيرة لإنتاج الآلات الحربية من مدافع وطيارات وغواصات ونحو ذلك، تقوم على أساس مقدار ما تنتجه من الربح، ولو أهلكت الملايين من الناس، والنظر الروحاني في هذه الأعمال يختلف كل الاختلاف عن النظر المادي، فهو لا يبيح مصانع آلات القتال؛ لأنها تبيد الإنسانية، وإن أربحت مالًا وفيرًا.وكثيرًا ما نعى المصلحون على أوروبا إفراطها في المادية، وعبروا عن ذلك بقولهم: إن الغرب قد اختل توازنه، فنما عقله، ونمت صناعته، ونما علمه، ونمت عنده كل مرافق الحياة، ولكنه لم ينمِّ قلبه. وهذا التعبير يساوي ما نقوله من نقص الغرب في الحياة الروحانية.
نعم … إن الروحانية في الشرق بولغ فيها كما بولغ في مادية الغرب، فاعتراها كثير من الخرافات والأوهام من تدجيل وتخريف واعتقاد شديد في الأرواح، وغير ذلك من مظاهر الأوهام، ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في الناحية التي تشيع فيها الروحانية في التصوف، فكم مني التصوف بالدجالين؛ لأن التصوف مبني على الذوق، لا على العلم والعقل، كالفلسفة، وإذا بني على الذوق أمكن فيه الادعاءات الكاذبة والأقوال الفاسدة.
ومن النتائج السيئة لهذه الروحانية المفرطة الكسل والقعود عن العمل، والضعف وعدم الأخذ بأسباب القوة مما جعل حياتهم في عزلة، يعيش أكثرهم عالة على الناس، والحق أن هناك روحانية صادقة تدعو إلى العمل لا إلى الكسل، وتؤمن بالقدر، بقدر.
فإن نحن نقدنا المادية في جفافها، وقصرها حسابها على الظاهر دون الباطن، وعلى الربح دون خير الإنسانية، فإننا ننقد الروحانية في أنها سمحت للأفكار الضالة أن تتسمى باسمها، وتعيش بجانبها، وإذا نحن تمنينا شيئًا في هذا الموضوع، فإننا نتمنى أن تطعم روحانية الشرق بالمادية العاقلة التي تدعو إلى القوة واستخدام العلو في مرافق الحياة، كما نتمنى أن تطعم مادية الغرب بشيء من الروحانية الصادقة، لا دجل فيها ولا خرافات ولا أوهام.
إنه إذا حصل ما نتمنى، أضفنا إلى روحانية الشرق يدًا عاملة، وقوة حاسمة، وأضفنا إلى مادية الغرب قلبا نابضًا، وشعورًا فياضًا، ولكن أنَّى لنا ذلك، والمطلب عسير، والطريق شاق؟! وكان حكيمًا من الإسلام أن يطلب في كل صلاة الدعوة بالهداية إلى صراط مستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

تنظيم الإحسان


استعملت كلمة الإحسان في معان كثيرة، فاستعملت بمعنى الإتقان مثل قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا، وقوله ?: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة».
وتستعمل بمعنى الفضل والزيادة عن أداء الواجب، فأداء الواجب عدل، والزيادة عنه إحسان، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ.
وتستعمل بمعنى التصدق على الفقير والمسكين.
والإحسان قديم وواجب ما دام في المجتمع غني وفقير، ومحتاج وغير محتاج، وربما كان الباعث عليه أول الأمر سد رب الأسرة حاجة أفرادها من أطفال وعاجزين عن الكسب، والإشفاق على ذوي القربى وصلتهم، ثم اتسعت حتى شملت المجتمع بأسره، ثم اتسعت حتى شملت الإنسانية كلها، وحتى شملت الحيوان والنبات، وقد تبنى الإحسان الدين، وجعله إحدى وسائله وربطه بالجزاء الأخروي، والثواب بعد الموت.
وفي العصور الحديثة ربط بالمجتمع واتخذ أشكالًا مختلفة مثل رفع الضرائب عن الفقراء، ومصادرة الأغنياء فيما زاد عن حاجتهم وإعطائه للفقراء، وفتح المدارس لأولاد الفقراء، والملاجئ للعجزة، والمستشفيات للمرضى، وغير ذلك.
وقد كان ينظر إليه على أنه إعطاء مال من فرد لفرد أو جماعة يدًا بيد، وكان عيب هذه الطريقة أن المال قد يعطى لغير مستحقه، ولمن يدعي الفقر وليس فقيرًا، ولمن يتظاهر بالمرض وليس مريضًا، ثم في العصور الحديثة نظم الإحسان حتى حرمت بعض الأمم الإحسان الفردي، وأعطي الإحسان للجمعيات الخيرية والهيئات التي تُعْنَى بذلك، فهي التي تعني بدرس الأفراد وحالاتهم المختلفة، وتتلقى الإحسان من المحسنين، وتتصرف كما ترى.
وأعرف أن بعض الممالك الأوروبية قسم البلاد إلى أجزاء، وخصوصًا المدن الواسعة، وتبرع أفراد، وخصوصًا من السيدات، للقيام بهذا العمل، أعني التبرع بدراسة أحوال الفقير، فكل جماعة تخصصت لحي من الأحياء، وتدخل السيدة منهن بيت الفقير في هذا الشارع فتدرس حالته وأسباب فقره وتقترح العلاج اللازم؛ فقد يكون السبب تعطل رب الأسرة، وقد يكون السبب إدمانه على نوع من المخدِّرات، وقد يكون السبب التبذير وعدم الحكمة في الإنفاق، إلى غير ذلك من أسباب، وبعد الدرس تقترح نوع العلاج المناسب، من إمداد الأسرة بمال أو معالجة المدمن على نوع من المخدرات، أو النصيحة بالاقتصاد في الإنفاق، أو نحو ذلك، ثم تراقب الحالة وما ترتب على العلاج من نتائجَ، ونظروا أيضًا في حالة أولاد الفقراء، حتى لا يؤول أمرهم من الفقر إلى ما آل إليه أمر آبائهم، فعلموهم حسب استعدادهم، ووجهوا اهتمامهم إلى نوع العلم الذي ينفعهم في حياتهم، فوضعوا نصب أعينهم أن العلم للحياة لا للترف العقلي.
على هذا النحو تكونت الجمعيات المختلفة لتنظيم الإحسان، وتبين أن هذا خير من الإحسان الفردي يدًا بيد.
وتعددت أنواع الإحسان في الأمم طبقًا لما يظهر من حاجات، فبعض الأمم جعلت مقدارًا معينًا من اللبن مثلًا من حق كل محتاج — وخصوصًا الفقراء وأطفالهم — تدفع ثمنه الحكومة مما تحصله من الضرائب على الأغنياء.
وبعض الأمم جعلت علاج كل مريض من حقه على الحكومة، والحكومة تعالج الفقير كالغني ممَّا تحصله من الضرائب، ومن ذلك تعليم أولاد الفقراء مجانًا، وعلى العموم نظر إلى الإحسان نظرة اجتماعية خلاصتها تحمل الأغنياء المسائل الضرورية للفقراء.
والإسلام نظر إلى هذه المسألة نظرة جديدة بأشكال مختلفة، فأولًا: فرض الصوم حتى يشعر الغني بحاجة الفقير، وثانيًا: فرض الزكاة على كل من يملك نصابًا حال عليه الحول، وجعلها بمقدار ???? من رأس المال، وثالثًا: دعا إلى عدم الاكتفاء بهذا الفرض؛ بل الإكثار منه والزيادة عليه بحسب الاستطاعة، فوجدت على أثر ذلك الأوقاف المختلفة الخيرية، عدا الملاجئ والمدارس والمستشفيات وغير ذلك، حتى إن بعض الوقفيات جعلت جزءًا منها يصرف في إطعام الحيوانات، وكلما سرت في شوارع المدن مثلًا ترى الأسبلة المختلفة لري الحيوانات، حتى قال بعضهم: إن الزكاة والإحسان لو نفذا بإحكام ما وُجِدَ فقير محتاج ولا حيوان محتاج.
وقد عقدت الحياة المدنية الحديثة، وجعلت أنواع الحاجات تختلف وتكثر، ولا بد أن يقابلها الإحسان بأشكاله المختلفة المناسبة، وليس كل الإحسان أكلًا وشربًا؛ فقد يكون الإحسان بالتعليم، وقد يكون بنشر الكتب وترقية العقل، وقد يكون بمنع التعطل، وقد يكون بالتوجيه إلى نوع العمل، وأقدر الناس على ذلك هي الجمعيات التي تدرس البيوت المختلفة في الأحياء، وتضع العلاج لكل حالة، وليس يقدر الأفراد على ذلك.
وفي ضوء هذا إذا نظرنا إلى ما يصرف من أموال الإحسان في العالم الإسلامي وجدناه كثيرًا جدًّا، ولكن ينقصه التنظيم، فهناك أموال تصرف في بعثرة على الفقراء أمام الأضرحة، وهناك الإحسانات الكثيرة على المقابر، وهكذا كلها محتاجة إلى التنظيم، فكل زمن تظهر فيه أشياء كثيرة تحتاج إلى إحسان، وهناك أوقاف كثيرة على مشاريع خيرية بعضها أُتخمت بالوقوف عليها وبعضها في حاجة إلى المعونة، فيجب أن ينظر إليها كوحدة، يؤخذ من الجهات الخيرية للجهات الفقيرة، بل إن لولي الأمر أن يوحد أموال الأوقاف ويصرف منها على جهات لم ينص عليها متى ظهرت فائدتها، فلكل زمن حكمه، ولكل زمن حوائجه.
تغير النظر إلى الإحسان من جهتين: الأولى: أنه كان ينظر إليه على أنه تفضل من الغني على الفقير؛ يفعل إن شاء ويترك إن شاء، فجاءت العصور الحديثة وجعلته واجبًا محتومًا لا يفعله الغني تفضلًا بل يفعله أداء واجب، وكان جميلًا تعبير القرآن عن ذلك بقوله: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.
والثانية: أنه كان ينظر إلى الإحسان على أنه علاقة بين فرد وفرد، فجاءت العصور الحديثة فرأت أنه واجب اجتماعي، فوجود الفقراء في مجتمع مظهر مرض له، والإحسان علاج اجتماعي، ولا يصح المجتمع إلا إذا عولج مرض الفقر فيه، وكما أن الفقر مرض اجتماعي فالإحسان كذلك علاج اجتماعي.
وقد يلحق بهاتين الجهتين مسألة ثالثة، وهي أن الإحسان لا يصح أن يقتصر على المال؛ فقد يكون الإحسان بتوجيه الفقير حتى يكسب، وبتعليم الجاهل حتى يقدر، وبمعالجة المريض حتى يصح، بل قد يكون سلبيًّا لا إيجابيًّا، بمنع المخدرات عن الفقير، ومحاربة الأمراض قبل تفشيها، بل رأى المفكرون في العصور الحديثة أن الإحسان قد يكون جريمة إذا كان إلى شخص كبير أو صغير يحمله الإحسان إليه على أن يتخذ السؤال حرفة، أو يأخذ الصدقة فيتكيف بها، ومن أجل هذا كله أصبح الإحسان لا ينظر إليه بالسهولة التي كان ينظر إليه بها، فيجب أن يوضع محله بعناية وبدقة؛ حتى لا يسبب مرضًا أعظم.
لا يكفي أن يتلذذ المحسن من إحسانه بل لا بد من أن يقابل مرضًا اجتماعيًّا يعالجه.
والأدب العربي مملوء بالشعر الذي يمدح العطاء الفردي، ولكن لا أذكر أني رأيت شاعرًا ينظر إلى الإحسان على أنه واجب اجتماعي، فيجب أن يتحور النظر بتحور الزمن، والله الموفق.

الثقافة الأدبية والثقافة العلمية


نعني بالثقافة الأدبية المعنى الواسع الذي استعمل فيه كلمة كلية الآداب؛ إذ تشمل الدراسة الأدبية من شعر ونثر والجغرافيا والتاريخ والفلسفة وآداب اللغات، كما نعني بالثقافة العلمية المعنى الذي استعملت فيه كلمة كلية العلوم من طبيعة وكيمياء ورياضة وجيولوجيا ونحوها.
والحق أن لكل ثقافة من هاتين الثقافتين ميزاتٍ وأضرارًا، فمن ميزات الثقافة الأدبية توسيع الذهن وتربية العواطف وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها، ومن أضرارها عمومها وعدم دقتها وقبول من تثقف بها للجدل وقدرته عليه واستطاعته إقامة البرهان المنطقي على الشيء ونقيضه إلخ.
ومزية الثقافة العلمية التحديد والدقة؛ إذ كلها تقريبًا مثل ? + ? = ? أو مضاعفات ذلك، هذا إلى أن عقلية أصحاب الثقافة العلمية عقلية لا تقبل الجدل، فالمسألة إما صحيحة أو خاطئة، وليس هنالك رأي وسط، ومن عيوبها خلوها من العواطف واقتصار صاحبها على دائرة معينة لا يسبح في غيرها إلا إذا تثقف ثقافة أدبية، ولذلك نرى رياضيين أو مهندسين بارعين وهم ماهرون في فنهم، ولكنهم إذا خرجوا عنه قيد شعرة كانوا أشبه بالعوام.
والثقافتان معًا لازمتان للأمة؛ إذ لا يمكن أن تخلو أمة حية من ثقافة أدبية تغذي العواطف، وثقافة علمية تغذي العقل، ولذلك حرصت كل الأمم تقريبًا على أن يكون لها كلية آداب، وكلية علوم؛ كلية آداب لتحيي الأدب والشعر وتدرس التاريخ اتعاظًا بالماضي، والجغرافيا للثقافة العامة، وكلية علوم تضبط الذهن وتقوي العقل.
ولكننا مع الأسف نرى أن العالم الإسلامي من أوله عنى بالآداب أكثر من عنايته بالعلوم، ومصداق ذلك أننا لو دخلنا مكتبة عربية وجدنا ما يساوي واحدًا في المائة علمًا والباقي أدبًا، ولو حصرنا ما في كتب التراجم مثل ابن خلكان وجدنا أن أكثره أدباء بالمعنى الواسع، وأقله علماء، وبينما نجد مئات الأدباء من شعراء وكتَّاب، نجد بينهم قليلًا من أمثال ابن الهيثم وأبي الوفاء الجوزجاني.
والسبب في هذا على ما يظهر أن الأدباء بطبيعة أدبهم وبطبيعة طول لسانهم كانوا أقرب إلى الملوك والأمراء يمدحونهم ويتزلفون إليهم، بينما لا يستطيع العلماء أن يفعلوا شيئًا من ذلك؛ إذ هم قاصرو اللسان لا يتكلمون إلا بقدر، والأدباء عادة أقدر على السمر اللطيف والحديث الممتع والنكت الطريفة، على حين أن العلماء عادة متزمتون ثقيلو اللسان غير قادرين على النكات.
وكان مظهر غلبة الأدب على العلم إلى عهد قريب أن طلبة الآداب البكالوريا في المدارس المصرية يفوقون بكثير طلبة العلوم عددًا، ومجال الوظائف أمامهم أوسع، فإذا نحن عددنا الدراسة القانونية من الآداب — على توسع كثير في ذلك — وجدنا أن معظم أعضاء البرلمان من المثقفين القانونيين، وكذلك الأمر في معظم الوزارات، حتى لقد يكون من المضحك أن نرى وزير الأشغال أو وزير صحة أديبًا، بينما لا نجد مثلًا وزير معارف أو وزير عدل عالمًا.
•••

وإذا نحن نظرنا إلى المدنية الحديثة وجدناها مؤسسة على العلم أكثر من الأدب، فالصناعات والمخترعات الحديثة والطب وما يحتاج إليه من كيمياء وتشريح وغير ذلك كلها مبنية على العلم، نعم؛ إن المدنية الحديثة لم تهمل الأدب ولكنها مع ذلك قومت العلوم تقويمًا كبيرًا، فما أحوج الشرق وهو يحذو حذو المدنية الغربية ويبني أساسه على أساسها أن يكثر من عنايته بالعلم ويقبل عليه إقبالًا أكثر مما هو عليه الآن، فلدى الشرقيين على العموم موارد خامة غنية يجب أن تبحث وأن تستثمر وتُبنى حياتهم الاقتصادية عليها، ثم لا يصح أن يظلوا عالة على غيرهم، بل لا بد أن ينهضوا نهضة الغرب فيبارونه ولا يقفوا مقلدين له.
ثم إنهم — لثقافتهم الأدبية — كثيرو الكلام، كثيرو الجدل، ولا يتناسب محصول فعلهم مع محصول كلامهم، ومجالسهم مملوءة بالجدل والمناقشة، ومشروعاتهم مملوءة بالبحث من غير نتيجة، وأظن: لو أنه زادت ثقافتهم العلمية أمنوا كل هذه الأخطاء.
بل نرى أن اتجاه الغربيين إلى العلوم وتوسعهم فيها جعلت أدبهم ملونًا بلون خاص، وهو كونه ذا موضوع، على حين أن الأدب الشرقي عبارة عن ألفاظ لا موضوع لها، فنرى مثلًا في المكتبة الغربية كتابًا أدبيًّا في الفلك ككتاب الكون الغامض للأستاذ «جونز» وكتابًا أدبيًّا في العلوم مثل كتاب «العلم من كرسي مريح» إلى كثير من مثل هذه.
ولو ثقف الأديب بعض الثقافة العلمية الواسعة لامتلأ الأدب بالتشبيهات بالمعاني الحديثة، فكم في الكهرباء والمغناطيسية من ذخيرة أدبية، ولو تثقف العالم بعض الثقافة الأدبية العامة لحسن تعبيره ووضح مقصده.
ونحمد الله أن نجد طلبة البكالوريا العلمية قد ازداد عددهم عما كان وطغى على البكالوريا الأدبية، ولكننا نحتاج إلى زمن حتى نجني ثمار ذلك، فلا يزال خريجو الكليات العلمية أقل مما تتطلبه المدارس، وهم تتخطفهم الشركات بأعلى الأجور.
وإذا كثر العلماء بحق رأينا ذلك يتبعه لا محالة نهضة قوية في الصناعات والاختراعات، بل أظن أن ذلك يتبعه أيضًا رقي في الأخلاق، فالمتأدب أقدر من العالم على تسامحه في الأخلاق؛ لأنه أقدر على التأويل، ومصيبة الناس عادة في المتأولين، كما قال البوصيري في إحدى قصائده:
وما أخشى على أموال مصرسوى من معشر يتأولونا ونحن لو درسنا الشرق لرأينا فيه من الكفايات ما يكفي للعلم والأدب جميعًا، فالجو الذي أخرج ابن الهيثم والجوزجاني وإسماعيل باشا الفلكي وشفيق بك يكن الرياضي يستطيع أن يخرج غيرهم من العلماء لولا أنهم يوجهون إلى الأدب فيخرجون متوسطين في الأدب، ولو وجهوا إلى العلم لكانوا نابغين، ومن الأدلة على ذلك أن الشرقيين الذين يرسلون إلى أوربا يجلسون مع الطلبة الأجانب فيجارونهم أو يسبقونهم وربما كان أهم عامل في ضعفهم لا قلة عقلهم، ولكن مركب النقص عندهم، فعندهم حالة نفسية يشعرون معها أنهم أقل من أمثالهم من الغربيين، وأنهم لا يحسنون إلا تقليدهم، ولو زال مركب النقص هذا لكانوا مثلهم في الابتكار والاختراع.
•••

إن مشكلة بلاد الشرق على العموم أنها إلى الآن لم تطبق الطرق المتبعة في تقويم مَلَكات الناشئين، فتوجه بعضهم إلى أدب، وبعضهم إلى علم، وبعضهم إلى صناعة أدبية، ولو فعلت لزاد عدد النابغين، وأخذ كلٌّ مكانَه الصالحَ له، أما أن يوجهوا أو يتركوا وشأنهم، تلعب بعقولهم الوظائف الخالية، أو الطموح إلى درجة جامعية، فضرر كبير، نظيره كما إذا أعطيت أديبًا كتابَ فقهٍ، وفقيهًا كتابَ أدبٍ، وشاعرًا كتابَ رياضةٍ، ولو وزع كتاب الرياضة على الرياضي، وكتاب الشعر على الشاعر، وكتاب الفقه على الفقيه، لكان ذلك أكثر فائدة، وأطيب إنتاجًا.
وكم في كل أمة من كنوز مدفونة، في الفلاحين والعمال وعامة الشعب، لا ينقصها إلا اكتشافها، والله الحكيم لم يُخْلِ أمة من ملكات مختلفة، تكفي لسد حاجاتها، كما أنه لم يخل طائفة ممن يعدون نوابغ في كل ناحية، ألا ترى حقل القمح أو الذرة أكثره وسط، ولكنه على ذلك لم يعدم فروعًا تعلو غيرها، وتسمو فوقها، ولا يكون اكتشاف ذلك إلا بتوفيق من الله.

أنا … ونحن


«أنا»، كما هو واضح، تدل على الفردية، و«نحن» تدل على الاشتراك، وقد اشتقوا من «أنا» الأنانية بمعنى حب الذات والاستئثار بمصالحها الشخصية، ولا أدري لماذا لم ينسبوا إلى «نحن»، فيقولوا: «النحنية» للدلالة على الشخص وغيره، أو للدلالة على شعور الشخص نحو مجتمعه.
وبعد هذه المقدمة القصيرة نقول: إنه مما يلاحظ أن الشعوب المتأخرة يغلب عليها الشعور بـ «أنا»، والشعوب الحية المتقدمة يغلب عليها الشعور بـ «نحن»، وأعني بالشعور «بنحن» شعور الفرد بالمجموع البشري الذي ينتسب إليه، سواء كان جميعه أو ناديًا أو أسرة أو قبيلة أو أمة، وكل إنسان عنده الشعوران معًا: الشعور «بأنا» والشعور «بنحن»، ولكن تختلف الأفراد في ذلك اختلافًا كبيرًا، فترى بعض الناس يشعرون شعورًا قويًّا «بأنا»، ويوجهون كل أعمالهم وتفكيرهم نحو مصالحهم الشخصية، بل لا يعملون عملًا ما إلا إذا لمحوا فيه منفعة لهم شخصية، ومن الناس من يقوى عنده الشعور «بنحن»، فهو دائمًا يعمل الخير للناس، ويسعى في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، ويجد لذته في ذلك، ومن الناس من هو بين بين، وكذلك الشأن في الأمم، أمة يغلب عليها الأنانية، وأخرى يغلب عليها الشعور بالغيرية، كالذين وصفهم الله سبحانه بقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، والذي يلاحظ أنه في الشرق تغلب الأنانية على أفراده، وفي الغرب تغلب الغيرية على أفراده، ولذلك عدة مظاهر: (?) شعور الفرد في الشرق بناديه أو بحزبه أو بالجماعة التي ينتسب إليها أو بأمته شعورٌ ضعيف، على عكس ذلك في الغرب، فشعور الفرد هناك نحوها كلها شعور قوي، ولذلك تنجح في الشرق أعمال الأفراد أكثر مما تنجح أعمال الجماعات، كالشركات والنوادي والجمعيات، وكم سمعنا بجمعيات وشركات تأسست في الشرق، ثم أفلست، وحتى الجمعيات التي تنجح إنما تنجح لفرد قوي يرأسها، ويوجهها، ويحمل أكثر أعبائها، في حين أن باقي الأعضاء يتكلون عليه، فهو في الواقع عمل فرد في شكل جمعية؛ لأن نجاح الجمعية كجمعية معناه أن أفراد الجمعية كلهم يعملون، كآلة الساعة: عقرب وبندول ورقاص وغيرها، كلٌّ يعمل عمله، فيكون من جراء ذلك ساعة مضبوطة، وهي درجة ما أظن أن الشرق وصل إليها، وهي أشياء لا بد منها في حياة المجتمع الراقي.
(?) ومن مظاهر ذلك أيضًا أننا في الشرق نحترم الملكية الخاصة، ولا نحترم الملكية العامة، مثال ذلك: أننا في الشارع لا نشعر بأنه ملك للناس كلهم، وكأنه ملك لنا وحدنا، فنرمي فيه بالأوراق وبقشور الفاكهة وبالقاذورات، ولو كنا نشعر بأنه ملك عام للناس كلهم ما أجزنا لأنفسنا ذلك، بل ونستجيز لأنفسنا أن نقطف وردة من حديقة عامة، مع أن الوردة ليست ملكنا، ولكنها ملك للناس كلهم، يتمتعون بمنظرها ورائحتها، وتعجبني حكاية لطيفة أن الشيخ محمد عبده كان يركب سفينة مع صديق له فسار الصديق في السفينة حينًا وعاد، فوجد الشيخ محمد عبده يبكي، فقال له: مم تبكي؟ قال: رأيت مربية إفرنجية على السفينة تربي طفلًا صغيرًا، فجرى الطفل نحو وردة في أصيص من الأصص وقطفها، فأنبته على عمله تأنيبًا شديدًا، وكان مما قالته له: إن الوردة ليست ملكك حتى تقتطفها، ولكنها ملك لركاب السفينة جميعًا، بل ولركابها غدًا، فأنا أبكي لأن هذه المعاني الراقية لم يفهمها حتى علماؤنا.ومن هذا القبيل ما نراه في حفلات السينما والتمثيل وحفلات الموسيقى، فكل فرد منا يشعر «بأنا» على حين يشعر الغربي «بنحن»، ونتيجة ذلك أن الشرقي يستبيح لنفسه في هذه الحفلات أن يتكلم مع صديقه بصوت عال يشوش على من بجواره، خصوصًا إذا كان من الطبقة الأرستقراطية، فيشعر بأنه فوق القانون وفوق الجميع، من غير أن يشعر أن عليه واجبًا أن يحترم حقوق الآخرين، فإذا أنت نبهته إلى ذلك برفق تجهم، وقال: إنه حر يفعل ما يشاء، نعم؛ إنه حر، ولكن حريته مقيدة بمصالح الآخرين، ككل حرية، ونحن نرى أن الغربي إذا أراد أن يحدث صديقه في سينما أو تمثيل أو في ترام حدثه همسًا، بحيث لا يشعر بذلك من بجواره؛ وذلك لقوة شعوره «بنحن».
(?) وحتى في العمال الخيرية، كالإحسان على الفقير، يشعر الشرقيون «بأنا» لا «بنحن»، فالشرق في الغالب لا يحسن إلا إذا فاجأه الفقير وألح عليه بالسؤال، وهو إذا أعطاه أعطاه يدًا بيد، وكل هذا من غلبة الشعور «بأنا»، أما الغربي فيشعر «بنحن»، فهو يشعر بالفقراء لا بالفقير، وبالمرضى لا بالمريض، فهو يتبرع للجمعيات الخيرية التي تصرف أموالها على الفقراء والمرضى؛ إذ إن شعوره «بنحن» يشعر بأن في أمته طبقة من الفقراء والمرضى يجب عليه أن يشاركهم في شعورهم، ويتبرع بجزء من ماله لهم.وهذا الشعور غير الشعور بالفردية وأرقى منه، كالذي قاله علماء النفس في الأطفال: إن الطفل يبدأ فيفهم الأبيض ولا يفهم البياض؛ لأن الأبيض جزئي، والبياض كلي، وفهم الجزئي يتقدم فهم الكلي.
•••

من أجل ذلك كله وجب على القادة في الشرق أن يضعوا أمام أعينهم التربية الاجتماعية، في الأسر، وفي المدارس، وفي المحال العامة، فلا يسمحوا للأفراد أن يسيروا حسب ميولهم الفردية، بل يشعروهم بأنهم جزء من مجتمعهم الذي هو المدرسة أولًا، والأسرة ثانيًا، والمجتمع العام ثالثًا، ولا يسمح لفرد أن يسير وفق هواه، فإذا اعتاد العمل والتفكير في المجموع وهو طفل سهل عليه أن يراعي ذلك وهو كبير، بل نستطيع أن نعودهم ذلك في ألعابهم، فإذا لعب الكرة مثلًا قوينا في نفسه أنه مسئول عن فرقته اللاعبة معه، وأنه إذا غلب فغلبته لفرقته، وإذا قصر أو لعب لعبة رديئة أثر ذلك أثرًا سيئًا في فرقته، فذلك يشعره «بنحن» أكثر من شعوره «بأنا»، وعلى هذا ما جرى عليه العمل الآن مبدئيًّا في بعض المدارس من تقسيم الطلبة إلى فرق: فرق تعنى بالفن، وأخرى بالتاريخ، وثالثة باللغات، وهكذا، وكل فرقة لها شارة معينة، وكل طالب من فرقة يفتخر بأن فرقته نجحت، ويخجل أن فرقته فشلت، وفي هذا كله درس قوي من الشعور «بنحن».
ومما ساعد الغربيين على هذا الشعور «بنحن» التربية العسكرية، فالجندي في الفرقة يشعر بأنه جزء من الفرقة كلها، في نظامها وألعابها وحربها، وأنه مسئول عن كل شيء يصيب الفرقة.
وفي الحديث الشريف أن جماعة ركبوا سفينة فأخذ أحد الركاب يكسر لوحًا من ألواحها، قال الحديث: فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإلا هلك وهلكوا. وفي هذا شعور كبير بالتضامن؛ وبعبارة أخرى: شعور «بنحن»، وفي القرآن الكريم: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً، أي أن الظالم والجاهل والسيئ العمل لا تعود نتيجة عملهم على أنفسهم فقط، بل تتعدى إلى جميعهم ومن يشاركونهم في حياتهم الاجتماعية.
وأنت إذا أردت أن تحسب قوة أسرة أو فرقة عسكرية، أو حتى قوة أمة، فلا تحسب ذلك بعددها وثروتها، وإنما تحسب ذلك بالحبال التي تربطها، فإن كانت الحبال متينة فاعلم أنه مجتمع قوي متين، وإنما أُتِيَتِ الأممُ من قِبَلِ ضعفِ الروابطِ بين أفرادها، وانحلال عرواتها.
فإذا أرادت أمة أن تنهض فلتجعل من أول واجباتها البحث في عوامل انحلالها، ولْتُعْنَ بالروابط بين أفرادها، ولتعالج هذا الأمر، في أطفالها في مدارسهم وألعابهم، وفي جنودها بالنظم المحكمة التي تزيد من روابطهم وتجعل كل جندي يشعر «بنحن» أكثر مما يشعر «بأنا»، ولتنشر التربية العسكرية بين كل شبانها، ولتجعل من أهم أغراضها تقوية الشعور «بنحن» إلى أبعد حد، ووقف الشعور «بأنا» إلى الحد الذي يتطلب المحافظة على الذات، ولا شك أن هذا مطلب شاق عسير، ولكنه في الإمكان.
والتربية الإسلامية الأولى نجحت في ذلك نجاحًا كبيرًا، فكم من أمثلة كثيرة ضحى فيها الأفراد بمصالحهم الشخصية للمصلحة العامة، فهذا عمر يرضى أن يعيش عيشة في منتهى البساطة ليسعد الناس، وهذا عثمان يتبرع بالمال الكثير لإنشاء جيش، وأمثالهما كثير مما لا يعد ولا يحصى، ولكن من الأسف خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ لم يكن أمام أعينهم إلا «أنا»، وقال قائلهم: «ومن بعدي الطوفان»، فيستبيح لنفسه أن يظلم ما استطاع أن يظلم، وأن يجني لنفسه المال ويتمتع بالشهوات ما أمكنه ذلك، وأن يعيش عيشة في منتهى الترف ولو تضور الناس من حوله جوعًا، فكان من ذلك تدهور الشرق على النحو الذي رأيناه، وهو لا يصلح إلا بازالة كل عوامل الفساد، وتأسيسه على أسس جديدة أولها وضع «نحن» موضع «أنا».

سنن الله في الأمم


يسير العالم على نظم دقيقة في كل شيء، سواء في ذلك النبات والحيوان والإنسان، وكما أن للأفراد سننًا ثابتة، من صبا وشباب وكهولة وشيخوخة، ومن صحة ومرض وقوة وضعف، كذلك شأن الأمم، لها قوانين لحياتها وفنائها وصحتها ومرضها، وقد نبه القرآن الكريم على كثير من هذه القوانين، نتعرض لبعضها اليوم.
من تلك القوانين: (?) حفظها بالصالحين من أبنائها، ومعنى ذلك أنه لا بد لحياة الأمم من طائفة فيها يكون عملها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعبارة أخرى: الدعوة إلى الإصلاح، واستنكار الفساد، وهذه الطائفة تأخذ أشكالًا مختلفة، ففي العصور الإسلامية الأولى كان ذلك وظيفة من يسمون أهل الحل والعقد، وفي العصور الحديثة كان ذلك وظيفة البرلمانات ورجال الصحافة ورجال الإذاعة ونحو ذلك، على كل حال لا بد من قوم يتولون هذه الوظيفة بجد واجتهاد وأمانة وإخلاص، قد بلغوا من حسن النية مبلغًا كبيرًا، ووصلوا في الثقافة واستنارة الأذهان وطهارة الشعور ما يستطيعون به أن يوجهوا قومهم إلى ما ينفعهم، ويحذروهم مما يضرهم، سواء كانوا زعماء أو أعضاء مجالس نيابية أو صحفيين أو نحو ذلك، فإن هم قصروا عن ذلك تخبطت الأمة وسارت في ظلام، وكان عاقبتها الفناء، يقول الله في ذلك: فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، ويقول: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وقد جاءت هذه الآية عقب حكاية أقوام أهلكهم الله؛ لظلمهم وفسادهم فيقول: إنه لو كان فيهم جماعة أو جماعات تنهاهم عن الفساد وتحثهم على الفضائل لما هلكوا. أي أن الصالحين المصلحين هم الذين يحفظون الأمة من التردي والهلاك، شأنهم في ذلك شأن الأطباء للأفراد، فالأفراد إذا مرضوا استدعينا لهم الأطباء، فشخصوا أمراضهم، ووصفوا لهم علاجهم، فإن ساروا عليه نجوا، وإلا هلكوا، والمريض إذا لم يستطب طبيًّا أو استطبه ولم يسمع بقوله كان مصيره الهلاك، وهذه الطائفة هي التي سماها الله في القرآن بالصالحين فقال: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، وقال في آية أخرى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، غاية الأمر أن الناس غيروا معنى الصالحين، ففهموا منهم الذين يكثرون الصلاة والصيام ويكثرون من تلاوة القرآن، ولو اكتفوا بذلك وقضوا فيها حياتهم، على حين أن المراد بالصالحين الذين يستخلفهم الله في الأرض هم الصالحون لإدارتها، القادرون على تدبير شؤونها، الذين يستطيعون تنظيم أحوالها، أما الذين يقتصرون على الصلاة والصيام وتلاوة القرآن من غير أن يكون لهم حسن تصرف في الإدارة، وعجزوا عن القيام بشئون الناس وتدبير أحوال الأرض، فليسوا هم الذين يقصدهم الله بالصالحين، فلكل شيء وجه يطلق عليه أن الرجل صالح له أو غير صالح، فالصالح في السياسة غير الصالح في تدبير الأموال غير الصالح فقط للصلاة والزكاة، ولكلٍّ موضعُه، ومن أجل هذا الخطأ ركن قوم إلى دفع العدو بقراءة الأوراد والبخاري وتلاوة القرآن، مع أن الذي يصلح لاتقاء العدو هو محاربته بمثل سلاحه، لا بمجرد الجلوس في المساجد وقراءة الدعوات والابتهالات من غير أن يعدوا لهم ما استطاعوا من قوة، والخلاصة من كل هذا أن من سنن الله في الأمم أنه ما لم يكن في الأمة قوم يفهمون أمتهم، ويعلمون علمًا تامًّا ببيئتهم، وما تقتضيه من أعمال، فينبهونها إلى واجبها، ويحذرونها من مفاسدها، لم يكن لها بقاء، هكذا يقول الله تعالى وهؤلاء هم الذين يسميهم الله الصالحين.وبقدر جد هؤلاء الصالحين ونشاطهم وأعمالهم تكون حياة الأمم، وبقدر قلتهم يكون ضعف حياتها، وبقدر عدمهم يكون فناؤها.
(?) من سنن الله أيضًا في الأمم أن الأمة إذا طغى أمراؤها، وانغمسوا في الترف والنعيم، ولم يأبهوا لمصالح شعبهم، ولم يأخذ العقلاء فيها على أيديهم، كان مصيرها الفناء، يقول الله تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ، ويقول: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا، أي أن أولي الأمر في الأمة لو جروا وراء شهواتهم، ولم ينظروا إلا إلى ترفهم ونعيمهم، بادت دولتهم؛ لأنهم إن فعلوا ذلك أنفقوا الأموال في ملاذهم، ولم يقيموا وزنًا لقوة الشعب الحربية ولا لقيمته العلمية والأدبية، فكيف تبقى الأمة مع ذلك، أما إن صلح أمراؤها، وساروا بالعدل مع شعوبهم ومع أنفسهم، وأعطوا لكل ذي حق حقه، وأعطوا لأنفسهم حقوقها، والتزموا بواجباتها، أبقاها الله ولم يفتتها، وهذا هو الشأن في كل عصر، ظلم الحكام يُرْدِيها ويهلكها، وعدل الحكام يعليها ويصلحها، يقول الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى? بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ أي أن الله لا يهلكها إذا صلح أهلها، وتجنبوا الفساد والظلم، والمراد بكونهم مصلحين: أنهم مصلحون في أعمالهم الاجتماعية والعمرانية، فلا يبخسون الحقوق، ولا يرتكبون الإثم والعدوان والطغيان، إن شئت فانظر في ظل هذين المبدأين الكبيرين إلى الأمم التي حولك، واستعرض قويها وضعيفها، تَرَ أن الأمة إذا سارت على هذين المبدأين قويت وبقيت، وإذا أهملتهما فشلت وضعفت، وبقدر قوتهما وضعفهما تضعف الأمم وتقوى، إن خير الأمم الحالية من قوي برلمانها، واستطاع أن يشرف على حكومتها، ووجَّهَهَا الوجهةَ الصالحةَ، وحذرها من التردي في المهالك، ولم ينكص عن قول الحق والجهر به والدعاء إليه، لا يخاف من قوي لقوته، ولا من فاسد لفساده، ولا من غني لغناه، وإذا خالف رأيه رأي الحكومة قال ذلك في صراحة، وسمع في ذلك صوت ضميره ودينه، لا صوت شهواته ومغنمه.كذلك من ميزان حياة الأمم الآن مقدار نزاهة حكامها وأمرائها، وعدم وقوعهم في الطغيان والإسراف في الترف والنعيم، إننا نرى أن الحكومات الصالحة في الأمم المختلفة تسيطر حتى على الملوك والأمراء، فتمنعهم من أن يطغوا، وتمنعهم من أن يبذروا أموال الشعوب في ملاذهم وشهواتهم وشرهم، فإن هي فعلت ذلك سمح الله لها بالرقي والبقاء، ونحن نرى إلى الآن أنها إن لم تفعل حاق بها وبهم الهلاك، ونرى في القرآن إشارة كريمة في قوله تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ، أي أنه لا يصح لأولي الحل والعقد والممتازين من الأمة من علماء دين ورجال سياسة وأعضاء برلمان أن يركنوا إلى الملوك والأمراء الطغاة، ومعنى الركون إليهم تشجيعهم على ما هم فيه من فساد، أو تركهم يعبثون كما يشاءون، بل يجب الضرب على أيديهم، وإقناعهم بالعدول بالحسنى إن أمكن، وبغير الحسنى إن لم يمكن، فإن فعلوا نجا الأمراء والملوك ونجوا، وإلا هلك هؤلاء وهؤلاء.
هذان قانونان من قوانين التي سنها الله لحياة الأمم وفنائها، وهناك قوانين أخرى نتحدث عنها في فرصة أخرى إن شاء الله.

سنن الله في الكون


كتبنا في المقال السابق عن بعض سنن الله في الأمم، واليوم نذكر طرفًا آخر من هذه السنن.
من ذلك أنه إذا فسد الرؤساء وسكت أهل الرأي عن النصيحة، استشرى الفساد، وعم الأمة كلها، وأما إن اجتمع أهل الرأي وأرباب الهمة من أفرادها وتعاونوا على اجتثاث هذه الشجرة الخبيثة واستئصال جذورها بقيت وصلحت، ومن أجل هذا تجتهد الأمم المستعمرة أن تولي رجلًا يكون طوع أيديهم، فيستعمرون الأمة عن طريقه، وقد أوجب الله على نفسه عقاب الأمم المذنبة، ولا يرتفع العقاب إلا بالتوبة، لذلك لما قدم عمر بن الخطاب العباس للاستسقاء؛ لقرابته من النبي ? قال: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع إلا بتوبة».
ومن القوانين العامة في الأمم أن الظلم والبغي والفساد سبب في انحطاط الأمم وضعفها وهلاكها، بل ورد في القرآن أن ذلك سبب لقلة المطر وللقحط ولفساد الزرع وهلاك الحرث والنسل.
ومن هذه القوانين أن الأمم تهلك لسيطرة أصحاب الأموال ورغبتهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون، وقد ضرب الله مثلًا أمة شعيب؛ إذ كانوا يستبيحون تنمية الثروة بكل الطرق الممكنة؛ كالتطفيف في الكيل والميزان، وبخس الناس أشياءهم، فكان شعيب — عليه السلام — ينهاهم عن ذلك كله، ويوصيهم باجتناب أكل أموال الناس بالباطل وقناعتهم بالحلال، وهم يقولون: إنهم أحرار في أموالهم يفعلون بها ما يشاءون: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، فعاقبهم الله بضياع أموالهم، ولا تزال المشكلة المالية وحرية التصرف من أعقد المشاكل الاجتماعية اليوم، يرى أرباب الأموال أنهم أحرار في مالهم يفعلون فيه ما يشاءون، ويرى المصلحون والأخلاقيون أن المال لا بد أن يخضع للأخلاق، فلا يُستغل الفقير استغلالًا يضر به، وقد جعل الله من أسباب صلاح الأمم قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعله أمرًا لازمًا لصلاح الأمة، فإذا قاموا به نجوا، وإلا هلكوا، وقد ذم الله اليهود بقوله: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى? لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.
ومن سنته تعالى ابتلاؤه للأمم بالنعم والنقم، فالله يختبر المؤمنين الصالحين الأخيار، والمجرمين الأشرار بكثير من مصائب الدنيا، فالمؤمن البصير يراها تربية وتهذيبًا وتمحيصًا له تزيده إيمانًا وبصيرة يقول الله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَ?لِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ فيرى المؤمن في هذه الدنيا مظاهرَ كثيرةً لتنعُّمِ المجرم وكثرة ثروته حتى يستفزه ذلك المنظر، ويرى المؤمنين الصادقين في بلاء ومحنة، فإن صبر لهذه المناظر اجتاز هذه المرحلة بنجاح.
كذلك من سنن الله في الأمم أنه إذا تفرقت الأمم شيعًا وأحزابًا؛ يضرب بعضهم بعضًا، ويحارب بعضهم بعضًا، حق عليها الفناء، وإذا توحدوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وتعاونوا وحمل كلٌّ عبئه، وساعد الباقين على تحمل أعبائهم نجحوا وكونوا أمة صالحة، وهذا ظاهر في تاريخ الأمم؛ قديمها وحديثها، غربيها وشرقيها، وعبر الله عن نتيجة الذين يتحدون ويتعاونون بقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ وابيضاض الوجوه من ارتياحهم لحسن النتيجة، واسودادها لما يرون من سوء النتيجة، ثم إن الله جعل لحياة الأمم مقومات؛ كتربية النشء تربية صالحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة نظام العائلة، ونحو ذلك، فإذا تمت مقومات الأمة صلحت، وإذا لم توجد أو لم يوجد بعضها لم تتكون أمة صالحة، وكذلك للأمة قوانين لارتقائها، لا ترتقي بدونها، كبنائها الحياة على العدل، وتدعيمها بالقوانين الاقتصادية التي تكفل رفاهيتها وثروتها، فمن عمل بتلك القوانين نجح وارتقى، وإلا ضعف وفني، كذلك نرى أن الأمة إذا أخذت بمبدأ الشورى ومبادلة الرأي وخصوصًا في جلائل الأعمال ارتقت، وإذا استبد حكامها بالرأي وفرضوا آراءهم من غير مناقشة ضعفت وانهارت؛ لأن المستبد مهما عقل فليس بمأمون الزلل.
تلك بعض قوانين الله في الأمم، أبانها القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فمن اتبعها وعمل بها أمن الفناء وضمن الرقي والبقاء، ومن تهاون فيها كان عرضة للضعف والفناء، وهذه القوانين دائمة لا تتغير، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، كانت فيما مضى، ولا تزال باقية إلى اليوم، وستظل باقية في المستقبل.
لقد غير علماء الاجتماع صيغتها وأسماءها، ولكن الحقيقة واحدة مهما تغيرت الأسماء، والأمم تحافظ على بقائها بمقدار اتباعها لها، وتنحط بنسبة ضياعها لها، وهي قوانين ثابتة ثبوت القوانين العادية، كالتمدد بالحرارة والانكماش بالبرودة.
لا يهم هذه القوانين إلا السير عليها لتؤدي نتيجتها سواء علم أصحابها أنهم يسيرون عليها أو لا، شأن الشخص يتعاطى سمًّا فتكون له نتيجته المحتومة ولو لم يعلم أنه سم، ويتعاطى الدواء الناجع، فيشفى ولو لم يعلم أنه دواء، وهكذا شأن القوانين الطبيعية.
لقد سار على مقتضاها المسلمون الأولون ففازوا بنتيجتها، اتحدوا ولم يتفرقوا، وعدلوا ولم يظلموا، واتبعوا القواعد الاقتصادية في الشئون المالية فنجحوا نجاحًا باهرًا، وفتحوا ما لم يكن في الحسبان، وهرع الناس إليهم من ظلم الفرس والرومان، وكانوا في كثير من المواقف يعينونهم على عدوهم ويعرفونهم بمواضع الضعف عند حكامهم، كما فعل الإسبانيون في إسبانيا والأقباط بمصر، وليس يصلح المسلمون إلا بما صلح به أولهم، انظر إلى الأمم المختلفة ترها كلها واقفة على سلم ذي درجات، بعضها أرفع من بعض، وسبب هذه الرفعة تمسكها بهذه القوانين الطبيعية التي أوجبت رقيها، وسبب وقوف بعضها على درجات أدنى من السلم تهاونها في بعض هذه القوانين، وسواء في ذلك الأمم الشرقية أو الغربية، فاتباع هذه القوانين يؤول إلى الرقي بقطع النظر عن مسلم وكافر، شأن ذلك شأن القوانين المادية تمامًا، فالأسرة تسعد بالصدق والعدل كائنة ما كانت وعلى أي دين كانت، وهي تنحط بالكذب والظلم كائنة ما كانت وعلى أي دين كانت، فالقوانين الطبيعية لا تفرق بين دين ودين، ولا جنس وجنس، إنما يهمها اتباع القانون أو عصيانه وكفى.

منهج الفلسفة القديمة والفلسفة الحديثة


ظلت الفلسفة منذ عصر اليونان، إلى عصر الرومان، إلى العصر الإسلامي، متأثرة كل التأثر بتعاليم أفلاطون وأرسطو، وخاصة أرسطو، واعتقد الناس أن ما جاء به أرسطو هو الحق، وما بحث فيه، فهو مجال البحث، وما تركه، فهو مجال الترك، وبذلك أجلسوه على عرش يشبه عرش الألوهية، حتى إنه لو قام البرهان المحسوس على فساد زعمه، شكوا في عقولهم، دون عقل أرسطو؛ فقد حكوا أن أرسطو قال: إن الشيء الثقيل والخفيف إذا ألقيا من مكان عال نزلا في زمن واحد، والتجربة تدل على أن الشيء الثقيل ينزل قبل الشيء الخفيف، ومع ذلك صدق الناس ما قال أرسطو وكذبوا عقولهم! فإن قلنا: إن أرسطو شل عقول الناس قرونًا طويلة، لم نكن بعيدين عن الصواب! وقد بحث أرسطو في كل الأشياء: من نبات، وحيوان، وأرض، وسماء، وإلاهيات، ونفوس كلية، ونفوس بشرية، وأخلاق، واجتماع، وغير ذلك، ولكن المكانة الأولى كانت لما بعد الطبيعة؛ لأنها متصلة بالأديان، والأديان لها تأثير كبير في النفوس، فكان الفلاسفة يمرون مرَّ الكرام على النبات والحيوان والطبيعة، ثم يضعون أكبر اهتمامهم فيما بعد الطبيعة، فعل ذلك الكندي والفارابي، وابن سينا وابن رشد، والقديس توما النصراني وغيرهم، وبحث أرسطو فيما بعد الطبيعة هذه في أشياء كثيرة؛ من أهمها: هل المادة قديمة أو حادثة؟ وذهب إلى أنها قديمة، كما بحث في: كيف صدر العالم عن الله، وكيف تطور؟ كما بحث في النفس الإنسانية، وهل تخلد بعد الموت؟ وإن كانت تخلد فهل الذي يخلد هو النفس الكلية، أو النفوس الفردية؟ وذهب إلى أن الذي يخلد هو النفس الكلية، وإذا كان كذلك، فما معنى الثواب والعقاب؟ وأن كل إنسان يجازى بعمله، إلى أمثال ذلك من المباحث التي تعرض لها الدين أيضًا، فمن أهم أسس الدين خلق الله للعالم، وأنه هو وحده الأزلي الأبدي، وأن النفس الفردية تبعث بعد الموت، وتجازى على عملها، وقد ذهب في هذا فلاسفة المسلمين إلى ثلاثة أقسام: قسم كابن سينا وابن رشد وإخوان الصفاء حاولوا أن يوفقوا بين الفلسفة والدين، كما فعل ابن رشد في تأليفه كتاب «فصل المقال، فيما بين الشريعة والفلسفة من الاتصال» فقالوا: إن الدين صحيح، والفلسفة صحيحة، فيجب أن نوفق بينهما! وقسم كالغزالي ندد بالفلسفة وأنكرها، وقال: إن تعاليم الدين هي الصحيحة، وتعاليم الفلسفة خطأ في خطأ. وألف في ذلك كتابه «تهافت الفلاسفة»، وقسم قالوا: إن التوفيق بين الدين والفلسفة خطأ، وإن الدين صحيح، والفلسفة صحيحة، ولكن لكل منهما منطقة نفوذ، لا يصح أن يعتدي أحدهما على الآخر! فالعاقل يتبع الدين في مجال الدين، والفلسفة في مجال الفلسفة! فما أتى به الدين في البعث والنشر واليوم الآخر، وخلق العالم يؤخذ قضية مسلمة متى اعتنق الإنسان الدين، وما أتت به الفلسفة من طبيعيات وكيماويات ومنطق، ونحو ذلك يفهم ويبحث وينسق، ومن أمثلة هذا القسم أبو سليمان المنطقي؛ فقد عاب على إخوان الصفاء منهجهم، وقال: إنهم حاولوا التوفيق عبثًا. وأيًّا ما كان؛ فقد ظلت تعاليم أرسطو مقدسة، عند فلاسفة المسلمين، وانتقلت منهم في القرون الوسطى إلى علماء اللاهوت في أوربا، وعلى الأخص ابن رشد، ووفقوا بين الدين والفلسفة كما قال ابن رشد، ومن أثر هذه الفلسفة أنها تجعل صاحبها أميل إلى تصديقها أكثر من الدين، والاعتقاد بأن الدين للجماهير والخاصة، والفلسفة للخاصة، وأخيرًا وبعد قرون طويلة حدثت النهضة في أوربا، وجاءت فلاسفة لم يخضعوا لأرسطو، وإنما خضعوا للحقيقة، وكان على رأسهم الفيلسوف بيكون، قال: إن عقل الإنسان تتحكم فيه أوهام، ومن ضمن الأوهام تقديس أرسطو وأمثاله، وأرسطو حقًّا عقل كبير، ولكنه يخطئ أيضًا ويصيب.
قالوا: ونحن لا نريد أن نؤمن إلا بما تدل عليه المشاهدة والتجربة، ووضعوا مكان أرسطو المعامل التجريبية، يجربون فيها نظريات الطبيعة والكيمياء وحتى نظريات علم النفس، فما لم تدل على صحته هذه التجارب لا نصدق به؛ فقد كان أرسطو يسرف في استعمال القياس في المنطق، فمثلًا يرى أن الماء إذا غلى مرارًا يتبخر، وأن اللبن كالماء إذا غلى مرارًا يتبخر، فوضع نظرية تبخر الماء واللبن، ولكن بيكون قال: إن هذا لا يكفي في التجربة، بل لا بد من تجارب إيجابية، وتجارب سلبية، حتى تثبت النظرية، فمثلًا إذا سخن الماء مرارًا تبخر، فهذه تجربة إيجابية، ويجب أن يضاف إليها تجربة أخرى عكسية، وهي تبريد الماء فيتجمد، ثم رأوا أن البحث في الأشياء الإلهية التي بحث فيها أرسطو وأتباعه، كخلق العالم، والبعث والنشور، ونحو ذلك، أمور لا يمكن العلم إثباتها ولا نفيها، وإنما هي أمور يمكن تصديقها عن طريق الدين، فمتى اعتقد الإنسان بإله ونبي وأتى النبي بهذه التعاليم، أمكن التصديق بها تصديقًا مسلمًا به، ومن أجل ذلك سميت الكائنات الطبيعة عالم الشهادة، والموجودات الأخرى الغيبية عالم الغيب، والعلم في عالم الغيب يدور حول نفسه ولا يتقدم؛ لأن المشاهدة والتجربة لا تعملان فيه شيئًا، ولذلك قسم اسبنسر الموجودات إلى ثلاثة أقسام: معلوم كالطبيعيات، وغير معلوم كذات الله تعالى وصفاته، وما لا يمكن معرفته بوسائلنا الخاصة، كالموت والحياة واليوم الآخر وأمثال ذلك، ولما أيقنوا أن البحث فيما بعد الطبيعة غير ذي فائدة اتجهوا أكثر ما اتجهوا إلى الطبيعيات، وبنوا عليها نظرياتهم واكتشافاتهم، فتقدموا تقدمًا كبيرًا في بحث المادة وخصائصها، وبنوا عليها المخترعات الحديثة مما بهر الأنظار، وأصبحت الفلسفة تبنى على المشاهدة والتجربة، وأكملوا منطق أرسطو الصوري بمنطق المادة، كالبحث في الفروض والنظريات، والحقائق، ولم يكتفوا بأشكال القياس مثلًا، بقطع النظر عن المقدمات: هل هي صحيحة أو ليست صحيحة؟ وقالوا: إن عقل الإنسان عقل قاصر، لا يستطيع البحث إلا في العيش ووسائل العيش، أما ما عدا ذلك من البحث في أصل الحياة، والحياة بعد الموت، واليوم الآخر، فهذه أمور لم يمنح العقل البشري القدرة على إثباتها والبرهنة عليها، فهي تؤخذ عن طريق الدين، ويصدق بها على أنها قضايا مُسَلَّمَةٌ، وبعضهم تغالى، وأنكر ما ليس مادة تخضع للمشاهدة والتجربة، ولذلك قالوا: إن الدين يبتدئ حيث ينتهي العلم، ومعنى ذلك أن العلم لا يستطيع السير إلا في المادة بسيطها ومركبها، فإذا هو تجاوزها، فلا يستطيع السير، ويمكن الإنسان أن يكون عالمًا ومتدينًا في وقت معًا، فيذهب إلى المسجد ليصلي، ويخرج منه ليشتغل في المعمل، يرى ويجرب، وهذا شيء، وهذا شيء، وهذه منطقة نفوذ، وهذه منطقة نفوذ، وليس يسلم العلم دائمًا إلى الإلحاد، بل كثير من العلماء رأوا في المادة ما يعجزهم عن فهمها فهمًا حقيقيًّا، إلا إذا فهموا أن وراءها إلهًا مدبرًا، وقد كان ابن رشد يقول: إن اشتغاله بتشريح أعضاء الجسم الإنساني أكسبه إيمانًا فوق إيمانه، وغيره زاده إيمانًا اشتغاله برصد الكواكب وحركتها، وغيرهما زاده إيمانًا رؤية العالم وما فيه من نظام وتناسق، فحيث لا تكون للطفل أسنان يكون هناك لبن، وحيث توجد له أسنان توجد لحوم وبقول، وعلماء الذرة اليوم يقفون على أشياء في الكون تستوجب العجب، ومن وراء العجب الإيمان.
على كل حال نريد أن نقول: إن البحث في الفلسفة القديمة كان دائرًا حول نفسه، لم يقدم الناس شيئًا، ومنهج البحث في الفلسفة الحديثة من عدم تقديس ما قاله العلماء، وبناؤه على المشاهدة والتجربة، قدم العالم تقدمًا كبيرًا، وأسوق هذا لأنصح المسلمين أن يبنوا بحوثهم ويتجهوا في اتجاهاتهم إلى ما ينبني عليه في الحياة عمل، دون ما يقتصر على سفسطة أو جدل، وفي ذلك يعجبني الإمام مالك؛ فقد كان لا يفرض فروضًا، وإذا عرضت عليه مسألة سأل: أينبني عليها عمل أم لا؟ فإن كان ينبني عليها عمل أفتى، وإلا لا.

الإيمان ينبوع السعادة


يروى عن عمر بن الخطاب أنه دعا الله أن يرزقه إيمانًا كإيمان العجائز، ولم يقل كإيمان العلماء … لأن إيمان العجائز إيمان عميق، هادئ مطمئن، لا يرقى إليه الظن، ولا يحوم حوله الشك، دينهم شعور عميق بإل?ه بلغ النهاية في الكمال، والغاية في الطيبة، وعن هذا تصدر أعمالهم، وبلقائه تتعلق آمالهم، أما العلماء فقد اعتادوا الشك واعتمدوا على الحجج العقلية، فكان إيمانًا مقلقلًا، يحول بينهم وبين تمام اعتقادهم، صعوبة إدراكهم لحقيقته بعقولهم.
ثم إن خير الدين ما أتى عن طريق القلب، والعجائز إيمانهم عن طريق قلوبهم، والعلماء إيمانهم عن طريق عقولهم، والعقل عادة مصدر للشك والتردد، والقلق والحيرة، والقلب لا يعرف شكًّا ولا ترددًا.
وإيمان العجائز إيمان بسيط سهل، فهم يدركون أن الإيمان بالله معناه أن الله خالق كل شيء، ومدبر كل شيء، يعطف على من يحبه بالخير، وينتقم ممن لا يؤمن به، إن عاجلًا وإن آجلًا، وهذه العقيدة على بساطتها كافية في سير الشخص سيرًا حسنًا حميدًا، يفعل الخير ويجتنب الشر.
إن الإيمان بالدين مبني على أساسين: رغبة، ورهبة. فالإنسان يعمل الخير؛ رغبة في ثوابه، وأملًا في جنته، وهو يخاف عقوبته، ويخاف ناره، وبين الرغبة والرهبة تصلح الأعمال وتتم السعادة.
ما الحياة بلا إيمان بالله؟ … إن الإنسان خلق في هذه الحياة وسط تيار جارف، وجو عاصف، تنتابه الأحداث العظام، وتحل به الكوارث، فما لم يعتقد في إل?ه يتخذه ملجأ له، وركنًا يعتمد عليه، ومعزيًا له في المصائب، ومساعدًا له في المتاعب، ومأمنًا له ضد الأخطار، ومواسيًا له عند الحزن — كان كبناء لا يستند إلى أساس، وبيت ليس له دعامة، ومن أجل ذلك نرى أشقى الناس في الحياة أكثرهم إلحادًا: إنهم قد يملكون المال الكثير، ويحصلون على الرزق الوفير، ولكن لا يلبثون إذا حلت بهم مصيبة أن يأخذهم الجزع؛ لأن من طبيعة النفس الخوف من العدم، أما المؤمن فيحمد الله في السراء والضراء، ومهما فعل ومهما حل به، فهو يعتمد على ركن ركين، وملجأ حصين، إن فاته الخير في الدنيا أمل في الآخرة، وإن لم تسعفه ظروف اليوم، أمل في الله غدًا.
•••

وتجاربنا في الحياة تدلنا على أن الإيمان بالله مورد من أعذب موارد السعادة ومناهلها … فالدين يكسب النفس قوة وسلوى وعزاء، وذلك ظاهر في الدين القلبي، أما الدين العقلي فمبني على الجدل وحجج المنطق، وهما يفقدان الشخص حماسته: ومن أراد الهدى في أعماله، والتدين الحق في عقيدته، فليعتمد على ضميره أكثر مما يعتمد على عقله، وليس الدين بالمساجد والمعابد والأديرة، إنما الدين بحياة القلب، وكم في الدنيا من مدن غصت بالمعابد والمساجد والمظاهر الدينية، وهي أبعد ما تكون عن الدين، وفي التاريخ أناس شقوا بالدين من تعصب وقتال على المذاهب وحروب صليبية ومحاكم تفتيش؛ لأنهم انحرفوا عن الدين الصحيح، ولم يسمعوا لصوت ضميرهم … فضلُّوا في طريقهم، والدين الصحيح سهل سمح لا يضمر عداء، ولا خصومة، كما قال محيي الدين بن عربي:
لقد صار قلبي قابلًا كل صورةفمرعى لغزلان ودير لرهبانوبيت لأوثان وكعبة طائفوألواح توراة ومصحف قرآنأدين بدين الحب أنى توجهتركائبه، فالحب ديني وإيماني لقد منح الناس شعورًا بإل?ه يؤمنون به ويعتمدون عليه، فإذا تحول ذلك إلى بحث في من هو وأين هو، وما صفاته، حار الإنسان واضطرب، وتعجبني في ذلك حكاية قرأتها عن فيلسوف يوناني سئل مرة: «من هو الله؟ وأين هو الله؟» فطلب أن يُمْهَلَ يومًا أو يومين، يفكر في الإجابة … فلما لقيه السائل وطلب منه الجواب قال له: «لقد رأيت ظاهرة غريبة وهي أني كلما فكرت في الجواب ازددت حيرة»؛ ذلك لأنه سلك سبيل التفكير العقلي، وكان أسهل عليه أن يسمع لصوت قلبه.
وكان القرآن حكيمًا في مخاطبته للشعور في مثل قوله: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، ودعوته إلى النظر في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، واختلاف الألسنة والألوان، أكثر من اعتماده على مقدمات منطقية، وأقيسة جدلية؛ لأن آيات القرآن هذه تخاطب الشعور والقلب، والأقيسة المنطقية تخاطب العقل، وكلُّ إنسانٍ صالح لأن يوجهَ الحديثَ إلى قلبه، وليس كلُّ إنسانٍ صالحًا لأن يوجهَ الحديثَ إلى عقله.
نعم، إن العلم قد يخدم الدين، ولكن لا يبعثه … فتقدم الناس في العلم اليوم خفف آلام البشرية من اعتقاد في السحر والرقى ووجود أرواح شريرة تتسلط على البشر وتعذبهم حسبما تشاء، فكل هذه اعتقادات أزالها أو مزقها نور العلم، فخدم الدين بذلك خدمة جليلة، فإذا اجتمع في الناس قلب ينبض بحب الله، وعقل يزيل الخرافات والأوهام عنه، كان ذلك منتهى السعادة ومنتهى الرقي.
•••

لولا الدين ما كانت سعادة، ولا كانت للحياة قيمة … بل نحن نرى أن آباءنا كانوا أسعد منا بإيمانهم، وشباننا أشقى منهم بشكهم، أو على الأقل بعدم اكتراثهم، وإن شئت فقارن بين أسرتين: أسرة أسست حياتها على الدين والتزمت به، وأسرة أضاعت الدين ولم تلتفت إليه، وأجبني: أي الأسرتين أسعد؟ إني أعتقد أن أكبر سبب لشقاء الأسر وجود أبناء وبنات فيها لا يرعون الله في تصرفهم، وإنما يرعون هواهم وملذاتهم، فهم يركبون رءوسهم، ويروون رغباتهم، من غير وازع ديني يزعهم، أو نظرة في العواقب تردعهم، فإذا فشا الدين في أسرة، فشت فيها السعادة … وخاصة إذا كان دينًا راقيًا تجرد عن الخرافات والأوهام وتدعم بالعلم، وحكم أفرادها دينهم في سلوكهم.
إن أهم ركن في السعادة راحة البال … والدين أكبر دعامة لراحة البال؛ إذ يظهر أنه من طبيعة النفس الإنسانية أن تشعر بوجود إل?ه تعتمد عليه، فإذا لم يكن ذلك، قلقت واضطربت؛ لأنها خالفت طبيعتها، ولذلك نجد أكثر الملحدين يعيشون عيشة مضطربة، وإذا جد الجد وحضرهم الموت، كانوا كفرعون، لما أدركه الغرق، قال: «آمنت أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين.».
وهذه هي السعادة في الحقيقة … فليست السعادة في كثرة المال، ولا في عظم الجاه، إنما هي في أنفسنا وفي داخل قلوبنا، وشيء آخر، وهو أن من مزية الدين الإيمان باليوم الآخر، فهو بذلك يضم حياة أبدية إلى حياته القصيرة الدنيوية، وذلك من غير شك يدعوه إلى أن يفكر فيما يعمل؛ لاعتقاده في الجزاء العادل، إن لم ينله في الدنيا ناله في الآخرة، ويكفه عن عمل الشر؛ لأن وراءه إلهًا يجازيه على عمله مهما أسر، ومن طبيعة الإنسان حب الحياة، ولذلك يرتعد فرقًا إذا قيل له: إن حياته في الدنيا هي الحياة؛ لأن معنى ذلك أنها حياة قصيرة، تنتهي بعدم مفزع، وسعادته الحقة في أن يعتقد أن وراء هذه الحياة حياة أبدية، يتسلط عليها إل?ه عادل … من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره.
هذه هي الطبيعة الإنسانية التي خلقنا عليها، وأي تنحٍّ عنها يفسدها، وقد علمتنا الحياة أن الخروج على الطبيعة الإنسانية — ولو قيد شعرة — مدعاة للحيرة والاضطراب.
وبعد، فإن الدين يجعلني أنا والإله على متاعب الحياة، والإلحاد يجعلني أنا وحدي ضد الله، وضد متاعب الحياة، وشتان ما بين الوضعين.

الحرية الدينية والاجتماعية بين جمال الدين الأفغاني وقاسم أمين


أما حرية جمال الدين، فكانت حرية عقل، وحرية سياسية ولغوية.
كان يرى أن أولى الأمور بالتحرير، تحرير العقل من الخرافات والأوهام، بل كان يرى أننا ما لم نحرر العقل، فالمجالس النيابية عمل ضائع، ومجهود فاشل.
فقيمة المجالس النيابية برجالها، ويقول: «هبوا أن مجلسًا نيابيًّا أنشئ من قوم جامدين فستجدون أن حزب الشمال لا أثر له، وسيفر الأعضاء كلهم إلى حزب اليمين «المناصر للحكومة»، وسيكونون كلهم آلة صماء، وسيرى كل عضو أن مناقشة الحاكم الحساب قلة أدب وسوء تدبير وتهور لا محل له، لذلك يجب تحرير العقول والنفوس قبل إنشاء المجالس، ولذلك كانت أكثر دروسه وأحاديثه في المجالس دعوة إلى تحرير العقول.
وأما حريته الدينية فتظهر في أنه لم يفهم من الحرام ما فهمه الناس فقط، من ترك الصلاة، وأكل الربا ومال اليتيم، ولحم الخنزير، بل رأى الحرام أكبر من ذلك، وأن هناك أيضًا أشياء تحرم لأنها تضر الوطن، فعدم الجهاد لتحرير البلاد، والاستكانة للأجنبي المحتل، والشح بالمال عما ينفع الوطن، والرضا بحكم الحاكم الظالم، وعدم الثورة عليه، كل ذلك أيضًا حرام دينًا، كحرمة أكل الربا ومال اليتيم، ولذلك هب في الناس يدعوهم إلى الثورة على الظلم، وخطب فيهم يقول: «إنكم — معاشر المصريين — قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين، وتحتملون وطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتُنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون، بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم الذي يجمع من عرق جبينكم بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم صامتون، فهل أنتم صخرة ملقاة قي الفلاة، لا حس لكم ولا صوت؟!».
بل من أجل ذلك انتسب إلى حزب الماسونية؛ لأنه يدعو إلى الحرية والإخاء والمساواة، فلما دخل فيه رآه يحرم الكلام في السياسة، فقال لهم: «أول ما شوقني للعمل معكم عنوان كبير خطير، حرية وإخاء ومساواة، وإعلان أن غرض الماسونية منفعة الإنسان وسعي لدك صروح الظلم وتشييد معالم العقل، ولكن راعني أنها تقول: إنها لا تتدخل في السياسة، وإذا كانت — وبين أعضائها كل بناء حر — لا تستعمل آلاتها في هدم القديم وبناء الجديد على أساس من الحرية الصحيحة، فلا كانت الماسونية، ولا حملت يد الأحرار مطرقة، ولا قاموا ببناء».
ومن اجل ذلك استقال من هذه الجمعية، وأسس جمعية ماسونية جديدة على مبادئه، ومن أجمل ما صنع أن خصص جماعة لكل مرفق من مرافق الحياة العامة، فقوم يشرفون على الحقانية، وقوم على المالية، وقوم على الأشغال العمومية، وقوم على الجهادية، إلخ.
وكان كل قوم مخصصين لمرفق من المرافق عليهم أن يدرسوه، ويعرفوا نقائصه، ويطالبوا بإصلاحه حسبما يتبين لهم من دراستهم.
ورأى أنه لا بد أن يدعم كل ذلك برأي عام متنور، وأنه إذا تم ذلك من تكون دارسين للمسائل، ورأي عام يسندهم أمكن المجلس النيابي حينئذ أن يتكون، وأن يكون له صوت مسموع، وكان محتويًا على أعضاء اليمين وأعضاء اليسار، وأمكن أن يفهم أن له حقًّا في الرأي وحقًّا في الحكم وحقًّا في التنفيذ، ومن غير ذلك، يكون مجلس النواب لا قيمة له … ضعيف اليقظة، قليل الشجاعة.
•••

وكان يرى — رحمه الله — أن الدين لا قيمة له إلا إذا علم أتباعه ثلاث خصال: «الحياء، والأمانة، والصدق» وأن هذه الأسس هي علة العمران، وعليها تتوقف سعادة الإنسان.
وكان يرى أن واجبه أن يشيع بين المصريين الأمل في النجاح، وأن يزيل ما حل بهم من اليأس، وأن يكونوا على استعداد دائم لصد من هاجمهم، وطرد من احتلهم أو استعمرهم، فلا حياة مع الذل، ولا سعادة مع اليأس.
وكان يرى أن موقف المسلمين من حيث اللغة يجب أن يكون حرًّا أيضًا، فكان يرى أنه إذا جاز للبدوي العربي أن يخلق كلمات، وأن يحور كلمات، فلماذا لا يجوز له هو ذلك، وهو متعلم أكثر من البدو، ومتحضر لا كالبدو …؟! ولذلك قال: «ما المانع من أن أقول: بقروت، كما قال العربي: جبروت»، ومن كلماته البديعة قوله: «اللغة العربية وسعها البدو في البراري والقفار، وضيقها الحضر في المدن والأمصار» وقال له رجل — وجمال الدين ينطق بكلمة لم ترد على لسان العرب: «إن هذه الكلمة لم تسمع» فهز كتفه؛ استهزاءً به.
•••

وأما قاسم أمين فكانت حريته من نوع آخر: حرية اجتماعية، لا سياسية ولا دينية، وذلك بفضل نوع تعليمه؛ فقد تعلم في مصر تعليمًا عصريًّا، وتعلم في أوربا تعليمًا مدنيًّا، والذي يعيش في أوربا — ولو زمنًا قصيرًا — يدرك ما للمرأة فيها من أهمية، ويكاد أن لا فرق بين الشرق والغرب إلا المرأة، فالمرأة هي التي تربي أبناءها وبناتها وهي بهجة حياتهم، وعماد شؤونهم كلها.
وليس هناك ما يمنع المرأة المصرية من أن تكون كالمرأة الأوربية، فهي جميلة ذكية مرحة خفيفة الروح، ليس يصدها عن تبوُّء مكانتها إلا الجهل والحجاب، وكلاهما يمكن التغلب عليه، فلأدعُ إلى السفور، ولأدع إلى تعلم المرأة، فإذا نجحت في الدعوة خطوت بمصر وبالعالم العربي خطوة كبيرة، ليست قاصرة على النساء، بل هي للرجال أيضًا، فالرجل ابن المرأة، فدعا دعوته المشهورة في كتابه «المرأة الجديدة»، وكم لاقى من عناء، وكم سُبَّ وكم أُهينَ، وكم رد عليه الجامدون ردودًا شديدة، ولكنه تحمل كل ذلك في ثبات، حتى نجحت دعوته، وبدأ نجاحها في حياته، واستمر نجاحها بعد مماته، وسيتطور السفور من حسن إلى أحسن.
جزى الله جمال الدين الأفغاني وقاسم أمين عن النداء بالحرية بأنواعها أحسن الجزاء.

