Advertisement

فيض الخاطر الجزء الثامن


فيض الخاطر (الجزء الثامن)




فيض الخاطر (الجزء الثامن)

مقالات أدبية واجتماعية

تأليف
أحمد أمين




فيض الخاطر (الجزء الثامن)

أحمد أمين

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: سيل?يا فوزي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2012 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



قصة من حياتي


هأنذا في الرابعة والعشرين من عمري، وقد تخرجت في مدرسة القضاء الشرعي ولم أتعلم لغة أجنبية، وكل ما حولي يستحثُّني على تعلمها، فأساتذتي في المدرسة كانوا يرجعون فيما يعلموننا من جغرافيا وتاريخ وطبيعة وكيمياء وجبر وهندسة إلى الكتب الإنجليزية، وأصدقائي المتخرجون في مدرسة المعلمين يتحدثون عمَّا طالعوه في الكتب والمجلات والقصص الإنجليزية، من آراء لطيفة، وأفكار طريفة؛ وكلما سمعت شيئًا من ذلك أدركت أن لا قيمة لحياتي ما لم أتعلم لغة أجنبية، وأخيرًا اتفقت مع أستاذي وصديقي المرحوم أحمد أمين بك المستشار أن نطالع خطط علي مبارك باشا فيما يتعلق بمساجد القاهرة وآثارها، ثم نزور المساجد والآثار لنطبق ما نشاهد على ما نقرأ، وكان رحمه الله يدل عليَّ بما يقرأ من كتب إنجليزية في هذا الموضوع تزيد معلوماتها على ما في خطط علي مبارك، فيومًا من الأيام دلني على أثر فخم من الآثار هو بيت شاهبندر التجار في «حوش قدم» بالقاهرة ولم يكن ذكره علي مبارك باشا، فآليت أن أتعلم الإنجليزية بعد عودتنا من زيارة هذا البيت، مهما يصادفني من صعوبة، وطلبت من صديقي أن نمرَّ معًا على مدرسة «برليتز» نتفق على دروس تعطى لي، واستمررت على ذلك سنتين لقيت فيهما من العناء ما لا يوصف، فتعلُّم اللغة في الكبر وفي غير بيئة اللغة أمر عسير، ثم رأيت بعد السنتين أن مدرسة برليتز لم تعد تفيدني فبحثت عن مدرس آخر.
•••

كان من حسن حظي أن دلني صديق لي على «مس بور» Power سيدة إنجليزية في نحو الخمسين من عمرها تجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وتجيد فن الرسم والتصوير، ولها شخصية قوية جبارة، ومثقفة ثقافة واسعة، وتحرر في الجرائد الإنجليزية الكبرى كالتَّيِمْس، وتستأجر بيتًا لطيفًا في ميدان الأزهار، ولم تكن تحترف التعليم ولكني رجوتها أن تعلمني فقبلت، واستمررت أتعلم عليها نحو خمس سنوات، وكانت رغبتها في تعليمي رغبة أم تريد أن تربي ابنها … فكانت تدعو إلى بيتها إنجليزيين وإنجليزيات تعرفني بهم، وتقصد إلى أن أتحدث معهم ويتحدثوا معي؛ لينطلق لساني، وتتمرن آذاني، وكانت تنقد أخلاقي وتطلعني على عيوبي، فإذا حضرت للدرس — مثلًا — وبدأت أفتح الكتاب لأقرأ صرخت في وجهي: «ألم تر هذه الأزهار اليانعة، وألوانها البديعة، وتنسيقها الجميل — وقد أحضرتها اليوم — ألم تلفت نظرك؟ أيصح أن تراها ولا تبدي إعجابك بها؟ أليسك لك عين فنية؟» إلخ، فيكون هذا درسًا من أمتع الدروس وأنفعها. وأحيانًا كانت تغير وضع نظام حجرة الجلوس، فتنقل الكراسي من مكان إلى مكان، وتخالف بين الأثاث، فإذا دخلت ولم أتكلم في هذا التغيير وأوازن بين الوضع الجديد والوضع القديم، تلقيت منها درسًا قاسيًا أتعلم منه دقة الملاحظة، وتربية الذوق، وأحيانًا تقف بي ساعة بين لوحات من رسمها علقتها في حوائط الحجرة، تشرح لي دلالاتها ونواحيها الفنية وهكذا، وبذلك ألقت علي دروسًا قيمة لم أتعلمها من بيتي ولا مدارسي ولا أساتذتي … فإن كنت الآن أعجب بالأزهار وجمالها، وأهتم بحديقتي وتنسيقها، وما إلى ذلك، فبتربيتها وفضلها.
كنت في آخر سنة من دراستي معها أقرأ عليها جمهورية أفلاطون بالإنجليزية، فإذا فرغت من قراءة فصل أفاضت في شرح نظرية أفلاطون وما طرأ عليها من تغير في المدنية الحديثة، وكيف طبقت في بعض الأمم ونتائج تطبيقها، وهكذا.
وساعدها على ذلك رحلاتها الطويلة إلى ألمانيا وفرنسا وأمريكا، ووقوفها على النظم الاجتماعية فيها.
•••

ما أدري ما الذي جنح بها في أيامها الأخيرة إلى أن تشتغل بالروحانيات، فتقرأ الكتب الكثيرة المتنوعة فيها، وتجرب تأثير نفسها في نفوس الآخرين والإيحاء إليهم بما تريده منهم، سواء أكانوا في حضرتها أم غائبين عنها، ثم تتجه إلى معالجة بعض الأمراض بطريق الإيحاء، وكان هذا يقتضيها أن تمكث ساعتين أو أكثر كل يوم في قاعة مظلمة، تركز فيها ذهنها فيما تريده من علاج أو إيحاء أفكار، فكَلَّ من أجل ذلك عقلُها؛ فإذا هي سيدة مجنونة، تحاول أن ترمي نفسها في النيل من كوبري قصر النيل، فلما علمت ذلك نقلتها إلى مستشفى المجاذيب.
وأعجب ما شاهدت أني زرتها في المستشفى، فكانت تتكلم كما عهدتها بالعقل في حكمة ورزانة، وسألتها عن نوع مرضها فشخصته تشخيصًا دقيقًا؛ إذ قالت: إن مرضها أصاب إرادتها … فلو فتحت لها أبواب المستشفى لعسر عليها معرفة أين تتجه، وإلى أين تذهب، وتمر الأيام وترسلها القنصلية الإنجليزية إلى إنجلترا، ثم يأتيني منها خطاب بأنها شفيت تمام الشفاء، وأنها الآن في إيطاليا تستمتع برؤية الآثار الفنية في روما وتدرسها، ثم تنقطع عني أخبارها ولا أدري ماذا كان مصيرها.

شباب الزمان … الربيع


ما قيمة الحياة إذا اقتصرت على الماديات، وحصرت نفسها في الخبز والملح ومضاعفاتهما، ولم تعبأ بجمال زهرة ولا تألق نجم، ولم ينبض قلبها بحب للجمال في جميع أشكاله؟!
بل ما قيمة الحياة أيضًا إذا غرقت في النظريات العلمية العقلية، وفكرت في قوانين الأشياء وشرحها، واهتمت بمعرفة الطبيعة أكثر مما تهتم بجمالها؟!
إن الحياة الحقة هي ما تجاوبت مع العناصر المكونة للإنسان، وللإنسان جسم يحتاج إلى مادة تغذيه، وفيه عقل يحتاج إلى تفكير منطقي في حقائق الأشياء، وفيه فوق ذلك كله عاطفة تحتاج إلى جمال يغذيها وينميها ويرقيها، ولئن كانت الحياة المادية والحياة العقلية جافة باردة، فالحياة العاطفية ناعمة دافئة تبعث السرور والبهجة، والغبطة والسعادة.
فالعاطفة هي ملح الحياة؛ بها يدرك الإنسان من هذا العالم اللجب المضطرب، الشقي التعس، ما في باطنه من وفاق وتناسب كتناسب نغم الموسيقى، والعاطفة إذا هذبت نعمت بالجمال، وخلقت من الشقاء سعادة، ومن النار جنة.
والإنسان من يوم أن خلق مد خيوطًا بين الطبيعة وقلبه، فشعر شعورًا ساذجًا بجمال السماء والأرض، وجمال الطيور والأزهار، وشروق الشمس وغروبها، ولكن كان يحول بينه وبين الاستمتاع بها حاجته الملحة إلى القوت ومشقة الحصول عليه … حتى إذا توافر له رقيت عواطفه فأحس أن القوت ليس كل شيء، ولا العلم كل شيء، وإنما العاطفة والجمال ورقة الشعور، والاستمتاع بجمال الطبيعة وجمال العالم، هي قوام الحياة.
•••

كم في الكون من جمال! ولكنه يحتاج إلى عين تنظره، وكثير من الناس لهم عيون، ولكن لا يبصرون بها إلا ما يأكلون وما يشربون وما يدخرون، وقليل هم الذين دق نظرهم، فرأوا جمال العالم المتجدد في الحقول والزهور، والسماء والنجوم، والبحار والأنهار، والجبال والأحجار، وقلَّ أن يكون شيء في الوجود لا جمال فيه، وإنما يحتاج إلى عين تبصره وذوق يدركه وقلب يلقفه، ورحم الله ابن المعتز؛ إذ يصف قلبه فيقول:
قلبي وثاب إلى ذا وذا ليس يرى شيئًا فيأباه يهيم بالحسن كما ينبغي ويرحم القبح فيهواه وما أشقى من لم يرَ في البستان إلا زهرة تشم أو ثمرة تؤكل، ولا يرى في البحر إلا ماءً ملحًا وسمكًا يتغذى به، ولا يرى في الحمام واليمام والعصافير إلا أنها تصاد وتشوى! إن هؤلاء وأمثالهم عمي العيون صم الآذان غلف القلوب أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ.
إن أردت الحق فعمر الإنسان لا يحسب بالسنين التي عاشها، ولا بالملذات المادية التي استمتع بها … إنما تقدر الحياة بما نبض به قلبه من مناظر أشجار يانعة، أو أطيار صادحة، أو نجوم متألقة، أو زهور ضاحكة، وعلى الجملة بما تجاوبت به نفسه مع منظر جميل أو معنى جميل، وأما ما عدا هذا فقشور الحياة لا لبها؛ وإن ساعة واحدة يقضيها المرء بين الأزهار والأشجار أو على شاطئ البحار والأنهار، يناغي فيها الطبيعة الجميلة ويقترب فيها من عمق الحياة وسرها، ويخفق فيها قلبه لما تحويه من معنى الأبدية والأزلية، خير من ألف ساعة يقضيها في كفاح من أجل المال بل ومن أجل العلم، ولقد كان على شيء من الحق ذلك الرجل الشاعر القلب المرهف الحس الذي أخذته روعة غروب الشمس فهتف قائلًا: «دعوا لي هذا المنظر، وخذوا جميع كتبي».
•••

في كل جانب من جوانب الطبيعة جمال، ولكل جمال ذوقه وطعمه، كالفاكهة تختلف أشكالها وطعومها، ولكل فاكهة جمالها، فهذه القبة الزرقاء ببهائها وسنائها ولألاء نجومها تبعث في الإنسان الشعور بألم لذيذ أو لذة أليمة، وسبب اللذة جمالها … وكل جمال يبعث اللذة والسرور، وسبب الألم جلالها … وكل جلال يبعث في النفس الشعور بالضعة والمهانة وحقارة الإنسان أمام هذا الجلال، وهو شعور أليم.
وهذه الشمس الجميلة القوية مصدر نورنا ونارنا، تفعل أفاعيلها العجيبة الجميلة في أرضنا حتى كأنها «فلم» سينمائي غريب، تبخر الماء وترفعه غيومًا في السماء وتنزله أمطارًا تجري به بحارًا وأنهارًا، ويسقى به الزرعُ فينمو ويهيج، والأزهارُ فتنضج وتتفتح، ثم هي بحرارتها تلعب بالرياح، والرياح تلعب بالأمواج، والأمواج تلعب بالسفن، والسفن تلعب بالراكبين، وهكذا من مناظر جميلة لا يحصيها العد.
وهذا القمر الوديع اللطيف، يبدو هلالًا نحيلًا وينمو نموًّا متتابعًا بديعًا، ثم يعود كما بدا فيتلون في ذلك بلون من أضناه الحب فنحف وهزل، ثم بلون الحبيب الممتلئ حسنًا ونضارة، ويعرض علينا صورة الطفل بدا صغيرًا هزيلًا، ثم صار في أحسن تقويم، ثم رد أسفل سافلين، ثم هو يلعب بالماء في مده وجزره، وتلوينه وتفضيضه؛ فإذا نحن رددنا الطرف من قبة السماء إلى سطح الأرض وجدنا صنوفًا من الجمال لا تنتهي.
هذا الماء البديع ينساب في الجدول ويتدفق في النهر ويتموج في البحر، ويكون فضيًّا في وسط النهار وذهبيًّا في الأصيل، وله صوت في سريانه وتدفقه وتموجه أجمل من صوت الناي، وإذا مس أرضًا ملأها بالحياة من شتى الأنواع … وهو على رقته يفتت الصخور ويذيب الجبال، وله في كل نهر وبحر وبحيرة تاريخ طويل مما له من أفاعيل.
وهذه الجبال — معممة بالثلوج، أو مكسوة بالأشجار، أو صخرية جرداء — تفتن النظر بجمالها وعظمتها وتعاريجها وارتفاعها، في أعاليها يتعانق السحاب، وفي هيكلها تتلون الصخور، بين دكناء وحمراء وصفراء، وفي باطنها المناجم تعج بالخير، وفي أسفلها الوديان تموج بالحياة، تشمخ بقممها كأنها تريد أن تنطح السماء، وبجمال أديمها كأنه ألوان الحرباء، وبصفاء جوها، ونقاء هوائها، وبعدها عن التلوث بصغائر الإنسان.
وحتى الصحراء الجرداء لها معان من الجمال فاتنة … فهي واسعة لا يبلغ الطرف مداها … تقرأ العين فيها معنى الأبدية واللانهائية والخلود، وينعم العقل فيها بمعنى الاستقرار والثبات، بينما ينعم في منظر البحر بمعنى الحركة والتقلب والنشاط … وكلاهما معنى لا يفهم إلا بأخيه ولا يجمل إلا بقرينه.
•••

أكتب هذا في مستهل الربيع والعالم يموج بالجمال … فلئن كان للزمان عمر فالربيع شبابه، ولئن كان الجمال في غيره يرتشف فهو في الربيع يعل وينهل، قد دبت الحياة في الأرض فأفاقت الأشجار من نومها، واكتست الأرض بثيابها الخضر بعد عريها، وتفتحت الأزهار وغنيت بالألوان، وتمايلت الورود على الأغصان، وغردت الأطيار … فإذا كل شيء جميل لا ينقصه إلا طرف يدرك جماله، وقلب ينبض بحبه، ولسان يهتف: سبحان خالقه.

برناردشو


إرلندي دخل إنجلترا طالبًا للقوت، ثم تبين أنه دخلها غازيًا فاتحًا، وما زال يجاهد ويحارب حتى توج ملكًا على الرأي العام.
وناشئ في بيت منحل؛ فقد كان أبوه على حد تعبيره «رجل أعمال نظريًّا، وسكيرًا عمليًّا». وتلميذ خائب في مدرسته، يهزأ بالدراسة وبثرثرة المعلمين، وجمود أساليبهم، وسخافة تعاليمهم، فكان له من بيته المنحل، ودراسته الفاشلة غذاء صالح وذخيرة كبيرة لنقد الحياة الاجتماعية والدعوة لإصلاحها.
مُنِحَ ذكاءً حادًّا كالبلور في صفائه وقسوته، فبدأ شهابًا لامعًا يعجب ولا ينفع، ثم نما وكبر حتى صار شمسًا تدفئ وتنفع.
من أعجب ما فيه رحمته وقسوته معًا، وامتزاجهما فيه مزجًا غريبًا، فهو يرحم الحيوان كأبي العلاء المعري، فيعف عن أكله، ويعيش على النبات، بل يتمنى أن لو وسعت رحمته النبات أيضًا فلا يحرم الشجر ثمارها، ولا الثمرة بذورها، ولا النباتات جذورها، وهو مع ذلك يقسو على الناس في نقدهم ولذعهم، وإقلاق راحتهم، وتحطيم أوثانهم، ولكن لعل قسوته عليهم من رحمته بهم، فهو يرحمهم من سخفهم فينقدهم، ومن خمودهم فيلذعهم، ومن نومهم فيوقظهم، ومن جمودهم الذهني فينشطهم، ولذلك كان من طبيعته أن يهاجم فكرة الناس ولا يهاجم الناس، ويقاتل الرأي الفاسد ولا يقاتل أصحابه، ويحمل حملة شعواء على فكرة الحرب ولا يثور على المحاربين، ويحمل حملة شعواء على الأدب السخيف ولا يتعرض للأدباء.
سما فوق العادات والتقاليد؛ فلم تقيده عادات الطفولة؛ إذ لم يكن سعيدًا، ولا عادات المدرسة والجامعة؛ إذ كانت فاشلة، ولا عادات المجتمع؛ إذ لم يجد فيها ما يحترمه ويوقره، فتحرر من أغلال الأوضاع والتقاليد، ونظر إليها من طيارة فوجدها رممًا بالية، وأشياء مستقذرة، وأغلالًا للعقول، وقيودًا للتفكير، وأصنامًا تعبد من دون الله، فتنزل عليها بمعوله يحطمها في قسوة، ويحرقها في جرأة، ويصوغ عباراته في نقدها صوغًا أنيقًا متقنًا بارعًا، فتجري في الناس مجرى المثل، ويضحكون منها؛ وهم إنما يضحكون من أنفسهم.
وينفذ بصره الفاحص إلى حقائق الأمور ولا يلهيه زخرفها الظاهر، ولا طلاؤها الخادع، فإذا وقف على الحقيقة المؤلمة أعلنها على الناس في صراحة وجرأة، يقارن بين المدنيين على آخر طراز وبين المتوحشين من سكان الكهوف ويعقد الشبه بينهما في شكل يدعو إلى العجب والإعجاب، ويسخر من الأمريكيين؛ إذ يُضطرون الزنوج إلى مسح أحذيتهم ثم يدللون على انحطاطهم بأنهم مساحو أحذية، ويرى الأدباء قد غلوا في الإعجاب بشكسبير واتخذوه صنمًا يعبد، وجعلوا أدبه المثل الأعلى، وقاسوا أدبهم بأدبه فما انطبق عليه كان عالي القيمة، وما بعد عنه ضعفت قيمته، فهاج على شكسبير وكسر صنمه، وأنزل من قيمته، وقال عبارته المشهورة: «إن يكن شكسبير أطول مني فإني أقف على كتفه»، واتخذ هجومه عليه من ناحية أن شكسبير في أدبه سوداوي متشائم، يرى الحياة باطلًا من الأباطيل، والأدب في نظر «شو» هو ما بعث الحياة، وبعث الأمل فيها، وبعث على الاستمتاع بها، والاستزادة منها.
ومن أجل ذلك اتجه في أدبه ونقده إلى تقويم ما له قيمة حقيقية، لا شكل براق، فهو يزدري الخفيف من الروايات والقذر من النكات، ولا يُقَوِّمُ من الروايات إلا ما كانت ذات وزن، ولا من النكات إلا ما كانت عميقة ذات ذكاء.
•••

حدد برنامجه أن يكون ثائرًا على المجتمع وأخطائه ثورة بطيئة دائمة محققة، وأن يكون مجددًا في أفكاره، مجددًا في أسلوبه، وفي رواياته، وفي حواره، واستدلاله، فناصر المرأة وطلب مساواتها بالرجل، ولم يسلك في براهينه سبيل من قبله من رفع شأن النساء حتى يتساوين بالرجال، بل رثى لحالة الرجال وطلب أن يتساووا بالنساء، وفي كل رواية من روايات «شو» الأولى حوار بين الرجل والمرأة؛ تُغْلَبُ فيه المرأةُ على أمرها؛ لتعترف بأنها حقًّا على مساواة مع الرجل.
وناصر حركة الكتابة الصوتية؛ أي كتابة ما ينطق من الحروف وحذف ما لا ينطق، فلا معنى لكتابة حروف لا ينطق بها، ولا النطق بحروف لا تكتب.
ولم يعجبه غرور العلماء في عصره وادعاؤهم علمهم بكل شيء، فأبان عجزهم وضعفهم، وأن ما جهلوا أكثر مما علموا، وأن بعض ما قالوا يعوزه الدليل الصحيح؛ ومما قاله في ذلك: «إذا قال لي الفلكيون: إن ثمة نجمًا بعيدًا عنا يرسل ضوءه فيستغرق وصوله إلينا آلاف السنين، فقولهم هذا كذبة بلقاء، يعوزها التمويه الفني».
ويقول عن هكسلي: «إنه عراف كبير»، ومع ذلك فشو مشغوف بالعلم، مطلع عليه اطلاعًا واسعًا، يستمد أدبه من سعة علمه.
•••

لقد بهر «شو» الناس بأشياء كثيرة: ذكاؤه النافذ الذي يصل إلى أعماق ما في الأشياء، ثم يخرجها بعد ذلك في شكل واضح بسيط جذاب، فهو جيد الإنتاج جيد الإخراج، قد يصل إلى فكرة لو عبر عنها الفيلسوف لخرجت منه غامضة مبهمة معقدة قد أغرقتها الاصطلاحات المألوفة، فيخرجها «شو» في جملة واضحة رائعة فتفهم وتضحك، ثم إلى ذلك قدرته الفائقة على النكتة، ونكتة «شو» قد يحسده عليها «فولتير» نفسه، أو كما نقول نحن يحسده عليها «جحا»، فهي ذات جذور فكرية عميقة، وإذا عرض لموضوع ليتنادر عليه استقصى كل نواحيه حتى كان كما قالوا: «إذا تنادر على خياط استنفد النوادر عليه إلى آخر نادرة عن الأزرار».
وأحيانًا يسرف فيزل ويأتي بما ينبو عنه السمع، فيكون له من ذلك كثير من الأعداء، ثم صوته الجذاب الذي يستطيع به أن يقول ما يسيء — بنغمة عذبة — فتقبل منه، ووقفته الخطابية البديعة التي يقفها من غير اكتراث، ويلقي برأسه إلى الخلف في خفة، ويترنح أحيانًا هازًّا كتفيه وهو يحمل وجهًا ذا حاجبين كثيفين، ولحية حمراء مدببة علاها الشيب.
إن «شو» في هيكله الذي وصفناه وفي نقده اللاذع، وفي رواياته الجديدة التي خرجت على الناس بشكل جديد وتأثرت بقوته في الحديث والحوار، والميل إلى الجد والاستخفاف بالتوافه، وشو في فلسفته التي تدعو إلى الحياة وتقويتها والإصغاء إلى العقل لا العادة والعرف، والإصلاح في غير خداع ولا مواربة، كل هذا جعله قبلة الأنظار، وزعيم الأدباء، والمثل الذي يحتذى.
•••

وقد أثر في الشعب الإنجليزي أثرًا كبيرًا من نواحٍ كثيرة؛ فقد استنزل الفلسفة والاقتصاد والمعاني السامية من السماء إلى الأرض، وجعل الشعب يفهمها، وجعل العلماء والفلاسفة يقلدونه في وضوحه، ويحذون حذوه في محاربة الغموض.
وهو إلى ذلك يركز المسائل العامة الفلسفية والعلمية في «برشامة» كما يركز السحاب المنتشر في قطرات المطر، فكان في أسلوبه هذا مثلًا للعلماء يحتذى.
وأكثر من هذا أنه حمل حملة شعواء على ما كان سائدًا في عصره من موجة التشاؤم فأبادها، وأحل محلها موجة التفاؤل وحب الحياة والعمل للحياة.
وإن كان يؤخذ عليه شيء؛ فإشاعته بين الناس التدجيل في الكلام، ممن وُهبوا ثرثرته ولم يوهبوا حسن ذوقه وخفة روحه، ثم ما قلده الناس فيه من الاستهزاء بالعادات المألوفة مهما حسنت، وبالقديم مهما جل، ولكن أي الرجال الكامل؟
ليت شعري لو كان «شو» في الشرق، ماذا كان يكون مصيره؟
فأول كل شيء من المحال أن يكون «شو» شرقيًّا، فشجر الأرز لا ينبت في خط الاستواء، والثلج يذوب في الحرارة، فإذا أمعنا في الخيال وتصورناه شرقيًّا فأكبر الظن أنه لم يكن شجرة مثمرة، بل ولا شجرة ناضرة.
لقد كانت تتعاون عليه القوى كلها؛ لتخنقه في مهده، أو تكمم فمه فلا يستطيع قولًا.
إنه في بلاده هاجم كل طائفة بلسان مقذع فأفسحوا صدورهم له، وقابلوا نقده بروح رياضية، وضحكوا منه فشجعوه بذلك على الاستمرار والاسترسال حتى بلغ القمة.
هاجم العادات وقال: «إن عيد الميلاد لعبة اخترعها الخمارون؛ ليبيعوا خمورهم» وهاجم الطبقات وخاصة طبقة الأغنياء في اشتراكية، وهاجم رجال الدين في أساليبهم، وهاجم رجال العلم في غرورهم، وهاجم الأدباء في اهتمامهم بسفاسف الأمور وعبادتهم للأصنام، وأخيرًا منع الرقيب إحدى رواياته؛ لخروجها عن اللياقة والحشمة فاتخذ الرقباء موضع سخريته؛ وقال: «إن الرقيب داعر، أما شو فإنه طاهر عفيف، وإن الرقيب بمنعه هذه الرواية قد جنى على الأخلاق، وإنه إنما يسمح بما يسمح به من الروايات لرذيلتها لا لفضيلتها، وإن جريمة شو في هذه الرواية ليست في أنه عرض في روايته لبنت من بنات الهوى، ولكن جريمته أنه لم يجعلها كلها هوى».
وهكذا وهكذا، فلم يسلم من لسانه شيء، ومع هذا قوبل بالإعظام والإكبار حتى من خصومه.
لو كان عندنا لتكاتفت كل الطوائف على خنقه؛ من أغنياء لا يطيقون كل ما في اشتراكيته، ومن أدباء خطرات النسيم تجرح مشاعرهم، ومن محافظين يضيقون ذرعًا بأي خروج عن العادات والتقاليد، ومن رجال سياسة ورجال إدارة لا ينظرون إلى الأمور إلا نظرًا حزبيًّا، وهو أكره ما يكرهه شو.
وعلى الجملة فلو كان «شو» في الشرق لانتحر أو انفجر أو لبس جلدًا غير جلده.

لماذا تغضب المرأة؟


لئن كان آدم على ظهر الأرض لغزًا من الألغاز يصعب حله، فإن حواء لغز أكثر تعقيدًا وأصعب حلًّا، وكل السنين التي مرت عليها لم تزدها إلا غموضًا وتعقدًا، ومهما تقدم علم النفس وادعى أنه وضع يده على سر النفس الإنسانية، عاد فأقر بالعجز عن فهمها، وبخاصة نفس حواء.
ولنحاول في هذا المقال أن نكشف عن ظاهرة من ظواهرها تميزها عن آدم.
ففي نظري أن المرأة ساخطة ما لم تُسْتَرْضَ، والرجل راض ما لم يستسخط.
ولعل هذه الظاهرة تفسر لنا كثيرًا من سلوك المرأة في الحياة؛ فهي ملول، وهي ضجرة، وهي متبرمة، وهي كثيرة السخط على صديقها، وعلى أسرتها، وعلى زوجها، وعلى الدنيا بأجمعها، تريد في كل حين أن يبذل من يتصل بها الجهد في إرضائها بشتى الأشكال والألوان.
سل العاشق: كيف عانى من حبيبته وهجرها وسأمها ودلالها، وكم بذل من جهود في سبيل إرضائها، وكم لاقى من عذاب صد وهجران، وملال ودلال.
وسل رب الأسرة: كيف يجد زوجته كالبحر، يهدأ حينًا ويهيج أحيانًا، وكيف يتركها في البيت راضية ويعود فإذا هي ساخطة، لأتفه الأسباب أو من غير إبداء أسباب، وكيف تسخط عليه، وتسخط على الخدم، وتسخط على أبنائها وبناتها، وكيف تبحث عن أسباب السخط في كل زمان ومكان؛ حتى إذا وجد ألف سبب يدعو إلى الرضا وسبب واحد يدعو إلى السخط، غلبت السبب الواحد وسخطت كل السخط، والرجل — في الأعم الأغلب — على العكس من ذلك يرضى ويسترضى، ويحلم ويستحلم، ولا يغضب إلا إذا استغضب.
•••

واستعرضْ ما يتصل بالمرأة من الآداب والفنون؛ فماذا ترى؟ ترى الغزل في الأدب مملوءًا باستعطاف الرجل للمرأة، وشكواه الدائمة من صدها ومللها، وبكائه من هجرانها ووصفه لقسوتها، فإن هو نعم برضاها فلحظات في جحيم سنوات.
وترى الأغاني والموسيقى ملئت بالنغمات الحزينة مما أصيب به الرجال من النساء، من لوعة وضنى وعذاب أو شقاء، فإن رأيت من النساء من تشكو سأم الرجل وملله فالقليل النادر.
ويتجلى هذا الخلق في المرأة في مظاهر كثيرة؛ فهي أكثر من الرجل في طلب التسلية، من سينما وتمثيل وحفلات وما إلى ذلك؛ فإن وجدت فيها كثيرًا من الرجال فبإيعازها وإلحاحها وتشجيعها، فهي تحب أن تقتل سأمها بهذه الأشياء كلها، ثم هي تكره الوحدة أكثر من الرجل، وتكثر من الزيارات والمقابلات؛ لأنها تشعر أن الوحدة مع السأم والملل سم قاتل.
•••

ومن مظاهر هذا الخلق رغبتها المستمرة في تغيير الزي وابتكار البدع «المودة»، ففي كل سنة بدع جديد في الألوان والأشكال، وفي شكل الشعر، والقبعات، والأحذية ونحوها، على حين أن الرجل قد مرت عليه عشرات السنين لم يغير فيها شكل بذلته وقبعته أو طربوشه؛ تريد المرأة أن تقهر الرجل وترغمه على أن يزيل سأمها بملقه لها وتدليلها، وأن يبتكر لها دائمًا ما يجدد حياتها، فإن قصر في ذلك فالويل له كل الويل، ثم إذا ترأست عملًا فمستبدة قاسية، هي كذلك في البيت إذا تحكمت، وفي المدرسة إذا كانت ناظرة، وفي المصنع إذا كانت مديرة، وهكذا، كأنها تريد أن تبعد مللها بتحكمها واستبدادها، وهي على بنات جنسها أقسى منها على أبناء آدم؛ لأنها في داخل نفسها وفي وعيها الباطن تشعر أن الرجل مظنة أن يزيل سأمها، وليست كذلك المرأة أختها.
وبعد، فما السبب في سأمها هذا ومللها وضجرها؟
يخيل إلي أن أكبر سبب لذلك انطواؤها الدائم على نفسها وتفكيرها المستمر في شخصها، وقلة تفكيرها فيما هو خارج عن نفسها، إلا أن يكون ذلك في خدمتها.
والانطواء على النفس وطول التفكير فيها مدعاة للسأم دائمًا، ولذلك نرى من فقد بصره أو سمعه أو رجله أكثر سأمًا ومللًا؛ لأنه بعاهته أصبح أقل اتصالًا بالعالم الخارجي، وتفاهمًا معه، واستمتاعًا به.
فالمرأة من أول عهدها بالحياة كثيرة التفكير في جمالها وقبحها، كثيرة النظر في المرآة لتطمئن على شكلها، دائبة على تصفيف شعرها وتحلية منظرها، متطلعة دائمًا لمعرفة مستقبلها، كثيرة الحديث عن زواجها، متخيلة الخيالات العديدة لمن تتزوجه قبل أن تتزوج، متقصية كل حركة من حركاته بعد أن تتزوج، وإذا قرأت في كتاب فأحب شيء إليها فيما تقرأ ما يغذي عاطفتها الشخصية، ويصور حالاتها وحالات مثيلاتها؛ أما العالم الخارجي الذي لا يتصل بها من قريب، وأما المعاني المجردة وأما الفلسفة النظرية فأشياء لا تأبه بها، وقلما تمهر فيها؛ لأنها بعيدة عن شخصها.
فلما أكثرت من التفكير في نفسها، وجعلت شخصها مركز الدائرة التي حولها، وفسرت ما يحيط بها بمزاجها وميولها، ضجرت وملت وسئمت؛ خضوعًا للقانون الطبيعي الذي ذكرنا.
هذه ناحية من نواحي حواء، وما أكثر نواحيها وما أعجب شئونها.

البطولة والأبطال


إن لكثير من الكلمات سحرًا لا تستطيع معاجم اللغة أن تقبض عليه أو تحدده، فكلمة «بطل» و«حرية» و«جمال» و«ديموقراطية» ونحو ذلك، كلمات قد أحيطت بهالات من نور تؤثر في النفس ولا يستطيع اللغوي أن يحددها، فإذا هو حاول ذلك ظهرت عليه علامات العجز والضعف والكلال.
وشيء آخر، وهو أن لكل لفظة تاريخًا كتاريخ الأشخاص والأمم؛ فقد توضع الكلمة لمعنى ثم يتطور المعنى بتطور العصور، فيضيف إليها كل عصر معنى جديدًا، فيبقى اللفظ على حاله ويتغير المعنى تغيرًا قريبًا أو بعيدًا، فمساكين هم أصحاب المعاجم الذين ينقل خلفهم ما ذكره سلفهم من غير مراعاة لما طرأ على اللفظ من تغير.
هذه كلمة بطل وبطولة … ماذا يعنى بها؟ وما الفرق بين البطل والعظيم والنابغة؟ وماذا كان يعنى بالبطل في العصور القديمة وماذا يعنى بها الآن؟ أسئلة محيرة لا تسعفك المعاجم في توضيحها.
إن البطل في كل عصر وعند كل أمة يستمد معناه من حالة الأمة والجماعة، ومن عقليتها، ومن عقيدتها، فاليونان في عصورهم الأولى كانت حياتهم مملوءة بالآلهة وأنصاف الآلهة، لكل قوة طبيعية إله، فخلعوا على البطل نوعًا من التقديس، ونسبوا إليه كل ما يتخيلون من وجوه الكمال، وقدسوه تقديس الآلهة، وعبدوه عبادة الآلهة.
والعرب في جاهليتهم لما كانت حياتهم حياة حرب، وكانت أكبر فضائلهم الشجاعة، وكان أفضل رجل في نظرهم من حمى العشيرة وذاد عنها، ونكل بالقبائل الأخرى وغنم منها، كان البطل في نظرهم هو الشجاع الفتاك بالخصوم، العليم بالحروب، السفاك للدماء، الذي يتمثل في عنترة العبسي وأمثاله.
ولما سادت العقيدة الدينية، في القرون الوسطى، في الشرق والغرب، وزاد بؤس الناس من ظلم الحكام وعسف الأغنياء والأمراء، ورأوا أن الدنيا لا تحقق مطالبهم ولا تضمد جراحهم، وجهوا كل همهم إلى الأخرى يتطلعون إليها، ويطمحون إلى النعيم فيها، ويحتملون العذاب في الدنيا للسعادة في الأخرى، ويصبرون على ظلم الحكام لما سيكون من عدل السماء، فكان المثل الأعلى للرجل هو الرجل المتدين الذي انقطع للدين واقترب إلى الله من طول عبادته وتطهير نفسه، فكان الأبطال إذ ذاك هم الأولياء والقديسين، وأقيمت لهم الأضرحة في كل مكان، والمساجد الفخمة، والكنائس الضخمة، وهرع الناس إليها يتقربون بها ويتمسحون بها ويستنزلون الرحمة والبركة بها.
ثم لما جاء دور العلم في المدنية الحاضرة، واهتم الناس بإصلاح دنياهم، وقدروا الرجال بما يظهر من آثارهم وما ينالون من الخير في الدنيا على أيديهم، تغير مقياس البطولة، فكان البطل هو رئيس الحكومة البارع الحكيم الحازم، أو المخترع الكبير، أو الفنان القدير، أو الفيلسوف العظيم، أو المحرر لوطنه، أو مؤسس الصناعات في قومه، أو نحو ذلك.
•••

وهكذا تطورت البطولة بتطور الزمان وتطور العقول وتطور الأنظار، ومن هذا نرى أن البطولة تكاد تكون مطمح أنظار كل أمة في كل موقف من مواقفها، فإذا تغير موقف الأمة تغير تقويمها للبطل والبطولة، فالبطل هو الذي تتبلور فيه آمال الأمة، وتتحقق فيه مطامحها، وتتخلص به من آلامها، والأبطال في الأمة يتفاعلون معها فهي تخلقهم وهم يخلقونها، وهي تكوِّنهم وهم يكونونها، وهي هم وهم يسمون بها.
ومحال أن تجد بطلًا لا يتناسب مع قومه، فمن الممكن أن تجد عنترة ينبغ من قبيلة عبس، ولكن من المستحيل أن ينبغ فيها فنان كبير أو فيلسوف كبير، ومن الممكن أن تجد في أمريكا الحديثة ولسن وروزفلت، ولكن ليس من الممكن أن تجد فيها جنكيز خان وتيمور لنك، فكل إناء ينضح بما فيه، والبطل ثمر لا بد أن ينتج من جنس شجرته، ولا ينتج من شجرة غير شجرته، فلا بد أن تتهيأ الأمة للبطل، ولا بد أن يكون البطل صورة قريبة للكمال من جنس صورتها، ثم إذا نبغ البطل فيها كان نورًا يضيء حياتها، وكوكبًا يلمع في ليلها، ومنهلًا يستقي منه كل شعبه، وروحًا يستمد القوة منه كل قومه.
•••

فإن سألتني عن العناصر التي يتكون منها البطل على حسب ما نفهمه في عصرنا الحاضر، قلت: إننا إن ضربنا صفحًا عما ابتذلت فيه كلمة البطل من مثل قولنا: «بطل الملاكمة، وبطل الشيش، وبطل المصارعة، وبطل كرة القدم»، أقول: إن تجاوزنا هذا الابتذال فعناصر البطولة ثلاثة لا بد منها في عدها بطولة، فإن فقد عنصر من عناصرها لم تتحقق، ولم يعد صاحبها بطلًا: الأول: أن يكون مصدر خير كبير لقومه، فإن اتسعت بطولته وزادت قيمته كان مصدر خير للإنسانية كلها، يستوي في ذلك أن يكون نوع بطولته سياسيًّا كتحرير أمته، أو اقتصاديًّا كإغنائها، أو علميًّا كأن ينبغ في علم من العلوم نبوغًا ظاهرًا أو يتغلب على داء يفتك بالإنسانية، أو فنانًا كبيرًا يسعد الناس بفنه من شعر أو أدب أو موسيقى أو تصوير، أو فيلسوفًا كبيرًا يكشف من حقائق الكون ما كان مجهولًا، أو نحو ذلك، فكل هذه الأشياء منابع للبطولة.
الثاني: قوة الشخصية … فقد يصدر الخير الكثير من شخص، ولكن لا يكون بطلًا لضعف شخصيته؛ لأنه ملحوظ في البطل أن يكون قويًّا يحمل الناس على إجلاله وإعظامه والاقتداء به، إنه إذا كان مصدر خير وليس له شخصية قوية صح أن نسميه عظيمًا، ولكن لم يصح أن نسميه بطلًا، فكل بطل عظيم؛ وليس كل عظيم بطلًا.
الثالث: ألا يأتي من الأعمال في حياته ما يفسد عظمته أو بطولته، فالنابغة إذا كان وطنيًّا كبيرًا، أو اقتصاديًّا كبيرًا، أو عالمًا كبيرًا، أو فيلسوفًا كبيرًا، ثم أتى بما يدل على خسته أو نذالته لم يصح أن يسمى بطلًا، و«بيكون» الذي قيل إنه: «أكبر فيلسوف وأخس إنسان» يصح أن يسمى فيلسوفًا، وأن يسمى نابغة، ولكنه لا يصح أن يسمى بطلًا؛ لأنه فقد منزلة القدوة وفقد الاحترام والإجلال، ولا بد للبطل أن يكون مثلًا يُحتذى ونورًا به يُهتدى.
أما متى ينتج البطل، وكيف يولد في الأمة؟ فشيء ما زال سرًّا غامضًا ولما يكشفه العلم والبحث، قالوا: «إنه يتبع الصحة الحسنة وجودة الغذاء»، فجاء البطل أحيانًا مريض الجسم تربى على سيئ الغذاء، وقالوا: «إنه ينتج من الأسرة الصالحة والأسرة المشهورة بالنبل والذكاء»، فجاء أحيانًا من أسرة وضيعة لم تُعرف بالنبل ولا بالذكاء وقالوا: «إنه يمكننا حدسه بما اخترعنا من مقاييس الذكاء»، فنجح البطل بعد أن سقط في امتحان مقياس الذكاء، وقالوا: «إنه لا بد أن يكون ذا طلعة بهية ووجاهة جلية»، فظهر البطل كما ظهر سقراط في قبح زري، ومنظر غير بهي، ولكن غطى جلال بطولته على زراية هيئته.
فالحق أن قوانين البطولة لم تُستكشف بعد، ولله في خلقه شئون.

صراع الماضي والحاضر


من طبيعة هذا العالم التغير المستمر، سواء في ذلك شئونه المادية والمعنوية، فمن حين إلى حين تَعْتَوِرُ الأرضَ الزلازلُ، والبراكين، والفيضان، والمد والجزر، والعواصف والأمطار، ونحو ذلك، فتكون عاملًا كبيرًا من عوامل التغير المستمر في سطح الأرض.
وكذلك حياة الناس على وجه الأرض في تغير مستمر كتغير سطحها، فكم من الفرق بين بيت الرجل البدوي في سذاجته وبساطة أدواته، وبيت الرجل المتمدن على أحدث طراز، المزود بالراديو، والتليفون، وتكييف الماء، وتكيف الهواء، المؤثث أثاثًا فخمًا فيه كل أسباب الترف والنعيم، وهكذا الشأن في كل مرفق من مرافق الحياة وكل نظام من نظم المعيشة، في وسائل النقل والبريد، وفي المعاملات الاقتصادية، وفي أساليب التسلية، وفي معاهد التربية، وفي نظم الحكومة، وفي كل شيء، ولو قارنت بين شأن الإنسان في أول عهده وشأنه اليوم لرأيت العجب فيما دخل عليه من تغير مطرد.
وقلما يستطيع الإنسان التدخل في أعمال الطبيعة، وإن تدخل فليس تدخله لمنعها، ولكن لاستخدامها في منفعته، فهو لا يستطيع أن يمنع زلزالًا أو ثوران بركان، ولكنه يستطيع أن ينظم الفيضان لخدمته، وأن ينتفع بالمطر في شئونه، أما التغيرات التي تحدث من أعمال الإنسان في تنظيم حياته، وتنسيق مرافقه، وما يلحقها من صلاح وفساد، فإن له دخلًا كبيرًا فيها، وأثر الإنسان فيها يختلف باختلاف الرجال قوة وضعفًا، فقادة الحروب العظام غيروا مجرى التاريخ، وكان العالم يسير غير سيرته لو لم يوجدوا، وحسبنا أن نضرب مثلًا في عصرنا الحديث بنابوليون وهتلر وكيف غيرا سير العالم، وأحدثا من الأحداث ما لم يكن يحدث لو لم يوجدا.
وكذك الشأن في كبار المصلحين الروحيين والاجتماعيين والاقتصاديين، فإنهم أسرعوا في تغيير العالم وتقدمه، ولولاهم لسار سيرًا بطيئًا، ولَمَا وصل إلى ما وصل إليه من رقي.
•••

وقد دلنا التاريخ على أن الجماعات والأمم تسير على أنماط متشابهة في تغيرها وتطورها وانتقالها من القديم إلى الجديد.
فكل جماعة سرعان ما تتكون لها تقاليد وعادات وأوضاع ومعتقدات، تقدسها وتلتزمها، وتجعل العمل على وفقها فرضًا محتومًا، وتكره الخارج عليها والعاصي لها، ولكن بمرور الزمان تنشأ عوامل مختلفة تجعل ما كان صالحًا من العادات والتقاليد والأوضاع غير صالح، ويبدأ الشعور بنقصها وعدم صلاحيتها ووجوب تغييرها، وتمر الجماعة أو الأمة في هذه الفترة بنوع من الشعور بالقلق والحيرة والغموض، وسبب هذه الحيرة وهذا الغموض يرجع إلى الإحساس بعدم صلاحية القديمة الموجود، مع عدم تحديد الجديد المطلوب وما يجب أن يكون.
في هذه الفترة يظهر أفراد في المجتمع من طبيعتهم أنهم أكثر شعورًا بالألم من النظام الموجود، وأكثر علمًا بعيوبه وما يجلب من مضار، وأوسع خيالًا في تصور الأوضاع المستقبلة الجديدة التي يجب أن تحل محل القديم، وعندهم من الشجاعة ما يدفعهم للجهر بهذه الدعوة الجديدة وتصويرها وتلوينها باللون الجذاب، ولكنهم لا يلبثون أن يدعوا دعوتهم حتى يهب في وجوههم المحافظون وأنصار القديم، وهؤلاء أصناف؛ منهم من حمله على الانتصار للقديم غلظُ شعوره وتبلده، فهو لا يألم من النظام المألوف وعيوبه؛ لأنه ألفه كما يألف الإنسان المكيفات فلا يشعر بضررها، ومنهم من أصيب بالخمول والكسل العقلي، فليس له من النشاط ما يحمله على النظر في الدعوة الجديدة وحججها — وكل دعوة جديدة تحتاج إلى نشاط جديد في التفكير وبحث في البراهين — وهو ليس قادرًا على ذلك، والقديم مألوف معتاد مريح لا يكلف اعتناقه عناء البحث فيركن إليه ويطمئن به، ومنهم من يحمله على الانتصار للقديم منفعته المادية إذا كانت الدعوة الجديدة تضيعها كرجال العقيدة القديمة وموظفي النظام القديم، وهكذا.
إذ ذاك تنشأ معارك بين أنصار القديم وأنصار الجديد، قد تقتصر على الحرب الكلامية، وقد تشتد حتى تكون ثورة دموية كالثورة الفرنسية والروسية والأمريكية في العصور الحديثة، وكالثورة النصرانية على الوثنية، وثورة الإسلام على عبادة الأصنام.
ثم تنجلي هذه المعارك إما عن نصرة القديم وقمع دعوة الإصلاح والتجديد، وعند ذلك يتأجل الإصلاح والتجديد حتى تتهيأ له ظروف أنسب وجو أصلح، وإما أن ينتصر الجديد ويهزم القديم ويتحول المحافظون إلى أحرار ينصرون الجديد بعد أن تتجلى فائدته، ولكن حتى في هذه الحالة لا يمكن انتصار الجديد الصرف، بل لا بد أن يكون مشوبًا بشيء من القديم حتى يستطيع أفراد الشعب أن يتذوقوه؛ إذ ليس في استطاعة سواد الناس أن يتذوقوا الجديد الصرف، وقد يتجاهل دعاة التجديد هذه الحقيقة فتصاب دعوتهم بالنكسة، وهكذا يتحرك «بندول» الأمة بين حركة إلى الأمام، وحركة إلى الخلف؛ تبعًا لنشاط المجددين وطبيعة المحافظين.
•••

ونحن لو نظرنا إلى تاريخ العالم وجدنا أنه لم يسر نحو التقدم والتجدد بخطى ثابتة مستمرة، بل كان أحيانًا يرجع إلى الوراء، وأحيانًا يتقدم تقدمًا بطيئًا، وأحيانًا يقفز إلى الأمام قفزًا، ولعل ما أدركه من التقدم في القرنين الأخيرين يعادل تقدمه في الأجيال القديمة كلها، ولذلك التقدم أسباب كثيرة؛ أهمها: أن الإنسان في القرون الوسطى كانت تسوده عقيدة أن عصره الذهبي إنما كان في ماضيه لا في حاضره ولا في مستقبله، وإذا أمل شيئًا في المستقبل ففي الحياة بعد الموت لا في الحياة الحاضرة، وأن ما يشقى به في حاضره من ظلم حكام، واستبداد أغنياء بفقراء ونحو ذلك، شيء مقدور فرضه القدر عليه فرضًا لا يستطيع أن يدفعه ولا أن يرفعه، وإذًا؛ فليرض بالحاضر وليؤمل في الحياة الأخرى ليس إلا.
وكان على هذه العقيدة اليهود والنصارى والمسلمون في عصورهم المظلمة، ثم زاد الظلم وزادت الحال سوءًا، ووجد في العصور الحديثة أفراد أدركوا سوء الحال أكثر مما أدركه سواد الشعوب، وجربوا تجارب زادتهم إيمانًا بأن الحاضر السيئ يمكن تغييره، وأن الظلم يمكن دفعه، وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالثورة على النظام الحاضر والنظرة القديمة إلى الحياة، وإحلال النظام الصالح الجديد محل النظام الفاسد القديم، ودعوا إلى أن النظام القائم والفساد الحاضر ليس قدرًا مقدورًا، ولكنه نسيج من صنع الإنسان يستطيع أن ينقض غزله ويغزل بدله غزلًا قويًّا متينًا صالحًا، وأن الحكومة الفاسدة، وظلم الأغنياء، والعادات السيئة والتقاليد الرثة، في إمكان الإنسان أن يثور عليها ويغيره ويحل محلها خيرًا منها، فعمل المصلحون على ذلك، وتحملوا العذاب في سبيل دعوتهم، وألحوا فيها، فإذا قتلوا أو شردوا خلفهم من يدعو دعوتهم، إلى أن نجحوا فتحقق أملهم، ودلت التجربة على أن الحاضر من صنع أيديهم، وأنهم يستطيعون تغييره، وأنهم غيروه فعلًا، فتبعهم المصلحون وتشجعوا على الإصلاح، وغيروا وجه العالم سواء في الماديات أو في المعنويات: في الصناعات، في أسس المعيشة الاقتصادية، في نظام الحكم، في الشئون الاجتماعية، إلى غير ذلك، وكان رائدهم الأعلى الإيمان بقدرتهم، وأن الفساد من صنع أيديهم، وأن الناس قادرون على الإصلاح كما هم قادرون على الإفساد، وأن السلطات التي تكبلهم وتقيد حريتهم وتسومهم سوء العذاب ليست إلا أوهامًا يستطيعون التغلب عليها.
وزادهم نجاحًا فهمهم للقوى الطبيعية في العالم، وإدراكهم كثيرًا من أسرارها، واتخاذهم منها صديقًا من الأصدقاء يمكن استغلاله في مصلحتهم بعد أن كان ينظر إليها على أنها عدو مخيف مرعب.
ثم زادهم نجاحًا أنهم أسسوا إصلاحهم على العلم لا على الخيال: العلم بالطبيعة التي حولهم، والعلم بالبيئة التي تحيط بهم، والعلم بالناس وطبائعهم، فكانوا إذا دعوا إلى نوع من الإصلاح درسوا واكتشفوا الحقائق، وجربوا وبنوا إصلاحهم على الدرس والإحصاء والتجربة، فكان النجاح مكفولًا، ودلهم البحث في مجتمعهم على إدراك نقط الضعف في حياتهم ونقط القوة، ثم وجهوا هممهم نحو نقط الضعف فقووها، ونقط القوة فزادوها قوة؛ حتى سادت الروح العلمية في كل مناحي الحياة الاجتماعية وأنظمتها ومحاولة إصلاحها.
وقد علمتنا الحياة أن النجاح يبعث على النجاح، والفشل يبعث على الفشل، فلما نجحوا في تجاربهم الأولى دعاهم النجاح إلى متابعة النجاح بل مضاعفته، فانتقل العالم في هذين القرنين إلى ما كان يعد حلمًا من الأحلام أو ضربًا من الأوهام.
والشرق لا يزال في حاجة إلى هذه الخطوة الأخيرة التي خطاها العالم الغربي، فيتجه نحو حاضره كما هو متجه نحو ماضيه، ويتجه إلى إصلاح دنياه كما هو متجه إلى أخراه، ويعتقد أن في مقدوره أن يصلح ما فسد، ويجدد ما بلى، ويدرك مواضع قوته ومواضع ضعفه، ثم يعالج ضعفه بالعلم، وإذ ذاك يسير في ركب الحياة مع السائرين ويبني مع البانين.

آفة الشرق التقاليد


لعل أهم سبب في تقدم الغرب وتخلف الشرق هو أن الأول يبني حياته على العلم، والثاني يبني حياته على التقاليد والأوضاع الموروثة وحيثما اتفق.
ويظهر هذا الفرق بين الأسلوبين في كل ناحية من نواحي الحياة.
فالزراعة في الشرق — وهي عماد حياته — تجري على التقاليد الموروثة عن آبائنا الأولين، سواء في ذلك الآلات الزراعية التي عرفت من عهد قدماء المصريين والبابليين والأشوريين، ومنهج الزراعة وأساليبها، وليس يستعمل في الشرق الآلات الحديثة والمناهج الزراعية الحديثة إلا أفراد قليلون لا يمثلون أممهم، والعلم الآن قد قلب كل هذه الأوضاع، وأصبح يستطيع بآلاته ومناهجه أن ينتج أضعاف أضعاف ما تنتجه الأساليب القديمة، ولو اتبع الشرق الوسائل العلمية الحديثة في زراعته لأنتج ما يغنيه عن الاستيراد من الخارج، بل لكان مصدرًا كبيرًا للتصدير بعد ما يستكفي حاجته.
إن العلم الحديث يستطيع أن يصلح الأراضي البور في أقرب زمن وبأقل تكاليف، ويستطيع أن يضاعف الإنتاج من الأراضي المزروعة، ويستطيع أن يدخل في الزراعة أصنافًا جديدة لا عهد للشرقيين بزراعتها، ونحو ذلك، وبهذا كله تنقلب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد؛ لأن الفقر ينهزم أمام هذا العلم، ويجد الناس حاجتهم من الطعام في سهولة ويسر، والفقر أساس الجهل والمرض، فإذا انهزم … انهزم معه الجهل والمرض.
ويتصل بالزراعة تربية الماشية، فكم من ألوف منها تنفق كل عام؛ لأننا لا نستخدم العلم في تغذيتها ووقايتها، ولو فعلنا لقل موتها، وقوي جسمها، فانتفعنا بلحومها ونتاجها وقوتها وألبانها انتفاعًا مضاعفًا؛ لا يمنعنا منه إلا أننا نربيها على أساليب العصور القديمة.
بل إن العلم كفيل بقلب الصحراء جنة يانعة، وكفيل بأن يحول الماء المتدفق من الأنهار في البحار سدى إلى ما يمكث في الأرض فيخرج حبًّا ونباتًا وجناتٍ ألفافًا.
•••

وما قلنا في الزراعة نقوله في الصناعة … فصناعتنا في الشرق إلى الآن صناعة بدائية وإن تقدمت قليلًا، وأكثرها جار على الأساليب العتيقة التي يسخر منها العلم الحديث، فكم في أرض الشرق من منابع ثروة تحتاج إلى صناعة في إخراجها كمناجم الصحراء والقوات الكهربائية من مساقط المياه، وكم فيها من مادة خامة لا ينقصها إلا العلم؛ ليعرف كيف يضع الخطط لاستخراجها واستغلالها، وليس يمكن هذا كله إلا بالمال، والمال كذلك يحتاج إلى علم عميق … فمعاملتنا المالية إلى الآن معاملة ساذجة، وتدبير المال وتوزيعه واستغلاله والإشراف عليه من أكبر ما ينقص الشرق.
وعلم الاقتصاد إلى الآن علم لم يتقنه الشرق، وليس يعرف أغنياؤنا من المال إلا أنه وسيلة لشراء العقارات، فإن فهموا قليلًا فشراء السندات، أما استغلاله في الشركات لكشف منابع الثروة وتقدم الصناعات فشيء لم نألفه إلا قليلًا.
•••

فإذا نحن جاوزنا الماديات إلى المعنويات، وجدنا المشكلة هي بعينها، والحل هو عينه، أي إننا نسير حيثما اتفق فنتعثر، وينقصنا العلم لنسير على الجادة.
صحتنا العامة في خطر؛ لأننا لا نستخدم العلم في طرق الوقاية وطرق العلاج، وقد تسلط العلم الطبي في الأمم الحية على الحالة الصحية فيها وأخضعها لنظامه ووقاها من كثير من الأوبئة والأمراض، ولا يزال الشرق في حاجة إلى استكثار منه وإحلاله محل طب الركة وطب التقاليد.
فإذا نحن نظرنا من هذه الزاوية إلى الحالة الاجتماعية والسياسية في الشرق، رأينا عجبًا أي عجب … حتى دعوات الإصلاح تبنى على العواطف والمشاعر لا على أساس العلم، فندعو إلى إصلاح المساكن، وإلى توفير الماء الصالح للفلاح، وإلى مكافحة الأمية، وإلى القضاء على الحفاء … ونحو ذلك، بمجرد العاطفة لا عن درس عميق، فإن الدرس العميق يتطلب تشخيص الداء والاعتماد على الإحصاء، ووجه العلاج، وما يتطلب من مال، وخطوات التنفيذ، وما قد يعترضها من صعوبات، وتهيئة الرأي العام لقبول الإصلاح ونحو ذلك، كل هذا هو الدرس العلمي للمرض الاجتماعي وعلاجه، أما الاكتفاء بالأمل ووضع خطط شعرية للموضوع يهزأ بها الواقع فلا تغني شيئًا، ولذلك فشلت كل ضروب الإصلاح المبنية على الخيال لا على العلم.
وكذلك الشأن في السياسة؛ فقد أصبحت السياسة علمًا بأصول وقوانين مستمدة من التاريخ والتجارب، وقد كشفت الأحداث القريبة في الشرق أن رجالنا ينقصهم علم السياسة، فهم يقابلون الآراء السياسية المبنية على العلم والدرس ووضع الخطط المحكمة، بالآراء المرتجَلة التي تعتمد على الآمال، لا على الدرس والتحليل والتعمق، فيخسرون قضاياهم.
وشأن السياسة الداخلية شأن السياسة الخارجية، كلتاهما علم وفن ما لم يحذقا فالفشل المحقق والاضطراب الدائم.
•••

وهكذا غزا العلم كل ميدان، وصار — في الغرب — الأساس لكل حياة … حياة الزراعة والتجارة والصناعة والاقتصاد والسياسة والتربية وكل شيء، ولا بد لنا ما دمنا قد اعتنقنا المدنية الغربية وسرنا على طريقها أن نسلك خطتها فنبني حياتنا على العلم.
•••

إن ما يحتاج إليه الشرق هو بث الروح العلمية في الأفراد والجماعات، فإذا تم ذلك رأينا انقلابًا خطيرًا في جميع مرافق الحياة … الأم تربي ابنها على أساس علمي، والزارع يزرع أرضه على أساس علمي، وكذلك المالي والسياسي والمصلح الاجتماعي وهكذا، ولم يعد هناك مجال للخرافات والأوهام والأوضاع العتيقة والتقاليد القديمة، بل إني أرى أن الفوضى في مجالسنا وطول جدلنا وعدم وصولنا — بعد الجدل الطويل — إلى نتيجة، سببها في الأعم الأغلب انعدام الروح العلمية؛ لأن هذه الروح من أهم صفاتها خضوعها للمنطق واستعدادها للتفاهم.
وليست تتم سيادة هذه الروح العلمية في أمة إلا إذا عممت المنهج العلمي في دراستها، ونال كل طالب قسطًا وافرًا من العلوم كالطبيعة والكيمياء، وأدخل العلم في المدارس الصناعية والزراعية والتجارية، ونشرت بين الجمهور الثقافة العلمية الشعبية، وأجريت أمامهم التجارب العلمية حتى يروا نتائجها بأعينهم ويؤمنوا بها، فتحل العقائد العلمية محل العقائد الوهمية، ثم يكون على رأس ذلك معهد قوي عظيم للأبحاث يكون مرجعًا لكل المشتغلين في الصناعة والزراعة والمهن، يستهدونه في أمورهم ويستفتونه في مشكلاتهم، وعلى كلٍّ؛ فلا أمل في أمم الشرق إلا إذا بنت حضارتها على هذا الأساس.

موسيقى الحياة


حياة كل فرد موسيقى تصدر من أوتار مختلفة وآلات متعددة، فإذا تناسقت وتناغمت أنتجت صوتًا جميلًا وكانت السعادة، وإن تنافرت وتخالفت أنتجت صوتًا قبيحًا وكان الشقاء.
في جسم الإنسان كثير من الأعضاء وعدد عديد من الغدد وما لا يحصى من الأعصاب، لكل منها وظيفة، وكل وظيفة لعضو أو غدة أو عصب يجب أن تتناغم وتتناسق مع وظائف الأعضاء والغدد والأعصاب الأخرى؛ حتى تتوافر الصحة في البدن، فإذا قصر أحدها في أداء وظيفته كان المرضُ، وليس المرض إلا «نشازًا» في النغم وتنافرًا في موسيقى الجسم.
كذلك هذا الجسم يحوي عناصرَ مختلفةً من جير وفوسفور وحديد وفحم وهيدروجين وأكسيجين ونتروجين ونحو ذلك، ويجب أن تكون هذه العناصر موزعة على الجسم بنسب معينة، إن زادت اختل، وإن نقصت اعتل، وكل خلية في الجسم وكل ذرة من ذراته يجب أن تؤدي واجبها وتأخذ — بقدر — غذاءها، وجميعها محكومة بقانون واحد لا تستطيع أن تثور عليه ولا أن تخرج عنه وإلا كان المرض وكان الهلاك.
وربما كان أعجب شيء في هذا الباب عمل القلب والرئة، فالقلب قوة كهربائية هائلة بل هو قوة فوق الكهربائية تعمل في استقبال الدم وتوزيعه، وتساعده الرئة بالتنفس في إصلاح الدم وتطهيره.
وفوق ما للقلب والرئة من عمل فيسيولوجي، لهما أيضًا قوة روحية عجيبة أعظم من قوة الكهرباء تكون بها الحياة، وإلا كان تحريك القلب والرئة بالوسائل الصناعية وسيلة من وسائل مد الحياة، مع أن الحياة لا يمكن أن تمد بهذا العمل المادي الصناعي؛ لفقدان القوة الروحية العجيبة. وأيًّا ما كان؛ فالنظر في أعضاء الجسم ومكوناته العديدة يشعرنا بأنه يقوم بحركة موسيقية معقدة أتم التعقيد، لا تنسجم ولا ينبعث عنها الصوت الجميل إلا بشروط كثيرة قلما تتحقق؛ لأنها لا تتحقق إلا بتأدية آلاف مؤلفة من الخلايا وظائفها، أو بعبارة أخرى بتوقيع نغماتها على أكمل وجه وأتم تناسق.
وكما يجب التناسق بين أجزاء الجسم بعضها وبعض يجب التناسق بينها وبين بيئتها الخارجية من حر وبرد، ورطوبة وجفاف، وغذاء وملبس، ونحو ذلك، فإذا اختل هذا التناسق والتناغم اعتلت الصحة، وكل علمنا بوظائف الأعضاء وتكوين الجسم وما يحيط به من بيئة ليس له غرض إلا إيجاد هذا التناسق والانسجام.
فإذا نحن انتقلنا إلى بيان ضرورة التناسق بين الجسم والعقل والنفس فالأمر أصعب وأدق، فكثير من شقاء الناس يرجع إلى أن عقلهم لا يتناسق وجسمهم، أو أن نفسهم لا تتناغم مع أجسامهم، فكل من العقل والنفس والجسم تتفاعل وتكون موسيقى؛ قليلها منسجم، وكثيرها نشاز، والخلق الفاضل والغرائز المحكومة والشهوات المعتدلة ليست إلا نتاجًا لتناسق القوى وتناغم الملكات، والرذائل والغرائز الجامحة والشهوات العارمة ليست إلا نشازًا في النغمات نشأ من فقدان التناسق؛ قد يعني الإنسان كل العناية بجسمه ويهمل عقله ونفسه، فتعلو نغمة الجسم وتهبط نغمة العقل والنفس فتفسد الموسيقى ويكون الشكل شكل إنسان والحقيقة حقيقة حيوان، وينعدم التناسق ويختل التوازن، وقد تعلو نغمة العقل وتضعف نغمة الجسم فيكون العكس، وفي كلتا الحالتين لا تناسق.
وبعد؛ فالعالم كله موسيقى ضخمة كبيرة هي أكثر تعقيدًا من حياة الفرد؛ لأنها أكثر آلات وأوتارًا … آلات تمثل البدن وآلات تمثل العقل والروح، نغمات اقتصادية، ونغمات اجتماعية وسياسية، ونغمات فلسفية، ونغمات روحية، وما لا يحصى من عوامل منبثة في جميع أنحاء العالم، وكلها تعمل في تكوين الموسيقى العالمية، وتؤلف نغمات مختلفة تتجاوب وتتفاعل.
ومع الأسف لم تكن هذه الموسيقى يومًا من الأيام متناسقة منسجمة، ولو حدث هذا يومًا لكان أسعد الأيام وأمتعها، لو حدث هذا ما كان جوع بجانب تخمة، ولا نعيم بجانب شقاء، ولا استعمار، ولا رق، ولا إجرام دولي، ولا أمم كبيرة تنتهك حرمة أمم صغيرة، ولا سلاح، ولا حرب، ولا دسائس دولية، ولا مؤامرات أممية؛ لأن هذه الأمور كلها وأمثالها «نشاز» في موسيقى العالم.
إن هذا «النشاز» نشأ من طغيان بعض عناصر الحياة على البعض الآخر، كما يطغى في الموسيقى صوت الرق على صوت العود أو القانون.
إن عناصر الحياة ثلاثة: عنصر مادي يخدم الأبدان، وعنصر عقلي يخدم التفكير، وعنصر روحي يحيي النفس، وجمال الموسيقى في تعادلها وتناسقها، فلما طغى عنصر المادة في المدنية الحديثة على العنصرين الآخرين أفسد الحياة.
إن موسيقى المدنية الحديثة طنانة رنانة مقلقة للراحة مفسدة للذوق، ترتفع بعض آلاتها حتى تكاد تصم، وتخفت بعض آلاتها حتى لا تكاد تسمع، ومن أجل هذا فقدت تناغمها، فضاع جمالها.
تقدمت في الصناعة، ولكن صناعاتها ومخترعاتها كانت لخدمة البدن وما إليه فحسب.
والتعليم في أساسه موجه إلى النجاح المادي في الحياة، ومناهجه في الجغرافيا والتاريخ والرياضة واللغات وسائر مناهج الدراسة تهدف إلى النجاح في الوظيفة أو النجاح في العمل، والعقل ارتقى كثيرًا عما كان عليه في القرون السابقة، ولكنه وضع لخدمة الحياة المادية أيضًا لا لخدمة التعاون ولا لخدمة الإنسانية.
والأخلاق وجهت هذه الوجهة نفسها؛ فالصدق، والمحافظة على المواعيد، وتقويم الزمن، والثقة بالنفس، ونحو ذلك — وضعت في أعلى قائمة الأخلاق؛ لأنها أخلاق تجارية، أعني أنها تنفع في عالم التجارة وعالم الأعمال، أما الرحمة، والإنسانية، والعطف، والتعاون — فوضعت في أسفل القائمة بعد أن فسرت تفسيرًا ماديًّا، وحسبك أن المدنية الحديثة إذا ربت طيارًا مثلًا علمته الشجاعة والإقدام والاستعداد لتضحية النفس في الحرب، ولكنها لا تعلمه تقدير حالة من يطلق عليهم القنابل ومن تصيبهم من غير المحاربين، ولا تعلمه أن يرعى الإنسانية كما يرعى القومية.
وهكذا اتجه العلم فنظر إلى المادة ولم ينظر إلى روحها، واستُخْدِمَ فيما يفيد جسم الإنسان لا ما يفيد قلبه.
أصبح العالم في وضعه الحاضر كجسم اختل توازنه وانعدم تناسقه، فاتسعت إحدى عينيه وضاقت الأخرى، وطالت إحدى يديه وقصرت الأخرى، واستقامت إحدى رجليه وعرجت الأخرى، فكان مشوهًا يستخرج من الناظر النفور والاشمئزاز، وهذا هو سر ما يعانيه العالم من شقاء: خوف شامل، واستعداد لقتال هائل، واضطراب في نظم الحكم ليس له من قرار، وانقسام العالم إلى معسكرين أو معسكرات، تتهاجى وتتراشق بالتهم ويفر كل من تحمَّلَ المسئولية ليلقيها على غيره، وهكذا وهكذا من أنواع الشرور التي تهدد بالفناء، وتكاد تجعل موسيقى العالم كلها «نشازًا».
ولا أمل — مطلقًا — في صلاحه إلا إذا أصلحت من جديد آلاته، ونظمت أصواته، ونسقت نغماته.

عالم كذاب


ظلم الناس أبريل؛ إذ أضافوا إليه الكذب، فقالوا: «كذبة أبريل»، كأنه الكاذب وحده، أو كأن الكذب يقال في يوم من أيامه وحده، وكأن ما عداه من الأيام مظنة الصدق وقول الحق، مع أن كل الأيام في الكذب سواء، فكل الأيام كاذبة، وكل الأشهر كاذبة، لا يختلف فيها يوم عن يوم ولا شهر عن شهر، بل إن العالم كله كذب في كذب، أسس على الكذب وبني على الكذب، وكيف لا يكون هذا العالم كذابًا، وقد خرج إلى الوجود بكذبة كذبها إبليس على آدم وحواء؛ إذ قال لآدم: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى? شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى? * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا، ثم ظهر أنها لا هي شجرة الخلد، ولا هو ملك لا يبلى، إنما هي شجرة الكذب، وإنما هو الملك الفاني الزائل.
كل شيء في العالم كذاب، الدنيا نفسها خداعة كذابة، تتبهرج أمام الناس كما تتبهرج المرأة الخليعة، فتفتنهم عن مسلك الحق وعيشة الصدق، تغريهم بمفاتنها ومباهجها؛ حتى يركنوا إليها ويطمئنوا لها، كأنها خالدة وهم خالدون، وتصرفهم عن التفكير في المستقبل والمآل، فهؤلاء فتنوا بالمال ووجهوا كل حياتهم إليه، ينفقون في جمعه أعمارهم؛ يكسبونه ويدخرونه، أو يكسبونه وينفقونه، وهم يتحاربون من أجله، ويتخاصمون من أجله، ويتعادون من أجله، كأنه غاية الغايات في الحياة، وكأنهم خلقوا له، وعاشوا من أجله، هو تفكيرهم بالليل، وهمهم بالنهار، يبيعون من أجله الحق والشرف والخلق والصداقة، وكل هذا من خداع الدنيا لهم وكذبها عليهم، ثم ينتهي الأمر أخيرًا إلى عجز أو شيخوخة أو مرض أو موت؛ حيث تنكشف الخديعة بعد فوات الأوان.
وهؤلاء آخرون يُخدعون بالجاه، فيتكالبون عليه، ويتنازعون من أجله، ويضيعون مصالح الناس لكسبه، ويبذلون في سبيله الخلق والعزة والنبالة، ثم يستخدمونه في ذل الناس وإهانتهم واحتقارهم، وبعد ذلك كله ينجلي الأمر عن كذبة من كذب الدنيا، وخدعة من خدعها، فإذا كل ذلك هباء.
ومثل الذي قلنا في المال والجاه، نقول في مباهج المرأة وفتنتها، والخمر وشعشعتها، والميسر واستغوائه واستهوائه، فكل هذه لذائذ عارضة، تتزين بها الدنيا لتفتن بها العقول، وتخدع بها النفوس، ثم ينجلي الأمر بعد ذلك كله عن كذبة فادحة، أين منها كل أكاذيب أبريل؟!
•••

فإذا نحن انتقلنا من الدنيا إلى أبناء الدنيا، وجدناهم كأمهم؛ رضعوا الكذب، ونشأوا في الكذب، وعاشوا في الكذب، هم كاذبون حتى بما يتزينون من ملابس، وإلا فلماذا زر الطربوش؟ ولماذا رباط الرقبة؟ ولماذا ثنية البنطلون؟ ولماذا الأزرار في جانب اليدين؟! وهم كاذبون في مأكلهم، فلماذا مظهر الكرم، وهو فوق المستطاع؟! والتباهي بالموائد، تقدم للأغنياء وتمنع عن ذوي الحاجات؟! ولماذا الإفراط في تعدد الأصناف، وهي فوق حاجة الجسم؟!
ثم ما هذا الكذب في كل مجتمع صغر أو كبر؟ فالبيت مملوء كذبًا، يكذب الرجل على زوجته، والزوجة على زوجها، والأولاد على آبائهم في كل يوم وفي كل ساعة، إما كذبًا بالقول أو كذبًا بالفعل، ومصالح الحكومة مملوءة كذبًا، رئيس يكذب على مرءوسيه، ومرءوسون يكذبون على رئيسهم، ورئيس ومرءوسون يكذبون على من اتصل بهم من أصحاب الحاجات، فكل مصلحة كأنها مصنع كذب، والمتاجر والمصانع كلها كذب في كذب، فمن أساس التجارة الإعلان الكاذب، والعرض الكاذب، والإيهام الكاذب، والأيمان الكاذبة، ويتبادل سوءَ الظن في المصانع العمالُ وأصحاب رءوس الأموال، كل فيها خادع ومخدوع.
ثم كل طائفة من الطوائف، وكل طبقة من طبقات الناس، لها كذبها في حرفتها ومهنتها، وسلوكها ومعاملاتها؛ حتى أصحاب الفضيلة ورجال الدين ووعاظ الأخلاق ومن نصبوا أنفسهم لمحاربة الرذيلة، إن أنت كشفت عن مظهرهم البراق، رأيت العجب العجاب، وما يحير الألباب؛ كالذي يقول المعري:
رويدك قد غررت وأنت حر بصاحب حيلة يعظ النساء يحرم فيكم الصهباء صبحًا ويشربها على عمد مساء يقول لكم غدوت بلا كساء وفي لذاتها رهن الكساء وإن أنت نظرت إلى رجال السياسة، فالطامة الكبرى والمصيبة العظمى، فاللغة كاذبة؛ لا بأس عندهم أن يسموا الاحتلال انتدابًا، بل لا بأس أن يسموه استقلالًا، وأن يسموا القوة القاهرة المتغلبة «معاهدة على قدم المساواة»، ويسموا التوجيه بالقوة والقهر مجرد نصح وإشارة، والمستبد المالك للسلطان مستشارًا، ولا بأس أن يضعوا المبادئ لتحكم القوي في الضعيف، ويسموها المبادئ العشرة أو ميثاق الأطلنطي، وأن يقولوا في الحرب ما ينقضونه في السلم، ولا بأس عندهم أن يضعوا المبادئ الجذابة والقوانين العادلة، فإذا هم طبقوها نسوا عدالتهم وذكروا ظلمهم، ولسنا ننسى في هذا المقام أفاعيل الأحزاب، وأكاذيب الزعماء والتكالب على الحكم، بدعوى إقامة العدل، وتضحية الجم الغفير من الناس لمصلحة زعيم من الزعماء، تحت ستار رفع الظلم ونصرة الحق، وتلوين الحق بلون الباطل، والباطل بلون الحق، والنظر إلى الأشياء نظرة ضيقة متعصبة؛ حتى إن الشيء الواحد حق كل الحق إذا صدر من الحزب، وباطل كل البطلان إذا صدر من خصومه، كما لا ننسى كذب التاريخ السياسي مثل ما تكذب السياسة، فمؤرخو الألمان ينسبون سبب الحرب إلى خصومهم، وخصومهم ينسبونه إليهم، ثم هؤلاء وهؤلاء لا يتورعون عن أي كذب في سبيل الدعاية، وهم قادرون على أن يلونوا كل ما يخدمهم باللون الزاهي الجميل وكل ما يضرهم باللون القاتم الأسود.
•••

وما بالنا نذهب بعيدًا؛ والإنسان لا يكتفي بأن يكذب على غيره، بل هو شر ما يكون حين يكذب على نفسه، وكثيرًا ما يكون ذلك، فهو يظلم الناس، ويظن أنه عادل، ويأتي بالشر، ويظن أنه يفعل الخير، ويفعل الفعل تدفعه إلى عمله مصلحة شخصية، ويظن أنه إنما يفعله للمصلحة العامة، وتصدر عنه أسوأ الأعمال فيلونها أمام نفسه بأنها خير الأعمال، فإن تنازل عن ذلك قليلًا، واعترف بفعلته أنها جريمة، خلق لنفسه المعاذير أشكالًا وألوانًا، وقلما ترى في هذا العالم شريرًا يعتقد أنه شرير، أو مجرمًا يرى أنه مجرم، وهو إلى ذلك يحاول أن يسمي الأشياء بغير أسمائها، فيسمي الرشوة هدية، ويسمي التحايل مهارة، ويسمي ظلم الناس لمصلحة أقاربه أو أصدقائه قدرة على النفع … حتى الأدباء سموا كذب الشعراء خيالًا، والمغالاة في التشبيه مبالغة، وهكذا مما لا يحصى ولا يعد.
•••

إن كانت الدنيا تكذب، وكل طائفة تكذب، وكل إنسان يكذب، والعالم كله يكذب، فأين الصدق؟! إن هذا العالم عالم كذاب، بني ما فيه على الكذب؛ حتى لو استطاع إنسان أن يصدق في كل شئونه مع الناس ومع نفسه لعاش غريبًا ومات غريبًا، ولو تصورنا عالمًا صادقًا كل الصدق لكان عالمًا مخالفًا لعالمنا كل المخالفة، لا يمت إلى عالمنا هذا بسبب، فليست المسألة مسألة كذبة أبريل، بل العالم كله أبريل.

كن سيدًا ولا تكن عبدًا


أما العربي الأول فقال:
العبد يُقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة يريد أن العبد جامد الحس، غليظ الطبع، لا يمعل ما يعمل أو يترك ما يترك إلا خوفًا من العصا، أما الحر أو السيد فرقيق الحس، لطيف الطبع، يكفيه وحي الضمير، أو اللمحة الخاطفة، أو الإشارة العابرة.
ولو ترجمنا هذا إلى التعبير الحديث لقلنا: إن العبد يعبد القوة ولا يعبد إلا القوة، وإن السيد يخضع للواجب ولا يخضع إلا للواجب.
قد يكون كل يقدس القوة ويخضع لها، ولكن العبد لا يفهم إلا القوة المادية المرموز لها بالعصا، والسيد يخضع لقوة المعاني وقوة الضمير المرموز إليها بالإشارة.
•••

يروون أن أبا محجن الثقفي كان يهدد بالجلد إذا شرب الخمر فشربها، فلما عفي عنه تركها؛ لأنه أبى أن يطيع العصا كما يطيع العبد، فلما أمن العصا أنصت لصوت الضمير؛ لأنه سيد.
احتفظ بهذا المعنى، وتعالَ معي نَجُلْ في الأمم؛ لنعلم أيها يتخلق بأخلاق السادة، وأيها بأخلاق العبيد … فإن رأيت الموظف تكدس أمامه الأوراق تشتمل على مصالح الناس، فإن علم أن ورقة منها تتصل بغني من الأغنياء، أو باشا من الباشوات، أو رئيس من الرؤساء، أو زميل له يبادله الرجاء نفذها في سرعة البرق، وإن كانت لفقير من الفقراء، أو ضعيف من الضعفاء، أو لمن لا حسب له ولا نسب، أهملها وتركها تتراكم عليها الأتربة … وتنسى في الأدراج حتى يمل صاحبها فييأس، ويفوض أمره إلى المنتقم الجبار … فهذه أخلاق عبيد لا أخلاق سادة.
وإن رأيت النبيل يسمو فوق القانون فلا تعد مخالفته مخالفة ولا إجرامه إجرامًا، وإذا جرؤ أحد على سؤاله عما ارتكب، عد قليل الأدب فاقد الذوق، وقد يهان أو يعاقب؛ لأنه تجاوز حده؛ فتجرأ أن سأل النبيل كيف خالف القانون؟!
أو رأيت الغني أو الوجيه يسكن بيتًا في شارع؛ فسرعان ما يرصف له الشارع، ويضاء بالكهرباء، ويمد بيته بالتليفون، وتقوم له الدنيا وتقعد، وتسكن أسر وأسر من الفقراء في حي من الأحياء فلا يُعْنَى بحاراتهم، ولا تكنس، ولا ترش، ولا تضاء، وتفتك بهم الأمراض فلا يلتفت أحد إليهم.
وإذا رأيت الغني يتبرع بالألف أو الألوف من ماله للمدير أو الأمير، ولا يتبرع بالدرهم الواحد للفقير إذا لم يتدخل بينهما عظيم، فهو لا يؤمن بخير مستشفى أو ملجأ أو مدرسة أو جمعية خيرية أو مسجد لله، ولكنه يؤمن فقط بسلطة المدير أو الوزير أو الوجيه.
أو رأيت الموظف الصغير يذل ذلًّا لا حد له أمام الموظف الكبير، ثم هو يطغى أشد طغيان على ذوي المصالح من الجماهير، كالشرطي أذل ما يكون أمام ضابطه، وأقسى ما يكون على الباعة في دائرته، أو كالموظف تدخل عليه تسأله في شأن من شئونك الموكولة إليه، فإن لم يعرفك تجهم لك ونأى بجانبه عنك، ورد — إن رد — في غلظة وجفاء، فإن عرف أنك ذو جاه بلقب أو وظيفة أو ثروة تحول من النقيض، فبش في وجهك، وتظرف في حديثه، وقدم لك سيجارة وقهوة، واعتذر لك؛ لأنه لم يكن يعرفك، كأنه ليس واجبًا عليه أن يؤدي عمله إلا لمن يعرفه.
أو رأيت البيت تحت سيطرة مستبد، وسائر من في البيت لا إرادة لهم؛ فإما أن يقوى الرجل فيطغى؛ ولا أمر إلا أمره، ولا نهي إلا نهيه، وإما أن تقوى المرأة فمعاذ الله من سلطانها.
أو رأيت أهلها تخيفهم وتهينهم فيخضعون، وتكرمهم فيتمردون، والناس فيها أحد رجلين: رجل لم يتمكن فيتمسكن؛ فهو ذليل مراء منافق متملق، ورجل تمكن فتجبر؛ فلا قول إلا قوله ولا رأي إلا رأيه.
أو رأيت مجالسها وهيآتها تتخذ شكل الشورى ولا شورى، فأغلبية وأقلية وأخذ أصوات وسماع بيانات؛ وذلك في الظاهر لا الباطن، وإنما تعمل ما تعمل بالوحي الخارجي لا بالوحي الذاتي.
أو رأيت ميزانيتها تؤسس إيراداتها ومصروفاتها على رعاية ذوي الجاه دون عديمي الجاه، وعلى الإسراف في الكماليات قبل استيفاء الحاجيات.
إن رأيت هذا في أمة؛ فاعلم أن أخلاقها أخلاق عبيد لا أخلاق سادة.
•••

أما إن رأيت الأمة يسود فيها اعتقاد كل فرد بأنه مثل كل فرد آخر له حقوقه وعليه واجباته، إن اختلفوا في الفقر والغنى، أو اختلفوا بين مرءوس ورئيس، أو اختلفوا في الحرف والمهن، أو اختلفوا في الألقاب، فلم يختلفوا في أنهم ناس؛ لكلٍّ حريتُه، ولكلٍّ حقه في الحياة، ولكل حقه في ضروريات العيش، ولكل حقه في أن يُحترم، وكلهم أمام القانون سواء، وأمام الموظفين سواء، وكلهم في نظر العدالة سواء، مصالحهم المعقولة مقضية، وأوراقهم أمام الموظف مرتبة حسب دورها لا حسب وجاهة أصحابها؛ فهم في الحياة كفرقة التمثيل، قد يمثل أحدها فقيرًا، وقد يمثل أحدها أميرًا، ولكن كل يقدر في التمثيل حسبما أجاد؛ لا حسب الموقف الذي مثله، وكلهم أمام رئيس الفرقة إنسان له حقوقه وعليه واجباته.
ورأيت الناس فيها يُقدَّرون بأعمالهم لا بمظاهرهم، وبكفاياتهم لا بأقاربهم ولا بأنسابهم، وبحقيقتهم لا بتهويشهم، والرأي فيها يوزن بحقيقته لا بمن قاله، والقوي الذي أجرم ضعيف أمام القانون حتى ينتصف منه، والضعيف الذي اعتدى عليه قوي حتى يعطى حقه.
ورأيت الناس فيها يؤدون واجبهم لضميرهم لا لخوفهم أو طمعهم، يتبرع الأغنياء للمستشفيات أو الملاجئ أو الجمعيات الخيرية؛ إرضاءً لشعورهم لا لمديرهم، ورفقًا بالناس لا خوفًا من أولي البأس.
ورأيت حب الشورى ونظام الشورى يجري في دمائهم؛ فالبيت برلمان صغير لا يستأثر بالسلطة فيه رجل ولا امرأة، والمجالس والهيئات كذلك لا يستبد بها الرئيس، ولا توحى فيها الآراء والقرارات من وراء ستار، والبرلمان برلمان حق تصدر فيه الآراء عن بحث ودرس واقتناع، أسخط السلطة التنفيذية أو أرضاها، نقم عليه الرأي العام أو صفق له.
إن رأيت هذا في الأمة فأخلاقها أخلاق سادة لا أخلاق عبيد.
•••

العبد لا يعمل إلا بالخوف، والسيد لا يعمل إلا بالرغبة، العبد لا يتحمل المسئولية؛ لأنها تتطلب الشجاعة، والسيد يتحمل المسئولية ويسعى لتحملها؛ لأنها توافق رجولته، الحكومة في نظر العبد جبروت، وفي نظر السيد مشرفة، السلطات في نظر العبد مفزعة مرهبة، وفي نظر السيد موجهة مرشدة، فإن عدت طورها استحقت عزلها.
•••

ولكن هل في الإمكان تحويل العبيد إلى سادة، وأخلاق العبيد إلى أخلاق سادة؟
هذا السؤال هو بعينه سؤال هل تتغير الأخلاق؟ ونحن إذا غضضنا النظر عن النظريات الفسلفية في ذلك، ونظرنا إلى الواقع المحسوس وجدنا الإجابة عن هذا السؤال واضحة جلية؛ فالأخلاق في تغير مستمر سواء في ذلك أخلاق الأفراد أو الأسر أو الأمم، فكم رأينا من أفراد كانوا سادة؛ ثم صاروا عبيدًا، وبالعكس! وكم من أسر كانت نبيلة ثم صارت خسيسة وضيعة، والعكس! وكانت الرومان — مثلًا — سيدة عزيزة يوم كانت تعمل للمجد وتخلق الزعماء وقادة الجيوش والقانون ونحو ذلك، ثم أخلدوا إلى الراحة وأسرفوا في الترف وتركوا الأعمال للأرقاء، فذلوا وغلبت عليهم أخلاق العبيد، وهكذا نرى كل يوم أمثالًا من سادة ذلوا، أو أذلة عزوا.
وشواهد التاريخ تدلنا على أن أكبر ما تُمْنَى به السيادةُ الفقرُ والجهل؛ فهما إذا سلطا على فرد أو أسرة أو أمة — من ظلم حكامها — هدما سيادتها وحولاها إلى كلب ذليل؛ حتى إذا أيسرت بعد الفقر، وعلمت بعد الجهل، أخذت الحياة تدب فيها، والعزة تتمشى في مفاصلها، ومخايل السيادة تبدو عليها، فمن أراد السيادة فليسلكْ طريقَها.

