Advertisement

فيض الخاطر الجزء الرابع


فيض الخاطر (الجزء الرابع)




فيض الخاطر (الجزء الرابع)

مقالات أدبية وإجتماعية

تأليف
أحمد أمين




فيض الخاطر (الجزء الرابع)

أحمد أمين

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



الفصل الأول
من صور الحياة


وسط في ثقافته وعقله، وسط في خلقه، ولكن آتاه الله بسطة في المال، وقوة في الجاه، وحظًّا في مباهج الحياة، له المزارع الواسعة بحيواناتها وآلاتها، تغل عليه خيراتها، وله القصر الفخم على البحر يتخذه مصيفًا، وعلى حافة الصحراء يتخذه مشتى؛ ما اشتهى شيئًا إلا كان لديه حاضرًا، فالمال لا يعز عليه شيء، كل الناس مسخرة له، تنفذ إشاراته وتمجد إرادته، سواء منهم من انتفع بغناه ومن لم ينتفع، طلبه نافذ بين رجال الحكومة لجاهه، وفي بلده لماله، وعند من لم يعرفه لمنظره الفخم ورنة صوته التي توحي بالعظمة والسلطان، استطاع المال أن يجعل منه «باشا»، وأن يتخذ منه عضوًا في البرلمان، على اختلاف الحكومات في ألوانها ومذاهبها، تُخالف قوانين الري لسقي أرضه، وتُعطل اللوائح لتحقيق غرضه، ويقف تنفيذ الأحكام عليه خوفًا من بطشه.
لم تستطع رغباته الكثيرة، ولا مطالبه الوفيرة، ولا نفقاته الواسعة أن تنقص شيئًا من ماله، بل كل سنة يشتري أرضًا جديدة وأسهمًا في الشركات جديدة.
ولم يذق يومًا طعم الحاجة ولا ألم الدَّين، ولا تمنى شيئًا ثم لم يجد من المال ما يسعفه، بل إن حق له أن يشكو شيئًا فهو أنه يأكل في الحياة من مائدة فخمة دائمًا ليس فيها توابل، وينعم دائمًا نعمة لم يلونها الشقاء.
ثم تزوج فسعد في زواجه سعادته في ماله، ضم بزواجه مالًا إلى مال، وجاهًا إلى جاه، ونعيمًا إلى نعيم، ورأى في زوجته ما يتمنى من جمال ومن خُلُق ومن ذوق.
تكشفت له الدنيا عن صورتها الجميلة، وحجبت عنه كل نواحيها السيئة، فكان يعجب من شكوى الناس ومن ذم الدنيا، ويقيس كل شيء بمقياسه، فيرى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ ويعلل شكوى الناس بسوء طباعهم؛ وفقرهم بقلة عقلهم، وألمهم بضيق نظرهم.
•••

لم يرزق من الدنيا إلا ابنًا واحدًا وضع فيه كل أمله، ومنحه كل عنايته ورعايته، حتى شب كأحسن ما يكون الشباب صحة وثقافة وخلقًا.
أخذته الحمى فارتفعت حرارته، وذبل جسمه، واصفر وجهه، وغاب عقله، وبذل الأب كل ما يستطيع لنجاته؛ هؤلاء أشهر الأطباء، وهذا أعز الدواء، وهؤلاء الممرضات ينفذن التعاليم في دقة وإحكام، وهذا كل ما يستطاع وما لا يستطاع لإنقاذه.
وينظر الأب إلى مزارعه الفسيحة ودنياه العريضة فيراها أضيق من سم الخياط.
يتمنى أن لو جُرد من كل ثروته، ومن كل صحته، ومن عينيه يبصر بهما، وأذنيه يسمع بهما، ليبرأ ابنه من المرض، وينجو من الموت، ويرجو أن يكون سائلًا يتكفف الناس، ومعدمًا لا يجد قوت يومه، ومسكينًا لا يملك من الدنيا إلا ثوبه المهلهل يستر جسمه، ثم يُشفى ابنه.
ويود أن لو كانت الصحة تُوهب فيهبها له، والحياة تُمنح فيخلعها عليه، ويتشهى أن يفقد كل نعم الدنيا لينعم — فقط — بابنه صحيحًا بجانبه.
كان يؤمن بالطب فدعا الأطباء، وكان يكفر بالرقى والتعاويذ ودعوة الصالحين فآمن بها وتشفع بأهلها، وكان لا يذكر الله في سرائه فذكره في ضرائه، وحشد لشفاء ابنه كل ما يستطيع من قوى مادية وقوى روحانية.
ولكن غلب القدر فمات الولد.
•••

لقد انقلب برنامج حياته رأسًا على عقب، شكا الدنيا كما كان يشكو الناس، ولم يستطعم لذائذ الحياة كما كان يستطعمها من قبل، ما قيمة المزارع الواسعة والقصور المشيدة والمال الكثير إذا لم تكن نفس تتذوقها ورغبة تتشربها؟ وما جمال الدنيا إذا لم تكن عين تبصرها؟ وما الموسيقى الرائعة إذا لم تكن أذن تسمعها؟ إن النفس المرحة التي لم تصب بكارثة تجتاحها تستطيع أن تخلق من العدم وجودًا، ومن الألم لذة، أما النفس التي براها الحزن فلا تستطيع أن تجد في الجنة متاعًا، والروح التي أظلمتها الكوارث لا تضيئها الشمس.
لقد وجد في الدين عزاءه الوحيد فتدين، أدرك فشل المال والجاه في دفع المرض فآمن بسلطان القدر، ورأى عجز الطب والعلم والدواء فلجأ إلى من لا يعجز، وفهم أن الإلحاد يدعو إلى اليأس ويقرر فناء الميت فكفر بذلك كله، ورأى الإيمان يقول بحياة بعد هذه الحياة، وتلاق بعد الفراق، وفناء الجسم وحياة الروح، فطبق ذلك على ابنه وعلى نفسه، فبعث عنده الأمل وأحيا فيه الرجاء، وقرأ أن العمل الصالح يُقربه إلى بغيته ويجعل الحياة الأخرى أسعد وأهنأ فأكثر من الصلاة والزكاة، وشارك في أعمال البر، وكان يقرأ القرآن ويقف كثيرًا عند آيات الجنة ونعيمها، فيتلهف شوقًا إلى أن يجمعه الله وابنه فيها، كان يُناجي ربه «أن قد مات قلبي بموت ابني فأحيه بك، وقد انطفأت شعلتي فأمدها بنورك، إني فقير إليك فألهمني الصبر، لقد كنت في حلم فتبدد، وفي سعادة فزالت، وكنت معتمدًا على مالي وجاهي فإذا هما هباء، فلا ألجأ الآن إلا إليك، ولا أسألك الآن سعادة فقد مللتها، ولا شيئًا من متع الدنيا فقد زهدتها؛ وإنما أسالك أن ألمس قوتك لأستعين بها على حمل عبئي، وأن أمس رحمتك لألطف بها حرارة الحمى في كبدي، وأن أسبح في بحرك الواسع أطهر فيه نفسي من يأسي، وأن تنيلني قبسًا من حكمتك أدرك به الدنيا على حقيقتها، فلا أجزع لمصايبها، ولا أخدع بزخارفها.
أي ربي: اغفر لي جهلي بك، وغروري بمالي، واعتزازي بجاهي، فلا عز إلا بك، ولا أمل إلا فيك، ولا اعتماد إلا عليك.
أي ربي: اسكن قلبي فقد صار هواءً، وآنس وحشتي فقد فزعت من كل شيء حولي، واطو الحياة طيًّا حتى ألقى وجهك ووجه ابني».
•••

كان يقرأ الجرائد فأهم ما يلفت نظره أخبار الوفيات، ومصادمة السيارات، وحوادث الحريق، وخروج القطار والترام عن الطريق، ثم يعقد مقارنة دقيقة سريعة بين مصاب الناس ومصيبته، ثم يقرأ أخبار الحرب فيسليه إحصاء القتلى والجرحى وغرق السفن بمن فيها، وشن الغارات، وكثرة ضحايا الطائرات، ويقف عند ذلك طويلًا يفكر ويوازن، فإذا وقع نظره على حفلة عرس أو خبر خطبة مر بها سريعًا، وعلق عليها بأن السرور ظل زائل، والسعادة حلم نائم.
وأخذ يتذوق الأدب، ولكن لم يعجب فيه بشيء إعجابه بقصائد الرثاء ولزوميات أبي العلاء، سمع الثناء على قصيدتي ابن الرومي في الرثاء فما زال يرددهما حتى حفظهما، وتخير من اللزوميات أنكاها في شكوى الزمان وحقارة الدنيا وفساد العالم.
ولم يعجبه من المجتمعات إلا عزاء في ميت أو حديث وعظ في مسجد – ودلوه على كتاب مخطوط في دار الكتب للسيوطي اسمه «فضل الجلد عند فقد الولد» فذهب ونسخه بيده.
•••

ما الدنيا إذا كانت تذهب في لحظة؟ وما النعيم يضيع في لمحة؟ وما كل شيء في الدنيا بجانب الحياة؟
الحياة عرض، ونعيمها وشقاؤها عرض العرض.
موجة سارت إلى شاطئ ثم اختفت، ولفافة تحللت إلى دخان، ثم تحلل الدخان في اللانهاية.
كلمة لفظ بها ثم انتهت.
لم يسلم أحد من لطمة القدر لعلل لم ندرك أسرارها ولا الغرض منها، والحياة طريق مملوء بالأشواك لا يسلم مار من أن يشاك بها، ومهما اختلفت المسالك فستنتهي بالنتيجة المحتومة، بالموت، إليه ينتهي كل سالك من ملك وصعلوك، وبه تتحلل كل كمية من اللذة والألم إلى صفر.
ثم إن هذا الطريق — طريق الحياة — امتحان شاق للسالكين؛ فمنهم من يجتازه في خوف وضعف، كلما مسته شوكة صرخ وتحطمت نفسه وسقط من الإعياء؛ ومنهم من يجتازه في شجاعة وقوة واحتمال، فمهما أصابه فإنه يركن إلى ركن ركين من قوة نفسه وحكمته وروحانيته.
لا شيء يضيء هذا الطريق الشائك المظلم إلا طهارة النفس ونور القلب وسمو الروح؛ إن أضاء القلب بدد ضوءه ضباب الطريق، وإن طهرت النفس انسجمت مع العالم، وإن سمت الروح لم تعد المادة إلا جسم الشمعة لا نورها، وغمد السيف لا نصله، وجذع الشجرة لا ثمرتها ولا زهرتها، فلا يأبه كثيرًا بالحوادث، ولا تُحطمه الكوارث، إن مسه الخير فليس منوعًا، وإن أصابه الشر فليس جزوعًا.

الفصل الثاني
مع الطير


من نعم الله عليَّ أن غَنِيَتْ حديقتي الصغيرة هذه الأيام بالطيور، فهذه شجرة — لا أدري السر فيها — جذبت العصافير الكثيرة إليها، فهي في حركة دائمة حولها وفيها؛ وهذه بعض زوايا البيت عشش فيها اليمام يُغرد من حين إلى حين بصوته الشجي الجميل، ولوددت أن أتخير من الطيور أجملها وأظرفها وأضعها في أقفاص تحت سمعي وبصري، أستمتع بجمال شكلها وجمال صوتها، لولا ما يؤلمني من حبسها.
هي أحب الحيوان إليَّ وأقربه إلى قلبي، وهي تقوم في عالم الحيوان مقام الأديب والفنان في عالم الإنسان؛ جمال في شكلها، جمال في هندامها، جمال في غنائها، مرح في حياتها، ظرافة في بناء عشها، حنان في حبها لأولادها.
•••

أبرز شيء فيها عواطفها، فهي تُغني استجابة لعاطفة، وتمرح لعاطفة، وتتحبب لجنسها وأولادها لعاطفة، وبحق علمت الإنسان الأول أن يواري سوءة أخيه بعد موته، فقال: يَا وَيْلَتَى? أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـ?ذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، كما علمته درس الحرية، ولقد كان حرًّا مثلها ثم أباح لنفسه أن يغل غلا بعد غل، فلما استثقل حمل الأغلال أخذ يجاهد في فكها قيدًا بعد قيد ولما ينجح، وغار من الطير فأخذ يحبسه حبس نفسه، ويتحين الفرص لصيده وتكبيله، فما يجد الطائر فرصة للفرار حتى يهرب، ولو كان قفصه من ذهب، وحبه أغلى حب، وشرابه ماء الورد، ضنًّا بحريته أن تباع بأي ثمن، وأن تسترق بأي جزاء، وحافظ على حريته من مبدئه إلى منتهاه، لا كالإنسان الأبله يرضى بالقيود، ثم يبذل في فكها الجهود، وما كان أحراه ألا يُقيد ولا يُفك، وقديمًا حكوا أن رجلًا كان يدعو: «ربنا أدخلنا بيوت الظالمين وأخرجنا منها سالمين»، فأجابه آخر: «وما أدخلك وما أخرجك!».
•••

حلوة الغناء، تُغني حبًّا، وتُغني سرورًا ومرحًا؛ تُغني سرورًا في موسم الوصال، وتُغني أسى وضنى وحزنًا يوم الفراق، وكم وددت أن يسجل صوت الطيور وأغانيها على أسطوانات أو على شريط الراديو حتى أكررها على سمعي كلما شئت، فهي أفعل في نفسي من كثير من أغاني الإنسان؛ ولكن لا، لست أريد حبسها ولا حبس أصواتها، فلتكن حرة في كل شيء لها، ولو حُرِمت الاستمتاع بها وبأصواتها.
إن موسيقاها متنوعة تنوع نغمات البيان، علوًّا وانخفاضًا، ورقة وغلظًا، وقوة وضعفًا، تُغني إذا هاجت عواطفها ليلًا أو نهارًا، وما أحلاها وهي تُغني فتقفز من شجرة إلى شجرة، ومن سطح إلى سطح، مندفعة في طيرانها بشكل كله خفة ورشاقة! لقد حُرمنا دقة الملاحظة فحسبنا أن كل أصواتها سواء، وأن غناء كل نوع منها متشابه؛ ولكن ما أبعد هذا عن الحق، فهي تغني مناغاة للحب، وتغني محذرة من خطر، وتغني سرورًا بحياة الربيع، وتغني دعوة إلى الرحيل، وتغني حزنًا على فقد حبيب؟ فما أكثر أغانيها وما أغبانا في فهمها! لغاية مغنينا أن يكون «بلبل الشرق»، وغاية أديبنا أن يكتب «هدية الكروان» و«دعاء الكروان».
•••

أمامي الآن يمامتان ظريفتان حقًّا، سكنتا بالقرب من غرفة نومي، ما أجمل غناءهما، وخاصة في الفجر إذا شعشع النور، وما أرشق حركتهما، لا عيب فيهما إلا أني آنس بهما ولا تأنسان بي، وأحن إليهما وتفرقان مني، ما ألطفهما وألطف نوعهما وألطف الحمام كله! لقد كان ذوق رسول الله (?) ظريفًا حقًّا؛ إذ روي أنه كان يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الأترج وإلى الحمام الأحمر، وشكا إليه «علي» الوحشة فقال له: «اتخذ زوجًا من حمام تؤنسك وتوقظك للصلاة».
ظريف هذا الحمام كل الظرف! غزله علم الإنسان الغزل، يدعو فتتمنع، ثم تجيب وتلوي عنه عنقها، «ثم يتعاشقان ويتطاوعان»، ثم ما شئت منه من رشف وتقبيل، ثم ما شئت منها من تيه ودلال، ثم ما شئت منهما من فرح ومرح بالوصال.
ثم هو لطيف في حنانه على ولده، أرأيت كيف يُقلِّب بيضه حتى تنال جوانب كل بيضة حظها من حرارته وحضنه؟ أو رأيت تعاقبه ذكرًا وأنثى على رعاية بيضه وفرخه في الحضن والتغذية؟ أو هل رأيت عنايته بعشه كيف يتخير مكانه، وكيف يتخير عيدانه ثم ينسجها نسجًا متداخلًا؟ وكيف يهندسه ليحفظ البيض من التدحرج، ثم يتعاون الذكر والأنثى على العش: «يسخنانه ويطيبانه وينفيان عنه طبعه الأول، ويحثان له طبيعة أخرى مشتقة من طبائعهما، ومستخرجة من رائحة أبدانهما … لكي تقع البيضة إذا وقعت في موضع أشبه المواضع بأرحام الحمام»?؟ ليت كل أسرة تربي في بيتها حمامًا وترقب عيشته، فيتعلم منه الآباء كيف تكون العناية، وكيف يكون الحنان، ويتعلم منه الأبناء كيف يُجازون جهد الآباء وتضحيتهم.
•••

لتمنيت أن تكون الطيور كالأزهار، آنس بها وتأنس بي، وأكون بجوارها وتألف جواري، ولكنها سيئة الظن بالإنسان جدًّا، ولعلها وحدها التي عرفت حقيقة الإنسان فهربت منه، وأبت أن يكون بينها وبينه رابطة، تحوم حوله في حذر، وتمس أرضه في وجل، وتفضل حياتها القليلة — تتعب في البحث عنها — على القرب منه، وإن كان معه شبعها وريها، أنفة منه، وكراهية له، وضنًّا بحريتها وطلاقتها.
هل عرفت بغريزتها طبيعته ففرت منه ابتداءً، أو سالمته وأنست به، فلما جربته ورأت أنانيته وسوء سلوكه رسمت خطتها في البعد عنه؟ أقرب ظني أنه الوجه الثاني، فإنها تأنس ببعض الحيوان الذي لا يُؤذيها، ويذكر بعض الرحالين أنهم نزلوا في جزيرة لم ينزلها قبلهم إنسان، فرأوا طيورها تألفهم وتطير عليهم وتأكل من الحب في أيديهم، وهذا حمام الحرم أمن شر الإنسان فاستأمن، وأنس به الإنسان فاستأنس، فلولا ما رآه قديمًا، من مطاردة الإنسان ومحاولاته نصب الشباك له والإيقاع به بكل الأشكال، واستلذاذه قتله، وتعلمه الرماية فيه، وتصويب أسلحته عليه؛ ما ذعر من الإنسان هذا الذعر، ثم هو قد رآه خائنًا غادرًا، غفر له أولًا أن كان جائعًا فصاده ليأكله، فكيف يغفر له أن رآه شبعان ثم يصيده لمجرد اللذة في قلته؟ وعجب كيف يكون مجرد القتل لذة، فعد الإنسان — بحق — أعدى أعدائه، ولم يقرب منه للضرورة إلا وترتعد فرائصه، وأسر الآباء للأبناء هذا السر الرهيب؛ فما رأى طائر إنسانًا إلا واستحضر هذا السر وأدركه الفزع منه.
•••

من عظمة الطير أن الإنسان سهل عليه أن يدرك مزايا الحيوان فيقلدها وينتفع بتقليدها، تعلم من الأسد شجاعته، ومن القرد كياسته، ومن الحرباء تلونها، ومن الذئاب خداعها، ومن الثعالب روغانها، ومن النحل مهارتها في صناعتها، ومن النمل جده وادخاره … إلخ، ولكن مرت آلاف السنين، وهو يعجب من الطير كيف يطير، وحاول تقليده فلم ينجح؛ وأخيرًا جدًّا بعد أن شاب الزمن اهتدى إلى سر طيرانه فطار، وليته لم يطر؛ فقد عاش الطير منذ خُلق وهو يطير من ظلم الإنسان، ولا يظلم الإنسان، ويطير جمالًا ولا يطير قبحًا، ويطير سرورًا إلى عشه، وحنينًا إلى إلفه، وطلبًا في رزقه، فلما طار الإنسان لون طيرانه بشره فخرب ودمر، وسفك وأهلك، وكَرَّه إلينا السماء والقمر، وطأطأ رءوسنا مما لزمنا من عار وخجل! فيا لله للإنسان!
ومع هذا التقليد من الإنسان لا يزال أمر الطير عجبًا أي عجب! فهو يقطع المسافات الشاسعة باحثًا عن غذائه ودفئه، فما كان منه في شمالي آسيا يأتي في الربيع إلى مصر، وما كان في شمالي أوروبا يرحل إلى جزائر في البحر الأبيض، أو يعبره إلى إفريقيا، ويرحل أكثر ما يكون ليلًا يتقي الأخطار، ويهتدي بالريح وبالشواطئ وسير الأنهار، ويعلو في طيره عن الأرض ميلًا إلى ثلاثة أميال، ثم هو يقطع آلاف الأميال عابرًا البر والبحر من غير دليل إلا طبيعته، فإذا لم يقتله الإنسان عاد كما جاء إلى عشه مهتديًا بذاكرته، فسبحان خالقه.
•••