عيسى وعيسى


اشتدت الحروب بين الصليبيين والمسلمين: كل يريد الاستيلاء على بيت المقدس وما حوله، وكل يدفعه الدين إلى ذلك … والحروب إذا انبعثت عن الدين كانت قوية قاسية، لذلك أتى فيها الفريقان بالأعاجيب، وهذه الحروب عادة تلد الأبطال، ولذلك رأينا هذه الحروب تخرج أبطالًا من الفريقين عرف بعضهم وغمر بعضهم، ها هو مثلًا ملك الألمان يخرج من بلاده إلى بيت المقدس ومعه مائتا ألف مقاتل ومقاتلة، وكعادة الألمان جهز هذا الجيش بآلات الحرب التي لم يكن يعرفها المسلمون … هذه دبابات قوية لدك الأسوار والحصون، لم تكن تسير بالبخار أو الكهرباء؛ إذ لم يكن ذلك معروفًا، ولكن تسير بالجنود في خارجها وداخلها، وهذه الأبراج العالية الضخمة المصفحة بالحديد تنصب عليها المجانيق لدك الحصون، وما إلى ذلك مما لم يكن للمسلمين به عهد.
فما أن يرى المسلمون هذه الآلات العتيدة حتى يفكروا في إتلافها، فيعد صلاح الدين بأن يكافئ من يقدر على إحراقها مكافأة حسنة … فيتقدم شاب شامي من أهل دمشق، فيدعي أنه اكتشف بعض العقاقير القادرة على إتلافها، فيصرف عن ذلك بحجة أن الإخصائيين لم يستطيعوا ذلك، وهو ليس منهم، ولكنه يصر ويصر، فيسمع لقوله، فيحضر القدور بالعقاقير ويرمي قدرًا على البرج الأول فإذا هو عمود من نار أتى عليه وعلى من فيه، ثم يرمي بالقدر الثاني فيكون له هذا الأثر في البرج الثاني، والثالث في الثالث وهكذا … فكان اختراع البرج عظيمًا، واختراع ما يتلفه عظيمًا.
كان من أثر هذه الحرب ظهور أبطال عظماء كهذا، منهم العيسيان: فأما عيسى الأول فهو الفقيه عيسى الهكاري أكبر أمراء صلاح الدين، وكان من أكبر من عمل في إجلاسه على عرشه، ولذلك كانت له دالة كبيرة عليه، يأمره وينهاه، ويقضي حوائج الناس عنده فلا يرد له طلبًا، وكان لكبر عقله بمنزلة المستشار المؤتمن لصلاح الدين، يستشيره في السلم والحرب والسراء والضراء، وقد جمع بين الفقه والكفاح في الحرب.
قتل أخوه في الحرب، فذهب الناس يعزونه، فنهرهم ولم يقبل عزاءهم … وأبى إلا أن يهنئوه لموتته هذه الموتة السعيدة، ثم قتل هو أيضًا في حصار عكا، بعد أن أبلى بلاءً حسنًا، وله آراء في الفقه قيمة، وآراء في السياسة قيمة، ويترجم له في طبقات الفقهاء وطبقات المجاهدين، فهو قرين أسامة بن منقذ، ومعاصره: عيسى فقيه فارس، وأسامة أديب فارس.
•••

أما عيسى الآخر فكان عوامًا، واشتهر من أجل ذلك بـ «عيسى العوام»، لقد حوصرت عكا من الصليبيين حصارًا شديدًا حتى أكل أهلها الدواب، وتدفأوا بحرق الموتى، وعز الماء وعز اللباس، وصعب عليهم أن يستنجدوا بالمسلمين، وكل يوم تزيد أساطيل العدو وتحكم الحصار.
انتدب عيسى العوام نفسه لإخراج أهل عكا من هذا المأزق، فرسم لنفسه خطة ماهرة، فأولًا: ألف عمارة بحرية هو وأمثاله من العوامين، وأمر البحارين أن يحلقوا لحاهم ويتشبهوا بالإفرنج في ملابسهم ونوع ألويتهم، حتى إن الفرنج لما شاهدوها لم يشكوا في أن هذه العمارة صليبية، ثم استطاع أن ينفذ بأسطوله من بين العمارات الصليبية، حتى أوصل ما فيه من مؤمن وذخائر إلى أهل عكا، فأنقذهم من بأس شديد كانوا فيه، ثم استدار هو وأصحابه على المراكب الإفرنجية يحرقونها بالنفط، فنجحوا نجاحًا باهرًا.
وثانيًا: كان غواصًا ماهرًا، فهو يتخذ حزامًا من الجلد لا ينفذ منه الماء ويحفظ فيه الكتب من صلاح الدين بالخطط الحربية التي يجب أن يسلكها العكاويون، والرسائل الهامة، والدنانير الكثيرة من الذهب، ويغوص بها تحت أساطيل العدو حتى يصل إلى ساحل عكا فيخرج، وكان إذا خرج أطلق حمامة زاجلة، إذا رآها الناس علموا أنه قد حضر، فيخرجون إليه لتلقي رسائلهم وذهبهم، وظل على ذلك مدة طويلة يؤدي أجل خدمة.
وأخيرًا ترقب الناس عيسى فلم يحضر، ونظروا إلى السماء ليروا الحمامة فلم يروها، فلعبت بأنفسهم الظنون: هل قبض عليه وهو عائم؟ أو طمع فيما معه من المال فهرب؟ أو أدركه الأعداء فقتلوه؟ وكانوا كل يوم يخرجون إلى الساحل ينتظرونه على غير جدوى، وفي اليوم السابع من غيابه خرجوا إلى البحر ينتظرونه كعادتهم، فرأوا جثته يقذف بها البحر وعلى وسطه الرسائل والدنانير.
لقد كان أمينًا في حياته … أمينًا في مماته!
والشهرة كالرزق لا حد لهما ولا قانون، توزع على الناس الشهرة كما توزع الأرزاق:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبهوجاهل جاهل تلقاه مرزوقاهذا الذي ترك الأوهام حائرةوصيَّر العالم النِّحرير زنديقا فكم غير عيسى وعيسى منح شهرة واسعة ورزقًا واسعًا، وعيسى وعيسى والفتى الدمشقي الذي أحرق الأبراج بمادته المخترعة مغمورون محرومون، وهكذا الدنيا: أذن ولا حلق، وحلق ولا أذن، ولله في خلقه شؤون.

جزيرة بلا سياسيين


كان الشيخ محمد عبده يقول: «لعن الله السياسة وساسَ ويسوس وسائس ومسوس، وكل ما اشتق من السياسة، فإنها ما دخلت شيئًا إلا أفسدته».
كل شيء في العالم يتغير حتى الأهرام، عريت بعد أن كانت مكسوة، وحتى «أبو الهول» كسرت الأيام أنفه وعلته الرمال، إلا السياسة الاستعمارية فإنها لم تتغير بوجه من الوجوه، وعقلية الساسة في القرن الثامن عشر هي عقليتهم في القرن العشرين، يظنون أن التهديد والوعيد يرهب الأمم ويقضي عليها وينفذ رغبة المستعمرين … وبعد ضرب الإسكندرية بسبعين عامًا ظلوا يفهمون أن ضرب الإسماعيلية أيضًا ينتج نفس النتيجة مع اختلاف المقدمات اختلافًا كبيرًا؛ فقد كان الرعب يستولي على النفوس، ولم يكن وعي قومي يفهم ألاعيب السياسة ولا شيء من ذلك، ولكن عقلية الإنجليز فهمت أن ما جرب أمس ونجح يجرب اليوم وينجح، أما الفوارق الكبيرة وخصوصًا الفوارق النفسية فقد أغمضوا أعينهم عنها.
كم أود أن أعيش في جزيرة مطمئنة هادئة ليس فيها ساسة، ولكن مع الأسف لا يمكن أن يعيش الإنسان من غير حكومة ومن غير ساسة يسوسون الناس، فكل مجتمع لا بد فيه من مجرمين وأشرار وطامعين ونهابين، فما لم تأخذ الحكومة على يدهم عاثوا في الأرض فسادًا، فلا يمكن لجزيرة أن تعيش من غير حكومة، وكل كتاب اليوتوبيا أو بعبارة أخرى المدن الفاضلة، وأفلاطون نفسه في جمهوريته، لم يُخْلُوا بلادهم التي عدوها مثلًا أعلى من ساسة ومن حكومة.
غاية الأمر أنهم أملوا أن تكون الحكومة فيها حكومة عادلة، حكومة ترعى الأمة ولا تستبد بها، وتأخذ بيدها ولا تمحقها، حكومة متسعة العقل مرنة تتطور مع الأحداث وتعلم أن ما صلح أمس لا يصلح اليوم لا كساسة الإنجليز والفرنسيين لا يتحولون عما في أذهانهم مهما تغيرت الظروف.
ومن أجل ذلك تمنى أفلاطون وأرسطو أن يحكم الأمم فلاسفتها، فهم أطيب نفسًا وأبعد نظرًا، ووجدت الآن حركة ترمي إلى طلب حكومة الفلاسفة، ولكن مع الأسف قد جربت حكومة الفلاسفة فلم تنجح كثيرًا؛ لأن الفيلسوف في العادة واسع النظر، شكاك بحكم فلسفته، وقد دلتنا الخبرة على أن بعيد النظر ضعيف الإرادة، وأن الشكاك عديم الحزم، فلو حكمت الأمم بالفلاسفة دلهم بعد نظرهم على الرحمة بالمجرمين، واعتقدوا أن إجرامهم نتيجة لبيئتهم، وقادهم شكهم إلى التردد في الحكم وعدم التصميم على العقوبة، فكانت الفوضى التي لا نرى مثلها في الساسة غير الفلاسفة، إنما نريد حكامًا لم تخربهم الفلسفة ولا أقعدتهم الصلابة، تنزهوا عن سعة عقل الفلاسفة فقومت إرادتهم، وبعدوا عن الشك فصحت عزيمتهم، وتنزهوا عن ضيق عقل ساسة اليوم فرأوا نتائج الغد على غير ما يرى ساسة اليوم، ولم يشكوا فعظم تصميمهم وكافأوا المجرم على إجرامه والمحسن على إحسانه، نريد ساسة يعلمون أن لكل زمان حكمًا ولكل تطور علاجًا، وقد قرأت أخيرًا كتابًا يدعو إلى علاج الأمور التي تحدث علاجًا مؤسسًا على العلم والدرس لا على البديهة ولا على التقاليد القديمة.
ويحكي هذا الكتاب أن إضرابًا حصل في أمريكا بين صانعي الأحذية مع أن كل المظاهر تدل على أن لا وجه للإضراب، فأجور العمال معتدلة وساعات العمل قليلة، والعمال في رخاء، وعندهم من أوقات الفراغ ما يكفي لمتعتهم ورفاهيتهم، فانتدب جماعة من العلماء القائلين بهذه النظرية للبحث في السبب العميق لهذا الإضراب فانتهوا إلى أن يبحثوا صناعة الأحذية من أساسها؛ ليعرفوا ما الذي سَبَّبَ الإضرابَ، فرأوا أن صانع الأحذية في القديم كان يمر على الناس في بيوتهم فيضيفونه أيامًا ليست بالقليلة ويكرمونه إكرامًا زائدًا، ثم يطلبون منه ما يشاءون من الأحذية فكان فخورًا بذلك، ثم تطور الأمر ففتح صاحب هذه الصناعة دكانًا، وكان يصنع أحذية الناس بيده وبعماله، ثم كان يفخر أيضًا بالحذاء الذي يصنعه، وبعد مرور أدوار طويلة حكاها المؤلف اخترعت الآلات التي تصنع الأحذية، فلم يبق للعامل شيء من فخره فساءت نفسيته وتألم من انحطاطه، فكان هذا هو السبب الحقيقي للإضراب.
•••

نتمنى أن يتعلم الساسة من هذا الدرس، فإذا نفرت أمة من الاستعمار فلا يمكن أن يفرض عليها بالإكراه، وهذا ما يقوله البحث العلمي، فالطفل إذا شب لم تعد تصلح له ثياب الطفولة، والأمة إذا وعت لم تعد تطيق الأساليب العتيقة التي كانت تتحملها من قبل، وخير للأمة المستعمرة أن تجري مع التيار من أن تقف ضده وأن تمرن طائعة من أن تتحول كارهة.
تريد فرنسا أن تستعين على استعمارها بلاد المغرب بالإنجليز المستعمرين لمصر؛ لأن الاستعمار في الأمم كلها نظام واحد، كالعقد إذا انفرطت منه حبة تداعت سائر الحبوب، ومهما كان هذا التعاون فلن يفيد شيئًا في الموقف الحاضر مهما سلحت الأمم المستعمرة بالطيارات والدبابات والمدافع الثقيلة والخفيفة؛ لأن هذه الآلات كلها إن أخمدت الأجسام فلن تخمد النفوس.
يقلد الإنجليز مثلًا في الاستعمار أمة الرومان في استعمارها القديم، ولكن يواجه ذلك أيضًا أن الأمم المغلوبة على أمرها تسلك نفس السبيل الذي سلكته الأمم التي نالت استقلالها، فهي تضحي كما ضحت، وتبذل الأموال كما بذلت، وتستهين بكل ما تبذل في سبيل حريتها.
لا … لا أريد جزيرة بلا ساسة، بل لا أريد جزيرة حكامها عقلاء مدربون، فإن هذه عيشة رخيصة لا يرضاها إلا الخاملون، إنما أريد أمة يحكمها الساسة المستبدون فأحاربهم ويحاربونني وأقاتلهم ويقاتلونني، وأنتصر عليهم وينتصرون عليَّ، وأبذل ما في وسعي من التضحية فإن مت مت موتة كريمة، وإن ظفرت عشت عيشة كريمة.

الشيطان رجل الساعة


بني العالم على أساس أن الخير فيه ممزوج بالشر مزجًا تامًّا، فلا تكاد تجد خيرًا محضًا ولا شرًّا محضًا … فالنار التي تنضج تحرق، والماء الذي يروي يغرق، والسكين التي تقطع تذبح، وهكذا، وكل شيء في العالم فيه خير وشر، حتى الجمادات … فالزهر الناضر والربيع المنعش والشمس المدفئة والنجوم الزاهرة كلها خير، ولكن بجانبها الصواعق والزلازل والبراكين ونحو ذلك، فإذا انتقلنا إلى النبات، وجدنا الدواء النافع والسم الناقع، وفي الحيوانات الحمل الوديع والأسد الضاري، فإذا وصلنا إلى الإنسان كان ذلك أوضح، فالشرير والمجرم والشهواني بجانبه الراهب والولي والقديس، ولكن الرجل الصالح في العالم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، حتى لا يستطيع الرجل الطيب مهما بلغت طيبته أن يعيش هادئًا مطمئنًّا، ألا ترى إلى غاندي كيف زهد في أعراض الدنيا، وقنع من الحياة بكوب من الماء وكوب من اللبن، وعمل لمصلحة بلاده حتى أوصلها إلى الاستقلال وعمل عملًا صالحًا في الدعوة إلى العطف على المنبوذين والمسلمين … ماذا كان جزاؤه؟ كان جزاؤه القتل من يد شيطان رجيم، ولم ينفعه في الحياة كل ما قدم من خير.
ولما سمع برنارد شو بقتله قال: «إني كنت أقول دائمًا: إن الرجل الطيب عرضة للشر في هذا العالم، وهذا دليل جديد».
وانظر من جهة أخرى كيف أن الإنسان لم تكفه آلات الشر التي اخترعها في الحروب لسفك الدماء وتخريب المدن من غواصات ودبابات، حتى اخترع أخيرًا القنبلة الذرية التي لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم، ولا يدري إلا الله ماذا سيكون من اختراعات لم تخطر بعد على بال، وبجانب ذلك كله رأسمالية تمتص الفقراء، وأقوال معسولة لا شيء وراءها إلا الشر، وسياسة تحتوي أنواعًا عديدة من الفساد، حتى العلم حوله الإنسان من خير إلى شر، فسخرته الحكومات لاختراع آلات الهلاك، وسخر الساسة التاريخ لخدمة الأغراض حتى قلبوا الحقائق وجعلوها محشوة بالأباطيل … فإلى أي جهة ننظر نرى الشيطان باسطًا جناحيه، يغزو الخير دائمًا وينتصر عليه دائمًا، والناس عادة يقولون: لا بد من أن الحق ينتصر، ولكن أين ذلك، ونحن نرى دائمًا الحق للقوة، وقلما نرى خيرًا في القوة؟ إن كان ذلك حقًّا فصبر طويل جميل حتى يخمد صوت الشيطان وتضعف سلطته، وهيهات أن يكون ذلك.
•••

إن في استطاعة الإنسان أن يحول كل خير إلى شر، فهو يحول السكين إلى قتل، والقلم إلى سب وهجو، والنار إلى تدمير، والدين إلى تدجيل، وأي شيء في الوجود لم يفسده الإنسان؟ وآية ذلك أنك لا تستطيع إن سألتك أن تدلني في العالم على خير محض، بل كان من شرور العالم أنه في كثير من الأحوال لا ينال الإنسان الخير إلا بالشر، كالذي قال معاوية: «إنا لا نستطيع الوصول إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل».
ألا ترانا في هذه الأيام لا نستطيع الحصول على حريتنا إلا بضحايا كثيرة: من سفك دماء وتخريب وضياع أنفس وأموال، واستمرار في ذلك عهدًا طويلًا وأمدًا بعيدًا؟ وحتى الظالم الذي يظلم، والمستبد الذي لا يرحم، والمستعمر الظالم لا يتأتى له الوصول إلى غرضه إلا بقتل وتخريب وتعذيب، فهو أيضًا عرضة للقتل كالذي يدافع عن حريته، ونتيجة ذلك أن المطالب بحريته — وهي خير — لا بد له من شر، والكابت للحرية — والكبت شر — لا بد أن يكبتها بالشر، فالشر لا بد منه في الحالين.
والإنسان دائمًا تتعارك في نفسه دواعي الخير ودواعي الشر سواء كان خيِّرًا أو شريرًا … غاية المر أن الرجل الخيِّر من أجاب دواعي الخير أكثر مما يجيب دواعي الشر، والرجل الشرير من أجاب دواعي الشر أكثر مما يجيب دواعي الخير، فليس الإنسان ملَكا كريمًا ولا شيطانًا رجيمًا، بل أحيانًا يتصف بصفات الملائكة وأحيانًا يتصف بصفات الشياطين، ودواعي الشر هذه هي نوع مما اصطلح الناس على تسميتها بالشياطين، وهي أكثر أنواع الشياطين تلعب على الإنسان في كل حين وتضل العابد وتذل الراهب.
وعمل الأنبياء والمصلين دائمًا أن يقوّوا في الإنسان دوافع الخير ويضعفوا فيه دوافع الشر.
•••

وكما في الجن شياطين ففي الإنس شياطين، وعلى رأس هؤلاء الشياطين رجال السياسة في الأمم المستعمرة … فقد لبستهم شياطين الجن، فكانوا إنسًا في الظاهر شياطين في الباطن، وبذلك كانوا أسوأ من شياطين الجن، لا بأس عندهم أن يسخروا أفراد أمتهم للعسف والقتل ويزهقوا أرواحهم في التنكيل بالأمم الأخرى، وهم متربعون على كراسيهم غارقون في ترفهم ومتعهم … فحفنة قليلة من قادة الساسة تلعب بملايين البشر وتضحك على عقولهم بالنياشين والرتب والألقاب، وأحيانًا بما يسمونه الوطنية، وقد قدروا بذلك على التنكيل بالناس أكثر مما قدر شياطين الجن، والناس بعدُ لم يفهموا أن قادتهم السياسيين يضلونهم ويسممونهم بالأفكار، ولو عقلوا لالتفتوا إليهم قبل أن يتجهوا إلى الأمم المستعمرة، فينكلوا بهم ويطيحوا برؤوسهم ويستريحوا منهم، ونحن على الآن سننتظر أن يحل محلهم ساسة تتقمصهم الملائكة فيدعون إلى الإنسانية لا إلى الوطنية، ويستخدمون الذرة في العمران لا في التخريب، ولكن مع الأسف قد يطول انتظارنا طويلًا وطويلًا جدًّا.
•••

وليس عصرنا هذا ببدع، فالعالم دائمًا تتنازعه هاتان القوتان وتغلب فيه قوة الشر، وقد كتب بديع الزمان الهمذاني رسالة لطيفة أبان فيها أن الناس من عهد آدم كانوا أشرارًا حتى نسبوا إليه أنه قال:
تغيرت البلاد ومن عليهافوجه الأرض مغبر قبيح وبعد ذلك قال الشاعر:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب ويوم فتح مكة، قالت امرأة لأخرى: «اسكتي يا فلانة؛ فقد ذهبت الأمانة»، ولا زال يتتبع حوادث الشر في العالم جيلًا بعد جيل بأسلوب جميل، ولو عاش في عصرنا لتمثل بشرور الحرب العالمية الأولى والثانية، ولتمثل بقتل الناس لرجل كبير داع إلى الخير واقف في وجه الشر محرر للبلاد من الأعداء … ولعجب أن يقتل مثل هذا وينعم داعي الشر محب الفساد ناشر الضلالة في العباد، ثم ختم رسالته البديعة بقوله: «والله ما فسد الناس، ولكن اطرد القياس».
•••

كم أتمنى أن يبعث إلى الأرض سليمان من جديد فيحبس الشياطين في القماقم، ويسخرهم في الأعمال الشاقة، ويطلق الملائكة من عقالها فتسرح في الأرض وتمرح، وتميت دوافع الشر وتحيي دوافع الخير، وتهدم الاستعمار من أساسه، وتقضي على الرأسمالية ومفاسدها وتدعو دعوات جديدة ليست بهذه ولا بتلك.
إن الناس المتفائلين قد أملوا ذلك ورجوا أن يأتي يوم يغلب فيه الخيرُ الشرَّ، ولكن هل يتحقق أملهم، ويسود ظنهم إن قريبًا وإن بعيدًا، أو سيكون الأمر كما قال بديع الزمان، فيستمر فساد الناس ويطرد القياس؟! علم ذلك عند الله …!

الجاحظ البطل


اعتاد الكتاب أن يعدو نابغة السياسة بطلًا، والقائد الحربي العظيم بطلًا — كما فعل «كارليل» في كتابه «الأبطال» — ولم يعدوا النابغة في الثقافة والتفكير بطلًا، فها نحن نكمل نقصهم فنعد ناشر الثقافة العظيم بطلًا، وقد كان الجاحظ — في رأينا — بطلا حقًّا لا يقل شأنًا عن القواد، فلئن كان خالد بن الوليد فاتح ممالك وغازي أمم … فقد كان الجاحظ غازي جهل وفاتح عقول.
لقد استطاع الجاحظ بقوة عقله أن ينقل الأدب العربي نقلة كبيرة من ناحيتين: الأولى: أنه جعل للأدب موضوعًا محدودًا؛ فقد كان الأدب قبله عبارة عن جمل مرصوصة وضع بعضها بجانب بعض، كالذي نراه في كتاب أبي بكر إلى المهاجرين، وكتاب عمر بن الخطاب في القضاء إلى شريح، وحتى كتابة ابن المقفع كانت عبارة عن جمل رصينة لم يربط أكثرها بفاء أو واو، فأخذ الجاحظ يجعل كتابته ذات موضوع غير الجمل الحكيمة، وأخذ يربط جمله بحروف العطف المختلفة، ويسترسل في الكلام استرسالًا عجيبًا، ويولد المعاني ويستقصيها حتى يأتي على آخر معنى فيها.
والثانية: أنه استطاع أن يجعل من كل شيء موضوعًا لأدبه … فالحشائش، والأشجار، والحيوانات، والمعلمون، واللصوص، والجواري، والنجار يستدعيه في البيت، والديك يصيح، والطفل يناغي النور … كل هذه وأمثالها كتب فيها وجعلها موضوع أدبه، فزاد العقل ثقافة من ثقافته، ووسعه، وفتح بابًا أمام الأدباء يقلدونه فيه، ولذلك قالوا: إن كتبه تغذي العقل أولًا.
واستطاع ذلك لأنه بدأ فثقف نفسه ثقافة واسعة إلى آخر حد … وما سمعنا قبله أحدًا يستأجر دكاكين الكتب ويسهر عليها حتى يلتهمها، في اللغة، والشعر، والنثر، والفلسفة، والدين، وكل شيء إلا الرياضيات.
وكان الأديب قبل زمنه — كالمفضل الضبي — يقتصر على الشعر يرويه، أو كالأصمعي، يقتصر على اللغة يحفظها ويرويها، وعلى القصص اللطيفة يمتع بها سمَّاره.
أما هو … فقد اخذ من كل شيء بطرف، فكان دائرة معارف في رجل، تشمل دائرة معارفه الرجال، والأدب والبلاغة، وعلوم الدين، والتاريخ، والطبيعة، والكيمياء، والفلسفة، والدين، والاجتماع، والحيوان، والنبات، والفن، والفكاهة، حصل ذلك كله أولًا لنفسه، ونشره ثانيًا في الأقطار المختلفة، وظل ينشره قرابة قرن كامل، ولا تنقص معلوماته أن تكون «دائرة معارف» إلا ترتيبها على حروف الأبجدية.
•••

ولم يكتفِ بالكتب، بل كان يذهب إلى «المربد» بجانبه يأخذ اللغة والأدب بالمشافهة عن أهله، ويذهب سَحَرًا إلى علماء الحديث يأخذ عنهم، وفاق غيره في شيء عزيز، وهو تثقفه عن طريق الشك والتجربة، فكان له منهما ما فخر بهما «بيكون» وأمثاله، فكان إذا رأى شيئًا في النبات أو الحيوان أو غيرهما حكاه أرسطو أو غيره في كتبهم، لم يصدقهم تقليدًا ولكنه جرب، وبعد التجربة صدقهم أو كذبهم، فإذا قالوا: إن الثعبان يفر من رائحة السداب، أتى بالثعبان والسداب، وجرب … هل يألف الثعبان أو يفر منه؟ فلما رآه لا يفر كذّب قائل هذا القول.
والحق أن كل شيء وقع تحت حسه أو تحت تفكيره كان موضع تجربته، وقد رزق دقة ملاحظة في طبائع الأشياء وفي نفوس الناس وفي طبيعة المجتمعات، فاستخرج من ذلك أدبًا، على حين أننا نجد علماء عصره — كابن قتيبة — لم يُمْنَحُوا هذه الملكة فلم يجربوا تجربته ولم يستفيدوا استفادته، يسمع الديك يصيح فلا يلبث عقله أن يصيح كذلك ويتساءل: هل يصيح الديك بالتجارب أو بطبيعته؟ … وبناء على ذلك، هل إذا وجد منفردًا يصيح؟ ويبحث، هل هناك علاقة بين كثرة الدجاج وكثرة أفراخها، فإذا قَلَّتْ قَلَّتْ؟
ويتساءل عن النبات الذي نسميه نحن بالمنثور … لماذا ينضم ورقه بالليل وينتشر بالنهار؟ ويضع في برنية كبيرة من زجاج عشرين عقربًا وعشرين فأرًا، ويراقب نتيجة لسع العقارب للفيران.
ويعلل مناغاة الطفل للنور بأنه يهيج همته ويترك في نفسه أثرًا كريمًا، ويفتق لهاته ويشد لسانه، ويعجب من أن بعض الناس إذا رأى حيوانًا قبيحًا — كالكلب أو الذئب — يشرب الماء لا يشربه هو، وإن كان عطشان؛ لقبح مشربه، وأما إذا رأى حمامًا يشرب دعاه إلى الشرب ولو كان ريَّان؛ لجمال منظره.
وليست معرفته بالحياة الاجتماعية بأقل من معرفته بالحياة النفسية والعقلية … فقد وصف وصفًا بديعًا نوادي القمار وعمل الخاطبات في البيوت، وحياة الفتيان، وطمع التجار، وطائفة المعلمين، وجوقة المغنين وما إلى ذلك.
وساعده على ذلك اتصاله بالناس على اختلاف طبقاتهم … من الخليفة إلى الباعة المتجولين؛ فقد استكتبه الخليفة في ديوان الرسائل فخالط الكتَّاب، وكان نديم ابن الزيات الوزير المشهور فعرف مجتمعات الوزراء، ويشهد العداء الحار بين ابن الزيات وابن أبي دؤاد، فيعرف عداوة الأرستقراطيين، وينادم الفتح بن خاقان الوزير العظيم، وينادي في بيته النجارين والحواة ويسامرهم ويعرف أخبارهم، وكان هو نفسه يبيع الخبز والسمك في طبلية على رأسه، فكان له من ذلك كله معرفة بالطبقات على اختلاف أنواعها …
ويزيد إلى ذلك خبرة برحلاته … فيرحل من بغداد إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ويدرس بعقله الفاحص كل بلد رحل إليه حتى ليعرف الفرق بين براغيث حمص وبراغيث العراق! ويتساءل: لماذا لم يجد في حمص عقارب؟ ويقولون: إن بحمص طلسمًا يمنع العقارب. فلا يرضيه هذا التعليل، وإنما عنده أن العلة الصحية أن جو حمص لا تناسبه العقارب، أو أن بها حيوانات تأكلها فهي تهرب منها … هذا هو المعقول.
•••

ومن أجل ثقافته الواسعة وعقله الواسع كان يقارن في الموضوع الواحد بين البدوي الجاهلي في شعره وبين أرسطو الفيلسوف العظيم، ولا يقر بعظمة لأحد تشل عقله؛ فقد يفضل قول البدوي الجاهلي على أرسطو الفيلسوف اليوناني، ولئن كان بعض الناس يختزن ما شاء الله أن يختزن، ثم لا ينتفع بما اختزن، فالجاحظ عرف كيف يختزن وعرف كيف يعرض ما اختزن كالتاجر الأفرنجي الماهر اليوم: يعرف كيف يشتري السلع وكيف يعرضها في وجهة دكانه ويشوق إليها زبائنه، فهو نابغة في الجمع، نابغة في الإنفاق.
ثم هو في عرضه لا يتكلف الغريب ولا يأتي بمعميات، إنما هو واضح سهل بسيط خفيف الروح ممتع، استقى معلوماته من العرب والفرس واليونان، ثم مزجها كلها مزجًا عجيبًا، ثم هضمها ثم أخرجها في شكل جذاب، وأكثر في ذلك حتى عدَّ له ياقوت نحوًا من مائة وسبعة وعشرين كتابًا في الموضوعات المختلفة: في التاريخ ككتابه في الإمامة، وفي الكلام كالرد على المخالفين كالنصارى واليهود، وفي الأخلاق كالحاسد والمحسود، وفي البلاغة كالبيان والتبيين، وفي الاقتصاد كتحصيل الأموال، وفي النفس ككتابه في نظرية المعرفة، وفي الصناعة كغش الصناعات، وفي الجغرافيا ككتابه البلدان، وحتى في الطب، فلا يعجبه الأطباء، فيؤلف كتابًا في نقض الطب.
•••

ألا ترى معي أنه بذلك يعد بطلًا من أكبر الأبطال؟ أليس ظلمًا أن يعد من يميت النفوس ويزهق الأرواح ويخرب البلاد بطلًا، وأن نقدر بطولته كلما أمعن في القتل والسلب والنهب والتخريب، ثم لم نعد بطلًا من أحيى النفوس الميتة بدل أن يميت النفوس الحية، ويغذي العقول بدل إتلافها؟! ما أظلم الناس للناس!

يضحك ناس … ويبكي آخرون


خلق الله هذا العالم ومزج فيه الخير والشر مزجًا غريبًا، حتى لا تكاد تجد خيرًا محضًا، ولا شرًّا محضًا، على أن الخير والشر أمور اعتبارية، أي أنها خير باعتبار من استفاد منها، وشر باعتبار من تأذى بها، فلو أن جرف جبل سحيق اِنْهَار فلم يتضرر به أحد، ولم ينتفع به أحد، لا حالًا ولا مستقبلًا، ما كان خيرًا ولا شرًّا، إنما هو خير أو شر اعتباري، ولذلك قد يكون الشيء خيرًا لبعض الناس، شرًّا لآخرين، وقديمًا قالوا: «مصائبُ قومٍ عند قوم فوائدُ».
وفي الناس خير وشر … فمحسن كريم، ومجرم كبير، بل في الطبيعة نفسها خير وشر، فسماء تبكي وتدمع، وشمس تشرق وتسطع، وشتاء مجدب، وربيع مخصب.
ونفوس الناس ترى الشر فتنقبض، وترى الخير فتنبسط، هذه طبيعتها، وهذا ديدنها، غاية الأمر أن بعض النفوس يبالغ في رؤية الخير فيكثر فرحه، ويقل ترحه، ونسمي مثل هذا متفائلًا، وآخرون على العكس من ذلك يبالغون في رؤية ما يحزن والإحساس به، ويستقلون دائمًا ما يفرح، ويقتصدون في السرور به، ونسمي مثل هذا متشائمًا، وقد يحدث أن شيئًا واحدًا يقع أمام اثنين فيضحك منه أحدهما، ويبكي منه الآخر تبعًا لطبيعته، وقد قرأت في ذلك حكاية فرنسية لطيفة، وهي أن دلوين ركبا في بكرة على بئر، فكان الرجل الذي يملأ يشد الحبل لينزل الدلو الفارغ إلى البئر ليمتلئ، ويطلع الدلو الممتلئ ليصبه، قال الراوي: «فتقابل الدلوان في منتصف الطريق: هذا ممتلئ وهذا فارغ، قال الفارغ للممتلئ: لِمَ تبكي؟ … (لأنه وقد امتلأ تنزل منه قطرات أشبه بالدموع) قال: ولماذا لا أبكي، وقد ملئت ماء صافيًا، وسيفرغني صاحبي إذا طلعت، ثم يعيدني إلى قاع البئر المظلم، وأنت لم ترقص؟ (لأن الدلو الفارغ يتلاعب وقت النزول لعبًا يشبه الرقص) قال: ولِمَ لا أرقص، وسأنزل في البئر فأمتلئ ماء صافيًا ثم أطلع إلى صاحبي في الهواء الطلق؟».
تلك عملية واحدة أداها أحد الدلوين ففرح، وأداها الدلو الأخر فبكى … وهكذا الناس، تمر عليهم الحوادث، فيحزن لها قوم حزنًا شديدًا، ويفرح لها آخرون فرحًا شديدًا.
ويروون أن فيلسوفين يونانيين — هما هيروقليطس وديموقريطس — كانا ينتظران إلى سخافات الناس فيختلفان في التأثر بها، أحدهما يضحك لسخافتهم، والآخر يبكي لها، وبعبارة أخرى: أحدهما متفائل، والآخر متشائم.
ولما ركب في طبيعة الناس الأمل في المستقبل وعماده التفاؤل، والحذر وعماده التشاؤم، اعتمد المربون والزعماء والمصلحون والأنبياء على هاتين الغريزتين في الإنسان، أليس من دعامة الأديان الجنة والنار؟ فالجنة تؤمل وتبعث التفاؤل، والنار تحذر وتبعث التشاؤم.
ولو أن عامة الناس حرموا الأمل في الجنة والخوف من النار ما استقامت أمور الدنيا … بل لو لم تكن عقيدة الجنة والنار، لحرم التاريخ من خير أمثلة المضحين الذين يضحون رغبة في الجنة وهربًا من النار.
•••

ومما نستغرب له أن أكثر الفلاسفة في القديم والحديث متشائمون، كشوبنهور، وكارلايل، ونيتشه، وكذلك أكثر فلاسفة اليونان، وربما كان السبب في ذلك أن الفلاسفة ممعنون في قراءة نتائج الأشياء، واسعو التفكير، شديدو الإحساس، فهم يرون أن في العالم شرورًا أكثر مما فيه من خيرات، فلذلك يحزنون ويتألمون وقد يبكون وتسألني: «ما رأيك في عمر الخيام، وهو لا يرى في الدنيا إلا الخمر والنساء؟»؛ فأقول: «لعله كان من أكبر المتشائمين، ولعله لم يلجئه إلى الخمر والنساء في شعره، إلا آلام نفسه من شرور العالم، فلجأ إليهما لعلهما ينسيانه ما يحس من آلام، ولذلك لما أعيى بعضهم الأمر في الدنيا الواقعية لجأوا إلى اليوتوبيا، أو المدينة الفاضلة يؤلفون فيها، ويرسمون فيها عالمًا خياليًّا خيرًا من عالمهم الواقعي؛ إذ لما بالغوا في التشاؤم من العالم الواقعي هرعوا إلى عالم خيالي يجدون فيه تفاؤلهم».
•••

وقد نجحت الأديان أكثر مما نجحت الفلاسفة؛ إذ عادلت بين طبيعة الإنسان في الأمل، وطبيعته في الحذر، فرغبت ورهبت، ووعدت وأوعدت، على حين أن الفلاسفة غلبت جانب التشاؤم وأفرطت في الحذر … إن شئت فانظر إلى أبي العلاء المعري، كيف تألم من كل شيء في الدنيا، ولم يعجبه شيء فيها، وأخذ في شعره يعدد مآسيها، ويتمنى الموت والخروج منها، فإن كانت الفلسفة متشائمة، فالدين بطبعه عادة أقرب إلى التفاؤل، وربما كان من الأسباب الفارقة بين الفلسفة والدين أن الفلسفة تعتمد أكثر ما تعتمد على العقل، والعقل جامد جاف، والدين يعتمد على الشعور، والشعور مرن، قد يكون مرحًا، وقد يكون حزينًا، والدين متى صار شعورًا اطمأن صاحبه وهدأ، والفلسفة إذا صارت عقلًا حارت واضطربت.
ما أكثر ضحايا العقل، وما أكبر نعمة الإيمان!
وبعد … فالتشاؤم في الحياة مزاج، وأنت إذا نظرت إلى بعض الوجوه فوجدتها ضاحكة مستبشرة علمت أنها سعيدة متفائلة، وإذا نظرت إلى وجوه عليها غبرة ترهقها قترة، فهي الشقية المتشائمة، والتفاؤل في الحياة من أكثر أسباب السعادة والنجاح، والتشاؤم من أكبر أسباب الفشل والشقاء، والأمم كالأفراد، تشقى بتشاؤمها، وتنجح بتفاؤلها، فاللهم اجعلنا من المتفائلين المؤمنين، ولا تجعلنا من المتشائمين الطعانين الذين لا ترى عيونهم إلا العيوب، ولا يؤمنون بأي خير أو إصلاح.

ابن دانيال ومسرحياته


كثير من الناس يظن أن المصريين خاصة — والعالم العربي عامة — عالة على الإفرنج في مسرحياتهم وتمثيلياتهم، وأننا لم نعرف المسرحيات إلا بعد أن اقتبسناها منهم، وسبب هذا، على ما يظهر، أن رجال الأدب العربي حين عرضوا منتجاتهم، اختصروا فيها على أبواب الأدب العربي المعروفة، من غزل وهجاء ورثاء، ولم يتعبوا أنفسهم في البحث عن أبواب أخرى، مع أن أمامهم المسرحيات العربية الصميمة …
فقد كان عندهم خيال الظل أو ما يسمى «القره جوز» وكانت تمثل فيه الروايات الشعبية؛ وكان لا بد لخيال الظل هذا من أدباء يغذونه، وكان من أكبر من نعرف أنه غذاه ابن دانيال، وهو من أصل موصلي … ولكنه سكن القاهرة أيام الظاهر بيبرس، وفتح دكانًا بالقرب من باب الفتوح، يكحل فيها الناس، وكان يقول: إنني آخذ القرش من عيون الناس، وقد ملأ القاهرة فكاهات رائعة وتمثيليات تمثل على خيال الظل، وتمثل هذه الروايات بأنها تعطينا فكرة صحيحة عن الحالة الاجتماعية للشعب أيام الظاهر بيبرس … ففيها عادة مهارشة الديوك، وبعض حوادث العصر، وشرح حوادث الغرام.
نعم، إن خيال الظل هذا كان شعبيًّا لا يقبل عليه إلا أفراد الشعب … ولكن كان من حين إلى حين، يسمع الملوك والأغنياء عنه فيحضرونه ليمثل أمامهم، وقد روي أنه أحضر خيال الظل للسلطان سليم عند فتح مصر ومثل أمامه روايات سُرَّ بها، فأخذ فرقة منه إلى إستنبول؛ ليفرج عليه ابنه الذي كان يسمى فيما بعد السلطان سليمان.
ومن هنا، انتشر خيال الظل في إستنبول وسماه الأتراك «قره جوز» ومعنى «قره» أسود، ومعنى «جوز» العين، «فقره جوز» هي العين السوداء، وممن أعجب به الخديو توفيق باشا؛ فقد كان يحضره عنده، ويشهد رواياته، ولذلك يخطئ مؤرخو المسرح إذا ظنوا أن المسرح العربي اقتبس من أوربا وحدها، بل أقدم من ذلك قرأت فيما قرأت أنه كان يوجد رجل في العصر العباسي، يمثل فيحضر رجلًا يطلق عليه أبا بكر، وآخر يطلق عليه عمر وهكذا، ثم يستحضر كل رجل من هؤلاء الممثلين ويعدد له أعماله، ويشكره على ما فعل من خير، ويؤنبه على ما عمل من شر، وهذا من غير شك بدء للتمثيل.
على كل حال كان ابن دانيال الحلقة الثانية أو الثالثة في بناء التمثيل العربي، وحبذا لو نما نموًّا مستمرًّا … إذن لكان عندنا تمثيل ذو شخصية شرقية، له طابع خاص غير الطابع الغربي.
ويظهر أن ابن دانيال ألف مسرحياتٍ كثيرةً بقي منها ثلاثة: «خيال الظل، وعجيب وغريب، والمتيم»، وكان يسمي كل مسرحية بابة لا مسرحية، وقد ألفها باللغة العربية الفصحى، نظمًا ونثرًا، حاكى فيها الحريري في مقاماته، وقد عثر عليها الأستاذ كالي وطبعها في مصر، وعلم أن هناك شخوصًا وأدوات عند رجل بالمنزلة فسافر إليه واشتراها منه «ببنتو»، وأخذها الأستاذ الألماني جاكوب أو (يعقوب) وظل في دراستها نحو عشرين عامًا، يشرح ألفاظها ويفسر ما تدل عليه من أحوال اجتماعية قاهرية، ولما مات أوصى غيره بمداومة دراستها …
فأما تمثيلية «خيال الظل» فتدور حول أمير يسمى الأمير وصال، يفتخر على الناس بأعماله، ويقول: إنه يريد أن يتزوج، ويعيش عيشة مستقيمة، بعد ما كان فيه من فساد، فطلب إلى الخاطبة أن تختار له امرأة يتزوجها، ووصف ما أراد، ويتزوج، ثم تمرض زوجته، فيستدعي لها الطبيب، ويعالجها، فلا ينفع العلاج وتموت، وفي أثناء ذلك كله صور هزلية مضحكة كثيرة، ووصف لحالات اجتماعية مختلفة، كوصف الخاطبة وأفانينها، وما يجري على لسانها من أقوال.
•••

وأما «عجيب وغريب» فهي «عجيب غريب» التي يتداولها الناس، ففيها صور كثيرة تمثل الحالة المصرية أصدقَ تمثيلٍ، وربما كانت خيرًا من ألف كتاب في التاريخ، فإن كتب التاريخ تصور لنا أكثر ما تصور: الملوك والسلاطين والحروب والوقائع، وقل أن تصف لنا الشعب، أما هذه فتمثل الشعب، ففيها نحو سبعة وعشرين شخصًا، منهم الشحاذ والحاوي والواعظ والمعاجيني والعشاب والمشعوذ والمنجم والسباع والفيال ومربو القطط والكلاب، يقول في أولها: «قد أحببت إمدادك أيها الأستاذ الظريف، والماجن اللطيف، بثانية؛ لكيلا تظن همتي في الأدب متوانية، وأتيتك بغريب، وألحقتك بعجيب» وهذه البابة (المسرحية) تتضمن أحوال الغرباء والمحتالين، والمتكلمين بلغة الشيخ ساسان (الشحاذين): فمتى دعيت إلى مجلس الإيناس، فأبدأ عند جلاء الستارة بمدح من حضر من الناس، وغنى باتفاق، في عراق».
ثم ينشد نشيدًا يرحب فيه بالحضور، ويخرج بعده شخصًا ويقول: «أين تلك الأيام وطيبها، وحسن تلك الأوقات وأعاجيبها، فرحم الله شيخنا ساسان، فلقد كان إنسان عين كل إنسان، قدوة الأدباء، وأنيس الغرباء»، ويقول بعد ذلك قصيدة يصور فيها أخلاق الشحاذين، فيقول:
أين زماني الذي تقضَّىوأين جاهي وأين ماليوأين خفي وطيلسـانيوأين قيـلي وأين قاليوأين عيشي وأين طيشيوأين حسـني وحسن حاليونحن في مجلس بديعجل عن الوصف والمثـالفالراح في الراح، والملاهيفي اللهو، والنقل في النقالوبالملاهي بنـا ضجيجوللرواويق والمقـاليفالدف دفدف ددف ددفدفوالزمر تلتل تلل تلالي! وهكذا يسوق صورًا مختلفة للجاليات الأجنبية، وأصحاب المهن المختلفة، أما «المتيم» فهي البابة (المسرحية) الثالثة، يصف فيها الحب … ولكنه ليس حبًّا عذريًّا كحب مجنون ليلى، وكثير عزَّة، وجميل بثينة، بل حبًّا ماديًّا كحب أبي نواس، وكذلك شعره ليس شعرًا كشعر الغزليين، بل شعرًا يمثل حياة الحب والغناء والهزل في مصر، مثل:
أهـل الغرام تجمعواوتوسـلوا وتضرعواموتوا تعيشوا في الهوىوتمـزقوا وتقطعواوخذوا حديث متيمعمن سـواه أو دعوا!لم يبقَ إلا أَضـلعمن سـقمه تتقطعوادي العقيق بجفنةوالدمع منـه ينبع ثم يقول: «أواه أواه وا حباه، وا قلباه، المتيم مسكين، ذبح بغير سكين، من أرسل ناظره، أتعب خاطره، والعاشق كل شيء يذكره، لمعان البرق يؤرقه، وهبوب الريح يقلقه، وإذا دنا الليل منه، يهرب النوم عنه».
وهكذا يستمر، ثم يصور منظرًا آخر، فيه نقار الديكة، وكيف كان يراهن عليها، ثم تلقى خطبة في تلك المهارشة … ثم ينبري المتيم مفاخرًا بثوره، فتحضر الثيران، وتلقى خطبة في مصارعة الثيران، كتلك التي ألقيت في مهارشة الديكة، ولكن مع الأسف، تدور الدائرة على المتيم، فيهزم ثوره ويولى، فيتألم المتيم، وينشد نشيدًا يتحدث فيه عن ذي القرنين وما جرى له؛ وبعد أن يفرغ من كلامه، ينادي: «يا ريس علي، إني أريد أن أصنع من لحمه خوانًا للإخوان»، فيُستدعَى الجزار، والكبابجي فتقام الوليمة، ويؤتى بالخمر والبخور والعود والند، ويموت المتيم متأثرًا من حزنه، فيغسل ويكفن ويدفن، وبذلك تنتهي البابة «المسرحية» الثالثة.
•••

ويظهر أن ابن دانيال كان يتعاطى المعجون، كانت تعطيه له زوجته، وقد ساعده ذلك على التنكيت والتبكيت، وله في ذلك قصيدة بديعة، نذكر للقراء بعضها:
يقول فيها شاكيًا للقاضي:
بك أشكو من زوجة صيرتنيغائبًا بين سـائر الحضّارغيبتني عني بمـا أطعمتنيفأنا الدهر مفكر في انتظارغبت حتى لو أنهم صـفعونيقلت: كفوا بالله عن صفع جاري!فنهاري من البـلادة ليلفي التساوي والليل مثل النهاردار رأسي عن باب داري فباللــه أخبروني سادتي أين داريغفر الله لي بمـا رحت للبحــر من البرد أصطلي بالناروتجردت للسـباحة في الآل لظني به الزلال الجاريولكم رمت قلع ضرس ضروببعد ما ضر غاية الإضرارفإذا بي قلعت بعد عنائيواجتهادي القوي من أوزاري ويظهر أنه كان — مع فضله هذا وابتكاره فن المسرحيات الذي يدر على أصحابه اليوم مئات الألوف — بائسًا فقيرًا مسكينًا؛ إذ يصف حالته فيقول:
أصبحت أفقر من يروح ويغتديما في يدي من فاقة إلا يديفي منزل لم يحـوِ غيري قاعدًافإذا رقدت رقدت غيـر ممددلم يبق فيه سـوى رسوم حصيرةومخـدة كانت لأم المهتديملقى على طراحة في حشـوهاقمل كمثل السمسم المتبـددوالفار يركض كالخيول تسابقتمن كل جـرداء الأديم وأَجردهـذا، ولي ثوب تراه مرقعًامن كل لون مثل ريش الهدهد ويقول:
قد علقنا والعقل أَي وثاقوصـبرنا والصبر مر المذاقكل من كان فاضلًا كان مثليفاضـلًا عن قسمة الأرزاق من هذا تراه قادرًا على التصوير قدرة عجيبة فهو يصور متعاطي المنزول والمنزل البائس صورة بارعة.
ونستنتج من هذا نتيجتين كبيرتين: (الأولى): أن عندنا قديمًا من المسرحيات، ما لو تعهدناه بالإنماء لكان لنا مسرح يمثل شخصيتنا، ولا نكون فيه عالة على الغرب.
و(الثانية): عتاب مؤرخي الأدب العربي في أَنهم لم يدخلوا هذا الباب في دراستهم مع إمتاعه ولذته.

الدنيا حر!


اشتدت عليَّ وطأة الحر يومًا من الأيام، حتى لقد ظننت أن طاقة من طاقات جهنم قد فتحت على القاهرة، فجعلتها أتونًا … وحاولت أن أعالج هذا الحر بمعالجات نفسية، فقلت: تخيل أنك في الشتاء، وأن الدنيا باردة جدًّا، وتريد أن تتدثر، لا أن تتخفف، فكثير من الأخيلة النفسية تؤثر في النفس أثرًا بليغًا، ألا ترى أنك تتخيل أكلة شهية فيسيل لعابك، أو تتخيل ما يغضب فتغضب، وما يفرح فتفرح، فتخيل الآن أنك في جو بارد فتبرد، ولكن مع الأسف كانت حرارة الواقع أشد من برودة الخيال.
وأحضرت في ذهني الذين يحملون على رؤوسهم جنبات من الخضر والفاكهة، وهم يسيرون من شارع إلى شارع، ومن حارة إلى حارة في الشمس اللافحة، والهواء الساخن، وقلت لنفسي: إنك تلبس جلبابًا فضفاضًا، عاري الرأس، حافي القدمين، بجانبك الماء المثلوج، وأنواع المرطبات، وعلى مقربة منك المروحة، تروح فتصلح الجو، فاحمد الله على هذه النعم، وتحمَّل هذا الحر الذي تخففه بما ذكرت، ولكن لم ينجح أيضًا هذا العلاج، وحاولت أن يكون لي أطيان مزروعة قطنًا أو فاكهة، فإذا اشتد الحر فرحت … لأنه إذا ضايقني الحر، اطمأننت من ناحية أخرى، على محصول القطن، ومحصول الفاكهة، فالحر الشديد يقتل الدود، وينمي القطن، وينضج الفاكهة، ولكن بحمد الله لم يكن لي شيء من ذلك، فلم ينفع هذا علاجًا.
•••

وأخيرًا حملت متاعي إلى الإسكندرية، والجو يتوقد، وما إن وصلت إلى عربة التبريد، حتى تشهدت، وأحسست أنني في لوح من الثلج وسط فرن، وشاء الحظ أن يكون جو الإسكندرية أقل حرارة من جو القاهرة بنحو أربع عشرة درجة، وقضيت أيامًا تنفست فيها الصعداء.
وكنت أظن أن من خلق في جو مصر، أقدر على تحمل حر مصر … ولكني رأيتني لا أطيق بمقدار ما يطيقه الإفرنج، كأنهم اختزنوا في أبدانهم برودة من جوهم.
ومع أن الإسكندرية أعجبتني في اعتدال جوها؛ فقد ضايقتني برطوبتها، وخصوصًا في الليل، وتمنيت أن أكون غنيًّا جدًّا، فأطير إلى الإسكندرية لأقضي فيها النهار، ثم أطير إلى القاهرة لأقضي فيها الليل.
وربما كان مما يلطف الحر التفكير في الحر؛ فقد أنساه بالتفكير فيه، فبحثت عن تشبيه لطيف يشبه به الحر، فقلت: إنهم يقولون: هذا الجو أحر من الرمضاء، وأحر من دمع الصب، وأحر من قلب العاشق، ومن فؤاد الثاكل … ثم لم تعجبني هذه التشبيهات كلها؛ لأنها صارت عتيقة بالية، فأمعنت الخيال في تشبيه جديد، يتناسب وإشعاع القنبلة الذرية.
•••

على كل حال استعنت على الحر بالتفكير في الحر، وكتابة مقال عنه، وقلت: إن خرج المقال جيدًا؛ فقد كسبت الجودة وثناء الناس عليه، وإن خرج باردًا فهو المطلوب، وعلى كل حال فقد كسبت، ورحم الله حافظ بك إبراهيم؛ فقد دعي إلى مأدبة في يوم حار، فقال: «قد كان كل شيء في المائدة باردًا إلا الماء».
وقاتل الله المدنية الحديثة فقد رفهتنا فزادت في ترفهنا، هذا زر يضغط عليه، فينار البيت أو الغرفة، وهذه ثلاجة تمتعك بالماء البارد والشراب البارد، وهذه مروحة تلطف الجو، وهذه دفاءة تسخنه، وهذا تليفون يوصلك إلى من شئت، وهذا راديو يسمعك ما شئت … كل هذا الترف وإن سهل لنا العيش فقد أفقدنا القدرة على المقاومة، وكأن الطبيعة أرادت في إمعان تحقيق العدالة بين الأغنياء والفقراء، فملت الأولين من أتفه الأشياء، وحصنت الآخرين من أصعب الأشياء، فترى ثَمَّ نعيمًا وملكًا كبيرًا بجانبهما ضجر كبير، وملل عسير، وترى ثَمَّ فقرًا مدقعًا، بجانبه الحصانة والصحة والقدرة على الاحتمال، حتى لقد يتمنى المترف الناعم الملول أن يعوضه الله فقرًا وصحة وصبرًا على الشدائد.
كذب الناس الذين يظنون أن السعادة والنعيم يعتمدان على الأشياء الخارجية فقط، فكم من مال لا يفيد صاحبه، وكم من متعة لا يلتفت إليها ذائقها، وإن السعادة لتعتمد على النفس أكثر مما تعتمد على الخارج، والنفس المطمئنة أهم أركان السعادة … فامنحنيها أرضَ بكل شيء.
ومن السخف أن يتجه الناس بكل قواهم إلى الأشياء الخارجية … فمن قدر منهم اصطاف في أوربا، ومن لم يقدر اصطاف في المصايف المصرية ولم يتجهوا أي اتجاه إلى نفوسهم، يعودونها الصبر واحتمال الشدائد.
•••

وما لي أفكر في الحر تفكيرًا فرديًّا، ولا أفكر فيه تفكيرًا اجتماعيًّا؟! أليس الحر هو الذي أنضج البقول، وأنضج الثمار، وأنضج القطن، وهو أول محصول مصري، ولولاه لكسدت الحياة المصرية، وغلبها البؤس والفقر؟! إنك لو فكرت في القطن، وجدته يغني الأفراد ويغني الحكومة، وتستطيع معه أن تقيم المشاريع، وتحسن الحالة الصحية، وهو يؤثر في الناس أثرًا متسلسلًا، كما قال المتنبي:
والناس للناس من بدو وحاضرةبعض لبعض وإن لم يشعروا خدم فيعتمد على القطنِ الفلاحُ في حقله، وصاحب الحقل في قصره، ثم إذا هو جمع من قطنه مالًا، أنفقه على الصائغ والبناء والنجار، وهؤلاء ينفقون ما يكسبون منه على الباعة ورجال الأعمال … ولولا هذا الحر ما كان هذا القطن.
ثم أليست شدة الحر والبرد هي التي ألجأت الناس إلى الكهوف والمغارات أولًا، ثم إلى الأكواخ ثانيًا، ثم إلى القصور الشامخات ثالثًا، ثم جعلت الإنسان بعد ذلك يفكر في أسباب الترف والنعيم … فاخترع ما اخترع، وابتكر ما ابتكر.
•••

إني أنصح مَن تململ من الحر، وتضايق من الصيف أن يحب، فإنه إذا ذاق جوى الحب ونار الهجران، واكتوى بالصد، وتقلب على جنبيه من الفراق، شعر بأن الحر مهما زاد، فهو دون نار الحب بكثير، كما قال المتنبي:
ففي فؤاد المحب نار جوىحر نار الجحـيم أبردها
أحلام الشيوخ


لقد اعتدنا أن نسمع دائمًا كلمة «أحلام الشباب» فأما «أحلام الشيوخ» فلم أسمعها حتى اقترحت عليَّ مجلة الهلال أن أكتب فيها أحلام الشيوخ، ولئن كانت أحلام الشباب هي أحلام المستقبل فيحلم الشاب بمنصب وتكوين ثروة وتكوين عائلة وتكوين شهرة ونحو ذلك، فإن الشيوخ تحلم بالماضي يذكرها ضعف الصحة بما كان لها من قوة الصحة، وعجز العين بما كان لها من قوة النظر، وعلى العموم يذكرها ضعف الشيخوخة بما كان لها من قوة الشباب.
وربما كان كل شاعر قد تقدمت به السن بكى شيبه وبكى على شبابه في أبيات كثيرة، وقد جمع الشريف المرتضى كتابًا جمع فيه مستحسن الشعر في الشيب والشباب وسماه «الشهاب في الشيب والشباب» وأضاف إلى شعرهم ما استجاده من شعره، ومن أحسن ما اختاره قول الشاعر:
قد كنت أوفي شبابي كنه عزتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع وقول الآخر:
قد كنت أمشي ولست أعيافصرت أعيا ولست أمشي وقول المتنبي:
آلة العيش صحة وشبابفإذا ولَّيَا عن المرء ولَّى وقد عبر هذا الشاعر عن أحسن أحلام الشيخوخة، والشيوخ دائمًا تحلم بالشباب وتذكر أيامه وأحداثه وكيف كانوا ينعمون بمباهج الحياة، فلما انقضى الشباب ضاعت كل المباهج حتى إذا حدثت أو حدث أكثر منها لم يبتهجوا ابتهاجهم بها أيام الشباب، فكأن الشباب ظرف لا بد منه للاستمتاع بلذة الحياة؛ فقد كان الشباب خليقًا بأن يبتهج بكل شيء حتى بالتافه منه وحتى بالآلام، إذا وقع في مشيته ضحك، وإذا أصابه الحر الشديد أو البرد الشديد ضحك.
فإذا تقدَّم في السن فربما كانت وسائل السعادة أوفر ولكن النعيم بها أقل؛ فقد يكون أكثر مالًا وأكثر عيالًا وأحسن ملبسًا ومسكنًا ولكنه مع ذلك لا يجد السرور الذي كان يجده أيام الفقر مع الشباب وأيام الوحدة قبل الزواج.
إن الشباب هو الظرف الذي تنال فيه السعادة، فهو يسعد حتى في أحرج الأوقات، يسعد بالهجر كما يسعد بالوصال، ويسعد بالعيش الجاف يأكله والملبس الخشن يلبسه، فكأن الشباب يعوض عنه كل نقص؛ ذلك لأن الشباب قوة تستر كل ضعف وحيوية تخفي كل عجز.
•••

والحلم الثاني للشيوخ حلم الصحة، يذكره بها سعال الليل إذا سعل، وأعصابه إذا يبست، وعظامه إذا تصلبت، وأنفاسه إذا تلاحقت، ومعدته إذا لم تهضم، وسكره إذا خلع مفاصله، وقلبه إذا أسرع نبضه، يحلم بالصحة وكل شيء في الكون يذكره بها، وقد كان لنا صديق — رحمه الله — يجلس دائمًا مع الشيوخ الطاعنين في السن، فلما سألته عن ذلك قال: إن هذا المجلس يذكره بالشباب وأيامه اللذيذة، وهو إذا قارن سنه بسنهم اعتقد أنه شاب بالنسبة إليهم.
وحتى إذا كان الشباب فقيرًا جدبًا خشنًا كانت ذكراه أحسن منه، فكأن الذكرى تجرده من آلامه وتسبغ عليه من اللذائذ ما استطاعت، شأننا في ذلك شأننا في تقديس الآباء والأمهات والعظماء إذا رحلوا من هذا العالم وربما حمل على ذلك شدة الوفاء الماضي كالذي يقول المتنبي:
خلقت ألوفًا لو رجعت إلى الصبالفارقت شيبي موجع القلب باكيا ومن نعم الله على الشيوخ أنهم لم يحرموا أيضًا من أحلام المستقبل فقد ركب فيهم حب الحياة وحب الغنى والأمل في المستقبل، وفي الحديث: «يشيب ابن آدم ويشيب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل»، فهو حتى إذا زادت ثروته طمع في ثروة أكبر منها، وما كان يحمله في الشباب على إنفاقه تحمله الشيخوخة على ادخاره، مع أنه من المؤكد أن حياته أقصر من حياته في شبابه، وكذلك يزداد أمله، فإن كان مريضًا أمَّل في صحته في المستقبل، وإن كان فقيرًا اليوم أمَّل الغنى غدًا، وهكذا بنيت الحياة على الأمل، ولولا الأمل لنفذ الناس نصيحة شوبنهور في أي يجتمعوا ساعة لينتحروا.
•••

ومما يلطف حياة الزعماء أنهم لا يقصرون أملهم على أشخاصهم، بل يأملون أن تنصلح حال أمتهم فيبلورون إصلاحهم ويدعون إليه بكل قوتهم الضعيفة، وكلما رأوا أمتهم تتقدم كان ذلك أعظم سلوة لهم وأعظم معوض لشبابهم، اتخذوا من الأمة كلها أبناءهم وبناتهم يبصرونهم بما هم فيه من ضعف وفساد، ويرسمون لهم طريق النجاح، وكلما ساروا فيه خطوة حرضوهم على الخطوة الأخرى وفرحوا بنجاحهم؛ وكان في ذلك تعويض عن لذتهم في شبابهم، ولذلك كانت حياة العظماء في الشيخوخة أحسن من حياة غيرهم؛ لأنهم ربطوا حياتهم بحياة أمتهم، والأمة فتية أبدًا حية أبدًا فاستعاضوا عن شبابهم بشباب أمتهم، وعن حيويتهم بحيوية بلادهم، بل إن انغماسهم في حركة الإصلاح ووقوفهم على نتائجها ورغبتهم في نجاحها، تزيد من حيويتهم، ولنا صديق — حفظه الله — تجلس إليه فكأنه يلفظ النفس الأخير، حتى إذا عرضت عليه أمر الأمة واستحثثته الكلام في العيوب وطريقة إصلاحها والأدوية وكيف تعالج بها أدواءها نشط للكلام وللكتابة حتى كأنه قد رجع إليه شبابه.
ومما يعزي الشيوخ أنهم قد نفضوا أيديهم من شهوات الشباب وعواقبها وآلامها، واستعاضوا عنها بنضج العقل وقوة التفكير كما قال البارودي — رحمه الله:
أواه لو عرف الشباب وآه لو قدر المشيب ومن نعم الله أيضًا عليهم أن العقل لا يشيب شيبَ الجسم، وقد يكون الشخصُ مهدمًا في الجسم، ولكنه بارع في سمو العقل، وعقله مع ذلك منزه من صلف الشباب وطيشه ورعونته، وهذا العقل يتمتع أيضًا بحسن تجاربه وذكريات ما جرى له من أحداث فكأنه يحيا من جديد فيها وينعم بذكرى لذائذها حتى وآلامها، فهو يجرد الآلام من أشواكها ويذكرها ناعمة ناضرة.
وهو لأجل ذلك لا يحب أن يعود إلى الماضي بلذائذه وآلامه إلا إذا عاد معه عقله الحاضر؛ لأنه ينعم بذكرى الآلام أكثر مما ينعم في أيام اللذائذ والآلام.

الدنيا رواية


نعم … إنها رواية، ولكن مسرحها كبير جدًّا، هو وجه الأرض كله، ولسعة المسرح أمكن أن نمثل عليه عدة روايات في وقت واحد، ففي جانب منه قد تمثل كوميديا «ملهاة»، وفي جانب آخر قد تمثل تراجيديا «مأساة»، والذي يجعلنا نعتقد أن الدنيا رواية هو الشبه التام بين ما يجري في الدنيا، وما يجرى في الروايات، فنحن نشهد في الرواية التمثيلية في ساعتين أو ثلاث، ثم ننفعل لها انفعالًا قويًّا أو ضعيفًا، ضاحكًا أو باكيًا، ثم ننصرف وننسى كل شيء، وكأنه لم يكن.
والدنيا كذلك … ملك، أو غني، يتمتع مدة محدودة، ثم يزول عنه غناه أو ملكه، فيعيش بائسًا أو فقيرًا، أو يدركه الموت، فيبكي عليه أَهله لحظة أو لحظات، ثم ينسى وكأنه لم يكن، أو فقير بائس يتضور جوعًا وبؤسًا، ثم يدركه الموت وكأنه لم يكن بؤس ولا بائس، ورجل وجيه تذل له النفوس وتخضع له الرقاب، ثم لا جاه ولا ذكرى … فأي فرق بين هذا كله وبين الرواية؟
وأكثر خطأ الناس يأتي من نسيانهم أن هذه الأشياء التي يرونها في الدنيا رواية، ويحسبون أنها حقائق واقعة، وأنها أبدية لا تزول، فيظنون أن الضحك يبقى ضحكًا أبدًا، مع أنهم يشاهدون كل يوم تغيرًا طارئًا، فغني يفتقر، وفقير يغتني، وكل هذا شأن الروايات لا شأن الحقائق.
والفيلسوف الذي يؤمن بأن الدنيا رواية لا ينفع كثيرًا، ولا يلتذ كثيرًا، ولا يتألم كثيرًا؛ لأنه يؤمن أن كل ما في الدنيا مسائل اعتبارية، كالذي في الروايات تمامًا، فالملك على مسرح الرواية التمثيلية ليس ملكًا حقيقيًّا، ولا العامل الحقير في الرواية يبقى عاملًا حقيرًا، بل متى انتهت الرواية تغير كل شيء، والناس في الحياة شأنهم شأن الممثلين … قد ينجح الممثل، فيمثل دوره أحسنَ تمثيل فيصفق له الناس، ويشتهر وينال الحظوة، وقد يفشل في التمثيل فيشمئز منه الناس ويحتقرونه ويهزأون به.
كذلك الحياة الواقعية … من الناس من يكون عالمًا ناجحًا، أو تاجرًا ناجحًا، أو أديبًا ناجحًا، فيصفق له الناس ويحظى عندهم، وقد يكون فاشلًا، فيهزأ به الناس ويسخرون منه، وينصرفون عنه، ثم ينسى الناجح والفاشل، سواء في الرواية أو في الدنيا.
لو أدرك الناس هذه الحقيقة الصغيرة ما تخاصموا هذه الخصومات الشديدة، ولما أقاموا الدنيا وأقعدوها على توافه الأمور، ولجأوا إلى المحاكم، وسخروا المحامين والقضاة وقوة التنفيذ ظانين أن ما ينالونه قد نالوه أبدًا، وما خسروه قد خسروه أبدًا، وما ذلك كله إلا رواية، لكل شيء فيها حين.
ألا يستسخف الناس ممثلًا غضب من ممثل آخر لشيء تافه، يعيش ساعتين أو ثلاثًا ثم يزول؟!
•••

وهناك درس عميق نستطيع أن نتعلمه من أن الدنيا رواية، وهو أننا في الروايات لا نقدر الشخص بمركزه الروائي إنما نقدره بأداء ما عهد إليه به على خير وجه، فإذا كان في الرواية ملك أو صعلوك، فلسنا نقدر الملك تقديرًا كبيرًا؛ لأنه ملك في الرواية، ولا نحتقر الصعلوك؛ لأنه يمثل دور الصعلوك، إنما نقدر كلًّا من الملك أو الصعلوك بحسب إتقانه للدور الذي يلعبه، بل إننا نقدر الصعلوك الذي أتقن دوره أكثر من الملك الذي لم يتقن دوره، هكذا ينبغي أن يكون الشأن في الدنيا؛ فكناس الشارع الذي يؤدي واجبه على أحسن وجه ينبغي أن يكون خيرًا من رئيس المصلحة الذي لا يؤدي واجبه على الوجه الأكمل، والجندي الذي يقف في مفترق الطرق ينظم حركة المرور، ويراعي في إتقان مسير الحوادث، خير من ملك يفرط في كل شيء.
بل إن الدنيا بدولها لا بأفرادها قد تمثل كذلك رواية، دولة مجدها إلى السماء، ولا تغرب الشمس عن أملاكها، ثم تأتي عليها الحوادث التي لا قِبَلَ لها بها، فإذا هي لا شيء، ودولة ضعيفة لا حول لها ولا طول يبسم لها وجه الزمان، فتأخذ في القوة شيئًا فشيئًا، حتى تصبح أعز أمة على وجه الأرض، إن شئت فانظر إلى الرومان والفرس مع العرب، لقد كانت الدولتان الأوليان تقتسمان سيادة العالم، وتهزآن بالعرب وحركتهم، بل كان العرب أنفسهم يستصغرون حالتهم بجانب الفرس والروم، ثم فتحهما العرب وأخضعوهما لحكمهم، أو إن شئت فانظر في العصر الحاضر إلى اليابان كيف كانت، وإلى أين صارت، وقديمًا قالوا: «الدنيا دول»، وقالوا: «من سره زمن ساءته أزمان».
وهكذا الشأن في الرواية التمثيلية، جماعة يبلغون الأوج، وجماعة ينزلون إلى الحضيض في ساعات محدودة، بل لو وسَّعنا نظرنا لوجدنا رواية الدنيا يمثل فيها الحيوان والنبات أيضًا، فنبات سرعان ما يفنى ولا يستطيع أن يصبر على حوادث الزمان، ونبات جلد صبور، يواجه الأحداث بقوة وثبات، ونمل ونحل يمثلان الجد والعمل المتواصل إلى بلوغ الغاية، وطاووس يزهى بنفسه، وكل زينته في جمال ذيله، فاجمع كل ذلك: نباتًا وحيوانًا وإنسانًا، وبرًّا وبحرًا، وروضة وقفرًا، وسمكًا وأسدًا، ووردًا وشوكًا، وعسلًا وحنظلًا، تجد كل ذلك رواية أو روايات تمثل على مسرح الدنيا الواسع، فتبًّا للمتزمت الجاهل!