لو عاد موسى وعيسى ومحمد


يحكى أن موسى وعيسى ومحمدًا — عليهم السلام — تواعدوا أن ينزلوا إلى الأرض؛ ليروا أممهم، ماذا صنعوا بتعاليمهم، وكيف اتبعوا أوامرهم ونواهيهم، وكيف أثر فيها الزمان وأحداث الأيام، ورسموا خطة: أن يختار كل منهم دليلًا يطوف معه في أهم الأصقاع التي يسكنها قومه، ويوضح له خصائصهم ومسالكهم في الحياة وتقلبهم في شئونها؛ حتى إذا أتموا رحلتهم اجتمعوا في «بيت المقدس»؛ ليقرروا ما يعملون فيما سيعلمون.
فأما موسى — عليه السلام — فصحبه دليل يهودي عليم خبير … طوف به في أوربا وأمريكا، وأطلعه على براعة قومه في المال وجمعه واسغلاله، كيف يقرضون وكيف يرابون وكيف يؤسسون البنوك، وكيف يستولون بواسطتها على الصناعة والتجارة، وكيف يقبضون على زمام الأمور في الأمم عن طريق المال؛ لأنه عصب الحياة، وكيف أن لهم في كل شركة إصبعًا، وفي كل مؤسسة مالية أو تجارية أو صناعية يدًا؛ حتى إن لهم في كل الشعوب التي يحتلونها أطايب الكسب، وأعاظم الربح، وليس للشعوب إلا ما يتبقى بعد شبعهم، وما يفيض بعد أن تمتلئ أيديهم.
وقال: إن قومي متواضعون لم يترفعوا عن أية مهنة، ولم يتكبروا على أية صناعة، فأي شيء يدر المال مجال نشاطنا ومبعث همتنا، وبذلك سدنا وسيطرنا … حتى كان لنا في أمريكا شارع تجاري يسيطر على أمريكا الشمالية والجنوبية كلها، وحتى كان منا ستة ملايين فيها يسيطرون على مئة وأربعين مليونًا، وقد وجهنا عناية خاصة إلى الصحافة والسيطرة على كثير منها حتى يكون الرأي العام في قبضة أيدينا ما أمكننا، وأعددنا سجلًّا في كل مملكة لعظماء الرجال ندون فيه موضع قوتهم وموضع ضعفهم لنستغل ذلك أحسن استغلال إذا دعت الحال، فمن كانت أمنيته الانتخاب هددناه ومنيناه، ومن كانت أمنيته غير ذلك فغير ذلك؛ سيرًا على مبدأ «إن الغاية تبرر الوسيلة». ومن أجل ذلك عظم سلطاننا في الدول؛ فمنهم من غار منا فانتقم … ومنهم من كرهنا وكتم، ونحن لا نعبأ بحبهم أو كرههم ما دمنا نحسن استغلالهم.
قال «الدليل» ذلك كله لموسى — عليه السلام — بلهجة المزهو المفتخر الذي يستخرج إعجاب سامعه … فسكت موسى ولم يقل شيئًا ولم يبد سخطًا ولا إعجابًا، وكل ما يذكره الراوي أن الدليل مرة أرى موسى بنكًا؛ فسأله موسى: أين المعبد؟ وشرح الدليل مرة نجاحهم في أساليب السياسة، فسأله موسى عن وجه الحق فيها، وعلى الجملة فقد تكلم الدليل عن الأرض فسأله موسى عن السماء.
وطار إلى فلسطين، فأراه الدليل نشاط اليهود في إعادة دولة سليمان، وكيف استخدم قومه نفوذهم وجاههم ومالهم؛ لتأسيس هذه الدولة، وكيف حاولوا حمل الدول على الاعتراف بالتقسيم، وسيتلوه الامتداد شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا حتى يعود لنا ملكنا القديم ونسيطر على العالم أجمع، وهنا لم يستطع موسى أن يكتم اشمئزازه وغيظه، فيدوي اسمكم — يا سيدي — في كل مكان، وأراه مدينة تل أبيب وشرح له كيف شيدت، ثم ختم رحلته معه ببيت المقدس، ولم يزد موسى على أن قال: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـ?ذَا نَصَبًا.
•••

وأما عيسى — عليه السلام — فقد حار دليله قبل مجيئه ماذا يريه، فعقد لذلك مؤتمرًا من أقطاب النصارى ظل منعقدًا أسبوعًا، وأخيرًا قر الرأي على أن يكون البرنامج إطلاعه — عليه السلام — على المدنية الغربية ممثلة في نواحيها المختلفة؛ لأنها وليدة النصرانية كما أن النصرانية وليدة عيسى، فأراه الدليلُ المدنيةَ بعنصريها المادي والمعنوي من آلات وصناعات ومخترعات، ومن علوم وفلسفات، ومن نظم الحكم في شتى أشكالها، وأساليب التربية في مختلف وسائلها، وأراه المدارس والجامعات والبرلمانات، وشرح له كيف أن النصرانية الآن تتوزعها الشيوعية والديمقراطية بعد أن قضت على النصرانية النازية، وأن الخلاف بين النصرانية الشيوعية والنصرانية الديمقراطية قد بلغ في هذه الأيام أقصى حده؛ حتى ليوشك أن تقع بينهما حرب تقضي على العالم.
وبهذه المناسبة أراه معرضًا للآلات الحربية من القرون الوسطى إلى اليوم … من السيف والخنجر والدرع وما إليها، إلى المدافع القنابل وما إليها، إلى الطيارات والغواصات والدبابات والصاروخات وما إليها، إلى القنابل الذرية وما إليها، فقال عيسى — عليه السلام — عند خروجه من المعرض: «مرحى مرحى» ولم يتبين الدليل جيدًا، أقالها معجبًا أم قالها متهكمًا؟ لأن نغمتها كانت بين بين، ثم قال الدليل: «إننا يا مولاي بفضل هذه المدنية سدنا العالم وحكمنا الشرق والغرب … فكل الأمم أتباعنا وكل الأديان خاضعة لنا» وأخيرًا طار به إلى «بيت المقدس» فأحب أن يزور أماكنه الأولى أيام كان على الأرض حتى يأتي موعد الاجتماع.
•••

وأما محمد عليه السلام فأطلعه دليله على العالم الإسلامي، من تركيا وفارس والهند والعراق والشام ومصر والحجاز إلخ … وأراه خريطة تدل على اتساع رقعة الممالك الإسلامية في أزهى عصورها، كما أطلعه على المدنية الإسلامية في أوج عزتها من أبنية فخمة، وآثار ضخمة، وفنون رائعة، وعلوم واسعة، وأراه المكتبات وأراه ما أنتجته عقول المسلمين من آراء وأفكار، وكيف سادوا العالم في أيام عزهم، وكيف تقدموا الغرب إذ ذاك فكانوا أساتذته في العلوم والفنون والصناعات حتى كانت حضارتهم أساسًا لما بني عليها من حضارات غيرهم.
وكان ماهرًا؛ إذ اختار شخصًا يعد — بحق — نموذجًا للمسلم في العصر الحاضر، وأخذ يحلله لمحمد — عليه السلام — ويشرح له أخلاقه وعقائده ونفسيته شرحًا واسعًا مستفيضًا؛ حتى كأنه في شرحه له، وتحليله لعقائده، قد شرح له حال المسلمين جميعًا.
ثم طار به إلى فلسطين؛ حيث أراه النزاع الدائر بين العرب والصهيونيين، وموقف أوربا وأمريكا إزاء هؤلاء وهؤلاء، وأخيرًا وصلا إلى بيت المقدس.
•••

قال الراوي: «إن الثلاثة — عليهم السلام — اجتمعوا عند الصخرة في بيت المقدس يتداولون بينهم فيما شاهدوا، وما يجب أن يعملوا».
محمد: «لقد رأيت عيب أمتي: إنهم ينظرون إلى ماضيهم أكثر مما ينظرون إلى حاضرهم».عيسى: «ورأيت عيب أمتي: إنهم ينظرون إلى حاضرهم أكثر مما ينظرون إلى ماضيهم؛ حيث منبع ديانتهم».موسى: «ورأيت عيب أمتي: إنهم ينظرون إلى جيوبهم أكثر مما ينظرون إلى قلوبهم».محمد: «ورأيت عيب قومي: إنهم بالغوا في الروحانيات حتى مزجوها بالأوهام والخرافات».عيسى: «أما عيب قومي: فإنهم أفرطوا في الماديات وأهملوا الروحانيات».موسى: «وعيب قومي أنهم أخضعوا الروحانيات للماديات، وأخضعوا الماديات للشيكات».محمد: «وعيب قومي أنهم نسوا وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ …».عيسى: «وعيب قومي أنهم بالغوا في الإعداد للقوة؛ حتى صارت موضع الضعف في الحضارة النصرانية».موسى: «وعيب قومي أنهم فسروا القوة التي يعدونها بكل الوسائل؛ حتى ما كان منها خسيسًا وضيعًا».محمد: «وعيب قومي أنهم عددوا الآلهة من جاه وسلطان وحكام، ونسوا أساس الدين وهو لا إله إلا الله».عيسى وموسى: «ذلك شأن أممنا جميعًا».عيسى: «وهل نعود إلى الأرض نجاهد من جديد؛ لنملأها عدلًا كما ملئت جورًا؟»محمد: «قد كان ذلك والناس في غفلة من أمرهم، والحق يعمى عليهم، أما وقد بينا الحق، وتكفل الله أن يحفظه إلى اليوم وبعد اليوم، ونضج عقل الناس، ولكن أعمتهم شهواتهم، فلا سبيل إلا أن يتركوا وشأنهم، يتعلمون السعادة من الشقاء، ويعرفون فضل الجنة بعذاب النار، إن للناس قلوبًا ولكن لا يفقهون بها، وعيونًا ولكن لا يبصرون بها، وآذانًا ولكن يسمعون بها، فليجنوا ثمرة عماهم وصممهم وجحود قلوبهم؛ حتى يستفيقوا من غفلتهم، وماذا نعمل أكثر مما عملنا، وكتب الله بينهم، وعقولهم في رءوسهم، وأفئدتهم بين جنوبهم؟ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. وأمن موسى وعيسى على هذا الرأي، وقالوا جميعًا: «إلى السماء».

السينما والشباب


أصبحت السينما في المدنية الحديثة إحدى الدعائم الثلاث التي تكون الرأي العام وتوجهه، وتثقف الشعوب وتغذي عواطفها وتسليها؛ وهي: الصحافة، والإذاعة، والسينما.
وقد أحصى بعض علماء الأمريكيين — وهم المولعون بالإحصاء — دور السينما في العالم سنة ???? فكانت نحو سبعين ألف دار، منها نحو ??? في أمريكا وحدها، وجاء في الإحصاء أن الأمريكيين الذين يغْشُون هذه الدور بين ستين مليونًا وثمانين مليونًا في الأسبوع، ومن هؤلاء من يغشونها أكثر من مرة، وأمعنوا في الإحصاء فأحصوا من كان منهم في سن الطفولة والمراهقة، ومن كان في سن الشباب ومن هم فوق ذلك، وحسبنا هذا دليلًا على أثر السينما في الشعوب وأهميتها في حياة الناس.
وقد زاد أثرها بتحولها من سينما صامتة إلى سينما ناطقة؛ فقد كانت وهي صامتة تقصر عن عرض بعض العواطف والمعاني الدقيقة فيستعاض عن ذلك بالمبالغات في التمثيل، فلما تحولت إلى ناطقة استكلمت هذا النقص، وكانت وهي صامتة تؤدي المعاني وتغذي العواطف عن طريق النظر وحده، فأصبحت تفعل ذلك عن طريق السمع والبصر جميعًا.
•••

فإذا نحن نظرنا إلى السينما من حيث موضوعاتها وجدناها تنقسم إلى قسمين كبيرين: قسم يقصد منه التسلية على اختلاف ألوانها وأشكالها. وقسم ثقافي؛ ويشمل الأنباء والأخبار والموضوعات العلمية من زراعية واقتصادية، والموضوعات التاريخية لعرض الحوادث والأبطال، وهكذا.
ولو عدنا إلى الإحصاء أيضًا، وجدنا أن الأغلبية الساحقة هي من القسم الأول؛ فقد زادت عن ???، منها ??? فلمًا لعرض الجرائم، و??? للعلاقات الجنسية، و??? كوميديا مضحكة، وباقيها أفلام حرب، وموضوعات أطفال.
ومن الإنصاف أن نقرر أن هذا الإحصاء وهذه النسب كانت قبل الحرب الأخيرة، والزمن يعمل في السينما عملًا سريعًا كسرعته، عجيبًا كطبيعته، فالموضوعات التي يقبل عليها الجمهور اليوم يعرض عنها غدًا، وعواطف الناس تختلف أيام السلم عنها أيام الحرب، وهي في البيئة الديموقراطية، غيرها في البيئة النازية أو الشيوعية وهكذا.
ولعل الموضوع المستقر الخالد الذي لا يعتري الناس منه ملل أو ضجر في كل الأزمنة وكل الأمكنة، هو موضوع «الحب»، فشاب قابل شابة، وشابة قابلت شابًّا فكان بينهما من العلاقات ما يسمى حبًّا، وتكونت حول هذه العلاقة هالة من خيالات وأوهام ووصل وهجر وانتقام، فهذا هو الموضوع الخالد من عهد آدم وحواء إلى عهد الأفلام الصامتة والناطقة، والإقبال عليه لا ينقطع، ومناظره لا تمل، في سلم أو حرب، وفي نظام ديمقراطي أو شيوعي.
والنقطة الهامة التي يتوقعها القارئ هي أثر السينما في أخلاق الشباب، وهل نشجع السينما أو نقاومها؟
لقد وجه كثير من مدارس علم النفس بحثه إلى هذا الموضوع يدرسه علميًّا كما تدرس المواد في معامل الطبيعة والكمياء، واتبعت كل مدرسة منهجها الخاص بها، درست مدرسة أثر السينما في نوم النظارة مع اختلاف أسنانهم أطفالًا وشبابًا وكهولًا، ولاحظتهم في نومهم عقب رؤيتهم روايات مختلفة الموضوع، فشاهدت حركات غير عادية من بعض، وأرقًا من بعض، وتأثر البعض بموضوعات دون بعض.
واعتمدت مدرسة أخرى على استكتاب بعض طلبة الجامعات تقارير عن حالتهم عقب رؤية الأفلام، وهكذا مما يطول شرحه.
ودرست مدرسة أخرى أثر السينما في أخلاق الشبان في بعض الجامعات، وقارنت بين الطلبة الذين يذهبون إلى السينما ثلاث مرات في الأسبوع، والطلبة الذين يذهبون مرتين في الشهر أو أقل، فرأت أن الأولين أميل إلى مشاهدة الرقص ودور الملاهي، والآخرين أميل إلى الجد في دروسهم، وأن الأولين أميل إلى أن يكونوا مغامرين ورجال أعمال، والآخرين أميل إلى أن يكونوا أطباء ومدرسين ونحو ذلك.
وقد اتَّخَذَ بعض رجال الأخلاق ورجال الدين — في كل الأمم — ذلك ذريعة إلى الطعن في السينما والتشهير بها، وذكروا أمثلة كثيرة من شبان تعلموا الإجرام من قصص السينما الإجرامية، وشبان تعلموا المغازلة من روايات السينما الغرامية، وأن السينما كانت مدرسة سيئة لكثير من الشبان والشابات، تعلم فيها كل صنوف الشرور، فهي تثير الغرائز الكامنة، وتفجر الغرائز المكبوتة، وتعلم وسائل الشر لمن يريد الشر ولا يعرف وسائله، ونحو ذلك.
ولكن ما هكذا توزن الأمور وتقدر ويحكم عليها، إن مثل من يقول هذا كمثل مَن يقترح إلغاء السكك الحديدية؛ لأن القطارات تدوس بعض الناس، ويغلق الجرائد والمجلات؛ لأن منها ما يتهجم على الأعراض ويقذف الأبرياء، أو يقترح أن يسلب الناس حريتهم؛ لأن بعضهم مُنِحَ الحرية فأساء استعمالها، وهكذا. إنما يُقَوَّم الشيء بخيره وشره معًا، ومنافعه ومضارِّه جميعًا، وأي شيء في الدنيا خلا من عيب؟
•••

لا يصح أن ننسى أن السينما مدرسة ثقافية بما تنشر من أفلام اقتصادية وزراعية وصحية ونحو ذلك، حتى أفلام التسلية والترفيه لا تخلو من ثقافة فنية وأدبية، أو على الأقل معرفة بما يجري في العالم من شئون اجتماعية، وربما فعل فيلم اقتصادي أو زراعي أو صحي ما لم تفعله المدارس، فإن أساءت الأفلام أحيانًا، فكما تسيء المدارس ببعض تعاليمها أحيانًا.
والمقاييس الأخلاقية التي قام بها بعض علماء النفس — والتي أشرنا إليها من قبل — ليست دقيقة ولا متناولة جميع النواحي، قد يكون حقًّا أن الطلبة الذين يذهبون إلى السينما ثلاث مرات في الأسبوع أسوأ خلقًا، وأقل في الحياة جدًّا، ولكن هل هذا بتأثير ذهابهم إلى السينما ثلاث مرات، أو أنهم يذهبون ثلاث مرات إلى السينما لأنهم أسوأ خلقًا وأميل إلى اللهو؟ فالحق أن السينما تعكس ما عند الإنسان من غرائز وميول وشذوذ واتجاهات، أكثر مما تكون خالقة لها، ومصدرًا لتكوينها، بدليل أن الفيلم الواحد قد يؤثر في متفرِّج أثرًا سيئًا جدًّا ويؤثر في زميله الذي يجلس بجانبه أثرًا صالحًا جدًّا.
ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريض يجد مُرًّا به الماء الزلالا والمغني يغني وكل يبكي على ليلاه.
ولسنا ننكر مع هذا ما للسينما من أثر صالح أو فاسد، فكم رسمت للشبان مثَلَهم الأعلى في الطموح إلى حياة البذخ والترف والنعيم، ورسمت لآخرين حياة الجد والنجاح في العمل، وللمستعدين للإجرام مغامرات المجرمين! وكم رسمت للفتاة صورة جميلة لحياة زوجية سعيدة، وخففت عن نفسها ألم العزلة والفراغ، أو صورت لها أن تكون يومًا من الأيام بطلة لقصة غرام! وهكذا، ولكن مثل السينما في ذلك مثل الجرائد والمجلات، تقول الحق والباطل وتوجه التوجيه الصالح والفاسد، ومثل الإذاعة تقص القصة النافعة والضارة، وتذيع الأغاني الحلوة والمرة.
•••

إن الإذاعة والسينما والصحافة في كل أمة انعكاس لثقافتها وعقليتها وأخلاقها وذوقها الفني، وهي كلها نتيجة لأحداث الأمة، ونتيجة للمخترعات والمكتشفات، ونتيجة لما يحدث للأمة من تطورات اجتماعية، فهي أقرب أن تعد نتيجة لعوامل، من أن تعد عاملًا من العوامل، أو هي كما يقول الفلاسفة قابلة أكثر منها فاعلة، ولكنها لا تخلو من أثر فعال وتوجيه قوي.
من أجل هذا — أعني ما لها من أثر فعال — يجب على الحكومة مراقبتها؛ فقد تصلح أفلام لسن دون سن، وقد تصلح في ظروف دون أخرى، وقد تدعو إلى التهتك، وقد تدعو إلى هدم ما هو عزيز على الأمة من دين وقومية إلخ.
ثم إن كانت الحكومة يقظة راقبتها من ناحية أخرى، وهي ناحية تعادل موضوعات الأفلام، فلا تكون كلها غرامًا بحتًا أو غرامًا وإجرامًا، بل لا بد أن تغذى بمقدار معقول من الثقافة؛ وبعض البلاد الراقية اشترطت على كل دار من دور السينما أن تعرض في كل مرة فيلمًا ثقافيًّا يستغرق عشر دقائق على الأقل.
إننا نراقبها كما نراقب الفاكهة تأتي من الخارج؛ فقد تكون متعفنة أو ملوثة، ونراقبها كما نراقب النقود في الداخل فقد تكون مزيفة.

هل يشيخ الأديب؟


نعم؛ كل شيء — متى عاش — يشيخ … حتى الجبال في صلابتها، والأشجار في ضخامتها، والفيلة في جسامتها، والأسود في قوتها.
ولكن يختلف الأفراد في لبس ثياب الشيخوخة؛ فمن الشباب من يسرع به ضعفه فيرتديها، ومن الشيوخ من يحتفظ بنضارته وفتوته فيصارع الشيخوخة زمانًا يطول أو يقصر، ثم يضطر إلى لبسها رغم أنفه، وفي ذلك يقول الشاعر:
يا عز هل لك في شيخ فتى أبدًا وقد يكون شباب غير فتيان؟ ومن أظهر صفات الشيخوخة ضعف الحيوية، وهذا الضعف يعرض لكثير من الألم والضجر والقلق، واستعظام المشاكل ولو كانت صغيرة، واستكبار الأمور ولو كانت تافهة، قد لا يجد الشاب مالًا ينفقه، ولا ثوبًا يتجمل به، ولا مسكنًا يريحه … ثم قد يجد من مشاكل الحياة ما يتعب أو يضني، ولكن حيويته تهزأ بذلك كله، وتسعد في الشقاء، وتنعم في الجحيم، وتضحك الضحكة العالية من أعماق القلب، ولو لم يجد صاحبها ما يسد رمقه، ويحجز له محلًّا في «مغنى» ولو لم يكن يملك إلا ثمن التذكرة، أما الشيخ فليس عنده هذا التعويض من الحيوية، ومن أجل هذا يؤلمه الحرمان ويقدر المال أكثر مما يقدره الشاب، ويزيد حرصه عليه، لشعوره بحاجته الشديدة إلى ما يوفر عليه الراحة، وظنه أن المال يحقق له هذه المطالب حاضرًا أو مستقبلًا.
وحيوية الشباب تجعله مرنًا، يواجه الأحداث المختلفة، ويلون نفسه الألوان المناسبة لها، يستطيع أن يتقلب مع الغنى والفقر، والوصل والهجر، والأمل واليأس، والصحة والمرض، من غير أن يذل لها أو يستكين لسلطانها، فهو رافع الرأس ما دامت حيويته، متفتح النفس ما احتفظ بشبابه … أما الشيخ فقد تحجرت عاداته وتقاليده، وأصبح يعيش على تجارب الماضي من غير أن تؤثر فيه تجارب جديدة، وتحجرت آراؤه وأفكاره ومذاهبه الدينية والسياسية والاجتماعية، فهو لا يقبل تشكلًا جديدًا … كالطينة جف ماؤها فتصلبت مادتها، فإن حاولت تجديد شكلها وتغيير صورتها كسرت في يدك، ولم تعد تصلح لقديم أو جديد.
وأخيرًا، أن حيوية الشباب تقاوم الخوف وتصده، ومن أجل هذا كان كثير المغامرة والمخاطرة، يغامر بنفسه في الألعاب الرياضية والرحلات الشاقة الخطيرة، ويقدم على الأعمال التي قد تودي بحياته، ويغامر بماله فيدخل في الصفقات التجارية التي قد ترفعه أعلى عليين أو تهبط به أسفل سافلين؛ على حين أن الشيخ — لضعف حيويته — ينهزم أمام الخوف، لا يغامر ولا يخاطر، كثير الحذر، يخاف الفقر؛ لأنه ليس له من الحيوية ما يستطيع به أن يعوضه، وهو يحسب ألف حساب للمستقبل، ويخاف الموت لإحساسه قرب أجله، ولشعوره بغموض مآله، ويخاف كل مشكلة؛ لأنه لا يأنس من نفسه القوة على حلها، وعلى الجملة، فالخوف يهاجمه من كل جانب، وكثيرًا ما يفترسه.
•••

ومن حسن الحظ أن الشيخوخة لا تنال قوى الإنسان وملكاته وحواسه في زمن واحد ولا دفعة واحدة ولا بنسب واحدة، ولا تحرم الإنسان لذائذه في الحياة جملة، فبعض الحواس والقوى أسرع إلى الشيخوخة من بعض، وبعض اللذائذ أسرع إلى الاختفاء والزوال من بعض، لقد صدق «معاوية بن أبي سفيان»؛ إذ وصف نفسه — بعد أن استمتع بكثير من لذائذ الحياة — بأنه لم يبق له في شيخوخته منها إلا الاستمتاع بالحديث الطيب.
ومن المشاهد أن اللذائذ العقلية والروحية والفنية أبقى زمنًا، وصاحبها أطول استمتاعًا، وقواها وملكاتها أبطأ شيخوخة، كل لذة مادية — إن صح هذا التعبير — لها حد ضئيل، إذا تجاوزته تقززت منه النفس وانقلب ألمًا … كلذة الأكل والشرب وما إلى ذلك، وقد يتطلب الإنسان أقل منها شأنًا؛ فرارًا من تكرارها، كما تطلب اليهود العدس والبصل؛ فرارًا من المن والسلوى، وكما يتطلب بعض المسرفين على أنفسهم في لذائذ المدنية الحديثة الفرار منها إلى المعيشة البسيطة في الصحراء أو الأديرة أو الأماكن المهجورة … وهذه اللذائذ هي أقرب ما تعدو عليه الشيخوخة.
وليست كذلك اللذائذ العقلية والروحية والفنية؛ فالفيلسوف، والرجل الروحي، والفنان؛ من أديب، أو موسيقي، أو مصوِّر، أو نحات يستطيع أن يستوعب من هذه اللذائذ المعنوية أكثر مما يستوعبه المتلذذ المادي، ثم إن ملكاتهم كثيرًا ما تستعصي على الشيخوخة فلا تنالها إلا بعد جهد.
•••

كم من الفلاسفة والمصلحين والفنانين طالت حياتهم وشاخت أجسادهم، وبقيت فتيةً ملكاتُهم.
وأحيى مثل على ذلك برنارد شو وهو في الثالثة والتسعين من عمره … شيخ هرم في جسمه، محروم من أكثر لذائذه المادية، ولكنه شاب فتى في ملكاته الفنية ولذاته المعنوية، وإنتاجه الأدبي، لقد شاهدنا «حافظًا» و«شوقيًّا» و«خليل مطران» تهدمت بنيتهم الجسمية، وتحطمت قواهم البدنية، وبقيت لهم وللناس حياتهم الأدبية.
قد يحسن الأديب الشاب ما لا يحسن الأديب الشيخ، ولكن من نعم الله أن تنوع الأدب وعناصره بما يناسب الشباب والشيوخ.
إن الغزل الحار الرقيق لا ينتج — في صدق — إلا عن عواطف مشبوبة لا يحسها إلا الشباب، فهم الذين يدركون تمام الإدراك لذة الوصل وألم الهجر وعذاب الحب وضناه، فيصوغون كل ذلك في أدب صاف رائق صادق، فإن تعرض لذلك الشيخ كان أدبه أدبًا تقليديًّا أو على حساب الذكريات، ولكن ليس هذا كل الأدب؛ فهناك أدب القصة الفسيح المتعدد النواحي المستمد من التجارب … وهذا قد يحسنه الشيخ أكثر مما يحسنه الشاب.
وهناك أدب المقال الرزين الذي يسود فيه عنصرُ العقل عنصرَ العاطفة، وهذا ميدان قد يجلي فيه الشيخ أكثر مما يجلي فيه الشباب وهكذا، ولكل عنصر في الأدب مزاياه، ولكل نوع من الأدب فضله … والأدب مائدة شهية لذيذة لا تجمل إلا بتعدد الألوان، أو جوقة موسيقية تبعث الشجا بما تنتج من مختلف النغمات والألحان.

السيف والمدفع


هما اللغة التي يفهمها الغرب
ما أحوج الشرق الآن إلى أن يفكر تفكيرًا طويلًا عميقًا في تربيته الحربية، ووضع خططها ومناهجها ووسائل تنفيذها؛ فقد تبين له بوضوح أنه — بدونها — حمل بين ذئاب، وغنيمة أمام لصوص، ولا تزال طبيعة الناس كما وصفها الشاعر العربي القديم:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد العادي كما ظل صادقًا قول الشاعر:
متى تجمع القلب الذكي وصارمًاوأنفًا حميًا تجتنبك المظالم وكما يصدق هذا على الأفراد يصدق الأمم، فالأمة إذا لم تكن ذكية القلب — أو كما نعبر اليوم — عارفة بأساليب الأمم السياسية والاجتماعية، وبالتيارات والاتجاهات العالمية … وما لم تكن تحمل سيفًا أو — على حد تعبيرنا اليوم — ما لم تكن مسلحة التسليح التام … وما لم يكن لها أنف حمي — أو كما نعبر اليوم — ما لم تكن عزيزة مرهوبة الجانب … ما لم تكن كذلك فإنها تكون طعمة الطاعم، ونهبة الظالم، وفريسة المعتدي، ولا ينفعها — قدر أنملة — ما تنادي به من طلب مراعاة العدل، والاستغاثة بالإنسانية، والضمير العالمي، والاستصراخ بالمبادئ، فالعدالة والإنسانية والمبادئ، إنما تطبق — إذا طبقت — على الأقوياء لا على الضعفاء، وعلى من استند في دعواه إلى السلاح، لا إلى الصياح.
•••

والتربية الحربية التي يجب أن يترباها الشرق، يجب أن تكون على أحداث منهج وآخر طراز، فلا نحارب القنبلة بالسيف، ولا الغواصة بالسفينة الشراعية، ولا الدبابات المصفحة بالطوابير الراجلة، فهذا لا يسمى حربًا، ولكن إلقاء بالأيدي إلى التهلكة، وكذلك الشأن في النظم الحربية.
لقد تطورت هذه النظم في كل شيء تطورًا كبيرًا يفوق ما تطوره أي نظام اجتماعي آخر؛ حتى إن كل حرب في العصور الحديثة كانت تقلب الأوضاع الحربية رأسًا على عقب، وتحل الجديد فيها محل القديم، والأمم تتسابق في التجديد؛ علمًا منها بأن النصر مكفول لمن وفق إلى التجديد النافع.
لقد كانت الجندية تعتمد كل الاعتماد على سلامة الحواس وقوة الجسم وانفتال العضلات وما إلى ذلك، فأصبحت تعتمد أيضًا — بتغير آلات الحروب وأساليبها — على الحالة العقلية والنفسية للجنود، وعلى هذا الأساس أنشئت مكاتب الامتحان لمن يهيأ للجندية، فيمر المرشح لها بمكتب الامتحان الجسمي — أولًا — فيمتحن قلبه وصدره وقوة عضلاته وسمعه وبصره وسائر أعضائه، ثم يحلل بوله إلخ … فمن لم ينجح في هذا الامتحان استبعد، ومن نجح فلا بد أن يمر بامتحان آخر عقلي، فيختبر في مقدار استعداده للتعلم، ومدى حله للمشكلات والصعوبات التي تعرض له، ثم يمتحن امتحانًا نفسيًّا في مزاجه وعواطفه وقوة احتماله للصعاب … فمن نجح في هذه الاختبارات كلها قسم إلى أقسام مختلفة حسب هذه الكفايات، وعهد إلى كل مجموعة من الأعمال الحربية ما يتناسب ومدى كفايته.
ومن ناحية أخرى، كانت الأمم في حروبها القديمة تعتمد على الجيش كأنه وحدة قائمة بذاتها، عليه أن يحرز النصر بمجهوده وحده، ثم تطورت المسألة منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر من فكرة «جيش محارب» إلى فكرة «أمة محاربة» وأصبح الجيش من الأمة بمنزلة عقارب الساعة من الساعة، فما لم تنتظم آلات الساعة الداخلية لا يمكن أن تدل العقارب على الوقت الصحيح، فالجيش إذا انتصر فبفضل الأمة أولًا وأعماله هو ثانيًا، وإذا انهزم فبإهمال الأمة أولًا والجيش ثانيًا.
وللأمة في الحروب وظائف مادية ووظائف نفسية وخلقية، فلا بد أن تكون لها مصانع وحقول ووسائل مواصلات ونحو ذلك، تمون الجيش؛ حتى يؤدي عمله على خير وجه، وتمون الشعب حتى يطمئن إلى موقفه، وبذلك تأمن الحكومة داخلها وخارجها، كذلك يجب تقوية الروح المعنوية في الشعب؛ وبغيرها لا يمكن أن ينجح جيش في الحروب الحديثة؛ وعماد هذه الروح المعنوية القدرة على التضحية في سبيل نصرة الجيش، وتعاون الهيئات والأحزاب والطبقات من موظفين وصناع وتجار وزراع، فتؤدي كل طبقة واجبها حسب خطة عامة مرسومة … وذلك كله لا يتم إلا ببرامج للتربية الشعبية يشمل الأسرة وإصلاحها، وتغذية آبائها وأبنائها بالروح الحربية والنزعة الوطنية، ثم نشر الثقافة الشعبية بين أفراد الشعب، وبخاصة معرفة تاريخه في نزاعه الخارجي، وما يريده خصومه منه وما يريد هو أن يكون، وتوضيح الغرض المنشود توضيحًا يملأ العقيدة والقلب والنفس حتى يختلط بدمه … ثم تعويده الثقة بنفسه، والثقة بمواطنه، والثقة بجيشه، والثقة بحكومته.
أما إن ظلت الأمة مبعثرة، عيابة ظنانة، فاقدة الأمل في مستقبلها، معتمدة على المطالبة بقوانين العدل، وما وضعته أوربا وأمريكا في ساعات الحرج من مبادئ، تقولها ولا تؤمن بها، قانعة بموقفها الذليل، جاهلة بشئونها وشئون العالم حولها وما يدبر لها في الخفاء، باردة العواطف نحو مستقبلها وتحقيق عزتها، يعادي بعضها بعضًا ولا تعادي أعداءها … إن ظلت الأمة على هذه الحال، فلا يمكن أن تظفر مهما يكن عدد جيشها وسلاحه وقوته.
•••

وهذه التربية الحربية إذا فشت في أمة غيرت أخلاقها ونفوسها ومشاعرها ونقلتها من حال إلى حال؛ فهي تعلمها النظام والطاعة بما اكتسبت أيام التمرن على حياة الجندية، وهي تعلمها التضحية بما ترى من جنود وقادة يبذلون دماءهم وأرواحهم للمحافظة على كيانها وإعلاء شأنها، وهي تعلمها احتمال الشدائد والصبر على المكاره بما تلاقي من عذاب وتواجه من أزمات أيام الحرب والاستعداد لها، وهي تعلمها الاستهانة بالموت وعدم الحرص على الحياة؛ لكثرة ما ترى من ضحايا وما تسمع من أخبار الكوارث، وهي تغسل الأدران التي تعلق بالأمة بسبب ركودها وحياتها السلمية الناعمة، فتقضي على الخلافات الحربية التافهة والنظر إلى صغائر الأمور دون عظائمها، وتحتقر الزعماء الذين ينظرون إلى أنفسهم لا إلى أمتهم، وهي تزيد في روابط المحبة بين طبقات الأمة المختلفة؛ إذ يرون أنهم كلهم اكتووا بنيران الأحداث، وتعاونوا جميعًا على الشدائد، وضحوا جميعًا لبلوغ الغاية التي ينشدونها، وهكذا مما يطول شرحه … وعلى الجملة فالأمة الحربية أقوى نفسًا وأقوم خلقًا وأصح جسمًا وأصلح للبقاء.
لقد مر زمن طويل على الشرق لم يُهيَّأْ فيه لحرب ولم يربَّ تربيةً حربيةً، وذلك منذ أن استعمره الغرب؛ لأن المستعمر — بطبيعة الحال — يكره ممن يستعمره أن يظهر بأي مظهر من مظاهر القوة؛ خشية أن ينقلب عليه يومًا ما، فإن سمح يومًا بتكوين جيش من الأمة المستعمرة فجيش صوري … ملابس جميلة، وحركات رشيقة، ونظام دقيق يبهر الناظر يوم العرض، ولا يبهره يوم الحرب؛ فأما روحه الحربية، وأما تعليمه أحدث الأساليب، وكيف يستخدم أحدث الآلات، فحرمته تحريمًا باتًّا، تريد الدولة المستعمرة من الجندي الشرقي أن يصلح للسير في حفلة «محمل» أو احتفال في مولد، ولا تريده صالحًا لميدان قتال، هذا شأنها مع الجندي وكذلك شأنها مع الشعب، لا تريده موحدًا منسجمًا بعضه مع بعض، ولا تريده يشعر بعزة ولا يطمح لاستقلال، وإنما تريده منحلًّا متفرقًا ذليلًا.
فلما بدأت الشعوب الشرقية تحمل عبئها وتشعر بكيانها، كان لا بد لها أن تولي عنايتها للتربية الحربية في جنودها وشعوبها، في أجسامها وعقولها وشعورها، وهو مطلب عسير شاق، ولكن لا بد مما ليس منه بد، فالحمل الوديع لا يصلح للعيش وسط الذئاب، والمستصرخ بالعدالة لا يسمع له إلا إذا حمته الغواصات والدبابات والطيارات، ونحن في عصر خير لك فيه أن يقال إنك ظالم من أن يقال إنك مظلوم؛ «والمؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف».

في الهواء الطلق (?)


التعصب
كانت ثلاثة أيام لطيفة قضيناها على شاطئ البحر … الجو معتدل يميل إلى البرودة، والسماء صافية، والشمس ساطعة، والبحر هادئ، وكل شيء حولنا جميل، ونزلت أنا وصاحبي في فندق على البحر في رمل الإسكندرية، ننعم فيه بالهدوء وجمال المنظر … والأناقة تبدو في كل ما حولنا.
ها نحن في الصباح في حديقة الفندق بعد أن تناولنا فطورنا نقرأ الجرائد، وبعد أن فرغ صاحبي من قراءتها، وضعها … وإذا هو يقول: «شر ما نبلى به اليوم التعصب»، ولا أدري ماذا بعثه على هذا القول مما قرأ … فقلت: إن التعصب كلمة مصطنعة أطلقها الإفرنج علينا ظلمًا وعدوانًا؛ ليصرفونا عن التمسك بديننا والاحتفاظ بقوميتنا … فإذا قاومنا أعمال المبشرين قالوا تعصب، وما هو إلا حماية ديننا من الاعتداء عليه، وإذا وقفنا في وجه الاستعمار، وثرنا من أجل استغلالنا واستعبادنا؛ قالوا تعصب … وما هو إلا المحافظة على كياننا والرغبة في التمتع بحرياتنا، وهم يتمسكون في بلادهم بأشد مما نتمسك به في المحافظة على دينهم وقوميتهم، ولا يخطر ببالهم أن يسموا هذا تعصبًا، وإذا صح إطلاق القول، فهم أولى به منا … إذ يدعوهم تعصبهم لدينهم إلى نشره بيننا وحماية التبشير بالقوة، ويدعوهم تعصبهم لقوميتهم إلى فرض الاستعمار علينا بالسلاح … فهل نحن المتعصبون؟!
هو: قد يكون هذا القول صحيحًا، ولكن ليس هذا الذي أريد، إنما أريد التعصب الداخلي فيما بيننا، ويظهر ذلك في الجمعيات الدينية، والأحزاب السياسية، والهيئات الاجتماعية، فكل جمعية دينية ترى أنها هي التي على الحق، ومن عداها فعلى الباطل … وتخاصم من عداها، وقد ترميه بالكفر والإلحاد، وقد تنفذ آراءها بقوة السلاح، وكل حزب سياسي يتعصب لحزبه، ويرى كل ما يصدر عنه حقًّا، ولا يرى أي حق فيما يصدر عن الأحزاب الأخرى؛ ويتمثل ذلك في قول قائلهم: «الحماية على يدنا خير من الاستقلال على يد غيرنا»، وكل هيئة اجتماعية ترى أنها الوحيدة في فعل الخير وفي الإصلاح … أما ما عداها من الهيئات فأداة فساد، هذا هو التعصب الذي أعنيه وأكرهه وأمقته، وأدعي أنه كارثة من أكبر كوارثنا.أنا: ولكن علمني أستاذي سقراط بأننا قبل أن ندخل في الحوار نحدد الموضوع، فما الذي تعني بالتعصب؟هو: إنما أعني به الغيرة العمياء، وأعني بالعمياء أنها غيرة لا تصدر عن تفكير هادئ، ولا منطق سليم … وإنما تصدر عن تقليد من غير نظر، أو عقيدة من غير تفكير، أو تلقين من غير بحث، وهذا مرض نفسي له أعراض ككل الأمراض، وأهم هذه الأعراض ثلاثة تظهر مجتمعة لا متفرقة: أولها: ضيق النظر، فليس يرى المتعصب إلا ما اعتقده أو لقنه أو ألقي في روعه … أما ما عداه فهو يكرهه من غير تفكير، ويمقته من غير أن يصغي إلى حججه، قد وضع أمام عينيه ما اعتقد، وأبى أن يرى أي شيء عداه، فمهما قال مخالفه فهو باطل قبل أن يدلي بحججه، ومهما قال مؤيده فهو حق ولو لم يأتِ ببرهان، قد عكس الوضع الطبيعي، فوضع العربة أمام الحصان، فهو يرى الرأي أولًا، ثم يتلمس البراهين لتأييده ثانيًا؛ وهو يحب كل شيء يقوي رأيه، ويكره من صميم قلبه كل شيء يعاكسه، وقد يغلو في ذلك حتى يصبح أشبه ما يكون بالمجنون.
وثاني الأعراض: حبه القوي لغلبة فكرته أو عقيدته وهزيمة الآراء المعارضة واندحارها، ليس عنده أي شيء من التسامح فيما يخالفه من آراء؛ حتى كأن مخالفه قد قتل قتيلًا له، فهو يريد الأخذ بالثأر منه، فهو متحمس هائج يريد أن يقضي على من يخالفه بكل ما لديه من قوة، ويكون هذا في المعتقدات الدينية وفي الأحزاب السياسية وفي النظريات الاجتماعية على السواء؛ فالمتعصب الديني كاره لمن خالفه، متحمس للقضاء عليه أو على فكرته، والمتعصب الحزبي لا يرى خيرًا إلا ما أتى من حزبه، وأما ما أتى على يد الأحزاب الأخرى فشر محض يجب أن يقاوم بكل ما استطاع من قوة … ولو بإفساد النظام وإشاعة القلق والاضطراب، وهكذا الشأن في النظريات السياسية، كالنزاع بين الديموقراطية والاشتراكية والشيوعية والنازية وأمثالها، يتحمس معتنقوها حتى يصل التحمس إلى سفك الدماء.
وثالث الأعراض: أن هذه الغيرة العمياء والحماسة الخرقاء تجعل صاحبها لا يقدر ما ينزل بالآخرين من آلام ولا ما يحل بهم من كوارث، فلا يرى إلا تحقيق فكرته مهما ألم الناس، تطغى رغبته في تحقيق الفكرة على كل ما لديه من عواطف، فهو قاس جبار يتشفى بعذاب الناس وإيلامهم في سبيل تحقيق فكرته، ويظهر ذلك بأجلى مظهر من الناحية الدينية في محاكم التفتيش، ومن الناحية السياسية والاجتماعية في الثورة الفرنسية، ففي كل ذلك صار التعصب غيرة يلهبها الحقد.
•••

وتركنا مقاعدنا، وسرنا على شاطئ البحر نتمم حديثنا …
أنا: ألست ترى أن هذا هو الجانب الأسود من التعصب وأن له جانبًا آخر جميلًا؟ فكثير من ضروب الإصلاح أتت على أيدي متعصبين، اعتنقوا فكرة وتعصبوا لها، ورأوا الخير فيها، وتحمسوا لها، وتحملوا العذاب في تحقيقها، وكثر أشياعهم وأتباعهم حتى عم الإصلاح، فالحكم على التعصب — كما يؤخذ من كلامك — بأنه شر محض، مبالغ فيه، والعقيدة ما لم تصهرها حرارة الإيمان لا قيمة لها، والفكرة ما لم يتحمس لها صاحبها، وما لم تأخذه الحمية لها، وما لم يدعُ إليها في غيرة واحتمال آلام، لا تكون ذات قيمة … وهذا ضرب من التعصب الذي تبغضه.هو: قد يكون في هذا شيء من الحق، ولم أَدَّعِ أن التعصب شر محض، فليس في الدنيا شر محض، وكل ما في الحياة — ماديًّا كان أو معنويًّا — مزيج من الخير والشر، ونتائجه كذلك … وإنما نكره الشيء ونحكم عليه بالشر؛ لأن مضاره أكثر من منافعه والعكس، والتعصب شر ما منيت به الإنسانية، والمتعصب لا يرى خيرًا إلا ما لقنه من غير تفكير ولا برهان، وهو بذلك ينقلب وحشًا ضاريًا، ويصبح وليس أمامه إلا تحقيق نفسه، وينقلب أنانيًّا بغيضًا يتحدى الأفكار المخالفة في عنف، ويريد أن يفرض على الناس رأيه بالقوة لا بالإقناع، وأي ضرر بعد هذا؟! إن المتعصب أبعد ما يكون عن معنى الإنسانية، إنما المصلح الحقيقي من اعتنق الفكرة بعد بحث وتمحيص، وتحمس لها في عقل واعتدال، وحاول بث دعوته عن طريق الإقناع والبرهان لا عن طريق القهر والغلبة.
ويدلنا التاريخ على أن التعصب كثيرًا ما يسير سيرًا وبائيًّا كالطاعون … فينتشر المرض في سرعة عجيبة، وخاصة في الجماعات التي ليس لها رأي عام متنور، ويزيد في انتشار هذا الوباء أن يكون للجمعية الدينية أو الحزب السياسي شعائر ومظاهر تتفق وعقلية العامة في الشعوب الساذجة، وعندما تنتشر هذه الفكرة الناشئة عن التعصب، يفقد جمهور المعتنقين لها الشعور بالمسئولية … فيأتون من الأعمال ما لا يأتيه الفرد العادي منفردًا في حالة وعيه، وقد ينضم إلى الفكرة أفراد مهذبون على درجة ما من الرقي العقلي بسبب قوة التيار، وما في الفكرة أحيانًا من بريق ولمعان، وإذ ذاك يكون الخطر ويصبح الناس في حالة هستيرية كالتي كانت في محاكم التفتيش وفي الحروب الصليبية، وأكرر القول بأن هذه هي الأعراض في الجمعيات الدينية والأحزاب السياسية على السواء.أنا: هل تضع أمام عينك وأنت تتكلم هذه الكلام طوائفَ وأحزابًا خاصة تستلهم منها هذه الآراء؟هو: قد يكون ذلك، وقد يكون مبعث هذا ما قرأته في جرائد اليوم … ولكني قد ارتفعت في تفكيري عن الجزئيات وحلقت في سماء الكليات.أنا: هذه هي عادتك دائمًا، تفلسف كل شيء حتى تجعل من الحبة قبة، ومن القطرة مطرًا، ولكن أترى أن هذا الأمر مقصور على الشرقيين؟!هو: كلا … إني أرى أن دور التعصب هذا دور طبيعي، تمر فيه كل جماعة كما يمر كل إنسان في دور الطفولة، فإذا اتسع أفقه، وزاد علمه، وتأصلت حريته، لم يعد التعصب يجد مجالًا لنموه، ولا ميدانًا يسبح فيه.أنا: ما دمت تتفلسف فلِأَتفلسف … ويخيل إلي أن فلسفتك كانت فلسفة نفسية أو سيكولوجية، فلأتفلسف أنا فلسفة اجتماعية، فأقول إن هذا التعصب إنما يسير كما ذكرت سير الوباء في بيئة اجتماعية صالحة له كأن يشيع فيها الفقر والبؤس وسوء الحال وكثرة الضغط وقوة الاستبداد، فتكون هذه الأشياء كلها مرعى خصيبًا تسود فيها الفكرة المتعصبة ويدخل الناس فيها أفواجًا، وقد يكون كثير ممن يدخلونها لا يؤمنون بها … ولكن لما رأوها تدعو إلى القلق والاضطراب، أحبوا القلق والاضطراب؛ لأنهم يمنون أنفسهم بإصلاح الحال بعد زوال الاضطراب … فيشتركون مع أصحاب الفكرة في النتيجة وإن لم يشتركوا في الأسباب والعقيدة، وإذا كان تشخيصك للمرض نفسيًّا، وعلاجك له علاجًا نفسيًّا، فتشخيصي له تشخيص اجتماعي، وعلاجي له علاج اجتماعي، فلنتحر أسباب القلق والاضطراب ونزلها، يترتب على ذلك حتمًا حصر المرض في بقعة معينة وعدم سيره سير الوباء.
إن كان منهج فلسفتك النفسية يرسم العلاج بنشر العلم الصحيح بين الأفراد، وتأسيس منهج تربيتهم على البحث والتفكير والشك والتجريب وعدم سرعة التصديق، فليكن منهج فلسفتي الاجتماعية نشر العدالة الاجتماعية، وتأمين الناس على مصالحهم وحرياتهم، وتحقيق العدل بينهم … فإذ ذاك يتعاون الإصلاح النفسي الذي تذكره، والإصلاح الاجتماعي الذي أنشده، على قطع دابر التعصب، وإحلال التسامح اللطيف محل التعصب السخيف. •••

وشعرت بأن هناك عدم انسجام بين هذا الجو وهذا الحديث، فالجو فرح مرح ونحن جادون، والبحر يضحك ونحن عابسون، والنسيم يداعبنا ونحن لا نجاوبه، وانتهزت فرصة رجوعنا إلى الفندق فحولت الحديث إلى غزل في الجو وصفائه، وابتهاج بالمنظر وجماله.

مظاهر الحياة العقلية للمسلمين اليوم (?)


أول ما يتبادر إلى الذهن السؤال عن معنى الحياة العقلية، وأقرب جواب إلى ذلك أنها هي الثقافة، فالحياة العقلية لأمة هي ثقافتها، وهذه الثقافة تشمل الحياة العلمية والدينية والسياسية والفنية، فإذا أردنا أن نصف الحياة العقلية لأمة أو أمم وجب أن نصف هذه العناصر جميعًا.
وعلى حسب اشتراك أمة أو أمم في الثقافة يكون الترابط، فالذي يربط الأمة رباطًا محكمًا هو اشتراكها في دينها وعلمها وفنها وسياستها، وإذا ارتبطت أمم في هذه الأمور كلها فكذلك، فإن تخلف بعضها كان الارتباط بينها أضعف قليلًا أو كثيرًا حسب العناصر المشتركة أو المختلفة، فارتباط الأمة المصرية بعضها ببعض أتم؛ لأنها تشترك في جميع هذه العناصر، والارتباط بين الأمم العربية قوي متين، ولكنه لا يبلغ ارتباط الأمة الواحدة؛ لاختلافها مثلًا في النظم السياسية وبعض التقاليد والأوضاع، والارتباط بين الأمم الإسلامية جميعًا لا يبلغ مبلغ هذين، للاختلاف في اللغة ونظم الحكم وهكذا.
الروابط العقلية

ومع هذا فالأمم الإسلامية على العموم يربطها من الناحية العقلية رباط متين؛ لوحدة الدين وهو عامل قوي في حياة المسلمين، وللارتباط الشديد الذي كان بين العلم والدين، ولمرور الأمم الإسلامية جميعًا في أدوار من التاريخ واحدة أو متقاربة.
فتاريخ الإسلام يدلنا على أن العرب بعد إسلامهم خرجوا من بيئتهم وانتشروا في البيئات الأخرى وتفاعلوا مع هذه البيئات، أثروا فيها وتأثروا بها وهضموا كل الثقافات التي كانت شائعة في البلاد المفتوحة وكونوا منها وحدة؛ فتشرب العرب في مصر الحضارة المصرية وما ذاب فيها من الحضارة اليونانية والرومانية، وتشرب عرب الشام ما كان فيها من حضارة آرامية اتصلت بحضارة اليونان وفلسفتهم، وتشرب عرب العراق حضارة الفرس، وتشرب عرب الهند حضارة الهند، ومزجوا كل هذه الحضارات وما فيها من ثقافات وصبغوها بالصبغة الإسلامية، ونفوا عنها ما لم يقره الدين الإسلامي، وصنعوا من كل ذلك ثقافة تكاد تكون واحدة للعالم الإسلامي كله، وإن اختلفت لغته، واختلفت بيئته، واختلفت تقاليده.
تقديم الدين والثقافة على الوطنية

وسيطرت هذه الثقافة على الشعوب الإسلامية كلها حتى تقاربت في عقليتها وحتى كانوا يقدمون ثقافتهم ودينهم على وطنيتهم؛ فالمصريون مسلمون أولًا ومصريون ثانيًا، وكذلك السوريون والفرس والهند والمغاربة والأندلسيون، كلهم يعدون الدين واحدًا والثقافة واحدة وأصول الحكم واحدة، وأما ما عدا ذلك من قومية ووطنية ولغة وبيئة ففي المرتبة الثانية؛ حتى كان الرحَّال كالمسعودي وابن جبير وابن بطوطة وأشباههم يتنقلون في المملكة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها كأنهم يتنقلون في وطنهم لا يحسون شيئًا من الصعوبة إلا من ناحية اللغة فإذا سهلت اللغة سهل كل شيء؛ يفهم بعضهم بعضًا في دينهم وحياتهم الاجتماعية المتأثرة بالدين ونظم الحكم المتأثر بالدين أيضًا، وهكذا.
وتقاربت ثقافة المسلمين في أصولها؛ لأن أساسها الدين الإسلامي، والثقافات المختلفة التي صهرت كلها في بوتقة العالم الإسلامي وكون منها مزيج واحد وزع على المسلمين جميعًا، ولذلك نرى الفارسي إذا أحسن اللغة العربية ألف بالفارسية والعربية، والهندي إذا أحسن اللغة العربية ألف بالهندية والعربية، فكان التأليف مستساغًا مفهومًا وكان موقع كتاب كليلة ودمنة أو الشاهنامة أو نحوهما قريبًا إلى النفوس سائغًا في العقول، ليس شأنها شأن الإلياذة والأوديسة والفردوس المفقود ونحوها إذا ترجمت إلى العربية؛ لأن روحها غير روح المسلمين، وصادرة عن ثقافة غير ثقافتهم.
نشأة الثقافة الإسلامية

وهذه الثقافة التي يصح أن نسميها ثقافة إسلامية نشأت — ككل حي — بسيطة ساذجة ونمت مع الزمان، وغلب عليها أول الأمر النقل والتقليد، ثم الهضم والتمثل، ثم الطابع الخاص الذي يميزها عما عداها، وهذه الثقافة الإسلامية كان لها أثر متشابه في كل الشعوب التي تدين بها وتخضع لها؛ وقد طبعت هذه الثقافة بالمرونة والبساطة وتطورها مع الزمان في أول أمرها، ثم جمودها وتحجرها وضعفها بسبب ضعف النظم السياسية وظلم الحكام وفساد الحكم وانتشار الجهل، ومع ذلك فقد ظلت ذات أثر كبير في عقلية الناس ومشاعرهم، وظل لها طابع خاص متميز وحضارة خاصة تسمى «الحضارة الإسلامية»؛ تمييزًا لها عن الحضارة الرومانية الحضارة اليونانية، والحضارة الغربية.
ظل الحال على هذا المنوال حتى اختلط الشرق بالغرب على أثر فتوح الأتراك في أوربا، وحملة نابليون على مصر، وغزوة أوربا للشرق كله، واستعمار أكثره، وانقسام العالم الإسلامي إلى مستعمرات إنجليزية ومستعمرات فرنسية ونحو ذلك، وكان هؤلاء المستعمرون يحملون ثقافتهم كما يحملون مدافعهم وبنادقهم فيغزون الحياة العقلية كما يغزون الحياة المادية، ونشأ عن هذا اختلاط واضطراب وارتباك بين الحضارتين والعقليتين: الحضارة الإسلامية؛ والحضارة الغربية، والعقلية الإسلامية؛ والعقلية الغربية.
مصادر الحياة العقلية

وعلى الجملة فقد أصبح للحياة العقلية للشعوب الإسلامية في عصرنا الحديث مصدران: الحياة الإسلامية القديمة بآدابها وعلومها وفلسفتها وفنها، والحياة الغربية الحديثة بآدابها وعلومها وفلسفتها وفنها، وأخذ المصلحون في كل البلاد الإسلامية يدعون دعواتٍ متشابهةً عمادها أن يأخذوا من المدنية الغربية ما يناسب، وأن يأخذوا من المدنية الإسلامية ما يناسب، والإشادة ببعض نواحي المدنية الغربية والإشادة ببعض ما في الحضارة الإسلامية.
فعل ذلك مدحت باشا في تركيا، والسيد أحمد خان في الهند، والسيد جمال الدين الأفغاني في فارس ومصر، وخير الدين التونسي في المغرب، وهكذا؛ حتى كأنهم كلهم شربوا من منهل واحد وكأن مناهجهم صبت في قالب واحد، إذ ذاك أخذت الحياة العقلية للمسلمين تتغير وتأخذ بطرف من هذا وطرف من ذاك؛ ولكن نظرًا للتطورات العالمية التي كسرت الحواجز بين الشعوب وقاربت بين أجزاء العالم بعضها وبعض واختصرت المسافات وسهلت الانتقالات، كان من الطبيعي أن تصل أمواج المدنية الغربية إلى الشرق متتابعة قوية، إذ ذاك أخذت الحياة العقلية للمسلمين تتأثر تأثرًا كبيرًا بالحياة العقلية الغربية؛ فأنماط التربية والتعليم والاعتماد في جميع مرافق الحياة على العلم لا على التقاليد، وطرق البحث العلمي الغربي ونظام الحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية وتقنين القوانين وعيون الأدب الغربي وقصصه وتغنيه بالحرية، ومبادئه في تحرير المرأة وهدم الاستعباد وتحرر الفكر ونحو ذلك، كلها زحفت على الحياة العقلية الشرقية كما زحفت الصناعات الغربية والمدنية الحديثة المادية، وتأثر المسلمون بهذا وذاك ولم يسلم من هذا التأثر إلا الدين واللغة؛ حتى هذان لم يسلما، فالدين الإسلامي كان قد دخله في العصور المتأخرة كثير من الخرافات والأوهام، بدأت تزول بفضل ما انتشر من العلم، واللغة اضطرت إزاء المدنية الحديثة الواسعة إلى أن تتوسع في ألفاظها وتتجدد في أساليبها.
هذا هو الوضع الحاضر للحياة العقلية عند المسلمين: استمداد من الحياة العقلية الغربية الحديثة، واستمداد من الحضارة الإسلامية القديمة، فإن اختلفت الأمم الإسلامية بعضها عن بعض في ذلك فاختلاف في المقدار الذي يستمد من هذا أو ذاك بحسب القرب من الغرب أو البعد، وبحسب سعة العقل أو ضيقه، أما المنهج فواحد في الجميع.
التقارب بين العقليات نتيجة حتمية

هذا وصف للواقع، وإذا قسنا المستقبل بالحاضر توقعنا أن يزيد الاقتباس من الحديث؛ نظرًا لما عند الغرب من قوة، والقوة معبودة أبدًا منذ كان الإنسان، ولأن الحضارة الإسلامية قد تعفنت في كثير من نواحيها بسبب ركودها وعدم تجددها، ولأن العالم لما وصفنا من تقارب أجزائه وانعدام مسافاته وكثرة اختلاطه وامتزاجه أصبح من النتائج الحتمية له أن تتقارب عقلياته حتى تتحد، وأن تتنازع مقوماته ثم لا يبقى إلا الأصلح، هذا هو الواقع، أما ما ينبغي أن يكون فإن للمدنية الغربية الحديثة مزاياها وللحضارة الإسلامية مزاياها.
من مزايا الحضارة الغربية: الاعتماد في كل مرافق الحياة على العلم: في التربية، في الزراعة، في الصناعة، في السياسة، في الإصلاح … إلخ … لا على الخرافات والأوهام والتقاليد، وهذا جميل، ومن مزاياها: الجد في اكتشاف قوانين الطبيعة واستخدامها في الصناعات ونحوها، ومن مزاياها: تفتح العقل ومرونته واستعداده لقبول كل ما يرى خيره، ونبذ كل ما يرى شره.
ومن مزايا الحضارة الإسلامية والتعاليم الإسلامية: روحانيتها وتقويمها الإنسانية تقويمًا كبيرًا، والنظر إلى الإنسان على أنه أخو الإنسان، والاعتقاد بأن الله فوق الجميع والكل مخلوقاته، وكل مخلوق للمخلوق قريب ونسيب؛ فلو استطاع المصلحون من المسلمين أن يضعوا أسسًا للحياة العقلية للشعوب الإسلامية قوامها أخذ ما في المدنية الغربية من محاسن مادية، وأخذ ما للحضارة الإسلامية من محاسن روحية، وتكوين عقيلات إسلامية تأخذ من هذا ومن ذاك خير ما عندهما، وتعمل للدنيا كأنها تعيش أبدًا، وتعمل للآخرة كأنها تموت غدًا، كان هذا خير ما يسدى إلى الشعوب الإسلامية، بل إلى العالم أجمع.
بقي أن نعرض لكل عنصر من عناصر الحياة العقلية، مبينين موقفه الحاضر والاتجاه الذي يسير فيه؛ وهو موضوع المقال التالي إن شاء الله.

مظاهر الحياة العقلية للمسلمين اليوم (?)


وصلنا في مقالنا السابق إلى أن عقدة العقد في موقف المسلمين اليوم هي التوفيق بين المدنية الغربية والمبادئ الإسلامية، ولنبدأ الآن بالسؤال الآتي: هل هذا التوفيق ممكن أو غير ممكن؟ إن كانت المدنية الغربية مؤسسة على دين يخالف الدين الإسلامي ويناقضه لم يكن التوفيق في الإمكان، بل كان المسلمون مخيرين بين التمسك بدينهم، وبين اعتناق الحضارة الغربية، ولكن من حسن الحظ أن ليس الأمر كذلك، فمدنية الغرب غير مؤسسة على دين، وإنما هي مؤسسة على العلم والتجربة والاختبار ومحدودة بحدود المادة، فليس هناك مانع من أخذ المدنية الغربية المادية، وصبغها صبغة روحانية إسلامية.
لو تصورنا الحياة الروحانية الإسلامية هرمًا لكانت قاعدته حب الله والاتصال به والاعتقاد بأنه خالق الكون ومسيره ومدبره، ثم كانت قمة هذا الهرم هي النبوة، ولو تصورنا المدنية الغربية هرمًا أيضًا لكانت قاعدته البحث عن قوانين الطبيعة واكتشافها وتجربتها واختبارها واستخدامها في الحياة، ثم كانت قمة هذا الهرم القنبلة الذرية.
وهنا نتساءل: هل من الضروري أن يكون كل هرم من هذين الهرمين حصنًا مسلحًا يحارب الهرم الآخر ويلقي عليه بالقذائف من حين إلى حين، أو في الإمكان أن يصطلح هذان الهرمان ويكوِّنا بينهما حلفًا ويعترف كل هرم بمزية الآخر ويستفيد منه ويفيده؟ الحق أن الهرمين ليسا متخاصمين بطبيعتهما، وإنما هما متخاصمان من سوء فهم سكانهما، وأن في الإمكان مد السلوك وتوثيق العلاقة الودية بينهما واستعانة كل بما عند الآخر من مزايا.
إن الخصومة بينهما أشبه ما تكون بالخصومة بين من يقول إن الإنسان جسم فقط أو أنه روح فقط، والحق أنه جسم وروح معًا، ولا بد للإنسان من أن يجد غذاءً لروحه وغذاءً لجسمه، والحياة السعيدة في الدنيا تتطلب الاعتماد على الروحانيات والماديات معًا، فمن عاش روحانيًّا فقط كالرهبان والمتصوفة وسكان التكايا والأديرة لم يعش في الدنيا وإنما استعجل الآخرة؛ ومن عاش في الماديات فقط لم يعش في الدنيا الحقة أيضًا كإنسان وإنما عاش فيها كحيوان أو نبات؛ وخطأ المدنية الحديثة أنها اعتمدت على العلم فقط فتقدمت في كل مناهجه ومنتجاته؛ فرقت الصناعة، وحسنت الزراعة، وقدمت التجارة، بل وقننت القوانين ونظمت الحكم، غير أن نتاجها يشبه صورة فنية جميلة صنعها مثَّال ماهر؛ ولكن ينقصها الروح.
لهذا كانت قمة الهرم في المدنية الغربية هي القنبلة الذرية، ولو كان لهذا الهرم روح لم ينتج القنبلة الذرية، ولكن كان ينتج اكتشاف قوانين الذرة واستخدامها في خير الإنسانية، فإن كان ينقص هذه المدنية الحديثة شيء فإنما ينقصها أن تقتبس قبسة من الهرم الثاني الروحاني، أما وهي لم تفعل فخير للعالم الإسلامي اليوم أن يضع خطته على أساس متين، وهو أن يأخذ من المدنية الغربية كل علمها وكل تجاربها في الصناعة والزراعة والتجارة والطب والهندسة وسائر العلوم من غير قيد ولا شرط، ثم يحتفظ مع ذلك بروحانيته التي تلون هذا العلم بلون جميل، وتجعله موجهًا لخير الإنسانية، لا لغلو في كسب مال، ولا لإفراط في نعيم، ولا للقوة والغلبة؛ ولكن للخير العام.
عيب العلم الغربي أنه خلا من الروح وخلا من النظرة الأخلاقية الإنسانية، فعلم الاقتصاد أسس على قوانين المال من غير أي نظر إلى الأخلاق، وعلى الطبيعة والكيمياء كذلك، ولو لونت كل هذه العلوم بالنزعة الخيرية الروحية لكان لها شأن أي شأن في نفع الإنسانية، وهذا خطأ يصح أن يتداركه المسلمون.
•••

هذا المبدأ هو الذي يضيء للمسلمين طريقهم ويبدد حيرتهم ويحل كثيرًا من مشاكلهم، وهو مبدأ يقضي بألا يترددوا مطلقًا في أن يأخذوا كل ما وصل إليه العلم الغربي، ويستخدموه في ترقية شئونهم الدنيوية، وأن دينهم الإسلام لا يمنعهم أي منع من ذلك، بل إن الإسلام حث على طلب العلم ولو في الصين، لا يخص علمًا دون علم ولا معرفة دون معرفة، يجب على العالم الإسلامي أن يؤسس حياته الجديدة سواء كانت زراعية أو صناعية أو تجارية على أساليب المدنية الغربية وإلا تخلف عن الركب العالمي، لا يصح أن يزرع أو يصنع أو يتاجر في القرن العشرين على أساليب القرن العاشر أو الحادي عشر وإلا كان أضحوكة العالم.
إن العلم الحديث وما أنتجه من مخترعات لم يصبح ملكًا للغرب، وإنما هو ملك للعالم أجمع يجب أن يستخدمه كل ركن من أركانه في مصلحته ومصلحة سكانه، بل يجب على العالم الإسلامي أن يأخذ من ذلك ما وصل إليه الغرب ويحسن فيه ويزيد عليه، فلم يحرم اللهُ العالمَ الإسلامي من عقول كعقول الغرب، وأيد كأيدي الغرب، ولا شيء يمنعه من ذلك إلا تمسكه بالتقاليد الموروثة وتقديسه للعادات المألوفة، ودينه براء من كل ذلك.
نعم؛ أخذ العالم الإسلامي شيئًا من ذلك؛ فترى في كل قطر آلات صناعية جديدة، وزراعة على النمط الجديد، وصناعة على نمط الصناعة الأوربية، ولكن ليس هذا عامًّا ولا شاملًا، فآلات جديدة بجانبها آلاف من الآلات القديمة، وصناعة جديدة بجانبها صناعات وافرة قديمة، وهذا من أثر البلبلة والحيرة والارتباك الذي ساد سكان العالم الإسلامي، فإذا هم آمنوا بوجوب استخدام العلم الغربي على آخر طراز وجب على زعمائهم وقادتهم أن يقضوا على القديم في ذلك ويعمموا الأساليب الجديدة من غير تردد.
هذه ناحية، وناحية أخرى يجب أن يلفت إليها العالم الإسلامي، وهي ناحية المرأة المسلمة، فالمرأة الأوربية تعد بحق أساسًا كبيرًا من أسس نهضتها؛ إذ هي التي تربي الأبناء وتبعث الحياة في الجيل الجديد من الرجال والنساء، المرأة هي التي تنظم الحياة الاجتماعية وهي المشرفة على البيت وهي بلسم الهموم وهي عماد الثقافة، فما لم ترتقِ، وما لم تحرر، وما لم تتعلم، لم يكن هناك أمل كبير في جيل صالح جديد، فماذا على قادة المسلمين لو وجهوا مجهودًا كبيرًا للمرأة؛ يعلمونها، ويرقونها، ويحررونها، والإسلام في صميم تعاليمه يساعد على ذلك، ويحث عليه؛ وإنما وصلت المرأة المسلمة إلى ما وصلت إليه من ضعف وانحطاط برغم الإسلام لا بسبب الإسلام.
•••

لو أخذ العالم الإسلامي كل العلم الغربي وكل ما وصل إليه الغرب من تجاربَ واعتبر هذا جسمًا من الأجسام يتقمص الروح الإسلامي الصافي النقي: من اعتقاد بإله واحد بث في هذا العالم قوانينه، وألف بين سكانه، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأمر معتنقيه أن يكونوا رحماء فيما بينهم، لا عصبية لجنس ولا دم، ولا تفاضل بينهم بالنسب ولا بأي سبب آخر إلا العمل الصالح والنية الصادقة؛ لو مزجت هذه التعاليم الإسلامية الصحيحة بهذا العلم الصحيح لأنتجت من غير شك جيلًا من الناس من خير الأجيال خلا من مادية الغرب وجفافه، ومن خرافات الشرق وأوهامه، ولكان جيلًا يصح أن يكون جيلًا نموذجيًّا للشرق والغرب معًا، ولحقق هذا الجيل ما ذكرنا في صدر المقال من اكتسابه خير ما في الهرمين والتوفيق بين المعسكرين.
إن أهم مظهر للعالم الإسلامي اليوم هو مظهر استمداده من الغرب، ولكن عيب هذا الاستمداد أنه مصحوب بالتردد والبطء؛ فنأخذ بعض العلم وندع بعضًا، ويقدم قوم على الأخذ ويحجم آخرون، فتجد الآلة الزراعية على آخر طراز أمريكي، وبجانبها الساقية والشادوف، وتجد المدرسة على آخر طراز، والكتاب على نمط القرون الوسطى، وتجد المرأة المسلمة تلبس الثياب الأوربية كما وصل إليه آخر بدع، والمرأة المسلمة المحجبة التي لا يظهر منها إلا عيناها، وهكذا من مظاهر الاضطراب والارتباك؛ وكثيرًا ما يكون استمداد العالم الإسلامي من العالم الغربي متجهًا إلى المظاهر لا إلى الأصول والجواهر، فنؤثث مدرسة على النمط الأوربي ونضع منهجًا على النمط القديم وهكذا، كان الواجب يقضي بأن نكون في نقل العلم الأوربي والتجارب الأوربية حازمين مسرعين كما فعل اليابانيون، فننقل طرق الزراعة الحديثة بحذافيرها بمنتهى القوة؛ حتى نقضي على كل الأساليب القديمة، وهكذا الشأن في الصناعة والتجارة وغيرها.
ربما كان للمسلمين بعض العذر في تحفظهم في استقبال المدنية الغربية؛ لأن هذه المدنية من علمٍ وأفكارٍ وتجاربَ وصلت إلى العالم الإسلامي — للأسف — مع صوت المدافع والقنابل والفتح والاستعمار، فكان طبيعيًّا أن ينفروا من كل ذلك جملة من غير تفكير طويل وأناة وتنقية لما يؤخذ وما يترك، أما وقد ذهب صوت المدافع، وجاهد أكثر المسلمين حتى وصلوا إلى الاستقلال، وهدأوا مما عراهم أول الأمر من دهشة، فيجب أن يميزوا بين علم لا بد أن يؤخذ، ومدفع ينبغي أن يقاوم.
وقد أصبح برنامج المسلمين اليوم واضحًا أمام المدنية الغربية؛ وهو ما كررنا قوله من فتح صدورنا للعلم الغربي واستيعابه بكل قوة وبكل سرعة وأن نجعله شاملًا نافذًا على الجميع، لا أن نؤسسَ مؤسساتٍ جديدةً على العلم الجديد بجانب مؤسسات على التقاليد القديمة، كما يجب أن نحتفظ بديننا الصافي، فيكون لنا من ذلك كله علم ودين، كما لنا جسم وروح، والله الموفق.

حول الإنسان (?)


يحكى أن جماعة من الفلاسفة ضمهم مجلس ودار الحديث بينهم في مسائلَ كثيرةٍ، انتهى بهم إلى التساؤل عن أعجب الأشياء، فقال أحدهم: إن أعجب الأشياء صفحة السماء بجمال لونها، وسطوع نجومها، وبهائها ولألائها. وقال أحدهم: إن أعجب الأشياء الشمس بما تبعث من حرارة وضياء وبأفاعيلها العجيبة وتصرفاتها الغريبة. وقال أحدهم: إنه الرزق كيف يأتي لكل حي، وكيف يتوفر للجاهل عديم الكفاية، ويقل للعالم الكفء الذي توافرت فيه كل الأسباب للنجاح. وقال أحدهم: بل أعجب شيء هو الإنسان نفسه وتصرفاته وإراداته وعقليته في منتهى الغرابة، وكلما بحثه الباحثون ازدادوا إيمانًا بغرابته، وعجبًا من ملكاته، وهذا حق؛ فالإنسان إن لم يكن أعجب المخلوقات؛ فهو من أشدها مثارًا للعجب، لقد توفرت في المدنية الحديثة العلوم والبحوث وكان من أكبر ميادين هذه العلوم الإنسان؛ هذا يبحث في حيويته، وهذا يبحث في طبيعته، وهذا يبحث في كيمياء جسمه، وهذا يبحث في عقله الباطن واللاوعي ونحو ذلك، ومع هذا كله ظل الإنسان لغزًا.
من خير الكتب الأمريكية التي ظهرت في السنين الأخيرة كتاب للأستاذ ألكسيس كارِل عنوانه (الإنسان ذلك المجهول)، ومؤلفه هذا عالم من العلماء يبحث بطريقته العلمية ويضع الإنسان في الأنابيب يسلط عليها آلات المعامل والمخابر كما تسلط على المواد الطبيعية، ويشتغل في معهد روكفلر في نيويورك، فيبحث في هذا المعهد في خلايا الإنسان وكيف تتكون وكيف تتغذى، لعله يستطيع هو وزملاؤه من الباحثين أن يعرفوا الإنسان؛ كيف يتكون جسمه، وكيف تختلف الأجسام، وكيف تختلف الشخصية باختلاف هذه الجزيئات؟
ولكن هل مجموع هذه الخلايا ومجموع هذه الغدد التي وضعت في الأنابيب وجرى عليها الاختبار هي الإنسان؟ هل هي تمثل عقله وتمثل روحه؟ لقد اضطر المؤلف أخيرًا إلى أن يعترف بأن خلايا المخ ليست هي العقل، وأن العقل مخبوء وراء هذا الخلايا المخية المادية، وأن علماء الطبيعة وعلماء الاقتصاد أهملوا غالبًا هذه الناحية في الإنسان مع أهميتها وعظمتها وخفائها، وأنها أكبر قوة فعالة في هذا العالم، والأنابيب والمعامل لا تستطيع أن تصل إلى سر كنهها.
فإذا نحن جاوزنا العقل إلى الروح فالأمر أصعب وأعسر، وحينئذ نسبح في مجال بعيد عن المادة كل البعد تبدو آثاره ولا تعرف حقيقته.
لقد اعترف كارل في كتابه هذا بشيء آخر غير العقل، وهو ما يسمى باللقانة أو الإلهام، وهو الذي يتجلى عند العلماء؛ إذ يخطر لهم خاطر لا يعرف سببه يدلهم على استكشاف ما يستكشفون، وابتكار ما يبتكرون؛ ولو سألوا أنفسهم من أين أتاهم هذا الإلهام؟ لم يستطيعوا الجواب، كما يظهر في عمل الفنانين من شعراء ومصورين، كيف ألهموا ما أتوا به من غير مقدماتٍ عقليةٍ ولا نتائجَ منطقيةٍ، كما يظهر في تسلط الأرواح على الأرواح، ومخاطبة الأرواح للأرواح، وما يسميه الأفرنج Telepathy ونحو ذلك مما آمن به العلم الحديث؛ فهذه القوة الروحية في الإنسان لها عملها الكبير في هذا العالم، وإن لم تخضع للنظام العلمي والبحث الذي يسود العلماء في درسهم أو في معاملهم؛ وقد اعترف بذلك المؤلف واعترف بعجزه عن تفسيره، وأبان أن المدنية الغربية مخطئة في تأسيسها بناءها على ما للإنسان من مادة، وعلى ما له من جانب عقلي منطقي، مهملة ما للإنسان من جوانب عقلية أخرى، ومن جوانب روحية لا تحصى. إن الإنسان عجيب في جسمه وعقله وروحه: عجيب في جسمه؛ لأنه أعقد أنواع الحيوان تركيبًا، يعرف ذلك علماء الحياة، وعلماء التاريخ، الطبيعي وعلماء الطب، ويتجلى ذلك في قوته إذا عمل، وفي عجزه إذا مرض، وفي حيرة كبار الأطباء في تشخيص بعض الأمراض وعلاجها ونحو ذلك، وعجيب في عقله؛ إذ استطاع أن ينتج هذه الفلسفات العميقة التي وصل إليها سقراط وأفلاطون وأرسطو قديمًا، وكانت وليبنتز حديثًا، والفارابي وابن سينا وابن رشد وأمثالهم في القرون الوسطى؛ وعجيب في روحه؛ إذ استطاع أن يحلق بها في السماء فينتج أروع أنواع الحكم والمبادئ السامية، وأجمل القصائد، وأجمل القطع الموسيقية.
ومما يؤسف في الإنسان أن هذه القوى الإنسانية الثلاث؛ وهي: جسمه، وعقله، وروحه، كثيرًا ما تتعاكس وتتعاند؛ فقد يصح عقله ويصل إلى درجة كبرى من السمو، ثم لا تصح روحه ولا يصح جسمه، وقد تصح روحه حتى تصل إلى أعلى درجة في السماء، ثم يضعف جسمه فيُنْزل الروحَ التي تسكنه من السماء إلى الأرض؛ ومن أجل هذا لا تصلح فلسفة الفيلسوف، ولا تصلح أجمل النوازع الروحانية في الرجل الروحاني إذا أصيب جسمه وتلوى من الألم؛ ولذلك نرى أن هذا العقل المزدهر، وهذه الروح السامية، يضعفان في آخر الأمر إذا ضعف الجسم، وينزلان من على عروشهما ولا يفكران إلا في عضو مرض وكيف حاله كل يوم وما الغذاء الصالح وما العلاج الناجع؟ إلى غير ذلك من مشاغلَ حقيرةٍ تنسى الفلسفة العالية وتنسى المنازع الروحية السامية؛ وإنما يبلغ الإنسان شأوه إذا صحت فيه هذه القوى الثلاث: جسمه، وعقله، وروحه، وتعاونت تعاونًا صحيحًا.
وما قلناه في الفرد نقوله في الجماعة ونقوله في المدنية؛ فالمدنية التي تؤسس على المادة وحدها، كالفرد يعتني بجسمه فقط، وكذلك المدنية المؤسسة على المادة والعقل وحدهما، إنها تكون مدنية جافة؛ كالمنظر الجميل الجامد الذي لا روح فيه؛ ولعل هذا هو باب النقص في المدنية الحديثة؛ إذ جعلها ترقى ماديًّا فتنتج من الصناعات ما تنتج، وترقى عقليًّا فتنتج من العلوم والمعارف ما تنتج، ولكنها شقية معذبة بفقدان الروح، وإلا فما هذا العذاب في احتمال ويلات حرب، وفزع من وقوع حرب؟ إن النوازع إذا اضطربت صدر عنها انفعالات مضطربة.
ويعجبني أحد الفلاسفة المحدثين؛ إذ وقعت في يده جريدة يومًا فشاهد في الصفحة الأولى منها جدالًا طويلًا حول الأطفال الذين يولدون مشوهين ولا أمل في شفائهم، ولا رجاء في مستقبلهم، هل من الخير أن يعالجوا فيعيشوا عيشة سيئة قصيرة مآلها الموت السريع، أو من الخير ألا يعالجوا ليقضى عليهم سريعًا؟ وكانت أغلبية الآراء تقضي بمعالجتهم؛ لأن الحياة في نفسها عزيزة ويجب أن نبذل أقصى جهدنا في المحافظة عليها حتى نستنفد قوانا، والأمر بعد ذلك لله، ثم كان في الصفحة الثانية من الجريدة أخبار عن استعداد أوربا وأمريكا للقتال، وأن أكثر من مليون جنيه يصرف كل يوم للاستعداد، وما هذا الاستعداد إلا استعداد للإفناء وإزهاق الأرواح وتشويه للأجسام وعمى للأبصار؛ فالذين يتجادلون للمحافظة على الحياة المشوهة هم الذين يرتبون الترتيبات القوية لإعداد الأجسام الصحيحة، وهكذا كثير من شئون الحياة يلعب فيها الناس على حبلين بل على حبال ويسيرون فيها تبعًا لنوازع متضاربة لا يجمعها أساس معقول.
فما أسعد الإنسان لو استطاع أن يوفق بين قواه! وما أسعد العالم لو استطاع أن يؤسس مدنيته حسبما منح من قوى متعددة، فعمل لجسمه ولعقله ولروحه، وعملت الحكومات للمادة والعقل والروح جميعًا!

