Advertisement

فيض الخاطر الجزء السابع


فيض الخاطر (الجزء السابع)




فيض الخاطر (الجزء السابع)

مقالات أدبية واجتماعية

تأليف
أحمد أمـين




فيض الخاطر (الجزء السابع)

أحمد أمـين

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



في الهواء الطلق (?)


على شاطئ البحر جلست اليوم وحدي. واتجهت هذه المرة إلى التفكير فيما في البحر من الأحياء، كم من الملايين يولد في الساعة وكم من الملايين يموت، وكم مما تعجز عنه الأرقام حيي فيه ثم فني فيه؟
وانتقل ذهني إلى الإنسان، كان شأنه في البر شأن الحياة في البحر، فمنذ كان قبل التاريخ وبعد التاريخ، وملايين الملايين تحيا ثم تفنى.
وهذه الحرب أرخصت الحياة فكل يوم تحصد مئات الألوف حصدًا، في البر وفي البحر من فعل الطائرات، ومن فعل الغواصات، ومن فعل سائر المدمرات.
ما الأرض بالنسبة لهذا العالم؟ وما حياة الإنسان كله بجانب هذه الحيوات كلها؟ وما حياتي أنا بجانب حياة الناس كلهم في الماضي والحاضر والمستقبل؟
ومع هذا فحياتي أهم شيء في الوجود في نظري وفي أعماق شعوري، وكذلك حياة كل إنسان أهم ما في الوجود في نظره وفي أعماق شعوره.
على هذه النظرة بُنيَ العالم الإنساني. ولو تغيرت هذه النظرة لتغير الكون، فالفضيلة والرذيلة، والإصلاح والإفساد، والنظم الاجتماعية والسياسية على اختلاف أنواعها، والأديان وقضاياها، والإقتصاد ومسائله، كلها تعالج بشتى الأشكال ما ركب في غرائزي من أني أهم ما في الوجود.
مهما حقّر العالم من شأن حياة الفرد فأثبت الفلكي أن الأرض ليست إلا هنة في العالم، وأثبت عالم الحياة أن الإنسان ليس إلا حيوانًا حقيرًا نشأ وارتقى، والكيميائي أن جسم الإنسان يجري عليه كل ما يجري على مواد العالم، فسيظل الفرد هو الفرد، يرى ويشعر، ويسير في جميع شئونه على أنه أهم شيء في الوجود.
هل من مصلحة العالم أن يغير الفرد نظرته هذه فيرى أنه شيء كسائر الأشياء وإنسان كسائر الناس، وليس مركزًا للدائرة، ولكنه نقطة على محيطها؟ سؤال سخيف! لأنه سواء كان الجواب إيجابًا أو سلبًا فسيظل الإنسان هو الإنسان يرى أنه أهم شيء في الوجود.
قد يعالج الفرد نفسه بعض الوقت، وقد يروض نفسه حينًا على أن يرى نفسه كسائر النفوس وليس أهم من غيره في شيء، ولكن سرعان ما ينسى العلاج وينسى ما راض نفسه عليه ويعود سيرته الأولى.
ولكل إنسان دنيا خاصة، لا تساويها دنيا الآخرين؛ فدنياه أبوه وأمه وزوجته وأولاده وأقاربه وما يبعثون من ألم وسرور، وعمله الذي يقوم به وما يسبب من مشاكل، وماله وما يصل به من دخل وخرج، وأصدقاؤه وأعداؤه ونحو ذلك؛ هذه هي دنياه الصغرى التي تهمه في المنزلة الأولى، وعليها تقوم مسرّاته وأحزانه. فإذا ارتقى الإنسان بعض الشيء كان له دنيا أخرى تتسع بمقدار رقيّه، بما يشغله من أحداث العالم وما يتصل بوطنيته وبدينه وثقافته ونحو ذلك؛ وهذه الدنيا الواسعة تتصل اتصالًا وثيقًا بدنياه الصغرى، فهو يرى حوادث الدنيا الكبرى من خلال دنياه الصغرى.
إذا حدثت حادثة في الصين فقلما تثير فيَّ اهتمامًا؛ لأنها لا تتصل بدنياي الصغرى، فإذا هي حدثت في شارعي كنت لها أكثر اهتمامًا، فإن هي حدثت لصديقي أو عدوي تضاعف اهتمامي، فإن هي حدثت في بيتي كانت في الصميم من نفسي، واقرأ أعمدة الوفيات في الجرائد والأخبار المحلية وغير المحلية فتوقع كلها على نفسي نغمات مختلفة، علوًا وانخفاضًا وغلظًا ورِقّة، فكلما كان الخبر يمس نفسي الصغرى علت النغمة وعظم الأثر، ولذلك كانت الجريدة الناجحة هي التي تثير انفعال أكبر عدد ممكن، لأنها تغذي النفوس المختلفة والدُنى المختلفة، دنيا التاجر ودنيا السياسي ودنيا العالم إلخ.
وما يؤثر فيَّ كثيرًا يؤثر في آخر قليلًا ولا يؤثر في ثالث مطلقًا، وما يؤثر فيَّ اليوم كثيرًا كان يؤثر فيَّ أمس قليلًا، وسوف لا يؤثر في غدًا مطلقًا؛ لأنه كان يمس دنياي ثم سوف لا يمسها، كان فيها ثم خرج من حسابها.
وقيمة أعمالي في نظري غير قيمتها في نظرك، لأنها منبعثة عن دنياي لا دنياك، ومؤثرة في دنياي أكثر مما هي مؤثرة في دنياك، وما يغضبني غير ما يغضبك، وما يسرني غير ما يسرك، نوعًا وكيفًا؛ لأن رأيي ومشاعري وشخصيتي ودنياي غير ذلك كله عندك، وأنا أعرف بالباعث لي على أعمالي أكثر مما تعرف.
وأنا وأنت وهو وهي نختلف في حكمنا على الأشياء ونتفق بمقدار ما بيننا من فروق وموافقات، في البواعث والرأي والمشاعر، وبعبارة أخرى بمقدار ما بيننا من فروق وموافقات، في البواعث والرأي والمشاعر، وبعبارة أخرى بمقدار ما تتشابه دنيانا أو تتخالف، فعند أغلب الناس وجوه شبه تنتج اتحاد رأي، ووجوه خلاف تنتج اختلاف رأي، ولا يمكن أن تجد اثنين قد اتحدت دنياهما.
في دنياي وفي دنيا كل إنسان متاعب كثيرة مختلفة الألوان، بعضها حقيقي وأكثرها وهمي، نحب أن تكون دنيانا الصغرى أحسن الدنى، وليس ذلك في الإمكان، فلو كانت دنياي أحسن الدنى لكانت دنياك بالطبيعة أقل منها شأنًا، وهذا لا يرضيك، وتظن أن الله لك وحدك، ترجوه أن يمنحك أحسن الطيبات، ويدفع عنك كل الشرور، مع أن الله للجميع ولأرضك ولسمائك ولكل العوالم، وما أنت وعالمك والنظرة إلى العوالم قد تستلزم محوك من الوجود؟ نريد أن تكون دنيانا كما نحب أن نصنعها، وهذا علة كثير من المتاعب، ولكن كيف يمكننا أن نصنع دنيانا وليس فينا قدرة الخلق، ودنيانا مرتبطة كل الارتباط بدنيا غيرنا ومتأثرة بها وفاعلة ومنفعلة معها؟
إن كثيرًا من المتاعب ليس سببها المتاعب نفسها، ولكن علتها النفس التي تنظر إلى الأشياء على أنها متاعب، ولا يمكن تغييرها حتى تغير نفسك، ولكن كيف ذلك ونحن المتاعب؟ إننا في دنيانا كالعصفور في القفص ندور فيه ونحن نحن والقفص القفص.
كثير منا يظن أنه فوق القدر وهو لا محالة تحت القدر، وما كان ميلادنا ولا دنيانا الصغرى ولا الكبرى باختيارنا، ولكن تفتحت أعيننا فوجدنا كذلك أنفسنا وكذلك دنيانا.
ولعل العلاج الوحيد للتغلب على هذه المتاعب الوهمية معرفة الإنسان نفسه ودنياه، فهو إن عرفها بعيوبها ومزاياها أمكنه تسييرها في الطريق الذي يناسبها، يواجه مواضع الضعف على أنها مواضع ضعف ومواضع القوة على أنها مواضع قوة، وقد يستطيع أن يسلك بمواضع الضعف مسلكًا يضيع سوء نتائجها.
لقد اضطرت طائرة إلى النزول في الصحراء براكبيها الثلاثة في قليل من الطعام وقليل من الماء؛ فأما أحدهم فأخذ يفكر في دنياه من زوجة وأولاد وفيما ينتظره من موت، وكلما قل الزاد والماء تضاعف قلقه، وأخيرًا مات. والثاني فكر في نفسه وحرمانها من لذائذها وفي قلة الطعام والشراب وشظف ما فيه من عيش، وتزايد الأمر به حتى جن، وأما الثالث فشغل نفسه بكتابة مذكرات عن حالتهم النفسية، وأخذ يحللها ويشرحها ويسلي نفسه بتدوين خطراته وملاحظاته، فنجا من الموت والجنون حتى ساق له القدر من أنقذه.
أكثر الناس يعمون عن نقط ضعفهم كما يعمى الطيار عن موضع الضعف في الطائرة، فيطير بها ويسقط، فإن هو عرف عيبها فإما ألا يطير وإما أن يتدارك العيب وإما أن يطير في حدود عيبه.
فلأواجه مواطن ضعفي وأخطائي كما هي، ولأعترف بها في صراحة بيني وبين نفسي، ثم لأرسم الطريق الذي يناسبها، ولأطمئن إلى ذلك، فلكل إنسان مواطن ضعفه. وليس من الضروري أن تكون مواطن الضعف علامة الرجل الضعيف، بل في كل قوي أيضًا مواطن ضعف، فإن أمكنك معرفة أسبابها وإزالتها فبها ونعمت، وإلا فارضَ بما كان واستعمله خير استعمال.
لقد حدثت في حياتك أحداث في عهد الصبا والبلوغ والشباب كان لها أثر كبير في تكوين نفسك كما هي الآن، فإن تعسر عليك تغييرها فأحسِن استخدامها.
ولا تأس على مواطن ضعفك، فالكهرباء قد تكون قوية فتحرق. ولو كانت أضعف لأدت الغرض، وقد تنفع الحصاة حيث لا ينفع الحجر، وقد ينفع الجدول ما لا ينفع البحر.
وهنا رفعت رأسي فرأيت غروب الشمس في البحر ومنظره الجليل الرائع، فتركت ما كنت فيه وفنيت في هذا الجلال الرائع.

في الهواء الطلق (?)


عدت فجلست جلستي على البحر ونفسي.
هذا هو البحر لست أرى إلا ظاهره، أمواج يلعب بها الهواء، وألوان تجمعت من صفرة الرمل وزرقة السماء، أما ما في باطنه من مملكة بل ممالك، من أسماك ووحوش ولؤلؤ ومرجان فلست أراها ولكني أعلمها.
وهذا هو الشأن في الرواية التمثيلية التي شهدتها أمس. رأيت الممثلين من رجال ونساء وشبان وكهول، وكلام يقال وأعمال تصدر، ولكن هذا هو الظاهر فقط، وراء هذا كله ما لم نره وهو الأهم، مؤلف يؤلف الرواية، ومخرج يعدها وممثلون يحفظون أدوارهم، ومناظر تعد، وأدوار توزع على اللائقين بها، وملقن يستعد أن يلقن من نسي ونحو ذلك من أمور باطنة ليس مظهر الرواية إلا انعكاسًا لها.
وهكذا كل أمور الدنيا، ظواهر تستر البواطن.
فعد إلى نفسك تر أن كل أعمالك التي تظهر أمام الناس من خير وشر ليست إلا ظواهر كمظهر البحر ومظهر التمثيل، تنبعث من عوامل باطنة تجمعت فيَّ من يوم كنت حملًا في بطن أمي.
لقد احترقت أختي الشابة من نار هبت فيها وأنا جنين، فغذيت بدم حزين، فلعله أثّر في أثرًا كبيرًا إلى اليوم، أميل ما أكون إلى الحزن، تعجبني الأدوار الحزينة في الغناء، والمأساة دون الملهاة في التمثيل، وأسُرُّ للدمعة تسقط من عيني أكثر من الضحكة تظهر على فمي، وتهتز أعصابي لعوامل الحزن أكثر مما تهتز لعوامل السرور، وليس ببعد أن يكون كل هذا من أجل كوب من دم حزين كون جسمي في بدء التكوين.
ها أنا ذا خجول أتعثر في مشيتي إذا شعرت أن أحدا ينظر إلي، وأكره الاجتماعات والحفلات، وأن أمر بين قوم جلوس في مأتم أو حفل، وأحسب ألف حساب لكل ما يصدر مني من عمل أو تأليف خوف أن يأتي هزيلًا يستخفه الناس. ولا أستطيع أن أنظر في وجه من يحدثني أو أحدثه وهكذا، ولا شك أن هذه عادة تكونت منذ الصبا أيام كان والدي رحمه الله يكثر من صيغ النهي «لا تقل هذا» «لا تفعل هذا» وأيام كان يعاقبني العقاب الشديد على الغلطة اليسيرة، أو حتى ما ليس غلطة من الصغار. كل هذا سلبني حرية العمل وسلسلني بقيود كانت نتيجتها هذا الخجل.
وهكذا لو تتبعت كل ما يصدر مني من عمل، وما أتصف به من صفات لسهل عليَّ الرجوع بها إلى أحداث تجمعت في بطء وتدرج منذ الطفولة، ونمتها أو أضعفتها حوادث الصبا والشباب والكهولة.
فكم في من صور رسمها كتاب سيدنا الأول بحدته وشدته، وكتاب سيدنا الثاني بلينه وفوضاه، ومن صور رسمها أبي وأمي وإخوتي، ومن صور رسمتها مدرسة والدة عباس باشا الأول بمدرستها في الرياضة الشديد القاسي ومدرسها في اللغة العربية اللين المرح، وتلاميذها المختلفي الأشكال والألوان كل هذه الصور وأمثالها اختفت في الوعي الباطن كما يختفي السمك في هذا البحر، ولكن لا تزال تعمل عملها في البواعث لي على العمل أو الترك وتنعكس صورها بأشكال شتى على أعمالي الظاهرة.
بل بعض هذه الصور غرقت في الأعماق، ولست أذكرها مهما أجهدت ذاكرتي في استحضارها، وهي مع ذلك تعمل عملها وتلعب دورها، وهذا يفسر ما يحدث مني ولا أدري كيف أتيته، وما أتجنب ولا أدري كيف تجنبته , وما لم أضع يدي على هذه الصور الغريقة في الأعماق وأخرجها إلى نور الشمس فلا يمكن العلاج ولا الإصلاح.
وإن الصور التي اختزنتها في حياتي لا تماثل أي صور اختزنها أي إنسان غيري، ولذلك كانت مشاعري وعقليتي وبواعثي وأغراضي ونظرتي إلى الدنيا وتقويمي للأشياء وحكمي لها أو عليها لا يشاركني فيها جميعًا أي إنسان آخر في الوجود، وإنما يقرب مني في تفكيري ومشاعري من حاز في حياته صورًا تشبه صوري؛ ومن أجل هذا اختلف الناس في الحق والباطل وتقدير الجميل والقبيح، وما يجب أن يعمل وما يجب أن يترك، واختلفت نفوسهم كما اختلفت وجوههم، وكأن كل إنسان أمة وحده.
وندر أن يمنح إنسان ما صحة كاملة في مشاعره وعقله كما ندر أن يمنح صحة كاملة في جسمه، بل لكل إنسان مواطن ضعف، هذا ضعيف الذاكرة، وهذا بليد الشعور وهذا حاد العاطفة. وهذا ضيف الإرادة، وهكذا من آلاف الأشكال والألوان. فإذا أضيف إلى ذلك اختلاف ما يختزنه الأشخاص في حياتهم من صور بسبب ما يعرض لهم من أحداث كان الاختلاف بينهم أتم وأوضح.
هذا كله يسلمنا إلى نتيجتين: النتيجة الأولى: أن كل إنسان له قانونه، وليس هناك قانون إصلاحي أخلاقي يسري في تفاصيله على الجميع، وأن لكل إنسان متاعبه الخاصة الناشئة من تاريخه الخاص لا يشاركه في كميتها وكيفيتها غيره، وأنه إن أريد معالجتها يجب أن نسير فيها سيرنا في طب الأجسام، فلا يمكن لطبيب أن يصف علاجًا عامًا لمرضى مختلفين، ولا يمكن أن يعالج المريض غيابيًّا، بل لا بد أن يضع يده على مكان المرض ويعرف أسبابه ثم يصف دواءه.وأصعب الأمر في علاج النفس أنها في كثير من الأحيان تخدع نفسها وتغشها وتكذب عليها وتجتهد في إخفاء عيوبها عن نفسها لأنها تشعر بالنقيصة في الإقرار بعيبها حتى أمام نفسها، فما أصعب أن نضع أيدينا عليها من وراء حجبها، فقد يكون في باطن نفوسنا شعور بالكره لآبائنا أو أمهاتنا أو زوجاتنا لسبب من الأسباب، وواجب الوفاء يقضي بحبهم، فتتعقد المشاعر، وقد نحب أن نعمل أشياء والتقاليد الاجتماعية تأبى الإتيان بها، أو نحب أن نتجنب أعمالًا والواجبات الاجتماعية ترى وجوب عملها ونحو ذلك، فتكتب في نفوسنا مشاعر قد لا ندركها في وعينا الظاهر.لذلك كان من أهم النعم أن يُرزق الإنسان صديقًا يفضي إليه بمكامن نفسه، ثم يشجعه هذا الصديق أن يقول كل شيء من غير أن يظهر له شيئًا من الاحتقار، وفي كثير من الأحيان يكون المانع من إظهار كوامن النفس ما اعتاده الإنسان من أنه لا يتكلم ولا يفكر إلا إذا مر الكلام والفكر على «الرقيب» يحجز منه ما شاء، فتبقى مواضع الداء كامنة لا تُعرف، فإن هو خدّر الرقيب حتى لا يحجز شيئًا، ولم يخضع للمنطق، وترك نفسه على سجيتها تتحدث بما يخطر لها من غير رقيب ولا منطق، أعان ذلك على ظهور الصور المخزونة على حقيقتها، وأمكنه معرفة كوامن الداء فيها.وأيًّا ما كان فلا تزال كلمة سقراط «اعرف نفسك» من أصعب الأوامر وأعقدها.
والنتيجة الثانية: ما تشعرنا به هذه المقدمات من وجوب التسامح والعفو والمغفرة لما يصدر من غيرنا، فلهم فيما يأتون به عذرهم، فهو ليس إلا نتيجة طبيعية لما اختزنوه من صور أعماق نفوسهم ولو كنا مكانهم لفعلنا فعلهم.
وهنا هبت ريح قوية أطارت الأوراق من يدي فجريت وراءها أجمعها وعاد إليَّ وعيي بما حولي وبالبحر.

في الهواء الطلق (?)


وأخذنا القطار إلى المعادي ونزلنا نخترق الصحراء وفي الجو برودة، وفي الشمس دفء، وفي الحديث متاع.
جرى الحديث تباعًا، من ازدحام القطار، إلى ويلات السلم بعد ويلات الحرب، إلى موقف الشرق والغرب، إلى ما كان من آمال في صلاح العالم بعد الحرب قد تبخرت، إلى العالم وتطوره، وهل هو في تقدم مستمر، أو في شقاء مستمر. وأخيرًا حميَ رأس صديقنا فاندفع في الكلام يشرح لنا رأيه في تطور المجتمع البشري قال: لقد كنت بالأمس أقرأ كتابًا أمريكيًّا يشرح أن المجتمعات تجري في سيرها على قانون طبيعي لا يتخلف، وتمر بأدوار كما يمر الفرد، من طفولة إلى شباب إلى كهولة، وأن معرفة هذه القوانين أصبحت يسيرة بعد أن صارت الجمعيات البشرية على وجه الأرض في متناول البحث والدرس، وبعد أن تقدمت البحوث في المقارنات، فتخصصت طائفة من العلماء لبحث القانون المقارن، ونظام الحكومة المقارن إلخ، كل هذا كشف أحوال الناس في شتى نواحيهم، وجعلهم كتابًا مفتوحًا يستطيع منه العالم أن يعرف كيف تطور العالم في شتى نواحيه.
وخلاصة الرأي أن المجتمعات البشرية كما دل عليه البحث مرت في ثلاثة أدوار؛ ففي الدور الأول كانت حياة الناس تسيّرها الغرائز والتكوين البيولوجي، ثم أسلمه هذا إلى الدور الثاني، وفيه لا يخضع الإنسان للغريزة وحدها بل حسب الهوى والأوهام، وحيثما اتفق، وكما توحي إليه الظروف الحاضرة، ويخبط في ذلك خبط عشواء، ثم يأتي الدور الثالث وفيه يتقيد سيره بالنظام والمنهج حسب العقل، مستفيدًا من تجارب الماضي.
أ: هذا كلام غامض.ب: لا أرى فيه غموضًا، فلأوضحه بالأمثلة، فمثلًا علاقة الرجل بالمرأة في الدور الأول كانت علاقة لا تخضع لشيء إلا للغريزة الجنسية والتكوين البيولوجي، وموقف المرأة في هذا موقف الرجل، ولم يكن هناك رباط زوجية محكم، ولا نظام أسرة وثيق؛ ثم خضعت هذه العلاقة في الدور الثاني للهوى وتغلب الرجل على المرأة وبعثت الغيرة والهوى على اختصاص المرأة بالرجل، وكان الزواج وتربية الأولاد والأمور المالية والاجتماعية تسير في الأسرة حيثما اتفق، ثم جاء الدور الثالث فخضعت الأسرة لحكم العقل والتجارب، فاقتصر الرجل على زواج امرأة واحدة لمصلحة الأسرة، ومنحت المرأة من الحقوق ما للرجل يحكم إنسانيتهما، ووضع نظام الأسرة على أساس مصلحة الأطفال، ورُبي الأبناء والبنات حسب قوانين العقل والتجارب، وهكذا.
وكذلك الشأن في الأمور الإقتصادية: كان الناس يعيشون جماعات، ويحصلون ما يأكلون وما يلبسون بالغريزة، ويقتسمون ما يحصلون، ولا تجد بينهم غنيًا وفقيرًا؛ لأن الأمر ليس إلا إشباع لغرائز، ثم يأتي الدور الثاني فيتداخل الهوى والشهوة وتحدث المصادفات. وحينئذ يكون الغني والفقر والتخمة والحرمان، ويستسلمون لذلك، ويعتقدون أنه من القدر، لا مجال للعقل والتفكير والضبط فيه، ثم يأتي الدور الثالث فيتدخل العقل وتنظم الأمور المالية، كفرض الضرائب على الأغنياء لمصلحة الفقراء، وكتوفير الحاجات الضرورية وضمانتها لعامة الشعب، وهكذا مما يقلل الفروق بين الطبقات؛ وعلى الجملة فهم يؤمنون أن الغنى والفقر من صنع الإنسان، وأن التنظيم العقلي قادر على رفع البؤس والحد من الترف.
وكذلك الأمر في الشئون السياسية.جـ: ألم تشعروا بالتعب؟ فالمشي طال، والدم جرى في عروقنا، والجو ارتفعت حرارته، وشعرنا بالجوع.أ: إن هذا الحديث أنسانا التعب والجوع.جـ: بل هذا الحديث زادنا تعبًا وجوعًا، ففي كل مرة أعزم على ألا أخرج معكم لثقل حديثكم وقلة ذوقكم، وفي كل مرة أنصحكم أن تنسجموا مع الجو، فتتحدثوا حديثًا مرحًا خفيفًا يناسب هذا الصفاء ورقة الهواء، ولكن الشاعر يقول:وتأبى الطباع على الناقل
وتلمّسنا مكانًا ظليلًا فلم نجده إلا تحت صخرة في هضبة، فجلسنا وأخرجنا لفائفنا وأخذنا نأكل في نهم.أ: أكمل حديثك يا سيدي.جـ: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.ب: أقول وكذلك الشأن في السياسة؛ فالبدائيون لا سياسة عندهم إلا الخضوع للغرائز في مجتمعهم، ثم يأتي دور الهوى والشهوة والتخبط، فيظهر الحاكم المستبد وطبقة الأشراف وذوو الحسب والنسب المستبدون، فيكون الرق والعبودية، وتحكم القوي في الضعيف والغني في الفقير، والزعامة الطاغية يقابلها الاستسلام الخانع وهكذا، ثم يأتي دور العقل فيتحرر الناس من هذه العبودية، وتتأسس العلاقة بين الحاكم والمحكوم على الحرية والإخاء والحق والواجب، ويكون لكل رأيه ولكل عقيدته ولكل حريته في حدود المعقول.جـ: اسمحوا لي أن أنام على حديثكم قليلًا.ب: وحتى الأمر في الأخلاق والحياة العقلية على هذا النمط، فالأخلاق في حياة الأوائل أخلاق الغرائز، ولا يعاب شيء يروي الغرائز، ثم تكون الأخلاق المؤسسة على نظام الطبقات والاستبداد، والعزة في جانب والذل في جانب، والأخلاق التي يتحكم فيها العرف والتقاليد، ثم يأتي دور الأخلاق التي تتحرر من الطبقات ومن العبودية ومن التقاليد، والتي تُؤسَس على مصالح الكافة حسبما يهدي العقل في ضوء التجارب، والعلم عند البدائيين لا شيء إلا ما تهدي إليه الغريزة، ثم التقاليد والأوضاع والمأثور والعقائد المتحجرة والأنماط المرعية، وفي آخر هذا الدور يأتي الشك يتبعه العلم المؤسس على التجربة والعقل، والاتفاق على ما قام عليه البرهان، لا على ما توورِث من الآباء.
والمثل الأعلى للأولين حياة تستجاب فيها الغرائز وتطاع فيها تقاليد القبيلة، وعند المتوسطين احترام نظام الطبقات والإيمان بالمأثور من غير برهان، وعند الأخيرين خلق أساسه العلم، وعلم أساسه التجربة والبرهان، والعظيم المبجل في الدور الأول القوي الغرائز، وفي الدور الثاني القديس والولي، وفي الدور الثالث العالم والمصلح.أ: أكل هذا قرأته في الكتاب؟ب: بل أخذت الفكرة واسترسلت في تطبيقها.أ: ما رأيك في الشرق وعلى أي درجة من السلم يقف؟ب: أظنه يرفع رجله اليمني إلى الدرجة الثالثة ولما تزل رجله اليسرى على الثانية.جـ (وصحا جـ على القول الأخير فقال): ألا تزالون تهذون؟ مرحى بالدور الثالث دور العلم والتجربة العملية، الذي توج بالقنبلة الذرية، أما سمعتم قول الشاعر:جفنه علم الغزلومن العلم ما قتل؟هأ، هأ، هأب: أعدك أن ننظم رحلة في الأسبوع القادم يكون الحديث فيها كله ضحكًا.
في الهواء الطلق (?)


وفّينا بوعدنا وخرجنا هذا اليوم إلى القناطر الخيرية. هذا هو الربيع، هو موسم الحياة، ومحفل الجمال، ومعرض الألوان، تختال فيه الرياض بما لبست من ثياب ناضرة زاهية، وتترنح فيه الأغصان بما طربت من أغاني الطيور الصادحة، يروق العين بأزهاره البديعة وألوانه الجميلة، تجلى فيه الطبيعة كما تجلى العروس، فتختال وتتبرج، وتتعطر وتتأرج، وترفل في حللها وحليها بين مخطط وملون، ومدبج ومنمنم، ويروق السمع بأغاريد طيوره، وشجي بلابله، ويروق الشم بجمال عبيره، وعطر نسيمه، وهو فوق ذلك يروق النفس بكل ما فيه، فكل شيء فيه جميل، فهو حقًّا شباب الزمان ونموذج الجنان، وخلاصة العام، وصوفة الأيام، لوددت أن هذا الجمال كله تجمع في فم فقبلته، أو في كوب فشربته، أو في جسم فاحتضنته، فإن لم يكن، فوددت أن تذوب نفسي فيه فتسري في ماء أزهاره، أو تفنى في غناء أطياره.
•••

ركبنا باخرة نيلية تشق عباب الماء، وعلى الجانبين المزارع المنبسطة، والأشجار الباسقة، والنخيل يفرع الجو إلى السماء، ويتعمم بأغصان يداعبها الهواء، والنسيم عليل يميل إلى البرودة، ننتقل إلى الشمس فندفأ، ثم إلى الظل فنبرد، ونظل ننعم بدفء من برد، وببرد من دفء.
جـ: هات وعدك أيها السيد (ب) فقد وعدتنا أن يكون حديثك كله اليوم ضحكًا.ب: نعم وعدتك هذا، ولكن.جـ: إني أكره «لكن» هذه.ب: لك الحق أن تكرهها، ولكن.جـ: قلت إني أكره «لكن».ب: بالأمس ذكرت ما وعدت وقدرت تبعتي، فعكفت على مجموعة عندي من نوادر جحا، ثم عكفت على مجموعة من مجلة إنجليزية، وأخرى فرنسية فكاهية، أجمع لك منها نوادر مضحكة، ثم وجدتني أغرق في بحث عميق، في الفرق بين الفكاهة الشرقية والفكاهة الغربية، ومقدار استخدام الذكاء في النوعين، ومقدار اللعب بالألفاظ في إحداهما واللعب بالذكاء في الأخرى، والأدب المكشوف في ناحية والمستور في ناحية، وظللت أبحث حتى أنساني هذا البحث النوادر نفسها إلا أن تكون شاهدًا، ثم رأيتني أمد يدي إلى كتب في علم النفس تبحث في الضحك وأسبابه. فوجدت العلماء يثيرون سؤالين: لم نضحك؟ وما وظيفة الضحك؟ وخرجت من هذه القراءات بنتائج قيمة.
«فسبنسر» بحث في أسباب الضحك من ناحية فقال: إن الضحك قد ينشأ من لذة حادة كضحك السكران، وقد ينشأ من ألم حاد كضحك المصاب بالهستريا، وقد ينشأ من منظر فكِه. ووظيفة الضحك إفراغ شحنة التعب العقلي بواسطة عضلات الوجه والصدر، وهو ينفس عن التعب العقلي كما تنفس أعمال القسوة عن الغضب، وكما ينفس البكاء عن الحزن.
وجاء «برجسون» فعالج الضحك من وجهة أخرى فبدأ حديثه بقوله: إذا داس رجل قشرة موز فزلقت رجله فلماذا نضحك؟ إنما نضحك؛ لأن الرجل مثل دور الجماد في خضوعه لقانون الجاذبية، ولم يحتفظ بمركزه من حيث هو إنسان، فالضحك عقوبة للسلوك السيء، أو الأعمال الآلية السخيفة، وأخذ «برجسون» من هذا المثال البسيط يطبق نظريته هذه على كل الأعمال المضحكة، حتى الحركات البهلوانية وإشارات الخطباء السمجين، والملح والنوادر.أ: يخيل إليّ أن «برجسون» مبالغ في نظريته وتعميمها، وجعل سبب الضحك كله «عقوبة على عمل آلي سخيف»، فهناك الماجنون والمضحكون لا يرون أن ضحك الجمهور عقوبة لهم، بل هم يُسرّون لضحكه، ويجب أن نقرر أن هناك ضحك عقوبة، وضحك استحسان، ولماذ نضحك ممن زلقت رجله فتمدد على الأرض، ويصيبنا الرعب لا الضحك إذا انزلقت رجله من قمة جبل فتردى؟ب: لقد أدرك «برجسون» هذا فاشترط فيما يثير الضحك ألا يكون مما يثير انفعالًا قويًّا كهذه الحالة.
وعلى كل حال فأنا أعرف ما قرأت وقد يكون فيه بعض النقد. واستمر يقول: وجاء «مكدوجل» فبحث في نظرية الضحك فقال إن للضحك وظيفتين وظيفة نفسية ووظيفة فسيولوجية، فمن الناحية النفسية هو يقف مجرى الفكر وتسلسله ويريحه من جهده، ومن الناحية الفسيولوجية يزيد في جريان الدم وسريانه إلى الرأس والمخ بتنشيطه للدورة الدموية، ويتبع ذلك ما نرى من أثر الفرح والسرور، أما ما يسبب ضحكنا فهو الأضرار الخفية التي تنزل بغيرنا فتثير عطفنا عليه، عطفًا ممزوجًا بشيء من الألم، فيأتي الضحك ليقطع تسلسل هذا الفكر الذي بدأ يتألم، فنحن لم نضحك؛ لأننا سررنا، بل إننا سررنا؛ لأننا ضحكنا.أ: لعلي أستخلص من هذه النظرية أن الضحك أتى لينفّس عن ألم صغير وليبعد استمراره، وهذا صحيح في بعض الحالات حتى في الألم الصغير يلحقنا نحن، ولكنه لا يصح أن يكون سببًا عامًا، فبعض الألم الصغير يضحك وبعضه لا يضحك، فانزلاق الرجل قد يضحك، ووخزة بإبرة قد لا تضحك، على أن كثيرًا مما يضحك ليس مما يسبب ألمًا لا صغيرًا ولا كبيرًا.ب: قلت: إني أعرض ولست أنقد، وجاء باحثون آخرون فعرضوا أيضًا لمشكلة الضحك فالأستاذ «جريجوري» عني ببيان أن الضحك أنواع: فضحك انتصار، وضحك ازدراء، وضحك إعجاب إلخ، وكلها تنتج تنفيسًا عن النفس، ومهما كان فإن الباحثين لم يستطيعوا إلى الآن أن يجدوا قانونًا واحدًا لكل أنواع الضحك.أ: يخيل إلي أن سبب خطئهم راجع إلى أنهم يريدون أن يرجعوا كل الأسباب إلى سبب واحد. وأنواع الضحك مختلفة جدًا، فيصح أن تكون أسبابها مختلفة كذلك؛ فمثلهم كمثل من يحاول أن يرجع أسباب المرض المختلفة إلى سبب واحد مع أنه قد يكون سببه القلب وقد يكون سببه الأسنان.ب: هذا صحيح، وبعد أن فرغت من تصفح كتب علم النفس أمضيت ساعات في كتب علم الاجتماع، فرأيت بعضهم أيضًا يبحث في الضحك من الوجهة الاجتماعية، وبدءوا حديثهم من نقطة أن الإنسان لا يضحك إن كان وحده غالبًا مهما كانت النكتة التي استحضرها في ذهنه مثيرة للضحك العميق. إنما يُستثار الضحك العميق في جماعة من الأصدقاء أو المعارف؛ ولهذا الضحك وظيفة هي توثيق الروابط بين الجماعات وهناك فرق بين أن نضحك من الشخص وأن نضحك على الشخص؛ فإذا ضحكنا من ممثل أو ماجن أو متندر فإننا نحاول ضمه إلى المجتمع ونوثق معه روابطنا، وإذا ضحكنا على شخص ضحك ازدراء وتحقير لأخطاء ارتكبها أو لقلة ذوق منه أو غفلة فإنما نشعر بارتباطنا ضده، ونعلن بضحكنا عليه أن بيننا صلة مشتركة، وهي أننا لا نقع في مثل ما وقع فيه، وقد عرف البلغاء ما يوثقه الضحك من الترابط، فجرت عادة الخطيب أن ينثر في ثنايا حديثه ما يضحك ليوثق الصلة بينه وبين سامعيه، فيستغلّهم في قبول موضوع خطابته، وكذلك يفعل الكاتب الروائي وغيره. ثم لاحظوا في المجتمع الضاحك أنه لا بد لضحكهم من أن يكون بينهم قدر مشترك من الذوق والعاطفة والثقافة؛ ولهذا قد يغرق قوم في الضحك من نكتة، على حين أنها لا تستخرج من قوم آخرين ولا التبسم، بل قد تدعو إلى الاشمئزاز والنفور، كما أن الأفراد والجماعات والبلدان يختلفون في «حس الضحك». فمنهم من فقد هذا الحس فلا يضحك مما يضحك منه، ومنهم من نما عنده هذا الحس حتى ليضحك مما لا يضحك، وعلى الجملة فالضحك يخدم المجتمع من نواح كثيرة: من ناحية تفريحه وإدخار السرور عليه، ومن ناحية توثيق الروابط بين جماعاته، ومن ناحية تخويف من يخرج على تقاليده — وعاداته وأخلاقه — بالضحك عليه ضحك سخرية واستهزاء، وهكذا.
وكنا بهذا قد وصلنا إلى القناطر.جـ: ما شاء الله، ما شاء الله! أهذا كل محصولك من الضحك؟ والله إن نكتة واحدة باردة خير مما قلت كله، وليس في كل ما ذكرت شيء له قيمة إلا إذا أخذته على أنه نكتة سمجة، ولكن يا أخي صدقني أن لك موهبة لا تُجارى، وهي أنك تستطيع بقدرة قادر أن تقلب كل سرور إلى غم، وفي باطن نفسك «مستودع» من السواد كلما رأيت شيئًا جميلًا أو منظرًا سارًا أخرجت من هذا السواد ولطخت به هذا المنظر فانقلب أسود حالكًا، بعد أن كان أبيض ناصعًا أو أحمر زاهيًا؛ فليبارك الله لكل في موهبتك، وليزدك بركة حتى تملأ عيشتك سوادًا. وإلا فقل لي: كيف استطعت أن تحول نوادر جحا ونوادر المجلات المضحكة في الإنجليزية والفرنسية إلى هذه السخائم؛ أما أنا فلو أعطيتني كل كتب علم نفسك واجتماعك العابسة لقلبتها نكتًا مشرقة.ب: أقر لك بعجزي في هذا الباب، وسأترك لك الميدان من الآن إلى أن تعود في إضحاكنا بحديثك ومِلحك، ولكن اسمح لي بشيء واحد، وهو أن أطبق على كل مِلحة من مِلحك نظرية «سبنسر» و«مكدوجل» و«جريجوري» لأتعرف صدقها من كذبها.جـ: أبيحك هذا بشرط واحد، وهو ألا تحدثنا بما يدور في خلدك.
في الهواء الطلق (?)


خرجت هذه المرة وصديقي إلى «صحراء مصر الجديدة» ننعم بالبدر في تمامه.
وبدأ الحديث في أوربا ومتاعبها، والسياسة ومشاكلها، حتى وصلنا إلى مبادئ «ولسن» و«ميثاق الأطلنطي» و«هيئة الأمم المتحدة».
هو: أتصدق كل ذلك؟ إن آدم وحواء قبل التاريخ هما آدم وحواء القرن العشرين والثلاثين والأربعين، لم تتغير طبيعتهما، وإنما تغير فيهما مظاهرهما. لقد وجدت الرغبة الصادقة عند بعض الناس في كل عصر لنشر السلام ومنع الحروب، ولكن غريزة آدم حالت دون ذلك، وستظل هذه الغريزة دائمًا مدعاة للحرب مطاردة للسلم، لقد قرأت مرة قصة لطيفة، أن رئيس وزارة في الصين — كان يعيش قبل المسيح بنحو ستة قرون — جمع رؤساء الدول الصينية الثلاث عشرة كلها في مؤتمر، واقترح عليهم سلمًا دائمة، فلا يثيروا حربًا، ولا يعكروا صفاء، وأن يعقدوا حلفًا على ذلك، فأجابوا دعوته، وتحالفوا على السلام بأوثق الأيمان، وهنّأ رؤساء الدول رئيس الوزراء الداعي إلى السلام على نجاحه، وحسن إخلاصه، وحبه للخير، وتوالت عليه التهاني من كل ناحية، ولكن صديقًا من أخلص أصدقائه لم يشارك الناس في الثناء عليه ورماه بالغفلة والبلاهة، وقال إن مشروعه ليس إلا مجرد أوهام، وإنه لا يستحق أي تكريم، وليحمد الله على أن الناس لم يعاقبوه ولم يرجموه، لأنه غطّى وجه الحقيقة، وكان يجب أن يكون عاريًا حتى لا يضلل الناس، فعجب رئيس الوزارة من كلام صديقه ومخالفته الإجماع، ولكن لم يمض على هذا الحلف عشرة أعوام حتى نُقض، ونشبت الحرب بين الدول الصينية التي تعاقدت على السلم.
ومثّلت هذه الرواية نفسها في عصور متعاقبة، فقد أعلن القديس «أغسطين» أن إمبراطور الرومان جاء من عند الله ليمحو الحرب من العالم ويؤلف بين الناس. ثم لم تلبث أن كانت الحرب، وأخيرًا جاء «ولسن» فدعا مثل هذه الدعوة ومثَّل مثل هذه الرواية، ثم كانت الحرب أيضًا، وها هي هيئة الأمم المتحدة تمثل الآن هذه الرواية والممثلون أنفسهم تشهد قلوبهم بما لا تنطق به ألسنتهم. وأذكر أني قرأت رسالة بديعة لبديع الزمان الهمذاني، ردًّا على من كتب له «فسد الزمان» فكان مما جاء فيها: «والشيخ يقول: فسد الزمان، أفلا يقول: متى كان صالحًا؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها؟ أم في الدولة الأموية، والرمح يطعن في الكلى، والحرتان وكربلا» وما زال يتتبع فساد الزمان حتى وصل في فساده إلى آدم، ثم قال: «أم قبل ذلك والملائكة تقول (في خلق آدم): أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وختمها بهذه الكلمة الجامعة: «والله ما فسد الناس ولكن اطرد القياس». إن آدمنا وحواءنا هما آدم وحواء العصر الأول، وهما في كل عصر المادة الخامة لما يحدث في الأرض من أحداث اجتماعية، وهما تسيرهما بعض الغرائز البدائية الآن كما كانت من قبل؛ فالإنسان مسير بالحب وبالكره، وبالانتقام وحب السلطة وحب الجاه، وحب الغلبة شأنه في ذلك قديمًا شأنه حديثًا، وهذه الأمور أحيانًا تخضع للعقل، وأحيانًا يخضع لها العقل، والخلاف بين العصور ليس إلا خلافًا في الطلاء من عهد آدم إلى اليوم، والأنبياء والمصلحون من عهد آدم الأول يقولون لا تقتل ولا تسرق، ولكن آدم القرن العشرين ظل يقتل ويسرق، وسيقتل ويسرق، والعالم محكوم بقليل من العقل وكثير من السخافة، وشأن المحكومين في ذلك شأن الحاكمين يتبوأ الحكم في الناس أكثرهم طموحًا وشيطنة ولعبًا بعقول الجماهير، لا خيرهم ولا أعدلهم ولا أكثرهم استقامة، والجمهور يصفق لهم؛ لأنهم أقدر على الضحك على عقله وأكثرهم تملقًا له، حتى الرجل المستقيم قبل الحكم يلتوي إلى حد ما بعد الحكم، فهل تظن أن آدم سيتحول بين عشية وضحاها إلى ملك؟أنا: يظهر يا صديقي أنك اليوم سوداوي المزاج، ترى كل شيء أسود حتى التاريخ. والحق أنه كم من فرق بين آدم الأول وآدم القرن العشرين، لا في المظهر فقط بل في الجوهر أيضًا. إن الإنسان في تطوره تعلم كبت غرائزه، وما المدنية إلا كبت الغرائز. انظر إلى ما فعلته في أمة متمدنة التربية الدينية، والتربية المدنية في الغرائز، كيف استطاعت أن تعلم الجمهور الطاعة والخضوع للقانون والنظام في شئون الحياة، وهذا كله كبت للغرائز، فليس يقتل الرجل عدوه لمجرد الغضب منه ولا للباعث الوقتي عنده، ولا يسلب ماله لمجرد شهوته. وقد سُلبت من الأفراد قوة تنفيذهم استجابة للبواعث الوقتية عندهم، واستخدام قوتهم لتنفيذ رأيهم، وجعل ذلك كله للمحاكم، والقضاة يحكمون بالقانون والعدالة، أليس ذلك كله تهذيبًا للغرائز؟ فإن حدث قتل أو سرقة أو غضب فالشذوذ لا القاعدة، وقد كانت القاعدة عند الإنسان الأول أخذ ما يشتهيه بالقوة، فإن اعترضه عارض فالقتل، وأصبحت القاعدة اليوم تحكيم القانون والعقل؛ أو ليس هذا انقلابًا؟
هذا من ناحية جمهور الشعب، وكذلك الشأن من ناحية الحاكم؛ فقد كان شيخ القبيلة أو السلطان أو الملك لا حد لسلطانه، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويعطي من يشاء ويسلب ملك من يشاء، ويقتل من يشاء ويحيي من يشاء؛ فلما تقدم الإنسان حُدّ من سلطانه، وبعبارة أخرى كُبتت غرائزه، وتقيد بقيود ما للشعب من حقوق؛ فليس يقتل وليس ينهب وليس يستطيع أن يعطي من مال الأمة ولا أن يصادر، وليس له أن يعتدي على حقوق أي إنسان من شعبه في حياته ولا حريته ولا ملكه، فإن حدث شيء من هذا فاستثناء لا قاعدة، وقد كان ظلم السلاطين قاعدة لا استثناء، أليس هذا انقلابًا خطيرًا حتى في الغرائز؟
وهذا العالم الحديث يريد أن ينظم العلاقات بين الأمم كما نظّم العلاقات بين الأفراد، ويُنشئ محكمة للأمم كمحكمة الأفراد، حاول ذلك في عصبة الأمم ثم فشل، فهو يحاولها في هيئة الأمم وهو في كل فشل يستفيد من التجارب.
لقد بدأت حكومات الدول تشعر بأنه لا بد (لسلام العالم) من اتفاق وتفاهم بينها. وأنه لا بد من قوة مسلحة تخيف من لم يرد التفاهم، وأن هذه القوة المسلحة يجب أن تكون فوق القوة المسلحة لكل أمة، وأن تكون القوة المسلحة الكبرى خاضعة للهيئة الدولية العامة، شأنها في ذلك شأن المحكمة مع الأفراد، وقوة المحكمة بالنسبة لقوة الأفراد.
لست أزعم أن هذا كله سيحصل في عام أو عامين أو عشرة، ولكنه لا بد حادث قريبًا، فكل الدلائل تدل على أن العالم سائر في الدرب الموصل إليه، وإن لاقى في ذلك أهوال حرب أو حربين أخريين.
وكنا قد رجعنا إلى قواعدنا سالمين، ووقفنا على باب داره.هو: إن كلامك يحتاج إلى تفكير عميق، وأظن أن سيكون له مني رد طويل عند ما نلتقي قريبًا.أنا: كل ما أرجو ألا تقابلني في المرة الأخرى بمنظار أسود.هو: إذا طلبت مني خلع المنظار الأسود فلم لا أطلب منك خلع المنظار الأبيض؟ وكانت ضحكة، وكان افتراق.
الشرق في محنته


يجتاز الشرق اليوم مرحلة من أدق المراحل وأخطرها، عليها يتوقف مصيره وتتأثر بها أجياله.
ولئن كان العالم كله يجتاز هذه المرحلة كذلك فللشرق مشاكله الخاصة به وله آماله وآلامه التي لا يشاركه فيها غيره.
ومشاكل الشرق آتية من علاقاته الخارجية وعلاقاته الداخلية.
فمن الناحية الخارجية يريد الشرق تبعًا للتطور العالمي أن يستقل ويحكم نفسه بنفسه، ويصرف شئونه كما يرى، وكما يقدر المصلحة له ولمن حوله، ويأبى كل الإباء أن يتحكم فيه الغرب كما كان يتحكم من قبل، وأن يتصرف فيه تصرفه في السلع التي تباع وتشرى، ويرى الشرق أن خضوعه لغيره إن كان ممكنًا فيما مضى وقت عماه وضلاله وغفلته فلم يعد ممكنًا الآن، وقد أبصر بعد العمى، واهتدى بعد الضلال، وتنبه بعد الغفلة، وأيقن أن العلاقة بينه وبين الغرب لم تعد علاقة عبد لسيد ولا خادم بمخدوم ولا فلاح بمالك مزرعة، وإنما يجب أن تكون العلاقة علاقة الند للند، كل يدير شئون نفسه بنفسه، وكل يخضع لما يتطلبه الصالح العام للعالم.
هذه وجهة نظر الشرق الآن، وهو يعتمد في تحقيق مطالبه على قوة حجته، وقوة مطالبته، وعرقلة الطريق أمام من يريد أن يتحكم فيه، ويجعل حكمه صعبًا عسيرًا لا يُطاق، واستحياء الضمير الإنساني العالمي الذي ينادي من أعماق القلوب بتحقيق العدالة الإنسانية.
والغرب من ناحيته يصعب عليه التجرد عن امتيازاته في الشرق التي استمتع بها طويلًا، ويعز عليه النزول عن مكان السيادة إلى منزلة المساواة، ثم هو منقسم على نفسه، يتنافس بعضه مع بعض في السيادة والكسب. وكل يخشى أن ينزل عن سيادته للأمة المحكومة فيحل محله المنافس الآخر لا الأمة المحكومة نفسها، فيكون قد قوي خصمه من غير أن ينفع الأمة المحكومة بشيء؛ فهو لا يريد أن يتخلى عن جزء من السيادة حتى يستوثق من أنه لا يؤول إلى منافسه، ثم إن الأحزاب في الغرب تتحارب في كل أمة بالحق وبالباطل رغبة في الحكم، فإذا أراد الحزب الذي يتولى الحكم أن يخضع للحق، ويسلم بمبادئ العدالة، شنّعت عليه الأحزاب الأخرى، ورمته بأنه يريد تصفية أملاكها، وضياع عزتها، فيضطر إلى التراجع ولو بعض الشيء، والجمود على القديم ولو إلى حد، ثم إن الضمير الإنساني لم يستيقظ بعد الاستيقاظ التام، وهو إذا استيقظ أثناء الحروب فنادى بالعدالة التامة عاد بعد الحروب يختفي شيئًا فشيئًا تحت تأثير المنافسة الدولية، والتسابق إلى السيادة، وتنبه الغرائز القديمة، فلا يزال يختفي شيئًا فشيئًا ويحل محله الضمير القومي شيئًا فشيئًا حتى تنشب الحرب من جديد.
من هذا كله ينشأ الصراع بين المستعمِر والمستعمَر، بين طالب التحرر وطالب السيادة، بين الشرق والغرب، وهذا هو ما يعانيه الشرق الآن: مصر تجاهد في نيل استقلالها، والعراق يناضل في سبيل تعديل معاهدته، وسوريا ولبنان يعانيان في استكمال استقلالهما، وفلسطين المسكينة تئن من ظلم العالم، وبلاد المغرب تصرخ من ظلم فرنسا وهكذا وهكذا. والصراع دائم والمرحلة دقيقة، والغلبة للحق إذا استند على القوة، وليست القوة في السلاح وحده، فالاتحاد قوة والعناد قوة، والإلحاح في المطالبة قوة، والدعاية قوة، والوسائل الاقتصادية قوة إلخ.
•••

ثم مشاكل كل الشرق الداخلية ليست بأقل صعوبة ودقة من المشاكل الخارجية، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ فقد أفسدنا الحكم الأجنبي حتى مزقنا، وأفسدتنا الحكومات المتعاقبة حتى فرقتنا، ومرت علينا أجيال لا نتولى فيها أمور أنفسنا، فأضعفت شخصيتنا، وتحكمت فينا الطبقات الأرستقراطية حتى أذلتنا، وأصبحت كل طبقة تذل لمن فوقها وتستعبد من تحتها، فضاعت عزتنا، فلما انتبهنا لهذه الأمور كلها رأينا العبء ثقيلًا والديون باهظة، وكلها تقتضينا جهادًا طويلًا.
إن الشرق يحتاج في جهاده الداخلي إلى تكوين رأي عام شديد الإيمان بالعدالة يقف الظالم عند حده، مستنير لا يلعب به الدجالون، قوي يخافه الهازلون.
يحتاج في جهاده إلى تضحية من الزعماء، فليست المسألة كلها شهوة في الحكم، فالحكم بمعناه الصحيح مغرم لا مغنم، وليس الحاكم سلطانًا يأمر وينهي كما يشاء، ويتخذ كرسيه أداة لعظم الجاه، ونيل المكسب، والتحكم في رقاب الناس وأموالهم؛ فهذه الأمور كلها هي التي تفتح شهوة الحكم، فإذا زالت — ويجب أن تزول — أدرك الحاكم أنه خادم للأمة، وأدرك المحكومون أن الحاكم نائب عنهم، عامل لخدمتهم، وأنهم رقباء عليه، إذا عدل بقي، وإذا لم يعدل نُحي عن كرسيه؛ فبذلك تزول عظمة الحاكم الكاذبة، وتقل الشهوة في الحكم، ولا يتقدم له إلا كفؤه.
إن الشرق في جهاده يحتاج إلى علم يدعم به نفسه، فيعرف كيف يستغل موارده، وكيف يسيّر أموره الاقتصادية، وكيف يقضي على الفساد الذي سببه الجهل بجميع مرافق الحياة.
إن العالم الآن يقوّم الأشياء بالعدل لا بالرحمة، وبالقوة لا بالضعف، فمن لم يثبت عدالته لا يرحم، ومن لم يحقق قوته لا يقوم.
هل يدرك الغرب أن الشرق لا ينام بعد اليقظة، ولا يُستذل بعد أن شعر بنفسه، ولا يستسلم بعد أن أدرك قوته؟
وهل يدرك الشرق نفسه ما أمامه من مفترق الطرق، وما يجتازه من دقة المرحلة، وما في عنقه للأجيال القادمة، فيبذل كل جهده، ويضحي بكل شهواته، ولا يهزل حيث يجد العالم، ولا يتكالب على الصغائر، والحكمة منعقدة، والعالم شاهد، والحكم على لسان القاضي؟

في الحياة الروحية?


?


بيت جميل، تروعك عظمته وفخامته، قد أسبل عليه القدم جلالا، يشهد لمهندسه بالمقدرة الفنية، تدخله فيعجبك أثاثه كما أعجبك بناؤه، قد فُرشت كل حجرة منه فرشًا جميلًا متناسقًا، وزُين البيت كله بأنواع الزينة، وحُلي بأنواع الطرف، وكان حديث الناس في الإعجاب به ووصف جماله وجلاله، يفيض المهندس في وصف بنائه، والفنان في الإشادة بفنه، والهاوي بالإعجاب بطرفه، والأديب بوحي مناظره، وكلهم متفقون على حسنه.
ولكنهم مختلفون اختلافًا كبيرًا في أمر هام من أموره؛ فقوم يقولون إن في البيت كنزًا مدفونًا لسنا نعلم مقره، ولكنا واثقون من وجوده، وهذا الكنز في الغاية من عظم القيمة، حتى إن البيت وما فيه لا يساوي شيئًا بجانبه، ومن وصل إليه أو نال شيئًا منه كان ذا حظ عظيم، أما من اكتفى بمنظر البيت ومتاعه فلم يدرك من الأمور إلا ظواهرها.
وقال آخرون إن هذا الكلام من صنع الخيال، وليس في البيت إلا ما نحس وما نرى وما نلمس، فهذا هو الحق، وهو الحق وحده، أما الكنز فلا نؤمن به إذ لا دليل عليه، وإنما هي أقوال قالها السلف وتوارثها الخلف. ولسنا نؤمن إلا بالحس وما يستنتج من الحس، فإن شئتم أن نؤمن بالكنز فأروناه جهرة.
ولما خلا المؤمنون بالكنز إلى أنفسهم اختلفوا فيما بينهم على طريقة استكشافه. فقال قوم نطلق البخور ونقرأ التعاويذ حتى يفتح الكنز، وقال آخرون إن ذلك إنما يكون بالسحر وضرب الرمل، وهزئ آخرون بكل ذلك وقالوا إن الوسيلة للوصول إليه صفاء النفس ورياضتها وتطهيرها وإرهاف مشاعرها حتى تصبح كالمرآة المجلوة تنعكس عليها صور الأشياء ومنها الكنز.
هذا مثل الحياة المادية والحياة الروحية، وهذا مثل الحياة الروحية بما فيها من حق وباطل وصدق وتخريف.
وتاريخ الإنسانية نزاع حول هذا البيت هل فيه كنز أولًا؟ فكل العقائد والأديان عمادها أن وراء هذا المنظور شيئًا غير منظور.
وشأن البيت وكنزه والخلاف فيه كشأن الإنسان بدنه وروحه يبتدئ ظاهرًا من خلايا وعضلات، ثم يدق في خلايا المخ وأعصابه، ويصل العلماء إلى بعض خصائص هذه الخلايا المخية، ثم تغمض حتى يعمى عليهم الأمر، ويكون الشأن شأن كنز البيت، فإذا وصلنا إلى الروح فالأمر أعقد وأغمض، كيف تحيا هذه الخلايا، وكيف تؤدي وظائفها العجيبة ذلك ما لا نعلم، ومع هذا ظل قوم لا يؤمنون إلا بالعلم.
إنا لنشهد في المدنية اليونانية هذا النزاع بين الماديين والروحانيين؛ فمنهم الطبيعيون الذي يؤمنون بالطبيعة ولا يؤمنون بما وراءها، والروحانيون الذين يؤمنون بما وراء المادة، ويغرقون في هذا الإيمان كما يظهر في أعمال معبد «دلفي». وعند المصريين القدماء كانت النزعتان، وكان رجال الدين هم الذين يحفظون أسرار الحياة ويصفون الحياة قبل الميلاد والحياة بعد الموت.
وتأتي على العالم موجات، موجة إلحاد يعقبها موجة إيمان وهكذا.
وفي القرن التاسع عشر وأوائل العشرين سادت النزعة العلمية، وتبعها الإيمان بالمادة وحدها، وسادت العالم العلوم الثلاثة، الطبيعة تبحث في ظواهر المادة التي حولنا، والفلك يبحث في حركة الأجسام السماوية ومادتها، والكيمياء تبحث في تركيب المادة، فكلها تبحث عن المادة، عن البيت من غير كنز، وتبع ذلك الاكتشافات العلمية الخطيرة والمخترعات العجيبة، وقسموا المادة إلى عضوية وغير عضوية، فالعضوية تشمل الحيوان والنبات، وقصروا الفروق بين العضوية وغير العضوية على الظواهر الخارجية، من تنفس وغذاء ونحو ذلك، ولكن العلم لم ينجح في تفسير كل ما في البيت كيف تؤثر الشمس في حركة الأرض وفي إضاءتها وحرارتها، مع أن بينهما خلوًا وفراغًا؟ إن قانون الجاذبية قد حل المسألة رياضيًّا، ولكن لم يحلها عقليًّا، وساد العالم الطبيعي نظرية الذبذبة في الكهرباء والمغنطيسية والحرارة والضوء، ولكنها كلها لا تفهم مع وجود الخلو والفراغ، ولا بد من فرض مادة تملأ هذا الخلو وهذا الفراغ، وهي الأثير، والأثير غير مفهوم، وإنما هو فرض يفرض.
وقال العلم الحديث إن المادة عضوية أو غير عضوية مكونة من ذرات، وهذه الذرات في حركة مستمرة، تتجاذب وتتدافع وتتقارب وتتباعد، وكلها قد تكون في جسم واحد فكيف تبقى ولا تتصادم فتفنى، ومن ذا الذي يحفظها وينظم حركاتها هذا النظام العجيب؟ ومئة سيارة في ساحة تتجه اتجاهات متعاكسة لا يمكن أن تبقى من غير صدام وفناء، فكيف بالملايين؟
وهكذا آلاف من الأسئلة يقف عندها العلم، والعلماء أنفسهم أقدر على الإقرار بما لم يفهموا، فإذا تجاوزوا ظواهر ما في البيت عجزوا عن تفسيره، وكانت هذه حجة قوية للقائلين بأن في البيت أسرارًا وكنوزًا لا بد منها لتكميل تفسير حقيقة ما في البيت. وثمة شيء آخر، وهو أن الذين آمنوا بالكنز كانوا أسعد حالًا وأهدأ بالًا؛ لأن الإيمان به جاوب ناحية من نواحي نفوسهم فملأها وغذاها، أما الذين كفروا بهذا الكنز فقد شعروا بفراغ لم يملأه شيء ولا العلم، وشكّوا في قيمة الحياة وقيمة الأخلاق، وهذا هو ما ساد في المدنية الغربية يوم ساد العلم وحده. لقد امتلأت حياة العالم بالبحث عن المادة، والمالي بالبحث عن المال، والصانع بالصناعة، ولكن هذا الفراغ في النفس الذي لا يملؤه إلا الدين كان موضع القلق والحيرة والاضطراب مهما نال الإنسان من مسرات الحياة، فالمسرات الواقعية إذا أصبحت رتيبة فقدت قوتها وزهد صاحبها فيها، وكلما عرض له عارض من تقدم في السن أو مرض أو وقت خلو أحس بهذا الفراغ يؤلمه، وهكذا كل شيء لا يتفق وطبيعة الإنسان.
لقد فشل العلم في نبوءته يوم تنبأ بأنه سيملك ناصية العالم، ويملأ حياة الناس سعادة، ويزيل منهم كل شقاء، ويجعل من الدنيا جنة كما يقول رجال الدين في جنة الآخرة. وظهر هذا الفشل في مظاهر شتى، في هروب بعض ذوي المشاعر الرقيقة من ضوضاء المدنية إلى الطبيعة، ومن سوء الواقع إلى جمال الخيال، بل وبعضهم من مدن الممدنين إلى قرى المتوحشين، وظهر في جشع الكثير من الناس، وتقويم كل شيء بميزان الذهب والفضة، ثم لا سعدوا في أنفسهم ولا أسعدوا غيرهم. وظهر في هذه الأعصاب المهدمة عند أغلب الناس لم يهدئها الدين، ولم يلطفها اليقين، وظهر في الشباب الذي تحرر من كل قيد فإذا هو في قيد المرض والفقر وضيق النفس، والشابات اللاتي تحررن من قيود سلطة الآباء، فوقعن في أسر سلطان الزمان، وظهر في المسحونين في شكل طلقاء، وفي الأموات في شكل أحياء، وأخيرًا في الحروب المتوالية ونكباتها وويلاتها، لقد تنبأ بأن الناس إذا تحرروا من قيود العقيدة ومن قيود رجال الدين، كانت السعادة التامة، فلما تحرروا من كل ذلك لم يكن إلى الشقاء.
إن المدنية الحديثة آلام ضاحكة، وأصوات «جازبند» تخفي وراءها أنينًا أليمًا, ورقص ضاحك يغالب قلبًا حزينًا. الحياة حرب حاضرة أو استعداد لحرب قادمة، أو بكاء من حرب فائتة. ومن المستحيل مع هذا اطمئنان دائم.
سر هذا أن الحياة فقدت انسجامها الذي كان يؤلفه الدين، وأن المصلحين يعالجون المادة ولا يعالجون الروح، وينظرون إلى البيت وأساسه وأثاثه ولا ينظرون أبدًا إلى كنزه.
كان المتدينون ينظرون إلى العالم كوحدة يسيطر عليها إله، وإن اختلفوا في التفاصيل فلم يختلفوا في الأساس، وكانوا يضمّون إلى حساب الأرض حساب السماء، وإلى الحياة الدنيا الحياة الأخرى، فكان هذا يوحي بالطمأنينة والانسجام. ولكن في تفاصيل كل دين وفيما عرض له بعد أيامه الأولى ما لا يتفق والعقل إذا رقي، والعواطف إذا تسامت، فبدل أن يعالج ذلك المصلحون ويفرقوا بين أصل صح وعارض فسد أنكروا الدين جملة، واتجهوا إلى العلم وحده، وإلى المنطق الجاف وحده، فذبلت الروح من قلة الغذاء، وضعفت الأخلاق إذ لم تؤسس على تقديس، وحل محل تقديس المبادئ ما وضع الساسة وعلماء الاقتصاد والاجتماع، فشعر الإنسان أنه مضطر لسماع الأوامر لا سامع لصوت الضمير، هو مضطر للخضوع للرأي العام ولقانون الدولة، وللمستبد الجبار أو للبرلمان، لا لأوامر الله الذي يسيطر على العالم وينظمه ويرعى في أوامره خيره وفي نهيه ضرره. لقد وعدوه بالسعادة عند ما تتحقق حرية العقل وحرية التفكير، ولكن رأى آخر الأمر أنهم قيدوه بآلاف القيود من ضغط الحوادث وكثرة القوانين ودعوى الوطنية.
لقد كانت أوامر الدين ربما آلمت وأتعبت، ولكن كان يخفف ألمها ومشقتها وربما يقلبها إلى لذة الاعتقادُ بأنها أوامر من بيده ملكوت السموات والأرض، ومن يستطيع الجزاء، ومن يعلم خفايا النفوس وبواطن الأمور وخلجات القلوب. أما الآن فأوامر مؤلمة ومطالب شاقة ممن قد يخطئ في أوامره وقد يصيب، وليس بيده المقدرة على الجزاء على النيات والضمائر، وممن هو مثلنا له شهوات وأغراض.
كل هذا حيّر الإنسان لما فقد دينه وجعله معلقًا بين السماء والأرض؛ فلا المصلحون الدنيويون أرضوه بتعاليمهم، ولا المصلحون الدينيون استبعدوا من الدين ما دخله من فساد.
لقد أصبح الناس بين قائل يقول: ليس في البيت كنز. وقائل: إن في البيت كنزًا يفتح بالبخور والتعاويذ. وليس هذا ولا ذاك مما يدعو إلى اطمئنانهم، وهم ينتظرون من يهديهم إلى الكنز بما يتفق وعقليتهم وعواطفهم.
?


قال الصوفي: «إن تصوفنا معناه إدراك أو محاولة إدراك القوة الخفية في العالم، إدراك الله والروح عن طريق الوجدان»، وقد وجدت هذه النزعة الصوفية في كل الأزمان، وفي كل الأمم، وفي كل الأديان، ووصل أهلها إلى مبادئ متشابهة واكتشافات متماثلة، ليست من جنس ما يكتشف بالعقل أو بالمنطق، وإنما هي من جنس إلهام الشاعر والفنان، ولكن من نوع أرقى.
والنزعة إلى التصوف استعداد فطري عند بعض الأفراد ينمو بالمران؛ فكما أن هناك ذكيًّا وغبيًّا بالفطرة، وشاعرًا أو غير شاعر، كذلك هناك متصوف وغير متصوف بالفطرة، وكما أن العقل وسيلة من وسائل المعرفة عن طريق المنطق، فالتصوف طريق من طرق المعرفة عن طريق الرياضة التي تؤدي إلى الكشف والإلهام.
لا يعبأ المتصوفة كثيرًا بمظهر العالم إلا من ناحية دلالته على باطنه، إنما يعبئون بالحياة الباطنة التي تنتج الظاهر، إن ما نقرأ في التاريخ من قيام دول وسقوط دول وحروب وحالات اجتماعية واقتصادية ليست إلا تاريخ المظهر، أما تاريخ الباطن فهو التصوف، والفرق بينهما كالفرق بين من يرى أن أوراق الشجرة وجذعها هو كل شيء فيها، ولكن الورق يتجدد ويسقط، والشجرة باقية بجذورها الخفية وحياتها الباطنة؛ أو كالفرق بين من يرى أن البحر هو أمواجه، مع أن الموج ليس إلا سطحه.
إن الروحانية إنسانية داخل الإنسانية، وعالم داخل العالم، والعلاقة بينهما كالعلاقة بين العقل والبدن.
ولم يُخْل الله العالم من جماعة يدركون هذا السر ويتناقلونه، ويُأخذ منهم خلف عن سلف، وتظهر تعاليمهم أحيانًا في مظهر دين جديد، أو مذهب فلسفي جديد، أو نمط في التفكير جديد، وهم يسمون الثروة التي يصلون إليها «حكمة» تمييزًا لها عن العلم والفلسفة. ولهم في الحياة أسلوب ومنزع ومسلك يخالف سائر الناس، كمسلك العبد الصالح مع موسى في سورة الكهف.
وهؤلاء الروحانيون يؤثرون في الأمم وفي المدنيات وإن لم يظهر بعضهم على مسرح الحياة، وإن لم يلفتوا نظر المؤرخين؛ فالأنبياء من آدم إلى محمد، وبوذا وزرادشت، وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون، وغيرهم ممن لا نعلمهم، أثروا في بناء المدنية أكثر مما أثر الماديون من القياصرة والملوك والجبابرة.
إن الروحانية كلها من واد واحد، إن اختلفت مذاهبها ودعاتها فإنما هو اختلاف في فهم من يفهمها ومستواهم، أو في الظروف المحيطة بهم أو نحو ذلك، أما الأساس فواحد، وأما المنبع فواحد؛ حتى ما يحيط بها أحيانًا من تخريف إنما سببه أن كثيرًا من الناس لا يستطيعون أن يفهموا الحقيقة إلا من طريق التخريف، وهذا لا يقدح في حقيقة أساسها. إن زعماء الروحانية كانوا يحاربون دائمًا الوحشية في الإنسان، وتاريخ الإنسانية صراع بين الوحشية والروحانية، وهذه الوحشية ليست مقصورة على الأمم المتوحشة، بل هي في أرقى مظاهر مدنيتنا الحديثة. إن الوحشية في الإنسان الأول كانت ضربًا بالحجر أو بالهراوة، وهي في مدنيتنا الحديثة مدافع وطائرات وغواصات، وأخيرًا قنابل ذرية تهلك الحرث والنسل. إن العنف كله ليس من الروحانية في شيء، سواء جاء باسم الدين أو المذهب الاجتماعي أو المدنية أو ما شئت من أسماء.
إن العبرة في تقويم المدنية لا بالمظاهر ولكن بالدوافع، فإذا كانت المدنية تنشر الفزع والخوف والتناحر والتسابق على الشهوات، فمدنية بربرية مهما زُينت بالراديو والتلغراف والتلفون وكل أنواع المخترعات.
وفي الصراع المستمر بين المادية والروحانية لا تزال تتغلب المادية، أو بعبارة أخرى الوحشية؛ لأن غرائز الإنسان ترضيها الوحشية، والروحانية تحتاج إلى رياضة شاقة لا يستطيعها الكثير من الناس، ولأن المدنيات التي أُسست إلى الآن أُسست على تقوية الغرائز الوحشية، وكلما أمعنت في ذلك كانت أرقى، وحتى إذا نشأت مدنية روحانية بعض الوقت كدعوة المسيح في أول أمرها، والإسلام في أول عهده، فسرعان ما تنقلب ملكًا عضوضًا، ويحتضن الجبابرة الدعوة الدينية الروحية لخدمة مطامعهم المادية، فتنقلب المدنية إلى مدنية وحشية، وتنقلب الدعوة إلى عدم الطبقات دعوة إلى نظام الطبقات، كما يستخدمون العلم والفن والأدب لخدمة هذه الغرائز الوحشية، فتضعف الدعوة الروحانية شيئًا فشيئًا، ولا تبقى إلا في نفوس الشواذ النوادر. فالعلم أكثر ما يزهر في الحرب دون السلم، والأدب أكثر ما يزهر في إلهاب الغرائز الجنسية ونحو ذلك، أما العلم في خدمة السلم وفي خدمة الحقيقة، وأما الأدب في خدمة الروح فضعيف فاتر.
نتاج المدنية الحديثة إحياء الشهوات، ونشر الخوف والفزع في قلوب الخصماء، والمسابقة إلى حيازة القوة، وطلب اللذة من كل وجوهها، والجشع في المال؛ والنظر إلى اليوم لا إلى ما وراءه؛ وهذه كلها ليست من الروح في شيء، وكل المخترعات إنما هي لخدمة غرض من هذه الأغراض التي ذكرناها لا لخدمة روح. أما الروحانية فسلام وحب وسمو وعمق في المشاعر وتقويم للحقيقة لا المظهر.
•••

إن العالم كله في نظر الروحانية وحدة واحدة، صنع في مصنع واحد، أشرف عليه مهندس عظيم واحد، ليست المعامل والمصانع التي تراها في المدنية الحديثة مهما كبرت إلا لعب أطفال بجانب معمل ومصنع خالقنا العظيم، إن كل ما في الكون قد صُنع في مصنع واحد، ولذلك اتحد تكوينه وإن اختلفت درجاته ومظاهره. إن بين الشمس العظيمة والخلية الصغيرة تشابهًا تامًا في البناء، فليست الخلية إلا مجموعة كهارب تدور حول نواة كالشمس، كما تدور المجموعة الشمسية حول الشمس، بذلك قال العلم الحديث، وبذلك قال رجال التصوف من قديم، إن ما في العالم مما نسميه جمادًا ونباتًا وحيوانًا ليس إلا نتاجًا مختلفًا لمصنع واحد وصانع واحد، كمصنع السكر يخرج أنواعًا بعضها بدائي كالسكر المحبب الأصفر، وبعضها كامل الصفاء «كالسكر النبات»، أو كمصنع النسيج يخرج أشكالًا وألوانًا، وكلها على اختلاف قيمتها وأنواعها من خيط واحد أو قطن واحد. وكل ذرة في هذا الكون تدل على المصنع ومهندسه، وكل صغير من نتاجه معبر بشكل ما عن القانون العام لكل العالم، فدقق النظر تر العالم في النملة، وتر نظام الكون في النحلة. وكان أعجب ما أخرجه هذا المصنع هو الإنسان، ففيه كل خصائص الأطوار التي مر بها نتاج المصنع، مكملًا بزيادة في كمية عقلية ورحانية صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـ?كِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.
لقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى قطعة الصوف ينتجها المصنع مستقلة، كأنها كل شيء، أما نحن معاشر الصوفية فنرى المصنع والصانع في كل خيط، نرى الشجرة في الثمرة بل في الورقة، ونرى البحر في القطرة، ونرى الكل في الواحد والواحد في الكل، وكل شيء في كل شيء، فنحن نلف العالم في نظرة، وننفذ إلى السر في لفتة، ونقرأ على كل شيء بطاقة المصنع والصانع، ونرى في كل شيء رمزًا.
ومن طول ما ألِفنا الرموز كان كل ما نسمع وما نقرأ رمزًا، وخاصة في الكتب الروحانية، في الكتب المقدسة؛ فالعامة يفهمون الآية على ظاهرها، ولكنا نفهمها رمزًا، والعامة إن اشتركوا أو تقاربوا في فهم الظاهر، فالخاصة يختلفون في فهم الرمز حسب قوة استعدادهم لفهم الإشارة، وحسب ما يستولي عليهم من وجدان، وهذا هو ما نسميه «الأحوال» و«المقامات»، وإذا نحن سمعنا قصة لم نقف عند ألفاظها ومعانيها اللغوية إنما ننتقل إلى رمزها ومغزاها.
خذ لذلك مثلًا قصة آدم وحواء، إن خلق آدم وحواء كان مرحلة من مراحل عمل المصنع، لقد ظل المصنع يعمل من قديم ويحسن ما يصنع، وكان يصنع الخيط الغليظ، ثم تقدم وتقدم فصنع الخيط الدقيق، وكل ما يصنع جميل متقَن، ولكنه في صنع الإنسان مبدِع متفنِن، وكل نوع مما يصنع يمثل قانونًا عالميًّا ولذلك يبقى مع بقاء الأكمل.
وكان الإنسان أول خريج للمصنع جرب فأخطأ فاستفاد من الخطأ، وهو أول من اتصل بصاحب المصنع واتصل بجميع منتجاته، يعرف خصائصها ويسميها بأسمائها، إنه أبى أن يعيش عيشة من قبله، وفضّل أن يخطئ ويرقى بخطئه على أن يعيش من غير خطأ ومن غير معرفة، فأكل من شجرة المعرفة، فهبط من سعادة العيش بالغريزة إلى شقاء العيش بالعقل، ولكن كان هبوطه وسيلة لسموه، وكذلك نفهم من قصة قابيل وهابيل قتال الأخوة في الإنسانية، ومن قصة نوح فساد الناس وفناءهم لعدم صلاحيتهم للحياة، ونجاة من يصلح لتأسيس جيل جديد على أسس جديدة، وهكذا. تاريخ الأنبياء وكبار المصلحين الروحانيين رقي متوال بالإنسانية.
•••

وليست الأرض وما فيها من مصنوعات رقيت إلى الإنسان إلا ركنًا صغيرًا من أركان المصنع، اهتممنا به أكثر مما يلزم لأننا أجزاؤه، ولأنه متصل بنا ونحن متصلون به، فلو وسعنا نظرنا وشاهدنا أركان المصنع الأخرى، لأخذنا العجب كل العجب، ولكن مهما اختلفت منتجات المصنع صغرًا وكبرًا، وعظمة وضعة، ففيها سمات الوحدة و«ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت».
والروحانية إدراك سر هذا المصنع، والاتصال بصاحبه والشوق إلى رؤيته، وفي كل إنسان نزعة إلى هذا؛ لأن فيه قبسًا من روح صاحب المصنع، وإنما يطفئها غلبة النزعات الأخرى، والمدنية التي يعيش فيها الإنسان إنما تفسد وتنحط وتفنى؛ لأنها لا تنسجم ونزعاته المختلفة. والمدنية الصالحة التي يقدر لها البقاء والنمو هي المدنية التي تتعادل فيها مقومات الروح ومقومات المادة معًا حتى تتجاوب وطبائع الإنسان.
•••

وإلى هنا انقطع حديث الصوفي، وقد سمعته في شوق، ونقلته في أمانة، وتفرقنا على ميعاد.
?


قال الصوفي: «إن أساس التصوف بل أساس الديانات كلها أن وراء العالم المنظور عالمًا آخر غير منظور، وأن العالم غير المنظور يختلف في صفاته عن العالم المنظور، فهو لا حجم له ولا زمان ولا مكان، وأقرب مثل له آراؤنا وأفكارنا وذكرياتنا، فنستطيع أن نفكر ما لا عدد له من الأفكار من غير أن يكون لها حيز».
وكثير من تعاليم الدين لا يمكن الوصول إليها من طريق العلم ولا الفلسفة، كالحياة بعد الموت، فليست وسائل العلم ولا الفلسفة صالحة للوصول إلى هذه الحقيقة نفيًا أو إثباتًا؛ لأنها ليست من جنس مادته، ولا من جنس ما يبحث فيه أو يصل إليه.
إن إدراك هذا العالم الروحي لا بد أن ينظر إليه من زاوية غير زاوية المنظور؛ لأن طبيعته ليست كطبيعة المنظور، وما قيل من وصف الجنة والنار والحياة الآخرة لم يعبر تعبيرًا تامًا عنه؛ لأن أكثر النفوس لا تستطيع فهم المجردات، ولأن اللغة لم توضع إلا لشئون الحياة المنظورة، فاضطر المعبرون عنها أن يلجأوا إلى ألفاظ الدنيا وتعبيرات الدنيا على طريق المجاز والحياة الأخرى ليست كهذه الحياة في خضوعها للزمن، ولا شأن لها بطلوع الشمس وغروبها، وهو أهم عامل في الزمان، فإذا جُردت الحياة من الزمان كان طابعها مخالفًا كل المخالفة لحياة الدنيا وشئونها.
إذن فالحياة الروحية لا بد أن تُدرك بأساليب أخرى. وأهم وسيلة لها هي الرياضة. والغاية من هذه الرياضة تهيئة الشعور للاتصال بهذا العالم الروحي كما يعد الشخص للتنويم المغناطيسي، وما الشعائر من صلاة وصيام إلا أنواع من هذه الرياضة، وما فعل رسول الله من التعبد في غار حراء قبل البعثة كان من هذا القبيل، وكذلك استحضار الله في القلب ودوام ذكره، ونحو ذلك كلها وسائل لإعداد هذا الشعور، وعند بعض الأفراد ذوي الاستعداد تسفر هذه الرياضات عن نتائج غريبة. فيرى الدنيا غير ما ترى في العادة كأن ينعدم الفرق بين ذاته وغيره فلا ذاتية ولا غيرية، وتنعدم الفروق بين الأشياء، فلا شيء مستقل بنفسه، كالعالم يقرأ العالم كله خلية متكررة، وهو شيء غريب في الحياة العادية، ولكنه أمر مألوف في الحياة الصوفية. وعلى الجملة فهو يرى العالم من زاوية غير الزاوية التي اعتاد الناس أن ينظروا منها. فإذا هو أمعن في هذه الرياضة استغرق في شبه غيبوبة، وكان في شبه حلم، ورأى كأنه انغمس في نور واتحد به، ورأى وسمع ما لم يستطع وصفه إلا عن طريق الرمز، وإنما يفهم رمزه من ذاق مثل ذوقه، وهذا هو ما كان من أمثال ابن العربي وابن الفارض وغيرهما من المتصوفة في كل أمة وكل دين.
والناس معذورون في إنكارهم هذا؛ لأنه شيء لم يعتادوه في الحياة المألوفة، والصوفية معذورون؛ لأنهم يصفون ما يرون.
وفي هذا الباب مهرجون ونصابون ومزيفون، كما هو الشأن في عالم المعقولات في حياتنا العادية، ففي حياتنا من يهرج في الخطابة ويبعد عن المنطق الصحيح، ومن يوهمك أنه مخلص وليس بمخلص، ومن يلبس باطله ثوب الحق ونحو ذلك، فكذلك في عالم الروحانيات، صادق وكاذب ومحق ومزيف، بل ربما كان التزييف في هذا الباب أكثر؛ لأن الحياة المادية قد تنضبط بالمنطق، أما هذه فمرجعها الذوق والشعور، وهو من الصعب ضبطه. فما ترى من مظاهر أرباب الطرق كالطبل والزمر واللعب بالذكر والمراسيم الصوفية كلها ليست من التصوف الحق في شيء، وإنما هي صوفية مزيفة، والمتصوف الحق قد يباشر أمور الدنيا ويتصرف في الحياة بالتجارة أو الصناعة أو نحوها، وليس يشعر بروحانيته إلا خاصته، ومن هم على نمطه، وحتى إذا ذكروا الله ذكروه بقلوبهم، ولم يحركوا بذكره لسانهم.
والصوفي الحق رجل تيقظ شعوره فاتسعت آفاقه وتكسرت حدوده يرتفع فوق تفاصيل الحياة الدنيا كما يرتفع الطائر في طائرته، فيضعف شعوره بشخصيته ويذوب في العالم الذي يسبح فيه، ويسبح في هذا الأفق الشاعر والفنان والصوفي والنبي على اختلاف في منازعهم ومداركهم وإلهامهم ووحيهم وحقيقة رسالتهم. إنهم جميعًا يدركون العالم وراء حدود مادته وأشكاله. إنهم بعواطفهم المرهفة يرون أن الإدراك الحسي والعقلي لا قيمة له بجانب إدراك الشعور العاطفي إنهم يقرءون في النجوم والسماء والبحار والأنهار والأشجار ما لا يقرأ الناس، ويدركون في الأشياء كلها وحدة تعزّ عن الوصف، إنهم يرون المظاهر أمواجًا فوق سطح البحر، أو أوراقًا تورق وتسقط والشجرة باقية، إنهم يذيبون أنفسهم في مصدرها.
وإذا كان جمهرة الناس يدركون الله حاكمًا مسيطرًا على العالم يضرعون إليه في قضاء حوائجهم فالصوفي يراه القوة التي ينبض بها قلب الإنسان وقلب العالم، ويتحول بها غير المنظور إلى منظور، ولذلك يحول الصوفي عينه من الجزئيات والأشخاص والأفراد إلى المنبع الواحد الذي تفرّع إلى مظاهر مختلفة.
وهنا أفاض محدثي في ذكر ما يجده الصوفي من وحدة الوجود والحب الإلهي وما إلى ذلك، وأنه ينتهي به الأمر إلى الهيام بالعالم غير المنظور وحقارة المنظور.
قاطعته بقولي: إني أومن بأن الرياضة الصوفية تصل بصاحبها إلى رؤية العالم من زاوية غير الزاوية التي اعتاد الناس الرؤية منها. ولست أشك في صدق كبار الصوفية أمثال ابن العربي وابن الفارض والغزالي وغيرهم وأمثالهم من متصوفة الأديان الأخرى، وأنهم حقيقة يصفون ما يشاهدون، ولكن هل هم يرون الحقيقة، أو أن رياضتهم النفسية وكثرة مجاهدتهم للنفس من جوع وصيام وعزلة ورهبانية تجعل نفوسهم غير طبيعية، فيرون ما لا وجود له، هل هم المحقون والإنسان العادي مخطئ أو هم المخطئون والإنسان العادي مصيب؟ إذا كنت أرى الأشياء بعيني المجردة ويأتي آخر فيلبس منظارًا أزرق أو أصفر فيرى العالم كله من خلال منظاره أزرق أو أصفر ثم يصف ما يرى فهو صادق، ولكن هل لون العالم الذي سببه المنظار هو الحق؟ هل الصوفية لبسوا منظارًا فأوقعهم في الخطأ أو أن عيني المجردة هي المخطئة وأنهم لم يلبسوا منظارًا، وإنما كان على عيني وأعينهم غشاوة فأزالوها هم عن أعينهم؟ هل الزاوية التي ينظر منها الصوفية إلى الأشياء هي الزاوية الصحيحة أو الزاوية المنحرفة؟
تبسم من قولي وسكت برهة ثم قال: إن الصوفي لم يضع على عينيه منظارًا ملونًا يرى به الأشياء ملونة بلونه. إنما هو أمسك مكروسكوبا يرى به الأشياء على دقتها. وما قيمة ثقتك بعينك المجردة؟ إنها تريك الشمس في حجم الرغيف، وتريك النجم في حجم الكرة، وتريك الشيء أملس وهو مملوء بالتجاعيد، إن علمكم المادي يهزأ بالحواس ويؤمن بنقصها ويخترع كل يوم ما يكمل هذا النقص، وإن بصيرتنا التي نصل إلى جلائها من طريق الرياضة خير ألف مرة من بصركم في كشف الحق. وآية ذلك أن حواسكم وعلمكم المبني على الحواس لم يستطع أن يفسر العالم الذي نعيش فيه تفسيرًا شاملًا، بل عجز عن تفسير الحياة والموت، وعجز عن بيان علاقة المخ بالفكر، وعجز عن تفسير ظواهر لا تجري على المألوف، فلما تصوفنا استطعنا أن نكشف ببصيرتنا ما عجز عنه العلم. وأمر آخر وهو أن كثيرًا من خيار المتصوفة جمعوا بين العلم والتصوف، وبين لذة العقل ولذة الكشف، فلما وازنوا بين النتيجتين آثروا الكشف على العلم هم لم يكفروا بالعلم ورأوا لذته وقيمته، ولكن رأوا الكشف وجلاء البصيرة أعلى منه شأنًا؛ ومثل ذلك مثل من جرب اللذة الوضيعة واللذة الرفيعة ثم آثر الثانية على الأولى، أليس هذا دليلًا على سمو الثانية، وعلى أن حكم مجربي الأمرين خير من حكم مجربي أمر واحد.
ودليل ثالث وهو أن المتصوفة من جميع الأديان في جميع الأزمان وصلوا عن طريق الرياضة إلى نتائج متماثلة، ولو كانت مجرد خيالات لكان لكل إنسان خياله الخاص به.
إن الزاوية التي تذكرها وينظر الناس منها إلى العالم هي زاوية العوام وأشباههم، ولذلك يأنف من النظر منها حتى علماء المادة أنفسهم، ويجتهدون أن يعمقوا حتى يروا العالم كله وحدة من خلايا متشابهة، كما يجتهدون أن يسموا حتى يدركوا المادة غير متأثرة بعامل الزمان والمكان، وقد يلتقون في آخر طريقهم بالتصوف في بعض الطريق.
وأخذ يهجم على فكرة أخرى ثم سكت فجأة.
فسألته: ما باله؟
قال: تلك شقشقة هدرت ثم قرت!
وافترقنا على موعد.
?