الشافعي الأديب


يعرف الناس كلهم الشافعي الفقيه، ولكن قلما يعرفون الشافعي الأديب … فالشافعي أول ما تثقف تثقف بالعربية؛ فقد كان قرشيًّا هاشميًّا، وربما كان هو القرشي الهاشمي الوحيد من أصحاب المذاهب، وساعده ذلك على دراسته اللغوية والأدبية؛ فقد تربى في بني أسد، وكان من أفصح العرب، وقد درس شعر الهذليين وأتقنه حتى إن الأصمعي درس شعر الهذليين عليه.
وكان إمامه في ذلك عبد الله بن عباس؛ فقد كان ابن عباس فصيح اللسان يعنى بعلم القرآن كما يعنى بالشعر … حتى كان يحضر دروسه طالبو القرآن وطالبو الحديث وطالبو الفقه ورواة الشعر والعربية، وكذلك كان الشافعي يترسم خطاه ويسير على منواله؛ لأنه قريبه، تظهر فصاحته في كتابه «الأم» فعبارته جزلة بليغة تصح أن تحتذى، وله شعر كثير مروي حتى نسبوا إليه ديوان شعر مع أنه تعفف عن قول الشعر، وظن أن الشعر يزري بالعلماء، ونسبوا إليه:
ولولا الشعر بالعلماء يزريلكنت اليوم أفصح من لبيد فهو يعتز بالفقه ولكن لا يعتز بالشعر … ولست أدري لماذا ذلك، فإن المهارة في الشعر ترفع مكانة صاحبه كمكانة الفقيه، فليس بشار بن برد ولا أبو نواس ولا أبو تمام أقل شأنًا من فقهاء عصره … فالنابغة في فنه ليس أقل من النابغة في فقه أو نحو، ولكن جرى على ذلك أهل عصره فكان عندهم أن الفقيه خير من النحوي والصرفي ومن الشاعر وعلى ذلك قال الشافعي شعره هذا.
ومن شعره الذي يرويه عنه قوله:
مرض الحبيب فعـدتهفمرضت من حذري عليهوأتى الحبيب يعـودنيفبرئت من نظري إليه وقوله:
أهين لهم نفسي لكي يكرمونهاولن تكرم النفس التي لا تهينها وهو شعر كما ترى لا بأس به وإن لم يبلغ قدرًا كبيرًا، ولكن ربما منعه من التفوق في الشعر مانعان: الأول: أن الاشتغال بالفقه والإمعان فيه، كما يقول ابن خلدون، يضعف الملكة الشعرية والملكة البلاغية، وحكى ابن خلدون عن نفسه أنه منعه من التفوق في البلاغة والشعر حفظ المتون، وروى عن فقيه أنه تبحر في الفقه فأصيب في الشعر وقال:
لم أدرِ حين وقفت بالأطلالِما الفرق بين جديدها والبالي فإن قوله: ما الفرق بين كذا وكذا تعبير فقهي لا شعري …
والثاني: أنه كان يرى أن الشعر يزري بالفقه فلم يطاوع في شعره نفسه، ولو أطلق لها العنان لأتى بخير مما قال.
•••

على أنَّا لا نعده شاعرًا ممتازًا، فتعبيره في «الأم» كما قلنا تعبير جزل اللفظ رصينه عميق المعنى غزيره، وكما كان إمامًا في الفقه يتحلق الناس حوله فيأخذون عنه، كان يجلس بعد الضحى، فيأخذون عنه العربية، وقد اشتهر بحسن الصوت والإلقاء … حتى إنه لما أراد أن يأخذ على مالك موطأه، أراد مالك أن يحيله على بعض أصحابه فألح الشافعي أن يسمع قراءته فلما سمعها مالك رضي أن يقرأه عليه، ومن تمكنه في الأدب أنه كان قوي الحجة، استطاع أن يحاج الرشيد فيفك قيده من أسر كان وقع فيه مع تسعة من أصحابه، كلهم قتل إلا هو، فعفا عنه، ومما أفاده في اللغة والأدب ومعرفة أخلاق الناس وعاداتهم كثرة رحلاته، فرحل من غزة إلى مكة ومن مكة إلى المدينة ثم إلى اليمن ثم إلى مصر، وفي كل مرة يلقى علماءها وأدباءها فيأخذ عنهم، ومن قوة حجته أنه استطاع وهو في مصر أن يزيح مذهب مالك وأبي حنيفة فيمكن من مذهبه، وكما أفادته هذه الرحلات في فقهه أفادته في أدبه، وفي ذلك يقول:
سأضرب في طول البلاد وعرضهاأنال مرادي أو أموت غريبافإن تلفت نفسي فلله درُّهاوإن سلمت كان الرجوع قريبا •••

وقد روى الفخر الرازي أنه كان يعرف اليونانية وأنه كان مثقفًا بها، وقد استنتج ذلك من حكاية رويت … وهي أن الرشيد سأله: هل يعرف الطب؟ قال الشافعي: «أعرف ما قالت الروم مثل أرسططاليس، وبقراط وجالينوس وفورفوريوف بلغاتها، وما نقله أطباء العرب وقننته فلاسفة الهند ونمقته فقهاء الفرس» وهي تدل على ثقافة واسعة.
ولكن ابن القيم رد هذه الرواية، وقال: «إنها كذب مفترى، ولو كان الشافعي يعرف لغة اليونان ما فات ذلك مؤرخوه من كبار أصحابه»، فلغته في كتاب «الأم» وما روى من شعره وكتابته لرحلته كل ذلك يدل أنه أديب ممتاز بجانب أنه فقيه ممتاز …
لقد عاش الشافعي مع علمه وأدبه فقيرًا ومات فقيرًا، ونسب ذلك إلى القدر، وأنه إذا منح العقل حرم الغنى، وإذا منح الغنى حرم العقل، وقال في ذلك شعرًا كثيرًا مثل قوله:
إن الذي رزق اليسار ولم يصبحمدًا ولا أجرًا لغير موفقالجد يدني كل أمر شاسعوالجـد يفتح كل باب مغلقوإذا سمعت بأن مجدودًا حوىعودًا فأثمر في يديه فصدقوإذا سمعت بأن محـرومًا أتىماء ليشربه فغاض فحققلو كان بالحيل الغنى لوجدتنيبنجوم أقطار السماء تعلقيلكن من رزق الحجا حرم الغنىضـدان مفترقان أي تفرقومن الدليل على القضاء وكونهبؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وقوله: ومن الدليل، تعبير غير شعري تأثر بالفقه، وربط الغنى والفقر بالقدر نظرة قديمة أوحى بها عصره؛ لأن هذا العصر كان العلماء فيه والأدباء لا يغتنون من علمهم وأدبهم إلا إذا صادقوا الخلفاء والأمراء وملأوهم ملقًا ومديحًا بالغًا، كالأصمعي وأبي العتاهية وأبي نواس، أما إن كانوا فقهاء أو أدباء لا يتصلون بالخلفاء والأمراء، عاشوا عيشة فقيرة إلا إذا كان لهم مورد آخر من عمل أو وقف … كأبي حنيفة الذي كان يعمل بزازًا.
ولكن انتشار الديمقراطية والاعتماد على الشعب دون الملوك والأمراء غيَّر هذه النظرة، وجعل اجتماع العقل والغنى ممكنًا، بدليل ما نرى في أوربا وغير أوربا من علماء وأدباء اغتنوا بعلمهم وأدبهم، وأصبح الناس يفهمون أن الغنى والفقر ناشئان من النظام الاجتماعي المعمول به، فإن كان النظام عادلًا أخذ كل إنسان حظه من الغنى، وإذا كان النظام سيئًا كان المال في يد عدد قليل قد لا يستحقه …
كان الشافعي عزيز النفس، عالي الهمة، يرى أن علمه مع فقره خير من غناه مع ذله، وأنه إنما تعلم ليُخدم لا ليَخدم، ويُكرم لا أن يُهان، ويُقصد لا أن يَقصد … فقضى حياته على بعض دريهمات وخادمة، ولو شاء أن يمد يده لدر المال عليه، وانهالت عليه الثروة … فرحمه الله.

التسلح الخلقي قبل التسلح العسكري


شاعت بين الناس كلمة «التسلح» يقصدون بها إنتاج الأسلحة المادية فأراد قوم خيِّرون أن يعارضوها بالتسلح الخلقي، مقابل التسلح المادي، لقد زعم دعاة التسلح المادي أن التسلح للحرب يمنع خطر الحرب، ولكن لم يصح تنبؤهم، فما إن يتم تسلحهم حتى تنفجر الحرب ويرمى في نارها بالسلاح؛ وذلك لأن إعلان الحرب في يد حفنة قليلة من زعماء مغرمين بها، إما لداع وطني فيرون أن الوطنية الصادقة تدعوهم للحرب؛ رغبة في الانتصار، وإما لأن وراءهم رأسماليين يربحون أرباحًا طائلة من أدوات القتال … فجاء قوم خيرون، رأوا أن التسلح الخلقي هو المنجاة من الحرب؛ إذ ليست الأخلاق صدقًا وكرمًا وعدلًا فقط، بل منها أيضًا نشر السلام، ومنع الحرب، فوُجدت جمعية لهذا الغرض، وانتشرت في أقطار العالم، وحضر لفيف من أعضائها منذ سنتين في الإسكندرية، وهم يرون أن الحرب مهما عظمت، ومهما كان الداعي إليها، لا تساوي ما ينتج عنها من تخريب وسفك دماء وقوة عداء، وأن الناس قديمًا كانوا إذا اختصموا يأخذون حقهم بأيديهم فلما ارتقوا احتكموا إلى المحاكم …
وهذا ما ينبغي أن يكون شأن الأمم إذا اختصمت، فهي لا بد أن تحتكم إلى محكمة دولية لفض النزاع، ووجدت من أجل ذلك فكرة عصبة الأمم، ثم هيئة الأمم، ولكن أفسدهما أنهما محكمتان غير عادلتين؛ فقد اتخذت إنجلترا عصبة الأمم محكمة تقضي لصالحها سواء كانت محقة أم مبطلة، واتخذت أمريكا هيئة الأمم المتحدة كذلك، وها نحن هذه الأيام نسمع أن فرنسا تعلن أنها لا تسمح بأن تنظر هيئة الأمم الخلاف الذي بينها وبين تونس ومراكش؛ لأن هذا يهمها وحدها … شأن الظالم الغاصب، يريد أن يمنع المحكمة من التدخل في الظلم والغصب، فتطأطئ أكثر الحكومات رأسها لهذا، ومن غير شك سيودي هذا بهيئة الأمم المتحدة، كما أودى مثل ذلك بعصبة الأمم من قبل، ولو عدلت هيئة الأمم كما تعدل المحاكم بين الأفراد، لعلا شأنها وصانت كيانها، ولكن يظهر أن الأمم محتاجة لزمن طويل؛ لتدرك معنى العدالة الإنسانية بين الأمم، كما أدركت المحاكم معنى العدالة بين الأفراد، فحفظت كيانها.
إن التسلح الخلقي يجعل للفرد، إذا حمل على ظلم، أن يقول: «لا» بملء فيه … ومن أغراض هذا التسلح الخلقي التسامي وجعل كل فرد مشرفًا على مصالح الأمم، يحميها من الظلم، ويعمل لتحقيق العدل … وإلا فما بال فرنسا تقف هذا الموقف، وما بال إنجلترا في إيران تقف موقفها المخزي فلا ترضى شركتها بنصف الربح؟! والشعب الإيراني فقير يريد أن يعيش ويحصل على الضروري من القوت، والإنجليز يريدون أن يصرفوا المال في الترف وفي الكماليات، ولا يسمعون لدعوة داع إلى الخير، ولا لتوسط أمريكا ولا غيرها، وكم في الدنيا من مظالمَ يرتكبها الرجل الأبيض ضد الرجل الملون، ولا يسكت التسلح الخلقي حتى يزيل هذه المظالم، ويحل محلها العدل، ولم تجعل الإنسانية يومًا ما من الرجل الأبيض مستعمِرًا، ولا من الرجل الملون مستعمَرًا، وليس يهدأ أصحاب التسلح الخلقي حتى يروا الشعوب متساوية، والعدالة شاملة … إنه ليحز في نفوسهم أن يروا مظالمَ لا تنتهي؛ ملوكًا جائرين، وساسة مستبدين، وحكومات تتباهى بالظلم، وذلك عهد مضى، وقد قضي على بعضهم، وسيقضى على البقية الباقية منهم، ففي رأيي أن العالم يسير إلى الأمام دائمًا … قد تتخلف بعض الأمم، وقد يرقى بعض الأمم في ناحية، وينحط في ناحية، ولكن العالم على العموم لا يعبأ بكل هذا، ويسير إلى الأمام.
وقد كان العالم مملوءًا بمصادرات الملوك والأمراء، وهم لا يعترفون بحق أي أحد غيرهم في الحياة، فلهم أن يقتلوا من شاؤوا، وينهبوا ما شاؤوا، ثم اعترف أخيرًا بحق الإنسان في حياته وفي حريته، وفي تعلمه، وفي ملكيته، تحميه القوانين وتمنع من الاستبداد به حتى الملوك والأمراء، وهو يسير إلى الأمام نحو احترام هذه الحقوق للأمم … فلا ظلم ولا استعمار، ولا سفك دماء، وإنما أخ كبير يأخذ بيد أخ صغير، حتى يرشد، ووصي عادل يحمي من ليس من ذوي الأهلية حتى يبلغ سن الرشد.
هذا برنامج التسلح الخلقي، وهدفه الأسمى … ولا بد أن يصل إليه العالم بعد قليل من الزمن أو كثير، وقد عودنا التاريخ أن دعاة الإصلاح قد يفشلون، وقد يقتلون، ولكن يأتي من بعدهم قوم يحملون فكرتهم، ويدعون إليها، وهم أشد ممن قبلهم فينجحون، وهذا ما أرجو أن سيكون.

حديث إلى نفسي


اعتدت كل يوم أن أخلو إلى نفسي لحظات، أفكر فيها فيما مر عليَّ من أحداث اليوم … سواء منها ما ساء، وما سر، ولا أعد يومًا لم أتمكن فيه من هذه الخلوة، سواء كان ذلك في رحلتي أو إقامتي، وقد أذكرني ذلك بقصة صوفية لطيفة، وهي أن صوفيًّا رحالًا دخل بلدة وأحب أن يزور مقبرتها … فرأى عجبًا: رأى بعض شواهد القبور مكتوبًا عليه: هنا يرقد فلان، وقد حج، وألف، ومات وعمره يومان! … وعلى شاهد آخر: هنا يرقد فلان، وقد غزا سبعًا وعشرين غزوة في سبيل الله، ومات وعمره ثلاثة أيام! … وعلى شاهد ثالث: هنا يرقد فلان وقد طوف في البلاد شرقًا وغربًا، وحارب وانتصر، وعمره يوم واحد!
فعجب من ذلك وسأل عمدة البلدة فقال: «إننا معاشر أهل هذه البلدة لا نعد من الأيام إلا الأيام السعيدة التي فشا فيها السرور، ولم يحدث فيها غم»، فقال الرحالة للعمدة: «أرجو إذا مت في بلدكم أن تدفنني في مقبرة من مقابرها وأن تكتب على شاهدها: هنا يرقد فلان، وقد رحل وحج وألف ومات وهو في المهد … لأني لم أجد يومًا ما يسرني!».
أما أنا فلا أعد من الأيام، ما لم أخل فيه لنفسي.
وفي الخلوة أفكر فيما جرى … فأحيانًا أرى أنه يوم عادي لم يجرِ فيه إلا ما كان مألوفًا، وأحيانًا أرى ما يهز مشاعري ويقلق عواطفي، فأرى مثلًا من كنت أعده موطن وفاء ومركز صداقة عتيقة … قد باع صداقته بأرخص الأثمان، وصدر منه ما ليس له تفسير إلا الجحود والنكران، وتبين أنه كان صديقًا وفيًّا يوم كان يؤمل حاجة، أو يطمع في قضاء مصلحة، فلما زال كل ذلك تنمَّر وتنكَّر وقلب ظهر المجن، واتجه اتجاهًا جديدًا إلى من يقضي له حاجته ويؤدي له مصلحته.
•••

وخلوت يومًا إلى نفسي فسألتها: «هل تود أن تعود شابة كما كانت، وأن تستأنف الحياة التي قطعتها من جديد؟»، فأجابت: «إن كانت الحياة تعود والشباب يرجع مع التجارب القديمة، وبعقل جديد قد استفاد مما حصل له … فأهلًا وسهلًا، أما إن كان الشباب يعود بالعقل الماضي، ويرى من جديد التجارب التي حدثت ويسر ويألم ويضحك ويبكي، فلا … وخير ألا أجرب التجارب التي سبق أن جربتها ولا أحيا حياة ثانية كالتي حييتها!».
•••

وسألت نفسي في إحدى الخلوات: «ماذا كنت تستفيد من تجاربك لو حييت حياة ثانية وعدت إلى شبابك؟» فقلت: كنت لا أومن بالناس كما كنت أومن … فكل من رأيت إنما يطلب الخير لنفسه، وإنما يعرفك ويتملقك إذا أحس بالحاجة إليك، ويمقتك ويكرهك إذا أحس الحاجة عند غيرك، وقد استعقلت الشاعر الذي يقول:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوىوصوَّت إنسان فكدت أطير واستعقلت المتنبي؛ إذ يقول:
والناس من يلق خيرًا قائلون لهما يشتهي ولأم المخطئ الهبل ثم لو استقبلت من أمري ما استدبرته، لكرهت الإفراط في كل شيء حتى في الفضائل … فالإفراط في القراءة والكتابة كالإفراط في التدخين كلاهما ضار، والقانون الطبيعي قد يستغفل مرة أو مرتين، ولكنه لا يسمح أن يستغفل دائمًا … فهو يصبر ويصبر ولكنه إذا تنمر لم يفلت، وقسا بالمؤاخذة.
وهزأت بمن يتعب جدًّا في جمع المال، وقد علمتني الحوادث أن لا شيء من المال يساوي الصحة خصوصًا إذا جمع المال على نفقة الصحة، وإن أقرب أقاربي حتى الأولاد لا يستأهلون أن تضيع الصحة في سبيل إثرائهم.
وأحيانًا تلتفت النفس إلى شخصي، وأحيانًا إلى أسرتي إذا جد مشكل كبير احتاج إلى مجهود كبير في حله: من ضائقة مالية أو ضائقة خلقية أو ضائقة اجتماعية.
وأحيانًا يغلب عليَّ التفكير في الأمة عند فشو فساد فيها أو وضعها تحت سلطة حاكم مستبد، يكتم الحرية ويعيث في الأرض الفساد، أو وضعها تحت نظام حكم فاسد، يستغل الحكام الشعب لمصلحته.
وأحيانًا أفكر فيما هو أوسع من ذلك، كالذي حدث لي أيام هجوم الصهيونيين على الفلسطينيين؛ فقد تعب فكري من هذه الحوادث أيها خير للأمة، أتقبل الهدنة أم لا تقبلها؟ أتسالم أم تحارب؟ إلى غير ذلك … وكنت أقرن دائمًا بين ضياع الأندلس على يد الإسبانيين قديمًا، وضياع فلسطين على يد الصهيونيين حديثًا، واتفاق هؤلاء وهؤلاء على أن يقفوا في الحرب بأنفسهم من غير أن يساعدهم من بجوارهم.
بل أحيانًا أيضًا أفكر فيما هو أوسع من ذلك: في الإنسانية جمعاء … كيف يغيب عن زعماء العالم أن في الحرب ضرر الجميع، سواء منهم المنتصر أو المنهزم، وأن الغاية التي يسعى إليها الزعماء مهما كانت لا تساوي ما يهدر في الحروب من دماء وما يصرف عليها من أموال، وأن الجهود العلمية لو بذلت في خير الإنسانية لتقدمت البشرية ولكان الناس إخوانًا، ولم يكونوا ميادين حرب، ولا انقسموا إلى معسكرات، وأن العقل الضيق وحده هو الذي جعل فروقًا بين الشرق والغرب والمسلمين والمسيحيين والصهيونيين، وأن الناس لو عقلوا لرأوا أن الدين لله وحده … لا يصح بحال أن يفرق بين أتباعه.
وعلى كل حال فقد اختلف منزع التفكير باختلاف ما يعتريني من نزعة قوية؛ أحيانًا فردية، وأحيانًا عائلية، وأحيانًا فوضية، وأحيانًا إنسانية.
هذا من ناحية العواطف.
وأحيانًا تؤرقني المشاكل العلمية، عقب قراءة تثير مشكلة علمية أو محاولة بحث في عقدة علمية.
بل أراني مضطرًّا أحيانًا إلى أن أصحوَ منتصف الليل وأفكر في هذه المشكلة، وأضيء النور، وأذهب إلى المكتبة لعلي أعثر في المسألة على رأي جديد أو حل للإشكال، وأسوأ ما يكون ذلك إذا نمت بعد كتابتي في الموضوع؛ فإذ ذاك يظل الفكر يشتغل فيما كنت أكتب، وأحيانًا يوفق إلى حل، وأحيانًا لا يوفق، ولا أزال كذلك حتى أتنبه من نومي، ولذلك آليت ألا أجيز لنفسي القراءة قبل النوم ولا أجيز لها الكتابة.
وأحيانًا تثور عاطفتي الدينية إذا فكرت في المسلمين وضعفهم وانحلالهم، وقارنت بين جهلهم وعلم الأوربيين، وفقرهم وغنى الأوربيين، وتفرق كلمتهم واجتماع كلمة المستعمرين، وسوء حالتهم الاجتماعية … ثم فكرت طويلًا في الأسباب التي دعتهم إلى هذا التدهور: هل هو حكومتهم المستبدة الظالمة، أم هم رجال الدين الذين منوهم الآخرة بترك الدنيا، أو هو سوء عقيدتهم في القضاء والقدر، الذي حملهم على الكسل والإهمال والتواكل، أو هو جميع ذلك كله أو غير ذلك كله؟ وفكرت أيضًا هل هو مرض مزمن يبقى ما بقيت الحياة ويعيش على ممر القرون، أم هو عارض يزول متى زالت أسبابه، ومن أي نقطة يبدأ الإصلاح.
•••

تمر هذه الأحداث كلها على ذهني كأنه شاشة بيضاء تسجل عليها حوادث السينما، وأحيانًا يكون التفكير محزنًا يستعقب البكاء، وأحيانًا سارًّا يستوجب الابتسام … وكل ذلك نتيجة لحالة المزاج وموضوع التفكير، ولكن مهما كان المزاج ومهما كان موضوع التفكير سارًّا أو محزنًا، فالنفس ترتاح إلى هذه الخلوة وتلتذها لذة التاجر يقلب في دفتر حسابه.

الاجتهاد في نظر الإسلام


كنت أتجادل في الشهر الماضي مع معالي الأستاذ علي عبد الرازق باشا، وكنا نستعرض حال المسلمين وما وصلوا إليه من جمود، فقال: إن دواء ذلك أن نرجع إلى ما نشرتُهُ قديمًا من أن رسالة الإسلام روحانية فقط، ولنا الحق فيما عدا ذلك من مسائل ومشاكل، فقلت: إن رأيي أن رسالة الإسلام أوسع من ذلك وهي روحانية ومادية معًا، بدليل ما ورد في القرآن من نظام البيع والشراء والإجارة والمعاملات المالية، ومسائل الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونحو ذلك.
والذي يحل مشاكلنا، هو فتح باب الاجتهاد بعد أن أغلقه العلماء، ولم يكن إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، إنما كان مجرد حالة نفسية واجتماعية؛ ذلك أنهم رأوا غزو التتار لبغداد، وعسفهم بالمسلمين، فخافوا على الإسلام منهم، ورأوا أن أقصى ما يصبون إليه، هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمة مما وضعوه واستنبطوه وأنهم لا يؤملون أكثر من ذلك؛ نظرًا لحالتهم النفسية المتدهورة، فسموا هذا إقفال باب الاجتهاد، ونحن نريد أن نفتحه.
ونظريتنا في الحقيقة تؤدي إلى نفس النتيجة التي يراها الأستاذ علي عبد الرازق باشا، فالاجتهاد الذي نريده، هو الاجتهاد المطلق لا الاجتهاد في المذهب، فهو يشمل كل شيء حتى في تقييد النص ووقف العمل به متى استوفى المجتهد شروط الاجتهاد المبنية في كتب أصول الفقه، من علم بالكتاب والسنة، وعلم باللغة العربية، وعلم بالعرف والتقاليد، وعلم بمقاصد الشريعة، وغير ذلك.
وإمامُنا في ذلك عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — فإنه مثلًا لم يرد أن يعطي المؤلفة قلوبهم من الزكاة؛ لأنه أدار الحكم على العلة وجودًا وعدمًا، فلما لم يكن الإسلام في حاجة إلى تأليف القلوب؛ لكثرة من دخل في الإسلام، وقف إعطاءهم الزكاة، ولما رأى الناس أكثروا من الحلف بالطلاق الثلاث بلفظ واحد أدَّبهم بإيقاعه ثلاثًا، مع أن القرآن الكريم يقول: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ والطلاق الثلاث هو مرة من المرتين، ولما حد المسلم حد الشرب ورآه بعد ذلك قد تنصر والتحق بالقسطنطينية، آلى على نفسه أن لا يحد مسلمًا بعد ذلك أيام الحرب، وسرق مسلم من مُزَينة في أيام المجاعة، فأمر بحده ثم أمر برده، وألزم قبيلته أن تدفع ثمن الفاقة، وقال: إنكم أجعتموهم فسرقوا. إلى كثير له من أمثال ذلك، فكان كما قلت، يدير الحكم على حسب العلة، فإذا لم تتحقق العلة لم يُحَقَّق المعلول.
ومجلس الشورى كان يفعل مثل ذلك في الأندلس؛ فقد واقع عبد الرحمن الناصر زوجته في رمضان، فأفتاه بعض العلماء بتحرير رقبة كما هو الترتيب في الكفارة، فأبى يحيى بن يحيى الليثي رئيس جماعة الشورى عليه ذلك؛ نظرًا لأنه أمير وغني ومن السهل عليه أن يحرر رقبة، فلا بد من عقوبة رادعة، وهي أن يصوم ستين يومًا بدل اليوم الذي أفطره؛ تحقيقًا لمقصد الشريعة، فالاجتهاد الذي نريده من هذا القبيل، فإذا جَد للمسلمين موقفٌ دُرِسَ موقفُهم بعينين:
إحداهما: مقاصد الشريعة الكلية. والأخرى: موقف المسلمين الحاضر. وفي كل عصر تجد مسائل تحتاج إلى هذا الاجتهاد، بدليل ما كان يرد على المرحوم الشيخ محمد عبده من مسائلَ جديدةٍ يطلب أصحابها الفتوى الإسلامية فيها، مثل: ذبيحة أهل الكتاب، ولبس القبعة إذا اضطر الناس إليها، وإيداع المال في صناديق التوفير، والاشتراك في شركات التأمين على الحياة، ونحو ذلك من المسائل والأقضية التي تجد في العالم الذي هو في تطور مستمر، فكل يوم تظهر أحداث تتطلب أحكامًا شرعية، فما لم تُقابَلْ بالاجتهاد العاجل ومجابهة الموقف أصيب المسلمون بالحرج، وكان علماء الفرس? أوسع صدرًا في هذا، وأكثر قبولًا لنظرية الاجتهاد، لولا أنهم أكثروا من شروط هذا بما يساوي الاجتهاد المقيد، ونحن نريد الاجتهاد المطلق. والاجتهاد الذي نريده لا يصح أن يُعْطَى لكل شخص، وإلا كانت الفوضى والاضطراب، إنما نريده لأهل الحل والعقد الذين تتوافر فيهم شروطه كبعض أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وبعض رجال العلم ونحو ذلك، والإسلام مَرِنٌ بطبعه يتحمل مثل ذلك؛ فقد جعل الاجتهاد مصدرًا من مصادر الشريعة، وأباح النبي ? لمعاذ بن جَبَل أن يجتهد برأيه، وأباح للصحابة أن يجتهدوا بآرائهم مع رأيه في شئون الدنيا؛ فقد أمرهم مرة ألا يؤَبِّروا النخل، فلما فعلوا ذلك لم يُثمر، فقال ?: أنتم أعلم بأمور دنياكم. وقد فعل ? أشياء كثيرة لا تتصل بالدين، وإنما فعلها لمزاجه كحبه للدُّبَّاء، أو نزولًا على عادة قومه كطريقة لبسه ونوعه والالتحاء وصبغ اللحية ونحو ذلك، فهذه كلها أمور ليست من الشريعة في شيء، ولكل زمن عُرْفُه وتقاليده، ولكل شخص مزاجه، فخلطُ هذه الأمور بعضها ببعض خلط غير صحيح، وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه امتنع عن أكل البطيخ؛ لأنه لم يعلم الموضع الذي قطعه منه النبي ? وهذه مسألة عاطفية لا صلة لها بالدين، ولكن حبه للنبي ? وحبه للاقتداء به في كل شيء، سواء أكان من العبادات أم من غيرها دعاه إلى فعل ذلك، فهو أمر دعاه إليه الحب لا الدين.
ونحن في زمن تتوالى فيه المخترعات والصناعات، وتغمرنا فيه المدنية الحديثة بألوان كثيرة من المسائل، وكلها تحتاج إلى اجتهاد، فإذا ظهر الراديو مثلًا تساءلنا: هل يصح أن نسمع منه القرآن أو لا يصح؟ والعالم نفسه يواجه هذه المشاكل، فلما اخترعت الطائرات احتاج السياسيون أن يضعوا موادَّ خاصة في القانون الدولي لمرور الطائرات في جو الممالك الأخرى، وكذلك شأنهم في النظم البريدية الحديثة والسفن والقطارات وغير ذلك، فإذا نحن جمدنا لعدم وجود النص، ولم نقابل هذه الأمور وأمثالها بالاجتهاد، وتخلف المسلمون، كانوا أمام أحد أمرين: إما اتباعهم للمبادئ الأوروبية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة كما فعل مصطفى كمال في تركيا، وإما الوقوف من غير إعطاء حكم، وفي كليهما ضرر بليغ.
إن كل نظام تشريعي يلزم لبقائه شيئان: قواعد ثابتة؛ كقول الشريعة: «لا ضَرَر ولا ضِرَار» تركِّزُه وتثبته، وقواعد متموجة مرنة، يستطيع بها أن يواجه الأحداث الجديدة، وفي الإسلام هذان النوعان، ففيه القواعد الثابتة التي نسميها مقاصد الشريعة؛ كحفظ النوع والجنس والمال، وفيه القواعد المرنة؛ كرعاية المصالح المرسلة عن طريق النظر والاجتهاد، وبدونهما أو أحدهما لا تستطيع شريعة أن تبقى.
وقد قرأنا أن أبا حنيفة — رحمه الله — كان يقول: إذا غصب رجل ثوبًا وصبغه بالسواد فقد أدخل نَقْصًا على قيمة المغصوب، فلما جاء تلميذه أبو يوسف، وكانت الحالة قد تغيرت واتخذ العباسيون السواد شعارًا رسميًّا، أفتى بأن الصبغ بالسواد يزيد قيمة المغصوب؛ وليس الأمر تغير الحكم ولكن الأمر تغير الظروف، وكان الفقهاء الأقدمون يفتون بأن من رأَى حجرة في بيت دون سائر حجراته سقط عنه خيار الرؤية؛ لأن الحجرات في البيوت كانت تبنى بشكل واحد، فلما جاءت المدنية الحديثة واختلفت هندسة الحجَر كان من مقتضى ذلك أن من رأى حجرة في بيت لا يسقط عنه خيار الرؤية وهكذا.
وبالأمس كنت أقرأ في كتاب الهوامل والشوامل، فرأيت فيه أن أبا حيان التوحيدي سأل مسكويه عن السبب في أَن المسألة الواحدة يفتي فيها مُفْتٍ بتحليلها، وآخر بتحريمها، فأجاب مسكويه: بأن العبرة باختلاف الزمان أَو المكان، وأَن الاجتهاد يواجه ذلك، قال: على أَن الاجتهاد في نفسه تمرين للعقل بدليل أن ملكًا من الملوك لو أراد أن يلعب بالكرة والصولجان ما أهمنا نجح في اللعب أو لم ينجح ما دام قد مرَّن أعضاءه، والحكيم إذا خبأ الشيء وطلب من الناس أن يبحثوا عنه، فسواء وجدوه أو لم يجدوه فقد حقق الغرض، والمشتغلون بالنظريات الهندسية والرياضية يكفيهم ما بذلوا من جهد في حلها سواء أصابوا أم أخطأوا.
وعلى الجملة لا ينقذ المسلمين إلا فتح باب الاجتهاد الذي أغلقوه، فضيقوا على أنفسهم واسعًا.
? يقصد علماء الشيعة الإمامية.
التسامح الديني في الإسلام


نَعني بالتسامح الديني أن يكون لكل فرد في الأمة حق في أن يعتقد ما يراه حقًّا وأن تكون له الحرية في تأدية شعائر دينه كما يشاء، وأن يكون أهل الأديان المختلفة أمام قوانين الدولة سواء، ولننظر إلى الإسلام في ضوء هذا التعريف نَرَ أنه من حيث مبادئه وتعاليمه الأصلية هو أرقى الأديان في تحقيق هذه المبادئ، والباحث في التسامح الديني في الإسلام مضطر أن ينظر إليه من ناحيتين: ناحية المذاهب المختلفة في الإسلام نفسه، وناحية نظرة الإسلام لأهل الأديان الأخرى.
فأما الناحية الأولى فالمسلمون في عهد نزول القرآن أي عهد النبي ? لم يكونوا إلا مذهبًا واحدًا، ولذلك لا نتوقع أن يكون في القرآن نفسه نص على التعامل بين المذاهب الإسلامية المختلفة، قد يكون هناك بينهم اختلاف في الاجتهاد أو اختلاف في تطبيق المبادئ الإسلامية ولكن لم يتعدَّ هذا أن يكون في مسائلَ جزئيةٍ لا ينطبق عليها كلمة مذهب، وهناك أقوال مأثورة تدعو إلى التسامح مثل ما شاع بين المسلمين «اختلاف أمتي رحمة» وكان هذا سببًا في سعة الصدر بين أهل المذاهب المختلفة من حنفي وشافعي ومالكي إلخ … ومثل ما روي عن الشافعي من قوله: «مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب»، وهو قول لطيف يدل أيضًا على قدر كبير من التسامح، ومن هذا القبيل أيضًا ما شاع بين المسلمين من قولهم: «لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب غيْر مُسْتَحِلٍّ» أي أنه لا يكفر مسلم بارتكابه ذنبًا ما دام غير مستحل له، وأولى من ذلك أنه مهما اختلف المسلمون في المذاهب والآراء والأقوال فيما هو محل للاجتهاد والنظر، فلا يصح أن يكفَّر أحد منهم.
أما نظر الإسلام إلى الأديان الأخرى فهو نظر سمح؛ فقد سمى اليهود والنصارى أهل كتاب، وسمّاهم أهل الذمة، وهما تسميتان في منتهى اللطف، والآيات التي وردت في القرآن في أهل الكتاب تدل على قدر كبير من التسامح خصوصًا في العهد المكي، فيظهر أن اليهود والنصارى قابلوا الإسلام في العهد المكي بشيء من حسن الاستقبال، فكان القرآن في ذلك العهد سمحًا كريمًا، وقد بنى في أساسه على أن القرآن يؤيد الكتب السماوية الأخرى ويتفق معها في أغراضها، وأن الشريعة الإسلامية وارثة لما قبلها ومكملة لتعاليمها وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ، وَلَـ?كِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، والإسلام يعترف بنبوة الأنبياء السابقين كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ويقرر أن أساس تعاليمهم واحدة وكلها من عند الله، فلا غرو بعد ذلك كله أن يكون الإسلام سمحًا مسالمًا حتى لقد نصح أتباعه بأنهم إذا دخلوا في جدال مع اليهود والنصارى بشأن الدين، جادلوهم بالحسنى وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـ?هُنَا وَإِلَـ?هُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، بل نرى في العهد المدني، في أول الأمر مثل قوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، وقوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، ولكن يظهر أن اليهود والنصارى في العهد المدني، بعد ذلك وقفوا أمام الدعوة الإسلامية يهاجمونها ويضعون الخطط لخنقها ويتحالفون مع الوثنيين في الكيد لها والنيل منها فاضطر الإسلام أن يقابل الشدة بالشدة والكيد بالكيد، فَعَلَتْ نغمةُ القرآن في التنديد بأهل الكتاب ووصف أساليبهم القديمة وخاصة اليهود وما فعلوه مع أنبيائهم … فكان موقف المسلمين منهم موقف الدفاع لا الهجوم، ومع ذلك فقد سمح لليهود والنصارى أن يؤدوا شعائرهم في المدينة، ونصح الرسول معاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن بألا يكره يهوديًّا على الإسلام، وفي كتابه إلى نصارى نجران سمح لهم أن يؤدوا شعائرهم وأن يتبعوا دينهم وأن تحفظ لهم كنائسهم وألا يُتدخل في شئونهم ما وفوا بعهودهم.
وسار الفقهاء من المسلمين على هذه التعاليم في فقههم من حسن معاملة أَهل الكتاب، وأَن يكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بل لما فتحت فارس عومل أَتباع زرادشت معاملة أهل الكتاب، ولئن قسا الإسلام بعض الشيء على الوثنيين دون أهل الكتاب، فلأنه يرى أن الوثنية انحطاط في الإنسانية يجب علاجها، وانتشال الإنسانية من حضيضها وعلى هذا سار المسلمون في أكثر تاريخهم على حسن معاملة أهل الكتاب، يحمونهم ما دفعوا الجزية، ويسمحون لهم بالعبادة في بِيَعِهم وكنائسهم، وهذه الجزية إنما شرعت بدل تجنيدهم لأنهم لا يأمنون جانبهم إذا جندوا، ولا يثقون بغيرتهم الحربية، فليدفعوا بدل القتال شيئًا من المال لحمايتهم، ولو قرنت معاملة المسلمين في دولهم لليهود والنصارى بمعاملة النصارى للمسلمين في دولهم، لتبين إلى أي حد كان التسامح عند المسلمين، وفقدانه عند النصارى، حتى ليصح للمسلمين أن يفخروا بتشريع الفقهاء الأولين في معاملة أهل الذمة، وبتطبيق ذلك عليهم في مختلف العصور.
•••

نعم حدث في التاريخ أحداث كثيرة لا تتفق وهذا التسامح الكريم، ولكن إذا دققنا النظر فيها وجدناها ترجع إلى أسباب أكثرها غير ديني، سواء في ذلك الاضطهاد الذي حدث بين المذاهب الإسلامية بعضها وبعض، أو بين المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى، من أهم هذه الأسباب: السياسية، فالنزاع بين الحكومة الإسلامية والخوارج في العهد الأموي وصدر العباسيين سببه أن الخوارج بتعاليمهم يريدون أن يتولى الحكم أصلح الناس ولو كان عبدًا حبشيًّا، ولا يعترفون ببيت أموي ولا ببيت عباسي، ويريدون أن يصلوا إلى مبدئهم بالقوة، فاضطرت الحكومة الأموية والحكومة العباسية أن تحفظ كيانها، وتحمي بيتها في الخلافة بمحاربة الخوارج والقضاء عليهم، وهذا سياسة لا دين.
وانظر إلى النزاع الحاد، والدماء المسفوكة بين السنية والشيعة طول العهد الأموي والعباسي، وبعد ذلك، وما جرى بسببه من دماء تجري أنهارًا، تجد سببه أن أهل السنة من أمويين وعباسيين وغيرهم يرون الحق في خلافتهم، ويرى الشيعة أن لا حق لهؤلاء في الخلافة، وإنما الحق لأهل البيت، وكلٌّ يعمل على أن يصل إلى حقه بقوة السلاح، فالنزاع إذن نزاع على من يتولى الحكم، وهذه سياسة لا دين.
وأحيانًا يقوم بالدعوة الدينية رجال يدعون إلى مذاهب هدَّامة، ويتسترون باسم الدين، وتخشى الحكومة إن سادت تعاليمهم أن تنهار قوّتها، فتضطر إلى محاربتهم، وشكل الحرب شكل ديني، وحقيقته حقيقة سياسية، وكثير ممن خرجوا على الدولة العباسية كانت حقيقة أمرهم الرغبة في إعادة الحكم للفرس ككثير ممن قتلوا تحت ستار الزندقة في عهد المهدي العباسي، وبتهمة المانوية، وقد يستثنى من ذلك الاضطهاد الذي حدث من المأمون والواثق لمن لم يقولوا بخلق القرآن؛ فقد كانت هذه نظرة دينية خاطئة من المأمون؛ إذ ظن أن من لم يقل بالاعتزال وبخلق القرآن فقد أفسد دينه، فهو يريد إصلاح العقيدة قسرًا وقهرًا كما فعل المسلمون الأولون إزاء الوثنيين، وهذا خطأ في التفكير نتج عنه أضرار جسيمة للمسلمين.
ومن العداء السياسي ما كان بين الدولة العثمانية والدولة الإيرانية، فالعداء بينهما عداء سياسي اتخذ شكلًا دينيًّا، يريد العثمانيون الأولون أن يمدوا سلطانهم على الفرس، ويأبى الفرس إلا أن يحتفظوا باستقلالهم، فيؤول ذلك إلى البغض الذي بلغ مداه في عهد السلطان سليم الأول حتى كان من اضطهاده للشيعة في مملكته أن قتل وسجن ما يقرب من أربعين ألفًا، ولكن من الخطأ تحميل الدين جرائر السياسة بدليل أن كثيرًا من هذه الخصومات السياسية حدثت بين أمم إسلامية مختلفة تعتنق عقيدة واحدة سنية أو شيعية، وإنما كان الخلاف بينها على السلطان وسعة الحكم ونحو ذلك.
ولسنا ننكر أن كثيرًا مما حدث في التاريخ من اضطهاد المسلمين للنصارى واليهود، كان ناشئًا عن كراهية دينية وغيرة إسلامية، ولكنها كانت غيرة عمياء من بعض من أصيبوا بضيق النظر، وفهم الدين فهمًا خاطئًا أو كان ردًّا لما يبلغهم عن اضطهاد المسيحيين للمسلمين، فيضطرون أن يعاملوهم معاملة المثل جزاءً وفاقًا، ولكن من الظلم أن نحمِّلَ الدين الإسلامي هذه الأخطاء أيضًا.
وأحيانًا يكون السبب في اضطهاد المسلمين لليهود والنصارى سببًا اقتصاديًّا، فكثيرًا ما كان يحدث أن تولي الحكومات الإسلامية بعض اليهود والنصارى زمام الأمور المالية في الدولة فيسرفون في تعيين أقاربهم وأصهارهم في الوظائف المالية كما يسرفون في بذل المال لهم، وبعد قليل ينظر المسلمون فيرون أن الغنى والترف، وحياة الفخفخة، والأبهة والعظمة، في جانب اليهود والنصارى، وحياة البؤس والفقر في جانب المسلمين، فيثور ثائرهم، ويحطمون هذا الوضع الاقتصادي الظالم، كما حدث ذلك في العهد الفاطمي، وقد كانت الدولة العثمانية في أول أمرها من أكثر الدول تسامحًا لرعاياها من اليهود والنصارى، ومنحتهم من الامتيازات، ما لم يعهد له نظير في الدول الأخرى، ولكن انقلبت هذه الامتيازات، معاولَ لهدم الدولة العثمانية، واتخذت الدول الأجنبية من روسيا وإنجلترا وفرنسا وغيرها، هذه الامتيازات التي لرعاياها وسيلة لنشر الدسائس وتدبير المؤامرات، وخلق الفتن، فاضطرت الدولة بعدُ إلى استعمال كثير من العنف؛ دفاعًا عن كيانها، ومواجهة لنقض الدسائس التي تحاك حولها؛ وكل هذا سياسة لا دين.
وأحيانًا يكون سبب القتال والخصام، تجارة رؤساء الدين، فيرون أن قوة مركزهم، وبسطة نفوذهم، متوقفة على تعصب عوامهم، فهم يستغلون ضيق نظر أتباعهم، ويبثون فيهم روح التعصب؛ حفظًا لمركزهم، ونفوذهم وسيطرتهم، علمًا منهم بأنه إذا ساد التسامح، وكان الناس إخوانًا، فقدوا عزتهم الوهمية، ومكاسبهم الفانية، والأمثلة على ذلك كثيرة.
•••

وبعدُ فإن أوروبا مع تقدمها في فهم الحرية، وجدها المتواصل في بناء حياتها على العلم لا على العواطف، ما زالت بعيدة عن تحقيق التسامح الديني بالمعنى الذي شرحناه في صدر المقال؛ فبالأمس قرأنا كيف هتلر بيهود ألمانيا وقرأنا كيف اضطهد الشيوعيون الدين وحاربوا شعائره، ونقرأ في الصفحات الأخيرة كيف حاربت أوربا المسلمين العرب في فلسطين، ونصرت اليهود عليهم، وعرفنا كيف تخلط أوربا المنفعة السياسية بالعواطف الدينية في معاملتها للمسلمين.
وأخيرًا فهل للمسلمين أن يشتد وعيهم القوي، ويفهموا بعد طول هذه التجارب التي ذكرنا بعضها أنه لم يعد هناك وجه للخلاف بين سني وشيعي وزيدي وغير ذلك من المذاهب؛ لأنهم لو رجعوا إلى أصل دينهم ما وجدوا لهذا الخلاف محلًّا ولوجدوا أنه خلاف مصطنع لا خلاف أصيل، وأن الأمم الإسلامية في موقفها الحاضر أحوج ما تكون إلى لم شعثها وإصلاح ذات بينها، وتوحيد كلمتها، وهي ترى كيف تُهاجَم من كل جانب، وكيف يتخذ إسلامها وسيلة من وسائل الكيد لها، وإذا اتحد أهل الباطل على باطلهم، فأولى أن يتحد أصحاب الحق على حقهم.

ما نعلم وما لا نعلم


وقف مرة الأستاذ آيْنشتاين العالم الكبير عند درج صغير في أسفل مكتبته، وقال: «إن نسبة ما أعلم إلى ما لا أعلم، كنسبة هذا الدرج إلى مكتبتي» ولو أنصف لقال: إنه أقل من هذه النسبة. فإنا لا نعلم أي شيء هو؟ إنا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أي شيء هي؟ وهذا في الدنيا التي نعيش فيها، ونلمسها ونزاول شئوننا فيها، فكيف بالعوالم الأخرى البعيدة عنا؟! نقول: إن العالم مكوَّن من ذرات، ونقول: إن الذرة من إليكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة، ويتغير رأينا في تكوين الذرة بمعدل مرة في كل أربع سنوات، ونتبجح فنعمل من الذرة قنابل ذرية، ونحن لا نعلم عن حقيقتها شيئًا، نقول: إن الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخر الكهرباء في إيجاد الحرارة والبرودة والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها، ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئًا، وإنما نعلم كيف تستخدم، بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وإن كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعلم حقيقته وإنما نعرف أعراضه، وبعبارة أخرى نعرف «كيف» ولا نعرف «ما» و«لماذا».
ما الحب، ما الجمال، ما القبح، ما الحرية، ما كل شيء معنوي؟ كل هذه لا نعرف عن حقيقتها شيئًا، وكل ما يستطيعه العقل أن يعرف صفاتها، ما الدين، ما الخوف، ما الأمل، ما الشجاعة، ما الفضيلة، ما الرذيلة؟ لا شيء غير الصفات.
قد نعلم أن اثنين واثنين أربعة، ثم نعلم أجزاءها ومضاعفاتها، أما سائر الأشياء فنعرف أعراضها ولا نعرفها، وكأنَّا منحنا عقلًا ليس من طبيعته أن يعرف شيئًا عن الحقائق وكل الذي يعرفه الإنسان — لو كان ذكيًّا — أن يوجه سلوكه في الحياة حسب طبائع الأشياء وحقائقها، ولذلك أنصف أصحاب مذهب البَرَاجْمَاتِزم إذ أنكروا قدرة العقل على معرفة الحقيقة، وقصروه على معرفة الوسائل للغايات.
والذين يشتغلون بالعلوم ويقولون: إنهم وضعوا قوانينها كقوانين الجاذبية وقوانين الطبيعة والكيمياء، لا يزعمونها شرحًا للحقائق، ولكن شرحًا لأوصافها، وحتى هي شرح لصفاتها الظاهرة، لا صفاتها الباطنة، إنك تقول: إن فلانًا يحبني وفلانًا يكرهني، ولكن، ما حقيقة الحب والكره؟ لا نعرف! قد تكون معرفة الفن أسهل من معرفة العلم، أو بعبارة أخرى: أسهل من معرفة الحقيقة؛ لأن الفن عمل، والعلم فهم، ونحن على العمل أقدر منا على فهم الحقائق، ولذلك سهلت الحياة؛ لأنها فن، وصعبت معرفة الحقائق؛ لأنها علم، إنك تستطيع أن تعلم أنك إذا صنعت القطار على نمط صحيح لا يصطدم، ولا تخرج عجلاته، وتستطيع بقدر الإمكان أن تتقي الأحداث، وتستطيع أن تترقب النجاح في عمل إذا سرت فيه سيرًا حسنًا؛ لأن هذه كلها فن لا علم، وحتى أنت في هذه عرضة للخطأ؛ فقد يحدث ما ليس في الحسبان، ويخرج القطار عن القضيب، ويصدم بجاموسة مرت عرضًا في الطريق، وتصطدم سيارتك بما لم تقدِّر مطلقًا أنها تصطدم به، فكيف الحقائق المجهولة؟!
إن كان ذلك كذلك، فكيف نأمل أن نعرف العقل والنفس وحقيقة الشعور وما إلى ذلك، كل ما نتحدث به عن هذه الأشياء ألفاظ جوفاء، وتشدق سخيف، لا حقيقة وراءه، ولو أنصف مؤلفو المعاجم، ومحاولو التعريفات، لكفوا عن ذلك؛ لأنهم لا يصلون إلى حقيقته، وإنما يدورون حول أنفسهم، ولو دققت النظر في تعريفاتهم، لوجدتها تعريفًا بالمثل لا تعريفًا بالحقيقة، وأكثر الناس يعيشون بعقيدتهم لا بعلمهم، وبخرافاتهم وأوهامهم لا بعقلهم، فكيف وعقلهم لا يدرك حقيقة ما حوله؟! إن كان هذا حقًّا، فكيف يحاول العقل الإنساني البحث عن الله؟ إنه يكون كقوم لم يعرفوا أرضهم، فبحثوا عن المرّيخ، أو لم يعرفوا ما أمامهم، فحاولوا أن يعرفوا ما فوقهم.
ويعجبني ما ينسب إلى الإمام علي — كرم الله وجهه — في الله تعالى: «إنه لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، لا بِذي عِظَم تناهت به الغايات، فعظَّمته تجسيدًا، ولا بذي كِبَر امتدت به النهايات فكبَّرته تجسيمًا».
كما يعجبني قول ابن أبي الحديد:
والله لا موسى ولاعيسى المسيح ولا محمدعلموا ولا جـبريل وهــو إلى محل القدس يصعدكلا، ولا النفس البســيطة لا، ولا العقل المجردمن كنه ذاتك غير أنـك واحديُّ الذات سرمدفلتخسأ الحـكماء عنحرم له الأفلاك سُجَّدمن أنت يا رسطو ومنأفـلاطُ قبلك يا مُبـلّدومن ابن سينا حين مرّد ما بنيت له وشيـدهـل أنتم إلا الفراش رأى الشهاب وقد توقدفَـدَنَا فأحرق نفسـهولو اهتدى رشـدًا لأبعد •••

وقوله أيضًا:
فيك يا أعجوبة الـكون غـدا الفـكر قليلاأنت حـيرت ذوي اللبْــبِ وبلبلت العقـولاكلما أقـدم فـكريفيك شـبرًا فرَّ ميلاتاكصـا يخبط فيعمياء لا يهـدي السبيلا وفي مثل ذلك من الحيرة — أقرَّ — ابن سينا بعد طول ما أجهد نفسه في فلسفته، وفخر الدين الرازي بعد ما أطال في تأملاته، بالعجز عن معرفة الموجود الواجب الوجود، بل أَقرّا مع هذا بالعجز عن معرفة حقائق هذا الوجود، وأسفا أنْ صرفا حياتهما في غير طائل، ورجع كل منهما بعد طول السفر خاوي الوفاض، وقالا: إنهما لو استقبلا من أمرهما ما استدبرا، لما صرفا حياتهما في شيء باطل، ووهم واهم.
ما أعجز الإنسان! يجهل كل ما حوله، ثم هو يؤلف كل هذه الكتب التي لا عداد لها، ثم يفتخر بها، ولو أنصف لخجل منها، وحرق أكثرها، والأعجب من ذلك هذا الغرور الذي يستولي على بعضهم، فيزعم أنه العالم النحرير، والفيلسوف الكبير، أو يزعم أن عقيدته التي اعتقدها حق لا باطل فيها، وعقيدة غيره باطلة لا حق فيها، فما هذا الحق الذي يتباهون به، ويتعصبون له، ويملؤون الدنيا فخرًا به، ويعيبون غيرهم بالصد عنه؟! كلا ليس في أَيديهم حق بحت وليس يعلم الحق إلا الله، يعلم ما ظهر وما بطن، ويعلم السر والعلن، أما غيره فلا يعلم إلا سرابًا بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

الأدب الشـعبي بين الحرفشة والفصحى


من قديم اشتهرت مصر بالأدب الشعبي، حتى ليمكن تحديد سلسلة من الأدباء الشعبيين، وذلك من شعر خفيف لطيف، كشعر الجزار، والبها زهير، أو زجل ظريف، أو نكت رائعة، كالذي اشتهر به ابن دانيال الموصلي، وابن سودون، والشربيني، والمسرحيات والقصص الشعبية التي كانت تمثل في خيال الظل.
هذا كله قديمًا، وفي الحديث اشتهر الأدب الشعبي بالزجل أيضًا، وبالنكت الظريفة، وكان الشيخ حسن الآلاتي رجلًا كفيفًا من أصل تركي، يلبس العمامة، ولها عدبة على قفاه، وله قهوة في حي السيدة سكينة تسمى المضحكخانة، يقصد إليها العظماء والأمراء؛ ليضحكوا من نكته، وكان يحضرها عبد الله (باشا) فكري، وغيره من العلماء، وكانت أكثر نكته من قبيل المفارقات، مثل: «البردان يقلع عريان»، واشتهر بعده عبد الله نديم وكان ماهرًا في الزجل، وكان يخرج مجلتي الأستاذ، والتنكيت والتبكيت، بعضهما باللغة العامية، وبعضهما باللغة الفصحى، وكان إذا نازل الأدباتية غلبهم، وأقيمت بعض الحفلات للمبارزة الزجلية، كالمبارزة بالعصي والسلاح، وحكى هو نفسه، منازلة كانت بينه وبينهم في طنطا، وانتصر فيها على حد قوله، واستمرت هذه السلسلة، فجاء بعده توفيق صاحب «حمارة منيتي» وكان الشعب يتلقفها لخفة روحها، ثم كانت الصاعقة لأحمد فؤاد، والسيف لحسين شفيق، رحمهما الله.
•••

والذي يقارن بين هذه المجلات ومجلات اليوم يرى أن المجلات القديمة كانت تميل إلى الفحش والأدب المكشوف، ثم ارتقى الذوق، فمالت إلى الأدب المستور، وقلة الفحش، وظاهرة أخرى هي أن المجلات القديمة تهتم بالنكت اللفظية، ثم صارت تميل إلى النكت الغامضة التي تدل على الذكاء.
وفرق ثالث وهو أنها كانت تصرح بالأسماء ولا تخشى جرح عواطف أصحابها ثم سترت الأسماء، واكتفت بالنكت نفسها، أو برموز حرفية، وكانت اللغة الشعبية مملوءة بما يسميه ابن خلدون «الحرفشة» وهي الجفاف والخشونة والابتذال، ثم ترقت اللغة الشعبية برقي أصحابها من جهة، وبالإذاعات السهلة التي تناسب عقول الشعب، وأحيانًا بالإذاعات العامية، كما يفعل الأستاذ فكري أباظة، وما زالت اللغة الفصحى تسهل، واللغة العامية ترقى وتصفو من الحرفشة حتى كادتا تتقاربان، ويكاد لا يكون من فرق بينهما إلا الإعراب.
ونلاحظ أن اللغة العامية أحيى؛ لأنها تستعمل في البيوت وفي الشوارع، وفي الأحاديث العادية، وهذه أمور تكسبها حياة وقوة، وهي ألطف في النكت، فإذا حولت النكتة العامية إلى لغة فصحى سمجت، كما تنبه إلى ذلك الجاحظ من قبل.
ومن ظرف اللغة الشعبية تهزيئها للنحو والصرف تهزيئًا ظريفًا، وأقدم من عرفناه في ذلك الشيخ حسن الشربيني في كتابه «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف» فهو مملوء بهذا النوع، وجرى على أثره الأستاذ الههياوي — رحمه الله — في كتاباته في الكشكول وغيرها.
والناس عادة يتقبلون ما يكتب باللغة الشعبية قبولًا حسنًا؛ لأن النبوغ فيها أبرع، وهي لهم أنسب.
ولا يزال هناك أبواب من أبوابها حية مستعملة، كالزجل الظريف، والأغاني، وخصوصًا ما يؤلفه الأستاذ أحمد رامي، والأستاذ محمود بيرم التونسي، والأستاذ صالح جودت، وما تغنيه لهم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فإن لأقوالهم معاني رائعة.
•••

ولكل أمة لغة شعبية تخالف لغة الأمة الأخرى، فلغة مصر تخالف لغة الشام، وهما تخالفان لغة العراق، وربما كانت اللغة المصرية أظرف وأرق، كما يدل على ذلك المقارنة بين المجلات الهزلية في الأمم المختلفة …
ومن دليل إقبال الشعب على اللغة الشعبية أن الرواية إذا مثلت باللغة الشعبية أقبل عليها الجمهور إقبالًا شديدًا، على حين أنها إذا مثلت باللغة الفصحى لم تجد لها مثل هذا الإقبال، ومن الدلائل على ذلك أن بعض الكتاب يتكلمون باللغة العامية، أو باللغة الفصحى التي لا يميزها عن العامية إلا الإعراب، فيقبل عليهم الجمهور، ويستلذون حديثهم.
ومن مظاهر ذلك أيضًا ما نشاهده من فتح ركن للفلاحين في الإذاعة يذاع باللغة العامية.
•••

على كل حال نشاهد السير إلى الأمام في تقرب اللغة العامية من العربية، وتقرب العربية من العامية، وذلك بفضل الإذاعة ونشر التعليم، وكثرة قراءة الصحف، ومشاهدة السينما، والمنتظر أن يتم التوافق قريبًا فتكون لدينا لغة واحدة، هي لغة فصحى ليس فيها شيء من الغريب، ولغة عامية خالية من الحرفشة، لا يميزها من العربية إلا الإعراب، وهذا الإعراب مشكلة لا بد من حلها، خصوصًا ونحن قادمون على عهد يطلب فيه مكافحة الأمية، وتعميم التعليم، ولا شك أن من أكبر العقبات في ذلك الإعراب، فما يمكن نشره من التعليم في سنتين من غير إعراب، لا يمكن نشره إلا في خمس مع الإعراب.
ونحن نشاهد أن طلبة الجامعة — وقد أمضوا ثلاث سنوات في رياض الأطفال، وأربعًا في التعليم الابتدائي، وخمسًا في التعليم الثانوي، وأربعًا على الأقل في الجامعة — لا يحسنون القراءة والكتابة باللغة الفصحى، فما لم تعالج هذه المشكلة نظل متعثرين في الطريق.
والتاريخ يخبرنا أن اللغات البدائية تبتدئ معربة، وتنتهي في تطورها إلى الإسكان، وما جرى عليها يجري على لغتنا، فالقانون الطبيعي يحارب أي استثناء.

خواطر في الانقلاب الحديث


عشنا بين العهدين … وكان أهم فارق نشعر به، إحساسنا بالعبودية أولًا، وبالحرية ثانيًا، قد كانت تكفي إشارة من البلاط لتنفيذ ما أراد مهما خالف القوانين ومهما استغرق من المال.
الفساد في الجامعة

ومرت عليَّ حوادث كثيرة شعرت فيها بهذا المعنى وأنا في الجامعة، فمثلًا أوحي إلينا في مجلس الجامعة أن نمنح بعض الأجانب دكتوراهات فخرية، وفتشنا في هؤلاء الأجانب، أي خدمة خدموا بها مصر، أو أي نبوغ نبغوه في علومهم، فلم نجد، ومع ذلك انطلقت الأفواه البليغة في الإتيان بالحجج والبراهين، على استحقاقهم هذا الفخر، واعترضت قلة قليلة في المجلس، وتأجلت المسألة من جلسة لأخرى، ثم أخذت الأصوات، فكانت الأغلبية العظمى في جانب منحهم الدكتوراه، والأقلية الضئيلة بجانب عدم منحهم، وكانوا يقولون: إنه إذا كان ولا بد، فلتمنح الدرجة لبعض نوابغ المصريين الذين خدموا مصر خدمة حقيقية، فنزل الوحي أيضًا بتشريد هؤلاء الذين يعارضون وعدم إبقائهم في الجامعة، وكان من ذلك ما كان.
وكانت إدارة الجامعة تطلب بعض الإصلاحات في الأبنية أو الطرقات، فلا يُسمع لها كلام، وتكرر الطلب حتى بُحَّ صوتها، ولا فائدة، ثم تأتي إشارة بأن الملك يريد أن يزور الجامعة، فإذا كل الإصلاحات المطلوبة وأكثر منها تعمل في سرعة البرق.
وهكذا وهكذا من مئات المسائل التي تدل على أن أمور الناس حتى في الجامعات والبرلمانات لم تكن في يدهم، وإنما هي في يد غيرهم.
العدالة الاجتماعية

كان نظام الطبقات في مصر بالغًا حده، فمترف غاية الترف، يأكل أنعم الأصناف، ويلبس أفخر اللباس، وإن شاء أن يشعل لفافته بورقة مالية من ذوات المائة جنيه فعل، وتتدفق الأموال الهائلة على الخمور والكباريهات وسائر الشهوات تدفقًا فظيعًا، ثم إلى ذلك رجل يجلس بجانب صندوق القمامة، ينقي قشر البطيخ ليسد به جوعه، ويلبس ثيابًا مهلهلة لا تكاد تستر جسمه، فأعلن الانقلاب تحديد الثروة الزراعية، والأخذ بيد الفقير، والتشريع له، حتى تتحسن حالته، وإلى جانب ذلك أعلن أن الناس كلهم غنيهم وفقيرهم أمام القانون سواء.
ومن التقريب الذي أحدثه الانقلاب بين الطبقات، إلغاء الرتب، وتساوى الناس في الألقاب، فإن لخصت كل ذلك في كلمة، قلت: إن الغاية من الانقلاب هي تحقيق العدالة الاجتماعية.
أعدل النظم

انتقلت القيادة من يد البلاط والبرلمان إلى يد الضباط، وهذا شيء دعت إليه الضرورة، ولكن أملنا كبير في أن الحالة تعود إلى مجراها الطبيعي، وهو: أن تحكم مصر بدستور عادل وبرلمان حر نزيه، فهذا هو الوضع الطبيعي للأشياء، فإن أمام مصر أهدافًا داخلية، وأهدافًا خارجية، على جانب عظيم من الأهمية، ومما لا شك فيه أيضًا أن وضع الأمور في يد السياسيين المختصين والبرلمان الذي انتخب أعضاؤه انتخابًا حرًّا نزيهًا هو أعدل النظم لحكم البلاد.
الشعور بالقدرة

كان من نتائج الانقلاب شعور البلاد بقدرتها؛ فقد كانت حركتها رائعة حقًّا، أحدثت الانقلاب على أكبر قوة في هدوء ونظام من غير إراقة دماء، وقد كان الظن أن القوة المالكة الهائلة كانت قد تحصنت تحصنًا كبيرًا، واتخذت العدد العديدة لكل الاحتمالات، فلما هزمت بلباقة، أحس المصريون بقوتهم، والنجاح يدعو إلى النجاح، فلما نجحت الثورة، فتح ذلك نفوس الثائرين إلى أَن يوالوا الحملات، فحملة على الأغنياء، وحملة على المرتشين، وحملة لتعميم زراعة الأشجار، وإصلاح الأراضي الزراعية، وحملة لزيادة الإنتاج، وحملة لتنظيم التعليم، والصحة وغير ذلك، وكل هذا حسن وجميل، وقد بدأ وأخذ سيره الطبيعي في زمن قصير.
إصلاح النفوس

ما أسهل تغيير الظواهر، وما أصعب تغيير النفوس! لقد ثرنا وغيرنا كثيرًا من القوانين، ولكنا لا نزال في حاجة شديدة إلى إصلاح النفوس، لقد مضى زمن طويل ونحن نقدس الحاكم، وننظر إليه كما عبر المرحوم سعد باشا نظرةَ الطير للصائد، فما أَحوجنا إلى أن ننظر إليه نظرة الأخ الكبير الذي يرعى أخاه الصغير ويأخذ بيده، حتى يقف على قدميه.
ومع كل ما عمل من إصلاحات، فأكثرها مع الأسف لم تتشربه أرواحنا، ألغينا الألقاب، ولا تزال على ألسنتنا الألقاب، واختفت الألقاب في المجلات والجرائد والمكاتبات الرسمية، وظلت في الأحاديث الخصوصية، ودعونا إلى غرس الأشجار، وتربية الدواجن تربية على أحدث طراز وغير ذلك من أنواع الإصلاح، ولكني أخشى أن يكون ذلك كله أمرًا شكليًّا، وهندمنا الأرستقراطية وأحيينا الديموقراطية، ولكن، لا يزال في باطن الناس اعتبار أرستقراطية الغنى والمنصب والجاه، ولا زلنا في حاجة شديدة إلى أن نفهم معنى الديموقراطية الصحيح، وهذا طبيعي؛ لأن تغيير النفوس بين يوم وليلة محال، فلا بد أن يمضي زمن حتى تكره القديم وتألف الجديد، وأخشى ما أخشاه أن يتدرجوا إلى القديم شيئًا فشيئًا، بدل أن يتخلوا عنه شيئًا فشيئًا.
دق الطبول

لقد لاحظت آسفًا أن دق الطبول كثير، وصوت المعارضة ضعيف، وهذا مما يؤيد قولي السابق: إن النفوس لم تتغير تغير الظواهر. وكان الظن أن كابوس الاستبداد قد زال بتحرير الأفكار، وإطلاق الألسنة المؤدبة بالنقد، ولكن حدث أن رجعنا إلى القديم، وأصبحنا كلنا طبالين زمارين، وهو شيء كما قلنا يؤسف له؛ لأن الحياة الصحيحة تبنى على أساسين متعارضين، لا على أساس واحد، وهما التأييد والمعارضة، وسير الأمة سيرًا صحيحًا من بينهما، وقد تعلمنا من تركيا درسًا قاسيًا وهو أنه قد أخفت صوت المعارضين، ولم يبح القول إلا للمؤيدين، ففشا الفساد واضطربت الأمور، وأدرك العقلاء خطأهم بعد حين، فهل يمكننا أن نتعلم من هذا الدرس؟
نعم: إن هناك عذرًا للقائمين بالأمر، وهو أن الثورة والانقلاب عادة يضران بأناس كثيرين، أغنياء ضعف غناهم، وذوو سلطات غير مشروعة قَلَّتْ سلطاتهم، ووجهاء فقدموا جاههم، وأصحاب مناصب كبيرة فقدوا مناصبهم … كل هؤلاء وأمثالهم قد ينقمون على الانقلاب الذي حرمهم من امتيازاتهم، ويتمنون الفرصة التي تسنح لإعادة حالتهم إلى ما كانت عليه، بل قد يتعدون انتهاز الفرص، إلى الاشتراك في العمل المضاد، فمثل هؤلاء إذا أرخي الحبل لهم، عاثوا في الأرض فسادًا حتى يعيدوا الأمور سيرتها الأولى، وإذا بنا في وضع سيئ كالذي كان.
إزاء ذلك لا بد من أن نقول كما يقول الفقهاء الأقدمون: «إن الضرورات تبيح المحظورات» وهذا قول صحيح، ولكن نقول مخلصين، كما قال الفقهاء أيضًا: «إن الضرورات تُقَدَّرُ بقدرها» ليحسب حساب الخطر بقدره فقط، ويحسب حساب زمنه فقط، حتى لا تزيد معالجته ولا تنقص، وهذا مطلب عسير.

جمهوريتنا الأولى


من كان يظن أن مصر التي حكمت آلاف السنين من عهد الفراعنة إلى اليوم بالملوك المستبدين — إلا قليلًا منهم — تستطيع أن تتخلص منهم في عشية أو ضحاها وتنقلب جمهورية؟ لقد حكمها الملوك واستبدوا بأهلها وأذلوهم واستغلوهم، وكانوا كما قال أبو العلاء المعري:
ظلموا الرعية واستجازوا كيدهاوعدوا مصالحها وهم أجراؤها كانوا ينعمون فيها بكل مظاهر الترف والنعيم ويستغلونها بكل أنواع العسف ويعدون مزارعها وقصورها من أملاكهم الخاصة، كما يعدون الناس عبيدًا لهم، وكانوا يختارون من تخضع لهم رقابهم ويقبلون أيديهم وأرجلهم، ثم هم يحكمونهم في رؤوس الناس جزاء خضوعهم لهم، وأشاعوا أن الدم الذي يجري في عروقهم غير دماء الناس، وأنه دم إلهي اختاره الله لهم، واستحثوا العلماء على وضع الأحاديث التي تؤيدهم مثل: «السلطان ظل الله في أرضه»، ووجهوا خطباء المساجد أن يدعوا لهم على المنابر ويشيدوا بذكرهم، ويكفي الملك أن يتظاهر أمام الناس بصلاة الجمعة وباللعب بحبات السبحة حتى يلقبوه بالملك الصالح مهما يرتكب بعد ذلك من الآثام، ويكفي أن يمنحهم منحًا قليلة ليسبحوا بحمده ويشيدوا بذكره، وما دروا أنه إنما يمنحهم عرق جبينهم أو عرق جباه أمثالهم، ومما استغله من أموالهم، حتى لقد أسسوا ملكهم على مدى الأيام وأصلوا سلطتهم على مدى الزمان فما كان أعظم ألقابهم وأروع نعوتهم، وأفسدوا الأدب واللغة فكان الأديب الكبير هو من تملقهم، والخطيب البارع من أشاد بذكرهم، وملئت اللغة بألفاظ الضخامة والفخامة ونعوت الذلة والخضوع … ولذلك تأصلت في الأمة كل هذه الآثار، وبرغم إلغاء الألقاب والرتب، لا تزال تجري على ألسنة الناس، ولا بد من أجيال طويلة حتى تختفي «سعادتك وعزتك».
وقلدهم الأغنياء فخضعوا للملوك ليستذلوا بقية الرعية، وبذلك انقسم الناس إلى طبقات يستعبد بعضها بعضًا … فحملت الجمهرة الكبرى من الشعب ممن فوقهم أثقالًا فوق أثقال.
وجاءت أخيرًا الجمهورية التي لا عهد للناس بها … والجمهورية في أسمى معانيها ترمي إلى أن يكون الناس سواء، لا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل الصالح، وأن يقال للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت، وأن تقدر الناس بالكفاءات لا بالرتب، وهي تتطلب مطالب عسيرة لا عهد لنا بها، تتطلب انتباه الوعي القومي حتى يميز جيدًا بين الحسن والسيئ، وتتطلب تغيير العلاقة بين الحاكم والمحكوم: لقد كان المحكوم ينظر إلى الحاكم كما ينظر الطير إلى صائده، وينظر الحاكم إلى المحكوم كما ينظر الصائد إلى الطير والمستغل إلى الغلة، والجمهورية تتطلب أن يزول كل ذلك، وتحل محله نظرة الأخ إلى الأخ، وتتطلب أن يؤدي كل واجبه في أمانة وإخلاص، وأن ينظر الحاكم إلى أن الوظيفة تكليف لا تشريف، وأنها عبء ثقيل عليه يتمنى لو حمل عبئها غيره واستراح، وأن يكون من تنبه الوعي القومي ما يستطيع معه الرجل الصغير أن يقول للرجل الكبير: أسأت أو أحسنت في أدب ولباقة، ومن لنا بكل ذلك بعدما عانيناه آلاف السنين إلا بمشقة كبيرة وتربية جهيدة.
•••

وعلى ذكر ذلك نرى أن الجمهورية في أشد الحاجة إلى تغيير مناهج التربية وأساليبها وتعاليمها … فقد تعودنا أن نبني التاريخ على الملوك، وأما الشعب فمهمل في كتبه، ولذلك نقلب صفحات التاريخ فلا نرى إلا ملوكًا يسالمون أو يحاربون، ويقتلون أو يصادرون، ولا يرتفع صوت لتنبيههم إلى أَخطائهم، وبين جملة من الصفحات نرى فلتة من الفلتات تشير إلى الشعب … فما أحوجنا إلى كتب تعلم الشعب أنه هو كل شيء والحاكم ليس إلا خادمًا له، أو كتب في التربية تنشئ التلميذ من الصغر على أنه إنسان ذو حقوق وواجبات يطالب بحقوقه ويثور لها إذا أهملت، ويؤدي واجباته على أكمل وجه، لقد سمعت أن أميرًا قريب العهد أراد أن يجرب مدفعًا وأمر بإطلاقه، فقيل له: إنه إذا أطلق هكذا قتل بعض الناس، فقال: «وهل نحن استلمناهم بعدد؟!» كأنهم سلع لا قيمة لها!
لقد بلغ من ذلنا واستبداد الملوك بنا أن ضاعت نفوسنا في الداخل وصغرت قيمتنا في الخارج، فكان المسافر منا يذكر أنه مصري في ذلة وخضوع، ويحس كأن وصمة علقت به، فسيكون من أثر الجمهورية الصالحة عزة النفس وارتفاع الرأس والإحساس بأنه إذا قال: أنا مصري، كان ذلك فخرًا له وعزة لنفسه.
إن الجمهورية حرية، ولكنها حرية مقيدة بالعمل للمصلحة لا فوضى يفعل الإنسان فيها ما يشاء.
لقد كان الملوك يظنون أنهم ملوك إلى الأبد، وأنهم إن أدركهم الموت خلفهم أبناؤهم وأبناء أبنائهم إلى القيامة، وأنهم لا يُسألون عما يفعلون، وأنهم ليسوا في حاجة إلى حكم الشعب رضي أم سخط، أما الجمهورية فمن أهم فضلها أن رئيسها يعتقد أنه من الشعب، وأن بقاءه رهن برضا الشعب … لأنه يعرف أن الناس إن سخطوا عليه لم ينتخبوه ثانية، وإنما ينتخبون من يظنون أنه يحقق مطالبهم وينشر العدل بينهم — والعدل يراعى من الجانبين: الحاكم والمحكوم — فهو لا يستند إلى أسرة عريقة تصعب إزالتها وإنما يستند إلى رضا الشعب الناشئ من العمل الصالح.
•••

والعالم سائر من الملكية إلى الجمهورية، وكل يوم نسمع أن ملكية سقطت، وحلت محلها جمهورية بسبب تعسف الملوك وتنبه الرعية، وحتى ما احتفظ منها بالملكية كإنجلترا إنما احتفظت بها؛ لأن الملك فيها يملك ولا يحكم، فهي ملكية في الظاهر جمهورية في الحقيقة.
وأسخف أنواع الحكم حكومة تتسمى بالجمهورية وتتصف في الباطن بالملوكية، فتعسف وتظلم وتجور وتستبد، ولا يبقى لها من الجمهورية إلا اسمها، وما فرحنا بالألفاظ إذا ساءت المعاني؟!
إنا لنود مخلصين أن تكون جمهوريتنا الأولى واضعة الأساس الأول، وأن تكون جمهورية لفظًا ومعنًى … إن الجمهورية تحتاج إلى سند قوي متين كما كان الملوك يحتاجون إلى سند قوي متين، إن الملوك استعانوا بالمنافقين من رجال الدين يسبحون لهم ويكبرون، واستعانوا برجال الحكم يخضعون لهم ويقبلون أيديهم نظير نشوب أظافرهم في أعناق الناس، والجمهورية الصحيحة تحتاج إلى مساعدة من الصحافة، تقف موقف المحامي النزيه والقاضي العدل، فتخطئ ما رأت من الخطأ، وتؤيد بشجاعة ما ترى من صواب، وتنقد في قوة ونزاهة، كما تحتاج إلى معونة رجال الفكر والقلم يوجهون رجال الحكم في الجمهورية الوجهة الصحيحة، ويخذلون تصرفاتها السقيمة.
•••

لم تقم الحكومة من الحكومات في أي شكل من أشكال الحكم إلا بالاعتماد على الرأي العام، ولا قيمة للرأي العام إلا إذا كان حرًّا نزيهًا لا يطبل ولا يزمر لكل حاكم في دولته، بل يقول لا، في موقف لا، ونعم في موقف نعم.
أظن أننا لا نحتاج في تعودنا حكم الجمهورية إلى زمن كالذي اجتزناه في الخضوع للملكية؛ فقد أصبح الزمن أسرع والأمم أوعى وأصبح العالم كوحدة من سرعة التنقلات والإذاعات … فكل ما يجري في أمة يعلمه العالم ويؤيده أو ينقده ويشجع على بقائه أو فنائه، وهذا ما يجعلنا نحس مسئوليتنا، فلسنا في جانب منعزل نعمل كما نشاء وننتظر حكم الزمان كما يشاء، إنما أمورنا مكشوفة لنا ولغيرنا معرضة للحكم منا ومن غيرنا، ولا قيمة في ذلك للألفاظ الجوفاء والعبارات الصماء إنما القيمة للعملِ، فالعملَ العملَ، والله الموفق.