حول الإنسان (?)


للعالِم الكبير بسكال قولةٌ مشهورة؛ وهي: مهما كان عالم المادة في الحياة قويًّا وعظيمًا، ومهما كان عقل الإنسان عاجزًا وضعيفًا، فإن عقل الإنسان شاعر بعجزه، وعالم المادية شاعر بقوته، ولذلك كان عقل الإنسان العاجز العالم بعجزه، أرقى من الطبيعة القوية الجاهلة بقوتها.
إن شعور الإنسان بضعفه وعجزه وعيوبه هو الذي حفزه على أن يكمل نفسه ويرقيها ويسير بها إلى الكمال؛ ونحن إذا تتبعنا تاريخ الإنسان حتى في عصوره الحديثة فقط وجدناه يقفز قفزات واسعة في سبيل الرقي، لقد شهد القرن التاسع عشر تقدم الإنسان العجيب في تغلبه على المادة، فاستخرج الفحم من أعماق الأرض وصنع من الحديد والفولاذ آلات وأدوات لا عداد لها؛ لتحقيق الأغراض الإنسانية، واكتشف قوة البخار والكهرباء واستخدمها في تحسين حياته، واستطاع بهما أن يسهل الانتقال وينير البيوت والشوارع ويكثر الإنتاجات الزراعية ويحسنها، واستتبع ذلك قلة في الجرائم، هذا إلى ما لا يحصى من اختراع أدوات الترف والترفيه.
وكان من نتائج استيلاء الإنسان على قوى الطبيعة وإخضاعها لإرادته ما نتج عن ذلك من تحسن صحته؛ فقد استطاع أن يتغلب على كثير من الأمراض؛ وقد تسابقت الأمم الحية بمراعاتها للأمور الصحية، فاستطاعت أن تقلل من نسبة وفيات الأطفال، وأن تزيد في متوسط أعمار السكان، وبنيت المساكن الصحية للفلاحين والعمال، وقل عددهم في هذه البيوت الجديدة فاستطاعوا أن يعيشوا عيشة أسعد وأرغد، وشرع كثير من القوانين التي تحمي العمال من أصحاب رءوس الأموال، وقللت ساعات العمل؛ حتى يستطيع العامل أن يجد فراغًا لتثقيف نفسه، أو للترفيه عنها، أو الاستمتاع بسائر مُتَع الحياة.
وتغلب الطب على كثير من آلام الإنسان؛ فكم خفف البنج من آلام في حجر العمليات وسهل على الأطباء والمرضى إجراء العمليات في يسر وسهولة، بعد أن كان المرضى يلاقون أشق العذاب وأعظم البلاء!
وارتقى الإنسان في عقليته فاستطاع أن يصل في فهم حقائق العالم إلى ما لم يصل إليه من قبل، وتقدم في القرن الأخير في فهم الذرة وتكونها إلى حد لم يكن يحلم به الأقدمون، واكتشف من قوانين الطبيعة والكيمياء ما عجز عنه الأسبقون، وتقدم في فهم حقائق النفس البشرية، وغطت مذاهبه الفلسفية الحديثة على الفلسفة اليونانية والرومانية؛ وعلى الجملة فقد نال حظًّا وافرًا في ناحيته العقلية، كما نال هذا الحظ الوافر في تسلطه على المادة الطبيعية.
وتقدم الإنسان كذلك في إنسانيته، فنراه قد ألغى عذاب السجون، والضرب في المدارس، وتعذيب المجرمين، وكان آباؤنا الأسبقون يتخذون من أصحاب العاهات والآفات موضعًا لسخريتهم وضحكهم، فأصبحت هذه الآفات والعاهات موضعًا لرحمتنا وعطفنا، وإذا ابتليت أمة بحادث من حوادث الزلزال أو الحريق أو العواصف أسرعت غيرها لنجدتها، إلى غير ذلك من ضروب الإنسانية، وإن كان هذا الشعور الإنساني لم يرقَ الرقي المادي ولا الرقي العقلي.
ويتساءل بعض الفلاسفة اليوم السؤال الآتي:
أما وقد رقى الإنسان هذا الرقي الباهر في هذا العصر الحديث، فما الذي ينتظر منه في مستقبله؟ وماذا يجب على القادة حتى يوجهوه نحو الرقي؟ وإلى أية جهة يوجهونه؟ أما برنارد شو فقد أجاب عن هذا السؤال بأنه يتمنى أن يتجه التفكير إلى إطالة العمر، وخاصة عمر العقلاء والحكماء والفلاسفة، وتمنى أن يطول عمرهم أضعاف ما يعيشون، وأن يتعاون العلم والأطباء وغيرهم على اكتشاف ما يطيل أعمارهم؛ لأنه عز عليه أن يبذل الفيلسوف والعاقل والحكيم أعمارهم في التجارب؛ حتى إذا بدأت في النضج وأشرفت على نفع الإنسانية، أتت المنية فاخترمتهم قبل أن ينتفع العالم بتجاربهم ونضجهم، فلو عمر هؤلاء طويلًا لكانوا خيرًا عظيمًا للإنسانية.
وقال الأستاذ جود: إنه يتمنى أن يتجه العالم نحو ترقيته في أبحاثه الروحية؛ من تنويم مغناطيسي، وقراءة للأفكار والآراء بواسطة الإيحاء، ونحو ذلك من العالم الروحي، فيقول: إنه بعد أن تقدم الإنسان في العالم المادي عليه أن يتجه هذا الاتجاه نحو العالم الروحي، وإنه سيكون لهذا نتائج باهرة فنستطيع إذا تقدمنا في هذا العلم أن نقرأ أفكار الناس وآراءهم من غير تلفيق، وأننا إذا تقدمنا في هذا بطل الكذب والنفاق والرياء ولم يعد لها مكان، وأسست الأخلاق على أسس جديدة. ويقول: إن بعض المعاهد في أمريكا تقدمت تقدمًا كبيرًا في هذا النوع من ناحية قراءة الأفكار، وقراءة المغيبات، والإيحاء الروحي ونحو ذلك.
وأنا لا أرى رأي شو ولا رأي جود، فلو عاش الحكماء والفلاسفة والعقلاء عمرًا أطول لساعدوا حقيقة في تقدم العالم، ولكن في نفس الطريق الذي يسير فيه العالم وهو طريق المادة والعلم والعقل، ولست أوافق جود على تفسير الروحانية بهذا المعنى الذي فسرها به من قراءة الأفكار والمشاعر الخفية، إنما يجب أن يوجه العالم إلى الروحانية بمعنى آخر، وإن شئت فقل إلى الإنسانية.
لقد عجزت المدنية الحديثة إلى اليوم أن تجعل الإنسان ينظر إلى الإنسان على أنه أخوه؛ بقطع النظر عن فروق الجنسية والدم واللغة والدين وما إلى ذلك، إن الذي نوده في المستقبل أن يتجه العالم إلى الإنسانية مجردة عن اعتبار القومية والوطنية، فيأخذ القوي بيد الضعيف من أي جنس وبأي لون، ويعين من يحتاج إلى العون من أي دين كان ومن أي وطن كان، ويعلم العالمُ الجاهلَ ويطب الصحيحُ المريضَ، ويسود الشعور العام في العالم بأن الإنسان أخو الإنسان؛ فتنقطع الحروب، ويحل الوئام محل الخصام، ويسود في العالم السلام.
هذا هو ما يجب أن يتجه إليه القادة في رسمهم صورة المستقبل، وإلا فما قيمة التقدم المادي والتقدم العقلي إذا كان الإنسان دائمًا بين حرب مضت وحرب ستأتي، وفناء في حرب واستعداد لحرب، ليست المدنية تقاس بكثرة المخترعات ولا بعمق الفلسفات، إنما تقاس بما تبعث في النفوس من طمأنينة، وعطف عام، وإنسانية شاملة.
لقد صور هذا المعنى تصويرًا باهرًا شاعرٌ عربي صوفي قديم، هو الإمام محيي الدين بن عربي؛ إذ يقول:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه دان فأصبح قلبي قابلًا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني لقد ظفر محيي الدين بمعنى لم تظفر به المدنية، ولعلها لا تظفر به إلا بعد مئات من السنين، وبعد أجيال وأجيال.

في الهواء الطلق (?)


لأن تكون الأمة المصرية خمسة ملايين راقين يعيشون عيشة سعيدة، خير من أن يكون عددها عشرين مليونًا؛ وهي كما هي: فقر وبؤس وجهل ومرض
دق التليفون صباحًا فإذا هو صوت الصديق قال: الجو بارد، واليوم صحو، والشمس تؤذن بأنها ستبعث إلينا دفئًا لذيذًا، فهل لك أن أمر عليك بسيارتي فنستمتع بالشمس في سفح الأهرام؟
قلت: وهو كذلك.
ها نحن في شمس مينا هاوس، وقد أخذت تدفئنا بأشعتها الذهبية، فلما سخنت رءوسنا، أحسسنا بشهوة الكلام تنبعث من نفوسنا.
هو: لقد لفت نظري وأنا آت إليك حركة الترام وامتلاؤه بالراكبين، كأنه علب السردين، بل لعل علب السردين أكثر منه نظامًا، فليس هناك محل لجالس ولا واقف، ولا يستطيع داخل أن يدخل، ولا خارج أن يخرج إلا بعناء، كما لفت نظري امتلاء الشوارع بالمارين وحركة المرور الفظيعة الشنيعة من سيارات وعربات ومشاة، ولقد زرت لندن وباريس وجنيف، فلم أجد مثل هذا الازدحام، ولا صعوبة الانتقال، فقلت في نفسي: ماذا يكون المصير بعد عشر سنين أو عشرين، وكيف إذ ذاك يستطيع الناس أن يمشوا على أرجلهم، أو يركبوا سياراتهم، أو يقضوا حوائجهم؟ لقد آن الأوان؛ لأن نفكر جديًّا في تقليل عدد السكان.أنا: أتقول إذًا بضبط النسل؟هو: نعم، بكل قوة وإيمان، إن القول بضبط النسل عندي بديهية من البديهيات، وإذا كان ضبط النسل جائزًا في إنجلترا وأمريكا، وهما ما هما في ارتفاع مستوى المعيشة، ورقي الحالة الصحية والاجتماعية، فهو في مصر والشرق واجب لا جائز، إن ضبط النسل يزيد في سعادة الفرد والمجموع، ويقلل من بؤس البائس، وشكوى الفقير، ويحرر المرأة من كثير من أغلالها، ويريح رب العائلة من كثير من أعبائه، إن الرجل إذا كان دخله الشهري ستة جنيهات أو ثمانية أو عشرة استطاع — إذا كان له ولد أو ولدان فقط — أن يعيش عيشة أرقى بدخله هذا مما إذا كان له ستة أولاد أو ثمانية أو عشرة، واستطاع أن يعلم الولد أو الولدين خيرًا مما يعلم الأولاد الكثيرين، واستطاع أن يعني بصحة الولد أو الولدين وأن يلبسهما لباسًا معقولًا، ويطعمهما طعامًا معقولًا، واستطاعت الأم أن تشرف عليهما، وأن تجد بعض الوقت لراحتها.
أما إذا كان البيت مملوءًا بالأولاد، والأم تحمل ولدًا، وتفطم ولدًا، وتجر بيدها ولدًا، فالويل كل الويل لهذه الأسرة، والويل كل الويل للمجتمع من أمثال هذه الأسرة، ولو كانت مرافق الحياة ومنابع الثروة في الأمة تزداد بنسبة عدد السكان لتقبلنا حجج القائلين بإباحة النسل في شيء من سعة الصدر، أما والسكان يتضاعفون ومنابع الثروة لا تنمو بهذه النسبة ولا بقريب منها فضبط النسل واجب لا شك فيه، إن محاربتنا للأعداء الثلاثة؛ من فقر، ومرض، وجهل، عديمة الجدوى ما دام باب النسل مفتوحًا من غير حساب؛ فكل جهودنا — إذًا — ضائعة أو قليلة المنفعة؛ ومثلنا إذًا مثل من يرمي قنطار سكر في النيل ليحليه، أما إذا قلَّ النسل استطعنا أن نعلم النسل الجديد القليل، وأن ننظم حالته الصحية، وأن نعالج فقره وفقر أسرته في الحدود المعقولة.
وإلى جانب هذا وذاك، هناك الحالة النفسية التي تصحب قلة النسل؛ فالأم تهدأ أعصابها إذا اقتصرت على تربية ولد أو ولدين وتجد مجالًا لراحتها، والأب تطمئن نفسه — ولو كان فقيرًا — بعضَ الاطمئنان، ويجد فيما يكسبه — ولو قليلًا — قدرة على سد الحاجات الضرورية له ولأولاده، هذا من ناحية الفرد، أما من ناحية المجموع فالأمة مجموع أسر، فإذا حسنت حالة الأسرة حسنت حالة الأمة؛ وإذا كانت الأسرة يتعلم أبناءها ويجدون غذاءهم الصحي وملبسهم النظيف وتعلمهم الضروري؛ ارتقت الأمة تبعًا لذلك، وليست الأمة تقدر قيمتها بعدد أفرادها، ولكن تقدر بنوع أفرادها، ولا تقدر بكميتها، ولكن بكيفيتها، والنظر الساذج المنحط هو الذي يقدر الكمية، فإذا رقى قدَّر الكيفية، ولأن تكون الأمة المصرية خمسة ملايين راقين يعيشون عيشة سعيدة، خير من أن يكون عددها عشرين مليونًا؛ وهي كما هي: فقر وبؤس وجهل ومرض وشقاء.
لقد كانت الطبيعة تقوم بما يقوم به ضبط النسل، فتبعث من حين إلى حين كوليرا أو مرضًا وبائيًّا يهز الناس ويغربلهم ويقلل من عددهم، فتعيش بعد ذلك عيشة معقولة؛ أما وقد تقدمت شئون الصحة فالأمر من كثرة السكان سيكون مخيفًا مرعبًا، قد كان يكون معقولًا بعض الشيء ألا نحدد النسل لو كانت الأمة المصرية ترحل من بيئتها المزدحمة إلى بيئتها غير المزدحمة، ومن قطر إلى قطر، أما وهي لا يحب أهلها أن يرحلوا من القاهرة إلى طنطا، ولا من المنوفية إلى البحيرة، ولا من أي بلد إلى بلد قريب، فالمسألة أدهى وأمر.أنا: ولكن أليس هذا العمل محاربة للطبيعة؟هو: محاربة للطبيعة! كيف ذلك؟ إنه تنظيم للطبيعة، لا محاربة للطبيعة؛ فليست المدنية في جميع أشكالها إلا تنظيمًا للطبيعة، انظر إلى فيضان النيل، هذه هي الطبيعة، ولكن نقيم عليه سدودًا تنظمه، والبخار ينبعث من الماء الحار، وهذه هي الطبيعة، ولكن ننظمه فنسير به القطارات وأمثالها، والجو مملوء بالكهرباء وهذه هي الطبيعة، ولكن نأخذها فننظمها، فلماذا يكون هذا وحده هو الذي نقف عنده ونقول: إنه ضد الطبيعة؟!أنا: فليكن كذلك، ولكن أليس هذا عصيانًا لإرادة الله؟!هو: ولا هذا، فإذا تركنا النسل من غير أن نحدده فهذه إرادة الله، وإذا حددناه فهذه إرادة الله أيضًا، أولسنا نفعل هذا في كل شيء؟! ألسنا في الزراعة نخفف الزرع إذا وجدناه قد كثر كثرة تضر بالغلة؟! أولسنا ننقي الزرع من الحشائش التي تضره؟ أولسنا في كل ما نعمله في الزراعة نسترشد بالعلم وبالتجارب؛ حتى نأتي بأجود محصول لا بأكثر محصول؟! ولو سرنا على قولك في إرادة الله بالمعنى الذي تتصوره؛ لتركنا كل زرع على طبيعته، وتركنا كل مرض يفتك على طبيعته، وتركنا كل مجرم وكل فقير وكل جاهل يسير على طبيعته من غير أن نتدخل في شأنه! إن تعاليم الله تقضي بأن نستخدم عقولنا وننظر فيما هو الأصلح لحياتنا، ثم نعمل وفق ما تهدينا إليه عقولنا، وهذه هي إرادة الله … •••

وهنا أحسسنا الشمس قد اشتدت حرارتها وأخذنا منها بنصيب وافر، فاقترحت عليه أن ننتقل إلى مكان آخر بين الظل والشمس؛ فتظللنا فروع الشجر ظلًّا متموجًا يذهب ويجيء فنكون بين برودة الظل ودفء الشمس …
هو: أليس هذا تدخلًا في الطبيعة وفي إرادة الله على قولك؟! لا؛ لا، إن النظر إلى الطبيعة وإرادة الله بهذا المعنى نظر غير صحيح، وما نفعله الآن في مراعاة مصلحتنا من انتقالنا من شمس إلى ظل، ومن ظل إلى شمس، هو القانون العام الذي أراده الله في اختيار المصلحة، والعمل على وفقها بحسب عقولنا. وأحسسنا بالجوع فأكلنا، وبالشرب فشربنا، وبالراحة فاسترحنا، وتحدثنا حديثًا خفيفًا في الجو الصحة والسياسة، ولم أشأ أن ينقطع الحديث عن ضبط النسل؛ فقلت: وما رأيك في الأضرار الصحية التي تحدث من ضبط النسل؟
هو: لقد أحس الناس من قديم حاجتهم إلى ضبط النسل؛ فما يروى عن العرب من وأد البنات، وما يروى عن غيرهم من قتل الأولاد صغارًا، مما كان يجري في الصين والهند ونحو ذلك، ليس إلا ضربًا من ضروب تحديد النسل وإن لم ينطبق عليه هذا اللفظ انطباقًا تامًّا، وقد سار العمل في تحديد النسل وفقًا لنشوء الإنسان وارتقائه؛ فقد كان عملًا ساذجًا في الأمم البدائية، من استعانة على منع الحمل بالطرق السحرية، أو (طب الركة)، أو الإجهاض على شكل شنيع، أو استعمال بعض العقاقير ونحو ذلك مما كان يسبب أضرارًا بليغة؛ ولكن بتقدم المدنية والحضارة جعل هذا في يد الأطباء لا في يد الأفراد، وقد كانت أوربا وأمريكا على مثل قولك الآن في محاربة الطبيعة ومحاربة إرادة الله، فكانت تحرم ضبط النسل، وتحاكم من قام بهذه الدعوة، ولكن كانت هذه المحاكمة سببًا في انتشار الفكرة لا في إماتتها، واضطرت الحكومات أخيرًا إلى الاعتراف بهذا العمل وإباحته؛ فأنشأت المستشفيات الطبية للقيام بهذه المهمة متى وجد أن لا ضرر منها، وألفت الكتب الكثيرة لإرشاد الأمهات إلى ما يجب عليهن عمله، إن أردن تحديد النسل؛ وأذكر أني قرأت أنه كان في إنجلترا في سنة ???? أربعون مستشفى لهذا الغرض، وأن الجمعية الطبية من المجلس القومي البريطاني المؤسس للنظر في الأخلاق العامة أعلنت بالإجماع أن لا توجد عقبات في سبيل زوجين أرادا أن يعرفا الوسائل لمنع النسل؛ لأسباب صحية، أو لكثرة، أولادهما أو لفقرهما.أنا: أشعر أن كلامك — كعادتك — مستقيم مقنع من الناحية العقلية، ولكني أشعر أنه ينقصه شيء من العواطف.هو: ومتى كان الإصلاح يبنى على العواطف والمشاعر؟ إن الإصلاح في كثير من الأحيان يلجأ إلى محاربة العواطف والمشاعر، وهل حرمة الإلف والتقاليد إلا عواطف ومشاعر؟! دع عنك هذا واصغ لحكم العقل. •••

وجاء موعدنا فركبنا السيارة وعدنا، وكان من حظه أن وجدنا الترام في الجيزة أسوأ مما وصفنا، فنظر إلي وقال: اسمع، ادعُ إلى ضبط النسل.

البيوت الثلاثة


لقد أطللت من هذه البيوت الثلاثة على بيوت القاهرة كلها في إجمال …
أتيح لي في هذه الأيام أن أزور بيوتًا ثلاثة في القاهرة، وأتقصى أحوالها، ومظاهرها، ومعيشة أهلها.
فأما أولها فبيت لغني كبير، ورث ثروته عن آبائه، وحسنها ونماها: قصر فخم بني على أحسن طراز، وله حديقة غناء سعدت بأحسن الأشجار، وأجمل الأزهار، أفرد منها مربع للعبة «التنس»، وتدخل القصر فيبهرك جماله وأثاثه، كل حجرة فيه فرشت بعناية على طراز خاص، وروعي في أثائها أن يكون منسجمًا مع لون الورق الذي كسيت به حيطانها، ومع اللون الذي ينبعث من مصابيحها؛ وقد فرشت أرضها بالسجاد العجمي الذي تغوص فيه قدم السائر عليه، وإذا أضيئت مصابيحها رأيت النور ولم تر مصدره، وأُعِدَّ الدور الأول للاستقبال، والدور الثاني للنوم، وأعدت غرف النوم بأجمل الأسرة وأفخمها، وأثمن الفراش وأنظفه، وشغلت ملاءات الأسرة بأجمل أنواع التطريز، وبجانب كل غرفة نوم حمام يجري فيه الماء الساخن والبارد، وجهزت بعض الحجر بتكييف الهواء، وبالمدافئ المعدة في الحوائط يستخدم فيها الفحم والمدافئ المتنقلة بالكهرباء، وبه التليفون الثابت والمتنقل والراديو الثابت والمتنقل، وقد علقت في الحوائط لوحات من أجمل ما صنع الفنانون، ووضعت في الحجرات والغرف طرف كثيرة على شكل أنيق ووضع جميل، أما المطبخ فأعجوبة الأعاجيب؛ نظافة وأدوات كهربائية وغير كهربائية وأفران، وقوالب مما يسهل للطهاة إعداد كل ما تشتهيه الأنفس، وبالطابق الأسفل حجرة أعدت للمشروبات إعدادًا فاخرًا، وملئت دواليبها بمختلف الأنواع، وصففت تصفيفًا فنيًّا يهيم به أمثال أبي نواس …
لا تشعر بفرق بين هذا القصر وبين أمثاله من القصور العظام في أوربا، إلا بما ترى أحيانًا من خدم سود، أو تسمع آونة من لغة عربية.
هذا هو المكان؛ أما السكان؛ فالباشا عميد البيت، والسيدة ربة القصر، وابن واحد، وبنت واحدة، ثم عدد من الخدم: رجال ونساء، كبار وصغار، مصريون وأجانب، هذا طاه، وهذا مساعده، وهذا لإعداد المائدة، وهذه للشراب، وهذا لتنظيف الدور، وهذه لإعداد ملابس الباشا الأول، وهذه لإعداد ملابس السيدة، وهذه تمسك مفاتيح الخزائن من مأكول ومشروب، وهذه لخدمة البيك، وهذه لخدمة الآنسة، وهذه الأوربية للإشراف على جميع خدمة البيت.
أما الباشا فحينًا في الوزارة، وأحيانًا خارجها، فأما حين يكون في الوزارة فهو لا يعرف ليله من نهاره، بين مقابلات لا تنتهي، وأعمال ليس لها أول ولا آخر، ودعوات تتزاحم في الوقت الواحد، وأما حين يكون خارج الحكم فصباحه في نادي محمد علي، ومساؤه المبكر في زيارات وواجبات اجتماعية، ومساؤه غير المبكر في المنزل مع زواره، وأحيانًا يأتي بعض الزائرين والزائرات فيشتركون مع ربة البيت في لعب «الكونكان» إلى الساعة الواحدة أو بعد ذلك.، ومن حين لآخر يقرأ في كتاب، وفي الفترة بعد الفترة يذهب إلى العزبة؛ ليشرف على شئون زراعته.
وأما السيدة ربة البيت فتصحو في الضحى، وتنتهي من إفطارها في العاشرة، ثم تخرج لزيارة بعض صواحبها، وفي بعض الأيام تساهم في بعض الأعمال الاجتماعية، وفي العصر تقابل بعض الزوار، وأحيانًا تحيي الليلة في سمر ظريف، وأحيانًا في سماع غناء لطيف، وأحيانًا تشترك في لعب «الكونكان».
وأما الفتى الشاب ففي كلية من كليات الجامعة، يقضي في كل فرقة سنتين أو أكثر؛ لقلة إقباله على المذاكرة وضعف استعداده، وهو مشترك في نادي الصيد ونادي التجديف، وفي المساء له «غطسات» لا يعرفها أهله ولا «أنا»، وله سيارة خاصة، يسوقها بنفسه، كما للباشا سيارة، وللسيدة سيارة.
وأما الآنسة ففي مدرسة الليسيه، تعرف من الفرنسية أكثر مما تعرف من العربية، وتكثر من قراءة الكتب الفرنسية، ولا تقرأ — أو هي تحتقر أن تقرأ — كتابًا عربيًّا، وتقضي بعض أوقات فراغيها في التطريز والتصوير، وتصرف الزمن الطويل هي ووالدتها في اختيار ما يناسب من الملابس وتفصيلها على أحدث «بدع»، وفي ابتياع أدوات الترف والزينة من المحال الارستقراطية التي لا يضع فيها الجمهور قدمه، وإذا أتت مصر الفرقة التمثيلية الفرنسية لم تفتها أية رواية.
تحريت طويلًا عن ميزانية هذا القصر فعلمت بعد أنها لا تقل عن ثمانمائة جنيه في الشهر؛ فمصروف المطبخ اليومي بين ستة جنيهات وثمانية، والطاهي وحده يأخذ ثمانية عشر جنيهًا، وعلى هذه النسبة سائر الخدم، ولا تسل عما يصرف على الملبس والكماليات.
وأخلاق الأسرة على نمط الأخلاق الأوربية، فهم يتحرون الصدق في القول، والوفاء بالوعد، وتنفيذ الكلمة تصدر منهم كأنها صك، ويؤدون الواجبات الاجتماعية والمالية خير أداء، ويعتزون بالمال والجاه والنسب أكبر اعتزاز، أما الرحمة والشفقة والإحسان والتواضع فأخلاق شرقية لا يعبأون بها.
وأما الدين فليس له مجال في البيت؛ فلا صلاة ولا صيام، وإنما يذكرون الله في المناسبات كدعوة لمريض أو ترحم على قريب أو صديق، والحجرة الوحيدة التي تقام فيها الصلاة لأوقاتها هي حجرة البواب النوبي بجوار الباب.
•••

وشاء القدر أن أزور أيضًا بيتًا لفراش مدرسة، ولزيارة بيته قصة طويلة حرية أن أفرد لها مقالًا، مرتبه ستة جنيهات وفيها العلاوة، ولم تستطع سيارتي أن تدخل في زقاقه فترجلت، واضطررت بعد قليل من المشي أن أضع منديلي المعطر على أنفي.
وجدته وأهله يسكنون حجرتين في الدور الأرضي من الدار، قليل ضوؤهما، فاسد هواؤهما، قد رزق ستة من الأولاد، أربعة أبناء وبنتين، يأكلون من الخبز فقط بجنيهين ونصف، وقد لا يكفيهم؛ قد استعان على معيشته بابنه الأكبر، فهو صبي في مطبعة بثمانية قروش في اليوم، يفطرون كل يوم بقرشين فولًا مدمسًا بزيت، ويعيشون أكثر أيام الأسبوع على الطعمية والعدس والجبن والفجل، ولا يأكلون اللحم إلا ليلة في الأسبوع، لكل واحد منهم ثوب واحد لا يغيره حتى يبلى، يتدفأون في الشتاء (بدفاية) يشعلونها بقليل من الخشب والحطب، وإذا أسعفهم الحال فقليل من الفحم البلدي، أثاث بيتهم حصير في كل حجرة، ومراتب وألحفة تطوى نهارًا وتفرش على الحصير ليلًا، إضاءتهم بمصباح يوقد «بالجاز»، ولا مطبخ لهم، إنما في ركن من أركان إحدى الحجرتين بعض الحلل وبعض الأطباق و«وابور بريموس» قديم لا يرى نحاسه من كثرة صدئه، يتسلون أحيانًا بسماع الراديو من بيت الجيران.
علاقة الأبوين بالأولاد متأثرة بضيق النفس من سوء العيش؛ فضرب كثير، وسباب كثير، وأحد الأبناء رضيع، والثاني فطيم، والثالث في مدرسة أولية، والبنتان تربيهما الحارة، لا يهم الأسرة من الحكومة ونظامها ومن يتولاها إلا إعانة غلاء المعيشة ومسائل التموين، إذا مرض مريضهم طبوا له بالوصفات البلدية، فإذا اشتد الأمر لجأوا إلى المستشفى في حيهم، فيلقون أشد من المرض؛ حتى يكشف على مريضهم، ويُصرف له الدواء.
أخلاقهم خاضعة للعرف والتقاليد والرأي العام لأهل الحارة أكثر من خضوعها للعقل والتربية الصحيحة، يسيرهم في كثير من شئونهم ما يدور بينهم من خرافات وأوهام وجن وعفاريت، في الطب، وفي السعادة، والشقاء، وما يؤكل في المواسم، وما يقال من تعاويذَ؛ وسمرهم بالليل إنما هو ما يحدث به الرجل مما جرى في المدرسة، وما حدث من زملائه الفراشين، وما تحدث به المرأة مما جرى في الحارة وما سمعته عن بيوت الجيران، وقد يتحدث الأطفال عما جرى أثناء لعبهم مع أولاد الحارة.
وللدين مجال في البيت، فالرجل لا يحافظ على صلواته كلها في أوقاتها، ولكنه يحرص على صلاة الجمعة، والمرأة لا تصلي، ولكنها وزوجها وكبير أولادها يصومون رمضان، وهم جميعًا يذكرون الله، وخصوصًا في تصرفاته في الغنى والفقر، والإسعاد والإشقاء، وقدرته التامة على أن يعز من يشاء، ويغني من يشاء.
•••

وتمت فصول الرواية بزيارة بيتٍ ربُّه موظف في وزارة الداخلية في الدرجة الثالثة، يتقاضى خمسين جنيهًا في الشهر، قد رزق ثلاثة بنين وبنتين، يسكن شقة بخمسة جنيهات (إيجار ما قبل الحرب)، أعد ثلاث غرف للنوم، وغرفة للاستقبال، وغرفة للأكل، وبغرف النوم مكاتب لمذاكرة الأولاد، والبيت مؤثث أثاثًا وسطًا أكثره قد قدم به العهد، فهو يصحبهم من أيام الزواج، وقد أدخلت عليه التجديدات الضرورية، وبه راديو ونور كهربائي، وعندهم خادمة واحدة تساعد السيدة في شئون البيت من طبخ وغسل، والمطبخ لا بأس به، ففيه «وابور جاز»، وأدوات الطبخ الضرورية، وأكلهم في الصباح فول وبيض ولبن، ومن حين لآخر يزيدون جبنًا ومربى، وغداؤهم طبق لحم وطبق خضار، وطبق أرز، وبرتقال في الشتاء، وبطيخ أو شمام في الصيف، ويومان في الأسبوع لا لحم فيهما، والعشاء من باقي الغداء أو حيثما اتفق.
والبنون أحدهم في كلية التجارة، والثاني في مدرسة ثانوية، والثالث في مدرسة ابتدائية، والبنتان إحداهما في مدرسة ثانوية، والأخرى في الثقافة النسوية، وجميعهم بمصاريف إلا الأخيرة فقد قبلت مجانًا.
ولكل من الوالدين والأولاد «بدلتان» شتويتان وأخريان صيفيتان، وهذه الملابس للآباء والأبناء والبنات تفصل ويخيط عند خياط وخياطة ولا تشترى جاهزة.
والأبوان يشكوان مرَّ الشكوى من قلة الدخل وكثرة الصرف، وخاصة في أشهر الأقساط المدرسية، ولا يأتي آخر الشهر حتى يكونا قد لهثا من طول الشوط مع ثقل الحمل.
والسيدة تقضي صباحها في شئون البيت، وعصرها في استقبال زائرة أو رد زيارة، والأب يقضي صباحه في وظيفته، وعصره في مقهى، ومساءه بين أسرته.
والأولاد إذا حضروا من مدارسهم ذاكروا دروسهم، ويوم الخميس يذهبون إلى سينما أو مشاهدة رواية، وسمرهم في المساء يدور حول ما سمعت السيدة من صواحبها، وكثيرًا ما يتحدث الرجل في العلاوات والترقيات وفصوله مع رؤسائه ومرءوسيه، وأحيانًا يتحدث مع أولاده في تجاربه في حياته، ويقص عليهم ما كان منه من جد ونشاط وتفوق وذكاء أيام دراسته.
وقد لاحظت في هذه الأسرة شيئين لم أرهما في الأسرتين السابقتين: (أحدهما): طموحها الشديد؛ لأن تتشبه بالأغنياء وخاصة في المظاهر، فهم يقلدون ما أمكنهم معيشة الأغنياء في بيوتهم وإن لم يكن لهم مقدرتهم، وإذا لم يستطيعوا ذلك عملًا فلا أقل من أن يقولوه قولًا أو يصطنعوه طلاء.
(والثاني): الخلاف الشديد بين الأولاد وأبويهم في عقليتهم ومشاربهم، فالبنت تريد أن تذهب إلى السينما وحدها، والأب لا يرضى، والابن يريد أن يشترك في حزب سياسي، وفي نادي ألعاب، والأب لا يرضى، والبنت الثانية تريد أن تتعلم «الكمان» على معلم خاص، والأب لا يرضى، والابن الثاني يريد أن يشترك في فرقة التمثيل في المدرسة والأب لا يرضى، وأثقل شيء على الأبناء أن يحدثهم أبوهم عن ماضيه، وأثقل شيء على البنات أن تحدثهن أمهن عن ماضيها.
والأم في البيت متدينة، والأب بين بين، والأولاد لا يأبهون بالدين.
•••

وقد حمدت المناسبات التي أطلعتني على هذه البيوت؛ لأن أطللت منها على بيوت القاهرة كلها في إجمال.
وتسألني: كيف عرفت دخائل هذه البيوت كلها؟ فأقول: إن المقادير تيسر أحيانًا ما لا تيسره التدابير.

اليهود في أمريكا


قد كتب الله على نفسه أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ وليس الصالحون من صلوا وصاموا ثم ناموا، إنما الصالحون من ضموا إلى عبادة ربهم رعاية حقوقهم وواجباتهم
لعل من الخير أن يعرف قراء العربية تفاصيل كثيرة عن مركز اليهود في العالم؛ لأن ذلك يلقي ضوءًا على الحوادث التي تقع بين العرب والصهيونيين في فلسطين، وتوضح موقف الدول منهم ولِمَ تناصرهم؛ ولعل الكتاب يكثرون من بحث هذا الموضوع والكتابة فيه؛ لأن مسألته مسألة اليوم وأزمته أزمة الساعة، ولنبدأ اليوم باستعراض لموقف اليهود في أمريكا؛ لأنها أكبر دولة تؤيدهم في السر والجهر، وفي السياسة والمال.
وتاريخ اليهود في كل أمة تاريخ طويل، في بلاد العرب وبين المسلمين، وفي إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وروسيا وألمانيا وإيطاليا، وأخيرًا في أمريكا، فهم حيثما وجدوا سببوا حركة حولهم وشعور تخوُّف منهم، وحذر من أعمالهم؛ وأكبر سبب في ذلك أنهم لا يذوبون في الأمم التي يعيشون فيها، فاليهودي الإنجليزي يهودي أولًا، وثانيًا، وثالثًا، وربما كان إنجليزيًّا رابعًا، وكذلك اليهودي الألماني والأمريكي … إلخ، وهم لا يقتصرون على المحافظة على شخصيتهم وجنسيتهم من ناحية الدين، بل هم كذلك في ناحيتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فهم دائمًا يكونون أمة داخل كل أمة.
هذا تاريخهم قبل النصرانية وبعدها — قبل الإسلام وبعده — في عالم الشرق وعالم الغرب، وقد وضعوا فلسفتهم الاجتماعية والدينية على أساس هذه الفكرة، فكرة الانفراد والانفصال وعدم الذوبان في الأمم التي يعيشون فيها، وتكوينهم نواة منفردة وسط المحيط الذي يعيشون فيه، على نمط لم يعرفه التاريخ لأي مذهب ديني أو اجتماعي آخر، وقد فسر بعضهم هذا بأنه «مركب نقص» دعا إليه شعورهم بقلة عددهم، ولكن هذا تفسير لا يكفي؛ لأنَّ كثيرًا من المذاهب الدينية والاجتماعية كان معتنقوها أقل عددًا، ومع ذلك لم ينفصلوا هذا الانفصال ويعتزلوا هذه العزلة ويستقلوا بأنفسهم هذا الاستقلال.
ومن أجل هذا الانفصال وجد عند الأمم التي يعيشون فيها نوع من الكراهية لهم، كما يُكره من الجماعة الرجل النَّفور الذي يعيش لنفسه فقط؛ وكان هذا الكره متبادلًا، يقتصر أحيانًا على ما في النفس، ويتحول أحيانًا إلى عسف وعنف، فلما تحولت الدولة الرومانية إلى دولة نصرانية، وسادت هذه الديانة كان اليهود فيها موضع الكره والعسف في كل أقطار المملكة الرومانية، ولما جاء الإسلام عاملهم الرسول أول الأمر معاملة إحسان وإكرام، ولكن سرعان ما تبين ميلهم إلى الوحدة والانفصال وتدبير المؤامرات لبذر بذور الشقاق بين المسلمين؛ فكان الخصام وكان القتال بين المسلمين وبني قريظة وبني النضير من اليهود، ونزلت لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.
وهكذا كان الحال بعدُ بين اليهود والنصارى، واليهود والمسلمين، وإن كان المسلمون أحسن معاملة وأوسع صدرًا وأكثر احتمالًا، فطالما عانى اليهود أشدَّ العناء من معاملة النصارى لهم، وكثيرًا ما حرموا عليهم الملكية واضطروهم أن يسكنوا في أحياء خاصة، ومنعوهم من استعمال حقوقهم المدنية.
واشتهر اليهود حيثما حلُّوا بحب المال وما يتبع ذلك من مهارة في التجارة والمعاملات المالية من غير رحمة، فإذا أقرضوا استخدموا كل الوسائل لإيقاع المقترض منهم في الشباك، ثم امتصوا دَمَه من غير رأفة؛ كانوا كذلك في المدينة بين العرب؛ بيدهم الذهب، وبيدهم صناعة الحلي الذهبية، وهم الذين يقرضون بالربا أضعافًا مضاعفة، وكذلك كانوا في أوربا، ولسنا ننسى التصوير البديع الذي صورهم به شكسبير في رواية «تاجر البندقية»، من أجل ذلك قوبلوا من الأمم التي يعيشون فيها بالكراهية والنفور والحذر، وهذا ما زاد اليهود حبًّا في تكتلهم وانطوائهم على أنفسهم وتكوينهم وحدة خاصة بهم.
ولم يستطع اليهود أن يستردوا كثيرًا من حريتهم إلا عند الانقلاب الصناعي الذي حدث في أوربا وسيادة الروح الديمقراطية والنظام الديمقراطي وانتشار الدعوة إلى الحرية والإخاء والمساواة؛ ومع ذلك بقي كثير من الجفاء بين النصرانية واليهودية، وبقي تكتل اليهود وانفصالهم عن مجتمعهم إلى حَدٍّ كبير، وأثار اليهود الضغينة من جديد؛ لأنهم حتى بعد الانقلاب الصناعي تسابقوا مع المسيحيين، وجدُّوا في أن يكون لهم منزلة ممتازة وسلطة قوية في الصناعات أيضًا مع بقاء تكتلهم ومساعدة بعضهم بعضًا ضد من يسابقونهم من النصارى.
ونعود إلى موضوعنا فنقول: إن اليهود لم يكونوا كثيري العدد في أمريكا قبل منتصف القرن التاسع عشر، ثم زادت هجرتهم إلى أمريكا من ألمانيا وسائر الممالك الأوربية على أثر الحركات الثورية التي حدثت في أوربا بعد سنة ????، ومن سنة ???? إلى الحرب العالمية الأولى هاجر إلى أمريكا آلاف من يهود بولندة وأوكرانيا والبلقان، ونزل أكثرهم في المدن الكبرى على ساحل البحر الأطلنطي، وفي شيكاغو وما حولها؛ وفي سنة ???? بلغ عدد اليهود في نيويورك مليونين ونصف مليون، وهو نصف عدد اليهود في أمريكا إذ ذاك، وقد زاد عددهم بعد، فبلغ نحو ستة ملايين.
وما هاجر هذا العدد من اليهود إلى أمريكا حتى وضحت الظاهرة المزمنة، وهي الصراع الاقتصادي بين اليهود والمسيحيين، وكان النظام الرأسمالي في أمريكا مرتعًا خصبًا لليهود يجولون فيه ويسودون ويسيطرون؛ ومن أجل هذا شاع بين الأمريكيين أن اليهود لا يتجهون وجهة قومية، ولكن وجهة يهودية مالية بحتة عمادها السيطرة على البنوك؛ ومن العجيب أنهم اتهموا أيضًا بمناصرة الشيوعية ونشر التذمر والقلق والاضطراب في الطبقات الدنيا من العمال وأمثالهم؛ وفسر بعض الأمريكيين ذلك بأن اليهود يلعبون على حبلين، فيناصرون الرأسمالية ويناصرون الشيوعية، وهم يستفيدون من هذا وذاك، وهم الرابحون إذا نال النصر والظفر هذا أو ذاك، وهذه هي بعينها الألعوبة التي لعبها الصهيونيون في فلسطين، وهذا الموقف الغريب من اليهود في لعبهم على الحبلين وانتصارهم للنقيضين، كان أحد الأسباب التي حملت هتلر على اضطهادهم وتشريدهم والتنكيل بهم.
ويهود أمريكا قد حافظوا على الصفة البارزة في يهود العالم، وهي تكتلهم وانطواؤهم على أنفسهم وتكوينهم أمة في الأمة، ومن أبرز ما فيهم أيضًا ميلهم إلى الحركات اليسارية الاقتصادية والسياسية، ومن عجيب الأمر أن قد أجرى بعض الباحثين الأمريكيين تجاربهم على عدد من الطلبة في الجامعات الأمريكية، فثبت لهم بالبحث أن طلبة اليهود أقل تمسكًا بدينهم من الطلبة المسيحيين، وأسرع إلى اعتناق مبادئ الإلحاد، وقام الأستاذ كارلسون ببحث ??? حالة من طلبة جامعة شيكاغو، في الصفوف العليا، فوجد أن طلاب اليهود أشد اعتراضًا على مبدأ تحريم الخمر، وأنهم أقل إيمانًا بالله من أمثالهم من الكاثوليك والبروتستنت، وأنهم أيضًا أشد تحمسًا لمبدأ ضبط النسل والشيوعية والدعوة إلى السلم، وأن الطلبة الكاثوليكيين أشد تحفظًا، والطلبة البروتستنيين وسط بين هؤلاء، وهؤلاء، ومما لاحظه الأمريكيون أيضًا، مهارة اليهود — بجانب مهارتهم المالية — في الدراسات الجامعية، وخاصة الطب والقانون والتعليم.
وقد أدى كل ما ذكرناه من مسلك اليهود في الصناعات، والسياسة والمال، والجامعات، إلى تنافس شديد بين المسيحيين الأمريكيين واليهود الأمريكيين تنافسًا سبب الخصومة والعداء، وكان لذلك مظاهر كثيرة؛ فبعض الجامعات الأمريكية تحرم الطلبة اليهود من الاشتراك في نواديها والمنظمات الاجتماعية فيها، وبعض الطلبة يعير بعضًا إذا صاحب فتاة يهودية، مما اضطر بعض اليهود إلى ترك التعلم في بعض الجامعات؛ فرارًا من الضغط الاجتماعي، وهم يلمزون اليهود بأنهم عيابون ظنانون أنانيون لا يتعاونون إلا مع أنفسهم، وكثيرًا ما كان اسم اليهودي كافيًا لحرمان صاحبه من الدخول في الجامعة أو حرمانه من منصب الأستاذية، أو نحو ذلك، ولذلك لجأ بعضهم إلى تغيير أسمائهم واستعارة أسماء مشتركة بين المسيحيين واليهود؛ للاستفادة من هذا الغموض في أعمالهم الخاصة.
واليهود الأمريكيون مع تكتلهم مختلفون من حيث طبقاتهم الاجتماعية، ومن حيث عقائدهم الدينية، ومن حيث الأمة التي ينتسبون إليها؛ من ألمانية أو بولندية أو نحو ذلك، فاليهودي الغني من الإسبان أو البرتغال يعد نفسه أعلى اليهود نسبًا وأعظمهم جاهًا، ويليه الغني من الألمان، ولكن لكثرة عدد الألمان من اليهود وكثرة غناهم ربما عدوا أعلى طبقة.
وهؤلاء بما كسبوا من ألمانية متفوقة متعجرفة يحتقرون اليهودي الروسي والبولندي.
ولهذه الخلافات الاجتماعية والعنصرية أثر كبير في نشوب الخلافات المتعددة بينهم، ولكنهم مع خلافهم بعضهم وبعض يتكتلون تكتلًا قويًّا إذا حزب الأمر وعرضت منافسة بين اليهود وغيرهم؛ فهم إذ ذاك يكونون كتلة واحدة قوية، ويقفون وقفة واحدة أمام غيرهم، ومهما يكن أمرهم فقد أصبحوا في أمريكا قوة كبيرة بتسلطهم على منابع الثروة والقوة والدعاية، فهم أرباب البنوك وأرباب السينما وأرباب الصحافة، وبذلك كان سلطانهم في أمريكا سلطانًا كبيرًا.
فهل يتخذ العرب من هذا كله درسًا فيكتلوا أنفسهم، ويوحدوا كلمتهم، ويقووا مراكزهم في السياسة والمال وعدد الحرب والدعاية، ويفتحوا أعينهم لكل ما يجري في العالم مما يتعلق بهم وبمستقبلهم، ويدعموا حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخلقية بدعامة العلم الحديث؟ أو يظلوا متفرقين والعدو مجتمع، متصدعين والعدو ملتئم، قابعين في بيوتهم والعدو ينشط في كل الميادين؟ يسيرون سير الجمال والعدو يقفز بالطيارات، مكتفين بالدعوة بأن الحق معهم، والحق لا يغني ما لم تدعمه القوة، وقد كتب الله على نفسه: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ وليس الصالحون من صلوا وصاموا ثم ناموا، إنما الصالحون من ضموا إلى عبادة ربهم رعاية حقوقهم وواجباتهم، وعرفوا كيف يسوسون الممالك ويدبرون أمورها على خير وجه وأقوم طريق، وتسلحوا بكل ما يقتضيه الزمان من سلاح مادي ومعنوي، أولئك هم الصالحون الذين يرثون الأرض، أما من عداهم فيرثون الذل والمسكنة في الدنيا والقبور في الأخرى، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم.

مصادفة


هل في الوجود مصادفة؟ أم أن الوجود كله خاضع لقوانين ثابتة نعرف بعضها فتسميه سببًا ومسببًا، ونجهل بعضها فنسيمه مصادفة؟
خرجت في سيارتي أول أمس، وكان كل شيء على ما يرام: السائق متمرن والسيارة تسير سيرًا حسنًا والجو معتدل، وأوصلني السائق إلى حيث أريد، ثم استمر في سيره لعمل من الأعمال، وبينا هو يسير إذا غلام يخرج من الشارع فجأة وهو يجري، فيريد السائق أن يتفاداه فيصطدم بعربة ترام فيتهشم الجانب الأيسر من السيارة، ولم أشعر إلا والسائق يكلمني في التليفون؛ ليخبرني بما حدث.
وفي اليوم التالي استدعيت مندوب شركة لإصلاح العربة، فبعد أخذ ورد قرر أن يصلحها بثمانية عشر جنيهًا، وعدت إلى بيتي فوجدت خطابًا مسجلًا ففتحته فإذا فهي حوالة مالية بمبلغ ثمانية عشر جنيهًا، ولم أكن أتوقع هذا المبلغ مطلقًا؛ لأني كنت أديت عملًا علميًّا وأعطيت عليه مكافأة، وانتهى كل شيء، فإذا هم يذكرون مع هذه الحوالة أنها بقية المكافأة.
ما هذا؟ وكيف حدث أن الغلام يخرج من الشارع فجأة وقت سير سيارتي ووقت سير الترام، ولم أكن في السيارة، وكيف نجا سائقها، وكيف اتفق مبلغ المكافأة مع مبلغ الإصلاح؟!
فكرت في هذا كله، أهذا قدرٌ قُدِّرَ أم مصادفة حدثت، وتسلسل تفكيري على النحو الآتي: ما معنى مصادفة؟ إن من العسير تحديد معناها، والناس يطلقونها على معان مختلفة، وكثيرًا ما يستعملونها في معنى الخير ومعنى الشر؛ فتهشيم السيارة كان مصادفة سيئة، ونجاتي ونجاة السائق من هذه الصدمة ومجيء الحوالة المالية كان مصادفة حسنة، ولعل المعنى الذي يراد منها هو حدوث شيء غير متوقع وغير مرتبط بشيء آخر سابق عليه في الوجود، وليس له سبب معروف يوجب حدوثه، وكان يمكن أن يحدث ويمكن أن لا يحدث، وليس خاضعًا للقوانين التي نعرفها ولذلك لا نتوقعه، فلسنا نسمي تعاقب الليل والنهار، ولا تتابع الفصول ولا غليان الماء بالنار، ولا تبخره إذا غلى، ولا شيئًا مما عرفنا سببه مصادفة؛ لأنها كلها تابعة لقوانين معروفة يمكن أن نتنبأ بها، ونجزم بأنه إذا حدث السبب حدث المسبب، ولكن إذا كنت اعتزمت السفر غدًا فجاء الجو جميلًا والشمس ساطعة عددت هذه مصادفة حسنة، وإذا جاء الجو عكس ذلك عددته مصادفة سيئة؛ لأني أعرف وقت مجيء النهار فلا أسمي ذلك مصادفة، ولكني لا أعرف أنه سيكون صحوًا أو غيمًا، باردًا أو معتدلًا، فأسمي هذا مصادفة؛ وما أسميه أنا مصادفة في هذا الباب، قد لا يسميه عالم الأرصاد مصادفة إذا كان يتنبأ بحالة الجو في الغد بناء على علمه، فالمصادفة إنما هي مصادفة عند الجهل بالقوانين، واحتمال أن الشيء يكون أو لا يكون.
وتساءلت بعد ذلك: هل هناك شيء يصح أن نسميه مصادفة؟ أو بعبارة أدق: هل في الوجود مصادفة، أم أن الوجود كله خاضع لقوانين ثابتة، نعرف بعضها فنسميه سببًا ومسببًا، ونجهل بعضها فنسميه مصادفة؟! هذا السؤال هو بعينه سؤال الجبر والاختيار، أو بعبارة أخرى سؤال الإيمان بالقضاء والقدر وعدم الإيمان بهما؛ وهو سؤال ظل الناس طوال العصور يحارون في شأنه ويختلفون في الإجابة عنه، كان ذلك في العصور القديمة، وفي العصور المتوسطة، وفي العصور الحديثة؛ واتخذ الناس وضع السؤال والإجابة عنه أشكالًا مختلفة؛ ففي القديم كانوا يصوغونه: هل قدر على الإنسان كل ما يحدث له أولًا؟ وهل إرادة الإنسان حرة أولًا؟ وفي العصور الحديثة اتخذ وضعًا آخر وهو: هل ظروف الإنسان وبيئته المحيطة به تجعله يتصرف تصرفًا ما كان يمكن أن يتصرف غيره، أو أن إرادة الإنسان ليس شأنها شأن النبات والجماد والحيوان تسير في الوجود على وتيرة واحدة وعلى نمط في الحياة لا يتغير، بل هي حرة تمام الحرية، تتجه إلى الشيء وكان يمكنها أن تتجه إلى غيره، وتسلك هذا الطريق وكان في إمكانها أن تسلك الطريق الآخر؟! وهكذا من مختلف الأشكال في السؤال والجواب، والمحور في الجميع واحد.
ولئن كان الفلاسفة في جميع العصور لم يستطيعوا حتى اليوم أن يجيبوا إجابة حاسمة، فإنهم لم يتعبوا من السؤال والجواب، وظلوا يشكلون الصعوبة بأشكال جديدة ويجيبون عنها إجابات جديدة.
ومن المعقول أن من يقول بالجبر لا يقول بالمصادفة؛ فكل شيء مقدر على الإنسان في الأزل، سواء منه ما كان مظهره الاختيار أو مظهره الاضطرار؛ وإن تكلم بالمصادفة فمعناها في نظره شيء لم يجربه الإلف ولم يحدث في العادة، ولكن شأنه شأن غيره من المقدرات الأزلية، أما الذين يقولون بحرية الإرادة وحرية التصرف، فمجال المصادفة عندهم فسيح؛ فإن جميع شئون العالم وخاصة التصرفات الإنسانية كلها عالم مصادفات؛ غاية الأمر أن هناك مصادفات يكثر حدوثها وتكرارها على نمط واحد، فنعدل عن تسميتها بالمصادفات إلى تسميتها بالقوانين، والقوانين في نظرهم يمكن أن تتخلف؛ وهناك أحداث لم تؤلف ولم يكثر وقوعها على نمط واحد، فاكتفوا بتسميتها بالمصادفات.
ومن النتائج المؤلمة للقول بالجبر أن هذا المذهب يُسْلِمُ إلى القول بأن ما وقع ما كان يمكن أن لا يقع، وأن ما سيقع لا يمكن أن لا يقع؛ وبعبارة أخرى: ما وجد ما كان يمكن أن لا يوجد، وما سيوجد لا يمكن ألا يوجد، فليس لإرادة الخيرين المصلحين تأثير في الإصلاح، إلا على ضرب من التأويل، وهو أن المصلح — هو أيضًا — مجبر على الدعوة إلى الإصلاح لتحقيق النتيجة المحتومة؛ وهو مذهب قد يريح معتقده ويبعث فيه الراحة والطمأنينة، ولكنه لا يستفز الإرادة لإصلاح ما فسد وتقويم ما اعوج، ولعل إفراط المسلمين في العصور الأخيرة في عقيدة الجبر وغلوهم في الإيمان بالقضاء والقدر على النحو الذي اعتنقوه أخيرًا، كان من أسباب قصورهم في إصلاح حالتهم الاجتماعية وتقدمهم وسيرهم مع الزمان، وربما كان من أكبر الفروق بين الشرقي والغربي، رضاء الشرقي عما كان وسيكون، وقناعته بحالته ولو ساءت، وثورة الغربي على ما يسوءه، وجدُّه في تعرف أسبابه، وعلاج فساده.
كما أن من الصعوبات في هذا المذهب غموض التفرقة بين الخير والشر، فإنه إذا كان الكذب والجبن والظلم مقدرًا أزلًا، كالصدق والشجاعة والعدل، وأن المجرم في الحالة الأولى، والفاضل في الحالة الثانية، كل قد أتى بالأعمال التي قدرت عليه، فما الوجه للاختلاف في التسمية والاختلاف في التقدير؟ أوليس من غير المفهوم على هذا الأساس تسمية شيء بأنه خير وتسمية آخر بأنه شر؟!
وإذا عدنا إلى مذهب الاختيار وجدناه كذلك معيبًا؛ فإن مذهب الاختيار بأوسع معانيه يجعلنا ننكر سير العالم — وخاصة التصرفات الإنسانية — وفق قوانين مضبوطة؛ فإذا كان الإنسان يمكنه أن يعمل وأن لا يعمل، ولا نستطيع أن نتنبأ بما سيعمله؛ إذ يصح أن يعمل غيره، كان المستقبل فوضى لا نستطيع أن نرسم أشكاله، وكان الحكم على الناس بأنهم أخيار أو أشرار مجالًا للشك؛ إذ ربما يأتي الخيِّر بأفظع أنواع الشر، ويأتي الشرير بأحسن أنواع الخير!
•••

ها أنا ذا حائر في تفكيري بين الجبر والاختيار! وكل ما حدث أن سيارتي تكسرت، وأثار كسرها تكسير عقلي في الجبر والاختيار والمصادفة وعدم المصادفة، وأخشى أن أكون كذلك أتعبت عقل القارئ من غير وصول إلى نتيجة، والأمر لله.

إلغاء البغاء


البغاء نتيجة لا سبب، فإذا أردنا القضاء عليه وجب أن نعمل للقضاء على أسبابه
أصدرت مصر في هذا الشهر أمرًا عسكريًّا بإلغاء البغاء.
والبغاء داء قديم يكاد يكون تاريخه تاريخ الجمعية البشرية، وقد حارت الدول في شأن معالجته في كل العصور؛ فكانت أحيانًا تعالجه بإقراره والاعتراف به ثم حصره؛ ووجهة نظرها في هذا الإقرار أنها إنما تفعل ذلك؛ حرصًا على الأسر، فإنها رأت أن العهر لا بد منه ولا يمكن اتقاؤه، فإذا حاربته جهرًا تسرب سرًّا، وبذلك ينتشر العهر أو الفجور في أوساط ما كانت لتزل لو وجدت أمكنة للبغاء معينة؛ فالبغيُّ ماهرة ماكرة لها من الوسائل ما تستطيع به أن تنصب شراكها وتنفذ رغبتها سرًّا إذا عجزت عن تنفيذها جهرًا، كما تستطيع أن تندس بين الأوساط الشريفة فتفسد أخلاقها وتضعف من عفافها، وإزاء هذه الحجة مالت بعض الدول في عصور مختلفة إلى الاعتراف بهن، وتخصيص بيوت لهن، وإرغامهن على تسجيل أسمائهن في سجل، وإلزامهن بثياب خاصة بهن حتى يُعْرَفْنَ، ووضع مراقبة شديدة عليهن، ومما احتج به أصحاب هذا النظر أن البغي عرضة للأمراض السرية، فمن الخير أن يعرفن ويحصرن وتقيد أسماؤهن؛ حتى يخضعن للكشف الطبي، وتبعد من ثبت مرضها وتعالج، فلا تنتشر بسببها العدوى.
هذه وجهة نظر الدول التي أقرت البغاء، ولكن نظرت بعض الدول الأخرى إلى المسألة من زاوية أخرى، فرأت أن إقرار الدولة للبغاء اعتراف بالمهانة الإنسانية، وإهدار للكرامة النفسية، وتشجيع على زيادة البغاء وموت الضمير؛ فمن علمت أنها بغيٌّ معترف بها قد سجل اسمها في سجل الحكومة تبلد ضميرها وماتت نفسها وزاولت مهنتها — في نظرها — كما تزاول الحرة مهنتها، وقل بعد ذلك أن يحيا ضميرها فتعدل عن عملها الخسيس ورد هؤلاء — على فكرة حصر المرض ومعالجته بالكشف الطبي — بأن هذا الكشف إنما يجري على النساء البغايا، ولا يجري على من يغشون دورهن من الرجال، وقد دلت الإحصاءات الدقيقة في أمريكا — مثلًا — على أن عدد المصابات بالأمراض السرية ???? في الألف من النساء و?? في الألف من الرجال، والرجال يعدون كما تعدي النساء، وليس عليهم من رقابة ولا كشف طبي، أضف إلى ذلك أن إقرار البغاء يستتبع حتمًا وجود عدد كبير من الرجال يحترفون حرفًا في منتهى الخسة والنذالة، يسقطون بها أكثر مما تسقط البغي؛ كالقوَّاد وحماة البغايا ومحترفي وسائل الإغراء ونحو ذلك، وهم طائفة كالنباتات الطفيلية تمتص دماء السذج البسطاء، وقد تعيش عيشة الترف والنعيم على حسابهم.
ثم قد جربت الدول التي أقرت البغاء وضع هذه البيوت تحت إشراف البوليس لمراقبتها، ولكن دلت الأمور في جميع الدول على أنها تجربة فاشلة، فلم يستطع البوليس إزاء الحيل الدقيقة والألاعيب الخفية، وإزاء المغريات بالمال وغير المال أن يؤدي وظيفته كما ينبغي، فكان الأمر فسادًا على فساد.
ثم كان أن إقرار البغاء والاعتراف ببيوت البغايا سبب في اتساع تجارة الرقيق الأبيض حتى إلى عهد قريب؛ فالبيوت إذا أقرت رتب أصحابها الخطط لاستيراد سلع جديدة، فجدوا في الحصول عليها بمختلف الوسائل، أحيانًا عن طريق الإغراء، وأحيانًا عن طريق التهديد والإكراه؛ وقد لفتت خطورةُ هذا الأمر نظرَ عصبة الأمم فدعت إلى اجتماع عقد في جنيف سنة ???? وبثت خبراءها لكتابة تقارير عن تجارة الرقيق الأبيض في البلدان المختلفة وما يتبع ذلك من فساد، فقرروا «أن وجود الدور المرخصة عامل يزيد في الاتجار بالنساء، وأن التحريات التي أجروها لا تثبت هذا فحسب، بل تدل على أن الدور المرخصة في بعض البلدان تصبح مركزًا لكل أنواع الفساد الخلقي».
ومن أجل هذا كان الاتجاه الحديث في الدول المختلفة نحو إلغاء البغاء وعدم الاعتراف به واتخاذ الوسائل لمنع أسبابه أو تقليلها على الأقل؛ حتى إنه في الإحصاء الأخير كان عدد الدول التي تحرمه ثلاثين دولة، والتي تقره ثماني عشرة، وكانت مصر معدودة من الدول التي تقره فنقصت واحدة.
•••

ولكن ما الذي يحمل على البغاء؟ لقد قال قوم من علماء البيولوجيا: إن بعض الأفراد يصابون بالشذوذ الجنسي بحسب تكوينهم فيدعوهم ذلك إلى الإفراط في هذا الباب، وإن صح ذلك وصح العجز عن معالجته فهو قليل الحدوث، إنما الأسباب الهامة لذلك ترجع إلى عوامل اقتصادية واجتماعية.
فمن الناحية الاقتصادية كثيرًا ما يكون الفقر سببًا لهذا السقوط الخلقي؛ امرأة لا تجد من يعولها، ولا تجد حاجتها الضرورية من العيش والملبس، ولا تجد عملًا تعمله فتتكسب منه، وليست متعلمة تعلمًا يمكنها من عمل شريف، وتجد أن الأبواب كلها سدت في وجهها، ثم تجد من يغريها بالفجور فتسقط. وقد دلت الإحصاءات على أن الفقر من أهم أسباب السقوط الخلقي، وأنه يكثر حيث يكثر الفقر، ويقل حيث يقل غالبًا، وقد لا يكون السبب عدم حصول الفتاة أو المرأة على القوت الضروري؛ ولكنها ترى مثيلاتها يأكلن أكلًا أنعم من أكلها، ويلبسن ثيابًا أفخم من لبسها، وينعمن بالحياة أكثر مما تنعم، ولم يكن لها من المبادئ الأخلاقية ما يحصنها ويحميها، فتنزلق عند أول إغراء، ومن أجل هذا كان السقوط في المدن أكثر منه في الأرياف؛ لأن حاجات الإنسان ومطالب الحياة في المدن أكثر منها في الريف؛ ولأن سعة المدينة وكثرة سكانها يمكِّن المرأة من أن يُجْهَلَ أمرُها ولا تُعرف حقيقتها ولا بيتها؛ فتجرؤ على ما لم تجرؤ عليه الفتاة المعروف بيتها المعلوم أمرها.
والأسباب الاجتماعية لهذا المرض كثيرة؛ فسوء التربية، والخطأ في فهم الحرية؛ واعتقاد أنها عمل الإنسان حسبما يشتهي ويهوى من غير قيد ولا رقيب، وانهيار المبادئ الأخلاقية التي تقدس العفة وتجعلها من أقوم الفضائل، وضعف الوازع الديني، وتصدع الأسرة، وكثرة الشقاق بين أفرادها، وانحلال روابط الزوجية فيها، وضعف سلطة الآباء والأمهات على البنات، وفراغ المرأة وعدم استطاعتها أن تجد ما يملأ وقتها بعمل مفيد أو بتسلية بريئة، وعدم تقدير العرف والرأي العام لخطر الزلل تقديرًا صحيحًا، وعدم استنكاره، واحتقاره للمرأة غير العفيفة، كل هذه أسباب اجتماعية للسقوط الخلقي في هذه الناحية؛ وإن كثيرًا من المتعففين والمتعففات لم يحملهم على العفة حبٌّ في الفضيلة، ولا ترفعٌ عن الرذيلة؛ إنما يحملهم على ذلك خوف الأمراض السرية الشائعة؛ فقد ظهر هذا الوباء في جنوبي أوربا في القرن الخامس عشر، واجتاح أوربا كلها في القرن السادس عشر حتى كان الموتى به ثلث السكان، وكاد يعم العالم، فعمل الخوف منه في نفوس الناس أكثر مما عملت الحكومات والوعاظ والرغبة في الفضيلة.
•••

وبعد؛ فإلغاء البغاء عمل مشكور، يرفع عن مصر وصمة إقرار الرذيلة إقرارًا رسميًّا وتحصيل الضرائب عليها، ويتضمن حسن التقدير للكرامة الإنسانية، ولكن لا بد أن نعترف بأن البغاء نتيجة لا سبب؛ فإذا أردنا القضاء عليه وجب أن نعمل للقضاء على أسبابه، لقد أشرنا من قبل إلى بعض أسباب البغاء، فيجب أن نعمل لإلغائها كما ألغينا النتيجة، وإلا فإن بقيت الأسباب حاولت أن تنتج نتائجها في الخفاء، وفي ذلك الخطر الكبير، فإذا كان هناك مجرى من الماء وسددنا فوهته تجمع حتى يقوى فيزيل السد أو يتسلل في الخفاء حتى يجد له مسربًا، يجب أن نعمل على رفع مستوى الحياة الاقتصادية حتى يقل الفقر فيقل العهر، وأن نعني بالتربية كما عنينا بالتعليم، فالتربية غير التعليم؛ فقد يكون الشخص متعلمًا وليس مربى، كما قد يكون الشخص متربيًا غير متعلم، والذي يقف دون العهر هو التربية لا التعليم، وإن إلغاء البغاء ليس يكفي فيه إغلاق دوره وطرد محترفيه وتشتيت أهله، بل يجب مع ذلك توفير أسباب العيش لأهل هذه الحرفة الملغاة ومراقبة أهلها مراقبة دقيقة، والقضاء أيضًا على دور الملاهي الخليعة التي هي سبب من أسباب الإغراء على البغاء، ثم إنشاء المستشفيات الصحية لمعالجة الأمراض السرية التي نتجت عن البغاء حتى نخفف نتائجه.
إن البغاء ثمرة شجرة خبيثة، فما لم تقطع جذورها تجددت ثمارها.

من الأدب العربي (?)


حديث أم زرع
من أظرف ما روت كتب الحديث حديث أم زرع، وقد رواه المحدثون عن عائشة، وهي قصة لعلها كانت قصة شعبية عند بعض العرب سمعتها عائشة فروتها كما سمعتها، وتدور القصة على أن إحدى عشرة امرأة من نساء العرب ضمهن مجلس، وجرى بينهن ذكر الأزواج، فتعاقدن أن تصف كلٌّ زوجها ولا تكتم من أخباره شيئًا، فكان المجلس بذلك معرض أزواج؛ منهن الراضية والساخطة، ومنهن المادحة والقادحة، ومنهن الفصيحة البليغة، ومنهن دون ذلك، وأيًّا ما كان؛ فالقصة تمثل نظر نساء العرب إلى أزواجهن، وتمثل الصفات الممدوحة والمذمومة في بيئتهن، ونكتفي بما استحسناه من وصفهن ذمًّا كان أو مدحًا؛ فبعضهن كانت تافهة لا قيمة لوصفها، وبعضهن أخلت بالوعد فخافت من وصف زوجها.
قالت إحداهن: إن زوجها غث هزيل، يجمع إلى قلة خيره سوءَ خلقه، لا ينال القليل منه إلا بالكثير من المشقة، وهو مع تفاهته مترفع متكبر يسمو بنفسه فوق موضعها، وقد عبرت عن ذلك بتعبيرها البدوي اللطيف: «زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيُرتقَى، ولا سمين فيُنتقَى».? وذمت أخرى زوجها بأنه جشع شره، إن أكل أو شرب أتى على كل ما أمامه، وهو مع ذلك لا يسد حاجتها منه: «إن أكل لفَّ، وإن شرب اشتفَّ، وإن اضطجع التفَّ».
وذمت ثالثة زوجها بأنه عيي، أحمق، سخيف العقل، يتخيل كل داء عند الناس داء فيه، طويل اليد؛ يضرب ويكسر، وذلك إذ تقول: «زوجي عَيَاياءُ طبَاقاء، كل داء له داء، شجَّكِ أو فلَّكِ أو جمع كلًّا لكِ».
هذا نوع من أنواع الساخطات القادحات، أما من مدحن، فقالت إحداهن: إنه حسن الرائحة، طيب الملمس، وكَنَّتْ بذلك عن طيب سيرته في الناس وحسن عشرته؛ إذ قالت: «زوجي، الريح ريح زَرْنب، والمس مس أرنب».
وقدرت أخرى زوجها من ناحية المعنى فوصفته بأنها تسكن إليه وترتاح في جنابه، وتشعر بالطمأنينة؛ إذ كان زوجًا لها وكانت زوجة له، لا تشعر من مصاحبته بسأم أو ملل، وعبرت عن ذلك تعبيرًا لطيفًا فقالت: «زوجي كلَيْل تهامة، لا حر، ولا قُر، ولا مخافة ولا سآمة».
ولاحظت أخرى في زوجها معنى لطيفًا، وهو أنه لطيف العشرة في البيت، خشن الملمس خارج البيت، لا يَسأل عما افتقده في البيت، فقالت: «زوجي إن دخل فَهِد، وإن خرج أَسِد، ولا يَسأل عما عَهِد».
ومدحت زوجة زوجها فقالت: «زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد». فوصفته بالشرف وطيب الأصل، والرفعة في قومه، وأنه طويل القامة، كثير الكرم، كثير الضيوف، وأنه اتخذ بيته قريبًا من مجتمع القوم، ولا يفعل ذلك إلا كريم؛ لأنهم يأخذون منه ما يحتاجون إليه في مجالسهم.
ومدحت زوجة زوجها بأنه كثير المال، وقد أعد المال لقصاده، فقالت: «زوجي مالك، له إبل كثيرات المَبَارك، قليلات المسارح، إذا سمعنَ صوت المِزْهر أيقنَّ أنهنَّ هوالك»، وتريد بالجملة الأخيرة أنه تعود أن يلقى ضيوفه بالمزاهر، (والمزهر هو العود يغنى عليه) وقد تعودت إبله أنها إذا سمعت صوت العيدان والمعازف أدركت أنهن سينحرن لا محالة.
وجاء دور أم زرع فقالت: إنه زينني بالحلي، ووسع علي في الرزق، وأخرجني مما كنت فيه من ضيق في أهلي إلى نعيم في جنابه، فإذا قلت فيه فمجال القول ذو سعة، فذلك قولها: «أبو زرع وما أبو زرع، أناسَ? من حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وملأ من شحم عضديَّ، وبَجَّحَني? فبَجَحَتْ إليَّ نفسي: وجدني في أهلي في غُنَيمة بشَقٍّ،? فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومُنِق،? فعنده أقول فلا أُقَبَّحُ، وأرقد فأتصبح،? وأشرب فأتقنح».? ويروي الحديث أن رسول الله لما سمع هذه القصة من عائشة قال لها: كنت لك كأبي زرع لأم زرع.
وفي هذه القطعة الأدبية مصداق للحياة البدوية، من إبل وخيل وصهيل ونقيق، وفيها أمثلة لما يذم من الأخلاق من بخل وعيٍّ وحمق وشره، وما يمدح من كرم ونحر للضيفان، وسعة صدر، وحسن عشرة، وفيها مثل من أمثلة ما يعجب المرأة العربية من الرجل، وما لا يعجبها … إلخ.
ونقف عند هذا الخبر قليلًا لنفكر: هل من المعقول أن يجتمع نساء كهؤلاء، فتقول كل زوجة على البديهة هذا اللفظ المزوق في هذا السجع المنمق، من مثل: عياياء طباقاء، ومن مثل: إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف … إلى آخر الأسجاع، أو أن قصاصًا لطيفًا سمع بعض الحكايات المألوفة فوضعها في هذه الصيغة البليغة؟
تُرى؛ لو اجتمعت إحدى عشرة امرأة حضرية في مجلس في القاهرة أو دمشق أو بغداد فماذا كن يقلن إذا ذممن، وماذا يقلن إذا مدحن؟ ستختلف اللغة كل الاختلاف، وستختلف المعاني أيضًا كل الاختلاف، فلا يكون في اللغة بطيبعة الحال جمل ولا خيل ولا صهيل، ولا طويل النجاد ولا كثير الرماد؛ لأن كل بيئة لها حكمها، وكل زمان له لغته ومعانيه، وأكبر الظن أنه إذا اجتمع إحدى عشرة امرأة حضرية فمن الصعب أن يسود النظام والإصغاء؛ حتى يسمعن رأي القائلة في وصف زوجها، ومن الصعب أيضًا أن يلتزمن الصدق، فسيكون منهن المتزيدة التي تسرف في مدح زوجها، أو ذمه؛ حتى تخرج عن المعقول.
وهب أننا افترضنا الصدق والنظام فستكون هناك معان للذم جديدة، ومعان للمدح جديدة، خلقتها البيئة الجديدة، وسترى بعضهن يشكون أزواجهن من السهر خارج البيت إلى ما بعد منتصف الليل في سكر أو قمار أو مغازلة نساء أو كيف من الكيوف، وهو معنى لم يتعرض له حديث أم زرع، وقد يشترك بعضهن مع نساء البدو في الوصف بالبخل وسوء العشرة؛ وإذا مدحن فقد يشتركن أيضًا في المدح بالكرم وإغداق النعم عليهن ونحو ذلك.
ولكن مما لا شك فيه أن المدنية ستوحي لبعضهن بمعان جديدة؛ فقد تصف الحضرية زوجها بأنه أباح لها الحرية في كل ما تقول وتفعل، كما أباحت له الحرية في كل ما يقول ويفعل، وما يدرينا؟! لعل امرأة حضرية أخرى تصف زوجها الحضري بأنه استنوق فصار الناقةَ وصارت الجملَ، وأصبحت الذئب وأصبح الحمل.
ولعل هذا الحديث يوحي لنا بوصف أحد عشر رجلًا يجلسون فيصفون زوجاتهم، ويتعاقدون على الصدق في القول، إذًا لكان مجلسًا ظريفًا يكمل مجلس أم زرع، ولعلنا نفعل.
? ينتقى: أي يستخرج نقيه، والنقي هو المخ.? أناس: حرك.? بجحني: عظمني.? شق: اسم موضع.? الصهيل: صوت الخيل، والأطيط: صوت الإبل، والدائس: ما يدوس الزرع في البيدر؛ ليخرج الحب من السنبل، ومنق: من النقيق وهو أصوات المواشي.? أرقد فأتصبح. كناية عن كثرة خدمها.? أتقنح: أروي.
من الأدب العربي (?)