وقال الصوفي: «إن الصوفي الحق هو نموذج الإنسانية، أو الإنسانية في أعلى مقامها، نسبته إلى سائر الناس كنسبة الإنسان إلى القرد، هو ينمو داخليًّا وينمو روحيًّا، على حين أن المدنية تنمو خارجيًّا وتنمو ماديًّا، والعلوم — ومنها علوم الاجتماع — إنما تبحث في المادة الخارجية والإنسان الخارجي، لا في داخله ولا في روحه، ونظريات النشوء والارتقاء كلها تدور حول نشوء المادة وارتقائها، حتى علم النفس بعيد عن الروح، والإنسان عالم صغير، كل ما في العالم فيه، فيه المادة الجامدة، فيه النبات، فيه الحيوان، فيه الإنسان، فيه الله وكلما رقيت نفسه روحيًّا اتسعت جوانبها فرغب فيما لم تستطعه مادته ولم يستطعه جسمه ولم يستطعه عمره، وود أن يتجاوز حدود الزمان والمكان، وسبح بخياله فيما وراء الحدود، وتعدى بعواطفه ومشاعره حواجز العقل، ويبلغ به الأمر أن يشعر بأن له نفسين، نفسًا تعيش عيشة حيوانية فيها المادة وفيها الزمان والمكان، ونفسًا تتصل بعالم آخر روحاني ليس فيه زمان ولا مكان ولا مادة، والنفسان تتنازعان الغلبة والسيطرة، فإذا غلبت روحه العليا كان كالزهرة ذابت فيها البذرة، وإذا غلبت نفسه السفلى كان كالبذرة لم تزهر ولا تؤمن بأن غيرها يزهر، ولذلك لم يؤمن أكثر الناس بالصوفية، وهم في الناس أقلية لا يعرفون، والنزاع بين الفقهاء والصوفية وبين علماء المادة والروحانية من هذا القبيل، وكيف يدرك من في الأرض من أبعد في السماء؟
هو لجلاء نفسه وقوة روحه كأنه قد ثبتت له عينان في قلبه يرى بهما ما لا يراه الناس، ويؤمن بهما بما ينكره الناس وبما كان ينكر هو من قبل، بل هو يدرك معاني جديدة وروابط بين الأشياء جديدة، ويقوّم الأشياء والأشخاص والمعاني قيمًا جديدة، فقد يستعظم ما يحتقر الناس، وقد يحتقر ما يستعظم الناس، جاه الدنيا عنده لا شيء، والغلبة والشهرة والسيطرة والمال لا شيء، والحب والإخلاص والصفاء والطهارة والفتوة كل شيء.
وهو غالبًا لا ينجح أن يكون سياسيًّا كبيرًا أو إداريًّا خطيرًا؛ لأنه لا يقيس الأمور بمقياس الناس، ولا يلتقي في عقليته بعقلية الناس، ولا يخيف الناس ولا يرهبهم، ولا يرتضي أن يقول: إن الغاية تبرر الوسيلة، ولذلك نجح «معاوية» حيث لم ينجح «علي».
هو يتجه إلى مشاعره ينميها ويرقيها ويرهفها كما يتجه العالم إلى عقله يرقيه وينميه، ويسلط نظره إلى نفسه كما يسلط العالم نظره إلى الخارج، فإذا فعل ذلك كله رأى في نفسه مملكة واسعة الأرجاء، انطبع فيها كل العالم كما تنطبع الصورة في المرآة المجلوة.
ورياضته لنفسه تفعل الأعاجيب وتخلق منه شخصًا آخر غير الذي كان عليه من قبل، وفي التلمود قصة طريفة هذا مغزاها، خلاصتها أن العالم أخذه العجب لما طلع موسى عليه بسفر الخروج وأعجب به أيما إعجاب، وصار ذكر موسى على كل لسان، حتى وصلت شهرته والإعجاب به إلى ملك العرب، وكان ملكًا عاقلًا حكيمًا، فاستدعى أحسن رسام عنده وأمره أن يذهب إلى موسى ويصوره أدق تصوير وأحكمه، فلما فعل وأتى بالصورة جمع أشهر حكمائه وأعقلهم وأمرهم أن يستخرجوا من هذه الصورة ما تدل عليه من أخلاق وعادات وميول وأن يبيّنوا له السبب فيما أودعه هذا الرجل من قوة.
فحص هؤلاء الحكماء الصورة وأمعنوا في فحصها، ثم قالوا إن هذه الصورة لإنسان شديد القسوة، متكبر، طموع، طموح، تتملكه الرغبة في السيطرة وحب القوة، فيه كثير من الرذائل والنقائص.
عجب الملك من ذلك وقال: كيف يصدر عمل جليل كسفر الخروج من رجل صفاته ما ذكرتم؟ فإما أن يكون المصور أخطأ في التصوير، وإما أن يكون الحكماء أخطأوا في الاستنتاج.
قال المصور: والله ما صورت إلا ما رأيت في دقة وأمانة. وقال الحكماء: والله ما ذكرنا إلا ما تدل عليه الصورة في حذق وإحكام.
وأراد الملك أن يتحقق مما قام من خلاف بين المصور والحكماء، فسافر إلى حيث يقيم، فلما وقع نظره على موسى رأى أن مصوره أصاب في التصوير ورسمه في دقة فائقة. ولما دخل عليه ملك العرب سلم عليه في إعظام وخشوع، ثم ذكر له ما حدث من المصور والحكماء وما حيّره من أمرهم، فإنه كان قد ظن أن المصور أخطأ التصوير؛ لأنه عرف في حكمائه صدق الفراسة وقوة الملاحظة ودقة النظر، والآن وقد شاهد موسى أدرك صدق المصور وخطأ الحكماء.
قال موسى: «كلا، إن كلا من المصور والحكماء مصيب، وإن النقائص التي ذكرها الحكماء كانت فيَّ بالطبيعة، وربما كانت أوضح وأعنف مما ذكروا، ولكني جاهدت نفسي وهاجمت رذائلي بكل ما وسعني حتى أخضعتها وغلبتها، وفي هذا كل قيمتي وسر قوتي».
وهنالك العكس، ممن خلقوا وعندهم استعداد للروحانية ثم أضاعوه بانغماسهم الشديد في المادية.
•••

والصوفي لا يزال في رياضته وأحواله ومقاماته حتى يكاد ينعزل بنفسه عن العالم الخارجي؛ لأنه يشعر بأنه فوقه، إنما هو في هيام للاتصال بما هو فوق الأشياء بالله ثم هو يرى الله في كل شيء وفي نفسه، ثم يصل به الأمر إلى الشعور بوحدة كل ذلك؛ وهذا مقام لا يدركه العلم ولا العقل، إنما يُنال بالمشاعر والروح، وهو شيء كالنور يُقذف به في النفس فتشعر بما تشعر به من وحدة الكون، ويصحب هذا الشعور شعور بالطمأنينة والرحمة والقوة والحب لكل شيء والحب لله؛ وهنا يقدِّر العالم تقديرًا أبديًّا، ويكسبه هذا قوة احتمال وصبرًا على تحمل المشاق، وهو يدرك إذ ذاك سر الحياة وغرضها، ويطمئن إلى ذلك، على حين أن العالم لا يزال في حيرة من أمر الحياة، سرها وغرضها.
وهنا تدفّق في كلام لم أفهمه، حتى إذا فرغ منه قلت: هل ترى من الخير أن يسود التصوف وتسود الروحانية العالم؟ ألا ترى أن انتشار التصوف في أمة يجعلها بعيدة عن العالم الواقعي ويجعلها متخلفة عن الأمم الأخرى في دنيا الواقع؟ أليس التصوف يجعل الإنسان حملًا في وسط ذئاب؟ إني أفهم أن يكون العالم كله محكومًا بالروحانيات، إذن يسود السلام وتسود الطمأنينة. أما أن يكون في العالم زاهد وجشع، ومجرد من السلاح ومسلح، فإن الزاهد ومن ترك السلاح يكون مأكولًا للجشع المسلح. وهذا ما كان من الشرق والغرب، فإذا أُضيف إلى ذلك أن المتصوف الحق الذي وصفت قليل نادر، والكثير الغالب مشعوذ مخرف، وانتشار هذا يجعل الأمة أيضًا مشعوذة مخرفة، وإذ ذاك لا تكون في الأمة روحانية لا مادية، وتكون الأمة لا وصلت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة كما هو حال الشرق من عهد قريب، هل بعد هذا كله تنصح بالتصوف وتدعو إليه؟
قال: إني لم أدع كل الناس إلى التصوف ولو دعوتهم ما استجابوا، فقد خلق الله أصنافًا من الناس كما خلق الجماد والنبات والحيوان والإنسان؛ وكما أن في بعض الناس استعدادًا للعلم؛ وفي بعضهم استعدادًا للفن، وهكذا، فهناك استعداد خاص للتصوف لا تجده إلا في القليل، وفي وجوههم برهانٌ دائم على فساد المادية وطغيانها وشقائها، ولفتٌ مستمر أن يخجلوا من أنفسهم للماديين ولا يمعنوا في طغيانهم، وكل أمة يجب أن تكون كالفرقة الموسيقية الكاملة، فيها العود، وفيها القانون، وفيها الكمان، وفيها الطبل، أو كنغمات «البيان» فيها العالي والسافل، وأعلى النغمات وأسماها هي الروحانية. فلا بد في الأمة من العالم والفنان والسياسي والإداري والحربي والصوفي. وفساد الشرق لم ينشأ من التصوف، ولكن من دعوى التصوف حينًا، ومن عدم استكمال بقية الأدوات حينًا، ومن مادية الغرب أحيانًا. ما أسعد العالم لو كان كله روحانيًّا! ولكن ليس ذلك في الإمكان، فيجب أن تتنوع الكفايات، والناس معادن، ذهب وفضة وحديد ونحاس، وإنك لا تستطيع أن تجعل من الحديد ذهبًا، ولكنك تستطيع أن تجعله نافعًا خاليًا من الصدأ.
وانقطع الحديث، وانتهى رمضان.
? كتبت في شهر رمضان سنة ????.
العيد المئوي


يُروى أنه كان في أقاصي بلاد الهند إقليم اعتاد أهله إقامة عيد كبير على رأس كل مئة سنة، فيخرج الناس من شيوخ وشبان ورجال ونساء إلى صحراء خارج البلد، فيها منصة كبيرة عالية، ثم ينادي منادي الملك: لا يصعد على هذه المنصة إلا من حضر العيد السابق، فربما صعد الشيخ الهرم قد ذهبت قوته وعمي بصره، أو العجوز الشوهاء وهي ترتعش من الكبر، وربما لا يصعد أحد ويكون الجيل كله قد فني؛ فمن صعد هذه المنصة قال كلمة تناسب المقام حسب استطاعته، ثم تبعهم خطيب يستخرج العظة من هذا الموقف.
ففي عيد من هذه الأعياد لم يبق من الجيل إلى رجل وامرأة هما اللذان صعدا على المنصة، أما سائر الجيل فقد أكلهم الدهر.
وقف الرجل وقد حنى قوسه الكبر، وتقاصرت خطاه، وتخاذلت قواه، ودق عظمه، ورق جلده، وضعف جسمه، وتهدج صوته، ولم تبق منه إلا بقية يرصدها الزمان، قد وقف على ساحل الحياة يرتقب العبور إلى الأخرى وقال: أدركت العيد الماضي وأنا طفل، قريب العهد بالمهد، لا أرى الدنيا إلا زينة، ولا أدرك الأشياء إلا لعبة، لا أفرق بين الدنيا في الأحلام، والدنيا في العيان، ولم أتبين من العيد إلا ناسًا تجتمع وتتفرق، وتتحدث بما لم أفهم، وكل ما علق بذهني جمال ملابسهم ولا سيما الأحمر القاني أو الأصفر الفاقع، أما لم اجتمعوا وبم تحدثوا فلم أدركه في قليل ولا كثير.
ثم مرت عليَّ الدنيا كما تمر فصول الرواية، من فرح وغم، وسرور وحزن، ليال طلعت سعودها، ورقد الدهر عنها، وقصّر طولها لذتها، أعقبتها ليال هي غصة الصدر، ونقمة الدهر، أطالتها الهموم والغموم، سوداء لم يتخللها نور، وتعاورني الغنى والفقر، والنعيم والبؤس، حينًا يسعفني الدهر، ويحالفني السعد، ويكون ما أتمنى، وأدرك فوق ما آمل، وحينًا يغشاني البؤس والضر، والعيش المر، فأرى النهار أسود، والعيش أنكد، وقد ذهب هذا كله حلوه ومره، ولم يبق إلا ذكره.
صحبت السلاطين والحكام، وهم أشكال وألوان، من عادل بسط على الرعية عدله فاطمأنت، ونشر الحق فأمنت، جمع بين الحلم والحزم، يمنع الضلال ولا ينام على فساد، المفسد خائف من بطشه، والصالح آمن في كنفه، قد أعلى الله كلمته وأسبغ عليه نعمته، الأمة به سعيدة وهو بها سعيد، فلا فتنة ولا فرقة، ولا مكايدة ولا مؤامرة.
قلّده وزراؤه وأرباب دولته فساروا سيرته واقتفوا أثره، فإذا العدل في كل مكان، والناس في أمن وأمان.
وظالم تراكمت مظالمه، فالحقوق في أيامه مغصوبة، والرعايا مأكولة مشروبة، والحق ضائع والقوي فاجر، والضعيف متخاذل، والدماء مسفوكة، والأعراض منهوكة، والفتن محتدمة، والنار مضطرمة، والبلاد فوضى يطمع فيها اليوم كان يهابها بالأمس.
وهؤلاء وهؤلاء ذهبوا وبقيت سيرتهم، وأفناهم الدهر وظلت آثارهم.
وعاشرت الأمة طويلًا فوجدت كل شيء فيها يزهر بعدل حكامها، حتى الزرع والضرع، وكل شيء يخرب بالظلم حتى ما لا تصل إليه يد، وآلم ما آلمني أن كان قومي يهللون للعادل، ويستكينون للظالم، ولو أنصفوا ما سكتوا على ضيم ولا خضعوا لذل، ولأخافوا الظالم بقوتهم وبطشهم، فإذا العادل يعدل بطبعه، والظالم يعدل من خوفه.
وقد مر عليَّ في هذه السنين ضروب من عادات الأمة وأوضاعها وتقاليدها، ورأيت كل شيء يتغير، ولكل زمان حكمه، ولكل شباب جدته وحماسته، ولا خير في إخضاع الشباب لعادات الشيوخ ولا فائدة من مقاومة التيار، فإن استطعتم فلا تقفوا في سبيله، ولكن استخدموه فيما ينفع.
أي قومي! لقد جربت اللذات كلها فرأيت أشدها وأحدها آلمها ذكرًا، وإنما خيرها العمل المثمر والجهد النافع، وأدومها على تقدم السن وطول العمر محادثة الخلان والنظر إلى الجميل من كل شيء.
ولم تحتمل صحته الاستمرار في الكلام فسعل وسكت.
•••

وقامت المرأة وكان كل شيء فيها هرمًا إلا لسانها، فقد كان صبيًّا، وبدأت تثير الشكوك حول سنها، فقد اعترفت أنها حضرت العيد السابق، ولكنها لم تتجاوز الستين إلا قليلًا، فكيف يكون بين العيدين مئة عام؟ لا بد أن يكون الحاسبون أخطأوا في الحساب، أو أن عدد أيام السنة في نظرهم نصف عددها عند الناس أو … أو … وأفاضت في هذا القول ما شاء لها لسانها، ثم انتقلت إلى ما كان من جمالها أيام شبابها فقالت: «رحم الله شبابي، لقد كنت روضة الحسن وربيع الزمان، قوامي غصن البان، وخدي التفاح وصدري الرمان، منبع السحر من طرفي. وملقط الورد من خدي، ومنبت الدر في فمي، كم لعبت بالألباب، وكم كان لي من صرعى الشباب! كنت في غبطة شاملة، ومسرة كاملة، والشباب حولي باله كاسف، وقلبه واجف، ولي في الغرام فصول طوال، لو حدثتكم عنها بتفصيلها لحل العيد الثالث ولم أبلغ غايتها، وكنت مصدر البدع، كل عام أخرج على الشواب بملابسي وزينة شعري وجمال حليتي، فتكون الحكم الفصل في الزينة والجمال، تُقلد كل عام، وكانت مائدتي … وكان بيتنا … وكان أبي … وكانت أمي …»
وما زالت تبدي وتعيد في هذه الموضوعات حتى أشار إليها الرئيس فسكتت.
•••

وقام خطيب اليوم فقال: إن الحياة مجموعة من الأعداد محدودة، تنقص كل يوم عددًا ولا بد من النهاية، وخير الأيام أملؤها بالخير، وما من شيء يمر أمام أعيننا إلا وفيه موعظة، وكفى بكبر السن عبرة. الخلود في الدنيا لا يُؤمل، والفناء متيقَن، والهرم يعيش بالذكرى، ولا أسعد من ذكرى العمل الصالح. لقد ذهب الدهر بكل من ولدته الأمهات من ذكور وإناث منذ مئة عام ولم يبق إلا هذان، وطُوي فيما طُوي السرور والحزن، والنعيم والبؤس، والظالم والعادل، والحاكم والمحكوم، ولم يبق من أعمالهم إلا آثارها، فطوبى لمن أحسن، وويل لمن أساء، لو فكر كل الناس في هذا المآل ما كان طاغية ولا فاسد ولا داعر ولا معتد أثيم، ولا فخور بالمال والبنين، ولعاش الناس أسعد بالًا، وأرغد حالًا.
إن سلامة الخلق مع ضعف الدنيا خير من سلامة الدنيا مع ضعف الخلق، وإن الأيام أربعة: يوم مفقود وهو ما فاتك وقد فرطت فيه، ويوم معدود وهو ما مضى وقد مُلئ بعمل الخير، ويوم مشهود وهو يومك الحاضر، فاجتهد أن تتزود فيه، ويوم مورود وهو غدك الذي لا تدري هل هو من أيامك أم لا.
قد أفلح من ذكر هذا اليوم وخاب من نسيه.
انصرفوا رحمكم الله.
فسالت لهذه الكلمات العبرات، وتدفقت الصدقات، وارعوى الضالون، وكثر المتعظون.

عبء الاستقلال


مهداة إلى سوريا ولبنان
صدق رسول الله ? إذ يقول عقب غزوة غزاها: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» يعني بالجهاد الأصغر جهاد العدو، وبالجهاد الأكبر جهاد النفس وهواها.
جميل أن تقام الأفراح, والليالي الملاح، لنيل الاستقلال، فإنه أمل تحقق وجهاد تُوج بالنصر، وثمن لدماء عزيزة سُفكت، ونفوس شُردت، وأموال صودرت، ودنيا خُربت، ومصالح عُطلت، ولكن ماذا بعد؟
أعباء ثقال تنوء بها العصبة أولو القوة.
لقد خلّف الاحتلال الأجنبي ديونًا تثقل الظهور، ومغارم تقض المضاجع، وقيودًا تعوق الحركة، فلا بد من همم جبارة تسدد الديون، وعناء مضن يمهد للراحة، وأعمال عبقرية تكسر القيود.
وقف الاحتلال في سبيل تعليمنا الصحيح فجهلنا، وفي مواردنا الاقتصادية فافتقرنا، وفي تكوين أخلاقنا فانحللنا، وفي حسن إدارتنا فتواكلنا، وقرب بعضنا وأبعد بعضنا فاختصمنا، ورمى في سياسته إلى نفع قومه فداسنا، وإلى استغلالنا فاستنزف دماءنا وامتص أرواحنا.
•••

واليوم نلتفت بعد الاستقلال … فنرى عقل الأمة يجب أن يُعلم، ومال الأمة يجب أن يُخلق، وأخلاق الأمة يجب أن تُبنى، وإدارة الأمة يجب أن تُنقى، وخصومتنا يجب أن تُقتلع من جذورها، وألفتنا يجب أن تُؤسس من جديد، وعزتنا يجب أن تُسترجع، ودماءنا يجب أن تجري في عروقنا حارة طاهرة، وليس ذلك كله باليسير.
سوء تعليمنا جعل نوابغنا وأكفاءنا قليلي العدد، يحملون أعباء أكبر عدد، وتشويه أخلاقنا جعل هؤلاء النوابغ الأكفاء يتحاربون ولا يتعاونون، فلا يبقى للأمة بعد هذه الحرب إلا قوة ضئيلة لا تكفي لتسيير السفينة، فهل لنا من عصا سحرية تقلب العداء ألفة، والكره حبًا والخصومة تعاونًا؟
•••

قديمًا قالوا إن للشرق أدواء مزمنة، أو على تعبير الأطباء أدواء مستوطنة، هي داء المحسوبية، وداء الأنانية، وداء تضحية المنفعة العامة للمنفعة الشخصية، وهي حقًا أدواء مفزعة، ولكن هل هي حقيقة أدواء نبتت من طبيعة الشرق، أو هي أدواء جلبها الغرب وبذرها في الشرق لينعم هو بشقاق الشرق وغفلة الشرق وسوء سمعة الشرق؟ أليس هو الذي اختار أسوأ الناس وحكمهم في أحسن الناس فكره بعضهم بعضًا؟ أو ليس هو الذي جعل قيم الناس مرتبطة بالملق له والتقرب إليه فأفسد الذمم ونشر البغض؟
يقول قوم هذا وقوم ذاك، وفي يد قادة الأمم الشرقية المستقلة اليوم ترجيح أحد القولين وتصحيح أي الرأيين.
•••

قد كنا فيما مضى نحتمي بالاحتلال نحمِّله كل عيوبنا، ونلصق به كل وجوه نقصنا، فنسند إليه جهلنا وفقرنا وانحلالنا، وكنا نزهد في الإصلاح مدعين أنه مرتطم آخر الأمر بالاحتلال، وأن الأجنبي أس الفساد وعدو كل إصلاح، فاليوم زال الاحتلال وبعد عن الطريق كل ما كنا نقول إنه العقبة الكأداء. فهل نتمشى اليوم مع منطقنا فنبذل كل جهد للإصلاح، ولا ندخر وسعًا لمعالجة الآلام وتضميد الجروح وتقوية الأمة في كل نواحيها؟
•••

لقد تم الفصل الأول من الرواية وبدأ الفصل الثاني، وفي يدنا أن نكتبه جميلًا يعجب الناظرين، أو رديئًا يسوء القارئين والسامعين، ولم تنته الرواية بعد، ففي إمكاننا أن تكون سارة وأن تكون محزنة، فهيا إلى المسرح ومثلوا خير الأدوار.
•••

إنها أول تجربة لأمم غربية شرقية تدير أمور نفسها بعد الاحتلال، والعالم حولنا كله عيون يتطلع إلى أعمالنا، ولنا أصدقاء يضعون أيديهم على قلوبهم خائفين لكن آملين، ولنا أعداء عز عليهم استقلالنا فهم مترصدون، ولو أتيحت لهم الفرصة يدسّون، ولهم أذناب أفسدوا ضمائرهم يلعبون ويدّعون الإصلاح وهم المفسدون وإذ كانت أول تجربة فسيكون الحكم لكم أو عليكم حكمًا لأمم الشرق كلها أو عليها «ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».
•••

غفر الله لحكامنا السابقين، فقد مهّدوا للاحتلال بسوء صنيعهم، فحملونا أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم، ولا بد من سواعد قوية ترفع هذه الأثقال، وترميها في البحار لا إلى رجوع.
•••

لقد قطع الغرب شوطًا بعيدًا في العلم والاقتصاد والصناعة، وسار أول أمره سير الطفل يدرج فيقع فينهض حتى اكتمل شابًا، وكان خطؤه مقبولًا منه، إذ كان وحده هو الذي يسير سير الإنسان. أما نحن اليوم فلا يُقبل منا السير البطيء، ولا السير المتعثر، ولا السير المتخلف، وستُقاس أعمالنا بمقياس الإنسان المتحضر على آخر طراز، العالم على أبعد مدى، السياسي الذي امتلأ حنكة، الاقتصادي الذي وزن المادة بميزان الصيرفي، وليس ينفع سير الجمل بجانب السيارة، ولا الجري مع الطيارة، ولا نسيج اليد بجانب نسيج الكهرباء. ولا سير المركب البطيء بشراع الهواء. فإما حياة الأحياء وإما الفناء، وما أشقّه من مطلب.
•••

إن الحكم الظالم الذي جرى طويلًا علينا قد التهم الحب من جونا، فلا الحاكم يحب المحكوم ولا المحكوم يحب الحاكم، ولا الموظفون يحبون أصحاب الحاجات ولا العكس، ولا الطبقة الرفيعة تحب الطبقة الفقيرة ولا العكس، ولا المتعلم يعطف على الجاهل، ولا الجاهل يوقر العالم ثم هذا الحكم الجائر قسّمنا شيعًا وجعل كل فرد أمة وحده. إن عطف فإنما يعطف على أسرته وأقاربه ليس غير؛ فمن لنا بعد الاستقلال بقوم يبذرون بذور الحب حتى تنمو وتتفرع وتملأ الجو، فيحل التعاون محل التنافر، والعطف محل الخطف، والإيثار محل الأثرة، إذ لا تصلح أمة إذا فقدت هذا الحب؟
لقد كنا نهبًا مقسمًا للأمم الغربية تستعمرنا وتحتلنا وتملأ بلادنا ثكنات, وجنودًا وطائرات، واليوم وقد زال هذا المنظر البغيض أو كاد سنواجه دواعي الفرقة من جنس جديد، ستتقسمنا الدول بمبادئها، شيوعية تحارب ديموقراطية، وديموقراطية تحارب شيوعية، ودعاة يدعون لكل أمة غربية على أنها المثل الذي يجب أن يُحتذى، والقدوة التي يجب أن تُقلد، وستكون الحرب عنيفة بين دعاة الرجعية ودعاة التجديد؛ الأولون ينظرون إلى الخلف، ويستغلون مشاعر الشعب باسم الدين والمحافظة على الأخلاق، والآخرون ينظرون إلى الأمام ويستغلون العقل والتفكير ومسايرة العالم، فيقسمون الأمة إلى معسكرين، ولا بأس من ذلك إذا اقتصرت الحرب على الجدل والإقناع، ولكن الويل لنا إذا خرجت عن هذه الدائرة، وستتسابق الأمم في احتلالنا اقتصاديًّا، والاقتصاد فن لم نحذقه، وعلم لم نتقنه، وثرواتنا لم ندرسها ولم نحسن استغلالها، وفتحنا عيوننا فوجدنا أهمها في يد غيرنا. فكم يقتضي ذلك من الجهد حتى لا تتوزعنا المبادئ المتناقضة توزعًا حادًا يمزق وحدتنا، وحتى نفهم مصادر ثروتنا كما فهمها غيرنا، ونحتلها لأنفسنا كما احتلها غيرنا لأنفسهم، ونستخدمها في مصانعنا وأعمالنا فنمحو بها فقر الفقير وذلة البائس والشعور بالنقص؟
•••

أما بعد فلي كلمة للشعب وكلمة للحكام. فأما كلمتي للشعب: فهي أن يغيروا نظرتهم إلى الحاكم. قد كانوا معذروين أن ينظروا إليه نظرة الطائر للصائد، إذ كان حاكمهم ليس منهم أو أداة في يد غيرهم، أما اليوم فحاكمهم منهم، وليس يستطيع الحكم إلا بهم، والتمتع بثقتهم، كونوا أحرارًا ولكن تعلموا كيف تستخدمون الحرية، وهو درس شاق عسير، وخاصة بعد أن احتملت الأمة من الاستبداد ما احتملت، وذاقت من الضغط والعسف ما ذاقت، وأخطر ما فيه أن الأمة في مثل هذه الظروف تلتفت إلى حقوقها ولا تتذكر واجبها، وتطلب من حاكمها أن يكون نبيًّا معصومًا، ولا تتطلب من نفسها أن تكون صحابة طائعين.إن لكم الحق كل الحق أن تطالبوا حكومتكم بالإصلاح في كل مرافق الحياة، ولكن في حدود المعقول والممكن. ولكم الحق كل الحق أن تنقدوا ولكن على أن يكون النقد نقدًا بانيًا لا نقدًا هادمًا. اذكروا دائمًا أن الحاكم في أول حمله للتبعة يخطئ، ولكن تقبلوا خطأه بصدر رحب ونقد مشبع بالعطف، ومكنوه من أن يصلح خطأه، ومهدوا له سبيل الاستقرار حتى يتوطد الحكم وتستقر الأسس، فبعض الخطأ مع الاستقرار خير من نشدان الكمال مع التغير المستمر، وغاروا عليه كما تغارون على مصالحكم، واحرصوا على أن يكون الحكم على أيديكم أحسن من الحكم على يد غيركم، وأن تكونوا أطوع للحاكم من أنفسكم من الحاكم يفرض عليكم، وقدروا ما يواجه من مشاكل أشرنا إلى بعضها، فلا تثقلوا كاهله بما تحدثون من مشاكل يمكن تأجيلها.
وأما كلمتي للحكام: فهي أن يمتلئوا عقيدة بأن الحكم تكليف لا تشريف، وأداء واجب لا تحصيل مغنم، وأنهم من الشعب وللشعب وبالشعب، وأنهم قائدوه لا ناهبوه، وهادوه لا مضللوه، وموجهوه لا تابعوه.إنكم خدّام الشعب لا آلهته، وقد حُكِّمتم لنفعه لا استغلاله، وأقمتم على مصالحه جميعه لا مصالح أسركم ولا حزبكم ولا أتباعكم، فكل الأمة حزبكم وأتباعكم، والحكومة الصالحة هي التي تعرف الكفايات حيث كانت، وتستغلها للخير من غير أي اعتبار.ضعوا قوانين العدالة وقدسوها والتزموا السير عليها، فما أسرع الفوضى إلى أمة تتلاعب بقوانينها، وتخضع لشهواتها لا قانونها.إن الحكم فن دقيق، فاجتهدوا أن تجيدوه، وهو علم وفطنة فتزودوا منهما.من أهم أسسه حفظ التوازن بين القوى المتنافرة في الأمة، وتوجيهها كلها للمصلحة العامة، ومن أهم أسسه إشعار الأمة بقوة حكومتها وثبات مركزها وشدتها إذا اقتضى الحال، وبتّها السريع لا ترددها، وإلا سقطت من أعين الشعب وسادت فيه الفوضى. ومن أهم أسسه العناية بآمال الأمة الأدبية كالعناية بمنافعها المادية، ثم الحذر كل الحذر من الزعماء الطامعين في الحكم، الذين يلونون شهوتهم بلون المصلحة العامة، فيقسمون الأمة ويفرقونها، فتذهب قوتها وتتحول إلى قوى متشادة يذهب بعضها بعضًا، ينصرفون إلى وضع العراقيل للحكومة وتنصرف الحكومة لإبطال دسائسهم، ثم تضيع مصالح الأمة بين هؤلاء وهؤلاء.إن الأمر جد لا هزل فيه، وحق لا عبث فيه، وليس الاستقلال وردًا بلا شوك أو مغنمًا بلا مغرم.إنه عبء، إنه واجب، إنه همة، إنه تضحية، إنه مسابقة، إنه عرض على أنظار العالم، إنه أهم قضية تنتظر حكم القاضي، والقاضي متحيز، فسدوا عليه كل منفذ وفقكم الله.

صفحة من التاريخ


يرفع الستار عن غرناطة في القرن الخامس الهجري وعليها ملك اسمه باديس ابن حبوس بن ماكسين الصنهاجي ويلقب بالمظفر (???–???).
وصنهاجة قبيلة من قبائل البربر كثيرة العدد منتشرة بالمغرب، لا يكاد قطر من أقطاره يخلو منهم، وهم يتفرعون إلى بطون كثيرة، وكان لهم بالمغرب دولتان كبيرتان: دولة بني زيري بتونس، وقد أخذوا ملكهم من يد الفاطميين بالمغرب، ودولة الملثمين بالمغرب الأقصى وسُموا الملثمين؛ لأنهم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، وكثير من الصنهاجيين يبدو لا يعرفون حرثًا ولا زرعًا ولا فاكهة، وأموالهم الأنعام، وغذاؤهم اللحم واللبن، ولا يعرفون الخبز إلا أن يمر بهم بعض التجار فيأخذون منهم بعض الحبوب والدقيق، وكانوا وثنيين لم يسلموا إلا بعد فتح الأندلس، وهم أهل بأس وشدة، دوخوا الصحراء وجاهدوا من بها من أهل السودان، وحملوهم على الإسلام.
كان باديس هذا طاغية جبارًا بعيد الهمة شره السيف شجاعًا سفاحًا حازمًا مجرمًا مرهوب الجانب، هجم على غرناطة وملكها وتضخم به عمرانها؛ أمنت رعاياه في عهده من أن يعدو عليها عاد أو يطمع فيها عدو، فكانت مرهوبة الجانب من الخارج وإن كانت مصابة به وبحكامه في الداخل، وكان له وزير يهودي اسمه صموئيل بن نجدلا، حرّفه العرب إلى إسماعيل بن نغديله.
كان صموئيل هذا أو إسماعيل آية في الذكاء والدهاء والمكر وحسن التدبير وسعة الثقافة، عرف إلى العبرية العربية، فقرأ الكتب وحذق اللسان العربي والدين الإسلامي والفلسفة والرياضة والنجوم، وكان جمّاعًا للكتب، يقرؤها ويدعو إلى قراءتها، ويرضى ملكه بكل أنواع الرضا، حتى صار يكتب عنه كتبه مستفتحًا بالحمد لله وبالصلاة على رسوله محمد ?، مزكيًّا للإسلام ذاكرًا فضائله، كما يريد سيده وكما يحب الناس، وهو في ثنايا ذلك يمكن لسلطانه وسلطان جنسه ولكن في تحفظ وتؤدة.
ومات صموئيل سنة ??? فبكاه اليهود بكاء مرًا وحملوا نعشه وجزعوا لفقده.
وكان له ابن اسمه يوسف، كان جميلًا أعده أبوه ليخلفه، فعلّمه وأدّبه ومرّنه على أعمال الوزارة حتى حذقها، وجعله في خدمة ولي العهد بلكين بن باديس؛ فلما مات صموئيل خلفه ابنه يوسف وزيرًا لباديس، ولكن لم يكن يوسف كأبيه صموئيل دهاء، وإن كان مثله علمًا وذكاء. كان أبوه يسخو تمكينًا لسلطانه، ولكن ابنه كان يجمع المال تأييدًا لجاهه، وكان أبوه يمكن لليهود سرًا، فكان ابنه يؤيدهم جهرًا، وكان أبوه يؤيدهم في تحفظ، فأيدهم ابنه في غير تحفظ، وكان أبوه متواضعًا تواضع الدهاء، فجاء ابنه يعتز بالكبرياء، وكان أبوه يتظاهر باحترام الإسلام، فتظاهر ابنه بعداء الإسلام.
فتجمع الرأي العام في غرناطة على كراهيته وإن اختلفت أسباب الكراهية؛ هؤلاء يكرهونه لاستخراج الأموال منهم، وهؤلاء لكثرة توليته اليهود على مصالحهم، وهؤلاء لإفراطه في التجسس عليهم، وهؤلاء لقدحه في دينهم.
ثم ظهر على المسرح الشيخ الإلبيري وهو إبراهيم بن مسعود. كان فقيهًا أديبًا ورعًا زاهدًا، وكان يسكن غرناطة ويتولى بها بعض الأعمال، فسعى به يوسف ابن صموئيل إلى باديس فغضب عليه وأخرجه من غرناطة فسكن البيرة وانقطع بها إلى العبادة، وأخذ يقول شعر سهلًا في الزهد والندم والتوبة وذكر الله، فينتقل إلى غرناطة فيتناقله الناس ويلهجون بإنشاده ويترنّمون به أمام الجنائز وعلى المآذن وفي مجالس الوعظ، وحزَّ في نفسه ما فعل اليهودي معه، وما كان من سلطة اليهود، فأنشأ قصيدة هزت الرأي العام في غرناطة، وتجاوبت معه وعبرت عن مشاعره، فكانت النار في الهشيم يقول فيها?: ألا قل لصنهاجة أجمعينبدور الزمان وأُسد العرينمقالة ذي مِقَة مشفقيعد النصيحة زُلفى ودينلقد زل سيدكم? زلةتقرُّ بها أعين الشامتينتخيَّر كاتبه كافرًاولو شاء كان من المؤمنينفعزّ اليهود به وانتخواوتاهوا، وكانوا من الأرذلينونالوا مناهم وحازوا المدىوقد كان ذاك وما تشعرون •••

أباديس أنت امرؤ حاذقتصيب بظنك نفس اليقينفكيف خفي عنك ما يعبثونوفي الأرض تضرب منا? القرون •••

وكيف يتم لك المرتقىإذا كنت تبني وهم يهدمونوكيف استنمت إلى فاسقوقارنته وهو بئس القرينوقد أنزل الله في وحيهيحذر عن صحبة الفاسقين •••

وكيف انفردت بتقريبهموهم في البلاد من المبعدينعلى أنك الملك المرتضىسليل الملوك من الماجدينوأن لك السبق بين الورىكما أنت من جلة السابقين •••

وإني حللت بغرناطةفكنت أراهم بها عابثينوقد قسموها وأعمالهافمنهم بكل مكان لعينوهم يقبضون جباياتهاوهم يخضمون وهم يقضمونوهم يلبسون رفيع الكساوأنتم لأوضعها لابسونوهم أمناكم على سركموكيف يكون أمينًا خؤونويأكل غيرهم درهمًافيُقصي، ويدنون إذ يأكلون •••

ورخم قردهم دارهوأجرى إليه نمير العيونوصارت حوائجنا عندهونحن على بابه قائمونويضحك منا ومن ديننافإنا إلى ربنا راجعونولو قلت في ماله إنهكمالك كنت من الصادقين •••

وكيف تكون لنا همةونحن خمول وهم ظاهرونونحو الأذلة من بينهمكأنا أسأنا وهم محسنونفلا ترض فينا بأفعالهمفأنت رهين بما يفعلونوراقب إلهك في حزبهفحزب الإله هم المفلحون عمل القصيدة في إلبيرة فسافرت إلى غرناطة فحفظتها القلوب وتداولتها الألسن وكان صباح، وكان مساء، وكان هياج.
ثم أُسدل الستار على مأساة من أفجع المآسي في غرناطة.
? هذه القصيدة لم ترد في نفح الطيب، ولا في الإحاطة، ولا فيما بين أيدينا من كتب الأندلس وإنما عثر عليها الأستاذ دوزي فنشرها في الجزء الأول من نشرة «البحوث التاريخية والأدبية لإسبانيا في القرون الوسطى» سنة ????.? بريد «باديس».? في الأصل «منها».
لون من ألوان الفكاهة المصرية


امتاز المصريون بالفكاهة الحلوة، يتفننون في صنعها ويتذوقونها ويحتفلون بها. لماذا؟ لا أدري.
كما لا أدري لماذا كانت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب أحسن الناس غناء دون ملايين المصريين.
ولماذا كانت القاهرة أقدم على هذا الفن من غيرها من مدن الشرق كله؟ لا أدري أيضًا … وليست المسألة مسألة تقدم في المدنية والحضارة، فهناك في المدن الغربية ما يفوق مدينة القاهرة مدنية، ولكن لا يجاريها في النكتة. وفي العالم مدن صغيرة فاقت في ذلك المدن الكبيرة، كما فاقت مدينة رشيد الصغيرة في ذلك مدينة طنطا الكبيرة.
والفكاهة أشكال وألوان. فهناك السخرية بالفكرة، والسخرية بالأشخاص، والتنكيت عن طريق التورية بالألفاظ، إلخ إلخ.
ولوننا الذي نعرضه اليوم لون طريف له تاريخ لطيف.
فقد حدث في القرن الماضي من سنة ???? إلى سنة ???? أن كان في القاهرة شابان موسران من أسرتين كبيرتين يعيشان عيشة بوهيمية، وهما — إلى استهتارهما ومرحهما وإفراطهما في الشراب — أديبان ظريفان، يقرآن الكثير من كتب الأدب، ويعرفان الشعراء معرفة دقيقة، ويتخيران الشعر الجيد يحفظانه ويرويانه، ولهما مجلس ظريف فيه الشراب وفيه الشعر وفيه الفكاهة، هما إبراهيم أفندي طاهر، وعبد الحميد بك نافع. فكان مما خطر لهما أن يستعرضا الأدباء والعلماء في عصرهما، ويخلعا على كل واحد منهما لقبًا من ألقاب الأدباء القدماء يناسبه ويلبسه وينسجم معه.
وهي مهمة ليست باليسيرة، فلكل اسم وحيه ودلالته، ولا بد أن يتفق وحي اللقب مع الملقب به اتفاقًا بارعًا يقابله الجمهور بالضحك والاستحسان، فبعض الأسماء لو سُمي به كناس كان مناسبًا، ولكن لو سُمي به أديب أو شاعر أو وزير لم يكن منسجمًا، وهكذا.. وبعض الأسماء يوحي بالظرف. وبعضها يوحي بالثقل، وبعضها يوحي بالذكاء، وبعضها يوحي بالغباء، وهكذا.
وأثار عملهما هذا ضجة في الأوساط الأدبية فأشاع فيها الضحك والمرح حينًا، والغضب والخصومة حينًا، فكانت معركة حامية لطيفة. ونحن نذكر بعض ألقابهما.
كان في القاهرة «على أغا الترجمان»، وكان عينًا من الأعيان، فيه جلال ووقار، بعمامة نظيفة، وشيبة ظريفة، فسمياه «القاضي الفاضل».
وكان «عبد الله باشا فكري» أديبًا ظريفًا، رقيق اللفظ، عذب العبارة، سهلًا في طباعه يرسل الحديث على سجيته، والنكتة على فطرته، فسمياه «ابن سهل».
وكان له صديق اسمه «عبد الغني بك فكري» ضخم كبير الرأس، فسمياه «الأخطل»، وعرض عليهما «محمود صفوت الساعاتي» الشاعر المشهور، وكان نحيفًا قصيرًا كثير اللفتات والحركات فسمياه «ديك الجن». وقد غاظه هذا اللقب لما شاع في الناس، وعمل قصائد هجاء في إبراهيم أفندي طاهر.
وكان الشيخ إبراهيم الدسوقي، الأديب المصحح في مطبعة بولاق، طويل القامة، قوي البنية، كبير الهامة، كثير الفكاهة، حلو السمر، يجلس عند الباب الأخضر لسيدنا الحسين ويسمر مع أصحابه، وله ضحكة عالية تُسمَع من آخر الشارع، فسمياه «مهيار الديلمي»، والشيخ محمد قطة العدوى، أحد علماء الأزهر، وكبير مصححي المطبعة الأميرية، كان إذا درس تمايل يمينًا وشمالًا، فإذا قال بيت شعر مال يمينًا عند المصراع الأول ويسارًا عند المصراع الثاني، فسمياه «أبو شادوف». والسيد على أبو النصر، والشيخ على الليثي كانا نديمي الخديو إسماعيل، وكانا معروفين بالظرف والتنادر. وكان أبو النصر طويلًا جدًا، فسمياه «ابن العماد»، وسميا الشيخ على الليثي «أبو دلامة» إذ كان فكهًا مضحكًا، كما كان أبو دلامة للرشيد، وكان إبراهيم بك مرزوق أبي النفس شجاعًا جريئًا في قول الحق حتى نُفي إلى الخرطوم ومات بها، وكان شاعرًا قويًّا، فسمياه «أبا فراس».
ومحمود سامي البارودي، كان أيام هذه التسمية جميل المنظر، لطيف القد فسمياه «ابن رشيق».
ومحمد عثمان جلال الزجّال كان أديبًا ماجنًا يملأ القاهرة فكاهة، فسمياه «الخليع البغدادي».
والسيد صالح بك مجدي كان شاعرًا، وكان لونه يميل إلى السواد، وفي عينه بعض حول فسمياه «الأحوص».
وإسماعيل أفندي الخربتاوي كان نحيف الجسم جدًا من أكل الأفيون، حتى انحنت قامته، وتقرنص فسمياه «ابن قرناص».
والشيخ عثمان مُدُوخ صاحب التوشيحات والأزجال كان يمشي كأنه يتدحرج فسمياه «دعبل».
والشيخ حسين المرصفي، كان كفيفًا نحيفًا يُتهَم بالزندقة، فلقباه «أبا العلاء المعري»، ونسيبه الشيخ زين المرصفي كان قليل الكلام فسمياه «ابن السكيت».
ومصطفى كامل أفندي معلم اللغات الشرقية بخان الخليلي، كان قصير القامة قصير الرجلين، بهما اعوجاج فسمياه «العكوك».
والشيخ عبد الهادي الأبياري، كان يداخل الأغنياء ويحب الظهور ويتكلم دائمًا بنون التعظيم، فيقول: قلنا. وفعلنا. ويضخم العين في نطقه، وأخيرًا ولي القضاء في بلدته «برمة» وما حولها، وقد اشتهرت برمة بتفريخ الدجاج فسمياه «قاضي الدجاج».
ومحمد شراره أفندي، كان ينطق بالصاد فيها صفير فقالا عليه: إنه أفصح من نطق بالصاد، وسمياه «أبا الشيص».
وكان «للشيخ محمد بخاتي» لحية صفراء كبيرة، قليلة العرض من بدايتها، آخذة في العرض شيئًا فشيئًا إلى نهايتها، فسمياه «ابن مكانس».
وكان «السيد أحمد الرشيدي» إمام المعية أبيض اللون، له هيبة ووقار، غزير شعر الشارب، كثيف اللحية، يلبس فرجية واسعة فسمياه «هرقل» إلخ إلخ.
ولما فرغنا من منح الألقاب طلب كل منهما من صاحبه أن يلقبه فلقب إبراهيم أفندي طاهر «بالشاب الظريف» وعبد الحميد بك نافع «بالصاحب بن عباد» وهكذا ملأ مصر بعملهما هذا مرحًا وضحكًا أيام كان الضحك رخيصًا?. ? كان متصلًا بهذه الحلبة الشيخ أحمد الفحماوي وكان عالمًا ظريفًا وخطاطًا ماهرًا أغنى المكتبة العربية بكثير من الكتب القديمة التي خطها بقلمه البديع وطُبعت بمطابع الحجر تحمل اسمه، وقد أّلف رسالة فيما كان يجري في هذا المجلس والألقاب التي وضعها هذان الأديبان الظريفان وسماها «بنات أفكار وعرائس أبكار» وهي مخطوطة في مكتبة المرحوم أحمد باشا تيمور وقد لخّصناها في هذا المقال.
في الأدب العربي (?)


طريقة في دراسة الأدب
قال ابن الحقيق:
إني إذا مالت دواعي الهوىوأنصت السامع للقائلواعتلج الناس بآرائهمنقضي بحكم عادل فاصللا نجعل الباطل حقًا ولانرضى بدون الحق للباطل وقال آخر، وقد دعاه عبد الملك بن مروان لقتال ابن الزبير فأبى:
فلست بقاتل رجلًا يصليعلى سلطان آخر من قريشله سلطانه وعليَّ إثميمعاذ الله من سفه وطيش وقال أيمن بن خريم:
إن للفتنة هيطا? بيِّنافرويد الميل منها يعتدلفإذا كان عطاء فانتهزوإذا كان قتال فاعتزلإنما يوقدها فرسانناحطب النار، فدعها تشتعل هذه أشعار قيلت الأولى منها في صدر الإسلام، وقيلت الثانية والثالثة في العصر الإسلامي الأول والفتن مشتعلة، والناس تتوزعهم الأحزاب — كما هو شأننا اليوم — وكل يدعي الحق بجانبه، فإذا عجز اللسان عن الإقناع تكفّل السيف به.
وكان الناس ألوانًا كما نحن ألوان، وكل قطعة من هذه الأشعار تمثل لونًا من ألوانهم، بعض هذه الألوان زاه جميل، وبعضها قاتم وقور، وبعضها لماع زائف.
(?) فالقطعة الأولى تعرض لأجمل الألوان وأروعها وأحقها أن تكون مثلًا أعلى، يدعو هذا الشعر إلى أن الأهواء إذا اختلفت، والآراء إذا اشتبكت وتضاربت، يجب على الإنسان ألا يتجنب المعركة ولا يفر من الميدان، ولكن يبتعد عن الأهواء كلها، ويدرس الآراء كلها في دقة وإمعان، حتى يعرف صحيحها من باطلها، ولا ينخدع بزيفها، فإذا تبين له وجه الصواب أعلنه وأعلن التمسك به، فقضى بالرأي الذي يراه صوابًا وعدلًا وقاله قولًا فصلًا لا لبس فيه ولا إبهام ولا غموض ولا التواء.ثم هو لا يكتفي بالقول، فما القول إذا لم يُدعم بعمل؟ فلا يقر قراره حتى يكون الحق ويحل محل الباطل، ثم لا يكتفي بأنصاف الحلول، فإما الحق كله أو لا شيء غيره، فذلك قوله «ولا نرضى بدون الحق للباطل».
(?) وثانية القطعتين وقعت على معنى جميل وقائلها لا يصطدم مع القائل الأول، ولكن يجاذبه، فهو يريد أن يقول: إنه لا يحب أن يقاتل من أجل انتصار شخص على شخص، ولا سيما إذا كان المقاتل مسلمًا والمقاتل مسلمًا، وهو قول إذا تُرجم إلى أقوالنا المعاصرة قيل إنه لا ينصر حزبًا ولا يقاتل حزبًا من أجل زعماء هذا وزعماء ذاك، ما دام الزعماء كلهم أبناء أمة واحدة، فالقتال في مثل هذا الموقف ليس قتالًا للحق ولكنه قتال للزعيم. وأنا أربأ بنفسي أن أقاتل لزعيم له الغنم وعليَّ الإثم، والقتال إن كانت نتيجته غنم شخص أيًّا كان، وخسارتي أيًّا كانت النتيجة، سفه وطيش؛ فذلك قوله:له سلطانه وعليَّ إثميمعاذ الله من سفه وطيشفإذا انضم إلى هذا المعنى السلبي ذلك المعنى الإيجابي في الأبيات الأولى وهو القتال للحق وفي سبيل الحق وفي نصرة الحق، لا للزعماء ولا للرؤساء فقد بلغ الغاية.
(?) أما الأبيات الأخيرة فصاحبها شر الثلاثة. يقول: إذا أوقد الزعماء نار الفتنة فليوقدوها، ولا بأس بإيقادها، فكل فتنة تنتهي بمغانم، فإذا كان وقت القتال والتضحية فلأكن بعيدًا عن النار، أستمتع بمرآها ولكن بحيث لا تمسني لفحتها، وإذا كان وقت توزيع الغنائم والأسلاب ظهرت في الميدان وعلوت فوق هام المقاتلين والمضحين حتى أنال من المغانم أكبر نصيب.وقد عبر هذا الشاعر عن نفسية كل النفوس الشريرة في كل العصور، لا تسيرهم إلا شهواتهم، ولا يقدرون في الدنيا إلا مغانمهم، يريدون المغنم من غير تضحية، ويزعمون لأنفسهم الحقوق من غير أداء واجب، لا يراهم الرائي عند الغرم، ويتصدرون المحافل عند الغنم، الزعيم الحق عندهم هو من يظنون فيه أكبر مغنم لا أحق مطلب، ولا بأس عندهم أن يعلنوا أن خير زعيم اليوم هو من قالوا إنه شر زعيم أمس؛ لأن المغنم عنده اليوم ولم يكن عنده أمس، وأحكامهم على المسائل العامة تتقلب وتنعكس بين يوم وليلة تبعًا لإشاعات من يتولى الحكم ومن يعتزله، يحسب أمور الأمة كلها حسابًا دقيقًا على أساس كم يناله من النفع في هذه الحالة وكم يناله في تلك، ويضع هذا في كفه وذاك في كفة؛ وعلى هذا الأساس يصدر حكمه في نظم الحكم، وفي الوزارات التي تتولاه، وفي المشاريع التي تقدمها، فذلك قوله:فإذا كان عطاء فانتهزوإذا كان قتال فاعتزلفاللهم لا تكثر من أمثال هذا فينا.
(?) وهناك نموذج رابع هو شر الجميع، فإن كان الأول يتحرى الحق وينصره، والثاني لا يقاتل لشخص ولا لزعيم فإن قاتل فإنما يقاتل لمبدأ، والثالث رجل نهّاز للفرص، يقبع، حتى إذا جاء وقت توزيع الأسلاب ظهر وطالب وغنِم. فهذا الرابع ليس كهؤلاء جميعًا، هو من نوع غير هذه كلها، هو لا يرتاح لهدوء الناس وطمأنينتهم، بل هو إذا نامت الفتنة أيقظها، وحرك العداوة والبغضاء بين الناس بما يخترع من أقاويل ويثير من كوامن، ويقول لهؤلاء ما يغضبهم ويقول لهؤلاء ما يثيرهم، ويحرف الكلام عن مواضعه ليبذر الشر، ويقول الناس ما لم يقولوا ليخلق الضغينة.حتى إذا تأججت النار واحتدم الغيظ واشتبك الخصوم في القتال نفض من ذلك كله يده، وزعم أنه لم يثر شرًّا ولم يدبر كيدًا، فكان كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين، يحزن للطمأنينة إذا هي كانت، ويعمل للشغب ويفرح إذا هو كان، وكلما كثرت القتلى والصرعى ازداد غبطة وأمعن في التستر.ثم هو يهزأ بالذكر الحسن بعد الموت، والثناء على أفعاله إذا هو قُتل، فلا قيمة لشيء من ذلك كله عنده، وإنما القيمة كل القيمة في حياته سالمًا غانمًا.ذلك هو الفرار السلمي الذي يقول:وكتيبة لبستها بكتيبةحتى إذا التبست نفضت لها يديفتركتهم تقص الرماح ظهورهممن بين منعقر وآخر مسندما كان ينفعني مقال نسائهموقتلت دون رجالها لا تبعد؟?
هذه أصناف الناس في الفتن في كل زمان ومكان، وفي هؤلاء الشعراء جميعًا مزية الصراحة، فكل قد وصف نفسه أصدق وصف، على حين أن في الناس من الصنف الثالث أو الرابع ويزعم نفاقًا أنه من الصنف الأول أو الثاني. وعلى كل حال فليست تصلح أمة حتى يكثر فيها الأولون ويقل فيها الآخرون.
? الهيط: الضجيج والجلبة.? لبستها: خلطتها، ونقص: تكسر، والمنعفر الملقي في العفر وهو التراب، والمسند: المصروع أسند إلى ما يمسكه وبه رمق، ولا تبعد: لا تهلك وهي كلمة تقال ترحمًا على الميت.
في الأدب العربي (?)


ذلة كبرى
كان عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق رجلًا من رجالات الدولة الأموية، عُرف بالقوة والعظمة والفصاحة والسخاء، وولي المدينة ليزيد ابن معاوية.
فلما ضعفت الدولة بعد معاوية بن يزيد بن معاوية وكان الأمر يخرج من البيت الأموي، كان عمرو الأشدق هذا أجدّ الناس في تولية خاله مروان، وأحسنهم معاونة ومكاتفة له، واجتهادًا في صلاح أمره وإفساد أمر ابن الزبير، قاتل مع مروان يوم مرج راهط، ولما وجه ابن الزبير أخاه مصعبًا للاستيلاء على فلسطين وجه مروان عمرًا هذا على رأس جيش فهزم مصعبًا وجيشه ورده إلى المدينة.
وكان عمرو قويًّا بسخائه وبذله الأموال الكثيرة على أعوانه، فأحبه جنده وأطاعوه وعملوا بإشارته حتى كان قوة لا يستهان بها.
فهو عزيز في نسبه، عزيز في جنده، عظيم في نفسه، قوي في رأيه.
شعر مروان بذلك كله فمناه بالخلافة من بعده استدعاء لطاعته واحتياجًا لنصيحته.
فلما استمكن الأمر لمروان ودانت له الأقطار ونظر إلى ابنيه عبد الملك وعبد العزيز فأعجباه، عز عليه أن يخرج الملك عنهما، فنسي عنده لعمرو، وعهد بالملك من بعده لعبد الملك ثم من بعده لعبد العزيز.
وترك عمرًا يتجزع الغصص وينتهز الفرص وهو هو القوي الداهية يصف نفسه فيقول: «والله ما أنا بحلو المذاق، وإني لقَمِن المضرة، ولقد ضرستني الأمور، وجرستني الدهور?، فزعًا مرة وأمنًا مرة. وإن قريشًا لتعلم أني ساكن الليل داهية النهار، لا أتتبع الظلال، ولا أقمص حاجتي، ولا يستنكر شبهي، ولا أُدعى لغير أبي». وقيل له مرة: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إني أبي أوصى إليَّ ولم يوص بي.
مات مروان ونفذت البيعة فتولى عبد الملك بن مروان.
وثارت الفتن على عبد الملك. فمصعب في العراق وعبد الله بن الزبير في مكة، وسائر الأقطار في فتنة، والدولة محتاجة إلى الأنصار أمثال عمرو بن سعيد، فتقدم عمرو إلى عبد الملك وقال: إنك لتعلم ما قدمت لأبيك من معونة، وما قمت بشأنه وما حاربت معه وما وعدني أن يجعل لي الأمر بعده؟ فرد عليه عبد الملك في جفاء وأنكر عليه مطلبه.
فانتهز عمرو خروج عبد الملك إلى العراق وخرج إلى دمشق، واستولى عليها وأعلن الخلافة لنفسه، وأجابه أهل دمشق، وبايعوه، وحصّن المدينة واستعد للقتال، فلما بلغ ذلك عبد الملك أهمه الأمر أكثر مما أهمه مصعب وعبد الله ابنا الزبير، وقفل إلى دمشق فوجدها مغلقة الأبواب مستعدة للقتال، فخاف عبد الملك أن يضيع قوته في قتال عمرو فراسله ومنّاه، وضمن له أن يوليه بيت المال، ويجعل له ولاية الأمر من بعده مقدمًا على أخيه عبد العزيز، فأبى عمرو إلا أن تكون هذه الشروط كلها مكتوبة، فكتب له عهدًا ووثّقه ووقّعه. فقبل عمرو وفتح له دمشق فدخلها عبد الملك ونزل دار الخلافة. وكان عمرو يركب إليه فيكرمه عبد الملك حتى سكن إليه.
فلما أمكنته الفرصة بعث يومًا لعمرو فخرج إليه في ركبه، وكان عبد الملك أوصى إذا دخل عمرو أن توصد الأبواب دون من معه ففعلوا، حتى إذا اطمأن عمرو في جلسته تقدم حارس فأخذ منه سيفه فقال عمرو: أيؤخذ سيفي؟ فضحك عبد الملك وقال: أتطمع أن تقعد معي بسيف بعد الذي كان منك؟ ثم قال عبد الملك: إني كنت أعطيت الله عهدًا إن ملأت عيني منك مستمكنًا أن أجمع يديك إلى عنقك ثم أثقلك حديدًا، وأمر بجامعة وقيد أُعدّا له فصيرهما في عنقه ورجليه، فلما أحس الشر ناشده الله والرحم، فقال عبد الملك: إني لو علمت أنك تبقى ويصلح لي ملكي لفديتك بدم النواظر. والله ما اجتمع فحلان في هجمة? إلا قتل أحدهما صاحبه، ثم أمر به فقُتل ورمى رأسه إلى جند عمرو، ورمى معه ببدر الدنانير فتركوا الرأس واشتغلوا بجمع الدنانير. وكانت أخت عمرو زوجة للوليد بن عبد الملك فخرجت حاسرة تقول:
غدرتم بعمرو يا بني خيط باطلوكلكم يبني البيوت على غدروما كان عمرو عاجزًا غير أنهأتته المنايا بغتة وهو لا يدريكأن بني مروان إذ يقتلونهبغاء من الطير اجتمعن على صقرلحي الله دنيا تعقب الذل أهلهاوتهتك ما بين القرابة من ستر? •••

سقت هذا الحديث لأدل على درة من درر الأدب العربي؛ ذلك أن عبد الملك استشار أصحابه فيما فعل، فأما المنافقون وهم كثيرون فأطروا عمله، ولكنه «سأل رجلًا كان يستشيره ويصدر عن رأيه إذا ضاق عليه الأمر»، فقال له: ما ترى ما كان من فعلي بعمرو بن سعيد؟
الرجل: أمر قد فات دركه.عبد الملك: لتقولن.الرجل: حزم لو قتلته وحييت.عبد الملك: أو لستُ بحي؟الرجل: هيهات. ليس بحي من وقّف نفسه موقفًا لا يوثق منه بعهد ولا عقد.عبد الملك: كلام لو تقدم سماعه فعلي لأمسكت. ليت كلام هذا الناصح الأمين يصل إلى مسامع كبار الساسة ممن يقطعون العهود على الحريات الأربع وميثاق الأطلنطي وضمان مصير الأمم الصغيرة لتحكم نفسها وتدير أمرها ثم ينسون عهدهم، ويخلفون وعدهم.
لقد أصبح عبد الملك بعد هذه الفعلة لا يوثق له بعهد، ولا يُطمأن له في قول، مهما وثّقه وأكّده بالأيمان. وهذا مصير كل ناكث. ورحم الله الناصح إذ يقول: «ليس بحي من وقف موقفًا لا يُوثق منه بعهد ولا عقد» ورحم الله أخت عمرو إذ تقول:
غدرتم بعمرو يا بني خيط باطلوكلكم يبني البيوت على غدرلحي الله دنيا تعقب الذل أهلهاوتهتك ما بين القرابة من ستر? جرستني: جربتني واختبرتني.? الهجمة جماعة الإبل فوق الأربعين.? روى المسعودي هذه الأبيات لأخت عمرو. وقال البلاذري إنها ليحيى بن الحكم ابن أبي العاص أو بشر بن مروان.
في الأدب العربي (?)


الشك قبل اليقين
مما عرف عن خصائص النهضة الحديثة الأوربية أنها طلعت على الناس بأسلوب جديد في البحث هاجمت به الأسلوب القديم، وهو التسليم بالمقدمات تلسيمًا لا يعلو إليه الشك، والاعتماد كل الاعتماد على القياس المنطقي، فالمقدمات تُؤخذ قضايا مسلَّمة، والبحث كل البحث في القياس وشكله وشروط الاستنتاج منه، فثار قادة النهضة على هذا النمط وصرخوا يطلبون الشك في المقدمات وبحثها وعدم التسليم بها حتى تُمتحن وتُجرب، وعدم التعصب في كل أشكاله، سواء كان تعصبًا لعقيدة اعتقدها أو دم انتسب إليه، أو قول فيلسوف كبير قاله، أو ميل شخصي يتفق مع مزاج الباحث، أو نظم ألّفها وتأثر بها أو نحو ذلك. فالباحث يجب أن يشك أولًا ليستيقن أخيرًا. والشك أصل من أصول البحث ويجب أن يسبق اليقين.
وكان من أسبق واضعي هذا المنهج والملحّين في النداء بالشك «فرنسيس بيكون»، ومن أقواله اللطيفة في ذلك: لم أجد نفسي صالحة لشيء صلاحيتها لدراسة الحقيقة، ذلك أني منحت عقلًا له من النشاط والمرونة ما يمكنه من إدراك وجوه الشبه بين الأشياء، وله من الرزانة ما يعينه على تعرف وجوه الخلاف بينها، ولأني مُنحت رغبة في البحث، وصبرا على الشك، وغرامًا بالتفكير، وبطأ في الجزم، واستعدادًا للفحص، وعناية بالترتيب، ولأني خُلقت وليس لي ولع بالجديد ولا إعجاب بالقديم، وأكره كل أنواع الخداع.
فليَ طبيعة تألف الحقيقة ولها بها اتصال وثيق.
وجاء «ديكارت» فشكَّ وتعمق في الشك وقال: «أنفقت ما بقي من عهد الشباب في الارتحال، أزور الملوك في قصورهم، وأنخرط في سلك الجيوش، وأبادل الحديث رجالًا من ذوي المناصب المتفاوتة، والطبقات المتباينة، وأجمع من التجربة ألوانًا شتى، وأغوص بفكري فيما أصادف من تجارب لعلي أستفيد علمًا جديدًا».
وقال: «إن الحواس بطبيعة تركيبها لا تؤتمن على ما تنقله إلينا من علم، فليس لنا بد من الشك في أحكام العقل وفي الآثار الحسية معًا، لا نستثني من هذه أو تلك شيئًا، حتى ما يبدو منها بديهيًّا لا يحتمل الشك فالعالم ملئ بأنواع المادة، ولكن الحواس أنبأتنا بوجود الطبيعة، بكل ما فيها، والحواس غاشة خادعة?». «ثم إننا نعتقد في النوم أمورًا، ونتخيل أحوالًا، ونحسب لها ثباتًا واستقرارًا، ثم نستيقظ فنعلم أن ما رأيناه أثناء النوم كان حلمًا، فما المانع من أن تكون تصوراتنا في اليقظة كلها خيالات لا حاصل لها؟ وليس هناك أمارات يقينية يمكن أن نميّز بها اليقظة من النوم بوضوح وجلاء?». وقال: «لاحظت أنني منذ سنواتي الأولى قد تلقيت طائفة من الآراء الخاطئة على أنها صحيحة، ومن ذلك حكمت أنه يجب أن أخلص نفسي من الآراء التي تلقيتها في الماضي، وأن أعاود البحث من أساسه إذا أردت إقامة شيء ثابت راسخ في العلوم?». «ولكن مهما شككت وأمعنت في الشك فستبقى لي حقيقة واحدة تبقى أمام الشك الجارف، وهي أن هناك ذاتًا تشك، فمهما ألححت في الشك فلن أشك في أني أشك».
ومن هذه النقطة بدأ تفكيره? وأفاض في الشك على أنه منهج في البحث?. •••

وفي الأدب العربي صفحات رائعة من هذا القبيل لعل أروعها صفحة الإمام الغزالي في حيرته العلمية وشكه وتحريه للحق، وسبقه لديكارت في لفتاته، وتسجيل ذلك كله تسجيلًا دقيقًا مُفصَّلًا في كتابه «المنقذ من الضلال» يقول: «لم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطِل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيًّا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريًّا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيًّا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلمًا إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيًّا إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبدًا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقًا معطلًا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته».
«وقد كان التفطن إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري، وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا، إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام، وسمعت الحديث المروي عن رسول الله حيث يقول: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» فتحرك باطني إلى معرفة حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات، فقلت في نفسي: إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم».
«ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه، ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني».
«ثم فتشت عن علومي فوجدت نفسي عاطلًا من علم موصوف بهذه الصفة إلا في الحسيات والضروريات، فقلت: الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات، وهي الحسيات والضروريات، فلا بد من إحكامها أولًا … فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات وأنظر: هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها، فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضًا، وأخذ يتسع الشك فيها ويقول: من أين الثقة بالمحسوسات وأقواها حاسة البصر، وهي تنظر إلى الظل فتراه وافقًا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى لم تكن له حالة وقوف، وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرًا في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار؛ هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذِّبه حاكم العقل ويخوِّنه تكذيبًا لا سبيل إلى مدافعته، فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضًا. فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات كقولنا العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثًا قديمًا، موجودًا معدومًا، واجبًا محالًا».
«فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات؟ وقد كنت واثقًا بي فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي؟ فلعل وراء إدراك العقل حاكمًا آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته! فتوقفت النفس قليلًا وأيّدت إشكالها بالمنام، وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أمورًا، وتتخيل أحوالًا، وتعتقد لها ثباتًا واستقرارًا، ولا تشك في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن بجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل، فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل — هو حق بالإضافة إلى حالتك، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك …»
«فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجًا فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن ترتيب الدليل، فأعضل هذا الداء ودام قريبًا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، حتى شفى الله من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقًا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف. فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيّق رحمة الله الواسعة».
هذه النبذة القيمة أرجو أن تقرأها مرة واثنتين وثلاثًا قبل أن تسمع تعليقي عليها.
هذه صفحة رائعة للغزالي في ملاحظة نفسه، وإمعانه في الشك في كل ما تعلم وما تلقن.
لقد رفض بادئ بدء التقليد في العقائد، ورأى أنه ليس أساسًا صالحًا للعلم، فكل ذي دين يقلد أهل دينه، فإذا زعم أن دينه هو الحق بناء على هذا التقليد، فأهل الأديان الأخرى يستطيعون أن يقولوا مثل قوله، وإذا جاز أن يكون التقليد شعار العجزة والعامة فلا يصح أن يطمئن إليه الخاصة وأصحاب العقول القوية، فإن هؤلاء إنما يجب أن يعتمدوا على العلم اليقيني.
وما العلم اليقيني؟
يعرفه الغزالي بأنه «العلم الذي ينكشف به المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم».
على هذا الأساس استعرض الغزالي ما تعلّمه من صغره وفي شبابه وشيخوخته فلم يجد فيها ما يصح أن يتصف بهذا الوصف؛ لأن أقصى ما يصح أن تستمد منه معلوماتنا ثبوتها هو المحسوسات والأوليات العقلية، وكلاهما لا يصح أن يُستند عليه، فالحواس خداعة من غير شك، والأوليات العقلية يعتريها الشك أيضًا إذ من المحتمل أن تكون الحالة عقلية، كحالة النائم، يعتقد بثبوتها مدة نومه، فإذا استقيظ بددها الانتباه، فما الذي يمنع أن تغشى الإنسان حالة أخرى ينظر فيها إلى العالم من زاوية جديدة، فيرى فيها أن حالة اليقظة كذلك مزيفة. ونظير هذا ما يحدث للصوفية، فإنهم يرون أن حالة اليقظة خداعة كخداع الحواس.
فأين الحق إذن؟
في هذا الطور — كما يحدثنا عن نفسه — أصبح سوفسطائيًّا لا يؤمن بشيء، ويشك في كل شيء.
هذا العقل القوي النهم المخلص، أراد أن يتثبت من موقفه، فاستعرض كل المعارف في زمانه لعله يجد فيها ما يطمئنه. فقال:«ابتدأت بعلم الكلام، فحصّلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنّفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علمًا وافيًا بمقصوده غير واف بمقصودي لقد أحسنوا الذب عن السنة، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة … ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها إما التقليد أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار، وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم — سوى الضرورات — شيئًا أصلًا. فلم يكن (علم) الكلام في حقي كافيًا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيًا?». وبعد أن فرغ من علم الكلام اتجه إلى الفلسفة لعله يجد فيها طلبته فقال: «إني بعد الفراغ من علم الكلام ابتدأت بعلم الفلسفة، وعلمت يقينًا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم … ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقًا، ولم أر أحدًا من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك … فأطلعني الله على منتهى علومهم في أقل من سنتين، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبًا من سنة، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره».
وقد استخلص بعد البحث، أن فروع الفلسفة هي: (?) رياضيات: وهذه أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها.
(?) ومنطقيات: وهي النظر في طرق الأدلة والمقاييس، وهذه أيضًا لا تُنكر، غاية الأمر «أنهم يجمعون للبرهان شروطًا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء من المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل».
(?) وطبيعيات: «وهي البحث عن عالم السماوات وكواكبها وما تحتها من الأجسام المفردة كالهواء والماء، والتراب والنار?، والمركبة كالحيوان والنبات والمعادن وأسباب تغيرها واستحالتها وامتزاجها»، وذلك يضاهي بحث الطب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة. وكما أنه ليس من شرط الدين إنكار علم الطب، فليس من شرطه أيضًا إنكار ذلك العسلم (علم الطبيعيات)، إلا في مسائل معينة ذكرناها في كتاب «تهافت الفلاسفة».
(?) وأما الإلهايات: ففيها أكثر أغاليطهم. فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوا في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيها ثم استرسل في بيان أغاليطهم ناظرًا فيها نظرة دينية.
(?) ثم السياسيات، والأخلاقيات: وهذه لم يطل البحث فيها؛ لأنها مبنية على التجارب والمصالح، وعنده أن كلام الفلاسفة فيها حتى أرسطو وأمثاله مستمَد من أصول الدين الأولى.
والذي نلاحظه على نقده الفلسفة، أنه كما عاب الفلاسفة بعدم تقيدهم الشديد بقوانين المنطق، وقع هو في مثل هذا الخطأ، فلم يتقيد بما وضعه هو من أصول الشك والنقد، بل نظر إليها من خلال الدين. ولعل عذره أنه وضع كتاب «المنقذ من الضلال» بعد مروره في دور الشك واطمئنانه إلى الدين بما شرح الله به صدره.
•••

ثم انتقل إلى تعاليم الباطنية لعله يجد فيها الحق فلم يطمئن إليها وخاصة في بناء تعاليمهم على نظرية «الإمام المعصوم» وتبيّن له بعد البحث والتحري أن «ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء».
وأخيرًا وجّه همته إلى التصوف فاطمأن إليه وقال إنه أدرك بالذوق والسلوك ما لم يدركه بالبحث والنظر، وبه أدرك ثلاثة أصول: إيمان يقيني بالله وبالنبوة وباليوم الآخر. ورأى أن قصر الإيمان على منطق العقل تقصير، وأن وراء قضايا المنطق شعورًا ووجدانًا هو الذي يصح أن يُطمأن إليه في باب الدين.
هذه هي المراحل التي قطعتها نفس حائرة، وعقل مستنير هائم بالحقيقة متحر للحق، دقيق النظر لخطرات الفكر، مسجل لذلك في دقة وأمانة. لم يجد الغزالي في المنطق والمعقولات ومسلك المتكلمين والفلاسفة منقذًا من الضلال، فالدين لا يمكن أن ينال من هذا الطريق، ووجود الله وصدور الأفعال عنه، كما يقول: «أمور لا تتسع لها القوى البشرية»، إنما تدرك بالكشف والذوق والعاطفة وانشراح الصدر، وهذا هو ما وصل إليه بعض الفلاسفة أمثال ديكارت وباسكال?. ومما أعجبني في منهج الغزالي في البحث، تأكيده الشديد لوجوب التحرر من الاعتماد على معرفة الحق بالرجال مهما عظموا وطارت شهرتهم، وقد سماها بيكون «الأوهام المسرحية»، ويعني بها الأوهام التي انحدرت إلينا من مذاهب الأقدمين وعقائدهم وأقوالهم، ومثّل لذلك بما إذا قلت إن الشمس تدور حول الأرض، مستدلًا على ذلك بقول بطليموس.
وقد قال الغزالي قبله قولته اللطيفة في منهجه: «إن عادة ضعفاء العقول أن يعرفوا الحق بالرجال لا الرجال بالحق، وقد قال علي بن أبي طالب: «لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله». والعارف العاقل يعرف الحق ثم ينظر في نفس القول، فإن كان حقًا قبله سواء كان قائله مبطلًا أو محقًا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال عالمًا بأن معدن الذهب الرغام، ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاّب? وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج، وإنما يزجر عن معاملة القلاّب القروي دون الصيرفي البصير، ويُمنع من ساحل البحر الأخرق دون السباح الحاذق، ويُصد عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع». •••

وقبل هؤلاء كلهم تنبّه المتكلمون وعلى رأسهم الجاحظ إلى قيمة منهج الشك والتفت التفاتة لطيفة إلى التفرقة بين الخاصة والعامة؛ فالعامة أسرع إلى تصديق كل ناعق، يغرهم القائل ويغرهم صاحب الحنجرة القوية ويغرهم التهويش. أما الخاصة فيعتمدون على المنطق، فلا يصدقون إلا ببرهان، ويتوقفون بالشك حتى يقوم الدليل؛ وفرق بين مواضع يصح فيها الشك، ومواضع لا يصح فيها، فعاب من أجرى الشك في كل الأمور، وحكى أن العلماء أجمعوا على أن الشك درجات، واختلفوا في أن اليقين درجات.
وأنا من رأي من يقول: إن اليقين أيضًا درجات.
قال الجاحظ: «اعرف مواضع الشك وحالاتها الموجبة لها لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلَّم الشك في المشكوك فيه تعلمًا، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرف التوقف ثم التثبت، لقد كان ذلك مما يحتاج إليه».
ثم اعلم أن الشك طبقات عند جميعهم، ولم يجمعوا على أن اليقين طبقات في القوة والضعف …
وقال أبو إسحاق (النظّام) نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشكاك أبصر بجوهر الكلام من أصحاب الجحود، وقال: الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شك، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك …
والعوام أقل شكوكًا من الخواص؛ لأنهم لا يتوقفون في التصديق والتكذيب، ولا يرتابون بأنفسهم؛ فليس عندهم إلا التصديق المجرد، أو التكذيب المجرد، وألغوا الحال الثالثة من حال الشك التي تشتمل على طبقات الشك».
وسمع رجل ممن قد نظر بعض النظر تصويب العلماء لبعض الشك، فأجرى ذلك في جميع الأمور حتى زعم أن الأمور كلها يُعرف حقها وباطلها بالأغلب??. وبعد، فهذه بعض صفحات قيمة من الأدب العربي في منهج البحث.
? انظر قصة الفلسفة الحديثة.? ديكارت للدكتور عثمان أمين.? نفس المصدر.? قصة الفلسفة الحديثة.? انظر فصل الشك في كتاب ديكارت للدكتور عثمان أمين من ص ???–???.? المنقذ من الضلال.? هذا ما كان يُعتقد في زمنه.? انظر المقدمة التي وضعها الأستاذان جميل صليبا وكامل عياد لطبعة كتاب المنقذ من الضلال التي نشرها مكتب النشر العربي بدمشق.? لعله يريد به «مزيف النقود».?? كتاب الحيوان للجاحظ جزء ? ص ?? وما بعدها من طبعة الحلبي التي نشرها الأستاذ عبد السلام هارون.
في الأدب العربي (?)


كلمة بكتاب وبيت بقصيدة
قيل لابن المبارك: إلى متى تكتب؟ فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد:
أواه إن نظرت، وإن هي أعرضتوقع السهام ونزعهن أليم •••

مر المجنون على منازل ليلى بنجد، فأخذ يقبل الأحجار، ويضع جبهته على الآثار، فلاموه في ذلك، فحلف أنه لا يقبل إلا وجهها، ولا ينظر إلا جمالها. ثم رُؤي بعد ذلك في غير نجد وهو يقبّل الآثار ويستلم الأحجار، فقيل له: ليست هذه من منازلها، فأنشد:
لا تقل دارها بشرقي نجدكل نجد للعامرية دارفلها منزل على كل أرضوعلى كل دمنة آثار •••

رب كلمة تقول لصاحبها دعني.
إذا سمح الزمان بميَّ ضنتوإن سمحت يضن بها الزمان •••

أبو نواس وقد وقع منه في السكر ما يعتذر منه:
كان مني على المدامة ذنبفاعف عني فأنت للعفو أهللا تؤاخذ بما يقول على السكــر فتى ما له على الصحو عقل •••

من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير.
•••

كان لملك ثلاثة ندماء. فسألهم: ما ألذ الفراش؟
قال الأول: الخز المحشو بالريش.
وقال الثاني: الحرير المحشو بالخز.
وقال الثالث: ألذ الفراش الأمن.
•••

مجالسة الثقيل حميّ الروح.
•••

قال عمر: الغالب بالشر مغلوب.
•••

يا قلب صبرًا على الفراق ولورُوِّعت ممن تحب بالبينوأنت يا دمع إن أبحت بماأخفاه سري سقطت من عيني •••

دعت عربية لرجل أحسن إليها فقالت: «أذل الله كل عدو لك إلا نفسك، وجعل نعمته هبة لك لا عارية عندك، وأعاذك من بطر الغنى وذل الفقر. وفرغك لما خلقك له، ولا شغلك بما تكفل به لك».
•••

وجاهلة بالحب لم تدر طعمهوقد تركتني أعلم الناس بالحب •••

ما رأيت تبذيرًا إلا وإلى جانبه حق مضيع.
الدنيا بأسرها لا تسع متباغضين، وشبر في شبر يسع متحابين.
وجه قبيح في التبســم كيف يحسن في القطوب! •••

لا ينظر الناس إلى المبتلىوإنما الناس مع العافية •••

أقول لقلبي والغرام يقودهوسيف التجني والتمني يقدهإذا لم تدم للجسم والروح صحبةفأي حبيب دائم لك وده •••

ونحن فعلنا ما يليق من الوفافلا تفعلوا ما لا يليق من الغدر •••

ما كنت أُوفي شبابي كنه عزتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع •••

بنفسي من لو مر برد بنانهعلى كبدي كانت شفاء أناملهومن هابني في كل شيء وهبتهفلا هو يعطيني ولا أنا سائله •••

أبو فراس:
يا باعة الخمر كفوا عن مفاخركمعن فتية بيعهم يوم الهياج دمخلُّوا الفخار لعلاَّمين إن فخروايوم السؤال وعمَّالين إن علموا •••

المتنبي:
مكارم لجت في علوِّ كأنماتطالب ثأرًا عند بعض الكواكب •••

الصفي الحلي:
كُفي القتال وفُكي أسر قتلاكيكفيك ما صنعت بالناس عيناك وفي هذا المعنى يقول الشريف الرضي:
ما كنت أحسب لولا سحر مقلتهبأن بابل ألحاظ وأجفان •••

فوالله ما أدري أجولان عبرةتجود بها العينان أحجى أم الصبر؟ففي هَمَلان العين من غصة الهوىشفاء وفي الصبر الجلادة والأجرسعة القلب لمحيي الدين بن العربي

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبيإذا لم يكن ديني إلى دينه دانوقد صار قلبي قابلًا كل صورةفمرعى لغزلان ودير لرهبانوبيت لأوثان وكعبة طائفوألواح توراة ومصحف قرآنأدين بدين الحب أني توجهتركائبه فالدين ديني وإيماني •••

عزة العلم لعلي بن عبد العزيز الجرجاني

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتيلأخدم من لاقيت، لكن لأخدماأأشقى به غرسًا وأجنيه ذلةإذن فاتباع الجهل قد كان أحزما •••

وحُذرت من أمر فمر بجانبيلم يبكني، ولقيت ما لم أحذر •••

قيل: قد عدا كلب صيد وراء غزال، فقال الغزالي: لن تلحقني، قال الكلب: لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك.

في الأدب العربي (?)