غيروا مناهج الفن والتاريخ يتحقق لكم السلام


جرى العالم إلى الآن شرقيه وغربيه على أن يكون الفن في خدمة الحرب، فمن قديم استخدمت الموسيقى في الجيش لتعزف أمام الجنود تحمسهم للقتال وتنسيهم أنفسهم في المعارك، علمًا منهم بأن الموسيقى تفعل في العواطف ما لا يفعل غيرها، فالموسيقى — كما فعل الفارابي — في يد الفنان قادرة على أن تضحك وتبكي وتوقظ وتنيم … كما فعل في مجلس سيف الدولة؛ إذ عزف على قانونه — كما يروون — فأضحك، ثم عزف فأبكى، ثم عزف فأيقظ، ثم عزف فأنام، ثم خرج وترك سامعيه نائمين، ونحن إلى الآن نشاهد ذلك، فموسيقى مرحة كالجاز باند، وموسيقى حزينة كأنغام الصبا، وليس هذا شأن الموسيقى وحدها … بل كل الفنون من آداب وشعر وخطب وتصوير ونحت، قادرة على خدمة الحرب وقادرة على خدمة السلام.
فالمصور يستطيع أن يصور عينا تبكي فتبكي، وعينًا تضحك فتضحك … وقد حكوا عن ابن نباتة أنه كان في الحروب الصليبية يهيئ الناس للحرب فيحاربون، وكان عبد الملك بن مروان مترددًا يومًا بين أن يحارب وألا يحارب، فما هو إلا أن خطر على باله بيتان من الشعر فتحمس وخرج يدعو للقتال … ومثل هذا روي عن أبي جعفر المنصور، والشواهد كثيرة على أن الفن ظل قرونًا في خدمة الحرب ونجح في ذلك.
واليوم أدعو إلى استخدام الفن في خدمة السلام، فبدلا من إثارة الموسيقى لعواطف الحرب، تثار لعواطف السلم … وكذا الأدب والتصوير، وهي نظرية لم تجرب إلى اليوم، فالدعوة السياسية للسلم لا تفيد إلا إذا دعمت بالفنون، ولو أراد العالم السلم الحقيقي لأمكنه ذلك بشيء واحد، وهو تغيير برامج التعليم وتغيير المناهج في التاريخ والفن … فبدل إشعال نار الوطنية في نفوس الطلبة وحكاية الانتصارات والانكسارات في الحروب وتعويد الأطفال الفرح بالمدافع في العيد والفرح بالمفرقعات، تحكى الأعمال العظيمة التي عملت لنشر المدنية وحمايتها، وكذلك الأدب والفنون، وتأسيس العلاقات بين الأمم على أساس إنساني لا على أساس قومي.
ولا شك في أن رؤية المناظر الطبيعية التي تشعر بالضعف الإنساني، كمنظر غروب الشمس في البحر أو منظر الجبال العالية المكسوة بالثلج تجعل الإنسان أقرب إلى السلم منه الحرب، وما علينا إلا أن يتعاون علماء الموسيقى وعلماء النفس على تقييد النغمات التي تبعث على السلم وتعليمها وإذاعتها … ولا شك أن الأمة التي تشيع فيها النغمات السلم تكره الحرب، ولكن إذا أنت ضربت على الطبل نغمة قوية مثيرة هاج الناس بالقتال.
•••

إن الموسيقى السلمية ترهف العاطفة وترقق الذوق، ومن به ذوق سليم وعاطفة صحيحة ينفر من الحروب ويعدها قلة ذوق، حتى في الحياة العادية يكلمك إنسان بصوت غليظ فيستثير عاطفتك الحربية، ويكلمك إنسان بصوت وديع رقيق فيثير عندك عاطفة الرحمة والإنسانية، ومن أجل هذا كان صوت النساء أدعى إلى الرأفة والعطف من صوت الرجال.
ومثل الموسيقى الفلسفة … ألا ترى أن الفيلسوف إذا دعوته للحرب تخاذل؛ لأنه يوازن بين أثرها في الأرواح وبين مكسب الحرب فلا يجد شيئًا يساوي قتل الأنفس؟ وهو يرى ببصيرته العواقب الوخيمة للحروب فيتراجع، كما قالوا: من أطال النظر في العواقب لم يتشجع.
وكذلك الشأن في الأدب … استثر الأمة بقولك: إن العدو يهين كرامتك ويستغل ثروتك ويفسد عليك حياتك وأمثال هذه المعاني، تجد الأمة ثائرة مندفعة إلى الحرب، وقل لهم: إن العدو لا يريد من عمله هذا إلا الخير، تهدأ نفوسهم وتطمئن مشاعرهم، وأكبر مثل على ذلك الأناشيد؛ فقد اعتاد الناس أن يؤلفوا الأناشيد، دائرة حول التضحية بالدم والذود عن البلاد بإراقة الدماء فعملت عمل السحر، ولو ألفت الأناشيد بألفاظ ومعان رقيقة وموسيقى رخيمة لأنتجت العكس.
إن الفنون كلها تعتمد على الجمال، والذوق المؤسس على الجمال يرى في الحرب قبحًا وفي السلم جمالًا، والمعاني عادة تلبس أَثوابًا من النغمات، ومن الممكن إلباس المعاني الهادئة ثوبًا هادئًا يطمئن النفس ويهدئها، ويمكن إلباسها ثوبًا جافًّا غليظًا يشعل النار في النفوس ويهيجها.
وقد يقول قوم: إن كل أمة لها فنها الذي يختلف عن فنون الأمم الأخرى، ولكن ما ضرر هذا وكل فن يطلب منه أن يكون داعيًا للسلم تفهمه أمته، والأمم جميعها تفهم فنونها السلمية.
لقد آن الأوان أن يدعو اليونسكو إلى شيئين: دعوة لاستخدام العلم في الإسعاد دون الإشقاء وفي البناء دون الهدم، ودعوة إلى استخدام الفنون في حب السلم دون الحرب، وفي إنماء العواطف الإنسانية لا القومية … فإن لم يفعل ذلك حكم عليه بالفشل.

لو كنت شيخًا للأزهر!


هذا موضوع شائك، وماذا أفعل وقد عجز عن إصلاحه الشيخ المهدي، والشيخ محمد عبده، والشيخ المراغي، والشيخ عبد المجيد سليم … هذا في عصرنا الحديث، وعجز مثلهم من كان قبلهم، لذلك كنت أتردد كثيرًا في قبول هذا المنصب … فإذا قبلته عملت، ما أمكنني، على إصلاحه.
وأول هذا الإصلاح أني أسائل نفسي: ما رسالة الأزهر؟
فأجيب بأن رسالته التعليم الديني العالي، ونشره في الأقطار الإسلامية، لذلك كان من البديهي أن أجعل الأزهر كلية جامعية فقط، تدرس الدين وتوابعه، فلا شأن له بالتعليم الابتدائي والثانوي … فذلك تتولاه وزارة المعارف، وليس الأزهريون بدعًا من الطلبة، فيجب أن تتوحد دروسهم مع طلبة المدارس المدنية أولًا، ثم يتخصصون بعد ذلك للدين كما يتخصص غيرهم للهندسة والطب والحقوق، وبذلك أستطيع أن أبذل جهدي كله في التعليم العالي، غاية الأمر أني أعيد تجهيزية دار العلوم؛ لأنها كانت تعلم تعليمًا ثانويًّا على نمط خاص، وتتوسع في اللغة العربية وفي التاريخ الإسلامي وفي الأدب العربي اتساعًا يجعلها بحق إعدادًا للأزهر.
أما الأمر الثاني: فهو أن الأزهر منار للعالم الإسلامي، فيجب أن يكون منارًا للخلق والعلم، فأجتهد أن أجعل الأزهر كما كان في العهد الماضي مطلوبًا لا طالبًا، ومعززًا لا مستجديًا وشيخه يقول الكلمة فترتج منها الحكومة، ويرتج منها العالم، وهذا يتطلب أمرين: الأول: بعد الأزهر عن السياسة، فالمنارة كالشمس تضيء للناس على السواء، وليس من الحق أن يناصر الأزهر سياسة ما، وخصوصًا السياسة الحزبية، فإني أفهم الأزهر يناصر السياسة القومية لا الحزبية، فإن الأزهر باق والأحزاب متغيرة، فليس من الحق أن ينصر الأزهر لأنه جارى سياسة ما، ويضطهد لأنه جارى سياسة معاكسة … كما أنه ليس من الحق أن يتقلب الأزهر مع السياسة من حين إلى حين، فإن هذا يضعفه في رأي الناس.
والأمر الثاني: أني من أنصار اختيار العدد الصالح من الطلبة والعلماء، كما أني من أنصار اختيار الطلبة في الجامعات، ولست من أنصار فتح الباب على مصراعيه، فالتعليم العالي لا يصلح له إلا الخاصة، ومنه الدين، بل أحدد عدد الأزهريين بقدر صلاحية الطلبة والمدرسين المعينين والمنتدبين وبقدر حاجة البلاد إلى هذا الصنف وبقدر ميزانية الدولة، وأظن أن ميزانية الأزهر التي خصصتها له الدولة كافية لتعليم عدد لا بأس به … فإن لم تكفِ، وجب على الحكومة أن تزيدها.
•••

وإذا نظرنا إلى الأزهر في هذا الضوء، وجدنا خمسة آلاف أو ستة آلاف أو هذا النحو تكفي للعالم الإسلامي، فليس الأزهر ولا أية كلية من الكليات «تكية» ينتسب إليها الطالب لقضاء وقت فراغ، أو للهرب من القرعة، أو لأي غرض آخر … إنما الغرض تحصيل العلم لأداء الرسالة المخصصة لكل كلية.
ثم أتجه بعد ذلك إلى التعليم في الأزهر، فأساير الزمان وأجعل التعليم على أسس التربية الحديثة … فلا أجعل جد الطلبة منصرفًا إلى كلام غير ذي موضوع، ولا أجعله جاريًا على أساليب القرون الوسطى … وإنما أجعل ما اشتهر عن طلبة الأزهر من الجد منصرفًا إلى الموضوع لا إلى الشقشقة اللفظية، وإلى الجوهر لا إلى العرض.
•••

وأختار من الموضوعات ما يناسب العصر الحاضر والمستقبل لا الماضي، وأجعله بلغة العصر وأساليب العصر لا بلغة الماضي وأساليب الماضي، وأجعل الأزهر طلبته وعلماءه يقفون على الحياة الاجتماعية في بلدهم وفي العالم الإسلامي وفي الخارج فيقصرون علمهم على الشعب، ويجعلون من اختصاصهم الدعوة إلى الدين على النمط الذي يفهمه الشعب ويتأثر به، مستمدين علمهم ووعظهم من الحوادث الحاضرة كما يفعل القسس في البلاد الأوروبية: فلا يكونون منعزلين عن العالم جاهلين به متجاهلين له، فكما أن كل شعب محتاج إلى من يثقفه ثقافة دنيوية من طبيعة وكيمياء إلخ على آخر ما وصل إليه العلم الحديث، فكذلك علماء الأزهر مطالبون بنشر الثقافة الدينية وعرضها عرضًا حديثًا.
ثم ألغي القرار الذي وضعه المرحوم المراغي في الامتحان في المقروء لا في المقرر … فإن هذه زلة كبرى تجعل الطلبة يضربون إذا شاءوا ويجادلون متى أرادوا؛ رغبة في قلة المقروء، واعتمادًا على أن لا امتحان إلا في المقروء، وكلما كان مقروؤهم أقل كان نجاحهم أقرب إلى التحقيق …
وأحيط طلبة الأزهر وعلماءه بسياج يبعث فيهم الكرامة وعزة النفس، وأفهمهم أن الدين وطلابه أزهد الناس في درجات وعلاوات، وأن ليس للأزهريين حق إلا في أن يعيشوا عيشًا موفورًا لا ذلة فيه ولا ضعة، وعلى الحكومات أن توفر لهم ذلك ثم على رجال الأزهر أن يترفعوا عما بعد ذلك، فلئن كانت العلاوات والترقيات أفسدت رجال الدنيا فواجب أن يتحرز منها رجال الدين.
ثم إذا وجدت من يقف في طريق إصلاحي، استأصلته من غير هوادة ومضيت قدمًا حتى يتسنى لي الإصلاح … وحبذا لو استطعت أن أجعل الأزهر مدرسة داخلية مصونة من كل عبث خارجي، ألقي فيه المحاضرات النافعة وأفتح لأبنائه وعلمائه المكتبات النافعة، وأمنع بذلك التسكع خارج الدار، وأختار عددًا قليلًا من العلماء أتوسم فيهم الخير … أجعلهم مشرفين على الطلبة وأجعل كل طائفة منهم متصلة بهذا الشيخ يفضون إليه بدخائلهم ومشاكلهم النفسية والمادية.
•••

قد تقول: إن هذا برنامج خيالي، وقد كان من قبلك من هو أَصلب عودًا وأحد أنيابًا وأحزم منهاجًا، فلم ينجح وباء بالفشل، فأقول: إني سأجرب من جديد، فإذا لم أنجح أنا أيضًا تركت الدار تنعي من بناها، وفررت بنفسي وضممت فشلي إلى فشل غيري …
فإن لم يكن إلا أن أقول هذا لأطلع الشيخ الجديد على منهج جديد؛ ليكون أمامه وجوه الإصلاح المختلفة فيختار منها أصلحها لكان كافيًا.
قد يكون هذا المنهج مرًّا، ولكن عاقبته حلوة، والطبيب الذي يعطيك المر فتشفى خير من الطبيب الذي يعطيك الحلو فيستمر مرضك.

لماذا كفر الشباب بالزعماء؟


الشباب دائمًا عماد كل زعيم في القديم والحديث؛ لأنهم كما قال أبو العتاهية: رائحة الجنة؛ قويت عضلاتهم، واشتدت سواعدهم، وتفتحت آمالهم، ولأنهم من ناحية أخرى لم يتحجروا كما تحجر الشيوخ، فهم أقبل للدعوة الجديدة وأحرص عليها، وأسخى تضحية في سبيلها؛ لذلك كانوا عماد الزعيم في كل عصر.
وكلما كان الزعيم شابًّا مثلهم كانوا له أطوع؛ لأنه إذ ذاك يشعر بشعورهم ويحس بآلامهم ويأمل آمالهم، أما إن كان شيخًا هرمًا فله جيله ولهم جيلهم، وله تعاليمه ولهم تعاليمهم، إلا إن كان سابقًا لزمنه كما هو الحال في بعض الزعماء فيكون قد جمع بين بعد المدى وسعة العقل وكثرة التجارب، فهم مع مناسبتهم لجيلهم أكثر اندفاعًا، فإن كان الزعيم تقدميًّا استطاع أن يحمسهم ويقلل من اندفاعهم ويكون جامعًا بين المزيتين اللتين تأوه منهما إسماعيل صبري؛ إذ قال:
أواه لو عرف الشبابوآه لو قدر المشيب وبذلك استطاع مصطفى كامل وقد كان في ريعان شبابه أن يصرخ في الشباب أمثاله فيحمسهم وينفخ فيهم من روحه ويخلق منهم وطنيين بعد أن لم يكونوا.
أما الهرم فتنقصه عوامل كثيرة تقلل من زعامته، مثل تبلد شعوره غالبًا وحذره من العواقب غالبًا وعدم فهمه جيلًا غير جيله غالبًا … وبذلك يكون في الأغلب مقودًا في شكل قائد، ومتخلفًا في شكل زعيم … أتيحت له ظروف الزعامة ولكن لم يتصف بصفتها.
ثم إن الشباب في زماننا حائر كل الحيرة مضطرب أشد الاضطراب، يتحمس ولكن لا يعرف أين يتجه، ويطمح إلى تغيير ما هو فيه ولا يدري ماذا يجب أن يكون فيه، وإذ ذاك يصح جدًّا أن يكون عنده الاحتراق بالنار خيرًا من الحيرة التي تستولي عليه، فمن حسن حظه أن يوفق إلى زعيم ينفي حيرته ويهدئ اضطرابه ويوجهه الوجهة الصالحة.
وهو في حاجة إلى عقل يقوده، ويحتاج أيضًا إلى شعور يحمسه، وعاطفة تلهبه، وفي العادة يكون الشيوخ أكبر عقلًا وإن كانوا أقل شعورًا وعاطفة، فلا يفلحون في قيادته؛ لأن الشباب عادة يصغى إلى العاطفة أكثر مما يصغى إلى العقل، وتستهويه الخطب الرنانة أكثر مما تستهويه الحكم الهادئة.
•••

ومن الأسف أن زعماء العالم اليوم يسيرون حذو زعماء الأمس؛ لأنهم مؤمنون بأساليب السياسة القديمة ويخضعون لتعاليم الوطنية التي هي إرث من القرن الماضي، وهذه كلها غير صالحة اليوم؛ لأنها تكشفت عن عصبيات بغيضة وعن سفك للدماء من غير حساب، وعن حروب متوالية متتابعة، تتدرج تدرجًا تصاعديًّا وتتضاعف ويلاتها كما تتضاعف عملية الربح المركب، وهذا كله غير صالح لزماننا.
إنما يصلح لزماننا زعماء يؤمنون بالإنسانية بدل القومية ويقودون الشباب لخدمة المجتمع الإنساني كله.
والفرق بينهما كالفرق بين تعاليم المسيح ومحمد من جهة، وتعاليم هتلر من جهة أخرى، إن هذه الزعامة بحق هي التي تناسب العصر، وليست تنجح هذه الدعوة إلى الإنسانية إذا أحيطت بدعوات قومية؛ لأنها تكون كرجل أعزل بين مسلحين، فهو معرض دائمًا لخطرهم، إنما تجدي هذه الدعوة عند ما يتعاون الزعماء كلهم على نشر الأمن والدعوة إلى الإنسانية.
وقد كان الزعماء السياسيون يؤمنون بألفاظ جوفاء كالاستعمار والانتداب والمحافظة على النظام، وكانت الشعوب تبيع أنفسها بيع السماح لمثل هذه الدعوات!
أما اليوم فأصبحت الشعوب أرقى من قادتها وأعقل من زعمائها، لا يسمحون لأن يقادوا قيد الأغنام وهم اليوم لا يحبون أن يسموا رعية ويسمى الزعيم راعيًا، بل يريدون أن يسموا مواطنين وزعيمهم مواطنًا أيضًا … لذلك وجدنا في كل شعب شبانًا يخرجون على الزعماء ويدعون للسلام؛ كي يروا العالم آمنًا مطمئنًّا لا يروعه شبح الحرب، ويكرهون أن يروا حكامهم ينصرون الرأسماليين ويخضعون لأوامر صانعي الأسلحة.
هذه الحركة ما زالت في بدئها ولكن من المحتم أنها ستقوى ثم تقوى حتى تكتسح العقلية القديمة والزعماء القدماء وتنصب عليهم زعماء جددًا من جنس ميولهم.
إن زعماء اليوم في غفلة من أمرهم يقادون من ذقونهم بتعاليم موظفي وزارة خارجيتهم وهي تعاليم قد تعفنت ولم تعد صالحة لزماننا … وإلا فلو سأل كل زعيم نفسه: ماذا تجني من الحرب، وماذا تخسر؟ ولماذا نستعمل السلاح حيث يمكن أن نستعمل الحجج المنطقية؟ ولماذا نتحارب وقد كان يمكننا أن نلجأ إلى هيئة تحكيم تنصف المظلوم؟
لو سأل كل زعيم نفسه هذه الأسئلة لم يتردد في أن يرى أن الحرب وخيمة العواقب للغالب والمغلوب بل للغالب أكثر منها للمغلوب … وأن دم إنسان واحد يسفح على الأرض أعز من الدنيا وما فيها …
ثم كيف نطمئن إذا كان هناك دولتان متحاربتان إلى أن الغالبة منهما هي المظلومة لا الظالمة؟ بل كثيرًا ما يحدث العكس.
ولقد مر على الناس هذا الدور بالنسبة للأفراد، فكان من أخذ حقه يستعيده بالقوة، إما بسفك دمائه أو مصارعته أو نحو ذلك، ثم تقدم الناس فلجأوا إلى المحكمة بدل أخذ الحق باليد، علمًا بأن المحكمة تقضي بالعدل ولا تغلو في سلطتها فتأخذ من الظالم للمظلوم أكثر من حقه، فما بالنا لا نفعل ذلك بين الأمم؟!
لقد بدأ الناس يفهمون ذلك؛ إذ أسسوا محكمة العدل في لاهاي وهيئة الأمم في أمريكا، ولكن ظلت الهيئتان بدائيتين تنتظران أن تسندهما الشعوب فيكون لهما من السلطان ما لمحاكم الأفراد على الأفراد.
•••

مما يؤسف له أن الشباب قد كفر بكل شيء: كفر بالدين، وكفر بالدنيا، وكفر بالزعماء، والسبب في كفرهم بالدين أن زعماء الدين شوهوه ولم يمكنهم عرضه عرضًا يوافق عقل الشباب، وكفرهم بزعماء الدنيا يرجع إلى أنهم لم يستطيعوا أن يملأوا عقله وقلبه، وخير الزعماء من ملأهما، إنما ملأوه خداعًا ونفاقًا وكذبًا، وهذه الأشياء كلها قصيرة العمر كما قيل:
ثوب الرياء يشف عما تحتهفإذا ارتديت به فإنك عاري وإذا كشف الرياء في الزعيم سقط إلى لا رجعة وتبين الشباب أنه مخدوع، وأن الزعماء إنما يريدون أن ينهضوا على كتفيه إلى الحكم لا إلى الإصلاح، فإذا وصلوا إليه تنكروا له وعبسوا في وجهه، فأخذوا حذرهم وصاروا يريدون من الزعيم التضحية لا الاستغلال، ومنفعة الشعب لا الانتفاع، وسيظلون في اضطراب وقلق حتى يصلوا إلى غرضهم …

شعورنا الوطني لا تطفئه المدافع الرشاشة


كان الشعور عند الناس في عهد عرابي شعورًا بدائيًّا، لا يتحمس كثيرًا لدفع عدو أو جلب منفعة عامة، وكن من صفاته الغرور … فالناس كانوا يعتقدون أن العدو مهما قوي، فالمصريون قادرون على صده، وأن البيرق النبوي لو نشر كان كافيًا لدحض كل قوة، يظهر ذلك عند حروب مراد بك لنابليون، وما قاله مراد بك من ألفاظ استهتار … يضاف على ذلك محاربتهم بالأدعية والخرافات، فكان علماء الأزهر، كما قال الجيرتي، يحاربون بقراءة البخاري، وامتلأ الناس عقيدة بانتصار المصريين؛ لأن فرخة باضت بيضة زعموا أنه مكتوب عليها: «نصر من الله وفتح قريب».
وأهديت لعرابي باشا ثلاثة مدافع خشبية، زعموا أن أحدها للسيد البدوي، والثاني لإبراهيم الدسوقي، والثالث لسيدي عبد العال … وأنها قادرة على أن تزلزل أقدام إنجلترا بمدافعها وقنابلها، وعرابي باشا نفسه لم يكن يكترث بهذه الحروب اكتراثًا كبيرًا بدليل أنه لم يحصن البلاد تحصينًا كافيًا، والوعي القومي كان مغفلًا … فمثلًا كان عبد الله النديم يزعم أن الأسطول الإنجليزي كان محاصرًا بين قبرص التي هي في مملكة الأتراك والإسكندرية المصرية، وأنه إذا أطلقت القنابل من قبرص والإسكندرية فتكتت بالأسطول البريطاني، والناس يصدقونه في قوله.
وعلى كل حال كان الوعي القومي محصورًا في عدد قليل إلى أن حلت كارثة الاحتلال بسهولة، وفضلًا عن ذلك، كانت حيل الأوربيين ودسائسهم تجوز عليهم وتؤثر فيهم، فإذا أرادوا أن يحركوهم ويهيجوهم هاجوا، وإذا أرادوا أن يهدئوهم هدأوا، نعم قوبل الاحتلال بشيء من المقت والبغض، ولكن لَطَّفَ منه اعتقادُهم أنه قدر سلطه الله عليهم؛ لذنوبهم.
•••

ومن الغريب أنهم أتعبوا الفرنسيين عند احتلال بلادهم، وكانت كل يوم تقوم ثورات حتى لم يهدأ للفرنسيين بال إلى أن خرجوا، ولم يكن ذلك عند الاحتلال الإنجليزي، ولعل السبب في ذلك دهاء الإنجليز ونعومة استعمارهم، وتفريقهم بين ما يجرح الإحساس وما لا يجرح، وتركهم المصريين أحرارًا في عاداتهم وتقاليدهم ودينهم ونحو ذلك، فلما جاء البطل الثاني مصطفى كامل وسع موجة الشعور الوطني من خاصة الخاصة إلى رجل الشارع، وبصر المصريين بألاعيب الأوربيين وخصوصًا إنجلترا، وكان سيئ الظن بكل حركة يتحركونها، وجاهد في سبيل ذلك جهادًا عظيمًا، فلما مات نبض بموته قلب كل مصري، كما يقول قاسم بك أمين.
وجاء سعد زغلول فزاد الشعور القومي التهابًا … ولم يقتصر التهاب الشعور على سكان المدن كالقاهرة والإسكندرية، بل تعداه إلى الفلاحين وأصحاب الجلاليب الزرقاء، وتجاوب سعد مع المصريين؛ إذ كان فلاحًا مثلهم وخطيبًا بليغًا يعرف مواطن القول وأفانين الكلام، ويعرف نفوس الشعب وما يؤثر فيه.
ودرس آخر علَّمه للمصريين، وهو ألا يكترثوا بالتهديدات وألا يعبأوا بها، وقد هددته إنجلترا بالنفي فقبله عن رضا واطمئنان، وأطلقت المدافع الرشاشة وغير الرشاشة فكان يحمس الشعب ويدعوهم إلى الاستهانة بكل هذه التهديدات، على حين أنه كان وجود مركب واحد من الأسطول الإنجليزي في المياه المصرية كافيًا لحل عقدة، مع أن وجود الأسطول كله في المياه المصرية أصبح في عهده لا يحل أي مشكلة! ولو دمرت البلاد كلها!
وأكثر من ذلك أن الشعب أصبح يفهم في وضوح أساليب الاستعمار، فإذا أراد الاستعمار أن يدخل وسط المصريين ليفرق بين قبطييهم ومسلميهم، فهم هذه الألعوبة بوضوح وقضى عليها، ونادى الأقباط بالاستقلال كما نادى المسلمون، وإذا أرادوا أن يستغلوا حادثة اعتداء على أجنبي ويكبروها ويهللوا لها، قضى على استغلالهم وقاوم ضجيجهم ونادى بحرمة دم الأجنبي وماله، وهكذا … فما وصلنا إليه اليوم ليس إلا نتيجة لتوالي الأحداث وتربية الشعور القومي على يد هؤلاء وأمثالهم ومرور الحوادث الكثيرة عليهم حتى فهموا أساليب الاستعمار وألاعيبه.
واليوم أصبح المصريون لا يقدمون على عمل ثم يقولون: لتكن النتيجة ما تكون! بل هم لا يقدمون على عمل إلا قدروا نتائجه ودرسوا احتمالاته وقرروا لكل احتمال نتيجة، ووضعوا خطة لحلها، نعم إن الشعور القومي المصري لم يكتمل تمامًا، ففيه عيوب … ومن عيوبه زيادة القول على العمل، وعدم المعرفة الواسعة لحالات الدول الأجنبية وعلاقاتها وتصرفاتها، ومنها المغالاة في الحزبية، وعدم سعة الصدر للوطني المخالف مهما أتى من جيد الأعمال إلى غير ذلك، ولكن على العموم نحن اليوم أنضج من أمس وستعلمنا الأحداث أن نكون غدًا أنضج من اليوم، وقد صرنا لا نهاب الموت إذا كان، ولا نتفرق إذا دعت الحال للاتفاق، ولا نخاف مهما كان التهديد.
•••

ونغتبط كل الاغتباط إذا قارنَّا بيننا اليوم وبيننا أيام عرابي، ولكن لا يمنعنا اغتباطنا من أن ننظر إلى من تقدمونا في الوطنية فنحذو حذوهم ونسير سيرهم، وأذكر أن برنارد شو — رحمه الله — سئل يومًا: «ماذا يفعل المصريون لنيل استقلالهم؟» فقال: «يجب عليهم أن يعملوا كما عملت إرلندا»، هذا والإرلنديون بريطانيون بالمعنى الواسع … فما بالنا ونحن أمة نختلف في الجنس والدم والدين واللغة؟ وحقنا أوضح من حقهم!
كل الذي يلجئنا إلى هذه التضحيات وما نناله من كوارث إنما سببه أن عقلية قادة السياسة المستعمرين من إنجليز وفرنسيين وأمريكيين لا تزال جامدة على أساليب القرن التاسع عشر، لم تتغير بتغير الأزمان، ولا يزالون يفهمون أن القوة الحربية هي كل شيء، وأنهم متى قدروا عليها استطاعوا أن ينكلوا بالأمم المغلوبة، وأن العدل والإخاء والمساواة ألفاظ جوفاء لا تقال إلا ضحكًا على الذقون أو عندما يريدون الانتفاع من المستعمر أو عندما تتأزم الأمور، فإذا زالت هذه الظروف فلا عدل ولا مساواة، إنما هو تنمر، وظلم واستبداد! لا فرق عندهم بين حزب المحافظين وحزب الأحرار، ولا فرق بين سياسي قديم وسياسي جديد!
ولذلك نرى أن أساليب الاستعمار قد تعفنت وحمضت، ولم تعد صالحة لسياسة الأجيال الجديدة، ولا معدى الآن من أن يغيروا سياستهم إلى سياسة جديدة وفقًا للأجيال الجديدة.
ألا ترى أن المرأة اليوم إذا لبست ثياب القرون الوسطى بل ثياب القرن الثامن عشر كانت أضحوكة!
فما تعمله السيدات لتجاري الأزمان، فتقص شعرها بعد أن كان طويلًا، وتغير أزياءها من حين إلى حين، يجعلها أعقل من أولئك السياسيين … لأنها فهمت ما لم يفهموا وتأقلمت أكثر مما تأقلموا.
إن الثورات الحديثة الكثيرة، سببها عدم الانسجام بين عقلية الناس وعقلية الساسة! … يريدون أن يركبوا جملًا أو حمارًا والزمن زمن سيارات وطائرات، ويريدون أن يخيفوا بجعجعتهم من لم يخافوا بالسيوف والمفرقعات.
•••

والواجب — منعًا لهذه القلاقل الدائمة — أن يغيروا المدارس التي تخرج السياسيين ككلية (إيتون)، ويضعوا من أول برامجها دروسًا في الأقلمة، فالجامعة السياسية كما قال قائلهم هي التي تكسب الحرب، ولكن نضيف إليها أنها هي أيضًا التي تخسر الحرب بجمودها وعدم مواجهتها للظروف، أيظنون أن تجريد الأسطول وإطلاق مدافع يحل المشكلة المصرية؟ هذه عقليتهم، ولكن الواقع أنها لا تحل المشكلة بل تعقدها، قد كانوا من قبل كما قال قائدهم يطفئون النار ببصقة، ولكن النار التي كانت تنطفئ قبل اليوم ببصقة لا تنطفئ اليوم بمدافع رشاشة ولا بطائرات نفاثة، وإنما تنطفئ بالحكمة، وهي مع الأسف ليست عندهم …

الابتكار


الابتكار مصدر ابتكر الشيء، إذا اختراعه بعد أن لم يكن، وهو في الماديات كثير، كاختراع الراديو، واختراع التليفون، و«الثلاجة الكهربائية» ونحو ذلك.
وهو يكون أيضًا في العلوم، فعلم الطبيعة والكيمياء والرياضيات اليوم غيره بالأمس، وهو غدًا غيره اليوم، ويكون أيضًا في المعاني، فالشاعر الجيد مَن ابتكر بخياله معاني جيدة لم يسبق إليها، وقد يوفق في ذلك إلى عدد محدود، وقد قالوا: إن أبا تمام ابتكر نحو عشرين معنًى جديدًا، وهو بهذا مكثر، فإن أبا الطيب المتنبي ابتكر نحو خمسة معان، وهكذا وهكذا.
ومما يعاب على الشرقيين أنهم أقل ابتكارًا من الغربيين، وأنهم أكثر تقليدًا منهم، وذلك في أكثر فروع العلم والفن، ففي الأدب مثلًا لا تزال موضوعاتهم هي المديح ونحوه من موضوعات الأدب الجاهلي، والأوزان لا تزال هي الأوزان التي جمعها الخليل بن أحمد، وحصرها في ستة عشر وزنًا، والفقه قد أقفل أصحابه باب الاجتهاد، والفلسفة هي فلسفة اليونان تقريبًا، والآلات والأدوات التي نستعملها في بيوتنا هي المخترعات الأوربية، وقل أن نجد مخترعًا جديدًا.
والمصلحون إذا أتوا بجديد نكل بهم أشد تنكيل، وعذبوا أشد عذاب، وملئت بهم وبأتباعهم السجون، كما فعل بمدحت باشا، والسيد جمال الدين، وخير الدين التونسي، وغيرهم، فما السر في ذلك؟
يظهر أن السر في ذلك يرجع إلى أمور كثيرة؛ منها: أن الجو الحار الذي يعيشون فيه يبعث على الخمود، والخمود يبعث على الكسل، والكسل عدو الابتكار؛ ولذلك لما تغيرت البيئة على المهاجرين إلى أمريكا جددوا في الأدب مثلًا بعض الشيء، كما فعل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وأمثالهما، واعترضوا على هذا بأن الأندلسيين حكموا قرونًا وكانت بيئتهم أبرد غالبًا، ومع ذلك كانوا عالة على الشرق يقلدونهم ويحتذون حذوهم، فوجب أن يكون هناك سبب غير هذا، وقد يكون السبب أنه غلب على المسلمين منهج المحدِّثين من عهد المتوكل على الله إلى اليوم، ومنهج المحدثين منهج اعتماد على النقل أكثر من الاعتماد على العقل، فخيَّم هذا المنهج على عقول المسلمين في كل فرع من فروع العلم، حتى كانت حجتهم في صحة نظرية أنها وردت في بعض الكتب، ومنها أنه لم يرزق المسلمون بشخصيات جبارة تحتذى، كما رزق الغرب، أمثال ?ولتير ولوثر، ولو رزقوا مثل هؤلاء لقُلِّدوا، ولكننا نتساءل أيضًا: لماذا لم يرزقوا بأمثال هؤلاء الجبابرة؟
والجواب: أنه قد يكون هذا محض مصادفة، وكان في الإمكان أن لا يكون لوثر ولا يكون ?ولتير، وأيضًا قد يصح أن يكون قد وُجد في تاريخ المسلمين أمثال ?ولتير ولوثر، ولكن خنقتهم بيئتهم وخنقهم الأمراء المستبدون، فلم يتسع لهم المجال، ولو كانوا لتغير وجه التاريخ، خصوصًا وأن العادة جرت في الشرق ألا يشجع المبتكر ولكن يخذَّل ويسخر منه، كما فعل بالأنبياء من قبل، «فريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون»، ونحن نرى أن الشيء إذا أتى به غربي شجِّع وقلِّد وهلِّل له، وإذا أتى به شرقي خذل واستهزئ به ورُفض! فهل آن الأوان للقيام من هذه الكبوة والنهضة بعد العثرة؟ إن كل الدلائل تدل على ذلك.
فالعصبية القومية قد تجعل الشرقيين يتعصبون لشرقيتهم فيشجعون من نبغ منهم، والوعي القومي وقد تنبه يجعلهم أحسن تقديرًا، وأكثر اعتدالًا، وأقل جمودًا، وأكثر تقويمًا للحقائق، ووزنًا لها بالميزان الصحيح، ومتى سلكوا هذه السبيل ولو قليلًا اندفعوا فيها، وبنى الخَلَف على أعمال السلف، فكان لنا من ذلك أدب جديد، وفقه جديد، وعلم جديد؛ يناسب بيئتنا وعقليتنا.
كم كنت حزينًا يوم قابلني رجلان ألمانيان مستشرقان، فسألني أحدهما: من هو الصوفي المصري الذي يمكنني أن ألقاه وأفهم منه تصوفه؟ وسألني الآخر: من هو الفيلسوف المصري الذي ألقاه وأفهم منه فلسفته؟ فكان الجواب مع الأسف بالنفي، فهل أعيش ليمكنني أن أجيب على هذين السؤالين بالإيجاب؟
إننا قد بلغنا في التقليد حدًّا معيبًا، فمن أتى برأي قيل له: من أين أتيت به، والعلماء المصريون والأدباء الشرقيون، منهم من يقلد قدماء الشرق حَذْوَ القشرة بالقشرة، ومنهم من يقلد الغرب كل التقليد، حتى إن كل واحد منهم قبل أن يَسنَّ قانونًا أو قبل أن ينظم قصيدة أو قبل أن ينحت نحتًا، يحوك في نفسه السؤال الآتي: «ماذا فعل مَن قبلي في هذا الموضوع، وماذا قال، وأي جهة اتجه؟» كأن الله لم يخلق له عقلًا …
إن الشرقيين في الحقيقة لا يقلون ذكاءً ولا خبرة ولا دينًا عن الغربيين، فما الذي أصابهم؟ وكان مقتضى الذكاء أن يكون بجانبه الابتكار، ولكن لعل ضغط الكنيسة على الغربيين جعلهم ينفرون فيبتكرون، وتسامح الإسلام مع المسلمين جعلهم ينامون، وكثيرًا ما قالوا: إن الضغط يولد الانفجار، والكرة من المطاط، إذا ضربتها فضغطتها ارتفعت بمقدار انضغاطها.
والله على كل شيء قدير.

البرنامج اليومي للسعادة


إذا صحوت من نومك، غسلت وجهك وأفطرت، وإني لأتمنى أن يكون لكل إنسان فطور روحي يهتم بالمحافظة عليه قدر اهتمامه بالفطور المعدي … فليست الروح أقل شأنًا من المعدة، فلماذا نحافظ على مطالب المعدة ونحفل بها ولا نحفل بمطالب الروح؟!
إن إفطارك كل يوم، يزيد جسمك قوة … وإفطارك الروحي يزيدك قوة وسعادة، ونجاحك في الحياة اليومية وسعادتك فيها يتوقفان على هذا الغذاء الروحي؛ لأن السعادة تعتمد على إرادتك وموقف عقلك أكثر مما تعتمد على الحوادث نفسها، فيجب أن نعدل أنفسنا حسب الأحداث التي تحدث كل يوم لنبعد عنا الشقاء.
إن إرادتي تستطيع أن تبعد التسممات التي تسممها الأفكار للعقل، والإرادة هي التي تستطيع أيضًا أن تضع حدًّا للخوف ولهياج الأعصاب اللذين يضايقان الإنسان، والإرادة هي التي تستطيع أن تقف الغضب وتضع حدًّا للكبر، والإرادة هي التي تلطف السلوك مع الذين تعاملهم وتقضي على الخلافات التي بينك وبين عملائك … فإذا الذي بينك وبينهم صداقة حميمة، وروحك القوية التي تغذيها دائمًا بالوسائل الروحية هي التي تمنعك من غش الناس وخداعهم، وروحك الصحيحة هي التي تتناغم مع معاملات الناس فتسعدهم وتسعد نفسك، وهي التي تجعل حياتك مع أسرتك وجيرانك وعملائك ناعمة لطيفة، كأنها الماكينة المزينة وبدونها تكون ماكينة جعجاعة؛ لأنها من غير زيت.
ومن هذا الغذاء الروحي صرفك كل يوم نحو نصف ساعة في آخر اليوم تحاسب فيه نفسك ماذا صنعت، وكيف تتجنب الأغلاط التي كانت.
•••

إن كثيرين مغمورون إما بالعمل المتواصل في جمع العلم أَو جمع المال، ولكنهم مع ذلك عبيد مطامعهم، وخير من ذلك كله أن يفرغوا بعض الوقت إلى أنفسهم، فذلك يضمن لهم سعادة أكثر من عملهم ومالهم، إن سكون الإنسان إلى نفسه غذاء روحي خير من العمل المتواصل وخير من جمع المال.
وهذا الغذاء الروحي إذا تغذيته صباح مساء، حملك على أن تعفو عن المسيء وأن تنظر إلى إساءته كأنها نتيجة طبيعية لبيئته وحالته، وتقدر أنك لو كنت مكانه لك مزاجه ولك بيئته لفعلت فعلته.
والغذاء الروحي يخفف من مطامعك، ويجعلك ترضى عما حدث في يومك في مأكلك ومشربك وعملك وما قابلت من أناس، ويجعلك تختم يومك عند محاسبتها بأنه كان يومًا سعيدًا يضاف إلى حلقة الحياة السعيدة.
ويخطئ من ظن أن المال وحده يسبب السعادة، فإن كان المال عاملًا من عوامل السعادة يساوي عشرة في المائة، فالحالة النفسية تسبب من السعادة التسعين في المائة الباقية، وكم من الناس نراهم يجدون وراء الربح وقد بلغوا منه مبلغًا عظيمًا، ومع ذلك هم أشقياء بروحهم ونفسهم!
ويحكون أن سليمان — عليه السلام — أوتيت له كنوز الأرض، وبنيت له قصور فخمة، ومع ذلك كتب يقول: إن هذا كله عبث، ولا قيمة إلا لسعادة الروح.
وربما كان قلب الطفل أسعد حالًا من كثير من الناس، فإنه يبتهج لطلوع الشمس، ويبتهج للعبه الصغيرة يلعبها، ويبتهج للألعاب الرياضية، ويعجب من الطير تطير في السماء، ويفرح للمناظر الطبيعية الجميلة، من منظر بحر، ومنظر جبل، فإذا نحن كبرنا فقدنا هذه العواطف الجميلة، وجفت نفوسنا لعدم غذائها، وإذا حضرتنا الوفاة تبين لنا أننا كنا نعيش في أوهام.
•••

ولا شيء يغذي الروح أحسن من الحب بمعناه الواسع، فحب الخير للناس، وحب المناظر الجميلة، وحب كل شيء جميل، وحب إسعاد الناس ما أمكن، كل هذا غذاء.
إن بعض الناس منحوا من الملكات ما يجدون معه في كل شيء غذاء لروحهم، في الزهر ونضرته، والماء وجريانه، والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا غَشَاها …
وبعض الناس يرى أن هذا خيال فاسد لا يهمهم إلا المال وجمعه، أو الشهوات وإرواؤها، أولئك قد عميت قلوبهم كما عميت في بعض الناس أبصارهم.
إن الحياة الروحية تجعل لكل شيء طعمًا جديدًا غير طعمه المادي، فتجعل للعلم طعمًا، وللمناظر طعمًا، وللعواطف طعمًا، لا يدركه إلا من ذاقه، وهو بهذا الطعم يجد في الوحدة أحيانًا لذة قد لا تقل عن لذة الاجتماع بالناس؛ لأن نفسه الروحانية ليست فارغة فراغَ النفس المادية.
ومن الأسف أن العالم اليوم قد كسب كثيرًا بمخترعاته وصناعاته، ولكنه أيضًا خسر كثيرًا في روحانيته ومعنوياته، ولو رقى قليلًا في روحانيته ما كان هذا الصراع العنيف بين الأمم، ولا كانت حروب قاسية ولا قنابل ذرية غاشمة …
إن العالم لا يصح إلا إذا تعادلت فيه يده وقلبه وعقله، فإذا اختل توازنه فيها زاد شقاؤه، وليس له علاج إلا أن يبحث عن منهج تتعادل به هذه القوى الثلاث ثم يسير عليه.

أمي!


كانت أمي منوفية، وامتاز المنوفيات ببدانة الجسم وقوته وفراعته، وكذلك كانت، ولم يكن بها من عيب إلا قصر نظرها، وهو ما ورثته منها، وكانت أمية، ولم تكن القراءة قد فشت في البنات؛ لأن الناس كانوا يسيئون الظن بهن، ويعتقدون أنهن إذا عُلِّمْنَ كاتبن عشاقهن برسالات الغرام، فبقاؤهن على الأمية أحصن لهن، ومن قديم ينصحون لهن أن يلزمن بيوتهن، وإذا تعلمن فإنما يتعلمن الطبخ والنسج، ومن تشجع من الناس علمهن القراءة ليعرفن قراءة القرآن ويروين الحديث، وهكذا نصح أَبو العلاء المعري النساء فقال:
علموهـن الغزل والنسج والردن وخـلوا كتابة وقراءةفصلاة الفتاة بالحمـد والإخــلاص يجزي عن يونس وبراءة ونصح القلقشندي في كتابه «صبح الأعشى» بعدم تعليم المرأة، فكم من الفرق بين زمان أمي وزماننا اليوم، فإذا رأت أمي المرأة اليوم تخرج من غير حجاب إلى الجامعة، وترطن بالإنجليزية والفرنسية، وحتى باللاتينية، وتزاحم الأبناء في الهندسة والطب والحقوق والآداب لعجبت كلَّ العجب.
ولذلك كانت حارتنا على كثرة ما فيها من بيوت، ومن طبقات مختلفة، غنية وفقيرة ومتوسطة، ليس بها امرأة تقرأ أو تكتب، وهن إذا اختلفن، فإنما يختلفن بالعقل الفطري والخلق الفطري، فإذا جاء خطاب من أحد أقاربها، استدعت من يقرؤه لها، وإذا احتاجت إلى قراءة كتاب للتسلية أو نحو ذلك، انتظرت أخي حتى يحضر من الأزهر، وينتهي من صلاة العشاء … فتتحلق هي وأقاربها ممن في البيت ليقرأ لهن ألف ليلة وليلة.
•••

وكانت أول بنت في الحارة تعلمت القراءة والكتابة هي أختي؛ فقد كان مذهب أبي أن يعلم أبناءه وبناته وأقاربه ذكورًا وإناثًا القراءة، ثم يحفظهم جميعًا القرآن، ولذلك بعد أن علمها بنفسه أرسلها إلى أول مدرسة للبنات بالسيوفية، أما سائر بنات الحارة، فبنات الفقراء منهن لا يتعلمن مطلقًا، وبنات الأغنياء والمتوسطين كن يرسلن إلى «المعلمة»، والمعلمة هذه امرأة تجيد الخياطة وتستأجر بيتًا وسطًا تخصص صالته لبنات الحي، تعلمهن الخياطة وتنقلهن فيها من فن إلى فن، وتستمر البنت كذلك حتى تصل إلى سن البلوغ، أو على الأصح سن الزواج، فتحجب أيضًا عن المعلمة، وتمكث حتى يرزقها الله بالزواج.
هكذا كانت أمي … فهي تجيد الطهي وتجيد الخياطة على أبسط أشكالها، وهي محجبة لا تستطيع أن تخرج إلا بملاءة وبرقع، ولا تخرج كذلك إلا لزيارة أهلها أو أقربائها، وإذا كانت في البيت لا يصح لها أن تنظر من شباك، ولا أن تجالس أحدًا من الغرباء، وإذا جاء السقاء إلى البيت ليملأ الزير، كلمته من وراء حجاب.
وأذكر أن سقاء جاء مرة وهي لم تفطن إليه، فلم تدخل أمي إلى حجرتها وكلمته في عدد القرب، ورأى أبي هذا المنظر، فنازعها وخاصمها وشتمها حتى اضطرت إلى أَن تغضب في بيت أهلها بأولادها، واستمر ذلك نحو سنتين!
•••

وهي تأتي ما تأتي تبعًا للتقاليد والعرف الجاري، لا لشيء آخر، تربينا تبعًا للتقاليد، فإذا مرض أحدنا فكل امرأة تأتي تصف وصفة بلدية، قد تناسب المريض وقد لا تناسبه، حتى تكوَّن من ذلك كله طب يسمى «طب الركة» ليس مؤسَّسًا على علم ولا تجربة صحيحة، إنما هي مصادفات حدثت فكانت طبًّا!
وأذكر أني مرضت بالحمى مرة فلم يدع لي بطبيب، وإنما وقاني الله شرها لامتناعي عن الأكل بحكم الطبيعة، وعدم الخروج عن البيت بحكم العجز، وكان المريض مرضًا معديًا يزار ويسلم عليه باليد، ويجلس النساء حوله يتحدثن، فلا عزل له ولا وقاية ولا نحو ذلك، ولذلك كثرت الوفيات في ذلك العهد كثرة مزعجة، يضاف إلى ذلك إيمان بالقدر لا حد له، فمن مات مات لانتهاء أجله، ومن حيى، حيى لطول عمره.
ولم أعرف أن لهن لهوًا خاصًّا، فلا سينما ولا تمثيل، وإنما لهوهن الوحيد عرس يقام في الحارة، فتأتي نساء مغنيات يغنين للنساء ويرقصن على الطبلة، أو زار يقام في الحارة، فيرقصن فيه رقصًا من نوع آخر، وهذا كل لهوهن، وهذا كان السبب في إطالة أيام العرس، وتنويع اللهو فيه، حتى يفرج عنهن.
وكان بجوار بيتنا حمام يخصص فيه بعض الأيام للرجال، وبعض الأيام للنساء، فكانت أمي تذهب إليه أحيانًا في أيام النساء، ويسمح لهن فيه بأخذ الأطفال الصغار معهن، ورتبت أمي فقيهًا أعمى ساكنًا في حارتنا يأتي كل يوم صباحًا، ليقرأ ما تيسر من القرآن، وهو الذي حل الراديو محله اليوم.
وكنا في حالة لا تسمح لنا بطباخ ولا خدم، فكانت أمي تقوم بكل ما يلزمنا من طهي وغسل وكنس وغير ذلك، يعاونها في ذلك أختنا الكبيرة، ويقضي لها حوائجها من الخارج أخونا الكبير، فكانت بذلك عمادًا لتدبير المنزل، ولم يكن ذلك مرهقًا لأنه أكل بسيط يحضر تحضيرًا بسيطًا، فليس بضروري أن يكون لحمًا كل يوم ولا أصنافًا متعددة، وليس عندنا فرش كثير يستدعي في تنظيفه تعبًا كثيرًا.
•••

وأما أخلاقها فكان أظهر شيء فيها الوداعة بمقدار كبير، حتى كانت لوداعتها محبوبة من أهل الحارة، يتخذ نساؤها بيتنا محطًّا لهن، يكثرون فيه من الزيارة، وإلى هذه الوداعة السذاجة، فهي تصدق أي بائع إذا حلف، وتصدق الحديث إذا حكي لها، ولو لم يقبله العقل الناقد.
وهي حسنة الحديث من قصص وحكايات، تملأ بذلك وقت زوارها وسمر أطفالها، وقد ورثت ذلك عن أمها، فكانت بذلك جعبة أخبار وقصص وأمثال، واعتدنا أن لا ننام إلا على خبر من أخبارها أَو قصة من قصصها، وتعادل مزاجها مع مزاج أبي، فهي لينة رحيمة، وأبي قاس شديد، ولذلك كنا نهرع إليها عند شدة أبينا، وقد تحلت بمقدار من الصبر كبير، فتحملت أبي على شدته وكثرة خصامه، مما لا تستطيعه المرأة العصرية اليوم.
وكانت أمي تعيش في بيت أبوي السلطة، فكان الأب فيه كل شيء، هو الذي يمسك ميزانية البيت، وهو الذي يشرف على أخلاقه، وهو الذي يستشار فيما نأكل وفيما لا نأكل، وهو الذي يشتري لنا ما نأكل وما نلبس، وهو الذي يسمح لأمي بالخروج وعدم الخروج، وهو الذي يحب نوعًا من الحديث دون نوع، وعلى الجملة كان هو كل شيء في البيت، لا رأي بجانب رأيه، ولا أمر بجانب أمره، وهو الذي يقتصد أو ينفق، يجمع في يديه قوة الكسب وقوة الإنفاق، وقد حملها على الرضا أَن أغلب البيوت في عصرها كان على هذا النمط، فهي تنظر حولها فلا تجد إلا مثيلاتها، خلا بيتًا واحدًا كان به رجلًا عجوزًا ماتت زوجته العجوز فتزوج فتاة صبية كانت هي سيدة البيت، وهي التي تأمر وتنهى، وهو لكبر سنه يسمع ويطيع، والسلطة الأبوية في تاريخ الأسرة معروفة مشهورة، مرت عليها كل البيوت تقريبًا، وهذا يطبع الأبناء عادة بطابع الدكتاتورية، فهم يرثون من آبائهم السلطة المطلقة إذا كونوا لأنفسهم أسرًا جديدة.
ولذلك كانت هناك حرب عوان بين النساء لاسترداد سلطتهن، وبين الرجال لرغبتهم في السلطان، كانت هذه الحرب أشبه ما تكون بثورة، انتصرت فيها المرأة انتصارًا عظيمًا على الرجل، وانقلبت الحال في كثير من الأسر من رجل يحكم البيت إلى امرأة تحكمه.
وكان من مزايا أمي عدم جشعها في المال، فليست تحرص على أن تكون لها ثروة كبيرة، ولذلك لما أنست إليَّ ووثقت أني أقوم بكل نفقاتها لم تطمع في إرثها من أبي، وتنازلت عنه لأولادها عن رضا واختيار، وعمّرت حتى بلغت الثمانين.

كتاب


عثرت في هذه الأيام على كتاب قيم ألفه أبو بكر بن العربي، وهو غير محيي الدين بن العربي، وقد قرأته فأعجبت به واستفدت منه فوائد كثيرة، وهذا الكتاب اسمه (العواصم من القواصم)، ولعله أخذ هذا الاسم من أبي حيان التوحيدي؛ إذ سمى أحد كتبه (الهوامل والشوامل).
واستدللت من هذا الكتاب على أنه في النصف الثاني من القرن الخامس كان بعض العلماء الناضجين يحارون في أمرهم أين الحق وما منهج الوصول إليه، أهو النصوف أم الفلسفة أم التشيع أم الاعتزال؟ … إلخ، ودعاهم إلى ذلك ما كان في عصرهم من كثرة الجدل حول هذه المسائل كلها مما أدى أحيانًا إلى القتال؛ وقد حار هذه الحيرة في زمنه الغزالي أيضًا وابن فورك وغيرهما، وقد دعته هذه الفكرة إلى أن يرحل من بلدة إشبيلية بالأندلس إلى سائر الأقطار العربية؛ ليلتقي بجبابرة العلماء ويباحثهم ويعرف أين الحق.
وفي أثناء رحلته التقى بالغزالي في دمشق، وكان قد تصوف منذ خمس سنوات، فسأله وناقشه وسمع عليه بعض كتبه؛ جريًا على الطريقة المتبعه في زمنه.
وكان مما قاله الغزالي في شرح طريقته: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس وتجرد للمعقول انكشفت له الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها؛ وذلك أن القلب جوهر صقيل مستمد لتجلي المعلومات فيه عند زوال الحجب عنه، كالمرآة تتراءى فيها المحسوسات عند زوال الحجب من صدأ وغيره.
وقد كتب له الغزالي هذا بخطه، ولكن كان ابن العربي مستقلَّ الفكرِ، فلم يرضه هذا الكلام من الغزالي، ورد عليه ردًّا بديعًا بأنه لا يصح قطع العلاقة بين الروح والبدن، وقد كان النبي ? والصحابة يباشرون أمور الدنيا كما يباشرون أمور الدين، ولا يقطعون بين الروح والبدن.
ومن الفوائد التي استقيتها من هذا الكتاب تاريخ المذاهب المختلفة، ثم نصه على كتاب إخوان الصفا، وقوله قولًا لا يغاير ما عرفنا من قبل؛ فقد كان اعتمادنا في معرفة مؤلفيها على ما رواه أبو حيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة وتعديده لأسمائهم، أما ابن العربي فقد قال: إن مؤلفيها أربعة من القضاة لقبوا أنفسهم إخوان الصفا، وجمعوا خمسين رسالة في كل علم رسالة، ومن الأسف أنه لم يسمِّ لنا أسماء هؤلاء القضاة الأربعة، ولو سماهم لجلى لنا كثيرًا من الغوامض.
ومن رأيه أن محاولة الجمع بين الدين والفلسفة — كما فعل إخوان الصفا في رسائلهم، وكما فعل ابن رشد وابن سينا في بيانهم أن الفلسفة لا تنافي الدين — محاولة فاشلة؛ إذ لكل من الدين والفلسفة مسلك خاص، هذه تعتمد على العقل المحض، وذاك يعتمد على القلب المحض، وهذه تعتمد على المنطق والحجج العقلية، وذاك يعتمد على النظر في الكون والإصغاء إلى القلب، فمحاولة الجمع بينهما لا تؤدي إلى نجاح.
ومن ألطف ما في الكتاب استقلاله في تفسير بعض الحوادث التاريخية واعتقاده أن المؤرخين يروون بعض الحق ويضيفون إليه كثيرًا من الباطل، لا فرق في ذلك بين المسعودي وابن قتيبة وغيرهم، فعنده مثلًا أن السبب في نكبة البرامكة أن نزعتهم مجوسية يبثونها بين المسلمين، ومن وسائلهم أنهم كانوا يطلقون البخور الكثير في المساجد بعد أن كانت تطيب بالخلوق؛ قصدًا منهم إلى إشعال النار في المباخر تعظيمًا لها كعادتهم المجوسية، ومن وسائلهم أيضًا عقدهم مجلسًا منتظمًا يحضره من ينتحل علم الكلام من أصحابهم، وقد اختاروا لهذا المجلس أربعة عشر عضوًا، ثمانية من المعتزلة كأبي هذيل العلاف والنظَّام وبشر بن المعتمر وعلى رأسهم الموبذان قاضي المجوس، ويتحادثون في أشياء قد لا تكون لها علاقة بالدين كتعريف العشق وأسبابه، وأشياء فلسفية عويصة كمناقشتهم في هل الله قادر على ما لو وقع منه كان ظلمًا ونحو ذلك، ومن رجالاتهم ابن المقفع، والجاحظ وابن الراوندي وأمثالهم، ومن وسائلهم ترجمة الكتب اليونانية الفلسفية ودسهم فيها أشياء لا تتفق والدين، وهذا هو السبب في أن هارون الرشيد قضى عليهم وقتلهم.
وكرأيه المستقل في صحة خلافة معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد، وبناء عليه فخروج الحسين ثورة على الدولة الشرعية ليس له حق فيها، وأنه إنما قتل بشرع جده — عليه السلام.
وهكذا إلى غيره من الآراء الجريئة المبثوثة في الكتاب، ثم بعد هذه الرحلة الكبيرة والاستفادة منها رجع إلى بلاده مطمئنًّا إلى ما اعتقده من الحق وما وصل إليه عن طريق بحثه المستقل.
استقبله أهل بلده استقبالًا حسنًا وأكرموا عودته وولوه القضاء، ففعل ما كان ينتظر منه: صرامة في الحق وشدة على الظالمين ولو كانوا من الأمراء والأعيان، وحزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن أعماله أن سور إشبيلية احتاج إلى بنيان جهة منه تهدمت، ولم يكن بالخزينة مال، ففرض على الناس التبرع بجلود ضحاياهم في عيد الأضحى وبيعها لبناء السور، فقدموها كارهين، ثم ثاروا عليه ونهبوا داره وطلبوا عزله من القضاء، وقد رويت عنه أحكام قضائية تدور كلها حول ذلك، واضطر أخيرًا إلى الخروج من بلده، فقبض عليه الموحدون في مراكش وحبسوه نحو سنة، ثم سرحوه فمات بعد قليل سنة ??? وحمل ميتًا إلى فاس فدفن بها، رحمه الله.

عيدان الذرة


وقفت على حقل مزروع ذرة فرأيت عددًا قليلًا من العيدان قد نما وترعرع وفاق غيره في الطول وكثرة ما يحمله من الكيزان، ورأيت كذلك عددًا قليلًا من العيدان قصير القامة، ضعيف البنية، لا يحمل من الكيزان إلا قليلًا، أما أغلب الحقل فعيدان متوسطة لم تبلغ الدرجة الأولى في النضج ولا الثانية في الضعف.
أليس كذلك الإنسان؟
حفنة قليلة من الناس يعدون نوابغ وعظماء أو ما شئت فسمهم، وحفنة قليلة من الضعفاء، ضعف عقلهم وضعفت بنيتهم ولم يصلحوا للحياة إلا بشق الأنفس، وأما السواد الأعظم من الناس فأوساط لم يبلغوا ما بلغه الأولون ولا انحطوا كما انحط الآخرون.
ونراهم كذلك في كل جمعية بشرية، في المدن الكبيرة والمدن الصغيرة والقرى، وبمقتضى نبوغ النابغين، حملوا أكبر العبء وكانت في يدهم السيطرة وبمقتضى حقارة الحقيرين كان فيهم الذل والفقر والمسكنة، أما الباقون فهم جمهرة الناس.
وترى هذا في كل مرافق الحياة، في الفنون والأدب والموسيقى والتصوير، إن كان هذا عمل الطبيعة فكم من السخف أن ننادي بالمساواة؛ لأنها ضد الطبيعة، ولو سويت بين الناس في الرزق يومًا لاحتال الأقوياء على الضعفاء فسلبوهم مالهم بقدرتهم وذكائهم، وعادت الدنيا كما كانت غنى وفقر وسعادة وشقاء.
قد تكون المساواة في الحقوق معقولة: مساواة أمام القضاء وفي حق الحياة وفي حق الحرية، أما المساواة في الكسب والأجور والقدرة على الأعمال فمستحيل أن تكون، وإذا كانت فمستحيل أن تستمر.
والمهارة الكبرى في أن يكتشف أصحاب الأعمال مقدرة العمال ثم يضعوا كلًّا في موضعه، وأولياء الأمور أفراد الأمة فيضعوا كلًّا في موضعه المناسب، لذلك نادى علماء التربية بأن يقسموا التعليم أنواعًا: تعليمًا زراعيًّا وتجاريًّا وصناعيًّا ونظريًّا ثم يفحصوا حالة كل طالب فيعرفوا ميوله واستعداده، ثم يوجهونه إلى ما يلائمه، وبذلك تنمو ثروة البلاد، فمن الناس من كفاءته في يده ومنهم من كفاءته في قلبه ومنهم من كفاءته في عقله، فلو سيرت كلًّا في اتجاهه لنجح، ولذلك ترى في الحياة الواقعية كثيرين خابوا في أول حياتهم؛ لأنهم اتجهوا عكس استعدادهم، ثم نجحوا لما حولوا اتجاههم حسب كفايتهم.
ولو أنصف الناس فمدحوا أي عامل على إتقانه في عمله لا على نوع عمله؛ فقد كان من الطبيعي أن يمدح الكناس على إتقانه في كنسه كما يمدح الأديب على إتقانه في أدبه، والعالم على إتقانه في عمله؛ لأن كلًّا من الكناس والعالم والأديب يعمل حسب ما خلق له، ولا فضل في الطبيعة بين أحد وأحد، ولكن الناس مُدحوا على نوع العمل لا على طبيعة العمل.
•••

ثم من حين إلى حين تجد في حقل الذرة عودًا قد نما نموًّا شاذًّا لم تكن تراه منذ سنين، فكذلك الشأن في الإنسان يطلع على الأمة من حين لآخر فرد أو أفراد نبغوا نبوغًا عجيبًا لم يكن للأمة عهد به منذ سنين، وهؤلاء هم زعماء الأمة في سياستها أو علمها أو فنها.
ثم تبحث عن مسببات هذا النبوغ فتجد عجبًا، ليست الحبة التي نبت منها العود الكبير أكبر حبة، ولا طينتها أحسن طينة، ولا أم النابغة أحسن أم، ولا أبوه أحسن أب، ولا بيئته أحسن بيئة، ولكن صدق الله العظيم إذ يقول: اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ.

ساسة العالم منافقون …


كان ابن سعدان وزير آل بويه يسأل أبا حيان التوحيدي: هل يصلح الفلاسفة أن يكون بيدهم زمام السياسة؟ وهل ينجحون؟ … ودعاه إلى الشك في هذا خوفه من أن فلسفة الفلاسفة تحرمهم قوة العزم والحزم والبت في الأمور، والسياسة عمادها سرعة البت، وخشي أن الفلاسفة يكثرون من تقليب الأمور على وجوهها؛ لسعة تفكيرهم ورؤية الأشياء من جميع جوانبها، ولذلك قالوا: أقوى الناس إرادة أضعفهم تفكيرًا؛ لأنه لا يرى الأمور إلا من وجه واحد، أما واسع التفكير فضعيف الإرادة؛ لأنه يرى الأمور من جميع وجوهها، وربما كان ابن سعدان خير مثل للوزير؛ لأنه تفلسف في وزارته فكان مصيره القتل.
والحق أن العالم محتاج إلى قادة جدد؛ لأنه قد سار على نمط واحد حتى مل … وسار الزعماء على طريقة واحدة حتى ملوا، فهموا السياسة أنها نفاق ورياء وتملق لأصحاب رؤوس الأموال، وتحقيق مصالح الأمة مهما اكتسحوا في طريقهم من الأمم، وقد تطور العالم وسار شوطًا بعيدًا نحو الإنسانية، وصار يكره نغمة النفاق والرياء ويكره النظر الضيق إلى مصالح الأمة وحدها، وهو يريد سياسة واسعة النظر لا تنظر إلى الأمة نفسها ولكن تنظر إلى الإنسانية كلها … ولا تنافق ولا ترائي ولا تستخدم أساليب مقنعة وتسمي الأشياء بغير أسمائها، فتسمي الاحتلال استعمارًا، ثم تسميه انتدابًا، وتسمي كبت الأحرار محافظة على النظام العام، وتسمي تحمس المستعمرين لدينهم تعصبًا بغيضًا ونحو ذلك.
•••

هذا النظر الجديد من العالم يحتاج إلى قادة جدد لم يتعفنوا تعفنَ من قبلهم ولم يجمدوا على القديم جمودَ من قبلهم … بل يكونون مرنين يواجهون المشاكل كما هي ويحلونها على حسب ما تقتضيه الإنسانية كلها، ولا يستغلون المستعمر، ولكن يأخذون بيده حتى ينهض، والقادة القدماء لا يصلحون لذلك، فهم أبناء مدرسة قديمة يأخذ آخرهم عن أولهم، وقد طبعوا على عقليات واحدة، وأشربوا نظامًا واحدًا، فلا بد أن يُنَحَّوْا عن القيادة، ليستطيع العالم النهوض على أساس الإنسانية، ولتفتح لهم مدارس تقوم مقام المدارس القديمة يكون أساسها منهجًا جديدًا يساير العالم في تقدمه.
ولقد كانت مبادئ الرئيس ويلسون والرئيس روزفلت وهيئة الأمم مبادئ قويمة، ولكن خنقتها الزعامة القديمة، فما أعلن ويلسون مبادئه حتى ضحك منه كليمنصو ولويد جورج وأمثالها ممن ربوا على النظام القديم، ولم يألفوا النظام الجديد، فضاعت كل هذه المجهودات هباءً، وكان ينقصها حفنة من الرجال تؤيدها وتحمي حماها، لا كما فعل كليمنصو ولويد جورج من تسليط المعاول عليها والضحك على ويلسون بألفاظ جديدة تحمل المعاني القديمة حتى ماتت، إنما نريد رجالًا من صنف آخر تسيرهم المصلحة العامة لا المصلحة الشخصية، ويكونون صدى للشعوب وقادة يتقدمون إلى الأمام، لا سواقًا يكونون في الخلف.
إن الشعوب الآن بعد أن اكتوت بنار الحرب وفهمت المخاطر من القنابل الذرية والصواريخ الهدامة لا تريد الحرب بأي ثمن، وإنما تريد تفاهم القادة وتجنيبهم لويلات حرب جديدة، أما هؤلاء القادة الممسكون بزمام الأمور اليوم فيتبعون النظام القديم ويريدون حربًا لا يكتوون هم بنارها ولكن تكتوي شعوبهم بها، وهذا خطل في الرأي.
نريد قادة يرون شعور العالم شعورًا إنسانيًّا عامًّا فيتقدمون ويسبقون الشعوب في الدعوة إليه، نريد قادة لا يشجعون القنبلة الذرية والاختراعات الحربية، ولكن يشجعون استخدام قوانين الذرة في الصناعات السلمية، وهؤلاء القادة لا يمكن أن يكونوا إلا إذا ربوا تربية أخرى على منهج آخر، عماده المصلحة العامة وإحلال الإنسانية محل الوطنية … فإن فشلوا في ذلك فعيب الناس لا عيبهم، والعادة أن الفكرة الجديدة تحتاج إلى زمن طويل حتى تثبت في الأذهان وتنبث في المشاعر، ولهذا يختنق الزعماء المصلحون أمثال ويلسون وروزفلت ومن قبلهما إبراهام لنكولن، وربما كان سبب فشلهم أنهم كانوا أسبق لزمنهم، أما اليوم فزمنهم هو هذا لأن الشعوب آمنت بما كانوا يدعون إليه.
•••

لقد كان هؤلاء الزعماء متقدمين يوم كانت شعوبهم متأخرة، أما اليوم فالشعوب متقدمة، وزعماؤها متأخرون، وإذا تقدمت الشعوب وجب أن يغير «طقم» الزعماء حتى يتناسب مع الشعوب، وأظن أن هذا ما سيكون قريبًا؛ لأن الزمن عودنا أن قوة الشعوب لا تغالب، فإما أن يتنحى الزعماء الحاضرون عن مراكزهم ويخلوا أماكنهم لغيرهم، وإما أن يكتسحهم التيار فيذهبوا إلى غير رجعة ويحل غيرهم محلهم، ولا يزال الحديث صحيحًا: كما تكونوا يولَّ عليكم. فالشعوب وهي التي كانت تسمى فيما مضى رعية تجددت واحتاجت إلى راع جديد، حتى إنها لتكره اسم الراعي؛ لأنه رمز إلى الأغنام والناس لم يعودوا غنمًا بل شعروا بإنسانيتهم، فخير أن يسمى القواد زعماء بدلًا من تسميتهم رعاة.
ولقد بدأ هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا بدءًا حسنًا؛ إذ خرجا على النظام القديم حتى في الاقتصاديات وأعمال البنوك؛ لأنهما وجدا مبادئها قد تعفنت … فتحررا من مبادئ عفا عليها الزمن لولا أن الحظ لم يسعفها، إن القادة اليوم متأخرون عن زمنهم، ونريد قادة يتقدمون زمنهم، والقادة اليوم ضعيفو الثقافة لا يفهمون إلا خرافات في شكل حقائق، ونريد قادة يفهمون الحقائق لا الخرافات ويميزون بين حقيقة وتقليد، ولا تعميهم الأساليب القديمة واللغة القديمة والألفاظ القديمة التي تحجرت وأكل الزمان عليها وشرب.
كان الإسلام يقول: يبعث الله في كل مائة سنة من يجدد له أمر دينه؛ وذلك لأن القائد القديم لا يصلح بعد مائة سنة — وقد تقدمت الآراء والأفكار — فيبعث الله قائدًا جديدًا يماشي هذه الأفكار، والقادة اليوم يسلكون طريق قادة اليونان والرومان ذراعًا بذراع وشبرًا بشبر ويستعملون ألفاظهم وأساليبهم … فنحن أحوج ما نكون إلى مجددين.
لقد تجمعت قوات إنجلترا بأساطيلها ورجالها لمحاربة الهند وسلكت طريقها المألوف، فقتلت الألوف وعذبت الناس وملأت السجون … ولكن جاءها قائد جديد بنمط جديد لا يملك إلا ثوبه، ولا يأكل إلا من لبن عنزة، ويدعو إلى المقاومة السلبية لا المقاومة الإيجابية، ويدعو إلى الإنسانية ويطلب الرحمة لمن قاتله، ويغزو بنظرته حيث يغزو الإنجليز بمدافعهم، ويدعو إلى المساواة بين المنبوذين، وأخيرًا تغلب هذا القائد الجديد على القادة القدماء وانتصرت الهند واستقلت، وكان هذا درسًا للعالم يملي عليهم أن القادة الجدد خير من القادة القدامى.
وسلحت الدول الأوربية المبشرين بكل ما لديها من وسائل، وخير مثل لذلك جنوب السودان، فقاومهم الإسلام ببساطته وسماحته، ولا قوة له ولا سلاح … فانتصر عليهم لأنه يعتنق مبدأً جديدًا ويعتنقون مبدأً قديمًا، وضج المبشرون من قلة من يعتنقون المسيحية من الوثنيين مع كثرة المال وكثرة العدد وحماية الحكومات لرجال التبشير، ونجاح الإسلام ولا تبشير ولا قوة … وهذا أيضًا يرينا أن المبادئ القديمة المتعفنة لا تصلح للعالم اليوم؛ فقد تغير العالم فيجب أن يتغير القادة، وما كان يضحك به على العالم وهو طفل لا يصلح لأن يضحك به عليه وهو شاب، وثوب الصغير في المهد لا يصلح أن يكون ثوبًا للرجل الكبير الكهل.
ويشترط في القائد الجديد أن تكون له المرونة الكافية لا يحتقر القديم لقدمه، ولا يعتز بالجديد لجدته، إنما هو رجل طالب للحق حيث كان، قد يأخذ من القديم ولا يأنف، وقد يأخذ من الجديد ولا يجمد.