حكمة على لسان مهرج
من لقادة الأمم جميعًا بعقلية أبي دلامة؟!
كان أبو دلامة مُهَرِّجًا كبيرًا في أول العصر العباسي، يضحك الناس بشكله وقوله وفعله وشعره، فكان أسود اللون، قبيح الوجه، سكيرًا معربدًا، وكان خفيف الروح، لطيف الشعر، حاضر البديهة، عارفًا بنفوس الناس وما يسرهم وما يغضبهم، وخاصة الولاة والحكام، خبيرًا بطرق اجتذاب المال منهم، وكان يقوم مقام (مضحك الملك)، كان مضحكًا للسفاح والمنصور والمهدي، وتشيع نوادره وشعره وأقواله في بغداد فيخفُّون لها ويضحكون منها، ويخشى كل أمير أو كبير أن يجعله أبو دلامة موضعًا لنكتة أو نادرة من نوادره، فيسبغ عليه عطاءه؛ حتى لا يكون موضع السخرية من الناس بما يتناقلونه فيه عن أبي دلامة.
اتخذ من نفسه ومن زوجه ومن ابنه أسرة للحيل والمكر، يبتز بها الأموال من الأغنياء، ويضحك منهم، ويضحك عليهم، ويصفه الجاحظ بخبرته النفسية، ودهائه في الاستجداء، ويستدل على ذلك بأنه أضحك المنصور يومًا، فقال له: سلني حاجتك. قال: كلب صيد. قال المنصور: أعطوه إياه. قال: فدابة أتصيد عليها. قال: أعطوه. قال: فغلام يقود الكلب. قال: أعطوه. قال: فجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه. قال: أعطوه. قال: لا بد لهؤلاء من دار يسكنونها. قال: أعطوه دارًا تجمعهم. قال: وإن لم يكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟! فأعطاه ضيعة … إلخ. قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها؛ حيث ابتدأ بكلب، وانتهى بضيعة، ولو سأله الضيعة ابتداء ما وصل إليها.
وتروي لنا كتب الأدب الكثير من فكاهته ونوادره وشعره الذي يستخدمه في الإضحاك.
ولندع هذا كله؛ ونروي له قصة رائعة حقًّا حكيمة حقًّا.
لقد كان أبو دلامة جبانًا يخشى الموت، ويخشى أن يحمل سلاحًا، ويخشى أن يشهد قتالًا، وما له والقتال؟! فليس له إلا نكتة يقولها، أو أضحوكة يضحك بها، أو حانة يحتسي فيها الخمر، أو نحو ذلك من ضروب اللهو، أما ميدان القتال فيهرب منه هروب الفأر من القط، وعرف الخلفاء والأمراء منه ذلك، فكانوا يأمرونه أحيانًا أن يتجهز للقتال؛ لينظروا كيف يفعل، وكيف يضطرب، وكيف يستغيث، وكيف يصير أضحوكة للناس بعد أن اتخذ الناس أضحوكة له.
أمره المنصور يومًا أن يخرج إلى الشام للقتال، فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن أخرج، فإني والله لشؤم. قال له المنصور: امضِ؛ فإن يمني يغلب شؤمك. فقال: لعمر الله يا أمير المؤمنين ما أحب لك أن تجرب في مثل هذا الموقف، فإني لا أدري أيهما يغلب! يمنك أو شؤمي؟ وأنا بنفسي أدرى وأوثق وأعرف وأطول تجربة. قال المنصور: دعني من هذا، فما لك بد من الخروج. قال: فإني أصدقك الآن، شهدت والله تسعة عشر عسكرًا كلها هزمت وكنت سببها، فإن شئت الآن أن يكون عسكرك العشرين فافعل. فضحك المنصور وأعفاه.
وليس هذا أيضًا هو المقصود من هذا المقال، إنما حدث مرة أن أتي به إلى المهدي وهو سكران، فأراد أن يعاقبه، فجنده في جيش مع روح بن عدي بن حاتم المهلبي؛ لمحاربة الخوارج، وهم أصدق الناس قتالًا، وأعنفهم حربًا، وأنكاهم في عدوهم، وظل أبو دلامة يستعطف ولا يجد سميعًا، فخرج مع الجيش وحاول أن يستعطف قائد الجيش روحًا بن عدي المهلبي ويقول له:
إني أعوذ بروح أن يقدمني إلى القتال فتخزى بي بنو أسد?إن البراز إلى الأقران أعلمه مما يفرق بين الروح والجسد قد حالفتك المنايا؛ إذ صمدت لها وأصبحت لجميع الخلق بالرصد إن المهلب حب الموت أورثكم وما ورثت اختيار الموت عن أحد لو أن لي مهجة أخرى لجُدتُ بهالكنها خلقت فردًا فلم أُجُد وهو شعر لطيف مؤثر، ولكنه لم يؤثر في «روح» ولم يستمع له؛ إذ كان هذا أمر المهدي، وهكذا أرغم على القتال فتقدم إليه كارهًا ساخطًا خائفًا، فجمع كل حيلته ودهائه للخروج من هذا المأزق، فماذا صنع؟
كانت عادة الخوارج أن يبدأوا القتال بالمبارزة، فيبرز رجل ويطلب من يبارزه؛ حتى إذا حمي القتال كانت حرب الكر، فخرج خارجي يطلب المبارزة، وأُمِرَ أبو دلامة أن يخرج له، وهنا كان الموت لا محالة من نصيب أبي دلامة، فأنَّى له أن يقف أمام الخارجي؟! قال أبو دلامة: أيها الأمير، إنه أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنا والله جائع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر له برغيفين ودجاجة، فأخذ ذلك وبرز إلى الصف ووقف أمام الخارجي، وكانت عيناه تتقدان، وأسرع إلى أبي دلامة يقضي عليه، فقال له أبو دلامة: على رِسْلِكَ يا هذا. فوقف.
أبو دلامة: هل كان بيننا عداوة قط؟الخارجي: لا!أبو دلامة: هل تعلم بين أهلي وأهلك وترًا؟الخارجي: لا!أبو دلامة: ولا أنا والله لك؛ إلا على جميل.أبو دلامة: أتقتل رجلًا على دينك؟الخارجي: لا!أبو دلامة: إني والله أدين بدينك، وأريد الشر لمن أراده لك.الخارجي: جزاك الله خيرًا، (وأراد الانصراف).أبو دلامة: قف، إن معي زادًا وأريد أن آكله، وأريد مواكلتك لتتأكد المودة بيننا ونُري أهل العسكرين هوانهم علينا.الخارجي: أفعل! فتقدم إليه أبو دلامة حتى اختلفت أعناق دابتيهما، ووضعا أرجلهما على معرفتيهما، وجعلا يأكلان، فلما رأى العسكران ذلك جعلوا يضحكون، وعاد أبو دلامة بعد الأكل، وقال للقائد: أنا كفيتك قِرني فقل لغيري يكفيك قرنه.
•••

هذه هي حكمة أبي دلامة، وهي حكمة العالم كله، وهي الحكمة التي غابت عن الناس جميعًا في بداوتهم وحضارتهم، فكانت الحرب المزمنة، ولو عقل الناس لفعلوا فعل أبي دلامة، لِمَ يقاتل الجيش الجيش؟ هل بينهما خصومة؟! لا. هل بينهما تِرَة؟ لا. لو سأل كل جندي قرنه سؤال أبي دلامة لأجاب إجابة الخارجي، ولو سأل كلُّ جيشٍ الجيشَ الذي يقاتله هذا السؤال لأجابه هذا الجواب، بل هذه الحكمة هي التي غابت عن رؤساء الحكومات وقادة الحروب؛ فلو تساءلوا سؤال أبي دلامة، ما كان الجواب الحق إلا إجابة الخارجي.
والحق أن ليس بين الجيوش عداء إلا عداء مصطنع تبثه الوطنية المصطنعة، والناس يحاربون اتباعًا لرأي القادة الذين يقعون تحت سيطرة الغفلة، وقد كان الناس قديمًا إذا نازع فرد فردًا تقاتل الفردان، وأخذ أحدهما حقه أو ما يدعي أنه حقه بالقتال، فلما تحضروا حل العقل محل القتال وأنشئت المحاكم وأنشئ القضاء، ولكنْ عَقَلَ الأفراد ولم تعقل الحكومات، فلا تزال الحكومات تأخذ حقها أو ما تدعي أنه حقها بالقوة والحروب، فعل الإنسان المتوحش الأول.
لماذا يتقاتل الناس؟ إنهم يتقاتلون لأن حكوماتهم تريد القتال، ولماذا تتقاتل الحكومات؟ إنها تتقاتل لسبب من أسباب ثلاثة: أولها جميعًا: أنها تتقاتل؛ لأن مريدة القتال تريد العظمة والسيطرة واتساع الرقعة، أو تريد زيادة المال لأمتها، واستغلال الغير لفائدتها، وإفقار الأمة المغلوبة لغنى الغالبة، وشرب دم المغلوب لري الغالب؛ أو تريد الفخفخة الكاذبة وحسن الصيت، والتبجح بأنها أعظم دولة، أو أقوى دولة، أو أنها لا تغرب الشمس عنها، أو أنها ذات الكلمة المسموعة في سياسة العالم وتوجيهه.
هذه هي الأسباب التي كانت من أجلها الحرب ولا شيء غيرها؛ فلننظر إليها بعين الحق، وإن شئت فقل بعين أبي دلامة؛ هل شيء منها أو هي كلها تستحق هذا الدمار في العالم، وهذه الدماء تجري أنهارًا، وهذا الفزع يملأ النفوس، وهذه الأسر تفقد أبناءها وتشقى بقتل عائلها، وهذا الخراب وهذا الدمار، وهذا النقص في الأنفس والأموال والثمرات؟ إن القادة إنما يفعلون ذلك؛ لأنهم فقدوا عقولهم وغلبت عليهم شهواتهم، ولو عَقَلُوا لرأوا أن لا شيء في العالم يساوي إزهاق روح واحدة، وأن المادة مهما عظمت لا يمكن أن تُقَوَّمَ بإنسانية مهما كانت جزئية.
أما بعد؛ فمن لقادة الأمم جميعًا بعقلية أبي دلامة؟!
? بنو أسد: قبيلة المهلب.
التجديد والمجددون


حركات التجديد في عصرنا الحاضر أسرع منها في كل عصر مضى؛ لأن العالم أصبح وحدة، والفروق في الأزمنة والأمكنة قد قضي عليها، وما يحدث في أمة ينتقل عنها إلى أقصى العالم في سرعة البرق … وحسبك في ذلك تطور الشرق في القرن الأخير …
من الأحاديث الطريفة ما روي عن أبي هريرة عن رسول الله ? أنه قال: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»، وقد أخذ العلماء يبحثون في رأس كل مئة سنة عن هذا المجدد الذي يصدق عليه الحديث، فقال بعضهم إنه عمر بن عبد العزيز على رأس المئة الأولى، والشافعي على رأس المئة الثانية، وابن سريج أو الأشعري على رأس المئة الثالثة، وأبو حامد الإسفرائيني على رأس المئة الرابعة، والخامس الغزالي، والسادس الفخر الرازي، والسابع ابن دقيق العيد … إلخ. ويعجبني في هذا الحديث طرافته من حيث معناه وتقريره لفكرة تغير التشريع بتغير الزمان، ولكن لم يعجبني من الفقهاء تزمتهم الحرفي في تحديد مجيء المجتهد على رأس كل مئة بالحساب الدقيق، كما لم يعجبني فيهم تعصبهم المذهبي واعتقاد الشافعية أن المجدد يجب أن يكون شافعيًّا أبدًا، وهكذا.
والواقع أن فكرة التجديد لا يمكن أن تقاس بالمتر؛ فقد يحدث من الأحداث ما يستوجب التجديد في زمن قصير، وقد يحدث منها ما يستوجب التجديد في زمن طويل، وليس التجديد مقصورًا على الدين، فكل مرفق من مرافق الحياة يتجدد: الدين، والعادات والتقاليد، والأدب والغناء، والنظريات السياسية والعلم، وكل شيء في الحياة يتجدد؛ لأن هذه الأشياء كلها وليدة الزمان، والزمان في تجدد مستمر وحركة دائبة؛ فكم من الفرق بين الأدب الجاهلي والأدب الحديث! وكما قال الجاحظ: «كم من الفرق بين قول امرئ القيس:
تقول وقد مال الغبيط بنا معًا عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل وقول علي بن الجهم:
فبتنا جميعًا لو تراق زجاجة من الماء فيما بينا لم تسرب» وفي كل شيء تجد هذا التغير: بين البيت قديمه وحديثه، والملابس قديمها وجديدها، وفن العمارة قديمه وجديده وقد ينضم إلى الفكرة أفراد الأعمال ما لا يأتيه الفرد العادي منفردًا في حالة وعيه، والموسيقى قديمها وجديدها؛ وهكذا، وكل تغيير في مرفق من هذه المرفق العالم العالم يسمى تجديدًا.
ولكن ما هو التجديد وما هي قوانينه؟ إن التجديد من ناحيته النفسية معناه مرونة العقل لإحلال الأوضاع الجديدة محل الأوضاع القديمة، أو تعديل القديم ليتفق والجديد، ومن ذلك يتضح أن التجديد يتخذ أحد شكلين: إما القضاء على القديم بالوسائل الثورية، وإما أخذ طرف من القديم وطرف من الجديد ومزجهما مزجًا متناسبًا بوسيلة سلمية هادئة، وقد أشار روسو في القرن الثامن عشر إلى أهم مظاهر التجديد؛ إذ وصفه بأنه «الأخذ بمبادئ الإنسانية والمبادئ العقلية والتسامح الفلسفي، وإحلال ذلك محل الأوضاع القديمة وتقديس السلطات والتعصب الضيق النظر».
وللتجديد قوانين تشبه القوانين الطبيعية في دقتها واطرادها وعدم تخلفها، وإن كان لا يزال بعض هذه القوانين غامضًا معقدًا.
تبدأ فكرة التجديد عند فرد أو أفراد قلائل، وتأتيهم هذه الفكرة من شدة شعورهم بسوء الحاضر، فيدعون إليها، ويؤلفون الحجج العقلية والشعورية للبرهنة على صحتها، وقد يحدث أن تقبل هذه الفكرة وتنتشر وتتسع كما تتسع الموجات؛ حتى تعم الشعب بأجمعه؛ ولكن كثيرًا ما يحدث أن تقاوَمَ الفكرة، ويدعو إلى مقاومتها أنها قد تسلب بعض أصحاب المصالح مصالحهم، وتفوت على المتمسكين بالقديم منافعهم، كما يحدث عادة عند اختراع آلات للنقل تحل محل أدوات النقل القديمة، وكما يحدث عند الدعوة إلى منهج في التعليم جديد يخالف منهجًا في التعليم قديمًا أو نحو ذلك، وقد يدعو إلى اضطهاد الدعوة الجديدة خوف أصحاب السلطان منها؛ لأنها تذهب بجاههم أو سلطانهم، إذ ذاك يقف أصحاب المصالح المهددة وأصحاب السلطات المقررة في سبيل هذه الدعوة، فيضطر الداعون إلى مقابلة المقاومة بالمقاومة ومحاربة الفكرة بالفكرة، وقد يستدعي الأمر محاربة العنف بالعنف، فينقسم الناس إلى معسكرين: معسكر يناصر القديم، ومعسكر يناصر الجديد، والغلبة للقوة، ولسنا نعني القوة المادية فحسب، بل المادية والمعنوية معًا.
وقد يجد دعاة التجديد أنفسهم أمام تيارين متناقضين، فيضطرون إلى منازلتهما جميعًا، كالذي حدث في الاشتراكية؛ إذ رأى أصحابها أنهم مضطرون إلى منازلة فكرة الشيوعية المتطرفة، وفكرة الرأسمالية الجامدة.
ثم إن هناك ظروفًا تساعد على نجاح الفكرة الجديدة؛ منها أن يعم الشعب الملل، والإحساس بسوء الحال، والطموح إلى حال خير من حالهم، ونظام خير من نظامهم، وعدل يحل محل ظلمهم، فتسري الدعوة إلى التجديد وإلى التغيير سريان النار في الهشيم، ويقرب من هذا أن تكون الدعوة إلى الجديد قريبة من أذهان الشعب، محركة لعواطفهم، محققة لآمالهم، أما إن كانت الدعوة تسبق زمنها بوقت طويل، ولا تلتقي مع عواطف الناس وعقليتهم الحاضرة فقلَّ أن يُكتب لها النجاح.
ومن المشاهد أن هناك جماعات تكون أسرع قبولًا لفكرة الجديد، وجماعات أخرى أشد مقاومة للتجديد، فإذا كانت الجماعة من الجماعات التي تكونت حديثًا، ولم تقيد بقيود ثقيلة من الأوضاع، كما هو الشأن في أمريكا، كانت أقرب إلى اعتناق فكرة التجديد، وكذلك الشأن إذا سادت فيها حرية الرأي، وحرية الصحافة، وحرية الخطابة، والتسامح الفكري والديني، كما هو الشأن في إنجلترا، أما إن كانت الأمة بدائية تقدس الآباء وما صدر عنهم كالذين قال فيهم الله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ، أو كانت الأمة متدينة دينًا جامدًا لا تسمح فيه باجتهاد ولا تعمل فيه عقلًا، ولا تقيسه بالمصلحة العامة، فهناك يكون الجمود، وسد الآذان، وإغماض العيون عن كل دعوة إلى التجديد.
ومن العجيب أن نرى بعض العادات الجديدة تنتشر في سرعة، وبعضها لا تنتشر مطلقًا؛ أو في بطء شديد! فسفور المرأة المصرية كان عادة جديدة سرعان ما انتشرت حتى كادت تعم الشعب بأجمعه، ولكن لبس السيدات للبنطلون وللكورسيه ولعب الرجال للبياردو لم ينتشر، فهل سبب هذا أن العادة الجديدة إذا نبعت من صميم الشعب، ومن الطبقة الوسطى والدنيا كانت أعم، وإذا نبعت من الطبقة الأرستقراطية لم تعم؟ أو أن السبب في ذلك يرجع إلى المواءمة وعدم المواءمة، وتكاليف البدعة الجديدة كثرة وقلة.
وللأزمات فضل كبير على التجديد؛ فالأزمات الحربية مثلًا قربت بين أمم ما كان يظن أن يقرب بعضها من بعض، وحملت على التفكير في مثل عصبة الأمم وميثاق الأطلنطي وهيئة الأمم المتحدة ونحو ذلك، وإن كانت ولدت تفكيرًا ولم تتحقق عملًا؛ والأزمات الاقتصادية كوقوع طائفة كبيرة من الناس في الفقر والمرض والجهل، كثيرًا ما تحمل الأمة على التفكير في نظام الثروة وضرب الضرائب ووضع الخطط لمقاومة الفقر والجهل والمرض، وهكذا.
وحركات التجديد في عصرنا الحاضر أسرع منها في كل عصر مضى؛ لأن العالم أصبح وحدة، والفروق في الأزمنة والأمكنة قد قضي عليها؛ وما يحدث في أمة ينتقل عنها إلى أقصى العالم في سرعة البرق؛ ولذلك نرى حركات التجديد في الأفكار والنظم السياسية والنظم الاجتماعية والاقتصادية تغزو العالم بأسرع من غزو الحروب؛ وحسبك في ذلك تطور الشرق في القرن الأخير وقبوله أفكارًا كثيرة جديدة من المدنية الغربية في الماديات والمعنويات ما كان يقبلها في العصور الماضية.
وما مظاهر القلق والاضطراب في العالم اليوم إلا مظاهر حرب بين جديد وقديم، وإن شئت فقل بين قديم ظهر فساده، وجديد لَمَّا يتضح ولَمَّا يحدد، ومن المشاهد أن مرافق الحياة في كل شعب متفاعلة ميالة بطبعها إلى إيجاد الانسجام بينها، فإذا دخل التجديد في مرفق منها فسرعان ما تنفعل لذلك سائر المرافق؛ كحوض الماء يصب فيه ماء بارد وماء ساخن، فسرعان ما يكتسب البارد سخونة والساخن برودة؛ حتى يكون منهما ماء في حرارة واحدة.
قد كان ذلك قديمًا في كل شعب، أما اليوم فالعالم كله على هذا الحال يتفاعل ويتفاعل ثم ينسجم وينسجم، والطبيعة دائمًا تميل إلى وحدة الوجود.

مذكرات الأستاذ محمد كرد علي


نشر الأستاذ محمد كرد علي جزأين من مذكراته ضمنهما ترجمة حياته، وهي حياة طويلة حافلة؛ فقد عاش الأستاذ في أوساط مختلفة، ورحل رحلاتٍ كثيرةً في الشرق والغرب، وانغمس في السياسة واكتوى بنارها، واشتغل بالصحافة مدة طويلة، والصحافة من أكبر المدارس في معرفة الحياة وألوانها، وصادق كثيرًا من رجال الأدب والسياسة والعلم والمال والأعمال، وخبرهم وأطال عشرتهم، وعمِّر بحمد الله عمرًا طويلًا؛ فقد ذكر في مذكراته أنه في عشر الثمانين، وتقلب في مناصب كبيرة حتى كان وزيرًا أكثر من خمس سنوات، فالمذكرات مظنة الإفادة والإمْتَاع.
وقد صاحبت الأستاذ كرد علي مدة طويلة، جالسته في مجمع فؤاد الأول في مصر، واستمعت إلى آرائه وبحوثه، وجالسته في لجنة التأليف والترجمة يوم كان يغشاها، وفي مجمع دمشق أيام كنت أزورها، وكونت فيه رأيًا بعد طول الخبرة، هو أنه واسع الاطلاع على الكتب العربية، عليم بمصادر الموضوعات المختلفة وبخزائن الكتب، وهي شيمة أخذها عن أستاذه الشيخ طاهر الجزائري؛ فقد كان رحمه الله بحاثة في الكتب، عليمًا بخفاياها، حسن التقدير لغثها وسمينها، وقد أفاد الأستاذ كرد علي العالَم العربي بما ألفه في هذه الناحية ككتابه «خطط الشام»، وبما نشر من كتب من مثل: رسائل البلغاء، وأخبار أحمد بن طولون.
ولكنه إذا عدا هذا الطور فتعرض لبحث مبتكر أو لنقد لما قرأ، أو تعقيب على قول لم يعجبني كثيرًا، لا في آرائه، ولا في أسلوبه، فآراؤه لا تصدر عن أفق واسع ولا نظر شامل ولا عمق كاف، وأسلوبه متعثر ليس فيه رونق أو صفاء، ونكاته ونوادره تستجلب الضحك عليها لا الضحك منها، وكنت لا أرتاح لكثير من تصرفاته، فهو إذا لقي أحدًا من معارفه عانقه وبالغ في مدحه في وجهه حتى يخجله، وأثنى على تآليفه وكتبه؛ ولو لم يكن له تأليف ولا كتاب، والله أعلم بما يقوله من ورائه.
وجاءت مذكراته هذه مصداقًا لما أقول، من قلة في الذوق، وسخافة في الحكم، وتقويم ما ليست له قيمة، وتحقير ما له قيمة.
وهؤلاء المصريون الذين كان يلقاهم فيعانقهم ويشيد بذكرهم، قد انقلب عليهم انقلابًا عجيبًا؛ لسبب عجيب أيضًا!
أسوق لذلك مثلًا لطيفًا، فقد كتب في الجزء الثاني مقالًا عنوانه: «كتاب إلى حبيب»، كتبه إلى معالي محمد حلمي عيسى باشا، يصب فيه نقمته على أدباء مصر، ويسبهم ويقدح فيهم أفظع القدح، لماذا؟ لأنهم لم يقرظوا كتبه ولم يشيدوا بذكره أو نحو ذلك من توافه الأسباب، اسمعه يقول: «وماذا أقول في مجلاتكم وصحفكم و«أحمد حسن الزيات» صاحب مجلة الرسالة بعد أن كان يكتب لي أنه كان لَقًى فرفعته، تنكر لي بأخرة وأعمته التجارةُ وجمعُ الأرباح، ونسي أصحابه ومن عاوَنُوه على اكتساب الشهرة». «وصديقي أحمد أمين كأكثر المشتغلين بالعلم في مصر وغير مصر «أشغل من ذات النحيين»، ما سمعت منه كلمة طيبة لا باللسان ولا بالقلم منذ عرفته، وأنا — شهد الله — ما تركت بابًا من أبواب الدعاية له منذ ظهوره في التأليف، سأله في الجامعة أحد تلاميذه من الحلبيين عن رأيه فيَّ، فقال: تسألني رأيي في بلديِّك؟ إنه أعرف المعاصرين بالمصادر». «وهناك في مجمع فؤاد الأول من هم عجيبة الزملاء، هناك رئيسه أحمد لطفي السيد باشا الفيلسوف، وكثيرًا ما نوهت به، وأردت إخواني في المجمع العلمي العربي من أول تأسيسه أن يختاروه عضوًا مراسلًا فانتخبوه، وما تنازل أن يحييهم بكلمة شكر فيما أذكر، ولم يغلط خلال خمسين سنة أن يقابل جميلي بمثله، كأنه يعتقد أن ما أقوم به نحوه هو واجبي، وأنه من عالم غير هذا العالم، وشتان بين ثقله وخفتي، وفرق بين جنسيتي وجنسيته، هو مصري وأنا شامي». ثم أبان سبب سخطه عليه، فذكر أن لطفي باشا دعاه وزملاءه إلى نادي محمد علي، فلحظ لطفي باشا أن بين الأعضاء الأجانب رجلًا له لقب وزير؛ فدعاه إلى الجلوس في مقام التكرمة، وترك كرد علي.
ونقم على المازني وهيكل لمثل هذا السبب فقال: «إن رصيفيَّ المازني وهيكل ما أضاعا قط كلمة في التعرض لعملي وعمل إخواني في الشام، انتخبهما مجمعنا عضوين مراسلين، فلم يتنزلا أن يكتبا له سطرًا، وكيف يرتكبان هذا الإثم؛ والمازني دأب حياته يكتب المقالات للصحف والمجلات، ودأب يستوفي المكافآت عليها، وهيكل أصبح بقلمه وحزبه ممن يدير دفة السياسة المصرية، وأي نفع يأتي من كرد علي وصحبه؟!».
وأغرب من ذلك كله قسوته على الأستاذ محمود شلتوت، أتدري ما السبب؟ إنه سبب يستوجب الاستغراق في الضحك من غير شك، قال — حفظه الله — «كان الشيخ محمود شلتوت لي صديقًا قديمًا، عرفته في دار آل عبد الرازق الأكارم، ولما اضطهده الشيخ الظواهري في الأزهر كنت من أول الحانقين عليه، ولما نفس خناقه وأعيد إلى منصبه فرحت له فرحًا كثيرًا، أتدري ماذا كان مقامي عند عضو جماعة كبار العلماء؟ كان منه أن أهداني كتابًا له وكتب على ظهره: «آية الإخلاص لصاحب العزة فلان». هذا ما جناه الأستاذ شلتوت وما استحق من أجله من الأستاذ كرد علي اللومَ والتعنيف والتأنيب؛ حتى ختم ذلك بقوله: «إن المباينات بين أرباب العمائم وأرباب الطرابيش قديمة لا تحتاج إلى بيان»، وهكذا وهكذا من أمثال هذه الأحكام العجيبة للأسباب الغريبة.
ألا يدري الأستاذ أن الحكم على الأشخاص إذا كان ميزانه مدحًا لكتاب أو عدم مدحه أو الإفراط في الألقاب أو التقصير فيها، أو نحو ذلك من توافه الأمور، كان حكمًا سخيفًا لا يقام له وزن، وكان أشبه ما يكون بحكم الأطفال؛ إذ يحبون شخصًا؛ لأنه يضحك في وجوههم أو يقدم لهم قطعة من الحلوى، ويكرهون آخر؛ لأنه عبس في وجوههم أو لم يقدم لهم حلوى، أما الرجال العظماء أمثال الأستاذ فميزان الأحكام عندهم يجب ألا يكون الأحداث الشخصية الصغيرة، وإنما قيمتهم الحقيقية وصفاتهم الذاتية.
ولو حكم على جمال الدين الأفغاني ونابليون وبسمارك، بل لو حكم على الأنبياء والمرسلين بميزان الأستاذ هذا لكانت النتيجة غريبة عجيبة، فليس منهم إلا من عبس ولم يقرظ، وانتقد أحيانًا في مرارة، وعاقب أحيانًا في شدة، ومع كل هذا لم تدخل هذه الأعمال كلها في الميزان الصحيح للحكم عليهم؛ لأنها توافه لا يأبه بها إلا التافهون، ومن أجل هذا النظر التافه لم ينل أحد من إعجاب الأستاذ محمد كرد علي في مصر ما نالته جمعية «البعكوكة»؛ فقد كتب في محاسنها صفحات ثناء وإعجاب لم ينلها أحد من الكبراء ولا العظماء ولا المؤسسات العلمية والأدبية.
ثم في الكتاب مصداق لقلة الذوق، فهو يصف المشتغلين بالعلم في مصر وغير مصر بأنهم أشغل من ذات النحيين، وأحيل الأستاذ الكبير على أي كتاب في الأمثال أو على لسان العرب في مادة «نحي»؛ ليعلم مضرب المثل، وليعلم أيضًا أنه لا يصح أن يستعمله في مثل هذا الموضع إلا من تجرد من كل ذوق.
ويشاء أدبه أيضًا بعد أن مدح لجنة التأليف وذكر فضلها عليه في أنها طبعت له ثلاثة كتب، وأعادت طبعها، وعاملته معاملة حسنة، شاء أدبه بعد كل هذا أن يصفها في ثنايا المدح بأنها «عصابة» ولكن لا بأس، فالذوق شيء ليس في الكتب.
ويحاول الأستاذ في مذكراته أن يظهر بمظهر الوطني الكبير، والمصلح العظيم، والأخلاقي المثالي؛ ولكن لا يلبث أن يخونه قلمه فيكشف عن نفسه، ويذكر مثلًا أنه عمل وزيرًا مع حقي بك العظم، والشيخ تاج الدين الحسني خمس سنين وسبعة أشهر في ظل الانتداب الفرنسي، ثم هو يطلق قلمه فيهما بالنقد واللذع والتجريح، ويصفهما بضعف الشخصية والمحسوبية والخضوع للسلطة الفرنسية خضوعًا تامًّا مطلقًا، وتنفيذ أوامرها مهما كانت ضارة بالبلاد … إلى آخر ما قاله فيهما، والرجل الأخلاقي المثالي لا يبيح لنفسه أن يشغل الوزراة أكثر من خمس سنين مع مثل هذين الرجلين لو صدق قوله فيهما، إن الرجل الأبي الشجاع يرفض أن يعمل مع من يعتقد أنه يضر البلاد مهما ادعى أنه يريد الإصلاح، وأنكى من ذلك أنه يذكر أنه كان يشتغل معهما رغم أنفهما ولم يكن يحميه في الوزارة ويضغط عليهما في إبقائه إلا السلطة الفرنسية! أيرى الأستاذ أن حب الفرنسيين لبقائه كان صادرًا عن غفلة منهم، فيظنوا فيه أنه يشايعهم وهو في الحقيقة يناهضهم؟! أو أنهم يعلمون حقَّ العلمِ حقائق الرجال ومن ينفعهم ومن يضرهم، وأنهم لولا ما يجدون فيه من خدمة كبيرة لهم ما أبقوه لحظة ولانتهزوا فرصة غضب رؤسائه عليه فأخرجوه من الوزارة مغتبطين مسرورين؟!
الحق أنه قد تم في عهد وزارته أكبر مصائب سورية وهو تقسيمها إلى دويلات أربع، وتمزيقها إلى وحدات متعددة، لكل دويلة علم ولكل دويلة إدارة، وما تحرك الأستاذ ولا حدثته نفسه بالاستقالة رغم كل هذا، وإنما بقي مطمئنًا راضيًا عما يجري حتى نحى الفرنسيون الوزارة كلها.
وقد كان الأستاذ — كما ذكر في مذكراته — يُدْعى عند رئيس الوزارة الشيخ تاج الدين الحسني؛ ليؤنس الذين يدعوهم الرئيس من سيدات الفرنسيين وسادتهم؛ كما كان يدعى لاستقبال المندوب السامي في بيروت عند حضوره من فرنسا، فيلبي الأستاذ هذه الدعوات راضيًا مغتبطًا فخورًا، وهكذا وهكذا مما تتكشف عنه المذكرات.
وآخر ما كنت آمله فيه أن يتحرى الصدق فيما يقول، ولكن خاب أملي في هذا أيضًا؛ فقد رأيته يذكر عني حادثتين أشهد بالله أنهما كاذبتان؛ كما يذكر كثيرًا من الأحداث عن أشخاص متعددين في مصر والشام يكذبونها وينكرونها.
وأسوأ ما في هذا أنه يشكك القراء في كل ما صدر عنه حتى في كتابه تاريخ خطط الشام، والحضارة الإسلامية، فمن يدري! لعله استباح لنفسه من خلق الأحداث ما استباحه في الرواية عن الأحياء، وبهذا لم يكن أساء إلى نفسه فقط، ولكنه أساء إلى المؤرخين جميعًا، ولعل كثيرًا ممن ورد ذكرهم في الكتاب واتهموا بالجهل أحيانًا، والجاسوسية أحيانًا، والرشوة وقلة الذمة أحيانًا، لم يكن فيهم شيء من هذا، وإنما نشأت من سوء ظن الأستاذ، أو اختراع خياله، أو فساد حكمه على الأشياء.
وعلى الجملة فهذه المذكرات لم تصدر إلا بخذلان من الله كبير، فالله يعفو عنه ويغفر له.

روح السماحة


قرأت اليوم وصفًا لناد في واشنطن إذا ترجمنا اسمه إلى العربية سميناه «نادي السَّفُّود»? عدد أعضائه خمسون، يُختارون على أساس مراكزهم الاجتماعية، ومقدرتهم الصحافية، ومهارتهم التهكمية. ولهذا النادي تقاليد؛ فالأعضاء يلبسون في الاجتماع «الفراك» وربطة الرقبة البيضاء، ولهم شارة هي عبارة عن صورة «سفود» تعلق على السترة، فيعلم أن صاحبها عظيم من العظماء؛ إذ كان عضوًا في هذا النادي.
وعمر النادي الآن خمس وستون سنة، يقيم أعضاؤه حفلتين كل عام، إحداهما في إبريل، والأخرى في ديسمبر، وفي كل حفلة يدعى رئيس الجمهورية، ورئيس الحزب المعارض، وكبار موظفي الدولة، وقد لبى الدعوة رؤساء الجمهورية جميعًا، ما عدا الرئيس «كليفلاند»، وفي كل اجتماع يعد برنامج حافل يشتمل على أغان وموسيقى وتمثيل، ونكات رائعة، وكلها ترمي إلى نقد الرئيس ورئيس المعارضة وكبار الموظفين نقدًا تهكميًا لاذعًا، واستعراض المشاكل التي تشغل بالهم، وتشغل الرأي العام، وكيف تصرَّف فيها هؤلاء الكبار، ثم وضع ذلك كله في قالب فَكِهٍ ساخرٍ، وبعد أن ينتهي هذا البرنامج الذي يشوى فيه هؤلاء الكبار على السفود، يقف رئيس الجمهورية ورئيس الحزب المعارض، فيخطب كل منهما عشر دقائق شاكرًا للنادي تهكمه، مقابلًا السخرية بالسخرية، والتهكم بالتهكم، واللذع باللذع، وبذلك ينتهي الاحتفال بعد أن يكونوا قد عرضوا للمشاكل والرؤساء من الجانب التهكمي، فأبانوا مثلًا كيف كبر هؤلاء الكبار صغار الأمور، وعدوها مشاكل عظمى وهي في ذاتها تافهة، وكيف تصرفوا فيها تصرفات مدوية، وكان يمكن أن يتصرف فيها على أبسط وجه وأخصر طريق، وكل ذلك في ثنايا الضحك اللطيف، والتهزيء الطريف.
ويقول أحد رؤساء الجمهورية في مذكراته: «يزودنا نادي السفود بقدر كبير من المرح، وقد روضت نفسي على الابتسامة العريضة من النكات اللاذعة التي تقال عني … ويغريني على ذلك علمي أن كل رئيس غيري — مهما بلغت منزلته — سيلقى ما لقيت في سبيل المرح في هذا المساء».
وقد حدثني من تخرج من جامعة أمريكية أنه فوجئ آخر العام الدراسي بورقة وزعت عليه وعلى سائر الفصل، تسأله فيها الجامعة عن رأيه في الأستاذ فلان من حيث كفايته العلمية، ومن حيث طريقة تدريسه، ومن حيث معاملته الطلبة … إلخ، والطلبة يجيبون في صراحة من غير ذكر أسمائهم، والجامعة والأساتذة يتقبلون هذا في سماحة.
هذا ما أسميه «روح السماحة»، وهي روح لا يمكن أن تسود في أمة إلا إذا ربي الأفراد فيها على الديمقراطية الحقة؛ فلكلٍّ شخصيته، ولكل رأيه، ولكل أن ينقد ما يشاء، ومن يشاء، وعلى المنقود أن يكون واسع الصدر في سماع النقد، ولكن على الناقد — أيضًا — أن يكون لديه من حسن التقدير ودقة الذوق، ما يصوغ به نقده في أسلوب مؤدب، ولذلك عرف أعضاء نادي «السفود» بأنهم يستطيعون أن يمزجوا الفكاهة والسخرية بالرزانة والذوق السليم.
وليست تستطيع أمة أن تعتنق «روح السماحة» إلا إذا عُوِّدت سعة الأفق وعدم التزمت، واحترام الفرد رأي غيره، كما يحترم رأي الآخرين، وإيمانه بأن رأيه وإن ظهر له صوابه قد يكون خطأ، ورأي غيره وإن ظهر خطؤه قد يكون صوابًا، وأن من الصعب رؤية الحق من جميع زواياه، فليس يرى الفرد الحق إلا من زاوية واحدة، وقد يراه الآخر من زاوية أخرى؛ ومن أجل ذلك فهو واسع الصدر للنقد، مقدر للناقد محترم له؛ لأنه يزيده في رأيه ثروة.
أما المتعصب فضيق النظر، شديد الحقد على مخالفه، سادّ سمعه ومغمض بصره عن أي حجة لخصمه، لا يرى إلا أن تسير الدنيا على رأيه، وإلا استحقت الخراب، ولذلك كان فاقدًا لروح الفكاهة، لا تصدر عنه، ولا يستسيغها من غيره؛ لأن روح الفكاهة وروح السماحة منزلة أسمى من منزلته.
•••

في الأدب العربي كثير من الشعر والأخبار التي تمثل روح السماحة، كالذي يروى عن الأحنف بن قيس، ومعن بن زائدة وغيرهما، يُنقدون فيحلمون، ويُتهكم عليهم فيسمحون، ويقابلون السخرية بالابتسامة، ولكن لسنا الآن بصدد أفراد، وإنما نحن بصدد روح عامة في الأمة.
والحق أن الأمم العربية اليوم في أشد الحاجة إلى روح السماحة، فهي تقربهم إلى التفاهم، وتبعدهم عن التقاطع؛ نحن أحوج إليه في علاقة الحاكم بالمحكوم؛ فالمحكوم ينفس عن نفسه بنقد ما لا يستصوبه من أعمال الحاكم، ولكنه نقد مؤدب، وقد يكون فكهًا فرحًا، وقد يكون فيه سخرية لطيفة، أو نكتة رائعة، والحاكم من جانبه واسع الصدر لسماع النقد، سمح في قبوله، يجيب عن نقده في رزانة، وقد يقابل التهكم بالتهكم، والسخرية بالسخرية، وروح الجميع سليمة من الحقد، لا تنطوي على الشر، وقد فرَّج ذلك كله على الحاكم والمحكوم، فبينهما — برغم النقد والسخرية — صفاء متبادل.
ونحن في حاجة كذلك إلى روح السماحة في العلاقة بين الدول العربية والشعوب العربية بعضها وبعض، ولو سادت هذه الروح ما رأيت ما يحدث بينها كل حين من سباب وغضب، وتهديد بقطع العلاقات، وسد الطرق، وانسحاب من الجامعة العربية، وما إلى ذلك؛ فمثل هذه الأمور كلها مظهر من مظاهر فقدان «روح السماحة»، ودليل على ضيق العطن، والانطواء على الحقد والضغينة، أو العزة الكاذبة.
لكم نرى في التاريخ الماضي وفي الحاضر من أزمات حادة، عولجت بكلمة سمحة فرجت الأزمة، أو نكتة بارعة أعادت إلى النفوس صفاءها، أو احتمال الرئيس للنقد اللاذع؛ تحقيقًا للمصلحة العامة.
إن روح السماحة هي أشبه ما تكون بالروح الرياضية، يلعب اللاعبون في ميدان اللعب، فيتبارون ويتسابقون، ولكن لا يحملون حقدًا، ولا ينطوون على ضغينة، فإذا انتهى اللعب وضع المغلوب يده في يد الغالب مهنئًا له، وخرجوا جميعًا من الميدان بنفوس صافية وقلوب راضية.
وهل الحياة كلها إلا ميدان لألعوبة لا تستأهل احتمال الهم والانطواء على الضغن.
يحكون أن المهدي أراد أن يغزو أهل الشام لخطأ ارتكبوه، فقال له «ابن خريم»: يا أمير المؤمنين، عليك بالعفو والتجاوز عن المسيء، فلأن تطيعك العرب طاعة محبة؛ خير لك من أن تطيعك طاعة خوف.
? السفود هو الحديدة التي يشوى عليها اللحم.
لماذا — ولأن


لماذا ترى الرجل عاقلًا حكيمًا، صادق الرأي في الحكم على الأشياء، صحيح التقويم لها، عادلًا في تقديرها؛ وذلك كله إذا كان الشيء الذي يحكم عليه أو يقدره غير متصل بذاته، ولا يمس مصلحة من مصالحه، ولا يناله منه خير أو شر؛ فإذا اتصل هذا الشيء بنفسه، أو كان يتوقع منه ضرًّا أو نفعًا، فَسَد حكمه، وساء تقديره، وفقد حكمته، وأصبح مَثَلُه مثلَ السفيه في الرأي، الكاذب في النظر، السيئ التقدير؟
لأن الإنسان في الأعم الأغلب لا يستطيع أن يجرد الأشياء عند الحكم عليها من عواطفه؛ وقد لاحظ الفلاسفة هذا الخطأ في الأحكام، فحاولوا تجريد الأشياء المحكوم عليها مما يتصل بها من العواطف؛ وأدرك هذا علماء المنطق، فرأوا أن الألفاظ في القضية قد يتصل بها شيء من العواطف يفسد حكمهم، فحاولوا أن يعبروا عن هذه القضايا بـ: أ، ب، جـ، د؛ حتى يكون حكمهم مجردًا فيكون أقرب إلى الصدق.
والدنيا مملوءة بالأحكام الفاسدة، والتقويم الفاسد، وكان سبب الفساد وسوء التقويم دخول المنفعة الشخصية في التقويم والحكم؛ حتى في القضية الواحدة، والمثل الواحد، ينظر إليه الإنسان في غيره فيصدر حكمه صحيحًا، فإذا اتصل هذا الأمر بشخصه نفسه أصدر حكمًا آخر، وتقويمًا آخر.
وهذا ما حدا بطائفة من الفلاسفة أن يقولوا: إن الإنسان لم يُمنح العقلَ لمعرفة الحقائق، ولكن لخدمة المصالح.
ومما يؤسف له أن مداخل العواطف في تقويم الأشياء والحكم عليها مداخل في منتهى الخفاء؛ وليس الكذب مقصورًا على الكذب على الآخرين، بل أشد منه خطرًا كذب الإنسان على نفسه؛ فهو يخدعها، ويظن أنه ينصحها؛ ويجور في حكمه، ويظن أنه يعدل، ولم يستطع أن يتحرر من هذا إلا القليل النادر.
وما سبب النزاع في العالم إلا الوقوع في هذا الخطأ، وما ملأ المحاكم بالقضايا إلا هذا الخطأ؛ فليست المحاكم والمجالس القضائية وغير القضائية مقصورة على الشريرين والباغين الذين يدعون الحق ويعلمون أنهم مبطلون، ولكن أكثر من هؤلاء المتخاصمون الذين يختلفون على الأمر الواحد، ويعتقد كل منهم أنه على حق؛ ذلك أن كلًّا منهم ينظر إلى المسألة من زاويته هو، لا من زاوية خصمه، والزاوية التي ينظر منها كل متخاصم عمل في تكوينها عقله ومنطقه وبواعثه وعواطفه، والخير الذي يرتجيه والشر الذي يهرب منه.
وهذه المصيبة الكبرى تطالعك كل يوم في الخلاف المالي بين الأشخاص والخلاف بين أعضاء المجالس؛ حتى في الهيئات التي تتكون من أرقى الناس عقولًا، وأكثرهم ثقافة، وأوسعهم إدراكًا؛ فإنك إذا فتشت عن أكبر سبب للخلاف بينهم وجدته في لعب العواطف والمصالح الشخصية الخفية في أعماق النفوس.
وهذا هو ما يطالعك كل يوم في الجرائد في أكثر ما تكتب يوميًّا؛ فالمسألة الواحدة تعرضها جريدة بشكل، وتحكم عليها بشكل، وتخالفها في كل ذلك الجريدة الأخرى؛ وكلا الكاتبين عاقل ممتاز، كان من الممكن أن يتفق مع صاحبه في نظره وحكمه، لو تجرد من عواطفه وهواه؛ ولكن تدخلت في حكمه على الشيء مصلحته الشخصية، أو مصلحته الحزبية، فلونت عرضه للمسألة، وحكمه عليها؛ حتى رآها أحدهما سوداء، والآخر بيضاء، وحتى عجب القارئ على الحياد من بعد ما بين الفريقين من الخلاف، وكيف لعبت المصالح بالعقول؛ حتى صارت موضع الهزء والسخرية.
بل هذا ما يطالعك أيضًا في شئون السياسة العامة؛ فخروج الروس من إيران صواب في نظر الإنجليز، خطأ في نظر الروس، وخروج الإنجليز من مصر صواب في نظر الروس، خطأ في نظر الإنجليز، والتعدي على أية أمة ولو صغيرة بتقسيمها خطأ في نظر جميع الأمم، ولكن تقسيم فلسطين صواب عند أغلب الأمم، ووجود منفذ على البحر الأبيض لروسيا خير لا بد منه في نظر الروسيين، شر لا بد من مقاومته في نظر الإنجليز والأمريكيين، وهكذا.
ذلك لأن العقل ليس هو الذي يحكم وحده، ولكن تدخلت العاطفة الوطنية والمصالح القومية، فلونت المسألة الواحدة عند كل فريق بلونٍ يخالف تمام المخالفة اللون الذي صبغه الفريق الآخر.
وهذا هو سر الخلاف بين الشرق والغرب، بل سر الخلاف بين الدول كلها الآن، وانقسام العالم إلى معسكرين، كما كان من قبل؛ بل هو سر الخلاف بين الممثلين لهذه الأمم، مع أن المفروض فيهم أنهم من أرقى الناس عقلًا، وأصدقهم حكمًا، وأعدلهم تقويمًا للأشياء؛ وإنما المسألة أن العقل وحده ليس الذي يحكم، وليس الذي يقدر، ولكن العامل الأكبر في الحكم والتقدير هو ما تراه كل أمة ومن يمثلها، مراعيًا ما يعود من الرأي على أمته من مصالح أو مضار؛ ولو أنك جمعت هؤلاء الممثلين، وجردتهم من عواطفهم لاتفقوا على رأي واحد في تقدير الأشياء وخيرها وشرها، وما يجب أن يُعمل، وما يجب أن يُترك، في أقرب زمن.
وإن شئت فقل إن الحروب في العالم وويلاتها سببها هذا الخطأ في الحكم من حفنة من قادة الرأي والسياسة، قدَّر كل زعيم أمة مصلحة أمته، وما ينالها في الحرب إن دخلت الحرب، أو السلم إن جنحت إلى السلم، ثم أصدر حكمه غير مُصْغ إلى عقله المجرد، وغير مقدر للحقائق كما ينبغي أن تقدر، وقد يؤثر في رأيه هوى شخصي، أو ناحية من نواحي ضعفه الخلقي، أو رغبته في المجد الوطني الكاذب، أو خضوعه تحت تأثير قوم من الرأسماليين الشريرين، أو نحو ذلك من شهوات أو مطامع ومطامح، يتأثر بها عدد قليل من القادة، فيوقعون العالم الإنساني كله في كوارث لا تقدر خطورتها.
ولو أتيح للعالم يومًا من الأيام أن يكون قادته من المناطقة أو الفلاسفة الذين يستطيعون أن يتجردوا في حكمهم على الأشياء من هوى أو مطمع أو مطمح، وأن يقدروا المسائل حسب قيمتها الذاتية لا حسب ما يغلفها من أعراض وأغراض، فإن كان ولا بد من اشتراك العواطف والمشاعر في الحكم، فالعواطف للإنسانية لا للوطنية، والمشاعر للعالمية لا للقومية، لنعم العالم بالسلم، وعاش في رفاهية، وكان الناس بنعمة الله إخوانًا.
ولكن أنى لنا ذلك؛ والقول ما قال بديع الزمان: «والله ما فسد الناس، ولكن اطرد القياس».

محنة العالم الإسلامي


يجتاز العالم الإسلامي اليوم محنة من أشق المحن وأقساها، تختلف في مظاهرها وتتحد في أهم أسبابها، العراق ومصر يرفضان المعاهدة التي تعرضها عليهما إنجلترا، فيضطربان من حين لآخر، وتقوم المظاهرات وتكثر الضحايا، وفلسطين تثور لما لحقها من ظلم، وما فرضته عليها الأمم المتمدنة من سلبها أخصب جزء فيها، ويثور معها العالم الإسلامي بأجمعه، والمغرب يجوع من فرنسا، ويئن تحت حكمها، فإذا تحرك للخلاص منها، عومل أقسى معاملة وأفظعها، وليس القسم المغربي الذي تحتله إسبانيا بخير مما تحتله فرنسا، وطرابلس تعاني ما تخيط لها إنجلترا وأمريكا وإيطاليا من شباك، وأندونسيا تشكو من هولاندة ما يشكو المغرب من فرنسا، من عسف وجور وفتك وانتقام، والباكستان تعاني الأمرَّيْن مما يحيق بها من جيرانها الهنود، ومن السياسة الإنجليزية العامة، وهكذا وهكذا، في كل قطر إسلامي مأتم، فمظاهر العالم الإسلامي كله قلق واضطراب.
وأهم سبب لهذا القلق والاضطراب أن العالم الإسلامي دب فيه الوعي القومي وتوالت عليه ألاعيب السياسة الأجنبية، ولم يكن يفهمها، ففهمها، وتوالت عليه الوعود أيام الحرب، وخلفها أيام السلم، فأدرك كذبها، ورأى بعد التجارب الطويلة أن الحجج العقلية لا تقنع السادة المستعمرين، وأنهم لا يفهمون من الأساليب إلا أساليب القوة ولا من الحجج إلا حجج القتال؛ ولم يعد يصدق لغة السياسة المزوقة، ولا أساليبها المنمقة، ولم يعد يخدعه ما كان يخدع به من قبل من تغيير لفظ الاستعمار بالانتداب، ولا لفظ الانتداب بالمشاركة والمساواة، أو نحو ذلك من أساليب تختلف ألفاظها ويتحد مدلولها.
ليست هذه أول محنة لقيها العالم الإسلامي من العالم الأوربي؛ فقد امتُحن من قبل بغزو أوربا له، وهجومها عليه، وتسليطها الحديد والنار على أقطاره؛ حتى سقطت في يدها؛ فقد كانت هذه محنة عظمى، ولكنها أصابته وهو نائم، فلم يشعر بها الشعور التام، ولم يقاومها المقاومة الواجبة، بل خضع لطغيانها، وامتثل لأوامرها؛ حتى إذا توالى عليه الطغيان، وتتابعت عليه الكوارث، أخذ يستفيق ويقاوم، ويشعر أن استعماره مذلة، واستغلاله عبودية، وأنه يجب أن يفك هذه القيود التي كبَّلته، ويتحرر من العبودية التي نكبته، وعلى الجملة فقد أدرك أنه إنسان يجب أن تُحترم إنسانيته، وأنه حر يجب أن تقدَّر حريته، فَقَلِقَ واضطربَ.
هذا من ناحيته، أما من ناحية أوربا؛ فقد استعذبت سيادتها، واعتزت بسلطانها، وبنت حياتها الاقتصادية والسياسية على الانتفاع بموارده، والاستفادة من تصريف تجارتها فيه، وتلذذت من امتصاص دمائه، ومضت فترة طويلة وهي تحقق أغراضها منه في سهولة ويسر؛ حتى ظنت أن هذا هو المنهج الأبدي، والطريق المعبد السوي، ولكن ما لبثت أن رأت العقبات تعترض حكمها على أشكال شتى، وجاءت الحروب فأشعرتها بالحاجة إليه ضد خصومها، فبذلت له الوعود تلو الوعود، تمنيه بمستقبله وحريته واستقلاله؛ غير أن الحرب ما تهدأ ويحل السلم؛ حتى يعز عليها أن تفرط في شيء مما تستمتع به، وأن تتنازل عن شيء من سيادتها.
هذا كان شأنها عقب الحرب العالمية الأولى، وعقب الحرب العالمية الثانية، وهذا هو الموقف الآن؛ قلق واضطراب من العالم الإسلامي؛ لأنه يريد أن يعتز بإنسانيته، ويريد أن ينتفع بما أودعه الله في أرضه، ويريد أن يشارك في بناء الإنسانية، ويريد أن يقف على قدم المساواة مع أوربا؛ إذ يرى أنه لا يقل عنها عقلًا وذكاء واستعدادًا، وقد شاركها من قبل في بناء الحضارة القديمة والحضارة الوسطى كما شاركت أوربا، بل أحسن مما شاركت، وتريد أوربا أن لا تتزحزح خطوة عما ألفت، ولا تتخلى عن شيء من سيادتها وسيطرتها وظلمها واستعبادها، وتدرك أوربا الخطوب المقبلة والحروب القادمة، فتود أن تخدع العالم الإسلامي خدعة جديدة بالأساليب والألفاظ والمعاهدات الناعمة، من غير أن تتنازل عن شيء حقيقي من سلطانها، ويدرك العالم الإسلامي هذه الخدعة، فلا يأبه بها، ولا يقع في شركها، تريد إنجلترا أن تصادق العراق ومصر، وأن تعقد معهما معاهدة، ولكن لا على أساس المساواة الحقيقية، بل على أساس المساواة الشكلية الوهمية، ولا تريد أن تترك شيئًا من سيادتها الفعلية، وإنما كل ما تريد أن تتركه شيء قليل من سيادتها الشكلية، وتريد فرنسا أن تصادق المغرب، ولكن على أساس أن يذوب المغرب في فرنسا، وأن يكون مزرعتها وحقلها ومستغلها دون أن ترد عليه شيئًا من حقوقه؛ وتريد هولندة أن تصالح الأندونسيين على أساس أن تمنحهم شيئًا من المظاهر مع الاحتفاظ بالجواهر؛ وهكذا شعور من العالم الإسلامي بالاعتداء والسيطرة غي المشروعة ولا المعقولة، وشعور من أوربا بحب الغلبة والاستغلال والسيطرة كما ألفت منذ عشرات السنين؛ لهذا كان القلق والاضطراب والاحتكاك الدائم والثورات والمظاهرات من جانب العالم الإسلامي؛ ولا حل لذلك إلا أحد أمرين: إما أن يموت الوعي القومي الذي تنبه عند العالم الإسلامي، ولكن لا أمل في هذا؛ لأنه يزداد يومًا بعد يوم على ضوء الحوادث، ولأنه من المستحيل أن يرضى العاقل يومًا ما أن يكون عبدًا أو يرضى الشاب أن يكون في سلوكه طفلًا؛ وإما أن يضطر الغرب إلى التنازل عن سلطانه، والتخلي عن سيادته، ويدرك أن مصادقة الإنسان للإنسان خير من استعباده، ومعاملته معاملة المثل خير من استغلاله؛ وإذا كان الحل الأول مستحيلًا، فالحل الثاني لا بد أن يكون، ولأن يكون قريبًا خير من أن يكون بعيدًا، ولأن يكون بالرضا والاختيار خير من أن يكون بالقهر والاضطرار، ولكن هل يدرك العالم الغربي هذا، ولمَّا يزل يكفر بكل شيء إلا القوة، ويغضي عن كل شيء إلا مصلحته الذاتية العاجلة التي يمليها النظر القاصر القريب، لا النظر الحكيم البعيد؟!
وشيء آخر هو أن العالم الإسلامي وقد أدرك أن الغرب لا يؤمن إلا بالقوة — إذ دلته التجربة تلو التجربة على أن كل أمة من أمم العالم الإسلامي تكتفي بالحجج العقلية لا يسمع لقولها، ولا يلتفت لمطلبها؛ حتى إذا لجأت إلى القوة دعيت للتفاهم، كما كان الشأن في أندونسيا والباكستان وفلسطين والعراق ومصر — يجب عليه أن يزداد من الحجج التي توصله إلى غرضه، دون الحجج التي تذهب مع الريح، وتطير في الهواء، وللقوة مظاهر متعددة وأساليب مختلفة، فنشر العدل في البلاد قوة كقوة السلاح، والاتحاد بين الزعماء وطبقات الشعوب قوة كقوة الدبابات، والإلحاح في طلب الحقوق كاملة غير منقوصة دون المساومة قوة كقوة الطائرات والغواصات، وهكذا كل ضرب من ضروب نشر الحكم الصالح في البلاد، واتحاد الزعماء، ومراعاة المصلحة العامة لا الخاصة، قوة معنوية لا تقل شأنًا عن جميع ضروب القوة المادية.
وشيء ثالث؛ وهو أن كل قطر من أقطار الشرق قليل بمفرده، كثير بإخوانه، وأن التعاون بين جميع الأقطار الشرقية يعود بالنفع العظيم على كل قطر، والعالم الإسلامي سائر في هذا الطريق، لقد أدرك بصحة نظره، وصدق شعوره، أن الأمم المستعمرة تتعاون، فيومَ تبدو حركة وطنية في المغرب تتحد فرنسا وأسبانيا وترسمان الخطط المشتركة للقضاء عليها، ويوم تريد هولاندة أن تبسط سلطانها على أندونسيا تجد من الدول المستعمرة ما يؤيدها، ويوم تريد إيطاليا أن تبسط سلطانها ثانية على طرابلس ترى من الدول المستعمرة تأييدًا لها، وهكذا؛ علمًا منهم بأن الاستعمار نظرية واحدة وفكرة واحدة وملة واحدة، إذا انهارت في جانب سرت عدوى الانهيار في الجوانب الأخرى، فإذا كان الاستعمار الظالم الباطل المخالف للطبيعة الإنسانية والقوانين البشرية يتعاون، فكيف لا يتعاون أصحاب فكرة الاستقلال، وهو العدل، وهو الحق، وهو الأليق بالإنسانية؟!
قد بدا هذا التعاون على شكل ما في فكرة الجامعة العربية، ولكن لا يزال في مبدأ أمره، وفي مستهل حياته، والتعاون الذي نرجوه تعاون أوسع من ذلك وأشمل وأعمق، تعاون يجعل الأقطار العربية والإسلامية كلها تخاصم فرنسا إذا ظلمت فرنسا المغرب، وتخاصم أمريكا إذا ظلمت أمريكا فلسطين، وتخاصم هولندة إذا ظلمت هولندة أندونسيا، تعاون يشمل الاقتصاد؛ فلا بترول يقدم لأمريكا من أي قطر عربي حتى تعدل عن ظلمها لفلسطين، ولا معاهدة تجارية مع فرنسا حتى تعدل عن ظلمها للمغرب … إلخ، وتعاون سياسي؛ فلا معاهدة مع دولة عربية إلا إذا علمت بها جميع الأمم العربية وأقرتها جامعة الدول في ضوء المصالح المشتركة … إلخ.
وهذا مطلب قد يبدو عسيرًا، وقد يصيب الأمة من الأضرار ما يصعب احتماله، ولكن ما دامت هذه اللغة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المعتدي، فلا بد من استخدامها واحتمال أضرارها، ثم إذا هي نفذت لا تحتاج إلى زمن طويل؛ لقرب نتائجها، وسرعة الفائدة منها، وإذا كانت الأمم الغربية ترسم الخطط المحكمة المشتركة للاستعمار، فأحرى أن ترسم الدول المظلومة الخطط المحكمة المشتركة للاستقلال، وعجيب أن يصر الظالم على ظلمه ولا يمعن المظلوم في الدفاع عن حقه.

أدب الحرب (?)


عاش العرب طوال حياتهم عيشة حربية سواء في جاهليتهم أو إسلامهم، فحياتهم في الجاهلية كانت حياة حروب مستمرة بين القبائل المختلفة، إما للإغارة وإما لدفع الإغارة، بل كانت الحروب وسيلة من وسائل العيش، وفي الإسلام اضطر المسلمون للحرب من أجل وقوف أعدائهم أمامهم في نشر الدعوة أولًا، وللفتح ثانيًا، حتى إذا مُدَّ في سلطانهم ما شاء الله أن يمد، وقفوا أمام خصومهم الذين يريدون نزع ملكهم من روم وتتر وصليبيين، ولم يدعوا القتال إلا في فترات قليلة في العصور الأخيرة.
وللأمم الحربية أخلاق تخالف أخلاق الأمم المسالمة، ولكلٍّ أدبٌ يخالف أدب الأخرى؛ لأن الأدب ظِل الحياة وسجلها، وإذ كان العرب أمة حربية غَنِيَ أدبهم في هذا الباب غنًى كبيرًا، وسلكوا في القول في الحرب كل مسلك؛ ونحن نعرض صورًا من أدبهم في هذا الباب:
من ذلك أنهم صوروا لنا المثل الأعلى للفتى العربي المحارب، فوصفوه بأنه حديد الفؤاد، ضامر الجسم، أخمص البطن، لم ترهِّل جسمَه الحياةُ الوادعة الهنية المطمئنة، كما وصفوه بأنه يقظ متوثب، لا ينام كما ينام ثقيل الجسم الكسول، إنما هو نوم خفيف، يزول لأقل حركة؛ حتى لو رميت بجانبه حصاة لسمع لها وقعًا كوقوع الهدَّة العظيمة، فيثب وثوب الطير، ثم إذا هبَّ من نومه هبَّ مستويًا في غير كسل ولا التواء، وإذا دفعته إلى الحرب خاض غمارها، واندفع فيها اندفاع الصقر على فريسته، ثم هو لا يعبأ بمكاره الحرب، ولا ويلاتها وغمراتها، فهو في أحلك الأوقات، وأشد الأزمات، منبسط أسارير الوجه، يلمع جبينه كما يلمع البرق، ولا يستطيع أن ينال منه نائل، وهو ينال من كل من أراده، فإذا عزم لا يصده صاد عن عزمه، وكان كالسيف القاطع، وهو ردء في الحرب لصحبه ومن يقاتلون معه، وموئل في السلم لذوي الفاقة والحاجة، فذلك قول أبي كبير الهزلي:
وأتت به حُوشَ الفؤاد مُبَطَّنًا سُهُدًا إذا ما نام ليل الهَوْجَلِ فإذا نبذت له الحصاة رأيته ينزو لوقعتها طمورَ الأَخْيَلِ وإذا يهبُّ من المنام رأيته كوثوب كعب الساق ليس بزمَّلِ ما إن يمسُّ الأرض إلا منكبٌ منه وحرف الساق طيّ المحمل وإذا رَميتَ به الفجاج رأيته يهوى مخارمها هُوَيَّ الأجدل وإذا نظرت إلى أَسِرَّةِ وجهه برقَتْ كبرق العارض المتهلّلصعب الكريهة لا يُرَامُ جنابُهُ ماضي العزيمة كالحسام المفصل يحمي الصحاب إذا تكون عظيمة وإذا همُ نزلوا فمأوى العُيّل ووصفوه بأنه يضع حياته في كفه، يحرص على الشرف أكثر مما يحرص على الحياة، لا يمل الحرب وإن طالت، ولا يمل الأخطار وإن عظمت، ثم لا تنسيه شجاعته عدله ونبله، فهو لا يجزي حسنًا بسيئ، ولا يقابل غلظًا بلين، ولا يكفُّون عن بطولتهم؛ لكثرة ما يتعرضون له من محن، ولا يملون الحرب؛ لتعاقبها حينًا بعد حين، فشجاعتهم خالدة، وبطولتهم لا تنفد، لا يركنون إلى الدعة، ولا يتلمسون الراحة، فذلك قوله:
فوارسُ لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزَّبون ولا يجزون من حَسن بسيئ ولا يجزون من غلظ بلين ولا تبلى بسالتهم وإن همُ صلُوا بالحرب حينًا بعد حين ولا يرْعوْن أكناف الهوَينى إذا حلُّوا ولا أرض الهدون ثم هم يهزأون بالموت حتى كأن المنية لم تخلق:
قوم إذا لبسوا الحديد حسبتهم لم يحسبوا أن المنية تُخْلق إذا دعوا للقتال لبُّوا الدعوة من غير ريث، وأسرعوا إلى النجدة من غير تلمس علة، وجوه مشرقة، ونفوس مستبشرة، فذلك قوله:
وإذا دعوتهم ليوم كريهة سدوا شعاع الشمس بالفرسان لا ينكتون الأرض عند سؤالها لتطلب العلات بالعيدان بل يسفرون وجوههم فترى لها عند السؤال كأحسن الألوان يفخرون بالدم يجري على أقدامهم؛ لأنه دلالة الطعن والإقدام، ويستنكرون الدم يجري على أعقابهم؛ لأنه دلالة الفرار والإحجام:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما وهم ذوو نسب في الحروب عريق، إذا أفنى القتال منهم جيلًا خلفه جيل، وإذا أفنى القتال شيوخهم أورثوه شبابهم، قد وُهبوا نفوسًا عزيزة غالية، ولكنهم أرخصوها في الحروب، مرنوا نفوسهم على القتال ومواجهة الحرب، فلا يجزعون من موت ولا يبكون ميتًا، ثم هم يواجهون المكاره فيكشفونها بالسيوف في أيديهم والحمية في نفوسهم؛ فذلك قوله:
وليس يهلك منا سيد أبدًا إلا افتلينا غلامًا سيدًا فينا إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ولو نسام بها في الأمن أغلينا إني لمن معشر أفنى أوائلهم قيل الكماة ألا أين المحامونا ولا تراهم وإن جلت مصيبتهم مع البكاة على من مات يبكونا ونركب الكره أحيانًا فيفرجه عنا الحفاظ وأسياف تواتينا تلك صورة للمثل الأعلى الذي كانوا ينشدونه لفتى الحرب ورجال الحرب، عزة نفس واسترخاص للحياة، وبذل للنفس في سيبل المجد، وحفظ الأعراض وطيب الأحدوثة، وهو ما توحيه دائمًا الحياة الحربية، وهناك صور أخرى في أشعارهم الكثيرة على هذا النحو، نجتزئ منها اليوم بهذا القدر، ثم نعرض لظواهر أخرى من أدب الحرب فيما بعد.

أدب الحرب (?)


من أوضح خصال الأمم الحربية الاستهانة بالموت، وقلة الحرص على الحياة؛ لكثرة ما يرون من القتال، ووقوع أعينهم كل حين على صرعى الحرب؛ فلو فزعوا لرؤية القتيل، وبكوه البكاء الطويل؛ لفسدت حياتهم، وعظم خطبهم، وكان يدعوهم إلى الاستهانة بالموت في الجاهلية أنهم يخشون العار، أكثر مما يخشون الموت؛ فلو قعد العربي عن نجدة مستنجد، أو صراخ مستصرخ، أو لم يدفع الشر عن عرضه، أو وقع أسيرًا لخصومه؛ لكانت الطامة الكبرى، ولعاش ذليلًا، مطأطئ الرأس، يعير هو وقبيلته بأسوأ أنواع العار، فالموت في عزة أحلى عنده من الحياة في ذلة، وفي ذلك يقول المتلمّس:
ألم تر أن المرء رهْنُ منية صريعٌ لعافي الطير أو سوف يُرْمَسُ فلا تقبلن ضيمًا مخافة ميتةٍ وموتَن بها حرًّا وجلدُك أملسُ وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا وزاد الموت هوانًا عندهم أن الموت سبيل كل حي، فمن لم يمت في الحرب مات في السلم، وما الفرق بين ميت يموت كريمًا دفاعًا عن قبيلته، أو عن شرفه أو عن عرضه، وبين جبان يحمل العار، ويحرص على الحياة، ويعيش ذليلًا، إلا أيام أو سنون؛ والنتيجة المحتومة واحدة، وهي الموت؟! يقول عنترة:
بكرتْ تخوِّفُني الحتوفَ كأنني أصبحتُ عن غرض الحتوف بمعزل فأجبتها: إن المنية منهلٌ لا بد أن أسقى بكأس المنهَل فاقْنيْ حياءك لا أبا لك! واعلمي أني امرؤ سأموت إن لم أقتل وكثر شعرهم في هذه المعاني من استخفاف بالموت وكره للحياة الذليلة، واستفظاع للذلة والهوان، يقول قائلهم:
وإنا لتستحلي المنايا نفوسُنا وتترك أخرى مُرَّةً ما تذوقها بل رأوا بالتجربة أن الشجاع ليس أكثر تعرضًا للخطر من الجبان، فقالوا إن الشجاعة وقاية والجبن مقتلة، وقالوا: إن من يقتل مدبرًا أكثر ممن يقْتَل مقبلًا.
وكان من أثر ذلك أن افتخروا بالموت في ميدان الحرب، وكرهوا أن يموتوا على الفراش حَتْفَ أنوفهم.
يقول شاعرهم:
وما مات منا سيدٌ حتفَ أنفه ولا طُلَّ منا حيث كان قتيل تسيل على حدِّ الظباةِ نفوسُنا وليست على غير الظباة تسيل فلما جاء الإسلام بقيت النفوس الحربية على طبائعها الموروثة؛ من حب للقتال، وخوف من العار، وزادهم استهانة بالموت عقيدتهم في الحياة الأخرى، وأن قتيل الحرب شهيد، كما طمأن نفوسهم الاعتقاد في القدر؛ فمن مات مات بالقدر، ومن عاش عاش بالقدر، وفلسفوا هذا المعنى، فقالوا: إذا قدر عليهم الموت فلا مفر، وإذا قدر لهم الحياة فلا موت، وقال قائلهم في ذلك:
أي يوميَّ من الموت أفرُّ أيوم لا يُقْدَر أم يوم قُدِرْ يوم لا يُقدَر لا أرهبُهُ ومن المقدور لا ينجي الحذرْ وأكثروا من القول في هذا المعنى وأشباهه؛ ففخروا بالموت كما يفخر غيرهم بالحياة، قال قائلهم:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل الموت أحلى عندنا من العسل نحن بنو الموت إذا الموت نزل لا جزع اليوم على قرب الأجل وقال آخر:
يغشوْن حَوْمات المنون وإنها في الله عند نفوسهم لصِغارُ •••

وكان من أبواب أدب الحرب عندهم التوسُّع في وصف آلات القتال المستعملة، فأغنوا لغتهم بأسماء السيف وأوصافه وأجزائه وقرابه، والرمح ونعوته، والقوس ووترها وأصواتها وتركيبها، والسهم، والنصل، والترس، والبيضة، والدرع، فكان لكل أداة من هذه الأدوات أسماء مفرطة في الكثرة.
ثم بجانب هذا الغنى اللغوي؛ الغنى الأدبي، فوصفوا كل آلة من هذه الآلات أدق وصف وأحكمه؛ حتى لو جمع ما قيل في ذلك لبلغ مجلدات ضخمة، ولو عاشوا إلى زماننا هذا ببلاغتهم وأدبهم، لقالوا في المدرعات والغواصات والطائرات والقنابل الذرية ما لم يقله أحد اليوم.
يقول قائلهم في السيف:
ماضٍ، وإن لم تمضه يدُ فارس بطل، ومصقولٌ، وإن لم يصقلِ يغشى الوغى، فالترس ليس بجنة من حده، والدرع ليس بمعقلِ مصغ إلى حكم الردى، فإذا مضى لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدلِ متألق، يفري بأول ضربة ما أدركت، ولَوَ انها في يذبلِ وإذا أصاب فكل شيء مقتلٌ وإذا أصيب فما له من مقتلِ ويقول آخر:
جردوها فألبسوها المنايا عوضًا عوضت عن الأغماد وكأن الآجال مِمَّن أرادوا وظباها كانت على ميعاد ويقول آخر:
وصقيلٍ مدارجُ النمل فيه وهْو مذ كان ما درجن عليهِ أخلص القيْنُ صقله، فهْو ماء يتلظى السعير في صفحتيهِ إلى كثير من مثل ذلك.
بل اعتزوا بآلات القتال كاعتزازهم بأبنائهم، وسمى فرسانهم وشجعانهم آلات القتال بأسماء، كما يسمى الناس، واحتفظوا بها احتفاظهم بأرواحهم، وتوارثوها كما يتوارث المال العزيز، كسيف عمرو بن معديكرب؛ فقد سماه الصمصامة، وشاع ذكره وعظم أمره، وظل محتفظًا به منوهًا بذكره إلى أن تقدمت به السن وضعفت يده عن حمله، وكان وزنه فيما يقال ستة أرطال، فقال له سعيد بن العاص: «هب لي الصمصامة، فإنك قد ضعفت عن حمله!» فقال عمرو: «ما ضَعُفَتْ قناتي ولا جناني ولا لساني، وإن اختل جثماني، وهو لك!»، ثم قال:
خليلٌ لم أهبه من قلاه ولكن المواهب في الكرام خليلٌ لم أخنه ولم يخني على الصمصام أضعاف السلام وظل الصمصامة في يد سعيد بن العاص، ثم توارثه ولده طوال العهد الأموي، وصدر من الدولة العباسية، إلى أن اشتراه الخليفة الهادي بمال كثير.
وهكذا اشتهر كثير من آلات القتال، من خيل وسلاح بأسماء خاصة، حفظت على مر الأزمان، وذكرت على ألسنة الشعراء، وطال ذكرها في الأدب العربي.
وكما أكثروا من وصف السلاح وأدواته، أكثروا من وصف المعارك، من كثرة الجيوش وما تثير من غبار، وما تسد من أفق، وما يلمع فيها من سيوف، وما تبذل فيها من أرواح؛ وإذ كانت حروبهم في الجاهلية وفي صدر الإسلام حروبًا برية كانت أوصافهم في هذا العصر لهذه الجيوش البرية، فلما عظمت جيوشهم البحرية، كما عظمت جيوشهم البرية أخذ الشعراء يصفون الأسطول والمعارك البحرية، كما فعل البحتري في قصيدته المشهورة التي يقول فيها:
إذا زمجر النوتي فوق عِلاته رأيتَ خطيبًا في ذؤابة منبر إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى له جناحا عقاب في السماء مهجّر وحولك ركابون للهول عاقروا كئوس الردى من دارعين وحسر تميل المنايا حين مالت أكفهم إذا أصلتوا حد الحديد المذكر إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم ليقلع إلا عن شواء مقتّر يسوقون أسطولًا كأن سفينه سحائب صيف من جهام وممطر كأن ضجيج البحر بين رماحهم إذا اختلفت ترجيعُ عَوْد مجرجر فما رِمْت حتى أجلت الحرب عن طلى مقطفة فيهم وهام مطيّر على حين لا نقع يطرحه الصبا ولا أرض تُلْفَى للصريع المقطر
أدب الحرب (?)


ومع أن العرب أشادوا بذكر الحرب، وتغنوا بوقائعها، وفخروا بالبطولة فيها، لم ينسهم ذلك أن يلتفتوا إلى الجانب السيئ منها، وهو ما ينال الناس من ويلات وما يصيبهم من كوارث؛ فأبان شعراؤهم شدتها، والأضرار التي تحيق بالناس منها، وتمنوا أن لم تكن، ولكنها سنة الدنيا، ولا بد من أن تربى الأمة تربية حربية ما دام في الدنيا ظلم واعتداء، ورأوا أن الظلم لا يُدفع إلا بالظلم، والحرب لا تُدفع إلا بالحرب، ولو عقل الناس لما ظلم الظالم، ولدفع عن ظلمه بالتفاهم؛ ومن خير ما ورد في ذلك المعنى أنهم شبهوا الحرب في أول أمرها قبل اندلاع نارها بغادة حسناء تتزين للناس، ويودها كل من رآها؛ لأن كل حزب يتصور الحرب قد وقعت، وقد انتصر فيها، ونال الغنائم من أسلابها؛ حتى إذا دخلوا في معمعتها، ورأوا ضحاياها، وشعروا بأخطارها، انقلبت هذه الغادة الحسناء عجوزًا شمطاء يفزع منها كل من رآها، ويعزب عن رؤيتها كل من شاهدها، سواء في ذلك المنتصر والمنهزم، فالضحايا من كل جانب، والغنائم مهما بلغت لا تساوي خسائر الأرواح مهما قلت، وفي ذلك يقول شاعرهم:
الحرب أول ما تكون فتيَّةٌ تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا حَمِيَتْ وشبَّ ضرامها عادت عجوزًا غير ذات خليل شمطاء جزَّت رأسها وتنكَّرت مكروهة للشمِّ والتقبيل ودعاهم إلى طول التفكير في هذا أن النصر لا يعرف لمن يكون، مهما درست الظروف وامتحنت القُوى، فنتيجة الحرب تخفى حتى على الطَّبِّ العليم، ولا يدرك نتائجها إلا الخبير المجرب، الواسع النظر، العميق الفكر، وهو مع ذلك شاك في النتيجة؛ حتى إذا انتهت الحرب، رأى عواقبها الجهول والعليم، والغر والعاقل، يقول الكميت:
والناس في الحرب شتى وهي مقبلة ويستوون إذ ما أدبر القُبُلُ كل بأمسيها طَبٌّ مولّية والعالمون بذي غُدويها قُلُلُ وأدرك العرب من مساوئ الحرب أن أضرارها لا تقتصر على المحارب، ولا تقف مهما كانت الحيطة على المقاتل، فأقل ما في الأمر أن قتيل الحرب له أسرة تكتوي بفقد راعيها، وتبتئس من فقدان عائلها؛ ولذلك كان من أقوالهم المشهورة (الحرب غشوم)، وفسروا غشمها بأنها تنال غير الجاني.
وربما كان من أقدم الشعراء، وأبرعهم في وصف ويلات الحرب زهيرُ بن أبي سلمى؛ حيث يقول في معلقته:
وما الحرب إلى ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجّم يقول إن الحرب قد ذقتم مرارتها، وعلمتم أضرارها، والحديث عن ذلك حديث صدق ويقين، لا حديث ريب وظنون.
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً وتضر إذا ضريتموها فتضرَم أي متى تثيروها لا تحمدوا مغبَّتَها، وإذا شببتموها ضريت كما تضرى النار، أو كما يضرى الكلب العقور، فتحرق من فيها.
فتعرككم عركَ الرَّحي بثفالها وتلقح كشافًا ثم تْنْتَج فتُتْئم يقول: إن الحرب متى ضريت تطحن الناس كما تطحن الرحى ما يلقى فيها، وتحمل في أشد أوقاتها استعدادًا للحمل، فتلد توأمين، فهي تحمل في قوة، وتلد في قوة، تحمل وتلد الشر مضاعفًا.
فتُنْتَج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عادٍ ثم تُرضِع فتفْطِم? أي إنها تلد أولاد شؤم، كلهم في الشؤم كأحمر عاد، ثم هي ترضع أولادها وتتعهدهم؛ حتى ينموا فيفطموا.
فتُغلل لكم ما لا تغلُّ لأهلها قرًى بالعراق من قفيز ودرهم يريد أن هذه الحروب تغل من الشرور ما لا تغله أرض العراق الخصبة المنتجة للخيرات الكثيرة.
وهو تصوير بدوي طريف للحرب وويلاتها، وكثرة ما تنتجه من شرورها، وتسلسل ما يولد من أضرارها.
وهو قول ينطبق على الحرب في هذه الأيام كما كانت في أيام زهير؛ فالطبيعة الطبيعة، والشرور الشرور، وكلما تقدم الناس في أفانين الحرب كثرت شرورها، وازدادت كوراثها، وتوالدت مفاسدها، واتسعت الأضرار بغير جناتها.
وأدرك العرب معنًى لطيفًا، وهو أن ضحايا الحرب أرواح، وضحايا غيرها أموال، وأين الأموال من الأرواح؟! فقال قائلهم: «دافع الحرب ما استطعت، فإن النفقة في كل شيء من الأموال، إلا الحرب، فإن نفقتها من الأرواح».
وفي بعض القطع الأدبية معان لطيفة من الدعوة إلى السلم، فإن لم يجنح الخصم لها فالحرب، ومن خير ما قالوا في ذلك قول الشاعر:
دعاني أشب الحرب بيني وبينهفقلت له: لا؛ بل هلم إلى السلم فإن يظفر الحزب الذي أنت منهمُوينقلبوا ملء الأكف من الغُنم فلا بد من قَتْلَى لعلك فيهم وإلا فجرح لا يكون على العظم فلما أبى خلّيت فضل ردائه عليه فلم يرجعْ بحزم ولا عزْم وكان صريع الخيل أو وهْلة فبُعْدًا له مختارَ جهل على علم فقد أدرك الشاعر في هذه الأبيات أن كل حزب مقضي عليه بالخسارة حتمًا، وأن النصر محتمل، ولكن الخسارة محققة، وغنم المال لا يساوي في شيء خسارة الأرواح، وقال: إنه لم ينصحه هربًا من الحرب، ولكن إدراكًا لعواقبها المحتومة، فلما بين له الرشد من الغي، وأبى صاحبه إلا الغي، نازله عن بينة، وكانت الدائرة على خصمه.
وهذا يرينا أن الناس من قديم؛ حتى العرب في جاهليتهم أيام كانت الغارات وسيلة من وسائل العيش، كانوا يرون أضرار الحروب ومفاسدها؛ وكان عقلاؤهم يتمنون أن لو زالت الحروب؛ ولكن ظلت هذه النزعة الصادقة خافتة لا تلقى سميعًا إلى يومنا هذا، والفرق الكبير بين الأمة الحربية وغير الحربية: أن الأمة الحربية الراقية تفضل السلم وتدعو إليه، ولكنها مع هذا تعد للحرب ما استطاعت من قوة، فإذا لم يُسْمَعْ صوتُ الحق فليسمع صوت السيف، أما إن هي استسلمت، ولم تأخذ عدتها، واعتمدت على العقل وحده، والحكمة وحدها، افترسها عدوها المسلح، كما يفترس الأسدُ الضاريُّ الحملَ الوديعَ.
? غلطوا الشاعر في قوله: أحمر عاد؛ لأن المعروف أنه أحمر ثمود؛ وهو عاقر الناقة.
في الهواء الطلق (?)


كان خروجنا هذا اليوم إلى «ذهبية» على النيل؛ إذ بلغ الفيضان مداه، ووصل في المجد إلى منتهاه، فلما أخذنا مجلسنا قال صاحبي: ما أجمل هذا المنظر، ماء نجاشي متدفق، وزرع ونخيل، ومنظر — من الماء الذهبي وراءه الخضرة الممتدة إلى الأفق — رائع جميل، ومرأى لعين الشمس — وهي تغرب — مهيب جليل، ونسيم وادع هادئ عليل.
أنا: أنا لا أحب وصف النسيم بالعليل، كما لا أحب وصف العين الناعسة بأنها مريضة أو ذابلة، وأرى أن الأدباء خانهم التوفيق في هذا، فيجب أن تكون أوصاف الحسن متميزة عن أوصاف القبح، ويجب أن نستقل في ذوقنا ولا يستعبدنا ذوق غيرنا، وكما أن لكل عصر ذوقه في مأكله وملبسه، فلكل عصر ذوقه في فنه ومنه الأدب.
ولماذا نحرص على الاستقلال السياسي والاقتصادي، ولا نحرص على الاستقلال الفني والأدبي؟! هل يجب أن نتقيد في الغناء بغناء الموصلي أو عبده الحمولي؟! فلماذا لا نفعل ذلك في الأدب، فنرفض من التعبيرات الأدبية ما ينفر منه ذوقنا، ونبتكر ما يتفق ومشاعرنا؟! ومن أمثال ما نرفضه «النسيم العليل» و«العيون المراض».هو: هل تريد الاستقلال التام في الأدب، فلا يكون بيننا وبين القديم نسب؟!أنا: بالطبع لا أريد ذلك، وإنما أريد أن ينمو الأدب كما ينمو كل فن، وأن يتحرر من القيود التي تكبله وتخمله وتميته؛ فيتطور مع الزمن في تعبيراته وتشبيهاته واستعاراته وموضوعاته وأساليبه، ويتبع ذوق العصر فيما يحيى وما يموت، وما يستحسن وما يستهجن؛ وهذا هو الشأن حتى في السياسة، فالأمة التي تنال استقلالها لا تستطيع أن تتخلى عن كل تقاليدها الماضية، وإنما تغربل قديمها وتبني عليه جديدها. •••

لا أذكر — بالضبط — كيف تنقل الحديث، ولكن أذكر أني وجدت أننا نتكلم في استقلال مصر ومشكلة فلسطين، وأن صاحبي انتهى في حديثه إلى أن يقول: «إن مصر ستنال استقلالها حتمًا، وإن فلسطين ستحل مشكلتها كما يقضي العدل حتمًا؛ لأن الحق لا بد أن يسود، وإذا تصارع الحق والباطل غلب الحقُّ لا محالة».
أنا: هل «قضية غلبة الحق» حق لا شك فيه، أو هي ككثير من المسائل التي يأخذها الناس قضايا مسلمة من غير جدل ولا بحث، ويسلِّمون بها تسليمًا أعمى، مع أنها أسطورة؟ أفي الحق قوة كامنة وفي الباطل قوة كامنة كذلك، ولكن قوة الحق أضعاف قوة الباطل، فإذا تحاربتا انهزمت قوة الباطل الضعيفة أمام قوة الحق القوية؟ أهذه القضية حقيقة ثابتة، أم هي من اختراع الساسة أو الحكماء؛ حتى يشجعوا المحق على التشبث بحقه، والإلحاح في المطالبة به، ويفتوا في عضد المبطل حتى يتخاذل ويستخذي؟هو: أرى أن الأمر كما قلتَ في قوة الحق الكامنة فيه بطبيعته، وضعف الباطل بطبيعته.أنا: إن كان الأمر كذلك كذبه الواقع، ففي كل يوم نرى باطلًا ينتصر وحقًّا ينهزم، ففي المحاكم لا يستطيع أحد أن يقول: إن أحكامها كلها صحيحة، وما كان منها غير صحيح فهو انتصار للباطل، وفي حياة الأفراد كثيرًا ما يرقى وينجح المبطل الخائن، وينهزم ويفشل المحق الأمين، وفي السياسة كثيرًا ما ينتصر اللسن الجدل الفصيح وهو يخدم الباطل، وينهزم الرزين الرصين وهو يدافع عن الحق، أو يتغلب المبطل يؤيده السلاح، وينخذل المحق وليست وراءه قوة، وفي الحروب كثيرًا ما ينتصر من ينتصر للباطل؛ لأنه أقوى عدةً وأكثر دعاية وأمهر في الأساليب، وينهزم المحق لأنه لم يبلغ مبلغه في كل ذلك.
بل إننا نرى أن ما يسود العالم من الأباطيل أكثر ممَّا يسود من الحق، فأكثر أهل الأرض خاضع لعقائد باطلة وخرافات وأوهام فاسدة، ونظريات سياسية واجتماعية تدعمها الدعاية المختلفة المصطنعة لا الحق المتين، ولو غربلت ما عليه الناس من عقائدَ وعاداتٍ وأوضاعٍ وتقاليدَ وسلوكٍ وأخلاقٍ ومعاملةٍ، لرأيت ما فيها من الحق كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كحبة قمح تائهة في تل من تبن.
والدنيا كلها جارية على سنن واحد، وهو أن قليلًا من القمع بالقوة والتشريع الظالم تحميه القوة التنفيذية كافٍ لإماتة الحق، ثم إذا سار الناس زمنًا على ذلك ألفوا هذا الباطل وعدُّوا المنادي بالعدل والحق ثائرًا أو خائنًا أو زنديقًا أو مجنونًا، فأين — إذًا — غلبة الحق وانتصاره؟هو: قد يكون قولك صوابًا إذا نظرت إلى المسائل الجزئية كحكم محكمة في مِلكية أو حكمها بإعدام بريء، أو انتصار جيش مبطل على جيش محق، أو نحو ذلك مما ذكرت من أمثلة، وكذلك إذا نظرت إلى محاربة حق وباطل في عصر معيَّن، ولكن هذه الجزئيات كلها ليس لها قيمة كبيرة أمام من ينظر إلى نظام العالم الكلي، ومبدأ انتصار الحق إنما يطبق على الكليات والمسائل العامة، وهذا هو ما يحدث في العالم: تظهر فكرة حقَّة يدعو إليها مصلح، ثم قد تخنق الفكرة ويقتل صاحبها، ولكن لا تلبث أن تظهر ثانية على يد مصلح آخر في عصر آخر وقد يفشل أيضًا، ولكن لا بد أن يأتي يوم يُدعى إلى الفكرة في ظرف مناسب فتتحقق وتثبت؛ وهذا هو تاريخ كل الدعوات الصالحة من دعوات الأنبياء والمصلحين، وهذا هو — أيضًا — تاريخ حقوق الإنسان والمبادئ السياسية والاجتماعية السامية، فلا يفت في عضدنا ما نشاهده أحيانًا من هزيمة الأفكار الحقة وتأييد المظالم بالقوة وإنكار العدالة، فلكل هذا نهاية، ثم ينتصر الحق، ولكن قد يكون ذلك في أجيالنا، وقد يكون في أجيال بعد أجيالنا.
وهذا الذي أقوله هو بعينه فكرة «بقاء الأصلح»؛ فليس حتمًا إذا أخذنا شجرتين أو حيوانين أو إنسانين معينين أن يموت أضعفهما ويحيا أقواهما؛ فقد يعرض عارض يميت القوي فيبقى الضعيف، ولكن مع هذا «بقاء الأصلح» صحيح عند النظرة الكلية.
وهذا — أيضًا — هو الذي يتمشى مع نظرية رقي العالم رقيًّا دائمًا وسيره إلى غاية، وذلك في كلياته دون جزئياته؛ فقد تنحط أمة بعد رقيها، ولكن العالم — من حيث هو كل — لا يتأخر أبدًا.
وشيء آخر أحب أن أقرره من الناحية العملية، وهو أن تراخي الأفراد والأمم في تأييد الحق؛ اعتمادًا على أنه بذاته سينتصر، تصرف سيئ باطل، يشبه من كل الوجوه التوكل على الله من غير أخذ في الأسباب، فالحق محتاج إلى قوة وراءه تدفعه وتحميه، والحق غير المسلح إذا وقف أمام الباطل المسلح انهزم، وظل في انهزامه حتى ينازل الباطل في مثل عدته وسلاحه؛ ولذلك لم تثبت النصرانية الأولى وتنتصر وتنتشر إلا بعد أن تسلحت، ولم ينتصر الإسلام في بدء حياته ويدخل فيه الناس أفواجًا إلا بعد أن تسلح، بل إنا نرى أن الحق — أحيانًا — يحتاج إلى أن يعتمد في حربه على شيء من الباطل كالذي قال معاوية: «إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل». •••

وهنا دق الناقوس يدعونا للعشاء فقال صاحبي: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ? إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا صدق الله العظيم.
•••

وقضينا سهرة جميلة على ظهر «الذهبية»، عشاء لذيذ وسمر ممتع، يتخلله سماع موسيقى شجية، واختلاس نظرات للنيل، وقد سطع عليه القمر فلوَّنه لونًا فضيًّا رائعًا بعد لونه الذهبي الجميل في الأصيل، وانصرفنا بعد أن جددنا نفوسنا، هو إلى بيته في مصر الجديدة، وأنا إلى بيتي في الجيزة، وإلى اللقاء.