قوانين الوزارة
الإمام أبو الحسن الماوردي من أئمة الدين، وعلم من أعلام الشافعية، درس بالبصرة وبغداد، ثم تولى التدريس ببغداد، وكان مقصد العلماء والمتعلمين، ثم تولى القضاء في عدة بلاد، فاستفاد بجانب علمه خبرة واسعة بأهل زمنه. ثم عاد إلى بغداد وتمكنت الصلة بينه وبين الخليفة القادر، وسفر بينه وبين بني بويه الذين كان بيدهم السلطان الفعلي على العراق، وسفر لبني بويه في مشاكلهم. فلما أراد جلال الدولة البويهي سنة ??? أن يلقِّبه الخليفة المقتدى «شاهنشاه» أو ملك الملوك الأعظم استفتى الماوردي في ذلك فأفتى بعدم الجواز فجلبت له هذه الفتوى عداوة البويهيين.
مكَّنت له هذه الحياة العلمية والقضائية والسياسية واتصاله بالرؤساء ذوي السلطان الشرعي والفعلي من معرفة بدقائق الأمور وألاعيب أهل السياسة، إلى علمه بالفقه ونظرياته.
وكان لهذا كله أثر كبير في اتجاهه جهة تشريعية قَلَّ من علماء الفقه من اتجه إليها، وهي البحث في «القانون الدستوري» فألّف في ذلك كتابًا خالدًا هو «الأحكام السلطانية» كان مرجع كل من كتب في نظام الحكم عند المسلمين، تعرض فيه للخلافة أو الإمامة، والوزارة والإمارة والقضاء وولاية المظالم وأنواع الولاية كولاية النقابة على الأنساب والولاية على إمامة الصلاة وولاية الأموال ووضع الدواوين وترتيبها ونظامها واختصاصها إلخ إلخ.
والكتابة في هذا الموضوع شائكة. فهي ليست مثل الكتابة في الصلاة والزكاة، ولا كالكتابة في البيوع والإجارات، بل هي في الصميم من الحياة السياسية، تمس أولي الأمر ومن بيدهم زمام الحكم، من الخليفة إلى المحتسب، وتبين ما هو حق من توليهم الحكم وما هو باطل، وما هو صواب في تصرفهم وما هو خطأ. ولعل هذا هو السبب في قلة تأليف الفقهاء في هذا الباب مع عظم أهميته. ولو وجه إليه العلماء عنايتهم فوضعوا في كل هذه الأمور قواعد ثابتة وأحاطت الأمة هذه القواعد بقوتها لم يقع كثير من الأحداث المحزنة في الخلاف على الخلافة ومن يتولى الإمارة ودسائس الوزارة ونحو ذلك مما أخَّر المسلمين وفرَّق كلمتهم وأضعف قوتهم.
وربما كان الحرج في هذا الموضوع أيضًا هو السبب في أن الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» اقتصر على الجانب النظري في الموضوع ولم ينغمس في الجانب العملي، فلم يتعرض لتطبيق نظرياته على أحداث زمانه، مع أن زمانه مملوء بالحوادث العظام كثورة القرامطة وشيوع دعوة الإسماعيلية من مركزها في قلعة أَلمَوت وغلبة بني بويه على العراق، وتسلط الفاطميين في مصر وخلافة هشام ابن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في الأندلس. فكل هذه وأمثالها كانت تكون مددًا صالحًا للتطبيق على ما وضع الماوردي من نظريات. ولكنه لم يفعل شيئًا من ذلك، فلم يتعرض لبيان الخطأ والصواب فيما يفعل الخلفاء العباسيون والملوك البويهيون والأمراء من الفرس والترك. ولو فعل لطار رأسه، ومع هذا ففيما فعل خير كثير، وشجاعة يحمد عليها.
•••

وفيما كتب أيضًا من الاتجاه النادر كتاب في الوزارة وقانونها سماه «قوانين الوزارة» وهو موضوع حديثنا الآن، وقد نُشِر في مصر بعنوان «أدب الوزير» — وليس يُفهم هذا الكتاب حق الفهم إلا إذا فهمت حالة الوزارة في أيامه أعني القرن الرابع الهجري وأول الخامس.
فالوزير كان يتلقى سلطته من الخليفة أو الملك، وقد جرت عادة الخلفاء العباسيين من أول عهد خلافتهم أن يسندوا أمرهم إلى وزير واحد يتولى شئون الدولة في جميع مرافقها، من مالية وإدارية وداخلية وخارجية، وهو الذي ينيب عنه من شاء في دوائر الاختصاص. أما النظام المعروف عندنا اليوم من توزيع أمور الدولة بين وزارات مختلفة فلم يكن يؤخذ به في العهد العباسي، وإنما ساروا عليه في الأندلس. قال ابن خلدون: «وأما دولة بني أمية بالأندلس … فقسّموا خطته أصنافًا وأفردوا لكل صنف وزيرًا، فجعلوا لحسبان المال وزيرًا، وللترسيل وزيرًا، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيرًا، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرًا، وجعل لهم بيت يجلسون فيه على فرش منضدة لهم، وينفذون أمر السلطان هناك كل فيما يُجعل له، وأفرد للتردد بينهم وبين الخليفة واحد منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت، فارتفع مجلسه عن مجالسهم وخصّوه باسم الحاجب».
أما في المشرق فكان للخليفة وزير واحد يعمل باسمه في كل شيء. ولما اتسعت رقعة الدولة أيام عضد الدولة عيَّن لدولته وزيرين، وزيرًا لفارس ووزيرًا للعراق.
ولما تسلط الأتراك أولًا وبنو بويه ثانيًا انتزعوا من الوزير العباسي السلطة على الجنود والمسائل الحربية وأصبح أهم عمل يقوم به الوزير جباية المال وإنفاقه وضبطه.
وفي القرن الرابع كان مرتب الوزير خمسة آلاف دينار في الشهر، ثم رفع إلى سبعة آلاف، غير مرتبات لأولاده، وهو مبلغ ضخم إذا قيس بالوقت الحاضر، وخاصة إذا علمنا أن قوة الدينار الشرائية كبيرة جدًا بالنسبة إلى الجنيه في عصرنا. ولكن إذا فهمنا أن واجبات الوزير إذ ذاك كانت تستدعي نفقات هائلة استصغرنا هذا المرتب. فبيته كان مضيفة عامة لأصحاب الحاجات والعلماء والشعراء، فمثلًا كان في دار الوزير ابن الفرات مطبخان، مطبخ للخاصة ومطبخ للعامة، ولا يُحصى ما كان يدخل المطبخين من الحيوان لكثرته، ولا ينقطع الخبَّازون عن الخبز فيه ليلًا ونهارًا، وكانت ألوان الطعام توضع وتُرفع على مائدته أكثر من ساعتين.
هذا عدا ما كان واجبًا عليه من إهداء الثياب في المناسبات، وما كان يمنحه من المرتبات الشهرية لكثير من الأسر.
ذلك لأن الحالة الاقتصادية كانت سيئة، فهذا الغنى المفرط في قصور مثل هؤلاء الوزراء يقابله فقر مدقع في بيوت الشعب، والثروة المركزة تستوجب واجبات كثيرة وأعباء ثقيلة على ذويها.
وقد قالوا إن بيت ابن الفرات هذا كان مدينة بذاتها، فيها المطابخ والخياطون وصانعو الحلوى والقائمون على الشراب وصانعو الشمع إلخ.
وكان هذا الغنى الوفير والجاه العريض «على كف عفريت» فاليوم في الصدر وغدًا في القبر. والحكومة حكومة استبدادية محضة يرجع الأمر فيها إلى إرادة ولي الأمر، وهو في ذلك العصر الملك البويهي، رقبة الوزير وثروته متوقفة على كلمة من هذا الملك، يرضى فتقبل الدنيا على الوزير لا إلى حد، ويغضب فتُدبِر الدنيا عنه لا إلى أحد. ليس للوزير في الحياة ولا حق في الملك، بل حياته وماله رهن إشارة الأمير، والأمير قلما يسلم من الغضب، فالوزير قلما يسلم من القتل والمصادرة.
ولهذا كان تاريخ الوزراء في هذا العصر تاريخًا عجيبًا؛ فالوزير ابن الفرات نُكِبَ وصودرت أمواله، والوزير ابن مقلة الخطاط المشهور قُطعت يده ثم قُطع لسانه بعد ثلاث سنين، وبقي في الحبس حتى مات، والوزير المهلبي ضربه سيده مرة مئة وخمسين مقرعة، ولما مات قبض معز الدولة البويهي على عياله وأتباعه وصادر كل أملاكهم، وابن بقية الوزير سملت عينه ثم طُرح للفيلة وصُلب على شاطئ دجلة وهو الذي قال فيه الشاعر قصيدته المشهورة: «علو في الحياة وفي الممات» إلخ إلخ.
ولهذا كثر في الأدب العربي في تلك العصور التحذير من هذه المناصب كالوزارة والقضاء، وقيلت الحكم الكثيرة في النصح بالابتعاد عنها، لأن تحقيقهم للعدالة في مثل هذه الظروف غير ممكن، وطمأنينتهم على أنفسهم وأموالهم مفقودة.
وكان الظن والوزارة على هذه الحال وقلَّ منهم من سلم برأسه أن يفر الناس منها فرار الخروف من السكين. ولكنهم — مع العجب — كانوا يتنافسون فيها ويدبرون المؤامرات والدسائس لمن يتولاها حتى يُخلع ويُقتل ويُصادر فيحلوا محله، ويتسابقون إلى الرشا لينالوا الوزارة، حتى حكوا أن أحدهم وعد بثمانية ملايين من الدراهم إذا ولي الوزارة، فتعهد الوزير الذي في المنصب أن يدفع ستة ملايين ويبقى في الوزراة، وهكذا كان كرسي الوزراة كرسيًّا مسحورًا من جلس عليه فقد وعيه، ومن بعد عنه جذبه ببريقه ولو كان فيه حتفه. ولله في خلقه شئون.
في هذا المحيط الذي وصفنا ألّف الماوردي كتابه «قانون الوزارة».
•••

ومن عادة العقل الغربي الميل إلى التحليل، فلو كُتب في موضوع حلله حتى يستقصيه؛ يظهر ذلك جليًّا في تأليفه وأدبه في المقالات والروايات ونحوها، ومن عادة العقل الشرقي الميل إلى التركيب وخاصة في العصور الوسطى قبل أن يُنهج المنهج الغربي في العصور الحديثة، فهو أميل إلى الكليات، وأميل في الأدب إلى الأمثال والحكم.
فلو كتب كاتب غربي في قوانين الوزارة لذكر المبادئ العامة وحللها وأبان تفاصيلها وطبقها على المعروف منها في زمانه.
أما الماوردي فقد ذكر بعض هذه المبادئ، ولكنه لم يلبث أن لجأ إلى الحِكَم والأمثال والشواهد الأدبية من غير أن يتعرض لتفاصيل الموضوع والاستشهاد بأحداث الزمان.
ومع هذا ففي الكتاب لفتات قيمة، ونظرات دقيقة صائبة، وقد وضع كتابه لوزير معين لم يسمه، وجَّه إليه خطابه، ولم أهتد أنا إلى تعيينه.
من هذه اللفتات تحديده لمركز الوزير بين الرعية والملك؛ إذ يقول: «وأنت أيها الوزير، أمدك الله بتوفيقه في منصب مختلف الأطراف، تدبر غيرك من الرعايا، وتتدبر بغيرك من الملوك، فأنت سائس مسوس، تقوم بسياسة رعيتك، وتنقاد لطاعة سلطانك، فتجمع بين سطوة مطاع وانقياد مطيع، فشطر فكرك جاذب لمن تسوسه، وشطره مجذوب لمن تطيعه، وهو أثقل الأقسام الثلاثة محملًا، وأصعبها مركبًا؛ لأن الناس ما بين سائس ومسوس وجامع بينهما».
وعنده أن الوزير عليه جملة مسئوليات: (?) تنفيذ أوامر السلطان: وقد تعرض عند ذلك لنقطة شائكة، وهي ما إذا أبدى السلطان رأيًا لم يرضه الوزير: وخلاصة رأيه «أن الوزير يردّه عن الخطأ باللطف ويقوي عزمه على الصواب بالحمد». وكذلك إذا كان الرأي من قبل الوزير فعارضه السلطان، فعند ذلك يستوضح السلطان أسباب معارضته بلطف، فإن اقتنع برأي السلطان عدل عن رأيه هو ونفذ رأي السلطان مع شكره، وإن كان الصواب مع الوزير فإن أقنع السلطان نفذه، وإن لم يستطع إقناعه توقف عن تنفيذ رأيه، وكان الذي يتحمل مسئولية التوقف هو السلطان، ولا أدري لماذا لم يدر في خلد الماوردي استقالة الوزير.ومن ألطف ما روي في هذا الباب، أن للسلطان على الوزير حقوقًا، وللوزير على السلطان حقوقًا، فحقوق السلطان على الوزير قيام الوزير بمصالح ملكه بعمارة بلاده وتقويم أجناده، وتثمير مواده، وحياطة رعيته، ثم القيام بمصالح نفس السلطان من إدراك كفايته، وتحمل عوارضه وتهذيب حاشيته، ثم القيام بمقاومة أعدائه من تحصين الثغور، واستكمال العدة، وترتيب العساكر. وأما حقوق الوزير على السلطان، فتقوية يده، وتنفيذ رأيه، وإطلاق كفايته، وألا يجعل لغيره عليه أمرًا، ثم ألا يؤاخذه من غير ذنب، ولا يقدم عليه من دونه، ولا يمكِّن منه عدوًا، ثم ألا يرتاب السلطان في باطن الوزير متى كان ظاهره سليمًا، وألا يستبدل به غيره متى استقام نظره وعمله، ثم ألا يحمله ما ليس في قدرته، ولا يكلفه فوق ما في طاقته.
(?) علاقة الوزير بمن تحت يده من الموظفين: والوزير في هذا يجب أن يطلق يدهم في التصرف متى وثق بهم. وأما المسائل الهامة التي يرجع فيها الموظفون إلى رأيه فعليه أن يتحرى المسائل قبل إبداء الرأي، ويعرف وجه الخطأ والصواب فيها.
(?) علاقة الوزير بالشعب: وخلاصة رأيه فيها أن لكل صنف من أصناف الشعب كالزراع والصناع والتجار تقاليد يجب مراعاتها ثم معاملتهم كلهم بالإنصاف. ثم عدم تدخله هو ولا السلطان في مكاسبهم حتى ولا من طريق التجارة (لأن هذا وهن في السياسة، وهم إن زاحموا العامة في مكاسبهم أوهنوا الرعية، وعاد وهنها عليهم، وقد قال رسول الله: إذا اتجر الراعي أهملت الرعية).
ثم أهم واجبات الوزير في نظر الماوردي:
الدفاع: دفاع الوزير عن الملك من كل ما يمسه، فيقود الرعية إلى طاعته بالرغبة، ويكفهم عن معصيته بالرهبة، وقد بلغ المأمون أن الجند شغبوا بخراسان ونهبوا، فكتب إلى عامة بها: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا، ودفاع الوزير عن المملكة من أعدائها بإعداد العدة، ومعاملة كل عدو بما يناسبه، من المقابلة والمسالمة، أو الملاطفة والملاينة، أو السطوة والمخاشنة، ودفاع الوزير عن نفسه من خصومه، وهؤلاء يدفعون بالملاينة إن نجحت؛ وأهم من ذلك ألا يمكِّنهم من نفسه بأخطائه وظلمه، فإن لم ينجح الحلم فالشر بالشر، ثم الدفاع عن الرعية من الخوف والاختلال، وذلك بإعانتهم على صلاح معايشهم، ووفور مكاسبهم، وعدم مغالاة الحكومة في طلب ما تظنه من حقوقها، وإحاطتهم بكف الأذى عنهم، ومنع الأيدي الغالبة منهم.
واهتم كثيرًا بالتنبيه على أن يكون الوزير متصفًا بالإقدام، والإقدام في نظره يجمع بين صفة الحزم والعزم؛ فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأي، والعزم تنفيذها في أوقاتها المُقدَّرة لها والإقدام نوعان: نوع في اجتلاب المنافع للدولة كالتوسع في الملك، ولأن يُنال ذلك بطريق الاحتيال، خير من أن يُنال بطريق القتال، وكجلب الرفاهية للرعية في داخليتها، كتعمير الأرض وحماية الزراعة والتجارة وتنشيطهما؛ وعماد ذلك كله العدل، وأما دفع المضار فبعلاج كل داء بدوائه، فإذا اختلفت الأمور بالإهمال عولجت باليقظة، وإذا كان من الجور عولجت بالعدل. وإذا كان الوزير المتولي هو المسئول عن الخلل كان مؤاخذًا على حصوله ومطالبًا بجبره، وإن كان صادرًا عن غيره كانت جريرة الإساءة على ذلك الغير، وواجب العلاج على الوزير المتولي.
وذُكر أن من أهم صفات الوزير الحذر؛ واهتمامه بهذه الصفة كل الاهتمام راجع إلى ضروف زمانه التي أشرنا إليها قبل، وقد قسّمه إلى حذر من الله، وهذا يحمله على إطاعته في تدبير شئون الرعية بالعدل، ويمنعه عن الظلم والجور، وحذر من السلطان، وهذا يحمله على ملاينته ومجاملته، ونصح الوزير الذي كتب له هذا الكتاب بقوله: «اقبض نفسك إذا قدمك، وتواضع له إذا عظمك، واحتشمه إذا آنسك، ولِنْ له إذا خاشنك، واصبر على تجنيه إذا غالظك». وعرض لما إذا حدث بينهما خلاف في الرأي، وقد روينا خطته في ذلك من قبل، وحذر من الزمان وتقلبه، وهذا يحمله على الاستعداد لنوائبه، بفعل الجميل وغرس الصنائع، لتكون ذخرًا له عند الشدائد، وأخيرًا الحذر من أهل الزمان، فالوزير محسود بما فيه من النعمة، وهو محاط بكثير من الأعداء.
ثم استعرض أصناف الناس وكيف يعامل كل صنف.
ثم عقد فصلًا للموظفين، وما للوزير من سلطة في التولية والعزل، والقواعد التي يرعاها في ذلك.
وفصلًا في بيان ان الوزارة نوعان: الأول وزارة التفويض، وهي الوزارة المعروفة عندنا في إدارة شئون الحكم، من عقد وحل وتولية وعزل، ووزارة أخرى تسمى وزارة التنفيذ، وهي التي يعهد فيها الملك لشخص بمهمة خاصة ينفذها حسبما رأى الملك.
وأخيرًا عرض لنصائح عامة هامة للوزير مثل: «اختبر أحوال من استكفيته لتعلم عجزه من كفايته، وإحسانه من إساءته، فتعمل بما علمت من إقرار الكافي وصرف العاجز وحمد المحسن وذم المسيء اقتصر من الأعوان بحسب حاجتك إليهم، ولا تستكثر منهم لتتكثر بهم، فلن يخلو الاستكثار من تنافر يقع به الخلل، أو اتفاق يتشاكل به العمل،لا تعول على التهم والظنون، واطرح الشك باليقين تثبت فيما لا تقدر على استدراكه، احذر قبول المدح من المتملقين، فإن النفاق مركوز في طباعهم، اعتمد بنظرك إحماد سلطانك وشكر رعيتك، وسِّع قلبك فالقلب الضيق لا تحسن به الرئاسة، اجعل يومك أسعد من أمسك، وصلاح الناس عندك بصلاح نفسك، ومِلْ إلى اجتذاب القلوب بالاستعطاف، وإلى استمالة النفوس بالإنصاف، تجدهم كنوزًا في شدائدك، وحرزًا في نوائبك إلخ».
وقد ختم الكتاب بقوله: «وقد أوجزت لك أيها الوزير ما إن كان علمك به محيطًا ذكَّرك، وإن كنت غافلًا عنه أنذرك. والله يمدك بتوفيقه وبعينك على طاعته».
•••

وهذا كما ترى بدء لطيف، واتجاه طريف، اتجه مؤلفه من نحو ألف عام إذ لم يكن يحسن الأوربيون الإتيان بمثله، ولكن مصيبتنا أن كثيرين من نوابغنا ابتكروا في التفكير. وقالوا الكلمة الأولى في الموضوع، ثم لم يأت بعدهم من يقول الكلمة الثانية. فوقفنا عند الكلمة الأولى، وظننا أنها كل شيء، وقلدنا ولم نبتكر، وعُنينا بالرواية دون الدراية، وبالتقليد دون الاجتهاد — وكان هذا موقفنا في كل فرع من فروع العلم؛ كان هذا موقفنا في كتاب «الحيوان» للجاحظ وقد بنى كثيرًا مما قال على التجربة والملاحظة. وكان هذا موقفنا في كتاب «الأحكام السلطانية» وما أبداه الماوردي من آراء في القانون الدستوري، وكان هذا موقفنا في مقدمة ابن خلدون وما ابتكره من علم الاجتماع — وظللنا وقوفًا حتى أتتنا التكملات من الخارج لا منا. ولو سرنا السير الطبيعي في بناء الخلف على أعمال السلف لكان نمونا كنمو الشجرة من داخلها لا بتضخيمها تضخيمًا صناعيًّا من خارجها، وكنمو الطفل إلى رجل لا تضخم الطفل بكثرة ملابسه. فما أحوجنا إلى البناء لنعوض به ما فقدنا بالخمول والخمود!

في الأدب العربي (?)


إمامان عاشقان
كلاهما نشأ في بيت علم، وكلاهما أُعد ليكون عالمًا دينيًا كبيرًا، وكلاهما شاءت المصادفة أن يكون ممن يتزعمون مذهب أهل الظاهر «وهو مذهب يرى التمسك بظواهر القرآن والحديث وتقديمها في التشريع على اعتبار المصالح والمعاني المعقولة، ولذلك ينكر القياس».
وأحدهما كان في بغداد والآخر في قرطبة.
وقد كانت حياة أمثالهما تتطلب تجاهل الحب، وعدم الوقوع في حبائله، وغض النظر وكبت النفس، وترك ذلك لأهل الخلاعة والأدب.
ولكن ماذنبهما وليس مرد العشق إلى الرأي فيملك، ولا إلى العقل فيدرك، إنما هو كما قال الشاعر:
ليس أمر الهوى يُدبر بالرأي ولا بالقياس والتفكيرإنما الأمر في الهوى خطراتمحدثات الأمور بعد الأمور لا تدرك الأبصار مداخله، ولا تعي القلوب مسالكه، وهو كما قال أبو وائل: إن لم يكن طرفًا من الجنون فهو عصارة من السحر، فسواء كان صاحبه فقيهًا أو ديِّنًا ورعًا أو داعرًا فاجرًا، فهو إذا مس قلبًا صرعه وأذله:
لقد كنت ذا بأس شديد وهمةإذا شئت لمسًا للثريا لمستهاأتتني سهام من لحاظ فأرشقتبقلبي ولو أسطيع ردًا رددتها هما محمد بن داود الظاهري وعلي بن حزم، وكلاهما لم يكتم الحب ولم يخفِه، بل أظهره واعترف به وألَّف فيه.
فأما محمد بن داود فنشأ في بيت زهد وفقر، كان أبوه — داود الظاهري — ملء الدنيا علمًا وفضلًا، وإليه انتهت رياسة العلم ببغداد، ولكنه أبى أن يتكسب شيئًا بعلمه، فهو يعيش أحيانًا على النخالة وورق الهندبا، ويأبى كل الإباء أن يمد يده لمعونة أحد، ويرد بأنفة وشمم ألف درهم يقدمها إليه جار له موسر.
وهكذا نشأ الفتى «محمد» في هذا البيت الفقير النبيل، وكان له هذا النوع من المزاج الرقيق الحاشية، اللطيف الحس، المشبوب العاطفة، الذي يرى الجمال فيهيم به قلبه، ويذهب فيه لبه، ولا حول له في ذلك ولا حيلة، إنما هي فطرة فطر عليها تلمحها في رقة جسمه، وتقاسيم وجهه، وقرب دمعته، ومظاهر رحمته، يحسبه الخلي خورًا في الطبيعة وضعفًا في النفس، ولكن المحب لا يرضي عنه ضعفه بقوة، ولا عن حبه بسلوة.
قال الخلي: الهوى محالفقلت لو ذقته عرفتهفقال: هل غير شغل قلبإن أنت لم ترضه صرفتهوهل سوى زفرة ودمعإن لم ترد جريه كففتهفقلت من بعد كل وصف:لم تعرف الحب إذ وصفته وعلى هذا كان العذريون، وكان المجنون وأمثال المجنون.
أدرك هذا المزاج محمد بن داود وهو في صباه، فعشق وهو في الكتَّاب، ثم شب فشب معه الحب، ولم يمنعه حبه أن يبرع في علمه؛ ومن أجل هذا لما مات أبوه — وعمر هذا الشاب خمس وعشرون سنة — رآه العلماء جديرًا أن يخلف أباه في كرسيه لعلمه وفضله وإمامته.
ومن عجائب القدر وأشد المحن أن يقع عشقه على فتى بغدادي من أجمل أهل زمنه، كان يبيع العطر، اسمه محمد بن جامع الصيدلاني، وكتما الحب حينًا ثم اشتهر فلم ينكراه واتضح فلم يخفياه، وكان إمامًا في الدين وإمامًا في العاشقين؛ فكان عشقًا عفيفًا لم يأخذ الناس عليه هفوة، ولا اطلعوا منه على زلة، وهو نفسه يصف عشقه فيقول:
أنزه في روض المحاسن مقلتيوأمنع نفسي أن تنال المحرماوأحمل من ثقل الهوى ما لو أنهعلى جامد الصخر الأصم تهدماويظهر سري عن مترجم خاطريفلولا اختلاس الطرف عنه تكلما هو نوع من العشق غريب، هو صداقة بولغ فيها فكانت عشقًا، صداقة تأسست على الجمال فكانت غرامًا، وصادفت مزاجًا رقيقًا فصارت هيامًا، وخضعت لكل مظاهر العشق من وصل وهجر، وأرق وضنى وعذاب ودلال:
فواعجبا للدهر لم يخل مهجةمن الحب حتى الماء يعشقه الخمر هو في أشد الحيرة بين حب يأمر، ودين ينهي، وقبلة تشتهي وورع يحول، له كل عذاب الهجر وقليل من لذة الوصل.
وكان محبوبه «محمد بن جامع» يقدر حبه وإخلاصه فيواسيه بزيارته وبماله وبالحديث إليه، ومع هذا كله فابن داود هائم في حبه، معذب في غرامه، أنطقه الحب بالشعر فكان شاعرًا رقيقًا وإن لم يخل شعره من أثر الفقه، فمن قوله:
يا يوسف الحسن تشبيهًا وتمثيلايا طلعة ليس إلا البدر يحكيهامن شك في الحور فلينظر إليك فماصيغت معانيك إلا من معانيها •••

أشكو عليل فؤاد أنت متلفهشكوى عليل إلى إلف يعللهسقمي تزيد مع الأيام كثرتهوأنت في عظم ما ألقى تقللهالله حرم قتلى في الهوى سفهاوأنت يا قاتلي ظلمًا تحلله •••

حملت جبال الحب فيك وإننيلأعجز عن حمل القميص وأضعفوما الحب من حسن ولا من سماحةولكنه شيء به النفس تكله إلخ إلخ.
وأكسبه العشق رقة ولطفًا، فكان فقيهًا رقيقًا لطيفًا. اعتاد أن يدخل جامع بغداد من باب اسمه «باب الوراقين»، ثم هجر الدخول منه، فسُئل في ذلك فقال كنت داخلًا يومًا فرايت متحابين يتحادثان فتفرقا إذ رأياني، فآليت ألا أسير في مكان فرقت فيه بين محبين. وكان في مجلس فقهه فدفعت إليه رقعة ظنها أصحابه مسألة فقهية، فأخذها وكتب الرد في ظهرها، فإذا السائل ابن الرومي وقد كتب فيها:
يا ابن داود يا فقيه العراقأفتنا في قواتل الأحداقهل عليهن في الجروح قصاصأم مباح لها دم العشاق وإذا رد ابن داود عليها:
كيف يفتيكم قتيل صريعبسهام الفراق والأشقياقوقتيل التلاق أحسن حالاعند داود من قتيل الفراق لقد وقفته الظروف الاجتماعية موقفًا حرجًا، فطبيعته طبيعة غزلة، ولو طاوعها وجرى على هواها لكان فنانًا أديبًا، يهيم بالحسن كما ينبغي، ويقول في الجمال ما يشتهي، ولكان كالعباس بن الأحنف أو أبي نواس أو أبي تمام أو البحتري، اعتاد الناس — في أمثالهم — أن يطلقوا لهم حريتهم في الفعل والقول، فهم يهيمون في كل واد، ويسبحون في كل خيال، ويذهبون في كل فن، والناس يعجبون بما يجيدون ولو خالف أوامر الدين وأوامر الخلق، يقابلون بالاستحسان خمريات أبي نواس وغلمانياته، وغلمانيات المطيع بن إياس والبحتري وأبي تمام، ولا يرون في ذلك حرجًا في باب الفن وإن تحرج منه رجال الخلق والدين.
ولكن ابن داود وقع بين شقي الرحى، له طبيعة العزلين وحياة رجال الدين، هو مخلص لحبه، مخلص لدينه، والحب يدعوه لخلع العذار، والدين يدعوه للتزمت والوقار، فما أحرجه من موقف وما أشدها من حيرة! وليته عشق العشق الطبيعي، حب الجواري الحسان والحور العين، ولكنه وقع في حب غلام، وهو أبعد عن الدين وأقدح في سيرة المتقين، فكان في ذلك شأنه شأن معاكسة الظروف للطبيعة، فتجعل من الأديب طبيبًا ومن الطبيب أديبًا، ومن الفيلسوف نجارًا ومن الشاعر محاربًا.
ولما تيَّمه الحب تسلى بأن يؤلف كتابًا في العشق، فكان من أوائل ما ألّف في هذا الباب، وقد سماه «الزهرة» ومن حسن حظنا أن قد وصل إلينا جزء منه نحو نصفه.
لقد كان همه في هذا الكتاب أن يختار مما قيل في العشق من شعراء العصر الجاهلي إلى معاصريه من أمثال البحتري وابن الرومي، ثم قسَّمه قسمين، فقسم وهو الذي وصل إلينا — وزَّعه على خمسين حالة من أحوال العشق، عنون كل حالة بحكمة مسجوعة، مثل «من كثرت لحظاته دامت حسراته»، «من طال سروره قصرت شهوره»، «من كان ظريفًا فليكن عفيفًا»، «ما خلق الفراق إلا لتعذيب المشتاق»، «من وفَّى له الحبيب هان عليه الرقيب» وتحت كل عنوان من هذه العناوين يورد ما يناسبه من الشعر، وقد يقدم له بمقدمة نثرية في فلسفة الموضوع لم يكن أسلوبه فيها مشرقًا إشراقه في الشعر، وفي كثير من الأحيان يذكر لنفسه شعرًا في الباب، ولكنه لا يصرح بأن الشعر له، بل يقول: «قال بعض أهل هذا العصر، وقال بعض أهل هذا الزمان» — وإذ كان محدثًا تأثر بالمحدثين في تبويب الأبواب وجعل الأحاديث المتصلة بموضوع واحد تحت عنوان واحد، ولكنه عبَّر عنها تعبير أديب لا تعبير محدث — وهو متأثر أيضًا بالمحدثين في تنبيهه على اختلاف مذاهب الشعراء في الحب كاختلاف الفقهاء في الرأي؛ فمثلًا يعقد بابًا فيقول: «أشعار هذا الباب مضادة للأشعار التي قبلها؛ لأن في أشعار الباب الماضي تحريضًا للمحب على إظهار محبوبه على ما له في نفسه، ولومًا لمن كتم عن صاحبه ما يجده به وما يلقاه بسببه، وأشعار هذا الباب إنما هي تحريض على الكتمان وتحذير من الإعلان، والعلة في هذا إلخ».
وهو — إلى إطلاعه الواسع على شعر الشعراء — مطلع على ما نقل عن فلاسفة اليونان في العشق كبطليموس وجالينوس وأفلاطون حسبما ترجم منه في عصره.
ثم هو في اختياره رقيق الذوق جيد التقدير، ليس يقتصر على الإنشاد، بل يتبعه بالإنشاء، وشعره الذي ينشئه في الأبواب المختلفة رقيق لطيف وإن لم يخل من لمحات فقهية كقوله:
أريتني النجم يجري بالنهار فلافرقًا أرى بين إصباحي وإمسائيأخفيت حبك حتى قد ضنيت بهفصار يظهر ما أخفيه إخفائي وقوله:
وتزعم للواشين أني فاسدعليك، وأني لست ممن عهدتنيوما فسدتْ لي — يشهد الله — نيةولكنما استفسدتني فانهمتنيغدرت بعهدي عامدًا وأخفتنيفخفت ولو آمنتني لأتمنتنيإلى الله أشكو لا إليك فطالماشكوت الذي ألقى إليك فزدتني إلخ إلخ.
وله شخصية واضحة فيما يختار، وكثيرًا ما يحكِّم حبه فيما يعرضه من شعر، فهو يفضِّل قول القائل:
يقولون صبرًا يا يزيد إذا نأتويا رب لا ترزق على حبها صبرا على قول المجنون:
فيا رب سو الحب بيني وبينهاكفاء فلا يرجح لليلى ولا ليا وهو يرى خطأ الذين يقولون إن كثرة العذل تزيد الحب، ويرى أن العذل لا يزيد المحبة ولا ينقصها، وإنما هو يزيد في الإشفاق على المحبوب، ويتخوف أن يؤثر فيه العذل فيستمسك بحبه فيظن أنه زاد إلخ.
وكثيرًا ما يعلن استحسانه واستهجانه لما يروي، فيقول وقد لطف أبو تمام إذ يقول:
وإذا فقدت أخًا ولم تفقد لهدمعًا ولا صبرًا فلست بفاقد وينقد البحتري نقدًا شديدًا في قوله:
لي خليل قد لجّ في الصرم جداوأعاد الصدود منه وأبدى إلى أن يقول:
أغتدي راضيًا وقد بت غضبان وأمسي مولى وأصبح عبداأتراني مستبدلًا بك ما عشــت بديلًا أو واجدًا منك نداحاش لله أنت أفتن ألحاظًا وأحلى شكلًا وأملح قدا فينقده ابن داود في إعلانه أنه يتغير في هواه، فمرة يرضى ومرة يسخط، وهي حال خسيسة، والمحب الصادق إذا غضب فإنما يغضب ظاهره، وقلبه متيم أبدًا على حبه، كما ينقده في أنه بنى حبه على ما يستحسنه من قده وحسن صورته، وإذن فإذا تغير حسنه أو وجد من هو أحسن منه تركه، وليس ذلك شأن الحب الحق، فإنه يحبه لأنه هو هو، لا لحسن صورته ولا لأي سبب آخر. وهكذا يتم الكتاب.
ومزاج رقيق مثل هذا، وحب مضن كالذي رأيت، وحيرة شديدة بين حب القلب وتقاليد الحياة، قلما يسمح لصاحبها بعمر طويل وصحة طيبة. وقد سُئل في مرض موته: ماذا تشكو؟ قال: حب من تعلم صيرني إلى ما ترى. فمات شابًا في الثانية والأربعين من عمره سنة ???. رحمه الله.
•••

أما الإمام ابن حزم فله شأن آخر، لئن اتفق هو وابن داود في إمامته وفقهه وعشقه فقد اختلف عنه في أشياء كثيرة:
فإن كان ابن داود نشأ في بيت زهد وفقر، فقد نشأ ابن حزم في بيت عز وجاه وغنى وثروة، فكان أبوه — أبو عمر أحمد — وزيرًا خطيرًا من وزراء المنصور ابن أبي عامر، وناهيك بالمنصور عظمة وقوة، وجبروتًا وأُبَّهة، وضخامة ملك، فكان وزراؤه صورة مصغرة منه.
لقد ولي الخلافة بالأندلس هشام بن الحكم وهو صبي، فاستبد المنصور بالملك، ونكَّل بكل رأس قوي، وأخضع كل شيء في الدولة لإرادته، وحذا حذو المشرق في الحجر على الخليفة، وترك الخليفة يلهو ويلعب في قصره، ولا يرونه. وأُحيط بكل صنوف اللهو وبكل مخرِّف دجال؛ فعنده ثمانية حمير كلها من نسل حمار العزيز، وعنده أخشاب كثيرة من خشب سفينة نوح، وثلاث من نسل غنم شعيب، وحوله المشعوذون من ذوي اللحية الحمراء، ومن تسمى بياسين واليسع، ونحو ذلك من غرائب الأسماء. أما الملك والسلطان وإدارة ما قل من الشئون وجل ففي يد المنصور بن أبي عامر، وكان المنصور هذا — إلى قسوته وجبروته وتنكيله بخصومه — عادلًا في الرعية حذرًا يقظًا لكل كبيرة وصغيرة، وكريمًا، قد حفل مجلسه بالعلماء والأدباء كصاعد بن الحسن البغدادي وابن شهيد وأمثالها — وقد أعاد للدولة هيبتها عند نصارى الأسبان، فأعاد الغزو بنفسه إلى دار الحرب، وغزا ستًا وخمسين غزوة لم تنتكس له فيها راية ولا فل له جيش، ووطئت أرجل جيشه بلادًا وأرضًا لم تطأها أقدام المسلمين من قبل، وكان طبيعيًّا أن تكثر السبايا من النساء الإسبانيات، فكانت توزع على الجيش الظافر، وتختار الصفايا للمنصور بن أبي عامر، وهو يهدي منها وزراءه ورجاله، فيهدي إلى ابن شهيد الأديب الشاعر — مرة — ثلاث فتيات من أجمل الفتيات، وقد امتلأت بيوت الأندلسيين بالرقيق من الإسبانيات والبربريات والصِّقِلِّييات وغيرهن، كما امتلأت بيوت المشرق بالفارسيات والروميات وأمثالهن.
وكن حلا لمن ملكهن، وبولغ في تعليمهن الغناء والأدب، فكان منهن في بيوت النبلاء المغنيات المتفننات والأديبات البارعات، كما كان شأن أمثالهن في العراق.
لهذا كان البيت الذي نشأ فيه ابن حزم بيتًا غنيًّا، فيه الخدم والحشم، والفتيات الجميلات من السبايا توزع على أفراد الأسرة فيكن ملك أيمانهم، وكان لأبيه البيوت الكثيرة للمشتى والمصيف تزخر بضروب الترف والنعيم؛ ومع هذا كله تثقف ابن حزم من صغره ثقافة واسعة صادفت استعدادًا جيدًا، حتى كان منه عالم الأندلس، وأوسع علمائها معرفة بالدين وأصوله، ومذاهب الفرق الدينية والحديث والتاريخ واللغة والأنساب، إلى الأدب والشعر، وهو يؤلف في كل ذلك، ويخلِّف من تآليفه نحو أربع مئة مجلد، وهو في تأليفه مجتهد لا مقلد، لا يتحرج من أن ينقد أكبر إمام ويخالفه ويقيم الحجة عليه — وقد شاهد زوال دولة بني عامر، والنكبة التي نكبت بها هي وأتباعها، وقد رُوِّع هو وأهله بهذه النكبة فأصيبوا في أنفسهم وأموالهم، فصبر على ذلك متجلدًا ثابتًا، يرى السلوة عن ذلك كله بما وفقه الله إليه من علم ودين.
ومن ألطف ما خلَّف لنا كتاب في العشق سماه «طوق الحمامة» ليس ككتاب «الزهرة» في منحاه ولا في عرضه — لقد كان ابن حزم أعمق معرفة بالنفس الإنسانية، يدل عليه خطراته اللطيفة في كلماته في «الأخلاق» وهو كثير التجربة دقيق التحليل النفسي، وقع في العشق وجرَّبه من صباه كذلك، ورأى من أصناف الفتيات والنساء ما لا يُعد، وسمع من أحاديث النساء والرجال في الحب ما لا يُحصى، وقرأ من أخبار الخلفاء الأندلسيين وأتباعهم الشيء الكثير في الحب والعشق، فوعاه كله وسلَّط عليه تحليله وقال فيه شعره، وحكى ما سمع وما رأى، فكان من ذلك كله «طوق الحمامة» — لم يجمع ما قيل من الشعر في الغزل ويختر منها كما فعل ابن داود، فذلك كما يقول متوافر في الكتب؛ ولكنه أراد أن يبتكر فيصف حالات النفس في الحب ويقول في ذلك شعره هو، فباب ماهية الحب و«من أحب من نظرة واحدة» و«من أحب صفة لم يستحسن غيرها مما يخالفها» و«طي السر» و«الإذاعة» و«الوصل» و«الغدر» و«الضنى» و«السلو» إلخ. وهو يدعم نظرته في كل باب بالأحداث التي حدثت له ولغيره، فيطلعنا من ذلك كله على أشياء قيمة في وصف الحياة الاجتماعية في عصره في الأندلس، وهو فيما يذكر عن نفسه وغيره صريح لا يمجمج، وإذا رأى تسمية الأشخاص ضارة بهم لا يذكر أسماءهم ويكتفي بذكر ما جرى لهم.
يحدثنا عن نفسه كثيرًا، فهو في مزاجه متئد رزين، فإن كان بعض الناس يحب من نظرة واحدة فهو يقول: «لا أحب إلا مع الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لي دهرًا، وأخذي معه في كل جد وهزل»، وهو كذلك متئد في سلوه وتوقه «فما نسيت ودًا لي قط، وإن حنيني إلى كل عهد تقدم ليغصَّني بالماء ويشرقني بالطعام»، وهو مع اتئاده «عميق» «فما فارقني الإطراق مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وإنه لشجى يعتادني وولوع وهمُّ ما ينفك يطرقني.. وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا».
وللناس أذواق في حبهم وعشقهم ليست خاضعة لشروط الجمال، وربما كان ذلك راجعًا لأول عهدهم بالحب فيلازمهم «فإني أعرف من كان أول علاقته بجارية مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعد هذا، وأعرف أيضًا من هوى جارية في فمها فوه لطيف، فكان يتقذر كل فم صغير ويذمه، ويكرهه الكراهية الصحيحة، وعنّي أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه، وإني لأجد ذلك في أصل تركيبي من ذلك الوقت … وهذا العارض عرض لأبي، وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله، وأما جماعة خلفاء بني مروان ولا سيما ولد الناصر منهم فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة لا يختلف في ذلك منهم مختلف، وقد رأيناهم ورأينا من رآهم … فما منهم إلا أشقر نزاعًا إلى أمهاتهم»?. ويصف هيبة المحبوب فيقول: «ولقد وطئت بساط الخلفاء، وشاهدت محاضر الملوك، فما رأيت هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبه، ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء، وتحكم الوزراء، وانبساط مدبري الدول، فما رأيت أعظم سرورًا بما هو فيه من محب أيقن أن قلب محبوبه عنده، ووثق بميله إليه، وصحة مودته له؛ وحضرت مقام المعتذرين بين أيدي السلاطين، ومواقف المتهمين بعظيم الذنوب مع المتمردين الطاغين، فما رأيت أذلَّ من موقف محب هيمان، بين يدي محبوب غضبان، قد غلبه السخط وغلبه عليه الجفاء، وكنت في الحالة الأولى أشد من الحديد وأنفذ من السيف، لا أجيب إلا الدنيِّة، ولا أساعد على الخضوع، وفي الثانية أذلُّ من الرداء وألين من القطن، أبادر إلى أقصى غايات التذلل لو نفع، وأغتنم فرصة الخضوع لو نجع، وأتحلل بلساني، وأغوص على دقائق المعاني ببياني، وأفتن القول فنونًا، وأتصدى لكل ما يوجب الترضي».
ويحكي فعل البين والفراق به، وعمق أثرهما في نفسه فيقول: «كنت أشد الناس كلفًا وأعظمهم حبًّا بجارية لي كانت — فيما خلا — اسمها «نعم» وكانت أمنية المتمني، وغاية الحسن، خَلْقًا وخُلُقًا وموافقة لي … وكنا قد تكافأنا المودة ففجعتني بها الأقدار، واخترمتها الليالي ومرُّ النهار. وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن. فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة، على جمود عيني وقلة إسعادها — وعلى ذلك فو الله ما سلوتها حتى الآن، ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعًا طائعًا، وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكرها ولا أنست بسواها».
وقصَّ علينا مأساة له ولأسرته ولمن أحب فقال: إنه أحبَّ جارية نشأت في داره، وكان إذ ذاك في سن الصبا، وكانت سنها ستة عشر عامًا، وهي غاية في حسن وجهها وعقلها وعفافها، تزدان بالمنع والبخل، ما لا يزدان غيرها بالسماحة والبذل، وكانت تحسن الضرب على العود إحسانًا جيدًا، فأحبها حبًا مفرطًا، وسعى عامين في أن تجيبه بكلمة فلم ينجح، وحدث في أيام عزه وجاه أبيه أن كان في بيتهم حفلة كبيرة من مثل التي تقام في دور الرؤساء تجمعت فيها الأقارب من رجال ونساء، وكان الزائرون يتنقلون من غرفة مشرفة على بستان الدار وعلى جميع قرطبة إلى أخرى، وابن حزم يتبعها في الغرفة التي تنتقل إليها فتهرب منه، ثم نزل النساء إلى البستان، وأخذت الفتاة تضرب على العود، وتغني بأبيات للعباس بن الأحنف:
إني طربت إلى شمس إذا غربتكانت مغاربها جوف المقاصير فكان ضرب عودها يتناغم مع ضربات قلبه.
ثم نُكبت أسرة ابن حزم بذهاب دولة المنصور بن أبي عامر وامتُحن أهله بالاعتقال والمراقبة والتغريم الفادح بالمال، ثم توفي والده وأُجلي أهله عن منازلهم، وخرج ابن حزم عن قرطبة وتغيَّب ستة أعوام ثم عاد إلى قرطبة سنة ??? ونزل عند بعض أقاربه، فوجد هذه الجارية وقد تغيرت محاسنها حتى كاد لا يعرفها، وفنيت بهجتها وغاض ماؤها، لحرمانها من النعيم الذي كانت تعيش فيه، وعدم صيانتها التي كانت أيام جاه أبيه، وتبذّلها في الخروج لقضاء ما لا بد منه، وإنما النساء رياحين متى لم تُتعهد ذبلت، وحسنهن أقل من حسن الرجال احتمالًا.
ويحدثنا أنه نزل مرة أخرى عند قريبة له في قرطبة فوجد عندها من أقاربها فتاة كانت قد تربّت معه، فلم تتحجب عنه عند نزوله في الدار على جاري عادتهم، وكانت في غاية الحسن والملاحة والصباحة، فأقام في الدار ثلاثة أيام وكاد قلبه يصبو ويعاوده منسي الغزل، فامتنع من دخول تلك الدار خوفًا على لبِّه أن يذهب به الاستحسان.
ولقد عجب من نفسه أن يكتب مثل هذا الكتاب في الحب وهو في أوقاته الحرجة، وهذا الموضوع إنما يحسنه خلي البال فارغ القلب، فأما هو فكما يقول: ذهنه متقلب، وباله مشغول، وقلبه محطم، مما هو فيه من نبو الدار، والبعد عن الأوطان، وتبدل الأيام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه والفكر في صيانة الأهل والولد، ومدافعة الدهر وانتظار الأقدار «لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه، والذي ترك أعظم من الذي أخذ، وكل عارية فراجعة إلى معيرها جعلنا الله من الصابرين».
شخصية كبيرة تلك التي تحتمل هذا الحب وضناه، وتحتمل هذه المحن كلها، من مصادرة مال، وتعذيب أهل، وغربة وطن، وذهاب جاه، ثم هو في هذا الجو الغائم القاتم يصفو ذهنه ويقبل على التأليف حتى في الحب، ويسمو بالعلم فوق السمو بالجاه، فيحفظ اسم ابن حزم المحب العالم ويموت اسم أبيه الوزير، ويعوّضه الله عن ماله وجاهه الذي فقد علمًا وذكرًا لا يُفقد. ولئن كان ابن داود يذوب حبًا ويتفانى عشقًا، فيكون كالزهرة اللطيفة لا صبر لها على الأعاصير وأحداث الزمان، فابن حزم محب قوي، يضطرب للحب ولكن يستطيع أن يصبر له ويتغلب عليه كما يستطيع أن يصبر على نوائب الدهر وأحداث الزمان، فإن فقد الحبيب عاش بذكراه، وإن فقد جاه المال خلق جاه العلم، وإن فقد دنيا النعيم خلق لنفسه دنيا الفكر والبحث والتأليف، ووجد فيها أكبر لذة وأفضل نعيم. اجتمع عليه ضنى الحب ولذعة الذكرى واضطهاد الدولة وتألب كثير من علماء وقته عليه؛ لأنه هاجم أئمتهم في جرأة وصرامة، حتى لقد شبهوا لسانه بسيف الحجاج اجتمع عليه كل ذلك فلم يأبه له، ولم يفتّ في عضده، حتى مات سنة ??? عن نحو اثنين وسبعين عامًا. وقد ذُكر أن فيه خصلتين غلبتا عليه، وفاء لمن صادق أو أحب، وعزة نفس تؤثر الموت على الضيم.
لي خلتان أذاقاني الأسى جرعًاونغصا عيشتي واستهلكا جلديوفاء صدق فما فارقت ذا مقةفزال حزني عليه آخر الأبدوعزة لا يحل الضيم ساحتهابذَّالة فيه بالأموال والولد هذه ناحية من نواحي «طوق الحمامة» وهي دلالته على نفسية ابن حزم ومغامراته، وللكتاب نواح أخرى قيمة.
•••

ما العشق وما سببه؟
سؤال محير، والسؤال «بما» في الماديات عسير، فكيف في المعنويات؟ فإذا أنت سألت: ما الجمال، ما الحرية، ما العدل، ما المثل الأعلى؟ أعياك الجواب المقنع. ويزيد الأمر صعوبة في العشق أن نظرات الناس إليه مختلفة اختلافًا كبيرًا، فيسفل بعضهم أحيانًا حتى لا يرى في العشق إلا المتعة الوقتية، ويعلو بعضهم فيرى أنه فيض إلهي على القلب. ومن عهد اليونان إلى اليوم وتحديد العشق وسببه مُحاط بالغموض، فيروون عن أرسطو أنه عرَّفه بأنه «جهل عارض صادف قلبًا فارغًا»، ويُروى عنه أنه عرَّفه مرة أخرى بأنه «عمى العاشق عن عيوب المعشوق». ومن هذا الباب قول ابن سينا إنه «وسواس يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور». وهذه كلها تعريفات وضيعة، ولما سُئل الجنيد الصوفي عن العشق قال: «إنه ألفة رحمانية، أوجبها الله على كل ذي روح لتحصل به اللذة العظمى التي لا يقدر على مثلها إلا بتلك الألفة، وهي موجودة في الأنفس بقدر مراتبها عند أربابها». وسُئلت أعرابية عنه فقالت: «جلّ والله عن أن يُرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى».
وهكذا من تعاريف لا تُحصى تتجه اتجاهات مختلفة، وتحاول أن تصف ذاته فتصف أعراضه. وأصدق من هذا كله قول العاشق:
يقول أناس لو نعتَّ لنا الهوىووالله ما أدري لهم كيف أنعتفليس لشيء منه حدٌّ أحدُّهوليس لشيء منه وقت موقَّت ويرى «ابن حزم» أن النفوس مختلفة في عالمها العلوي فما تناسب منها اتصل، وما تخالف منها انفصل، وهذا الاتصال هو الحب، وهو متأثر في هذا بالحديث المروي: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».
ولكن ليس بضروري في رأيه أن يكون التشابه تامًا من جميع الوجوه، بل يكفي التشابه في نوع ما، ولا يتحاب اثنان إلا وبينهما مشاكلة في بعض الصفات، وكلما كثرت وجوه التجانس زادت المحبة وتأكدت المودة؛ وعلى هذا النحو جرى في شرح البغض والاستثقال، وحكى لنا حكاية عن بقراط أن رجلًا بغيضًا أحبه فارتاع بقراط لذلك، ظنًا منه أنه ما أحبه إلا لشبه بينهما في بعض الصفات.
والنفوس في رأي ابن حزم مختلفة في الاستعداد للحب؛ فمنهم من يحب من نظرة واحدة، وهذا النوع في نظره رديء رخيص، وهو ليس إلا حب الشهوة، إنما الحب الحق ما يأتي بطيئًا بعد طول العشرة ودقة الخبرة، ويدوم طويلًا. ومنهم من يحب سريعًا ويمل سريعًا، وضرب مثلًا لذلك أبا عامر محمد بن عامر «فقد كان أبو عامر هذا يرى الجارية فلا يصبر عنها، ويحيق به عن الاهتمام والهم ما يكاد أن يأتي عليه، حتى يملكها ولو حال دون ذلك شوك القتاد. فإذا أيقن بتصيرها إليه عادت المحبة نفارا، وذلك الأنس شرودًا والقلق إليها قلقًا منها، فيبيعها بأوكس الأثمان. هذا كان دأبه حتى أتلف فيما ذكرنا من عشرات ألوف الدنانير عددًا عظيمًا، وكان رحمه الله مع هذا من أهل الأدب والحذق والذكاء والنبل والحلاوة والتوقد، مع الشرف العظيم والمنصب الفخم والجاه العريض. وأما حسن وجهه وكمال صورته فشيء تقف الحدود عنه، وتكل الأوهام عن وصف أقله … وهكذا كان شأنه في عدم صبره على زي واحد وعلى صديق معين».
ومن الناس من ليس عنده استعداد للحب مطلقًا لا طويلًا ولا قصيرًا «كالذي أخبرني به عن نفسه أبو بكر محمد بن قاسم من ولد الإمام هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية، أنه لم يحب أحدًا قط ولا أسف على إلف بان منه ولا تجاوز حد الصحبة والألفة إلى حد الحب والعشق منذ خُلق».
•••

وابن حزم سيء الظن بالطبيعة البشرية، وعلاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، لا يكاد يصدق الحب العذري، ولا يؤمن بالعشق الأفلاطوني، ويرى أن الإنسان رُكب فيه طبيعتان متضادتان: إحداهما لا تشير إلا بالخير وهي العقل، والثانية لا تشير إلا بالشهوة وهي النفس «والوقوف عند حد الطاعة معدوم إلا مع طول الرياضة وصحة المعرفة»، «وإن لي قولًا لا أحول عنه، وهو أنه ما من رجل عرضت له امرأة جميلة بالحب وطال ذلك، ولم يكن ثم مانع إلا وقع في شرك الشيطان، وكذلك المرأة». وأداه هذا النظر إلى الاعتدال في تعريف الصالح والفاسد، فليس الصالح في نظره من لا يرد الشر بخاطره، ولا من لم يقع فيه، ولكن «الصالحة من النساء هي التي إذا ضُبطت انضبطت، وإذا قُطعت عنها الذرائع استمسكت، والفاسدة هي التي إذا ضُبطت لم تنضبط، وإذا حيل بينها وبين الأسباب التي تسهل (الشر) تحيلت في أن تتوصل إليه بضروب من الحيل، والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق، ولا يتعرض للمناظر الجالبة للأهواء … والفاسق من يعاشر أهل النقص … ويتصدى للمشاهد المؤذية، ويحب الخلوات المهلكات. والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق ما جاورها إلا بأن تحرك، والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء. ولهذا ما رأيت قط امرأة في مكان تحس أن رجلًا يراها أو يسمع حسها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت عنها بمعزل، وأتت بكلام زائد كانت عنه في غنية … وأما إظهار الزينة، وترتيب المشي، وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان». وقد أطنب في ذكر الأمثلة والوقائع والحكايات التي شاهدها وسمعها من الرجال والنساء لتأييد رأيه. ولذلك يرى أن العفة تحتاج إلى جهد كبير ورياضة طويلة وصبر شاق عسير؛ ومن هذا كله جاز لنا أن نعد ابن حزم في حبه وتأليفه في الحب من الواقعيين لا المثاليين.
•••

ثم له في هذا الكتاب (طوق الحمامة) تحليلات نفسية لطيفة في مواقف مختلفة؛ فهو يستعرض علامات الحب استعراض المجرب الخبير، ويعلل مثلًا اللذة بالمراسلة بحلولها بعض الشيء محل الرؤية «ولهذا نرى العاشق يضع الكتاب على عينيه وقلبه ويعانقه، وأعرف من كان يسقي الحبر بالدمع، ويقارضه محبوبه فيسقي الحبر بالريق».
ويصف الحالة النفسية عند الوصل فيقول: «والوصل حظ رفيع وسعد طالع، بل هو الحياة المجددة والعيش السني، ولولا أن الدنيا دار ممر ومحنة وكدر لقلنا: إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة معه … ولقد جربتُ اللذات على تصرفها وأدركتُ الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف، ما للوصل، لا سيما بعد طول الامتناع وحلول الهجر».
والناس أصناف في الوصل؛ فمنهم من يرى أن داوم الوصل يودي بالحب، وأما هو فيحدِّث عن نفسه «إني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظمأ» ثم يقول: إن الهجر أنواع: هجر يوجبه التحفظ من الرقيب، فحينئذ ترى الحبيب منحرفًا عن محبه مقبلًا بالحديث على غيره، معرضًا لمن يحب، فتراه حينئذ منحرفًا كمقبل وساكتًا كناطق، ومحبه أيضًا كذلك، وهذا الهجر أحلى من الوصل — وهجر يوجبه التذلل، ولا يكون إلا عن ثقة كلٍّ بصاحبه، فيُظهِر المحبوب هجرانًا ليرى صبر محبه، وهجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب، وهذا فيه بعض الشدة، لكن فرحة الرجعة، وسرور الرضى، يعدل ما مضى، ثم هجر يوجبه الوشاة، ثم هجر الملل إلخ.
وهكذا يسير في تحليله لكل ما يعرض له من الوفاء والغدر والضنى والسلو والتعفف وعدمه إلخ.
•••

وإذا كان ابن داود يستشهد على كل باب بما ورد فيه من شعر الأقدمين والمحدثين، وأحيانًا بشعره هو؛ فقد سار ابن حزم على نهج آخر، وهو أنه ينشئ هو الشعر في كل حالة من حالات النفس التي يشرحها، ولا ينقل عن غيره إلا نادرًا، وشِعره في الجملة وسط، لا رائع ولا ردئ فيقول:
جرى الحب مني مجرى النفسوأعطيت عيني عنان الفرسولي سيد لم يزل نافرًاوربما جاد لي في الخلسوكان فؤادي كنبْتٍ هشيميبيس رمى فيه رام قبس ويقول فيما عرض له من النكبات والتجوال في الآفاق:
ولّى فولّى جميل الصبر يتبعهوصرح الدمع ما تخفيه أضلعهجسم ملول وقلب آلف فإذاحل الفراق عليه فهو موجعهلم تستقر به دار ولا وطنولا تدفأ منه قط مضجعهكأنما صيغ من رهو السحاب فماتزال ريح إلى الآفاق تدفعهأو كوكب قاطع في الأفق منتقلفالسير يغربه حينًا ويطلعه ويقول:
هل لقتيل الحب من واديأم هل لعاني الحب من فاديأم هل لدهري عودة نحوهاكمثل يوم مرَّ في الواديظللت فيه سابحًا صاديًايا عجبا للسائح الصاديضنيت يا مولاي وجدًا فماتبصرني ألحاظ عوّاديكيف اهتدى الوجد إلى غائبعن أعين الحاضر والباديملَّ مداواتي طبيبي فقديرحمني للسقم حسّادي إلخ إلخ.
وفي كتاب «طوق الحمامة» ناحية أخرى، وهي دلالته على الحالة الاجتماعية الأخلاقية في الأندلس في عصر ابن حزم كما يصورها الكتاب.
•••

فالجواري الرقيقات ملأت البيوت، وكان للمنصور بن أبي عامر أثر كبير في التوسع في هذا لكثرة ما غزا وكثرة ما سبى، فغزواته التي زادت على الخمسين كانت كلها موفقة، وكان من أثر التوفيق كثرة الأسرى من الرجال والنساء، حتى قال بعض الناس فيه يوم مات «مات الجلاب» يريد جلاب الأسرى والسبايا. والسبايا توزع على الأسر من طريق الهبة أو من طريق البيع في الأسواق، وكان هذا النظام متبعًا عند المسلمين والأسبان على السواء.
فنتج من هذا كله امتلاء البيوت، وخاصة بيوت الطبقة الوسطى والعليا بالإماء، وكان بيت ابن حزم مملوءًا بهذا النوع كما يحدثنا، إذ كان أبوه وزيرًا للمنصور بن أبي عامر، وكانت المملوكات توزع على أفراد الأسرة، فكان ابن حزم نفسه يملك بعض الجواري ويعشق غيرهن.
وكان لهذا كله أثر كبير في الحياة الاجتماعية والأدبية، فلعبت عواطف الحب دورًا هامًا، ونطق الشعراء بمشاعرهم، وعبَّروا عنها تعبيرات دقيقة، حتى إن ابن حزم نظم شعره في كل حالة يصفها ويشعر بها من نفسه أو من غيره، وابن شهيد يهديه ابن أبي عامر ثلاث فتيات من أجمل الفتيات فيقول فيهن شعره، فكثر القول في الغزل والحب، وماجت الحياة الأدبية بذلك كله، وخلقت معان جديدة وأفكار ومشاعر لم تكن من قبل، تُصاغ صياغة أدبية يدل عليها شعر «طوق الحمامة»، وتُعلِّم الإماء فنون الغناء والأدب كما كان الحال في الشرق؛ فهذه أمة ابن حزم تغني بشعر العباس بن الأحنف، كما أتقن الأسبان استخدامهن جواسيس على المسلمين يبلغنهم أدق أمورهم، فكان ذلك من أسوأ الوسائل لهزيمة المسلمين.
ووُجدت النساء الخبيرات بالعشق وأفانينه، فلما تقدمن في السن كن مرجع ابن حزم وأمثاله في حكاية تجاربهن وقصصهن. ويخبرنا ابن حزم أنه أصغى إليهن وروى عنهن بعض ما كتب.
ثم استتبع هذا كثرة المولدات من الأجناس المختلفة، وصهر ذلك كله في بوتقة الطبيعة لتخرج منه جمالًا صافيًا يثير الأدباء والفنانين. وكان ابن حزم رقيق الحس ذكي الفؤاد دقيق العقل، يُحسِن النظر في الأحوال الاجتماعية ويستنتج منها نتائج قيمة، كما تشهد بذلك كلماته في الأخلاق، فلما استخدم ذلك في العشق صوَّره وصوَّر أهل زمانه وفنونهم في الغرام تصويرًا دقيقًا؛ نظمًا ونثرًا.
وكان من نتائج هذا كله فساد الأسر، لكثرة الأحرار والرقيق في البيت الواحد، ووجود الأبناء المختلفي الأمهات؛ فهذا أمه بربرية وهذا أسبانية وهذا صقلبية، والغيرة شائعة في جميع الأمهات في الأسرة الواحدة، وهن يرضعن هذه الغيرة لأبنائهن فيكون ذلك مثارًا لعداوة الأقرباء وكثرة الفتن والثورات وانفصام العرى في البيت وفي البلدة وفي المملكة، وهذا ما كان في عصر ابن حزم وما بعده.
وقد كان الظن أن تكون كثرة الجواري في البيوت والأسواق مانعًا من الفجور والشذوذ، فالنفوس في مثل هذا النظام سهلة الارتواء. ولكن كان الأمر بالعكس في الشرق والغرب، في العراق والأندلس.
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ علىحب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فيحدّثنا ابن حزم عن الرمادي الشاعر أنه كان مجتازًا باب العطارين بقرطبة فرأى جارية أخذت بجامع قلبه فجعل يتبعها، وكلما سارت في ناحية سار وراءها، ونهته فلم ينته، فسألها: أحرة هي أم مملوكة؟ فقالت: مملوكة. وما زال يضايقها حتى تخلصت منه بأن وعدته وعدًا أخلفت فيه. وكذلك تروى القصص المختلفة من هذا القبيل.
بل يحدثنا ابن حزم بما هو أشنع من ذلك وهو تفريط الرجل في عرض زوجته، فيقول: «لقد كنت أعرف رجلًا مستورًا إلى أن استهواه الشيطان» فأحب غلامًا واستباح في هذا عرضه، فيقول ابن حزم:
أباح أبو مروان حُرَّ نسائهلِيبلغَ ما يهوَى مِن الرشأِ الفرد إلخ …
ويُذكر أنه كان في مجلس عند بعض المياسير فرأى بين بعض من حضر ومن كان بالمجلس أمرًا أنكره، وغمزًا استبشعه، وخلوات الحين بعد الحين، وصاحب البيت كالغائب أو النائم، فنبّهه ابن حزم بالتعريض فلم ينتبه، وحركه بالتصريح فلم يتحرك. وقال ابن حزم في ذلك شعرًا، وعزم ألا يعود إلى هذا المجلس إلخ.
•••

ثم صورة أخرى اجتماعية يدل عليها الكتاب وهي تفكك الدولة بعد ابن أبي عامر، فقد حجر على الخليفة هشام وأسقط حرمة الخلافة من نفوس الناس، فلما أراد أحد أحفاد ابن أبي عامر تحويل الخلافة إليه ثار الناس واضطرب أمرهم، وكانوا كعقد انفرط، فلا الخلافة موقرة ولا من حلّوا محل الخلفاء يستطيعون ضبط الأمور، وكان ابن أبي عامر قد قتل كل رأس صالح للقيادة، فكان هذا بدء تضعضُع الدولة وانحلال البلاد وتغلَّب الأسبان عليها بلدًا بعد بلد؛ تلمح هذا في شكوى ابن حزم مما أصابه هو وأهل بيته وأصدقاءه من اضطهاد ومصادرة أموال وتشريد؛ لأنهم كانوا من أتباع الدولة العامرية، فلا أمن في النفوس ولا الأموال، ويحكي أنه ألّف كتابه «طوق الحمامة» والنفس مضطربة، والبلاد هائجة، والناس مشردون، والأيام متبدلة، والأموال مصادرة، والأحوال قلقة إلخ.
•••

ثم هو واسع الإطلاع على دخائل قصور الخلفاء بما شاهد وصادق من الطبقة الراقية، وما سمع من أبيه وأصدقاء أبيه مما كان يجري في القصور من دخائل، وقد أشار إلى ذلك كثيرًا. ولكنه كان في روايته لهذه الأحداث مع الأسف متحفظًا سياسة وديانة، وأحيانًا يقول فيما يروي: «حدثني الوزير أبي رحمه الله». ويقول: «رأيت هشامًا المؤيد، ومحمدًا المهدي، وعبد الرحمن المرتضي وأولادهم وإخوتهم ودخلت عليهم، وجالست عبد الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان ابن أمير المؤمنين الناصر». فهذا كله مكَّنه من معرفة واسعة بهذه الطبقة، فيخبرنا عن رحلات لبعض الأمراء كانت بسبب حوادث عشق، وأنّ بعضهم ذهب عقله بسبب الحب، فإذا وصل من ذلك إلى حادث دقيق كنى وستر ولم يستجز التصريح وقال: «اغتفر لي الكناية عن الأسماء، فهي إما عورة لا نستجيز كشفها، وإما أن نرعى في ذلك صديقًا ودودًا أو رجلًا جليلًا، وبحسبي أن أسمِّي من لا ضرر في تسميته، ولا يلحقني والمسمى عيب في ذكره، إما لاشتهار لا يغني عنه الطي، وإما لرضى من المحتقر عنه بظهور خبره وقلة إنكار منه لفعله».
وفي الكتاب نواحٍ أخرى قيمة نكتفي منها بهذا القدر.
? انظر الكتاب القيم «ابن حزم» للأستاذ سعيد الأفغاني.
أخلاق السادة


من الأخلاق التي لفتت أنظار العرب فأكثروا فيها كلامهم وصاغوا منها أدبهم «خلق السيادة» وهو معنى غامض، صعب التعريف والتحديد، يختلف كثيرًا باختلاف البيئة، وباختلاف الحياة الاجتماعية، وباختلاف الصبغة التي تغلب على الشخص والجماعة من حب للمجد، وزهد فيه، ونحو ذلك.
فإذا نحن استعرضنا أركان السيادة في الأدب الجاهلي وجدناها الكرم والشجاعة، فيقول عامر بن الطفيل:
إني وإن كنت ابن سيد عامروفارسها المشهور في كل موكبفما سوَّدتني عامر عن وراثةأبى الله أن أسمو بأم ولا أبولكنني أحمي حماها وأتقيأذاها وأرمي من رماها بمنكب وخلاصة رأيه في السودد أنه يذود عن قبيلته ويحميها أن ينالها شر ويبذل نفسه في الدفاع عنها، فليست السيادة في نظره مجرد الشجاعة، ولكنها الشجاعة في سبيل القبيلة.
وقالت ابنة حاتم الطائي تصف أباها: «إن أبي سيد قومه، كان يفك العاني ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ولم يطلب إليه أحد حاجة فردَّه» فجعلت سيادته في الشجاعة والكرم.
ونقرأ المفاخرات بين السادة في الجاهلية فنراها يدور أكثرها حول المباهاة بالكرم والشجاعة.
وظلت هاتان الصفتان هما دعامتي السيادة في الإسلام وإن لوَّنها بعضهم ببعض. الألوان الأخرى التكميلية، فيُروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: «السيد: الجواد حين يُسأل، الحليم حين يُستجهل، البار بمن يعاشر»، وقيل لقيس بن عاصم: بم سدتَ قومك؟ فقال: «ببذل القرى، وترك المرا، ونصرة المولى» فأضيف إلى الكرم والشجاعة ترك المراء، وبعبارة أخرى الترفع عن الصغائر.
وعدَّ في العصر الأموي من أسود الناس الأحنف بن قيس وسلم بن قتيبة ومحمد ابن القاسم؛ فأما الأحنف فأساس سيادته الشجاعة والكرم والحلم، وقد رشّحه زياد بن أبيه ليتولَّى ثغر الهند فلم يرض معاوية بذلك، وحفظ عليه عدم انضمامه إلى جيش عائشة، ومناصرته لعلي بن أبي طالب، فقال فيه زياد: «إن الأحنف بلغ من الشرف والسودد ما لا تنفعه الولاية ولا يضره العزل».
وعدَّ من أهم أسباب سيادة سلم بن قتيبة جرأته وشجاعته، فقال بعضهم: «كنا نعرف سلم بأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين» أي خمسين أسيرًا.
ومحمد بن القاسم فتح السند والهند وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة فقال فيه الشاعر:
إن السماحة والمروءة والندىلمحمد بن القاسم بن محمدقاد الجيوش لسبع عشرة حجةيا قرب ذلك سوددا من مولد! وأحيانًا كانوا يلحظون في «السيد» لين الجانب وسعة صدره للناس في أن يعيبوه وينقدوه. قال رجل من العرب: «نحن لا نسوِّد إلا من يوطئنا رحله (يريد يخدمنا في حوائجنا) ويفرِّشنا عِرضه (يريد أنه لا يضيق بنقدنا له وعيبنا عليه) ويملكنا ما له» وكما قال المقنع الكندي:
ولا أحمل الحقد القديم عليهموليس رئيس القوم من يحمل الحقداوليسوا إلى نصري سراعا وإن همدعوني إلى نصر أتيتهم شداإذا أكلوا لحمي وفرت لحومهموإن عدموا مجدي بنيت لهم مجدا وأحيانًا يلحظون في السيادة بعد النظر وقوة الفكر وسداد الرأي، وهذا ما لحظوه أيضًا في سيادة الأحنف، فقد كان من أسباب مجده الرأي يصيب والنظر يصدق، وقال الكميت:
رفعت إليك وما ثغرت? عيون مستمع وناظرورأوا عليك ومنك في الــمهد النهى ذات البصائر وقد لحظوا أيضًا أن السادة لا يسودون جميعًا بخصلة واحدة؛ فقد يسود أحدهم بصفة ويسود آخر بغيرها، تبعًا للشخص والظروف التي حوله، فقالوا مثلًا: «ساد الأحنف بحلمه، وساد مالك بن مسمع بحب العشيرة له، وساد قتيبة بن مسلم بدهائه، وساد المهلب بن أبي صفرة بهذه الخلال كلها».
وفي بعض الأوساط عد أكبر ركن للسيادة اصطناع الرجال، وهو ضرب من الكرم، وهو أن يستجلب رضا الناس ببذل العطاء لهم وقضاء حوائجهم، فيكونون أتباعه يجتمعون حوله ويصدرون عن رأيه، وفشا هذا في العصر العباسي وخاصة عند البرامكة، فقد كانت سيادتهم في إسداء البر للناس وتكوين الأشياء والأتباع «رووا أن يحيى بن خالد البرمكي دعا ابنه إبراهيم يومًا، وكان يُسمَّى دينار بن برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضمَّ إليه من كتّابه وأصحابه فسألهم: ما حال ابني؟ قالوا: قد بلغ من الأدب كذا ونظر كذا وكذا (من العلوم) قال: ليس عن هذا سألت. قالوا: قد اتخذنا له من الضياع كذا وغلته كذا. قال: ولا عن هذا سألت إنما سألت عن (سيادته) وبُعد همته، وهل اتخذتم له في أعناق الرجال مِننًا وحببتموه إلى الناس! قالوا: لا. قال: فبئس العشراء أنتم والأصحاب. هو والله أحوج منه إلى ما قلتم. ثم أمر بحمل خمس مئة ألف درهم إليه، ففُرِّقت على قوم لا يُدرى من هم.
ونظر المأمون يومًا إلى ابنه العباس وأخيه المعتصم فرأى ابنه العباس يتخذ المصانع ويبني الضياع والمعتصم يمتلك الرجال، فقال في المعتصم:
يبني الرجال وغيره يبني القرىشتَّان بين قرى وبين رجالقلق بكثرة ماله وضياعهحتى يفرقه على الأبطال فساد المعتصم وضاع العباس.
ووُجد في الإسلام من غلبت عليه النزعة الدينية وأمعن في فهم قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ فربط هذا بالسيادة وجعل السيادة في التقوى. قال ابن الكلبي: قال لي خالد القسري: ما تعدون السودد؟ قال: «أما في الجاهلية فالرياسة (يريد الرياسة على القبيلة) وأما في الإسلام فالولاية (يريد ولاية أمور المسلمين بالخلافة أو ولاية مدينة أو إقليم)، وخير من ذا وذلك التقوى».
? يقال ثغر الغلام إذا سقطت أسنانه الرواضع.
من الأقوال المأثورة: في الأدب الغربي والعربي


من الإنجليزية والأمريكية

«حكومة المحافظين نفاق منظم».
سأل قسيس رجلًا: لماذا ينجح الممثلون أكثر مما ينجح الواعظون؟ فقال: «إن الممثلين يتكلمون عن الأشياء الخيالية كأنها حقيقية، والواعظين يتكلمون عن الأشياء الحقيقية كأنها خيالية».
«إن قبلة من أمي جعلتني فنانًا».
«إن المعرفة الإنسانية ليست إلا جهلًا مبوَّبًا».
«كل عقلاء الناس على دين واحد».
«قد يصح للإنسان أن يغير رأيه ولكن لا يصح له أن يغير مبدأه».
«يجب أن يصرف الإنسان بعض زمنه مع الضاحكين».
«السفير رجل أمين أرسلته دولته إلى الخارج ليكذب لها».
«كل إنسان يستطيع أن يعمل أي عمل عمله الآخر».
«أراد ابن أن يقرأ لأبيه فقال الأب: اقرأ لي كل شيء إلا التاريخ فإنه باطل».
«إنما يُعتذر عما لا يمكن تغييره».
«الاغتيال لا يغير تاريخ العالم».
«الجامعة يجب أن تكون مكان الضوء ومكان الحرية ومكان العلم».
«كن عادلًا وأنت لا تخشى شيئًا».
«الكتب والكنائس والحكومات هي ما نعمل».
«قد لا يكون للعرف حكمة القانون ولكنه أحب إلى الناس».
«الديمقراطية كالقبر لا ترد ما تأخذ».
«الخلاف في الدين يُنتِج من الخصومة أكثر مما يُنتِج الخلاف في السياسية».
«يقول المثل الفرنسي: أجناس الناس ثلاثة: الرجل والمرأة ورجل الدين».
«أداء الواجب يحدد القدر».
«لكل إنسان ثمنه».
«في السياسة ليست هناك كلمة أخيرة».
«القوة ليست علاجًا».
«كثيرًا ما ترتقي الصداقة إلى حب، ولكن الحب لا يهبط أبدًا إلى صداقة».
«أنا فقير وفقير جدًا ولكن ملك إنجلترا ليس له من الثروة ما يستطيع بها أن يشتريني».
«حريتي أو موتي».
«الشكر على نعمة الماضي أمل في نعمة المستقبل».
«الأشياء العظيمة لا تُرى إلا على بعد».
«لو خدمت الله نصف ما خدمت ملكي لأسبغ عليَّ نعمته في آخر أيامي ولم يتركني لأعدائي».
«ليست السعادة غاية الحياة بل الخلق».
«الناس لا يقدِّرون البساطة حق قدرها مع أنها مفتاح القلب».
«إذا تحققت كل رغباتنا ضاعت أكثر لذائذنا».
«إذا صُوبت كل سيوف إنجلترا إلى رأسي لم يحرك ذلك من نفسي».
«إذا كان لي ابن اجتهدت أن أعلِّمه الفرنسية والألمانية أما اللاتينية واليونانية فترف».
«إذا أغرقنا كل المادة الطبية في قاع البحر كان ذلك خيرًا على الإنسان وشرًا على البحر».
«الجهل لا يحسم نزاعًا».
«سأحاول ما عشت أن أخدم إلهي وملكي ووطني، ولذلك سيسكنني الله مع من أحبوه».
«لقد وهبت حياتي للقانون والسياسة، أما القانون فأمر مشكوك فيه، وأما السياسة فلا شك أنها عبث».
«قال أمير وهو يحتضر: لقد ملكت المال والجاه والقوة، ولكن إذا كان هذا كل ما أملك فتعسًا لي».
«لقد سمعت أن شيئين سالبين يكونان موجبًا، ولكن لم أسمع أن لا شيء ولا شيء يكونان أي شيء».
«لقد تعلمت أخيرًا أن لا شيء يصح أن يؤخذ قضية مسلَّمة».
«لقد اقتنعت أن عظمة إنجلترا واستقرار أساس شئونها إنما هو في أمريكا».
«ما فائدة التاريخ وأقوال الحكماء وتجارب السلف إذا لم تكن دليلًا هاديًا للخلف»؟
«لقد تعلمت من الحديث مع الناس أكثر مما تعلمت من كل ما قرأت».
«في الأمة الناجحة يكون التغير دائمًا».
«الأفراد قد يكونون جماعات ولكن النقابات هي التي تكِّون الأمة».
«لم يبلغ إنسان ما من الشر مبلغًا لا يستطيع معه أن يأتي بخير».
«ثورة الأفكار تأتي دائمًا قبل ثورة الجيوش».
«ما أسفت على شيء أسفي على أن لي حياة واحدة أهبها لقومي».
«الصلح الظالم خير من القتال العادل».
«أن تنقد أسهل من أن تُنشئ».
«قد يكون بعض النساء أذكى من بعض الرجال، ولكن هناك مستوى سموٍّ لا يصلن إليه أبدًا».
«من الصعب قيادة مجلس النواب، وأصعب من ذلك إدارة مجلس الوزراء، ولكن أصعب من الجميع قيادة جيش».
«كل الأشياء سواء في النهاية».
«الحب كمرض الحصبة، خطر إن جاء متأخرًا عن زمنه».
«الطبيعة تعمل أكثر مما يعمل الطب».
«لا تنس ما قاله لك إنسان وقت غضبه».
«الكتب أجمل أثاث ولو لم تفتحها أو تقرأ منها كلمة».
«قد لا يستطيع إنسان أن يقدم لأمته خدمة جليلة ما لم يضح بالفضائل الصغيرة».
«لا يستطيع صديق حق أن يهنئ صديقه على توليه رياسة الحكومة، فإن كل تصرف يتصرفه يزيد عدد أعدائه».
«لا شيء يؤثر في الأطفال كالثناء عليهم».
«كان لنيوتن كلب اسمه دياموند، أفسد يومًا أصول تأليف له قيم. فلم يزد على أن قال: «دياموند! دياموند! قلما تعرف مقدار ما آذيتني»».
«سُئل «ملتن»: هلا تعلِّم ابنتك لغة أخرى؟ فقال: لسان واحد يكفي المرأة».
«إنه وطننا أخطأ أم أصاب، أساء أم أحسن».
«الحب في الأسرة أساس للحكومة الطيبة».
«الكلام في البرلمان، كالعزف على الكمان، يحتاج إلى مران».
«الحزب فكرة منظمة».
«الشعر بلاغة الدين وحرارته».
«الشعر مهنة الكسالى».
«إنما ينجح الشعراء في التخيلات لا في الحقائق».
«إن أردت أن ترى المستحيل ممكنًا فاقرأ الجرائد».
«إن مالك الأرض عليه واجب يؤديه، كما أن من حقه أجرًا يقتضيه».
«عصيان الظالم طاعة لله».
«الثورة لا تتراجع».
«السخرية أصح امتحان للحقيقة».
«قيل لهنري كليي Clay: إن القضية التي تدافع عنها تبعدك عن منصب الرياسة، فقال: إني أحب أن أكون محقًا أكثر مما أحب أن أكون رئيسًا». «ست ساعات نوم كافية للرجل، وسبع للمرأة، وثمان للمغفل».
«بعض الناس لهم مال كثير ولا عقل، وبعضهم له عقل كبير ولا مال، ولا شك أن الأولين خلقوا للآخرين».
«بعض الناس يحمل بين جنبيه كتابًا واحدًا، وبعضهم مكتبة».
«إن كان القلب طاهرًا فلا يهم ما في الرأس».
«احفظ القرش والجنيه يحفظ نفسه».
«كانت آخر كلمة قالها نلسون: «الحمد لله، قد أديت واجبي»».
«ما يُسمَّى ثباتًا في العظماء يُسمَّى بلادة في الحمير».
«عمل اليوم سابقة الغد».
«إن معركة «واترلو» كُسبت في ملعب كلية إيتون».
«خير ما خلقت لأولادي حرية القول وإعطاؤهم المُثُل كيف يستعملونها».
«أحسن الأطباء هم الدكتور «حمية» والدكتور «راحة البال» والدكتور «سرور»».
«كلما عظمت الحقيقة عظم نقدها».
«الشعب لا يتخلى عن حريته إلا بضرب من الخداع».
«أساس النجاح المثابرة على السير نحو الغرض».
«العالم ملهاة لمن يفكر، مأساة لمن يشعر».
«العالم ليس إلا سجنًا كبيرًا يُنفَّذ حكم الإعدام كل يوم على بعض من فيه».
«عند ما ينتهي القانون يبدأ الاستبداد».
«يبقى الأمل ما بقيت الحياة».
«لماذا نحرص على الحياة وأولها صراخ وآخرها أنين».
«اكسب قلوب الناس تكسب مالهم».
«للنساء فِهْم القلب، وهو خير من فِهْم العقل».
من الأدب الفرنسي

«لا شيء يستحيل على القلب الشجاع».
«عند كل امرأة دائمًا شيء تخفيه».
«خير أن تعيش صيادًا فقيرًا من أن تَحكُم».
«فرِّق تحكم».
«بين الجليل والهزأة خطوة».
«قابل كل شيء بجد، ولكن لا تقابل شيئًا بحزن».
«الصديق كالقطعة من الأثاث يُغيَّر إذا بَلِي».
«لا جديد إلا ما نُسى».
«بين لا شيء والواحد أكثر مما بين الواحد والألف».
«إني أحب أسرتي أكثر مما أحب نفسي، وأحب وطني أكثر مما أحب أسرتي، ولكني أحب الإنسانية أكثر مما أحب وطني».
«أحمد الله إذ لم يجعلني امرأة ولا قسيسًا».
قال جسّندي «الفيلسوف الفرنسي» وهو يحتضر: «لقد وُلدت ولا أعرف لماذا، وعشت ولا أعرف كيف، وها أنا أموت ولا أعرف لماذا ولا كيف».
«الثقة يجب أن تأتي من أسفل، والقوة يجب أن تأتي من أعلى».
قال ميرابو وهو يموت: «دعوني أَمُت على صوت الموسيقى».
«الصقر يطير من قمة إلى قمة حتى يصل إلى برج «نوتردام»».
«الحب مَلِك للشباب وطاغية للشيوخ».
«الحب أقوى من الصعاب التي تعترضه».
«ليس النبوغ إلا قدرة على الصبر».
«الملك العادل عبد لرعيته الحرة».
«قال نابليون وهو يجهز حملته على مصر: «لا تُصنع الأسماء العظيمة إلا في الشرق»».
«لا يُنال النصر بالأيدي بل بالأقدام».
«ملعقة من عسل تصيد من الذباب ما لا يصيده عشرون دنَّا من خل».
«شرط السعادة معدة صحيحة وقلب مريض».
«من أجل أن تنجح أمة في الحرب يجب توافر ثلاثة شروط: الأول المال والثاني المال والثالث المال».
«احتفل قوم بعيد سمُّوه عيد العقل فقال «دانتون»: ما هذه المهزلة! لسنا نريد القضاء على الأوهام لنؤسس الإلحاد».
«لا تَسأل عن الإصطبل إذا كان البيت يحترق».
قال نابليون لجيشه عند ما وضع أقدامه في مصر: «اذكروا أن أربعين قرنًا تنظر إليكم من قمة هذه الأهرام».
«المرأة غالبًا هوائية لا يثق بها إلا أحمق».
«الممالك بلا عدل غابات مُلئت باللصوص».
«من خاف من حفيف الشجر لا يدخل الغابة».
«من لم يعرف أن ينافق لم يعرف أن يحكم».
قال لويس الحادي عشر: «إذا عرفت قبعتي سرى أحرقتها».
قالت زوجة لويس الخامس عشر في مرض الموت وطبيبها يبحث عن علاج لمرضها: «ارجع لي أبي وأولادي فهذا هو علاجي».
فولتير: «إذا لم يكن الله موجودًا وجب أن نخترعه».
«إذا ملأت يدي من الحقائق يجب أن أحاذر من فتحها».
«إذا كان المال عصب الحرب فهو أيضًا شحم السلم».
«الدين مريض أهمله أطباؤه».
«عجبك بمنصبك دليل على أنك أقل منه».
قال رابليه وهو يحتضر: «أرخ الستار فالملهاة Comedy قد انتهت». «حفل ولا مرأة ربيع ولا ورد».
«كل شيء للوطن ما كان الوطن في خطر».
«كل أمة لها حكومتها التي تستحقها: «كما تكونوا يُولَّى عليكم»».
«كل شيء إلى زوال إلا الشرف».
قال لويس الرابع عشر: «في كل مرة أملأ منصبًا خاليًا أصنع مئة ساخطين وواحدًا غير شاكر».
«نفسي حقيرة جدًّا إن نظرت إليها وحدها، عظيمة جدًّا إن قارنتها بغيرها».
«كان ليوناني قيثارة بديعة، انقطع وتر من أوتارها، فأبى أن يصنع لها وترًا مثله وصنع بدلًا منه وترًا من فضة ففقدت القيثارة انسجامها».
«الثورة لا يمكن أن تهيأ رياضيًّا (بالحساب الدقيق)».
«الجندي الذي لا ينام جيدًا يساوي جنديين».
من الأدب الألماني

«فن العمارة موسيقى متجمدة».
«عندنا، لا تنجح إلا حكومة بلا حزب».
«الغريب في نظرنا عليه مسحة أرستقراطية دائمًا».
«الجيش الألماني هو الشعب الألماني مسلحًا».
«من المصائب أن ملوكنا لا يسمعون الحقيقة».
«قد يكون الدواء أسوأ من الداء».
«يجب أن يأخذ العدل مجراه ولو هلك العالم».
جوليس فردريك: «كلمة السلام ليست في معجمي».
بسمارك: «إذا كان الألماني من حزب الأحرار لم أعده ألمانيًّا ولا حرًّا».
«ليست السياسة علمًا مضبوطًا».
«الدعوة إلى الخوف لا تجد لها صدى في قلب الألماني».
«الحصان الشجاع يموت في الخندق».
«سيأتي زمن يحكم الأحرار، وسيأتي زمن يحكم الدكتاتوريون، كل شيء يتغير ولا أبدية في الأمر».
«لا بد أن يكون هناك سحر خاص في كلمة «ألماني»».
«الدفاع عن ألمانيا بكل الوسائل حق كل ألماني».
«في المعاملات «المالية» ليس للصداقة مكان».
«رفض طحَّان أن يبيع طاحونته فقيل له إن الملك يستطيع أن يأخذها غصبًا بدون ثمن، فقال: «نعم، ذلك إذا لم يكن في برلين قضاة».
«تعوَّد أن تتألم ولا تشكو».
«قال جوته وهو يجود بنفسه: «الضوء! الضوء! افتحوا النوافذ ليزيد الضوء»».
«نهاية مع رعب خير من رعب بلا نهاية».
(في الأدب الألماني): «القوة قبل الحق». (وفي الفرنسي): «القوة فوق الحق».. وفي اليوناني: «القوة هي الحق». وفي جمهورية أفلاطون على لسان «تراسيماكوس»: «حجة الأقوى أقوى حجة».
بسمارك: «السياسة الخارجية لا تجري على النظريات القانونية».
«لكل حالة جديدة سياسة جديدة».
«السكينة أول واجبات المواطن».
بسمارك: «سياستنا أن قدمًا من أرض ألمانيا لا تُفقد، وذرة من حقوق ألمانيا لا تضحي».
«نحن الألمان نخشى الله ولا نخشى غيره».
من الأدب اليوناني

«أول دروس الفلسفة أن تعرف الوقت المناسب لكل شيء».
«أشعل «ديوجينيس» مصباحه في الظهر فسئل: ماذا يصنع؟ قال: «أفتش عن إنسان»».
«دُعي إسبرطي ليسمع من يقلد صوت العندليب فقال: «لقد سمعت الأصل»».
«خير أن تموت سريعًا من أن تحيى في انتظار الموت».
«معنى أن لنا أذنين ولسانًا واحدًا أن نسمع أكثر مما نتكلم».
نهى «أجيسيلوس» وهو يحتضر أن يقيموا له تمثالًا، ثم قال: «إن كنت فعلت خيرًا فسيَحسُن ذكري في الآخرين، وإلا فتماثيل العالم كله لا تغني».
قال الإسكندر وقد رأى ديوجينيس الزاهد: «إذا لم أكن الإسكندر لتمنيت أن أكون ديوجينيس».
ذكروا أن مدن اليونان لم تسقط بقوة فيليب بل بذهبه، فقيل في ذلك: «سلح نفسك بأسلحة من الفضة لا يقف أمامك عدو».
««كاتو»: لأن يسأل الناس: لِمَ لَمْ يقيموا له تمثالًا؟ خير من أن يسألوا: لم أقاموا له تمثالًا»؟
«وجدتها وجدتها»..
«كلمة مأثورة عن أرشميدس وقد صاح بها عند اكتشافه نظريته في الوزن النوعي».
«أسوأ حاكم من لم يستطع أن يحكم نفسه».
«الأصدقاء شركاء في كل شيء».
«قيل لأفلاطون: اضرب هذا الغلام لأنه غضوب. فقال: لو لم أكن غضبت لضربته».
وقف الإسكندر على ديوجينيس فسأله الإسكندر: «ماذا يطلب ليحققه له؟». قال: «أن تتنحى قليلًا فلا تحجب الشمس عني».
«سأل رجل سقراط: أأتزوج أم لا؟ فقال: أي الأمرين فعلت ندمت عليه».
«قيل ليوليوس قيصر: أي نوع من الموت خير؟ قال: الموت المفاجئ».
«من عرف أن يتكلم وجب أن يعرف أيضًا متى يتكلم».
«إذا لم يكن جلد السبع فجلد الثعلب».
«قرأ يوليوس قيصر تاريخ الإسكندر فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أليس مما يبعث الأسى أن أرى الإسكندر يتغلب على هذه الأمم في شبابه وأنا لم آت بعد بعمل جليل»؟
«أشار بعض القواد على الإسكندر أن يُغِير على الجيش الفارسي ليلًا فقال: «أنا لا أسرق نصري»».
«وضعك الصديق موضع الاختبار ليس أقل إثمًا من وضع الحكومة قوادها موضع التجربة».
«الإسبرطي لا يسأل عن عدد أعدائه، ولكن يسأل أين هم»!
«سئل أجيسيلوس: أيهما خير، العدل أم الشجاعة؟ فقال: «لسنا نحتاج إلى الشجاعة إذا عم العدل»».
«إنك لا تستطيع أن تعاند إرادة الله».
«لا عجب أن يتحمل النساء مسئولية الحكم إذا خاف الرجال من أن يكونوا أحرارًا».
قال سقراط: «لست ابن أثينا ولا ابن اليونان، ولكني ابن العالم».
قال فيليب المقدوني لابنه وقد أجاد الضرب على القيثارة في حفل: «ألا تخجل من إجادتك اللعب»؟
ومثله قول الآخر: «يجب أن يكون هذا إنسانًا وضيعًا، وإلا ما أجاد الزمر».
كان ليسندر حاكمًا ظالمًا قاسيًا فقال قائلهم: «لا يمكن لليونان أن تلد اثنين كليسندر».
قال الإسكندر (II): «كما أن الأرض لا تتحمل شمسين كذلك آسيا لا تتحمل حاكمين». «الحرب لا تحتمل من القائد غلطتين».
«وظيفة راعي الغنم الجيد والملك الجيد سواء».
«اضرب كما تشاء ولكن اسمع مني».
قال الملك أجيس وقد قدم ليُعدم فبكى بعض أصدقائه: «استبق دموعك يا صديقي فإني وأنا أُقتل ظلمًا أحسن حالًا من قاتلي».
«سمع «مينيدموس» رجلًا يقول: ما أحسن أن ينال الإنسان ما يشتهي! فقال: أحسن منه ألا يشتهي الإنسان إلا ما كان ضروريًّا».
«طلب رجل من «ليكورجوس» أن ينشئ لإسبرطه نظامًا ديمقراطيًّا، فقال له: أنشئ الديمقراطية أولًا في بيتك».
«حب الملل منبع كل شر».
«نفس المحب تسكن في بدن المحبوب».
«عيَّر شريف رجلًا بأنه ليس ذا نسب عريق فقال الثاني: إن أسرتي ابتدأت بي وأسرتك انتهت بك».
قال سقراط: «الناس يعيشون ليأكلوا وأنا آكل لأعيش».
«العبيد يُحكمون بسادتهم، وضعاف الناس يُحكمون بأهوائهم».
«جيش من وعول عليها أسد أشد إرهابًا من جيش من أسود عليها وعل».
«من العسير أن تجعل المعدة تصغي إلى العقل».
«قال ثيمستوكليس لزوجته وقد رأى ابنه يستغل ضعفها: أيتها المرأة إن الأثينيين يحكمون اليونان، وأنا أحكم الأثينيين، وأنت تحكمينني، وطفلك يحكمك، فلا تدعيه يسيء قوته، فهو في سذاجته أقوى من اليونان مجتمعة.
«ونحوه قول «كاتو» في قوة المرأة: «الرجال يحكمون نساءهم، ونحن نحكم كل الرجال، ونسائي يحكمنني»».
ونحوه القول الفرنسي: «فرنسا تحكم العالم والمرأة تحكم فرنسا».
من الأدب الإيطالي

«أنا لا أومن بالجغرافيا».
«قال البرنس أوتوراتو كايتاني أثناء رياسته للجمعية الجغرافية الإيطالية، وأصلها للدوق ميكلا نجلو وقد عرض عليه رجل ثقيل كتابًا في الجغرافيا بثمن غال وألحَّ عليه فقال: «إني آسف! فأنا لا أومن بالجغرافيا».
«الحكومة الملكية توحدنا، والجمهورية تفرقنا».
«(علم) الحساب ليس رأيًا». قالها وزير مالية في البرلمان بعد أن استقال إثر مشادة، وقد نُصح باحترام الآراء المختلفة فقال: «إني أحترم كل الآراء وإن اختلفت، ولكن الحساب ليس رأيًا» يعني أن الأرقام والإحصائيات فوق الآراء التي تعتمد على الجدل.
«ولدت حرًّا وعشت حرًا وسأموت حرًّا». كلمة كتبت على وسام ضرب في روما.
«إيطاليا ستشق طريقها». قالها كارل ألبرتو (????–????).
«أجيب بأني لا أجيب». قالها وزير زراعة في البرلمان.
قال رجل لوزير في عهد جريجوري السادس عشر: إن السجون امتلأت بالمجرمين السياسين، فقال الوزير: «إذا كانت السجون ملأى فالقبور فارغة».
من الأدب اللاتيني

«اللعبة انتهت». قالها فيلسوف وهو يحتضر إشارة إلى أن الحياة لعبة، ومثلها يُنسب إلى أوغسطس (?? قبل الميلاد — ?? بعد الميلاد) وقد سأل أصدقاءه وهو يجود بنفسه: هل أجدت لعب دوري في الحياة؟
قال أرسطو: «أفلاطون عزيز عليَّ. ولكن الحق أعز عليَّ منه?». «ألا تعلم يا بني أن العالم محكوم بقليل من الحكمة».
«من عجَّل عطاءه فقد ضاعفه».
كان من عادة الرومان القدماء إذا انتصر قائد أن يكرموه، فيركبوا مملوكًا خلف عربته يقول له وسط هتاف الجماهير: «حاذر أن تسقط».
«لقد خسرت يومًا». قالها الإمبراطور «تيتوس» وقد ذكر أنه مر عليه اليوم لم ينفع فيه أحدًا.
«أنا ملك الرومان وفوق النحو». قالها الإمبراطور سيجسموند وقد أخطأ في قواعد النحو فنُبه إلى خطئه.
«اعدل ولو انطبقت السماء على الأرض».
«الرجل الشجاع يهضم الأشياء القاسية».
«أرت امرأةٌ امرأةً أخرى جواهرها الغالية، فقالت الثانية وأشارت إلى أولادها: «هذه هي جواهري»».
«تذكر أنك إنسان». أسرَّها مملوك لسيده القائد الظافر والناس يهتفون له.
«لقد قضيت حياتي مشغولًا ولم أعمل شيئًا»! قالها هوجو جروتيوس وهو يحتضر.
«ليس يسعد أحد ما دام هناك الموت».
«ما من كتاب مهما قبح إلا وفي بعضه فائدة».
قال بلوتارك في ترجمة أحد رجاله إنه كان يحدث عن نفسه أنه: «قام بأعظم أعماله في أوقات فراغه».
سئل «ستلبو» أحد فلاسفة اليونان وقد نُهبت بلدته: هل فقدت شيئًا؟ فقال: «لا، كل ما أملك معي».
«ما أقدسك أيتها البساطة»!
«إن الأمير الذي لا يعاقب الدساسين يشجعهم».
«إذا كنت في روما فافعل ما يفعل الرومان».
«من لم يعرف أن يتصنع لم يعرف أن يحكم».
«من أوعز بالعمل فعُمل كان مسئولًا كما إذا عمل».
«السكوت رضا».
«إذا عشت وفقًا للطبيعة لم تكن فقيرًا أبدًا، وإن عشت وفقًا للأوهام لم تكن غنيًّا أبدًا».
«دعهم يكونوا كما هم أو لا يكونوا أبدًا». كلمة قالها رئيس الجزويت وقد طُلب منه أن يغير في نظامهم.
«هل دائمًا تثور أيها الجزار»! كلمة وجدت مكتوبة للأمبراطور أوغسطس وقد همَّ بالأمر بقتل عدد من رجاله. فلما قرأها كف عن القتل.
«لقد تسلمت روما طوبًا وخلَّفتُها مرمرا».
«أتيت فرأيت ففتحت». كلمة تنسب إلى يوليوس قيصر بعث بها في وصف غزوة انتصر فيها.
من الأدب العربي