أدب المستقبل


لكل عصر مزاجه وبيئته التي تؤثر في أدبه، ومن أجل هذا لا يمكن لعصرنا أن يخرج كتابًا مثل كتاب الأغاني يعتمد على الرواية والسند، وعلى الأخبار المتفرقة؛ لأن هذا كان نتيجة لمزاج زمانه، فهو يقلد كتب الحديث في اعتمادها على السند وروايتها للجزئيات، ونحن لا يغلب علينا هذا النمط من التأليف، ومحال أن نؤلف على هذا النحو، ومن أجل هذا أيضًا كان أكثر من تعلم اللغة الأجنبية بجانب اللغة العربية يفضلون أن يقرأوا الكتب الإفرنجية؛ لأنها تتعرض لموضوعات العصر، بأساليب العصر.
ويحق لنا أن نتساءل: ما مستقبل الأدب، وخصوصًا الذي سيسود؟ لقد جاءت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، فأثرتا في الناس وحياتهم الاجتماعية أثرًا بالغًا، وكان لا بد أن يتبع ذلك التغير، تغير في الاتجاه الأدبي.
ونحن نلاحظ أن الأدب يسير سيرة البندول، أحيانًا إلى اليمين، وأحيانًا إلى اليسار، كالحياة؛ فقد أعقب الحرب العالمية الأولى نوع من اليأس وخيبة الأمل، وشك في القيم، وامتهان لها، وسخرية عابسة لا تؤمن بشيء.
وأنتج ذلك أدبًا فيه حيوية واستهتار بالحياة، كان في نفوس الناس إيمانًا عميقًا بأن الحياة لا تستأهل الحرص عليها، خصوصًا أن الجيلين اللذين اشتركا في الحرب الأولى كانا يؤمنان بالمثل العليا، وأن الحرب ستسلم في النهاية إلى سلم رائع، يسود فيه الحق والعدالة والخير، فلما رأيا أن شيئًا من ذلك لم يحدث، صدمهما الواقع، وأنتج الأدباء في ذلك العصر أدبًا نظروا فيه إلى أحداث العالم نظرة سوداء، ولذلك لما دخلوا الحرب الثانية دخلوا وهم مرتابون في النتيجة؛ قياسًا على ما رأوا في الحرب الأولى.
وكان أكثر الروايات التي أخرجوها في هذه الفترة تدل على الشك والارتياب، وشعورهم العميق بالحاجة إلى القيم التي أهملت، وردّ اعتبارها إليها، وتقويمها من جديد، ولذلك كان الشباب الذي تخرج في الحرب الثانية وما بعدها، أنضج عقلًا، وأكمل رجولة، فكسبوا بذلك قدرة على المناداة بالإصلاح، وكان صوتهم مسموعًا، ومكانتهم ملحوظة.
وهذه الحركة من الشبان تدل على أنهم سيكونون أصدق نظرًا، وأحسن عملًا.
ومن المظاهر التي نلحظها بعد الحرب الثانية، الميل إلى الإيمان، ويظهر أن هذا هو طابع الكتب المستقبلة، بدليل ما نلاحظ من أن الكتب الدينية قد زادت انتشارًا، وزال كسادها، وسبب ذلك قسوة الحرب، والحاجة إلى ركن ركين يعتمد عليه الناس، وتبع ذلك تحطيم النفاق والرياء والاحتيال، وتصوير العواطف الواقعية تصويرًا جريئًا صادقًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض، ومن المظاهر التي تتوقع أن تسود قلة التفات الأدباء إلى أنفسهم وأفرادهم، وكثرة التفاتهم إلى مجتمعهم، والإعراض عن النظرية التي كانت سائدة، وهي أن الفن للفن، وأن الأدب ينبغي أن يكون حرًّا طليقًا لا يقيده شيء، بل يسود الأدباء والفنانين نزعة البوهيمية، وإلا ما كانوا فنانين، وحل محلها نظرية «الأدب في خدمة المجتمع» ومن مظاهر ذلك كثرة الروايات والكتب التي تعالج مشاكل المجتمع، ورأينا أن أدب الفردية والحيرة الاضطراب يسير إلى الزوال، وعظم إحساس الأديب بمسئوليته، ولا شك أن هذا سيبدو أثره واضحًا في كتب المستقبل، فالأديب سوف لا يغني لنفسه، وإنما يغني للناس، وسيختفي أيضًا نتيجة لسيادة الديمقراطية الصناعية تفخيم الأسلوب والزينة اللفظية، والعناية بأنواع البديع والزخرف، وستسود البساطة، والرغبة في إفهام الناس من أقرب سبيل، وسيرتبط الأدب بالنظام الاجتماعي؛ ليؤدي فيه وظيفته الحقة، وبذلك سيدخل الأدب فيما نعتقد في عصر من عصوره الزاهية.
لقد كان الأدب والفن في ظلمات بعضها فوق بعض، وكان يغمرها موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، أما في المستقبل فسيعودان إلى النور وسيرتفعان إلى القمة.
إننا الآن في موقف يفوق كثيرًا موقف الأدباء الأقدمين، لقد كانوا يعيشون من فتات الملوك، وكان الأدب أكثره مديحًا، وكان طابعه الملق والنفاق، فتزلزلت عروش الملوك، ولم يعد الأدباء المداحون يجدون ملوكًا يمدحونهم، وظهرت قوة الشعب فوق قوة الملوك، وسيزداد ذلك على الأيام.
لقد أصبحنا أكثر حرية، وأوسع انطلاقًا، وسيكون مّن بعدنا خيرًا منا، وسيشعر الأدباء بمسئوليتهم أمام مجتمعهم، فيتعلمون كيف يكتبون لخدمة مجتمعهم.
لقد كانت القصة في ربع القرن الأخير مملوءة باليأس، وبالعوامل التي تحطم القيم الإنسانية إلا في القليل النادر.
أما في المستقبل فستردّ إلى الأشياء قيمها، ويسودها الروح الإنساني، وسيسودها الحلم اللذيذ.
لقد جرت العادة في تقسيم الأدب إلى نوعين: نوع يقصد منه التسلية والمتعة فقط، ونوع يهدف إلى توسيع فهمنا للحياة، وتقويتنا على احتمالها، وعندي أن كتب المستقبل سيكون أقلها من النوع الأول وأكثرها من النوع الثاني.
لقد جرينا زمنًا طويلًا على أن نعتمد على أدبنا، فإذا اقتبسنا من غيرنا، فاقتباس قليل، أما في المستقبل وقد كسرت الحواجز بين الأمم، وكثر الاتصال بينها، فسوف يستفيد كل أدب من أدب غيره؛ فيستفيد الشرق من أدب الغرب، ويستفيد الغرب من أدب الشرق، مثل التبادل المادي.
سيختفي الأدب الذي هو أشبه شيء بالتقارير، والذي يعتمد على الوصف المادي، وسيغلب الوصف المبني على التأمل الخصب، والحيوية التي يعرض لها الأديب وسيقربون من المثل الأعلى للأدب، وهو أن يكون واضحًا قويًّا موجزًا، وسيختفي اللعب بالألفاظ، والغموض، وستكره الشعوب الأدباء الثرثارين، والأدباء المنافقين، والأدباء المزوقين، والأدباء الماجنين.
ويغلب على ظني أن الأدب في السنوات القريبة، سيهدف إلى تقويم النفس الإنسانية تقويمًا كبيرًا، ويعيد إليها مكانتها، وبذلك ينتهي امتهان الأدب لكرامة الإنسان: سواء بالانهماك في الملذات، أو عدم الاعتداد بالنفس البشرية، أو الضعة لأولي القوة.
لئن كان الأدب في السنين الأخيرة الماضية، محطمًا لقيم الإنسانية فإن الأديب في المستقبل القريب سيكون أكثر أملًا، وأكثر تقويمًا للإنسانية.
لقد رأينا أن الأدب كان يتجه إلى التقليل من قيمة العظماء السابقين والشك في وجودهم أو عظمتهم، وإنشاء القصص الساخرة بالناس وبالمجتمع، ولكن ينتظر أن يزول كل ذلك، فإن كبار الكتَّاب هم أصدقاء الإنسان، وأحباء الحياة، وسيكون الأديب مشبعًا بروح الحماسة محاولًا بناء العزائم لا هدمها، وسيحسِّن للناس الحياة، ويدعو إلى أن فيها خيرًا كثيرًا، قد يفوق الشر.
إن الأديب كان يهتم كثيرًا بنفسه، وقلما يهتم بالناس، ولذلك ضعف شعوره بالمسئولية، أما في المستقبل فسيشعر الأديب بأنه مسئول عن الحياة الاجتماعية التي يعيش فيها ينادي برفع الظلم، ويأسف لسوء الحال، ويحارب الشكاكين الذين لا يؤمنون بالله ولا بالوطن، ولا بأي شيء.
لقد عشنا طويلًا، نحن وإخواننا في الشرق، في ذلة وفقر، لا نرى ملجأ إلا الملوك والأمراء، نتملقهم، ونأكل من أيديهم، أما السلطة اليوم فللشعوب، والعهد عهد الديمقراطية، لا الأرستقراطية، والمنادون بالإصلاح عادة هم الأدباء، يرون أنهم لم يؤدوا رسالتهم إذا عكفوا على شهواتهم، وغنوا لأنفسهم، وقبعوا في كسر بيتهم، فما لم يسايروا الشعب آماله، يموتون جوعًا، وينبذهم المجتمع نبذ النواة.
بل لعل الأديب مسئول عن مجتمعه، أكثر من مسئولية الحاكم؛ لأن الأديب أقدر على الاتصال بنفس الشعب، وأقدر على تحريك مشاعره، وهو يحس بمقدار خدمته للشعب، وإحساسه بالمسئولية أمام الشعب.
لو استعرضنا الأدباء العرب الأقدمين لرأينا قليلًا منهم من تحمل المسئولية، وهل تحمَّلها أبو نواس وهو الغارق في شهوته، وأبو تمام والبحتري، وهما يشعران أكثر ما يكون للملوك والأمراء، أو المتنبي وهو يجري وراء مال أو ضيعة، أو ابن سكّرة والحجاج، وهما ماجنان لا تهمهما إلا النكتة، يضحكان بها الناس، أو الشيخ علي الليثي، والسيد علي أبو النصر وهما يسيران في فلك الخديو إسماعيل حيثما سار، أو غيرهم أو غيرهم …
لقد انقضى ذلك العهد، وأصبحنا في عهد يتحمّل فيه الأديب مسئولية مجتمعه، أكثر مما يتحملها الحاكم والموظف والجندي؛ ذلك لأن قيم الأشياء انقلبت على مرِّ الزمان رأسًا على عقب.
سيقدر التاريخ الأدباء تقديرًا آخر غير التقدير الماضي، لقد كان التقدير الماضي مبنيًّا على فخامة أسلوب، وجمال تعبير، وقدرة على البديع، أما في المستقبل فسيكون تقدير الأديب: ماذا صنع لأمته، وكيف هداها إلى الخير، وإلى أي حد رفع صوته ضد الظلم والفساد؟

الربيع الباكر


أشعر أن العالم في هذه الأيام أجمل منه في أي وقت آخر.
إنا نرى الله تعالى دائمًا خالقًا رازقًا، ونراه أيضًا في هذه الأيام فنانًا.
وهذه الأيام جديرة أن تنظر فيها إلى فنه كما تنظر دائمًا إلى فيضه وخيره؛ فقد انقلبت الطبيعة من رمادية داكنة، وأحطاب عارية، إلى خضرة كاسية تمتع النظر، وتريح النفس.
وتتجمل الأغصان بأوراقها الناضرة التي ترهص بأن تكون فروعًا، وفي هذه الأيام تكتسي الأشجار وكانت عارية، وتتألف البراعم وكانت غائبة، وتتفتح الأزهار وكانت غامضة.
وفي هذه الأيام تصحو الدنيا وكانت نائمة، وتأخذ في الغزل السريع الجميل وكانت هاجعة.
هي تذكرنا بالشباب الجميل وقد فقدناه، وبالعيش الجديد بعد أن نسيناه، إن الطبيعة تعرض علينا فيلمًا جميلًا، كما تعرض علينا صورة رائعة مختلفة الألوان زينت بإطار بديع.
إنك تقرأ فيها الملائكة الطاهرة، والجن الساحر، وأين التطريز العجيب، تطرزه الفتيات الجميلات من هذا التطريز الأنيق؟
إن كان لي أن أنصحك، فأقول لك: اخرج وتأمل، تأمل جذوع الأشجار الضخمة كالأعمدة، وتأمل «البانيسيه» الملون المنقوش نقشًا يعجز عنه أي فنان.
إن الطبيعة في هذه الأيام تغني سيمفونية رائعة، لئن كان لله مظاهر قوية في الزلازل والصواعق، فله مظاهر وادعة وجمال في الطبيعة في هذه الأيام.
إن من صفة الله الكلام، ويظهر كلامه في أمره وخلقه، ولكنه في هذه الأيام يضغط في بعض حروفه فتكون الطبيعة الجميلة.
إن الأرض في هذه الأيام فخمة ساحرة فيها روائح الجنة، ثم الطيور وما أدراك ما هي؟ تغرد طويلًا بعد أن سكتت، وتغني كثيرًا بعد أن صمتت، وتمرح بعد أن بكت، ولا يفهم غناءها إلا من شجى شجوها.
لئن قلت لك فيما مضى: اخرج وانظر، فإني أقول لك الآن: اخرج واسمع، وكم في الطبيعة من مناظر بديعة وأصوات جميلة، في كل منهما متاع للسمع والبصر.
إن فيها بلسمًا للجريح، وطربًا للنفس، وجمالًا في العين؛ إنها تبعث إلينا أطفالها الأربعة، الشمس والماء والهواء والتراب، فتستقبلنا في هدوء وتحيي فينا النفوس، وتبعث فينا الدفء، وهي في هذه الأيام تنعشنا بعد الخمود، وتحيينا بعد الموت.
هي في هذه الأيام تجمل كل قبيح بأوراقها الخضر، وتكسو كل عريان بأثوابها النضر.
ثم هي توحي بأسرارها لمن أحسن الإصغاء لها وتأمل في مناظرها، وسمع لأنغامها، ومن وفق إلى ذلك رأى عجبًا من الأسرار وغزارة في الإيحاء.
ومن عجيب الأمر أنك تعي أسرارها، ولا تستطيع أن تخبر بها، أو أن تكتبها أو أن تعلمها.
إنها أعمق من اللغة، وأدق من الأمواج.
وكل ما تستطيع أن تقوله لمن يسألك عنها، اذهب وانظر إليها كما نظرت، واسمع لها كما سمعت، توحي إليك بأسرارها، كما أوحت إلي.
إن اللحم والدم فينا لا يستطيعان أن يدركا أسرارها، ولكن روحنا تستطيع أن تدرك روحها.
إن من قوانين الطبيعة الموت والحياة، وقد أرتنا الموت في الشتاء، فأرتنا الحياة في الربيع.
إن فيها لشعرًا، أين منه شعر أكبر الشعراء، وإن فيها لفنًّا أين منه فن أكبر الفنانين.
لا تجعل حياتك دائمًا عبدة للنهائي والمحدود، وخصص جزءًا من وقتك، تستمتع فيه باللانهائي واللامحدود.
إن من صهره الحب لم يتقيد بالمقاييس، ولا بالاقتصاديات، بل يرى أنه كلما أسرف جنى.
إن معيشتك أحيانًا في اللانهاية واللامحدود تبعدك عن الأنانية والقومية، وتوسع أفقك حتى أكثر من الإنسانية.

أساس الإسلام


من أروع ما في الإسلام وصفه لله، فالله هو رب العالمين، عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان، وعالم الإنسان، وعالم المجموعة الشمسية، وعالم غير المجموعة الشمسية مما نعلم وما لا نعلم، وهو واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، هو الذي خلق الخلق أولًا، ثم هو الذي يمده بالحياة دائمًا، وهو الذي يدبر نظامه ويسيره إلى غايته، فعلاقته بمخلوقاته لا تنقطع، ولو انقطعت لحظة لفسدت السموات والأرض ومن فيهما، وهذا هو الذي يميز العقيدة الإسلامية عما يعتقده الأوربيون اليوم، فهم يعتقدون أن الله خلق الخلق وتركه يدبر نفسه كما شاء ويدبرونه هم في دنياهم كما يشاءون، فهم الذين يقررون الفضائل والرذائل، وهم الذين يسنون قوانينهم وشرائعهم حسبما يتراءى لهم، فإذا ذكروا الله في أوقات الشدة — كأوقات الأزمات الحرجة في الحرب — فكل أمة تدعي أنه معها، وتستنجده في النصرة على عدوها، كأن الله تعالى خادمها لا المسيطر على العالم كله يصرفه ويقضي فيه حسب سنته التي رسمها، فميزة العقيدة الإسلامية أنها تصفه بالخلق، وتصفه بأنه يرعى العالم دائمًا ويهديه سبله دائمًا، وتطلب من الإنسان أن يوثق علاقته بربه، فيرعى أوامره ونواهيه في كل تصرفاته، ويطلب منه الهداية، ويؤسس نظرته إلى الأخلاق على ما أمر الله به أو نهى عنه، ويشكل حياته الفردية الاجتماعية حسب تعاليمه، ويجدّ في اكتشاف إرادة الله فيتبعها، ويدقق في فهم إشاراته فيعمل على وفقها؛ ويجعل صلته بالله أقوى صلة، وحبه لله أقوى حب، والخوف منه أكبر خوف، يؤمن أن لا شيء في الوجود يستطيع أن يبقى لحظة من غير إمداده، هو أول الخلق وآخره، بمعنى أنه السبب في خلقه، والغاية التي ينتهي إليها وجوده، وهو الذي وضع للناس القواعد الأخلاقية الأساسية لسيرهم، وربط الأمر والنهي بما ينفعهم ويضرهم، فأمر بما ينفع ونهى عما يضر، وهو الذي يحاسبهم على تصرفاتهم في دنياهم يوم يلقون ربهم فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ يقرب إليه المطيعين، ويبعد عنه العاصين، يريد من الإنسان أن يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته، وأن يسعى ويجد في الحياة مراعيًا أوامره ونواهيه، لا يترهب، ولكن يسعى ويعمل، ولا يغمض عينه عن الدنيا التي يعيش فيها، كما لا يغمض عينه عن الأخرى التي يرى فيها ربه، وقد كتب الله على نفسه أن يمد بالمعونة من استعانه في شئونه ورعاه في حياته، وأن يخذل من صد عنه، وعصى أمره، بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
•••

هذه العقيدة، عقيدة وحدانية الله وعظمته وقدرته على هذا النحو، من شأنها أن ترفع نفس معتنقها، فمن الذي يؤمن بإله هذه أوصافه، ثم يذل لمخلوق أو يتنزل إلى سفساف الأمور؟ ومن الذي يؤمن بإله هذه صفاته، ثم لا يتحرى الفضيلة في حياته ويتجنب الرذيلة في سلوكه، إن عقيدة الوحدانية تجعل الإنسان على أحسن صلة بالناس وبالحيوان وبكل الخلق؛ لأنه وإياهم نتاج صانع واحد، ومدبر واحد، فاتصاله بهم وبكل موجودات العالم اتصال أخوة، تجعله لا يذلّ للغني ولا للحاكم، ولا لذي السلطان؛ لأنه لا سلطان إلا لله، والفروق بين الإنسان والإنسان فروق في العرض لا في الجوهر، وفي الأوصاف الزائلة للأشياء لا في الخالدة فيها، والله لا يقوِّم الناس بغناهم وجاههم، ولكن بقلوبهم وأعمالهم، تجعله لا يحتقر الفقير ولا الضعيف ولا المرءوس لأنه أخوه أيضًا، وشريكه في الحياة، وشريكه في العبودية لله، فهو عزيز النفس في غير كبر، أبيٌّ في غير عتوٍّ، متواضع في غير ضعة، ناظر إلى كل شيء نظرة عطف ورحمة، لا يرضى بالهوان؛ لأنه ينتسب إلى الله العظيم، ولا يرضى أن يَظْلم أو يُظْلم؛ لأنه ينتمي إلى الله العادل، يعمل ويكد في الحياة ويبتغي أن يكون في أعلى مقام، بفضل عقيدته في الله التي هي أحسن العقائد، ويجب أن تكون أمته خير أمة أُخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، يطيع الله فيما أمر به، وينتهي عما نهى عنه، ويُعمل عقله حيث لا أمر ولا نهي؛ لأن العقل منحة الله، والله أمر باستخدامه والاستهداء به.
•••

إن كان هذا فما جعل المسلمين في أنحاء العالم في الذيل لا في الصدر، وفي المؤخرة لا في المقدمة، وكان مقتضى العقل أن تجعلهم هذه العقيدة في طليعة أهل العالم، وحاملي لوائهم وهداتهم، والسابقين إلى الخيرات، والآمرين لا المؤتمرين، والقائدين الأعزة لا المقتادين الأذلة؟
سؤال صعب، والجواب الصحيح أن العقيدة الصحيحة تقوَّم بذاتها لا بمعتنقها؛ فقد ينحرف أهلها عنها، أو يحتفظون بشكلها لا بجوهرها، ولو آمن بها أتباعها حقَّ الإيمان لصحَّ أن يكونوا مقياسًا كما كان معتنقوها الأولون، ولكن مع الأسف فقَدَ المسلمون روح العقيدة وحرارتها وحياتها، وتمسكوا بظاهرها، والظواهر لا عبرة بها ولا قيمة لها، والحق أن العالم الآن — مسلمه ومسيحيه ويهوديه — يعيش من غير عقيدة صحيحة، أو من غير توفيق بين العمل والعقيدة، أو بعبارة أخرى هم يعملون من غير أن يكن الباعث على عملهم العقيدة، ومن غير أن ينظروا في أعمالهم هل هي مطابقة لعقيدتهم أو لا، فالعالم صنفان: صنف من الأمم يعيش من غير دين، أو بدين يؤمن بإله، ولكن يجعل إلهه طرفه من الطرف في مكان مغلق يستمتع بالنظر إليه من حين إلى حين ولكنه لا يُدخله في حياته ولا في تصرفاته؛ وصنف يعتنق الدين بصفاته الصحيحة التي ذكرنا، ولكنه يعتنقه نظريًّا لا علميًّا، فالنظم الاجتماعية عند الجميع في العالم والنظم السياسية، قائمة على نظرات آلية ميكانيكية ليس مبعثها الاعتقاد بالله واتباع أوامره، بدليل أن السياسي المتدين والسياسي الملحد يتفاهمان كل الفهم على التصرف في الأمور، والاجتماعي المتدين والاجتماعي الملحد سواء في النظر إلى الأمور على وفق المصالح من غير نظر إلى روح الدين.
وقد فقد الدين والعقيدة في الله ساحة الحياة العلمية، وأصبح المتدينون على اختلاف أديانهم لهم دين ميتافيزيقي يعيشون فيه أحيانًا بتفكيرهم أو بخيالهم، ولهم حياة عملية منفصلة عن الدين بتاتًا تسيِّرها الأغراض والمادة، ويخدم كل ذلك العقل، ولا يلاحظ فيها أي ملاحظة، خالق الخلق، وأوامره، وإشاراته، ولا ينبض فيها القلب بأي معنى من معاني العطف والرحمة والطاعة.
والفرق بين المؤمن والكافر اليوم أن المؤمن مؤمن نظريًّا، كافر عمليًّا، والكافر كافر نظريًّا وعمليًّا، ولذلك سيبقى العالم مضطربًا حائرًا فاسدًا حتى يجد روحه وقلبه، وقد تفوق العالم المسيحي على العالم الإسلامي اليوم؛ لأنه كان أعرف بوسائل الأعمال ووسائل الحياة، وأكثر استكشافًا لقوانين المادة، وقوانين القوة المادية لا لأنه أرقى دينًا وأعظم روحًا، فالعالم كله اليوم مخطئ إذا نحن نظرنا إليه نظرة روحية، وهو شقي بتقدمه الماديِّ، وتقدمه العقليِّ من غير أن تسندهما قوة الروح، وليس ينقص المسلمين إصلاح في عقيدتهم، ولا روحانية في دينهم، ولكن ينقصهم أمران: الأول أن يكون الدين روحًا لا شكلًا، وقلبًا لا جوارحَ، وحرارة لا مظهرًا، ونبضًا لا جمودًا، وأن تكون «لا إله إلا الله»، و«الحمد الله رب العالمين»، معنى لا لفظًا، وصادرة من أعماق القلب لا من طرف اللسان، وأن يكون معنى «لا إله إلا الله» أن ليس عرض من أعراض الدنيا إلهًا، فالمال والجاه والسلطان ليست آلهة تعبد، ولا قوة يُخضع لها، وإنما الخضوع للحق وحده؛ لأن الله هو الحق، ومعنى أن الله رب العالمين: أن ليس في العالم رب يطاع وتسمع أوامره ونواهيه إلا هو — جلَّ شأنه — والثاني: ارتباط عملهم بعقيدتهم، وإيجاد العلاقة الوثيقة بين ما يعملون وما يعتقدون، فليس للعقيدة من قيمة إذا حفظت في خزانة لا تفتح، أو قدست وأهملت، أو لُفَّت في ثياب من حرير ثم تركت، فكما أن لا قيمة للمال إلا ما انتفع به ولا لأي عرض من أعراض الحياة إلا إذا استغل للمصلحة؛ فأهم من ذلك كله العقيدة: إذا لم يُبْنَ عليها العمل كانت نجمًا جميلًا في السماء، أو لوحة جميلة في المعرض، أو خيالًا بديعًا في أخيلة الشعراء، أو صورة فنية من صور الأدباء، إنما العقيدة المصلحة هي العقيدة يتبعها العمل، وتبعث النور في طريق الحياة، وتهدي إلى الصراط المستقيم.

عينية ابن سينا


اشتهرت هذه العينية بأنها لابن سينا، والناقد الأدبي يقطع بأنها ليست له؛ لأنه إذا تذوَّق ما لابن سينا من شعر وأراجيز، وتذوَّق هذه العينية يرى أنها أرقى بكثير من شعر ابن سينا، فابن سينا غامض اللفظ في شعره وفلسفته، سمج التعبير، يعتمد في لغته على المعاجم، وهي وإن دلت على المعنى الصحيح للكلمات فإن وراءها ذوقًا يميز بين جيدها ورديئها وما يحسن استعماله وما لا يحسن، وابن سينا أبعد عن ذلك سواء في فلسفته أو شعره أو قصصه.
فهذه القصيدة في نظرنا أشبه ما تكون بشعر ابن الشبل البغدادي صاحب قصيدة:
بربك أيها الفلك المدارأقصد ذا المسير أم اضطرار وهي إلى تعبيره أقرب، ولذلك نسبها بعضهم له، وقد كان جميل الشعر حسن السبك للألفاظ دقيق الاختيار.
والعينية هذه تدور حول حالة النفس قبل اتصالها بالبدن وبعد اتصالها به وبعد مفارقتها له، فهو يرى كفلسفة القرون الوسطى أن النفس كانت قبل البدن بعهد طويل، تتمتع بكل ما تتمتع به العناصر الروحية المجردة، ثم تحل بالأجسام حين يخلق الجسم في الرحم، فتحلّ به وهي كارهة، ولكنها إذا طالت مدتها ألفته، ثم هي إذا فارقته بالموت فارقته وهي كارهة، والجسد يجري من النفس مجرى الثوب من البدن فإن الجسد يحرك الثوب بواسطة أعضائه الظاهرة، والنفس تحرك البدن بواسطة قوى خفية مناسبة، فهي التي تحرّك العين واليد والرجل وغيرها، فإذا فارقته عدم الحركة، وكلمة الإنسان تطلق عليهما معًا، وتطلق على النفس حقيقة وعلى الجسم وحده مجازًا، كما يسمى ضوء الشمس شمسًا، وهذه النفس لا تتجزأ بذاتها، وإنما تتجزأ بأعراضها، وليست النفس في البدن كالماء في الإناء إذا أفرغ الماء بقي الإناء كما هو حين حلوله به، والجسم لا يكون كما هو عند مفارقة النفس؛ ولا النفس كالحلاوة في العسل؛ لأن الحلاوة عرضية ولأن النفس رئيسة البدن والبدن مرءوس، وليست الحلاوة رئيسة للعسل، وإنما هي بمنزلة شعاع الشمس كما قلنا وهي حيَّة بذاتها.
والكون كله مظاهر للنفس، فلكل شيء في الكون نفس وهو مظهرها، وهي مفطورة على صورة الفاطر — جل وعلا — ولذلك جاء في الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته).
وهذه خلاصة تلك الفلسفة، وتتمتها أن النفس قبل اتصالها بالبدن كانت عالمة بكل شيء، فلما اتصلت بالجسم نسيت ما كانت تعلمه، والتعليم إنما هو تذكير بما كانت تعلم لا خَلْق للعلم، وبذلك كان يقول سقراط، وكان يقول: إنه استطاع أن يُعلم عبدًا له أدق نظريات الهندسة بمساعدات بسيطة، ولو كان التعليم خلقًا ما استطاع ذلك، وربما أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى?.
فذلك قوله:
هبطت إليك من المحل الأرفعورقاء ذات تدلل وتمنع والتعبير بالهبوط تعبير جميل، مما يدل على ذوق جميل، فهي خيرٌ من نزل أو سقط أو غيرهما من الكلمات التي تفيد معناهما؛ لأنها تدل على أن مهبطها دار عناء وبلاء، والورقاء الحمامة الرمادية، هذا في الأصل، ثم أطلقوها على كل حمامة وهو يكني بالحمامة عن النفس، أي النفس الكلية، فهو يقول: إن النفس هبطت من المحل الأرفع إلى الحضيض الأخس الأوضع، والمراد بالمحل الأرفع عالم العقول المجردة، التي تفيض منه النفوس على الأبدان، عند استعداد البدن للفيضان.
ثم قال:
محجوبة عن كل مقلةِ ناظرٍوهي التي سفرت ولم تتبرقع يقول: إن النفس قد حجبت عن أن يراها راء، أو بعبارة أخرى، قد حجبت عن الحواس، لا تدركها، وهي مع ذلك تدرك بالعقول، وتدل عليها الأفعال.
فالعقل يدرك إذا تجرد من الجسم، كالذي قال أبو يزيد البسطامى: «انسلختُ من جسدي فرأيت من أنا»!
ويقول الحلاج:
اقتلوني يا ثقاتيإن في قتلي حياتيوحياتي في مماتيومماتي في حياتي ثم يقول:
وصلَتْ على كُرْه إليك وربماكرهت فراقك وهي ذات توجع فتعلق النفس بالبدن شديد، وهي تكره فراقه إلا إذا حصلت كمالها، والسر في كره المفارقة أنها باللذات الحسية من مأكل ومشرب وترؤسها على الحواس، فهي قد هبطت كارهة، وخرجت كارهة.
ثم يقول:
أنفت وما أنست فلما واصلتلفت مجاورة الخراب البلقع أي أن النفس استنكفت واستكبرت على أن تتصل بالجسم، واستعلت عليه بحجة أنها من الموجودات الشريفة العالية، فكيف تتآلف مع الأجسام التي هي من الظلمات، ولكن لما حلت في الجسم ألفت به من طول الملازمة له، ويريد بالخرب البلقع البدن؛ لكونه قابلًا للفساد والبطلان.
ثم يقول:
وأظنها نسيت عهودًا بالحمىومنازلًا لفراقها لم تقنع ومعنى البيت أنه يتعجب من شدة اتصالها بالبدن وركونها إليه، واشتداد محبتها له، مع أنه من غير جنسها، ولما حلت بالبدن نسيت أيام كانت مجردة متصلة بالعالم العلوي، وعند تعلقها بالبدن لم تقتصر على نسيانها لعالمها، بل زاد على ذلك عشقها للمادة الآيلة للفناء، وشغفها بها، فرضيت بالأدنى، واستغنت به عن الأعلى.
ثم يقول:
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطهامن ميم مركزها لذات الأجرع يقول: إن النفس لما انفصلت من ميم مركزها أي من أعلى عالمها، وعبَّر بميم المركز لأن الميم حرف من حروفه، أو مبدأ لفظه، كما قال هاء الهبوط والمراد به الجسم، وذات الأجرع استعارة لجسد الإنسان.
ثم يقول:
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحتبين المعالم والطلول الخُضَّع أي تشبثت بالبدن الذي عبر عنه بثاء الثقيل، وسماه ثاء الثقيل؛ لأن الثاء أول حروفه.
ثم يقول:
تبكي إذا ذكرت عهودًا بالحمىبمدامع تهمي ولم تتقطع الحمى البقعة التي يحوزها الإنسان بقوته، ويمنع غيره من التعدي عليها، وتهمي تسيل، وذلك أن النفس من حين إلى حين تحن إلى ما كانت عليه قبل اتصالها بالبدن يوم كانت في عالم المجردات، فتحزن ويعظم وجدها وبكاؤها.
ثم يقول:
وتظل ساجعة على الدِّمن التيدرست بتكرار الرياح الأربع يقال سجعت الحمامة، إذا رددت صوتها على وجه واحد، والدمن ما بقى من آثار الديار ورسومها، ويقصد بها هنا أجزاء البدن، والدروس ذهاب الأثر.
يقول: إن النفس تبكي البدن وتحزن عليه إذا فارقته، كما حزنت عند حلولها فيه.
حتى إذا قرب الرحيل إلى الحمىودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسعوغدت مفارقة لكل مخلفعنها أليف الترب غير مشيعهجعت وقد كشف الغطاء وأبصرتما ليس يدرك بالعيون الهجع أي النفس لما قاربت مفارقتها للبدن، وقطعت العلائق الجسمانية بالموت، وغدت مفارقة للبدن وتوابعه، وقطع العلائق والأسباب بينها وبينه، هجعت أي نامت، وكشف عنها الغطاء، فأبصرت ما لم تكن تبصر من قبل، ورأت بعين بصيرتها ما لم تكن تدركه بالعيون في اليقظة.
وفي ذلك يقول رسول الله ?: «الناس نيام، فإذا ماتوا تنبهوا».
وغدت تغرد فوق ذروة شاهقوالعلم يرفع كلَّ من لم يرفع والتغريد التطريب بالصوت، أي أن النفس بعد مفارقتها للبدن علمت ما لم تكن تعلم، وسرت بخلاصها من بدنها الذي كان يمنعها عن العلم.
فلأي شيء أهبطت من شامخعال إلى قعر الحضيض الأوضع؟ يسأل عن الحكمة الباعثة لتعليق النفس بالبدن ومرور هذه الدورة من هبوط واتصال البدن، ثم انفصال عنه ثم عودتها إلى ما كانت عليه.
إن كان أهبطها الإله لحكمةطويت على الفذ اللبيب الأروعفهبوطها لا شك ضربة لازبلتكون سامعة لما لم تسمعوتعود عالمة بكل خفيةفي العالمين فخرقها لم يرقع أي أنها لو كانت هبطت لحكمة خفيت عنا، فهبوطها كان لازمًا لتعلم ما لم تكن تعلم، وتعود عالمة بالأسرار الخفية في عالم الغيب والشهادة، وقد كانت تعلم عالم الغيب فقط.
وهي التي قطع الزمان طريقهاحتى لقد غربت بغير المطلع يقول: إنما كان مراد النفس من الهبوط تحصيل مأربها من علم عالم الشهادة، وتنفصل عن البدن بصفة لم تكن وقت التعلق؛ وذلك أنها في حين التعلق كانت ساذجة لا تعرف الكمال ولا النعيم، فعرفته حين اتصلت بالجسم.
فكأنها برق تألق بالحمىثم انطوى فكأنه لم يلمع أي أن النفس في سيرتها هذه كأنها برق خاطف، تألق حينًا قليلًا حتى كأنه لم يلمع.
وهنا تنتهي القصيدة، وصف للنفس واتصالها بالجسم كارهة، ودخولها في البدن كارهة، وخروجها عنه كارهة، فلِمَ كان هذا الدخول وهذا الخروج؟ يقول: إن دخولها في الجسم كان سببًا في علمها ما لم تعلم من العالم الأرض بعد العالم السماوي، وتعديل رأيها في معنى الكمال، فهو قد وصف أدوار النفس ومراحلها من هبوط فاتصال فصعود، فانكشاف لما لم يكن يعلم، فحيرة في رحلتها هذه، فإجابته بأنها قد اكتشفت بهذه الرحلة علمًا فوق علمها وإدراكًا فوق إدراكها، وهذه حكمة الخلق من حياة وموت.
فكرة فلسفية لطيفة في شعر لطيف، وقد كان البحث في النفس والوجود والعدم مثارًا لكلام طويل، وحيرة شديدة، وقد تعرض له ابن الشبل البغدادي أيضًا في قصيدته: «بربك أيها الفلك المدار … إلخ»، وحار هذه الحيرة، وتساءل هذا السؤال، فهي تصور لنا مرحلة من مراحل المسلمين في التفكير.
ومن الأسف أنه إلى الآن لم تنكشف حقيقة هذه النظرية الغامضة، وبقيت غامضة اليوم كما كانت غامضة بالأمس، ولم تتقدم المعرفة الإنسانية لتحكم أصحيح هذا أم خطأ؛ وذلك لأن هذا لا يحل بالعلم؛ إذ ليس هذا من دائرته، وإنما هو من دائرة الدين، والله أعلم.

النظام المالي في الإسلام


النظام المالي في كل أمة أساس عظيم لحياتها الاجتماعية، فإن رأيت أمة متقدمة في المدنية والحضارة، وفي العلوم والفنون، وفي المخترعات ووسائل النقل والمواصلات، وعلو مستوى المعيشة بين أفرادها، فاعلم أن ذلك ناتج من حسن نظامها المالي، وإن رأيت الفقر المدقع منتشرًا بين جمهورها، وهي منحطة في زراعتها وعلومها وفنونها، فاعلم أن ذلك يرجع أولًا إلى سوء نظامها الاقتصادي؛ ولذلك قوّمت المدنية الغربية الأمور الاقتصادية تقويمًا كبيرًا، بل جعلتها أساسًا يؤثر في نظامها السياسي، ونظامها الاجتماعي، ووُجَد المتخصصون في المسائل الاقتصادية والتعمق في بحثها، وإفرادها بعلم يسمى «علم الاقتصاد»، له الشأن الأول بين العلوم.
من أجل هذا كان من رأي كثير من المصلحين في الشرق، أن يوجهوا عنايتهم إلى حالته الاقتصادية، وأن يقدموا ذلك على الإصلاح الاجتماعي والسياسي، فلو أصلحت، أصلحت الحياة الاجتماعية والسياسية، ودليلهم على ذلك أن الشرق متأخر في زراعته، فليست مبنية على العلم بل هي مبنية على التقليد القديم والأوضاع الموروثة، وإذا سلط العلم على الزراعة أمكن أن ينتج الشرق من زراعته أضعاف ما ينتج الآن، وكذلك الشأن في معادنه المدفونة في أرضه وصناعته البدائية وما إلى ذلك، فالشرق غني ولكن لا يجد الرأس المفكر والهمة الحازمة والشركات الممولة واليد العاملة، ولو أنه أتيح له كل ذلك لكثرت أمواله وزاد غناه، فنشأ عن ذلك محو الفقر المدقع، وارتفع مستوى المعيشة، ثم نتج عن ذلك انتشار العلم وانتشار وسائل المدنية، ورقي الصناعة، بل لنشأ عن ذلك أيضًا إصلاح السياسة، فالرأي العام الفقير الجاهل ليس له من القوة ما للرأي العام الغني المثقف، وفي قولهم هذا كثير من الصحة، فإني أعتقد أن الأعداء الثلاثة وهي: الفقر والجهل والمرض تزول كلها بزوال الفقر، والفقر يزول بتنظيم الحياة الاقتصادية.
•••

والأرض التي خلقها الله تكفلت بتقديم الضروريات لجميع أبنائها إذا عقلوا، وقد كان الإنسان الأول مكفي الحاجة قليل الجهد في الحصول على ضروريات حياته، فهو يعتمد على ما يجده من أثمار الأشجار أو من الصيد، ويلبس ما ينتجه الحيوان، ويسكن الكهوف، ولا يحس أي إحساس بأزمة مالية، ولكن شاء الله أن يخلق الإنسان طموحًا إلى تحسين حاله، راغبًا بطبيعته في الحياة الاجتماعية، مضطرًّا إلى القرار ما أمكن بحكم تربية أولاده الذين يتطلبون في تربيتهم زمنًا أطول مما تقتضيه تربية الحيوان، إلى غير ذلك، فزَرَعَ الأرض وكلما تقدم الزمن زادت مطالب الحياته، وتأنق في مسكنه وملبسه ومأكله، وكان بحكم الطبيعة أن تفاوت الناس في القدرة على الكسب، فزكي وغبي، وماهر وأخرق، وبعيد النظر وسفيه، وفيلسوف ومغفل، إلى غير ذلك، فكان من ذلك اختلاف الثروات، ومن يعيش عيشة سعيدة، ومن يعيش عيشة شقية، ومن يجد فوق حاجته، ومن لا يجد حاجته، وكلما تقدمت المدنية زادت هذه الأمور تعقيدًا، وفُكِّرَ في الحلول لها، ووضعت المقترحات والنظم الاقتصادية لحلها وتنظيمها.
وكان أكبر العقبات الفروق الكبيرة في الثروة، واستبداد الغني بالفقير، والقادر بالعاجز، وصاحب رأس المال بالعامل، وعلى هذه الحلول والمذاهب الاقتصادية انقسمت الأمم الأوربية إلى رأسمالية وشيوعية وفاشية، ولكن مع الأسف ليس حلٌّ منها أراح الناس ولا حلَّ المشاكل، وأسباب فشلها كثيرة، منها: ان النظام الاقتصادي نظر إليه كأنه مستقل بنفسه، كأن الإنسان حيوان اقتصادى فقط، ليس له خلق ولا عقل ولا روح، فالذين يكتبون في الاقتصاد يوجهون كل همهم إلى المسائل الاقتصادية مجردة من النظرات الأخلاقية والإنسانية، ويحاولون حل مسائلهم من هذه الزاوية وحدها، فمثلهم مثل المهندس الذي يضع كل همه في إصلاح الحائط المائل من غير أن يلتفت أي التفات إلى بناء البيت كله، أو كالطبيب الذي يداوي المعدة من غير أن ينظر إلى علاقة المعدة بالجسم كله، فالإنسان منتج ومستهلك من حيث الاقتصاد، ولكن له بجانب ذلك ناحية خلقية، وناحية اجتماعية وناحية روحية، وكلها تنتج الإنسان كإنسان، فالنظر إليه من ناحية واحدة نظر لا يجدي، من أجل هذا كان سلوك الناس الخلقي ضربة مميتة للحياة الاقتصادية، فالأغنياء الذين تكدست عندهم الثروة لم ينظروا إلا إلى أنفسهم، فتوسعوا في وسائل الملاذ، وبحثوا كل يوم عن مصدر جديد للذة، وتفننوا كل التفنن في أثاث البيت ومطعمه وأدوات زينته تفننًا عز عن الوصف من غير التفاتة إلى إخوانهم الفقراء الذين لا يجدون ضروريات العيش، فنشأ عن ذلك الصراع الشديد بين طبقات الفقراء وطبقات الأغنياء، وكراهية كل لكل.
وقد حاولت الشيوعية أن تنظم هذه العلاقة وتقرب هذه المسافة، فنجحت في هذا، ولكن وقعت في الخطأ الذي وقع فيه غيرها من المذاهب الاقتصادية، فتصورت الإنسان كأن ليس له دين ولا عواطف ولا حرية شخصية، وإنما هو حيوان لا يسبح إلا في الدائرة المالية، وفيها عيب آخر وهو أن استبداد أصحاب رؤوس الأموال المتعددين تركز في النظام الشيوعي في يد الحكومة وأعوانها فأصبحت هي الوحيدة صاحبة رأس المال، وكان لها من التحكم في الأفراد وسلب حريتهم ما لم يستطعه أصحاب رؤوس المال المتعددون؛ إذ كان في تعدد الرأسماليين منفذ للعمال؛ إذ ينتقلون من صاحب رأسمال قاسي إلى أقل منه قسوة، وهم أنفسهم يتبارون في التودد للعمال؛ استجلابًا للانضمام إليهم والعمل معهم، وليس ذلك موجودًا في الشيوعية.
•••

نظام الإسلام المالي قد بني على أسس أخرى؛ من أهمها: ربط الحياة الاقتصادية بالحياة الخلقية، بالحياة الاجتماعية، بالحياة الدينية، فلم ينظر إلى الإنسان على أنه مجرد حيوان اقتصادي، بل شرّع الأمور المالية بحيث يمتزج الاقتصاد بالقانون بالأخلاق، فإذا كان الربا من الناحية الاقتصادية مباحًا، كالبيع إذا كان الربا في حدود معتدلة، فإن الأخلاق لا ترضى عنه من حيث سوء العلاقة بين معطي المال بالربا وآخذه، ولذلك حرمه الإسلام غير ناظر إلى الناحية الاقتصادية وحدها، ثم هو وضع التعاليم الأخلاقية التي تكرِّه الإنسان في اختزان الذهب والفضة من غير أن يعين إخوانه الفقراء من الناس كأن يقول: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
وقد حارب الإسلام مشكلة المشاكل وهي الإفراط في الغنى، والإفراط في الفقر بوسائل شتى؛ منها: ما ذكرنا من تحبيب الناس بعضهم في بعض، وعطف الغني على الفقير، والنظر إلى الجانب الخلقي بجانب النظر إلى الجانب المالي، ووردت في ذلك الآيات الكثيرة والأحاديث الكثيرة التي تشعر الإنسان بأخيه الإنسان وتحببه إليه وتحننه عليه.
ومن ذلك أيضًا أنه حرم الإفراط في الملاذ وطلب الاعتدال فيها، ناظرًا إلى أن الغني إذا لم يفرط في ملاذه ولم يجد منافذ للإنفاق الكثير في شهواته، ولم يجد المال نافعًا في الانغماس في نعيمه، تحول بالضرورة إلى النظر إلى الفقراء ومساعدتهم ومعونتهم، فمثلًا حرم على الرجال لبس الحرير والتحلي بالذهب، وكره الأناقة في المساكن والملابس، وحبب إلى المؤمنين التخشن حتى لا يفقدوا رجولتهم، وحرم الخمر والميسر والزنا، وكلها من قبل الإفراط في اللذات، حتى لا يستتبع ذلك الجشع في طلب المال، والحرص على اكتنازه.
ثم فرض الزكاة ويعجبني تسمية الإسلام الزكاة بهذا الاسم، فهو اسم خير من كلمة الضريبة ونحوها من كلمات؛ لأنها إلى أن إخراج الزكاة تطهير للمال الباقي، فكأن المال المكنوز نجس لا تطهره إلا الزكاة خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا، وهذا القدر من الزكاة هو ???? قد يكون قدرًا ضئيلًا ولكنه هو القدر القانوني، وبجانب ذلك، القدر الكبير الأخلاقي وهو الإحسان، وهذا لا حد له، وإنما هو موكول إلى ضمير الشخص وخلقه وعطفه وميوله الدينية والخلقية التي يحاول الإسلام أن يغرسها وينميها باستمرار.
ومن ذلك أيضًا نظام الإرث، فكثير من النظم الأوربية حصرت الإرث في الأبن الكبير أو نحو ذلك، فكانت الثروة مجموعة تنتقل من شخص إلى شخص وهي بعينها لا ينقص منها شيء، أما نظام الإسلام فوزعها وجعل لكل من الأولاد ذكورًا وإناثًا نصيبًا منها، وكذلك للأب والأم والزوج والزوجة، إلى غير ذلك، فكان هذا عاملًا كبيرًا في انقسام الثروة وتوزيعها على عدد كبير من الناس، وتقريبًا للمسافات البعيدة بين الغنى المفرط والفقر المفرط.
•••

فلو تصورنا مجتمعًا سادت فيه هذه التعاليم، وخضع فيه النظام الاقتصادي للسلوك الأخلاقي، وحُرّم فيه على الأغنياء أن يسرفوا في الملاذ والملاهي، وفرض عليهم جزء قانوني من المال يصرف في وجوه البر، والأخذ بيد الفقير، إلى مال لا حد له يصرفه الغني لمساعدة الفقير يسمى إحسانًا، إلى توزيع الثروة توزيعًا كبيرًا بين أفراد متعددين، لكان مجتمعًا قد تبرأ من حقد الفقراء على الأغنياء، وعسف الأغنياء بالفقراء، ولكان مجتمعًا تتقارب طبقاته، فلا فقير مدقع ولا غني جشع، ولكان مجتمعًا قد حل أهم المشاكل التي عجز الاقتصاد وحده عن أن يحلها، ولكن مع الأسف، مبادئ سليمة لم تجد من يطبقها، وآراء قويمة أهملت وسار المسلمون أنفسهم على ضدها.
الحق أن الإسلام خير من أهله.

الحياة الروحية


يغرق العالم اليوم من أطراف صوابعه إلى أعلى مفرقة في الماديات، فالمال عنده كل شيء، ولا قيمة للروحانيات، وكل شيء يقوم بالمال ومضاعفاته ومشتقاته، والحروب إنما تقام للمال، والتعليم إنما يتجه للمال، ويعد ما يدر مالًا خير، وما يفقد مالًا شر، حتى إنك لو قدمت وردة جميلة لصديق أو صديقة نظر إلى ذلك باعتبار أن الوردة بكم تقدر، أما ما حول ذلك من جمال الوردة، وعاطفة الحب أو الصداقة، ومقدار سرور المهدى إليه الوردة، والباعث عليه من المهدي، فلا يقوم لأنه روحاني، وهكذا انقلبت كل المعاني إلى مادية، وعملت المادية في إعلان الحرب وإعلان السلم، حتى أخشى أن تكون المساجد والكنائس أصبحت هي الأخرى مادية، كما أخشى أن يكون كبار الأدباء في العالم قد انقلبوا أيضًا ماديين تبعًا لعصرهم، فالمجلة يكتب فيها أو لا يكتب باعتبار الأجر، والمقالات أو الكتب تقدر بعدد الصفحات أو تقدر باعتبار شهرة قائلها وكاتبها، وكل هذا انحدار في المادية، والكاتب السليط اللسان القادر على الهجاء، يقدر أكثر مما يقدر الأديب العف اللسان، العاجز تمام العجز عن السباب، والكتاب الذي يلذع أو يثير الشهوة، أو يثير الحسد، أو يهيج النفوس أو هو مملوء بالشتائم أو يعلم السباب، خير من الكتاب المؤدب المتورع عن الهمز واللمز إلى غير ذلك، وبلغ الحد أن صار كثير من الكتاب يخجلون من الكتابة في الروحانية ويفخرون بكتابتهم في المادية، ولا يفرقون بين معان روحانية ومعان خرافية، وكان مثلهم كقول أبي العلاء:
إذا قلت المحال رفعت صوتيوإن قلت الصحيح أطلت همي ولا تكاد تجد في العالم روحانيًّا يجهر بروحانيته إلا نادرًا، ويخيل إليَّ أن حياة الناس اليومية قسمان: مادية وروحانية، هما كجسم الإنسان ونفسه، وكثير يفهمون أن الروحانية لا تكون إلا بعد الموت في الحياة الأخرى، ولكني أعتقد أن الروحانية في الدنيا والأخرى معًا، وكل عمل في الحياة له جانبان، والأنبياء والصالحون والصوفيون يعيشون بين الماديين عيشة روحانية قوية كاملة.
وقد يعمل اثنان عملًا واحدًا، وباعث أحدهما روحاني، وباعث الآخر مادي، بل قد يتقارب اثنان في أرواحهما على البعد، ويتباعد اثنان في أرواحهما على القرب، فالمسافة ليست عاملًا في هذا الموضوع، وصدق النبي في عظم تقديره للنية، وقوله: «إنما الأعمال بالنيات»، فكانت نتيجة ذلك تقويم العلل بالباعث لا بالنتيجة.
والعالم مملوء بما يغذي الروح، كما هو مملوء بما يغذي المادة، فيغذي المادة شهواتها وطمعها، وانتقامها وغلبتها وانقلابها، إلى كثير من أمثال ذلك كما يغذي الروح دينه، ومظاهر نبله، والأعمال الجليلة التي يقوم بها، وما يراه من انهزام المادة وشراهتها وضراوتها، وأنها بالنسبة له كالقزم بالنسبة للعملاق، ألم يكن ما شهدناه في العهد الماضي من فساد نتيجة لتقويم المادية تقويمًا أكبر من حقيقتها، فما المال، وما سبائك الذهب، وما الأطيان تعد بآلاف الأفدنة، وما المجوهرات العديدة، وما السعي الدائب في تحقيق مصلحة خاصة، في نظير مال يدفع، وما الذل للظالم، وتمهيد السبيل له لرتبة ينالها، أو مال يحصل عليه؟
إن الروحاني إذا سما، ونظر إلى العالم من طائرة، سخر من العالم المادي وتكالب الناس عليه، يحكى أن غنيًّا كبيرًا وعد أن يعطي فلاحه الصغير أرضًا بمقدار ما يجري، على أن يرجع قبل غروب الشمس، فجرى وكلما جرى ازداد طمعًا في الأرض التي بعدها، فجرى أكثر مما جرى، حتى إذا قاربت الشمس الغروب بدأ يعود، واستحثه قرب الغروب على سرعة العدو، فمن كثرة عدوه انبتَّ، فلا مال اقتنى، ولا هو أبقى على نفسه، والحكاية تمثل حياة أكثر الناس، يصرفون أكبر همهم إلى الاقتناء، ويتعبون في ذلك بما لا يقدر، ثم تكون النتيجة حفرة ضيقة، يرقد فيها من غير جزاء ولا شكور.

ستة أيام في حياتي


تمر الأيام مرورًا عاديًا في حياة الإنسان والأمم، ولكن تحدث فجأة حوادث في بعض الأيام يكون لها الأثر الكبير في حياة الأمم والأفراد … وقد تكون الحادثة صغيرة لا يؤبه لها ولكنها تصبح ذات أثر فعال، ولو سئلت ما هي الستة الأيام التي كان لها أكبر الأثر في نفسك، لأجبت:
اليوم الأول

ذلك يوم أن فارقت الكتاتيب الابتدائية؛ فقد أحسست أنني فارقت الفوضى إلى النظام، والحياة اللافنية إلى حياة فنية، والتعليم الهمجي إلى التعليم المنظم، وشعرت أنه رد إليَّ اعتباري، فبعد أن كنت ألبس الجلابية والطاقية والمركوب أصبحت كأولاد الذوات ألبس البدلة والجزمة والطربوش، وصرت أدخل حارتي رافع الرأس تياهًا على أولاد الحارة.
وبعد قليل صرت أرطن بالفرنسية كأولاد الذوات، ولكن أبي — رحمه الله — أراد ألا أنسى حياتي الشرقية بتاتًا، فكان يحفظني القرآن ويذكرني دائمًا بالحياة القديمة، وقد تعلمت في هذه المدرسة كثيرًا وخصوصًا مما خالطت من تلاميذ وما سمعت من أساتذة، ومن وقت لآخر يُبذر في أعماق نفسي بذورًا، ظلت هي العامل الأكبر طول حياتي.
اليوم الثاني

أما اليوم الثاني فيوم دخلت مدرسة القضاء؛ إذ كنت قبلها أسير في الحياة على غير هدى، وليس لي هدف في الحياة … فلما دخلت هذه المدرسة تحدد هدفي أن أكون قاضيًا شرعيًّا، واستفدت كذلك فوائد لا تحصى من علم وخلق؛ فقد كانت مدرسة القضاء أحب المدارس إلى سعد زغلول، فاختار لها خيرة المدرسين وكانت تدرس العلوم الدينية التقليدية والعلوم الحديثة، فكنت أدرس الفقه والتفسير وبجانبهما الطبيعة والكيمياء ومقدمة القوانين، وكان من أكبر ما أثر فيَّ، اتصالي بعاطف باشا بركات ناظر المدرسة؛ فقد كان رجلًا عادلًا حازمًا شجاعًا صريحًا لا يخشى في الحق لومة لائم، وساعدني على الاقتباس منه أنه اختارني لأكون معيدًا له في دروس الأخلاق، وكان يدرسها من الكتب الإنجليزية … فحبب إلي أن أتعلم اللغة الإنجليزية لأطلع على ما كتبه الإنجليز في الأخلاق، وكان اتصالي به في الأخلاق يتيح لي فرصة الاختلاط به في الدروس وفي البيت وفي العزبة، وكان خارج الدرس يكلمني في كل شيء، في الدين وفي أخلاق الناس في مصر وفي تجاربه في الحياة، مما ألقى لي ضوءًا لم أكن أعهده من قبل، وظل يلقي عليَّ حمل دروس الأخلاق شيئًا فشيئًا حتى استقللت بها، ولذلك لما مات حزنت عليه حزني على أبي؛ إذ كان هو أبي الروحي.
اليوم الثالث

وأما يومي الثالث فهو يوم الزواج … ولقد كان حادثًا كبيرًا غيَّر مجرى حياتي، وكان الزواج في أيامنا مبنيًّا على المصادفة أكثر مما هو اليوم، فالزوج لا يرى الزوجة قبل الزواج؛ وفقًا للتقاليد المرعية، ولا يعرف عنها إلا ما قالته الأقارب من النساء من ذكر أوصاف لا تقدم ولا تؤخر، وبعد أن كنت أحمل مسئولية نفسي فقط، أصبحت أحمل مسئولية البيت ومسئولية الزوجة والأولاد، وكل ذلك قد أكسبني تجارب كثيرة في الحياة.
اليوم الرابع

واليوم الرابع يوم أن عرفت امرأة انجليزية عجوزًا وأخرى شابة … كانتا تعلماني الإنجليزية، وظللت مع الأولى أربع سنوات بذلت فيها الجهد لتعليمي الإنجليزية، فكانت تدعو الإنجليز من رجال ونساء لتعويدي سماع اللغة واضطراري إلى إطلاق لساني في القول، وكانت تقص عليَّ ما لقيت في إنجلترا وباريس وبرلين وواشنطن، وكان آخر ما قرأت معها كتاب جمهورية أفلاطون، فكانت تقارن بين نظرياته وما دخل عليها من تعديل في المدنية الحديثة.
أما الثانية فكانت شابة متزوجة غنية قوية في العواطف قوة الأولى في العقل، ولما تعلمت الإنجليزية تفتحت أمامي آفاق واسعة لم يكن لي عهد بها من قبل، وصرت أعتمد عليها بجانب ما أعتمد على الكتب العربية، مما كان له أثر بعيد في مقالاتي وكتبي وتحضير دروسي، ولا أدري ماذا كنت أكون لو لم أتعلمها …
اليوم الخامس

وكان اليوم الخامس يوم أتيحت لي الظروف لأول مرة أن أسافر إلى أوربا في مؤتمر المستشرقين؛ فقد اطلعت على عالم جديد في نظمه الاجتماعية وفي معاهده العلمية، واستطعت أن أوازن بين الشرق والغرب، وأن أضع يدي على مزايا كل وعيوبه … وكأنني رزقت عينًا ثانية بعد أن كان لي عين واحدة، عين تقع على الشرق وعين تقع على الغرب، وعقل يوازن بينهما في سرعة البرق، وأعترف أنه ما عرضت عليَّ مسألة عويصة إلا نظرت فيها بهاتين العينين.
اليوم السادس

واليوم السادس يوم انتخبت عميدًا في كلية الآداب، ولم أكن أتوقع ذلك مطلقًا … فأنا رجل تربيت في الأزهر وما يشبه الأزهر من مدرسة القضاء، ولم أكن أعرف النظم الجامعية إلا يوم التحقت بجامعة القاهرة، ولم أتعلم كزملائي في جامعات أوربا وأعرف نظمها، وفي مجلس كلية الآداب فطاحل من رجال الجامعات الأوربية من إنجليز وفرنسيين وألمان، هذا عدا ما كان من فطاحل الأساتذة المصريين … فكان غريبًا أن يترك كل هؤلاء وأنتخب أنا عميدًا ولذلك استعظمت هذا الأمر واضطربت في أول حياتي كعميد، ولكن تذكرت قول الشيخ محمد عبده: «إن الرجل الصغير يرى أنه أصغر من الوظيفة، والرجل الكبير يرى أنه أكبر من الوظيفة» فأوحيت إلى نفسي باستمرار أنني أكبر من أن أكون عميدًا، ودلتني الحوادث أن العميد أصغر من أستاذ، ولذلك قلت يوم سئلت بعد ذلك: «هل تحب أن تعود عميدًا؟» فأجبت: «إني أكبر من عميد وأصغر من أستاذ».
وقد استفدت من عمادتي فوائد كثيرة … فخبرت أحوال الطلبة وأحوال الأساتذة، ومكنتني العمادة من أن أتصل بأعضاء مجلس الجامعة … وكلهم من كبار أساتذة الجامعة، فأصغيت إلى جدلهم ووقفت على مدى نظرهم.
هذه فيما أعتقد أشهر الأيام في حياتي، وربما كان هناك غيرها له أثر أكبر منها، ولكنه يعمل في عقلي الباطن وينعكس في عملي الظاهر، ولكن لم ألتفت إليه ولم ألقِ إليه بالًا … فقد تكون حادثة جزئية صغيرة أو جملة قرأتها في كتاب قراءة عابرة لم ألتفت إليها كثيرًا وقعت فجأة في عقلي الباطن فأخذت تكبر وتتوالد على مدى السنين وتعمل عملها الكبير في حياتي على غير شعور مني.

اعترافاتي


اعتاد الكتاب أن يقصروا الاعترافات على المسائل الجنسية التي اعتاد الإنسان أن يسرها ولا يجهر بها إلا لخواص أصدقائه، ولعل المسئول عن حصر الكلمة بهذا المعنى «جان جاك روسو» وأمثاله ممن قيدوا هذه الاعترافات، والقسس الذين يصغون إلى هذه الاعترافات، أما الكلمة نفسها فواسعة شاملة، تشمل هذا النوع وتشمل غيره من الفضائل التي اكتسبها الإنسان في حياته بعنف ومشقة.
وبعد هذا نذكر شيئًا من الاعترافات على المعنى المشهور فنقول:
إنني رزقت عاطفة تهتز للجمال أيًّا كان سواء كان جمالًا طبيعيًّا أو جمالًا صناعيًّا، أو جمالًا فنيًّا، وأذكر من هذا القبيل أني وأنا صغير سمعت رجلًا ينشد على الدف في مدح النبي ? فتبعته من حارة إلى حارة حتى بعد العشاء، مع علمي بأن التأخر إلى هذا الوقت يستتبعه الضرب من أبي حتمًا.
ولي إلى الآن حاسة قوية في سماع الموسيقى وخاصة النغمات الحزينة.
وأذكر أيضًا أني وأنا صبي عشقت صبية جميلة بنت جار لنا، فتعلمت من حبها ضنى الحب وعذابه ولوعته … وكل ما فعلت أن كنت أنتهز الفرصة فأجلس إليها أمام دار أبيها، فلما اكتشف ذلك أبوها حجبها وحرمت من لقياها.
وعشقت مرة مدرسة لي إنجليزية كنت أتبادل معها الدروس العربية والإنجليزية، وأحببتها حبًّا يائسًا … لأنها كانت متزوجة وسعيدة بزواجها، ولكن جمالها وجمال عينيها جعلني أتمنى يوم درسها وأعده عيدًا، ولولا أن الدين والعلم كبتاني لكنت إمام المحبين.
•••

وعلى المعنى الواسع من معنى الاعترافات عاهدت الله من صغري أن أنصر الحق حيث كان، وقد لقيت في سبيل نصرته عناءً لا يقدر في المجالس والمجتمعات، وخاصة في مجلس الجامعة؛ فقد كنت أصطدم أحيانًا بأكبر الرجال عقلًا، وأوسعهم شهرة، وأعظمهم قدرة، وأوذيت في سبيل ذلك كلَّ الإيذاءِ حتى لقد كنت أتوقع في كثير من الأحيان أن أجد خبر إحالتي على المعاش، كلما حزب الأمر وجد الجد، ومع ذلك لم أعدل عن هذه الطريقة، وكنت مشربًا فيها بروح القاضي العادل.
ومرة حرمت وظيفة كبيرة كنت مرشحًا لها بسبب من هذه الأسباب؛ ذلك أني رشحت أستاذًا للشريعة بكلية الحقوق، ثم عاقني عنها الانغماس في المبادئ السياسية على مذهب سعد، فلما علم عني ذلك حرمت من الوظيفة، فقلت: لا بأس، وعوضني الله عنها أستاذًا بكلية الآداب، ولكن بعد وقت طويل.
•••

وأعترف أني أحب الخير للناس خصوصًا من أعرفهم، وأفرح لنجاحهم أو رقيهم، ولكني مع هذا الحب غيور … فبجانب هذا الفرح أغضب إذا أنا حرمت من مثل ما نالوا خصوصًا إذا كنت أعتقد أني لست أقل منهم علمًا وذكاءً، وأذكر أني بكيت طويلًا عندما كان ترتيبي الثاني في مدرسة القضاء الشرعي … لعلمي أني لست أقل من الذي كان الأول، إلا أنه أجد مني في العمل وأكثر في التحصيل، ولا تزال هذه عادتي إلى اليوم … فإذا سمعت محاضرة في الجامعة أو في المجمع أو في غير ذلك فرحت بها وحمدت قائلها، ولكني غرت لأني لم أقل مثلها، كذلك إذا ألف أحدًا كتابًا جيدًا حمدته وأطريته، ولم أترك مجلسًا من المجالس إلا ذكرته، ولكن حز في نفسي أني لم أؤلف مثله.
•••

وقد علمتني الأحداث أن المدافع عن الحق لا بد أن ينال يومًا جزاءه؛ فقد يعذب وقد يهان وقد ينتقم منه … ولكن أخيرًا يعترف بفضله، ويمجد لموقفه على شرط واحد، وهو أن يكون معتدلًا في طلبه للحق، وأن يطلبه من غير تجريح لخصومه، وأن يطلبه في لباقة ومهارة، فإن أخل بهذا الشرط، فالذنب ذنبه ليس ذنب الحق؛ وذنب وسائله لا ذنب الحق نفسه.
كما علمتني التجارب أن الناس إزاء هذا أصناف ثلاثة: قليلون جدًّا ينصرون الحق ويتشجعون في الجهر به والدفاع عنه، وقليلون أيضًا مجرمون يقفون في وجه الحق لأسباب تافهة، ومصالح شخصية كاذبة عاجلة، وأكثر الناس يحبون الحق ويحبون نصرته، ولكن ينتظرون أحدًا يجهر به ليكونوا أتباعه، فإذا جهر به تبعوه؛ وهم إلى نصرة الحق أقرب منهم إلى نصرة الباطل؛ وإلى نصرة المدافع عن الحق، ولو كان صغيرًا، أقرب من أن ينصروا الباطل أو المبطل ولو كان كبيرًا.
ومن هذا النوع الشامل اعترافي بأني جبان بقدر شجاعتي في قول الحق … أخاف التعذيب، وأخاف السجن، وأخاف الشنق، وربما كان هذا هو السبب في أني أفضل العلم على السياسة، فالعلم طريق غير محفوف بالأشواك، والسياسة طريق وعر محفوف بالأشواك وربما كان هذا أيضًا هو السبب في أني تخلفت عن زملائي السياسيين حيث تقدموا إلى أن كانوا رؤساء وزارة، وقد كنت زميل المرحومين أحمد ماهر باشا ومحمود باشا فهمي النقراشي، ولكن خفت من القنابل إذ لم يخافا، وخفت من السجن إذ لم يخافا، وتقدما وتقاعدت، وبرزا واختفيت، ولعل هذا أيضًا هو السبب في أني لما كنت أحد أعضاء المائدة المستديرة في مؤتمر فلسطين في لندن ???? خطب مستر بيفن خطبة طويلة فحضرت عندي معان للرد عليه … خلت أنها جيدة، ولكن عاقني عن الرد خوفي من أن تكون آرائي في السياسة فجة، وخوفي من ضعفي في اللغة الإنجليزية … فسكت وصمت، وتكلم غيري، ولم تكن معانيه خيرًا من معانيَّ التي كنت انتويت أن أقولها.
ومن ذلك خوفي على عرضي وشرفي أن يمسهما سوء، وعلى العكس من ذلك عدم خوفي من نقد آرائي وكتبي؛ وأذكر أني كتبت مرة مقالات في جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي؛ فخصص الأستاذ ذكي مبارك مقالات للرد عليها كل أسبوع نحو ثلاثة أشهر، فلم يؤلمني نقد آرائي، ولكن مرة زل قلمه فتعرض لخلقي وشرفي، فغضبت من ذلك غضبًا شديدًا، بل ربما استحثثت الناس على نقد آرائي وأفكاري، علمًا بأن تقريظ هذه الآراء والأفكار ونقدها على حد سواء في خدمة الفكرة والرأي، بل قد يفيد النقد أكثر مما يفيد التقريظ، والحق لا يظهر إلا بعرض الآراء المخالفة كلها، كالمصباح لا تتجلى قوته إلا بقدر ما يجليه من الظلام.