تُحسن الطيور إلى الإنسان كثيرًا ويُؤذيها الإنسان كثيرًا، فهل كان الإنسان يستطيع أن يحصل على قوته وزرعه لو لم يعنه الطير على الفتك بدوده وحشراته؟ فمئاتها طعام كل يوم لكل طير من أكلتها، فكيف لو سُلطت على مزارع الإنسان ولم تُسعفه الطيور فتقضي عليها؟ إذن لرأيت الأرض غُطيت بالدود، واكتسحت الزرع وأعقبه فناء الإنسان، لقد أحصى ظريف ما تأكله الطيور من الدود في مقاطعة في أمريكا فكان مليونين ونصفًا كل يوم، فقدِّرْ حالتها لو تُركت وتناسلت، ومع هذا كله جهل الإنسان فضل الطير، واتخذه ملهاة لصيده، ومجالًا لقماره، وملعبًا لرمايته؛ كان المتوحش يصيد طالبًا لغذائه، فأصبح المتمدن يصيد ملأً لفراغه.
•••

لقد عجب أوروبي أن الطيور في مصر لا تُغني كثيرًا، فلك الله أيها العاجب، فلم تغني وكيف تغني ولمن تغني؟ لو رأت ما يسرها لغنت، فالأسى يبعث الأسى، والسرور يبعث السرور، وسعادة الجار تنضح على الجار، ولو ضحك من في الأرض لضحك من في السماء، ولو غنت الطير في مصر كثيرًا لغنت حزينًا كما غنى الناس حزينًا، ولكن تأبى طباعها إذا غنت إلا أن يكون غناؤها مرحًا وطيرها فرحًا، ففضلت السكوت إلا أن تلح بها الحاجة، وهل سمع الناس — يا أخي — غناءها القليل لتفيض عليهم بالكثير؟ إنهم في شغل عن جمال الطبيعة بتزييف الصناعة، وعن غناء السرور بغناء الحزن، وعن النداء العالي بالنداء السافل، وعن التسامي بالتدلي؛ فيوم يبتهج أهل الأرض يبتهج أهل السماء، ويوم يسعد السكان يُغني الطير، ويوم يتسامى الناس تعلو أغراضهم وتطير نفوسهم، فتُحاذي الطير ويحدو لها فيمرح كثيرًا ويغني كثيرًا.
•••

ولفخر للطير عظيم أن تُخلَق الملائكة خلقته، وتُعار أجنحته الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى? وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ? يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ? إِنَّ اللهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
? الحيوان للجاحظ.
الفصل الثالث
حوار في أسرة


كانت أسرة وسطًا, لم يفسدها الفقر, ولم يبطرها الغنى؛ تتمثل فيها الإنسانية بصفوفها, فأب وأم وابن وبنت؛ كان الأبوان من الجيل الماضي بأخلاقه وميوله, وتقاليده وعقائده, يكرهان البهرجة والرياء, ويغاران على سمعتهما كل الغيرة, ويحرمان على أنفسهم كل اللذائذ إلا ما أحل الله, ويدبران مالهما على قدر مطالب الحياة, ولا يسمحان لأنفسهما أن يقترضا لأى سبب وفي أي ظرف.
حتى شب الابن وشبت البنت في ظروف غير ظروفهما, وحياة غير حياتهما وجيل غير جيلهما، نشأ بين أغاني الراديو ومناظر السينما ومشاهد التمثيل, وفي بحبوبة الحرية وبهرجة السفور والاعتداد بالشخصية, ونظرا إلى أبويهما نظرهما إلى التاريخ القديم وآثار القرون الوسطى, تُحترم لقدمها لا لصالحيتها, وتُبجل لدلالتها على زمنها لا لرقيها، ونظر الأبوان إليهما نظر الآمل ضاع أمله, والسلطان خرج الأمر من يده, والمربي فشل في تربيته؛ فهم إن جمعتهم أسرة فأهواؤهم متفرقه وقلوبهم موزعة وآراؤهم متباينة, وإن ضمهم بيت واحد فلضرورة الحياة لا وحدة المشرب.
•••

كانت ليلة سعيدة تلك التي اجتمعوا فيها على مائدة المنزل يتصالحون بعد خصام، ويتعاتبون بعد نفار، ويتصارحون بعد الكتمان، وحضر وليمة الصلح قريب للأسرة يحترمه الجميع لسعة عقله وصدق نظره وحسن حديثه، قد منحته الطبيعة ما منحت البلسم لمداواة الجروح وما منحت الدواء لشفاء الداء، متقدم في السن ولكن عقله من عقول المستقبل لا الماضي ولا الحاضر، خبير بالماضي بما قرأ، وبالحاضر بما شاهد، وبالمستقبل بما استنتج، له جاهه في المنصب وجاهه في المال وجاهه في العلم وجاهه في الخلق، فإذا تكلم أنصت الجميع وأطاع الجميع، رأيه الحق وقوله الفصل.
قال الأب لابنه: كم تعبت في تربيتك، وعانيت الأمرين في العناية بك، وسهرت الليالي لمرضك، وهجرت راحتي لراحتك، وضيقت على نفسي في الإنفاق لأُوسع عليك، وحرمت نفسي من اللذائذ لأوفرها لك، فإذا جاء زمن تعليمك في المدرسة فكم بذلت جهدي لتنجح، وأنفقت مالي لتكون رجلًا، وترقبت النتيجة كل عام في وجل من رسوبك؛ وعلى الجملة إن تعد نعمي عليك لا تحصيها، فقد ضحيت كل شيء لي في سبيلك، وأغمضت عيني عن كل شيء وراء هذه الدار لأجلك؛ أفحين شاب رأسي وضعفت قوتي، وحين صرت رجلًا تهدر كل هذه التضحيات، وتكافئ الجميل بالقبيح، والإحسان بالجحود؟
قال الابن: لقد أكثرت يا أبي من ذكر التضحية والإحسان، والجميل والمعروف، فهل فعلت شيئًا أكثر مما يجب عليك وعلى كل أب أن يفعله؟ إنك تُفسد ما أديت من واجب بالمن به، وتُذهب جمال التضحية بذكر اسمها، إنك تريدني أن أكون ذيلًا لك أتبعك في حركاتك وسكونك وميولك، فهل هذا يتفق والطبيعة؟ إن زمني غير زمنك، وآمالي غير آمالك، ونظرتي إلى الحياة غير نظرتك، إن الثمرة إذا نضجت فارقت شجرتها، إنني شاب أخضع لقوانين الشباب ويجري فيَّ دم الحياة، وتملؤني الآمال وتستهويني المغامرات، فمحال أن تخضع إرادتي لإرادتك، وليس لك مني إلا احترامك وإجلالك، لا بد لي أن أعيش حسب طبيعتي وشخصيتي وزمني وأملي؛ حتى أحقق غرضي أنا في الحياة لا غرضك لي، ولأن أشكرك على أن أبحت لي حرية العمل خير من أن أشكرك على أن تعاملني معاملة طفل كبير يحتاج إلى الرعاية دائمًا، بل إن تركت لي الحرية فأنا أشكرك وعملي الحر الطليق يشكرك، ويعترف لك بفضل أنك نزلت عن استبدادك وسلطانك، وسايرت الزمن في تغيره الطبيعي وتقدمه المستمر، ثم لا تخش من خطئي إن أخطأت، فسأتعلم من خطئي أكثر مما أتعلم من تحذيرك، وأستفيد من فشلي أكثر مما أستفيد من نصائحك، ولأن أكون رجلًا يخطئ خير من أن أكون حجرًا لا يخطئ، وليس أضيع من ابن سُلبت إرادته، ولو كان السالب لها أباه، ولا أفشل من إنسان أُحيط بالرعاية التامة فمنعته الرعاية من أن يُجرب بنفسه الحياة، دعني أتعلم السباحة في بحر الحياة، ولا بأس إن غرقت، فسأغرق حتمًا إن لم أتعلم العوم، وسأغرق احتمالًا إن تعلمته.
دهش الأب من هذا الحديث الصريح الجريء، وأطال التفكير.
فانتهزت الأم فرصة هذا السكوت وخاطبت ابنتها: إن موقفي معك موقف أبيك من أخيك … لقد وقفت حياتي على العناية بك، وكم خفق قلبي حزنًا لألمك وسرورًا لسرورك وعددتك صورة مني، واتخذتك في الحياة أملي، وأنست بك أكثر من أنسي بأخيك؛ لأنك من جنسي، أعرف شعورك كما أعرف شعوري، وتدور برأسك الأفكار التي كانت تدور برأسي، وتتحركين بالعواطف التي كانت تُحركني، وقد اختصصتك بأسراري وآمالي وآلامي، وحرمت نفسي من الخير لخيرك، وتحملت الآلام لراحتك ونعيمك، والآن وقد صرت شابة لم أر قلبك يتناغم مع دقات قلبي، ولا عطفك يُساير عطفي، وأرى شخصك في البيت وأحلامك وآمالك خارج البيت، وأرى حبًّا مني لا يُقابل بحب منك، وحناني لا يُجازَى بحنانك.
قالت البنت: أصارحك يا أمي أني أحترمك أمًّا، ولكن لا تنتظري أن تكوني معقد أملي ومجال حبي، إنك إن تطلبي ذلك تطلبي محالًا في الطبيعة، إن كان الحب أنواعًا فنوع منه أساسه الاحترام والاعتراف بالجميل، وهذا لك مني، ولكن هناك نوع آخر من الحب أسمى وأرقى وأصفى، وهذا أمنحه لمن يكون زوجي، إن الرابطة بيني وبينك رابطة الدم، والرابطة بيني وبينه رابطة الروح، إني ألجأ إليك حتى ينضج هذا الحب، كما تبقى الثمرة على شجرتها حتى تنضج، وألجأ إليك — لا قدر الله — إذا فشل هذا الحب، ففيك العزاء، سأحافظ على شرفي من أجلي وأجلك وأجل أبي، وسأحافظ على الوفاء لك لمعروفك عندي، ولكن ليس من حقك أن تطلبي مني الحب الروحي الخالص الذي لم تعده الطبيعة إلا للأليف، إذا طَلَبْتِ إجلالًا واحترامًا فهذا حق لك جزاء تضحيتك، وإذا طَلَبْتِ حبًّا ساميًا خالصًا روحيًّا فليس ذلك لك ولا تُجابين إليه؛ إذ ذاك لا تتكلمين باسم التضحية ولكن باسم الأنانية.
دُهِشَت الأم كما دُهِشَ الأب من قبل، وساد الجميع سكون عميق.
ثم بدأت الزوجة تقول لزوجها: ما دمنا وصلنا إلى هذه الدرجة من الصراحة ومن العتاب، فلأصارحك بما في نفسي، لقد أصبحت حياتي معك عناء في عناء، حُرِمت متاع الدنيا لإدارة البيت ومطالبك ومطالب أولادك، وأُصبت بالأمراض، وأنا طول النهار موزعة بين نظافة البيت وإعداد الأكل إلى ما لا يُحصى من مطالب، فلا يجيء وقت النوم إلا وقد دار رأسي، وفتر جسمي وكَلَّ عقلي؛ وقد أصبح البيت سجنًا أبديًّا مظلمًا، ليس له نافذة إلى العالم؛ ومع هذا كله لا أرى منك اعترافًا بحُسن صنيع ولا إقرارًا بجميل، ولا مظهرًا لحب، ولا تقديرًا لقديم؛ وأصبحت المعيشة كآلة تدور بلا زيت، وزيت الحياة هو العطف والحب، وقد فُقِدَا، فلستُ أسمع إلا أوامر جافة، ونواهي حازمة قاسية، متى يأتي الموت ففيه راحتي؟
قال الزوج: وهل أنا أقل منك في حمل الأعباء واحتمال الرزايا؟ فلا أزال أسعى وأكد سدادًا لمطالبكم، وحرصًا على راحتكم، وليس لي نصيب مما أجمع إلا أقل من نصيب أحدكم؛ ولو كنت وحدي لكنت سعيدًا، أنعم بملذات الحياة ولا أحمل عبء الواجب، وأعيش كالفراشة تنتقل من زهرة إلى زهرة، ثم تتطلبين أن أظهر لك بمظهر الحب كأيامنا الأولى، ونسيتِ أن الزمن له حكمه، فالحب إن لم ينطفئ هدأ، والنار تشتعل ثم تكون رمادًا، وطول العشرة يُذهب الكلفة ويَذهب بالتصنع، وأنت تغارين أن أضحك مع الضيوف ولا أضحك معك، وأمزح مع الأصدقاء ولا أمزح معك، وتُحاسبينني على أني أتكلم في التليفون برقة لا تبدو في خطابي معك؛ وفاتك أن التصنع عبء ثقيل يتكلفه المرء مع الغريب، وثوب مصطنع مع الناس؛ فكيف تكلفينني أن أتصنع دائمًا وأُرائِي دائمًا؟ ألا ترينني أتجمل في ملبسي إذا خرجت وأتبذل إذا رجعت؟ أتريدينني مُرائيًا حتى في البيت، ومُتصنعًا حتى معك؛ فأين إذًا سعادة المعيشة على الفطرة، ثم لا تُكثري من ذكر التضحية، فتضحيتك لا تُساوي شيئًا بجانب تضحيتي، ومتاعبك تافهة بجانب متاعبي؛ أين عمل اليد من عمل العقل، وأين مطالب الأولاد من مطالب الرؤساء، وأين تعب الإنفاق من تعب الكسب؟
•••

ساد الجميع سكون رهيب، وانتهى الأكل ولم يشعروا أنهم أكلوا، وانتهت الأصناف ولو سألتهم ما دروا ماذا طعموا؛ لأن الحديث التهم عقولهم وأفكارهم، وتسلط على كل حواسهم، ثم انتقلوا إلى حجرة أخرى وانتظروا كلام الشيخ الحكيم.
بدأ الشيخ يقول: لعل أسرتكم هذه من خير الأسر شعورًا بالتبعة وأداءً للواجب، وإن متاعبكم التي سمعت الليلة بعضها ليست شيئًا بجانب ما أعلم من أسر تحطمت، وبيوت خربت، وأمراض فتكت، وكانت أمراضها أشكالًا وألونًا: هذه مرضها في ربِّها، سَكِرَ وقامر حتى خرَّ البيت على رأسه، وهذه مرضها في ربِّتها، أسرفت في ملذاتها وملاهيها حتى انهار البنيان عليها، وهذه مرضها في أبنائها وبناتها، أسرفوا على أنفسهم وجرفهم تيار المدنية حتى أصبح البيت شعلة من نار، لا يستقر لأهله قرار.
أما أنتم فمرضكم على هامش الأسرة لا في صميمها، والأعراض قريبة العلاج سهلة الدواء، ويُخيل إلي أنها ترجع إلى سببين: أولهما: أن الأبوين لم يُدخلا في حسابهما عامل الزمان، فلكل زمن تقاليده، ولكل جيل مطالبه؛ ومحال أن تتجاهلوا فعل الزمن وتغيير الأحداث وتطور الناشئة، فمنشأ كثير من النزاع تحجر عقول الآباء وقلة مرونتها، ومحاولتها إخضاع الحاضر للماضي، وهو ما تأباه الطبيعة، إن أبناءكم مخلوقون لزمن غير زمانكم، فإما أن تحسبوا في سلوككم حساب زمانهم، وإما أن يثوروا عليكم، ألا ترون أن أثاث البيت من عشرين عامًا لا يصلح أن يكون أثاث بيت اليوم، وأن البدع في ملابس أمس غير البدع في ملابس اليوم، وأن طراز البيوت منذ أعوام غير طرازها الآن، وأن التربية والتعليم ومناهجهما ونظمهما منذ عهد قريب غيرهما في عهدنا؟ فلماذا تؤمنون بهذا كله ولا تؤمنون بتغير طباع الأولاد وعاداتهم وتقاليدهم، وتودون أن تسلكوا معهم سلوك آبائكم معكم، على أن الفرق كبير بينكم وبين آبائكم وبينكم وبين أبنائكم! فقد حدثت في العالم ثورة قلبت الأوضاع وكسرت الحدود، ولا أمل في المسالمة وحسن العلاقة بينكم وبين أبنائكم إلا أن تفهموا الواقع وتُسايروا الزمان؛ نعم إن الأبناء يجب أن يعذروكم في نظرتكم ويُقدروا حسن نيتكم، ولكن من العسير أن يفهموا ذلك ولما تنضج عقولهم وتكتمل مشاعرهم.
وثاني الأمرين أني لمست في حديث كل منكم طغيان الشعور ? «أنا» وضعف الشعور ? «نحن»؛ إن «أنا» مبعث الاحتكاك والنزاع والخصام، فمتى برزت «أنا» في الميدان قابلتها «أنوات» أخرى تُعاكسها وتُحاربها، أما «نحن» فليس لها محارب؛ لأنها تعبير عن الجميع، إذا قلت: أنا ضحيت؛ قال الآخر: أنا ضحيت، وإذا قلت: أنا فعلت، قال الآخر: أنا فعلت، ولكن إن قلتم جميعًا «نحن» لم تكونوا في حاجة إلى «نحن» أخرى تُعارضها.
إنكم في أسرتكم كالهواء في منزلكم، وأشعة الشمس تغمر حجركم، والروحانية ترفرف عليكم، إنها تسعكم جميعًا من غير نزاع، فكونوا كالهواء سعة، وأشعة الشمس امتدادًا، والروحانية شمولًا، تضمر «أنا» فيضمر النزاع، ويضمر المَنُّ بالتضحية، إن «أنا» مظلمة ظلمة السجن، ضيقة ضيق القبر، و«نحن» شاملة شمول الشمس، منعشة إنعاش النسيم، سمحة سماح الكريم.
•••

نزل كلام الشيخ بردًا وسلامًا على الجميع، كما استقبلوه بالتبجيل والتعظيم، وعاد كل إلى مأواه يُفسِّر كلام الشيخ بما يهواه، وكل يُغني على ليلاه.

الفصل الرابع
سلطان العلماء (?)