«إن من البلية أن يكون الرأي بيد من يملكه، دون من يبصره». قالها المهلب بن أبي صفرة وقد أمره الحجاج بأمر في الحرب لم يره في المصلحة، وكان المهلب هو القائد، والحجاج هو الأمير.
«الحرب أولها شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى». تنسب لعنترة.
«الشر حلو أوله، مر آخره».
«كثرة الصياح من الفشل». لأكثم بن صيفي.
ومثله قول عائشة يوم الجمل وقد رأت أصحابها يتنازعون ويتصايحون: «المنازعة في الحرب خور والصياح فيها فشل».
«احرص على الموت توهب لك الحياة». قالها أبو بكر لخالد بن الوليد.
«بقية السيف أنمى عددًا وأطيب ولدا». قالها علي بن أبي طالب، ويريد ببقية السيف القوم دافعوا عن أنفسهم بالسيف، ومات أكثرهم في القتال، وبقيت منهم بقية.
«قبلة الإمام في اليد، وقبلة الأب في الرأس، وقبلة الأخ في الخد، وقبلة الأخت في الصدر، وقبلة الزوجة في الفم».
«أناة في عواقبها فوت خير من عجلة في عواقبها درك». المهلب بن أبي صفرة.
«كن كالتاجر الكيِّس إن وجد ربحًا تجر، وإلا تحفظ برأس المال». قالها عبد الملك بن مروان ينصح أميرًا ولَّاه حرب الروم.
«لو غضب «مالك» لغضب معه مئة ألف سيف لا يسألونه في أي شيء غضب». قالها ابن مطاع العنزي وقد استوصفه عبد الملك بن مروان مالك بن مسمع، فلما سمعها عبد الملك قال: هذا والله السؤدد.
«إن لله خلقًا قلوبهم كقلوب الطير كلما خفقت الريح خفقت، فأفٍّ للجبناء». عائشة في وصف الجبان.
«كان الناس يفعلون ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ويفعلون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون». عمر بن الحارث.
«أفضل العطاء ما كان من معسر إلى معسر».
«الأيام مزارع، فما زرعت فيها حصدته».
«إن الله عوَّدني أن يتفضل عليَّ، وعوَّدته أن أتفضل على عباده». عبد الله بن جعفر.
«من أصابه غبار مركبي فقد وجب عليَّ شكره». خالد بن عبد الله القسري.
«طلب جسيمًا، وركب عظيمًا، ومات كريمًا». قالها يزيد بن عبد الملك في وصف يزيد بن المهلب، وقد نال منه بعض الحاضرين فقال: إنه … إلخ.
«إن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي». قالها يزيد بن المهلب وقد أعطى أعرابية شعثة ثمان مئة درهم. فقال له ابنه: إنها لا تعرفك.
«التثبت نصف العفو». قالها أبو مجلز لقتيبة بن مسلم وقد اتهمه ببعض الأمر فقال أبو مجلز: أصلح الله الأمير، تثبت فإن التثبت إلخ.
«الذنوب تخرس الألسنة».
حبس الرشيد رجلًا فكتب إليه: «إن كل يوم يمضي من نعيمك يمضي مثله من بؤسي، والأمد قريب، والحكم لله».
«ما رأيت أشرف نفسًا من الفرزدق، هجاني ملكًا ومدحني سوقة»! يزيد بن المهلب.
«ذلك علم حُمل، وهذا علم استُعمل». قالها المهلب وقد سُئل: بم أدركت ما أدركت؟ قال: بالعلم. قيل له: فإن غيرك قد علم أكثر مما علمت ولم يدرك ما أدركت فقال إلخ.
«لا أوعظ من قبر ولا أمتع من كتاب».
«كنت إذا أخذت كتابًا جعلته مِدْرعة». قالها محمد بن عبد الله بن عمر وقد سُئل عن سبب تميزه في العلم.
«الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان».
«ارحموا عزيزًا ذَل، وارحموا غنيًّا افتقر، وارحموا عالمًا ضاع بين جهال».
«رأي الشيخ خير من مشهد الغلام».
«لو كان للناس كلهم عقول خربت الدنيا». الحسن البصري.
«سارق السريرة يقطع سارق العلانية». قالها عمرو بن عبيد وقد رأى حاكمًا يقطع يد سارق.
«إني أجلُّ عن دقيقك وتدقين عن جليلي». قالها نوفل بن مساحق وقد نقدته امرأته لأنه لا يكلمها.
«ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية». قالها شبيب بن شيبة في ذم خالد بن صفوان يقول: إنه صهيب غير محبوب.
«كل واحد ينفق مما عنده». تنسب إلى المسيح وقد مر بقوم من اليهود فقالوا شرًا وقال خيرًا، فسُئل في ذلك فقالها
«ما استبَّ اثنان إلا غلب ألأمهما».
«إياك وعزة الغضب فإنها تصيرك إلى ذُلِّ الاعتذار».
«أنا ابن نفسي». قالها رجل وقد تكلم بكلام أعجب عبد الملك بن مروان فسأله عن نسبه.
«لو علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه». قالها عبد الملك بن مروان في وصف خصمه مصعب بن الزبير.
«لا مرحبًا بهذه الوجوه التي لا تُرى إلا في كل شر». قالها عمر بن الخطاب في قوم يتبعون رجلًا أُخذ في ريبة.
«إني لأبغض شِقِّي الذي يليه إذا جلس إليَّ». قالها رجل في وصف ثقيل.
قيل لبعض الولاة: كم صديقًا لك؟ قال: «لا أدري! الدنيا مقبلة عليَّ والناس كلهم أصدقائي وإنما أعرف ذلك إذا أدبرت عني».
«لا يضيق سَم الخياط بمتحابين، ولا تسع الدنيا متباغضين». الخليل بن أحمد.
«تواضعك في شرفك أكبر من شرفك». ابن السماك لعيسى بن موسى.
«من لم يجلس في الصغر حيث يكره لم يجلس في الكبر حيث يحب».
«المرء يصنع نفسه، فمتى ما تَبْلُهُ ينزع إلى العرق». قالها حفص بن النعمان.
«لو جُمعت قريش من أقطارها ثم رُمي به في وسطها لخرج من أي أعراضها شاء». هند تصف مهارة ابنها معاوية.
«لن يفرس الليث الطُّلا وهو رابض (الطُّلا الأعناق)».
«كل كريم طروب». معاوية وقد حرَّك رجله من سماع غناء، فسُئل عن تحريك رجله فقالها.
«قلة العيال أحد اليسارين».
«أعظم المصائب انقطاع الرجاء».
«إن أعظم ما أخاف الله فيه ما كنت أصنع لك». معاوية لابنه يزيد وهو يحتضر.
ونكتفي بهذا النموذج من الأدب العربي، فهو في هذا الباب مليء.
? عدت هذه الكلمة لاتينية؛ لأنها رويت في اللاتينية ولم يعثر على أصلها في اليونانية.
زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث: الشيخ محمد عبده


(????–????هـ/????–????م)
يعتمد نبوغ النابغ على عنصرين أساسيين: استعداده الفطري، أو بعبارة أخرى طبائعه الموروثة، وبيئته التي عاش فيها، كالشجرة الطيبة إنما تُنبِت نباتًا حسنًا إذا حسنت بذرتها، ووجدت من التربة والهواء والماء ما يصلح لها، فإن كانت البذرة سيئة فلا أمل في شجرة ممتازة، وكذلك إن حسنت البذرة وساء الغذاء.
وقوانين الوراثة في الإنسان في منتهى التعقد: ماذا يرث من أبيه؟ وماذا يرث من أمه؟ وماذا يرث من آبائه الأقربين؟ وماذا يرث من آبائه الأبعدين؟ كل هذا لا يزال غامضًا مع عناية علماء الوراثة بالبحث والتقصي.
على كل حال ورث «محمد عبده» صفات نشأ عليها، وساعدت بيئته على نموها، أهمها ثلاث: الذكاء، والثقة بالنفس والاعتداد بها، ويتبع ذلك حب التفوق والعطف.
من أين نبعت هذه الصفات؟ من تركمانية أبيه كما يقال، أو من عربية والدته إذ يقال إنها من بني عَدِي. ولكن ما هذا ولا ذاك بكاف، ففي كل من التركمان والعرب الذكي والغبي والعزيز والذليل. ولا نستطيع أن نتثبت من موضع الوراثة حتى تكون على علم بآبائه وأمهاته فردًا فردًا، وأنَّى لنا هذا؟ فليس لنا إذن إلا أن نقول إنه هكذا خُلق.
ثم كم من الفلاحين الفقراء في الحقول، وصغار الصناع في المصانع، من ورث من الصفات ما ورث الشيخ محمد عبده بل خيرًا مما ورث، ولكن لم تسعفهم البيئة وقضت عليهم، وعاشوا وماتوا لم يشعر بهم أحد. ولو وجدوا من الظروف ما وجد الشيخ محمد عبده وأمثاله لظهر نبوغهم وعلا اسمهم وآمن الناس بتفوقهم، والناس كالكنوز المدفونة، أحيانًا يُقضى عليها بالدفن الأبدي، وأحيانًا يُعثَر عليها فتكون مصدر ثراء. وفي عصر الشيخ محمد عبده إلى عصرنا لم تسعفنا نظم التربية وحالة البلاد الاجتماعية لنستكشف الأحجار الكريمة، بل هي في أغلب الأحيان نعمل على دفنها في الرمال.
لا تعجبن من هالك كيف توىبل فاعجبن من سالم كيف نجا هذا هو محمد عبده ينشأ في قرية من قرى الريف كما ينشأ ابن كل فلاح في ذلك العصر، فإذا كان لأبيه بعض اليسر وبعض الوجاهة وبعض الدين علَّم ابنه في الكتَّاب، ثم بعث به إلى الأزهر أو إلى معهد ديني، وكذلك فعل أبوه فأرسله إلى الجامع الأحمدي بطنطا لقربه من بلده، وليجوِّد القرآن بعد أن حفظه ثم ليتعلم العلم، فأما تجويد القرآن فأمر ميسور، يسمع ما تيسر فيأخذه الشيخ بضبط مخارج الحروف ومقاييس لمد والغنة والإدغام وما إلى ذلك. وأما العلوم التي يدرسها فطرقها في منتهى العقم على المبتدئ أن يقرأ على شيخ كتابًا في الفقه وكتابًا في النحو، وأمر الفقه مُحتمَل، فهو يبدأ يعلِّمه في دقة كيف يتوضأ وكيف يصلي، وهو أمور مارسها في حياته العملية، فمن السهل التدقيق فيها ما دام الأساس معروفًا. أما النحو فهو الطامة الكبرى، فهو لا يُعلَّم كما نُعلِّمه نحن اليوم، فنبدأ بأن الكلمة اسم وفعل وحرف، ونأخذ في مميزات كل منها، إنما كان يعلم كما في كتاب «الكفراوي على الأجرومية» وأول درس فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: الباب حرف جر واسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أؤلف، وأؤلف فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، هذا إن جعلت الباء أصلية، وإن جعلتها زائدة فلا تحتاج إلى متعلق به وتقول في الإعراب حينئذ: الباء حرف جر زائد، واسم مبتدأ مرفوع بالابتداء وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والخبر محذوف تقديره اسم الله مبدوء به. إلخ.
باسم الله ما شاء الله! هذا أول درس لمن لم يعرف في النحو شيئًا، فلو أن متكلمًا تكلم بالسريانية لكان أهون، وكيف يستسيغ هذا وهو لم يسمع قبل إعرابًا ولا رفعًا ولا نصبًا ولا جرًا ولم يُفهَم لها معنى. ومثل هذا مثلٌ كنا نتضاحك عليه وكان أعجوبة الأعاجيب، وهو أن مدرسًا في مسجد سيدنا الحسين كان يعظ النساء اسمه الشيخ يوسف، وكان يجلس ويتحلق حوله عوام النساء للتبرك فيقرأ عليهن حديثًا من الأحاديث النبوية ويأخذ في شرحه، ولكنه ينسى أنه يدرس لنساء أميات جاهلات، أو لا يستطيع ذوقه أن يدرك مقتضى الحال وما يصح أن يُقال وما لا يُقال، فيتساءل في أثناء شرحه: «لم حذف المسند إليه»، فيكون الكلام كتلاوة اللاتينية في الكنائس لمن لم يعرف كلمة لاتينية، أو خطبة الجمعة بالعربية على أتراك لم يعرفوا شيئًا من العربية.
كذلك كان تعليم النحو في الأزهر والجامع الأحمدي للمبتدئين. فلو لُطمَت البيداجوجيا لطمة مميتة لم تجد شرًا من هذه اللطمة، ورحم الله الشيخ الكفراوي، فلو علم ماذا يجني على المتعلمين كتابه ما خط منه حرفًا.
كانت سن «محمد عبده» إذ ذاك خمس عشرة سنة، واستمر على هذا عامًا ونصف عام يحاول أن يفهم فلا يفهم، وكيف يفهم الوضع المقلوب على أنه وضع صحيح؟ الجمهرة العظمى من المتعلمين على هذا النحو يَملُّون ويسأمون وينقطعون عن الدراسة، وبعضهم كانوا يختانون أنفسهم فيزعمون فيما لا يفهمون أنهم يفهمون وتجلت في صاحبنا سجاياه الثلاث في هذا الموقف، فهو ذكي إذ فرَّق بين ما يفهم وما لا يفهم، وهو معتد بنفسه إذ ثار على الاستمرار على هذه الحال، وأبى أن يرضى بهذا الهوان، واختزن هذا الدرس في نفسه فتجلى فيما بعد في حمله عبء إصلاح الأزهر والعطف على أهله.
عول أن يتجه إلى الزراعة فيكون فلاحًا كسائر أهله، وصمم على ألا يتعلم، وصمم أبوه على أن يتعلم، واصطدمت الإرادتان، فلما أكرهه أبوه هرب إلى بلدة فيها بعض أقاربه، وشاء القدر أن يلتقي بشيخ صوفي، هو الشيخ درويش خضر خال أبيه، فينقلب محمد عبده كأنه شخص آخر، حتى كأن عصا سحرية مسَّته، وهنا يتجلى فعل المصادفات في حياة العظماء، فلولا هرب محمد عبده إلى هذه البلدة وملاقاته لهذا الشيخ لكان محمد عبده المشهور هو محمد عبده المغمور الذي لا يعرفه أحد إلا بلده، ولكان شأنه شأن أي فلاح في أي بلدة لا يسجل اسمه إلا في دفتر المواليد ودفتر الوفيات.
وشخصية الشيخ درويش من الشخصيات اللطيفة التي تظهر في بعض الأوساط المصرية على قلة، وقد شاهدت منها في حياتي شخصين، هي شخصية متصوفة تمتاز بنور البصيرة أكثر مما تمتاز بسعة العلم، تعرف الدنيا وشئوونها وتزهد في قيمتها عن علم لا عن غباء، وخير عبادتها ذكر الله بالقلب لا باللسان ولا بالأوراد، تعمل في الدنيا كما يعمل أهلها ولكن في رفق وتسامح وميل إلى الخير، يرون الدنيا جسرًا إلى الآخرة، فلا بد أن يعبر الجسر في أمان يألمون لغفلة الناس وطغيان المادة عليهم وتورطهم في المفاسد، ويشفقون عليهم ويعملون ما أمكنهم لإنقاذهم في هوادة، يشع النور في قلوبهم على وجوههم، فيكون منظرهم وتصرفهم وحركاتهم وسكناتهم منظرًا جذابًا يستدعي الحب والإعجاب.
اتصل به محمد عبده فكان شخصًا آخر. ولم يكن ذلك عن عصا سحرية ولا معجزة سماوية، وإنما هي ظاهرة طبيعية. كان عند محمد عبده عقدة نفسية كوَّنها شرح الكفراوي على الأجرومية، فاعتقد أنه لا يفهم ولن يفهم، فما فائدة الاستمرار؟ وهذا يذكرنا بعقدة مثلها حدثت لعلي مبارك عند تعلمه للهندسة، فقد صُدم بقولهم المثلث (ا ب جـ) فظن أن هذا اسم ثابت لهذا المثلث لا يصح أن يتغير، كمن سُمِي بأحمد لا يصح أن يُسمَّى بمحمد، وتعقدت هذه المسألة في نفسه فمنعته من أن يفهم أي شيء، حتى رُزق بمدرس ذكي واضح أدرك العقدة فحلها، ففتح الباب أمام علي مبارك وصار أولًا بعد أن كان آخرًا. كذلك حل الشيخ درويش عقدة محمد عبده بأن أعطاه كتابًا سهلًا في المواعظ والأخلاق، وجعله يقرأ وأخذ الشيخ يشرح، فإذا بالطالب يفهم، وإذا العقدة تُحل، ويعتقد محمد عبده أن في الإمكان أن يفهم.
ودرس آخر علَّمه له الشيخ، وهو درس «القِيَم» فقد كان محمد عبده كعامة الناس يرون مظاهر الحياة من مال وجاه وزينة وتفاخر وتكاثر في أعلى القائمة، وأن المسلم بنطقه بالشهادتين سيد الناس ولا بأس بما ارتكب، فمصيره الجنة، فجاء الشيخ ومحا له هذه القائمة وأثبت غيرها، وجعل القائمة الجديدة مطلعها العمل الصالح بدل المال والجاه، وأن اسم الإسلام لا يصح أن يكون مخبأ تُرتكب فيه الجرائم؛ فالإسلام عقيدة وعمل لا ألفاظ سيالة تنتهي بمجرد النطق. وأن المسلمين محاسبون على أعمالهم كغيرهم، وأن أكثر من يُسمَّون مسلمين لا يصح أن يدخلوا في عداد المسلمين، وأن التعاليم الفاسدة ليست من الإسلام في شيء، وأن أساس الإسلام وأساس العقيدة الصحيحة هو القرآن والقرآن وحده، وأن خير عبادة هو تفهُّم معانيه.
وكان الشيخ درويش متأثرًا بتعاليم السنوسية التي تتفق مع الوهابية في الدعوة إلى الرجوع إلى الإسلام الأول في بساطته الأولى وتنقيته من البدع، وذلك على أثر رحلته إلى طرابلس الغرب واجتماعه بأتباع السنوسي هناك.
في سبعة أيام تغير محمد عبده الذي يريد الزراعة والتفوق على الشبان في ألعاب الفروسية إلى محمد عبده الذي يريد الصفاء الروحي والتعلم ليستطيع فهم القرآن وإعداد نفسه ليهتدي ثم يهدي.
فإلى الجامع الأحمدي إرضاء لوالدي وإرضاء لنفسي فقد اتفقت الإرادتان.
وبدأ يدرس النحو فإذا هو يفهم لأن العقدة النفسية قد زالت، ولأنه بدأ يقرأ الكتاب الثاني في النحو وهو شرح الشيخ خالد على الأجرومية، وسوء الوضع جعل الكتاب الثاني أسهل من الأول، ولعله قد رُزِق بشيخ خير من الأول استطاع أن يوضح له ما غمض ويبين ما أُبهِم.
وإذا بالشيخ محمد عبده يلتف حوله بعض زملائه ليشرح لهم الدرس قبل بدء الأستاذ، فتعود إليه ثقته بنفسه ويسير على الدرب.
كانت هذه الأيام السبعة أيام حضانة تكوَّن فيها كل ما اتجه إليه بعد من إصلاح. فاهتمامه بعد بتفسير القرآن، وجعْله أساسًا لدعوته الإصلاحية، وتنقيته للعقيدة الإسلامية مما أصابها من دخيل، وتلون حياته بلون صوفي راق، وزهادته في المال، وغيرته الشديدة على إصلاح المسملين، كلها غُرست في هذه الأيام السبعة، ثم نمت وازدهرت وتعدلت وفقًا للظروف والأحوال.
•••

تحول محمد عبده من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر لأن الأزهر هو المثل الأعلى للتعليم في المعاهد الدينية.
والتعليم في الأزهر إذ ذاك — وكما رأيناه إلى عهد قريب — يلقي عبء الطالب كله على نفسه من غير أن يحمل أحد أي عبء عنه، فما عليه إلا أن يسجل اسمه في دفاتر الأزهر ثم يفعل ما يشاء، إلى أن يتقدم لامتحان العالمية، فهو الذي يختار مدرسه ويختار علومه ويحضر أو لا يحضر، ويجدّ أو يلعب، ويفهم أو لا يفهم، كل هذا متروك إلى نفسه، وهو أسلوب يفيد الخاصة ويضر العامة.
يأتي الطالب من بلده فيسكن في غرفة في حي الأزهر، وقد يشركه في الغرفة طالب أو أكثر، وفي الغرفة كل أدواته وأدواتهم، حصير مفروش على الأرض وصندوق فيه بعض الملابس وبعض الزاد، ومرتبة ولحاف يفرشهما ليلًا ويطويهما صبحًا و«حَلَّة» يطبخ فيها بنفسه من حين لآخر في نفس الغرفة — وقد حدّث محمد عبده عن نفسه أنه غضب على كتاب فطبخ به عدسًا — ومن حين لآخر يأتيه الزاد من البلد، بعض الخبز وبعض الجبن وشيء من السمن، فإن كان أهله في شيء من الثروة فشيء من الفطير وشيء من الدجاج المذبوح، وهذه هي دنياه.
والطالب المجدّ يصحو عند أذان الفجر فيصلي الصبح ويذهب إلى الأزهر ليحضر درس الفقه ويستمر الدرس إلى الضحى، والشيخ يقرأ في الكتاب وهو متربع على كرسي حوله الطلبة، فإن كان عدد الطلبة قليلًا استغنى عن الكرسي وجلس على «فروة»، أما الطلبة فيتربعون على الحصير، ومن كان منهم من أبناء الأعيان جلس كذلك على فروة، والشيخ يقرر الجملة ويشرحها والطلبة يسمعون أو يعترضون والشيخ يجيب، وأحيانًا يحتدّ الشيخ فيضرب أو يلعن، ولا ينتقل الشيخ من جملة إلى جملة إلا بعد أن يقتلها بحثًا، وقد تضيع الساعتان أو الثلاث في سطر إذا اقتضى الحال، فإذا ختم الشيخ درس الفقه بقوله: «والله أعلم» انصرف الطلبة يبحثون عن «فطورهم» فمن كان منهم له «جراية» — وهي رغيفان أو ثلاثة أو أربعة تسلمها من رواقه وخرج إلى محيط الأزهر حيث دكاكين الفول المدمس والطعمية فاشترى منها ما شاء، وإن كان طالبًا متقدمًا بعث طالبًا صغيرًا يقوم عنه بهذا العمل، وإن كان فقيرًا باع رغيفين أو أكثر من الجراية ليشتري بثمنها إداما، وإن كان مترَفًا استعاض عن الفول بالجبن والزيتون والحلاوة الطحينية في بعض الأيام، وإذ ذاك ترى الأزهر كله مائدة للطعام، حلقات، حلقات وعُدَّ هذا فطورًا وغداء معًا.
فإذا انتهى الطلبة من هذا جلس المجدّون يطالعون درس النحو القادم، فإذا فرغوا منه كان الظهر قد أذن فتقام الصلاة ويبدأ درس النحو على نحو درس الفقه فيمتدّ ساعات وقد يصل إلى العصر.
وبعد استراحه الطالب يُعد درس الفقه القادم وينتهي بذلك يومه العلمي فيعود إلى بيته، وإن احتاج إلى ضوء فمصباح يشتعل بالجاز بواسطة فتيلة من غير زجاج، ولا بأس بدخانه، وإذا اشترك جماعة في غرفة وكانوا فقراء تقاسموا ثمن الجاز كل عليه ليلة أو أسبوع، وقد حدث الهلباوي أنه تنازع مع زميله على ثمن الجاز لأنه لم يشأ أن يدفع نصيبه.
ويتدرج الطالب في الكتب، كل سنة كتاب في الفقه وكتاب في النحو إلا إذا طال الكتاب فيُقرأ في أكثر من سنة، ولكل كتاب تقريبًا متن هو الأصل وشرح يشرح المتن، وحاشية تشرح الشرح، وقد يكون تقريرًا يشرح الحاشية، والشيخ يطالع كل هذا استعدادًا لما يمطره الطلبة عليه من الأسئلة، فيبدأ الشيخ بقراءة المتن ويشرحه بجميع ما كتب عليه مناقشًا مهاجمًا مدافعًا حتى تنتهي المعركة بانتهاء الدرس.
وإذا انتهت كتب الفقه حل محلها كتب أصول الفقه، وإذا انتهت كتب النحو حل محلها كتب البلاغة.
وعلى هامش هذه الأوقات قد يحضر الطالب المتقدم دروسًا صباحية بعد صلاة الفجر مباشرة، أو دروسًا مسائية بعد المغرب في علوم أخرى كالتفسير والحديث والمنطق.
وليس بالنادر أن نسمع صيحة تقوم في الدرس أو قبله أو بعده لاختلاف طالبين على مكان في الحلقة أو نحو ذلك، فيتضاربان، ويتعصب أهل الصعيد للصعيدي، وأهل البحيرة للبحراوي، فتكون معركة حامية يتدخل فيها جنود الأزهر المسمون بالمشِدّين.
فإذا مررت بصحن الأزهر رأيت حصرًا مفروشة نُشر عليها خبز مما أرسله أهل المجاورين إليهم ليتجفف في الشمس خوف العفن.
ورأيت ثيابًا منشورة ومياهًا مصبوبة إلخ وفي الدروس ترى مريضًا بجانب صحيح، وقذرًا بجانب نظيف، ولم يفكر أحد في إشراف طبيب.
وقَلَّ أن تسمع مدرسًا تعرض في درسه لمسألة خلقية أو حث على فضيلة أو حذر من رذيلة.
كل الكتب التي تُدرَّس في الأزهر من نتاج العصور المتأخرة، تحدرت من العصور الزاهية، ولكن عدا الزمان عليها فأفقدها روحها فصارت شكلًا. النحو كان يراد منه النطق الصحيح والكتابة الصحيحة وفهم كتب الأدب فهمًا صحيحًا فصار مجرد تفهم لألفاظ المؤلفين في النحو. وأصول الفقه كان يقصد منه التمرين على الاجتهاد في التشريع فأصبح ولا اجتهاد ولا تشريع. والبلاغة كان يقصد منها كيف يكتب القول البليغ فصار المؤلفون فيها أعاجم لا يحسنون التعبير كالسعد التفتازاني، حتى أباح لنفسه الشيخ أحمد الرفاعي أن يدرس أكبر كتاب في البلاغة وهو المطول، ثم يعترف أنه لا يحسن أن يكتب خطابًا ولو غير بليغ، لأن هذا من عمل تلاميذ المدارس المدنية.
واشتهر من فطاحل العلماء في هذا العصر الشيخ أحمد الرفاعي هذا، وأساس شهرته أنه يحسن فهم الكتب ويستطيع تحليل الجمل وإثارة الشبهات حولها حتى يعقّد السهل ويغمض الواضح. والشيخ عليش وهو شيخ من أصل مغربي شهرته في تدينه وعصبيته ورميه الناس بالكفر لأوهى سبب وضيق أفقه وشدة غيرته على الدين بالمعنى الذي يفهمه. ولكن كان هناك آخرون هيّأتهم الظروف لأن يتصلوا بالدنيا وحركة التعليم المدنية فاتَّسع أفقهم كالشيخ البسيوني إمام المعيّة، وكان ظريفًا في شكله وفي ملبسه وفي تأليفه، والشيخ حسن الطويل، وكان ذكيًّا حكيمًا له نظرات في الحياة صائبة، يقرأ الفلسفة فيُرمى بالزندقة.
هذا هو الأزهر الذي رآه محمد عبده. يقوم التعليم فيه على الفلسفة اللفظية، ويعلّم طالبه الدقة في الفهم والقدرة على الجدل، وهذه محْمدة، ولكن مع الأسف لا تُستخدم هذه الدقة ولا الجدل إلا في الألفاظ، وتجعل صاحبها غارقًا في الاحتمالات مما يراه في الحواشي والشروح من التأويلات، فكل شيء يجوز حتى دخول الجمل في البندقة على حد تعبير الشيخ محمد عبده نفسه يتم الطالب الدراسة فيه فيخرج فاهمًا لبضعة كتب، أما الدنيا وشئونها فإنه يجهلها كل الجهل، فلا جغرافيا ولا تاريخ ولا طبيعة ولا كيمياء ولا رياضة، فكل هذه علوم أهل الدنيا، وما للآخرة والدنيا! ومع هذا فالنزاع على الجراية كثير وعلى الوظائف الصغيرة أكثر، كل شيء خارج عن المألوف كفر أو حرام أو مكروه؛ فتحويل «الميضأة» القذرة إلى «حنفيات» حرام وذهاب للبركة، وقراءة كتب في الجغرافيا أو الطبيعة أو الفلسفة حرام، ولبس «الجزمة» بدعة.
فإن تحركت نفس صالحة للإصلاح خُنقت دعوتها في مهدها ورُميت بالزندقة.
ومثل هذه البيئة تُنتِج عقولًا جامدة ونفوسًا خامدة إلا أن يتداركها الله بمدد من الخارج، وقد ذكر الشيخ محمد عبده نفسه أنه حاول أن يغسل أثر هذه البيئة فنجح في بعض وفشل في بعض، فإن رأيت نابغة خرج منها فبرغمها لا بفضلها. ومن الأسف أن ولاة الأمور من أول الأمر مع علمهم بنقصه وحاجته إلى الإصلاح خوفًا من العلماء والرأي العام تركوه وشأنه يأكل بعضه، وأنشأوا بجانبه المدارس المدنية يشكِّلونها كيفما يشاءون.
•••

في هذا الجو عاش صاحبنا نحو اثني عشر عامًا، من سنة ????–???? حيث نال شهادة العالمية من الأزهر.
وفي هذا الجو المظلم كانت تلمع ثلاثة نجوم أضاءت جوانب نفسه: الشيخ درويش والشيخ حسن الطويل والسيد جمال الدين الأفغاني.
فالشيخ درويش كان يلقاه الشيخ محمد عبده في بلده في الإجازة من نصف شعبان إلى نصف شوال كل عام، فيتمم له ما بدأه منذ لقنه الدرس الأول في التصوف وتنقية العقيدة، ويعرض عليه الشيخ محمد عبده ما درسه في العام وما في نفسه من أزمات فيتلقى ملاحظات الشيخ وإرشاده، وقد لقّنه درسين جديدين هامّين: الأول نقده الشيخ عبده لعزلته وعدم اتصاله بالناس وقصر عنايته على تكميل نفسه من غير اتجاه إلى إصلاح من حوله، ولم يكتف الشيخ درويش في ذلك بالكلام النظري بل حمله على أن يغشى المجتمعات في البلد معه ويتحدث إلى الناس ويعظهم ويذكرهم، ويدعو محمد عبده للتحدث معهم كحديثه ونصحهم كنصحه، وهو درس انتفع به محمد عبده ونفّذه طول حياته إلى نفسه الأخير، فإن زاد السيد جمال الدين شيئًا في هذا الدرس فهو تعليمه كيف يختار موضوعات الكلام في الإصلاح. والدرس الثاني الذي علمه الشيخ درويش هو هدمه للنظرية الأزهرية التي تقول إن هناك علومًا تُعلّم وعلومًا لا تُعلّم، فكسر الشيخ درويش هذه الحدود وقرر أن كل العلوم يجب أن تُعلّم ويجب أن يطلبها الطالب ما أمكن، ولا يستثني من ذلك شيئًا إلا ما يتخذ شكل العلم وليس بعلم كالسحر والشعوذة أما المنطق والفلسفة والرياضيات وما إلى ذلك فليست بحرام بل هي واجبة على طالب العلم. ومن أجل ذلك عاد الشيخ محمد عبده إلى الأزهر يطلبها فوجدها عند الشيخ حسن الطويل، وهو شخصية غريبة، ذكاء حاد، ومعرفة بالرياضات حتى كان يحل لطلبة دار العلوم ما أشكل عليهم من تمرينات هندسية، واتصال بكتب الفلسفة القديمة وعلم بمصطلحاتها ومعرفة بالدنيا وبالسياسة، وشجاعة في الكلام بما يعتقد ولو حُرم منصبه في دار العلوم، وزهد في الدنيا حتى لا يهمه منها شيء، يلبس قفطانًا من البفتة وجبّة من البفتة أيضًا، ويقال له: إن علي مبارك باشا سيزور دار العلوم غدًا فيعزم أن يلبس كما يلبس كل يوم، فيُنصح بأن يتخذ شيئًا من الأناقة، فيقول: إذن أبعث بجبة من الصوف وقفطان من الحرير إلى دار العلوم، أما إن أردتم «حسن الطويل» فهو هو في ملبسه. ويُدعى إلى موائد الأغنياء للإفطار في رمضان فيأكل من طبق الفول ويزهد فيما عداه، ويُطرد من دار العلوم لكلامه في السياسة فينفق عليه صاحب مقهى بلدي، فإذا عاد إلى عمله سلمه الشيخ حسن الطويل مرتبه ليصرف عليه كما كان يفعل وهو مطرود. ويدرس في الأزهر الفلسفة والمنطق فيحضر دروسه نخبة من الطلبة مثل محمد عبده فيُرمى هو وتلاميذه بالزندقة.
ولكن دروس الشيخ الطويل تفتح شهية الشيخ محمد عبده ولا تغذيه، فيجد الغذاء الكافي عند السيد جمال الدين عند حضوره إلى مصر، فيتصل به ويلازمه وتتفتح له آفاق كانت مغلقة ويحس أنه وجد طلبته.
•••

كان السيد جمال الدين الأفغاني شعلة ذكاء، وقوة هائلة، متحركة محركة، لا يمسها ماس إلا شحن من كهربائه على قدر استعداده، دائم التفكير دائم القول لمن يفهم ومن لا يفهم، دائم النقد، دافع للحركة والثورة والهيجان في المطالبة بالحقوق، حيثما حل رأيت نارًا تشتعل وأفكارًا تهيج، ومطالب تُطلب، وحكومة تضطرب قد حدد غرضه في الحياة ووهب نفسه للوصول إليه، وهو إنهاض الدول الإسلامية من ضعفها، وتبصرة شعوبها بحقوقها، ورفع نير الأجنبي عنها، وتحديد مركز الحاكم والمحكوم فيها، وربط هذه الدولة كلها برباط واحد مع الخلافة في الأستانة.
ووسيلته في ذلك تنوير عقول الخاصة من أبناء كل دولة حتى يعرفوا مركزهم، وإعدادهم لمهاجمة الغاصبين من الأجانب والمستبدين من الحكام، ثم هؤلاء يعملون لتكوين الرأي العام بكتابة المقالات في الجرائد والمجلات والخطب في المحافل، والأحاديث في المجالس؛ وكلما كانت المقالات والخطب أحر نارًا وأجهر بالرأي وأصرح في الدعوة إلى العمل كانت أجود وأنسب. هذه خطته في كل بلد يحله.
اتصل به في مصر محمد عبده، وسعد زغلول، وإبراهيم اللقّاني، وإبراهيم الهلباوي. كما اتصل به في مجالسه الخاصة محمود سامي البارودي، وإبراهيم المويلحي، وأديب إسحق وغيرهم، كان له درس علم في بيته، ودروس سياسة واجتماع في مقهاه الذي يجلس فيه، وحيث يكون زائرًا أو مزورًا.
وكان أقربهم إلى نفسه محمد عبده؛ قرأ فيه «السيد» الذكاء وحُسن الاستعداد وطيب القلب والحماسة للإصلاح، وقرأ محمد عبده في أستاذه سعة العقل، وصحة الإرشاد، والسمو في النفس، ونبل الغرض، وشيئًا جديدًا لم يره في الأزهر.
لم تكن الكتب التي قرأها عليه محمد عبده ذات قيمة في نفسها، فهي من جنس ما كان يقرؤه على الشيخ حسن الطويل، ولكن العبرة ليست بالكتاب، ولكن بشارح الكتاب، والعالم الماهر يستطيع أن يصبّ كل تعاليمه أثناء كلامه على نملة أو نحلة، ورأى جملة في نظره يستطيع أن ينفذ منها إلى العالم الفسيح.
استفاد محمد عبده من السيد بصرًا بالدنيا التي حجبها الأزهر، وتحوُّلًا من تصوف خيالي إلى تصوف فلسفي عملي، ورغبة صادقة في العمل للأمة، وشوقًا إلى الإصلاح الديني والخلقي والاجتماعي، وميلًا مُلِّحًا إلى إجادة قلمه حتى يتصل بالرأي العام عن طريق الكتابة في الصحف.
وأحسن الشيخان وحدة الغرض والانسجام فتلازما وتحابًّا، يحب محمد عبده أستاذه حب إجلال، ويحب الأستاذ تلميذه الكبير حب رعاية وأمل في استخلافه، ووثّق الصلة بينهما اشتراكهما في الإباء والعلو والعظمة، إذ يترفعان عن الناس في غير كبر، ويستصغرانهم في عطف من غير احتقار. يقول محمد عبده: «إن أبي وهبني حياة يشاركني فيها علي ومحروس (وهما أخوان له كانا مزارعين) والسيد جمال الدين وهبني حياة أشارك فيها محمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين».
•••

نال الشيخ محمد عبده شهادة العالمية من الأزهر فلم يكن كغيره كساقية جحا تملأ من البحر وتصب في البحر، بل علّم في الأزهر، وعلّم في دار العلوم، ومدرسة الألسن، واتصل بالحياة العامة.
•••

لم يعلِّم في الأزهر النحو والفقه كما كان يفعل غيره من المشايخ وخاصة المبتدئين بالتدريس، فالنحو والفقه كما يُدرَّسان في الأزهر من العلوم النقلية وهو يريد أن يربي العقل، ويفهم الكون، ويهذب الخلق. كان يقرأ في الأزهر أو ملحقاته درسًا في المنطق والفلسفة والتوحيد، وكان يقرأ في بيته لبعض الطلبة تهذيب الأخلاق لمسكويه، واعجب له يقرأ لهم أيضًا «تاريخ المدنية في أوربا وفرنسا» لمؤلفه الفرنسي «فرانسوا جيزو» الذي عرّبه «حنين نعمة الله خوري» وسمّاه «التحفة الأدبية في تاريخ تمدُّن الممالك الأوربية».
وعُيِّن مدرسًا للتاريخ في دار العلوم فلم يقرأ لهم ملخصًا من ابن الأثير والطبري وإنما قرأ لهم مقدمة ابن خلدون، وألّف لهم كتابًا في «علم الاجتماع والعمران» فُقد ولم يُعثر عليه.
واتصل بالجرائد وخاصة الأهرام يكتب فيها مقالات في الإصلاح الخلقي والاجتماعي.
•••

كانت مصر في آخر عهد إسماعيل هائجة مائجة إذ وقعت في الدَّين، فمكّن هذا أوربا من التدخل في الشئون المصرية، ومراقبة ماليتها. فأُنشِئ صندوق الدَّين والمراقبة الثنائية سنة ????م = ????هـ وتغلغلت سلطاتها في المصالح الحكومية باسم الدَّين. ومن الناحية الداخلية كان الوعي القومي ضعيفًا لا يرى الناس لهم رأيًا يصح أن يبدوه، وليس لهم أن ينقدوا عمل الحاكم، فما على الحاكم إلا أن يأمر وما على المحكوم إلا أن يطيع، فكانت هذه الأمور كلها مدعاة لأولى الرأي في الأمة أن ينهضوا بالصحافة ويشيعوها بين الرأي العام ويقووها، وتعاون على إنهاضها الخديو إسماعيل والسيد جمال الدين الأفغاني ورياض باشا؛ فأما الخديو إسماعيل فرأى من مصلحته ومصلحة الأمة أن تكون الجرائد حرة في نقد التدخل الأوربي، أما إذا نقد هو شخصيًّا فالعقوبة الشديدة، كما حدث لصاحب جريدة الأهرام لما أشار إلى مال صُرف من الخزينة ولم يُعلم مصيره، وكما نُفي يعقوب صنوع صاحب جريدة «أبو نضارة» لانتقاده أعماله.
وأما رياض باشا فكان ذا رغبة إصلاحية في تنظيم الشئون المالية وتهذيب العقول وتشجيع الآداب، وكان مدركًا الخطر الذي يهدد البلاد، فلعل في الجرائد وحريتها ونقدها وتنبيه الشعور القومي ما يدفع هذا الخطر، ولهذا شجّع السيد جمال الدين وحزبه على الكتابة.
وأما السيد جمال الدين فثائر على سوء الحال في مصر وجمود الناس وبرودتهم إزاء ما يكتنفهم، فهو يريد أن يشعلها نارًا، ولا أصلح لذلك من الجرائد، ولعل دروسه في الفلسفة لم تكن إلا ستارًا لبث روح الثورة وإعداد طائفة من الشبان يتصلون بالصحافة ويكتبون.
رَبَّى على هذا طائفة من الشباب الذين ذكرنا.
فبعد اتصال محمد عبده بالسيد بدأ يكتب في الأهرام في السنة الأولى من صدورها سنة ????، وكان مجاورًا، قبل أن ينال شهادة العالمية، فكتب مقالًا في «الكتابة والقلم» وآخر في «المدبر الإنساني والمدبر العقلي الروحاني» وثالثًا في «العلوم العقلية والدعوة إلى العلوم العصرية» إلخ، وهي مقالات تدل على تأثُّر بالكتب الفلسفية الشرقية التي درسها وعلى رغبته الخيّرة في الإصلاح، وعلى ما يبشر بالخير منه أكثر مما تدل على أسلوب قوي وبلاغة ممتازة.
ثم اتصل بالصحافة اتصالًا قويًّا بعد أن نال شهادة العالمية، بعد أن تنازل الخديو إسماعيل عن عرشه، وتولى توفيق ونفى أستاذه جمال الدين، وتولى رياسة النظّار رياض باشا فجدّ في تنظيم شئون الدولة من مالية وأشغال ومعارف، وكان له ميل قوي إلى تشجيع الحركة الأدبية، فشجّع بطرس البستاني على إخراج دائرة المعارف، وكان واسطة في أن يمنحه الخديو إسماعيل منحة مالية وعلمية، وشجّع أصحاب مجلة المقتطف على نشرها، وشجع شبلي شميل صاحب مجلة الشفاء. ولما سمع بعزمه على السفر لدراسة الأساليب الحديثة لمرض السل أعانه إعانة مالية على ذلك.
واتجه فيما اتجه إلى إصلاح «الوقائع المصرية» واختار الشيخ محمد عبده لهذا الإصلاح، فضمَّ محمد عبده إليه سعد زغلول، والشيخ عبد الكريم سلمان، وإبراهيم الهلباوي والشيخ محمد خليل والسيد وفا. وكان من وسائل إصلاحهم إنشاء قسم في الوقائع غير رسمي بجانب الأخبار الرسمية تُحرر فيه مقالات أدبية اجتماعية إصلاحية، وكان الشيخ محمد عبده هو المحرر الأول.
مكث الشيخ محمد عبده في هذا العمل نحو ثمانية عشر شهرًا. وفي الحق أنه برهن فيها على شخصية قوية، فجعل من هذا العمل العادي رقابة على المصالح الحكومية ومنبر للدعوة إلى الإصلاح، فاستصدر قرارًا بلائحة تجعل جميع إدارات الحكومة ومصالحها الكبرى ملزَمة أن تكتب إلى إدارة المطبوعات بجميع ما لديها من الأعمال الهامة والتي تنوي عملها، والمحاكِم أن ترسل جميع نتائج أحكامها وتُبيح لإدارة المطبوعات حق النقد لأي عمل من الأعمال حتى وزارة الداخلية التي يتولاها رياض باشا والتي تُعدّ إدارة المطبوعات تابعة لها، وأن تسأل كل مصلحة عن حقيقة ما وُجِّه إليها من نقد في الجرائد العربية والأفرنجية، وعلى الجملة جعلها أداة إشراف على الحكومة وعلى ما يُنشر في الجرائد العربية من حيث لغتها وموضوعها، وعلى الجرائد الأجنبية من حيث نقدها، وقد وافق هذا هوى في نفس رياض لأنه يمكنه من ضبط الأمور والإشراف على الجرائد. وقد كتب في هذا العهد مقالات كثيرة أهمها في نقد نظارة المعارف، وكان من أثر ذلك إنشاء المجلس الأعلى لها واختياره عضوًا فيه، ونقد لبعض الأخلاق والعادات الاجتماعية والدينية، وتوضيح لنظام الشورى وما يصلح منه في مصر، وأحيانًا تصريحًا أو تلميحًا في تأييد لوزارة رياض باشا ومدحها.
والواقع أن وزارة رياض باشا قسمت البلاد قسمين: مؤيد ومعارض، والمعارض معارض بالحق وبالباطل.
كان رياض يريد الخير لمصر ولكن من طريق التدرج، ويعتقد أن المصريين في حالة تدعو إلى الإشفاق والأخذ بيدهم في هوادة، وهو في هذا قوي جبار ينفّذ ما يريد في عنف، له لازمة وهي «هيه» إذا قالها رُعب من حوله، لا يعبأ إذا اقتنع بشيء من إصلاح أو بشخص من الأشخاص أن ينفذه ويؤيده مهما كانت النتائج، وإلى ذلك يعتقد في الأجانب من إنجليز وفرنسيين القوة ويسالمهم، ويرى الطريق الوحيد هو التفاهم معهم.
فتألبت عليه الجموع؛ منهم من كرهه لصلفه، ومنهم من كرهه لعدله في إبطال السُخْرة والضرب بالكرباج، ومنهم من كرهه لسيرته مع الأجانب حتى سمَّوه «رياضستون» على وزن «جلادستون»، ومنهم الطموح الذي كرهه لرجعيته، وشعر الناس بغضب الخديو توفيق عليه لأنه يعارضه في بعض أغراضه وتصرفاته، فشجعهم هذا على محاربته، وتخصصت جرائد لتجريحه وسبّه، مع أنه كان مؤيدها من قبل أو خالقها.
هنا بذرت بذرة الثورة العرابية، وفي هذه الظروف كان الشيخ محمد عبده على رأس الوقائع وإدارة المطبوعات، فكان يُهاجَم لأنه من اتباع رياض، وكان هو نفسه يشعر بالحرية التامة في نقد الشئون الاجتماعية والعادات الدينية، لكنه يشعر ببعض القيود فيما يمس المسائل السياسية إما اعترافًا بجميل رياض عليه وعلى أستاذه، وإما نزولًا على مقتضيات الوظيفة، وإما اعتقادًا بمذهب رياض في التدرج، وإما كلها مجتمعة.
حتى كانت الثورة العرابية.
•••

يكاد يكون في كل جماعة نوعان من القادة: نوع طموح يريد القفز إلى الأمام ولا يرضيه السير البطيء، ولا التفكير الهادئ، ونوع يرى الخير في الهدوء والسير في معالجة الأمور برفق، والإيمان بقانون السبب والمسبب، فإن أردت النتيجة فكوّن مقدماتها؛ وهذا الميل إلى هذا أو ذاك يتبع المزاج الخلقي — أولًا — والتربية والظروف — ثانيًا — فمن الناس من خُلق هادئ المزاج يصغي إلى حكم العقل، ومنهم من خُلق ناري المزاج يحكم بعواطفه ويحكِّمها؛ وهذان النوعان يسميان أسماء مختلفة باختلاف الأمم والأزمنة: أحرار ومحافظون اشتراكيون وغير اشتراكيين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار إلخ. والمعنى واحد وإن تعددت الأسماء.
وكان في مصر في أول عهد الخديو توفيق بالطبيعة هذان المزاجان أو هاتان النزعتان كلاهما يتفق مع الآخر في وصف سوء الحال: الفلاح بائس وشقي وجاهل ومظلوم، ومصر كلها شقية بما جرّ إليها الخراب من إسراف وتبذير واستدانة، وهي شقية أيضًا بتدخل الأجنبي وخاصة الإنجليز والفرنسيين في شئونها حتى تفاصيلها، وشقية بأداتها الحكومية من انتشار الرشوة والمحسوبية وتفصيل العنصر الشركسي والتركي على المصري، وشقية بأن سواد الشعب ضعيف، مستكين للظلم، لا يرفع صوتًا من أي جور يناله، ولا يفهم أن له حقًا يطالب به كل الأطباء من الفريقين متفقون على تشخصي المرض، فإذا هم أخذوا في وصف العلاج اختلفوا.
فأما فريق المحافظين فيرون برنامج العلاج: أولًا: في نشر التعليم الصحيح بين أفراد الشعب، على أن يكون من أهم ما يشمله تفهيم الناس الحقوق والواجبات.
ثانيًا: استخدام الصحافة استخدامًا قويًّا في محاربة المفاسد وتنبيه الوعي القومي.
ثالثًا: الاجتهاد في أن يكون رئيس الحكومة حازمًا عادلًا ينفذ الإصلاح المعتدل المنشود في قوة.
رابعًا: التدرج في الحكم النيابي بالتوسع في سلطة مجالس المديريات مثلًا تبعًا للوعي القومي، فإن رقي هذا الوعي بالتربية والتعليم نمّا المجلس النيابي تبعًا له حتى يصبح بعد سنوات والوعي القومي قوي، والمجلس النيابي قوي، ولا فائدة من مجلس نيابي يوضع وضعًا قويًّا ما لم تسنده الأمة والرأي العام. ولا يمكن ذلك الآن والأمة في حالة قلّ أن نجد فيها معارضًا قويًّا يجرؤ على نقد الحكومة. وكان من هذا الرأي محمد عبده، وسعد زغلول، ومن لفّ لفهما، وبهذا دعوا فيما كانوا يحررون في الوقائع المصرية وفيما كانوا يقولون ويخطبون، وكانوا يرون في رياض باشا وهو على رأس الوزارة المحقق لهذا الغرض، فهو عدل نزيه حازم ميّال للخير محب للإصلاح قابل للاقتناع ممن يثق به على الرغم من عيوبه الأخرى.
أما الطائفة الأخرى فكانت نواتها أفرادًا تعلموا في أوربا لا عن طريق البعثة، وعاشوا فيها زمنًا طويلًا ورأوا نظمها ولمسوا حرية أفرادها، وأُعجبوا بحرية ساستها في نقد الحكومة وأعمالها، وعادوا إلى مصر فتقززوا من حالها ونظامها، فدعوا في مجالسهم وجرائدهم إلى إصلاح وثّاب. أو أفرادًا تعلموا على الأنماط الأوروبية، وتثقفوا ثقافتها، وهؤلاء يريدون حرية شخصية للفرد في أعماله وعقائده، ولا يبيحون للحكومة أن تتدخل فيها، ما لم يقع العمل تحت سلطة القانون، وحرية سياسية تامة في نقد الحكومة وأعمالها، وأهم ما في هذا الباب إنشاء مجلس نيابي مستقل على النظام الإنجليزي أو الفرنسي له الإشراف العام على الحكومة، وهي مسئولة أمامه لا أمام الخديو. وكان على هذا الرأي بعض المصريين، وبعض الجالية السورية.
وتجادل الفريقان في هذه المبادئ أيما جدال؛ وهذا ما يفسر كل ما صدر من الشيخ محمد عبده في مقالاته في الوقائع وغيرها، فهو يعنى فيها بأمر التربية والتعليم، ويلحّ في إصلاحهما وينال من ذلك بعض غرضه، وينقد العادات السيئة، ويدعو إلى التخلص منها، ويدعو إلى احترام القوانين وإطاعتها. ومن ناحية أخرى يكتب مقالًا عنوانه «خطأ العقلاء» يهاجم فيه الفريق الآخر، في دعوته إلى الحرية الشخصية، والحرية الاجتماعية، ففي الحرية الشخصية يرى أنها ضارة ما لم تُدعّم بالتربية، وإلا سقط الناس في الخمر والقمار وهتك الحرمات، وجاهروا بالإلحاد. بل نراه يفضل «الكبسة» على الحرية الشخصية من غير تربية، والكبسة عادة كانت جارية، وهي أن يهجم رجال الضبط على بعض الأماكن المشبوهة ليلًا ليقبضوا على من يظن فيهم الاجتماع لخمر أو فجور؛ فيقول «فالكبسة على ما كان فيها من الخطر على الأنفس والأموال وشناعة الصورة لو أحسن فيها القصد لكانت أولى وأفضل إلى زمن تتقدم فيه التربية، فيكون لكل شخص زاجر من نفسه، فترتفع الكبسة بذاتها» وكذلك رأيه في الحرية السياسية، يرى أن يبدأ بإصلاح المجالس البلدية وتعويد الأهالي السير عليها قبل مجلس نيابي منقول نظامه عن أوربا. ثم يستمر متمسكًا بهذا الرأي حين يقول: «إنما ينهض بالشرق مستبد عادل» ردًا على من يرى أنه إنما ينهض بالشرق حكم نيابي شامل. ويرى في هذا المقال أن هذا المستبد العادل يستطيع أن يفعل في خمسة عشر عامًا الأعاجيب وينقل الأمة خطوة واسعة إلى الأمام.
ويرى الفريق الآخر بأن الحرية الشخصية حق طبيعي للإنسان لا يصح أن يُهدر لأي سبب، ومثل من يقول بالقضاء عليها لسوء استعمالها كمن يريد إبطال السكك الحديدية لأن القطار يقتل بعض الأفراد، والعفَّة التي تحتاج إلى حارس أقل قيمة من أن يحرسها حارس.
وأما الحرية السياسية فلا بد منها لمعالجة ما أصاب البلاد من الاستبداد، والمستبد العادل إذا ظفرت به أمة أعقبه في الأعم الأغلب مستبدون ظلمة، فلا يصلح إلا أن يكون علاجًا مؤقتًا. والحكم النيابي هو الأمل الوحيد في الإصلاح، فإن كان الناس لم يتعودوه فليتعودوه، ولا بأس من مضي قليل من الوقت حتى يألفه الناس ويسيروا عليه.
وكان من ألسنة هذه الدعوة شاب سوري اسمه أديب إسحق. كان ذكيًّا كاتبًا شاعرًا خطيبًا مثقفًا ثقافة واسعة، مطلعًا على شئون العالم الأوربي وتاريخه، يجيد العربية والفرنسية والتركية مطلعًا على آدابها، وأسلوبه في الكتابة أقوى من أسلوب الشيخ محمد عبده وصحبه يوم كانوا يحررون في الوقائع، تتلمذ أيضًا للسيد جمال الدين في مصر، وتشرب من روحه، وكان متأثرًا تأثرًا كبيرًا بالعقلية الفرنسية، على حين كان الشيخ محمد عبده متأثرًا بالعقلية الأزهرية والشرقية. وحتى في سيرته الشخصية كان مستهترًا مسرفًا على نفسه، على حين كان الشيخ محمد عبده متدينًا ورعًا.
كان لأديب إسحق هذا جريدتان يحرر فيهما، وهما «مصر» و«التجارة»، وكان شعلة ملتهبة يعيش عيشة عنيفة على حساب أعصابه، فكان يهاجم الاستبداد، ويطالب بالحكم النيابي في أكمل صوره. يقول: لقد عرف الناس الآن شرور الاستبداد. وترفعت نفوسهم بالعلم عن الرضا به، وصار الأمر شوري عند جميع الدول المتمدنة إلا الروسيا، وذلك إن صحت تسمية الدولة المستبدة مطلقًا بدولة متمدنة. إن ثورة فرنسا برزت إلى عالم الفعل عام ???? وصدمت قوة الاستبداد فزلزلتها، ودفعت سطوة التقليد فضعضعتها، ورفعت عن العيون نقابها، وعن النفوس حجابها، فآنست من جانبها نور الحرية، وخلعت جلابيب الرق والعبودية، فتصدى لها أعوان الرق وأنصار العبودية وما آلوا في قتالها جهدًا، فلقيتهم وهي ترى الموت في الحرية حياة، والحياة في الرق موتًا، فلم يبلغوا منها قصدًا، ورسّخت في عالم الوجود قدمها، وأدهشت الدنيا بشدة حولها إلخ. ويهاجم رياض باشا وصحبه في مذهبهم، وينعي عليهم اعتقادهم في ضعف المدارك المصرية، ويقول: «زرت رياض باشا على عهد الوزارة الأجنبية في ديوان الداخلية، فقابلته خارجًا من الغرفة فجلسنا على مقعد الباب، فقال: كيف ترون الحال؟ قلت: رأي الوزير أوسع. قال: وما الذي يبلغكم من أخبار الريف؟ قلت: إن الناس أملوا كثيرًا ولم ينالوا شيئًا فأوشكوا أن يعودوا إلى اليأس بعد الرجاء، والوزير يعلم أن النكسة شر من الداء، فقال بازدراء: فليرجعوا إلى حالة الخسف، ويعانوا عذاب الظلم. قلت: إنهم لا يرومون ذلك، ولكن يرومون نيل الحرية وتأييد الكلمة الوطنية. فقال متهكمًا: ألا يرجون مجلس النواب؟ قلت: لا بدع أن يُطلب الشيء من معدنه. فقال: أي معدن في مثل هذا المجلس؟ وكيف يُرجى له البقاء، وليس في مصر من يعلم شيئًا من أحوال السياسة الدولية ليصلح أن يكون نائبًا؟ قلت: إن صحّ هذا الرأي فلا يقضي بحرمان البلاد من نعمة الشورى، فإن النواب المصريين يستطيعون النظر في أمورهم الداخلية وأحوالهم الزراعية وما يترتب عليه نفع البلاد ليستجلبوه، وما ينشأ عنه الضرر ليجتنبوه، وهم بذلك أحق من غيرهم، فإن صاحب البيت بالذي فيه أدرى. فهمهم بكلام لا يُفهم وانصرفت».
وكان يكثر الكلام في الوطن والوطنية، والحقوق والواجبات، والدستور وغير ذلك من الموضوعات الملونة بالثقافة الفرنسية، مع الاجتهاد في وضع مصطلحات عربية موفقة.
وكان زعيم أديب إسحق وصحبه هو شريف باشا، إذ كان شريف كما صوّره الشيخ محمد عبده «من أقوى عوامل النهضة التي انقلبت إلى فتنة. كان من القائلين بأن النفوذ الأجنبي قد بلغ حدًا لم يكن يمكن أن يبلغه لو لم يتساهل رياض باشا بالتسليم للأجانب في كل ما يطلبون. وكان يقنع جلساءه أنه إذا حكم أوقف الأجانب عند حدودهم وسار بالوطن شوطًا عظيمًا في مجده»، وكانت سياسته إنشاء مجلس النواب في صورة قوية «وأخذ الناس يقولون: لا صلاح في الاستبداد بالرأي وإن خلصت النيات، فرأي واحد عرضة للخطأ وإن تحققت نزاهته من الغرض».
وكان هؤلاء ينظرون إلى محمد عبده وصحبه وعلى رأسهم رياض بأنهم حزب رجعي. ويظهر أنه لم يكن رجعيًّا وإنما كان حزبًا مصلحًا محافظًا يرى التؤدة ولا يرى الطفرة.
وقد أغلق رياض جريدتي «أديب إسحق ونفاه»، ولما ألّف شريف مجلس النواب استداعاه وعيّنه رئيسًا لقلم الإنسان والترجمة بنظارة المعارف، ثم سكرتيرًا في مجلس النواب، ثم مات شابًا في التاسعة والعشرين من عمره.
ومع الأسف لم يكن مصدر الثورة هذا الحزب الذي يطالب بالمجلس النيابي والحرية الشخصية، ولو كان لاتخذت الثورة وضعًا آخر، ولنُظر إليها على أنها ثورة من الأمة لتحقيق العدل. إنما بدأت الثورة من الحزب العسكري وعلى رأسه عرابي يطالبون بتحقيق المساواة بين الضباط المصريين والضباط الشركسيين، ولكن اتسعت الثورة رويدًا رويدًا، وزادت مطالب عرابي باشا شيئًا فشيئًا؛ فتزعم أيضًا الوطنيين وطلاب المجلس النيابي، وانضم إليه سلطان باشا أول الأمر، وكان من الناقمين على رياض والمطالبين بالحكومة النيابية، وبانضمامه انضم كثير من الأعيان وعلماء الأزهر، ثم انضم الشعب بأجمعه تهيّجه الجرائد الثائرة، وعلى رأسها عبد الله نديم، وامتزجت مطالب الجنود بمطالب الأعيان بمطالب الأهالي، وطلب العدالة الضباط بطلب الحكم النيابي بإلغاء الاستبداد ذلك وكل تنفّذه القوة العسكرية.
لو حكّمنا منطق الواقع فيما سيحدث لقلنا: إن الشيخ محمد عبده لا ينغمس في هذه الثورة العرابية مطلقًا لا في أولها ولا في آخرها؛ لأنه لا يؤمن بالحكم النيابي السريع، ولأنه يشايع رياض باشا، ولأنه لا يرضى أن تكون الثورة بيد العسكريين، ولأنه يكره شخصيًّا عرابي باشا، ويعتقد أنه شهم في الكلام ضعيف في الحرب، يحتكم إلى المنامات أكثر مما يحتكم إلى العقل، أليق به أن يكون واعظًا للعوام من أن يكون زعيم أمة، وإن كان طيب القلب حسن النية، ولكنا نجده بإقراره مناهضًا للثورة في أولها، مشايعًا لها في آخرها. وليس بصحيح ما يقال من أنه لما تطور أمر الثورة من مطالبة بالمساواة العسكرية إلى مطالبة بالحكم النيابي انضم إليها، فإنه لم يكن يؤمن بالحكم النيابي العاجل كما قدمنا. إنما الأمر في نظري أن مسائل الحياة لا تجري على المنطق دائمًا وخاصة أيام الثورات. وحوادثنا القريبة في ثوراتنا الحديثة أكبر شاهد على ذلك. فكم انتقل رأي الكبراء من ناحية إلى ناحية تحت تأثير تيار الرأي العام؛ فالشيخ محمد عبده رأى كل الأمة في ناحية الثورة، واشترك فيها المسلمون والأقباط واليهود، ولم يشذ عنها إلا أحد رجلين: رجل لا في العير ولا في النفير، وهو لا بد أن يكون في العير وفي النفير، ورجل انضم إلى الخديوي توفيق يشايعه ويتملقه، وتوفيق باشا في نظر الشيخ محمد عبده لا يصح أن يكون أحد بجانبه بعد أن استعان بالدول الأجنبية في إخماد الثورة، ومالأ الأجانب على قومه. أضف إلى ذلك أن الأمر آخرًا لم يصبح أمر حزب أمام حزب، بل أمر مصر أمام الإنجليز، فلا بد أن يكون مع قومه وينشد:
وما أنا إلا من غزية إن غوتغويت وإن ترشد غزية أرشد فإذا نحن تساءلنا: ما أثر الشيخ محمد عبده في هذه الفترة؟
قلنا: إن له أثرًا كبيرًا اعترف به حزبه وخصومه والذين حققوا معه وحاكموه.
فقد نبّه الأفكار إلى الإصلاح فيما كتب في الصحف وما تحدث في المجالس، وما اتصل بالهيئات المختلفة، فكان مصدرًا كبيرًا لشعور الناس بسوء الحال والحاجة إلى الإصلاح مهما اختلف هو وغيره في طريق العلاج. وكان يعده أصحابه وأعداؤه من أقوى العقليات الموجودة إن لم يكن أقواها، ومن أقوى الشخصيات التي تعمل للخير حسبما تعتقد من غير أنانية. فمن يوم أن عُيِّن في تحرير الوقائع وهو جمّ النشاط يحرر ويراقب، ويتصل بالمصالح الحكومية، ويغشى المجالس، مجلس رياض، وعلي مبارك، وسلطان، وعرابي، وطلبة، والسراي. وفي كل هذه المجالس يقول ويجادل، ويقنع ويقتنع، ويثير الحماسة للعمل. وكان للثورة العرابية مصادر، فكان هو مصدرًا من مصادرها، ولكنه سبب بعيد، لا كعبد الله نديم سبب قريب، ثم انقلب الشيخ محمد عبده سببًا قريبًا يوم حميت النار، فلئن اتُهم بأنه من زعماء الثورة وحوكم عليها لقد كان ذلك حقًا.
•••

هذا هو الشيخ في بيروت بعد أن قُبض عليه لاشتراكه في الثورة العرابية وأودع في السجن ثلاثة أشهر للتحقيق، لاقى فيها الأمرّين من اضطهاد وإهانة وشماتة أعداء وتنكر أصدقاء وتضييق بالأسئلة وإحراج في الاستجواب، ثم حُكم عليه بالنفي ثلاث سنوات.
يقيم في بيروت نحو عام سنة ???? وسنه إذ ذاك نحو أربع وثلاثين سنة.
ثم لا يلبث أن يدعوه أستاذه السيد جمال الدين ليوافيه إلى باريس فيلبي الدعوة، ويشتركان في إخراج مجلة «العروة الوثقى»? للسيد التوجيه والروح ورسم الخطط وإبداء الأفكار، وللشيخ التحرير والصياغة وتفصيل المعاني. إدارة الجريدة في غرفة صغيرة في سطح منزل في باريس، هي مكان التحرير وملتقى الأتباع ومجمع الأفكار، وهذه الغرفة الصغيرة أثارت الأفكار وأخافت الإنجليز والفرنسيين، وأقلقت راحتهم، أكثر مما أخافتهم عمارات ضخمة وإدارات فخمة، بل أكثر مما أخافتهم الجنود والبنود، فالعبرة بالسكّان لا بالمكان.
وهذا الشيخ محمد عبده يتأثر بباريس، بما يطّلع على شئونها ومعيشة أهلها. فيطيل شعر رأسه ويلبس الطربوش ويحتفظ بالجبة والقفطان، ولكن مع الأسف لم يكن له من الفراغ ما يتعلم فيه الفرنسية، فمهمته تستغرق كل وقته، فهو وأستاذه وقليل من الأتباع يحملون عبء التفكير والتحرير والتصدير، وتمهيد السبل السرية والعقلية لوصول المجلة إلى أنحاء العالم الإسلامي، وتأسيس فروع مركزية لمساعدتها وانتشارها وتحقيق أغراضها.
والقارئ للمقالات التي كان يحررها الشيخ محمد عبده في الوقائع المصرية ومقالات «العروة الوثقى» يرى الفرق الكبير بينهما في الاتجاه والغرض والأسلوب والحرارة.
كانت مقالات «الوقائع» بحكم الطبيعة تقصد إلى الإصلاح الاجتماعي في مصر وحدها بأسلوب هادئ يغلب عليه العقل والتحفظ والتدرج، ومقالات العروة الوثقى تنظر إلى العالم الإسلامي كله على أنه وحدة، فإن ذكرت مصر أو الهند فعلى سبيل المثال، وكانت تقصد أول ما تقصد إلى مناهضة الاحتلال الأجنبي بجميع أشكاله، وتهدف إلى رفع نيره عن العالم الإسلامي كله عن طريق ثورة الشعوب، وبث روح العزة القومية بواسطة العقيدة الدينية الصحيحة، وخلق الأمل في النجاح مكان اليأس، وتوثيق الصلات بين الشعوب الإسلامية كلها لتتعاون على دفع أذى الأجنبي عنها، والتخلص من المستبدين الظالمين من أهلها، وتأسيس الحياة الاجتماعية والدينية والسياسة على أسس أصول الإسلام الأولى: من إعداد السلاح ومقابلة القوة بالقوة وطرح العقائد الدخيلة التي تدعو إلى الاستسلام، مثل رمي العبء كله على القضاء والقدر، وإفهام الشعوب أن الإسلام في شكله الصحيح لا يتنافى مع المدنية، ولا يعوق التقدم والوصول إلى ما وصلت إليه الأمم الأخرى.
هذه المعاني القوية أكسبت أسلوب الشيخ محمد عبده قوة لا تجدها في «الوقائع». ثم إننا نلاحظ أن «الشيخ» متى اتصل بالأستاذ فناريّ من ناره، وثائر من ثوراته، وعاطفي من حرارة وجدانه، فإذا انفصل عنه عاد إلى حكم العقل والمنطق وزالت ثورته، وخفت حدته.
وحدث في هذه الأثناء أن سافر الشيخ محمد عبده إلى «لندن» وكانت الثورة المهدية في السودان، والإنجليز لم يثبّتوا أقدامهم في مصر، ووعودهم بالجلاء تتابع، فلعل في رجال الإنجليز من أعضاء البرلمان من يصغي إلى صوت الإنسانية، وحق البلاد في الاستقلال، فكان الشيخ محمد عبده وقد عاد إلى عمامته في البرلمان الإنجليزي يحدِّث أعضاءه، ويحدِّث رجال السياسة، ورجال الصحافة، وهو في كل ذلك وطني مصري مخلص يطلب الجلاء والوفاء بالوعود، ويوضح حقيقة الحال في الثورة العرابية ودسائس الأوربيين فيها، وكراهية الشعب للحكم الأجنبي، وأنهم يفضلون استبداد الحكام من أهلها على الأجنبي من غيرها مهما كانت سيرته، ويهدد بأن المصريين سوف لا يدفعون الضرائب، وسيجعلون حكم الأجانب مستحيلًا، سواء أكانوا إنجليزًا أو فرنسيين، ويقرر أن انتشار الأمية في مصر لم يفقد أهلها الشعور الطبيعي برغبتها أن تحكم نفسها، والإسلام الذي بين جوانحها يحرِّم عليها الاستسلام لغيرها.
ولكن متى خضعت القوة للحق، ومتى ضحيت المصلحة للإنسانية، ومتى عفا الأسد عن فريسته؟
لقد عاد الشيخ محمد عبده إلى باريس يائسًا، وزاد الأمر سوءًا أن نجحت إنجلترا في اضطهاد «العروة الوثقى» والتضييق عليها، فاحتجبت بعد ظهور ثمانية عشر عددًا منها في ثمانية أشهر، وسافر السيد جمال الدين إلى فارس، وعاد الشيخ محمد عبده إلى بيروت، فإن كانت «العروة الوثقى» لم تخلق أشجارًا كما كانا يؤملان فقد نثرت بذورًا تنتظر الجو الطبيعي والغذاء الصالح لتبدأ في النمو ولتكوِّن بعد أشجارًا وإن انتفع بها الأعقاب.
سكن الشيخ محمد عبده بيروت فانقطع عنه مدد الثورة والهياج السياسي الذي كان يمده به السيد جمال الدين، وعاد إلى طبيعته من ميله إلى الإصلاح العقلي والديني وتجنُّب السياسة، وكانت الظروف حوله تدعو إلى ذلك؛ فقد فشلت الثورة العرابية، وأُقفلت جريدة العروة الوثقى، ولم تنجح مفاوضاته مع الإنجليز، وهو الآن يقيم في بيروت حيث الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الذي يخنق الحرية ويملأ البلاد بالجواسيس يحصون على الناس أنفاسهم.
لهذا كله كان الشيخ محمد عبده في بيروت عالِمًا ومعلمًا فقط، يملأ زمنه بالتأليف والتعليم، شرح نهج البلاغة ومقامات بديع الزمان، وأخذ يدرّس تفسير القرآن في مسجدين من مساجد بيروت على الطريقة التي اتبعها بعد في مصر، لا يتقيد بكتاب في التفسير خاص، إنما يقرأ الآية من القرآن ويفسرها من عنده بما يختار من التفسير، ويستطرد في شرح أحوال المسلمين ونقدهم حسبما تلهمه الآية.
ودُعي للتدريس في المدرسة السلطانية ببيروت فأصلح برامجها ونقلها إلى درجة أرقى بكثير مما كانت، نقلها من شبه مدرسة أولية إلى شبه مدرسة عالية، وشغل نفسه بالتدريس فيها أكثر الوقت، فكان يدرس التوحيد والمنطق والبلاغة والتاريخ الإسلامي، والفقه على مذهب أبي حنيفة، واتخذ بيته ندوة للحديث العلمي والأدبي والسمر المفيد، وكان لبقًا في دروسه وأحاديثه، يشتاق إليها المسلم والنصراني.
وكان من آثار إملائه ودروسه ما كان أساسًا لما نشره بعد في مصر من رسالة التوحيد وشرح البصائر النصيرية في المنطق.
وعلى الجملة فقد خلق في بيروت حركة علمية راقية استفاد منها كثير من أهلها.
ولم ينس الجرائد، فكان يكتب في جريدة «ثمرات الفنون» مقالات تشبه تلك التي كان يحررها في الوقائع، مثل مقالته في الدعوة إلى «النقد» والحث عليه وأنه أداة لتمحيص الآراء ومعرفة وجه الحق في الأفكار إلخ.
والتفت إلى المصالح العامة للدول الإسلامية، فوضع لائحتين في إصلاح التعليم الديني في مدارس المملكة العثمانية بمناسبة صدور إرادة سنِّية من السلطان عبد الحميد بتشكيل لجنة تحت رياسة شيخ الإسلام لإصلاح البرامج في المدارس الإسلامية، وقد رفع الشيخ محمد عبده إحداهما إلى شيخ الإسلام في الأستانة، يرى فيها أن ضعف المسملين سببه سوء العقيدة والجهل بأصول الدين، وأن ذلك أضاع أخلاقهم وأفسدها، وأن العلاج الوحيد هو إصلاح التعليم الديني، وقد رسم لذلك خططه.
ورفع لائحة أخرى إلى والي بيروت تتضمن إصلاح سوريا ووصف سوء حالها وتقسم النزعات السياسية لها بانتشار المدارس الأجنبية فيها، واقترح تعميم المدارس الوطنية، وإصلاح برامج التعليم الديني والعناية به.
ومع انقطاعه للعلم وبعده عن السياسة لم يخل من متاعب، بسبب حسد بعض الضعفاء الجبناء، أو بسبب حدة مزاجه، وكان إذا احتد جرح، فاضطر إلى ترك التدريس في المدرسة السلطانية لما شعر بسوء جوها.
كانت مدة نفيه التي حُكم عليه بها ثلاث سنوات، ولكنه مكث في المنفي نحو ست سنين، لأن الأمر لم يكن حكمًا بالنفي فقط، بل كان أكثر من ذلك غضب الخديو توفيق عليه، لأنه كان ممن اتُّهم في الثورة العرابية بجهره بخلع الخديو؛ وربما كان هذا هو السبب الحقيقي في محاكمته دون غيره ممن اشتركوا في الثورة العرابية مثل اشتراكه. وقد كرر هذا المعنى أثناء حديثه وهو في إنجلترا مع بعض مكاتبي الجرائد، فقد سأله مكاتب «البول ميل جازيت» عن رأيه في الخديو، فقال الشيخ: «إن توفيق باشا أساء إلينا أكبر إساءة، لأنه مهد لدخولكم بلادنا، ورجل مثله انضم إلى أعدائنا أيام الحرب لا يمكن أن نشعر نحوه بأدنى احترام، ومع هذا إذا ندم على ما فرط منه وعمل على الخلاص منكم ربما غفرنا له ذنبه إننا لا نريد خونة وجوههم مصرية وقلوبهم إنجليزية».
لهذا كان من العسير عودته إلى مصر في عهد توفيق، ولكن عادت وزارة رياض باشا إلى الحكم وسعى عند الخديو جماعة في العفو عنه، منهم الأميرة نازلي، ولم تكن تعرفه ولكنها سمعت عنه كثيرًا من رجال منتداها ومنهم سعد زغلول، وكانت حسنة الصلة مقبولة الرجاء عند اللورد كرومر، ومنهم الغازي مختار باشا، وأفعل شفاعة كانت بطبيعة الحال شفاعة اللورد كرومر، وقد قال في كتابه «مصر الحديثة»: «إن العفو صدر عن الشيخ محمد عبده بسبب الضغط البريطاني». وينسب بعضهم الفضل الأول في العفو لمختار باشا. والمطلع على الأحوال في ذلك الوقت يعرف أنه ما كان الخديو توفيق يعفو إلا برضا اللورد كرومر أو ضغطه.
وهنا يصح أن نتساءل: ماذا كان وراء الستار؟ واللورد كرومر لا يقدم على هذا لمجرد رجاء البرنسيس نازلي ورجال ندوتها، وهو يعلم ما كان من الشيخ محمد عبده مع السيد جمال الدين في العروة الوثقى التي هاجمت إنجلترا أشد مهاجمة وعدتها أكبر خصم المسلمين؟
الذي يظهر لي أن أصدقاء الشيخ محمد عبده في مصر استوثقوا منه أنه إن عاد لا يشتغل بالسياسة العليا، فقد جرّبها واكتوى بنارها، ولم يفد منها ما يرجو لأمته والعالم الإسلامي، وإنما يعمل على الإصلاح الديني والنظم الدينية، وهذا لا يضر موقف الإنجليز في مصر في شيء. وعلى هذا الأساس قبل اللورد كرومر شفاعة الأصدقاء، وضغط على الخديو توفيق فسمح له بالعودة، وسار الشيخ محمد عبده على النحو الذي سنبينه.
ونتساءل أيضًا: هل يلام الشيخ محمد عبده على هذا الموقف؟
ونرى أيضًا أنه لو أعدّ نفسه ليكون زعيمًا سياسيًّا يرمي إلى تحرير وطنه لكان موضع اللوم في هذه الخطة ولعُدّ ذلك تراجعًا. ولكن يظهر من تاريخ الشيخ محمد عبده كله أنه لا يحب السياسة ويلعنها ويلعن مشتقاتها، ولم يشتغل بالسياسة إلا حين دفعه التيار في الثورة العرابية، أو حين كان تحت تأثير أستاذه السيد جمال الدين الناري المزاج في «العروة الوثقى». أما هو فيرى في نفسه أنه معلِّم منير عقول، مفهِّم للحقوق والواجبات، مصلح للعقيدة الإسلامية، مدافع عن الإسلام، كان كذلك قبل الثورة، وكان كذلك في بيروت، فلم يتنكر لمبادئه حين أفهم اللورد كرومر موقفه بواسطة أصدقائه. ولعل هذا هو سبب ما نلحظه من فتور في العلاقات بين السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده من ذلك الحين، «وكل ميسّر لما خُلق له».
•••

ماذا يصنع الشيخ محمد عبده في مصر وقد عاد إليها؟ إن مصر التي يدخلها اليوم غير مصر التي تركها.
لقد أصبح كل شيء في يد الإنجليز، لهم في كل نظارة من يستبد بالأمر فيها دون الناظر، حتى الداخلية وحتى التعليم وحتى الأزهر والمحاكم الشرعية. النُظَّار قطع شطرنج يلعب بها الإنجليز، والمديرون في البلاد خاضعون للمفتش الإنجليزي، والعميد الإنجليزي مقصد كل ذي حاجة، والمقرب إلى الإنجليز مقبول الشفاعة، مقضي الحاجة، واسع الجاه، والمُبعَد عنهم معطل الحوائج، مضطهد، محارب حتى في أدق الأمور والخديو توفيق مسالم يأخذ بنصائح الإنجليز حتى في الجلاء عن السودان، ويقول لمكاتب التيمس: «إن أمامي واحدة من ثلاث خطط في الحكم: إما اتباع نصائح إنجلترا ظاهرًا والعمل على محاربتها في الخفاء، أو إطاعتها إطاعة عمياء، أو أناقش نصائحها بكل صراحة وأبدي آرائي فيها، فإذا قبلت فيها، وإلا فأنا مضطر لقبولها، وقد اتبعت في الحكم الطريقة الأخيرة، فرُميت بالضعف، فهل كان يمكنني أن أقاوم إلى النهاية؟»
إن أهم غرض للشيخ محمد عبده كان إصلاح العقيدة الإسلامية والمؤسسات الإسلامية كالأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، ومثل هذا الإصلاح لا بد أن يعتمد فيه المصلح على سلطة قوية تحمي ظهره، وإلا كان كأي عالم من علماء الأزهر لا تُسمع له كلمة، ولا يُؤبَه له بدعوة، فعلى أي السلطات يعتمد؟ أعلى الخديو توفيق وهو يكرهه كل الكراهية، ولو ترك الأمر ما أعاده من منفاه؟ ثم هو ليس له من الأمر شيء، ولكنه على كل حال السلطة الشرعية، والمؤسسات الدينية التي يريد إصلاحها أمسّ به.
أم على الإنجليز وفي يدهم القوة، ولو عاونوه في الإصلاح لتحقق بفضل نفوذهم، ولكن أليس من المهانة أن يُستعان على ذلك بالأجنبي المحتل للبلاد؟ ولو استعان بهم لظُلِّلت دعوته بظلال من وحي الأجنبي، وظن الناس الظنون بكل ما يدعو إليه. ولكن هم الذين لهم الفضل في دخوله مصر، ولولاهم لظل مبعدًا، ثم هم لا يمانعون في الإصلاح الديني والمؤسسات الدينية، إذ هذا الإصلاح لا يؤثر في مركزهم في مصر، فما الضرر من الاستعانة بهم لتحقيق الغرض ولو اتُّهِم وكُرٍه؟
أم يعتمد على الأمة وهي ضعيفة منهوكة ممزقة لم يتكون فيها وعي قومي، ولا شعور بالعزة، وكبراؤها أسوأ ما فيها! ثم إن إصلاح العقيدة والمؤسسات الدينية يهيّجها كما هو الشأن دائمًا؛ لأنها أَلفتْ الفاسد حتى لم تشعر بفساده، فإذا دُعيت إلى الإصلاح هاجت وماجت ورمت الداعي بالكفر والزندقة، فكيف يُعتمد عليها في الإصلاح؟
أعتقد أن هذا وأمثاله هو ما كان يدور في ذهن الشيخ محمد عبده ويحيره وهو في طريقه إلى مصر وعند عودته.
وأظن أنه وضع قرارًا في أعماق نفسه بمسالمة الخديو ما استطاع والاستعانة بالإنجليز فيما ينوي من إصلاح.
يدل على هذا أنه وضع تقريرًا بعد عودته عما يراه في وجوه إصلاح التعليم في مصر، ورفعه إلى اللورد كرومر لا إلى غيره تسليمًا منه بأنه القوة الفعالة، ويدل عليه سيرته الواقعية؛ فقد ظل طول حياته بعد عودته يسالم الإنجليز ويتعاون معهم، وهي سياسة لها منطقها؛ فقد كان يرى أن جلاء الإنجليز وصلاح السياسة المصرية لا يأتي إلا عن طريق استنارة الشعب وفهمه لحقوقه وواجباته، وغضبه من الاعتداء على حقوقه وهمّته في أداء واجباته، ومصر لم تبلغ هذا المبلغ، ووسيلة إصلاحها التعليم ثم يرى أن مسألة مصر لا تُحل بمواجهة مصر لإنجلترا، بل بالحالة الدولية العامة، والتفات الدول إلى أن مصلحتها في استقلال مصر؛ وإلى أن يحدث ذلك يجب على القادة أن ينيروا الشعب بالتعليم ولا يجعلوا كل همهم الاشتغال بالسياسة؛ فهو ينقد جمال الدين لأنه صرف كل جهوده في السياسة دون الإصلاح الداخلي للشعوب، وينقد الأميرة نازلي في أنها انصرفت إلى المجهود السياسي ولم تؤسس جمعية للنهضة النسائية مثلًا وإذا حضر مجلسها لم يحب أن يتكلم في السياسة، وهي لا تحب إلا أن يتكلم في السياسة.
وكان في مصر رأيان؛ رأي يقول: إنه لا أمل في الإصلاح الحقيقي إلا بزوال الاحتلال أولًا، ورأي يرى أن الإصلاح الحقيقي الداخلي هو وسيلة الجلاء، وعلى الرأي الثاني كان الشيخ محمد عبده وأصحابه، وعلى الرأي الأول كان مصطفى كامل وأصحابه، وبينهما حرب عوان، يتهم الأولون الآخرين بالرعونة، ويتهم الآخرون الأولين بالرجعية والضعف.
وطبيعي أن يكون الزعماء السياسيون من الرأي الأول، والمصلحون الدينيون والاجتماعيون من الرأي الثاني. وفي الحق أن السيد جمال الدين كان زعيمًا للناحيتين أو على الأقل اعتقد أن رسالته إصلاح العقيدة الدينية والإصلاح السياسي بمهاجمة الاحتلال الأجنبي، ولكنهما لم يجتمعا إلا في يده، ثم من بعده دعا دعاة إلى هذا ودعاة إلى ذلك، فخلّفه في مصر في إصلاح العقيدة الشيخ محمد عبده وتخلى عن السياسة، وخلفه في السياسة فقط عبد الله نديم، ثم مصطفى كامل، ثم سعد زغلول.
ومن الإنصاف إذا قوّمنا الشيخ محمد عبده في هذه الناحية أن نراعي كل ظروفه وكل الأحوال في زمنه، فلم يكن الشيخ محمد عبده بدعًا في هذا الاتجاه، فمثله في ذلك كان السيد أحمد خان المصلح العظيم في الهند، فقد رسم خطته أن يصلح الشئون الاجتماعية والدينية لمسلمي الهند مع مسالمة الإنجليز حتى لا يحاربوه في إصلاحه.
ولما اقتنع بهذه النظرية سار عليها قولًا وعملًا، وقد استُفتي مرة في الاستعانة بالأجانب فكان من فتواه: «قد قامت الأدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف على جواز الاستعانة بغير المؤمنين وغير الصالحين على ما فيه خير ومنفعة للمسلمين، وأن الذين يعمدون إلى هذه الاستعانة لجمع كلمة المسلمين وتربية أيتامهم وما فيه خير لهم لم يفعلوا إلا ما اقتضته الأسوة الحسنة بالنبي ? وأصحابه، وأن من كفرهم أو فسقهم فهو بين الأمرين إما كافر أو فاسق، فعلى دعاة الخير أن يجدّوا في دعوتهم وأن يمضوا على طريقتهم، ولا يحزنهم شتم الشاتمين ولا يغيظهم لوم اللائمين، فالله كفيل لهم بالنصر إذا اعتصموا بالحق والصبر».
فهو في هذه الفتوى يعبّر عن مذهبه ويبرر موقفه، والقارئ لهذه الفتوى يشعر بما يشعر الأستاذ فيها من مرارة وغيظ.
على كل حال هذا مفتاح لفهم سياسته، وما لاقى في حياته من عناء، وفي إصلاحه من دسائس، وفي شخصه من تُهَم، وفي طريقه من عوائق.
•••

عاد الشيخ محمد عبده وهو يأمل أن يكون ناظرًا لدار العلوم أو أستإذن فيها، فيعيد فيها ما بدأ، وينير أذهان المعلمين لينيروا أذهان الطلبة، ولكن لم يرض الخديو توفيق بذلك، لأنه إذا فعل أوصل التيار الكهربائي إلى الأسلاك، وهو تيار بغيض إليه، ولعل الإنجليز أيضًا لم يرضوا ولو شاءوا لضغطوا، فعُيِّن قاضيًا أهليًا في محكمة بنها ثم الزقازيق ثم عابدين، ثم عُيِّن مستشارًا في محكمة الاستئناف، ولم يكن هذا غريبًا، فقد كان يُعيَّن في القضاء أي مثقف ممن تمرن على المحاماة ولم تكن معه شهادة، أو ممن تخرج في دار العلوم أو نحو ذلك.
ورأى نفسه وهو قاض في وسط يدل بمعرفته للقوانين الفرنسية وشروحها، فأبت نفسه الطموح أن يكون أقل شأنًا منهم، فبدأ يتعلم اللغة الفرنسية وهو قاض في عابدين وسنّه إذ ذاك نحو الأربعين، وجدّ فيها حتى بلغ شأنًا لا بأس به، وقد أطلعه تعلمها على ميدان فسيح استفاد منه كثيرًا مما قرأ في اللغة الفرنسية، وقد ترجم كتاب التربية لسبنسر بعد أن نُقل من الإنجليزية إلى الفرنسية، وكان يكمل تعلمه الفرنسية برحلاته إلى سويسرا وفرنسا، ويستمع إلى بعض المحاضرات ويقابل بعض العظماء، وكما يقول: يجدد نفسه.
وقد امتاز في قضائه بتحريه الحق وتقديره العدالة أكثر مما يقدّر نصوص القانون، ويرجع هذا إلى سعة أفُقِه ودراسته للشريعة الإسلامية وعدم تشكّله تمامًا بالقلب القانوني، ولذلك شكا بعض زملائه من أنه يتحرر من النصوص القانونية، ولما سُئل في هذا اعترف به ودافع عن وجهة نظره.
•••

