Advertisement

فيض الخاطر الجزء السادس(1)


فيض الخاطر (الجزء السادس)




فيض الخاطر (الجزء السادس)

مجموعة مقالات أدبية واجتماعية

تأليف
أحمد أمين




فيض الخاطر (الجزء السادس)

أحمد أمين

رقم إيداع ????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: سيل?يا فوزي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



حلمٌ عجيب


أُصبت بالزكام في هذا الأسبوع، وفي ليلة من لياليه أرقت، فقد اعتدت أن آخذ نَفَسي من أنفي وأُطبق فمي، ولكن أنفي — وقد زكم — لا يساعدني، فلا بد من مساعدة فمي، فإذا أخذ النوم عيني عدتُ إلى عادتي، فانضمت شفتاي، وألزمتا أنفي أن يتنفس وحده وهو لا يستطيع، فأكاد أختنق، فأنتبه، وهكذا مرتين وثلاثًا، ثم يكون الأرق الشديد الذي أفضله على النوم المضني.
وأضأت المصباح، ومتى أضأته فلا بد من كتاب، وفتحت المكتبة وتلمست كتابًا سهلًا، فوقعت يدي على كتاب «علاء الدين والقنديل المسحور». وقصة مصباح علاء الدين إحدى قصص «ألف ليلة وليلة»، ولكنها لم ترد في المجموعة التي بأيدينا، إنما عثر عليها مستشرقٌ وطبعها وحدها في باريس.
كنت نسيتها، فأعدت قراءتها من جديد، وأنساني لطفها وظرفها الزكام والأرق، واختلست نفسي ثلاث ساعات أتممت فيها قراءاتها.
وأعجبني هذا المصباح العجيب الذي كان يحكُّه علاء الدين، فيظهر له خادم من الجن يقول له: أنا عبدك وعبد من بيده المصباح، فماذا تأمر؟ فإذا أمر أمرًا أحضره في لمحة البصر؛ يأمره مرة أن يحضر له مائدة أكل لأنه جائع، ففي طرفة عين تأتي المائدة من ألذ الطعام في صحاف من الفضة النقية، ومرة يأمره أن يُحضر جواهر كريمة لا مثيل لها في العالم؛ ليهديها إلى السلطان يتقرب بها إلى ابنته بدر البدور، فما هو إلا أن يأمر فتحضر. ومرة يأمره أن يحضر إليه بنت السلطان وخطيبها؛ لأن السلطان أبى أن يزوجها له، فإذ به يحضرهما إليه، ثم يأمره أن يعيدهما في الصباح فيعيدهما، وهكذا. يبني له القصور متى شاء، وكيف شاء، ويقرِّب له البعيد، ويبعد القريب، حتى يحقق كل أمانيه، ويتزوج بدر البدور، ويعيش في سعادة وهناء، كل ما في الدنيا تحت أمره بفضل هذا المصباح.
وأخيرًا قبل الفجر أخذ مني التعب مبلغه من زكام وأرق وقراءة، فحلمت أنني في يوم دافئ والشمس ساطعة، فاستحثني هذا كله على السير في صحراء مصر الجديدة، فتوغلت فيها، وبينا أنا أسير رأيت على جانب الطريق شيئًا تنعكس عليه الشمس فيلمع، فاتجهت وجهته، فإذا به مصباح، فقلت في نفسي: ومن يدري؟! لعله مصباح علاء الدين، ساقته إليَّ المقادير.
رأيته مصباحًا صغيرًا من جنس المصابيح التي يلعب بها الأولاد في رمضان، تكسَّر زجاج ناحيةٍ من نواحيه الأربع وصدئ صفيحه، ولكن الشمس تسطع على ما بقي فيه من زجاج، وهذا ما كان يلمع عندما رأيته.
وخفت أن أحكه فيظهر العفريت من قبل أن أستعدَّ له، فأرجأت ذلك إلى قراري في بيتي، وعجلتُ العودة، ونفسي مملوءة بالأماني الطيبة، أسائل نفسي: ماذا تطلب لو كان هو حقيقةً مصباح علاء الدين؟ فكرت طويلًا، ثم فضلت أن أترك ذلك للقدر ولوحي الساعة.
ثم سرعان ما وصلت إلى بيتي ودخلت حجرتي وأغلقتها عليَّ من الداخل، وأخذت المصباح فحككته، فما هي إلا الحجرة تنشق ويخرج منها شيطان مريد، فارتعدت فرائصي وكاد يُغمى عليَّ من الخوف، ثم تمالكت نفسي، وعاد إليَّ بعض صوابي، وإذا به يسأل بصوت جازم: ماذا تطلب؟
غابت عن نفسي كل أمانيها الطيبة، ورأيتني أقول في سخافة: أريد أن أعرف الناس على حقيقتهم، والتاريخ على حقيقته، والدنيا على حقيقتها.
رأيته يبتسم من قولي، فسُرِّي عني، وقال: إن هذا أول مطلب من نوعه سمعته منذ خُلقت في عهد سليمان — صلوات الله عليه —، وفي كل تاريخي إنما استحضرت لآتي بمال كثير، أو جوهر كريم، أو امرأة جميلة أو عرش عظيم، أو التنكيل بعدو: من إغراق في البحر، أو رمي من شاهق جبل، وذلك مما سُهل عليَّ، ومرنتُ عليه؛ فأما مطلبك فيحتاج إلى إعمال فكر في الوسائل، واتخاذ العدة للوصول إلى الغرض.
ثم غاب عني ساعةً أطول مما حكته قصة «ألف ليلة» في عودته في مثل لمح البصر، وعاد ومعه منظارٌ عجيب فيه مسمارٌ علمني تحريكه ليكون من المنظار ثلاثة أوضاع: وضعٌ إذا أردت أن أعرف الناس، ووضع إذا أردت أن أعرف التاريخ، ووضع إذا أردت أن أعرف الدنيا، ثم اختفى.
وضعته على عيني، وخرجت لأعرف الناس، فرأيت عجبًا، رأيت على صدر كل شخص بطاقةً تُظهر حقيقته وتبين قيمته. راعني أني رأيت أغلب من لاقيت درجاتٍ تبين وزنه، أكثرها تحت الصفر بعشر ومائة ومائتين، وألف وألفين، وقلَّ منهم جدًّا من هو فوق الصفر، ورأيت وجيهًا كبيرًا خيرٌ منه كنَّاس، وعظيمًا خطيرًا يفوقه بمراحل ساعي بريد، ومَن أعرف أنه وطني كبير كُتب في بطاقته أنه خائن، وخائن كبير كُتب في بطاقته أنه وطني كبير، وعالم عظيم لُقب بمغفل، وأميٌّ حقير لُقب بحكيم، ومجنون بعاقل، وعاقل بمجنون، وغني له الثروة العريضة والمال الوفير والأرض والعمارات والأوراق المالية بالألوف والمئات كُتب في صحيفته أنه فقير، وفقير لا يملك إلا قوت يومه كُتب عنه أنه غني كبير، وشريفة عالية المقام نُبزت بالفجور، ومتزينة متبرجة وُصفت بالعفاف.
وعلى الجملة فقد رأيت الأوضاع انقلبت، والقيم انعكست؛ فالصديق عدو والعدو صديق، والأول آخر والآخر أول، ومن كانت يده تُقبَّل تستحق القطع، ومن كان يُنبذ ويمتهن يستحق التكريم والتقديم.
ودخلت حفلًا رُتبت صفوفه ومقاعده حسب المقام والطبقات، والوظائف الحكومية والدرجات المالية، والمنزلة في الهيئة الاجتماعية، فتصفحت صحائفهم المثبتة في صدروهم، فرأيت فيمن جلس في الصدر من يستحق أعلى المسرح، ومن جلس في أعلى المسرح من يستحق الصدر؛ وعجبت إذ رأيت قادمًا كُتب في صحيفته ألف تحت الصفر، قد استقبله المستقبلون من خارج الباب واحتفوا به أشد احتفاء، وأجلسوه في أعظم مكان، ومَن كُتب في صحيفته أنه ألف فوق الصفر لم يؤبه له، وحاول أن يدخل فلم يستطع من الزحام فعاد من حيث أتى، وذكرت الحديث: «رُبَّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه»، فقلت: لا بد أن يكون صاحب الحديث قد قاله وهو لابس هذا المنظار.
وهاجت عواطفي فرأيتني أصفع وجيهًا، وأعانق فلاحًا، وأُعرِض عن باشا، وأقبل على مسكين، وأحيي عاملًا، ولا أرد تحية كبير، وأتصدق على غني، وأتحرَّج من الصدقة على فقير، وأهزأ بكلام عالم، وأصغي إلى كلام جاهل. ومن أغرب ما رأيت وأنا أسير في الشارع سيارة فخمة يركبها سائق قد كُسي أحسن ثياب، وصاحب السيارة في داخلها عريان، ومررت على بنك فشممت منه رائحة كريهة، وعلى مصنع فشممت رائحة ذكية، ورأيت سيدة رزينة محتشمة في ملبسها، جادة في مشيتها، فقرأت صحيفتها. فكدت أرجمها، ورأيت خادمتها التي تسير خلفها لها قيمة كبيرة، فقدمت لها وردة جميلة اختطفتُها من صدر شاب لا يستحقها. وعلى الجملة رأيتني آتي بأفعالٍ حسبما أقرأ من القيم، أقل فعل منها يقتضيني أن أكون في مستشفى المجاذيب.
فأسرعت في العودة إلى بيتي.
ودخلت مكتبي، وغيرت وضع المنظار لأرى التاريخ، وعمدت إلى كتابَي المسعودي وابن الأثير أفتحهما، وأقلب صحفهما فأدهشني ما رأيت؛ رأيت أن كثيرًا من الصفحات قد شُطب وكُتب عليه بالخط الأحمر «كذب»، وأحيانًا أرى صفحات قد مُحي سوادها، وكُتب في بياضها أنها لا تستحق الذكر، وأحيانًا أرى قائدًا كبيرًا أو ملِكًا عظيمًا قد أُعْلِم عليه وكُتب مكانه تاريخ جندي مجهول أو رجل مغمور، وكُتب في آخره أنه أولى بالذكر. ورأيت في أول تاريخ كلِّ قرن صفحاتٍ بيضاء كُتب في أولها بالأحمر عنوان كبير: «الشعب في هذا العصر»، ثم لم يُكتب شيء — وأحيانًا تفصيلاتٍ كثيرة عُلِّق عليها بأن مِن غفلة المؤلف أنه ذكر المسببات وأهمل الأسباب، وكان في ذكرها الكفاية.
ووقع في يدي — خطأً — كتاب في «الطبيعة»، فرأيت في آخره تعليقًا واحدًا، وهو أن «هذا علمٌ صحيح بالنسبة لزمنه وستكشف الأيام خطأه».
وأسرعت فاشتقت إلى الوضع الثالث من المنظار، وهو الوضع الذي يريني الدنيا على حقيقتها، واستحسنت أن أرى هذا المنظر فوق سطح بيتي، فصعدت والقمر ساطع، والجو ساكن، والدنيا نائمة، فحركت المسمار، فإذا السقف يرتجُّ من تحتي، ودخان كثيف يملأ الأفق، والجو ينذر بحادث فظيع أنا مقدم عليه، فلم أتمالك نفسي وارتجف قلبي، ولم أشجع على مواجهة ما سيكون، فقلَبتُ المنظار، ونزلت من السطح سريعًا، وأحضرت المصباح وحككته، فظهر العفريت. فقال: لبيك!
فقلت: خذ هذا المنظار واكسره، فخيرٌ لي أن أعيش مغفلًا جاهلًا في وسط مغفلين جاهلين، وفي كتبٍ مغفلة جاهلة، من أن أعيش عاقلًا في وسط كل هذه الغفلة والجهالة.
تبسم العفريت، وقال: أتذكر بسمتي يوم طلبتَ طلبتك؟
قلت: نعم.
قال: هذا ما كنت أتوقع، وهذا سرُّ ابتسامتي، لخَيرٌ لك أن تطلب مني ما كان يطلبه الناس من أن تتفلسف في الطلب، وتتسامى في الغرض.
أأحضر لك كنزًا من الذهب؟
قلت: لا.
قال: فأحجارًا كريمة؟
قلت: لا.
قال: فزوجة شابة جميلة؟
قلت: اخفض صوتك، لا.
قال: فجاهًا عريضًا؟
فغضبتُ من كثرة العرض وكثرة الرفض.
وصرخت فيه: لا لا لا بأعلى صوتي.
فانتبهتُ من النوم وأنا أقول: لا.
وحزنت على الرفض، فأغمضت عيني وقلت: «طيِّب هات»، ولكن الأمر كان قد فات.
فقمت آسفًا، وأنفي يعطس، ورئتي تسعل، وجسمي مهدَّم من سوء ما لاقيت من الأرق، والزكام، والأحلام؛ وقد نذرت إن عثرتُ على مصباح علاء الدين مرة أخرى لأطلبنَّ ما يطلب الناس.
وأدرت التليفون لأطلب صديقًا لي متخصصًا في تفسير الأحلام على مذهب «فرويد» فلم أجده، فقلت: «بركة يا جامع».

القلب


خطر لي أن أكتب في القلب، فمددت يدي إلى «دائرة المعارف البريطانية» وطالعت فيها مادة القلب، فرأيت فيضًا من الكلام في القلب وشكله، وكيفية بنائه الفسيولوجي وأجزائه، ووظيفة كل جزء، وحالته في الجنين وتطوره، ومقارنة القلوب في الحيوانات المختلفة، ثم ما يعتريها من أمراض … إلخ. ثم قلت: لا يغنيني هذا شيئًا فيما أريد، فللأعضاء وظائف روحية غير الوظائف المادية؛ فإذا أردتَ البحث عن فصاحة اللسان أو ذكاء العقل أو طهارة القلب فلست واجدًا شيئًا من ذلك في كتب المادة — كتب وظائف الأعضاء — إنما تجدها في كتب المعاني والروحانيات؛ وهذه أيضًا قلَّما تُعنَى بتشريح العضو من ناحيته الروحية كما عنيت كتب الفسيولوجيا بتشريحه من الناحية المادية؛ لأن أمور الروح أعقد وأدق وأعسر.
وقد نالت بعض أعضاء الجسم حظًّا أوفى من غيرها في مجال الروح؛ فالشعر العربي — مثلًا — مملوء بالكبد في باب الحب والألم من الهجر والفراق وما إلى ذلك، كالذي يقول:
أيا كبِدًا كادت عيشةَ «غُرَّب»?من الشوق إثرَ الظاعنين تَصدَّعُ ولكن لم ينل شيء منها — من التقدير والشهرة والجريان على الألسنة وكثرة ما نُسب إليه في باب الدين والخلق والشعر والحب — ما نال القلب — ففي القرآن الكريم تردد القلبُ والفؤاد أكثر مما تردد العقلُ، ولا تكاد تقرأ مقطوعة صوفية أو أبياتًا غزلية إلا يطالعك القلب. وفي الأخلاق رُبطت الشجاعة والجبن بالقلب، فقالوا في الشجاع: ثبْتُ الجَنان، جميع الفؤاد، رابط الجأش، قوي القلب، وقالوا في الجبان: إنه مخلوع القلب، مهزوم الفؤاد. وباب الرحمة والقسوة يدور على القلب، فيقولون: منظرٌ تتوجع له القلوب، وينفطر له القلب رحمةً، وحالة تلين له القلوب القاسية، ويتصدَّع لها فؤاد الجلمود. وفي عكس ذلك يقولون: إن له قلبًا لا يعرف اللين ولا تَلِجُه رحمة، وإنَّ له قلبًا أقسى من الحديد وأصلب من الجلمود. ويقولون للرجل العظيم: كبير القلب، وللرجل النذل: صغير القلب … إلخ. ولو أنك شرَّحتَ القلب فسيولوجيًّا لم تجد فيه ما يدل على شجاعة وجبن، ولا على رقة وقسوة، بل قد تجد قلب الجبال أحيانًا أصح ماديًّا من قلب الشجاع؛ ذلك لأنهم يقصدون بقولهم ووصفهم القلب الروحي لا القلب المادي. فما هو هذا القلب الروحي؟
يصح أن نعرِّفه بأنه مركز العواطف — مِن حب وكره وإعجاب وازدراء وميل ونفور ورحمة وقسوة … إلخ. وبعبارة أخرى «هو مجتمع العلاقات»؛ فكما أنه — ماديًّا — مركز الشرايين التي توزِّع الدم على كل أجزاء الجسم، كذلك هو مركز الصلات بين الفرد وغيره، وكما أنه مركز للدم الفاسد ينصلح فيه، وللدم الصالح يوزعه، كذلك هو مركزٌ للعواطف المختلفة يوحِّدها — وهو أيضًا نقطة الاتصال بين العالمَين اللذين يعيش فيهما الإنسان: عالم المادة وعالم الروح، فهو الجسر الذي يعبر عليه أحدهما إلى الآخر. لك أن تسمي هذا شعرًا أو خيالًا، ولكنه هو الحقيقة — وعلى قدر هذه العلاقات — التي بين الإنسان والأشياء كميةً وكيفيةً والتي مركزها القلب — تكون قيمة الإنسان وقيمة حياته.
والغذاء الصالح لقلبنا هذا الروحي هو الحب، والحب الذي نقصده هو الحب بأوسع معانيه، حب الجمال الخِلْقي، والجمال الطبيعي، والجمال الفني، وحب المعاني من نبلٍ وسموٍّ، وأخوَّة وإنسانية، وشأنه في ذلك شأن الطفل يغذَّى الغذاءَ الصالح لجسمه فينمو ويحيا، والغذاءَ الفاسد فيضعف وقد يموت.
فالقلب الكبير في الشخص الكبير هو الذي غزُي بالحب حتى نضج، ومن أجل هذا كان القلب عمادَ الدَّين؛ لأن الدين ليس إلا حبًّا، وعمادَ الغزل، وهو الحب؛ وعماد الرحمة لأنها حب الضعيف، وعماد الوطنية؛ لأنها من حب الأمة، وعماد الإنسانية؛ لأنها حب الإنسان مجردًا عن جنسه ودمه وقوميته. وهناك قلوب تتغذَّى بجب المنصب والجاه والمال والشهرة، ولكنها كلها غذاء لا يوافق عناصر القلب. الأساسية، غذاء تنقصه الفيتامينات الضرورية، فقد يكبر بها القلب، ولكنها ضخامة ورمٍ، أو طبلٌ أجوف، أو تمثالٌ لقلب.
والقلب عضو الرغبة، الرغبة في الحياة ووسائلها، هو — دائمًا— ينادي: «أرغب» «أريد». ولكن القلوب تختلف قيمتها الروحية بحسب رغباتها؛ فقلبٌ كقلب الطفل يرغب أن تكون كل الدنيا له، علاقته علاقة المالك بما ملك. وقد يكبر الرجل جسمًا وتكبر مادةُ قلبه، ولكن لا تكبر روحانية هذا القلب، فيكون أنانيًّا، يريد أن يسخِّر كل شيء لنفسه، أو يستبد بكل شيء لشخصه، أو يوجَّه كل شيء لفائدته! ولكن إذا كبرت روحانية القلب تعددت خيوط علاقاته، وعرف ما تستوجبه كلُّ علاقة؛ علاقته بالأصدقاء، وبالبؤساء، وبالأمة، وبالإنسانية؛ فإذا قال قلبه: «أنا أريد»، فإنما يريد أن تكون هذه العلاقات المتعددة على أحسن وجهٍ يوحي به الحب.
إن القلب المادي يغذِّي ويتغذَّى، ويأخذ ويعطي، ويضحي لنفسه ولجسمه، وإذا فتر لحظةً فترت الحياة، وإذا سكن لحظة سكنت الحياة، وهو ينشر نفوذه، ويقدم خدماته للقريب من أجزاء الجسم والبعيد، للمعدة على قوَّتها، وللشعرة على ضعفها؛ فالقلب الروحي لا يصح حتى يكون كذلك، فإذا قال: أنا أرغب فإنما يرغب للعالَم ولنفسه، وهو شديد الاتصال بما حوله ومن حوله؛ اتصال انتفاع ونفع، واتصال استفادةٍ للإفادة، دائبٌ لا يملُّ، عاملٌ لا يفتر حتى تفتر الحياة، ينبض بالحياة كلها كما ينبض قلبه المادي بالجسم كله، يتناغم مع العالم حوله كما يتناغم قلبه المادي مع جسمه، من قدمه إلى فرْقِه، فإذا تمنَّى لنفسه فقط فالنزاع الأخير.
لقد ألَّف القلب المادي الجسمَ كله، ووحَّده بنبضاته، فليوحد القلبُ الروحي كلَّه في خلجاته وتموجاته؛ وقد مد القلبُ المادي شرايينه إلى الجسم كله، فإذا انسدَّ شريان مات عضو، فليس من المعقول ألَّا يكون للقلب الروحي إلا شريان واحد يجري فيه الدم لشخصه، للقلب الروحي عينٌ يُبصر بها؛ لأنه مركز الضوء في الحياة، يرى الجمالَ والقبح، والفضيلة والرذيلة، والخير والشر، وفي أعماقه مصباحٌ يضيء، ولكن لا بد أن يُتعهد بالزيت وبالشعلة تضيئه وإلا انطفأ. وللقلوب عمًى كعمى العيون، وصدق الله العظيم: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارَ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.
الإنسان هو القلب، والقلب هو الإنسان، والحي حيُّ القلب، والميت ميت القلب. لا يعبأ القلب الروحي بالزمان والمكان كما تعبأ الأجسام؛ فالتحام الأجسام لا يكوِّن صداقةً، واقتراب الأبدان قد يكون مع العداء والخصام، ولكن قلبًا يتصل بقلبٍ يولِّد الصداقة مهما تباعد الزمان والمكان!!
وإنه على صِغره لَيَسع العالم على كبره، إنه ليسعُ السماء والأرض، والبر والبحر، ينبض بجمالها، ويتناغم بنغماتها، ويخفق لها، ويحيا بسكناها، وبمقدار سعته وضيقه يوزن الإنسان.
صدقت العرب إذ سمته قلبًا، واشتقَّت منه التقلِّب، فهو دائم التغير، يضيق ويتسع ويرقى ويسفُل ويموت ويحيا، ويشتت ثم يجتمع، ويلتئم بعد أن ينصدع، ويضيء ثم يُظلم، ويُظلم ثم يضيء، ويكون مرةً جنةً ومرةً نارًا، ومرةً أرضًا ومرةً سماءً.
يا للقلب!! إن الناس ليرحلون ليروا العجائب وبين جنوبهم قلوب هي أعجب العجب. فلو سُئلتُ عن أعجب شيء في السماء والأرض لقلتُ: القلب، ولو قيل للأنبياء: لا تذكروا القلب في تعاليمكم، وللشعراء لا تترنموا بالقلب في شعركم، وللفنانين لا تعرضوا للقلب في فنكم، وللموسيقيين لا تتناغموا مع القلب في موسيقاكم، لم يقولوا شيئًا ولم يفعلوا شيئًا!
ثم للأمة قلبٌ مشترك، وهو — كقلب الفرد — يقوى ويضعف، ويموت ويحيا، وينبض ويخمد، وينقلب من حال إلى حال؛ يحيا فتحيا الأمة، ويموت فتموت. هو قلبٌ موحَّدٌ من قلوب الحكومة والموظفين والعمال، وله شرايين تصل إلى كل فرد فتنبض بنبضه، وينبض بنبضها، وهو يتغذى بالحب؛ لأنه وحده هو الذي يُعلِّمه التضحية، ولا حياة لأمة بدون تضحية.
إن المحب الذي يُحبك لِتحبَّه تاجر، والذي يحبك لتكافئه مالي، وإنما المحب مَن يحبك لأنك أنت أنت. فإذا أحب قلبٌ الأمةَ ضحَّى وكَدَّ وعمل، ولم ينتظر ربحًا، فإذا الأمة تدبُّ فيها الحياة.
إن الحب في قلب الأمة رحمة للضعيف، وعطفٌ مِن الغني على الفقير، وتعليم للجاهل، وتعفف عن المال إلا بحقه، وذودٌ عن الوطن، وتقدير للكفاية، وإعلاءٌ لشأن العدل، ومقتٌ للظلم، وهو نبل الحاكم، وشرف الموظف، وجدُّ العامل، والغيرة من الجميع على سمعة البلاد.
إن أردت الحكم على أمة فاستمع لنبض قلبها.
? غرب: جبل بالشام.
محمد والتوحيد


إن أردنا أن نلخص الإسلام في كلمة قلنا: «التوحيد»؟
وإن أردنا أن نوجز عمل النبي ? مِن بدء مبعثه إلى يوم وفاته، قلنا: «العمل على التوحيد».
وإن أردنا وصفَ الناس عند دعوته، ووصفَهم عندما أسلم روحه لخالقها، قلنا: إنه تعددٌ وتفرق لا حدَّ له، أخذ يزول شيئًا فشيئًا، ويتجمع شيئًا فشيئًا، حتى حل التوحيد محل التعدد.
هذه هي العرب في جزيرتها يوم تسلَّمها محمد، قبائل متعددة لا تربطها رابطة، لكل قبيلة لغتها، ولكل قبيلة صنمها، ولكل قبيلة مكانها ومرعاها، وشيخها وتقاليدها؛ إن عرفت قبيلةٌ قبيلةً أخرى، فإنما تعرفها يوم تغير عليها، ثم يكون الحرب والقتال والأخذ بالثأر، وكفُّ المغلوب على مضض، وكفُّ الغالب حتى يستعد للوثبة، وهكذا. غرض الفرد في الحياة أن يأكل ما يجد، وينهب إذا لم يجد، ويقاتل مع أفراد القبيلة إذا قاتلت؛ وغرض شيخ القبيلة أن ينعم بطيبات المغانم ويرأسها في القتال، وغرض القبيلة أن تستعد للوثبة يوم تغير، وللدفاع يوم يغار عليها!! وهذا ملخص حياتها.
فماذا فعل الإسلام لتوحيد الكلمة، وماذا فعل محمد؟
أسس الإسلام عقيدةً عامة يجب أن يعتنقها كل مسلم، فليس الإله إله قبيلة، ولكنه رب العالمين؛ وليس الفخر بالقبيلة ولا بالأنساب ولا بالمال والبنين، ولكن بالعمل الصالح، والعمل الصالح هو ما يُحسِّن العلاقة بين الإنسان وربه، والإنسان والإنسان، وكل إنسان مسئول عن عمله: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. الغني والفقير سواء والقرشي والباهلي سواء، وبنتُ محمدٍ وبنت غيره سواء، والرجل والمرأة سواء، لا يعبأ الله بقبيلة ولا يعبأ بنسب — لا لاتَ ولا عزَّى، ولا قرابين ولا أوثان؛ ولكن لا إله إلا الله، هو الخالق وهو المحاسب، وهو الغرض: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ. إذًا فالفروق بين القبائل لا معنى لها متى اتحد الغرض واستوت الأفراد، والأصنام التي تميز بين القبائل لا معنى لها لأنها آلهة باطلة، والاعتزاز بالحسب والنسب والقبيلة لا معنى له لأنه لا يدخل في ميزان الأعمال.
وطبيعي أن تُحدث مثل هذه الدعوة اختلافًا بيِّنًا بين مؤمن بالتعاليم الجديدة وكافر بها، ولكن مهما كان فقد نشأ تطور جديد حتى في الخلاف، فبعد أن كان الخلاف بين قبيلة وقبيلة أصبح الخلاف بين معتقدين في الدين الجيد، ومحافظين على الدين القديم، وهذه طائفة مهما تعددت قبائلها، وتلك طائفة مهما تعددت قبائلها. وأعلن رسول الله أن المؤمنين إخوة، وأن الكفر ملَّةٌ واحدة، وكان لهذا الخلاف فضلٌ، إذ جعل جزيرة العرب معسكرين اثنين بعد أن كانت المعسكرات بعدد القبائل.
وجدت في الدعوة الإسلامية نقطة ارتكاز، قوامها الرسول وطائفةٌ معه قليلٌ. عددها، قويٌّ إيمانها، تدعو دعوتها في سلام، وكل وسائل إقناعها الحجة والبرهان. ماذا تغني اللاتُ والعزَّى، وما يغني التكاثر بالمال والبنين، وما الفخر بالنسب إلى نحو ذلك؟!
ولكن القوم خرجوا من مقارعة الحجة بالحجة إلى مقارعة الحجة بالسيف، فالرسول يُضطهد، والمؤمن يُعذَّب، والدعوة تُكبت.
فلا بد — إذًا — من مقابلة القوة بالقوة، والسيف بالسيف، والحرب بالحرب فاتسعت الدائرة، وأصبحت العقيدة الجديدة تحميها القوة المادية بجانب القوة الروحية، ويتمثل جيشها في المهاجرين والأنصار، كما احتمت العقيدة القديمة بالقوة، وتمثلَ جيشها في صناديد قريش. ووُجد مركزان للقوتين: «المدينة» للمسلمين، و«مكة» للكافرين.
إذًا لا بد من الدعوة، ولا بد من القوة تحمي الدعوة.
وظلت القوتان تتقاتلان نحو عشر سنوات انجلت عن نصرة الإسلام، وتوحُّد جزيرة العرب تحت لوائه، تدين كلها بدين واحد، وتؤمن بعقيدة واحدة، وتخضع لنظام واحد، ويدوِّي في أرجائها كلها: لا إله إلا الله.
لم يكن السيف وحده هو القوة الفعالة؛ فقد كان سيف أعدائه أقوى من سيفه، ولا كانت القوة المادية وحدها هي العاملة في هذا التوحيد، وإنما كانت هناك خطة توضع بعيدة الغرض صحيحة القصد، تُعين على الوصول إلى هذه النتيجة، فما هي؟
أولُ كل ذلك تعاليم الدين نفسه؛ فاتحاد الغرض، وهو إعلاء كلمة الله الذي يتمثل في اتحاد القبلة وتوجُّه المسلمين كلِّهم جهة واحدة، جعلهم قلبًا واحدًا، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم، ثم ضَمُّ الآخرة إلى الدنيا في الحساب جعل الحياة رخيصةً في سبيل المبدأ؛ فهو يجاهد بكل قلبه وبكل قوته، فإن عاش عاش سعيدًا، وإن مات فهو أسعد.
فالتضحية العظيمة في النفس والمال اتحدت مع الأنانية في سعادة باذلها، فإذا دَمِيتْ الإصبع قال قائلهم:
ما أنت إلا إصبعٌ دَميتِوفي سبيل الله ما لَقيتِ وإذا ذهب المال قال صاحبه: «إن المال عرض زائل».
وإذا أشرف على الموت في الجهاد تمثل بقول الشاعر:
لبَّث قليلًا يلحَق الهيجا حَمَلْلا بأس بالموت إذا الموتُ نزل ثم قيادة حكيمة، حازمة رحيمة؛ لا تضحِّي جندَها لخيرها، ولكن تضحي نفسها وجندها لعقيدتها؛ ولا تسخِّر جيوشها لتجلس على أكداس غنائمها، وإنما غنائمُ الجيش له وللمسلمين، وقائدهم أحدُهم؛ ثم قوةٌ في القيادة عظيمة، علَّمت عظمتها الجنود كيف يطيعون ولا يختلفون؛ فلكلٍّ مركزه كما رسمه القائد الأعلى، ولو كان عمر في جيش أسامة وكلٌّ يؤدي واجبه ولو أُمِّر عليه عبدٌ حبشي كأنَّ رأسه زبيبة.
فاتحاد الغرض وَحَّدَ القلوب، ووَحَّد بين الرئيس والمرءوس، ووحَّد في التضحية بين القائد والجندي، فأصبحت جزيرة العرب وِحدة واحدة؛ لأن كل شيء في إدارتها كان يرمي إلى التوحيد؛ الفرص متكافئة لكل رجل ولو كان من أوضع قبيلة؛ ليتفوَّق بحسن عمله. ومَن بلال، ومَن صهيب، ومَن سلمان الفارسي، لولا تعاليم الإسلام بإهدار الدم والجنس والقبيلة، والمناداة بأن أكرمكم عند الله أتقاكم؟!
ليس هناك نظام للطبقات تؤسَّس على الغِنى والفقر، ولا طبقات تؤسس على الفروق بين الحاكم والمحكوم، ولا طبقات تؤسس على الدم والحسب والنسب؛ بل كلٌّ يقوَّم بعمله و«رُبَّ أشعث أغير ذي طِمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبرَّه».
وراء المادة روح، ووراء العمل قلب، ووراء الأعمال الظاهرة بواعث نفسية، وأمام كل مسلم غرض هو إعلاء الحق وكلمة الحق وتطهير النفس؛ وهذا الغرض الواحد أمام الجميع يُوَحِّد الأعمال وإن اختلفت مظاهرها.
ثم هذا هو الإسلام، وهذا هو محمد ينادي بالأخوَّة في العقيدة، ويعمل عليها وينشرها في جو الجزيرة العربية؛ ليستنشقها كل مسلم «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم — المسلم أخو المسلم — المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى — المؤمن يألَف ويُؤلَف ولا خير فيمن لا يألَف ولا يُؤلَف، وخير الناس أنفعهم للناس — المؤمن أخو المؤمن يكفُّ عليه ضيعته ويحوطه مِن ورائه». وهكذا. ومنذ أن ظهر الإسلام ومحمد يؤاخي بين الصحابة ويراعي في ذلك مزاج المتآخين، وهدم الفروق المالية والقبيلة. فهذا مكَّن لهم — في تعاطفهم وتوحدهم — أخوَّة بين الفرد والفرد، وبين القبيلة والقبيلة. وبين الفرد والحاكم، وبين الرجل والمرأة، حتى كادت الأخوَّة تكون شعار الدين.
ثم القرآن وحَّد اللغة كما وحَّد الدين، فضعفت اللهجات الأخرى غير لهجة قريش، وماجت الجزيرة العربية بأهلها في الحرب وفي السلم، وكثرَ تقابلهم وتحادثهم وامتزاجهم، وكثرت تلاوتهم للقرآن والحديث، فإذا اللغة متحدة أو متقاربة كالدين.
لقد تسلَّم «محمد» جزيرة العرب وهي «أقطاع» تقتطع كل قبيلة منها قطعة تستقل بها، وخلَّفها أمةً واحدة في دينها وفي لغتها وفي غرضها، تخضع لنظام واحد وتشريع واحد، وليس هذا بالأمر اليسير؛ فتوحيد بلاد الفرس في أمة أو بلاد الرومان في أمة، أيسرُ ألف مرة من توحيد سكان جزيرة العرب في أمة؛ لبعد ما كان بين بعضهم وبعض في الأرض وفي النفس؛ ولأنهم لم يخضعوا لنظام سابق، ولم يمرنوا على الخضوع لحاكم ولا لإطاعة أحد غير شيخ القبيلة، وكل واحد منهم ملكٌ في نفسه معتزٌّ بدمه وعصبيته ولغته وإلهه؛ فتوحيد أشتاتٍ كهؤلاء وجعلهم أمةً فيها كل خصائص الأمة معجزة المعجزات. وصدق الله إذ يقول: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا.
وقد أعلن (محمد) في خطبته في حجة الوداع الأسس التي بنى عليها توحيد العقيدة، وتوحيد الجزيرة، وكيف وصل إلى الغرض، ففيها: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم». «فمن كانت عنده أمانة فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها». «إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مالَ أخيه إلا عن طِيب نفس منه». «إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم». «اتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا». هذه هي وحدة العقيدة، وهذه هي الأخوَّة!! ثم أعلن هدم نظام الطبقات من أساسه؛ فلا رِبا؛ لأنه يساعد على نظام طبقات مِن غني وفقير، ولا فخر بحسب؛ لأنه يعين على تأسيس طبقات على أساس الدم، فقال: «إن ربا الجاهلية موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون». «وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السِّدانة والسقاية». ثم أشاد بهذا النظام الذي أُسس على هذه المبادئ وأوجب التمسك به: «ترجعُنَّ بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، فقد تركت فيكم ما إن أُخذتم به لن تضلوا بعده». «إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه». فالتوحيد أول كلمة في الإسلام وآخرها، وأول عمل من أعمال الرسول وآخره.
•••

لقد رمى الإسلام أن يوحِّد العالم بعد أن وحد جزيرة العرب، وما الذي يمنع من ذلك؟ إن رب العرب رب العالمين، ورب السماء والأرض ورب الطبيعة كلها، فلو عبد الناس كلهم ربَّهم الحق لتوحدوا في العقيدة، وأصبح العالم وحدةً، وما يمنع الناس أن يؤمنوا بهذه العقيدة إلا دينٌ انحرف عن القصد، وربَّانيون تجار، وملوك يحتفظون بملكهم فيجارون شعورَ شعبهم وسلطة ربَّانييهم؟!
إن الإسلام مرتبط بالطبيعة أشد ارتباط، ويذكِّرنا دائمًا بالنظر إليها والعبرة بها والاستدلال منها على خالقها؛ فيدعو إلى التفكير في السماء كيف رُفعت، وإلى الجبال كيف نُصبت، والأرض كيف سُطحت، والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض، والشمس والقمر يتعاقبان، والبحار والأنهار تجري بأمره، فماذا يحول بين الناس وبين خالقهم في كل بقعة من بقاع الأرض أن يفكروا، فيعبدوا الله وحده خالق هذا الكون ومبدعه! اقرءوا إن شئتم: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا .
ثم هذا الإسلام يؤمن بكل ما أتى به الأنبياء من قبل، من آدم إلى عيسى، ويُعظمهم ويمجدهم، ويرى أنهم كمحمد، وأن الله الذي أرسله أرسلهم، وأن دعوته ودعوتهم واحدة، عمادها التوحيد وعدم الشرك، ومن آمن بدعوتهم صحيحة كان كمن آمن بدعوة محمد: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى? نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى? وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
فالأساس واحد كما أن إله الجميع واحد، وما فرَّق بين الناس إلا الأغراض والشهوات، وحب الدنيا وحب الرياسة: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا.
فلِمَ لا يزول هذا الخلاف في العقيدة، وتتَّحد عقيدتهم كما توحَّد خالقهم؟
هذا جانب العقيدة. أما الجانب العملي في الحياة فكذلك؛ أليس من الخير أن يسود الناسَ العدلُ فلا يكون ظلم، ويُعلَى شأن الفرد فلا تكون عبودية، وتكون الحكومة للفرد لا الفرد للحكومة، ويُسوَّى بين الناس فلا يُقوَّم الرجل إلا بعمله؟! فما بال مَن حول جزيرة العرب من فرس وروم وأحباش تسوء حالة رعاياهم؟ فغنًى مفرط بجانب فقرٍ مفرط، وإسرافُ حكَّام في الملاهي والملذات على حساب الشعوب، وطبقاتٌ عالية تستولي على الخيرات ولا تترك للطبقة الدنيا إلا الفتات.
ما بال العالم لا تتوحد قواعده الأساسية في الحكم كما تتوحد في العقيدة، فيكون عدلٌ مطلق، وحرمةٌ للرعية دقيقة، وأمن شامل، ونظامٌ شامل، وأخوةٌ شاملة، وإهدارٌ للجنسية، فلا عرب ولا روم، ولا فرس ولا أحباش، ولكن خلقُ الله يتآخون أفرادًا ويتآخون أممًا، وتحلَّ الإنسانية محل الجنسية، وعبادة الله الحق وحده محل الآلهة المصطنعة المتعددة، فيكون توحيد في العقيدة، وتوحيد في العمل، وتعاونٌ في العالم؟!
على هذا الأساس أرسل محمدٌ ? كُتبه إلى ملوك العصر المجاورين للجزيرة: هرقل عظيم الروم في الشام، والمقوقس في مصر، وكسرى في فارس، والنجاشي في الحبشة، يدعوهم إلى التوحيد، فإذا توحَّدوا توحَّد العالم.
يقول في هذه الكتب التي أرسلها للنصارى منهم: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ.
ففي العقيدة الأولى الدعوة إلى الوحدانية، وفي الثانية: الأخوَّة وهدم الطبقات. ثم في كل الكتب يُحمل الملوك تبعة الرعية، ففي استطاعتهم قبول الدعوة، وإذا رُفضت فالإثم عليهم؛ لأنهم يبغون حظ أنفسهم؛ ففي كتابه إلى هرقل: «فإن توليتَ فإنما عليك إثم الأريسيين».? وفي كتابه إلى المقوقس: «فإن توليتَ فعليك إثم القبط». وفي كتابه إلى كسرى: «فإن أبيتَ فإنما إثمُ المجوس عليك». ولكن أنَّى يلبِّي هؤلاء الملوك الدعوةَ ومقياسُ الأشياء عندهم المظهر لا المخبر؟ فكيف يجرؤ عربي بدوي في الصحراء ملتفٌّ بإزاره أن يدعو من يُغرق في الترف، وينعم في الحضارة، ويرفل في الدمقس وفي الحرير، ويسير في الجنود والبنود، ويرث الروم في مدينتهم، أو الفرس في عظمتهم وفخفختهم؟!
بل كيف يلبون الدعوة وهي تدعو إلى إزالة الفوارق ومساواة السيد بالعبد، والراعي بالرعية، والحاكم بالمحكوم، وتلغي الطبقات وهي عماد الدولة في نظامها وتشريعها وماليتها وكل شيء فيها؟!
لا! لا! مزَّقوا الدعوة احتقارًا، أو ردوا الرسول محمَّلًا ببعض الهدايا استخفافًا.
وهكذا صدُّوا عن أسمى فكرة وهي التوحيد في العقيدة والعمل، ولصقوا بالتقاليد في العقيدة والعمل.
فلما لقي محمدٌ ربَّه، نفَّذ بعضَ الخطة خلفاؤه.
•••

أما بعد، فلا يصلح آخِرُ الدين إلا بما صلحَ به أوَّلُه، كان التوحيد هو الأساس، ولا يزال هو الإصلاح. كل تعاليم الإسلام باقية ولكن فقدت روحها، واحتفظت بجسمها ولكن ضعفت حرارة قلبها، قد كانت عقيدة «لا إله إلا الله» تعني توحيد المعبود، فأصبحت الآلهة متعددةٌ عملًا، وإن توحَّدَ لفظُ التوحيد لفظًا؛ فالمال معبود، والسلطان معبود، والشهوة معبودة، والدنيا معبودة، فلا بد أن تُكسر هذه الأصنام آخرًا كما كُسرت أولًا. وكان هناك توحيدٌ في العمل، فالقيادة واحدة، والنظام واحد، والرأي — بعد الشورى — واحد، فإذا كل رأسٍ رأسُ قائد، وكل متكلم زعيم، وكل زعيم مستبد، وحب الشهوة يلعب، والأنانية تلعب، والدسائس للتفريق تلعب. وكان في الإسلام أخوَّة تبعث الحب، والحب يوثق الصلة، فإذا العداوة في كل جوٍّ تُرضع مع اللبن، وتُتنفس مع الهواء. ولم تكن هناك طبقات، فتعددت الطبقات من كل جنس، على أساس الدم والمال والمنصب والسياسة. وعلى الجملة، فكل دعوة إلى التوحيد تقابَل بألف مشكلة من أنصار التعديد، وكل تعديدٍ فُرقة، وكل فرقة ضعف، وكل ضعيف عُرضة لأن يلتهم، ولا عظة بالتاريخ، ولا عبرة من أحداث الزمان، فيا لله للمسلمين!!
? الأريسي: الأكَّار والفلَّاح، روميةُ الأصل.
في الهواء الطلق


كان برنامجنا هذه المرة أن نتقابل صباحًا في مصر الجديدة، ففعلنا، وسرنا في صحرائها الجميلة نَنْعَم بالشمس الساطعة ودفئها، والهواء النقي ولطافته، والسكون الهادئ المريح للأعصاب. وما خلَّفنا المدينة وضوضاءها والناس وبلاياهم ومفاسدهم حتى تفتحت عندنا شهية الكلام.
قال أحدنا: لست أدري عِلَّةً لهذه الظاهرة الغريبة عندي — كلما رأيت منظرًا جميلًا للطبيعة كغروب الشمس في البحر، أو جبل فخم ضخم، أو شمس ساطعة أو قمر منير، أحسست نوعًا من الحزن، حزنًا ليس كالحزن عند فَقْدِ عزيز أو نزول كارثة، ولكنه حزنٌ غير أليم، حزن ممزوج بلذة، فأراني مطمئنًا لحزني لا أرضى به بديلًا سرورًا خالصًا ولا ضحكًا صارخًا.
أ: سبب ذلك — على ما يظهر لي — أن هذه المناظر جمعت بين الجلال والجمال، والجلال يبعث في النفس شعورًا بالضعة؛ إذ يقيس الإنسان نفسه بالطبيعة فيراه ضئيلًا بجانب عظمتها، حقيرًا بجانب فخامتها. والشعور بالضعة أليم؛ لأنه يُشعر النفس بالذلة، وعزيز عليها أن تُذلَّ. وإلى جانب هذا شعور بجمال المنظر، والشعور بالجمال لذيذ؛ إذ يفتح النفس ويؤنسها، فتكون حركة النفس لهذه العوامل المختلفة حركة انقباض وانبساط، أو كما سميتها أنت لذةً وألمًا.ب: ولكن أخبروني، أليس عجيبًا أن المصريين والشرقيين على العموم أميل إلى الحزن والانقباض؟ وأن شعورهم بالألم وأسبابه أرقَّ من شعورهم بالفرح وأسبابه؟ حتى صاحبنا هذا يأتي إلى المناظر الطبيعية الجميلة الباعثة على السرور والانشراح فيسوِّدها بما عرض علينا من مشاعر وأفكار! لقد عشت في فرنسا عهدًا طويلًا — كما تعلمون — وكنت من أكثر زملائي المصريين فرحًا وسرورًا ونشاطًا، ومع هذا وصفتني أكثر من سيدة بأني حزين متشائم منقبض، فإذا كنت أنا كذلك فكيف لو رأين غيري؟ إذًا لوصفنه بأنه بكَّاء يذوب أسى وحسرة.
لقد فكرت في هذا الأمر كثيرًا بعد أن تجلت لي هذه الحقيقة بالمقارنة الدقيقة بين الشبان المصريين في فرنسا والفرنسيين أنفسهم، وكذلك عندما أقمت في إنجلترا أشهرًا وألمانيا أشهرًا، ورأيت المصريين وغيرهم من هذه الأمم؛ وبحثت الأسباب فلم أهتدِ إلى علَّة جازمة.ج: ربما كان السبب الجوَّ؛ فالشرقيون يعيشون غالبًا في جو حارٍّ أو أقرب إلى الحرارة، والغربيون يعيشون في جو بارد أو أقرب إلى البرودة، والحر يُسبب الكرب وانقباض الصدر، والبرد يدعو إلى الحركة، والحركة تُجري الدم وتبعث على النشاط وتُذهب السأم. أضف إلى ذلك أن الجو البارد عندهم يدعو إلى اجتماع الأسرة والأصدقاء في البيت رجالًا ونساء، وإشعال النار في المدافئ والاجتماع حولها، وفي سكونهم إلى النار ومعهم المرأة بلطفها وبهجتها مبعثٌ للأنس والسرور، وغذاءٌ للنفوس تتغذى به طول اليوم حتى يتجدد المنظر.ب: فكَّرتُ في هذا كما فكرتَ، ولكن لم أجده سببًا صالحًا؛ ففي البلاد الشرقية ما يعتدل جوُّه وقد يكون أميل إلى البرودة في أكثر أيام السنة كسوريا ولبنان، ومع ذلك فالطبيعة الشرقية واحدة! ثم إنك نسبت الفرح إلى المدافئ والشرق فيه المدافئ الطبيعية الكافية، والحر يُجري الدمَ والبرد يُجمده، ألم تقرأ كلمة ابن خلدون في أن الإنسان إذا دخل الحمَّام كان أميل إلى الغناء؛ لأن حرارة الحمام تنشط دمه وتبسط نفسه؟! فهب أن الحر اشتدَّ في جوِّنا حتى كان كله حمامًا، أليس في هذا ما يدعو إلى جريان الدم وانبساط النفس؟ ثم لو كان ما تقوله صحيحًا لكان «الترمومتر» مقياسًا للفرح والحزن، كما أنه مقياس للحرارة والبرودة، وهذا ظاهر البطلان! قد يكون في بعض ما دل عليه كلامك — ولو لم توضحه كل الإيضاح — شيءٌ من الصحة، وهو موقف المرأة في الغرب والشرق؛ فالمرأة في الغرب مبعث السرور والنشاط في المجتمعات وفي الحياة العامة، وفي باب الحب وفي باب العمل، وهي بلسم الهموم في الغرب وليست كذلك في الشرق؛ ولكن حتى هذا لا أراه كافيًا.أ: عندي أن السبب في انتشار الحزن والتشاؤم يرجع إلى الحياة الاجتماعية ونظمها وتاريخها؛ فالشرق منذ مئات السنين رازح تحت أثقال ظلم الحكام، سلبٌ ونهب واستئثار بطيبات العيش، وإسراف في الترف يقابله إغراق في فقر الشعب، وسطوةٌ تقتل النفس وتحملها على المذلة والملق، ومناظر مخزية من ضياع عدلٍ بالرشوة والمحاباة وتقديم غير الكفء وإهمال الكفء، وتسلُّط على الفلاحين والطبقات العاملة، وأخذ كسبهم لتزيين قصور أغنيائهم، وتركهم في بؤسهم لا يكادون يجدون ما يأكلون.
كل هذا ملأ النفوس أسًى وأسفًا، وتراكم عليها ذلك حتى أثقل كاهلها، وغضن جبينها وحيَّر نظرتها، فإن ضحكت فمن فمها لا من قلبها، وإن تشاءمت فلِما رأت من تتابع خيبة أملها. وكيف يفرح مَن في بيته مأتم، أو كيف يضحك من يشيع جنازة؟ — ليس العجب من حزنه وتشاؤمه، بل العجب من بقائه حيًّا إلى اليوم مع كثرة ما لاقى — إني لأعجب من ضحكاته القليلة، وأعجب من قوة احتماله لأثقاله!!
ودليلي على ما أقول أنه لما بدأت تتحسن حالة الشرق الاجتماعية قليلًا بدأ يضحك قليلًا قليلًا، فإذا تمَّ ما أمَّلَ انفجرت ضحكتُه عالية.
واكفهرَّ الجوُّ واحتجبت عينُ الشمس وأخذ السحاب ينذر بالمطر الغزير، فجددنا السير لنرى ملجأ نحتمي فيه، فلم نجد إلا «مخفر البوليس»، فاستضفناهم، فضيَّفونا، وانسجم الجو والمطر والرعد والبرق مع الموضوع — وأخرج كل منا ما يحمله من طعام بسيط، وبدأنا الأكل، ولكن كانت شهيتنا لإتمام الموضوع فوق شهيتنا للأكل. قال الأول — وهو مَن بدأ الحديث —: ربما كان السبب عندي يرجع إلى الدين، وأرجو ألَّا يؤاخذني صديقي «أ» فقد عرفته دائمًا يتحمس للدين ويغضب للدين، ويُرجع للدين في ماضيه وحاضره كل فضيلة، ولعدم التمسك به كل رذيلة، وأرجو أن يكتم غضبه حتى أتمم حديثي فقد يقتنع.
أرى أن الإسلام في أصله كان يعتمد على ركنين: الترغيب والترهيب، وكانا متوازيين متعادلين؛ الجنة تقابلها النار، والنعيم يقابله الجحيم، والتهديد بالعقوبة يقابله عدم التيئيس من رحمة الله، وهكذا؛ ولكن بعد القرن الأول علت نغمةُ التخويف وضؤلت بجانبها نغمة الأمل، وكان على رأس هؤلاء الحسن البصري، فملأوا أدب الدين بالنار والرعب منها، والخوف من الآخرة وشدتها، وما زالوا يُفرِطون في ذلك حتى انخلعت قلوب الناس وتولاها الهلع والجزع، فصاروا إذا ضحكوا استغفروا، وإذا استمتعوا ندموا. وكلما أتى جيل من العلماء زاد هذه النغمةَ علوًّا، فزادت القلوب يأسًا، وساد الجوَّ وجومٌ وشمله الخوف، وبدل أن يعمل العلماء بالحديث «بشِّروا ولا تنفروا»، عملوا بعكسه فنفَّروا ولم يُبشروا — فلا عجب بعد هذا كله أن يحزن الناس ويتشاءموا وتعلوهم الكآبة. وكانت هذه النتيجة بعينها في الغرب في القرون الوسطى لما سادت سلطة رجال الدين، وكانت نغمتهم نغمةَ رجال الدين من المسلمين، فلما زالت العلة وأتت النهضة كانت الدعوة إلى تقدير الحياة الدنيا والاستمتاع بها، فكانت البهجة والسرور.
أ: هذا قول غير صحيح؛ فالإسلام بشَّر وأنذر، ورجال الدين كما زادوا في وصف النار زادوا في وصف الجنة، وغرضهم من التخويف بالنار وعقابها ردعُ الناس عن الفجور، وحسنًا فعلوا، فهل تعجبك أوروبا في مباذلها ومباهجها واستهتارها؟ تبًّا للسرور إذا أنتج هذه النتائج، ولخيرٌ منه ألف مرة الحزن مع الاستقامة (قال ذلك في شيء من الحدة والغضب). ومن حين لآخر يسود الصمت فنسمع صوت الرعد وانهمال المطر، فنفكر في وسيلة العود، وما رأيك أنت يا سيد (د) إنَّا لم نسمع منك كلمة من بدء الحديث؟
د: إني أستمتع بحديثكم وأستزيد علمًا من أقوالكم وجدلكم، وعندي رأي أبديه بين آرائكم، هو أن سبب الحزن السائد هي الفنون، من شعرٍ وموسيقى وغناء. فالفنون — في نظري — هي قادة الشعوب وخاصةً في مشاعرها، وقد رأيت الشعر العربي يميل دائمًا إلى الحزن من حين قال امرؤ القيس: «قفا نبك» إلى أن قالت أم كلثوم: «سكت والدمع تكلم»، وبينهما ما لا يُحصى من الشعر الحزين والدمع المنسكب. إن الشعراء كانوا كرجال الدين أُعطوا عودًا ذا أوتار فلم يُغنوا كثيرًا إلا على الوتر الحزين حتى كاد الشعر يغرق في بحر الدموع. الحب بكاءٌ والرثاء بكاء. والمديح مذلة للنفس وهي بكاء، تبدَّى الشعراء فبكوا الأطلال، ثم تحضَّروا فبكوا الديار، وأحبوا فبكوا الحبيب، ثم شقوا فبكوا الشقاء، وتصوَّفوا فبكوا، ونقدوا المجتمع فبكوا، فماذا بعد هذا؟أ: فأين أنت من شعر عنترة وأمثاله الذي يفيض قوة وبطولة؟ وأين أنت من شعر أبى نواس الذي انغمس في متع الحياة إلى أذنيه؟ وأين أنت من شعر المتنبي الثائر القوي؟ وأين أنت من شعر البهاء زهير العاشق المرح؟ أمن العدل في الحكم أن تنظر إلى من بكى ولا تنظر إلى من ضحك، وتنظر إلى شِعر الضعيف ولا تنظر إلى شعر القوي؟د: لم يَغِب عني ما ذكرت، ولكني لا أرى رأيك في أبي نواس؛ فإنه بكى على الخمر كما بكى غيره على الحبيب، ولا في المتنبي؛ فإن شعره قوي حقًّا ولكنها قوة الذي يضرب فيوجِع، لا قوة الذي يحمِّس فيفتح الأمل. إن الشعر الذي أتمناه الشعر العربي شعرٌ قوي فيه الشعور بالقومية وبالعزة وبالحياة وبالحرية، تستند فيه قوة الشاعر على صدق الشعور وحرارة القلب لا على الإسراف في الخيال ولا على الإمعان في ضروب البديع، وهذا القدْر في شعر العربية قليلٌ إذا قيس بالشعر الحزين. إن في بعض الشعر الغربيِّ حزنًا أيضًا ودموعًا هيامًا، ولكن هذا اعتدل واستوى بما كان بجانبه من شعر ضاحك قويٍّ يفتح النفس ويبعث على الحياة، فكان النوعان ككفَّتَي الميزان استوتا وتعادلتا. أما عندنا فكفةٌ راجحةٌ جدًّا، وكفة شائلة جدًّا.
والغناء عندنا أسوأ من الشعر؛ إن في الشعر ضروبًا، ولكن الغناء ضربٌ واحد وهو الدموع المسفوحة، والكبد المجروحة، والقلب الذائب في الوصال والفراق، والقرب والبعد والرضا والصد، كأن لا حبَّ إلا بدموع كالذي قال:هل الحبُّ إلا زفرةٌ ثم عبرةٌوحرٌّ على الأحشاء ليس له بردُوفيضُ دموع تستهلُّ إذا بدالنا عَلَمٌ من أرضكم لم يكن يبدُووالموسيقى صدى للغناء، يبكي المغني فتبكي الموسيقى لبكائه، وأحب أدوار المغني إليه وإلى الناس ما أحزن، وكذلك الموسيقى، ومرحى لهما إذا أجريا دموع السامعين، واستخرجا من أعماق القلوب آهات المحبين!!
كلُّ هذا في نظري سبب ما شاع في نفوس الشرقيين من الحزن، فكثيرٌ من الأمم مَدينة بقوتها وعظمتها وتبسُّمها وإقبالها على الحياة للفنانين من شعراء وكُتَّاب وموسيقيين ومغنِّين؛ فأصلِحوا الفن يصلُح الناس، وأضحكوا الفنانين تُضحكوا السامعين. وصمتنا لحظة، وإذا السماء لا تزال تسحُّ، والسحاب لا يزال يدمع، فسألنا مضيفنا أن يستوقف لنا سيارة تحملنا.
ب: ولكن أترى هذا سببًا أم نتيجة؟ أبكى الشعب لمَّا بكى الشعراء، أم بكى الشعراء لما بكى الشعب؟ إني أرى أن الفنانين إنما يُطربون الشعوب؛ لأنهم غنُّوا لهم على مشاعرهم، ولو غنوا لهم غناءً قويًّا ما أعجبهم.د: هذا يا سيدي من ضعف الفنان؛ فالفنان القوي يقود الشعب ولا ينقاد له، ويسير أمامه لا وراءه، كالنبي يطلع على الناس بالجديد في تعاليمه، ثم يحملهم على الجادة بقوته التي يستمدها من ربه، وبما هيأه له الله من قوة قلبه.أ: ولكن ألا ترون أنكم بالغتم في الحطِّ من قدر الحزن والبكاء، وفي عدِّهما علامة ضعف الأمة؟ أليست الدمعة علامة رقة الشعور وطهارة القلب وصفاء النفس؟ ألم يقل كبار الفلاسفة: إن المأساة أرقى وأنبل من الملهاة؟ والمأساة تُثير الدمع والملهاة تُثير الضحك!
والشاعر يقول:ما واجدُ الصبر في المعنى كفاقِدِهوجامدُ الدمع في المعنى كجاريهإن الحزين الدامع أقرب إلى قبول الخير من اللاهي الضاحك القاسي.ب: إن الحزن ألوان والدمع ألوان. وإن ما نكره هو الحزن يقبض النفس، ويبعث على اليأس ويصرف عن الحياة، وإن الأمة بهذا النوع من الحزن لا يُرجى منها أيُّ خير، ولماذا تكون رقة الشعور في الحزن ولا تكون في السرور؟ إن النفس الإنسانية أوتارٌ ولا بد أن نوقع عليها جميعًا، فأما أن تبكي فقط فقتلٌ للنفس. لا بأس من الحزن، ولكن حزن الرجال، وخيرٌ من قول شاعرك الذي حكيت قولُ أبي تمام:ولربما ابتسم الكريمُ على الأذىوفؤاده من حرِّه يتأوَّهُوهذا معنى كريم، فهو يشعر ولكن لا يبكي، ويتأوه ولكن يعمل في مقاومة ما يتأوه منه، يألم من الشر ولكنه يدفعه، ويفرح بالخير ويستزيده. ألا ترى أن الطفل يبكي كثيرًا حيث لا يبكي الرجل؟ إن الأطفال يبكون لأنهم يتألمون ويعجزون عن إزالة أسباب الألم، وهم لا يبكون للألم ولكن للعجز؛ فالحزين الباكي من الرجال طفل يتألم ويعجز، والقادر القويُّ يتألم ولا يبكي؛ لأنه لا يعجز أتريد أن تكون الأمة أطفالًا أو رجالًا، أو تريد …
وزمَّرَت السيارة زمْرَتها إيذانًا بالحضور، فركبنا والمطر ينهمر، وعدنا إلى منازلنا، أفكارنا هائمة في حوارنا.
الحيرة


لست أنسى تلك الأيام التي قضيتها في فندق «أوريان بالاس» في دمشق أيام مهرجان المعرِّي، وكان الشباب السوري يتحلق حول العلماء الوافدين، ويمطرهم بالأسئلة الاجتماعية والسياسية الأدبية.
إن كان هناك طابع يميز هذه الأسئلة فهو «الحيرة»؛ الحيرة فيما يجب أن يعملوا لأنفسهم ولصالح أمتهم؛ والحيرة في المذهب السياسي والاجتماعي الذي يجب أن يعتنقوه؛ والحيرة في موقفهم إزاء المدنية الحديثة، ماذا يأخذون وما يذرون؛ والحيرة في كيفية التوفيق بين مطالب الإسلام ومطالب المدنية.
وليس الأمرُ مقصورًا على الشباب السوري، فالشباب الشرقي كله حائر في هذه الأمور وأمثالها، بل كل المثقفين وأولي الأمر حائرون.
ولهذه الحيرة أسبابٌ خاصة في كل قطر، وأسبابٌ عامة في العالم.
إن العالم كلَّه اليوم حائر؛ لأنه هدم قديمه، ولمَّا يَبْنِ جديده، كالسائر يمشي في الطريق الواضح المَعْلَم حتى إذا أتى إلى مفترق الطرق حار أين يتجه. نقمَ المصلحون على الوطنية؛ لأنها جرَّت التنافس إلى حد التناحر؛ ولأنها أدت إلى المغالاة في حماية الصناعة الوطنية والتجارة الوطنية، وفرضِ كل أمة صناعتها وتجارتها وسياستها ورجالها على مستعمراتها، وأُشعلت نيران العداوة والحسد والغيرة بين الأمم حتى أدت إلى هذه الحروب الطاحنة، ونادوا بأن تحل الإنسانية محل الوطنية، أن تفتح البلاد للتجارة الحرة تتنافس تنافسًا مشروعًا أساسه الرخص والجودة وما إليهما. ولكن كيف ترسُّم هذه الخطط لبرنامج الإنسانية، وكيف يُحافظ على مزايا الوطنية وتتجنب أضرارها، وكيف نتخلص من إرثٍ قيم في نفوسنا، وأين الساسة القادرون على أن يقودوا الرأي العام لا أن يقودهم الرأي العام؟ كلُّ هذا لم يتبين بعدُ، فالناس حائرون.
وشَكَا آخرون من التربية وقالوا: إنها علة العلل، وإنه تخدم الوطنية وتؤججها، وتبعث في نفوس الناشئين ضيقَ النظر وعصبيةَ الجنس والأمة، وتعِدُّ للحرب والخصومة والسير على آثار من قبلهم في تصور نظم الحكم؟ ولكن كيف الإصلاح؟ وكيف يعمُّ هذا الإصلاح الأمم كلها حتى لا يتسلَّح قومٌ بالوطنية والخصومة، بينما الآخرون متسامحون يؤسِّسون تعاليمهم على الإنسانية والعطف والإخاء؟ وكيف ينفَّذ الإصلاح — لو عُرف — والقابضون على زمام التربية والتعليم عقليتهم من جنس عقلية حكومتهم التي تُحافظ على القديم وتكره الجديد، خصوصًا إذا كان جديدًا ثائرًا؟ هذا موضع حيرة.
ورجال الدين يصرخون: ضاع الدين ففسدت الأمم، وماتت الروح فضاعت الذِّمم، ولا نجاة إلى بعودة الدين إلى حياته ليعود لضمير إلى محاسبة النفس، ولكن ماذا فعل رجال الدين ليصوِّروه دينَ روحانيةٍ لا مادية فيها، وسمو أخلاق لا ضعَة فيها، وحقيقة لا خرافة فيها، وسماحة لا ضيق فيها، وصفاء نفس لا شائبة فيها، وخدمة للإنسانية لا كراهية فيها، وعون على التقدم الاجتماعي لا رجعية فيه، وتصفية العلاقة بين العبد وربه لا تكديرها، وتجرد عن خدمة السياسة والاستبداد والشهوات والأغراض؟! هذا موضع حيرة.
والمصلحون السياسيون ينادون أن النظام الحالي للدول سبب البلاء، فأممٌ متقاطعة ترتكز سياستها على ضيق النظر وكسب الغنائم على حساب غيرها؛ وتوجيه الشعوب لمصلحة حكومتها لا توجيه الحكومة لمصلحة شعبها، ونظمٌ تتنازع العالم بين شيوعية ونازية وديمقراطية، ويؤول تنازعها إلى انقسام العالم إلى معسكرات وفناء الملايين من بني البشر، وتسخير العلوم والفنون للحرب، وغير ذلك. ولكن ما هي النظم التي يجب أن تحلَّ محلَّ القديم، وكيف تُفرض على الجميع، ومَن الذي ينفذها؟ لسرعان ما توضع المبادئ الإنسانية في الحرب، ثم تُنسى في السلم، فكيف ينفذ في السلم ما يقال في أيام الحرب؟ هذا أيضًا موضع حيرة.
ورجال الأخلاق يشكون من ضياع الأخلاق الفاضلة؛ فقد ضاع عطف أفراد الأسرة بعضهم على بعض، وعطف رب المال على العمال، والعمال على رب المال. وضاعت حرمة القوانين والمبادئ كما ضاعت حُرمة المعاهدات. وفشا الشك في قيمة الفضيلة كما فشت الفوضى في العقول. ولكن كيف السبيل للإصلاح؟ إن المواعظ والنصائح وكتب الأخلاق لا تؤثر ما لم يدعمها الإصلاح السياسي والاجتماعي، وقد أبنَّا صعوبته وحيرتنا فيه! فهنا حيرةٌ كتلك.
العالم كلُّه غارقٌ في الحيرة من هذا ومن أمثاله.
•••

ثم للشرق حيرةٌ أخرى بجانب هذه الحيرة العالمية، بل حيرات. إن مصيره مرتبط بمصير العالم، فهل تتغلب المبادئ الإنسانية والعدالة الاجتماعية فتنظر للشرق كأنه أخٌ للغرب، إن تخلَّف عنه يأخذ بيده حتى يتقدم، كما يأخذ الأخ العاقل العادل الكبير بيد الأخ الصغير فيعلِّمه ويمرِّنه ويُعدُّه لمستقبله خير إعداد، ويؤهله للتعاون معه في إعلاء مجد الأسرة؟ أو يسلك معه في الحاضر ما سلكه في الماضي فيكون كالأخ الظالم الكبير يتولَّى الوصاية على الصغير فيسلبه ماله، ولا يعلِّمه لأنه ينتفع بجهله، ويعينه على الفساد لأن فساده خيرٌ له من صلاحه؟: هذا موضع حيرة! وحيرته في هذا مشوبة بالخوف، والخوف مبعث القلق، والقلق يؤدِّي إلى الاضطراب، والاضطراب ليس في مصلحة الحاكم ولا المحكوم، لا الغالب ولا المغلوب.
ثم هو قد توزَّعته الدعاة؛ فداعٍ إلى المثل القديم يريد نظام التشريع القديم ويريد التعليم على الأساس القديم، ويريد التمسك بالعادات والأوضاع القديمة؛ فلا سفور للمرأة، ولا أخذ من التشريع الحديث، ولا أخذ من المدنية الغربية إلا أن تقرها المدنية القديمة، وإلا في حدود ضيقة جدًّا؛ ودعاة يدعون إلى التجديد في كل شيء، ونقل الشرق إلى الغرب في نظمه وتربيته وكل شؤونه. وهؤلاء وأولئك جادون في دعوتهم، مقتسمون الشباب فيما بينهم، مؤيِّدون بالبراهين القوية وجهة نظرهم. يرمي الأوَّلون الآخرين بالتهور، ويرمي الآخرون الأولين بالجمود، والشباب بينهما حائر!
ثم دعاة التجديد فيما بينهما منقسمون ومتوزعون على المثل العليا، تقسمتهم المذاهب السياسة والمذاهب الاجتماعية، وبعضهم حربٌ على بعض، وكثيرون ينظرون إلى هؤلاء وهؤلاء، فيصرخون من أعماق صدورهم: أين الحق؟
إن رُمِي الغرب بحيرة، فقد رُمي الشرق بحيرة خاصة بجانب الحيرة العامة.
لست أكره هذه الحيرة ولا أمقتها، فهي دليل الحياة، ودليل النشاط؛ ولكن أشفق على أهلها إشفاقي على الهائم في طريقه، الضالِّ في مسلكه، أو المريض تضاربت في علاجه أقوال الأطباء.
ولعل أكبر سبب لإشفاقي، وأكبر سببٍ لحيرة الشباب، ندرة الزعماء المتميزين، وكثرة الأعضاء الصالحين لا يقودهم رأسٌ صالح. إن الزعيم القوي يبعث في النفوس إيمانًا قويًّا يذهب بالحيرة، ونارًا حارَّة تأكل التردد، وعينًا حادة تعيِّن الطريق عند مفترق الطرق، والزعيم القوي يلتهم الخلافات فلا يكون لها أثر، ويوحد بين الآراء المتشعِّبة فيكون منها رأي واحد يؤمن به الجميع، إلا من لا يعبأ به. والويل إذا تقارب الرؤساء في الكفاية، ولم يضطرهم رئيسٌ ممتاز أن يخضعهم لكفايته، ويسيِّرهم لاعتقادهم بميزته.
ولكن الزمان علَّمنا أن الحيرة تخلق الزعامة، كما يتكون السديم نجمًا. والضلال يسبق الهدى، كما يكون الفجر الكاذب إرهاصًا للفجر الصادق.

على هامش الحُكْم


لقد ورثنا إرثًا بغيضًا من العصور الماضية، وهو ترك الحكام وشأنهم يفعلون ما يشاءون وحسابهم عند ربهم؛ وهو أثرٌ من آثار العقيدة بأن الحُكْم فريضة القدر، إن شاء رحمَ الشعب فهيَّأ له حكومة عادلة، وإن شاء قهره فهيَّأ له حكومة ظالمة، والقدر يفعل ما يشاء بلا حساب. وكلُّ ما يُعرف من قوانين القدر أنه إذا كان الشعب صالحًا يؤدِّي الفرائض الدينية كما أُمِرَ هيَّأ الله له حكومة عادلة، وأما إذا ارتكب الخطايا عوقب بحكومة ظالمة.
وكان نموذج الرجل الطيب بناءً على هذا هو من يبتعد عن السلطان، وبعبارة أخرى عن رجال الحكم، فلا يأخذ عطاءهم، ولا ينقد عملهم، وإنما ينقطع للعبادة ما أمكن، فإن شارك في أعمال الدنيا فبالأعمال الصالحة، وهي تكاد تنحصر في الإحسان إلى الفقير، وإطعام الجائع، وكسوة العريان ونحو ذلك. ونقرأ في الكتب القديمة فنرى هذا هو المثل الأعلى للرجل، عبادة وعزلة، والاكتفاء بذلك إن كان فقيرًا، وصدقة وبناء مسجد إن كان غنيًّا. أما موقف الشعب من الحكومة فهو كموقفه من الشمس؛ لا يستطيع إليها الصعود ولا تستطيع إليه النزول، ولا يستطيع أن يغيِّر حرارتها إن اشتد القيظ، ولا يزيد حرارتها إن اشتد البرد، كما قال الشاعر:
هي الشمس مسكنُها في السماءفعزَّ الفؤاد عزاءً جميلًافلن تستطيع إليه الصعودَولن تستطيع إليكَ النزولا وتلوَّن كثيرٌ من الأدب العربي في العصور الوسطى بهذا اللون من إعلاء شأن السلطان وعدم التعرض له بخير أو شر، ومَدْح الذين نفضوا أيديهم من الأمر، والإشادة بشأن من دُعوا للمشاركة في الحكم فأبَوْا، وللقضاء فامتنعوا، ولعطاء السلطان فهربوا — وامتلأ بالحِكَم والمواعظ والأمثال من هذا القبيل.
هذا شأن الأتقياء وأصحاب الزهد والورع. فأما أهل الدنيا مثل الشعراء، كما كانوا يسمونهم — فإغراقٌ في المديح، وتفنّنٌ في البديع، وإفراطٌ في وصف الحاكم بحسن الصنيع، يُمدح إذا أتى بالخير، ويُمدح إذا أتى بالشر؛ فإعطاء الألْفِ كرمٌ يفوق كرمَ السحاب، وقتلُ البريء حزمٌ، والانهماك في الملذات ظرف، والكلمة العادية حكمة وهكذا. فهناك قوم سلبيُّون لا يتعرضون بخير ولا شر، وقوم إيجابيون «كالمطيِّب» للمغنيات. فأما جهرٌ بالرأي ونقدٌ للحكم فلا، إلا في القليل النادر!!
كان هذا هو الشأن أيضًا في العهد الروماني، وكان هو الشأن في أوروبا قبل الثورة الفرنسية، ولكن كل هذا تغيَّر عندهم إلى حدٍّ كبير، وعندنا إلى حدٍّ صغير، ويجب أن يكون — أيضًا — إلى حد كبير.
في العصور الماضية كان الفردُ مسئولًا فقط عن نفسه، فإن تعدَّاه قليلًا فعن أسرته، وكان الحكمُ مسئولًا عنه القدر وحده، أما اليوم فالحكم الصالح أو الفاسد في الأمة مسئولٌ عنه كل فرد — أنا وأنت وهو مسئولون عن وزارة المعارف كيف يجري فيها نظام التربية والتعليم، وعن وزارة العدل كيف يجري فيها تحقيق العدالة، وعن وزارة التموين كيف يصل الغذاء الكافي واللباس الكافي لأحقر فلَّاح في أبعد أرض، وعن وزارة الخارجية ماذا فعلت في المشاكل المصرية بينها وبين الأمم الأجنبية، وكيف حلَّتها أو أهملتها.
ومسئولون عن الوزارة كلِّها ككل؛ هل نرضى عن سياستها فتبقى، أو لا نرضى فتُعزل أو تسقط؟
ونزل الحكمُ من شمس السماء إلى كرةٍ في الأرض نوجهها حسبما نشاء، ونصيب بها الغرض الذي نشاء، فإن أطاعت فيها، وإلا قذفناها إلى غير رجعة.
فإذا شكونا من وزارة خانت فلنشك من أنفسنا؛ نحن الذين مكّنَّاها من الخيانة، وإذا مدحنا وزارة عدلت فلنغتبط إذ نحن الذين حملناها على العدل.
لقد أصبح الرجل الطيب لا من يتنحَّى عن العمل ويعتزل في صومعة، ولكن من يقول ويعمل كما يقول؛ وأصبح الشاعر الطيب لا من يَمدح بالحق والباطل، ولكن من يمدح حيث يجب المدح ويذم حيث يجب الذم؛ وأكثر من ذلك مَن يعبر عن مشاعره في صدقن، والعمل الصالح ليس في إعطاء فقير وكسوة عريان فقط، بل في نقد أعمال الحكومة أيضًا، والبطل ليس هو القديس ولكنه المصلح.
والشعب الصالح للبقاء ليس هو الشعب الذي يقول: دعوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولكن الذي يقول: ما لقيصر وما لله لله وللأمة؛ هو الذي مُنح شعورًا مرهفًا بالظلم يمقته حيث كان، في الشركات، في الوزارات، في الحكومات، فإذا رآه صرخ وقال: «لا ظلم» بملء فِيهِ.
والشعب الصالح للبقاء من لا يكتفي بتضميد الجروح، ولكنه ينقي الدم — فهو لا يقنع كما كان يقنع الأول بالبكاء على الرذيلة، ولكنه يعمل لتدعيم الفضيلة.
لم تعد الصومعة ولا الدير موطن البطولة، إنما موطنها ميدان العمل؛ فمكافحة الملاريا أفضل عند الله من ألف صلاة تزيد عن الفرض، وتنوير الشعب بحقوقه وواجباته خيرٌ من الصوم الدائم، وتحسين حال الصناع والعمال والفلاح أقرب إلى الله من الرهبنة!!
وأصبحنا نفهم الزكاة بمعنى أوسع، فليست الزكاة واجبةً على الأغنياء في أموالهم فقط، وإنما هي واجبة أيضًا على العالِم في علمه والفنان في فنه، والقادر في قدرته، والموهوب في مواهبه، كلٌّ عليه زكاة يؤديها لخدمة المجتمع.
وأولُ واجبٍ يطالَب به الناس كافةً إقامةُ الحكومة الصالحة العادلة التي ترعى حقوق الشعب.
تسألني: وكيف يستطيع الشعب القيام بذلك؟ أقول: إن الحكومة الظالمة لا تستطيع البقاء في منصبها يومًا واحدًا إذا صرخ الشعب كله صرخة واحدة صاعدة من قلبٍ يشعر بالظلم؛ صرخها الكناس في الشارع، والعامل في المعمل، والصحفي في صحيفته، والنائب في برلمانه.
لقد رُوي في الأثر: «كما تكونوا يُوَلَّى عليكم» وهو حقٌ صحيح، ولكن لا بالمعنى الشائع، وهو أنكم إذا صلحتم منَّ عليكم القدر بحكومة صالح، ولكن بمعنى ارتباط السبب بالمسبب والعلة بالمعلول، فإذا صلحت الأمة صلحَ الحكم؛ لأن الأمة لا تصلح حتى تضع عينها على الحكم تعرف ماذا يفعل، وتستخدم لسانها لتوجِّهه أو تنقده أو تزجره — وأما إن هي تركته يفعل ما يشاء، وأخذ المخادعون والمنافقون والكتَّاب والأدباء والشعراء والصحف يُطرون ظلمه ويسبِّحون بحمده، أو أخذوا بأضعف الإيمان، وهو الاستنكار بالقلب، كانت النتيجة لا محالة حكومة فاسدة وحاكمًا ظالمًا. ومن الحق ما قاله أبو الطيب:
والظلم مِن شِيَم النفوس، فإن تجدْذا عفَّة فلعلَّهُ لا يُظلم وليس يمنع حاكمًا من ظلمه مثل أن يرى أمة لا تُقِرُّ ظالمًا على ظلمه، ورأيًا عامًّا جريئًا يشعر بالعدل، ثم يعبر في صراحة عما يشعر به، وشعبًا يحلل أعماله وينقدها ويقوِّمها.
وليس يمكن أن يصل شعبٌ إلى هذه الدرجة إلا بتنويره وتثقيفه، ولست أعني الثقافة العلمية الخاصة، ولكن الثقافة العامة بالصحف والمجلات والراديو وخطب المساجد، وما إلى ذلك في الموضوعات الواقعية التي تواجهنا كل يوم، فكم من مثقف في النحو والصرف والرياضة والطبيعة والكيمياء، ثم لا يفهم شيئًا من أمور الدنيا، ولا مما يجري حوله من مظالم.
فإذا ثُقف الشعب هذه الثقافة السياسية والاجتماعية العامة أمكن أن يكون له رأيٌ عام يخيف الحاكم ويحمله على العدل.
إن أول واجب أن يفهم الشعب أن الحكومة من عمله، وليست من عمل القدر، وأن ظلمها وعدلها وصوابها وخطأها وضلالها ورشدها صورة منعكسة لحالة الشعب من قوة أو ضعف، وتنبه أو خمود، ورقابة أو إهمال.
قد يُرزق الشعب الجاهل الغافل بحاكم عادل، ولكن شأنه في ذلك شأن الرجل غير المستحق كسب ورقةً في «اليانصيب»، إنما الضمان الحقيقي للعدالة المستمرة هي تنبه الشعب ويقظته ورقابته وشجاعته.

في الهواء الطلق? (?)


هذا صديقي وأنا، نمشي على شاطئ البحر في رأس البر في وقت الأصيل، وننتقل من الحديث عن الجو إلى المفاضلة بين الإسكندرية ورأس البر، إلى أخبار الحرب ومصير العالم، ثم إذا بنا ننغمس في الجدل في نظرية «التقدم المستمر للعالم».
قلت: إن العالم في تقدم مستمر، فهو اليوم خير منه أمس، وهو غدًا خير منه اليوم، وقد أتى على الناس زمان كانوا ينشدون فيه مَثَلَهم الأعلى في ماضيهم، واليوم ينشدون مثلهم الأعلى في مستقبلهم. وأذكر أني قرأت جملةً لطيفةً لكاتب غاب عني اسمه، وهي: «أن قدماء اليونان كانوا يعتقدون أنهم من نسل الآلهة فانحدروا؛ وأما المحدَثون فيرون أنهم من نسل القرود فسَمَوْا» وهذا يمثل نوعَيْ النظر في انحطاط العالم شيئًا فشيئًا، أو تقدمه شيئًا فشيئًا؛ وأنا ممن يؤمن بهذا التقدم. قد يكون ماضي أمة معينةٍ خيرًا من حاضرها، وقد يقف العالم وقفةً يكسِّر فيها بعضه بعضًا — كما هو حادث الآن — وقد تقوم الثورات في الأمم فتدك النظام القائم، وتقع في الفوضى، ولكن إذا نظرت إلى العالم من حيث هو كلٌّ، وفي أزمانه المختلفة، رأيته يتقدم دائمًا، وإذا وقف فإنما يقف ليثب، وإذا كسر بعضُه بعضًا فليخلق خلقًا جديدًا خيرًا من الخَلْق القديم، وإذا وقع في الفوضى حينًا فلِيبنى على أنقاض النظام القديم البالي نظامًا جديدًا متينًا، ثم يبلَى الجديد فيُبنى خيرٌ منه، وهكذا، وكل بناء جديد خطوة إلى الأمام.
وهذه الفكرة — مع صحتها — نافعة للإنسانية، ففي القرون الوسطى أيام كان الناس يعتقدون أن عصرهم الذهبي خلْفهم لا أمامهم غلب عليهم اليأس والتشاؤم، وضعفت عزائمهم، وكان مَثلُهم الأعلى أن يعودوا إلى الوراء لا أن يسيروا إلى الأمام، وسادت فيهم الرجعية، ورمَوا كلَّ من يدعوهم أن ينظروا أمامهم بالزندقة ونحوها، وتوقعوا قرب انتهاء العالم، فما هي إلا أجيال ثم ينقرض، فكان تقدمهم بطيئًا؛ لأنهم تقدَّموا رغم أنوفهم لا بإرادتهم، وعاكسوا التيار فعُوِّقوا عن السير. فلما جاء عصر النهضة واعتنق الناس فكرة التقدم المستمر، رأوا عصرهم الذهبي أمامهم لا خلفهم، فسارعوا إلى السير مع التيار، فتضاعف تقدمهم، واتسعت وَثْبَتُهُم، وانفسح أمامهم المدى؛ فالإنسانية في نظرهم أمامها مستقبلٌ بعيد سعيد. ويجب أن يعتنق الشرق هذه الفكرة كما اعتنقها الغرب، فلينظروا أمامهم أكثر مما ينظرون خلفهم، وينشدوا مستقبلَهم أكثر مما يتغنون بماضيهم، بل هم إن تغنَّوا بماضيهم فليستحثهم على السير أمامهم.
فكَّر صاحبي هُنيهةً ثم قال: لا أظن ذلك! ألا ترى هذه الموجة؟ — ونظرت إلى موجة مسرعة إلى الشاطئ — إنها تتقدم سريعًا حتى تفنى، وتتبعها موجةٌ أخرى وهكذا، والبحر هو البحر، قد يحدث المدُّ ثم يحدث الجزر، والبحر لا يتغير. والتاريخ يعيد نفسه؛ لأن العالم يعيد نفسَه، لعل الخلاف بيني وبينك ناشئ من اختلاف وجهة النظر في مظهر التقدم، فإن عددنا مظهر التقدم تغلُّب الإنسان على الطبيعة وتسخير قوانينها لمصلحته، ورقيَّ عقله، وفهمه للعالم أكثر مما كان، وكثرة مكتشفاته ومخترعاته، فالرأي رأيك، وإن عددنا مقياس الرقيِّ سعادة الإنسان فإني أخالفك، فلسنا أسعد من آبائنا، ولا رقيّ العقل وكثرة المخترعات قلَّلت من متاعبنا، بل ربما كان العكس هو الصحيح — إن شئت فانظر إلى عشش رأس البر تر مصداق ما أقوله: هذه عشش وضيعة تحوي ناسًا فقراء في المال، فقراء في العقل، وهذه عشش غنية مترفة، فيها الراديو، وفيها التليفون، وفيها الطباخ الماهر والأكل الفاخر، وعقول أهلها أرفع مستوًى وأعلى مقامًا؛ ولكن هل تستطيع أن تجزم بأن الآخرين أسعد من الأوَّلين؟ ما أظن ذلك! فلو مررت بجانب عشش الأولين لسمعت الضحك عاليًا، والرضا بما كان شاملًا، وقد تكون صحتهم أتم، ولذتهم بالأكل البسيط أوفر مِن هؤلاء الأغنياء الممعودين الذين تعدُّهم أرقى، وتقيمهم مثلًا للتقدم المستمر. وما قيمةُ رقيِّ العقل وكثرة المخترعات إذا لم تُصحب بالسعادة، وكان الأمر كما قال المتنبي:
ذو العقل يَشقَى في النعيمِ بعقلهوأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ! بل ما هذه العقلية التي تطنطن بها؟ إن الإنسان مع تقدمه المزعوم لم يظفر إلا بمعرفة أعراض المادة. أما حقيقة المادة وحقيقة الروح فلم يتقدم في فهمها أيةَ خطوة، بل لعل الإنسان كان يقوده شعورُه إلى السلوك في الحياة خيرًا مما يقوده عقلُه المطعَّم بالمنطق والفلسفة! إن العالم — في نظري — كالرجل المتردد يقدِّم رجلًا ويؤخر أخرى، فهو يبني ويزخرف، ثم تعرِض له جِنةُ الحرب، فيهدم ما بني وما زخرف، ثم يبدأ يبني من جديد وهكذا، وليته ما بنى وما هدم؛ وكلما أجاد البناءَ أجاد الهدم، وشجرةُ المعرفة كشجرة آدم، من أكل من ثمارها خرج من الجنة. والإنسان الكُل كالإنسان الفرد، يبدأ طفلًا ثم ينمو ثم يهرم ثم يموت ليخلفه طفلٌ جديد. وهكذا الأمم وهكذا العالم، فهو يدور في حلقة مفرغة.
قلت: لعل خلافي لك ينحصر في نقطتين: الأولى: أنك قلَّلت من قيمة التقدم العقلي؛ والثانية: أنك عمَّمتَ السعادة ولم تفرق بين سعادة وسعادة. والنقطتان مرتبطٌ بعضهما ببعض أتم الارتباط، فالإنسان إنما ارتقى عن الحيوان بعقله لا بحواسه وغرائزه، فإذا سلَّمت بأن الإنسان أرقى من الحيوان وجب أن نسلم بأن الإنسان الأرقى عقلًا أرقى من الإنسان الأضعف عقلًا. وإذا سلَّمتَ بذلك وجب أن تسلِّم بأن العالَم في مجموعه إذا كان اليوم أرقى عقلًا مما كان فهو في تقدم مستمر. ثم إن السعادة العقلية أو اللذة العقلية أرقى من الجسمية، بل إن الإنسان يُفضِّل العقلَ مع الألم على الجهل مع اللذة؛ فلو خُيِّرْت أنت بين أن تكون فيلسوفًا ساخطًا وأن تكون جاهلًا راضيًا لاخترت الأولى، وحُكمك أنت في هذا الأمر أصدق من حكم الجاهل؛ لأنك جربت اللذتين: لذة الجهل ولذة العقل، واللذة المادية واللذة العقلية. ففضلت الثانية على علم. ولو عُرض على المتنبي الذي قال هذا البيت أن يكون الغنيَّ الجاهل أو الغبيَّ المنعَّم لما اختار إلا نفسه وآلامها.
ولْنعد إلى موضوعنا: إن العالم كله يسير اضطرارًا نحو الكمال، فالسُّدُم إلى نجوم، والنطفة إلى وليد، والحيوان الأدنى إلى حيوان أرقى، والبذرة إلى شجرة، والشجرة إلى ثمرة. والطبيعة لا تزال بكل شيءٍ حتى تُنضجه، فَلِمَ لا يكون الإنسان كسائر ما في العالم، يسير نحو النضج؟ وقد دلنا العقل على أن قوانين العالم منسجمة، يسير أكبرها على نحو ما يسير أصغرها.
قال: ولكن النضج يعقبه الفناء.
قلت: ولكن الفناء يعقبه أن يولَد خيرٌ مما فني.
قال: لا دائمًا.
قلت: لتكن نظرتنا كليَّةً لا جزئية؛ إن الإنسان سائر إلى الأمام دائمًا. والعالم في كل قرنٍ خيرٌ مما قبله في جملته، والشرور والرذائل تقلُّ شيئًا فشيئًا. والإنسان بطبعه — وبالضرورة — ككل شيء في العالم يسير نحو غاية هي الكمال. ونظريةُ النشوء والارتقاء وتنازعُ البقاء وبقاءُ الأصلح تَصدُق على الإنسان كما تصدُق على كل ما في العالم.
قال: كم من شرير قتل خيِّرًا، وكم من فئة متبربرة متوحشة غلبت فئة متمدنة راقية! ومكروب الحمَّى الحقير أمات محمدًا رسول الله العظيم! وكل يوم نرى أمثلة الخير يلتهمها الشر. ألم ترَ اليوم ما فعلت النار بعشش رأس البر كيف أتت عليها وعلى ما فيها، وفزَّعت أهلها، وأرعبت جيرانها، والتهمت كل ما وصل إليه لسانها؟! وأهلها قد أتوا ليستجمُّوا من عناءٍ أو يستشفوا من مرض أو يتخففوا من ألم. وما قيمة هذا الحريق في رأس البر بجانب حريق العالم في هذه الحرب؟ فلِمَ كل هذا الشر إن كان يراد بالعالم الخير؟
قلت: أعيد فأكرر قولي، يجب أن تكون نظرتنا كلية شاملة لا جزئية خاصة، فلا تنظر لشرير جَنَى، ولكن انظر إلى ما أنتجت الجناية من تحصين، ولا تنظر لمكروب أمات، ولكن انظر كيف تقدم الإنسان فعرف مكروبًا لم يكن يعرفه، وفتك بالكثير منه وهو يحاول الفتك بالباقي، ولا تنظر إلى الحرب وويلاتها، ولكن انظر إلى نتائجها بما أصلحت من نظم، وأظهرت من مفاسد حرَّكت الهمم لتلافيها ووضْع خير منها مكانها. ومن قوانين العالم العامة ألَّا يكون بناءٌ إلا بعد هدم، ولا علاجٌ إلا بعد مرض. إن شئتَ الفكرة واضحة فقارن بين الإنسان في جيله الأول وانظر كيف كان يعيش، وكيف كان يتصور العالم حوله، وكيف كان يتصرف في المسائل التي تعرض له، وكيف كان يُحكَم؛ والإنسان في جيله الحاضر، كيف يعيش ويتصور ويتصرف ويحكم، تؤمن بالتقدم المستمر والسير إلى غاية هي الكمال.
قال: إنك تبالغ كثيرًا في تقدير المدنية، وإني لا أعدُّ تقدمًا إلا رقي الطبيعة الإنسانية، وهل هي تقدمت كما تدَّعي؟ إن المدنية فيما أرى ليست إلا طلاءً برَّاقًا للطبيعة الإنسانية المتشابهة في القديم والحديث. والإنسان متقدم — كما ترى — في حالة عدم الإغراء وعدم الاحتكاك، فإذا أُغري أو وقع في محنة زال طلاؤه وتكشفَ عن طبيعة تشبه طبيعة الإنسان الأول، كما تراه في الحروب. إن الأمم في حرب بعضُها بعضًا لا تراها أكثر إنسانيةً ولا حبًّا للعدل ولا رغبةً عن الانتقام من أسلافها الأولين، ولا أظن أن الإنسان في حاضره قد شابهه أيُّ إنسان آخر قبله في فتكه وإبادته وتخريبه! وحتى في غير أيام الحرب تستطيع أن تقارن بين الاستعمار القديم والاستعمار الحديث لترى ماذا يفعل الإنسان، وهل تقدم إنسان اليوم عن جدِّه؟ ومن الغريب أنك ترى الإنسان المتمدن لم يَذبح في حياته دجاجة، ولم يقتل حشرة، فإذا دخل في ميادين القتال كان سفاكًا فتّاكًا، وتكشَّف عن طبيعةٍ تشبه طبيعة القط رأى الفأر لأول مرة — إن كان هذا فماذا فعلت المدنية؟ أمدَّت سككًا حديدية، واخترعت الراديو والتليفون، وأنشأت الآلات الصناعية، وهل هذا تقدم في الطبيعة الإنسانية؟!
لستُ — من غير شك — أُنكر قيمة ما اكتشفه الإنسان الحديث وما اخترعه، وما استفاد من تجاربه مما غيَّر به وجه الأرض، ولكني أومن في الوقت نفسه أنها أمور خارجة عن نفسه؛ فإذا قسنا الإنسان بمقياسه الحقيقي — وهو طبيعته البشرية — لم نؤمن بالتقدم الكبير الذي تدَّعيه. وهذا يدل على أن الإنسان خاضع لقانون الوراثة أكثر من خضوعه لقانون البيئة، أو بعبارة أدق هو خاضع لهما بنسب متفاوتة جدًّا.
قلت: إنك تستصغر التقدمَ الإنساني إذا قستَه بالطبيعة البشرية، وتستنتج من ذلك فساد النظرية. ولكن …
وهنا قال صاحبي: ألم تتعب من السير؟
قلت: الحديث أنساني نفسي وأنساني تعبي، فلا أذكر إلا حجة تقرعها حجةً، فهل لك أن نجلس على الرمل ننعم بغروب الشمس في البحر؟ فجلسنا وسألني: ولكن ماذا؟
قلت: ولكن يظهر أنك تقيس الإنسان القريب بالإنسان الحاضر، والإنسان المعروف في التاريخ بالإنسان اليوم؛ فأمعِن في تاريخ الإنسان الأول يوم لم يكن يفترق عن الحيوان إلا قليلًا، وآمن بما يقوله العلماء المحدَثون من أن عمر الإنسان على وجه الأرض مئات الآلاف من السنين، وأن الطبيعة لا تعرف الطفرة، ولكن تعرف التقدم البطيء؛ فإذا لم ترَ إلا تقدمًا قليلًا إذا قصرتَ نظرك على الإنسان التاريخي، فإنك ترى التقدمَ كبيرًا إذا ضممتَ إلى ذلك الإنسانَ قبل التاريخ، وكم بين الإنسان الذي يُشبه القرد، وبين فلاسفة العصر الحاضر وعلمائه وشعرائه وفنانيه مِن فرق!
ثم إن في طبيعتنا البشرية نفسها مصداقُ ما أقول. إن الطبيعة لم تخلق فينا الأمل والطموح عبثًا، إنما خلقتهما للسعي الدائب للرقي الدائم، ولو أرادت الطبيعة أن يقف الإنسان عند حدٍّ لجردته منهما كما جردت الحيوان. إن للأمل في الإنسان وظيفتين: احتمال متاعب الحياة الحاضرة، والسعي لحياة مستقبلة خيرٌ من حياته التي يحياها، وهذا مبعثُ التقدم في مسكنه، وملبسه، ومأكله، وعقليته، ونفسيته.
قال: هَبْ ما تقول صحيحًا، فما قيمة «التقدم المستمر» إذا كان مصير الإنسانية الفناء؟ لا شك أن سيأتي يوم تبرد فيه الأرض تبعًا لبرودة الشمس، أو نحو ذلك كما كان الحال في كثير من النجوم، وإذا بالإنسانية كلها قد فنيت. وإذا كان الأمر كذلك فسواء صحَّت نظرية «التقدم المستمر» أو «الانحطاط المستمر» فالنتيجة واحدة وهي الفناء، وبذلك تكون الغاية التي يسير إليها العالم غاية مضحكة، فإذا كانت غاية مقصودة كانت غاية في منتهى السخف.
قلت: ذلك يكون صحيحًا لو حسبت حساب هذا العالم المادي وحده، ولم تضم إليه الحياةَ الأخرى؛ أما إذا آمنت بحياة أخرى يستمر فيها الرقي والكمال، وتكون فيها الروح بعد تجرُّدها من المادة أقدر على الرقيِّ وبلوغ الكمال حتى تقرب من خالقها، لم يكن لاعتراضك وجهٌ، ثم إنا إذا سلَّمنا بهذه الحياة الأخرى.
•••

وهنا طلع علينا صديق مرح: السلام عليكم.
– عليكم السلام.
– ما لكما ساهمَيْن؟
– نفكر؟
– في ماذا؟
– في نظرية التقدم المستمر.
– ها ها ها.
أفي مثل هذا الجو وهذا المنظر يكون هذا الحديث؟؟ تكلَّما في غروب الشمس الجليل، أو في هذا البحر الجميل، أو في هذا الهواء العليل، لا في هذا الموضوع الثقيل! ولكنكما كما قال المثل: «يموت الزامر وإصبعه تلعب».
? عنوان عدة مقالات نُشر منها (?)، (?)، (?) في الجزء الرابع، و(?)، و(?) في الجزء الخامس.
خطاب


القاهرة في ??/???/?????م.

أخي العزيز …

معذرة إن تأخرت في الكتابة إليك، فقد مرضتُ مرضًا خطيرًا طال شهرين. لقد أضعف المرض جسمي، ولكنه صهر نفسي. أتاح لي أن أستعرض حياتي الماضية، فرأيتني كنت أُعنى فيها بالسطح دون العمق، تشغلني التوافه، وأطمح إلى أوهام؛ فأخذت — في مرضي — أتعرف إلى الغرض من الحياة، وأشتاق إلى تفهم معناها، فأجتهد أن أجتلي حقيقتها المغطاة بالأشكال والأسماء، وأبحث عن نقطة الاتصال بين الله والإنسان، كأن نفسي كانت نبعًا مدفونًا فتفجَّرت، وكأن الله كان في السماء فصار في القلب.
لشد ما يكون الإنسان أقرب إلى ربِّه في مرضه، وفي أحزانه، وفي شدائده؛ لأنه يطلب النجدة فلا يجدها في الأصدقاء والأقرباء، وإنما يطلبها ممن لا تُحدُّ قوته، ولا تقصُر قدرته، ولأنه في مثل هذه المواقف تتكشف له النفس الإنسانية فيراها ضعيفة بذاتها، قوية بربِّها.
قلَّبتُ — في أثناء مرضي — في دفاتري القديمة، فوجدتني قد نما عقلي وفتر قلبي، ولوَدِدت لو كان العكس. وأقسم أني لم أحزن على شيب رأسي كما حزنتُ على دبيب المشيب إلى قلبي، فالقلب صلةُ الأرض بالسماء، ومهبطُ الوحي من السماء إلى الأرض؛ والقلب هو الحب، وهو الانسجام، وهو الجمال؛ والقلب هو الدين، وهو الأخوَّة، وهو الإنسانية؛ وما الحياة بغير هذا كله؟ إن العالم لم يسعد بنمو العقل بقدر ما شقي بضعف القلب؛ إنه أهدى في الحياة من العقل، إنه منبع السرور والألم، إنه منار الحياة.
حُبب إليَّ في مرضي التصوف، والتصوفُ الحقُّ سرُّ الدين، والفقه ظاهره، فقرأت فيه كتابين، كان خير ما فيهما الحديث عن القلب، وخير الحديث عن القلب قصة جميلة قصَّها متصوِّف. قال: إن تاجرًا ألهته التجارة عن صلاة الجمعة، فما انتبه إلا في موعد الصلاة، فتوضأ على عجل وأسرع إلى المسجد، حتى إذا أدركه رأى رجلًا خارجًا منه، فسأله متلهفًا: أتمت الصلاة؟ قال: نعم. فتأوَّه التاجر آهةً خرجت من أعماق قلبه. فسأله الرجل: أتبيعني آهتك بصلاتي؟ قال: نعم! وتمَّ البيع والشراء — ثم رأى التاجر النبي ? في المنام فعاتبه على بيعته، وقال له: «أتبيع نبضَ الحياة بعمل الجوارح، وعصارة القلب بظواهر الحركات؟! لقد غبنت أيَّما غبن في بيعتك».
وشُغفتُ — في مرضي — بنوع من الصلاة لطيف، أن أمجِّد الله في جمال الطبيعة، وأعبده بالنظر إلى سمائه وأرضه وفي جميع خلقه، وأقرأ في كل ذلك فنًّا دونه أي فن، وقلبًا ينبض بالحياة، موسيقى أنغام وجمال انسجام، وإبداعًا في التكوين، ووحدة في الوجود، وتدرجًا في الارتقاء، وحياةً متشابهة في الجميع، أَعْطَى? كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى?.
ما الفنان؟ ما الموسيقى؟ وما المثَّال؟ ما الشاعر؟ ما الأديب؟ كلٌّ رأى جمالَ الطبيعة من زاوية، وقدَّسه في نفسه، وقلَّده في فنه، وفني فيه فحيي نتاجه، ورأى الله فيما تخصص فيه، فآمن ولو كان ملحدًا؛ وآية إيمانه إقراره بأن جمال الطبيعة فوق جمال فنه، وجلاله فوق جلاله، وإحناؤه رأسه علامة الخضوع، والإقرار بالعجز عن بلوغ شأوه!
غصون وأوراق وأزهار، وجبال ووديان، وبحار وأسماك، ونجوم وسماء، كلها تحيا حياة واحدة وإن تنوعت أسماؤها وصفاتها، ونفس إنسانية هي أعجب العجب، وكل ذلك وحدة مرتبطة الأجزاء، إن قرأتَ الألِفَ فيها قرأت الباء إلى الياء. وكما قال شاعر فارسي ظريف: «لمَّا لم يكن للطفل أسنان كان لبنٌ، فلما كانت الأسنانُ كان الطعام الذي يتناسب والأسنان»؛ وكل شيء في العالم مرتبط هذا الارتباط.
بالأمس أخذتُ كرسيًّا عصرًا، ونزلت إلى حديقتي المتواضعة، وصعدتُ إلى السطح مساءً في ضوء القمر الساحر. وكان قد استولى عليَّ التفكير في نفسي، ماذا صنعت في الحياة؟! اكتفيت بأنك تخط القلم على القرطاس، وتُخرج مقالًا في صحيفة أو تنشر كتابًا تؤلِّفه، أكل هذا عملك في الحياة؟ أما الانغماس في الحياة الواقعة وإصلاحها بقدر الطاقة فقد نفضتَ منها يدك، فعاقبتْك الطبيعة بشيء غير قليل من السأم؛ فالطبيعة التي غرست في الإنسان المحافظة على ذاته غرست فيه المحافظة على نوعه، فمن لم يحافظ على ذاته بَرِم بالحياة؛ لأنه انحرف عن سُنَّة الطبيعة، ومَن لم يحافظ على نوعه بالعمل في خدمته عاقبته الطبيعة بالسأم والضجر؛ لأنه خرج على قوانينها، إنك أخذتَ في حياتك موقف «المتفرج» من رجال الإصلاح ورجال السياسة ورجال الدين، وجلستَ تنظر إلى هؤلاء جميعًا نظرَك إلى ملعب كرة، أو رواية في سينما، أو منظر في تمثيل، وتلذذتَ من هذه المناظر أو ألمتَ، فكانت اللذة لنفسك، والألم لنفسك لا للناس؛ وغَمَرك شعورٌ باطني بنوع من الإعجاب بنفسك؛ لأنك استطعت أن تدرس هذا كله في جو هادئ، كما تدرس موضوعًا في مكتبتك، وأن تنظر إلى المسائل الدينية والسياسية والاجتماعية من وجهها الصحيح ووضعها المستقيم، فلن يصدَّك عن النظر الصحيح حرارة الحزبية، ولم يُعمِك عن الحقيقة منافعك الشخصية، ونظرتَ إلى الممثلين في هذه الأمور كلها نظرة المؤرخ الصادق، تذكر ما لكل شيء وما عليه، وأعجبك فهمُك لهذه المناظر، إذ ترى أحيانًا منظرَ طامحٍ إلى المجد وإلى الشهرة وإلى المنفعة الشخصية يلبس على المسرح ثياب الطهر والنقاء والغرام بالصالح العام، وترى سمين الرغبة في المال يلبس ثيابَ الزهد في المال، والمتاجر بالدِّين أو الوطنية مُنح على المسرح لسانًا طلقًا يجعل الناس يؤمنون أنه يعمل ما يعمل لخدمة الدين والوطنية. وأعجبتك نفسُك إذ مُنحت في هدوئك ودراستك ومكتبتك ما مكَّنك من رؤية الممثلين قبل أن يضعوا في وجوههم الأبيض والأحمر والشَّعر المستعار والثوب المصطنَع، واستطعتَ بعقلك وخيالك أن تدخل عليهم في حجرة الملابس والزينة قبل أن يتصنعوا، ولكن هل من الحق أن تكون قابلًا لا فاعلًا، و«متفرجًا» لا ممثلًا؟!
وهكذا أعذلُ نفسي وأؤنبها؛ لأنها رضيَتْ أن تكون على هامش الحياة لا في صميمها، وكان خيرًا أن تنزل إلى الموقعة، فإما قُتِلت وإما قَتَلت؛ وإما كان الصدر وإما كان القبر؟ ثم أرضى عنها وأُحبِّذ عملها؛ لأنها عاهدت اللهَ ألَّا تنطق إلا بصدق، ولا تنتصر إلا لحق، فإذا أمكنتها الفرص فعلتْ، وإلا تنحَّت، ونفسك لا تصلح إلا لما فعلت، وكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له، وحصانك لا يصلح إلا للسير في الطريق التي قطعْتَ. فإن شئت طريقًا آخر فغيِّر حصانك إن استطعت، ومَثَلك الأعلى إما أن تصنعه من مال وجاه وشهرة ومنصب، وإما أن تصنعه من الحب، حب الخير والفضيلة والجمال والحق؛ ومعبودك الذي تعبده إما الوثن وإما الله، ولا يمكن أن تجمع بينهما.
وهكذا كان العراكُ بيني وبين نفسي، ولا أكتمك أني عندما أخذت كرسيي ونزلت إلى الحديقة كانت النظرة الأولى، وعندما صعدتُ إلى السطح كانت النظرة الثانية.
أتستطيع أن تعلل لي ذلك، وأن تذكر لي أيَّ النظرتين أحق وأصدق؟ ما أصعب معرفة خبايا النفس لأنها آخر وأعقد ما حاولنا أن نستكشفه!!
لقد تمنَّيت أن يصح جسمي وتبقى نفسي صافية صفاءها في مرضي، أحتقر تَوَافِهَ الدنيا ولا أعبأ بها. ولكن ها هو دمي يجري من جديد في جسمي، فيحمل في ثناياه الشهوات التافهة والآمال السخيفة، فما أحرى بالإعجاب أولئك الذين استطاعوا أن يحتفظوا بطهارة دمائهم على غزارتها وحيويَّتها.
•••

آسف لأني حدثتك كثيرًا عن نفسي، وقد أردته خطابًا، فلما بدأته نسيتُ، فكان مقالًا. فقد كنت في الصباح أكتب مقالًا فسَرَت عدوى الصباح إلى المساء.
على كل حال أحسَبُ صداقتنا تسمح لك أن تُسَرَّ بجدِّي وهزلي، ووقاري ولغوي.
اكتب لي كثيرًا؛ فكتبك تقع مني موقع الماء من ذي الغُلة الصادي.
أهلك وأصدقاؤك بخير يسلمون عليك.