هذا لقب لقبه به تلاميذه لما رأوا من سعة علمه، وعظمة خلقه، فسار اللقب في الناس، وأصبح في البلاد سلطانان: سلطان الدولة، وسلطان العلماء، وكان السلطانان أحيانًا ينسجمان ويتصالحان، وأحيانًا يتصارعان ويتصادمان؛ فيكون لصراعهما منظر رهيب كمنظر الجيوش إذا تقاتلت، والسباع إذا تصاولت، والديكة إذا تهارشت، وأكثر ما يدعو المنظر إلى الإعجاب إذا رأيت المحارب غير المسلح يغلب المحارب المسلح، وسلطان الدنيا بجنوده يخضع لسلطان الدين وليس له جنود ولا بنود إلا قوة الخلق، وقوة الحق، وقوة اليقين.
عُمِّر «سلطان العلماء» هذا عمرًا طويلًا عريضًا، فقد عاش ثلاثة وثمانين عامًا، والأعوام وإن اتحدت في الطول فهي تختلف في العرض، فهناك أعوام طويلة لا عرض لها، وهناك أعوام طويلة عريضة، وهناك أعوام عقيم، وأعوام ولود، وأعوام «عالِمنا» هذه أعوام خصبة طالما ولدت الأحداث العظام، والخطوب الجُلّى؛ فقد شاهدت دولة الأيوبيين في هرمها وآخر أيامها، وشاهدت دولة المماليك البحرية في نشأتها وعزها، وشاهدت بعض الحملات الصليبية على الشرق ومقاومته لها، وشاهدت حملة التتار على الممالك الإسلامية واكتساحهم لها، ووقوف مصر أمامهم تصد هجماتهم وتكسر شوكتهم، وشاهدت سقوط الخلافة العباسية في بغداد وانتقالها إلى القاهرة.
ذلك كله شاهدته حياة «عالِمنا» الدمشقي، فقد وُلد سنة ???، وتوفي سنة ???هـ، لقد نشأ في دمشق فقيرًا يعمل بيديه ليكسب عيشه ويحصل قوته، يبيت في مسجد دمشق؛ إذ لم يجد له مأوى، وظل على هذا حتى صار شابًّا، ثم حُبِّب إليه أن يتعلم وهو كبير فقير، فمارس العلم وسرعان ما نبغ فيه، ولفت النظر إليه، وجمع إلى العلم التصوف، فيأخذ العلم عن شيوخه، والتصوف عن رجاله، ويكسبه العلم سعة في عقله وصقلًا لذهنه، ويفيده التصوف صفاء في قلبه، ونورًا في روحه، وقناعة وطمأنينة في نفسه، وزهدًا في نعيم الدنيا، وحبًّا لله وطلبًا لرضاه؛ فهو إذا تكلم رأيت علمًا غزيرًا من دراسته، ورأيت إخلاصًا من تصوفه، ورأيت هيبة وجلالًا، ونفوذًا لكلامه إلى قلوب سامعيه من قوة يقينه وصفاء روحه، وإذا بعالِمنا «عبد العزيز بن عبد السلام، أو عز الدين بن عبد السلام» الذي كان يعمل بيديه نهارًا، ويفترش أرض المسجد ليلًا، خطيب الجامع الأموي وإمامه، وقبلة الناس ومنارهم، ومعقد رجائهم.
لقد رمى بنظره بعد أن نضج عقله، فرأى حال الدولة تدعو إلى الأسى، هذه الأسرة الأيوبية تقسَّم أبناؤها المملكة، ففرع في مصر، وفرع في دمشق، وفرع في حلب، وفرع فيما بين النهرين، وفرع في حماة، وفرع في حمص، وفرع في جزيرة العرب، وبين بعضهم وبعض إحن وعداء، وحزازة ودماء، والصليبيون على الأبواب، والتتار يتحفزون للوثوب، ولا قبل لهم بذلك كله إلا أن تذهب حزازاتهم، وتتوحد كلمتهم، وتصفو قلوبهم، ويعدوا ما استطاعوا من قوة؛ فاتخذ عالمنا هذا منهجه في الخطب على المنبر، وفي الوعظ، وفي نصح الأمراء، فها هو يدخل على الملك الأشرف موسى بن العادل بدمشق وهو يتأهب لغزو أخيه السلطان الكامل في مصر، فيقول له: هذا أخوك الكبير ورحمك، وأنت مشهور بالفتوح والنصر على الأعداء، والتتر قد خاضوا بلاد المسلمين، فخير لك ألا تقطع رحمك، وأن تتوجه إلى نصر دين الله وإعزاز كلمته، وأن تحول وجهتك في مقاتلة أخيك إلى مقاتلة أعداء الله وأعداء المسلمين، وأن تتقرب إلى الله قبل ذلك بإصلاح داخل مملكتك، فتبطل المكوس، وترفع المظالم، وتمنع الخمور والفجور، فيُصغي السلطان إلى نصيحته ويعمل بها، ويقول له: جزاك الله خيرًا عن إرشادك ونصيحتك، ثم أصلح ما في الداخل وحول وجهته إلى الخارج، وقدم السلطان للشيخ ألف دينار يستعين بها على شئون الدنيا، فردها الشيخ في لطف وقال: إن هذه نصيحة لله وللدين، فلا أُكدرها بشيء من الدنيا، وذاعت نصيحة الشيخ وزهده في المال، فزاد مقامه علوًّا ومكانته رفعة.
•••

لكن في كل عصر سخافات تستوجب الضحك، لولا أنها تحدث في مأتم، فهؤلاء ضيقو العقول من الحنابلة — والدولة كلها معرضة لخطر الغزو من عدوين لدودين قويين: وهما التتار والصليبيون — يعيدون فتنة خلق القرآن والكلام فيها كما كانت أيام المأمون والمعتصم والواثق؛ فهم يزعمون أن كلام الله القديم هو ما نقرؤه بألسنتنا، ونكتبه بمدادنا، ونخطه في أوراقنا، وترمقه عيوننا، والأشعرية من أهل السنة يرون أن كلام الله الأزلي القديم ليس بحرف ولا صوت، وإنما ألفاظنا وكتابتنا ومصاحفنا دلالة عليه، فيجب احترامها لدلالتها على كلامه، كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته.
وتقوم الثورة في هذا بين الحنابلة والأشعرية، ويتبادلون السب والضرب، فهنا في دمشق مجادلات حارة ومناقشات حامية: هل الحروف والأصوات كلام الله؟ وهناك على مقربة منهم في صفوف الصليبيين دعوة حارة أخرى لتنظيم الآلات، وإعداد المعدات، وتوحيد الصفوف؛ هنا كلام وخصام في الكلام ودعوة إلى الانقسام، وهناك عمل وإعداد وسيوف وقنابل ودعوة إلى الوئام.
ويشتد النزاع بين الحنابلة والأشعرية: المكتوب والمقروء كلام الله؛ ليس المكتوب والمقروء كلام الله. كلمات يعلو بها صوت الناس في المساجد والشوارع والبيوت، ويتزعم فريق الأشعرية عالِمنا، وأعوان السلطان منقسمون كذلك إلى قسمين، والسلطان يسمع من هؤلاء اتهامًا ومن هؤلاء اتهامًا: هؤلاء يتهمون الأشعرية بأنهم يستهينون بالمصحف، وهؤلاء يتهمون الحنابلة بأنهم مجسدة، ويعكف العلماء من هؤلاء وهؤلاء على تأليف الرسائل واستنباط الأدلة، وأخيرًا يحار السلطان بينهم فيأمر بقطع الكلام في هذا الموضوع بتاتًا، ويأمر الشيخ عز الدين بأمور ثلاثة: ألا يُفتي، وألا يجتمع بأحد، وأن يلزم بيته، فلما جاء الملك الكامل في مصر وسمع ما جرى قال للملك الأشرف: ما فعلت أكثر من أنك سويت بين أهل الحق والباطل، وحرضه على القول برأي الأشعرية ونصرة الشيخ عز الدين، ففعل وشدد على الحنابلة فسكنوا، وانتهت المشكلة بعد أن أخذت من قوتهم وأكلت من تفكيرهم، وعاد عز الدين إلى مجده وسلطانه.
•••

أخذ الشيخ يدعو دعوته الأولى إلى أن يتحد سلاطين الأيوبيين وتتحد كلمة المسلمين، ويخطب في ذلك على منبر دمشق ويختم خطبته — في العادة — بقوله: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا، تُعز فيه وليك، وتُذل فيه عدوك، ويُعمَل فيه بطاعتك، ويُنهَى فيه عن معصيتك.» والناس وراءه يبتهلون ابتهاله ويدعون بدعائه حتى ترتفع أصواتهم إلى عنان السماء.
وكان يقول: «كل جندي لا يُخاطر بنفسه فليس بجندي.» و«المخاطرة بالنفوس مشروعة لإعزاز الدين.» و«ينبغي لكل عالم إذا أُذِل الحق وأُهمل الصواب أن يبذل جهده في نصرهما، ومن آثر الله على نفسه آثره الله، ومن طلب رضا الله بما يسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن طلب رضا الناس بما يسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، وفي رضا الله كفاية عن رضا كل أحد.».
فليتك تحلو والحياة مريرةوليتك ترضى والأنام غضاب هذا بعض ما كان يقوله الشيخ، ولكن من كان يظن أن هذا القول الصريح الذي لا مجمجة فيه ولا إبهام يُؤَوَّل بأنه يريد به نصرة بعض الأيوبيين على بعض، ومن كان يظن أن هذه الدعوة التي يبذلها الشيخ إلى الاتحاد تنتكس ولا يُستجاب لها، وتنتهي بأن الملك الصالح إسماعيل يُصالح الصليبيين على أن يُسلم لهم صفدا والشقيف وغير ذلك من حصون المسلمين لينجدوه على الملك الصالح نجم الدين أيوب، ومن كان يظن أن الشيخ لا تُسمع دعوته، فيرى المسلمين في دمشق يبيعون السلاح للصليبيين ليقاتلوا به عباد الله المؤمنين؟
لقد صرخ الشيخ من أعماق قلبه مستنكرًا هذا الأحوال، مستغيثًا بالله من هذه المخازي والأهوال؛ فاعتقل وعُذب، فما بالى باعتقال ولا بعذاب، وجاءه رسول من قبل الصالح إسماعيل يحتال عليه كما يحتال الشيطان ويوسوس له ويُخوفه ويُمنيه؛ وأخيرًا يقول له: «ليس بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وأكثر منها إلا أن تطأطئ رأسك للسلطان وتقبل يده.».
هاج الشيخ وغضب واحمر وجهه، وصاح في الرسول: «يا مسكين، والله ما أرضاه أن يُقبل يدي فضلًا عن أن أُقبل يده، يا قوم أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به.».
هؤلاء ملوك المسلمين في الشام يعبثون بحقوق المسلمين، ويسلمون الصليبيين الحصون والقلاع، ويسمحون لهم بشراء السلاح من بلادهم اليوم ليحاربوهم به غدًا، والشيخ في اعتقاله في خيمته، يحز في قلبه الألم مما صار إليه حال المسلمين، فيعكف على القرآن يتلوه وعلى العلم يدرسه، ويمر الملك الصالح إسماعيل الذي فعل تلك الأفاعيل مع ملك الفرنج من الصليبيين على الشيخ في خيمته، فيفتخر الملك ويزهى بعمله ويقول:
«هذا أكبر قسوس المسلمين، اعتقلته؛ لأنه أنكر عليَّ تسليمي لكم حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة وعن مناصبه، ثم أخرجته من دمشق، وأبعدته هنا في بيت المقدس، كل هذا لأجلكم وحبًّا في رضاكم.».
قال ملك الفرنج: لو كان هذا قسيسنا لتشفعنا به وتبركنا بماء طهوره.
وانتصرت العساكر المصرية فأُطلق سراح الشيخ، فأبى أن يكون في دمشق، حيث رأى ما رأى.
وفي سنة ??? رُؤيت قافلة فيها شيخ أبيض اللحية مهيب وقور، يتجاوز الستين قليلًا، ومعه صديق له يبدو عليه أنه مصري اسمه ابن الحاجب?، وفيها أسرتهما وأمتعتهما وأتباعهما، تجتاز بلاد الشام قاصدة مصر. ? ابن الحاجب: هو العالم الكبير والمؤلف المشهور في النحو والصرف والأصول.
الفصل الخامس
سلطان العلماء (?)


دخل عز الدين بن عبد السلام مصر، وقد سبقته شهرته بالعلم الواسع في مذهب الشافعية، وبغيرته الدينية وبعظمته الخلقية، وكان يعرفه بذلك كله ملك مصر «نجم الدين أيوب»، فولاه الخطابة في جامع عمرو بن العاص، وقلده القضاء في مصر (الفسطاط) والوجه القبلي (أما القاهرة فأفرد لها قاضيًا خاصًّا) وعهد إليه بعمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة.
وزاره المحدث الكبير وعالم مصر العظيم «عبد العظيم المنذري» فرأى من عز الدين فقهًا غزيرًا وعلمًا كثيرًا، ورأى عز الدين من عبد العظيم بحرًا في الحديث وعلمه، فامتنع «عبد العظيم» من الفتوى وقال: لا أفتي وعز الدين بها، وامتنع عز الدين من «الحديث» وقال: لا أحدث وعبد العظيم بها.
وسرعان ما شاهد الناس من «عز الدين» فصاحته في الخطابة، وعلمه بأسرار الفقه وإخلاصه في عمارة المساجد، ونزاهته في القضاء، وصلابته في الحق، فكانت مكانته في مصر كمكانته في الشام.
ولكن هذه المناصب مع هذه الأخلاق لا بد أن تصطدم بذوي الرغائب وأولي الجاه والسلطان، فالحق مر لا يحلو في ذوقهم، والعدل ثقيل لا تهضمه نفوسهم، فما لقيه في الشام بدأ يلقاه في مصر.
هذا السلطان أيوب تُقبَّلُ الأرض بين يديه، فيستفظع «عز الدين» هذا العمل أيما استفظاع، ويستنكره في صراحة أمام السلطان وأمام الحاشية وأمام الجمهور، ويخشى أخصاؤه عليه من هذه الجرأة فيقول: «لقد استحضرت هيبة الله فرأيت السلطان أمامي قطًّا.» ويطيع السلطان أمره وتنتهي المسألة بسلام.
ولكن كل يوم أحداث تؤلم الشيخ وتُثير غضبه.
كان في منصب «أستاذ الدار» فخر الدين عثمان بن شيخ الشيوخ، وقد كان عظيمًا في منصبه، فهو القيم على الدواوين؛ والواسطة بين الرعية والسلطان، والمشرف على تحصيل الأموال من الملاك والمزارعين، والمتسلط على كثير من شئون الدولة، كما كان عظيمًا في جاهه فأولاد شيخ الشيوخ الأربعة متقلدون أهم المناصب، مقربون إلى السلطان؛ لأنهم إخوته من الرضاع.
هذا فخر الدين? — وهو ما قد رأيت — يعمد إلى مسجد من مساجد مصر، فيبني فوقه بناء يتخذه «طبلخاناه» تُضرب فيه الطبول، وتُنفخ فيه الأبواق، وتُزمر المزامير لاستدعاء الجند والإعلام بالنوبة، وكان لكل أمير «طبلخاناه» لجنده، تُضرب فيها الصنج من النحاس بإيقاعات خاصة يدل كل إيقاع على معنى، فإذا خرج الجند للقتال صحبت كل فرقة «طبلخاناتها» تحمسهم للقتال، وتفهمهم حركات الحرب من تقدم أو تأخر، أو تجمع، أو نحو ذلك، ففخر الدين يبني هذه الطبلخاناه لأخيه عماد الدين، فالناس تحت في صلاة، والجنود فوق رءوسهم يطبلون ويزمرون، ويفسدون عليهم عباداتهم. هذه قلة ذوق لا ترضي أحدًا، أفيليق أن تستخدم بيوت الله بيوتًا للجند؟ وأن يؤذن المؤذن للصلاة والجنود تنفخ في بوقها، وتزمر بمزمارها، وتضرب بكاساتها؟ إن في هذا إفسادًا لسكون العابد، وانتهاكًا لحرمة الصلاة، وكان في الأرض ذات الطول والعرض ما يسع الطبل والزمر بعيدًا عن بيوت الله، ولكنه الغرور بالجاه الذي لا يعبأ بشيء.
وآذان المغرورين لا تسمع لنصح ناصح، ولا عظة واعظ، فما هو إلا أن يأخذ «عز الدين» أولاده وتلاميذه وأتباعه وبيدهم الفئوس والمعاول، وإذا بحركة هدم عنيفة تقضي على الطبلخاناه في لمحة، وإذا الشيخ عائد إلى منزله بعد أن أبعد عن المسجد الطبل والزمر، ويصبح الصباح فيذهب إلى مكان القضاء فيحكم على «فخر الدين» بإسقاط عدالته وعدم قبول شهادته، ثم يُسجل ذلك ويكتب استقالته ويرفعها إلى السلطان فيقبلها، ويجلس في بيته راضيًا عن عمله مخلصًا لربه.
وتذيع الحادثة، وتَرِد على كل لسان في مصر، ويعجب المصريون بالشيخ وصلابته في الحق، وتضحيته، بمناصبه حسبة لله؛ ويتنقل الخبر من مصر إلى الشام، ومن الشام إلى بغداد، حتى يصل إلى أذن الخليفة، فيكبر الشيخ ويجله، وتشاء الأقدار أن يبعث السلطان برسالة إلى الخليفة؛ فيسأل الرسول: هل سمعتها من الرسول مشافهة؟ فيقول الرسول: لا، ولكن سمعتها من أستاذ الدار فخر الدين عثمان، فيقول الخليفة: لا أقبلها؛ لأن عز الدين أسقط فخر الدين فلا تُقبل روايته.
•••

استراح الشيخ من عناء المناصب الحكومية، وتفرغ للدرس، والتف حوله نوابغ الطلبة الذين تصدروا للعلم في الجيل التالي، كابن دقيق العيد، وعلاء الدين الباجي، وهبة الله القفطي؛ فهو يدرس فقه الشافعية، وتتحلق حوله الطلبة يناظرون ويتفقهون ويستفتون، والشيخ في بيته يحضِّر دروسه، وفي المسجد يُلقي دروسه، وكلهم معجب بصفاء ذهنه، وصدق نظره في الاستنتاج الفقهي، وسعة اطلاعه، وفي لحظة إعجاب قال تلميذه «ابن دقيق العيد»: إنه «سلطان العلماء»، فصادفت هوى من نفوس السامعين، وشاعت على الألسنة ولبست الشيخ، كما قرر صديقه ابن الحاجب أنه أفقه من الغزالي، وأصبح الشيخ مصدر حركة علمية واسعة في مصر، في الفقه والتوحيد والتصوف، وتأتيه الأسئلة الدينية من الأقطار الإسلامية فيُفتي فيها، ويُخطئ مرة في فتواه، فيرسل من ينادي في مجتمعات الناس: إن الشيخ أفتى بكذا، فلا يُؤخذ به؛ لأنه قد أخطأ في الفتوى.
•••

ولكن اضطربت البلاد بغزو الصليبيين لمصر، فجمع لويس التاسع (ملك فرنسا) الجنود، وأعد الأسطول، وقاد ذلك كله بنفسه، وإذا بسبع مئة سفينة حربية صليبية محملة بالجنود وآلات القتال تظهر أمام دمياط، فيهرع أهلها إلى المنصورة، وتأتي الأخبار إلى مصر بأن الصليبيين أخذوا برج السلسلة (وهو برج عالٍ مبني في وسط النيل، ومن ناحيتيه سلسلتان عظيمتان إحداهما تمتد منه إلى دمياط، والأخرى منه إلى البحيرة، تمنع كل سلسلة عبور المراكب من ناحيتها، وكانوا يسمون — بحق — هذا البرج بسلاسله «قفل الديار المصرية»، ونزل الصليبيون دمياط وتوجهوا إلى المنصورة.
•••

تحول الشيخ عز الدين من عالم مدرس في المسجد إلى خطيب في المجتمعات يُحرض على القتال، ويُؤلب المسلمين على الصليبيين، ويستحث الأمراء على السرعة في الإعداد، والشعب على الإمداد، ويقوم بما تقوم به الآن الدعاية، مع فارق واحد، وهو تأسيس الدعاية؛ إذ ذاك على العزة الدينية والغيرة الإسلامية.
وها هي الدعوة تُستجاب، والعدة تُعد، وينضم إلى جيوش الأمراء والمماليك وجنودهم طائفة كبيرة من العربان ومن عامة الشعب المصري، وإذا الشيخ عز الدين — الرجل الأشيب المسن — يسافر مع العسكر إلى المنصورة، وينضم في صفوفهم، ويخطب فيهم، والجنود إذا رأوه ازدادوا حماسة وقوة، وامتلئوا أملًا في الله، وعقيدة في النصر.
حارب المسلمون في البر والنيل، وانكسر الصليبيون، وأُسِر لويس التاسع واُعتقل في دار ابن لقمان القائمة بالمنصورة إلى اليوم، وبُعثت الكتب إلى الأمصار تُبشر المسلمين بالظفر بالعدو وتقول في وصفه: «وكان قد استفحل أمره، واستحكم شره، ويئس العباد من البلاد، والأهل والأولاد، فنُودوا: لا تيأسوا من روح الله … فانتصرنا عليهم، فتركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم … وما زال السيف يعمل في أدبارهم عامة الليل، وقد حل بهم الخزي والويل، فلما أصبحنا قتلنا منهم ثلاثين ألفًا، غير من ألقى نفسه في اللجج، وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حرج، وطلب الفرنسيس (لويس التاسع) الأمان فأمَّنَّاه، وأخذناه وأكرمناه، وتسلمنا دمياط بعون الله وقوته وجلاله وعظمته.».
ورجع الجيش ظافرًا منصورًا، وعاد الشيخ عز الدين فرحًا مسرورًا.
? ينسب المقريزي في السلوك هذه الحادثة لمعين الدين أخي فخر الدين، وينسبها غيره لفخر الدين.
الفصل السادس
سلطان العلماء (?)