الحروف العربية والحروف اللاتينية


كان من جملة المشروعات التي وضعتها هيئة «اليونسكو» لدراستها هذا العام مكافحةُ الأمية في العالم ونظم التعليم الأساسي.
ومن مقتضى هذا — بطبيعة الحال — أن يشمل ذلك العالم العربي، فيُنظر في كيفية تخليصه من أميته، وفي مناهج التعليم الأساسي له.
والأمر يبدو بسيطًا واضحًا لو أن هيئة «اليونسكو» — وهي الهيئة الثقافية التابعة لهيئة الأمم — ركزت نفسها في التربية والتعليم ولم تتأثر بالسياسة، فما عليها إذا أخلصت النية إلا أن تدرس — فيما تدرس — الأمية في الأمم العربية، وتنصح بالوسائل لمكافحتها ومدى الإعانة التي تستطيع أن تقدمها، ولكنها ستصطدم حتمًا بالسياسة فتتأثر بها.
ذلك أن الاستعمار حليف الأمية ونصيرها ومؤيدها، وعدو التعليم وعدو مكافحة الأمية؛ وهذا هو تاريخ الاستعمار دائمًا، فإذا سمح المستعمر بالتعليم فتحت ضغط الرأي العام ومطالبته الملحة بنشر التعليم، ومع ذلك إذا سمحوا بشيء منه ففي حدود ضيقة ومع تقييد البرامج بما يفقدها روحها.
هذا هو تاريخ الاستعمار الإنجليزي لمصر والسودان، والاستعمار الفرنسي لتونس والجزائر ومراكش، والاستعمار الإيطالي لبرقة وطرابلس، والاستعمار الهولندي لأندونسيا.
فإذا أرادت «اليونسكو» مكافحة الأمية في الأمم العربية اصطدمت بالاستعمار.
وقد كنت أظن أن العقبة الوحيدة هي أن الاستعمار يكره محاربة الأمية؛ لأن الجهل ييسر للاستعمار طريق الحكم، ويجعل المستعمرين عبيدًا أذلاء أو حيوانات طيعة، وما كنت أظن أن هناك سببًا أعمق من هذا وأنكى، حتى قرأت كلمة لمسيو رينو بينون المحرر السياسي لمجلة العالمين الفرنسية يقول فيها: إن مكافحة الأمية من القضايا التي تولد مشاكل عديدة مع الدول؛ لأنها تثير مسائل دقيقة جدًّا … من ذلك أنه في بعض الأقطار الإسلامية تكون الحروف العربية أداة لحب الفتح وانتشار الدين الإسلامي.
وقفت عند هذه الجملة طويلًا؛ لأنها صادرة من رجل خبير بالسياسة العالمية وبالسياسة الاستعمارية، وعلى الأقل بخفايا النيات الفرنسية وأساليبها في استعمار بلاد المغرب.
فأما «الفتح» فأي فتح يريد؟ لم نعهد أمة عربية مسلمة منذ قرون، فتحت قطرًا جديدًا غير عربي وغير مسلم، وإنما عهدنا أن الحروف اللاتينية هي التي اعتدت ففتحت آسيا وإفريقيا، واستخدمت النار والحديد لإذلال أهلهما وتسخيرهم للحروف اللاتينية، والعالم العربي كله يئن ويصرخ منذ قرن من الحروف اللاتينية وأهلها، فأي فتح يريد؟!
هو — في الحقيقة — لا يريد فتحًا بالمعنى الذي نفهمه من الكلمة، وإنما يريد أن الحروف العربية أداة للقراءة العربية وقراءة القرآن، وكلاهما لا يريد لأهله أن يخضعوا للأجنبي يحكمهم، ولا للحروف اللاتينية تستغلهم، وإنما يريد لأهله أن يتحرروا وأن يستقلوا وأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم؛ وهذا مطلب كريه عند الفرنسيين وأمثالهم من المستعمرين، فإذا أراد مسيو رينو بالفتح أن يفتحوا بلادهم ويخرجوا الفرنسيين منها فأي عار في ذلك؟! أعار أن توحي الحروف العربية بحب الاستقلال، وليس عارًا أن توحي الحروف اللاتينية بحب الاستعمار؟! إنه من العجب العاجب أن يصل إلى هذا الحد قلب الحقائق، والتلاعب بالألفاظ، وتسمية حب الاستقلال فتحًا، وتخبئة اسم الفتح عما يفعله الاستعمار.
إن هذه الكلمة القصيرة تكشف عن حقيقة نية أمم الاستعمار نحو التعليم، وتوضح سياستها التعليمية: فإيطاليا في طرابلس وليبيا حاربت الحروف العربية أقسى حرب، وأيدت الحروف اللاتينية أقوى تأييد، وفرنسا في تونس طبقت هذا المبدأ في إحكام، فأماتت اللغة العربية وأحيت اللغة الفرنسية؛ وكان مديرو التعليم — وهم فرنسيون — ينشئون المدارس للجاليات الأجنبية والمواطنين في المدن على نمط مدارس فرنسا وبرامجها؛ لينشئوا الأطفال جميعًا نشأة فرنسية خالصة لا تشوبها شائبة من القومية أو العربية، ووضعوا في أيدي الأطفال نفس الكتب الفرنسية التي تشيد بفرنسا وعظمتها؛ ولم يتزحزحوا عن ذلك قليلًا إلا بهيجان الرأي العام وإلحاحه في جعل اللغة العربية مادة من مواد التعليم؛ ولذلك نعجب أشد العجب من رؤية شبان متنورين من المغاربة يتقنون اللغة الفرنسية كلَّ الإتقان، ولا يحسنون التعبير عما في نفوسهم بلغتهم العربية، وعلى الإجمال كان محور السياسة الفرنسية إحلال الحروف اللاتينية الجميلة، محل الحروف العربية الملعونة.
هذه هي العقدة الأولى في نفوس المستعمرين، وأما العقدة الثانية فهي الدين الإسلامي، وهم يكرهونه أشدَّ الكرهِ؛ لأنه يثير العزة في نفوس معتنقيه، ويدعوهم للتحرر من يد الأجنبي.
وعلى هذا سارت إيطاليا في معاملتها لأهل طرابلس وبرقة؛ فقد كتب الدكتور مافريسي سنة ???? يقول: «لا تدهشكم هذه الخطة التي سلكها الاستعمار الإيطالي، فإن للفاشيست غرضًا يرمون إليه؛ هو تحويل جميع أهالي البلاد التي وقعت بين براثنهم إلى إيطاليين بكل الوسائل، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، وهم لا يبقون على دين أهل البلاد التي تقع تحت عبوديتهم، ولا على لغتهم».
وقد صدق فيما قال، ولكن ليست هذه السياسة سياسة الفاشيست وحدها، بل هي السياسة العامة للاستعمار، وخاصة الاستعمار الإيطالي والفرنسي.
وأخيرًا؛ يتبجح كل هؤلاء بدعوى الحرية والإخاء والمساواة والحريات الأربع وحقوق الإنسان، كأن كل هذه الألفاظ لا مدلول لها إلا بشرط أولي؛ وهو ألا يكون المطالبُ بها عربيًّا ولا مسلمًا! والأمر لله.

الشيخ حسن البدري الحجازي


المتوفي سنة ????هـ
شخصية غريبة من شخصيات أواخر عصر المماليك في مصر، من أصل حجازي، وكان من علماء الأزهر، يدرِّس فيه عند الدكة القديمة، يألف العزلة، ويرضى بالقليل من وسائل العيش، ويقرأ كثيرًا في التصوف، ويضع فيه أرجوزة تبلغ نحو ألف وخمسمائة بيت، ومثله الأعلى في الحياة رجل تقي ورع يبعد عن الناس ويقرب من الله، تجرد من الأطماع ورضي بالقليل؛ وفي ذلك يقول:
وخير عباد الله من لازم التقى شكور العطايا صابرًا للمصائب عَرِيًّا عن الأطماع قَنْعًا قد اكتسىرقيبًا على الأنفاس خوف المراقبفذاك لعمري أربح الناس صفقة إذا سقطت في الخسر صفقة ناكب وإن رمت أن تحيا عَرِيًّا عن الردىوتظفر في الأخرى بأسنى المكاسب مكانك فالزم واعتزل سائر الورى وسَدِّدْ، وعنهم سُدَّ كل المسارب وقد غلب عليه التشاؤم، فكان سيئ الظن بالناس، قل أن يرضى عن أحد، وهذا ما دعاه للعزلة.
وقد امتاز في هذا العصر بكثرة شعره، وعلى الأصح بكثرة نظمه، فكان النظم طيعًا في لسانه، ينظم في التصوف وفي المنطق وفي الفلسفة وفي النحو وفي الحديث؛ ولكن أهم من ذلك كله نظمه في نقد الناس وفي أحداث التاريخ المعاصرة، وهو بهذا يرينا صورًا متعددة من صور الناس في ذلك العصر، وعيوبهم الاجتماعية والأخلاقية، فإذا نظم في الأحداث التاريخية شرح الحادثة، وأبانها في وضوح وجلاء، ووصف الممثلين على مسرحها وأدلى برأيه في كل ذلك، وقد روى لنا الجبرتي بعض نماذج من شعره في هذه الأحداث، فكان إذا ذكر حادثة روى ما قاله (الحجازي) فيها.
وخلف لنا ديوانًا كبيرًا مرتبًا على حروف المعجم يعد بحق مصدرًا من المصادر التي تشرح الحياة الاجتماعية، كما أنه يقدم لنا صورة من صور الأدب في ذلك العصر، فشعره ليس بالجيد في أسلوبه، ولا بالغني في خيالاته، ولا بالمحكم في نسجه، ولكنه على كل حال صورة من أرقى ما أنتجه عصره، وربما كانت قيمته التاريخية والاجتماعية أكبر من قيمته الأدبية؛ وهو مع ذلك يمتاز بعدم التكلف والبساطة وصدق الوصف، كما أن أسلوبه في النقد لاذع حاد صريح، وهي ميزات في الأدب لها شأنها، فينقد مثلًا علماء عصره في التفافهم حول الغني وتمجيده واللياذ به والخضوع له، فيقول:
ليتنا لم نَعِشْ إلى أن رأينا كل ذي جَنَّةٍ لدى الناس قطبا علمًا هم به يلوذون بل قد تخذوه من دون ذي العرش ربّا إذ نسوا الله قائلين: فلان عن جميع الأنام يُفْرِجُ كربا وإذا مات يجعلوه مزارًا وله يهرعون؛ عجمًا وعربا بعضُهم قبَّل الضريح وبعض عَتَبَ الباب قبَّلوه وتربا هكذا المشركون تفعل معْ أصـ ـنامهم تبتغي بذلك قربا •••

كل ذا من عمى البصيرة والو يلُ لشخص أعمى له الله قلبا •••

جعل العلم فخ صيد لدنياه فساوى في صنعه السوءِ كلبالا، بل الكلب منه خيرٌ؛ إذ الكلــب عديم العقاب في يوم عقبى ويقول في المرائين من العلماء أيضًا:
احذر أولي التسبيح والسبحهْ والصوف والعُكاز والشملهْ حَوَت أباليس بتعداد ما حوت شعورًا بل بلا عدَّه والمكرُ فات الحصر كالبحر بل يعدّ فيه البحر كالقطره فصار إبليس لهم تابعًا يقول: يا للعون والنجده مما حويتم علموني فما لي عنكم في المكر من غنيه •••

فتية سوء فُقها نسبة انتهبوا الأموال بالفُتيه عمائمًا والكمّ قد كبروا فاستكبروا عن شِرعة الشرعه في هيئة يمشون مع هينة تخشُّعًا من غير ما خشيه لجمع الأموال وكيما يقا ل أهل الهدى والدين والتَّقْوه في الظالمين انجحروا مثلما تنجحر الحية في الجُحره … إلخ.
وينقد الحارات البلدية وقذارتها وضوضاءها وسوء حالها؛ فيقول:
حارات أولاد العربْ سبعًا حوَت من الكرب بولًا وغائطًا كذا ترب غبار، سو أدب وضجة وأهلها شبه عفاريت التُّرَب ويصوِّر لنا في شعره لوحة طريفة من الأقارب وسوء علاقاتهم، واحترامهم للغنيِّ منهم لغناه، واحتقارهم للفقير منهم لفقره، وتطلعهم لموت الغني؛ لينتهبوا ميراثه … إلخ.
ويصف ما جرى لمصر في حادث من حوادث نزاع المماليك، وما أصاب الشعب من خصومتهم وقتال بعضهم بعضًا؛ فيقول:
قد فعلوا مناكرًا شنيعةً بأهلها تفَتُّ منها الأكبُد ضرب مدافع ودورٌ حُرقت وسادة قد قتِّلت وأعبُد وفي الرعايا النهب والقتل فشا والجوع والظما وما لا يُعهد وجملة القول عن الذي جرى لا تسألن فشرحه لا ينفد •••

نعوذ بالله من أهل ذا الزمن فإنهم في الظلم شخص أوحد أعدلهم مَنْ عن صوابٍ عادل ومن على العدل لديهم أحْيد وفي موضع آخر يقول:
قد نصَّبوا فوقنا المدافع ترمي بأعلى البروج جمرا فأحرقونا وأحصبونا وأعطشونا بالمنع قسرا عن نيلنا ثم قد شربنا ملحًا فزاد الكبود حرّا وعلى الجملة فشعره يصور لنا عصره في كثير من نواحي الحياة الاجتماعية، كما يصور الأدب في ذلك العصر من حيث أسلوبه وموضوعه.
ولعل المؤرخين لو عنوا بديوان هذا الشاعر وأمثاله من الشعراء، وبالتراجم من مثل من ترجمهم الجبرتي في تاريخه، وعلي باشا مبارك في خططه، كما عنوا بكتب الفتاوى الفقهية التي كان الشعب يستفتي فيها فقهاء عصره في المسائل التي تحدث، من مثل (الفتاوى المهدية)؛ لكان لهم من ذلك مادة صالحة لتأريخ الحياة الاجتماعية، ولما وقع أكثرهم في الخطأ من اقتصارهم على مصادر الأحداث السياسية والحربية.

تقديس العظماء


هل حقًّا أن الإنسان إما أن يكون ملكًا كريمًا أو شيطانًا رجيمًا؟ أو أن فيه ملكًا وشيطانًا معًا يتصارعان دائمًا؛ فقد يغلب فيه الملك فيأتي بالخير، وقد يغلب الشيطان فيكون الشر، وفي كل إنسان مسرح لكفاحهما وصراعهما وتغالبهما؟!
ومع ظهور الحق في أن الإنسان يحوي العنصرين معًا ويأتي بالمتناقضين جميعًا، فسرعان ما ننسى هذا وننظر إلى الإنسان على أنه ملك كريم أو شيطان رجيم، وليس عجيبًا أن يقع في هذا الخطأ العامة وأشباههم، ولكن العجيب أن يقع فيه الخاصة من المؤرخين ومؤلفي التراجم والأخلاقيين وأمثالهم.
هل حقًّا كان عمر بن عبد العزيز — مثلًا — ملكًا كريمًا، وكان الحجاج شيطانًا رجيمًا؟ وهل حقًّا كان المأمون في كل أعماله حكيمًا، وكان الأمين في كل تصرفاته سخيفًا؟ وهل حقًّا ما نقرؤه في كتب التراجم، فنرى في بعضها صورًا جميلة زاهية لا قبح فيها، وصورًا قبيحة لا جمال فيها؟ إن العقل يأبى ذلك، ويحكم بالخطأ بداهة على هذه الأحكام الصارمة التي ترسم حدًّا فاصلًا بين الرجل والرجل؛ بل نرى الصالحين أنفسهم — وهم أدرى بأعمالهم — كانوا يخافون العاقبة، ويطلبون من الله المغفرة على ما جنوا.
وفي هذا الخطأ نفسه وقع الأدباء والفنانون، وظنوا أن الشاعر الكبير لا يأتي بشعر سخيف، والكاتب الكبير لا يصدر عنه تخريف، وكان الروائيون إلى عهد قريب يصورون بطل الرواية عظيمًا كل العظمة، لا يصدر عنه إلا كل عظيم، أو مجرمًا أثيمًا، لا يصدر عنه إلا كل فظيع.
وينشأ هذا الخطأ عند الناس من غلبة الوهم وسيطرة الخيال، كما تنظر إلى رجل وجيه في مظهره فتضفي عليه — من غير شعور — صفة العقل والحكمة وحسن التصرف، والعكس؛ وقد يكون الأمر كما قال القائل:
ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد مزير وعلى كل حال فما أعظم الفرق بين المظهر والمخبر!
•••

ثم ما أصعب الحكم على الإنسان! وما أشبه الإنسان بالإنسان، إن المرء قد يأتي بالعمل العظيم، فإذا دققت فيه النظر رأيته قد يصدر عن باعث حقير، فيساوي في ذلك المجرم الخطير، بل قد يصدر عن الإنسان الواحد العمل العظيم للغرض الرفيع، ويسمو في الباعث عليه والغرض منه سمو الملائكة، وفي اللحظة الأخرى يأتي هو نفسه بالعمل الحقير وينحط فيه انحطاط المجرم الأثيم، فترى الوطني الكبير المخلص لأمته المضحي في وطنيته، وهو هو المقامر الحقير أو الشهواني الدنيء، وترى شاعرًا كبيرًا كالمتنبي يترفع عن مدح أحد إلا الملوك وأشباههم، ويحتقر شعر الشعراء بجانب شعره، ويتطلب الملك أو على الأقل الولاية، ويقول: «ما أبتغي جل أن يسمى»، ثم يبدر سيف الدولة بدرة فيقوم المتنبي يحني رأسه ويذل نفسه؛ ليلتقط منها دينارًا أو دينارين، وترى موسى قاتلًا، وترى فرعون يحدب على موسى الرضيع، وترى المجرم السفاك قد ينقذ أسرة من الموت أو الفقر، وترى المصلح الكبير قد يعشق زوجة جاره، فما أعجب الإنسان وما أظلم الحكم عليه بأنه خيِّر أو شرير!
من السهل أن تحكم على قطعة من الزجاج، أو حجر من الأحجار، أو شجرة من الأشجار، أو حيوان من الحيوان حكمًا ثابتًا؛ وليس كذلك الحكم على الإنسان، والوهم يربط عادة بين الفضائل بعضها وبعض، ويربط بين الرذائل بعضها وبعض؛ ولكنه قلما يربط بين الفضائل والرذائل معًا؛ فإذا رأيت شجاعًا وهمت بأنه ذكي كريم، مع أنه قد يكون شجاعًا غبيًّا بخيلًا، وإذا رأيت لصًّا وهمت أنه دنيء خسيس، وقد يكون هو «اللص الشريف».
بل الخلق الواحد في الإنسان الواحد لا يستقر على حال واحد، فكريم يبخل وبخيل يكرم، وشجاع يجبن وجبان يشجع؛ وكثيرًا ما ترى لؤمًا وكرمًا، ونذالة ونبالة، وشحًّا وإسرافًا، وأثرة وإيثارًا، قد جمعت كلها في شخص واحد وانسجمت فيه على شكل عجيب، كما يؤلف المصور الماهر صورته العجيبة من ألوان متناقضة.
ولو اخترع شريط سينمائي يبلغ من الحساسية مبلغ القدرة على تسجيل الأفكار والخواطر والبواعث والأغراض، وسجلنا عليه ما عند العظماء والكبراء ومشهوري الناس، وعرض علينا لأخذنا العجب كل العجب مما نرى، ولرأينا أعمالًا نظن أنها جليلة، فإذا هي ببواعثها التافهة وأغراضها الدنيئة تنعكس قيمتها ويذهب جمالها وجلالها، وتنكشف عن قبح كريه بغيض، ورأينا «شرائط» الناس وليس يخلو أحدها من بقع سوداء قلت أو كثرت؛ وإلى هذا المعنى يشير القول المأثور «لو تكاشفتم ما تدافنتم» أي لو عرف كل منكم بواعث الآخرين ونياتهم وخواطرهم، ما دفن بعضكم بعضًا عند موته؛ بغضًا له واستخفافًا بشأنه.
ولكن لمَ لا يتدافنون والكل سواء في وجود البقع السوداء؟!
إن الإنسان الواسع النظر العميق الفكر لتغمره الرحمة حتى على المسيء في إساءته والمخطئ في خطئه؛ إذ يرى أن مجال الحرية والاختيار في الإنسان مجال ضيق محدود، وأكثر أعماله ليست إلا نتيجة لوراثته وبيئته، وهذه البيئة تشمل البيت الذي نشأ فيه، والمدرسة التي تعلم فيها، والكتب التي قرأها، ونظام الحكومة التي عاش في كنفها، والدين الذي تدين به؛ وهكذا، ولو وضع زيد الصالح مكان عمرو الطالح في كل هذه الظروف لأتى — تقريبًا — بمثل عمله، وإذا أردت الإصلاح فأصلح الشجرة تصلح الثمرة، وأزل ما أمام الماء من سدود يتدفقْ.
إن غمر هذا النظر إنسانًا استشعر قلبه الرحمة والعطف والإشفاق على الجميع، ولم يحقد على عدو أو أثيم، وأنشد مع عمر الخيام قوله:
أحسن إلى الأعداء والأصدقاء فإنما أنس القلوب الصفاء واغفر لأصحابك زلاتهم وسامح الأعداء تمحُ العداء •••

قال صاحبي: لعل للأخلاقيين ومترجمي العظماء عذرًا، فهم يقصدون إلى الناحية التعليمية، فيقتصرون على ذكر النواحي الطيبة في الإنسان وأعمال البطولة في العظماء؛ حتى يُقتدى بهم ويأتي من بعدهم بمثل أعمالهم، فإذا ذكرت رذائلهم بجانب فضائلهم، وزلاتهم بجانب مفاخرهم، قللت من قيمتهم وأضعفت حماسة التقليد في نفوس الناشئين؛ وكل ما يطلب من المترجم أن يقول الصدق فيما يروى عن البطل من أعمال جليلة، ولكن لا يطلب منه أن يأتي بكل ما يعلم عنه من أعمال دنيئة، قد يُطلب هذا من المؤرخ، ولكن لا يُطلب من الأخلاقي ومترجم العظماء.
قلت: هذا رأي له وجاهته، ولكن ألا ترى معي أنا لو أضفينا على العظماء والأبطال صفة التقديس، وأوهمنا الناشئين أن هؤلاء العظماء لم يأتوا بشر، فتَّ ذلك في عضدهم وأيأسهم من نفوسهم؛ إذ يعتقدون أن العظماء من طينة أخرى غير طينتهم، وأنهم هم — وفيهم عيوب — لا يصلحون بعدُ أن يكونوا عظامًا؟! أما إن أُفهموا أن العظيم لم يخل من عيوب كعيوبهم أحيا ذلك أملهم وأبعد عنهم اليأس والذلة وشجعهم على الطموح أن يكونوا عظماء، رغم ما جنوا وما ارتكبوا؟
وشيء آخر وهو أن العظيم إذا قدس في حياته ونسبت إليه العصمة في كل تصرفاته، ووكلت إليه مقاليد الأمة حسبما يرى من غير اعتراض ولا نقد، تعرضت الأمة لخطر زلته الكبرى أو طغيانه الجامح، أما إن كان الرأي العام يقظًا يحصي عليه مساوئه كما يحصي محاسنه وينقده ويقرظه، وقف عند حده ففكر طويلًا قبل أن يقدم، وحال ذلك بينه وبين الطغيان.
نعم إن للعظماء عيوبًا شخصية خاصة بهم، قد أكون معك في إغفالها وعدم التشهير بها، أما عيوبهم التي تتصل بأعمالهم العامة ومسلكهم في الأمة، فيجب أن تقال وأن تنقد وأن تؤرخ؛ لأن العظيم — وقد نصب نفسه للأمة — يجب أن يشرّح من الأمة ويحكم له أو عليه، ويقال له فيما أساء: أسأت، وفيما أحسن: أحسنت.

التعاون الثقافي بين الأقطار العربية


لقد تغير منهج الحياة ووضعت لها أسس جديدة، فبعد أن كان أساس الحياة التقاليد والعرف والعادة وأقوال السلف؛ أصبح أساسها العلم.
لئن كان التعاون بين الأقطار العربية في الشئون السياسية والحربية صعبًا معقدًا وطريقًا مملوءًا بالأشواك، فإن التعاون الثقافي أيسر وأسهل وطريقه ممهد، بل هو كالأصل للتعاون السياسي والاقتصادي والحربي؛ فما لم تتقارب العقليات وتتوحد النزعات ويتحد الغرض، فالتعاون السياسي والاقتصادي والحربي جد عسير، والذي يقوم بالعبء الأول في توحيد الأفكار والمشاعر والأغراض هو الثقافة، وما فرق بين الأمم وأوقع بينها الخصومات والنزاع وجرها إلى الحروب إلا اختلاف نزعاتها واختلاف مطامحها التي أتت من اختلاف مناهجها في التربية؛ وهذا ما دعا عصبة الأمم أولًا، وهيئة الأمم المتحدة ثانيًا إلى إنشاء فرع يعنى بالثقافة بين الأمم وتقريب المناهج وتوحيد الأغراض، ولم يفسد على الهيئات الثقافية في عصبة الأمم أولًا، وهيئة اليونسكو الحاضرة ثانيًا أمرهما إلا لعب السياسة بهما؛ ولو خليتا وشأنهما لأفادتا العالم فائدة كبرى، والمطمح الوحيد لعقلاء العالم الآن هو أن يكون في العالم هيئة قوية لا تخضع للسياسة؛ ولكن تسمو فوقها، ولا تخدم الدول الكبرى؛ ولكن تخدم الفكرة الإنسانية؛ وما لم توجد هذه الهيئة فسيظل العالم في نزاع دائم وشقاق متواصل وحروب مخربة.
وإذا كان من العسير أن تكون هيئة واحدة ممسكة بزمام الثقافة في العالم، فمن الممكن أن يقسم الاختصاص بين كتل متجانسة، وكل كتلة تضع خطتها للتعاون ورسم المنهج، وتتفاهم مع الكتل الأخرى في الأصول الأساسية لبناء العالم الجديد على أساس جديد.
والأمم العربية كتلة واحدة متجانسة، وحد بينها وبيئاتُها الطبيعية المتقاربة، وتاريخُها الذي مر عليها بأحداث متجانسة أو متشابهة، ولغتُها الواحدة، ودينُها الواحد غالبًا؛ فكل هذه عوامل قاربت بين عقلياتها وثقافتها وأغراضها ومطامحها، فيجب أن تتعاون في هذه الناحية الثقافية لتحقيق غايتها، ولم يعد في الإمكان أن تنفرد كل أمة عربية بنفسها وترسم خطتها الثقافية مستقلة عن غيرها بعد أن أصبح العالم يميل إلى التكتل لا إلى العزلة والانفراد. ثم إن كل أمة عربية لها نقط ضعف يمكنها أن تعالجها بما تستمده من غيرها من الأمم، ونقط قوة يمكن أن تفيد بها غيرها، وهي فوق ذلك إذا تكتلت ووحدت أغراضها كان لها من القوة ما يجبر العالم على سماع صوتها ورعاية حقها.
وقد تخلف العالم العربي عن العالم الغربي في ثقافته، فلم ينهض بتعليم أبنائه إلا من عهد قريب، وعندما بدأ نهضته وجد أن العالم الغربي قد سبقه بقرونٍ وبمراحلَ، فكان واجبًا عليه أن يعوض أزمان الخمود والسير البطيء بسرعة في السير ومضاعفة الجهد؛ حتى يقف بحذاء العالم الغربي يبني معه ويتقدم بالعالم معه ويبتكر كما يبتكر ويخترع كما يخترع، وهو مطلب عسير، لا بد فيه من تكاتف القوى ومن عقول جبارة لرسم الخطط واستنهاض الهمم والسير في الطريق القويم.
ليس يصح الآن أن تتفرق الدول العربية فتضع كل أمة منهاجها في التعليم وأغراضها من التربية، بل لا بد أن يكون لها غاية واحدة تضع كلها مناهجها على وفقها، فإن اختلفت في شيء فإنما تختلف في التفاصيل والتوسع في دراسة بيئتها الخاصة وشئونها الخاصة، أما الغرض فيجب أن يكون واحدًا، ليس من حق أية أمة عربية أن تعلِّم على نمط التعليم في القرون الوسطى، ولا أن تضع منهجًا مثله الأعلى حياة العرب في العهد الأموي أو العباسي، بل لا بد أن يكون منهجها وفقًا لما دل عليه العلم الحديث والتربية الحديثة، وإلا رجعنا إلى الوراء.
أمامنا ثروة كبيرة لما أنتجه العالم الغربي من أيام نهضته إلى الآن، وهي ما تسمى بأمهات الكتب، جدت كل أمة حية في ترجمتها إلى لغتها، والعالم العربي لم يحقق هذه الغاية ولم يقم بهذا الواجب إلا على نطاق ضيق جدًّا، وهو يسير فيه من غير منهج معروف ولا خطة مرسومة.
وكل أمة حية وضعت لها أنسيكولوبيديا، أو بعبارة أخرى (دائرة معارف) بل دوائر معارف، في كل شأن من شئون العلم دائرة، بجانب الدائرة الواسعة الشاملة؛ وهي من حين إلى آخر تجدد معارفها حسب ما وصل إليه العلم الحديث وتجدد نشرها، والعالم العربي كله إلى الآن ليس له دائرة معارف عربية واحدة، ولا يكون هذا إلا عن طريق التعاون؛ ولا يمكن وضع دائرة معارف عربية إلا إذا اتفق قادة العلم في الأمم العربية على وضع المصطلحات الحديثة للعلوم والفنون الحديثة، وهذا ما لم يتيسر إلى الآن.
أمام العالم العربي الآن أرض بكر؛ هي أرضه، في كل بقعة منها من المواد الخامة ما تتلمظ له أفواه الغربيين، وما يكفي لإسعاد أهلها جميعًا، ومع ذلك نتركه في يد غيرنا يستغلون القليل منه، ونترك الكثير ضائعًا مع ما بنا من فقر وعوز وحاجة، ولا يمكن علاج هذا الإهمال إلا بالتعاون العلمي بين المثقفين ثقافة علمية واقتصادية؛ حتى يضعوا الخطط لدراسة هذه الثروة وكيفية استغلالها والانتفاع بها بيدنا لا بيد غيرنا.
إن قوى المفكرين منا قوى لا بأس بها، يمكن الاستفادة منها، ويمكنها أن تحقق الأغراض التي نرمي إليها، ولكن كثيرًا منها قوى ضائعة، إما بمحاربة بعضها بعضًا، وإما باستقلالها بنفعها وعدم تعاونها مع غيرها، وإما بضعفها الخلقي بما ينتابها من كسل وخمود وتراخ وتوان؛ فإذا تعاونت وخرجت عن خمودها أمكنها على الأقل أن تحقق بعض غايتها.
في كل يوم من الأيام دليل واضح يقوم على وجوب هذا التعاون، وصيحة تنادي بأن العالم الغربي لا يسمح لأمة بالوقوف ولا بالتقهقر، وأن من لم يعمل كان عرضة لأن يُستعبد ويُستذل ويُستغل ويُداس بالأقدام؛ فكيف نسمح لأنفسنا أن نقف هذا الموقف الذليل، ولا نبذل كل جهدنا ونستخدم كل قوانا لتحطيم القيود التي كبلتنا أزمانًا طويلة، ثم نسير إلى الأمام في سرعة وإقدام؟!
لقد تغير منهج الحياة ووضعت لها أسس جديدة، فبعد أن كان أساس الحياة التقاليد والعرف والعادة وأقوال السلف، أصبح أساسها العلم، في كل شيء؛ في تربية الطفل، في الزراعة، في الصناعة، في الشئون الاجتماعية والصحية؛ فما لم نؤسس حياتنا الجديدة على هذا الأساس الجديد لا يمكننا أن نسير مع السائرين.
لو كنا في عزلة عن العالم لوجب أن نعمل ولوجب أن نرقى ولوجب أن ننهض، فكيف ونحن محاطون بالأعداء ينعمون بجهلنا، ويرتقبون أخطاءنا، ويعدون علينا كسلنا وخمولنا؟! ولا أمل في الخروج من هذه المآزق التي نقفها إلا بالتعاون الصادق في رسم الخطط وتنفيذها، وأولها الخطط الثقافية بجميع أنواعها.

التاريخ يعيد نفسه


جملة مشهورة، كثيرة الدوران على الألسنة، ولكن ما معناها وما مدى صحتها؟
أما إن أريد أن الحوادث نفسها بأشخاصها وزمانها ومكانها تعود مرة ثانية وثالثة، فهذا ظاهر البطلان، فمحال أن يعود الإسكندر أو نابليون أو تيمورلنك فيفتح فتوحه، ومحال أن يعود سقراط في أثينا ويعيد دروسه، ومحال أن يعود المتنبي إلى مصر فيلقى كافورها، أو إلى حلب فيلقى سيف دولتها، أو نحو ذلك، فالجملة على هذا المعنى سخافة ظاهرة.
أما المعنى المقبول والذي يظهر لي أنه صحيح، فهو أن كل حدث من أحداث الزمان نتيجة لمقدمات، فإذا تمت المقدمات ظهرت النتيجة لا محالة، وإذا تشابهت المقدمات تشابهت النتائج، وهذا الأمر يتكرر دائمًا على نمط مطرد؛ فكلما حدثت مقدمات من نوع خاص حدثت النتيجة بعينها، خذ لذلك — مثلًا — الثورات، فالثورة إنما هي نتيجة لمقدمات كثيرة، مثل حال سيئة اجتماعية تسود الشعب، ودرجة عالية من غليان الشعب، وزعماء يوقدون النار تحتها، ونحو ذلك من مئات العوامل، وهذه هي المقدمات، فإذا حدثت كلها ولم يتخلف شيء منها حدثت الثورة لا محالة، وقلنا حينئذ إن التاريخ يعيد نفسه.
قد يكون التعبير نفسه مضللًا، فالتاريخ لا يعيد نفسه بالمعنى الحرفي الدقيق للجملة، ولكنه يكرر نفسه أو يعيد مِثْله أو نحو ذلك من التعبيرات الدقيقة.
إن أحداث التاريخ — على هذا النظر — مثلها مثل كل القوانين الطبيعية، إذا حصلت أسبابها حصلت مسببانها، فإذا وجد الحديد ووجدت الحرارة تمدد الحديد لا محالة، وأمكننا أن نقول إن تمدد الحديد يعيد نفسه، كما نقول التاريخ يعيد نفسه، وكذلك كل القوانين الطبيعية المتصلة بالكهرباء والضوء والجاذبية والمغناطيسية … إلخ.
وإن كان هناك فرق بين الأحداث التاريخية وبين القوانين الطبيعية فمن جهتين: (?) أن الأحداث التاريخية لها أسباب كثيرة معقدة مشتبكة قد يخفى بعضها على العلماء المدققين؛ فالثورة الفرنسية لها أسباب لا تزال إلى اليوم موضع بحث الباحثين مع الاختلاف الشديد بينهم، ولكن مهما كان هذا الغموض وهذا الاختلاف فلا بد أن يكون هناك أسباب حقيقية إذا حدثت في أي زمن آخر حدث مثل هذه الثورة، فإذا لم تحدث فمعناه أن الأسباب لم تستكمل.
(?) أن من ضمن الأسباب التي تنتج الأحداث التاريخية النفس الإنسانية، وهي حرة قد تعمل العمل في ظرف، ولا تعمله في الظرف نفسه، وإذًا لا يعيد التاريخ نفسه، وردُّنا على هذا أن من رأينا أن النفس الإنسانية مجبرة في شكل مخيرة؛ فهي بحكم قوانين الوراثة والبيئة وما إليهما لا يمكنها أن تفعل غير ما فعلت؛ فمحال أن يكون هارون الرشيد غير هارون الرشيد، ومحال أن يكون أبو العلاء المعري وأبو نواس غير ما كانا.
فإذا سلمنا بهذين المبدأين آمنّا بأن التاريخ يعيد نفسه على هذا المعنى، وهو أن المقدمات المتساوية تنتج نتائج متساوية، فإن اختلفت النتائج فسببه اختلاف منا في التقدير والحساب وحصر الأسباب وكميتها وكيفيتها، لا في القوانين الاجتماعية التي تشبه القوانين الطبيعية في عمومها وشمولها وصدقها الدائم.
إن هذا المعنى هو الذي سما به ابن خلدون على من سبقه من المؤرخين، فنظروا هم إلى المسائل الجزئية على أنها مسائل منفردة؛ مستقل بعضها عن بعض، ونظر هو إلى أن المسائل الجزئية راجعة إلى أصول كلية وأسباب عامة شاملة أبانها في مقدمته.
بل إن المؤرخ الذي ينظر إلى التاريخ على أنه علم، ويبلغ من ذلك مبلغًا راقيًا، يستطيع بفضل ما وصل إليه من حقائق العلم أن يكذب بعض ما يرويه المؤرخون؛ لأنه لا يتفق والقوانين الطبيعية للإنسانية، بل ويمكنه أيضًا أن يكمل النقص في أحداث التاريخ التي غفل عنها المؤرخون، كما يستطيع الخياط الماهر أن يتصور ثوبًا كاملًا إذا عثر على جزء منه، بل أكثر من ذلك يمكنه أن يتنبأ بأهم ما سيحدث قبل أن يحدث، لرؤيته الدقيقة لأسباب الأحداث في حين تكونها، وعلمه بأن هذه الأسباب ستنتج حتمًا نتائج معينة؛ قياسًا على الماضي، وإيمانًا بالقوانين الطبيعية.
وفي هذين اليومين قرأت الكتاب القيم الذي ألفه الأستاذ محمد عبد الله عنان وعنوانه: «نهاية الأندلس» قرأته وأنا أحمل في ذهني أيضًا صورة «فلسطين» وموقف العرب منها، وموقف العالم الأوربي والأمريكي منها أيضًا، واسمعه يقول: «ولم يك ثمة شك في مصير غرناطة بعد أن سقطت جميع القواعد الأندلسية الأخرى في يد العدو القوي الظافر، وليس من شك في أن الأواخر من ملوك غرناطة يحملون كثيرًا من التبعة في التعجيل بوقوع المأساة، فنحن نراهم يجنحون إلى الدعة والخمول ويتركون شئون الدفاع عن المملكة، ويجنحون إلى حروب أهلية يمزق فيها بعضهم بعضًا، والعدو من ورائهم متربص ومتوثب يرقب الفرص، وقد كان هذا شأن مملكة غرناطة وشأن بني الأحمر، ولا سيما منذ أوائل القرن التاسع الهجري أو أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، ومنذ عهد الأمير علي أبي الحسن تبلغ الحرب الأهلية ذروتها الخطرة … وقد شاء القدر أن يكون السلطان أبو الحسن وأخوه الأمير محمد بن سعد المعروف بالزغل وولده أبو عبد الله محمد أبطال المأساة الأخيرة، حملتهم نفس الأطماع والأهواء الخطرة فانحدروا إلى معترك الحياة الأهلية، وشغلتهم الحرب الأهلية طول الوقت عن أن يقدروا حقائق الموقف وأن يستشعروا الخطر الداهم وأن يستجمعوا قواهم المشتركة لمواجهة العدو المشترك» إلخ إلخ.
وهكذا وهكذا؛ تقرأ في هذا الكتاب صفحاتٍ متعددةً، فكأنك تقرأ نكبة فلسطين وأسبابها ونتائجها؛ حتى لو أنك غيرت اسم فلان وفلان بفلان وفلان، وغيرت اسم إسبانيا بإنجلترا وأمريكا إلى نحو ذلك، رأيت أن التاريخ يعيد نفسه بالمعنى الذي ذكرنا.
ثم إنهم كثيرًا ما يذكرون أن التاريخ عظة وعبرة، وهذا صحيح أيضًا، ولكن عظة العامة وأشباههم من التاريخ غير عظة الخاصة وأشباههم منه؛ فالعامة يتعظون منه كما يتعظون من دروس الوعظ، يرون ملكًا زال وأبهة وغنى وعظمة فارقت أهلها، فيتعظون من ذلك ويقولون: «ما لشيء دوام»، أما الخاصة فعظة التاريخ عندهم أنهم يقرءون أحداث التاريخ العظمى ويتعمقون في دراسة أسبابها الأصلية، ويستخلصون من ذلك قواعد كلية عامة كقواعد الطبيعة والكيمياء وعلم الأحياء وعلم الاجتماع، ويتعظون من ذلك بمعنى أنهم إذا رأوا الأسباب تتكون؛ قرءوا النتائج قبل حدوثها وأنذروا بها قبل أن تكون، وطالب المصلحون منهم الأمة بأن تستأصل الأسباب قبل أن تحدث النتائج الخطيرة، فدفعوا الشر قبل وقوعه، إذا سمع الناس لقولهم وأصغوا لإنذارهم، وهذا منتهى العظة.

في ضوء المصباح


كتب الدكتور زكي نجيب محمود مقالًا في العدد الماضي من الثقافة؛ تطبيقًا على المذهب الجديد في الأدب، الذي يرى أن الأديب يجب أن يسجل مجرى خواطره كما تقع في شعوره، من غير أن يتخير منها شيئًا، ومن غير أن يفرق بين هام وغير هام؛ ولا مانع من أن تكون الأفكار غير مرتبة ولا خاضعة للمنطق؛ ولا مانع من أن تسجل الأفكار التافهة والمشاعر الوضيعة بجانب الأفكار القيمة والمشاعر الرفيعة؛ ولا مانع — كما قال — من أن يسجل الأديب شيئًا تافهًا جدًّا بجانب شيء جيد جدًّا، وأن يفكر في لحظة في السماء، ثم يفكر في لحظة أخرى في الأرض، كما فعل أحد زعماء هذه المدرسة؛ وهو (ت. س إليوت) من كلامه عن السماء أمطرت أو لم تمطر، ثم أعقب ذلك بقوله: إن الفطيرة عجنت ببيضة أو بيضتين.
وهو مذهب لا أراه صالحًا، وأسأل الله ألا يُبلى به أدباء العرب فيقلدوا هذه المدرسة ويزيدوا على عيبها الأصلي عيب التقليد، وقد بدأت طلائع هذا التقليد عند بعض كتاب القصص اللبنانيين والعراقيين.
إن الفرق بين هذا المذهب وما قبله من المذاهب، أن المذاهب التي جرى عليها الأدب إلى اليوم كانت تتصور الأدب على أنه سجل خير الأفكار وخير المشاعر في خير أسلوب، وهذا المذهب الجديد يرى أن الأدب هو سجل لخواطر الأديب عن نفسه أو غيره كائنة ما كانت، تافهة أو قيمة، وضيعة أو رفيعة، والرأي الأول أعقل وأعدل وأصح؛ لأن هذا المذهب الجديد يهدم فكرة التخير التي يمتاز بها الفن كما يمتاز بها فنان عن فنان، إن ميزة الفنان الكبرى هي في تخيره نماذجَ وألوانًا، وانسجام الألوان واختيار الأوضاع، فإذا عُدم هذا الاختيار عند الفنان لم يكن فنانًا، وكذلك ميزة فنان على فنان أنه أرقى ذوقًا في اختيار موضوعاته، وفي اختيار ألوانه، وفي تنسيق هذه الألوان؛ وأساس المدرسة الجديدة هدم فكرة الاختيار والتجويد، وعرض كل ما يجول بخاطر الأديب حيثما اتفق، فمثل من يتبع هذه المدرسة مثل من يضع أثاث الحجرة حيثما اتفق؛ من غير إعمال ذوق ولا فن.
ثم إن كل أديب مهما رقي، ككل إنسان تأتي عليه لحظات يفكر فيها أفكارًا سخيفة ويشعر مشاعر سخيفة، وتأتي عليه لحظات أخرى يسمو في أفكاره ومشاعره، بل قد تتقارب هذه اللحظات، فيمتزج السخيف بغير السخيف والرفيع بالوضيع من الأفكار والمشاعر، فأي خير للناس في أن يعرفوا ما سخف من أفكاره، وما وضع من مشاعره؟ إن فضل الأديب أن يسمو بالناس فيما يسمو به من أفكار، لا أن ينحط مع الناس فيما انحطوا فيه من أفكار، وإلا فلا معنى للتجويد، ولا لحصر الذهن، ولا الأناقة، ولا أي شيء من ذلك، ما دامت وظيفة الأدب كما تقول المدرسة الجديدة هي عرض كل الأفكار والمشاعر؛ بل إن واجب الأديب أن يستر بعض مشاعره وأفكاره إذا أحس بِضَعَتِهَا ونقصِها، كما يجب أن يستر كل إنسان مخازيه ومعايبه.
إن هذا المذهب في الأدب والفن على العموم يشبه مذهب العُرْي في الأجسام، فلا عورة ولا استحياء؛ وكما أن مذهب العري في الأجسام يذهب الروعة ويقضي على كثير من الشعور بالجمال، فهذه المدرسة تقضي على الأدب؛ إذ تجعله شيئًا عاديًّا تافهًا.
بل إني لأعجب من أصحاب هذه المدرسة، ومن بينهم الأديب ت. س. إليوت، كيف يجرون في أدبهم على سنن اختيار الأسلوب وتنميقه وتجويده، ولا يطبقون ذلك على المعنى، فلا يجودونه ولا يتخيرونه، والمعنى أليق بالاختيار وأحق بالتجويد.
إني أفهم أن يكون هذا المذهب مذهبًا في علم النفس، لا مذهبًا في الأدب؛ فالكاتب الذي يصف كل مشاعره، وتنقلاته في خطراته، وقفزه في أفكاره، يتيح لعالم النفس مجالًا كبيرًا في تحليل نفسه والوقوف على عيوبه وتحقيق شخصيته، أما الأديب فلا يهمه الوقوف على تفصيلات الشيء، وإنما يهمه الوقوف على ما فيه من جمال: لا يهم الأديب شجرة الورد، وكيف تنبت، وكيف تنمو، وكيف يتكون برعومها، وإنما يهمه من كل ذلك جمال زهرتها؛ فهذه المدرسة الجديدة تريد أن تعنى في الوردة بأشواكها، كما تعنى بجمال زهرتها، وبجذورها المدفونة في الأرض، كما تعنى بزهرتها المتفتحة المتطلعة للسماء، وهذا سوء إدراك لفهم معنى الأدب، وخلط بين العلم والفن، وقضاء على تذوق الجمال.
وكما هدم هذا المذهب التخير والانتقاء؛ فقد هدم فكرة التسلسل: تسلسل الأفكار، وتسلسل المشاعر وانتظامها كلها في سلك واحد، ورأى أن لا بأس من أن تكون القصيدة أو المقالة أو القصة مجموع طفرات قد لا يربط بينها رابط، بحجة أن هذا تمثيل للواقع؛ إذ الأديب قد يتنقل ذهنه تنقلًا غير منطقي، ولكن إهدار هذا التسلسل يضع من قيمة الأدب، وليس الغرض من الأدب أن نعرف ما يجول بخاطر الأديب بالدقة والضبط مهما كانت طفراته، ومهما كان شطحه، إنما نريد أن نعرف خير ما ينتجه الأديب إذا حصر ذهنه وحصر عواطفه وعرضها في شكل مفهوم؛ على أن هذا الشطح الذي دعا إليه هذا المذهب أوقع إنتاج أصحابه في الغموض، فكثير من شعر (ت. س إليوت) غامض لا يفهمه إلا القليل، والذين يفهمونه لا بد أن يكون عقلهم من جنس عقله، ومشاعرهم من جنس مشاعره، وشطحاتهم من جنس شطحاته؛ لأن هذه الشطحات والطفرة في الانتقالات تكاد تكون شخصية، والتسلسل والمنطق هو القدر المشترك بين الناس؛ فإذا سلسل الأديب أفكاره ومشاعره استطاع أن ينقلها إلى الناس، أما إذا لم يسلسلها فلا بد أن تنتظر عقلًا شطاحًا كعقل الأديب؛ ليتقابل معه في الفهم؛ وقد جربنا ذلك في شطحات الصوفية، فكثير منها عز على فهم جمهور الناس، ولم يفهمه إلا من ذاق ذوقهم، وشرد ذهنه شرودهم.
إن من أهم وظائف الأدب نقل المشاعر ونقل الأفكار؛ فالأديب لا يغني لنفسه، ولكنه يغني للناس، فإذا سجل كل شحطاته كان مغنيًا لنفسه، وباعد بينه وبين الناس، وكان خيرًا له ألا ينشر ما يكتب، وأن يغني في حجرته الخاصة.
هذا ما فهمته من القدر القليل الذي قرأته عن هذا المذهب، والذي عرض له الدكتور زكي نجيب محمود، ولعل بعض الكتاب أو الدكتور نفسه يشرحه شرحًا أوفى، ويعرض لنا نماذج من نتاج زعماء هذه المدرسة؛ ليتضح لنا المذهب على حقيقته.
أما رأيي في المقال الذي كتبه الدكتور زكي تطبيقًا على هذا المذهب، فهو كرأيي في المذهب نفسه:
مقال يعجبني من ناحية دلالته النفسية على كاتبه لا من ناحية جماله الأدبي؛ فقد فهمت منه ما تنطوي عليه نفس الكاتب من قلق وتبرم بالحياة، وتبلبل في المشاعر، وغلبة اليأس عنده على الرجاء، ودواعي الحزن على دواعي الفرح؛ وإصابته بصدمة نفسية استلزمت حزنه وقلقه، وهو يعجبني كطرفة جديدة لا كمذهب يتبع؛ يعجبني كلعبة الحاوي تسر ناظرها لأول مرة، ثم لا يُلتفت إليها فيما بعد، ولو أبيح هذا المذهب لرأينا الكثير من سخافات وغموض وإبهام يطلع علينا بها المشعوذون بدعوى أنها أدب على المذهب الجديد، كما صدعونا من قبل بما سموه الأدب الرمزي الذي لا معنى له ولا طعم له.

روح المجالس


لعلَّ للمجالس روحًا كالتي للأفراد؛ فقد تكون روح المجلس مرحة فكهة، وقد تكون متزمتة جامدة؛ ثم قد تكون أحيانًا خفيفة رقيقة، وأحيانًا ثقيلة غليظة؛ ثم قد تكون أحيانًا ضاحكة مستبشرة، وأحيانًا عابسة مكتئبة.
وروح المجالس كروح الأفراد، صعبة التعريف، غامضة التعليل، فمن أين تتكون؟ هل تتكون من روح الأفراد الذين يضمهم المجلس، فتكون روح المجلس حصيلة روح الأفراد؟ الظاهر أن ليس الأمر كذلك؛ لأنا نرى أن روح المجلس تتأثر أكثر ما تكون بفرد أو فردين؛ لامتيازهما بشخصية قوية، أكثر مما تأثر ببقية الحاضرين، فإنا نرى المجلس يحضره نابغة في الفكاهة فتكون روح المجلس فكهة ضاحكة؛ حتى ليضحك الحاضرون من أتفه شيء وأخف نكتة، ويضفي هذا النابغة على المجلس من روحه حتى تتلاشى كل روح ما عداه؛ وقد يكون في المجلس نابغة في العقل أو في التفكير فيصطبغ المجلس كله بروح العقل والتفكير مهما كان فيه من أشخاص قليلي العقل قليلي التفكير.
فليست روح المجلس حصيلة روح الحاضرين إلا إذا قلنا إنها تتكون من الحاضرين، ولكن لا بمقدار واحد، بل بمقدار ما لهم من شخصية قوية أو ضعيفة.
وتختلف روح المجلس كذلك باختلاف طبائع الحاضرين، فالمجلس إذا تكون من نساء فقط كان له روح خاصة غير روح المجلس إذا تكون من رجال فقط، وهما غير روح المجلس يتكون من رجال ونساء؛ وروح مجلس الصبيان غير روح مجلس الشبان، غير روح مجلس الشيوخ، فكل مجلس يستمد روحه من طبيعة نوع أفراده.
وشيء آخر: وهو أن روح المجلس ليست تعتمد على روح أعضائه فقط، بل على مزاجهم أيضًا، ولذلك نرى أن المجلس قد يضم أفرادًا معينين فيكون فكهًا مرحًا مرة، وعابسًا مكتئبًا مرة أخرى، والحاضرون هم هم، لم يزد عليهم ولم ينقص منهم، ولكن اختلف مزاجهم، فكان مرة مزاجًا فكهًا، ومرة مزاجًا عابسًا، فاختلفت روح المجلس باختلاف أمزجتهم.
ومن العوامل أيضًا في تكوين روح المجلس موضوع الحديث؛ فقد ينقل الحديث وقد يخف، فتكون روح المجلس ثقيلة أو خفيفة؛ وقد يكون موضوع الحديث خفيفًا لطيفًا فتخف روح المجلس وتلطف، وأكبر دليل على ذلك أن المجلس قد يتغير حاله وتختلف روحه مع بقاء الجالسين كما هم لم يزيدوا ولم ينقصوا؛ لتنقلهم في موضوعات مختلفة؛ فقد يثيرون موضوعًا فكهًا يستخرج الضحك من أعماق صدورهم فتستولي على المجلس روح فكهة ضاحكة، ثم ينتقلون إلى حديث ديني وقور فيتوقر المجلس وتتوقر الروح؛ وقد ينتقلون بعد ذلك إلى حديث آسف حزين فتحزن نفوسهم وتتغير روح المجلس إلى روح حزينة، وهكذا.
بل إن مكان المجلس وزمانه عاملان كبيران في روحه؛ فإذا كان المجلس في بستان على نهر والشمس ساطعة والجو جميل والمناظر فتانة، اكتسبت روح المجلس من هذا المنظر واصطبغت بصبغته، وعلى العكس من ذلك إذا كان المجلس في حجرة ثقيلة في أثاثها وخمة في هوائها، فإن هذا المكان يشع ثقلًا على الروح وانقباضًا في الصدر؛ وكذلك شأن الزمان، فالسمر لا يحسن إلا ليلًا، فإذا أنت عقدت مجلس سمر قبيل الظهر أو بعد الغداء كان المجلس أثقل ما يكون.
كذلك يتحكم في روح المجلس عددُ الحاضرين؛ فالمجلس من اثنين له روح غير روح المجلس من ثلاثة، وللأربعة روح غير روح الخمسة، فإذا زاد العدد زيادة مفرطة ضاعت الروح ولم يعد مجلسًا، بل كان جماعة.
ثم إذا كان المجلس مجلس (كيف) من الكيوف تحكم هذا الكيف في روح المجلس؛ فمجلس الشاي مثلًا يشعر شرابه بحاجتهم إلى الهدوء والطمأنينة والحديث الهادئ المطمئن، ويفسده صخب الأولاد، وحتى جلبة الموسيقى، وإذا وجد في مجلسه صاخب أو كثير الحركة أو عالي الصوت في الجدل أفسد روحه وأفسد طعمه، وعلى العكس من ذلك مجلس الشراب، تجمله الموسيقى والغناء، وتحييه الحركة والنشاط، وتبهجه النكتة، وتؤنسه الضحكة.
بل إن المناظر الطبيعية الجميلة تختلف روح مجالسها، فجلسة القمر تحتاج إلى هدوء وتفكير في الفلسفة أو تساقي الغرام، ومنظر البحر الهائج يعدي النفوس فتحتاج إلى مجلس هائج ونفوس متحركة؛ وكذلك قل في منظر الزرع والشجر أو قمم الجبال أو طلوع الشمس أو غروبها في البحر، فكل من هذه لا يناسبه إلا منادمة خاصة وحديث خاص، وإلا فسد الطعم وساء الذوق.
وكما تموت روح الفرد قد تموت روح المجلس؛ فقد ترى جماعة اتخذوا شكل مجلس، ولكنه مجلس بلا روح، كمجلس لا تعارف بين أصحابه، أو هم متعارفون ولكنهم متناكرون، أو هم متعارفون متحابون ولكن انقبضت صدورهم لسبب ما، فنفروا من الحديث ولجأوا إلى الصمت؛ فإن شئت فقل في هذا المجلس: إنه مجلس بارد، وإن شئت فقل: إنه مجلس ميت.
كل هذا أدركه من قبلنا، ولكن لم يعبروا عنه تعبيرنا؛ فقد أدركوا المعنى الجزئي ولم يدركوا ما نسميه اليوم روح المجلس، والأدب العربي مملوء بهذه النظرات؛ فكم قال عشاق الشراب في وصف النديم وشروطه وما يجب أن يكون عليه، وأبدع في ذلك أبو نواس أيما إبداع، وحذا حذوه الشعراء والكتاب؛ حتى لقد فضلوا لذتهم من النديم على لذتهم من الشراب إذا خلا من نديم؛ وما النديم في نظرنا إلا التماس لروح المجلس وما تبعثه من سرور يحيط بالشراب، ولولا هذا النديم الذي يخلق الروح ما التذ الشاربون من شرابهم هذه اللذة.
لقد أعجبتني حكاية ظريفة، وهي أن زوجة ساءها ما ينفقه زوجها كل ليلة في الخمارة، فطلبت إليه أن يشرب في بيتها وبيته، وعاهدته أن تعد له أحسن شراب وأنظف مائدة وأجمل أزهار، فقبل ذلك منها، وشرب في بيته على هذا الوضع ليلتلين أو ثلاثًا، ثم فر من ذلك وعاد إلى الخمارة وقال: «أين ضحك الندمان، وأين مماكسة الخمار؟!». وهو محق في ذلك؛ لأن لذة الشراب ليست في الشراب وحده، بل في الندمان وما يحيط به وبالندمان.
ولعلك شهدت جماعة يسمعون أسطوانة موسيقية لمغن مشهور أو مغنية مشهورة، فيطربون لها طربًا مختلفًا يزيد عند بعضهم وينقص عند الآخرين، وليس الطرب الشديد عند من يطرب يرجع إلى حاسته الموسيقية فقط، ولكن لأنه يذكر أنه سمع هذه الأسطوانة مرة في مجلس غني بالمناظر الجميلة والحركات الجميلة، فإنما هو يستوحي روح المجلس الذي سمع فيه هذه الأسطوانة فيزيده ذلك طربًا.
وأدرك العرب أيضًا اختلاف روح المجلس بقلة العدد أو كثرته، فقال إسحاق النديم في الندماء: «واحد هَمٌّ، واثنان غَمٌّ، وثلاثة نظام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عسكر، وتسعة اضرب طبلك، وعشرة ألق بهم إلى حيث شئت». واستعاض بعضهم عن النديم بالكتاب يقرؤه، أو الكتاب يؤلفه، كما حكوا عن ابن سينا والفارابي؛ فقد رووا أن كلًّا منهما كان يجلس إلى الشراب ويكتفي بمنادمة الكتاب.
وكانوا يستحسنون الشراب يوم الدجن، وفي البساتين أيام الربيع على مناظر الزهور الجميلة، وهكذا.
ومع ذلك كله فلا تزال روح المجالس يكتنفها الغموض، شأنها شأن روح الأفراد؛ فقد تتفتح روح الفرد وتنتعش وتغمر بالسرور من غير سبب واضح، وقد تنكمش وتنقبض ويعلوها الحزن والضيق من غير سبب واضح أيضًا، كذلك الشأن في روح المجلس، قد يجتمع إخوان على أصفى ما يكونون روحًا وتجانسًا وألفة، وتتهيأ جميع ظروف الزمان والمكان ويتنبأون جميعًا بمجلس سار ممتع، وإذا روح المجلس تنقلب ثقيلة بغيضة كريهة كأسوأ ما يكون، وقد يخلو المجلس من شروط صفائه ومجلبة سروره، ثم يكون مجلسًا سارًّا ممتعًا؛ كل ذلك لأسباب قد تعرف وكثيرًا ما تجهل.

في الربيع


يعز علي أن يأتي موسم الربيع ولا أكتب فيه، وكل عام أكتب ولم تفرغ معانيه، فالأفكار والمشاعر تتجدد كما يتجدد الربيع، وكم للربيع من معان يفنى الكتاب والشعراء ولا تفنى جدتها، وتعسًا لمن لم يهتز قلبه للربيع، ولم تبتهج مشاعره بجماله، ولم يجاوبه بعواطفه! إن من حرم العين الفنانة والأذن الموسيقية والشعور بجمال الأزهار والأشجار حرم الخير الكثير، ودل ذلك على أنه جامد القلب، غليظ العاطفة، مادي الحياة، كثيف الطبع.
ها أنا ذا اليوم في حديقتي الصغيرة والجو جميل والربيع ناضر والأزهار ضاحكة، فليكن حديثنا هذا العام في الأزهار:
إنها لا شك عالم وحده، كعالم الطيور وعالم الإنسان، تتعدد مناظرها ويتنوع جمالها، ويمكنك الحديث عنها من وجوه مختلفة؛ أولًا من ناحية رائحتها، ففيها قوي الرائحة كالفل والياسمين، ومتوسط الرائحة كبعض أنواع الورد والقرنفل، وضعيفها كالأقحوان، وعديمها ككثير منها، وليس يتوقف الجمال على الرائحة، فالرائحة تتصل بالشم، وهو أقل الحواس قيمة إذا قيس بالسمع والبصر، بل ربما سمت قيمة الزهرة إذا عدمت رائحتها؛ لأن الرائحة مقرونة بالنفع، فإذا تجردت من الرائحة كان تقويم الجمال للجمال، كالقطعة الموسيقية والغناء الجميل، فالغناء الجميل ذو المعنى يوزعك بين لذة العقل ولذة السمع، والموسيقى الجميلة ينحصر جمالها في جمال توقيعها، وعندي أن الجمال المحدد خير من الجمال الموزع.
ثم هذه الأزهار أمامي كأنها جمع من الفتيات الفاتنات المتنوعة السمات؛ هذه زهرة تلفت النظر في قوة إلى جمالها فتأسرك حتى لا تود عينك التحول عنها؛ جمالها ظاهر بين، واضح جذاب، كالفتاة التي تملك عليك قلبك ومشاعرك، قد لا تكون هذه الفتاة أجمل من في الجمع، ولكن لها من السحر والفتنة ما يبطل سحر غيرها، وهذه زهرة أخرى جمالها في وداعتها وهدوّها، كالفتاة لا تلهبك نارًا، ولكن تغمرك حنانًا.
وهناك في زاوية من زوايا الحديقة زهرة منعزلة مستترة لا يلتفت الناظر إليها إلا بالبحث عنها، كالفتاة الحيية الخجول، المنطوية على نفسها، العازفة عن عرض جمالها.
ثم هذه الأزهار يختلف وحيها باختلاف نقوشها وألوانها، فهذه زهرة توحي الطهر والعفاف، وهذه زهرة توحي النقاء والصفاء، وهذه زهرة توحي القوة والجبروت، وهذه زهرة توحي تفتح الرغبة، وهكذا.
للأزهار لغات ودلالات، تعجز عنها معاجم اللغات؛ إذ كيف تنجح اللغات في دلالات العواطف؟! إن اللغة وسيلة قد تكون جيدة في نقل الآراء والأفكار، ولكنها وسيلة جد فقيرة في نقل العواطف والمشاعر.
وللأزهار دلالتها الخاصة على ما يرتبط بها من أحداث وما تظهر فيه من مواسم، فأزهار الشتاء تدل على الشتاء، وأزهار الصيف تدل على الصيف، وأزهار الربيع تدل على الربيع، ولكل زهرة معنى عند صاحبها يوحي إليه تداعي المعاني؛ فمن رأى طاقة زهر في حفل بهيج ارتبطت هذه الطاقة ومنظرها بهذه الحفلة وبهجتها، ومن رأى زهرة على صدر فتاة جميلة ذكر الفتاة إذا رأى الزهرة، ومن رأى الزهرة في مكان ذكرته الزهرة بالمكان، وكذلك تدل الزهرة دائمًا على بيئتها وزمانها ومكانها وأحداثها.
والفنانون يختلفون في تقويم الأزهار اختلافهم في تقويم جمال الإنسان وجمال الطبيعة؛ وقد روي لنا الكثير عن اختلاف الشعراء في تمجيد بعض الأزهار؛ هذا يمجد الياسمين ويفضله على سائر الأزهار، وهذا معبوده النرجس، وهذا هواه البنفسج، وقرأت مرة عن فنان بغدادي استهواه الورد وجن به حتى كان إذا جاء موسمه انقطع عن عمله وخرج إلى حدائق الورد يتنقل فيها، ويتغزل في محاسنها، إلى أن ينتهي الموسم فينصرف إلى عمله.
هذه الأزهار منتثرة حولي في حديقتي، يتنوع جمالها وبهاؤها، من جمال بساطة إلى جمال تعقيد، ومن جمال لون إلى جمال نقش، ومن جمال صارخ إلى جمال خافت، ومن جمال معربد إلى جمال متستر، ومن جمال ناعم إلى جمال شائك، وكلها في تنوع جمالها منسقة منسجمة، كأنها موسيقى تنوعت آلاتها وتناغمت ألحانها.
وهذه الأزهار تخالفت أعمارها كما اختلفت أعمار كل حي؛ فزهرة سرعان ما تذبل، وزهرة تطول حياتها ويطول جمالها، ويكاد يكون أجملها شكلًا أقصرها عمرًا، كالشأن في الإنسان قلَّ أن يعمر نابغ ويهرم عبقري، كأن الطبيعة تغار من نبوغه أو عبقريته، أو كأنها تضن به عن أن يكون نعمة جيل؛ فتخترمه؛ ليكون مفخرة دهر.
إني لأضن بجمال الأزهار عن أن يقطفها قاطف أو يعبث بها عابث؛ وكلما رأيت باقة مجموعة ذكرت من جناها وجنى عليها، ولئن عذرنا الإنسان يجني على الحيوان والثمار؛ يتبلغ بها ويعيش عليها، فكيف نعذره في قطف الجمال وليس له كبير قيمة إلا في مكانه وعلى أغصانه؟!
وبقدر ما أبتهج بالجمال واكتماله، أرثى للجمال وذبوله؛ فأحزن لذبول الزهرة وتناقص القمر وشيخوخة المرأة، ولا يعزيني عن ذبول الزهرة إلا أنها تموت لتحيا، وتذبل لتزهر، وتتناقص لتكمل.
في جمال الأزهار معنى غامض كجمال النساء؛ فقد تبلغ الحسناء أقصى درجات الجمال، ثم لا تملأ قلبك ولا تسلب لبك، وإذا بمن دونها حسنًا وجمالًا تأسرك وتستولي عليك وتغمر مشاعرك، كذلك الشأن في أزهار حديقتي؛ هذه زهرة منتحية منعزلة، ليست أجمل الأزهار، ولكن هي أحبها إلى نفسي وأقربها إلى قلبي.
إن الشعور الحق بالجمال لا يتجزأ؛ فمن أحب جمال الأزهار أحب جمال النساء وأحب جمال الطبيعة، ومن لم يشعر بجمال الأزهار فقد الشعور بالجمال عامة، فإن رأيته وقد استهوته المرأة فهو استجابة للغريزة لا حب في الجمال.
إن الله خلق الإنسان والعالم ليتجاوبا ويتناغما، فإذا لم يهتز القلب لجمال الأزهار؛ ففيم خلقها؟! وإذا لم يبتهج بالسماء ونجومها؛ ففيم لمعانها وضياؤها؟! وإذا لم يتأثر بالطبيعة وجمالها؛ ففيم البحار وأمواجها، والمياه وخريرها، والجبال الشامخة وجلالها؟! فحيث وُجدَت العين الناظرة وُجد المنظور، وحيث كانت الأذن كان المسموع، وإلا كان سؤالًا بلا جواب، وعينًا تقرأ ولا كتاب.
ليت لستالين وترومان وبيفن وأمثالهم مشاعر يدركون بها جمال الزهر، ويفهمون بها وحيه، ويصغون بها إلى حديثه، ويأنسون بها إلى وداعته ولطفه، إذًا لتغير وجه الأرض وسادت الدعوة إلى السلام، وتغلبت بواعث الإنسانية، وإذًا لاشمأزوا من رائحة القنابل وحديث الذرات واعتمادات الحروب، ولفكروا فيما يسعد لا ما يشقي، وفيما يخلد لا ما يفني، ولكن عدموا الذوق فاستأنسوا بالبارود، ونسوا الزهور فنسوا أنفسهم، وعبدوا الشيطان فصدهم عن الجمال.
وأخيرًا ليت الزمان ربيع كله.

حول المدنية الحديثة


في صيف عام لا أذكره ذهبت إلى الإسكندرية؛ لأبحث عن بيت أصيف فيه، فكان مما عرض علي بيت كان يسكنه رجل إنجليزي، وقد تركه للإيجار؛ فاستعرضت غرفه، ولفت نظري غرفة صغيرة رأيت فيها قطة سوداء؛ فسألت عنها فقيل لي: إنها قطة ذلك الرجل الإنجليزي صاحب البيت وهي عزيزة عليه يعني بها، ويرعي شئونها، فلما ترك البيت أوصى بها خيرًا، ورتب لها من يقوم على أكلها وشربها والعناية بشأنها، فسألت: وأين ذهب الرجل صاحب البيت؟ قالوا: إنه ذهب إلى ميدان الحرب متطوعًا، فدار بخلدي هذا السؤال: كيف يعني بالقطة السوداء، ويحافظ على حياتها، ويرعاها حق رعايتها، ثم يذهب إلى القتال طوعًا ليسفك دم أخيه الإنسان، ويقتل من يستطيع قتله، ويجرح من يستطيع جرحه؟! أيمكن في الإنسان الواحد أن تنقلب عاطفة الرحمة التي يبلغ من سموها العطف على القطة، إلى عاطفة قسوة تقتل وتبيد، وتتقمص أحيانًا روح ملك فتفيض رحمة، وأحيانًا روح ذئب فتنهش وتفتك؟! كيف تتلون العاطفة الواحدة هذه الألوان المتناقضة؟!
وكم في المدنية الحديثة من متناقضات من هذا القبيل! إن المدنية التي يؤلمها الرقيق فتسعى جهدها إلى إلغائه، وتعقد المعاهدات للقضاء عليه، وتبذل الجهود الجبارة في البر والبحر للتخلص منه، لا يفسر عملها إلا بأنها تعشق الحرية لبني الإنسان جميعًا، وتكره الرق وتمقته؛ لأنه عدو الحرية؛ ولكن نرى هذه المدنية بعينها تسترق من الأمم أكثر مما تحرر من الأفراد، فهي من جانب يؤلمها الرق فتحرر، وهي من جانب آخر تؤلمها الحرية فتسترق، وإلا فما بالها هجمت على الشرق كله فاسترقته، ووضعت في رجله القيود، وفي عنقه الأغلال، ولم تمكنه من أي نوع من أنواع الرقي، وكان إذا طالب بحريته في التعليم، أو بحريته في استغلال موارده، أو بحريته في التسلح، أو بحريته في الخطابة والكتابة، قاومت ذلك كل المقاومة، وضغطت عليه كل الضغط، ولو أدى ذلك إلى استعمال الحديد والنار؟! فكيف تعشق الحرية وتمقتها، وتبكي عليها وتخنقها؟! هذا أيضًا ضرب من المتناقضات!
والمدنية الحديثة الآن تظهر العطف على الشرق، وتدعي أنه يؤلمها أن تراه متأخرًا، وتعلن أنها مستعدة للأخذ بيده والنهوض به، وأنها على استعداد أن تمده بالإخصائيين من رجال الزراعة والاقتصاد والمال؛ ليبحثوا حالته وينتشلوه من ورطته، ويعينوه بالأموال إذا اقتضى الحال؛ ولكن في الوقت نفسه، يرى أهل هذه المدنية ما تفعل فرنسا في المغرب من خنق للحرية، وحجر على التعليم، ومقاومة كل حركة وطنية بالقنابل والمدافع والطيارات، ويؤيدون ما يفعل الصهيونيون بالمسلمين من اغتصاب ديارهم، وتشريد مئات الألوف من سكانها، وتركهم يتضورون جوعًا، ويتحملون أشد أنواع العذاب؛ من قسوة البرد، ولهيب الحر، ثم لا تأخذهم رحمة، ولا يتحرك قلبهم لعطف، فكيف يعطفون عليهم في الأولى، ويعلنون أنهم يضعون الخطط للأخذ بيدهم، ومد يد المساعدة لهم، وينكلون بهم في الأخرى حتى كأنهم يريدون القضاء عليهم، ومحوهم من على وجه الأرض؟! أليست هذه متناقضات؟!
الحق أنهم في سلوكهم في الشرق يعيثون مع الذئب ويبكون مع الراعي، ويتظاهرون بالعطف ويضمرون البغض، ويعلنون المعونة ويبطنون الاستغلال، ولم يتحركوا حركتهم الأخيرة بدعوى الأخذ بيد الشعوب المتأخرة؛ إلا خوفًا من روسيا، وخوفًا من أن يؤدي سوء الحالة الاجتماعية في الشرق إلى إفساح المجال للمذهب الشيوعي، ولولا خوفهم على أنفسهم ما فكروا في الشرق إلا لاستغلاله ولا أمدوه بشيء إلا ليأخذوا منه أكثر مما أعطوا، أما الإنسانية أو الإخاء أو العطف على البائس الفقير أو تعليم العالمِ الجاهلَ أو مساعدة القويِّ الضعيفَ أو نحو ذلك من المعاني السامية؛ فآخر ما يمكن أن تفكر فيه المدنية الحديثة.
وتقرر هيئة الأمم مبادئ سامية في حقوق الإنسان ومساعدة كل أمة تريد أن تحكم نفسها، فإذا هبت أمة شرقية للمطالبة بتطبيق هذه القواعد سدت الهيئة آذانها وكأنها لم تصدر قرارًا ولم تضع مبادئ، بل إن الفعل الواحد قد تفعله روسيا فتقوم عليها الأمم الديموقراطية معنفة مشهرة، ثم تقدم على مثله أمة ديموقراطية، فلا نقد، ولا تعنيف، ولا تشهير، وكأن القضية الواحدة يحكم فيها بالنظر إلى من ارتكبها، فإن كان مرتكبها أسود كانت جريمة كبيرة، وإن كان أبيض لم تعدّ جريمة.
وتضع اليونسكو قرارًا بأن كل أمة لها الحق في أن تعلم أبناءها بلغتها، فإذا رفع المغاربة صوتهم عاليًا بأنهم محرومون في بلادهم من تعليم العلوم بلغتهم، وأن العلوم في بلادهم تعلم باللغة الفرنسية لا بلغتهم القومية العربية، وأن اللغة العربية تصلح كل الصلاحية أداة لتعليم العلوم كما هو الحال في الأقطار العربية الأخرى، لم يسمع لقولهم ولم يلتفت إلى ندائهم.
فالحق أن المدنية الغربية تسير على المبدأ القديم الذي حكاه القرآن عن اليهود بأنهم قالوا: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وأن الحق لا ينظر إليه في المدنية الحديثة على أنه حق في ذاته، ولا الباطل باطل في ذاته، وإنما الحق والباطل يقوم باعتبار من صدر عنه، مثلهم في ذلك مثل البدوي البدائي الذي سئل عن العدل والظلم؛ فقال: إذا أخذت جملًا من قبيلة غير قبيلتي فعدل، وإذا أخذ رجل من غير قبيلتي جملًا من قبيلتي فظلم.
وعلى الجملة فقد كل الشرق يصدق زعماء الغرب في دعاويهم منذ نادى الرئيس ولسن بمبادئه، وظنوا أن ويلات الحروب قرَّبت الزعماء السياسيين من فهم الأخوة والإنسانية، فلما كثرت أقوالهم وكذبتها أعمالهم في دعوى ولسن وأقوال عصبة الأمم وأقوال هيئة الأمم ومبادئ روزفلت وما إلى ذلك، لم يعودوا يصدقون هذه الأقوال وأخذوا يسمعونها على أنها أمثلة من النفاق لا تدل ألفاظها وجملها على معانيها الحقيقية، وإنما هي ألفاظ مزوقة، يُضحك بها على ذقون البله والمغفلين فترة من الزمان.
والآن إذا نشبت حرب أخرى — لا قَدَّرَ الله — وقيلت مثل هذه الأقوال ووضعت مثل هذه المبادئ وأعلنها الزعماء السياسيون؛ لم تجد من الشرق إلا ضاحكًا أو ساخرًا، وهذا شأن كل من يتوالى قوله، ولا يصدُق فعله.
وليس هذا سلوك المدنية الحديثة مع الشرق وحده، بل هو المسلك نفسه مع أمم الغرب بعضها وبعض، فمظهر النفاق والتناقض بين الأقوال والأفعال واضحٌ في كثير من التصرفات؛ فعندما أعلن موسوليني ضمَّه للحبشة وخرج من عصبة الأمم، أعلنت عصبة الأمم أنه يريد تغيير خريطة العالم بالقوة، واستنكرت فعله، كأنه وحده هو الذي فعل هذا، وكأن لم تفعل إنكلترا وفرنسا مثل عمله، فكانت كل حين تغير خريطة العالم بالقوة، وكأن موسوليني أتى بدعًا جديدًا، ولم يكن مسبوقًا بأمثلة كثيرة من الأعمال، فعلتها كل الدول الأوربية القوية قبله، فكأنهم لصوص استولوا على الغنائم ووزعوها بينهم واطمأنُّوا إليها، فلما ظهر لص جديد ثار عليه اللصوص القدماء واتهموه بالسرقة والغدر والخيانة!
وفي كثير من أحداث التاريخ كانت بعض الأمم تظلم وتعتدي وتلقي القنابل على البلاد المطمئنة الهادئة غير المسلحة، فيرتفع الصوت عاليًا من الأمم الأخرى بالاستنكار والاستفظاع والوصف بالوحشية، ومع ذلك يتبين أن هذه الأمم المستنكرة تمد الأمة المعتدية بالذخيرة والسلاح.
لقد استنكرت عصبة الأمم فعل إيطاليا بالحبشة، ومنعت عنها كثيرًا من المواد إلا البترول الذي يستخدم في الحرب، واستنكرت بعض الأمم رَمْيَ فرانكو القنابل على البلاد الآمنة في إسبانيا، ومع ذلك كانت هي التي تمده بالسلاح ولم تقطعه عنه، وهكذا، وهكذا من ضروب الاضطراب والتناقض والنفاق.
وعلى الجملة، فإن كانت المدنية الحديثة صناعة فنِعمت هذه الصناعة، وإن كانت علمًا وبحثًا واكتشافًا، فنِعم العلم والبحث والاكتشاف، وإن كانت سلوكًا وأخلاقًا من قادة السياسة وزعمائها فبئست هي.