التفاح في الأدب العربي


لفت نظري وأنا أقرأ «كتاب الأغاني» الدور الهام الذي لعبه «التفاح» في المدينة العربية وخاصة في العراق، فتفننوا فيه كل تفنن، وأعجبوا به أيما إعجاب، وتغزلوا فيه غزلهم في المعشوق؛ ولم يُجاره في ذلك أي ثمر وأي زهر، حتى لو قلنا: إن التفاح كان معبود الغزلين لم نُبعد.
وحملهم على الهيام به أنه أحمر كالخدود الموردة، أو أصفر كوجه المتيَّم، أو أبيض كالطهارة والنقاء أو أحمر وأصفر معًا كتحول حالات النفس في الحب، ثم له رائحة عطرية لطيفة، لا بالقوية ولا بالضعيفة، فكان لذلك كله مجالَ الخيال الخصب، والفن البديع.
وكان يُزرع في بساتين العراق، وما كان أكثرها، حتى عدَّ مؤرخٌ البساتين حول بغداد وحدها أيام انحطاطها خمسة وتسعين بستانًا، غير البساتين الخاصة في الدور. وتنوَّعت البساتين، فهذا بستان الورد، وهذا بستان البنفسج، وهذا بستان التفاح، وهذا بستان النارنج. وتنوع كذلك عشق الناس للأزهار والأثمار؛ فمُغرم بالورد، ومُغرم بالبنفسج، ومغرم بالتفاح؛ فحكوا عن الرشيد — مثلًا — أنه كان شديد الغرام بالورد، وخاصة الورد الأحمر، واتخذ بيتًا في بستان الورد كان أثاثه جميعه بلون الورد، وإذا جلس فيه تلبس جواريه الثياب المورَّدة، وتضع على رؤوسها تيجان الورد، فيكون مجلسًا من أغرب المجالس.
وأغرمَ الناس بهذا غرام الملوك، وكلهم أجمعوا على الغرام بالتفاح، واستجلبوه من الأماكن المختلفة، واستنبتوه في أرضهم، واشتهر في أيامهم منه أنواع — فمنه النوع القُومسي،? وهو أحمر اللون؛ ومنه التفاح الداماني،? وهو نوع كبيرٌ حلو أحمر شديد الحمرة، وضربوا به المثل، فقالوا: «خدودها كالتفاح الداماني»؛ ومنه التفاح المِسكي، وهو نوع مضلَّع كبير الحجم؛ ومنه التفاح القريشي،? وهو حلو شديد الحلاوة، كبير هَشٌّ، أحد وجهيه شديد الحمرة والآخر شديد الصفرة. هذا التفاح الجميل أوحى إليهم بالخيال الجميل، والفن الجميل، فأوَّلُ كل شيء أنهم اتخذوه عوضًا عن المحبوب، يقوم مقامه إذا غاب، ويؤنس به إذا لم يكن:
لمَّا نأى عن مجلسي وجهُهودارتِ الكأس بمجراهاصيَّرتُه تفاحةً بينناإذا ذكرناه شممناهاواهًا لها تفاحة أشبهتخدَّيه في بهجتها، واها ثم أمعنوا في الخيال، فأسبغوا على التفاحة ما صنع مع الله الحُلوليون؛ فالحبيب التفاحة والتفاحة الحبيب.
تفاحةٌ تأكل تفاحةيا ليتني كنت الذي أُوكَل •••

تفاحةٌ من عند تفاحةٍقريبةُ العهد بكفَّيهاأحبِب بها تفاحةً أشبهتحمرتُها حمرةَ خدَّيْها •••

ولما بدا التفاحُ أحمر مشرقًادعوتُ بكأسي وهي ملأى من الشفقوقلت لساقينا: أدِرها فإنهاخدُودُ عذارَى قد جُمعن على طبق •••

وتفاحةٌ غضَّةٌعقيقية الجوهرتندَّت بماء الربيعفي روضها الأخضرفمِلتُ سرورًا بهاإلى القدح الأكبروأنت لنا حاضرٌوإن كنتَ لم تحضَر ثم غلوا في هذا، فحرم بعضهم على نفسه أكل التفاح لأنه والحبيب اسمان لمسمَّى واحد:
لا آكلُ التفاح دهري ولوجَنَتْه كَفِّي من جِنان الخلودتالله لا أتركهُ عن قِلًىلكنني أتركُهُ للخدود •••

أكلتُ تفاحةً فعاتبنيخِلٌّ رآها كخدِّ معشوقِهوقال: خدُّ الحبيب تأكله؟فقلت: لا، بل أمصُّ مِن ريقه ثم لعبوا بالحب عليه، فعَضُّوا التفاحة، وتهادَوها معضوضة؛ قال ابن المعتز:
تفاحةٌ معضوضةٌكانت رسولَ القُبَلكأن فيها وَجْنَةًتَنقَّبَت بالخجلتناولَت كفِّي بهاناحيةً مِن أمليلستُ أرَجِّي غيرَ ذايا ليت هذا دامَ لي •••

حيَّاه من يهوَى بتفاحةقد عضَّ أعلاها بأسنانِهِجاء ولم يبخل بها بعدَماعذبه دهرًا بهجرانه ودعاهم الغرام بالتفاح ودلالاته أن جعلوه صحيفةَ غرامهم، يكتبون عليه عصارة قلوبهم، وتفننوا في ذلك فنونًا بديعة؛ فمن ذلك أنهم كانوا يُلبسون التفاحة — وهي خضراء على شجرها — شيئًا من النسيج أو الورق، هو بيت من الشعر أو جملة رشيقة أو إشارات دالة، فإذا استوت ونضجت كان مكان النسيج أو الورق أصفر والباقي أحمر. أو يغلِّفون باقي جسم الشجرة ويتركون مكان الكتابة معرَّضًا للشمس، فتكون الكتابة حمراء وباقي التفاحة أصفر، فتُقرأ الأبيات أو الأشعار كأنها من فعل الطبيعة؛ ويتفنن البستانيون في ذلك، ويبتاعها منهم العشاق بالمال الكثير.
قال صاحب «فوات الوفيات» في ترجمة أبي الجعد المعروف بشعر الزنج، إنه كان ناطورًا يحفظ البساتين، وقد كتب لمحبوبه هذه الأبيات بالبياض على تفاحة حمراء:
جُودوا لمن تَيَّمَهحبُّكم فهَاماوصار ضوءُ يومهِمِن حُزنِه ظلامًا ثم قال: «إن شعر الزنج هذا أهدى إلى محبوبه يومًا تفاحًا كثيرًا أحمر كالشقائق، وأبيض كالفضة، وأصفر كالذهب، منه ما كُتب عليه ببياض في حمرة، ومنه ما كُتب عليه بحمرة في بياض — وعلى إحداها حمراء بأصفر.
نَبتُّ في الغصن مخلوقةًمِن قلب ذي شوقٍ وأحزانِصَفَّرَني سقمُ الذي لونهيُخبر عن حالي وأشجاني وعلى صفراء بأحمر:
تفاحة صيغت كذا بدعةًصفراءَ في لون المحبِّينازيَّنها ذو كمدٍ مدنَفٍبدمعهِ إذ ظلَّ محزونًافامنُن فقد جئتُ له شاكيًاوُقِّيت من بلواه، آمينا وكان من هيامهم بالتفاح وغيابه عنهم أحيانًا أن اتخذوا له تمثالًا يتهادى به الأغنياء وأهل الترف، فصاغوا من العنبر على مثال التفاح، وكتبوا عليه ما شاءوا بخيوط الذهب؛ قال في «الأغاني»: قال أحمد بن صدقة: «كنتُ عند المأمون، وقد كان غضبَ على حَظيَّةٍ له، فلما طابت نفسه بالغناء، وجَّهتْ إليه بتفاحة عنبر مكتوب عليها بالذهب: «يا سيدي: أسلَوْتَ؟»
وكتبوا على تفاحة عنبر بالذهب:
ليس شيءٌ يُتهادَىمثلَ تفَّاح مُكتَّبيا مُنَى قلبي ما تَرْثى لِذي عشقٍ مُعذَّب؟ وقد أكثروا من التهادي بالتفاح، وما أكثر الأخبار التي وردت في ذلك، وما كانوا يهدون زنبيلًا ولا شيئًا كثيرًا، إنما يهدون تفاحة واحدة صُنعت بها البدع؛ إذ كان من قوانين الظرف عندهم الاعتداد بالمعنى لا بالمبنى، وبظرف الهدية وقلَّتها لا بكميتها وكثرتها. حدَّث صاحب الأغاني عن «عريب» المغنية أنها قالت لصاحب لها: قد بلغني أن عندك دعوةٌ اليوم؛ فابعث إليَّ نصيبي منها، فبعث إليها طعامًا كثيرًا، فلما وصل إليها أنهبته الناس وبعثت إليه رقعة تقول فيها: يا أعجمي يا غبي أظننتني من الأتراك ووحش الجند، فبعثت إليَّ بخبز ولحم وحلواء؟! الله المستعان عليك. ثم علَّمَتْه ظرفَ التهادي بإهدائه شيئًا قليلًا جميلًا قيمته في فنه لا في كثرته.
وقد قام التفاح هذا المقام لكثرة ما يستطيع عند الفنان أن يجيد فيه.
ثم كان من أجمل مظاهر الجمال عند الخلفاء والأمراء والسراة «الفوَّارات» أو النافورات في البيوت وفي البساتين العامة، قد صُنعت من الخزف الجميل المنقوش، أو من الرخام، وقد تُصنع أنابيبها من الذهب والفضة؛ وكان من أساليب تفننهم أن ينثروا الورد فوق عيون الفوَّارات، فيدفعه الماء بقوة ويصعده إلى علوٍّ كبير ثم ينزل في البركة، أو يُنثر على الناس، وقد اشتهر بهذا الوزير المهلَّبي.
فكان من إعجابهم بالتفاح أن يهندسوا الفوارة هندسةً خاصة، ثم يضعوا التفاح الأحمر فوق عين الفوارة، فيدفعه الماء إلى أعلى، وتتدافع قوة الماء النابع من الفوارة والهواء الذي يدفعه الماء إلى أعلى وثقلُ التفاحة وميلها إلى السقوط، فتبقى التفاحة واقفة تدور في مكانها، فيكون من ذلك منظر عجب، وفي ذلك يقول الشاعر:
وفوارةٍ سائلٌ ماؤهابتفاحةٍ مثل خدِّ العشيقكمِنْفَخَةٍ مِن رقيق الزجاجتُدارُ بها كرةٌ مِن عقيق ولكثرة ولوعهم بالتفاح ألَّف الأدباء فيه التآليف المفردة، فألف الجاحظ «كتاب التفاح» وألف بهذا العنوان غلام ثعلب، والوَشَّاء، وإن كنتُ لم أعثر على شيء من هذه الكتب.
هذا قليل من كثير مما ورد في الأدب العربي عن التفاح.
وقد حرمتنا الحرب أن ننعم بالتفاح الجميل اللطيف، فلا أقل من أن ننعم بذكراه.
? أصله من قومس، وهي إقليم في ذيل جبل طبرستان.? نسبة إلى دامان، مدينة قرب الرقة.? نسبةً إلى القريشية، قرية بالجزيرة.
في الحياة الروحية?


?


في الإنسان — فيما أعتقد — قوة أو ملَكة غير القوة العاقلة، يستطيع أن يدرك بها نوعًا من الحقائق في هذا الكون من غير أن يستعمل الطرق المألوفة في المنطق، من مقدمات يستنتج منها نتائج، وهذه القوة موضع الوحي والإلهام والكشف ونحو ذلك من أسماء، وهي لا تعتمد على حساب للمقدمات وتقديرٍ للنتائج، وإنما هي ومضة كومضة البرق تنكشف بها بعض الحقائق.
نجدها حتى في الحيوان كما قال الله تعالى: وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ونجدها في الأطفال، يدركون بها ما لا يدركه الكبار بعقلهم وتجاربهم؛ ونجدها في المرأة أكثر منها في الرجل، فلها حاسة غريبة هي نوعٌ من الإلهام تصل بها إلى الأشياء التي تهمها، من غير أن يكون لها مقدمات معقولة.
وقوة الإلهام تختلف في الناس قوةً وضعفًا كاختلاف القوة العاقلة، فكما فيهم الذكي والغبي، والبليد والأبله، والرياضي ومن لا يفقه شيئًا في الرياضة، كذلك فيهم الملهَم وغير الملهم، والمستنير والمظلم، كما في الحديث: «إن في أُمَّتِي ملهمين، وإن منهم لعُمَر». وهذه القوة الإلهامية لا تتصل بمقدار القوة العاقلة، ولا بمقدار الذكاء، ولا بمقدار ثقافة الشخص وكثرة علمه؛ فلعل كثيرًا منا شاهد هذا الفلاح غير المتعلم الذي وفد على القاهرة منذ سنين، وهو لم يتعلم قراءةً ولا كتابة ولا حسابًا، وكان يُعطَى المسألة مكوَّنة من ستة أرقام أو سبعة ليضربها في أرقام ستة وسبعة، فيجيب على البديهة بحاصل الضرب من غير استخدام أي وسيلة من وسائل الضرب المعروفة، حتى لقد اقتُرح أن يعين في مصلحة الإحصاء لضبط العمليات الرياضية، كأنه آلة من الآلات المخترَعة لعمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة.
وفى حياتنا العملية نرى أمثلة كثيرة من هذا القبيل، أناسًا يمتازون بإلهامهم كما يمتاز آخرون بعقولهم وتجاربهم؛ هناك التاجر الذي يعرف السوقَ بإلهامه فيحدس في مستقبل السوق حَدْسًا صادقًا يستدعي العجب، وقد لا يستطيع أن يجاريه في ذلك الذكيُّ الدارس للاقتصاد وحركة الأسواق وجغرافية العالم، والمطَّلع على أحدث النظريات في الشؤون التجارية؛ ومثلُ هذا في محيط الزرَّاع والصناع ورجال الحرب وغيرهم.
ويتجلى هذا الإلهام بوضوحٍ في الفن؛ فالجمال كله مغلَّف بالغموض، ومهما قيل في نظريات الجمال ووضع قواعد له تخضع للعقل والتجارب، فإن كل ما قيل فيه لم يكشف غموضه، وظل يعتمد في أكثر شؤونه على الإلهام والذوق لا على العقل والتجارب. إنَّا لنرى كل شيء ينتج مثله، فالمادة تنتج مادة، والرأي ينتج رأيًا، والحياة تنتج حياة، ولكن من أين ينتج الجمال؟ إنه ينتج من أشياء غريبة عنه كالصوت واللون، بل قد ينتج من القبح نفسه! وقد يكون كل جزء في الإنسان وحده جميلًا، فإذا رُكِّب لم يكن جميلًا ككل، والعكس، فكيف كان هذا؟ لا ندري! وقوة الجمال نفسها كيف تفعل فينا هذه الأفاعيل، وكيف تلعب بالعالم هذا اللعب؟ لا ندري! وناحيةٌ أخرى وهي الفنان نفسه، كيف كان هذا الفنان فنانًا؟ إن الدلائل كلها تدل على أن هذا الإنسان لا يصلح لشيء، فإذا هو فنان مبدع! لعل كثيرين شاهدوا شوقي بك وجالَسوه، ورأوا أنه لا يُحسن حديثًا ولا يُحسن تفكيرًا، وعيناه كأنهما رُكِّبتا على زئبق، ومهما أطلت الجلوس معه فلا ترى فيه أثرًا من آثار العبقرية؛ وبعد ذلك، فهو شاعر عظيم، بل أعظم شاعر في الشرق في العصور الحديثة. وقد وصف بعضهم شكسبير فقال: «ما أعظم شاعريته، وما ألطف طفولته وسذاجته!» وكان جان جاك روسو من أخيب خلق الله نشأةً، لم يصلح لدراسة علمية ولا فنية، ولم يصلح لخلُق؛ حياته — كما تدل عليه اعترافاته — سلسلة أخطاء وسلسلة سقطات، وسلسلة غباوات، ناقص العقل، ضعيف الإرادة، يستجيب للدوافع الوقتية. لم ينجح في الدراسة المدرسية، ولا في الدراسة الموسيقية، ومع هذا كله فقد كان من أنبغ ما أنتجه العالم. استطاع بنتاجه الفني أن يغيِّر التفكير في فرنسا، وقد يكون غيَّر التفكير في العالم أيضًا، ولوَّن المدنية الحديثة لونًا جديدًا. ما ميزة كل هؤلاء الفنانين جميعًا إذا كانت حالتهم كما نرى؟ لا شيء غير الإلهام، بدليل أنهم لم ينبغوا من ناحية قوة عقلهم وتجاربهم، إنما كان نبوغهم من حيث مقدرتهم الإلهامية.
ثم إن الفن نفسه كيف يكون؟ إذا سألت الشاعر كيف يقول شعره وكيف تأتيه المعاني والأخيلة، وسألتَ الروائي كيف تأتيه فكرة الرواية وأحداثها وتأليفها، والرسام كيف يتصور ويتخيَّل، وكيف يؤلِّف بين الألوان، أجاب كل هؤلاء أنهم لا يدرون كيف يجيبون، وأنهم لا يعملون في ذلك عقلًا، وإنما ينتظرون إلهامًا! وقد يُلْهَمُ الشاعر مطلع القصيدة من حيث لا يحتسب، ثم يُعمِل فكره وخياله أيامًا وليالي ليضم إلى المطلع قرينه فلا يفلح؛ لأن الوحي انقطع عنه، ولا يزال كذلك حتى يأتيه الوحي مرة أخرى فيتدفق، ولا يدري كيف وُفِّق وكيف عجز! ومهما علَّلت ذلك بالصحة أو المرض، أو السرور أو الحزن، أو اعتدال المزاج وفساده، أو نحو ذلك، لم تجد هذا التعليل صحيحًا مطَّردًا.
كذلك كثيرًا ما نرى هذه القوة — قوة الإلهام — في النوابغ، والنابغة الذي أعنيه هو القادر على التعبير عن زمنه وقومه أحسن تعبير، الدافع لأمته أو لعالَمه إلى الأمام ليجعله أقرب إلى المثل الأعلى في تفكيره وعاداته. ولو نظرنا إلى حياة كثيرٍ من النابغين من هذا القبيل لوجدناهم قد امتلكوا هذه القوة الإلهامية وكانت هي علة نجاحهم، أمعَنوا في الإيمان بعقيدتهم إمعانًا قد لا يرتضيه العقل الفلسفي، وتصرفوا في حمل قومهم على عقيدتهم تصرفًا قد لا يُقرُّه الأسلوب المنطقي، وتأججت عواطفهم وساروا في حياتهم كما توحيه إليهم نفوسهم أكثر مما توحيه عقولهم؛ بل كثير من هؤلاء النابغين كانوا شذَّاذًا في ناحيتهم العقلية، مما جعل بعض الباحثين في النبوغ يقرن بين النبوغ والشذوذ بل والجنون.
بل كثير من المخترعين كان اختراعهم واكتشافهم إلهامًا أكثر منه بحثًا علميًّا، إنما كان البحث العلمي خدمة وتحقيقًا وتأييدًا للومضة الأولى الإلهامية. كم من الناس رأوا التفاح والثمار بأجمعها تسقط من أشجارها، ولكن إلهامًا أُلهمه «نيوتن» قرن هذا السقوط بفكرة الجاذبية، ثم استخدم العلم والعقل لاكتشاف قوانينها. كم من الناس رأوا مصابيح المعابد معلَّقة في حبالها، يلعب بها الهواء فيحركها حركة البندول، ولكن جاليليو هو الذي أُلْهِمَ هذا الإلهام، فاكتشف به قانون الذبذبة، وأتى العقل والعلم بعد ذلك يكمل هذه القوانين ويستخدمها في الحركات الميكانيكية. وهكذا كان الإلهام أولًا، والعقل ثانيًا.
ثم الإلهام في المجال الديني، فهناك رجال من جميع الأديان في مختلف الأزمنة ذكروا أنهم استطاعوا بالإلهام أن يتعرفوا الحقيقة عن طريق الكشف لا عن طريق العلم، وعن طريق الذوق لا عن طريق العقل، وأن ما عرفوه من هذا الطريق كان أقوى وأبين، حتى كأنهم ينظرون بأعينهم، ويسمعون بأذنهم، ومِن هؤلاء من لا يرتقي الشك إلى أقوالهم ككبار الصوفية، ومنهم الغزالي، وكأفلوطين الفيلسوف في القرن الثالث الميلادي الذي قال: إنه رأى الحق، ووصل إلى الله وتكشفت له الحقيقة في حياته على هذا الوجه أربع مرات تكشُّفًا يفوق الوصف، حكى ذلك عنه تلميذه فرفوريوس، وكان يعلم حقيقة ما يقول؛ فقد ذكر أنه هو نفسه في حياته البالغة ثمانية وستين عامًا، قد تجلَّى الله له على هذا الوجه مرة واحدة. ويقول هؤلاء وأمثالهم: إن العالم يدرَك بالحواس وبالعقل وبالروح، والإدراك بالروح أتم وأوفى وأصدق، فحقيقتنا روحنا، وحقيقة العالم روحه، ولا شيء أصدق من إدراك الروح بالروح. هؤلاء يرون أن الإلهام والكشف يُظهر من الحقيقة ما لا يظهره العقل، وأنهم لذلك يسمون إدراك الإلهام معرفة، وإدراك العقل علمًا، وغاية الأول الحكمة، وغاية الثاني الفلسفة، ووسيلة الأول الحبُّ والرياضة، ووسيلة الثاني التجارب والمنطق؛ وإدراك الأول ومضةٌ، وإدراك الثاني بالتدريج؛ ومركز الأول القلب، ومركز الثاني الرأس.
وقد بدأ علم النفس يدرس هذه الظواهر النفسية لأمثال هؤلاء بعد أن كان يُنكرها جملةً، وحيَّره ما رأى من صدق بعض هذه الظواهر، ووصول بعض المتديِّنين إلى حقائق عجيبة لم يصلوا إليها من طريق العلم لأميَّتهم، أو عدم تعلمهم، أو نحو ذلك.
•••

مظهرُ كمال العقل الفيلسوفُ، أمثال أرسطو ومَن سار سيره، ومظهر كمالِ الإلهام «النبي»؛ تريد الفلسفة أن تَعرِف علة العالم كله، والمبدأ الأساسي الذي أُسس عليه، والأصل الذي يجمعه من الذرَّة الأولى إلى أرقى كائن، ومن الخلية الأولى إلى المَلك بل إلى الله، عن طريق التفكير المنطقي، من مقدمات بديهية إلى نتائج، ثم جعل النتائج مقدمات للاستنتاج منها مقدِّمات أعلى، وهكذ، فغاية الفلسفة بجميع مجهودها الوصول إلى العلة الأولى، فإن كان كل علم فرعًا من شجرة فالفلسفة تريد الجذر الذي أسس هذه الفروع، تريد البذرة الأولى التي تكونت منها شجرة العالم. وهذا الغرض الذي ترمي إليه الفلسفة هو بعينه الذي يرمي إليه الدين، فهو يريد أن يعرف الحقيقة الأولى والأخيرة لهذا العالم، يريد أن يعرف الله الذي هو الأول والآخر، ويوثق الصلة بينه وبينه ولكن لا عن طريق مقدمات ونتائج، بل عن طريق حب وشوق من الروح الصغرى إلى الروح الكبرى. وفي الإنسان الطبيعتان: الطبيعة العاقلة المفكرة التي ترضيها الفلسفة، وطبيعة الشعور بالمحبة الشائقة التي يرضيها الدين. في الإنسان العقلُ الباحث، وفيه القلبُ العاشق لقوةٍ يعتمد عليها في بلوغه كماله، في معونته على تخطي العقبات المحيطة به. غاية الفلسفة والدين واحدة، ولكن الطريقين مختلفان، ولن يسافر الفيلسوف والمتديِّن في طريق واحد، ولن يستعملا وسائل واحدة، ذلك يركب عقله، وهذا يركب قلبه، والأول ينمِّي ذهنه، والثاني ينمي شعوره وإن لم يمهل عقله؛ وإذ كان العقل الكبير شكاكًا فهو قلَّما يؤمن ويجزم، وإذ كان القلب الكبير عاشقًا هائمًا، فهو مؤمنٌ بمن يحب، لا يقبل فيه جدلًا ولا شكًّا؛ ولذلك كان رضا المتدين وطمأنينته أكثر وأقوى من رضا الفيلسوف! ولما كانت وسائل الفلسفة عسيرة تتطلب علمًا، وتتطلب مصطلحات، وتتطلب تعليمًا، لم تناسب إلا الخاصة، ولما كان الشعور لا يتطلب كلَّ هذا، وقد لا يتوقف على ثقافة خاصة، كان الدين مناسبًا للخاصة والعامة على السواء، فلست ترى الفيلسوف الراقي إلا في الخاصة، ولكنك ترى المتدين الراقي في الخاصة والعامة. والقلب يعتقد ويجزم، والعقل قلَّ أن يعتقد ويجزم، القلب يطمئن، والعقل يحار، فإذا جزم فإنما يكون جزمه بمَددٍ من القلب. لقد صرخ الفخر الرازي وغيره نادمين على حياة الفلسفة إذ أسلمت إلى الحيرة، وصرَّح «هيوم» بأنه لا يستطيع بحال من الأحوال أن يجزم بشيء في حقيقة الله وطبيعته. ولكنك لا تجد عميقًا في الدين يشكو الحيرة أو يندم على الحب. رُقِيُّ العقل في تجرده، ورُقِيُّ القلب في مدِّه خيوطًا تربط بينه وبين من يحب؛ ولذلك كان ذو القلب أكثر شعورًا بشخصيته؛ ومن ثم كان أكثر شعورًا بطمأنينته، فهو إذا تدين شعر بأن روحًا عُليا تتجاوب مع روحٍ صغرى.
أساسُ الدين أن هناك مملكةً روحية وراء هذه المملكة المادية، وهي ليست مملكة خيالية ولا شعرية، ولكنها مملكة حقيقية — في كل شيء في الوجود — من جمال ونبات وحيوان وإنسان — نفحة من الروحانية تستمدها من الروح الأعلى، من الله!: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. ولكل شيء رسالته الروحية شعرَ بها أو لم يشعر. وتختلف هذه الأشياء في روحانيتها، كما تختلف القيمة لأفراد كل مملكة وأشياء كل مجموعة. إنها كنغمات البيانو تختلف ضعفًا وقوةً وغلظًا ورقةً وعلوًّا وانخفاضًا؛ وطبيعة كل شيء في الوجود اشتمالها على درجات، فجسمُ الإنسان والأسرة والجيش، ومجموعة الأنهار والجبال والتلال والأشجار والأزهار؛ والمجموعة الشمسية وغيرها، كل منها درجات يعلو بعضها بعضًا؛ وهي حقيقة التفت إليها «دارون» فأوحت إليه بنظرية النشوء والارتقاء. وكل مجموعة من هذه لا بد أن يكون لها رئيس أعلى يعلو الأجزاء المختلفة في القيمة وفي الوظيفة، وهو الذي يمثل نوعه. كذلك في المملكة الروحانية هذا التفاوت في القيمة، وهذه الدرجات المختلفة، وهذا التدرج صُعُدًا إلى الله.
أفراد هذه المملكة الروحانية يختلفون شعورًا وحبًّا وهيامًا واستطاعةً لتلقي أشعة الروح الأعلى، فاختلفت بذلك منزلتهم في تلقي الوحي والإلهام — وقد أعجبت الديانات بمثال النور؛ ففي المجموعة الشمسية شمس تلقي الأشعة وقمر يتلقى منها ضوءها وينشره على الأرض، وحولها كواكب ونجوم تتلقى عنها بمقادير تختلف حسب وضعها واستعدادها، فكان هذا مثالًا لطيفًا للتعبير عن المعنى الروحي في المملكة الروحانية. وكانت آية النور من أبدع ما ورد في القرآن: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى? نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
هذا الروح الأعلى رأسُ مملكةٍ تجمَّعَ فيه العلم كل العلم، والقدرة كل القدرة، والحكمة كل الحكمة، يفيض منها على من يشاء بما يشاء، ومنزلة الأنبياء منه منزلة القمر من الشمس يتلقى ويُشع، يستقبل ويذيع؛ وهناك أناس أقل من الأنبياء منزلةً يتلقون دون تلقيهم، ويذيعون دون إذاعتهم — كل هؤلاء شراح القوانين الروحية بلسان الإنسانية، هم الإجابة لصرخة الإنسانية المعذبة والإنسانية الضالة، وهم البلسم للإنسانية المجروحة، وهم ناشرو النور يقبس منهم كلٌّ حسب استعداده، يخاطبون كلًّا بلغته وبمقدار تقبله، ويؤَثرون بقولهم كما يؤَثرون بضوئهم الذي ينشرونه على الحياة؛ ولذلك آمن كثير من أتباعهم بالنظرة لا بالحجة، وقال قائلهم: «ما هذا وجهُ كذَّاب». هم يضيئون القلب أكثر مما يقنعون العقل، ويرفعون النفس إلى السماء إن التصق الجسم والشهوات والنزعات بالأرض؛ هم يُصلحون مجتمعهم حسبما تتجلى في أهل زمانهم عيوبهم، ثم يضعون البذور في تعاليمهم يسترشد بها المصلحون فيما بعدُ لإدراك عيوب زمانهم.
والروحُ الأعلى عند اختيار مَن هم أهلٌ لوحيه وإلهامه، لا يعبأ بما يعبأ به أهل المملكة المادية مِن جاهٍ أو مالٍ أو نسبٍ أو علمٍ أو ثقافة؛ إذ لا يهمه في الاختيار إلا القلب، وهو أعلم حيث يجعل رسالته.
?


كل من وُهب نفحة من الروحانية المستعدَّة لتلقي الإلهام أظهرها حسب استعداده وميوله، كالكهرباء تكون مرة حرارة، ومرة تبريدًا، ومرة ضوءًا؛ فالموسيقيُّ ينعكس إلهامه موسيقى، والشاعر شعرًا، والفنان فنًّا، والنبي نبوة، والنبي أرقى إلهامًا؛ لأن ما يتلقى من الضوء أقوى، ونوعه أكمل، ونوره الذي يعكس أعم نفعًا وأهدى للحقيقة في صميمها. في النبي شاعرية وليس بشاعر، وموسيقية وليس بموسيقيِّ، وفلسفة وليس بفيلسوف، وإنما هو فوق ذلك كله؛ لقرب اتصاله بالروح الأعلى وقوة ضوئه الذي يعكسه فينير مناحي الحياة المختلفة — نورٌ كشاف يضيء قلوب من وقعت عليه أشعته — أيًّا ما كان شكل الوحي الذي حُكي في الكتب المقدسة، من صوت يُسمع، أو مَلك يُرى، أو نحو ذلك، فإنما هو القلب، يُرهف حتى تكون له عين تبصر وأذن تسمع، وحتى يتجلى بهما الحق أقوى مما يتجلى بالأذن الحسية والعين في وجوهنا.
وما أصعب رسالة النبي! إن الموسيقيَّ والشاعر والأديب والفنان يدرك بالإلهام ما تعجز عن أدائه أدوات الموسيقى والقلم واللسان والألوان؛ ذلك لأن التعبير عن المعقولات أهون من التعبير عن الإلهام؛ ولذلك احتاج الملهَم أن يخترع ما يحاول به أن يُكمل نقصَه كالاستعارات والمجازات والتشبيهات والكنايات عند الشاعر والأديب، والإشارات عند الخطيب، ونحو ذلك عند سائر الفنانين. وهم — مع كل هذا — يُقرُّون بالعجز عن أداء ما يشعرون، ويُقرون بالفرق الكبير بين ما يشعرون وما يعرضون — وذلك في النبوَّة أعقد وأعسر. إنهم يريدون أن يعرضوا العالم في خريطة مصغَّرة، أو يقدموا المحيط في زجاجة، أو يخرجوا السموات والأرض من جيوبهم؛ ولذلك ما كان أعمق معانيهم وأبعد إشارتهم! وما أتفه مَن وقف عند حدود ألفاظهم، ولم يتخطَّ ذلك إلى فهم رموزهم!
وصعوبة أخرى، أن الأنبياء بحكم رسالتهم، لا بد أن يسيروا على الصراط بين الروح والمادة؛ لا بد أن يتصلوا بالروح الأعلى ليتلقوا، ولا بد أن يتصلوا بالناس ليذيعوا، لا بد أن يكون رأسهم في السماء وأرجلهم في الأرض.
وصعوبة ثالثة، أنهم يواجهون مطالب القلوب المختلفة صغرًا وكبرًا، وضيقًا وسعة، وظلامًا ونورًا. ولا بد أن يمدوا كلا بما يحتاجه وبما يستطيعه، ويوفقوا بين المطالب المختلفة والاستعدادات المتعارضة؛ ولذلك كانوا دائمًا في جهاد مع أنفسهم، وجهاد مع عدوِّهم، وجهاد مع صديقهم، وجهاد مع العالم. وصدقوا إذ قالوا: «إن الحياة جهاد». ووضع الناس كلهم أنفسهم موضع القضاة لهم أو عليهم، وما أقساها حكومة!
للنبي رسالةٌ ظاهرة، وهي إقامة الشعائر والتشريع لإصلاح المجتمع؛ ورسالةٌ باطنة، وهي: نصبُ سلَّم تتدرج فيه النفوس لتعرف الحق، وتعرف الحقيقة، وتعرف الله من طريق القلب. قد تختلف الأديان في الشعائر والشرائع تبعًا لاختلاف البيئات الطبيعية والاجتماعية ورقي الإنسانية، أما في الرسالة الباطنة فلا تختلف إلا بمقدار الرقيِّ في السلم؛ فالحق غرض كل الأديان، ليس يختلف الأنبياء في رسالتهم كما يختلف الفلاسفة في تعاليمهم، فقد يُقر فيلسوفٌ أمرًا وينكره آخر، وقد ينقض اللاحقُ ما بنى السابق، أما الأنبياء فيقرون دائمًا، ويبنون دائمًا، ذلك لأن العقل فيما وراء المادة قائد فقير، قائد في الظلام، والقلب في ذلك قائد بصير، قائد في وضح النهار. إذا تكلم مائة إنسان بقلوبهم اتحدوا، وإذا تكلم ثلاثةٌ بعقولهم اختلفوا. وما يصد الناس عن رؤية الحق إلا إقفال قلوبهم عن رؤية النور، وتعلُّقُهم بصغائر الأمور، وبالجزئيات دون الكليات. إن الإنسان الفرد قد يُحَب، وقد يُكره، وقد يُعجب به، وقد يُشمأز منه، ولكن الإنسانية — ككل — تُحب فقط وهي موضع الإعجاب.
نتتبع سلسلة الأنبياء فنرى بينهم قدرًا مشتركًا من التعاليم والمبادئ؛ فهم يؤمنون أقوى إيمان بالله وكماله وقدرته، وبالإنسان وشرفه ومسئوليته، وضلاله ووجوب هدايته، وهم يعلنون فى جزم أنهم لم يتلقوا تعاليمهم من تقاليد قومهم، ولا من علمهم ومنطقهم ولا من أي شيء خارج عنهم، ولكن مِن الله نفسه، يحدِّث نفوسهم، ومن نوره يسطع على قلوبهم، وأنهم لا يشكُّون في شيء منه، كما يشك الفيلسوف والعالم، ولذلك يتحملون أكبر الآلام من قومهم وملوكهم، ولا ينحرفون قِيد شعرة عن عقيدتهم؛ لأنهم يرون الحق بقلوبهم أصدق مما يرون الأشياء بأعينهم، وأنهم يُبلغون رسالة ربهم كما وَعَوْها — هم بذلك يقررون أن علمهم بحقيقة العالم وبالخير والشر آتٍ من أعلى إلى قلوبهم، على حين أن علم العلماء والفلاسفة آتٍ من أسفل إلى عقولهم.
أنكر قومٌ دعوة النبوة على هذا النحو، وأرادوا ألَّا يسلِّموا بشيء إلا إذا كان عن طريق الجبر والهندسة والرياضة! ولكن أمِن الحق أن كل علمنا ومعرفتنا عن هذا الطريق؟ إن الإنسان قد يعلم الحقيقة، وقد يشعر بالحقيقة. إذا علم العقلُ الجبر والهندسة، فالقلب يشعر بالحب، والحب حقيقةٌ كحقيقة الجبر، والرجاء والأمل والخوف والأمن حقائق كحقائق الهندسة، والإنسان عقل وقلب، ولكلٍّ غذاؤه، ومكلِّف الإنسان أن يقتصر على نمط الفلسفة والمنطق والعلم مهدِرٌ لنصف شخصيته؛ والمؤمن بمواهب الإنسان المتعددة مؤمنٌ بالدين.
ولكل موهبة طريق تربيتها؛ فالعقل يربَّى بالتجربة وبالمنطق وبالمران على ربط الأسباب بالمسببات، وعلى ربط النتائج بالمقدمات؛ والشعور يربَّى بالرياضة الروحية وتطهير النفس، ومن هذا القبيل شعائر الدين.
•••

لقد سلك رجال الدين في تأييده وتقويته مسلكين: قوم حدَّدوا عقولهم، وقومٌ أرهفوا مشاعرهم، فأما الأولون فعلماء التوحيد أو علماء الكلام، وأما الآخرون فصادقو الصوفية — من جميع الأديان — فالأوَّلون جعلوا الدين منطقًا وفلسفة، وخلَّفوا لنا تراثًا ضخمًا من المؤلفات تبرهن برهانًا عقليًّا منطقيًّا على وجود الله وصفاته وما إلى ذلك. ولكني أعتقد أنهم لم ينجحوا في ذلك نجاح العلماء في البراهين العقلية على قضايا العلم. إن قانون الكيمياء أو الطبيعة أو الرياضة إذا قال به أحد العلماء وبرهن عليه آمن به كل الناس بلا فارق بين أمة وأمة، وأهل دين وأهل دين، وشرقي وغربي. أما علم التوحيد أو علم الكلام، فبرهانٌ لمن يعتقد لا لمن لا يعتقد، برهانٌ لصاحب الدين لا لمخالفه؛ ولهذا لم نرَ في التاريخ أن علم الكلام كان سببًا في إيمان من لم يؤمن أو إسلام من لم يسلم إلا نادرًا، إنما كان سببًا في إيمان الكثير وإسلام الجم الغفير الدعوةُ من طريق القلب لا من طريق علم المنطق.
قرأت مرةً أن صديقين مثقفين خرجا يتروَّضان، وكانا يتحدثان في الدين، فمرا على حديقة بديعة مملوءة بالأزهار الجميلة؛ وردٌ أحمر يانع، وورد أصفر فاقع، وورد أبيض صافٍ، وبراعم لم تتفتح وهي آخذة طريقها إلى نضجها وتفتحها، والجو مملوء بعبيق الأزهار، والريح تلعب بالأغصان، وجمال كل شيء حولهما يأخذ باللب، فصرخ أحدهما: هذا أقوى دليل على الله؛ وهنا موضع سجودٍ له لجلاله وجمال عظمته! فقال صاحبه في برود العلماء: وأيُّ برهان علمي على ذلك؟! ما البرهان المنطقي على أن الجمال دليل على الله؟ إن كان هنا جمال فثَمَّ قبحٌ، وإن كانت الأزهار هنا تتفتح فهي هناك تذبل!
ثم عادا، هذا بإيمانه وهذا بإلحاده.
وكان نابليون — في حملته على مصر — في سفينةٍ حوله علماء ملحدون، وفى ليلة بديعة لمعت النجوم في السماء، وتلألأت في رونقها وبهائها وجمالها؛ فقال نابليون: انظروا أيها الرفاق: ما أبدع النجوم وما أجملها! فمن أبدعَها؟ قال ملحد: نحن لا نسأل هذا السؤال، وما يدور في ذهنك من هذه الأسئلة لا يدور في أذهاننا، إنما نحن نسأل: كيف تطور هذا العالم، وكيف ارتقى، وما الظروف التي مر بها، حتى وصل إلى ما نرى. «إن برهانك — أيها القائد — دليل جميل لك».
إن دعوة الإيمان دعوة لما في النفس؛ فإذا استعدت فكل شيء برهان، وإذا لم تستعد فلا برهان. في النفس لا في العقل غريزة الإيمان، والدعوة الحقة بإيقاظها، لا بمقدمة صغرى ولا مقدمة كبرى ونتيجة مؤلَّفة من موضوع ومحمول؟ ليس العقل هو دليلنا الوحيد في الحياة، بل هناك أدلاء أخر، منها النفس، ومنها العواطف، ومنها الإلهام.
أما الطريق الآخر الذي سلكه صادقو الصوفية، فهو أن يربُّوا شعورهم، ويقووا نفوسهم لا عقلهم، ويصفُّوا روحهم من التعلق بالمادة وشؤونها، حتى يتصلوا في نهاية مراحلهم بالروح الأعلى، بربهم، وهم يقررون أنهم بهذه الرياضة يصلون إلى نوعٍ من انكشاف الحقائق أوضح وأجلى وأنور من الانكشاف الحسِّي؛ وأنهم يطَّلعون على عالم روحي لا يخضع لما تخضع له المادة من حدود أو زمان أو مكان، ولكنهم — مع الأسف — عجزوا عن وصف هذا العالم الروحي وصفًا بيِّنًا لنا، أو عجزنا نحن عن فهم وصفهم، ولهذا ساد كتبهم وأقوالهم الغموض التام في كل دين.
والسبب في هذا أن طريقة التفكير العقلي عامة عند الناس، ووسائل إيصال المعلومات العقلية من ذهن إلى ذهن متوفرة، وليس كذلك الشأن في المشاعر؛ فمن السهل أن تقيم البرهان لآخَرَ على قوانين الضوء وقوانين الجاذبية، وقوانين الرياضة والطبيعة والكيمياء، وتقيم البرهان على النظريات الهندسية، وليس كذلك الشأن فى المشاعر. إذا كان عندك برهان على أن هذا المثلث يساوي هذا المثلث أمكنك أن تنقله إلى من لم يعرفه، ولكن إذا أكلت الكمثرى وشعرتَ بنوع حلاوتها ورائحتها وطعمها، لا يمكنك بحال أن تصفها لمن لم يذقها إلا على سبيل التقريب والتشبيه، فإذا كان قد أكل نوعًا قريبًا من الكمثرى أمكن التشبيه وقرب فهمه وإن لم يكن دقيقًا، وإلا فما أبعد الفهم!
وكذلك الشأن فيما عندي من حب وبُغض وإعجاب ونحو ذلك، كلها مشاعر من الصعب نقلها. فالمشاعر والعواطف «تذكرة شخصية»، على حين أن العقل «تذكرة عامة» يصح أن يحملها كل شخص.
بذلك يمكن التفرقة بين معرفةٍ تُنقل ومعرفة لا تُنقل. واللغة قد تكون أداة طيِّعة للمحسوسات والمعقولات، وهي أداة غير صالحة للمشاعر والعواطف — والمعرفة عن طريق الإلهام — أو بعبارة أخرى عن طريق الرياضة النفسية — آخذة بشبهٍ من الطرفين؛ طرف العقل وطرف المشاعر، وهي إلى المشاعر أقرب، ولشبهها بالعقل تنكشف انكشاف المعقول، ولشبهها بالمشاعر يصعب نقلها.
وإذا كان شعور الصوفي شعورًا شخصيًّا صعب التعبير عنه وأحيط بالغموض ولم تسعفه اللغة، وكان مَن يفهمه ويشاركه هو الذي جرَّب تجاربه، وسلك طريقه، وقرب منه أو فاقه في إلهامه. ويشبه ذلك ما قاله أرسطو من أن الناشئ يمكن أن يكون عالمًا بالرياضة، ولكن لا يمكن أن يكون سياسيًّا؛ لأنه يمكن أن يتعلم الرياضة ويحفظ قوانينها، ويفهم براهينها، ولكنه لا يمكنه أن يكون سياسيًّا؛ لأن السياسة قوامها التجارب في الحياة، وهو لم يجرِّبها حتى ينغمس في أحداثها، ويشعر بتياراتها، ويرى نتائجها.
ويبلغ الأمر بالمتصوف في رياضته، وصفاء نفسه، أن يصل إلى نتيجةٍ تختلف كل الاختلاف عن التفكير العقلي، ذلك أننا في التفكير العقلي نشعر بأن الذي يدرِك غير المدرَك، والذي يعلم غيرُ المعلوم. فإذا فكرتُ في حل مسألةٍ هندسية، فالمسألة الهندسية غيري وغير عقلي المفكر، ولكن الأمر في نهاية التصوف ليس كذلك؛ إذ تتكسر الحدود بين العالِم والمعلوم، والعارف والمعروف؛ فإذا وصلت النفسُ إلى العلم بالله أمحت شخصية العارف، وصارت هي والمعروف شيئًا واحدًا، ويتحقق هذا عندهم في هذه الحياة، كما يتحقق بعد مفارقة الروح للجسم. وأقربُ شبهٍ بهذا ما يحدث من هيام المحب بالمحبوب، حتى يكونا روحًا واحدًا، ويصبح التعبير ? «أنا» و«هو» تعبيرًا لفظيًّا لا تعبيرًا نفسيًّا. أما النفس ومحبوبها فشيء واحد، وتفنى النفس الزائفة في النفس الحقة. ومن أجل هذا قالوا: «مَن عرف نفسه فقد عَرفَ ربه». وحول هذا تكوَّن الأدب الصوفي كله.
?


قرأت مرة أنه منذ خمسين عامًا درس عالمٌ طبيعي دراسةً دقيقة جدًّا ما يحتاج إليه الفأر الصغير لنموِّه من عناصر اللبن المختلفة، ثم جهَّز لبنًا صناعيًّا يحتوي كل ما أثبته العلم مما يحتاج إليه الفأر من بروتين ودهن وسكر وملح وماء بمقادير كالتي في اللبن الطبيعي تمامًا، وقد أعدَّه في أحسن «معمل» وأتقنه. وإذا امتُحن اللبن الصناعي امتحانًا دقيقًا ظهر أنه لا يختلف أيَّ اختلاف عن اللبن الطبيعي؛ وإذا اختُبر في الذوق لم يختلف عنه كذلك، ثم أطعم الفأر الصغير هذا اللبن الصناعي، فلم ينمُ وقلَّ وزنه، وأشرف على الموت. ثم تقدم العلم، فتبين أن هذا اللبن الصناعي ينقصه مادة ضرورية هي صانعة الحياة، هي الفيتامين، وربما شيءٌ آخر وراء هذا الفيتامين.
أذكرَني ذلك بالفرق بين العلم والدين، والمادة والروح، والعقل، والنفس. قد يكمل الشيء في مظهره، ويدل امتحانه على أنه لا ينقصه شيء، ولكنه فقدَ روحه كما يفقد هذا اللبن الصناعي هذا الفيتامين.
قد تقدم العلم في القرن الأخير تقدمًا باهرًا في كل فرع في الطبيعة، في الكيمياء، في النفس، في الاجتماع، في الصناعات؛ ولكنه لم يتقدم أيَّ تقدم في فهم «نظرية الحياة»، وظلت — من غير جواب — تلك الصورة البديعة التي صوَّرها فنان لطفلٍ جميل مستغرب، في أرض جرداء، في مكان موحش، وقد كُتب تحتها الأسئلة الآتية: ماذا؟ من أين؟ إلى أين؟ تقدم الطبُّ والتشريح والجراحة، وأتت الاختراعات بالعجائب من: تليفون وفونوغراف وراديو وعجائب الكهرباء، وظلت العجيبة الكبرى على حالها وهي عجيبة الحياة كيف تدب، والموت كيف يكون! وعجز العلم بكل أسلحته وأدواته أن يتقدم خطوةً في هذا السبيل، فمهما كانت الآلات المخترَعة ضخمة دقيقة معقدة فهي آلة لا غير، ليس فيها روح، ومهما كان التمثال جميلًا رائعًا فهو تمثال ينقصه ما طلب «بيجماليون» من ربِّه لتمثاله، أن ينفث فيه الحياة؛ وظلت أكبر آلة وأعظم اختراع لا تدهش الإنسان كما تدهشه ذبابةٌ كيف حييت! وأعظم آلة تحتاج إلى عقل حي ليديرها ويشرف عليها. ما هذه الحياة؟ من أين أتت؟ إلى أين تصير؟ لا يعرف العلم شيئًا، ونشأتها محوطة بظلمة البطن، ونهايتها محوطة بظلمة القبر، وهي نور بين ظلمتين، ونهار بين ليلين، ومهما اجتمع الفيزيقيون والكيمياويون فلن يستطيعوا أن يبعثوا الحياة في خلية و… إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ.
حلِّل الخلية كما تشاء إلى كربون وهيدروجين وأوكسجين ونتروجين كما كان يقول بعضهم، أو إلى إلكترونات كما يقول بعض آخر، فإنها كلها ينقصها شيء لتكوين الحياة، وهي ليست الحياة، كما أن اللحم والدم والنَّفس ليس الحياة. واشرح نظرية النشوء والارتقاء كما تشاء، فهي تُفسر تدُّرج الحياة من نوع إلى نوع، ولكنها لا تفسر الحياة الأولى للخلية الأولى. إن العالِم يستطيع أن يشرح لنا بناءَ الجسم الحي من نبات وحيوان وممَّ يتكون، ويضع لنا المصطلحات لكل جزء، ولكن إلى هنا ويقف. أما كيف دبَّت الحياة إلى الخلية، وكيف تنتج خلايا شجرة الورد خلايا مثلها حتى تنبت الورد، وكيف تخالفها شجرة الياسمين فتنتج ياسمين، وكيف يختلف الحيوان في ذلك عن النبات، فتكوِّن الخلايا بقرًا وغنمًا وقردًا وإنسانًا، فذلك ما لا يستطيعه العلم.
ثم كل حي إلى موت، لا يفرُّ منه أي شيء، هو قانون الطبيعة الذي لا يتخلَّف. قد يستطيع العلم بمهارته وآلاته ومستكشفاته أن يؤخر الموت ساعاتٍ وأيامًا، وإن شئت فقل: أشهرًا وسنين؛ ولكن كل وظيفته أن يؤخر لا أن يمنع، فإذا حاول أن يمنع عجز عجزًا تامًّا.
ثم هو عاجز أيضًا أن يفسر لنا ظاهرة الموت! إن هذه الحياة التي أتت ولا نعرف من أين أتت، لا نعرف أيضًا أين ذهبت.
إن الدين يبتدئ حيث ينتهي العلم، فهو يفسِّر لنا الحياة والموت عن طريق العقيدة لا عن طريق المنطق، فالله واهب الحياة: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ? وَكَذَ?لِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ.
هو مُمِدُّ الحياة في أثناء الحياة، وهو سالب الحياة بالموت؛ وهو باعثها من جديد: وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ? وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى? فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
والحياة مراحل ثلاث: دخولنا هذا العالم، ورحلتنا فيه، ورحيلنا عنه. ولا سلطان لنا في مرحلتيه الأولى والأخيرة، وإنما لنا مظهرُ قدرةٍ في المرحلة الوسطى؛ ليجري على أيدينا الخير أو الشر، والنفع أو الضر. إننا لا نستطيع أن نُرجع عقرب الساعة إلى الخلف ولا إلى الأمام، وإنما نحن «بندول» يتحرك، يقيِّد علينا الثواني والدقائق؛ قد قيَّد علينا الماضي وهو يتحرك في الحاضر، ولا أعرف إن كان يتحرك أو يقف غدًا، وكل ما أنا مكلَّف به أن أعمل لإسعاد من حولي، وإسعاد الإنسانية على قدر ما أستطيع. فأما من آمن فسعدَ بالشعور باتصال حياته بإلهه، وبالشعور بخلود النفس، وأن الموت ليس إلا ظاهرة مادية كظاهرة الولادة، وأن الروح التي أتت مع الولادة وكانت قبلها، ستظل بالموت وتبقى بعده، وأما من ألحد فالمستقبل مظلم والفناء سريع. عند المؤمن الموت نهرٌ غزير عليه جسرُ عبور، وعند الملحد الموت نهر غزير ينغمس هو في أعماق ظلماته. عند الملحد لا شيء يخلد، وعند المؤمن هناك خلود الله وخلود النفس وخلود الحقيقة.
إن الدين يقرر إلهًا كاملًا في صفاته، ويقرِّر إعظام الله، وحسنَ الصلة بين الإنسان وربه بإقامة الشعائر، وحسن الصلة بين الإنسان والإنسان باتباع القواعد والأخلاق، وأخيرًا يقرر بقاء الروح والحياة بعد الموت، والجزاء الأوفى على ما عمل من خير أو شر.
فماذا عند العلم ليقوله في ذلك؟ لا شيء!
لقد شهد القرن التاسع عشر والقرن العشرون معركةً حامية بين رجال العلم ورجال الدين؛ لأن كلًّا منهما كان يحاول أن يغتصب من الآخر ما ليس له، وكان كلٌّ منهما مخطئًا. اعتز العلم بقوته وبنجاحه في الآلات والصناعات، وتغييره حياة الإنسان وأدواته تغييرًا تامًّا، وإمداده بالقوة في مناحي الحياة المختلفة حتى اعتقد أنه على كل شيء قدير، وشاع على ألسنة الناس البرهان العلمي والتحقيق العلمي وما إلى ذلك من ألفاظ، واعتقد الناس أن ما قاله العلم هو الحق وهو الصحيح، وطمع العلم أن يُجري تجاربه على الإنسان، كما نجح في تجاربه على قطعة من الحجر فيحلله إلى عناصره الأولى، حتى حاول أن يُرجع الأفكار والعواطف إلى المادة، وأنها مظهرٌ للمادة كبعض صفاتها؛ وكما تُفرز المعدة عصارة هضم يفرز المخُّ فكرًا. وأخذ يحلله على هذا الأساس حتى شِعره وحبه، وحتى دينه وعقيدته في الله؛ لا شيء إلا المادة وصفاتها، والعالم ليس إلا آلة ضخمة كبيرة، نعم هي معقدة ولكن العلم قادر على شرحها، وأخذ مذهب النشوء والارتقاء يحاول تفسير الأشياء وما يحدث لها تفسيرًا علميًّا من ألِفها إلى يائها. وجرى على أن العالم ليس إلا مادة، ولا حقيقة إلا المادة، وأنها خاضعة في كل حركاتها لما تخضع له الآلة الكبيرة من قوانين، وأنها تنشأ وترتقي آليًّا بنفسها لا بغيرها؛ لكن العلمَ على هذا النحو اصطدم بالحياة فعجز عن تفسيرها، واصطدم بأن العناصر المادية للشيء تتكوَّن ثم لا يكون الشيء؛ واصطدم بجهله بحقيقة الأشياء وإن عرف مظاهرها وآثارها.
إن العلم نجح في شرح مظاهر المادة فأدَّاه غروره إلى أن يعرف حقيقتها؛ إنه يستطيع أن يعرف «كيف»، ولكنه لم يستطع ولن يستطيع أن يعرف «ماذا». إن من اختصاصه أن يقول: «إن العالم الظاهري الطبيعي مركَّب من مادة، وهو آلة تعمل؛ ولكنه بدل أن يقول ذلك قال: «إن العالم المادي هو وحده الحق، والمادة وحدها هي الموجودة». وبدل أن يقول في نشوء العالم: إن الحياة ترتقي من البسيط إلى المركَّب بعوامل مختلفة. قال: «إن أصل الحياة وُجد من هذا البسيط وتركَّب، وإن أصل الإنسان لم توجده قدرةٌ إلهية، وإنما هو عمل حرارة الشمس في مادة بسيطة». وبهذا تعدَّى العلم طوره واغتصب ما لا يملكه وإنما يملكه الدين، فالدين وحده هو الذي يستطيع أن يفسر ما وراء المادة من حياة ونفسٍ وإله، ونحو ذلك من العالم الروحاني.
وقد اغتصب العلم ذلك من الدين ردًّا على ما حدث في قرون طويلة من اغتصاب رجال الدين لحقوق العلماء. إن من حق العلماء أن يقرِّروا كل ما يتعلق بالمادة وصفاتها كما تقوم عليه براهينهم. للجغرافي أن يقرر ما يقوم عليه البرهان من دوران الأرض حول الشمس لا الشمس حول الأرض، وللفلكيِّ أن يقرر النظام الشمسي وغيره كما يدل عليه علمه، وللجيولوجي أن يقرر عمر الأرض بملايين السنين أو بالآلاف كما تدل على ذلك براهينه، ولدارون أن يقرر النشوء والارتقاء من البسيط إلى المركب، ولكل رجال علمٍ الحق في أن يقرروا قوانين المادة التي يكتشفونها، كلٌّ في اختصاصه كما يشاءون. فإذا اعترض رجال الدين على ذلك كانوا قد تجاوزوا حدودهم، وتحدثوا فيما ليس من شأنهم. ولجهل هذا الأساس كان التاريخ وأحداثه الأليمة مظهرًا من مظاهر اغتصاب رجال الدين لحقوق العلم، أو اغتصاب العلماء حقوق الدين.
وأخيرًا نرى في الأيام الأخيرة بين بعض رجال العلم وبعض رجال الدين حركةً محمودةً قوامها أن للعلم عالمًا يجول فيه ما شاء، وليس للدين أن يعترض عليه، وذلك هو عالَم الطبيعة، عالم المادة بما فيها العقل والنفس، وأن للدين عالمًا يجول فيه ما شاء، وليس للعلم أن يعترض عليه، وذلك هو عالم الروح والله. وأن الخريطة التي يرسمها العلماء للعلم مركزها وأفقها ليست هي الخريطة التي يرسمها الدين. ويعجبني قول أحد رجال العلم المشهورين الأستاذ «مكس بلانك»، في كتاب له عنوانه «إلى أين يتجه العلم»: «ليس هناك تعارض حقيقي بين العلم والدين، بل إن أحدَهما ليُحَيِّي الآخر ويؤيده. وكل إنسان مفكر جاد يرى أن عنصر الدين مغروس في طبعه، ويجب أن يُتعهَّد ويُنمَّى ويُرقَّى كما تُرقى وتُتعهد عناصر الإنسان الأخرى؛ لتتوازن العناصر وتتناغم. وليس من باب المصادفة أن عظماء المفكرين في كل عصر كان الدين متغلغلًا في أعماق نفوسهم، حتى ولو لم يُظهروا أمام الناس قوة شعورهم بدينهم. ومن التعاون بين العقل والدين ظهرت أجملُ ثمرةٍ للفلسفة، وأعني بها ثمرة الأخلاق. والعلم رفعَ القيمة الأخلاقية للحياة؛ لأنه عضد حبَّه للحقيقة واحترامها. أما حبه للحقيقة فبما أظهره من حبٍّ متواصل في عالم المادة وعالم العقل الذي حولنا. وأما احترامه للحقيقة فلأن كلَّ تقدم في العلم والمعرفة يجعلنا نواجه وجودنا الغامض».
?


كان أبو علي بن سينا من أكبر فلاسفة المسلمين إن لم يكن أكبَرهم — تربَّى من صغره تربيةً فلسفية دقيقة، فتعلم على أساتذة المنطق والرياضة والطبيعة والفلك، ثم انصرف إلى ما نُقل عن اليونان أيضًا من علم ما بعد الطبيعة، فقرأ كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو أربعين مرة، فلم يفهمه، ثم عثر على كتاب للفارابي يشرح كتاب أرسطو ويبين أغراضه، فالتهمه التهامًا، وانكشف له به كتاب أرسطو انكشافًا، وفي كل ذلك يعمل عقله الكبير في أعقد المسائل الفلسفية لا يمل، وإذا نام حَلَم فيما يشغله في أثناء يقظته، حتى وصل إلى فهم الفلسفة فهمًا دقيقًا، وألَّف فيها الكتب الكثيرة مطولة ومتوسطة ومختصرة.
ووصل بفلسفته إلى وجود الله، وأنه علة العلل، وأنه واحد، وأنه بريء من الكم والكيف والأين والمتى والحركة، إلى آخر ما قرره في فلسفته.
وكان يعاصره رجل كبير اسمه أبو سعيد بن أبي الخير، يُقرَن بعمر الخيام فيما له من رباعيات عميقة تفيض بالحياة، وكان صوفيًّا فارسيًّا عظيمًا، تربى على النمط الصوفي، كما تربى ابن سينا على النمط العلمي والفلسفي. إذا قرأ ابن سينا المنطق على أستاذه استعدادًا للفلسفة، فأستاذ أبي سعيد يعده للتصوف، فيأمره أن يستحضر الله بقلبه، ويتصوره مكتوبًا بأحرفٍ من نور على قلبه وعلى سائر أعضائه، ويمليه رباعيةً فارسية يأمره أن يكررها ما استطاع؛ ومعناها:
بدونك — أيها الحبيب — لا أذوق طعم الراحةوفضلك علي — أيها الحبيب — لا يمكن أن يُعد ولا يحصىلو أن كل شعرة من جسمي لسانٌ يذكركوكلها تنطق بآلاف الثناء عليك ما أديتُ حقك ثم يتدرج به شيخه في الإرشاد مِن تأمل وخلوة أحيانًا ونحو ذلك، حتى يصبح أكبر صوفي في عصره يُروى عنه الأدب الغزير في التصوف. فأصبح ابن سينا عَلَمًا في فلسفته، وأبو سعيد علمًا في تصوفه.
فيحكون أن القدَرَ جمع بينهما في نيسابور، فاجتمعا ثلاثة أيام بلياليها يتذاكرون ما وصلا إليه في فهم الحقيقة، ثم افترقا. فسأل تلاميذ ابن سينا أستاذهم عن رأيه في أبي سعيد، فقال ابن سينا: «إنَّ ما أعلمه أنا يراه هو!»
وسئل أبو سعيد عن رأيه في ابن سينا، فقال: «إن ما أراه أنا يعلمه هو!»
مهما شك المؤرخون في صحة هذه القصة فهي قصة ظريفة تمثل الواقع. هي الفرق بين الفيلسوف والصوفي، وهي الفرق بين العقل يُنمَّى والقلب يُغذَّى، بين العقل يتفلسف والقلب يتديَّن، بين ملَكتين في طبيعة الإنسان اتَّحَدَتْ غايتهما واختلفت طريقتهما: عقل يسير في طريق المنطق والمقدمات والنتائج، وقلبٌ يسير في طريق الحب. يقول ابن سينا: «أحيانًا كنت أتحيَّر في مسألة، ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في القياس»؛ وأبو سعيد كان يتحيَّر إذ يجد حرارة حبِّه قد فترتْ؛ ذاك يعمل العقلَ حتى يظفر بالحد الأوسط، وهذا يُرهف الشعور حتى تَتَّقِد حرارة حبه.
وكما تُمثل القصة ملكَتي النفس، فهي كذلك تمثل الناس؛ هذا رجل عقلٍ جاف نمَّى عقله حتى على حساب شعوره؛ وهذا رجل قلبٍ حار نمَّى قلبه حتى على حساب عقله، وقل من اعتدل.
ويعجبني اتفاقهما على تسمية إدراك العقل علمًا، وإدراك القلب رؤيةً. فالعقل يعلم عطف الأب على الابن ولكن قلب الأب يراه؛ والعقل يعلم أن هناك حبًّا ولكن القلب يراه.
إن الكون مملوء بتموُّجات دونها تموجات المحيط، ترى العين بعضَها ولا ترى بعضها، حتى مما يمكن أن يُرَى، فإذا زادت التموجاتُ أو قصرت عن حَدٍّ معلوم فلا يراها الإنسان، وقد يراها بعض الحيوان؛ وكذلك السمعُ والشم، وهناك تموجات يعلمها الإنسان ويراها الحيوان، فالنحل يرى يعسوبه إذا بَعْدَ عنه أميالًا، والإنسان قد يعلمه ولا يراه. والطيور الرحَّالة ترى أعشاشها على بعد آلاف الأميال، والإنسان لا يراها، والجمل يرى موضع الماء في الصحراء واتجاهه، وقد يعلم ذلك الإنسان ولا يراه. والنمل يشم السَّكر في الصيوان، والإنسان قد يعلمه ولا يشمُّه. والشيء قد يكون ظلامًا دامسًا لإنسان ونورًا ساطعًا لإنسانٍ فحقًّا ما قالاه من أن إنسانًا يعلم وإنسانًا يرى! وما العقل والإلهام، وما التفكير والشعر، وما الفن والخيال، وما الفلسفة والدين إلا جداول من ذلك المحيط، محيط الكون اللا متناهي، تدرِك بعض تموجاته. فضَلَّةً لرجال علم ينكرون وحيَ الدين، وضَلَّة لرجال دين ينكرون حقائق العلم.
لقد قال متصوف: «حقًّا حقًّا، إني لست شيئًا إلا فيضانًا مِن حب!» فقال عالم: «حقًّا حقًّا، إني لا أفهم لغتك، وما هي إلا هذر». وقال متصوف: «إني أنا الحق». فقال عالم: «لستُ الحق، ولكني باحثٌ عن الحق لأستخدمه في حياتي». أما أنا فإني أفهم المتصوفَ في حبه، والعالم في عمله، ولا أفهم إنكار أحدهما للآخر.
وكما تعددت الملكات في الإنسان الواحد واختلفت في القوة، وتعددت في الناس جملة واختلفت في القوة، كذلك اختلفت في البيئات، فاشتهر من قديمٍ إلهام الشرق، وعلم الغرب أو فلسفته؛ فمؤرخو الفلسفة يرون أنها ظلت عقليةً بحتة ما استقرت في بلاد اليونان، حتى إذا أتت الإسكندرية امتزجت روح اليونان بروح المشارقة، وكونت مزيجًا من عقل الأولين وإلهام الآخرين؛ وتعاونت الروح الشرقية — التي من خصائصها الطموح إلى ما وراء عالَم الشهادة، والروح الغربية التي من خصائصها التحليل والشرح وربط الأسباب بالمسببات — على إيجاد فلسفة دينية لا هي فلسفة محضة ولا هي دين خالص.
ثم إن الأديان الكبرى من برهمية وبوذية ويهودية ونصرانية وإسلام، نبعت من الشرق — من آسيا — ومنه انتشرت في أنحاء العالم، فما علة هذه الظاهرة؟
قرأت أخيرًا تعليلًا لكاتبٍ إنجليزي أقام طويلًا في الهند يجيب عن هذا السؤال فيقول: «إن الريح الباردة في الشمال، والسماء الدكناء والغيوم والأمطار لا تجذب إليها الإنسان ليكون خارج نفسه، بل تجعله ينكمش داخلها. إن كل عاصفة باردة، وكل مطر غزير، وكل يوم أدكن لا يذكِّره بنفسه، ولكن يذكره بجسده، فيجب أن يفكر في كيف يُدفأ، وكيف يغذَّى، وكيف يُؤوى، ولا ينسى أبدًا أن الجو الخارجي عدوَّه يخاف منه ويحتاط له. وحمله ذلك على أنه إذا أقام في مسكنه فأكره ما يكره أن يكون مع نفسه وحدها. وعزلة الإنسان وانفراد نفسه مع الطبيعة هي وحدها التي تجعله يسمع صوت الكون. إن الطبيعة لا تتكلم إلا همسًا، فيجب أن يسود حولها السكون التامُّ حتى توحي بأسرارها.
والأمر على عكس ذلك في الشرق، تمر الأسابيع والأشهر وربما نصف العام، والنهار كامل في نهاريته، والليل كامل في ليليته. وفي هذا الجو يستطيع أن يكون الإنسان مع نفسه وحدها، في هذه البيئة يستطيع أن يجد الصحراء العميقة في سكونها، والغابات التي لا حدَّ لها، ويستطيع أن يستغرق في سكونه وتأمله فينسى الناس، ولا يشعر إلا بنفسه في أحضان الطبيعة، في أحضان الله!
إنك في الشرق قليلة حاجاتك، لست في حاجة إلى نار للدفء، بل ولا في حاجةٍ ملحَّة إلى مسكن. وأي غذاءٍ يكفي، وأيُّ ملبس يكفي، ولست في قلق واضطراب وتفكير فيما تواجه به الريح الباردة والجو المظلم! يكفي أن يكون مأواك في النهار ظل شجرة، وفي الليل تسطع على رأسك النجوم بلألائها، لا تتصل بشيء إلا بالطبيعة. فإذا أنت أحببتها كما يجب أن تُحَب، وتعشَّقتها كما يجب أن تُعشق، وناغمتَها كما يجب أن تناغم، وأرسلتَ نفسك على سجيتها لتسبح في عجائبها ولا نهايتها، استطعت عندئذ فقط أن تستمع لموسيقاها الساحرة.
لهذا سطعت الأديان من أرض الشمس؛ لأن الضوء مصدر الإيمان.
فما لم ترَ الشرق لا تعرف ما العقيدة! واعتبر ذلك بما يلفت نظرك عندما تضع قدميك في الشرق. ما الذي يفجؤك؟ ما الذي تشعر أنه الشيء الفعال النفَّاذ في نفوس الناس؟ إنه الدين! إن الشرقي فخور بدينه، يحب أن يدل عليه حتى بمظهره: فهذا الهندوسي بشُعَبِهِ الثلاث التي على رأسه، وهذا المسلم بلحيته وعمامته أو نحو ذلك. هل رأيت إنجليزيًّا يصلي في الشارع؟ وإذا رأيته أفلا تلومه وتصيح فيه: «صلِّ في بيتك» وتعتقد أنه يعرض صلاحه وتقواه؟ ليس الأمر كذلك في الشرق، إن الشرقي يفعل ذلك ولا يرى فيه موضع مؤاخذة أو غرابة. إنك تركب القطار في الهند فترى هؤلاء الهنود من رجال ونساء وأطفال يتجمعون عند طلوع الشمس، فيحيُّونها ويُصلون لها، وهؤلاء المسلمون ينشرون ثيابهم على الأرض، ويتجهون نحو الكعبة، يصلون لله على ملأٍ من الناس، ويرون ذلك واجبهم؛ ذلك لأننا في الغرب لا نُدرك حقيقة إيمان الشرق! إن الشرقي يَعُدُّ الدين نفسه، ولا يَعُده الغربي كذلك — إن الغربي قد يُساكن آخرَ، ويصاحبه زمنًا طويلًا، ولا يسائله يومًا عن دينه، بل ولا يهمه ما دينه. ولكن الدين في الشرق أعزُّ شيء عند أهله.
وشيءٌ آخر بين الشرق والغرب، أن الدين في الغرب نُظِّم تنظيمًا دقيقًا كأنه حكومة، والكنيسة ورجال الدين يسيرون على نظامٍ محكمٍ وعلى رأسه البابا. أما في الشرق فليس هذا هو الشأن، فلا رئيس في الهندوكية؟ وخليفة المسلمين ليس له إلا سلطة اسمية، والدين — على العموم — في الشرق نفسي داخلي، وليس يحتاج إلى نظام ولا سلطان. فإذا شعر الشرقي بحاجة إلى الدين بحث عنه كما شاء، واعتنقه كما شاء، وأسس علاقته بربه كما شاء. إذا نظرت إلى الدين في الغرب رأيته كحديقةٍ خضعت للنظام، شُذِّبت أطرافها في دقة، وعُني بكل شيء فيها، ومُنع من السير على حشائشها؛ كلُّ شيء فيها بقانون ومنهج وقيود؛ لأن بذورها مجلوبة من الخارج فتحتاج إلى مجهود صناعي كبير. أما في الشرق فحديقة طبيعية تنمو أزهارُها المحلية كما تشاء، لا تحتاج إلى بستاني يرعاها ويُشذبها، وكل شيء فيها ينمو حسب قوته واستعداده الفطري من صغيره إلى كبيره.
لهذا كله كان الشرق مصدر الدين وملهمه».
? كُتبت في رمضان سنة ?????.
مستقبل الأدب العربي


?


يكاد يعم الناس شعورٌ بأن هذه الحرب — التي لم يكن لها مثيل في التاريخ — خاتمة مرحلةٍ من مراحل العالم، تبدأ بعدها مرحلة جديدة تخالف الأولى في نظمها وعقليتها ما إلى ذلك.
ومن أجل هذا أخذت كل شعبة تفكر في شأنها ومصيرها وتضع الخطط لمستقبلها، في السياسة والمال والنظم الاجتماعية، وعلاقات الأمم، وغيرها.
فلننظر — على نمطهم وعلى بدع العصر — في أدبنا العربي، ما مستقبله، وكيف ينبغي أن يكون، وأي طريق ينبغي أن يسلك؟
سؤال عسير ينبغي أن تتعاون في الإجابة عنه أقلام مفكري العرب وأدبائهم حتى يصلوا إلى منهج واضح ينفع الأدب في اتجاهه.
فأول واجب على الأدب العربي — في نظري — هو أن يتعرف الحياة الجديدة للأمم العربية ويقودها، ويجدُّ في إصلاح عيوبها، ويرسم لها مثلها الأعلى، ويستحثها للسير إليه.
وبعبارة أوضح: إن الأدب العربي إلى الآن تغلبُ عليه النزعة الفردية لا النزعة الاجتماعية. فالغزل والمديح والعتاب والرثاء والفخر والهجاء ونحوها كلها في الأدب القديم نزعاتٌ فردية طغت على الأدب العربي ولوَّنته اللون الذي نراه، بل وكذلك في العصور الحديثة تراجم الأفراد أو ترجمة الكاتب لنفسه أو تحليل الأديب لبعض الشخصيات أو روايات الغرام أو نحو ذلك كلها في نظري — أيضًا — من قبيل النزعات الفردية. وأرى أن الأدب العربي يجب أن يتجه من جديد — بقوة ووفرة — إلى النزعة الاجتماعية حتى يعوِّض ما فاته منها في عصوره المختلفة حتى عصره الحاضر.
للأدب منزعان ومنبعان: أدب ينبع من النزعة الفردية، والأدب العربي فيها غني قوي، وأدب ينبع من النزعة الاجتماعية، والأدب العربي فيها فقير ضعيف؛ ومستقبل الأمم العربية وحاضرها في أشد الاحتياج إلى الأدب الاجتماعي ينهض بها، ولكن ماذا أعني بالأدب الاجتماعي؟
أعني به — في الأدب العربي — نظر الأدباء إلى مجتمعهم الحاضر يشتقون منه رواياتهم وأقاصيصهم، وشعرهم، ومقالاتهم؛ ويصوغون منه فنونهم الأدبية.
إن مجتمعاتنا مملوءة بالشرور الاجتماعية من عيشة أكثر الناس عيشة تافهة سخيفة، وليس الناس هم المسئولين عن سوء وضعهم وسوء حياتهم بقدر ما هو مسئول عنها أولو أمرهم، والقابضون على زمام التصرف في شئونهم، فلاح بائس، وصانع مسكين، وزوجية تَعِسة، وفقر ومرض، واستعدادات ضائعة، وكفايات لا تجد من يوجهها، وأطفال لا تجد من يربيها، وأغلبية لا تجد ضرورات العيش، ونفوس مستعدة لا تجد من يرقيها، وعقول صالحة لا تجد من يفتِّحها، ومئات ومئات أمثال هذه المآسي تنتظر من الأدب أن يعالجها ويشرحها ويُحللها، ولا يقتصر على إجادة وصف ما هو كائن بل يرسم ما ينبغي أن يكون في روايته التي يضعها، وشعره الذي يصوغه، وقَصصه الذي يحكيه، ومقالاته الفنية التي يحررها، ولا يكون ذلك حتى يخرج الأديب عن عزلته وينغمس في الحياة الواقعية ويكتوي بنارها. وعلى الجملة يصبح عندنا أدباء هم قادة الرأي العام يبصِّرونه بموقفه ويُطلعونه على مزاياه وعيوبه، ويحركونه لغرض نبيل يتسامى إليه — بل هم إذ ذاك يكونون خيرًا من المصلحين الاجتماعيين العلميِّين؛ لأن هؤلاء علماء يبحثون عن الحقائق، والأدباء فوق ذلك يُلهبون بفنهم العواطف، ففائدتهم أقوى وأثرهم أبلغ بما يبعثون من حرارة الفن، وتهييج النفوس للخلاص من الشر والوصول السريع إلى الخير. إنهم يثيرون عاطفة الكراهية للموجود، وعاطفة الطموح للكمال، وهم بذلك يُضيئون للناس حياتهم التعسة التي يعيشونها، وينيرون السبيل لحياة أسمى يعملون للوصول إليها.
وهذا النوع من الأدب — ما دام الغرض منه الإصلاح الاجتماعي، وقيادة الرأي العام وتنبيهه — يجب أن يكون أسلوبه سهلًا واضحًا جميلًا جهد الطاقة؛ لأنه لا يؤدي رسالته حتى يصل إلى آذان أكبر عدد ممكن في الهيئة الاجتماعية، فإذا تأنقنا في أسلوبه وملأناه بالمحسنات الفنية، وعلونا في التعبير، انقلب الغرض من إصلاح شعوب والأمم إلى إصلاح عدد قليل من الطبقات الممتازة فقط. على أن القطعة الفنية في الأدب متى كان لها موضوع، وكان لها قضية تكشفها وتؤيدها وتدعو إليها استغنت عن كثير من التجميل الأدبي، والغلو في الاستعارات والكنايات والمجازات، فإن هذه أشد ما يُحتاج إليها عند خلو الكلام من موضوعٍ قيِّم، أو أفكار قويمة سليمة.
ولست أريد أن أقول: إن كل أدب عربي سيتجه في المستقبل هذا الاتجاه، أو أنه ينبغي أن يتّجهه فقط. فلست أُنكر قيمة أنواع الأدب الأخرى من شعر غنائي أو قصص تحليلي أو فن للفن أو نحو ذلك، وإنما أريد أن أقول: إن الأدب الاجتماعي يجب أن يكمل في الأدب العربي بقوة وغزارة؛ لأن موقف الأمم العربية في الحاضر والمستقبل أشد حاجة إليه من أنواع الآداب الأخرى.
أطمح أن يكون لنا في الأدب العربي أمثال برنارد شو في الأدب الإنجليزي وأناتول فرانس في الأدب الفرنسي وتولستوي في الأدب الروسي، وأمثالهم ممن وقفوا أدبهم على خدمة المجتمع وإشعاره بعيوبه واستشارته إلى التسامي.
وهذا هو الأدب الأمريكي يحمل لواءه اليوم رجال مارسوا الحياة العملية في شتى شئونها ثم لم يكتبوا في خيال وأوهام وأحلام، إنما يكتبون أكثر ما يكتبون في مشكلاتهم الحالية ومسائلهم اليومية وحياتهم الاجتماعية، وأكثر هؤلاء لا يستوحون أساطير اليونان والرومان، وإنما يستوحون مجتمعهم وما فيه وما يصبو إليه. فللأديب العربي أن يستوحي امرأ القيس، أو شهر زاد، ولكن يجب أن يون ذلك نوعًا من الأدب لا كل نوع ولا هو النوع الغالب ولا هو الأرقى.
والذي أوقع الأدب العربي في هذا النقص أن الأدب ظِلٌّ من ظلال الحالة الاجتماعية، وللبيئة أثر كبير في تكوينه، والأمم العربية قضت عهدًا طويلًا في دور قَوِيَ فيه الوعي الفردي، ولم يقوَ فيه الوعي الاجتماعي، شأن الأمم كلها. ولكن الأمم الحية قطعت هذا الدور، وتعلمت الوعي الاجتماعي، والأمم العربية لا يزال الوعي الاجتماعي فيها في حالة التكون لم ينمُ ولم يقوَ، ومظهر الوعي الاجتماعي نجاح الجمعيات والنقابات والشركات والمؤسسات التي تنشأ من التبرعات ونحو ذلك؛ فالوعي الاجتماعي يكون حيث يكون شعور أفراد الأمة بعلاقاتهم وخيرهم واتجاه تفكيرهم وإرادتهم لخير المجتمع بجانب الشعور والتفكير والإرادة في أشخاصهم، فإذا بدأ هذا الوعي الاجتماعي رأيتَ للأمة عاداتٍ وتقاليد وعرفًا تراعي فيها مصلحة المجموع أكثر مما تراعي مصلحة الفرد، ورأيت للفرد عواطف نحو أمته كعواطفه نحو ذاته، فهو يُسَرُّ للخير يأتيه، ويتحمس للعمل ينفعه، ويألم من الشر يحيق به، فكذلك تكون عواطفه نحو أمته؛ وإذ ذاك يكون في الأمة قانون غير مكتوب ولكنه يُراعى أشد المراعاة: في الاحتفالات والاجتماعات وفي مآسي الأمة ومسراتها، وفي حروبها، وفي شدائدها. وإذا نما الوعي الاجتماعي ظهر أثره في نجاح المشروعات الاقتصادية في الأمة، وفي نظم الأحزاب السياسية، وفي النقابات الزراعية، والهيئات التعليمية، وما إلى ذلك.
وتاريخ الوعي الاجتماعي في الأمة يرجع إلى وجود أفراد سبقوا زمنهم وكانوا قدوةً لأمتهم، فشعروا بمجتمعهم شعورَهم بذاتهم، وكانوا المثلَ الذي قُلِّد، والقدوة التي اتُّبعت، ثم انتشر تقليدهم حتى كان من ذلك رأيٌ عام واعٍ وعيًا اجتماعيًّا، يغضب للظلم، ويتحمس للعدالة، ويتغنى بالحرية، ويألم للفقر، ويغار على كل ما يمس أمته، ويخصص كل فرد جزءًا من حياته لعملٍ اجتماعي، وهكذا. ويقوم الرأي العام في المحافظة على العادات الطيبة، والعواطف النبيلة مقام الجيش والبوليس للحكومة.
وفي طبيعة كل إنسان وعيٌ لذاته وشخصه، ووعي لمجتمعه، ولكن في الأمم البدائية ينمو الأول ويضعف الثاني، لأسباب كثيرة: في الأمم البدائية تصدر حتى الأعمال الخيرية ملاحظًا فيها الفرد نفسه؛ فالإحسان لدفع ألمه، أو لشهرته أو لذكر اسمه في الجرائد، أو لتكفير سيئاته، وفي الأمم الراقية الإحسان لإنهاض الفقير، وتخفيف الويل عن المجتمع، وفي الأمم الحية يشعر الماشي في الشارع أن الشارع له وللناس، والسينما له وللناس، وخيرات البلد له وللناس، والأعباء لا بد أن يحمل منها ما يستطيع كما يحمل الناس، ويلوَّن بذلك تصرفاته وأعماله.
لست أريد الدخول في التفضيل بين الوعي الفردي والوعي الاجتماعي، وإنما يكفيني هذا القدر لبيان أن الأدب ظلٌّ لحياة الأمة في هذا الباب، فإذا طغى الوعي الفردي في أمة كان الأدباء من هذا القبيل هم صدى للنزعات الفردية والوعي الفردي فقط إلا القليل النادر، فنتاجهم الأدبي غزل وحبٌّ وغرام وروايات لتحليل أنفسهم أو لتحليل بعض الشخصيات، أو قِطع فنية لإثارة الشهوة الجنسية، وحتى باب الأدب نفسه يرجع في الأغلب إلى نصح الإنسان بصلاحيته كفرد لا كعضو في مجتمع. وهذا مع الأسف هو الأدب العربي في عصورٍ طويلة إلى الآن تقريبًا.
بل أبو العلاء المعري نفسه، وهو أكبر شاعر عربي نظر في شعره إلى المجتمع وأبان سيئاته، قد أفلح في مقدماته ولكنه لم يوفَّق إلى النتيجة كما نرجو الآن. فقد نجح في وصف سيئات المجتمع من ظلم الحكام، وفساد المرأة، وفساد رجال الدين ونحو ذلك، ولكنه شرح ذلك ليخلص منه إلى أن المجتمع لا يصلح للبقاء ولا يصلح لمثل أبي العلاء لأن ينغمس فيه. يقول أبو العلاء:
يَسوسون الأمورَ بغير عقلٍفينفُذ أمرُهم ويقال: ساسَهْفأفَّ مِن الحياة وأفَّ منِّيومِن زمنٍ رياستُه خساسَهْ فالمقدمة بديعة لطيفة وإن كانت في حاجة إلى البسط، والنتيجة ليست هي التي نريد، فهي نتيجة يائسة. وإنما الذي نريده أن يشرح هذه العيوب للدعوة إلى إصلاحها، وإثارة النفوس للتخلص منها وإحلال المُثل الطيبة محلَّها. نريد من الأديب إذا ألَّف مأساة «تراجيديا» ألَّا يقصد إلى شرحها وتحليلها فقط، ولكنه يُبين مسئولية المجتمع فيها ويَحمل النفوس على الثورة للخلاص منها، وإذا ألَّف ملهاة «كوميديا» ألَّا يقصد إلى استخراج الضحك فقط من الممثَّل؛ ولكن ليستثير السخرية على من كانوا السبب فيها حتى لا تعود إلى الحياة، وهكذا. وهناك أدباء من هذا القبيل تقرؤهم فتشعر أن عقلك اتسع، وعواطفك سمت، ومشاعرك بالإعجاب من الحسن أو الكراهية للقبح حميت وتحمست، وهذا ما نحن في حاجة إليه.
إن الأمم الشرقية في بدء عهدها بالوعي الاجتماعي؛ فيجب أن يكون لها أدباء يدفعون هذا الوعي إلى الأمام حتى يكمل وينضج، وهذا ما أتوقعه في الأدب العربي القريب. إن الأديب من هذا الطراز رسول أمته وهاديها إلى الخير، وراسم أغراضها في الحياة، يدرك الحقائق قبل أن يدركها الناس، ويشعر بها قبل أن يشعر بها الناس، ثم يحرك عقولهم لإدراكها، وعواطفهم للتحمس للعمل بها، يشعر من أعماق نفسه أن له رسالة أن يرفع مستوى الناس ويدفعهم إلى حياةٍ أسعد وعيشٍ أصلح، يجمع بين السموِّ الخلقي، والسموِّ الفني، ثم يُسخِّر فنه لخدمة ما يصبو إليه لقومه.
إذا تحقق هذا في مستقبل الأدب العربي اعتدل مِزاجه وكملَ نقصه، وجاوب ما في الطبيعة البشرية من حب الذات وحب النوع معًا.
?


هناك تفاعل تام بين الحالة الاجتماعية لكل أمة وأدبها، فالأدباء في كل زمان ومكان يؤثِّرون في مجتمعهم ويتأثرون به، وميزتهم على غيرهم أن لديهم نوعًا من الإلهام يُدركون به شعور الناس وهو في طور تكوُّنه، وفي حالة غموضه، فيعبرون عنه تعبيرًا يكشفه ويجلِّيه فيتقبله الناس على أنه جديد وليس جديدًا، وإنما كان كامنًا في نفوسهم، ولولا ذلك ما استجابوا له؛ ولذلك كان الأديب أو المصلح إذا سبق زمانه بمراحل لم يُسمَع لقوله، ويدخر الزمان تعاليمه حتى يستعدَّ لها الناس.
والأمم العربية الآن في حالة تكوُّن جديد، بسبب ما ظهر لعيونهم من عهدٍ ماضٍ مملوء بالظلم والاستبداد والاستغلال، والجهل والفقر، وبسبب ما رأوا من أمم معاصرة تحيا خيرًا من حياتهم، وتنعم حيث يشقون، وتعلم حيث يجهلون، بل رأوا غيرهم ينعم بخيراتهم ويستغل غفلتهم وجهلهم، ويستخدم عمله ويقظته في امتصاص ثروتهم، فلما بدأوا يشعرون بذلك كله بدأوا يطمحون إلى حياة أسعد من حياتهم، وينفضون عنهم غبار جهلهم وخمولهم، ويُعدُّون العدة للسير على منهج من سبقهم؛ وهذا — بالضبط — هو الزمن الذي يتمخض فيه — عادةً — عن مصلحين تتبلور فيهم آمال الأمة، وأدباء يَحدون لهم ليجدُّوا في سيرهم، ومغنِّين يغنُّون لهم بآمالهم، وفنانين يرسمون لهم مطامح نفوسهم.
ومن أجل هذا أتوقع أن تتمخض الحركة الأدبية العربية والحركات الفنية عن حَمَلة اللواء لهذه الشعوب، فالرواية والشعر والقصص والمقالة والتمثيل والغناء والنحت والتصوير والرسم كلها تُثير مشاعر الشعوب الغامضة، وتثير العواطف الهائمة ضد الظلم وضد الفقر وضد البُؤس، وهذا لونها الحزين، ثم من وجهٍ آخر تبعث الأمل وتدفع للعمل، وتبشر بالفوز، وتؤمل في الإصلاح، وهذا لونها البهيج.
لست أتوقع — ولا من الخير أن أتوقع — أن يُقضى على أدبنا الحالي الذي يخدم المشاعر الفردية من غرام وشهوات جنسية، وتحدُّث عن النفس ونحو ذلك، فالأمم التي سبقتنا لم يخمد فيها هذا الأدب، بل هو لا بد منه في كل زمان ومكان، ولكن وُجد بجانبه الأدب الاجتماعي الذي يخدم المصالح العامة، فكان من هذا وذاك جوقة كاملة منسجمة تجاوب نوازع النفوس المختلفة.
إن في كل أدب وفنٍّ الوضيعَ والسامي، وأسمَى الأدب ما يُصلح حياة الناس ويُغنيها، وخير كتابٍ أدبيٍّ ما إذا قرأته تلذذت من فنه، ثم بعثك بفنه ومعانيه على أن تكون خيرًا مما أنت، بإثارة عاطفة الرحمة أو الشفقة عندك، أو عاطفة الجمال في الذات والمعنى والطبيعة، أو بإفهامك طبائع الناس كما هي، أو إعجابك بالخير وكرهك للشر، أو إضاءة أي جانب من جوانب الحياة، أو أي قانون من قوانين الإنسانية، أو تهييج ضميرك ليُحق الحق ويُبطل الباطل، أو باستصراخك لنصرة العدل ومحاربة الظلم، أو نحو ذلك فإن هو أثار عندك وعكسَ هذه المعاني، فهو الأدب الوضيع من وجهة النظر الاجتماعي مهما جاد فنه.
والأدباء من هذا القبيل يُحركهم نُبل الغرض أكثر مما تحركهم المادة، ويُنتجون إجابةً لداعي النفس أكثر مما ينتجون للتجارة، ويشعرون بأنهم يتنفَّسون بفنهم فإذا سكتوا اختنقوا.
لقد ثار الجدل عند الأدباء الغربيين حول الكتابة للمبدأ والكتابة للعيش، فكان يرى بعضهم أن الأدب الذي يستحق أن يُسمَّى أدبًا حقًّا ما غمر الكاتب شعورًا باللذة لكتابته، لا ما كان سدًّا لحاجة، أو ملأً لخانة، ولا ما حُمل الكاتب على كتابته حَملًا؛ لأن الأدب الحق وحيٌ، والوحي لا يمكن القبض عليه وتحويله حيثما أراد الموحَى إليه، ليس هو كرةً تُدار، ولكن صوتًا عميقًا من النفوس يُسمع فيطاع.
ولكن ربما عُدَّ هذا غلوًّا في الرأي، فكثير من الآثار الأدبية القيِّمة أُلفت تحت ضغط الحاجة إلى المال، وبعض الأدباء ما كانوا ينتجون ما أنتجوا لولا بؤسهم المالي.
ومع هذا فمما لا شك فيه أن نوع الأدب الذي وصفناه بالسمو والرفعة لا يصدر إلا عن شعور نبيل الغرض، ودافعٍ من حب خير الإنسانية؛ لأن النوع الأول — وهو ما يُكتب تحت الضغط المالي — خاضع لتحكُّم تجار الكتب وأصحاب المجلات في نظرهم إلى ما يروج وما لا يروج، وخاضع لمسايرة الجمهور في ذوقهم وتملقهم، والضرب على الأوتار التي يحبونها وتقديم الغذاء الذي يشتهونه، ولو كان فيه السم الزعاف.
أما الكاتب الملهَم، الكاتب الذي يتنفس بأدبه، الكاتب الذي يكتب تحقيقًا لغرض نبيل عنده، فينتج ما ينتج رضيَ ناشرُ الكتاب أو لم يرضَ، أعجب الجمهور أو لم يعجب، بل كثيرًا ما يدفعه نبل غرضه أن يصبَّ غضبه على الجمهور لغفلته وغباوته، ولو أدَّى ذلك إلى رميه بالحجارة، واتهامه بالخيانة؛ لأنه يريد أن يسيِّر الجمهور لا أن يُسيِّره الجمهور، ويريد أن يجرِّعه الدواء ولو مرًّا لا الحلو ولو سُمًّا، ويريد أن يكون قائدًا للعامة لا مقودًا بشهوات العامة.
ومن أجل هذا أتوقع متى نما هذا النوع الرفيع من الأدب أن تتبدل هذه النغمة الصارخة في أدبنا، وهي نغمةُ تملق الجماهير، وتملق الشباب، وتملق الشهوات الجنسية، فنسمع أصواتًا تنقد النقد الحر الجريء، ولو أدى بصاحبه إلى البغض والكراهية والاضطهاد. إن الناس ألفوا أن يروا صورة ضيقٍ نظرهم، وسعة شهواتهم، وقداسة تقاليدهم، معكوسة على النتاج الأدبي، فإذا لم يجدوها عند الكاتب كرهته العامة ولم يقدره إلا الخاصة، وقليل ما هم. كم في حياة الأمم العربية من عيوب لا تُصلحها حلاوة السكر، ولا مرارة الصَّبر، ولا يصلحها الملق، ولكن تصلحها الصرخة القاسية؛ وهذا لا يكون حتى يكون الأديب مؤمنًا بعقيدته، مؤمنًا بغرضه، يفضِّل الفقر مع المبدأ على الغنى مع الملق، وهو ما أرجو أن يكون.
•••

ثم أتوقع أن يستمر الأدب العربي في نموِّه من الناحية التحليلية، تحليل الأشخاص وتحليل الظواهر الاجتماعية وتحليل العواطف الإنسانية، وهكذا؛ ذلك لأن الأدب العربي كان إلى عهدٍ قريب تغلُب فيه النزعة التركيبية من أمثال الأمثال، والحِكَم، والتوقيعات، والرسائل الموجزة، مما تصح كل جملة منها لو حُللت أن تكون كتابًا؛ فلما اتصل الأدب العربي بالأدب الغربي تأثر من هذه الناحية، فدخلت فيه النزعة التحليلية إلى حدٍّ ما، وكل المظاهر تدل على أنها ستنمو فيكمل فيه النوعان: النوع التركيبي والنوع التحليلي، كما سينضج فيه النوعان: النوع الفردي والنوع الاجتماعي.
فأغنى الأدب في نظري ما كملت فيه النزعتان الفردية والاجتماعية، واستوت له الناحيتان التحليلية والتركيبية. والأدب العربي غزير فياض في الناحية التركيبية والفردية، متخلف في ناحيته التحليلية والاجتماعية، وهذا صدى لنوع البيئة الاجتماعية التي كان يحياها العرب، فإذا تغيرت — وهو ما نحن مشرفون عليه — تلوَّن الأدب بلونها، وغنَّى الغناء الذي يتفق ومشاعرها.
•••

وناحية أخرى سيتجه إليها الأدب العربي لا محالة، وهي «أدب الطبيعة»، فكم في بقاع الأمم العربية من بحار وأنهار، وأزهار، وجبال، ووديان، وحقول، ونحو ذلك من مناظر فاتنة تنتظر من يتغنَّى بها! وذلك يكون حيث ينمو الشعور بالجمال في هذه الأمم، وقد عاقها في الماضي والحاضر عن هذا بؤسها وفقرها، ووقوعها تحت نير الظلم والاستبداد؛ ومَن عَدِمَ القوت نظر إلى الرغيف ولم ينظر إلى باقة الزهر، ومَن قُيِّد القيد الثقيل طمح إلى فك أغلاله قبل أن ينظر إلى العالم وجماله. فما تُقدم عليه الأمم العربية من نعيمٍ بخيراتها، واستردادٍ لحرياتها، ونظر صادق لمعالجة شئونها، سيرفع مستواها، سواء في ذلك حالتها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، ونتيجة هذا أن يجعلها تفكر في المعاني، وتسمو إلى الاستمتاع بالجمال، فيُدرك الأدباء بإلهامهم — الذي يسبق الزمن بعض خطوات — أن الأمة تتطلع إلى أناشيد الجمال، وتطمح إلى من ينشد قصائد التغني بجمال الطبيعة في شتى نواحيها، فيغنُّون والناس تتغنى بأغانيهم، وتردِّد أناشيدهم لأنها تجاوب مشاعرهم.
نعم، إن في الأدب العربي كثيرًا من شعر الطبيعة من عهد امرئ القيس إلى اليوم، ولكني أتطلع إلى نوع جديد في أدب الطبيعة. إن شعر الطبيعة في الأدب العربي أفسد كثيرًا منه الفن الصناعي، وفهم الشعراء أنهم كلما أجادوا التشبيه والاستعارة أجادوا شعر الطبيعة، من مثل قول الشاعر:
ولاحَ هلالٌ مثلُ نونٍ أجادَهابجارِي النضارِ الكاتبُ ابن هلال وقول الآخر:
وردٌ بدا يَحكي الخدودَ، ونرجسيحكي العيونَ إذا رأت أحبابَهاونبات باقلَّاء يُشبه نَوْرُهبُلقَ الحمام مُشيلةً أذنابَها وقوله:
وكأنما البِرَكُ الملاءُ تحُفُّهاألوانُ ذاك الروضِ والزَّهربسطٌ مِن الديباج بيضٌ فُرْوِزَتْأطرافها بفراوزٍ خضرِ وكثيرٌ من أمثال هذا، فهذا ما لا أريده ولا أتمناه، ولا أعُدُّه إلا نوعًا من البهلوانات التي تأخذ العين ولا شيء وراءها. إنما أريد بأدب الطبيعة أحد أدبين: أدب يفنى فيه الأديب في الطبيعة كما يفنى الصوفي فيها، ويذوب كما يذوب السكر في الماء، فيتناغم هو والطبيعة، وتنسجم نبضات قلبه بنبضاتها، ويشعر أنه هو وهي شيء واحد، وينتشي من ذلك نشوةً دونها نشوة الخمر والوصال، فإذا انتشى غنَّى بجمالها فمسَّ روحَك وأعداك بنَشوته، وشعرتَ بأنه يجذبك إلى الجمال، حتى تُحسَّ ما يحس، وأنه أثر فيك بروحه وفنائه أكثر مما أثر بلفظه وتشبيهاته ومجازه، وهذا النوع من الأدباء يتطلب فناؤهم وذوبانهم الميل — أكثر ما يكون — إلى الجمال الواسع — إن صح هذا التعبير — كجمال البحار والصحراء والسماء والحقول الفسيحة ونحو ذلك؛ لأنها أقدر بسعتها على امتصاص نفوسهم الواسعة، أو أديب يتشرب الطبيعة لا تتشرَّبه الطبيعة، فهو يحتفظ بشخصيته، ولكن يحققها ويوسعها بالطبيعة يتنسم جمالها، وهؤلاء أَمْيَلُ إلى الجمال المحدود كجمال الزهرة وجمال الصورة وجمال جدول الماء، وهم لاحتفاظهم بشخصيتهم يُفضلون ما يذوب فيها على ما يذوبون هم فيه، بل قد يشعرون بالضيق للجمال الواسع؛ لأن شخصيتهم تتضاءل أمامه، وتصغر بجانبه، وقد يرون فيه الجلال لا الجمال؛ وعلى كل حال فإذا تذوَّقوا هذا الجمال المحدود ومزجوه بأنفسهم، ووسعوا به مشاعرهم، أخرجوه بروحهم وفنهم أدبًا جميلًا حيًّا يُحيي مَن سمعه.
وسواءٌ هذا النوع أو ذاك، فكلاهما يرفع مستوى الشعوب، ويرقِّي شعورها بالجمال، ويكون لذلك أثرُه الكبير في رقيِّ الخلُق ورقي الحياة الاجتماعية. بل إذا ذاك يدركون أن الكذب والظلم والجبن قبيحة قبحَ المناظر المؤذية، والصدق والعدل والشجاعة جميلةٌ جمال الأزهار والبحار والأنهار والنجوم، فيتعاون الشعور بالجمال والقبح مع إدراك المنفعة والمضرة، وفي هذا ما يرفع الأمة درجات.
كم في الشعوب العربية مَن يزور مغاني الجمال فيستمتع بها، ومن يخرج إلى البساتين في الربيع فيهتز قلبه لها، ومن يُرتِّب في بيته الزهَّارَ كما يرتب الخبَّاز واللبَّان، ومن يهمُّه جمال بيته كما يهمه همُّ بطنه؟ إن جمال الشرق وفير متنوع، ولكنه لا يجد العين التي تنظره، والروح التي تتفتح له. ولا يفتح العين ويفتح القلب إلا أدباء ملهمون يقفون الناس على سر الجمال، ويهزُّون نفوسهم لتذوُّقه.
?