المعتزلة والمحدِّثون


كان للمعتزلة منهج خاص أشبه ما يكون بمنهج من يسميهم الفرنج العقليين، عمادهم الشك أولًا، والتجربة ثانيًا، والحكم أخيرًا، وللجاحظ في كتابه «الحيوان» مبحث طريف عن الشك.
وكانوا وفق هذا المنهج لا يقبلون الحديث إلا إذا أقره العقل، ويؤولون الآيات حسب ما يتفق والعقل، كما فعل الزمخشري في الكشاف، ولا يؤمنون برؤية الإنسان للجن؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ويهزءون بمن يخاف من الجن، ولا يؤمنون بالخرافات والأوهام، ويؤسسون دعوتهم إلى الإسلام حسب مقتضيات العقل وفلسفة اليونان، ولهم في ذلك باع طويل، ولا يؤمنون بأقوال أرسطو لأنه أرسطو، بل نرى في الحيوان أن الجاحظ يفضل أحيانًا قول أعرابي جاهلي بدوي على قول أرسطو الفيلسوف الكبير.
هكذا كان منهجهم، وهو منهج لا يناسب إلا الخاصة، ولذلك لم يعتنق الاعتزال إلا خاصة المثقفين، أما العوام فكانوا يكرهونه.
وجرهم هذا المنهج إلى تشريح الصحابة والتابعين كما يشرح سائر الناس، فهم في نظرهم عرضة للخطأ كما يخطئ الناس، فلم يتورعوا عن أن ينقدوا أبا بكر وعمر وعثمان، ولم يمنعهم أن يفضلوا بعضهم على بعض، ومن أجل هذا كانوا أقرب إلى الشيعة من المحدثين، بل كان بعض المعتزلة شيعة.
ويقابل هذا المنهج، منهج المحدثين، وهو منهج يعتمد على الرواية لا على الدراية، ولذلك كان نقدهم للحديث نقد سند لا متن، ومتى صح السند صح المتن ولو خالف العقل، وقل أن نجد حديثًا نُقد من ناحية المتن عندهم، وإذا عُرض عليهم أمر رجعوا إلى الحديث ولو كان ظاهره لا يتفق والعقل، كما يتجلى ذلك في مذهب الحنابلة.
وكان من سوء الحظ أن تدخل المعتزلة في السياسة ولم يقتصروا على الدين، والسياسة دائمًا شائكة، فنصرهم على ذلك المأمون والواثق والمعتصم، وامتحنوا الناس وأكرهوهم على الاعتزال، فكرههم العامة واستبطلوا الإمام ابن حنبل الذي وقف في وجههم، فلما جاء المتوكل انتصر للرأي العام ضدهم، وانتصر للإمام أحمد بن حنبل على الجاحظ وابن أبي دؤاد وأمثالهما، ونكل بهم تنكيلًا شديدًا، فبعد أن كان يتظاهر الرجل بأنه معتزلي، كان الرجل يعتزل ويختفي، حتى عد جريئًا كل الجراءة الزمخشري الذي كان يتظاهر بالاعتزال، ويؤلف فيه، ولم يكن له كل هذا الفضل؛ لأنه أتى بعد هدوء الثورة التي حدثت ضد الاعتزال.
•••

فلنتصور الآن ماذا كان يكون لو سار المسلمون على منهج الاعتزال إلى اليوم؟ أظن أن منهج الشك والتجربة واليقين بعدهما كان يكون قد ربي وترعرع ونضج في غضون الألف سنة التي مرَّت عليه، وكنا نفضل الأوربيين في فخفختهم وطنطنتهم بالشك والتجربة التي ينسبونها إلى بيكون مع أنه لم يعمل أكثر من بسط مذهب المعتزلة.
وكان هذا الشك وهذه التجربة مما يؤدِّي حتمًا إلى الاختراع، وبدل تأخر الاختراع إلى ما بعد بيكون وديكارت، كان يتقدم مئات من السنين، وكان العالم قد وصل إلى ما لم يصل إليه اليوم، وكان وصوله على يد المسلمين لا على يد الغربيين، وكان لا يموت خلق الابتكار في الشرق ويقتصر على الغرب؛ فقد عهدنا المسلمين بفضل منهج المحدثين يقتصرون على جمع متفرق أو تفريق متجمع، وقل أن نجد مبتكرًا كابن خلدون الذي كانت له مدرسة خاصة، تلاميذها الغربيون لا الشرقيون.
فالحق أن خسارة المسلمين بإزالة المعتزلة من الوجود، كانت خسارة كبرى لا تعوض.
ثم بدأ المسلمون ينهجون منهج الحضارة الغربية تقليدًا من الخارج لا بعثًا من الداخل، وشتان ما بينهما، فالتقليد للخارج بث فيهم ما يسميه علماء النفس مركب النقص، فهم يرون أنهم عالة على الغربيين في منهجهم، ولو كان من أنفسهم لاعتزوا به وافتخروا، ولكن ما قُدِّر لا بد أن يكون، ولله في خلقه شئون.

الإسلام والمدنية الحديثة


مما يؤسف له أن المسلمين لم يتابعوا النهضة الأوربية منذ نشأتها، ولم يكونوا يعرفون عنها شيئًا؛ إذ كانت البلاد الإسلامية مغلقة على نفسها، لا تتصل اتصالًا وثيقًا بالعالم الأوروبي إلا عن طريق تجارة ضئيلة، أو أحداث سياسية قليلة، أما ما يجري في أوروبا منذ نهضتها من حركة علمية وصناعية، ونهضة قومية، وثورات لمطالبة الشعوب بحقوقها، ونحو ذلك، فلم يكن المسلمون يعرفون عنه شيئًا، ولو أنهم عرفوا ذلك وجاروا الغربيين في نهضتهم لكان لهم شأن آخر.
إنما عرف المسلمون المدنية الغربية عن طريق سيئ جدًّا، وهو طريق الفتح والاستعمار، وعرفوا المدنية الغربية من صوت المدافع تفتك بهم، وتغزو بلادهم، فلا عجب إن كانوا قد قابلوا بكثير من الكره والبغض، وكان ذلك طبيعيًّا، ولو أن هذه المدنية تقدمت في شكل تقدم إنساني يصح أن يحتذى، لقابلها المسلمون بكل أنواع الارتياح وسعة الصدر، ولفتحوا قلوبهم كلها للاستفادة منها.
إنما أتتهم في شكل حديد ونار، واكتساح واستغلال، ففزعوا منها، وصدوا عنها.
نعم، إنهم استفادوا منها كثيرًا، فاستخدموا مخترعاتها، واقتبسوا كثيرًا من معارفها وعلومها وصناعاتها ونحو ذلك، ولكن كل هذا لا يساوي ما خسروه بسببها، لقد فقدوا بها حريتهم واستقلالهم وسيادتهم.
لقد كان طابع المدنية الحديثة طابعًا قوميًّا، فكل أمة ترى الخير في مصلحتها الخاصة بها، ولا تعترف بأي مصلحة لغيرها، وتزعم أنها أحق بالسيادة على الأمم الأخرى المستضعفة، وخدم العلمُ والأدب والتربية هذه النزعة القومية حتى بلغت القمة، ونشأ عن ذلك مقياس أخلاقي جديد، وهو أن ما كان في مصلحة الأمة فخير مهما ضر الآخرين، وما ضر الأمة فشر مهما نفع الآخرين، وساد في كل أمة أوربية الشعور بالكره لغيرها والخوف من غيرها، فإنجلترا تكره ألمانيا وتخافها، وألمانيا تكره إنجلترا وتخافها، وهكذا العلاقات بين الدول، فإن كان هناك مسالمة وتودد فأمر ظاهري فقط، ورياء ونفاق لا حب وإخلاص، وظل هذا هو الشان في المدنية الحديثة من عهد أن تكونت القومية إلى اليوم.
•••

وكل أمة أوروبية قوية تعبد المجد؛ ومعنى المجد حب العظمة والسيطرة والاعتزاز بالقوة، وكان من أثر هذا المجد عند كل أمة كبيرة رغبتها في أن تسيطر على أكبر رقعة من الأرض تستطيع السيطرة علبها، وفي أن يكون لها مستعمرات أو ممتلكات واسعة فسيحة، وهذا المجد القومي غير المجد الخلقي، فالمجد الخلقي هو العمل على وفق القوانين الأخلاقية العالمية من عدل ووفاء وإحسان ونحو ذلك، أما المجد القومي فهو سيطرة واستغلال وتسخير للأمم الضعيفة لمصلحة الأمم الكبيرة، ولو اضطرها ذلك إلى إسالة الدماء البريئة، وإذلال الأعزة، ورفع شأن الأذلة، وهذا ليس من الأخلاق في شيء، والسياسي الماهر في المدنية الحديثة هو من استطاع أن يذل الأمم المحكومة ويكبت صوتها، ويعلي من شأن أمته ويظهر سيطرتها.
ولما تغلبت الوطنية وحب المجد على أمم أوربا وأمريكا تنافست في السيطرة؛ طلبًا لهذه العزة الكاذبة، فتسابقوا جميعًا للاستعمار، وكان الاستعمار في نظرهم هو إخضاع الأمم المستعْمَرة وإذلالها ما أمكن، واستغلال مواردها، وفتحها سوقًا لتجارتها ومنافعها، ولا عبرة عندها بخلق أو فضيلة، حتى لو رأت الأمة الفاتحة أن تجارة الخمر، أو الأفيون، أو المخدرات عمومًا، أو الرقيق الأبيض، أو نحو ذلك مما يفيد استعمارها؛ لو لم تتورع عنه لأنها لا تقصد إلى سمو في الخلق، ولا نبل في الفضيلة، وإنما كل ما تقصد هو العزة القومية، والمجد الكاذب، بالمعنى الذي ذكرنا.
وليس هناك أي شعور إنساني، من الأخذ بيد الضعيف، وتعليمه علمًا نافعًا، وترقيته، حتى ينهض بنفسه أو نحو ذلك، فهذا المعنى الإنساني معدوم في نظر الاستعمار الغربي.
على هذه الأسس، استُعمرت البلاد الإسلامية، وتقسمتها إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وغيرها، وكانت كلها سواء في هذين الأساسين، وهما تقويم المسائل حسب القومية، لا حسب الإنسانية، والعمل للمجد القومي والمنفعة القومية، بإذلال الأمم المفتوحة، واستغلالها وإضعافها، فليست تقدم لها علمًا إلا علمًا ضعيفًا لإخراج موظفين يخدمون الاستعمار، وليس هناك استغلال ثروة إلا لمصلحة الفاتح دون مصلحة المفتوح.
وهكذا أضعفت المدنية الأقطار الإسلامية، واستنزفت أموالها ودماءها وأخلاقها من غير مراعاة لأي شعور إنساني، أو إخاء إنساني، أو عطف كبير على صغير، أو مساعدة قوي لضعيف، وليس هناك من فرق بين هذه الأمم إلا في الأسلوب، لا في الجوهر والحقيقة.
ومما يستدعي العجب، أن المدنية الحديثة كرهت الإسلام والمسلمين أشد كراهة، بل إن كراهيتها للإسلام والمسلمين أشد من كراهيتها لسائر الأديان الأخرى، من يهودية وغيرها، بل أشد من كراهيتها للوثنية؛ فهي تكره المسلمين أشد مما تكره البوذيين وسائر الوثنيين، وتظهر هذه الكراهية في سوء المعاملة وحب الانتقام، وظلم ما يصدر عنها من أحكام؛ وإذا كان هناك نزاع بين مسلمين وغير مسلمين وتدخلت المدنية الحديثة فإنما تتدخل للإيقاع بالمسلمين والتنكيل بهم، يتجلى ذلك في حكم الإنجليز للهند وتمييزهم في المعاملة بين المسلمين والهندوكيين، وفي المظهر الحديث في النزاع القائم بين المسلمين واليهود إلى كثير من أمثال ذلك.
وعلة هذا تستوقف النظر؛ فليست المسألة مسألة خصومة بين الإسلام والمسيحية، ولو كان الأمر كذلك، لكان المعقول أن يكون الإسلام أقرب إلى المسيحية من أي دين آخر، وعلى الأقل أقرب إلى المسيحية من المسيحية إلى الوثنية، فليس الأمر أمر دين فحسب، ولكن يظهر أن هذه الخصومة والكراهية ترجع إلى أسباب أعمق من ذلك، منها ما خلفته الحروب الصليبية من الخصومة؛ فقد أراد الصليبيون أن يستولوا على الأقطار الإسلامية، وبذلوا في ذلك من الجهود الجبارة ما يعرفه التاريخ، واستعملوا للتغلب على المسلمين كل الوسائل الصادقة والكاذبة، فجمعوا كل قوتهم المادية، ونشر القساوسة كل ما استطاعوا من تضليل وكذب، وافتراء على الإسلام، حتى صوروا الإسلام وصاحبه أبشع صورة وأفظعها، فلما لم ينجحوا مع ما بذلوا من كل هذه الجهود عادوا وهم يحملون الحقد والضغينة على الإسلام والمسلمين، وأورث السلف هذا للخلف.
هذا سبب، وهناك سبب آخر، وهو أن الإسلام أنجح الأديان في منافسة النصرانية بين الشعوب الوثنية، على الرغم من ضعف التبشر في الإسلام، وقلة ما يبذل من جهد في نشره، ومع قوة التبشير في المسيحية، وما يبذل في سبيل ذلك من جهود وأموال، فهذا التنافس بين الإسلام القوي والمسيحية سبب كراهية ونفورًا؛ لأن الكراهية والنفور تشتد بين الأقوياء أكثر مما تشتد بين قوي وضعيف.
ومن الأسباب أيضًا أن الإسلام يبث في معتنقيه العزة، وأن تكون كلمة أهله هي العليا، وكلمة غيره هي السفلى، ويحث على مقاومة حكم الغير، وعدم الخضوع للأجنبي، وهذا ما يغيظ الاستعمار كل الغيظ، وهل أتاك حديث زعيم فرنسي يحمل على تعليم العلوم باللغة العربية في بلاد المغرب؛ لأن اللغة العربية وسيلة للإسلام، والإسلام يناهض الاستعمار، فإذا علمنا بالعربية فقد مكّنا من مناهضة حكم الأجنبي.
هذه الأسباب وغيرها هي التي حملت المدنية الحديثة على مناهضة الإسلام والمسلمين، والتنكيل بهم، وإقفال طريق الرقي أمامهم، وكان الواجب أن يشعر المسلمون بذلك كل الشعور، فيزيدوا قوتهم، ويبذلوا كل جهدهم في تكوين أنفسهم وإعلاء كلمتهم واستقلالهم بأنفسهم، وادخار القوة لمكافحة القوة.
لقد فَتح الإسلام كما فَتحت المدنية الحديثة، ولكن كان أساس فتحه نشر العدل والأخذ بيد المفتوحين، والرقي بهم في سلوكهم وأخلاقهم ودينهم، وأن لأهل الذمة من الحقوق ما للمسلمين، ولكن الفتح الغربي فتح جباية واستغلال، لا فتح سمو في الأخلاق، ولا نشر لمبادئ إنسانية، ولا أخوة عالمية، لا شيء من ذلك، إنما هو فتح لأسواق تجارية، واستعباد من القوي للضعيف، ومن العالم للجاهل.
فليفتح المسلمون أعينهم ليروا كل هذا وليبنوا خططهم على أن لا أمل إلا في أنفسهم، وإلا ببذل كل جهد في تقويتهم ماديًّا وروحانيًّا، وإلا بجمع كلمتهم ووحدتهم وهدم تفرقهم وتعاونهم التام للعمل أمام الخصم الذي يسعى للتنكيل بهم، ووضع العراقيل في سبيل تقدمهم، والله يوفقهم.

الجامعة الإسلامية


يعنون بها الرابطة التي تربط بين المسلمين في مختلف الأقطار من فرس وترك وعرب، وقد كانت كلمة مفزعة لأوربا في القرن الماضي، وليس صحيحًا ما قاله المرحوم سعد باشا زغلول: «إن صفرًا وصفرًا يساوي صفرًا» بل الصحيح أن «ناقص خمسة في ناقص خمسة يساوي زائد خمسة وعشرين»، فكل دولة وحدها قد لا تساوي شيئًا ولكنها جميعًا تستطيع الوقوف أمام الاستعمار الأوربي، وإذا كان الأوربيون يتكتلون على الباطل لمحق المسلمين، فأولى أن يتكتل المسلمون على الحق لدفع كارثة الاستعمار.
وقد كان أول من نادى بها في هذا العصر الحديث السيد جمال الدين الأفغاني، وخلفه الشيخ محمد عبده والسيد عبد الرحمن الكواكبي، غير أن طريقة السيد جمال الدين كانت قوية عنيفة؛ إذ كان يريد الثورة على الملوك والأمراء في الداخل، وإشعال نار الشعوب ضد الخارج، أما الشيخ محمد عبده فكان في ذلك هينًا لينًا يريد الجامعة الإسلامية من طريق التربية والتعليم، والسيد عبد الرحمن الكواكبي كان أقرب إلى السيد جمال الدين الأفغاني، وكان أشد في محاربة الأمراء، وألف في ذلك العهد كتاب «طبائع الاستبداد ضد السلطان عبد الحميد»، كما ألف أم القرى لرسم خطة الجامعة الإسلامية، ولم تطق أوربا صبرًا على جريدة العروة الوثقى التي كان يصدرها السيد جمال الدين في باريس، فأغلقتها بعد صدور العدد الثامن عشر، وكان السلطان عبد الحميد يحارب هذه النزعة أولًا، ثم أراد أن يحتضنها وأهلها أخيرًا، لما تبين له هو نفسه من نفعها، وكان الشيخ علي يوسف يبشر بهذه الدعوة في جريدة المؤيد؛ إذ كان ينشر فيها أخبار العالم الإسلامي والآراء في تكتله، وكذلك مجلة المنار؛ إذ كانت تعبر عن آراء الشيخ محمد عبده، والسيد رضا، ثم خفتت الدعوة بوفاة السلطان عبد الحميد الذي كان يحميها.
وأيما كان؛ فقد أحس الأوربيون بخطر هذه الدعوة، وحاربوها بكل قوتهم: بصحفهم ومؤتمراتهم وكل قوة لديهم، لما تبين لهم من قوتها وخطرها إذا تحققت، واستنجد بعض الأوربيين الشعوب المسيحية طالبين إعانة سنوية، والنهضة المبشرين، وتعيين بالمبشرين الكبار في الجهات التي يوجد فيها مسلمون، ونشر الرسائل، وإنشاء مجلة لمقاومة فكرة الجامعة الإسلامية، ونشر جريدة لبيان الأفكار التي تطبع مؤيدة للجامعة الإسلامية، وهكذا وكان من نتيجة ذلك أن اجتهد رئيس المبشرين وهو المستر «زويمر» في عقد مؤتمر للنظر في هذه الحالة، فانعقد المؤتمر في سبتمبر ????م، وكان هذا الموضوع، موضوع الجامعة الإسلامية وكيفية مقاومتها، من أهم موضوعاته، وخُصِّصَ لجنتان منه لهذا الغرض، وقد افتتح الرئيس زويمر المؤتمر بأن بدأ يدعوه للبحث في الوسائل التي يمكن بها مقاومة الإسلام، وكان يتبع المؤتمر غرفتان عرضت فيهما الغرائب المتعلقة بالإسلام مع مطبوعات جمعية التوراة التبشيرية، واشترك في هذا المؤتمر ??? مندوبًا و??? مدعوًّا عن أربع وخمسين جمعية تبشيرية، وعلى رأس المؤتمرين القسيس زويمر الذي تصفه جريدة فرنسية بأنه لا يهزم، وبأنه درس الإسلام في شعوبه، ومُنع الصحفيون الإنجليز والأمريكان من شهود هذا المؤتمر، ولم توزع عليهم النشرات إلا بعد تنقيحها، وقد قال الرئيس في مجلة العالم الإسلامي: إن الإسلام تمخض في السنوات الخمس الأخيرة التي أعقبت مؤتمر مصر، عن حوادث خارقة لم يسبق لها نظير؛ ففيها حدث الانقلاب الفارسي، والانقلاب العثماني، وفيها انتبهت مصر لحرتها الحاضرة، وعني المسلمون بمد السكة الحديدية، وتأسست في الهند مجالس شورية، ودخلت الأمور الإسلامية في قالب يلائم العصر، ازداد به التمسك بمبادئ الإسلام، وانتشر الإسلام في أفريقيا والهند الغربية والجزائر الجنوبية.
وكل هذه الحوادث، تحتم على الكنيسة أن تعمل بحزم وجدٍّ، وتنظر في أمر التبشير والمبشرين بكل عناية، وعلى ذلك فسيوضع برنامج للأمور الآتية: درس الحالة الحاضرة.
إنهاض الهمم لتوسيع نطاق تعليم المبشرين والتعليم النسائي.
إعداد القوات اللازمة ورفع شأنها.
وقد حز في نفس الرئيس ما صارت إليه حالة المسلمين وارتقاؤهم، وكان مما قاله: إن لفظة العالم الإسلامى ليست شيئًا اخترعه المبشرون، وإنما هو حقيقة موجودة، كلمة دقيقة تدل على موقف حقيقي، وقال: إن عدد المسلمين يزيد قليلًا على مائتي مليون، والتبشير فيهم يحتاج إلى نفقات طائلة، خصوصًا وأن الإسلام ينتشر بسرعة، والمبشرون المنتشرون على ضفتي النيل وشرقي أفريقيا وبلاد النيجر والكنغو، يشكون مُرَّ الشكوى من انتشار الإسلام بسرعة في هذه الأنحاء، ومع أن انتشار الإسلام في الهند يجد موانع من مجهودات جمعيات التبشير الهولندية والألمانية، فهو يتوطد هناك؛ لأن المسلمين أخذوا يستبدلون بالتقاليد القديمة عقائد ثابتة قوية، وانتقل الرئيس إلى وصف الانقلابات التي حدثت في البلاد الإسلامية، وحمد الله عليها، وأثنى على احتلال الجيش الفرنسي لمقاطعة «واداي» في إفريقيا، وقال:
إنه لم يبقَ الآن إلا ?? مليون و??? ألف و??? — آحاد، تحت سلطة حكومة إسلامية، وقال: إن الإسلام الإسلام بدأ يتنبه لحقيقة موقفه ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر، وهو يتمخض عن ثلاث حركات إصلاحية، الأولى: إصلاح الطرق الصوفية، والثانية: تقريب الأفكار من الجامعة الإسلامية، والثالثة: إفراغ العقائد والتقاليد القديمة في قالب معقول، وأشار إلى قول الدكتور و.شيد: إن الإسلام يتحكك في كل قطر بالمدنية العصرية ومبادئها، وقال: إنه ليس في الإمكان التقدم الاجتماعي والعقلي إذا خلوا من كل صبغة دينية. وانتقل زويمر بعد ذلك إلى استنهاض الكنائس لمقاومة المسلمين، ونشر التبشير بينهم، وختم القسيس كلامه بقوله: إذا نظرنا إلى البلاد التي يحكمها هذا الدين الكبير المخاصم لنا، وإلى البلاد التي يتهددها بحكمه، يظهر لنا أن كل واحدة من هذه البلاد هي رمز لعنصر من المعضلة الكبرى؛ فمراكش في الإسلام مثال للانحطاط، وفارس مثال للانحلال، وجزيرة العرب مثال للركود، ومصر مثال لمجهودات الإصلاحات، والصين مثال للإهمال، وجاوة مثال للتغير والانقلاب، والهند مركز للتحكك بالإسلام، وإفريقيا الوسطى مكان للخطر الإسلامي، وهذه كلها مشاكل يحتاج الإسلام معها قبل كل شيء إلى المسيح.
•••

من المؤسف أن حاجة المسلمين إلى الجامعة الإسلامية هي اليوم كما كانت ولم تتقدم كثيرًا، ولم تكف أوربا عن مناهضتها، وكل حادثة من الحوادث الكبار تؤيد الرأي القائل بأن المسلمين لا تقوم لهم قائمة إلا بهذه الجامعة، وآخر حادثة كانت هي حرب فلسطين؛ فإن العالم العربي لم يتحد على مقاومة اليهود كما اتحدت إنجلترا وأمريكا على مناصرتهم، فضلًا عن عدم اتحاد العالم الإسلامي، ولو ظل الأمر على هذا النحو فلم يتعظوا بهذا ولم يلموا شملهم، فستضيع كل يوم بلاد إسلامية جديدة، فهل يتعلم المسلمون اليوم هذا الدرس، بما أصابهم من فشل! أو سيبقون كما هم حتى يلدغوا من جحر واحد مرتين وثلاثًا لا قدر الله؟!
إن الجواب عن هذا السؤال ملفوف بحجاب المستقبل.

النهضات الفكرية في الإسلام


?


يسرني أن أتحدث إلى حضراتكم في سلسلةِ أحاديثَ عن النهضات الفكرية في الإسلام، وأبدأ اليوم بحديث عن الإسلام نفسه كنهضة؛ لأن الإسلام غيَّر عقلية العرب التي كانوا يعيشون بها في الجاهلية، فعد مجيئه من غير شك نهضة فكرية؛ ذلك أن الإسلام لما أتى بتعاليمَ ومبادئ غير المبادئ التي كانوا يعيشون عليها في الجاهلية من نواح كثيرة، وأصف لحضراتكم وصفًا موجزًا لحياة العرب في الجاهلية، ثم حياتهم في الإسلام.
لقد كانت حياتهم في الجاهلية حياة غارات وحروب مستمرة، وقد كانت الحرب نفسها موردًا من موارد كسب العيش، فإذا احتاجت قبيلة إلى مورد عيش حاربت الأخرى وسلبتها، لا ترعى في ذلك عدلًا ولا نظامًا، فجاء الإسلام فغير هذا المعنى وسمى نفسه الإسلام من مادة السلام، وجاء في القرآن: وَعِبَادُ الرَّحْمَـ?نِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.
وربما كانت هذه الآية هي المفتاح الذي نصل به إلى معرفة السبب في تسمية عهده بالإسلام، ثم كان فهمهم للعدل والظلم فهمًا غريبًا، لقد سئل شيخ قبيلة ما العدل وما الظلم؟ فقال: العدل أن أغير على إبل جاري فآخذها، والظلم أن يغير جاري على إبلي فيأخذها. وذلك ناشئ من أن العدل والظلم كانا تابعين للأرستقراطية الجاهلية، فرئيس القبيلة أو العظيم كائنًا من كان في قبيلته كان له الحق أن يفعل ما يشاء من غير أن يؤاخذه أحد على ظلمه، وأما الفقير المسكين فلا حق له ولا عدل معه، ولذلك كان بعض الناس في الجاهلية قد تنبهت ضمائرهم قبيل الإسلام وأرادوا أن يضعوا حدًّا لهذا الظلم الصارخ الذي لا ينال فيه الفقير المسكين أي حق، وينال فيه العزيز في قومه كلَّ حق، بل ينال فيه ما ليس له فيه حق، لذلك يحدثنا التاريخ أنه قبيل البعثة نشأ حلف في مكة اسمه حلف الفضول، سببه أنهم رأوا أن بعض الناس في مكة يبيع بضاعته لعظماء فلا يدفعون لأصحابها ثمنها، من ذلك أن رجلًا من ذبيب قدم مكة ببضاعته فاشتراها منه العاصي بن وائل وكان عظيمًا في قومه، فلم يدفع له ثمنها، فاستعدى عليه بعض الناس وطلب مساعدتهم فلم يعينوه، ومن ذلك أن بعض هؤلاء العظماء كانوا يستجملون بعض الفتيات في الأسواق فيخطفونهن ثم لا يردونهن إلى أهلهن، كما روي أن رجلًا من خثعم قدم مكة ومعه بنت له فاغتصبها وجيه من وجهاء العرب، كل هذه الحوادث وأمثلاها حركت نفوس بعض الناس، فتحالفوا أن يكونوا يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقًّا، فكان حلف الفضول بذلك الوضع محكمة عدل بدائية يلجأ إليها كل من اغتصب منه حق.
وقد حدث هذا الحلف في عهد النبي ? قبيل بعثته، وفي الحديث أن رسول الله ? قال: لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدعان حلفًا ما أحب أن لي به حُمْر النعَم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت.
فلما جاء الإسلام أكمل هذه النزعة وطالب بالعدل على أدق معنى وأوسعه، فالغني والفقير أمام العدل سواء، وصاحب الجاه وعديم الجاه سواء، بل أكد معنى آخر أدق وهو أنه يجب على الإسلام العدل مع من أحب أو كره.
يقول الله تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى?، أي لا يحملنكم بغضكم لقوم على ألا تعدلوا معهم، بل يجب ألا تحسبوا حسابًا للحب أو الكره أمام العدل، فالعدل واجب مع من أحببت أو كرهت، كما طلب العدل في الحرب والسلام على السواء، وبين الأقارب والأباعد على السواء، فكان في ذلك مخالفة لحياة الجاهلية كل المخالفة.
على كل حال كان من أهم أعمال الإسلام وضعه قائمة بقيم جديدة للأشياء غير القيم التي كانت لها في الجاهلية، وهل الفرق بين أمة راقية وأمة غير راقية إلا قائمة القيم؟ فالأمة الراقية تضع في أولها أحسن الأشياء وأغلاها وأعزها، وفي أسفل القائمة أتفهها وأدونها، والأمة غير الراقية تضع في أول القائمة أتفه الأشياء ولا تضع أعزها أو تضعها في آخرها.
لقد كان في أول القائمة الجاهلية الانتقام والأخذ بالثأر، وكان أحسن خلق عندهم المروءة، وهي كلمة لا حد لها وتشمل الشجاعة التي لا حد لها، حتى لو استنجد رجل بآخر فهذا الشهم ينجده مطلقًا من غير سؤال هل هو محق أم مخطئ، ولذلك كانوا يقولون دائمًا: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فلما جاء الإسلام غيَّر معنى هذه الجملة بأنه يجب على الإنسان أن ينصر المظلوم وأن ينصر الظالم، أن ينصر المظلوم بإعانته على تحصيل حقه، وأن ينصر الظالم بردعه عن ظلمه.
كان العرب في جاهليتهم يتمدحون بخصلتين يعدانهما خير الفضائل، وهي الشهامة التي لا حد لها والكرم إلى حد الإسراف، ويعدون من خير الفضائل الإخلاص التام للقبيلة والقسوة في الانتقام، فجاء الإسلام وغير هذا كله، فجعل المبدأ الأول الخضوع لله والانقياد لأوامره، وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر الدين.
ولئن كان العربي الجاهلي يجعل نصب عينيه الشره وجمع المال وأخذ نفائس الأشياء إذا غنمت قبيلته، والتفاخر بالتكاثر والكبر والعظمة، فالإسلام أمر بالقناعة وعدم التكاثر بالأموال وتجنب الكبر والعظمة، وجعل للحياة مُثلًا عليا جديدة ربما يجمعها قوله — تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
فنحن إذا قارنا بين المثل الأعلى في الإسلام والمثل الأعلى في الجاهلية وجدنا الفرق كبيرًا بينهما، حتى لقد يصح أن نسمي ما أتى به الإسلام نهضة فكرية، وربما وضَّحَ الفرقَ أيضًا بين الجاهلية والإسلامِ الحديثُ الذي حدث به جعفرُ بن أبي طالب النجاشيَّ حين هاجر هو ومن معه إلى الحبشة من ظلم أهل مكة فسأله النجاشي عن حاله فقال: «كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبده من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن قول الزور وأكل مال اليتيم، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، فعدا علينا قومنا فعذبونا ومنعونا عن ديننا، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك».
وهو يلفت نظرنا إلى أن من أهم الفروق بين الحياة الجاهلية والحياة الإسلامية نوع العبادة، فعبادة الجاهلية عبادة أحجار وأوثان، وعبادة الإسلام عبادة إله واحد، وفرق كبير من ناحية النهضة الفكرية بين عبادة هذا وعبادة ذاك، عبادة الأحجار والأوثان تذل النفس وتضعها وتشل العقل وتدسه في التراب، وعبادة الله وحده رب العالمين وخالق السموات والأرضين ترفع النفس وتعزها حتى أمام الملوك والأمراء؛ لأنهم مثله عبيد الله، وهو وحده مدبر أمرهم ومسيرهم، فمن اعتقد بإله واحد خالق كل شيء ومدبر كل شيء عزت نفسه ولم يَرَ أحدًا سيدًا عليه غير الله، وأن الخلق مهما عظموا تساووا معه في عبوديتهم لله.
كل هذه الأمور نهضت بالعرب وغيرت نفسيتهم، وبعد أن كانوا ينظرون إلى الفرس والروم نظرة خضوع وذلة أصبحوا ينظرون إليهم على أنهم خير منهم؛ إذ يقول الله تعالى لهم: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
لذلك ارتفع شأنهم أمام أنفسهم، وعلت روحهم المعنوية، واستطاعوا أن يحاربوا فارس والروم ويخضعوهم لهم، وما كانوا يستطيعون ذلك لو بقوا على روحهم الجاهلية؛ فقد قضوا في جاهليتهم أجيالًا وأجيالًا وهم في استكانة وامتهان أمام عظمة الفرس والروم، إن حاربوا فإنما يحارب بعضهم بعضًا، وإن نهبوا فإنما ينهب بعضهم من بعض، أما أمام غيرهم فأذلاء جبناء، ثم نهضوا بالإسلام نهضتهم فتكونوا أمة واحدة، وارتفعت نفوسهم فأصبحوا أمة تخشاها الأمم.
لقد جاء الإسلام فجعلهم يؤمنون بالجنة والنار، فمن قتل في الحرب قتل شهيدًا، ومن عاش عاش عزيزًا، فبث ذلك في نفوسهم روحًا غريبة يرويها التاريخ، فكان إذا جد الجد باعوا أرواحهم بيع السماح ولم يذلوا ولم يستكينوا وضحوا بأموالهم، وبأنفسهم إذا دعت الحال.
ولم يكن هذا الانتقال من حياة جاهلية إلى حياة إسلامية بالأمر اليسير السهل، فالناس عبيد ما ألفوا، كارهون لكل دعوة جديدة، ولذلك نرى في التاريخ ما وجده النبي ? وأصحابه من صعوبات، وما نالوا من عذاب بسبب جهادهم في نقلهم الناس من عقلية قديمة إلى عقلية جديدة، فاحتملوا في ذلك من العذاب ما لا يوصف، ووقفوا وقوفَ الأبطال، حتى يروى عن ابن عباس أنه قال: «والله إن كان المشركون ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى لا يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي نزل به».
وهكذا كل نهضة في التاريخ تكون مصحوبة بقوم يتحمسون لها، وقوم رجعيين يعرقلون سيرها؛ وقد جرت العادة أن البقاء للأصلح، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
من أجل هذا كله، عددنا تحول العرب من جاهلية إلى إسلام، «نهضة فكرية» كبيرة، بل هي أكبر نهضة فكرية في حياة العرب، أما ما جاء بعدها من نهضات، ففرع لها، وناشئ عنها، وسنتتبع سير العرب في تاريخهم، وما كان لهم من نهضات أعلت شأنهم، وأعزت جانبهم.
?


حدثتكم في الحديث الماضي عن الإسلام نفسه كنهضة فكرية، واليوم أحدثكم عن نهضة أخرى في الإسلام، تلك هي نهضة العرب بسبب الفتوح.
لقد كان العرب في جزيرتهم يكادون يكونون منعزلين عن العالم الذي حولهم، فإذا وصل إليهم شيء من المدنية التي حولهم فأشعة ضعيفة جدًّا.
فمثلًا كان يحدُّ ساحلَ الجنوب الغربي من البحر الأحمر قوم تسرَّبوا إليه من ساحل الجزيرة المقابل سُموا بالأحباش؛ لأن أصلهم من الحبشة، وكانت الحبشة ذات مدنية وإن كانت ضعيفة، وكان ينازع الحبشةَ في السيادة على اليمن الفرسُ، فتسربت منهم إلى العرب بعض مدنيتهم عن طريق اليمن أحيانًا، وعن طريق العرب الذين كانوا يسكنون الحيرة في العراق أحيانًا.
ويحدثنا التاريخ أن سلمان الفارسي كان عارفًا بأساليب الحرب الفارسية، وهو الذي أشار على النبي ? بحفر الخندق حول المدينة في غزوة الخندق، واقتنع النبي بفكرته، وأسرع الصحابة إلى تنفيذها، إنما كانت الاستفادة الكبرى من المدنيات العظيمة يوم فتحوا فارسَ وقسمًا كبيرًا من بلاد الروم، وكان أكثر ذلك في خلافة عمر، فدعاهم هذا الفتح إلى سكنى هذه البلاد، بعضهم في فارس، وبعضهم في الشام وفي فلسطين، وبعضهم في مصر، فرأوا إذ ذاك مدنية كبيرة، وعرفوا ما لم يكونوا يعرفون، وكان مثلهم مثل أسرة تسكن كوخًا صغيرًا، انتقلوا منه إلى قصر فخم عظيم، أو كعامل يشتغل على مغزل يدويٍّ عهد إليه الوقوف على ماكينة ميكانيكية كبيرة، غاية الأمر أن لهم خصالًا ممتازة: فهم ذوو روحانية عالية، وذوو استعداد للتطور مع الزمان والأحداث، وقفوا إذ ذاك موقفًا في غاية الصعوبة، وهو كيف تدار هذه الممالك الفخمة الضخمة خصوصًا أن لكل بلد عاداتٍ وتقاليدَ لم يكونوا يعرفونها، فلهم نظم في الحرب والريِّ وفي الضرائب، وعلى العموم في المسائل التشريعية والاجتماعية الاقتصادية.
لقد كانت جزيرة العرب ذات ماء قليل إن عثروا عليه ففي غدير، أو في بئر حقير، أو قناة صغيرة، فما بالك إذا رأوا دجلة والفرات والنيل وبردي، تلك المياه احتاجت إلى نظم للري وقوانين كثيرة، وكذلك الشأن في الأموال والتنظيم الإداري والاجتماعي والقضائي، كانت من غير شك هذه أكبر المشكلات، ومن حسن الحظ أنها حدثت أول ما حدثت في عهد عمر بن الخطاب، فكانت تنقل إليه كل كبيرة وصغيرة، وهو يفكر فيها بالشورى مع كبار من حوله، ويرى فيها رأيه.
قد كان راعي غنم، فأصبح راعي أمم، والواقع أنهم حلّوا هذه المشكلة حلًّا لطيفًا، فأولًا أقروا الأمم على عاداتها وتقاليدها، ما لم يكن في تلك العادات ما يخالف الإسلام، والثاني أنهم درسوها وعرفوها، والثالث أنهم كانوا يعرفون كليات أصول الإسلام وروحه فيطبقونها على البلاد المفتوحة، وبذلك استفادوا وأفادوا، وواجهتهم مشكلات كثيرة من هذا القبيل كانوا يحلونها على هذه الأسس.
فمثلًا اعترضتهم مشكلة الأراضي في البلاد المفتوحة: هل يملكها العرب الفاتحون؟ فكان رأي عمر، وشايعه على ذلك بعض الصحابة، أن هذه الأراضي تترك لأهلها، وليس للعرب الفاتحين حق ملكية شيء فيها، إنما المفتوحون يؤدون الجزية والخراج ليس إلا، وألزم عمر الفاتحين أن ينزلوا في معسكرات خاصة، كالجابية وحمص في الشام، واللّدوا والرملة في فلسطين، والفسطاط في مصر، واختطّوا الكوفة والبصرة في العراق.
وأسسوا الجيوش في فارس على النمط الفارسي، وفي بلاد الروم على النمط الروماني.
وعلى الجملة كان تسيير دفة هذه البلاد أصعب من فتحها، فإن حكمها بالظلم والانحراف عن الحق مدعاة لثورة أهل البلاد وانتقاضها، فكان حسن الحظ تشديد عمر في معاملة أهل البلاد المفتوحة بمنتهى العدل، فتُرك كل ذي دين حرًّا أن يتديَّنَ كما يشاء، كما أمروا بالوفاء بالعهود وعدم نقضها، وسموا أهل ذمة، أي أنهم في ذمة المسلمين، وقد كتب عمر إلى عمرو بن العاص واليه على مصر: واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، وأن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله بهم، وأوصى بالقبط خيرًا، واحذر يا عمرو أن يكون رسول الله لك خصمًا، وقد ابتليت بولاية هذه الأمة وآنست من نفسي ضعفًا، وانتشرت رعيتي، ورق عظمي، فأسأل الله أن يقبضني إليه غير مفرط، والله إني لأخشى لو مات جمل بأقصى عملك ضياعًا أن أسأل عنه يوم القيامة»، على الجملة عاملوهم بالعدل، فأطلقوا لهم حرية الدين وإقامة الشعائر وأمّنوهم على المال والأرض وحرية المتاجرة، وشاركوهم في الأعمال، ولولا ذلك ما استقروا عامًا واحدًا يحكمون هذه البلاد، وكما وضع أمام عينه العدل مع المفتوحين نظر إلى العرب الفاتحين فرعاهم ورأف بهم؛ لأن لهم فضل الجهاد في الفتح، فمما أوصى به سعد بن أبي وقاص: «إني قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي، وعوِّدْ نفسَك ومن معك الخيرَ، ولا تزهد في التحبب إلى الناس، فإن الله إذا أحب عبدًا حبَّبه.
كما أوصاه بالرأفه بالمحاربين والمفتوحين، كما كان شديد المراقبة لعماله، كثير السؤال عن مسيرتهم وأخبارهم، وأقام عليهم العيون يوافونه بأخبارهم، وعيَّن محمد بن مسلمة قاصًّا، أي محققًا لأخبارهم ومقتصًّا لآثارهم، فإذا شكا أحد من الرعية أحدًا من العمال أرسل من يحقق في أمره، كما واجه الفاتحون أمورًا إدارية نظموها على نظام مقتبس من نظام البلاد المفتوحة وحسبما تقتضيه عقليتهم.
لم يكن لهم تاريخ مضبوط، فوضعوا التاريخ لضبط الحوادث، ولم يكن لهم نظام للبريد، فوضعوا نظامًا للبريد، ولم يكن لهم دواوين لحصر الجنود ولا لحصر ما يُجبى من الأموال، فوضعت الدواوين مقتبسة من النظام الفارسي كما يدل عليه اسم الديوان نفسه، وعلى الجملة فقد خالط العرب الفاتحون هذه الأمم المفتوحة، ورأوا ذلك الملك العريض، ورأوا نظم الحضارة ورفاهيتها وانقلبوا من عرب بدو، إلى عرب متحضرين على آخر طراز، وأبدوا استعدادًا فطريًّا هائلًا للتأقلم، يحملون في قلوبهم دينهم وتعاليم رسولهم، ودعاهم التأقلم إلى أن يسايروا الحضارة التي شاهدوها، فإذا كانت آلات القتال العربية لا تصلح، فليستخدموا آلات القتال الفارسية والرومية، وإذا كانت معيشة البدو تقتضي الفقر والتقشف؛ فقد تمدنوا وأخذوا بنصيب وافر من الراحة والنعيم.
يروى أن رستم زعيم الفرس لما هزم يوم القادسية قال: «أكل عمر كبدي أحرق الله كبده، علَّم هؤلاء حتى علموا»، وفي الحق أنهم علموا كثيرًا، علموا من كل ما وقع عليه نظرهم من عمارة وريّ ونظام إداري واقتصادي واجتماعي؛ فانتقلوا بذلك نقلة كبيرة، وكما علموا كل ذلك علّموا البلاد المفتوحة شيئين هامين، وهما: لغتهم ودينهم، فكان التعلُّم متبادلًا.
يتعلم العرب كل مظاهر الحضارة، ويتعلم المحكومون اللغة والدين، وكانت المملكة الإسلامية كلها بوتقة تغلي فيها كل هذه التعاليم، فكلٌّ يأخذ ويعطي، ويعلِّم ويتعلم، ومن أجل هذه النهضة رأينا العرب في العصور التالية غير العرب في جزيرتهم، يديرون على أحدث طراز، وينعمون بالعيش على أحسن طراز.
هذه هي النهضة الثانية، وسأحدثكم عن النهضة الثالثة في الحديث الثالث إن شاء الله.
?


استمرت الفتوح الإسلامية، فبعد أن فتحت فارس وكثير من بلاد الروم، فتح العرب جزءًا كبيرًا من الهند، فزادت معرفتهم بحضارتها، ثم فتحوا إسبانيا، فعرفوا الحضارة الإسبانية، وفتحوا جزءًا من فرنسا، فعرفوا ما بها من حضارة، فوضع المسلمون أعينهم على مختلف الحضارات.
وكما حدث في الماديات، حدث في المعنويات، لقد نشأ بعد ذلك جيل جديد مولَّد من آباء من العرب وأمهات من البلاد المفتوحة، يحملون خصائص هذا وخصائص ذاك، كذلك كان الشأن في المعاني.
فقد نشأت أفكار يمتزج فيها الفكر العربي بالفكر الفارسي أو الهندي أو المصري أو الشامي أو الإسباني، فكانت أشبه ما تكون ببوتقة وضع فيها ذهب وفضة ونحاس مزجت كلها مزجًا غريبًا، ونشأت عن ذلك نهضات مختلفة، نهضة في التشريع وفي الأدب وفي الاجتماع، سأتحدث عنها تباعًا.
لقد كان المسلمون من ناحية جمعوا القرآن الكريم وبدأوا يجمعون الحديث، وكان لبعض الصحابة فتاوي كثيرة في مسائل كثيرة عُرضت عليهم، فكانت كلها مصدرًا للتشريع، ومن ناحية أخرى رأوا قوانين غير إسلامية؛ فقد كان في بيروت والإسكندرية مدارس للقانون الروماني، وكانت هناك في فارس تشريعات للفرس، وكانت البلاد كلها متأثرة بهذه القوانين يجرون عليها في قضاياهم ومعاملاتهم، فوجب أن تعرض هذه كلها على الإسلام: هل يقرّها أو يعدّلها أو يغيرها؟
وإلى جانب ذلك: لكل مدنية من المدنيات معاملات خاصة، معاملات مدنية، ولها جرائم جنائية، يجب أن تعرض على الإسلام والمسلمين ليُبدوا حكمهم فيها، ولذلك يقول عمر بن عبد العزيز: «تحدث للناس من الأقضية بقدر ما يحدث منهم من الفجور».
فمدنيتنا الحديثة تخلق كثيرًا من المشاكل لم تكن موجودة من قبل، ولا بد من أن يتصدى لها التشريع، كمشاكل مرور الطائرات على البلاد الأجنبية، ومشاكل استخدام القنابل الذرية، وتواجه جرائم جديدة كاستخدام الكوكايين والهيرووين مما لم يكن للمدنية السابقة عهد بها، كذلك واجه العرب مسائل جديدة لم يكن لهم بها عهد أيام كانوا في جزيرة العرب، ولم يرد فيها كتاب ولا سنة، فبماذا يحكمون فيها بمقتضى الأصول الإسلامية؟
لقد نشطوا في هذا نشاطًا كبيرًا يستدعي الإعجاب، ولم يمضِ قرن حتى أُلفت الكتب الكثيرة في التشريع الإسلامي، فإذا قارنّا عملهم في قانونهم بعمل الرومان في قوانينهم مثلًا، وجدنا أن المسلمين كانوا أسرع وأنشط، فالقانون الروماني لم يدوَّن إلا بعد قرون من الفتح الروماني، ثم كان للمسلمين نظرات صائبة تتعلق بالتشريع، فعمر بن الخطاب مثلًا رأى أنه لا بد له من جماعات حوله من كبار الصحابة يكونون عونًا له على التشريع فيما يعرض له من مسائل، ولذلك منع بعض كبار الصحابة من الخروج من المدينة إلا برخصة منه على أن تكون الرخصة مؤقتة، فلما جاء عثمان رأى أن تنتفع البلاد برأي العلماء، وينتفعوا هم بما يرون في البلاد من حضارة، فرخَّص لهم في السفر، بل تعمد بعد ذلك عمر بن عبد العزيز أن يرسل البعثات من كبار التابعين للأقطار المختلفة، وقد تفرق كبار الصحابة في البلدان المختلفة فأثروا فيها بمعلوماتهم ومزاجهم، وتأثروا بمدنية البلاد التي نزلوا فيها ونوع حضاراتها، وهذا سبب كبير من أسباب الخلاف في التشريع، فمثلًا نزل ابن مسعود الكوفة ونشر فيها علمه وأفتى بما شهده من أقضية رسول الله ? أو سمعه، وهو نفسه كان واسع الفكر؛ فقد قال لرسول الله لما بعثه إلى اليمن: «إني إن لم أجد نصًّا في الكتاب ولا السنة في مسألة قضيت فيها برأيي»، فكان على هذا المبدأ أيضًا في العراق يقضي في المسائل التي لا يجد فيها حكمًا في الكتاب أو السنة برأيه، أي بما يتصوره من العدالة، ومن أجل هذا نشأ أبو حنيفة وأصحابه على هذا السنن، سنن ابن مسعود، ولما نزل ابن مسعود في العراق، نزل سعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وكثير من الصحابة الذين كانوا من حزب عليٍّ لما ذهب إلى الكوفة، ولهذا كانت مدرسة العراق التشريعية عظيمة كمدرسة الإمام مالك في المدينة، وذهب إلى الشام أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل وكثير غيرهما، وذهب إلى مصر الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وابنه، وإلى إفريقيا عقبة بن عامر ومعاوية بن حديج، كل هؤلاء كوَّنوا مدارس للتشريع في البلاد التي نزلوا فيها مراعين شيئين هامين: قواعد الإسلام الأساسية من جهة، وظروف البلاد التي نزلوا فيها وتقاليدهم من ناحية أخرى.
ومن أكبر الأدلة على ذلك أن الإمام الشافعي لما كان في الحجاز والعراق كان له مذهب خاص، فلما انتقل إلى مصر تغير رأيه في بعض المسائل بسبب المدنية المصرية، وسمى مذهبه الأول بالمذهب القديم، والمذهب الثاني بالمذهب الجديد، ومن الأمثلة على ذلك أيضًا أن تغير الأحوال يكون سببًا في تغير الأحكام، وقد رووا في ذلك حكايات لطيفة، منها أنه لما اتخذ العباسيون شعارهم السواد غلا ثمن الثياب المصبوغة بالسواد، فكان الفقهاء أولًا قبل اتخاذ السواد شعارًا يحكمون بأن من غصب ثيابًا بالسواد نقَّص من قيمتها، فلما تغيرت السياسة واتخذ السواد شعارًا، كانوا يحكمون بأن من غصب ثوبًا فصبغه بالسواد فقد زاد من قيمته، لقد رأى الفقهاء أن بعض البلاد عنده أنظمة في الزراعة لم تكن معروفة في جزيرة العرب، كالمزارعة والمساقاة ونحو ذلك، فتعرضوا لها وأفتوا فيها.
إنما كانت أكبر مدرستين في العصور الأولى للإسلام مدرسة الحجازيين في المدينة، وعلى رأسها مالك بن أنس، ومدرسة العراقيين في الكوفة، وعلى رأسها أبو حنيفة.
سبب الخلاف بين المدرستين يرجع إلى أمور، أولًا: مزاج الإمام مالك العربى والإمام أبي حنيفة الفارسي، وبين المزاجين فرق كبير.
وثانيًا: أن الإمام مالكًا كان يعتز بمن حوله من التابعين في الحجاز، وأنهم كانوا أعلم بسيرة الرسول وبأحكامه في المسائل، وكان أبو حنيفة يعتز بوضع يده على الحضارة الفارسية وما نشأ عنها من مسائلَ كثيرةٍ تحتاج إلى التشريع، وقد نشأ عن هذا أن الإمام مالكًا كان يرى أن لا يفتي إلا في المسائل التي حدثت، والتي ينبني عليها عمل، فإذا كانت المسائل خيالية أو تقديرية لم يُفتِ فيها، وساعده على ذلك طبيعة المعيشة في الحجاز، وقلة مسائلها، أما في العراق فالمعيشة أعقد، والمسائل أكثر.
ومن أهم الفروق بين المدرستين اعتماد الإمام مالك على الحديث أكثر؛ لوفرته في الحجاز، بينما الإمام أبو حنيفة يشترط في الحديث شروطًا دقيقة، وبجانب ذلك يعتمد على القياس، من أجل ذلك كله ترى أن الأحكام التي رويت عن الحجازيين، كالموطأ والمدونة، أقل بكثير من الأحكام والمسائل عن العراق.
والخلاصة من هذا كله أن المدارس المختلفة في الحجاز والعراق والشام ومصر وإفريقيا كانت كلها خيرًا على التشريع؛ فقد نشطت نشاطًا لا حد له، والأمم الحية دائمًا يختلف مشرِّعوها حسب اجتهادهم وأساس أحكامهم، وقد استطاعوا في عهد قريب أن يغطوا المسائل التي واجهوها في المدنية الحديثة، وأن يفتوا فيها برأي أو آراء، وأن يضعوا مكان المدارس الرومانية والفارسية مذاهب إسلامية، فكان رأي مالك وأبي حنيفة يحتل مكان رأي «جايوس» الروماني وأمثاله.
ومن حسن الحظ أن المشرعين الأولين كمالك وأبي حنيفة كانوا صادقين في عملهم مخلصين في بحثهم، زاهدين في حياتهم، فلم يخدعهم مال ولا منصب ولا جاه.
ولم تجرفهم السياسة مع عنفها في تلك الأيام، هذا الإمام مالك يرى الساسة يستقسمون الناس على بيعتهم بأغلظ الأيمان، من طلاق وعتاق، وحج مشاه على أقدامهم إذا هم رجعوا عن بيعتهم، فيفتي مالك بعدم وقوع طلاق المكره، فيغضب من ذلك الساسة ويلقى من ذلك عنتًا شديدًا، وأبو حنيفة لا يرضى كثيرًا عن سياسة العباسيين فلا يقبل أن يتولى لهم القضاء، فيضرب ويسجن، فزاد من قيمتهم إخلاصهم للحق وتفانيهم فيه.
بهذه النهضة خلَّفوا لنا ثروة تشريعية هائلة، لو سايرت الزمن وتطورت تطورها الطبيعي ولم يقفل الاجتهاد في وجه العلماء، لكان لدينا الآن تشريع على أسس متينة، ويجاري أحداث الزمان.
لقد حدث لنا في العصور الحديثة قريب مما حدث لهم، فالمدنية الحديثة قابلت المسلمين بجزئيات لا عداد لها؛ فقد أصبحت طرق المعاملات الجديدة تخالف — في كثير من الأحيان — طرق المعاملات القديمة، وتطور العالم الإسلامي في العشرين سنة الأخيرة، ما لم يتطوره في مئات السنين الماضية؛ تدل على ذلك الأسئلة الكثيرة التي كانت ترد على المرحوم الشيخ محمد عبده مثل إيداع المال في البنوك، ولبس القبعة، وأكل ذبائح أهل الكتاب، وكالأسئلة الكثيرة التي ترد على لجنة الفتوى في الأزهر، وقد واجه الأئمة الماضون في مدنياتهم ما نواجه نحن الآن في مدنيتنا الحديثة، غاية الأمر أنهم حلوها بشجاعة وحرية، مستندين إلى أصول الإسلام، متمتعين بالاجتهاد، فوضعوا إحدى عينيهم على كليات الدين، والأخرى على المدنيات التي واجهوها، وقد سُلبنا نحن الاجتهاد فصعب علينا الحل.
وإن كل شريعة من الشرائع لا بد لبقائها من كليات ثابتة دائمة، مثل: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) و(لا ضرر ولا ضرار)، ونحو ذلك، وأشياء متموجة تواجه أحوال الزمان، وتتجدد مع تغير البيئة والظروف، ومن غير ذلك تتحجر الشريعة.
?


أنتقل الآن إلى الحديث عن أثر الفتوح الإسلامية في النهضة الأدبية.
والأدب من أكثر الأشياء تأثرًا ببيئة الأديب نفسه، فحياة شوقي في القصور مثلًا لونت شعره بلون خاص غير اللون الذي يتلون به البدوي، وإذا كان الرجل العادي تدعوه معيشته إلى أن يشبه الهلال بقلامة الظفر، فالخليفة ابن المعتز الذي كان يعيش في القصور المترفة يشبه الهلال بزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر، وهكذا.
فإذا نحن أخذنا أكبر كمية ممكنة من الشعر الجاهلي، وأكبر كمية من الشعر في العصر الأموي، وسلطنا عليهما الأضواء القوية، فماذا نجد من فروق؟:
نجد فروقًا كثيرة لا نستطيع حصرها في حديث أو حديثين، ولذلك نكتفي ببعض الخطوط الرئيسية، وهي في نظرنا ثلاثة، خلاصتها كلها أن الحضارة أخرجتهم عن سذاجة البداوة فظهر على شعرهم الترف والنعيم على أثر اختلاطهم بالفرس في العراق وفارس، وبالروم في الشام ومصر، وعلى أثر ما يوحيه الدين من رقة العواطف.
فأول كل شيء نرى أنه قد طرأ على الغزل تطور كبير، ونرى الفرق ملموسًا بين الغزل الجاهلي والغزل الإسلامي؛ ذلك أن العربي في الجاهلية كان يتغزل ولكن لا نجد له قصيدة واحدة كلها في الغزل بل هو يتغزل أبياتًا في أول قصيدته ثم ينتقل إلى موضوع آخر، وكان ذلك فيه نتيجة حياته المتنقلة بين الخيام وفي الغزو والغارات.
وكانت عواطفه بدائية فهو يذكر ما يشعر به من صبابة وألم، أو نشوة وأمل، ويكتفي بذكر دار محبوبته الدارسة تلعب بها الرياح والأمطار، وتسرح فيها الوحوش، ويكتفي بوصف الفراق والوداع.
وإذ كان بدائيًّا لم يتعمق كثيرًا في شرح تأثراته النفسية، ثم رأيناه في الحياة الجديدة الأموية رَقَّ مزاجه وقوي إحساسه وحلل عواطفه، وأصبح الغزل غرضًا بعينه يقصد إليه.
ورأينا الغزل في هذا العصر ينقسم إلى قسمين: غزل عادي كالذي يحدث بين الناس العاديين في كل عصر، وغزل عذري، فالذي يمثل الغزل العادي عمر بن أبي ربيعة والذي يمثل الحب العذري جميل بثينة.
فعمر بن أبي ربيعة فتى قرشي جميل الشكل غني، وهب حياته كلها للغزل، ولذلك لم يتجه لمدح ملك أو أمير، ولم يكتفِ بأن تكون قصيدته كلها في الغزل بل كان ديوانه كله في الغزل، وقد كان موطنه الحجاز، والحجاز قد بلغه الترف أيضًا بما صُب فيه من أموال وغنائم على أثر الفتوح، ونساء جميلات من الرقيقات المأسورات، فأصبح الحجاز مجالًا للترف والنعيم وميدانًا للجمال، فكان ذلك مادة صالحة لحب ابن أبي ربيعة وغزله الكثير، وديوانه مملوء بذكر النساء اللائي أحبهن، فلم يكتفِ بواحدة ولا اثنين، بل كان يتتبع الجمال حيث وجده.
وكان عمر كما ذكرنا جميلًا في شكله، ناعمًا في حبه، تهواه النساء لجماله وشاعريته وجاهه، ولذلك لم يشعر بالصدود إلا قليلا، وكان ديوانه عبارة عن قصص قصيرة فيما حدث له مع حبيباته.
وفيه خصلة أخرى وهي أنه كان شديد الشعور بشخصيته، يتغزل في نفسه أكثر مما يتغزل في محبوباته، فديوانه كله مملوء بقالت وقلت، ونظرتْ إليَّ وأعجبت بي، وما كان منها، إلى غير ذلك، مثل قوله — وهو يدل على ظرف النساء القرشيات ودهائهن:
فلما أجزنا ساحة الحي قلن ليألم تتق الأعداء والليل مقمروقلن: أهذا دأبك الدهر سادرًاأما تستحي أو ترعَوي أو تفكرإذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنالكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر وفي هذه القصيدة يقول أيضًا:
تهيم إلى نُعْمٍ فلا الشمل جامعولا الحبل موصول ولا القلب مُقْصرُولا قرب نُعم إن دنت لك نافعنأيها يُسْلي ولا أنت صابروأخرى أتت من دون نُعم ومثلهانهي ذا النهى لو ترعوي أو تفكرإذا زرتَ نُعْمًا لم يزل ذو قرابةلها كلما لاقيتهُ يتنمر وكل ديوانه على هذا النحو من قصص قصير مما كان بينه وبين من أحب.
وأما الحب العذري فنوع آخر، وهو منسوب إلى بني عُذرة، وهي قبيلة عربية بدوية تسكن في وادي القرى والحِجْر وما جاورهما من البلاد، وما زالوا بها حتى كثروا وانتشروا ووصلت بلادهم إلى أطراف الشام، وقد عُرفوا برقة القلب وفنائهم في حبهم وعفتهم حتى أصبح يقال لكل حب عفيف: عذري، ولو لم يكن أصحابه من بني عذرة، وأهم خصائصهم العفة والمعيشة الفطرية، واقتصار المحب على محبوبة واحدة، وأكثر ما يطيب لهم وصف ما يلاقون من ألم البعد ومرارة الحرمان والصدود.
والباحث يحار في نشوء هذا الحب وتعليله، فالظاهر أنه يرجع إلى أمور أولها ما منحوا من رقة في القلب، كما نرى من صفات خاصة في سكان بلاد مختلفة، يضاف إلى ذلك عيشتهم الساذجة، ودخولهم في الإسلام الذي رقق قلوبهم، إلى غير ذلك، وربما كان خير من يمثلهم «جميل» الذى اشتهر بحبه لابنة عمه «بثينة» فعرف «بجميل بثينة» وقال: إنه قد أحبها وهو غلام صغير، وفي ذلك يقول:
وأول ما قاد المودة بيننابوادي بغيض يا بثين سِبَابُفقلنا لها قولًا فجاءت بمثلهلكل كلام يا بثين جواب ثم صارت بثينة شابة وصار جميل شابًّا، فازداد بها هيامًا، وملأ شعره وصفًا للحب ووصفًا للمحبوبة وما يجده من الألم والضنى في حبه، مثل قوله:
إني لأحفظ غيبكم ويسرنيإذ تُذكَرين بصالح أن تُذكَريويكون يوم لا أرى لك مرسَلًاأو نلتقي فيه عليَّ كأشهريا ليتني ألقى المنية بَغْتَةًإن كان يومُ لقائكم لم يقدريهواك ما عشت الفؤاد فإن أمتيتبع صداي صداك بين الأقبرإني إليك بما وعدت لناظرنظر الفقير إلى الغنيِّ المكثر فترى غزلًا يختلف عن غزل عمر بن أبي ربيعة، والشعراء قبله، فالشاعر العذري يضيف إلى الغزل شيئًا روحيًّا، ويعتني الشاعر بوصف عواطفه، وبث شكايته، وما يلاقيه من ألم البعد، ويفكر حتى فيما سيلاقيه بعد الموت، ولعل أصدق تعبير له عن عواطفه قوله لحبيبته بثينة:
إني لأرضى من بثينة بالذيلَوْ ابَصره الواشي لقدَّتْ بلابلهبِلا وبأن لا أستطيع وبالمنىوبالأمَل المرجو قد خاب آملهوبالنظرةِ العَجْلى وبالحول ينقضيأواخره لا نلتقي وأوائله •••

ومن أهم فروق بين الشعر الجاهلي والشعر الأموي الشعر السياسي وانقسام الشعراء إلى أحزاب سياسية؛ فقد كان كل ما عند الشاعر الجاهلي تعصبه لقبيلته، فلما جاء الإسلام رأينا الخلاف يشتد بين الشعراء القرشيين والأنصار، فإذا وصلنا إلى العصر الأموي، ورأينا عثمان يُقتل، ويقوم النزاع بين عليٍّ ومعاوية، رأينا النزاع يشتد، فحزب يؤيد معاوية، وحزب شيعي، يرى أن الخلافة في عليٍّ وأبنائه.
ونشأ حزب الخوارج في الجزيرة، وهم يرون أن تكون الخلافة شورى بين المسلمين، غير محصورة في قريش وغيرها من القبائل، ثم رأينا حزبًا يلتف حول عبد الله بن الزبير، ويراه أحق بالخلافة ويجاهد الأمويين.
كل هذه الأحزاب كانت تتلهف على الشعراء؛ لأن الشاعر في وقته كان يقوم مقام الصحيفة في عهدنا، فكان الشعراء يتقاتلون كما يتقاتل الجنود، وكان بنو أمية أكثر عددًا؛ لأن القوة في أيديهم، والمال الكثير في خزائنهم، يغدقون منه على الشعراء فعُرف الأخطل مثلًا بأنه أكبر داعية للأمويين، وكذلك جرير والفرزدق، وعرف عبد الله بن قيس بأنه كان يتعصب لعبد الله بن الزبير، وعرف عمران حَطان بأنه كان يتعصب للخوارج، وهكذا.
فمعيشة الحضارة كونت الأحزاب، وطبيعة الأحزاب كونت الشعراء الحزبيين، وما كان شيء من ذلك موجودًا في العصر الجاهلي، فلا مؤيدون ولا معارضون ولا أحزاب ولا من ينتسب إليها.
•••

فهذا الغزل العادي، وهذا الغزل العذري، وهذا الشعر الحزبي، كل ذلك مظهر من مظاهر الحياة المدنية التي انتقل إليها العرب فرقَّت من الشعر، وجعلته يملأ الجو بلونه الجديد.
وكما دخل على الشعر تطور جديد بسبب المدنية، دخل على النثر تطور جديد وهو ما نرجئه إلى حديث قادم إن شاء الله.

جمع اللغة العربية?