مات الخديو توفيق وتولى الخديو عباس سنة ???? وقد عاد من فيينا ممتلئًا حماسة وغَيْرة وتصميمًا على مناهضة الاحتلال، وأخذه خطة جديدة غير خطة أبيه المستسلمة، والتفّ حوله بعض شباب مصر المتحمسين، وبقايا رجال الثورة العرابية الذين تألّموا من الهزيمة ولم ييأسوا من تغير الحال، ووراءهم تركيا وفرنسا تشجعانهم على حركتهم، وقد ضاع نفوذهما على يد توفيق فأمّلا عودته على يد عباس.
وبدأ الخديو عباس بتغيير رجال الحاشية وإحاطة نفسه بما يتفق وسياسته، وبدأ يتعرف أحوال مصر بنفسه، ويتصل بالموظفين والأعيان، وأحيانًا يرأس مجلس النظار، وبدأت إنجلترا تشعر بما سيصادفها من متاعب على يد هذا الشاب، وتنتهز الفرص لإحراجه، وقد وجدوا هذه الفرصة عندما أقال الخديو مصطفى فهمي باشا من رئاسة النظار، وعيَّن حسين فخري باشا بدله من غير رجوع إليهم، وجاءت برقية من وزارة خارجية إنجلترا بعدم الموافقة على تعيين حسين فخري، وأنه لا بد من أخذ رأيها فيمن يُعيَّن، وأن الخديو إذا رفض فإن العاقبة ستكون وخيمة. وتحرجت الأمور، ورأى عباس أن تنازله عن العرش أهون من رجوع مصطفى فهمي، وأكثر من الاستشارات والاتصالات، وأخيرًا وجد الحل في استقالة حسين فخري وتعيين رياض باشا بالاتفاق مع اللورد كرومر، فكانت هذه أول صدمة للخديو عباس.
رأى الشيخ محمد عبده أن آمال عباس في الإصلاح يجب أن تُستغل، ووضع خطة أن يتقرب إليه ويوثّق الصلة به، ويحسِّن إليه برنامجه في الإصلاح مع حسن علاقته أيضًا بالإنجليز، فيكسب السلطتين ويعتمد عليهما في تحقيق أغراضه الإصلاحية ويتم له ما يريد. ولكن ستبين الحوادث أن هذا خيال، وأن الجمع بين صداقة السلطتين كالجمع بين الماء والنار، وأن إرضاء إحداهما إغضاب للأخرى لا محالة.
على كل حال تقرّب محمد عبده من عباس بواسطة محمد ماهر باشا، ورحّب الخديو بذلك، إذ يسره أن يجمع حوله أقوياء الرجال، وتقابلا مرارًا سرًا وجهرًا، وحسّن إليه الشيخ محمد عبده أن يتجه إلى إصلاح الشُّعْب الثلاث المتصلة بالدين، والتي لا شأن للإنجليز بها، والتي في صلاحها صلاح للأمة، وتقوية لمركز الخديو. إذ في ذلك برهان قوي على أنه إذا وُكل إليه الأمر أحسن خيرًا مما يحسن الإنجليز في إدارتهم، وهي: الأزهر، والأوقاف، والمحاكم الشرعية وليكن البدء بالأزهر فاقتنع الخديو بذلك، وكلّفه تقديم تقرير، ففعل واعتمد، وصدر القرار بتشكيل مجلس إدارة للأزهر برياسة الشيخ حسونة، وفيه الشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سلمان، مندوبين الحكومة، واعتمده مجلس النظّار سنة ????، وصدّق عليه الخديو، وأتيحت الفرصة للشيخ محمد عبده لإصلاح الأزهر الذي تمناه من يوم أن كان مجاورًا ساخطًا على سوء حاله.
يا لله وإصلاح الأزهر! ما حاوله أحد ونجح، ولا الشيخ محمد عبده، لأن كل المحاولات كانت تتجه إلى هامش الموضوع لا أساس الموضوع، وكانت عن سبيل استرضاء أهله والخوف من أي قلق واضطراب، والأزهريون يتزعمهم طائفة ألِفت القديم حتى عدَّته دينًا، وكرهت الجديد حتى عدَّته كفرًا، وعاشت في المغارات فلم تر ضوءًا، وأفنت عمرها في فهم لفظ، وتخريج جملة، وتأويل خطأ. فلم تر حقائق الدنيا. فإذا أتى مصلح سمّم أهله الجو حوله، واحتموا بالدين يخيفون به الحكومة، ويكسبون به عامة الشعب، وخنقوا الطائفة القليلة من شبابه النازعين إلى التجديد، وحرصوا على مراكزهم أن يكتسحها الإصلاح، وجاههم أن ينتقل إلى يد المصلحين، وبجانبهم طائفة أخرى تؤمن بالقديم عن صدق وإخلاص، ولكن عن ضيق أفق، وغفلة عن الحق، هم من جنس ما قال أهل الحديث عن بعضهم: «نتطلب دعوتهم ولا نقبل شهادتهم»، فتتجمع كل هذه العوامل، فيضطر المصلح أخيرًا إلى الانسحاب إن غضب، أو المداراة والمسالمة والرضا إن لم يغضب. وتضطر الحكومة أن تتخلى عن إصلاح الأزهر حبًا في السلامة، وتتركه يأكل بعضه بعضًا، وتُنشئ بجانبه المعاهد لمعلمي اللغة العربية والقضاء الشرعي، لتستطيع تنظيمها والإشراف عليها إذ أعجزها الإشراف على الأزهر، ومع هذا لا يخلو الجو من شغب يقلق بال الحكومة الحين بعد الحين، بين الأصل والفرع، وما يحتضنه الأزهر من طلاب وعلماء، وما تحتضنه الحكومة، وتترك ذلك للزمن، والزمن لا يحل المشكل، والمشكل لا يُحل إلا بالعلاج الحاسم، وهو أن يتبع الأزهر الحكومة تبعية الجامعة، ويستقل استقلالها، ويخضع في نظمه لما ترشد إليه علوم التربية الحديثة ويرقى برقيها، ثم ينفِّذ ذلك من غير خشية.
أخذ الشيخ محمد عبده يحرّك مجلس الإدارة للإصلاح، وبدأ بالمسائل الشكلية من زيادة رواتب المدرسين وتنظيمها، ووضع لائحة لكساوي التشريف، وتنظيم الجراية ومساكن الطلبة والإشراف الصحي عليهم، والامتحان، فلما تعرّض لشيء من الأساس، وهو ماذا يُدرّس في الأزهر، واختيار الكتب، وطرق التدريس، وبرامج الدراسة. زادت العقبات في سبيله، واضطر أخيرًا إلى الانسحاب. فكانت معالجته «برشامًا» للصداع لا علاجًا لأصل الداء. وفي الحق أنه لم يكن يمكنه في مثل ظروفه غير ذلك.
•••

ظل الشيخ محمد عبده يعمل في القضاء ويحرك مجلس إدارة الأزهر للإصلاح حتى سنة ????، وحدث أن كثرت الشكوى من المحاكم الشرعية وقضاتها، ففكر مستشار الحقانية الإنجليزي في إلغائها وضمها إلى المحاكم الأهلية، ولكن حسبوا حسابًا لهياج الرأي العام فأرادوا أن يفعلوا ذلك تدريجًا، وذلك بتعيين مستشارين من محكمة الاستئناف عضوين في المحكمة الشرعية العليا، فلم يرض بذلك جمال الدين أفندي قاضي مصر التركي، ولا الشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية، وعُرض المشروع على مجلس شورى القوانين فرفضه، ووقف الشيخ حسونة موقفًا شديدًا صلبًا انتهى بتركه المنصبين، ووقف المشروع، وكان الشيخ محمد عبده يطمح في أن يُعيَّن مكان الشيخ حسونة في المنصبين، فيقبض على ناصية الأزهر ويتمكن مما ينوي من إصلاح، ولكن أسرع الخديو فعيَّن الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي للمشيخة، والشيخ محمد عبده للإفتاء، فأثّر ذلك في نفس الشيخ محمد عبده وآمن بأن الخديو لا يطمئن إليه في باطن نفسه، ولم يمض نحو شهر حتى مات الشيخ القطب وعين مكانه الشيخ سليم البشري، فاعتقد الشيخ محمد عبده أن إصلاح الأزهر قد تعقّد بهذا الوضع، فلم يكن يطمئن إلى الشيخ البشري اطمئنانه إلى الشيخ حسونة، ويراه لا يؤمن بإصلاح، ويداري ولا يصارح، ويعمل بإشارة السلطة لا بوحي من نفسه؛ ومع هذا فمنصب الإفتاء خلع على الشيخ محمد عبده وجاهة دينية ممتازة، وهو نفسه قد خلع على المنصب بشخصيته إجلالًا واحترامًا، وزاد في ذلك تعيينه في السنة نفسها عضوًا دائمًا في مجلس شورى القوانين.
وظلّت العلاقة بينه وبين الخديو عباس حسنة في ظاهر الأمر، فالخديو يستشيره إذا تعقدت الأمور بينه وبين الإنجليز، كاستشارته له عند ما أرادوا تعيين قاض مصري بدل القاضي التركي، وكان الخديو لا يرى هذا الرأي لأنه يضعف صلة مصر بتركيا ويمكّن من سلطة الإنجليز، وكاستشارته له في مسألة «ليون فهمي» الأرمني، وكان قد قبض عليه الخديو وحبسه في سراي رأس التين لاتهامه بتزوير أختام باسم رئيس كتاب «يلدز» وأراد اللورد كرومر أن يفتش عنه في السراي، ورأى الخديو أن هذا منتهى الإهانة، وقد أشار الشيخ محمد عبده على الخديو بما أنقذه من الموقفين.
كان الشيخ محمد عبده إلى هذا الحين يتفق ورأى الإنجليز في أن الخديو ليس من مصلحته ولا مصلحة مصر أن يحارب جماعة تركيا الفتاة خدمة لتركيا وفيهم قوم أحرار لم يرضهم ظلم عبد الحميد ولا عسفه ولا استبداده، وأن الخير للخديو أن يوجِّه النظار إلى ترقية الشئون المصرية كالتعليم وإصلاح المحاكم الشرعية وإصلاح الأزهر، فهو بذلك يخدم بلاده.
والشيخ محمد عبده يصدر في هذا عن مزاجه وطريقته في التفكير والإصلاح، ويتكلم في ذلك في مجالسه الخاصة فيبلغ الخديو فيُسرها له.
ولكن حدث أن خلا مكان لكسوة التشريفة في الأزهر فأراد الخديو أن يشغلها الشيخ محمد راشد مفتي المعية، ولم يكن تنطبق عليه اللائحة الموضوعة، فأوعز الشيخ محمد عبده بعدم تنفيذ ذلك الأمر وإعطائها للمستحق، وزاد الطين بلّة أن العلماء لما اجتمعوا عند الخديو في التشريفات كلّم الخديو شيخ الجامع في غضب وتوبيخ، فرد الشيخ محمد عبده في حدّة: «إذا شاء أفندينا أن تكون كساوي التشريف بمقتضى إرادته الشخصية فليصدر بذلك قانونًا آخر ينسخ هذا القانون» فلما سمع الخديو هذا الرد احمرّ وجهه ووقف إيذانًا للحاضرين بالانصراف وآلى على نفسه أن يحرج المفتي ويكيد له حتى يخرجه من منصبه، وينتقم من فعلته.
ثم أعقب ذلك وقوف الشيخ محمد عبده وحسن باشا عاصم في أرض يريد الخديو استبدالها، ورأيا أن هذا العرض ليس في مصلحة الوقف، وحملا مجلس الأوقاف الأعلى على رفض هذا الاستبدال إلا إذا دفع للوقف عشرون ألفًا فرقًا بين الصفقتين.
انكشف الغطاء وظهر العداء ودُبرت المؤامرات ودُست الدسائس، وكلما أمعن الخديو في ذلك اضطر الشيخ محمد عبده إلى كثرة الاتصال بالإنجليز، وكلما اتصل زاد غضب الخديو حتى لقد همَّ الخديو بعزله من الإفتاء، فصرح اللورد كروم «أنه لا يوافق على عزله من منصب الإفتاء مهما كانت الأحوال ما دام موجودًا».
والشيخ محمد عبده جادّ في إصلاح الأزهر والنهوض بالجمعية الخيرية الإسلامية لنشر التعليم وإعانة المنكوبين، ورسول السلام بين مجلس الشورى والحكومة وداعي المصالحة فيما تعقد من الأمور، يكسب من الإنجليز بقدر ما يستطيع، وهو موضع ثقة المجلس وثقة الحكومة وثقة الإنجليز، يستشيرونه في كثير من الأمور فيشير بما يعتقده الحق؛ ثم هو ينير الخاصة بما ينشر من أفكاره في الدين والإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والسياسي على مذهبه.
وهو يحارب أشد محاربة وأعنفها من جهات متعددة: الخديو عباس يتخذ السيد توفيق البكري وغيره وسيلة للإفساد بينه ويبن رجال الأزهر، وتحريض أعضاء المجلس على الاستقالة حتى يحل محلهم من يكرهون الشيخ محمد عبده ويقفون في سبيله. وكثير من شيوخ الأزهر يخاصمونه لأنه يهدم قديمهم وإلفهم ويطلع عليهم بجديد لم يألفوه، ويشيعون بين العامة كفره وزندقته.
والحزب الوطني وعلى رأسه مصطفى باشا كامل يحاربه ويرميه بالمروق من الوطنية، لأنه يشايع الإنجليز ويتخذهم أعوانه، وتُكتب التقارير السرية ضده للآستانة، فإذا سافر إليها استُقبل استقبالًا سيئًا، وعُملت التدابير لإهانته لولا لطف الله.
والجرائد الهزلية تشهر به أشنع تشهير، إما بإيعاز من خصومه وقبض الثمن منهم، وإما مجاراة للعوام وأشباههم باسترضائهم لترويج جرائدهم.
في كل يوم حادثة، وفي كل ميدان موقعة، وفي كل جريدة ذكر، وفي كل مجلس مناظرة بين الاتهام والدفاع، واسم الشيخ محمد عبده على كل لسان، وعيشته عذاب في عذاب، وهو لا تفتر قوته، ولا تخبو عزيمته، وإن كان كل ذلك يهد في أعصابه ويهدم من كيانه.
لقد تلقى المفتي سؤالين من بعض مسلمي الترنسفال وهما: السؤال الأول: بقر يضرب على رأسه بالبلطة حتى تضعف مقاومته ثم يذبح قبل أن يموت بدون تسمية الله عليه، فهل يجوز أكل لحمه؟
فأفتى الشيخ بحِلِّها فقامت عليه قيامة العلماء يقولون إنها محرَّمة لأنها هي الموقوذة التي حرم الله أكلها، والشيخ يقول: إن الموقوذة هي ما ضربت بشيء غير محدد كالحجارة والخشب حتى ماتت، وهذه ذُبحت قبل موتها.
والسؤال الثاني: يوجد أفراد في هذه البلاد (الترنسفال) يلبسون البرانيط لقضاء مصالحهم وعود الفوائد عليهم، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأفتى أيضًا بالجواز وقال: «أما لبس البرنيطة إذا لم يقصد فاعله الخروج من الإسلام والدخول في دين غيره فلا يُعدّ مكفرًا، وإذا كان اللبس لحاجة من حجب الشمس أو دفع مضرة أو دفع مكروه أو تيسير مصلحة لم يكره كذلك».
فهيّجت عليه الجرائد كجريدة الظاهر، وأثارها محمد بك أبو شادي عليه حربًا شعواء، وكذلك جريدة اللواء.
وزاد خصومه وقاحة فلفقوا صورة شمسية له مع بعض نساء الإفرنج وحملوها للورد كرومر، وأفهموه أن هذا في عرف المسلمين لا يجوز صدوره ممن يتولى منصب الإفتاء، فلم يأبه لقولهم. وصورته الجرائد الهزلية «كالأرنب وحمارة منيتي» بصور شنيعة، وحكم على أصحابهما بالحبس.
وهكذا لم يتورع خصومه أن يحاربوه بأسفل الوسائل، وكان بعض هذا يكفي لعدوله عن جهاده، وكان بعض أصدقائه كسعد زغلول وقاسم أمين يعيبون عليه إلحاحه في إصلاح الأزهر، وهو غير مُمكَن بهذا الوضع، وهو مع كل هذا مصرّ على المضي في عمله تشحذه الخصومة، ويأرق بعض الليالي مفكرًا في وسائل الإصلاح ويقول: إن وجداني الديني لا يرضى بالصمت عن المفاسد.
وآخرون من خلصائه كانوا يعيبون عليه عداءه للخديو على هذا الوجه، ويرون أن الأجدر به أن يغضي النظر عن هفواته، ويقولون: ماذا عليه لو أعطى كسوة التشريف لغير مستحقها أو تماهل في استبدال الوقف، ثم كان ثمن ذلك أن تطلق يده في الإصلاح كما يريد، وحينئذ يجد من الخديو كل عون! ولكن فاتهم أن الطبيعة تأبى أن تخلق من علي معاوية أو أن تجعل من عُمَرَ عَمْروًا.
وعابوه أنه نظر إلى الخديو عباس من جانبه الأسود وهو شرهه المالي، وجشعه المادي، ووسائله الوضيعة في ذلك، ولم ينظر إلى جانبه الأبيض وهو إباؤه الاستسلام للمحتلين وتشجيعه الحركة الوطنية وتغذيتها وتنميتها. بل إن (الشيخ محمد عبده) كان يناهض أيضًا دعاة الحركة الوطنية، ويرميهم بالتهور ويقنع في آماله الوطنية بالقليل، كما يدل عليه خطاباه اللذان نشرًا بعد موته وكان قد أرسلهما إلى صديقه مستر «بلنت» يشرح فيهما مذهبه في الإصلاح السياسي، وفيهما قناعة لا ترضي الوطنيين، وقد أثارا نفوس الخديو والوطنيين وحتى بعض المعتدلين.
ولكن مهما كان الأمر فإن العظيم يجب أن يقدّر من جميع جوانبه لا من جانب واحد، وقد كان الشيخ محمد عبده مصلحًا دينيًّا ومصلحًا اجتماعيًّا ومصلحًا للغة والأدب، وشخصية بارزة في التفكير، وأخيرًا سياسيًّا. فإن هو لم يوفق في سياسته فهذا لا يقلل من نواحيه القيّمة الأخرى، نعم يسقِط الرجل في السياسة أن يُشترى بمال أو يبيع ذمته لمنصب. ولكنا نجزم أن الشيخ محمد عبده كان وفيًا لأمته مخلصًا نزيهًا، يسلك هذا المسلك السياسي عن عقيدة وتقدير للمصلحة، ويجتهد أحيانًا فيخطئ وتحمله الظروف القاسية أحيانًا على ما يكره.
والحق أن كثيرًا من شيوخ الأمة كانوا في ذلك الوقت على مثل رأيه السياسي، كسعد باشا زغلول، وفتحي باشا زغلول، وحسن باشا عاصم، ومحمود باشا سليمان وغيرهم من رجال حزب الأمة، ولكنه هوجم من هذه الناحية أكثر مما هوجموا، لأن الخديو عباس كان يؤلب عليه أكثر مما يؤلب عليهم، ولأن الناس اعتادوا أن يروا رجال الدين بعيدين عن السياسة وخاصة مع المحتلين.
في سنة ???? كان الأزهر هادئًا وعلى رأسه السيد على الببلاوي، وكان رجلًا يرتاح إلى الشيخ محمد عبده ويرتاح محمد عبده إليه، والأمور سائرة سيرًا طبيعيًّا، فظهرت فجأة حركة تدعو إلى الشغب وتشكو من شيخ الأزهر ومن مجلس الإدارة، وكان القائمون بها من المتصلين بالسراي، على أثر رفض الشيخ محمد عبده وحسن عاصم استبدال الوقف الذي أشرنا إليه وعلى أثر هذا الشغب استقال السيد على الببلاوي، وعيّن الخديو عباس الشيخ عبد الرحمن الشربيني، وهو ممن لا يستطيع الشيخ محمد عبده العمل معهم لرجعيته وجموده. وخطب الخديو في حفلة الإنعام بالخلعة على الشيخ الشربيني خطبة فيها خفة تدل على الغيظ الشديد من الشيخ محمد عبده وصحبه، قال فيها: «إن الإزهر أُسّس وشُيّد على أن يكون مدرسة دينية إسلامية تنشر علوم الدين في مصر وجميع الأقطار العربية … ولقد كنت أود أن يكون هذا شأن الأزهر والأزهريين دائمًا، ولكن من الأسف رأيت فيه من يخلطون الشغب بالعلم ومسائل الشخصيات بالدين، ويكثرون من أسباب القلاقل … وأول شيء أطلبه أنا وحكومتي أن يكون الهدوء سائدًا في الأزهر، والشغب بعيدًا عنه فلا يشتغل علماؤه وطلبته إلا بتلقي العلوم الدينية النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار، لأنه مدرسة دينية قبل كل شيء، وقد استقال السيد علي الببلاوي رعاية لصحته، وقد جريت منذ اثنتي عشرة سنة على أن أقبل استقالة كل من يستقيلني من وظيفته، فقبلت استقالته، ومن يستقيلني من وظيفته سواه فأنا مستعد أن أقبل منه جريًا على العادة التي اتبعتها.. ومن يحاول بث الشغب بالوساوس والأوهام أو الإيهام بالأقوال، أو بواسطة الجرائد والأخذ والرد، فليكن بعيدًا عن الأزهر، ومن كان أجنبيًّا من هؤلاء (يريد السيد محمد رشيد صاحب «المنار») فأولى أن يرجع إلى بلاده، ويبث فيها ما يريد من الأقوال والآراء المغايرة للدين ولمصلحة الأزهر والأزهريين».
فلم ير الشيخ محمد عبده بدًا من الاستقالة، وقد آمن بعجزه عجزًا تامًا عن إصلاح الأزهر الذي يريده.
لم يلبث بعد هذه الحادثة أن أحس وطأة المرض، فعزم على السفر إلى أوربا للاستشفاء، ولكن لم يمنعه ذلك من العمل في مجلس الشورى ومجلس الأوقاف والجمعية الخيرية الإسلامية، وامتحان دار العلوم، وإعداد مشروع مدرسة القضاء. ثم ألحّ عليه المرض واختلف الأطباء في تشخيصه: هل هو المعدة أو الكبد؟ ثم تبين أنه مع الأسف السرطان، فأشاروا عليه بعدم السفر. وفي يوم ?? يولية سنة ???? فاضت روحه إلى ربها عن نحو ستة وخمسين عامًا، وكان برمل الإسكندرية في منزل صديقه محمد بك راسم. وقرر مجلس النظّار أن تحتفل الحكومة رسميًّا بتشييع جنازته في الإسكندرية ومصر، وكان مشهدًا مهيبًا رائعًا، ثم دُفن بقرافة المجاورين.
وكان الخديو متغيبًا عن مصر فأنب من احتفل به أو احتفى بجنازته من رجاله. رحمه الله.
وبعد فما إصلاحه؟ وما مبادئه في الإصلاح؟ وما أثرها في الأمة؟
•••

صوّره السيد جمال الدين مرة تصويرًا لطيفًا، إذ رأى منه عزة نفس وإباء ضيم، وترفعًا عن سفاسف الأمور وطموحًا إلى معاليها، فقال له: «أي ملك في جلدك؟»
ومع هذه العزة والإباء كان حي الضمير حساس النفس عطوفًا على البائسين والمنكوبين، فماله أقله له وأكثره للإعانة والإغاثة والنجدة؛ يصف شعوره في حريق ميت غمر فيقول: «لما قرأت وصف الحادثة كان لهب الحريق يأكل قلبي أكله لجسوم أولئك المساكين، ويصهر من فؤادي ما يصهر من لحومهم، أرقت تلك الليلة ولم تُغمض عيناي إلا قليلًا، وكيف ينام من يبيت يتقلب في نعم الله وله هذا العدد الجم من إخوة وأخوات يتقلبون في الشدة والبأساء، أردت أن أبادر بما أستطيع من المعونة وما أستطيع قليل لا يغني عن الحاجة ولا يكشف البلاء، ثم رأيت أن أدعو جمعًا من أعيان العاصمة ليشاركوني في أفضل أعمال البر في أقرب وقت» وكذلك فعل في كثير مما أصاب البلاد من بلاء.
وصوّره السيد جمال الدين مرة أخرى فقال له: «إن بين برديك قردًا يُخرج رأسه في بعض الأحيان» يشير إلى ما يعتريه من الحدة أحيانًا كالذي كان منه مع الخديو عباس مما رويناه قبل، وفي الدرس إذا سُئل سؤالًا سخيفًا، وفي بعض تصرفاته، ولكن هذه الحدة كانت أيضًا مصدر قوة له، فكان يغضب لما يعتقده الحق، وينفعل لما يصيب من أذى، والمنكوبين من مكروه، ثم هذه الحدة أضفت عليه من المهابة والتوقير الشيء الكثير.
وهو مع هيبته وحدته طيب القلب سليم الصدر، وفيّ لأصدقائه، لطيف الحديث، سمح النفس، ينصف الناس في الحق حتى من نفسه، أميز شيء فيه شجاعته الأدبية، لا يداري ولا يماري، ويقول ما يعتقد أمام أي عظيم، ويعتمد في شجاعته على ربه وإيمانه، وكم سببت له شجاعته وصراحته من متاعب احتملها في صبر وثبات، علمًا منه بأن المقدمة لا بد أن تتبعها النتيجة.
وكان أهم خصائصه غيرته الشديدة على الإسلام والمسلمين، هي محور أعماله ومصدر آلامه وآماله. حدثني صديق قال: «كنت أسير مع الأستاذ في «جنيف» من أعمال سويسرة، وكنا نتلقى معًا بعض المحاضرات الصيفية في جامعتها، فجاء ذكر الإسلام والمسلمين، فقال الشيخ: إني وهبت حياتي لإصلاح العقيدة الإسلامية وتنقيتها مما علق بها من الخرافات والأوهام. فقلت: وهل الدين عند العوام إلا الخرافات والأوهام؟ وماذا يبقى عندهم لو زالت؟ فرأيته وقد احمر وجهه وغضب غضبة ما رأيته غضب مثلها، فتأولت ما قلت حتى هدأت ثورته.
كم لاقى من عناء في سبيل إصلاحه، وكم اتُّهم وكم سُبّ وكم دُسّ له، وكم نصحه أصدقاؤه أن يستريح من هذا العناء ويعود إلى القضاء فما طاوعته غيرته أن يسمع لقولهم.
لقد ذكر الشيخ محمد عبده ما يصح أن يكون مجمع إصلاحه، ومجمل رسالته فقال: «ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه … وأنه على هذا الوجه يعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في أسرار الكون، داعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبًا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل … وقد خالفت إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن في ناحيتهم. والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير سواء كان في المخاطبات الرسمية أو في المراسلات بين الناس وكانت أساليب الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق، وتنكره لغة العرب: الأول ما كان مستعملًا في مصالح الحكومة وما يشبهها، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات، رث خبيث غير مفهوم ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم، لا في صورته ولا في مادته. والنوع الثاني ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون من الجامع الأزهر، وهو ما كان يراعي فيه السجع وإن كان باردًا، وتلاحظ فيه الفواصل وأنواع الجناس وإن كان رديئًا في الذوق، بعيدًا عن الفهم، ثقيلًا على السمع غير مؤد للمعنى المقصود.
«وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعًا في عمى عنه … ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخُلُوِّ مجتمعهم منه. وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها، وهي لم يخطر لها هذا الخاطر على البال من مدة تزيد على عشرين قرنًا؛ دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يردّه عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته إلا نُصْح الأمة له بالقول والفعل، جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد.
«ولم أكن في كل ذل كالإمام المتبَع، ولا الرئيس المطاع غير أني كنت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة، ولا أبرح أدعو إلى عقيدتي في الدين، وأطالب بإتمام الإصلاح في اللغة وقد قارب. أما أمر الحكومة والمحكوم فتركته للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأنني قد عرفت أنه ثمرة تجنيها الأمة من غراس تغرسه، وتقوم على تنميته السنون الطوال، فهذا الغراس هو الذي ينبغي أن يُعنى به الآن، والله المستعان».
في هذا القول الموجز كل حياة الشيخ محمد عبده الإصلاحية، وكل رسالته، وكل نجاحه وفشله. ثلاثة أمور اتجه إليها: إصلاح الدين، وإصلاح اللغة والأدب وإصلاح السياسة، فلنذكر كلمة في عمله في كل منها.
فأما إصلاحه الديني فاتجه فيه إلى إصلاح الأزهر، وكان رأيه أنه إذا أُصلِح خدم العالم الإسلامي أكبر خدمة، لأنه سيخرج قومًا غيورين على الدين، متنورين، ينبثّون في جميع العالم الإسلامي فيحملون مثل رسالته ويقومون بمثل دعوته؛ وقد استعان على ذلك بالخديو والإنجليز وبمنصبه وجاهه وأصدقائه، ثم كان من أمره ما ذكرنا؛ ولهذا وأمثاله وصفه اللورد كرومر بأنه كان رجلًا مستنير الرأي بعيد النظر، خياليًّا، حالما بعض الشيء، ولكنه كان وطنيًّا صادقًا».
ومع أنه لم يصل في الأزهر إلى ما يريد، ولا إلى بعض ما يريد فقد خلّف فيه طبقة مستنيرة، وإن كانت قليلة، اعتنقت مبادئه وتشعبت بآرائه، وإن لم تكن لها حماسته وغيرته.
واتخذ أهم وسيلة لإصلاح العقيدة تفسير القرآن الكريم، جعله ديدنه، يُدرِّسه في بيروت في مسجدين، ويُدرِّسه في أحد مساجد القاهرة وهو قاض، ويُدرِّسه في الأزهر وهو في القضاء والإفتاء، ويتخذ موضوع محاضرته في الجزائر تفسير سورة العصر، ويفسر جزء عم لتلاميذ مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، وينشر دروسه في التفسير في مجلة المنار ليُقرأ في العالم الإسلامي.
كان يقرأ الآية فإذا اتصلت بالعقيدة شرحها شرحًا وافيًا، مستعرضًا ما ورد في القرآن في موضوعها، مبينًا ما دخل على المسلمين في هذه العقيدة من فساد ودخيل، وإذا اتصلت الآية بالأخلاق أبان أثر هذا الخلق في صلاح الأمم وضياعه في فسادها، وإذا اتصلت بحالة اجتماعية أوضح أثر هذه الحالة الاجتماعية في حياة الأمم، مسترشدًا بالواقع مستشهدًا بما يجري في العالم، في بيان متدفق ولسان ذلق وصوت جميل أخّاذ؛ فهو تفسير عملي يشرح الواقع ويبين سببه، وهو أخلاقي يدعو للعمل على مبادئ الإسلام ويبين أنها منبع السعادة في كل العصور، وهو روحاني يدعو إلى السمو بالنفس إلى العالم العلوي، وينزه الله عما دخل على العقيدة من فساد بالإشراك مع الله الأولياء وعبادة الأضرحة والتشفع بأهل القبور وإقامة الموالد ونذر النذور؛ وهو في كثير من مبادئه يشبه تعاليم الوهابية في الرجوع إلى الأصول الأولى للإسلام، وتنقيته من البدع والخرافات والأوهام؛ ولكنه أوسع أفقًا بتقبله ما صلح من مبادئ المدنية الحديثة والأخذ بها ما اتفقت والإسلام.
الإسلام دين توحيد لا شرك فيه، تنزيه لا تجسيم فيه، وهو دين يعتمد على العقل ويستنهضه لإدراك أن العالم له صانع واحد عالم قادر، والعقل ضروري للدين، فهو المرشد إليه، والدين ضروري للعقل لأنه يكمله ويقومه.
والإسلام يفسح صدره للعلم ويدعو إليه، لأن العلم يكشف أسرار الكون، وذلك يفضي إلى معرفة الله وإجلاله.
وهو في تفسيره يحاول التوفيق بين الإسلام ونظريات المدنية الحديثة: ويتبع طرقًا من التأويل وتفسير نظريات العلم يخونه فيها التوفيق أحيانًا.
أكبر قيمة له في تفسيره أنه كان يحيي العواطف، ويحرك المشاعر أكثر مما يستقصي بحث المسائل العلمية؛ فهو يتجه إلى القلب أكثر مما يتجه إلى العلم والعقل متأثرًا في ذلك بطبيعة الدين نفسه، أفادته سعة اطلاعه على الفلسفة الإسلامية، ثم اتصاله بالثقافة الغربية وقراءته بعض أصولها ورحلاته إلى أوربا وملابسته لحياتها ومقابلته لبعض فلاسفتها وسماعه بعض محاضرتها، أن ينظر إلى حال المسلمين نظرة إشفاق في عقيدتهم وأعمالهم، فيبث كل ما يرى من إصلاح حول تفسير آيات القرآن.
واستمر يُدرِّس هذا الدرس في الأزهر نحو ست سنين، كان يحضره كثير من علية القوم وكبار القضاة والموظفين وشباب الأزهر والمدارس العالية، وكان درسه ذا أثر كبير فيهم.
كان يرى أن إصلاح المسلمين من طريق دينهم أيسر وأصح من إصلاحهم من طريق الإصلاح المعتمد على مجرد العقل ومقياس المنفعة والتقليد الأوربي، وأن هذا الطريق هو الذي سلكه جميع المصلحين المسلمين. يقول: «إن الغرض الذي يرمي إليه جميعهم إنما هو تصحيح الاعتقاد وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين، حتى إذا سلمت العقائد من البدع تبعها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب، واستقامت أحوال الأفراد، واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقية، دينية ودنيوية، وتهذبت أخلاقهم بالملكات السلمية، وسرى الصلاح منهم إلى الأمة … وإذا كان الدين كافلًا بتهذيب الأخلاق، وصلاح الأعمال، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة به ما بيّنّاه، وهو حاضر لديهم، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به، فلم العدول عنه إلى غيره؟»
وعلى هذا الأساس في التفكير كان يريد أن يسيطر على برامج التعليم في المدارس حتى يصلح النفوس من هذا الطريق بالتوسع في التاريخ الإسلامي، وبث مبادئ الدين الصحيح، ولهذا كان ينتهز كل فرصة لتقديم تقرير عن التعليم؛ فعل ذلك لما كان في الوقائع قبل الثورة العرابية، حتى شكّل مجلس التعليم الأعلى بناء على سعيه، وكان هو فيه عضوًا بارزًا، وفعل ذلك عندما كان في بيروت، فكتب تقريرًا في إصلاح التعليم رفعه إلى شيخ الإسلام في الأستانة حتى لم يتحرج أن يرفع تقريرًا بذلك إلى اللورد كرومر بعد عودته، فلما لم تتحقق مطالبه رجا أن يكون على رأس دار العلوم يبث روحه في طلبتها فيبثّون روحهم في طلبتهم، فلما يئس من ذلك أيضًا وجه همّته إلى الجمعية الخيرية الإسلامية يضع لتلاميذها مناهج دراستهم ويؤلف لهم تفسير جزء عم. وهكذا كان دائمًا يريد أن يسيطر على التعليم ليوجهه الوجهة التي يريدها.
وكما جدَّ في نشر تعاليمه وآرائه في الإسلام جدِّ في الدفاع عنه، وكانت تأخذه الغيرة الشديدة إذا مسّه أحد بسوء. يتجلى ذلك في موقفين شهيرين: (?) رده على هانوتو. ففي أوائل سنة ???? نشر هانوتو مقالًا عن الإسلام بمناسبة سياسة فرنسا في المستعمرات الإسلامية، ثم تعرض للمقارنة بين المدنية النصرانية والإسلامية، ووازن بينهما في مسألتين: ذات الله والقضاء والقدر. فاعتقاد النصارى في التثليث وتصورهم للإله الإنسان جعلهم يرفعون مرتبة الإنسان ويخولونه حق القرب ومن الذات الإلهية؛ على حين أن العقيدة الإسلامية بدعوتها إلى التوحيد وتنزيه الله عن البشرية، حملت الإنسان على الضعف والوهن، والعقيدة المسيحية القائلة بحرية الإنسان وإرادته، دفعته إلى العمل والجد. أما عقيدة المسلمين في القضاء والقدر فحملتهم على الجمود والركود.ونُشرت ترجمة هذا المقال في المؤيد، فلم ينم الشيخ محمد عبده ليلته حتى كتب الرد عليها، وظهرت أول مقالة له في ثاني يوم. ثم تتابعت مقالاته، بيّن فيها فضل الإسلام على المسيحية، وبيّن أن عقيدة التوحيد أسمى فكرة، وأن فكرة التثليث لا يستطيع أن يتقبلها العقل، وأن الإسلام لم يدع إلى الجبرية بالمعنى الذي يفهمه هانوتو، وأن في القرآن أربعًا وستين آية تثبت حرية الإرادة إلخ. وكان من نتائج هذا كتابه المشهور «الإسلام والنصرانية».
(?) وأما الموقف الثاني فقد نشر فرح أنطون في مجلة «الجامعة» مقالًا عن ابن رشد قرر فيه أن المسيحية كانت أوسع صدرًا وأكثر تسامحًا للعلم والفلسفة من الإسلام، فرد عليه الشيخ محمد عبده في سلسلة مقالات يثبت فيها سعة صدر المسلمين للفلاسفة وأهل العلم والأديان الأخرى، مما لم يكن له نظير في أي دين آخر.
وهكذا كانت حياته في خدمة دينه.
•••

أما إصلاحه اللغوي والأدبي فقد بدأه بإصلاح أسلوبه نفسه، أخذ يكتب في جريدة الأهرام بأسلوب متأثر بالكتب الأزهرية، وخاصة بما ألّف في الفلسفة الإسلامية، وبما هو شائع في ذل العصر من السجع والازدواج، وبمقدمات طويلة قبل الدخول في الموضوع. ثم أخذ يقوي أسلوبه ويصح ويزداد حركة وقوة من روح أستاذه جمال الدين، كما يتجلى في مقالات العروة الوثقى، ثم مرّن قلمه وتدفق من طول ما كتب وعالج حتى بلغ غايته في مقالاته في الرد على هانوتو حيث تجمَّل بجمال البساطة وتدفُق المعاني، في سلاسة وقوة.
ونظر إلى أساليب الكتّاب فحاول إصلاحها ما استطاع. فكان يقدّم نماذج للكتابة أيام كان مشرفًا على الوقائع المصرية بما يكتبه هو وأصحابه فيها، وكان يلفت نظر الجرائد إلى سوء أسلوبها، ويلزم أصحابها أن يختاروا من يرفع مستوى الكتابة فيها.
ولما كان في بيروت كان مما يعلم في «المدرسة السلطانية» الإنشاء، ونشر مقامات بديع الزمان الهمذاني بعد أن ضبطها وشرحها، ونهج البلاغة بعد أن ضبطه وشرحه، يرمي بذلك إلى تغذية الناشئين بأدبهما واتخاذهما نموذجًا من نماذج الأساليب الجيدة.
ولما عاد إلى مصر كان من دروسه درس في البلاغة لا على نمط البلاغة التي أفسدتها الفلسفة، بل على النمط الذي يربي الذوق ويرقي الأسلوب؛ فقرأ كتابي دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، وكان هو السبب في نشرهما، فقدّم بهما معنى للبلاغة لم يكن مفهومًا للناس من قبل.
وفي سنة ????هـ أسّس في مصر جمعية برئاسته سُمّيت «جمعية إحياء الكتب العربية» كانت فاتحة أعمالها نشر كتاب المخصص في اللغة، وقد عهد في تصحيحه للعالم اللغوي الشيخ محمد محمود الشنقيطي. وشرعت الجمعية بعد المخصص في إعداد مدونة الإمام مالك للطبع بعد أن استحضر لها أصولًا من تونس وفاس.
وهو الذي أخذ بيد الشنقيطي ولولاه ما بقي في مصر، فكان الشنقيطي عَلَمًا من أعلام اللغة يعلّمها للناس ويصحح ما تعقد من الكتب، وينشر البحوث اللغوية الدالة على اطلاع واسع وتدقيق عميق.
وهو الذي عهد إلى الأستاذ سيد المرصفي في تدريس كتب الأدب بالأزهر، أمثال كتاب الكامل للمبرد وديوان الحماسة لأبي تمّام، ولم يكن ذلك معروفًا من قبل، فكان عمله هذا سببًا في نهضة لغوية أدبية واضحة تأثر بها كثير من الأدباء البارزين وتلاميذهم، فإن قلنا: إنه حوّل الكتابة من كتابة مسجوعة سخيفة إلى كتابة مرسلة جميلة، ومن كتابة فارغة المعاني إلى كتابة يُعنى فيها بالمعاني لم نبعد.
أما إصلاحه السياسي فكان في مجلس الشورى مذُّ عُيِّن عضوًا به، فكان قوة فعالة فيه قال صديقه حسن عاصم وكان زميلًا له في المجلس: «لقد عُيِّن الشيخ محمد عبده سنة ????، وكان بين أهل الحل والعقد في الحكومة وبين رجال مجلس الشورى شيء أشبه بالخلاف في الرأي، أدى إلى أن الحكومة نفذت كثيرًا من المشروعات التي كان المجلس يرى الخير للأمة في عدم العمل بها، وصرفت النظر عن كل أوجه التعديل في المشروعات التي كان يُرى أن الصلاح والنفع للأمة في تعديلها، فلما جاء الأستاذ إلى المجلس ونظر في الأمر نظرة الحكيم البصير، وعرف أن ليس هناك ما يدعو إلى هذا الانفراج، وإنما هو سوء التفاهم باعد ما بين المشارب على تقاربها، سعى رحمه الله في أن يزيل أسباب هذا الخلاف فكان ما أراد، وعرفت الحكومة أن المجلس إنما يطلب ما فيه سعادة الأمة، ويبتغي الخير لها، وأن ليس له غرض في مصادمة آراء الحكومة ومطالبها ما دامت تتفق مع مقصده، وعلم المجلس أيضًا أن الحكومة لا تقصد إلى شيء وراء ما يقصده لمصلحة البلاد، وبذلك اتفقت الكلة في الغالب، ولم يعد بين الهيئة الحاكمة والهيئة النيابية من الخلاف ما يتعسر حلُّه».
وكان ما ترسله الحكومة من المشروعات يؤلف المجلس لجنة لدرسه، وكثيرًا ما تكون برياسة الأستاذ، سواء كانت المسألة قانونية أو اجتماعية أو شرعية، حتى قد التهم المجلس وقته وهو لا يعبأ بالجهد يُبذل فيه، لأنه كان يرى أن عمله مع الأعضاء درس يعلم الجد والاهتمام بالأمور العامة للبلاد، وأنه وسيلة لتربية الرأي العام.
هذه ناحيته السياسية الرسمية. أما غير الرسمية، وأعني بها عمله في موقف الأمة من الخديوين ومن الإنجليز، فقد لخّص موقفه منهما في قوله: «إنه يريد تنبيه الرأي العام حتى يميّز ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة، وأن الحاكم من البشر يخطئ ويصيب، ولا يصده عن الخطأ إلا تيقُّظ الرأي العام ووقفه الحاكم إذا تجاوز حده بالقول أو الفعل.
ووسيلة تنبيه الرأي العام التعليم، وخاصة التعليم الاجتماعي، والصحافة النزيهة، وتربية القادة في مجلس الشورى وأمثاله، فيدرسون المسائل درسًا وافيًا ويبدون الرأي في إخلاص وأمانة، فيكون هذا كله درسًا يُقلّد عند طبقات الشعب».
وكان مقتضى هذا أن يقف هو ومدرسته أمام الخديو إذا جاوز الحد، وأمام الإنجليز إذا جاوزوا الحد، ولكنا نراه يفعل ذلك أمام الخديو، ولو أدى إلى العنف، ولا يفعل ذلك مع الإنجليز إلا بالتفاهم. ولعله قد ألجأه إلى ذلك الدروس القاسية التي جربها في فشل الثورة العرابية ومجلة العروة الوثقى، واعتقاده أنه لو اجتمعت عليه السلطتان ما تمكّن من أي إصلاح ديني أو اجتماعي، وهذا المسلك في الحقيقة نقطة ضعفه السياسي، وكان يجب أن يعدّل في موقفه بين السلطتين، فإما ثورة عليهما أو مسالمة لهما.
ويلطف هذا أن مسلكه مع الإنجليز لم يكن استعداءهم على قومه، ولكن أن يكسب منهم ما يستطيع لقومه؛ ولهذا كان أكره من يكره سلطان باشا، وعمر لطفي باشا، لأنهما في نظره يحرضان الإنجليز على قومهما.
هذا النحو من السياسة، وهو الاعتماد في النضج السياسي على التعليم والتربية برنامج عقلي لا برنامج شعوري، وهو قلّما ينجح في الدعوة السياسية، إنما ينجح فيها من يعتمد على الشعور، وإلهاب العواطف، ولذلك نجح عبد الله نديم ومصطفى كامل سياسيًّا أكثر مما نجح محمد عبده.
ولعله هو قد أدرك ذلك فقال في أمر الحكومة والمحكوم: «إني تركته للقدر يقدره، ولِيدِ الله بعد ذلك تدبّره» وفي هذا القول نغمة يأس وشعور بالفشل.
سببت له دعوته الإصلاحية الدينية ومذهبه السياسي خصومات ذوات ألوان؛ فدعوته الدينية حرّكت عداء الجامدين من رجال الدين الذين حياتهم الدينية مملوءة بالأولياء والأضرحة والنذور والموالد والشفاعة، كما حرّكت عداء قوم يرون مصدر الأحكام والفتوى ليس إلا أقوال المتأخرين من الفقهاء، وليس لأحد كائنًا من كان أن يجتهد ويقدّر الظروف والأحوال، أو أن يرجع إلى الدين في أصوله الأولى يستمد منها أحكامه. وآخرون دفعهم الحسد إلى خصومته، إذ أخمل شأنهم، وأبان ضعفهم، وأظهر نقصهم، فحاربوه باسم الدين. وآخرون كالخديو عباس كرهه سياسيًّا، ولكنه حار به دينيًّا، فحرّض عليه رجال الدين ليسقطه في ميدان السياسة.
وهناك خصوم شرفاء أكثرهم ممن تعلّم في أوربا يرون أن الشيخ طيب القلب محبّ للخير، ولكنه ينفخ في قربة مقطوعة، فيحاول إصلاح الأزهر وليس يصلح ويحاول الإصلاح الاجتماعي عن طريق الدين، وهم يرون الإصلاح الاجتماعي إنما يكون عن طريق العقل وحده، والتقليد لأوربا فيما وصلت إليه من شرائعها ونظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ وهكذا كل هؤلاء تجمعوا عليه في خصومته في الإصلاح الديني، ومع هذا فهذه الخصومات زادت الحركة قوة والحياة نشاطًا، واستخرجت من الشيخ محمد عبده أقصى قواه وملكاته، واستخرجت من خصومه أقصى قواهم وملكاتهم.
وحاربه في السياسة الحزب الوطني، لأنه يرى رأي الأستاذ في إصلاح التعليم أولًا، بل بالجلاء أولًا، ولا يرى رأيه في الاعتماد على العقل، بل بالاعتماد على الشعور، ولا يرى رأيه في مسالمة الإنجليز بل بمخاصمتهم العنيفة. وكذلك حاربه الخديو من وراء ستار كما حاربه دينيًّا في جرائده والتأليب عليه.
واشترك خصومه الدينيون والسياسيون في تهييج الرأي العام عليه، ومحاولتهم إسقاطه من أعين الناس؛ هؤلاء يرمونه بالكفر الديني، وهؤلاء بالكفر السياسي.
ثم ذهب هذا كله ومات الشيخ محمد عبده واندفعت الأحقاد وذهب الزبد جفاء وبقي ما ينفع الناس.
لقد أيقظ الشيخ محمد عبده الشعور الديني، وأشعر المسلمين أنهم يجب أن يهبّوا من رقدتهم لإصلاح نفوسهم وتكميل نقصهم، وألا يعتمدوا على الفخر بماضيهم، بل يبنوا من جديد لحاضرهم ومستقبلهم. ودعا إلى أن العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين، فالدين عُرف بالعقل، ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معًا حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة في المدينة الجديدة، ونقتبس منها ما يفيدنا، لأن المسلمين لا يستطيعون أن يعيشوا في عزلة، ولا بد أن يتسلّحوا بما تسلّح به غيرهم، وأكبر سلاح في الدنيا هو العلم، وأكبر عمدة في الأخلاق هو الدين، ومن حسن حظ المسلمين أن دينهم يشرح صدره للعلم، ويحضّ عليه، وللعقل ويدعوا إليه، وللأخلاق الفاضلة التي تدعوا إليها المدنية الحاضرة.
لقد خلّف في هذه الآراء كلها مدرسة تأخذ بتعاليمه وتعتمد على آرائه؛ منهم من أخذها عليه شفاهًا، ومنهم في الأقطار الإسلامية من أخذها عنه بما نشره في كتبه ومقالاته، وكان مدرسة قوية الأثر واضحة المعالم. وحسبنا دليلًا على هذا أن أكثر من تصدوا للإصلاح الديني أو الاجتماعي أو السياسي بعده كانوا من تلاميذ أو من أصدقائه المتأثرين به.
وزاده قوة أثر أنه لم يكن يدعو إلى الإصلاح نظريًّا عن طريق التأليف أو الخطب والمقالات فقط كما يفعل بعض المصلحين. بل كان يحاول دائمًا أن يحوّل إصلاحه إلى عمل، وينغمس في الحياة الواقعية، ليتمكن من تنفيذ برامجه الإصلاحية.
فإن مات وفي نفسه غصّة من أنه لم ينل ما يريد فعزاؤه أن الصالح من أفكاره لم يمت، وظل يعمل في موته كما كان يعمل في حياته. رحمه الله.
? انظر أغراض المجلة في ترجمتنا «جمال الدين».
الفكاهة في الأدب العربي


?


الفكاهة عنصر هام من عناصر الأدب، لأن الضحك جزء من حياتنا يؤدي وظيفة روحية وفسيولوجية فيجب أن يكون له في سائر الفنون ما يغذّيه ويبعث عليه، ولأن الفكاهة تؤدي وظيفة اجتماعية كبيرة في تسلية النفوس وتقويم الأخلاق والعمل بتقاليد المجتمعات ومواضعاتها، فأنا أعتدل في مشيي وأنظم حركاتي وأنتظم في هندامي وأتخير ألفاظي وأطلب الكمال في كل شيء حذر أن يسخر الناس مني ويتخذوني موضوع فكاهتهم ودعابتهم وسخريتهم.
والأديب الماهر لا بد أن يكون لديه القدرة على الفكاهة، سواء كان شاعرًا أو خطيبًا أو كاتبًا أو قصّاصًا أو روائيًّا، فهو بهذه الملَكَة يستطيع أن يصل إلى نفوس سامعيه، ويفتحها لآرائه، ويدسّ في ثنايا فكاهته ما يريد من المبادئ والنظريات فيتقبّلها القارئ أو السامع في لذة ومتعة ويكون ذلك أفعل في نفسه، ولهذا ينجح الأديب الفكِه أكثر مما ينجح الأديب العابس.
وقد أدرك هذا مؤلفو العرب من قديم فكانوا يعمدون إلى خلط الهزل بالجد والفكاهة بالعلم، وقد قال ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار»: «ولم أخل هذا الكتاب من نادرة طريفة، وفطنة لطيفة، وكلمة معجبة، وأخرى مضحكة، لأروّح بذلك عن القارئ من كدّ الجدّ، وإتعاب الحق، فإن الأذن مجّاجة وللنفس حَمْضة، والمزح إذا كان حقًا أو مقاربًا ليس من القبيح ولا من المنكر».
وكذلك نوّه الجاحظ بهذا وجرى على هذا المبدأ في تآليفه، خالطًا الجد بالفكاهة وجرى على أثرهما المؤلفون.
وكما أن الأمم تختلف في تقويمها للضحك والفكاهة وقدرتها على تذوق النكتة والضحك منها كذلك الآداب تختلف كثرة وقلة في الفكاهة وأنواعها وألوانها، والأمم العربية من أكثر الأمم تقديرًا للفكاهة، وأدبها من أغنى الآداب في هذا الباب.
وقد ورد في اللغة العربية ألفاظ كثيرة تدل على ألوان مختلفة من الفكاهة، كالمزاح والهزل والتندر والنكتة واللذع والتهكم والسخرية إلى غير ذلك.
وإن الباحثين في الضحك وأسبابه من علماء النفس ذكروا أن موضوع الضحك قد يكّون الأشكال المضحكة وهي غير الأشكال الدميمة كمن يتلاعب بحركات وجهه، ومن هذا القبيل كل الصور الهزلية وقد يكون التقليد، كتقليد البدوي للحضري والحضري للبدوي والطفل الصغير لأعمال الرجل الكبير، والمجنون للعاقل، والعاقل للمجنون، أو رجل يحاكي القرد أو قرد يحاكي الرجل وهكذا وقد يكون سبب الضحك التلاعب بالألفاظ والجمل كالجمع بين جمل لا تربطها رابطة وإنما هي مفارقات، أو إجابة تكون عكس ما يُنتظَر في مثل هذا الموقف، أو نقل لفظ من معناه إلى معنى آخر، أو الانتقال من المعنويات إلى الماديات، كقولنا إن فلانًا ذكر عالم رزين وشعره أسود، إلى نحو ذلك من ألفاظ وجمل تثير صورًا ذهنية مضحكة وقد يكون سبب الضحك الأخلاق التي تثير فينا السخرية من صاحبها، كضحكنا من المزهو بنفسه على غير أساس، والرجل الشديد الأنانية والطماع الشديد الطمع ونحو ذلك.
وقد تناول الأدب العربي الفكاهة من هذه النواحي كلها وأمثالها، فكان من أوسع أبواب الشعر العربي باب الهجاء، وليس إلا تصوير الهاجي للمهجو صورة هزلية تثير السخرية والضحك، وقد حفل العرب به أشد احتفال لأنه مرتبط بنوع حياتهم الاجتماعية، إذ هم يحرصون على المروءة التي هي الشجاعة والكرم ويحرصون على حسن السمعة، وفي الوقت عينه يقدّرون الشاعر تقديرًا كبيرًا لأن قوله يشيع في الناس شيوع أقوال الجرائد اليوم، ولأن القبائل تجتهد في حماية شرفها وتتخاصم بالنيل من شرف غيرها، فكانت هناك معارك شعرية بجانب معارك السيف، المتحاربون فيها هم الشعراء يمثلون قبائلهم في هجاء غيرهم وتصويرهم بالصور التي تثير الضحك والسخرية، ولعل خير الأمثلة في ذلك ما كان بين جرير والفرزدق والأخطل من الأهاجي التي ملأت جو العرب ضحكًا وسخرية وغضبًا وتحمسًا كقول جرير في الفرزدق يسخر منه بحقارة بيته وبصناعة أهله وهي الحدادة:
أعددت للشعر سمًا ناقعًافسقيت آخرهم بكأس الأوللما وضعت على الفرزدق ميسميوصغا البعيث جدعت أنف الأخطلأخزى الذي سمك السماء مجاشعًاوبنى بناءك في الحضيض الأسفلبيتًا يُحمَّم قينكم بفنائهدنسًا مقاعده خبيث المدخلولقد بنيتَ أخس بيت يُبتنىفهدمتُ بيتكم بمثلى يَذْبَلإني بُني لي في المكارم أوليونفختَ كِيرَكَ في الزمان الأول إلى كثير من أمثال هذا.
وقد وصل إلى القمة في هذا الباب ابن الرومي فيما بعد، فتفنن في رسم الصور المضحكة لأعدائه وخصومه أيما تفنن كقوله في وصف بارد ثقيل:
يا أبا القاسم الذي ليس يُدرَىأرصاص كيانه أم حديدأنت عندي كماء بئرك في الصيــف ثقيل يعلوه برد شديد وقوله:
وجهك يا عمرو فيه طولوفي وجوه الكلاب طولمقابح الكلب فيك طرًايزول عنها ولا تزولوفيه أشياء صالحاتحماكها الله والرسولفالكلب واف وفيك غدرففيك عن قدره سفولوقد يحامي عن المواشيوما تحامي ولا تصولوأنت من بين أهل سوءقصتهم قصة تطولوجوههم للورى عظاتلكن أقفاءهم طبولمستفعلن فاعلن فعولمستفعلن فاعلن فعولبيت كمعناك ليس فيهمعنى سوى أنه فضول وهجا رجلًا بطول أنفه فقال:
حملت أنفًا يراه الناس كلهممن رأس ميل عيانًا لا بمقياسلو شئت كسبًا به صادفت مكتسبًاأو انتصارًا مضى كالسيف والفاس وهجا بخيلًا اسمه عيسى:
يقتر عيسى على نفسهوليس بباق ولا خالدفلو يستطيع لتقتيرهتنفس من منخر واحد وديوانه مملوء بمثل هذه الصور الساخرة.
وإذا عيب هذا الضرب من السخرية بشيء ففي أنه في كثير من الأحيان صريح مكشوف وكان يكون أرقى لو أنه خفي ملفوف.
وهناك لون آخر فشا في الأدب العربي وهو السخرية بالضعف الخلقي عن طريق القصص القصير، ومن أقدم ما روي لنا في هذا الباب ما روي لنا من الفكاهات الحلوة عن أشعب الطماع، وقد كان مولى يسكن المدينة، وأحيانًا يسكن مكة أو الطائف، ثم طلبه الوليد بن يزيد ليكون من ندمائه، وقد امتلأ الأدب العربي بنوادره القصيرة في طمعه كالذي رووا أن صديقته قالت له: هب لي خاتمك أذكرك به؟ قال لها: اذكريني بالمنع. وسُئل مرة عن مبلغ طمعه فقال: «ما رأيت اثنين يتسارّان إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء». وقال مرة للأطفال ليبعدوا عنه: إن سالم بن عبد الله يفرّق تمرًا فذهبوا، فلما أبطئوا ظن أن الأمر صحيح فذهب إليهم. وهكذا. وكان رجال الحجاز يجتمعون فيتسامرون ويدعونه يحدثهم بنوادره المضحكة. وخلفه ابنه بعده في هذا الباب، وتزيد الناس عليه فكانت كل حكاية طمع ظريفة تُنسَب إلى أشعب.
فلما جاء دور التأليف في العصر العباسي رأينا هذا الباب يزيد ويتسع ويكون موضوعًا للتأليف فيؤلف فيه الجاحظ نوادر المعلمين ونوادر البخلاء، وابن الجوزي نوادر الحمقى والمغفلين، وبلغ القمة في هذا الباب «جحا» فكان شخصية عجيبة ونُسبَت إليه كل قصة مضحكة فيها نقد لاذع وغفلة مضحكة وحكمة مستترة، فكانت شخصيته بأصلها وما زيد عليها إحدى روائع الأدب العربي في هذا الباب.
?


وهناك ألوان أخرى في الأدب العربي من الفكاهة: منها ما اعتاده الملوك والوزراء والأمراء من اختيار ندماء في مجالسهم للتسلية والسمر والتفكُّه، وقد قلّد العرب في ذلك الفرس، فكاد يكون لكل خليفة ووزير نديم يراعي في اختياره خفة الروح وسعة الاطلاع وحسن الحديث والقدرة على الترفيه، بما يروي من أحاديث ونوادر طريفة، فإذا كان الخليفة أو الوزير مثقفًا ثقافة واسعة فالنديم يأتي بالطرف الثقافية، وإن كان من ذوي الميل إلى رغبة من الرغبات فحديث النديم يدور حول هذا؛ ففي العصر الأموي مثلًا اشتهر أشعب هذا، وقد اتخذه الوليد بن يزيد نديمًا له ومضحكًا. وفي العصر العباسي اشتهر أبو دلامة نديم السفاح والمنصور والمهدي، وقد كان شاعرًا فاستخدم شعره في السخرية والمجون والفكاهات اللاذعة يوجهها إلى كل من اتصل به حتى نفسه، ووضع قصيدة في بغلته فعابها بكل نقيصة. ومن هذا النوع كان الأصمعي للرشيد، فقد كان يشيع السرور عنده بما يرويه من نوادر الأعراب وملحهم مما مُلئَت بها كتب الأدب، كما اشتهر أبو العيناء تلميذ الأصمعي، وقد امتاز بنوع من الفكاهة وهي سرعة بديهته وإجابته المفحمة، وقد كفّ بصره وهو في سن الأربعين، وكانت نوادره وملحه وإجاباته مثار الضحك والفكاهة والتنادر الظريف، وكان نديمًا للبرامكة وفيًّا لهم بعد نكبتهم، وقال المتوكل لولا أنه ضرير لنادمناه، فقال أبو العيناء: إن أعفاني المتوكل من رؤية الأهلة وقراءة نقش الفصوص فأنا أصلح للمنادمة، وقيل له: إلى متى تمدح الناس وتهجوهم؟ فقال ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء، وأعوذ بالله أن أكون كالعقرب يلدغ النبي والكافر.
واستمرت عادة الخلفاء في اتخاذ الندماء طوال العصور حتى كان قريبًا من عصرنا الشاعران الشهيران السيد علي أبو النصر والسيد علي الليثي نديما الخديو إسماعيل، تُروى عنهما الملح الطريفة والنوادر الظريفة.
وهؤلاء الندماء أغنوا الأدب العربي بالفكاهات حتى لو جُمع ما أثر عنهم لبلغ المجلدات.
•••

وأولع العرب بنوع من الفكاهة طريف وهو الأجوبة المسكتة المفحمة وخصصوا له الفصول في كتب الأدب كما فعل ابن عبد ربه في العقد الفريد، وقد ظهر هذا النوع بكثرة أيام الانقسام بين شيعة علي بن أبي طالب وشيعة معاوية، فاتخذوا هذا الموضوع مثارًا للأسئلة والأجوبة الممتعة، وتفوق شيعة علي في هذا الباب تفوقًا بديعًا، ولا سيما بعد أن انهزم حزبهم حربيًّا، فكان من باب «التعويض» أن يجدوا لما في نفوسهم منفذًا للقول.
وقد أبدع في هذا الباب ونحوه طائفة من الممرورين وعقلاء المجانين، وهم طائفة من الناس خفيفوا الروح والعقل، أو متصوفة مدلهون أو فلاسفة شاردون تعتريهم لوثة من شذوذ، فيعبث بهم الناس في أوقات لوثتهم، فتصدروا عنهم الأجوبة المسكتة أو الأقوال الظريفة، وقد عني مؤلفوا الأدب بهذا النوع من الناس عناية فائقة فوضعوا فصولًا من كلامهم في كتب الأدب تحت عنوان «أخبار الممرورين والمجانين» أو ترجموا لمشهوريهم أمثال أبي العبر وبهلول، بل ألّف بعضهم كتبًا خاصة فيهم كما فعل النيسابوري صاحب التفسير إذ ألّف كتابًا سمّاه «عقلاء المجانين» ترجم فيه لمشهوريهم وذكر ملحهم، وعلى الجملة فكانوا كذلك مصدرًا من مصادر الفكاهة في الأدب العربي.
•••

ولما نضج النثر في العصر العباسي وبعده استُخدم في الهجاء، كما كان يُستخدم الشعر في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، فابتدع الجاحظ تصوير بعض الشخصيات تصويرًا ساخرًا في رسالة من رسائله وهي رسالة «التربيع والتدوير» سخر بها من كاتب بغدادي اسمه أحمد بن عبد الوهاب، فقد كان هذا الرجل قصيرًا ويزعم أنه طويل وجاهلًا ويزعم أنه عالم، فأخذ الجاحظ يعبث ببدنه ويعبث بعلمه ويسخر بغروره، وبهذا الضرب ملأ كل رسالته، وتبعه الأدباء على هذا النمط فوضع ابن زيدون في الأندلس مثلًا رسالته الهزلية وموضوعها أن ابن زيدون كان يحب ولاّدة بنت المستكفي ويستهويها فنازعه في حبها أبو عامر بن عبدوس فكان يراسلها ويتحبب إليها، فكتب ابن زيدون هذه الرسالة على لسان ولاّدة يهجوه فيها أشد هجو وأقساه ويضمنها كثيرًا من المعارف التاريخية، وكما فعل ابن مماتي المصري في رسالته المسماة «بالفاشوش في حكم قراقوش» وضعها في هجائه وبيان مظالمه ونسب إليه أحداثًا كثيرة يشهّر فيها بسوء تصرفه.
ويتصل بهذا ضرب قريب منه وهو الهجاء والنقد ولكن لا لشخص بعينه، بل لشخصية تصور الطمع والغرور أو البخل أو نحو ذلك. ونجد هذا النوع في بعض مقامات بديع الزمان والحريري كالمقامة المضيرية للبديع، إذ تصوِّر شخصية تكاد توجد في كل زمان، شخصية الرجل الذي يعتز بكل ما يملكه، فالثوب الذي يلبسه خير الأثواب، والساعة التي يحملها قد صنعها المصنع وحدها، ولم يصنع مثلها، والبيت الذي يملكه ويسكنه لا نظير لها، وحديقته قد نُقل إليها الأشجار من أطراف الدنيا، وكل شيء فيه من بِدَع الدنيا لا يوجد مثله عند الملوك ولا المتاحف وهكذا.
وفي بعض هذه المقامات ما يصور الأديب المحتال للكسب بأدبه ونحو ذلك من شخصيات غير معينة بالاسم ولكنها معينة بالوصف.
•••

ولون آخر من الفكاهة شاع في الآداب المختلفة وكذلك في الأدب العربي وهو أن يعمد الأدباء إلى قصيدة مشهورة جدّية فيقلبوها هزلية، أو شيء موقَّر محترم فيعبثو به، مثال ذلك ما فعلوا في قصيدة «ابن دريد» المقصورة المشهورة التي مطلعها:
يا ظبية أشبه شيء بالمهاترعى الخزامى بين أشجار النقا فحولوها إلى قصيدة هزلية.
وتبعهم في ذلك المحدثون فهزئوا بلامية العرب وبعض قصائد امرئ القيس ودالية النابغة الذبياني وقلدوها تقليدًا مضحكًا.
ومن هذا القبيل ما فعلوا في ألفية ابن مالك في النحو؛ إذ اختاروا منها أبياتًا كثيرة وحوّلوها إلى مهزلة في الأكل والشرب ونحو ذلك.
وابتدع الشيخ حسن الشربيني المتوفى في القرن الحادي عشر الهجري أسلوبًا في السخرية بالنحو والصرف والاشتقاق في كتابه المسمى «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف» فقلّده من أتى بعده إلى عصرنا هذا، وهذا الكتاب ظاهره الهزل والسخرية والسخف وباطنه نقد حياة الفلاحين في عصره وبؤسهم، وظلم الحكام لهم، وأنواع المظالم التي يلقاها الفلاحون على أيديهم.
هذه بعض أنواع الفكاهات في الأدب العربي. وهناك ألوان أخرى أعرض لها في مناسبة أخرى إن شاء الله.

الاتجاهات الحديثة في دراسة اللغة?


شيئان أحدثا أكبر ثورة على وجه الأرض، واستلّا الإنسان من بين فصائل الحيوان، وأجلساه على عرش هذا العالم الذي نعيش فيه، وهما يده ولسانه، فلما أطلقت يده من الارتكاز عليها في المشي استطاع أن يأتي بالأعاجيب من أعمال الفن والصناعة. ولما أطلق لسانه من العجمة استطاع أن يعبر عن نفسه ويتفاهم مع غيره، ويتعاون في التفكير، حتى وصل إلى ما وصل إليه في علمه وعقله وأدبه. فكل ما نرى اليوم من مظاهر الحضارة في العلم والعمل إنما هو مدين لهذين العاملين الأساسيين.
لقد كان اكتشاف اللغة والتفاهم بها أعجوبة أعجب من اكتشاف القنبلة الذرية، لولا أننا ألِفناها من صغرنا قبل أن ينمو فينا شعور العجب. وعليها أكبر الاعتماد في الرقي العقلي الذي نراه، كما أن لها أكبر الأثر فيما يكون بين الفرد والجماعة من تفاهم نتجت عنه هذه النظم التي نعيش فيها.
من أجل هذا عنى الناس من قديم باللغة والبحث فيها، سواء في ذلك الغرب والشرق، والعرب وغيرهم، ولكن تجلّت قيمة اللغة في العصور الحديثة بأكثر مما تجلّت في القديم، وألقى التقدم العلمي في فروع العلم المختلفة أضواء جديدة على اللغة، فجدّ الغربيون في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين في البحث فيها من نواح مختلفة، نواح قديمة كانت تبحث من قبل فزادوها بحثًا، ونواح جديدة دعا إليها التقدم العلمي الحديث، وهذا ما أحببت أن أعرضه عرضًا بسيطًا سريعًا يناسب المقام. ولعل أهم الاتجاهات التي اتجه إليها الباحثون المحدثون هي: (?) الاتجاه اللفظي.
(?) والاتجاه النفسي والمنطقي والفلسفي.
(?) والاتجاه الاجتماعي.
(?) والاتجاه البيداجوجي أو التربوي.
(?) الاتجاه اللفظي

ربما كان هذا الاتجاه أقدم الاتجاهات، وكان هذا العلم يسمى فيلولوجيا كما يسمى الآن، وهو يقابل عندنا تقريبًا فقه اللغة، وكان في القديم وفي العصور الوسطى يعنى ببحث النصوص وشرحها والكلمات ومعانيها، ولكن بتقدم العلم حصر نفسه منذ القرن الثامن عشر في تاريخ اللغة وكلماتها واشتقاقها وتطور استعمالاتها، وتغيُّر أشكالها، وخاصة إذا كانت تلك اللغات من أسرة واحدة. وقد استطاع تقدم هذا العلم في العصور الحديثة كشف كثير من الأخطاء التي وقع فيها الأقدمون وعلماء القرون الوسطى، نظرًا لما أدّى إليه اتصال أجزاء العالم واشتباكها من إمكان الوقوف على معرفة لغاتها واكتشاف ما لم يكن يعلم منها كان همُّ الباحثين في العصور الوسطى منصرفًا إلى ثلاث لغات وهي: اليونانية واللاتينية والعبرية، فاتّسع الأفق في العصور الحديثة وشمل لغات أخرى كثيرة، وكان ذلك وخاصة اكتشاف اللغة الهندية الجرمانية أو الآرية سببًا في تعديل كثير من النظريات، وإصلاح كثير من الأخطاء، ووضع علم فقه اللغة على أُسس جديدة. وفي آخر القرن الثامن عشر اكتشفت لغة قدماء الهند وقُرئت بها «الفيدا» كما اكتشفت اللغة السنسكريتية لغة الهند المستحدثة وغيرهما من لغات الشرق، فأنارت السبل أمام الباحثين. واستُخدمت نتائج هذه الأبحاث في وضع النظريات الحديثة لعلاقات اللغات بعضها ببعض، وفي المعاجم المطولة التي تبيّن أصول الكلمات واستمدادها، ووُضعت المقارنة بين الكلمات في اللغات المختلفة، وكيف طرأ التغيير على الأصل، وهكذا.
كما استنتجوا بعض نتائج تاريخية من دراسة هذه اللغات كأن يستنتجوا أن اللغة الهندوجرمانية نشأت في وسط القارة لأنه ليس فيها كلمة تدل على البحر وهكذا، وقد كانت هذه الاستنتاجات مجالًا لمناظرات طويلة في صحة الاعتماد عليها مما ليس هذا محله.
وبحثوا أيضًا في معاني الكلمات، فكثيرًا ما تتطور الكلمات في معانيها وتقطع رحلات كرحلة ابن جبير وابن بطوطة؛ فالحبة تطورت من حبة القمح والشعير إلى حبة القلب تشبيهًا بالحبة في الهيئة، ثم قالوا أحب أي أصاب حبة قلبه، وأخيرًا كان الحب. فكم بين حبة القمح والحب من مراحل! وكذلك التعبير، قد يوضع مرتبطًا بعادات الأمة ثم تتقدم في المدنية وتتغير العادات ويبقى التعبير. مثال ذلك ألقى حبله على غاربه، ورماه الله بثالثة الأثافي، فقد كان ذلك مرتبطًا بعادات العرب في ركوب الجمال واتخاذهم الكانون من ثلاثة أركان أحدها الجبل، فتغيرت العادات وبقيت التعبيرات.
ورأوا أن التعبير أو الكلمة في أول أمرها لها مدلول مادي ثم قد ينتقل إلى المدلول المعنوي، وكذلك الشأن في الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، فأخذوا بتتبعهم معاني هذه الألفاظ والتعبيرات وتطورها يستنتجون النتائج القيمة في بيان عادات الأمم وتقاليدها، كما يستنتجون الرقي الخفي الدقيق للعقل الإنساني.
وليس هذا فقط، فإن لهجة الأمة والبلاد ونطقها في تغيُّر بطيء مستمر غير محسوس، فنطق أهل القاهرة اليوم غير نطقهم ولهجتهم منذ قرون. وكذلك كل أمة. فما العوامل الداخلية والخارجية؟ أو بعبارة أخرى: ما العوامل النفسية والطبيعية التي تسبب هذا التغيُّر؟ سؤال صعب حاولوا أن يجيبوا عنه إجابات مختلفة ولا تزال موضع البحث. وقد وسع مجال البحث في هذا الموضوع مقارنتهم بين اللغات وأن الكلمة في لغة وفي أمة لما انتقلت إلى أمة أخرى تغيَّر بعض الشيء نطقها وشكلها، ورأوا اطرادًا أحيانًا في تغيير حرف بحرف، وعدم اطراد أحيانًا، واطرادًا أحيانًا في السير من بداوة إلى حضارة، وهكذا. فكان ذلك كله موضوعًا لبحوث لذيذة مفيدة، ووضعوا في ذلك ما سمّوه «قوانين الصوت» قياسًا على «قوانين الطبيعة».
كما بحثوا في أن الشعب الذي يتكلم لغة واحدة إذا تبلور وارتقى في المدنية حتى أصبح يُسمّى أمة توثقت الصلة بين عاصمة بلاده وسائر البلدان. وإذ كانت العاصمة هي المركز الرئيسي للحكومة وزعماء السياسة، وزعماء الدين وزعماء العلم، وأرقى بقعة للأمة في مدنيتها، كان لها أثر كبير في اللغة من حيث خلق بعض ألفاظها وتعبيراتها ومصطلحاتها وصقْل لجهتها، وشعَّ منها ذلك على سائر البلدان، فدرسوا هذه الوجهة في تفصيل وإمعان، ووصلوا من هذه الدراسة إلى نتائج قيمة.
هذا في الأمة الواحدة. ومن ناحية أخرى، فالأمم المختلفة إذا اشتبكت علاقاتها تأثرت لغتها وأدبها بعضها ببعض، سواء كان ذلك من عمل الأفراد كالسائحين والتجار والمبشّرين الدينيين ونحو ذلك، أو من عمل الأمم كتغلُّب أمة على أمة بالفتح والاستعمال وكثرة التزاوج. وقد استُنبطت من دراسة هذه الناحية بعض قوانين، مثل أن الأمة الممتزجة بأخرى إذا كانت ثقافتها أرقى كان اقتباسها أقل، وإذا كانت أضعف كان اقتباسها أكثر ونحو ذلك؛ كما لاحظوا من هذه الناحية أن بعض الكلمات التي تُقتبَس قد تحتفظ بشكلها في لغاتها الأصلية وإن غاير اللغة المنقول إليها، ولذلك يوجد في اللغات أشياء شاذة في مثل تصريف الأفعال أو صيغ الجموع أو نحو ذلك.
وكان من أبحاثهم الطويلة بحثهم عن أصل اللغة وكيف تكوّنت وما العوامل في تكوينها، فاللغة ليست قاطرة أو عربة قطار، أو آلة من الآلات تُجهز كاملة، إنما هي شيء يتكون على الزمان وفي بطء، وقد يكون من غير شعور. وقد كان للنوع الإنساني مهما كان بدائيًّا لغته. وزادت ونمت بزيادة الاتصال والاجتماع. وزاد نموها ما يعرض للإنسان من مواد جديدة ومعان جديدة وعواطف جديدة تحتاج إلى التعبير ونحو ذلك. وقامت بين العلماء حرب حول نظريات في هذا الموضوع كنظرية أن الأصل في اللغة تقليد الأصوات الطبيعية. أو أن أصل اللغة يرجع إلى التناسق بين الأصوات الخارجية والمشاعر النفسيّة. أو أن الإنسان له موهبة طبيعية غامضة قادرة على خلق لفظ مناسب للشيء الخارجي والشعور به الداخلي. وهذه الملَكَة في الإنسان البدائي أقوى منها في الإنسان المتمدن لقلة الحاجة إليها بعد تمدنه، أو أن أصل اللغة يرجع إلى مجهود عصبي قوي عضلي أو عقلي أو عاطفي يضغط على النفس فيحاول التنفيس عنها بخلق الكلمة المناسبة. وجاء آخرون من العلماء المحدثين يرون من الخطأ إسناد أصل اللغة إلى هذه التعليلات العقلية والمصادر العقلية؛ فقد تنشأ الألفاظ في جو شعري من عواطف بين الجنسين أو أثناء لعب أو مجلس أنس إلى آخر ما هنالك من نظريات سببت جدلًا كبيرًا وعرضًا شائقًا.
ثم أدتهم سعة علمهم بلغات كثيرة من لغات العالم قديمها وحديثها إلى البحث في تقسيم اللغات إلى فصائل، كل فصيلة لها خصائصها وفروقها وموافقاتها، والخلاف بين العلماء كذلك طويل في الأساس الذي يجب أن يُبنى عليه التقسيم مما لا يتسع له المقام.
•••

وقد استغلوا هذه البحوث والنتائج في معاجمهم، فكان لكل أمة عظيمة معجم بل معاجم واسعة تبين أصل كل كلمة، ومن أي لغة أُخذت، والمعاني الأصلية للكلمة والمعاني الفرعية التي تطورت إليها، وتاريخ هذا المعنى الجديد في أي سنة كان، ومن أول من استعمله، وما الجملة التي قالها مستعملًا فيها هذه الكلمة في المعنى الجديد إلخ.
•••

فإذا نحن نظرنا في ضوء هذا إلى اللغة العربية وجدنا أن علماء اللغة في العصر العباسي بذلوا جهدًا مشكورًا في نواحي اللغة العربية المختلفة؛ فمنهم من جمع ألفاظ اللغة بمشافهة العرب كالأصمعي وأبي زيد الأنصاري، ومنهم من جمعها في معجم كالخليل بن أحمد وابن دريد، ومنهم من بحث في المعرب من الألفاظ التي دخلت العربية من الهنديّة والفارسية والسريانية والرومية كأبي منصور الجواليقي، ومنهم من بحث الأبحاث القيمة في اختلاف اللغات العربية وأيها أفصح، وهل اللغة تثبت بالقياس أولًا، والاشتقاق والعلاقة بين اللفظ والمعاني وتقارب الألفاظ لتقارب المعاني إلخ، كما فعل أبو علي الفارسي وابن جني؛ ومنهم من بحث في الأصوات ومخارج الحروف بحثًا دقيقًا كما فعل سيبويه، وهكذا. وكانوا حقيقة جديرين بكل تقدير. وكذلك استغلت بحوثهم في المعاجم التي وضعت بعدهم، كالصحّاح للجوهري ولسان العرب، والقاموس المحيط. ولكن من الأسف أن هذه البحوث وقفت عند نتاج العصر العباسي ككل فروع العلم المختلفة، ومرّ نحو سبعة قرون أو أكثر لم تتقدم أي خطوة، ولا تزال معاجمنا مظهرًا لهذا التأخر. حتى نشط الغرب أخيرًا لدراسة لغات الشرق من مصرية قديمة وفارسية وهندية وحبشية وآرامية وحميرية إلخ. ووصلوا فيها إلى نتائج باهرة، وبدأ بعض شبان المشرق يأخذون عنهم ويدرسون عليهم، والرجاء فيهم أن يستمروا في دراستهم حتى ينهضوا بلغاتهم.
إن معاجم لغتنا العربية تنتظر من يضعها وضعًا جديدًا ويبين كل كلمة ما أصلها، والكلمات المعربة من أين أتت، وما مدلولها في اللغة القديمة وفي اللغة العربية، ومعاني الكلمات كيف تطورت بتطور الأمم في المدنية، وماذا كان معنى الكلمة في القديم، وما معناها في الجديد، ومن أول من استعملها في المعنى الجديد؟ وهكذا.
وما وصل إليه علماء المشرقيات يساعد كثيرًا على البت في الظنون التي كان يرويها الأقدمون، ففي معاجمنا مثلًا أن الديوان فارسي معرب «وفي سبب تسميته ديوانًا وجهان، أحدهما أن كسرى اطّلع ذات يوم على كتّاب ديوانه فرآهم يحسبون مع أنفسهم، فقال ديوان أي مجانين، فسُمى موضعهم بهذا الاسم. والثاني أن الديوان اسم بالفارسية للشياطين. فسُمى الكتّاب باسمهم لحذقهم بالأمور ووقوفهم على الجليّ والخفيّ».
فهذه الظنون يمكن غربلتها والبت فيها الآن بما وصل إليه العلم باللغة الفارسية القديمة والحديثة. ومثل ذلك ما قالوا في الأب فقال بعضهم: إنه الكلأ وهو العشب رطبه ويابسه. وقال الفراء الأب ما تأكله الأنعام إلخ، وإذا علمنا أن اللفظة حبشية الأصل وقد عُرفت الحبشية الآن أمكننا أن نبتّ في هذا الخلاف. وهكذا مئات الكلمات في المعاجم فُسِّرت بظنون، وتقدم العلم باللغات يستطيع أن يحل اليقين محل الظن، كما يمكن إصلاح تعاريف ومعلومات غير تقدم العلم كلمته فيها، كتعريف الكسوف والخسوف والبرق والصاعقة وباني الأهرام ونحو ذلك. والأمل كبير في نهضة أبناء اللغة أنفسهم للقيام بهذا العمل الشاق المجدي.
(?) الاتجاه النفسي والفلسفي والمنطقي

وتخصصت طائفة أخرى من علماء الغرب لدراسة اللغة دراسة فلسفية من حيث علاقتها بالنفس ومن حيث علاقتها بالمنطق وغير ذلك؛ فقد رأوا مثلًا أن دراسة الكلمة ليست كدراسة أي شيء مادي كالعصا والكرسي والقلم والدواة، فهذه الأشياء ونحوها لا يُحتاج في دراستها إلا لتحليل الشيء المادي نفسه ومعرفة عناصره، وما يجري على الشيء الواحد منها يجري على أمثاله. أما الكلمة أو اللفظة فلها روح، لها معنى، فإذا قلت محمد يقرأ فلا بد لفهمها من ثلاثة أشياء عقل القائل وعقل السامع والفكرة التي انتقلت من عقل القائل إلى السامع وكذلك لا بد من لفظة هي التي نطق بها القائل وسمعها السامع. ومن ناحية ثالثة لا بد من الحقائق نفسها وهي حقيقة محمد وحقيقة القراءة والعلاقة بين محمد والقراءة. وبالإجمال لا بد من ثلاثة أنواع: الفكرة واللفظة والشيء ذاته المتحدَث عنه وعلى هذه الفكرة الأساسية البسيطة قاموا بأبحاث قيمة عميقة: هل كانت اللغة حادثًا فجائيًّا عارضًا في تاريخ الإنسان أو نشأت عن قصد وتعمد؟ هل يمكن التفكير من غير ألفاظ؟ هل يمكن أن تكون لغة من غير ألفاظ؟ ما العلاقة بين اللفظ والمعنى؟ ما المعنى؟ ما الذي يجعل لغة أرقى من لغة؟ إن اللغات القديمة كاللاتينية واليونانية تركيبية أكثر منها تحليلية، واللغات الحديثة تحليلية أكثر منها تركيبية؛ فهل الانتقال من التركيبية إلى التحليلية رقي أو تدهور؟ هل يمكن وضع لغة عالمية أولًا، وإذا أمكن فهل هو في صالح الجنس البشري أولًا؟ وهكذا من أبحاث لا عداد لها، وبعضها بل أكثرها لم يجد الإجابة الحاسمة عنها إلى الآن، وإني أدخل في باب عريض لو عرضت لحضراتكم ملخصًا للنظريات التي أثيرت حول كل موضوع.
واتجهت طائفة أخرى إلى العلاقة بين اللغة والمنطق. فاللغة ليست وظيفتها فقط نقل المعنى من ذهن إلى ذهن، ولكن لها وظيفتان أساسيتان: فهي إما إخبارية تنقل المعنى من ذهن إلى ذهن ككلامنا العادي وكصحيفة الحوادث الداخلية والخارجية في الجرائد وككتب العلوم مثل الرياضة والطبيعة والفلك وما إلى ذلك، وإما «ديناميكية» أي قوة محركة للعواطف. والناحية الأولى عقلية والناحية الثانية شعورية للتحدث عن العواطف أو تهييجها، فإذا قلت إن الإنسان حيوان ناطق فهو من الضرب الأول، وإذا قلت إنه حشرة أو قلت إن النساء ملائكة أو شياطين فهو من الضرب الثاني.
وكان هذا أساسًا لبحوث كثيرة واسعة للتفريق بين القضايا الإخبارية والقضايا العاطفية وما تؤديه كل منها، وهل قضايا الأخلاق من النوع الأول أو الثاني، وبيان أن لغة الشعر من الضرب الثاني، وما يتطلب ذلك من ألفاظ خاصة وأسلوب خاص، وبيان الخطأ في استعمال اللغة الإخبارية محل العاطفية والعكس؛ كما أدّاهم هذا إلى البحث الواسع في معاني الألفاظ على هذا الأساس وأثر القضايا المختلفة في العقل وفي المشاعر وكيفية بناء اللغة وتركيبها، وكيفية بناء الحقائق وتركيبها، وكيف يتلاقى بناء اللغة مع بناء الحقائق، ولماذا تتبع اللغة قواعد خاصة في بنائها دون غيرها، وهل لذلك سبب نفسي إلخ.
وناحية أخرى توجه إليها بعض الباحثين وهي أن أهم بحث في الفلسفة «نظرية المعرفة» أي كيف نعرف الحقائق، ولهذا اتصال وثيق باللغة، فما لم يُعثر على الحقيقة لا يمكن أن يُقال إنها حق أو باطل؛ وقد ذهب بعض الفلاسفة المعاصرين إلى أن أكثر مشاكلنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يرجع إلى استبداد الألفاظ بنا وتحجرها وضياع الحقائق وراءها، وفلسفة اللغة كفيلة بإظهار هذا. ثم بحثت هذه الطائفة أيضًا في الرمزية وفي نظرية أن كل لغة ليست إلا رمزًا للحقائق والأشياء والمعاني وإن كانت تختلف الموضوعات في مقدار الرمزية فيها، فلغة الشعر ولغة الدين ولغة ما وراء الطبيعة أكثر رمزًا؛ وبحثوا خاصة في لغة ما وراء الطبيعة ورمزيتها، إذ بدون شرح الرمزية فيما وراء الطبيعة يصبح الكلام فيها ضربًا من الخيال وسبحًا في الأوهام لا يدل على حقائق ثابتة معينة، وهكذا.
(?) الاتجاه الاجتماعي