يعاني الأدب العربي الآن مشكلةً من أكبر المشاكل، وهو أنه أدب الخاصة لا العامة، وليس للعامة أدب. ونحن إذا أردنا أن ننهض بالشعوب العربية وجب أن يصل صوت أدبها إلى خاصتها وعامتها معًا؛ فالعامة هم السواد الأعظم في الشعوب، وهم المقياس الحقيقي لرقي الأمة وانحطاطها. فالفلاح في القرى المصرية الذي يكوِّن نحو ثمانين في المائة من مجموع الشعب هو الذي يمثل مصر، لا الشاب الذي أخذ درجة من جامعة مصرية ثم أتمَّ دروسه في أوروبا أو أمريكا، وكوخ الفلاح هو الذي يمثل البيت المصري لا القصر الجميل على ضفاف النيل، وشوارع القرية هي التي تمثل شوارع مصر لا شارع الهرم، وهكذا. فإذا أردنا النهوض الحقيقي للأمم العربية، فليكن جُلُّ اهتمامنا بالسواد الأعظم من العامة لا بالطبقات الخاصة وحدها. إذا أردت تحسين العقلية المصرية أو الشامية أو العراقية فوجِّه أكبر همك إلى تحسين عقلية الفلاح والعامل، ولا تقتصر على العدد المحدود من طلبة المدارس، وهكذا في الشئون المالية والاجتماعية. وإذا أردتَ وضع «ميزانية» عادلة للشعب فاحسب حسابَ ما ينال العامة منها وما ينال الخاصة، فإن كان ينال الخاصة أكبر قسط فيها أو نصفها، فهي ميزانية أرستقراطية جائرة، وهكذا.
إن من حق العامة أن يستمتعوا بالأدب كما يستمتع الخاصة، وأن يكون لهم أدبٌ يناسبهم كما للخاصة أدبٌ يناسبهم، وأن يكون في أدبهم ما يغذي عقولهم، ويرفع مستواهم، كما يكون فيه ما يتذوقون معه الفن الجميل — هذا من حقهم على الدولة كحقهم في الماء النظيف يشربونه، والصحة يُعنى بها، وضرورات الحياة تُوفَّر لهم، لم يكن للعامة أدب، فهُم والحيوان سواء. والأمة تجني من هذا الجهل وعدم تذوق الأدب الصابَ والعلقمَ مِن كثرة الجرائم وانتشار التخريف، وعدم الشعور بالظلم، واستغلال أرباب رءوس الأموال لهم، وهكذا.
والأمم العربية في أسوأ موقف من هذه الناحية. فالكتب، والمجلات، والصحف — وهي الأدب بالمعنى الواسع — ليست إلا للخاصة، ولا شيء منها للعامة، ومعنى ذلك أن الخاصة هم الذين يتغذَّوْنَ عقليًّا ونفسيًّا، والسواد الأعظم حُرِم ضرورات العيش، وحُرم أيضًا ضرورة العقل والعاطفة وهو الغذاء الأدبي، فأصيب «بالأنيميا» الجسمية والعقلية والعاطفية معًا.
وكَمِ الخاصة وكم العامة؟
إن الكتاب في العالم العربي يُطبع منه الألف والألفان، وقلَّما طُبع منه عشرة آلاف، والمجلات والجرائد مهما راجت لا تطبع إلا خمسين ألفًا أو ستين ألفًا، مهما كان أدبها ولغتها متواضعين، ومعنى ذلك أن القراء الذين يتغذون بالكتب والمجلات والصحف لا يتجاوزون مائتي ألف، إذا حسبنا أن الكتاب أو المجلة يقرؤها أكثر من واحد، بل ضاعِف هذا العدد إن شئتَ مرة واثنتين وثلاثًا، وانظر نسبته إلى نحو سبعين مليونًا يتكلمون العربية في الأقطار الشرقية، فمعنى هذا أن تسعةً وستين مليونًا فأكثر من الشعوب العربية لا يتغذون غذاءً عقليًّا بالكتب والمجلات، ولا يصل إليهم شيء من الأدب في قليل ولا كثير.
وهذه النتيجة مرعبة مفزعة، وهي المقياس الحقيقي للشعوب، وليس هناك أمة حية على وجه الأرض الآن تشقى نصف هذا الشقاء ولا رُبعه؛ فالروايات والكتب الأدبية المناسبة تصل إلى آذان الفلاح في حقله، والصانع في مصنعه.
وسبب هذه المصيبة العظمى في الأمم العربية شيئان هامًّان: الأول: الأُمِّيَّة الفاشية، فلا تزال نسبتها في الأمم العربية كبيرة جدًّا بالنسبة للمتعلمين.
وحركة انتشار التعليم والتغلب على الأمية — مع ما بُذل فيهما من جهد — ضعيفة بطيئة. وليس ينجينا من الأمية السيرُ المعتدل الرزين، وإنما الثورة العنيفة على الجهل وعلى الأمية، وحشد كل القوى المتعلمة في الأمة مع إمدادها بكل ما نستطيع من مال لهذه الحرب الشعواء، أما السير الحكيم فلا يمحو الأمية إلا بعد مئات السنين، والعالَمُ لا ينتظرنا لينعمَ بمنظر سَيرنا الوقور.
والسبب الثاني: أن لكل أمة عربية لغتين: لغة للكتابة والقراءة والتأليف في العلوم والآداب، ولغة للكلام في الشارع والمنزل والتعامل، وأن الفرق بين اللغتين كبير، وهذا عائق قوي عن تقدم الشعوب العربية وثقافتها — نعم إن كثيرًا من الأمم كإنجلترا وفرنسا وأمريكا لها جُمَل وتعبيرات وكلمات عامية وأخرى فصيحة، ولكن الفرق بينهما ليس كالفرق بين لغتنا العامية ولغتنا الفصحى، فلو أنك قرأت كتابًا أو رواية بالإنجليزية على فلَّاح أو صانع وكان موضوعُ الكتاب يتناسب وعقليته، أمكنه أن يفهمه في سهولة، ويشعر أن ليس هناك فرقٌ كبير بين ما يتكلم وما يقرأ ويسمع، وهكذا الشأن في الفرنسي والأمريكي وليس كذلك عند العربي.
وقد أنتج هذا الفرقُ الكبير بين العامية والعربية الفصحى نتائج سيئة جدًّا، منها صعوبة نشر التعليم في أوساط كثيرة واسعة، ولا يكون هذا إلا إذا تقاربت اللغتان، ومنها حرمان العامة من تذوق النتاج الأدبي العربي، ومنها أن ما يكتب باللغة العربية الفصحى نفسه في الموضوعات التي تمسُّ الحياة الواقعية ليس فيه الحياة التامة؛ لأن استعمال الكلمات والجُمل في الشارع والمنزل يُضفي على اللغة نوعًا من الحياة لا تستفيده إذا عاشت بمعزل عن الاستعمال اليومي، فلكل كلمةٍ وكل جملة تُستعمل على الألسنة هالةٌ غير المعاني المكتوبة في المعاجم، فإذا قُصرت على التفاهم بين الخاصة لم يكن لها هذه الهالة.
وأهم فرق بين اللغة العامية واللغة الفصحى، وأهم صعوبة في انتشار اللغة الفصحى — في نظري — الإعراب. لقد فشلنا في تعليمه حتى للخاصة والمثقفين، فهذا متخرِّج الجامعة قد صرف تسعَ سنوات على الأقل في المدارس الابتدائية والثانوية يتعلم النحو، ثم عددًا من السنين في الجامعة، ومع ذلك قلَّ جدًّا من يستطيع أن يكتب صفحة خالية من الخطأ النحوي — ومثلهم المثقفون ثقافةً عامة ومن قرأوا لأنفسهم كثيرًا وكتبوا كثيرًا، فكيف نطمع أن نصل إلى نتيجة باهرة إذا أردنا نشر تعليم اللغة العربية في أوساط العامة، وكيف نلزمهم أن ينصبوا الجمع المؤنث السالم بالكسر، ويجرُّوا الممنوع من الصرف بالفتح ونحو ذلك؟ إذا كلفناهم ذلك فقد كلفناهم شططًا، وكانت النتيجة لا محالة الفشل في تعميم التعليم. إن ذلك قد صعبَ على الخاصة فكيف بالعامة!!
هذا أهم عائق يحول دون تعميم التعليم، ودون فهم العامة للأدب العربي. فما الحل؟ إني أرى رأيًا أعرضه على أولي الرأي للتفكير فيه وتقليبه على وجوهه المختلفة، وهو اصطناع لغةٍ عربية خالية من الإعراب، وخالية من الألفاظ الضخمة، ومستعملة للكلمات العامية التي هي أيضًا عربية ومجردة من خرفشة اللغة العامية. فنقول: «لا أحب» بدل «ما أحبِّش»، و«سأعمَل» بدل «حاعمِل» وأسكّن آخر الكلمات كلها من غير إعراب، فأقول: «محمد شارك علي في التجارة»، ونحو ذلك.
وهذه اللغة التي هي وسط بين العامية والفصحى هي التي يجب أن نعتمد عليها في نشر التعليم بين العامة، ويكتب بها بعض الأدباء رواياتهم، ويؤلف بها بعض المؤلفين الكتب الشعبية، ويتحدَّث بها المتحدثون في الراديو، والخطباء في خطبهم الشعبية، وهكذا.
بذلك نستطيع أن نقارب بين العامية والفصحى، وبذلك نستطيع أن نسهِّل تعليم العربية، وبذلك نستطيع أن نوصِّل الأدب العربي إلى سواد الناس، ولتبقَ اللغةُ العربية الفصحى لغةَ الخاصة يكتبون بها للمتخصصين، ويقرءون بها التراث القديم، وينتفعون به، وينقلون منه ما شاءوا إلى اللغة الجديدة لنفع الجمهور، وستكون هذه اللغة الجديدة صالحةً لأن يصاغ بها الفن الأدبي على أشكاله وأنواعه. فاللغة العامية — على سوء ما فيها — استطاعت أن تخرج الزجل الجميل والروايات الرائعة، فهذه اللغة الجديدة التي تُعد عربية إلا في الإعراب وغرابة الكلمات، تكون أصلح في هذا من اللغة العامية وأطوع للفن. وستكون أيضًا صالحة للتفاهم بين الأمم العربية لا كاللغة العامية الخاصة لكل شعب.
إن لغة الوقف (تسكين الآخِر) هي اللغة التي عمَّت الإنجليزيةَ والفرنسية والطليانية، وهي الأصلح للزمان لسهولتها ومناسبتها للجمهور، وكثير من اللغات تدرَّج في تطوره الطبيعي من لغة مُعْرَبَة إلى لغة غير معربة.
ستصدم هذه الفكرة — من غير شك — بعض العقول؛ لأنها غير مألوفة، ولكن أرجو أن تُبحث في هدوء على ضوء المنفعة لا على ضوء التعصب للقديم.
وإذا كانت عقولنا لا تزال لا تؤمن بالرأي إلا إذا دُعِم برأي عالم قديم، فأقول: إن في ثنايا مقدمة ابن خلدون ما يؤيد هذا الرأي ويدعو إليه. قال في فصل عنوانه: «إن لغة العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مُضَر وحِمْيَر»، يؤيد أن اللغة العامية الساكنة الآخر فيها بلاغة، وفيها فنون الأدب، ما نصه: «وما زالت هذه البلاغة والبيان دَيْدن العرب ومذهبهم لهذا العهد (أي: بعد أن زال الإعراب من لسانهم)، ولا تلتفتن في ذلك إلى خرفشة النحاة — أهل صناعة الإعراب القاصرة مداركهم عن التحقيق — حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبتْ، وأن اللسان العربي فسد، اعتبارًا بما وقع في أواخر الكلم من الإعراب الذي يتدارسون قوانينه، وهي مقالةٌ دسَّها التشيُّع في طباعهم، وألقاها القُصُور في أفئدتهم، وإلا فنحن نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها الأولى، والتعبيرُ عن المقاصد والتعاون فيه — بتفاوت الإبانة — موجودة في كلامهم لهذا العهد، وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة في مخاطبتهم، وفهمُ الخطيب المصقِع في محافلهم ومجامعهم، والشاعر المفلق على أساليب لغتهم، والذوقُ الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك، ولم يُفقد من أحوال اللسان المدوَّن إلا حركات الإعراب في أواخر الكلم فقط».
وقال في موضع آخر من هذا الفصل في صميم الموضوع: «ولعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد (عهد ابن خلدون)، واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمورٍ أخرى موجودة فيه، فتكون له قوانين تخصُّها، ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر. فليست اللغات وملكاتها مجانًا، ولقد كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بهذه المثابة، وتغيرت عند مضر كثير من موضوعات اللسان الحميري وتصاريف كلماته».
في هذين النقلين عن ابن خلدون أرى أنه يقرِّر في النص الثاني إمكانَ الاستغناء عن الإعراب والاستعاضة عنه بقوانين تحل محله، مثال ذلك — على ما أفهم — أن رفع الفاعل يدل على الفاعلية، ونصب المفعول يدل على المفعولية، فإذا قلت: «أقرض محمدٌ عليًّا» دل الرفع على المقرِض والنصبُ على المقترض؛ ولذلك يجوز لك أن تقول: أقرض عليًّا محمدٌ من غير أن تخل بالمعنى، فإذا حذفنا الإعراب فلا بد من قانون جديد يدل على الفاعلية والمفعولية، كأن تقدم مَن فعل الفعل ملتزمًا ذلك، فتقول: «محمد أقرضْ علي» فهذا مَثل من أمثلة القوانين التي يقتضيها حذف الإعراب.
وأما النص الأول من كلام ابن خلدون فمغزاه الدفاع عن لغة الكلام الخالية من الإعراب، وأن لها بلاغةً وأدبًا وشعرًا ونثرًا، وأن البلاغة والفن ليسا مقصورين على اللغة المعرَبة، فليس الإعراب — كما يعبِّر في موضعٍ ثالث — إلا بعضُ أحكام اللسان.
إذا تم ذلك رجوتُ أن تصبح اللغة الجديدة أداةً طيِّعة لنشر التعليم، ووصول الأدب إلى أكبر عدد ممكن، وهذا ما أتوقع أنه سيكون في المستقبل القريب أو البعيد، وكلما قرَب كان أدعى إلى سرعة النهوض، وانتشار الأدب ورقيَّ العقل والعاطفة في الشعوب.

منطق العقل ومنطق الدنيا


من الأقاصيص الشعبية المصرية أن رجلًا تزوج اثنتين؛ فأما «أم السعد» فشابةٌ لعوب على حظ قليل من الجمال وعلى حظ كبير من المرح والفتنة وخلب العقول والدهاء والمكر. وأما «أم حسن» فشابةٌ على حظ كبير من الجمال وقليل من الحيلة، طيبة القلب، عفيفة النفس، طاهرة الذيل.
أراد زوجهما السفر فاتخذ كل احتياط لصيانتهما، على طريقة العهد القديم، فسمَّر الشبابيك حتى لا تُفتح غيابه، وتفنن ما شاء في القيود والأغلال، ووضع الأرصاد على البيت حتى لا يقربه من يخونه، ثم سافر مطمئنًّا.
فأما «أم السعد» ففكت القيود، وسُخرت بالأغلال، واحتالت على الأرصاد وخرجت وفجرت. وأما «أم حسن» فحفظت عهد زوجها، وصانت سمعته، وحافظت على شرفها وشرفه؛ فلم تخرج من بيتها، ولم تحتلْ في فك أغلالها، وكانت أمينةً في كل شؤونها.
فلما كانت ليلة حضور الزوج تزينت «أم السعد» وتبهرجت، وفعلت كل صنوف الإغراء والفتنة، وأما «أم حسن» فاعتمدت على استقامتها وطهارتها، فلم تبالغ في زينة، ولم تُفْرط في تجمل.
وحضر الزوج، فهللت «أم السعد» لحضوره، وتصنعت كل ضروب الفرح للقائه، وفعلت الأفاعيل لإغرائه، وقابلته «أم حسن» في هدوء واتزان، وحشمة وثبات.
ثم أخذتا في الحديث، فهرجت «أم السعد» وأخذت تصف كيف حافظت على عهده ووفت بأمانته، وكيف كانت لا تنام شوقًا إليه، وحنينًا للقائه — ومن حين إلى آخر تتكلم «أم حسن» كلمة أو كلمتين تعليقًا على حديثٍ أو ردًّا على سؤال.
وأخيرًا نظر الزوج إلى أم السعد طويلًا، ثم أدار نظره إلى أم حسن طويلًا، ثم أعلن أن لأم السعد كل ما أتى به من هدايا، ولأم حسن الطلاق.
هكذا منطق العقل ومنطق الدنيا، فمنطق العقل يقضي بالمكافأة للطاهرة العفيفة الجميلة، ومنطق الدنيا يقضي بها للمهرجة اللعوب غير الجميلة.
منطق العقل يقضي بأن يقوَّم بمواهبه وكفاياته، ككل شيء في العالم، فنحن نقوَّم الفرس بسرعته لا بسرجه، وكل شيء بالغرض منه لا بشكله، وعلى هذا فالإنسان يجب أن يقوَّم بكفاياته فيما أريد منه، فإن أردته صانعًا فقوِّمه بصناعته، أو عالمًا فقوِّمه بعلمه، أو لمنصب من المناصب فاختر من يحقق الغرض من المنصب. هذا في منطق العقل، وأما في منطق الدنيا فإنه يُقدَّر بمنظره قبل مخبره، وبقرابته قبل كفايته، وبعلاقته قبل حقيقته. منطق العقل مبنيٌّ على التجريد من الاعتبارات، ومنطق الدنيا مبنيٌّ على تقدير الملابسات. منطق العقل أساسه تقدير الشيء بما فيه من نفع وضرٍّ، فإن رجح نفعه عُمل، وإلا تُرك، ومنطق الدنيا أساسُه رضا فلان وغضب فلان، ورجاء فلان وانتفاع فلان، وإغاظة فلان، وهكذا من اعتباراتٍ لا حدَّ لها.
منطق العقل مقدِّمة صغرى ومقدِّمة كبرى، إن صحَّتا فالنتيجة صادقة حتمًا، ومنطق الدنيا قد تصدُق فيه المقدمات وتكذب النتيجة، وقد تكذب فيه المقدمات وتصدق النتيجة.
منطق العقل كباحثٍ في معمل يُجرب ويرصد التجارب، فإذا أسفرت التجربة عن لون أحمر قال: إنه أحمر، أو أصفر قال: إنه أصفر، ولا شيء غير ذلك. وأما منطق الدنيا فكالممثل على المسرح يومًا ملكًا ويومًا صعلوكًا، ويومًا غنيًّا ويومًا فقيرًا، على حسب الظروف.
المحسوبية منطق الدنيا، والعدل منطق العقل، وتقدير الأشكال منطق الدنيا، وتقدير القيمة الذاتية منطق العقل.
•••

بالأمس حضرتُ مجلسًا دار الحديث فيه حول رسم المصحف، فقال قوم: إن من الواجب أن نرسم المصحف حسب قواعد الإملاء المعروفة، حتى يستطيع الناشئ أن يقرأه، والرجل المثقف العادي أن يقرأه كما يقرأ كل كتاب. أما الرسم الحالي فلا يمكِّن القارئ من أن يقرأ إلا إذا كان حافظًا أو متخصصًا، فكيف يستطيع الناشئ أن يقرأ الصلاة إذا رسمت هكذا «الصلوة!»، ولخيرٌ أن نُيَسِّر قراءة القرآن على الناس عامة من أن نحصر قراءته في دائرة قليلة. أما رسم المصحف الحالي فيكون للخاصة، ومن يريدون أن يدرسوا تاريخ الإملاء.
وإننا نفسد تعليم الناشئ إذا نحن علَّمناه الإملاء على طريقتنا ثم وضعنا في يده المصحف فرأى طريقة لم يألفها. وقال قوم: لا بد من المحافظة على رسم عثمان حفظًا لآثار السلف الصالح وعملًا بالمأثور، وربطًا بين قديمنا وحديثنا. فقمت وفي نفسي التفكير بين منطق العقل ومنطق الدنيا.
وشاء القدر أن أحضر مجلسًا آخر حميت فيه المناظرة حول معلمي اللغة العربية. فقال قائلون: أمن الحق أن يتوزع تعليم اللغة العربية — دون سائر المواد — ثلاثة معاهد: كلية اللغة العربية الأزهر، ودار العلوم في وزارة المعارف، وقسم اللغة العربية في كلية الآداب، وكلٌّ يسلك منهجًا يخالف الآخر حتى إذا أتموا دراساتهم كانت بينهم حرب شعواء على الوظائف! أليس من الخير ألَّا يكون في البلد إلا معهد واحد يُختار له خير المناهج وخير الأساليب كما الشأن في كل المواد؟ وقالوا أيضًا: إننا نفهم أن يكون في البلد مائة معهد للثقافة، أما للصناعة، ولصناعة التعليم، فلا بد ألَّا يزيد إنتاج المصنع عن حاجة البلد. وقال آخرون: إنها التقاليد، وإنها السلطات، وإنها العصبيات.
فخرجت من المجلس مفكرًا في منطق العقل ومنطق الدنيا.
وركبت «المترو» وجلست بين جماعةٍ ينقدون بألسنةٍ حداد حالة الوظائف والموظفين، وكلٌّ يشكو ويضرب الأمثلة في وزارته عمَّا حدث من ترقيات؛ هذا للقرابة، وهذا للمصاهرة، وهذا للملق، وهذا للهتاف، وهذا لتقبيل اليد، وهذا للمصالح الشخصية.
فقلت: إن هذا يومٌ غريب تتتابع كل حوادثه للتمثيل لمنطق العقل ومنطق الدنيا.
ورجعت بذاكرتي إلى أقاصيص جحا، وما في كتب الأدب من أقوال عقلاء المجانين، فوجدت كثيرًا منها يعجب الناس لأنها تُصور الفرق بين منطق العقل ومنطق الدنيا.
والناس يضجون بالشكوى لأنهم لم يفهموا الفرق بين منطق العقل ومنطق الدنيا، وأرادوا أن يُخضعوا الدنيا لمنطق العقل ففشلوا.
والشعراء والأدباء رأوا أنهم لكفايتهم أحقُّ بخيرات الدنيا مِن كل مَن عداهم مِن الحمقى والمغفلين، وهذا منطق العقل. ثم رأوا أن الدنيا في يد أقل الناس كفاية، وأنهم محرومون حتى من ضرورات الحياة، على حين أن المغفلين يغرقون في النعيم، وهذا منطق الدنيا. ولطول ألسنتهم أقاموا حربًا شعواء على الناس، وقالوا آلاف الأبيات في شكوى الزمان، وأنه مغفل يحابي المغفلين، ويضطهد العقلاء والأدباء، وأنه لا عقل له ولا منطق له، وجردوا منه شخصًا وجَّهوا إليه أفظع السب وأقذع الهجاء، وما دروا أن للدنيا منطقًا تخضع له غير منطقهم، وأسلوبًا تتبعه غير أسلوبهم.
وأكثر ما يُظهر منطق الدنيا في السياسة؛ فقد أراد الفلاسفة في عهد أفلاطون وأرسطو أن يُخضعوا منطق السياسة لمنطق العقل، فوضع أفلاطون جمهوريته، وأرسطو كتابه في السياسة، والفارابي مدينته الفاضلة، وهكذا تتابع الفلاسفة يرسمون المثل الأعلى للحكومة وللسياسة، يريدون أن يُخضعوا كل شيء في الدولة لمنطق العقل، والسياسة دائمًا تتمرد عليهم وتأبى إلا أن تخضع لمنطق الدنيا، وكان هذا هو الشأن إلى أيام ولسن، فقد وضع نظام العالم على أساس منطق العقل، وما زال منطق الدنيا يحاربه بأسلحته حتى هزمه شر هزيمة.
وربما كان «ميكافلِّى» هو الشخص الذي فهم منطق الدنيا بعد أن جرَّب الحياة الواقعية وسفرَ لأمته عند الملوك والأمراء، فنادى بأن السياسة لا تتبع العقلَ والعدل والخُلق، وإنما هي ترعى طبائع الناس وظروف الزمان والمكان، وقال: إن السياسة يجب أن تعرف الخير والشر، ولا بأس من أن تنحرف عن الخير تبعًا لضرورة الظروف القائمة — وقرر بعض مبادئ منطق الدنيا، فقال: «إن الناس أسرع إلى الإساءة إلى مَن وضع نفسه من قلوبهم موضع الحب، منهم إلى من جعل نفسه مخوفًا مَهيبًا»، وقال: «إن الأمير يجب أن يكون أسدًا، ولكن ينبغي له أن يتعلم كيف يلعب دورَ الثعلب». وهكذا أراد أن يشرح منطق الدنيا كما شرح أفلاطون وأرسطو منطق العقل، ولكن — مع الأسف — لم يستطع أن يدوِّن كل منطق الدنيا كما دوَّن مَن قبله كل منطق العقل. إن الذي وضعه جزء بسيط من منطق السياسة، وما السياسة بجانب الدنيا كلها؟ ولو كنت مكانه لوضعتُ قواعد منطق الدنيا في سلوك الإنسان وفى كيف يقدِّر الإنسان الإنسان، وكيف يصل الإنسان إلى أغراضه مع امتهانه لمنطق العقل، وكيف يفعل رجالُ الحكم تمشيًّا مع منطق الدنيا، وكيف تقف التقاليد والأوضاع أمام منطق العقل لتفسح الطريق أمام منطق الدنيا وهكذا، ولَجعلتُه مائة فصل، وجعلتُ ما كتبه ميكافلي عن السياسة فصلًا واحدًا من فصوله.
في كل شيء يصطدم منطق العقل مع منطق الدنيا، في الأسرة، في الشارع، في المتجر، في المصنع، في الوظيفة، في الحياة الخاصة والعامة، فنرى العقل في ناحية والدنيا في ناحية، وكلما كان الإنسانُ أرهف حسًّا، وأكبر نفسًا، وأرقى عقلًا، كانت صدمة الدنيا أقوى وأعنف.
ومع هذا فأظن أن العالم سائرٌ إلى التقدم في الاستزادة من منطق العقل، والتقليل من منطق الدنيا، ومقياس ذلك الأمم المنحطَّة والأمم الراقية، ففي الأمم المنحطَّة منطق العقل يسبح في دائرة قطرها «قيراط»، ومنطق الدنيا يسبح في دائرة قطرها ألف متر، وفي الأمم الراقية تكاد تتعادل الدائرتان أو تكون دائرة منطق العقل أوسع، وليس عمل المصلحين في الدنيا دائمًا إلا أن يحاولوا توسيعَ دائرة منطق العقل بتضييق دائرة منطق الدنيا.

الشرق والغرب


الدنيا اليوم كلها بركان ثائر لسنا ندري متى يهدأ وكيف يهدأ: نظريات تتعارض، ومصالح تتشابك، ومبادئ تتخاصم، ولم يبقَ شيء من الأسس القديمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق إلا تزلزل واضطرب، وثار ولَمَّا يهدأ.
ابتدأ البركان يثور في نقطة، ثم عم الغربَ، ثم امتد من الغرب إلى الشرقَ، فهذا هو الشرق يتزلزل أيضًا ويضطرب أيضًا؛ لأن العالم كلَّه أصبح الآن شبكة كهربائية تتفاعل في سرعة البرق.
مِن قديم وقف الشرق والغرب معسكرَيْن، في الحروب وفى السياسة وفى الاقتصاد، وفى المدنية وفى أساليب الحياة والتفكير، وغَلب الشرقُ حينًا، وغُلب حينًا، وثار الجدل بين الأوروبيين: هل من المصلحة أن يُمدَّن الشرق بمدنية الغرب أو يُترك وشأنه، يستغله الغرب في موارد الاستغلال، ثم يخليه ونفسه فيما عدا ذلك؟ وثار الجدل بين الشرقيين أنفسهم: ما موقفهم من المدنية الحديثة؟ أيأخذونها بحذافيرها أم يتخيرون منها؟
ولكن قوانين الطبيعة الجازمة الحازمة لم تعبأ بهذا الجدل، وسارت سَيرَها الحثيث نحو توحيد العالم وتوحيد المدنية في جوهر الأمور، وإن اختلفت الأشكال والأعراض، ولم تكترث للحدود الجغرافية المصطَنعة بين الشرق والغرب، فالعلوم والفنون والآداب والأوضاع السياسية ونظم الحياة الخاصة والعامة تسربت من الغرب إلى الشرق، كما تسربت قبل ذلك من الشرق إلى الغرب؛ لأن القانون الطبيعي أن البقاء للأصلح والغلبة للأرقى والأقوى، والتفاعل الدائم بين المتجاورين.
والزمن يعمل عمله في هذا التوحيد بين الشرق والغرب بالرحلات والبعثات والتزاوج والصحافة والثقافة والإذاعة والتجارة في المخترعات الحديثة، ورجال السياسة وأساليبهم وغير ذلك، كلها تنقل الماديات والمعنويات من أقصى الأرض إلى أقصاها فتقرِّب الفكر والمدنية ونمط الحياة.
قد يعوق هذا الامتزاج واتحاد المدنية عصبيةً من هنا وهناك، كعصبية دينية أو عصبية للجنس أو الدين أو القارة أو اللون ونحو ذلك، وكلها قد تؤخِّر السير ولكن لا تُغيِّر اتجاهه، فقد يقف الزمن أمام هذه العوائق ولكنه لا يلبث حتى يقوى ويكتسحها، ويكمل سيره إلى غرضه غير عابئ بما يبدو من بعض القادة السياسيين من وضع العقبات، فكل هذه تنهار أمام القانون الطبيعي في أن سكان الأرض وحدة تتفاعل، ويأخذ متخلفها في نفس الطريق الذي سار فيه متقدمها.
قبل ثلاثة قرون ونصف لم تكن هناك هذه الفروق بين الشرق والغرب، فإن كان ولا بد فالشرق كان يسبق الغربَ في مدنيته وحضارته ووسائل حياته. ثم حدث في أوائل القرن السابع عشر أن اكتشف الغرب وسائل للعلم التجريبي جديدة بنى عليها ثروته الصناعية والاقتصادية، ومن هنا بدأت نقطة التحول والتفوق. ومن نحو قرنين تضاعفت قوةُ الغرب باكتشافه بعض قوانين الطبيعة ومعرفته كيف يتغلب عليها، وافتتح عصرًا جديدًا عماده البخار والكهرباء. والشرق في هذه القرون الثلاثة كان يعتمد على وسائله القديمة الخالية من البخار والكهرباء فتخلَّف، وكان هذا هو الفرق الكبير الذي نراه الآن. وليس هذا فرقًا طبيعيًّا في عقلية الأمم؛ فالتاريخ علَّمنا أن التفوق والنبوغ يتحولان وينتقلان بين الشعوب لأسباب نفهم بعضها، ونعجز عن فهم بعضها، كنبوغ الأفراد يظهر من حيث لا نعلم، فقد ينبغ مِن بيتٍ حقير ومن بيتٍ عظيم ومن أسرةٍ وضيعة، ومن أسرة نبيلة ومن قرية ومن مدينة، ومن أكثر الناس علمًا ومن أقلهم علمًا. وهكذا نبوغ الأمم. حملت رايته الصين حينًا، والهند حينًا واليونان حينًا وبغداد حينًا والقاهرة حينًا، وجاء دور الغرب فحملها، وهو دورٌ كسائر الأدوار؛ فلا معنى للتبجح بدعوى التفوق الطبيعي والاستمرار الزمني والمكاني. فما على الشرق إلا أن يأخذ بالوسائل التي اعتمد عليها الغرب من العلم التجريبي واستخدام البخار والكهرباء، حتى تتغير مدنيته وحياته وأخلاقه ويتبوأ مكانه.
وليس كل الذنب في تقصير الشرق راجعًا إليه وحده. نعم إنه تكاسل وتواني وأخلد إلى الراحة حينًا طويلًا، لكن جزءًا كبيرًا من المسئولية يرجع إلى الغرب، فهو لم يأخذ بيده إلى الآن كهادٍ ومرشد، بل هو إذا رأى الشرق ينتبه، ويدرك سر التقدم الغربي ويبدأ في أن يسير سيرته ويحذو حذوه صدَّه ووقف في سبيله لمنفعةٍ له وقتية أو نظرٍ أناني قصير أو استغلالٍ مادي حقير، إن أراد استخراج الحديد من أرضه لم يشجعه، وإن أراد أن يغزل قطنه لم يؤيده، وإن أراد أن يقوِّي جيشه لم يُفسح الطريق له، وإن أراد أن يُصلح سياسته كما يرى وكما ينبغي لم يمكنه من ذلك، ثم عِيبَ عليه تقصيره وتخلفه واتُّهم بأن عجزه طبيعةٌ فيه.
إن المدنية الغربية قامت على أكتاف أشخاص يُعدون على الأصابع أمثال: جاليليو وكبلر وهارفي ونيوتن وغيرهم، لو مُنح مثلهم الشرق لتحوَّل تحولًا خطيرًا وسار إلى الأمام سريعًا. ولكن لِمَ مُنح الغرب هؤلاء ولم يُمنح الشرق مثلهم؟ إن البيئة الشرقية الحاضرة لا تسمح بخروجهم، لا لطبيعة الشرق، ففي القديم أخرج الشرقُ من العظماء ما لم يُخرجه الغرب، ولكن لأن الظروف الاجتماعية والسياسية في العصور الحاضرة لا تسمح بخروج هؤلاء النوابغ في الشرق، والمسئول عن ذلك الشرق بخموله والغرب بضغط قوته وسلطانه. وفي حدود قدرته على التملص من هذه القيود استطاع الشرق أن يرتقي بعض الرقي، وينهض بعض النهوض.
لقد بُنيت المدنية الغربية — كما يقولون — على أركانٍ أربعةٍ مادية وأربعةٍ معنوية: (?) تمكين كل فرد من أن يعمل لترقية نفسه حسب ملَكاته وقواه.
(?) استغلال الأراضي أحسن استغلال حسب خصوبتها.
(?) استخدام الأمة الطبيعة التي حولها لمصلحتها.
(?) تصريف سلعها ومنتجاتها في أوسع دائرة من الأسواق.
(?) العناية بتأسيس الأخلاق القومية لا الأخلاق الفردية وحدها.
(?) غرس المبادئ التي توحي بشدة المحافظة على الحقوق — والمطالبة بها إذا أُهملت — وأداء الواجب.
(?) حب الحرية وعشق النظام.
(?) حب المغامرة والميل إلى الإقدام والرغبة في التجديد. وما عدا ذلك فأمورٌ سطحية كالعادات والتقاليد في الأفراح والجنائز والزواج والطلاق والملابس ونحو ذلك.
ولست أرى ما يمنع الشرق من السير على هذه الأسس إذا أخلص قادته من جهةٍ، وأفسح له الغرب طريقه من جهة أخرى.
ولو أحطنا الشرقي بكل بيئة الغربي السياسية والاجتماعية، وثقفناه بالعلم وربيناه على النهج الغربي لكان كالغربي في تفكيره وميوله وأخلاقه، والعكس، بدليل ما نرى من أن الفروق تتضاءل جدًّا بين المثقفين الشرقيين والمثقفين الغربيين في العقلية، وتتضاءل بين من عاشوا في إنجلترا أو فرنسا أو ألمانيا في الأخلاق. فكيف إذا اتحدوا في أشكال الحكومات والنظم السياسية وما إلى ذلك؟
قد يظهر بعض الفوارق في مزاج الشرق والغرب، فالشرق أمْيَل إلى التأمل، والغرب أميل إلى العمل، والشرق أميل إلى النظر للماضي في تاريخه والمستقبل في جنته أو ناره، والغرب أميل إلى النظر لحاضره في دنياه، والشرق أميل إلى النظريات وإلى التجديد، والغرب أميل إلى التطبيقات وإلى الواقع، والشرق يميل إلى ما وراء المادة، والغرب يميل إلى التغلب على الطبيعة وضبطها بالعلم.
ولكن هل هذه الفروق وأمثالها توجب التعدد والانقسام، والنظر العالي إلى الأسفل، والنظر الأسفل إلى العالي؟ أو هي فروق كالفروق التي بين أفراد الأسرة يكَون فيها المذكر والمؤنث وقويُّ العاطفة وجامدها والأديب والعالم، وهذه الفروق لم تمنع أن تتكون منها أسرة متوحدة متعاونة متحابة.
الحق أن ليست هناك حضارة غربية وحضارة شرقية، فما نسميه اليوم حضارة غربية بعض نتاج الصين في اكتشافها صناعة الورق والطباعة والبارود، وبعض نتاج الهند والعرب في العلوم الرياضية والفلسفة، كما أنه بعض نتاج فلسفة اليونان وعلمهم وفلسفة المحدَثين وعلمهم أمثال: كانت وجاليليو ونيوتن؛ فالعلم والفلسفة والاختراع والمدنية مَدينة للنوابغ من جميع أنحاء العالم من هندٍ وصين وعرب ويونان وإنجليز وفرنسيين وألمانيين، فتسميتها بالحضارة الغربية تسميةٌ بمن احتل أعلى طبقة في البناء الذي شيده العالم منذ نشأته واشترك في تشييده النوابغ من كل صقع ومن كل جنس. وتسميةُ البناء باسم سكان الطبقة العليا تسمية تعسفية أو اصطلاحية، أو هي كالبطاقة توضع على السلعة للتعريف بها.
وكذلك لا أفهم معنًى للشرق والغرب بالتفسير الذي يقصدونه، وهو أن هناك فروقًا خِلقية وطبيعية بين سكان في بقعة وسكان في بقعة أخرى، وأن هذه الفروق قدَرٌ محتَّمٌ كالقدر الذي جعل هذا حجرًا وهذا نباتًا وهذا حيوانًا، وهذا برًّا وهذا بحرًا، وأنه من المستحيل أن يتحول هؤلاء إلى أولئك ولا أولئك إلى هؤلاء. وعبَّروا عن هذا المعنى بقولهم: «الشرق شرقٌ والغرب غربٌ» أي: كما نقول: الأرض أرض والسماء سماء.
فهذه نظرية خلقها التعصب وخلقتها السياسة. والحق أن القوانين الطبيعية لا تعرف هذه الحدود الفاصلة، وإنما تعرف موجاتٍ يتموج بها العالم كله، وتعرف أن الرقيَّ العقلي وحضارة العالم وعلمه وخلقه سُلَّم واحد تقف منه الأمم على درجات، وتقف كل أمة منه على قدر استعدادها وجدِّها، وأن ليست الدرجة العليا وقفًا على قومٍ دون قوم ولا على جنس اسمه الغرب دون جنس اسمه الشرق، بل الدرجات تتبادل، والدرجة العليا تحتلها الأمم بالتناوب، وكل أمة بلغت أعلى درجة في شيء أفسحت الطريق أمام الآخرين ليبلغوها وقد يزيدون عليها، وليست الأممُ تماثيل واقفة على سُلَّمها لا تتعداه، فالعالم لا يعرف السكون وإنما يعرف الحركة، والسُّلَّم عليه دائمًا حركات بهلوانية يرتفع عليه قوم وينخفض آخرون.
لقد وسَّع الهوةَ بين ما يُسمى بالشرق وما يسمى بالغرب طائفتان: رجال الدين ورجال السياسة. فأما رجال الدين فقد شاء القدر أن يكون ما يسمى بالغرب مسيحيًّا وما يسمى بالشرق مسلمًا أو بوذيًّا أو غير ذلك. فنشط رجال الدين يبشرون، وكان من وسائل ذلك الرمي بالانحطاط والضعف وتصوير الشرق في صورة وضيعة، واستتبع ذلك ردُّ فعلٍ من الشرق بالكراهية والنفور والتحفظ وسوء الظن وما إلى ذلك. وأما رجال السياسة فقد لعبت برؤوسهم الوطنية، ولعبت الوطنية دورَها في العداء بين الأمم الأوروبية نفسها، ولكنها وجدت مجالها الفسيح فيما يسمى بالشرق، فتسابق الساسة الأوروبيون في أن يقدِّموا لأممهم الهدايا من الشرق بالاستعمار والانتداب والتدخل وبسط النفوذ، وكلما كان المكسب أكثرَ كانت الأوسمة والألقاب التي يكافأ بها على الوطنية أكثر. وكما حصل رد الفعل من رجال الدين حصل كذلك من رجال السياسة، فقوبلت وطنية الغرب بوطنية الشرق، وحصلَ النزاع المستمر بالقلم دائمًا وبغير القلم أحيانًا.
ولا شفاء من هذا إلا بتعديل الأساس وهو إلغاء استعمال كلمة الشرق والغرب، بالمعنى الذي تُعورف عليه إلى اليوم، والنظر إلى العالَم كوحدة، وتبادل المصالح عن طريق التعاون لا طريق الاستغلال، وإحلال الإنسانية محل الوطنية.
لو فكَّر الساسة تفكيرًا عميقًا وحسبوا ما يكسبون حقًّا وما يخسرون حقًّا من نظرتهم القديمة لوجدوا الخسارة أكثر من المكسب، وأن المصالح المشتركة يمكن التفاهم عليها عن طريق التعاون والأخذ والعطاء، لا عن طريق الأخذ قسرًا مِن غير عطاء، ولا عن طريق الوطنية الضيقة بالنظر إلى الكسب فقط.
وقد آن الأوان لتعديل هذا الأساس، فما يسمَّى الشرق لم يَعُد طفلًا غرًّا يُضحَك عليه باللعب، وما يُسمى الغرب قد ذاق مرارة الوطنية الحادة، ودعاة الإصلاح منهم يَكثرون ويُكثرون من الدعوة إلى الإنسانية بدل الوطنية حتى في معاملة الأمم المهزومة.
وتعديل الأساس على هذا المنوال هو ما تنادي به الطبيعة نفسُها، وما ينادي به تقدمُ العلم وتقدم الاختراع الذي جعل من العالم وحدة. والقوانين الطبيعية لا تَرحم، فإن سمعَ إليها القادة فبشِّرهم بنعيم مقيم، وإلا فبعذاب أليم.

موقعةٌ شعرية


من عهد النبي ? والاحتكاك مستمر بين المسلمين والإمبراطورية الرومانية الشرقية، بدأ ذلك بكتاب الرسول ? لهرقل، ثم بالفتوح التي فتحها عمر بن الخطاب ومن بعده، وقد ظلت بلاد آسيا الصغرى مسرحًا للحروب والقتال بين المسلمين والرومانيين في العصر العباسي، فالمؤرخون يذكرون ما دار من محاربة نثرية بين هارون الرشيد ونيقفور، إذ كتب الثاني للأول: «من نيقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب. أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرُّخ وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أضعافه إليها، لكن ذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وإلا فالسيف بيننا وبينك» فأجابه الرشيد: «من هارون أمير المؤمنين إلى نيقفور كلب الروم، وقد قرأتُ كتابك والجواب ما ترى لا ما تسمع».
ولئن أُوخذ على قوله: «كلب الروم» فقد كان يعتمد على قوته وثقته بالنصر — وعلى كلٍّ فقد ،سار الرشيد إلى هرقلة? ففتح وغنم حتى سأله نيقفور الصلح، وتبين أن الرشيد كان أصدق نظرًا. ثم ما كان في عهد المعتصم من خروج ملك الرومان تيوفيل (ثيوفليوس) إلى زِبَطرة? وقتله وسبيه من المسلمين، فخرج إليه المعتصم وكانت وقعة عَمُّورية المشهورة التي خلَّفت لنا قصيدة أبي تمام: «السيف أصدق أنباءً من الكتب». ثم كانت الحروب بين سيف الدولة الحَمْداني والروم، وقد تركت لنا ثروة كبيرة من شعر المتنبي وأبي فراس.
ولكن هذا كله كان شعرًا من جانبٍ واحد، أما القصة التي أرويها اليوم فشعر من جانبين بعد أن ضعف المسلمون بعض الشيء واستأسد النمر.
كانت الحادثة في عهد نيقفور الثاني فوكاس Nicophorus II Phocas ملك الروم (???–???م) (???–????)، وكان قد تولى عرش الروم بالقسطنطينية، وكان معروفًا بالإقدام، متصفًا بالصفات العسكرية، يتولى بنفسه قيادة الجيوش، وقد غزا بلاد المسلمين لما أحس منهم الضعف بسبب ما نالهم من الانقسام والحروب الداخلية، ففتح المصيصة ودخل طرسوس، فجعل جامعها اصطبلًا لدوابه، واستولى على بعض بلاد الشام وعلى قبرص — وليس يهمنا هنا الحروب الآلية والمادية، وإنما يهمنا الحروب الشعرية. فقد كان من أطرف ما حدث أن نيقفور الثاني هذا بعث إلى الخليفة العباسي قصيدة عربية فظيعة اهتزَّ لها المسلمون أكثر مما اهتزوا لهزيمة حربية وحزنوا لها أكثر مما حزنوا لفقد بعض مدنهم، أما مَن أنشأ هذه القصيدة لنيقفور فلم نعرف عنه شيئًا، والغالب أن يكون عربيًّا ،متنصرًا، وقد روى لنا التاريخ أن بعض عربٍ تنصَّروا والتحقوا بالقسطنطينية? وقد كان في بلاطه كثير ممن يتقنون العربية، ويقومون بالترجمة وبالمكاتبات الرسمية. وهي قصيدة طويلة تنيف على الخمسين بيتًا أرسلها نيقفور إلى الخليفة العباسي المطيع لله، وأولها: مِن الملكِ الطُّهْرِ المسيحي رسالةٌإلى قائمٍ بالملك مِن آل هاشمِأما سمعَتْ أذناكَ ما أنا صانعٌبلَى، فعداك العجزُ عن فعل حازمِثغوركمُ لم يَبقَ فيها لوَهْنِكمْوضعفِكُم إلا رسومُ المعالمَفتحنا ثغورَ الأرمنية كلهابفتيان صدقٍ كالليوث الضراغمِونحن جلبنا الخيلَ تعلكُ لجمهاويلعب فيها بعضُها بالشكائمِإلى كل ثغرِ بالجزيرة آهِلٌإلى جند قنسرينكم والعواصمِ واسترسل في ذكر كثير من البلاد وما فعلوا فيها على هذا النمط، وذكر ما كانوا يفعلون بالأسارى والسبايا:
وكم ذات خدرٍ حرَّةٍ علَويةٍمنعَّمةِ الأطراف غرثَى المعاصمِسبينا، وسُقنا، خاضعاتٍ حواسرابغير مُهورٍ، لا ولا حكم حاكموكم مِن قتيل قد تركنا مجندَلايَصُبُّ دمًا بين اللها واللهازموكم وقعةٍ في الدرب ذاقتْ كُماتُكمفسقناكُم سوقًا كسَوْقِ البهائمِ ويرسم في القصيدة خطةَ سيره فيقول: إنه سيستولى على دمشق مسكن آبائه وغيرها من المدن:
ومسكنُ آبائي دمشقُ وإنهسيرجع فيها مُلْكُها تحت خاتميومصرُ سأفتحها بسيفِيَ عنوةًوأُحرز أموالًا بها في غنائمي •••

ألا شمِّروا يا أهلَ بغدادَ ويلكمْفمُلككُم مستضعَفٌ غيرُ دائمرضيتم بأن الديلميَّ خليفةٌفصرتم عبيدًا للعبيد الديالم?سألقي بجيشي نحو بغدادَ سالمًاإلى باب طاقٍ ثمَّ كَرْخِ القماقم?فأُحرِقُ أعلاها وأهْدِمُ سُورَهاوأسْبِي ذراريها على رغْمِ راغمِومنها إلى شيراز والرِّيِّ فاعلمواخراسانَ قصدي بالجيوش الصوارمفأُسِرعُ منها نحوَ مكَّةَ سائرًاأجُرُّ جيوشًا كالليالي السواجمِ •••

وأسري إلى القدس التي شرُفَت لناعزيزًا مَكينًا بانيًا للدعائم ولما أتم إعلان خطَّته قرَّع المسلمين تقريعًا فظيعًا بأنهم ساء حكمهم، فلم يعودوا صالحين لإدارة البلاد فقد ملؤوها جورًا وظلمًا، وأفسدوا القضاء بالرشا وشهادة الزور، فكيف بعدُ يصلحون؟
ملكنا عليكم حين جار قويُّكموعاملتُم بالمنكَراتِ العظائمِقُضاتكم باعوا جهارًا قضاءهمكبيع ابنِ يعقوبَ ببخسِ الدراهمِشيوخكم بالزور طرًّا تشاهدواوبالبز والبرطيل في كل عالمِسأفتح أرضَ الشرق طرًّا ومغربًّاوأنشر دينَ الصَّلب نشرَ العمائم ولم يكتفِ بإرسال هذه القصيدة للخليفة المطيع، بل نشرها بين المسلمين وفي الجند المحاربين إضعافًا لقوتهم، كما توزَّع اليوم المنشورات بالطيارات، فنالت القصيدة من المسلمين مبلغًا يهد الأعصاب ويثير كوامن الشجون.
وكان في جند المسلمين الذين يحاربون في الثغور عالم من أكبر علماء الشافعية اسمه القفَّال الشاشي الخراساني، ناشرُ فقه الشافعية في بلاد ما وراء النهر، لم يمنعه علمه وفضله أن يلتحق بالجيش جنديًّا يوم كان علماء الدين يعرفون حمل السلاح وركوب الخيل، ويجيدون القتال — فكما كان القفَّال هذا يجيب عن سهم بسهم وضربة سيف بضربة سيف، حملته الغيرة الدينية أن يجيب عن هذه القصيدة بقصيدة من نفس البحر والقافية، بدأها بقوله:
أتاني مقالٌ لامرئٍ غيرِ عالمٍبِطُرْقِ مجاري القول عند التخاصمِ •••

وقال: مسيحيٌّ وليس كَذَاكُمُأخو قسوة لا يحتذي فعلَ راحمِوما المَلكُ الطهْرُ المسيحيُّ غادرًاولا فاجرًا رَكَّانة للمظالمِتثبَّتْ — هداك الله — إن كنت طالبًالحقٍّ، فليس الخبطُ فعلَ المقاسمِولا تتكبَّر بالذي أنت لم تَنَلْكلابس ثوبِ الزور وسط المقادمِوما العجزُ في ركضٍ على أهل غرةٍوهل ذاك إلا مِن مخافة هازمِوهل نلتَ إلا صُقعَ طرسوسَ بعد أنْتسلَّمتَها مِن أهلها كالمُسالمِ وفخر بفعل المسلمين مِن قبلُ فقال:
ترى نحن لم نوقع بكُمْ وبلادِكمْوقائع يُتْلى ذكرها في المواسمِ؟مئين ثلاثًا مِن سنين تتابعتْنَدُوسُ الذرَى مِن هامِكم بالمناسمِ •••

أتذكر هذا أم فؤادك هائمفليس بناسٍ كلَّ ذا غير هائمٍ •••

طردناكم قهرًا إلى أرض رومِكُمفطِرْتُمْ من الشامات طرد النعائمِ وردّ عليه في أسره وسَبيه وبيَّن الفرقَ بين معاملة المسلمين للأسارى والسبايا ومعاملة الروم لهم فقال:
وعظَّمت مِن أمرِ النساءِ وعندنالكم ألفُ ألفٍ من إماءٍ وخادمِولكن كُرْمنا إذ ظفرْنا وأنتمُظفرتم فكنتم قدوةً للألائمِ وردَّ عليه في أمانيه في الفتوح فقال:
وعدَّدتَ بلدانا تريد افتتاحهاوتلك أمانٍ ساقها حُلمُ حالمٍومَن رام فتح الشرقِ والغرب ناشرًالدين صليب فهو أخبثُ رائمِلئن كان بعض العُربِ طارت قلوبهمْأو ارتدَّ منهم حشوةٌ كالبهائمِفللحقِّ أنصارٌ ولله صفوةٌيذودون عنه بالسيوف الصوارمِأتتك خراسانُ تجرُّ خيولهامسوَّمةً مثل الجراد السوائمِكهولٌ وشبَّانٌ حماة أحامسِمَيَامِنُ في الهيجاء غيرُ مشائمِغزاةٌ شَرَوا أرواحَهم مِن إلههمْبجنَّاته واللهُ أوفَى مساومِ وردَّ عليه أمله في فتح بلاد المسلمين بأمل المسلمين في فتح القسطنطينية:
ونرجو بفضل الله فتحًا معجَّلًاننال بقسطنطين ذات المحارمِهناك يُرَى نقفور واللهُ قادرٌينادَى عليه قائمًا في المقاسمِويجري لنا في الروم طرًّا وأهلهاوأموالها جمعًا سهامُ المغانمِفيضحك منَّا سِنُّ جذلانَ باسمٍويقرع منه سنَّ خزيانَ نادمِوإن تُسْلِموا فالسلمُ فيه سلامةٌوأهنأ عيشٍ للفتى عيشُ سالم ومن العجيب أنه لما ردَّ عليه في سوء الحكَّام وفساد القضاة سَلَّم بهذا ولم ينكره وقال:
وقلتم: ملكناكم بجورِ قضاتِكموبيعِهم أحكامَهمْ بالدراهمِوفى ذلك إقرارٌ بصحة دينناوأنّا ظَلمْنا فابتُلينا بظالمِ وسافرت قصيدة نيقفور برًّا وبحرًا حتى وصلت الأندلس، فعزَّ عليها ألَّا تساهم في الرد عليها كما ساهم الشرق، فأنشأ ابن حزم الإمام العالم الأديب المعروف قصيدة أخرى على نفس الرويِّ والقافية، أولها:
مِن المحتميِّ بالله ربِّ العوالمِودين رسول الله مِن آل هاشمِ ورثى لحال الخليفة العباسي وأن ليس في يده شيء حتى يدعوه نيقفور:
دعوتَ إمامًا ليس مِن أمر آلهِبكفَّيْهِ إلا كالرسوم الطواسمِدَهَتْهُ الدواهي في خلافته كمادهت قبلَهُ الأملاك دهمَ الدواهمِولا عجبٌ مِن نكبةٍ أو ملمَّةٍتصيب الكريمَ الحرَّ وابن الأكارمِولو أنه في حال ماضي جُدُودهلجُرِّعتمو منه سمومَ الأراقمِ ويقول: إنكم إنما ظفرتم بالمسلمين لتخاذلهم:
ولمًّا تنازعنا الأمورَ تخاذلًاودالت لأهلِ الجهل دولةُ ظالمِوقد شغلت فينا الخلائف فتنةٌلعبدانهم من تُركهِمْ والديالمِوثَبتمْ على أطرافنا عند ذلكموُثوبَ لصوصٍ عند غفلة نائمِ وفخر بأعمال المسلمين ومجدهم القديم:
ألم ننتزع منكم بأيدٍ وقوةٍجميعَ بلاد الشام ضربةَ لازمِومصرًا وأرض القيروان بأسرِهاوأندلسًا قسرًا بضرب الجماجمِ ثم أنذرهم بالمجد الحديث:
رويدًا يَعُدْ نحو الخلافة نورُهاويكشف مغبرَّ الوجوه السواهمِوحينئذ تدرون كيف فراركمإذا صدمتكم خيلُ جيشٍ مصادمِعلى سلفِ العادات منَّا ومنكمليالي أنتم في عداد الغنائمِ وأطال في ذكر فعال السابقين وأمله في الحاضرين والقادمين والإسلام والمسلمين، وبشر بفتح القسطنطينية والهند والصين:
وإلى أن يُرى الإسلامُ قد عَمَّ حكمُهُجميعَ البلاد بالجيوش الصوارمِ وهكذا إلى أن أتمها ??? بيتًا وختمها بالموازنة بين قصيدته التي كالعقد الفريد، وبين قصيدة الخصم الباردة:
أتيتم بشعرٍ بارد متخاذلٍضعيفِ معاني النظم جمِّ البلاعمِفدونكها كالعقد فيه زمرُّدٌودُرٍّ وياقوتٍ بإحكام حاكمِ ثم أُسْدِل الستار على هذه المعركة العنيفة، ولم يكن الحكم فيها — للأسف — لرجال البلاغة ولا جهابذة النقد، وإنما كان الحكمُ فيها للسيف، وظل بيت أبي تمام صادقًا على مدى الدهور:
السيفُ أصدقُ أنباءً مِن الكتبِفي حدِّه الحدُّ بين الجد واللعبِ? مدينة قديمة في آسيا الصغرى تسمى الآن إيركلي.? مدينة في تركية آسيا بين ملطية وسميساط.? من هذا ما يرويه ابن حوقل أن بني حبيب وهم أبناء عم بني حمدان كانوا ينزلون بنصيبين، فأكبَّ عليهم بنو حمدان بصنوف الجور حتى خرجوا بذراريهم في اثني عشر ألف فارس إلى الروم وتنصَّروا.? يريد بالديالم بني بويه.? الطاق والكرخ محلتان ببغداد.
في الأدب العربي (?)


أدب الفيل
المعروف أن الأدب العربي عُني أكثر ما عني بالإبل لأنها كانت عماد العرب في حياتها، فلم يتركوا شيئًا فيها حتى عالجوه جملة وتفصيلًا. ومع هذا فلما اتصلوا بغيرهم من الفرس والهنود ورأوهم يعتمدون — فيما يعتمدون — على الفيل، عالجوه في أدبهم كما استخدموه في حروبهم امتثالًا لقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ. ولو عاشوا اليوم ورأوا الدبابات والطائرات لاستخدموها في حروبهم وأدبهم.
لقد رأى العرب الفيل في غزو الحبشة لهم لما أتوا من اليمن يريدون هدم الكعبة، ففشلوا وجاءت في شأنهم سورة الفيل.
ثم شاهد العرب الفيلة في حروبهم مع الفرس في غزوة القادسية وجلولا ونهاوند، فلم يخافوا ولم يهنوا، فغلبوهم بجمالهم؛ لأنه كان مع الجمال قلوبهم — وقلوبهم قلوب أسود — وكان مع الفيلة قلوب أعدائهم، وقلوبهم هواء.
وظهر في آخر العصر الأموي شاعر اسمه هارون بن موسى الأزدي بالولاء، كان شاعرًا وكان يحارب مع المسلمين بالمولتان من أرض الهند، مارس الفيلة في الحروب فعالجها في الشعر، وقال في صفات الفيل أشعارًا كثيرة، وقد حكوا عن هارون هذا أنه اكتشف سرًّا خطيرًا وهو أن الفيل يخاف من الهر، فجاء الموقعة ومعه هرٌّ خبأه في ملابسه فلما دنا من الفيل رمى الهرَّ في وجهه ففزع الفيل وولى هاربًا، وهربت الفيلة على أثره، وتساقط الأعداء من فوقها فكان ذلك سبب الهزيمة، وأترك تحقيق ذلك لعلماء الحيوان.
ولما رأى المسلمون أن خصومهم يعتمدون على الفيلة في حروبهم، لم يجمدوا، وألَّفوا في جيوشهم فرقة الفيلة، فكان في جيش أبي جعفر المنصور فرقة الفيلة والفيَّالين، وكذلك مَن بعده من خلفاء العباسيين، ومرنوا عليها ومهروا فيها مهارة خصومهم.
وعالج المعتزلة موضوع الفيلة كما عالجوا الحيوانات كلها من ناحية دلالتها على عظمة خالقها، ومن ناحية «أعاجيب ما رُكبت عليه من الدفع عن أنفسها والعمل على ما يحييها، وإدراكها ذلك بالطبع من غير روية، وبحس النفس من غير فكرة، ليعتبر معتبرٌ، ويفكر مفكر؛ ولينفي عن نفسه العُجب ويعرف مقداره من العجز ونهاية قوته ومبلغ نفاذ بصره، وأن الأعاجم من أجناس الحيوان يبلغ في تدبير معيشته ومصلحة شأنه ما لا يبلغه ذو الروية التامة والمنطق ،البليغ، وأن منها ما يكون ألطف مدخلًا، وأرق مسلكًا وأصنع كفًّا وأجود حنجرة»? وعلى ذلك ألَّف المعتزلة القصائد الطوال في بديع صنع الله في الحيوان، كما ألف الجاحظ كتابه الممتع في الحيوان، وأُعجب ذوو المشاعر والذوق بالفيل لما رأوا فيه من صفات جميلة جليلة؛ فله من القوة ما يقلع الشجرة الكبيرة ويهدم الحائط الضخم، وهو إلى ذلك وديعٌ لسائسه وداعة الحَمَل، وهو ثقيل الوزن خفيف الوطء حتى قد يمر بجانب الإنسان، فلا يشعر به لحسن خطوه، وهو بديع المنظر عظيم الصورة، جمع إلى الجلال الجمال، يعجبك بطول خرطومه وجمال أنيابه وسعة أذنيه، قابلٌ للتأديب فيُعلِّم السجود للملوك وممارسة القتال في الحروب، من أذكى الحيوانات وأقربها إلى الإنسان. وقد علَّمه الإنسان القاسي القسوةَ؛ فكان ملوك الفرس يمرِّنونه على قتل مَن شاءوا بخبطه ودوسه، فكانت الأكاسرة تلقي لها بالرجُلِ فتنقضُّ عليه وتضربه وتدوسه حتى يفارق الحياة، وليس الذنب ذنبها، وإنما ذنب لإنسان الذي علَّمها، وجرى ذلك إلى الشعر العربي فقال الشاعر: وأخبط خبط الفيل هامة رأسه
ثم كان الفيل مصدر وحي للأفكار والمعاني عند الفرس والهنود، وانتقل ذلك إلى اللغة العربية عن طريق كتاب كليلة ودمنة، فهو غني بالأمثال المشتقة من الفيلة مثل: «وقال العلماء: إن الرجل الفاضل لا ينبغي أن يُرَى إلا في مكانين ولا يليق به إلا أحدهما: إمَّا مع الملوك مكرَهًا وإما مع النُّساك متبتلًا، كالفيل إنما بهاؤه وجماله في مكانين: إما في برية وحشيًّا وإما مركبًا للملوك»، وفيه «إن مثلك في هذا كما قال التاجر: إن أرضًا يأكل جرذانها مائة مَنٍّ مِنْ حديد غير مستنكر إن تخطف بُزاتُها الفيلة»، وفيه «إن الكريم إذا عثر لم يستعِن إلا بالكريم، كالفيل إذا وحل لم يستخرجه إلا الفيلة» إلخ إلخ.
ولحظت العرب في الفيل كثرة أكله وشدته وعظم خَلقه، فضربت بذلك كله الأمثال فقالت: آكَلُ من فيل، وأشدُّ من فيل، وأعجب مِن خَلْق فيل.
ورووا أنه حضر فيلٌ في المدينة وكان مالك بن أنس يدرِّس في المسجد، فقال قائل: قد حضر الفيل. فقام تلاميذ مالك ينظرون إلى الفيل وتركوه، إلا يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، فقال له مالك: لِمَ لْم تخرج لترى هذا الخلق العجيب وليس في بلادك؟ قال: إنما أتيت لآخذ علمك ولم آتِ لأنظر الفيل.
وحدث في سنة (????) أن وقع خلاف في أسرة بني بويه، وقاتل عضد الدولة البويهي فخرَ الدولة البويهي أيضًا، فانهزم فخر الدولة والتجأ إلى قابوس بن وشمكير بجرجان، فطلبه عضد الدولة، فأبى قابوس أن يُسلمه، فتحاربا وانهزم قابوس، وكان في الجيش المنتصر السياسيُّ الأديب الصاحب بن عبَّاد، وكان فيما غنموا فيلٌ عظيم كثر الحديث عنه، فلما سكت السيف تكلم اللسان، فاقترح الصاحب بن عباد على الشعراء أن يقولوا في الفيل، واشترط عليهم أن يكون ما يقولون على وزن وقافية قصيدة عمرو بن معد يكرب البطل الشجاع المشهور فارس اليمن:
أعددتُ للحدثان سابغةً? وعدَّاءً عَلنْدَى وكان مُوفقًا في هذا الاختيار، فالقصيدة حماسية قوية، وهي إلى حماستها ظريفة الوزن جيدة الوقع، فتدفق الشعر في الفيل، وكان لنا من ذلك أدبُ فيلٍ وفيرٍ غزير نسوق طرفًا منه. فمما قال أبو الحسن الجوهري:
فيلٌ كرَضْوَى? حين يَلبسُمِن رِقاق الغيمِ بُردامثل الغمامة مُلِّئَتأكنافُها برقًا ورَعْدارأس كَقُلَّةِ شاهقٍكُسِيَتْ مِن الخيْلاءِ جِلدافتراه مِن فرْطِ الدلالِ مصعِّرًا للناس خدَّايُزهَى بخرطوم كمثلــل الصولجان يُرَدُّ رَدَّامتمدِّد كالأفعوان تمدُّهُ الرمضاءُ مدَّاأو كُمِّ راقصةٍ تســير بهِ إلى الندمان وَجْدَّاوكأنه بوقٌ يُحرِّكُّهُ لِينفخَ فيه جدَّايسطو بساريتَيْ لجيــنٍ يَحطمان الصخرَ هدَّاأُذُناه مِروحتان أُســندتا إلى الفوْدَين عقدَاعيناه غائرتان ضيــقتا لجمع الضوء عمدَافَكٌّ كفُوَّهَةِ الخليــجِ يلوكُ طولَ الدهر حقداتلقاه مِن بُعدٍ فتحــسَبُهُ غمامًا قد تبدَّىمتنًا كبُنيان الخوَرْنقْ ما يلاقي الدهر كدَّاذَنَبًا كمِثْلِ السوْطِ يَضــربُ حوله ساقًا وزندَّايخطو على أمثال أعــمِدة الخباء إذا تصدَّىأو مثلِ أميالٍ? نُضِدْن مِن الصخورِ الصُّمِّ نضدامتلفِّع بالكبرياءِ كأنه ملكٌ مفدَّىأذكى مِن الإنسان حتىلو رأى خللًا لسدَّالو أنه ذو لهجةٍوفَّى كتاب الله سرْدا ومما قاله عبد الصمد بن بابك:
وممسَّكِ البردَيْن فيشبهِ النقا شيَةً وقدَّافكأنما نَسجتْ عليهيدُ الغمام الجون جِلداوإذا تخلَّل هضبةًفكأنَّ ظلَّ الليل مُدَّاوإذا هوَى فكأن ركــنَا مِن عَمايةَ? قد تردَّىوإذا استقلَّ رأيتَ فيأعطافه هزلًا وجدّا إلخ. إلخ.
وقال أبو محمد الخازن:
كَبَنيَّةٍ? من عنبرٍدعمتْ سواري الساج نضدالولا انقلابُ لسانِهِلرأيتَهُ خصمًا ألدَّاوكأنما خرطومهُراووق خمرٍ مُدَّ مدَّاأو مثل كُمٍّ مُسبلِأرخته للتوديع سُعْدَىوإذا التوى فكأنه الثــعبانُ مِن جبلٍ تردَّىيُكسَى الحدادِ وتارةًيُكسَى نسيجَ الذَّرْعِ سرْدا •••

قد ساد كلَّ بهيمةٍكَيسًا ومعرفةً وجدَّافكأنما يومَ الوغىيُكسى من الخيلاءِ بُردًاوإذا انثنى مِن حربهِيسعَى فيرقص دَسْتَبَنْدَا? إلخ. إلخ.
وهكذا أقاموا معمعةً حول الفيل كما أقاموا معمعةً حول المُلْك.
وفي هذا القدر اليوم كفاية.
? الجاحظ في «الحيوان».? السابغة: الدرع الواسعة. والعلندي: الفرس الشديدة.? رضوى: جبل بالقرب من المدينة.? الأميال: المنارات.? عماية: اسم جبل بالبحرين.? البنية: البناء.? نوع من الرقص عند المجوس يمسك فيه بعضهم بيد بعض ويدورون.
فى الأدب العربي (?)


مما أعيب عليه كثيرًا من الأدباء ميلَهم إلى قصر الأدب على الشعر والنثر الفني المصنوع، فإذا أنا عمدت إلى الكتب المؤلفة في مختار الأدب لم أجد — غالبًا — إلا هذين النوعين: شعرًا من امرئ القيس إلى شوقي وحافظ، ونثرًا من عبد الحميد الكاتب وأمثاله من ابن المقفع والجاحظ، ثم ابن العميد وابن عباد والقاضي الفاضل، إلى المنفلوطي وأضرابه. وأرى أن هذه الفكرة عن الأدب غير صحيحة، وأنها ضارة بالناشئين والمتعلمين؛ إذا تجعلهم يتصورون الأدب على أنه حلية لفظية شكلية، فإذا عمق الكاتب وفكر تفكيرًا دقيقًا خرج عن الأدب ولم يُسمَّ أديبًا. وضررُ هذا واضح، وهو اتجاه الأدب العربي إلى السطحية، والعناية فيه بالشكل أكثر من العناية بالموضوع. فإذا نحن استثنينا ابنَ المقفع والجاحظ وأمثالهما من الكُتَّاب الذين كان لأدبهم موضوعٌ رأينا الكثرة العظيمة تتجه نحو الأدب الشكلي الذي تسُود فيه العناية بالألفاظ، وتنميقها أكثر من عنايتهم بالأفكار وتوليدها والموضوع ودراسته. على هذا سار ابن العميد وابن عبَّاد والثعالبي والقاضي الفاضل والعماد الأصفهاني وأمثالهم إلى المنفلوطي.
وقد آن لنا أن نعيد النظر في هذا الوضع من ناحية الأدب القديم والحديث؛ فمن ناحية القديم يجب أن نتوسع في فهم معنى الأدب، فنُدخل فيه نواحي كثيرة لم يُنظر إليها على أنها أدب، فالشعر الصوفي والنثر الصوفي أدبٌ يجب أن يدرس، وهو يمثل ناحيةً من نواحي النفس والعكوف عليها والتأمل فيها، ويجب أن يختارَ منه في كتب المختارات، والإحياء للغزالي جزء كبير منه نوع من الأدب يجب أن يُدرس ويُختار منه، ومقدمة ابن خلدون نوع من الأدب؛ لأنها تتعرض لشرح نظرياتٍ اجتماعية واقتصادية في أسلوب أدبي، وليس الأسلوب الأدبي مقصورًا على السجع والجناس والمزاوجة، بل إن الأسلوب المرسَل كأسلوب ابن خلدون أرقى وأجمل من أسلوب القاضي الفاضل؛ لأن المعنى إذا تفهَ احتاج إلى زينة صناعية تستره، ولكن إذا جمل وغزر كان كالغانية تستغني بجمالها عن حليها.
وبعض رسائل إخوان الصفا أدب، غزيرة الفكر في أسلوب جيد، ويجب أن يعلم الطالب نوعًا من النماذج الفلسفية تعينه على عمق التفكير وسلامة المنطق.
وألف ليلة وليلة أدب كمقامات الحريري، فهي تعلِّم الخيال الواسع ووصف المجتمع في شكل قصصي، ومقامات الحريري تعلِّم اللغة والأساليب في خيال محدود. والذي دعانا إلى هجر ألف ليلة وعنترة وعدم تقويمهما نزعتنا الأرستقراطية الضيقة في فهمنا أن الأدب لا يكون إلا حيث اللفظ الضخم والتأنق في التعبير.
وكتب التاريخ ذات الأسلوب الجيد، والتي لا تُعنى فقط بالأحداث وتاريخ وقوعها كتبُ أدب، كتاريخ الطبري، وتجارب الأمم، والفخري.
وكتب الرحلات، كرحلة ابن جبير وابن بطوطة وأمثالهما كتبُ أدب ذات موضع جيد، يعين على حب المغامرات ودقة النظر وإجادة الوصف.
وهكذا وهكذا، في التراث العربي أنواع كثيرة غير الشعر والنثر الفني يجب أن تُعد أدبًا، ويجب أن تُدَرَّسَ في باب الأدب، ويُختار منها لنماذج الأدب.
أما في الأدب الحديث، فالأمر أوضح، فيجب أن يتجه أدباؤنا إلى الموضوع أكثر من الشكل. ونحمد الله إذ نرى هذا الاتجاه واضحًا جليًّا؛ فالكتب التي تتعرض للمشاكل الاجتماعية أدب، والكتب التي تنقد الأوضاع السياسية أدب. وحسبنا أن نرى أكبر الأدباء في أوروبا اليوم يتجهون هذا الاتجاه. فبرنارد شو يكتب في الاشتراكية ونقد النُّظم الاجتماعية وتُعدُّ كتبه هذه من صميم الأدب كرواياته التمثيلية، و«?. ج. ولز» يؤلف في التاريخ على نمط جيد، وفي نقد السياسيين والنظم الحاضرة، وما يرجى للعالم من سعادة، وتُعدُّ كتبه هذه أدبًا كرواياته السينمائية. وبالأمس قرأت للأستاذ ديورانت وصفًا لكتاب «الإنسان ذلك المجهول» للدكتور إلكسيس كارليل يقول فيه: إنه أعمق كتب الأدب الأمريكي الحديث وأعظمها قيمة، وأحفلها بالحكمة، وما هذا الكتاب؟ إنه كتاب لطبيب تعرض فيه مؤلفة لجسم الإنسان، وأنواع نشاطه العجيب، والغدد ووظائفها، وجهود العقل ومظاهر النبوغ، ومواهب النوابغ وأسبابها، وأعمال الجسم العجيبة في حفظ الذات ونحو ذلك في أسلوب يبعث على الإعجاب من الجسم الإنساني وعظمته، وعظمة أعماله وعظمة خالقه — فعَدَّ هذا أدبًا. فَفَهْمُنَا للأدب على أنه شعرٌ أو نثر يشبه الشعر، أو قصة بديعة، أو نحو ذلك فَهْمٌ قاصر، والأدب أوسع من ذلك وأشمل، وإن كنا قصَّرنا إلى الآن في أدب الموضوع وأفرطنا في أدب الشكل، فواجبنا يقضي أن نزيد في الاتجاه نحو أدب الموضوع حتى يعالَج النقص.
لست أريد أن أُغمط الأسلوب حقَّه، فالأسلوب عنصر كبير من أهم عناصر الأدب، وله فضلٌ كبير على المعاني، فهو يرقى بالمعنى إلى حد الإعجاب، بل هو قد يعمد إلى المعاني المألوفة فيخرج بها إلى مستوى رفيع، ولكن أريد أن أقول: إننا — وفي عصرنا خاصة — لا يمكن لأديب أن يتبوَّأ مكانًا عالميًّا إذا اعتمد على الأسلوب وحده، وكان مصابًا بالفقر العقلي، وإن الأدب الحقَّ يجب أن يرتكز على ركنين أساسيين لا بد منهما، وهما الموضوع والأسلوب. وإعجاب الناس إذا كان مبنيًّا على الأسلوب وحده إعجابٌ موقوت كالإعجاب بأعمال الحواة والمهرِّجين. إنما يطول الإعجاب يوم يُعتمد على الموضوع في أسلوبٍ، لا على الأسلوب له صورة موضوع.

المنطق العملي


كثير من الناس يخطئون فيظنون أن مجال المنطق هو الدراسة النظرية والبحوث الجامعية والبيئات العلمية، ولكن الواقع غير ذلك، فأعمالُ الحياة كلُّها خاضعة للمنطق — الفلاح في زراعته، والتاجر في بيعه وشرائه، والإنسان في أسرته وفي وظيفته وفي جمعياته، كل أولئك خاضعون في كل تصرفاتهم للمنطق العملي.
غاية الفرق أن ما يُدرس في معاهد العلم هو علم المنطق، وما يُستخدم في الحياة اليومية هو فن المنطق، وذلك كعلم الموسيقى الذي يدرس النظريات، وفن الموسيقى الذي يعلِّم التوقيع على الآلات، وعلم الهندسة وفن الهندسة، وعلم البلاغة، وفن البلاغة، وهكذا. العلم يقرر القواعد النظرية، والفن يمارس الناحية العلمية.
وأعتقد أن مِن أهم الفروق بين تاجر راقٍ وتاجر منحطٍّ وفلاح راقٍ وفلاح منحط وأسرة راقية وأسرة منحطة وأمة راقية وأمة منحطة هو استخدام الطائفة الأولى لفن المنطق، وإهمال الثانية له، وأن من أهم وجوه الإصلاح في الأفراد والجماعات نشر فن المنطق بينهم.
الخصام بين الناس، والنازعات بين الأحزاب، وسوء المعاملة بين الملَّاك والزراع وبين الباعة والمشترين وبين الرؤساء والمرءوسين وبين أصحاب الحاجات والموظفين، يرجع في الأعم الأغلب إلى سوء التفكير وانعدام فن المنطق أو ضعفه. فَرَقِّ التفكير في أية طائفة من الطوائف واجعلهم يؤسسون تفكيرهم على المنطق، ويصدرون في أعمالهم حسب فن المنطق ترتقِ المعاملةُ وترتقِ الطائفة.
استعرِض ما شئتَ من التصرفات تجد أن صواب التصرف راجع إلى انطباقه على فن المنطق، وخطأه وما ينتج عنه من أضرار راجع إلى الانحراف عن فن المنطق. هَبْ أن الأسرة قررت شراءَ سيارة، ففن المنطق يقضي بحساب ميزانية البيت ودرس ثمن السيارة وما تتكلفه كل شهر ومنافعها ومضارِّها ودرس ما تحتاجه الأسرة من ضروريات وكماليات، ومنزلة السيارة من هذه الأشياء الضرورية والكمالية، ومنزلة ثمن السيارة من ميزانية الأسرة، فإن دُرس ذلك كله درسًا صحيحًا ورُؤيَ من المستحسن شراء السيارة، فهذا من فن المنطق. ولكن إن اشتريت السيارة مِن غير درسٍ وموازنة ومقارنة، فقد أُهمل فن المنطق وتعرَّض رب الأسرة لأضرارٍ كثيرة. وعلى هذا القياس كل ما يحصل من متاعب في الأسرة من جهة الميزانية سببه إهمال فن المنطق.
خُذ مثلًا آخر في الأسرة: أمٌّ مرض طفلها فارتفعت حرارته واستمرَّت مرتفعة، فسألت الجيران ماذا تفعل! فكلٌّ أشار عليها بعمل، فعملت بالإشارة الأولى فلم تنجح، فعملت بالإشارة الثانية، ثم بالثالثة فمات الطفل. إن الطفل إنما مات من إهمال المنطق، فالمنطقُ الصحيح عَرْضُ الطفل على الطبيب ليعرف نوع المرض وما يناسبه من علاج.
هذه أمثلة صغيرة جدًّا واضحة جدًّا، ولكن استعرض على ضوئها كل ما يشقي الأسرة تجد أنه راجع إلى إهمال المنطق من الأسرة، أو من ربة الأسرة أو من أولاد الأسرة، وأن الأخطاء راجعةٌ إلى أن أعمالًا تعمل قبل أن تُدرس ويفكَّر فيها تفكيرًا صحيحًا، أو أنها دُرست ولكن اتخذ لتحقيقها وسائل غير صحيحة، أو قُوِّمت فيها اعتباراتٌ سخيفة لأسباب سخيفة غمرت الاعتبارات الصحيحة وهكذا. كذلك الشأن إن نحن وسَّعنا نظرنا من الأسرة إلى علاقاتنا الاجتماعية والسياسية، فهي تحسُن بالمنطق وتسوء بعدم المنطق.
إن التاجر الناجح في الحياة هو التاجر الذي طبَّق فن المنطق مِن عرضه لسلعه، وضبطه خَرجه ودخله ورأس ماله وربحه، ومعرفته لنفسية الجمهور وطريقة إرضائهم وهكذا. فإن هو سار على البركة لم ينجح إلا إذا وقع مصادفةً على فن المنطق، وضحايا التجار وأرباب الأعمال هم في الواقع ضحايا المنطق الفاسد.
انتقل بعد هذا إلى الجو السياسي ترَ أن البرلمان الصالح هو السائر في بحوثه، وكلام أعضائه ومناقشاتهم وجدلهم وضبط عواطفهم على فن المنطق، فإن هم انحرفوا عنه فبرلمانٌ فاسد، والبلد الناضج في السياسة هو الذي يسيطر عليه رأي عامٌّ يعرف فن المنطق، فيحكم على الأشياء والحوادث والأشخاص حكمًا صحيحًا، يقدِّر الكلام بما فيه من حقائق لا بما فيه من تهويش، ويقدِّر المسائل بجواهرها لا بأشكالها. والبلد البدائي في السياسة هو الذي لا يدرك فن المنطق؛ فيقدِّر السياسي بتملقه له، ويقدر الشيء بمنفعته الحاضرة القريبة وإن استتبعت أضرارًا بعيدة، ويخدعه التهويش، وهكذا.
كل الناس صالحون لأن يتقدموا في فن المنطق على اختلاف استعدادهم، ومِن الناس من مُنحوا استعدادًا فطريًّا جيدًا، فساروا في الحياة على فن المنطق، وإن لم يعلموا أنه منطق ولم يسمعوا باسم المنطق، ولكن مهما كان الاستعداد فالتربية المنطقية تصقله وتزيده قوةً وصفاءً.
إن العمل الصحيح هو وليد التفكير الصحيح، والتفكير الصحيح وليد شيئين؛ تثقيف واسع بقدر الإمكان، وبيئة صالحة بقدر الإمكان، فإذا أردنا أن نرقِّي الشعب من ناحية تفكيره وعمله في الحياة حسب فن المنطق وجب أن نثقفه ما وسعنا تثقيفه، فالجهل عدو التفكير الصحيح، ثم يجب أن نصلح ما حوله بالأمثلة والنماذج الصالحة للتفكير الصحيح، ثم نفتح عينه للتجارب. فهذا العمل جُرِّب فحسنت نتائجه فيجب أن يكرَّر، وهذا العمل جُرب فساءت نتائجه فيجب أن يُجتنب أو أن تعاد تجربته على نمط آخر.
بل إن فن المنطق لا يُستفاد من التعلم النظري بقدر ما يُستفاد مما نسميه التربية الاجتماعية، ونعني بذلك أن الجمعية التي يعيش فيها الفرد هي معهد تربية، فإذا كان هذا المعهد يفكِّر تفكيرًا منطقيًّا ويعمل وفق تفكيره، كان هذا أكبر مربٍّ للفرد، وكل محل تجاري منظم يجري على فن المنطق هو أكبر معلم لأفراده فنَّ المنطق، وكذلك الأسرة والمصنع والحزب، فالبيئة التي يعيش فيها كل فرد هي مدرسته التي تعلِّمه حُسن المنطق أو سوء المنطق؛ وهذه البيئة قابلة للتغير المستمر من سيئ إلى حسن أو مِن حسن إلى سيئ؛ فالفلاح يسوء تفكيره لأن بيئته سيئة التفكير خاضعة للاعتقادات الخرافية والتقاليد البعيدة عن فن المنطق، والمصنع الفوضَى والمتجر الفوضَى أسوأ مدرسة لفن المنطق. فأصلِح هذا كله يصلُح التفكير فيصلح العمل.
والمدرسة النظامية تقوم بنوعين من التربية: التربية عن طريق العلوم النظرية، وهي قليلة الأهمية هنا، والتربية الاجتماعية، وهي تربية السلوك والناحية العملية في الحياة. ومما يؤسف له أن هذه التربية الثانية إلى الآن ضعيفة، وهي التي عليها عماد التفكير الصحيح والعمل على وفق هذا التفكير.
كذلك من أهم معاهد التفكير الصحيح السينما والتمثيل والصحافة؛ فهي دائمًا تعرض نماذج في التفكير ومن الحوار ومن العمل وفق التفكير، فإذا أُصلحت حدث فن المنطق في الأمة ورفعته، وإلا أفسدته ووضعته.
إن عهود الظلام السابقة خلَّفت لنا ديونًا ثقيلةً من تقاليد وأوضاع لا تتفق وفن المنطق؛ فعاداتنا في الزواج والطلاق والأفراح والمآتم، واعتقاداتنا في الأضرحة والمشايخ وطب الرُّكَّة والرُّقَى والتعاويذ ونحو ذلك، كلها ضرباتٌ سامة في صميم فن المنطق، تميت الفكرَ الصحيح، وتجعل الأعمال الصادرة عنه أشبه بأعمال المخبولين والمعتوهين، فإذا رقي الفكر بالوسائل التي ذكرنا حلَّ محلها تدريجًا تقاليدُ مبنية على المنطق.
وعلى الجملة فالحياة ليست إلا سلسلة تفكير تتبعها سلسلة أعمال، فإن ساء التفكير ساء العمل فساءت الحياة، وإن حَسُن التفكير حسن العمل فحسُنت الحياة.
فإن نحن قلنا: إن شقاء الناس مِن سوء المنطق لم نُبعد.

سلطان العقل عند أبي العلاء?


يرى القارئ لتراث أبي العلاء — وخاصَّةً اللزوميات — إشادةً بالعقل، واعترافًا بقوة سلطانه، فهو أعز ما وُهب الإنسان:
والعقل أنفسُ ما حُبيتَ وإن يُضَعيومًا يَضَع، فغوى الشراب وما حلَبْ وهو الهادي الوحيد لمعرفة الخير والشر، والحق والباطل، فلا حاجة إلى انتظار إمام معصوم يرشد الناس إلى ما يُعمل وما يُترك — كما يقول الشيعة — فالعقل كفيل ببيان ذلك كله.
يرتجي الناس أن يقوم إمامٌناطقٌ في الكتيبةِ الخرساءكذبَ الظنُّ لا إمامَ سوى العقلمشيرًا في صبحهِ والمساء ولكن الناس في كل زمان ومكان ما قدَروا العقل قدره، ولا وفَّوْهُ حقه، ولا عرفوا كيف ينتفعون به:
ما كان في هذه الدنيا بنو زمنإلا وعندي من أخبارهم طرَفُيُخَبِّرُ العقلُ أن القوم ما كَرُمواولا أفادوا ولا طابوا ولا عَرَفواعاشوا طويلًا وماجُوا في ضلالتهمولا يفوزون — إن جُوِّزوا — بما اقترفوا بالعقل والتفكير الصحيح تنقشع الغيوم، وتنجاب الظلماء، وتهون الصعاب وتنكشف الحقائق:
إذا تفكرت فكرًا لا يمازجُهُفسادُ عقلٍ صحيحٍ هان ما صَعُبا •••

خذوا في سبيل العقل تُهْدَوْا بهديهِولا يَرْجُوَنْ غيرَ المهيمنِ راجولا تطفئوا نورَ المليكِ فإنهممتِّعُ كلٍّ مِن حجًى بسراج •••

وفكِّروا في الأمور يُكشَفْ لَكُمْبعضُ الذي تجهلون بالتفكير والدنيا مملوءة بالتجارب، ولكن التجارب طير اختبأ في عشِّه، إنما يستطيع أن يصيده مَن مُنح العقل والعمر:
إن التجارب طيرٌ تألف الخَمَرايصيدُها من أفاد اللبَّ والعُمُرا والعقل هو المرآة الصادقة تُرى فيها الحقائق، لا كلام الناس والإخوان:
أرى اللبَّ مرآةَ اللبيبِ ومن يَكُنْمرائيَهُ الإخوانُ يُصدَق ويُكذَبِ وإنما يقيِّد العقلَ ويمنعه عن إدراك الحق والعمل به ما رُكِّب فيه من طبعٍ وشهوات، فالعقل مغلولًا بالشهوات كالشمس يحجبها الغمام:
يتحارب الطبعُ الذي مُزجت بهمُهَجُ الأنامِ، وعقلُهم، فيُغلَّهْويظلُّ ينظرُ، ما سَناه بنافعٍكالشمسِ يسترُها الغمامُ وظلُّهحتى إذا حضر الحِمامُ تبيَّنواأن الذي فعلوه جهلٌ كلّه •••

واللبُّ حارَبَ فيناطبعًا يكابدُ حَرْبهُ والعقل أحسن هادٍ لفعل الخير وتركِ الشر، وخيرُ الخير ما أتاه صاحبه لأنه جميل، لا رغبةً في مثوبة، ولا خوفًا من عقوبة:
عليك العقل وافعل ما رآهجميلًا فهو مُشتَارُ الشِّوارِولا تقبَل مِن التوراة حكمًافإن الحقَّ عنها في تَوَارِ •••

فلتفعل النفسُ الجميلَ؛ لأنهخيرٌ وأحسَنُ لا لأجل ثوابها وأخيرًا فالعقل نبيٌّ صادق، ومن اتبعه رَشَدَ، ومن صدَّ عنه غوى:
أيها الغرُّ إن خُصصَتَ بعقلٍفاسألنه فكلُّ عقلٍ نبِيُّ وهكذا وهكذا ملئت اللزوميات بهذه المعاني وكُررت على أشكال مختلفة نكتفي منها بهذه المثل لندل بها على قيمة العقل في نظره وسلطانه والاعتداد به، ولننظر بعد كيف استخدمه.
لقد عمل على نضج عقل أبي العلاء ذكاؤه الفطري واطلاعه على الفلسفة اليونانية وصداها في الفلسفة الإسلامية، وطول تفكيره وتأمله الذي أعانه عليه وحدته وعزلته وتجرده من شواغل الدنيا ما استطاع.
وفي الفلسفة اليونانية لونٌ زاهٍ ألوان العقلية ومِن أثر العقليين الذين يرون للعقل الحقَّ المطلق في الحكم على الأشياء والبرهنة على صحتها أو بطلانها، ولا يؤمنون بشيء ولا عقيدة ولا تقاليد ولا مواضعات إلا إذا قام البرهان العقلي على صحتها، وما لم يقم البرهان عليه لا يُسلِّمون به مهما كانت السلطة التي تجيء به، وبذلك أخضع هؤلاء اليونانيون كل شيء للعقل وسلطانه، فكما خلقوا العلوم الرياضية بعقولهم كذلك خلقوا الفضائل والرذائل بعقولهم، وقرروا النظم الاجتماعية، وأشكال الحكم السياسية بعقولهم، من غير أن تمليها عليهم أي سلطة خارجية؛ فالعالم عندهم عالم عقلي، والإنسان ضالٌّ ما لم يكتشف قوانين نفسه وقوانين الطبيعة حوله بعقل، ويَسِر على القوانين التي توائم بين نفسه والعالم الخارجي كما يرشده إليه عقله.
قرأ أبو العلاء هذا في الفلسفة اليونانية وتأثر به تأثرًا عميقًا، يدلُّ عليه ما أشرنا إليه من قبل من تمجيد العقل وسلطانه، ولكنه من ناحية أخرى نشأ في الأوساط الدينية، وقرأ تعاليمَها، وتعمق في مبادئها، وهي تقضي بأن وراء العالم المادي المنظور عالمًا روحانيًّا غير منظور، وإن كان السلطان في عالم المادة للقانون الطبيعي يدركه العقل، فالسلطان في عالم الروح لله، وإن كانت آلة العالم المنظور وإدراك قوانينه هو العقل، فآلة العالم الروحي وإدراك قوانينه هو الوحي، وفي هذا العالم الروحاني الله لا العقل هو مصدر التشريع وهو المرشد إلى الفضائل والرذائل، وهو واضع الشعائر الدينية، وهو الذي ربط بها الثواب والعقاب، وعلى الإنسان أن يطيع أوامر الدين ولو لم يهتدِ إلى بعضها بعقله؛ لأن قوة العقل في الإنسان محدودة، ووراء قوة العقل قوة الوحي.
هاتان الصورتان الصغيرتان جدًّا إذا انعكستا في النفس سبَّبتا الحيرة والاضطراب والقلق، وليس يَسْلَم من قلقها إلا مَن ألحد جدًّا فلم يخضع إلا لحكم العقل، أو من آمن جدًا فأسلم عقله لإيمانه. وهناك أصناف من المذاهب الدينية والفلسفية أرادت التوفيق بين هاتين الصورتين بأشكال مختلفة مما ليس مقصدُنا الآن.
فلننظر إلى أبي العلاء المعري كيف وقف من هاتين الصورتين، وكيف كان موقفه من سلطان العقل وسلطان الدين.
لقد أعلى شأنَ العقل كما رأينا، وأراد أن يستخدمه على طول الطريق، فبدأ ينقد به العادات والتقاليد ونظام الحياة الاجتماعية في عصره، فكان ذلك موفّقًا كل التوفيق.
لقد نقد الملوكَ والأمراء؛ لأنهم بوضعهم العقلي خدَّام الأمة:
إذا ما تبيَّنَّا الأمورَ تكشَّفتْلنا وأمير القوم للقوم خادمُ فما بال هؤلاء الخدام يعْدون عليها ويظلمونها:
ملَّ المُقام فكم أعاشِرُ أمَّةًأُمرَت بغير صلاحِها أمراؤهاظلموا الرعيةَ واستجازوا كيدهاوعَدَوْا مصالَحها وهم أُجَراؤها وهم يُصدرون من الأوامر ما لا يتفق والعقل والعدل، ثم ينفِّذون ما يأمرون بقوَّتهم وسلطانهم لا بإقناعهم، فإذا نفذ أمرهم قيل: ما أسوسَهم:
يسوسون الأمورَ بغير عقلٍفينفذ أمرُهم ويقال: ساسَهْفأفِّ مِن الحياة وأفٍّ منِّيومِن زمنٍ رياستُه خساسَهْ وهؤلاء الولاة المسيطرون على الناس لا عقل لهم، ولا عدل عندهم، شياطين في ثياب ولاة، لا يهمهم جوع الناس إذا مُلئت بطونهم، وخَمِرت رءوسهم:
ساس الأنامَ شياطين مسلَّطةفي كل مصر مِن الوالين شيطانُمَن ليس يحفِلُ خَمصَ الناس كلِّهُمُإن بات يشرب خمرًا وهو مِبْطانُ وحول هؤلاء الولاة بطانة قد جمدت عواطفُهم كأنها الحجارة أو أشد قسوة، لا يرحمون دمعة مظلوم ولا يجيبون صرخة مستغيث:
يجور فينفِي المِلكَ عن مستحِقِّهفتُسكَبَ أسرابُ العيون الدوامعومِن حوله قومٌ كأن وجوهَهمصَفًّا لم يُليِّن بالغيوث الهوامع والقضاة لا عقلٌ ولا عدل:
وأي امرئٍ في الناس أُلفِيَ قاضيًافلم يُمضِ أحكامًا كحكم سَدُوم؟ وفقهاء صناعتهم الكلام، ولا روح ولا أحلام:
كأن نفوسَ الناس والله شاهدٌنفوسُ فَرَاشٍ ما لهنَّ حُلوموقالوا: فقيهٌ والفقيهُ مموِّهٌوحِلْفُ جدالٍ والكلام كُلومُ ووعَّاظ يقولون ما لا يفعلون، ويأتون ما ينكرون:
رويدك قد غُرِرْتَ وأنت حرٌّبصاحب حيلةٍ يَعِظُ النساءَيُحرِّمُ فيكم الصهباءَ صُبحًاويشربها على عمدٍ مساءَ وشعراء ليسوا إلا لصوصًا يَعْدون على من قبلهم في سرقة أقوالهم، ويَعْدون على الأغنياء بمديحهم لسلب أموالهم:
وما شعراؤكم إلا ذئابتَلَصَّصُ في المدائح والشبابأَضَرُّ — لمن تَوَدُّ — مِن الأعاديوأَسرَقُ للمقالِ من الزَّباب? وقوم تسودهم الخرافة فيلجئون إلى المنجمين والعرَّافين والمعزِّمين، وما لهؤلاء من علم، ولكنها شباك تُنصب لاستدرار الأموال من المغفلين والمغفلات:
مُتكهِّنٌ ومنجمٌ ومُعزِّموجميع ذاك تحيُّلٌ لمعاشِ •••

لقد بكَرَت في خُفها وإزارهالتسألَ بالأمر الضريرَ المنَجِّماوما عنده علمٌ فيخبرُها بهولا هُوَ مِن أهل الحِجَا فيرجِّماويوهم جُهَّالَ المحَلةِ أنهيظلُّ لأسرار الغيوب مترجماولو سألوه بالذي فوق صدرهلجاء بِمَيْنٍ أو أرمَّ وجمجما •••

سألَتْ مُنجِّمَها عن الطفل الذيفي المهدِ كم هو عائشٌ من دهرهفأجابها مائةٌ ليأخذ درهمًاوأتى الحِمامُ وليدَها في شهره وبعد أن نقدهم طبقاتٍ، من الملوك إلى القضاة إلى الوعاظ إلى التجار إلى النساء، نقدهم جملةً، فكل الناس في زمان ومكان لا يصلحون إلا للفناء:
وهكذا كان أهلُ الأرض مُذْ فُطِروافلا يَظُنُّ جهولٌ أنهم فسدوا •••

لو غُربِلَ الناس كيما يُعدموا سقطًالما تحصَّلَ شيءٌ في الغرابيلأو قيل للنار: خُصِّي مَن جَنَى، أكلتْأجسادَهم وأَبَتْ أكلَ السرابيل •••

يحسُنُ مرأًى لبني آدموكلُّهم في الذوق لا يَعْذُبما فيهمُ بَرٌّ ولا ناسكٌإلا إلى نفعٍ له يَجْذبأفضلُ مِن أفضلِهُم صخرةٌلا تظلمُ الناسَ ولا تكذب وسبب فسادهم أنهم مُنحوا العقل فلم يُصغوا إليه ولم يلتفتوا له، وتَجاذبهم عقلٌ يُرشِد وطبع يُغوي، فجروا وراء طبعهم ولم يلتفتوا إلى عقلهم:
فأوسِع بني حواءَ هجرًا، فإنهميسيرون في نهج من الغدر لاحِبِوإن غيَّر الإثمُ الوجوهَ فما ترىلدى الحشر إلا كلَّ أسودَ شاحِبِإذا ما أشار العقلُ بالرشدِ جرَّهُمْإلى الغيِّ طبعٌ أخذهُ أخذ ساحِب •••

واللبُّ حاوَلَ أن يهذِّبَ أهلَهُفإذا البريَّةُ ما لها تهذيبُمَن رام إنقاءَ الغراب لكى يرَىوضعَ الجناح أصابه تعذيبُ •••

إلى الله أشكو مهجةً لا تطيعنيوعالَمَ سوءٍ ليس فيه رشيدحِجًى مثلُ مهجورِ المنازل دائِرٌوجهلٌ كمسكون الديار مَشيد •••

العقل إن يضعُف يكن مِن هذه الـدنيا كعاشق مومِسٍ تُغويهأو يَقْوَ فهيَ له كحرةِ عاقلٍحسناء يهواها ولا تُهوِيه •••

فطبعُك سلطانٌ لعقلك غالبٌتَدَاولُهُ أهواؤه بالتَّشصُّصسُقيتَ شرابًا لم تُهنَّأ ببردهِفعُنِّيتَ مِن بعد الصدى بالتغصُّص وهكذا أفاض في نقد المجتمع ومظاهره ونظمه وأخلاقه، وكان في كل ذلك موفقًا كل التوفيق، ومظهر توفيقه أنه استطاع في مهارة أن يدرك عيوب المجتمع في جملتها وتفصيلها، ويعالج ظواهرها، ويعمق في النفس الإنسانية في دقة وتحليل، فيصل إلى دخائلها. ثم هو لم يتناقض في هذا الباب ولم يضطرب ولم يمجمج، وجرى على وتيرةٍ واحدة في صراحة ووضوح وانسجام.
وسبب نجاحه في هذا أمران: الأول: أن الأمور الاجتماعية والأخلاقية التي نقدها هي في صميم اختصاص العقل؛ فالعقل أداة صالحة لربط الأسباب بالمسببات، والأمور الاجتماعية والأخلاقية تجارب تحدث فتحدث نتائجها، تظلم الملوك والحكومات فتسوء حالُ الأمة، وتعدل فيصلح حالها، وللوعاظ غاية، هي إرشاد الناس من طريق إعطائهم المثل بأنفسهم، والدعوة إلى الخير بألسنتهم؛ فإذا لم تتحقق هذه الأمور فالوعَّاظ شر، وهكذا. فكل ما نقده أبو العلاء من هذا القبيل داخلٌ في دائرة العقل والتجارب. والأخلاق العقلية التي قررتها الفلسفة اليونانية هي بعينها تقريبًا الأخلاق الدينية؛ لأنها أيضًا نتيجة تجارب لصالح المجتمع. وقد نقدت مظاهر المجتمع والأخلاق من قبل أبي العلاء، كما فعل ابن المقفع والجاحظ مثلًا، ولكن مهارة أبي العلاء كانت في إبرازها إبرازًا فنيًّا رائعًا. والسبب الثاني في نجاحه في هذا الباب: أن ناقد هذه الأمور متمتع بكثير من الحرية، فلا لومَ عليه إذا نقد المجتمعَ ونقد الأخلاق، بل إن الناس يصفقون للناقد ويُعلون شأنه؛ لأنه يدعوهم بنقده إلى الكمال المحبَّب إليهم من أعماق نفوسهم؛ لذلك صرَّح بكل ما يريد في هذا الباب وهو آمن مطمئن فنجح.
بعد هذا انتقل خطوة أخرى — في النقد — أدق، وهي تحكيم عقله في المسائل الدينية الشرعية الفرعية، مثل: اليد كيف تُودَى بخمسمائة دينار، وتُقطع في ربع دينار؟
يدٌ بخمسِ مئين عسجدٍ وُدِيَتما بالُها قُطعت في ربع دينارتَحَكُّمٌ ما لنا إلا السكوت لهوأن نعوذ بمولانا من النار ومثل أن الإسلام جاء لمحو الأوثان والأنصاب، فكيف عظمت بعض شعائر الحج كاستلام الحجر الأسود وتقبيله ونحو ذلك:
ما الركنُ في قول ناسٍ لست أذكرهُمإلا بقيةُ أوثانٍ وأنصاب وهذا النوع قد عرض له أناس من أول عهد الإسلام، أرادوا أن يُحكِّموا العقل في التعاليم الإسلامية فصُدوا، كالتي سألت عائشة: ما بال المرأة تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: أحَرُوريَّة أنت؟ وكالذي رُوي أن ربيعة الرأي سأل سعيدَ بن المسيب عن عَقل أصابع المرأة: ما عقل الإصبع الواحدة؟ قال: عشرة من الإبل. قال: فإصبعان؟ قال: عشرون، قال: فثلاث؟ قال: ثلاثون. قال: فأربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: فعندما عظم جُرحها نقصَ عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ إنما هي السُّنة.
ومن أجل هذا روي عن علي أنه قال: «لو كان الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخفين خيرًا من المسح على ظاهرهما»، فجاء أبو العلاء ينقد على هذا النحو فلم يُرتح لقوله، ورد عليه الشعراء المتدينون فيما قال.
ثم خطوة أخرى أجرأ وهي عرضه الحديث والأخبار الدينية على عقله، وصرخته بأن كثيرًا منها لا يرتضيه العقل، سواء في ذلك ما أتى به اليهود أو النصارى أو المسلمون:
وجاءتنا شرائع كلِّ قومعلى آثار شيءٍ رتَّبوهوغيَّرَ بعضُهم أقوالَ بعضٍوأبطَلَت النُّهَى ما أوجبوه •••

جاءت أحاديثُ إن صحَّت، فإن لهاشأنًا ولكن فيها ضعفُ إسنادِفشاوِرِ العقلَ واترك غيرَهُ هدرًافالعقلُ خير مشيرٍ ضمَّهُ النادي •••

هل صحَّ قولٌ من الحاكي فنقبلهأم كل ذاك أباطيل وأسمارُأما العقول فآلت أنه كذِبٌوالعقلُ غرسٌ له بالصدق إثمارُ •••

ضلَّت يهودُ وإنما توراتهاكذبٌ من العلماء والأحبارقد أسندوا عن مثلهم ثم اعتلَوافنمَوا بإسنادٍ إلى الجبَّاروإذا غلبتَ مناضلًا عن دينهِألقَى مقالده إلى الأخبار •••

مسيحية مِن قبلِها مُوسَويةحكت لك أخبارًا بعيدًا ثبوتهاوفارس قد شبَّت لها النارُ وادَّعتلنيرانها ألَّا يجوز خبوتُهافما هذه الأيامُ إلا نظائرُتساوت بها آحادها وسبوتها •••

تفوَّه دهرُكُمْ عجبًا فأصغُواإلى ما ظلَّ يُخبَرُ، يا شهودإذا افتكر الذين لهم عقولُرأوا نبأً يحقُّ له السُّهودغدا أهلُ الشرائع في اختلافتُقَضُّ به المضاجعُ والمهودفقد كذبت على عيسى النصارىكما كذبت على موسى اليهودولم تستحدثِ الأيام خُلفًاولا حالت عن الزمنِ العهود •••

دينٌ وكفرٌ وأنباءٌ تُقصُّ وفرقانٌ يُنصُّ وتوراة وإنجيلُفي كل جيلٍ أباطيل يُدان بهافهل تفرَّدَ يومًا بالهدى جيلُ •••