كان المثقفون في العهد الأول، وصدر من الدولة العباسية، لا يلتفتون إلى جمع اللغة؛ فاللغة تؤخذ من أفواه العرب، ومن شاء أن يتعلمها فليتعلمها من بادية البصرة والكوفة في العراق، أو بادية العرب في الشام، فكان ابن المقفع وبشار بن برد مثلًا يخرجان إلى هذه البادية ويقيمان فيها ويتعلمان ما طابت لهما الإقامة، شأنهم في ذلك شأن الطفل ينشأ بين أبويه وقومه، ويتثقف بثقافتهم، وينطق لسانه بلغتهم، وهذا هو التعلم الطبيعي للغة، فلما جاءت موجة التدوين، وتخصصت كل فرقة لعلم، فقوم للفقه، وآخرون للنحو، اشرأبَّ قومٌ لجمع اللغة فجمعوها أولًا من لغة القرآن الكريم، مستعينين على ذلك بتفسير المفسرين، وبالأحاديث التي صحت عندهم، ومستعينين أيضًا بتفسير المحدثين، ولم يكتفوا بذلك، بل ساحوا في جزيرة العرب بين القبائل العربية، يجمعون كل ما يسمعون؛ وكان من أشهرهم عبد الملك بن قُرَيب الأصمعي، والكسائي، والأزهري، وكان الأصمعي أميل إلى جمع نوادر العرب، يتحدث بها إلى الملوك، وكان الكسائي يخرج من حين لآخر ومعه قنينة مملوءة خبزًا وكاغد، وقد أسر الأزهري من القرامطة ومكث نحو سنتين في الجزيرة بين القبائل يصيف في الستارين، ويشتي في الدهناء، ويرتبع في الصمان، وألف في اللغة كتاب التهذيب الذي أخذه ابن منظور في لسان العرب.
وقد جد المؤلفون فيما بعد، في حذو المحدثين في تقسيمهم اللغة إلى متواترة ورواية آحاد؛ فالمتواتر لغة القرآن، وما تواتر من كلام العرب، واشترطوا أولًا في ذلك أن يبلغ عدد النقلة حدًّا لا يجوز على مثلهم الاتفاق على الكذب فيه، كرواة لغة القرآن وما تواتر من السنة، وقد استشكل الفخر الرازي في تفسيره وجود التواتر في اللغة، قال: لأنا نجد الناس مختلفين في المعاني والألفاظ التي هي أكثر الألفاظ تداولًا ودورانًا على ألسنة المسلمين، اختلافًا شديدًا، لا يمكن فيه القطع بما هو الحق، كلفظ «الله»؛ فإن بعضهم زعم أنها عبرية، وقال قوم سيريانية، والذين جعلوها عربية اختلفوا هل هي مشتقة أو لا؟ والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافًا شديدًا، وكلفظ الإيمان والكفر، والصلاة والزكاة قال: فإذا كان هذا الحال في هذه الألفاظ التي هي أشهر الألفاظ والحاجة إليها ماسة، فما ظنك بسائر الألفاظ؛ فإذا كان ذلك كذلك، ظهر أن دعوى التواتر في اللغة متعذرة. والإشكال الثاني أن من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة، فهب أننا علمنا حصول شرط التواتر في حفاظ اللغة في زماننا، فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمنة؟ والثالث أنه اشتهر، بل بلغ مبلغ التواتر، أن هذه اللغات إنما جمعت عن جمع مخصوص كالخليل، وأبي عمرو، والأصمعي، وأقرانهم، ولا شك أن هؤلاء ما كانوا معصومين، ولا بالغين حد التواتر، وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم، وقد ضربوا أمثلة من المتواتر بما جرى على ألسنة الناس من زمن العرب إلى الآن كأسماء الأيام والشهور والربيع والخريف والقمح والشعير والأرز والحمص والسمسم.
وأما أخبار الآحاد، فما انفرد بروايته واحد من أهل اللغة، ولم ينقله أحد غيره، وقالوا: وحكمه القبول، إن كان المنفرد به من أهل الضبط والإتقان، كأبي زيد والخليل، والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة، وأضرابهم، وشرطه ألا يخالفه فيه من هو أكثر عددًا منه مثل ما رواه أبو زيد المنشية: المال، فلم يقله غير أبي زيد، ومثل رجل ثط ولم يقال أثط، قال أبو حاتم قال أبو زيد مرة: أثط. فقلت له: أتقول أثط؟ قال سمعتها. ومثل ما حكاه الكسائي: سمعت لجبة ولجبات، ولجبة ولجبات، فجاء بها على القياس، ولم يحكها غيره، إلى كثير من أمثال ذلك ومثل هلمَّ جرًّا، قال الجوهري في الصحاح: كان ذلك عام كذا وهلمَّ جرًّا إلى اليوم، قال ابن هشام في تأليف له: عندي توقف في كون هذا التركيب عربيًّا محضًا؛ لأن أئمة اللغة المعتمد عليهم لم يتعرضوا له، حتى صاحب المحكم، مع كثرة استيعابه وتتبعه.
وكان بعض اللغويين غير موثوق به، كأن يكون غير عدل، أو يروي عن صبيان أو عن مجانين أو كان راوية من أهل الأهواء، ولم يكن بعض الجامعين يتحرى الصدق، بل كان يبيح لنفسه أن يضع، كما أخذ على ابن دريد اللغوى صاحب الجمهرة، ومما زاد في تضخيم اللغة ما طرأ على الكلمات من التصحيف؛ فقد رووا أن الخليل بن أحمد صحَّف يوم بعاث إلى يوم بغاث، وابن الأنباري صحف يوحا اسم الشمس إلى يوح، ورووا أن حمادًا الراوية صحف في القرآن ثلاث كلمات؛ لأنه أخذه من المصحف، ولم يروه عن أحد، فحرف وَعَدَهَا إِيَّاهُ «بوعدها إياه»، وفِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ إلى «في غرة وشقاق»، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ إلى «شأن يعنيه»، وقالوا: إنه وقع في كتاب العين للخليل من التصحيف ما لا تصح نسبته إلى تلميذ من تلامذته فضلًا عنه، ووقع في التصحيف الجوهريُّ صاحب الصحاح وغيره، ولم تحقق هذه التصحيفات بل كدست فوق بعضها، وضخمت المعاجم، وذلك مثل فرشحت الناقة وفرشخت إذا استعدت للبول، وكان الواجب أن يحقق أيهما التصحيف لا أن يكدس.
وعني الجامعون للغة بقبائل خاصة وهي: عليا هوازن، وهم خمس قبائل، أو أربع، منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، قال أبو عبيد: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، وقال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن، وسفلى تميم.
وتحرجوا من أن يأخذوا اللغة عمن جاور الحضر من قبائل العرب؛ إذ كانت وجهة نظرهم أن يأخذوا اللغة ممن صفت لغتهم، وبعدت عن الدخيل، وكانت أمامهم وجهة نظر أخرى محترمة أيضًا، وهي أن يأخذوا ممن اختلط بالحضر، فإن لغتهم أوسع وألفاظها قد رققتها الحضارة.
إنما كان عملهم في الجمع بدائيًّا غير منظم، فهم يلتقطون ما يسمعون من الألفاظ ويدونونها، وعيب هذه الطريقة أنهم لم ينصوا في الأعم الأغلب على القبيلة الواحدة التي جمعوا منها ألفاظهم، بل يهتمون بالكلمة التي يسمعونها ويدونونها حيثما اتفق كلمة بجانب كلمة من غير ترتيب، ولذلك نرى نقصًا كبيرًا في هذا الجمع، فأحيانًا نجد مصدرًا ولا نجد له فعلًا، وأحيانًا نجد مفردًا ولا نجد مثناه ولا جمعه، وأحيانًا نجد الجمع ولا نجد المفرد، وهكذا.
والمدنيون الآن يؤلفون الجمعيات، ويعدون الخرائط والاستمارات ويحددون الأسئلة التي يريدونها، فيسألون مثلًا: ما تقول بلادكم في (كيف حالك) ويقيدون فيها اسم البلد، ثم يستنتجون من ذلك نوع الناس الذين ينطقون بهذا القول، ويستخرجون من ذلك الدلائل اللغوية والاجتماعية ويرسمون الخرائط وفقًا لهذه الاستنتاجات فتكون هذه العملية عملية علمية.
والقبائل كانت أعقل من أن تضع لفظين لمسمى واحد، فالقبيلة التي تستعمل كلمة «السكين» لا تستعمل كلمة «المدية» والقبيلة التي كانت تستعمل «البئر» لا تستعمل كلمة «القليب» فلما كان الجمع بدائيًّا، وجدت ألفاظ كثيرة مترادفة، ومن ثم كانت المعاجم مملوءة بالمترادفات، فلغتنا ليست لغة العرب، ولكن لغات العرب، وفي رأيي أن المترادفات — مع إعانتها للشاعر خصوصًا في الشعر العربي الذي يلتزم القافية بل قد يلتزم ما لا يلزم، وخصوصًا في الملاحم الطويلة التي تشتمل أبيات كثيرة يحتاج معها لا شك إلى مترادفات كثيرة — كالجدري في الوجه الجميل، وقد أنكرها ابن فارس وثعلب؛ فقد روي أن ابن خالويه قال في حضرة سيف الدولة بن حمدان: إني أعرف للسيف خمسين اسمًا. فقال ابن فارس: إني لا أعرف له إلا اسمًا واحدًا وهو السيف. فقال ابن خالويه: وماذا تقول في المهند والصمصام والبتار؟ قال: إنها صفات. يعني بذلك أنها اختلفت لدلالتها على صفات غير الاسم، وذلك كأسماء الله الحسنى، فإنها تدل على صفات أكثر مما تدل على ذوات، وقد حكي أن أبا عبيدة افتخر يومًا أمام الرشيد بأنه يحفظ عشرة أسماء لكل عضو من أعضاء الفرس؛ فقال الأصمعي: إني لا أحفظ إلا اسمًا واحدًا. فاستحضر الرشيد فرسًا، وسأل أبا عبيدة عن تطبيق الأسماء العشرة على كل عضو فلم يعرف، فسأل الأصمعي فذكرها فوهب له الفرس، مما يدل على أن بعض الجامعين لم يكونوا يدققون كثيرًا في دلالة الأسماء على مسمياتها.
والترادف في نظري ليس مزية من مزايا اللغات، بل هو عيب من عيوبها، فإن كان موجودًا في اللغات الحية كالإنجليزية والفرنسية فهو أثر من آثار اللغات القديمة، والمثل الأعلى للغة لفظ واحد لكل مسمى فلا ترادف ولا اشتراك، ولذلك كانت المترادفات في اللغات القديمة أكثر منها في اللغات الحديثة، ومع أن ألفاظًا كثيرة عدت مترادفات وإن لم تكن مترادفة لدقة الفروق بينها، مما أدى إلى عناية بعض العلماء من مستشرقين وعرب إلى تأليف كتب في الفروق، كما فعل أبو هلال العسكري وكما فعل بعض الآباء اليسوعيين — إلا أنها مع ذلك من غير شك كثيرة في اللغة العربية مما ملأ المعاجم بالمترادفات وضخمها ضخامة كاذبة.
وشيء آخر وهو أن القبائل تختلف فيما بينها أيضًا في اللهجات، وقد تكون الكلمة تنطق بها قبيلة بلهجة ثم تنطق بها قبيلة أخرى بلهجة أخرى، كما تختلف اللهجات في مصر بين القاهري والإسكندري والصعيدي والدمياطي، ويتبع ذلك ما روي كثيرًا في كلمات من القلب والإبدال، فمثلًا تقول قبيلة جبذ في جذب، وبكل في لبك، ومثل أن يقولوا: «أشد سوادًا من حلك الغراب» ومن «حنك الغراب» وقال بعض العرب: «فأبعدكن الله من شجرات» وقال بعضهم: من شيرات، وهكذا.
فلما جاء صانعو المعاجم جمعوا هذا كله إلى بعضه من غير أن يتخففوا من اللهجات المختلفة، مكتفين بلهجة ممتازة بالوضوح.
ثم كان أن اختلف العلماء الجامعون للغة في فهم الكلمة أو الجملة من الأعراب، خصوصًا وأن كلمات كثيرة إنما تفهم بالقرائن، فكان عالم يفهمها بفهم، وآخر يفهمها بفهم آخر، وهذا ربما كان السبب في وجود بعض الألفاظ المشتركة مثل قرء في الحيض وفي الطهر، خصوصًا وأن اللغة العربية تعتمد أكثر ما تعتمد على الصيغ القريبة مع الاختلاف البعيدة في المعنى كالفرق بين رجل ضُحَكة وضُحْكة وطلَعه وطلْعه، ونحو ذلك، وقد يدق معنى كل تركيب، ويقع اللغويون في التضارب، ماذا نستنتج من كل ذلك؟
نستنتج من كل هذا أن اللغة قد تضخمت تضخمًا مزيفًا كثيرًا وكانت نتيجة ذلك تضخم المعاجم تضخمًا أيضًا مزيفًا، وقد يكون هذا مقبولًا، لو لم تدهمنا الحضارة الغربية بكثير من المسميات والمعاني، نحتاج معها إلى ألفاظ كثيرة وهي تغمرنا كل يوم بمئات المصطلحات، التي كثيرًا ما نعجز عن مسايرتها، فكان المعقول أن نتخفف من كثير من الكلمات؛ لنفسح مكانًا لها في المعاجم، وقد فعلت قريش خيرًا مما فعله جامعو اللغة العربية ومؤلفو معاجمها، فإنهم صفوا اللغات المختلفة ونقوا خيرها واستعملوه لغة لهم وبها نزل القرآن، فلم يجمعوا كل ما قيل عن القبائل، بل نخلوه واقتصروا على ما حسن وقعه في أسماعهم وراق في أذواقهم.
بقي سؤالان هامان وهما: ألم يرد في القرآن الكريم مترادفات لنثبت أن قريشًا اختارت من اللغات أحسنها؟ والسؤال الثاني: أيهما خير، أنضحي بوحدة القافية في الشعر لتنقية اللغة من المترادفات؟ أم نبقي عليها للإبقاء على الشعر العربي في شكله القديم؟
ومن رأينا في الإجابة على السؤال الأول أن ليس في القرآن مترادفات، وإنما كلمات متقاربة المعنى مثل أفلح وفاز، دقت الفروق بينها، أو على الأقل اختلف وقع الكلمة باختلاف موضعها؛ فقد تكون كلمة أوقع في محلها حيث تكون الأخرى أوقع في محلها الآخر، وقد أدرك الجرجاني في دلائل الإعجاز ذلك؛ إذ قال: إن كلمة (أيضًا) ليست من الكلمات التي تستحسن في الشعر، ولكن وردت جميلة في بيت شعري وهو:
غير أني بالجوى أعرفهاوهي أيضًا بالجوى تعرفني وأما عن السؤال الثاني: فيمكننا أن نهدر المترادفات، ونهدر معها ورود القصيدة على قافية واحدة، خصوصًا وأنه من الصعب في الملاحم وأمثالها، أن نطيل أبياتها على روي واحد وقافية واحدة؛ والمهرب من هذه الصعوبة هو أن تتغير القافية في كل عدة أبيات، كما اضطر البستاني أن يفعل ذلك حين ترجم الإلياذة، وبذلك كله نفسح مكانًا واسعًا في المعاجم للكلمات الحديثة والمصطلحات الحديثة.
وإذا لم تتح لنا فرصة الإجادة في الشعر المرسل كما حدث في بعض اللغات، فليس أقل من أن نغير القافية بين جملة من الأبيات وأخرى، وليست وحدة القافية بالأمر المقدس الذي لا يصح أن نخرج عنه، ولكنه أمر اعتيادي وتقليدي، مرده كله إلى الأذن الموسيقية.
? وهي الكلمة التي ألقيت في مؤتمر المجمع اللغوي يوم ???/????/?????.
ضيعة الأدب


مما أعجب له تفكك الأدباء في مصر، فليس لهم رابطة تربطهم، وكل أديب حزب وحده، وكما يتراشق السياسيون في سياستهم يتراشق الأدباء، وفي الوقت الذي نرى فيه تكوُّن النقابات للعمال وغيرهم، حتى كان للحلاقين نقابة، لا نجد للأدباء نقابة، وحاول مرة الأستاذ توفيق الحكيم أن يجمع بينهم ليخرجوا مجلة كبيرة تحمل اسمهم فلم يفلح، فكيف يتصافى فلان مع فلان، أو فلان مع فلان، ومن ذا الذي يُرضى أن يكون رئيسًا للجميع، وانقضت الدعوة على لا شيء.
ننظر إلى الأدباء في فرنسا مثلًا، فنراهم كتلة ينتهزون كل فرصة للاجتماع، اجتماع لمؤلف مات منذ عشرين سنة، واجتماع لمؤلف ظهر منذ عشر سنين، وهكذا تتوالى الاجتماعات حتى لا يمر شهر من غير اجتماعين أو أكثر من هذا القبيل، ويفض الاجتماع عن بحوث في أديب تطبع وتنشر، ونحن أردنا مرة أن نجتمع فأسسنا نادي القلم، فتهرب منه بعض الأدباء؛ لأنهم لم يرضوا أن يكون فلان رئيسًا، والذين اجتمعوا لم يفلحوا؛ لأنه كان من الخطأ ضم أدباء الجاليات الأجنبية إلى الأدباء المصريين.
وربما كان من أهم أسباب الانحلال انغماس الأدباء في السياسة الحزبية لا القومية، وتفرقهم تفرق السياسيين؛ لأن كلًّا ينصر حزبًا؛ مع أني أعتقد أن السياسة تفسد الأدب وتفقده الخلود، فالأدب السياسي ابن يومه، والأدباء الذين يقدرون رسالتهم يفهمون أنهم أرقى من السياسيين، بل أرقى من الوزارة نفسها، وأن على أكتافهم عبئًا ثقيلًا، فهم يحملون الأدب من عهد امرئ القيس إلى اليوم، وهم يحافظون عليه ويزيدونه حتى يسلموه إلى الجيل الذي بعدهم، ولو عرضت الوزارة على برنارد شو أو أندريه چيد لسخرا من ذلك كل السخرية وترفعا عن الوزارة، وإن للأدب مجدًا أكبر من مجد السياسة، بل الأديب الكبير يستطيع أن يكون منارًا عاليًا يهتدي به الوزراء أنفسهم، وللأديب من الخلود ما ليس للوزير، بل إن الأديب تخلده الكتابة المترفعة عن الحزبية ولا تخلده الكتابات السياسية.
وأذكر مرة أني وصاحبًا لي كنا نتحدث عن ابن حزم فقلت: إن أباه كان وزيرًا. فقال: ما اسمه؟ قلت: لا أذكر. قال: سبحان الله! أتذكر ابن حزم العالم ولا تذكر أباه الوزير؟! قلت: هو كذلك.
وبلغني أن مرشحًا للمجمع اللغوي الفرنسي كان وزيرًا لفرنسا في أمريكا، فطلب إليه أن يقدم طلبًا ليكون عضوًا، فكتبه على ورقة طبع عليها اسم السفارة الفرنسية في أمريكا، فرفض المجمع ترشيحه؛ لأنه ظن أنه يدل بمركزه السياسي على مركزه في المجمع، وهو يعتقد بحق أن مركزه الأدبي في المجمع أشرف من مركزه السياسي.
ونقطة أخرى يؤسف لها، وهو أن الأدباء عندنا كانوا أدباء مستقلين لا يُعِدّون من يخلفهم، فإذا زالوا زالت مدارسهم، وتسكع من بعدهم طويلًا حتى يختطوا الطريق، لم يفعلوا ما تفعل شجرة الموز، فقبل أن تموت تترك خلفًا لها من جنسها، إنما فعلوا ما فعلت شجرة الورد تنضر حينًا ثم تذبل من غير عقب، إن الأديب كالمتصوف، والمتصوف الكبير ينبغي أن يعد مريدًا صغيرًا حتى تتصل الحلقات، وقرأت بحثًا لطيفًا لابن خلدون في هل يشترط في المتصوف أن يتعلم على شيخ، أو أنه ينال غرضه استقلالًا، فكان من حجج المؤيدين لحجج المشيخة أن هناك أسرارًا في قلب الشيخ، وليست مما في الكتب، والكتب تعلم الناس عامة، والشيخ يعلم المريد ما يصلح له، وما يتناسب مع نفسه وبواعثه وبيئته، وقد كان القدماء لا يقدرون المتعلم يأخذ علمه من الكتب، ويسمونه صحفيًّا، بل حتى لا يكتفون بالأخذ عن الشيخ حتى يكتب له إجازة، وفي كتب التاريخ صور كثيرة من الإجازات، فما بال أدبائنا يعيشون لأنفسهم، ويساعدون على هوة تكون بينهم وبين خلفهم، ونشاهد هذا فيمن بعد جيلنا؛ فقد كان من قبلنا يأخذ عن القدماء بأساليبهم القديمة، ثم جئنا نحن حلقة وسطًا بين القديم والجديد، ثم عيب من يأتي بعدنا أنه يعرف الجديد ولا يعرف القديم، فتراث من قبلنا سيذهب هباء، أو تتراكم عليه الأتربة في المكاتب، مع أن فيه كنوزًا قيمة تناسبنا نحن أكثر من الكنوز الغربية، إن برنارد شو وهـ.ج ويلز وأمثالهما لم يكونوا يستطيعون أن ينتجوا ما أنتجوا إلا بمريدين لهم، يعدون لهم المواد الخامة، ويستفيدون من عملهم، فما بالنا لا نعمل مثل ما عملوا، إنها الأنانية المحضة وعدم التقدير للعواقب، إن الأديب يظن أنه يعمل لنفسه فيربح ما يربح، ويؤلف ما يؤلف، ليشتهر أو ليربح، ويقول: بعدي الطوفان، وليست هذه فكرة إنسانية ولا قومية، وقد علمنا آباؤنا أن نزرع شجرة الزيتون ولو لم نأكل ثمرها في أعمارنا وقالوا: قد زرع من قبلنا فأكلنا، ونزرع ليأكل من بعدنا، إن أخشى ما أخشاه أن يرمي الأدباء أعباءهم فلا يجدوا من يحملها بعدهم، ولست أقول هذا مزدهيًا ولكن أقوله باكيًا، وأخشى أن يمر زمن طويل حتى يرزق الله الأدب من يحمل عبئه، وخير أن يكون الأدب بيعًا يدًا بيد من أن يكون بيعًا سَلَمًا، وكما يحمل تبعة ذلك الأديب نفسه يحملها الأديب الناشئ، فهو ينفر من أن يكون «مريدًا»، ويود أن يتزبَّب قبل أن يتحصرم، أو أن يطلع المئذنة من غير سلم، وما هكذا تنال الأمور، فكم خضعنا لننال، وكم صبرنا لنفهم، وقد عودتنا الأيام أن ليس طريق العلم والأدب سهلًا مُعَبَّدًا، وإنما هو طريق مملوء بالأشواك، لا يسير فيه إلا من تحصَّن بالصبر والأناة.

كيف تتغير الأمم


الأمة في حركة مستمرة دائمة، فهي طورًا إلى الأمام وطورًا إلى الخلف، ولكنها لا تقف أبدًا، وحركتها تحدث في بطء قلما ترى نتائجها إلا بعد عهد طويل، وكثيرًا ما يكون هذا التغير ضروريًّا لتغير العادات والتقاليد التي ينشأ عنها تغير في الأوضاع؛ فمثلًا تغير الطبيعة من صيف إلى شتاء، ومن شتاء إلى صيف، ينشأ عنه تغير في الملبس، وكالذي شاهدناه من سفور المرأة قد نشأ عنه تغير في الملابس وتغير في أوضاع الزواج وغير ذلك.
فالتغير يسلم بعضه بعض، وهو يحدث عادة من الطبقة الراقية الأرستوقراطية، سواء كانت أرستوقراطية في المال؛ فإن الفقير مولع أبدًا بتقليد الأغنياء، أو أرستوقراطية علمية؛ فإن المتعلمين عادة ينقدون الجهلاء في اعتقاداتهم بالأساطير وفي تقاليدهم الوضيعة فيكون التغير.
والتغيير عادة يقابل بالمقاومة، فكل تغيير تقابله بعض الجهات بالعداء، فبكل أمة محافظون يكرهون التغيير ولا يرضون عنه ويعبدون تقاليدهم القديمة، ولا يتم التغيير إلا بعناء، كالسفور وحق المرأة في الانتخاب ونحو ذلك.
وقد تحدث هذه المقاومة بحسن نية؛ إذ يعتقدون أن المقترح الجديد ضار كل الضرر ولا تتغلب العادات الجديدة إلا بعناء، وربما لا يحدث التغيير المطلوب إلا بعد حرب أو ثورة، وذلك عند شدة العداء أو المقاومة.
والمشاهد أن هذا التغير في الأمة إما أن يحدث عن دعوة وقصد، وإما أن يحدث لا عن دعوة ولا عن قصد؛ فالأول يأتي بعد درس لأضرار الحاضر ووضع خطة للعمل على تغييره، مثله حركة النبي محمد ? وحركة أحد السلاطين العثمانيين للقضاء على الانكشارية لما رأى ظلمهم وعسفهم، وحركة قاسم أمين في الدعوة إلى السفور ونحو ذلك.
أما الثاني فمثله هجرة جماعة إلى بلد آخر كهجرة بعض الأوربيين إلى أمريكا؛ فينشأ عن ذلك اختلاط بين سكان البلاد الأصليين، ومواليد جديدة تتخذ طرفًا من هؤلاء وطرفًا من هؤلاء.
ومثل ذلك السينما والإذاعة، فإنهما يقلبان من غير قصد عقول الجماهير وأذواقهم ومداركهم، والتاريخ مملوء بالأمثلة على النوعين، وما الثورة الفرنسية إلا مثل قوي على التغيير من النوع المقصود، وكذلك الثورة الروسية، وهما أيضًا مثلان للثورة على النظم القديمة وعدم الرضا عنها، وربما دلت هذه الثورات وأمثالها على ضرورة شيء هام جدًّا، وهو تعديل الأمة نفسها على حسب الظروف الجديدة، وربما كان من خير الأمثلة على ذلك إنجلترا، فقلة الثورات فيها ناشئة من أنها تنظر نظرة بعيدة إلى الظروف الطارئة فتؤقلم نفسها حسب هذه الظروف؛ فلما شاهدت الثورة الفرنسية غيرت نفسها على مقتضاها، ولما رأت قوة الاشتراكية عدلت أيضًا نفسها على وفقها، ولم تشأ أن تصطدم بها، وربما كان من أسباب ذلك أنها جزيرة بحرية تعلمت من البحر المد والجزر وتعديل النفس حسب الأمواج والرياح.
والتغير في الأمة إذا كان عن قصد كان صعبًا عسيرًا لاختلاف الأفراد في المزاج والثقافات والآراء والرغبات الطموح والأفكار، ورغبة بعضهم في الإصلاح الجديد، وصد بعضهم عنه وغير ذلك، ولذلك قل أن يكون إجماع من الشعب على التغير، وقل أن يكون في البرلمان الممثل للشعب اتفاق على رأي، وفي كل أمة قوم متزمتون يحافظون على القديم ولا يرضون أبدًا عن التقدم خطوة للمصالحة بينهم وبين الأحرار، ولذلك كان الإصلاح البطيء غير المقصود أسلم عاقبة وأقل خطرًا.
وكلما تقدمت الأمم في عقليتها كانت أقرب إلى قبول التغير؛ لأنها في هذا التغير الجديد تعمل عقلها أكثر مما تعمل مشاعرها، والعقل دائمًا أرقى من المشاعر.
أما الأمة الوضيعة فهي أقل قبولًا للإصلاح؛ لأنها تعمل مشاعرها أكثر مما تعمل عقلها، ومن أجل هذا يحتاج المصلحون إلى دعاية قوية حتى تجمع الأمة على قبول التغير الجديد؛ فإذا لم تقبل فليس أمامهم إلا القوة لإخضاع هذه الميول المتأثرة المستبدة، فالاستبداد لا يقابل إلا بالاستبداد، فمتى حصل الإصلاح بالقوة شعر الشعب بعد ذلك بفائدته واطمأن إليه.
ولذلك كان التعليم خير إصلاح؛ لأنه يهيئ الأمة لقبول الآراء الجديدة فإذا تعرض الإصلاح لناحية دينية قوبل المنادي به بأقسى معارضة؛ لأن الدين ينشئ عادات وتقاليد يتمسك بها الناس ويظنون أنهم بهذا التمسك يعبدون الله ويؤدون واجبهم، ويظنون أن من أراد تغيير هذه العادات والتقاليد يريد تغيير الدين، وما أشد ذلك على النفوس، وفي التاريخ كثير من الأحداث الدينية والوسائل السياسية اللتين وقفتا عقبة في سبيل الإصلاح والمصلحين؛ وكثيرًا ما ادعي من الدين ما ليس من الدين، وكثيرًا ما لعبت السياسة دورها الخطير في شعورها أن الإصلاح يضرها، فهي لا تصرح بذلك؛ لأن الجمهور يكشف لعبتها، وإنما تثير الشعوب بإفهامهم أن الإصلاح يضرهم، بينما لا يضر الإصلاح سوى صالح الساسة، وكم من الحريات والإصلاحات كبتت باسم المحافظة على النظام ومراعاة المصلحة العامة.

مستقبل العالم


قرأت مقالًا للفيلسوف البريطاني برتراند رسل كتبه حديثًا في مستقبل العالم، فأحببت أن أستوحي كتابته للقراء ولنفسي.
إن عالم اليوم في هلع وفزع، وهرج ومرج، وحيرة واضطراب، من جراء ما اخترعه العلم الحديث من أسلحة نارية وقنابل ذرية تتكاثر على مدى الزمان، ومتى تكاثرت فستنفجر يومًا ما إن عاجلًا وإن آجلًا، ويزيد في هذا الخطر خلو العالم الإنساني من الضمير الحي، ورغبة بعض الناس في وقوع الحرب؛ لأنها مظهر من مظاهر البطولة وحب التضحية، وقد شُغف بهما بعض الناس، فأحبوا آلهة الحرب بأشكالها المختلفة، وما لم يحدث ما ليس في الحسبان (كاتفاق على إلغاء الحرب وموت بعض الزعماء الذين يدعون إليها ونحو ذلك) فسيواجه العالم مشاكل عديدة، وتكون النتيجة أحد أمور ثلاثة: (أولًا): فناء البشرية.
(ثانيًا): عودة العالم إلى البربرية.
(ثالثًا): توحيد العالم وخضوعه لحكومة واحدة.
فأما فناء البشرية، فيكون — إن حدث — نتيجة للأبحاث التي يقوم بها العلماء في القنابل الذرية وتحسينها والإكثار منها، وربما كان حدوثها سببًا في انفجار الطاقة البشرية في كل الكائنات، حتى يتصل ذلك إلى الشمس فتنفجر أيضًا، وتكون نتيجة ذلك انتهاء هذا العالم، وقد لا يحدث هذا في الحرب القادمة، ولكنه يحدث إذا تقدم العلم في هذا الطريق، وكل الدلائل تدل على الوصول إلى هذه الغاية، واحتمال وقوعها، والله تعالى يقول: حَتَّى? إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، وهذا ما هو حادث اليوم؛ فقد ازَّينت الأرض بالمخترعات الحديثة وظن أهلها أنهم يستطيعون التغلب على القوانين الطبيعية، وأصبح من خلق العلم الحديث إخضاع القوى الطبيعية واستعبادها بعد أن كانت النفوس البشرية تصادقها ولكن لا تخضعها.
أما الاحتمال الثاني، وهو عودة العالم إلى البربرية، وبدؤه من جديد بناء الحضارة وتهجِّيه ألف باء بعد أن وصل إلى الياء، فيأتي من احتمال أن الحروب القادمة تزيل الأمم المتحضرة ولا يبقى على وجه الأرض إلا المتبربرين سكان الصحاري وأمثالهم، فيبدأون من جديد في تعمير ما خُرِّب، وتمر عليهم أعوام يكتشفون فيها المعادن، ثم آلاف السنين يكتشفون فيها الآلات، وهكذا يعيد التاريخ نفسه.
وأما الاحتمال الثالث، وهو إنشاء حكومة واحدة تحكم العالم؛ فقد يحدث، كما حدث لتطور الفرد؛ فقد كان الفرد إذا غُصب حقه استرده بالقوة، وذلك قبل إنشاء المحاكم، فلما رقى وجدت المحاكم للفصل في المنازعات وحُرِّم أخذ الحق بالقوة، ودعمت المحاكم بالبوليس والقوى التنفيذية؛ فلماذا لا تصل الأمم إلى ما وصلت إليه الأفراد، فلا يكون هنالك حرب لدفع الظالم، ولكن إذا اعتدت أمة على أمة، فصلت محاكم كمحاكم الأفراد فيها، وكان لها من القوة التنفيذية ما تستطيع أن تنفذ به حكمها، وقد أدرك هذا المقترحون لإنشاء محكمة العدل الدولية، وعصبة الأمم، وهيئة الأمم المتحدة، ولكنهم مع الأسف قد فشلوا؛ لأنهم أنشأوها محكمات أو هيئات أفلاطونية، لا تملك وسائل التنفيذ، فهي محكمة ليس لها بوليس، وذلك الاحتمال يحدث عند نشوب حرب عالمية تكون من نتيجتها اكتساح روسيا لبريطانيا وفرنسا، ويبقى العالم أمام قوتين: روسيا وأمريكا، وهما الدولتان العظيمتان في العالم اليوم، فإن انتصرت أمريكا الرأسمالية ففي ذلك مزاياه وعيوبه، فمن أكبر عيوب أمريكا، هذه الرأسمالية والفروق الكبيرة بين الطبقات، ومن مزاياها حرية الرأي وحرية القول وحرية الصحافة وحرية الأدب والفن، وهي مزايا لا يستهان بها، يقول برتراند رسل: إنه شخصيًّا يفضلها على كل ما عداها، ويأمل نجاح أمريكا لهذه الغاية، وإن انتصرت روسيا فلها كذلك مزاياها وعيوبها: فمن أهم عيوبها الحجر على حرية الرأي والبحث والعلم واستخدام الأدب والفن في خدمة السياسة، ومن مزاياها — كما يقال عنها — المكافأة على العمل لا على رأس المال، وقد يقول قائل: من أين عرفنا هذا وروسيا مغلقة الأبواب، فنقول: إن روسيا لما استولت على بولندا طبقت عليها نظامها، وبولندا مفتحة الأبواب تحت أعين من يراها، وقد كان فيها طائفة مثقفة شُردت وأُهينت وكُبتت، ومن استطاع البقاء منها جارى نظام السو?يت، وأصبح أدبها أدبًا في خدمة الشيوعية، ومن المعقول أنه إذا انتصرت روسيا كانت حكومتها هي الحكومة العالمية واكتسحت ما عداها، ونفذت آراءها بالقوة، وكان شأن العالم كله شأن بولندا الآن، ومن غير شك، إذا كانت هناك حكومة عالمية موحدة، لم يخل نظامها من ثورات تحدث بين حين وآخر، كالذي يحدث في كل أمة، خصوصًا في أول أمرها، ولكن مصير تلك الثورات إلى فناء، وستتسكع الدولة الجديدة في سيرها، كما تسكعت محاكم الأفراد في أول أمرها حتى تستقر على مدى الزمان، فأي هذه الاحتمالات الثلاثة هو الذي سيحدث؟ أم لا يحدث هذا ولا ذلك، بل ما يحدث ما قال أبو العلاء: وتقدرون فتضحك الأقدار؟ علم ذلك عند الله.

خواطر


(?) مدرسة جديدة?

قرأت في إحدى الصحف الإنجليزية أن أستاذًا إنجليزيًّا اسمه مستر بلوم أنشأ مدرسة جديدة، وجعل أساسها عدم الخوف مطلقًا، من أي صنف كان، لا خوف من الأساتذة، ولا خوف من الامتحانات، ولا خوف من العقاب يؤدب به الطلبة، ولا غير ذلك من أنواع الخوف، وقد أرصد النتائج لذلك، فقال: إنها أنتجت نتائج باهرة، فالطالب إنما يعتمد على ضميره، وقد خرج من المدرسة شاعرًا بالحياة، مبتهجًا بها، بل جعل مجلس شورى للطلبة ومن الطلبة، يضع لهم مناهجهم، ويوجه نظرهم إلى ما يجب أن يعملوا، وما لا يعملوا.
وقد لفت نظري هذا، إلى أن من فكر هناك فكرة جديدة، مكن له أن يجربها في حرية، فإذا نجحت عممت، سواء في ذلك الأفراد والحكومات، أما عندنا فلا بد أن ينصب التعليم في قوالبَ معينةٍ، ومن نادى بفكرة جديدة أهمل، ولم يلتفت إلى فكرته.
وقبل ذلك نادى ابن خلدون في مقدمته بعدم التخويف وأبان أنه ضار بالمتعلمين، يقول: «إن الشدة على المتعلمين مضرة بهم؛ وذلك أن إرهاق الحد بالتعليم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب نشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث، وعلمه المكر والخديعة وصارت له هذه عادة وخلقًا، وفسدت عليه معالم الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن».
ونظرة ابن خلدون وتحليله تتفق مع نظرة الأستاذ بلوم، غير أن بيئة بلوم مكنته من نشر فكرته، وتحقيق رغبته، وأما بيئة ابن خلدون، فجعلت نظرته مدفونة في كتابه إلى يومنا هذا، وكم له من نظرات صائبة.
وإذا قرأت ذلك ذكرت ما لقيته في حياتي من تعذيب وتخويف من مبدأ صباي، كان أبي شديدًا قاسيًا، يضرب ويشتم حتى على ما لا يستحق الشتم، وذهبت إلى الكتاب، فكان فقيه المكتب قاسيًا شديدًا، يضربني حتى لأني لم أهتز وأنا أقرأ، وفي المدرسة الابتدائية كان لنا مدرسون يضربوننا ويعاقبوننا أشد العقاب، حتى لأتفه الأسباب، ولما ذهبت إلى مدرسة القضاء خوفونا من الامتحان، فكان من يسقط في الامتحان ولو في مادة واحدة، منعت عنه المكافأة التي يأخذها كل شهر … كل هذا جعل الحياة قاتمة، والنفس غير مبتهجة، تحزن لما يُحزن، ولا تفرح لما يُفرح، فإن بقيت بقية قليلة من التمتع بالحياة، فذاك من فضل الله، وإلا فأساليب التربية كفيلة بإماتتها، وكم في الأمة من نفوس ماتت من أساليب القسوة، وفقدت قيمتها، وكانت تكون مفتحة مشرقة، مصدرًا لخير كبير، لو عوملت معاملة حسنة.
وبعد: فلو فتحت مدرسة في مصر على هذا النمط، أتعيش وتنجح، أم تموت وتفشل؟ إن هذا محل تفكير طويل، فمدرسة الحرية التي تؤسس على عدم التخويف يجب أن تكون في بيئة مشبعة بالحرية، أما بلد ضيقت فيه الحرية من قرون، وكل ما حول الناشئين ظلم وتعذيب، وتعويذ إن لا يعمل الشيء إلا خوفًا من عقوبة أو ترغيبًا في مثوبة، فمن الصعب أن ينشأ في وسط هذه البيئات جو مملوء بالحرية، إن أردت أن تنجح مثل هذه المدرسة، فأصلح بيئتها وما حولها، أصلح البيت وأصلح الكتاب، وأصلح معاملة الشرطي للباعة، ومعاملة العُمَد للفلاحين، والمأمورين للعمد، والمديرين للمأمورين؛ لأنها كلها سلسلة مرتبطة بعضها ببعض.
ومحال أن تعيش نظيفًا في وسط قاذزوات، أو تسلك سبل الفضائل وحولك ما لا يحصى من الرذائل، وكانت العرب قديمًا تقول: «ما أشبه حجل الجبال بألوان صخورها».
(?) الإنسان طفل كبير

تاريخ الإنسان من قديم ضيق فسعة بالتدريج، فالطفل الصغير أنانيٌّ إلى أقصى حد، لا يعرف أحدًا غير ذاته، إذا أحضر أبوه شيئًا، فهو له كله، وليس لإخوته حق فيه، ويود لو أحضر له أبوه الشمس والقمر في حجره، ويرى أن كل شيء في الوجود له لا لغيره، حتى إذا كبر قليلًا، فهم أن لإخوته حقًّا، ولكن أقل من حقه، فله وحده النصيب الأوفر، ثم إذا كبر قليلًا أدرك أن الخير الذي يأتي، للعائلة كلها، ثم إذا شب أدرك معنى الوطنية، وهكذا، كذلك الإنسان فهو طفل كبير، يبدأ حياته بالأنانية فهو إذا لم يتزوج كان كل خير يناله له لا لغيره، فإذا تزوج أشرك معه زوجته وأولاده وأبويه، فإذا شد قليلًا، أدرك معنى القومية والوطنية، وأن أمته يجب أن ينالها كل خير، ويدفع عنها كل شر، فإذا نما عقله دعا إلى الإنسانية لا القومية، بل رأى أن الوطنية نكبة من نكبات العصر الحديث، وفي الناس أطفال كبار، لا يفقهون إلا البيت في أضيق حدوده، وفيهم أيضًا من ذهبوا إلى الطرف الآخر، فأدركوا أن كل من في العالم إخوة، حتى الشجر والثمر، وأدركوا أن لا فرق بينهم مهما اختلف دينهم، سواء كانوا يهودًا أو نصارى أو وثنيين، وفي ذلك يقول محيي الدين بن العربي أبياته اللطيفة:
لقد صار قلبي قابلًا كل صورةفمرعى لغزلان ودير لرهبانوبيت لأوثان وكعبة طائفوألواح توراة ومصحف قرآنأدين بدين الحب أنى توجهتركائبه، فالحب ديني وإيماني وقد مرَّ على هذه الأدوار كلها شعراؤنا الثلاثة المشهورون: شوقي وحافظ ومطران فكانوا في بعض شعرهم أنانيين، ثم كانوا وطنيين، ثم كانوا إنسانيين، والإنسان إذا رقي كان كالطبيب الراقي، يعالج المريض بقطع النظر عن أنه فقير أو غني، مسلم أو يهودي أو نصراني، لا ينظر إليه إلا على أنه إنسان مريض، بل قد يتعدى بعضهم الإنسانية، فتتعدى رحمته القطة والكلب والضفدعة، وكان رسول الله يقبل الطفل حديث العهد بالولادة، والثمرة الناضجة الحديثة العهد بالسقوط، ويقول: «إنها قريبة العهد بربها»، ولو تجرد الناس كلهم من ضيق الأفق لرأيت عالمًا غير هذا العالم: عالمًا لا حرب فيه، ولا إجرام، ولا وطنية، بل هي إنسانية وعالمية تحل محل الوطنية، ولا مستعمر، بل كل من فيه إخوان، يأخذ فيه القوي بيد الضعيف حتى يقوى، والعالم بيد الجاهل، حتى يعلم.
(?) الصداقة

الظاهر أن أساسها تناسب المزاج، وأعني بتناسب المزاج غير وحدته؛ فقد يكون المزاجان متناسبين، وهما مختلفان، كأن يكون أحد الصديقين قوي الشخصية، والآخر ضعيفها، فكلّ يرى أن الآخر يكمل نفسه ولو كانا قويي الشخصية أو ضعيفيها لتنافرا.
بل أعلم أنه في كثير من الاحيان تسوء العائلة ويكثر الشقاق؛ لأن كلًّا من الزوجين قوي الشخصية أو ضعيفها، ولو اختلفا في الشخصية لاتفقا، وأحيانًا يكون أساس الصداقة وحدة الغرض، نبيلًا كان أم خسيسًا؛ فقد يصطحبان على الكأس، وقد يصطحبان لخدمة معينة للوطن، أو لخدمة علمية كما فعل إخوان الصفا.
ويلعب لعبًا كبيرًا في هذه الصداقة القدر؛ فقد يتصادق اثنان لأنهما تقابلا في القطار، أو تكلما في وليمة، أو نحو ذلك، وكانا لا يتصادقان لو لم يحدث هذا الحادث المفاجئ.
ويعمل عملًا كبيرًا في الصداقة مركزهما الاجتماعي، كأن يكون مركز الاثنين رفيعًا أو وسطًا أو وضيعًا.
ونجد في هذه الحياة أحيانًا رفيع المنصب يصادق وضيعه ولكنها ليست الصداقة الحقيقية بل إن الأول يصادق الثاني كخادم له، والثاني يصادق الأول اعتزازًا بصداقة كبير يفتخر به، أو كان الاثنان متصادقين في الصبا ثم اختلفا في المنصب، وبقيت الصداقة.
ونلاحظ أن الصداقة على أنواع: فقد يكفي في تكوينها وقوع للنظر على النظر، أو المحادثة من أول كلمة، فتكون كشعلة النار، تلتهب التهابًا سريعًا، وقد تكون الصداقة متكوّنة على طول الزمن، وربما كانت هذه أحسن.
وهناك أشخاص نمت عندهم قوَّة الصداقة، فهم سرعان ما يصادقون، وهناك أناس حذرون قلما يصادقون، ولكن والحق يقال، إن هؤلاء الحذرين الذين لا يصادقون إلا بعد طول أناة وكثرة تجربة أقدر على الصداقة الحارَّة.
ويجب أن يدقق في التفرقة بين المعارف والأصدقاء، فكثير هم الذين نعرفهم وقليل جدًّا هم الذين نصادقهم.
وكثيرًا ما يفسد الصداقة سوء الظن، أو سوء التفاهم، أو تغير الحال، كمن كان ضعيفًا ثم قوي، أو قويًّا ثم ضعف، ومن أغرب ما يضعف الصداقة أن تكون الصداقة مبنية على العقل لا على العاطفة، ويعجبني قول الشاعر:
ليس يستحسن في شرع الهوىعاشق يحسن تأليف الحججبني الحب على الجور فلوأنصف المحبوب فيه لسمج وأسوأ ما يفسد الصداقة أنانية أحد الصديقين، فهو يريد أن يعامل صديقه معاملة السيد لعبده، فهو دائمًا يتحكم في صديقه، فيما يأكل وما لا يأكل، وفيما يرى في السينما وفي التمثيل وما لا يرى، وفيما يفعله في النزهة والرياضة وما لا يفعل، وليس يسمح لصديقه أن يتحكم مرَّة واحدة في حياته.
وعلاقة الصداقة الطيبة ارتياح الصديق لصديقه، والاطمئنان إليه، وعدّ ساعات الوصال أسعد من الاجتماع بآلاف المعارف، ثم يشعر الصديق بما يشعر به المحبُّ من لذة الوصال وألم الفراق، لا أن يتركه لمجرد المصادفة، يهش حين يراه، ولا يذكره حين يغيب عنه.
ومما يلاحظ أن من أكبر أسباب الألفة وجود النفس المرحة في الصديقين أو أحدهما فذلك يضفي على الصداقة سرورًا وبهجة، ويجعلها كالحديقة الناضرة أو المصباح المضيء.
إذا تمت هذه الصداقة، سهل على الصديق أن يؤثر في صديقه حتى ليتحقق ما يقول أرسطو: «الصديق هو أنت إلا أنه غيرك»، وصدق العرب؛ إذ جعلوا أنه يمكنك أن تعرف الشخص من صديقه: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
آه ما أكثر أسفي لو فقدت صديقي، وما أكثر فرحي لو عثرت على صديق بمعنى الكلمة، ولكن تمر الأيام ويفقد بعض الأصدقاء، ويقل تقويم بعضهم.
وما الحياة بلا صديق؟ إنها عيش في صحراء، أو حمام ناعم بلا ماء.
(?) الملكية والجمهورية

يتحدث الناس كثيرًا هذه الأيام في الملكية والجمهورية: أيهما خير، وقبلنا درس الناس هذا الموضوع وأشبعوه دراسة، درسه الفرنسيون عقب الثورة الفرنسية ووصلوا من دراسته إلى تقرير الجمهورية، ودرسه كثير من ممالك أوروبا ووصلوا إلى هذه النتيجة، ودرسه الأتراك عقب ثورتهم، وبحثوا في الخلافة طويلًا وقرروا بقاء الخلافة، ثم أزالوها وقرروا الجمهورية، ودرسه السوريون واللبنانيون وقرروا الجمهورية، فترى من هذا أن الدراسات العميقة تنتج الجمهورية، وكان الشأن كذلك في أمريكا، ولا نعرف أمة درست وفضلت الملكية إلا إنجلترا، وبعض ممالك أخرى قليلة، فلماذا وصلوا إلى هذه النتيجة؟
رأوا بعد الدرس أن الملكية تصطحب دائمًا بمفاسد، فكل ملك عادة يحيط نفسه بحاشية يستخدمها في جمع الثروة، والدعوة لعظمته والإيقاع بمن يخرج عن إرادته بشتى الوسائل، وفي عصري أنا شاهدت أربعة كانوا على هذا المنوال، وطالما صرخ السيد جمال الدين الأفغاني من حاشية إسماعيل وتوفيق، ونصح توفيقًا بتغيير حاشيته في الصحف والمجلات وفي أحاديثه الخاصة والعامة، فلم يفلح؛ ذلك لأن الملكية عادة تشعر صاحبها بالسلطة وهو يرى أن السبيل إلى السلطة ممهدة له، ففي يده الجند، وفي يده المال، وفي يده جميع السلطات، وهذه كلها تستدعي الغرور، والإمعان في الظلم:
والظلم من شيم النفوس فإن تجدذا عفة فلعلة لا يظلم لذلك كله تتعمق سلطته، وتتسع عظمته، حتى لا يمكن إخراجه إذا ظلم، إلا بثورة أو شبهها، لذلك كره الناس الملكية، وفضَّلوا عليها الجمهورية، وحتى العثمانيون في ثورة مصطفى كمال أبقوا السلطان عبد الحميد لاعتبارات عدة؛ أهمها: أن بقاء الخلافة يربط بينها وبين العالم الإسلامى كله رباطًا وثيقًا، فلما رأوه يدس لهم الدسائس ويعمل ليسترد سلطانه، ورأوه يمهد السبيل لعودة الاستبداد، وغير ذلك، ضحوا بما تنتجه الخلافة من رباط، وألغوا الخلافة، وعادوا فقرروا الجمهورية.
ومما جعل الناس يفضلون الجمهورية أن الرئيس زمنه محدود بسنتين أو ثلاث، فإذا أساء أمكن اختيار غيره بعد احتمال رذائله، أما الملك فلا يحدّ مظالمه إلا القدر بموته، أو ثورة بانتزاعه، هذا إلى أن رئيس الجمهورية نفسه يعلم أنه مؤقت بالزمن وأنه مضطر إذا أراد تجديد زمنه أن يحاسن الشعب، ويسير فيه سيرة مرضية، وإنما حمل إنجلترا على اختيار الملكية أنها أرادت أن تحافظ على الشكل؛ مراعاة لتقاليدها، وتكون جمهورية في واقع الأمر، فالسلطان هو للبرلمان لا للملك، واخترعوا العبارة المألوفة «الملك يملك ولا يحكم» وجروا على ذلك وطبقوه تطبيقًا دقيقًا، فإنجلترا ملكية، والملك فيها كلا ملك.
وضرر آخر وهو أن المستعمرين عادة يفضلون الملكية في المستعمرات على الجمهورية، فيفضلون ملكًا لمصر، وبايا لتونس، وسلطانًا لمراكش إلى آخره، والسبب في ذلك أنهم رأوا من الصعب أن يخضعوا الشعوب مباشرة، إنما يسهل عليهم أن يخضعوها بواسطة الملوك، فمن السهل على المستعمرين أن يخضعوا الملك ومن السهل على ملك الشعب أن يخضعه، ولذلك كان أحبّ إلى الإنجليز والفرنسيين أن يروا في الشرق ملوكًا لا جمهوريات.
قد يقال: إن الملك إذا كان صغيرًا أو اختير من العائلة المالكة فأحسن الاختيار، لم يكن منه ضرر، ولكن الزمان يكبر الصغير، والحاشية تفسد الصالح، فما لنا نعقد العقدة ثم نحاول فكها، فخير لنا ألا نعقد ولا نفكّ.
(?) البقاء للأصلح

من رأيي أن العالم يتقدم دائمًا من وقت أن خلقه الله، وأن الأنبياء جاءوا بشرائعَ مختلفة وفقًا لتقدم الإنسان — قد تتخلف بعض المرافق، وتتخلف بعض الأخلاق، وتتخلف بعض الأمم في العالم، بل قد تفنى، ولكن العالم ككل يتقدم دائمًا، ومن أغرب الأمر أن ساسة بعض الأمم لا يريدون أن يفهموا ذلك، فهم يريدون أن يعاملوا الأمم اليوم، كمعاملتهم بالأمس، ولكن لا بد أن ينهزموا؛ لأنهم كلسان في البحر، تأكله المياه من كل جانب، يومًا بعد يوم، ولأنهم نشاز في الطبيعة، انظر مثلًا مسألة الاستعمار؛ فقد أصبحت غير متفقة مع الزمان؛ لأن المستعمَرين فهموا حقوقهم أكثر مما كان يفهمها آباؤهم، وأصبحوا يضحون بدمائهم وأنفسهم وأموالهم، أكثر مما كانوا يضحون، ولكن أين ذلك وعقول الساسة المستعمِرين؟ لقد أخذتهم العزة بالإثم، وخجلوا مما لا يخجل منه: خجلوا من أن يقولوا لأممهم: إن الاستعمار أصبح لا يناسب الزمان، فاستمروا في غلوائهم، لا الأمم المستعمَرة تعدل عن المطالبة بحقوقها، ولا المستعمِرة تعدل عن استعمارها ولا بد من ضحايا كثيرة، حتى يفهم المستعمرون ما لم يفهموه اليوم، ها هي فرنسا تمعن في عدوانها في تونس والجزائر ومراكش، وتعتز بقنابلها، والقنابل وإن عملت في الأجسام، لا تعمل في الأرواح، وما ذنب أمة تحاول أن تعيش، وتقدر الحرية وتطالب بحقها في الحياة السعيدة؟ ولكن بدل أن يقابل ذلك بالتشجيع تقابله فرنسا «نصيرة الحرية» بالحديد والنار، وتصيح بملء فمها: هذه مسألة داخلية بيني وبين المغرب، لا يحق لكائن من كان أن يتدخل فيها، كأن الظلم لا يصح أن يرتفع صوت أحد في استنكاره، وتسقط وزارة فرنسية، وتقوم أخرى، فتظل سياستها على حالها، ولا يرتفع صوت أحد في إنجاد هؤلاء المظلومين، كأنهم يستحقون العذاب لأنهم مسلمون، ولو كان مكانهم نصارى لارتفعت أصوات السخط من كل جانب، كما ارتفعت من قبل يوم تسلط الأتراك على اليونان، أو كما تسلط العراق على الأرمن، فالحروب الصليبية لا تزال كامنة في النفوس، لم يزلها تقدم الزمن، ولا انتشار الثقافة.
وهذه إنجلترا تعامل مصر وإيران معاملة الأسياد للعبيد، لا تريد أن تتخلى عن بلد، ولا تعترف بحقوقها، وتعرضان شتى الحلول، فلا يقبل منهما حل، وقد علَّمت إنجلترا الأحداث أن الزمان يخدمها أكثر ما يضرها، ولكن هذا الزمان الذي كان يخدم، أصبح لا يخدم، والمشكلة باقية، والزمان يعقدها، ولا نجاة حالًا أو مستقبلًا إلا بتغير عقلية الساسة، ومسايرة الزمان.
وهذه أمريكا لا تزال تضطهد الملوَّنين كأنهم عنصر من غير الإنسان، لا تعترف بحقوقهم، ولا تعاملهم معاملة البيض على السواء، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهم يحاولون تدوير عجلة الزمن إلى الوراء، ومحال ذلك.
والحكيم من عرف مقتضيات الأحوال، وأحكام الزمان، فسار وفقها لا ضدها، كالذي يعرف التيار فيسير معه، ولا يسير ضده، وإذا كان الزمان قد حقق آمال بعض الأمم، فلا بد أن يحقق آمالًا أخرى.
إن الذي طاح بالملوك السابقين أنهم لم يفهموا الزمان ولا مقتضيات الأحوال وعاكسوا التيار بكل قوة، فلم تغن عنهم قوتهم شيئًا، وأصبح الملوك الباقون هم الذين يملكون ولا يحكمون، والعاقل النبيه إذا سئل عم أمر هل سيتحقق أو لا يتحقق، قرأ القانون الماضي، ونظر: هل هذا ينتج عنه تقدم العالم أو لا ينتج، فإن كان الأول حكم بأنه يحدث قريبًا أو بعيدًا، وإلا لم يحدث، والسخيف يعتقد أنه إنما يحكم بذلك بناء على تنجيم أو ولاية أو نحو ذلك.
ولئن قال القدماء: إن التاريخ يعيد نفسه، فهو إنما يعيدها لا بالطبعة القديمة، وإنما يعيدها طبعة منقحة حسب مقتضيات الزمان، ومن أجل ذلك شرَّع كل قانون قابل للبقاء بابًا يبقى مفتوحًا إلى الأبد، وهو باب مسايرة الزمن، ومقابلة الجديد من الأحداث، تسميه بعض المذاهب اجتهادًا وبعض المذاهب مصالح مرسلة، وبعض المذاهب استحسانًا، والكل شيء واحد، أما القوانين التي تجمد على القديم، وتقول في كل حادثة: القديم على قدمه، لا يمكن أن تبقى.
كم جاهدت الأمم في الشرق والغرب ضد الاستبداد، وضد المصادرات، وضد العبث بالأنفس والأموال، وكم لاقت من العناء في سبيل هذا الجهاد، ثم انتصر أخيرًا الحق، وعبر دارون عن ذلك بقوله: «البقاء للأصلح»، فانظر في كل مشكلة من المشاكل يجاهد الناس فيها، وتختلف آراؤهم واحكم بأن الصالح هو الذي سيبقى، وفي القرآن الكريم: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.
(?) مثل أعلى أخلاقي

قد تحيرت في عمل الفلاح، تحوّل قناته من غيطه إلى غيط آخر، فيتنازع ويتخاصم، وقد يؤدي ذلك إلى قتل، ولكن قد يذله العمدة أو شيخ البلد فيمرغه في التراب، وقد يفعل المأمور بالعمدة ذلك فلا يتحركان ولا ينبسان بكلمة.
هكذا قال صاحبي، وزاد عليَّ فقال: أليس عجيبًا أن نرى أهل البلد يتحملون ظلم حكومة سنتين أو أكثر فلا يحركون ساكنًا ولا يثورون على هذه الحكومة، ولم نسمع مرة أن برلمانًا يمثل الأمة أسقط حكومة من الحكومات أو صوَّتَ ضدها؛ لأنها أتت عملًا سيئًا، وتصرفت تصرفًا ظالمًا، مع كثرة ما تأتي به من الأعمال السيئة الظالمة.
قلت: إن المصريين في أشد الحاجة إلى زعيم يزيد شعورهم بالعدالة، ويبلور أفكارهم ومشاعرهم، حتى يتأثروا بها تأثرهم بقطع الماء عن مزارعهم.
لقد نجح المرحوم النقراشي باشا في بلورة الغرض السياسي للأمة وهو الجلاء ووحدة وادي النيل، فكان ذلك على كل لسان حتى الأطفال في ألعابهم، والمغنين في أغانيهم، والمذيعين في إذاعتهم، وكان على لسان الشيوخ والشبان والرجال والنساء، ونحن أحوج ما نكون إلى زعيم يبلور لنا مثلنا الأعلى الأخلاقي، فيقول مثلًا: إن غرض الأمة العدالة والنظام، يجريها على لسانه فتجري على لسان كل أحد؛ إذ ذاك لا يجرؤ أحد أن يظلم، ولا يطيق أحد أن يصبر على الظلم.
ثم يأتي من الأفعال ويضع من الأنظمة ما يحقق العدل زمنًا طويلًا، حتى يألفه الناس، ويثوروا على النظام وظلمه، وليست تفلح أمة شعورها متبلد، بل هي تهتف للظالم فلا يجد ما يصده عن ظلمه.
إذ ذاك يخاف العمدة من أن يظلم الفلاح، ويخاف المأمور أن يظلم العمدة، ويخاف المدير أن يظلم المآمير، وتخاف الحكومة بأسرها إذا ظلمت أحدًا؛ لأنها تشعر أن الرأي العام قوي الشعور بالعدالة، لا يحتمل أي ظلم، والحكومة لا تعدل إلا إذا خافت.
(?) إذا بطل العجب انتهت الحياة

كل ما يمكنك أن تدركه من فرق بين الذكي الألمعي والغبي، هو كثرة العجب عند الأول وقلته عند الثاني.
إن الأول يرى في كل شيء ولو صغيرًا مدعاة للعجب، يعجب من السيارة مثلًا، ولكن يرى أنه أعجب منها حركة الرجل في السير، ويعجب من الراديو ولكن يرى أنه أعجب منه حاسة الشم، إنه يرى الكون كله مملوءًا بالعجائب حتى الذرة في تكوينها، والنملة في معيشتها، ولذلك بنت الأديان كلها الدعوة إلى الإيمان على ما في الكون من عجائب، ريح تهب وسحاب يجري ومطر ينهمر، ولو دققنا النظر لرأينا أكثر الكلمات تحمل عجائب لا تنتهي.
انظر مثلًا إلى كلمة «نما الزرع» كيف تحولت الحبة إلى النبات، وكيف تحولت البذرة إلى الشجرة، وكيف اختلفت الأشجار وكلها تسقى بماء واحد، كل هذا يستخرج العجب من البصير، فإذا انتهى العجب دل ذلك على أن الإنسان فقد حياته، ألا ترى الطفل يبدأ بالأسئلة الكثيرة نتيجة للعجب الكثير، فإذا أدركه الهرم زال عجبه فزالت حياته.
أكتب هذا وأنا أرى البحر وتموجاته، والرياح ولعبها بالأمواج، والسحابة تسوقها الريح حيث تشاء.
اللهم زدني عجبًا أزدد حياة.
(?) برلمان النفس

هممت هذه الأيام بعمل خطير، ثم راقبت نفسي ماذا تصنع، فإذا فيها برلمان داخلي كأدق أنواع البرلمانات وأنظمها؛ فقد بدأت تتحرك الرغبة أولًا، وقامت تخطب وتبدي حججها في فصاحة وبلاغة، والكل يُصغي إليها، ولم تطل في الحديث عما تشاء؛ اعتمادًا على قوتها وعظمتها، ثم جلست في زهو وإعجاب، فوقف الضمير يعارضها، ويبدي عدم ارتياحه لطلباتها، مقتصرًا على ما ينشأ عن هذه الرغبة من آلام، ثم وقف العقل، وقد وجدته أحيانًا ترشوه الرغبة فيتكلم في مصلحتها ويدافع عن اتجاهاتها، ثم لاحظت أن الخوفَ يقف محذرًا من تنفيذ طلباتها، منذرًا بنتيجة عملها، مخوفًا النفس والبدن من نتائجها، ورأيت بعد ذلك الخيال يحلق في الجو فيصور النتائج للعمل الذي تريده الرغبة نتائج جميلة أحيانًا، وقبيحة أحيانًا أخرى، وهو بهذا العمل يشجع أو يخذل، وأحيانًا يسيطر الحب على الموقف فيؤيد الرغبة تأييدًا جامحًا، ثم بعد ذلك لا يسمع لعقل ولا لخوف، وأحيانًا لا يكون للحب موقف في الأمر، ولكن تكون السيطرة للإباء والأنفة، فتعند النفس عن تنفيذ الرغبة، ثم رأيت أن هذا البرلمان تارة يثور فيطيح بكل العوامل الأخرى وينفذ الرغبة مهما كانت النتائج، وأحيانًا يكون برلمانًا هادئًا يصغى فيه إلى كل الأصوات إصغاءً تامًّا، سواء في ذلك المؤيدون والمعارضون، ثم تؤخذ الأصوات، والحكم بعد ذلك للأغلبية، وهو برلمان ثائر أحيانًا هادئ أحيانًا، يتكلم فيه المتكلمون بتؤدة وهدوء أحيانًا، وبخروج عن اللياقة أحيانًا، وأيًّا ما كان فهو برلمان بكل معنى الكلمة، يصور صورة صادقة للبرلمان الخارجي من مؤامراتٍ ودسائسَ وألاعيبَ وخداعٍ وكل ما يحدث في الخارج، ومن العجب أن تاريخ هذا البرلمان قديم، كان من عهد آدم ولم يلتفت الناس إلى تقليده إلا من عهد قريب، وحتى إلى الآن لم يتقنوا إتقانه وغابت عنهم بعض معانيه.
(?) حوض اللذة

يعجبني تعبير إنجليزي لا أعرف له نظيرًا في اللغة العربية، وهو ما يمكننا أن نترجمه بـ (حوض اللذة)، ويعنون به استعداد النفس للذة.
والذي ألاحظه أن حوض اللذة — على حد تعبيرهم — واسع عند الطفل والجاهل، ضيق عند الكبير والعالم؛ فالطفل يتلذذ جدًّا بقطعة من الحلوى وبالثوب الجديد، وقد شاهدت ذلك في نفسي، فكنت كثير اللذة بفطيرة آكلها في الصباح، وبشجرة بجوار ساقية أجلس تحتها، وأقرأ وأغني ببعض القصائد ويعجبني صوتي إذا غنيت، وأفرح جدًّا بقرش يعطينيه أبي، وبمائة وخمسين قرشًا تعطينيها مدرستي كل شهر، ويعجبني منظر البحر إذا رأيته، ومنظر الجبل إذا مشيت فيه، وأتلذذ جدًّا من كتاب أشتريه، وأفرح برمضان إذا أتى، وبالعيد إذا أقبل، وأحتفل لهما كل الاحتفال …
وهكذا الجاهل «واسع حوض اللذة»؛ فهو يتلذذ من أكلة فخمة، ومن ثوب جديد، ومن نكتة رائعة، وكل اهتمامه بجنيه يربحه ثم ينفقه، وببيت يشتريه، وبأكلة يأكلها، وبثوب يلبسه، وكلما رقى الإنسان وكثر علمه وارتقت ثقافته وكثر تأمله ضاق حوض اللذة عنده، فلا ترضيه أكلة، ولا يلذه منظر، والمتنبي يعبر عن ذلك بقوله:
يقولون لي ما أنت في كل بلدة؟وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى وأوضح من ذلك ما قاله:
وإذا كانت النفوس كبارًاتعبت في مرادها الأجسام وها أنا ذا لما كبرت ضاق عندي حوض اللذة جدًّا، فإذا ربحت مائة جنيه لم أتلذذ منها لذتي بالقرش الذي كان يعطينيه أبي، وإذا نظرت إلى منظر طبيعي لم أتلذذ منه كما كنت أتلذذ في الماضي، وإذا نظرت إلى رواية تمثيلية أو رواية سينمائية لم أتلذذ منها كما كنت أتلذذ أيام شبابي؛ فالطفولة والشباب كانا يضفيان على كل شيء، مما يجعلنا نتلذذ أكبر لذة ونتحمل الألم في ثبات، فلما زال الشباب زال كل شيء، وصدق الشاعر إذ يقول:
ما كنت أوفى شبابي كنه عزتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع ولذلك نرى الشباب يضحك من كل شيء، ويسر من كل شيء، وسبب ذلك ما قلنا: من أن حوض اللذة عندهم واسع، فإذا انقضى ضاق حوض اللذة، فلم يضحكوا كما كانوا يضحكون، ولم يطربوا كما كانوا يطربون.
ولست أدري، أخير الناس من ضاق حوضه أم من اتسع حوضه! أما أرسطو فكان يفضل الإنسان الحزين على الإنسان المرح، ولذلك كان يفضل المأساة على الملهاة.
أما أنا فقد أوافق أرسطو في أن الحزين أنفع للناس، وأكبر خيرًا وإفادة، ولذلك كان أكثر المصلحين من أكثر الناس حزنًا، يحز في نفوسهم ما يرونه من ضلال الناس وفسادهم وظلمهم، ويعملون جاهدين على إصلاحهم وتقويم معوجهم، ولو أداهم ذلك إلى الموت، ولكن هؤلاء الحزناء شر على أنفسهم، فهم دائمًا قلقون حائرون مضطربون، فلئن دعوت لنفسي دعوة صادقة، فإني أسأل الله أن يوسع حوض لذتي.
(??) التأقـلم

يظهر أن التأقلم قانون طبيعي في كل الأشياء جمادها ونباتها وحيوانها؛ فإذا أنت صببتَ ماءً حارًّا على ماء بارد، حارَا واضطربا، حتى يتأقلما فيأخذ الحار من البارد بعض برودته، ويأخذ البارد من الحار بعض حرارته.
وإذا أنت نقلت نباتًا من نباتات البلاد الحارة إلى أرض معتدلة الجو حار كذلك واضطرب، واحتاج إلى مدة حتى يتأقلم ويعدل نفسه وفق الجو الجديد، والحيوان المتوحش الذي يعيش في الصحراء يحتاج إلى مدة طويلة حتى يتأقلم فيستأنس.
والإنسان كذلك يعيش في وسط غير وسطه الأول فيحار ويضطرب حتى يعدل نفسه وفق الوسط الجديد، وما فرحه بالمولود الجديد وحزنه على الولد الفقيد إلا مظهر من هذا التأقلم، لقد عاش وفكره غير مشغول بالولد حتى إذا رزق الولد احتاج إلى زمن يتأقلم فيه حتى يواجه حياة الآباء، وفي الحالة الثانية عاش على فكرة الولد، فإذا زال حزن؛ لأنه غيَّر ما اعتادته غددُ فكرِه، واحتاج إلى زمن حتى يتأقلم فيعتاد فقدان الولد.
وكذلك الشأن في الأمم، تحتاج الأمة المتبدية إلى زمن تتأقلم فيه حتى تتحضر وقد احتاجت الأمة الإسلامية إلى زمن طويل حتى هضمت المدنية الحديثة وألفتها، والأمة التي انحطت في حاجة إلى زمن طويل يجهَدُ فيه المصلحون حتى تنصلح، وهذا هو السر في ثورة الشباب وجمود الشيوخ؛ فالشباب لجدته يتقبل الأفكار الحديثة، والشيوخ لما مرنوا عليه من أفكار يرفضونها، وهكذا في حال انتقال الإنسان من عاطفة إلى عاطفة، ومن حزن إلى فرح، ومن فرح إلى حزن، ومن رغبة إلى رهبة، ومن رهبة إلى رغبة، وربما كان مما يساعد على سرعة التأقلم مساعدة الجو الجديد ليناسب الشيء القديم؛ فأنت إذا نقلت شجرة مانجو من الهند الحارة، فإنه يساعد على تأقلمها أن تحيطها بجو حار من جنس جوها؛ فإذا أنت عرَّضتها لجو شديد البرودة لم تعطها فرصة التأقلم فماتت، وإذا أردت إصلاح أمة فلا تصلحها طفرة؛ فإنها إذ ذاك يخشى عليها من الضرر، ولكن أصلحها تدريجًا وبخطوات متعاقبة، كلما خطت خطوة أتبعتها بأخرى؛ ولذلك كان في العادة الإصلاح بالتدريج خيرًا من الإصلاح بالثورة.
وربما استحسنوا من أجل ذلك أن يتزوج الغضوب بحليمة، والمرح برزينة، والمسرف بالمقترة وهكذا؛ لأن هذه الخصال المتناقضة إذا تأقلمت اعتدلت، فيأخذ الغضوب من حلم الحليمة، والمرح من رزانة الرزينة وهكذا.
والطبيعة لا تعرف الطفرة؛ فبعد الظلام الحالك يكون نور الفجر الكاذب والفجر الصادق حتى يعتدل النهار.
ومن الصعب عند مقابلة الشمس بالظل أن تقول: إن هذا ظل بحت أو شمس صِرْفة، فهناك خط بين الظل والشمس؛ وبين الشتاء والصيف ربيع وخريف يُعدان للانتقال.
(??) الاستعمار

للاستعمار أنواع كثيرة وأشكال مختلفة، ولكن أكثره مؤسس على الاقتصاد السياسي؛ فهو يرمي إلى انتفاع أهل البلاد المستعمِرين ما أمكنهم ذلك، ولذلك خدمت السياسة الاقتصاد.
والمستعمر في الغالب يرمي إلى ثلاث مسائل: الأولى: استغلال أموال أمته في البلاد المستعمرة؛ فإذا كان الممول يستطيع أن يستغل ماله في بلده لثلاثين في المائة مثلًا، وفي البلاد المستعمَرة لأربعين في المائة وجهها إلى هذه البلاد بحكم قوانين الاقتصاد.
والثانية: استغلال المواد الخامة في الأقطار المستعمَرة كالقطن والحديد والحبوب ونحو ذلك، مما خلت بلاد المستعمِر منها أو قلت فيها.
والثالثة: تصريف المستعمِر بضائعه في البلاد المستعمَرة؛ وذلك بصناعة المواد الخامة ثم ترويجها.
هذه هي أهم ما يرمي إليه المستعمِر، وليس الاستعمار في ذاته شيئًا محبوبًا؛ لما يلاقيه المستعمِر من المتاعب، ولكراهية المستعمَر طبيعيًّا للاستعمار.
ثم تاتي السياسة بعد ذلك فتمهد الطريق لتحقيق هذه المطالب، فالجنود التي يرسلها المستعمِرون إلى البلاد المستعمَرة إنما هي لحماية هذه الأغراض من الثورات التي تقوم في البلاد، أو صدًّا لطموح أمة أخرى تحل محلها.
ولتحقيق هذه الأغراض تتخذ الأمة المستعمِرة وسائل كثيرة لتحقيقها؛ منها: إضعاف روح المستعمَر حتى لا يفهم فيطالب بالاستقلال، وقد يعتمد في ذلك على تفريق الأمة بالأحزاب وإيقاع الخلاف بينها، او على إفساد أخلاقها بكثرة المسكرات، واستهوائهم بالفتيات الجميلات اللائي يخدمن الاستعمار ونحو ذلك. ومنها: إضعاف لغة البلاد وتقوية لغتها هي، علمًا منها بأن الناس يميلون إلى القوم الذين يتكلم المستعمَرون لغتهم، وقد يستهوون المستعمرين بإنشاء مدارس لهم نموذجية، حتى يوهموا المواطنين بأن منهجهم خير من مناهج أهل البلاد، وحتى يشجعوا أهل البلاد بالإقبال عليها. ومنها: اختيار الوظائف لمن يثقون بتأييدهم، والعمل لمصلحتهم، ومقاومة الوطنيين والزعماء، وبث الدسائس لسقوطهم في نظر أمتهم ورميهم بالخيانة. ومنها: تقوية الزراعة وتوجيه الناس إليها حتى لا ينافسوهم في صناعاتهم، ويفهمونهم بأن بلادهم زراعية لا صناعية، واجتهادهم في فرض ضرائب كبيرة على المنتجات الوطنية، حتى تغلوَ أسعارها فتتسع التجارة الأجنبية، إلى غير ذلك من وسائلَ لا تحصى، وأهم عدو لهم في ذلك، الإسلام والمسلمون، لا اليهود ولا الوثنيون؛ لأنهم يعتقدون أن الإسلام يدعو إلى أن تكون بلادُ المسلمين لهم لا لغيرهم، ويفرض عليهم المقاومة ما أمكنهم، ولا يصح أن يفرطوا في أي بلد يدخل في نطاق دار الإسلام؛ ولذلك قال أحد الزعماء الفرنسيين: يجب أن تحارب اللغة العربية؛ لأنها وسيلة لتعليم القرآن، والقرآن يأمر بالجهاد في سبيل الاستقلال.
نعم، إن بعض الاستعمار ليس القصدَ منه الاستغلال، وإنما القصد المحافظة على الطرق الحربية، كاحتلال الإنجليز لجبل طارق، ولو لم يكسبوا منه ماديًّا، ولكن ذلك قليل بجانب ما أسلفنا من أسباب الاستعمار.
إذا علمنا ذلك أمكننا أن نعرف كل داء فنعالجه بدوائه لا بشيء أخر؛ فعلاج توظيف رءوس الأموال الأجنبية إنما هو مقاومتها بتوظيف الأموال الوطنية، وفرض استخدام عددٍ معينٍ بنسبة مئوية من المواطنين على الشركات الأجنبية، والاجتهاد في تشجيع المنتجات الوطنية ومقاومة المواد الأجنبية.
ومن وسائل الشركات الأجنبية الماكرة، التهرب من قوانين البلاد والتستر وراء مواطن يحتمون باسمه، ويتهربون من الواجبات تحت ستار منه، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن وسائلهم أيضًا في ذلك، استخدام ذوي النفوذ من المواطنين ليحتموا بهم ويحققوا لهم أغراضهم.
وعلاج استخدام المواد الخامة في البلاد، هو منعُها قدر الإمكان من أن تصل إلى الأجانب، وتوسيع المصانع الوطنية التي تستخدم خامات المواطنين.
وعلاج ترويج الصناعات الأجنبية إعلاء الجمارك والضرائب عليها، حتى تكون أثمان السلع الوطنية أقل من أثمان السلع الأجنبية فيقبل الناس عليها، والاجتهاد في تحسين المصنوعات الوطنية حتى تفوق أو تقارب الصناعات الأجنبية، وهكذا.
وإذا علمنا ذلك أيضًا، أمكننا أن نفهم سخافة مقاومة الاستعمار بكسر فوانيس الشوارع أو إحراق الترام أو إضراب المدارس، إلا أن يكون ذلك علامة على بغض الاستعمار، وإظهارًا للعواطف الثائرة أو نحو ذلك؛ فهذا علاج لا يقابل الداء.
والعلاج الصحيح الذي ذكرنا يحتاج إلى ثقافة في أساليب الاستعمار واسعة، وتنبيهٍ شديد للوعي القومي، حتى يدركوا صحة موقفهم، ويدركوا كيف يعملون لمقاومة خصومهم؛ ومتى أدرك المستعمِر أنه لا يستطيع تحقيق أغراضه لم يعد يرى أن للاستعمار فائدة فانسحب بسلام؛ وهذه كانت طريقة غاندي وأمثاله التي ترتب عليها انسحاب الإنجليز من الهند، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
هذه نظرة الذوق الفطري للاستعمار، ولا بد أن يكون عند المختصين في الاقتصاد والسياسة ما هو أدق من ذلك وأوسع.
(??) هل الحق حق حيث كان؟

ذهب الأستاذ الفاضل نقولا الحداد في نقده لكتابي (هارون الرشيد) إلى أن الحق حق حيث كان في كل زمان ومكان، والباطل باطل كذلك حيث كان ومؤاخذة الناس على الحق والباطل واحدة في كل العصور، ولست أرى هذا الرأي؛ فقد أوافقه على أن الحق والباطل حقائق مجردة في كل زمان ومكان، لا يتغيران بتغير الأشخاص، ولكني أخالفه في مؤاخذة الناس عليهما مهما تغيرت البيئة، فالمؤاخذة إنما تكون بمقدار تقدير الناس للحق والباطل وفهمها، هؤلاء المصريون من عهد قريب كان نساؤهم يتحجبن وكان الرجال يرون أن الحجاب فضيلة، ثم سفرْن فرأى الرجال أن السفور فضيلة، والحجاب رذيلة، والمصريون عادة أقل تقديرًا للصدق والأمانة من الإنجليز والألمان، فيجب أن نؤاخذ المصريين عليهما أقل مما نؤاخذ الألمان والإنجليز، والمصريون يقدرون العفة أكثر مما يقدرها الألمان والإنجليز، وليست المسئولية على هؤلاء وهؤلاء واحدة، بل إن الأمة الواحدة قد يختلف تقديرها للفضيلة بحسب المكان، فلا تكون المؤاخذة واحدة؛ فالغيرة في الصعيد أكثر منها في البحيرة، فإذا قتل الصعيدي زوجته أو أخته غيرة لم يؤاخذ كما يؤاخذ البحيري، والقضاة يعلمون ذلك، فيفرقون في الحكم بينهما، ولا يقدر الإنجليز والفرنسيون الغيرة كما يقدرها الصعايدة والبحاروة، وبذلك تختلف قوة المؤاخذة، والطفل أو الشاب إذا ارتكب جريمة خصوصًا في الجرائم التي تدفع إليها الشهوات أو قوة الشعور لم يؤاخذ عادة كما يؤاخذ الشيخ المسن، الذي كثرت تجاربه وضعفت مشاعره، وهكذا من آلاف الأمثلة، فهل يريد الأستاذ أن يؤاخذ الناس الرشيد وهو في عصر لم يكن الناس فيه يعرفون حق الحياة وحق الحرية، كما نؤاخذ من تعدى عليهما اليوم؟ إن ذلك والحق يقال يكون جرمًا فظيعًا، ومن أجل هذا شرّع في القوانين الحديثة تقدير الظروف التي ارتكب فيها المجرم إجرامه، وليس من الحق أن نكلف عامة الشعب فوق طاقتها، فنحملها مسئولية ما لم تفهم وما لم تقدر، وإن كان الحق حقًّا في ذاته، والباطل باطلًا في ذاته، بل إن عوامل الفصول المختلفة تجعل الإجرام في فصل أشد من الإجرام في فصل آخر، فالفقير إذا اشتد به الجوع وسرق رغيفًا في الأيام القاسية البرد كان أخف جرمًا من غني سرق رغيفًا في أيام الصيف، وعمر بن الخطاب لم يوقع الحد على فقير سرق ناقة وقد اشتد به الجوع، ولم يوقع حد الشرب على أبي محجن الثقفي؛ لأنه أبلى في الحروب بلاءً حسنًا، وأوقف الحدود كلها في أيام الحرب لما رأى أن بعض من وجب عليه الحد يفر إلى بلاد الأعداء، أفبعد هذا كله يصر الأستاذ على أن المسئولية في جميع العصور والأمكنة واحدة لا تتغير؟
الحق فيما أرى أنها تتغير قوة وضعفًا، وأن الرشيد لو ارتكب نكبة البرامكة اليوم لكانت مسئوليته أشد، ولو ارتكبها في إنجلترا أو ألمانيا كانت مسئوليته أكبر مما إذا ارتكبها في مصر أو بغداد؛ لأنهم هناك يقدرون الأمور ويعرفون الحقوق أكثر مما نعرف ونقدر.
هذا ما أرى وللأستاذ رأيه، فإما أن يرجع إلى الحق حسب ما أرى، وإما أن يصر على رأيه، ولكل وجهة هو موليها، وأشكره أخيرًا كما شكرته اولًا على حسن تقديره للكتاب.
(??) الإنسان حيوان محارب

عالج بعض الفلاسفة الحرب ودعوا إلى السلم، وجاءت الأديان من نصرانية وإسلام تحبذ السلم، ودعا إلى ذلك بعض فلاسفة اليونان وبعض قياصرة الرومان، ولكن العقبة الوحيدة كانت غريزة الإنسان التي تحب الحرب وتكره السلم، ويظهر أنها وراثة من وراثات الحيوانات المتوحشة التي كانت هي أصل الإنسان، حتى أصبحت الأديان التي تدعو إلى السلام كذلك مظهر حرب، ولم يكتفِ الإنسانُ بالحرب في ميادين القتال، بل قاتل في التجارة والصناعة، ولم يكتفوا في لعب الأولاد بلعب السلام، بل أتوهم بلعب الحرب أيضًا.
وليس الجدال في المجالس إلا نوعًا من أنواع الحرب، وكذلك المناظرات والتسابق على الأولية في المدارس والجامعات، وكما نرى آثار الحرب ظاهرة بين الإنسان والإنسان، فهي كذلك ظاهرة بين الحيوانات، فالدنيا كلها حرب حتى ظواهرها الطبيعية فلو قلنا: إن الإنسان محارب بطبعه لم نبعد، ولسنا نصل إلى السلم فيما يظهر إلا بعد أجيال طويلة، نعدل فيها برامج التربية، ونقلم فيها أظفار الغرائز الحربية.
(??) البتُّ والتردد

لو سئلت أن أضع قائمة للفضائل بحسب ترتيبها لعددت البت في أولها، وأكره ما أكره التردد، يقدم الرجل رِجلًا ويؤخر أخرى، ويقدم ثم يحجم، ويحجم ثم يقدم، وتفوت بذلك الفرص وتتعقد الأمور، وكثير من الناجحين في الحياة إنما نجحوا لبتِّهم لا لترددهم، وقد اشتهر العنصر الأنجلوسكسوني بسرعة البت في الأمور، ولذلك نجح وفتح واستعمر، وكان العرب يمدحون الفتى بسرعة البت وقوة الحزم، ويقول قائلهم:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهونكب عن ذكر العواقب جانبا ويحمل على التردد الهرب من المسئولية، فإن العمل تصحبه المسئولية دائمًا، فهو يفضل ألا يعمل حتى لا يسأل، وهذا عين ما تقع فيه حكومات الشرق — تتردد حتى لا تسأل، وتسير على الطريقة المتبعة حتى لا تسأل، وتَسأل دائمًا عن السوابق حتى تأمن الخطأ، ولذلك قل عندها التجديد، وعندي أن البت مع الخطأ خير من التردد مع الصواب.
? نشرت هذه الخواطر تحت هذا العنوان في مجلة الثقافة، تباعًا، خلال سنة ????.
لماذا كان الدين؟


لنتصور أمة من الأمم عاش أهلها من غير دين، لا مساجد ولا كنائس ولا شعائر، ولا اعتقاد بإله، ولا بيوم آخر، ولا اعتقاد في جزاء: ثواب أو عقاب، فماذا يكون شأنهم وهل يتصور أن يكونوا سعداء؟
إني أتصورهم يعيشون عيشة جافة شقية حتى ولو ساروا في حياتهم وفق العقل؛ لأن أفقهم في الحياة ضيق محدود بعمرهم القصير.
ثم إن الإنسان مكون من عقل وشعور لا يعيش في الحياة من دونهما، وشعوره متأصل فيه أكثر من تأصل العقل، فهو أحيانًا يتصرف في الأمور حسب عقله من تقدير المنفعة أو المضرة، وأحيانًا يتصرف بشعوره وعواطفه، كرحمته على أبنائه والتضحية من أجلهم من غير نظر إلى مكافأتهم له في مستقبل حياته، وهذان العنصران — أعني العقل والشعور — لا بد لهما في الحياة من غذاء كغذاء المعدة، وغذاء العقل العلم، وغذاء الشعور الدين، والحياة إذا أسست على العقل والعلم وحدهما كانت حياة خالية من العطف والرحمة والإنسانية وفي ذلك البلاء المبين.
وإذا كان الإنسان قد كون من عنصرين: عقله الذي يتغذى بالعلم، وشعوره الذي يتغذى بالدين حق لنا أن نقول: إن التدين من طبيعة الإنسان كما أن العقل من طبيعته، ولهذا لازم التدين الإنسان منذ عرف تاريخه في بدوه وحضره، في جميع أقطاره وأقاليمه، في رقيه وانحطاطه، فمهما اختلفت تفاصيل الدين، ومهما تعددت المعابد والشعائر فالإنسان هو الإنسان لا بد له من دين.
والدين يكوِّن عنصرًا هامًّا من عناصر المدنية، قديمها وحديثها، ويؤثر أثرًا كبيرًا في حركات كل أمة سواء كانت حركات سياسية أو اجتماعية حتى في المدنية الحديثة مع إيمانهم التام بالعلم وانطباعها بطابعه لا يزال للدين الأثر البالغ في منازعها السياسية والاجتماعية، فعلاقة الأمم النصرانية بعضها ببعض وعلاقتها بغيرها من أهل الأديان الأخرى وفهمها للحقوق والواجبات ومبادئها التي تسيرها في مجتمعاتها كلها متأثرة بالدين.
ومهما تنازع العلم والدين ودعا بعض الدعاة إلى الإلحاد فإن الدين لا يزال يمس قلوب الناس حتى الملحدين منهم وهم يأبون أن تتخلى قلوبهم عنه؛ لأن هذا هو فطرتهم وطبيعتهم، ومن تجرد من الدين أحس القلق والاضطراب إحساس من شوهت طبيعته.
أساس الدين الإيمان بقوة فوق المادة وفوق أن يدركها العقل، والإيمان بإله يدبر هذا العالم وينظمه ويكافئ المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، وفي هذا اتفقت كل الأديان الراقية تقريبًا، وإن اختلفت في تفاصيلها وشرائعها.
ولقد كان الدين سببًا في قوة الرابطة بين الجماعة المعتنقة دينًا واحدًا، فكل جماعة تدين بدين يؤلف بينها الدين ويوفق بين أفرادها، ويشعرهم بالوحدة، ويكون أساسًا بينهم للترابط والتعاون، وهذا ولا شك دعامة من دعائم الرقي في المجتمعات، كذلك كان الأمر في الديانات القديمة كديانة قدماء المصريين والصينيين والنصرانية والإسلام، فإذا نحن عددنا الروابط بين الأمة من لغة وجنس وإقليم وجب أن نعد من أهمها رابطة الدين، وكما كانت كل رابطة من هذه الروابط سببًا في تقدم الجنس البشري فكذلك كانت رابطة الدين.
ثم إن الدين أهم باعث على الأخلاق، فهو يدعو إلى الفضائل دعوة حارة، دعوة ممزوجة بالعواطف، دعوة مؤسسة على حب الله — قد يدعو العقل والفلسفة والعلم إلى الفضيلة من حيث هي حق ومن حيث هي نافعة، ولكن دعوة الدين إليها أقوى؛ لأنه يسبغ عليها من روحانياته ويربطها بالثواب في الدنيا والآخرة ويربط بينها وبين الضمير؛ ولذلك كانت دعوة الدين إلى الفضيلة مناسبة للخاصة والعامة بينما كانت دعوة الفلاسفة والعلماء للفضيلة لا تناسب إلا الخاصة، ثم إن الفرق بينهما كالفرق بين ما يصدر عن العقل من نظريات علمية هادئة باردة، وما يصدر عن القلب من حب ممزوج بالحرارة والقوة والحماسة، ولذلك كان أهم التغيرات البشرية على وجه الأرض قد صدر عن الأديان أكثر مما صدر عن الفلاسفة ورجال العلم، بل إن الدين قد أمد الفلاسفة والعلم بروح منه وجعلهما أقرب إلى إدراك الحق والجمال.
الدين هو الذي أنشا المعابد تهتز فيها قلوب الناس وتتحرك عواطفهم في لذة واشتياق إلى هذا الإله الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، والدين هو الذي حرك العواطف لإنشاء معاهد البر والإحسان والملاجئ والمستشفيات فخفف بؤس البائسين وعوز المحتاجين، والدين هو الذي حرك نفوس الفنانين فصاغت عواطفهم أروع الآثار الفنية من مساجدَ وكنائسَ، وهز نفوس الأدباء والشعراء فانتجوا لنا أروع الأدب الصوفي والشعر الديني والابتهالات التي تنبض بالعواطف وتسيل عذوبة ورقة، والدين كان عماد التربية والتعليم بفتح المدارس والجامعات ثم كانت الدراسة الدينية باعثة على غيرها من الدراسات، فالدين الإسلامي — مثلًا — خلف ثروة كبيرة في التأليف وبعث على تدوين كثير من العلوم؛ فقد جمع العلماء اللغة العربية؛ محافظةً على الدين، ودرسوا النحو والصرف؛ لتقويم اللسان في القرآن، ووضعوا علوم البلاغة؛ لفهم إعجاز القرآن، وهكذا.
والدين هو الذي يتجلى في أسمى مظاهر الإنسانية ولا سيما في أوقات الشدائد من عطف على الفقراء ومواساة للجرحى والمنكوبين ومن أصيبوا بزلزال أو بركان أو حريق أو غرق؛ إذ ذاك تتحرك النفوس للنجدة يحدوها الدين.
فلنعد، ولنتصور ما يكون شأن الإنسانية إذا فقدت كل هذه النظم والمؤسسات والعواطف والمشاعر والأخلاق، إن العالم بلا دين، جسم بلا قلب، ومادة بلا روح، إنه آلة جوفاء، إنه قصة فارغة.
نعم قد حدثت في التاريخ أضرار كثيرة باسم الدين، كالغلو في العصبية الدينية، وما نشا عنها من اضطهاد وتعذيب وسفك دماء، وأضرار عقلية كالتي نشأت من الخرافات والأوهام وضيق في الأفق نشأ عنه اضطهاد العلم والعلماء، والفلسفة والفلاسفة، وجمود إلى درجة التحجر، ولكن هذه الأضرار ترجع إلى ما اعترى الدين من فساد لا إلى الدين نفسه، وترجع إلى سوء فهم رجال الدين دينهم على الوجه الصحيح أو فهمهم له فهمًا صحيحًا ولكن شاءوا أن يكسبوا منه ويتاجروا به، أما الدين نفسه ولا سيما إن كان دينًا صحيحًا فلا ينتج عنه إلا الخير.
وبعد، فالدين نعمة على الفرد والمجتمع، هو راحة للنفس؛ لأنه يساير طبيعتها، وهو نعمة على المجتمع الإنساني؛ لأنه يوثق روابطه ويحيي عواطفه ويوجهه نحو الخير، وخير الأديان ما سما بالعاطفة، وأوسع المجال للعقل، وبنيت تعاليمه على خير الفرد وخير الإنسانية.