هناك اتجاه ثالث وهو الاتجاه الاجتماعي، وذلك من حيث إن اللغة نظام اجتماعي كالأسرة والدين والحكومة إلخ، لها أثر كبير في حياة كل جماعة وكل أمة. فهي واسطة الاتصال بين كل شخصين وكل جماعة، وهي التي تمد الإنسان بالمعلومات والمعارف التي وصلت إليها الأجيال السابقة والحاضرة، وهي التي ترعى الإنسان وتتعهده بالرقي من حين طفولته إلى حين وفاته ومن عوامل رقي الأمم وانحطاطها لغتها، فأدب كل أمة قويًّا كان أو ضعيفًا يطبع الناس بطابعه؛ ولو نزل غريب ببلد وكان يعرف لغتها واطلع على جرائدها ومجلاتها وكتبها المؤلفة في عصرها الحاضر وأساليب أحاديثها لاستطاع أن يحكم لها أو عليها حكمًا صادقًا بدرجة رقيها أو انحطاطها؛ فاللغة هي التي تصور رغبات الأمة وعواطفها ودينها وعقليتها وشهواتها وكل شيء فيها، وتنقل ذلك من الفرد إلى المجموع ومن المجموع إلى الفرد، فيتفاعلون كما تتفاعل عناصر الكيمياء. وبدون اللغة (وأعني باللغة كل وسائل التفاهم من إشارة وإيماء وكلام) يكون الإنسان بجانب الإنسان كالحجر بجانب الحجر. إنما يربط بينهما اللغة، وهي التي توحد بين الجماعة في المشاعر والأفكار؛ ولذلك تجتهد كل أمة حية قوية أن تنشر لغتها في أوسع مدى ممكن علمًا منها بأن ذلك من وسائل التفاهم وسهولة التعامل وعظم التقدير وخاصة من الضعيف للقوي.
هذه الناحية التي عرضتها عرضًا بسيطًا كانت مجالًا لطائفة من العلماء بحثوا فيها كثيرًا من المسائل اللغوية الاجتماعية بحثًا مستفيضًا: ما الذي تقوم به اللغة في مجال الرقي العقلي؟ — إن اللغة نتيجة طبيعية من نتائج الحياة الإنسانية فكيف تستمر الحياة في تغذية اللغة من بداوة إلى حضارة ومن حضارة أولية إلى حضارة راقية حتى تساير الإنسان في نموه ورقيه؟ — لقد راقبوا اللغة مراقبة دقيقة في نشوئها ورقيها، وعرفوا كيف نمت بنمو الحياة وكيف تدرجت من تعبير عن العواطف إلى لغة عمل وأمر ونهي، إلى لغة علم وأدب، وهكذا، وسجلوا في ذلك نتائج قيمة في هذا التطور.
واللغة مع أنها من نتاج الحياة وخاضعة لها فيها صفة المحافظة والتخلف والميل إلى الوقوف، لا تندفع مع الحياة وتسايرها إلا بدفعة من أبنائها الأقوياء. ثم اللغة تختلف معاني كلماتها باختلاف الأفراد والطبقات مهما جهدت المعاجم في تحديد معانيها، وتختلف عند العامة والخاصة. فكل لغة ليست لغة واحدة وإنما هي في الحقيقة لغات، وقد يكون للكلمة معنى عند بعض الجماعات في مستوى عقلي خاص، فإذا انتقلت الكلمة إلى جماعة أرقى عقليًّا تطور معناها. وبالَغ بعضهم فقال إن لكل إنسان لغته كما له وجهه. وعلماء اللغة ميّالون إلى مراعاة وجوه الاتفاق أكثر من مراعاة وجوه الخلاف، ومراعاة التعميم أكثر من مراعاة التخصيص.
إن كل جمعية حية تعمل للانتفاع بلغتها وتسييرها في خدمتها وتبذل جهدًا كبيرًا لتكميلها من النقص وجعلها صالحة للحياة المتجددة.
وكذلك بحثوا بحثًا مستفيضًا في علاقة اللغة بالمدنية: أكلما رقيت المدنية رقيت اللغة؟ وأدّاهم ذلك إلى الوقوف عند المدنية: ما معناها، واللغة ما معنى تقدمها؟ إلى كثير من أمثال ذلك.
فإذا نحن نظرنا إلى اللغة العربية في ضوء ما عرضنا تولّانا الجزع من تخلف لغتنا عن مسايرة حياتنا. فالمعاجم التي هي سجل للكلمات المستعملة الصحيحة لا تفي بحاجتنا ولا نصفها، ووقفت عند العصر العباسي، بل إن واضعي المعاجم في تلك العصور أبوا أن يدخلوا فيها كلمات كثيرة وردت في كتب الأدب والعلوم مما كان يستعمله العلماء والأدباء العباسيون، وأغمضوا عيونهم عن الأشياء المادية والمعنوية التي خلقتها الحضارة العباسية، ولم يعترفوا إلا بالألفاظ البدوية وما استُعمل قبل الاختلاط بالأعاجم، وغفلوا عن أن اللغة تابعة للحياة يجب أن تنمو بنموها وأن الأمة إذا تقدمت لا يصح أن تكون أسيرة للقدماء قبل أن يتقدموا، وأن ما يملكه البدائي في خلق اللغة يجب أن يملكه وأكثر منه المتحضر العالِم. ولعل ما أداهم إلى هذا الموقف إيمانهم بالنظرية الساذجة، وهي أن اللغة توقيف لا وضع، وأنها خُلقت دفعة واحدة وانتهت، وقد كان عمل الأقدمين في قصر ما يأخذون على القبائل التي لم تختلط بغيرها عملًا جليلًا من ناحية فهم اللغة العربية في أصلها وفهم الكتاب والسنة والشعر القديم؛ ولكن قصر مؤلفي المعاجم أنفسهم على هذا خلط بين غرضين؛ فالغرض الأول معرفة اللغة في أصل استعمالها، والغرض الثاني تسجيل ما يصح أن يتكلم الناس به، وفي الغرض الثاني تكون لغة الحضر أوفى وأنفع في الاستعمال من لغة الوبر؛ فبحثنا اللغوي الاجتماعي البسيط سيؤدي بنا حتمًا إلى المناداة بدفع اللغة أن تقفز من العصر العباسي إلى يومنا، وأن تفسح صدرها لحاجتنا، وأن تتطور لتكون في خدمتنا، وأن يقر أهلها بأن رجال لغتها لهم الحق أن يعربوا كلمات وأن يخلقوا كلمات، وأن يشتقّوا كلمات حتى يواجهوا موقفهم الحاضر، فلا تتخلف عقليتهم كما تخلفت لغتهم، كما سيتضح من أول بحث لغوي اجتماعي أن تقدم الأمة تقدمًا حقيقيًّا مستحيل ما لم تتقدم اللغة وتُستخدم في مصلحتها وتملأ كل فراغ موجود الآن من أسماء الماديات والمعنويات وما ولدته القرون الأخيرة من أفكار ومخترعات، كما سيتضح أن الأمة لا ترقى إذا كانت لغتها لا تصلح إلا لخاصتها دون عامتها؛ فالعصر الذي نعيش فيه ديمقراطي، لكل فرد الحق فيه أن يتعلم وأن يتثقف، وواجب الحكومات فيه أن تعلمه وتثقفه؛ ولا يمكن تثقيف الشعوب وتعليمها إلا بمرونة اللغة وتبسيطها وجعلها صالحة للشيوع والذيوع وحمل المعاني والأفكار والعلوم حملًا قريب المنال.
•••

ثم آخرون من اللغويين الاجتماعيين اتجهوا في بحثهم إلى الناحية الاجتماعية الروحية فللكلمات والجمل روح فعالة في النفوس غير معانيها التي في المعاجم؛ والفرق بين المعنى المعجمي والمعنى الروحي كالفرق بين النحوي في نظرته إلى تركيب الجمل وعوامل الرفع والنصب والجر والجزم وبين الفنان الذي يتذوق جمال الكلمات وجمال الأسلوب؛ وهذه الناحية الروحية للغة هي التي استخدمها ومهر فيها المتصوفة في أساليبهم، ورجال الدين في وعظهم وإرشادهم وأمرهم ونهيهم وترغيبهم وترهيبهم، ورجال الشعر في خيالهم ورجال الخطابة في خطاباتهم. وكما كان في كل ناحية من النواحي مهرجون ومزيفون كان مزيفوا هذه الناحية المشعوذين بالرقي والتعاويذ وأسماء الجن التي لا معنى لها، وهي مع ذلك تؤثر بروحها الضالة في النفوس الضعيفة.
عكف هؤلاء الذين اتجهوا هذا الاتجاه الاجتماعي الروحي على البحث في الدور الذي تقوم به اللغة في الأديان وفي الشعر وفي العلم، وما للغة من ناحية باطنية تخلقها عواطف الفرد والأمة، وناحية ظاهرية يتفاهمون بها في معاملاتهم ومحادثاتهم، وأن هناك صراعًا دائمًا بين الناحيتين؛ وهذا قادهم إلى البحث في لغة الأمة وأثرها في عواطفها وعقلياتها. وعلى الجملة فقد كان من مباحثهم أيضًا اللغة الشفوية في المحادثة واللغة المكتوبة والفرق بينهما من حيث التأثير النفسي واللغة والبيئة الطبيعية والاجتماعية التي نشأت فيها، واللغة والدين، والناحية العملية والناحية الميتافيزيقية للغة، واللغة والشعور القومي، واللغة والشعر إلخ. وإذا كان هذا البحث حديثًا فقد وصلوا فيه إلى نظريات لا تزال مجالًا للأخذ والرد، ولم تستقر بعد.
(?) الاتجاه التربوي

حدد علماء التربية غرضهم الذي ينشدونه من تعليم اللغة؛ وهو أن يمكنوا المتعلم في أقصر زمن ممكن وبأقل جهد ممكن أن يفهم فهمًا صحيحًا ما يسمع وما يقرأ، وأن يعبر عن نفسه تعبيرًا دقيقًا فيما يلفظ وفيما يكتب.
وهذا الغرض المحدود شعب البحث في أركانه وهي اللغة وطبيعتها والمتعلم وطبيعته والمعلم وطبيعته ومناهج تعليم اللغة؛ فالبحث في اللغة ومزاياها وعيوبها وما فيها من وجوه قوة وضعف يساعد كثيرًا على وضع منهج التعليم، والمتعلمون يختلفون في المقدرة على تعلم اللغة، والمعلمون يختلفون في المقدرة على تعليمها؛ فما هي ملكات اللغة وكيف تُدرّس ويوضع لها المناهج المختلفة؟ وما هو المثل الأعلى للبرنامج وكيف نضعه؟
قد وصلوا من هذا إلى بحوث طويلة عريضة، وقد استغل الباحثون استغلالًا بديعًا البحوث والنتائج التي وصل إليها علماء النفس والاجتماع، وهذا باب من أنفع الأبواب. فالإصابة في تعليم اللغة القومية يكوّن الأمة في تفكيرها ويعوّدها الدقة والنظام فيما تقول وتكتب وتفعل، وإذا فشت في أمة الفوضى في التفكير والكلام السائح غير المنضبط والإقبال على الأدب الرخيص دون ما يتطلب الجهد كان من أهم أسباب ذلك فساد تعليم اللغة القومية، كيف تبدأ في تعليم اللغة، وكيف تتدرج مع المتعلم منذ الطفولة إلى أن ينتهي من مراحل التعليم، وكيف أكوّن للمتعلم معجمه وكيف أضبط فهمه وأضبط لسانه وأضبط كتابته في أقرب زمن وبأقل جهد؟ هذا ما يحاول هذا الاتجاه الإجابة عنه بشتّى البحوث وشتّى التجارب التي تشبه تجارب الطبيعة والكيمياء.
وأكتُفي من هذه الناحية بهذه اللمحة.
لعل في هذا العرض السينمائي عبرة، فلغتنا العربية العزيزة علينا، والتي تكوننا ونكونها، والتي يبلغ عدد المتكلمين بها نحو سبعين مليونًا تتطلب من أبنائها البررة مجهودًا جبارًا في مثل هذه النواحي التي ذكرت.
تتطلب معجمًا واسعًا تُستغل فيه كل الدراسات التي عُملت في اللغات المختلفة وخاصة اللغات السامية والفارسية لمعرفة أصل الكلمة ومم أُخذت وكيف تطورت على مر الزمان معجمًا لا يقف عند كلمات العرب الأقدمين ولا كلمات واستعمالات العباسيين، بل نجذبه من حيث وقف على بعد ثمانية قرون إلى حيث نحن وحيث نحيا وحيث نستعمل وحيث نفكر.
وتتطلب اللغة العربية دراسة نفسية وفلسفية واجتماعية على النحو الذي ذكرت.
وتتطلب من رجال التربية أن يقولوا بعد البحث والتجارب كيف نعلّم لغتنا على خير وجه وكيف نتغلب على صعوبتها.
إن اللغة العربية تتطلب منا كل ذلك، وليس إصلاح اللغة العربية من هذه الجهات ينتج تقويمًا للقلم واللسان فقط، بل هو أيضًا إصلاح للأمة في تفكيرها وفي خلقها وفي عقليتها وفي مشاعرها، إن تعليم عدد قليل من الأمة لغات أوربية يقرءون فيها ويستنيرون بها قليل الأثر في حياة الأمم، إنما الأثر الأكبر للغة القومية التي يفكر بها الشعب بأجمعه وترفعه أو تضعه، وتحيي عقله وشعوره أو تميته، وليست الأمة تصلح بنقل بعض أفرادها إلى حيث النور، ولكن ننقل النور إلى حيث الأمة كلها حتى يتبدد الظلام.
والله ولي التوفيق.
? محاضرة ألقيت في ?? يناير في افتتاح مؤتمر المجمع اللغوي.
موقف حرج


نحن هنا في «المدينة».
وفي السنة الخامسة من الهجرة.
وفي المدينة عناصر ثلاثة: مؤمنون من مهاجرين وأنصار يلتفون حول محمد رسول الله ويأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه، ويزيدون على الشدائد قوة في إيمانهم وعدتهم وعددهم ومنافقون نهّازو فرص، وطلاب منفعة، اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مع الكافرين ومع المؤمنين حسبما يلوح لهم من أعراض الدنيا، لهم ظاهر وباطن، «وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون»، «وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون»، «إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة» لا عقل ولا روح ويهود وهم عدد عديد في المدينة وضواحيها، كانت لهم آطام وحصون يسكنونها ويتحصنون بها عند الخصومة أو الحروب، لكل بطن من بطونهم أُطُم أو حصن كبير فيه مخازن غلالهم وثمارهم، وفيه معبدهم ومدارسهم، وفيه كنوز أموالهم وسلاحهم، وفيه تشاورهم وتآمرهم، وكان هؤلاء اليهود أهل قتال في الحروب، وفيهم أهل زرع وتجارة، يتاجر بعضهم مع الحجاز واليمن وبعضهم مع الشام، وبيدهم الحركة الاقتصادية، لكثرة أموالهم والغلو في استغلال من حولهم، يتعاملون بالربا الفاحش، وهم مقصد ذوي الحاجات فيما يرهن بربح اشتهروا بصياغة الحلي والاتجار بها يتكلمون العربية كسائر العرب، ولهم أدب وشعر كما لغيرهم أدب وشعر وهم كيهود العالم شديدو الاحتفاظ بدمهم وجنسيتهم وعاداتهم وتقاليدهم، لا يمسحون بالاندماج في غيرهم ولا باندماج غيرهم فيهم، يهوديتهم أولًا وقبل كل شيء وبعد كل شيء، وما عداها من وطن ولغة وغيرها تبعي وقليل القيمة …
•••

كانت علاقة هؤلاء اليهود بمحمد وصحبه أول مجيئه المدينة علاقة مسالمة حتى ينظروا ما يفعل هو وصحبه لعله يفشل في دعوته، ولعل أصحابه أن يقتتلوا فيما بينهم، ولعل قريشًا تقضي عليه في حروبها معه فيكفون شره من غير جهد منهم ولا مشقة ولا تدخل. ولكن لم تسر الأمور كما يهوون، فهو وصحبه يزدادون قوة، وهذه القوة تهددهم، ثم هو لم يكتف بدعوة الوثنيين إلى الإسلام بل أخذ يدعوهم هم أيضًا، وهم الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وهم لا يؤمنون بنبي إلا أن يكون يهوديًّا، وفي كتبهم أن الرسالة والنبوة قد خُتمت، ثم في تعاليم الإسلام ما يزعجهم، فهو يحارب العصبية الجنسية والقبلية، ويحارب الربا وكنز الذهب والفضة، ويجعل ميزان الإنسان التقوى، لا الحسب ولا النسب ولا الجنس العنصر ولا أي شيء آخر؛ فبدأت الخصومة بين اليهود والمسلمين تتجلى شيئًا فشيئًا وتحتد شيئًا فشيئًا، بمحاولة اليهود إيقاع الخصومة بين الأوس والخزرج وبين المهاجرين والأنصار، وبمجادلتهم الرسول والصحابة في المسائل الدينية بسؤاله عن الروح وعن ذي القرنين وما إلى ذلك. ولما اشتبك المسلمون في القتال مع قريش في غزوة بدر نفض اليهود أيديهم من المسلمين، بل وتمنوا أن يُهزموا، بل ودبّروا مؤامرة للفتك بمحمد ? وأخيرًا تطور هذا العداء إلى خصومة مكشوفة، وأخرج الرسول بني قينقاع وهم من يهود المدينة كانوا يسكنون في حي واحد من أحيائها الداخلية، ليأمن شرهم وليوحد المدينة سياسيًّا ودينيًّا معًا، إذ كان أغلب من عداهم من اليهود يسكنون خارج المدينة بخيبر وأم القرى، ثم سلك هذا المسلك مع بني النضير أيضًا لإخلالهم بعهودهم.
•••

في يوم من أيام السنة الخامسة للهجرة عقد جماعة من كبار اليهود ودهاتهم مؤتمرًا سريًّا ينظرون فيه في وضع خطة للقضاء على محمد وصحبه، وإعادة سلطة اليهود في المدينة كما كانت وأكثر مما كانت، وكان من كبار المؤتمرين حُيَيّ بن أخطب وسلام بن الحقيق وكنانة بن الربيع، وهؤلاء كلهم من يهود بني النضير ومعهم هوذة بن قيس من يهود وائل وغيرهم، ماذا يصنعون؟
وأخيرًا استقر الرأي على أن السبب في فشل القضاء عليه هو محاربته الجزئية لا الإجماعية، فيومًا تحاربه قريش، ويومًا يُحارِب هو اليهود، فالخطة المثلى هي تأليب العرب كلهم عليه، وتحديد زمن لتحرك القبائل كلها، وعسكرتهم حول المدينة، وانضمام اليهود إليهم في ذلك، فإذا أُحكمت هذه الخطة، واجتمع العرب من جميع الأطراف بقضهم وقضيضهم، وانضم إليهم اليهود، فهلاك محمد وصحبه أمر لا شك فيه، ثم قالوا: لنرسل منا من اليهود إلى كل قبيلة من هو صديق لها وتربطه بها رباطة مالية أو تجارية أو نحو ذلك، ولنبدأ بقريش فإذا قبلت الفكرة ذهبنا إلى القبائل الأخرى نشجعها بإخبارها أن قريشًا قد قبلتها فتقبلها، وتعاقدوا على التنفيذ.
•••

هذا وفد يهودي من سلام بن مشكم وحُيَيّ وابن أبي الحقيق وهوذة يدخلون مكة ويفاوضون أبا سفيان وصحبه في الخطة التي وُضعت، فيتحرك ضمير بعض رجال قريش، ويرى أن الحرب بينهم وبين محمد حرب دينية من بعض نواحيها، فإذا كان دين محمد خيرًا من دين قريش وقضينا عليه وعلى دينه لم نجن خيرًا، لهذا سألوا اليهود: «إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟» قالوا: «بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه».
وهكذا لم يتورع اليهود أن يقرروا أن دين الأوثان خير من دين التوحيد، لأن المسألة في نظرهم ليست مسألة حق يُضحَّى في سبيله بشيء من الصدق، ولكن مسألة مغنم يُضحَّى في سبيله بكل حق.
فلما اتفقوا مع قريش وتواعدوا على وقت الهجوم سهّل عليهم الاتفاق مع غيرهم، فذهبوا إلى «غطفان» وأخبروهم بالاتفاق مع قريش، فأجابوهم إلى الدخول في الحلف؛ وهكذا ألبوا جزيرة العرب على المسلمين في المدينة ووضعوا تفاصيل الخطط وحددوا الزمن.
•••

كل الدلائل تدل على نكبة عظمى واستئصال شنيع، ولو استُفتي المنطق لأفتى بأن المسلمين سيقضى عليهم قضاء مبرمًا. فماذا يفعل ألف أو ألفان أو نحو ذلك من المسلمين ومعهم ستة وثلاثون فرسًا، أمام هذه الجيوش من الألوف المؤلفة وجيش قريش وحدها بأحابيشها يبلغ عشرة آلاف، وحالة «المدينة» نفسها قلقة مضطربة؛ فبنو قريظة من اليهود بجوار المسلمين يستعدون للوثبة إذا رأوا الفرصة، والمنافقون يندسون بين المسلمين يثبطون الهمم ويضعفون العزائم ويتنادون عليهم: «هذا الذي وعدكم كنوز كسرى وملك قيصر»؛ فعدو أي عدو في الخارج وعدو أي عدو في الداخل، والموقف حرج والحياة كرب، وهذا ما يصف القرآن: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. ولكن رسول الله والخلاصة من صحبه ما وهنوا ولا استكانوا ولا تطرق الشك إلى نفوسهم، بل زادت نفوسهم صفاء عند الشدائد وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَـ?ذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ? وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
•••

والله لا يهب نصره للضعفاء، إنما يهبه عند بذل الجهد وإحكام العمل وتضحية النفس والمال للعقيدة، أما غير ذلك فإيمان أجوف.
لقد سمع رسول الله وهو اليقظ لكل ما يجري بما بيتت له جزيرة العرب، وعلم أن مقابلة القوة بأضعافها قد لا تجدي، فتشاور هو وأصحابه في الموقف فاستقروا على حفر خندق حول المدينة يمنعون به الأعداء من دخولها، وكان هذا الخندق أول ما عُرف في جزيرة العرب.
فها هم المسلمون يهبّون بكل قواهم لحفر خندق، لا يتخلف أحد، ورسول الله في طليعتهم، يحفر كما يحفرون «حتى وارى الغبار جلدة بطنه» ويبث فيهم القوة والاحتمال بالغناء بالأراجيز كأرجوزة ابن رواحة.
والله لولا أنت ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينافأنزلن سكينة عليناوثبت الأقدام إن لاقيناإن الألى قد رغبوا عليناإذا أرادوا فتنة أبينا حتى إذا جاءت الأحزاب إلى المدينة رأوا الخندق قد أُعدّ والحيطة قد تمت، فلم يستطيعوا أن يدخلوا المدينة وإن تجمعوا في أسفلها وأعلاها، وحاول قوم أن يقفزوا بخيلهم من أضيق موضع في الخندق فتصدى لهم المسلمون وقتلوا بعضهم فكرّ بعضهم راجعًا.
وكان الفصل شتاء، والبرد قارس، والرياح عاصفة، وليس بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، واستمروا على ذلك بضعة وعشرين يومًا من أشد الأيام على المؤمنين، ثم دب الفشل واليأس في نفوس الأحزاب، واندسّ بعض الذين أسلموا ولم يعلموا إسلامهم يبث الوقيعة بين اليهود وقريش واليهود وغطفان، وزاد الأمر سوءًا بين الأحزاب عدم توحُّد القيادة، وفقدان الثقة بين بعضهم وبعض، وسوء الحالة الجوية ويأسهم من وصولهم إلى نتيجة حاسمة في أمد قريب، فرجعوا خائبين وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ? وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ? وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا.
ثم هاجم المسلمون بني قريظة لنقضهم العهد وموالاتهم للأعداء من الأحزاب وشدة خطرهم على المسلمين لقربهم منهم في المدينة، فقتلوا بعضًا وأسروا بعضًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ? وَكَانَ اللهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.
•••

أما بعد فالرواية واحدة تُمثّل في أمكنة مختلفة وأزمنة مختلفة وبأشخاص مختلفين.
لقد كان المسرح المدينة فصار فلسطين، وكانت الرواية تُمثّل في القرن السابع، ثم ها هي يعاد تمثيلها في القرن العشرين، وكان يظهر على المسرح حُيّيّ بن أخطب وأمثاله والآن يظهر ويزمان وأمثاله.
وكان القوم يؤلبون جزيرة العرب، واليوم يؤلبون إنجلترا وأمريكا، وكانوا يحلمون حلمًا جميلًا رائعًا، واليوم يحلمون حلمًا جميلًا رائعًا وكان إذ ذاك منافقون، وكان اليوم منافقون، وكانوا يجدون ولا يتورعون، واليوم يجدون ولا يتورعون.
ولكن …
هل تكون نتيجة اليوم كنتيجة الأمس؟
أما إ ذا اتحدت المقدمات فلا بد من اتحاد النتائج، وإن اختلفت اختلفت.
وقد كانت مقدمات الأمس إيمانًا صادقًا ويقظة قوية ووحدة كلمة وعملًا متواصلًا من الزعيم إلى الأتباع، وصبرًا على احتمال الأذى لسمو الغاية، وسدّ الآذان عن قول الدساسين والمنافقين، وابتكار الأساليب لإفساد الخطط، وبُعْد النظر في العواقب، وقد علّمنا «المنطق» أن المقدمات المتشابهة تنتج نتائج متشابهة، وأن المقدمات تخلق خلقًا والنتائج تأتي لزامًا.
فهل تحدث المقدمات في القرن العشرين كما حدثت في القرن السابع فتُمثَّل الرواية اليوم كاملة كما مُثِّلت من قبل كاملة؟
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ? لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ? وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
? ليس العمل الصالح مجرد صلاة وصوم وزكاة وحج. بل هو — إلى ذلك — مسايرة العلم إلى أقصى حدوده ومراعاة نظم العدالة إلى أقصى حدودها، وإعداد ما أمكن من القوة لإرهاب الخصوم، وتحصين الدولة من الداخل والخارج على آخر نمط عرف، إلى نحو ذلك، وهذا هو المعنى بقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ.
مشاكلنا اللغوية والأدبية


يواجه العالم العربي اليوم مشاكل خطيرة في اللغة والأدب تتطلب حلولًا حاسمة سريعة.
والسبب الأكبر في هذه المشاكل أننا نواجه عالمًا جديدًا، قد قطع في المدينة والحضارة شوطًا بعيدًا، وقد تطور العالم في القرن التاسع عشر ونصف العشرين ما لم يتطوره في قرون مضت.
واللغة والأدب ما داما حيين لا بد أن يتطورا مع المدينة ويسيرا بجانبها ويتفاعلا معها، إذ هما عنصران من عناصرها ومقومان من مقوماتها.
وقد يكون هناك بعض الشبه بين الموقف الآن وموقف اللغة العربية والأدب العربي في العصر الإسلامي الأول يوم خرجا من الجزيرة العربية وواجها مدنية العراق والفرس والروم، وإن كان هناك بعض الفروق بين الموقفين، منها أن العرب قابلوا هذه اللغات واللغة العربية يومئذ لسانهم وهي ملكهم يتصرفون فيها تصرف المالك، ونحن نواجه المدنية الحديثة واللغة العربية لنا بالتعلُّم لا بالسليقة، وقد سبب هذا ضعفنا في الشعور بملكيتنا لها أقعدنا بعض الشيء عن العمل، وحملنا على الجمود، ومنها أنهم واجهوا المدنية إذ ذاك وهم غزاة فاتحون، ونحن واجهناها ونحن مغزوون مفتوحون، والشعور الأول يدعو إلى العزة والعزة تدعو إلى الجرأة، والشعور الثاني يدعو إلى الضعف، والضعف يدعو إلى التردد منها أن المدنية الحاضرة أكثر تركبًا وأشد تعقدًا، والحضارة الحديثة مقبلة والحضارات القديمة كانت مدبرة، الحضارة المعقدة المركبة المقبلة أكثر إنتاجًا وأصعب حلا وأكبر عبئًا عند الاحتياج إلى مسايرتها.
على كل حال أمامنا الآن مشاكل لغوية كثيرة أهمها:
أولًا: هذا السيل الجارف من آلاف الكلمات تضعها المدنية الحديثة لكل ما يجدّ من آلات وأدوات وتراكيب طبية ومواد كيمياوية، هذا إلى ما تضعه من آلاف الكلمات في مصطلحات العلوم المختلفة من اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسيه إلخ، ولا بد للغتنا أن تساير هذه اللغات الغربية كما تساير حضارتنا حضارتهم، إذ اللغة ليست إلا ثيابًا يجب أن تتسع كلما اتسع الجسم وإلا لم تكن ثيابًا صالحة. وكما توسعت اللغات الأوربية في مواجهة كل جديد بوضع كلمات له، توسعت أو عدّلت في معاني الكلمات القديمة فعددت معانيها وحددتها بحسب تقدم العلم وتطور الأشياء؛ فمثلًا تعريف الذرّة اليوم غير تعريفها منذ عشر سنين بسبب تقدم العلم، وتعريف الشعور والعاطفة والإرادة والعقل ونحو ذلك متطور بتطور علم النفس وتقدمه، وتعريف المؤتمر والحرية والمجلة والمطبعة ونحوها يختلف باختلاف تطور هذا الأشياء ومدلولاتها، فكانت معاجم اللغة عندهم متغيرة كل حين يتغير هذين العاملين: أعني المخترعات الجديدة ووضع ألفاظ جديدة لها، وتعديل المعاني وتحديدها بتغير مدلولها.
واجهت لغتنا العربية هذه المشكلة الكبرى من نحو مئة عام أو قبل ذلك، من حين الحملة الفرنسية ومن حين رأى الجبرتي المخترعات الفرنسية الحديثة فحار في تسميتها، وكلما مر يوم تعقدت هذه المشكلة وصَعُب حلها، ومعاجمنا لم تصلح إلى اليوم، والألفاظ الجديدة لم توضع إلى اليوم، وكل ما فعلنا أن بدأ بعض الأفراد يضعون كلمات لما يقابلهم في طريقهم من غير خطة مرسومة، وبدأت المجامع تتكون في مصر والشام وتواجه هذه المشكلة، وكان طبيعيًّا أن تتوزع الآراء بين محافظين يرون أن القواعد التي وضعها الأقدمون من اللغويين يجب مراعاتها والسير الدقيق عليها وعدم الخروج عنها، وأحرار يرون أن هذه القواعد لا تكفي لمواجهة الحالة الجديدة، ويجب أن يكون لنا الحق في الاجتهاد ولو خالف الأقدمين، وأن نأخذ من قواعدهم ما صلح ونزيد عليها ما يصلح لمواجهة حالتنا، وأن اللغة ملك لنا ولسنا ملكًا للغة، وكل ما يجب علينا هو أن نراعي المحافظة على العناصر الأساسية والمقومات الشخصية لكل لغة، فلا نسمح للرطانة والعجمة أن تكتسحها، وأمامنا التعريب والنحت والاشتقاق وزيادة بعض الحروف على بنية الأصول، وهي الطرق التي استعملها القدماء فلنستعملها الآن، ولنعرب كما عربوا وننحت كما نحتوا ونشتق كما اشتقوا، بل ولنضع ألفاظًا جديدة نخلقها خلقًا إذا اقتضى الحال كما فعل العرب أنفسهم إذ كانوا يلحظون في الشيء بعض صفات فيطلقون عليه لفظًا مناسبًا، فسموا نباتًا الظفرة لأنه يسب الظفر عند طلوعه، وسموا نباتًا العطف لأنه يعطف على الشجر ويلتوي عليه كاللبلاب، وسموا الثور ثورًا لأنه يثير الأرض وهكذا. وهذا باب واسع إذا فتحناه لأنفسنا أغنانا عن كثير من التعريب ولنتوسع في مدلول الكلمات عند الضرورة ولنعرف الكلمات في معاجمنا تعريفًا جديدًا كالذي دلّ عليه العلم، وكل ما في الأمر ألا نتوسع في هذه الباب توسعًا يطغى على كيان اللغة، وألا يكون الأمر في يد كل فرد يقول ما يشاء، بل لا بد أن يكون في يد أهل الاجتهاد الذي تكون لهم ذوق لغوي ممتاز يستطيعون به أن يلحظوا إيماء اللفظ ودلالته ومناسبته وجماله.
وربما كانت هاتان النزعتان نزعة المحافظين والأحرار باقيتين إلى اليوم من غير تلاق.
وننظر بعد ذلك كله فنرى المشكلة لا تزال قائمة، بل تعقدت وتركبت، فالكلمات التي أقرّها الأفراد والجماعات بالتعريب والنحت والاشتقاق والتوسع أقل بكثير مما خلقته أوربا من الأشياء وألفاظها ومعانيها وأسمائها.
وأحسب أن عدم حل هذه المشكلة يرجع إلى أن الأمور في هذه المسألة سارت في العالم العربي سيرًا مهوشًا من غير ضابط، فليس هناك اتصال وثيق بين المجامع ولا بين الهيئات ولا بين الأفراد، واللغة ملك للعالم العربي كله، والكلمة تصطلح عليها أمة يجب أن تصطلح عليها جميع الأمم العربية لما بينهم من ضرورة التفاهم، والمأمول وقد تكونت جامعة الأمم العربية أن ترسم خطة محكمة لتعاون المجامع والهيئات على تذليل هذه الصعوبات.
وسبب آخر وهو أن هذه المجاميع والهيئات اعتقدت أن مهمتها وضع الكلمات الاصطلاحية في العلوم المختلفة، وهي مهمة تنوء المجامع بحملها وليس في طبيعة تكوينها ما يمكنها من ذلك، وإنما الطريقة المثلى أن يضع الكيمياويون ألفاظهم الكيمياوية ويتعاون الكيمياويون في العالم العربي على ذلك بشتّى الوسائل وكذلك يفعل الطبيعيون والجيولوجيون وعلماء الحيوان والنبات ثم يُعرض ما وضعوه على المجامع لإقراره أو تعديله أو تهذيبه حسبما يرشدهم إليه ذوقهم اللغوي، فإذا تمّ ذلك كان إقرارهم قانونًا بهذا يسهل العمل ويسرع، وبهذا يكون العمل في يد الإخصائيين أولًا وهم أدرى بالمعاني والمصطلحات المناسبة. أما أن نكلّف لغويًّا وضع مصطلح كيمياوي وطبيعي وجيولوجي فضرب من العبث والبطء الذي لا نهاية له، ولا بأس أن يكون للمجامع الإرشاد العام لا وضع الجزئيات ابتداء، فصاحب كل بيت أدرى بما فيه.
ثم على كل هيئة كيمياوية وطبيعية وجيولوجية أن تضع معجمها الخاص بها، ثم تأخذ المجامع الألفاظ الكثيرة الشيوع الدائرة على ألسنة الناس والكتاب فتدخلها في المعاجم العامة بتعاريفها التي عرفها علماؤها مضافًا إلى مجهود المجامع في تحديد معاني الألفاظ تحديدًا يتفق وتقدم العلم وتطور المعاني والأشياء، فنحن إلى الآن لا نزال في حاجة قصوى إلى معاجم تُجاري الزمن فنحدد الحيوان والنبات والأشياء وفقًا لما وصل إليه العلم الحديث، ووفقًا لما تطورت إليه مدلولات الألفاظ في المدنية الحديثة، فقد أصبح مثلًا للجامعة والكلية والمطبعة والحكومة والمحكمة والاشتراكية والشيوعية والحوالة والصك والمدرعة والقنبلة ونحوها من مئات الكلمات معان جديدة لم يكن يعرفها العرب ولا صاحب القاموس ولسان العرب، وإنما نعرفها نحن، ومعاجمنا يجب أن تصنع لنا ولأبنائنا وتشرح شرحًا دقيقًا ما تدل عليه كلماتنا، وقد آن الآوان لمواجهة هذه المشكلة وحلها حلًا سريعًا.
•••

المشكلة الثانية الخطيرة التي نواجهها في اللغة مسألة البرزخ الذي بين اللغة العامية واللغة الفصحى، وهي مشكلة قد تبدو صغيرة ولكنها في نظري من أخطر المسائل وأهمها، وذلك لما لها من أثر كبير في حياتنا العقلية والأدبية، سواء في الخاصة أو العامة، وهي مشكلة قديمة نشأت في العصور الإسلامية الأولى منذ وجدت اللغة العامية بجانب الفصحى وصعّب على الأعاجم الإعراب فابتدعوا الوقف أي تسكين أواخر الكلمات، كما ابتدعوا أشياء أخرى مختلفة باختلاف البيئات تبعًا لاختلاف هؤلاء الأعاجم الذين خالطوا العرب، ولكن لم يشعر الأقدمون بهذه المشكلة كما نشعر بها نحن الآن، لأن العلم كان حظ عدد قليل من الناس، ولأن الحياة الاجتماعية منذ العهد الأموي كانت حياة أرستقراطية، حياة طبقات، في المال وفي المناصب، وفي الثقافة وفي العلم والفن والأدب، وكان يُتقبَّل هذا على أنه وضع طبيعي حدده القدر، فلما سادت العالم موجة الديمقراطية وصلت للشرق أيضًا وكان من تعاليمها حق الشعب في التعلم كحقه في الحياة، وليس يصح أن يكون في الأمة أمي وغير أمي، وهناك حد أدنى في الثقافة يجب أن يصل إليه أفراد الشعب مهما كان مستواهم الاجتماعي إذ ذاك أدركنا خطورة وجود لغتين: عامية وفصحى، وأن هذا أحد العوائق التي تعوق التقدم الثقافي وذيوعه. إن ثنائية اللغة بهذا الوضع مشكلة لا يواجهها الغرب كما نواجهها، للقرب الشديد بين لغة كلامه ولغة قراءته، فما على الغربي إلا أن «يفك الخط» حتى يفهم ما يقرأ إذا كان مستوى ما يقرأ مناسبًا لعقليته، ولكن عامينا إذا قرأ صادف الإعراب الصعب وصادف كلمات فصحى لم يسمع بها، وصادف أسلوبًا لم يعتده، وهذا من غير شك يجعل انتشار الثقافة العربية لا مستحيلًا ولكن صعبًا، حتى إذا قرأ قارئ للعامي كتابًا أو صحيفة أو استمع للإذاعة لم يستطع أن يستوعب ما يقال استيعابًا كاملًا ولو كان ما يقال في مستواه العقلي.
وضرر آخر ينال اللغة العربية الفصحى نفسها، ذلك أن استعمال اللغة في الحياة الواقعية، في البيوت والشوارع والمجتمعات يكسب اللغة حيوية قوية ومرونة وتقدمًا أكثر مما تكسبها حياة الكتب، ونحن نلاحظ ذلك في لغتنا العامية، فاستعمالنا لها في حياتنا الواقعية جعلها تتجدد وترتقي كل يوم، لأن للفظ هالة غير المعاني الجامدة التي تنص عليها المعاجم، وهذه الهالات تتغير بما يحدث للفظ من تنادر ومن أخذ وردّ ومن أحداث اجتماعية وسياسية وهكذا، فإذا انحصرت الكلمات في الكتب لم تتجدد حياتها هذا التجدد.
واللغة العامية لما كانت لغة واقعية جاءتها المخترعات الحديثة والآلات الحديثة فلم تقف كما وقف رجال الفصحى وقالوا تلفون وسيما وراديو، وسمّى النجار آلاته، والحداد أدواته، وصقلوها بألسنتهم ولم ينتظروا رجال العلم والأدب.
أضرّ هذا الوضع باللغة الفصحى فلم تتجدد معاني ألفاظها التجدد الكافي، لأنها لم تنغمس في الحياة، وإنما انغمست في الكتب والصحف، وأضرّ بها من ناحية أن الأديب وقد عجز عن استعمال ألفاظ فصحى هرب من الواقع إلى الخيال ومن الجزئيات للكليات، فلما عجز عن أن يقول: إنه يلبس طربوشًا. قال: إنه يلبس قلنسوة. ولما عجز أن يقول: إنه يلبس جزمة. قال: إنه يلبس نعلًا. وفرّ من وصف أثاث حجرة أو ملبس شخص؛ لأن أسماءها إفرنجية، فقال ألفاظًا عامة ليست دقيقة.
إن شئت فانظر إلى نوع من أنواع الأدب اللطيف وهو الفكاهة والنوادر كيف نما في اللغة العامية بأكثر مما نما في اللغة الفصحى لأنها لغة التخاطب في المجتمعات والحياة العامة.
ولم أسق هذا لأقوال بتفضيل العامية على الفصحى فهذا لا يخطر لعاقل على بال، ولكن لأدلل على ما أصاب العامة والخاصة من وجود لغتين في العالم العربي بهذا الوضع.
هذا هو الداء فما الدواء؟
سؤال في غاية الصعوبة والخطورة معًا، فقد يرى قوم أن الأمور سائرة بطبيعتها سيرًا حسنًا لحل هذا المشكل، فاللغة العامية تتهذب بانتشار الثقافة وسماع الراديو والسينما والتمثيل وقراءة الصحف وما إلى ذلك، واللغة الفصحى تسهل بالصحف والمجلات وحاجة الكُتّاب إلى أن يفهمهم أكبر عدد ممكن، وهذا حتمًا يؤدي إلى تقارب اللغتين أو اتحادهما على مر الزمن.
وإني لا أنكر عمل الزمان في التقريب بين اللغتين، ولكنني من جهة أخرى أرى أن هذا التقارب إنما هو بين عدد محدود من سكان المدن كالعمال والصنّاع ومن في حكمهم، أما السواد الأعظم من الأمة وهم الفلاحون فهم بعيدون عن هذا التقارب. ومن جهة أخرى فلست أؤمن مطلقًا أن لغة العامة مهما ارتقت ستكون يومًا من الأيام لغة معربة كاللغة الفصحى، ونشر الثقافة العامة بين الشعب جميعًا يعوقه الإعراب، فنحن نعلم الطلبة نحو ثلاثة عشر عامًا تعليمًا مجهدًا، ومع ذلك قد يكون واحد منهم في الألف هو الذي يجيد الإعراب والكتابة الصحيحة والقراءة الصحيحة، فكيف نتطلب ذلك في الثقافة العامة التي تُعلَّم في زمن محدود.
وقد كنت رأيت في بعض الأوقات أن نصطنع لغة وسطًا بين العامية والفصحى تنقى فيها اللغة العامية من خرافيشها «كمفيش» و«معليش» ونحو ذلك، وتطعم بالكلمات السهلة من اللغة الفصحى وتستعمل فيها الكلمات العامية التي حرفت قليلًا عن اللغة الفصحى فيرد إليها اعتبارها، وفي الوقت عينه تكون خالية من الإعراب، تسكن فيها أواخر الكلمات ثم تستعمل هذه اللغة في التثقيف العام للجمهور وتنشأ بها مجلات وجرائد وكتب لتثقيف الشعب، ونبذل الجهد في أن يُنشر ويُتكلم بها الخاصة والعامة في حياتهم العامة، وتبقى اللغة الفصحى لتعليم الخاصة ومن يودون استكمال التعليم في الجامعات ونحوها حفظًا لتراثنا المجيد القديم وربطًا بين ماضينا وحاضرنا.
ولكن عيب هذه الفكرة صعوبة اصطناع اللغة وبثها ونشرها بين الجماهير الذين رضعوا لغتهم العامية مع اللبن، وبين أيدينا مثل على ذلك، وهو أن لغة الاسبرانتو قد اصطنعت اصطناعًا وسهّلت وسائلها وبُذل في نشرها جهود جبارة ومع هذا لم تنجح النجاح المرجوّ لها وإن كانت هناك فروق بين الاسبرانتو والرأي الذي شرحته.
على كل حال فقد أثرت هذه المشكلة وعرضت بعض حلولها لأبين خطرها وقيمة بحثها، ولعله لو اجتمع مؤتمر من رجال العالم العربي وعلمائه وأدبائه وقصروا بحثهم على هذه المشكلة وخطرها، وعرضوا للحلول الممكنة وتجردوا في بحثهم من سيطرة القديم وإلْفه ووصلوا إلى حل يرتضونه لأدّى للعالم العربي أجلّ خدمة.
•••

وأنتقل بعد ذلك إلى المسألة الثانية وهي مشاكلنا في الأدب العربي الحاضر وأحب أن أنبه إلى أني أستعمل الأدب بمعناه الواسع كالذي نستعمله عند ما نقول «كلية الآداب» فيشمل التاريخ والجغرافيا والفلسفة والأدب الصرف وما إلى ذلك.
ومشكلتنا فيه كمشكلتنا في اللغة من حيث إن الحضارة الحديثة أنتجت فيه إنتاجًا ضخمًا في جميع فروعه ونواحيه وساير أهلها فيه مقتضيات الأحوال والأزمان، وكما تقدموا في مادته وموضوعاته تقدموا في طريقة عرضه وإخراجه، ثم اعتبروا انتاج كل أمة ملكًا مشاعًا للأمم الأخرى، فلا يظهر كتاب جديد كبير القيمة في أمة حتى تنقله الأمة الأخرى إلى لغتها، حتى وضعت كل أمة حية يدها على كل ثروة العالم العلمية والأدبية ومكّنت أبناءها من السباق في الإنتاج.
وهذا ما يجب أن تفعله كل أمة تريد الحياة، فكل علم وكل أدب لا يحيا إلا بالتطعيم، وإلا بالوقوف على العلوم والآداب الأخرى حتى يُستفاد منها ويُبنى عليها، وحتى في الأدب الصرف، أمام الإنجليزي وبلغته خير نتاج الفرنسي والألماني والأمريكي والسويدي والروسي بل والشرقي، وهكذا في كل أمة.
في ضوء هذا ننظر ماذا فعل العالم العربي إزاء هذه الثروة الضخمة؟ إنه من غير شك في نهضته الحديثة قد قام بمجهود مشكور في ترجمة كثير من الكتب القيمة في شتّى فروع الأدب وفي الاقتباس منها واستغلالها بمختلف الأشكال، ولكن هذا المجهود معيب من نواح: الأولى: أنه مجهود غير كاف، فالثروة ضخمة جدًا والترجمة ضئيلة بالنسبة إليها، ولعل العذر أن الإنتاج القيم نتج في أوربا من عهد نهضتها في القرن السادس عشر، وتأخرت نهضتنا فلم تبدأ إلا في نحو أوائل القرن التاسع عشر، فلم نلحق هذا التلاحق في الإنتاج الأوربي.ثم إن القادرين منا على الترجمة الصحيحة نسبة ضئيلة بالقياس إلى عددنا الذي يبلغ نحو سبعين مليونًا بسبب ضعف الثقافة وقلة عمقها وقلة عدد الذين يستفيدون منها.
والثانية: أن هذا المجهد مع قلته غير منظم فالمجهودات مجهودات فردية مبعثرة، والكتاب الواحد قد يُبذل في ترجمته مجهودان لا يعرف أحدهما ما يغفل الآخر. والطريقة المثلى التي يجب أن نسلكها هي:أولًا: حصر أمهات الكتب التي يجب أن تترجم إلى اللغة العربية من اللغات المختلفة، ووضع سجل لها يزيد كلما زاد الإنتاج الأوربي وينقص بما ترجم منه، ويشترك في وضعه جهابذة الأدباء والعلماء في العالم العربي.وثانيًا: تعاون الدول العربية والهيئات العلمية والأدبية على الإنتاج المنظم، وسخاء الدول في الإنفاق على هذا الباب، فليس إصلاح العقل وغذاؤه بأقل قيمة من إصلاح الأرض.
وإذ كان أدبنا العربي الحاضر يستمد وجوده من الأدب الغربي بالترجمة والاقتباس فهو كذلك يُستمد من التراث القديم، وهي ثروة واسعة لم تُستغل استغلالًا صحيحًا كافيًا أيضًا، وما قلناه هناك من القلة والفوضى ينطبق على الأمر هنا انطباقًا تامًا، ولعل في الجامعة العربية أيضًا الأمل في القيام بهذا العبء وتنظيم التعاون ووضعه على أسس ثابتة.
إذا تمّ هذا أمكن للأدب العربي أن يسير في موكب الأدب العالمي ويأتي بلون جديد بما يستغل من منابع الشرق الأصيلة.
ومسألة أخرى في أدبنا الحاضر، وهنا أتكلم عن الأدب البحت من شعر ونثر فني وقصص، فأراه مقصرًا في وصف حياتنا الاجتماعية وعرضها ونقدها وتوجيهها، وهذا جزء هام من رسالته، بل أرى أنه في الأيام الحاضرة أقل رعاية لهذا الأمر من الأيام القريبة الماضية، فقد كان شعر شوقي وحافظ أملأ بأحداثنا ومعالجتها من شعر اليوم، فكان كلما عرض حادث للأمة سياسيًّا واجتماعيًّا شعرا فيه، كما يدل على ذلك ديواناهما وليس هذا شأن الشعر اليوم.
لقد وجّه كثير من الشعراء والأدباء وجهتهم نحو أدب الغرب يقتبسونه ويقلدونه في موضوعاته وأساليبه، ولكن فاتهم أن هذا الأدب لا يكون أصيلًا، إنما الأصالة أن يتثقفوا بالأدب الغربي ما شاءوا، ثم يهضموه ويستغلوه، ثم يوجهوا وجهتهم نحو قومهم وحياتهم الاجتماعية وأحداثهم الهامة ويصوغون من ذلك كله قصصهم، وينشئون فيه شعرهم، ويوجهون أممهم إلى مثل أعلى يرسمونه، وإصلاح ينشدونه، أما السبح في الخيال فقط، والتقليد فقط، فإذا قال شاعر غربي: «في وادي القمر». قلنا «في وادي القمر». وإذا قال في: «بحر الدموع». قلنا: «في بحر الدموع»، فضرب من الفقر الفني.
إن قال قائل: إن الفن للفن. قلنا: هل ثَمَّ مانع من أن يكون هذا شأن بعض الفن، وأن يكون بعضه الآخر فنًّا لخدمة المجتمع، لقد شبع الأدب العربي من الأدب الغنائي لتصوير العواطف، وبكاء الحب، والإفراط في المديح والرثاء وما إلى ذلك، فلماذا لا يكمل نقصه بالأدب في تصوير المجتمع وبؤسه، وسوء موقفه الاجتماعي والسياسي، وتخلفه عن غيره، وبث الشعور بالنقص، وبعث الأمل في مستقبل خير من الحاضر، فالباحثون العلميّون يبحثون المشاكل الاجتماعية علميًّا وعقليًّا، والأدباء يمدونهم بتهييج المشاعر والعواطف نحو الإصلاح.
على هذا سار الأدب الغربي نفسه الذي نقلده، ففيه الأدب الغنائي وفيه الأدب الاجتماعي، فيه شرح عاطفة الحب وفيه قصة تمثل بؤس الكوخ وشقاء العامل، وفيه «اليوتوبيا» التي تصور مجتمعًا أسعد من مجتمعنا الحاضر، فلم نقلده في الأول، وإذا قلدناه في الثاني صورنا غير بيئتنا ولم نصدر عن مجتمعنا؟
وأخيرًا مشكلة ثالثة في الأدب، وهي التي أشرت إليها في مشاكلنا اللغوية وهي أن أدبنا كله أدب الخاصة، وليس فيه شيء للعامة، ومعنى ذلك أننا نغذي بالأدب عشرين في المئة من الشعب أو أقل من ذلك ونترك الثمانين في المئة من غير غذاء، وهذه حالة في منتهى الخطورة، فالغذاء الأدبي ضرورة من ضرورات الحياة لكل إنسان، لا يصح أن يستغني عنه إلا الحيوان، وضعف الغذاء الأدبي يضعف الرأي العام ويجعله ضحية للمهوشين من السياسيين والدجالين والمخرفين، ثم هو أيضًا يدعو إلى سوء تقويم الأشياء قيمة صحيحة، فالشيء التافه يقوَّم بأكثر مما يقوم الشيء الخطير، كما إذا مرض المريض فلا يعنى بعلاجه واستدعاء الطبيب له، ولكن إذا مات أقيم له المأتم وصرف عليه أضعاف أجرة الطبيب وثمن الدواء، ومثل هذا كثير، كما أنه هو السبب في عدم انضباط العواطف وتهيجها لأتفه الأسباب وسكونها عند أقوى الأسباب، فهو قد يقتل للتعدي على نوبته في الماء ثم لا يتحرك إذا أهدرت كل حريته، وهكذا. جمهور الشعب لا يصل إليه الأدب إلا أدبًا سخيفًا عن طريق الغناء السخيف أو نحو ذلك. أما أدب يثقفه ويعلي مستواه ويرقّي ذوقه ويهذّب عواطفه فلا، وليس عندنا أديب للعامة وإنما كل أدبائنا للخاصة.
والسبب في ذلك هو ما ذكرت قبل من وجود لغتين، لغة عامية ولغة فصحى، وأننا إلى الآن لم ننجح في التوفيق بينهما، ولم ننجح في محو الأمية ولا قربنا من محوها، والبرامج البراقة توضع على الورق ثم تنام نومًا عميقًا عند التنفيذ.
ثم نحن لا نعترف بالواقع فنقرر أن السواد الأعظم أمي، ويجب أن يتغذى بالأدب، فنعمم الراديو مثلًا في القرى ونحدثه بلغته العامية ونثقفه بها ونقصّ عليه قصصًا أدبيًّا بها، فنحن نترفع عن ذلك حرصًا على اللغة الفصحى من الفساد واستمساكًا بالأرستقراطية الفكرية واللغوية، وفي الوقت عينه لا نغزو الجهل والعامية فنعمم التعليم باللغة الفصحة.
لا هذا ولا ذاك وتركنا الأمور تجري مجراها وقنعنا بالأدب يُقدم للعدد القليل المحدود وتركنا السواد الأعظم من غير غذاء.
ولا أمل في إصلاح هذا إلا بحل مشكلة البرزخ بين اللغتين أولًا، ومواجهة الواقع ثانيًا.
وقد حلت الأمم هذا المشكل من ناحيتين: من ناحية توحيد لغة الكلام ولغة الكتابة تقريبًا. ومن ناحية محو الأمية، فكان لكل إنسان أدبه بمقدار ثقافته وعقليته، وكلاهما أمر لا بد لنا منه.

الذوق الأدبي


لكل عصر ذوقه، وهذا الذوق يتحكم في أدب الأدباء، من شعراء وكتّاب إلى حد بعيد، فذوق العرب في الجاهلية غير ذوقهم في العصر الأموي والعباسي، وغير ذوقهم اليوم، ولذلك كان أدبهم مختلفًا. جاء عصر كان الذوق العام لا يستنكر التعبير عن العلاقات الجنسية بأصرح لفظ حتى في مجالس الخاصة والخلفاء. وذوقنا اليوم يستهجن هذا كل الاستهجان ويتطلب في التعبير عن هذا الإشارة البعيدة والإيماء الخفية. وكان الذوق في العصر الأموي يستنكر من العربي أن يكون صانعًا أو يتصل بالصناع، ولذلك كان ركن كبير من أركان هجاء جرير للفرزدق أنه قين (حداد) وابن قين ولم يكن آباء الفرزدق حدادين، ولكن كان لآبائه أرقّاء يعملون في الحدادة. ونرى اليوم بأذواقنا أن هذا الضرب لا يصح أن يكون أساسًا للهجاء، بل نرى الوزراء من العمال يفخرون بصناعتهم في نشأتهم وشبابهم لأن الذوق اختلف.
ونحن في قراءتنا للآداب المختلفة لا نقدرها كما يقدرها أهلها، فنحن لا نقدر روايات شكسبير كما يقدرها الإنجليز ولو فهمناها، ولا نقدر روايات جوتة كما يقدرها الألمان ولو فهمناها، لأن التقدير يعتمد على الذوق، والكاتب يراعي هذا الذوق فيما ينتج، والذوق يختلف، فالتقدير يختلف.
إن ما نقرأ من الآثار الأدبية لكل عصر هو ظل لذوق هذا العصر وأثر من آثاره، ونتيجة لتقدير ذوقه للأشياء. حتى مظاهر الأسلوب من ميل إلى السجع أو الترسل والإفراط في أنواع البديع أو التخفف منها والاستطراد وعدمه، كل هذا متأثر إلى حد كبير بذوق العصر.
ويأتي عصر يُغمر فيه الناس بموجة دينية فيكون الذوق متأثرًا بذلك فيتأثر به الفن والأدب، ويتلوه عصر يميل فيه الذوق إلى التحرر من الدين والاستمتاع بمباهج الحياة إلى أقصى حد فيتأثر بذلك الأدب؛ وعلى هذا يمكننا أن نفهم الأدب من روح العصر الذي نشأ فيه ونفهم روح العصر من أدبه، وعلى هذا أيضًا يكون تاريخ أدب كل أمة تاريخ ذوقها، أو بعبارة أخرى تاريخ روح عصورها. انظر إلى أدب أي عصر وتعمق في النظر إليه تعرف قيم الأشياء في نظر أهله، وإذا عرفت القيم عرفت الذوق وكذلك العكس.
وكان الذوق الذي يقوّم الأدب ويغذق على أهله هو ذوق القصور، فانطبع الأدب بهذا الطابع وغلب عليه المديح وما إليه، ثم قويت الشعوب وحلت المطابع والناشرون محل القصور، فهي التي تعطي وتكافئ الأديب، فتحول الأدب إلى ما يوافق ذوق الجمهور؛ ولهذا لما كان الأدب العربي أدب «قصور» كان مُحلى بكل أنواع الزينة من جناس وبديع كالطرف تُهدى إلى الملوك، فلما أصبح أدب شعب تحرر من الزينة لأن الشعب يقوم الحاجيات أكثر مما يقوم الكماليات.
إنا لنستطيع أن نحكم على ذوق الأمة بنظرنا في مجموعة من صحافتها وكتبها الأدبية الرائجة، لأن جمهرة الأدباء يتبعون ذوق جمهورهم أكثر مما يرقى القراء إلى ذوق أدبائهم لو ارتفعوا عنهم.
إذا رأيت المهاترات الصحفية تنزل إلى الحضيض في السباب والشتائم والفضائح ورأيت إقبال الجمهور عليها كثيرًا وأنها تُقابَل بالترحيب فاحكم على ذوق الأمة الأدبي بالضعف، كما تحكم على الأسرة التي يتسابّ أطفالها بكل الفاظ الهجر على مسمع من آبائهم بالانحطاط، لأن الذوق الراقي لا يحب الهجاء الصريح ولا الهجاء العنيف، إنما أقصى ما يُسمح باللمحة الدالة والإشارة المفهمة. ولا أدل على ذلك من النظر إلى حالتنا من ثلاثين سنة أو نحو ذلك، فكانت جريدة «كالصاعقة» أو «المسامير» أو «حمارة منيتي» تلقى رواجًا كبيرًا بين عامة الشعب، وكلما كانت الجريدة ممعنة في السباب المقذع كانت أكثر رواجًا. وهي لو بُعثت اليوم من قبورها أو قُلدت في منحاها لم تجد رواجًا لأن ذوق الجمهور ارتقى.
وكذلك لو قارنت الآن بين مجموع الصحف الشرقية والصحف الغربية لم تجد في هذه من المهاترات الشخصية والسباب المقذع ما تجده في بعض الصحف الشرقية، لأن ذوق الجمهور أرقى، والصحيفة التي تقع في مثل هذا تجد من اشمئزاز الذوق ما يميتها. كما تجد أن ظروف الأمم الحاضرة يجب أن تشغلها مصلحتها العامة ومستقبلها الخطير أكثر مما يشغلها أمور شخصية؛ فإن كانت هذه الأمور الشخصية تمس صالح الجمهور عولجت أمام القضاء في حزم وسرعة، لا أن تكون شغل الأمة الشاغل أزمانًا طويلة.
كذلك إن رأيت مجلات الجمهور إنما تعنى بالمسائل الجنسية أكثر مما تعنى بالناحية الثقافية، وبالصور الخليعة أكثر مما تعنى بالصور الرفيعة، دلّ هذا على انحطاط الذوق الأدبي للجمهور، لأن في الحياة أمورًا أكثر من نظرة الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل. قد يصح أن يكون هذا شيئًا من الأشياء، أما أن يكون كل شيء أو أهم شيء فدليل على فساد الذوق الأدبي.
تسألني: وما يرقّي الذوق الأدبي في الأمة؟
أما في الخاصة فعماد ترقية الذوق الأدبي هما «الجامعة» و«البرلمان» فهما المثل الذي يُحتذى، فإن رقي ذوقهما بحسن تقويمهما للأشياء. وما يقال وما لا يقال وكيف يقال، وما يفعل وما لا يفعل وكيف يفعل، قُلدت سيرتهما في الجماهير، فالجامعة نموذج الناشئين، والبرلمان نموذج الصحفيين والسياسيين …
إن هؤلاء الجامعيين والبرلمانيين مظنة الثقافة الواسعة والقراءة العميقة والاطلاع الواسع، والاتصال بذوي الثقافة الراقية والذوق المهذب في العالم المتمدن، فأحرى بهم أن يقودوا الذوق الأدبي في الأمة.
وأما في الجماهير فويل لنا من الفقر والأمية، فهما الحجران اللذان يصطدم بهما كل إصلاح. وإن فساد الذوق أكثر ما ينشأ من الفقر والجهل. إن الطفل الذي رُبي في بيت قذر ووسط قذر لا يأنف من قذارة الشوارع، ولا من قذارة ملابسه، ولا من قذارة وسطه. فكيف إذا كبر نتطلب منه أن يأنف من النكتة القبيحة، والحكاية القذرة، والسباب القذر؟ وإن الأمي الذي لم يقرأ كتابًا، وكل غذائه الأدبي أغان وضيعة وحكايات ونوادر وضيعة لا يمكن أن يرقى ذوقه فيأنف من الهجر.
عماد الذوق الفني إدارك الجمال في كل صوره، من جمال منظر، وجمال أزهار وجمال طبيعة، وجمال نظافة، وجمال نظام، فإذا شاع هذا الإدراك وربى في البيت والمدرسة والمجتمعات، أمكننا بخطوة يسيرة أن ندرك بذوقنا جمال المعاني، فلا نضحك إلا من النادرة المؤدبة، وننفر من السياسي المهرج، ومن الصحف السبابة، ومن كل شيء قَبُح مادة أو معنى. وإذا رقي ذوق الجمهور رقيت السياسة ورقي الفن والأدب.

الزعامة والزعماء


عوّدتنا الطبيعة أن ترينا في كل مجموعة من المجموعات من يحتل مكان الصدارة منها، ويتميز بصفات خاصة عن سائر أفرادها.
حتى في النبات، نجد في كل مجموعة نبتة رائعة تلفت الأنظار إليها بسمو في نموها، أو بإزهارها زهرة تميزت بالجمال، وفي البستان سرعان ما نرى شجرة فاقت أقرانها بجمال استوائها، أو علوها وتفوقها، أو بكثرة أثمارها، أو حلاوة ثمرتها، والكل يزرع في أرض واحدة ويسقى بماء واحد.
وهذا في عالم الحيوان أظهر، فكل خلية نحل لها ملكة تأمر فتطاع، وتدعو فتجاب:
مملكة مدبرةبامرأة مؤمرةتحمل في العمال والــصناع عبء السيطرةفاعجب لعمال يولــون عليهم قيصرة وفي كل قطيع شاة متميزة، وفي كل عش دجاج ديك متفوق.
فإذا أتيت إلى الإنسان فالأمر فيه أبْين. في كل مجتمع رئيس، بدوًا كانوا أو حضرًا، أطفالًا أو كبارًا، رجالًا أو نساء، تجمع الطلبة في الفصل فيكون لهم في الذكاء أول، وتجمعهم في الألعاب الرياضية فيكون بينهم في ألعابهم ماهر، وتجري بينهم سباقًا في أي ضرب فيكون منهم الفائز، وفي البدو شيخ القبيلة، وفي الحضر الأمير، وفي الديانة الشيخ والقسيس، وفي الحكم المدير والوزير، وفي شئون الاجتماع المصلح، وفي السياسة رئيس الحزب.
•••

وإذا كان هناك تفوق ورياسة فذلك يستلزم سلطة وسيطرة من جانب، وخضوعًا وطاعة من جانب.
قف وقفة في خظيرة الدجاج تر السيادة والخضوع بين الديكة بعضها وبعض والدجاج بعضه وبعض، والديكة والدجاج معًا، عند التقاط الحب، وحسو الماء واختيار المكان الصالح للنوم، وهكذا.
وانظر إلى الأسرة يسودها الرجل، واستعرض ضروب السيطرة وضروب الخضوع، وانظرها تسودها المرأة، واسمع للأمر والنهي والذلة والاستسلام، وهكذا. فمتى كانت سيطرة هنا كان خضوع هناك وقد تتعاور السلطة والذلة على الشخص الواحد، فقد يكون الرجل مسيطرًا بماله وشبابه، ثم ينقلب خاضعًا لفقره وشيخوخته، وقد تتسيطر المرأة لجمالها، ثم تزول السيطرة بزواله.
•••

ومخايل السيطرة والسيادة كثيرًا ما تظهر في الأطفال منذ نشأتهم، كالذي روى أن رجلًا نظر إلى معاوية وهو غلام صغير فقال: إني أرى هذا الغلام سيسود قومه. فقالت أمه هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه.
وقد تكون هذه عن وراثة يرثها، كالبذرة الطيبة تختار لتثمر ثمرًا طيبًا، وتأتي البيئة فتنمي هذه الوراثة وتغذيها، وقد تسوء فتضعفها أو تفنيها؛ فمنزلة الطفل في الأسرة لها أثر كبير في تقوية خلق السيادة أو إضعافه، فقد يكون الطفل أول ولد لأبويه ثم يرزقان بطفل آخر فيحولان عطفهما وتدليلهما إليه، فيثور الأول ويجتهد أن يلفت النظر إليه بعنفه وقوته وسطوته، فينشأ عنده حب السيطرة، ثم تساعده الظروف الأخرى خارج البيت كمهارته في اللعب أو أوليّته في فصله، أو نحو ذلك، فيعده كل ذلك إلى السيطرة في الحياة، وقد يقسو الأب أو المعلم على الناشئ، فيدفعه ذلك إلى مقابلة القسوة بالقسوة، فيتولد عنده حب السيطرة، وقد تزيد قسوة الأب أو المعلم فتميت نفس الناشئ وتذله، وهكذا. مئات ومئات مما يجري في الحياة من كتاب يقرؤه، ودين يتدين به، وأصدقاء يعاشرهم، وعمل يتولاه، وروايات يقرؤها، وشعر يحفظه … إلخ، كلها تؤثر في مصيره من السيطرة أو الخضوع.
والزعيم يتفاعل مع بيئته فتكونه ويكونها، وتغذيه ويغذيها، وبعض الناس قد مُنح من القوة ما يمكنه من الزعامة حيثما حل وأين رميت به، كالذي يصفه المتنبي:
إن حل في فرس ففيها ربها?كسرى تذل له الرقاب وتخضعأو حل في روم ففيها قيصرأو حل في عرب ففيها تبع •••

وليست كل سيطرة زعامة، فهناك سيطرة بحكم المنصب كالمأمور في مركزه أو المدير في مديريته أو الوزير في وزارته أو القائد في جيشه، فهذه كلها لا تخوّل لصاحبها أن يُسمى زعيمًا.
وهناك سيطرة بسبب الملكية، كسيطرة مالك الأرض على فلاحيه، أو صاحب المصنع على عماله.
وهناك سيطرة بسبب نظام الطبقات كسيطرة ذوي البيوتات الكبيرة على ذوي البيوت الصغيرة، وسيطرة الباشا على من هم أقل منه مرتبة، أو الموظف في الدرجة الأولى على من في الدرجة الثامنة، أو نحو ذلك؛ فهذه كلها ليست زعامة، إنما ركن الزعامة هو خضوع الجم الغفير من الناس بإرداتهم واختيارهم لمزايا خاصة يرونها في الزعيم.
•••

والصفات التي تستوجب الزعامة تختلف باختلاف نوع الزعامة؛ فهناك زعامة سياسية وزعامة علمية وزعامة دينية وزعامة حربية إلخ، كما أنها تختلف باختلاف الجماعات وتصورهم للمثل الأعلى للحياة. فلما كان عند العرب مثلًا المثل الأعلى عماده الشجاعة والكرم كانت الزعامة عمادها هاتان الخصلتان. وقد قال عمر: «السيد هو الجواد حين يُسأل، الحليم حين يُستجهل، البار بمن يعاشر» فجعل السيادة في الكرم والحلم والعطف، وعدّوا سلم بن قتيبة سيدًا «لأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين» فجعلوا السيادة في الشجاعة، كما جعلوا من شروط السيادة صفات سلبية كالترفع عن الصغائر فقالوا: «لا سودد مع انتقام» إلخ. واليوم يُعدّ من أهم صفات الزعيم الذكاء وسعة العقل والثقة بالنفس والرحمة بالناس والعطف عليهم والقدرة على ابتكار الخطط وحب العدل والفصاحة في القول مع القدرة على الدعاية، هذا إلى الصبر على الشدائد واحتمال المكروه، فلا زعامة من غير عناء كما يقول الشاعر:
أترجو أن تسود ولا تعنىوكيف يسود ذو دعة بخيل؟ ويختلف الزعماء في تفوقهم في هذه الصفات أو بعضها ونسبة تفوقهم فيها، وقد يفقدون بعضها ويعتاضون عنها بتميزهم في بعضها الآخر.
ثم إن هذه الصفات قد يتصف بها الزعيم حقًا ويتخلق بها صدقًا، وقد يتصنعها رياء، فلا تنطلي إلا على رأي عام لم ينضج، وشعب لم يكتمل.
•••

كذلك الزعماء أشكال وألوان: فهناك الزعيم الضاغظ المتحكم الذي يضطر الجمهور أن يؤمن به وأن يتوجه كما يوجهه، ويسد عليه منافذ تفكيره ومنافس مشاعره، ثم يدفعه دفعًا إلى ما يريد هو، مثل هتلر وموسوليني وبعض مؤسسي المذاهب الدينية، وهناك الزعيم الذي يمثل عواطف الجماعة ومشاعرها، فيكون للجماعة آمال ومشاعر فيها شيء من الغموض وشيء من الميوعة، فيأتي هو ويوضحها ويمثلها ويبلورها، ويكون لسانها القوي في التعبير عنها وقلبها الحار الذي ينبض بأمانيها، ويكون هذا سر زعامته، يستطيع أن ينطق بما يشعرون ولا ينطقون، ويحدد الأغراض التي لا يحددون، ويقودهم إلى تحقيق ما يؤمل ويؤملون.
ومن ناحية أخرى هناك الزعيم الثائر والزعيم المعتدل؛ فالزعيم الثائر لا يرعى التقاليد والأوضاع ويدعو إلى الوصول لهدفه بعنف وقوة، لا ينظر إلى الماضي ولا إلى الحاضر، ولكن يُسحَر بالصورة التي يرسمها للمستقبل والزعيم المعتدل يرعى الأوضاع والتقاليد ويدعو إلى التقدم البطئ، ويربط الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل، ويرى أن الطفرة محال، وخير الإصلاح ما استطاعه الشعب،، وخير السير ما كان إلى الأمام في أناة، ولذلك يرمي الثاني الأول بالتهور، ويرمي الأول الثاني بضعف العزيمة والجمود.
ومن ناحية الموضوع نرى أن هناك زعيمًا دينيًّا زعيمًا سياسيًّا وزعيمًا اقتصاديًّا وزعيمًا علميًّا، وهكذا.
وهم على اختلاف أنواعهم وألوانهم تحتاج إليهم الأمة حاجة الجيوش إلى قوادها، والسفينة إلى ربانها، والزعامة من كل نوع ليست لعب أطفال ولا اعتماد على ثرثرة كلام، ولا على ضخامة مال إنها قيادة أمة، تعتمد على فلسفة وعلم وفن واستعداد خاص ومران طويل.
تتطلب الزعامة قيادة الجماهير، وهو عمل من أشق الأمور وأصعبها؛ لأن الجماهير عادة تخضع للعواطف والإنفعالات الوقتية أكثر من خضوعها للعقل والتفكير الهادئ المتزن، ولذلك قد تتحول من عاطفة الرحمة إلى القسوة العنيفة في لحظة، وهذا هو السر في أن الزعيم الثائر الهائج المشبوب العاطفة أنجح في قيادتهم من الزعيم الهادئ المفكر.
ومن ثم كانت العلاقة بين الزعيم وأتباعه من أدق العلاقات وأكثرها تعرضًا للخطر. فالزعيم دائمًا في الميزان، كل كلمة منه وكل فعل يصدر عنه وكل كلمة أو فعل من مؤيديه أو معارضيه تؤثر في ميزانه بالرجحان أو عدمه.
ولشخصية الزعيم أثر كبير في هذه العلاقة؛ فلكل زعيم صورة تنعكس في خيال أتباعه وتؤثر فيهم، وكثيرًا ما يضيف الأتباع إلى هذه الصورة خيالات وأوهامًا من عندهم يخلعونها على الزعيم وقد يعتقدها هو أيضًا في نفسه، ومن ثم كان التفاعل بين الزعيم وأتباعه تفاعلًا قويًّا.
والنظر إلى الزعيم يختلف باختلاف حالة الأتباع العقلية والخلقية والاجتماعية، والجماعة الضعيفة العقلية قد تُزعِّم المهرج الثرثار، وقد تُزعِّم الهائج الشديد الإنفعال أو كثير الملق لهم من غير اعتبار جدي آخر. وقد تخطئ الجماعات حتى الراقية منها فتمنح من نال ثقتها في ناحية من النواحي ثقتها في النواحي الأخرى، فقد ينبغ الزعيم في السياسة فيُمنح الثقة في الاقتصاد أو العكس وقد ينبغ في الإصلاح الديني فيمنح الثقة في السياسة وهكذا. وقد تكون الأمة في حالة ثوران واضطراب فتكون العلاقة بين الزعيم والأتباع علاقة مضطربة كذلك، كما في زعماء الثورة الفرنسية، كانوا يرفعونهم فوق الأعناق ثم ينفضون أيديهم منهم فيسقطون ثم يدوسونهم بالأقدام.
•••

والمثل الأعلى للزعيم السياسي يختلف باختلاف العصور والبيئات، وهو في هذا العصر في الأمم الديمقراطية يتكون من عناصر أربعة لا بد من توافرها جميعًا ليكون الزعيم زعيمًا حقًا. وهي: الأمانة والشجاعة والذكاء والتعاطف مع الناس.
فأما الأمانة فلسنا نعني بها ألا يسرق ولا يخون ولا يرتشي، فهذه أمور تُطلب من كل فرد في الأمة مهما حقر شأنه، تطلب من الموظف الصغير والتاجر الصغير وكناس الشارع والفلاح الفقير. وإنما تُطلب من الزعيم الأمانة بمعنى أدق وأرقى، وهو أن يكون جادًا صادقًا مخلصًا في فكره وقوله وعمله، فهو ليس أمينًا إذا أخفى الحقائق عن أمته أو راءى وتظاهر بما ليس فيه، كما أنه ليس أمينًا إذا أغمض عينه عن خيانة يرتكبها المقربون إليه أو راعى أسرته أ وحزبه على حساب أمته، الأمانة في الزعيم السياسي ألا يسمح لعقله أن تسكن فيه فكرة إلا إذا اعتقد أنها حق، ولا يجري على لسانه قول إلا الحق، ولا يصدر منه عمل إلا إذا آمن بنفعه، فإن لم يتوافر فيه هذا العنصر فهو زعيم مزيف غير أمين.
أما الشجاعة فلا بد له منها في كثير من الواقف، فقد يُضلَّل الشعب بشتى الأضاليل، فيحتاج الزعيم أن يجاهر بما يعتقد ولو أغضب أتباعه، ولو أغضب الرأي العام، لأنه ليس تابعًا للرأي العام، بل هو قائده ومرشده، يخاصمه أحيانًا إذا رأى الخطأ في اتجاهه، وقد يخاصم الحكومة في تشريعها الضار أو في تصرفها السيء، فيحتاج إلى الشجاعة ليهاجمها ويثور عليها. ليس الزعيم الحق هو الذي يعيش على التملق للجماهير وكسب إعجابهم بالحق أو الباطل، والكلام بما يسرهم ويرضيهم. إنما الزعيم الحق من له من الشجاعة الأدبية ما يمكنه من أن يسمعهم الكلام المر إذا اقتضى الحال، ويخالفهم إن رآهم على ضلال، ويقومهم إن اعوجوا، ويدعوهم إلى الصراط المستقيم إن انحرفوا، ولو عرّضه ذلك لفقد زعامته وتشويه سمعته.
ثم لا بد للزعيم من ذكاء ممتاز يدرك به الحقائق ولو بعد إدراكها، وهو في عصرنا هذا عنصر أساسي أكثر مما كان قبل، لأن الحياة الاجتماعية تعقدت وظروف الأمة تعمل فيها عوامل مختلفة خفية وظاهرة، والمنافع والمضار على أشد ما يكون من الاشتباك، وليست أية أمة بمعزل عن العالم، فهي نقطة من محيطه تتأثر بما يجري فيه، وليست العوامل الداخلية بأقل تعقدًا من العوامل الخارجية كل هذا يتطلب ممن تصدر للزعامة أن يكون له من الذكاء ما يدرك به هذه الشئون المعقدة إدراكًا صحيحًا ليبني عليه حسن تصرفه.
ثم إن علماء النفس اليوم يقسمون الذكاء أقسامًا وينوعونه أنواعًا. فهناك الذكاء في فهم النظريات والمسائل المجردة كذكاء الفلاسفة والجامعيين. وهناك الذكاء العملي، والزعيم السياسي أحوج إلى هذا النوع الأخير، وهو إدراك العلاقات الواقعية للمسائل والأشخاص، وهو ذكاء مكتسب من التجارب أكثر مما يُستفاد من دراسة النظريات وعمق التفكير، هو ذكاء كالذي يكسبه المهندس من كثرة ممارسته، والطبيب بعد دراسته من طول مزاولته. فالزعيم السياسي في حاجة قصوى إلى ذكاء عملي يفهم به عقلية الناس الذين يعاملهم ويتزعمهم ويعمل لهم وكيف يُساسون ووسائل إقناعهم وتوجيههم ومواطن القوة والضعف فيهم، فإن لم يدرك ذلك واكتفى بالنظريات وفهمها فشل فشل المحامي الذي يقتصر على دروس المدرسة، أو الاقتصادي الذي فهم النظريات ولم ينزل السوق.
وأخيرًا لا بد من عنصر «العطف» أو بعبارة أخرى شعور الزعيم بأواصر الأخوة بينه وبين من يتزعمهم، ولا يكون ذلك مجرد قول يقوله أو يتملق الجمهور به. إنما هو شعور صادق يتغلغل في نفسه ويفيض على أقواله وأعماله، يشعر بعذاب الناس وآلامهم وآمالهم كما يشعرون بل أكثر مما يشعرون، ثم يحمله صدق هذا الشعور على أن يسير بهم إلى الغرض الذي ينشد وينشدون، لا أن يستخدمهم في تحقيق مصالحه الشخصية، وأغراضه الذاتية بهذا العطف يستحلي العذاب في خدمة الأمة، ويهزأ بالمتاعب في سبيل تحقيق الغرض، وبدونه يكون أنانيًّا جافًا إن خدع الناس حينًا فلا بد أن ينكشف عاجلًا أو آجلًا إذا ملأ الزعيم هذا الشعور استساغ التضحية واستعذبها، وإلا كان شرهًا في كسب الخير لنفسه من وجوهه المختلفة.
•••

وما أحوجنا في الشرق اليوم إلى زعماء من هذا القبيل تجمعت فيهم هذه العناصر، فيأخذون بيده في نهضته وينيرون السبيل أمامه، ويهدونه إلى الحق وإلى صراط مستقيم.
? أي فهو فيها ربها، وكسرى بدل من ربها، وكذلك قوله ففيها قيصر وفيها تبع أي فهو فيها قيصر وتبع.
أحاديث رمضان: في الحياة الروحية?


?


في بعض كتب الهند حكاية لطيفة وهي:
أن رجلًا سَريًّا له ابن عزيز عليه، فلما بلغ الثانية عشرة أرسله ليتلقى العلم على خير الأساتذة، وما زال يجد حتى استنفد جميع علمهم وقد بلغ الرابعة والعشرين، فعاد إلى أبيه مزهوًا بعلمه، فخورًا بمعارفه، عائبًا على من حوله جهلهم وقلة علمهم.
قال له أبوه يومًا: يا بني، أراك مغرورًا بنفسك معجبًا بعلمك، هلا طلبت من العلم ما يجعلك تسمع ما لا تدركه الأسماع، وتبصر ما لا تدركه الأبصار، وتعلم ما لا يعلم؟
الابن: أي علم هذا يا أبي؟ فإني لم أسمع به.الأب: إنه يا بني علم أشبه بالعلم بالطينة التي تُصنع منا أشياء كثيرة مختلفة الأشكال، فإنك متى عرفت الطينة وتكوينها عرفت كل ما يصنع منها، ولم يكن الاختلاف إلا اختلافًا في الأسماء، أما الحقيقة فواحدة، كذلك هذا العلم لو علمته لعلمت كل شيء.الابن: لا شك أن هذا علم لم يعرفه أساتذتي الكبار الذين أخذت عنهم، إذ لو علموه لعلمونيه، فهل لك يا أبي أن تشرحه لي؟الأب: وهو كذلك، ائتني بثمرة من شجرة النيجرودا (شجرة هندية).الابن: ها هي.الأب: اكسرها.الابن: ها قد فعلت.الأب: ماذا ترى في داخلها؟الابن: بذورًا صغيرة.الأب: اكسر بذرة منها.الابن: ها قد فعلت.الأب: ماذا ترى؟الابن: لا شيء مطلقًا.الأب: يا بني إن هذا الجوهر الذي لم تره هو الروح الذي لم تدركه، وهو الذي كوّن الشجرة الكبيرة. إن هذا الجوهر وهذا الروح هو الذي يقوم به كل موجود إنه الحق. إنه النفس. إنه أنا وأنت.الابن: زدني يا أبي علمًا.الأب: خذ هذا الملح وضعه في قدح ماء وائتني به في الصباح. فعل الابن ما أمر وحضر في الصباح.
الأب: ائتني بالملح الذي وضعت في القدح.الابن: لا أستطيع؛ إذ كان قد ذاب في الماء.الأب: ذق الماء من السطح وأخبرني.الابن: إنه ملح.الأب: ذقه من الوسط.الابن: إنه ملح.الأب: ذقه من القاع.الابن: إنه ملح.الأب: اطرح الماء على الأرض وائتني صباحًا. عاد الابن في الصباح فوجد الأرض تشربت الماء، وبقي الملح.
الأب: هكذا بدنك أيها الابن، إنك لا تدرك الحق فيه، ولكنه موجود. إنه الروح. إنه النفس. إنه أنا وأنت. •••

ترمي هذه القصة إلى أن هناك جوهرًا وروحًا منبثًّا في هذا العالم كله على اختلاف أنواعه وأشكاله، هو سر وجوده، ولا فرق بينها إلا في الأسماء، كالفرق بين خشب يصنع شباكًا أو بابًا أو دولابًا، فجوهر الخشب واحد، وإنما تتعدد الأسماء.
إن العلم الذي حصّله «الابن» على العلماء قد كشف النقاب عن كثير من الألغاز، ولكنه لم يكشف شيئًا من سر الحياة، وهذا هو الذي أراد الأب أن يكشفه.
كم تقدم الطب والجراحة فعالج أمراضًا كانت مستعصية، ووقى من أمراض كانت فاشية، ومد من أعمار كانت قصيرة.
وكم تقدمت علوم الآلات، فاخترعت المخترعات العجيبة، والآلات الدقيقة الغريبة، ولكن إذا وُضع لكل هؤلاء العلماء هذا السؤال: ما الحياة وكيف أتت وكيف تنتهي؟ عجزوا جميعًا عجز «الابن» ومعلميه. لقد قالوا إن جميع النبات والحيوان مركب من خلايا، وكل خلية مركبة كيمياوية من «كربون» و«هيدروجين» و«أكسجين» و«نتروجين»، فإذا تكونت هذه العناصر بنسب معينة كانت الخلية؛ ولكن كوّن هذه الخلية بهذه النسب كما تشاء فلن تستطيع ولن يستطيع العلماء مجتمعين أن يمنحوا الخلية «الحياة». «إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز».
إن الخلية من أحقر نبات إلى أعظم إنسان تتكون من هذه العناصر التي يعرفها العلماء، ولكن ينقصها عنصر يجهله العلماء هو الحياة، هذا العنصر لا يمكن العلم إيجاده، وبين العناصر المادية وعنصر الحياة برزخ لا يمكن أن يتخطاه العلم، وقد حار كل الحيرة في وسيلة الاتصال بينهما.
وهذا ما عناه بعضهم من قوله: «إن الدين يبدأ حيث ينتهي العلم». لقد انتهى العلم عند ذكر العناصر الأربعة وبدأ الدين من هذه النهاية فقال: وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ? وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى? أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ? إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ? تَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ.
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.
•••

ثم هذا التغير المستمر في هذا العالم الفسيح. فالبر والبحر في تغير دائم، حتى جبال الهملايا لم تكن ثم كانت، وهي في كل يوم غيرها بالأمس، وفي علم الجيولوجيا البرهان الكافي على هذا التغير. فكم مر على الأرض من أطوار حتى أصبحت صالحة لسكنانا، وهذه الظواهر التي يلعبها الماء بالأمطار والأنهار والبحار، وهذه الحركات العنيفة المدمرة التي تقوم بها الزلازل والبراكين، وهذه القوى التي تسمى الجاذبية والكهرباء، كل أولئك يقف عندها العلماء في التفسير، فكل علة تفسر بعلة، وكل ظاهرة تفسر بظاهرة، ولكن سِرْ في البحث وراء كل علة وكل ظاهرة فستقف آخرًا عند سؤال لا جواب له:
– لم يلعب هذا البحر الذي أمامي الآن؟ للهواء. ولم يلعب الهواء؟ للحرارة. ومن أين أتت الحرارة؟ من الشمس. ومن الذي أودع الحرارة الشمس؟
هنا نقف ويقف العلم، وكذلك في كل ظاهرة: ما حقيقة الجاذبية؟ وما حقيقة الكهرباء؟ ومن الذي وضع هذه القوانين الكثيرة التي يسير عليها العالم ويكتشفها العلم؟ كل هذا أيضًا لا مجال للعلم فيه، وهنا أيضًا يبدأ الدين حيث ينتهي العلم.
إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ? وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ? إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا.
اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ? وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا ? إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.
•••

وسلك الناس في معرفة الله طريقين: طريقًا داخليًّا وطريقًا خارجيًّا، فالداخلي أن يستغرق الإنسان في نفسه بتصفيتها وتنقيتها وتهذيبها بالرياضة حتى تنكشف له نفسه فتنكشف الحقيقة فينكشف الله.
وأساس هذه الطريقة أن النفس الإنسانية قبسة من الله أودع فيها العلم بالحقائق، وإنما يحجبها العكوف على الشهوات والاقتصار على الاشتغال بالمادة.
وكان يرى هذا الرأي سقراط وبعض أتباعه وأفلوطين وابن سينا في قصيدته المشهورة (هبطت إليك من المحل الأرفع).
والطريق الخارجي يعتمد على النظر في العالم وتتبع مظاهره وقوانينه كما يفعل العلم، ويبحث في أصلها ووحدة قوانينها ونظمها حتى يدرك الله من ورائها.
وكثيرًا ما يشبه المتصوفة الطريقين بحفرة، قد تمتلئ بالماء من جدول يصب فيها، وقد تمتلئ بالماء من نبع نبع منها.
والطريقة الأولى طريقة المتصوفة، يتلقون المعارف بالتأمل في نفوسهم ورياضتها، والطريقة الثانية طريقة المؤمنين من العلماء والفلاسفة، وقلّ من يجمع بينهما. الطريقة الأولى: تعتمد على العاطفة ونوع خاص من المزاج، ولذلك لا تنجح في يد كل أحد، ولا تحتاج إلى ثقافة، ومن أجل هذا قد ينجح في التصوف الأمي ومن لم يقرأ علمًا. ويأتي بالعجائب في دقة الذوق والوقوع على معان في غاية السمو.
وأما الطريقة الثانية: فتعتمد على العقل، ولذلك كان لا بد لها من ثقافة علمية منظمة، ولا ينجح فيها إلا قوي العقل دقيق الفهم واسع النظر.
أسلوب الطريقة الأولى رياضة النفس واستحضار الله في كل خاطرة وكل تصرف وفي كل ما يسمع ويرى. وأسلوب الثانية المنطق ودراسة المقدمات وفحصها وامتحان النتائج وصدقها.
ومن لم يذق إلا طريقة واحدة عاب الأخرى، فالصوفي لا يعبأ بطريقة العقل في الوصول إلى الله، والعالم يرى طريقة التصوف إمعانًا في الخيال.
ومن ذاق الطريقتين كالغزالي فضّل الطريقة الأولى في مجال الدين واحترم الثانية في مجال العلم.
وكل ميسر لما خلق له.
?