إذا رجع الحصيفُ إلى حِجَاهتهاونَ بالمذاهب وازدراهافخذ منها بما أدّاه لُبٌّولا يَغمسك جهلٌ في صراها والناس لا يُحكِّمون عقلهم في دينهم، إنما هي تقاليد يتبعونها وعادات تحرون عليها:
وينشأ ناشئ الفتيانِ منَّاعلى ما كانَ عوَّدَهُ أبوهوما دان الفتى بحجًى ولكنيُعلمه التديُّن أقربوهوطفل الفارسيِّ له وُلاةٌبأفعال التمجُّسِ درَّبوه •••

فى كلِّ أمرك تقليدٌ رضيتَ بهحتى مقالِك: ربِّي واحدٌ أحدُوقد أُمرنا بفكرٍ في بدائعهِوإن تفكَّر فيه معشرٌ لحدواوأهلُ كلِّ جدالٍ يُمسكون بهإذا رأوا نورَ حقٍّ ظاهرٍ جحدوا وقد سبقه المعتزلة إلى تحكيم العقل في الأحاديث، وأنكروا منها ما لا يتفق والعقل، وخاصة «النَّظَّام» فقد كان يُنكر الحديث في صراحة إذا كان عقله لا يُقرُّه، ولا يكتفي في الحكم على الحديث بالوضع إذا ضعفَ إسناده، بل أهم من ذلك إذا لم يصبر أمام امتحان العقل؛ ولكن أبا العلاء جرؤ على ما لم يجرؤ عليه النظَّام وأمثاله، وأراد أن يعرض الأخبارَ الدينية كلها — أحاديث أو غيرها — على محكِّ العقل، وختم هذه المرحلة بقوله الشديد الجريء:
تقدَم صاحبُ التوراة موسىوأوقع في الخسار مَن افتراهافقال رجاُلهُ: وحيٌ أتاهوقال الآخرون: بل افتراهاوما حجِّي إلى أحجارِ بيتٍكُؤوسُ الخمر تُشرب في ذراهاإذا رجعَ الحكيم إلى حِجاهُتهاونَ بالشرائع وازدراها •••

وقد كذب الذي يغدو بعقلٍلتصحيح الشروع? وقد مَرِضْنَه وقد قوبلت أقواله في هذا الباب ببعض السخط، لكن سار فيه أيضًا بخطى ثابتة غير مضطربة؛ وإنما قلت: «ببعض السخط»؛ لأنه صاغها صياغةً غامضة يحتمل كثيرٌ منها التأويل في جانبه.
بعد ذلك نأتي إلى المرحلة الثالثة في نقده العقلي، وهي أخطر المراحل وأشدها وأوعرها، وهي التي تعرَّض فيها لصميم الدين: هل الله موجود أو لا؟ وهل هناك وحيٌ أو لا؟ وهل هناك حياة أخرى أو لا؟ وهل الإنسان في هذا العالم مجبورٌ أم مختار؟ ما الحقُّ في ذلك كله؟ وأين أجده؟ وكيف أجده؟
هنا كانت تتراءى له الصورتان السابقتان المتعارضتان: صورة الفلسفة اليونانية ومَن نحا منحاها، وهي التي تصوِّر أن العقل وحده أداةُ المعرفة، وهو وحده الذي يستطيع الوصول إلى الحقائق في ذاتها. والمعارف التي تصلنا عن طريقه هي وحدها الحق ولا حق غيرها. والصورة الدينية التي تصوِّر أن الحق يأتي من الله على لسان أنبيائه، وأن مردَّ الحق إلى الوحي لا إلى الفلسفة، وأن مركز الحق في القلب لا في الرأس. لم يستطع أبو العلاء التوفيق بين الصورتين، ولا أن يكوِّن صورة واحدة مؤلَّفة منهما، ولا أن يضع لهذه دائرة اختصاص ولتلك دائرة، إنما تركهما — كما هما — تعتركان، وكلُّ ما فعل أنه كان ينظر أحيانًا إلى هذه الصورة فتعجبه، ويستلهمها فتلهمه؛ وينظر أحيانًا إلى الأخرى فتعجبه، ويستلهمها فتلهمه. إن نظر إلى الأولى ألهمته إلحادًا، وإن نظر إلى الأخرى ألهمته إيمانًا. ينظر إلى الأولى فيتوقد ذهنه فلا يرى إلا أسبابًا ومسببات، ومنطقًا ونتائج ومقدمات لا تسلم إلى إسلام، فينكر. وينظر إلى الأخرى فيخفُق قلبه ويرهف شُعوره، فيترنح من نشوة الإيمان. وهو في كلتا الحالتين صادق معبر عن نفسه أصدق تعبير. وهذا الموقف ليس بعيدًا عن حال كثير من المثقفين في كل عصر، فكم منهم يَحار ويُصدِّق، ويلحد ويؤمن؛ كالنفس تشدو لها أنغامًا حزينة فتحزن، وأنغامًا سارة فتُسَر. والإنسان يطغى أن رآه استغنى، وإذا أدركه الغرق قال: آمنت أن لا إله إلا هو. وأكثر مؤرخي أبي العلاء يُخطئون إذ يفرضون في أبي العلاء وحدة الزمان والمكان والفكرة، بل يتصورون نفسه الإنسانية حجرًا لا تعتريه حالات؛ فمن اعتقد إيمانه تأول له آيات الكفر، ومن اعتقد كفره لم يأبه بآيات الإيمان. والحقُّ أن من أكفره صادق، ومن جعله مؤمنًا صادق؛ كلاهما يصوِّر حالة من حالات نفسه، وما أكثر حالات التغير في النفس اليقِظة المتوثبة، ثم هو في حال إيمانه صريح لا يحتاج إلى كناية أو مجاز؛ فهو يتفق وآراء الجمهور. وفى حال إلحاده مضطر إلى الكناية والمجاز خشية السوء. ومع هذا فقد تستغويه الفكرة. فلا يعبأ بالناس ولا يعبأ بموته أو حياته:
لا تقيِّد لفظي عليَّ فإنيمثلُ غيري تكلُّمي بالمجاز •••

وليس على الحقائق كلُّ لفظيولكن فيه أصناف المجاز •••

اصدُق إلى أن تظنَّ الصدق مهلكةًوعند ذلك فاقعُد كاذبًا وقُم •••

لا تخبرنَّ بكُنهِ دينكَ مَعشرًاشُطرًا، وإن تفعَل فأنت مغَرَّر لنعد إلى موقف أبي العلاء من هذه المسائل الأساسية في الدين في ضوء هذا الرأي: هل الله موجود؟ اللزوميات مليئة بالإجابة بنعم:
إذا كنتَ مِن فَرط السفاه معطِّلًافيا جاحدَ اشهَدْ أنني غير جاحدْأخاف من الله العقوبةَ آجلًاوأزعم أن الأمر في يدِ واحِدفإني رأيت الملحدين تَعُودُهمندامتُهم عند الأكفِّ اللَّواحد •••

تعالى اللهُ كم مَلِكٍ مَهيبٍتبدَّلَ بعد قصرٍ ضِيق لحَدِأًقرُّ بأن لي رَبًّا قديرًاولا أَلقَى بدائعَهُ بجحدِ •••

للمليك المذكّراتُ عبيدٌوكذاك المؤنثاتُ إماءُفالهلال المنيفُ والبدرُ والفرقدُ والصبح والثرَى والماءُوالثريا والشمسُ والنار والنَّثرةُ والأرض والضحى والسماءهذه كلها لربك ما عابكَ في قولِ ذلك الحكماءخلِّني يا أُخَيَّ أستغفر اللهفلم يبقَ فيَّ إلا الذَّماء •••

لِيفعل الدهرَ ما يَهُمُّ بهإن ظنوني بخالقي حَسَنهْلا تيأسُ النفسُ من تفضلهِولو أقامت في النار ألفَ سَنَهْ •••

هو الفلك الدَّوَّار أجراه ربُّهعلى ما ترى من أن تجرِي الفُلكله العزُّ لم يشرَكه في الملكِ غيرُهفيا جهلَ إنسانٍ يقولُ: لي المُلك إلخ … إلخ.
وأحيانًا أخرى نجد له ما يمجمج به في الإنكار كقوله:
أمَّا الإله فلستُ مدركَهُفاحذر لجيلك فوق الأرض إسخاطًا •••

متى عرضَ الحِجا لله ضاقتمذاهبُه عليه وقد عَرُضْنَه هل الكون قديم أزليُّ كما قال أرسطو، أو هو حادث فانٍ كما يقول الدين؟
أحيانًا هذا وأحيانًا ذاك. فمن ناحية يقول:
ليس اعتقادي خلود النجومولا مذهبي قدمُ العالمَ ومن ناحية أخرى نقول:
إذا صحَّ ما قال الحكيم فما خلازماني منِّي منذ كان ولا يخلوأُفَرَّق طورًا ثم أُجْمَعُ تارةًومثلي في حالاته السِّدرُ والنخلُ •••

خالقٌ لا يُشَكُّ فيه قديموزمانٌ على الأنام تقادَمْجائز أن يكون آدمُ هذاقبلَهُ آدم على إثرِ آدَمْ هل الإنسان في هذا العالم مجبر أم مختار؟
أما أكثر شعره فالقول بالجبر:
وما فسدتْ أخلاقنا باختيارناولكن بأمرٍ سببتهُ المقادر •••

جبِلَّة بالفساد واشجةإن لامها المرءُ لام جابلَها وأحيانًا يميل إلى الاختيار ومسئولية الإنسان:
لا ذنبَ للدنيا فكيف نلومُهاواللوم يلحَقني وأهلَ نِحَاسيعنبٌ وخمرٌ في الإناء وشاربٌفمَن الملوم أعاصرٌ أم حاسي؟ وأحيانًا يرى التوسط بين الجبر والاختيار:
لا تعش مجبرًا ولا قَدَرِيًّاواجتهدْ في توسُّطٍ بينَ بينا هل هناك بعثٌ وحياة أخرى؟
أحيانًا نعم وأحيانًا لا؛ فنعم كقوله:
وما أنا يائسٌ من عفو ربيعلى ما كان من عمدٍ وسهوِ •••

أما الحياة فلا أرجو نوافلَهالكنني لإلهي خائف راجيأأُصبح في الدنيا كما هو عالموأدخل نارًا مثل قيصر أو كسرَىوإني لأرجو منه يومَ تجاوزٍفيأمر بي ذاتَ اليمين إلى اليُسرى? •••

قال المنجم والطبيب كلاهما:لا تُحشر الأجساد، قلتُ: إليكماإن صحَّ قولُكما فلستُ بخاسرٍأو صحَّ قولي فالخسارُ عليكما •••

خُلِق الناسُ للبقاء فضلَّتأمَّةٌ يَحسبونهم للنفادإنما يُنقلون مِن دارِ أعمالٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد وأحيانًا «لا» كقوله:
خذ المرآة وأستخبر نجومًايُمرُّ بمطعم الأريِ المشُورِتدلُّ على الحِمامِ بلا ارتيابٍولكن لا تدل على النشورِ •••

ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةًوحُقَّ لسكان البسيطةِ أن يبكواتُحطِّمنا الأيامُ حتى كأننازجاجٌ ولكن لا يعاد لنا سَبْكُ •••

ما لي بما بعدَ الردَى مَخبَرَهقد أدمتِ الأنُوف هذي البُرَهالليلُ والإصباح والقيظ والـإبراد والمنزل والمقبرهكم رام سَبرَ الأمرِ مِن قبلنافنادت القدرةُ لن تسبُرَه •••

دفنَّاهم في الأرض دفنَ تيقُّنِولا عِلمَ بالأرواح غير ظنون وأخيرًا: هل هناك وحيٌ وأنبياء أو لا؟
الجواب أيضًا: نعم ولا.
فنعم في مثل قوله:
أمُّ الكتاب إذا قوَّمت مُحكَمَهاوجدتَها لأداء الفرض تكفيكالم يشفِ قلبك فرقانٌ ولا عظةٌوآيةٌ لو أطعتَ الله تشفيكا •••

أَفَمِلَّة الإسلام يُنكرُ منكرٌوقضاء ربك صاغها وأتى بها و«لا» في مثل قوله:
أفيقوا أفيقوا يا غواةَ فإنمادياناتكم مكرٌ مِن القدماءأرادوا بها جمعَ الحطامِ فأدركواوبادوا وماتت سُنة اللؤماء •••

قالت معاشر: لم يَبْعث إلهكُمُإلى البرية عِيساها ولا موسىوإنما جعلوا للقوم مأكلةًوصيَّروا لجميع الناسِ ناموسَاولو قدرت لعاقبت الذين طغَواحتى يعود حليفُ الغيِّ مرموسا •••

إن الشرائع ألقَتْ بيننا إِحَنًاوأودعتنا أفانينَ العداواتوهل أبيحت نساءُ القوم عن عُرُضٍللعُرب إلا بأحكام النبوَّات •••

هفت الحنيفةُ، والنصارى ما اهتدتويهودُ حارت، والمجوسُ مضلَّلهاثنان أهل الأرض: ذو عقلٍ بلادينٍ وآخر دَيِّن لا عقل له وهكذا. وهكذا.
•••

لقد فكر أبو العلاء طويلًا بعد هذه المرحلة الطويلة التي قطعها في إعمال العقل، واستعرض ما فكَّر وما قال. فماذا رأى؟ رأى تناقضًا في الفكرة وفي القول، يُسلمه التفكير يومًا إلى الشيء أنه أبيض فيعلنه، ثم يُسلمه يومًا آخر إلى أنه أسود فيعلنه، فإذا هو آخر الأمر يلعن أنه أسود وأبيض معًا ومحالٌ ذلك. أيهما الحق أهو أسود أم أبيض؟ لا بد أن يكون أسود فقط أو أبيض فقط، إما أسود وأبيض معًا فضلال، وما هذا العقل الذي يُسلمني إلى الشيء ونقيضه؟ عند ذلك صرخ من أعماق نفسه بأنه حائر لم يُوفق، ضالٌّ لم يهتد، وأن ليس في الناس من يستطيع هدايته، فكلُّهم إما عاقل لا دين له أو دَيِّن لا عقل له، وهو يريد أن يكون دَيِّنًا عاقلًا، والمطمئنون الذين استطاعوا أن ينجوا من الحيرة مقلِّدون لم يؤمنوا عن فكر وعقل، فهؤلاء ضالون لتقليدهم، وهؤلاء ضالون لحيرتهم. والعقل وما أدراك ما العقل؟ أسلمت له قيادي، فلم يُسلم لى قياده، وآمنت به كل الإيمان، وفضلته على كل الأديان، وجعلته نبيًّا من الأنبياء، ونورًا يلمع في الظلماء، فلم يؤدِ رسالة، ولم ينقع غلة، فلأكفر به كما كفرت بغيره، ولأنكر سلطانه كما أنكرتُ كل سلطة، ولأكسر قيثارتي التي غنيت عليها في مدحه، ولأضع أناشيد أخرى في ذمه، فهذا هو الجزاء الوفاق لمن وفيتُ له فلم يفِ لي، وأكبرت شأنه فأصغرَ شأني، وركنت إليه فحيرني. جربت النقل فلم أطمئن إليه، وجربت العقل فلم أطمئن إليه، فلأرفع عَلَمَ الشك، وأعلن أنه لا يقين.
سألت عقلي فلم يخبر وقلت له:سل الرجال فما أفتَوا ولا عرفواقالوا فمانوا فلمَّا أن حدَوْتُهُمإلى القياس أبانوا العجزَ واعترفوا •••

أرواحُنا منَّا وليس لنا بهاعلمٌ فكيف إذا حوَتها الأقبر •••

سألتموني فأعيتني إجابتكُممَن ادَّعى أنه دارٍ فقد كذبًا •••

أصبحتُ في يومي أسائل عن غديمتحيرًا عن حاله متَنَدِّسًاأما اليقين فلا يقينَ وإنماأقصى اجتهادِي أن أظنَّ وأحدِسَا •••

وقد عُدم التيقنُ في زمانِحصلنا مِن حِجَاه على التظنِّي •••

نفارق العيشَ لم نظفر بمعرفةٍأيُّ المعاني بأهل الأرض مقصودلم تُعطنا العلمَ أخبارٌ يجيء بهانقلٌ ولا كوكبٌ في الأرض مرصود •••

إنما نحن في ضلال وتعليلٍفإن كنتَ ذا يقين فهاتِهْولحبِّ الصحيح آثرتِ الرومُ انتسابَ الفتى إلى أمهاتِهجهلوا مَن أبوه إلا ظنونًاوطلا الوحش لاحقٌّ بمهاتِه •••

وبصير الأقوام مثلِي أعمًىفهلمُّوا في حندسٍ نتصادَمْ لقد تركت الدنيا للدين، والنقل للعقل، ولذة المادة للذة الروح، فلا أفدتُ هذا ولا ذاك. وأخيرًا:
رحلتُ فلا دنيا ولا دينَ نِلتُهوما أوبتي إلا السفاهةُ والخُرقُ عقدة أبي العلاء أتت مِن عظمته، وضعفه نبعَ من قوته. قد مُنح عقلًا قويًّا دائب النشاط يريد أن يطحن كل شيء يصل إليه ليعرف كنهه، وشعورًا قويًّا رحيمًا بالإنسان راثيًا لبؤسه، رحيمًا بالحيوان معذبًا نفسه في سبيل الرحمة به. ومثل هذا الشعور القوي يريد أن يؤمن، ومثل هذا العقل القوي يريد أن يواصل البحث حتى يصل إلى الحقيقة. ولكنه — وهنا موضع العقدة — يريد أن يؤمن بعقله كما آمن بشعوره، والعقل ليس أداةً صالحة لإدراك الغيب، إدراك الله والحياة الأخرى والوحي والملائكة وما إلى ذلك؛ إنما خُلق ليكون أداة للحياة الدنيا ووسيلةً لحفظها وبقائها ورقيها، وهو عاجز كل العجز أن يرسم بريشته عالم الغيب المجهول الذي لا يخضع لقانون سببٍ ومسببٍ، ومقدمةٍ ونتيجة، وزمان ومكان، وحيز وحدود.
لقد شُغلت الفلسفة القديمة بالبحث وراء المادة، فدارت حول نفسها ولم تصل إلى نتيجة، حتى جاءت الفلسفة الحديثة وعلى رأسها «كانت»، فتحول بعض فلاسفتها من البحث فيما وراء المادة إلى البحث في العقل نفسه ومقدرته على المعرفة وحدود ما يمكن أن يعرف وما لا يمكن أن يُعرف، إن العقل إنما يستمد معلوماته من الحواس، وكل البحوث في سائر العلوم حتى أدق العمليات الرياضية والهندسية منشؤها الحواس، أعمِل فيها العقل بالمقارنات وما إلى ذلك، والحواس لا تدرِك من العالم إلا بقدرٍ، فإذا انخفض الصوت عن قدر معين أو ارتفع عن قدر معين لم نسمع، وهكذا العينُ والشم واللمس، فكم في العالم من أشياء لم تدركها عقولنا لأنها لم تدركها حواسنا. والعقلُ لا يستطيع أن يسير إلا مستندًا على حواسه، ولا يمكن أن يدرك من العالم إلا مظهره، هل يستطيع أن يدرك ما الضوء وما الكهرباء وما الجاذبية؟ إنما يدرك آثارها ومظاهرها. هل يستطيع أن يدرك مركزَ نفسه، وحقيقة شعوره؟ كلا إنما يدرك آثار ذلك في الحياة الخارجية. من أين أتينا؟ أين كانت حياتنا قبل أن نحيا؟ ماذا تكون حياتنا بعد أن نموت؟ وما حقيقة علاقتنا بالعالم الخارجي حولنا؟ كل هذه الأسئلة ومئاتٌ نحوها لا نعرفها، ولا يستطيع العقل أن يعرفها، ولم يتقدم في إدراكها كما تقدم في العلم بقوانين المادة. كم في العالم من حُجَر مغلقة لم نعطَ مفاتيحها؟
إنما نشعر بالله وبالحياة الأخرى وبالمملكة الروحانية بقلبنا، وتطمئن نفوسنا إذا آمنت، وتقلق وتضطرب إذا ألحدت. لقد ارتفع «برجسون» (الفيلسوف الفرنسي المعاصر) إلى أوج الشهرة في أعوامٍ قلائل؛ لأنه دافع عن الطبيعة الإنسانية وآمالها، فكم اغتبط الناس واطمأنوا إذ رأوا فيلسوفًا يصون لهم ما يرجون من خلود وما يعتقدون في إله. وقال وليم جيمس: «لقد بحثتُ في نفسي ولم أعلم ما هي وما شبهها، وأين تسكن وكيف تتغير، وكيف تكون مجبورة، وكيف تكون مختارة؛ وتتغير نظرياتي في ذلك من وقت إلى وقت، ولكن مع هذا أُومن بنفسي، وأومن أنها مركزٌ لكل ما أعرف عن العالم حولي»، كذلك الشأن في إدراك المبدأ والمنتهى والله والخلود، إنها عقيدة وإيمان لا قضايا منطق.
اعتبر الأديان كلها، مبعثها ومظهرها، تجدها تختلف باختلاف الأمم ورقيها وطبيعتها، وتتغلب على كل دين صفة من الصفات تكاد تكون كالمحور؛ كالتضحية، ومعنى الأبوة، والرحمة والغفران، وإطاعة الأوامر، والفن والجمال، وإنكار الذات، والإحسان إلى الجميع، والشفقة على الحيوان، والشجاعة، والجهاد في سبيل نشر الدعوة. وكل هذه االصفات على اختلافها من قبيل العواطف والمشاعر، ولم نرَ دينًا أتى بفلسفة عقلية، ولستَ تستطيع أن تُقنع المحب بالحجج العقلية حتى يسلو، ولا أن تُقنع من جمدت عواطفه حتى يُحب. إن عقله قد يقيم البرهان على خطأ الحب، وقد يمنعه من الزواج، ولكن لا يستطيع أن يمنعه من الحب، وهكذا الشأن في كل المشاعر، وهكذا الشأن في الدين. الدين في القلب لا في العقل، وإذا بُحث الدين بالعقل المجرد لم تكن النتيجة دينًا ولا فلسفة، وإنما شيءٌ تافه اسمه «علم الكلام».
وقد أراد أبو العلاء أن يضمَّ إلى إيمانه بقلبه إيمانه بعقله فلم يستطع، وكانت العقدة. ولو نام شعوره وانتبه عقله لألحد مستريحًا، ولو نام عقله وانتبه شعوره لآمن مستريحًا، ولو صحا عقله وشعوره ورسم حدوده، وعرف لكلِّ دائرة اختصاصه لاستراح أيضًا، ولكنه أراد أن يصل إلى ما ليس يمكنه العقل فلم يفلح، وقلق واضطرب كما يقلق ويضطرب كل من خرج على قوانين الطبيعة، وحاول الخروج على طبائع الأشياء؛ لأن الدين يغذي حاجة من حاجات النفس لا غنى لها عنه إذا مرضت. هذا هو السبب في أنه نقد المجتمع فنجح، ونقد الأخلاق فنجح، ونقد الأخبار فنجح، ونقد الدين في صميمه فلم ينجح.
يعجبني وصف بعضهم لهِجل وصفًا ينطبق على أبي العلاء انطباقًا تامًّا إذ قال: «إنه رجلٌ كفرَ عقله وآمن قلبه»، كما يصدُق عليه أيضًا قول جوته عن «فاوست»: «إنه عقلٌ طغى على القلب فأشقى صاحبه».
وأيًّا ما كان، فهذه الشخصية الفذة، الشخصية المؤمنة الكافرة، الشخصية القلقة الحائرة، أخرجت كلَّ ما كان يتناوبها من نبضات قلبٍ، وخطرات عقلٍ، في صورة فنية رائعة أمتعت الناس وإن أشقت صاحبها. فرحمه الله، ورحمه الله.
? الكلمة التي قيلت في مهرجان أبي العلاء في دمشق في سبتمبر سنة (????م).? الزباب: الفأر العظيم.? الشروع: جمع شرع.? اليسرى: من اليسر ضد العسر.
ابتسِمْ للحياة


حُدِّثت أن الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان كانا صديقين وفيين منذ صباهما، ألَّف بينهما قُرب الجوار في البلدة، وتساكنهما وتلازمهما أيام المجاورة في الأزهر، ثم تعاونهما بعدُ في معترك الحياة، وأن الشيخ عبد الكريم سلمان كان أذكى من الشيخ محمد عبده وأوفر استعدادًا، ولكن كان الشيخ محمد عبده متفائلًا وكان الشيخ عبد الكريم متشائمًا. كان الشيخ محمد عبده يرى أن الناس خيِّرون بطبعهم، وإنما أفسدتهم الظروف، فإذا أُصلحت صلحوا. وأن المصريين كغيرهم من الناس، إذا ساءت بعض أخلاقهم وبعض تصرفاتهم، فلهم العذر، لِما جنى عليهم أولو الأمر فيهم، فإذا دُعوا إلى الخير ومُهِّدت لهم السبلُ ورسمت لهم الطرق ورُبُّوا تربية صالحة، لَبُّوا الدعوة واستقام أمرهم، واتسع أمامهم طريق المجد والشرف، وعلى هذا الأساس بنى كلَّ حياته وكل أعماله. وكان الشيخ عبد الكريم متشائمًا يرى أن الناس في مصر فسدوا فسادًا لا يُرجى معه صلاح، والمصلح يحرق نفسه ثم لا يأتي بنتيجة، فخيرٌ أن يكتفي المصلح بنفسه، وليدع الناس وشأنهم حتى يأكلهم القدر.
أما الأول فأصبح — لتفاؤله — الشيخ محمد عبده المصلح العظيم الذي ترك في أمته الأثر الكبير؛ وأما الثاني فلم يعرفه إلا خاصته، ولم يستفد من ذكائه إلا أقرب الناس إليه، وكان شمعة مضيئة في غرفة خالية.
لا شيء يُضيع ملكات الشخص ومزاياه كتشاؤمه في الحياة، ولا شيء يبعث الأمل ويقرِّب من النجاح وينمي الملكات، ويبث على العمل النافع لصاحبه وللناس، كالابتسام للحياة، والطبيعة أدرى بذلك، فقد منحتنا القدرة على الضحك، والقدرة على الفرح والإعجاب بالنوادر اللطيفة والروح الفكهة، كما منحتنا الرغبة في الغذاء والقدرة على الهضم ونحوهما من وسائل الحياة، علمًا منها بأن العيش لا يصلح إلا بها، والسعادة لا تتمُّ بدونها، فأتى الإنسان من جهله يكبت هذه الموهبة ويلوِّنها باللون الأسود، فوقع في الهم والشقاء؛ لأن الطبيعة لا تمنح السعادة إلا لمن احترم قوانينها وسار على سننها.
إن الطبيعة علمت أن الدنيا لا تخلو من متاعب، وأن الإنسان سيلاقي في حياته بعض المصاعب، فسلحته بروح المرح وروح الفكاهة، وجعلت ذلك دواءً لدائه وبلسمًا لشفائه، فإذا هو فقده لأي سبب من الأسباب، فقد فقدَ علاج مرضه وعاش في بؤسه، فإن أنت رأيت فتًى أو فتاة أو شابًّا أو شابة عابس الوجه مقطب الجبين، يحمل الهموم ويبرم بالحياة، فاعلم أن هناك مجرمًا من رب أسرة أو مشرف على التعليم قد سلبه أسن ما في طبيعته، وأجمل ما في ملكاته.
ليس المبتسمون للحياة أسعد حالًا لأنفسهم فقط، بل هم كذلك أقدر على العمل، وأكثر احتمالًا للمسئولية، وأصلح لمواجهة الشدائد ومعالجة الصعاب، والإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس.
لو خُيِّرت بين مال كثير أو منصب خطير، وبين نفسٍ راضية باسمة، لاخترتَ الثانية، فما المال مع العبوس؟ وما المنصب مع انقباض النفس؟ وما كل ما في الحياة إذا كان صدر صاحبه ضيقًا حرجًا كأنه عائد من جنازة حبيب؟ وما جمال الزوجة إذا عبست وقلبت بيتها جحيمًا؟ لخيرٌ منها ألف مرة زوجة لم تبلغ مبلغها في الجمال وجعلت بيتها جنة.
ولا قيمة للبسمة الظاهرة إلا إذا كانت منبعثة عن نفس باسمة وتفكير باسم. وكل شيء في الطبيعة جميل باسم منسجم، وإنما يأتي العبوس مما يعتري طبيعة الإنسان من شذوذ؛ فالزهر باسم والغابات باسمة، والبحار والأنهار والسماء والنجوم والطيور كلها باسمة. وكان الإنسان بطبعه باسمًا لولا ما يُعرض له مِن طمع وشرٍّ وأنانية تجعله عابسًا. فكان بذلك نشازًا في نغمات الطبيعة المنسجمة، ومن أجل هذا لا يرى الجمال مَن عبست نفسه، ولا يرى الحقيقة من تدنس قلبه. فكل إنسان يرى الدنيا من خلال عمله وفكره وبواعثه، فإذا كان العملُ طيبًا والفكر نظيفًا والبواعث طاهرة كان منظاره الذي يرى به الدنيا نقيًّا، فرأى الدنيا جميلة كما خُلقت، وإلا تغبَّش منظاره واسودَّ زجاجه، فرأى كل شيء أسود مغبشًا.
هناك نفوسٌ تستطيع أن تخلق من كل شيء شقاءً، ونفوس تستطيع أن تخلق من كل شيء سعادة، هناك المرأة في البيت لا تقع عينها إلا على الخطأ؛ فاليوم أسود لأن طبقًا كُسر ولأن نوعًا من الطعام زاد الطاهي في ملحه؛ أو لأنها عثرت على قطعة من الورق في الحجرة، فتهيج وتسب ويتعدى السباب إلى كل من في البيت، وإذا هو شعلة من نار. وهناك رجل ينغص على نفسه وعلى من حوله مِن كلمةٍ يسمعها أو يؤوِّلها تأويلًا سيئًا، أو مِن عملٍ تافه حدث له أو حدث منه، أو من مال خسره أو من ربحٍ كان ينتظره فلم يحدث أو نحو ذلك، فإذا الدنيا كلها سوداء في نظره، ثم هو يسوِّدها على من حوله. هؤلاء عندهم قدرة المبالغة في الشر، فيجعلون من الحبة قبة ومن البذرة شجرة، وليس عندهم قدرة على الخير، فلا يفرحون بما أُوتوا ولو كثيرًا، ولا ينعمون بما نالوا ولو عظيمًا.
والحياة فن، وفن يُتعلم، ولخيرٌ للإنسان أن يَجد في وضع الأزهار والرياحين والحب في حياته من أن يجدَّ في تكديس المال في جيبه أو في مصرفه. ما الحياة إذا وُجِّهت كل الجهود فيها لجمع المال، ولم يوجَّه أيُّ جهد لترقية جانب الجمال والرحمة والحب فيها؟
أكثرُ الناس لا يفتحون أعينهم لمناهج الحياة، وإنما يفتحونها للدرهم والدينار، يمرون على الحديقة الغناء والأزهار الجميلة والماء المتدفق والطيور المغردة، فلا يأبهون لها، وإنما يأبهون لدينارٍ يأتي ودينار يخرج. قد كان الدينار وسيلة للعيشة السعيدة، فقلبوا الوضع وباعوا العيشة السعيدة من أجل الدينار، وقد رُكبت فينا العيون لنظر الجمال، فعوَّدناها ألَّا تنظر إلا إلى الدينار.
ليس يُعبس النفس والوجه كاليأس، فإن أردتَ الابتسام فحارب اليأس. إن الفرصة سانحة لك وللناس، والنجاح مفتوح بابه لك وللناس، فعوِّد عقلك تفتح الأمل وتوقع الخير في المستقبل. إذا اعتقدت أنك مخلوق للصغير من الأمور لم تبلغ في الحياة إلا الصغير. وإذا اعتقدت أنك مخلوق لعظائم الأمور شعرتَ بهمة تكسر الحدود والحواجز، وتنفذ منها إلى الساحة الفسيحة والغرض الأسمى. ومصداق ذلك حادثٌ في الحياة المادية، فمن دخل مسابقة مائة متر شعرَ بالتعب إذا هو قطعها، ومن دخل مسابقة أربعمائة متر لم يشعر بالتعب من المائة والمائتين؛ فالنفس تعطيك من الهمة بقدر ما تحدد من الغرض. حدد غرضك، وليكن ساميًا صعب المنال، ولكن لا عليك في ذلك ما دمتَ كل يوم تخطو إليه خطوًا جديدًا. إنما يصد النفس ويُعبسها ويجعلها في سجن مظلم اليأس وفقدان الأمل والعيشة السيئة برؤية الشرور، والبحث عن معايب الناس والتشدق بالحديث عن سيئات العالم لا غير.
وليس يوفَّقُ الإنسان في شيء كما يوفَّق إلى مُرَبٍّ ينمي ملكاته الطبيعية، ويعادل بينها ويوسع أفقه، ويعوِّده السماحة وسعة الصدر، ويعلمه أن خير غرض يسعى إليه أن يكون مصدرَ خير للناس بقدر ما يستطيع، وأن تكون نفسُه شمسًا مشعة للضوء والحب والخير، وأن يكون قلبُه مملوءًا عطفًا وبرًّا وإنسانية وحبًّا لإيصال الخير لكل من اتصل به.
النفس الباسمة ترى الصعاب فيلذها التغلب عليها، تنظرها فتبسم، وتعالجها فتبسم، وتتغلب عليها فتبسم، والنفس العابسة لا ترى صعابًا فتخلقها، وإذا رأتها أكبرتها واستصغرت همتها بجانبها، فهربت منها وقبعت في جحرها تسبُّ الدهر والزمان والمكان وتعللت بلو، وإذا، وإن. وما الدهر الذي يلعنه إلا مزاجه وتربيته، إنه يودُّ النجاح في الحياة ولا يريد أن يدفع ثمنه، إنه يرى في كل طريقٍ أسدًا رابضًا، إنه ينتظر حتى تمطر السماء ذهبًا أو تنشقَّ الأرض عن كنز.
إن الصعاب في الحياة أمورٌ نسبية، فكلُّ شيء صعب جدًّا عند النفس الصغيرة جدًّا، ولا صعوبة عظيمة عند النفس العظيمة. وبينما النفس العظيمة تزداد عظمة بمغالبة الصعاب، إذا بالنفوس الهزيلة تزداد سقمًا بالفرار منها، وإنما الصعاب كالكلب العقور إذا رآك خِفت منه وجريتَ نبحك وعدا وراءك، وإذا رآك تهزأ به ولا تعيره اهتمامًا وتبرق له عينك أفسح الطريق لك، وانكمش في جلده منك.
ثم لا شيء أَقْتَل للنفس مِن شعورها بضعتها وصغر شأنها وقلة قيمتها، وأنها لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، ولا ينتظر منها خير كبير. هذا الشعور بالضعة يُفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمانَ بقوتها، فإذا أقدم على عمل ارتاب في مقدرته وفي إمكان نجاحه وعالجه بفتورٍ ففشل فيه. الثقة بالنفس فضيلة كبرى عليها عماد النجاح في الحياة، وشتان بينها وبين الغرور الذي يُعَدُّ رذيلة، والفرق بينهما أن الغرور اعتماد النفس على الخيال وعلى الكبر الزائف، والثقة بالنفس اعتمادُها على مقدرتها على تحمل المسئولية، وعلى تقوية ملكاتها وتحسين استعدادها. ورجال الأديان مسئولون — إلى حد كبير — عن نشر الأفكار في تحقير النفس وذلتها، وخساستها وشرورها ومعاصيها، حتى ليبالغ بعضهم فينغِّص على الناس حياتهم، ويُفقدهم كل أمل في النجاح.
وبعد: فالشرق في حاجةٍ كبرى إلى كميات كبيرة من الابتسامات الصادقة الدالَّة على النفوس الراضية الآملة الطامحة.
سِرْ أَنَّى شئتَ في الشوارع واغْشَ المنتديات والمجتمعات، وتفرَّسْ في الوجوه، فقلَّما ترى إلا وجوهًا مستطيلة مقطبةَ الجبين، ورءوسًا أثقلها الهمُّ فخفضها، وعيونًا ساهمة قد فقدت بريقَ السرور ولمعان الحيوية.
استثنِ الضحكات العالية في مجالس اللهو وأماكن التنادُر، فهل ترى إلا العبوس وما يشبه العبوس، واستبعد البسمات المزيفة المتصنعة في المقابلات والمجاملات، وانفذ منها إلى أعماق النفوس، فهل ترى إلا انقباضًا وانكماشًا؟
ما السرُّ في هذا كله؟
سرُّه في تعاقب الظلم على الشعوب من زمنٍ قديم حتى سلبها حريتها، وهل تبسم النفس إلا للحرية، وهل تنقبض إلا من الاستبداد؟!
وسرُّه في الفقر الشامل لأكثر أفراد الشعب، فهم يحملون الهمَّ المضني، كيف يأكلون ويعيشون، وكيف يسدون حاجات أسرتهم ومَن تعلق في رقبتهم، والمنافذ ضيقة في وجوههم، وأكثر الثروة قد ضاعت من أيديهم.
وسرُّه في ضعف التربية التي لا تفتح النفسَ للحياة، وتكتفي بالعلم الجاف.
وسرُّه في النظم الاقتصادية التي لا تُقدم على الأعمال، ولا تفتح أبواب الرزق للشبان، ولا تستغل ما بقي من ثروات البلاد.
وسرُّه في أننا إلى الآن لم نتعلم فن الحياة، ولم نسمع به في برامج الدراسة، ولم نرَه لا في بيوتنا ولا مدارسنا ولا عند خطبائنا وكُتَّابنا.
وسرُّه أننا لم نستشعر الثقة بالنفس؛ فلا الفرد يثق بنفسه، ولا المواطن يثق بمواطنه، ولا رجال الإدارة والأعمال يثقون بمواطنيهم، ولا الناس يثقون بأولي الأمر فيهم.
وسرُّه أخيرًا أنَّا حُرمنا العزة القومية طويلًا، وكم تبعث العزة القومية من بسمات! فلنتغلب على هذه الصعوبات جميعًا، ولنبسم للحياة ولو تكلُّفًا ينقلب التكلف بعد حين تطبعًا.
ابسم للطفل في مهده، وللصانع في عمله، وابسم لأولادك وأنت تربيهم، وابسم للتاجر وأنت تعامله، وابسم للصعوبة تعترضك، وابسم إذا نجحت، وابسم إذا فشلت … وانثر البسمات يمينًا وشمالًا على طول الطريق؛ فإنك لن تعود للسير فيه.

الرحمة الكاذبة


يروون أن فيلسوف الصين «لوتس» Lao-tzé الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، كان يقول: «قابل الرحمةَ بالرحمة، وقابل القسوةَ بالرحمة أيضًا». ولكن«كونفوشيوس» الفيلسوف الكبير، الذي كان يعيش في الزمن نفسه، لم يوافق على هذا الرأي وكان يقول: «قابل الرحمةَ بالرحمة والقسوة بالعدل».
وجاء شرَّاح هذين المبدأين، فقالوا: إن كلًّا من الحكيمين نظر إلى المسألة من جانبه، وإن لوتس كان رجلًا شعبيًّا فوضع هذا المبدأ في الحقوق الشخصية، فإذا ظلمك أحدٌ في مالك ولم يدفع الدينَ الذي عليه، فرحمتَه وسامحتَه فذلك حقك، وإذا أساء إليك إنسان بكلمة قاسية أو عملٍ غير لائق فرحمته وعفوت عنه، فأنت وشأنك.
أما «كونفوشيوس» فكان حاكمًا، وكان واليًا على إقليم، فنظر إلى المسألة من جانب المصلحة العامة، ومن جانب خير المجتمع، فمن سَرق فرُحم، أو قتَل فرُحم، جرَّأت الرحمةُ الناسَ على السرقة فسرقوا، وعلى القتل فقتلوا، وفسدت الجمعية البشرية.
وعلى هذا المبدأ أنت حر في حقوقك الشخصية، تعفو أو تؤاخذ، وترحَم أو تعدِل، ولكن لست حرًّا في الحقوق العامة، فلا بد من العدل دون الرحمة.
وأحيانًا يمتزج الحقان، ويختلط الأمران، فإذا حاول لصٌّ أن ينشل ساعتك قبضتَ عليه، فالمالُ مالك والساعةُ ساعتك، ولكن ضرر السرقة ليس مقصورًا عليك، بل معاقبة السارق حقٌّ من حقوق الأمة؛ لأنه إذا لم يلقَ جزاءه جرَّأه ذلك العودة، وفى ذلك ضرر عام للمجموع.
ففي هذه الحالة وأمثالها يجب أن نسير على مبدأ كونفوشيوس، ونهدر الحق الشخصي، ولا نرعى إلا الحق العام، فنُبلغ عن السارق لينال عقوبته.
والحق أن مِن أكبر مصائبنا غلبةَ الرحمة علينا حيث تجب القسوة، والمعاملةَ بالشفقة حيث يجب العدل.
انظر إلى «مصلحتين» من مصالح الحكومة، رئيسُ إحداهما عادلٌ حازمٌ لا يرحم متهاونًا ولا يغفر لأحدٍ غلطة، ورئيسُ الأخرى لين رحيم لا يضرُّ أحدًا ولا يؤذي أحدًا ويتستر على الخطأ، فإن ظهر عفا عنه، فماذا تكون النتيجة؟
المصلحةُ الأولى منتظمة تجري الأمورُ فيها على أحسن ما يُرام، قد آذينا شخصًا أو شخصين أو ثلاثة بقطع أيام أو حتى بالفصل … ولكن كم من ألوف الناس انتفعوا بهذا النظام وبهذه العقوبة، فقُضيت مصالحهم واستقامت أمورهم؟ وكم من الموظفين في المصلحة اتعظوا بهذه العقوبة، فاحترسوا من الخطأ، وتجنبوا الزلل؟
والمصلحة الثانية فوضى بسبب رحمةِ شخصٍ أو شخصين، كثرَ فيها الإهمال وتعطلت مصالحِ الناس، وكانت النتيجة أن العقوبة لم تقع على الجاني، وإنما وقعت على أصحاب الأعمال الذين لم يجنوا أي جناية!
بالأمس ذهبتُ إلى مصلحةٍ لقضاء عمل، فرأيت الموظف المختص خالعًا طربوشه، مسندًا رأسه إلى يده، يكاد يداعب النعاسُ عينيه، فلما طلبت منه مسألتي تلكأ في الرد، ثم ردَّ بفتور، وتَخلَّص من العمل … وأحال على غيره ممن عملَ مثل عمله!
أيقال: إن مثل هذا يُرحم فتضيع مصالحُ الناس برحمته؟ … إن الإفراط في عقوبة مثل هذا أجدى على الأمة ألف مرة من الرحمة الكاذبة!
وفشوُّ هذا الخلُق في الأمة جعل المثلَ الأعلى عندها «هو الرجل الطيب»، والرجل الطيب في نظرها مَن لا يؤذي أحدًا … ومَن يغمض عينه عن مرتكب الجرائم، وعن الكسول، والمتهاون، ومن يرى السارقَ فيرحم، والمرتشيَ فيرحم، والمهملَ لعمله فيرحم. ولو عقلَ الناس لسموا هذا «الرجلَ الطيب» أكبرَ مجرم؛ لأنه أساء إلى آلاف الناس برحمة رجل واحد.
المعلم «الطيب» بهذا المعنى أسوأ معلم، والقاضي «الطيب» بهذا المعنى أسوأ قاضٍ، ورئيس المصلحة «الطيب» أسوأ رئيس، والوزير «الطيب» أسوأ وزير … لسنا نريد «الطيبين» ولكن نريد العادلين الحازمين!
فوضى «الرحمة» في الأمة جعلت الأم تخشى على ابنها من السفر، ولو كان في منفعته، وتولول إذا جُند، ولو كان التجنيد في خيره وخير أمته.
وفوضى الرحمة جعلت كلَّ موظفٍ يريد أن يكون في القاهرة بجانب أبيه وأمه.
وفوضى الرحمة أفقدتنا الشجاعة؛ لأن كل من حدثته نفسه بأعمال المغامرين، والاستماع إلى باعث الشجاعة، رأى حوله أُمًّا تئن وأبًا يَحنُّ … ودموعًا تَسِحُّ.
فطلَّق شجاعته، واستنام إلى الدعة في أحضانهم.
الناسُ في مصر يكرهون الحازمَ الشديد ويُحبون اللين الرحيم … ولو أنصفوا لبدَّلوا الحبَّ بالكره، والكرهَ بالحب، فإنما ينفعهم الحازم ويضرُّهم الليِّن … ينفعهم الحازم الذي يكافئ ويعاقب، وينفع ويضر، ويعرف متى ينفع ومتى يضرُّ، ويضرهم اللين الذي يريد أن يستخرج من الناس لقب «الطيب» وما هو بطيب!
ليس يعجبني مَن وصفهم الشاعر بقوله:
يَجزون مِن ظلمِ أهل الظلمِ مغفرةًومِن إساءة أهل السوءِ إحسانا وإنما يعجبني وصف الآخر بقوله:
فقَسا ليزدجروا ومَن يَكُ حازمًافليقسُ أحيانًا على مَن يَرحَمِ لقد تغلبت على الناس فكرةُ الخوف من «قطع العيش»، وقالوا: إن الرجل إذا أذنبَ فوراءه زوجةٌ وأولاد لم يُذنبوا. وهي حجةٌ واهية، ولو كانت صحيحة لرحمنا القاتلَ من أجل أسرته، والسارق من أجل أمه أو أبيه.
فالواجب أن يُقتص من الجاني أيًّا كان، وعلى جهات البر من الأمة أن تدبر عيش المساكين مِن أسر الجانين. أما الخوف من «قطع العيش» المجرم فنتيجته «قطع العيش» الأمة!

الجامعة والسياسة


رحم اللَّهُ زمانًا قضيناه في مدرسةٍ عالية لم نسمع فيه أستاذًا يتكلم في السياسة، ولم نُضرب فيه إلا يوم وفاة مصطفى كامل إذ خرجنا نشيع جنازته.
ولست أنسى يومًا أقيم في مدرستي اجتماعٌ للاحتفال بالعام الهجري، فخصني فيه إخواني بالكلام في سبب ضعف المسلمين، فكان محور حديثي أن ضعف المسلمين يرجع إلى سببين: فساد الحكومات المتتابعة في إدارة البلاد الإسلامية، ورجال الدين. فقامت الدنيا وقعدت من هذه الكلمة البريئة الهادئة، وهُددت بالفصل لولا تدخل سعد زغلول إذ كان وزيرًا للمعارف.
ولم يكن هذا بالأمر المحمود؛ فلم نكن نتتبع الأحداث التي تجري في بلادنا، ولا نطلِّع على أغراضها ومراميها، ولا تتجاوب عواطفنا مع سيرها، وأصبح شباب اليوم أوسع أفقًا وأكثر معرفة بالدنيا وشؤونها.
ثم جاء زمان تغيَّر فيه هذا الوضع وتأثر كل طالبٍ بالسياسة وسير الأمور، وكان بدء ذلك يوم قُبض على سعد زغلول ونُفي، فأضربت مدرسة الحقوق وتبعتها المدارس الأخرى، ومن ذلك الحين كثرت الإضرابات والمظاهرات.
ولكن إلى ذلك العهد كانت الإضرابات مرتبطة بالمطالب القومية، إما لتعدٍّ على حق من حقوق مصر يراد استلابه، أو لاسترداد حق ضاع من قبل، فكان يشترك في هذا الشعور طلبة المدارس العالية كلهم على اختلافٍ في مقدار شعورهم.
ثم كان الخلاف بين سعد من جانبٍ وعدلي وحسين رشدي من جانب آخر، فانقسمت صفوف الطلبة تبعًا لانقسام الزعماء، وتكونت الأحزاب وتوزع رجال السياسة عليها، وتوزع الطلبة كذلك، وكلما جدَّ حزب اعتنق مبادئه بعض الطلبة وتعصبوا له وعُرفوا به؛ هذا وفدي وهذا سعدي وهذا حر دستوري إلخ … إلخ … وكان يحدث أحيانًا أن يتفق الزعماء فيتفق الطلبة، وأحيانًا يختلف الزعماء فيختلف الطلبة، بل كان يحدث أحيانًا أن يشعر الطلبة بضرورة اتفاق الأحزاب في المواقف الحرجة، فتكون لهم يد في حمل الأحزاب على الاتحاد، هذا عرضٌ تاريخي موجزٌ جدًّا لما حدث، فهل لي أن أبدي رأيًا صريحًا لِما اعتقده، لا أرعى فيه حزبًا ولا أرعى فيه تعصبًا لأي ناحية من النواحي إلا الحق وإلا الحق وحده؟
للاشتغال بالسياسة وجهان وأسلوبان وطريقتان:
فأما الأولى فدراسة المسائل القومية وتاريخها وتطورها، وما يراد بها وما يجب أن يكون موقف الأمة منها، فإذا أريد الحديث عن السودان أو المعاهدة أو الديون أو نحو ذلك وجبت دراستها، وكيف كانت وما جدَّ عليها وإلى أي نقطة وصلت. وواجب رجال السياسة في كل بلد أن يعرفوا كل مسألة من هذه المسائل وأشباهها معرفة دقيقة بالتاريخ والأرقام والوثائق ويكونوا لهم فيها رأيًا، وواجب كل حزب أن يفعل ذلك ويوضح منهجه ويحدد ما يطلبه ويعلن ذلك، ما لم تمنع موانعُ قومية من إظهار هذا الرأي حتى يحين حينه.
أما الطلبة في الجامعة فلا أرى بأسًا — بل قد أرى واجبًا — أن يطَّلعوا على هذه الأمور ويكوِّن كلٌّ فيها رأيًا، بل ولا مانع من إقامة المناظرات والمحاضرات في هذه الشئون ويتخذ كلٌّ رأي هذا الحزب أو ذاك حسبما يتجلى له وجه الحق، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد أداء واجبه القومي الأول وهو الجدُّ في تحصيله لدروسه وعدم إهمال أي جانب من جوانب الدرس؛ فالطالب حرٌّ بعد أداء واجبه العلمي أن يرى هذا الرأيَ السياسي أو ذاك، ويوافق رأي هذا الحزب أو ذاك كما يدله عليه عقله ومنطقه وتفكيره.
وأما الثاني فهو تنفيذ الرأي، فهذا واجب السياسيين أولًا، فلكل حزب أو الأحزاب مجتمعة أن يرسموا خطط تنفيذ المطلب، ويتحملوا مسئولية ذلك، وما يتطلبه من شجاعة وتضحية.
أما الطلبة فليس لهم أن يُنفذوا رأي حزب ضد حزبٍ، بل ولا رأي الأحزاب مجتمعةً إلا إذا ظهر الزعماء في الميدان ورأوا جميعًا أنهم لا يستطيعون العمل إلا بمعونة الطلبة.
أما أن يختفي الزعماء وراء الستار ويوحوا إلى الطلبة بالعمل، وهم لا يعملون فضرب من الخلُق تأباه الكرامة، ووضعٌ للأمور في غير موضعها، وهرم مقلوب أو حصان وراء العربة.
إن كان هذا الرأي صحيحًا أمكننا أن نسوق بعض المسائل التطبيقية التي تتجلى في ضوء هذه النظرية: أولًا: من الخطأ المحض أن ينغمس مدير جامعة أو عميد أو أستاذ في الحزبية السياسية، ويصبغ تصرفاته بهذا اللون، فيحابي بعض الطلبة لأنهم من حزبه ويضطهد آخرين؛ لأنهم من غير حزبه، أو يسلك هذا المسلك في ترقيات الأساتذة وحرمانهم، أو يمشي في ركاب الزعماء ويصفق لهم، أو يُنفذ بعض المشروعات والأغراض التي يوحي بها الحزب القائم مجاراةً له، ولو خالفت المصلحة في نظره ونحو ذلك من مظاهر عديدة.هذا كله هدم لاستقلال الجامعة في التفكير وإفسادٌ لأخلاق الشبان والمدرسين؛ إذ يرون الحزبية الضالة أجدى عليهم من الجد والاستقامة والشرف، ولأن هذا يجعل الجامعات مسرحًا للأحداث والانقلابات تبعًا للتقلب السياسي. وليس لهذا خُلقت الجامعة، فإنما شيدت منارًا تهتدي به الأمة كلُّها على اختلاف أحزابها ومركزًا للنظريات العلمية والأدبية والسياسية الحرة، ولو خالفت جميع الأحزاب.
وثانيًا: من الخطأ الفاضح كذلك أن تتلاعب الأحزاب المختلفة بالطلبة، فيجعلوهم وسيلةً لاستردادهم الحكم إذا كان الحزب مغلوبًا، وللدفاع عن الحزب إذا كان الحزب غالبًا، وحرام أن تضيع أعمار طلبة في سبيل من يتولى الحكم، وحرام أن يلعب الساسة بهم فيختفوا ليظهر الطلبة، ويستريحوا ليتعب الطلبة، وينعموا ليشقى الطلبة، ويغنموا ليضحي الطلبة.
ولو أدرك المسئولون ما يحدث للطلبة في إضراب يومٍ واحد لقلقت ضمائرهم ودميت مشاعرهم.
إن الطالب للعلم وللخلق — أولًا — وللسياسة ثانيًا. ولا يكون للسياسة إلا إذا كانت سياسةً قومية، بل لا يكون للسياسة القومية إلا إذا كانت سياسةً قومية حقة لا سياسة قومية مزيفة تحت ستار الحزبية. أما الساسة فوظيفتهم السياسة أولًا وآخرًا، فإذا احتاج الأمر إلى التضحية فليضحُّوا هم أولًا وليظهروا في الميدان أولًا، ولا يستغلُّوا طهارة قلوب الطلبة ليخدعوهم، ولا يستكثروا عددهم ليلعبوا بهم؛ فإن اللعب بهم جريمة لا تُغتفر، فالجامعة بأساتذتها وطلبتها منار الأمة كما قلت، فإذا فسدت أظلم الجو كله.
وكما نقول للطلبة والأساتذة والعمداء: كُفوا عن السياسة الحزبية واعملوا للعلم والخلق والوطن، نقول للساسة: أشفقوا على أبنائكم فلا تزجُّوا بهم في السياسة الحزبية، وقدروا ما تجنونه على الأمة من ضياع العلم بإفساد السياسة، وضياع الخلق بالمكافأة على غير الجدِّ في العمل والنبوغ فيما أُنشئت له الجامعة.

الرجل الثقيل


الرجل الثقيل: هو من كان وزيرًا أو مديرًا فحدَّد لمقابلة الناس موعدًا من الساعة الثانية عشرة إلى الواحدة في يومي السبت والخميس — مثلًا — ليسمع شكوى الناس ورجاءهم وظلاماتهم، ثم خصص ما عدا ذلك من الوقت للمصلحة العامة يدرس مسائلها ويصرف شؤونها، فإذا جاءه أحد مهما كان عظيمًا — باشا من الباشوات أو نائبًا من النواب أو شيخًا من الشيوخ — اعتذر عن عدم مقابلته لأنه لم يأتِ في الموعد المحدد مِن قبل أو لم يطلب موعدًا خاصًّا يقابله فيه، فهذا رجل ثقيل.
والرجل الثقيل من رجوتَه في علاوة موظف أو ترقيته أو نقله من قنا إلى القاهرة، فدرس مسألتك ثم قال لك في صراحة: إنه لا يستطيع ذلك لأن قواعد العدل تأبى إجابة طلبك، فمن رجوتني فيه لا يستحق الترقية لأنه غير كفء، أو لا يستحق النقل من قنا إلى القاهرة لأنه لم يقضِ فيها المدة المعقولة — فهذا ثقيل أيضًا.
والرجل الثقيل من عهد إليه رئيسه درسَ مسألة أو كتابة تقرير عنها ولمَّح له برغباته، وأشار له بمقاصده، فذهب هذا المرءوس ودرس المسألة من جميع وجوهها ورأى الحق في غير ما لمح به الرئيس، فسمع لصوت ضميره لا لصوت رئيسه، وكتبَ التقرير بما يراه هو أنه الحق لا بما يراه رئيسه تحت ضغطٍ رجاءٍ أو رغبةٍ في منفعة شخصية، فهذا أيضًا ثقيل.
والرجل الثقيل من سمع محاضرةً أو خطبةً أو أهدى إليه مؤلفٌ كتابًا أو قصيدة، ثم سُئل عن رأيه في ذلك كله فقال رأيه الصريح في المحاضرة والخطبة والكتاب والقصيدة مِن غير محاباة ولا مجاملة ولا تحامل أيضًا، وذكر ما في ذلك مِن محاسن إن كانت هناك محاسن وما فيه من عيوب إن كانت هناك عيوب، ولم يجامل ولم يمجمج — فهذا أيضًا ثقيل.
والرجل الثقيل من اختير عضوًا في مجلس، فإذا عُرض أمر فحصه فحصًا دقيقًا قبل أن يبدي رأيه، ثم ذكره ولو خالف في رأيه كل الأعضاء، وإذا عُرضت عليه ترقيةٌ لموظف طلبَ أن تُعرض عليه كل الأشباه والنظائر ليقتنع باستحقاق من طُلبت ترقيته أو عدم استحقاقه، ويعارض في الأمر لأنه يراه خطأ، وهو بذلك يغضب جهة من الجهات المحترمة أو لم يهتم عند إبداء رأيه بالحزب القائم ولا بالحزب الذاهب، بل ينظر إلى المسألة نظرًا مجرَّدًا عن كل اعتبار إلا اعتبار الحق، ويعتبر نفسه في المجلس قاضيًا عادلًا يجب أن يتصف بكل صفات القضاة العدول من درسٍ وفحص وبناء رأي على «حيثيات» لا يراعي فيها إلا المسألة بذاتها من غير تحيز، فهذا أيضًا رجل ثقيل.
والرجل الثقيل هو الذي يرى الرأي فيصلُب فيه ولا يتزحزح، يرجوه فلان الكبير أن يعدل عن رأيه فلا يقبل، ويرجوه رئيسه فلا يقبل، فإذا فشلت كلُّ أنواع الرجاء حاولوا ذلك بطريق الإغراء، فمنَّوْه بدرجة فلم يقبل، وبوظيفة أكبر من وظيفته فلم يقبل، وبتعيين ابنه في وظيفة لائقة فلم يقبل، فإذا لم ينفع الرجاء ولا الإغراء سلكوا معه طريق التهديد، فهُدد بالنقل إلى وظيفة أحقر. فقال: لا بأس، وقالوا: ننقلك إلى أقصى الصعيد. فقال: لا بأس، ونهملك فلا نُسند إليك عملًا. فقال: لا بأس، ونتهمك بأنك غير كفء وأنك لا تصلح لعمل، فقال: لا بأس. واستمر على عناده لا يعبأ برجاء ولا إغراء ولا تهديد، فهذا رجل ثقيل.
والرجل الثقيل رجل عالم في الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع، أدَّاه بحثه إلى نظريةٍ رأى صوابها وخالفه كلُّ من حوله من رجال فنه، فلم يعبأ بذلك وجاهر برأيه، فسلقه الناس بألسنةٍ حدادٍ وقالوا: هل أنت وحدك المحق وكل هؤلاء العلماء الكبار على باطل؟ فلم يعبأ بقولهم؛ أو سياسي رأى الاتجاه السياسي للأمة خطأً مع إجماع الساسة عليه، فجهر برأيه وتحمل النقد الشديد في صبر وحزم، وظلَّ يعلن عن رأيه بكل الوسائل المشروعة، أو أديب رأى الأدب العربي فيه ضعفٌ وفيه قوة، فعرض لذلك في صراحة وإن خالف الناس وإن اتهم بقلة ذوقه وعدم وفائه للغته وأدبه، أو اجتماعي رأى الأمة كلها تتردى في نقيصةٍ من النقائص الاجتماعية، فثار عليها وطالب بإصلاحها متحمسًا لا يأبه بنقدٍ ولا يكترث لمخالفٍ، فهذا رجل ثقيل أيضًا.
والثقلاء عندنا قليلون يُعدُّون على الأصابع، والكثرة العظمى ظرفاء يجاملون — ولو على حساب المصلحة العامة — ويقبلون الرجاء ويعدون بتنفيذه ولو كان مستحيلًا، ويوافقونك على رأيك ويوافقون غيرك على رأيه ولو تناقض الرأيان، ويُسمعونك الكلام الحلو العذب ولو أضمروا خلافه، ويفضلون ضياع الوقت في مقابلاتٍ على صرفه في إنجاز العمل وقضاء مصالح الناس، ويرعون في أحكامهم خاطر فلان وخاطر فلان ومصلحة فلان ومصلحتهم هم وكل شيء إلا الحق، ويجمِّلون ظاهرهم إلى أقصى حد ولا يُهمهم تجميل باطنهم إلى أي حد، ويعنون أشد العناية بالكلام الأنيق واللباقة في الحديث واللياقة في التصرف، ولا يُعنون أية عناية بالعدل في الكلام والعدل في العمل والعدل في التصرف.
فاللهم أكثِر من ثقلائنا وقلل من ظرفائنا.

كنَّاس الشارع!


هذا كناس الشارع بوجهه الذي علته طبقةٌ من جنس ما يكنس وثيابه الممزقة المتهدلة، وبيده مكنسته التي يثير بها الغبار على نفسه وعلى الناس، ويبرز من عبه نصف رغيف من الخبز الجاف أعده للأكل عندما يعضه الجوع.
وهذا مُلاحظُه ببذلته التي تشبه البذلة العسكرية، وبكبريائه التي تشبه كبرياء الضباط على الجنود، وكبرياء الجنود على الباعة الجوالين، وبيده عصا من خيزران خفيفة الحمل جيدة اللسع قد أهوى بها على الكناس لسببٍ لا أدريه، فتلقى الكناس ذلك بسكونٍ ظاهر وغيظ مكتوم.
وتدخَّل المارة في الشارع يرجون من المُلاحظ أن يكفَّ والكناس أن يحتمل، فكف الملاحظ، وسكت الكناس، وانتهت الرواية إلا في جوانب نفسي.
قلت: إن هذا النظر ليس وليد اليوم ولا أمس، ولكنه وليد قرونٍ وقرون من عهد أن كان مثل هذا الكناس يجر أحجار الأهرام ويرفعها، وعليه مثل هذا الملاحظ يلسعه بالعصا إذا تهاون في عمله أو استراح من كده، وقد تمثل في القرون الوسطى في الأيوبيين والمماليك يوم صوَّروا ما كانوا يلقون من عنت في الحكايات المنسوبة إلى ظلم قراقوش وأمثاله. وتمثل في العصور الحديثة بما كان يفعله المديرون الأتراك في المراكز والقرى، فهم يظلمون ويستبدون بالمأمورين، ويثأر هؤلاء المأمورون لأنفسهم من العُمَد، والعُمَد من مشايخ البلد، ومشايخ البلد من الأهالي. صورة واحدة ورواية واحدة تُمثَّل في أعلى طبقة، ثم يعاد تمثيلها طبقةً بعد طبقة إلى أن تصل إلى مثل هذا الملاحظ وهذا الكناس، وتمثلت ما كان يقصُّه عليَّ والدي — رحمة الله عليه — من ظلم إسماعيل باشا المفتش وخليل أغا ومن يُسمى داود باشا، وكيف كانوا يجمعون المال من أي سبيل، وكيف كانوا يعذبون الأهالي، وكيف هرب أبوه من بلدته إلى مصر تاركًا أطيانه لعجزه عن دفع ما يُطلب منه.
تمثلت ذلك كله في العصوات التي أكلها الكناس على الريق قبل أن يأكل نصف رغيفه. لا. لا إن نظام الطبقات واستبداد الطبقة العليا بالسفلى نظام لم يعد صالحًا لهذا الزمان.
فالناس سواءٌ في الحقوق والواجبات، فحقوق كناس الشارع وواجباته كحقوق رئيس الوزارة وواجباته، فإذا كان من حقوق رئيس الحكومة ألَّا يُضرب وألَّا يعتدي عليه، وألَّا يعاقب إلا إذا أجرم وإلا إذا ثبتت إدانته، فكذلك كناس الشارع.
إنا إذا قبلنا على مضض هذه الفوارق الشاسعة في الغِنى والفقر والمائدة الفخمة الدسمة الشهية المختلفة الألوان والطعوم، والكسرة الجافة في عب الكناس، فلسنا نقبل هذه الإهانة للكرامة الإنسانية وتمريغها في التراب.
إن نظرية الطبقات قد اعتنقها الناس حينًا واستمتعت بها الأقلية وشقيت بها الأغلبية حينًا، وسمن عليها النبلاء والأغنياء وذوو البيوتات الرفيعة حتى ورجال الدين، فأشرفوا على سواد الناس من طيارة، واستغلوا جهودهم لصالحهم، ونظروا إليهم في احتقار وازدراء، واحتكروا الوظائف الرفيعة لهم والمدارس لتعليم أبنائهم، والأماكن الجميلة لمتعة أنفسهم. ولكن طواحين العالم التي تطحن دائمًا، وتطحن ناعمًا قد طحنت هذه النظريات وخلاف الطبقات فيما طحنت، فجعلت الوظائف حق الأكفاء، والمدارس حق الجميع، والكرامة الإنسانية حق كل إنسان. فما بال هذا الملاحظ يضرب هذا الكناس؟!
لسنا نريد طبقاتٍ وإنما نريد ابن الباشا يجلس في الفصل في المدرسة بجانب ابن الكناس يتعلمان معًا، ويرعاهما المدرس على السواء معًا، ويؤنب ابن الباشا على ما أخطأ ويشجع ابن الكناس على ما أجاد، ويهذبهما معًا، ويعلمهما أن لهما الحقوق المتساوية في كل ما يتصل بالكرامة الإنسانية. وكل ما نطلب أن تتدبر الدولة في تنظيف أبناء الفقراء، فليس من حق ابن الغنيِّ أن يشمئز من وضاعة ملابس ابن الفقير، ولكن له الحق أن يشمئز من قذارتها، فلتنظر الدولة كيف تنظفه.
لقد مر زمان على الشعوب الأوربية كانت تُعنى فيه بمدارس للخاصة من أبناء الذوات والأعيان، فإذا أتموا دراستهم خطب فيهم خطباؤهم أنهم أعدوهم؛ ليكونوا أسياد الجماهير وقادة الجماهير. ثم أخذ هذا في التلاشي بفضل الديمقراطية الصحيحة، وانقلب الوضع، وصرخ الناس: لسنا نريد قوادًا للجماهير، ولكن نريد خدامًا للجماهير.
لسنا نريد مدير إدارة يتربع على كرسيه الفخم أمام مكتبه الفخم، يشعل سيجاره الفخم ليتكلم من طرف لسانه ويشمخ بأرنبة أنفه على الموظفين عنده ليلعبوا هم مثل دوره على الفلاحين وأصحاب الأعمال.
ولكنَّا نريد موظفًا صغيرًا يخدم الجماهير وأرباب العمل، وموظفًا كبيرًا يخدم الموظف الصغير في إرشاده وتوجيهه كيف يخدم ذوي الحاجات، فليس بيننا قائد ومقود آمر ومؤتمِر، ومن هو فوق القانون ومن هو تحت القانون، إنما بيننا خادم كبير وخادمٌ صغير، والكبرُ والصغر ليسا إلا تابعين لنوع الخدمة.
وعلى هذا الأساس فكناس الشارع يؤدي خدمةً للأمة كالموظف على مكتبه، ومدير الإدارة في مصلحته، وكلٌّ له الحق في أن يعيش، وأن يعيش مكرَّمًا ممن فوقه ومكرِمًا لمن تحته.
فما بال هذا الملاحظ يضرِب هذا الكناس؟!
إن العظيم ليس الحاكم بأمره، ولا المترفع عن شعبه، ولا الذي هو فوق القانون وفوق العقوبة، ولا الذي يأمر فأمره حكم وطاعته غنم، ولكن هو الذي يعرف الجماهير، ويعرف نفوسَهم ومشاكلهم وأسباب انحطاطهم ووسائل رقيِّهم ثم يعرف كيف يخدمهم.
وليس العظيم مَن يميت إرادة الأمة بقوة إرادته، وتفكيرها بإملاء تفكيره عليها، ومشاعرها بفرض مشاعره.
إنما العظيم من يحيي إرادة الأمة بجانب إرادته، وعقلها بجانب عقله، ومشاعرها بجانب مشاعره، ثم يتفاعل معها خادمًا ومخدومًا وآخذًا ومعطيًا ومفيدًا ومستفيدًا.
ولخيرٌ للأمة أن تفعل ما تريد — ولو أخطأت — مع احتفاظها بعقلها وإرادتها من أن تفعل الصواب إذا سُلبت حريتها وإرادتها.
إن الدرس الصحيح الذي يجب أن يتعلمه كل فرد في الأمة - من الطفل في المدرسة إلى الموظف في المصلحة، إلى الفلاح في الحقل، إلى العامل، في المصنع إلى الوزير في الوزارة، إلى رئيس الوزراء في الدولة — هو أن يكون الإنسان نافعًا للحياة، خادمًا بما يستطيع للأمة، محترِمًا لأخيه الإنسان. فلا وضيع ولا شريف، ولا رفيع ولا حقير، وأن يعتقد ويعمل على أن كل الناس سواء في حقوق الإنسانية.
فما بال هذا الملاحظ يضرب هذا الكناس؟!
لن تفلح أمةٌ حتى يتغلغل في أعماق نفسها أن هذا الكناس وأكبر رئيسٍ سواء في الحقوق والواجبات.

الحظُّ …!


من قديمٍ والناس يتجادلون: هل في الدنيا شيء اسمه الحظ؟ أو هو مجرد وهم وخرافة؟ وقد كنت قرأت قصة لطيفة في ذلك، وهي أن ملكًا ووزيرًا تجادلا مرة في هذا:
فأما الملك فقال: ليس في الدنيا حظ إنما هو سببٌ ومسببٌ وعملٌ ونتيجة.
فالتاجر إذا نجح فبجده وبمعرفته قوانين الاقتصاد، وإذا خاب فبكسله أو إسرافه أو جهله بأصول التجارة. والفلاح إذا نجح؛ فلأنه جرى على أصول الزراعة، حرث الأرض جيدًا وبذر فيها بذورًا نقيةً وسقاها في مواعيدها ونقاها مما يعلَق بها، وجارُه إذا خابت زراعته؛ فلأنه لم يتبع هذه القوانين.
قال الوزير: ولكن قد نرى تاجرين أحدهما متعلم على آخر نمط وصل إليه العلم الحديث؛ درس الجغرافيا وعلم محاصيل البلاد ومنتجاتها، ودرس علم الاقتصاد وعرف قانون العرض والطلب، ومتى يرتفع السعر ومتى ينخفض، ومع ذلك نراه تاجرًا خائبًا، وزميله الذي لم يتعلم ويكاد يكون أميًّا تاجرٌ ناجحٌ قد ربى ثروة كبيرة. وعندنا في مملكتنا أمثلة كثيرة لآباء جهلة كانوا ناجحين في تجارتهم، وخلفوا أبناء علَّموهم على آخر طراز، فلما تولوا تجارة آبائهم خابوا وأضاعوا ثروتهم.
أليس هذا أيها الملك الجليل هو الحظ؟
الملك: ليس هذا حظًّا، وسبب نجاح الأب وخيبة الابن أن هناك علمًا غير الذي في الكتب يُكتسب بالتجارب؛ فالأب الذي نجح قد عرف أخلاق الناس وعرف كيف يعاملهم وعرف ما يستهويهم وما ينفرهم، فكان هذا سبب نجاحه. أو تعلَّم من آبائه ألا يتوسع إلا على قدر رأس ماله ولا ينفق على نفسه وعلى أسرته إلا ما هو أقل مِن ربحه. ثم يجيء الابن المغرور بعلمه فلا يجامل الناس؛ لأن التجار في المملكة التي تعلَّم فيها لا يجاملون، مع أن لكل ممكلة عوائدها وتقاليدها، أو يتوسع في التجارة أكثر مما يحتمله رأس ماله اعتمادًا على حساب تبينَ خطؤه، أو تغريه الملذات فينفق أكثر مما يربح فتكون النتيجة الفشل، ثم يأتي الجهال فيسمون ذلك كله حظًّا!الوزير: ولكن هناك أمثلة أعقد من هذه. قد نجد فلاحَين زرعا أرضهما في ميعادٍ واحدٍ وبعنايةٍ واحدة وتربة الأرض واحدة والتقاوي واحدة وكل شيء واحد، ثم نجحت زراعة أحدهما ولم تنجح زراعة الآخر، لا لشيء إلا الحظ.الملِك: حتى ولا هذه — فلا بد أن يكون هناك سبب، كأن تكون تقاوي أحدهما مبخرة والأخرى غير مبخرة، أو تكون في السماد البلدي الذي سمَّد به الثاني أرضه مكروباتٌ سببت فساد زراعته — وأكثر ما يمكن أن يقال: إنه قد يكون هناك قوانين لم تُستكشف بعد، بسببها نجحت زراعة أحدهما وفشلت زراعة الآخر، فالمسألة ليست مسألة حظ، ولكن مسألة قوانين طبيعية بعضها عُرف وبعضها لم يُعرف، والناس يأتون فيسمُّون هذه القوانين التي لم تُعرف حظًّا.الوزير: فما قول مولاي الملك في شابين نزلا يستحمان في البحر فغرق من يعرف العوم ونجا من لم يعرف؟الملك: لا بد أيضًا من سبب، فقد يكون من غرق لأن قلبه وقف، أو لأنه نزل البحر على امتلاءٍ أو أراد أن ينتحر أو نحو ذلك من أسباب. وما زال الوزير يعترض والملك يجيب حتى تضايق الملك فقال: إن لم تأتني بدليل قاطع على وجود الحظ عزلتُك.
وساعد الحظ الوزير، فلما أظلم الليل أمر أن يُقبض على أول اثنين يسيران في الشارع، فأُتي بالرجلين فحبسهما الوزير في حجرة مظلمة. فأما أحدهما فكان نشيطًا شجاعًا، وأما الآخر فكان كسولًا جبانًا، قعد الكسول في ركن من أركان الحجرة يبكي مما أصابه، وأخذ النشيط الشجاع يتحسس الحجرة لعله يجد فيها ما يأكله، فوقعت يده على كيس أدخل فيه يده فوجده حبًّا ذاقه فوجده حمصًا، فأخذ يأكل، ومن حين لآخر تصطدم أضراسه بحصاة يُخرجها فيرمي بها صاحبَه اللابدَ في الركن استهزاءً به واستخفافًا، فلما أصبح الصباح وأشرق النور تبين أن الحجارة التي في حِجر الكسلان الجبان قطع من أفخر الماس، وتكشفت الحال عن نشيطٍ شجاعٍ أكل حمصًا، وكسلان جبان نال ماسًّا.
فذهب الوزير إلى الملك يقص عليه أكبر برهان على وجود الحظ في الدنيا.
فقال الملك: آمنت أن في الدنيا حظًّا بمقدار ما يوجد الماس في حمص.
وفي الحق أن الدنيا حظًّا، وأنه أكثر قدرًا من الماس في حمص، فهذه تُرزق الجمال، وهذه ترزق القبح، وهذا يرزق الذكاء، وهذا يرزق الغباء.
وأجلس في «المترو» في المقعد الضيق فأُرزق بالرجل السمين الذي يحتاج إلى «مترو» وحده، ويركب الناس القطارات فتوزع الأرزاق أشكالًا وألوانًا، هذا محظوظٌ في مكانه وهذا منحوس في جيرانه.
ويشتري مائة ألفٍ أوراق يانصيب، فيربح أقل الناس استحقاقًا، ويخسر أكثرهم استحقاقًا.
ويسلم شخص على آخر فيسلمه ميكروبًا ينغص عليه حياته أيامًا، ويتحدث شخصٌ إلى آخر، فينجلي الحديث عن شيء يكون سببًا لسعادته في الحياة.
والطائرة تطير حتى إذا وصلت إلى مكانٍ ما تعطَّل محركها فسقطت على فلاح يجر جاموسته فقتلته وقتلت جاموسته، وفي الأرض ملايين الفلاحين يسحبون ملايين الجواميس، ولكن هذا الفلاح بالذات وهذه الجاموسة بالذات هما اللذان يدركهما سوء الحظ، وقد تكون الطائرة في الأصل غير مصوَّبة إلى رأس الفلاح ولكنه يجري ليتقيها فيقع تحتها.
وهكذا كل يومٍ آلاف وآلاف من الحوادث تجري ليس لها تعليل إلا الحظ.
أنا مع الوزير ومع الملك في وجهة نظرهما؛ مع الوزير في أن في الدنيا حظًّا وفي الدنيا أمورًا لا يفسرها قانون السببية، ومع الملك في أن الحظ لا يصلح أن يُعتمد عليه في الحياة، فلا يصح للفلاح أن يعتمد في زراعته على الحظ، وكذلك التاجر في تجارته، والطالب في دراسته، والصانع في صناعته، والأمة في مصيرها أو في تسيير شؤونها.
لكل إنسان دائرتان في الحياة: دائرة العمل وهذه ينبغي أن يَعتمد فيها على قانون السبب والمسبب، والارتكان فيها على الحظ أو البخت أو القدَر أو نحو ذلك من الأسماء خطأ أي خطأ، فإذا بذل الإنسان أقصى جهده في عمله، فهناك الدائرة الأخرى التي ليست في يدنا، وإنما هي في يد القدر أو الحظ، ولتكن ما تكون بعد أن يكون الإنسان قد أرضى ضميره ببذل ما في وسعه.

عبد الله نديم


(????–??????/?????–????م)
?


إن كان يستحق الإعجاب مَن نبغ — والظروف له مواتية — من أسرة عريقة في المجد أو الغنى أو الجاه أو نحو ذلك مما ييسِّر للأبناء أن يتعلموا، ثم يشقُّوا لهم طريق الحياة وطريق المجد، فأولى بالإعجاب من ينبغ والظروف له معاكسة، لا حسب ولا نسب، ولا غِنَى ولا جاه؛ بل ولا القوت الضروري الذي يمكِّن الفتى من أن يجد له وقت فراغ يثقف فيه نفسه.
قد يدعو إلى شيء من الإعجاب منظر شجرة يانعة ضخمة مثمرة، تعهَّدها بستانيها بكل ما يصلحها، من وضع في المكان المناسب، والغذاء الكافي، والرَّي المتوافر في أوقاته، ولكن أدعى إلى الإعجاب بذرة طُرحت حيثما اتفق، فمدت جذورها بنفسها تجدُّ في حصولها على غذائها، فقد تجده وقد لا تجده؛ وتعاكسها الطبيعة فتكافحها وتتغلب عليها، ثم هي آخر الأمر تكون أينع ما كانت شجرة وأضخمها وأوفرها إثمارًا.
كذلك كان من النوع الثاني «عبد الله نديم»، كل الدلائل تدل على أنه سيكون نجَّارًا أو خبازًا، ولو تنبأ له متنبئٌ متفائل لقال: إنه سيكون نجارًا ماهرًا أو خبازًا ناجحًا، فأما أديبٌ يملأ الدنيا ويقود الرأي العام ويُحسب حسابه في كل ما يخطه قلمه أو تنطق به شفتاه، فلا يدور بخَلَد أحد حتى فاتح الرمل والضارب بالحصى.
هذا أبوه أصله من الشرقية ورحل منها إلى الإسكندرية، وعمل فيها نجارًا للسفن بدار الصناعة «الترسانة» ثم لم يعجبه هذا العمل فاتخذ مخبزًا صغيرًا يصنع فيه الخبز ويبيعه، ويحصل من ذلك على الكفاف من العيش.
فما بالك بأسرةٍ من هذا القبيل، مسكن متواضع، وخبز إن توافر فإدام غير متوافر، وملبس لا يُراعى فيها إلا أن يستر الجسم ولا يلفت النظر، وصحة تُرك البتُّ فيها للقضاء والقدر.
ولكن «عم مصباح» والد عبد الله، رجل جاد في عمله، قنوع بكسبه، مستقيم — بالضرورة — في حياته، من بيته إلى مخبزه إلى مسجده. أرسل ابنه إلى الكتَّاب على باب حارته كما يفعل الناس من مثل طبقته، يرسلون أولادهم إلى الكتَّاب زمنًا ما، فإذا اشتد متنُهم وقوي جسمهم أخذوهم إلى دكاكينهم في مثل صناعتهم التي تُتَوارث كما يتوارث المال.
ولكن عبد الله تفوق في الكتَّاب، وظهرت عليه ملامح الذكاء، فأراد أن يستمر في تعلمه، ولم يمانعه أبوه، وكانت الطريقة المعبَّدة لذلك أن يرسل الوالد ابنه إلى الأزهر، ولكن أين مال الأسرة الذي يحتمل ذلك؟!
على أنه في الإسكندرية — قريبًا من بيتهم — مسجد هو صورة مصغَّرة من الأزهر يدرِّس فيه المشايخ ما يُدرَّس في الأزهر وعلى نمطه، وذلك هو مسجد الشيخ إبراهيم باشا.
فدرَس فيه عبد الله نديم ما شاء الله أن يدرس، ولكنه كان تلميذًا خائبًا في هذه الدراسة، لا يصبر على جفافها، ولا يقدر على حل ألغازها، ولا يتحمل العناء في تفهم كتب نحوها وفقهها، فكان لا يواظب على درسه ولا يبدي به اهتمامًا.
وحُبب إليه نوع من الدراسة غير منظم، يوافق مزاجه، ويناسب استعداده، وهو أن يصاحب الناشئين في الأدب ويغشى مجالسهم ومجالس أساتذتهم، وما كان للأدب درس منظم ولا هو يُعدُّ علمًا ولا فنًّا، وإنما هو هواية كذي الصوت الجميل يهوى الغناء ويقلد فيه من سبقه، ولا درس ولا فن، ومثل هذا يُنظر إليه من أهل العلم بالنحو والفقه نظرة استخفاف وازدراء؛ وقد عهدنا هذا في أيام دراستنا بالأزهر، أيام كان الشيخ سيد المرصفي يحلِّق حلقة لدراسة الأدب، فكان هذا عجبًا من العجب، ينظر طلاب الفقه والنحو ومشايخهم إلى حلقته شزْرًا.
كان عبد الله نديم يغشى هذه المجالس الأدبية التي ليس لها منهج؛ فيسمع شعر الشاعرين وزجل الزجَّالين، ونوادر المتماجنين، وقصائد الراوين، فيصغي إلى كل ذلك في فهم كأنه كله آذان، ويدرك من غير وعي أن هذا بابه وهذا فنه، وأنه إنما خُلق لذلك لا للنحو ولا للصرف، فاشتاقت نفسه أن يسلك هذا المسلك ويسير في هذا الطريق، وقد مُنح حافظةً لاقطةً، وقدرةً على التقليد فائقة، فأخذ يحاكي بعدُ ما اختزن، ويغني بعد ما سمع، فطورًا يوفَّق فيستدعي ذلك إعجاب أمثاله، وطورًا يُخذل فيستخرج ضحك أقرانه، ومن كل ذلك كان يتعلم.
وإلى جانب ذلك تعلم درسًا في منتهى القيمة، درسًا تعلمه حافظٌ ولم يتعلمه شوقي، وتعلَّمه بيرم التونسي ولم يتعلمه توفيق الحكيم؛ درسًا قلَّ أن يفقهه الأدباء مع عظيم خطره وكبير أثره، ذلك هو أن نشأته في صميم الأحياء الشعبية مع رفاهة حسه، ويقظة نفسه، وفقره وبؤسه، علمته أن يحيط إحاطة واسعة بلغة الشعب وأدبه، مِن أمثال وحكايات ووجوه معاملات وصنوف تصرفات، فرسم ذلك كله في نفسه لوحاتٍ كان لها أكبر الأثر في حياته الأدبية المستقلة، والنفس الحساسة الفنانة تختزن حتى حفيف أوراق الأشجار، وهفهفة الأغصان، ودبيب النِّعال، وحلاوة البسمات، وأدق مجالي الجمال والقبح، ثم تعرف كيف تستخدم ذلك في فنها متى آن أوانه.
ولكن مرحى بذلك كله، تبًّا للحياة المادية، هل يكسب من ذلك «عبد الله نديم» قرشًا، وهل يستطيع «عم مصباح» أن يحتمل هذا الهذر طويلًا؟ لقد احتمل الإنفاق عليه في الكتَّاب؛ لأنه طفل، والكتَّاب خير من البيت، واحتمله يدرس في «جامع الشيخ»؛ لأنه كان يرجو في ابنه أن يكون شيخًا معممًا، وعالمًا مطمطمًا، يتقرب إلى الله بتقبيل يده والتمسح بثوبه، فأما هذا اللغو الفارغ الذي يُسمَّى شعرًا ونثرًا فهو عبادة الشيطان لا عبادة الله، ولست أتقرب إلى الله بالإنفاق على عبدة الشياطين.
لقد نفض أبوه يده منه، فأخذ عبد الله نديم يبحث عن وجهٍ للكسب، فاتجه اتجاهًا غريبًا، هو أن يتعلم فن الإشارات التلغرافية ثم يتكسب منه، وكذلك كان. فتعلَّمه واستُخدم بمكتب التلغراف ببنها.
ثم نُقل إلى مكتب القصر العالي حيث تسكن والدة الخديوي إسماعيل، وقد كان قصرًا من أفخم القصور، يقع على النيل فيما يسمى الآن «جاردن سيتي»، خدم وحشم وموسيقى وطرب، وما شئت من ألوان النعيم والترف؛ وقد تعلم منه عبد الله نديم كيف يعيش الأمراء والسادة، كما تعلم في بيته وحارته في الإسكندرية كيف يعيش الفقراء والعبيد.
وعاد إليه في القاهرة شوقه إلى الأدب ومجالس الأدباء، وكان حظ القاهرة في ذلك أوفى؛ ففيها — مثلًا — مجلس محمود سامي البارودي، وكان مجلسًا عامرًا يسمر فيه السمر اللذيذ؛ فأدب قديم يُعرض، وأدب حديث يُنشد، وعرضٌ للمعنى الواحد صِيغ صياغة مختلفة، ونقد قيِّم لهذا ولذاك، يتخلله نوادر فكهة، وأحاديث في الأدب حلوة، اتصل عبد الله نديم بهذا المجلس وأمثاله، وتوثقت الصلة بينه وبين كثير من أدباء مصر إذ ذاك، وأخصُّهم سبعة أولع بهم واستفاد من معارفهم وأدبهم: شاعر مصر محمود سامي البارودي؛ وشيخ الأدباء عبد الله باشا فكري، والسيد علي أبو النصر البليغ الشهير؛ ومحمود صفوت الساعاتي، الواسع الاطلاع، الكثير المحفوظ، المتفنِّن في الطرائف الأدبية؛ والشيخ أحمد الزرقاني الكاتب الأديب؛ ومحمد بك سعيد بن جعفر باشا مظهر الشاعر الثائر؛ وعبد العزيز بك حافظ عاشق الأدب والأدباء، الكريم الوفي.
وكان الذي أرشده إلى هؤلاء الأدباء وعرَّفه بهم، وأحكم الصلة بينه وبينهم، الشيخ أحمد وهبي أحد المولعين بالشعر، الناظمين له، والمحرر بالوقائع المصرية في بعض أيامه.
فأتم على هؤلاء وأمثالهم دراسته، وشرب من منهلهم وارتوى من ينابيعهم، فهو في النهار تلغرافي، يتقبل الإشارات ويرسلها، وبالليل أديب يتقبل نماذج الأدب ويحاكيها.
ولكنه لم يمهله الحظ، فقد غلط في عمله في القصر العالي غلطة سببت غضبَ خليل أغا عليه؛ ومَن خليل أغا؟ هو كبير أغوات الوالدة (أم إسماعيل)، وكان القصر مملوءًا بالأغوات، يقومون بشئون القصر، ويستقبلون المدعوات ويصحبونهن إلى باب الحريم؛ ونال كبيرهم خليل أغا من النفوذ ما لم ينله ناظر النظار ولا الأمراء والوجهاء، لخطوته عند الخديو إسماعيل ووالدته.
إشارته حُكم، وطاعته غُنم، يخضع له أكبر كبير، ويسعى لخدمته أعظم عظيم، رأيه نافذ في الدواوين والمصالح، يتحكم في مصر والسودان، ويأتمر بأمره كبار الموظفين والأعيان. حاز الثروة الضخمة والجاهَ العريض، كأنه كافور الإخشيدي في أيامه، حتى إنه لما عُقد عَقْد زواج الأنجال في القصر العالي حضره النظار والعلماء وكبار الأعيان، فكان يرأس الجميع «خليل أغا»؛ كان مِن خصاله أنه يذبح ويسبِّح، ويغصب ويبني مدرسة.
فمَن عبد الله نديم إذا غضب عليه خليل أغا العظيم؟! إذا غضب عليه غيرُ خليل أغا فُصل من وظيفته، ولكنه إذا غضب عليه خليل أغا ضُرب وطُرد، وضاقت عليه الأرض بما رحبت.
سُدَّت في وجهه أبواب الرزق في القاهرة كما سُدت في الإسكندرية، وانتهى به الأمر إلى أن ينزل على عمدةٍ من عمد الدقهلية يقيم عنده ويعلم أولاده؛ ثم ما لبث أن تخاصم مع العمدة. فأما العمدة فيرى أنه آكلَه وأسكنه مقابل تعليم أولاده، وأما عبد الله نديم فيرى أن هذا حقُّ الضيف ويبقى له أجر التعليم، وقد قدَّره بثلاثين جنيهًا. واختلفت وجهة نظر، وتشادَّا ثم تسابَّا، وغلى مرجل عبد الله نديم. فكان ذلك نعمةً على أدبه إذ انفجر المرجل، وتدفق عبد الله نديم يصوغ في هجاء العمدة أدبًا لاذعًا، تدفعه عاطفة حادة، فعرف نفسه أديبًا، وعرفه من حوله لَسِنًا يملك ناصية القول.
واتصل أمرُه بعين من أعيان المنصورة ذي مروءة، فاستدعاه وأكرمه، وفتح له دكانًا يبيع فيه المناديل وما إليها، فاتخذ دكانه متجرًا للمناديل ومتجرًا للأدب، يجتمع فيه بعض أصحابه يتذاكرون الأدب، ويتناشدون الأشعار، ويتبادلون النوادر، وبين هذا وذاك تأتي شارية لمنديل، أو شارٍ «لِعِصَابَة».
وكانت هذه العادة فاشية في المدن، فقد يكون التاجر ذا ثقافة فقهية أو أدبية، فيتخذ أصحابه من دكانه مكانًا للبحث في الفقه أو الحديث في الأدب، إذ لم تكن قد غزتنا المدينة الأوربية فعلمتنا التخصص، وأن مكان التجارة للتجارة فقط، وأما الحديث في العلم والأدب فله مكان آخر. وقد أدركنا في أول زماننا شيئًا من هذا، فكانت بعض الدكاكين مدارس، وخاصةً في الأدب لأن الأدب لم يكن يدرُّ رزقًا، وإنما هو فن للمتعة. وكثير من أدباء عصر عبد الله نديم كان من هذا الطراز، فحسن أفندي عبد الباسط الأديب الشاعر الهجَّاء، كان في بعض أيامه يفتح دكان عطارة في الزقازيق، ويجتمع به في دكانه أدباء الزقازيق وظرفاؤها، والشيخ أحمد وهبي الشاعر الأديب كان له دكان طرابيش بالغورية، وكانت مجتمع الأدباء والشعراء. ولكن أكثر هؤلاء لم ينجحوا في تجارتهم؛ فالأديب فنان، والفنان — في الغالب — سمح، يقدِّر الذوق الفني أكثر مما يقدر الدرهم والدينار، والتجارة تحتاج إلى الضبط والدقة، والعناية بالإيراد والصرف؛ والفنان — عادة — محلول لا تطيق نفسه القيود والحدود. على كل حال وجدَ عبد الله نديم بعد برهة دكانه وليس فيها مناديل ولا جوارب، ولكن جماعة يتناشدون الأشعار، ويستهلكون ولا يُغلُّون، فأغلق دكانه وطوَّف بالبلاد ينزل ضيفًا على هواة الأدب؛ إلى أن نزل بطنطا، وصادف مولد السيد، فكانت له حادثة ظريفة لفتت إليه الأنظار وشَهَرته بين الناس.
وكانت البيوت أعظم شأنًا من الدكاكين في أنها مجتمعُ الأصدقاء مِن ذوي العلم والفن، يسمرون فيها السمر اللذيذ ويتحادثون الحديث الظريف، هذا بيته منتدى الأدباء، وهذا بيته مجمَع الفقهاء، وهكذا، فيكاد كل رجل يعرف مكانه من هذه البيوت حسب ذوقه وميله، ويكثر ذلك في طبقة الأوساط والأغنياء من ذوي الميل العلمي والفني، وأدركتُ في حارتنا المتواضعة ثلاثة بيوت من هذا القبيل، كان صاحب أحدها قاضيًا شرعيًّا كبيرًا، فكان بيته منتدى الفقهاء والعلماء يتسامرون عنده في الدين والفقه؛ والثاني: موظفًا ظريفًا يسمر عنده أصحابه في الأخبار والفكاهات، ليلة يدعون مقرئًا جميل الصوت، وأحيانًا فكِهًا حسن الحديث؛ والثالث: دفافًا يضرب على الدف في الأفراح، فكان عنده كثير من هواة الآلات الموسيقية، يُحيون عنده الليالي الملاح حتى الصباح. فما بالك بالموسرين إذا شغفوا بأدب أو علم أو فن، وكانوا كرامًا يفتحون بيوتهم للهواة من أمثالهم، يجدون فيها الطعام الشهي والفن الشهي؟!
كان بيت شاهين باشا كنج بطنطا — وهو مفتش الوجه البحري إذ ذاك — من هذا القبيل، كرمٌ حاتمي، وذوقٌ أدبي، وظرف نواسي، فتعرَّف به عبد الله نديم، فوجد فيه شاهين باشا قبح منظر، ولكن طلاقة لسان، وخفة روح، وسرعة بديهة، فغطَّى ذلك على قبح منظره، واتخذه له نديمًا.
?