الحياة والموت


كان العرب مرهفي الحس دقيقي الذوق؛ إذ مدُّوا (الحياة) وقطعوا (الموت) والحياة قصيدة، لها مطلع ومقطع وبيت القصيد، وقد يسوء المطلع أو يحسن، وقد يسوء المقطع أو يحسن، وقد يسوء بيت القصيد أو يحسن، وقد تأتي القصيدة جميلة المعاني، حسنة الأسلوب، جيدة الوزن، وقد تسوء في كل ذلك أو بعضه، هكذا أنواع الحياة، وهكذا أنواع القصائد.
مطلع الحياة الطفولة، ومقطعها الشيخوخة، وبيت القصيد الشباب.
والحياة السعيدة قصيدة حسن معناها وجمل إيقاعها وانتهت بسلام، والحياة الشقية قصيدة ساء مطلعها أو مقطعها أو بيت قصيدتها، في المعنى أو في الوزن أو في حسن الترتيب والانسجام، أو في كل ذلك.
والحياة قصيدة، طويلة وقصيرة، وقصيدة كألف، وألف لا تساوي واحدة، والحياة قصيدة، منها الضاحكة المبتهجة كقصائد الفخر والفكاهة والحب السعيد، ومنها كئيبة حزينة كقصائد الرثاء والشكوى والحب اليائس.
والحياة قصيدة، أكثرها عاديٌّ مألوف، وقد تسمو إلى حد الإعجاز، وقد تنحط إلى درجة النفور والاشمئزاز.
والحياة حياتان: حياة عابرة، وحياة خالدة، كالقصيدة قد لا تعيش ساعة، وقد تبقى على مر الأزمان.
والحياة قصيدة: جميلة وقبيحة، وقوية وضعيفة، وواضحة وغامضة، وسهلة وعسيرة، وضخمة ورقيقة.
والحياة لا تتساوى أيامها في القيم؛ فيوم نحس، ويوم سعد، ويوم بين بين، كالقصيدة تختلف أبياتها، فبيت رائع، وبيت ساقط، وبيت بين بين.
والحياة قصيدة، حياة تروعك وتبهرك، وحياة تسوؤك وتجرحك، وحياة لا تشعر بها ولا تحس بوجودها.
وخير الحياة ما أمتعت صاحبها ومن حوله، وخير القصائد ما أمتعت صاحبها ومن حوله.
•••

وإن شئت فقل إن الحياة قطعة موسيقية، باسمة وحزينة، وخالية من النشاز، ومملوءة بالنشاز، وعذبة مستساغة، وكريهة منفرة، وجيدة التوقيع، ورديئة التوقيع، ومنسجم بعضها مع بعض، وينقصها الانسجام، وعالية ومنخفضة، ورقيقة وغليظة، وقوية وضعيفة، وتبتدئ لتبلغ الأوج، وتنحدر لتبلغ النهاية.
وحياة الناس جوقة موسيقية لا تحسن في السمع إلا إذا انسجمت، وقلما تنسجم، ولا تلذ سامعها إلا إذا خلت من (النشاز) وقل أن تخلو، ولا تصلح في الذوق إلا إذا شدت أوتارها على أساس واحد، ووقعت نغماتها في تجانس واحد، وقل أن يكون ذلك.
•••

وإن شئت فقل: إن الحياة فصول متعاقبة محتومة: خريف وشتاء وربيع وصيف، إنما يسعد الإنسان فيها بالسير على قوانينها، فإن تدثر في الصيف وتخفف في الشتاء، وصيَّف في مشتى وأشتى في مصيف؛ فالعيش ثقيل، وهو كذلك إذا تشايخ في صبى، أو توقر في شباب، أو تصابى في شيخوخة.
إن أكثر الناس يشقون في الحياة؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يجيدوا قصيدتهم، أو يوقعوا موسيقاهم، أو يلائموا بين أنفسهم وموسمهم.
•••

والموت هو النهاية المحتومة لكل حياة، كمقطع القصيدة، أو خاتمة الأغنية، أو نهاية الموسم.
إنا نموت؛ لأننا منحنا جسمًا يتحلل على الزمان، غدد يضعُف إفرازُها، وقلب يتعب من طول ما نبض، ومعدة تكل من طول ما هضمت، ورئة تخمد من طول ما تنفست، وأعصاب تتحطم من طول ما احتملت.
والموت أكبر ديمقراطي في الوجود، ليس يفرق بين شريف ووضيع، وغني وفقير، وملك وسوقة؛ فكل يموت، وكل يدفن في مساحة لا تتجاوز ستة أشبار أو سبعة، وكل لا يتجاوز عمره السبعين أو الثمانين إلا قليلًا، وكثير من الفلسفات والأشعار والحكم بني على هذه الحقيقة البديهية، «فليملك الإنسان ما يملك، ولينعم ما شاء أن ينعم، وليطل عمره ما شاء الله أن يطول، فهو لا بد أن يموت، وليس له إلا ستة أشبار يمد فيها» والملكية غرض زائل، وخيال خادع.
ويقول داري من يقول وأعبدي مَهْ فالعبيدُ لربنا والدار إن ديمقراطية الموت هي التي أوحت إلى الناس فكرة المساواة في الحقوق والواجبات، فلو كان هناك دم شريف ودم خسيس، وكان للاعتزاز بالأنساب قيمة حقة، ولو كان للأرستقراطية أية مزية ذاتية، لاستطاعت أن تقف أمام الموت أو تعدل قانونه أو تغير من طبعه، فإن لم تفعل فالناس سواء، والأرستقراطية طلاء كاذب، وذهب مزيف.
بل لو أمعنا النظر لوجدنا المدنيات قديمها وحديثها، والأدب وفنونه، وسلوك الناس وأخلاقهم، كلها لونت بلون الموت، ولولاه لكان للناس شأن آخر ومدنية أخرى وسلوك آخر، ما الضمان الاجتماعي؟ ما الحروب والإعداد لها؟ ما العلم في خدمتها؟ ما الزواج والأنسال؟ ما ترجمة الأبطال، وإقامة التماثيل لهم، وإعلاء شأنهم؟ ما الشجاعة والجبن؟ إنها تنقلب أوضاعها، ويختل تقويمها؛ لولا الموت.
ولو أن الحياة تبقى لحي لعددنا أضلنا الشجعانا وإذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تكون جبانا من فهم الموت فهمَ كوميديا الحياة: عظيم متكبر، وفاتح متجبر، وغني يعتز بثروته وجاهه، ومخترع يملأ الدنيا باختراعاته، ومكتشف يثير العجب من مكتشفاته، وبعد قليل يتخلون عن سلطانهم، ومالهم، وجاههم، وعلمهم، ويتحولون إلى وزن درهم من تراب، يكون جزءًا من أديم الأرض؛ كما قال أبو العلاء:
خفف الوطء ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد أو يسد ثلمة في دن خمر، كما قال شيكسبير:
يعتري قيصر العظيم حمامٌ وتُحيل الوجودَ أيدي الفناء فإذا قيصرُ المعظمُ طين سَدَّ في ثلمة ممرَّ الهواء أو كما قال الخيام: «كان بهرام يصيد الوحوش، فأضحت الوحوش تدوس قبر بهرام».
ومن غفلة الناس أن يتصوروا أن الكوميديا إنما تمثل على مسرح في دار تمثيل، أو على شاشة بيضاء في دار السينما، ولو عقلوا لفهموا أن الأرض كلها مسرح تمثيل، وكل من عليها يمثل دوره المضحك، وقد يكون في دور بعضهم ما يثير من الضحك، ويستخرج من العجب ، ما لا يناله أكبر مهرج على مسرح التمثيل أو الشاشة البيضاء، والروائي البارع من استطاع أن يستخرج من حياة كل إنسان رواية مضحكة.
لقد زرت مرة دير الطور في سيناء، ورأيت في جانب من جوانبه حجرة كدست فيها جماجم، فوقفت عندها طويلًا، وتخيلت تاريخها، وماذا كان يعمل أصحابها؛ هذا كان منهمكًا في لذته، وهذا كان منهمكًا في عبادته، وهذا قاسٍ، وهذا رحيم، وهذا متجبر، وهذا مسكين، ثم زالت هذه الفروق الكاذبة، وختمت الروايات كلها بهذه الجماجم المكدسة الفارغة المتماثلة.
الزهرة تتفتح وتنضر ثم تذوى، والجمال يروع ثم يزول، والنبات يكون أخضر يانعًا ثم أصفر يابسًا ثم هشيمًا تذروه الرياح، والقمر يبدأ هلالًا ثم يتكامل بدرًا ثم يصيبه المحاق.
والإنسان يبدأ طفلًا يحبو، ثم يكون شابًّا مكتملًا، ثم شيخًا هرمًا، ثم يدركه الموت، وكل شيء هالك إلا وجهه.

خواطر (?)


حدثني قاض فاضل جليل أنه عرض عليه يومًا قضية غريبة طريفة.
ذلك أن رجلًا ادعى على آخر أنه بينما هو يسير في الطريق؛ إذ صفعه المدعى عليه صفعة قوية على قفاه من غير أن يكون هناك أي سبب يستدعي ذلك، فلما سئل المدعى عليه: هل صفعت هذا الرجل؟ قال: نعم. أتعرفه من قبل؟ قال: لا. هل بينكما معاملة تستدعي أن تصفعه؟ قال: لا. هل حدثت بينكما مشادة ترتب عليها الصفع؟ قال: لا.
فما السبب إذًا؟ قال: كنت سائرًا في الطريق، فلفت نظري عظم قفاه وامتداده واستعراضه، فأوحى إلي هذا القفا أنه صالح كل الصلاحية للصفع، فلم أدرِ إلا وقد تحركت يدي من جنبي وصفعته صفعة قوية شفيت بها شهوتي.
•••

ربما كانت هذه ظاهرة — في الظاهر — غريبة، وربما ظن الناس أنها ظاهرة قل أن تحدث في الوجود، ولكن بالتأمل فيها نجد أنها هي وأمثالها تحدث كل ساعة وكل يوم، فيكاد كل إنسان تراه يوحي إليك معنى من المعاني، يتطلب منك سلوكًا خاصًّا به.
ترى سائلًا يوحي إليك بالرحمة فتحسن إليه، وسائلًا يوحي إليك بالقسوة فتقسو عليه، وقد لا يكون هناك فرق بينهما من حيث البؤس والشقاء ومظهر الفقر والحاجة، لكنَّ معنى خفيًّا أوحى إليك بالعطف في الأولى، والقسوة في الثانية.
ويتقدم إليك إنسان يطلب قضاء مصلحة مما هو في دائرة اختصاصك، فتشعر أن حافزًا قويًّا يحفزك إلى قضاء مطلبه، والسرعة في إنجاز مصلحته، ويجيئك آخر فيوحي إليك منظره بالنفور منه والكره له، والتثاقل في قضاء ما يبتغي.
هل يرجع ذلك إلى حسن المنظر أو قبحه، أو إلى اللباقة في الطلب أو عدمها، أو إلى حسن الأداء وسوئه؟ كلا، قد لا يكون شيء من ذلك، بل قد يكون العكس؛ فتقضي الأمر لمن قبح شكله، أو ساء هندامه، أو كان على الفطرة في عرض مطلبه، أو نحو ذلك، إنما هو معنى خفي، وسر من أسرار الإنسان يحنن القلب أو يقسيه، ويبعث على العطف أو النفور.
ولو دققت النظر في سلوكك مع أصدقائك ومعارفك لوجدتك تسلك مع كل منهم مسلكًا خاصًّا يتفق وما يوحيه إليك هذا الشخص من معنى: هذا صديق ما تراه في مجلس إلا بعث في نفسك حب السخرية به، والضحك منه، والاستهزاء بقوله أو فعله؛ وهذا آخر ما تراه إلا يبعث عندك التفكير الجدي، والاهتمام به، والإصغاء إلى قوله، والاستجابة إلى أمره ونهيه، وتقدير كل كلمة تصدر عنه؛ وهذا ثالث تجلس معه، فيبعث في نفسك السرور والمرح، وتحب أن تسمع قصصه وتضحك منه، ولو كان قصصه كسائر قصص الناس، ونكاته ونوادره كسائر ما يصدر من الناس، ولكن فيه خاصة غريبة تبعثك على الاستعداد للضحك والسرور من كل ما يصدر عنه؛ وهذا رابع لا تراه إلا وينفتح له قلبك، وتحب أن تكشف له عن كل سرك، وتستشيره في كل ما شق عليك؛ وهكذا من صفات لا تنتهي مما يوحيه إليك كل شخص تعرفه أو تقابله أو تجلس إليه.
وقد عرفنا ذلك ولمسناه، وإن لم نلتفت إليه، أيام كنا تلاميذ حتى في المدرسة الابتدائية؛ فكان يدخل علينا مدرس جديد لا يعرفنا ولا نعرفه؛ فما تمر علينا دقائق إلا ويوحي إلينا هذا المدرس بالهزء به والسخرية منه، ويستمر هذا الإيحاء ما بقي هذا المدرس معنا، ويأتي بعده آخر فما نراه إلا ويملأنا هيبة وإجلالًا واحترامًا ووقارًا، ويستمر هذا أيضًا ما بقي معنا، كل هذا كان ونحن أطفال لا نحسن التفكير، ولا نجيد التقدير؛ وإنما هو الوحي أو الإلهام، أو الخاصية أو ما شئت من الأسماء، هي التي توحي بالمعاني المختلفة للأشخاص المختلفين.
•••

بل ليست هذه الخاصية مقصورة على موقف الإنسان نحو الإنسان، فإنك تزور بيتًا أو تغشى حديقة، أو تدخل مسجدًا، أو ناديًا، فتشعر بانقباض في صدرك، ونفور من بقائك، ورغبة ملحة في الهروب من مكانك؛ وتجد عكس هذا في بيت آخر، ومسجد آخر، وناد آخر؛ إذ تشعر بالراحة والاطمئنان والسرور وحب البقاء، فإذا أنت حاولت أن تعلل هذا بحسن الهندسة أو قبحها، وانطباق فن العمارة أو عدم انطباقه، أو وجود الضوء أو الهواء أو عدمهما، لم تجد ذلك كافيًا في التعليل ولا مقنعًا في التفسير.
فأما الصوفية فقد فسروا هذه الظاهرة بأن الله تعالى يتجلى على الأشياء بصفاته وأسمائه فتظهر فيها معاني هذه الصفات وهذه الأسماء؛ فقد يتجلى على إنسان باسم القابض، وعلى آخر باسم الباسط، فتنقبض من الأول، وتنبسط للثاني؛ وقد يتجلى باسم الرحمن الرحيم، أو المتكبر الجبار، أو الواهب الرازق، أو المعز المذل؛ فتنعكس كل صفة وكل اسم على الشيء المنظور حسب ما انطبع فيه من صورة صفة المتجلي.
والناس — عادة — يدركون هذا المعنى ويعبرون عنه تعبيرًا يدل عليه، فيقولون: إن هذا الرجل أو المرأة أو الشيء خفيف الروح أو ثقيله، خفيف الدم أو ثقيله، خفيف الظل أو ثقيله، وهي كلمات لا تسعفك في الإيضاح، بل هي غامضة غموض الأصل، فما خفة الروح؟! وما خفة الدم؟! إن الروح بالمعنى المعروف شيء وراء المادة ليس له وزن ولا حجم حتى يكون خفيفًا أو ثقيلًا، وأنت لو وزنت قيراطًا من ثقيل الدم لوجدته يساوي مثله من خفيف الدم، فكل هذه الاصطلاحات اصطلاحات غامضة لمعان غامضة، بدليل أنك قد ترى امرأة انطبق عليها كل شروط الجمال كما يفصله علماء الجمال، ومع ذلك تقول: إنها فقدت خفة الروح؛ فإذا سئلت عن تحليل هذا اللفظ أجبت بكلمات مترادفة لا تشرح ولا تعلل، وقد تفضل عليها امرأة أخرى لم تبلغ هذا المبلغ من الجمال، بل قد يكون فيها قبح في بعض أجزائها، وذلك لما تدعيه من خفة روحها.
هذا ما فكرت فيه عند سماعي القصة التي رويتها، وأخيرًا أوصلني هذا التفكير إلى الحيرة والغموض، فهل عند السادة علماء النفس المتخصصين فيها، المتبحرين في دراستها، ما يذهب بهذه الحيرة ويكشف هذا الغموض؟

بين الماضي والمستقبل


اعتاد الإنسان أن يقلل من شأن حاضره ويعلي من شأن ماضيه أو مستقبله، وسبب ذلك أن الحاضر هو الواقع وهو الملموس وهو المحسوس، وأما الماضي وأما المستقبل فيلعب فيهما الخيال ويسبغ عليهما كثيرًا من الجلال.
والإنسان هو الوحيد بين مخلوقات الأرض الذي يشعر بنفسه، ويشعر بالعالم حوله، ويستطيع أن ينظر من خارج نفسه إلى نفسه، وينظر من نفسه إلى العالم الذي يحيط به، فدفعه ذلك إلى كثرة السؤال: من أنا في العالم؟ ما علاقتي به؟ ما معنى هذه الحياة القصيرة التي يعقبها الموت؟ كيف كان العالم قبلي؟ كيف يكون العالم بعدي؟ … إلى كثير من مثل هذه الأسئلة.
وقد اشتركت الأساطير والفلسفة والدين في الإجابة عن هذه الأسئلة، وتطورت نظرات الناس إلى الماضي والمستقبل حسب اختلاف البيئة الاجتماعية، فكثير من الأمم قدَّسوا الماضي وعدُّوه هو العصر الذهبي، ورأوا أن العصر الذي يعيشون فيه عصر انحطاط وتدهور؛ ففي عهد الأساطير عند اليونان كانوا يعدون عهد (كرونوس) عصرًا ذهبيًّا، ويعتقدون أن الناس كانوا يعيشون فيه عيشة الآلهة أو ما يقرب من الآلهة؛ فلما تجاوزوا عصر الأساطير كانوا يعتقدون أن عصر المشرعين أمثال ليكورغ وصولون هو العصر الذهبي لليونان، وأن أملهم وطموحهم إنما هو في عودة ذلك العصر السعيد.
ثم جاءت النصرانية، وجاءت القرون الوسطى، واضطهد الناس أشكالًا وألوانًا، وفقدوا حريتهم، ووقعوا تحت نير الاضطهاد والاستعباد، فرأوا أن الحياة التي يعيشونها لا قيمة لها، ولا أمل فيها، فوجهوا نظرهم إلى الحياة الأخرى وحدها؛ حيث النعيم المقيم، والسعادة الأبدية، واعتقدوا أن العيشة الحاضرة ليست إلا فترة ضئيلة من الحياة تنقضي على أي شكل كان، فما هي إلا قنطرة يعبر عليها السائر إلى الآخرة.
حتى جاء العصر الحديث؛ ونهض الأوربيون نهضتهم، وتحرروا كثيرًا من ظلم حكامهم، وسلطة كنيستهم، وأصبحت حكومتهم في أيديهم، يسيرونها وفق رغباتهم، فتحول الناس من النظر إلى العصر الذهبي الماضي أو الحياة الأخرى بعد الموت، إلى النظر لحاضرهم في الدنيا ومستقبلهم فيها.
وأكبر عامل في عصر النهضة لهذا التحول هو العلم التجريبي الذي فتح مجال الأمل لتحسين الحياة الحاضرة التي نحياها، وبشر بأن في استطاعة العقل الإنساني بعلمه وتجاريبه أن يسيطر على البيئة التي حوله؛ لينظمها في تحقيق سعادته.
وأخذ ينظر إلى الطبيعة على أنها محكومة بقوانين ثابتة يمكن استكشافها، وأن من الممكن للإنسان أن يصادق هذه الطبيعة ويستخدمها في منفعته متى استكشف قوانينها.
وكفر المحدَثون بخرافات العصر الذهبي الماضي؛ وقالوا: إن عقولنا أنضج من عقولهم، وإذا كان زمنهم زمن الطفولة فزماننا زمان الشباب، وإننا بعقولنا نستطيع أن نصل إلى خير مما وصلوا إليه، وأن نقرأ كتاب العالم خيرًا مما قرأوه، ونفسره خيرًا مما فسروه، وإن هذه القداسة للقديم خرافة لا يصح أن يستنيم إليها العقل الحاضر؛ وعلى هذا الأساس عمل الناس على إصلاح حاضرهم والتغلب على مشاكلهم، ولم تعد الرهبنة أخلاقية راقية، وإنما الأخلاقية الراقية هي بذل الجهد في إصلاح الحاضر.
وشاع في الناس — على أثر ما شاهدوه من تقدم — الأمل في مستقبل باهر على ظهر هذه الدنيا ينعم فيه أجياله بالسعادة والهناء، وزادهم طمأنينة إلى حاضرهم ومستقبلهم ما شاهدوه من عجائب المخترعات، وزيادة الثروة، ونمو المدن، وتقدم وسائل النقل والمواصلات، وإمكان الوقاية من الأمراض وتحسن الصحة، ووسائل الراحة في الحياة البيتية، وغير ذلك.
وظلت هذه الآراء والأمل في المستقبل سائدة على العالم الأوربي؛ حتى صدمته الحرب العالمية الأولى، فأخذ يفكر من جديد: ماذا عسى أن يكون المستقبل والحروب بين الناس طاحنة، وويلاتها مرعبة؟! واشتد ضعف الأمل في المستقبل بالحرب العالمية الثانية وما أعقبها من اكتشاف القنابل الذرية، وتوقعهم حربًا شعواء تجتاح الأخضر واليابس، بل لعلها تقضي على المدنية بأكملها؛ وبذلك تزعزع الإيمان بالحاضر والمستقبل، وبعد أن كان العلماء الاجتماعيون يقولون بأن التقدم حاصل لا محالة، وأن الحاضر خير من الماضي، والمستقبل خير من الحاضر من غير قيد ولا شرط، إذا بهم يضعون القيود والشروط لسعادة الإنسان المستقبلة، ويقولون: إنما يسعد إذا سلك سبيل العقل والحكمة، ولكن أنى له هذا العقل وهذه الحكمة؟!
فإذا نحن نظرنا إلى العالم الإسلامي في ضوء هذا وجدنا أن العرب في جاهليتهم كثيرًا ما كان يرد على ألسنتهم النظر إلى الماضي وإكباره، والنظر إلى الحاضر واستصغاره، من مثل قول لبيد:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم وبقيت في خَلْف كجلد الأجرب ومثل ما عند العرب من أساطير تشير إلى ضخامة أجسام الأقدمين، وطول أعمارهم، ونحو ذلك.
فلما جاء الإسلام احتقر الماضي العربي وسماه الجاهلية، واحتقر مبادئه وتعاليمه وأصنامه، ووضع أسسًا جديدة للحياة؛ عمادها — من حيث موضوعنا — النظر إلى الدنيا وإلى الآخرة جميعًا؛ ويتلخص هذا المبدأ في قوله عليه السلام: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا». لقد كره الإسلام الرهبانية واعتزال الحياة، وسمح لكل امرئ أن يعمل حسبما يُسِّر له، وأن يستمتع بالحياة كما يشتهي في الحدود المشروعة؛ فله أن يأكل أحسن المأكل، ويلبس أحسن الملبس، ويسكن أحسن المسكن، ولكن يراعي الله في تصرفاته، فلا يفرط فيفقد رجولته، ولا يسرف فيظلم غيره؛ ويجب أن يراعي في كل تصرفاته أن وراء الحياة الدنيا حياة أخرى يواجه فيها ربه؛ فيسأله عما عمل في حياته.
وقد بلور القرآن هذا المعنى بقوله: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ? وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. ولذلك كان كثير من كبار الصحابة الذين لا يشك في فهمهم للإسلام حق الفهم والتزامهم لمبادئه؛ يستمتعون بالحياة الدنيا أحسن استمتاع؛ مع التزامهم حدود قوانين العقل والشرع، ويرون أنه من الممكن لهم أن يبلغوا الكمال من غير أن يميتوا شهواتهم، أو يتجردوا من ملاذهم، على عكس ما كان من المبادئ البوذية والمسيحية التي ترى أنه من المستحيل بلوغ الكمال إلا بإماتة الشهوات؛ وبذلك ساير الإسلام الغرائز الطبيعية، ولم يقضِ عليها؛ بل حَدَّ من سلطانها، وأوسع المجال أمام كل فرد أن يكمل نفسه حسب استعداده وحسب مزاجه وملكاته، فمن شاء فليزهد، ومن شاء الاستمتاع بالحياة فليستمتع؛ ومن شاء التوسع في مجال الحياة فليتوسع، ولكن يجب أن يكون كل ذلك في الحدود المشروعة، ومع مراعاة الآخرة.
ومن أجل ذلك أيضًا اتجه المسلمون في أول أمرهم إلى أن يعيشوا عيشة العزة، وأن تكون كلمتهم العليا، وكلمة غيرهم السفلى، وأن يتوسعوا في الفتح ما أمكن، لا للاستعمار المعروف اليوم في القضاء على الأمة المفتوحة واستغلالها في مصلحة الفاتح، ولكن لنشر الدعوة، وأن يكون لأهل البلاد من الحقوق والواجبات ما للفاتحين؛ فإن حصل خطأ في تاريخ الإسلام في سوء المعاملة؛ فالذنب ذنب المسلمين، لا ذنب الإسلام نفسه.
إلى جانب ذلك نظر الإسلام إلى العالم على أنه كتاب الله المفتوح، الذي تتناغم كل أجزائه وتنسجم؛ لأنها من تأليف إله واحد، وقد أودع فيها من القوانين ما يجب على الإنسان أن يتعرفها ما استطاع، لذلك هجم المسلمون الأولون على العلم الذي كان معروفًا عند غيرهم فاقتبسوه، سواء ما كان عند الفرس، وما كان عند اليونان، وما كان عند الهنود، وكل ما فعلوا أن صبغوا أن هذه المعارف بصبغة تتناسب مع لون الإسلام والعقيدة الإسلامية، من توحيد الخالق وعظمته وسلطانه؛ ولذلك بلغوا في هذه العلوم ما جعلهم أعلم أمة في عصرهم، ولو سارت الأمور على طبيعتها لاستمروا في درسهم وبحثهم، واكتشاف القوانين المبثوثة في العالم في نمو واطراد.
فالمسلمون بلغوا ما بلغوا من العلم بداعي دينهم، على حين أن الأمم الأوربية سارت إلى العلم على الرغم من كنيستها.
وفي هذه الأثناء كان المسلمون ينظرون إلى الماضي — أعني إلى عصر النبوة والخلفاء الراشدين — على أنه العصر الذهبي، وهم محقون في هذا من الناحية الدينية؛ لأن العصر الذهبي للإسلام من حيث منبع الدين ومن حيث اتباع تعاليمه كان في ذلك العصر، لكن ليس هذا عصرًا ذهبيًّا من ناحية العلوم والمعارف الأخرى.
فلما انحط شأن المسلمين — بما توالى عليهم من ظلم الحكام وفساد الحكم، وتملك زمام المسلمين من ليسوا مسلمين إلا بالاسم، وطال عليهم الأمد في ذلك — فقدوا عزتهم، وفقدوا تقويم حاضرهم، وأصبحوا لا يملكون إلا افتخارًا بالماضي وأملًا مشوهًا في الحياة الأخرى، واستخدم هؤلاء الحكام الظلمة علماء الدين في أن يبثوا بين العامةِ الزهادةَ في الحاضر، واحتقار الدنيا وشئونها والهرب منها، وتوجيه كل رغباتهم وآمالهم وسعادتهم إلى الحياة الأخرى، ولتكن الدنيا بعد ذلك ما تكون، لا بأس من قضائها في شقاء أو فقر أو بؤس، فهي قصيرة الأمد، وكانت هذه كلها دعوة ماكرة من ظلمة الحكام؛ ليستأثروا بالسلطان والجاه والغني والثروة، وغفلة من العلماء الذين تحمسوا لهذه الدعوة في سذاجة، أو خداعًا بعرض من الدنيا قليل.
نعم؛ إن في الإسلام ما يدل على أن الدنيا قنطرة الآخرة، وأن الحياة الأولى دار ممر لا دار مقر، ولكن مجموع تعاليم الإسلام تدل على أن الدنيا قنطرة لها قيمتها، ودار ممر؛ ولكن يجب أن يعمل لها وتوجه العناية بها، ويسودها العدل ما أمكن، وتقاوم الظلم ما أمكن، ويعيش الناس فيها أسعد ما يكونون ما أمكن، أما التعاليم الأخيرة فتقضي بأنها قنطرة لا قيمة لها، ودار ممر لا يؤبه بها، وفرق كبير بين التعليمين والمبدأين.
كان من نتيجة هذا الفساد أن عدم المسلمون النظر إلى حاضرهم، ولم يكن يروح عن نفوسهم إلا النظر إلى الماضي، والافتخار به، والاعتزاز بروايته، كالتاجر الذي أفلس فأصبح يقلب في دفاتره القديمة، وإلا النظر إلى المستقبل رجاء السعادة في الآخرة، ولعبوا بفكرة المهدي المنتظر، وتوسعوا في وصف نعيم الآخرة، وأصبحت الحياة حياة أحلام، ولم يسمعوا لقول الشاعر:
إذا أنت لم تحمِ القديم بحادثٍ من المجد لم ينفعك ما كان من قبلُ ولذلك لما هاجمت المدنيةُ الغربيةُ العالمَ الإسلاميَّ كانت عبارة عن مدافع تهاجم أحلامًا، وقوى مسلحة تلاقي أوهامًا، فلما بدأوا في النهضة — بعد أن أفاقوا من ضربة الاستعمار — بدأوا ينظرون إلى حاضرهم في الدنيا، ولكن رأوا حاضرهم ضعيفًا هزيلًا بجانب حاضر الغربي، فاعتراهم مركب النقص، واتخذوا الحضارة الغربية إمامهم يقتبسون منها لتحسين حاضرهم، مع إحساسهم بذلتهم.
وكان هناك فرق كبير بين المسلمين الأولين يوم كانوا يقتبسون من حضارة الفرس والروم، والمسلمين اليوم وهم يقتبسون من الحضارة الغربية؛ كانوا أول أمرهم يقتبسونها اقتباس المعتز بدينه، وعقليته، وقوته، وحاكميته، وهم اليوم يقتبسون وهم يشعرون بشيء من الذلة، والمحكومية.
والحق أن لا بأس من اقتباس العلم الغربي، بل هو واجب، فالحياة لا يمكن أن تكون سعيدة إلا إذا أسست على العلم، وعلى إصلاح الحاضر، وعلى النظر إلى الحاضر في الدنيا، والمستقبل في الدنيا؛ ولكن يجب أن يضاف إلى ذلك عند المسلمين محاربتهم لمركب النقص هذا، وشعورهم بأنهم يرثون من دينهم قوة روحية فقدها الغرب، وأنهم يستطيعون بفضل تعاليم الإسلام أن يلونوا العلم الأوربي لونًا روحيًّا خَيِّرًا يصح أن يستخدم في خير الإنسان، إن العلم الذي لا دين له ينتج القنبلة الذرية؛ لإهلاك الإنسانية، ولكن العلم الذي له دين ينتج اكتشاف قوانين الذرة؛ لخير الإنسانية.

نظرية طريفة


قرأت هذه الأيام كتابًا طريفًا لكاتب صيني،? يرى في أحد فصوله أن لكل أمة مزاجًا، وهذا المزاج يتكون من عناصر أربعة: عنصر الواقع، أو بعبارة أخرى: النظر إلى الوجود كما هو موجود، وعنصر الحلم أو الخيال أو المثالية، وعنصر المرح أو روح الفكاهة، وعنصر الحساسية أو قوة الشعور بالأحداث، وأن الواقعية والمثالية هما العاملان الأساسيان في حياة الأمم وتقدمها، وأن طينة الإنسانية تندى وتلين وتقبل التشكل بفضل عنصر المثالية، ولكن مادتها تبقى متماسكة مصونة بفضل عنصر الواقعية، ولا بد منهما معًا في حالة تعادل، وبنسب صحيحة؛ حتى تبقى الطينة متماسكة وتبقى ندية لينة، فإن غلبت الواقعية كانت الطين جافة أو قريبة من الجفاف، لا تقبل التشكل، وإن غلبت المثالية كانت مائعة أو قريبة من الميوعة، لا تقبل التشكل أيضًا. وهذان العنصران في حالة مشادة دائمة في الأفراد والجماعات والأمم، وكلما اعتدلت نسبة التمازج كان التقدم أوضح وأسرع، وهو يرى أن الأمة الإنجليزية — من بين الأمم — أعدل مزاجًا، وأصح نسبة بين الواقعية والمثالية، وكأن طينتها لا قست ولا ماعت، على حين أن بعض الأمم كثيرة الاضطرابات أو الثورات؛ لأنها حقنت بمادة مثالية غريبة عنها لم تهضمها، جعلت طينتها أقرب إلى الميوعة، غير مستطيعة أن تحتفظ بشكلها.
وكثيرًا ما يطير الإنسان على خياله الجامح ويتعلق بأحلامه الواهية؛ فمن حسن حظ الإنسان أنه مُنِحَ روح الفكاهة، ووظيفتها أن تنقد الجامح في الخيال، المتعلق بأوهام الأحلام؛ لترده إلى الحقيقة وتنزله إلى أرض الواقع، نعم؛ إن من حق الإنسان أن يحلم، ولكن من واجبه أن يسمع الضحك على أحلامه، وهذا ما تفعله الفكاهة، فالفكه أو المازح يحذِّر الحالم الهائم أن يصطدم بصخرة الواقع.
ثم قال: إنه يود أن يضع لهذه العناصر قوانين أشبه بما يضعه علماء الكيمياء، ولكن حذارِ أن تنتظرها قوانين دقيقة كقوانين الكيمياء، أو أن تأخذها قضايا لا تقبل الزيادة والنقص، ولا التعديل والتغيير كقوانين الطبيعة، فقوانينه قوانين مرنة، قابلة أن يشكلها الباحث حسب بحثه واقتناعه، فمن قوانينه التي ذكرها: (?) واقعية من غير مثالية = حياة حيوان.
(?) واقعية + أحلام = مثالية.
(?) أحلام + فكاهة = أوهام.
(?) واقعية + أحلام + فكاهة = حكمة … إلخ.
واصطلح على أن يجعل كل عنصر من هذه العناصر الأربعة (الواقعية والمثالية والفكاهة والحساسية) إذا بلغ درجة (?) فشاذ، أعلى مما يلزم، وإذا بلغ (?) فمرتفع، وإذا بلغ (?) فمعتدل، وإذا بلغ (?) فمنخفض، وكل أمة لديها هذه العناصر الأربعة ولكن بأقدار مختلفة، وهي تسير في الحياة وتتصرف في الأحداث وفق امتزاج هذه العناصر ومقاديرها، وضرب أمثلة لذلك حسب رأيه ودرسه كما يأتي: واقعية (?) مثالية (?) فكاهة (?) حساسية (?) = الإنجليز.
واقعية (?) مثالية (?) فكاهة (?) حساسية (?) = فرنسيون.
واقعية (?) مثالية (?) فكاهة (?) حساسية (?) = أمريكيون.
واقعية (?) مثالية (?) فكاهة (?) حساسية (?) = ألمان.
واقعية (?) مثالية (?) فكاهة (?) حساسية (?) = روس.
واقعية (?) مثالية (?) فكاهة (?) حساسية (?) = صين.
وعلل بعض ما يبدو في الأمم من مظاهر بهذا المزاج؛ فالفرنسيون — مثلًا — يميلون إلى النظريات المجردة وسعة الخيال، كما تتجلى في أدبهم وفنهم وكثرة حركاتهم السياسية، وذلك ناشئ من علو درجتهم في المثالية، والصينيون أعرق الناس في الواقعية، والألمان أحوج الناس إلى روح الفكاهة، قال: «ولقد كدت أعطيهم في ذلك صفرًا». وهذا ما أتعبهم في السياسة في الماضي والحاضر، ولو مُنِحُوا قدرًا كافيًا منها لتغير تاريخهم وتغير وجه الحرب.
ثم ذكر أن المثل الأعلى لأمة أن يكون قانونها: واقعية ? مثالية ? فكاهة ? حساسية ?
وأقرب الأمم إلى هذا المثل الإنجليز.
ولقد وضعت الكتاب من يدي بعد قراءة هذا الفصل وتساءلت: كم نضع من الدرجات للمصريين في هذه العناصر الأربعة؟ ووجدت السؤال صعبًا، ولكن لم أيأس من محاولة الإجابة عنه.
في نظري أن المصريين يغالون في الواقعية ويقصرون في المثالية، فلو نالوا أربع درجات في الواقعية نالوا درجة واحدة في المثالية، ومن أجل هذا يغلب عليهم احتذاء التقاليد، والأوضاع القديمة؛ حتى التي كانت في عهد قدماء المصريين التزامًا للواقع، وهم بطيئو التغير والتحسن في نظم حكومتهم، وفي مرافقهم السياسية والإدارية والاجتماعية؛ لأن هذا التحسن ينشأ أولًا من الأحلام، أو بعبارة أخرى من المثالية: ثم ينقلب الحلم إلى واقع، فلما نقصهم الحلم نقصهم التغير، وطبعوا بطابع «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون»، ودع عنك حفنة من الناس في المدن يحلمون ويتغيرون، فالحكم على الأمة يجب أن يكون على الأعم الأغلب؛ من فلاحين وصناع وهم جمهور الشعب، وهؤلاء لو قارنتهم بأمثالهم من قدماء المصريين لم تجد بينهم كبير فرق.
وحتى الآداب والفنون عندهم تنقصها الأحلام والخيالات، ولذلك ضعفت القصة في أدبهم، وكثرت الحكم؛ لأن الحكم واقعية والقصة خيالية، والأدب المصري يسير سيرًا تقليديًّا، إما تقليدًا للأدب العربي القديم، أو للغربي الحديث؛ وقل فيه الابتكار؛ لأن الابتكار خلق، والخلق يحتاج إلى تصميم، والتصميم يحتاج إلى خيال أو مثالية.
ولعل هذا هو شأن الشرق بأجمعه، لا المصريين وحدهم، فإن صح هذا وجب على المصلحين أن يؤسسوا إصلاحهم وبرامجهم على الإقلال مما يسبب الواقعية والإكثار مما ينمي المثالية.
قد أكون مخطئًا في تقديري؛ ولكني أقول كما يقول زميلي الصيني: إن هذه الأحكام لم تبلغ من الدقة مبلغ قوانين الطبيعة والكيمياء.
أما روح الفكاهة فهي نامية عند المصريين، وقد خففت عنهم كثيرًا من متاعبهم، بل وقد تكون حفظت عليهم وجودهم؛ فما تحملوه من ضغط آلاف السنين كان يكفي للقضاء عليهم لولا روح الفكاهة، فأنا أقدر روحهم الفكاهية بثلاث درجات لا أقل، وإذا احتاج هذا العنصر إلى إصلاح فليس أن يزيد أو ينقص، ولكن أن يشذب ويهذب، ويرقى في موضوعاته وأساليبه.
ثم إن المصريين كالفرنسيين ينالون ثلاث درجات في الحساسية، فهم سريعو الرضا، سريعو الغضب، سريعو الانفعال في شدة؛ وقد يلاحظ عليهم أنهم ينفعلون لدواعي الحزن، أكثر مما ينفعلون لدواعي السرور؛ لأسباب تاريخية عميقة، وينفعلون للمسائل الشخصية، أكثر مما ينفعلون للأسباب السياسية والاجتماعية؛ ولكن كلامنا الآن في وجود العنصر ومقدار كميته، لا كيفيته واتجاهاته.
واستمر المؤلف في تطبيق نظريته، فطبقها على الكتاب والشعراء، ورأى أنهم يختلفون في مقادير هذه العناصر الأربعة، ولكن لا بد أن يكون الشاعر — مثلًا — على قدر كبير من الحساسية، وإلا لما كان شاعرًا، وقال: إنه درس طويلًا ليصل إلى تقدير بعض الشعراء بهذه المقاييس فوصل إلى النتائج الآتية: شكسبير: واقعية ? مثالية ? فكاهة ? حساسية ?.
هَيْني: واقعية ? مثالية ? فكاهة ? حساسية ?.
شيلي: واقعية ? مثالية ? فكاهة ? حساسية ?.
وجاء دوري في التفكير في بعض شعرائنا، فاخترت ابن الرومي والمتنبي، وأعطيتهما هذه الدرجات: ابن الرومي: واقعية ? مثالية ? فكاهة ? حساسية ?.
المتنبي: واقعية ? مثالية ? فكاهة ? حساسية ?.
وهذه النظرة تفتح لنا بابًا واسعًا في تقدير الكتاب والشعراء على هذا الأساس، وتبعثنا على التفكير: ما الدرجات التي يحوزها المثل الأعلى للشاعر؟ وأي الشعراء أفضل؛ من زادت مثاليته وأحلامه، أو من زادت حساسيته؟ إلخ.
وهي أسئلة تحتاج إلى درس طويل وتفكير عميق.
وأيًّا ما كان؛ فهذه النظرية التي عرضها الكاتب أطالت تفكيري، وأجالت خيالي، فأحببت أن أشرك القراء معي.
? هو Lin Yutang.
الحكمة في الأدب العربي


تحديد معنى «الحكمة» من أصعب الأمور؛ شأنها في ذلك شأن الكلمات المعنوية العامة، كالحرية، والجمال، والعدل، وكل ما يستطيعه المعرف أن يذكر أهم الخصائص المميزة للكلمة.
لقد عرفها بعضهم تعريفًا تقريبيًّا فقال: إنها «نظرة — عميقة عملية مباشرة — إلى معاني الأشياء وأغراضها، تصدر عن ذكاء حاد نفاذ دقيق الملاحظة، يستمدها من تجارب الحياة ومن مخالطته العملية بالحياة اليومية»، ويسمى الرجل ذو النظرات هذه حكيمًا، وتسمى الكلمة المشتملة على هذه النظرة حكمة، ومن هذا قيل: «إن من الشعر لحكمة»، وقيل: «الحكمة ضالة المؤمن»، وأحيانًا يلحظ في «الحكيم» أنه يضيف إلى هذه النظرات الصائبة العملَ على وفقها، ومن ذلك قوله تعالى: وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، وسمي لقمان حكيمًا؛ لأنه ينطق بالحكمة ويعمل بها.
•••

وأيًّا ما كان؛ فهناك فرق كبير بين الفلسفة والحكمة من وجوه؛ أهمها: أن الفلسفة تفكير منظم مبوب، تبنى مسائله على أساس منطقي يأخذ بعضه برقاب بعض، ويوضع لاحقه على أساس سابقه، أما الحكمة فنظرات لامعة خاطفة من هنا وهناك، وطابع الفلسفة طابع تحليلي، تأخذ الفكرة وتحللها وترجعها إلى أصولها وتبين نتائجها، وطابع الحكمة تركيبي يركز التجارب في جملة، ويجمع خلاصة التفصيلات في «برشامة»، ويعصر السحاب المنتشر، في قطرات المطر، والفلسفة تعتمد على التأمل، والتفكير العقلي، والقانون المنطقي، والحكمة تعتمد على الإلهام، والاستعداد الشخصي — مضافًا إلى ما ورثه من أمته — لاجتذاب المعنى العميق من الأحداث السطحية، واستخراج حبة الذهب من تل الرمال، واللؤلؤة الثمينة من أكوام الصدف؛ ثم إن الفلسفة أسلوب الخاصة وعقلية الخلاصة، فلا عجب أن يلفها الغموضُ وتعقدُ الأسلوب، أما الحكمة فثقافة شعبية يدركها الخاصة والعامة على قدر زكانتهم وأحيانًا تكون في شكل جمل مركزة رزينة جميلة، ويفسرونها بمقدار مواهبهم، ومن أجل هذا صيغت الفلسفة صياغة معقدة ثقيلة، وصيغت الحكمة صياغة خفيفة رشيقة.
إن شئت مثلًا للموازنة فاقرأ باب السياسة في كتاب «عيون الأخبار» لابن قتيبة، أو «العقد الفريد» لابن عبد ربه، وهو الباب الذي سمياه «كتاب السلطان»، ثم اقرأ فصلًا من فصول كتاب السياسة لأرسطو؛ تخرج بالنتائج التي ذكرتها؛ نظرات عملية، تجريبية، ملهمة، مفرقة، مركبة، مصوغة صياغة جميلة (في الأول)، ونظرات منطقية، تحليلية، تأملية، مرنة، معقدة (في الثاني)؛ فالأول حكمة، والثاني فلسفة.
•••

والأمثال يعد كثير منها ضربًا بدائيًّا من ضروب الحكمة، وهي والحكمة — عامة — تكاد تكون في كل جماعة، وكل أمة؛ بدوها وحضرها.
ولكن ما يلفت النظر ويبعث على التفكير غزارتها وكثرتها في الأمم الشرقية كالمصريين، والبابليين، والصينيين، والهنود، والعبرانيين، والعرب، بل أحزر — وإن لم أتيقن بعد — أن الأمثال والحكم اليونانية صدرت عن اليونانيين الذين كانوا في آسيا الصغرى، أكثر مما نبعت من اليونانيين في أوربا، فتلحظ الكثرة الوافرة من الحكم الهندية في مثل كليلة ودمنة، والعبرية في كثير من أجزاء التوراة، والمصرية فيما يرويه علماء الآثار المصرية من أمثال؛ ولعل الأمم السامية في ذلك أوفر حظًّا، ولعل العرب من بينهم أعلى شأنًا؛ فحكمهم تمتاز مع كثرتها؛ بلمعان الفكرة، وجزالة العبارة، وتركزها، وشدة العناية بالناحية الخلقية، كما يقرر ذلك بعض علماء المقابلة بين الأمثال.
وهذا يدعو — بحق — إلى التفكير في علة غزارة هذا النوع من الأدب في هذه الأمم الشرقية؛ ولعل مما يلفت النظر أيضًا ظهور الأديان العظيمة في مواطن الحكمة، فالأديان أقرب إلى الحكمة منها إلى الفلسفة.
قد يقال: إن كثرة غزارة الحكمة في الشرق، وتفوقه على الغرب، أن الحكمة — كما قلنا — تنبع من الإلهام، والفلسفة تنبع من المنطق والتفكير العقلي، والشرق معروف من قديم بأنه موطن الإلهام، فكان أكثر حكمة.
وقد يقال: إن مزاج الشرق تركيبي، ومزاج الغرب تحليلي، فازدهرت الحكمة في الشرق؛ حيث المزاج التركيبي، وازدهرت الفلسفة في الغرب؛ حيث المزاج التحليلي؛ ولكن التهجم في تعيين خصائص للأجناس أو للأقطار في منتهى الخطورة، ويجب أن يعالج بكثير من الحذر.
قد قال قوم: إن الحكمة خاصة البدائيين، وإنها المادة الأولى التي يبني عليها الفلاسفة فلسفتهم، فإذا وفق البدائيون للحكمة؛ أخذها الفلاسفة وحللوها ورتبوها وشرحوها وعللوها وأنتجوها، فكانت الفلسفة، ولكن لا أظن هذا صحيحًا، فالفلسفة غير الحكمة، وهما مختلفان في المنبع والمصب، ولكلٍّ طريقه، ولكلٍّ أدواته، وليست الفلسفة طبقة عليا بُنيت على الحكمة، ولكن الفلسفة والحكمة بيتان عاليان مختلفان.
•••

والحق أن الأدب العربي غني بالحكم غنى عظيمًا، ولئن تفوقت الآداب الغربية بالقصص، فالأدب العربي يتفوق بالحكم، وتعليل ذلك يحتاج إلى درس طويل.
وسواء في غنى الأدب العربي نثره وشعره في جميع العصور؛ ففي النثر نجد الخطيب قد يخطب وخطبته كلها ليست إلا حكمًا متراصة، وأبدع في الجاهلية كثير من أمثال أكثم بن صيفيّ، وتتابع التدفق في الإسلام من أمثال حكم الأحنف بن قيس، وما روي عن علي بن أبي طالب من الحكم، وما ملئت به كتب الأدب أمثال عيون الأخبار والعقد الفريد، حتى البُلْه، والمجانين، والحمقى، والمغفلون رويت لهم الحكم الرائعة.
وتنوعت مناحي الحكم تبعًا لتنوع مناحي الحياة؛ من حكم خلقية، ودينية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وفنية، ومن الأسف أنها لم تدرس في الأدب العربي دراسة عميقة تكافئ ما لها من أهمية، كما تنوع شكل صياغتها؛ فأحيانًا تكون في شكل جُمل مركزة رزينة جميلة، وأحيانًا تكون في شكل قصص قصيرة، وأحيانًا في شكل حوار ظريف … إلخ.
والشعر العربي مليء كذلك بالحكم العظيمة من عهد لبيد وزهير بن أبي سلمى، وأبدع فيه أبو العتاهية حتى كانت له الأرجوزة الطويلة المعدودة بالمئات ليس فيها إلا حكم، ولا ننسى حكم المتنبي القوية الرائعة، ولا حكم المعري الزاهدة اللاذعة الحزينة … إلى كثير من أمثال ذلك مما لا يُعد ولا يُحصى، والذوق العربي العام يأنس بالحكم ويهتز لها، من حين شغف الناس بقصيدة زهير «ومن، ومن» إلى وقتنا هذا؛ حيث يصفق الجمهور لسماع أم كلثوم تغني بقول شوقي:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا وتجد أكثر شعراء العرب يقطعون شوطًا طويلًا أو قصيرًا في موضوعهم، ثم يرتاحون عندما يختمون هذا الشوط بحكمة، ولا تجد لذلك نظيرًا في الأدب الإنجليزي — مثلًا — مما يدل على شدة تأثر الذوق العربي بالحكم.
وعلى الجملة فهذه الثروة العظيمة من الحكم في الأدب العربي جديرة بالدرس، والغربلة، والاختبار، ولفت الأنظار.

الأمثال في الأدب العربي


أما وقد قلنا كلمة في الحكمة، فلنقل كلمة في الأمثال، وبينهما علاقة وثيقة، ولكن ليس كل مثل حكمة، ولا كل حكمة مثلًا؛ فقولهم: «لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل» حكمة لا مثل؛ وقولهم: «هو لا في العير ولا في النفير» مثل لا حكمة؛ وقولهم: «رأى الشيخ خير من مشهد الغلام» مثل وحكمة.
ذلك أنه يلحظ في المثل — عادة — الإيجاز، والمغزى، والطعم اللاذع أو الروح الساخر، والذيوع أو الشعبية، وبعض هذه مما يشترط في الحكمة، وبعضها مما لا يشترط، كالطعم اللاذع، فإنه شرط في المثل لا في الحكمة، وهو العنصر الفكاهي فيه الذي ينقد الحياة ويسخر من جانب من جوانبها، وهو الذي يجعل للمثل قوة التأثير وسهولة التعلق بالذاكرة، ويمهد له سبيل الذيوع، وشرط الشعبية لا بد منه في المثل لا الحكمة، فلا بد أن يدمغ بدمغة الشعبية ليكون مثلًا.
ثم إن صحة المعنى ومطابقته للحقيقة يلحظ في الحكمة أكثر مما يلحظ في المثل، فالمثل قد يدل على وجهة نظر قائليه، أكثر مما يدل على صحة معناه، ولذلك تجد المعنى الواحد قد عبر عنه بمثلين متناقضين، مثل: «اصرف ما في الجيب يأتِك ما في الغيب»، و«القرش الأبيض ينفعك في اليوم الأسود» وهكذا.
والأمثال أكثر تأثيرًا في الشعب من الحكمة؛ لأن الأمثال نبعت منه، ووعيت في ذاكرته، واحتضنها في قلبه، وكثيرًا ما تصرفه في سلوكه، سواء في ذلك الخاصة والعامة؛ فالخاصة كثيرًا ما تسمعهم يقولون: «في المثل كذا»، والعامة يقولون: «على رأي المثل كذا»؛ تبريرًا لسلوكهم، أو برهانًا على صحة كلامهم، أما الحكمة — إذا لم تكن مثلًا — فأثرها والاستشهاد بها من شأن الخاصة وحدهم.
•••

وإذ كانت الأمثال نتاج الشعب كله، وملك يديه جميعه، كان من الطبيعي أن يختلف مصدرها؛ فأحيانًا ينبع المثل من الطبقة الجاهلة غير المثقفة، وأحيانًا ينبع من الطبقة الراقية المثقفة، شأنها في ذلك شأن جميع أنواع الأدب الشعبي، كالأزجال، والمواويل، والأغاني، والقصص الشعبي، ولذلك تجدها أحيانًا وضيعة المعنى، وضيعة الأسلوب؛ مثل: «إذا دخلت على ناس يعبدون العجل حشّ وادِّي لُه» وأحيانًا تكون رفيعة المعنى عالية الأسلوب مثل «نفاق المرء من ذُلِّه»، «حسبه صيدًا فكان قيدًا» … إلخ.
ونبع المثل من الشعب أضفى عليه حلة جميلة؛ وهي اختفاء القائل وظهور المقول، كأنه الجندي المجهول،؛ فتراك تقول: قال فلان؛ وتنسب إليه شعرًا، وقال فلان؛ وتنسب إليه حكمة، ولكن قلَّ أن تقول: قال فلان؛ وتنسب إليه مثلًا، كأن الشعب يريد أن يحتفظ في المثل بملكيته العامة.
وأحيانًا ينبع المثل إثر حادث تاريخي؛ كأمثال العرب التي قيلت يوم «داحس والغبراء»، والأمثال التي نسبت لقصير بن سعد اللخمي مع جَذِيمة والزباء؛ مثل: «خطب يسير في خطب كبير»، وقول جَذيمة: «دعوا دمًا ضيعه أهله» … إلخ، وكثير من الأحداث الإسلامية التاريخية كانت مثار أمثال، وأحيانًا ينبع المثل إثر حادث جزئي؛ مثل قولهم: «ارقب البيت من راقبه» قيل بمناسبة أن رجلًا خلَّف عبده في بيته يحرسه، فرجع وقد ذهب العبد بجميع أمتعته، وأحيانًا يكون أصل المثل لغزًا أو رمزًا لشيء، ثم نسي الأصل وبقي المثل، أو رمزًا لقصة أو نحو ذلك.
•••

وصياغة المثل كثيرًا ما تحلى ببعض أنواع المحسنات، فأحيانًا تكون حليته السجع مثل: «يستف التراب، ولا يخضع لأحد على باب»، «موت في عز، أصلح من حياة في حجز»، وأحيانًا يتخذ شكل الحوار القصير مثل: «قيل للشحم: أين تذهب؟ قال: أقوم المعوج»، «قيل للشقي: هلم إلى السعادة، قال: حسبي ما أنا فيه»، وأحيانًا جماله في فكاهته مثل: «ثقيل واسمه صخر بن جبل»، «رأوا شيخًا يتهجى قالوا: يختم على الصراط»، «طفيلي ويجلس في الصدر» وأحيانًا في وزنه الشعري مثل: «كالكبش يحمل شفرة وزنادًا»، «ما الحب إلا للحبيب الأول» إلخ … إلخ … وهذا كله يحتاج إلى درس مستقل.
•••

وتلحظ في الأمثال ما لحظنا في الحكمة من أنها في الشرق أغزر منها في الغرب، وأن العرب من أكثر أمم الشرق أمثالًا، وأنها ظلت نحو ألف وخمسمائة عام تزيد في ثروتها المثلية، وكتاب ككتاب مجمع الأمثال للميداني على وفرته وغزارته وعظيم قدره، لا يمثل إلا جزءًا قليلًا من أمثال العرب؛ فقد كانت اللغة العربية لغة أمم مختلفة؛ من فرس، وهند، ومصريين، وسوريين، وعرب خلص، ولكل من هذه الأمم أمثال طبعت بطابعها، ونشأت في حالات اجتماعية مختلفة؛ من ذل، وعز، وكبرياء، وخضوع، واستبداد، واستعباد، وغنى، وفقر، وكانت هذه الشعوب تنفس عن نفسها بأمثالها، وقد صيغت الأمثال العربية أحيانًا باللغة الفصحى، ورويت كذلك في مثل كتاب الميداني، وأحيانًا رويت باللغة العامية؛ كما في الفصل الذي عقده الأبشيهي في كتابه (المستطرف في كل فن مستظرف)؛ فقد نقل فيه صورة طريفة من الأمثال التي تجري على ألسنة الناس في عصره وفي بيئته، بجانب ما رواه من الأمثال باللغة الفصحى.
•••

وأهمية الأمثال تأتي من ناحية أنه لو عرفت أمثال كل أمة في عصر من العصور؛ أمكن الاستدلال بها على كثير من شئونها الاجتماعية، والدينية، والاقتصادية، والسياسية، والخلقية، فهناك أمثال تمثل حياة البدو، وأمثال تمثل حياة الحضر، وهناك أمثال تمثل حياة أمة في حالة العز والمجد، وأخرى في حالة التعفن، وهكذا.
كما يمكن درس الأمثال من حيث تأثيرها في سلوك الشعب، واستجابته لها، وخضوعه لتعاليمها، فالأمم الإسلامية تأثرت تأثرًا كبيرًا بأمثال القرآن؛ مثل: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَعَسَى? أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، وكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ … إلخ، وبالأمثال الواردة في الحديث مثل: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، «يد الله مع الجماعة» … إلخ، وبالأمثال الدائرة على الألسنة من أمثال العرب أو المولدين أو العامة، وكانت كلها دروسًا أخلاقية تلقن للشعوب في جميع الأجيال، ثم هي موضع خصب لدراسة أدبية من ناحية أسلوبها، وفنها، وطابعها، وخصائصها التي تمتاز بها عن موضوعات الأدب الأخرى.
وقد يكون مما يستحق النظر أني ألحظ قلة أثر الأمثال ودورانها على الألسنة، والاستشهاد بها في السلوك عما كانت عليه منذ جيل؛ فقد كنت أسمع جدتي ووالدتي وأهل حارتي يكثرون من استعمال الأمثال والاستشهاد بها، فقلَّ ذلك في عصرنا الحاضر، وهي على ألسنة المثقفين اليوم أقل منها على ألسنة العامة، فهل هذا أثر من طغيان المدنية الحديثة التي لا تقوِّم الأمثال كثيرًا؛ وقد نحا أدباء العربية منحى أدباء الغرب وتذوقوا بذوقهم، فقللوا مثلهم من الاعتماد على أمثالهم، وحذا المثقفون حذوهم، أم أن الاعتماد على الأمثال وكثرة اقتباسها ضرب من ضروب البدع (المودة) نستخدمها في حال، ونهجرها في حال، وكل يوم هي في شأن؟!
كل هذا وأمثاله مجال للنظر العميق والدرس الدقيق.
ويكفيني الآن أن أوجه النظر وأثير التفكير.

سؤال وجواب


كتب إلي شاب سوري يقول: نحن الشباب المتعلم تغمرنا موجة من الحيرة والاضطراب والقلق، ننظر في كل ناحية من نواحي الحياة فينقبض صدرنا ولا ينطلق لساننا، سواء في ذلك حالتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية؛ وما يزيدنا أسفًا شعورنا بركود الأحوال، والخوف من سوء المآل، وقلة الرجال؛ ثم ننظر إلى أنفسنا فنجدنا مملوئين غيرة وحماسة وحبًّا للإصلاح، ولكنا لا ندري ماذا نعمل وكيف نعمل، فتخمد غيرتنا وتفتر حماستنا ويستولي علينا ما يشبه اليأس، ثم سرعان ما يجري الدم حارًّا في عروقنا؛ فننفض هذا الشعور اليائس البغيض ونستعد للعمل، ثم لا نجد ما نعمل، وهكذا أصبحت حياتنا ذبذبة بين اليأس، والرغبة في الإصلاح، وهي حال تستوجب الكرب، وتحرج الصدر، فهل عندكم من علاج؟!
الحق أن سؤالك حيَّر الكهول والشيوخ كما حيركم — أيها الشباب — وليس الأمر مقصورًا على قطركم، ففي كل حارة مأتم، وفي كل شارع جنازة، والمصائب موزعة، والكوارث مقسمة، والشرق كله في أزمة، أزمة اقتصاد، وأزمة أخلاق، وأزمة رجال؛ وقد دلت الحوادث على أن قادتنا أقصر باعًا وأضعف قوة، وأنهم يهزلون في الجد، ويلعبون يوم الروع، وقصاراهم أن يلفوا حول العُقَدِ ولا يحلُّوها، ويدعوها للزمن يحلها، والزمن يزيدها تعقدًا، وينتهزوا الفرص لجر المغانم لأنفسهم وأهليهم؛ ولو على حساب أمتهم، ثم لو كانوا منتحين ناحية من العالم وحدهم، لهم خيرهم وعليهم شرهم لهان الأمر، ولكن العالم حولهم متربص بهم، يفتح عينه كالصقر، فإذا رأى غفلتهم افترسهم، وإن أحس نومهم دارسهم وسار إلى الأمام على جثثهم؛ وما ظنك بقوم يتنازعون على التاريخ ولا يهمهم إصلاح الحاضر، أو يترامون بالتهم ولا يجتهدون في إزالة الأحقاد، أو يتركون النار تشتعل في البيت ويتخاصمون على ترقية فلان وتعيين فلان، أو يفرون من مواجهة الصعاب إلى مجادلات أفلاطونية، أو نحو ذلك من سفاسف الأمور؟! لئن ضاق صدرك — يا بني — لقد بكيت، وإن ألمت مما ترى فقد جزعت، ولكن لا بد أن أمسح الدموع وأتفاءل بكم، وأطرد الجزع وآمل في شبابكم، فحيرتكم علامة الحياة، وقلقكم دليل الغيرة، واضطرابكم آية الحب لبلادكم، وقوة الشعور بالألم بشير نهضتكم.
ربما كان سبب قلقكم وحيرتكم أنكم تريدون الإصلاح كاملًا لا ناقصًا، وغدًا لا بعد غد، وهذا ما تدعو إليه حماسة الشباب، ولكن تأباه طبيعة الأشياء.
مشكلة كثير من الشباب الصالح أنه ينطوي على نيات حسنة، ولكنه لا يحدد غرضه ولا يرسم الطريق إليه، ثم هو يستصغر نفسه وقوته إزاء العيوب الثقيلة التي يريد إزالتها، وإحلال النظام الصالح محلها؛ يضاف إلى ذلك أنه لم يرزق من القادة من يحدد له الغرض ويرسم له الطريق المستقيم، بل هو قد يصاب أحيانًا بقادة يضلونه ويغوونه، ويستغلون سذاجته، وطهارة قلبه؛ لخدمة شهواتهم، لا مصالح أمتهم.
إن الإصلاح — أيها الشباب — عسير؛ لأنه يحتاج إلى تغيير الروح السائدة في الأمة، والتي توجه الإدارة والسياسة والاقتصاد والتعليم، وهذه الروح متأصلة في الأعماق، متوارثة من عهد طويل، وتغيير الأرواح أصعب من تغيير الأشكال، ولكن يجب ألا تيأسوا، ويجب أن تعتقدوا أن في إمكانكم الإصلاح وإن لم يكن شاملًا كاملًا سريعًا؛ فمتى بدأتم في جيلكم؛ فسيسير خَلَفُكُمْ على منهجكم فيكملون الناقص، ويعدلون المعوج، ويغيرون من الروح، والتاريخ يدلنا على أن كثيرًا من أنواع الإصلاح في العالم كان فكرة نبتت في رأس فرد أو قليل من الناس، ثم كان من قوة الإيمان بها أن سادت الأمة، بل سادت العالم، هكذا كانت فكرة التسامح الديني، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحرية المرأة وتعليمها، وحقوق الإنسان، وكثير من مثل هذه الأفكار نادى بها أفراد قليلون، ثم اضطهدوا واضطهدت أفكارهم، ثم نجحت الفكرة وكادت تعم العالم.
إن الروح السائدة على المفكرين في الشرق اليوم هي روح النقد والهدم والشكوى من الحاضر، وقد يكون هذا حسنًا وجميلًا، ولكن يجب أن يكون بجانبها روح الإنشاء والتعمير والبناء، وأن نتعلم دائمًا أن نسائل أنفسنا ونقول: إذا نقدنا نظامًا؛ فما الذي نريد أن يكون بدل هذا المعيب المنقود؟ فإن هذا يحدد الغرض، ويسرع إلى الإصلاح، كلنا ينقد الحكومات في طريق سيرها، والمصالح في بطء أعمالها، والعدالة في نقصها، والمال في تبذيره في غير محله، والتقتير به في محله، والمحسوبية وفشوها، والإذاعة وسوء برامجها ونحو ذلك، ولكن كم منا وقف طويلًا أو قليلًا وتساءل: كيف يصلح هذا العيب؟ وما الجديد الصالح الذي يحل محل القديم البالي؟ وكيف العمل للوصول إلى هذه الغاية التي حُددت؟
أؤكد لك — أيها الشاب السائل — أن هذه الروح لو سادت فيك وفي إخوانك وحددت خطة البناء كما حددت خطة الهدم، وبُذل الجهد في عمل ما آمنتم به، لتغير وجه الأمة في كثير من الأمور؛ ولكن وجه النقص أنكم تألمون ألمًا عامًّا مائعًا غير محدود ولا مدروس، ولذلك يسرع إليه التبخر والفناء؛ فكم رأينا من شباب نقموا على الحاضر كما تنقم، وتمنوا الإصلاح كما تتمنى، فلما أُفْسِحَ لهم الطريق، وشغلوا مراكز حكومية أو غير حكومية؛ تمكنهم مما كانوا يدعون من إصلاح، لم يأتوا بأي إصلاح، وجرفهم التيار السيئ، بل وفيهم من كانوا أسوأ من سلفهم، وشرًّا على الأمة ممن كانوا هم ينقدونهم.
إن نقد الحكومة والمصالح والهيئات ونحو ذلك، إذا كان صادرًا عن مجرد الغرائز بالحب أو الكره، والميل أو النفور، والاستحسان أو الاستهجان، كان أليق بالحيوانات المتوحشة أو الإنسان البدائي؛ أما الإنسان المتمدن فيبني حبه وكرهه وميله ونفوره ونقده وتقريظه على الحجج المنطقية، والعلل العقلية، والبحوث العلمية، وهذا يسلمه إلى أن يبني إذا هدم، ويحيي إذا أعدم؛ فالشاب المثقف يجب أن ينقد نقدًا علميًّا، ويؤسس حياته، ويوجه نفسه، حسبما درس ونقد؛ وإذ ذاك لا يسمح لنفسه أن يشتغل صحافيًّا في جريدة لا يوافق على خطتها، أو ينتسب إلى حزب سياسي لا يرضى عن مبادئه، أو يقبل وظيفة، ثم يعمل ما عابه على أسلافه من تأخير في مصالح الناس أو قبول المحسوبية، أو يكون آلة في يد الرؤساء يسخرونه لقضاء مآربهم ولو خالفت العدالة والقوانين.
إن الشاب الصالح يرفض كل ذلك في إباء، ولو أدى إلى حرمانه من مرتب كبير، أو ترقية سريعة؛ فإن فعلت أنت وأمثالك ذلك أصلحتم من الأمة قدرًا لا يستهان به، وكونتم نواة لرأي عام صالح يجرف المفسدين والضالين.
قديمًا قالوا: إن الصبر عند الصدمة الأولى، فمتى انحنى الشاب في مستقبل حياته للتقاليد القديمة التي يمقتها، ومنى نفسه بالصلاح بعد الفساد، والاستقامة بعد الخنوع؛ فقد انهار كيانه وتقوض بنيانه، وخير لمن أراد أن يكف عن التدخين أو الخمر أن يكف بتاتًا من أن يتذبذب بين الشرب والإقلاع، وخير لمن أصيب بحب خائب أن يقطع حبله من أن يؤسس حياته على أوهام.
إن للشرق — أيها الشاب — فلسفة للحياة يجب أن تتغير، عمادها نظرة الأقوياء إلى أنفسهم دون الضعفاء حولهم، وانتهاز الفرص للإكثار من دخلهم والاستمتاع به، ولو من غير أداء واجب، ورضا الضعفاء عن حالهم من غير سعي في تحسينه، أو جد في تقويمه؛ ولا بد من تعديل هذه الفلسفة إلى فلسفة أخرى، عمادها أن الضعيف إنسان كالقوي له حقوقه، والعدالة حق مشترك لكل مواطن، وضرورات الحياة يجب أن تتوافر للجميع، والحكومات خادمة للشعب لا مسيطرة عليه، وإنما الذي يسيطر على الحكومة والشعب العدل والقانون.
قد كان مبلغنا — نحن الشيوخ — نحو هذه الفلسفة الجديدة أن نتصورها، فليكن مبلغ الشباب مثلك أن يحققها، والسلام.

المراهقة?


أصل رهق في اللغة بمعنى دنا وأزف، يقال: رَهِقَ مجيء فلان، إذا دنا وأزف، ويقال: صلى العصر مراهقًا، أي مدانيًا للفوات، فاستعملوا كلمة المراهق لمن دنا بلوغه، ولما لحظوا أن سن المراهقة طيش وخفة، قالوا: رَهِق الرجل إذا سفه وخفَّ.
وهي بهذا الوضع ليست مساوية تمامًا لكلمة adult الإنجليزية؛ لأنهم يطلقونها على ما قبل البلوغ إلى سن النضج، فهي في اللغة الإنجليزية أطول منها زمنًا. ولا بد لنا من دراسة الأمور الآتية حين نريد أن نقرر القيمة الاجتماعية لجيل من ذوي الأسنان المتحدة: (?) دراسة علمية للتطور البدني والعقلي.
(?) موقع أهل السن الواحدة من القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية، والواجبات، والامتيازات.
(?) مدى اشتراكهم في نواحي النشاط الاجتماعي والاقتصادي.
(?) الأفكار الدينية والأخلاقية الناتجة عن سلوكهم وقيمتهم الاجتماعية.
على هذه الطريقة درست فترة الطفولة، فعرف مثلًا أن التقدم البدني والعقلي في السنين الثلاث الأولى أكبر منه في سن السادسة إلى التاسعة أو من البلوغ إلى سن الحادية والعشرين، وكان لدراسة الطفولة دراسة علمية أعمق الأثر في نظامنا الاجتماعي الحديث.
أما المراهق فتعيين موقعه وتأثيره أصعب، فهو قادر بدنيًّا وعقليًّا، حين يكون مراهقًا طبيعيًّا لا شذوذ فيه، على أن يقوم بما يقوم به الكبير، كما يفعل ذلك في الأمم البدائية على وجه الخصوص، فهو يستطيع أن يكسب عيشه، وينتج نسلًا، ويقاتل، ويشارك في النشاط الاجتماعي والديني، غير أنه يظهر فجًّا فيما يتعلق بالنواحي الاجتماعية الدقيقة، وهو يبدو كبيرًا، وإن كان في حقيقته غير ذلك، وقد حرمته الشعوب — بدائية أو متحضرة — الاشتراك السياسي التام، وأعفته من كثير من المسئوليات الاجتماعية والقانونية، وهذا التصرف القائم على العرف ليس له ما يبرره من وجهة علمية.
وقد مرت دراسة المراهقة في أربعة أطوار: (?) الاتجاه نحو النمو البدني، وهو الاتجاه الفيزيولوجي.
(?) اتجاه علماء النفس لدراسة الخلافات الفردية، والتطور المستمر.
(?) تحليل ما اكتشف في الخطوتين السابقتين، وقيام نظرية أن دور المراهقة هو «دور العاصفة والكبت».
(?) التعريف بمشاكل المراهق من وجهة النظر الاجتماعية.
وقد وجدت طلائع الباحثين في الميدان الفيزيولوجي منذ ???? ونشطت الدراسات الفيزيولوجية بعد ذلك في كثير من الأقطار، وقد درس ب. ت بلدوين ??????? حالة، وخرج بعدة استنتاجات قيمة، فوجد أن هناك تذبذبًا في النمو والطول والوزن قبل البلوغ، ووجد بطئًا في النمو في نهاية الفترة السابقة للدراسة، وتصاعدًا فيه حوالي السابعة عند البنات والثامنة عند الأولاد، وانخفاضًا ملحوظًا في الزيادة المئوية للنمو في التاسعة عند البنات والحادية عشرة عند الأولاد، ويتبع ذلك طفرة من النمو تبلغ أشدها في الخامسة عشرة عند الأولاد، وفي –?? عند البنات، ووجد أن أول حيضة عند البنت الأمريكية الطبيعية تتراوح بين العاشرة والسابعة عشرة. وهناك إسراع في الطول والوزن والقدرة على التنفس في فترة المراهقة، وتغير عميق كذلك في النظام البدني؛ فالنمو عند البلوغ يترك أثرًا في كل جزء من الجسم — قل أو كثر — ولكن بنسب مختلفة، فبينا تكبر العضلات والقلب، يكاد الدماغ لا يتأثر أبدًا، وإذا بكر البلوغ صحبه توقف سريع في نمو القامة، ولكن يظل فعل النضج ساريًا في النواحي الأخرى.
وفي سنة ???? قامت هلن تومسن وولي بدارسة ???? مراهقًا بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة مقسمين إلى فئتين في العمل والمدرسة، وأجريت لهم اختبارات بدنية وعقلية سنويًّا لمدة خمس سنوات، وحصرت الدراسة على البيض الوطنيين في سنسناتي وأهابو، وأخذت لأول مرة في التاريخ قيود للمنزلة البدنية والعقلية عند نماذج من المراهقين من عام لعام، وسجلت تواريخ حياتهم المدرسية أو الصناعية، وأحوالهم البيتية وتواريخهم الاجتماعية إن كان ذلك مستطاعًا.
واحتوت اختبارات سنسناتي على قياسات للطول والوزن والطاقة والقوة اليدوية والثبات والسرعة والانسجام بين اليد والعين، واختبارات للذكاء شملت الذاكرة والإدراك والتمييز والتفكير … ودلت المقارنة بين طلاب المعمل وطلاب المدرسة أن الفريق الثاني أعلى من الأول في المقاييس البدنية والعقلية من ??–??. وهناك ما يشير إلى أن النمو العقلي يستمر عند أبناء المدارس عمرًا أطول منه عند الأطفال العاملين، ومع ذلك فنتائج هذه الدراسات ليست حاسمة ولا تزال نسبة النمو متوقفة على عوامل من الجنس والعمر والتنشئة البيتية …
وفي ميدان الكفايات البدنية تتم البنات دورة النمو السريع في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، ولا يكسبن إلا قليلًا بعد السابعة عشرة، وبذلك يسبقن الأولاد بسنة أو اثنتين، أما في النمو العقلي فليس هناك مثل هذا الاختلاف القائم على الاختلاف الجنسي؛ فالأولاد والبنات متوازون في كسبهم السنوي، كما يدل على ذلك ما لدينا من اختبارات، وليس لدينا في الحاضر ما يحدد السنة التي يتم عندها التطور العقلي، ولكن هناك ميلًا لاعتبار ?? و?? هي السن لتوقف النمو العقلي عند الجنسين، والممتازون من الأطفال يستمر نموهم هذا أكثر من البلداء.
وقد كانت الدراسة النفسية نافعة جدًّا في أمور التعليم، ولكنها تلقي ضوءًا خفيفًا على مشكلة المراهق في الهيئة الاجتماعية.
وقد وصف الكتاب الأقدمون فترة المراهقة بأن نسبة الوفيات تقل فيها، وأن الشواذ في النمو تقل عند البلوغ، وأن الأمراض المعدية نادرة، وأضافوا إلى ذلك وصفهم لهذه الفترة بأنها تتميز بالطيش وسوء الترتيب، وأوحت المظاهر الروائية للبلوغ بالقول: إن البلوغ ميلاد جديد تظهر فيه العلامات الإنسانية الكبرى، وأوحى عدم التناسب في نمو العظام والعضلات وغيرها من غدد وأعضاء بأن هناك عدم انسجام في الناحيتين العاطفية والعقلية وأن ذلك يحتوي على أخطار، واعتبر المراهق «عائدًا على بدئه» nes-atavistic [وفي البيولوجيا ativiam هي عود الخلف إلى ما كان عليه السلف من تركيب بنية] أو «نازعًا به عرقه»، وأنه عرضة «للعاصفة والكبت» اللذين ينازعان موروثه من أجداده في التحكم والسيادة. وقد نشر ستانلي هول هو وتلامذته كثيرًا من المسائل حول المراهق وشئونه، كالخيال، وأحلام النهار، والتروض، وحب الحياة، والاتجاه الديني، وبعض الكفايات الأخرى، ودرست تراجم الرجال العظام والنساء، ولوحظت خصائص فترة الشباب عندهم، ومن هذه الدراسات وضع هول عشر خصائص للبلوغ؛ هي: (?) الانشغال الداخلي والاستغراق في التفكير، وهو ما عبر عنه بالرقابة المزدوجة على الشعور.
(?) تولد الخيال وكثرة الرؤى والأحلام والأوهام.
(?) انتقاء النفس والشكوك والريب.
(?) المغالاة في الفردية.
(?) التقليد في أشد حالاته.
(?) تمثيل دور روائي، والتشبث بعادة ما.
(?) الحماقة، والتفاهات، والاستسلام للنزوات.
(?) وجدان كلامي جديد.
(?) الانهماك في الصداقة.
(??) تعطيل التوجه نحو الزمان والمكان، وتشكل فكري وعاطفي عظيم.
وبالإجمال يجب أن نعتبر فترة المراهقة مميزة بفك الروابط القائمة بين العوامل القوية للذات؛ جسميًّا ونفسيًّا، وهكذا نجدهم جعلوا مظاهر المراهقة شبيهة بالأعراض الهستيرية، وذهبوا إلى أن المتعصبين من المتدينين ليسوا إلا مراهقين؛ تضخمت عندهم المميزات والخصائص التي تكون طبيعية في غيرهم.
وقد اتجهت الدراسة الحديثة نحو المظهر الاجتماعي للمراهقة، وقد دلت الدراسات على أن في طور الطفولة وما بعده بقليل يحدث عدم الانسجام malad Justment. وحين يكون المراهق شاذًّا غير طبيعي فمرد ذلك إلى الحالة الاجتماعية، ويقول و. توماس: إنه إذا تطورت بذور الاجتماع ببطء أكثر من الحيويات الفردية والابتكارات؛ فنتيجة ذلك مرحلة من الفوضى تظهر في الأفراد كما تظهر في المجتمع، وحين لا تظل العادات القديمة ملائمة، تتحطم وتنشأ عادات جديدة، ولكن لا بد قبلها من فترة يظهر فيها عدم الاستقرار، والشاب في القرن العشرين، في صراع دائم مع القيم الأخلاقية في البيت، والمدرسة، والكنيسة، والمجتمع، أضف إلى ذلك الفوضى في مسائل اللباس والعادات ونواحي النشاط التي ينتحلها الكبار؛ حتى إن الشباب لم يعودوا يعرفون لهم أهدافًا واضحة من النضج؛ لينسجوا على منوالها، واليوم قد زادت العناية بالأطفال وصغار الطلاب في المدارس أكثر من قبل؛ بالاعتماد على المناهج العلمية المتبعة في التغذية والنوم والتمرين، أما المراهق فهو معرض للاعتماد المبكر على نفسه. ومع ذلك فالعقبات التي قلنا: إنها مسببة عن خصائص إنسانية أساسية ليس لها وجود عند جماعة كأهالي ساموا، إن المدنية قد فرضت قيودًا من جهة، وزادت في التنبه من جهة أخرى، وليس هناك من دليل على أن المكافحات والعقبات أمام المراهق ضربة لازب، إن سلوك المراهقين في المجتمع الحديث وأعراض القلق وعدم الانسجام ليست براهين على أنها خصائص عادية في جيل من ذوي السن الواحدة.
وكثيرًا ما أولت الشعوب الساذجة لمظاهر البلوغ في البنت والولد اهتمامًا واضحًا بمزاولتها بعض أنواع البتر العضوي (الختان …) وفرض الصيام وإقامة الأعياد؛ وذلك ليدلوا على أن هذه الفترة مرحلة مهمة من مراحل الحياة، وبعض هذه الطقوس موجود في أفريقيا وآسيا وأندونسيا وأستراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية؛ وهناك إلى جانب هؤلاء أقوام بدائية أخرى لا تعير البلوغ اهتمامًا، ويعلل ذلك بعض الدارسين بأن الهيئة الاجتماعية الساذجة تشغل المراهق بمشاريع وأهداف مختلفة، فلا تترك له فرصة للتعبير عن نفسه، ولكن العالم الأنتروبولوجي يشك في صحة هذه الدعوى، والذي يتغلغل في بيئة ساذجة ويعرف لغتها ويتغلغل في حياة الناس فيها وشعورهم؛ يجد تلك البيئة تقدر تمامًا المراهقة وتهتم بالتكوُّن الفردي للمراهق، كما تحسب حساب ميله إلى الاستقلال والحرية.
أما القيمة الاجتماعية الجديدة فتظهر في نواح مختلفة في تغيير المسكن، وفي الدخول في هيئات الشباب، وفي اختبارات المهارة الشخصية ومدى الاحتمال، والنظر باهتمام إلى أحلام المراهق ورؤاه، والانفصال من العائلة، والانعزال في غابة أو صحراء، والتحرر من قيود الطفولة، واستعمال الزينة.
وقد دلت الدراسات العصبية الحديثة على أن النضج عملية دقيقة تمتد إلى فترة طويلة بعد استكمال الحجم والوزن، وقد فهم رجال القانون هذه الحقيقة فترددوا في إعطاء الشبان أمر إدارة الأمور الكبيرة حتى يبلغوا سن الحادية والعشرين، ومع ذلك فإننا نرى بعض التشريع يحمل ابن الرابعة عشرة أو السادسة عشرة، يحمله مسئولية في الأمور الجنائية، ولا تزال البراهين القاطعة غير موجودة، ولكن تتفق كل الدراسات على أن كمال النظام العصبي لا يتم حتى منتصف العقد الثالث (سن ??).
وليس ينتظر ما يسمى في العادة حكمة وتعقلًا من المراهق الطبيعي في العقد الثاني (??–??).
وقد مدت الشعوب المتمدنة في أوربة وأمريكا فترة التعليم الإجباري إلى ??–??، وأخذت الدولة على عاتقها أمر الإرشاد الدراسي والمحصني للمراهقين، وقد أخذت الشاب يستمتع بالتحسن في مناهج الاجتماع، ويهتم بالسلم والحرب والمساواة الاقتصادية والديموقراطية.
نعم؛ إن الموقف الاجتماعي معقد، ولكن الشباب يظل هو الشباب، فترة من الحياة يكون فيها النشاط البدني والعقلي على أشده، ويصبح دور الكبير متمثلًا أمام عيني الشاب، ولكنه لا يستطيع الاشتراك التام في النواحي الاجتماعية؛ لعدم نضجه في نواح بيولوجية، وما دامت الحال الاجتماعية في أيامنا مرضية نوعًا؛ فسيظل الشباب في صراع مع المعايير الاجتماعية السائدة.
? محاضرة ألقيت في معهد التربية.
الاتجاهات الحديثة لدراسة اللغة (?)