التاريخ يعيد نفسه، فقد نبتت فكرة استعانة الخلفاء بالموالي من الأتراك وغيرهم في العصر العباسي، يجندونهم أيام الحرب، ويتخذونهم زينة لهم وأبهة لملكهم أيام السلم، يخضعون بهم الخارجين عليهم لما عرف من بأسهم، ويتخذونهم عدة لهم في أيام شدتهم، وبدأ يفعل ذلك المهدي والرشيد، واستكثر منهم المعتصم، حتى ضاقت بهم بغداد، فاتخذ لهم مدينة سامرا، وما زالوا يقوون ويستولون على شئون الدولة شيئًا فشيئًا حتى صاروا كل شيء، ولم يبق للخلافة شيء.
كذلك فعلت الدولة الأيوبية، فاستكثر منهم صلاح الدين الأيوبي وأخوه العادل، ثم من أتى بعدهم، حتى بالغ الصالح نجم الدين أيوب في ذلك، وحتى كان كل عسكره من هؤلاء الموالي، ثم ضاقت بهم القاهرة كما ضاقت بغداد بإخوانهم من قبل؛ فاتخذ الصالح أيوب لهم مكانًا في الروضة إزاء المقياس، ثم استفحل أمرهم أيضًا، فكان لهم الملك والسلطان، وزالت على أيديهم دولة الأيوبيين.
كان هؤلاء الموالي من ترك وتركمان وأرمن وروم وجركس وغيرهم، وكانوا يصلون إلى أيدي الأيوبيين إما عن طريق الأسر في الحروب، وإما عن طريق تجارة الرقيق، وكانت تجارة رابحة واسعة منظمة، تستخدم في ذلك البر والبحر، ويورد النخاسون من الرقيق أشكالًا وألوانًا؛ فهؤلاء جنود ضخام شداد يصلحون للقتال في البر والبحر، وهؤلاء غلمان حسان يملكهم الأمراء ويلازمونهم، وهم يتجملون بالملابس ويتزينون تزين النساء، ويفتنون الناس بجمالهم وزينتهم، وهؤلاء جوارٍ كاللآلي، عيون نجل وشعور شقراء وبياض مشرب بحمرة وقدود حسان، والبريد كل حين يحمل ما يتمنى الأمير من مماليك وجوار، والمراكب تحمل المئات من هؤلاء وهؤلاء.
وقد كثرت في تلك الأيام هذه التجارة؛ لأن غزو التتار قد هيج هذه البلدان، وأوقع بالترك والجفجاق والروس والأرمن، فشرد السكان، وخرجوا هائمين على وجوههم، فمنهم من قُتل ومنهم من سُبي، وكثير ممن سُبي شحن إلى مصر بلاد الغنى والترف والرخاء، وهي التي تقوم الجندية وتقوم الجمال.
يأتون كلهم إلى مصر ولا يعلمون شيئًا من العربية ولا من الإسلام ولا من تقاليد الأمة، فيأخذ الأيوبيون في تعليمهم كل ذلك، والجند يمرنون على المناضلة بالسهام والمسالحة بالسيوف والرمي في البر والبحر، والغلمان والجواري يمرنون في القصور حتى ترق حاشيتهم وتتهذب طباعهم وتصقل عاداتهم؛ فما هو إلا قليل حتى يملكوا زمام الأمور في الحكومة، وزمام الأسر في البيوت، ويرقى المملوك حتى يكون السلطان أو نائب السلطان، وترقى المرأة حتى تكون شجرة الدر، ثم هؤلاء المماليك ينقسمون أقسامًا ويتشعبون شعبًا، ويختلفون نسبًا؛ فهؤلاء العزيزية مماليك العزيز عثمان بن صلاح الدين، وهؤلاء الصالحية نسبة إلى الصالح نجم الدين … إلخ، وكل فرقة تتعصب لسيدها وتتحزب ضد خصمها.
•••

أصبح الناس في مصر في ذلك العهد — عهد آخر الدولة الأيوبية وعهد المماليك — ينقسمون قسمين متميزين: عنصر المماليك من أتراك وأرمن وما إليها، وفي يدهم أغلب المناصب الحكومية وأمر الجيش، ومنهم أغلب الجنود، وعنصر الشعب المصري، وهؤلاء هم الفلاحون والتجار والصناع، وعلى الجملة هم القائمون بالحركة الاقتصادية في البلاد، وأحيانًا يجند منهم جنود إذا اشتد الأمر وجد الجد، وهناك طبقة العلماء، وهؤلاء يكادون يكونون حلقة الاتصال بين الطبقتين الأوليين؛ فطبقة الشعب تحتاجهم في أخذ الدين والعلم عنهم والاستشفاع بهم عند الولاة والأمراء، وإيصال شكاياتهم وتبليغ رغباتهم وما إلى ذلك، وطبقة الأمراء تحتاجهم في بعض المناصب الحكومية كالقضاء والخطابة والإمامة، وتحتاجهم في تنفيذ رغباتهم؛ لأنهم مسموعو الكلمة عند الشعب، فالشعب يُطيعهم من قلبه ويُطيع الأمراء من خوفه، والأمر إذا جاء من قبل الدين فالناس له أطوع، وقيادهم له أسلس، من أجل هذا كانت تلتقي في العلماء رغبات الشعب ورغبات السلاطين والأمراء؛ فإذا ضج الشعب من شيء وسطوا العلماء، وإذا احتاج الأمراء إلى مال من الشعب وسطوا العلماء، وكان كثير من العلماء يخضعون للولاة والأمراء أكثر مما يخضعون لله، فهم يتحسسون رغباتهم ليجاروهم في أهوائهم، ويؤولون أوامر الدين ونواهيه حسب مطالبهم، ويقلبون صفحات كتب المذاهب ليعثروا على قول لأحد الفقهاء يُجاري رغبة الأمراء، وقليل منهم قد باع دنياه لآخرته، ورضا الأمراء لرضا ربه، فلا يهمه ماله بقي أم صودر، ولا تهمه حريته أطلق أم سجن، بل لا تهمه نفسه حي أم قتل.
وكان صاحبنا عبد العزيز بن عبد السلام من هذا القليل الذي فني في الحق وأخلص لدينه، فلا يقدر عاقبة نفسه، وإنما يقدر عاقبة أمته وموقفه بين يدي ربه.
•••

لقد اشتد التتار في الغزو واجتاحوا البلاد، ووصلوا إلى «عين جالوت»، ولا بد لمصر أن تقف أمامهم وترد كيدهم؛ ولكن العدو شديد وعدده وفير، والقوة لا تُدفع إلا بالقوةـ والعدد بالعدد والعُدة بالعُدة، وهذا يتطلب أن تبذل الأمة أقصى ما تستطيع من المال في سبيل المكافحة، والعلماء هم الذين يستطيعون أن يقنعوها بالإنفاق من طريق الدعوة الإسلامية والغيرة الدينية.
فهذا الملك المظفر سيف الدين قطز يجمع العلماء بحضرته، وعلى رأسهم عبد العزيز بن عبد السلام، ليتدبروا في المال كيف يجمعونه، والعاطفة الدينية كيف يستفزونها؛ فيقف الشيخ ويقول: «يجب أولًا أن تخرجوا ما في بيوتكم من حلي لا حصر لها، وما في بيوت أمرائكم وجنودكم من الثياب المزركشة والمناطق المذهبة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة في أيديكم وأيدي أتباعكم ومماليككم، ثم تذيبوها وتضربوها نقودًا وتنفقوا منها على إعداد الجيش وتموينه؛ فإذا تم ذلك واحتجتم إلى مال بعدُ فكلنا على استعداد — إذًا — أن نطلب من الناس أن ينفقوا، ومن العامة أن يخرجوا عما في أيديهم، أما أن تُبقوا على ما في أيديكم من أنواع الترف والسرف، ونطلب من الناس أن يتبرعوا بما في أيديهم من ضرورات الحياة فلا، يجب أن يسوى الأمراء بالرعية فيما يملكون، فإذا تساووا وجب الإنفاق من الجميع.» وإذا قال الشيخ لا فلا، ولا رجعة فيها، والأمة وراءه.
فاضطر الملك أن ينفذ ما قال، فخرجت الأكداس المكدسة من الحلي والثياب المزركشة، واُنتزع الذهب والفضة من السيوف والأواني، وصيغا سِكّةً فكفت وأغنت، ولم يحتج إلى أن يُمس الناس في شيء من أموالهم.
•••

ثم كانت الحادثة العجيبة الجريئة التي أقامت الدنيا وأقعدتها، هؤلاء جماعة من المماليك دُفعت أثمانهم عند الشراء من بيت المال ثم لم يعتقوا، والشيخ في منصب القضاء والمشرف على بيت المال، والمسئول عن مال المسلمين وصحة الأحكام الشرعية، وهؤلاء المماليك أصبحوا أمراء بارزين وبيدهم الحل والعقد، ومنهم من بلغ أن يكون نائب السلطنة، وجاههم عريض وأمرهم نافذ؛ ولكن الشيخ لا يأبه بذلك كله، ويُحدث أزمة حادة قل أن يكون لها مثيل، أعلن الشيخ أنهم أرقاء لا يصحِّح لهم بيعًا ولا شراءً ولا زواجًا، فتعطلت مصالحهم؛ فهم إن ملكوا لا يُسجل لهم ملكًا، وإن تزوجوا لا يُعقد لهم زواجًا، ثم هم أهينوا في أنفسهم وشرفهم وجاههم بدعوى رقهم؛ ولكن الشيخ واقف وقفة الأسد لا يلين ولا يتزحزح.
– وما الحل أيها الشيخ؟
– الحل أن يباعوا في الأسواق ويتزايد الناس في شرائهم، ومن ملكهم إن شاء أعتقهم وإن شاء استرقهم، وثمنهم يدخل في بيت مال المسلمين كما خرج منه.
– هذا غير معقول، نائب السلطنة يُباع؟ ومن هم أسياد البلد يصبحون عبيدًا كالسلع يباعون ويشترون، هذا ما لا يكون ولا يدخل في عقل!
الشيخ: هذا حكم الله وكلنا عبيده وعبيد أحكامه، وأنا القيم على تنفيذها.
والمسألة كل يوم تتسع وتتحرج، وينقسم الناس حزبين: طبقة الأرستقراطية والحكام والسلطان في جانب، والشعب وعلى رأسه الشيخ في جانب، والمجالس تُعقد والأزمة تُستحكم، والحلول تُعرض، والشيخ يأبى إلا بيع الأمراء.
•••

غضب السلطان واحتد على الشيخ، وأعلن أنه لا يعمل برأيه.
ها هي الحمير تعد، ومتاع الشيخ يُزَم، والشيخ يعتزم الخروج من مصر كما خرج من قبل من الشام، ويطير الخبر، فيعتزم كثير من الأعيان والعلماء والتلاميذ الخروج مع الشيخ والرحيل معه متى رحل، والإقامة معه حيث يُقيم؛ وإذا البلد في حركة عجيبة وفوران شديد؛ وإذا طائفة كبيرة من العلماء والصلحاء والتجار بنسائهم وأولادهم وأمتعتهم يستعدون للرحيل، وإذا العزم يصبح تنفيذًا، فها هي قافلة كقافلة الحج تخرج من مصر.
وينظر السلطان فيرى أن خير من في البلد راحل من مصر، وأن مصر لا تصلح بعد خروجهم، وأن من بقي بعدهم باقٍ على مضض، فكيف يستقيم ملك مع هذا كله؟ فإما أن يرجع الشيخ وإما أن يضيع الملك.
لا بد مما ليس منه بد، هذا السلطان يخرج مسرعًا ويلقى الشيخ في طريقه فيستسمحه ويرجوه في العودة، فيأبى الشيخ إلا أن ينفذ البيع في الأمراء، فيقبل السلطان ويعود الشيخ.
•••

علم نائب السلطنة أنه سيباع فيمن يُباع؛ فهاج وغلى الدم في عروقه، واعتزم ألا يتم ذلك بأي وسيلة، فركب فرسه وجرد سيفه، وقصد إلى الشيخ يحتز رأسه وقرع الباب، وأُبلغ الشيخ أن نائب السلطنة حضر وسيفه مسلول يُريد قتله؛ فنزل الشيخ في هدوء واطمئنان وثبات، وهو يقول: «أنا أقل من أن أقتل في سبيل الله.» فما رآه نائب السلطنة حتى تمازجت في نفسه مشاعر مختلفة: هيبة الشيخ ووقاره، والخوف من نقمة الناس وهياجهم عليه حتى لقد يفقد نفسه، والرحمة على شيخ مسن لم يقل ما يقول شهوة لنفسه، ولكن إرضاء لدينه، فيبست يده على سيفه، وتخاذلت عزيمته وعاد كما أتى.
•••

هذا هو مجلس البيع يُعقد، وهؤلاء هم الأمراء يُنادى عليهم، وهذا هو الشيخ يقبل ثمنًا ويرفض ثمنًا، حتى يبلغ ثمن المثل، وهذا هو يقبض المال، وهذا هو يودعه في بيت مال المسلمين، وهذا هو يبلغ ذروته في المجد والعظمة، ويحتل في نفوس الناس مكانًا لا يحتله أحد من بعده.
لقد مات الشيخ فخرجت مصر تشيعه، وتشيع الصلابة في الحق، والعظمة في الدين والإخلاص للعقيدة.
ويطل الظاهر بيبرس، فيرى مصر وراء جنازة الشيخ وقلبها يتفجع لفقده، فيلتفت إلى بعض خواصه ويقول: «اليوم فقط طاب ملكي.».

الفصل السابع
نظرة في الكون


ما أجمل الطبيعة، وما أجلها، وما أحكمها، وما أغناها!
هذه حبة واحدة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِي، وهذه الأرض يصيبها الماء فتخرج من الأزهار ومن بدائع الألوان، في الجبال وفي الوديان وفي الغابات، ما يسحر العين ويأخذ باللب؛ وهذا المحار في البحار ينشق عن نصفين منسجمين متساويين في النقوش والألوان والتعاريج يعجز عن تقليدهما أمهر فنان؛ وهذا الفم الذي يأكل ويقضم يُخرج الدر من الحكم، والطيب من الكلم؛ وهذه الشجرة العظيمة الضخمة خرجت من بذرة؛ وهذا الإنسان العجيب نشأ من ماء مهين!
هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ? لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ? وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وهكذا من ملايين وملايين من العجائب، قلل عجبنا منها إِلْفُنا لها وأُنْسُنا بها.
ومن أعجب هذا الباب ما يأتي من باب الغرائز! فهذا ضرب من الأسماك يُسافر آلاف الأميال إلى حيث يجد المكان الملائم لنسله، فإذا ماتت الكبار عادت الصغار إلى مكان آبائها بهاد من غريزتها؛ وهذه الطيور تحشد في الربيع والخريف جماعات، وتقطع الجبال الشامخة والبحار الشاسعة لتصل إلى الأقاليم الملائمة؛ ما الذي دلها على الطريق في ذهابها وإيابها، ولا علامات ولا دلالات؟ إنها الغريزة العجيبة التي تدل حمامَ الزاجلِ على مأواه والقط على مسكنه، إنها الغريزة التي تحمل كل حي من نبات وحيوان وإنسان على أن يأتي بمختلف الوسائل والأعاجيب ليحفظ نفسه ويحفظ نوعه.
إن أعمال الطبيعة وأعاجيبها ونظامها ودقتها فوق أفهامنا، وفوق منطقنا وتفكيرنا وتعليلنا، كل صغير مما لا يُرى إلا بالمكرسكوب، أو كبير يُرى بالتليسكوب، يحيا حياة عجيبة يدق سرها عن الفهم، ويقصر عن إدراكها العقل، الحبة في الأرض، والذرة في الهواء، والسمكة في الماء، والنجم في السماء.
وصدق الجاحظ؛ إذ يقول: «ولو وَقَفْتَ على جناح بعوضة وقوف معتبر، وتأملته تأمل متفكر، بعد أن تكون ثاقب النظر، سليم الآلة، غواصًا على المعاني … لملأت — مما توجد العبرة من غرائب — الطوامير? الطوال، والجلود الواسعة الكبار … ولتبجست عليك كوامن المعاني ودفائنها، وخفيات الحكم وينابيع العلم … وقد قال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ؛ والكلمات في هذا الموضع ليس يُريد بها القول والكلام المؤلف من الحروف، وإنما يُريد بها النعم والأعاجيب، وما أشبه ذلك، فإن كلًّا من هذه الفنون لو وقف عليها رجل رقيق اللسان صافي الذهن صحيح الفكر تام الأداة، لما برح أن تحسره المعاني، وتغمره الحكم.». •••

ولكن بجانب هذه المعاني اللطاف والعجائب التي لا تنتهي، نرى الطبيعة كذلك تقسو ولا ترحم، لا تعبأ بالألم يصيب الأحياء، كأنها آلة عمياء، سلحت القوي ومكنته من الضعيف والضعيف من الأضعف، «هذا الأسد يصيد الذئب فيأكله، والذئب يصيد الثعلب فيأكله، والثعلب يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها، والأفعى تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يصيد فراخ الزنابير فيأكلها، والزنابير تصيد النحل فتأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها»، والإنسان سُلط على الجميع، وسُلط بعضه على بعض، إنها لا تندم على إيلام، ولا تحزن لموت، ولا تعبأ أن تكون كلها ساحة قتال، تسلح الغالب والمغلوب، والقوي والضعيف؛ ثم تقف متفرجة على القتال والالتهام، والتنكيل والآلام؛ كأن الأمر لا يعنيها في قليل ولا كثير، وضعت الشهوة في كل حي، وأخضعت لها القوة والمكر والحيلة، وأطلقت لكل أولئك العنان في المنافسة والمحاربة، واتخذت ذلك قانونها وديدنها في كل شيء، من أصغر حيوان إلى أعظم إنسان؛ ثم نفضت يدها من كل ذلك، ووقفت تسجل ولا تتدخل، بل تمد هؤلاء وهؤلاء، حتى لا يفتر النزاع ويبطل الخصام.
هذه أمة آمنة مطمئنة تلهو وتلعب، وتعمل وتسعد، تثور عليها الطبيعة ببركانها وتجعلها في لحظة حممًا؛ وهذه مدينة جميلة بسكانها وما عليها زلزلت بها الأرض فخسفت وأصبحت كأن لم تَغْنَ بالأمس؛ وهذا مركب يُعد خير إعداد، ويوسع أكبر سعة، ويجهز أحسن جهاز، فيبتلعه البحر بمن عليه في لمحة؛ وهذه الأمراض تنتاب الإنسان فلا ترحم طفلًا صغيرًا ولا شيخًا هرمًا، ولا ترأف بالأم في وحيدها، ولا بالأسرة في عائلها؛ وهذا الموت سُلط على كل حي، فذهب بلذته، وطاح بأمله، وهذا الإنسان لعبت به غرائزه، فأشعل نيران الحروب، وأقام كل حين مجزرة هائلة مفزعة، وهكذا حتى أصبحت لذائذ الكائن الحي — وسط هذه الأمواج من الآلام — لحظات خاطفة، ولمعات كوميض البرق.
•••

نقرأ الصفحات الأولى من الطبيعة، فنرى الجمال والجلال، والحسن والانسجام، والعظمة ودقة الصنع، وعجائب الغريزة؛ ونقرأ الصفحات الثانية فنرى القسوة والفظاعة والتعذيب والإيلام.
من قديم حار العقل في تفسير هذه الظواهر المتناقضة كيف يكون من الطبيعة بجانب هذه الحكمة هذا السفه؟ وكيف يكون بجوار هذه الرحمة هذه القسوة، وكيف يكون مصدر هذه اللذائذ مصدر هذه الآلام.
لقد ذهب بعض علماء الدين إلى أن نقمة الطبيعة من غضب الله على الإنسان إذا خالف أمره وارتكب ما نهاه عنه؛ ولكن — مع الأسف — لم نر هذا مطردًا، فقد ينعم في هذه الدنيا الماكر المخادع، والغادر المنافق، ويألم المؤمن الورع والتقي الصالح؛ وكما قال الأول:
قد يُقتر الحول التقــي ويُكثر الحمق الأثيم ومن أجل هذا جرى على ألسنة الناس المثل المعروف: «المؤمن مصاب».
وذهب بعض الطبيعيين المحدثين إلى أن الألم يصيب الإنسان إنما هو تحذير من الأخطار المستقبلة؛ فصداع الرأس علامة مرض تنبه الإنسان إلى وجوب ملافاته، والمغص كذلك، والرمد كذلك؛ وهذا التعليل أيضًا ليس صادقًا دائمًا، وإن صدق في آلام الإنسان فما تفسير إيلام الطبيعة بأحداثها؟
وأذكر أني قرأت مرة قولًا طريفًا لبعض المفكرين في هذا الموضوع، خلاصته أن موضع الخطأ في هذا السؤال هو أن الإنسان يُريد أن يطبق أخلاقيته على أخلاقية العالم، فهو يُسمي بعض الأعمال رحمة وبعضها قسوة، وبعضها نعمة وبعضها نقمة، وبعضها لذة وبعضها ألمًا؛ ولكن هذه التسمية صحيحة بالنسبة له فقط وبمقياسه هو فقط، ولكن وراء عالمه الإنساني عوالم أخرى في الأرض، ووراء عوالم الأرض عوالم لا عداد لها في غير الأرض، أليس من غرور الإنسان أنه يُريد أن يطبق العدل والظلم في العالم حسبما يُدرك بنظره القاصر وفكره المحدود، ويُريد أن يُخضع العوالم الواسعة لعالمه الضيق، ويريد أن يطبق قوانين العالم الكلية على قوانينه هو الجزئية؟
وهو جواب ماهر لم أستطع أن أقف أمامه موقف تأييد أو تفنيد، ومشايعة أو معارضة.
يظهر لي أن موضع الخطأ في فهم هذه المسألة أنهم يعرضون مشكلة الآلام وحدها ويريدون حلها، وهي لا يمكن أن تُفهم إلا إذا عرضت الدنيا كلها على أنها وحدة، كيف نفهم الأبيض من غير أسود، والحرارة من غير برودة، والطول من غير قصر، والعمى من غير بصر؟
كذلك الآلام لا يمكن أن تُفهم إلا على أنها جزء لا يُستغنى عنه من نظام هذا العالم، ولو انعدمت الآلام؛ لأنهار نظام هذا العالم من أساسه.
إن الفضيلة لا يمكن أن توجد في هذا العالم إلا إذا وجدت الرذيلة؛ فلا نفهم الإيثار حتى نفهم الأثرة، ولا تُوجد البطولة حتى تُوجد النذالة، ولا العدل حتى يُوجد الظلم، ولا الشجاعة حتى يكون الجبن؛ كذلك لا يوجد الحب من غير عذاب، ولا اللذة من غير ألم، ولا التوبة من غير إثم.
ولو انعدمت الآلام، والرذائل والآثام ما كانت الفضائل العالية، ولا الأعمال النبيلة، ولا أعمال البطولة التي يتغنى بها الشعراء، ولو انعدم القبح؛ لانعدم الجمال، ولولا الأشقياء ما كان السعداء.
لا معنى لأني أُحب من أُحب إلا إذا اشتمل ذلك على الألم، فمعنى أني أحبه أني أشاركه أحزانه، وأخاف عليه الأذى يناله، وأخاف انقطاع الصلة بيني وبينه، وهل هذه كلها إلا آلام إذا ذهبت ذهب الحب.
إن احتمال الآلام في هذه الدنيا كان لنا منه أكبر الفضائل، من حزم وصبر وثقة بالنفس وتضحية للخير وعذاب للإصلاح، ولولاه ما كانت.
لولا عواطف الألم ما كان شعر ولا فن، ولا نحت ولا موسيقى ولا تصوير، ولا معانٍ إنسانية، ولا وطنية ولا قومية.
فلو كان العالم كما يتطلبه العامة خاليًا من الآلام لكان بالطبيعة أيضًا خاليًا من اللذائذ، ولو كان خاليًا من الرذائل كما يبغون لخلا أيضًا من الفضائل؛ إذ لا يمكن أن تتصور لذة بدون ألم، ولا فضيلة بدون رذيلة.
إن عالمنا هذا بُني على الخير والشر، واللذة والألم، والفضيلة والرذيلة، والسعادة والشقاء، وكل منهما كأحد جانبي الوجه لا يكمل إلا بجانبه الآخر، ولا يُفهم إلا بالآخر، فمن أراد عالمًا لا ألم فيه فليطلبه في غير هذا العالم، وعلى غير هذا النظام كله.
وتبارك الله رب العالمين.
? الطوامير جمع طومار وهي الصحيفة.
الفصل الثامن
أول ثورة على التربية في مصر