تربية الإرادة


ليس يمكن أي إصلاح خلقي إلا إذا ربينا الإرادة أولًا، فإذا طالبنا شابًّا أو شابة بضبط النفس عند الغضب أو عدم الإسراف في الملذات أو بالشجاعة عند الجبن أو بالعدل عن الظلم، فلا قيمة لكل هذه النصائح ما لم تسبقها عند الشاب أو الشابة إرادة قوية رباها صاحبها لينفذ بها ما اعتقد أنه حسن، ويتجنب بها ما اعتقد أنه ضار، فانصح ما شئت، وكرر النصح ما أردت، فليس لهذا كله قيمة إذا لم يكن المنصوح قوي الإرادة يستطيع بها أن يسيطر على نفسه.
ولكن كيف نربي إرادتنا؟
انظر إلى من يريد أن يتعلم ركوب الدراجة أو كما نسميها «البسكليت» — إن الشخص أول الأمر لا يستطيع ضبطها ولا يحسن السير عليها، فهو يتأرجح مرة ذات اليمين ومرة ذات اليسار، وكثيرًا ما يبدأ ثم يقع، وأخيرًا وبعد جهد جهيد تستقيم في يده البسكليت — ويسير بها سيرًا حسنًا ويعدو بها ويتجنب الأخطاء حتى ليأتي بالأعاجيب في السير بها، فماذا حدث؟ البسكليت هي البسكليت لم تتغير، وهي دائمًا مطيعة خاضعة، ولكن الذي تغير هو راكبها؛ فقد كان لا يحسن حركاته ثم أحسنها، ولا يمكنه ضبط نفسه عليها، ثم ضبطها، فالتغير إنما حدث في النفس لا في البسكليت، كذلك الشأن في كل أنواع الحياة، لا بد من السيطرة أولًا على النفس ثم مواجهة الأحداث، لا بد أولًا من تربية الإرادة، وبعد ذلك يمكن مواجهة المشاكل بالإرادة وحلها، إن ضعيف الإرادة يتأرجح في أمره كما يتأرجح راكب الدراجة عند ركوبها لأول مرة، فإذا هو ربى إرادته سار سيرًا متوازنًا معتدلًا متجنبًا الأخطاء، كما يفعل راكب الدراجة إذا اعتادها، وكما يحتاج راكب الدراجة إلى جهد جهيد أول أمره حتى يستقيم له السير، وحتى يسير سيرًا هينًا من غير بذل جهد كبير، كذلك الشأن في تربية الإرادة يحتاج المرء أول أمره إلى كبير جهد وقوة تصميم وصحة عزم واحتمال الشدائد، ثم تسير الأمور بعد ذلك في يسر وسهولة من غير جهد ملحوظ، ولذلك جاء في الحديث: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»، فمن صبر على الشدة الأولى في تربية إرادته كان ما بعدها أهون، إن الذي يفسد الإرادة أن تعزم وتعدل ثم تعزم وتعدل، فيكون شأنك شأن بكرة الخيط يلقي صاحبها عليها الخيط ثم ينقض ما لف.
وبعد ما يصير المرء على شيء الذي يريده ويربي فيه إرادته، يصبح عادة يأتي به من غير عناء كبير، فالرجل الفاضل الذي اعتاد الإتيان بالأعمال الفاضلة كالرجل الشرير الذي اعتاد أن يأتي بالأعمال الشريرة، كلاهما تصدر عنه الأعمال في يسر وسهولة، وليس من فرق بينهما إلا أن الأول وجه إرادته وعوَّدها أعمالًا صالحة والثاني وجه إرادته وعوَّدها أعمالًا سيئة.
وكثير من الشباب يقع في العادات السيئة من غير تفكير ومن غير قصد، إنما هم ينساقون مع التيار، يجدون بعض الشبان المستهترين يتجهون اتجاهًا سيئًا فيسيرون في اتجاههم من غير وعي ولا تفكير ولا إعمال عقل في النتائج، وكان يجب أن يقدروا هذا الاتجاه ويزنوا نتائجه، ثم يسلطوا إرادتهم لتجنيبهم هذا الاتجاه السيئ.
إن أكثر ما يفسد الشبان ويضعف إرادتهم هو الإغراء؛ يجلس الشاب مثلًا مع بعض أصحابه فيجد اثنين منهم أو ثلاثة يدخنون، فيعزمون عليه بسيجارة، فيأبى؛ فيلحون عليه، ويبررون تدخينهم بمبررات، مثل أنه يبهج النفس ويزيل الكرب أو نحو ذلك من علل فاسدة، فيشرب أول سيجارة فلا يحس لها طعمًا وقد يشعر بشيء من الدوخان فيكرهها وينفر منها، ولكن قد يوجد في مثل هذا الظرف فيشربها ثانية فلا يحس بالألم الأول، وإذا هو مدخن مثلهم، ولو جرد إرادته للمرة الأولى واعتزم ألا يدخن، ما وقع في هذه العادة السيئة، وقل مثل ذلك فيمن يشرب الخمر أو يجري وراء الفتيات أو نحو ذلك من عادات سيئة كلها، إنما يقع الشاب بسبب ما يحيط به من إغراء، ومتى وجد الإغراء وجب على الشاب أن يتسلح بالإرادة القوية؛ ليتقي الوقوع في مثل هذه العادات.
كثيرًا ما يحدث أن يسكر سائق قطار ويفرط في الشرب فيخطئ في تسيير القطار ويعرض أرواح الراكبين فيه إلى أشد الأخطار، وقد روي لنا كثير من هذه الأحداث، فلنتصور كيف يجني سائق هذا القطار على من يحمل مسئوليتهم من الركاب، ولنتصور الفزع الذي يعرض للركاب لو علموا بحالة سائقهم، والحقيقة أن كل إنسان هو سائق قطار، أعني أن نفسه تسوق قطارًا، وأن مثل العادات السيئة مثل الخمر الذي يشربها السائق تقوده إلى أشد الأخطار، وليس هناك دواء لتجنب هذا الخطر إلا الإرادة القوية التي تحمي صاحبها من السكر عند سوق القطار … ومع الأسف كثير من الشبان لا يفهمون هذا، ويسوقون قطار أنفسهم وهم سكارى، ولا يفيقون من سكرهم إلا بعد الاصطدام وفوات الوقت وخسارة النفس.
لا بد أن يعوِّد الشاب نفسه إيقاظ العقل وقوة الإرادة والشعور بالواجب؛ ليقاوم هذا الإغراء، مثل ذلك مثل من استحلى النوم في السرير مع مجيء موعد عمله، فإنه إذا استسلم للنوم والخمول والكسل ضعفت إرادته، ولكن إذا أشعر نفسه بواجبها ونبه وعيه لوجوب الانتباه والقيام من السرير لمباشرة عمله استطاع بذلك أن يقاوم الإغراء ويباشر العمل، وهكذا الشأن في شؤون الحياة كلها، إذا استسلم للراحة واستسلم للإغراء خمل عقله ونامت إرادته، ولم ينتبه إلى ما يجب أن يعمل إلا بعد فوات الأوان.
وعظماء الناس إنما كان سر عظمتهم في قوة إرادتهم وإطاعة عقلهم لا شهوتهم، وتمرين إرادتهم على العمل الجاد أمام الصعاب الحادة، إن الرجل العظيم يتلذذ من مقاومة الإغراء ويتلذذ من السيطرة على نفسه، ويحس اغتباطًا من أنه غلب الإغراء ولم يغلبه الإغراء، وصبر على الشدة ولم يخضع لها، وفي التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل، فقول رسول الله ?: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته»، معناه أن أي إغراء مما اعتاد الناس أن يخضعوا له ويتركوا مبادئهم من أجله لا يغريني، ولا يؤثر في مبادئي وتعاليمي.
وموقف أبي بكر يوم ارتد كثير من العرب وأبوا أن يدفعوا الزكاة ونصح بعض الناس له بأن يلين معهم ورفضه ذلك وتصميمه على الحرب وألا يقبل من العرب إلا الإسلام كله كاملًا من غير أن ينقص منه شيء، قوة في العزم وقوة في الإرادة ومقاومة للإغراء.
وموقف ابن تيمية وقد أراده السلطان على أن يعدل عن رأيه الذي وصل إليه باجتهاده وبحثه فأبى، ثم حبسه وعذبه فأبى، وكان وهو في السجن يكتب الكتب يشرح بها مبادئه وتعاليمه ويستدل على صحتها، ثم لما منع عنه القلم والورق أخذ الفحم وصار يكتب به على حيطان السجن في شرح أدلته وبراهينه على تعاليمه، مثل صالح كذلك على قوة الإرادة وصحة العزم وشدة التصميم، وعدم الاستماع إلى المغريات أو التخويف بالعقوبات.
وكثير من المؤرخين كانوا يرون أن سر نجاح نابليون في حروبه كان في سرعة تصميمه ومواجهة العدو بكل قوته.
وعلى كل حال فتربية الإرادة وقوتها وتعويدها مقاومة الإغراء سر النجاح وسر الاستقامة وحصن حصين من الزلل، ومن ربى إرادته أمكن إصلاحه وأمكن حسن توجيهه، ومن فقد إرادته فلا أمل مطلقًا في تقويمه إلا أن يبدأ من جديد، فيعالج نفسه كما يعالج المريض، ويصبر على العلاج المر حتى يشفى من الداء.

هل نحن مسئولون عن حياتنا الاجتماعية؟


في الإسلام مبدأ أساسي عظيم لم يوله المسلمون حقه من العناية والرعاية كما ينبغي، يرمي هذا المبدأ إلى تقرير أن الإنسان ليس مسئولًا من عمله فحسب بل هو مسئول عن حياته الاجتماعية التي يحياها في الناس.
هذا المبدأ سمي في القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووردت فيه الآيات الكثيرة مثل: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، فقرن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصلاة.
وقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى? لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وعدَّ المؤمنين خير الأمم لرعايتهم هذا المبدأ فقال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وقال: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ.
وعبر عن هذا المبدأ بتعبير آخر فقال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وذم اليهود بأن أحبارهم لم يكونوا ينهونهم عن الفساد في الأرض فقال: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، وقال: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وعبر عن المبدأ في صياغة أخرى فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى? أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وقال: لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وقال: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، إلى كثير من مثل هذه الآيات وكلها ترمي إلى وجوب أن يكون كل فرد في المجتمع مسئولًا عن مجتمعه مراقبًا لشؤونه ثم هو لا يكتفي بالمراقبة بل يتدخل بمقدار مركزه الاجتماعي فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
ثم ما هو المعروف وما هو المنكر؟
يميل الإسلام إلى القول بأن في الإنسان ملكة يعرف بها أمور الخير وأمور الشر من غير حاجة إلى فلسفة أو إطالة بحث، فأصول الخير ومناحيه معروفة عند جميع الناس إلا من فسدت طبيعته، وأصول الشر ومناحيه منكرة عند الناس كذلك، فالناس حتى العامة يعرفون أن الصدق والأمانة والوفاء بالعهد والعدل أمور مستحسنة يجب الإتيان بها فسماها كلها «معروف» والناس يعرفون أن أضدادها من ظلم وجور وكذب أمور مستهجنة يجب البعد عنها فسماها القرآن «منكر»، ولذلك قال بعض اللغويين: المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر ما ينكره العقل أو الشرع.
وأوضح رسول الله وأصحابه هذا المبدأ بكثير من أقولهم وأفعالهم فقال رسول الله: «إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه» وقال: «لا تقفن عند رجل يضرب مظلومًا فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه» وقال: «لا ينبغي لامرئ شهد مقامًا فيه حق إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولا يحرمه رزقًا له» وسأل رجل رسول الله: «أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ قال: نعم، بتهاونهم وسكوتهم على معاصي الله»، وسئل حذيفة عن ميت الأحياء فقال: «هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه»، وقال بلال بن سعد: «إن المعصية إذا اختفت لم تضر إلا صاحبها فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة»، وكان علي بن أبي طالب يقول: «إذا لم يعرف بالقلب المعروف وينكر المنكر ينكس فجعل أعلاه أسفله»، وهذا رمز إلى أنه لم يعد قلبًا ذا قيمة.
وكان من أثر هذا المبدأ وجود نظام الحسبة في الإسلام وهو نظام دقيق مفصل، الغرض منه منع المنكرات بالوسائل الممكنة من غير تجسس، وتفصيل هذا النظام يطول.
وكل ما نريد أن نقول: إن هذا المبدأ الهام — مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — مبدأ يربط بين أفراد الأمة رباطًا وثيقًا ويمنعها من الانحلال؛ لأنه يشعر كل فرد بأنه مسئول إلى حد كبير عما يجري حوله من ضروب الخير والشر ويطالبه بالتدخل في الشر حسب قدرته وحسب مركزه الاجتماعي ليمنعه — هو مبدأ يقضي على هؤلاء الذين يصح أن نسمهم «اللاباليين» وهم الذين لا يبالون بأي شيء لا يتصل بأشخاصهم، ولا يكترثون لما يقع حولهم؛ فمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مبدأ اعتبار الأمة كلها وحدة تتأثر كلها بما يضر جسمها، إن هذا المبدأ يرقى بالأمة رقيًّا عظيمًا.
•••

من مقتضى هذا المبدأ أن كل فرد في الأسرة مسئول عن سعادة أسرته، فليس للرجل ولا للمرأة أن يقول: لا أبالي، فكل فرد مسئول عن البيت، يجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجب أن يشعروا أن سعادة البيت أو شقاءه نتيجة تيقظهم أو إهمالهم واحتمالهم العبء أو الهرب منه.
وتصوروا كل هيئة من الهيئات الاجتماعية أو كل حزب من الأحزاب السياسية، جرى كل فرد فيه على هذا المبدأ، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، أو بتعبيرنا الحديث: دعا إلى الحق وهاجم الباطل، وتصوروا برلمانًا هذا شأنه، ليس له غاية إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل، وتصوروا كل مصلحة من المصالح الحكومية وغير الحكومية جرت على خطة الغضب للحق والوقوف أمام الباطل.
إن مجتمعًا يسير على هذا المنهج من غير شك — هو المثل الأعلى للمجتمعات، وبمقدار سيره على هذا المبدأ أو انحرافه يكون رقيه وانحطاطه — فلا يصح لفرد في أسرة أن يقول: فلأنعم بطيبات البيت وما فيه من مأكل لذيذ وفرش وثير وبعدي الطوفان، وليس لحزب سياسي على هذا المبدأ أن يقول: ما دمت لست في الحكم فلأغل يدي ولأترك الحزب الذي في الحكم يعمل ما يشاء حتى تظهر للأمة ثمرة عمله، فهذا وأمثاله فرار من المسئولية التي يلقيها علينا هذا المبدأ الإسلامي العظيم، وهو أن الخير الذي يقع خير الأمة، والشر شر الأمة، وليس لأحد أن يفر من المسئولية وليس من حق أي جزء في الجسم أن ينفصل عنه.

الاحتكام إلى العقل


أؤكد لكم أن أكثر المنازعات والخصومات سببها عدم احتكام الخصمين أو أحدهما إلى العقل — سواء في ذلك النزاع بين الزوجين في البيت، أو بينهما وبين الأولاد، أو نزاع الناس في الشارع أو في المجالس، أو نزاعهم أمام المحاكم، أو النزاعات السياسية بين الأحزاب أو بين أعضاء الحزب الواحد — فكل هذه المنازعات — على اختلاف ألوانها — لو حكم فيها الطرفان المتنازعان العقل لارتفعت الخصومة وحل الوفاق محل النزاع والخصام، هذا النزاع بين الزوجين على ميزانية البيت — مثلًا تريد الزوجة ملابس جديدة تكلف الزوج مائة جنيه أو أكثر أو أقل، ويأبى الزوج أن يدفع هذا المبلغ كله أو بعضه، ويشتد هذا النزاع، وقد يتطور إلى أخطر النتائج، ما سببه؟ سببه عدم تحكيم العقل إما من الزوجة أو من الزوج أو منهما معًا، فإذا حكم العقل قال العقل ما يأتي: هل للزوجة حاجة إلى هذه الملابس! ونعني بالحاجة ما يشمل الزينة وظهورها أمام مثيلاتها بالمظهر اللائق بها ونحو ذلك؟ فإذا كان الجواب بالنفي استبعد هذا الطلب، وإن كان بالإيجاب انتقل العقل إلى سؤال آخر وهو: هل مالية الزوج تسمح بهذا الطلب كله أو بعضه؟ وهل هناك مطالب أهم من هذا المطلب، كمصاريف المدارس للأولاد أو نحو ذلك؟ فإن كانت مالية الرجل تسمح بكل ذلك، وتسمح بادخار بعض المال للطوارئ كان المعقول أن يجاب الطلب وإلا حكم العقل بتقديم الضروريات على الكماليات وبأن الزوجين يجب أن يتفاهما على تقديم الأهم على المهم، والحاجيات على الكماليات، ونزلت الزوجة على حكم العقل فنقصت ما تطلبه إلى الحد الأدنى حتى تكفي مالية الرجل، فإذا تم هذا التفاهم وخضعا معًا لحكم العقل فلا نزاع ولا خصام، وهكذا الشأن في مطالب الأولاد — وإنما يأتي النزاع من أن الزوجة تحكم رأيها وتطلب المال ولو «من تحت الأرض» ولو بالاستدانة، ولو ببيع ما يملك، وهذه مطالب غير معقولة، أو أن الزوج يكون عنده المال الكافي لكل هذه المطالب ويصمم على ألا يصرف؛ لأن الصرف يؤلمه أو أنه يبالغ في الاحتياط للمستقبل، أو لأنه مصاب بالبخل ولا يتزحزح، فيكون التشاحن الدائم والمعيشة التي تقصر العمر وما سبب ذلك إلا عدم الاحتكام إلى العقل.
وقل مثل ذلك في الخصومات السياسية بين الأحزاب، هؤلاء ينظرون إلى المسألة من ناحيتهم الحزبية ويكونون فيها رأيًا ينفع الحزب ويعلي شأنه، وهؤلاء يقفون مثل موقفهم وينظرون فقط إلى ما ينفع حزبهم، فتتصادم الرغبات وتثار الخصومات، ولكن إذا حكم العقل قال: إن الأحزاب وتعددها ونظمها إنما وضعت لخدمة الأمة ومصلحتها، فالحكم في الأحزاب وتصرفاتها هو هذه المصلحة، فإذا ثارت خصومة في مسألة فلتقس منافعها ومضارَّها للأمة لا للحزب، وإذا قومت الأمور هذه القيم العامة بين وجه الحق، وإنما يعميها اختفاؤها وراء المصلحة الحزبية ودوران المناقشات حول الأغراض الحزبية وهكذا.
ولكن — مع الأسف — ليس تحكيم العقل في المسائل بالأمر الهين، وإنما يحتاج إلى تربية نفسية شاقة، وتمرين طويل، فكثيرًا ما يكون الباعث على العمل هو الشهوة والمصلحة الذاتية والوصول إلى منفعة شخصية معينة، ولكنها تعمل في الخفاء، وتظهر بمظهر العقل، ويدور الجدل بالمنطق والحجج، وفي الحقيقة ليس هناك منطق ولا حجج، وإنما هو ثوب براق لماع ينسجه شخص باسم العقل؛ ليخفي به الشهوة والمنفعة الذاتية أو الحزبية، هذه الزوجة رأتك تنفق على أهلك المحتاجين بعض ماهيتك فغاظها ذلك؛ لأنها تريد ماهيتك كلها لها ولأولادها، فهي تخلق المطالب غير الضرورية خلقًا، وتقيم ألفي دليل ودليل على أنها في الضرورة القصوى من الحياة، وليس هذا هو العقل ولكنه غطاء العقل، وليس الذي يوجد التفاهم هو العقل المزيف ولكنه العقل الصحيح.
وهذا حزب تحركه الرغبة في الحكم ولكن هذا لا يمكن أن يقال، وإنما الذي يقال هو مصلحة الأمة والصالح العام ونحو ذلك، وتصاغ الحجج العقلية لخدمة هذا الغرض الذاتي، فلا يكون التفاهم؛ لأنه مؤسس على العقل المزيف.
وهذا رئيس مصلحة، مصلحته في ترقية شخص معين؛ لأن ترقيته تعود عليه بمنفعة شخصية، فيخلق من العلل والبراهين ما يبرر به طلبه مدعيًا أنه أكفأ أو أنزه أو أصلح ونحو ذلك، فيسبب عمله خصوماتٍ سببها عدم الرجوع إلى العقل الصحيح وهكذا.
ومن أجل هذا قلت: إن الرجوع إلى العقل شاق عسير، وكثيرًا ما يخدع الإنسان نفسه، ويظن أنه محق فيما يقوله وما يبرهن عليه، وهو في حقيقة الأمر مخدوع قد غشته نفسه.
وكثير من الخصومات المالية يرجع إلى هذا السبب، كل يكوِّن له رأيًا مبنيًّا على ما ينفعه أكبر نفع ويربحه أكبر ربح، وكل يعتقد بناء على ذلك أن نظره هو الصحيح، ونظر غيره هو الباطل، والحق أن المنفعة الذاتية هي التي توجه كلًّا منهما.
ومن أجل ذلك كان الرجل المحايد الذي لا ينتفع بهذا الرأي أو ذاك أقدر على تحكيم العقل والوصول إلى الصواب، قد يكون الخصمان معقولين كل منهما ينظر إلى المسألة نظرًا مجردًا عن الهوى ومع ذلك يختلفان، وكثيرًا ما يكون السبب في ذلك أن كلًّا منهما ينظر إلى المسألة من زاوية غير الزاوية التي ينظر منها الآخر، فمن الحكمة أيضًا أن يسائل الإنسان نفسه: ماذا أعمل لو كنت محل خصمي، وأي الآراء، وأي البواعث حملته على أن يرى هذا الرأي المخالف لرأيي؟ وفي هذه الحالة قد يعدل عن رأيه إلى رأي صاحبه أو على الأقل يعذره.
وبعد، فنعمة من الله كبرى أن يكون لدى الإنسان روح التعقل … إن البيت يكون سعيدًا إذا ساده روح التعقل، وقد سئل حكيم صيني: ماذا تشترط في الزوج الذي يتقدم لابنتك الوحيدة؟ قال: شرط واحد؛ هو أن يكون عنده روح التعقل.
ونعمة من الله كبرى أن يسود الأمة روح التعقل، إذن لرأيت الخصومة بين أحزابها، خصومة معتدلة معقولة، وصحافتها نافعة معقولة، ومجالس هيئاتها تتجادل في المسائل وتبت فيها في الحدود المعقولة، والرأي العام يمدح وينقد ويؤيد ويعارض في الحدود المعقولة … بل أوكد أن المنازعة بين الأمم تنقطع أو على الأقل تخف حدتها ويسود السلام إذا احتكمت إلى العقل دون الشهوات والمطامع.

مركب النقص


مما اكتشفه علماء النفس الحديثون مرضان نفسيان، يسمى أحدهما مركب النقص، ويسمى الآخر مركب التسامي، وقلما يخلو إنسان من أحدهما أو منهما معًا، ويستطيع الدقيق النظر أن يفسر كثيرًا من تصرفات الناس بما عنده من هذا المرض.
فأما مركب النقص فهو شعور يستولي على الإنسان بأنه ناقص في ناحية من نواحيه الجسمية أو الخلقية او العقلية، فيحاول بسلوكه أن يظهر بمظهر السليم من هذا المرض، ويكون ذلك الشعور في أعماق نفسه، قد لا يستطيع المريض نفسه أن يدركه، ولو سألته عنه لأجابك بالنفي ولكنه حقيقة واقعة يتصرف المريض به تصرفات كثيرة للتبرؤ منه، ولو دققت النظر لوجدت آلاف التصرفات تصدر من الإنسان لهذا الشعور بالنقص، هذا رجل قصير القامة تراه يحب أن يلبس طربوشًا طويلًا وجزمة عالية الكعب؛ لأنه يشعر بنقصه في قصره، وهذه امرأة سمراء تكره كلَّ الكره أن يكون لها خادمة بيضاء؛ لأنها تشعر بالغيرة منها وتخاف أن يشعر زوجها بسمرتها بالمقارنة بخادمتها البيضاء، وهذه امرأة ولدت ثلاث بنات ولم ترزق بصبي فتشعر بنقصها وتكره أن تسمع الأحاديث عن المرأة التي خلفت صبيانًا فقط، وهذه فتاة تزوجت زواجًا فاشلًا فهي تكره كل الكره أن تسمع بأمثالها اللائي سعدن بأزواجهن، وهذا موظف لم يأخذ الدرجة الثالثة التي يستحقها فيغيظه أن يسمع عن أشخاص أخذوها ويسره أن يسمع أخبار من حرموا منها أشد من حرمانه، وهكذا من آلاف الحوادث التي تحصل أمامنا كل لحظة … إن الطفل يحب البنطلون الطويل ويحب أن يمسك عصا؛ لأنه يشعر بنقصه، والمرأة تغالي في زينتها إذا أحست بنقص جمالها، والرجل يبالغ في الإسراف في المال إذا أحس بنقص جسمي يريد أن يعوضه.
وكثير من تصرف أفراد العائلة يصدر عن شعور بالنقص في ناحية من النواحي يراد سترها، ولما كان هذا الداء كثيرًا ما يخفي فهو كذلك كثيرًا ما يعالج خطأ، ولو عرف الداء على حقيقته لعرف الدواء على حقيقته، وكذلك الناس في مجتمعاتهم ومعاملاتهم المالية وغير المالية.
لي ابن تخرج في مدرسة عالية وهو يلح أن يعين في وظيفة خارج القاهرة مع أنه سعيد في بيته، موفرة عليه راحته، حاولت أن أعالجه بالضغط فلم ينجح وأخيرًا اكتشفت السبب، وهو أنه ذو شخصية يريد أن يظهرها كاملة ولا يتأتى له ذلك مع شخصيتي، فشخصيتي في البيت أكبر من شخصيته، فهو يريد أن يتخلص من هذه الشخصية التي طغت على شخصيته بأن يوظف خارج القاهرة، فلما عرفت هذا السبب أمكن وضع العلاج.
وكذلك قد يتنازع الرجل والمرأة في البيت فإذا استفسرت عن سبب النزاع قيل لك أسباب تافهة، ولكن الحقيقة أن وراء هذه الأسباب أسبابًا أخرى هي مركب النقص عند الرجل أو عند المرأة، ولو سألت أي إنسان: هل عنده مركب النقص في كذا؟ لنفى ذلك نفيًا باتًّا.
وتصرفات الناس تختلف اختلافًا كبيرًا حتى في مركب النقص الواحد، كالذي حكي أن ثلاثة أطفال دخلوا مع أمهم حديقة الحيوان، فلما وصلوا إلى حجرة الأسد، ورأوه يزمجر اختفى أحدهم وراء أمه وقال: «إني أريد الذهاب إلى البيت»، والثاني اصفر وجهه، وارتجف جسمه وقال: «لست بخائف» والثالث حملق في وجه الأسد وقال لأمه: «هل تسمحين لي أن أبصق عليه؟» فالثلاثة كان عندهم مركب نقص واحد وهو الشعور بالخوف من الأسد ولكنهم تصرفوا تصرفاتٍ مختلفة كلها تدل على الخوف.
وفي كثير من الحالات تكون مظاهر النقص واضحة، ولكن قد تختفي وتعمق حتى يصعب تفسيرها، ترى جندي البوليس شديدًا على الباعة الجائلين، ولكن تعليل ذلك أنه شاعر بالنقص التام أمام ضابط البوليس، فهو يريد أن يرضيَ نفسه الضعيفة بقوته الظاهرة على الباعة، وكذلك ترى الرجل هرة وديعة ذليلة في مصلحته، ويريد أن يكون أسدًا في بيته، أو هرة في بيته فيريد أن يكون أسدًا في مصلحته، وترى آخر يشعر بنقصه العقلي إذا قورن بعقل زملائه، فيحدث كثيرًا عن ذكائه، أو كذوبًا فيتحدث كثيرًا عن صدقه، أو فاشلًا في عمله فيرضي نفسه بأن الدنيا فانية والناجح والفاشل مصيرهما معًا إلى الموت، وهذه كلها منشؤها شعور باطني بالداء وبالنقص، ولكن ليس في شيء من هذا علاج للمرض، فالمرض إذا عولج بهذا النوع من العلاج بقي كما هو يعمل في نفس صاحبه.
إن الشعور بالنقص يوتر الأعصاب فينشأ عنه رد فعل بالتسامي، كالكرة من الكاوتش تضربها في الأرض فتنضغط ثم تعوض ذلك بالارتفاع، فإذا رأيت طفلًا يتظاهر بالقوة أو رجلًا يتبجح، أو عالمًا مغرورًا، فاعلم أن ذلك تعبير عن شعوره العميق بالنقص، وكثيرًا من طرق العلاج ليست صحيحة، فالطفل الذي يبكي إنما يبكي لشعوره بنقص، فإذا دلل واستجيبت طلباته اعتقد أن البكاء وسيلة صحيحة لحصوله على حاجته، فأكثر من البكاء كلما شعر بحاجته، ونمت عنده هذه العادة حتى إذا كان مراهقًا كان مدللًا لا يعتمد على نفسه، ويتخذ الغضب أو الدموع أو كثرة الشكوى وسائل من وسائل تغطية شعوره بالنقص.
وكثيرًا ما يتولد الشعور بالنقص من الفشل في الحياة، خصوصًا في أول مواجهتها، فالطفل في المدرسة الابتدائية إذا كان ترتيبه متأخرًا، أو وبخه مدرسه على التقصير كثيرًا، وجد عنده هذا الشعور بالنقص، ومن حاول التجارة أو الصناعة فأصيب بالفشل في أول أمره ولد لذلك أيضًا عنده الشعور بالنقص، والفتاة التي بلغت سن الزواج ولم تتزوج تولد عندها هذا الشعور، والموظف إذا لم يرضَ عنه رؤساؤه وزملاؤه شعر بهذا النقص أيضًا وهكذا.
وكل شعور بالنقص يستلزم من صاحبه سلوكًا خاصًّا يغطي به نقصه، إما بأن يظهر بمظهر الرجل الكامل أو يعتزل الناس ويكره مقابلتهم والاختلاط بهم، أو يكثر الغضب، أو يعتقد في الناس السوء، أو يكثر الشكوى منهم أو نحو ذلك، فكثير مما نراه من عيوب الرجل أو المرأة يمكن إرجاعه إلى مركب النقص فيه، غاية الأمر أن مركب النقص هذا قد يكون واضحًا يمكن الوقوف عليه في سهولة ويسر، وقد يكون عميقًا اختفى في اللاوعي من قديم حتى احتاج إلى تحليل نفسي طويل ليمكن العثور عليه.
وكل التظاهر بالتغطية ليس علاجًا صحيحًا، فمن عالج نقصه بالغضب أو البكاء أو الشكوى فليس هذا علاجًا، ومن عالج نقصه بالخجل أو اعتزال الناس أو كثرة الحديث عن نفسه أو الظهور بمظهر الأبهة والعظمة فليس هذا علاجًا، بل كل هذه مظاهر للمرض لا تعالجه ولا تستأصله، وليس كل شعور بالنقص عيبًا مذمومًا، بل أحيانًا يكون فضيلة، فالناس إنما طلبوا العلم وتبحروا فيه واستكشفوا قوانينه لشعورهم بنقصهم، والأمم التي حاربت لنيل استقلالها وإخراج المستعمر من أرضها وطلبها السيادة لنفسها إنما فعلت ذلك لشعورها بنقصها تحت الاستعمار وفي ظل العبودية.
والذي يشعر بنقصه في خلقه أو عقله أو نفسه ثم يستكملها يكون الشعور منه بالنقص فضيلة، إنما الرذيلة أن يشعر بالنقص فيسكت عنه أو يعالجه علاجًا خاطئًا فيغطي النقص بالتظاهر بضده، يكون بخيلًا فيتظاهر بالكرم وجبانًا فيتظاهر بالشجاعة، وكذوبًا فيتظاهر بالصدق، وهكذا فكل هذا التظاهر لا يقلل من النقص شيئًا بل يزيده تأصلًا.
وأما الشعور بالتسامي، أعني الشعور بالرفعة والعلو والسمو، فيكون مرضًا إذا جاوز الحد ووضع الإنسان نفسه فوق ما يستحق، وفيما عدا ذلك يكاد يكون طبيعيًّا في كل إنسان، فكل إنسان يصبو إلى الكمال وإلى أن يكون خيرًا مما هو، وليس في هذا عيب بل هو فضيلة، بل إن الأخلاقيين حثوا عليه ووضعوا وسائلَ كثيرةً لتحقيقه، كقراءة سير الأبطال وكبار المصلحين، ورجال الدين حثوا عليه من ناحية التشبه بالله والاقتداء بالرسل وبخيرة الصالحين، ولكن العيب أن يتطلب كمالًا لا تستطيعه نفسه ولا يمكن أن تبلغه قواه ولا ملكاته، كضعيف العقل يريد أن يكون فيلسوفًا، أو جبانًا يريد أن يكون قائد حرب أو نحو ذلك من السخافات، ومن العيب أن يتطلب الكمال ولا يعمل لتحقيقه، يتطلبه قولًا لا عملًا، أو يتطلبه لغاية غير شريفة، قد يتطلب الشاب المتعلم أن يكون طبيبًا ولكن شتان بين من يريد أن يكون طبيبًا ليجمع المال من جميع الوجوه ولا يرحم فقيرًا ولا يسعف مستغيثًا وبين من يريد أن يكون طبيبًا لخدمة الناس ورفع الآلام عنهم ولا بأس بالمال يأتي في اعتدال، وقد يتطلب الشاب أن يكون معلمًا ولكن شتان بين من يريد أن يكون معلمًا؛ ليظهر سيطرته على الطلبة، أو ليجمع المال بالدروس الخصوصية أو نحوها، ومن يريد أن يكون معلمًا ليحارب الجهل في المتعلمين ويفتح زهرتهم ويرفع مستواهم مع ما يفيض عليه ذلك من رزق حلال، وكذلك شتان بين من يريد أن يكون موظفًا كبيرًا؛ ليستطيع أن يؤدي للناس خدمات كبيرة بقدر ما تسمح له قوته ويسمح له منصبه.
لا عار مطلقًا في الشعور بالتسامي بل هو واجب، ومن فقد الشعور بالتسامي فقد فقد طعم الحياة، بل إن الأمة التي فقدت شعورها بالتسامي فرضيت باستعمار الأجنبي ورضيت بنظامها الداخلي السيئ ورضيت بحالتها التعيسة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أمة لا تصلح للبقاء، إنما تصلح للبقاء يوم تتسامى، يوم يغمرها الشعور بالتسامي ويكون شعورًا قويًّا صادقًا لا يكتفي بالقول دون العمل، ولا يقتنع بالتظاهر دون الحقيقة، والشعور الصحيح بالتسامي هو شعور يستتبع العمل على تحقيق ما تسمو إليه.

الحياة السعيدة


لو استعرضنا أنواع الناس، وكيف يحيون وجدنا أن كثيرًا منهم يعيش عيشة جافة جامدة باردة، يستيقظ من النوم، فيفطر، ثم يلبس ملابسه ويذهب إلى عمله كزارع أو صانع أو تاجر أو موظف، حتى إذا جاء وقت الغذاء عاد إلى بيته فتغذى، ثم قد يزاول بعض عمله ثم يجلس في مقهى يسمر مع أصدقائه أو نحو ذلك ثم يعود إلى بيته فيحدث أهله بعض الحديث ثم ينام وهذا هو تاريخ حياته، يوم واحد متكرر، وحياة واحدة رتيبة … هذه هي الحياة أشبه ما تكون بحياة آلة في مصنع ندورها فتدور وتعطيها غذاءها من فحم أو وقود فتسير على نمط واحد ثم يوقفها القائم عليها فتقف وهكذا حياتها كل يوم، بل هي أيضًا كحياة الأنعام تأكل وتعمل وتنام وهكذا عادتها كل يوم، وإن الإسلام لا يرضى عن هذه الحياة.
وهناك قوم أضافوا إلى هذه الحياة المادية من أكل وشرب ونوم حياة أخرى عقلية، فهم يخصصون جزءًا كبيرًا من وقتهم لاستخدام عقولهم في حياة علمية أو أدبية كرجال الجامعات والباحثين في العلوم على اختلاف أنواعها، والفلاسفة الذين يجدون للبحث وراء كنه العالم والذين يقضون كثيرًا من أوقاتهم في المعامل يبحثون ويجربون ويبتكرون … وهذا النوع من الحياة أرقى من نوع الحياة الأولى؛ لأنها جمعت بين الحياة المادية والعقلية، وجمعت بين السعادة المادية والسعادة الفكرية، ولا شك أن اللغة العقلية الفكرية أمتع وأنفع وأطول، ولكن مع كل هذا لا يرضى الإسلام عن هذه الحياة أيضًا؛ لأنه يرى فيها جفافًا؛ لخلوها من القلب والعاطفة، ولأن أصحابها كثيرًا ما تلهيهم علومهم عن التفكير في إلههم وإذا فكروا فيه فكروا بنوع من الإنكار أو من الإلحاد أو الاستخفاف أو عدم الاكتراث.
ومن هؤلاء العلماء من بلغ تقديسهم للعقل وحصرهم أنفسهم في قوانينه أن ساروا في حياتهم على الأخلاق التي يرتضيها العقل وحده، فيعدلون مع الناس ومع أنفسهم؛ لأن هذا أنفع للمجتمع ولهم بحكم عقلهم، ويلتزمون الصدق ويقومون بالواجبات الفردية والاجتماعية؛ لأنهم يرون فيها الخير لأنفسهم ولمجتمعهم بحكم العقل فهم فضلاء بالعقل، خيرون بالعقل، ولا يلتزمون بشيء ولا يسيرون على منهج إلا إذا ارتضاه العقل، وحتى هذا أيضًا لم يرتضه الإسلام؛ لأن الفضائل إذا صدرت عن العقل وحده خلت من الحرارة وخلت من القوة التي يتطلبها الدين ولذلك لما سئل رسول الله عن قوم في الجاهلية أتوا بأعمال فاضلة من كرم وشجاعة أبى أن يعترف لها بقيمة؛ لأنها لم تنبع من المنبع الذي يرتضيه الإسلام.
إنما يريد الإسلام حياة فيها مادة وفيها عقل وفيها روح، وبعبارة أخرى إن الإسلام يلاحظ أن الإنسان ركب من عناصرَ مختلفةٍ ولا يمكن أن يسعد إلا إذا عاش عيشة تغذي كل عنصر من عناصره ولتوضيح هذا نقول: إن في الإنسان عنصرًا من عناصر النبات في خواصه وطبائعه؛ فهو يبحث عن غذائه في الأرض كما يبحث النبات، وتؤثر فيه الفصول الأربعة كما تؤثر في النبات، ولا بد له من هواء وماء كالنبات، فلا بد لسعادة الإنسان أن يغذي هذا العنصر النباتي فيه.
كذلك في الإنسان عنصر حيواني: فهو يتحرك بالإرادة كما يتحرك الحيوان، وله شهوات وغرائز كما للحيوان شهوات وغرائز، يتشهى الأكل ويشتهي الألفة، ويتشهى الاجتماع ببني جنسه، وفيه غرائز الخوف، وحفظ الذات، وحفظ النوع، ونحو ذلك، فلا بد لسعادته من أن يحيا هذه الحياة الحيوانية أيضًا.
وفي الإنسان عنصران امتاز بهما عن النبات والحيوان، أحدهما عنصر العقل: والعقل وإن ظهر في شكل بدائي بسيط ساذج في الحيوان؛ فهو في الإنسان أعلى وأرقى وأتم، وبه استطاع أن يسود الحيوان ويسخره لمنفعته — وبالعقل استطاع أن تكون له قوة أقوى من الأسد، ومكر أقوى من الثعلب، كما استطاع أن يتغلب على الحيوانات التي هي أقوى منه جسمًا وأوفر حظًّا فتغلب به على الفيل بأنيابه وعلى الجمل بضخامته ونحو ذلك، فلا بد له أيضًا من أن يعيش عيشة فيها غذاء هذا العنصر العقلي، فيفكر ويتأمل، ويقرأ، ويكتب.
والعنصر الآخر الذي يمتاز به عن النبات والحيوان هو عنصر الروح وهو غير عنصر العقل، هذا العنصر الروحي أساسه الدين والاعتقاد بإله واحد هو ربه، ورب العالمين، منه يستمد القوة، ومنه يستمد الحياة، ومنه يستمد وسائل الحياة، وبهذين العنصرين عنصر العقل والروح استطاع الإنسان أن ينظم عنصر النبات والحيوان فيه وأن ينظم غرائزه ويلطفها ويهذبها ويخضعها لأمرهما.
السعادة في نظر الإسلام يجب أن تتوفر بالأخذ بحظ من كل عنصر من هذه العناصر الأربعة أخذًا معتدلًا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو لا يرضى عن تعذيب الجسم وحرمانه من ملذاته؛ ولذلك كره الزهد والتبتل وقال: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وكره حياة حيوانية لا عقل فيها، وعاب على قوم أنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا، وحث على العلم وطلبه والتفكير في خلق السموات والأرض وما فيها وحرص على العنصر الرابع وهو عنصر الروح فقرر أن الحياة إذا خلت من العنصر الروحي كانت حياة تافهة لا قيمة لها.
والناس إزاء هذه العناصر مختلفون اختلافًا كبيرًا فمنهم من غلب عليه عنصر النبات والحيوان فكان شهوانيًّا، ومنهم من غلب عليه عنصر العقل فكان عالمًا أو فيلسوفًا ومنهم من غلب عنصر الدين فكان متصوفًا، ولكن خير حياة رسمها الإسلام هي الحياة التي اعتدلت فيها كل هذه العناصر ولم تفقد واحدًا منها، والعلم لا يكفي في الإسعاد لا في إسعاد الفرد ولا في إسعاد المجموع، لقد ملأ العلم الدنيا آلات وأدوات واختراعات ونظريات في السياسة والاجتماع، ووصل في تقدمه إلى تحطيم الذرة، ولكن هل كفى هذا في إسعاد الناس؟ إن العلم وحده صالح لأن تستخدمه في الخير كما تستخدمه في الشر، فهو كالسكين تستخدمه في القتل فيضر، والذي يحدد استخدامه في المنفعة هو الروح التي يعبر عنها دائمًا بالقلب، إن العلم يستطيع أن يرقي وسائل الخير كما يستطيع أن يرقي وسائل الشر، قد كان الناس قديمًا يقتلون بالعصا والحجارة ونحو ذلك، فلما تقدم العلم قتلوا بالكهرباء والغازات الخانقة والطائرات والغواصات والقنابل الذرية، إنما الذي يستطيع أن يحد من شر العلم هو الروح وهو الدين وهو الإيمان بإله يحاسب الناس على أعمالهم ويطلع على ضمائرهم.
إن الدين الصحيح يغذي الشعور بالتسامي، والطموح الدائم إلى الرقي ويعالج الشعور بالنقص ويحارب الميل إلى التدني، والدين الصحيح ينقل النفس مما يعتريها من الحزن والإحساس بالفراغ والقلق الذي يعتري الإنسان إذا لم يجد سندًا يستند إليه، ينقلها من ذلك كله إلى شعور بالأمن والطمأنينة والاستناد إلى قوة ليس فوقها قوة.
إن الدين الصحيح يوسع النفس حتى ترى بينها وبين الناس كلهم بل بينها وبين المخلوقات كلها نسبًا كنسب الأسرة الواحدة؛ لأن ما في العالم جميعه يرتبط به ارتباطَ الأخوة؛ إذ هو وهي كلها من خلق الله رب العالمين.
إن الدين الصحيح يشعر الإنسان بالاتصال بعالم روحي واسع لا يقاس به عالم المادة، فإن كان العلم يحصر الإنسان في المادة وفروعها، فالدين يضم إلى هذه المادة أكبر منها وهو ما ليس بمادة، وبذلك يتسع أفق صاحبه أضعافًا مضاعفة.
لقد أفهمتنا الحياة أن السير على قوانينها الطبيعية يكسب الراحة والسعادة، وأن كل سأم وقلق وملل واضطراب سببه مخالفة القوانين الطبيعية في جزء من أجزائه، وإذا كانت طبيعة الإنسان مكونة من هذه العناصر الأربعة، عنصر النبات والحيوان والعقل والروح فنقصان عنصر منها لا يمكن أن يحقق السعادة بالأخذ بحظ وافر من كل عنصر من هذه العناصر وامتزاجها امتزاجًا متعادلًا لا يطغى فيه عنصر على عنصر، وهذا هو نوع الحياة التي يرتضيها الإسلام.

صورة لغاندي وأخرى لستالين


عندما أسلم الفيلسوف الكبير برنارد شو روحه العظيم كانت تشيعه ابتسامتان عريضتان من صورتين علقتا فوق سريره، صورة لغاندي وأخرى لستالين.
والحقيقة أن برنارد شو بوضعه هاتين الصورتين فوق سريره، أراد أن يضع أمامه دائمًا حكمة رائعة، هي أننا لن نصل إلى العظمة الحقيقية، إلا إذا بلغنا الرقي المادي والاقتصادي الذي حققه ستالين في روسيا، وبلغنا الرقي الروحي والخلقي الذي حققه غاندي في الهند.
رأى ستالين أن الشعب لن ينهض إلا إذا حُرِّر أولًا من الحاجة المادية وزال عنه شبح الجوع والحرمان، فهدف إلى إعادة البناء الاقتصادي على أساس من الحق والعدل، لقد رأى أن الرأسمالية ونظام الأجور يركزان القوة في أيدي أغنياء قلائل، أما الباقون الذين لا يملكون رءوس أموال فليس لهم إلا الإرهاق والعمل المضني مع الفقر والحرمان، فعمل على ضمان العدل، وعلى تهيئة نظام للعمل، واستطاع بواسطته أن يرفع من مستوى المعيشة في روسيا للعمال والفلاحين؛ وذلك بكثرة الإنتاج وتسهيل التقدم الفني في الصناعات.
أما غاندي فقد خصص حياته لتربية الروح والنفس والسمو بهما، لقد رأى المجتمع لا يقدر الممتلكات الروحية والنفسية حق قدرها، والناس تتهافت على الثروات والسلطات المادية، ورأى أنه إن اهتم الفرد بروحه وخلقه، وقدر استقلاله الذاتي وحريته الشخصية استطاع أن يصل إلى درجة عظيمة من الرقي، فدعا دعواته الروحية بين الشعوب، وبث عقيدته هذه في الملايين، وقد نجح غاندي نجاحًا جعلنا نعتبره من أكبر المصلحين في التاريخ كله.
رأى برنارد شو أن للحياة اتجاهين، اتجاهًا تتحكم فيه المادة والقوة، وقد استطاع ستالين أن يبلغ الذروة في تنظيم هذا الاتجاه، وبلغ غاندي الذروة في تنظيم الاتجاه الآخر، وهو الاتجاه الروحي والخلقي.
في رأيي أن فلسفة القوة تستطيع أن تعيش وحدها، وأن فلسفة الروح تستطيع كذلك أن تعيش وحدها، ولكنني لا أعتقد أنهما يستطيعان أن يجتمعا معًا، إلا كصورتين، وفوق سرير لفيلسوف.

ورقة بن نوفل


في الحديث أن رسول الله ? لما أوحي إليه في أول مرة في غار حراء رعب وتمالكه البرد، حتى ذهب إلى زوجته خديجة فقال لها مرة: زملوني زملوني. ومرة: دثروني دثروني. ودُعِيَ في إحدى صور القرآن: يا أيها المزمل، وفي الأخرى: يا أيها المدثر، فأشكل الأمر على محمد نفسه، وعلى زوجته خديجة، فأشارت إليه بأن يذهب إلى ابن عمها ورقة بن نوفل؛ إذ اختلط عليهما الأمر: هل هذا وحي من وحي الكهان، أو هو وحي من جنس وحي الأنبياء، أو هو مسٌّ من الجن، أو ضرب من الجنون، أو نوع من الإلهام كالذي يجده الصوفي؟ كل ذلك جائز، فذهبا إلى ورقة بن نوفل، فسأل ورقة أسئلة خاصة، وامتحن امتحانات خاصة؛ فأولًا استبعد أن يكون ضربًا من الجنون أو مسًّا من الجن؛ لأنهما ضربان مؤذيان، وكان محمد ? خيِّرًا؛ يصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويعين على نوائب الدهر، إذًا فالله لا يخزيه بالجنون أو بمس الجن، كما قالت خديجة: «كلا، لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ وتعين على نوائب الدهر» فهو حقيق إذًا بالإكرام لا بالامتهان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان! ثم كان أن سأل أسئلة عن طريقة الوحي، وسمع الإجابة عنها، فكان أن علم أن هذا الوحي من جنس الوحي الذي نزل على الأنبياء قبلًا، وإلى ذلك أشار بقوله: «ذلك الناموس الذي نزل على موسى»، وبذلك طمأن النبي، وبشره بالنبوة، وشد قلبه ليتابع هذا الوحي باطمئنان، فأدى ورقة بذلك خدمة جليلة للإسلام.
وفي الأخبار أنه ابن عمّ لخديجة، كان قد تعلم العبرانية وقرأ كتبها، ورضي بالمسيحية مجردة من الخرافات والأوهام، وكان رجلًا كبير السن هامة اليوم أو الغد، محترمًا في قومه مصدقًا في قوله، قد أنست به خديجة؛ لأنه في حكم قرابتها كأبيها، فإن غش أحدًا لا يغشها، وكان معروفًا بين قومه بالدعوة إلى الخير والتعاون وعدم التشاحن؛ لذلك لجأت إليه خديجة، وكان شهمًا رأى بالفراسة وبعلمه عن الأنبياء الأولين، وأن فريقًا منهم كذب، وفريقًا قتل، أن محمدًا سيوحى إليه، وسيكون نبيًّا، وسيؤذيه قومه وسيخرجونه من بلده، ولذلك ودَّ ورقة أن يعيش حتى يرى محمدًا نبيًّا فيؤازره ويكون معه؛ إذ يخرجه قومه، فقال له محمد ?: «أومخرجيَّ هم؟!»، قال له ورقة: «ما أتى أحد بمثل ما أُتيت به إلا أوذي»، وقد علم ورقة مما قرأ وعلم أن هذا الهيكل البشري لا بد أن تكون قد اتصلت به روح غريبة من جنس ما كانت تأتي للأنبياء من قبله، نعم إن أرواحًا كاذبة كانت تتصل ببعض الخلق كالتي جاءت للكهان، والتي جاءت لسليمة ولطليحة ولسجاح ونحوهم، ولكنها ليست من جنس التي تأتي للأنبياء، وهناك أرواح طيبة دون الأرواح الأولى تنزل على بعض الأشخاص كالتي نزلت على ابن الصياد، وكان منظرًا لطيفًا أن رآه محمد ? واجتمع النبي مع المتصوف وقد خبأ له دخانًا مما تخرجه النار على حد الأقوال، أو ذكر آية الدخان في سورة الدخان: يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ، ثم سأله ماذا خبأت؟ فقال له: الدخان، فسأله محمد ? عن هذا الوحي الذي يأتيه، فقال: إنه مرة يصدق وحينًا يكذب، فعلم النبي من ذلك أنه ليس نبيًّا؛ لأن النبي لا يكذب، ولا يخيب أبدًا، وإنه على حد تعبيرنا اليوم يستطيع أن ينوِّم نفسه تنويمًا مغناطيسيًّا، فهو يجيب إجابة صادقة عن الأشياء التي يعرفها السائل ويسأل عنها ليختبر المسئول، أما ما لا يعرفه السائل من الأمور المستقبلة، فهي بين الصدق والكذب؛ وذلك شأن المنوّمين تنويمًا مغناطيسيًّا اليوم، على كل حال كان ورقة بن نوفل عالمًا بكل هذه الضروب، أيها لنبي، وأيها لولي، وأيها لكاهن، وأيها لكاذب.
وقد كان ورقة بن نوفل من هؤلاء العدد القليل الذي كان يكره الشرك ولا يرى خيرًا في اليهودية والنصرانية ويختار لنفسه دينًا يرتضيه، ويعلم علمًا واسعًا عن النصرانية واليهودية، وكان من هؤلاء الناس الذين يسمون «الحنفاء»، والفرق بينهم وبين الأنبياء كالفرق بين الأنبياء والأولياء، كلٌّ يريد دينًا حقًّا يتدين به، ولا يهمه شيء من ضلال الناس، أما النبي الرسول فيود دينًا صحيحًا لنفسه ولغيره؛ يمثل هذا ما قاله الصوفيُّ الهندي الأستاذ عبد القدوس؛ إذ قال لما سمع قصة المعراج: إنه لو عرج إلى السماء ووصل إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى وبلغ سدرة المنتهى ما عاد إلى الدنيا، ولكن النبي رأى كل هذا وعاد؛ لأنه يهمه الناس كما تهمه نفسه، وكان غيورًا أشدَّ الغيرة على هداية الناس، حتى قال له الله تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى? آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـ?ذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا.
وكلمة الحنفاء من الكلمات الغامضة جدًّا، فهي تدل على الميل عن دين التقاليد؛ أخذًا من «الحنف» بمعنى الميل، ومنه سمي الأحنف بن قيس لميل كان في رجله، فلخروج هؤلاء الحنفاء عن تقاليد قومهم سموا حنفاء، وهي لفظة في الأصل آرامية تدل على المروق من الدين المعتاد بين الناس، ولكنها كانت في الآرامية لفظة ممقوتة تدل على المروق من الدين، أما في الإسلام فكلمة محبوبة، كان إبراهيم حنيفًا، أي خارجًا عن دين قومه الذي يقول بعبادة النجوم، وكان ورقة بن نوفل حنيفًا؛ لأنه لم يشارك قومه في عبادة الأصنام، وسمى المسلمون جميعًا حنفاء؛ لأنهم اتبعوا ملة إبراهيم، وقال الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـ?كِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وفي القرآن آيات كثيرة في وصف الحنفاء بهذه المعاني.
على كل حال ورقة بن نوفل عالمًا متبحرًا في الأديان السابقة واللاحقة، وكان أيضًا متفرسًا صادق الفراسة، يقيس الحاضر على الماضي، وكان قد قارب الوفاة وودَّ لو رأى النبي محمدًا بعد أن تتقدم به النبوة فيتبعه ويؤازره، رحمه الله.
ونختم قولنا بحديث البخاري في هذا الموضوع، عن عائشة — رضي الله عنها — قالت: أول ما بدئ به رسول الله ? من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه — وهو التعبد — الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أما بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، فرجع بها رسول الله ? يرجف فؤاده، فدخل إلى خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وقد أخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكلَّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزَّى ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن العم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ? خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا؛ إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ?: أومخرجيَّ هم؟! قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلى عُودِي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفيَ وفتر الوحي.

أسس الأخلاق في الإسلام


في القرآن الكريم آية تعد من أهم الآيات التي تبين أسس الأخلاق الإسلامية؛ ولذلك يرددها أئمة المساجد كل يوم جمعة على آذان المصلين وكان عبد الله بن مسعود يقول فيها: «إنها أجمع آية في القرآن للخير والشر»، وكانت سببًا في إسلام عثمان بن مظعون لما سمعها فرأى أنها جامعة لخصال الخير والشر، ورأى أن دينًا يأتي بهذا جدير أن يتبع، تلك هي قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
لقد أمر الله فيها بخصال ثلاث من أهم خصال الخير، ونهى عن خصال ثلاث من أهم خصال الشر، فأما خصال الخير فأولها العدل، وهو أن يعطي الإنسان كل ذي حق حقه، فالمدين يجب أن يؤدي دينه، وهذا هو العدل، والغاصب والسارق ظالم؛ لأن كلًّا منهما أخذ ما ليس من حقه، والبائع الذي يكيل للمشتري أو يزنه أقل مما اتفقا عليه ظالم؛ لأنه لم يعطه حقه، والقاضي المتحيز ظالم؛ لأنه أخذ من أحد الخصمين بعض حقه وأعطى للآخر أكثر من حقه، فإن ارتشى بأي نوع من الرشوة فقد أخذ ما ليس من حقه أن يأخذ، وهكذا لو دققنا في معنى العدل وجدناه أساسًا لكثير من الفضائل.
وهناك نوع آخر من العدل، وهو عدل الحكومة مع شعبها، فعليها أن تؤدي للشعب حقه عليها، فتجلب له السعادة وتبعد عنه أسباب الشقاء، وتوفر لكل طائفة من الشعب وسائل رقيها، من صناع وتجار وزراع وطلبة وموظفين، وتشرف على موظفيها حتى يرعوا مصالح الناس ويؤدوها وجه من غير تأخير أو إهمال وهكذا.
والقرآن يطالب بهذا العدل في مواضعَ منه كثيرة، وله في ذلك نظرة هي غاية السمو والنبل، فيأمرك بالعدل مع من تحب ومن تكره، ومن هو على دينك أو غير دينك، يقول في آية أخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى?، أي لا يحملنَّكم بغضكم لقوم على أن تظلموهم، ولا تلتزموا العدل معهم، بل العدل واجب إنساني مع من أحببت أو كرهت ومع من وافقك في الدين أو خالفك، ومن أجل تقديره لهذا العدل أمر بالوفاء بالعهود مع كل من تعاقد معهم المسلمون من أي ملة أو دين، وهذا أسمى ما تصل إليه البشرية.
أما الخصلة الثانية بعد العدل فهي الإحسان؛ فإن كان العدل إعطاء كل ذي حق حقه، فالإحسان إعطاؤه ما فوق حقه، فمن الحق أن تأخذ دينك من المدين فإن رأيته معسرًا فعفوت له عن دينك فهذا إحسان — وعلى الجملة فالإحسان يتطلب الشعور بالعطف على الناس وتقديم الخير ممن يقدر لمن لا يقدر، فالغني مأمور بإعطاء جزء من ماله للفقير، والعالم مأمور بتقديم زكاة علمه للجاهل، والقوي مأمور باستخدام قوته لمعونة الضعيف، وهذا هو ما عبر عنه القرآن بالإحسان، وليس مقصورًا على ما يتصوره العامة من وضع يدك في جيبك واستخراج قليل من المال تضعه في يد الفقير، بل الإحسان أعم من ذلك وأشمل، هو عطف شامل من أفراد الأمة بعضهم على بعض، بل هو كذلك عطف الحكومات على أرباب الحاجات.
وخصص الله في الخصلة الثالثة الأقرباء بالإحسان، فالإحسان للناس عامة واجب، وهو لذوي القربى أوجب، فواجب أن يترابط أفراد الأسر، ومن ارتباط الأسر ترتبط الأمة.
هذه هي الخصال الثلاث التي شددت الآية في التزامها والعمل بها، أما المنهيات الثلاثة التي وردت في الآية فبالتأمل فيها نراها شاملة أيضًا شمولًا عجيبًا؛ ذلك أن علماء الاجتماع والقانون يقسمون الرذائل أو الجرائم إلى أنواع ثلاثة، جرائم يأتيها الأفراد نحو أنفسهم وهي الجرائم الخلقية التي لا تدخل في نطاق القانون، كالكذب والحسد والنفاق والرياء ونحو ذلك، وجرائم تقع على أفراد الأمة ويعاقب عليها القانون، كالسرقة والقتل وكل ما فيه تعدٍّ على أنفس الناس وأموالهم، وجرائم تقع على السلطات الحاكمة، كالسعي في هدم الحكومات، وهذه الأنواع الثلاثة تقابل الرذائل الثلاث في الآية، فالفحشاء الأعمال القبيحة تصدر من الشخص وتؤذيه، ولذلك سمي البخيل فاحشًا، وقيل للشخص إذ أجاب إجابة سيئة: أفحش في الجواب، وهكذا، والمنكر ما يصدر عن الناس من جرائم تضر بهم ويستنكرونها إذا حدثت، وقد اعتاد القرآن أن يسمي الفضائل الاجتماعية معروفًا، والرذائل الاجتماعية منكرًا، وجعل من أصول الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ، ويرمي بذلك إلى أن تكون الأمة يقظة واعية لكيانها، فإذا رأت نقصًا فيها ارتفعت أصوات عقلائها باستكماله، وإذا رأت خللًا في بنائها من أي ناحية كانت طالبت بإصلاحه وهذا ما تقوم به الآن البرلمانات الراقية والجرائد المنصفة.
وأما البغي فمعناه الخروج على السلطة الحاكمة بوسائل العنف، ومن ذلك قولهم: «الفئة الباغية» أي التي تخرج على الإمام العادل؛ ذلك لأن الإسلام يريد استقرار الأمور واستقرار السلطة الحاكمة مع صلاحيتها؛ لأنها المشرفة على النظام العام، فإن حادت عن العدل أو الحق وجهها أولو الأمر — أو كما نقول نحن: الرأي العام — إلى الجهة الصالحة، فالوسيلة للإصلاح هي النقد الصريح الجريء وهذا يدخل — أيضًا — ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبعد؛ فإن الأمة التي تتبع هذه الأصول الثلاثة، وتتجنب هذه الأشياء الثلاثة أمة مثالية، فلنتصور جماعة من الناس، أو أمة من الأمم، عدل أفرادها فأدلوا لكل ذي حق حقه، وعدلت حكومتها فأدت واجبها، ثم تعاطفوا فيما بينهم، فساد بينهم الإحسان وخاصة على ذوي قرباهم، ثم تجنبت هذه الجماعة الجرائم الفردية الشخصية، والجرائم الاجتماعية، والثورات الانقلابية، فأي جماعة أسعد من هذه الجماعة، وأي أمة أرقى من هذه الأمة.
لقد وضع الإسلام خير نظام للأمة بهذه الآية: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وفهم خاصة المسلمين أنها من أجمع الآيات في بيان الخير والشر، فكرروها على أسماع الناس في كل مناسبة.
إن أسلوب القرآن في الدعوة إلى الأخلاق أسلوب عملي يلمس الواقع ويدعو إلى تنظيمه، ليس أسلوب الفلاسفة في بحث النظريات، وإقامة البراهين المنطقية الجدلية ونحو ذلك، إنما هو أسلوب يعمد إلى أصول الفضائل فيبينها، ويدعو إليها، ويوقظ المشاعر للعمل بها، هو أسلوب يوافق العامة والخاصة، والفلاسفة والجماهير، كل يستقي بمقدار استعداده.
ليس ينقص المسلمين دستورهم الذي ارتضاه الله لهم، وإنما ينقصهم فهمه حق الفهم، والعمل به في دقة وإحكام والتزام، فما قيمة القوانين الراقية وُضِعَتْ على الرف؟! وما قيمة النصائح الغالية صُمَّتْ عنها الآذان؟! إن القرآن — دائمًا — يقرن الإيمان بالعمل، ويطالب بهما جميعًا ويجعلهما ركني السعادة؛ فهو يعبر بالذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يَعْتَدُّ بإيمان من غير عمل، كما لا يَعْتَدُّ بعمل من غير إيمان — وفقكم الله للإيمان الصحيح والعمل الصحيح.