الاتجاه النفسي والمنطقي والفلسفي

وتخصصت طائفة أخرى من علماء الغرب لدراسة اللغة دراسة فلسفية من حيث علاقتها بالنفس، ومن حيث علاقتها بالمنطق وغير ذلك؛ فقد رأوا — مثلًا — أن دراسة الكلمة ليست كدراسة أي شيء مادي كالعصا والكرسي والقلم والدواة، فهذه الأشياء ونحوها لا يحتاج في دراستها إلا لتحليل الشيء المادي نفسه، ومعرفة عناصره، وما يجري على الشيء الواحد يجري على أمثاله، أما الكلمة أو اللفظة فلها روح، لها معنى، فإذا قلت: محمد يقرأ، فلا بد لفهمها من ثلاثة أشياء: عقل القائل، وعقل السامع، والفكرة التي انتقلت من عقل القائل إلى السامع، وكذلك لا بد من لفظة هي التي نطق بها القائل وسمعها السامع، ومن ناحية ثالثة لا بد من الحقائق نفسها وهي حقيقة محمد وحقيقة القراءة والعلاقة بين محمد والقراءة، وبالإجمال لا بد من ثلاثة أنواع: الفكرة، واللفظة، والشيء ذاته المتحدث عنه، وعلى هذه الفكرة الأساسية البسيطة قاموا بأبحاث قيمة عميقة — هل كانت اللغة حادثًا فجائيًّا عارضًا في تاريخ الإنسان، أو نشأت عن قصد وتعمد؟ هل يمكن التفكير من غير ألفاظ؟ هل يمكن أن تكون لغة من غير ألفاظ؟ ما العلاقة بين اللفظ والمعنى؟ ما معنى المعنى؟ ما الذي يجعل لغة أرقى من لغة؟
إن اللغات القديمة كاللاتينية واليونانية تركيبية أكثر منها تحليلية، واللغات الحديثة تحليلية أكثر منها تركيبية، فهل الانتقال من التركيبية إلى التحليلية رقي أو تدهور؟ هل يمكن وضع لغة عالمية أولًا؟ وإذا أمكن فهل هو في صالح الجنس البشري أولًا؟ وهكذا من أبحاث لا عداد لها، وبعضها بل أكثرها لم يجد الإجابة الحاسمة عنه، وإني أدخل في باب عريض لو عرضت لحضراتكم ملخصًا للنظريات التي أثيرت حول كل موضوع.
واتجهت طائفة أخرى إلى العلاقة بين اللغة والمنطق؛ فاللغة ليست وظيفتها — فقط — نقل المعنى من ذهن إلى ذهن، ولكن لها وظيفتان أساسيتان: فهي إما إخبارية تنقل المعنى من ذهن إلى ذهن؛ ككلامنا العادي، وكصحيفة الحوادث الداخلية والخارجية في الجرائد، وكتب العلوم؛ في الرياضة والطبيعة والفلك وما إلى ذلك، وإما «ديناميكية» قوة محركة للعواطف، والناحية الأولى فعلية، والناحية الثانية شعورية للإخبار عن العواطف أو تهييجها، فإذا قلت: إن الإنسان حيوان ناطق، فهو من الضرب الأول، وإذا قلت: إنه حشرة، أو قلت: إن النساء ملائكة أو شياطين، فهو من الضرب الثاني.
وكان هذا أساسًا لبحوث كثيرة واسعة للتفريق بين القضايا الإخبارية والقضايا الديناميكية أو العاطفية وما تؤديه كل منها، وهل قضايا الأخلاق من النوع الأول والثاني، وبيان أن لغة الشعر من الضرب الثاني، وما يتطلب ذلك من ألفاظ خاصة وأسلوب خاص، وبيان الخطأ في استعمال اللغة الإخبارية محل العاطفية والعكس، كما أداهم هذا إلى البحث الواسع في معاني الألفاظ على هذا الأساس، وأثر القضايا المختلفة على العقل وعلى المشاعر، وكيفية بناء اللغة وتركيبها، وكيفية بناء الحقائق وتركيبها، وكيف يتلاقى بناء اللغة مع بناء الحقائق، ولماذا تتبع اللغة قواعد خاصة في بنائها دون غيرها، وهل لذلك سبب نفسي؟ … إلخ.
وناحية أخرى توجه إليها بعض الباحثين؛ وهي أن أهم بحث في الفلسفة نظرية المعرفة، أي كيف نعرف الحقائق، ولهذا اتصال وثيق باللغة، فما لم يعبر عن الحقيقة لا يمكن أن يقال: إنها حق أو باطل، وقد ذهب بعض الفلاسفة المعاصرين إلى أن أكثر مشاكلنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يرجع إلى استبداد الألفاظ بنا، وتحجرها، وضياع الحقائق وراءها، وفلسفة اللغة كفيلة بإظهار هذا؛ ثم بحثت هذه الطائفة أيضًا في الرمزية، وفي نظرية أن كل لغة ليست إلا رمزًا للحقائق والأشياء والمعاني، وإن كانت تختلف الموضوعات في مقدار الرمزية فيها، فلغة الشعر ولغة الدين ولغة ما وراء الطبيعة أكثر رمزًا، وبحثوا — خاصة — في لغة ما وراء الطبيعة ورمزيتها؛ إذ بدون شرح الرمزية فيما وراء الطبيعة يصبح الكلام فيها ضربًا من الخيال، وسبحًا في الأوهام، لا يدل على حقائق ثابتة معينة، وهكذا.
الاتجاه الاجتماعي

هناك اتجاه ثالث وهو الاتجاه الاجتماعي، ذلك من حيث إن اللغة نظام اجتماعي؛ كالأسرة، والدين، والحكومة … إلخ، لها أثر كبير في حياة كل جماعة وكل أمة، فهي واسطة الاتصال بين كل شخصين وكل جماعة، وهي التي تمد الإنسان بالمعلومات والمعارف التي وصلت إليها الأجيال السابقة والحاضرة، وهي التي ترقي الإنسان وتتعهده بالرقي من حين طفولته إلى حين وفاته — ومن عوامل رقي الأمم وانحطاطها لغتها، فأدب كل أمة قويًّا أو ضعيفًا يطبع الناس بطابعه، ولو نزل غريب ببلدة وكان يعرف لغتها واطلع على جرائدها ومجلاتها وكتبها المؤلفة في عصرها الحاضر وأساليب أحاديثها — لاستطاع أن يحكم لها أو عليها حكمًا صادقًا بدرجة رقيها أو انحطاطها؛ فاللغة هي التي تصور رغبات الأمة، وعواطفها، ودينها، وعقليتها، وشهواتها، وكل شيء فيها، وتنقل ذلك من الفرد إلى المجموع ومن المجموع إلى الفرد، فيتفاعلون كما تتفاعل عناصر الكيمياء، وبدون اللغة (وأعني باللغة كل وسائل التفاهم من إشارة، وإيماء، وكلام) يكون الإنسان بجانب الإنسان كالحجر بجانب الحجر، إنما يربط بينهما اللغة وهي التي توحد بين الجماعة في المشاعر والأفكار؛ ولذلك تجتهد كل أمة حية قوية أن تنشر لغتها في أوسع مدى، ممكن علمًا منها بأن ذلك من وسائل التفاهم، وسهولة التعامل، وعظم التقدير، وخاصة من الضعيف للقوي.
هذه الناحية التي عرضتها عرضًا بسيطًا كانت مجالًا لطائفة من العلماء بحثوا فيها كثيرًا من المسائل اللغوية الاجتماعية بحثًا مستفيضًا: ما الذور الذي تقوم به اللغة في مجال الرقي العقلي؟ إن اللغة نتيجة طبيعية من نتائج الحياة الإنسانية، فكيف تستمر الحياة في تغذية اللغة من بداوة إلى حضارة، ومن حضارة أولية إلى حضارة راقية حتى تساير الإنسان في نموه ورقيه؟ لقد راقبوا اللغة مراقبة دقيقة في نشوئها ورقيها، وعرفوا كيف نمت بنمو الحياة، وكيف تدرجت من تعبير عن العواطف إلى لغة عمل وأمر ونهي، إلى لغة علم وأدب وهكذا، وسجلوا في ذلك نتائج قيمة في هذا التطور.
واللغة مع أنها من نتاج الحياة وخاضعة لها؛ فيها صفة المحافظة والتخلف والميل إلى الوقوف، لا تندفع مع الحياة وتسايرها إلا بدفعة من أبنائها الأقوياء.
ثم اللغة تختلف معاني كلماتها باختلاف الأفراد والطبقات مهما جهدت المعاجم في تحديد معانيها، وتختلف عند العامة والخاصة؛ فكل لغة ليست لغة واحدة، وإنما هي في الحقيقة لغات، وقد يكون للكلمة معنى عند بعض الجماعات في مستوى عقلي خاص، فإذا انتقلت الكلمة إلى جماعة أرقى عقليًّا تطور معناها، وبالغ بعضهم فقال: إن لكل إنسان لغته كما له وجهه، وعلماء اللغة ميالون إلى مراعاة وجوه الاتفاق أكثر من مراعاة وجوه الخلاف، ومراعاة التعميم أكثر من مراعاة التخصيص.
إن كل جمعية حية تعمل للانتفاع بلغتها وتسييرها في خدمتها وتبذل جهدًا كبيرًا لتكميلها من النقص وجعلها صالحة للحياة المتجدة.
وكذلك بحثوا بحثًا مستفيضًا في علاقة اللغة بالمدنية، أكلما رقيت المدنية رقيت اللغة؟ وأداهم ذلك إلى الوقوف عند المدنية ما معناها، واللغة ما معنى تقدمها، إلى كثير من أمثال ذلك.
فإذا نحن نظرنا إلى اللغة العربية في ضوء ما عرضنا تولانا الجزع من تخلف لغتنا عن مسايرة حياتنا؛ فالمعاجم التي هي سجل للكلمات المستعملة الصحيحة لا تفي بحاجاتنا ولا نصفها، ووقفت عند العصر العباسي، بل إن واضعي المعاجم في تلك العصور أبوا أن يدخلوا فيها كلمات كثيرة وردت في كتب الأدب والعلوم مما كان يستعمله العلماء والأدباء العباسيون، وأغمضوا عيونهم عن الأشياء المادية والمعنوية التي خلقتها الحضارة العباسية، وأبوا أن يعترفوا إلا بالألفاظ البدوية، وما استعمل قبل الاختلاط بالأعاجم، وغفلوا عن أن اللغة تابعة للحياة؛ يجب أن تنمو بنموها، وأن الأمة إذا تقدمت لا يصح أن تكون أسيرة لآبائها قبل أن يتقدموا، وأن ما يملكه البدائي في خلق اللغة، يجب أن يملكه وأكثر منه المتحضر العالم، ولعل ما أداهم إلى هذا الموقف إيمانهم بالنظرية الساذجة، وهي أن اللغة توقيف لا وضع، وأنها خلقت دفعة واحدة وانتهت، وقد كان عمل الأقدمين في قصر ما يأخذون عن القبائل التي لم تختلط بغيرها عملًا جليلًا من ناحية فهم اللغة العربية في أصلها، وفهم الكتاب، والسنة، والشعر القديم، ولكن قصر مؤلفي المعاجم أنفسهم على هذا خلط بين غرضين: فالغرض الأول معرفة اللغة في أصل استعمالها، والغرض الثاني تسجيل ما يصح بتكلم الناس، وفي الغرض الثاني تكون لغة الحضر أوفى وأنفع في الاستعمال من لغة الوبر، فبحثنا اللغوي الاجتماعي البسيط سيؤدي بنا حتمًا إلى المناداة بدفع اللغة أن تقفز من العصر العباسي إلى يومنا، وأن تفسح صدرها لحاجاتنا وأن تتطور لتكون في خدمتنا، وأن يقر أهلها بأن رجال لغتها لهم الحق أن يعرِّبوا كلمات، وأن يخلقوا كلمات، وأن يشتقوا كلمات؛ حتى يواجهوا موقفهم الحاضر؛ فلا تتخلف عقليتهم كما تخلفت لغتهم.
كما سيتضح من أول بحث لغوي اجتماعي أن تقدم الأمة تقدمًا حقيقيًّا مستحيل، ما لم تتقدم اللغة وتستخدم في مصلحتها، وتملأ كل فراغ موجود الآن؛ من أسماء الماديات والمعنويات، وما ولدته القرون الأخيرة من أفكار ومخترعات، كما سيتضح أن الأمة لا ترقى إذا كانت لغتها لا تصلح إلا لخاصتها دون عامتها؛ فالعصر الذي نعيش فيه ديمقراطي، لكل فرد الحق في أن يتعلم وأن يتثقف، وواجب الحكومات فيه أن تعلمه وتثقفه، ولا يمكن تثقيف الشعوب وتعليمها إلا بمرونة اللغة وتبسيطها، وجعلها صالحة للشيوع والذيوع، وحمل المعاني والأفكار والعلوم حملًا قريب المنال.
•••

ثم آخرون من اللغويين الاجتماعيين اتجهوا في بحثهم إلى الناحية الاجتماعية الروحية؛ فللكلمات والجمل روح فعالة في النفوس، غير معانيها التي في المعاجم، والفرق بين المعنى المعجمي، والمعنى الروحي؛ كالفرق بين النحوي في نظرته إلى تركيب الجمل وعوامل الرفع والنصب والجر والجزم، وبين الفنان الذي يتذوق جمال الكلمات وجمال الأسلوب، وهذه الناحية الروحية للغة هي التي استخدمها ومهر فيها المتصوفة في أساليبهم، ورجال الدين في وعظهم وإرشادهم وأمرهم ونهيهم وترغيبهم وترهيبهم، ورجال الشعر في خيالهم، ورجال الخطابة في خطابتهم، وكما كان في كل ناحية من النواحي مهرجون ومزيفون، كان مزيفو هذه الناحية المشعوذين بالرقى والتعاويذ وأسماء الجن التي لا معنى لها، وهي — مع ذلك — تؤثر بروحها الضالة في النفوس الضعيفة.
عكف هؤلاء الذين اتجهو هذا الاتجاه الاجتماعي الروحي على البحث في الدور الذي تقوم به اللغة في الأديان، وفي الشعر، وفي العلم، وما للغة من ناحية باطنية تخلقها عواطف الفرد والأمة، وناحية ظاهرية يتفاهمون بها في معاملتهم ومحادثاتهم، وأن هناك صراعًا دائمًا بين الناحيتين، وهذا قادهم إلى البحث في لغة الأمة وأثرها في عواطفها وعقلياتها.
وعلى الجملة فقد كان من مباحثهم — أيضًا — اللغة الشفوية في المحادثة، واللغة المكتوبة، والفرق بينهما من حيث التأثير النفسي، واللغة والبيئة الطبيعية والاجتماعية التي نشأت فيها، واللغة والدين، والناحية العملية والناحية الميتافيزيقية للغة، واللغة والشعور القومي، واللغة والشعر … إلخ.
وإذ كان هذا البحث حديثًا فقد وصلوا فيه إلى نظريات لا تزال مجالًا للأخذ والرد ولم تستقر بعد.
•••

لعل في هذا العرض السينمائي عبرة، فلغتنا العربية العزيزة علينا، والتي تكوننا ونكونها، والتي يبلغ عدد المتكلمين بها نحو سبعين مليونًا، تتطلب من أبنائها البررة مجهودًا جبارًا في مثل هذه النواحي التي ذكرت.
تتطلب معجمًا واسعًا تستغل فيه كل الدراسات التي عملت في اللغات المختلفة، وخاصة اللغات السامية والفارسية، لمعرفة أصل الكلمة، ومم أخذت، وكيف تطورت على مر الزمان ، معجمًا لا يقف عند كلمات العرب الأقدمين، ولا كلمات واستعمالات العباسيين، بل نجتذبه حيث وقف على بُعْدِ ثمانية قرون، إلى حيث نحن، وحيث نحيا، وحيث نستعمل، وحيث نفكر.
وتتطلب اللغة العربية دراسة نفسية وفلسفية واجتماعية على النحو الذي ذكرت، وتتطلب من رجال التربية أن يقولوا بعد البحث والتجارب كيف نعلم لغتنا على خير وجه، وكيف نتغلب على صعوبتها.
إن اللغة العربية تتطلب منا ذلك، وليس إصلاح اللغة العربية من هذه الجهات ينتج تقويمًا للقلم واللسان فقط، بل هو — أيضًا — إصلاح للأمة في تفكيرها، وفي خلقها، وفي عقليتها، وفي مشاعرها، إن تعليم عدد قليل من الأمة لغات أوربية يقرءون فيها، ويستنيرون بها؛ قليل الأثر في حياة الأمم، إنما الأثر الأكبر للغة القومية التي تكون فكر الشعب بأجمعه، وترفعه أو تضعه، وتحيي عقله وشعوره أو تميته، وليست الأمة تصلح بنقل بعض أفرادها إلى حيث النور، ولكن بنقل النور إلى حيث الأمة كلها؛ حتى يتبدد الظلام.
والله ولي التوفيق.

مركز مصر الأدبي (?)


في الوقت الحاضر
في رأيي أن كل أدب كحوض الماء، إذا لم تمده من حين لآخر بماء جديد تعفن وأنتن، وكالأسرة الكبيرة إذا ظل أفرادها يتزاوجون فيما بينهم هزلوا وذبلوا وشاعت فيهم الأمراض، ما لم يتزاوجوا من غيرهم، وكعمر الفرد: صبا؛ فشباب؛ فكهولة؛ فشيخوخة، ولكنه يمثل الدور ثانية في بنيه، لا يكون ذلك إلا بالتزاوج.
هذا في نظري تاريخ كل أدب؛ شرقي أو غربي.
فإن نحن نظرنا إلى الأدب العربي وجدنا أن الأدب الجاهلي وامتداده في العصر الإسلامي بدأ يركد حتى امتزجت الأمة العربية بغيرها من الفرس والروم والهند وغيرهم، وامتزجت الثقافة العربية بالثقافة الفارسية وبالثقافة الهندية وبالثقافة اليونانية، فبدأ الأدب العربي حياة جديدة، ظهر أثرها في مثل الجاحظ وتآليفه.
وقد يبدو غريبًا أن أقول: إن الأدب العربي قد ركد في العصر الإسلامي قبيل هذا الامتزاج مع ما عرف عنه من جزالة اللفظ، وجودة السبك، وفصاحة اللسان؛ ولكن مظهر الركود في نظري كان قلة المعاني الجديدة، وتكرار المعاني القديمة، واقتصار الأدب على الأقوال المأثورة في الموضوعات الموروثة؛ حتى طلع الجاحظ وأمثاله بموضوعات جديدة، ومعان جديدة، وأساليب جديدة، فكان هذا هو التجديد الذي أتى به الامتزاج الجديد، وكانت العودة إلى الشباب بعد الشيخوخة.
ثم صار هذا الجديد قديمًا، وركد ماء الحوض لما انقطع المدد، وأصبح الشاب هرمًا؛ ذلك أن الشرق بعد الحروب الصليبية أُغلق على نفسه، وضعف اتصاله بالغرب، ولم يكد يعلم شيئًا مما يجري في أوربا. نعم؛ كان هناك قناصل للدول، وتجار أجانب، ولكن هؤلاء كانوا يعيشون في شبه عزلة، ولا تشعر الشعوب الشرقية بهم وخاصة من الناحية الثقافية، ولما بدأ الغرب في القرن الخامس عشر والسادس عشر يضع أساس نهضته في العلوم والفنون والسياسة والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك؛ مما غير وجه حياته تغييرًا تامًّا، لم يصل إلى الشرق شيء منها، ولم يشعر بها، واستمر في دائرته المغلقة، يقلد حياة الشرق الأولى من غير روح، ويعيش على الثقافة القديمة بعد أن صارت تماثيلَ.
في الغرب كان بدء النهضة والثورة على القديم ووضع أسس جديدة لحياة جديدة، وتحكيم العقل فيما يعرض من مشاكل وتحرير العواطف من كثير من القيود، ووضع كل قضية موضع البحث والتجربة، وفي الشرق كان الجمود، وظلم الحكام، مع الاستكانة من الشعب، وترف الأمراء وحواشيهم، مع فقر الشعب، قد كان الشرق والغرب يسيران متحاذيين، ولكن اختلف فيما بعدُ الاتجاهُ، فسار الغرب إلى الأمام، وسار الشرق إلى الوراء، وتنبه الغرب فطالب حكامه الظالمين بتحقيق العدل، واستنام الشرق على الظلم راميًا عبئه على القدر.
وأصاب الأدب من ذلك ما أصاب سائر مناحي الحياة؛ فقد كان من أكبر أسباب النهضة الأدبية الأوربية التفاتُهم إلى وجوب الاستمتاع بالحياة الدنيا ونعيمها، بعد أن كان المثل الأعلى هو الزهد والانقطاع للحياة الآخرة؛ وعلى هذا الاتجاه سار الأدب يقوِّم الحياة الدنيا ونعيمها تقويمًا كبيرًا في القصص وسائر أنواع الأدب؛ ثم من المظاهر الجديدة كانت عندهم في الأدب ثورتهم على الفوارق بين الطبقات، فبعد أن كانت الروايات إنما تتعرض لوصف الحياة الأرستقراطية، فإذا عرضت لحياة الطبقة الوسطى أو الدنيا؛ فلإضحاك الطبقة العليا، ثار الأدباء على هذه الأوضاع، وصار كوخ الفلاح موضوعًا للأدب كبلاط الملك، واستمدت المآسي والملاهي موضوعاتها من الحياة المألوفة عند أوساط الناس وفقرائهم.
ومظهر آخر في الأدب الغربي حدث، وهو استنزال الأدب إلى عالم الواقع، فالقطعة الأدبية صارت تقوَّم بمحصولها الفكري، لا بجمالها الفني وحده، وعُدَّ من الأدب: الرسائل السياسية، والمقالات الاجتماعية.
وفي الشرق كان الأدب حائرًا بين الزلفى إلى الأغنياء والكبراء في المديح، أو الترفع عن ذلك إلى الانصراف إلى الحياة الآخرة بإنتاج الأدب الديني في المدائح النبوية ونحوها، أما الأدب الدنيوي — يصور حياة الشعوب ويعرض للمسائل الاجتماعية والسياسية ويفتح آفاقًا جديدة — فلا إلا في القليل النادر؛ ولذلك أنتجت النهضة الأوربية أدب شكسبير وراسين وجوته وأمثالهم، في حين أنتجت الحياة الشرقية أدبًا يُعنى بأنواع البديع كابن حجة الحموي، أو أدبًا يعنى بمدح الأمراء كالأرتقيات لصفي الدين الحلي؛ فقد أنشأ ?? قصيدة، كل قصيدة ?? بيتًا، وكل قصيدة لحرف من حروف الهجاء يبتدئ كل بيت به وينتهي به، وكلها في مدح الملك المنصور الأرتقي، أو أدبًا يعنى بالناحية الدينية كالهمزية والبردة للبوصيري.
أما الأدب الذي يمثل الشعب في بؤسه، والحكام في ظلمهم، أو الذي ينفخ في الأمة روح الثورة على الظالمين، أو الأدب الذي يدعو إلى أن يتبوأ الشعب مكانته؛ فقلما نظفر به إذا استثنينا ابن خلدون؛ ومع هذا فابن خلدون أبدع في النظريات الاجتماعية ولم يستنزلها كثيرًا للتطبيق على حياة زمنه وعصره الواقعية.
ومع هذا كله كانت مصر بعد سقوط بغداد في يد التتار أقوى الضعفاء، أو أصْحَى السكارى.
•••

كان أول مدد لهذا الحوض الراكد هو اتصال الشرق بالغرب بحملة نابليون على مصر، قد نكره هذه الحملة من الناحية السياسية؛ إذ كانت عدوانًا على استقلالنا وانهزامًا لقوتنا الحربية، ولكن الثقافة أسمى من الحرب، لا تعرف عداء ولا خصومة، وإن حدثت تحتقرها، وقد كانت هذه الحملة تحمل بإحدى يديها عُدَدَ القتال، وبالأخرى العلم والعرفان؛ فأما اليد الأولى فقابلت يد مراد عند الأهرام فقطعتها، وأما اليد الأخرى؛ يد جومار ومونج وأمثالهما؛ فصولحت، ولئن لم يطمئن المصريون إلى الفرنسيين الحربيين، وما زالوا في نزاع معهم حتى خرجوا؛ فقد اطمأنوا إلى الفرنسيين العلميين فبقوا — باسم المجمع العلمي الفرنسي — ولما بعث القائد البريطاني إنذاره الأخير إلى القائد الفرنسي في الإسكندرية كان من بين ما اشترط على الفرنسيين «تتعهد لجنة العلوم والفنون ألا تنقل معها في عودتها إلى فرنسا شيئًا ما من الآثار العامة، ولا الكتب الخطية العربية، ولا المصورات الجغرافية، ولا الرسوم، ولا المذكرات، ولا المجموعات، وأن تترك كل هذا تحت تصرف القواد البريطانيين» وقد قبل القائد الفرنسي هذا وأمضاه، ولكن المجمع العلمي الفرنسي رفض، وأخيرًا هدد بإلقائها في البحر؛ فتنازل البريطانيون عن طلبهم.
ومن ذلك الحين بدأت مصر تتصل بالغرب سياسيًّا وثقافيًّا — والذي يعنينا هنا هو الناحية الثقافية — وظل هذا المدد يتدفق في عهد محمد علي بإحضاره الأوربيين، والاستعانة بهم في تنظيم مرافق الحياة؛ ومنها الثقافة، وبإرساله المبعوثين من المصريين إلى أوربا؛ لتعلمهم، وسال هذا السيل بعدُ في عهد إسماعيل، ثم إلى الآن.
هذا الامتزاج والاتصال غيَّر الحياة العامة فتغير الأدب العربي على أثرها، فالأدب — كما قالوا قديمًا — سجل الحياة.
فمن عهد حملة نابليون زالت سلطة المماليك، وتفتحت عيون الشعب المصري لتحسين حاله، وترقية معيشته، والوقوف على حقوقه، وتكوين جامعته الوطنية، وتأسيس حياته الاقتصادية ، بدأ كل هذا نواة، واستمر ينمو إلى اليوم.
ومن ناحية أخرى أخذ يقلد المدنية الغربية في الصحافة والتمثيل والطباعة والمطالبة بالحقوق، ويقرأ خاصته ما ينشر في الغرب، ويدرسون ما درسوا، ويطلعون على حركاتهم في بناء قومياتهم، وينشرون ذلك في عامة الشعب ما استطاعوا.
ومن ناحية ثالثة تأسست الملكية الفردية ونمت وتقاربت الطبقات، ولم يعد للطبقة الأرستقراطية هذه المنزلة المحلقة في السماء، ولم تعد العلاقة علاقة عبيد بسادة، وضعف سلطان الحاكم على المحكومين، وسلطة الآباء على بيوتهم، وتطورت الحياة الاجتماعية تطورًا كبيرًا، نشأ عنها تطور الأدب.
كان الأدب أوتقراطيًّا، ثم اتجه باحتكاكه بالغرب إلى الديمقراطية، كان الأدب كالدرة الكريمة أو التحفة الغالية، يقصد بها صاحبها إلى قصور الأمراء، ثم تحول يقصد الشعب، كان الأدب لا يسمح للفرد بالتفكير الحر، ولا يقدر إلا الشخصية الأرستقراطية، ثم أخذ يمجد الحرية، ويمجد الفرد؛ ولو كان في كوخ، ويعنى بالموضوعات التي تمس الشعب ، وتجددت للشعوب آمال في استقلالها وفي تحقيق العدل من حكامها، فكان الأدب خير ما يصور ذلك.
وكان طبيعيًّا أن يكون في الأدب مخضرمون كما في الحياة الواقعية مخضرمون عاشوا في القديم والجديد معًا، وتربوا في المدرسة القديمة ناشئين، ورأوا المدرسة الجديدة كهولًا أو شيوخًا، فكان أدبهم نتاج الحياتين، تتجلى هذه الخضرمة مثلًا في الشعر عند البارودي؛ فقد تحرر من زخرف اللفظ، والتحسس على محسنات البديع، وبث في الشعر روحًا، ولكنه نهج منهج أبي فراس والمتنبي والشريف الرضي، وقلدهم في فحولة اللفظ، وفي أغراض الشعر ومعانيه؛ وكذلك شوقي وحافظ — على سمو قدرهما في الشعر — كان قديمهما أكثر من جديدهما، وإن كان جديدهما أكثر من جديد البارودي في الأغراض والمعاني، وكذلك كان المنفلوطي في النثر مخضرمًا، وهو إلى الأسلوب القديم أقرب.
ثم تلا هذه الخضرمة التجديد في الأسلوب، وفي الموضوع؛ ولكن يعاب عليه في الأكثر أنه ليس تجديدًا مبتكرًا، بل هو تجديد تقليدي، غاية الأمر أنه بدل أن يقلد شعراء العرب الأقدمين، قلد شعراء الغرب المحدثين؛ حتى في العنوانات؛ كوادي الدموع، والشاطئ المجهول، ونحو ذلك، ولذلك لم تستسغه الأذن العربية، كما لم تستسغ الموسيقى الغربية الصرفة إلا بعد مران طويل، ولا يزال التجاذب بين القديم والحديث إلى اليوم.
وكما كانت الخضرمة في الشعراء، كانت الخضرمة في الموضوعات، ثم التجديد، فترى مثلًا شعر المديح أتى به المخضرمون أمثال شوقي وحافظ، وكان يستساغ منهما، ثم مجه الذوق بالتقدم في فهم الديمقراطية وتذوقها، ولم يعد المديح — كما كان — غرضًا كبيرًا من أغراض الشعر، وصار إذا قيل اليوم فإنما يقال على سبيل الطرافة أو الملحة، ولم يعد يصح مطلقًا أن يسمى شاعرًا فحلًا من كان أكبر نتاجه شعر المديح. وأهم من هذا كله أن الشاعر لم يعد هذا الذي يتصنع الشعر ويتكلفه في المناسبات والحفلات؛ إنما الشاعر من شعر قلبه، وغنى لنفسه أولًا، وللناس ثانيًا، ولم يكن قصده الكسب، وإنما قصده الاستجابة لعواطفه، والتعبير عنها في صدق وإخلاص.
فأما ما يلازم الإنسان في جميع حياته سواء كان الحكم أوتوقراطيًّا أو ديمقراطيًّا كالحب والغزل فظل في الجديد، كما كان في القديم؛ ويغنيه شوقي في القصر، وإسماعيل صبري في وكالة الحقانية، كما يغنيه شاعر الربابة؛ وإنما حدث له التجديد من ناحية أن المجددين من شعراء الغزل تركوا التكلف والتقليد، وعبروا عن عواطفهم هم، وحللوها، وصاغوها في فن رقيق دقيق، وأفاضوا عليها من إحساسهم وشعورهم.
ثم كان جديدًا الإفاضة في شعر السياسة والاجتماع بما يعبر عن آلام الأمة وآمالها، ويتغنى بالحرية، وينعى على الظالمين ظلمهم، وينادي بتحرير المرأة، وإغاثة البؤساء، وهكذا.
كما اتجهوا — وإن لم يكن كافيًا وافيًا — إلى شعر الطبيعة وجمالها؛ كوصف شوقي لدمشق ولبنان … إلخ.
وكان من أثر احتكاك الشرق بالغرب أيضًا ظهور الشعر التمثيلي في الأدب العربي، كما يتجلى في اتجاه شوقي الأخير، فقد اتجه آخر أمره إلى الشعر التمثيلي، وفي رأيي أنه لو اتجه إليه في شبابه لكان أكثر إجادة، فحرارة الشباب، وحركاته الرشيقة التمثيلية، لا تغني عنها حكمة الشيوخ ورزانتهم ووقارهم؛ وفي الحق أنه بدأ هذا الاتجاه وهو شاب في فرنسا فنظم قصة علي بك الكبير، ولكنه لما عاد حكم عليه منصبه في القصر أن يقول في الشعر التقليدي، وأخيرًا جدًّا عاد سيرته الأولى؛ فألف مجنون ليلى، وقمبيز، ومصرع كليوباتره، وعنترة، وأميرة الأندلس — والأخيرة نثرية — وقد قفا أثرَه في عصرنا عزيز أباظة.
•••

لئن كان الشعر في مصر يزحف زحفًا، ويسير الآن جيشًا بلا قائد، فإن النثر يقفز قفزًا، ويؤدي أغراضه في نجاح أتم وأوفى.
والسبب في سرعة تقدم النثر عن الشعر — فيما يظهر لي — أن النثر أمسُّ بالحياة الواقعية والناس إليه أحوج؛ في الصحافة إذا حرروا، وفي الخطابة إذا خطبوا، وفي القصص إذا قصوا … إلخ، والحاجة تفتق الحيلة، وتكثر المران، وتجعل الناثرين أكثر عددًا من الشعراء؛ فيزداد مقدار الإنتاج ويجود، حاجة الناس إلى النثر كالغذاء على المائدة، والشعر كالأزهار عليها، ولا يستطيع الناس الاستغناء عن الغذاء، ولكن قد يستطيعون أن يستغنوا عن الأزهار؛ ثم إن الشعر أكثر قيودًا من النثر؛ بقوافيه وأوزانه وخيالاته وأساليبه، والنثر يستطيع أن يتحرر من قيود السجع والمحسنات البديعية، ثم يكون نثرًا مرسلًا جميلًا، أما إذا تحرر الشعر من الأوزان والقوافي فلا يسمى شعرًا بالمعنى الدقيق للشعر، وشتان — في السير — بين رجل مقيدة، ورجل طليق.
ثم إن النثر يستساغ إذا كان وسطًا، وإذا كان جيدًا، ولكن الشعر يصعب أن يستساغ وسطًا، فإما أن يكون جيدًا وإما لا، كالزهرة لا تُحَبُّ إلا ناضرة، فإن ذبلت فخير منها عدمها.
على كل حال إذا نحن قسنا النثر في عهد الشيخ حسن العطار، بالنثر في عهد الشيخ رفاعة الطهطاوي، بالنثر في عهد عبد الله باشا فكري، بالنثر في عهد السيد مصطفى لطفي المنفلوطي، بالنثر اليوم، رأينا مصداق ما أقول من أنه يقفز قفزًا؛ سواء من ناحية أسلوبه، أو موضوعه، كان أهم تقدم للنثر تحرره من طريقة ابن العميد، والقاضي الفاضل، وتكلف السجع وتحري فنون البديع، ففك عنه هذه الأغلال وجرى في سلاسة وطلاقة، وهو مدين بهذا لعاملين: اطلاع الأدباء على الأدب الغربي، وقد رأوا فيه البساطة، والترسل، والعناية بالمعاني أكثر من العناية بالبديع، ثم رجوعهم إلى النثر القديم في العصر العباسي الأولى مثل ابن المقفع والجاحظ والأصفهاني، قبل أن يغرقه في الزينة الحريرى وابن العميد وابن عباد.
ثم إنه قد حدث للنثر الحديث ما حدث في العصر العباسي الأول؛ لقد نقل الجاحظ الأدب على أثر امتزاج الثقافات، فجعل كل شيء صالحًا لأن يكون موضوع أدب، حتى اللصوص والبخلاء، وحتى الحيوانات؛ فلما جاءت النهضة الحديثة كان الأمر كذلك؛ فقد كاد موضوع الأدب ينحصر فيما يسمونه بالإخوانيات؛ من لوعة اشتياق، أو شكر على إهداء كتاب، أو عتاب على تقصير في زيارة، أو نحو ذلك، فاتسع معنى الأدب، واتسع موضوعه، وصار النثر أداة للصحافة في شتى الموضوعات، وأداة للقصص والتمثيل، والبحوث الاجتماعية والأدبية والنقدية، وكان أثر الغرب واضحًا فيه في معالجة موضوعاته وفي تحليلها وبسطها، وأثر الأدب العربي القديم في الأساليب، كل أديب على قدر ثقافته، واستمداده من هذا المنبع أو ذاك.
فالصحافة في مصر جارت الصحافة الأوربية وقطعت شوطًا كبيرًا في التقدم، تغذيها أقلام الكتاب المنشئين والمترجمين، ولو جمعت ما يخرج منها كل يوم لأخذك العجب من كمها وكيفها، وقد أثرت أثرًا كبيرًا في نشر الثقافة بين الشعب، كما أثرت في تمرين أقلام الكتاب وصقلها وتدفقها، وكان لها أكبر الفضل في تحويل النثر من مقيد إلى مرسل، فالأسلوب الصحفي أسلوب يجب أن يكون متدفقًا سريعًا؛ ليماشي سرعة الحوادث وسرعة الحركة، وقد أشعلها وملأها حرارةً نهضةُ المصريين في طلبهم الاستقلال، وطموحُهم إلى الإصلاح الاجتماعي؛ وخاصة بعد الحرب الماضية، فكانت مصر والصحافة كل منهما فاعل ومنفعل، مؤثر ومتأثر، وتفننت الصحافة مع الزمن فنوعت موضوعاتها؛ من سياسة وأدب ونقد وفكاهة، وقلَّ أن ترى أديبًا لم يتصل بالصحف من قريب أو من بعيد، فهي تغذيه وتتغذى منه.
كذلك نشطت حركة الإنتاج القصصي والتمثيلي، وكان تأثير الأدب الغربي في هذا الباب واضحًا؛ فلم يعتمدوا كثيرًا على القصص العربي القديم؛ كالمقامات، وألف ليلة، وكليلة ودمنة، وإنما وجهوا وجهتهم نحو الأدب الغربي يحتذونه، وإن كانوا قد اتخذوا الحياة المصرية أو الشرقية موضوعهم، فاتخذ جورجي زيدان أهم الحوادث الشرقية موضوعًا لرواياته التاريخية، وكانت عنايته بالأحداث التاريخية أهم من عنايته بالأسلوب الأدبي، وقد جمع بين العناية بهما معًا الأستاذُ محمد فريد أبو حديد في ابنة المملوك والملك الضليل وزنوبيا والمهلهل.
ثم قصص آخر في نقد العادات القومية، افتتحه المويلحي في حديث عيسى بن هشام، وجاء بعده كثير من الكتاب القصصيين، رقوا بالقصة المصرية خطواتٍ بعيدةً، كزينب لهيكل، والأيام لطه حسين، وسارة للعقاد، والقصص الكثيرة البديعة لمحمود تيمور، وتوفيق الحكيم، ولا أريد أن أحصي ولكني أريد أن أمثل، وبجانب هؤلاء طائفة من أدباء الشباب ينتجون ويجودون.
ويطول بنا القول لو فصلنا كل ناحية من نواحي الأدب كالمقالات الأدبية والاجتماعية؛ فقد خطت في العشرين سنة الأخيرة خطواتٍ واسعةً، وبلغت شأوًا بعيدًا في الأدب العربي بفضل المجلات الأدبية ونجاحها.
ثم التأليف الأدبي من دراسة للأدب في العصور المختلفة، أو في عصر خاص، أو أديب بعينه، أو مشاهير الرجال، أو نحو ذلك، وربما لفت نظر مؤرخ الأدب في مصر تخلف حركة النقد الأدبي عن غيرها من الحركات، وليس يؤدي الأدباء هذا الواجب حتى تكون لدينا مجلات تعنى العناية التامة بتعريف الناس بما تخرجه المطابع في فنون الأدب تعريفًا صحيحًا، ونقده نقدًا مخلصًا، فيعكف الناقد على الكتاب يقرؤه في دقة وإمعان، ويبين منزلته مما سبقه في بابه، ويذكر محاسنه وعيوبه في صدق وإخلاص وصراحة.
بذلك يهدي القراء إلى ما يجب أن يقرءوا وما لا يقرءون، ويحمل المؤلفين على أن يجوِّدوا ما يؤلفون، أما التقريظ المطلق أو التجريح المطلق فليس من النقد في شيء، وهو يضر القراء والمؤلفين، والحركة الأدبية نفسها ضررًا بليغًا؛ ونحن إلى الآن لم نبلغ هذه الدرجة المنشودة ولا قربنا منها، بل لم نتقدم في العشرين سنة الأخيرة تقدمًا يتناسب وتقدم الإنتاج الأدبي؛ وعلة ذلك كسل الناقد، وقلة شجاعته، وضيق صدر المنقود، وعدم قدرته على تقبل النقد بنفس رياضية، ولا تزال الحركة الأدبية تنتظر المهدي الهادي في هذا الباب.
•••

ثم لمصر شخصية خاصة في أدبها؛ فالطبيعة التي ميزت وجوه أهلها عن وجوه الشاميين والعراقيين والحجازيين، وميزت نفسيتهم عن نفسية الآخرين، ميزت كذلك أدبهم؛ فلإقليم الأمة أثره، ولتاريخها المتتابع أثره، ولقانون الوراثة أثره، غاية الأمر أن الأمر في النفس والأدب أغمض من الأمر في اختلاف الوجوه والملامح.
ومع هذا فيمكننا أن نلمح هذه الشخصية الأدبية في الأسلوب، فنحن إذا قرأنا أو سمعنا أساليب لأمم شرقية مختلفة أمكننا أن نميز ما كان منها مصريًّا أو شاميًّا أو عراقيًّا، فالأسلوب المصري سهل كسهولة أرضه، جار مع الطبع جري النيل، خفيف اللفظ خفة الهواء، تفيض فيه العواطف من غير ضبط، فيضان النيل إبانه، وتسيح سيحانه.
شعر قارئه بما يعانيه من فك القيود التي قيده بها التاريخ، وظلم الحكام، والطبقات الأرستقراطية، وهو — لذلك — ينفس عن نفسه بالنكتة الحلوة، والنوادر المستملحة، وهو — في هذا — لا يجاريه أيُّ شعبٍ عربي آخر، فجرائده ومجلاته الفكهة لا تبارى، وله في هذا الباب وغيره ذوق مرهف يتجلى في حسه الدقيق بجمال الفن؛ من غناء، ونكت، ونوادر، وأدب.
وعلى كل حال فهذه المسألة — مسألة الشخصية المصرية — تحتاج إلى دراسة عميقة طويلة وبحث مستقل، وهي عرضة للأخذ والرد وتضارب الآراء، فنكتفي منها بهذه اللمحة.
أما بعد؛ فما مركز مصر الأدبي الآن؟
إن نحن نظرنا إلى إنتاجها مقارنًا بالأمم الأوربية كإنجلترا وفرنسا وألمانيا وأمريكا، بل ما هو أقل منها مساحة وعددًا كبلجيكا، رأيناها متخلفة تخلفًا كبيرًا؛ حتى لو راعينا نسبة الإنتاج إلى المساحة، وعدد السكان، سواء ذلك في الكم والكيف.
وسبب ذلك يعود إلى أمور؛ أهمها في نظري: (?) أننا أحدث عهدًا بالمدنية الحديثة، فهذه الأمم بدأت نهضتها من نحو ستة قرون، على حين أن نهضتنا لم يمضِ عليها قرنان؛ وفي هذه القرون الستة جربوا، واستمدوا، وأنتجوا، وسايروا مدنيتهم، وجودوا إنتاجهم، وانتفعوا بكل جديد؛ وإذ كانت هذه الأمم مشارِكة في بناء المدنية الحديثة، كانت مشاركة — أيضًا — ومستفيدة ومتعاونة، بعضها من بعض؛ فالثقافة الفرنسية لا تلبث أن تنقل إلى الإنجليز والألمان وهكذا، مما جعل العقول والأفكار والفنون والآداب يعمل في خلقها كلُّ هذه الأمم، فتتقارب وتتمازج وتتساقى وتتزاوج وتتوالد، أما نحن فنعمل بأيدينا وحدنا، وهي لا تزال غضة ناعمة.
(?) ثم إن ثقافتهم وأدبهم منهم، ومن نتاج أنفسهم، ومشتق من جنس حياتهم، ونحن في كثير من الأمر نعتمد على التقليد، وأنماط الحياة مختلفة، والتاريخ مختلف، والظروف الاجتماعية مختلفة.
(?) ثم يجعل تقدمنا بطيئًا أن أدبنا مزدوج، وأدبهم موحد، والموحد أسرع سيرًا من المزدوج، فنحن — بحكم ظروفنا — بين أدبين، قديم نرجع إليه بحكم أنه أصل أدبنا، وجديد نستمده من الأدب الغربي، وهناك أدباء هم — في الأكثر — نتاج الأدب القديم، وأدباء نتاج الأدب الحديث، وعملية المزج التام والتوحيد لم تتم بعد، وإن كانت سائرة في بطء.
ثم مسألة شائكة جدًّا معقدة جدًّا، وهي أن أدبهم يغذي جميع شعوبهم؛ فالأدب الإنجليزي يغذي كل الإنجليز، والفرنسي كل الفرنسيين، ويتنوع حسب مقدار الثقافة لأفراد الشعب، فما على الفرد إلا أن يقرأ ويكتب — وليس هناك أمي — حتى يجد غذاءه الأدبي المناسب له، للقرب بين لغة الكلام، ولغة الأدب المقروء والمسموع، أما نحن فالنتاج الأدبي كله، مهما خف وزنه، ومهما عَددت فيه من الجرائد والمجلات الخفيفة، لا يغذي — على أكثر تقدير — إلا خمس الأمة أو ???، وهم الذين يقرءون ويكتبون، مع أن كثيرًا منهم لا يتذوق هذا الأدب المعرب، والأربعة الأخماس الباقية تعيش من غير غذاء أدبي مطلقًا، للأمية أولًا وللفروق السحيقة بين لغة التخاطب ولغة الأدب ثانيًا ، ولسنا نبذل أي جهد في معالجة هذه المشكلة، فلا نحن مستطيعون أن نجعل السواد الأعظم من الشعب يقرأ ويفهم اللغة الكلاسيكية المعربة، ولا نحن مستطيعون أن نغير اللغة إلى لغة الشعب أو ما يقرب منها، مع أن أدب كل أمة لا يصح أن يكون أدب خاصة لا عامة، فللشعب حقه في الأدب والغذاء العقلي، كحقه في الغذاء المَعِدي.
أما إن نحن نظرنا إلى مصر كوحدة في الأمم العربية، فإن كان أساس المقياس قلة الأميين وعدد المثقفين بالنسبة إلى عدد الأمة، فمصر في المرتبة الثالثة بعد لبنان — أولًا — إذ يبلغ عدد الأميين فيها ??? فقط، وبعد سوريا ثانيًا.
أما إن نحن اتَّخَذْنَا المقياس وفرة النتاج الأدبي وقادة الحركة الأدبية على اختلاف أنواعها فمصر — بحق — هي زعيمة العالم العربي؛ فصحافتُها أرقى صحافة عربية، ونتاجها في البحوث الأدبية والقصص والمقالة ونحو ذلك أرقى من غيره، ولست الآن بمستطيع أن أجزم بزعامتها الشعرية.
ومن آثار ذلك أن الكتاب الأدبي الذي يطبع في مصر أكثر انتشارًا مما يطبع في أي بلد آخر، وكذلك مجلاتها وصحفها، والعالم العربي أكثر معرفة، وأشد تعلقًا، وأقل تأثرًا بالأديب المصري.
ولعل سبب ذلك واضح؛ فقد سبقت مصرُ العالمَ العربي في تاريخ نهضتها، وفي وفرة ثروتها، وفي شدة اتصالها بالغرب، وكثرة عددها لا بد أن ينتج عنه كثرة المتفوقين فيها.
ومع هذا — فمن الأسف — أنها لم تشعر شعورًا قويًّا بمركزها الأدبي هذا كما يشعر به غيرها، ولو فعلت لزاد شعور قادتها بالمسئولية كما ينبغي.
ولنا كبير الرجاء في أن نسرع الخطا، وخاصة بعد نَيْلِ استقلالنا الصحيح؛ حتى نعالج وجوه نقصنا، ونستكمل مزايانا. والسلام.

وظيفة الدين في المجتمع


لنتصور مدينة من المدن عاش أهلها من غير دين، لا مساجد ولا كنائس ولا شعائر، ولا اعتقاد بإله ولا بيوم آخر، ولا جزاء من ثواب أو عقاب، ولو ساروا في حياتهم وفق العقل، فماذا يكون شأنهم؟ وهل يكونون سعداء؟!
إني أتصوَّرهم يعيشون عيشة جافة شقية، أُفقهم في الحياة ضيق محدود بعمرهم القصير في الحياة الدنيا، إذا مرضوا أو أصيبوا بفقد عزيز عليهم جزعوا أشد الجزع؛ إذ لا حياة بعد هذه الحياة، في نظرهم، وإذا تقدمت بهم السن شعروا بفراغ لا يملؤه شيء، وجمهورهم لا يجد سندًا للأخلاق، فالفضائل والرذائل ليس عليها مكافأة إلا في هذه الحياة، فمن استطاع أن ينجو من عقوبة القانون أو عقوبة الرأي العام، ارتكب من الجرائم ما استطاع؛ إذ لا وازع له من دين أو ضمير، فعاشوا من أجل ذلك كله عيشة تعيسة لا يلطفها الأمل، ولا تريحها الطمأنينة.
إن الإنسان يتكوَّن من عقل وشعور، ولا يستطيع أن يعيش بدونهما، أو بدون أحدهما، ولا بد من إمدادهما بالغذاء الدائم، وغذاء العقل العلم، وغذاء الشعور الدين، والحياة على أساس العقل وحده والعلم وحده حياة خالية من عطف ورحمة وإنسانية، وفي ذلك البلاء المبين، وإذا كان الإنسان قد خلق وله عقل يتغذى بالعلم، وشعور يتغذى بالدين، يتبين لنا أن التدين من طبيعة الإنسان، كما أن العقل من طبيعته، ولهذا لازم التدين الإنسان منذ عرف تاريخه، بدويًّا أو حضريًّا في كل الأقطار والأقاليم، مهما اختلف مقدار رقيه، ومهما اختلفت أشكال عبادته ومعابده.
والدين يكوّن جزءًا هامًّا من مدنية كل شعب وحضارته، ويؤثر أثرًا كبيرًا في حركاته السياسية والاجتماعية؛ حتى في المدنية الغربية الحديثة مع إيمانها التام بالعلم وانطباعها بطابعه، لا يزال للدين الأثر البالغ في منازعها السياسية والاجتماعية، فعلاقة أمم النصرانية بعضها ببعض، وعلاقتها بغيرها من أهل الأديان الأخرى وفهمها الحقوق والواجبات والمبادئ التي تسيرهم في مجتمعهم وهكذا، كلها متأثرة بالدين، ومهما تنازع العلم والدين ودعا دعاة منهم إلى الإلحاد فإن الدين يمس قلوب الناس حتى الملحدين، وهم يأبون أن تتخلى قلوبهم عنه؛ لأن هذا هو فطرتهم وطبيعتهم، ومن تجرد منه أحس القلق والاضطراب إحساس مَن شُوِّهت طبيعتُه.
أساس الدين الإيمان بقوة فوق المادة، وفوق أن يدركها العقل، وأنها المدبرة للعالم، السائرة به إلى نهاية المنبع الذي تصدر عنه الأخلاق التي تنظم حياته من حيث هو فرد، ومن حيث هو عضو في مجتمع.
وفي هذا اتفقت كل الأديان تقريبًا وإن اختلفت في تفاصيلها وشعائرها.
هذا الدين على هذا الوضع كان سببًا في تقوية الروابط بين الجماعات والأمم، فكل جماعة تدين بدين، يؤلف بينها الدين، ويوثق بين أفرادها، ويشعرهم بالوحدة ويكون أساسًا بينهم للترابط والتعاون؛ وهذا سبب — من غير شك — يسلمهم إلى الرقي؛ كذلك كان الأمر بين أهل الديانات القديمة كديانة قدماء المصريين والصينيين، ثم بعد ذلك في اليهودية والنصرانية والإسلام، فإذا نحن عددنا من الروابط المدنية بين أفراد الأمة الواحدة اللغة والجنس والإقليم، وجب علينا أن نعد من أهمها رابطة الدين، وكما كانت كل رابطة من هذه الروابط سببًا في تقدم الجنس البشري، فكذلك كانت رابطة الدين.
ثم إن الدين أهم باعث على الأخلاق، فهو يدعو إلى الأخلاق دعوة حارة، دعوة ممزوجة بالعاطفة، ممزوجة بالإيمان، قد يدعو العقل والفلسفة والعلم إلى الفضيلة من حيث هي حق ومن حيث هي نافعة، ولكن دعوة الدين إليها أقوى؛ لأنه يسبغ عليها من روحانيته، ويربطها بالثواب في الدنيا والآخرة، ويربط بينها وبين الضمير فيجعلها مطلوبة لذاتها، ومطلوبة لثوابها، ولذلك كانت دعوة الدين إلى الأخلاق مناسبة للخاصة والعامة، بينما دعوة الفلاسفة والعلماء للفضيلة لا تناسب إلا الخاصة، ثم الفرق بينهما كالفرق بين ما يصدر عن العقل من نظريات علمية هادئة باردة، وبين ما يصدر عن القلب من حب ممزوج بالحرارة والقوة والحماسة، ولذلك كان تغيير وجه البشرية صدر عن رجال الدين أكثر مما صدر عن الفلاسفة ورجال العلم، بل إن الدين يمد الفلسفة والعلم والفن بروح منه، ويجعلها أقرب إلى إدراك الحق والجمال.
الدين هو الذي أنشأ المعابد تهتز فيها ولها قلوب الناس، وتتحرك عواطفهم في لذة واشتياق إلى هذا المعبود الذي فوق الطبيعة، وهو الذي حرك العواطف لإنشاء معاهد البر والإحسان والملاجئ والمستشفيات، فخفف بؤس البائسين وعوز المحتاجين، والدين هو الذي حرك نفوس الفنانين، فصاغت عواطفهم أروع الآثار الفنية من مساجد وكنائس ومعابد، وهز نفوس الأدباء، فأنتجوا لنا روائع الأدب الصوفي، والشعر الديني، والابتهالات التي تفيض بالعواطف وتسيل عذوبة ورقة، والدين كان عماد التربية والتعليم بفتح المدارس ونشر التعليم، وكانت الدراسة الدينية باعثة على الدراسة الدنيوية، وكان مثارًا للبحث والجدل، وبعث العقول على التفكير، سواء في تأييد العقائد أو تفنيدها، مما بث في العقول حياة لولاه لخمدت، واعتبر ذلك بالثروة الكبيرة في التأليف الديني وما حوله عند كل الأمم المتحضرة، واعتبر ذلك أيضًا عند المسلمين؛ فقد كان جمع اللغة لفهم القرآن، ودراسة النحو والصرف لتقويم اللسان للقرآن، ووضع علوم البلاغة لفهم إعجاز القرآن، وهكذا.
والدين هو الذي يتجلى في أسمى مظاهر الإنسانية ولا سيما في أوقات الشدائد، من عطف على الفقراء، ومواساة الجرحى والمنكوبين، ومن أصيبوا بزلزال أو بركان أو حريق أو غرق، فإذ ذاك تتحرك النفوس للنجدة يحدوها الدين.
فلنتصور — إذًا — ما يكون شأن الإنسانية إذا فقدت كل هذه النظم والمؤسسات والعواطف والمشاعر والأخلاق، إن العالم بلا دين عالم بلا قلب، إنه جفاف، إنه نظريات هندسية لا روح لها.
نعم … حدث في التاريخ أضرار كثيرة باسم الدين كالغلو في العصبية الدينية، وما نشأ عنها من تعذيب، وسفك دماء، واضطهاد، وكانتشار الخرافات في بعض الأديان، وكضيق النظر واضطهاد العلم والعلماء، والجمود على بعض النصوص إلى درجة التحجر؛ ولكن أكثر هذه الأضرار يرجع إلى فساد يعتري المتدين، أكثر مما يرجع إلى الدين نفسه … وإلى سوء فهم بعض رجال الدين أو مكرهم، أكثر مما يرجع إلى الدين نفسه.
وبعد؛ فالدين نعمة على المجتمع الإنساني، وهو طبيعة من طبيعة الإنسان، وخير الأديان ما سما بالعاطفة، وأوسع المجال للعقل، وبنيت تعاليمه على خير الفرد، وخير الإنسانية.

يوم عرفات


في هذا اليوم يقف المسلمون من جميع أقطار العالم على جبل عرفات، يؤدون شعيرة من أهم شعائر الإسلام، ولست أنسى ذلك اليوم وقد وقفت فيه هذا الموقف منذ ثلاث سنوات، فكان موقفًا رائعًا جليلًا لا تغيب ذكراه على مدى الأيام؛ ففي السابع والثامن من شهر ذي الحجة يخرج الناس من مكة قاصدين عرفة؛ وهم محرمون؛ قد لبسوا لباسًا ساذجًا بسيطًا، رداء أبيض، ونعلين بسيطين، قد عريت رءوسهم، وتجنبوا لبس المخيط، يرمزون بلبس البياض إلى طهارة القلب، وطهارة الأعمال، ونقاء السر والعلن، ويتجنبون المخيط؛ ليدلوا بعملهم على بساطتهم الأولى، وتجردهم من زخرف المدنية وتعقيد الحضارة، ويمثلون بفعلهم ولباسهم ما كان يفعله ويلبسه أبوهم إبراهيم — عليه السلام — وهو الذي أذن في الناس بالحج؛ فأتوه من كل فج؛ فهم بإحرامهم هذا قد ذكروا الإنسان في بساطته قبل أن تقيده المدنية بقيودها الثقيلة وتقاليدها المتعبة؛ حتى كأنهم يقولون: إننا رجعنا إلى الله كما خلقنا، متساوين في مظاهر العيش، متخلين عن الأبهة الكاذبة، والمعيشة المصطنعة، لقد أخرجنا الله إلى هذا الوجود متساوين في التجرد، فلبسنا في مهدنا أبسط اللباس، وسنموت فنكفن في أبسط لباس، فلنذكر ذلك كله الآن في ملبسنا البسيط المتساوي، ونكون أقرب إلى الله قرب المولود من خالقه، والميت من ربه، ونحن زاهدون في زخرف الحياة كما يزهد الراهب الصادق في ترهبه، أو كما يزهد المتصوف المخلص في تصوفه.
يخرج الناس من مكة على هذا الوضع، لا تتبين منهم غنيًّا ولا فقيرًا، ولا شريفًا ولا وضيعًا، فالغنى والفقر والشرف والضعة، أوضاع خلقها الناس، واصطنعوها وزيفوها، يخرجون على إبلهم ودوابهم، وحبذا لو استمر ذلك؛ فالمظهر كله منسجم، أبسط ثياب على أبسط دواب، ولكن في السنين الأخيرة زاحمت السيارات الإبل فغلبتها، وأضاعت انسجام الحياة، فتميز غني من فقير، ومكثر من مقل.
يتجه الخارجون من مكة إلى عرفة نحو الشرق، ثم يميلون ميلًا خفيفًا إلى الجنوب، وإذ ذاك يسيرون في واد بين جبلين، وبعد مسافة ليست بالطويلة تجد على يسارك جبلًا سمي جبل النور، بني على قمته العالية قبة يلمع بياضها.
هناك في هذه القمة غار يبلغ ثلاثة أمتار في مترين، كان يخرج إليه النبي ? فيقضي فيه الأيام ذوات العدد؛ حتى قد تبلغ الشهر، كان يفر إليه من الناس وضوضائهم وباطلهم، كان يشرف من أعلى هذا الجبل على العالم من تحته؛ فينعم بالطبيعة وجمالها، والليل وهدوئه، والسماء ونجومها، ثم يفكر في الناس فيهزأ بسخافاتهم هزؤًا مشوبًا برحمة، واستخفافًا ممزوجًا بعطف.
كان يهرب إلى هذا الغار؛ لأنه عرف باطل الناس وأراد الحق، وعرف ما هم فيه من ظلام، وطلب النور؛ حتى إذا تهيأت نفسه للحق، واستعدت روحه لليقين، نزل عليه الوحي فلمع في قلبه النور الإلهي، فإذا الحق واضح، وإذا الله معه، ونزل من الغار يدعو الناس أن يستضيئوا بضوئه وأن يحيوا قلوبهم من حياة قلبه، وأن يروا عظمة الله في كل أثر من آثاره.
ذلك هو جبل النور الذي يمر عليه السالك من مكة إلى عرفة، وهذا هو غار حراء الذي في قمته.
ثم ينعطف السائر نحو الجنوب ويسير نحو خمسة كيلو مترات فيصل إلى منى، وعند دخولها يجد السائر على يساره جمرة العقبة، وهي حائط من الحجر ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار، وعرضه نحو مترين، أقيم على قطعة من الصخر، وبني أسفل هذا الحائط حوض يسقط فيه الحصى الذي يرميه الحجاج، هذه هي جمرة العقبة التي يرميها الحجاج بما يجمعون من حصى بعد عودتهم من عرفة؛ رمزًا إلى أنهم قد قويت إرادتهم، وغزوا بواعث الشر في نفوسهم، ورجموا الشيطان؛ فلم يستمعوا لدعوته، ولم يقعوا في حبائله التي ينصبها عن طريق الشهوة.
ومنى مكان متسع يخيم فيه الحجاج قبل رحيلهم إلى عرفة وبعد عودتهم، وفيها سبيل يمجد ذكر مصر، وينتفع به الحجاج من سائر الأقطار، يتزودون من مائه الذي جلب إليه من عين زبيدة، فيوفر عليهم كثيرًا من العناء، ويسبغ عليهم الرخاء والهناء.
وفي اليوم التاسع من ذي الحجة — أي في مثل يومنا هذا — يخرج أكثر الحاج من منى قاصدين عرفة، فيسيرون في واد بين جبلين يتسع حينًا، ويضيق حينًا، يمرون فيما يمرون على المزدلفة بعد ساعتين من منى، وعلى مسجد نمرة، وبعد قليل من المسجد تجد العلمين؛ وهما عمودان من البناء يبعد أحدهما عن الآخر، يرتفع العمود نحو خمسة أمتار في عرض نحو ثلاثة، وهما يدلان على حدود عرفة فيما وراءهما؛ وإذ ذاك تجد جبلًا قد حلق على الوادي وأقفله في شكل قوس كبير؛ هو جبل عرفة، وفي الجهة الشمالية منه لسان يبرز إلى الغرب يسمى جبل الرحمة، وفيه صخرة كان يقف عليها الرسول ? وعليها يقف الخطيب اليوم.
في هذا المكان في جبل عرفة يقف الحجاج جميعًا على اختلاف مذاهبهم يوم التاسع، وجزءًا من ليلة العاشر، يعجون بالتلبية والدعاء، والتسبيح والتهليل، ومن قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
عند ذاك ترى منظرًا عجبًا؛ قد تجمع آلاف الناس في هذا الجبل وحوله بملابسهم البيضاء، واتحدوا في التوجه إلى الله على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، قد ربطتهم وحدة الدين، وألفت بينهم وحدة القصد، اتجهوا كلهم إلى الله يزلزلون الجبل بدعائهم وتلبيتهم، قد نسوا دنياهم، ونسوا أنفسهم وتعلقت أرواحهم بربهم، يتجلى على وجوههم الوجد والهيام، وتغلبت روحانيتهم على ماديتهم، وانقلبوا ملائكة أطهارًا؛ هذا يستغفر مما جنى، وهذا يندم على ما فات، وهذا يعاهد الله على الطهر الدائم، وهذا يبكي ندمًا، وهذا يستبشر أملًا؛ وكلهم متعلقون بربهم، يرجون افتتاح حياة جديدة؛ عمادها التقوى والإخلاص، وهم يتنقلون من نوع من الهتاف إلى نوع آخر، هؤلاء يعجون: لبيك اللهم لبيك، وهؤلاء يتلون آيات من القرآن في عظمة الله ووحدانيته.
وعلى الجملة يغمر الناس نوع من الفيض، يعجز القلم عن وصفه.
وبعد صلاة العصر من ذلك اليوم ينهض خطيب عرفة، ويصعد بناقته على الجبل، ويقف على الصخرة التي وقف عليها رسول الله ?، ويخطب خطبة يعلم فيها الناس مناسك الحج، ويكثر فيها من التلبية والدعاء، ومن دونه قوم يبلغون قوله للناس، ويلوحون بمناديل يشيرون بها إلى التلبية، فيتابعه كل الناس بتلبيتهم؛ فتتحد نداءاتهم، ويغمر الناس شعور غريب.
وهو موقف يمكن أن يستغله المسلمون أحسنَ استغلال، فيؤتى بالمكبرات الصوتية، وتعد فيه الخطب الرائعة باختلاف اللغات؛ متضمنة نصيحة المسلمين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وما يوقظ هممهم، ويحيي آمالهم، ويوحد صفوفهم، ويوجههم أصلح وجهات الحياة؛ وفي هذا الاجتماع فرصة كبيرة لتلاقي ذوي الرأي من المسلمين في الأجناس المختلفة، يتبادلون الرأي فيما يصلح أممهم، وينير السبيل لمستقبلهم.
إذًا لأدى الحج خدمة كبرى اجتماعية، بجانب الشعائر الدينية.
حتى إذا غابت الشمس في الأفق أعلن تمام الموقف، فينفر الناس من عرفات هاتفين هتاف الفرح والسرور على ما وفقهم الله من أداء الفرض.
هذا ما يفعل الحجاج في هذه الليلة، وهم قد أتموا وقوفهم بعرفة، وسعدوا بهذا المنظر الجميل، وامتلأت نفوسهم؛ رغبة في الخير، وحبًّا في الله، وهم في مثل هذا الوقت يفيضون من عرفة عائدين إلى المزدلفة؛ ليتموا شعائر الحج.
هذا هو الوقوف بعرفة، وهو أهم ركن من أركان الحج، من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج؛ والعلة في ذلك أنه أهم جزء في الحج يحقق حكمته، ففيه يجتمع المسلمون من جهات العالم في وقت واحد، ومكان واحد، يتجهون اتجاهًا واحدًا ويهتفون هتافًا لغرض واحد؛ متضرعين إلى الله، راجين منه تكفير خطاياهم، راغبين توالي نعمه عليهم، والنفوس إذا تجمعت بهذه الكيفية لا يخليها الله من رحمته، ولا يحرمها من إجابة ما تطلبه؛ وقد رمز رسول الله ? إلى ذلك بقوله: «ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة»؛ فقد تطهرت النفوس فيه بالندم على ما جنت، وعقدت فيه العزم على افتتاح صفحة جديدة في حياتها تتجنب الإثم، وتفعل ما أمرت به، وهذا المكان لم يصل إليه الحجاج إلا بكثير من المشقة، وكثير من الشوق، فتتفتح النفوس لتحقيق هذا الغرض، وتتوالى عليها رحمة الله ومغفرته.
وفي الحج كل عام رباط بين المسلمين وتوثيق لصلاتهم، وتعظيم لشعائر الدين التي توارثها الناس جيلًا عن جيل إلى إبراهيم وإسماعيل — عليهما السلام — واجتماع كلمة المسلمين، ومجال للتفكير في شئونهم، ومداولة الرأي فيما جد من أمورهم، ومداواة ما لحق بهم، والعمل على إنهاضهم.
وبينما يقف الحجاج بعرفة ويتمون مشاعرهم بالمزدلفة ومنى، يشترك من لم يقدروا على الحج بهذه الذكرى، فيتخذون هذه الأيام أيام عيد، ويصلون صلاة العيد، ويهتفون هتاف الحجاج: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، فتتجاوب هذه النداءات في جميع الأقطار، ويهتفون: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده؛ فتتلاقى قلوب المسلمين وهتافاتهم على معنى واحد، واتجاه واحد؛ وذلك أحرى أن يتعاونوا على الخير، ويتواصوا بالحق وبالصبر، يهتف القوم في أماكن الحج، فيردد المسلمون نداءهم في بقاع الأرض.

بساطة العيش


تعجبني الحياة البسيطة لا تعقيد فيها ولا تركيب، وأكره ما أكره التكلف والتصنع، وتعقيد الحياة وتركيبها.
ويظهر — مع الأسف — أن المدنية والحضارة تميل دائمًا إلى تعقيد الحياة، وكلما قرأت في الحضارات المختلفة؛ رومانية، أو إسلامية، أو أوربية حديثة، وجدتها جميعًا تتشابه في الميل إلى التعقيد والتركيب، والإسراف في البذخ والترف والرفاهية؛ ففي الحضارة الإسلامية — مثلًا — قرأت أن الوزير ابن الفرات تناهى في الترف حتى ما كان يأكل إلا بملاعق البلور، وما كان يأكل بالملعقة إلا لقمة واحدة، فكان يوضع له على المائدة أكثر من ثلاثين ملعقة، وذكروا عن المأمون أن مائدته كانت تبلغ في بعض الأحيان ثلاثمائة لون، وكان راتب أبي طاهر وزير عز الدولة من الثلج في كل يوم ألف رطل، ومن الشمع في كل شهر ألف مَنٍّ، وغضب المأمون على جارية له فأرسلت إليه تفاحة من العنبر مكتوبًا عليها بالذهب «يا سيدي تبت».
وكانت أم الخليفة المقتدر تعمل نعالها من ثياب تسمى الثياب الديبقية؛ تقطع على قدر النعال، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب مسك وعنبر مجمدان، وكان لا يمكث النعل في رجلها إلا أيامًا ثم ترميه للخدم، وكان النساء المترفات يشترين جلود الثعالب يحضره التجار من سيبريا يبطنَّ به ثيابهن في الشتاء، وقد ذكر المسعودي أن إبراهيم بن المهدي استزار الرشيد: يومًا فقدم له على المائدة فيما قدمه له: طبقًا فيه قطع من سمك، فقال له الرشيد: لمَ صغر طباخك قطع السمك؟ قال له: يا أمير المؤمنين هذه ألسنة سمك، فاستحلفه الرشيد أن يخبره عن ثمن هذه الألسنة، فقال له: أكثر من ألف درهم. فرفع الرشيد؛ وأبى أن يأكل منها.
ويشبه هذا ما قرأته مرة في بعض الصحف أن أحد اللوردات من كبار الأغنياء عمل وليمة لبعض الكبراء فقدم فيها طبقًا فيه ألسنة بعض الطيور النادرة.
وقرأت مرة أن أمريكا في سنة ???? كانت اعتزمت أن تقيم في معرض باريس عمودًا من الذهب يساوي ما فيه مئتي ألف جنيه؛ إشارة إلى أنها مملكة الذهب.
ومثل ذلك ما جاء في تاريخ الوزراء للصابي أن المعتضد اجتمع في خزائنه تسعة ملايين من الدنانير، فأمل أن يتمها عشرة ويسبكها سبيكة واحدة ويضعها في مكان بمرأى من الناس؛ ليسير في الآفاق أن للمتعضد عشرة ملايين دينارًا من الذهب هو في غنى عنها، فاخترمته المنية قبل أن يحقق غرضه.
وأمثلة ذلك في الحضارات القديمة والحديثة، وهي في الحديثة آنق وأترف وأعقد، وقد شمل التعقيد والتصنع والتكلف كل مناحي الحياة، وشمل كثيرًا من الأوساط، بعد أن كان في الحضارات القديمة مقصورًا على بعض الملوك والأمراء.
هذا فرح يقام في بيت الأغنياء حتى والأوساط فتقوم دنياهم وتقعد وترتبك حياتهم وترتبك، ويمر الشهر والشهران والأسرة لا تعرف للحياة طعمًا، من خطبة وجهاز وإعداد حفلة وطبع تذاكر الدعوة وتنظيمها ونحو ذلك من مشاكل لا عداد لها، ولا ينتهي الزواج حتى تكون الأسرة كلها قد تهدمت أعصابها وماليتها من كثرة ما لاقت من العناء، وما تحملت من أعباء، وما سبب ذلك إلا ما اندفع فيه الناس من تعقيد وتكلف وتصنع.
وهذه مظاهر الحياة كلها معقدة؛ فالمرأة تقضي نصف عمرها أمام المرآة متصنعة متجملة، وهذه مائدة الأكل يُقضى الوقت الطويل في إعدادها وتصفيفها، وهذا الأكل يقضى فيه كل مرة ساعتان أو أكثر في وضع صنف ورفع صنف وتغيير الأطباق وما إلى ذلك.
وهذه الملذات ووسائلها كلها تعقدت وتركبت؛ فالذهاب إلى التمثيل يكلف كثيرًا من العناء في المظهر والملبس والمركب، ويحب كل ذاهب إلى التمثيل أن يكون هو في نفسه رواية يتفرج عليه المتفرجون في ملبسه ومشيته ونظراته وما إلى ذلك.
وكل ملذة من ملذات الحياة مشروعة أو غير مشروعة لا تنال على بساطتها وسذاجتها، وإنما تنال على ضروب من التعقيد والتكلف لا نهاية لها.
ومن الغريب أن المتلذذ بهذه الضروب من التكلف لا يلبث أن يعتادها ويألفها على أنها بسيطة ساذجة؛ فيبحث عن وسائل أخرى لزيادة تعقيدها!
ولو كان تعقيد الملذات يزيد في السرور بها لهان الأمر، ولكن الواقع أن تعقيدها يضيع بهجتها ويقلل الاستمتاع بها؛ فالعامل البسيط يتلذذ من منظر رواية بسيطة أكثر مما يتلذذ الغني المترف من رواية معقدة، والمرأة الفقيرة تفرح بجلبابها الجديد البسيط أكثر مما تفرح امرأة غنية بفستانها الأنيق الموشى.
هذا فضلًا عما يستوجبه هذا التكلف والتعقد من أسباب التعاسة؛ فكم بيت شقي بسبب امرأة في البيت تتكلف أكثر مما تحتمل ميزانيتها في الملابس وأدوات الزينة! وكم أسرة شقيت؛ لأن رجلًا يحتفل بسكره أو قماره أكثر مما يحتفل بضرورات بيته! وكثير من البيوت بائسة؛ لأن حاجة المعيشة تعقدت وتركبت فأصبحت ميزانياتها لا تكفي لضروراتها، وكثيرًا ما تضطر تكاليف الحياة وتعقدها أن يسلك الناس سبلًا غير شريفة في الحصول على المال الذي تتطلبه تعقدات الحياة، ومن استطاع أن يحتفظ بشرفه عاش في قلق وهمٍّ من المطالب الكثيرة التي تحيط به، والتي يستطيع أن يحتملها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يحتملها في أهله وولده.
حتى المعاملات بين الناس سادها التكلف والتصنع؛ فهذا الغني يتظاهر بغناه بكل مظهر، ويعامل الناس لا كما ينبغي أن يعاملوا به، ولكن على مقدار القدرة المالية، فهو يوزع احترامه واحتقاره بنسبة ما يملك من يعامله من مال أو لا يملك.
وقلَّ أن تجد غنيًّا بسيطًا في عيشته، بسيطًا في معاملته؛ والواقع أن الأمر سلسلة متصلة، يتلقى الاحتقار ممن هو أغنى منه، ويوزعه على من هو أدنى؛ حتى نصل إلى الفقير الذي لا يملك شيئًا، فهو يُحتقر ليس إلا.
وضروب المعاملة والسلوك يسودها التصنع والتكلف ومظاهر الرياء؛ في الوظيفة وفي المصالح الحكومية، وفي المحال التجارية، وفي الحفلات والولائم والأفراح والمآتم، لا شيء من البساطة، ولا شيء من الرجوع للفطرة.
وحتى الآداب والفنون دخلتها الحضارة فعقدتها وملأتها زينة وصناعة ومحسنات لفظية ومحسنات معنوية واستعارة ومجازًا وتكلفًا في التعبير لا يجري مع الطبيعة، والروائي لا يكون روائيًّا حقًّا حتى يغرب، والممثل لا يكون ممثلًا حقًّا حتى يتصنع ويتكلف البكاء والضحك والصياح ولي اللسان والتشدق في الأداء.
وحتى الناس في مخاطبتهم لا يسلكون أقرب طريق للفهم والإفهام، ولا أصدق عبارة وأبسطها للتعبير عما في النفس؛ حتى ليصعب علينا في كثير من الأحيان معرفة الحق في الموضوع لما تمتزج به الحقيقة من شكوك وغموض وإبهام وتصنع وتزويق، مع أن البساطة في التعبير هي خير وسيلة للإقناع والإفهام، ورب كلمة صريحة صادقة بسيطة فعلت ما لا تفعل الخطب المزوقة والأحاديث المنمقة، وخير الأدب ما مال إلى البساطة، وخير التمثيل ما جرى على الطبع، وخير الفن ما عبر عن النفس في بساطة ويسر.
من كل هذا نرى أن الحضارة صحبها في كل نواحيها تعقيد وتكلف ورياء وتصنع وبعد عن البساطة، وأن هذا التكلف والتصنع قد جر من الشرور على العالم ما لا يحصى؛ ولكن هل هذا عرض ملازم للحضارة لا يمكن أن تنفك عنه، أو هو كما يقول المناطقة عرض مفارق يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون؟
إن الحضارة درجة في الرقي طبيعية، فلا يمكن ولا من الخير أن يتبدى الناس بعد أن تحضروا، ولكن ألا يمكن أن نتحضر وأن نتبسط معًا؟!
لست أرى أن الحضارة من لوازمها التعقيد، بل إني أتصور حضارة سامية تعنى ببساطة العيش، مع انتفاعها بما وصل إليه العلم.
وقد قرأنا أخبارًا عن قوم نبلاء عاشوا عيشة البساطة وسط الحضارة، كما فعل تولوستوي في حياته الأخيرة، وقد قرأت قصة لطيفة في كتاب «أدب النديم»؛ إذ حكى أن عبد الله بن طاهر دعاه غني إلى وليمة، ثم أخر الأكل لإعداده إعدادًا يتناسب ومقام ابن طاهر فطال غيابه، ثم أحضر من الألوان والتصنع والتكلف ما لا حد له، فلما هم ابن طاهر بالانصراف سأله الداعي: أيأمر الأمير بشيء؟ قال: أن تذهب إلى فلان وتتعلم منه الفتوة، فذهب إليه وكان الوقت وقت غداء، فأمر الخادم أن يحضر ما عنده من غير أن يزيد شيئًا، فحَضَرَ طعام نظيف بسيط لساعته، ثم قال له: هذه هي الفتوة التي أراد ابن طاهر أن أعلمكها.
على أنا نجد اليوم نزعة ظاهرة في المدنية الحديثة، وهي كراهية التكلف، والسآمة من التعقيد في المعيشة، والإمعان في الملذات، والتصنع في الفن والأدب، والتشدق في الكلام، وهي نزعة ظهرت في نواح كثيرة؛ نرجو أن تعم وتتسع.
ليست البساطة التي نعنيها أن يعيش الناس حياتهم الأولى الساذجة، فليس ذلك في الإمكان، ولا نريد أن يتساوى الناس في المأكل البسيط والملبس البسيط، بل إن البساطة حتى في التفاوت؛ فقد يستطيع الغني في أكله الدسم وسيارته الفخمة أن يعيش مع هذا عيشة بسيطة، وقد يكون فقيرًا وهو يعيش عيشة متكلفة، فالغني الذي لا يمعن في الترف، ويأكل ويلبس ويركب خير الأنواع، ولكنه سمح في تصرفاته، بسيط في مبائه، وطرق معيشته، عاطف على الفقراء في ماله، غير ممعن في شهواته، يعيش على قدر دخله، ويحسن بما يحتمله ماله، نقي القلب نحو الناس، لا يتظاهر بغير ما يبطن، وتجري أموره بسيطة سهلة ، يقال: إنه يعيش عيشة بسيطة؛ وقد يكون فقيرًا يتظاهر بأكثر من معيشته، ويتكلف أكثر مما يحتمله دخله، ويمعن في لذته ومظهره، وينطوي قلبه على أنه لو نال المال لأمعن في الترف، فهو في هذه الحال أعقد، وأكثر تكلفًا من ذلك الغني.
أريد من البساطة الصراحة في القول، والطهارة في التفكير، وعدم الإمعان في المظهر، والتصرف في بساطة ويسر، ونظافة الفكر من كراهية الناس، والتعالي عليهم، والسير في الحياة كما هي من غير كلفة ولا رياء، ولا تظاهر ولا تعقيد؛ فقد تكون مائدة نظيفة بسيطة أشهى عند العاقل من مائدة معقدة مركبة، وقد يكون جمال الفتاة في بساطة حليها وبساطة ملبسها خيرًا من حلي مكدسة وثياب مزركشة.
في بساطة العيش راحة النفس، وحفظ الصحة، وحسن التفاهم، والتخفف من الأعباء المالية، وشعور بأن الحياة المادية ليست كل شيء في الحياة؛ حتى يضيع كل الزمن في تعقيداتها وتركيباتها، فهناك حياة روحية سامية جميلة تستحق أن يوفر لها جزء من الزمان، ويخصص لها وقت من التفكير.