قلت للكتبي الذي اعتدت أن أمر عليه حينًا بعد حين:
– هل عندك من جديد؟
– نعم، عندي تاريخ اليمن لعمارة اليمني طبع أوروبا، وثمنه مئة وخمسون قرشًا.
– وماذا غيره؟
– وعندي رحلة ابن جبير طبع أوروبا أيضًا، وثمنها مئة وعشرون قرشًا.
– ثم ماذا؟
– وعندي كتاب قيم جدًّا لم يقع في يدي إلا مرة واحدة منذ احترفت بيع الكتب، وسيعجبك جدًّا.
– هو مما طُبِعَ في أوروبا أيضًا؟
– لا لا، هو أثمن من ذلك، قد طُبِعَ في مصر، ولكنه نادر جدًّا، وأثمن من كل ما طبع في أوروبا.
– وما اسمه وما موضوعه؟
– لا أخبرك باسمه ولا بموضوعه حتى تراه، ولا أريكه حتى تنتهي في هذين الكتابين وتشرب القهوة.
وشربت القهوة, وشريت الكتابين، واستنجزته وعده، فأحضر الكتاب وهو يضحك، وفتح صفحة من الكتاب، فإذا فيها «ألف وباء» إلى آخر حروف الهجاء، بالثلث!
شاركته في الضحك، واستظرفت مزحته، وآليت أن أنقل مزحه جِدًّا، فأجعل من الكتاب موضوعًا.
فقلت: ما ثمنه؟
قال: هو أتفه من أن يكون له ثمن.
وأخذت الكتب وانصرفت.
لم يجذبني إلى القراءة تاريخ اليمن ولا رحلة ابن جبير كما استرعى نظري كتاب «ألف باء».
رأيت في الصفحة الأولى منه: «كتاب طريق الهجاء والتمرين على القراءة في اللغة العربية.» بالعناية الخديوية الإسماعيلية أعزها الله، وبهمة سعادة علي مبارك باشا مدير المدارس الملكية، والأشغال العمومية، وسكك الحديد المصرية والقناطر الخيرية، للتعليم على مقتضاه في المكاتب الأولية المصرية، ثم قريبًا من الذيل حديث شريف: «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم» وفي آخر الصفحة «الطبعة الأولى بمطبعة وادي النيل في القاهرة سنة ????.».
•••

رأيت في أول الكتاب مقدمة بديعة حقًّا، مفيدة حقًّا، تعد ثورة على طرق التربية القديمة، ورسمًا لخطة جديدة، كتب في أولها أنها «مقدمة تشتمل على بعض تعريفات تتعلق بأصول طريقة التعليم التي يُقتضى أن يُجرى عليها العمل.» وإنها «خطاب من إدارة عموم المدارس المصرية الملكية إلى حضرات الخواجات (ولعله يريد الخوجات)، والمؤدبين بالمكاتب الأهلية وسائر المندوبين للتربية الأولية.» وكتب في آخرها «حررها علي مبارك باشا.».
هي ثورة تعليمية حدثت من نحو ثمانين عامًا، فقد كُتبت كما أسلفت سنة ????هـ/????م.
كانت نظم التعليم قبل ذلك في المكاتب تجري على أنماط القرون الوسطى، فالطفل يذهب إلى الكُتَّاب، فيسلم له «سيدنا» أو «العريف» لوحًا من الصفيح كتب فيه بالحبر: ا ب ت ث … إلخ، ويحفظه: «ا» لا شيء عليها، ب واحدة من تحتها، ت اثنان من فوقها، ث ثلاثة من فوقها … إلخ، فيكررها الطفل كما يقول «سيدنا» أو «العريف» وهو كاره لذلك كل الكره، غير فاهم لما يقول، فإذا لم يحفظ فالعصا على ظهره، فإذا لم ينجح فرجلاه في «الفلقة»؛ فإذا انتهى من ذلك بعد عناء، انتقل به «سيدنا» إلى خطوة أخرى، فكتب له في اللوح: «ا ألف»، ونطقها ألف ألف لام فاء، «با» با ألف، «بو» با واو … إلخ.
وهي ألغاز لم أفهمها إلا وأنا في سن العشرين، وتفسيرها أن كلمة ألف تتركب من ألف ولام وفاء، وكلمة «با» تتكون من باء وألف، و«بو» تتكون من باء وواو … إلخ، وهو نمط عجيب في التعليم، فإذا انتهى من ذلك كتبت الحروف مشكولة، و«سيدنا» ينطق والطفل ينطق وراءه كالببغاء.
فإذا تم ذلك كله بعد مشقة وعناء تدوم أشهرًا؛ كتب له سيدنا في اللوح سورة الفاتحة فسورة الناس … إلخ، والطفل يقرأ اللوح ويحفظه ويسمعه؛ وهكذا يسير في حفظ القرآن إلى أن يتم حفظه أو ينقطع، ومن حين إلى حين يعلمه «سيدنا» أن يكتب اللوح بنفسه، ثم لا التفات إلى شيء من العلوم، ولا إلى شيء من السلوك، ولا مراعاة لعقلية الطفل.
جاء «علي مبارك» فأراد في هذه المقدمة أن يُغير هذا كله ويُقرر مبادئ في التربية جديدة يأخذ بها المعلمين أجملها في خمس عشرة فقرة.
فقرر أن خير مناهج التربية ما أوصل إلى الغاية من أقرب طريق، من غير أن يمل الطفل أو يتعبه مع مراعاة قواه العقلية.
وأن تكون التربية مؤسسة على استخدام الطفل جميع حواسه ما أمكن، ولذلك يجب أن تقترن كتابته بقراءته.
ويجب تأخير استعمال الحبر والورق في التعليم، والبدء باستعمال الطباشير والألواح السوداء، فذلك أوفر وأنظف.
وأن تُكتب أولًا الحروف المفردة بالخط الثالث الثخين في لوحات سوداء بالطباشير ويكررها المعلم على التلاميذ؛ فمن تقدم منهم في معرفة ذلك جُعلوا عرفاء ثم يوزع المعلم التلاميذ الضعفاء على العرفاء ليعلموهم على اللوحات المختلفة نطق الحروف ثم كتابتها تحت إشراف المعلم، ولا ينتقل من درس إلى درس حتى يتصوروا الدرس القديم ويتقنوه ويعرفوا نطقه وكتابته.
وبعد ذلك يعلمهم الحروف متصلة بحروف العلة، فيكتب الباء مع الألف هكذا «با» وينطق بها «بَا» ممدودة وكفى من غير الفلسفة القديمة في التهجية، ثم يعلمهم الحروف بالعلامات كذلك.
فإذا عرفوا الحروف الهجائية انتقلوا إلى الكلمات الصغيرة من حرفين فثلاثة … إلخ، ثم الجمل، ولا يعطي المعلم لهم جملة من غير أن يُفهمها لهم.
وقد وضع منهجًا لمدة الدراسة وهي ثلاث سنوات، ففي السنة الأولى يتعلم القراءة والكتابة باللغة العربية واللغة التركية (وهذا عجيب)، ويحفظ بعض نوادر ونصائح وأمثال وحكم وأعداد الحساب.
وفي الثانية والثالثة يتعلمون قواعد النحو والصرف مع الاستمرار على المطالعة في الكتب، وحفظ بعض نوادر تركية، ومواد تاريخية وجغرافية، وتكميل العمليات الحسابية، ورسم جميع الأشكال الهندسية، وفهم بعض خواصها وتعريفاتها.
هذا من حيث التعليم، أما من حيث التربية، فوضع لها خططًا محكمة، وجه المعلمين إلى العناية بحسن سلوك التلاميذ، ومراعاة صحتهم، فالمعلمون يجب أن يلاحظوا سلوك التلاميذ ونظافتهم، ويضعوا لذلك «نمرًا» كل يوم، تجمع مع «نمر» العلوم، ويرتب التلاميذ بحسبها جميعًا، ويُوضع على كل فصل لوحة كل ستة شهور بأسماء التلاميذ مرتبة حسب متوسط درجاتهم العلمية والخُلقية والنظافة.
ويجب أن يكون المأمور (ناظر المدرسة) أبًا رحيمًا مثالًا لحسن السلوك والفضائل والشرف، للتلاميذ والمعلمين، وأن يفهم «أنه القائم في وظيفته مقام الحكومة في تأدية ما يلزم من الواجبات، والنائب من طرف الأهالي في الرأفة بأولادهم، ومزاولة أحكامهم، والتحفظ على صحتهم، فهو مسئول عن هؤلاء الأطفال بين يدي الخالق والخلق».
ثم ذكر أن من أهم ما يجب على المعلمين، تربية حواس التلاميذ، فيجب أن يمرنوا حاسة البصر، بأن يُؤتى بالطفل ويُؤمر بالوقوف عند شباك مفتوح وينظر ما أمامه، ثم يُؤمر بالتحول، ويُكلف وصف ما رأى بالتفصيل، ومقدار بعده وارتفاعه … إلخ، وأن تُمرن أذنه، فيعوَّد الطفل — وعيناه مربوطتان — أن يعرف الناس بمجرد سماع أصواتهم ولو غيروها، وعلى معرفة الأشياء بما ينشأ عنها من رنين وحركات، وهكذا وضع خطة لتمرين كل حاسة.
ونصح بعدم التضييق على الأطفال، لميلهم الطبيعي إلى اللعب والحركة، فينبغي انتهاز فرصة ميلهم الطبيعي وتوجيهه إلى توسيع دائرة معلوماتهم وتحسين سلوكهم.
•••

هذا مجمل الخطة التي اختطها في تقريره، وسميتها ثورة لبعد الفرق بين ما كان وما أراد «علي مبارك» أن يكون.
ثم أراد أن يخرج الفكرة إلى العمل، فوضع أول كتاب — فيما أعلم — لتعليم القراءة والكتابة والمطالعة على النمط الحديث؛ فالجزء الأول هو الحروف الهجائية في الخطوط المختلفة، ثلث وفارسي ونسخ وتوقيع ورقعة، ثم الحروف متصلة بحروف العلة، ثم الحروف مضبوطة بالحركات، ثم كلمات مركبة من حرفين فثلاثة … إلخ، ثم كلمات في جسم الإنسان ومراحل عمره، ثم جمل صغيرة، ثم أمثال ومواعظ ونوادر تاريخية، ثم أشكال الحرف الكوفي، وبذلك تم هذا الجزء.
ولم يشأ أن يجعله حروف مطبعة لصعوبتها على التلاميذ، فعهد إلى أكبر خطاط في مصر، وهو «مؤنس أفندي» فكتب هذا كله ونوَّعه بخطه الجميل، وطبعه على مطبعة الحجر، وتدرج بذلك من كلمات مشكولة إلى كلمات مشكولة بعض الشكل إلى كلمات غير مشكولة؛ فإذا جئنا إلى الجزء الثاني رأيناه مجموعًا من الحروف ومطبوعًا كذلك، وقد قسمه إلى جملة مجموعات، سمى كل فصل مسامرة؛ فالمجموعة الأولى: تاريخية اجتماعية.
والثانية: في الكون وأجزائه من إنسان وحيوان ونبات ومعادن وهواء ونور ونار وزلازل وماء وبخار وندى وسحاب ومطر وشمس وقمر وكسوف وخسوف.
والثالثة: في الدين وقواعده وأركانه.
والرابعة: في قوانين الصحة.
والخامسة: في النصائح والمواعظ والأخلاق الإسلامية.
وبذا يتم الكتاب. ويذكر في أول الجزء الثاني أنه استعان في أداء هذه الخدمة بقلم السيد صالح مجدي أفندي، والكتاب بجزئيه يُصور عقلية القائمين بأمر التعليم في هذا العصر، ويُصور أسلوب الكُتَّاب ومنهج تعبيرهم وتفكيرهم، والمثل الذي ينشدونه لأبنائهم، ومقدار ذوقهم في تخير ما يعرضونه على أطفالهم، وفيه موضع لدراسة دقيقة وافية لمدى تقدمنا الآن ومراحل سيرنا، وهل هي تساوي ثمانين عامًا أو لا تساوي، وفيه موضع عبرة كيف يتوفر وزير المعارف بجلالة قدره — مع ما عهد إليه من إدارة الأشغال والسكك الحديدية والقناطر الخيرية، يعاونه أشهر الكُتَّاب في ذلك العصر السيد صالح مجدي؛ لوضع كتاب في ألف باء للأطفال بعدًا في النظر وشعورًا بعظم الواجب.
فهل ترى يا صديقي «الكتبي» أن هذا كله لا يساوي شيئًا غير الاستهزاء به والضحك منه.

الفصل التاسع
في الهواء الطلق (?)


كانت جلسة ظريفة على شاطئ النيل، والنسيم عليل، بعد نهار يخنقنا بحره ويلفحنا بسمومه.
في رفقة منسجمة تتسامر وتتحاور، وكل شيء حولها هادئ، نور هادئ، ونسيم هادئ، ونيل هادئ، وحوار هادئ.
وكانوا يختلفون في ثقافتهم ويتحدون في قوة عقلهم وسعة نظرهم ونبل عواطفهم: من مؤرخ صرف عمره في تحقيق الأحداث، والبحث في تعليلها وأسبابها ونتائجها، واقتصادي يرى كل شيء ورقة مالية، أو نقودًا ذهبية وفضية، حتى ما نسميه نحن بواعث روحية، وأديب يتفلسف، أو فيلسوف يتأدب، له نزعة شعرية وطبيعة صوفية.
أخذ الحديث يجري على هواه من غير ضابط، فمرة يسير في اتجاه السلم والحرب، وتارة في الشرق والغرب، وأخيرًا تركز في أسباب نهضة الأمم وكيف يجري الزمان في سهولة ويسر ونظام، وإذا بحادث فجائي أو أحداث فجائية تغير مجرى الأمة تغيرًا خطيرًا، حتى كأنها بعثت بعثًا جديدًا، وحتى يُخيل للناظر أن ليس من صلة بين قديمها وحديثها، ونومها ويقظتها.
قال صاحبنا المؤرخ: تعليل ذلك عندي ما تلده الأمة من عظماء ونوابغ، والزمان شحيح في ولادتهم، فقد يمر العصر الطويل وهو عقيم، ثم يلد عظيمًا فيُغير وجه التاريخ، وكأن يده عصا سحرية يُحول بها الحديد ذهبًا، والخمول نشاطًا، والضعف قوة؛ والتاريخ نفسه أكبر شاهد على ذلك، فما الأمة العربية لولا «محمد»؟ وما الفتوح الإسلامية وتنظيمها لو «عمر»؟ وهكذا تقول في سائر الأمم أمثال الإسكندر ويوليوس قيصر ونابليون وغيرهم، إنهم يأتون فيفرضون قوتهم وروحهم على الأمم فيسيرونها حسبما رسموا، ويملون إرادتهم على أحداث الزمان، فيتشكل التاريخ وفق أغراضهم، وتسير الفتوح أو الثقافة أو أشكال الحكومة تبعًا لإرادتهم، ويتحدد مستقبل أممهم بما نفخوا من روحهم، ونشروا من تعاليمهم، وأوضحوا من غايتهم، وهؤلاء العظماء النوابغ — عادة — يخلفهم من يُؤمن إيمانًا تامًّا بمبادئهم، فيسيرون على طريقهم، ويكملون ما بدءوا به، وإن كانوا أقل منهم قوة وأضعف أثرًا.
هذا هو قانون التاريخ قديمًا، وهو قانونه حديثًا، فلو أتاح الله لأمم الشرق اليوم نوابغ أقوياء، لتغير مجرى حياتهم، وارتفع شأنهم، وتلفت العالم إليهم يسبح بحمدهم.
•••

وفجأة كسر هذا الهدوء رجل ضخم الصوت ينادي «العظيمة يا منجه.» فالتفت الصحب إليه وأعجبتهم فاكهته، ونادوا فتى القهوة فغسلها وثلجها، وجرى ريق القوم، وأخذوا ينعمون بأكل شهي إلى الحديث الشهي.
•••

قال صاحبنا الاقتصادي وهو يتلمظ:
– أظن يا أستاذ أن هذا غير صحيح، أتظن أن هذا العظيم ينزل — على الأمة — بمظلة من السماء، أو يخرج فجأة من الأرض؟ إن لخروج العظماء والنابغين قانونًا طبيعيًّا لا يتخلف، كقانون الحرارة والبرودة والجاذبية، وإن كان أكثر تركبًا وتعقدًا؛ فالنوابغ نتيجة لا سبب، هم تعبير الحياة الاجتماعية.
العوامل المختلفة تعمل، والأحداث تتفاعل، والنفوس تتهيأ؛ فإذا الأمة تتمخض عن نابغة؛ فالأحوال الاجتماعية أولًا والنوابغ ثانيًا، وليس العكس، إن الحالة الاجتماعية إذا تهيأت واستعدت بحثت عمن يقود الحركة وخلعت عليه الزعامة، فإذا اتجهت إلى «س» فعاقته عوائق عن النبوغ اتجهت إلى «ص»، وعلى كل حال فلا بد من نابغة، فإذا لم تتهيأ الظروف فلا نابغة؛ وهذا هو تعليل عدم الانتظام في ظهور النوابغ، فيظهر كثيرون في زمن، ولا يظهر أحد في أزمان.
لست أنكر التأثير الكبير للنابغة، ولكنه لا يكون إلا بعد أن تتهيأ الأمة أولًا، ولو فرضنا أن النابغة خلق وجاء لأمة على غير استعداد لتعاليمه لم يفد أية فائدة، وذهب كما جاء، إنما يفيد النابغة يوم يجد عقولًا خصبة كانت تنتظر الزعيم فتدخل في دينه وتتجمع حوله، وتكون جنده، يفتح بهم أمته، ثم أممًا مع أمته.
وفرغوا من أكل «المانجو» و«لخمته» وتفرغوا للجو والحديث.
المؤرخ: إن نوابغ الأفراد لا المجتمعات هم الذين يأتون بالأفكار الجديدة الثورية؛ في الأخلاق، في السياسة، في الفنون، في العلوم؛ ووظيفة المجتمع أنه يعرقل سيرهم أولًا، ويضع العقبات في سبيل تعاليمهم، ويتهمهم بالمروق والزندقة والإفساد، ويصب عليهم العذاب ألوانًا؛ ومع ذلك تبقى آراؤهم، ويزيدها العذاب قوة، ثم تكتسح الأفكار القديمة وتحل محلها، ثم ما كان من الأفكار جديدًا ثائرًا يُصبح قديمًا محافظًا، حتى يأتي النابغة فيعيد السيرة، وهكذا دواليك إلى اليوم، وإلى غد، وبعد غد.
فترى — يا أخي — من هذا أن المجتمع ليس سبب النهوض والتغيير، إنما هو عامل القرار والثبات؛ فإذا كان لا بد للمجتمع من قوتين: قوة الدفع وقوة التعويق، فالنوابغ هم الدافعون والمجتمع هو المعوق، النابغة يحمل المشعل والمجتمع يُحاول إطفاءه، وكلما كان النابغة أكثر رقيًّا وأشد إمعانًا في النظر، كان أكثر بعدًا عن قومه، وكانوا له أكثر اضطهادًا، حتى ليُرمى بالجنون؛ وبعد اضطراب وعنف وتخريب وضحايا يستقر رأي النابغة، وكثيرًا ما يحدث أن يكون ذلك بعد موته أو قتله، ثم تسفر النتيجة عن أن النابغة هو المقترح، ومشخص المرض، وواصف العلاج، والمجتمع أخيرًا جدًّا هو منفذ العلاج.
•••