إن كنت ذا مزاج علمي فانظر الله في هذا النظام العجيب الدقيق في العالم، من أصغر ذرة إلى أرقى جسم، من الحصاة إلى الجبل، من البذرة إلى الشجرة، من الحشرة إلى الإنسان، من السديم إلى الشمس، من الأرض إلى السماء، تجدها كلها مكونة تكوينًا واحدًا في ذراتها، خاضعة لقوانين واحدة في سيرها، فلم يخبط منها شيء خبط عشواء، ولم يسر منها شيء حيثما اتفق. إنما هو النظام الدقيق والقانون المحكم والعقل الكلي المسيطر على الجميع، ولو كان العالم وليد الاتفاق البحت والمصادفات المفاجئة لاختل نظامه وما بقي لحظة.
وكلما تقدمنا في العلم تقدمنا في اكتشاف القوانين، وما لم ندرك قوانينه فجهل بها لا خلو منها، ولولا هذه القوانين المنظمة الشاملة المبثوثة في العالم والتي يخضع لها خضوعًا دقيقًا لم يكن شيء اسمه العالم، ولكان العلم مستحيلًا، فليس العلم إلا طائفة من القوانين لجزء من أجزاء العالم، ولكانت الفلسفة مستحيلة، فليست الفلسفة إلا اكتشاف القوانين الكلية للعالم: ولا شك أن العالم محكوم بقوانين معقولة يتجاوب معها عقلنا، وإلا كان الفهم أيضًا مستحيلًا.
وأعجب ما في هذا النظام قوة ارتباط أجزاء العالم ارتباطًا يجعله وحدة؛ فإن رأيت طفلًا بلا أسنان فثم لبن، وإن نبتت أسنانه فثم ما يمضغ، وإن رأيت معدة فثم أسنان، وكل مجموعة من خلايا الإنسان تقوم بوظيفة لا يقوم بها غيرها، ولا بد منها لنفسها ولغيرها، وإن صاحت أَلِفٌ صيحة فلا بد أن يكون لها تجاوب في ياء.
فأنت إن قلت نظام شامل وقوانين شاملة ووحدة كاملة وعقل مبثوث في جميع الأجزاء فقد قلت «الله»، وإذا قلت «الله» فقد قلت كل شيء.
قال أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي: «أخذني شيخي من يدي وأجلسني في إيوان ومد يده فأخرج كتابًا وأخذ يقرأ، فتطلعت إلى معرفة هذا الكتاب فلمح الشيخ هذه الحركة فقال لي: يا أبا سعيد «إن مئة وأربعة وعشرين ألف نبي بُعثوا ليعلموا الناس كلمة واحدة وهي «الله» فمن سمعها بأذنه فقط لم تلبث أن تخرج من الأذن الأخرى، أما من سمعها بروحه وطبعها في نفسه وتذوقها حتى نفذت إلى أعماق قلبه وباطن نفسه وفهم معناها الروحي فقد انكشف له كل شيء.» إن الذين يكتفون بذكر اسم الله من غير عقل ولا قلب ومن غير تفكير وتذوق كمريض يعالج مرضه بترديد اسم الدواء من غير أن يشرب نفس الدواء.
•••

وإن كنت ذا مزاج فني فانظر الله في جمال العالم، وفكِّرْ في القوة التي نشرت هذا الجمال في كل شيء في اتساق وانسجام. انظره في جلال البحار وعظمة الجبال، وفي جمال الشمس تطلع وفي جمالها تغرب، وفي جمال الأشكال والألوان، في هندسة المحار، في شرشرة أوراق الأشجار، في هذه الطبيعة الفسيحة كلها التي تعمل كالآلة الضخمة وهي مع عملها العجيب تبدو نائمة كالصورة الجميلة، حالمة كالعاشق ألمّ به طيف الخيال. وكما كان العالم كله معقولًا يجاوب عقل الإنسان ففيه من الجمال الأخّاذ ما يجاوب شعور الفنان، وكما كانت قوانينه وحدة تدل على وحدة واضعها فجماله وحدة تدل على وحدة فنانها.
إذا رقّ شعورك اهتز قلبك للصباح المبكر وجماله وجوّه وأرضه وهوائه، وتشربته في لذة كما تلذ الماء البارد على ظمأ، وخفق للبحر وأمواجه وحركاته كأنه يجري في عروقك، وراعتك السماء ونجومها حتى كأنك تسكر من ترداد النظر إليها، وغمرك زهو بهذا العالم كأنك وارثه ومالكه، وطربت من نغمات العالم، فاهتز قلبك يناغمها، وأحببت العالم وما فيه لأنه مصدر هذا الجمال الذي يبهرك، وأحببت نفسك لأنك تحب الجمال. وأخيرًا انبعثت من أعماق نفسك كلمة «الله» تغذى بها هذا الشعور الفياض المتموج ناشر هذا الجمال، ولم تجد خيرًا من أن تقرأ قوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ? وَكَذَ?لِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ? ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ? وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى? فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
الحق أن العالم بستان رائع لا ينقصه إلا العين التي تبصره.
•••

هذا العالم بروحانيته العقلية وبروحانيته الفنية كتاب مفتوح للناس جميعًا، لا فرق بين متعلم وغيره، بل قد يستفيد منه الأمي حيث لا يستفيد المتعلم، والأمر يتوقف على الاستعداد وحسن التذوق وحسن التوجيه، وقد يستفيد إنسان من نظرة في حجر أو زهرة أو شجرة أو ثمرة ما لا يستفيد من معلم أو كتاب.
•••

وكثير من الناس عندنا يخشون الآن كلمة الروحية، وخاصة المتعلمين ودعاة الإصلاح، وقد يرون أنها ضرب من الرجعية ومن آثار القرون الوسطى؛ والذي دعاهم إلى هذا أنه إذا ذكرت الحياة الروحية ذهب خيالهم إلى الأديرة وسكانها، والتكايا والمنقطعين إليها، ورجال الذكر والموالد والمشعوذين من رجال التصوف، والدجالين من المنجمين وأمثالهم ممن هم عالة على الناس؛ فهذه هي الروحانية المزيفة. إنما نعني بالحياة الروحية حياة تؤمن بأن هذا العالم ليس مادة فحسب، وأن سيْره لا يمكن أن يُفسَّر بقوانين «داروين» وحدها، من الانتخاب الطبيعي، وتنازع البقاء، وبقاء الأصلح، فإن هذا إن صلح تفسيرًا للتطور فلن يصلح تفسيرًا لحياة الخلية وحياة العالم، ففينا بجانب المادة روح، وفي الأحياء روح، وفي العالم روح، والله من ورائهم محيط.
وهذا الروح الأعلى هو الذي أودع في العالم قوانينه، ونشر فيه جماله، واتصال الإنسان بهذا الروح يسمو به، ويعلي من شأنه، ويرفع من ذوقه.
وليس هذا مما يستدعي الكف عن العمل والانقطاع إلى التبتُّل، بل إنه يدعو إلى الجد في العمل والإخلاص له والصدق فيه. ولأن تكون تاجرًا أو عالمًا أو موظفًا أو زارعًا وفيك هذا الجانب الروحي خير من أن تكون متبتِّلًا، أو أن تكون ماديًّا بحتًا مظلمًا حتى من ناحية عملك وناحية إنسانيتك.
والداعي الأول إلى الإسلام ? كان يحيا الحياة الروحية على أتمها، وكان يحيي الحياة العملية على أتمها، فلم يترهب ولم يعش عالة، وجاهد في الحياة، حتى إنه أعد لخصومه ما استطاع من قوة. وقد أكسبت روحانية الإسلام أصحابه قوة في الحياة العملية لم تكن لهم من قبل، فلم يذلوا ولم يترهبوا. وأبوا إلا أن يسودوا.
?


أسمى ما قرره الإسلام ودعا إليه «الوحدانية» ولذلك كان شعاره دائمًا «لا إله إلا الله».
فالله خالق كل شيء من سماء وأرض، وجبال وبحار وأشجار، وحيوان وإنسان. هو رب العالمين لا رب غيره، وهو القادر على كل شيء، مدبر الكون وواضع قوانينه، ومؤلف نظمه، وهو العالِم بكل شيء «ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين» كل شيء في الوجود يستمد منه وجوده وحياته، لا خلق إلا خلقه، ولا قوة إلا قوته هو الحق وهو العدل، وهو المثيب على الخير والمعاقب على الشر فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
هذه العقيدة بالوحدانية تكسب معتنقها قوة وعزة، فالله وحده هو القوي وهو العزيز، ليس الناس كلهم إلا خلقه، متساوين في الخضوع لقوته، والانقياد لإرادته، وهو وحده المعبود، وهو وحده المستعان: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
معتنق الوحدانية ليس عبدًا لأحد إلا الله، فهو في العالم مستقل حر، لأن العالم ليس له إلا سيد واحد وهو الله، وأما باقي الناس فإخوة متساوون، فعقيدة الوحدانية كما تتضمن سيادة الله وحده تتضمن أيضًا أخوّة الإنسان للإنسان، فلا سيادة طبقات، ولا سيادة أجناس، ولا استعباد ملوك، ولا استبداد طغاة، ولا اعتزاز بنسب أو مال أو جاه أو قوة، ولا خضوع لمن يريد أن يتصف بصفات الله زورًا، من بسط سلطان وفرض حماية ومحاولة استعباد إن حاول أحد ذلك قال المؤمن: «لا إله إلا الله» مدركًا معناها، رافضًا ما عداها.
عقيدة الوحدانية تشعر الإنسان بالنبل والسمو، فخضوعه لله وحده يشعره بالتحرر من سيادة أحد عليه، سواء في ذلك سيادة الناس أو سيادة قوى الطبيعة، فليس النيل معبودًا تُقدَّم إليه الضحايا، ولا العواصف والنجوم والشمس والقمر مما يُخشَى بأسها، ويُتقرَّب إليها بالقرابين، لأنها مخلوقة لله مثله، بل كل قوى العالم يصح أن يستخدمها الإنسان لخيره، لأن الله منحه عقلًا يستطيع أن يفهم به قوانينها فيسخرها لمنفعته.
وكذلك لا تستعبده قوة الناس لأن الناس ليسوا إلا عبيدًا مثله لله؛ فليس لأمة مهما كانت أن تستعبده أو تستعبد أمته، وهو لا يخضع لسيادتها لأنه لا يخضع إلا لسيادة الله، ولا يستعبده حاكم ولا سلطان ولا أي مخلوق في العالم، لأنه يعتقد أن «لا إله إلا الله»، كل ما يجب عليه نحو حاكمه أو سلطانه، أن يطيع قوانين العدل، لأن الله أمر بالعدل وبإطاعة العدل، ولا يخضع للظلم لأن الله نهى عن الظلم أيًّا كان، وهو لا يخضع لجبروت من أي صنف لأنه ليس لأحد حق الجبروت، ولكن له حق الأخوّة.
إن الذي يريد أن يستعبدنا يريد أن يكون إلهًا و«لا إله إلا الله», والذي يريد أن يكون سيدًا طاغيًا يريد أن يكون إلهًا، و«لا إله إلا الله»، والحاكم الذي يريد أن يذلنا يريد أن يكون إلهًا و«لا إله إلا الله» إنا لا نقبل من إنسان أيًّا كان ولا من أمة أيًّا كانت إلا أن يكون أخًا أو يكونوا إخْوة. فأما السيادة والاستعباد فلا، لأنه لا إله إلا الله. إنا لا نقبل أن نشرك مع الله أحدًا غيره مهما كانت منزلته ولو كان نبيًّا مرسلًا، فلا نتقرب بالنذور إلى الأولياء، ولا نمنحهم شيئًا من القداسة، ولا نعظم الحُكّام تعظيم عبادة، ولا نخضع لهم خضوع ذلة، إنما نطيع فيهم العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن هذا وحده هو الذي يتفق ولا إله إلا الله. ليس يستعبدنا المال ولا الجاه ولا القوة، لأنها أعراض زائلة وليست من الألوهية في شيء، ولا إله إلا الله.
إن شئت فاستعرض تاريخ المسلمين تجد عزهم جميعًا أو عزة أمة من أممهم مقرونة بالتمكن من عقيدة الوحدانية فيهم، وما توحيه من نبل شعور، فإذا زالت عقيدة الوحدانية زالت معها عقيدة الأخوّة الإنسانية، وجاء الطغيان من ناحية والعبودية من ناحية، فزالت العزة، وفشا الذل والمسكنة، وأصبحت «لا إله إلا الله» ليست عقيدة تُعتقد ولكن لفظًا يُؤدّى، غناء يُغنّى، وقولًا يسير مع الريح. إن الديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية بمعانيها الصحيحة لها البقاء والتقدم، لأنها داعية إلى الأخوة الإنسانية وهي من مستلزمات «لا إله إلا الله».
•••

والوحدانية الخالصة مع بساطتها ومعقوليتها من أصعب الأمور على النفوس، تحتاج في اعتناقها إلى نوع من السمو، كما تحتاج إلى حياطة تامة حتى لا تشوبها شائبة من وثنية، لأن الناس سرعان ما ينزلقون إلى الشرك.
اليونانيون ألّهوا قوى العالم، والفرس اختصروا الآلهة إلى اثنين: إله الخير وإله الشر، وجعلوهما يتنازعان، والعرب ملأوا الكعبة أصنامًا، فلما أتى الإسلام وحطمها ودعا إلى الوحدانية الخالصة وجعل لا إله إلا الله شعارها في كل مناسبة: في الأذان، في الصلاة، في كل عارض، لم تلبث بعض النفوس أن تسربت إليها الوثنية في أشكال خفية؛ بدأ بعض المسلمين يعظمون شجرة بيعة الرضوان، فقطعها عمر، وبدأ بعضهم يعظم أهل بيت الرسول تعظيمًا يقرب من العبادة، فنهاهم عليّ، ثم سال سيل الوثنية على مر الأيام، وامتلأ العالم الإسلامي بأقطاب يتصرفون في الكون تصرف الله، وأقيمت الأضرحة تُقدّم إليها النذور ويُستشفَع بها ويُتقرَّب إليها كأنها آلهة. وانقلبت الخلافة إلى ملك عضوض؛ فالحكام كانوا يأمرون ولا راد لأمرهم، ويتصرفون ولا معقب لحكمهم، وذهب معنى أخوّة الحاكم للمحكوم، وحل محله نوع من الألوهية، واستعبد الناس من ناحية الدين، واستعبدوا من ناحية الدنيا، وذهب معنى «لا إله إلا الله» إلا من قلوب الخاصة.
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَـ?كِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ? أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ.
•••

لكل زمن وثينةٌ، ولكل حضارة أصنامها، حتى هؤلاء المثقفون المتعلمون العاقلون الذين يهزءون بعبدة الأحجار وعبدة النجوم قد يحجبون هم أنفسهم عن الوحدانية بضروب دقيقة من ضروب الوثنية.
إن المعبود الأول اليوم في المدنية الحديثة هي الآلات الصناعية، لها تتجه الأنظار، وإليها تُرفع أكف الدعاء، وإياها يعبد أرباب رؤوس الأموال، ولها يُستعبد العمال، ومنها تُشتق المبادئ السياسة والتعاليم الأخلاقية، وبقوتها تُستعبد الأمم وتُثار الحروب، وتُطعن في الصميم الأخوة الإنسانية.
إن المذاهب السياسية من ديمقراطية وفاشية واشتراكية وشيوعية مؤسسة عليها وناظرة إليها، والنظريات الاقتصادية مشتقة منها ومتفرعة عنها.
والإنسان يشقى بهذه الآلات لتأليهها؛ وكانت تكون نعمة عظمى ومصدر سعادة كبرى لو نُظر إليها في ضوء وحدانية الله بشقيّ معنييها من تأليه الله وحده وما تستلزمه من أخوة الإنسانية.
وبعد فما أكثر من يقول: «لا إله إلا الله» وما أقل من يعتنقها.
?


الناس يختلفون في أرواحهم اختلافهم في ألسنتهم وألوانهم وأجسامهم، وهم لهذا الاختلاف في الأرواح معرض لا مثيل له بين المعارض، منه يستمد المصور لوحته، والشاعر في الوصف قصيدته، والأديب المصور صورته، والقصّاص قصته.
فمنهم من بردت روحه فكانت ثلجًا، وضمرت حتى كانت ذرّة، يقضى وقته بين مال يجمعه، ومال ينفقه، ومال يدخره، وموازنة بين وجوه الاستغلال أيها أكسب، ومحاسبة دقيقة لكل من يتولى له عملًا، ذهنه مستغرق بذلك من حين يصحو إلى حين ينام، حتى إن حلم فإنما يحلم في سلعة ربحت أو خسرت، وتجارة راجت أو بارت؛ فإن كانت له لذة في الحياة وراء ذلك فلذة عابرة من مأكل ومشرب يستمتع بهما بطرف من ذهنه، وسائره مشغول بماله وتدبيره.
أو موظف ينفق حياته في مذكرة يكتبها، أو مسألة يحضرها أو ورق يمضيه، أو رئيس يرضيه، ولا تفكير له وراء ذلك إلا في أمور الحياة العادية ومطالب المعيشة اليومية.
أو فقير همّه كله في تحصيل رزقه وتدبير العيش له ولأسرته، يكدح في ذلك نهاره وجزءًا من ليله، لا يفكر إلا في إعداد قوت لمعدات تنتظره وأفواه تلتهمه.
كل أولئك حُرموا الروحانية، غنيّهم وفقيرهم، عالمهم وجاهلهم، تنظر إليهم بعين البصيرة فترى ظلامًا موحشًا وجفافًا مرعبًا، قد فقدوا نفوسهم وإن كسبوا أي شيء آخر، هم آلة من جنس الآلات الحاسبة تجمع وتطرح وتضرب وتقسم، ولا شيء غير ذلك. قد ينجح بعضهم في الحياة فيكون من ذوي الثراء الواسع والمناظر الأنيقة والألقاب الفخمة والمظاهر الضخمة، ولكن هل هذا نجاح؟ فأين إذن نفسه، وأين روحه؟
بل من هذا القبيل عالم ينفق كل وقته في مسألة يحققها أو نظرية يجربها، وحياته كلها محدودة بالأفق الضيق الذي يقتصر على نظرياته وتجاربه وأقوال العلماء فيها وترجيح بعض الأقوال وتوهين بعضها وما إلى ذلك.
هذا نموذج من الناس تشترك أنواعه في أنها كلها تحيا حياة لا روح فيها.
وهناك نموذج آخر يحيا حياة ليس لها صلة بالناس إلا أن يطعموه أو يسقوه، حياته كلها متصلة بالسماء ولا شأن له بالأرض، يعيش عالة على الناس ولروحه فقط؛ كل حظ الناس منه أن يعبد ويتأمل، يعتزل الناس في دير أو تكية أو يجعل من بيته ديرًا أو تكية، ليس من شأنه سعد الناس أو شقوا ما دام يسعد هو بلذته الروحية؛ إنه أناني كالمالي الشره، إنه خُلق في الدنيا ويأبى أن يستعجل الآخرة، إنه أكل مال الناس ولم يدفع ثمنه، إنه في غذاء جسمه قد استدان ولم يفِ بدينه.
أما من تاجروا بالروحانية فهم أسوأ حالًا ممن أمعنوا في تجارة السلع وقضوا فيها كل حياتهم، لأنهم تاجروا في غير متجر، وزيفوا على الناس فباعوا ما لا يُباع، إنهم حواة يضللون الناس بألاعيبهم، ويضحكون على أذقانهم؛ هؤلاء ليسوا من الروحانية في شيء. إنهم باعة أسهم لا يملكونها. إنهم يبيعون الزجاج باسم الماس، والنحاس المموه باسم الذهب، وأصناف هؤلاء كثيرون.
ليس يعجبني هؤلاء ولا هؤلاء. إنما يعجبني من مزج مادة بروح ومد بسبب إلى الأرض وبسبب إلى السماء. وإذا كان الإنسان جسمًا وروحًا فلم لا يغذيهما جميعًا، ويعيش بهما جميعًا؟ إن لم يعجبني ذو الوجهين فإنه يعجبني ذو الجانبين، جانب الروح وجانب المادة. قد يكون هذا رجل أعمال دقيقًا في عمله منظمًا لإدارته يسير في عمله على آخر طراز وصلت إليه المدنية، من دفاتر منظمة ومواعيد محددة، وهو مع ذلك له نزعة روحية لطيفة، وله مثل أعلى في الحياة، عنده الشعور بالله وعظمته، وأن الدنيا ليست كل شيء، وأن خير الناس أنفعهم للناس؛ هذه الروحانية تلطف من حدة ماديته، فهو لا يعيش لنفسه فقط أو لأسرته فقط، ولكن يعيش أيضًا للناس كما أمر الله؛ روحانية هذا الرجل بجانب ماديته تسبغ على قلبه الرحمة للناس وحب المعونة لهم، وإيصال الخير إليهم؛ ومثل هؤلاء الناس قليلون في المجتمع، تعرفهم بسيماهم، قد خلعت عليهم الروحانية نوعًا لطيفًا من الرقة والوضاءة والدعة مع الجد في أعمال الحياة الدنيوية؛ ولو كثر مثل هؤلاء لتغير وجه العالم ولساده السلام.
الفرق بين نابغة له روح ونابغة لا روح له كالفرق بين عمر بن الخطاب وتيمورلنك.
ليست الحياة أن تأكل وتشرب وتتزوج، بل إن للحياة غرضًا أسمى. الحياة رسالة، وليست الحياة عملًا ماديًّا متواصلًا، تصبح فتعمل وتعود إلى بيتك فتأكل، ثم تعود فتعمل، ثم تعود إلى بيتك فتأكل ثم تنام؛ فهذا شأن الآلة لا شأن الإنسان، إنها تدور وتغذى وتهدأ، وهذا في الآلة طبيعي، ولكنه في الإنسان ليس طبيعيًّا؛ لأنه مُنح ملكات وراء هذا العمل الآلي.
بل ليست الحياة أيضًا عملًا عقليًّا بحتًا، وجهدًا فكريًّا فقط. فالعقل وحده لا يفسر الحياة ولا يحل مشاكلها، والعقل وحده يجعل الحياة جافة مخيفة، والاعتماد على العقل وحده كثيرًا ما أدى إلى الشك، والشك عذاب وفراغ وكثيرًا ما يصل العقل إلى درجة النبوغ الفائق مع انحلال في الخلق وضيع، كما كان الشأن في نابليون وبيكون وبيرون وأمثالهم؛ وحتى مع اجتماع العقل والخلق المؤسس على العقل، فإن العقل والخلق إذ ذاك يكونان كالتمثال الجميل ينقصه الروح. إن الاعتقاد بأن للعالم إلهًا يسيطر على العالم وينظمه، وأن لكل إنسان بهذا الإله العظيم صلة، وأنه سائلة عن عمله، وأنه سيزن أعماله بميزان دقيق، وأنه يمد الروح التي تتصل به بروح منه كل هذا حق، وكل هذا يبعث القوة في الإنسان، وهو خير دعامة للنفس تستند عليها في الحياة.
ما أسعد الإنسان يشعر بأن يد الله العظيم تعمل في الكون أبدًا، وتمده بالحياة ما عاش، وتعينه على الخير إن أراد، وأن الله العظيم متصل بقلبه، وحاضر عنده، ومطلع على أدق ما في نفسه، وأنه بصفاته العظيمة جدير بالحب والتقدير والحمد.
هذه العقيدة الروحانية تحيي الدنيا وتحيي الآخرة، وتبعث على العمل لا على الخمول، وتصبغ العمل في الدنيا صبغة جميلة رحيمة خيّرة؛ هي التي تحول الجفاف إلى رحمة، وتحول القبح إلى جمال. إن المادي ينظر إلى الوردة فيقدرها بثمنها القليل في السوق، والروحي ينظر إليها فيرى جمالها لا يقدر بثمن. إن المادي بارد العواطف يقدر الناس بقدر ما ينال منهم، وهم ليسوا إلا ضيعة تُستغل، وكلما كان الشخص مليئًا بالمال يُمتص، وبالدم يُستنزف، كان أحب إليه لماله لا لشخصه، والروحاني يرى في كل إنسان أخًا يُعان ما أمكن، ويُؤخذ بيده إذا عثر، ويُرحم إذا كبا، ويُمد بالسعادة إذا شقي.
لو مست الروحانية قردًا لأحالته إنسانًا. ولو مست شيطانًا رجيمًا لجعلته ملكًا كريمًا. ولو مست جبارًا عنيدًا لجعلت منه أبًا رحيمًا. ولو مست قلوب الساسة لعمّ السلام وبطلت الحروب، ولم يكن مستعمِر ومستعمَر، ومستغِل ومستغَل، وعزيز وذليل، ولكن إخوة متعاونون شركاء فيما لديهم رحماء فيما بينهم.
ليس العالم الآن محتاجًا إلى تنظيم أسواق التجارة، ولا إلى تنظيم وسائل الدفاع والهجوم، ولا إلى ضبط السلطة على القنابل الذرية والمخترعات الحديثة المبيدة، ولا إلى تنظيم توزيع الأسلاب ووضع شروط الصلح على أساس الغنم والغرم؛ فكل هذا هو منطق الساسة القدماء، وهو المنطق الذي ساد عقب الحرب العالمية الأولى، فكان نتيجة الحرب العالمية الثانية؛ فإن استمر هذا المنطق بعينه سائدًا فستكون النتيجة حربًا ثالثة لا محالة، ضرورة أن المقدمات الواحدة تنتج نتائج واحدة. وإنما العالم يحتاج إلى روحانية وليهزأ بذلك من يهزأ روحانية تبيد الطمع بين الأفراد والأمم، وتقضي على شح الأنفس وحب السيطرة والانتقام ونزعات الجنس والوطنية والطبقات، روحانية تُنشر بين الشعوب فترى أن زعماءها السياسيين الماديين غير صالحين للحكم فتنحيهم، وتنصب مكانهم من جمعوا بين المادة والروح، قد اصطبغت نفوسهم بحب الخير للإنسانية وحب العدل في العالم وحب الإخاء بين الأمم.
العالم محتاج إلى ريح عاصف تجتاج الأساليب القديمة في حب السيطرة والغلبة والسيادة القومية والنعرة الوطنية، ووضع الساسة أمتهم في موضع الله ومن عداهم في موضع العبيد، وتجتاح النزعات إلى الإفراط في اللذائذ الحادة غير المشروعة وعدها مطلب الحياة.
العالم لا يحتاج اليوم إلى إصلاح المادة، ولكن إلى إصلاح الروح.
قد يرى قوم أن هذا حلم. ولكنه حلم لا بد منه وإلا فالعالم في شقاء دائم.
?


ينتاب العالم موجات بين إلحاد وإيمان، وقد كانت موجة الإلحاد طاغية عاتية في أوربا في القرن التاسع عشر، ففشا بين طبقة المثقفين عدم الاكتراث بالدين، وإهماله في أبحاثهم وأعمالهم، أو مهاجمته بالقول والعمل، وبسط ألسنتهم في الكنائس وأعمالها وشعائرها، وآخرون وقفوا موقف الشك فلا إيمان ولا إلحاد. ومنهم من يؤدي شعائر الدين لا عن روح واعتقاد، ولكنها جزء من برامج الحياة، فكما أن هناك زمنًا يُقضى في لعب الكرة ومشاهدة السينما ونحو ذلك، فهناك زمن عابر يُقضى في الكنيسة، وهذا هو كل الدين.
وكان كل يوم يمر تزيد موجة الإلحاد والشك قوة واتساعًا، وأسست الأخلاق والتربية على قواعد العقل لا على أساس الدين.
وعمل على طغيان هذه الموجة وقوتها واتساعها عوامل كثيرة أهمها: انتشار نظرية «دارون» في تسلسل الأنواع ونشوئها وارتقائها من خلية نباتية صغيرة إلى شجرة كبيرة، ومن حشرة حقيرة التكوين إلى أن وصلت إلى الإنسان بالبيئة والانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح وما إلى ذلك، فأولع الناس بهذا النظرية واعتنقوها، وبنوا عليها تفكيرهم، وأنشأوا عليها علومهم، ورأوا أن هذا الرأي المؤيد بالبرهان لا يتفق مع حرفية الكتاب المقدس فيما حكى من خلق آدم وحواء.
فزلزل هذا من إيمانهم، وبدلًا من رؤية الله في الخلق وتطوره قصروا النظر على الخلق ونشوئه وارتقائه، وبدأ رجال الدين يدافعون عن موقفهم بأن قصة آدم وحواء الواردة في الكتاب المقدس لا يصح أن تؤخذ على حرفيتها، وإنما هي رمز لنضج النوع الإنساني، ثم اختلفوا في دلالة هذا الرمز.
وعاصر حركة دارون ومدرسته حركة علمية أخرى اتجهت إلى وضع الكتاب المقدس موضع النقد، وتسليط أدوات البحث العلمي عليه، كما سلطت على كل الوثائق التاريخية، فكما بحثوا في الإلياذة ووصلوا في بحثهم إلى أنها ليست من عمل هوميروس وحده، وإنما هي من عمل أناس مختلفين في عصور مختلفة، كذلك بحثوا الكتاب المقدس، وأدّاهم البحث إلى أنه وُضع في عصور متوالية في بيئات مختلفة، ونقدوا ما جاء فيه من تحديد السنين التاريخية، وساقهم البحث إلى أن بعض ما نُسب لموسى ليس لموسى، وبعض ما نُسب لداود ليس لداود، فزاد ذلك الناس زلزلة وشكًا.
ثم كان نشوء علم مقارنة الأديان، فبحثوا في أديان العالم ووازنوا بين تعاليمها، ووضعوا أسسًا لما يعدونه منها راقيًا وما ليس راقيًا، وعرضوا لمسائل خطيرة مثل من أين جاءت فكرة التثليث، ومن أين أتت سلطة الكنيسة، فكانت نتائج هذا البحث سببًا آخر من أسباب زلزلة العقيدة.
ثم جاء علم النفس يحلل الشعور الإنساني، ومنه الشعور الديني، ويشرحه كما يشرح الأطباء الأجسام، ويبحثون في منشأ فكرة الله، ويقولون إنها فكرة خلقها الخوف، فزادوا في الطنبور نغمة.
وكان الدين يعلي من شأن الإنسان لصلته بربه ولما له من روحانية ليست لغيره، فجاء علماء النشوء والارتقاء وعلماء الإنسان وعلماء الفلك ونحوهم يحقرون من شأن الإنسان ويجعلونه دودة كبيرة، فسلبوا الإنسان عظمته واعتزازه بروحانيته.
وقارن هذا دعوة الدعاة إلى تفاهة الحياة، واختطاف ما أمكن من اللذائذ، والتحرر من القيود القديمة، سواء كانت قيودًا ضارة أو نافعة، وما دام هناك شك في الآخرة فليكن الهناء في الدنيا بقدر المستطاع، وقالوا حديثًا ما قال طرفة قديمًا: «فدعني أبادرها بما ملكت يدي».
هذه هي أهم الأسباب في موجة الشك والإلحاد في الغرب، وقد قال قوم من المثقفين في الشرق: إذا كان الغرب قد تقدم بالإلحاد أو على الأقل تقدم مع الإلحاد، فلنلحد لنتقدم أو نلحد ونتقدم، وإذا كانوا ملحدين وهم الحاكمون فلنقلدهم لعلنا نساويهم ونتخلص من حكمهم. وسافرت الأفكار والآراء والكتب من الغرب إلى الشرق، فعملت عملها، بذرت بذرتها، وتركت آثارها، ورأى بعضهم أن يأخذ المدنية الحديثة بحذافيرها ومنها الإشاذة بالبحث العلمي، وإضعاف الشعور الديني، وعملت الدعوة إلى انتهاب اللذائذ عملها أيضًا في الشرق فكانت لها سطوتها.
وكان من ذلك كله أن عمّت الموجة الغرب والشرق، وخاصة بين طبقات المثقفين وأنصاف المثقفين.
•••

ولكن يظهر أن هذه الموجة بدأت تنكسر في الغرب فتنكسر في الشرق، وسبب ميلها إلى الانكسار أن الناس نظروا فرأوا أن المادة لما بلغت أوجها لم تنتج للعالم سعادة بل شقاء وخرابًا، وأن الضمير العقلي لم يستطع أن يحل في إراحة النفس وطمأنينتها محل الضمير الديني، وأن هذا النقد المر إذا وُجه إلى تفاصيل الدين وسلطة رجال الدين، فإنه لم يمس جوهر الدين وإن مسه فلم يستطعه، إنما كان يستطيعه لو أنه أمكنه بعلمه أن يفسر جميع ظواهر الكون تفسيرًا محكمًا؛ أما وهو لم يستطع أن يفسر إلا الظواهر فإذا وصل إلى الصميم عجز كالحياة وهبتها وتصرفها، ومنشأ وحدة العالم وقوانينه ونظامه وجماله، فليس إذن له الحق في الإلحاد والغرور بالحديث من الأفكار، فالدين من ناحية عزاء للنفس الإنسانية وسند، وفوق ذلك هو حقيقة لا بد منها لإمكان تفسير العالم.
حتى العلم نفسه بدأ يتراجع في بعض نظرياته أو يؤمن بقصورها؛ فنظرية النشوء والارتقاء قد تفسر التطور, ولكن لا تفسر الحياة في الخلية الأولى، حتى قال قائلهم: إن العالم على اختلاف نباته وحيوانه وتدرجه يدل على أن كل نوع منه يؤدي عملًا ويحمل رسالة، وأنها كلها تتساند وتترابط، وتهدف إلى غرض حتى لا يستطيع عقلك مهما تشبغ من العلم إلا أن يؤمن بأن للعالم مؤلِّفًا واحدًا قويًّا حكيمًا عليمًا.
وهذه الدعوى بأن أساس الأديان الخوف قد أخذ بعض علماء النفس يشك فيها؛ فالخوف قد يحرّم على الإنسان بعض الأعمال، وقد يدفع إلى الاضطهاد والانتقام، وقد يحمل على الكره والحرب؛ ولكن هل هذا باعث الدين؟ إن باعث الدين الراقي يدعو إلى إجلال إله خلق العالم ودبّره، إله قوي تستمد منه القوة، عظيم تستمد منه العظمة، روحي تستمد منه الروح، فيه كل صفات الكمال هو للعالم كإرادتنا فينا، إن الدين الراقي يدعو إلى التسامح لا التعصب، والعفو لا الانتقام، والحب لا الكره، وقد يصل بعض الناس في الدين إلى حب الله كحبهم أنفسهم أو أشد حبًا، ويعجبني في ذلك قول الرسول ? في وصف صهيب: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه». فهل يمكن تفسير كل هذه الظواهر النفسية بدافع الخوف كما يقول بعض علماء النفس؟
ثم إن الدين دائمًا كان من أهم البواعث على الفنون الجميلة، فالقرآن أعجز بفنه، والدين كان مبعث الفنون الجميلة في فن عمارة المعابد وفي الموسيقى والتصوير، فهل يتفق هذا ودعوى أن الدين خلقه الخوف، والخوف لا ينتج فنًا؟
•••

إن الدين الحق يوسع النظر فلا يحدّه بقبيلة ولا طائفة ولا جنس ولا أمة، لأنه يدعو إلى أن الله رب العالمين، وهو وحده الحاكم والمحكومون متساوون أمامه، كما يدعو إلى سعة العواطف فلا عصبية ولا انتقام، ولكن أخوة وتعاون ورحمة.
الدين الحق يحيي الضمير، ويدعو للعدل بين الجميع، بين من تحب ومن تكره، ومن هو من جنسك ولونك ومن ليس من جنسك ولونك، ويهدم الأنانية الفردية والأنانية القومية ليحل محلها عاطفة الأخوة العالمية. إن أهم وظيفة للدين الحق أنه يحول العاطفة من أنانية شخصية إلى عاطفة إلهية تتجه إلى تحقيق الخير العام. إذا أراد المصلحون بث الشعور بوحدة الجمعية البشرية وتعاونها وقطع دابر أسباب الخصومة والانتقام فلن يجدوا أساسًا خيرًا من الدين الحق الذي يوحد العلاقة بين الإنسان والله الواحد، ويوحد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان الذي هو من خلق إلهه.
إن هذا الغرض يدعو إلى تغيير برامج التربية في العالم من أساسها ووضعها على أساس آخر هو حب الله خالق الناس أجمعين، وحب الإنسان للإنسان من غير تفريق بين جنس وجنس، وأمة وأمة، ولغة ولغة، ودين ودين، وهذا وحده هو الذي ينقص العالم اليوم.
إن العالم محتاج إلى مصالحة بين العلم والدين، فللعلم أن يبحث في المادة كما يشاء، ويستكشف من قوانينها كما استطاع، ولكنه لا يتجاوز دائرته فينكر ما وراء مادته، وللدين أن يؤمن بالروحانية، وعالم الغيب وما إليه، فهذه لا تتنافى مع العقل بل تكمله، ولكن ليترك للعلماء بحوثهم في مادتهم، فما جاء الدين لشرح نظريات العلم، وليستفد منها بنظرته الروحية إليها، فهذه القوانين التي يستكشفها العلماء هي القوانين التي بثها الله في كونه، وما جاء العلم ليبحث فيما لا يستطيع من كشف ما وراء المادة، إن العالم محتاج إلى تديين العقل وتعقيل الدين.
إن تمّ هذا ساد العالم عقل سليم يرقيه العلم، وعاطفة نبيلة يرقيها الدين. إن تمّ هذا فلا حرب، لأن العاطفة النبيلة تمنعها، والأخوة الإنسانية تحرمها، والعقل لا يستسيغها.
وإن تمّ هذا فلا خرافات حول الدين، لأنها لا يرتضيها العقل الصحيح ولا الدين الصحيح.
وإن تم هذا فلا عاطفة وطنية ولكن عاطفة إنسانية.
وإن تم هذا فلا صهيونية، لأنها مبعث فكر ضيق وعاطفة ضيقة وتحريك عقرب الساعة إلى الوراء، ولا حروبًا صليبية ولا غير صليبية، لأن مبعثها ضيق العقل في تصور الدين، وحماسة جاهلة في خدمة الدين.
وعلى الجملة فلو تم هذا لزالت كل العوائق التي تعوق الإنسانية، ولتقدم العالم في عام ما لم يتقدمه في قرون.
فهل يتمخض القرن العشرون عن هذه الموجة العالية يكتسح بها الموجة المنحطة التي خلقها أخوه القرن التاسع عشر، أو لا يزال ذلك أملًا بعيدًا؟
علم ذلك عند الله.
? كتبت في رمضان سنة ????.
الإنسانية في الإسلام


كان من أكبر النكبات التي مُني بها العالم نزعة «القومية» أو «الوطنية» بمعنى أن كل أمة تعمل لخيرها دون النظر إلى سائر الأمم، فغايتها المنشودة أن تتبوأ السيادة في العالم، وأن تسعى أن تملك من الأرض أكثر ما تستطيع، وتخطف من الأمم الضعيفة ما تقدر، وأن تكون تجارتها أكثر رواجًا، وشعبها أغنى شعب، وقوتها الحربية أعظم قوة، فأمنيتها العظمى إعلاء شأن قومها من غير أي اعتبار آخر؛ وعلى هذا الأساس تبني سياستها، وإليه يقصد قادتها، فأعظم سياسي من كسب لها من الأمم الأخرى أكبر مكسب، وأعظم قائد حربي من نكّل بالأمم الأخرى وضم إلى مستعمراتها مستعمرة، واعتدى على أمة آمنة مطمئنة فأذلها وضمها إلى أملاك قومه، وعلى هذا الأساس أيضًا وُضعت برامج التعليم، من تربية وطنية ودروس تاريخية تمجد الوطن وتعنى بإظهار تاريخ الأمة بمظهر العظمة ولو داس الحقيقة؛ ونشأ عن هذه النظرة الضيقة للوطنية أن الأمم الأوربية تسابقت في هذا المعنى، فكل أمة تريد أن تسمو، وكل أمة تريد أن تلتهم الضعيف، وكل أمة تريد السيادة والغلبة، وهي لذلك لا بد أن تتسلح وتسبق غيرها في التسلح، كما تتسابق في التربية الوطنية ومسخ التاريخ، وإشاعة أن جنسها خير جنس، ودمها خير دم، وإلهها خير إله، وأنه معها ينصرها في الحرب ويساعدها في السلم. فكانت نتيجة هذه الوطنية بهذا المعنى سلسلة الحروب التي كانت والتي ستكون، والخراب الذي حدث والذي سيحدث. ومن حين لآخر يأتي قوم من بعيدي النظر يدركون خطر الوطنية، وينادون بالإنسانية، كما فعل تولستوي وولسن وغيرهما، ولكن سرعان ما تخمد دعوتهم، وتتغلب الوطنية من جديد، وإذا اكتووا بنار الحرب راحوا يبشرون بمبادئ العدل والمساواة كما فعلوا بمبادئ ويلسن وميثاق الأطلانطي، ثم لا يلبثون بعد الحروب أن يعودوا سيرتهم الأولى؛ فروسيا لا تنظر إلا إلى القومية، وإنجلترا وأمريكا وفرنسا وغيرها كلها تنظر إلى السيادة الوطنية، ويكفي أن تتمسك أمة بوطنيتها لتتسابق كل الأمم في الوطنية، وتتحرك الشهوات القديمة، ويعود العالم إلى معسكرات.
ولا علاج من هذه الأمراض كلها إلا غلبة النزعة الإنسانية، واختفاء النزعة الوطنية، أو قصرها على حدود لا تتنافى مع الإنسانية، ومعنى الإنسانية أن ينظر إلى العالم كوحدة وكأسرة، تخضع كلها لنظام عام شامل، وتؤمن كلها بقوانين العدل والحق، وتتقيد كل أمة بالصالح العام، ويعمل القوي لخير الضعيف ويأخد بيده حتى يقوى، ومن سبق في محْمدة اجتهد في تعميمها، ومن أخطأ قوم خطّؤه، ومن نُكب بجهل أو فقر انتُشل من نكبته، ونحو ذلك مما يفعله كل فرد في الأسرة الواحدة نحو أسرته، كبير يرشد صغيرًا، ومتعلم يعلّم جاهلًا، وصغير يوقر كبيرًا، وأب وأم يعملان لخير الجميع، إذ يشعر كل أنه لنفسه ولأسرته.
•••

لعل أكبر محْمدة في الإسلام، وأعظم دعوة سبق بها غيره منذ قرون، دعوته إلى الإنسانية والأخوة العامة، فهو قد سُمي الإسلام، والإسلام والسلام من مادة واحدة. وأسلم الرجل استسلم لله وأخلص له، أي كان في سلام مع الله، ومن كان في سلام مع الله أحبّ أن يكون في سلام مع خلقه، ولذلك قال رسول الله ?: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وسُمي معتنق هذا الدين مسلمًا، وجعلت تحية المسلمين فيما بينهم «السلام عليكم».
ثم أهم تعاليم الإسلام وحدة الخلق ووحدة الخالق، فوحدة الخلق تظهر في تقريره أن الناس كلهم من آدم وحواء، فهم سواء، وإنما النظم المصطنعة السيئة هي التي سببت الفروق من سيد وعبد، وذي جاه وعديم الجاه، وغني وفقير، والله لا يعبأ بذلك كله، والإسلام ينكر ذلك كله، ولا يجعل هناك فرقًا بين إنسان وإنسان إلا العمل الصالح. لقد جاء في كلام رسول الله في خطبة حجة الوداع وفيها خلاصة تعاليم الإسلام: «إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب». ثم تلا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ.
وجاء في حديث آخر: «كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملئوه?. إن الله لا يسألكم عن أحسابكم وأنسابكم يوم القيامة. إن أكرمكم عند الله أتقاكم». وأكد في هذه الخطبة أيضًا حرمة الأنفس والأموال والأعراض فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».
ويقرر الإسلام وحدة الناس، فقد كانوا أُمّة واحدة ثم فرق بينهم الباطل وفي أمكانهم أن يعودوا أمة واحدة إذا اتبعوا الحق: «وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا».
ثم أعترف بالأديان السابقة وبالأنبياء السابقين لا فرق يبنهم، فكل من آمن بالله وعمل صالحًا فله جزاؤه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى? وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى? نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ، فإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم أتوا لهداية الناس ودعوتهم إلى الحق وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ، فنظام العالم نظام عام شامل، والناس أُمّة واحدة، والله يرسل رسله لهدايتهم، فإن اختلفوا وتفرقوا فبسوء صنيعهم لا بما يطلب الله منهم، والله جعلهم شعوبًا ليتعارفوا، فتناكروا وتحاربوا.
وليست الإنسانية وحدها في نظر الإسلام وحدة، بل العالم كله وحدة؛ فالذرة في الأرض تتكون على نمط تكون الشمس في السماء. وكله يخضع لقوانين واحدة ونظم واحدة، وإلا ما أمكن أن يكون العلم وقوانينه، والقرآن يقول: مَّا تَرَى? فِي خَلْقِ الرَّحْمَـ?نِ مِن تَفَاوُتٍ. تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ? وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـ?كِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وتسبيح العالم خضوعه لقوانين الله، ودلالته على قدرته، والسير على مشيئته.
هذه هي وحدة الخلق، وهذا الخلق الواحد له خالق واحد، فـاللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ.
وَإِلَـ?هُكُمْ إِلَـ?هٌ وَاحِدٌ ? لَّا إِلَـ?هَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـ?نُ الرَّحِيمُ، ذَ?لِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ ? لَا إِلَـ?هَ إِلَّا هُوَ ? خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ? وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ? وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ إلخ. إلخ.
على هذا الأساس من وحدة الإنسانية بل وحدة الخلق عامة، ووحدة الخالق بُني الإسلام، وجُعل شعاره لا إله إلا الله، وكانت أولى آياته الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وعلى هذا الأساس أيضًا وُجهت الدعوة، فالناس كلهم يجب أن يدعوا إلى وحدة الخالق ووحدة الخلق، ومحمد رسول الله أُرسل إلى الناس كافة لتبليغ هذه الدعوة، ذلك لأن الإنسانية ستُعذب إذا أشركت فعددت الآلهة، أو عددت اختصاص الآلهة في الخلق، ولأن نشر العدل بين الناس كافة واعتناق الحق لا يتحقق تمام التحقق إلا بالاعتقاد بهذه الوحدة وحدة العالم ووحدة الله التي يدل عليها لا إله إلا الله رب العالمين، فإذا فشت عقيدة أن لكل شعب إلهًا كانت الحرب والخصام والفساد، وإذا فشت عقيدة أن هناك شعوبًا ممتازة وشعوبًا غير ممتازة، وتميزًا في الدم أو الجنس أو نحو ذلك فالحرب والخصام، وإذا عُبدت الملوك والحكام من دون الله كان الظلم، وإذا قُدّس شيء دون الله تعددت الآلهة فانتشر الفساد.
لذلك جاء الإسلام يحارب استبداد الملوك والحكومات بالشعوب، كما ترى في الكتب التي أرسلها الرسول إلى ملوك فارس والروم في آخر حياته، ويحارب عصبية القبائل وعصبية التعاظم بالأنساب، ويجعل أساس التقويم والتفاضل العمل الصالح، ويقرب الرسول بلالًا الحبشي، وصهيبًا الرومي، وسلمان الفارسي، على صناديد قريش، ولا يعتد باللون والدم في قليل ولا كثير.
ومهمة الرسول ليست إلا أن يبلغ هذه الدعوة وأن يوصلها إلى كل أذن ما استطاع مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ، وبعد ذلك فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، ومحمد بشر كسائر الناس، ليس له ميزة إلا أنه أُوحي إليه بهذه المبادئ يبلغها قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى? إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـ?هُكُمْ إِلَـ?هٌ وَاحِدٌ ? فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. وهو إنما يدعو هذه الدعوة بالحسنى ادْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
إن على الرسول أن يبين آيات الله في خلقه، ويفتح عيون الناس على آثاره في الكون، ويبين لهم كيف يسعد الناس بحسن العقيدة، وتحري الحق والعدل، وكيف يشقون بسوء العقيدة والظلم، وهم أحرار بعد ذلك أن يقبلوا أو أن يرفضوا. ولكن يجب أن يسمعوا، ويجب أن يُمكَّن من أن يسمع الناس ما يدعو إليه، وأن يترك الملوك والحكام الناس أحرارًا يسمعون دعوته، ولهم الخيار بعد أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا.
ولو سمعوا لهذا المبدأ ما حمل رسول الله ولا صحبه سيفًا ولا أقاموا حربًا ولا أراقوا دمًا، ولانتشر الإسلام بالدعوة وحدها يزينها الحق ويبعث على اعتناقها العقل، وحب الحرية والبساطة، والاعتراف بحقوق الناس كافة، ونصرة المظلوم وتقوية الضعيف، وإنقاذ الفقير وتحرير الرقيق.
ولكن حمله على تقلد السيف أمران لا ثالث لهما: أن يُهاجِم، فيرد الحرب بالحرب والقوة بالقوة ليحمي دعوته، أو أن يمنعه الملوك والحكام والرؤساء من نشر دعوته حفظًا على سلطانهم وعزهم وجاههم؛ وهو لا بد مبلِّغ رسالته إنقإذن للناس من الظلم وسوء العقيدة، ورغبة في توحيد الناس على العقيدة الصالحة والسياسة الحسنة.
على هذا الأساس وحده كان الغزو وكان الجهاد، ولم يدر بخلد الإسلام أن يجر مغنمًا، فقد مات رسوله فقيرًا لم يملك من الدنيا شيئًا، ولم يفتح ما فتح حبًا في الفتح والاستعمار، فقد أتى ليرد للناس حريتهم لا ليفقدهم حريتهم, ولذلك كان أسرع الناس لقبول الإسلام الأرقاء والمستضعفون والمظلومون.
ولو حقق الإسلام غايته كلها لكان الناس كلهم أمة واحدة تعتقد بإله واحد وتؤمن بالحق والعدالة وتتعاون على البر والتقوى، ولا تتعاون على الإثم والعدوان، فإن اختلفوا شعوبًا وألوانًا وأجناسًا كما هي طبيعة الدنيا فللتعارف وللتعاون واللانتفاع بمزايا كل، لا للتناكر والتحارب والاستعلاء.
هذا هو الإسلام في جوهره وصميمه.
فإن كان فيه عيب فعيبه أنه بعد عصره الأول لم يجد له حَمَلَة، والدين الصالح يفسد بحملته، والدين الفاسد يصلح بحملته.
? يقال: «هذا طف المكيال» إذا قارب أن يمتلئ ولما يملأ. قال ابن الأثير: المعنى كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام، شبههم في نقصانهم بالكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال.
مأساة


شعب يقدر بالملايين يُحرَم القوت ليموت جوعًا، وأسباب الحياة ليفقد الحياة، والقوت متوافر كثير، وأسباب الحياة سهلة الوصول، ولكن تقام في وجهها السدود والحواجز والحصون حتى لا يتسرب منها شيء إلى الجائعين.
ذلك هو الشعب المغربي المسكين الذي يسكن تونس والجزائر ومراكش، يُمنع عنه الغذاء العقلي فلا تدخله جريدة تنيره، ولا مجلة تفيده، ولا كتاب يهديه.
إنما يسمح له بدلائل الخيرات وأمثالها وبالكتب المدرسية الجافة، بشرط ألا تُحيي عاطفة ولا تنير عقلًا، فأما كتاب يرشد العقل وينير الذهن، وأما كتاب يغذي العاطفة ويحييها ويقويها، وأما كتاب فيه ذكر للعرب ومجدهم، وأما كتاب فيه الميثاق الأطلنطي وحق الأمم في تقرير المصير، وحق الشعوب في الحرية، فحرام أي حرام، تُرصد له العيون، وتُحشد له الرقباء، وتُغلق في وجهه الأبواب وتُشيّد له الحصون، حتى إذا مر من حصن حُجز في آخر، فلا يمكن أن يصل إلى داخل البلاد مهما عمل من حيلة وبذل من جهد.
لو كان هذا حشيشًا أو أفيونًا أو خمرًا أو أي نوع من أنواع السموم القاتلة لفُتحت له الأبواب ولم تقف في وجهه الأرصاد. أما الكتاب والمجلة والجريدة فأمر بغيض بشع يثير الرعب والفرع، ويحتاط له كل الحيطة، ويُمنع كل المنع، لأن الحشيش والأفيون مخدر ومرحبًا بالمخدرات، والكتاب يغذي ويُحيي ويُلهم، ولا مرحبًا بالمغذيات المحييات الملهمات.
لو عذب هؤلاء الأقوام في أقواتهم ومآكلهم ومشاربهم وملابسهم لكان أقل إجرامًا من أن يعذبوا في عقولهم وأرواحهم وعواطفهم، لأنه إهدار للإنسانية وإعدام للآدمية.
ثم إذا طالب هذا الشعب بحقه في أن يقرأ وأن يتعلم وأن يتحرر وأن يتوحد وأن يكون أمره بيده، سُلِّط عليه العذاب في أبشع صوره، واستُخدم آخر ما وصل إليه العلم والاختراع في التنكيل به؛ فطائرات ترميه بقنابلها حتى تمحو قراه محوًا، وأساطيل تسلط عليه مقذوفاتها حتى تخرب البلاد تخريبًا، إلى سجن ونفي ومصادرة وما لا يعلمه إلا الله.
لو حدث هذا في القرن العشرين قبل الميلاد لكان أعجوبة الأعاجيب وموضع الغرابة والاستنكار، فكيف يحدث هذا في القرن العشرين تحت سمع العالم وبصره، وهيئة الأمم المتحدة تُعقد بدعوى تحقيق العدل وإنقاذ الإنسانية، وأجواء العالم تتجاوب بالديمقراطية وحق المصير ومؤازرة الحرية! ما فظائع الحروب الصليبية بجانب هذه الفظائع، وما جرائم محاكم التفتيش بجانب هذه الجرائم؟ ومن يفعل هذا كله؟
فرنسا نصير العلم، وناشرة الثقافة، والسابقة بالثورة لتقرير حقوق الإنسان. فرنسا التي كتب كتابها أنصع صفحات الحرية، وأبلغ آيات الحقوق الإنسانية، وأخلد كتب الدعوة إلى الأرستقراطية العقلية.
فرنسا هذه هي التي تحرم الآن شعبًا من أن يطلع على كتاب أو مجلة أو صحيفة يفهم منها ما يجري في العالم أو يستجلي منها حقيقة أو يغذي بها قلبًا.
فرنسا نصيرة الثقافة تحارب الثقافة، وناشرة العلم تضع أنواع القيود الثقيلة العلم، وزعيمة الحرية تقتل الحرية. أَكُل هذه المبادئ بهرجة لا حقيقة وراءها؟ أم هي حلال لأوربا وأمريكا حرام على الشرق؟ أم هي حق للمسيحيين وليست حقًا للمسلمين؟ أم هي من حقوق بعض الأجناس دون بعض فلم يستنكرون إذن دعوة الشعوب الجرمانية؟ وإلا فكيف يُفسَّر سلوك فرنسا مع هذه البلاد المغربية، من غير فرق بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار، ومعتنقي المبادئ المحافظة والمبادئ المتطرفة.
ومن عجيب الأمر أن يسود الصمت عن هذه المخازي، ولا يرتفع الصوت في وجه هذا الظلم الصارخ.
أين هيئة الأمم المتحدة؟ وأين أرباب الصحف والمجلات الإنجليزية والأمريكية الذين يعلمون من أمر بلاد المغرب وما يجري فيها أكثر مما نعلم؟ لو حدث عشر معشار ما يجري في المغرب في بلاد أخرى وفي شعوب تمتّ إليهم بصلة الدين أو النسب أو الدم ما كفتهم صفحات جرائدهم!
أين العرب المثقفون في فرنسا والذين يشيدون بذكرها ويسبحون بحمدها، ويرتلون آيات الثناء على ثقافتها وحريتها ومبادئها؟
ألم يبلغهم هذا كله أو شيء منه؟ ألم يبلغهم أن شعبًا يقدر بالملايين يراد منه أن يعيش على دلائل الخيرات؟
ألم يبلغهم أن آثار أقلامهم مما يكتبون من كتب وما ينشرون في مجلات محرمة على الشعب المغربي ومحرمها هو الحكومة الفرنسية العزيزة عليهم؟ اتقوا الله وارفعوا أصواتكم، واصرخوا في وجه الظالم أيًّا كان.

المجمع اللغوي?


إن كلمة المجمع تعريب لكلمة Academy الأفرنجية، وهذا التعريب ينطوي على جملة معان: أننا نريد مجمعًا على غرار مجامعهم يعمل مثل عملهم، ووضعنا كلمة عربية للكلمة الأفرنجية إشعارًا بأن من أهم أغراضنا التعريب واستخدام اللفظة العربية للكلمات الإفرنجية إذا احتجنا إلى ذلك. وقد أعجبني تعريف كاتب إنجليزي للمجمع إذ يقول: «المجمع هو جمعية أو هيئة متعاونة منسجمة. غرضها تهذيب الأدب والعلم والفن وترقيتها. مجتمعة أو مقسمة إلى شعب، يدعوها إلى عملها العشق الخالص لغرضها من غير أن يشوبه شائبة من ربح مادي».
وأحسن ما أعجبني في هذا التعريف «عشق الغرض» فهو حقيقة روح المجمع، بل روح كل جمعية. إن وجد العشق تحقق الغرض، وهو يتحقق بمقدار ما فيها من عشق، فإن لم يكن فشكل جمعية لا حقيقة جمعية.
ولم يكن هذا العشق بعيدًا عنا نحن الشرقيين؛ فقد قامت منا أفراد بما تقوم به المجامع، ونجحوا لتوافر هذا العشق عندهم، فالأزهري اللغوي صاحب التهذيب الذي ضرب في الصحراء يأخذ اللغة من أهلها ويقع في الأسر ويتحمل صنوف العذاب من أجل غرضه لا شك عاشق، وابن منظور الذي عكف على كتابة عشرين مجلدًا بعد تحرير كل مادة وكل كلمة من غير أي نظرة إلى ربح هو كذلك عاشق، وأمثالهما كثير، وكنت أقرأ أخيرًا للكندي فصلًا في شروط الفيلسوف فجعل من أهم شروطه «عشق الحقيقة».
•••

ويذكر المؤرخون أن أول مجمع بهذا المعنى إنما كان في مصر، شهدته الإسكندرية في أول القرن الثالث قبل الميلاد على يد بطليموس الأول، والتقى فيه جهابذة العلم من اليونان والشرقيين يرقون ما وصل إليه العلم في أيامهم، وكان ذلك نواة لمدرسة الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية. ولو أنا ورثنا هذا المجمع من هذا التاريخ وطورناه مع الزمن لكان لنا الآن خير مجمع وخير لغة وخير علم، ولكن أعاصير السياسة قطعت حبل ما بيننا وبينه فورثته أوربا أولًا، ثم أخيرًا جدًّا نقلناه من أوروبا إلينا.
وليس من غرضي أن أعرض هنا صورة لتاريخ هذه المجامع الأوربية وتطورتها، ولكني أريد أن أعرض عرضًا سريعًا لبعض ما قامت به بعض المجامع من أعمال، وأقتصر على الناحية اللغوية والأدبية تاركًا ما عملته المجامع العلمية والفنية لأربابها.
فمثلًا كان المجمع الفرنسي في أيامه الأولى يجري على سنة اجتماعية يومًا كل أسبوع، وفي كل اجتماع له يقرأ أحد أعضائه موضوعًا لغويًّا أو أدبيًّا أعدَّه. فإذا أتم قراءته نقده الحاضرون وأبدوا رأيهم فيه، فكان هذا نواة لأعمال المجمع، وتطور هذا إلى إعداد بحوث لغوية وأدبية دورية يلقيها كل عضو مرة، ثم تبع هذا أن كانوا ينقدون التآليف الأدبية العظيمة التي نالت حظوة عند الجمهور، كما فعلوا في تآليف «كورني». ولكن كان من تقاليدهم ألا ينقدوا إلا إذا طلب منهم المؤلف ذلك، ثم توجت أعمال المجمع بعمل معجم واسع كبير للغة الفرنسية.
فلما أعيد تكوينه من جديد في آخر القرن الثامن عشر كان مما دخل عليه من تحسين نمو ماليته بما قدم إليه من هبات يصرفها في تشجيع الإنتاج الأدبي.
ومهما وُجه إليه من نقد في اختيار أعضائه، أو في جموده ورجعيته، أو قلة إنتاجه، أو نحو ذلك فإنه يعد المحكمة العليا للأدب، الحارس للغة من التبذل.
وحددت ألمانيا وإيطاليا الغرض من مجامعها بتنقية اللغة وتصفيتها وترقيتها، وكذلك حددت إسبانيا غرضها، وعمل مجمعها على اختيار الألفاظ والأساليب المهذبة التي يستعملها خاصة الأدباء، واستبعاد الألفاظ والأساليب الحوشية وتدوين ذلك في معجم.
•••

كان عمل مجمعنا المصري أشق وأصعب وأعقد من المجامع الأوربية، لأنه تأخر في التاريخ كثيرًا، ولم ينشأ إلا حديثًا. على حين أن المجامع الأخرى لها ثلاثة قرون أو أكثر، ولأن الصلة بيننا وبين آخر مجهود في اللغة عمله الفيروزابادي وابن منظور قد انقطعت ولم تتقدم أي خطوة، وفتحنا أعيننا فوجدنا أنفسنا أمام مدنية حديثة تزخر بالآلات والمخترعات والمصطلحات في كل علم وفن، وكل لغة حية يجب أن تتكمل بها كلها، ولاقينا في ذلك أكثر مما لاقى العرب في العصر العباسي حين واجهوا المدنية الفارسية والرومانية، فالمدنية الحديثة أغنى وأوسع، وأجدادنا قابلوا المدنيتين الفارسية والرومانية وهم فاتحون يشعرون بالعزة، والعزة تدعو إلى الجرأة، ونحن نقابل المدنية الحديثة بشيء من مركب النقص، وهو يدعو إلى الانكماش والخوف، وأجدادنا كانوا يشعرون أن اللغة ملكهم، ونحن نشعر أنا ملك للغة، فيبطؤ سيرنا ويقل إنتاجنا. ثم إن اللغة العربية بطبيعتها صعبة شاقة في قواعدها، في إعرابها، في كثرة مترادفاتها، في سعتها سعة تامة فيما تتطلبه معيشة الجزيرة العربية وفيما لحقها من المدنية العباسية، ضيقة أمام المدنية الحديثة ومصطلحاتها.
فمجمعنا لا بد أن يواجه هذه المشاكل كلها ويجد لها حلولًا، مجمعنا له غايات عظمى ومطالب خطيرة، أمامه أن يضع معجمًا وافيًا بحاجات العصر ومطالب العصر على أسلوب يستسيغه العصر — وأمامه عمل معجم تاريخي مطول، وأمامه أن يكون محكمة عليا للإنتاج الأدبي في العالم العربي، يقف على كل ما يصدر في كل عام من شعر ونثر وبحوث أدبية، ويقول فيه كلمته. وأمامه أن يكون حارسًا على اللغة ليشرف على ما يُكتب في الجرائد، وما يُستعمل من ألفاظ وأساليب، ويجيز ما يرى إجازته ويرفض ما يرى رفضه. وأمامه أن يرحم الطلبة في المدارس فييسر لهم سبل تعلم اللغة العربية وآدابها، وينقد البرامج ويضع وسائل الإصلاح. وأمامه أن يستحث الحكومة والأغنياء على التبرع بالمال لتشجيع الأدباء على الإنتاج أمامه كل ذلك وتسألونني: كيف يحقق المجمع ذلك؟! فأقول بكلمة واحدة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان، هي العشق.
•••

إن عمر مجمعنا هذا الآن نحو أربعة عشر عامًا، فقد صدر المرسوم بإنشائه في ?? ديسمبر سنة ????، وعُيِّن أعضاؤه لأول مرة في ? أكتوبر سنة ????، وحُدّد الغرض منه في المرسوم بالمحافظة على سلامة اللغة العربية وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر، وذلك بأن يحدد في معاجم أو تفاسير خاصة أو بغير ذلك من الطرق ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب، وأن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثًا دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وتغير مدلولاتها وأن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة بمصر وغيرها من البلاد العربية، وأن يبحث كل ما له شأن في تقدم اللغة العربية.
ومن ذلك الحين بدأ يعمل المجمع، فكان أعضاؤه يتداولون البحوث التي تمس إليها الحاجة، فيبحث عضو في الاشتقاق ومداه ومتى يكون قياسيًّا ومتي يكون سماعيًّا، ويبحث آخر في تعريب الأساليب، وثالث في تعريب الألفاظ وطرقه والألفاظ المولدة وموقف المجمع منها، وهكذا. ويتناقش الأعضاء ويتخذون في ذلك قرارًا.
وقد بدءوا في تقسيم الأعضاء إلى لجان؛ فلجنة للرياضيات ولجنة للعلوم الطبيعية والكيمياوية، ولجنة للعلوم الاجتماعية والفلسفية إلخ. وكانت كل لجنة تجتمع وتتناقش في المصطلحات الخاصة وتعرض ما تقرّه على المجمع ليرى رأيه فيها، وبذلك أقرّ المجمع ألوف الكلمات في المصطلحات العلمية المختلفة، وفي بعض دوارات المجمع بحث في تيسير قواعد النحو وتيسير الكتابة العربية. وعنى المجمع بإنشاء مجلة سنوية ينشر فيها بحوثه وقراراته وسائر أعماله، كما كان ينشر مجموعة بمحاضر جلساته، ولكنها مع الأسف، وقفت في سني الحرب، ثم أخذ المجمع يعمل على إصدارها من جديد.
والمجمع الآن يرجو أن يبدأ قريبًا في الشروع في أهم أعماله، وهو وضع معجم تاريخي مطول تُذكر فيه الكلمة ومن أي لغة أُخذت وفي أي معنى استُعملت في العصر الجاهلي، ثم ما دخل على هذا المعنى من تطور إلى عصرنا الحاضر؛ وهذا ولا شك عمل ضخم، ولكن أدواته متوافرة عندنا بأكثر مما كانت متوافرة أيام الفيروزابادي وابن منظور، بفضل تقدم العلم باللغات الشرقية القديمة من سريانية وعبرية وهيروغليفية وفهلوية وحبشية وسبئية إلخ. فما كان يحدسه الأقدمون من اللغويين حدسًا أصبح اليوم علمًا. ثم إن الأصول العربية من كتب لغة وأدب وتاريخ وما إلى ذلك مما يمكن الرجوع إليه في وضع هذا المعجم أصبحت أقرب منالًا، لتقدم الطبع وسهولة الاتصال. ومع هذا وذاك فالعمل شاق صعب لا يمكن التغلب عليه إلا بالجهد الطويل وبالدواء الذي وصفته من قبل وهو العشق. وما علينا إلا البدء والاستمرار، وعلى خلفنا أن يكمل بدءنا.
ثم هو يطمح أيضًا أن يحقق مثله في أن يكوِّن محكمة عليا للغة والأدب، فتشرف لجانه على النتاج الأدبي في العالم العربي من نظم ونثر وتأليف، فيتوّج منها ما يستحق التتويج، ويعلن تقدير ما يستحق التقدير، ويكافئ بالمال ما يرى المكافأة عليه، ويشرف على المجلات والجرائد والكتب، ويعلن قراراته فيما يستجد من ألفاظ وأساليب، فيقرّ الصواب ويصحح الخطأ فيشعر الجمهور بإشرافه.
لقد وُجهت إلى المجمع نقود كثيرة مثل أن نتاجه قليل، أو أنه يختار ألفاظًا لم يستسغها الجمهور وقد أضاف إلى الحقائق الواقعة خيالات مختلفة للتشنيع ونحو ذلك، ولم يكن مجمعنا المصري وحده هو الذي وُجه إليه هذا النقد وأمثاله، بل قلما خلا مجمع في العالم من مثل هذا؛ وسبب ذلك على الأغلب أن طبيعة المجمع دائمًا طبيعة محافظة لا ترضي نزعة المجددين والثائرين، ولأن طبيعة العلماء دائمًا تميل إلى التدقيق والبطء، وتفضل النتاج الصحيح القليل على النتاج الكثير في غير نضج. والجمهور عادة يرى النتائج ولا يرى المقدمات، ويقدر ما يظهر على المرسح فقط ولا يقدر ما عمل وراء الستار، ولا يرى من الساعة إلا عقاربها. ثم إن مجمعنا لم يتصل بالجمهور الاتصال الكافي الذي يقنعه بضرورة وجوده مع أن نتاجه ليس بالقليل. وأخيرًا من مشاكلنا أن ليس لنا استقلال مالي يشعرنا بالحرية في العمل، فإذا أردنا طبع مجلتنا فلسنا أحرارًا، وإذا أردنا مكافأة على عمل نراه في صالح المجمع فلسنا أحرارًا، وهذه عقدة العقد في كل عمل حكومي. وقد بُني النظام من قديم على فقدان الثقة وتركيز الإذن بالتصرف، فعاق هذا كل تقدم. وعندي أننا لو خسرنا مليونًا من الجنيهات كل عام وكسبنا ثقة بعضنا ببعض وحرية تصرفنا لكان ما خسرناه قليلًا وما ربحناه كثيرًا.
? قيلت هذه الكلمة في المجمع بمناسبة اختيار عشرة أعضاء جدد له.
الشيخ مصطفى عبد الرازق


رحم الله صديقنا وزميلنا مصطفى عبد الرازق رحمة واسعة، فقد ترك في نفس كل من عرفه فراغًا لا يُملأ، ولوعة يعز عليها الصبر.
كان رحمه الله متميزًا في خلقه، متميزًا في أدبه، متميزًا في علمه.
نفس كريمة سمحة، وقلب عطوف رحيم، وصدر واسع رحب، لا يحمل حقدًا ولا ينطوي على ضغينة، وحلم رائع لا يستفزه نزق، ولا يستخفه غضب.
لست أنسى يومًا منذ أربعين عامًا سمعت باسمه وأنا طالب بمدرسة القضاء، وهو أستاذ بها، وحول اسمه هالة من حسب ونسب، وغنى وجاه، فارتسمت في نفسي صورة من أبناء الذوات، يشمخون بأنوفهم، ويتكلمون من أطراف ألسنتهم، وينظرون إلى الناس في الأرض من أعلى السماء، فما رأيته حتى انمحت هذه الصورة الكاذبة، وحلت محلها صورة تخالفها كل المخالفة، قد أخذ من الأرستقراطية أجمل ما فيها، ومن الديمقراطية أجمل ما فيها. أناقة في الملبس من غير بهرجة، ورشاقة في الحركة من غير تصنع، وأدب في الحديث من غير ترفع، ودعة في النفس من غير تكلف.
فامتلأت منه نفسي، وأحببته وصادقته في جلسة، وتأكدت الصداقة بيننا على مر الأيام، وأشهد أني لم أر منه مرة ما يخدش الصداقة أو يعكر صفو الود، وهكذا كان شأنه رحمه الله مع كل صديق.
كان من أجمل ما فيه رحمه الله ذوقه المرهف الرقيق الدقيق، يتحكم في حياته المادية من ملبس ومأكل ومشرب، ويتحكم في حياته الأدبية والروحية من حديث لذيذ ممتع مؤدب، يوزعه ويوزع نظراته على المستمعين، ومن أجل هذا كان ناديه في بيته من خير الأندية وأمتعها وأحفلها، يجمع بين الأزهري الصميم، والمثقف ثقافة مدنية عصرية، وقد يكون فيه الأوربي والأوربية، فإذا هو رحمه الله بلطفه وظرفه ورقته يؤلف بين قلوب الجميع، ويمكِّن بلباقته من استفادة كل من كل، وتتلاقى عنده آراء الأحرار والمحافظين.
ولهذا الذوق الجميل كان أحب شاعر إليه البهاء زهير ذو الذوق الجميل، والشعر الجميل، أعجبه فيه ظرفه وذوقه ومصريته وعزة نفسه، فذكر أنه كان يتعشقه ويتعشق شعره منذ صباه، ولا زال يحن إليه حتى ألّف فيه في كهولته.
نفعه ذوقه فاستفاد منه في كل مرحلة من مراحل حياته إذ كان يتذوق من كل شيء أحسنه، تربى في الأزهر فاستقى منه أحسن ما فيه. وكان بيت أبيه مزار كبراء البلد وعظمائها وعقلائها، يتحدثون فيه في شئون الأمة السياسية والاجتماعية والأخلاقية، فيصغي لأحاديثهم ويتخير منها أحسنها.
وعن هذا الطريق تعرف بالأستاذ الشيخ محمد عبده صديق أبيه، فتعشقه وتتلمذ له، واتصل به في دروسه وغير دروسه، واتخذه أبًا روحيًّا، يحضر مجالسه، ويزوره حاضرًا، ويكتب إليه مسافرًا، وينظم الشعر في استقباله عائدًا، ويستفيد منه أجل فائدة، ويفي له بعد مماته، فيحاضر فيه، ويترجم له رسالة التوحيد إلى الفرنسية، ويكون مرجع كل باحث عن الشيخ محمد عبده.
ثم سافر إلى فرنسا فأفاده ذوقه هذا كثيرًا، فكم من شبان يرحلون إلى أوربا فيخسرون كثيرًا ويكسبون قليلًا، أما هو فقد كسب كثيرًا، ولم يخسر قوميته، ولا شرقيته، ولم يتخل عن الجميل من قديمه.
وهكذا كان ذوقه في حياته دليله وهاديه ومرشده، وقد كتب إليه أستاذه الشيخ محمد عبده يقول: «ما سررت بشيء سروري أنك شعرت في حداثتك بما لم يشعر به الكبار من قومك، فلله أنت ولله أبوك، ولو أذن لوالد أن يقابل وجه ولده بالمدح لسقت إليك من الثناء، ما يملأ عليك الفضاء، ولكني أكتفي بالإخلاص في الدعاء أن يمتعني الله في نهايتك بما تفرسته في بدايتك؛ وأن يخلص للحق سرك، ويقدّرك على الهداية إليه، وينشط بنفسك لجمع قومك عليه, والسلام».
•••

سمح كريم النفس، يبذل العطاء للبائس والمحتاج، فكم بكته أُسَر كان يعولها في الخفاء، وكم له من يد على اليتامى والفقراء، وكم أنفق في تعليم محتاج، وكم سعى في توظيف عاطل، أو دفع الظلم عن مظلوم، أو إيصال الخير لمستحق، وأسعفه على ذلك ماله الخاص، فأنفق منه الكثير، ومركزه في الجمعية الخيرية الإسلامية ووزارة الأوقاف، فتعاون ماله الخاص والمال العام على إفاضة المعروف على البائسين والمحتاجين والمنكوبين، فكان نفاح اليدين وغيث المعروف.
وكان من طيب نفسه لا يحقد على مجرم أو مسيء أو مذنب، على حين يتهلل للمحسن والخيّر والنبيل، فكأن خلاصة فلسفته في ذلك الجبر في الإساءة، والاختيار في الإحسان، فهو لا يكره خصومه، ولا يبغض مَن أساءه، ولكنه يحب من أحسن ويحب كل الحب أصدقاءه.
إن أعجبه الجديد في فرنسا، فلا يكره القديم في الأزهر، وإن أعجبته الحضارة العصرية الأوربية، فإنه تعجبه الحضارة الإسلامية، وإن تذوق الأدب الفرنسي الحديث، فإنه يتذوق الأدب العربي القديم. وإن شغف بفلسفة «كانت» و«ديكارت»، فإنه مشغوف بفلسفة ابن سينا وابن رشد، وإن تكلم الفرنسية مع الفرنسيين، فإنه يتكلم العامية الصعيدية مع الفلاحين، فكان قلبه يتسع لكل شيء، ويتعشق كل جميل.
•••

هذا خلقه.
أما أدبه — فكان كذلك مظهرًا لذوقه، مُقل مُجيد، يتأنق فيه تأنقه في ملبسه وحركاته وسلوكه، يذهب مذهب من يرى الجمال في البساطة، لا يعجبه المهلهل من الأسلوب، ولا المفرط في الحلية، ذواق يتحسس اللفظ الجميل ليضعه في موضعه اللائق به، وقد يستعرض المترادفات ليرى أنسبها في مكانه، ويتحرى المعنى الرشيق والأسلوب الرشيق يحلي بهما ما يكتب، وخاصة في الاستهلال والختام، ويردد الجملة في نفسه ليستسيغها، كما يتذوق الشارب الشراب اللذيذ والطعام اللذيذ.
خبرته في ذلك يوم كان يحرر مقالاته الأدبية في «الجريدة» تحت عنوان «يوميات إبراهيم الفزاري» وأيام اشتركنا في تحرير مجلة «السفور» بعد عودته من فرنسا، ثم فيما كان يخطب ويكتب في الحفلات والمناسبات، ولو واتته الظروف وفرغ للأدب لكان منه الأديب الكبير الذي يتزعم مدرسة.
•••

ثم كان أستاذًا للفلسفة الإسلامية في كلية الآداب بالجامعة المصرية، فكان في مكانه الذي يتفق وهدوءه وسكينته وعقليته ومزاجه، سرعان ما امتدت أسباب الود بينه وبين طلبته فأنسوا به وأنس بهم، وأحبوه وأحبهم، وكان مقصدهم العملي والخلقي في الكلية وفي البيت وحيث يكون، يعرضون عليه مشاكلهم العلمية ومشاكلهم النفسية ومشاكلهم العائلية، فكان لهم أبًا رحيمًا وكانوا له أبناء بررة، فإذا تخرج متخرجهم كان للأستاذ أخًا صغيرًا وصديقًا وفيًا، وهو من ناحيته لا يكل في السعي لهم حتى يطمئنوا في حياتهم، ثم يوعز إليهم بأساليبه الظريفة أن يستمروا في البحث والدرس والإنتاج، ويشرك الكثير منهم في تحضير دروسه معه، وحل ما يعرض له من المشاكل الفلسفية، فربّى رجالًا كما ربى عقولًا، ومكّنه الاتصال بطلبته أن يتعرف خواص كل منهم وموضع قوته وضعفه، فعالج وشجع ووجه، حتى رأينا «قسم الفلسفة» في الكلية ينشط في البحث والإنتاج، وينشر الفلسفة بين الناس، ويحببها إليهم بفضله.
ثم هو في دروسه يسوي في التقدير بين فلاسفة الشرق وفلاسفة الغرب، ويناقش رينان كما يناقش الشهرستاني، وينقل عن هؤلاء وهؤلاء، ويمعن في فهم النصوص والوصول إلى باطنها مستفيدًا كل الفائدة من الطريقة الأزهرية.
وكان في بعض دروسه كما قال: «يتوخى الرجوع إلى النظر العقلي الإسلامي في سذاجته الأولى ويتبع مدارجه في ثنايا عصوره وأسرار تطوره».
ولئن حاول كثير من المستشرقين أن يغلوا في رد أصول الفلسفة الإسلامية إلى العناصر اليونانية، فقد رأى الأستاذ أن يضم إلى الفلسفة الإسلامية علم الكلام وأصول الفقه، ليدلل على ما للمسلمين من ابتكار في الفلسفة بأوسع معانيها.
وهو مؤدب جدًا في النقد، فإذا لم يوافق على رأي عالم، فكل ما يفعل أن يذكر الرأي، ويقول إنه لا يراه ويرى غيره أولى، ويورد الحجج على ذلك في أدب جم من غير تجريح، ومن غير أن يمس شعور المنقود أي مساس، فكأن المخالف صديقه الحميم الذي يرعى كل الرعاية عواطفه.
وكم كنت أتمنى أن تظهر شخصيته في التأليف أكثر مما ظهرت، وأن يتحرر من كثرة النقول أكثر مما تحرر؛ فقد كان رحمه الله يحاول ما أمكن ألا يظهر كما تظهر النصوص والنقول، ولعل حرصه التام على الأمانة في النقل وإعطاء كل ذي حق حقه من الفضل، حمله على أن يضحي بنفسه للإشادة بفضل غيره، ولكل مؤلف مزاجه ولكل شيخ طريقته.
كان رحمه الله يدوّن محاضراته قبل إلقائها قصدًا إلى الدقة، ولكنه احتفظ بها لم ينشرها طول مدة دراسته في الجامعة، فلما غادرها مأسوفًا عليه إلحّ عليه طلبته في أن يأذن لهم بنشرها، فأجاب وكتب: «قد كنت أيام اشتغالي بتدريس الفلسفة الإسلامية وتاريخها في الجامعة المصرية معنيًّا بدرس هذه الموضوعات واستكمال بحثها، ودوّنت فيها صحفًا طويتها على غرها منذ تركت الجامعة في صدر سنة ???? وصرفتني الشواغل عنها.
«واليوم أعود إلى هذه الصحف لأنشرها كما هي، بصورتها يوم كتبت، من غير تنقيح ولا تعديل، وفي صياغتها التعليمية التي تراعي حاجة الطلاب إلى مراجعة النصوص الكثيرة، وحسن التدبر والفهم للأساليب المتفاوتة، وإن لم يخف ذلك على ذوق المطالعين جميعًا».
«وأرجو أن يكون في هذه الصفحات عون لباحث أو فائدة لقارئ».
وعلى هذا نُشر كتابه «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» وكتابه عن «الكندي» والفارابي المسمى «فيلسوف العرب والمعلم الثاني» كما نشر كتابه «الإمام الشافعي واضع أصول الفقه» إلخ.
ومن سنة ???? إلى حين وفاته رحمه الله تنقل بين وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر، ولو ترك لسجيته وطبيعته ومزاجه ما قبلهما، ولظل أستاذ الفلسفة في الجامعة المصرية، ولكنه رحمه الله كان حييًّا خجولًا، يحمله حياؤه وخجله على أن يرعى الظروف ويراعي المجاملات، ويخضع لأدب اللياقة، قبلهما حائرًا بين طبيعته ومزاجه، وبين خجله ولباقته، إن وافقته وزارة الأوقاف في أنها ميدان الإحسان ووسيلة لتخفيف الكرب عن الضعفاء والبائسين والمنكوبين، فلم يوافقه ما تقتضيه الوزارة من أفانين السياسة، وشيخه الإمام قد لعن السياسة وكل ما اشتق من السياسة، وإن ناسبته مشيخة الأزهر، لأنها تغذي حنينه لأول معهد قضى فيه صباه وشبابه، فلم تناسبه لأنها مبعث قلق واضطراب وتضارب نزعات واختلاف تيارات، وقد لقي في مثل حاله شيخه الإمام الأمرّين حتى خرج منه على مضض، وفارقه على ندم.
وقد شعر رحمه الله بالقلق والاضطراب والحيرة من كل ذلك، فعبّر عن حالته أجمل تعبير في آخر ما كتب، إذ نشر تلميذ له كتابًا قديمًا اسمه: «صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام» لجلال الدين السيوطي وعرضه على أستاذه ليقدمه، فكان مما قاله رحمه الله في المقدمة: «كنت عثرت في دار الكتب الأزهرية على مجموعة رسائل للسيوطي في ضمنها كتاب «صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام» وكتاب «جهد القريحة في تجريد النصيحة» الذي لخّصه السيوطي من كتاب «نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان» لابن تيمية، فوجد في الكتابين نفعًا محققًا فيما أحاوله، فشرعت يومئذ في تدارسهما مع بعض الطلاب، غير أن ذلك لم يطل، فقد صرفتني الأقدار عن حياة المنطق إلى حياة ليست بمنطقية».
وقد كتب هذا في ?? يناير سنة ???? قبيل وفاته.
فهو يصف حياته في السنين الأخيرة بهذا الوصف الرائع الحزين، إن حياته ليست منطقية، إذ الحياة المنطقية هي مطابقة الحياة للمزاج، والسير في الشئون الخارجية على وفق طبيعة النفس الداخلية، أما جو قلق لنفس هادئة، ومعمعة حروب لطبيعة مسالمة، فليس من المنطق في قليل ولا كثير.
لقد فقدنا بفقده صديقًا كريمًا، وإمامًا عظيمًا، وشخصية لا تعوض، رحمه الله، وطيّب ثراه، وأجزل له من الفضل كِفَاء ما قدم لأمته، وألهم الصبر أسرته وأبناءه وأصدقاءه، ووفقنا لاقتفاء أثره وتخليد ذكره.

الجدل العقيم


في الناس قوم لا ينفع فيهم الجدل والمناقشة، فمن الحمق أن نضيع وقتنا وجهدنا في جدلهم ومناقشتهم.
إن الجدل الناجح، والمناقشة التي تؤدي إلى نتيجة معناها أن هناك شيئًا من الأساس متفقًا عليه، ومن المبادئ مسلمًا به، فإذا لم يكن ثم أساس ولا مبادئ، فالجدل ضرب من العبث.
إذا كان خصمك يريد الغلبة بالحق وبالباطل، وأداته في ذلك طول اللسان وقوة الحنجرة، فما معنى مناقشته! إنك في مناقشته تحتكم إلى المنطق، وهو لا يؤمن بمنطق، وتحتكم إلى وقائع، وهو يكذبها، وإن صدقها فسّرها تفسيرًا يخدم غرضه ويوفي بغايته، وإن سلكت مسلكًا سلك غيره عنادًا، فكيف تناقشه، ولم تناقشه؟ كيف تلتقيان إذا كان يريد الغلبة وتريد الحق، ويسلك مسلك التهويش، وتسلك طريق المنطق، وتلتزم أنت صحة الوقائع، ولا يلتزم هو شيئًا ففيم الجدل؟
وإذا كان خصمك قد وضع نصب عينيه في جدله أن يصل إلى منفعته الشخصية، ووضعت نصب عينيك أن تصل إلى الحق حيث كان، فكيف تلتقيان؟
ثم هناك من يتحجر عقله على عقائد اعتقدها، أو مبادئ اعتنقها، فكيف تليّنه بعد هذا التحجر؟ أو تكسبه المرونة بعد هذا التصلب؟ إنما ينفع الجدل قومًا يبرهنون فيعتقدون، لا قومًا يعتقدون ثم يبرهنون.
لقد كره الإسلام الإمعان في الجدل، وذمّ قومًا فقال «بل هم قوم خصمون» وقال رسول الله: «ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل»، فلم هذا الإسراف في المخاصمة والإمعان في المجادلة؟
إن شئت فانظر إلى ما يُكتب في الجرائد والمجلات، كيف يتجادلون ويمعنون في الجدل! حتى ليصدق عليهم أنهم «قوم خصمون»، لا يقفون عند منطق، ولا يقنعون ببرهان، وكل ما فعل خصمهم السياسي فهو ضلال، وهو باطل، وهو أسود، وكل ما فعل حزبهم فهو حق، وهو صواب، وهو أبيض، حتى لو فعل خصمهم ما طلبوا منه أن يفعل لجرحوه في فعله، ورموه بسوء القصد من عمله.
وفرق كبير بين النقد يخضع للمنطق واللبرهان، وبين اللجاجة في الجدل بالتهويش والسباب والتشهير والإمعان في الخصومة.
ذلك أن الأمر ليس أمر مسألة تُدرّس، وبرهان يُقام، ووجهة نظر تُعرض أو تُنقد، ولو كان هذا لسهل التفاهم، إنما الأمر أمر حزب يسقط، وحزب يحكم. وكل هذا الجدل الظاهر ليس إلا حربًا يخدم الغرض الباطن، فكيف يكون التفاهم؟
إن الجدل للوصول إلى الحق لا يخرج الإخوان عن الصفاء؟ ولا يمس صداقة الأصدقاء، بل يكون الجدل أفعل في توكيد الصداقة، وتثبيت العلاقة، لأن كلًا عاون الآخر. أما الجدل للغرض، فيفسد العلاقة، ويقلب الصداقة عداوة، لأنه ليس إلا وسيلة للانتقام، وشفاء الغليل.
ثم استعرض الجدل في المجالس كيف تتشعب الآراء ويطول الجدل. ويكثر الاستطراد، وكثيرًا ما ينتهي ذلك كله إلى غير نتيجة. حتى المجالس الخاصة التي قُصد منها إلى الاسترواح، ولذة الاستماع للحديث، وعرض كلٌّ أحسن ما رأى وما قرأ وما سمع، سرعان ما تنقلب إلى معركة حامية تفقد بهجتها ولذتها وتنقلب إلى جدل بغيض.
ما السر في هذه الفوضى كلها! وهذا الجدل الطويل كله؟ سره في قلة العقل فأقل الناس عقلًا أكثرهم كلامًا، ومن لم يحاسب نفسه على ما يقول قال ما يشتهي.
وسره في عدم ضبط النفس، فالنفس إذا لم يكن لها ضابط من عقل وحكمة شردت وذهبت كل مذهب.
وسره في الرأي العام الذي لا يحتقر الجَدِل الخصم، بل هو يطري طول لسانه وكثرة لجاجته وشدة إمعانه.
وسره في عدم تقويم الزمان، فلا بأس عند الناس أن تضيع الساعات في كلام فارغ، وجدل تافه، فهم يتفكهون بهذا كما يتفكهون بلعب النرد والشطرنج.
وسره في تشتت العقلية، فالتفاهم إنما يكون حين تتقارب العقلية، ولكنك تنظر فترى أميين بجانب متعلمين، وهؤلاء المتعلمون لا وحدة بينهم؛ تعليم أزهري ومدني وأجنبي، ومن تثقف ثقافة فرنسية، وأخرى إنجليزية، وثالثة ألمانية. من غير أن يكون لهذا كله دعامة متحدة من ثقافة قومية، ثم الفروق التي تنتجها معيشة الطبقات في العقلية؛ فعقلية الطبقة الارستقراطية غير طبيعة الطبقة الديمقراطية؛ وهكذا تمزقت عقلية الأمة كل ممزق، فلم يعد لها وحدة في العقلية، ولا وحدة في المزاج.
فإن كنت عاقلًا فوفر على نفسك الجدل فيما لا طائل تحته، واقتصد من وقتك وثوران نفسك، فإن من أهم الأسباب في خلق الأرض واسعة والسماء فسيحة أن نهرب حيث نشاء من الجدل العقيم.