كان مرة يجلس في قهوة أيام المولد الأحمدي سنة (?????) ومعه طائفة من أصحابه، منهم السيد علي أبو النصر الشاعر، والشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري الأديب الماجن، فطلع عليهم اثنان من «الأُدَبَاتية».
والأدباتية طائفة من المتسولين يستَجْدُون بأدبهم العامي، وطلاقة لسانهم في الشعر، وحضور بديهتهم؛ عُرفوا بالإلحاح في الطلب، فإذا رددتَهم أيَّ ردٍّ أخذوا كلمتك على البديهة، وصاغوا منها شعرًا يدل على استمرارهم في طلبهم، واستغواء ممدوحهم، وقد جمعوا إلى طلاقة لسانهم وحضور بديهتهم منظرهم المضحك في ملبسهم وحركاتهم، فزرٌّ خارج العمامة، وطبلة تحت الإبط، وحركات يدور معها زر العمامة كأنه نحلة، وتحريكٌ لعضلات وجوههم كأنهم قِردَة، وهكذا. وسُموا«أدباتية» جمعَ سخريةٍ لأديب. فمرَّا على الحاضرين حتى وصلا إلى عبد الله نديم، فقال أحدهما:
أنعم بقرشك يا جنديوإلا اكسنا امَّالْ يا أفنديلَحْسن أنا وحياتك عنديبقَى لي شهرين طول جَعَان فأجابه عبد الله نديم على البديهة:
أما الفلوس أنا مَدِّيشيوانت تقول: ما مَشِّيشييطلع عليَّ حشيشيأقوم أَمَلَّص لك لِودَان فردَّ «الأدباتي»، ورد عبد الله نديم، وظلا كذلك نحو ساعة، ثم غُلب الأدباتي فانصرف مهزومًا.
ونقل السيد علي أبو النصر القصة إلى شاهين باشا كنج، فاستطرفها جدًّا، وخطرت له فكرة طريفة أيضًا، أن يقيم حفلًا عامًّا، يدعو فيه كبار الأدباتية والزجَّالين ويدخلون في مساجلة مع عبد الله نديم، فيكون منظرًا لطيفًا، ومحفلًا ظريفًا. ففعل، ونصب سرادقًا أمام بيته، وأحضر رؤساء هذا الفن، وشرط عليهم أنهم إن غَلبوا كافأهم، وإن غُلبوا ضربهم، فرضوا. واستمرت المساجلة نحو ثلاث ساعات، غَلَب النديم، فكانت الحادثة سبب شهرته بين الأدباء والظرفاء.
لقد أخذ بعضهم عليه — فيما بعد — هذا الحادث، وعيَّره به، وقالوا: إنه رضي أن يقف موقفًا يساجل فيه المتسوِّلين، وأن يكون «أدباتيًّا» مثلهم، ينازلهم ويغالبهم على ملأ من الناس، فمثله مثل المصارعين أمام «الزَّفَّة»، ولا يرضى لنفسه هذا الموقف إلَّا وضيع النفس ساقط الهمَّة.
والحق أن وضع المسألة هذا الوضع فيه كثير من التزمت والتعنت، كالذي تُعرض على مسامعه الفكاهة الحلوة فينتقد فيها خطأ نحويًّا أو لفظًا لغويًّا، وكمن ينتقد الشيخَ الوقور على ما كان منه أيام الصبا، والغنيَّ الواسع الثراء على ما كان منه أيام البؤس والشقاء؛ فالمسألة لم تَعْدُ أن تكون طرفة لطيفة، وفكاهة ظريفة، وقوانين الظرف تبيح من البحبحة في مجالسه ما لا تبيحه في مجالس الجد والوقار.
أخيرًا عاد إلى مسقط رأسه بالإسكندرية سنة (????م) في نحو الخامسة والثلاثين، وهو أكثر خبرةً بالدنيا فيما لقي من عظماء ووجهاء وأدباء، وفيما رأى وسمع وعمل في القصر العالي أيام كان موظفًا في تلغرافه، وفي التجارة أيام تاجرَ وأفلس، وبأخلاق الفلاحين أيام كان يعلِّم أولاد أحد «عُمَدِهِم»؛ ولكنه دخلها كما خرج منها صِفر اليدين.
عاد فرأى في الإسكندرية منظرًا جديدًا لم يكن أيام كان بها، كانت المجالس الأدبية يوم فارقها تتحدث في غزل أبي نواس، ووصف البحتري، وهجاء ابن الرومي، ومديح الشعراء في إسماعيل، وفكاهات الشيخ علي الليثي؛ فإذا انتقلوا من ذلك فإلى مَن عارض شعر هؤلاء من المحدَثين، وما أنشأه الناشئون من سمَّار المجلس في مثل هذه الأغراض؛ ولما عاد إليها وجد المجالس تتحدث في نقد إسماعيل لإسرافه وتصرفه، وفي الدول وتدخُّلها، ورأى جمعية سرية تسمى «مصر الفتاة» يجتمع أعضاؤها فينقدون هذا كله في صراحة حماسة؛ والأدب يتحوَّل فيأخذ شكل الكلام في الأمة ومصالحها، وآلامها وآمالها، ويحتل ذلك مكان غزل أبي نواس، وشعر صريع الغواني؛ والنفوس بفضل تعاليم «جمال الدين الأفغاني» وصحبه ثائرة تتطلع إلى نوع من الأدب غير الذي كان، وتجد غذاءها في الصحف السياسية والمقالات النقدية؛ فيشتغل في الصحافة من هذا النوع «أديب إسحاق»، و«سليم نقاش» في جريدتيهما «مصر» و«التجارة»، ويمدُّهما جمال الدين وتلاميذه بمقالاتهم وإرشاداتهم.
فأعد عبد الله نديم نفسه للأدب الجديد والمطلب الجديد وانغمس في هذا التيار، وحوَّل قلمه في هذا الاتجاه، يمد هذه الصحف بمقالاته في مثل هذه الموضوعات، فلقي من النجاح ما لفت إليه الأنظار. وكان له فضل كبير في إدراك أن الكتابة في الموضوعات السياسية إنما يناسبها أسلوب متدفق سريع مرسَلٌ لا يقيده السجع إلا قليلًا، لينسجم وحركات النفس المتحمسة الثائرة.
وفكَّر مع بعض أصحابه من أعضاء جمعية «مصر الفتاة» أن يحوِّلوها من جمعية سرية إلى جمعية علنية، تعمل جهارًا في الأعمال المشروعة، وجدَّ هو وصحبه يجمعون المال لها من أعيان الإسكندرية، وسمَّوها «الجمعية الخيرية الإسلامية» (وهي غير الجمعية القائمة الآن بهذا الاسم). وكان من أهم أغراضها إنشاء مدرسة تعلم الناشئة على نمطٍ غير النمط الجاف الذي تسير عليه مدارس الحكومة إذ ذاك، فيضيفون إلى تعليم مبادئ العلوم بثَّ روح الوطنية والشعور القومي في الأمة، وقد كان هذا غرضًا جديدًا دعا إليه الشعور القومي الذي كان في طور التكون.
وتمَّ ذلك كله، فجُمع المال، وأُنشئت المدرسة، وجُعل عبد الله نديم مديرها، وافتتحها بخطبة رنَّ صداها في الثغر، وكان ذلك في آخر أيام إسماعيل، وأقبل عليها كثير من أبناء الفقراء والأيتام، ووُضع لها برنامج يحقق الغرض، وتكفَّل هو بتعليم الإنشاء فيها والأدب، وأخذ يمرن الطلبة على الخطابة والتمثيل، وعلى الجملة نفخ فيها من روحه، ولعلها أول جمعية مصرية إسلامية في مصر أُسست لمثل هذا الغرض.
ثم وثَّق الصلة بين المدرسة والقصر، وكان الخديوي إسماعيل قد عُزل وحلَّ محله الخديوي توفيق، فتقرَّب النديم إليه، واستزاره المدرسة، فزارها، ورجاه أن تنسب الرياسة لولي عهده «عباس» فقبل. وأُغرم بتعليم التلاميذ الخطابة، فكان ينتهز كل فرصة لإقامة الحفلات يخطب فيها، ويحضِّر الخطب لتلاميذه ليخطبوها، ثم يمرنهم أن يُنشئوا الخطب بأنفسهم، ويصلح خطأها ويرشدهم، فأسس بذلك نخبة يحسنون التحرير، ويحسنون القول، ولم يكتفِ بذلك بل خرج بالمدرسة إلى ميدان الحياة العامة، فكان يُحضر بعض الروايات التمثيلية في نقد بعض العيوب الاجتماعية، ويمثلها هو وتلاميذه في بعض الملاهي العامة، من ذلك أنه أنشأ روايتين اسمهما «الوطن وطالع التوفيق»، و«العرب»، ومثَّلهما في «تياترو زيزينيا»، حضرهما الخديوي توفيق، ونجح فيهما نجاحًا أعلى ذكره.
ولكن ظهر فسادٌ في الجمعية نسبوه إليه، ففُصل من المدرسة ومن الجمعية.
عند ذاك اتجه إلى إنشاء صحيفةٍ، وحبَّب إليه ذلك سابقة اتصاله بصحيفتي أديب إسحاق وسليم نقاش، ومرانه على الكتابة فيهما، وشعوره بأن الناس أعجبوا بما كتب، وأنه كان يكتب فيستغل أصحاب الصحف مقالاته مادة ومعنى، فلا يؤجرونه على ما كتب. وكثيرًا ما يضنون عليه حتى بذكر اسمه في ذيل مقالاته، بل يتركون القارئ يفهم أنها لهم ومن إنشائهم.
فأخرج صحيفة سماها «التنكيت والتبكيت»، وفي هذا الاسم دلالة على غرضه وأسلوبه، فهو يرمي إلي تأنيب المصريين على ما وصلوا إليه، في أسلوبٍ قد يكون لاذعًا وقد يكون ضاحكًا.
وظهر العدد الأول منها في (? يونيه سنة ????)، ودعا فيه الكتَّاب أن يوافوه بمقالاتهم ونتاج قرائحهم على النهج الذي رسمه: «كونوا معي في المشرب الذي التزمته والمذهب الذي انتحلته، أفكار تخيلية، وفوائد تاريخية، وأمثال أدبية، وتبكيت ينادي بقبح الجهالة، وذم الخرافات؛ لنتعاون بهذه الخدمة على محو ما صرنا به مُثْلةً في الوجود، من ركوب متن الغواية، واتباع الهوى اللذين أضلَّانا سواء السبيل».
وفي الحق أن هذه الصحيفة كانت عجبًا في موضوعاتها وأسلوبها.
انظر العدد الأول، تجد تنكيتًا وتبكيتًا لأكبر المصائب التي كان يحسها ذلك العصر: مقال عنوانه «مجلسٌ طبي لمصاب بالأفرنجي»، وهي قصة شاب صحيح البنية، قوي الأعصاب، جميل الصورة، لطيف الشكل، في رقة ألفاظٍ وعذوبة كلام، وفي عزةٍ ومنعةٍ لا يشاركه فيهما مشارك، يلتفُّ حوله أهله يعزِّزونه ويؤازرونه حتى لا تمتد إليه يد عدو، ولا حِيَل محتال. وبينا هو في ذلك تسلل إليه أحد الماكرين يتظاهر بالصلاح والتقوى، ويُضمر الختل والغدر، فأسلمه أهله إليه انخداعًا به. فعرضه هذا الماكر على الأسواق يريه من الغواني من تعارض الشمس بحسنها، وتكسف البدر بنورها، فمانع حينًا، ولكنه رأى أهل بيته قد وقعوا في مثل هذه الغواية، وانغمسوا في مثل هذه الضلالة، فسار سيرهم، وترك النِّفار والإباء وسار في الطريق الذي رسمه المنافق الخادع، فما سار فيه حتى أصيب بالداء الإفرنجي «الزهري» فاصفر وجهه، وارتخت أعضاؤه، وذهبت بهجته، وغارت عيناه، وتشوه وجهه، وتبدلت محاسنه بقبائح تنفر منها الطباع، وتمكن الداء منه وسرى في دمه وعروقه، فصار يقلِّب طرفه لعله يجد من قومه من ينقذه من مرضه.
واجتمع الأطباء من قومه يفحصون الجسم، ويشخصون مرضه، ويقفون على أصله، ويُركِّبون الدواء ليقف سريان الداء، وتعلق بهم أهل المريض يسألونهم الإسراع في معالجته والاجتهاد فى دفع مصابه، فطمأنهم الأطباء ونصحوهم بالهدوء والتحرز ممن كانوا السبب في الداء، حتى لا يفسدوا العلاج؛ وابتدءوا يعملون بمشورة الأطباء ويبذلون الجهد في معالجته.
وواضح أن هذه قصة رمزية، أراد أن يصور فيها شعور الناس في هذه الفترة بعد ما كان من الإسراف في عهد إسماعيل، ووقوع مصر في الديون الباهظة، وتدخِّل الدول الأجنبية، مِن مراقبة ثنائية وإنشاء صندوق الدين، وما إلى ذلك، كما يصور بها ألم الناس من هذا المرض الإفرنجي، وأملهم في النجاة منه بسعي عقلائهم، وتفكير أولي الرأي فيهم. كل ذلك في أسلوب روائي مفهوم.
قد كانت هذه المسألة هي صميم المسألة المصرية، ومشكلتها الكبرى، فبدأ بها على هذا النحو، وعالجها هذا العلاج؛ وكان بارعًا في التورية بكلمة «الداء الإفرنجي».
ويلي ذلك مقالٌ في «عربيِّ تفرنج»، يصف فيه شابًّا من صميم الفلاحين، تعلم في مصر، ثم في أوروبا، وعاد إلى بلاده يُسفِّه أباه لما قابله على المحطة وقبَّله، كيف يقبله، ويطالبه أن يُسلم عليه بيديه فقط، ويكتفي بأن يقول له: «بُن آريفيه»، وينسى لغته، حتى اسم البصل فهو لا يعرف إلا أن اسمه «أونيون»، ويختم هذا بالمغزى من القصة، وهو أن لا أمل في مثل هؤلاء إلا إذا حافظوا على لغة قومهم وعاداتهم، وصرفوا علومهم في تقدم بلادهم.
ثم يقص قصة موسرين اجتمعوا في بيت أحدهم، دخل عليهم فوجدهم ساهمين لا يتكلمون ولا يتحركون، فظنَّهم يفكرون في أمر خطير شغل أذهانهم، وعقد لسانهم، كتفكيرهم في تقدم الصنائع في أوروبا، وكيف يُفعل ذلك في مصر، أو يفكرون فيما يزيد ثروتهم، ويضمن التقدم في عملهم؛ ثم يتبين بعد ذلك أنهم إنما اجتمعوا لتعاطي الكيف، وأخذ «المنزول» ليكون الواحد «مبسوطًا» لا يسأل عن الدنيا وما فيها، فإذا «ونن» قام إلى مكان نومه، وقضى ليلة سعيدة — وقال: ما لنا وللدنيا وما جرى فيها، وما لنا وللصحف والتلغرافات ونحن كلنا بحمد الله في غنى عظيم، عندنا الخدم الذين يقومون بأعمالنا، وقد خلف لنا آباؤنا من المال ما لا تفنيه الأيام — فلا نخرج من بيوتنا إلا للمسامرات بالمضحكات والنكات اللطيفات.
ثم قصة ترمي إلى نقد ما كان يجري بين العامة من اجتماعهم في القهوة، وسماعهم للقصَّاص «الشاعر»، وانقسامهم إلى معسكرين: متعصب لعنترة، ومتعصب لزغبة، وما كان من أحدهم — وقد ختم القصاص الليلة بوقوع عنترة أسيرًا — إذ ذهب إلى ابنه وأيقظه من نومه وأمره أن يقرأ في الكتاب حتى يُخلِّص عنترة من الأسر، وإلا مات كمدًا، فلما لم يطعه ابنه، وأفهمه أن هذا تخريف في تخريف، نزل عليه بعصاه حتى أدماه. والجنون فنون.
ويلي هذه قصة تمثل الفلاح الجاهل، والمرابي الماكر، إذ أراد الفلاح أن يقترض منه مائة جنيه، فأعطاه سبعين، وكتب عليه «كمبيالة بمائة وعشرين». وحسبها كما يأتي: المائة فائدتها عشرون، وتُخصم من المائة فيكون الباقي سبعين، وتضم الفائدة فيكون عليه مائة وعشرون؛ ويقتنع الفلاح بذلك لجهله بأبسط مسائل الحساب، ثم يقدِّم الفلاح للمرابي قطنًا وقمحًا ثمنهما الحقيقي ??? جنيهًا، يحسبهما المرابي بأربعين، ويغالطه أغلاطًا مضاعفة حتى يجعله مدينًا بمائتي جنيه وعشرة، كل ذلك والفلاح في غفلة لا يدري ما يُصنع به — فإذا عوتب المرابي على ذلك قال: ماذا أصنع! إن الفلاح حمار. وأنا أريد أن أكون غنيًّا كبيرًا في خمس سنين!
ثم قصة غني كبير بنى بيتًا فخمًا، وأثثه أثاثًا بديعًا، وكان مِن أثاثه مكتبة كبيرة، فلما أتم ذلك كله عرضه على الزائرين، فسأله أحدهم عن المكتبة وما تحوي؛ ليعرف أي نوع من العلوم والفنون يهوَى، فقال الغني صاحب البيت: لقد دخلت بيت فلان وفلان فرأيت في مَضْيَفَة كل منهم خزانة كتب، عليها ستارة خضراء وبجانبها منفضة من الريش، والخادم كل يوم ينفضها ويمسح الزجاج والخزانة، فعلمت أن هذا طراز جديد في بناء البيوت وتأثيثها، فقلدتهم في ذلك، ولا علم لي بعلم أو فن. «وهكذا أصبح الكل نائمًا في غفلة التقليد».
•••

نعم هذا كله في العدد الأول من صحيفة «التنكيت والتبكيت»، نقد للسياسة العامة للبلد، ونقد للعيوب الاجتماعية الخاصة. كل ذلك في أسلوب يسترعي الانتباه. فقد التزم اللغة البسيطة السهلة عن تفكير وروية، فقال في فاتحتها: إنه لا يريد منها أن تكون منمقة بمجازات واستعارات، ولا مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة بفخامة لفظ وبلاغة عبارة، ولا معرِبة عن غزارة علم وتوقَّد ذكاء؛ ولكن أحاديث تعودناها، ولغة ألفنا المسامرة بها، ولا تُلجئ إلى قاموس الفيروز آبادي، ولا تلزم مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافيا، ولا تضطر لترجمان يعبِّر عن موضوعها، ولا شيخ يفسر معانيها؛ وإنما هي في مجلسك كصاحبٍ يكلمك بما تعلم، وفي بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه، و«نديم» يسامرك بما تحب وتهوى.
ثم هو يدرك أن في الناس خاصةً وعامةً، وكلٌّ يحب أن يُقصد إلى تغذيته بالأدب، وإشعاره بوجوه النقد؛ لذلك يختار موضوعات الخاصة فيكتبها باللغة الفصحى كموضوع «الداء الإفرنجي»، فهو موضوع دقيق لا يقدِّر قدرَه إلا الخاصة، أما الفلاح والمرابي وسمَّاعو القصَّاص فمكتوبة للعامة، فيجب أن تُكتب بلغتهم العامية. وهو في اللغة العامية ماهر كل المهارة، يعرف أمثالهم وأنواع كلامهم، ويضع على لسان الخادم والسيد، والمرأة والرجل، والفقير والغني، والماكر والمغفل، ما يليق به في دقة وإحكام وظرف.
ثم هو قد فطن لشيءٍ جليل القدر، وهو أن التعليم والنقد من طريق القصص أجذب للنفس وأفعل في النقد، فأكثرَ منه بل كاد يلتزمه.
لذلك كله نجح في صحيفته، ووصل نداؤها إلى أكبر عدد ممكن، فمَن كان قارئًا قرأ، ومن لم يكن قارئًا سمع ففهم.
ولم يكتفِ بذلك، بل نراه في عددٍ تال يلتفت التفاتة لها خطرها في الإصلاح السياسي والاجتماعي، وهي أن من أهم أسباب غفلة الشرق ضعف الخطابة، وانحصارها — تقريبًا — في خطب المساجد، وهي خطب لا تمس الحياة الواقعة بحال من الأحوال، وإنما هي عبارات دينية محفوظة، ومعانٍ متكررة مألوفة، لا تحرِّك قلبًا ولا تضيء حياة.
فكتب مقالًا قويًّا في قيمة الخطابة وأثرها في تاريخ الإسلام، ودعا إلى أن يُحَضِّر خطب المساجد أعرف الناس بشؤون الحياة وأقدرهم على التأثير، وأن تشرح هذه الخطب الموقف الحاضر في وضوح، وتبيِّن الأخطار المحيطة بالأمة في جلاء، وأن يتبرع القادرون بقدر من المال يخصَص لهذا الغرض، ويتفقوا مع ديوان الأوقاف ليسمح بإلقاء هذه الخطب في المساجد ثم تُطبع وتُنشر في أنحاء البلاد؛ ليصل صداها إلى كل قرية وبلدة؛ وأعلن استعداده للاشتراك في إعدادها، ووضع خطبة نموذجية توضح غرضه. تتضمن المحافظة على حقوق البلاد، والنهي عن الظلم والبغي، والدعوة إلى الائتلاف لمواجهة الأخطار التي تظهر دلائلها في الأفق، والاتحاد مع المواطنين من غير نظر إلى اختلاف الدين، والتذكير بمجد مصر السابق، والالتفاف حول الخليفة والخديوي، والتحذير من تمكن الأجنبي من وضع يده على سياسة البلاد، والتحرز من إتيان عمل يتخذه وسيلة لتدخله، ومعاملة النزلاء الأجانب بالحسنى، من حفظ حقوق تجارتهم، وعدم الإساءة إليهم.
هذه هي المعاني التي رأى أن الحاجة ماسة إليها في ذلك الوقت (في أول حكم الخديوي توفيق قبيل الثورة العرابية)، صاغها صياغة دينية تناسب صلاة الجمعة، فبدأها بالحمد لله، والثناء على رسوله ? وختمها بالحديث الشريف: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». — وقد حقق «الراديو» أخيرًا فكرة عبد الله نديم في إذاعة الخطبة شكلًا، ولكن لما تتحقق فكرته موضوعًا. وانتهت هذه الصحيفة على هذا الوضع.
?


لم يكن في مصر إلى أواخر عهد إسماعيل رأي عام يشعر بظلم، وإن شعر فلا ينطق؛ لأن عنف الاستبداد أمات الشعور وأخرس الألسن؛ حتى تدخلت الدولُ الأجنبية في شؤون مصر المالية، فبدأ الشعور يتنبَّه، وغذَّاه الخديوي إسماعيل نفسه وجرَّأه؛ لإحساسه بثقل التدخل وخشيته من عاقبته؛ فأول معارضة من مجلس شورى النواب للحكومة كانت بإيعاز منه، ولولا ذلك لم يجرؤ، ومظاهرة الضباط ومهاجمتهم لنظارة المالية لتأخير رواتبهم كانت بتدبيره؛ ليتخلص من وزارة نوبار التي تمالئ الأجانب في هذا التدخل؛ واجتماع أعيان البلاد في دار السيد البكري، ووضعهم اللائحة الوطنية التي تعهدوا فيها بوفاء ديون أوروبا وضمانها وعدم تدخل ممثليها في شؤون البلاد كانت فكرة بثها الخديوي في أذهانهم؛ وكان هذا أول ما أشعر الناس بقوتهم، وحاجة الحاكم إليهم، ونبه الرأي العام إلى أنه يستطيع أن يقف الظلم ويطالب بالحقوق، وأن من حقه مراقبة الولاة والحكام ورفع صوته بنقدهم؛ وهذا الشعور إذا وُجد في أمة لا بد له من قادة يشعرون شعور الناس، ويصوغونه صياغة قوية يُلهبون بها شعور من شعر، ويُنهبون بها من لم يشعر، فكان ذلك في السيد جمال الدين ومدرسته، وجاء الخديوي توفيق ونواةُ الرأي العام قد غُرست، وتتابع الأحداث الخطيرة يغذيها وينميها، والنفوس مستبشرة خيرًا بتوليته، فلم يكن مسرفًا ولا مستبدًّا، وكان سمحًا رحيمًا؛ وكان قبل عزل إسماعيل يتصل بالسيد جمال الدين ويحبذ آراءه في الإصلاح، فلما تولى قرَّبه إليه، وقال له: أنت موضع أملي في مصر، ودعا شريف باشا لتشكيل الوزارة، «وصرح برغبته في تحقيق آمال الأمة، وإخراجها من الحالة السيئة التي هي فيها بالاقتصاد في نفقات الحكومة، والاستقامة في الوظائف العامة، وإصلاح القضاء والإدارة، وتوسيع نظام شورى القوانين، وإصلاح المحاكم والمجالس، والسعي لتعميم التربية والتعليم، وتوسيع دائرة الزراعة والتجارة، ومنح الحرية للعاملين في أعمالهم».
ففرح الناس وهلَّلوا لهذه الوعود القيمة، وتفتحت آمالهم، ولكن الحكم الشوري لم يُرضِ طوائف كثيرة. لم يُرضِ الحاشية، وكان السيد جمال الدين أشار على الخديوي توفيق بتغيير حاشية إسماعيل، فأغضبهم عليه؛ قال الشيخ محمد عبده: «ووكيل دولة فرنسا أخذ يسعى في إقامة الموانع دون إعطاء حق النظر في تصحيح «الميزانية»، وتقرير الأمور المالية، ودعا وكيل إنجلترا إلى مساعدته في إقناع الخديوي بضرر هذه الأوضاع الجديدة». فغيَّر رأي الخديوي توفيق من ذلك كله، فاستقال شريف باشا، ونُفي السيد جمال الدين، وأخذت الأمور مجرًى آخر كان سببًا من أسباب الثورة.
ثم جاءت وزارة رياض باشا بعد وزارة شريف. وفي تاريخ مصر الحديث كان شريف باشا دائمًا رمز الحكم الشوريِّ، ورياض باشا رمز الحكم الاستبدادي، وكلاهما كان يلتفُّ حوله كثير من الخاصة؛ فحول شريف جماعة ترى أن الحكم الشوري هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ البلاد من الفوضى، والأمل الوحيد في وقف كل سلطة عند حدِّها، والحماية الوحيدة من استبداد الخديوي أو الأجانب، والباعث الوحيد للأمن والحرية في نفوس الأفراد، وحول رياض جماعة ترى أن الحكم الشوري لا يصلح إلا إذا نضجت الأمة وعرفت شؤونها ومجاري السياسة حق معرفتها، ورُزقت من الشجاعة في القول والجد في العمل قدرًا صالحًا، وإلا كان الحكم الشوري نقمةً، والأمة لم تبلغ هذا الحد. وكان الجدال والنزاعُ يدوران على الفكرتين في الصحف والمجالس. وعلى كل حال فقد كان هذا درسًا لتنوير الرأي العام في السياسة وتفتيح الأذهان للنظر في المسائل العامة.
وكانت شخصية رياض شخصيةً معقَّدة، ذكي، خبير بالإدارة، قوي العزيمة، صبور على العمل لا يَمَلُّ، معتدُّ بنفسه، لا يرى بجانب رأيه رأيًا، إذا وثق بشخص لم يسمع فيه قول قائل، وإذا أساء الظن بإنسان فإلى النهاية، نزيه، يحب الخير لمصر، ولكن حسبما يرى هو وبالطريقة التي يراها، قليل الثقة بالمصريين — على العموم — ممتلئ عقيدةً بأنهم مملوءون عيوبًا، كبير التعظيم للأجانب، معتقد في قوتهم، يرى أنه لا يستطيع الحكم إلا بالاعتماد عليهم أو على أقواهم، لا يرى بأسًا من إغضاب الخديو وإغضاب الأمة في سبيل إرضائهم، ومع ذلك يبذل أقصى جهده في أن ينال منهم أقصى ما يستطيع — برضاهم — لخير أمته — شديد الحب للحكم لا يعتزله إلا مكرَهًا. فكانت أخلاقه هذه من عوامل التمهيد للثورة العرابية.
ألغى السخرة العامة، كإقامة الجسور على النيل، وحفر الترع من غير أجر؛ والسخرة الخاصة، كعمل الفلاحين في أرض سيدهم من غير مقابل، ونفذ ذلك في غير هوادة، فأغضب بذلك الأعيان؛ وأعطى السلطة العامة للمديرين، فأساءوا السيرة، وضيَّق على الصحف، وعطَّل بعضها، فعملوا سرًّا بعد أن كانوا يعملون جهرًا، وسافر بعضهم إلى أوروبا يصدر الجرائد في الطعن عليه؛ وعارض الخديو في منحه الرتب والنياشين لمن يراهم أهلًا، كما عارضه في كثير من رغباته، فغضب عليه، وعاقب المدير الذي سخَّر الأهالي في حفر ترعةٍ خاصة بالخديو. وتصرف ناظر الحربية فى وزارته تصرفات أغضبت رجال الجيش المصريين، فطلب عرابي وأصحابه تشكيلَ مجلس عسكري لتحقيق الشكايات، فمال رياض إلى إجابة مطلبهم؛ ولكن أشيع عنه أنه هو الذي يمانع في ذلك، فغضبوا عليه — كل ذلك وهو لا يريد أن يتخلى عن الحكم.
تبلبلت الأفكار واضطربت، وكلها تتفق في وجوب تغيير الحال، وإن اختلفت أسباب كل طائفة، فالأعيان يحبُّون رجوع سلطتهم في تسخير الناس، والضباط يريدون العدل بينهم وبين الشراكسة؛ وبعض ذوي الرأي يرون أن هذا كله تأييد لوجهة نظرهم في أنه لا يصلح الأمورَ إلا نظام الشورى، والخديو ناقم على رياض، وبعض الأجانب لا يسرهم ما قام به رياض من ضبط الأمور المالية؛ كل هذا هيَّأ للثورة العرابية.
وتطورت مطالب العرابيين من عدلٍ بين الضباط إلى تغيير الحكومة من نظامٍ استبدادي إلى نظامٍ شوري، إلى التهييج على الخديو توفيق، إلى المناداة بعزله لالتجائه إلى الدول لحمايته، إلى الدعوة للجهاد في سبيل صد المغيرين، واتسعت الحركة، من حركة بين الجند والضباط إلى حركة وطنية واسعة تشمل العلماء والأعيان والتجار والزراع وغيرهم، واندس وسط الحركة مَن يعمل لصالح أمير ليحل محل الخديو توفيق؛ فجامعة تعمل لصالح البرنس حليم بن محمد علي، ومن هؤلاء صاحب جريدة «أبو نضارة»، ومنهم من يعمل لحساب الخديو إسماعيل لإعادته، ومن هؤلاء راتب باشا السردار، وهكذا.
في هذا الجو الذي صورناه صورةً صغيرة جدًّا عمل عبد الله نديم، واختصه العرابيون فكان خطيب الثورة وكاتبها ومشعلها. اتخذ جريدة «الطائف» بدل «التنكيت والتبكيت»، ونقل مكانها من الإسكندرية إلى القاهرة، وبدأها عنيفة قوية، تنقد تصرفات الخديو إسماعيل في جرأة بالغة، كيف أسرف، وكيف استولى على الأراضي، وتشرح بؤس الفلاحين في السخرة — في أيامه — والعذاب المهين الذي يلقونه من الرؤساء، وما شاهده بنفسه من أحداث، وكيف يخرُّ الناس قتلى من الجوع والبؤس، والإعياء والضرب، وكل رئيٍس يريد أن ينال حظوة رئيسه الأعلى بالمغالاة في التعذيب.? وكان عبد الله نديم في هذه الصحيفة يُعبِّر عن آراء النواب في ضرورة الإصلاح عن طريق الحكم النيابي. وكتب سلطان باشا رئيس النواب إلى إدارة المطبوعات، أن تعتبر جريدة «الطائف» لسان النواب المعبِّر عن أفكارهم، فاعترفت الإدارة بذلك، ونُشر هذا رسميًّا بأمر نظارة الداخلية؛ ولكن لما رأت إدارة المطبوعات عنفه وتهييجه عطلته شهرًا.
أصبح «الطائف» في الثورة العرابية لسان الدعاية لها، يذمُّ مَن عاداها، ويشجع من والاها، ويلقب «عرابي» بحامي حمى الديار المصرية؛ ويتطور بتطورها، فينقد الأوربيين وتصرفاتهم، وينقد الخديو توفيق لارتمائه في أحضانهم، في أسلوب لاذع، وتهكم ساخر. فإذا كانت الحرب نقل جريدة «الطائف» إلى المعسكر يحرض الجنود على القتال، ويحرض الشعب على تقديم المؤونة، وينشر خبر التبرعات، وكلما اشتد الأمر اشتد في تهييجه. وقلَّت صفحاته لاشتداد الظروف من أربع إلى اثنتين إلى واحدة؛ وهو يهرِّج في أخبار الحرب فيقلب أخبار هزيمة المصريين إلى أخبار انتصار، وانتصار الإنجليز إلى أخبار هزيمة؛ وظل كذلك حتى تمت الهزيمة، وتم التسليم. هذا عمله في الصحافة، وإلى جانب ذلك كان عمله في الخطابة.
فقد طاف في كل مجتمعٍ يخطب؛ وأعطى من ذلاقة اللسان ما يستدعي العجب، فما هو إلا أن يحرك لسانه حتى يتدفق وتنهال عليه المعاني والألفاظ انهيالًا. وقد نشر في البلاد فن الخطابة، وعلَّم كثيرًا من الناشئة أن يخطبوا في المحافل؛ وأعطى لهم المثل بمقدرته وكفايته. بدأ ذلك أيام كان يُعلم الإنشاء والأدب في مدرسة الجمعية الخيرية في الإسكندرية.
فلما أُعلن الدستور في أول عهد توفيق (? فبراير سنة ????)، سرت في النفوس هزة فرح لا تُقدَّر؛ وأمَّل الناس أن الحكم النيابي سيُصلح كل مفاسد الماضي، ويرسم كل وسائل السعادة للحاضر والمستقبل — واشتاق الناس أن يسمعوا الكلام الكثير في هذا الموضوع؛ فكان عبد الله نديم وجوقته هم الذين يغنون للناس بآمالهم؛ فأقيمت الحفلة تلو الحفلة يدعى إليها النديم هو وصحبه ليخطبوا، والنديم هو قطب الرحَى؛ يخطب أولًا، وكلما خطب خطيبٌ وتناول موضوعًا قام النديم بعده يُعقب عليه، ويتخذ من كلامه موضوعًا يُطنب فيه؛ وفي هذه الحفلات يحضر النظار وكبار الضباط والعلماء والنواب والأعيان؛ فتطرب نفوسهم لهذا طربهم من عبده الحمولي ومحمد عثمان.
هذه حفلةٌ تقيمها جمعية المقاصد يفتتحها «النديم» بقصيدة، ثم يشكر الجمعية على احتفالها بالدستور، ويتلوه إبراهيم اللقاني فيبين الفرق بين عهد الاستبداد وعهد الشورى، فيعقبه النديم يكمل موضوع الفروق بين العهدين، ثم يقوم الشاب مصطفى ماهر — باشا فيما بعد — فيتكلم في الحث على الاجتهاد في العلوم والفنون، ويستحث الأغنياء على إنشاء بنك أهلي يحمي الأهالي من استغلال المرابين، ويختم ذلك بالدعوة إلى الألفة والاتحاد، فيقوم بعده النديم يتكلم في هذا الموضوع، ثم يقوم الشيخ محمد عبده فيبين مزايا الحكومة النيابية؛ ويطالب بوجوب أن يكون النواب من المتعلمين؛ ويحث على تعميم التعليم، وعلى احترام حرية القول والكتابة، وسن القوانين المبيِّنة لحقوق الأفراد وواجباتهم، ويقوم «النديم» بعده معقبًا على قوله، ثم يقوم أديب إسحاق فيتكلم في شعور النواب وتضامنهم مع النظار في كل ما يجلب الخير للبلاد، ويتلوه النديم؛ ثم يقوم فتح الله أفندي صبري (فتحي باشا زغلول)، فيخطب في الحث على الاتحاد والثبات، وينتهي هذا الاجتماع.
وتتكرر أمثال هذه الاجتماعات، وتقال فيها مثل هذه الخطب، ويقوم بالدعوة إليها كبراء البلد كأحمد محمود، وإبراهيم الوكيل، وأحمد أباظة، وأحمد يكن، ومحمد طاهر، وكلها على غرار الحفلات السابقة، عمادُها عبد الله نديم وإن اختلفت بعض الموضوعات، كدعوة إبراهيم اللقاني إلى التمسك بأسباب القوة والاتحاد، والحث على مجانبة الخوف والجبن؛ وخطبة فتحي زغلول في الأخذ بالمبادئ التي تمدِّن البلاد، والدعوة إلى إنشاء جمعية تفتح مدارس ليلية يتعلم فيها من لم يسمح له عمله بالتعليم.
ويُدعى عبد الله نديم إلى حفلة في الإسكندرية على هذا الطراز. وكلُّ هذه الحفلات توصف في جريدة الوقائع المصرية، ويُذكر فيها خلاصة ما دار فيها من خطب فتنتشر في البلاد.
فلما عُطل الدستور، وتطورت الأمور، وكانت الثورة العرابية، تحوَّلت خطب عبد الله نديم إلى موضوع الثورة، وكان يخطب في كل مجتمع: في الأزهر وطلبته، والجيش وجنوده، وفي حفلات «الأفراح»، فما يكون مجتمعٌ لغرض من الأغراض إلا ويطلع عليهم عبد الله نديم وجماعةٌ من ناشئته يعتلون المكان العالي ويخطبون في موضوعات الثورة، حتى كان إذا سُئل محمد عثمان «المغنِّي» أين تغنِّي الليلة؟ يقول: «في الفرح الفلاني مع عبد الله نديم»، وهو في هذا الموقف لا يتحرج من التهريج فيقول مثلًا في بعض خطبه: إن طوابي الإسكندرية إذا أطلقت مدافعها يبلغ مرماها جزيرة قبرص مِن هذا الجانب، ومدافع الأستانة إذا أطلقت تبلغ هذه الجزيرة من الجانب الآخر، فكيفما جالت الأساطيل الإنكليزية فهي تحت رحمة مدافعنا، فيصفق الناس. ويخطب «فتحي زغلول» فيقول النديم: ألا تعجبون لما أبدى هذا التلميذ في خطبه من العلم والبيان والتفنن في المواضيع، مع أن جلادستون خطيب إنجلترا لا يتناول إلا موضوعًا واحدًا؟! ويخطب مصطفى ماهر فيقول النديم: «أُشهدكم أيها الناس أن أمةً يكون هذا مقدار استعداد التلميذ فيها لا يغلبها أحد في أمرها».
على كل حال كان عبد الله نديم لسان الأمة في عهده بخطبه، وقلمها بصحفه، ينتقل في الأقاليم ولا يكلُّ ولا يملُّ، نشر آراءه ومشاعره في أكبر عدد ممكن من الأمة، وساعد على نمو رأيٍ عام مصري يؤمن بالحكم الشوري، ويتطلع إلى الإصلاح في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فإن كان السيد جمال الدين رسول الخاصة في هذه المعاني، فعبد الله نديم كان رسول العامة، قطَّر المعاني التي يدعو إليها جمال الدين إلى الشعب، وأوصلها إلى التاجر في متجره، والفلاح في كوخه، والتلميذ في مدرسته. كان السيد جمال الدين بحكم أرستقراطيته في نشأته وثقافته، والوسط الذي يحيط به، ولغته في كلامه وكتابته، معلِّم الخاصة، وكان عبد الله نديم بحكم ديمقراطيته في النشأة والعلم والوسط واللغة معلم العامة.
لسنا الآن بصدد الحكم على الثورة العرابية وما نفعت وما أضرت، والمسئولين عنها، والمآخذ عليها، وكل ما يعنينا الآن أن نقول: إنه إذا تبخرت أقواله التي دعت إليها فورة الثورة وتبخرت أنواع تهريجه وتهويشه، بقي لنا جانبٌ كبير من جوانب نفع عبد الله نديم في هذه الحركة، وهو إيقاظ الشعور في الشعب وبحقهم في الشكوى من الظلم، والمطالبة بالعدل، وإفهامهم أن الحاكم يجب أن يكون مسئولًا أمامهم، وأن هناك نوعًا جديدًا من الحكم غير الذي ألفوه: من رجوع الأمور كلها إلى إرادة الحاكم يفعل ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل، وهذا النوع الجديد هو حكم البلاد نفسها بنفسها ممثَّلًا في نوابها، وأن مصر للمصريين لا للدولة العلية، ولا لأية دولة أجنبية، وهذه معانٍ قد كانت عند خاصة الخاصة ، فنشرتها الثورة وعبد الله نديم في العامة.
ولئن أخفقت الثورة فيقظة الرأي العام — إلى حد ما — وشعوره بنفسه، وتنبهه إلى حالته الاجتماعية والسياسية لم يخفق، ويتجلى ذلك على الأخص إذا قورن بينه وبين حالته من قبل.
?


انتهت الثورة العرابية بالفشل والهزيمة المنكَرة، وكانت الهزيمة الخُلقية أقسى من الهزيمة الحربية؛ فقد ذُلَّ أكثر قواد الحركة، وتحول عنهم أكثرُ من يناصرهم، وبدأت السعايات تدبُّ، وكل مَن كانت له خصومة مالية أو عائلية سعى في الإيقاع بخصمه، باتهامه بعملٍ من أعمال الثورة، وامتلأت المجالس المشكَّلة للنظر في الدعاوى والتهم، وأخذ كثير ممن اشتركوا في الحركة يتبرءون مما قالوا وما فعلوا. ولئن استطاع كثير منهم أو حاول تبرئة نفسه، فعبد الله نديم ليس بمستطيع شيئًا من ذلك، فخُطَبه لا ينساها أحد، وأقواله مسجَّلة عليه في جريدة «الطائف»، فلا بد إذا حوكم أن يُحكم عليه بأشد العقوبات التي ستوقَّع على الزعماء، وكان أغلب الظن أنها الإعدام.
لقد فكر عرابي هو ومن معه أن يطلبوا العفو من الخديو، وكتبوا رسالة وبعثوها مع وفد إلى الإسكندرية لتقديمها إليه، ثم بدا لهم أن يغيِّروا بعض نصوصها، فبعثوا بصيغة أخرى مع عبد الله نديم؛ فلما وصل إلى كفر الدوَّار علم أن الخديو رفض العريضةَ الأولى، وأمر بالقبض على بعض رجالها، فعاد «النديم» إلى القاهرة وأيقن بالهلاك، فأعد العدة للهرب والاختفاء، وإذا به «فصُّ ملح وذاب». تجدُّ الحكومة وتضع له الأرصاد، وتوجه كل قوة للبحث عنه؛ ويبعث كل من سلطان باشا ورياض باشا منشورًا لرجال الإدارة بالجد والنشاط للعثور عليه، وتعلن مكافأة ألف جنيه لمن يرشد عنه، والعقوبة القصوى لمن يخفيه، فيذهب كل ذلك سُدى نحو عشرة أعوام، وهو في كل أموره يحتال حيلًا أين منها حيل أبي زيد السروجي في مقامات الحريري، ويمثِّل رواياتٍ أين منها الروايات البوليسية المعروفة.
لقد أعيا الحكومة أمره، فأصدرت عليه حكمًا غيابيًّا بالنفي المؤبد من القطر المصري. ها هو أول أمره يذهب إلى بولاق ويختفي عند صديق له وفيٍّ أيامًا، حتى يخفَّ عنه الطلب، فيخرج وقد لبس «زعبوطًا» أحمر، واعتمَّ بعمامة حمراء، وربط عينيه بمنديل وأطال لحيته، وأمسك بيده عكازًا طويلًا، وتصنع أنه من مشايخ الطرق ونزل في سفينة مع خادمه إلى بنها، فلم يفطن له أحد.
وجزع خادمه وكان أميًّا، وأراد أن يرجع إلى أهله، فأيقن «النديم» أنه إذا عاد انكشف أمره، فأخذ يقرأ الجريدة يومًا، ثم فزع قائلًا: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، فسأله الخادم عما أفزعه، فقال «النديم»: إن الحكومة قد جعلت لمن يرشد عني ألف جنيه، ولمن يأتيها برأسك خمسة آلاف. فخاف الخادم، وأخذ يبالغ في التنكر أكثر من سيده، واستراح من هذا الباب، وظل معه طول مدة الاختفاء، وقال هو عن نفسه في هذه الفترة: «خرجتُ من مصر مختفيًا فدرت في البلاد متنكرًا، أدخل كلَّ بلد بلباس مخصوص، وأتكلم في كل قرية بلسانٍ يوافق دعواي التي أدَّعيها، من قولي: إني مغربي أو يمني أو مدني أو فيومي أو شرقاوي أو نجدي؛ وأُصلح لحيتي إصلاحًا يوافق الدعوى أيضًا؛ فأطيلها في مكانٍ عند دعوى المشيخة، وأقصرها في آخر عند دعوى السياحة — مثلًا — وأبيضها في بلد، وأحمِّرها في قرية، وأسوِّدها في عزبة». فأحيانًا كان اسمه الشيخ يوسف المدني، وأحيانًا الشيخ محمد الفيومي، وأحيانًا سي الحاج علي المغربي، وهكذا، وأحيانًا كان يجتمع بمن يعرفهم فكانوا يعجبون لأن المقدرة مقدرة النديم، ولكن يختلف في الشكل والصوت واللهجة، فيقولون: «سبحان الله جلَّ من لا شبيه له».
وساعد على نجاحه في هذا الاختفاء أمورٌ، منها: مهارته في حِيله، وإتقانه لما يدَّعي؛ فإذا ادَّعى أنه مغربي تكلم بلسان مغربي محكم، أو مدني فكذلك. ادَّعى مرة — وهو في القرشية — أنه عالم يمني، وذاعت شهرته في العلم والأدب حتى بلغت القاهرة، فأرسل إليه رياض باشا «سعد زغلول»؛ ليسأله عن معنى مَثَل ورد ذكره في بعض الجرائد ولم يفهم معناه، فقابله على أنه عالم يمني وفسَّره له.? وكان من مهارته في اختفائه أنه رأى جدَّ الحكومة في طلبه، فاستعان برجل من الفرنسيين يعرفه ويثق به فأشاع عنه أن النديم هرب إلى «ليفورنو» في إيطاليا، ونقلت هذا الخبر جريدة الأهرام، وصدَّق الناس ذلك، وعنَّفت الحكومةُ رجال الضبط على إهمالهم حتى تمكن من الخروج، فخفَّ عنه الطلب، ولم يكن كل ذلك إلا خدعة. وكتب صاحب جريدة المحروسة مرة بعد اختفائه بسنتين: «إنه قد تعددت الأقوال في مقر عبد الله نديم، فمِن قائل: إنه التجأ إلى البلاد الإيطالية، ومِن قائل: إنه فرَّ إلى طرابلس الغرب، ومن زاعمٍ أنه أتى السودان واتصل بالمهدي وصار له نديمًا، وقال قوم: إنه سارع في السفر إلى «سيلان» للاجتماع بعرابي. والحقيقة فيما نعلم أنه أتى باريس في الأيام الأخيرة، ونشر فيها مقالة أتى فيها على ذكر الحرب العرابية، وندد بالمصريين، ونسب إليهم الضعف والجبن» … إلخ.
ومنها عطف بعض الناس عليه، وإيمانهم بأن المروءة تقضي عليهم — وقد نزل بساحتهم — أن يُخفوا أمره إذا علموا، وأن يساعدوه على الاختفاء مهما أُغروا بالمال، كالذي كان من عمدة «العَتَوة» بمديرية الغربية، وهو الشيخ محمد الهمشري، فقد نزل عنده وعرَّفه بنفسه، فأكرم مثواه، وأقامه في داره ثلاث سنوات ونيفًا، في مكان منعزل له بابٌ خاص، وزوَّجه، وزوَّج خادمه، فلما توفي دعت زوجتُه أكبر أولادها، وقالت له: هل تطمع في المكافأة أم تكون كأبيك شهمًا تحفظ الجار وتحمي اللاجئ؟ فوعدها بأن يكون كأبيه في حفظه، ووفَّى بذلك، حتى أحس «النديم» بوشاية واشٍ، فخرج من عندهم حامدًا مروءتهم.
وصادفه مرةً مأمور مركزٍ شركسيٍّ، والنديم في تنقله بين البلاد، فعرفه، فصرف جنده ثم اختلى به، وقال: لا ضرورة لتنكرك فقد عرفتك، وأعطاه ما معه من نقود ورسمَ له خطة السير في طريقه حتى لا يُضبط.
وكان في أول أمره شديد الحنين لأبيه وأمه وأخيه، لا يعرف ما صاروا إليه، شديد الشوق لمعرفة كتبه وتآليفه وأوراقه التي تركها في بيته بالإسكندرية، ماذا آل إليه أمرها، ثم وسَّط الصديق الفرنسي أن يتعرف كل ذلك ويأتيه بالأخبار، فعرف الفرنسي أن أسرته تشتتت والناس تنكروا لهم، والأرصاد وُضعت حولهم، وأن أباه يقيم عند قريبة له في الريف وأن كتبه وتآليفه التي أنفق فيها تسعة عشر عامًا، عندما ضُربت الإسكندرية وهاجر منها أهلها وضعها أبوه في ثلاث صناديق كبار، وشحنها في عربة من عربات السكك الحديدية، فلما وصلت إلى كفر الزيات ازدحم على القطار المسافرون من المهاجرين ازدحامًا هائلًا، فلم يسع رجال المحطة إلا أن يرموا جميع ما بالعربة في النيل، ومنها هذه الصناديق الثلاثة وفيها كل ثروته العقلية.
ثم لما هدأت الأحوال وخفَّ عنه الطلب كان يتصل بأبيه وأخيه اتصالًا منتظمًا. وتأتي عليه أزماتٌ ثم تنفرج، فهذا عيد الأضحى وهو في «برية المندرة» يسكن وسط الغيطان، لا يساكنه أحدٌ إلا زوجته، ولا يجد القوت الضروري، ويأتيه خادمه الذي يسكن بعيدًا عنه يشكو له البؤس والفقر وعدم القوت في يوم العيد، فما هو إلا أن يبعث له رجلٌ من أهل البر والمروءة بما يملأ بيته قمحًا وعسلًا وسمنًا وشيتًا وبفتة حتى القصب واليوسف أفندي، والأطلس والحرير للبس زوجته، ويبعث شيئًا من ذلك للخادم وزوجته … وأتيح له من الفراغ ما مكَّنه من إكمال نفسه بالدراسة والتأليف، فكان إذا اطمأن في قرية قرأ ما تصل إليه يده من الكتب، وكانت مكتبته في هذه الأيام مكتبةً خفيفة يسهل حملُها إذا دعا داعي الرحيل السريع: فكانت تفسير القرآن لأبي السعود، وقاموس الفيروز أبادي، و«الوافي» في المسألة الشرقية لأمين شميل، وجغرافية ملطبرون الذي ترجمه الشيخ رفاعة. وألف فيما يعِنُّ له في الدين والأدب والتاريخ، فكان هذا نعمةً عليه لم يستطعها في أيامه الأولى. كتب لصديق له في هذه الفترة يقول: «إن سألت عني فأنا بخير وعافية، وحالة رائقة صافية، لا أشغل فكري بما يأتي به الليل إذا كنت بالنهار، ولا أتعب ذهني بتوالي الخطوب والأكدار، ولا أتألم من طول المدة ووقع الشدة؛ لاعتقادي أن لكل شدة مدة متى انتهت جفَّت الأوحال، وحسنت الحال؛ فتراني فكري كليمي، وقلمي نديمي — تارة أشتغل بكتابة فصول في علم الأصول، وأجمع عقائد أهل السنة، بما تعظم بها لله المنة، وحينًا أشتغل بنظم فرائد في صورة قصائد، ووقتًا أكتب رسائل مؤتلفة في فنون مختلفة، وآونةً أكتب في التصوف والسلوك، وسير الأخبار والملوك، وزمنًا أكتب في العادات والأخلاق وجغرافية الآفاق، ومرة أطوف الأكوان على سفينة تاريخ الزمان، ويومًا أشتغل بشرح أنواع البديع في مدح الشفيع — وقد تم لي الآن عشرون مؤلفًا بين صغير وكبير؛ فانظر إلى آثار رحمة الله اللطيف الخبير، كيف جعل أيام المحنة وسيلةً للمنحة والمنة، أتراني كنت أكتب هذه العلوم في ذلك الوقت المعلوم، وقد كنتُ أشغل من مرضعة اثنين، وفي حِجرها ثالث على كتفها رابع، وأتعب من مربي عشرة وليس له تابع، أشتغل بعض النهار بتحرير الجورنال، وأقضى ليلي في دراسة الأحوال، مشتغلًا بمجالس الجمعيات الخيرية ومدارسها التعليمية، وزيارة الإخوان ومراقبة أبناء الزمان، وقد نسيت الأهل والعَيلة، وربما نسيتُ الطعام يومًا وليلة، فكنت كآلة يحركها البخار، لا سكون له ما دام الماء والنار، فمتى كنت أنظر للمخلَّفات وأكتب هذه المؤلفات؟
ولو أن نار مصيبتيفي الغير أصلاه الزفيرلكنها في ساحةمن فوقها جوٌّ مطيرهو صدْقُ إيماني وصــبري للقضاء بلا نكيرووقوفُ جيشِ عزيمتيفي باب مولاي البصير وكان في رحلته بَرًّا بخادمه «حسين» الذي غيَّر اسمه فسماه «صالحًا»، وزوَّجه، وعلَّمه القراءة والكتابة، وحفَّظه جملة سورٍ من القرآن، وعلَّمه مبادئ الفقه والتوحيد، واتخذه صاحبًا.
وتواردت عليه أيام بؤس ومحن يشيب منها الوليد، تغضب عليه زوجته وتلطمه على فمه حتى تكاد تسقط ثناياه، وربما رأى — مع هذه الحال — أن إظهار نفسه للحكومة أهون عليه، ثم يترضَّاها ويصالحها، وأحيانًا تتخاصم زوجته مع زوجة خادمه وتشتد الشحناء، وتهدده كلتاهما بأن تفضح أمره، فيتدارك كل ذلك بحيلة، وأحيانًا يشعر بالخطر يهدده فيشتد في الحذر والاختفاء، حتى لقد اختفى مرة في قاعة مظلمة لا يُتوصل إليها إلا من سرداب طويل مظلم، يرشح الماء من أرضها لقربها من ترعة، ولا يتمكن من القراءة والكتابة إلا على مصباح صغير يُضاء بالجاز يملأ الحجرة دخانًا، ويستمر فيها نحو تسعة أشهر، وأحيانًا يبلغ به سوء الحال مع الرغبة الشديدة في الكتابة أن يصنع الحبر من هباب الفرن، ويضيف إليه بعض قرظ السنط، ويتخذ أقلامه من الحجناء. وهو على كل ذلك صبور، يعزِّيه أن يجد من أهل المروءة ما يخفف كربه، ويضمد جرحه، «فمحمد معبْد» الحلاق «بشباس الشهداء» يؤويه في بيته، ويغمره بفضله، وينفق عليه ما يحرم منه أسرته، و«أحمد جودة» الفلاح بالبكاتوش يصاحبه في انتقالاته في الظلام الحالك، ويعرض نفسه من أجله للمخاطر.
لشد ما أتعب نفسه في اختفائه، وأتعب الناسَ معه، ولكن ما أكثر ما أمتعهم أيضًا بأحاديثه وفكاهاته ووعظه وسمره.
وأخيرًا نزل «بالجميزة»، فعرفه عمدتها وكتم أمره، ولكن رجلًا كان اسمه حسن الفرارجي — كان جنديًّا ثم استخدم جاسوسًا — عرفه، فكتب إلى السراي وإلى الداخلية، فأمرت بالقبض عليه، وذهب وكيلُ حكمدار الغربية ومعه قوة من الجند فالتفُّوا حول البلدة، وأراد «النديم» الهرب بحيله القديمة فلم يستطع، فاستسلم. وكان من حُسن حظه أنهم لم ينتهوا إلى أوراقه، وكان في بعضها هجاء شديد في الخديو توفيق لو اطلعوا عليها لتغيَّر مجرى حياته. وكان القبض عليه في صفر سنة (?????)، واختفاؤه في ذي القعدة سنة (?????). وأُرسل إلى طنطا للتحقيق معه، وكان وكيل النيابة إذ ذاك قاسم بك أمين، فأحسن معاملته، وأمر بأن يُنظف مكانه في السجن، ويضاء كما يريد، وأن يُمكَّن من شرب القهوة والدخان كما يشاء، وأمده بالمال من عنده، وكان همُّ التحقيق متجهًا إلى معرفة مَن آواه، وهل كانوا يعرفونه أو لا يعرفونه، وعلى الأخص المنشاوي باشا — وقد نزل عنده أيامًا — فقد ضيَّقوا على النديم كثيرًا ليقر بأنه كان يعرفه، حرصًا منهم على وجود منفذ لمعاقبة المنشاوي، ولكنه أنكر كل الإنكار أن يكون أحدٌ ممن آواه يعرف حقيقته. ثم صدر أمر الخديو توفيق بالعفو عنه وإبعاده عن مصر إلى أي جهة شاء. فاختار يافا ونزل بها، فأكرمه أهلها واتخذ بها دارًا جعلها منتدًى للأدباء والعلماء، وطوَّف في فلسطين يشاهد آثارها ويحج إلى مزاراتها، ويجتلي حسن طبيعتها.
ثم مات توفيق وتولى عباس، فعفا عنه، وسمح له بالعودة إلى مصر سنة (????)، فعاد وفكر طويلًا فيما يفعل وأين يتجه، وتردد بين مصر والإسكندرية، وأخيرًا عيَّن اتجاهه، وقرر أن ينشئ بالقاهرة مجلة «الأستاذ»، فكانت صفحةً جديدة في باب جهاده.
?


كانت الظروف التي تولى فيها الخديوي عباس ظروفًا دقيقة، شابٌّ ناشئ في الثامنة عشرة من عمره، دُعي من (فينا) حيث يتعلم ليتولى الحكم في مصر، ومصر قد انتهت ثورتها العرابية واطمأن الإنجليز إلى احتلالها، ووضعوا أسس نظامها، وتمكنوا من وضع أيديهم على كل شأن من شؤونها، وعباس الشاب قد بُث في نفسه آراء الاستقلال والشعور بالوطنية والعزم على العمل لاسترداد مصر ما فقدت؛ وهو يعيب على جده إسماعيل إسرافه، ويعيب على أبيه توفيق استسلامه، وعلى رجال المعية ضعفهم، وشباب الأمة يبلغه هذا الشعور فيجاوبه، فيتوجه الخديوي لصلاة الجمعة في المسجد الحسيني فيقابله الشعب في حماسة، و«يتقدم الطلبة وغيرهم من المحتشدين — بالسكة الجديدة — نحو العربة الخديوية، ويُقصون جيادها ويجرُّونها بأنفسهم»، ويغير الخديوي رجال المعية بغيرهم ممن هم أقرب إلى نفسه ومبادئه.
وفي ذلك الوقت كانت فرنسا تشعر بخطئها في سياستها الماضية التي آلت إلى ضعف نفوذها في مصر، وأخذت تبحث عن طريقةٍ لاسترداد بعض ما فقدت، فرأت أن يكون من هذه السبيل الالتفاف حول «عباس».
وتركيا كذلك تأسف هذا الأسف، وتتجه هذا الاتجاه — وكل هؤلاء وهؤلاء يعتمدون على وعد إنجلترا بالجلاء عند صلاح الأمور.
والحكومة الإنجليزية تلوِّح في البرلمان الإنجليزي مِن طرفٍ خفيٍّ بالنصح لعباس أن يتتبع سياسة والده في مسالمة الإنجليز والتحالف معهم.
وأخذ الخديو عباس يتصل بالشعب ويوسع نفوذه من طريق الرحلات في المديريات، ومقابلة الأعيان والعلماء، وزيارة المعاهد والمدارس، كما أخذ يميل إلى مباشرة الأعمال بنفسه بالاتصال بالمديرين، وتكليفه الأخصائيين بكتابة التقارير عن نظم التعليم والجيش وغير ذلك؛ فبدا بعد ذلك ومن أجل ذلك شيء من الجفاء بينه وبين اللورد كرومر، وتسرَّب بعد ذلك إلى الشعب.
عند ذلك بدأت تظهر في البلد تيارات مختلفة، وبدأت توضع بذور الأحزاب المختلفة، وبدأت تتجلى بوضوح اتجاهات الصحف المختلفة.
هذه تؤيد الحركَة الوطنية وتناصر الميول الخديوية، إما عن إخلاص، وإما رغبةً في الاستفادةٍ، وإما خدمة للسياسة الفرنسية، وهذه تؤيد السياسة الإنجليزية، إما رغبة في الاستفادة وإما عن عقيدة أيضًا.
وظهر أثر ذلك في الجدل في المجالس والمناظرة في الصحف.
في هذا الأفق المملوء بالسحب، ظهر «عبد الله نديم» ثانيةً، وقد سمح له الخديوي عباس بدخول مصر، فمكث قليلًا يتعرف الأحوال، ويدرس ما فاته من شؤون مصر مدة غيابه، ثم صح عزمه على تحديد الغرض وإنشاء جريدة «الأستاذ»، قال عنها: «إنها جريدة علمية تهذيبية فكاهية»، تصدر يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وظهر العدد الأول منها في (أول صفر سنة ?????–?? أغسطس سنة ????)، يتولى هو تحريرها، ويتولى أخوه إدارتها؛ وقد كُتب في أول عدد منها: إنها لا تتعرض للسياسة العملية الإدارية، أما السياسة من حيث هي فن فإنها تدخل في موضوعها العلمي.
وكانت في أول أمرها تُعدُّ امتدادًا لجريدته «التبكيت والتنكيت» من حيث موضوعها وأسلوبها، فهي تُعنى أكثر ما تعنى بنقد العيوب الاجتماعية في المجتمع المصري، وفيها مقال أو نحو ذلك في شؤون الإصلاح السياسي من وجهة عامة، ثم هي تُحرَّر باللغة العربية الفصحى في المقالات السياسية الإصلاحية، وباللغة العامية في الموضوعات الاجتماعية.
والمطَّلع على ما كتبه في هذا العهد يرى أنه بعد رجوعه من مخبئه قد فوجئ بموجة من الانحلال الخلقي في البلاد: فإفراطٌ لم يكن معهودًا من قبل في شرب الخمور، وعدم اكتراث الشاربين بنقد الناقدين وعيب العيَّابين، وانتشار الخمَّارات في المدن والبلاد والقرى، وابتزاز الأروام للأموال عن طريقها — وشعور النساء بالحرية، فهنَّ يُكثرنَ من الخروج في الشوارع متبرجات بزينتهن، ثم الحشيش والمعاجين والإفراط فيها والاحتفاء بمجالسها؛ ثم استعمال كلمة الحرية وسيلًة للانهماك في اللذات والشهوات، وأعجب من ذلك السقوط في تقليد المصري للأوربي تقليدًا أعمى في ليِّ لسانه بالقول، والتشدق باستخدامه كلمات أجنبية في أثناء حديثه بالعربية، ولبس الضيِّق المحبوك من الثياب الإفرنجية؛ فنقدَ كل ذلك في أسلوبٍ قوي جريء واتهم الأوربيين بتشجيعهم هذه الأمور حتى يسقط الشرق وتنحلَّ أخلاقه، ونقد كذلك مناهج التعليم في البلاد، وخلوَّها من بث الروح القومية والعصبية المصرية، وحثَّ أبناء البلاد على إنشاء الجمعيات الخيرية التي تَسُدُّ هذا النقص، ونحو ذلك.
وعجبَ مما رأى من أن كثيرًا من أولي الرأي في الأمة أصابتهم الدهشة والرعب من الاحتلال، فانطووا على أنفسهم، ولزموا دورهم، فإن تكلموا في الشؤون العامَّة فمن وراء حجاب، وتركوا الناس مبلبلةً أفكارهم، مضطربةً نفوسهم، لا يعرفون أين يتجهون، فدعا إلى خروج ذوي الرأي من عزلتهم، واختلاطهم بالرأي العام في المجامع العامة يخطبون فيهم، ويشرحون ما حدث وما يحدث، حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.
في كل ذلك كتب «عبد الله نديم» في الأعداد الأولى من «الأستاذ» — ووجد النفوس مستعدة لهذه الدعوات كأنها حائرة تنتظر الدليل، ضالة تلتمس الهادي؛ فانتشر «الأستاذ» انتشارًا فاق ما كان يتوقع، فقد كان يُطبع منه حول ثلاثة آلاف، كأكبر جريدة يومية إذ ذاك، وأعيد طبع الأعداد الأولى منه.
وقد حاول مرةً أن يحرر الجريدة كلها باللغة العربية الفصحى، فأتته رسائل الاحتجاج الكثيرة تذكر له خطأه؛ لأن المرأة تسمع مقالاته في بيتها، والعامي يسمعها وهو في مصنعه ومتجره، والفلاح في حقله، وكلهم يستفيد من نقده، وكثير يتعظ بنصحه؛ فنزل على رأيهم، وأعادها كما كانت عربية فصيحة في بعضها، عاميةً في بعضها.
ثم نرى نغمته تعلو شيئًا فشيئًا في الميدان السياسي، ومناصرة الحركة الوطنية، ومؤازرة الخديو عباس، ومناهضة الاحتلال، حتى نراه في العدد الصادر في ?? يناير سنة ???? يظهر قويًّا واضحًا في هذا الاتجاه الوطني، ويفتتح العدد بمقال جريء عنوانه: «لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا»، وهي كلمة كانت تتردد في بعض الصحف الأوربية يخاطبون بها الشرقيين، ويقع المقال في ست وعشرين صفحة من أقوى ما يُكتب، يصف فيها حالة الغرب وحالة الشرق ووسائل الاستعمار، وما إلى ذلك، ويندِّد بالغربيين في أساليبهم، وبالشرقيين في غفلتهم، ويشرح ما تفعل الأمم الغربية لرقيها، وما تنشره في أمم الشرق لانحلالها، وما يفعله المصريون في تخاذلهم وتواكلهم، ويدعو إلى الالتفاف حول الخديوي ومطالبته بالمحافظة على حقوقه الشرقية، ويختم المقال بقوله: «وبالجملة فقد بلغ السيل الزبى — فإن رفأنا هذا الخرق، وشددنا أزر بعضنا، وجمعنا الكلمة الشرقية، مصريةً وشامية وعربية وتركية، أمكننا أن نقول لأوربا: نحن نحن، وأنتم أنتم، وإن بقينا على هذا التضاد والتخاذل واللياذ بالأجنبي فريقًا بعد فريق، حق لأوربا أن تطردنا من بلادنا، وتصدق في قولها: «لو كنتم مِثلَنا لفعلتم فعلنا».
واستمر على هذه النغمة كذلك في الأعداد التالية. والمطَّلع على الحوادث التي كانت تجري في تلك الأيام، يرى أن علو هذه النغمة كانت صدًى لما يحدث من أزمات. ففي هذه الأيام بعينها اشتد الجفاء بين الخديو عباس واللورد كرومر؛ ففي ?? يناير سنة ???? أقال الخديو مصطفى باشا فهمي، منتهزًا فرصة مرضه، وعهد إلى حسين فخري باشا بتشكيل الوزارة، فعارض اللورد كرومر في أن تعين الوزارة من غير أخذ رأيه، واشتدَّ الأخذ والرد، وأنذرت إنجلترا الخديوي إنذارًا شديدًا، وانتهت المسألة باستقالة حسين فخري وتعيين رياض باشا حسبما أشار اللورد كرومر. وانتشر الخبر في الشعب، فأقبلت الوفود على الخديوي في ?? يناير تلقي الخُطَبَ في تأييده في موقفه، وظهر أثر ذلك واضحًا في الجرائد التي تناصر الحركة الوطنية، فكان هذا هو السبب فيما نرى من حرارة مقالات النديم في تلك الأيام وما بعدها، ومناصرته للخديو، ومنازلته للجرائد المخالفة في قوة ووضوح.
وهو — مع هذا — يتوسع في اقتراحات الإصلاحات الاجتماعية، فينقد علماء الأزهر في انزوائهم وعدم معرفتهم بالدنيا وما يجري فيها، ويضع برنامجًا واسعًا لإصلاح الأزهر، والزراعة في مصر وتأخرها، ووجوب إصلاحها على أساسٍ علمي صحيح، وفوضى اللغة العربية، ووجوب إنشاء مجمع يحفظ كيانها ويُكمل نقصها، والخرافات والأوهام، والطرق الصوفية وما يجري فيها من مخازٍ وعيوب … إلخ.
ثم علت نغمته طبقةً أخرى، فأخذ ينقد الإنجليز صراحةً في سياستهم في الهند ومصر، ويسبُّ من يلوذ بهم، ويهيِّج الناس على المبشرين وطرق التبشير، ويقول: إن السياسة تؤيدهم وتلعب ألاعيبها مِن ورائهم، فتألَّبت عليه الجرائد المخالفة له في مذهبه من إنجليزية وعربية وحذرت منه، وقالت: إنه يُعدُّ البلاد لفتنةٍ بين المسلمين وغيرهم، وبين المصريين بعضهم وبعض، ويحرِّك الضغائن بين المصريين والأجانب، ويهيئ لثورة كالثورة العرابية، ونصحت أولي الأمر من الإنجليز أن يأخذوا حذرهم منه، وإلا ساءت العاقبة. وشهَّرت به بعض الجرائد الإنجليزية كالتيمس، والديلي نيوز، وقالت: إنه متعصب للدين، مقبح لجميع أعمال الأوربيين، وإنه ثوري مهيِّج، وأيدتها المقطم، ودافع عنه المؤيد والأهرام والوطن وبعض الجرائد الفرنسية؛ ولم يألُ هو جهدًا في منازلة خصومه والتشهير بهم، وإعلان عدم المبالاة بما يجري له، فقد لاقى في العذاب ألوانًا أيام اختفائه، فكل ما سيناله هيِّن بالقياس إلى ما لقي، وأعاد نشر قصيدة له في ذلك كان قد أنشأها في مخبئه منها:
إذا ما الدهر صافانا مرضْنافإن عُدنا إلى خطبٍ شُفينالنا جِلدٌ على جلدٍ يَقينافإن زاد البلاد زدنا يقيناإذا ما المجد نادانا أجبنافيُظهر حين يَنظرنا حنينايغنِّينا فيُلهينا التغنَّيعن الباكي ويُنسينا الحزيناولسنا الساخطين إذا رُزئنانعم يلقى القضا قلبًا رزيناإذا طاش الزمان بنا حلمْناولكنَّا نُهينا أن نَهِينا وأخيرًا طلب اللورد كرومر من الخديو عباس نفيَه فأطاع، ولم يستطع أن يحمي من كان يحميه، وودَّع «الأستاذ» قرَّاءه في آخر عدد منه صدر في ?? يونيه سنة ????. فكان عمره أقل من عام؛ ولم يذكر في وداعه السبب الحقيقي الذي من أجله أُغلق «الأستاذ» ونُفي صاحبه، بل قال: إن سبب ذلك المرض وحاجته إلى الاستشفاء؛ وقال في آخر وداعه: وما خُلِقَتِ الرجال إلا لمصابرة الأهوال، والعاقل يتلذذ بما يراه في فصول تاريخه من العظم والجلالة، وإن كان المبدأ صعوبةً وكدرًا في أعين الواقفين عند الظواهر، وعلى هذا فإني أودع إخواني قائلًا:
أودِّعكم واللهُ يعلمُ أننيأُحب لقاكم والخلودُ إليكمُوما عن قلًى كان الرحيل وإنمادواعٍ تعدَّت فالسلام عليكمُ وكان ينشر ملحقًا «للأستاذ» صفحاتٍ من كتابٍ ألفه وهو في المخبأ اسمه «كان ويكون»، جُمع فيما بعدُ ولم يتم — مع الأسف — نشره. كان يريد من تدوينه عرض خلاصة أفكاره الدينية واللغوية والسياسية والأدبية والتاريخية والإنسانية، ملتزمًا فيه حرية الفكر، وعدم التعصب لدين أو جنس، ذاكرًا فيه ما شاهده في مصر من أحداث، مبينًا ما وراءها من علل.
ووضعه على نمط قصصي، إذ كان له صديق فرنسي أتى من باريس قُبيل الثورة العرابية، وتعلم العربية والتركية، وأقام في مصر متتبعًا حوادثها، وعرف عبد الله نديم في الإسكندرية سنة ???? هجرية وتوثقت بينهما الصلة، وكان له عزبة قريبة من البلدة التي اختبأ فيها «النديم»، فاتصل به في مخبئه. وكان الفرنسيُّ يزوره ويخدمه في قضاء أغراضه، وكثيرًا ما يدور الحديث بينهما في الدين والسياسة، فبنى كتابه «كان ويكون» على هذا، ودوَّن فيه ما كان يدور بينهما من حديث وجدل، وأكثر ما نُشر كان في أصول الأديان، وتاريخ اليهودية والمسيحية والإسلام، يتخلل ذلك بعض أخبار عن أحواله في مخبئه، وبعض نظراتٍ سياسية. ومما يؤسف له أن إقفال جريدة «الأستاذ» حال بينه وبين نشر القسم السياسي والتاريخ المصري من الكتاب؛ وما نشر عنه يدل على نظر عميق واطِّلَاع واسع، وسماحة دينية لطيفة، وعاطفة جيَّاشة بحب الخير لمصر والشرقيين.
?


خرج «النديم» إلى يافا، حيث كان قبل العفو عنه، ورتَّبت له الحكومة المصرية خمسةً وعشرين جنيهًا شهريًّا يعيش بها، على شرط ألًّا يكتب شيئًا في الجرائد يتصل بسياسية مصر.
وما لبث أربعة أشهر في يافا حتى وشى به الوشاة بأنه يطعن في سياسة الدولة العَليَّة ويلمز السلطان، فصدر الأمر بإبعاده أيضًا.
فها هو يذرع الأرض لا يعرف أين يستقر، فلا مصر تقبله ولا أي أرض من أراضي الدولة العثمانية تُحِلُّه، ونزل بالإسكندرية أيامًا حتى تُحل مشكلته.
وقد كان كثير من أحرار العثمانيين إذ ذاك قد سافروا إلى أوروبا ومصر، وأنشئوا الجرائد يُطالبون بالدستور وبإصلاح الدولة، وينقدون السلطان نقدًا مرًّا، فكان من سياسة عبد الحميد في بعض الأوقات أن يسترضي هؤلاء الناقمين، ويحبب إليهم الإقامة في الأستانة تحت سمعه وبصره، ويُجري عليهم الرزق الواسع، ويسند إليهم بعض المناصب فيتقي أذاهم ويستجلب رضاهم، فاحتشد في الأستانة من أرباب العلم واللسان عدد كبير، منهم السيد جمال الدين الأفغاني وغيره من أدباء الترك وشعرائها وساستها، فكان أن الغازي مختار باشا أشار على الدولة العلية أن تعامل عبد الله نديم هذه المعاملة فقبلت. وسافر إلى الأستانة، وصدرت الإرادة السلطانية بتعيينه مفتشًا للمطبوعات بالباب العالي بمرتب ?? جنيهًا مجيديًا، مضافة إلى الخمسة والعشرين التي يتقاضاها من مصر — ينفق كل ذلك على نفسه وإخوانه، ومن يبره من أهله وأقاربه، ومن أيام المنصورة عُرف بأنه صناع القلم واللسان، أخرق اليد.
دخل الأستانة، فدخل القفص الذي دخل في مثله جمال الدين الأفغاني، وغايةُ الأمر أن قفص جمال الدين ضيِّق من ذهب، وقفص النديم واسع من حديد، يختلفان بمقدار الخطر مِن كل منهما ومكانته وحسبه ونسبه، فالسيد جمال الدين يُخصَّص له بيت فخم، ويُجعل تحت أمره عربة وخدم وحشم، ويجرى عليه ?? ليرة في الشهر، وتُعرض عليه مشيخة الإسلام فيأبى، وعبد الله نديم يُعيَّن مفتشًا للمطبوعات بخمسة وأربعين ليرة، ولا بيت ولا خدم — ولا غَرْوَ؛ فالسيد جمال الدين سيد في طبعه وحسبه ونسبه، كان يَعُدُّ نفسه قرينًا للشاه والسطان، لا يقلُّ عنهما إلا بما شاء القدَر من تحليتهما بالملك وعطله منه، وعبد الله نديم يرى أنه من الشعب وابن الشعب وخادمه، لا يمتاز إلا بما منحه الله من ذكاء ولَسَن. إذا دعا السيد جمال الدين إلى الإصلاح شعر بأنه يخطب الناس من أعلى مكان يُشرف عليهم، وهو غضوب وقور؛ وإذا دعا «النديم» شعر بأنه واقف في وسطهم يضحك لهم ويضحك منهم ويصلحهم. ولهذا كان جمال الدين جليلًا يُسمع لقوله في رهبة وخشية، وينصح الناس وكأنه يضربهم بالسياط، وكان النديم محبوبًا يقابَل بالابتسام، ويُقبل قولُه في فرح ومرح؛ ولذلك كان أسفُ الناس في مصر على فراق النديم أكثر من أسفهم على فراق جمال الدين؛ لأن سؤدد جمال الدين في الخاصة وسؤدد النديم في العامة.
وعجيب أن يقبل «النديم» «وظيفة» مفتش للمطبوعات وهو الذي كان يُتعب دائمًا إدارة المطبوعات؛ وأن يرضَى أن يتحكم في الصف، وهو الذي كان يأبى أن يتحكم فيه أحد؛ وأن يرضى أن يكون أداةً لتقييد الحرية، بعد أن كان داعيةً لتأييد الحريه!! ولكن يخفف من هذا أن «الوظيفة» كانت صورة محضة، وكان الغرض منها أن يُمنح الخمس والأربعين ليرة في مظهرٍ غير وضيع.
ها هو في الأستانة قد عُطِّلت كل مواهبه؛ فلا خطابة ولا كتابة، ولا تهييج ولا تحميس، وهو في وسط يكاد يختنق منه، لا يُفرِّج عنه إلا مجلس السيد جمال الدين، يحادثه ويسامره، وكلٌّ يشكو إلى صاحبه قفصه.
ولكن أنَّى لصاحب هذا اللسان أن يهدأ؟!
لقد وقع في الخصومة مع أبي الهدى الصيَّادي، كما وقع فيها معه السيد جمال الدين؛ ولكن السيد عفُّ اللسان في الخصومة الشخصية، أما «النديم» فويل لمن عاداه.
كان أبو الهدى عجبًا من العجب، إذا أُرِّخت الدولة العثمانية في عهد عبد الحميد احتل كثيرًا من صفحات تاريخها، وكان مستترًا وراء الصفحات الباقية، يرون اسمه في كل أنحاء المملكة من مصر وسوريا والعراق وتونس والجزائر، ويتقرب إليه الولاة في حل كل عظيمة — أثبت به القدر أنه على كل شيء قدير.
سوريٌّ من حلب، فقير المال والحسب، دفعته المقادير إلى الأستانة، وكان ماهرًا ذكيًّا وسيم المحيَّا، ماضي العزيمة، قادرًا على معرفة نفوس الناس ومن أين تُؤتَى، فتغلَّب على عقل السلطان عبد الحميد بأحلامه وتفسيراته، والطرق ومشيختها، فربط نسبه بأعلى نسب، فهو قرشي هاشمي علوي، وهو في الطريقة رفاعي له الأتباع الكثيرون، لا يعبأ بالمال يأتيه على كثرة فينفقه ويستدين؛ لأن عز الجاه والسلطة عنده أقوى من عز المال.
له أعينٌ تأتي له بكل الأخبار، فيستغلها أمهر استغلال. لم يقف عند الدين والولاية والصوفية، بل مدَّ نفوذه إلى الشؤون السياسية والإدارية والعسكرية. يحلم فلا حد لحلمه، ويبطش فلا حدَّ لبطشه. سُمِّي «مستشار الملك»، «وحامي العثمانيين» و«سيد العرب» استمال كثيرًا من الأمراء والوجهاء والأعيان والعلماء والأدباء. فكانوا عونًا له على كل ما أراد. يبطش بهم حين يريد البطش، ويؤلف بهم الكتبَ حين يريد شهرة العلم. ويَنظم بهم القصائد حين يريد الأدب والشعر، إلى كرمٍ وسماحة وحسن حديث.
الدنيا كلها يجب أن تُسخَّر لشخصه، وأن تخضع لأمره. والحق ما أتى من طريقه، والباطل ما أتى من طريق غيره — عدو كل إصلاح، وخصيم كل حر.
كم له من ضحايا في السجون، وفي أعماق البحار، وفي ذل الفقر، وفي بؤس المنفى. تتملقه الأمراء، وتهابه العظماء، وكم أنفذ أمَره وأبطل أمر السلطان.
وكم تدلل على عبد الحميد فاسترضاه، وبالغ في المطالب فأوفاه!!
هذا أبو الهدى الصيادي الذي لم يتحرز عبد الله نديم أن يخاصمه وينازله، ويُطلق فيه لسانه. ووضع فيه كتابًا سمَّاه «المسامير». لم ينشر في حياته، وهو كتاب لا يشرِّف الصيادي ولا عبد الله نديم؛ لأنه استعمل فيه أسلوبًا أشبه بأسلوب المرأة «الغجرية» في أحط الحارات، هو أسلوب أقذر من أسلوب جريدة «حمارة منيتي»، و«السيف»، و«الصاعقة». وما إلى ذلك من الجرائد المقذعة في الهجاء، والتي حمدنا الله على الخلاص منها برقي ذوقنا. فسامحه الله فيما فعل.
وبلغ أبا الهدى أمر هذا الكتاب، فأبلغ السلطان عبد الحميد أن فيه أيضًا هجاءً له، فبُحث عنه طويلًا من غير جدوى، واستطاع «جورج كرتشي»، الذي كان متصلًا بالسيد جمال الدين و«النديم»، أن يحتفظ به ويخفيه ويفر به إلى مصر، ثم يطبعه.
لم تطل حياة «النديم» في الأستانة طويلًا، فقد أصيب بالسل، واشتدت عليه العلة، فمات في العاشر من أكتوبر سنة (????م)، واحتُفل بجنازته احتفالًا كبيرًا مشى فيه السيد جمال الدين — الذي لحقه إلى ربه بعد أشهر — ودُفن في مدفن يحيى أفندي في «باشكطاش»، وكانت أمه وأخوه قد علما بشدة مرضه، فسافرا إليه، ولكن لم يدركاه إلا ميتًا، ووجدوا متاعه وأثاثه وكل شيء له قد نُهب؛ فعادا وليس في يدهما إلا الحزن والأسى.
مات في نحو الرابعة والخمسين من عمره، فلم يكن بالعمر الطويل، ولكنه عمر عريض، فطالما غذَّى الناس بقلمه، وهيَّجهم بأفكاره، وأضحكهم وأبكاهم، وخير رجال الشرطة، وأقلق بال رجال السياسة، ونازل خصومه من رجال الصحافة، فنال منهم أكثر مما نالوا منه، ولم يهدأ له لسان ولا قلم حيث حلَّ، ولا على أي حال كان؛ حتى هدأه الموت الذي يهدِّئ كل ثائر.
مهما أُخذ عليه فقد كان عظيمًا!!!
فتح للناس في جريدته «التبكيت والتنكيت» و«الأستاذ» أبوابًا من الإصلاح الاجتماعي كانت مغلقة في التعليم والزراعة، واللغة والصناعة، والانحلال الخلقي، وما إلى ذلك، فسار المصلحون على أثره.
وكانت الجرائد المعروفة في عهده «المقطم»، و«الأهرام»، و«المؤيد»، و«النيل»، وكان لها ثلاثة اتجاهات: منها ما يسالم الاحتلال ويؤيده، ومنها ما يؤيد الحركة الوطنية ومن ورائها السياسة الفرنسية؛ ومنها ما يؤيد الحركة الوطنية والنزعة الإسلامية والارتباط بالدولة العثمانية، وكل منها يعرض وجهة نظره في شيء من الهدوء والرزانة والوقار. فلما طلع «الأستاذ» دعا إلى أن مصر للمصريين، لا لتركيا ولا للأوروبيين، وناصر الحركة الوطنية والالتفاف حول الخديو أمير البلاد، ودعا الذين غلبهم الخوف بعد الاحتلال أن يبرزوا من مكامنهم ويمسحوا الخوف عنهم، ويتصلوا بالجمهور ليوقظوه، ودعا إلى تأليف الأحزاب حتى يكون لكل جريدة حزبها، ولكل حزب برنامجه. ولم يسلك سبيل الهدوء كما سلكه معاصروه، بل زاد في الطنبور نغمةً، وزادت النغمة حدة، والحدة منه استتبعت الحدة من الجرائد الأخرى، والغضب يبعث الغضب؛ والصوت العالي ينبه الأفكار، ويوقظ النائم، فكان في الجرائد لون جديد شديد قوي، يميز بعضها عن بعض في وضوح وجلاء. وكانت هذه الحدة وهذا الجدل المتتابع في المسائل العامة أكبر موقظ للرأي العام النائم يُفهمه موقفه وما يضره وما ينفعه، وأي غاية يريد منه هؤلاء وهؤلاء، ومواطن ضعفه، وكيف السبيل إلى قوته، وللنديم الفضل الكبير في ذلك.
وكانت جريدة «الأستاذ» هي الأستاذ لمصطفى كامل، تعلَّم منها الاتجاه والنغمة، وإن اختلفا من حيث الثقافة والأسلوب بحكم الزمن والأحداث والظروف.
نعم كان في «النديم» شيء من التهريج كالذي رأينا قبل. وكان من تهريجه أنه كان في أول أمره يرتدي الثياب الإفرنجية، فلما ظهر بعد الاختفاء لبس الجبة والقفطان، واعتم بعمامة خضراء، وادَّعى أنه شريف إدريسي ينتسب إلى الحسن بن علي، وكثيرٌ من الواقفين على الحقيقة ينكر ذلك،وربما دعاه إلى هذا شعوره بمركَّب النقص، من حيث نشأته الفقيرة المتواضعة، وما مرن عليه من التصنع أيام الاستخفاء، وحالة الوسط الذي عاش فيه من أنه لا يمجِّد إلا ذا الثراء أو ذا الحسب — ومع هذا فالعظيم يقدَّر بكله لا ببعضه.
كانت عظمته في ذكائه وقوة لَسَنه. قال فيه المرحوم أحمد باشا تيمور: «كان شهِيَّ الحديث، حلو الفكاهة، إذا أوجز ودَّ المحدَّث أنه لم يوجز. لقيته مرة في آخر إقاماته بمصر فرأيت رجلًا في ذكاء إياس، وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ. أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا».
وكان السيد جمال الدين يُعجب بقوة حجته في المناظرة والجدل، وسرعة بديهته، وشدة عارضته، ووضوح دليله، ووضعه الألفاظ وضعًا محكمًا بإزاء معانيها إن خطب أو كتب.
ثم هو شجاع لا يخاف؛ يلذُّه مواجهة العظماء ومنازلة الكبراء في غير خوف ولا وَجل، إلى تواضع مع العامة ومضاحكتهم ومؤانستهم وملاطفتهم، لا يعبأ بالقوة ولا يخاف البطش، فإذا نازلَ أحدًا وسلَّط عليه لسانه كانت الكارثة.
نازل الخديو توفيق والاحتلال، وأبا الهدى الصيادي، ولكلٍّ جاهه وسلطانه الذي أذل أعناق الكثيرين، كل ذلك وهو فقير يعيش من يده إلى فمه، ما أتاه أتلفه، وما وصل إلى يده بدَّده، معتمدًا على ربه الذي يرزقه كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا.
ضعيف الجسم كثير العلل، وربما كان ذلك هو السبب في موت أولاده جميعًا في طفولتهم، فقد رُزق قبل الاختفاء بمحمد، وعثمان، وإلياس، وفاطمة وعائشة، وسكينة وخديجة. كما رُزق أيام الاختفاء بحفصة، وريًّا. وكلهم لم يعِش طويلًا. ومع هذا فهو — على مرضه — دائب العمل دائم الحركة.
لا يعتريه كلل ولا ملل. يود أن يُخلد اسمه بالعمل، بعد أن حُرم تخليد اسمه بالولد.
أعد نفسه بالخبرة والتجربة في كل شيء حوله. فكان كما حدث عن نفسه: «أخذتُ عن العلماء، وجالستُ الأدباء، وخالطتُ الأمراء، وداخلتُ الحكام، وعاشرتُ أعيان البلاد، وامتزجتُ برجال الصناعة والفلاحة والمهن الصغيرة، وأدركتُ ما هم فيه من جهالة، ومم يتألمون، وماذا يرجون. وخالطتُ كثيرًا من متفرنجة الشرقيين، وألممت بما انطبع في صدروهم من أشعة الغربيين. وصاحبتُ جمًّا من أفاضل الشرقيين المتعلمين في الغرب، ممن ثبتت أقدامهم في وظيفتهم. وعرفتُ كثيرًا من الغربيين ورأيتُ أفكارهم عالية أو سافلة فيما يختص بالشرقيين، والغاية المقصودة لهم، واختلطتُ بأكابر التجار، وسبرتُ ما هم عليه من السير في المعاملة أو السياسة. وامتزجتُ بلفيف من الأجناس المتباينة جنسًا ووطنًا ودينًا، واشتغلتُ بقراءة كتب الأديان على اختلافها، والحكمة والتاريخ والأدب، وتعلَّقتُ بمطالعة الجرائد مدةً، واستُخدمتُ في الحكومة المصرية زمنًا. واتجرتُ برهةً. وفلحتُ حينًا. وخدمتُ الأفكار بالتدريس وقتًا، وبالخطابة والجرائد آونة — واتخذتُ هذه المتاعب وسائل لهذا المقصد الذي وصلت إليه بعناءٍ كساني نحول الشيخوخة في زمن بضاضة الصبا، وتوَجني بتاج الهرم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء، فصورتي تُريك هيئة أبناء السبعين، وحقيقتي لم تشهد من الأعوام إلا تسعة وثلاثين».
وربما كان أعظم شيءٍ فيه ثباته على مبدئه، باع نفسه لأمته حسبما يعتقد الخير لها، ولم يتحول عن ذلك على كثرة من تحول في مثل مواقفه. هؤلاء زعماء الثورة العرابية حاولوا أول أمرهم أن ينكروا ما فعلوا. فلما لم ينفعهم إنكارهم وعوقبوا عادوا وخضعوا، وعاشوا في مسالمة ومهاودة. أما هو فلم ينكر ما قال، ولقي في مخبئه الأهوال. وكان جديرًا بمن لقي ذلك كله أن يهدأ، وإذا هدأ فلا لوم عليه. ولكنه ظل يجاهد، ويُنفى فيجاهد، ويعفى عنه فيجاهد، ويُحذَّر فلا يَحذر، ويُطمَّع فلا يَطمع، حتى لقي مولاه. رحمه الله.
? ومن الناس من يروي أنه اعتمد في فصوله عن إسماعيل، على كتابٍ في هذا الموضوع كان ألفه الشيخ محمد عبده.? هذا المثل هو «بعِلَّة الوَرَشان يأكل رُطَب المُشَان» والورشان: طائر يشبه الحمام، والمشان: نوع من أجود التمر، وأصله أن جماعة عهدوا إلى خادم لهم أن يحفظ تمرهم، فكان يأكل رطبه ويزعم أن الورشان أكله، فقيل المثل، وهو يضرب لمن يُظهر شيئًا والمراد منه شيء آخر.
زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث: السيد عبد الرحمن الكواكبي


????–??????/?????–????م
?


من بيت في «حلب» يعتز بنسبه وحسبه وعلمه وجاهه وماله؛ فأسرة الكواكبي كانت فيها نقابة الأشراف في حلب، ولها مدرسة تسمى المدرسة الكواكبية، وأبوه أحد المدرسين في الجامع الأموي بحلب والمدرسة الكواكبية فيها.
تعاون على تربيته بيتُه وما في تقاليده من عزة وإباء وشمم وأنفة من الصغائر، وخالة له تعهدته بعد وفاة والدته وهو صغير، وكانت من نوادر النساء في الشرق، عُرِفَت بالأدب والكياسة وكبر العقل. وقبل ذلك، فطرته التي فُطِرَ عليها من ميل إلى الحق، وحب الخير والاستجابة للتربية الصالحة.
كل هذا جعل منه رجلًا يستعصي على ناقد الأخلاق نقده. مؤدَّب اللسان حتى لا تؤخذ عليه هفوة، يزن الكلمة قبل أن ينطق بها وزنًا دقيقًا، حتى لو ألقي عليه السلام لفكر في الإجابة؟ متزن في حديثه، إذا قاطعه أحد سكت وانتظر حتى يتم حديثه، ثم يصل ما انقطع من كلامه، فيؤدب بذلك محدثه، نزيه النفس لا يخدعها مطمع ولا يغريها منصب، شجاع فيما يقول ويفعل، مهما جرَّت عليه شجاعته من سجن وضياع مال وتشريد، وهو — مع أنفته وعزته وصلفه على الكبراء — متواضع للبائسين والفقراء، يقف دائمًا بجانب الضعفاء، يشع على من يجالسه الاتزان والتفكير الهادئ، وحب الحق ونصرة المبدأ، والتضحية للفضيلة.
تعلَّم كما كان يتعلَّم ناشئة زمانه الدينيون، لغة عربية ودين في مدرسة أسرته بحلب — «المدرسة الكواكبية» — وكانت مدرسة تسير على الطريقة الأزهرية فيما يُقرأ من كتب، وما يتبع من منهج، ولكنه أكمل نفسه بقراءته بعض العلوم الرياضية والطبيعية، وأحضر له والده مَنْ عَلَّمَهُ الفارسية والتركية، وطالع بنفسه كثيرًا من الكتب التاريخية، وعُني بدراسة قوانين الدولة العثمانية.
فلما أتم دراسته انغمس في الحياة العملية، وتنوَّعت أعماله، وتباينت اتجاهاته: فمن محرر لجرية رسمية، إلى رئيس كتاب المحكمة الشرعية، إلى قاضٍ شرعي في بلدة من البلاد السورية، إلى رئيس البلدية. ثم هو بين الحين والحين يعتزل الوظائف الحكومية فينشئ لنفسه جريدة في «حلب» اسمها الشهباء، أو يشتغل بالأعمال التجارية، أو يقوم بمشروعات عمرانية، ومن كل ذلك يستفيد خبرة وتجربة بالحياة. وفي كل الأعمال الحكومية والحرة يصطدم بنظام الدولة، وباستبداد الحكام وفساد رجال الإدارة، فينازلهم وينازلونه، ويحاربهم ويحاربونه، وينتصر عليهم حينًا، وينتصرون عليه حينًا، وسلاحه دائمًا النزاهة والعدل والاستقامة، وسلاحهم دائمًا الدسائس والاتهام بخروجه على النظام، ودعوته للشغب، وما شاكل ذلك مما هو من عادة الظالمين. وكانت البلاد التي يعيش فيها موبوءة بحكم «عبد الحميد» لا يستطيع أن يعيش فيها حر صريح، ولا ينجح فيها تاجر نزيه، ولا موظف جريء مستقيم، وهذا النوع من الحكم عدو كلِّ كفاية، وقاتل كل نبوغ!!
ارتفع شأنه في بلده، فكان يقصده أصحاب الحاجات لقضائها، والمشاكل لحلها، ورجال الحكومة أنفسهم يستشيرونه فيما غمض عليهم ويعتمدون على رأيه، وهو في كل هذا جريء فيما يقول؛ لا يُقِرُّ ظالمًا على ظلمه، ولا يسالم جائرًا لمنصبه أو جاهه. من أجل هذا غاضَب «عارف باشا» والي «حلب»، وأخذ يعدد عليه سيئاته وينقم عليه تصرفاته، ويحرِّض الناس على رفع صوتهم معه بالشكوى منه لرؤسائه في الأستانة. فانتقم «عارف باشا» لنفسه، فزوَّر على «الكواكبي» أوراقًا، واتهمه بأنه يسعى لتسليم «حلب» لدولة أجنبية، وحبسه وطلب محاكمته؛ فبذل الكواكبي ورجاله جهدًا كبيرًا ليحاكَم في ولاية غير ولاية «حلب»؛ وحوكم في بيروت فحُكم ببراءته، وظهرت خيانة الوالي ومكايده فعُزل.
وكان من أعداء «الكواكبي» أيضًا «أبو الهدى الصيادي»، الذي سبق وصفه في ترجمة «عبد الله نديم»، لأن «الكواكبي» أبى الاعتراف بصحة نسبه، ولاعتداء «أبي الهدى» على بيتهم بأخذ نقابة الأشراف لنفسه منهم، فكان «أبو الهدى» أيضًا يدس له، ويغري ولاة الأمر به.
فكان من نتيجة محاكمته على التهمة التي اتهمه بها «عارف باشا»، ومن معاكسة «أبي الهدى» وأعوانه له حتى في تجارته، أن خسر ألوف الجنيهات من ماله، فاحتمل ذلك بنفس قوية لا تجزع ولا تتحول.
وأنصع صفحة في تاريخ حياته قوة شعوره بفساد حال المسلمين، وتخصيص جزء كبير من حياته في تعرف أحوالهم في جميع أقطار الأرض، وتشخيص أمراضهم وتلمُّس العلاج لهم، فعكف على مطالعة تاريخهم في ماضيهم وحاضرهم، وما كتبه الكتَّاب المحدَثون في ذلك في الكتب والمجلات والجرائد، ودرس أحوال المسلمين في المملكة العثمانية. ثم رحل إلى كثير من بلاد المسلمين، فساح في سواحل إفريقية الشرقية، وسواحل آسيا الغربية، ودخل بلاد العرب وجال فيها، واجتمع برؤساء قبائلها، ونزل بالهند وعرف حالها. وفي كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية، وحالتها الزراعية، ونوع تربتها وما فيها من معادن ونحو ذلك، دراسة دقيقة عميقة. ونزل مصر وأقام بها، وكان في نيته رحلة أخرى إلى بلاد المغرب يتم فيها دراسته، ولكنه عاجلته منيته.
أخرج نتيجة دراسته في مقالات كُتبت في المجلات والجرائد، ثم جُمعت في كتابين: اسم أحدهما «طبائع الاستبداد»، والآخر «أم القرى»: الأول في نقد الحكومات الإسلامية، والثاني في نقد الشعوب الإسلامية غالبًا.
لقد كان الحديث في مثل هذه الموضوعات التي مسها «الكواكبي» في «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» من الموضوعات المحرمة، لأنها تمس نظام الحكم من قريب، وتُفهم الشعوب حقوقهم وواجباتهم، وتقفهم على مناحي الظلم والعدل، وتهيئهم للمطالبة بالحقوق إذا سُلبت، والقيام بالواجبات إذا أُهملت، وهذا أبغض شيء لدى الحاكم المستبد. لذلك رأينا الشرق من بعد ابن خلدون أغلق هذا الباب، ولم يفتحه أي باحث بعده، وصار كتاب ابن خلدون مقدمة بلا نتيجة. والعلوم التي حوفظ عليها واستمرت دراستها، هي علم النحو والصرف واللغة والفقه؛ لأنها لا تمس الحاكم من قريب ولا بعيد، ولا تُفهم الناس أين هم من حاكمهم وأين حاكمهم منهم. والأدب مدَّاح للملوك والحكام، يجعل ظلمهم عدلًا وفسادهم صلاحًا، فإذا أعطاهم الحاكم قليلًا مما سلبه منهم هلَّلوا وكبروا، وعجبوا من هذا الكرم الحاتمي، والسخاء الذي لا نظير له، وإذا تبسم بسمة أشرقت الشمس، وإذا عبس عبسة اكفَهَرَّ الجو! وهكذا. كان الحاكم هو كل شيء في الأمة، حتى المؤرخون لا يؤرخون إلا شخصه في حياته وأعماله وحروبه وزوجاته وأولاده. أما الشعب فلا شيء، إلا أن يكون مزرعة للحكام، وأحب علم إلى الحكام وأدعاهم لنصرته هو ما لا يتصل بالحكم ونظامه، ورجال الدين المقربون هم الذين يستطيعون أن يولِّدوا المعاني من مثل «السلطان ظِل الله في أرضه» و«من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني». أما علم الاجتماع فلم يعرفه الشرق بعد ابن خلدون بتاتًا.
كان هذا في الشرق، على حين أن الغربيين بدءوا بعد ابن خلدون يبحثون في المجتمعات بحثًا واسعًا، يتعرفون علل الجماعات وأمراضها، وأنواع الحكومات ومزايا كل شكل وعيوبه، ويتحررون من القيود، ولا يعبئون بالتضحيات في سبيل الحريات، ويبني لاحقهم على ما وصل إليه سابقهم.
وبلغ الضيق في الشرق منتهاه في عهد السلطان عبد الحميد، ولكن شدة الضغط تولِّد الانفجار، والقسوة تعلِّم الحيلة، وتوالي الاضطهاد يولِّد البغضاء، فكثرت في هذا العهد الجمعيات السرية تعمل لتحرير البلاد العثمانية من الظلم، وتعمل لوضع نظام ديمقراطي لا يكون فيه السلطان الحاكم بأمره، وفرَّ كثير من العثمانيين إلى أوربا يدرسون نظام الحكم الأوربي وما وصلت إليه أوربا من البحوث الاجتماعية، وأخذوا يكتبون في ذلك في جرائدهم ومجلاتهم التي يحررونها خارج الحدود العثمانية، ومنها تتسرب إلى البلاد نفسها. وأخذت مصر بعد انفصالها من حكم العثمانيين تؤوي الأحرار، وتؤيد القول في نقد نظام الحكم، وظهرت في الجرائد والمجلات مقالات بالعربية في تشريح أحوال الجماعات وأصول الحكومات وتُرجم إلى العربية «أصول النواميس والشرائع» لمونتسكيو. وبدأت موجات البحث الاجتماعي في أوربا تصل إلى الشرق عن طريق الترجمة وطريق المثقفين في أوربا.
في هذا الوسط طلع الكواكبي، وكان ظهوره بكتابيه جرأة كبيرة. لقد استفاد مما نُقل عن الغرب، ولم يكن يعرف لغةً أوربية، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية؛ فاستفاد مما نُقل إليها، ومما كان يُترجم له في هذا الباب خاصة. وقد ظهر أثر هذا الاقتباس في كتابه «طبائع الاستبداد». أما كتابه «أم القرى» فبحثٌ مبتكر، وهو يدل على كبر عقله وقوة تفكيره، وسعة اطلاعه، وصدق غيرته على العالم الإسلامي.
أما كتاب «طبائع الاستبداد»، فقد نشره — أولًا — مقالاتٍ في بعض الصحف عندما كان في مصر سنة (?????)، ثم جمعها في كتاب وقال في أوله: «إني نشرتُ في بعض الصحف أبحاثًا علمية سياسية في طبائع الاستبداد ومَصارع الاستعباد، منها ما درسته، ومنها ما اقتبسته غير قاصدٍ بها ظالمًا بعينه، ولا حكومة مخصَّصة، إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، عسى أن يعرف الشرقيون أنهم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار، ولا على الأقدار … ثم أضفت إليها بعض زيادات، وحولتها إلى هيئة الكتاب».
وقد اقتبس فيه كثيرًا من أقوال «أَلْفِيري»، ولا أعرف كيف وصلت إليه، وألفيري “Alfieri Vittoria”، كاتب إيطالي عاش من سنة (????–????م)، من بيت نبيل، وقد ساح في أوربا نحو سبع سنوات، ودرس كتب فولتير ورُوسُّو ومنتسكيو، وتشبع بآرائهم الحرة، وتعشَّق الحرية وكره الاستبداد أشد الكره، ووجَّه أدبه للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد، يُنطق بذلك أبطال رواياته ويبثه في كتاباته؛ ولكن الكواكبي هضمها وعدلها بما يناسب البيئة الشرقية والعقلية الإسلامية، وزاد عليها مِن تجاربه وآرائه. ?


وكتاب «طبائع الاستبداد» يدور حول تعريف الاستبداد بأنه «صفة للحكومة المطلَقة العنان، التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب». ويأتي هذا من كون الحكومة مطلقة التصرف لا يقيدها قانون ولا إرادة أمة، أو أنها مقيدة بنوع مِن ذلك، ولكنها تملك بنفوذها إبطال هذه القيود والسير على ما تهوى. والحكومات ميالة بطبعها إلى الاستبداد، لا يصدها عنه إلا وضعها تحت المراقبة الشديدة ومحاسبتها محاسبةً لا تَسامُحَ فيها، وإلا قوة الرأي وعظمة سلطانه.
والمستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلَمُ من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس، يسدها عن النطق بالحق ومطالبتها به.
والمستبدُّ عدوُّ الحق، وعدو الحرية وقاتلها.
والمستبد يود أن تكون رعيته بقرًا تُحلب، وكلابًا تتذلل وتتملق، وعلى الرعية أن تدرك ذلك فتعرف مقامها منه: هل خُلقت خادمة له، أو هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها؟ والرعية العاقلة مستعدة لأن تقف في وجه الظالم المستبد، تقول له: لا أريد الشر، ثم هي مستعدة لأن تُتبع القول بالعمل؛ فإن الظالم إذا رأى المظلوم يحمل سيفًا لم يجرؤ على ظلمه.
وقد بحث بحثًا مستفيضًا في علاقة الاستبداد بالدين، ونقل عن الفرنج رأيهم في أن الاستبداد في السياسة متولَّد من الاستبداد في الدين أو مساير له. فكثير من الأديان تبث في نفوس الناس الخشية من قوة عظيمة لا تدرك كنهها العقول، وتهددهم بالعذاب بعد الممات تهديدًا ترتعد منه الفرائص، ثم تفتح بابًا للخلاص والنجاة بالالتجاء إلى الأحبار والقسس والمشايخ، بالذلة لهم، والاعتراف أمامهم، وطلب الغفران منهم. والمستبدون السياسيون يتبعون هذه الطريقة، فيسترهبون الناس بالتعالي والتعاظم، ويذلونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال، حتى لا يجدوا ملجأ إلا التزلف لهم وتملقهم! وعوام الناس يختلط عليهم في أذهانهم الإله المعبود والمستبدون من الحكام، فيتشابه عندهم استحقاق التعظيم، وتنزههم عن سؤالهم عما يفعلون، ولا يرون لهم حقًّا في مراقبتهم على أعمالهم، كما أنه ليس لهم حق في مراقبة الله فيما يفعل!! ولهذا خلعوا على المستبد صفات الله كوليِّ النعم، والعظيم الشأن، والجليل القدر، وما إلى ذلك! وما من مستبدٍّ سياسيٍّ إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك فيها الله أو تربطه برباط مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من أهل الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله!!
ولقد رأى «الكواكبي» أن الإسلام في جوهره الأصلي لا ينطبق عليه هذا القول، فهو مبني على قواعد الحرية السياسية متوسطة بين الديمقراطية والأرستقراطية، فهو مؤسَّس على أصول ديمقراطية (أي: المراعاة التامة للمصلحة العامة)، وعلى شورى أرستقراطية، أي: شورى الخواص، وهم أهل الحل والعقد.
فالقرآن مملوء بتعاليم تقضي بإماتة الاستبداد، والتمسك بالعدل، والخضوع لنظام الشورى مِن مثل:وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى? بَيْنَهُمْ حتى في القصص مِن مثل: مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى? تَشْهَدُونِ. ومظهر هذا كان في أيام النبي ? والخلفاء الراشدين. ثم لا يَعرف الإسلامُ سلطة دينية، ولا اعترافًا، ولا بيع غفران، ولا منزلةً خاصة لرجال الدين، ولكن دخل عليه من الفساد ما دخل على كل دين، فتفرقت كلمة المسلمين وانقسموا شيعًا، وتحوَّل الحكم من نظام شوريٍّ إلى استبدادي، فصغرت نفوس الناس وخَفَتَ صوتهم، وأضاعوا مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو المبدأ الذي به يراقَب أولو الأمر في الأمة، فصار أمر المسلمين إلى ما نرى.
ولم يتعرض «المؤلف» للرد على الشطر الأول، وهو ما يوحيه تصوير الله بالقوة والعظمة والسيطرة من خضوع النفوس للمستبد، وعندي أن الإسلام بجعله «لا إله إلا الله» محور الدين، تتكرر في كل أذان وفي كل مناسبة، كان كفيلًا أن يذكِّر النفوس دائمًا بأن العزة لله وحده، وأن النفوس لا يصح أن تخضع لأحدٍ سواه، وأن هذه الكلمة توحي بالضعف أمام الله والقوة أمام من سواه كائنًا من كان. ولكن بتوالي القرون، ودخول الدخيل من العقائد، أصبحت «لا إله إلا الله» عند أكثر المسلمين كلمةً جوفاء لا روحَ فيها، تبعث الضعف ولا تبعث القوة، وتبيح أن يشرك مع الله الحاكم المستبد والرئيس المستبد، بل والمال والجاه والمنصب، فكل هذه وأمثالها أصبحت آلهة مع الله، وفقد المدلول الحق ? «لا إله إلا الله»!!
•••

ثم أبان الحاكم المستبد يخشى العلم؛ لأن العلم نور، وهو يريد أن تعيش الرعية في الظلام؛ لأن الجهل يمكِّنه من بسط سلطانه، وأعرف أن حاكمًا مستبدًا شرقيًّا كان له مربٍّ سويسري، فقال له يومًا بعد أن تأمَّر: ليتك تُعنى بتربية الشعب وتعليمه! فقال الأمير: «كلا! إني إن علَّمتُه صعب عليَّ حكمه»!
والحاكم المستبد لا يخشى علوم اللغة والأدب، ولا علوم الدين المتعلقة بالمعاد، بل هو يستخدم العلماء من هذا القبيل لتأييده في استبداده، بسدِّ أفواههم بلُقيمات من فتات مائدته، إنما ترتعد فرائصه من الفلسفة العقلية، ودراسة حقوق الأمم، وعلوم السياسة والاجتماع، والتاريخ المفصَّل، والقدرة على الخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تنير الدنيا وتثير النفوس على الظالم، وتُعرِّف الإنسان ما هو الإنسان، وما هي حقوقه، وكيف يطلبها، وكيف ينالها، وكيف يحفظها؛ فإن المستبد سارقٌ، والعلماء من هذا القبيل يكشفون السرقة.
ولذلك يكون الحاكم المستبد وهؤلاء العلماء في صراع دائم، العلماء يحاولون الإنارة، والمستبدُّ يحاول إطفاءها، وكلاهما يحاول كسب عامة الشعب، فالمستبد يخيفهم ليستسلموا، وهؤلاء العلماء يثيرونهم ليقولوا ويفعلوا.
والحاكم المستبد تسرُّه غفلة الشعب لأنه يتمكن بغفلتهم من الصولة عليهم؛ يغضب أموالهم فيحمدونه على إبقاء حياتهم، ويضرب بعضَهم ببعض فيصفونه بحسن السياسة والكياسة، ويُسرف في إنفاق أموالهم فيقولون: إنه كريم، ويقتلهم ولا يمثِّل بهم فيقولون: إنه رحيم، وإن نقم عليه بعض الأباة، قاتلهم كأنهم بغاة!!
والحاكم المستبد يخاف رعيته، كما تخافه رعيته، بل خوفه منهم أشد؛ لأنه يخافهم عن علمٍ، وهم يخافونه عن جهل. وقد اعتاد المؤرخون المحققون قياس درجة استبداد الحاكم بمقدار حذره، ودرجةِ عدله بمقدار طمأنينته، كما يستدلون على عراقة الاستبداد في الأمة بفخفخة الحكام، وإمعانهم في الترف، وكثرة الحجَّاب، ودقة نظام المقابلات. ومن دلائل تغلغل الاستبداد في الأمة استكناهُ لغتها، فإن كثرت فيها ألفاظ التعظيم وعبارات الخضوع، كاللغة الفارسية، دلت على تاريخها القديم في الاستبداد، وإن قلَّت كالعربية قبل امتزاجها بغيرها دلَّت على الحرية.
وعلى الجملة فأخوف ما يخافه المستبد من العلمِ العلمُ الذي يعلم أن الحرية أفضل من الحياة، والشرف أعز من المنصب والمال، والحقوق وكيف تُحفظ، والظلم وكيف يُرفع، والإنسانية وقيمتها، والعبودية وضررها.
وقد كان «الكواكبي» في كل هذا يقرأ نتاج القرائح التي كَتبت في الاستبداد، وينظر إلى الدولة العثمانية في عهده ويستملي منها آراءه وأحكامه.
•••

ثم عَرض للاستبداد والمجد، ويعني بالمجد رغبة الإنسان أن تكون له منزلة حب واحترامٍ في قلوب الناس، وهو مَطلب طبيعي شريف، ويبلغ عند بعض الأفراد درجة تجعلهم يتساءلون أيهما أقوى: الحرص على المجد أم الحرص على الحياة؟ و«الكواكبي» مِن قبيل من يرى الحرص على المجد أقوى وأوجب من الحرص على الحياة؛ ولذلك عاب على ابن خلدون رأيه في تقديم الحرص على الحياة، عندما نقد (ابن خلدون) الإمام الحسين بن علي وأمثاله، وقال: إنهم يعرِّضون أنفسهم للموت بخروجهم في فئة قليلة على الخليفة ذي السلطان والعَدَد والعُدَد، فيُلْقُون بأنفسهم في التهلكة. فقال «الكواكبي»: إنهم معذورون؛ لأنهم يفضلون الموت كرامًا على حياة الذل التي كان يحياها ابن خلدون، وهم في ذلك ككرام سباع الطير والوحوش التي تأبى التناسل في أقفاص الأسْر، وتحاول الانتحار تخلصًا من قيود الذل — وغضبة الكواكبي على ابن خلدون سببها عصبيته لأهل البيت؛ إذ كان من الأشراف، وفيه نزعة لحب المجد ولو كان فيه فقد الحياة؛ فابن خلدون يتحدث بالعقل، والكواكبي يتحدث بالعاطفة.
والمجد أنواع: «مجد الكرم» وهو بذلُ المال في سبيل المصلحة العامة، وهو أضعف أنواع المجد، و«مجد العلم» وهو نشر العلم النافع رغم عوائق السلطات، و«مجد النبالة» وهو بذل النفس بالتعرض للمشاقِّ والأخطار في سبيل نصرة الحق، وهذا أعلى المجد. ويقابل المجدَ التمجُّد، أي: المجد الكاذب، وهو أن يكون الإنسان مستبدًّا صغيرًا في كنف المستبد الأعظم، وهذا يزدهر في الحكومات المستبدة؛ لأن الحكومات الحرة تحافظ على التساوي بين الأفراد ولا تخالف ذلك، ولا تميز بعض الأفراد إلا بخدمةٍ عامة للأمة أو عملٍ عظيم يوفق إليه. أما في الحكومات المستبدة فالمتمجدون أعداء للعدل أنصار للظلم، ينتخبهم المستبدُّ الأعظم ليقوِّي بهم سلطانه، ويختارهم من ضعاف النفوس ويستغويهم بالمناصب والمراتب، وأكثر ما يعتمد على العريقين في التمجد، الوارثين من آبائهم وأجدادهم مرض الاستبداد؛ ومن هنا ظهرت في الأمم نغمة التمجد بالأصالة والأنساب. والحكومة المستبدة يظهر استبدادها في كل فروعها، مِن المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفَرَّاش، إلى كنَّاس الشارع، ولا يكون كل صنف من هؤلاء إلا من أسفل طبقته؛ لأنه لا يهمهم المجد باستجلاب محبة الناس، إنما يهمهم التمجد باكتساب ثقة رئيسهم المستبد. والوزير في الحكومة الاستبدادية وزير المستبد الأعظم لا وزير الأمة، وكذلك مَن تحته من أعوانه، فالهيئة كلها تتمجَّد ولا تَمْجُد، وكلهم شركاء في جريمة الضغط على الأمة وظلمها. والاستبداد يقتل المجد ويحيي التمجد!
وهذا حقٌّ، فالحكومة المستبدة تقتل في النفوس العزة الحقيقية بالمفاخرة بالأعمال النافعة، وتخلق نوعًا من السيادة الكاذبة، وتجعل أولي الأمر سلسلةً تبدأ من المستبد الأعظم إلى الشرطي في الشارع، كلٌّ يخنع لمن فوقه ويستبد بمن تحته، وعلى العكس من ذلك الحكومة الديمقراطية ديمقراطية صحيحة، فهي تُشعر كلَّ شخص في الدولة بالعزة التي يحميها العدل، وبأن له نصيبًا في حكم بلاده، وصوتًا مسموعًا فيما يجب أن يُعمَل وما يجب أن يُترك، وأن حكومته ليست قائمةً إلا برأيه ورأي أمثاله، إن شعروا يومًا بجورها أسقطوها؛ سلطة الرأي العام فيها فوق سلطان الحكومة والبرلمان وكل سلطان.
•••

ثم عرض للاستبداد والمال، ويعني بذلك الحكومة الاستبدادية، وأثرها في الثروة أو الحالة الاقتصادية في البلاد. وهو في هذا الموضوع يرى الخير في نوعٍ معتدل من الاشتراكية، نعم لا ينبغي أن يتساوى العالِم الذي أنفق زهرة حياته في تحصيل العلم النافع، أو الصانع الماهر في صنعة مفيدة، وذلك الجاهل الخامل النائم في ظل الحائط، ولكن العدالة تقضي أن يأخذ الراقي بيد السافل فيقرِّبه من منزلته، ويقاربه في معيشته. وقد مالَ الإسلام إلى هذا النوع ففرض ???? من رءوس الأموال تعطى للفقراء وذوي الحاجة، وحرم الربا؛ لأنه وإن أجازه الاقتصاديون لأسبابٍ معقولة اقتصاديًّا — للقيام بالأعمال الكبيرة؛ ولأن الأموال المتداولة في السوق لا تكفي للتداول، فكيف إذا أمسك المكتنزون قسمًا منها، ولأن كثيرًا من القادرين على العمل لا يجدون رءوس المال — فإن الدين ورجال الأخلاق ينظرون إليه من حيث ضرره الأخلاقي؛ لأنه متى انتشر قسَّم الناس إلى عبيد وأسياد، وكان سببًا في ضياع استقلال الأمم الضعيفة.
والحكومة الاستبدادية سببٌ في اختلال نظام الثروة، فهي تجعل رجال السياسة والدين ومَن يلحق بهم يتمتعون بحظٍّ عظيم من مال الدولة، مع أن عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة، وهي تخصص المال الكثير لترف المستبد وسرفه؛ وتغدق على صنائعها ومن يُستخدم لتحصيل شهواتها ومن يعينها على طغيانها، وسائر أفراد الشعب في شقاء وفقر وبؤس!
والحكومات العادلة تعمل على تقريب المسافات بين أفراد الشعب، فلا غنى مفرط ولا فقرٍ مفرط. وهذه حكومة الصين المعدودة غير متمدنة لا تجيز للشخص الواحد أن يملك أكثر من خمسة أفدنة، وروسيا وضعت لبعض ولاياتها قانونًا أشبه بهذا، ومنعت سماع دعوى دَين غير مسجل على فلاح، ولم تأذن لفلاح أن يستدين أكثر من خمسمائة فرنك. وحكومات الشرق إذا لم تعالج الفروقَ الكبيرة بين سادتها وعبيدها ساء مصيرها.
ثم الحكومات المستبدة تُيسِّر للسفلة طرق الغنى بالسرقة والتعدي على الحقوق العامة، ويكفي أحدهم أن يتصل بباب أحد المستبدين ويتقرب من أعتابه، ويتوسل إلى ذلك بالتملق وشهادة الزور وخدمة الشهوات والتجسس؛ ليسهل له الحصول على الثروة الطائلة من دم الشعب.
هذه صورة سينمائية لكتاب «طبائع الاستبداد». ولو أنسئ في عمر «الكواكبي» حتى يرى النظريات الاقتصادية الحديثة، وتطور النظم السياسية، والدولة الشيوعية، وحركات العمال أمام استبداد رءوس الأموال، وعلاقة الغرب بالشرق، وما اخترع الدكتاتوريون في أوربا من نظريات أرغموا العلم إرغامًا على أن يؤيدها، ونحو ذلك من أوضاع، لكان له من كل ذلك مادة خصبة يُبدع فيها فوق ما أبدع.
?