وهنا أدار أحدهم عينه في الأفق، فلمح نجمًا يلمع لمعانًا براقًا، فقال: انظروا هذا النجم الصافي اللامع المضيء القوي، ما اسمه؟
– والله لا أدري، فأنا أجهل الناس بشيئين: أسماء النجوم وأسماء النبات، فلست أعرف من النجوم إلا الشمس والقمر، ولا من النبات إلا النخل والذرة، حتى القطن لا أعرفه إلا إذا «لوَّز».
ضحكٌ من الجميع.
•••

الاقتصادي: إنك لم ترد على شيء مما قلت، غاية الفرق بيني وبينك أنك عمدت إلى النتائج فأوضحتها، وأنا أعمد إلى الأسباب فأشرحها؛ إنك تبين عمل النابغة، وأنا أبين الأسباب التي تحمل على خلق النابغة؛ وخير إذا شرحنا الأمور أن نتعمق إلى جذورها، فإذا نحن عمدنا إلى ذلك رأينا أسباب نهوض الأمم وتغيرها أسبابًا اقتصادية بحتة.
كل شيء في هذه الحياة يرجع إلى المادة، فهي التي تعكس صورها وأثرها على العقل، فيجب أن تتغير المادة — أولًا — ثم يتبعها العقل في التغير فيكون الرقي أو الانحطاط؛ ولو رجعنا إلى التاريخ — كما تقول — لوجدنا كل الآراء وكل النظم ترجع في أساسها إلى البيئة التي نشأت فيها والتغيرات التي وضعت لها، لقد كان الإنسان الأول يعيش على صيد الحيوان في البر والسمك في البحر، فكانت آراؤه وأفكاره ومعيشته مشتقة من بيئته، ثم تغيرت البيئة، فأصبح يعيش على رعي القطعان أو الزراعة، فتغيرت آراؤه وأنواع معيشته وحاجاته تبعًا لذلك، ثم تغيرت إلى نظام إقطاعي، ثم إلى نظام رأسمالي، فتغيرت كل نظمه وكل آرائه حتى الأخلاقية والسياسية، ويمكن أن نرجع أدق التفاصيل وأعمق الأفكار إلى هذا النوع من البيئة كما درسنا في الاقتصاد، ولكن مما لا شك فيه كذلك أن أنواع الحياة وتفاصيلها وعواملها أصبحت الآن أكثر تعقدًا؛ لأن كل النظم القديمة النابعة من البيئات القديمة لم تفقد أثرها وورثتنا كثيرًا من تعاليمها ووحيها، لم يكن في المجموعة من الناس طبقات يوم كانوا يصيدون ويرعون، ثم لما أصبحت زراعية نمت الملكية الخاصة، فكان غني وفقير، وبدأت الطبقات، ونشأ عن ذلك مالك وأجير، أو مالك وعبد، فوجد نوعان من العلاقة: علاقة الملاك بالبيئة الطبيعية، وعلاقة الملاك بالعبيد، فنشأ عن هذا تغير في الأفكار لا عد لمظاهره، وثورات واضطراب، ومصلحون ونوابغ يحلون هذه المشاكل، وتعقدت هذه العلاقات في النظام الإقطاعي، ثم زادت تعقدًا في النظام الرأسمالي، وما نشاهد من عادات ومن رقي ومن اختراع ومن أسواق، ومن نظريات في الاقتصاد، ومن نظم في التجارة، ومن مذاهب اشتراكية وفاشية وشيوعية، ومن نزاع طبقات، ومن حروب أمم؛ كله نتيجة هذه العوامل الاقتصادية، وإن شئت فقل البيئة الطبيعية.
ثم استمر يقول: وإني أومن بالجبر على هذا المعنى، معنى أن نوع الحالة الاقتصادية منتج لا محالة نوع المعيشة الاجتماعية التي يعيشها الشعب، واختيار الإنسان وبواعثه وحرية إرادته كلها تلعب في دائرة ضيقة ضمن الدائرة الواسعة وهي دائرة الجبر، كحرية الإنسان في بيت مغلق؛ والنوابغ الذين ينبغون في كل عصر مع الاعتراف بقوة أثرهم إنما هم نتيجة هذه الظروف الاقتصادية؛ وحتى رقي الآداب والعلوم والفنون أو ضعفها ناتج أولًا من الحالة الاقتصادية، فهي التي تخلق نوابغها، ثم هؤلاء النوابغ يسيرون حركتها.
وأحداث التاريخ التي أشرت إليها يمكن أن تُفسَّر هذا التفسير الاقتصادي؛ فحالة العرب الاقتصادية قبيل البعثة كانت متهيئة لنبي، ولأمر ما كانت بعثة النبي في مكة، لا في غيرها من بقاع جزيرة العرب، لما كان فيها من الحركة التجارية العظيمة، فهي مورد التجارة من الخارج، وهي مصدر الإصدار لسكان الجزيرة في أيام الحج، بما كانوا يقيمون من أسواق، وما كان من أدب في سوق عكاظ فتابع للسوق التجاري؛ ولأمر ما كذلك كان أكثر من دخل في الإسلام أول الأمر من رقيقي الحال الذين سماهم صناديد قريش «الفقراء والمستضعفين والأذلة» وأكثر الذين عصوا وعاندوا هم الأثرياء الأغنياء، كأبي لهب، وأبي سفيان من الذين خشوا على مركزهم المالي وما يتبعه من جاه؛ وفي القرآن كثير من النصوص التي عُنِيَ فيها بالشئون التجارية، كمَنِّ الله على قريش بتيسير أسباب التجارة لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وتأنيبه الذين وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا، وتحريم الربا وحل البيع، إلى كثير من ذلك، ثم المطالبة بنزول الأغنياء عن بعض مالهم للفقراء بالزكاة والصدقة ونحوهما؛ كل هذه أمور اقتصادية هيأت الظروف وأنتجت النتائج، ويمكنك على هذا الأساس — وبهذه النظرية الاقتصادية — أن تُفسر أحداث التاريخ الإسلامي والثورات ورقي العصور وانحطاطها.
والآن يمكن تطبيق هذا على الشرق والغرب والمستعمِر والمستعمَر؛ فالاستعمار ليس إلا ظاهرة اقتصادية؛ إذ أدى الانقلاب الاقتصادي الذي حدث في أوروبا في القرن الثامن عشر إلى التوسع في الإنتاج الصناعي، فاحتاجت أوروبا إلى امتلاك مستعمرات تحصل منها على المواد الأولية للصناعة ثم لتُصرِّف فيها سلعها؛ فكانت خيرات الشرق للغرب، وأصبح الأول ضعيفًا غير ناهض لفقره ولسوء حالته الاقتصادية، والعكس.
فإن شئت للشرق رقيًّا فأعنه، وابحث عن الطرق التي تمكنه من استغلال بيئته الطبيعية لنفسه، فإذا هو غني وإذا هو عالم، وإذا هو أديب، وإذا هو مخترع، وإذا هو ما شئت.
•••

ساد الجميع سكون لم أتبينه، أهو سكون رضًى واقتناع، أم هو سكون تفكير واستعداد للدفاع!
والتفت أحدهم إلى الأديب المتفلسف أو الفيلسوف المتأدب، فقال: ما رأيك؟ لقد أطلت السكوت وسمعتَ وجهتي النظر، وكان طول الجلسة ساهمًا حالمًا يسمع بنصف نفسه، ونصفها الآخر في الجو والهواء والنيل والسماء.
فقال: أما أنا فإني أردد قول الله تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ، رأيي أن كليكما حكى بعض الحقيقة؛ فليس عامل التغير النابغة وحده، ولا الفرد وحده، ولا البيئة وحدها؛ وإنما هو «الإنسان في البيئة» والنابغة في الظروف؛ وكلاكما أهمل جدًّا جانب الروح، مع أن التاريخ كله ليس تاريخ النوابغ ولا تاريخ المال، وإنما هو تاريخ الروح أيضًا، إن الروح الإنسانية تسعى دائمًا لغايتها المرسومة لها، وغايتها الحرية العاقلة، والظروف الخارجية تضغط عليها، وهي تحاول دائمًا دفع هذا الضغط وكسر الأغلال حتى تصل إلى غايتها.
وأحداث التاريخ سلسلة من الضغط على اختلاف الأشكال ومحاولة النفس تحررها من الضغط والأغلال غير العاقلة، وهي دائمًا في خطوات إلى الأمام نحو تحقيق هذه الغاية.
ومن الخطأ في نظري تفسير كل شيء بالمادة وإهمال الروح، والقول بأن الإنسان مسير بجيبه لا بروحه، إن النظر إلى المادة وحدها جعل الغرض المنشود هو القوة المادية بالمال وبالقوة الحربية، فماذا كانت نتيجة ذلك؟ نتيجته صراخ الأرض حتى ضجت من صراخها السماء، وتلوين الخرائط بمالك ومستعمر، واستعباد أكثر الإنسانية لأقلها، ولذة الأقلين بألم الأكثرين، إن الأمم ظلت تتسابق في القوة المادية حتى ضاعت حكمة حكيمها، وفلسفة فيلسوفها، وعميت عن الغاية من القوة، واتخذتها غاية لا وسيلة، حتى ذهب عن الأرض سلمها وجمالها؛ وفي التاريخ ما يرشدنا إلى أن القوة المادية كالقوة العسكرية تنتهي دائمًا بتحطم نفسها، كان كذلك اليونان والرومان، والقرطاجينيون، ومن أتى بعدهم إلى اليوم.
إن العالم قوَّى جسمه وقوَّى عقله وقوَّى يده، وبقي عليه أن يقوِّي قلبه؛ ولعل الكوارث الحاضرة تنتهي إلى الالتفات إلى القلب كما التفت إلى إخوته.
وقوة الروح هي التي تُغير الأمة وتخلق المادة.
الاقتصادي: ألست ترى أن دعوتك إلى الروحية كدعوة المتصوف إلى الصوفية؟ وما ظنك بصوفي ينازل جنديًّا مسلحًا؟ إن شئت أن تدعو إلى الروح فعمم الدعوة، ولا تدْعُ إلى وضع السلاح حتى يضعه خصمك، وإلا أُكلت.الأديب: إن السلاح سيأكل نفسه.الاقتصادي: إني أشك. ونظر أحدهم إلى الساعة فوثب قائلًا: هذا آخر موعد لآخر ترام.

الفصل العاشر
في الهواء الطلق (?)


أما جلستنا هذه المرة فكانت في سفينة شراعية عند روض الفرج، وقد بلغ النيل أوجه في علوه وفخامته وشدة جريانه واحمرار لونه، وبلغ القمر أوجه في جماله ونوره، وامتزج جمال القمر بجمال النيل بجمال الجو بجمال الحديث، فكان لنا من ذلك متعة فنية، ومتعة عقلية، أحببت أن أُشرك القراء فيها.
كان ثلاثتنا في الليلة السابقة هم بعينهم في هذه الجلسة، وزاد عليهم صديق رابع عاد من إنجلترا حديثًا بعد أن درس الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وعاد إلى مصر فتولاه نوع من الكآبة وانقباض الصدر وطول اللسان، والنقمة على كل شيء يراه، فلا يعجبه حياة الأسرة، ولا نظام المجتمعات، ولا نظام الاقتصاد، ولا منظر الناس في الشارع، ولا حجاب المرأة ولا سفورها، ولا شيء يقع تحت سمعه وبصره؛ وهو بجانب ذلك شديد اللوم لاذع النقد.
ذكرنا ونحن في الطريق المجلات العربية، فأخذ يُشنِّع عليها، ويقذفها بكل نقيصة، ويتهمها بأن أمثلها يتكلم في السماء ولا يتكلم في الأرض، ولا ينير الشعب بما ينبغي أن يعلمه، ولا يفهمه موقفه، ولا يحل له مشاكله ولا يرسم له خطة سيره، وتمر الأحداث بجانبها وكأنها حدثت في المريخ، فإن اعتذرنا له بالحرب وملابساتها قال: وهل كانت مجلاتكم قبل الحرب خيرًا منها الآن، وأحسن تقديرًا للظروف، وأصدق معالجة للأمراض الواقعية؟ وهكذا كلما عرضنا لشيء أوسعه نقدًا، حتى سارت بنا السفينة وحلت شراعها.
كان هذا المنظر يفتح الشهية للحديث كما فتحه للأكل، ولكن لا أدري السبب في أن جميع الأصدقاء القدماء تفتحت شهيتهم للصمت دون الكلام، إلا صاحبنا الجديد، فقد كان ثرثارًا لا يسمح لغيره أن يبدي رأيًا أو يتحدث حديثًا؛ وبذلك انقلب الوضع من سمر نشترك فيه، إلى محاضرة يُلقيها علينا صاحبنا، لا أدري من حسن الحظ أو من سوئه أن أحدنا سأله رأيه في مصير العالم بعد هذه الحرب، فقال: إن هذا سؤال لا تمكن الإجابة عنه بكلمة ولا بنوع من التنبؤ، ولا بالحدس والتخمين؛ إنه لا يمكن شرح الغاية إلا إذا عرفنا الاتجاه، فإذا شئتم حدثتكم بشرط ألا تقاطعوني، فأكره ما أكره في مصر أن المتحدث لا يستطيع أن يتم حديثه، ففي كل كلمة ينطق بها يُقاطع، وقبل أن يتمم فكرته يُعترض عليه، وقد يكون الآتي شرحًا للماضي ولكن لا يُمكَّن من ذلك؛ وقد يطول الجدل في القشور قبل أن يصل المتحدث إلى اللباب، والحق أن المصريين يحتاجون إلى من يُعلمهم فن الصمت كما يُعلَّمون فن الكلام؛ والحق أن الصمت فن له رسوم ومناهج يطول الحديث عنها؛ فهل أحدثكم في فن الصمت أو تلتزمون الإصغاء فأحدثكم فيما سألتم؟
وعدناه أن نلتزم الصمت؛ لأنه يوافق مزاجنا في هذه الآونة، ولأننا صائرون إلى هذه النتيجة شئنا أو أبينا، فإن تدفقه لا يسمح بالكلام لغيره.
قال: لست أريد أن أرجع بكم في الحديث إلى الماضي البعيد فإن شأنه يطول، ولكني أحدثكم في الحاضر مشوبًا بشيء من الماضي، وأبني عليه المستقبل.
في عصر فكتوريا كان العالم المتمدن يتجه إلى السير على مبدأين هامين: المبدأ الأول: بأوسع معانيها، ولست أعني الحرية السياسية وحدها، بل أعني أن الحرية أصبحت مزاجًا عقليًّا يحاول تطبيقها على كل شيء؛ حرية في الشئون السياسية، وأن ينال كل فرد نصيبه في سياسة أمته بطريق التصويت؛ وحرية اقتصادية بالسير على مذهب Laissez faire — ولا أدري ماذا تُسمونه باللغة العربية — وأعني به حرية الفرد أن يشتري من أرخص سوق ويبيع في أغلى سوق، وحرية الضمير، وحرية العقل في أن يُنميه كما يشاء، ويُغذيه بما شاء, ويفك قيوده من الخرافات
والمبدأ الثاني: الروح العلمي وعدم تقيده بأي قيد، والبحث الحر الخالص، والإيمان التام بأن العلم هو الذي يجب أن يحكم الحياة ويسيرها.
وفي ظلال هذين المبدأين نمت الفردية، أعني احترام الفرد وحرية الفرد، وكان كل شيء يُنبئ بأن السير في هذا الطريق سيوصل حتمًا إلى سعادة الأمم ورفاهيتها، وإلى السلام العام وحسن التفاهم بين الشعوب؛ ولكن — مع الأسف — خاب الأمل، وأنتجت الحرية الاقتصادية غنى مفرطًا لقليل من الأفراد، وفقرًا مدقعًا للأغلبية، وحرية واسعة للأغنياء وأصحاب رءوس الأموال، وعطالة ورقًّا لكثير من العمال، كما أنتجت صراعًا حادًّا على الأسواق؛ وذلك أنتج الحواجز الجمركية، وآل هذا كله حتمًا إلى الحروب الطاحنة التي شاهدناها في حرب سنة ????، والتي امتدت عواملها وبواعثها إلى الحرب الحاضرة.
وانقسمت الأمم إلى معسكرين، معسكر ظل على مبدأ الحرية الفردية ومظهرها الديمقراطية، مع تعديل ذلك بما تستوجبه الظروف، وحامل عَلمه إنجلترا وأمريكا؛ ومعسكر كفر بالفردية وآمن بالجماعة ولم يسمح للفرد بالحرية إلا في حدود مصلحة الجماعة، وحامل هذا العَلم روسيا الشيوعية وإيطاليا الفاشية وألمانيا النازية.
وهذا المعسكر الثاني قد وضع نظامه الاقتصادي والسياسي على هذا الأساس، أساس الجماعة لا الفرد، وإن اختلفت مناهج أممه ووسائلهم؛ ففي السياسة أُعطيت الهيئة التنفيذية سلطة واسعة جدًّا، وحُدَّت قوة السلطات الأخرى وضيقت المعارضة … إلخ؛ ومن الناحية الاقتصادية حلت النقابات في النظام الفاشيستي محل حرية الأفراد، وتدخلت الحكومات في الأمورالاقتصادية، ورسمت المناهج، ووضعت يدها على كثير من موارد الدولة … إلخ، وكانت الشيوعية أكثر إمعانًا في اضطهاد الفردية ونصرة الجماعية، ووضعت التربية في هذا المعسكر جميعه على أساس استمالة الفرد ليعد نفسه جزءًا من جسم المجموع لا شخصية مستقلة؛ وتبع هذا تضييق حرية الفكر وحرية النقد، بل وأحيانًا حرية العلم إذا كانت النتائج العلمية لا تتفق ونظام الدولة.
ومن ناحية أخرى رأينا المعسكر الأول نفسه قد شعر قادته بأن النظام الديمقراطي أيضًا في حاجة إلى تعديل، وخطب عظماؤه في وجوب إصلاحه لمواجهة العالم الجديد، فنظام رأس المال يسبب دائمًا أزمات حادة وعطالة محزنة؛ فنادوا بأنه يجب أن تتدخل الحكومات الديمقراطية ولو بعض الشيء لوضع حد لهذه المآسي، وتقييد الحرية نوعًا ما لمصلحة المجموع؛ وقالوا: إن النظام البرلماني بطيء في تسيير الأمور بطئًا يحتاج إلى علاج، والمطابع والتمثيل والسينما والراديو قد جاوزت حدودها في الحرية، ولا بد من تدخل في وضع حد لها مسترشدين بالمصلحة العامة.
•••

وإلى هنا توسطنا النيل، وهبت ريح فضربت الشراع فمالت السفينة ميلًا شديدًا، ففزعنا، وكان أفزعنا صاحبنا المحاضر فصاح، وسكت عن الكلام المباح.
ثم جاوزنا الوسط، وهدأت الريح، فاعتدلت السفينة فعادت شهوته للكلام وشهوتنا للاستماع.
وسألناه: فماذا تنتظر بعدُ؟
لعلكم ترون من هذا كله الصراع العنيف بين الفردية والجماعية، واضطراب العالم بين النزعتين، وشكواه من كبت الحرية العقلية في ظل «الجماعية»، وقلقه من البطء والعطالة في ظل الفردية.
إن العالم — فيما أرى — سيتحرر من خضوعه المطلق للعوامل الاقتصادية، وستكون المسائل المالية عاملًا من جملة عوامل، لا العامل الوحيد؛ وسيتعلم من هذه الكوارث إيمانه بنوع من الأخلاقية الأخوية؛ وسيتبين أن النظرة الاقتصادية وحدها أدت إلى حياة جافة بائسة، وسيعود إلى التعاليم التي أُهملت من أن الإنسان أخو الإنسان، وسيتجلى له أن التضييق على الحرية العقلية وإخضاع العلم للسياسة تُدهور العقل، وأن دعوى المصلحة العامة لا تُغني ما لم يُقصد إلى المصلحة العامة في صدق وإخلاص.
أما من ناحية الصراع بين الفردية والجماعية التي حدثتكم عنها، فإني أُرجح أن العالم سيهتدي إلى نوع جديد هو «الفردية في الجماعية»، وأعني بذلك أن العقول ستبتكر نوعًا من النظام يُحفظ فيه للفرد شخصيته في حدود مصلحة الجماعة، وستؤسس التربية والتعاليم والنظم السياسية على تغذية العاطفتين من غير أن تتضاربا وتتعارضا، وسيكون هذا علاجًا لكل مشاكل العصر الحاضر.
وهذا النظام المرجو لا يتحقق إلا إذا قبله العالم المتمدن كله، ونفذه في صدق وإخلاص وقوة عقيدة، وقامت على رعايته قادة الأمم ورجال السياسة ورجال العلم ورجال الدين، وتلاشت عصبية الأمم، وعصبية الأجناس، وعصبية الأحزاب، وعصبية أصحاب رءوس الأموال، وعصبية الطبقات، وتولى الزعامة رجال واسعو النظر شديدو الإخلاص، محبو الإنسانية، جمعوا بين قوة العقل وقوة الشعور، تسيرهم العقيدة الحقة المخلصة، لا الرأي العام المحلي المتحزب.
•••

وتعب الصديق من الحديث الطويل ووفائنا بشرطه، وتركنا إياه يُحاضر من غير مقاطعة؛ وطلب ماء فشرب ثم سكت.
فسأله أحدنا: وهل تظن — يا دكتور — أن العالم سيصل إلى هذه الغاية بعد هذه الحرب؟
فقال: إن هذا هو الأمل الوحيد لخلاص العالم، فإن لم يبلغها في هذه الحرب، فسيظل في كوارث تتبعها كوارث، وستزيد الويلات زيادة المتواليات الهندسية تبعًا لتقدم العلم وازدياد الحزازات، حتى يمل الإنسان فيُؤمن بالغاية التي شرحها، أما أنها الغاية فلا أشك في ذلك، وأما أنها الغاية من الحرب الحاضرة فلست أجزم به.
•••

ومرت بجانبنا سفينة ملئت فرحًا وسرورًا، وبها «جوقة» موسيقية تعزف وتغني، ويأخذ أهلها الطرب فيتصايحون ويتنادرون ويضحكون.
فأخذ صديقنا يُلقي محاضرة أخرى في الموسيقى الشرقية وعيوبها، وبدأ يُقارن بين الموسيقى الشرقية والغربية، وكاد يتدفق في هذا تدفقه في ذاك.
قال أحدنا: على رِسْلك يا دكتور!! فإن لقدرتنا على الاستماع حدًّا، والمتحدث ينبغي أن يُوائم بين أحاديثه، فأين ما كنت فيه من مصير العالم من الموسيقى العربية والغربية؟ فإن كنت خبيرًا بالموسيقى فتجنب «النشاز».
وضحك الجميع، ورست السفينة، وإلى اللقاء.