غاندي، ذلك الضعيف الجبار


غاندي هو أعظم رجل أنجبته الهند بعد بوذا، ولا يرتاب العارفون بنزعات الهنود في أن غاندي بعد موته سيبلغ ما بلغه بوذا من عبادة وتقديس، ولقد يزعم بعض الزاعمين أن غاندي قد ضؤل اسمه، وانكمشت سطوته، وانمحى كثير من مجده، ولكنه زعم باطل موهوم، فهو عظيم الهند غير مدافع، وحسبك أن ترى بني قومه يتسابقون ليظفروا بتقبيل موطئ قدمه!
ولعل أروع ما يأخذ العين من هذا الجبار العجيب مزجه السياسة بالدين مزجًا رفعه إلى منزلة القديسين الأطهار والساسة الأفذاذ في آن معًا؛ ولو أمعنت النظر إلى سيرته لألفيتها مجموعة من متناقضات ظاهرة، لا تلبث النظرة الفاحصة أن تتبين فيها اتساقًا وانسجامًا ووحدة … فهو مسالم وادع منذ الطفولة الأولى، ولكنه إبان إقامته بإفريقيا الجنوبية أخذ يحشد الجنود لتخدم في إسعاف المحاربين في حرب البوير؛ وهو الذي أخذ يصارع إنجلترا صراعًا متصلًا، ولكنه اليوم أكبر أصدقاء الإنجليز في ظل الدستور الجديد؛ لأنه ارتأى أن استقلال الهند في الظروف الحاضرة يحققه التعاون مع إنجلترا أكثر مما يحققه استئناف الكفاح؛ وهو ينظر إلى العلم الحديث نظرته إلى الكارثة الفادحة حلت بالبشر، ولكنه يسافر بالقطار والسيارة، ويستعين على ضعف بصره بالمنظار؛ وقد كان من المؤتمر الوطني الهندي بمثابة الروح من الجسد، ومع ذلك لم يكن عضوًا فيه؛ وهو يمس كل موضوع من ناحيته الدينية، ولكن أحدًا لا يدري من يعبد وبمن يدين … وهكذا؛ كلما أخذت في دراسة الرجل تبينت فيه مواضع تناقض تقتضيك البحث والتفكير.
وأهم ما يشغله اليوم مشكلة المنبوذين الذين آلى على نفسه أن يرفع من شأنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ ففي الهند أربع طبقات وراثية أنشأها الآريون الغزاة في عصر راسخ في القدم، أنشئوها لتكون لهم بمثابة الحصن المنيع يصون دماءهم أن تمتزج بدماء الأهلين … وأولى هذه الطبقات: طبقة البراهما؛ ومنهم القساوسة والعلماء، ثم: طبقة الكَشاتريا؛ وهي تؤلف فريق المحاربين، والثالثة: طبقة الفيسيا؛ ويشتغل أبناؤها بالتجارة — وهذه هي الطبقة التي خرج منها غاندي — والرابعة: طبقة السودرا؛ ومنهم يخرج العبيد والخدم.
ومما يلفت النظر أن طبقة البراهما وهي أرفعها ينشأ منها أغلب الطهاة في الهند، والأصل في ذلك أنها طبقة الأطهار؛ فلا خوف أن يدنس أبناؤها الطعام والشراب، ولذلك ترى الأسر من سائر الطبقات تؤثر أن يكون طهاتها من أولئك الأنقياء … أما المنبوذون فهم فريق لا يدخل في هذه الطبقات الأربع، وهم يبلغون واحدًا وخمسين مليونًا من سكان الهند؛ الذين يقرب عددهم من ??? مليونًا.
ليس أمر المنبوذين مقتصرًا على فقرهم المدقع، بل هم إلى جانب هذا يقاسون الزراية والامتهان، فلا يجوز لأبناء المنبوذين في بعض جهات الهند أن يلتحقوا بالمدارس، ولا يسمح للمنبوذين أن يستمدوا ماء شرابهم من البئر التي يستمد منها سائر السكان ماءهم؛ وأقسى من ذلك وأمرُّ أن المنبوذ في جنوبي الهند لا يؤذن له أن يبدو أمام أنظار الناس؛ لأنهم يعتقدون أن دنسه يلوث أبناء الطبقات؛ حتى لو كان سائرًا على بعد فسيح، فإذا ما أبصر المنكود أحد السادة في أقصى الطريق وجب عليه أن يرجع ليستتر في عشب الحقول، والأغلب ألا يسمح للمنبوذين أن يغادروا أوكارهم إلا في ظلمة الليل؛ حتى لا يكشف عن دنسهم ضوء النهار!
فماذا يرى غاندي في هذا المشكل الجسيم؟! إنه يؤمن إيمانًا راسخًا بنظام الطبقات ولا يحب أن يمحو منه شيئًا، ولكنه يعتقد كذلك أن النبذ زراية لا تليق بالبشر؛ حتى قال: «لأن يفنى الهنود على بكرة أبيهم خير من أن يحيا بينهم نظام المنبوذين»، وهو يسمى النبذ «زائدة فاسدة» يجب أن تبتر من جسم الهند في غير إبطاء، وخطته التي يسعى جاهدًا لتحقيقها هي أن تنشأ بالهند طبقة خامسة من هؤلاء البائسين، وبذلك يكون قد احتفظ بنظام الطبقات الذي يؤمن به، ويكون في الوقت نفسه قد أرضى هذه الفئة المبنوذة في جسم المجتمع.
ألا إن هذا الجهاد وحده لخليق أن يسلكه في عقد النوابغ الأبطال! وإنه لبطل بكل ما في الكلمة من معاني البطولة! أليس عجيبًا أن ينهض هذا الرجل الضئيل وهو يتلفع بثوب من غزله ونسجه، ليهاجم أعظم إمبراطورية شهدها التاريخ؟!
إن له في قلوب الهنود لمكانة دونها كل مكانة، فهو فيهم دكتاتور من نوع لم يعهده الإنسان، دكتاتور يحكم أتباعه بالحب! فترى صورته عالقة على جدر الأكواخ محفوفة بالإجلال والتكريم، يتشفع بها المرضى ليبرءوا! ويتيمن بها الصغار؛ ليبلغوا منشود الأمل! وما أروع الزراع حين يسلمون أقدامهم إلى الريح زرافات زرافات … إلى أين هذه الجموع الحاشدة؟! إلى مكان يبعد عشرين ميلًا؛ ليشهدوا قطارًا فيه زعيمهم غاندي! إنه في قومه نبي المعجزات، إن شاء أشار بخنصره إلى الناس أن شُقُّوا عصا الطاعة للحكومة، فما هو إلا أن ترى القوم من فورهم قد صدعوا بالأمر عن رضا وطواعية.
فمن عسى أن يكون هذا الرجل الذي يحرك خمسين وثلاثمائة مليون من البشر بلفظة واحدة تنحدر من بين شفيته، من هذا الجبار الذي يتحكم في خمس سكان الأرض بأسرها؟!
هو «مهانداس كرمشاند غاندي» الذي ولد في الثاني من شهر أكتوبر عام ????، أي إنه قد أوشك على السبعين … وهو سليل أسرة تولى أبناؤها أرفع المناصب، فأبوه وجده كانا رئيسي وزارة الإقليم؛ وقد تزوج أبوه أربع مرات، وكان غاندي أصغر أبناء الزوجة الرابعة؛ وهي امرأة اشتدت فيها النزعة الدينية فأثرت في ابنها أثرًا عميقًا.
نشأ غاندي قوي العقيدة راسخ الإيمان، لا يكاد ينحرف عن الجادة حتى يعود في توبة وعزم جديد … قال له أحد أصدقائه في صدر الشباب: إن ضعف الهنود يعزى إلى امتناعهم عن أكل اللحم، وإن الإنجليز لم يحكموا الهند إلا لأنهم من أكلة اللحوم، فاعتزم غاندي أن يذوق هذا الطعام الممنوع، ولم يكد يفعل ذلك حتى وخزه الضمير وخزًا أنزل به العلة، وانتابه في المساء حلم فظيع رأى فيه عنزة حية تتقيأ في جوفه … وأغراه صديق آخر واقتاده إلى بيت داعر، وفي ذلك يقول: «كاد يصعقني الخرس والعمى حين وطئت قدماي وكر الرذيلة، لقد زللت بين أنياب الخطيئة، ولكن الله عاجلني برحمته» … وحدثته النفس مرة أن يدخن لفيفة — وهي محرَّمة — فكاد بعدئذ يزهق نفسه من تأنيب الضمير … ويروى أنه لم يكذب في حياته قط!
وتزوج غاندي في سن الثالثة عشرة من فتاة في العاشرة من عمرها، وفي ذلك يقول: «لم يدر بخلدي يوم الزفاف أن سيأتي يوم أوجه فيه إلى أبي مر النقد على تزويجه إياي في سن الطفولة؛ فقد كان كل شيء يبدو في ذلك اليوم سارًّا جميلًا، وكنت شديد الرغبة في الزواج» … وكانت زوجته أمية فأراد أن يعلمها، ولكنه وقف في ذلك عند الكتابة والقراءة.
وكأنما أراد غاندي أن ينتقم لنفسه من هذا الزواج الباكر، فلم يكد يبلغ سنته الأولى بعد الثلاثين حتى اعتزم كبت شهوته، وفرض على نفسه عزوبة امتدت إلى يومه هذا، وإنما فعل ذلك ليكون خطوة نحو تملكه زمام نفسه، وسيطرة إرادته على جموح شهوته، ويقول مؤرخو حياته إن ذلك هو المبدأ الأول الذي انتهى به آخر الأمر إلى إعلان المقاومة السلبية السلمية.
ولما أكمل دراسته في جامعة «أحمد أباد» قصد إلى لندن؛ ليتمم دراسة القانون، ولم يكن ذلك أمرًا يسيرًا؛ لأن عبور البحر، عند الهنود المستمسكين بتقاليدهم، مجلبة للدنس؛ ولذا قضى عليه أولو الأمر في طبقته بالطرد من عشيرتهم، والحرمان من كل حقوقه، ولكن ذلك لم يَحُلْ دونَ سفرِه، فنذر أمام أمه ألا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، وألا يقرب النساء، وانطلق في سبيل العلم إلى كعبته المنشودة.
وعاد إلى أرض الوطن بعد أعوام ثلاثة، واشتغل بالمحاماة في بومباي، ويروى أنه حين نهض في أولى قضاياه ليسأل شاهدًا، اعتراه خجل عقل لسانه، واضطر إلى الجلوس دون أن يلقي سؤالًا واحدًا … ومضت أعوام لم يزدهر فيها الأمل، فشد رحاله إلى أفريقيا الجنوبية لعله يصادف فيها ما لم يستطعه في الهند، وهكذا كان، فإنه لم يلبث أن استقر في تلك البلاد حتى علا صوته فيها، فقضى هنالك عشرين عامًا راضيًا سعيدًا؛ وهذه الأعوام العشرون كانت بمثابة فترة يتأهب فيها لما ألقي على عاتقه فيما بعد … ففي جنوبي أفريقيا أخذ التياران الأساسيان اللذان يكونانه يظهران ويشتد مجراهما من نفسه: الأول: اتجاهه إلى مذهب المسالمة؛ فقد طالع رَسْكِن وتولستوي، وأخذ بمثلهما العليا، والثاني: عنايته بالقومية الهندية، وأخذ منذ ذلك الحين يدافع عن حقوق الهند، فأسس صحيفة «الرأي الهندي» وأصدر أول كتبه «استقلال الهند»، وأصبح زعيمًا غير مدافع للجالية الهندية في جنوبي إفريقيا، وهي كثيرة العدد، وقد أودع السجن هنالك ثلاث مرات.
وقد أخذ غاندي يروض نفسه ويغذي روحه ويكتسب الدربة العملية؛ ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد أنه اعتزم أن يزداد دراسة للكتب المقدسة الهندية؛ ليشتد قربه من روح الهند، ولكنه لم يجد في وقته من الفراغ ما يحقق له أمنيته، أوتدري ماذا فعل؟ إنه علق بعض آيات الكتاب التي يريد حفظها في أعلى الحوض الذي يقف أمامه عند غسل أسنانه؛ ليتلوها في الدقائق التي خصصها لذلك من كل صباح!
ويجدر بنا أن نذكر عنه نبأ آخر يلقي ضوءًا على جانب الإيمان منه؛ فقد روى عن نفسه في كتاب سيرته أنه خاطب نفسه ذات يوم قائلًا: «إنه لو أدركني القضاء المحتوم لوقع عبء زوجي وأبنائي على أخي المسكين» وأمن من فوره على حياته بمبلغ جسيم؛ ليضمن لأهله رغد العيش من بعده، ولكنه ما لبث أن قال: «لماذا أفرض أن الموت سيدركني قبل سواي؟ إن الله وحده هو الذي يرعى زوجي وأبنائي، وليس أخي براعيهم، إنني إذا أَمَّنْتُ على حياتي من أجل زوجي؛ فقد أحرمها بذلك كما أحرم أبنائي من نعمة الاعتماد على النفس، ولماذا لا أتوقع منهم أن يعنوا بأنفسهم؟ ماذا جرى للأسر التي لا يحدها الحصر؛ والتي لا تملك من حطام الدنيا شيئًا؟ ولم لا أعد نفسي واحدًا من هؤلاء؟»
وأما طعامه فقد اختار لنفسه بعد سلسلة طويلة من التجارب، لبن الأغنام؛ لما رآه فيه من صفات تمكنه من ضبط نفسه، وقرر أن يصمت عن الحديث يوم الاثنين من كل أسبوع؛ ليكون وسيلة أخرى لضبط النفس؛ وهكذا مضى وهو في جنوبي أفريقيا حتى اشتد مراسه، وازداد صلابة فيما يمس مبادئه، ولينًا وهوادة في توافه الأمور.
هذا هو غاندي في سن الخامسة والأربعين، حين عاد إلى الهند عام ????؛ حيث بدأ جهاده الأكبر.
عاد غاندي إلى أرض الوطن، وقضى عامه الأول متنقلًا بين ربوع الهند؛ ليساهم في بعض الخدمات الاجتماعية؛ لكي يمس شئون بلاده عن كثب، ولم يكد يسلخ بعد عودته عامًا حتى أنشأ لنفسه صومعة أطلق عليها اسمًا معناه بلغة بلاده «قوة الروح» ولكن اللفظة أسيء استخدامها فيما بعد، وأصبحت تعني «العصيان»، وحج إليه الأتباع ومن بينهم نفر من المنبوذين، وأخذوا على عواتقهم بين يديه ألا يقولوا إلا الصدق، وأن يسلكوا في الحياة طريق المسالمة، وأن يأخذوا بالمبدأ النباتي في الطعام، وأن يرفضوا الملك، وألا يتزوجوا، وأخذ اسم غاندي يرن في جوانب الهند من أقصاها إلى أقصاها؛ حتى أطلق عليه اسم «المهاتما» ومعناها «الروح العظيم».
وما كادت تضع الحرب الكبرى أوزارها حتى أخذ الهنود يطالبون الإنجليز الحاكمين بحصر نفوذهم، فأجاب الإنجليز ولكن في كز وتقتير، فلم يرضَ الهنود بما مُنحوه من حكومة ذاتية مغلولة الأيدي، فنهضت إنجلترا من فورها تشكم هذه الحركة النامية بيد من حديد، فأثار هذا العنف نفوس الهنود، وهبوا جادين عازمين؛ وعلى رأسهم غاندي.
وأصدرت إنجلترا قانونًا فيه روح القسوة، فقابله الهنود بإضراب عام، وما جاءت سنة ???? حتى نزلت النازلة ووقعت المأساة الفادحة؛ إذ أمر قائد إنجليزي أن يُطلق الرصاص على حشد من الهنود العزل، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وكانوا بحيث لا يستطيعون الهروب، فقتل منهم مئات وجرح مئات، فقامت الهند، ولكنها قومة هادئة صامتة لا يصحبها الصخب والزئير؛ إذ أعلنت على الحاكم عصيانًا مدنيًّا، وما هو إلا أن ذاع العصيان في ربوع الهند ذيوعًا قويًّا سريعًا، وقد اتخذ منه غاندي أداة سياسية وقوة روحية في آن معًا … هكذا دعا المهاتما قومه إلى المسالمة وضبط النفس وإنكار الذات، فكانت دعوة صائبة من زعيم يفهم شعبه، دعوة يفهمها الهنود الذين مرنت نفوسهم على الرياضة العنيفة، فمست منهم حبات القلوب؛ لأنها جاءت من طبيعة دينهم في الصميم، وخلقت من الهنود أُسُودًا.
ماذا يصنع الإنجليز أمام شعب صمم أن يقابل العنف باللين، والقسوة بالعصيان الصامت الذي لا يرفع إصبعًا لمقاومة؟ ماذا يصنع الإنجليز، وهم يشهدون ألوف الألوف من الشبان الهنود الذين تقاطروا زرافات إلى السجون؛ يطالبون الحكومة أن تودعهم بين أغلالها مختارين طائعين؟ إن العقل الأوربي لم يكد يفهم هذه الدعوة التي وجهها غاندي إلى أمته، أن يتخذوا موقف المقاومة السلمية السلبية! نعم؛ لم يفهمها العقل الأوربي حتى شخصت نتائجها أمام بصره وسمعه!
وأمعنت الحكومة في عنفها، فأعلن المؤتمر الهندي مقاطعته للبضائع الإنجليزية، وقرر الأعضاء أن تُمنع ناشئة الهند من مدارس الحكومة، وأن تُسحب القضايا من المحاكم، وأن يتخلى الموظفون عن وظائفهم الحكومية، وألا يدفع الأهلون الضرائب، وألا يلبس الهندي إلا قطنًا غزلته أيدي الهنود.
وقبض على غاندي في عام ????، فاستمع إلى هذا الجبار يخاطب الاتهام قائلًا: إن جريمتي أكبر جدًّا مما ذكرت في دعواك! ثم نظر إلى القاضي وتوسل إليه أن يقضي بأقصى عقوبة يبيحها القانون!! وحكم القاضي بسجنه ست سنوات، فأجابه غاندي بالشكر، وقد أتاح له السجن عزلة أحبها، ويقول في ذلك: «كنت في السجن سعيدًا كالطائر المرح»، ولكن الحكومة أطلقت سراحه بعد عامين اثنين.
وحدث بعد ذلك بسنة واحدة أن اشتبك الهندوس والمسلمون في خصومة وعراك، فقرر غاندي أن يصوم واحدًا وعشرين يومًا؛ ليحتج بصومه على نزاع ينشأ بين فريقين من أبناء الوطن، فلبثت البلاد كلها تنتظر هذه الأيام وهي مقطوعة الأنفاس من خشية الخطر، وانقضت أيام الكفارة بخير، وقطروا في فم الزعيم قطرات من عصير البرتقال، ولكنه لم يَقْوَ على الكلام والحركة إلا بعد حين.
وجاءت بعد ذلك سنوات خمس شداد؛ إذ أرسل الإنجليز بعثة سيمون إلى الهند؛ لتمهد الطريق لوضع دستور جديد، ولكن المؤتمر الهندي لم يعد يرضى القليل، وطالب للبلاد باستقلال تام، فاشتد الحاكمون، فبدأ العصيان المدني من جديد، وافتتح غاندي عصيانه هذه المرة بما يسمى «غزوة الملح»، فقد كان الملح ولا يزال محتكرًا في يد الحكومة تفرض عليه ضريبة باهظة يقع عبئها على الفقراء، فأخذ المهاتما يشق طريقه إلى البحر في جمع من أعوانه، واخترق البلاد من شرقيها إلى غربيها سيرًا على قدميه، وكانت نار الثورة تشتعل في إثره أينما سار، وهكذا مضى حتى بلغ شاطئ البحر، فركع وأخذ يستخرج من الماء ملحًا لا تثقله ضريبة الحكومة، واحتذاه قومه، فكانت ضربة قاسية على الحكومة، وضربًا نادرًا من الاحتجاج والعصيان!
وانتهت الموقعة آخر الأمر إلى اتفاق تسامح فيه الإنجليز بعض الشيء، وتنازل فيه الهنود بعض الشيء، وهو الموقف القائم اليوم.
ويقضي المهاتما الآن عامه في قرية منعزلة تسمى «سيجاون»، تقع في أكثر جهات الهند انحطاطًا وبعدًا عن المدنية، وقد اختار هذا المكان القصي الذي يطوقه الوحل أربعة أشهر من السنة، وليس فيه طبيب ولا بريد، اختاره عامدًا؛ لأن أغلب سكانه من المنبوذين، وقد أطلق عليهم اسم «أبناء الله»؛ ليدعو بذلك إلى دمجهم في جسم الأمة، وليقيم البرهان على أن المذهب الغاندي لا يصلح للطبقات المستنيرة وحدها، بل تنبت بذوره في أشد جهات الوطن تأخرًا وجهلًا.
يستيقظ غاندي كل يوم في الساعة الرابعة والنصف؛ ليؤدي صلاة الصبح، ثم يرتاض سيرًا على أقدامه سيرًا سريعًا، لا يحول دون ذلك انهمار المطر، وهذه عادة نشأ عليها منذ شبابه، ويُروى في ذلك نبأ ظريف؛ وهو أن غاندي كان يؤدي رياضته هذه وهو في لندن، وكان يسير كعادته سيرًا سريعًا قلما يلحقه أحد فيه، فشكا رجال الشرطة المكلفون بحراسته ما يكلفهم من جهد وإعياء حين يحاولون متابعته في سيره!
وإن له لإيمانًا قويًّا لا يفتر؛ فهو يؤدي شعائر صلاته إذا حل موعدها مهما تكن الظروف المحيطة به؛ فقد كان وهو في لندن لا يأبه بمكانة من يجالسهم، ولا بمنزلة المكان الذي يحل فيه إذا جاء وقت الصلاة، فتراه ينزل إلى أرض الغرفة؛ حيث يجلس مشبوك الساقين مطأطئ الرأس؛ حتى إذا ما فرغ من فريضته عاد إلى كسريه واستأنف الحديث، فعل ذلك حتى وهو في مجلس العموم البريطاني! وهو يصلي مرتين في كل يوم، عند الشروق مرة وعند الغروب أخرى.
وإن هذا الرجل الذي يأكل الحد الأدنى من الطعام، لا يفتأ في عمل متصل لا ينقطع؛ فهو يستقبل الزائرين، ويتحدث إلى مستشاريه، وينجز ما يعرض له من أمور كثيرة، وما أكثر ما يعرض له من الشئون؛ لأن عاصمة الهند القومية تكون حيث يكون؛ وقد اختار لنفسه من ألوان الراحة والاستجمام أن يجلس في حوض من الماء الساخن أربعين دقيقة قبل أن يأوي إلى مخدعه، وكثيرًا ما يطالع وهو مغمور في حوضه بالماء!
ويتلخص برنامجه الذي يوجه إليه مجهوده اليوم في خمسة أشياء: تشجيع الغزل والنسج، وجعل التعليم في القرى تعليمًا صناعيًّا، وتحسين الحالة الصحية، ودمج المنبوذين في جسم المجتمع، وتنشيط الصناعة القروية.
يقول غاندي: «إنني أرى كل شيء يتغير ويموت، ولكن وراء هذه الظواهر المتقلبة قوة حية لا تخضع للتغير، قوة تمسك بيدها كل شيء، تخلق وتميت، وتعيد الخلق؛ تلك القوة هي الله … إنه خير مطلق؛ لأنني أرى الحياة ظافرة رغم تتابع الموت، وأرى الصدق منتصرًا رغم ما يكتنفه من أكاذيب، وأرى النور ساطعًا رغم ما يحجبه من ظلام، ومن هذا أستنتج أن الله هو الحياة والصدق والنور، هو الحب، هو الإله الأعلى».
وعلى الرغم من أن غاندي هندوسي متدين، إلا أنه يعتقد أن الكتب المقدسة كلها على اختلاف دياناتها، هي كلمة الله؛ القرآن والإنجيل والتلمود والأفستا وكتاب بوذا؟!
هذه صورة لغاندي الجبار الذي نفخ في الهند روحًا، فأحياها بعد موت، وعلمها كيف تعرف حقها، وتزهى بنفسها، إنه رجل؛ والرجال قليل.

العصر الأموي وخلفاؤه (?)


من قديم في العصر الجاهلي كان يتنازع الشرفَ فرعان من قريش من ولد عبد مناف، لا يدانيهما في ذلك بيت؛ وهما بيت هاشم وبيت أمية، وكان بنو أمية أكثر عددًا وأوفر رجالًا، وكثيرًا ما تنافر هاشم وابن أخيه أمية إلى حكم يحكم بينهما أيهما أشرف، على عادة العرب في الجاهلية، وكان هشام له الرِّفادة والسِّقاية في البيت الحرام، وكان رجلًا موسرًا، وكان كريمًا، وكان يوسع على العرب عند حجتهم، ويطلب من ذوي المقدرة أن يتبرعوا بما في استطاعتهم، ويخرج هو عن كثير من ماله، فينظِّم إطعام الطعام والترويةَ بالماء، ويعد الحجيج ضيف الله وضيفه؛ فمن أجل هذا كان يحكم له بالشرف، كما كان من الأمويين من نال السيادة وسوَّدته قريش كلها، كحرب بن أمية؛ فقد كان رئيس قريش في حرب الفجار، ورووا أن قريشًا تواقعوا ذات يوم؛ وحرب هذا مسند ظهره إلى الكعبة، فتبادر إليه غلمة منهم ينادون: يا عم، أدرك قومك، فقام يجر إزاره حتى أشرف عليهم من بعض الرُّبا، ولوح بطرَف ثوبه إليهم أن تعالوا، فبادرت الطائفتان إليه بعد أن كان حمي وطيسهم.
إذًا؛ كان كل من البيتين الهاشمي والأموي عظيمًا في الجاهلية.
فلما جاء الإسلام زاد البيت الهاشمي شرفًا بمحمد رسول الله الهاشمي، ولكن الإسلام لم يعبأ بالعصبية القبلية الجاهلية، وجاء يزن الناس بميزان آخر غير الدم والجنس والقبيلة؛ هو ميزان العمل الصالح، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولما هاجر رسول الله إلى المدينة ساوى بين الناس، وآخى بينهم، وترك مكة للمشركين تعمل فيهم العصبية الجاهلية، وخلا الجو بمكة ممن ينازع الأمويين الشرفَ من عظماء بني هاشم؛ فقد مات أبو طالب الهاشمي وهاجر بنوه إلى المدينة، وهاجر حمزة الهاشمي والعباس وأكثر بني عبد المطلب، فتزعم أبو سفيان الأموي أمية كلها والمشركين كلهم من قريش، وكان رئيسهم في غزوة أحد، بل تزعم المشركين أيضًا من غير قريش فكان قائدهم كلهم في غزوة الأحزاب.
ولما فتح النبي ? مكة قال له العباس: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له ذكرًا، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وأراد مشركو مكة وعلى رأسهم أبو سفيان بعد الإسلام أن يعوِّضوا ما فاتهم، ويكفِّروا عن سيئاتهم؛ فأبلوا في حروب الردة وفي الفتوح الإسلامية بلاءً حسنًا.
ولكن العصبية التي دعا الإسلام إلى إماتتها لم تمت، وظلت تعمل عملها وتشرئب بعنقها كلما دعا داع إليها.
ومما يلاحظ أن رسول الله ? استعمل على البلدان كثيرًا من بني أمية؛ فقد مات ? وعامله على مكة أموي؛ وهو عتَّاب بن أَسِيد بن أبي العِيص بن أمية، وقسم اليمن على خمسة رجال؛ أحدهم خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، واليًا على صنعاء، وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية واليًا على البحرين، وعمر بن سعيد بن العاص بن أمية واليًا على تيماء وخيبر وتبوك وفدك، وأبو سفيان بن حرب واليًا على نجران؛ وهكذا، وليس من بينهم هاشمي.
وكذلك فعل أبو بكر وعمر، فلم يكن في أعمال رسول الله ولا في أعمال أبي بكر وعمر أحد من بني هاشم.
ومن الجلي أن هذا لم يحدث عفوًا، وهو أمر يلفت النظر، فهل كان رسول الله ? يريد أن يفهم الناس أن أمر الولاية لا يرجع إلى بيت ولا إلى عصبية ولا إرث، وإنما الأمر للمسلمين يختارون من يرونه أحق بالولاية وأقدر على الصالح العام، وأكفأ للمهمة التي ينتدب لها، فإن كانت مهمة حربية اختير لها أكفأ الرجال في الحرب، وإن كانت سياسية اختير لها أسوس الناس وأصلحهم لتدبير الأمر، كما يريد أن يعلمهم درسًا راقيًا وهو أنه فوق أن يتحزب لبيته وأن يتعصب لقومه، وأنه عادل عدلًا مطلقًا، سواء عنده أهل بيته وغيرهم، إنما تهمه دعوته وتعاليمه وتطبيقها على أحسن وجه على أي يد كانت! لعله أراد ذلك كله.
جعل عمرُ الخلافة بين ستة، وكان أظهر هؤلاء الستة علي الهاشمي وعثمان الأموي، فتحركت العصبيات القديمة، ولم يضع المسلمون أول أمرهم نظامًا محكمًا لمن يلي الخلافة، ولا وضعوا نظمًا للشورى، ولا أهل الحل والعقد، ولا غير ذلك من المسائل الهامة، فمني المسلمون بالخلاف على الخلافة طوال العصور، روي أن معاوية سأل من في مجلسه يومًا عما شتت أمر المسلمين وخالف بينهم، فأجيب إجابات لم تقنعه، فقال هو: لم يشتت أمر المسلمين إلا الشورى التي جعلها عمر في الستة، فلم يكن منهم إلا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت إلى ذلك نفسه، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر؛ ما كان في ذلك اختلاف.
لما ولي عثمان الأموي الخلافة تغلب الحزب الأموي، وكان أكثر عمال الولايات منهم؛ فعلى الشام معاوية بن أبي سفيان، وعلى البصرة عبد الله بن عامر الأموي، وعلى مصر عبد الله بن سعد الأموي؛ وهذه هي الولايات العظام، فإن كان كثير من الولاة من غير الأمويين فهي ولايات فرعية يرجع أمراؤها إلى هؤلاء الأمويين العظام؛ ففارس تابعة للبصرة، وإفريقيا تابعة لمصر، وأقسام الشام تتبع والي الشام؛ وهكذا.
فطابع عهد عثمان طابع حكم حزبي، وهذا يخالف الطابع الذي كان في عهد النبي ? والخلفاء قبله، فإنه كان غير ملون بلون حزبي.
قتل عثمان الأموي فتشتت أمر المسلمين تشتتًا فظيعًا لم يعهدوه من قبل:
الحزب الأموي وهو يطالب بدم عثمان، ويضم الأمويين وأتباعهم وصنائعهم ومن استخدمهم ولاة الأمصار من الأمويين، وهؤلاء كانوا أول الأمر لا ينادون بخليفة معين، ولا باسم بالذات، إنما يطالبون بدم عثمان، ويناهضون عليًّا، ثم تطورت الأمور حسب الأحداث، وتركزت حول «معاوية» ونودي به في حزبه خليفة، وعماد هذا الحزب «الشام».
حزب طلحة والزبير، ويضم هذا الحزب أنصارهما وأتباعهما، وعائشة أم المؤمنين.
حزب علي، ويضم الهاشميين وكثيرًا من كبار الصحابة كأبي ذر الغفاري، وأبي أيوب الأنصاري، وكان له أنصار كثيرون بالمدينة والعراق.
حزب أبناء عمر بن الخطاب، وكان له دعاة قليلون: من أظهرهم أبو موسى الأشعري؛ يدعو لعبد الله بن عمر بن الخطاب، وإن لم يكن هو يدعو لنفسه.
وأخيرًا حزب الخوارج، وهم لا ينادون بشخص معين، ولكنهم يرون أن الحق في الخلافة ليس مقصورًا على قريش، وإنما هي عامة في جميع المسلمين، وأن الأحق بالخلافة أصلح الناس ومن رآه المسلمون أحق بالخلافة ولو كان عبدًا حبشيًّا، فإذا اختير فهو أمير المؤمنين، ويجب عليه أن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، ومنهم فرقة كانت ترى أن ليس من حاجة إلى خلافة، وعلى الناس أن يسيروا على الحق من أنفسهم ونادوا: «لا حكم إلا لله».
تناحرت هذه الأحزاب وتقاتلت، وسفكت فيها الدماء أنهارًا مما لا محل لذكره، ولم ينجُ من هذا القتال إلا قوم غسلوا أيديهم من هذه الفتن كلها، وامتنعوا أن يدخلوا في نزاع بين المسلمين بعضهم وبعض، وكان من هؤلاء: أبو بَكْرة، وعِمران بن الحصين، وعبد الله بن عمر، وسميت هذه الفرقة بعدُ بالمرجئة.
بعض هذه الأحزاب انقضى سريعًا واختفى من ميدان القتال؛ كحزب طلحة والزبير، ولكن القتال العنيف كان بين علي الهاشمي، ومعاوية الأموي، وأخيرًا وأخيرًا جدًّا صفا الجو لمعاوية وأسس الدولة الأموية.
ولانتصاره أسباب لا بأس من الإشارة إليها:
فمن ذلك ما أشرنا إليه قبلُ من كثرة الأمراء الذين حكموا الأمصار من الأمويين وتسلطوا عليها وبثوا نفوذهم فيها، خذ مثلًا الشام؛ وهي أهم عنصر في نصرة الأمويين؛ فقد وليها يزيد بن أبي سفيان، ثم لما مات وليها معاوية عشرين عامًا قبل الخلافة، والأمويون على وجه العموم كانوا في سياستهم أكثر تمشيًا مع الزمن، يعرفون نفسية العرب وعصبيتها ومنازعاتها وخصومتها، وكيف يستجلبونها لناحيتهم بالمصاهرة أحيانًا، وبالمال أحيانًا، وبالمداراة أحيانًا، وبالحلم أحيانًا، وبالشدة أحيانًا، كما هو شأن السياسة دائمًا، وعنوان سياستهم ما قاله زعيمهم معاوية: «إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل»؛ ولكن عليًّا وحزبه يريدون أن يسيروا على الخط المستقيم فقط من غير لف ولا دوران، والسياسة كثيرًا ما تحتاج إلى لف ودوران، ويعجبني ما قرأت من أن عليًّا سئل عن بني أمية وبني هاشم؛ فقال: بنو أمية أكثر وأنكر وأمكر، ونحن أفصح وأصبح وأسمح.
وكان من أساليب الأمويين؛ وعلى الأخص معاوية؛ أنه استطاع أن يضم إليه دهاة العرب وأمكرهم كعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن خالد، وحبيب مسلمة الفهري، وبسر بن أرطاة، والضحاك بن قيس، وشرحبيل بن السمط الكندي، وهؤلاء كانوا من كبار قواد العرب في الجيوش، ومن كبار الدهاة في السياسة والإدارة، وقد عرف معاوية أن يضمهم إليه بأساليبه، ويستخدمهم لتحقيق أغراضه، فأبلوا في ذلك بلاءً عظيمًا، وكون منهم ومن أمثالهم مجلس شورى يجمعهم ويعرض عليهم الأمر فيقلبونه على جميع وجوهه في تنظيم محكم وترتيب دقيق وسِرِّية منيعة.
أضف إلى ذلك الفرق الكبير بين جند معاوية وجند علي، فطالما شكا علي (رضي الله عنه) من جنده، وفخر معاوية بجنده، لقد كان جند علي تغلب عليهم البداوة، وكانوا في العراق تتوزعهم العصبية القبلية والأهواء المختلفة، يصعب جمعهم على كلمة، واتفاقهم على رأي، ولذلك لاقى منهم عليٌّ الأمرّين في الآراء المتناقضة: هؤلاء يقولون بالتحكيم، وهؤلاء يرفضونه، وهؤلاء يقولون بمداومة القتال، وهؤلاء يقولون بوقف القتال، وإذا جاء دور التحكيم اختلفوا اختلافًا شديدًا على من يمثلهم: الأشتر النخعي، أم أبو موسى الأشعري؟ أم لا هذا، ولا ذاك؟ إلى كثير مما رواه التاريخ من وجوه الخلاف التي لا حد لها، أما جند معاوية فنواتهم الشام، وأكثر عربهم وجندهم كان من اليمن، وقد ألفوا روح النظام قديمًا، واتصلوا بالرومان من عهد الغساسنة، فلم نسمعهم اختلفوا في الآراء اختلاف جند علي، ينادون بالتحكيم، فيقولون به جميعًا، ويسمعون بمن يمثلهم، فيقولون به جميعًا، والجندية عمادها النظام والطاعة.
ويعجبني ما روي عن معاوية أنه قال: «أُعِنْتُ على علي بثلاث: كان رجلًا ظهَرةً عُلَنَةً، وكنت كتومًا للسر، وكان في أخبث جند وأشده خلافًا، وكنت في أطوع جند وأقله خلافًا، وخلا علي بأصحاب الجمل، فقلت: إن ظفر بهم أعددت ذلك عليه وهنًا، وإن ظفروا به كانوا أهون شوكة عليَّ منه».
على كل حال تم الأمر لمعاوية، واجتمع الناس عليه خليفة للمسلمين بعد أن تنازل الحسن بن علي، وبايع له سنة ??، وسمي هذا العامُ عامَ الجماعة، وظل معاوية بعد ذلك خليفة نحو تسعة عشر عامًا يؤسس الدولة ويضع دعائمها.
لقد كان منذ صغره تظهر عليه مخايل السيادة، نظر إليه أبوه فرأى عظم رأسه ومخايل سيادته، فقال: إنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند أمه: قومه فقط! ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة! وتفرس فيه رسول الله ? ذلك فقال له يومًا: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. وكان عمر إذا دخل الشام ورأى معاوية قال: هذا كسرى العرب، وقال عبد الله بن عمر: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله أسود من معاوية. فقيل له؟ فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقال: كانوا والله خيرًا من معاوية، وكان معاويةُ أَسْوَدَ منهم. وذمه قوم عند عمر، فقال عمر: دعونا من ذم من يضحك عند الغضب، ولا ينال ما عنده إلا على الرضا، ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه.
بانتقال الخلافة إلى معاوية أخذت شكلًا جديدًا لا عهد به للمسلمين من قبل؛ أهمها: حصر الملك في أسرة واحدة، وهي أسرة الأمويين، وقد كانت قبلُ تعتمد على اختيار الخليفة، أو اختيار أولي الحل والعقد، بل جعلها معاوية كذلك وراثية، فعهد بالأمر من بعده لابنه يزيد، وكان لهذا الاتجاه أضرار كثيرة، ومنافع كثيرة لا مجال لشرحها، كما انطبعت الدولة الأموية من عهد معاوية بالطابع العربي، والأرستقراطية العربية، وتفضيل الدم العربي على غيره من الدماء، وتلا ذلك نظرهم إلى الموالي من الأمم الأخرى نظرة حاكم لمحكوم، وقاهر لمقهور، كما أن انتقال العاصمة من المدينة إلى دمشق مسكن الرومانيين من قبل، مهَّد للعرب أن يقتبسوا من المدنيات القديمة في نظمهم وسياستهم؛ كل هذا كان مظهرًا من مظاهر انتقال الحكم إلى الأمويين.

العصر الأموي وخلفاؤه (?)


تحدثت عن البيت الأموي إلى أن بويع لمعاوية بالخلافة عام الجماعة سنة إحدى وأربعين.
وقد دامت الخلافة فيهم نحو تسعين عامًا.
لجأ البيت الأموي في تأسيس ملكه إلى استعمال الدهاء والقوة والعنف، وكان عنوان سياستهم المبدأ الذي وضعه رأسهم معاوية؛ إذ يقول: «إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل»، وأخطأوا في بعض الأحيان في عدم الموازنة بين مقدار الحق الذي يريدون الوصول إليه، ومقدار الباطل الذي يخوضونه، ولم يكتفوا أحيانًا بالوصول إلى الغرض من أقرب طرقه وألبقها، بل عمدوا إلى أعنف الطرق وأكثرها إثارة للنفوس وهز المشاعر، كحادثة مقتل الحسين، ورمي الكعبة بالمنجنيق.
وجعلوا نظام الحكم هو نظام البيعة بولاية العهد، بعد أن كان بانتخاب الأصلح من غير تقيد بأسرة، وجر هذا إلى أن الخليفة قد تحمله عاطفةُ الأبوة على أن يعهد بالأمر من بعده لابنه؛ وقد يكون أبعد الناس لصلاحيته للخلافة، كما أنه أدى إلى نوع من اليأس في البيوت الأخرى التي كانت تطمح إلى الخلافة؛ كالبيت الهاشمي، وبيت الزبير.
أضف إلى ذلك أن الحرب بين علي ومعاوية أوجدت معسكرين إقليميين؛ وهما: الشام، والعراق، بينهما تِرات كتِرات الشخصين المتقاتلين، كل منهما يريد أن يثأر لنفسه من أعمال خصمه، فإذا انتصرت الشام طوى العراق نفسه على الغل وانتهاز الفرص، وأحست الشام بذلك فكانت تبعث إلى العراق جبابرتها من أمثال: زياد بن أبيه، وابنه، والحجاج، فكان هؤلاء يحكمون حكم قمع وجبروت وانتقام وأخذ بالظنة، في غير هوادة، ولا رحمة.
ومن ناحية البيت الأموي نفسه كان نظام البيعة بولاية العهد يثير الخلاف بين الابن الذي يعهد إليه، وإخوته الذين قد يرون أنفسهم أحق بالأمر منه؛ لكفايتهم وعظم صلاحيتهم.
كل هذا وأمثاله جعل الدولة الأموية لم تهدأ من ثورات تكاد تكون مستمرة؛ فالبيت الهاشمي ينتهز كل فرصة للثورة؛ لاسترداد الموقف، وينظم دعوته السرية، ويسبب متاعب للبيت الأموي لا تنتهي، فالحسين يخرج ويقتل، والمختار يطالب بثأر الحسين، ويدعو لمحمد ابن الحنفية، وكلما قتل إمام دعا إمام هاشمي إلى نفسه سرًّا، ثم جهرًا، فيحبس أو يقتل طوال العهد الأموي.
وعبد الله بن الزبير يحل في خلافه مع البيت الأموي محل أبيه الزبير بن العوام في منازعته عليًّا حتى يقتل.
والخوارج لا ترضى عن هؤلاء جميعًا، وتريد خليفة ينتخب انتخابًا حرًّا، أو لا خليفة.
والعراقيون لا ينسون ما فعله الأمويون معهم؛ فيتربصون بهم الدوائر، ويشجعون الأحزاب المعارضة، وكان من أكبر ثوراتهم ثورتهم مع عبد الرحمن بن الأشعث؛ فقد أدركوا أن الأمويين قد اختطوا وسيلة من وسائل التنكيل بهم، وهي تسييرهم إلى البلدان البعيدة للفتح، حتى إذا نجحوا غنم الأمويون، وإذا انهزموا استراح منهم الأمويون، فأخرج الحجاج منهم نحو عشرين ألفًا لفتح تركستان وعلى رأسهم ابن الأشعث، فانتهز الجيش الفرصة ونادوا بالثورة، وخلعوا الحجاج أولًا، ثم عبد الملك بن مروان ثانيًا.
والبيت الأموي نفسه ينقسم على نفسه؛ فمروان يناهض خالد بن يزيد ويبعده عن الحكم، وينقل الدولة من فرع إلى فرع، وعبد الملك بن مروان يقتل عمرو بن سعيد بن العاص، وهو من أكبر زعماء البيت الأموي، ومن كانت له اليد الطولى في نقل الحكم إلى فرع مروان، وهكذا.
كل هذا كان جديرًا أن يعوق الدولة الإسلامية عن التقدم والرقي، ويمكِّن أعداءها الخارجين من استراد ملكهم، ولكن كانت الأمة مملوءة قوة وحيوية، فلم يكسر ذلك كله من قوتها، ووُجد من رجالها أمثال: معاوية، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن عبد الملك؛ فهؤلاء بسياستهم وقوة شخصيتهم وحسن اختيارهم لرجالهم وقوادهم؛ استطاعوا أن يزيدوا رقعة المملكة الإسلامية إلى مدى بعيد، وأن يرقوا بنظام الحكم وبالفنون، وأن يقطعوا في ذلك شوطًا بعيدًا.
هذه ساحة الأناضول؛ ما يهدأ معاوية من الحروب الداخلية حتى يُغْزِيَها جيشه ويفتح «ملطية»، ويَشْحَنُها بالجند والسلاح، ويجعلها قاعدة يضرب منها المسلمون البيزنطيين أو الروم على حد تعبير العرب، وأنشأ أسطولًا هزم به الأسطول الروماني، واستولى على عدة جزر من جزر الأرخبيل وأسلم أهلها، وفتح خلفاؤه المنطقة الواقعة بين الأسكندرونة وطرسوس، وتقدم مسلمة بن عبد الملك إلى فناء القسطنطينية، وحاصرها نحو ثلاثين شهرًا.
وفي الساحة الشرقية وجه معاوية جيشًا لفتح طبرستان، وتم ذلك فيما بعد على يد يزيد بن المهلب؛ ففتح طبرستان وجرجان.
كما فتحوا ما وراء النهر؛ ويراد به المقاطعة الواقعة شرقي نهر جيحون، فوجه معاويةُ عبيدَ الله بن زياد لفتحه، وفي عهد عبد الملك تولى قيادة الجيوش المهلبُ بن أبي صفرة، ومحمد بن القاسم، وقتيبة بن مسلم الباهلي، فما زالوا في فتوحهم حتى وصلوا إلى الصين.
وفتح محمد بن القاسم الهند.
وفي عهد معاوية فتح عقبة بن نافع إفريقية، وفي عهد عبد الملك وجه أخوه عبدُ العزيز بن مروان موسى بن نصير لإتمام فتحها ونشر الإسلام بين ربوعها، ثم في عهد الوليد عبر البحر وفتح هو ومولاه طارق بن زياد إسبانيا والأندلس.
بهذا تضاعفت رقعة المملكة الإسلامية على يد هؤلاء الأمويين، بل إن المملكة الإسلامية لم تزد شيئًا يذكر فيما بعد الفتوح الأموية، وأخذت الحركة بعدهم تتجه نحو الجزْر لا المد، ولم تكن فتوحهم مجرد فتح حربي، بل هو إخضاع حربي، ودعوة إلى الدين، وتنظيم سياسي، ووضع قواعد للسير تتفق وما أمر به الدين من العدل، فإن حدثت أحداث جزئية لا تنطبق على قواعد العدل فهي الطبيعة البشرية التي لا تخلو من نزعاتها أمة؛ ومما يزيد في مقدار عظمتهم أن هذه المملكة كلها مع اتساع رقعتها وترامي أطرافها لم يخرج من يد الأمويين منها شيء، ولم يحدِّث قطر من أقطارها نفسه باستقلال، كما كان الشأن في العصر العباسي، بل كانت كلها دولة ملتئمة، تخضع لخليفة واحد، يتربع على عرشه في دمشق.
ثم هم جاروا الرومانيين في فنونهم وعمارتهم؛ فهذا الجامع الأموي الذي بناه الوليد قد بز به الكنائس الرومانية، بالقواعد الضخمة، وأساطينه الفخمة، ومحاريبه المزينة، وقبابه البديعة، وأروقته المرصعة بالفسيفساء الملونة، والنقوش المتنوعة، والفصوص المذهبة، والمرمر المصقول، وقد حشد لبنائه وتزيينه مهرة المهندسين والفنانين من الهند وفارس والمغرب وبيزنطة.
وعمَّر هشام رصافة الشام في غربي الرقة، واتخذها مصيفه، وبني فيها قصوره، وعمر سورها، وأنشأ فيها البساتين البديعة.
ومصَّر سليمان بن عبد الملك الرملة في فلسطين، وبنى فيها القصور والمساجد، وحفر فيها الآبار والأقنية.
وأنشأ الحجاج مدينة واسط بالعراق بين البصرة والكوفة، وأنشأ مسجدها وقصورها، وشحنها بالجند؛ يقمع بهم الثورات.
وأسس عبد الملك بن مروان جامع بيت المقدس، أو جامع الصخرة.
وعني الخلفاء الأمويون بالحرمين المكي والمدني وتوسيعهما وتزيينهما، يصرفون في ذلك الأموال الطائلة، ويجدُّون في استحضار التحف الفنية من جميع الأقطار.
وصبغوا الأعمال الرسمية بالصبغة العربية، فعمدوا إلى أهم مظهرين من مظاهر الدولة فعربوهما؛ وهما: النقود؛ وكانت أخلاطًا من نقود فارسية ورومانية ومصرية، فعربها عبد الملك بن مروان ووحد صبغتها وقيمتها، وأمر بإنشاء دار لضرب السكة، وكتب على أحد وجهيها بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى الآخر الله أحد الله الصمد، وكذلك الدواوين وهي الدفاتر الحكومية، فكانت تكتب باليونانية في الشام، والفارسية في العراق، والقبطية في مصر، فنقلت جميعها إلى العربية، وبذلك أمكن ضبطها والإشراف عليها إشرافًا صحيحًا من الدولة، واتسع المجال أمام متعلمي الكتابة العربية أن يتولوا هذه الأعمال ويشرفوا عليها.
ووفد على دمشق المغنون والمغنيات من الحجاز، وبهم ارتقى فن الموسيقى والغناء، ونظمت لهم المجالس، وتربى في الناس ذوق السماع، وبجانبهما الشعر يمدهما بالأبيات الرقيقة المختلفة التفاعيل، المنسجمة مع الأصوات.
وأنشأ هشام حلبة سباق للعناية بالخيل وتوليدها.
ولكن — مع الأسف — تخلل عظمة هذه الدولة الفتية أسباب فنائها، فلم تعمر إلا نحو تسعين عامًا.
ونحن إذا أجملنا أسباب سقوطها أمكننا أن نقول:
إن الأحزاب التي أشرنا إليها قبل، وخصوصًا الحزب الهاشمي الذي يجمع العلويين والعباسيين، ظل يعمل في قلب الدولة الأموية في صبر وجلد، وكلما قتل منهم إمام حل محله آخر، والعذاب والعنف والقسوة لا تزيدهم إلا رغبة في الانتقام وأخذًا بالثأر، وهم يُحكمون دعوتهم، ويبثونها سرًّا في الأقطار، ويقولون بالتقية أي السرية وإخفار الأمور وإظهار غير ما يخفون؛ وكان الخلفاء الأمويون أحيانًا يقسون عليهم قسوة تستوجب عطف بعض الناس عليهم والميل إليهم، وقد كان الخلفاء الأمويون الأولون يقظين يتتبعون كل حركة ولو صغيرة ويقضون عليها في حينها، فلما أخلد متأخروهم إلى اللهو والترف عميت عليهم هذه الحركات حتى استشرى شرها؛ وقد اختار الدعاة أخيرًا خراسان؛ لتكون عش الدعوة، وقد قال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: «عليكم بأهل خراسان؛ فإن هناك العدد الكثير، والجلَد الظاهر، وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة، لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات … وأصوات هائلة، ولغات فخمة، تخرج من أصوات منكرة».
فلما أحسنوا قيادتهم وبذروا فيهم أفكارهم وتولى زعامتهم دهاة من أمثال أبي مسلم الخراساني اكتسحوا الدولة.
وساعد على نمو الثورة أن الأمويين أفرطوا في العصبية العربية، فكانوا يشعرون المفتوحين بأنهم أقل منهم شرفًا ونسبًا وحسبًا ودمًا، عكس الدعوة الإسلامية التي تتطلب الدعوة إلى المساواة؛ وقد أضرت هذه العصبية من ناحية أخرى، فالعرب لم ينسوا الخصومة بين يمنيهم ومضريهم، فكان إذا ولي يمنى تعصب لقومه من اليمن، وتعصب على غيرهم من مضر، وهي حال لا تبشر بخير.
ثم إن الدولة الأموية اتسعت اتساعًا عظيمًا فجائيًّا؛ فما بين النهرين وما وراء النهر وجزء من الأفغان والهند وشبه جزيرة العرب والشام ومصر وفارس والمغرب والأندلس ، كل هذه بلاد كانت تحكمها الدولة الأموية الفتية في عصر تُقطع المسافات فيه على الخيل والإبل، ونظم الحكم لم تحدد، ولم تثبت تقاليدها، وهذا الملك الواسع يحتاج إلى رجال أقوياء مخلصين لأمتهم ولعرشهم، وقد كان في الدولة الأموية رجال عظام أخلصوا هذا الإخلاص في صدر الدولة ووسطها كزياد بن أبيه، وعبيد الله بن زياد والحجاج، وكان الخلفاء يكافئونهم على إخلاصهم بمؤازرتهم والإغداق عليهم وعدم سماع وشاية فيهم ونحو ذلك، ثم رأينا آخر الأمر أن الأمة ينبغ منها العظماء ويأتون بالأعمال العظيمة ثم يكون جزاؤهم من الخلفاء قتلهم أو تعذيبهم؛ فهؤلاء الفاتحون العظام أمثال قتيبة بن مسلم ويزيد بن المهلب يقتلون لوشايات يسعى بها الساعون، وموسى بن نصير فاتح الأندلس العظيم يزج به في السجن، وخالد بن عبد الله القسري الرجل الإداري الحازم يقتل، فإذا كانت هذه نهاية العظماء ومن يخدمون الدولة أكبر خدمة، فمن أين يأتي الإخلاص للدولة، والحرص عليها، والغيرة على مصالحها؟!
تجمعت هذه الأسباب كلها وتضخمت في آخر الدولة الأموية، وكان تفشيها يتطلب حزمًا شديدًا وقوة بالغة، ولكن اقترنت هذه الأدواء بضعف الخلفاء الأخيرين؛ أمثال: الوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، فجاء مروان بن محمد وكان حازمًا قويًّا، ولكن لم ينفع حزمه وقوته أمام عوامل الثورة التي فاقت كل قوة، فسقطت، وكان في سقوطها عبرةٌ لقوم يعقلون.

في الحج? (?)


في هذا الموسم — موسم الحج — أحدثكم ثلاثة أحاديث عن الحج.
والحج رياضة روحية ورحلة دينية، طالبت به الأديان على اختلاف أشكالها وأزمانها؛ فالمصريون القدماء كانوا يحجون، واليونان كانوا يحجون، والصينيون، والهنود، والنصارى، واليهود، كل أولئك يحجون؛ لما في الحج من مزايا روحية لا تنال بغير الحج.
وكان العرب قبل الإسلام بقرون يحجون إلى الكعبة، ويأتون بأعماله من طواف وسعي ووقوف بعرفة وغير ذلك من شعائر الحج، فجاء الإسلام وأقر بعض الشعائر مما يتفق مع تعاليمه، وأنكر بعضها، ولكنه — على العموم — غيَّر النية وهي أساس العبادات، فبعد أن كانوا يتقربون للأصنام المنصوبة في الكعبة كسر هذه الأصنام، وجعل العبادة لله وحده، وليس الحج إلى الكعبة إلا تعظيمًا لبيت من بيوت الله، ورمزًا إلى الأمكنة المقدسة التي عبد اللهَ فيها إبراهيمُ وإسماعيلُ وغيرُهما من الأنبياء والصديقين.
طهره الإسلام من الأوثان وجعله رمزًا لعبادة الله، وجعل ما فيه من الشعائر ذكرى لأبينا إبراهيم — عليه السلام — في سعيه وطوافه، ومجتمعًا للنفوس الطاهرة؛ تدعو ربها، وتطلب منه الرحمة والمغفرة، وتتقرب إليه بهيئات مأثورة عن أسلافهم، ويسعد به المسلمون بالهجرة من ديارهم في سبيل الله وتحمل المشاق لمرضاته، ومجاهدة النفس بتركها شهواتها، والتفرغ لعبادة الله وحده، وليجتمع الحجاج من أقطار الأرض في مكان فسيح واحد، يتبادلون فيه الرأي في خير المسلمين ومصالحهم ومشاكلهم، ويتجاوبون فيه الإيمان بالله والصدق في عبادته والدعوات لتوفيقه، إلى غير ذلك من مزايا للحج لا تحصى.
ولقد كان النبي ? يحرص على الحج من مبدأ الإسلام، حج وهو في مكة وحج لما هاجر إلى المدينة، وكان يحج ومكة في يد المشركين فإذا منعوه رجع وترك حسابهم لربهم، وفي السنة العاشرة من الهجرة حج ? بالمسلمين حجة الوداع وخطب فيها خطبته المشهورة، ونزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
وعد الحج ركنًا من أركان الإسلام الخمسة؛ وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا.
وليس ذكر الحج في آخر الأركان إلا لأنه عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين.
وفي الحق؛ إن في الحج فوائدَ دينيةً عديدةً؛ فالحاج إذا نوى السفر من وطنه استحضر أعماله واستذكر سيئاته وندم عليها وتهيأت نفسه لقبول الخير، فكان في ذلك طهارة من ذنوبه وحسن استعداد لطهارة نفسه وقربها من الخير وبعدها عن الشر، والتجأ إلى الله أن يحفظه في أهله وماله وولده، وأن يوفقه للبر والتقوى، وأن يرزقه في سفره سلامة البدن والدين والمال، ويبلغه حجه على أحسن وجه وأكمله؛ وفي هذا كله طهارة لنفسه وقوة لروحانيته.
فإذا تقدم في أعمال الحج فأول ما يواجهه الإحرام وهو أن يتجرد الرجل من كل ثوب مخيط ويلبس إزارًا ورداءً ويلبس في رجليه نعلين، وتلبس المرأة ثيابها وتكشف وجهها وكفيها، ويعجون إذ ذاك بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فترى الناس إذا أحرموا لبسوا ملابس إبراهيم — عليه السلام — فلباسنا يذكرنا به، وكان إبراهيم من الكلدانيين الذين اعتادوا لبس البسيط من الثياب؛ واختير اللون الأبيض؛ لأنه أدل على الطهارة والنظافة، والطهارة والنظافة في الثياب تشعران بالطهارة والنظافة في النفس، وحُرِّم المخيط من الثياب؛ رمزًا إلى أن الإنسان خرج إلى ربه من زخارف الدنيا وما فيها، ولأن لبس المخيط من الثياب وسيلة التفاوت بين اللابسين، فيكون الحج مظهرًا للأزياء المختلفة والصناعات المتفاوتة، والإسلام يريد في مثل هذا الموقف إشعار الناس بأنهم أمام الله سواء؛ لا فرق بين غنيهم وفقيرهم وملكهم وصعلوكهم، وهذا مظهر من مظاهر المساواة في الإسلام، وكثيرًا ما قصد الإسلام إلى المساواة في أكثر العبادات؛ تأكيدًا لمعنى أن الله لا يعبأ بالغني لغناه، ولا يصد عن الفقير لفقره، وأن القيمة الحقيقية للإنسان في نفسه وفضائله، لا في ماله ولا في ملبسه ولا في جاهه.
ومن أجل هذا كان منظرُ الإحرام للحجاج إذا وصلوا إلى نقطة معينة في السفر منظرًا آخذًا بالنفس، يشعر فيه المسلمون كلهم بالمساواة، ويدل بياض ثيابهم على بياض نفوسهم، ويشعرون بالأخوة التامة؛ لا فرق بينهم في الجنس ولا في اللغة، ولا في أي عرض من أعراض الدنيا، وشعارهم الدائم هو التلبية، ومعناها رجوع النفس لربها، وسؤال الله أن يوفقها للخير، ويمن عليها بالطاعة، ويطهرها مما علق بها من زخرف الدنيا وأباطيلها.
ومن أجل هذا عد الإحرام ركنًا أساسيًّا من أركان الحج؛ إذ به تتهيأ النفس لما يلي من أعمال.
وهو — إذا أحرم — نوى أنه يحرم للحج، والجملة المأثورة في هذه النية أن يقول: «اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، وأعني على أداء فرضه، وتقبله مني، اللهم إني نويت أداء فريضتك في الحج، فاجعلني من الذين استجابوا لك، وآمنوا بوعدك واتبعوا أمرك، اللهم قد أحرم لحمي ودمي وعصبي وعظامي، وحرمت على نفسي النساء والمخيط والطيب؛ ابتغاء وجهك والدار الآخرة».
وهو في هذه الحال كلما قابل أحدًا أو دخل مجتمعًا أو صعد أو هبط كرر: لبيك اللهم لبيك؛ ليذكر دائمًا موقفه أمام ربه، وليحفظ على النفس طهارتها وصفاءها وشوقها إلى خالقها.
ولا يزال الحاج على هذه الحالة النفسية، بين إحرام وتلبية، وتفكر في الله وتضرع إليه حتى يدخل مكة، ويصل إلى الحرم المكي وفيه الكعبة.
وهو في هذا كله يرتاض رياضة بدنية إلى جانب هذه الرياضة الروحية؛ فهذا العيش البسيط والملبس البسيط والحركة الدائمة والسفر ومتاعبه، تجعل من الإنسان رجلًا قادرًا على احتمال المشاق، غير منغمس في النعيم الذي يذهب بالرجولة، وتعده للقدرة على العمل الصالح إذا دعا داعي الوطن أو داعي الدين، وهو بمثابة التمرين العسكري الذي تفرضه الأمم الحية على أبنائها فترة من الزمن كل سنة فيتعودون خشونة العيش، ومواجهة الصعاب؛ وهذا الإحرام يفوق التجنيد في أن التجنيد رياضة جسمية، في أكثر حالاتها، وأما رياضة الإحرام فهي فوق ذلك تجنيد روحي، في تعود العمل لطاعة الله، ونصرة الحق وإعلاء كلمته، والتعهد الجازم بالائتمار بأمره، والانتهاء عما نهى عنه؛ فهو يخرج من ذلك قوي الجسم قوي الروح معًا.
وتنتهي هذه المرحلة بوصوله إلى مكة — عبر الصحراء — فإذا شاهدها ثارت في نفسه الذكريات؛ هذه مكة التي كانت واديًا غير ذي زرع، هبط إليه إبراهيمُ وابنُه إسماعيل نحو سنة ???? قبل الميلاد، وأخذا يرفعان قواعد البيت كما يقول الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ? إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ? إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وهذه هي مكة التي أخذت شهرتها تنمو وتتسع؛ حتى قصدها الناس من كل فج عميق، وهذه مكة التي سكنتها قريش واعتزت بما كان في يدها من مفاتيح الكعبة.
هي مكة التي ولد فيها النبي ? في بيت من بيوتها، وشعب من شعابها، يمشي في شوارعها وأسواقها ويقضي فيها شبابه وكهولته، وهذا بالقرب منها غار حراء، وهو الغار الذي كان يتعبد فيه النبي، وفيه نزل الوحي عليه لأول مرة.
وهذه هي مكة التي تتابع الوحي فيها ثلاث عشرة سنة، نزلت فيها كل السور المكية تدعو إلى ترك الأصنام وعبادة الله وحده.
وهذه هي مكة التي جرت فيها الأحداث الأولى للإسلام، فكان النبي يدعو قومه وهم عنه معرضون، يجاهد فيهم ويصبر على أذاهم ويلتف حوله أتباع قليلون يُؤْذَوْن في أموالهم وأنفسهم؛ فيحتسبون ذلك عند ربهم.
وهذه هي مكة التي كان فيها دار الأرقم المخزومي التي كان يختبئ فيها رسول الله في صدر بعثته هو ومن آمن معه، وكانوا يصلون بها سرًّا حتى أسلم عمر فجهر رسول الله بالدعوة وتعرض للأذى.
وهذه مكة التي هاجر منها رسول الله بعد أن ألح قومه في إيذائه، وأبوا نصرته، وجاهروه بالعداء، وأرادوا أن يحبسوه أو يقتلوه أو يخرجوه، ثم هذه مكة يدخلها رسول الله فاتحًا وينزل عليه في ذلك: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ? إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
وأخيرًا هذه مكة التي ظلت مقصد الناس في حجهم من عهد إبراهيم إلى اليوم، أي ما يقرب من أربعة آلاف عام، وهذه هي مجتمع المسلمين اليوم من جميع أقطار الأرض يهتفون هتافًا واحدًا، ويلبون تلبية واحدة، وتدوي في أرجائها: «لا إله إلا الله محمد رسول الله».
هذه مكة التي يقصدها الحجاج فيرونها واديًا منحصرًا بين سلاسل جبال متصلًا بعضها ببعض، قد عمرت سفوح هذه الجبال بالمساكن متدرجة عليها إلى الوادي، كل هذه ذكريات تملأ النفس وتأخذ بمجامع القلب، وتدخلها في موسم الحج فترى عجبًا أي عجب، مئات الألوف من الناس في ثوب الإحرام مغمورون بالشعور الديني، يعجون بالدعاء والتلبية، وترى معرضًا يفوق كل معرض من الأجناس البشرية، مختلفي الألوان، مختلفي الألسنة، مختلفي العادات، ولكنهم قد وحد بينهم الغرض الديني، ووحدت بينهم العقيدة، كلهم يعبد الله وحده، وكلهم يشعر نحو الآخرين بالأخوة الإسلامية.
هذا الجمع الحاشد يشيع فيه الحب والإخاء والمساواة والتعاطف ويغمرهم شعور ديني نبيل يهز القلب ويبعث الرحمة.
وفي وسط مكة تقريبًا تقع العين على المسجد الحرام بقبابه ومآذنه ونورانيته، وهو ما أحدِّثُكم عنه في الحديث القادم إن شاء الله.
? ثلاث محاضرات في الحج لمحطة الإذاعة بلندن.
في الحج (?)


وصلنا في حديثنا الماضي عن الحج إلى المسجد الحرام بمكة.
والمسجد الحرام أو الحرم المكي في وسط مكة تقريبًا على شكل مربع تقريبًا طول ضلعه نحو مئة وأربعة وستين مترًا، له أبواب ثمانية، وست منارات، وأربعة أروقة، عليها قباب كثيرة، وصحن كبير غير مسقوف فرشت بعض أرضه بالبلاط وبعضها بالحصباء، وهو بسيط في بنائه، جميل في منظره، يشعر المؤمن بجلاله وعظمته ويهتز فرحًا بالوصول إليه.
وما يدخل الداخل باب الحرم حتى يقع نظره على بناء أسدل عليه ستار أسود موشى بطراز من ذهب.
هذه هي الكعبة، وما إن يراها الرائي حتى يشد إليها نظره ويخفق لها قلبه وتتحرك نحوها قدمه، وتمتلئ نفسه خشوعًا ورهبة وإعظامًا وإجلالًا، ويرى نفسه ذاهلًا مندفعًا مع الداعين والمبتهلين سابحًا في ذكريات ما قرأه من الدين والتاريخ.
هذه هي الكعبة التي أسسها إبراهيم — عليه السلام — وجعل الله موضعها وما حولها مثابة للناس وأمنًا.
هي بناء مربع تقريبًا يبلغ طول كل ضلع نحو عشرة أمتار، وارتفاعها نحو خمسة عشر مترًا، وفي زاوية من زواياها الحجر الأسود.
كان إبراهيمُ وقومُه يعبدون عندها اللهَ وحدَه، ثم خلفهم خلف لعب الشيطان في رءوسهم؛ فتحولوا من عبادة الله إلى عبادة الأصنام وأقاموا فيها التماثيل للات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى؛ حتى جاء الإسلام فرجع الدين إلى أصله وأحيا سنة إبراهيم، ولما فتح النبي ? مكة في السنة الثامنة من الهجرة أزال ما بها من أصنام وجعلها الله قبلة للمسلمين يتجهون إليها من جميع أقطار الأرض في صلاتهم، يذكرها نحو ثلاثمائة مليون مسلم في بقاع الأرض المختلفة، كل يوم خمس مرات حين يتجهون إليها في صلاتهم، ويدعون الله بدعواتهم: قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
هذه هي الكعبة التي يقصدها كل عام مئات الألوف من الحجاج؛ طوعًا لأمر ربهم، وتطهيرًا لنفوسهم، ورياضة لقلوبهم.
يطوفون حولها وقلوبهم تفيض توبة واستغفارًا وابتهالًا إلى الله أن يغفر ذنوبهم فيما مضى، ويوفقهم للعمل الصالح فيما يأتي: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
هنا تتساوى الرءوس، وهنا يقوِّم الإنسان قيمته الذاتية، فلا فضل لأحد على أحد بماله أو جاهه أو لونه أو أي عرض من أعراض الدنيا، إنما قيمة الإنسان ما كسب من خير، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وقد يكون أشعثَ أغبرَ، وهو عند الله خير من ملك متوَّج وغني مترف.
حول هذه الكعبة يلف الحاج سبع لفات يعبر عنها في لغة الدين بالطواف، سبعة أشواط؛ تقليدًا لإبراهيم — عليه السلام — في عمله، والنفس إذا امتلأت بحرارة الإيمان، وجدت لذتها في الحركة، وكلما مر بالحجر الأسود استلمه إن أمكنه، أو سلم عليه بيمينه إن لم يمكنه من الزحام حوله؛ وتعظيم الحجر لا لذاته فإن الإسلام تنزه عن عبادة الأحجار، وحارب الأصنام والأوثان على اختلاف أشكالها وألوانها، ولكن ينظر إليه الإسلام على أنه أثر من آثار أبينا إبراهيم، فنحبه ونحب ذكره وآثاره، كما يحب الإنسان أثر من كان عزيزًا عليه، ولهذا كان عمر بن الخطاب لما حج ووقف عند الحجر الأسود قال: «اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك».
وفي هذا الطواف كله يحلو للحاج أن يمعن في الدعاء، يجد فيه راحته وسعادته، ويشعر وهو يشترك مع الحجاج في الدعاء بلذة روحية ممتعة، وهناك أدعية مأثورة في هذا المقام؛ مثل: اللهم إن بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، وهكذا من دعوات صالحات.
ويلي هذا من أعمال الحج السعي بين الصفا والمروة، وهو طريق طوله نحو أربعمائة وعشرين مترًا تقريبًا، ينتهي من ناحيتيه بربوة تسمى الصفا، وربوة تسمى المروة، وكانت الربوتان في الأصل تشرفان على الصحراء، ولكن الطريق اليوم أصبح وعلى جانبيه المباني والبيوت ودكاكين التجارة، وكل ربوة جعل عليها درجات يصعد عليها الحجاج، والسعي شعيرة من شعائر الحج، قال الله فيه: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ ? فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ? وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ، وعدد أشواطه سبعة كالطواف.
وهذا المسعى تجده مزدحمًا بالحجاج في كل لحظة من اليوم ليلًا أو نهارًا، يعج بالساعين داعين مكبرين، وقد حث الإسلام على السعي في بعض أجزاء الطريق في إسراع؛ لإظهار المسلمين جلدهم وقوتهم أمام عدوهم، وبقيت هذه سنة الإسلام.
في هذا المسعى ترى جميع أصناف العالم الإسلامي، من تركي، وهندي، وشامي، ومصري، ومغربي، ويمني، وفارسي، وياباني، وتسمع اللهجات المختلفة والألسنة المتباينة، وكلها تذكر الله، وتلجأ إليه، وتتجاوب الأصداء بالدعاء إلى الله بالتوبة والغفران.
وفي هذا الفيض من الشعور ينسى المرء نفسه، وينسى تعبه، ويرى الشيخ المسن وقد دفعته حرارة الإيمان للسعي الطويل مع الجلد والصبر الجميل، وفي هذا المسعى ذكرى إبراهيم وما صنع، فمن المأثور أن المروة هي المكان الذي أمر إبراهيم بتضحية ابنه فيه، والصفا هو المكان الذي بحثت فيه أم إسماعيل عن الماء يوم كان الوادي قَفْرًا، فالمكان مليء بالذكريات؛ من التضحية، والطاعة لله، وشفقة الآباء والأمهات، ورحمة الله بالناس.
وبعد هذا السعي يقضي الحاج فترة من الزمن يتذوق ما أنعم الله به عليه، ويشعر بنوع من الغبطة كأنه كان يحمل حملًا ثقيلًا من الأوزار والخطايا رفعت عنه، وكأنه خلق خلقًا جديدًا في صفاء نفسه وطهارته.
حتى إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، ويسمى يوم التروية، يخرج الحجاج إلى جبل عرفات، فيتجهون إلى الشرق في وادٍ بين جبلين ويزدحم الناس في الطريق، هذا يسير بجمله، وهذا يسير على قدميه؛ احتمالًا للمشقة في سبيل الله، وهذا يسير بسيارته، فترى الإبل تسير قوافل، والسيارات كذلك، والسائرون على أقدامهم في وسط ذلك، أو على جانبي الطريق، والناس يسيرون بالنهار وبالليل في ضوء القمر، والوادي يسيل بالناس سيلًا، وتسير هكذا حتى تصل إلى منى، فترى قبيل دخولك جمرة العقبة، وهي حائط من الحجر ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار في عرض مترين، أقيم على قطعة من صخرة مرتفعة؛ ليرجمها الناس بالحجارة إذا رجعوا من عرفات؛ تمثيلًا لقوة نفوسهم وتجسيمهم الشيطان ورميه بالحجارة، وبعد الخروج من منى والمرور بواد ضيق؛ يتسع الوادي وتنفتح أرجاؤه إلى الشمال والجنوب.
وترى عَلَمين وهما عمودان بعيدان عن بعضهما قد أقيما في فضاء الوادي الواسع للدلالة على حدود عرفة.
هذا وادٍ فسيح لا حد لسعته، وهنالك جبل حلَّق على الوادي، وأقفله أمامك من الشرق على شكل قوس كبيرة، هو جبل عرفات، وهناك من ناحية الشمال لسان يمتد إلى الغرب هو جبل الرحمة، فيه صخرة عالية كان يقف عليها النبي ? عندما يخطب.
كل هذا جبل عرفات ووقفة عرفات، في هذا الوادي المتسع تنصب الخيام التي لا عداد لها للناس من جميع أقطار الأرض، وفي سفح الجبل وأعلاه يقف الحجيج، في هذه الأمكنة الفسيحة يزدحم الناس حتى لا تكاد ترى مكانًا خاليًا.
هنالك يرى الحاج مجرى عين زبيدة وحاجة الحجاج إليه، فيشعر بالعمل العظيم الذي قامت به هذه السيدة زوج الرشيد من تيسير على الناس في أهم ضرورات الحياة.
يجتمع الناس في هذا المكان في اليوم التاسع من ذي الحجة مع قليل من ليلة العاشر، فترى منظرًا عجبًا، لا أذكر في حياتي أني رأيت منظرًا أرهب منه ولا أجل منه، عصبة أمم لا عصبة حكومات، يجمعهم غرض واحد ولا تشتتهم الأغراض، يرجون التخفف من الدنيا ويندمون على التفاني في أعراضها، يحتقرون أصنام الناس من مال وجاه وشهوات، ويسمون إلى طلب رضا الله بطاعته، ويشعرون بالسعادة الحقيقية وهي السعادة الروحية الباقية، لا السعادة المادية الفانية، ويؤمنون بإله واحد فوق المادة وفوق البشر وفوق كل القوى، له وحده يخضعون، وبه وحده يستعينون؛ أما الخضوع لغيره فضرب من الإشراك، وأما التذلل في سبيل المال والجاه وأعراض الحياة فضرب من العبودية لا يرضاه دين الإسلام، كلهم ينادي: لبيك اللهم لبيك، فتتجاوب بهذه الكلمة الأرجاء وتدوي بها الأصداء، فتتغلب روحانيات الناس على مادياتهم، هنالك يتطلع الناس إلى رحمة ربهم، ويطلبون منه العون على صفاء نفوسهم، ويحتقرون أنفسهم الماضية التي خضعت للشهوات وأفسدتها اللذات، ويسمُون إلى مثل أعلى فيه حب الخير وبغض الشر، والرجاء إلى الله أن يوفقهم إلى حياة من نوع آخر؛ فيها الطاعة والإخلاص وعمل الخير للخير ولله.

في الحج (?)


وصلنا في حديثنا الماضي عن الحج إلى الوقوف بعرفة؛ وقد احتشدت مئات الألوف من الناس في اليوم التاسع من ذي الحجة بملابسهم البيضاء، يعجون بالتلبية والدعاء والتسبيح والتهليل حتى يزلزلوا الجبل بدعائهم وابتهالهم، قد نسُوا دنياهم ونسوا أنفسهم وتعلقت أرواحهم بربهم، هذا يستغفر مما جنى، وهذا يندم على ما فات، وهذا يعاهد الله على الطهر الدائم، وكلهم يرجون افتتاح حياة جديدة عمادها التقوى والإخلاص.
وبعد صلاة العصر من ذلك اليوم ينهض خطيب عرفة ويصعد بناقته على الجبل ويقف على الصخرة التي وقف عليها رسول الله ? فخطب خطبة الوداع، فيخطب الخطيب خطبة يعلم فيها مناسك الحج ويكثر فيها من التلبية والدعاء، ومن دونه قوم يبلغون قوله للناس ويلوحون بمناديل يشيرون بها إلى التلبية، فيتابعه كل الناس بتلبيتهم فتتحد نداءاتهم ويغمر الناس إذ ذاك شعور غريب.
وحبذا لو استخدمت في هذا الموقف المكبرات الصوتية، وحبذا لو أعدت فيه الخطب الرائعة باختلاف اللغات المشهورة متضمنة نصيحة المسلمين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويوقظ أممهم، ويحيي آمالهم، ويوحد بين صفوفهم، ويوجههم أصلح وجهات الحياة ، وفي هذا الاجتماع فرصة كبيرة لتلاقي ذوي الرأي من المسلمين في الأقطار المختلفة، يتبادلون الرأي فيما يصلح أممهم وينير السبيل لمستقبلهم، حتى إذا غابت الشمس في الأفق أعلن تمام الموقف؛ فينفر الناس من عرفات هاتفين هتاف الفرح والسرور على ما وفقهم الله من أداء الفرض.
هذا هو الوقوف بعرفة؛ وهو أهم ركن من أركان الحج، من فاته فقد فاته الحج؛ لأنه أهم جزء في الحج يحقق حكمته؛ ففيه يجتمع المسلمون بعد الرياضة الروحية الطويلة والأسفار الشاقة، ويتجهون اتجاهًا واحدًا، ويتبادلون النصيحة، والشعور بالأخوة، ويرغبون زوال الشرور عنهم، وتوالي نعم الله عليهم، ولهذا جاء في الحديث: «ما رؤي الشيطان في يوم هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة».
والمسلمون في جميع أقطار الأرض ممن لم يقدروا على الحج يشتركون فيه بالذكرى؛ فيتخذون هذه الأيام أيام عيد ويصلون صلاة العيد ويهتفون هُتاف الحجاج: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فتتلاقى قلوب المسلمين وهتافاتهم على معنى واحد واتجاه واحد، وذلك أحرى أن يتعاونوا على الخير ويتواصوا بالحق والصبر.
بعد هذا ينفر الحجاج من عرفات إلى منى، وفي طريقهم يمرون على المزدلفة وينزلون بها ويقيمون بها إلى ما بعد صلاة الصبح، وفي هذه المزدلفة المشعر الحرام، فضاء من الأرض أحيط بجدار قصير، تتوسطه مئذنة تضاء أيام الحج، بجواره مجرى عين زبيدة، وسمي المَشْعر؛ لأن العرب كانت قد اعتادت أن تُشعر جمالها عنده، أي تضربها في سنامها؛ حتى يسيل منها الدم في التضحية.
والحجاج يجمعون من هذه الصحراء حول المشعر الحرام تسعًا وأربعين حصاة صغيرة في حجم الفولة؛ ليرموا بها الجمرات بعد وصولهم إلى منى.
يصل الحجاج إلى منى وينصبون خيامهم في فضائها الواسع، ومنى ليست مجرد صحراء كعرفات والمزدلفة، وإنما هي قرية بها مبان ومساكن يقيم بها بعض الناس طوال العام، وبعضهم في موسم الحج، وينزل بعض الحجاج في هذه المساكن بدل الخيام.
ويقيم بها الحجاج إلى عصر اليوم الثالث عشر من ذي الحجة فيذهبون إلى الجمرات يرجمونها، وكأنهم يرمزون برجمها إلى أنهم حاربوا الشيطان وانتصروا على نوازع الشر في نفوسهم، وكبحوا جماح شهواتهم ورجموها وتغلبوا عليها، فلم يعد في نفوسهم إلا الطهارة والطاعة وعبادة الله وحده.
والرجم عادة عربية، وطريقة من طرق إعلان السخط عندهم، فهم يرجمون قبر أبي رغال؛ لأنه كان يقود جيش أبرهة، ويرجمون قبر أبي لهب خارج مكة لِمَا فعل النبي، والإسلام أقر الرجم في الحج؛ لأنه مظهر لتجسيم الشر والتبرؤ منه.
والحجاج كذلك في أيام منى يضحون في صبيحة العيد وينحرون، ولقد أبطل الإسلام القرابين والنذور، ونهى عما اعتاده العرب من ترك الماشية في البادية لله كالسائبة والبحيرة والحامي، ولكنه أقر التضحية في العيد؛ ذكرى لإبراهيم، وعونًا للفقراء والمساكين، وتقريبًا بين القادرين وغير القادرين، ولذا أوجب ذكر اسم الله عليها؛ حتى لا تكون قربانًا لصنم ولا عبادة لوثن، وإنما هي لله وفي سبيل الله، للمحتاجين والمعوزين.
فإذا تمت هذه الأعمال، نزل الحجاج إلى مكة فطافوا بالكعبة طواف الإفاضة، وسعوا وتحللوا، وبذلك يتم الحج.
بعد هذا يقصد أكثر الحجاج إلى زيارة رسول الله ? في المدينة.
وهم الآن يقصدون المدينة عن طريق جُدة، فيمرون على آثار مشهورة في تاريخ الإسلام كمسجد الشجرة التي قال الله فيها: لَّقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وقد خشي عمر تقديس المسلمين للشجرة فقطعها حتى لا يتجه المسلمون في شيء إلا إلى الله وحده، ثم يصل السائر إلى جدة، ومنها يتجه إلى المدينة فيقرب من شاطئ البحر حينًا، ثم يمعن في الصحراء، ويضرب في الرمال فيسهل السير حينًا ويصعب حينًا.
في بعض هذا الطريق مر النبي ? وهو صغير مع أمه حين خرجت به لزيارة قبر أبيه بالمدينة، ومر به مع عمه وهو فتى حين خرج إلى الشام، ومر به وهو شاب في تجارة لخديجة، ومر به مهاجرًا من مكة، ومر به عام فتح مكة، ومر به عائدًا بعد الفتح.
وأخيرًا تظهر القبة الخضراء، قبة الحرم النبوي فيخفق القلب فرحًا، ويود أن يطير شوقًا.
هذه هي المدينة بأسوارها وأبوابها، وهذه هي القبة الخضراء تدلنا على مكان الحرم منها، هذه هي المدينة التي كان يقيم فيها الأوس والخزرج، وهم أول من قبلوا الدعوة الإسلامية من القبائل العربية، وبايعوا رسول الله على أن يؤمنوا بدعوته ويحموه ويحموا دعوته مما يحمون منه أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وسموا من أجل ذلك بالأنصار، وهذه هي المدينة التي استقبلت النبي حين هاجر إليها استقبالًا رائعًا، واستقبلت من أتى معه، ومن أتى بعده من المهاجرين، وأشركوهم في ديارهم وأموالهم وعقدوا الأخوة بينهم وبينهم، وهذه هي المدينة التي تسلحت حربيًّا لما لم تفد دعوة السلم، فكسرت قريشًا في غزوة بدر، ثم تتابع انتصارها حتى دخل العرب في دين الله أفواجًا، وحتى فُتحت مكة نفسها، وهذه هي المدينة التي لبث فيها النبي ? عشر سنين يدعو ويتلقى فيها الوحي وتنزل فيها كل السور المدنية؛ تشرِّع النظم، وتبين الأحكام، وتنظم الغزو، وتؤلف الأمة، وتقيم الحدود، وتسمو بالروح.
وهذه هي المدينة التي كان لها شرف وجود رسول الله بها حيًّا وميتًا، ثم كانت عاصمة الخلفاء الراشدين قبل دمشق وبغداد، وفيها رتبت الترتيبات لإخضاع أهل الردة، وفيها رتب عمر وعثمان نظمهما لفتح أكبر دولتين في عصرهما؛ وهما: فارس، والروم؛ حتى أخضعوها، واستولوا على بلادهما.
هذه هي المدينة التي لا تنتهي ذكرياتها وأحداثها التاريخية المجيدة.
في وسط المدينة تقريبًا يقع الحرم المدني بمنظره الجميل، وهيئته المستطيلة، وقبابه الكثيرة المستندة على أقواس قامت على عمد مكسوة بالمرمر، وفيه الروضة الشريفة بين قبر الرسول ? والمنبر، وفي ركنه الجنوبي الشرقي المقصورة الشريفة؛ حيث توفي رسول الله ? وحيث دفن أبو بكر وعمر (رضى الله عنهما) وبالقرب منه ضريح السيدة فاطمة (رضي الله عنها).
هنا يرقد صاحب الدعوة الإسلامية التي غيرت مجرى العالم، وأنزلت التاريخ على حكمها، ولا تزال إلى اليوم تنمو وتعمل في الحياة الإنسانية عملًا مجيدًا، هنا يرقد من علَّم الناسَ الحريةَ والمساواة والعدل وكسر الأصنام على اختلاف أشكالها وألوانها، ودعا الناس لعبادة إله واحد هو رب العالمين، هنا يرقد من لم يعبأ في حياته بمال ولا ولد، وإنما عبأ بدعوته؛ لم يعقه فيها عائق من تهديد ووعيد، ولم يلهه عنها وعد بمال أو سلطان.
في هذا المسجد كان يسكن رسول الله في حياته ويعيش عيشة بساطة لا تكلف فيها، ولكنه يدعو دعوة خالدة على الدهر، يحمل علَمَها أقوامٌ سادوا الدنيا حينًا في قوتهم وفي علمهم وفي روحانيتهم، فإن تقلب لهم وجه الدهر الآن فسيعودون إلى قوتهم، يبنون في العالم مع البانين، ويشيدون المجد مع المشيدين، ويصلحون مع المصلحين.
هذه كلها ذكريات مرت بذهني وأنا أدخل المدينة، وأزور الحرم، والقبر الشريف، وهذه الذكريات وأمثالها يذكرها الذاكرون من عباد الله المخلصين.
هذا ما اتسع له الوقت من الحديث في الحج في موسم الحج، أعاده الله على المسلمين، وعلى سكان العالم الإسلامي بالخير والسعادة والعزة، والسلام عليكم ورحمة الله.