عرض «الكواكبي» بعد ذلك لأثر الاستبداد في فساد الأخلاق؛ فالاستبداد يتصرف في أكثر الميول الطبيعية والأخلاق الفاضلة فيضعفها أو يفسدها؛ فهو يُفقد الإنسان عاطفة الحب، فهو لا يحب قومه لأنهم عون الاستبداد عليه، ولا يحب وطنه لأنه يشقى فيه، وهو ضعيف الحب لأسرته لأنه ليس سعيدًا فيها، وهو لا يركن إلى صديقه لأنه قد يأتي عليه يوم يكون فيه عونًا على الاستبداد ومصدر شرٍّ له.
الإنسان في ظل الاستبداد لا ينعم بلذة العزة والشمم والرجولة، فلا يذوق إلا اللذة البهيمية لأنه لا يعرف غيرها.
والاستبداد يلعب بالأخلاق، فيجعل من الفضائل رذائل، ومن الرذائل فضائل: فيسمِّي النصح فضولًا، والشهامة تجبرًا، والحمية طيشًا، والإنسانية حمقًا، والرحمة مرضًا، كما يسمِّي النفاق سياسة، والتحايل كياسة، والدناءة لطفًا، والنذالة دماثةً وظرفًا.
والاستبداد أفسد عقول المؤرخين، فسموا الجبابرة الفاتحين عظماء أجلاء، مع أنه لم يصدر عنهم إلا الإسراف في القتل والتخريب، ثم شادوا بذكر السلف تملقًا للخلف.
والاستبداد يُفقد الثبات في الخلق، فقد يكون الرجل شجاعًا كريمًا فيصبح بعوامل الاستبداد جبانًا بخيلًا. ولا أخلاق ما لم تكن ثابتة مطردة!
وأقل ما يؤثر الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم الأخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق، ويعين الأشرار على فجورهم آمنين حتى من الانتقاد والفضيحة؛ لأن أكثر أعمالهم تظلُّ مستورة لا يجرؤ الناس على قول الحق أمامهم خوف العقبى.
وأقوى ضابط للأخلاق النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ وما إلى ذلك، وهو في عهد الاستبداد غير مقدور لغير ذوي المنعة، وقليل ما هم، ويصبح الوعظ والإرشاد ملقًا ورياء.
في الحكومات التي نجت من الاستبداد أُطلقت حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات، ورأت أن الفوضى في ذلك خير من تحديد الحرية؛ لأنه متى وُضعت القيود نفذ منها الحكَّام، وتوسعوا فيها حتى خلقوا منها سلسلة من حديدٍ يخنقون بها الحرية.
والاستبداد يفقد الناس ثقةَ بعضهم ببعض، ويُحل الخوف محل الثقة، فيقل التعاون بين الأفراد، والتعاون حياة الأمم.
والأنبياء سلكوا في تكوين الأخلاق مسلكًا خاصًّا، فبدءوا بفك العقول من تعظيم غير الله، وذلك بتقوية الإيمان المفطور عليه الإنسان، ثم جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته وحريته في أفكاره، وبذلك هدموا حصون الاستبداد. ثم أبانوا أنه مكلَّف بقانون الإنسانية واتباع المبادئ التي تُرقيه وتُرقي جنسه — وكذلك فعل السياسيون الأقدمون من الحكماء.
أما الغربيون المحدثون، فوضعوا الأخلاق غير مرتكزة على الدين، ولكن على ما أُودع في فطرة الإنسان من ضمير وحب للنظام، ساعدهم على ذلك انتشار العلم عندهم والرغبة في التقدم، واستعانوا على ذلك بالوطنية.
ثم وازن بين أثر التربيتين فقال: إن الغربي مادي الحياة، قوي النفس، مضبوط المعاملة، حريص على الاستئثار، حريص على الانتقام. والشرقي غير مادي، يغلب عليه ضعف القلب وسلطان الحب والإصغاء للوجدان، والرحمة ولو في غير موضعها. وقد نجح الغربيون المحدَثون في محاربة الاستبداد، واستباحوا التدابير القاسية لمحو الظلم والاعتساف، فنالوا ما أرادوا من تحرير الأفكار وتهذيب الأخلاق وجعل الإنسان إنسانًا، وما أحوج الشرقيين إلى حكماء لا يبالون بغوغاء العلماء الأغبياء والرؤساء القساة، يجددون النظر في الدين فيعيدون إليه النواقص المعطَّلة، ويهذبونه من الزوائد الباطلة، فيملكون الإنسان إرادته وحريته وإنسانيته.
•••

ثم عرض للاستبداد يفسد التربية — والتربية تنمية الاستعداد جسمًا ونفسًا وعقلًا، وهي قادرة أن تبلغ بالإنسان أعلى حد من الرقيِّ لو صلحت.
والحكومات العادلة تعنى بتربية الأمة من وقت تكوُّن الجنين، بل قبله، بسن قوانين للزواج الصالح، ثم بالعناية بالقابلات الأطباء، ثم بفتح بيوت اللقطاء، ثم بإنشاء المكاتب والمدارس وتنظيم خططها متدرجة إلى أعلى مرتبة، ثم تسهيل الاجتماعات، والإشراف على المراسح، ثم تشجيع النوادي وإنشاء المكتبات، وإعلام شأن النوابغ بإقامة النصُب ونحوها، ثم بتنمية المشاعر القوية بشتى أنواعها، وتيسير الأعمال وغير ذلك.
أما الحياة في الحكومات المستبدة فمجرد نماءٍ يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات والأحراش، يسطو عليها الغرق والحرق، وتحطمها العواصف، والأيدي القواصف.
في الحكومة العادلة يعيش الإنسان حرًّا نشيطًا، يسرُّه النجاح ولا تقبضه الخيبة؛ وفي الحكومة المستبدة يعيش خاملًا خامدًا، ضائع القصد حائرًا.
الأسير المعذَّب يسلِّي نفسه بالسعادة الأخروية، ويبعد عن فكره أن الدنيا عنوان الآخرة، وقد جنى على المسلمين علماؤهم، فأفهموهم أن الدنيا سجن المؤمن، وأن المؤمن مصاب، وإذا أحب الله عبدًا ابتلاه، وهكذا مما ابتدعوه؛ ويتغافلون عن حديث: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا»، وحديثٌ معناه: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم غرسة فليغرسها!»، وكل هذه المثبطات تحول الأذهان عن معرفة أسباب الشقاء إلى إلقائها على عاتق القضاء والقدر.
وقد أحكموا هذه المكيدة باختراع الأحاديث التي تجعل الخضوع للحاكم دينًا. وعلى الجملة فالتربية الصحيحة لا تُمكن في ظل الاستبداد!
•••

ثم الاستبداد — على الإجمال — يمنع التَّرقي. والترقي الحيوي الذي يسعى إليه الإنسان هو — أولًا — الترقي في الجسم صحةً وتلذذًا، ثم الترقي في الاجتماع بالعائلة والعشيرة، ثم الترقي في القوة بالعلم والمال، ثم الترقي في الملكات بالخصال والمفاخر. وهناك نوع آخر هو الترقي الروحي، وهو الاعتقاد بأن وراء هذه الحياة حياَةً أخرى تترقى إليها على سلم الرحمة والإحسان — والاستبداد بالأمة عدو ذلك كله؛ بل هو يحوِّل الميل الطبيعي فيها إلى طلب التسفل، حتى لو دُفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور! وعندئذ يكون الاستبداد كالعَلَق، يمتص دمَ الأمة فلا ينفك عنها حتى تموت ويموت هو بموتها. والاستبداد يجعل الأمة منحطة في الإحساس، منحطة في الإدراك، منحطة في الأخلاق. وهو يضغط عليها فتكون كدود تحت صخرة؛ والمشفقون عليها يجب أن يسعوا في رفع الصخرة ولو حتًّا بالأظافر ذرة بعد ذرة!!
وهنا ضرب مثلًا يصح أن يخطب به الخطباء في الناس ليستيقظوا؛ فوضع خطبةً نموذجية لتنبيه المشاعر. وقال: إن الرقي الذي ينشده في ظل العدل هو أن يكون الشخص أمينًا على جسمه وحياته بحراسة الحكومة التي لا تغفل عن المحافظة عليه، أمينًا على ملذاته الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة بإيجاد أسبابها، أمينًا على حريته فلا يُعتدى عليها، أمينًا على نفوذه كأنه سلطان عزيز، فلا يمانع في تنفيذ مقاصده النافعة، أمينًا على ماله وشرفه، وما منحته الطبيعية من مزايا، فما لم تتحقق هذه فالحكومة مستبدة ليست صالحةً لترقي شعبها.
وأخيرًا: ما وسائل التخلص من الاستبداد؟ هو يرى أن الاستبداد لا يقاوَم بالقوة، إنما يقاوَم باللين وبالتدريج؛ ببث الشعور بالظلم، وهذا يكون بالتعليم والتحمس؛ ذلك لأن الاستبداد محفوف بأنواع القوَّات: كقوة الجند، وقوة المال، وقوة رجال الدين، وقوة الأغنياء، فإذا قوبل بالقوة كانت فتنةً تحصد الناس! وإنما الواجب المقاومة بالحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة. والاستبداد — مع اعتماده على هذه القوات كلها — يضعف أمام الوسائل المتحكمة في قلبه، كما قيل: كم مِن جبار عنيد جَنْدله مظلومٌ صغير!!
ويجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئةُ ما يحل محله، ومعرفة الغاية معرفةً دقيقة واضحة. ومتى وضحت الغاية المرسومة يجب السعي في إقناع الناس بها، واستجلاب رضاهم عنها وحملهم على النداء بها، ويجب أن يُنشر ذلك في كل الطبقات حتى يُصبح عقيدة، فيتلهفون جميعًا على نيل الحرية وتحقيق المثل الذي ينشدونه؛ عندئذ لا يسع المستبد إلا الإجابة طوعًا أو كرهًا.
وقد حدَّد في ثنايا كتابه ماذا يقصد بالحكومة المستبدة، فقال: إنها تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق، كما تشمل حكومة الجمع ولو منتخبًا إذا استبدَّ، بل قد يكون هذا الحكم أضر من استبداد الفرد. ويدخل في أنواع الاستبداد أنواع الاستعمار، فالمستعمر تاجرٌ لا يرى إلا مصلحته. ولا عبرة بأسماء أنواع الحكومات، إنما العبرة بحقيقتها، وكل أمة فيها لون من ألوان الاستبداد، ولكنها تختلف فيه كميةً وكيفيةً، فبعضها يمسَّه الاستبداد مسًّا خفيفًا، وبعضها تغرق فيه مِن قدمها إلى مفرق رأسها. والغرب سبق إلى تقدير معنى الحرية والعدالة، ولكنه لا يأخذ بيَد الشرق، بل يستغله لمصلحته. وواجب الغرب أن يرعى للشرق سابق فضه، فيأخذ بيده ليُخرجه إلى أرض الحياة، ويعامله معاملة الأخ لأخيه لا السيد لعبده؛ ليتعاونا بعدُ على السير بالإنسانية.
وبهذا ينتهي الكتاب، وهو فيه قوي مخلص، مملوءٌ غيرةً وأسفًا، وتلهفًا على رفع نير الاستبداد عن الشرق، وهو إن استمد الفكرة من الغرب، فهو يبسطها ويعدِّلها ويعنى بتطبيقها. وقد يؤخذ عليه حصر نفسه قي دائرة النظريات. وكان الكتاب يكون أوقع في النفس لو ملأه بالشواهد، وما رأى وسمع من أحداث، وهو معروف بسعة الاطلاع، فلو قرن النظريات بالشواهد لكان كتابه أكثر فائدةً وأعم نفعًا، ولكن يظهر أن قد منعه من ذلك أنه أراد أن يستتر فأخفى اسمه ولم يضعه على الكتاب. وقال في مقدمة الكتاب: إنه لم يقصد ظالمًا بعينه ولا حكومةً مخصوصة، وهو لو أتى بالشواهد لدل على الحكومة التي يقصدها. وما كان في ذلك من ضرر، بل كان فيه كل النفع، ولكن الأمور تُقدَّر بأوقاتها وظروفها، وهو فيما اكتنفه من ظروف كان في عرضه النظريات فقط شجاعًا جريئًا.
?


أما كتابه الثاني «أمُّ القرى» فأدلُّ على الابتكار وأوضح في إظهار الشخصية. يقف فيه من المسلمين موقف الطبيب من المريض، يفحص داءه ويتعرف أسبابه، ويصف علاجه في أسلوب قصصيٍّ جذاب. تحدث فيه عن جمعية من المسلمين عُقدت في مكة حضرها ممثل أو أكثر لكل قطر إسلامي؛ فعضوٌ شاميٌّ، وعضو إسكندري، ومصري ومقدسي ويمني وبصري ونجدي ومدني ومكي وتونسي وفاسي وإنجليزي ورومي وكردي وتبريزي وتتري وقازاني وتركي وأفغاني وهندي وسندي وصيني. وأُسندت رياسة الجمعية للعضو المكي، والسكرتارية للسيد الفراتي — ويعني به الكواكبي نفسه — واجتمعوا كلهم قبيل الحج في مكان متطرف في مكة يتداولون في حال المسلمين. وكان أول اجتماع لهم في ?? ذي القعدة سنة (?????).
فهل كانت هذه الجمعية حقيقية أو من نسج خياله؟ يقول هو: إن لها أصلًا من الحقيقة، وإن الخيال تممها، فهل هذا صحيح، أو هو من قبيل تأييد الخيال كما يفعل كثير من الروائيين؟ أرجِّح الرأي الثاني.
على كل حال انعقدت الجمعية — فيما يقول — ووضع الرئيس منهج البحث، وهو الكتمان؛ لأنه أدعى إلى إفضاء كلٍّ بما في نفسه في صراحة، وتناسي الاختلاف في المذاهب، فلا سُني وشيعي، ولا شافعي وحنفي، فالكل مسلم. ثم التحرر من اليأس في الإصلاح، فهذه أمم كثيرة كالرومان واليونان واليابان، استرجعت مجدَها بعد تمام ضعفها، خصوصًا وأن الظواهر كلها تدل على أن الزمان قد استدار، وبدأت تظهر أعراض الصحة على المسلمين، ومِن أعظم الظواهر انعقاد مثل هذه الجمعية. ووضعُ برنامج المؤتمر، وهو يتلخص في بحث موضع الداء في المسلمين وأعراضه وجراثيمه ودوائه وكيفية استعماله … إلخ.
قال الرئيس: إن أوضح عَرَض من أعراض مرض المسلمين فتورُهم، وهو فتور عامٌّ شامل لجميع المسلمين في جميع أقطار الأرض، لا يسلم منه إلا أفراد شواذ، حتى لا يكاد يوجد إقليمان متجاوران، أو ناحيتان في إقليم، أو قريتان في ناحية، أو بيتان في قرية، أهل أحدهما مسلمون والآخر غير مسلمين، إلا والمسلمون أقل من جيرانهم نشاطًا وانتظامًا، وأقل إتقانًا من نظرائهم في كل فن وصنعة، مع أن المسلمين في جميع الحواضر متميزون عن غيرهم مِن جيرانهم في المزايا الأخلاقية، مثل الأمانة والشجاعة والسخاء، حتى توهَّم كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان! فما هو السبب؟
وقد لفت نظره العضو الهندي في أنه مع تسليمه بما قال الرئيس، يود أن يستثني بعض حالاتٍ فيها المسلمون خيرٌ من جيرانهم، كبعض الوثنيين في الهند، والصابئة في العراق، فوافقه الرئيس وشكره على دقة ملاحظته.
ثم أخذوا — بعد التسليم بوجود العَرَض — يبحثون في الأسباب. وذهبوا في ذلك كل مذهب؛ فالشامي رأى أن سبب الفتور يرجع إلى ما أصاب المسلمين من عقيدة جبرية، فهذه العقيدة في القضاء والقدر على هذا النحو آلت إلى الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير والكفاف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية كحب المجد والرياسة والإقدام على عظائم الأمور، فأصبح المسلم كميتٍ قبل أن يموت. والعقيدة بهذا الشكل مثبطة معطلة لا يرضاها عقل، ولم يأتِ بها شرع.
والمقدسي رأى أن السبب تحول نوع السياسة الإسلامية مِن ديمقراطية إلى استبدادية، فأفسدت العقول وأماتت الأخلاق.
ورأى التونسي أن بعض الأمم الأوربية محكومةٌ بحكومة استبدادية ولم يمنع ذلك من تقدمها، وإنما السبب في نظرة الأمراء المترفون الذين لم يرعوا للأمة حقوقها.
وقال الرومي: إن تحميل الأمراء التبعةَ كلها غير سديد، فما هم إلا نفر قليل من الأمة. والسبب الحقيقي في نظره فقدان المسلمين الحرية. بجميع أنواعها؛ من حرية تعليم، وحرية خطابة، وحرية البحث العلمي؛ فبفقد الحرية تُفقد الآمال، وتبطل الأعمال، وتموت النفوس، وتختل القوانين، وتسأم الأمة حياتها فيستولى عليه الفتور.
ورأى التبريزي أن السبب تركُ المسلمين أصلَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاسترسل الأمراء في أهوائهم، وعدمت المراقبة عليهم.
وقال الفاسي: إن السبب هو إهمال الناس الاهتمام بالدين، حتى لم يبقَ له أثر إلا على رءوس الألسن، وأمراؤهم مثلهم لا يتراءون بالدين إلا بقصد تمكين سلطانهم على البسطاء من الأمة، هذا إلى ظلمهم وجورهم. وقد كان المسلمون أعزاء يوم توثقت بينهم الرابطة الدينية، فلما انحلَّت ضاعت الأخلاق ففتروا وخمدوا.
أجاب المدنيُّ بأن فقد الرابطة الدينية والوحدة الخلقية لا يكفيان سببًا لهذا الفتور العام. وعنده إن السبب تدليسُ رجال الدين وغلاة المتصوفين الذين لوَّنوا الدين بلون سيئ فأضاعوه وأضاعوا أهله؛ وذلك أن العلماء العاملين أهلٌ لكل تجلَّة واحترام، فلما حسدهم من لا يستحق هذه المنزلة سلكوا مسلك الزاهدين. ومن العادة أن يلجأ ضعيف المقدرة إلى التصوف كما يلجأ فاقدُ المجد إلى الكِبر، وقليل المال إلى التظاهر بزينة اللباس والأثاث، فأفسدَ هؤلاء الدين بما أدخلوا فيه مما ليس منه، كالعلم اللدنِّي، وترتيب المقامات، ووراثة السر، والرهبنة، والتظاهر بالعفة، والتبرك بالآثار، والكرامة على الله، والتصرف في القدَر، فسحروا عقول الجهلاء، واختلبوا قلوب الضعفاء كالنساء، والنساء بذرن هذه البذور الضارة في أبنائهن فماتت النفوس وخرفت العقول. وهؤلاء المدلِّسون وُجدوا في بغداد ومصر والشام وتلمسان وغمروا السوق في الأستانة، وسرَى من هذه العواصم إلى جميع الآفاق فأصبح المرض عامًّا.
وانضم «الرومي» إلى هذا الرأي وزاده إيضاحًا، فقال: إنَّ داءنا الدفين دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين والجهَّال المتعمِّمين؛ وبلغ أمرُهم في البلاد العثمانية أن صارت الألقاب العلمية منحةً رسمية تعطى للجهَّال حتى للأميين والأطفال (كمشيخة الطرق عندنا) فقد يكون طفلًا ويُمنح بالوراثة لقب «أعلم العلماء المحققين»، ثم «أفضل الفضلاء المدققين» ثم وثم حتى يوصف بأنه «أعلم العلماء المتبحرين، وأفضل الفضلاء المتورِّعين، وينبوع الفضل واليقين»، وأكثرهم لا يُحسنون حتى قراءة ألقابهم. وطبيعي أن هؤلاء يقابلون السلطان بالمثل؛ فهو صاحب العظمة والإجلال، المنزه عن النظير والمثال، مهبط الإلهامات، ومصدر الكرامات، سلطان السلاطين، ومالك رقاب العالمين. وأصبح التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة والإمامة وسائر الخِدَمُ الدينية سلعًا تُباع وتُشترى، وتوهَب وتورَث. وتَسلَّط هؤلاء المتعممون على المجالس والإدارات، واتخذ الأمراء من ذلك وسيلةً يعتذرون بها عند الدول الأجنبية بان الرأي العام — وعلى رأسه المعمَّمون — لا يقبلون الإصلاح المدني.
أجاب الكردي بأن هذا الداءَ خاصٌّ ببعض الولايات، ولكن عَرَض َالفتور عامٌّ في الولايات الإسلامية التي فيها هذا الشأن وغيره، فلا بد أن يكون السبب شيئًا أعم من ذلك. وعندي أن السبب هو أن المسلمين أُصيبوا باقتصارهم على العلوم الدينية، وإهمالهم العلوم الدنيوية كالرياضة والطبيعة والكيمياء، على حين أن هذه العلوم نمت في الغرب وترقت وظهر لها ثمرات عظيمة في كافة الشؤون المادية والأدبية، حتى صارت عندهم كالشمس لا حياة لهم إلا بنورها، وأصبح المسلمون في أشد الحاجة إليها في جميع أمورهم؛ مِن تربية الطفل إلى سياسة الدولة، ومن عمل الإبرة إلى عمل المدافع والبوارج، ومن استخدام اليد إلى استخدام الأسلاك والبخار — فابتعاد المسلمين إلى الآن عن هذه العلوم النافعة الحيوية، جعلهم أحط من غيرهم من الأمم، وكلما تمادت الأيام بعدت النسبة بينهم وبين جيرانهم.
أجاب الإسكندري: إن هذا يصلح سببًا، ولكن ليس كل السبب؛ لأن فقد العلوم لا يصلح سببًا لفقد الإحساس الشريف والأخلاق العالية. وإنما السبب نومنا ويأسنا.
قال التتري: إن هذه شكايةُ حالٍ لا شرح أسبابٍ. إنما السبب عندي فقدان القادة والزعماء، فلا أمير حازم يسوق الأمة طوعًا أو كرهًا إلى الرشاد، ولا زعيم مخلص تنقاد له الأمراء والناس، ولا رأي عام يجمع الناس على غرض نبيل.
والأفغاني يرى أن سبب الفتور الفقر، وهو قائدُ كل شر، ورائد كل فساد؛ فمنه الجهل، ومنه الانحطاط الخلقي، ومنه تشتت الآراء حتى في الدين؛ فليس ينقصنا عن الأمم الحية إلا القوة المالية. ولكن المال لا يأتي إلا بالعلوم والفنون العالية، وهذه لا تُنتشر في الأمة إلا بالمال. وبهذا تحدث مشكلة الدور، ويجب أن نبحث عن حلها.
أجاب المسلم الإنجليزي: إن الفقر في المملكة الإسلامية ليس طبيعيًّا؛ فهي بلاد غنية، لو نفَّذت تعاليم الإسلام من تحصيل الزكاة والكفَّارات وما إلى ذلك، وصُرفت في وجوهها لخفَّت وطأة الفقر. وإنما سبب الفتور في نظره فقدُ الاجتماعات والمفاوضات وتبادل الآراء، فنسي المسلمون حكمةَ تشريع الجمعة والجماعة والحج، وصارت الخطبُ التي تُلقى تافهة لا قيمة لها، وكان الغرض منها التحدث في الأحوال الطارئة. وبلغ من سوء رأيهم أنهم عدُّوا التحدث في الأمور العامة فضولًا، والكلام فيها في المساجد لَغْوًا، فلما انعدم الكلام في المصالح العامة أصبح كل شخص لا يهتم إلا بنفسه ولا اهتمام له بالصالح العام ولا بغير ذلك من الشؤون، حتى لو بلغهم خبر تخريب الكعبة — لا قدر الله — ما زادوا عن أن يقطبوا جبينهم لحظة وينتهي الأمر. والأمم الحية في الوقت الحاضر تهيئ الفرص للاجتماعات ومبادلة الآراء ما أمكن، بكثرة النوادي والمجتمعات، وتنظيم الرحلات والسياحات، وكثرة الخطب والمحاضرات حتى في المتنزهات، وعقد المؤتمرات للمناسبات، وتذكيرهم بتاريخهم وأهم أحداثهم، وبثهم في الأغاني والأناشيد ما يبعث حبَّ البلاد والحرية ويُحمس للخير العام.
ورأى الصيني أن السببَ هو تكبر الأمراء وميلهم للعلماء المتملِّقين المنافقين، الذين يتصاغرون لديهم، ويتذللون لهم، ويُحرِّفون أحكام الدين ليوفقوها على أهوائهم، فماذا يُرجَى من علماء دين يشترون بدينهم دنياهم، ويقبِّلُون يد الأمير لتقبِّل العامة أيديهم، ويُحقرون أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على ألوف من الضعفاء، فأفضل الجهاد عند الله الحط من قدر العلماء المنافقين عند العامة، وتحويل وجهتهم لاحترام العلماء العاملين. وعندنا في الصين رجالٌ حكماء نبلاء، لهم نوع من السيادة حتى على العلماء، وهؤلاء هم الذين يسمَّون في الإسلام أهلَ الحلِّ والعقد، وهم خواص الطبقة العليا في الأمة الذين أمر الله نبيه بمشاورتهم. وتاريخ المسلمين يدل على ارتباط القوة والضعف بمنزلة أهل الحل والعقد في الأمة. والخلاصة أن سبب الفتور استحكامُ الاستبداد في الأمراء، وانعدام أهل الحل والعقد من الأمة.
وقال «النجدي»: إن سبب فتور المسلمين الدِّينُ الحاضر نفسه، بدليل التلازم؛ فالدين الحاضر ليس دينَ السلف. إن الدين الحاضر ترك إعداد القوة بالعلم والمال والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وإيتاء الزكاة إلى غير ذلك مما بيَّنه إخواننا. قد يقول قائل: إن كلَّ دين دخل عليه التغيير ولم يؤثر في أهله الفتور، بل قال كثيرٌ من رجال الغرب: إنهم ما أخذوا في الترقي إلا بعد فصلهم الدين عن شؤون الحياة الدنيا. والجواب: أن كل أمة لا بد لها من نظامٍ ثابت تسير عليه ويلائم نفسَها وبيئتها وعلاقاتها التجارية والسياسية، والقانون الطبيعي الذي يتفق والطبيعة البشرية هو إذعانه لقوة غالبة هو الله الذي يوحي به الإلهام الفطري. ولهذه الفطرة علاقة عظمى بتنظيم شؤون حياته، وهي أقوى وأفضل وازع — وكل الأديان راجعة إلى أصل صحيح واحد، فإذا تغير أو فسد فسدَ الناس لاختلال هذا الوازع، قال تعالى: ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكًا. و«الأمة كلما قربت من الأصل الصحيح والمبادئ الصحيحة قربت من الكمال».
وهنا أعلن الرئيس أن البحث في أعراض الداء وأسبابه قد نضج أو كاد، فيكتفي فيه بهذا القدر، ويجب نقلُ البحث إلى موضوع آخر. قال: وكلمة أخينا النجدي تُلهمنا الموضوع الآتي الذي نبحثه، وهو: ما هو الإسلام الصحيح؟
?


بعد هذا انتقل بحث المؤتمر إلى «تحديد الإسلام الصحيح» وما دخل عليه من تغيير. وقد أفاض في ذلك العضو النجدي، فقال: «إن الإيمان بالله أمر فطري في البشر، وحاجتهم إلى الرسل لإرشادهم إلى كيفية الإيمان، ويختلف الناس في تصور الله. والعقول البشرية مهما قويت واتسعت لا تتحمل إدراك صفات الله الأزلية المجردة عن المادة والزمان والمكان، فاحتاجت إلى من يرشدها».
وأساس الإسلام جملتان: «لا إله إلا الله»، و«محمد رسول الله»، وثمرة الإيمان بالأولى عتقُ العقول من الأسر؛ وثمرة الثانية الاهتداء بمحمد في تعاليمه التي تُحول بين المرء ونزوعه إلى الشرك.
ولكن إدراك التوحيد والاحتفاظ به عسير على النفس، فسرعان ما تخرج منه إلى الشرك. والشرك على أنواع ثلاثة: «شركٌ في الذات» وذلك في عقيدة الحلول؛ و«شرك في الملك» كاعتقاد الناس أن في بعض المخلوقات المشاركة في تدبير شؤون الكون؛ و«شركٌ في الصفات» بإسباغ صفات الكمال على بعض المخلوقات.
وقد فشا في المسلمين هذا الشرك؛ كتعظيم القبور، وبناء المساجد والمشاهد عليها، والطواف بها والإسراج لها والتذلل؛ كدعوى أن هناك عِلمًا يسمى علم الباطن خُص به بعض الناس، واتخاذ الدين لهوًا ولعبًا بالتغني والرقص، ولبس الأخضر والأحمر، واستخدام الجنَّة والشياطين، فكل هذه وأمثالها شرك محض أو مظنَّة إشراك.
وعرض الإسلام غير الشرك أمران خطيران، وهما: التشدد في الدين بعد ما كان يسيرًا سهلًا، فكانت كل فرقة تأتي تزيد في هذا التشدد حتى صار عسيرًا صعبًا، والأمر الثاني تشويش الدين بكثرة المذاهب والشيَع وطرق التصوف.
وقد لاحظ الرئيس أن عضوين من الأعضاء لم يتحدثا، فرغب أن يسمع صوتهما، وهما العضو السِّندي والعضو القازاني؛ فأما السندي فقد تكلم في التصوف وما دعا إليه، وما فيه من حق وما فيه من باطل، وأما القازاني فقصَّ عليهم قصة جرت بين مسيحي روسي أسلم ومفتي قازان، وتدور حول دعوة المفتي إلى تقليد السلف والاقتصار على ما قالوا، ودعوة الروسي المسلم إلى ضرورة الاجتهاد وعدم التقليد، وحكى ما جرى بينهما من حجج وأدلة، وأخيرًا انتصر المسلم الروسي المستشرق على المفتي، فاقتنع بأن التقليد ضارٌّ حمل عليه الكسل، وأن الاجتهاد واجب ولكن يحتاج القيام به إلى جد وعناء.
ثم دعا الرئيس السيد الفراتي السكرتير، وهو «الكواكبي»، لتلخيص المحاضر السابقة للمؤتمر وتعداد أسباب فتور المسلمين، وكلفه أن يزيد عليها من الأسباب ما يراه إن وجد غير ما ذكره الأعضاء؛ فلخص أسباب فتور المسلمين في: (?) أسباب دينية أهمها: عقيدة الجبر، ونشر ما يدعو إلى التزهيد في الدنيا، وترك السعي والعمل، واختلاف المسلمين فِرقًا وشيعًا، وإضاعة سماحة الدين، وتشديد الفقهاء المتأخرين، وإدخالهم في تعاليمه الخرافات والأوهام، وعدم المطابقة بين القول والعمل في الدين، وتهوين غلاة الصوفية شأن الدين وجعله لهوًا ولعبًا، والتوسع في تأويل النصوص، والتحايل على التحرر من الواجبات، وإيهام الدجالين أن في الدين أمورًا سرية، واعتقاد منافاة العلوم الحكمية والعقلية للدين، وتطرُّق الشر إلى عقيدة التوحيد، وتهاون العلماء في تأييدها، والغفلة عن حكمة الجماعة والجمعة والحج.
(?) وأسباب سياسية أهمها: السياسة الخالية من المسئولية، وحرمان الأمة من حرية القول والعمل، وفقدانها الأمن والأمل، وفقد العدل والتساوي في الحقوق بين طبقات الأمة، وميلُ الأمراء للعلماء المدلسين، واعتبار العلم صدقة يُحسن بها الأمراء على الخاصة، وإبعادهم للناصحين وتقريبهم المتملقين.
(?) وأسباب أخلاقية: من الاستغراق في الجهل والارتياح إليه، واستيلاء اليأس على النفوس، والإخلاد إلى الخمول، وفساد التعليم، وفساد النظام المالي، وإهمال طلب الحقوق العامة جبنًا، وتفضيل الوظائف على الصنائع، والتباعد عن المداولات في الشئون العامة.
وقد زاد السكرتير أشياء على ما سبق، أهمها: الغفلة عن تنظيم شؤون الحياة، وعدم توزيع الأعمال توزيعًا عادلًا، وعدم العناية بتعليم النساء وتهذيبهن، وسقوط الهمة وانتشار داء التواكل.
ولم يرضَ المؤتمر بالاكتفاء بالبحث في الأمراض وعلاجها، بل اقترح إنشاء جمعية دائمة تعنى بإصلاح المسلمين، وتشرف على تنفيذ برنامجها في الإصلاح، وهذه الجمعية تؤلَّف من مائة عضو: عشرة عاملون، وعشرة مستشارون، وثمانون فخريون، ولا عدد للأعضاء المساعدين المحتسَبين، واشترط في الأعضاء العاملين شروطًا دقيقة من العفة والأمانة والإخلاص وسعة العلم والقدرة على التأثير، وإمكان التفرغ للعمل لأغراض المؤتمر، وجعل مركزها في مكة، ولها شُعب في الأستانة ومصر وعدن والشام وطهران وتفليس وكابل وكلكُتَّا وسنغافورة وتونس ومراكش وغيرها، والجمعية لا تكون تابعة لحكومة ما، ولا تتقيد بمذهب ديني خاص، ويكون شعارها: «لا نعبد إلا الله»، ويكون مِن أهم أغراضها تعميم التعليم بين المسلمين، والترغيب في العلوم والفنون النافعة، وإيجاد المدارس العالية يتخصص كل منها للتوسع في فرع من فروع العلم، وتوحيد أصول التعليم، ووضع مناهج للرقي بالأخلاق وتنفيذها، وإنشاء مجلة شهرية للجمعية لتأييد أغراضها … إلخ إلخ.
وقد اتفقوا على أن يكون مركز الجمعية المؤقت هو مصر، لتقدُّمها في العلم والحرية، ولأنها أسبق الأمم الإسلامية في ذلك.
وأخيرًا تعرَّض الكواكبي للنزاع القائم بين التُّرك والعرب في زمنه، وناصر العرب على الترك، ورأى أنهم أصلح للأخذ بزمام الدولة، ووضع مشروعًا لنظام الحكم بيَّنه وأوضحه. وانفضَّ المؤتمر بعد أن اجتمع اثني عشر اجتماعًا وصل فيها إلى النتائج الآتية: (?) المسلمون في حالة فتور عام.
(?) يجب تدارك هذا الفتور.
(?) أسباب الفتور.
(?) جرثومة الداء الجهل.
(?) الدواء تنوير الأفكار بالتعليم، وإيقاظ الشرق للترقي وخصوصًا في الناشئة.
(?) تأسيس الجمعيات التي تقوم بهذا العلاج.
(?) المكلَّفون بذلك كل قادر على عمل، وخاصة نجباء الأمة من السراة والعلماء.
(?) تشكيل الجمعية الكبرى لهذا الغرض، ولتسَمَّ «جمعية تعليم الموحدين».
هذه نظرة الطائر إلى هذه الرواية العظيمة العميقة المفيدة، وهذا تفكير «الكواكبي» مِن نحو نصف قرن يشف عن سعة اطلاع وصدق إخلاص، وسموِّ فكر وبُعد نظر، وشجاعة وصراحة!! فإذا نحن اطلعنا على ما كان يكتب قبله في المجلات والصحف في مثل هذه الموضوعات رأيناها كانت أقرب إلى موضوعات إنشائية جوفاء، فنقلها هو إلى بحوث علمية عملية، يحلل ويذكر العرَض وسبب الداء وعلاجه في صبر وأناة واستقصاء.
كتاب «أم القرى» رواية جدية ليس فيها غرامٌ وغزل، بل فيها غرام بالعالم الإسلامي يعاني في سبيله ما يعاني المحب الهائم، ويود من صميم قلبه أن يصل محبوبه إلى أعلى درجات الكمال، ويضحي من أجله بماله الذي ضيعه عليه الظَّلمة لتمسكه بالحق، ويضحي بوطنه فيهجره؛ لأنه لم يستطع أن يجهر برأيه في حلب فجهر به في مصر، ولا بأس، فكل بلد إسلامي وطنه — كان يحب التخصص، وأن كل قادر يحصر نفسه في فرع من فروع العلم أو الفن حتى يتقنه؛ حتى وضع ذلك في نظام المدارس التي كان يتمنى إنشاءها. فطبق ذلك على نفسه، فلم يوزِّع نفسه بين فقه ولغة، وما إلى ذلك، إنما وهب نفسه لإصلاح المسلمين، فدرس التاريخ الإسلامي في دقة وإمعان يتعرف فيه الأسباب والنتائج، كما تدل عليه كتابته، وساح في البلاد الإسلامية سياحةً فاحصة منقِّبة، درس كل قطر إسلامي ومزاياه وعيوبه، حتى إنه لما وضع روايته «أم القرى» أنطق كل عضو بعقلية قطره: النجدي يشكو من ضياع الدين، والرومي يشكو من ضياع الحرية وسلطة المتعممين، والإسكندري يشكو ضعف الأخلاق، والإنجليزي ينعي على المسلمين عدم المجتمعات وتبادل الرأي بالخطب والمحاضرات ونحو ذلك.
اكتوى السيد جمال الدين الأفغاني من السياسة الأوربية ولعبها بالمسلمين، فصبَّ عليها جام غضبه، واستغرقت حملته على السياسة الإنجليزية أكبر قسم في العروة الوثقى، واكتوى الكواكبي بالسياسة العثمانية فكانت موضوع نقده. نظر الأفغاني إلى البيئة الخارجية للمسلمين فدعاهم إلى أن يناهضوها؛ ونظر الكواكبي إلى نفس المسلمين فدعا إلى إصلاحها، فإنها إن صلحت لم تستطع السياسة الخارجية أن تلعب بهم. ولذلك كانت معالجة الأفغاني للمسائل معالجة تأثر، تخرج من فمه الأقوال نارًا حامية، ومعالجة «الكواكبي» معالجة طبيب يفحص المرض في هدوء، ويكتب الدواء في أناة: الأفغاني غاضب، والكواكبي مشفق، الأفغاني داعٍ إلى السيف، والكواكبي داعٍ إلى المدرسة. ولعل هذا يرجع أيضًا إلى اختلاف المزاج، فالأفغاني حاد الذكاء حاد الطبع، والكواكبي رزين الذكاء هادئ الطبع، إذا وُضعت أمامهما عقبة تخطاها «الأفغاني» قبل، وتخطاها «الكواكبي» بعد، ولكن مِن خير نقطةٍ تُتخطى؛ فلا عجب أن كان للأفغاني دويُّ المدافع، وكان للكواكبي خرير الماء، يعمل في بطء حتى يُفتت الصخر!
لو مُكن له معرفةُ لغةٍ أجنبية، ووقف على ما وصلت إليه بحوث علم الاجتماع الحديث، لكان له منبع فياض إلى جانب غزارة فكره.
وبينما الناس يعجبون بما ينشره من مقالاتٍ إصلاحية في المجلات والجرائد، ومجلس الفضلاء في مصر عامر بحديثه وجدله ودفاعه المؤدب عن آرائه، إذا بالصحف المصرية تطلع بنبأ موته الفجائي يوم ? من ربيع الأول سنة (????)، فأسف عليه كل من كان محبًّا لإصلاح المسلمين، وبكى إخوانه الذين كانوا يرون فيه رجلًا نبيل الخلق، سامي المقصد، عفَّ اللسان، نقيَّ الضمير. فرحمه الله!!

زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث: خير الدين باشا التونسي


(حوالي سنة ???? إلى سنة ?????) نحو (????–????م)
?


عَقَلَ فرأى نفسه في الأستانة في أسرة غير أسرته، في بيت تحسين بك نقيب الأشراف، ليست سيدةُ البيت له أمًّا ولا تحسين بك أبًا ولا أبناء البيت إخوة، وإنما يسمع همسًا أنه عبد مملوك على معنًى غامض لم يفهمه أولًا — أين وُلد؟ وأين أسرته؟ وكيف أتى إلى هذا البيت؟ سؤال محيِّر كسؤال ابن الشبل البغدادي:
فماذا الامتنانُ على وجودٍلِغير الموجَدين به الخياروكانت أنعُمًا لو أن كونًانُخيَّرُ قبله أو نُستشار وقول أبي العلاء:
ما باختياريَ ميلادي ولا هَرَمِيولا حياتي، فهل لي بعدُ تخييرُ؟ ونظر فرأى تحسين بك يومًا يعرضه على رجل يفحصه كما تُفحص السلعة، ويصعد فيه نظره ويصوِّب، ويختبره من فَرقه إلى قدمه، ثم يدفع مالًا في يد تحسين، وينتقل هو إلى يده، وهذا يُركِبه مركبًا يبحر به إلى تونس، وإذا به في بيتٍ جديد هو بيت أحمد باي، باي تونس!! ما هذا الغموض كله؟
تكشف له البحثُ بعد ذلك عن مأساة؛ فهو شركسي الأصل، من أسرة أباظة، خُطف وهو طفل على أثر غارة أو فتنة أو هجرة، وبيع رقيقًا في سوق الأستانة، فاشتراه تحسين بك، وهذا باعه إلى أحد وكلاء باي تونس الذي أنفذه لشراء السراري والعبيد.
مأساة تبعث الأسى والحزن العميق، قد حرمته أن يتذوق عطف أبيه وأمه وينعم بحريته وهي لا يعوضها شيء في الوجود، حتى لو نُعِّم في قصر تحسين بك أو قصر باي تونس فما هذا النعيم؟
وبيتٍ تخفقُ الأرواح فيهأحبُّ إليَّ من قصرٍ منيف وكل أكلٍ فاخر وملبسٍ باهر ونعيم باذخ لا يساوي شيئًا بجانب نظرة ينظرها تحسين وأهله وباي تونس وبلاطه إلى هذا الفتى على أنه عبدٌ رقيق اشتُري بدنانير معدودة.
كان هذا كل ما وصل إلى علمه عن طريق اليقين، ورجح عنده فيما بعد أن له أخًا في مصر يشغل منصبًا كبيرًا في الدولة المصرية، ويمتلك ثروة طائلة، فأبت على خير الدين كرامته وإباؤه وظنونه — وما قد يعقب ذلك من تفسيرات تؤلمه — أن يُكاتبه ويخبره، وفضَّل أن يحتفظ بذلك السر لنفسه وأقرب الناس إليه.
•••

ومن قديم عُرف الشراكسة في العالم الإسلامي، وهم قبائل بدوية تسكن البقعة الشمالية الغربية من بحر قزوين وجزءًا من ساحل البحر الأسود، وكان عددهم كبيرًا، فلما احتلت روسيا أخيرًا بلادَهم تفرق كثير منهم في تركيا وآسيا الصغرى، وقد انتشر الإسلام بينهم وكاد يعمهم من نحو ثلاثة قرون.
وفي الشراكسة فضائل البداوة من الشجاعة والكرم، ويمتازون بالنظافة والجمال، عُرف عنهم ذلك، فكان الصغار والفتيان والفتيات يُخطفون أو يباعون، ويُصدرون إلى المملكة الإسلامية في عهد العصر العباسي الأول.
ولا تنسى مصر أنها حُكمت بدولة المماليك الشراكسة من (سنة ???? إلى سنة ????)، فاقتنى منهم سلاطين مصر عددًا وافرًا واستخدموهم في أعلى مناصب الدولة، وعهدوا إليهم بالشؤون الحربية، فأمسكوا بزمام الحصون والقلاع وعُرفوا بالإخاء ومعاونة بعضهم بعضًا، فلما أتيحت لهم الفرصة تغلبوا على الدولة ومُلكوا على البلاد أوَّلهم السلطان برقوق، وظل الحكم فيهم إلى أن انهزم طومان باي أمام السلطان سليم، وكان مع طومان باي هذا أربعون ألف شركسي ذابوا كلهم وذووهم ومن أتى بعدهم في الأمة المصرية، فكانوا عنصرًا من عناصر دمها. كما لا ننسى أن مِن أهم أسباب الثورة العرابية أولَ أمرها اعتقاد الضباط المصريين أنهم مغبونون إذا قيسوا بالضباط الشراكسة لترقيتهم دونهم.
•••

كانت تونس حين حُمل إليها خير الدين كسائر بلاد الشرق، مقرًّا لحضارة قد هرمت، وذهبت روحها ولم يبقَ إلا رسمُها.
الحياة العلمية فيها أشبه بما كان في مصر قبيل عهد محمد علي، كتاتيب بدائية منتشرة في القرى والمدن، غايتها تحفيظ القرآن، وقلَّما يبلغون هذه الغاية، ويستطيع التلميذ بفضل مناهج الدراسة فيها أن يقضي عشر سنين وأكثر من غير أن يُحسن القراءة والكتابة، وكل ما يبلغه النجيب منهم أن يحفظ القرآن أو بعضه.
وعلى رأس هذه الكتاتيب جامع الزيتونة، وهو صورة مصغرة من الأزهر في ذلك العهد، تُقرأ فيه علوم الدين من تفسير وحديث وفقه وعقائد، وعلوم اللغة من نحو وصرف ومعانٍ وبيان، في كتب مقررة لها متون وشروح وحواش، ويقضى الوقت في تفهم تعبيراتها وإيراد الاعتراضات عليها والإجابة عنها؛ فالعلم شكل علمٍ ولا علم، والنتاج جدلٌ لا حقائق، والناجح في الامتحان الذي يستحق أن يسمى «عالمًا» أقدرهم على الجدل وحفظ المصطلحات الشكلية. أما الجميع فسواءٌ في عدم التحصيل؛ إذا مسُّوا الحياة الخارجية فالمناقشة العنيفة في أن شرب الدخان حلال أو حرام، والغيبة أشد حرمةً أم سماع الآلات الموسيقية، و«خيال الظل» تجوز رؤيته أو لا تجوز؟ وجزءٌ كبير من السكان بدو لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، ولا يصل إليهم شيء من علم إلا في بعض أماكن أنشأ فيها الصوفية زوايا تعلِّم الناس شيئًا من الدين، وللجاليات الأجنبية من فرنسية وإيطالية وإنجليزية مدارس تعلِّم أبناءها وقليلًا من أبناء البلاد اللغات والجغرافيا والتاريخ والحساب والجبر والهندسة، فتخرِج من هم أقدر على فهم الحياة، فإذا انغمسوا فيها تحولت ماليةُ البلاد إلى أيديهم.
عماد أهلها الفلاحة، وآلاتها وأساليبها هي بعينها ما كانت عليه في القرون الأولى قبل الإسلام وقبل الرومان، وساهم بعض الأوروبيين في الزراعة، فطعَّموا الأشجار، وبخَّروها ولقَّحوها، فدرَّت عليهم من الأرباح ما لم ينله سكان البلاد. ثم قبض هؤلاء الأجانب على الأسواق الخارجية، وخاصة في أكبر غلة للبلاد، وهي زيت الزيتون، فمن ناحية أنشأوا المعاصر تُدار بالبخار، ومن ناحية وضعوا أيديهم على ما ينتجونه وما ينتجه الأهالي، واحتكروا التجارة إلى الخارج إلا القليل النادر من أهل البلاد. وكان التونسيون يصنعون نوعًا من النسيج اسمه «الشاشية»، وكانت مصانعها كثيرة، وكانت مصدر رزق الكثير منهم، ولكنها كانت تُصنع بالآلات القديمة، فلما تقدمت الصناعة في أوربا، وكانت الآلات تدار بالبخار وتنتج نتاجًا كثيرًا حتى من الشاش هذا، رخصَ سعره، وأصيبت الصناعة في تونس بضربةٍ قاضية حتى لم يبقَ من مصانعها التي تبلغ الألف غيرُ ثلاثين؛ وناهيك بما يجرُّه ذلك من الفقر والخراب، كما زاحمت «الجَزْمَة» «البَلْغةَ» وقضت عليها، واختل الميزان التجاري فكثر الوارد وقل الصادر، وتغلب الفرنساويون والإيطاليون على السوق وأمسكوا بزمامه.
وكان مما أضعف التجارة سوء أدوات النقل وفساد الطرق، فهم ينقلون غلَّاتهم على الإبل والخيل والبغال ونوع من العربات البدائية، وتنقل القبائل البدوية غلاتها في قوافل، فإذا كان الشتاء وأمطرت السماء تشعثت الطرق فتعطلت الحركة.
وأما إدارة البلاد ففوضى أي فوضى؛ والحاكم حاكمٌ بأمره، وأحب الناس إليه من يجمع له المال من حلِّه وحرامه، ولا ضبط في دخلٍ ولا خرج، والعدل والظلم متروكان للمصادفات، فإن تولى بعض الأمور عادل عدل، وكان العدل موقوتًا بحياته — وقلَّما يكون — ونظام القضاء والجيش والإدارة والضرائب وجباية المال وإنفاقه على النمط العتيق البالي، وكثيرٌ من الأمور تنفذ بالأوامر الشفوية، لا مرجع ولا يمكن الحساب عليها.
وكانت تونس إذ ذاك تحت حكم البايات، والباي في تونس لقب كالخديوي في مصر، وكان الباي يتبع الدولة العثمانية تبعيةً ضعيفة، فيساعدها في حروبها ويحمل إليها مقدارًا من المال وكثيرًا من الهدايا. وإذا حدث مشكل دولي في تونس تدخلت الدولة العثمانية لفض النزاع وأرسلت مندوبًا من قِبلها؛ ليشرف على الحل ونحو ذلك. أما فيما عدا هذا فولاية تونس شبه مستقلة والباي حر التصرف.
ولكن فرنسا كانت قد استولت على جارتها «الجزائر»، ووضعت نُصب عينيها إضعاف علاقة تونس بالدولة العثمانية شيئًا فشيئًا، وتوثيق علاقاتها هي بها شيئًا فشيئًا، وانتهاز الفرص للتغلب عليه نهائيًّا.
وكان باي تونس الذي ملك خيرَ الدين هو الباي أحمد باشا الذي كان واليًا من (???? إلى ?????)، وقد أنعم عليه السلطان محمود بالخلعة السنية ورتبة المشيرية. ونحن نعلم أنه في عهد السلطان محمود هذا ألجأته الظروف القاسية، وضغط أوربا ومطالبها وضعف حال دولته الداخلية، إلى أن يجتهد في تنظيم الدولة على أسس جديدة يقتبس فيها من نظم أوربا وقوانينها وإداراتها. وكان مما فعل أن أرسل إلى الباي أحمد هذا يطلب إليه أن يُدخل الأنظمة الحديثة في تونس وخاصة في الجيش، فطلب الباي الإمهال قليلًا والتدرج في التغيير بسبب عادات البلاد وتقاليدها وعقليتها، ثم أخذ فعلًا في تنظيم الجيش.
•••

في هذه البيئة كلها التي وصفناها وصفًا موجزًا جدًّا وضع الشاب خير الدين قدمه في تونس.
?


تربى في قصر الباي أحمد — وكان من حسنات الباي أن اهتم بتعليمه ليعدَّه رجلًا من رجاله، والتعليم كله في تونس كان مصبوغًا بالصبغة الدينية، فكان البرنامج الذي أعد له أن يتعلم القراءة والكتابة، ويحفظ ما استطاع من القرآن ويجوِّده، وشيئًا من الفقه والتوحيد، فتقدَّم في كل ما تعلَّمه، وأخذ هو بعد ذلك يتوسع في العلوم الشرعية بمخالطة العلماء والاستفادة منهم، وعلماء اللغة والمران على الكتابة ومطالعة كتب التاريخ.
وعُرف في أوساطه بالتدين ومحافظته على أداء الشعائر وتوقير الشريعة ورجالها، وإلى ذلك نزعَ إلى تعلم الفرنسية فأحسن تعلمها، فكان يجيد العربية والفرنسية والتركية.
وحدث أن الدولة العثمانية كانت قد اتجهت إلى تنظيم شؤونها وخاصةً جيوشها — كما أشرنا قبل — وكتبت إلى ولاياتها بذلك، ومنها تونس، فأخذ الباي يُنظم جيشه؛ وكتب إلى فرنسا يسألها المعونة في ذلك، فأرسلت إليه بعثة من الضباط الفرنسيين وعلى رأسها القومندان كامبنون الذي صار فيما بعد وزيرًا للحربية الفرنسية في حكومة جامبتا.
فالتحق خير الدين بالجيش التونسي يتعلم من هذه البعثة، ومن ذلك الحين دخل في السلك العسكري، وكان هذا يوافق مزاجه الشركسي، فكان رئيسًا لفرقة من الفرسان، وما زال يرقى حتى كان أميرًا للواء الخيَّالة سنة (????).
أفادته التربية الأولى أن يكون متدينًا مثقفًا مطلعًا على أحداث الماضي قريبًا من نفوس العلماء وخاصة الشعب، وأفادته التربية الثانية حب النظام وقوة الحزم وسرعة البت والصلابة في الرأي.
ثم اضطرته الظروف بعدُ إلى مزاولة الأمور السياسية والانغماس فيها. قد كان في أيامه هذه ثلاث شخصيات مشهورة، هي التي تدير دفة الحكم وتظهر على المسرح: الباي أحمد باشا، ومصطفى خَزْنة دار، ومحمود بن عياد. فالباي أحمد — مولى خير الدين — والٍ طموح يحب رقيَّ بلاده، فيأخذ في تنظيم الجيش ويشجع نشر العلم، ويخصص المرتبات للعلماء، ويؤسس مكتبة فخمة في جامع الزيتونة، ويعيد تنظيم الإدارة الحكومية على أسس حديثة بتحديد الاختصاص، ولكن فيه إسرافٌ وإفراطٌ في الترف وقلة نظر للعواقب وخضوع لبعض الظالمين الماليين من رجال دولته؛ لحاجته إليهم فيما يسرف من مال، ونقطة الضعف هذه جعلته يتغاضى عما يأتون من مفاسد خطيرة.
ومصطفى خزنه دار وزير العمالة «المالية والداخلية» رجلٌ مغربي الأصل جاء تونس وسنُّه دون العشر، فرباه أحمد باشا كما ربَّى خير الدين، وارتقى في الوظائف حتى صار وزيرًا، وهو شخصية غريبة، ليِّن بشوش، لا يقول لا لمن طلب منه شيئًا ولو مستحيلًا، يرضى بالوعد ظاهرًا ويضمر عدم الوفاء باطنًا، عف اللسان، «مُتَدَروِش» يحافظ على الصلوات ويقرأ الأوراد ويقوم الثلث الأخير من الليل، وهو مع ذلك شرٍهٌ في جمع المال، لا يتورع عن السرقة والغضب ومشاركة السارقين والغاصبين. تولى الوزارة نحو خمسة وثلاثين عامًا أثقل فيها كاهل الشعب بالضرائب والمغانم والمظالم، يفعل ذلك كله نهارًا ويتهجد ليلًا، يختلس المال ويعمر المساجد.
بدأ حياته سمحًا كريمًا وختمها بخيلًا شحيحًا، زوَّج بنته من خير الدين لما تنبأ له بمستقبل باهر، وبسط سلطانه على الباي أحمد بحيله وأساليبه، غشَّى بصره فلم يعد يرى ظلمه وفساده، وحارب بكل قوته مَن تقرب إلى الباي أو من مال إليه الباي، حتى يضمن دوام نفوذه؛ يحبذ للوالي كثرة الإنفاق في الإصلاح وغير الإصلاح، ويشجعه على الإمعان في الترف والإفاضة في البذل، حتى يأسره بحاجته إليه وحتى يتخذ من كل ذلك وسائل لاستنزاف مال الشعب، بعضه له وبعضه للوالي.
ومحمود بن عياد يدُ مصطفى خزنه دار التي يقبض بها ويسرق بها ويستغل بها، وشريكه في المغانم والمظالم، وظيفته جمع الضرائب على اختلاف أنواعها، وشراء جميع ما تحتاجه الحكومة وما يحتاجه الوالي، وظل على هذا عشرين عامًا؛ ذكيٌّ خبيثٌ ماهر، يغالي في الضرائب ويتخذ كل الحيل حتى لاتصل مظالمه إلى سمع الوالي، فإذا وصلت احتال حتى تُرفض، استطاع أن يجمع من الثروة من هذه الأبواب ثمانين مليونًا.
رأى من بعيد أن الشعب بدأ يعلو أنينه وأنه يوشك أن يفتضح هو وشريكه، فهرَّبا أموالهما إلى فرنسا، وادعى ابن عياد المرض وزعم أنه مسافر إلى باريس للتداوي، فلما وصل إليها أعلن عدم العودة، وطلب أن يتجنس بالجنسية الفرنسية، فأجيب إلى طلبه.
ومع هذا كله فقد بلغ من «فُجره» أن ادعى على الحكومة التونسية أن له مبالغ طائلة قِبَلها (?? مليون قرش تونسي = ?? مليون فرنك) نظير مشتريات اشتراها لها لم تدفع ثمنها، وأخذت المسألة دورًا خطيرًا، إذ أصبح المدعي فرنسيَّ الجنسية تحميه حكومة فرنسا وتطالب بحقوقه. هنا اتجه الباي أحمد إلى خير الدين ليذهب إلى باريس ويخاصم ابنَ عياد، ويبين فساد زعمه ويثبت أن عليه — لا له — ديونًا يطالبه بها، وكانت قضية هامة لو حُكم فيها لابن عياد لوقعت تونس في الإفلاس، وزاد من خطرها ما كان تحت يده من مكاتيب ومستندات رسمية دبرها هذا الماكر تدبيرًا محكمًا.
وظلت هذه القضية في باريس أكثر من ثلاث سنوات من سن (????–????)، وخير الدين فيها يرافع ويدافع، وابن عياد يملأ فرنسا دويًّا، ويساعده على ذلك ما ينفقه عن سعة ويشتري الدور والأملاك في فرنسا، وعلى خير الدين أن يقاوم كل هذا.
وأخيرًا كُلِّفت لجنة القضايا بوزارة الخارجية الفرنسية دراسة هذا الخلاف ورفع تقرير عنه، وشُكلت لجنة تحكيم يرأسها الإمبراطور نابليون الثالث، وأصدرت حكمها وهو يقضي بتخفيض مطالب ابن عياد من ستين مليون قرش إلى خمسة ملايين، كما ألزمته بأن يدفع للحكومة التونسية ?? مليون قرش في ذمته لها، ودفع مبالغ أخرى، فكان مكسب تونس من هذه القضية نحو ?? مليون فرنك. وفوق ذلك قام خير الدين في هذه السفرة بأعمال أخرى، أهمها أنه لما حدثت حرب القرم (??????/?????م) أرسل الباي أحمد لمساعدة الدولة العثمانية ?? ألف جندي بأدواتهم الحربية وأسطولًا من سبع قطع، وهذا أثقل كاهل تونس، فأرسل الباي إلى خير الدين بباريس مجوهرات لبيعها وفوَّضه في أمر ثمنها، فلم يقبل خير الدين هذا التفويض، وظل يراجع الباي فيما يعرض من ثمن حتى أنكر عليه كثرة الاستشارة وأمرَه بالبيع فورًا فباع.
ولم يكفِ ثمن هذه المجوهرات، فكلَّفه الباي أن يعقد قرضًا من فرنسا، وكانت هذه مسألة خطيرة لم يستطع ضمير خير الدين أن يحتملها؛ لا سيما وأن الباي قد أصيب بالشلل وقربت منيته، فماطل وماطل، وأخذ يبعث بالاستفهام تلو الاستفهام حتى مات الباي ولم يتم عقد القرض، فكانت محمَدةً من محامده حمدها له أهل تونس والباي الجديد المشير محمد باشا، وأنعم عليه برتبة فريق سنة (????).
أفاده بقاؤه في باريس هذه المدة اطلاعًا على الدنيا الجديدة ومعرفةً بنظمها واحتكاكًا برجال السياسة وفهمًا لأغراضهم، ووضع عينَه على أسباب رقيِّ الأمم وقارن بينها وبين تونس، لِم تأخرت وكيف ترتقي، مما كان له أثر كبير في حياته المستقبلة، كما أفادته علوَّ شأنه في أمته وثقتها به وأملها فيه.
ومما يُؤسَف له أنه بعد هذه الفضائح كلها بقي مصطفى خزنه دار، المغتصِب الكبير وصهر خير الدين في منصبه في الوزارة.
عاد خير الدين إلى تونس فعيَّنه الباي محمد باشا وزيرًا للحربية سنة (????)، وظل في هذا المنصب إلى سنة (????)، وفي هذه الفترة قام بإصلاحات كثيرة، فأصلح ميناء «حلق الوادي» وهو أعظم ميناء لتونس، وأمر بأن يُقيد كل شيء في وزارته، وكان هذا النظام أول ما أُدخل في تونس.
وأنشأ مصنعًا بخاريًّا لبناء السفن وإصلاحها، ووسع الطرق ونظَّمها. ولكن أهم من ذلك كله أن الدولة العثمانية وولاياتها التابعة لها والمرتبطة بها — ومنها تونس — مالت إلى اقتباس النظام النيابي تحت تأثير الضغط الأوربي وظهور فساد الحكم الاستبدادي، وميل خواص الشعوب الشرقية إلى إصلاح الحال وإدخال النظم الحديثة — فكان خير الدين العقل المنظم لهذه الحركة، ومن له النصيب الأكبر في وضع القوانين لمجلس شورى منتخب.
وصدر الأمر به سنة (????)، وانتخب أعضاء المجلس، وكان خير الدين الرئيس الفعلي له بجانب وزارته للحربية.
ولكن هذا المجلس اصطدم بطائفتين لهما خطرهما: فرجالُ الدين لم يرضوا عنه؛ لأن بعض أحكام القانون سياسيةٌ لا شرعية؛ ولأن القانون يقضي بالحكم بالأغلبية، وقد ترى الأغلبية ما لا يرتضي الدين. وأصحاب السلطان من الوالي ومصطفى خزنَة دار لم يرضيا عنه في باطن نفوسهما؛ لأنه يسلبهما سلطانهما، فأراد خير الدين أن يكون السلطان الحقُّ للمجلس، وأرادا أن يكون المجلس ستارًا شرعيًّا لتسلطهما وأداةً طيِّعة لتنفيذ أغراضهما، أراده حقيقة وأراده لعبة. أراد مِن كل عضو أن يقول ما يعتقد في صدق وإخلاص وجرأة، وأراداه من كل عضو أن يتحسس رأيهما فيعبر عنه، فكان النزاع وكان الخصام. عُرض على المجلس رغبةُ شركةٍ فرنسية بأن تقوم بمد ماء زغوان إلى قرطاجنة، ثم يوصَّل إلى المرسى والحاضرة، وفي هذا المشروع فوائد ومضار. وتجادَل الأعضاء فيه، منهم من يُحبذه لفوائده، وبعضهم يرفضه خوفًا من تغلغل النفوذ الفرنسي ورغبةً منهم أن يدبروا الأمر لتقوم بالمشروع الحكومة التونسية نفسها، واشتد الجدل ومالت الأغلبية إلى الرفض، وهنا قال الوالي: لقد وعدتُ قنصل فرنسا وعدًا قاطعًا بالموافقة على المشروع. فكان خير الدين جريئًا إذ قال: فلِم جمعتنا إذًا لتأخذ رأينا، وكان يكفي سماع هذا الخبر من سيادتكم؟!
وأرادوا أن يُصرف فاضلُ الأوقاف على الإصلاحات العسكرية، واستندوا إلى فتوى من أحد العلماء المالكية، فعارض خير الدين في هذا وأوضح وجهة نظره بأن الشؤون العسكرية لها مخصصات في مالية الدولة، ولا يصح أن تمتد الأيدي إلى فاضل الأوقاف إلا إذا عجزت مالية الدولة واستُنفدت في وجوهها العادلة، أما إذا كانت تُبعثر هنا وهناك ويُصرَف منها على الترف والشهوات فلا يصحُّ أن تمتد الأيدي إلى فاضل الأوقاف.
وناحية ثالثة لم يكن يُرضيها النظام الشوري وإقامة العدل، وهي الحكومة الفرنسية إذ ذاك؛ لأن شمول العدل والنظام الشوري واستقرار الأمور يُضيع على فرنسا مطمحها في الاستيلاء على البلاد، فكان ممثلو فرنسا يحرِّضون الباي على التلاعب بالمجلس الشوري. ولما حضر نابليون الثالث إلى الجزائر وتوجه إليه باي تونس، وقدم له نسخة من قانون الشورى الذي وضعه، قبلها منه بالشكر ظاهرًا، ونقدها أمام رجاله سرًّا، وقال: «إن العرب إذا استأنسوا بالعدالة والحرية لم نسترح معهم في الجزائر». وهكذا اتجهت سياسة فرنسا في هذه البلاد إلى التظاهر بتشجيع حركات الإصلاح والعمل سرًّا على إحباطها.
وهكذا كل يوم مشكلة وكل يوم نزاع، والإصلاح مستحيل مع هؤلاء، فاستقال وقال: «لقد حاولت أن أسير بالأمور في طريق العدالة والنزاهة والإخلاص فذهب كل مسعاي سُدى، ولم أشأ أن أخدع وطني الذي تبناني بتمسكي بالمناصب، ورأيت أن الباي — وعلى الأخص وزيره الرهيب العظيم الجاه مصطفى خزنه دار — لا يلجآن إلى التشريعات الإصلاحية إلا لتبرير سيئاتهما تبريرًا قانونيًّا، فقدمت استقالتي سنة (????) من رياسة المجلس ومن وزارة الحربية، وعدت إلى حياتي الخاصة».
لم يشأ أن يثور بعد اعتزاله ولا أن يكون حزبًا يناضل في سبيل تحقيق العدالة، فذلك ما لم يتفق ومزاجه ولم تتهيأ له البلاد، ثم هو تربطه بركنَيْ الاستبداد روابط تقيد حريته؛ فالباي مولاه، ومصطفى خزنه دار صهره، وموقف البلاد إزاء المطامع الأجنبية دقيق؛ لهذا كله اعتزل وسالم، ونفض يده من العمل الرسمي مع الإلحاح عليه في العودة، ولكنه لم يقطع علاقاته الشخصية بالباي والوزير، واستمر على هذه الحال تسع سنوات امتلأت بأمرين جديرين بالذكر: الأول: سفره سفيرًا من الباي إلى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا والنمسا والسويد وهولندا والدانيمارك وبلجيكا في مهمة خاصة، فمكنته هذه ورحلته السابقة — كما يقول — من دراسة الأسس التي قامت عليها المدنية الغربية، وبنت عليها الأمم الكبرى قوتها ونفوذها. والثاني: تأليفه كتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك».
?


عكف خير الدين في أثناء اعتزاله الوزارة على وضع كتاب سماه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، وسُميت ترجمته الفرنسية «الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية». وكان في ذهنه عند تأليفه أن يحذو حذو تاريخ ابن خلدون، يؤلفه بروح العصر، ومطالب العصر، فاشتمل أيضًا على مقدمة وتاريخ. فأما المقدمة — فقد أراد منها البحث في حالة البلاد الإسلامية وأسباب انحطاطها بعد ازدهارها وكيفية إصلاحها.
وأما التاريخ فقد استعرض فيه حال الممالك الأوربية، لا من ناحية تعاقب ملوكها وتسلسل حروبها، ولكن من ناحية وصف كل دولة في إدارتها وجيوشها، ونظام الحكم فيها، وماليتها وكيفية ضبطها، وقوتها البرية والبحرية. وقد وصف — على هذا المنوال — الدولة العثمانية وفرنسا وإنجلترا وروسيا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وهولندا والدانيمرك وبلجيكا وسويسرة واليونان، ثم وصف جغرافية أوربا الطبيعية … إلخ، وكان أهم ما يقصد من ذلك أن يضع أمام القارئ العربي صورة لنهضة أوربا وأسبابها، وطريقة الحكم فيها حتى يقتبس المسلمون منها ما يَصلح لهم وحتى يثير عندهم الرغبة في الاقتداء بهم والعمل على منوالهم، وقد أودع فيه خلاصة ما رأى في سياحاته وما قرأ وما فكر.
وأهمُّ ما يعنينا الآن مقدمته التي تشرح حال المسلمين وحاجتهم إلى الإصلاح وطريقته؛ وهو فيها ينعي على المسلمين كراهيتهم الأخذ بأساليب المدنية الغربية في الإصلاح، واعتقادهم أن كل ما صدر عن أوروبا حرام، يعللون ذلك بعلل مختلفة كأن يقولوا: إنها مخالفة للشريعة الإسلامية، أو يقولوا: إنها إذا ناسبت الأمم الغربية فلا تناسب الأمم الشرقية؛ لأن كل أمة لها موقفها الاجتماعي وعقليتها وتاريخها، أو يقولوا: إن المدنية الغربية بطيئة الإجراءات وخاصة في طريقة القضاء، أو أن يقولوا: إن النظم الغربية تستلزم التوسع في الإدارة وتقسيم الأعمال وهذا يستلزم كثرة الوظائف والموظفين، وليس هناك مال يكفي لكل هذا، فلا بد إذا من فرض ضرائب جديدة، والبلاد فقيرة وأهلها لا يحتملون زيادة الضرائب. وقد وقف نفسَه للرد على هذه المزاعم:
فأما الزعم الأول: فالتمسك بالدين لا يمنع من النظر فيما عند الأمم الأخرى، والأخذ بأحسنه فيما يتعلق بالمصالح الدنيوية؛ فليس بالناس يُعرف الحق، ولكن بالحق يُعرف الناس، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث يجدها، وسلمان الفارسي لما اقترح على النبي ? حفرَ خندقٍ في غزوة الأحزاب أخذ برأيه ولم يكن ذلك معروفًا عند العرب، والمسلمون الأوَّلون أخذوا علوم اليونان ومنها المنطق واستفادوا منها، وقال الغزالي: مَن لا معرفة له بالمنطق لم يوثق بعلمه، وأبو بكر الصديق قال لخالد عند إرساله لقتال أهل الردة في اليمامة: «إذا لا قيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به، السهم للسهم والرمح للرمح والسيف للسيف»، ولو أدرك هذا الزمان لقال: المدفع للمدفع والبارجة للبارجة والمدرعة للمدرعة. ولا يمكن الاستعداد لمنازلتهم بمثل سلاحهم إلا بالعلم وأسباب العمران. ثم نقول لهؤلاء الذين لا يستحسنون ما تأتي به المدنية الغربية: لماذا تنكرونها فقط في التنظيم ونتائجه والإدارة وضبطها والعدل وإقامته، ولا تنكرونها فيما يتنافسون فيه من الملابس والأثاث والمخترَعات وأسباب الترف؟! فالذين صنعوا أدوات الزينة والنعيم هم الذين صنعوا الأسلحة واخترعوا العلوم والمعارف. أنفتح الباب للأخذ منهم فيما لا ينفع ونغلقه أمام ما ينفع؟! أنصد عن الأخذ عنهم ونتركهم يستغلون زراعتنا ومواردنا وينعمون بها ثم نكتفي منها بفتات موائدهم؟ إنهم ما وصلوا إلى استغلالنا إلا بمعارفهم، ولم ترتقِ معارفهم إلا بالعدل والحرية، فكيف يسوغ لعاقل أن يصد عن ذلك ويغمض عينيه ولا يسمح به، استنادًا على خرافات وأوهام؟ وقد قال بعض المؤلفين في السياسة الحربية: «إن الأمة التي لا تجاري جاراتها في معداتها الحربية ونظمها العسكرية، توشك أن تقع غنيمة في أيديهم»، وإنما خص النظم الحربية بالذكر؛ لأنها موضوع كتابه، وإلا فالحكم عام في كل مرافق الحياة.
«ومن داوعي الأسف أن هذه النظرة إلى المدنية الغربية لا تزال تؤثر في بعض الأوساط في الأمم الإسلامية، وإن اختلفت درجتها في الإصغاء إلى هذه الدعوة؛ كالتخويف من تعليم المرأة، ومن الاستمداد من التشريع الحديث. ولعل هذا من الأسباب التي جعلت النصارى والمسلمين إذا اجتمعوا في قُطر واحد كان النصارى أسبق إلى تشرب المدنية الغربية والاستفادة منها، ثم يأتي بعض الناس فينسبون ذلك إلى طبيعة الإسلام، والإسلام لا يمنع أن يقتبس الصالح من الأمر حيث كان وممن كان.
أما هؤلاء الذين يقولون: إن المدنية الغربية لا تُناسب الأمم الإسلامية لموقفها الاجتماعي فنقول لهم: إن أوربا عندما بدأت نهضتها كانت أسوأ حالًا منا، والأمة الإسلامية — كما يشهد المنصفون — لها نم عقليتها واستعدادها وسابق مدنيتها ما يمكنها من السير في المجال إذا أُذكيت حريتها الكامنة؛ فالحرية والطموح غريزتان في المسلمين تأصلتا فيهم بتعاليم دينهم، غاية الأمر أنه من الواجب على القادة الذين يضعون أسس حريتهم، ونظم إدارتهم أن يراعوا ظروفهم وأن يقدموا لهم من ذلك ما يستطيعون هضمة، ثم يوسع هذا شيئًا فشيئًا بنمو أسباب التمدن.
أما القول ببطء الإجراءات، فإن كان سببه إعطاء الحوادث حقها من التأمل حتى يتضح عند الحاكم وجه الحق بالإفساح للمتخاصمين أن يدلوا بحججهم، فلا يصح أن يشكو منه جاهل أو متجاهل، وهذا خير ألف مرة مما يجري الآن من الإسراع في الحكم من غير تمحيص ومن غير إبداء أسباب، وإن كان سببه تقصير الموظفين أو قصورهم، فما على الحكومة إلا أن تختار الأكفاء وتدربهم، وكذلك الشأن في الأمور السياسية الكلية لا بأس من البطء فيها إذا كان البطء لتحري الصواب ومعرفة وجه الحق. ومع هذا فقد يحدث البطء والتحفظ أول الأمر، فإذا مرنت الأمة عليه أسرعت في شؤونها.
وأما الخوف من زيادة الضرائب فالأمر بالعكس؛ لأن الحكم الشوري يجعل الضرائب لا تُفرض إلا حيث المصلحة وبرضا أهل الحل والعقد، على حين أن الحكم الاستبدادي يجعل فرض الضرائب شهوة من شهوات الحاكم المستبد. ثم إن تنظيم الدولة وشؤونها بضبط دخلها وخرجها يزيد في مصادرها فتنعم الأمة بماليتها، وإذا فُرضت ضريبة؛ فلأنها تفيد أكثرَ مما تضر، لا كما هو حاصل الآن من وضع إيراد الدولة تحت تصرف الحكام يصرفون منه على شهواتهم من غير حساب، فإذا أسرفوا وأتلفوا لم يجدوا إلا باب فرض ضرائب جديدة.
الحق أن الأمم الإسلامية لا تصلح إلا بالنظام الشوري الذي يقيد الحاكم، وبأن نستمدَّ من النظم الغربية والمدنية الحديثة ما يُصلحنا. والحق — أيضًا — أن الذين يقفون أمام هذه الدعوة إلى الإصلاح إما جهلة لا يعرفون كيف تقدَّم العالم وكيف أصلح عيوبه وأسس نظمه، ثم يدعوهم الجهل إلى الاستنامة لنظمهم المعيبة وطرقهم المعوجة، ويرون أن الإصلاح بدعة من بدع آخر الزمان، وإما قومٌ يعلمون وجوه الإصلاح ومزاياه، ولكنهم يرون أنها تسلبهم منافعهم الشخصية التي تتوافر لهم بالاستبداد والفوضى ولا تتوافر بالنظام، فيحاربونها تحت ستار ما يزعمون من أضرار وما يختلقون من أسباب، وهم في باطن أنفسهم يعرفون أنهم كاذبون.
إن العدل والحرية هما ركنا الدولة، وهما اللذان كانا في المملكة الإسلامية فأزهرت، ثم فُقدا فذبلت، ولم يكونا في الدول الأوربية فانتابها الضعف والفساد، ثم كانا فصلح حالها، وليس جو أوربا أحسن الأجواء، ولا أرضها أصلح الأراضي، وإنما بلغ أهلها ما بلغوا بالتقدم في العلوم والصناعات واستخراج كنوز الأرض بعلوم الزراعة، وكسب المال بعلوم التجارة، وهذا كله لم يكن إلا وليدًا للعدل والحرية، وهذه قوانين طبيعية لا تتخلف؛ عدلٌ وحرية يتبعهما عمران، وظلمٌ واستبداد يتبعهما خراب.
ثم إن العدل والحرية يجب أن يوضع لهما من النظم ما يضمن وجودهما ودوامهما. وليس هناك ضمانٌ إلا بالمجالس النيابية، فقد يكون في الملوك من يحسن تصرفه بدون مشورة، ولكن يكون ذلك موقوتًا بوقته، يزول بزواله؛ فوجب أن يحاط بأهل الحلِّ والعقد، يشاركونه في كلِّيات السياسة، ويكون الوزراء مسئولين أمامهم. وكل ما أصاب الأمم الإسلامية إنما أصابها مِن ترك الأمر فيها إلى مشيئة حاكمها وخضوع الوزراء لإشاراته. وقد قال ابن العربي في الضرائب التي تؤخذ من الناس عند فراغ بيت المال: إنها يجب أن تؤخذ جهرًا لا سرًّا، وتُنفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد.
وقد كنت أتحدث مع كبير من أعيان أوربا، فأسهب في مدح مَلكه وتضلعه في أصول السياسة وصواب منهجه، فقلت: فلمَ إذًا تخاصمونه في الحرية السياسية؟ فقال: مَن يضمن لنا بقاء استقامته واستقامة ذريته من بعده؟ وقد اقتبس بعد ذلك من أحد مؤرخي نابليون قوله: «إن نابليون أخطأ — مع عظمته — لاستبداده، ويجب على الأمة الفرنسية أن تتعلم من غلطاته. وإن ما ينبغي أن يُستخلص من كل تاريخه أنه لا يليق بأي فرنسي أن يبذل حريته لأي أحد، كما لا ينبغي له الإفراط في حريته حتى تُنتهك حرمتها».
وقد أيد خير الدين نظرته هذه بالرجوع إلى التاريخ، فاستشهد بالمملكة الإسلامية، بم تقدمت، وبم تراجعت، وبأوربا بم تأخرت وبم نهضت وبم نمت.
وحمَّل المسلمين تبعة تأخرهم، ولكنه لم يهمل نقد أوربا بإزاء الدول الإسلامية في تصرفاتها وخاصة في مسألة «الامتيازات الأجنبية» استنادًا إلى عهودٍ قديمة مضى وقتها، ولم تكتفِ بالعهود، بل توسعت في تفسيرها ما شاءت لها قوتها. وهذا كله مخالف للقانون الأساسي البديهي، وهو أن من دخل مملكة فلا بد أن يخضع لأحكامها. فإذا ادعى أن المملكة الإسلامية متأخرة في نظمها، فهناك مَن هم أكثر تأخرًا منها، وأوربا لا تطلب امتيازات فيها. وإذا ادَّعى كراهيةَ بعض عوام المسلمين للنصارى وحيفهم عليهم، أمكننا الادعاء بحق كراهية بعض النصارى للمسلمين وحيفهم عليهم، فلا مبرر إذًا لهذه الامتيازات. يضاف إلى ذلك ما تقوم به بعض ممالك أوربا من وضع العراقيل في سبيل تنظيم الممالك الإسلامية لشؤونها، وإدخال وسائل الإصلاح التي تراها، وإيقاع الدول الإسلامية في حيرة بين مطالبةٍ بالإصلاح وإعاقة للإصلاح.
ثم من أهم العوائق في تقدم المسلمين وجود طائفتين متعاندتين: رجال الدين يَعلمون الشريعة ولا يعلمون الدنيا، ويريدون أن يطبقوا أحكام الدين بحذافيره بقطع النظر عمَّا جدَّ واستُحدث، ورجال سياسة يعرفون الدنيا ولا يعرفون الدين، ويريدون أن يطبقوا النظم الأوربية بحذافيرها من غير رجوع إلى الدين، فنقول للأولين: اعرفوا الدنيا، ونقول للآخرين: اعرفوا الدين. فاعتزال العلماء شؤون الدنيا ثم تحكمهم ضرر أي ضرر، وجهل رجال السياسة بأصول الدين ضرر مثله. والواجب امتزاج الطائفتين وتعاونهما. فهناك أصول الدين يجب أن تراعى، وهناك أمور لم يُنص عليها تقتضيها مصالح الأمة يجب أن تقاس بمقياس المنفعة والمضرة ويُعمل فيها العقل.
ثم أبان الأسس التي بُنيت عليها المدنية الحديثة التي يمكن اقتباسها ونشرها في المملكة الإسلامية كالحرية بنوعيها، وهما الحرية الشخصية وهي «إطلاق التصرف للإنسان في نفسه وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه في الحقوق والواجبات»، والحرية السياسة وهي المشاركة في نظام الحكم والمداخلة في اختيار الأصلح — ثم تأسيس القوانين بنوعيها، وهي قوانين الحقوق المرعية بين الدولة والرعية، وقوانين حقوق الأهالي فيما بينهم — ثم مسئولية الوزراء أمام الأمة في مجلسها الشوري … إلخ.
وختم ذلك بإبداء رأيه في أن إيجاد هذه النظم من لوازم وقتنا، وكل من وقف في سبيلها عديم الأمانة والنصيحة لدولته ووطنه.
هذه زبدة ما في المقدمة التي تبلغ نحو مائة صفحة، ومنها نعرف وجهته في الإصلاح، ونعود بعد ذلك إلى متابعة حياته.
?


بعد أن ترك خير الدين الوزارة وتخلى عن الكفاح وانصرف إلى التأليف، خلا الجو لمصطفى خزنه دار، يثقل كاهل الشعب بمظالمه ومغانمه. والباي محمد الصادق باشا الذي تولى سنة (????) رجلٌ لين سهل ناعم، لا يحب أن يواجه صعوبة ولا يسمع بمشكلة، يُسلم الأمور لوزيره ولا يسأله عما يفعل، ولا يُهمه منه إلا أن يواليه بالمال الكثير الذي يصرفه في ترفه.
والمجلس النيابي الذي أنشئ وجد فيه مصطفى خزنه دار عائقًا لتصرفاته واستبداده، فألغاه وألغى كل ما تبعه من نظم، وعادت الأمور إلى مجراها الأول، واسترد الوزير حريته في فرض الضرائب وطرق تحصيلها.
وما زال مصطفى خزنه دار يستنزف مواردَ البلاد حتى نضب مَعينُها، فاتجه إلى أوربا يستدين منها، وفي أقل من سبع سنوات بلغ الدين (??? مليون فرنك).
ووقعت البلاد في شر محنة؛ فمن ناحية ثار الشعب من ضرائب تضاعفت، بل بلغت في بعض الأحيان ثلاثة أمثالها، إلى جور وفساد في التحصيل والتوزيع أسلمَ إلى الإفلاس، حتى بلغ الحال آخر الأمر أن لم يكن في خزانة الدولة مرتبات أسرة الباي ولا مرتبات الموظفين ورجال الجيش ولا فوائد الديون، وحتى اضطر أوساط الناس إلى إخراج نسائهم لجمع العشب وعروق الأشجار للاقتيات بها، ومَن كان عنده قليل من المال أخفاه حتى لا يصادَر، وتظاهَرَ بالفقر، وكان يغلي القمح في الماء ليلًا من غير طحن حتى لا يُتهم بالرخاء، وفشا المرض والموت إلى أفظع حد. ومن ناحية أخرى تدخلت الدول الأوربية تريد المحافظة على ديونها. واقترحت فرنسا تشكيل لجنة مالية، ووافقتها إنجلترا وإيطاليا، وصدر مرسوم من الباي سنة (????) بتشكيلها من فرنسيين وإنجليز وإيطاليين يرأسها موظف تونسي، وجعلت مهمتها توحيد الدَّين وتحديد الفوائد وإدارة المرافق التي خُصصت لهذا الدين. وهكذا كانت رواية واحدة مُثلت مرة في مصر ومرة في تونس، لم يختلف فيها إلا أشخاص الممثلين.
عند ذاك اتجه الباي إلى خير الدين يطلب منه أن يرأس اللجنة، فاعتذر،فألح عليه حتى قبل، وحمل مهمة شاقة في الداخل والخارج، ومُنح لقب وزير، ومن الغريب أن الباي احتفظ بمنصب الوزير الأول لمصطفى خزنه دار، الذي أسلم البلاد للدمار! وليس لهذا سبب إلا ضعف الباي وشلله أمامه كما يُشل العصفور أمام الثعبان.
واجه خير الدين مشاكل من أعسر الأمور، فاللجنة المالية المختلطة تريد أن تضع يدها على كل شيء في الدولة؛ لأن كل شيء متصل بالمال، حتى المعلم في المدرسة والقاضي في المحكمة، ولو فعلت لأضاعت استقلال البلاد بتاتًا.
ومشكلة ثانية: وهي كيف ينقذ هذا الشعب بعدما احترق بالجوع والفقر والمرض وفقدان الثقة بالحكومة.
ومشكلة ثالثة: وهي بقاء مصطفى خزنه دار رئيسًا للوزارة، وهو الشره في المال كشرهه في حب السلطة والجاه. ومن ذاق لذة ذلك لم يتنحَّ عنه اختيارًا، وهو بطبيعته وتاريخه عدو كل إصلاح، غيور ممن يشاركه جاهه. فأما المشكلة الأولى فاستطاع خير الدين — بالمفاوضات الطويلة مع اللجنة، ومع الدول — أن يحصر دائرة نفوذها في موارد محدودة وأن ينظم ميزانية الدولة، ويضمن للدائنين دفع الفوائد في حينها، إلى غير ذلك من وسائل تعهَّد بها ونفذها في ضبطٍ وأمانة.
وأما المشكلة الثانية فقد رأى كثرة الضرائب قد أضاعت الزراعة وجعلت البلاد خرابًا. ولم يزرع الناس، إذ كان نتاج زرعهم ليس لهم، وكان زارعهم وغير زارعهم يستويان في الفقر؟ فخفف من الضرائب، ونظَّم طرق تحصيلها، وأخذ بالشدة مَن تلاعب فيها، وشجع غرس الزيتون والنخيل، فأعفى كلَّ من غرس منهما جديدًا من الضرائب عليها مدة عشرين عامًا، وأرجع مَن فرَّ من الأهالي لكثرة مطالب الحكومة، وأسقط ما عليهم، وأمر بالنظر في شكايات من نُكب من الناس على يد الحكومة السابقة ورد ظلامتهم، ووضع صندوقًا كبيرًا في ميدان تونس يضع فيه كل متظلم ظلامته وأعفاه من التصريح باسمه، وجعل مفتاح الصندوق معه، هو الذي يفتحه بنفسه، وهو الذي يقرأ الظلامات، ويوقِّع عليها بما يراه من تحقيق العدل.
وأما المشكلة الثالثة فقد ظل في نزال مع مصطفى خزنه دار حتى زادت فظائعه وانكشفت، وألح الناس بوجوب عزله، وسقط سقطه ضبطتها اللجنة المالية، فعُزل من منصبه سنة (????)، وأقام الناس لذلك من الزينات والأفراح في جميع بلدان القطر ما لم يُسمع بمثله، وأصدر خير الدين قرارًا بمحاكمته على ما اتهم به، فحوكم. والتزم بدفع خمسة وعشرين مليون فرنك.
وبذلك خُتمت حياة مصطفى خزنه دار السياسية، وهي حياةٌ تُعد مأساة الأمة، من ناحية موت الضمير لرجلٍ وُكلت إليه شؤون البلاد في أوقات حرجة مليئة بالمطامع الدولية، ومن ناحية خنوع الشعب لهذا الرجل ومظالمه مدةً تزيد على ثلاثين عامًا، من غير أن يكون هناك رأي عام يزلزله وينحيه، وقوة الاحتمال في مثل هذه الأحوال رذيلة من أكبر ما تُمنى به الشعوب.
مِن ذلك الحين كان خير الدين هو الوزير الأول، أُطلقت يده فيما يرى من إصلاح، ولا يغل يده إلا مطامع الدول.
تولى إصلاح القطر من جميع نواحيه، السياسية والزراعية والتعليمية والاقتصادية والمالية والإدارية والقضائية.
فسلك مع قناصل الدول مسلكًا حازمًا صريحًا، يُصغي إلى طلباتهم المعقولة ويرفض غير المعقولة، مع ذكر الأسباب المفصَّلة للرفض، فلا يداهن ولا يرائي؛ ولذلك احترموه ولو خالفوه، وقد يضعون العقبات في سبيله باطنًا، ولكنهم يجاملونه ظاهرًا.
وقسم الأراضي الزراعية إلى مناطق، وتحرَّى اختيار الأمناء لجلب الضرائب. ومَن سَهُلَ عليه دفع الضريبة نقدًا فعل، أو محصولًا فعل، ونكَّل بمن ثبتت عليه الخيانة من الجباة، ونظم العلاقات بين الملاك والمزارعين وبين الملاك والحكومة، وألغى الضرائب غير المعقولة وغير المستطاعة، وأبطل الحملات العسكرية لتحصيل الضرائب بالقوة؛ لأنها كثيرًا ما كانت تؤول إلى أعمال السلب والنهب، فعادت للناس طمأنينتهم، وعاد للحكومة هيبتها واحترامها، وانصرف الناس إلى الزراعة بعد أن كانوا ينصرفون عنها. ولما ترك الحكمَ كانت مساحة الأرض المستغلة مليون هكتار، وكانت حين تَسلَّم زمام الحكم ستين ألفًا.
وفى التعليم أنشأ مدرسة عصرية تعلَّم فيها العلوم العربية والشرعية، وبجانبها الثقافة العصرية، مع تعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية، وأصلح التعليم بجامع الزيتونة. وجمع الكتب المبعثرة في المساجد، وكوَّن بها مكتبة كبيرة، ووهب له من عنده ألفًا ومائة كتاب مخطوط، ونظَّمها تنظيمًا حديثًا، وحسَّن مطبعة الدولة ووكل إليها نشر الكتب العلمية والأدبية، وأصلح إدارة «الرائد التونسي» وهي الصحيفة الرسمية للحكومة، وشجع على نشر المقالات فيها، وكان ينشر فيها أفكاره السياسية، وألزم الموظفين بقراءتها، والتفت إلى الناحية الاقتصادية، فنظم الجمرك ورفع ضريبة الاستيراد ?? وخفض ضريبة الإصدار، وأنشأ المخافر الجمركية لمنع التهريب، ونظم الوظائف الحكومية وعيَّن مرتباتها، كما حدد مرتبات القصر، ووضع ميزانية الدولة على أساس صحيح، وضبط المكاتبات في الدواوين، وأنشأ السجلات للصادر والوارد ورتَّبها حتى يسهل الرجوع إليها.
وجدَّ في إحياء الصناعات المغربية كالنقش على الجص والقباب، وكان يأتي بمهرة الصناع من البلاد، ويعهد إليهم بتعليم طائفة من الشبان.
ونظَّم الأوقاف وكانت فوضى في البيع والشراء وصرْفِ الريع، وآلت أعيانها إلى الخراب، فجمعها في إدارة واحدة، وجعل عليها السيد محمد بيرم ومعه مجلس يُعينه في تنظيمها.
ونظر فرأى الناحية التشريعية والقضائية في البلاد مضطربة، والأجانب لا يخضعون لقانون البلاد، وليس من السهل إقناعهم بالخضوع؛ إذ ليس في البلاد قانون، فكان لكل من المذهب الحنفي والمالكي قاضٍ مطلَق الحكم في الحوادث، وقد يحدث أن الحادثين المتشابهين يُقضى فيهما قضاءان مختلفان. ومن المبادئ التي يدين بها الأجانب أن تكون القوانين معروفة قبل الأحداث، ليست مجالًا للاجتهاد ولا التلاعب، فعهد خير الدين إلى إخصائيين بدراسة القوانين المعمول بها في الدولة العثمانية وفى مصر وفي أوربا، وأن يستخرجوا منها قانونًا يناسب القطر التونسي، واستمرت اللجنة في عملها، ولكن خرج الوزير من الوزارة قبل أن يتم.
وهكذا نقل البلاد من حالة كرب وضيق وظلم وفوضى إلى حالة أمن ورخاء وضبط ونظام، ورقي في كل مرفق من مرافق الحياة، وكأنه بذلك كان يستملي نهضة مصر فيدخلها معدَّلة في بلاده.
أما المشاكل الدولية التي كانت أمامه فمعقدة مشتبكة ملتوية: فرنسا تنظر إلى تونس نظرة الصائد نشرَ شبكته، تحاول أن تجد من كل حادثة منفذًا لتدخلها، فإذا لم تجد الحادثة خلقتها خلقًا، وتدَّعي أن لها الحق فيما لها فيه حقٌّ وما ليس لها فيه حق، وتصطنع الرجال وتمنيهم المناصب الكبيرة حتى منصب الباي، إذا هم أعانوها وأفسحوا الطريق أمامها لبسط حمايتها. وإيطاليا ليست أقل مِن فرنسا مطمعًا. ولما حدثت الحرب بين فرنسا وألمانيا سنة (?????/????م)، وخرجت منها فرنسا منهزمة، اشتدت مطامع إيطاليا، وجدَّت في سعيها لتوسيع نفوذها، فكانت تونس مسرحًا لتسابق الدولتين، كلٌّ تدبر دسائسها، وكلٌّ تشتري ذمم أنصارها، وكلٌّ توعز إلى جرائدها بما يتفق ومصلحتها.
وسط هذه المطامع والنذر بالخطر رأى خير الدين أن يضرب الدولتين بعضهما ببعض، وأن يقوِّي الصلة بين تونس والدولة العثمانية؛ لأن تونس لا تستطيع القيام بنفسها، فرسم خطة توثيق الصلات وتحديد العلاقات بينهما، وكانت علاقات غامضة غير محدودة، فسعى سعيًا متواصلًا، وخاطب الباب العالي في هذا الشأن وشرح له وجهة نظره، فأجيب إلى طلبه. وطلب الباب العالي إرسال مندوب إلى إستانبول للمفاوضة في هذا الأمر، فوقع الاختيار على خير الدين نفسه، فسافر وفاوض ونجح في استصدار فرمان يحدد هذه العلاقة، ويقرر أن تونس إيالة عثمانية ولواليها الحق في تولية المناصب الشرعية والعسكرية والملكية والمالية لمن يكون أهلًا لها، وفي العزل عنها بمقتضى قوانين العدل، وفي إجراء المعاملات المعتادة مع الدول الأجنبية، ما عدا الأمور السياسية التي تمس حقوق الدولة العثمانية؛ كأصول السياسة والحرب وتغيير الحدود، كما تتضمن إقرار الوراثة في العائلة المالكة، مع المحافظة على الخطبة للسلطان وضرب السَّكَّة باسمه، وإجراء الأمور الداخلية في البلاد على قوانين الشرع ومراعاة قواعد العدل التي يقتضيها الوقت والحال، والتي تُؤَمِّن الناس في النفس والعرض والمال. وقد صدر هذا الفرمان سنة (????)، واستقبله الأهالي بالسرور.
وأخذ الباب العالي على عاتقه السعي في موافقة الدول عليه، ولكن مشاكله واضطراب أموره الداخلية والخارجية حالًا دون إتمامه، وأبت فرنسا الموافقة عليه؛ لأنه يعوقها عما تنويه لتونس.
هذه خطة خير الدين: إصلاحٌ في الداخل في كل ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية، وإصلاح في الخارج بربط البلاد بالدولة العثمانية ربطًا وثيقًا يناهض به أطماع فرنسا وإيطاليا. ولكن عوَّدنا التاريخ ألا يأتي مصلحٌ بمثل ما أتى به خير الدين إلا أوذي.
?