الفصل الحادي عشر
قصتان طريفتان


قرأت في هذا الأسبوع كتابين بالإنجليزية، أحدهما في «التصوف» لمؤلف هندي، والثاني في «المنطق العملي»، أو كما يسميه صاحبه «فن التفكير» لمؤلف إنجليزي.
وتسألني: ما الذي جمع الشامي على المغربي، وألَّف بين التصوف والمنطق على بعد ما بينهما من منهج، فهذا يعتمد على مقدمات ونتائج وقياس وبراهين، وذلك يعتمد على ذوق وإلهام ورياضة وكشف، هذا لا يؤمن إلا بالعقل، وذلك لا يؤمن إلا بالنفس، وكلاهما يُكفِّر بصاحبه؟
فأقول: إنه قد جمعت بينهما المصادفة البحتة، فقد كنت أبحث عن كتاب في مكتبتي، فعثرت على هذين الكتابين، فأغراني موضوعهما بقراءتهما، ولم أكره هذا الجمع «فالضد يظهر حسنه الضد»، ولست تتبين في جلاء سواد الأسود إلا إذا نظرت بجانبه إلى بياض الأبيض، وخير ما تتذوق حلاوة الحلو إذا تذوقت ملوحة الملح، وكثيرًا ما تعمد الغانية الجميلة إلى أن تُظهر جمالها بجانب الوصيفة القبيحة.
على أن هذا الاختيار لم يكن عبثًا، ولم يكن اعتباطًا، وإن كان مظهره كذلك، فالإنسان إذا سئم الأرض طار إلى السماء، وإذا مج اللذائذ مال إلى الزهد، وإذا سئم من دنيا الناس عاش في عالم المثال؛ ثم إذا هو عجب من تفكير الناس هرع إلى البحث في أسباب خطئهم، وإذا لم تعجبه عقليتهم نشد المثل الأعلى للعقلية، وإذا رآهم يُجَنُّون في التفكير والتصرف لذَّهُ أن يبحث في نوع جنونهم، ونقطة الانحراف في تفكيرهم.
•••

ما لي ولهذا، فقد كاد ينسيني القصتين.
كان من كل كتاب قصة لفتت نظري، واستخرجت إعجابي.
كلا الكتابين قص قصته من وجهة نظره، ومن زاوية نفسه، ولعلهما ترميان إلى غرض واحد، ونمط في التربية واحد، وإن اختلف العرض.
فأما القصة الصوفية فهي أن «بُلَّاشاه»، أحد أولياء «بنجاب» أرسله أبوه — وهو طفل — إلى الكُتَّاب، فكتب له المعلم «ا» و«ب»، وأمره أن يحفظهما ويكتبهما، فوقف «بُلَّاشاه» عند الألف، لا يحسن تعلمها ولا كتابتها، والأطفال الذين دخلوا معه الكُتَّاب ساروا شوطًا بعيدًا، فأتموا حروف الهجاء إلى «الياء»، وانتقلوا إلى ما بعدها، وصاحبنا واقف عند الألف لا يتعداها؛ ومرت أسابيع على هذه الحال، والموقف لم يتغير، وأخيرًا ضاق به المعلم ذرعًا، وأخذه وذهب به إلى أبيه وقال: «إن ابنك ناقص العقل، غير قابل للتعلم، ولست بمستطيع تعليمه.».
فحاول أبوه أن يُعالج هذا النقص، وعرضه على معلمين آخرين ليتحرك من الألف إلى الباء فما أمكن، وحز هذا في نفس الطفل، وأحس أنه حمل ثقيل على والديه، وأنهما يئسا من نجاحه، ففر إلى غابة وأقام فيها وذهنه مشغول بمظهر الألف ونكبته بها؛ فأدرك أن الألف تظهر له في الحشيشة النابتة في الغابة، في جذع الشجرة، في كل فرع من فروعها، في كل ورقة من أوراقها، في الجدول الذي يشق الأرض، في جسمه منتصبًا، في الجبل الضخم يشرف على الوادي، في جسم الحيوان ممدودًا، في كل شيء، فليس إلا الألف، والعالم كله وحدة، هو ألف أو جملة ألفات، هو متشابه التركيب، أو هو واحد التركيب، أليست الألف في أصلها نقطة ثم بنيت عليها نقط فكانت الألف؟ فالعالم كله نقط تكونت منها ألفات، وهو إذا كتبها فإنه عندما يلمس القلم الورقة ترسم نقطة، ثم بامتداد القلم يُكرر النقطة فتكون ألفًا، ثم تتعدد الأشكال، وتختلف الأوضاع والأصل واحد، والجوهر واحد، وقد يطغى الشكل على الأصل فلا تلتفت إليه النفس البلهاء؛ ولكن إذا دقق نظره وطهر فكره عرف وحدة الأصل ووحدة الخالق؛ ثم هذا العالم مكون من ألفات، والألف مجموعة نقط، والنقطة صفر، والصفر لا شيء، وليست الألفات إلا مظاهر تساوي أصفارًا، وتخفي وراءها خالقها، كما يختفي وراء الألف كاتبها، فلا شيء إلا الخالق ولا شيء إلا الله.
فرح الطفل بفهم درس الألف، وتذكر فضل المعلم عليه؛ لأنه هو الذي علمه ولم يكن يفهم، فطرده من الكُتَّاب لجهله، فنزل من الغابة إلى المدينة، وذهب إلى المعلم وقبل يده، وقال له: «لقد تعلمت درس الألف وفهمته، فهل تتفضل وتعلمني الدرس الذي يليه؟» ضحك المعلم من سخافته، وأراد أن يمتحنه فسأله أن يقرأ الألف ويكتبها، فقرأها وكتبها، وشرح للمعلم ما فهم منها، فدُهِشَ المعلم وحار عقله مما سمع، وقال للطفل: «يا بني أولى بك أن تكون أنت معلمي، وقد تعلمت من حرف الألف ما لم أتعلمه أنا من كل دروسي، وقد استفدت من الألف ما لم يستفده كل أطفال الكُتَّاب ومعلميهم من الألف ولا من الباء ولا من كل الحروف متفرقة أو مجموعة.».
فأخذ «بُلَّاشاه» يغني:
«أيها المعلم! جَنِّبْني علمك فلست في حاجة إلا إلى الألف، لقد أثقلت عقلك بعلمك، وأثقلت بيتك بكتبك، وضاعت المعرفة الحقة بين كثرة العلم وكثرة الكتب فجنبني طريقتك.أي معلمي، قد يكون الفرق بين الحق والباطل شعرة، وقد يخفي الحق عن الأنظار نسيج مهلهل، وربما كانت الألف مفتاح الكنز.قالت لي روحي: إني راغبة في المعرفة الحقة فعلمنيها إن استطعت.قلت: ألف.قالت: ذاك يكفيني، فالإنسان إذا تفتحت نفسه، وصدق نظره كفاه حرف واحد.». •••

هذه هي القصة الصوفية، وأما القصة المنطقية فهي أن شابًّا قص على سيدة برنامجه في يومه، فقال: «إني إذا استيقظت صباحًا أذاكر «أجرومية» اللغة البرتغالية في أثناء حلقي ذقني، ثم أقرأ ساعة في اللغة الإسبانية قبل إفطاري، فإذا أفطرت ترددت بين القراءة والكتابة إلى الغداء.».
واستمر يقص عليها كيف يقضي نهاره وجزءًا من ليله بين قراءة وكتابة وأكل وحديث وألعاب رياضية إلى أن ينام؛ وهكذا دواليك.
أنصتت السيدة إلى حديث الشاب حتى أتمه، وصمتت برهة ثم قالت: هذا كله حسن يا صديقي، ولكن قل لي: متى تفكر؟
وكان صمت، وكانت حيرة في الجواب.
•••

كلتا القصتين ترمي إلى غرض واحد، وهو التقليل من قيمة القراءة الكثيرة من غير تفكير، ورفع قيمة التفكير ولو في الدرس القليل.
ما أكثر ما نقرأ، وما أقل ما نُفكر! وقد رأينا أن التفكير في الألف أنتج أكثر ألف مرة مما ينتج من حفظ حروف الهجاء كلها ومركباتها من غير تفكير.
لقد حدثونا عن «ديمقريطس» الفيلسوف اليوناني أنه قلع عينيه لئلا يشغله النظر عن التفكير، والقراءة عن التأمل، وحدثونا حديثًا أخف فظاعة من هذا عن «فيثاغورس» أنه كان يقضي ليله في التفكير العميق في أحداث يومه، ولسنا نتطلب هذا ولا ذاك، ولكنا نتطلب تفكيرًا يعادل القراءة، وتأملًا يوازن النظر.
القراءة جمع أزهار، والتفكير تأليف طاقة.
القراءة جمع خرزات، والتفكير نظمها في عقد.
بل القراءة جمع أزهار وحشائش، وضم حجر كريم إلى حجر غير كريم، والتفكير اختيار الصالح واختيار المناسب، واستبعاد الفاسد واستبعاد غير المناسب.
القراء ضم عقيم إلى عقيم، والتفكير قدرة على الاستيلاد حتى من العقيم.
قراءة الكتاب وحفظه زيادة نسخة مطبوعة منه، والتفكير نفخ الروح في الصورة، ورد الحياة إلى الميت.
كثرة القارئين في الأمة زيادة مكتبة جامعة فيها، وعقل مفكر واحد باعث الروح، ونور الظلام، وحافز الهمم، وهادي الطريق.
كما أن في الكُتَّاب كاتبًا مقلدًا وكاتبًا خالقًا، كاتبًا ناقلًا وكاتبًا مبتكرًا، كذلك في القُرَّاء قارئ ناقل وقارئ ناقد، قارئ مستقبِل لاقط، وقارئ مبتكر خالق.
القارئ الخالق هو الذي يقرأ الصفحة أو الجملة فيولدها، ويشعر أنه تفتحت له منها آفاق للتفكير كأنه يطل منها على العالم، يدرك وجوه الشبه بين الأفكار ووجوه الخلاف، يدرك وجوه الفروق الدقيقة بين ما يظنه الناس متشابهًا، ووجوه الشبه الدقيقة فيما يظنه الناس متخالفًا.
القارئ الصادق يأبى أن يجعل عقله مستودعًا للأشياء المتناقضة، ثم يتركها كما هي متناقضة؛ إنما يعمل فكره ليكون مما في عقله وحدة متجانسة، بعد أن يطرد منه ما لا ينسجم مع هذه الوحدة، يصفف أفكاره في نظام كما يصفف التاجر اللبق سلعته، ويستبعد منها الزيف كما يستبعده التاجر الأمين.
القارئ الناقد هو الذي إذا قرأ فهم، فإذا فهم قوَّم، فإذا قوَّم احتفظ بالصحيح واستبعد الزائف، فإذا احتفظ بالصحيح فكر في العلاقة بينه وبين ما سبق له ادخاره في ذهنه، ثم كوَّن من ذلك كله وحدة متجانسة ينظر من خلالها إلى العالم، ويصدر بها حكمه على الأشياء.
•••

ما أشقه من عمل! ولذلك لم يستطعه في كل أمة إلا الأبطال.
أدرك هذا «بُلَّاشاه»، وأدرك تبعة المعلومات يحصِّلها، وعظم الواجبات للفكرة تحل في عقله، فلم يرض أن يحمل عبثًا غير عبء الألف.
وأدركت هذا السيدة فارتاعت من كثرة ما يلتهم صديقها من غير هضم، وأرشدته في لطف إلى أن خير ما أكل ما هضم.
ألست معي في أن القصتين طريفتان؟

الفصل الثاني عشر
الربيع


لعن الله السياسة وألاعيبها، فقد أفسدت علينا كل شيء، حتى الطبيعة وجمالها، كنا ننتظر القمر ننعم بجماله، وتمرح نفوسنا في ضيائه، فإذا الغارات تنتهزه كما كنا ننتهزه، وترقبه كما كنا نرقبه، فاقترنت هالته بالقتل والدمار، وتلون بياضه بحمرة الدماء، وأصبح ضياؤه وخير منه الظلام، وبياضه وخير منه السواد، وفقد شعريته وفضيته وجماله وبهاءه، إلى حين.
وعَدَتْ أيضًا على الربيع الذي لم يمسس جماله أحد، ولم ينتقص جلاله أحد؛ فأخرجت لنا «لعبة» شيطانية سمتها «هجوم الربيع» أفقدته جماله وجلاله، وأحلت بها الخوف محل الأمن، وكراهة الاستقبال مكان بهجة الاحتفال.
ومع هذا فسنتناسى ألاعيبها وإفسادها، ولنخلص للربيع نستقبله ونحييه، فألاعيب السياسة موجات لا تعلو حتى تفنى، ولا تُخلق حتى تنعدم، ولا تكون حتى تفسد؛ والزمان باقٍ، والقمر باقٍ، والربيع باقٍ، وقلوب الناس لاستقبال الجمال والاحتفاء به باقية.
•••

هذا أنت — أيها الربيع — أقبلت فأقبلت معك الحياة بجميع صنوفها وألوانها؛ فالنبات ينبت، والأشجار تورق وتزهر، والهرة تموء، والقُمْري يسجع، والحمام يهدر، والغنم تثغو، والبقر يخور، وكل أليف يدعو أليفه، و«يا حسنها حين تدعوه فينتسب»؛ حتى الأغصان في الأشجار تغار فتتمايل وتتعانق، ولا تهدأ حتى تُمثِّل دور الأحباب، فكل شيء — بك — يُشْعِر بالحياة، ويمتلئ بالحياة، ويستولد الحياة، ويستجمل الحياة، ويُنسي هموم الحياة، ولا يُذكِّر إلا سعادة الحياة؛ فإن كان الزمان جسدًا فأنت روحه، وإن كان مظهرًا فأنت سره، وإن كان عمرًا فأنت شبابه.
•••

هذا أنت تغار على النهار المضيء، وقد اعتدى عليه الليل وظلمته، فسلبه قطعة منه، صبغها بأديمه، وأمده الشتاء القاسي فأعانه على ظلمه، حتى اعتدلت في منصبك، واستويت على عرشك، فرددت ظلامته في رفق وأناة، بالثانية والدقيقة، حتى اعتدل الليل والنهار؛ ثم أبيت إلا أن يظلم النهار كما ظلم الليل، فالجروح قصاص، فكنت في ظلمك عادلًا، وفي محاباتك منصفًا، وكان لك المجد؛ إذ وقفت بجانب النور والبياض، على حين وقف غيرك بجانب الظلمة والسواد.
•••

وهذا أنت — بسحرك العجيب — استطعت أن تجعل من الشمس حائكًا وشاءً نساجًا، يحوك أجمل الروض ويوشِّيه، ويُبدع في النقش والألوان والتصوير، فإذا الدنيا كلها جمال ألوان وجمال تصوير، يقلده أكبر فنان فيفشل، ويُحاكيه أكبر مصور فيعجز، فأين المادة من الروح؟ وأين التقليد من الإبداع؟ لقد حولت فعل الشمس في السماء إلى الأرض فجملت الثرى بنجوم الثريا، ونسقت فيه ألوانًا تزري بقوس قزح، وألفت من أزهاره أشكالًا وألوانًا وهندسة أين منها نهر المجرة، حتى خلت أن أهل السماء يرحلون منها ليروا ما أبدعت الشمس في الأرض.
أبدى لنا فصل الربيع منظرًابمثله تفنن ألباب البشروشيًا ولكن حاكه صانعهلا لابتذال اللبس لكن للنظرعاينه طرف السماء فانثنتعشقًا له تبكي بأجفان المطرفالأرض في زي عروس فوقهامن أدمع القطر نثار من درر جعلت الدنيا ملء العيون بما أبدعت من ألوان، وما مايلت من أغصان، وما حِكت من وشي، وما صنعت من جمال؛ فأبيض ناصع في أخضر ناضر، وتعاريج سوداء في زهرة صفراء أو بيضاء، وأشكال مهندسة تستخرج العجب وتأخذ باللب.
من زهرة جميلة المنظورضاحكة كالوافد المحبورباكية كالعاشق المهجورشذرها الغيث بلا شذورشقائق كناظر المخموروأقحوان كثغور الحورونرجس كأنجم الديجوروالطل منثور على المنثوريرصد الياقوت بالبلور
تذكرنا قدود الأشجار بقدود الحسان، وحمرة الورد بحمرة الخد، وبياض الزهر ببياض الثغر، وتعانق الأغصان بتعانق الخلان! فأنت تعرض الجمال وتوحي بمعاني الجمال.
أرتك يدُ الغيث آثارهاوأعلنت الأرض أسرارهافما تقع العينُ إلا علىرياض تُصنِّف أنوارهايفتح فيها نسيم الصباخباها ويهتك أستارهاويدني إلى بعضها بعضهاكضم الأحبة زوارهاكأن تفتحها بالضحىعَذَارى تحلل أزرارهاتغض لنرجسها أعيناوطورا تحدق أبصارهاإذا مُزْنةٌ سكبت ماءهاعلى بقعة أشعلت نارها وعلى الجملة فقد كانت الدنيا — كما قال أبو تمام — بغيره معاشًا، فأصبحت به منظرًا.
•••

وكما جعلت الدنيا ملء العين جعلتها ملء السمع، فرأت الأطيار ما وشَّيْتَه في أرضك، فحرك أشجانها، وأطلق أصواتها، وجعلت منها موسيقى مختلفة النغمات، متعددة الأصوات، هذا البلبل يُغني ضاحكًا، وهذا الحمام يُغني باكيًا.
كانت عجماء فأفصحت في أيامك، وكانت خرساء فأنطقها جمالك، وكانت بكماء فراعها منظرك؛ فوقفت على السرو والدَّوح من خطبائك، فلما غنت حركت أشجان الإنسان، وأوحت إليه بالمعاني الحسان؛ فأفاض الشعراء في وصفها، وبكوا لبكائها، وتغنوا من غنائها.
•••

ثم هذا أنت ملأت الجو عطرًا بأزهارك الطيبة، وثمارك العطرة، فأنعشت النفوس، وبعثت الأمل، فلما خاف الناس من غيبتك، وانقطاع شذاك، أمعنوا الفكر في الاحتفاظ برائحتك، فاستخرجوا الروائح من أزهارك، وتحايلوا للانتفاع بها في غيابك، فاخترعوا الغوالي والندود، وعُنوا بالاستقطار والتصعيد، يتعطرون بها ذكرى لعطرك، ويتفننون فيها تقليدًا لعبيرك.
•••

لقد اعتدلت في حرارتك فلم تغلُ في بردك غلو الشتاء، ولا في حَرِّك غلو الصيف، فكنت جميلًا في جوك، كما كنت جميلًا في كل شيء من آثارك.
•••

ليت الزمان كان ربيعًا كله، إذًا لتذوق الناس الجمال كما ينبغي، فكان كل ما يصدر عنهم جميلًا لا قبح فيه، خيرًا لا شر فيه، فهل الرذيلة والشر إلا قبح كقبح الشتاء والصيف؟ وهل الفضيلة والحق إلا جمال كجمال الربيع؟

الفصل الثالث عشر
المتنبي وسيف الدولة (?)