اختلاف القيم


أهم فرق بين إنسان وإنسان هو نظرته إلى الأشياء وتقويمها، هذا هو الفرق بين العالم والجاهل، والراقي والوضيع، والحكيم والأحمق. وسلوك الإنسان في الحياة دليل على قائمة القيم المنقوشة في أعماق نفسه. فإن رأيته يسعى إلى تحصيل المال حيث كان، ومن أي طريق كان، ولا يعبأ بالنزاهة والشرف والكرامة دل ذلك على أنه يضع تحصيل المال في أعلى «قائمة القيم»، والشرف والكرامة في أسفلها، وإن رأيته يعنى بالنظافة أو لا يعنى بها، وبالمطالعة في الكتب أو عدمها، وبالمناظر الجميلة أو إهمالها، فمعنى ذلك من غير شك تحديد موضعها في «قائمة القيم».
وفائدة التربية بوسائلها المختلفة، والتعليم بأساليبه المتعددة إنما هو هذا التقويم، فالذي رُبي تربية صالحة، وعُلّم تعليمًا صحيحًا لا يمتاز عمن رُبي تربية فاسدة، وعُلّم تعليمًا سيئًا، إلا أن الأول قد ركزت في ذهنه قائمة لقيم الأشياء مرتبة ترتيبًا يتفق والمثل الأعلى، والثاني قد غرس في نفسه قائمة تتفق والمثل الأسفل.
وهذه المُثُل التي تُشتَق منها القيم تختلف باختلاف العصور والجماعات وروح الزمن، ففي الجماعات المتدينة تُشتق القيم من الدين، وتُرتب قيم الأشياء حسب أوامره ونواهيه؛ فطاعة الله في أول القائمة، والأخلاق تقوم حسبما ورد في الدين من طلب مشدد أو مخفف وهكذا؛ وفي الجماعات التي تفلسف حياتها حسب النجاح في الدنيا فقط ترتب «قائمة القيم» ترتيبًا آخر عماده التجارب الدنيوية، وما يوصل منها إلى النجاح وما لا يوصل، فتجعل في أعلى القائمة الحرية، والمحافظة على الشخصية، وتدبير الثروة، وطرق تحصيلها وإنفاقها، والسعادة في الحياة، والتسامح، وما إلى ذلك.
بل أرى أن النزعات والحروب وانقسام العالم إلى معسكرات، إنما منشؤه اختلاف في فلسفة الحياة، نتج عنه اختلاف في تقويم الأشياء، والنظر إليها، فهناك فلسفة اشتراكية تقوّم أكبر تقويم المساواة بين الناس، والعدالة الاجتماعية وفرض النظام الاجتماعي الذي يحقق هذه المساواة وهذه العدالة، ويقوّم الأشياء الجزئية حسب هذا المبدأ الأساسي الكلي، وهناك فلسفة أخرى تنشد ثروة الشعب، وعظمة الجنس، وحب الاستعمار والفتح، وقوة الجيش في الجو والبر والبحر، وما يتبع ذلك من الإشادة بفضيلة النظام والطاعة، وعلى هذا الأساس تقوم الأشياء، وهكذا اختلفت الفلسفات، فاختلفت مقاييس التقويم، واختلفت نظم التربية التي تحقق هذه الأغراض، وترمي إلى صوغ الشعوب حسب هذه المبادئ، فكان الخصام، وكانت الحرب، فحرب المدافع والقنابل والدبابات والطيارات نتيجة حتمية لحرب الفلسفات وحرب التربيات.
•••

إن الأمة المتماسكة هي التي تخضع لنظام واحد، يبث في أفرادها «قائمة للقيم» واحدة، تكون أمام نظرهم جميعًا، وتؤلف بينهم جميعًا، والأمة المنحلة هي التي تسمح لقوى مختلفة ونظم مختلفة أن تضع «قوائم للقيم» مختلفة تفرق بين أبنائها، فمثلًا عندنا الأزهر وتوابعه، يعلم أبناءه تعليمًا يرسم للقيم خريطة للحياة خاصة، وبجانبه المدارس الأجنبية تضع لطلبتها خريطة أخرى مخالفة للأزهر تمام المخالفة، ثم مدارس حكومية تلون خريطتها بلون ثالث مخالف للأولين، فينشأ عن ذلك حتمًا اختلاف الأنظار في قيم الأشياء، واختلاف السلوك تبعًا للتقويم، وسوء التفاهم بين الجميع لاختلاف المثل العليا لهم، وهكذا الشأن في الخلاف الواسع بين النظم الاجتماعية لسكان الريف وسكان المدن، والأغنياء والفقراء، والمتعلمين والجهلاء، مما ليس له نظير في الأمم المتماسكة؛ فإن كان عندها فروق ففروق ضيقة ليست بالسعة التي عندنا؛ وبعبارة أخرى إن الاختلاف في التقويم عندهم ليس بمقدار الاختلاف في التقويم عندنا.
ونتج عن ذلك ضعف الرأي العام، فإن قوته تنشأ من الثقافة الواسعة الموحدة كما نتج عدم التفاهم في المسائل العامة؛ فالخلافات الكثيرة في مجالسنا وآرائنا ووجوه حياتنا منشؤها في الأعم الأغلب الاختلاف الواسع في التقويم، والاختلاف الواسع في التقويم منشؤه الاختلاف الواسع في التكوين.
•••

على نمط أوسع من هذا كان الاختلاف العالمي. فهناك خلافات واسعة في التربية ونظمها، هناك من يربي على أساس النزعة القومية وقوة الأمة وسيطرتها، وهناك من يريد أن يربي على أساس النزعة الإنسانية والأخوّة العامة، ثم هناك من يريد أن يربي على أساس النزعة العقلية المادية البحتة، غير عابئ بالأديان والتقاليد والحياة الروحية، ومنهم من يريد أن يربي على أساس العقل والروح معًا، والتقاليد والتجديد معًا، وهكذا، وكل منهج يحارب الآخر.
ومن الناحية الاقتصادية هناك من يؤيد الملكية الخاصة، وهناك من يريد أن يهدرها تمامًا، وهناك من يريد أن يتوسط، ثم هناك من يريد حرية التجارة وحرية الأسواق، والنظر إلى ذلك كله نظرة عالمية، وهناك من يريد إخضاع التجارة والأسواق للنزعة القومية، فيتدخل في التجارة وفي الأسواق وهكذا.
ومن الناحية الاجتماعية هناك فلسفة ترى أن الحرية يجب أن تُمنح كاملة لأفراد الأمة، وألا تقف أمامها السلطات، فلا تحدها ولا تتدخل فيها إلا بقدر، وسينشأ عن ذلك النظام، بحكم طبيعة الشعب؛ وترى فلسفة أخرى أن النظام واستعمال السلطة في تعويد الشعب إياه يجب أن يسبق الحرية، ولا تنشأ الحرية الصحيحة إلا من فرض النظام وسهر السلطات عليه حتى تتربى الأمة.
ثم إن المدنية الصناعية الحديثة والمخترعات الجديدة تغلغلت في حياة الناس، وغيرت من تقويم الأشياء. ولم يتأثر بها الناس على السواء، بل كان منهم محافظون حافظوا إلى حد ما على القيم القديمة، وأحرار غيروا تغييرًا كبيرًا، وأسرفوا في تقويم الجديد، مما كان مثار خلاف أيضًا بين اتجاهات العالم.
•••

كل هذه وكثير أمثالها خالفت بين الجماعات في التقويم، ثم تبلورت فقسمت العالم إلى معسكرات تستعد اليوم للحرب، كما كانت تستعد من قبل، ثم تكتلت هذه المعسكرات إلى معسكرين اثنين.
•••

إذا كان أكبر سبب في هذه المنازعات هو اختلاف النظر الناشئ عن اختلاف التقويم، فهل هناك أمل في العلاج؟
إن ما أحدثته المخترعات الحديثة من تقريب المسافات بين الأمم، وكثرة الامتزاج والاختلاط بينها، وشدة الاتصال في معرفة كل أخبار الآخر، وكثرة المؤتمرات وما إلى ذلك، عامل كبير من غير شك في تقريب وجهات النظر، وتقريب تقويم الأشياء والآراء.
وإذا ثبت أن أهم سبب في الخصومات هو الاختلاف في التقويم كان أهم واجب على المصلحين أن ينادوا بالعلاج النفسي والاجتماعي؛ فليس هناك كبير فائدة في التفكير في نزع السلاح وإنشاء هيئة الأمم ونحو ذلك، ما لم تُدعّم بالعلاج النفسي من إزالة سبب خوف كل معسكر من الآخر بعد دراسته نفسيًّا، وما لم تدعم أيضًا بالعلاج الاجتماعي من بحث وسائل تقريب النظر وتقريب التقويم.

الوصايا العشر


قرأت أن أمريكيًّا من رجال الأعمال وضع لنفسه وصايا عشرًا، وعنونها «عهد وثيق» وكتبها على بطاقة، وآلى أن يقرأها كل يوم صباحًا عند الإفطار، وأن يبذل كل جهده للعمل بها وهي: (?) سأكرم نفسي: لأني أستطيع أن أعتزل كل أحد إلا نفسي، أعيش معها كل وقتي، آكل معها، وأنام معها، وأقيم معها وأرحل معها، فعليّ عهد ألا آتي بعمل يخجلها.
(?) سأكون طموحًا لا أقنع بما أنا فيه، بل أجعل نصب عينيّ أن أكون خيرًا مما أنا عليه، ومن أجل هذا لا أكره أن تظهر نقائصي، فذلك أقرب إلى معالجتها وإصلاحها، وهذا يجنبني الزهو بنفسي، ويحملني على أن أعمل دائمًا في بنائها.
(?) سأراقب ما يدخل في ذهني من أفكار، لأنها ذات أثر فعال، فهي إما أن تبنيني أو تهدمني، ولذلك سأغلق باب ذهني عن كل أفكار الفشل، وأفكار الرعب والخوف وأفكار اليأس، وسأحرم دخولها إلى ذهني كما أحرم الأكل السام إلى معدتي.
(?) سأكون أمينًا مع نفسي ومع غيري، سأكون أمينًا في السر والعلانية، أمينًا وحدي وأمينًا مع الناس، أشعر إذا قربت من الخيانة أنها كالنار ترعى جسمي.
(?) سأعنى بجسمي، فمنه أستمد القوة والصبر على العمل، وهو فوق ذلك وسيلة من وسائل الأخلاق الطيبة، لا أتلفه بالإفراط، ولا أحمله ما لا يطيق، لا أسرف في العمل، ولا أسرف في الكسل، سآكل وأشرب بحكمة، لا أعلف جسمي كما تُعلف الدواب، ولكن أنهج معه نهجًا يحفظ عليه صلاحيته.
(?) سأعمل على ترقية عقلي، فأغذيه كل يوم كما أغذي جسمي، وأدرس دراسة دقيقة منظمة لنوع من المعارف أتخذه هوايتي.
(?) سأحتفظ بحماستي وحرارة عواطفي باعتدال وابتهاج، فلا أشكو ولا أتبرم، ولا أتشاءم ولا أصادق المتشائمين اليائسين، وأتحمس للخير والجد والعمل في فرح ونشاط.
(?) سأكون أميل إلى مدح الناس وتقريظهم من ذمهم وتعييرهم وتعييبهم، وسأقول الخير وأبذل الثناء للناس في وجوههم ومن ورائهم، وأما ما أكرهه منهم وأعيبه عليهم وأحتقره من فعالهم فسأحتفظ بإفرازه إلى أن أعود إلى بيتي.
(?) سأحتفظ بمجهودي وطاقتي، فلا أسرف في إنفاقها في غير فائدة، فلا أجادل من لا فائدة في جدله، ولا أغضب إذ لا فائدة في الغضب، ولا أحقد فالحياة أقصر من أن تضيع في حقد.
(??) سأنجح في الحياة، وسأنجح مهما صادفني من عقبات، وإذا وُضع في طريقي أحجار أزلتها، وسأضع كل قلبي في عملي، وأواجه كل الصعاب من غير خوف، وأعتقد أن الحظ الحسن يتبع الجد والشجاعة.
الإمضاء
«نفسي»
•••

هذا عهد أمريكي، وقد أذكرني بعهد عربي قديم وضعه لنفسه (ابن) مسكويه من نحو ألف عام، نقتطف منه ما يأتي «هذا ما عاهد عليه أحمد بن محمد، وهو يومئذ آمن في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه، لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن، ولا يريد بها مراءاة مخلوق، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرة».
عاهده على أن يجاهد نفسه، ويتفقد أمره فيعف ويشجع ويحكم وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله الشره على ما يضره جسمه، أو يهنك مروءته.
وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة، ولا غضب في غير موضعه.
وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته — شيء من العلوم والمعارف ليصلح نفسه ويهذبها.
وعاهده على إيثار الحق على الباطل في الاعتقادات، والصدق على الكذب في الأقوال، والخير على الشر في الأفعال، والتمسك بالشريعة ولزوم وظائفها، وحفظ المواعيد حتى ينجزها.
ومحبة الجميل لأنه جميل لا لغير ذلك.
والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل.
والإقدام على كل ما كان صوابًا، والإشفاق على الزمان الذي هو العسر، فيُستعمل في المهم دون غيره.
وترك الاكتراث لأقوال أهل الشر والحسد حتى لا يُشغل بهم.
وذكر المرض وقت الصحة، والهم وقت السرور، والرضى عند الغضب، ليقل الطغي والبغي.
وقوة الأمل وحسن الرجاء والثقة بالله عز وجل.
•••

ومجال القول ذو سعة في الموازنة بين العهدين، ومقارنة أثر العصرين، ونتاج الحضارتين، وفي كل خير.

أبو سليمان المنطقي كما يصوره أبو حيان التوحيدي


محمد بن ظاهر بن بهرام السجستاني.
فارسي الأصل، عربي المربى.
كان أنبغ فيلسوف في بغداد في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري.
لم يكن أقل شأنًا من ابن سينا وابن رشد وربما فاقهما في بعض النواحي، ولكن الوجاهة والشهرة حظ لم يرزقهما أبو سليمان، فقلّ من يعرفه أو يترجم له أو يوفيه حقه، ولولا ما وقع في أيدينا من نبذ هنا وهناك من كلام أبي حيان التوحيدي ما عرفناه.
لقد كان في بغداد في عصره نخبة من الفلاسفة والحكماء من مسلم ونصراني ويهودي أمثال ابن زرعة وابن الخمار وابن السمح والقومسي ومسكويه ونظيف ويحيى بن عدي وعيسى بن علي وأبي حيان التوحيدي وغيرهم.
ولكن كان أبو سليمان واسطة عقدهم وجامع شملهم ومقصدهم في حل المشكلات وقائل الكلمة الأخيرة فيما يجري بينهم من مناظرات، وكان كما يصفه أبو حيان «أدقهم نظرًا، وأقعرهم غوصًا، وأصفاهم فكرًا، وأظفرهم بالدرر، واوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة ولكنه ناشئة من العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز».
وهذا تحليل دقيق من أبي حيان لشخصية أبي سليمان. فهو قوي الفكر ألكن العبارة، وهو يعتمد على قوة عقله أكثر مما يعتمد على النقل من المؤلفات، وهو واثق بصدق رأيه أكثر مما يثق بما يقول غيره، وهو قوي الشخصية يجعل رأيه حكما في كل ما يعرض عليه، وهو بخيل بعلمه لا يذكر بعضه إلا للخاصة إذا دعت الدواعي.
ولعل في هذا بعض ما يفسر خموله، فضنّه بعلمه جعله لا يخرج من المؤلفات ما ينشر ذكره ويعلّي شأنه ويخلد اسمه، يضاف إلى هذا أن الله الذي وهبه بسطة في العلم والعقل حرمه الجمال، فهو أعور العين مصاب بالبرص مشوه الخلق يقول فيه الشاعر:
أبو سليمان عالم قطنما هو في علمه بمنتقصلكن تطيرت عند رؤيتهمن عَوَر موحش ومن برصوبابنه مثل ما بوالدهوهذه قصة من القصص منعه هذا العور وهذا البرص من أن يغشى مجالس العظماء والأمراء والحكام، وفي ذلك العصر كان هذا الاتصال سبب الرزق للعلماء، ولم يكن الأمر كما هو في عهد ديمقراطية اليوم حيث يستطيع العالم أن يجد رزقه من الشعب بوسائل مختلفة، بل كان العالم إن لم يتصل بخليفة أو أمير يمنحه أو يصله بوظيفة يستدر منها رزقه في وقف من الأوقاف ساءت حياته وأصابه الضنك إن لم يكن له مال موروث.
والفلسفة على الخصوص محتاجة إلى عون الأمراء، بل وحمايتهم، لأنها ليست مستساغة للعامة وأشباههم، بل هي مكروهة منهم.
فكان أبو سليمان فقيرًا معتزلًا بالإكراه، لا يجد قوْته ولا أجر مسكنه إلا بمشقة.
كان عضد الدولة يمنحه المنحة الفينة بعد الفينة، فلما مات عضد الدولة شق عليه موته. فمنحه الوزيران سعدان مئة دينار مرة، فتهلل لها، ووعده بأن يواصل منحه، ولكن الوزير قُتل؛ فهذه المعيشة المنعزلة الفقيرة كان لها أثر كبير في خموله. كان بيته مع فقره مجمع فلاسفة بغداد، ومجلسه مملوءًا بالبحث وتبادل الآراء في المشاكل التي تثار مع اختلاف ألوانها وموضوعاتها، وكتب أبي حيان كالإمتاع والمؤانسة، والمقابسات، والصداقة والصديق تشغل جزءًا كبيرًا منها محاضر لهذه الجلسات وتدوين مختلف وجهات النظر وما كان لأبي سليمان المنطقي فيها من قول فصل.
ونحن نستعرض بعض آرائه الدالة على عمق نظره وسعة أفقه.
لقد كان من أهم ما يثار في تلك الأيام مسألة لا تزال تثار إلى اليوم، وهي موقف الناس من الوحي ومن العقل، فأساس الأديان أن الله تعالى شاء أن يتصل بخلقه عن طريق رسله، فأوحي إليهم بتعاليم الدين علمًا منه بقصور العقل الإنساني وضيق مجاله، فإن استطاع العقل إدراك المادة وقوانينها فلن يستطيع إدراك ما وراء ذلك من عالم الغيب، وهذا هو ما بيّنه الأنبياء بما يُوحى إليهم؛ وعلى هذا الأساس شُرعت العبادات وشُرح عالم الغيب، فهي قد جاءت لا عن طريق إعمال العقل وترتيب المقدمات والنتائج كما يفعل العقل في بحثه العلمي، ولكن عن طريق أن الرسول أُوحي إليه من الله بهذه التعاليم فآمن بها، وبلّغها للناس، فهل تُعرض هذه التعاليم الدينية على العقل ليبحثها بطريقته الفلسفية والمنطقية؟
هذا سؤال عالجه قديمًا الفلاسفة كما يعالجه اليوم الفلاسفة ورجال الدين.
وكان في أيام أبي سليمان هذا أربع نزعات في هذا الموضوع. منهم من حكّم العقل في الدين فعرض كل مسائل الدين على العقل، فما قبله العقل من الدين قبله وما لم يقبله رفضه. وكان من أكبر دعاة هذا المذهب زيد بن رفاعة المقدسي، وقد كان آية في الذكاء وحسن البيان وسعة الاطلاع، فكان يقول: الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء، والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم وحتى يزول المرض بالعافية فقط، فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلًا، ويرى أن الشريعة للعامة، والفلسفة للخاصة، وأن أدلة الدين ظنية وأدلة الفلسفة يقينية إلخ ما قال.
ونزعة أخرى عكس هذه تمامًا، وهي تحكيم الدين في العقل أو الفلسفة، وعرض نظريات الفلسفة على الدين فما وافق منها الدين قبل وإلا رفض، ويمثل هذه النزعة المحدثون والفقهاء.
ونزعة ثالثة آمنت بالفلسفة وأرادت أن تؤمن بالدين ففسرت الدين تفسيرًا فلسفيًّا، وبعبارة أخرى حوّلت الدين إلى عقل، وما لم يمكن تفسيره من الدين بالفلسفة أوَّلته، أي أنها جعلت الدين والفلسفة وحدة خاضعة لتفسير العقل؛ وهذا ما كان يحاوله الفلاسفة الإسلاميون أمثال الكندي والفارابي، وأخيرًا في هذا العصر الذي نتحدث عنه «إخوان الصفاء» فمزجوا الوحي بالتشبع بالفلسفة اليونانية، وحاولوا أن يكوّنوا منها وحدة، فإذا صادفتهم صعوبة من أنواع من الوحي لا يمكن تفسيرها بالعقل كبعض أشكال العبادات سبحوا في الخيال وأمعنوا في الرمز حتى يلائموا بينها وبين الفلسفة.
طلع أبو سليمان المنطقي برأي في هذا جديد، ولم يعجبه ما فعل إخوان الصفاء وقال فيهم: «إنهم تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجدوا، وحلموا وما وردوا، وغنّوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشّطوا ففلفلوا، ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يُستطاع، ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة في الشريعة وأن يضموا الشريعة للفلسفة … وقد توفر على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحدّ أنيابًا وأحضر أسبابًا، وأعظم أقدارًا. فلم يتم لهم ما أرادوا، ولا بلغوا منه ما أملوا، وحصلوا على لوثات قبيحة ولطخات فاضحة وعواقب مخزية، وأوزار مثقلة».
وقد أبان السبب في هذه الطريقة بأن منهج الدين يخالف تمامًا منهج الفلسفة، فأساس الدين الوحي وهو الأخذ عن الله بواسطة السفراء بينه وبين خلقه، وبرهانه الآيات وظهور المعجزت، وهو يشتمل على ما يوجبه العقل تارة ويجوّزه تارة، وفيه ما لا سبيل إلى إقامة البرهان على ثبوته أو نفيه. وإنما يقبل بالتسليم من غير لم وكيف ولو وليت، ومعنى هذه التعاليم الورع والتقوى، ووسيلتها العبادة وطلب الزُلفى.
أما الفلسفة فأساسها العقل ووسيلته المنطق ودرس المقدمات وربط المقدمات بالنتائج وعدم قبول شيء إلا أن يقوم البرهان المنطقي عليه، وفي الدين ما لا يمكن قبوله إلا بالتسليم، لأنه لا يمكن إقامة البرهان عليه بالنفي أو الإثبات.
فكيف إذن يسوغ لإخوان الصفاء أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوة تجمع حقائق الفلسفة وحقائق الدين في نطاق واحد؟
وإذن، فما الحل؟
يكاد أبو سليمان يرى أن للدين مجالًا وحدودًا وللفلسفة مجالًا وحدودًا؛ فالدين لم يأت لشرح النظريات العلمية وإنما أتى لشرح العلاقات بين العبد وربه، والفلسفة أتت لتفسير الكون وقوانينه الطبيعية، ولم تأت لتفسير الأمور الغيبية، فلنتبع الدين في مجاله وحدوده، ولنتبع الفلسفة في مجالها وحدودها، وهو في حدود الدين لا ينظر إلى الفلسفة، وهو في حدود الفلسفة لا ينظر إلى الدين. يقول: والعاقل «يتحلى بهما مفترقين في مكانين، على حالين مختلفين، ويكون بالدين متقربًا إلى الله على ما أوضحه له صاحب الشريعة عن الله تعالى، ويكون بالحكمة متصفحًا لقدرة الله في هذا العالم الجامع للزينة الباهرة لكل عين، المحيرة لكل عقل، ولا يهدم أحدهما بالآخر، أعني لا يجحد ما ألقى إليه صاحب الشريعة مجملًا ومفصلًا، ولا يغفل عما استخزن الله هذا الخلق العظيم على ما ظهر بقدرته … ولا يعترض على ما يبعد في عقله ورأيه من الشريعة بأحكام الفلسفة، فإن الفلسفة مأخوذة من العقل المقصور على الغاية، والديانة مأخوذة من الوحي الوارد من العلم بالقدرة. ولعمري إن هذا صعب، ولكنه جماع الكلام وأخذ المستطاع وغاية ما عرض له الإنسان المؤيد باللطائف».
ويقول: «إن الفلسفة حق، لكنها ليست من الشريعة في شيء، والشريعة حق، ولكنها ليست من الفلسفة في شيء، وصاحب الشريعة مبعوث، وصاحب الفلسفة مبعوث إليه، وأحدهما مخصوص بالوحي والآخر مخصوص بوحيه، والأول مكفي، والثاني كادح».
وهذا في نظري رأي دقيق معتدل يستحق كل تقدير وإعجاب. وقد سقنا هذا مثلًا لعمق تفكيره في أعوص المسائل ودقة نظره واستقلال رأيه.
وعلى هذا الأساس كره علم الكلام والمتكلمين، لأنهم حاولوا أن يبرهنوا على قضايا الدين بالمنطق، فقال: ولمصلحة عامة نُهي عن المراء والجدل في الدين على عادة المتكلمين الذين يزعمون أنهم ينصرون الدين وهم في غاية العداوة للإسلام والمسلمين، وأبعد الناس من الطمأنينة واليقين؛ ذلك لأن الدين في نظره كما يقول مبني على القبول والتسليم، فمتى آمن المرء بنبي سلّم بما جاء به من غير لم وكيف إلا بقدر ما يؤكد أصله ويشد أزره، وينفي عارض السوء عنه؛ لأن ما زاد على هذا يوهن الأصل بالشك، ويقدح في الفرع بالتهمة.
وحكى حكايات تسخف المتكلمين وتبين سوء جدلهم، وأن كثيرًا منهم حار ووقع في القول بتكافؤ الأدلة، وهو ضرب من الشك.
•••

وكثيرًا ما كانت تثار في مجلس أبي سليمان ببغداد المسائل النفسية، إما نفسية بحتة أو نفسية تطبيقية على الأفراد أو نفسية اجتماعية، فمن النوع الأول أبحاثه الكثيرة في النفس، وهو يرى أن الإنسان جسم ونفس، وهما عنصران متباينان، فالجسم له أبعاد ثلاثة والنفس لا أبعاد لها، وهي جوهر بسيط لا يتجزأ، ولا يُدرك بحاسة من الحواس الخمس، ولا يقبل التغير والاستحالة من شيء إلى شيء، ولا يعتريه فتور ولا ملال، وهي تخالف الجسم في قبولها للصور المختلفة من جنس واحد في وقت واحد؛ فالجسم إذا كان على شكل مثلث استحال أن يكون مربعًا أو مدورًا إلا إذا زال شكل التثليث، وليست كذلك النفس، فهي تقبل الصور المتعددة على التمام والنظام من غير محو وإثبات؛ ولهذا يزداد الإنسان بصيرة كلما نظر وبحث وارتأى وكشف، وقد صحبت النفس البدن عند مسقط النطفة، وما زالت تربيه وتغذيه، وتحييه وتسويه حتى بلغ ما نرى. والإنسان بهما إنسان وليس بأحدهما، ونصيب الإنسان من النفس أكثر من نصيبه من البدن.
والإنسان يريد أن يعرف النفس، وهو لا يعرف النفس إلا بالنفس، وهو محجوب عن نفسه بنفسه، وكل من كانت نفسه أصفى، ونظره أعلى، كان من الشك أنجى، وإلى اليقين أقرب، والنفس قوة إلهية بسيطة، ولبساطتها كان خلودها؛ لأن الفساد إنما يدب إلى الجسم من تركيبه، والبدن إنما يبلى ويفسد ويبطل ويموت لأن النفس فارقته، والنفس لا يفارقها شيء ليعتريها الموت؛ وهكذا يفيض في هذا. وقد أرسل إليه مرة الوزير ابن سعدان أسئلة مع ابي حيان في النفس وطبيعتها ودليل بقائها، وهل تعلّم هذا العالم بعد مفارقتها الجسم إلى آخره. فكتب إليه في الإجابة رسالة لطيفة مختصرة. ويقول أبو حيان إن أبا سليمان كان إذا تكلم في النفس أفاض وأتى بالعجب. وفي الحق أن أبا حيان ملأ كتبه بأحاديث أبي سليمان عن النفس.
وهو يطبق معارفه في النفس على سلوك الأفراد والأمم. أطلعه مرة أبو حيان على صحيفة في تعريف الأخلاق وتحديدها، نقلها عن عيسى بن زرعة، فنظر فيها أبو سليمان وقال: «إن تحديد الأخلاق لا يصح إلا بضرب من التجوز والتسمح، وذلك أنها متلابسة تلابسًا، ومتداخلة تداخلًا، والشيء لا يتميز عن غيره إلا ببينونة واقعة تظهر للحس اللطيف أو تتضح للعقل الشريف، ألا ترى أن التواضع مشوب بالضعة، وعلو الهمة بالكبر، وعزة النفس بالعجب، والحلم ببعض الضعف؟ هذا بالقول ربما سهل وانقاد، ولكن بالعقل ربما عز واعتاض، والأخلاق والخلق مختلطة.
ثم قال: «وهذا أيضًا يختلف بحسب المزاج والمزاج، والإنسان والإنسان، وإنك لو رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل عليك من تحويل البخيل من الروم إلى الجود، والطمع في جبان الترك أن يتحول شجاعًا أقوى من الطمع في جبان الكرد أن يكون بطلًا».
يريد أن مزاج العرب أقرب إلى الجود فسهلت الدعوة إليه، ومزاج الترك أقرب إلى الشجاعة فسهلت الدعوة إليه، وليس كذلك مزاج الروم في الجود إلخ.
قال: ومع هذا فوصف الأخلاق بالحدود، وإن كان على ما بيّنا نافع جدًّا.
ثم لأبي سليمان في السياسة العملية نظرات صائبة أحكي منها مثلًا أو مثلين: لقد كان ابن سعدان الوزير البويهي يتأفف من كلام الناس في السياسة ومحاولتهم تعرف كل صغيرة وكبيرة يفعلها الوزراء والأمراء حتى ليودون أن يعرفوا ما يجري في بيوتهم، وما في دخائل أنفسهم، وقد ضاق الوزير ذرعًا بذلك، وود أن يؤدبهم بالضرب والتنكيل حتى لا يخوضوا في مثل هذا الحديث وأن يتوجهوا فقط إلى معايشهم ووسائل تحصيلهم.
وقد شكا الوزير ذلك إلى أبي حيان، فنقل له أبو حيان من كلام أبي سليمان في ذلك قولًا رائعًا، ونظرًا صائبًا وفصلًا لم تبل جدته، ولم تغيره الأيام على اختلاف تقلب السياسة، فهو جديد اليوم كما كان جديدًا في أيامه.
قال أبو سليمان: ليس ينبغي لمن كان الله جعله سائس الناس عامتهم وخاصتهم أن يضجر مما يبلغه عنهم أو عن أحد منهم لأسباب كثيرة: منها أن عقله فوق عقولهم، وحلمه أفضل من حلومهم، وصبره أتمّ من صبرهم، ومنها أنهم إنما جُعلوا تحت قدرته نيطوا بتدبيره، ليقوم بحق الله فيهم ويكون عماد حاله معهم الرفق بهم والقيام بمصالحهم، ومنها أن العلاقة بين السلطان وبين الرعية قوية، وهي أوشج من الرحم التي تكون بين الوالد والولد، والملك والد كبير، كما أن الوالد ملك صغير، وما يجب على الوالد في سياسة ولده من الرفق به، والحنو عليه، واجتلاب المنفعة له أكثر مما يجب على الولد في طاعة والده … ومما يزيد هذا المعنى كشفًا أن الملك لا يكون إلا بالرعية، كما أن الرعية لا تكون رعية إلا بالملك … وبسبب هذه العلاقة المحكمة لهجت العامة بتعرف حال سائسها، والناظر في أمورها حتى تكون على بيان من رفاهة عيشها، وطيب حياتها، ودرور مواردها، بالأمن الفاشي بينها والعدل الفائض عليها والخير المجلوب إليها، وهذا أمر جار على نظام الطبيعة، ومندوب إليه في أحكام الشريعة، ولو قالت الرعية لسلطانها: لم لا نخوض في حديثك ولا نبحث عن غيب أمرك. ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك، ولم لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك، ومصالحنا متعلقة بك، وخيراتنا متوقعة من جهتك، ورفاهيتنا حاصلة بحسن نظرك وجميل اعتقادك، ما كان جواب سلطانها وسائسها؟ أما كان عليه أن يعلم أن الرعية مصيبة في دعواها؟
ولو قالت الرعية: لم لا نبحث عن أمرك، وقد ملكت نواصينا وصادرتنا على أموالنا وقاسمتنا مواريثنا، وإن طرقنا مخوفة، وخراجنا مضاعف، ومعاملتنا سيئة، وجندينا متغطرس وشرطينا متعجرف، ومساجدنا خربة، ووقوفها منتهبة ومارستاناتنا خاوية، وأعداؤنا مستكلبة ماذا يكون الجواب؟
وعلى هذا يمضي في بيان حقوق الرعية على الراعي في حرية تامة. وجرأة مستفيضة. وقد أعجبني من أبى حيان شجاعته في نقل هذا القول للوزير ابن سعدان فأصلح رأيه وألجم لسانه.
ومثل آخر من نظرته الصائبة في السياسة: أن أبا سليمان حكى أن كسرى أنوشروان لما تقلد مملكته عكف على الصبوح والغبوق، فكتب إليه وزيره رقعة يقول فيها: إن في إدمان الملك ضررًا على الرعية، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمر المملكة. فوقع كسرى على ظهر الرقعة بالفارسية ما ترجمته: إذا كانت سبلنا آمنة وسيرتنا عادلة، والدنيا باستقامتنا عامرة، وعمالنا بالحق عاملة، فلم نمنع فرحة عاجلة؟
وعلّق أبو سليمان على هذا فقال: «أخطأ كسرى من وجوه: أحدها أن الإدمان إفراط، والإفراط مذموم. والثاني أنه جهل أن أمن السبل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحق متى لم يوكل بها الطرف الساهر، ولم تحط بالعناية التامة ولم تحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظام، دبّ إليها النقص، والنقص باب للانتفاض مزعزع للدعامة. والثالث أن الزمان أعز من أن يُبذل في الأكل والشرب والتلذذ والتمتع، فإن في تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها، وابتعاد الغي عنها، ما يستوعب أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر قصيرًا، وكان ما يدعو إليه الهوى كبيرًا. والرابع أنه ذهب عليه أن الخاصة والعامة إذا وقفت على استهتاره باللذات وانهماكه في طلب الشهوات، ازدرته واستهانت به، وحدثت عنه بأخلاق الخنازير وعادات الحمير، واستهانة الخاصة والعامة بالناظر في أمرها، والقيم بشأنها، متى تكررت على القلوب تطرقت إلى اللسان وانتشرت في المحافل، والتفت بها بعضهم إلى بعض وهذه مكسرة للهيبة، وقلة الهيبة رافعة للحشمة، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة والوثبة غير مأمونة من الهلكة، وما خلا الملك من طامع راصد قط».
وله في تحليل شخصية عضد الدولة السياسية وأحوال الناس في زمانه واضطرب أمرهم بعده ما يدل على دقة نظر. وهو يرى أن لا بد من الأخذ بقواعد السياسة بجانب الدين، ولا بد من اطلاع السائس على كتب السياسة التي كتبها الحكماء وعرفانها والعمل بها والزيادة عليها حسب مقتضيات الأحوال؛ وقد كتب هو نفسه رسالة لطيفة في السياسة أهداها إلى قابوس ملك جرجان.
وقد حكى أبو حيان عنه أن أبا سليمان كان إذا تكلم في مثل هذه الموضوعات عجبوا منه وعوذوه وسألوه أن يؤلف لهم فيها.
ولأبي سليمان كلمات رائعة في الحكمة على نحو ما روى لأفلاطون وبقراط وأمثالهما من حكماء اليونان.
وكان دقيق الحكم، له الطبع العلمي المنصف الذي لا يهرف بما لا يعرف.
قيل له يومًا: هل هناك بلاغة أحسن من بلاغة العرب؟ فقال: «هذا لا يبين لنا إلا بأن نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها، ثم نحكم حكمًا بريئًا من الهوى والتقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمع فيه إلا ذو عاهة».
قال له أبو حيان يومًا: كيف أصبحت؟ فقال: «أصبحت مالك الظاهر مملوك الباطن … إن حزنت حزنت طباعًا، وإن فرحت فرحت خداعًا، إن أنا خالطت ذممت الناس، وإن اعتزلت اجتلب الوسواس، إن بحثت دهشت، وإن قدرت استوحشت، بهذا مسائي وصباحي، وعليه غدوي ورواحي، وا شوقاه إلى وطء ذاك البساط! وا كرباه من عقد هذا الرباط! يا لها سعادة لو وجدت بالجد والتشمير، وزهد من أجلها في النقير والقطمير!»
وكان أبو حيان وغيره يأتونه بالصفحة من كلام الصوفية أو من الفلسفة اليونانية فيستحسنها ثم يملي عليهم من عنده خيرًا منها.
كان له طبيعة يفلسف بها كل شيء مر على سمعه أو تحت نظره؛ فما يسمع بحادث، أو يعرض عارض، أو ترد خاطرة حتى تفيض فلسفته ويغمر بها سامعيه.
وكان مع هذا له مجالس أنس يروّح فيها عن نفسه. كان مشغوفًا بسماع الغناء من فتى موصلي نابغ، فيطرب من غنائه أشد الطرب وكان يخرج بعض أيام الربيع إلى البساتين ومعهم مغن، فهل ينسى فلسفته حتى في هذه الأوقات؟ كلا. كان يثير مثل هذه الأسئلة: لم كان المغني إذا تابعه أحد في غنائه وسانده يكون غناؤه ألذ وأطيب، وأحلى وأعذب؟ ويغنيه مرة غلام جميل الصوت تنقصه الصنعة، فيثير مسألة: لم تحتاج الطبيعة هنا إلى الصناعة؟ وهكذا يفلسف كل شيء حتى لو قال له أحد: «السلام عليكم»، لفلسفها كما فلسف سؤال أبي حيان له: كيف أصبحت؟
وليست فلسفته بالبساطة التي عرضتها. فكثيرًا ما يعمق حتى يدقّ فهمه، ويسمو حتى لا يدرك، ويرمز حتى لا يبين.
وهذه المسائل التفصيلية كلها ترجع في فلسفته إلى أصول كلية خلصت له، وصحت عنده واعتنقها، وولد منها كل هذه الفروع.
ما هذه الأصول؟ ومن أي مدرسة كان أبو سليمان من مذاهب الفلسفة الإسلامية؟ وهل كان أرسططاليسيًّا أو أفلاطونيًّا؟ وإلى أي حد كان مقلدًا للفلسفة اليونانية؟ وإلى أي حد كان أصيلًا؟ هذه مسائل تحتاج إلى بحث أدق ونظر أعمق.
أيًّا ما كان فقد كان أبو سليمان شخصية ممتازة لم تنل حقها من التقدير، لقد تركت دويًا كبيرًا في محيطه وفي زمنه، وكان بيته مقصد العلماء ليلًا ونهارًا؛ هذا أبو حيان يقرأ عليه كتاب النفس لأرسطو، وهذا يعرض ما غمض عليه من أقوال الفلاسفة فيشرحها، وهكذا كان مجلسه متعة النفس وغذاء العقل، وأقواله تُنقل إلى الخاصة، ويتجادل فيها العلماء في مجالسهم، ويتخاصم فيها في سوق الوراقين، وتحدث حركة علمية جليلة، ولكن لا تلبث أن تخبوا وقلّ من التفت إليها وحرص على دراستها، كما فعلوا بكتب ابن رشد وابن سينا وأمثالهما، والدنيا حظ والوجاهة حظ.
وهو مع الأسف لم يخلف لنا كتابًا أو كتبًا تعرض كل فلسفته مبوبة مرتبة، ولكن نبذ من هنا ومن هناك حكاها عنه أبو حيان.
ومع هذا، فلعلي بهذه الكلمة القصيرة أكون قد نفضت عنه بعض الغبار الذي عفى عليه، ولعلها تثير من يكشف النقاب عن وجهه.

تعقيل الإصلاح?


في اللغة: عقّل الأحمق أو الجاهل، صيّره عاقلًا. وقد استعملته هنا في معنى قريب من هذا، وهو تأسيس الإصلاح على مقتضى العقل والعلم لا على أي أساس آخر.
وتعقيل الإصلاح بهذا المعنى درجة لا يصل إليها الإنسان إلا بعد مراحل شاقة وبلوغ درجة عالية من الرقي والنضج. سواء في ذلك الإصلاح الشخصي أو الإصلاح الاجتماعي. ففي الأفراد مثلًا كثيرًا ما يسير المرء هواه وعواطفه لا عقله، وقد يتخذ الهوى والعوطف شكل العقل خداعًا وتضليلًا. هذا رجل مقتر على نفسه، يأتيه المال الكثير ولا ينفق منه إلا القليل، ويضن به على نفسه وأولاده حتى في الضروريات خشية الفقر، فهذا يسير في حياته على الهوى، ولكن يصبغه صبغة العقل فيخترع حججًا ومنطقًا يبرر بها سلوكه، ويظن أنها العقل وليس بعقل، وإنما هو الهوى.
وهذه امرأة رأت نفسها أسمن مما يلزم، فوُصف لها نمط من الغذاء خاص تلتزمه، فلما حاولت ضعفت إرادتها، فهي تزعم لنفسها أن سمنها ليس فوق المعتاد، وأنها إن نحفت عن ذلك قلّ جمالها، فهي تخترع حججًا عقلية لتبرهن بها على سلوكها، وهي في الواقع تستر فشلها. هي إذن تسير حسب هواها لا حسب عقلها، لأن السير حسب العقل عسير.
والأمر في الإصلاح الاجتماعي أوضح؛ فالأمم تسير في الإصلاح حسب الهوى حتى تنضج فتخضع للإصلاح حسب العقل. وأعني بالهوى مجرد الرغبة، سواء أكانت خيّرة أو شريرة. فالإصلاح المؤسس على مجرد عاطفة ولو خيّرة من غير أن يفحصه العقل هو إصلاح مبني على الهوى ويحتاج إلى تعقيل.
ولنضرب لذلك مثلًا الفقر والإحسان. فقد نُظر إلى الفقر قديمًا على أنه كارثة يألم لها الإنسان، وعالجها بالإحسان بمعنى التصدق على الفقراء، فهذا إصلاح مبني على العاطفة أو النية الحسنة أو الهوى بمعناه الحسن، ولكنه إصلاح لم يعقل. وظل الحال على هذا المنوال حتى جاء العصر الحديث وحدثت النهضة العقلية، فحاولوا تعقيل إصلاح الفقر. فماذا فعلوا؟ درسوا الفقر وأسبابه دراسة عميقة، فتساءلوا: ما الفقر؟ ومن الفقير؟ وأسباب الفقر، وما يرجع منها إلى الفقير، وما يرجع إلى النظام الاقتصادي والاجتماعي في الأمة. ورأوا أن الإحسان بمعنى إعطاء الفقير شيئًا من الصدقة يدًا بيد قد يلتقي مع أسباب الفقر في قليل من الأحيان، ولا يلتقي في كثير منها؛ فإذا كان سبب الفقر أن رب الأسرة سكّير فماذا تجدي الصدقة؟ فلما عقلوا الإصلاح ودرسوا الفقر وأسبابه نوّعوا الإحسان ليتلاقى مع أسباب الفقر؛ فمن كان سبب فقره العطل عن العمل فليوجد له عمل؛ ومن كان سببه الإدمان على كيف من المكيفات فليُعالَج، وإذا كان السبب سوء الحالة الاقتصادية في البلاد فلتصلح الضرائب.
وعلى كل حال فليكن الإحسان في يد جمعيات وهيئات صالحة تدرس وتعالج بناء على الدرس، وليحرم الإنسان الفردي، وليكن الإحسان لهذه الهيئات الصالحة ننفقه، وليُحرَّم التسول في الطرقات بناء على هذا، ولتنشأ المدارس الصناعية لأولاد الفقراء منعًا للفقر المقبل، وهكذا. ولا يزال الباحثون يعقلون هذا الإصلاح إلى اليوم. وكان آخر ما قرأنا في ذلك مشروع «بيفردج». وكان لهذا التعقيل على اختلاف أنواعه نتائج باهرة إن لم تقض على الفقر تمامًا فقد كادت؛ ولولا الحروب وويلاتها لرأينا منها أحسن النتائج.
ولننظر في ضوء هذا إلى الأموال الكثيرة تنفق بدعوى معالجة الفقر عندنا. كأموال النذور والأوقاف الخيرية وأموال الجمعيات الخيرية كيف توزع بدعوى معالجة الفقر من غير عقل ولا تعقيل!!
كذلك الشأن مثلًا في الإجرام والجريمة. كانت النية الحسنة أو الهوى ينفر من الجريمة ويعاقب عليها في كثير من الأحوال، ولكن لما أريد تعقيلها بُحث عن الجريمة وأسبابها ووُضع العلاج لكل سبب؛ فالجريمة لم تأت عفوًا فلا تعالج عفوًا، إنما تأتي من عوامل متعددة مختلفة، فما بقيت العوامل بقي الإجرام.
على هذا أُصلحت السجون، ووضعت الأسس للوقاية من الإجرام.
وهكذا كل الأمراض الاجتماعية وما وُضع لها من إصلاح.
قد أتى هذا التعقيل أو هذا النضج في التفكير نتيجة للإيمان بقانون السببية، وربط المسببات بالأسباب، فالفقر والإجرام والجهل والقذارة وسوء النظام وفساد الحكم، كل ذلك ليست قدرًا ينزل من السماء لا قِبل لنا به ولا دخل لنا فيه، ولكن أسباب حدثت تنتج مسببات لا بد منها، وليست ثمرة تثمر عفوًا، ولكن تبذر بذور وتتكون مع الزمن لتكون شجرة ثم تثمر، ولا بد أن تكون الثمرة من جنس البذرة، فإذا بذرت حنظلًا وأردت تفاحًا فذلك محال، إلا أن تغير البذرة وتتعهدها بالنماء حتى تثمر تفاحًا. ومهما كان لك من نية حسنة فبذرة الحنظل حنظل، وبذرة التفاح تفاح.
•••

والناظر في شئون الأمم والجماعات وتطورها يرى أنها جرت في تطورها على سنن واحد من الخضوع للغريزة، إلى الخضوع للهوى، إلى التعقيل.
فالجمعيات الإنسانية الأولى تتحكم فيها الغرائز وحدها، ولا شيء يكبتها إلا القوة والخوف منها، ثم تخضع لحكم الهوى من تقاليد وعرف وظروف طبيعية واجتماعية، ثم أخيرًا تتطور إلى الخضوع للعقل وإن لم تبلغ في ذلك إلى الآن الغاية.
هذا هو شأن الإنسان في علاقاته الجنسية، فالغرائز أولًا مطلقة، ثم تكون الأسرة خاضعة لأحكام الهوى، ثم تأخذ في الخضوع للعقل، وكذلك الشأن في النظم الاقتصادية تخضع أولًا للغرائز، ثم لحكم الهوى فيكون نظام الطبقات وما إليها، ثم لحكم العقل، وكذلك في الشئون السياسية.
ولهذا كان البطل في الجمعية الأولى أقوى مَن في الجمعية غرائز، كما يتمثل ذلك في شيخ القبيلة، ثم يكون البطل في الطور الثاني الولي أو القديس أو الحاكم المستبد، ثم يكون في طور التعقيل المصلح. وليست الخطوط بين هذه الأطوار واضحة جليّة، فكثيرًا ما تمر القرون مختلطة بين طورين حتى يتم التطور.
•••

ماذا نعني بتعقيل الإصلاح؟
إذا أردنا أن نبني عمارة على مساحة من الأرض فإن سرنا على الهوى فإنا نأتي بمعماري حيثما اتفق، وهو يسير في بنائها حيثما اتفق، وإذا عنَّ في أثناء البناء ضروب من التعديل والتغيير أدخلها، وإذا فرغ مال المالك وسط البناء وقف، وإذا تمّ البناء بدأ يفكر في النجارة، وقد تستلزم النجارة تعديل البناء. وهكذا في كل خطوة تظهر مشاكل تتطلب حلًا، فتُحل المشكلة الحاضرة من غير نظر إلى ما وراءها، حتى إذا تمت — إن تمت — فبطلوع الروح، وبضروب من النقص الناشئ من الارتجال.
أما إن بُنيت على أساس التعقيل وجب أن يحدد المالك ماذا يريد من البناء: الاستغلال أو سكنى نفسه وأهله، وكم شقة يريد في الدور، وكم دورًا.. إلخ.. إلخ.
ويأتي بالمهندس فيمسح الأرض، ويدرسها من حيث طبيعتها وما تسمح به القوانين في ارتفاعها، ويتخيل أحسن أشكالها وفقًا لموقعها وما تتطلبه من شمس وهواء وضياء، ويضع ذلك كله على الخريطة: الأساس والدور الأول والثاني وهكذا، وكم مترًا ستكون مساحة البناء، وما يتطلبه من مال، والنجارة، والسباكة، والكهرباء. ويضع ذلك كله على الورق، ويراعي كل الظروف والملابسات، ويصل إلى كل النتائج، إلى تسليم المفتاح، وإذا كان مهندسًا ماهرًا لم يختل شيء من ذلك في قليل ولا كثير.
ثم المالك بعد يقيس ذلك بماليته، ويرى هل ذلك كله حقق غرضه. فإن تمّ الاتفاق نفذ المشروع، على أن يكون أول حجر يوضع مقدمة لآخر عمل يعمل، فهذا تعقيل البناء وكذلك الشأن في تعقيل الإصلاح الاجتماعي.
إن أي مشروع لإصلاح اجتماعي يتطلب لتعقيله خمس خطوات: (?) مسح المشروع كما تمسح الأرض، وذلك بإلقاء نظرة عامة عليه وعلى ما يحيط به من علاقة بين الحالة الاقتصادية والاجتماعية للأمة.
(?) دراسة المشروع دراسة وافية من جميع جوانبه كما يفعل المهندس الماهر في دراسة بناء العمارة: من وصف دقيق للمشروع، وتحليل عميق، وعلاقة المشروع بالنظم الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، والاستعانة بما يحتاج إليه من إحصائيات وما يتكلف من مال، والموارد والمصادر والنتائج، والموازنة بين ما يُنفق عليه والنتائج التي تحصل منه، وما قد يعترضه من عوائق، وكيفية التغلب عليها، وهل يُنفّذ دفعة واحدة أو على خطوات، وإن كانت الثانية فما هي هذه الخطوات. وهكذا إلى «تسليم المفتاح».
(?) وضع المشروع على الورق، أو رسم الخريطة الكاملة له نتيجة لدرسه، وعرضه على الخبراء لنقده إن كان لديهم نقد، والإصغاء إلى ملاحظاتهم، وتقديرها في عدل وسماحة، وتعديل المشروع حسبما يصح من وجوه نقدهم.
(?) إعداد الرأي العام لقبول المشروع والعطف عليه والتحمس لإتمامه، ففي هذا فائدة كبرى للمشروع، فإنه إذا لم يحظ بعطف الرأي العام أحيط بالصعوبات والعقبات، وفتّ ذلك في عضد القائمين به، وتعثر في كل خطوة يخطوها. وفي عطف الرأي العام شيء من الضمان في الاستمرار فيه، والدفع إلى إتمامه.
(?) التشريع له وإقراره من السلطة المختصة حتى يبدأ في التنفيذ.
هذه هي الخطوات الخمس لتعقيل أي مشروع، فإن أردنا أن نضيف شيئًا إلى هذه الخطوات الخمس قلنا: يجب أن يكون موقف الأمة الاقتصادي والاجتماعي في حالة ملائمة لقبول هذا المشروع، ولك أن تدخل ذلك في الخطوة الثانية، وهي خطوة الفحص والدرس.
وعلى كل حال فإن رأيت فشلًا في مشروع من المشروعات فاعلم أن سببه أنه لم يستوف خطوة أو أكثر من هذه الخطوات، ولو أنه استكملها لنجح نجاحًا مؤكدًا.
إن أكبر أسباب فشلنا في كثير من المشروعات يرجع إلى عدم تحديد ما نريد، فإذا حددنا ما أردنا فنقْص في البحث والدرس، وكثيرًا ما نعتمد على الدرس الذي قامت به دولة أو هيئة أوربية من غير أن نفحص المشروع نفسه في بلادنا وما يحيط به من ملابسات عندنا. مثال ذلك ما حدثني به اقتصادي مصري خبير قال: إن جماعة في إنجلترا أسست مشروعًا لجمع الملابس القديمة وإعادتها بالآلات الحديثة إلى «فتل» تٌنسج من جديد، فتكون أثوابًا جديدة رخيصة، قد تختلف عن الفتلة الجديدة بأنها أقل متانة وأقل نعومة، ولكنها على كل حال صالحة للاستعمال. ونجح المشروع الإنجليزي، فأراد جماعة من المصريين أن يقلدوهم في مشروعهم بناء على درس الإنجليز لا على درسهم هم، ففشل المشروع لقلة الدرس، إذ فاتهم أن أكثر الملابس الإنجليزية صوفية، وأكثر ملابسنا قطنية، وأن الإنجليز يستغنون عن ملابسهم قبل أن تهلهل، وأن أكثر ملابسنا لا نستغني عنها إلا بعد أن تكون مهلهة. ولذلك فشل المشروع.
ثم إذا نحن حددنا ما أردنا جيدًا، ودرسنا جيدًا، فأمامنا ثلاث مصائب كبرى تقضي على أكثر المشروعات:النظام المالي عندنا وفساده، وهذا يحتاج وحده إلى محاضرة أو محاضرات ممن هم أعلم مني بذلك، وعدم استقرار الحكومات مع ربط المشروعات برغبات الحكومة، فإذا تغيرت الحكومة تغيرت الرغبة، وأوضح مثل لذلك مهزلة مشروع خزان أسوان، ومشروع تعميم التعليم، والمصيبة الثالثة ضعف خلق الثبات والاستقرار في الأمة، ويتجلى هذا حتى في المشروعات الأهلية؛ لهذا كله قد نرى المشروع جميلًا جدًا، وإخراجه إلى الوجود قبيحًا جدًا، آلة فخمة ضخمة كاملة، ولكن ينقصها المحرك.
ومع هذا فدورنا دور طبيعي في الأمم، ولا بد حين الانتقال من عصر الهوى إلى عصر التعقيل، من عصر مخضرم، ثم ينتهي الأمر إلى التعقيل لا محالة، إن شاء الله.
? ملخص محاضرة ألفيت في الجمعية الجغرافية بدعوة من الجامعة الشعبية.
غفلة مزمنة


قرأت في بعض الصحف «أن زعيم الإسماعيلية الهنود، وعددهم يزيد على عشرة ملايين، سيُهدي إليه أتباعه في عيده الماسي وزنه ماسًا، ويقدر الماس الذي يعادل وزنه ? ?????? قيراط، وقد بدأ فعلًا جمعها، وقد أُهدي إليه في عيده الذهبي وزنه ذهبًا فبلغ ????? جنيه ذهبًا».
فقلت: أيظل المسلمون في غفلتهم هذه أبدًا؟ إن الإسلام في جوهره لا يقدس أحدًا، ويحارب عبادة كل حجر وكل وثن وكل صنم وكل حيوان وكل إنسان، وشعاره الدائم «لا إله إلا الله» ومعناها البسيط أنه هو وحده الذي يُعبد والذي يُقدّس والذي يُرجى والذي يُخاف.
فما بال المسلمين فقدوا هذا المعنى فقدسوا الأشخاص يعبدونهم، ويلجئون إليهم ويقدمون لهم الهدايا كما تُقدّم القرابين؟!
ألا يدرون فيما تُصرف هذه الأموال الطائلة التي يجمعونها من البائس الفقير الذي لا يجد ما يسد قوته وما يستر جسمه؟ إنها تُصرف في خيل السباق وفي ترف الزعيم وفي غير ذلك من وجوه السرف؟ أليست نظرة بسيطة تُري أن هذا المال الذي يُجمع من محتاجه ليُصرف في هذه الوجوه غفلة عريقة عريضة.
ولم هذا التقديس كله؟ ولم هذه الحفاوة كلها؟ لم يكن ذلك من كفاية ممتازة، ولا عبقرية خارقة للعادة، ولا قيام بالإصلاح عظيم، ولكن وراثة دينية ورثها، وسلطة روحية تنقلت من الآباء إلى الأبناء حتى وصلت إليه.
أفيقوا أيها المسلمون.
ليس هذا الأمر مقصورًا على الإسماعيلية دون غيرهم ولا على الشيعة دون السنيين، فالغفلة عامة والجهل مخيم والسخافة فاشية وعبادة الأشخاص في كل مذهب.
ما صناديق النذور هذه التي يراها الزائر عند كل ضريح كبير كالسيد البدوي والإمام الشافعي والسيدة زينب وسيدنا الحسين وغيرها من الأضرحة؟ إن كل صندوق من هذه توضع فيها مئات الجنيهات بل الآلاف أحيانًا كل عام.
أتدرون من الذي يدفعها ومن الذي ينعم بها؟ يدفعها الفلاح المسكين يحرم نفسه وأولاده من غذائهم الضروري وملبسهم الذي لا بد منه، ويدفعها من ثمن بقرة يبيعها وهو في أشد الحاجة إليها في زراعته ليفي بنذر نذره إن شُفي ابنه من مرض أو بُرّئ من تهمة أو نحو ذلك؟ مما لا دخل للسيد البدوي وسيدنا الحسين فيه.
ويأخذ الأغنياء المترفون من مشايخ هذه المساجد ومن إليهم ممن ليسوا في حاجة إليها، وبعضهم يقتني منها الأملاك والضياع، وكل حين تحدث فضائح حول هذه الصناديق تؤلف وزارة الأوقاف لها لجانًا. وماذا عليها لو ألغتها فسدَّت بذلك بابًا من أبواب الفساد.
وما هذه مشيخة الصوفية التي تُتوارث كما ورث زعيم الإسماعيلية مشيخته؟ فهل العلم يُتوارث وهل الروح تُتوارث؟ إنا نرى أعلم عالم يلد أجهل جاهل، وصالحًا كبيرًا يلد فاسقًا كبيرًا وممعنًا في الفسق يلد ممعنًا في الصلاح. والعلم والذكاء والغباء والصلاح والفساد «تذكرة شخصية» لا يمكن أن تُتوارث، وقد مُنع الأنبياء من أن يُورَّثوا حتى في أموالهم وجاء الحديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة».
فالسيادة الروحية كالسيادة العلمية لا يصح أن يكون كل مصدرها الوراثة، بل لا يصح أن يكون أحد مصادرها الوراثة. هل رأيت أحدًا اختير أستإذن في جامعة أوفي مدرسة عالية أو غير عالية لأن أباه كان يشغل هذا المنصب؟ فكيف بالروح وأمرها أصعب ونيل الدرجة الممتازة فيها أشق و«الله أعلم حيث يجعل رسالته» وقد يكون شريف النسب لا يساوي عند الله شيئًا، وقد يكون وضيع النسب وهو عند الله في مكان مكين؛ هذه بديهيات تطيح بمشايخ الطرق زعماء المذاهب وبكل من نال منصبًا بالوراثة لا بالكفاية.
قد كان الناس إلى عهد قريب ينظرون إلى المناصب نظرة شخصية، فإذا مات موظف جهدوا في أن يحل ابنه مكانه للحرص على أن يظل «البيت مفتوحًا» ونحو ذلك من الاعتبارات، فلما عقلوا وفهموا أن المنصب عمل يُؤدّي ولا بد لمن يؤديه أن يكون كفؤًا له زالت النظرة الشخصية وزال توظيف الابن مكان أبيه لمجرد الأبوة والبنوة، وروعيت المصلحة العامة لا المصلحة الشخصية. فلماذا تبقى هذه البقية من المناصب تُتوارث من غير نظر إلى الكفاية؟
إن رجل الدين إنما يقوم بدينه وبما يقوم به من إصلاح روحي وخلقي، فلو لم يكن فيه هذه الصفات فلا يصلح مطلقًا أن يُولّي هذا المنصب ولو كان أشرف الشرفاء. والله يقول لنوح النبي في ابنه غير المؤمن: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ? إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. والرسول يقول لعائشة زوجه ولفاطمة ابنته «إني لا أغني عنك من الله شيئًا» فما بال هؤلاء يعتزون بنسبهم البعيد ويرون استحقاقهم للمناصب بنسبهم لا عملهم والناس من عفلتهم يؤيدونهم في أغراضهم وشهواتهم!
هل كان النبي ? يختار لعمله أقاربه؟ أو كان أبو بكر وعمر وعليّ يختارون لعملهم أقارب النبي؟ ألم ينح عليّ نفسه قريبه عبد الله بن عباس وينصّب من ليس من أهله مراعاة للكفاية وحدها؟
جميلة جدًا هذه العاطفة النبيلة أن يحب المسلمون نبيهم فيحبوا كل ما يتصل به من أقاربه ومكانه وأصحابه كما يحب العاشق كل ما اتصل بمحبوبه، ولكن لا يصح أن يتدخل هذا الحب في المصلحة العامة ولا في العدالة الاجتماعية ولا في المبادئ الأساسية للإسلام. هل يُسمَح لي في شرعة العدل أن أولّي قريبًا عملًا لا يصلح له؟ بالبداهة «لا» فكذلك هنا «لا».
إن من أسس الإسلام التقويم بالعمل لا بالنسب. ووُضعت لذلك القاعدة الجميلة فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ من غير نظر إلى فاعل الخير وفاعل الشر. فهل يصح أن نهمل كل ذلك من أجل الحب، والحبيب نفسه لا يرضى أن تُهدر مبادئه؟
لقد ذهب زمان الغفلة وأصبح الناس يقدرون الرجل بعمله، فيولّون رياسة حكوماتهم ابن الصانع وابن العامل، وينحّون عن العمل ابن العظيم وابن الشريف إذا كان لا يصلح للمنصب، والناس يتقدمون للانتخاب بعملهم وببرامجهم لا بنسبهم، ومنتخبوهم ينتخبونهم على هذا الأساس لا على أي أساس آخر.
أفيصح للمسلمين في مثل هذا الزمان أن يسلّموا زمامهم وينفقوا أموالهم ويطأطئوا رءوسهم ويسندوا أعمالهم إلى من ليس يستحق لمجرد نسبه؟
لست أقصد بهذا النقد مذهبًا معينًا ولا طائفة خاصة، فهذا الشر واقع فيه كل الطوائف، والغفلة عامة، فهل يفيقون في زمن لا تكفي فيه الإفاقة بل لا بد من العمل المجدي والسعي المضني للعيش الصالح في هذا العالم!

الجرائم العقلية


بالأمس قرأت في إحدى الصحف أن دجالًا قُدّم للمحاكمة بتهمة التغرير بالعقول، وهُجم على بيته فرؤي فيه أنواع من ملابس الشعوذة أشكالًا وألوانًا، وأُحصيت ثروته فبلغت مئة ألف جنيه، ثم حكمت المحكمة ببراءته لأن القانون لا ينطبق على أعماله.
هذه جريمة عقلية.
ومنذ أيام حدثني عبد العزيز باشا فهمي أن رجلًا من أسرة مشهورة في الشرقية سمّاها لي مات جدهم من زمن وكان لصًا فتاكًا، ودُفن في مقبرة معروفة، فعمد أحد خدمهم إلى هذه المقبرة وشيّدها وجعلها على شكل ضريح، ولوّن حيطانها بألوان أضرحة الأولياء، وأشاع في الناس أن ساكن الضريح وليّ من أولياء الله له كرامات واضحة، فكم شفى من مرض وفرج من كربة، وجعل له «حضرة» تقام كل أسبوع و«مولدًا» يقام كل عام. وطلب من «الأوقاف» أن تعيّنه شيخًا للضريح ففعلت، فكان هذا مصدر ربح كبير استطاع به أن يشتري خمسين فدانًا من أطيان أسرة صاحب الضريح.
هذه أيضًا جريمة عقلية.
وفي الأضرحة المشهورة كالسيد البدوي والسيدة زينب وسيدنا الحسين صندوق نذور يضع فيه الزوار نذورهم، ويبلغ معدل صندوق السيدة زينب نحو ثمان مئة جنيه كل شهر.
هذه أيضًا جريمة عقلية.
من أين هذا المال وإلى أين؟
من فقير لا يجد قوته وقوت أسرته، ومن سيدة مسكينة اقتصدته من غذاء أبنائها وبناتها وملابسهم، ومن فلاح فقير باع بقرته وفاء بنذره وظل بعدها بلا بقرة.
هذا «من أين» وأما «إلى أين» فإلى دجال يستهوي عقول المغفلين بشعوذته وبأثوابه البيض والحمر وببخوره الجاوي. ثم هو يعيش بعدُ عيشه الترف والنعيم والبذخ — وإلى جيوب من لا يستحقون من موظفي المساجد الذين يتقاضون المرتبات على ما يعملون.
•••

أعني بالجرائم العقلية كل عمل يُرتكب ضد العقل، وكل سلوك ضد الصدق وضد الحق.
وهذه الجرائم تغمر الحياة العامة، ويتخذ الناس منها ضروبًا وأفانين، ولنسق بعض الأمثلة عليها: (?) فمن ذلك تغرير العقول وتضليلها، كوضع البرامج الضارة بعقول الناشئين في المدارس، وكبرامج الإذاعة وروايات السينما والتمثيل التي تحيي الشهوة وتميت العقل، وكأعمال الزعماء السياسيين الذين يغررون بالعقول، أو يحجرون على حرية القول وحرية التفكير، ومثل الدجالين بالطب الروحاني والاتصال بالجن والعفاريت يستحضرونهم ويسخرونهم.
(?) ومن ذلك أيضًا ما نرى كل حين من أشخاص يقررون أن الشيء حق، ولكن عملهم عمل من يعتقد أنه باطل، أو يقررون أن الشيء باطل، ولكن يعملون عمل من يعتقد أنه حق، كالذي يعلي من شأن الصدق ويكذب، أو من شأن النزاهة ويرتشي، أو يشيد بالعدل ويسعى في نيل درجة أو وظيفة من طريق غير شريف.
(?) ومن ذلك وضع العقبات في سبيل الرقي العقلي، كالحجْر على إبداء الرأي والحجر على الصحف وتقصير الحكومات في سبيل تثقيف الشعب إما بقلّة عدد المدارس أو فرض نفقات كثيرة على التعليم، وكالحجر على البنات ألا يتعلمن ما يتعلم الذكور وهكذا.
(?) ومن ذلك جناية الإنسان على نفسه من ناحية عقله بشرب الخمور وبقلّة تغذية عقله بالقراءات النافعة، ومثل تكوين الإنسان آراءه على غير أساس واستسلامه للخرافات والأوهام تغزو عقله، وبيع عقله لغيره يتصرف فيه تصرف الملاك وهكذا.
•••

والدنيا حولنا مملوءة بهذه الجرائم العقلية تعبث بالعقول وتسمم الأفكار.
انظر إلى الجرائد والمجلات كيف تتنازعها الدعايات المختلفة في الأخبار الخارجية، وكل أمة تسوق الأخبار حسب هواها ومصالحها لا حسب حقائقها، واعتبر بما يجري هذه الأيام في عرض القضية الواحدة، تعرضها روسيا بشكل وإنجلترا بشكل وأمريكا بشكل، فأين الحق؟ لست أدري. وهكذا الشأن في مشاكل العالم، ليس يتحرى عارضها حقًا وصدقًا، ولكنه يتحرى أملًا ومصلحة وفي الأمور الداخلية كل حزب يصور المسائل حسبما يهوى حزبه لا حسب الصدق ولا الحق. وتقرأ الجرائد المختلفة فتصرخ من أعماق نفسك: يا لضيعة الحق!
وانظر إلى ترجمة الحياة في حفلات التكريم والتأبين وفي كتب التراجم والتاريخ كيف يضيع الحق بين دعوة الدعاة وملق المتملقين وخصومة المتعادين وتعصب المتحزبين.
وانظر إلى الإعلانات عن السلع وعن الكتب وعن المستحضرات الطبية وعن الروايات التمثيلية كيف يُلعب فيها بالعقل؛ فكل دواء يشفي من كل مرض، وكل كتاب كنز ثمين، وكل رواية فتح جديد، وكل سلعة ليس لها نظير، وهكذا.
من أكبر ما يُؤسف له أن الجرائم العقلية لم تقدر خطورتها القدر اللائق بها؛ فهذا الدجال الذي سرق مئة ألف جنيه من الفقراء والبائسين، وفوق ذلك ضلل عقولهم لم يجد القضاة نصًا في القانون يعاقبونه بمقتضاه، ولكنهم يجدون نصوصًا كثيرة لفقير سرق رغيفًا من غني، إن القوانين عنيت مع الأسف — بالماديات دون المعاني مع أن جريمة المعاني أشد خطرًا وأنفث سمًّا.
والأمم الجاهلة لا تحس خطر الجرائم العقلية، بل لا تحسها إطلاقًا، بل هي تمنح المجرمين العقليين كثيرًا من الاحترام، إن شئت فانظر ماذا يلقي هذا الدجال من توقير واحترام، أو انظر كم من آلاف الناس يهوون تقبيلًا لأيدي سارقي النذور، وكيف يُبجَّل بعض الزعماء السياسيين الذين يضللون العقول أو يحجرون على التفكير.
ومن أهم الفروق بين أمة منحطة وأمة راقية كثرة الجرائم العقلية في الأولى وقلتها في الثانية. ومن أهم علامة الأمة الراقية سيرها على مقتضى العقل في تربية أبنائها وفي فلاحتها وصناعتها وكل مرافق الحياة فيها.
وأهم ما يجب أن يعنى به المصلحون خلق «الضمير العقلي» في الأمة وإشاعته وتقوية سلطانه، وأعني بالضمير العقلي تنبه الشعور باستهجان كل ما يُرتكب ضد العقل واحتقار فاعله كما يحتقر السارق والقاتل، والشعور بالاستحسان ممن يأتي بالفضائل العقلية، كالدعوة إلى محاربة التخريف والتدجيل ونحوهما.
إن أكثرنا إلى اليوم حتى خاصتنا، يقفون من الجرائم العقلية موقف عدم الاكتراث، وهذا هو في نفسه جريمة عقلية.
لست أدري لماذا نتحمس لحماية عرضنا ولا نتحمس لحماية عقلنا، وكلاهما يجب أن يكون عزيزًا علينا!

قادة الرأي


قائد الرأي في الأمة كربّان السفينة، لا يمكن أن تسير في أمن إلا به، ولا يمكن أن تصل إلى غايتها إلا به، وإذا كان ربّان السفينة لا يصلح لقيادتها إلا إذا ثُقِّف ثقافة واسعة في البحار والأنواء، وكيفية اجتياز الصعاب إذا عرضت، وتجنب المخاطر إذا أسفرت، والدخول إلى المواني والخروج منها وما إلى ذلك، فكذلك القائد لا بد أن يكون على علم تام بشئون الأمة جميعًا في الداخل والخارج، وما يقدمها وما يؤخرها، وما يؤثر فيها ظاهرًا وباطنًا، وكيف يصل بها إلى بر السلامة إذا هبّت العواصف، وكيف يسير بها إلى الأمام إذا اعتدلت الريح، وهكذا.
وكما أن قائد السفينة لا يسير على هوى الركاب، ولا يخضع لإرادتهم في سرعة السير وبطئه، ولا في الاتجاه الذي يتجهه، ولا في كيفية دخول الميناء والخروج منه، وإنما يخضع لعلم البحار وقوانينها ونظمها، وما يراه هو في مصلحة الركاب، لا ما يرون هم، فكذلك قائد الرأي في الأمة لا يخضع لرغباتهم وشهواتهم، ولا يتجه دائمًا إلى ما يرضيهم، وإنما يخضع لقوانين الأمة ونظمها، وما يرى هو بعد الاستشارة وتبادل الرأي إنه المصلحة العامة، وأنه يحقق تقدم الأمة ونجاحها ورقيها، ولو خالف رغبتها.
ربّان السفينة يسره أن يرضي الركاب، وأن يكونوا في سرور ومتعة، ولكن ذلك مشروط باتفاقه والمصلحة العامة؛ فإذا رأى أن اتباع هواهم في غير مصلحتهم لم يعبأ برضاهم ولا سرورهم، وعمل الواجب عليه ولو أغضبهم، فكذلك قائد الرأي، يرضيه أن يرضى الناس عنه، وأن يحقق لهم ما يسرهم، ولكن في حدود ما يرى المصلحة لهم، فليس الذي يسيّره هو تصفيق الجماهير، بل هو يعمل الحق، ويؤدي الواجب، سواء صفق له الجماهير، أو رموه بالأحجار، لأنه يعلم حق العلم أنه إن سيّره تصفيق الجماهير كان تابعًا للجماهير لا قائدًا لها، وكان في مؤخرتها لا في مقدمتها.
قد كان ربّان السفينة فيما مضى يكفيه العلم بالبحر حسبما شاهد وجرب، واستفاد ممن سبقوه تجربة ومرانة، ولكن ربّان السفينة اليوم أصبح لا بد له من علم بجانب التجربة، لا بد له أن يعلم «علم البحر» بعد أن صار علمًا، و«علم الجو» بعد أن صار علمًا، وميكانيكًا السفينة، وهندستها، وما إلى ذلك، فكذلك قائد الأمة، أصبح واجبه أدق، وأعباؤه أعظم، وتكاليفه أشق أصبحت نفسية الجماهير علمًا يجب أن يُعرف، وتاريخ بلاده سجلًا يجب أن يُقرأ؛ والسياسة الدولية علمًا معقدًا، بل علومًا معقدة يجب أن تُدرس وتُفهم، وإلا ما صح أن يكون قائدًا؛ فمن ظن أنه يقود أمة بثرثرة كلام، أو استرضاء مشاعر، أو تهييج خواطر، كان كمن يريد أن يكون ربّان سفينة بالصياح.
لقد كانت السفينة فيما مضى تسير في بحرها وحدها، غير عابئة بغيرها، وكان الربّان لا ينظر إلا إلى سفينته وبحره، أما اليوم فالبحار شبكة واحدة والسفن في البحار شبكة تتعاون وتتخاطب وتستنجد ويُستنجد بها، فكذلك الأمة والقائد كانت الأمة تعيش وحدها، فإن توسعت فمع من جاورها، وكان سهلًا على القائد أن يقودها. أما اليوم فالعالم شبكة، وسياسة العالم شبكة، ولا يمكن لقائد أمة أن يقودها حتى يعلم تيارات السياسة العالمية ومراميها ومصاعبها، وكيف يجتاز أخطارها، ويصل إلى بر السلامة متجنبًا ألغامها، وما أشق ذلك وأصعبه!
ربّان السفينة يجب أن يمتاز بثلاث خلال، هي في الصميم من عمله: أن يكون أمينًا على ما في يده من أرواح من بالسفينة، وهذا يقتضيه أن يفتح عينه لكل ما في السفينة، وما يحيط بها، وما ينتظرها، حتى إذا فاجأها مفاجئ عرف كيف ينجو بها. ثم أن يكون شجاعًا فلا يضطرب لحادث، ولا ينخلع قلبه لعارض، بل يتصرف عند الخطر في ثبات ورزانة وحكمة، حتى يسلم بسفينته من الخطر، ثم التضحية عند الشدائد، فهو آخر من ينزل إلى قوارب النجاة إذا غرقت السفينة، وهو الذي يقف على ترتيب وسائل النجاة إلى آخر لحظة من حياته.
فكذلك يجب أن يكون القائد في الأمة، أمينًا على أرواح أمته، أمينًا على مصالحها، أمينًا على السعي في خيرها، ثم هو شجاع، لا يخشى الكوارث تحل به، ولا التهديد يناله من أعدائه، ولا الصعاب تعترض سبيله، ولا الفقر، ولا السجن، ولا النفي، ولا أي مفزع، ثم هو مضح إلى آخر حدود التضحية يشعر أن أرواح الناس وحريتهم واستقلالهم وخيرهم في عنقه، يجب أن يحافظ عليها أشد مما يحافظ على نفسه، وإذا اقتضى الأمر أن ينجي أمته ويموت هو فلا بأس، كما يفعل الربّان الأمين.
ولكل أمة حية سفن ذات أشكال وألوان، فسفن سلمية، وسفن حربية، وسفن كاسحات ألغام، ولكل نوع ربابنته العارفون بشئونه، المقدرون له الصالحون لقيادته، وكذلك الشأن في قيادة الأمة. فقائد سلم وقائد جلاد وخصام، وقائد لكسح الألغام، ولكل قائد مزاياه، ولكل قائد مكانه وزمانه.
وإذا كانت كل أمة محتاجة إلى ربابين يقودون سفنها فالشرق اليوم أحوج في ذلك من الغرب، لأن الشرق يسير الآن في خطوط ملاحية جديدة لم يسبق له السير فيها، هي خطوط تنتهي بالاستقلال؛ فلا بد لهؤلاء الربابين أن يتبيّنوا معالم الطرق جيدًا، ويحتاطوا للأنواء والعواصف احتياطًا كاملًا، ولأن الغرب مهما ادّعى من إنسانية ومبادئ عدالة ومساواة وديمقراطية لا يزال يضع الألغام في الخطوط الملاحية الجديدة للشرق، فلا بد من إعداد سفن من كاسحات الألغام، ولا بد من إعداد ربابين لاكتساحها، ولأن الرأي العام في الأمم الشرقية لا يزال ناشئًا يعوزه النظام وسعة الاطلاع وحسن التقدير، حتى يميز بين الربّان الماهر فيسلمه سفينته وبين الربّان المهرج فلا يسلمه قيادته.
ولا يكون ذلك إلا بتوفيق من الله.

عام العنز


قالت العنز للفيل يومًا: لم يكون لك عام في التاريخ لا يزال يذكر على مدى الأيام، فيقال «عام الفيل»، ولا يكون لي عام يسمى «عام العنز»؟
قال الفيل: إني أضخم منك جسمًا، وأعظم منك قوة، وأحد منك نابًا، وإني أستصغرك أن تكوني لي فريسة، وأستضعفك أن أساجلك الحديث.
قالت العنز: إن الضعيف قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ القوي بقوته.
وصممت العنز على ما قالت، فكان لها ما أرادت، وأصبح لها في مصر عام، هو «عام العنز»، وكان ذلك سنة ????هـ. أي من نحو مئتي عام.
ذلك أنه كان في مسجد السيدة نفيسة شيخ للخدم اسمه الشيخ عبد اللطيف، وكان شيخًا ماهرًا ماكرًا. ضاقت به أسباب الرزق، ففكر في حيلة، وقلبها على وجهها حتى استوت ونضجت، واتخذ بطل الرواية عنزًا.
قال: إن جماعة من المسلمين وقعوا في أسر النصارى، فاجتمع الأسرى وتوسلوا بالسيدة نفيسة، وأقاموا «حفلة ذكر» أعدوا لها عنزًا لتذبح وتؤكل، فاطلع على أمرهم النصراني المكلف بحراستهم، فمنعهم من حفلة الذكر، ومن ذبح العنز، فكان من بركة السيدة نفيسة ومن بركة العنز أن رأى النصراني رؤيا أزعجته ففك أسرهم، وأطلق سراحهم، وأقسموا أن يحتفظوا بالعنز، وأن يحضروها إلى السيدة نفيسة، ففعلوا وسلّموها للشيخ عبد اللطيف.
وأكمل الشيخ روايته فقال: إن العنز تارة تقف بجانب ضريح السيدة، وتارة فوق المنارة، وقد سمعها الشيخ بأذنه تكلم السيدة نفيسة والسيدة توصي بها.
وأشاع الشيخ هذا الخبر في سائر الخدم، وأوصاهم بإذاعته، فانتشر في حي السيدة ومنه إلى أحياء القاهرة، ومنها إلى الريف، وصارت العنز حديث الكبار والصغار، والعامة والخاصة، وكل من مرض استشفع بالعنز، وكل من له حاجة نذر للعنز.
وأكمل الشيخ حيلته، فمرّن العنز على ألا تأكل برسيمًا ولا فولًا كسائر الغنم، وإنما تأكل فستقًا مقشورًا ولوزًا مقشورًا، ولا تشرب إلا ماء ورد مذابًا فيه سكر مكرر، والشيخ يجلس وفي حجره هذه العنز السعيدة المحظوظة، تأكل الفستق واللوز، وتشرب ماء الورد. والناس يتلهفون على لمسها وتقبيلها.
وتقاطرت على الشيخ قناطير الفستق واللوز والسكر المكرر وقناني ماء الورد، حتى شحت هذه الأصناف في الأسواق.
ثم زادت كرامات العنز وعظمت، فكم شفت من مريض، وكم فرجت من كرب مكروب، وكم قضت من حوائج، حتى غطت كراماتها على كرامات السيدة.
واستقل الناس الفستق واللوز والسكر المكرر وماء الورد، فجد الصاغة في عمل قلائد الذهب وأطواق الذهب للعنز، حتى أصبحت «عنز هانم»، وكادت تكون «صاحبة العصمة».
وتسابق الكبراء في الهدايا والنذور للعنز وتنافسوا، فإذا وهب الأمير فلان قنطارًا من الفستق وقلادة من الذهب، عزّ على الأمير فلان إلا أن يهب قنطارين وقلادتين، وصار للعنز من الحلي ما ليس للأميرة الجليلة.
وكان يوم الأحد من كل أسبوع، وهو يوم حضرة السيدة نفيسة يومًا مشهودًا، يتدفق فيه الزائرون والزائرات، وتزدحم الشوارع، وتتدافع المناكب، ومرحى للسعيد الذي يرى العنز أو يلمسها، وأسعد منه من يقبلها.
وليس حديث المجالس إلا ما يقصون من كرامات العنز، وما شاهدوه من عجائب، وما رأوه من منامات، وما شفت من أمراض، وما أغنت من فقير، وما أولدت من عقيم.
وافتُتن الناس، وخشي بعض الحكام أن يذهب سلطانهم إلى العنز، فقد أصبحت هي التي تأمر وتنهي وتحكم، ولم تبق إلا خطوة قليلة حتى تضخم العنز فتكون «عجل أبيس».
•••

وكان في مصر أمير من كبار الأمراء اسمه «عبد الرحمن كتخدا» ثرىّ سري، قوي جبار، يرتشي ويحب الخير، يصادر الناس ويصرف منه في أعمال البر، جاد لا يميل إلى الهزل، يغلق الخمارات ويبطل المنكرات، مغرم بالتعمير، له ذوق جميل في هندسة البناء وفن العمارة، أنشأ وجدد ثمانية عشر مسجدًا، وعددًا كبيرًا من الأسبلة والزوايا والمدارس والمكاتب والقناطر والجسور، وأنشأ جانبًا فخمًا في الأزهر، وبنى لنفسه فيه ضريحًا دفن به، وهو الذي يسميه بعض العامة «سيدي الأزهر». تراه فترى رجلًا مهيبًا، مربوع القامة، أبيض اللون، مسترسل اللحية، تغلب عليه علائم القوة والعزة والاعتداد بالنفس.
•••

سمع المير عبد الرحمن بحكاية العنز فهزئ بها وسخر من عقول الناس، وضحك من سخافتهم، وعدّها من المنكرات التي يبطلها كالخمارات.
فأرسل إلى الشيخ عبد اللطيف يرجوه الحضور إليه بعنزه ليتبرك بها هو وأهل بيته، فطار الشيخ فرحًا، وقال ليس بعد إيمان الأمير كفر، ولا بعد عطائه عطاء، وقد ضمنت بذلك الدنيا والجاه والثراء.
وحدد موعدًا لانتقال العنز، وأُعدت العدد، وأُحضرت الطبول والبيارق، وزُينت الطرف، واصطف آلاف الناس على جانبي الطريق، وتحرك موكب العنز من مسجد السيدة نفيسة إلى عابدين، حيث يسكن الأمير عبد الرحمن كتخدا، وركب الشيخ بغلته والعنز في حجره، والطبول تدق، والرايات تخفق، والناس تتصايح، والدنيا قائمة قاعدة، والعنز ضاحكة مستبشرة، تقول في سرها: أين يوم العنز من يوم الفيل! وبعد التي واللتيا، والذي واللذيا، وصل الموكب الشريف إلى بيت الأمير الكبير، ونزل الشيخ عن بغلته، وحمل عنزه، ودخل بها على الأمير وحوله الأمراء، فتقبلها الأمير والأمراء قبولًا حسنًا، وتمسحوا بها يستنزلون البركة منها، ثم أرسلها الأمير إلى الحريم وجلس مع الشيخ يتحدث في البركات والكرامات حتى حضر وقت الغداء، فحضر الطعام، وأكل الأمراء وأكل الشيخ، ومن حين إلى حين يقدم الأمير للشيخ قطعة من اللحم ويسأله عن رأيه، فيقول إنه لحم طيب لذيذ، ثم شربوا القهوة، واستأذن الشيخ في الانصراف، وطلب أن يحضروا له عنزه.
قال الأمير: العنز! لقد أكلتها يا شيخ، واستطعمت لحمها، وفرغنا منها ومن بركاتها وكراماتها.
أيها الشيخ، ما أضلك وأفجرك، وأقدرك على اللعب بعقول الناس، والله لأجعلنك نكالًا لمن بعدك، انتظر قليلًا.
ورعب الشيخ، وشعر بضياع مجده، وذهاب كنزه، ذلك إن سلمت له نفسه.
وقضى وقتًا وهو يرتجف، ثم نزل من القصر جلد العنز المذبوحة، وأقسم الأمير ليعممن به الشيخ فوق عمته، ويعود على هذه الحال في الموكب الذي حضر به.
وكنت ترى في العصر الطبول تدق والرايات تخفق، والموكب يسير من عابدين إلى السيدة نفيسة، والشيخ على بغلته معممًا بجلد عنز. وكل شيء كما كان في حفلة الصباح إلا العنز. والناس تقابل هذا الموكب بالرضا والتسليم، كما استقبلته صباحًا بالهتاف والتهليل.

مثل رائع


كان مسلمة بن الخليفة عبد الملك بن مروان سيد بني أمية، نبلًا وكرمًا وشجاعة وعلو نفس وأصالة رأي، لما اشتدت العلة بعبد الملك دعا بنيه وقال: «أوصيكم بتقوى الله، فإنها عصمة باقية، وجُنة واقية, وقِّروا كبيركم، وارحموا صغيركم، وابذلوا للناس معروفكم، وجنبوهم أذاكم، وأكرموا مسلمة بن عبد الملك، فإنه سنكم الذي به تتزينون، ونابكم الذي عنه تفترون، وسيفكم الذي به تصولون، فاقبلوا قوله، واصدروا عن رأيه، وأسندوا جسيم أمركم إليه، وأكرموا الحجاج بن يوسف، فإنه وطّأ لكم المنابر، ودوّخ لكم البلاد».
وتسألني: ومسلمة على هذه الحال، لماذا لم يعهد عبد الملك إليه بالخلافة كما عهد لبنيه؟
فأقول: كانت تقاليد بني أمية الإمعان في العصبية للعرب، واستهجان من عداهم، والاعتزاز بالدم العربي إلى أقصى حدود الاعتزاز، والاستخفاف بغيرهم مهما بلغوا من المجد؛ ولهم في ذلك أخبار غريبة، ونوادر عجيبة؛ ولم تكن أم مسلمة عربية، بل كانت رومية.
والعرب في عهد بني أمية يرون ألا يصلح للخلافة إلا العربي القح، فهذا ما نحّى مسلمة عن الخلافة رغم كل مميزاته.
ومع أن عبد الملك نفسه لم يؤمن بهذه النظرية، ويرى أن قد يكون في أبناء الإماء نجابة وفضل ونبل، وخاصة إذا كرم أصلهن، وعلا حسبهن فإنه لم يستطع الخروج على هذه التقاليد:
أقيمت يومًا حفلة سباق وفروسية حضرها عبد الملك، فكان السابق فيها مسلمة. فنظر عبد الملك إلى مصقلة ابن رقبة العبدي وقال: إن صاحبكم لقليل المعرفة بأولاد أمهات الأولاد حين يقول:
نهيتكم أن تحملوا هجناءكم?على خيلكم يوم الرهان فتُدركواوما يستوي المرآن هذا ابن حرةوهذا ابن أخرى بطنها متشركترعّد كفاه ويسقط سوطهوتفتُر فخذاه فلا يتحركوتدركه أعراق سوء ذميمةألا إن عرق السوء لا بد مدرك ولكن العرف والتقاليد والرأي العام غلبت على عبد الملك، فخضع لها، وأبعد مسلمة، وجعل الخلافة في سليمان ويزيد والوليد وهشام أبنائه من الحرائر.
فتوجه مسلمة إلى المجد لا عن طريق الخلافة، فكان القائد الكبير، والفاتح العظيم، وطالما اشتاق إلى فتح القسطنطينية، وقد تقدم في الفتوح إلى أن وصل إلى أسوارها.
•••

لم نسق هذا الحديث في فضائل مسلمة، وإنما سقناه لجندي مجهول في جيش مسلمة، تمنى مسلمة أن يكونه، لم يعرف له اسم، ولا حسب، ولا نسب، ولم يشأ هو أن يُعرف له شيء من ذلك.
هؤلاء هم المسلمون يحاصرون حصنًا منيعًا بذلوا الجهد في الاستيلاء عليه فلم يوفقوا، وأخيرًا نقبوا فيه نقبًا لينفذوا منه إلى داخله، ولكن الروم أدركوا خطورة عملهم، فوجهوا إلى النقب قوتهم، فكلما أراد أحد من المسلمين أن ينفذ منه قُتل، وأخيرًا جدًا استطاع جندي أن يأتي بالأعاجيب، فنّفذ ومهّد السبيل لغيره أن ينفذوا، ثم استولوا على الحصن، وفرح المسلمون بنصر الله والفتح، وعرف مسلمة فضل ذلك الجندي الباسل، فأراد أن يكرمه، فجمع الناس وأمر مناديًا ينادي: أين صاحب النقب؟ والتفت الناس، واشرأبت الأعناق لرؤية هذا الذي يتقدم مزهوًا بنفسه معجبًا بشجاعته معتزًا بفعاله.
ولكن مرت فترة سكون رهيبة ولم يتقدم أحد.
أمر مسلمة أن ينادي المنادي مرة ثانية، فلعله لم يسمع، فكانت المناداة الثانية والثالثة كالأولى، لم يلبّها أحد.
وفي المرة الرابعة تقدم رجل ملثم لا يبين وجهه، وقال: أنا أيها الأمير «صاحب النقب»، «ولكن آخذ عليكم عهودًا ومواثيق ثلاثة: ألا تسوّدوا اسمي في صحيفة?، ولا تأمروا لي بشيء، ولا تسألوني من أنا». قال مسلمة: قد فعلنا لك ذلك.
ثم اندس في غمار الجند لم يعرفه أحد.
قال الراوي: فكان مسلمة يدعو بعد صلاته: «اللهم اجعلني مع صاحب النقب».
•••

لو حللنا نفسية هذا الرجل العظيم؛ والباعث له على سلوكه، لكان أحد أمرين: إما أنه أراد أن يحتسب عمله لربه من غير أن يُضعِف قيمته بمكافأة أو شهرة أو جاه، عملًا بقوله تعالى: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ. وإما أن تكون قد سَمَتْ عنده فكرة الخير، وملكت عليه نفسه، فهو يعمل الواجب للواجب من غير أن يدنسه بنظرة إلى ثواب ما، وكلا الباعثين عظيم تضعف بجانبهما كل البواعث الأخرى، حتى باعث «مسلمة» من فخر ومجد وحسن أحدوثة، ولذلك أدرك مسلمة سمو هذا الرجل عنه، فكان يدعو الله أن يجعله مع «صاحب النقب».
إن هذا الجندي المجهول شعر أن باعثه النبيل أرقى من أن يناله التاريخ فيدونه، وأرفع من أن يقوّمه الإنسان فيجازي عليه. لئن دوّنه التاريخ فيجب أن يدوّنه معنى في السماء لم يتصل بشخص في الأرض، ولئن أراد الناس أن يقوّموه فيجب أن يقوّموه في نفوسهم ليُحتذى، لا لمكافأة صاحبه ليستصغر.
ليت شباننا وشيوخنا يعون هذا الدرس، فقد أصبحت التضحية مهزلة، فكل من صرخ صرخة فهو كبير المجاهدين، وإن شيك شوكة فهو سيد المضحين، لا يرضيه إلا أن يطبل له ويزمر له، ويُهتف باسمه كلما تحرك، ويُسبَح بحمده كلما ذُكر، ويُكتب اسمه كل يوم في الصحف بحروف بارزة، إلى آخر هذا الهراء، يريدون غنمًا كثيرًا من غير غرم، وشهرة طويلة عريضة من غير عمل.
والله لو أطلّت علينا روح هذا الجندي المجهول، ورأت هذه المظاهر الكاذبة لأسرعت في التواري مما ترى خجلًا.
? الهجين من كان ابن أمة من عربي.? يريد ألا تكتبوا اسمي في دفتر للعطاء، أو للتشريف أو نحو ذلك.