بعد أن سار شوطًا بعيدًا في طرق الإصلاح كانت تتجمع عناصر مختلفة تعاديه وتضع العراقيل في سبيله، وتشيع الأخبار عن خيانته وسوء قصده، وتفسر بالشر بعض ما يأتى من الخير، وتجسم بعض ما يرتكب من أخطاء، ولا بد لكل مصلح من أخطاء.
فالباي (محمد الصادق) كان مصطفى خزنه دار الناهبُ السارق الخائن أحبَّ إليه من خير الدين النزيه العادل الحازم، فهذا لم يكن يعطيه من المال إلا ما تقرر له في الميزانية، وذاك يعطيه ما يشتهي ليأخذ لنفسه ما يشتهي، وهذا حازم لا يجيز من الأمر إلا ما وافق العدالة ومصلحة الشعب، وذاك يقبل الشفاعة والرجاء ولو على حساب العدالة ومصلحة الشعب؛ وهذا جادٌّ خشن الملمس، وذاك ناعم هين لين، والأمراء المترَفون يرضيهم المظهر ومن يجيب رغباتهم، أكثر مما يرضيهم المخبر ومن يقدِّر التبعات.
لذلك كرهه الباي وعاداه، ولكنه رأى تعلق الناس به فجاراه وداراه، وخالفه سرًّا ووافقه جهرًا.
ثم هناك أعوان مصطفى خزنه دار الذين كانوا يأكلون من فتات مائدته، ويسرقون درهمًا إذا سرق ألفًا، ويكسبون بالوساطة والشفاعة، وينهبون من الضرائب غير المضبوطة، قد رأوا خير الدين يسد في وجوههم الباب ويُحصنه بالعدالة، ويضع من النظم ما يُفقرهم ليُغني الشعب — هؤلاء الذين لا يعجبهم النور وإنما يعجبهم الظلام قد كرهوه أيضًا، وأخذوا يدسُّون له الدسائس وينصبون له الشباك.
وهؤلاء أيضًا فئة اشترت ذممهم إيطاليا وفرنسا ومَنَّتهم الأماني بالمناصب والمغانم إذا هم أعانوها في خطتها، ودبروا لها الاضطراب الذي يمكِّن من سلطانهما، وخلقوا الأحداث التي ترتكن عليها في تدخلهما.
وهذه فرنسا كرهت أشد الكره من خير الدين ما يقوم به من حركات لربط تونس بالدولة العلية ربطًا محكمًا، فهي تريد عزلتها كما يرقب الذئب انفراد الشاة عن القطيع ليفترسها، حتى إنه في إحدى سفرات خير الدين إلى استانبول ركب السفينة من ميناء تونس، وقبل أن تقلع أُعلن أن قادمًا أتى لزيارته، وإذا هذا القادم هو القومندان المساعد لبارجة فرنسية كانت راسية في الميناء، فسأله: هل يعتزم السفر؟ أجاب: نعم، فقال: إن قائده يرجو منه أن يؤخر سفره يومين أو ثلاثة حتى يتلقى القنصل التعليمات من باريس.
خير الدين: أنت رجل عسكري مثلي تعلم أني لا أستطيع مخالفة أمر حكومتي إلا إذا خالفتُ واجبي، ولست أملك حرية الاختيار بين طاعتي للواجب، ومجاملتي لقائدك، وإذًا فأنا راحل في الساعة التي حددتها.الضابط: في هذه الحالة أحذرك وأنذرك بأن قائدي — مع الأسف — سيمنعك بالقوة.خير الدين: كان الأولى أن تبدأ مهمتك بهذا الكلام، ولستُ في منزلة تجعلني أتلقى الأوامر من قائدك، ولست مغيِّرًا قراري، والحكومة التونسية مطلَقة الحرية في تصرفها. وسأمنحك الوقت الكافي للعودة إلى بارجتك وتبليغ قائدك ما قلت، وستقوم الباخرة في موعدها، وإذا كان قائدك سينفذ تهديده فإني أعرف كيف أقابله بالمثل وبالوسائل التى أملكها وأحمِّله تبعة ما يحدث. وتحركت السفينةُ في المساء وطاردتها البارجة الفرنسية ترسل الإشارات بالوعيد، وتأمر بالوقوف من غير جدوى حتى الصباح، واستمر في طريقه، وعادت البارجة الفرنسية. كل هذه القوى تجمعت لمعاكسته في وزارته، وانتهزت الفرصة لاتهامه بما يُسقط منزلته. وربما كان أهم ما وُجه إليه من تهم أمران: اتهمه خصومه السياسيون بأنه منح امتيازًا لشركة فرنسية بمد خطٍّ حديدي بين تونس والجزائر، وهو يعلم مطامع فرنسا ويعلم امتلاكها للجزائر، فمدُّ هذا الخط يُمكنها عند إرادتها احتلال تونس أن تغزوها من الجزائر. وفي ذلك خطر أي خطر، وقد أطنبوا في هذه التهمة، وأحكموا خطتهم وأرادوا أن يضربوا عصفورين بحجر؛ فمن ناحية يسيئون سمعته عند المواطنين والوطنيين، ومن ناحية يشوهون منزلته عند الدولة العثمانية التي تعتقد أنه رجلها يعمل لصالحها وصالح تونس بربط العلاقة الوثيقة بينهما.
وكان دفاع خير الدين وحزبه عن هذه التهمة أن لهذه المسألة تاريخًا، وهو أنه في عهد وزارة مصطفى خزنه دار طلبت شركة إنجليزية مدَّ خط حديدي بين تونس ومينائها «حلق الوادي»، فأجيبت إلى طلبها، وأنشأته فعلًا ثم باعته إلى شركة إيطالية، وبعد مدة وجيزة طلبت شركة إنجليزية أخرى مد خط يسير من تونس إلى داخل البلاد حتى سوق العرب، ثم يمتد إلى «كيف» مركز الصناعة الزراعية في البلاد، وينتهي في منتصف الطريق بين ولاية تونس وحدود الجزائر، فمُنحت الشركة الامتياز لأن الباي ومجلسه كانا متفقين على أن من مصلحة البلاد الإكثار من مد خطوط لتسهيل المواصلات، ولكن هذه الشركة لم تنجح في جمع رأس المال لهذا الخط، فطلبت مساهمة الحكومة بنسبة الربع في النفقات، فلم تُجب إلى ذلك وطلبت مهلةً بعد مهلة دون أن تبدأ في العمل، فسقط الامتياز من نفسه.
وفي وزارة خير الدين طلبت شركة فرنسية الإذن لها بمد خط بين تونس والجزائر، فرفض خير الدين بحجة أن المسألة تتصل بالحدود، والباب العالي وحده هو صاحب الحق — بمقتضى الفرمان — في التصرف في هذا الشأن، فلا يمكنه أن يتفق مع الشركة بدون استشارته، ورأت الشركة أن هذا يورطها، وأقل ما فيه أن طلبها من الباب العالي ذلك اعتراف منها بسيادته على تونس، فعدَّلت مطالبها وطلبت أن تحلَّ محل الشركة الإنجليزية في مشروعها بنفس الشروط، وهذا يجعل الأمر في يد الحكومة التونسية؛ لأنه لا يصل إلى الحدود، وعرض خير الدين الأمر على مجلس الوزراء، فأجاب طلب الشركة.
وبعد ثمانية أشهر من اعتزاله الحكم عرضت الشركة تكملةَ الخط إلى حدود الجزائر فأجيبت إلى طلبها.
قال خير الدين: إنه لم يسمح بمد الخط إلى الحدود، وبأنه لو لم يسمح لفرنسا بما سمح به لإنجلترا لنشأ عن ذلك مشكلة دولية لم يكن فيها موقفه قويًّا، ثم إن مد الخطوط الحديدية من مصالح الدول، ومن الخير أن تنشئها الدولة أو الأهالي، وليس ذلك في الإمكان، فالحكومة فقيرة تبتلع أكثر ميزانيتها فوائد الديون، والأهالي فقراء جهلاء أو أغنياء لا علم لهم بالشركات ولا قدرة لهم على إدارتها، فلم يبقَ إلا منحها للشركات الأجنبية أو عدم إنشائها بتاتًا.
والحق أن مركز خير الدين فيه بعض الضعف. فتعديل الشركة مطلبها، واقتصارها على جزء من الطريق يُفهم منه بالبداهة أنها تريد وضعَ رِجلها في مركز تثب منه إلى الحدود كما حدث فعلًا. فالحزم كان يقتضى المنع بتاتًا؛ إذ من الواضح أنها جزَّأت مطلبها على دفعتين بعد أن طلبته دفعةً واحدة، والنتيجة واحدة.
وكأنه أحس بضعف حجته هذه، فحاول أن يريح ضميره بعد سقوط تونس إذا قال: «على أن الفرنسيين عند غزوهم تونس أنزلوا قواتهم في طبرق وبنزرت، واجتازوا منهما الحدود إلى تونس دون أن يعتمدوا على السكة الحديدية المذكورة التي كانت في بداية إنشائها».
كما قال: إن إنشاء هذا الخط ليس هو الذي أضاع تونس، ولا عدم إنشائه كان يحميها؛ لأن مركز تونس لم يكن يحميه إلا الضمير الأوربي الذي كان يوجب المحافظة على وحدة الدولة العثمانية. وما دامت أوربا سمحت لفرنسا بالانقضاض على فريسة هيِّنة كتونس فخط الحديد لا يقدِّم ولا يؤخر. وهذا ضربٌ من اليأس لا يصح أن يتسرب إلى نفس المصلح.
ونقده بعضهم بأنه أيام وزارته الثانية جاء فرأى قوانين الشورى ملغاة، فلم يعمل على إعادتها وإصلاح ما كان قد ظهر من عيوبها، بل حكم البلاد حكمًا استبداديًّا وإن كان عادلًا، وهو هو الذي طالما مجَّد الشورى في كتاباته وفي مقدمة كتابه، وطالما قال: إن الحاكم الذي يحكم بأمره — وإن كان عادلًا — ليس لعدله ضمان؛ إذ هو موقوت بوقته، فكان واجبًا عليه وقد ملك زمام الأمر أن يعيد الحكم النيابي ويقوِّيه في البلاد حتى يذيق الناسَ لذته ويفهموا فائدته.
وكانت حجته في الرد عليهم أن الحكم النيابي في المملكة الإسلامية لا يتيسر إلا بأحد أمرين: رغبة الملك أو الأمير في ذلك، أو قوة الرأي العام وثورته للمطالبة بهذا الحق رغم رغبة الملك أو الأمير، والأمران مفقودان في تونس؛ فالباي يكره الحكم النيابي ولا يطيقه، والرأي العام جاهل خاضع. وليس يفهم مزايا الحكم النيابي إلا أفراد معدودون ليس لرأيهم قوة التنفيذ. وهب أن الباي قبل النظام النيابي، أليس في إمكانه إلغاؤه كما حدث عند سنوح الفرصة، ما دامت الأمة ليس فيها من يحميه ويحرص عليه. والعالمون بالأمور يرون أن حجَّته في ذلك واهية، فعندما أُسندت إليه الوزارة كان قويًّا، وكان الباي والناس يرون فيه المنقذ الوحيد لما آلت إليه الحال، فلو تشدد في عدم قبوله الحكم إلا بالنظام النيابي لاضطرَّ الباي أن يجيبه إلى مطلبه، وفي مدته كان في إمكانه تدعيمه حتى يألفه الناس ويطمئنوا إليه ويشعروا أنه حاجةٌ ضرورية من حاجاتهم.
وعلى الجملة فهذا خير الدين بما له وما عليه. حكم البلاد حكمًا استبداديًّا ولكنه عادل، وتولى أمر البلاد وهي فوضى في كل ناحية من نواحيها فعالجها بحزم وضبط وقوة، وقبض بيد من حديد على المفسدين والمتلاعبين، ودفع البلاد إلى الأمام بأقصى ما يستطيع من قوة، وعالج في كياسة التيارات السياسية في أحرج أوقاتها، ولكن كان شأنه في ذلك شأن كل مستبد عادل يزول فيزول بزواله كل إصلاح، وترجع الأمور إلى ما كانت عليه من اضطراب وفساد.
لقد سمع الباي إلى الوشاة فصد عنه، وأوسع الطريق أمام الدساسين يدسون له ويشعيون الأراجيف حوله حتى بالمتناقضات، ففريق يقول: إنه يريد تسليم البلاد لفرنسا بدليل مسألة السكة الحديدية، وآخرون يقولون: إنه يريد تسليم البلاد للدولة العلية وسلبها استقلالها بدليل مساعيه المختلفة في هذا الطريق. وقد نصحه بعضهم في هذا الموقف بأن يُشرك معه الوزراء في تصرفاته وتحمُّل المسئوليات معه، وأن يقسِّم الإدارة إلى أقسام ويجعل على كل قسم رئيسًا يلقب بوزير يتحمل المسئولية في اختصاصه، ولا يُرجع إليه هو إلا في الأمور الهامة، وبذلك توزع الأعباء والمسئوليات، ولكنه كان من الأشخاص الذين ضعفت ثقتهم بكل من حولهم وشك في كل الرجال الذين ناصروا العهد الماضي، ولم يؤمن إلا بالله ونفسه، فخشي إن هو فعل ذلك أن يتلاعب مَن يسند إليهم العمل فيما يتولونه، ويسبِّبوا له من المشاكل أكثر مما يحلُّون، فرفض هذا وظل قابضًا على زمام كل الأمور.
نجحت دسائس الدساسين فباعدوا بينه وبين الوالي، وزاد الأمر سوءًا أن الدولة العثمانية كانت قد دخلت في حرب مع روسيا، وطلب الباب العالي المعونة من الولايات ومنها تونس، فتراخى الباي عن إجابة هذا الطلب، وتحمَّس خير الدين، ودعا الأهالي إلى التطوع، فتطوعوا، وأرسل ما تطوَّعوا به إلى الباب العالي، فازداد الباي نفورًا منه لأنه لم يكن يسره الارتباط الوثيق بين تونس والدولة العثمانية.
وكان أخشى ما يخشاه الباي هياج الأهالي لعزله؛ لتعلقهم به وإظهار شعورهم نحوه في المناسبات المختلفة اعترافًا منهم بجميله. فلما كثرت الإشاعات حوله انتهز الباي الفرصة وأشعره بعدم رضاه عنه، فقدم خير الدين استقالته، فقبلها الباي. وكان ذلك في سنة (????)، وأمر الباي الموظفين بتجنبه حتى خاصة أصدقائه، وقد استأذن الوزراء الباي في زيارة خير الدين عقب استقالته فلم يأذن لهم، وأُرصدت حول داره العيون، فكان في حقيقة الأمر معتقلًا. ولما سئم هذا العيش استأذن في السفر إلى أوربا لمداواة أعصابه، فامتنع الباي أولا، ورضي أخيرًا، ثم طلب العودة، على أن يؤمَن على حريته الشخصية من غير أن يتدخل في الأمور السياسية، فلم يُرَد على طلبه بقبول ولا رفض، فحضر بنفسه من غير أمان، وضُيق عليه أكثر مما كان.
?


قضى خير الدين — بعد اعتزاله الوزارة — أعوامًا سودًا، فقد كان أشبه بسجين لا يزور ولا يُزار، ولم يتجه إلى التأليف يتسلَّى به كما فعل في العهد الماضي، إذا كان في المرة الماضية شابًّا آملًا، فأمسى في هذه المرة شيخًا يائسًا، يرى كل ما بناه من إصلاح وما وضعه من خطط يتهدم على يد الباي وأعوانه حجرًا فحجرًا، وفرنسا تتقدم للقضاء استقلال البلاد خطوة فخطوة، ثم إذا هو ضاق صدره مما يرى وتهدمت أعصابه مما يفكر سافر إلى أوربا يظن أن فيها سعة من ضيق، فإذا هي ضيق فوق ضيق، لا يلبث حتى يشعر بالحنين إلى بلاده. فعل هذا مرتين فكان يستشفي مِن داءٍ بداء.
وأخيرًا وصل إليه تلغراف من كبير الأمناء يأمره فيه بالحضور إلى الأستانة، فاطلع عليه الباي، فتردد في الإذن له، وشاور قناصل الدول، فأشاروا عليه بأن يسمح له، فسافر في رمضان سنة (????)، وكان سفرًا حزينًا، تعطف عليه قلوب الناس ولا يتيسر لهم وداعه؛ لأن الباي أمر أن لا وداع، وترك أسرته وماله في حماية مَن لا يوثق بهم في الحماية، وقد كان له أملاك كثيرة، ثلاثة قصور أهداها إليه البايات المتعاقبة جزاءً له على خدمته أيام رضاهم عنه، وغابة من شجر الزيتون أهداها إليه الباي أحمد، ومنزل كبير به مياه معدنية أهداه إليه الباي محمد، وضيعة كبيرة منحها له الباي محمد الصادق، وقد أراد أن يبيع كل هذه الأملاك لعزمه على الاستقرار في الأستانة، فعرضها على الحكومة التونسية فأبت شراءها، فأمر وكيله أن يلعن الأهالي التونسيين بخصم ??? من ثمنها، فلم يتقدم أحد خوفًا من الباي ورجال حكومته، فلما اضطر إلى بيعها للفرنسيين بعد سنة من إعلانه نقدوه نقدًا مرًّا، وفي هذا يخطر لي قول أبي العلاء:
عنب وخمر في الإناء وشاربٌفمَن الملومُ: أعاصرٌ أم حاسي؟ وصل إلى الأستانة، فوجد في انتظاره سليمان باشا مندوب السلطان عبد الحميد، وحمدي باشا كبير الأمناء، وعلي فؤاد بك السكرتير الأولى للسلطان، وتوجه إلى قصر يلدز وقيَّد اسمه، فدُعي للمقابلة في نفس المساء، وتحدث معه السلطان طويلًا، واستبقاه للعشاء معه ليكتنه كنهه ويزنه بموازينه.
وأمر السلطان فأُعد له جناح في قصر من قصوره الكبيرة، وأرسل سليمان باشا إلى تونس ليعود بأسرة خير الدين.
وسرعان ما عين وزير دولة؛ فكان يُدعى لحضور مجلس الوزراء عندما يجتمع لبحث المسائل الخطيرة، ولم يمضِ شهر حتى سمع من كبير الوزراء أن السلطان يرشحه لوزارة العدل، فرجا منه ورجا من كل من توسم فيه الجاه أن يسعى لعدم إتمام ذلك، فلم يفد شيئًا، فذهب لمقابلة السلطان نفسه وتوسل إليه أن يعفيه من ذلك، فقبل رجاءه وأعفاه.
وكانت أكبر حجة له في الاعتذار أنه لا يستطيع خدمة البلاد — وخاصة عن طريق الوزارة — إلا إذا عاش فيها زمنًا طويلًا عرف أهلها ودرس شؤونها، وتعرف كنه أمورها ووجوه الإصلاح فيها.
هذا ما كان يقوله. وأما ما يبطنه فهو أنه يرى أيضًا أن الدولة العثمانية أصبحت من المرض، بحيث لا يُرجى لها علاج في وضعها الحاضر؛ ثم هو دائم الحنين لتونس، إذ صارت وطنه يأنس بها ويستوحش من فراقها، ويفضِّل أن يكون فردًا آمنًا فيها على وزير في غيرها.
هذا الذي كان يعتذر في إلحاح عن الوزارة يُدعى إلى يلدز في الصباح المبكر يوم ? ديسمبر سنة (????م?/??????) ويقابل السلطان فيخبره أنه عُين رئيسًا للوزارة، ولما أراد أن يعتذر أبلغه أنه أمضى المرسوم ولم يعد في الإمكان إلغاؤه بحال. هذا خير الدين يُنصَّب في أيامٍ تواجه فيها الدولة العثمانية شدائد من أخطر الأمور وأشدها تعقيدًا وارتباكًا.
فتركيا في حرب مع الروس ومنهزمة أمامهم، وجيوش الروس تتقدم وتهدد العاصمة نفسها. والأسطول البريطاني في مياه البسفور، وحالة البلاد الداخلية من مالية واقتصادية ونفسية من أسوأ الحالات، حتى كان أصحاب المخابز يفضلون إغلاق مخابزهم على التعامل بنقود متدهورة تكاد تكون عديمة القيمة، و?????? مهاجرٍ لا مورد لهم ولا معين، يزحفون على العاصمة، ومعاهدة سان ستيفانو التي عقدت في برلين سنة (????) كانت طويلة الذيول تتطلب عقد معاهدة بين تركيا وروسيا في الأمور الخاصة بهما. وأبى الروسُ الجلاءَ عن أراضي الدولة العثمانية حتى تتم المعاهدة. وأبى الإنجليز سحب أسطولهم حتى تجلو الجيوش الروسية، ومشكلة قبرص معلقة، والحالة مرتبكة مع النمسا لاحتلالها البوسنة، ومشكلة الأرمن قائمة. في هذا الأتون المستعر وُضع خير الدين ليطفئ النار، وأيُّ قدرة تستطيع إطفاءها من غير حرائق؟! لقد كانت سياسته «إنقاذ ما يمكن إنقاذه».
فبذل كل ما يستطيع من رأي وجهد حتى كان الاتفاق مع روسيا، ووُضعت ضمانات تكفل مصالح المسلمين في بلغاريا ورومللي الشرقي، وخفضت التعويضات الحربية تخفيضًا كبيرًا وانسحبت الجيوش الروسية إلى بلغاريا ورومللي، كما انسحب الأسطول البريطاني من بحر مرمرة، وسُوِّي الخلاف بين تركيا النمسا بما حفظ لتركيا كثيرًا من حقوقها. وحُلت المشكلة التي استعصت على الحل نحو عشر سنوات … إلخ إلخ، وبسياسته حقًّا أنقذه ما يمكن إنقاذه.
وفي أيام وزارته هذه كانت مشكلة مصر الكبرى في آخر عهد الخديو إسماعيل، فإنه لما اضطربت الحالة المالية والسياسية في مصر عزمت إنجلترا وفرنسا على التدخل في شؤونها تدخلًا آخر جديدًا، فأرسلتا إلى قنصليهما في مصر؛ ليطلبا من الخديو إسماعيل تنازله على العرش لأكبر أبنائه «توفيق»، فأبى إسماعيل محتجًّا بأن ذلك من حق الباب العالي وحده، ومؤملًا أن يرفض هذا الباب العالي مطلب الدول. وزاد الأمر سوءًا أن قنصلي ألمانيا والنمسا انضما في الرأي إلى قنصلي إنجلترا وفرنسا، فكانت هذه مشكلة جديدة أمام خير الدين في الأستانة؛ إن هو أجاب فقد سمح للدول الأوربية بالتدخل فيما ليس من حقها، وإن هو رفض خشي أن تتجمع هذه الدول وتصمم، وتفعل بالقوة أكثر مما تصل إليها بالمفاوضة، وتقطع العلاقة الباقية بين مصر والدول العثمانية، وتنتهز الفرصة السانحة، فتلتهم إحداها مصر والأخرى تونس … إلخ.
حار خير الدين طويلًا بين الرأيين هو ووزراؤه وسلطانه، أخيرًا كان من رأيه أن يطأطئ الرأس قليلًا أمام العاصفة، ويشير على السلطان بخلع إسماعيل، ولكن يجب أن يعمل شيئًا آخر مع هذا، وهو أن يتلافى الأسباب التي جرَّت إلى هذا التدخل الأجنبي، فيسلب بعض الحقوق التي أعطيت لخديو مصر، كالاستدانة وعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية، فينتهز فرصة عزل إسماعيل لتعديل فرمان مصر. ولكن أبت إنجلترا وفرنسا ذلك؛ لأن هذا يزيد في تبعية مصر للدولة العثمانية، ومن مصلحتهما أن تكون حقوق مصر أوسع وسلطتها أكبر للأيلولة المنتظرة.
وصدر الأمر بعزل إسماعيل، وكثر الأخذ والرد في مسألة تعديل الفرمان حتى خرج خير الدين من الوزارة، فأجابت الوزارة التي وليتها مطالب الدول في إصدار الفرمان المعتاد مع بعض التعديلات.
•••

ثمانية أشهر قضاها رئيس وزارةٍ كانت أعباؤها تساوي ثمانين عامًا. ولولا ما عُهد إليه من حل المشاكل ما بقي هذه الأشهر الثمانية، ففيه من الصفات ما لا يتفق ومزاج السلطان عبد الحميد؛ فهو حرُّ الفكر، واسع النظر، متحمس في تحقيق الإصلاح، مرهف الحس في العدالة وما يتعلق بها، يرى أنه وقد عُيِّن رئيسًا للوزراء يجب أن يتحمل المسئولية، فيصرِّف الأمور كما يرى هو وزملاؤه ليتحمل نتائج رأيه؛ فأما أن يأمره السلطان ويتحمل هو المسئولية فليس حقًّا ولا عدلًا. السلطان يريده عبدًا مأمورًا، وهو يريد نفسه حرًّا مسئولًا؛ لهذا نفر منه السلطان كما نفر منه الباي من قبل.
وتألَّب عليه أيضًا رجال الدين؛ إذ كره منهم ضيق عقلهم وتعرُّضهم لما ليس من شأنهم، وتدخلهم في أمور من السياسة لا يحسنونها، وكرهوا هم منه الوقوف أمامهم وضغطه عليهم.
لكل هذه عُزل خير الدين بعد ثمانية أشهر في قسوة، وما كان أقرب المأتم من العرس، وأدرك عبد الحميد أن قد خابت فراسته فيه، وظل بعد ذلك نحو عشر سنين في مقاعد النَّظَّارة لا يمثل على المسرح شيئًا. وكل ما يرى مآسٍ لا ملهاة فيها.
ومات وهو في الأستانة في سنة (????م?/??????) عنٍ نحو سبعين عامًا ودُفن في جامع أيوب، وخلَّف تاريخًا في الإصلاح حافلًا، وكفاحًا للفساد طويلًا، وذنبه أنه لم يجد مواتيًا من الشعب ولا مؤازرًا من السلطان.
لقد كان مصلحًا اجتماعيًّا وسياسيًّا من جنس مدحت باشا، غير أن الفرق بينهما كالفرق بين السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده؛ فمدحت يُصلح، فإن عجز عن الإصلاح ثار ودبر الانقلاب، وخير الدين يُصلح فإن عجز عن الإصلاح رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني قد بلَّغت».
وكانت فضائله التي تكوِّن شخصيته: الجرأة في قول الحق وعمله من غير خوف، وصلابته فيما يعتقده من غير انحناء، وحريته في تفكيره من غير جمود، وقوة كاهله على حمل الأعباء من غير تبرم. فرحمه الله.

لون من ألوان الفكاهة المصرية


امتاز المصريون بالفكاهة الحلوة يتفننون في صنعها، ويتذوقونها ويحتفلون بها. لماذا؟ لا أدري!
كما لا أدري لماذا كانت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب أحسن الناس غناءً دون ملايين المصريين.
ولماذا كانت القاهرة أقدر على هذا الفن من غيرها من مدن الشرق كله؟ لا أدري أيضًا. وليست المسألة مسألة تقدم في المدنية والحضارة، فهناك في المدن الغربية ما يفوق مدينة القاهرة مدنيةً، ولكن لا يجاريها في النكتة. وفي العالم مدن صغيرة فاقت في ذلك المدن الكبيرة كما فاقت مدينة رشيد الصغيرة في ذلك مدينة طنطا الكبيرة.
والفكاهة أشكال وألوان؛ فهناك السخرية بالفكرة، والسخرية بالأشخاص، والتنكيت عن طريق التورية بالألفاظ … إلخ … إلخ.
ولونُنَا الذي نعرضه اليوم لونٌ طريف، له تاريخ لطيف.
فقد حدث في القرن الماضي من سنة (????) إلى سنة (????) أن كان في القاهرة شابان موسران من أسرتين كبيرتين يعيشان عيشة بوهيمية، وهما — إلى استهتارهما ومرحهما وإفراطهما في الشراب — أديبان ظريفان، يقرآن الكثير من كتب الأدب، ويعرفان الشعراء معرفة دقيقة، ويتخيران الشعر الجيد يحفظانه ويرويانه، ولهما مجلس ظريف فيه الشراب وفيه الشعر وفيه الفكاهة، هما إبراهيم أفندي طاهر، وعبد الحميد بك نافع. فكان مما خطر لهما أن يستعرضا الأدباء والعلماء في عصرهما، ويخلعا على كل واحد منهما لقبًا من ألقاب الأدباء القدماء يناسبه ويلبسه وينسجم معه.
وهي مهمة ليست باليسيرة، فلكل اسمٍ وحيه ودلالتُه، ولا بد أن يتفق وحي اللقب مع الملقب به اتفاقًا بارعًا يقابله الجمهور بالضحك والاستحسان؛ فبعض الأسماء لو سُمي به كناس كان مناسبًا، ولكن لو سُمي به أديب أو شاعر أو وزير لم يكن منسجمًا، وهكذا … وبعض الأسماء يوحي بالظرف، وبعضها يوحي بالثقل، وبعضها يوحي بالذكاء، وبعضها يوحي بالغباء، وهكذا.
وأثار عملُهما هذا ضجةً في الأوساط الأدبية، فأشاع فيها الضحك والمرح حينًا، والغضب والخصومة حينًا، فكانت معركةً حامية لطيفة. ونحن نذكر بعض ألقابهما:
كان في القاهرة «علي أغا الترجمان»، وكان عينًا من الأعيان، فيه جلال ووقار، بعمامة نظيفة وشيبة ظريفة فسمياه «القاضي الفاضل».
وكان «عبد الله باشا فكري» أديبًا ظريفًا، رقيق اللفظ، عذب العبارة، سهلًا في طباعه، يرسل الحديث على سجيته، والنكتة على فطرته، فسمياه «ابن سهل».
وكان له صديق اسمه «عبد الغني بك فكري» ضخم كبير الرأس، فسمياه «الأخطل». وعُرض عليهما «محمود صفوت الساعاتي» الشاعر المشهور، وكان نحيفًا قصيرًا كثير اللفتات والحركات فسمياه «ديك الجن». وقد غاظه هذا اللقب لما شاع في الناس، وعمل قصائد هجاء في إبراهيم أفندي طاهر.
وكان الشيخ إبراهيم الدسوقي، الأديب المصحح في مطبعة بولاق، طويل القامة، قويَّ البنية، كبير الهامة، كثير الفكاهة، حلو السمر، يجلس عند الباب الأخضر لسيدنا الحسين ويسمر مع أصحابه، وله ضحكة عالية تُسمع من آخر الشارع، فسمياه «مهيار الديلمي». والشيخ «محمد قطة العدوي»، أحد علماء الأزهر، وكبير مصححي المطبعة الأميرية، كان إذا درَّس تمايل يمينًا وشمالًا، فإذا قال بيت شعر مال يمينًا عند المصراع الأول، ويسارًا عند المصراع الثاني، فسمياه «أبو شادوف».
والسيد علي أبو النصر، والشيخ علي الليثي كانا نديمي الخديو إسماعيل، وكانا معروفين بالظرف والتنادر. وكان أبو النصر طويلًا جدًّا، فسمياه «ابن العماد»، وسمَّيا الشيخ علي الليثي «أبو دلامة» إذ كان فكهًا مضحكًا، كما كان أبو دلامة للرشيد. وكان إبراهيم بك مرزوق أبيَّ النفس شجاعًا جريئًا في قول الحق حتى نُفي إلى الخرطوم ومات بها، وكان شاعرًا قويًّا، فسمياه «أبا فراس».
ومحمود سامي البارودي، كان أيام هذه التسمية جميل المنظر، لطيف القد فسمياه «ابن رشيق».
ومحمد عثمان جلال الزجَّال كان أديبًا ماجنًا يملأ القاهرة فكاهة، فسمياه «الخليع البغدادي».
والسيد صالح بك مجدي كان شاعرًا، وكان لونه يميل إلى السواد، وفي عينه بعض حولٍ فسمياه «الأحوص».
وإسماعيل أفندي الخربتاوي كان نحيفَ الجسم جدًّا من أكل الأفيون، وانحنت قامته وتقرنص، فسمياه «ابن قرناص».
والشيخ عثمان مُدُوخ صاحب التوشيحات والأزجال كان يمشي كأنه يتدحرج فسمَّياه «دِعْبِل». والشيخ حسين المرصفي، كان كفيفًا نحيفًا يُتهم بالزندقة، فلقباه «أبا العلاء المعري». ونسيبه الشيخ زين المرصفي كان قليل الكلام فسمياه «ابن السِّكِّيت».
ومصطفى كامل أفندي معلم اللغات الشرقية بخان الخليلي، كان قصير القامة، قصير الرجلين بهما اعوجاج فسمياه «العَكُّوك».
والشيخ عبد الهادي الأبياري، كان يداخل الأغنياء ويحب الظهور ويتكلم دائمًا بنون التعظيم فيقول: قلنا وفعلنا ويضخِّم العين في نطقه، وأخيرًا ولي القضاء في بلدته «برمة» وما حولها، وقد اشتهرت برمة بتفريخ الدجاج فسمَّياه «قاضي الدجاج».
ومحمد شرارة أفندي كان ينطق بالصاد فيها صفير، فقالا عليه: إنه أفصح من نطق بالصاد وسمياه «أبا الشيص».
وكان للشيخ محمد بخاتي لحية صفراء كبيرة قليلة العرض من بدايتها آخذة في العرض شيئًا فشيئًا إلى نهايتها، فسمياه «ابن مكانس».
وكان السيد أحمد الرشيدي إمام المعية أبيض اللون له هيبة ووقار غزير شعر الشارب كثيف اللحية يلبس فرجية واسعة؛ فسمياه «هرقل» … إلخ … إلخ.
ولما فرغا من منح الألقاب طلب كل منهما من صاحبه أن يلقبه، فلقب إبراهيم أفندي طاهر «بالشاب الظريف»، وعبد الحميد بك نافع «بالصاحب بن عباد» وهكذا ملآ مصر بعلمهما هذا مرحًا وضحكًا أيام كان الضحك رخيصًا.?? كان متصلًا بهذه الحلبة الشيخ أحمد الفحماوي، وكان عالمًا ظريفًا وخطاطًا ماهرًا؛ أغنى المكتبة العربية بكثير من الكتب القديمة التي خطها بقلمه البديع وطُبعت بمطابع الحجر تحمل اسمه. وقد ألَّف رسالة فيما يجري في هذا المجلس والألقاب التي وضعها هذان الأديبان الظريفان، وسماها «بنات أفكار وعرائس أبكار»، وهي مخطوطة في مكتبة المرحوم أحمد باشا تيمور وقد لخصناها في هذا المقال.
العالَم الجديد


ظللنا طول أيام الحرب ننعم بالأحلام اللذيذة لعالَمٍ جديد تسود فيه العدالة الاجتماعية في كل أمة مهما صغرت، وكان يؤيد هذه الأحلام تقرير ميثاق الأطلنطي، والنداء بالحريات الأربع، والقول: بوجوب تأسيس نظام العالم على أساسٍ خير من عصبة الأمم … إلخ.
وكان من الناس في الشرق المتشائمُ الذي يرى أن مصير هذه النداءات كمصير عصبة الأمم في الحرب الماضية، والمتفائل الذي يرى أن العالم لقي من الكوارث ما لم يره من قبل، وتعلَّم درسًا لم يتعلمه من قبل، فيستنفع به حتمًا في بناء عالم جديد أساسه العدالة والحرية والحق.
وها هو السلم قد أُعلن وأخذ المتشائمون يفخرون بصدق رأيهم وبُعد نظرهم؛ فها هي الأمم الصغيرة لا تسمع صوت العدالة يتردد كما كانت تسمعه من قبل، والدول الكبيرة تريد الاستئثار قي الحاضر والمستقبل كما استأثرت في الماضي.
وصح ما كان يقوله العارفون من أن مشاكل السلم أعقد من مشاكل الحرب، وبدأنا نسمع من جديد كلماتٍ جديدة ذات معانٍ قديمة من «وصاية» و«حضانة»، ونسمع أن هناك أممًا لا تستطيع السير بنفسها وحمل عبئها والاشتراك في بناء المدنية، فيجب أن يأخذ بيدها من يرشدها إلى الطريق … إلخ إلخ.
•••

الحق أن المشاكل لا تُحل، والعالم لا يهدأ، حتى تتغير عقلية الشعوب الكبيرة وعلى الأخص قادتها؛ فالفرد لم يرقَ إلا يوم تعلم أن الأنانية مفسدة له وأن سعادته مرتبطة بالإيثار، وعلى هذا الإيثار تأسست الأسرة السعيدة والأمة السعيدة. وما يُفسد العالَم والأمة هو الأنانية في ثوب الوطنية، ونظرة الأمم الكبيرة بعضها إلى بعض، ونظرة الأمم الكبيرة إلى الأمم الصغيرة نظرة ملؤها الأنانية، فهي تريد أن تسود وأن تتحكم وأن تعلو.
وهذا هو أساس الفساد، ولا يُصلح هذا الفساد إلا أن يسود القادة شعور بالجمعية البشرية كلها لا بأمتهم وحدها، وأن العدالة حقٌّ لغيرهم كما هي حق لهم، وأن العالم وحدة أجزاؤه أفراد أسرة، وأن كل خلاف يُحل على هذا الأساس لا على أساس المصلحة الذاتية للأمم، وأن الأمم الكبيرة والصغيرة مسألة عدد وقوة ومساحات. أما في الحقوق والواجبات فلا صغير ولا كبير ولا شرق ولا غرب ولا أسود ولا أبيض، وبدون هذا تبقى الحرب، وتبقى المشاكل، ويبقى اضطراب العالم.
ليس لفشل عصبة الأمم من سبب إلا هذه الأنانية، ونظر بعض الأمم الكبيرة لنفسها فقط دون غيرها، ومحاولة قادتها الفوز باسم الوطنية.
وليس للحروب المتتابعة من علَّةٍ إلا التسابق في سبيل السيادة والملكية، والغنمِ في الأسواق الاقتصادية، والنظر إلى الأمور نظرة الأسود الكواسر إلى فريسة تُقتنص، وغنيمة تُنتهب، مع الأنانية الجشعة، والطمع في الخير العاجل.
خذ — مثلًا — حوادث سوريا الدامية: ما أساسها؟ أساسها أن الجنرال ديجول ورجاله يريدون أن يحتفظوا بمركزهم القديم في سوريا ولبنان، ويقدِّموا لقومهم عملًا عظيمًا هو أنهم استطاعوا رغم هزيمتهم في الحرب العالمية أن يستعيدوا مجدهم في هذه البلاد. وهي نعرة صحيحة إذا قيست بمقياس الوطنية الضيقة الأفق، وهي مثل النظرات الضيقة التي سببت الحروب بين الأمم. ولكن انظر إلى الأمر في أفق واسع: لماذا لا يكون للسوريين واللبنانيين حرية كالحرية التي لفرنسا؟ لماذا لا ينعمون أو يشقون في بلادهم وأرضهمٍ وعلى يد رجالهم كما يودُّ الفرنسيون ذلك في بلادهم؟ وإذا كانت الوطنية فضيلة للفرنسي فلم لا تكون فضيلة للسوري واللبناني؟ لا فرق إلا أن الفرنسي عنده مدافع ليست للسوري. أفهذا مبرر صحيح لعالم يريد أن يؤسس أموره على العدالة؟ أليس هذا رجوعًا إلى تحكيم القوة، ومعنى ذلك الحرب المستمرة؟ إن كان ذلك فلِمَ يخدعوننا في أيام الحرب بما لا يُنفذون في أيام السلم؟ أليس مآل هذا أن الشعوب في الأزمات المستقبَلة لا تصدق ما يقال، ولا تُخدع بما يقال، وتكون حرة بعدُ في تصرفاتها؟
وفي نظير ماذا هذا الذي حدث؟
الإجابة عن هذا السؤال كالسؤال الذي يسأل: لم كانت هذه الحرب العالمية؟ وأي شيء كسبناه منها؟ وهل شيء كائنًا ما كان يساوي الأرواح التي أزهقت والخراب الذي حدث؟ أمن أجل حفنة من الموظفين الفرنسيين في سوريا وسلع فرنسية تُباع فيها، ومظهر نفوذ كاذبة تضاع حريةُ أمة وتُسفك الدماء ويخرب البناء، وتنطوي النفوس على الحزازات؟
كل هذه المظاهر وأمثالها مظاهر عقلية قديمة لا تصلح لبناء العالم الجديد. والمصيبة العظمى أن الغرائز البدائية تتكلم ويسمع لها، والعقل لا يتكلم ولا يُسمع له!
إن العالم الجديد يريد عقليةً على غير هذا الطراز البالي. إن عقلية الفرد ارتقت ولكن عقلية الأمم لا تزال بدائية. كانت عقلية الفرد أنانية فما زالت ترقى حتى رأيناها في أسمى صورها عند بذلها النفس في الخدمة الاجتماعية، والتضحية العامة للأمة والإنسانية، فرأينا الفرد يضحِّي بنفسه لأسرته ولأمته، ورأينا الفرد يضحي بنفسه للإصلاح الاجتماعي، وللحقيقة يتعشَّقها، وللبحث عما يخفف آلام الإنسانية ونحو ذلك. هذا كله في عقلية الفرد، أما عقلية الأمم فلم ترتقِ هذا الارتقاء، بل لا تزال في طور الأنانية كما كان الفرد قديمًا، فالأمم تحارب دفاعًا عن نفسها أو للاستيلاء على غيرها، وتنظر إلى أحداث العالم من حيث نتيجتها في نفسها لا من حيث الحق ولا من حيث العدل ولا من حيث المصلحة الإنسانية العامة، وكل هذه المعاني الأنانية تبلورت فيما يُسمى الوطنية، ومصداق ذلك الحروب كلها. فأسبابها إما دفاع الأمة عن كيانها أو رغبتها في توسيع ملكها، وهذه أنانية كأنانية الفرد البدائي في دفاعه عن نفسه وهجومه لجرِّ مغنمٍ لشخصه. أما حرب تقوم انتصارًا لضعيفٍ اعتُدي عليه أو لحق أهين أو لتحقيق عدالة إنسانية فهذا ما لم نره من الأمم بعد، وهذه هي العقلية الجديدة التي ننشدها في العالم الجديد.
نريد في العالم الجديد عقليةً للأمم تُشبه عقلية الفرد الراقي، والفرد المضحي، والفرد الذي يعشق الحق ويبذل نفسه دفاعًا عنه.
هذه العقلية الجديدة يكون أساسُها عند الأمم الخدمة الاجتماعية والتضحية والنظرة الواسعة، هي عقلية تقيس الأمور بالحق العام والعدل الواسع، إذا نظرَت إلى الشئون الاقتصادية نظرت إليها نظرة عالمية؛ فالتجارة حرة، والأسواق حرة، والصناعة حرة، وليس يحكمها إلا قانون تنازع البقاء وبقاء الأصلح. أما أن تنظر الأمة إلى نفسها تريد أن تربح هي ويخسر كل الناس فعقليةٌ قديمة كعقلية الفرد يريد أن يغتني الغنى المفرط ولو كان غيره في فقر مدقع. كذلك الشأن في الشؤون السياسية، فالعقلية الجديدة تقول: إذا ظُلمت سوريا أو ظُلمت مصر أو ظُلمت العراق، تحركت الأمم القوية تطالب بالعدالة وتنصر الضعيف المظلوم، وتقتص من القوي الظالم، فلا عبرة عندها بقوة ولا ضعف، إنما العبرة عندها بالحق والحق وحده، شأنها في ذلك شأن القاضي العادل لا يعبأ بفقر الخصم وغناه وجاهه وعدم جاهه، إنما يعبأ بالحق يقضي به. في العقلية القديمة يكون نظر كل أمة إلى نفسها فقط؛ ولذلك ترى العالَم قلقًا مضطربًا مملوءًا بالنشاز، والعقلية الجديدة التي نريدها عقليةٌ يكون النظر فيها إلى العالم ككل، ونتيجة ذلك الانسجام بين أجزاء العالم ونغماته، فلا نسمع فيه نشازًا، وإن كان قُضي عليه في الحال؛ فالانسجام في الأسواق وفي العمل وفي الزراعة والصناعة والسياسة وكل مرفق من مرافق الحياة. العقلية القديمة صيد في الماء العكر، والعقلية المنشودة تعاون في الإنتاج المشروع واستخدام العلم في تحصيل الخير للناس جميعًا.
إن شرور هذه الحرب وويلاتها التي لا حصر لها نتيجة هذه العقلية البالية، وستبقى تنتج هذه الشرور وأضعاف أضعاف ما لم تتغير. إنها عقليةٌ لا روح لها ولا قلب، تستبعد الضعيف وتعبد القوة والمال.
إن العالم لا يرقى إلا برقي الأمم، والأمم لا ترقى إلا بسلوك نفس الطريق الذي سلكه الفرد. لقد كان الفرد منحطًّا يوم كان طماعًا منافقًا أنانيًّا ماديًّا، ولم يرتق من الأفراد إلا من استطاع محاربة الطمع والنفاق والأنانية، فصار سمحًا صريحًا مؤثرًا مضحيًا واسع النظر واسع القلب. فكذلك الأمم لا ترقى إلا عن هذا الطريق وعندئذ فقط يولد العالم الجديد.
إن الذي يعوق ولادة هذا العالم الجديد الزعماء الذين بيدهم زمام الأمور، وقد يبست عقولهم من طول إلفها للأنماط القديمة. ولكن العالم لا تقف أمامه الحواجز، فهو يسير رغمًا عنهم، بل ويكتسحهم، والمستقبل للعقول المرنة التي تدرك سير الزمن فتؤقلم نفسها وفقًا لمقتضياته.
ليست هذه الحرب إلا إنذارًا بأن العالم القديم لم يعد صالحًا، فإن أدرك الزعماء سر إشارته، وإلا فسيكرر الإنذار تلو الإنذار، وكل إنذار يكون أشد مما قبله حتى يعمل الناس بإشارة الزمان، ويعتنقوا العقلية الجديدة التي غايتها وحدة العالم في كل مرافقه والنظرة العالمية لا النظرة القومية.

أغنى الناس …


أما في نظر مصلحة الضرائب وعند الصرافين، وفي حساب البنوك فأغنى الناس أكبرهم رصيدًا، وأكثرهم دخلًا وأعظمهم «وِرْدَ مال».
ومن أجل هذا يُعد أثرياءُ الحرب من أغنى الناس؛ فهذا مورِّد بضائع للمراكب كسبَ مئات الآلاف، وهذا متعهد أنفارٍ أصبحت ثروته تُعد بالأرقامٍ الأربعة أو الخمسة، وهذا يقدِّم للجيش بعض المؤن وأنواع الأغذية قفز دفعة واحدة من فقرٍ مدقع إلى ثراء واسع.
فهؤلاء جميعًا وأمثالهم يعدون من أغنياء الناس في نظر الإحصاء، وفي نظر علماء الاقتصاد وفي نظر من يعوِّلون على الدفاتر والسجلات.
ولكن بجانب هؤلاء العدَّادين قوم آخرون يُسمون الأخلاقيين أو الفلاسفة، لا يقدرون المال بعدده ولكن بقيمته، ولا يقدِّرونه بالقدرة على الشراء ولكن بقدرته على الإسعاد، ولا يقدِّرونه بالرصيد ولكن بمقدار الانتفاع به، فقد تكون ألف جنيه في يد رجل مصدر شقائه، وعشرة جنيهات في يد رجل آخر مصدر سعادته، فهم يَعدُّون الثاني ذا العشرة أغنى من الأول ذي الألف.
وقد يعد بعض الناس هؤلاء الأخلاقيين أو الفلاسفة طائفة من الخيالين أو المغفلين، ولكن — مع الأسف — نظرتهم هي الصادقة، على الأقل في نظري.
فكم من ثري حربٍ تدفق المال على يديه من غير حساب، وضعف عقله من غير حساب أيضًا، فكان المال في يده ليس إلا وسيلةً لأن يلهو من غير قيد ولا شرط، ويسرف في الخمر والنساء والقمار؟ فيفقد أسرته وأولاده ونفسه وصحته، ويكسب شهوةً وقتيةً سريعة الزوال، وهذا هو كل نتيجة الثروة، أو أن يشيد قصرًا فخمًا ويزينه بالأثاث الفاخر والخدم والحشم، ويتزوج زوجة جديدة مناسبة للقصر الجديد، ويقيم الولائم تزخر بالمأكول والمشروب، ولكن كل هذا طلاء ظاهر، ولا ذوق يتذوق جمال القصر وأثاثه، ولا عقل يستمتع بهذا النعيم، وإنما هو مظهرٌ ورياءٌ ونعيم كنعيم البهيم، ولذة كنار الهشيم، تشتعل سريعًا وتنطفئ سريعًا؛ وآخر من أثرياء الحرب رأى المالَ يتكاثر عليه فجنَّ به جنونه، ونما عنده الحرص والطمع إلى درجة الشره، وانقلب المال في نظره مِن وسيلة للسعادة إلى مقصد يُطلب لذاته. فأصبحت حياته كلها موجهة إلى جمع المال وادخاره وكنزه، فعاش في الواقع هو وأهله أفقر مما كانوا قبل أن يغتني، ولم يزد عليه إلا أعباء المال الثقيلة والتفكير العنيف في كيفية استغلاله والمحافظة عليه. وغير هؤلاء أشكال وألوان كلهم في الشقاء سواء.
مِن أجل هذا جاء هؤلاء الأخلاقيون والفلاسفة (المغفلون!) وقوَّموا المال تقويمًا آخر بمعناه لا بعدده، وبكيفيته لا بكميته، وهؤلاء إذا سألتهم عن أغنى الناس أجابوا إجابة أخرى تختلف عن الإجابة الأولى كل الاختلاف. قالوا: أغنى الناس من مُنح الصحة في جسمه وعقله ونفسه — واستطاع أن يكوِّن حوله أسرة يسعد بها وتسعد به، ويعرف كيف يسعد في أسرته إذا نال الضروري من المال أو تدفق عليه المال، عنده من المرونة ما يستطيع بها أن يُكيف نفسه حسب ظروفه المحيطة به، لا يُغرقه الحزنُ فيختنق منه، ولا يطغيه السرور فينسى ما يجب عليه، ذو عقل مثقف يجد اللذة في المعاني كما يجد اللذة في المادة، يرى من ضرورات الحياة أن يكون في بيته مكتبةٌ لغذاء عقله وعقل أسرته كما في بيته «مطبخ» لتغذية معدته وعدة أسرته، فإن حُرم الكتاب كان كمن حُرم الطعام، له وجبة عقلية كما له وجبة غذائية؛ لذلك لا يستوحش من الوحدة إذا كانت؛ لأن بين يديه عقولًا كثيرة تحدِّثه، ولا يسأم من الجمعية إذا كانت؛ لأن عقله يجد فيها مادةً لتفكيره وغذائه. عقله الواسع ونفسُه الواسعة يوسعان عليه دنياه فلا يشعر بضيق كالذي يشعر به مَن قصر نفسه على اللذائذ المادية؛ لأن اللذائذ المادية قصيرة الوقت داعية السأم والملل؛ لقلة تنوعها وزهادة للنفس منها إذا أفرط فيها كما تُزهَد الحلوى إذا كثر سكَّرُها.
قد مُنح — إلى عقله الراقي — ذوقًا راقيًا يدرك الجمال ويُسر به وتتفتح نفسه له، يعشق الورد الجميل والبحر الجميل والمنظر الطبيعي الجميل وكل شيء جميل، ويرى أن حاسة الجمال حاسة سادسة مَن فقدها كان كمن فقد بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، فكان هذا مصدر متعةٍ كبيرة في حياته.
ينظر إلى الدنيا نظرة اطمئنان، لا جازعًا على ما فات، ولا شديد التطلع لما هو آت، ولا مزهوًّا بما كان في يده، يعمل ما استطاع لتحسين حالته، وللخير الذي ينشده، وللرقيِّ الذي يصبو إليه، ولكن إذا بذل كل جهده في اطمئنان، فلا عليه بعد ذلك أن تكون النتيجة ما تكون.
وهو فوق سعة عقله ورقة ذوقه وطمأنينة نفسه قد مُنح شيئًا أهم من ذلك هو سعةُ قلبه. وسعة القلب معناها قلبٌ يشع بالحب على كل شيء، ويشع كل شيء عليه حبًّا، فهو كما وصفه ابن المعتز:
قلبي وثَّاب إلى ذا وذاليس يَرى شيئًا فيأباهيهيمُ بالحُسْنِ كما ينبغيويرحَمُ القبح فيهواه يحب الجار والصديق والطفل والحيوان، والجنس غير جنسه، والأمة غير أمته، فهو كما يقول الصوفية: «أحبوا الله فأحَبوا ما خلق»، حتى الأعداء فهمهم فرحمهم فأحبهم.
في هذا القلب الواسع مكانٌ لكل رأي ولو خالف رأيه، ولكل نظرةٍ ولو خالفت نظرته، وفيه مكانٌ للغد كما فيه مكان لليوم، ولكن ليس فيه مكان للخوف؛ فهو مميت كالسم، وليس فيه مكان للشك فهو مظلم كالليل.
ضيق القلب يستوجب الحربَ، وسعةُ القلب تستوجب السلم.
ضيقُ القلب يستنزف الدموع وسعة القلب تجففها.
إن ثِريَّ الحرب وأمثاله من الأثرياء ممن مُنحوا مالًا ولم يُمنحوا عقلًا ولا ذوقًا ولا قلبًا، يعيشون في أكواخ من أنفسهم ولو سكنوا في أفخم القصور، ويعيشون في ظلمة من قلوبهم ولو أضيئت مساكنهم بأقوى الأضواء.
فقيراطٌ من رقي عقلٍ ورقة ذوقٍ وسعة قلب، خير من فدانٍ مِن ثراء الحرب.

اصنع حياتك


كل إنسان في هذه الحياة قادر — إلى حد ما — أن يصنع حياته؛ فقيرة أو غنية، خصبة أو مجدبة، سعيدة أو شقية، باسمة أو عابسة … نعم إن للوراثة والبيئة دخلًا في تحديد حياته، فهو — إلى درجة كبيرة — ذكي أو غني بالوراثة، قوي الأعصاب أو ضعيفها بالوراثة، وهو ناشئ في وسط فقير أو غني بالبيئة، معتاد عاداتٍ حسنة أو سيئة بالبيئة وهكذا، ولكن إرادة الإنسان وعزمه وهمته وتربيته نفسه قادرةٌ قدرة كبيرة على التغلب على عقبات الوراثة والبيئة. نعم إنك لا تقدر أن تكون في الذكاء قوة مائة إذا خُلقت وذكاؤك قوة عشرين، ولكنك قادر أن تستعمل ذكاءك المحدود خير استعمال حتى يفيد فائدة أكثر ممن ذكاؤه مائة إذا أُهمل، كمصباح الكهرباء إذا نُظف، وكانت قوته عشرين شمعة كان خيرًا من مصباح قوته خمسون إذا علته الأتربة وأُهمل شأنه؛ ونعم إنك لا تقدر أن تساير أبناء الأغنياء في ملبسهم ومأكلهم ومركبهم، ولكنك تستطيع أن تعيش عيشةً نظيفةً وصحية بدخلك القليل حتى تفوق الغنيَّ في مظهره البراق إذا لم يَسِرْ على قوانين العقل والصحة، وهكذا.
إذن فالوراثة والبيئة لا تعوقان الإنسان عن إسعاد حياته إذا مُنح الهمة وقوة الإرادة والتفكير الصحيح، ومجال القول في ذلك فسيح، ولكني أقتصر هنا على بعض هذه المبادئ.
أول نصيحة لك ألا تيأس، وأن تتوقع الخير في مستقبلك، ولا تقطب وجهك زاعمًا أن الخير مُنِحَهُ غيرك وليس منه نصيب، ووسِّع أفقك واعتقد أن العناية الإلهية لن تحرمك الخير في مستقبلك، فاعتقادك أن لا مستقبل لك ولا أمل في حياتك، وأن لا خير ينتظرك سُمٌّ قاتل يضني الإنسان حتى يميته — وعلى العكس من ذلك توقعه الخير وأمله في الحياة يوسع أفقه، ويحمله على أن يوسع معارفه في الحياة، وعلى الجد فيما اختاره لنفسه من صنوف العيش، وعلى استعمال المادة التي في يده خير استعمال.
لا تتعلل بأنك لست نابغةً، ولا أن الظروف لا تواتيك ونحو ذلك؛ فالعالم لا يحتاج إلى النوابغ وحدهم، والنجاح ليس مقصورًا على النابغين وحدهم، وبذرة الجوافة ليس من حقها أن تطمح في أن تكون شجرة مانجو أو شجرة تفاح، ولكن ما ضرَّها أن تكون شجرة جوافة حلوة لذيذة، والحياة تتطلب الجوافة كما تتطلب المانجو والتفاح؟
إن كثيرًا من الشبان يعتقدون أن هناك مَن مُنحوا قدرة على التفوق من غير جهد، وعلى الإتيان بالعجائب من غير مشقة، وعلى قلب التراب ذهبًا بعصا سحرية، ولكن كلُّ هذه أفكار عائقة عن العمل وعن النجاح.
كل من ساروا في طريق العمل بدءوا حياتهم بنوع من الغموض والشك والظلام، ولكن مَن نجح منهم إنما نجح؛ لأنه بعد أن بدأ حياته أحس أن في يده مصباحًا من نفسه يضيء له الطريق ويستحثه على السير، وكلما تقدم إلى الأمام خطوةً استحثه عزمه على متابعة الخُطى في غير خوف ولا ملل، ومتى أراه مصباحه أنه سائر على هدى وعلى صراطٍ مستقيم لم يتشكك في سيره، ولم يتعجل النجاح، واستمر في طريقه حتى يبلغ الغاية.
وخيرُ وسيلةٍ للنجاح في الحياة أن يكون للشاب مَثلٌ أعلى عظيم يطمح إليه وينشده، ويضعه دائمًا نُصب عينيه، ويسعى دائمًا في الوصول إليه: أن يكون عالمًا عظيمًا أو تاجرًا عظيمًا أو صانعًا عظيمًا أو سياسيًّا عظيمًا، فمَن قنع بالدون لم يصل إلا إلى الدون. ونحن نشاهد في حياتنا العادية أن من عزمَ أن يسير ميلًا واحدًا أحسَّ التعب عند الفراغ منه، ولكن مَن عزم أن يسير خمسة أميال قطع ميلًا وميلين وثلاثة من غير تعب؛ لأن غرضه أوسع وهمته المدخرة أكبر.
إنا نشاهد أن كل مَن رسم لنفسه غرضًا يسعى إليه، وأخلص له واستوحاه واجتهد في الوصول إليه نجح في حياته، ولو لم يدرك الغاية كلها أدرك جانبًا عظيمًا منها.
أكبر أسباب فشلنا أننا نخلق لأنفسنا أعذارًا وأوهامًا وعوائق حتى تكون لنا سدًّا كبيرًا كسد الصين؛ حجارته أحيانًا سوء الظن، وأحيانًا تخذيل النفس، وأحيانًا الشك في النتيجة، وأحيانًا الخوف من الفشل، وأحيانًا الكسل، إلى غير ذلك من أسباب، ولا تزال هذه الأحجار تتراكم حتى يحجب السور الشمس عن أعيننا، فلا نرى خيرًا ولا نرى غاية.
ليس الإنسان إلا بذرة أو نبتة تسعى دائمًا للخروج إلى الشمس والهواء الطلق، وثمرتها إنما تثمر بحظها من هذين، وبذرة الإنسان يُقضى عليها بهذه العوائق التي ذكرنا فلا تثمر.
إن هذا المثل الأعلى الذي يجب أن ينشده الشباب يجب ألَّا يكون المال وحده لو من طريق التحايل والمكر، واستغلال الآخرين لمصلحته وابتزاز الضعفاء لشخصه، فتلك وسيلة من الوسائل الحقيرة، والنجاح المؤسس على هذا نجاح حقير رخيص؛ إنما النجاح الحق أن يجمع — إلى نجاحه في عمله — نبله في خلقه وصدقه وأمانته في نفسه وعطفه وتسامحه وبره بالضعفاء وذوي الحاجة، فلم يُخلق الناس حوله ليكونوا مادة لاستغلاله، إنما خُلقوا ليتبادل معهم المنافع والخير العام.
إن مما يُؤسَف له أن نرى الآن موجةً تطغى على الناس أن يقيسوا نجاح الشخص بما حصَّله من مال؛ فالموظف مقدار نجاحه الدرجة التي نالها، والتاجر ما كسب في تجارته من غير سؤال دقيق عن الوسائل التي استخدمها في حصوله على هذه الدرجة، ووصوله إلى هذا المال، أبالملق والخداع والحيل وقول الزور والبهتان وضياع المبادئ أم بغير ذلك؟ أبالتلاعب في التجارة واستغلال الضعفاء، وانتهاز الفرص أم بغير ذلك؟ إن كان الأول فليس في الحقيق نجاحًا، إنما هو نجاح إذا سمينا السارق لا يُضبط بجريمته ناجحًا. فالحصول على المال والدرجة وحده لا يكفي ما لم نقف طويلًا ونتساءل عن الوسائل التي استخدمها في الحصول على غرضه؛ أوسائل شريفة؟ فذلك النجاح، أو وضيعة؟ فلا نجاح. بل إن الشخص إذا رسم مثله الأعلى في النجاح مع الأخلاق، وسار عليها ثم لم يصل إلى غايته ولم يدرك بُغيته خيرٌ ألف مرة للمجتمع ممن جعل كل غرضه المال مهما تخطى في سبيل ذلك رقاب الناس.
ليس الإنسان حيوانًا آكلًا شاربًا فحسب حتى يقدِّر نجاحه بمقدار ما يُحصِّل من مال يأكل به أفخم الأكل، ويشرب به أعذب الشراب، إنما الإنسان فوق ذلك إنسان يستمتع بحب الخير، وإدراك جمال الدنيا وجمال الأفعال ويشعر بالسمو.
إن الغِنَى إذا طُلب يجب أن يُطلب بجانبه غِنى النفس، وتسليحها بحب الخير والعمل للخير. وما قيمة أموالٍ تكدس وذهبٍ وأوراقٍ مالية تُجمع إذا صحبَها فقر النفس؟ إن غِنى النفس في حب التسامي وحب الخير وحب الرحمة وحب تقديم الخير والأخذ بيد الضعيف وذوي الحاجة. هذا هو الغنى الدائم، أما غنى المال فغنًى بائد.
لستُ أريد أن أثبط الشباب عن الرغبة في النجاح المادي من رغبةٍ في وظيفةٍ راقية، أو تجارة ناجحة أو عملٍ يدر الربح، فذلك مطلب مشروع، ويجب أن يكون، ويجب أن يحارِب الزهادة في الحياة، والرضا بالدون من العيش، والميل إلى الكسل والخمول، والارتكان على الحظ والقدر. إنما الذي نريد أن نقوله إن ذلك لا يكفي ما لم يُدعم بالخلق، ولا يصح مطلقًا أن تطغى الرغبة في المال على الرغبة في الخلق والسمو النفسي ومحاسبة النفس على الوسائل التي نحصِّل بها المال.
ومن أهم الأمور في تكوين حياتك وصنعها ثقتُك بنفسك، واعتقادك فيها أنها صالحة للحياة قابلة للنجاح. ولا أضرَّ على الإنسان من احتقاره نفسه واعتقاده عجزه. وبعض الناس مصابون بهذا المرض، يعتقدون في أنفسهم أنهم لا شيء وأن لا قيمة لهم، وأن لا أمل في نجاحهم؛ إما لأنهم وُلدوا فقراء؛ وإما لأنهم ليسوا من بيوت كبيرة، وهذا أكبر خطأ يرتكبونه نحو أنفسهم — ومِن المسئولين عن هذا خطباء المساجد والوعَّاظ؛ فإنهم يجتهدون أن يحقر الإنسان من نفسه ويعتقد أنه لا شيء، مع أن الأمة لا تحيا ولا تتقدم إلا إذا وثق أفرادها بأنفسهم. والقرآن نفسه بَثَّ روح الثقة بالنفس والاعتزاز بالأمة فقال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ.
وضعفُ الثقة بالنفس يقتل طموحها ويقتل استقلالها ويُفقدها حياتها. ومِن طبيعة الناس أنهم يحتقرون من احتقر نفسَه، ويدوسون بأقدامهم من استذل، ومِن عادتهم أن يحترموا من احترم نفسه، ويثقوا بمن وثق بها ويعاملوا معاملة الإنسان من تذكر دائمًا أنه إنسان، غاية الأمر أن الإنسان كثيرًا ما يخلط بين الثقة بالنفس واحترامها وبين الكِبْر والغرور. الثقة بالنفس اعتقادك بقدرتك على ما تتحمله من أعباء وما تلتزمه من واجب، ومعرفتك الصحيحة بنفسك ونواحيها الجيدة، والكبر والغرور تعظيمُ نفسك أكثر مما تستحق، والمطالبة بالجزاء من غير عمل، وخداع الناس بالمظاهر الكاذبة من غير أن تكون لك قيمة حقيقية.
ثقتك بنفسك واحترامك لها مِن غير كبر وغرور أحسنُ تأمين على الحياة ضد الوقوف في المواقف الخسيسة، وضد أعمال النذالة.
بعد أن يكون لك مَثل أعلى تنشده وتعمل للوصول إليه، وبعد الثقة بنفسك واحترامها، اجتهد أن تبسم للحياة؛ فالابتسام للحياة خير دواء للعقل وخير علاج لاحتمال المتاعب إن أعيته، والابتسامُ للحياة يضيئها، فإن رأيتَ عابسًا فلا بد أن يكون هناك من أخطأ في تربيته من آبائه أو مدرسيه. وقد أرتنا التجربة أن الفرحين المستبشرين الباسمين للحياة خيرُ الناس صحةً، وأقدرهم على الجد في العمل وأقربهم إلى النجاح وأكثرهم استفادةً وسعادةً مما في يدهم ولو قليلًا. ومن أكبر النعم على الإنسان أن يعتاد النظرَ إلى الجانب المشرق في الحياة لا الجانب الظلم منها. إن العمل الشاق العسير يخف حمله بالطبع الراضي والنفس الفرحة. قيل لشيخٍ هرم: إنك في ظل السبعين من السنين، قال: لا، ولكني في الجانب المشمس من الحياة. إن الباسم للحياة يرى الجانب المشمس منها، والمتشائم لا يرى إلا الجانب المظلم، فعوِّد نفسك هذه العادة، وانثر الأزهار باسمًا على كل من عاملته، ولا تنظر للحياة من خلال نظارة معتمة.
توسيع أفقك وتحديد مَثِلك عاليًا وطموحك أن تكون عظيمًا، ثم ثقتك بنفسك واحترامك لها في غير كبرياء وغرور، ثم تفاؤلك وابتسامك وسرورك هي الخيوط التي يجب أن تنسج منها حياتك، وما أحسنه من نسيج، إنك إن فعلت كان ذلك خيرًا لك ولأمتك، وكان ذلك نجاحًا عظيمًا ولو لم تكسب مالًا كثيرًا، فما قيمة المال إذا لم تكن سعادة؟ وما قيمة النجاح إذا لم يكن خلُقٌ؟ وما قيمة الدنيا إذا عبستَ في وجهها دائمًا؟

الرأي العام


الرأي العام رأي الأمة، رأي الشعب، رأي الجمهور، فإذا كان أغلب الناس يرى الدخول في الحرب أو عدمه قلنا: إن هذا هو الرأي العام للأمة، وإذا كان الناس يرون أن نظام التموين في البلاد صالح أو غير صالحٍ قلنا: إن هذا هو الرأي العام للأمة، وإذا كان الناس يمجدون شخصًا سياسيًّا أو يحتقرونه قلنا: إن الرأي العام يمجده أو يحتقره. وللرأي العام هذا سلطان كبير وخاصة في الحكومات الديمقراطية، فكل حكومة تعتمد على الرأي العام الممثَّل في البرلمان في بقائها في كراسي الحكم، وكل رجل يقوم بعمل عام كمدير السكة الحديدية أو التلغرافات أو مدير بنك أو نحو ذلك يعتمد على الرأي العام والثقة به، وإلا ما بقي في مركزه. فلو غضب جمهور الناس على مدير بنك أو مدير مصلحة أو أي قائم بعمل عام كان من الصعب أن يستمر في عمله في الحكومات الديمقراطية، بل كثير من الأعمال الحرة أيضًا محتاج لرضا الرأي العام عنه كالصحافة وكالأدباء وأصحاب الشركات وغيرهم، لا بد لنجاحهم في الحياة من رضا الرأي العام عنهم.
والسبب في هذا أن للرأي العام سلطانًا كبيرًا، يستطيع أن يرفع وأن ينخفض، وأن يولي وأن يعزل، ذلك لأن الناس في طبعهم رغبتهم في رضا مَن حولهم عنهم، وخوفهم من سخط الناس عليهم؛ فنحن في كل حياتنا اليومية نراعي رغبات الناس كما نراعي رغباتنا، نلبس ما يعجب الناس ونخشى أن نخرج من البيت من غير طربوش، ومن غير رباط رقبة خوفًا من نقد الناس، ونقيم الأفراح والمآتم إرضاءً للناس، ونجتهد في كل أعمالنا أن نرعى خواطر الناس، ونتجنب الأعمال التي تجعلهم يسيئون الرأي فينا. وما الملق والرياء والنفاق إلا وسائل مصطنعة للتحبب إلى الناس، وكسب رضاهم عن طريق الخداع. والرأي العام يتسلط على الناس ويوجههم ويخيفهم أكثر مما يفعل القانون.
وهذا الرأي العام شأنه شأنُ رأي الفرد؛ قد يكون قويًّا وقد يكون ضعيفًا، وقد يكون راقيًا وقد يكون منحطًّا، وقد يكون جاهلًا وقد يكون مثقفًا.
هناك رأي عام ضعيف مريض جاهل لا يمقت الكذب ولا الكاذب، ولا يكره الظلم ولا الظالم، وحينئذ ينتشر الكذب والظلم في الأمة؛ لأن الكاذب أو الظالم لا يردعه الاحتقار من الرأي العام. الأمة التي تحترم الظالم ولا تُسمعه كلمة سوء ولا تزدريه ولا تشعره بكراهيتها له، رأيها العام ضعيف مريض، وهي تستحق ما يجري عليها من ظلم، والأمة التي تكره الظلم وتعبر عن كراهيتها باحتقار الظالم وإهانته، أمة ذات رأي عام قوي لا يمكن أن يستقر فيها الظلم.
تصوروا قرية عددها خمسة آلاف نفس — مثلًا — إن كانوا يخضعون لظلم العمدة، ولا يقولون له كلمة تدل على كرههم لظلمه ولشخصه، ويَرَونه يرتشي ثم يسكتون عنه، ويَرَونه يسلب الضعيف حقه ثم هو يسمع كلمات المدح والثناء؛ فهذا رأيٌ عام ضُربت عليه الذلة والمسكنة. وأيُّ شيء يردع العمدة عن استمراره في ظلمه ورشوته؟ وتصوروا هذه القرية لا تقر ظلم العمدة، وإذا ظلمَ قالوا له: أنت ظلمت، واحتقروه لظلمه وسمع منهم كلمة الذم والكراهية، إنه سوف يعدل عن ظلمه، وإذا استمر لا يمكن أن يبقى عمدة مع كراهية أهل البلدة له إذا كانت هذه الكراهة مصحوبة بصراحةٍ.
وكذلك شأن العمد مع المأمورين، والمأمورين مع المديرين، والناس مع الحكومة، لا يبقى الظلم مع قوة الرأي العام، وهذا معنى الحديث: «كما تكونوا يُولَّى عليكم».
الرأي العام إذا كان مغفلًا جاهلًا استطاع المهرجون أن يضحكوا من عقله، والمزيفون أن يخدعوه بألاعيبهم وحيلهم كما يخدع «الحاوي» المتفرجين، وكما يخدع الماكر الأطفال. ولكن إذا كان الرأي العام متنورًا قاسَ الأشياء بالمنطق السليم، ووزن الرجالَ بأعمالهم النافعة لا بأقوالهم المهرجة.
الرأي العام الجاهل يُخدع بكثرة الكلام، وكثرة الوعود، وبالملق، والرأي العام المتنور، إنما يقوِّم الساسة والقادة بعملهم ونفعهم وجدهم لا هزلهم.
الرأي العام الجاهل فاسد التقويم يقوِّم الرجل بملابسه وبغناه وبمظهره، ويقوِّم الأشياء بظواهرها. والرأي العام المتنور يُحسن تقويم الرجال والأشياء فيقومها بحقيقتها. والرأي العام الجاهل يتنازع على المسائل الحزبية والمسائل التافهة حتى في أحرج الأوقات. والرأي العام المستنير يعرف كيف يدفن خصوماته، وينسى أحقاده عندما يجدُّ الجد مراعاةً للمصلحة العامة. هذا الرأي العام شأنه شأن الفرد، فرأي الفرد قد يكون ضعيفًا فيقوى، وقد يكون جاهلًا فيستنير، وقد يكون مريضًا فيصح. هذا هو الطفل آراؤه سطحية فإذا تعلم وجرب ارتقى عقله وصح حكمه على الأشياء.
كذلك الرأي العام الجاهل يمكن ترقيته وإنارته. ووسائل ترقيته أمور: أهمها تعليمه وتثقيفه ومكافحة الأمية عنده؛ لأن الرأي العام هو مجموع رأي الأفراد في الأمة. ومِن غير شك رأيُ الجهلاء أقل شأنًا من رأي المتعلمين، ولا شيء أضر على الرأي العام من الجهل. فإذا كان في الأمة نحو ثمانين في المائة لا يقرءون ولا يكتبون كان الرأي العام فيها ضعيفًا غير مستنير، يعيش في أفق ضيق ويَفهم الأمور فهمًا سقيمًا، ولا يستطيع أن يُبدي رأيًا صالحًا في حياته الخاصة فضلًا عن الحياة العامة، ولا يتجلى فيه الشعور بالقوة والكرامة؛ لأن العلم هو مبعثهما. الأمي لا يستطيع أن يستنير بكتاب ولا بصحافة ولا يتصل بالأمة وشؤونها إلا من طريقٍ ضيق فاسد كالإشاعات والروايات الكاذبة؛ ولذلك كان من السهل أن يضلل وأن يُستهوى وأن يغرر به؛ فإذا أردنا تنوير الرأي العام فلا بد أولًا من مكافحة أميته، وليست مكافحة الأمية معناها تعليمه القراءة والكتابة فقط، بل تثقيفه أيضًا بالقدر الضروري من الثقافة في الشؤون العامة الصحية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكلما قل الأميون والجاهلون في أمة، صلح الرأي العام.
كذلك من أهم وسائل إصلاح الرأي العام الصحافة من جرائد ومجلات مصورة وغير مصورة، سياسية وغير سياسية، ففي يد الصحافة سلطةٌ كبيرة على الرأي العام وتوجيهه، فهي تستطيع أن تمدَّه بالمبادئ المستقيمة والمعلومات القيمة، وتحسين الحَسن وتقبيح القبيح، وتشجيع الخير وتثبيط الشر، كما أنها إذا ساءت أفسدت الرأي العام بما تنشر من مهاترات شخصية أو توسيع الخلافات الحزبية أو تشجيع الظلم أو استغلال الغرائز الجنسية للمصلحة التجارية أو نحو ذلك — فالصحافة السليمة ترقي الرأي العام، والصحافة المنحطة تفسده — ولكن مع الأسف حتى الصحافة الصالحة تصطدم بالأمية؛ لأن الأمية لا تستطيع أن تستفيد من الصحافة؛ ولذلك كان تأثير الصحافة عظيمًا جدًّا في الأمم القارئة ضعيفًا في الأمم الأمية.
ومن وسائل ترقية الرأي العام الإذاعة؛ ففي يدها إذا صلحت أن تذيع آراء المحاضرين القيمة بلغة سهلة يشترك في فهمها كل الناس، وفي الموضوعات المناسبة للجمهور في الأخلاق والصحافة وكافة شئون الحياة — وهي أقدر على ذلك من الصحافة؛ لأن لكل إنسان أذنًا تسمع، ولكن ليس لكل إنسان عين تقرأ. بل هي كذلك ترقي الذوق العام بموسيقاها وأغانيها، ولكن إذا نزلت الإذاعة إلى مجرد ما يعجب الجمهور من غير أن تأخذه بيده وترقى به، أو فُهمت رسالتها على أنها شركة تجارية أو هيئة للدعاية أو نحو ذلك لم تحقق الغرض منها. فإن رسالتها الحقة التي يجب أن تكون هي تنوير الرأي العام، وترقية الذوق العام والقيام بما تقوم به مدرسة شعبية لتثقيف أكبر عدد ممكن من الشعب.
كذلك يَقوى الرأي العام أو يضعف بكل ما يحيط به من بيئة اجتماعية. فالخطب في المساجد وأقوال الوُّعاظ والمرشدين تُصلح الرأي العام إذا صلحت، وتُفسده إذا فسدت. والإدارة التي تحيط بالناس من عمدة ومأمور ومدير وبوليس وقضاء وأداة حكومية، كلها تُصلح الرأي العام بمقدار ما تنشره من عدالة، فإذا فسدت أفسدته — كذلك البيئة الاقتصادية، فانتشار الفقر يُمرض الرأي العام ويضعفه، والفروق الكبيرة بين الطبقات تجعل سواد الناس متخلِّقين بأخلاق العبيد. ولا شيء يُفسد الرأي العام كوقوعه في أسر الفقر وأسر الرق والذل والعبودية.
إن الرأي العام أكبر سلطان في الأمة، ولا يتم إصلاح حقيقي بدونه، وكل إصلاح من غير اعتماد عليه موقوت وعُرضة للزوال. وكل نظام وكل تشريع مهما كان صالحًا لا ضمان له ما لم يُدعم بالرأي العام.

الرقي العقلي


?


مر على الإنسان دور كان يعتقد فيه أن الأشجار والبحار والأنهار والسماء والأرض مشخصات، لها إرادة ترضى وتغضب وتعطي وتحرم ونحو ذلك — ولا يزال إلى الآن بعض المتوحشين إذا رأوا شجرة كانت تثمر ثم لم تثمر اعتقدوا أنها غاضبة، فاجتهدوا أن يسترضوها، فعلَّقوا عليها أنواعًا من الزينة، وقدَّموا إليه نوعًا من الطعام والشراب حتى ترضى وتثمر.
ويحكون أن أحد الملوك الأقدمين أمر أن يُقدَّم إلى البحر شيء من النبيذ ليسترضيه حتى إذا ركب البحر ركبه في أمان، ولما اعتدى البحر مرة على مراكبه أمر جنوده فجلدوه ثلثمائة جلدة.
وهكذا نجد بقايا هذه العقيدة عند الأمم المتحضرة اليوم، فنجد شجرة من الأشجار يُتبرك بها لاعتقادهم قدرتها على النفع والضرر، ونجد «بوابة المتولي» في القاهرة تُعلق عليها الخرق والشعور لتمنح البركة لأصحابها، وكذلك نرى عقائد الناس في الخرز و«طاسة الخضة» ونحو ذلك — كل هذا بقايا من عقائد الإنسان الهمجي يوم كان يُشخص الأشياء وينسب لها قدرة وإرادة.
كذلك كانوا يعتقدون أن السماء إله من الآلهة؛ تغضب وترضى، وتصادق الإنسان أحيانًا وتعاديه أحيانًا، فالعواصف الشديدة والمطر الغزير عند عدم الحاجة إليه والرعد والبرق علامةٌ من علامات غضب السماء، وكذلك خسوف الشمس وكسوف القمر، ولذلك يلجئون إلى المعابد يستغفرون مما فعلوا، ويهللون للشمس والقمر حتى يزول الخسوف والكسوف، ويبتهلون إلى السماء أن ترفع عنهم غضبها. وكان عند اليونان والرومان «جوبيتر» «وزيوس» هو إله السماء الذي يغضب ويرضى، ويثيب بالجو الجميل والصحو والهواء العليل، ويعاقب بالرعد والبرق والعواصف.
ومن هذا القبيل الخرافة المصرية المشهورة، وهي أن قدماء المصريين كانوا يقدِّمون للنيل عروسًا كل عام حتى يرضى ويفيض، وإلا غضب ومنع فيضانه.
والناس في الغرب والشرق كانوا يعتقدون في السحر وفي السحرة، وأن لهم قدرة فائقة على إيقاع الشر بالناس وإغراق المراكب في البحار، وتحويل الإنسان إلى كلب أو قرد. وفي سنة ???? قُبض على خمسمائة شخص في جنيف في سويسرا وقُتلوا بدعوى أنهم سحرة. ولا يُحصى عدد من قُتل بأسبانيا في أثناء محاكم التفتيش لاتهامهم بأنهم يسحرون، وكثيرًا ما رموهم في البحر ليغرقوهم، فإذا أبدوا مهارة في العوم استدلُّوا بذلك على أنهم سحرة، وأحيانًا كانوا يَسَيِّرونَهم على حديدٍ محمي، فإذا مهروا في السير عليه قُتلوا لأن هذا دليل السحر، وإذا خابوا ماتوا بالنار. وهكذا كانوا يعتقدون أن أكثر أمراض الناس وفساد الزراعة وحوادث الطبيعة من زلازل وبراكين وعواصف كلها من علم السحر أو من غضب الآلهة.
وأخيرًا جدًّا في القرن السادس عشر والسابع عشر أخذ العقل يرتقي، وبدأ يقضي على هذه الخرافات.
فبدأ العلماء — مثلًا يؤلفون الكتب الزراعية يُبينون فيها أن فساد الزراعة إذا حدث، فإنما يحدث لأسباب طبيعية تتعلق بطبيعة الأرض أو الجو أو الحشرات أو نحو ذلك، وبدءوا لا يخشون البحار ولا يرون فيها جنًّا ولا عفاريت، وأن حدوث ما يحدث لعوامل طبيعية ينبغي تحديدها والاجتهاد في التغلب عليها، وأن الأمراض لها أسباب معقولة تعالَج بالأطباء والعقاقير والعمليات الجراحية. وعلى العموم بدأ الناس يعتقدون أن العالم مسيَّر بقوانين طبيعية سنَّها خالق الكون، وأن الإنسان يستطيع أن يفهمها، وأن يُسخرها لمصلحته إذا هو فهمها وأطاعها بعد أن يكتشفها.
وبدأ الناس يتحررون من الآراء الخرافية، ويبنون حياتهم على العلم وربط السبب بالمسبب. فمعرفة الأرض وطبيعتها والحشرات والأغذية يتصل لا محالة بالمحصول. ومن يوم أن تقدم العلم الزراعي زاد محصول الأرض وتضاعف، والبلاد المتأخرة في العلم لا زالت أرضها لا تنتج ما ينبغي؛ لأنها لا تزال على عقائدها الأولى في التخريف والجهل.
وقد قرأتُ أن عالمًا زراعيًّا عُين مديرًا لمقاطعةٍ، فوجد أهلها فقراء بؤساء لا يجدون من الغذاء ما يكفيهم؛ لأنهم اعتادوا أن يزرعوا الأرض سنةٍ ويتركوها سنة، فأبان لهم أن ليس من المصلحة ولا من الضروري تركها بورًا سنة، وإنما يمكنهم أن يزرعوها كل سنة ويحسِّنوا الأرض بتغيير نوع ما يُزرع، وبهذا تحسن الأرض ويزيد المحصول، ففعلوا، وقد تركهم بعد إقامته بينهم سنين وقد تضاعفت ثروتهم وحسُنَ حالهم، ووجدوا ما يأكلون ووجد بينهم أغنياء يزيد المال عن حاجتهم.
وهكذا يمكن العلم أن يُحسن المحصول، وأن يزيد الثروة وأن يزيل الفقر والبؤس. خذ مثلًا آخر: كان عند عامة الناس طبٌّ يسمى طب «الرُّكَّة»، وكان مبنيًّا على الخرافات والأوهام، فكان من يصاب بالرمد يصفون له أن يعلق على عينه قطعة لحم حمراء تتعفن بعد قليل فتكون سببًا لجراثيم ضارة. وكثير من الأمراض في الأرياف كانوا يعللونها بأنها من الحسد حتى الحميات! ويأتون بامرأة عجوز تشعل نارًا وترمي فيها قطعةً من الشب و«الفسوخ»، فإذا تبخرت مائيتها تأخذ قطعة الشب أشكالًا مختلفة، فتقول العجوز: إنها صورة المرأة أو الرجل الذي حسد، وهكذا … وهكذا. وكم ضاع بسبب طب الركة هذا من نفوس ومِن عيون؛ لأن النتيجة لا تعالَج بسببها، وإنما تعالَج بالخرافات والأوهام. فلما تقدم العلم بحث في كل شيء عن سببه، وعولج السبب كما يدل عليه العلم، فإذا كانت حمَّى حُلِّل الدم ليعرف نوع الحمى، ثم وُصف ما اكتشفه العلم في العلاج، ولا يزال العلم يتقدم لأنه ليس إلا في مفتتح حياته.
خُذ مثلًا ثالثًا — كان البحر مرعبًا مفزعًا وكم ذهبت فيه من ضحايا، وكان الإنسان أمامه جاهلًا لا يعرف قوانينه ولا التوقي من أضراره، وكان أكثر ما يُصاب به قوارب صيادي السمك؛ إذ يخرجون إلى عُرض البحر فتهب العواصف الشديدة فتغرقهم بمراكبهم، وأخيرًا تقدم العلم واكتُشف علم اسمه «المِترولوجي» يمكن به أن تُعرف حالة الجو وتُعرف العاصفة قبل حدوثها بساعات، فتصدر الإنذارات للقوارب بأن تلجأ إلى أماكن تقيها العاصفة، كما اكتشفت قوانين أخرى تقي المراكب شر الأضرار الجوية، وتؤمنها قدر الإمكان مما كان ينزل بها من أحداث.
وهكذا كلما رَقي في ناحيةٍ من النواحي استخدم العلم مكان الخرافات والأوهام، وحبس الأرواح الشريرة التي كان يخلقها بنفسه من نفسه في قمقم وقضى عليها، ونظر إلى الطبيعة نظرة حب وهدوء واسترشاد.
كم من الأضرار أصابت الناس من الاعتقاد بالجن والعفاريت، ومن الحسد والسحر ومن الزار والأحجبة وساعات النحس وساعات الوفق والطوالع والتنجيم. إن العقل إذا ضعف اعتقد في هذه الأمور، وأسند إليها كل ما يحدث من شفاء ومرض وغنى وفقر ومنافع ومصائب. ولكنه إذا قوي ورقي أنكر كل هذه الأمور، وأسندها إلى أسبابها الصحيحة، والشأن في ذلك شأن الطفل يؤمن بالعفاريت والسحر والقصص المبينة على الخيالات، فإذا كبرَ عقله أدرك أن هذه كلها أوهام وأن الأمور بأسبابها. إن أردت النجاح فذاكر دروسك، وإن أردت النجاح في التجارة فاستعد لها بوسائلها من اقتصاد وضبطٍ للدخل والخرج، وإن أردتَ الشفاء فاعرف المرض وحلل الدم وامح أسبابه، وإن أردت أي شيء فأْتِ له من بابه بتعرُّف أسبابه.
?


إن العقل في الأمم وفي العصور المختلفة ينمو كما ينمو الطفل، ويمر بمراحل كما يمر عقل الطفل، فالإنسان في عهده الأول — كما قلنا — كانت حياته كلها خاضعة للخرافات والأوهام، فكان يعتقد في أعمال الجن والعفاريت، ويشكل حياته كلها على مقتضاها، ويفسر الرعد والبرق والخسوف والكسوف تفسيرًا يناسب عقلَه من أنها من غضب الآلهة أو نحو ذلك، ويعتقد أن حياة الإنسان في الأرض خاضعة لأحكام النجوم. فالشخص سعيد لأنه وُلد في طالع سعيد؛ وشقي لأنه وُلد في طالع شقي، والحرب والسلم والغنى والفقر والموت والحياة وسعادة الزوجية وشقاؤها كلها كانوا يعتقدون أنها من أعمال الكواكب، وكانوا يعتقدون أن نجاح الزرع وعدم نجاحه راجع إلى غضب الأولياء والقديسين أو نحو ذلك.
والأمم المتأخرة في العقل تبني أعمالها على هذا التخريف، فتنذِرُ النذور للأولياء لشفاء الأمراض ونجاح الزرع، وتُعلق الأحجبة للحماية من العين، وتتمسح بالأضرحة لقضاء الحاجات، ونحو ذلك.
فإذا ارتقى العقل في الأمة بنت أعمالها على قانون السبب والمسبب، وفهمت أن خلق هذا الكون وجعله يسير على قوانين محكمة منظمة. مَن أراد المسبَّبَ يجب أن يقوم بالأسباب، فيصبح علم الطب مكان طب الركة، وقوانين الزراعة مكان الزراعة بالبركة، وتؤسس التجارة على قوانين الاقتصاد مكان التجارة اعتمادًا على الخط والبخت.
وكلما قوي العلم والمعرفة في أمة قُتلت الخرافات والأوهام.
الأمم الضعيفة العقل تبني كل حياتها على الخرافات والأوهام، فإذا ساءت العلاقة بين الزوج وزوجته — مثلًا — عملت له «الشبشبة» حتى يحبها ولا يحب غيرها، وإذا مرض الطفل أُرسل إلى الشيخ أو الشيخة ليعزِّم له، وإذا حدث ما يُهمُّهم ذهبوا إلى قارئ الكف أو ضارب الودع أو ضارب الرمل، وإذا حدث أي شيء سيئ علَّلوه بالحسد، واعتمدوا في الغنى على «فتح الكنز» وهكذا.
والأمة الراقية العقل تربي أطفالَها على ما عرفه العلم من العناية بالشؤون الصحية والتربية النفسية، وتسير في تربيته جسميًّا وعقليًّا وخلقيًّا على ما اكتشفه العلم من القوانين، والأمة الراقية العقل تسير في زراعتها حسبما اكتشفه العلم من دراسة نوع الأرض وما يصلح لها وما لا يصلح، ونوع الزراعة التي تناسبها، والآلات والأدوات الحديثة التي اكتشفها العلم، ونظام الري الذي اهتدى إليه العلم، وهكذا.
والأمم الراقية العقل تسير في تجارتها على ما عرفه العلم من نظريات اقتصادية، ومعرفةٍ بحاصلات البلاد، وكيفية التصدير والتوريد، ونظام الدفاتر في الدخل والخرج، وضبط المعاملات وكيفية استجلاب الزبائن ومعاملتهم.
والأمم الراقية العقل تسير في السياسة على حسب العلم، سواء في ذلك أمورها الداخلية أو الخارجية. فقبل أن تُقْدِم على مشروع تدرسه درسًا دقيقًا وتعرف نتائجه وكيف تتقي عيوبه وتنتفع بمزاياه. وإذا عرض عليها أمر خارجي درسته وتبينت الغرض منه، وهل نفعه لها أكبر من ضرره أم ضرره أكبر من نفعه، وتسلَّح الدارسون له بالعلم الواسع بشؤون الدول والاتجاهات السياسية وهكذا. في الأمم الضعيفة العقل يُربِّي الطفل حيثما اتفق، ويزرع حيثما اتفق، ويتاجر حيثما اتفق، وهي تسوس الناس حيثما اتفق. وفي الأمم الراقية كل شيء بالعلم وبالدرس وبالعقل، من أصغر شيء إلى أكبر شيء. وليس فرق بين الأمم الراقية والأمم المنحطة إلا العلم، واستخدامه والخضوع له في الحياة أو عدم ذلك.
ونتائج ذلك واضحة جلية لا تحتاج إلى برهان، فلو أخذتَ مائة طفل وربيتهم على الأسس العلمية في مأكلهم وملبسهم والعناية بصحتهم وعقلهم وخلُقهم، وأخذتَ مائة طفل أخرى وربيتهم حسبما اتفق في بدنهم وعقلهم وخلقهم، لرأيت النتيجة واضحة كل الوضوح. فنسبة الوفيات في الأولين أقل منها في الآخرين حتمًا، وصحة الأولين أحسن حتمًا، وعقلهم أنظف وأرقى، وخلُقهم أسمى حتمًا.
ولو أخذت مائة فدان وأجريت عليها كل ما وصل إليه العلم الحديث من رِيٍّ وصرفٍ وتغذية وآلات ومواعيد ووقاية، وأخذت مائة فدان أخرى زرعتها حيثما اتفق على النمط القديم، كانت غلة الأولى أضعاف غلة الثانية وأجود.
وهكذا الشأن في تجارةٍ على أساس العلم وتجارة على البركة — وسياسةٍ مبنية على العلم الواسع والعقل المجرب، وسياسة مبنية على الهوى والشهوات وحيثما اتفق — وأسرةٍ تبني حياتها على العلم والعقل، وأسرة تبني حياتها على الأوهام.
تأسيس الحياة على العلم يزيد في صحتها وفي إنتاجها وفي إسعادها، وتأسيس الحياة على الخرافات والأوهام يُضعف صحتها ويزيد أمراضها، ويكثر شقاءها ويشل حركتها. ولا شيء أنفع للأمة من العمل على ترقية عقلها حتى يقتل العلم خرافتها وأوهامها.

الشرف


في الحرب الروسية اليابانية الماضية أُخذ بعض الضباط أسرى ووُضعوا في مكان وأُخذ منهم كلمة ألا يهربوا، ولم يوضع عليهم حراس اكتفاء بوعدهم وكلمتهم. فما الذي منعهم أن يفروا أو يهربوا؟ كلمة الشرف.
ومن حكايات العرب المشهورة أن حصن بن زرارة لما ضاقت المعيشة به وبقومه رحل إلى كسرى، فشكا إليه ما أصابهم من الجهد في أموالهم وفي نفوسهم، وطلب إليه أن يأذن له ولقومه أن ينزلوا في البلاد المتاخمة لفارس لخصبها، فقال كسرى: إن العرب فيهم غدر فإذا أذنتُ لهم عاثوا في الأرض وأغاروا. فقال: أنا ضامن لهم، قال كسرى: فمن لي أن تفي أنت؟ قال: أرهنك قوسي. فلما جاء بها ضحك مَن حول الملك لتفاهة القوس وحقارتها. ولكن كسرى كان عارفًا بالرجل وبعادات العرب، فقبل منهم القوسَ رهنًا. فما الذي حمله على قبول قوسه الحقير؟ لأنه انضم إلى رهن القوس ذمة الرجل ووعدُه وكلمته، وقد برَّ بوعده، وهذا هو الشرف.
فالشرف في أبسط أشكاله أن يحافظ الطفل والشابُّ والرجلُ والمرأة على الكلمة تصدر منهم كأنها «عقد»، سواء في ذلك اللسان أو التوقيع بالقلم، والفرق بينهما أن التوقيع على العقد يُلزم به القانون، والنطق بالكلمة يلزم به الشرف.
وهناك مظاهر للشرف في كل عمل يعمله الإنسان. فالأطفال في أعمالهم قد يغشُّون فلا يكون لهم شرف، وقد يكونون أمناء فلهم الشرف. والبائع قد يغش في الكيل والميزان فلا شرف له، وقد يكون أمينًا فهو شريف. ورئيس الوزارة قد يحترم كلمته ويحافظ على بلاده، ويحفظ سمعتها فيكون شريفًا، وقد لا يقوم بذلك فلا يكون شريفًا، وهكذا.
وهناك نوع آخر من الشرف وهو حماية الضعفاء. فالدنيا مملوءة بالضعفاء؛ كالفلاح المسكين الذي لا يجد ما يأكل، والصانع الذي حدثت له إصابة منعته من العمل، والمريض الذي لا يجد ما يتداوى به، والأسرة التي مات ربها ولا عائل لها، والتلميذ النابغة لا يجد وسيلة لتعليمه، وهكذا وكل هؤلاء ضعفاء، وكل هؤلاء يحتاجون إلى المعونة لسد حاجتهم. فمساعدتهم وسد عوزهم والأخذ بيدهم ضرب من ضروب الشرف، فشريف من ينزل عن بعض ماله لمساعدة هؤلاء المنكوبين، وشرفاء من يؤسسون جمعياتٍ ينفقون عليها مِن مالهم وعقولهم ونشاطهم لرفع البؤس عن البائسين.
وهناك أنواع أخرى صغيرة من أنواع الشرف، إذا كان أمامك خطاب لآخر تستطيع أن تقرأه، ولكن رأيت من الواجب ألَّا تقرأه؛ لأنك لا تملكه فهذا شرف. وإذا اؤتمنت على سر فلم تَبُحْ به فهذا شرف، وإذا ضغطت عليك الحوادث لتسير سيرًا معوجًّا لا يتناسب والخلق السامي، فأبيت إلا أداء الواجب مهما ضحيت في سبيله فهذا شرف، وإذا كانت كلمة الحق تهددك في منصبك أو مالك فقلتها ولم تبالِ بالعواقب فهذا شرف.
إذًا فيجمع الشرفَ كلمة واحدة هي أن تحافظ عل الكلمة تصدر منك، وعلى واجبك تؤديه على الرغم من كل شيء.
وللشريف مكافأتان؛ مكافأة يكافئه بها الناس، ومكافأة يكافئ بها نفسه. فمكافأة الناس كالأوسمة والرتب وبعض المناصب والمكافآت المالية، والدرجات الجامعية وإقامة الخطب والهتافات إذا مُنحت كل هذه لرجل شريف لأداء عمل شريف.
وهناك مكافأة أهم من هذه وهي مكافأة الشريف نفسه برضا ضميره لأداء واجبه، هي راحة نفسه وسرورها باحتمال المشقة لعملٍ ما كان ينبغي أن يُعمل، ولذة هذا الشعور تفوق كل لذة.
كان الجنرال «غوردون» قائد حملةٍ في الصين فلما انتهت مهمته كتب يقول: «إني أعلم أني سوف أترك الصين فقيرة كما دخلتُها، ولكن ضميري مرتاح؛ لأني استطعت أن أنجي نحو مائة ألف نفس من الموت، وهذا كل عزائي». ولما مُنح ألقاب الشرف على عمله قال: إن هذه الألقاب والنعوت كلها لا تساوي عندي «بنسين»، ولما منحه إمبراطور الصين ميدالية ذهبية صهرها، وباعها وتصدق بثمنها على فقراء الصين.
الطفل الشريف يأبى أن يعمل عملًا يسيء سمعته أو فصله أو مدرسته أو حزبه في مدرسته. والرجل الشريف يأبى أن يعمل عملًا يضر بأسرته أو حزبه أو أمته، والمرأة الشريفة تأبى أن تأتي عملًا يضر بأسرتها أو أمتها. بل أكثر من ذلك أن الرجل الشريف أو المرأة الشريفة عنده شعور قوي يدفعه للإعجاب بمن يأتي بعمل يشرف أسرته أو أمته. ويتجلى هذا الشعور بالقول وبالتبرع وبالتكريم، كما أن هذا الشعور القوي يدفعه إلى السخط الشديد على من يرتكب عملًا نذلًا يحط من شأن أسرته أو أمته، ويترجم هذا الشعور بالقول والعمل.
وكما أن هناك جنيهًا صحيحًا وجنيهًا مزيفًا، وعقد بيع صحيحًا وعقدًا مزيفًا، كذلك هناك شريف صحيح وشريف مزيف، فكل الأنواع التي ذكرتها من المحافظة على الكلمة ومساعدة الضعفاء وقول الحق في صراحة، وأداء الواجب في أمانة ودفع السوء عن الأسرة والوطن، وجلب الخير لهما، كل هذه أنواع من الشرف الصحيح. أما الشرف المزيف فأنواع كذلك، كالشرف بالغنى الذي لا ينفع الغني به أمته وقومه، فاحترم الناس للغني لأن عنده ألف فدان وأقل أو أكثر احترام خاطئ، وتعاظم الغني لأن عنده هذه الأطيان شرف مزيف. إنما يكون شريفًا صحيحًا يوم يفخر أنه استخدم غناه في مصلحة قومه فساهم في أعمال الخير، وتبرع لرفع البؤس عمن كانوا سبب غناه، وخفف بماله بؤس البائسين وعوز المحتاجين.
كذلك من الشرف المزيف الفخر بالمنصب كأن يكون وزيرًا أو مديرًا أو في الدرجة الأولى أو الثانية، فهذا الفخر إن لم يقترن بالعمل النافع شرف مزيف. وواجب الأمة العاقلة أن تزن الأمور بميزان صحيح، فلا تبذل من الاحترام والتوقير والإجلال لغنيٍّ أو وزير أو مدير إلا بمقدار ما يُسدي للأمة بماله ومنصبه من خير. ولو عقل الناس لاحترموا كناسًا في الشارع يؤدي واجبه أكثر مما يحترمون وزيرا لم يؤدِّ واجبه بل أضاع واجبه.
كذلك من ضروب لشرف المزيف الفخر بالحسب والنسب، فهو من أسرة فلان ومن بيت فلان ونسيب فلان وابن فلان وحفيد فلان، فكل هذا لا قيمة له في الشرف ما لم يُدعم بالعمل النافع. ورجلٌ عصامي نشأ من بيت فقير وكان أبوه نجارًا أو حدادًا، ثم أتى بعملٍ جليل خيرٌ من الحسيب النسيب لا يأتي عملًا أو يأتي ما يشين.
ومثلُ هذا من الشرف المزيف: الأمة تفتخر بماضيها ولا تعمل لحاضرها ومستقبلها. والشاعر العربي يقول:
إذا أنت لم تَحْمِ القديم بحادثٍمن المجدِ لم ينفعكَ ما كان من قبلُ فالذي يشرف بماله أو بمنصبه أو نسبه أو تاريخه شريف مزيَّف ما لم يأتِ بأعمال شريفة من نفسه.
الشريف يحترم نفسه فلا يعمل الدنيء من الأعمال، ولو أمن أن يطلع عليه أحد، ويخاف من ضميره أكثر مما يخاف من غيره، ويترفع عن الصغائر ويحرم نفسه من بعض المباح لأنه يرى نفسه أرفع من أن تأتي بمواضع الشُّبه. والشريف يسمو إلى الغرض النبيل، ولا يهدأ ضميره حتى يناله أو يقرب منه.
لقد أخذت اللغة الإنجليزية من اللغة العربية كلمة «شريف»، واستعملتها في بعض المناصب الرفيعة، وسمَّت بعض المحاكم «محكمة الشرفاء»، فهل يعتز العرب بهذه الكلمة، ويتخذونها أساسًا لأفعالهم كما تأصلت في لغتهم؟ أرجو ذلك.

قصة محتال


قرأت منذ أيام عن رجل من الأعيان استغفله دجال وأوهمه أن في بيته كنزًا لا يُفتح إلا على وجه ابنته، ثم غافله وأخذ بنته وماله وهرب بهما. والاستغفال داء قديم عُرف في كل العصور وعند كل الأمم، ولكن قلَّ اليوم بانتشار العلم وتعلم الناس، وكلما كانت الأمة أجهل كانت مرتعًا خصبًا للمغفلين والمستغفلين، وكلما زادت ثقافةُ الشعوب آمنت بأن المسببات لا بد لها من أسبابها، وأن الدنيا قائمة على قوانين طبيعية لا تتخلف، فلم يستسلموا للدجالين والمحتالين.
وللدجالين فراسة قوية مهروا فيها كل المهارة، فهم ينظرون إلى الشخص فيعرفون مقدار ذكائه أو غفلته، وهل هو ممن يُضحَك عليه أولًا، ومن أي ناحية هو مغفل، ثم ينصبون شباكهم حسبما أدتهم فراستهم.
ولهؤلاء الدجالين طرق مختلفة لا عداد لها. فضربٌ بالرمل، والكنوز المخبوءة في البيوت التي تحرسها العفاريت ولا تُفتح إلا بالبخور والعزائم، والمشايخ الذين يأكلون النار والحيات، والذين يقرءون الكف وينبئون بالمستقبل، والذين يزعمون أنهم يؤاخون الجن والعفاريت فيُفضون إليهم بالأسرار، والذين يقرءون «الكوتشينة»، ونحو ذلك من ضروبٍ لا تُحصى.
والمغفلون أنواع والمستغفَلون أنواع، فهناك من يسهل استغفالهم لسذاجتهم وضعف عقلهم، ومنهم من يصعب استغفاله لقوة عقله، ولكنه يُرزق بمن هو أقوى منه عقلًا وأوسع حيلة فلا يزال به حتى يستغفله.
وكان من أهم طرق الاستغفال في العصر الماضي، ولا يزال دعوى القدرة على قلب الرصاص والحديد والنحاس وجميع المعادن ذهبًا بطريق الكيمياء، وقد شغلت هذه المسألة عقول الناس زمنًا طويلًا وجرى فيها الجدل الطويل: هل هذا ممكن أو ليس بممكن؟ وكم أضاع كثير من الناس أموالهم وأعمارهم في سبيل التجارب التي يجربونها؛ ليحصلوا من الرصاص أو نحوه على ذهب، وكم في دار الكتب من كتب في هذا الموضوع لا يزال بعض الناس يطلبها ليقرأها، وقصتنا هذه تدور حول هذا الموضوع، وخلاصتها:
أن السلطان الملك العادل نور الدين زنكي — ذلك الملك العظيم الذي ربَّى صلاح الدين وفتح به مصر، والذي مد سلطانه على مملكة واسعة، فملك الموصل وديار الجزيرة والشام ومصر واليمن وخُطب له بالحرمين، والذي دوخ الصليبيين وعلَّم صلاح الدين أن يُتم في حروبهم ما بدأ هو به، والذي له المآثر الحميدة في العدل وحسن السيرة. هذا السلطان مع كبر عقله وقوة نفسه استطاع محتال أن يضحك عليه، وينصب له شبكته حتى يقع فيها — كما يحكون.
ذلك أن رجلًا عجميًّا أتى إلى دمشق حيث يقيم نور الدين وكان معه ألف دينار، فبردَها وجعلها ناعمة كالتراب، ثم خلطها ببعض العقاقير وعجن الجميع بغراء السمك، ثم قطعها حبوبًا كالحمصة وجففها، ثم لبس لبس الصوفية وتزيَّى بزي الصالحين، ووضع هذه الحبوب في مخلاةٍ وأتى إلى دكان من دكاكين العطارين وقال له: أتشتري مني هذا؟
قال العطار: فما هو؟
قال الصوفي: إنه نوع من الدواء يسمى «طبرمك» ينفع من السموم، ويشفي كثيرًا من العلل ويدخل في جميع الأدوية التي تعدل المزاج وله نفع عظيم، ولولا أني شديد الحاجة إلى المال ما بعته، ولو كان أحد يعرف قدره لدفع فيه وزنه ذهبًا.
قال العطار: فبكم تبيعه؟
قال الصوفي: بعشرة دراهم.
وما زالا يتماسكان حتى باعه له بخمسة دراهم.
إلى هنا منظر غريب، رجل يبيع في الحقيقة ألف جنيه بعشرة قروش، فما غرضه من ذلك؟ هذا أول فصل في الرواية.
ثم خلع لبس الصوفية ولبس لبسَ الوجهاء واستأجر دارًا فخمة، وكان إذا سار يتبعه مملوك وجيه، وتصرف تصرف الوجهاء حتى لفت إليه الأنظار، وتعرف ببعض العظماء ودعاهم إلى بيته يقيم لهم الولائم ويُسمعهم الغناء وينفق عن سعة، فتساءلوا عن سر غناه، فقال لهم: إنه علم سر الكيمياء، واستطاع أن يحول المعادن إلى ذهب؛ ولذلك هو ينفق عن سعة، فدعوه إلى أن يعمل لهم شيئًا من هذا القبيل فأبى، وقال: أنا لست محتاجًا إلى أحد بفضل ما وهبني الله من العلم، وأنا قد حلفت بالله ألَّا أعمل هذا العمل إلا لملك، على شرط أن ينفق الذهب الذي أعمله في سبيل الله ومحاربة الصليبيين.
وانتقل الخبر حتى وصل إلى الوزير، فاستدعاه وطلب منه أن يعمل له ذهبًا فأعاد عليه قوله. ففكر الوزير وقال: والله هذه فكرة جميلة وفي عمله سعادة للمسلمين، فالصليبيون يغزوننا، ونحن أحوج ما نكون إلى المال نُعد به العدة للقتال، ونجهز به الجند، ومَن ملك المال والجند كانت له الغلبة، فلم لا ننتفع بعلمه ونحضر له المعادن، فيحولها إلى ذهب فنكون أغنى دولة وأقدرها على القتال؟
فسأله هل يخبر السلطان بذلك؟ قال: نعم.
وبلَّغ الوزير الخبر للسلطان، فاستدعاه وسأله، فأعاد عليه ما قال. قال السلطان: ولكن كم سمعتُ من مثل هذه الأقوال ثم ظهر أنها كلها دجل، كم أضاع الناس أموالهم وأعمارهم في هذه السبيل من غير طائل، وما أكثر الدجالين والمحتالين في هذا الباب!
قال الرجل: نعم أيها الملك ما أكثر المحتالين ولكني لست أحدهم، ولو كنتُ محتالًا ما احتلت على مثلك في عقله وسلطانه، ولاحتلت على غيرك من عامة الناس، ولما اشترطت أن ما أخرجه لا يُنفق إلا في سبيل الله، ومع هذا فإني أعاهدك ألَّا أمسَّ شيئًا بيدي ولا أدع أحدًا يمسه غيرك. وإنما أصف لك الأدوات تأمر بإحضارها وأقول لك: اصنع كذا واصنع كذا فتعمله بيدك حتى تثق من أن الأمر ليس دجلًا وإنما هو الحقيقة.
قال السلطان: نتوكل على بركة الله.
فكتب الرجل قائمة بأسماء الأشياء التي يأمر السلطان بإحضارها، وكان منها «الطبرمك»، فدفع السلطان القائمة للأستاذ الدار وقال له: أحضر هذه الأشياء، فأحضرها جميعًا إلا الطبرمك فلم يجده عند العطارين.
فقال الرجل: أفي دمشق كلها لا يوجد «الطبرمك»؟! هذا عجيب ولا يمكن أن يكون! قال السلطان: أما هناك شيء يقوم مقامه؟ قال الرجل: لا والله، ولكن ربما كان العطارون في دمشق يسمُّونه باسم آخر، فإذا شاء السلطان أمر المحتسب أن يذهب معي، ويفتش دكاكين العطارين ومعنا شهود عدول يشهدون على ما نعمل. ففعل السلطان ذلك.
وذهب المحتسب والشهود والرجل إلى دكاكين العطارين يفتشونها دكانًا دكانًا. وأخيرًا ذهبوا إلى دكان العطار الذي كان قد اشترى من الدجال الحبوب، وأخذ الدجال يفتح علبة فعلبة حتى عثر على العلبة التي فيها الحبوب، فقال: هذا هو الطبرمك وتهلل وجهه فرحًا، وقال: إن هذا السلطان سعيد وله حظ جميل وذلك من صالح المسلمين. وقال للمحتسب والشهود: اختموا عليه واذهبوا به إلى القلعة حيث يقيم السلطان، وسألوا العطار: بكم اشتريتها؟ قال: بخمسة دراهم. قال الدجال: هذه عشرة، ولا تضيع وقتك وتطلع إلى القلعة لقبض الثمن.
ورجعوا إلى السلطان فرحين ومعهم كل ما كُتب في القائمة، ثم قعد السلطان وخادم له أمين في ناحية وجلس الرجل في ناحية أمامهما يقول: يزن مولانا من العقار الفلاني كذا ومن العقار الفلاني كذا، ثم قال: ومن الطبرمك مائة مثقال. ووُضعت كلها في بوتقة وأحميت تحتها النار، ثم قال: اقلب البوتقة فنزلت سبيكة من الذهب الخالص لا شيء أحسن منه.
فلما نظر السلطان ذلك دُهش أشد الدهش، وبعثَّ بالسبيكة إلى الصاغة، فشهدوا جميعًا بأنها ذهب خالص وأنهم مستعدون أن يشتروه بسعر الذهب.
ثم كُررت هذه العملية عشر مرات، وفي كلها تنجح نجاحًا باهرًا، وبعد ذلك فرغ الطبرمك، فطلبوه في دكاكين العطارين فلم يجدوه.
قال السلطان: ماذا نعمل لإحضار الطبرمك؟
قال الرجل: إنه معدن موجود في مغارة في خراسان، فإذا أراد مولانا السلطان بعث من يُحضر ما يشاء من هذه المغارة ولو كان ألف حِمل جمل، وأنا عندي في بيتي بخراسان مقدار قنطار.
قال السلطان: ما لهذا الأمر غيرك، فتذهب أنت وتحضر منه مقدارًا، فإذا منع مانع فأحضِر القنطار الذي عندك.
قال: إن رأى السلطان أن يبعث غيري وأنا أبقى هنا كان أحسن؛ فإني قد طابت نفسي في دمشق.
قال السلطان: لا أحد لهذا الأمر غيرك، فأنت الذي تعرف المكان وتعرف الطبرمك.
فأطاع الرجل، وزوَّده السلطان بزادٍ ومالٍ يساوي آلاف الدنانير، وكتب له كتبًا إلى سائر البلاد ليرعوه ويُجيبوا مطالبه.
ثم انتظر السلطان طويلًا عودته.
وحدث حادثة طريفة أن رجلًا في دمشق كان يؤلف كتابًا في هذه الأيام يذكر فيه أسماء المغفلين، فوضع اسم السلطان نور الدين في أول القائمة، وبلغ ذلك السلطان، فاستدعاه وسأله: ماذا رأيت مِن غفلتي؟ قال: حكاية العجمي.
قال السلطان: إنه ذهب ليحضر الطبرمك، وماذا في هذا؟
قال المؤلف: إذا أحضر الطبرمك محوت اسمك من هذا الكتاب.
ولم يجئ الطبرمك، ولم يُمح الاسم إلى الآن.
فهل يعتبر المعتبرون فلا يُستغفلون؟ أو أن الناس هم الناس ولكل زمانٍ مغفلوه …

العدالة الاجتماعية


العدالة والعدل بمعنى واحد — وقد كان الناس يفهمون العدل على أنه بين فردٍ وفرد، وقالوا: إنه هو إعطاء كل ذي حق حقه، فالغاضب والسارق ظالم؛ لأن كليهما يأخذ مال الغير ويمنعه حقه، والبائع الذي يكيل للمشتري أو يزن أقل مما اتفقا عليه ظالمًا؛ لأنه لم يعطه حقه.
ومن أجل هذا أقامت الدولة القضاء لمنع الظلم بين الأفراد وتحقيق العدل. وأحاطت القضاء بقوة التنفيذ حتى ينال كلُّ ذي حق حقه، وأمرت القضاة ألا يتحيزوا بل يعطوا الحق لصاحب الحق من غير تفرقة بين غني وفقير ووجيه وغير وجيه وأبيض وأسود؛ ولذلك كان الرومان يمثلون آلهة العدل بامرأة معصوبة العينين ممسكة ميزانًا ذا كفتين بإحدى يديها وباليد الأخرى سيفًا. وعَصْبُ العينين رمز إلى أن القاضي يجب أن يعمى عن الاعتبارات التي تجعله يتحيز من غير حقٍّ كالغنى والجاه ونحو ذلك، ورمزوا بالميزان إلى أن القاضي يجب أن يزن لكل إنسان حقه بالدقة والضبط، وبالسيف إلى أنه يجب أن ينفذ العدل بالقوة إذا احتيج إليها.
ولما تقدم الناس في المدنية والشؤون الاجتماعية، أضافوا معنى جديدًا إلى معنى العدالة وهو العدالة الاجتماعية، ويعنون بها واجب الدولة نحو أفراد الأمة؛ فكما أن الفرد قد يكون عادلًا وقد يكون ظالمًا، فكذلك الدولة قد تكون عادلة وقد تكون ظالمة. فما هي الدولة أو الحكومة العادلة؟
الحكومة العادلة عدلًا تامًّا هي التي يكون لها من النظم والقوانين والأعمال ما يُمكِّن كل فرد من أفراد الأمة أن يُرقي نفسه على قدر استعداده في دائرة عمله. فمثلًا في الأمة طائفة من التجار يحتاجون في تجارتهم إلى تلغراف وبريد وسكك حديدية وأدوات نقل، وقدر كبير من الحرية في التعامل. فواجب الحكومة العادلة أن تحقق لهم ذلك. وفي الأمة طائفة من الفلاحين لا يمكن أن يُرقوا أنفسهم إلا إذا حصلوا على وسائل العيش الضرورية، وأسست لهم النقابات لتمدهم وتقيهم من جشع التجار ونحو ذلك، وهكذا.
وفوق هذا وذاك لا يمكن لأية طائفة في الأمة سواء كانوا فلاحين أو تجارًا أو صناعًا أن يُرقوا أنفسهم، إلا إذا حصلوا على حقوقهم الضرورية في الحياة، ومن أهم ذلك الوسائل الصحية، فلكل إنسان الحق على الدولة أن يشرب ماءً نظيفًا ويسكن مسكنًا صحيًّا، ويجد الغذاء الصحي الضروري، إذا مرض أمكنه أن يعالَج، فإن كان غنيًّا فبماله، وإن كان فقيرًا فبمال الدولة؛ بما تنشئه من مستشفيات مجانية تسع كل المرضى الفقراء، وهكذا. فإن فعلت الدولة هذا فدولة عادلة، وإلا فظالمة.
وكذلك الشأن في التعليم. فمن حق كل فرد في الأمة أن يتعلم على قدر استعداده؛ لأنه لا يمكنه أن يُرقي نفسه إلا إذا تعلم، ولا يمكن أن يحمي نفسه من جشع المرابين وظلم التجار والحكام إلا إذا تعلَّم، ولا يمكنه أن يفهم حقوقه ويطالب بها إلا إذا تعلم. فالدولة التي تنشر هذا التعليم إلى أقصى درجة ممكنة دولة عادلة، وإلا فظالمة — فإذا كان الفلاح لا يجد ما يأكل أكلًا يقوم بحاجته، ومن أراد أن يتعلم لا يجد وسيلة لتعلمه فهذا ظلم اجتماعي، وإذا وجدا كل ذلك فهذه عدالة اجتماعية.
وقد نظر أفلاطون — وهو من فلاسفة اليونان الأقدمين — نظرة راقية جدًّا إلى العدالة الاجتماعية فقال: «إن خير دولة أو خير حكومة هي التي تضع كل فرد من أفراد الأمة في خير مكان يليق به حسب استعداده، ويستطيع أن يُظهر فيه مواهبه، ثم تمده الدولة بجميع ما يحتاج إليه لأداء ما عُهد إليه به». وهو مطلب عسير لم تستطع أية دولة — مهما رقيت — الوصول إليه إلى الآن. ولكن وصل كثير من الأمم الحية إلى بعض هذا؛ كضمان وسائل الصحة لكل الأفراد، وإفساح الطريق لذوي الكفايات أن يُظهروا استعدادهم وكفايتهم بقطع النظر عن حَسبهم ونسبهم.
كل فرد في الأمة له الحق على الدولة أن يجد ما يحفظ صحته من غذاءٍ، ومن ماءٍ صحي ومن مسكن صحي، وله الحق أن يتعلم حسب استعداده، وأن يُرقي نفسه حسب استعداده، وعلى الدولة أن تحقق للأفراد كل ذلك وأن ترقيهم جسميًّا وعقليًّا وخلقيًّا إلى أقصى حد ممكن، فإن فعلت ذلك حققت العدالة الاجتماعية وإلا لا.
ولما ارتقت عقول الناس، وشعروا بضرورة العدالة الاجتماعية كان أول ما صدمهم أن رأوا أن أكبر عقبة في سبيل تحقيق العدالة هي توزيع الثروة في الأمة؛ إذ رأوا أنه توزيع غريب، فشخص يمتلك الملايين والألوف، وشخص لا يجد ما يأكل، مع أن الأول في كثير من الأحيان لا يعمل، والثاني يكدُّ في العمل بنفسه وبزوجته وأولاده، ثم لا يحصل قُوتَه وقُوتَهم. فمثل المجتمع والحالة هذه كمثل شخص مع ألف رغيف، وأراد أن يوزعها فأعطى رجلًا أعزب لا أسرة له ??? رغيفًا، وأعطى أسرة مكونة من أب وأم وثمانية أولاد رغيفًا واحدًا. أو كالمثل الذي ضربه القرآن الكريم في الخصوم الذين دخلوا على داود فقالوا: خَصْمَانِ بَغَى? بَعْضُنَا عَلَى? بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى? سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ (أي: صاحب التسع والتسعين لصاحب الواحدة) أَكْفِلْنِيهَا (أي: ملِّكْنِيهَا) وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ أي: غلبني في الحجة) * قَالَ (داود) لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى? نِعَاجِهِ ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ.
فالمجتمعات الحاضرة كصاحبي النعاج؛ رجل يملك تسعًا وتسعين نعجة، ورجل يملك نعجة واحدة، ومع ذلك لا يريد صاحب التسع والتسعين أن يترك النعجة لصاحبها، بل يريد أن يستولى عليها — سيدة تملك مئات الفساتين وتحتفظ بأثمن الجواهر، وامرأة لا تملك ثوبًا واحدًا صالحًا، ورجل يملك آلاف الأفدنة ثم يظلم الأجير التي لا تكاد تسدُّ رمقه، وامرأة غنية تُطعم كلبها وتنفق عليه في مأكله وملبسه واستحمامه ما يكفي لعائلة مكوَّنة من عشرة أشخاص لا يجدون ما يأكلون، وهكذا من آلاف الأمثلة.
نظر الناس في الأمم المختلفة هذه النظرة، ثم رأوا أنهم كانوا يعتقدون أن الثروة وتوزيعها شيء جرى به القضاء والقدر، لا يمكن تغييره، كالجو لا يمكن التحكم فيه بجعل اليوم البارد حارًّا والحار باردًا، وأن الغني كُتب له الغنى فهو غني لا محالة، والفقير كُتب عليه الفقر فهو فقير لا محالة، ولكن رُؤِيَ أن هذه الفكرة خاطئة؛ فالثروة خاضعة لإرادة الدولة وإرادة الأمة وإرادة الرأي العام، فالدولة تستطيع بما تسن من قوانين أن تأخذ من جيب الغني لتعطي الفقير، وأن تحد من غنى الغني وترفع من مستوى عيشة الفقير، وهذا يحدث بين أعيننا كل يوم، عندنا وعند جميع الأمم. فالثروة وتوزيعها ليست كالجو في خروجه عن إرادتنا، ولكن ككل شيء تحت إرادتنا، فنستطيع أن نتحكم في الثروة وتوزيعها توزيعًا عادلًا أو قريبًا من العدالة.
ثم نظروا فرأوا أن الفقير لا يمكنه أن ينال حظه من العدالة الاجتماعية، إلا إذا نال قسطًا من المال الكافي لغذائه وغذاء أسرته وتمريضهم إذا مرضوا، وتعليمهم إذا جهلوا. وأن الغني المفرط في الغنى يستطيع أن يحقق مطالبه وحقوقه بقسط من ماله، ويبقى بعد ذلك عنده مال كثير زائد عن مطالبه ومعطل لمطالب الآخرين، فيجب التدخل في هذا وتنظيم التوزيع تنظيمًا يحقق لأكبر عدد ممكن تحقيق العدالة الاجتماعية. هذه هي المسألة الكبرى التي شغلت الأذهان في كل أمة عندما فكَّروا في العدالة الاجتماعية، سواء في ذلك الأمم الاشتراكية والأمم الديمقراطية، وإن كانوا قد عالجوا هذه المشكلة بعلاجات مختلفة بعضها متطرف وبعضها معتدل.
فالأمم المعتدلة فرضت الضرائب التصاعدية على الأغنياء حتى كادت تجعل للغني حدًّا لا يتجاوزه، فإن زاد عن ذلك أخذته الدول وأنفقت منه على إصلاح حال الفقراء حتى يصلوا إلى مستوى لائق بالإنسانية، فأنفقت منه على التعليم المجاني وعلى خفض مستوى الأسعار وعلى بناء المساكن الصحية للعمال، وأعطتهم من المال المدخر أيام بطالتهم التي لا دخل لهم فيها. وهكذا رفعت مستوى الفقير وجعلت له حدًّا لا ينزل عنه، وحددت مِن غنى الغني وجعلت له حدًّا لا يتجاوزه، كل هذا طلبًا لتحقيق العدالة الاجتماعية بالتدريج في الحدود المعقولة.

المدنية تحطم الأعصاب


?


ما أصدق اللغة الحية في تسجيل الأفكار الجديدة! فكما أن اللغة تضع الاسمَ لما يُخترع من الآلات والأدوات بمجرد اختراعه، كذلك الشأن في المعاني المستحدَثة.
ونجد في لغتنا الحديثة كثرةَ استعمال «تهدمت الأعصاب وتحطمت أعصابه وتوترت أعصابه»، ونحو ذلك مما لا نجده في كتبنا القديمة، كما أننا نجد اللغة العامية أكثرت من استعمال «النرفزة» أخذًا من الكلمة الإفرنجية Nervous بمعنى عصبي المزاج. ولم يكن آباؤنا يستعملون هذه الكلمات ولا التعبيرات لأنهم لم يشعروا بتهدم الأعصاب، إنما تهدمت أعصابنا نحن بتكاليف المدنية وأعباء الحياة. والسبب في هذا الشعور بتهدم الأعصاب كثرةُ تكاليف الحياة وزيادة أعبائها وتعدد مطالبها، وانتقالُ كثير من الكماليات إلى ضروريات مما لم يكن له نظير عند آبائنا وأجدادنا، تعقدت المدنية وتركبتْ وكثرتْ فيها المطالب، وشعر الإنسان بأنه لا بد أن يوفِّي هذه المطالب كلها، وطاقته محدودة وماليته محدودة، فينوء تحت هذه الأعباء ويشعر بتهدم أعصابه.
كان أكثر آبائنا إذا علَّموا أبناءهم فكَّ الخط فهذا يكفي للحياة ولشغل الوظائف. أما الآن فالأب يحمل أعباء تربية أبنائه وبناته تعليمًا ابتدائيًّا وثانويًّا وعاليًا، وماليتُه قد تكون محدودة فيُرهق نفسه، وفي كل دور من أدوار التعليم مشاكل لا حد لها؛ هذا رسبَ في الامتحان، وهذا له ملحق، وهذا شبَّ فلا يخضع لحكم آبائه، وهذا كان متأخرًا في الترتيب فلا تقبله المدارس العالية أو الجامعة. والأسرة كلها من مشاكل من هذا القبيل لا تنتهي.
هذا بابٌ واحد من أبواب الحياة.
وهذه ميزانية البيت معقدة مركَّبة، يحصل عليها النزاع في أول كل شهر وآخر كل شهر، الرزق محدودٌ والمطالب غير محدودة. أقساط المدارس وغلاء المأكل وحاجة السيدة والأولاد إلى الملابس وحاجة الأب إلى مصاريف خاصة من أجرة انتقال وشرب دخان والماهية لا تكفي لكل ذلك، فينفق ما يستطيع من ماهيته والباقي ينفقه من أعصابه.
ويذهب الموظف إلى ديوانه فلا يزال يسمعُ من أخبار الدرجات والعلاوات ما يثير نفسَه ويُهيج مطامعِه، والويل لأعصابه إذا لم تتحقق أمانيه، ونظام كل شيء في الحياة مركب معقد، الزواج سلسلة متاعب في الخِطبْة والمهر والجهاز والعقد والحفلات — والتعليم سلسلة مشاكل، وإدارة الأموال سلسة مشاكل.
حتى الغني الذي عنده أكثر مما يكفيه متعب مهدَّم الأعصاب من إدارة أمواله؛ هذا سرقه وهذا أكل ماله، والقضايا تُرفع في المحاكم، والقضية الواحدة تطول ويتفرع عن القضية عشر قضايا والمطالب عليه تتكاثر، مشاكل إدارة الأطيان والفلاحين وناظر الزراعة والآلات، ثم مشاكل بيته من السيارات والخدم، وواجبات حياته الاجتماعية من استقبالات وزيارات وحفلات ومصايف ومشاتٍ ومرضٍ وعلاج، وما إلى ذلك مما لو رآه الفقير لحمدَ الله على الفقر.
كان أجدادنا أبسط عيشًا وحياتُهم أهدأ مِن آبائنا، وآباؤنا أبسط عيشًا وأهدأ بالًا منا، ونحن أحسن حالًا من أبنائنا. حياتنا كلها زائطة متعبة، في المنزل من هذه المشاكل، وفي الشارع من السيارات والعربات وسرعة الحركة وكثرة الناس، في كل محل ضوضاء، فأين تهدأ الأعصاب؟
ولهذا كان تهدُّم الأعصاب في سكان المدن أكثر منه في سكان الريف، وبين من يحملون الأعباء الكثيرة والمسئوليات المتنوعة أكثر من ذوي المسئوليات القليلة، وهكذا.
ما هي أعراض تهدم الأعصاب؟
هي بيننا كثيرة وأشكالها متعددة: ضيقٌ بالحياة وانقباض صدرٍ منها، وشعور بأن الدنيا كلها سوداء في عينيه ليس فيها ما يسر، والمبالغة في تقدير ما يحزن، والمبالغة في تقليل قيمة ما يسُرُّ، فإذا أتاه في يوم واحد عشرة أخبار تسعةٌ منها سارة وواحد منها محزن، لم يلتفت إلى التسعة السارة وعلق كل أهمية على الخبر المحزن، وبالغ فيه كأن أعصابه أوتار عود لا يوقَّع عليها إلا النغمات المحزنة، ثم ينتج عن ذلك غضبٌ لأتفه الأشياء؛ فالكلمة التي كان يسمعها فيبتسم منا أو لا يعيرها أي التفات تصبح كلمة لها أهميتها، يثور منها ويقيم الدنيا من أجلها ولا يقعدها، حتى ليكاد يغضب ممن قال له: السلام عليكم أو نهارك سعيد!! ليس عنده شيء يُتساهل فيه، يدقق في كل صغيرة، ويخلق سببًا للنزاع والخصام، والأشياء التي كان يراها كل يوم ويضحك منها أو يسكت عليها تنقلب فجأةً أشياء خطيرة لا يصح السكوت عليها ولا يصح أن تمر من غير نزاع وخصام، ثم الشك المؤلم في قيمة الحياة، فلا هو يؤمن بقيمة ماله إن كان غنيًّا ولا بقيمة وظيفته إن كان في وظيفة كبيرة، ولا بقيمة أولاده مهما كانوا ناجحين في حياتهم أو مدارسهم، بل ولا يؤمن بقيمة نفسه، ثم يُلحُّ به هذا الشك في الأشياء وقيمها إلى أن يُصاب بالتردد فلا يبت ولا يقرر؛ لأنه شاكٌّ في نتيجة هذا ونتيجة ذاك، غير مؤمن بالشيء ولا بضده، وهذا الشك وهذا التردد وهذه الحيرة تضاعف من انقباض صدره وحدَّة غضبه وتبرمه بالدنيا، ثم يحيط به الخوف من كل جانب، فهو خائف على ثروته أن تضيع، وعلى أولاده أن يصابوا بأذى، وعلى زوجته أن تخونه أو على زوجها أن يخونها، وعلى سيارته أن تحدث لها حادثة وعلى الترام يركبه أن يصطدم، وقد يبلغ به هذا الخوف إلى درجة من السخافة بمكان حتى قد يخلق من خياله أشخاصًا يتصور أنهم يدبرون له المكايد ويحيكون له الدسائس؛ ففلانٌ إنما يسارُّ فلانًا في أمره، وفلانًا قابل فلانًا لتدبير مؤامرة له، وهكذا من أنواع السخافات التي لا تنتهي، حتى ليبلغ به الأمر أن يفسر حركات الناس وتصرفاتهم تفسيرًا غريبًا يتعلق بشخصه والحط منه والكيد له، وغير ذلك من الأشكال والألوان، كحب العزلة والابتعاد عن الناس، والانفراد في حجرة حتى في بيته بين أسرته وقلة الرغبة في الكلام، ونحو ذلك، وكما أن الجنون فنون، فكذلك الأعراض تهدُّم الأعصاب فنون.
ومن مصائب هذا المرض أن صاحبه غالبًا لا يؤمن بأنه مريض، عكس الأمراض الجسمية؛ فمَن مرض بمعدته يتألم منها، وإذا لم يهضم أدرك أن العيب في معدته لا في الأكل الذي أكله. أما متهدم الأعصاب فيرى أن الدنيا سوداء كما يراها ولا يؤمن بأن العيب عيبه هو، بل في كثير من الأحيان لا يذهب لطبيب أعصاب يداويه؛ لأنه مؤمن أنه ليس بمريض، وإذا أُجبر على الذهاب إليه اعتقد أن المريض هو الطبيب.
أكثر ما يُحدث هذا التهدم العصبي عند فشل الإنسان في الحياة فشلًا فظيعًا لسبب من الأسباب، أو تحميل الإنسان نفسه فوق طاقتها من تكاليف وأعباء، وعدم إعطائها حظها من الراحة والهدوء. ولو حللنا أكثر الأسباب التي تدعو إلى هذا التهدم وجدناها ترجع إلى سببين أساسيين: الجهل والخوف.
أما الجهل وعلاقته بتهديم الأعصاب فيتجلى في عدم فهم الإنسان مقدرته ومركزه وكفايته أمام المطالب الاجتماعية، كأن يضع نفسه فوق ما يستحق، فهو يريد أن يُسخر المجتمع لخدمته، يريد أن يتزوج ويَشغل أكبر وظيفة، وتريد هي أن تتزوج خير رجل وتلعب بالمال لعبًا، ويريد هو أن يطفر في المناصب أو في الغنى طفرًا. ويريد أن يكون له الجاه العريض والنجاح السريع، والدنيا لا تسير على هواه وحده، والمجتمع إنما يسير بقيود وشروط، فإذا هو لم يحقق مطامحه البعيدة عدَّ نفسه فاشلًا، فصدمه ذلك صدمة هدمت أعصابه. وأسعدُ الناس وأهدؤهم بالًا من وزنوا أنفسهم وزنًا صحيحًا وعرفوا الدنيا التي حولهم معرفة صحيحة. عرفوا أنفسهم بعيوبها ومزاياها، وعرفوا الدنيا بعيوبها ومزاياها، وطلبوا من الدنيا فقط ما يتفق وطبيعة نفوسهم وما يتفق وطبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه — ومما لا شك فيه أن العيب ليس كله راجعًا إلى الشخص نفسه، فكثيرًا ما تكون العيوبُ الكثيرة التي تهدم الأعصاب في المجتمع نفسه، كما إذا اختلَّ فيه العدل الاجتماعي واختل فيه تقدير الكفايات، وكانت الرذائل تنجح فيه حيث تفشل الفضيلة، كذلك إذا كان المجتمع يرهق أربابَ الأسر ولا يساعدهم في تخفيف الحياة عنهم بتسهيل وسائل التعليم ووسائل العيش؛ ولذلك كان المجتمع الفاسدُ الذي تسود فيه الفوضى والاضطراب محتاجًا لكثير من المستشفيات لمتهدمي الأعصاب. إن جهلَ الأفراد بوزن نفوسهم وجهل أولي الأمر في تنظيم مجتمعهم هو أكبر سبب في تهديم أعصابهم. فتهدُّم الأعصاب ليس إلا نتيجة ارتباك في الحياة الخاصة أو الحياة العامة. وكثير من الناس يرون أنهم إما أن ينجحوا في الحياة مائة في المائة أو الخيبة المطلقة، على مبدأ الشاعر الذي يقول: «لنا الصدرُ دون العالمين أو القبر». ولكن طبيعة الحياة تأبى هذا، فليس في الدنيا ناجح مائة في المائة في كل شؤونها؛ فالمطالبة بهذا القدر وتنغيص النفس إذا لم يحدث ، والاتكاء على الأعصاب من أجل هذا المطلب المستحيل جهلٌ بقوانين الطبيعة، ويكفي الإنسان طمأنينةً وراحة بال أن ينجح بعض النجاح.
أما السبب الخطير الثاني في تهدم الأعصاب فهو الخوف وهو أشكال وأنواع: الخوف من الفشل، والخوف من الفقر، والخوف من الموت، والخوف من كلام الناس … إلخ، وليس أدل على تهديم الخوف للأعصاب مما يحصل للناس في أثناء الحرب، فالخوف على أشكاله يهدم أعصاب الناس. وليس هناك أهدأ بالًا وأصح أعصابًا ممن استهان بالمخاوف وتشجع لمواجهة الصعاب ولتكن النتيجة ما تكون. ومن الحمق أن يجمع الإنسان على نفسه ألم الخوف من الشر قبل وقوعه وألم الشر عند وقوعه. فإذا كان لا بد من ألمٍ فلكيف ألم الشر إذا وقع لا قبل أن يقع. وإذا كان أهم سبب لتهدم الأعصاب الجهل والخوف، فأهم علاج له العلم والشجاعة.
?


إن متاعب الحياة وتعقيد المدنية وإرهاق الناس بالمطالب سبب تحطيم أعصاب كثير من الناس، وربما كان ذلك في الشرق أكثر منه في الغرب. وذلك لأسباب عدة: منها فشوُّ الفقر في الشرق، والمسافات البعيدة بين الطبقات وفشوُّ الأمية. فالجهل كثيرًا ما يكون السبب في تهدم الأعصاب، ثم عدم تنظيم الحياة الاجتماعية تنظيمًا مريحًا، فأكثر البيوت لا راحة فيها من كثرة النزاع على توافه الأشياء، وضياع كثير من زمن الرجال في القهوات فرارًا من البيت، وهي أمكنة مملوءة بالضوضاء، فاسدة الهواء، فاسدة المناظر، لا تسرِّي حزنًا ولا تفرج كربًا. وليس هناك مجال للرجل المثقف ولا المرأة المثقفة ينعم فيه بالسعادة الهنيئة البريئة. فمَحالُّ اللهو لا تناسبهم، والاجتماعات العامة تضايقهم، ثم النظامات الاجتماعية لم تخفف عن الفقير فقره ولا المريض مرضه ولا ربِّ الأسرة عبئه، ولا الفلاح ولا الصانع والعامل متاعبه، إلى كثير من أمثال ذلك.
لهذا كانت ضحايا تحطيم الأعصاب كثيرة العدد، وهو يتخذ أشكالًا عديدة: منها غلبة الحزن على الشخص أو السوداء، تختلف الأسماء والمسمَّى واحد. ومصداق ذلك أن أكثر أغانينا حزينة؛ لأن نغماتها تنسجم مع النفس الحزينة، وأكثر كلامنا في عيوبنا لا مزايانا لأن ذلك يتفق وآلامنا، وأكثر احتفالاتنا في مظاهر الحزن لا في مظاهر السرور. فالمآتم والقرافة وذكرى الأربعين وذكرى الوفاة للعام الأول والثاني إلى غير ذلك، كلها تناسب النفوس الحزينة الضعيفة الأعصاب التي إن لم تجد محزَنة خلقت محزنة، بل إن لم تجد سببًا للحزن حزنت لتوقعها الحزن.
ومن مظاهر تحطيم الأعصاب أيضًا هذا الغضب السريع الجامح والانفعال الشديد للشيء السخيف، وتحوُّل الإنسان شعلة نار من الغضب ثم تحوُّله بعد ذلك سريعًا إلى لوح من ثلج بارد، وسرعة التنقل من بكاء إلى ضحك، ومن سبٍّ إلى استعطاف، ومن زمجرة إلى ندم، ومن أسد إلى قط، ومن ماء إلى حجر، كل هذه أشكال من تحطم الأعصاب.
وقد يتخذ شكلًا آخر هو شكل الخوف، خوفٌ مبنيٌّ على غير أساس، يخاف الفقر وعنده ما يكفيه، ويخاف المرض وصحته جيدة، ويخاف فساد الأولاد وهم صالحون، وسقوطهم في المدرسة وهم ناجحون، ويخاف من رؤسائه وهم عنه راضون أو من شياطين الإنس والجن أو من الترام أو من القطار، أو من خيالاتٍ لا وجود لها يخلقها هو ثم يخاف منها — هذا كذلك شكل من تحطم الأعصاب.
وشكل آخر هو حالاتٌ عقلية غريبة؛ كضعف الثقة بنفسه، فيعتقد أنه لا يصلح لعملٍ وأنه إذا عمل عملًا فهو لا يستحق شيئًا، أو يخشى الناس ويخشى الاجتماع، أو يشك في الناس ويعتقد أنهم كلهم أنجاس لا يُرجى منهم خير، أو هو لا يكترث بشأن من شئون الحياة، ولو انطبقت السماءُ على الأرض، لا تهمُّه أسرة ولا تهمُّه وظيفة ولا تهمه أمة، هذا كذلك شكل من تحطم الأعصاب، وما أكثر الأشكال والألوان! وألوف وألوف من الناس فقدوا سعادتهم، وفي كثير من الأحيان سلبوا سعادةَ من يتصل بهم لا لسببٍ إلا ضعف أعصابهم، وما نشأ عن ذلك من سوء تصرفاتهم.
وتحطم الأعصاب ليس ضرره مقصورًا على المريض وأسرته، بل هو عظيم الضرر للأمة كلها؛ فكيف يؤدي الشخص عمله في وظيفته أو متجره أو مصنعه إذا تحطمت نفسُه من تحطم أعصابه؟ كيف يركز قوته في عمله، كيف يفكر تفكيرًا صحيحًا سليمًا، كيف يؤدي عمله إذا لم ينَم النوم الكافي لضعف أعصابه؟ — كلٌّ محطَّمِ الأعصاب كارثة على نفسه وعلى أسرته وعلى أمته.
قد تكون الحالات العصبية وهمًا من الأوهام يتخيله المريض وليس به مرض، فهو يخلق المرض ولا يزال يلح في اعتقاد أنه مريض حتى ينمو المرض في نفسه، ولهذا اعتدنا من قديم أن نعالج الوهم بالوهم، كالزار والبخور والرقى وطب الركَّة ونحو ذلك؛ وقد تنجح هذه الأمور ولكن سبب نجاحها أنها أوهام تعالج أوهامًا، كالذي قرأتُ مرةُ أن طبيبًا عربيًّا — لا أذكر اسمه الآن — عُرض عليه مريض يتوهم دائمًا أنه يحمل على رأسه جرة، فإذا دخل بابًا انحنى حتى لا يعوق الباب الجرة، وقد حار فيه الأطباء، فاتفق هذا الطبيب الماهر مع خادمه أن يحضر جرة، فإذا جاء هذا المريض غافله ووقف وراءه بالجرة من غير أن يراه ثم كسر الجرة، وأوهم المريض أنها هي الجرة التي كانت على رأسه، ففعل ذلك وشفي المريض، وهكذا عالج الوهم بالوهم. ولكن في بعض الأحيان يكون تحطم الأعصاب مرضًا حقيقيًّا سببه مرضٌ في الجسم، أو مرضٌ في النفس. وكثيرٌ منا في حياته اليومية يرهق أعصابَه فتكون النتيجة ما ذكرنا.
فمثلًا قسطٌ من الراحة لا بد منه للإنسان، وإن لبدنك عليك حقًّا، فإذا أنت أنهكته بالسهر أو بالعمل ولم تعطه حظه من الراحة كان من نتيجة ذلك تحطم الأعصاب، وانشغال البال بمطالب الحياة المادية والاجتماعية، والإفراط في ذلك ضررٌ يصيب الجسم لا محالة تظهر آثاره على مدى الزمان فتضعف الأعصاب.
وتحميل النفس أعباءَ كثيرة وهمومًا ثقيلة ومداومة التفكير فيها، كثيرًا ما يُنتج هذه النتيجة، وهكذا.
مَثلُ أعصابنا كمَثلِ أسلاك الكهرباء في بيوتنا، فإذا انطفأ النور فابحث عن سببه ثم عالجه بما يصلحه، فافحص حياتك هل تعتاد عاداتٍ سيئة في جسمك فتسهر أكثر مما يلزم، أو تتعب في العمل أكثر مما يلزم، أو ترتاح أكثر ما يلزم، أو تتغذى أقل أو أكثر مما يلزم، أو نحو ذلك، واسأل مثلَ هذه الأسئلة نحو نفسك: هل ترهقها بالفكر أو تحمل الهم، هل تُحمِّلها ما لا تطيق من اجتماعات وحفلات، هل تعرِّضها لكثير من الانفعالات؟ فإذا أنت وُفقت إلى موضع الداء فعالج سلوكك كما تعالَج سلوك الكهرباء، كل شيء بما يناسبه.
فأما الأعصاب المحطمة الناتجة من مرض جسمي، فاطلب علاجها من أطباء الأجسام، وأما الناتجة عن مرض النفس، فمع الأسف لم يلتفت الناس إليها كما التفتوا إلى مرض الجسم؛ ثم كانت النهضة الحديثة في أوربا فتقدم علم النفس كثيرًا، وكان له أطباء وإن كانوا في أول مراحلهم.
غير أن هناك مفتاحًا أستطيع أن أدلَّك عليه كمفتاح البيت يفتح أبواب الحُجَر كلها، هو التنفيس عن نفسك بالتفكير في غيرك. إن الناس ينقسمون — عادةً — إلى قسمين: قسم يُكثر التفكير في نفسه، وقسم يكثر التفكير فيما حوله، وأكثر المصابين في أعصابهم هم من الصنف الأول الذي يكثر التفكير في نفسه — فحوِّل البخار المضغوط في نفسك إلى عمل خارجي؛ ولذلك ترى أن الناس الذين يشغلون وقتهم بعمل للخدمة العامة أو المصلحة العامة أقل الناس تعرضًا لضعف الأعصاب، وأكثر النساء المصابات بهذا المرض نشأ مرضهن كذلك مِن قَصر نظرهن على التفكير في أنفسهن وأولادهن وبيتهن، وعلاج ذلك عندهن تأليف جمعيات لمساعدة المرضى أو الفقراء أو البؤساء أو نحو ذلك مما يصرف ذهنهن عن إطالة التفكير في أنفسهن.
والدليل على ذلك أن المريض بأعصابه يكره المجتمعات، ويكره الصداقة إلا أن يفكر في نفسه؛ فالدواء لا بد أن يكون على عكس الداء كما تعالَج الحرارة بالبرودة والبرودة بالحرارة.
فوسِّع نفسك واشْغَلها بعمل يعود بالخير على الناس، واهتم بأصدقائك وجيرانك واهتم بشيء يناسبك يكون له صلة بالعالم الخارجي، ومن أجل هذا نرى أن المتدينين من أقل الناس تعرضًا لهذه الأمراض العصبية؛ لأنهم يفكرون في ربهم، ولأنهم يطيعونه في أمره بأن نحب الناس كما نحب أنفسنا؛ ولأنهم يأتمرون بأمره في الإحسان إلى الجار وإلى الفقير والإيثار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؛ كل هذا فيه خير علاج من المرض العصبي؛ لأنه ينقذ الإنسان من الاستغراق في التفكير في نفسه.
ومن أجل هذا أيضًا كان مِن أشد الناس تعرضًا لهذه الأمراض مَن لا عمل لهم لغناهم أو اعتمادهم على ما يأتيهم مِن معاشٍ أو مِن ميراث، فيصبح الزمن عبئًا ثقيلًا على أنفسهم يحاولون أن يهربوا منه بلعب النرد أو الشطرنج أو نحو ذلك، وباقي الزمن لا يفكرون فيه إلا في أنفسهم، فيستولى عليهم الهمُّ ويعتريهم ضعف الأعصاب. إن ضعف الأعصاب كثيرًا ما يكون سببه نتيجة قوة مكبوتة كالبخار المضغوط، ففرِّج عن نفسك بفتح الصمام له وتوجيهه إلى عمل نافع؛ فالعمل والاهتمام بشأن من شؤون الناس وقلة تفكير الإنسان في نفسه خير دواء لمعالجة الأعصاب والشفاء من أمراضها.

أسس الحياة الطيبة


كلُّ الناس يطلب الحياة الطيبة السعيدة ولكن أكثرهم لا يجدها؛ إما لأنه حُرم وسائلها؛ وإما لأنه لم يعرف الطريق إليها.
كتبت إليَّ سيدة فاضلة تقول: إنها في رخاء في عيشها، فلديها المال الكافي للإنفاق في سخاء، وزوجها موظف كبير تدرُّ عليه وظيفته المال الكافي، وأولادها في صحة ناجحون في مدارسهم، ومع ذلك فليست سعيدة لأنها تشعر بضيق لا تدري سببه، متوقعة في كل لحظة الشر وإن لم يكن. فابنها إذا غاب قليلًا أوجست خيفةً من غيابه، وزوجها إذا سافر توقعت الشر من سفره، وابنها إذا دخل الامتحان اضطربت خوفًا من سقوطه، وهكذا لم ينفعها مالها ولا غنى زوجها ولا صحة أولادها، ولا وسائل الترف والرفاهية من الشقاء الذي هي فيه، وتسأل بعد ذلك عن وسائل الحياة الطيبة السعيدة.
يا سيدتي: أكثر الناس يخطئ فيفهم أن الغنى هو سبب السعادة، نعم إن الفقر سببٌ من أسباب الشقاء؛ فمن لم يجد ما يعوله ويعول أولاده فهو في شقاء، فالقدْرَ الكافي من المال لسد الحاجات الضرورية وسيلة من وسائل الحياة السعيدة، ولكن الغِنى ليس كل شيء في الحياة السعيدة، بل كثيرًا ما يكون عائقًا عن السعادة لأسباب بسيطة واضحة كل الوضوح؛ فالمال لا نستطيع أن نشتري به الصحة ولا الحب ولا الطمأنينة، ومن ركز غرضه في جمع المال لم يجد فرصة للترفيه عن نفسه في النواحي الأخرى، واللذائذ التي تُنال بالغنى سريعة الزوال، والنفس أسرع إلى الملل منها، والغنى المفرط مَشغلةٌ تجعل الغني خادمًا للمال وليس المال خادمه، وأكثر الناس يخطئ في حقيقة بديهية وهي أن ليست السعادة أن يكون عندك شيء، ولكن أن تعمل شيئًا، فالسعادة ليست في الملكية ولكن في العمل. إن مَثل من يجمع المال قصدًا للسعادة كمثل من يتسلح للعدو فيلبس دروعًا ثقيلة، ويحمل أسلحة كثيرة حتى يثقل ذلك عليه فيمنعه من السير.
فغناكِ وغنى أسرتك — يا سيدتي — لا يخلق السعادة، ولكن يصلح أن يكون وسيلة من وسائلها.
تسألينني في آخر خطابك عن وسائل الحياة الطيبة فأرى أنها تقوم على أسس أربعة: أولها: العمل: وهو قدر لا بد منه للغني والفقير، والرجل والمرأة، وبدونه تصبح الحياة عبئًا ثقيلًا لا يطاق. إن العمل واجب من ناحية الأخلاق، فمَن أكل من مال الأمة وجب أن يقدم لها أجر ما أكل. ومن سوء الحظ في المدنية الحاضرة والسابقة أن الجزاء فيها ليس متكافئًا مع العمل، فالأمم كلها — مع الأسف — مملوءة بالأمثلة العديدة لأناس يعملون كثيرًا، ويعملون عملًا نافعًا عظيمًا، ثم لا يكافئون على عملهم إلا بالقليل الذي يسد رمقهم، وبجانبهم من يعمل قليلًا أو لا يعمل أصلًا أو يعمل شرًّا ثم هو يكافأ على ذلك من غير حساب، وهذا عيبٌ في المدنية يجب أن يعالَج، ثم العمل واجبٌ من الناحية النفسية، فالطبيعة نفسها فرضته فرضًا؛ لأنها خلقت الإنسان اجتماعيًّا بطبعه، وحمت نفسَها بالعمل، فمن لم يعمل عاقبته بالسآمة والملل والضجر لمخالفته قوانينها، وكلما كان العملُ لنفع الناس كان جزاء الطبيعة عليه أوفى؛ لأنه يتمشى مع أغراضها مع بقاء المجتمع ورقيِّه، وعبرة ذلك في التاريخ نفسه، فهو لم يحفظ لنا أسماء الأغنياء والوزراء والمترفين بقدر ما حفظ لنا أسماء كبار العاملين الخيِّرين. بالأمس كنت أتحدث إلى صديق لي عن العالِم الشهير «ابن حزم الأندلسي»، فكان مما قلته: إنه كان عالِمًا كبيرًا وأخلاقيًّا عظيمًا، وكان من بيت كبير فقد كان أبوه وزيرًا. فقال: ما اسم أبيه؟ قلت: نسيت ذلك. قال: إن في ذلك لعبرة. لقد حفظتَ وحفظَ أمثالُك اسمَ العالِم ونسيتَ ونسيَ أمثالك اسم الوزير الذي كان ذا جاه عريض — لا أحد يذكر الأغنياء حتى في عهدنا القريب كما يذكرون الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني. إذا تكاسلتَ ولم تعمل فلا أحد يعاقبك، ولكن تعاقبك الطبيعة، فقد منحتك الطبيعةُ القدرة على العمل، فإذا لم تجد لها منفذًا تحوَّلت من العمل في الخارج إلى العمل في تحطيم النفس في الداخل، ثم آل ذلك إما إلى تهدم أعصابٍ أو نوع من السوداء أو الخلل أو الانتحار. فالحياة بلا عمل حياةٌ ميتة. لست مخيَّرًا في أن تعمل أو لا تعمل، فالطبيعة لم تمنحك هذا الاختيار، وكل اختيارك إنما هو في نوع العمل الذي يصلح لك وتصلح له. وإني لا أشك في أن الأغنياء الذين لا عمل لهم من أشقى الناس؛ ولذلك يبحثون عن اللذائذ الرخيصة يُضيعون بها سأمهم، ولكن سرعان ما تنقضي لذائذهم. فخير أكلةٍ ما أكلها الإنسان على جوع، وخير نومٍ ما نامه الإنسان بعد تعب. والراحة الدائمة في حاجة إلى إجازة أكثر من حاجة العمل إلى إجازة.ولعل سأمَ السيدات وخصوصًا المترفات اللائي اعتمدن في عمل البيت وتربية الطفل على الخدم والحشم سببه هذا، وهو الحياة بلا عمل ، وتلمُّس السعادة من طريق اللذائذ التافهة.
الأساس الثاني للحياة الطيبة: الطبع الراضي، أو المزاج الفرح، أو الطبيعة المتفائلة. فنرى في الحياة وجوهها الباسمة وخيراتها الكثيرة فكثير من أسباب الشقاء يرجع إلى الطبع الساخط، الطبع الذي لا يرى في الحياة إلا مصائبها وشرورها وأحزانها، الطبع الذي يخلق من كل سرورٍ بكاءً ومن كل لذة ألمًا، ومن كل مسرَّة محزنةً، الطبع الذي إذا أتيتَ له بعشرين تفاحة كلها جيدة ما عدا واحدة لا تقع عينه إلا على الفاسدة، وإذا كان في بيته كلُّ ما يسر لم يلتفت إليه وخلق الغضب من طبق كُسر أو كرسي في غير موضعه، لا يعجبه من الروايات إلا الروايات المبكية، ولا من النغمات إلا النغمات الحزينة حتى أصبحت حياتهم نفسها رواية مبكية أو نغمة حزينة. الطبع الراضي متسامح في الصغائر، خالق للسعادة باشٌّ مستبشر، يتوقع الخير أكثر مما يتوقع الشرَّ، يضحك حتى في الهزيمة وحتى عند الخسارة المادية. يرى أن مسرح الحياة كميدان لعب الكرة، يكسب اللاعب فيضحك، ويخسر فينتظر الغلبة.
الأساس الثالث: أن يكون للإنسان غرضٌ نبيل في حياته الاجتماعية، يشعر بأن هناك بائسين في ناحية من نواحيهم، فالدنيا مملوءة بآلام الناس مِن مرض وفقر، فإذا استطاع أن يُشعر قلبه الرحمةَ فيعمل في جمعيةٍ تخفف الفقر أو تواسي المرضى أو تسعف المنكوبين أو نحو ذلك، شعرَ بأن حياته غنية بعمل الخير فاغتبط وسعد، يسعد لمشاركة الخيرين في عملهم، ويسعد في شعوره بمحاولته إنقاذ البائسين في بؤسهم، وهذا عملٌ في متناول الرجال والنساء على السواء، فكلُّ يستطيع أن يشترك في خدمة اجتماعية يقدمها فيشعر بالغبطة والسرور. ولا شيء يبعث على الضجر والسأم كمعيشة الإنسان لنفسه فقط. إن الأنانية وحبَّ الذات خُلُق طفلي يصحب النفس الضيقة في دور الطفولة، فمن كبرَ ولا زال لا يحب إلا نفسه كان ذلك علامة طفولته وصغر نفسه. الأناني كثير السأم لأنه لا يشعر إلا بنفسه، ونفسُه تدور حول نفسها. أما الذين يشعرون بغيرهم فيضيفون نفوسًا إلى نفوسهم، وآفاقًا إلى آفاقهم، ويجدون لأنفسهم أغذية مختلف من شعور الآخرين وآرائهم.
الأساس الرابع للحياة الطيبة: أن يكون لك غرضٌ في الحياة محدود، ثم يكون لك اهتمامٌ في تحقيقه وتعاونٌ مع من يشاركك في برنامجه، توسِّعُ ثقافتك فيما حددت من غرض، وتتعشقه حتى تتلذذ من العمل الذي يقرِّب من النجاح فيه — فحدِّد الغرض وارسم برنامجه ورتب خطواته، وأحبَّه وأحبَّ العملَ للوصول إليه تشعر بسعادة لا تُقدر.
إن كثيرًا من البؤساء في الحياة سبب بؤسهم أنهم يعيشون ولا يدركون لِمَ يعيشون، وما وظيفتهم في الحياة وما غرضهم منها، فيكون كالسائر في الشارع بلا غرضٍ، يتسكع هنا آنًا وهنا آنًا. فإذا رأيت رجلًا متبرمًا من الحياة، ضيق الصدر، ملولًا ضجرًا يغلب عليه الحزن والكدر فاعلم أنه فقد عنصرًا أو أساسًا من عناصر الحياة الطيبة، فهو إما فارغٌ لا عمل له يعتمد على مال موروث أو مال يأتي من عمل غيره ويكتفي بهذا ويركن إلى البطالة، أو هو إنسان تعوَّد أن يرى الحياة بمنظار أسود دائمًا فاستسلم لهذا ولم يقاومه، أو هو عاش لنفسه فقط فلم يشترك في عمل اجتماعي يُشعره الرحمة والشفقة، وهي من النعم الكبرى على الإنسان، أو عاش بلا غرض كالريشة في الهواء لا يتحمس لعملٍ ولا ينظر إلى غاية.
هذه — يا سيدتي — هي أسباب الحياة الطيبة، وفقدانها أو فقدان واحدٍ منها يجعلها حياة تعسة بغيضة.
فليختبر كلٌّ نفسَه ليعرف موضع مرضه.?? هذه نماذج عشرة من سلسلة طويلة تُذاع في الراديو المصري.
أحرقوا اللوائح!!


يُحكى أن علي مبارك باشا، كان يومًا من أيامه مديرًا للأوقاف (أو كما نسميه اليوم وزير الأوقاف)، فدخل يومًا مكتبه، فوجد عليه لوائح مكدسة، وهي لكثرتها وتعقدها لا تُنهي أمرًا ولا تُنجز عملًا.
ولاحظ أن هناك لوائح ناسخة ولوائح منسوخة … ومادة في لائحة تناقض مادة في لائحة أخرى، ومادة في اللائحة القديمة والجديدة لا تتفق والعدالة … والوزارة كلها مِن كتبتها إلى وزيرها مستعبَدون للوائح … قد وُضعت في الأصل لتنظيم العمل، فإذا هي الآن تشل العمل.
فأمر كاتبه أن يحضر مساء يومٍ لأنه هو سيحضر، فلما كان الموعد حضر الكاتب وحضر الوزير، فأمره الباشا أن يحمل هذه اللوائح إلى حجرة خالية، ففعل، وذهب الباشا بنفسه إلى الحجرة وأخرج من جيبه عود كبريت، وأشعل منها عودًا في اللوائح، ووقف يتلذذ من رؤية النار تلتهمها … ثم عاد إلى مكتبه وقال: الآن نبدأ العمل «على نظافة!»
فما أحوجنا الآن إلى أن يتفق الوزراء على موعدٍ يجتمعون فيه في وزارة المالية، ويأمر كل وزير أن ترسَل كل لوائحه إليها، ويُحدد موعدٌ يعلن عنه في الصحف ويُدعى إليه كبار الموظفين، وتكدسَّ اللوائح كلها في فناء المالية، ويصب عليها عشر صفائح بنزين، ويخطب الوزراء خطبًا رنانة تقابَل بالتصفيق، ويكون موضوعها: توديع عهد استعباد اللوائح، واستقبال عهد الحرية والعقل والعدالة وإنجاز الأعمال!
ثم يتقدم وزير المالية، ويشعل الكبريت في اللوائح، فتنبعث منها نارٌ جميلة، حارة كحرارة أنفاس المكروبين، ثم يهنئ بعضهم بعضًا بعهدٍ لا بطء فيه ولا تعقيد، تسير الأمور فيه سير البرق، ولا يقف فيه أمام الإصلاح شيء، فتقطع الأمة في سنةٍ ما كانت تقطعه في مائة سنة.
•••

بالأمس توالت عليَّ ثلاث حوادث في ساعتين، كل حادثة مأساة مروعة. أولاها: أسرة أصيبت بكارثة عظمى لأن عائلها وُقف عن عمله، ووُقف مرتبه وظل موقوفًا شهرًا بعد شهر، لا يحاكَم فتظهر جريمته أو براءته، ولا يُصرف مرتبه، فلما ضاقت بالأسرة الحال — إذ لا مورد لها من الرزق غير المرتب الموقوف — حدثت الكارثة العظمى التي كان من ضحاياها روح بريئة!
والثانية: أني وجدت في الوزارة كتابًا قيمًا طُبع منه خمسة آلاف نسخة، ووُضع في الصناديق ولم ينتفع به أحد، ولم يعلَن عنه، وظل كذلك نحو سنتين، وقد تكلفت كل نسخة منه نحو خمسة قروش، فاقترحت عرضها على المكاتب، وتسهيل شرائها وبيع النسخة بخمسة عشر قرشًا يخصم منها ??? للمكاتب، حسب العادة الجارية. فاعتُرض عليَّ بأن اللوائح المالية لا تجيز خصمًا للمكاتب إلا ??، والمكاتب لا تقبل … والوزارة لا تقبل … ولُيضِعْ على الناس نفعهم من الكتاب، وليضِع على الوزارة ثمن الكتاب احترامًا للوائح.فإن أراد أحد أن يشتري الكتاب من الوزارة، فهناك الطامة الكبرى؛ لأنه يجب عليه أن يقبِّل الأرض ويتقدم، ويقبِّل الأرض ويتأخر، ويملأ استمارة ويُضيع يومًا بطوله في سبيل الحصول على الكتاب!
والمأساة الثالثة: موظف أحيل على المعاش من ستة أشهر … وهو وأسرته لا مورد لهم غير مرتبه … ورِجله قد حفيت من السعي لتسوية معاشه … ولمّا تتم التسوية!
أليس من المصادفات العجيبة، أن تتابَع هذه المآسي الثلاث عليَّ في وقت واحد؟ وكم صادف غيري مِن مآسٍ من هذا القبيل قد ملأت حديث كل مجلس وصكت كلَّ سمع؟ ما هذه العبودية للوائح؟
لقد وضعنا أنفسنا موضع الطفل وصيُّه اللوائح، ووضعنا الوزارات موضع الرجل السفيه تشرف عليه وزارة المالية … وتركزت كل التصرفات في يد المشرف لا يمكن الإفلات منه. وبذلك مات كلُّ مشروع للإصلاح … وتجمدت كل حركة.
إن هذا التركيز له تاريخ قد تقادمَ عهدُه، وما كان صالحًا للماضي لا يصلح اليوم والثوبُ الذي يناسب الطفل لا يناسب الرجل. قد كان هذا التركيز سببه ما وقعت فيه مصرُ من دَين ثقيل، وما أوجب ذلك من تعيين المراقبين الأجنبيين على موارد الدولة، ووضع نظام يجعل كل تصرف لا بد فيه من إذن المشرفين على المالية حتى يحافظ على مصالح الدائنين من الأوربيين!
فلما جاء عهد الاحتلال انتقلت سلطة المراقبة الثنائية إلى وزارة المالية، فجُعل لها الإشراف على كل الوزارات وجُعل الإشراف فيها للمستشار المالي، وجُعل له الحق في حضور مجلس النظار، ولكن الاحتلال قد زال … والديون الأجنبية قد زالت، والطفل الصغير قد أصبح رجلًا كبيرًا، والأمة قد مُنحت الاستقلال، وأصبحت المالية تحت إشراف المصريين!
أفمن العدل أن يكون النظام الذي وُضع لظرف خاص، باقيًا مع زوال سببه؟ أو من الحق أن يظل الاستبعادُ عن طريق المال في عهد الاستقلال؟
لو كان هذا النظام القائم المركَّز البطيء يحفظ على الدولة كل مليم، والنظام الموزع السريع يُضيع على الدولة مليون جنيه أو مليونين لفضلتُ النظام الثاني لأنه أنفع للبلد، فسيرُ وسائل الإصلاح، والسرعة في انجاز الأعمال، ووضع الثقة في الموظفين، وقضاء الناس مصالحهم في يسر وسهولة يساوي أكثر من مليونين!
أفلسْنا في حاجة إلى علي مبارك آخر يحرق لنا اللوائح؟

في الأدب المصري الحديث


إن الناظر للأدب المصري الحديث (بالمعنى الواسع لكلمة الأدب) يرى أنه قد نبع من نبعين مختلفين كل الاختلاف، وتأثر بهما أشد الأثر، وأن الآثار الأدبية قد تصدر من هذا النبع أكثر من ذاك، وقد يكون العكس. هذان النبعان أو المصدران هما الثقافة الأجنبية، والثقافة العربية القديمة؛ فالنبع الأجنبي ظهر في مظاهر عدة، ظهر عندما اتجهت أوربا إلى استعمار الشرق سياسيًّا واقتصاديًّا، فاحتلال الفرنسيين ثم الإنجليز لمصر نقل أوربا إلينا وقدَّم لنا لونين من الحضارة؛ الفرنسية والإنجليزية؛ وموقع مصر هيَّأ لها أن تكون مَباءةً لطوائف الأمم الأخرى تُمِدنا ببقية الألوان من الحضارة، من أمريكية وألمانية وإيطالية إلى غير ذلك، نعم إن هذا الاستعمار وهذه الطوائف كلها كان غرضها الأساسي غرضًا سياسيًّا واقتصاديًّا، ولكنها مع ذلك حملت معها علمًا وأدبًا عملت على نشرهما عن قصد وعن غير قصد — فقد رأى بعضهم أن مما يخدم السياسة أن تنشر ثقافتها، فتكسب بذلك عطف أهلها؛ فرأى الفرنسيون — مثلًا — أن نشر ثقافتهم في مصر يستتبع وجود طائفة مصرية تتثقف بثقافتها، وتتذوق ذوقها وتقرأ كتبها وتعصب لعاداتها وتقاليدها وهكذا. ومِثل ذلك الأمم الأخرى. ثم فُرضت اللغة الإنجليزية والفرنسية في المدارس على اختلاف أنواعها.
وكان مِن أثر هذا وجود طائفة كبيرة حذقت اللغات الأجنبية واطلعت على آدابها وتذوقته؛ فلما أخرجت إلينا أدبًا عربيًّا كان أدبًا فيه الأثران، الأثر العربي والأثر الأجنبي، وكما انتقلت أوربا إلينا على الشكل الذي رأينا، انتقلت طائفة أخرى منا إلى أوربا عن طريق البعوث ونحوها، وهؤلاء كانت ثقافتهم الأوربية أوسع وأعمق.
وأكثر المنتجين في الأدب عندنا هم من الطراز الذين تذوقوا الأدبين وتثقفوا الثقافتين، ومَن لم يذق هذه الثقافة الأجنبية بأي شكل من أشكالها كان أكثر إنتاجه ضعيفًا، أو على الأقل كان إنتاجًا لفظيًّا أو شكليًّا أو غير مستساغ عند الجيل الحديث.
وكان من أثر انتشار الثقافة الأجنبية الصحافة العربية، وهي التي قطرت الثقافة إلى الشعب، كما كان من أثرها تعليم المرأة، وأخذها حظًّا عظيمًا من الثقافة حتى بدأت تساهم في الإنتاج، وإن كان إنتاجها لا يزال إلى الآن ضعيفًا.
وكان مِن عمل الأوربيين أيضًا في خدمة الأدب العربي حركة الاستشراق؛ فقد نشر المستشرقون أهم الكتب العربية في دقة وعناية، وعلَّمونا كيف ننشر الكتب في تحقيق وضبط، من مقابلة النسخ بعضها ببعض، ووضع فهارس وافية لها إلى غير ذلك.
وكانت لهم بجانب ذلك بحوث قيمة في الموضوعات الإسلامية والموضوعات الأدبية، كالذي يتمثل في تأليفهم لدائرة المعارف الإسلامية. نعم إن بعضهم — من غير شك — قد غلبَ عليه التعصب الديني في بحوثه، وبعضهم غلب عليه التعصب السياسي لأمته، وبعضهم وقع في أخطاء كبيرة منشؤها صعوبة تذوق روح اللغة وأدبها، ولكن هذا كله لا يذهب بفضل الكثير منهم، وخاصةً من ناحية أننا استفدنا منهم طرق البحث وكيفية الاستفادة من النصوص.
يضاف إلى ذلك ما يعقدون من مؤتمرات، كمؤتمر المستشرقين الذي من مزاياه تعارفُ المستشرقين، ومعرفة النتائج التي وصلوا إليها ووضعُ الخطط للبحوث المستقبلية.
ومن ذلك إنشاء المجلات الشرقية كالمجلة الآسيوية ونحوها، وكان لهذا كله صدى كبير في الشرق عامة ومصر خاصة.
هذا — في إجمال تام — ملخص أثر الحركة الأوربية في مصر.
يقابل هذه الحركة حركةُ أخرى مصرية نشأت من الأزهر ودار العلوم؛ فهؤلاء نشروا تعليم اللغة العربية وآدابها في المدارس، وقاموا بنشر الثقافة العربية بجانب الإنجليزية والفرنسية وغيرهما. ولكن هل نجحوا في عملهم؟ مما لا شك فيه أنهم نجحوا إلى حد ما؛ والذين ينشدون الكمال يرون نجاحهم كان محدودًا؛ لأن أكثر تخرَّج على أيديهم لم يتذوقوا الأدب العربي كما ينبغي، ولم ينتجوا نتاجًا عربيًّا كما ينبغي، فطلبة المدارس الذين يأخذون بالحظين معًا من اللغة الأوربية واللغة العربية سرعان ما يميلون إلى اللغة الأجنبية، ويعكفون على دراسة أدبها، وقلَّ من يعكف منهم على اللغة العربية وآدابها بعد تخرجه — قد تقول: إن السبب في هذا وفرة النتاج الأوربي وضعف المكتبة العربية، ولكنهم أيضًا هم المسئولون عن هذا النقص، فقد مضت عليهم السنون الطويلة التي كانت تمكِّنهم من سد هذا النقص، وإيجاد الكتب التي تغذي الشعب في مراحله المختلفة، ولم يقوموا بهذه الرسالة على وجهها.
هذا إلى ما نراه مِن ضعفٍ واضح في متخرجي المدارس المصرية في اللغة العربية من ناحية تعبيرهم، ومن ناحية أدائهم للمعاني التي في نفوسهم.
وكان من أثر هذه الحركة أيضًا، حركة التأليف في الموضوعات القديمة، ونشر الكتب القديمة كما يفعل المستشرقون، بل قد زادوا عليهم، فمما نلاحظ ضعف حركة الاستشراق الأوربي وقلة ما تنشره، وكثرة ما ينُشر في العالم العربي وخاصة مصر، وهو من ناحية الكمية يدعو إلى الإعجاب، ومن ناحية الكيفية يدعو إلى الأمل في المستقبل في الضبط والدقة.
ولا تزال الحركة الأدبية العربية القديمة تعمل عملَها؛ فالكتب القديمة تُقرأ في الأزهر ودار العلوم والجامعة؛ فتقرأ كتب النحو والصرف والأدب ودواوين الشعر ونحو ذلك فتغذي هذه الحركة وتنميها.
وهاتان الحركتان تتقاربان وتمتزجان وتؤثر كل منهما في الأخرى أثرًا كبيرًا أحيانًا وضعيفًا أحيانًا، ويكاد يكون هذا الامتزاج ظاهرًا في كل تعليمٍ وكل نتاج أدبي؛ فالذين تثقفوا ثقافة أجنبية واسعة عميقة إذ أنتجوا نتاجًا عربيًّا استخدموا العربية وهو عنصرٌ عربي، وكثيرًا ما كتبوا في موضوعات عربية أو مصرية حتى يكون لنتاجهم قيمة ذاتية، وتأثروا بالآداب الأجنبية في طريقة العرض وطريقة الفن. وكبار الأدباء متأثرون من غير شك بالثقافة الأجنبية في طريقة التحليل والعرض، ومتأثرون بالثقافة العربية في اللغة والأسلوب وموضوع الكتاب.
وغايةُ الأمر أن مقدار حظ الأدباء من الثقافتين يختلف؛ فمنهم من غلبت عليه النزعة الأجنبية حتى لا يكاد يُبين بالعربية، ومنهم من غلبت عليه النزعة العربية، حتى ليكاد يكون نتاجه يحاكي بديع الزمان الهمذاني أو الجاحظ أو نحوهما من ذوي الأسلوب القديم. ولكل من الثقافتين الأجنبية والعربية مزاجٌ خاص؛ فمزاج الثقافة الأجنبية حرٌّ أمام الدين وأمام المشاكل الاجتماعية والسياسية، وطبيعتها وثَّابة تُعنى أكثر ما تعنى بالحياة الواقعية، وتجاري الزمن وتنظر للمستقبل. ومزاج الثقافة العربية القديمة المحافظة في الدين وفي الاجتماع وفي السياسة، وطبيعتها هادئة تعنى بالماضي أكثر من عنايتها بالمستقبل، وتُعظم الماضي أكثر مما تُعظم الحاضر. فخير أسلوبٍ عندها أسلوب الجاحظ أو البديع، وخير كاتب من حافظ على التقاليد القديمة وهكذا.
وهذا هو ما يفسر لنا الصراع بين حركة الأزهر والجامعة — مثلًا — والصراع بين المثقفين ثقافة شرقية بحتة والمثقفين ثقافة غربية بحتة، والصراع بين شيوخ الأدب والعلم وشبان الأدب والعلم.
ولكن مهما كانت طبيعة المزاجين مختلفة، فالزمان يعمل عمله في التقريب بينهما، وهو يعمل فيهما ما يعمله إذا صببتَ ماءً حارًّا باردًا، فالنتيجة مزاج من الحرارة والبرودة. فالمثقف ثقافة أجنبية يرى نفسه مضطرًّا — إلى حد ما — أن يجاري القديم حتى يُفهم وحتى يُقبل وحتى ينجح. والمثقف ثقافة عربية بحتة يقرأ الجرائد والكتب المترجمة والكتب المؤلفة على النمط الحديث فيتأثر بها، والأزهر نفسه رأى أن يجاري الجديد — إلى حد ما — فعمل مدارس ثانوية تشبه بعض الشبه المدارس الثانوية المدنية، واستعان برجال دار العلوم لأن فيهم جدة وبعث البعوث إلى أوربا لينقلوا إليه بعض جديد أوربا، وهكذا.
بل نحن في مدارسنا المصرية ننشئ الطلبة على مزيج من الثقافتين؛ فنعلِّم الجغرافيا والطبيعة والكيمياء والجبر والهندسة كما يتعلمها تمامًا الطالب الأوربي، ولا ننظر في الكيمياء إلى جابر بن حيان، ولا في الجغرافيا إلى معجم ياقوت، ولا في الطبيعة والرياضة إلى ابن الهيثم. ونعلِّم النحو والصرف كما خلَّفهما سيبويه، لا نختلف في شيء إلا في أسلوب التبسيط وضرب المثل.
وهاتان الحركتان، الحركة الأوربية والحركة العربية، وامتزاجهما على أشكال من المزج هو الذي يلقي الضوء على نتاجنا الأدبي على اختلاف أنواعه. فلنعرض لشيء من التفصيل والتمثيل. خذ لذلك مثلًا أدبنا السياسي كشعر حافظ ، وخطب سعد ، ومقالات الصحف في الحركة الوطنية … إلخ. فهي عربية قومية في لغتها ونزعتها؛ وهي غربية لأنها تحذو حذو الأجنبي في كيفية معالجة الموضوعات في الصحف وعلى ألسنة الخطباء … إلخ. فذلك كله نتيجة المزاجين، نتيجة أن السياسة الأجنبية أرادت أن تطغى علينا وتفقدنا قوميتنا فتنبهت مشاعرنا، وهذا هو العنصر المصري. ولكن بجانب ذلك كان منا مَن تعلَّم مِن الأجنبي كيف يدافع عن بلاده، وكيف يكتب دفاعًا عن الحرية، وكيف تعالج صحفهم ذلك، وكيف يعالجه خطباؤهم، فاستفدنا منهم، وهذا هو العنصر الأجنبي.
امتزج هذان العنصران فكان لنا أدب سياسي يتفق وموقعنا ويتفق وحياتنا، وما كان يكون ذلك لو لم يمتزج العنصران، ولعلَّ محمد عبده وسعد زغلول خير من يمثل هذه الفكرة، وفيهما اجتمع العنصران وتآلفا.
ولننظر مثلًا إلى الشعر الحديث ما شأنه؛ لقد كان قبيل البارودي منحطًّا منحلًّا، كان أغلبه نظمًا لا شعرًا، يستعملونه في التهاني والتعازي وما شاكل ذلك في أسلوب منحط أو في الخلاعة والمجون في ألفاظ بذيئة.
فجاء البارودي وجدَّده، ولكن يخيل إليَّ أن تجديده لم يكن من نوع التجديد الذي نفهمه الآن مِن تطعيم الأدب العربي بالأدب الأجنبي، إنما كان تجديده من ناحية الرجوع بالشعر العربي لا إلى العصر القريب المنحط بل إلى العصر البعيد الراقي؛ فترسَّم آثارَ أبي نواس وأبي فراس والمتنبي والشريف الرضيِّ من حيث الأغراض والمعاني وفحولة اللفظ. فلما جاء حافظ وشوقي وأضرابهما كان تجديدهم أوضح، ولكنهم مع هذا حظهم من القديم أكثر من حظهم من الجديد، فلما انتقلوا إلى جوار ربهم وقف الشعر ولم يتقدم كثيرًا.
فما السبب في هذا؟
لقد قيل: إن الزمن ليس زمن شعر، وإن الشعر قد انحط في كل العالم لا في مصر وحدها؛ لأن الشعر وليد الخيال، وهذا العصر ماديٌّ لا خيالي، يريد أن يمس الواقع لا أن يحلِّق في الجو. وقيل: إن الأمم ارتقت فلم يعد الشعر صالحًا لها؛ لأن الشعر كأحلام الطفولة وهو — عادةً — يسبق الفلسفة والنثر الفني؛ فإذا اكتملت الأمة في عقلها خلَّفت الشعرَ وراءها، وفتحت عينها للعلم والفلسفة، والعالم الآن جاز دور الطفولة، فما حاجته إلى الشعر؟! وقيل غير ذلك من أسباب.
ولكني أرى أن أصح سبب في تأخر الشعر في مصر والعالم العربي هو ما أسلفنا من نظرية امتزاج الثقافتين.
ولتتميم هذه النظرية أرى أن الشيء الذي يُكتب له النجاح هو ما بلغ قدرًا صالحًا من المزاجين يتفق وذوق الأمة.
وقد يكون هناك سببٌ آخر في نظري لضعف الشعر، وهو أن الشعر كمالي، والنثر ضروري؛ فحاجتنا إلى النثر كحاجتنا إلى الغذاء، إن لم يوجد الجيد كان لا بد لنا من الوسط أو أقل منه، أما حاجتنا إلى الشعر فكحاجتنا إلى طاقة الزهر على المائدة، إن لم تكن جميلة فمن الخير أن نستغنى عنها؛ لهذا قبلنا النثرَ الوسط فارتقى ولم نقبل الشعر الوسط فضعفَ.
فالشعر القديم كان مناسبًا للذوق القديم، فلما تطور ذوق الأمة رأى أمامه شيئين مختلفين تمام الاختلاف وكلاهما غير صالح، وبتعبير أدقّ غير مناسب للذوق الجيل الحاضر. فأما أحدُ الشعرين فشعرٌ على النمط القديم في أوزانه وقوافيه وأغراضه ومعانيه، وهذا لم يعد صالحًا؛ لأن ذوق الأمة اجتاز هذا الطور. وشعرٌ أمعن في تقليد الشعر الأفرنجي في معانيه وأسلوبه وصوره وأخيلته، فجاء نابيًا عن الذوق الشرقي ولم تعجبه صياغته ولا ألِفَ تعبيراته؛ كالشاطئ المجهول ومقابر الغجر ونحو ذلك.
وحيرتنا في الشعر كحيرتنا في الموسيقى. فالمثقفون لا ترضيهم الموسيقى القديمة؛ لأن آذانهم الموسيقية ارتقت، ولا ترضيهم الموسيقى الأوربية؛ لأنها لا توافق ذوقهم وقوميتهم، والعالم العربي الآن ينتظر نبيًّا جديدًا في الشعر ونبيًّا جديدًا في الموسيقى، ونجاح هذا النبي يتوقف على مقدار ما يحسن من المزج بين العنصرين، بقدرته على أن يقتبس من الجديد ما يناسب ومن القديم ما يناسب، ثم يكون في نفسه من الحرارة ما يستطيع بها أن يُنضج الصنفين، ويكوِّن منهما صنفًا واحدًا سائغًا للسامعين والقارئين.
وهذا السبب الذي دعا إلى تأخر الشعر هو بعينه الذي دعا إلى نجاح النثر، وخاصةً في بعض نواحيه كالمقالة؛ فالكُتَّاب استطاعوا أن يتحرروا من كثير من قيود الماضي كالإغراق في المحسِّنات اللفظية والسجع ونحو ذلك، واقتبسوا من الغربيين محاسنهم كالتحليل الدقيق والبساطة في التعبير، وتمشُّوا في تعبيرهم وموضوعاتهم مع رقيِّ عقلية المثقفين فنجحوا حيث لم ينجح الشاعر. أما الشعر فلم يتحرر تحررَ النثر، فبحوره هي البحور القديمة مع أن البحور ليست إلا النغمات الموسيقية، وشعرُ حافظ وشوقي في المديح أضاعت قيمتَه الديمقراطية، وشعرُ حافظ في السياسة قد انتهي زمنه، والذين يجددون يأتون بصور غربية يزعمون أنها شرقية، ويأتون بصيغ غربية لا تستسيغها الأذواق العربية.
إن النثر جرى طلقًا وتحرر من كثير من قيوده واستفاد الأدب الغربي أكثر مما استفاد الشعر، سواء في ذلك موضوعاته وأساليبه، ولم يبقَ ممن التزم النهج القديم إلا عدد قليل من الكتَّاب يُعجب الناظر بكتابتهم نفس الإعجاب الذي يشعر به زائر دار الآثار.
على أن النثر الجديد لم يكن كلُّه وليدَ الحركة الأجنبية، بل كان وليد الحركتين معًا؛ فأساليب قادة الكتَّاب نتاج مطالعات في كتب الأقدمين ومطالعات في كتب الغربيين، ولكنهم نجحوا في التخير ومقدار التحرر. قرءوا ابن المقفع والأغاني وأمثالها وانطبعت في أذهانهم صورٌ للأساليب الرائعة، ثم قرءوا الأدب الغربي فتشبعوا بموضوعاته وأساليبه أيضًا ، واشتقُّوا منهما نمطًا جديدًا لا شرقيًّا خالصًا ولا غربيًّا خالصًا، بل هو شرقي غربي معًا، وهذا هو السر في نجاحه
رأوا في النثر القديم جزالةً في الأسلوب فاقتبسوا منها، ولكنهم رأوا فيه إيجازًا قد يدعو في كثير من الأحيان إلى الغموض فأعرضوا عنه ومالوا إلى الوضوح، وكان أكثر قادة الكتَّاب في مصر صحفيين، فمالوا إلى الأطناب حتى يسدوا فراغ الصحف، ورأوا كثيرًا من موضوعات الأدب القديم لا تناسب حياتنا الواقعية فقلوا الفرنجة فيما يكتبون من موضوعات، وحملتهم الظروف السياسية على أن يطيلوا في السياسة والحرية وحقوق الأفراد وحقوق الأمم، فكان من ذلك كله مرانٌ حسن لأقلامهم لم يتوافر للشعراء، ومران حسن لألسنتهم فنمت ناحية الخطابة.
وتنبه المصلحون إلى نواحي الضعف في الحياة المصرية والاجتماعية، فأخذوا يعالجونه بالمقالات ينشرونها في الصحف والمجلات وفي كتب خاصة، هذا يعالج شؤون المرأة، وهذا يعالج البؤس والشقاء، وهذا يعالج القيود التي كُبلت بها الحرية، فأثَّر هذا كله أثرًا صالحًا في أن يكون للأدب الحديث موضوعٌ بعد أن كان في العصور الوسطى جملةَ ألفاظ جوفاء.
وكان من أوضح آثار الحركة الأجنبية في الأدب المصري لحديث القصص والتمثيل؛ فلأدب الأوربي الحديث عماده القصص، وكان هذا القصص ضعيفًا في اللغة العربية في مصر، ترفَّع عنه الأدب الأرستقراطي، ونَعِمَ به الأدب الشعبي، فقد كان الشعب ينعم بقصة أبي زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن والظاهر بيبرس وألف ليلة وليلة، كما تنعم البيوت بحواديت العجائز ونحو ذلك. أما الأدب الأرستقراطي فكان يترفع عن ذلك ويتوقر، ويعُدُّها هي والنكت مِن سقط المتاع لا يصح للسادة الأفاضل أن يقرءوها أو يؤلفوا فيها.
فكان من نتيجة الاطلاع على الأدب الغربي وتعرُّف منزلة القصة أن قلَّدهم كتَّابنا فبدءوا — أولًا — يترجمون، ثم أخذوا يؤلفون ويجعلون الحياة المصرية موضوعًا لرواياتهم، وأنشئت بعض المجلات التي تقتصر على مثل هذا النوع من الأدب، ووجد الكتَّاب الذين يتخصصون لذلك.
وكذلك كان الشأن في التمثيل والروايات التمثيلية، فقد سارت في نفس هذا الطريق؛ فوُجدت الروايات التمثيلية المترجَمة والمقتبسة والمؤلفة، ووُجد المسرح لعرض هذا النوع من القصص، ولا يزال هذا الامتزاج يعمل عمله ويسير في قوة حتى يبلغ الأدب العربي مبلغه اللائق به.
ويحقُّ لنا بعد ذلك أن نتساءل: هل أدى الأدب العربي في مصر رسالته؟
إنما يؤدي الأدب رسالته في الأمة يوم يكون صوت حياتها ووصف ما فيها من أمل وألم، وغذاءها الروحي الذي يهبها العزاء والأمل، عقلائها وأذكيائها معروضة عرضًا جميلًا.
ليس الأدب هو الألفاظ الضخمة لا شيء وراءها، وليس أدبنا هو الأدب الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي، إلا أن تكون هذه وسائل فقط لإنتاج أدبنا الذي يمثل مشاعرنا، ليس أدبنا مدحًا نتوسل إليه بامتطاء الإبل ونفتتحه بالغزل والنسيب، ونبكي فيه على أطلال الدمن والنؤى والأحجار، فهذا كله وأمثاله يصلح أن يكون دراسة علمية للأدب وليس هو الأدب، وليس الأدبُ وسيلةً من وسائل اللهو والمجون كعادة قوم من الشعراء رأوا أن الشعر ليس إلا التغني بالخمر ونحوها، وليست صياغته إلا نوعًا من العبث في البديع وأشكاله.
فهذا ليس هو الأدب الذي نقصده في عصرنا، ولا هو بالغذاء الذي ننشده. إنما نريد من الأدب وصفَ حياتنا الواقعية بآمالها وآلامها، كما يتصورَّها ذوو العقول والمشاعر منا معروضة عرضًا جميلًا جذابًا.
نريد أدبًا يتمثل في قصص لطيف يناسب الأطفال، وأدبًا أرقى من ذلك يناسب الشعب يشرح له نواحي ضعفه ونواحي قوته، ويمثل له أسرته وحكومته وبؤسه وغناه، ويحبب إليه جمال الطبيعة في بلده، ويوضح له ما يعترض عصره من مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية في أسلوبٍ يناسب عقليته.
نريد أدبًا يتغنى به الأطفال ويتغنى به الشعب إذا أراد الغناء، وينشده إن أراد أناشيد.
نريد أدبًا مصريًّا في السينما وفي التمثيل، يعرض للحياة المصرية ويصفها ويحللها.
نريد أدبًا في مكتبة عربية مصرية ضخمة كالسماط الممدود، فيه كل صنف حسبما يشتهي الآكل وحسب مقدرته على الهضم.
هذا هو ما نتصوره في الأدب، ويوم يكون ويساير هذه الرغبات كلَّها يقال حينئذ: إن الأدب المصري قد أدى رسالته.
أما وهو كما نراه اليوم فلا يزال في مفتتح الطريق، فلا الطفل يجد ما يغذيه، ولا الشعب يجد ما يصح أن يقرأه، ولا المغني يجد شيئًا صالحًا يغنيه، ولا الممثل يجد ما يصح أن يمثله، لا شيء من ذلك إلا أشياء في مستهل الحياة تصلح لمجة ولكن لا تصلح للإشباع.
فإن سُئلنا عن العوائق التي تعوق السير السريع في هذا السبيل وجدناها في أمور، أهمها:
أن أدبنا إلى الآن أدب أرستقراطي، وأعني بأرستقراطيته أنه يُكتب ويؤلف للطبقة المتعلمة وحدها، وهم عدد قليل بالنسبة للأمة، أما أكثر الشعب فلا يقرأ ولا يكتب، إن كان يقرأ ويكتب ففرقٌ كبير بين لغته في البيت والشارع وحياته العامة وحياته الأدبية، فوجود لغتين للأمة: لغةٌ أرستقراطية ولغة شعبية — إلى هذا الحد الذي نراه — يؤثر في الحياة الأدبية كثيرًا، ويظهر ذلك من جهة أن القراء قليلون، وهذا لا يشجع على التأليف، ومن جهة أن الأديب لا يستطيع أن ينزل إلى الشعب ليفهمه؛ لأن هذا يضيع وقاره، ومن جهة أن الأديب لا يجد الألفاظ والتعابير التي تملأ أسلوبه حياةً؛ لأن الكلمات والأساليب التي تُستعمل في الحياة الواقعية تكتسب الحياة أكثر من الكلمات والأساليب التي يقتصر وجودها على الكتب.
ولستُ الآن بصدد بحث هذا المشكل وإيجاد الحلول له، فإنما أنا عارضٌ فقط.
ومن الأسباب في هذا الضعف أن البرنامج الموضوع للأديب في تصورنا وعملنا برنامج ناقص؛ فبرنامج الأديب يجب أن يحوي دراسات في النفس والاجتماع واسعة، ودراسات لأدب أوربي واسع، ودراسات لأدب عربي واسع، ودراسات لحياتنا الشعبية الواقعية واسعة، وقلَّ منا من ظفر بهذا البرنامج وأخذ به نفسه؛ لذلك جاء أكثر الإنتاج ناقصًا من الناحية الفنية وناقصًا من ناحية التحليل، وناقصًا من ناحية عدم الإلمام إلمامًا كافيًا بالموضوع الذي يتحدث فيه.
وسببٌ ثالث: وهو ضعف النقد الأدبي في مصر، وأنه ليس خاضعًا لقواعد وأصولٍ وتقديرٍ صحيح بقدر ما هو خاضعٌ للهوى.
وأيًّا ما كان، فلسنا يائسين ولا ناكرين لفضل الأدباء الحديثين، فنحن إذا نظرنا إلى حالتنا الأدبية من سنين وحالتنا اليوم اغتبطنا، فقد وُجدت المقالة الراقية والقصة الراقية والكتب الطيبة في أكثر نواحي الأدب، وكلُّ رجائنا أن يتتابع الجهدُ في الإنتاج، والجهد في القراءة والتحصيل، وتنظيم وسائل الإنتاج، وتنظيم وسائل القراءة.
وما قلناه عن الأدب المصري الحديث ينطبق كل الانطباق على الأدب العربي الحديث في الشرق كله.

ما الذي ألهمني الأدب؟


سؤال سُئِلته فكان الجواب عنه عسيرًا؛ لأنه يحتاج إلى تحليل الإنسان نفسه، وعندي أن النفس كالعين ترى غيرها ولا ترى نفسها، وتستطيع أن ترى الأشياء الخارجية مباشرة، ولكن إذا أحبَّت أن ترى نفسها فلا بد من الاستعانة بغيرها كالمرآة، وكل ما في الأمر من فرق أن العين لا تنخدع فلا تزعم القدرة على رؤية نفسها مباشرة، والنفس تنخدع فتزعم أنها ترى نفسها وتقدِّرها وتزنها، وآية ذلك الانخداع أن الثقيل لا يدرك ثقل نفسه، بل ويحكم بخفتها وظرفها، والكذوب الخدَّاع المرائي لا يشعر من نفسه بذلك، بل يرى أنه المخلص الصادق الأمين، وأغلب الناس يرى أنه الأحق بكل خير وكل نعيم وكل مسرات الحياة، ولذلك كانت معرفة الإنسان نفسَه درجةً ممتازة لم يَرْق إليها إلا الفلاسفة وأمثالهم، على شكٍّ مني في مقدرتهم.
وسبب ذلك على ما أرى أن طبيعة هذا الكون أن الشيء لا يُدرك تمام الإدراك إلا عن بُعدٍ مناسب، فإذا زاد القرب منع صحة الإدراك، فالبناء الضخم لا تَعرف قيمته ولا تحسن إدراك أجزائه ومجموعه إلا عن بعدٍ مناسب، فإذا التصقتَ به لم تدركه، والعين قربت جدًّا من نفسَها فلم تدرك نفسها، والنفس قربت جدًّا من نفسها فلم تدرك أيضًا نفسها.
بل أرى أن النفس وقعت في سلسلة أخرى من الأغلاط لهذا السبب، فزعمتْ أنها تعرف نفسها، ثم لم تقف عند هذا الحد فجعلت إدراكها لنفسها مقياسًا لإدراكها غيرَها، فحكمت على أخلاق الناس ومعاملاتهم وتصرفاتهم متخذة إدراك النفس أساسًا، وإذا كان الأساسُ واهيًا فما بُني عليه واهٍ من غير شك.
ولكن كلام الإنسان عن نفسه مقبول ومستساغ إذا لم يتحدث عن طبيعة نفسه، واكتفى بذكر جزيئاتٍ وحوادث عَرضتْ له، وذكر ما يشعر به نحوها من نفسه؛ إذ ذاك يتحدث عن أشياء هو أعرف الناس بها، وهي في الواقع أشياء خارجية لا داخلية، وهذه الأمور التي يذكرها تضيء للناس نفسَه، ثم يتركهم يحكمون لها أو عليها، لا أن يتولى هو الحكم على نفسه ويشرحها.
في هذه الدائرة أستطيع إن أجيب بعض الإجابة عن هذا السؤال:
أعتقد أن من أهم ما كوّنني في الأدب أنني من صباي قد مُنحت عاطفة حادة، وهذه العاطفة أهم ركن من أركان الفن، فلا يتسنى لفنان مطلقًا أن يكون فنانًا حقًّا إلا إذا مُنح هذه العاطفة، وهي هبةٌ إلهية من العسير الإجابة عن مَنشئها، ولِمَ مُنحها هذا الشخص قوية وهذا ضعيفة، فإن نحن أرجعناها إلى الوراثة لم نحل هذا الإشكال؛ لأن قوانين الوراثة ليست أقل تعقيدًا من قانون القدَر. وكانت هذه العاطفة عندي حادةً من ناحية الحزن لا من ناحية السرور، فأقلَّ المحزنات يؤثر فيَّ أثرًا كبيرًا، وأكبر المفرِحات لا يؤثر فيَّ أثرًا بالغًا، وهذه العاطفة على هذا الوضع صعبٌ تعليلها، فلم أُصَب في صغري بموت عزيز عليَّ ولم أفارق أهلي، وكنت في عيشة من عيشة الأوساط، لا يعوزنا الضروري من العيش، ولا ما نترفَّه به بعض الشيء، وكل ما يصحُّ أن أعلل به هذا الحزن أن حياتنا البيتية كانت حياةً جادة لا لهو فيها ولا لعب، وكانت حياة الطفولة عندي حياةً متزمتة فيها كثير من الشدة، وقليل من اللين.
وكانت هذه العاطفة الحزينة القوية تبدو عندي في أشكال مختلفة، ومظاهر متعددة، فمِن صغري كان يشجيني الغناء الحزين؛ فقد أسمع بائعًا يغني على سلعته بنغمةٍ محزنة، فأنقلب حزينًا مهما كانت بواعث السرور حولي — ولا زلت أذكر وأنا في سن الثامنة أو التاسعة أني سمعت مدَّاحًا يتغنى بقصائد وأناشيد على الدف في نغمة محزنة، وكان ذلك بعد العشاء، فتبعته مضطرًّا ناسيًا نفسي مِن حارة إلى حارة حتى انقطع الرجل وانصرف، ورجعت إلى بيتي متأخرًا متقبلًا التأنيب والتهديد عن رضا وسرور.
وربما عدَدت من مظاهر هذه العاطفة الحادة في هذه السن التدينَ الحاد، من انهماك في الصلوات والأدعية والتهجد ونحو ذلك.
•••

غذَّى هذه العاطفة من بعض نواحيها أبي — رحمة الله عليه —، فقد كان مغرَمًا بحب المناظر الطبيعية وخاصة نهر النيل والأشجار والمزارع.
حُرِمَ أبي الريف، ولكن طبيعته كانت تحن إليه، فكان يخلق لنفسه ريفًا، يخرج كل يوم خميس إلى المزارع في ضواحي القاهرة ويأخذني معه لنجلس تحت شجرة بين النيل والغيط، فنُمضي فيه طول نهارنا، وكان هذا المنظر يسحر أبي دينيًّا فيقرأ القرآن ويبتهل ويصلي، ويدخل قلبي من ذلك كله شعور بجمال الطبيعة وعظمتها ممزوج بالدين ورهبته.
وأحيانًا ينزل على بعض أصدقائه في الريف، فيُمضي وأمضي معه أكثر الوقت في المزارع متأملًا مبتهجًا مبتهلًا.
•••

هذه ناحية. وهناك ناحية أخرى غذَّاها أبي — رحمة الله عليه— ، فقد كان من علماء الأزهر، وكان نادرًا بين العلماء في حبه للأدب واقتنائه ما استطاع من كتبه، فكان في مكتبته أهم الكتب الأدبية واللغوية والتاريخية بجانب الكتب الأزهرية، وتكاد كل حجرة في بيتنا يكون فيها دولاب من كتب، وأحيانًا دولاب قد صُنع داخل الحائط، ثم يُكثر المطالعة في هذه الكتب ويشركني معه بما أستطيع.
كانت هاتان الناحيتان نعمةً عليَّ من ناحية الأدب. فلمَّا أخذ يعلِّمني كان يُحفظني متون الأزهر كمتن الكنز في الفقه، والألفية في النحو، والتلخيص في البلاغة … إلخ. ولكن بجانب ذلك أقرأني «فقه اللغة» مرتين، أحفظني بضع مقاماتٍ من مقامات الحريري، وبعض رسائل بديع الزمان الهمذاني، وقطعًا من نهج البلاغة، فتأثرت بأسلوب هؤلاء كثيرًا، فكنت أميل إلى السجع المتكلَّف، وكان هو يقرض الشعر أحيانًا، وحاول أن يقرضنيه ففشل، فتركني، ورأيت مكتبة أبي عامرة بجانبي، فأخذت أقلب الكتب أتصفحها وتعشقت منها — على ما أذكر — كتاب «فاكهة الخلفاء»، وهو كتاب على نمط «كليلة ودمنة» مسجوع، وكتاب «سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون»، وكتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وبعض كتب التاريخ كالجبرتي وبدائع الزهور.
ولكنه لم يعوِّدني الكتابة إلا في مناسبات قليلة.
حتى دخلت مدرسة القضاء، فكان من أهم ما نُعنَى به الكتابة، وأكبر شخصية أثرت فيَّ من هذه الناحية المرحوم عاطف باشا بركات ناظر المدرسة، لم يكن — رحمه الله — كاتبًا ولا أديبًا، ولكن كان فيه ميزات ثلاث تفيد الأدب، كان دقيقًا بالغًا في الدقة، فكان لا يرضى عن كتابة إلا أن يعبر صاحبها تعبيرًا دقيقًا، ويؤاخذ على كل صغيرة وكبيرة فيها، فإذا كان اللفظُ أوسعَ من المعنى أو أضيق منه لم يعجبه وآخذ عليه، والميزة الثانية أنه كان يقدِّر المعنى أكثر مما يقدِّر اللفظ، فكان لا تعجبه العبارات الجوفاء ولا الاستعارات المتكلَّفة، وكثيرًا ما اختلف مع أساتذة الأدب في هذا الشأن، فكان يقدِّر الدرجة بصفر على موضوع قدروا له درجةَ عالية، والعكس؛ لاختلاف جهة التقدير، والميزة الثالثة إعجابه الذي لا حد له بالمجيد في نظره، واشمئزازه الذي لا حد له من المسيء في نظره، فأعلن الإعجاب بطائفةٍ وشجعهم على الكتابة. واذكر أن من حسن حظي مرة أن طلب إلى فرقتنا الكتابة في موضوع «أثر القرآن في العلوم العربية»، فكتبتُ موضوعي ولم يَرُقْ كثيرًا أستاذ الأدب، ولكنه وقع في يد عاطف بك فسُرَّ منه، واقترح إعطائي نهاية الدرجة وناداني وأعلن سروره منه، وظل كلما أتت طائفة من العظماء لزيارة المدرسة كقاسم أمين وسعد زغلول والشيخ عبد الكريم سلمان طلب الورقة، وقرأها عليهم وحملهم على الإعجاب بها، ومِن ذلك اليوم اعتقدتُ استعدادي للأدب، وكان ذلك في السنة الأولى من المدرسة. ومن ذلك الحين ظل أستاذ الأدب يغمرني بتشجيعه.
وتطلعت نفسي للكتابة في الصحف، فاخترت جريدة «المؤيد» لأكتب فيها، وكنت في السنة الثانية من مدرسة القضاء، وأول مقالة كتبتها كانت أثر انتقال سعد باشا من وزارة المعارف إلى وزارة الحقانية، فكتبت مقالة عنوانها «خطأُ العقلاء» أبين فيها خطأ سعد باشا لتحوله من المعارف إلى الحقانية، فقرأها الشيخ علي يوسف ولم ينشرها؛ إما لأنه استسخفها؛ أو لأنه لم يشأ أن ينشر شيئًا في هذا الباب، أو لأن كاتبها طالبٌ غابت عنه كل الظروف المتعلقة بالموضوع فتعرض لما يجهله — على كل حال لم تنشر المقالة، وكانت هذه صدمةً قوية في نفسي لم أحاول بعدها أن أكتب في الجرائد والمجلات، وأعتقد أنها لو نُشرت لغيَّرت تاريخ حياتي الأدبية.
وكانت المرحلة الثانية في تاريخ حياتي الأدبية اتصالي بالأدب الإنجليزي، وكان سببه أني رأيت كثيرًا ممن أُجلُّهم من أساتذتي في مدرسة القضاء يعتمدون في تحضير دروسهم على اللغة الأجنبية، ويعرضون علينا معلومات خلابة لا نراها في الكتب العربية. فالمرحوم عاطف بك يدرِّس لنا الأخلاق من كتاب «مكنزي» ورسالة المنفعة لجون ستورت مل، والمرحوم علي بك فوزي يدرِّس لنا التاريخ ويعتمد في مصادره على الكتب الإنجليزية — وكان معنا طالبٌ يعرف قليلًا من اللغة الإنجليزية، فكان يقرأ في كتاب إنجليزي نظريات الهندسة قبل أن يلقيها الأستاذ، ويدَّعي تفوقه علينا ويُدلُّ بذلك. كل هذا شوقني إلى دراسة اللغة، ولكن لم أتمكن من البدء أيام الدراسة؛ لأن المدرسة كانت شاقة متعبة تستغرق دراستها كل أوقاتنا.
وأخيرًا بعد أن تخرجت اتفقت مع صديقي المرحوم أحمد بك أمين المستشار في محكمة النقض على أن نعمل رحلة إلى مساجد القاهرة وبيوتها الأثرية، وكان إذ ذاك مدرسًا بمدرسة القضاء، واتفقنا على أن نتلاقى في الصباح نقرأ ما كتبه علي باشا مبارك عن حي من الأحياء، وما فيه من مساجد وآثار، ونلتقي بعد العصر لنحقق ما قرأنا، وقضينا في هذا العمل ثلاثة أشهر الصيف، ففي يوم كنا نزور بيتًا أثريًّا في «حوش قدم» وقد قصَّر في وصفه علي باشا مبارك، واستعان أحمد أمين بك على إكمال وصفه بكتاب ألماني مترجم إلى الإنجليزية وهو كتاب «بدكر»، فما كان مني إلا أن طلبتُ منه أن يدلني على خير طريق لتعلم الإنجليزية، فأشار عليَّ بمدرسة «برليتز» فوافقته. وقبل أن نرجع إلى بيوتنا من هذه الجولة عرجنا على مدرسة «برليتز» في شارع عماد الدين، واتفقنا على عدد الدروس، ودفعت أجرة الشهر، وبذلت مجهودًا شاقًّا في تعلمها، واستمررتُ على ذلك نحو سنتين، ثم رأيت أن المدرسة لم تعد بعدُ كافية في تعليمي.
فدلَّني صديق لي على مدرِّسة إنجليزية في ميدان الأزهار اسمها «مِسْ بَوَرْ»، رأيت هذه السيدة ذات شخصية عجيبة، فهي قوية حازمة راقية مثقفة ثقافة عالمية، تجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وأقامت في لندن وباريس وبرلين وأمريكا أزمانًا طويلة، وعرفت أحوال هذه البلاد الاجتماعية عن قرب، وتقرأ أمهات الكتب وتنشر في التيمس مقالات جيدة، وهي بعد ذلك فنانة تجيد الرسم والتصوير، وتعلِّم ذلك لبعض أولاد الأسر المصرية الراقية كأولاد المرحوم عبد الخالق باشا ثروت.
وكانت تعيش عيشةً فخمة من كسب يدها في مصر، فقد استأجرت بيتًا خاليًا في ميدان الأزهار وفرشته وأجرته غُرفًا، فكان يأتيها من ذلك ربحٌ نحو الثلاثين جنيهًا، ثم ترسم صورًا زيتية وتبيعها وتدرِّس لبعض أفراد قلائل وتكاتب التيمس بأجر، فكان لها من ذلك دخلٌ وافٍ لا تدِّخر منه شيئًا، وإنما تعيش عن سعة، وتتصدق بالباقي عن سعة.
عطفت عليَّ هذه السيدة عطفًا شديدًا، لا عطف معلمة أجنبية لشاب أجنبي، ولكن عطف أم على ولدها. لمستْ مني جوانب ضعف منشؤها تربيتي الخاصة، رأت شابًّا في لباس شيخ منكمشًا خاملًا، فكانت تقول لي: «تذكَّر دائمًا أنك شاب» تُكررها عليَّ مرارًا كلما رأت مناسبةً.
وكانت مفتونة بالأزهار أشكالًا وألوانًا، ففي كل ركن من أركان الحجرة أزهار، وفي وسط الحجرة أزهار، وكلُّ يوم نوع جديد، وكان يؤلمها إذا دخلتُ عليها ألَّا أبدي إعجابي بالأزهار الجديدة وألَّا يكون أول حديثي عنها، ووصف شعوري نحوها، فكانت تكرر في شدة: «يجب أن يكون لك عينٌ فنانة»، فأخذت أرضيها أولً بكلمات إعجاب بالأزهار، ثم تحوَّل ذلك إلى شعور حقيقي في القلب، وكذلك كان شأنها معي فيما تعرض علي من صورٍ ترسمها، وكان لها من الناحية الأدبية ميلٌ إلى الأدب الاجتماعي، وكان يظهر ذلك معي في اختيارها الكتب التي أقرؤها معها، فبدأت بإقرائي كتب اللورد «آفبري». وما زالت تترقى معي إلى أن قرأنا في السنة الرابعة، وهي في السنة الأخيرة معها كتاب «جمهورية أفلاطون»، فكنت أقرأ الفصل من الكتاب أمامها، ثم تأخذ هي في شرح نظريته، وتُتبع ذلك بما طرأ على هذه النظرية من تغير، وكيف يُعمل بهذه النظرية في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا إذا دعت الحال. ولعل هذا هو الذي خلق فيَّ الميل إلى الأدب الاجتماعي، فأكثرُ مكتبتي وكتاباتي من هذا القبيل.
أشعر أن قراءة الأدب الإنجليزي كان لها أثرٌ كبير في نفسي من عدة نواحٍ، فقد قوَّى فيَّ الميلَ إلى العناية بالمعنى أكثر من العناية باللفظ، حتى بالغتُ في ذلك، فكثيرًا ما أستعمل ضمائر لا مرجع لها إلا في ذهني، ونحو ذلك مما سببه توافر قوتي على المعاني وتسلسلها دون إعطاء جانب اللفظ ما يستحقه من العناية.
كما استفدتُ من الأدب الإنجليزي الميلَ إلى البساطة في التعبير، والدخول على الموضوع من غير مقدمات طويلة، وكراهية التصنع، حتى لَيُعجبني أحيانًا اللفظ العاميّ أو التعبير العامِيّ، لا أجد مقابلة في اللغة الفصحى يُغني غناءه، فأستعمله راضِيَ النفس وإن كره اللغويون والمتشددون، وربما عددتُ مما أثَّرَ فيَّ من الأدب الإنجليزي مطالعاتٍ في بعض كتب Ruskin، فقد أثر فيّ من ناحية مبدئه، وهو أن الفن ليس للفن، وإنما يجب أن يخضع للخُلُق وللصالح العام، ونظرته إلى الفن الراقي — ومنه الأدب — يجب أن يقوَّم بما يبعث من سموٍّ وما يقوِّي من روحنا وإرادتنا. كما أثرت فيَّ رسائل الكاتب الأمريكي Emerson من ناحية تفكيره المبتكَر، وأسلوبه الذي يبعث الثورة، لكن بهدوء لا بعنف، وطريقته التي توعز أكثر مما تستقصي، وكتابته التي تنُمُّ عن خلق صاف طاهر. هذه أهم العوامل العربية والأوربية التي رأيتُ أنها أثرت فيَّ وفي أدبي إن كان لي أدب. على أن من الحق أن يقال: إن وراء العوامل الظاهرة في تكوين كل أديب عواملَ أخرى خفية قد تكون أبعد أثرًا، وهو لا يلقي لها بالًا، فقد تكون كلمةٌ أُلقيت لم يلتفت لقيمتها أي إنسان، ومع ذلك اختُزنت في العقل الباطن للأديب وفعلت فعلَها في خفاء، وكان لها نتائج قيمة جدًّا، وقد يكون منظرٌ طبيعي أو منظرٌ في سينما أو منظر في الحياة اليومية، أو كلمة في جريدة أو مجلة مرَّت على عين الأديب أو أذنه، وكانت في الظاهر ككل شيء غير ذي خطر يمر، ولكنها لظروفٍ خاصة واستعدادٍ خاص كانت كالبذرة الطيبة دُفنت في خفاء وفي الظلماء، فلما آنَ أوانها خرجت شجرةً يانعة مثمرة. وهذه هي الناحية التي يصعب على الأديب تحليلها.