كان لسيف الدولة ناحية فنية قوية، لا تقل شأنًا عن ناحيته السياسية والحربية، فهو يحب الفن ويولع به، ويتذوقه ويساهم فيه.
وقد وردت في ذلك أخبار متفرقة تدل عليه.
فهو مولع بالتصوير، رغم النزعة الشائعة؛ إذ ذاك في كراهيته، فيروي صاحب اليتيمة أن سيف الدولة أمر بضرب دنانير للصلات في كل دينار منها عشرة مثاقيل وعليه اسمه وصورته، فأمر يومًا لأبي الفرج الببغاء بعشرة منها، فقال:
نحن بجود الأمير في حرمنرتع بين السُّعُود والنعمأبدع من هذه الدنانير لميجر قديمًا في خاطر الكرمفقد غَدَتْ باسمه وصورتهفي دهرنا عُوذَةً من العدم ولعله استوحى ذلك من صورة دنانير الروم.
وأدل على ذلك ما ذكره المتنبي في صفة خيمة لسيف الدولة، تدلنا على ذوقه وحبه للفن حقًّا، فقد ذكر المتنبي أن هذه الخيمة أو القبة التي كانت تضرب على سيف الدولة، كانت قطعة فنية رائعة.
ففيها صورة روضة بديعة لم يحكها السحاب وإنما حاكها النساج، وأغصان الأشجار ترفرف عليها طيور لا تنقص عن الطيور الطبيعية إلا بالغناء.
وفيها صور وحوش يحارب كل جنس عدوه، ولكنها سُلبت الروح فتسالمت.
وإذا ضربتها الريح ماج بعضها في بعض فكأن صور الخيل تجول، وكأن صور الأسود تختل صور الظباء لتصيدها وتدركها.
وفي ناحية من الخيمة صورة ملك الروم، وصورة سيف الدولة، وملك الروم يسجد لسيف الدولة، ويخضع له ويتذلل، ويُقبِّل بساطه؛ إذ لا يقدر على تقبيل كمه ويده لارتفاع مكانه.
وبين يدي سيف الدولة الملوك متكئين على مقابض سيوفهم من هيبته.
وفي حواشي الخيمة لآلئ من النسيج تكاد لا تختلف عن اللآلئ الحقة إلا أنها لم تنظم ولم تثقب، ففي ذلك يقول المتنبي:
عليها رياض لم تحكها سحابةوأغصان دوحٍ لم تغن حمائمهوفوق حواشي كل ثوب موجَّهٍمن الدر سمط لم يثقبه ناظمهترى حيوان البر مصطلحًا بهايحارب ضدٌّ ضدَّه ويُسالمهإذا ضربته الريح ماج كأنهتجول مذاكيه وتدأى ضراغمهوفي صورة الرومي ذي التاج ذلةلأبلج لا تيجان إلا عمائمهتقبل أفواه الملوك بساطهويكبر عنها كمه وبراجمهقيامًا لمن يشفى من الداء كيهومن بين أذني كل قرمٍ مواسمهقبائعها تحت المرافق هيبةوأنفذ مما في الجفون عزائمه وهي صورة بديعة، تشهد بحب سيف الدولة للتصوير والفن.
ثم أولع بالموسيقى، فكان في قصوره الجواري المغنيات، ويروون أن الفارابي لما زاره عرض عليه سيف الدولة قيانه فأسمعنه، فأسمعه الفارابي من قانونه خيرًا مما سمع.
وأنمى من هذا وأظهر ناحية سيف الدولة الأدبية، ولم يذكر المؤرخون لنا كيف ثقف وكيف عُلِّم، إلا أنهم ذكروا أنه كان من شيوخه أبو ذر الشاعر وابن خالويه اللغوي النحوي، وأنه درس دواوين الشعر القديم، وكانت تغذي عواطفه العربية، من تمدح بالشجاعة والكرم، كما كان يعرف أيام قبيلته (تغلب) ومفاخرها.
وتدل الدلائل كلها على دقة حسه الأدبي وذوقه الفني، يقول فيه المتنبي:
عليم بأسرار الديانات واللُّغَىله خطرات تفضح الناس فهل نستدل بهذا على أنه كان يعرف غير اللغة العربية أيضًا؟ أظن ذلك؛ فابن خلكان يروي في ترجمة الفارابي أنه كان لسيف الدولة مماليك، وله معهم لسان خاص يحدثهم به.
ومن مظاهر حبه للأدب وسعة اطلاعه وحسن ذوقه أنه كان كثيرًا ما يتمثل بأبيات قديمة، وتعجبه أبيات يرددها، أو قافية يستملحها، أو معنى يستجيده؛ فيطلب من الشعراء أن يجيزوها أو يقولوا على قافيتها، فمرة — مثلًا— ورد على خاطره بيتان للعباس بن الأحنف:
أمِنِّي تخاف انتشار الحديثوحظي في ستره أوفرولو لم أصنه لبقيا عليــك نظرت لنفسي كما تنظر واستحسن المعنى، فأرسل رسولًا مستعجلًا لأبي الطيب ومعه رقعة فيها البيتان يسأله إجازتهما، فقال المتنبي أبياته المشهورة:
رضاك رضاي الذي أوثروسرك سري فما أظهر إلخ وديوان المتنبي وغيره من الشعراء مملوء بهذه الأمثال.
ثم مجلسه الأدبي الحافل في حلب، والذي قل أن يكون له نظير؛ فالشعراء والأدباء في مجلسه يثيرون الموضوعات المتنوعة، ويساهم فيها سيف الدولة، ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، ويجزل العطاء لمن أجاد؛ فأحيانًا يستذكرون الشعر القديم، وأحيانًا يسألهم إجازة الشعر، وأحيانًا مسألة نحوية، وأخرى مسألة لغوية، حسبما اتفق؛ فمثلًا مرة ينشئ سيف الدولة هذا البيت:
لك جسمي تُعِلُّهفدمي لم تُحِله ويطلب من أبي فراس أن يجيزه، فيقول:
أنا إن كنت مالكًافلي الأمر كله ومرة يسأل المتنبي أن يعيد إنشاد قصيدته:
على قدر أهل العزم تأتي العزائموتأتي على قدر الكرام المكارم وكان سيف الدولة يُحب هذه القصيدة ويستعيدها، فلما وصل إلى قوله:
وقفت وما في الموت شك لواقفكأنك في جفن الردى وهو نائمتمر بك الأبطال كَلْمَى هزيمةًووجهك وضاحٌ وثغرك باسم قال سيف الدولة: قد انتقدنا عليك هذين البيتين؛ لأن الشطرين لا يلتئمان، وكان خيرًا أن تخالف بينهما فتقول:
وقفت وما في الموت شك لواقفووجهك وضاح وثغرك باسمتمر بك الأبطال كلمى هزيمةكأنك في جفن الردى وهو نائم وهو نقد دقيق، وإن كان المتنبي قد رد عليه فقال: «إن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك».
وسأل سيف الدولة مرة من في مجلسه: هل تعلمون اسمًا ممدودًا وجمعه مقصور؟ فلم يحيروا جوابًا إلا ابن خالويه فقال: عذراء وعذارى، وصحراء وصحارى، وهكذا كان مجلسه حافلًا بالأدب والنقد.
وهو مع ذلك شاعر غير أنه مقل، فقد رويت له في كتب الأدب أشعار، وإن كان كثير منها قد نُسب لغيره في بعض دواوين الشعراء، فلعله كان يتغنى بها فيظن بعض الناس أنها له، ولكن بعضها يكاد يجمع الرواة على أنه لسيف الدولة، كقوله في جارية رومية له كان يهواها ويخشى عليها من حظاياه، فأودعها قلعة وقال:
راقبتني العيون فيك فأشفقــتُ ولم أخل قط من إشفاقورأيت العذول يحسدني فيــك مجدًا يا أنفس الأعلاقفتمنيت أن تكوني بعيدًاوالذي بيننا من الود باقرب هجر يكون من خوف هجروفراق يكون خوف فراق وقال:
تجنى عليَّ الذنب والذنبُ ذنبُهوعاتبني ظلمًا وفي شِقه العتبوأعرض لما صار قلبي بكفهفهلا جفاني حين كان لي القلبإذا برم المولى بخدمة عبدهتجنى له ذنبًا وإن لم يكن ذنب سيف الدولة هذا الفنان الناقد الشاعر الملك، هو الذي اتصل به المتنبي.
كان المتنبي بعد خروجه من سجنه لدعواه النبوة، أو لما قيل من دعواه النبوة بائسًا فقيرًا ناقمًا على الزمان وأهله، يشعر بعظمته وعلو نفسه؛ ثم لا يجد لهذه العظمة منفذًا؛ فهو يتردد على من يسميهم الناس عظماء، فيمدحهم فلا يجد عندهم تقديرًا لنفسه ولا لشاعريته، حتى رووا أنه مدح علي بن منصور الحاجب بقصيدته التي مطلعها:
بأبي الشموس الجانحاتاللابسات من الحرير جلاببا فأعطاه عليها دينارًا واحدًا فسميت القصيدة الدينارية.
وقالوا: إن أكثر ما نال على شعره قبل اتصاله بسيف الدولة كان مائة دينار، منحها له الأمير أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج بالرملة.
فكان اتصاله بسيف الدولة صفحة جديدة في أدبه، وصفحة جديدة في رخاء عيشه.
كان أبو الطيب يتنقل في ربوع الشام مادحًا من يخاله كريمًا محسنًا، حتى نزل على أبي العشائر، عم سيف الدولة، وعامل أنطاكية، ومدحه بقصائد كثيرة، يقول فيها:
شاعر المجد خدنه شاعر اللفــظ كلانا رب المعاني الدقاقلم تزل تسمع المديح ولكــن صهيل الجياد غير النهاق وسار مع أبي العشائر سيرة مصغرة للسيرة التي سارها بعد مع سيف الدولة.
ففي شهر جمادى الآخرة من سنة ???هـ زار سيف الدولة أنطاكية، وكان بها أبو الطيب، وكان قد سمع سيف الدولة به وبشعره، ورأى أن يُزين به بلاطه، فقدمه إليه أبو العشائر، وعرض عليه أن يكون شاعره.
كان غير أبي الطيب من الشعراء لو عُرض عليه مثل هذا العرض يطير فرحًا، ويرى أن ذلك أمنية الأماني وسعادة الدهر، ولكن أبا الطيب تردد طويلًا، وأداه تردده أن يشترط، لم يشترط مالًا يُعطاه، ولا جائزة ينالها، وهو لهذا ضامن، ولكنه اشترط ألا يُعامل معاملة سائر الشعراء؛ لأنه ليس شاعرًا فحسب، بل شاعرًا وعظيمًا، وقد سمع أن الشعراء يذلون لسيف الدولة ذلة لا يرضاها لنفسه؛ سمع أنهم يُقبلون الأرض بين يديه، وأنهم ينشدون شعرهم وهم وقوف أمامه؛ فاشترط ألا يكون شيء من ذلك، إنما يكون «ملك الشعراء يمدح ملك الناس»؛ فإذا كان سيف الدولة راكبًا مدحه المتنبي وهو راكب، وإذا كان جالسًا مدحه وهو جالس، ثم لا يظهر بمظهر الخضوع من تقبيل الأرض ونحوه.
وعرف سيف الدولة منزلته وشهرته، وأنه سيكون صوتًا مدويًا في العالم العربي يشيد بذكره فقبل شروطه.
لبث المتنبي مع سيف الدولة نحو عشر سنين من سنة ??? إلى سنة ??? أغلبها في حلب، وقال فيها نحو ثلث شعره كمًّا، وأجود شعره كيفًا.
لم يَجُدْ شعر المتنبي في زمن جودته أيام سيف الدولة لأسباب: أهمها أن المتنبي لم يجد ما يُغذي نفسه وعواطفه في نواحيها المختلفة كما وجدها في هذه الأيام، فالمتنبي عربي يعتز كل الاعتزاز بعربيته؛ فكان يحتقر كافورًا لأعجميته، ويسب ابن خالويه لأعجميته، ويقول في أبياته:
تُهاب سيوف الهند وهي حدائدفكيف إذا كانت نزارية عُرْبا وجرى ذكر ما بين العرب والأكراد من الفضل، فسأل سيف الدولة المتنبي ما تقول؟ فقال:
إن كنت عن خير الأنام سائلافخيرهم أكثرهم فضائلامن كنت منهم يا همام وائلاالطاعنين في الوغى أوائلاوالعاذلين في الندى العواذلاقد فضلوا بفضلك القبائلا فكان — لهذا — إذا مدح كافورًا وغيره لم يُخلص ولم يواته طبعه، وإذا مدح سيف الدولة مدح عربيًّا لا يرى غضاضة في مدحه، وانثالت عليه المعاني العربية انثيالًا.
وكان المتنبي وسيف الدولة لِدَيْن، شاء الله أن يولدا في سنة واحدة سنة ???، واصطحبا وسنهما أعز أيام الشباب، فقضيا معا من سن ?? إلى ??، والعواطف تتمازج وتتحاب؛ إذا تقاربت في السن واتفقت في الشباب.
وسيف الدولة فارس والمتنبي فارس، كلاهما يعشق الخيل والضرب والطعان، فإن خرج سيف الدولة فارسًا خرج المتنبي فارسًا، وقد صحبه في عدة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة قالوا: إنه لم ينج منها إلا سيف الدولة وستة نفر من صحبه أحدهم المتنبي، فإذا شعر المتنبي في الغزوات والقتال والشجاعة والحرب فإنما يستمد ذلك من نفسه، ومن شعوره، لا من ألفاظ حشاها في رأسه يُنظمها ولا تتصل بقلبه.
ثم ما أغدق عليه سيف الدولة من مال لم يحلم به ولم تره عينه من قبل؛ وكان المتنبي محبًّا للمال حبًّا لا يتناسب وطلبه للمجد وعلو همته، وقد علله هو بأن ذلك يرجع إلى أيام صباه يوم كان لا يجد قوت يومه، فعلمه ذلك قيمة المال والشهوة إليه والحرص عليه، ويُعبر عما في نفسه من ذلك فيقول:
فلا ينحلل في المجد مالك كلهفينحل مجد كان بالمال عقدهودبِّرْهُ تدبير الذي المجد كفهإذا حارب الأعداء والمال زندهفلا مجد في الدنيا لمن قل مالهولا مال في الدنيا لمن قل مجده فغذاه سيف الدولة من هذه الناحية حتى أتخمه، وكان في سيف الدولة الأريحية العربية والكرم العربي فتقابلت هذه الصفة مع شره المتنبي وطمعه، فكان يعطيه في كل سنة نحو ثلاثة آلاف دينار، غير الهدايا من أفراس وجوارٍ وسيوف، وأقطعة مرة إقطاعًا بناحية معرة النعمان كان يخرج إليها المتنبي أحيانًا، فزاد العطاء في فصاحة المتنبي وحمله على العمق في استخراج المعاني، واللُّهى تفتح اللُّها.
وفوق هذا وذاك فقد كان كل الوسط الذي حول المتنبي أيام سيف الدولة يتطلب منه الإجادة، فلقد كان حوله شعراء عديدون نابهون كأبي فراس والنامي والببغاء وابن نُباتة وغيرهم، ونقاد ونحاة ولغويون، والملك على رأسهم يشعر وينقد ويقدر، ويأتي من أعمال الفروسية والبطولة ما يُنطق العيي.
فكيف بعد ذلك كله لا يكون عصر المتنبي مع سيف الدولة خير عصوره وأحسنها إنتاجًا، وقد سُئل هو نفسه في ذلك: لم تراجع شعره بعد مفارقة آل حمدان، فقال: قد تجوزت في قولي وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة، منذ فارقت آل حمدان، وفيهم من يقول: (تسائلني من أنت وهي عليمة) يعني أبا فراس، وفيهم من يقول:
وقد علمَتْ بما لاقته مناقبائل يعرب وبني نزارلقيناهم بأرماحٍ طوالٍنبشرهم بأعمارٍ قصار يعني أبا زهير بن مهلهل الحمداني.
وفيهم من يقول:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفيوالخيل من تحت الفوارس تنحطلقرأت منها ما تخط يد الوغىوالبيض تشكل والأسنة تنقط يعني أبا العشائر. ا.هـ.
وهكذا اجتمعت كل هذه الأسباب على إحسان المتنبي في هذه الفترة كل الإحسان، وإن كان ذلك الخوف من الناقدين، والعمق في إعمال الفكر، أخرجه أحيانًا إلى ما يُسميه النقاد بالخيال الواهم، ويعنون به الإبعاد في الخيال إلى حد الوهم.

الفصل الرابع عشر
المتنبي وسيف الدولة (?)


اتصل المتنبي بسيف الدولة وأصبح شاعر بلاطه الأول، فأخذ يُسجل أحداثه الحربية والمدنية تسجيلًا أدبيًّا، فإن سجل المؤرخون الحقائق صرفة فالمتنبي يُسجلها ممزوجة بعواطفه ومشاعره.
قد كانت هذه الفترة فترة غزوات متوالية من سيف الدولة للروم وللخارجين عليه من أقاربه وغيرهم، فأخذ المتنبي يقول قصيدة لكل موقعة، فقد ظفر بحصن بروزويه سنة ??? فقال المتنبي قصيدته:
وفاؤكما كالرَّبْع أشجاه طاسمهبأن تُسْعِدَا والدمع أشفاهُ ساجمُه وحارب سيف الدولة القرامطة هذا العام، واستنقذ منهم عمه أبا وائل، فقال المتنبي قصيدته:
إلام طماعيةُ العاذلِولا رأي في الحب للعاقلِ وخرج هذا العام أيضًا لنصرة أخيه ناصر الدولة على معز الدولة الديلمي، فاضطر معز الدولة إلى الصلح، فقال المتنبي قصيدته:
أعلى الممالك ما يُبنَى على الأسلوالطعن عند محبيهن كالقُبَلِ واستعد لغزو الروم سنة ??? وأعد جيشه، فقال المتنبي قصيدته:
لهذا اليوم بعد غدٍ أريجُونارٌ في العدو لها أجيجُ فلما انهزم سيف الدولة في هذه الوقعة قال قصيدته:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدعإن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا وقال: إن سبب الهزيمة ما لحق بسيف الدولة من الضعفاء والجبناء، وإن كل غزوة بعد هذه الغزوة فلسيف الدولة النصرة؛ لأن جنوده قد نقيت من الأنذال، ولم يبق فيهم إلا الأبطال.
وبنى سيف الدولة مرعش سنة ???، فقال المتنبي قصيدته:
فديناك من ربع وإن زدتنا كربافإنك كنت الشمس للشرق والغربا وجاء رسول ملك الروم إلى سيف الدولة يلتمس الفداء سنة ???، فقال المتنبي:
لقيت العفاةَ بآمالهاوزرت العداة بآجالها وبنى سيف الدولة ثغر الحدث سنة ???، فقال فيه المتنبي القصيدة المشهورة:
على قدر أهل العزم تأتي العزائموتأتي على قدر الكرام المكارم وهكذا كان كل عمل حربي يأتيه سيف الدولة يسجله المتنبي ويفلسفه ويؤدبه، ويخرجه قصيدة رائعة.
وكذلك كان يُسجل أحداث سيف الدولة المدنية، فتموت أم سيف الدولة فيرثيها بقوله:
نعد المشرفية والعواليوتقتلنا المنون بلا قتال ويموت ابن سيف الدولة فيرثيه بقصيدة:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرملوهذا الذي يضني كذاك الذي يُبلي ويموت غلام سيف الدولة «يماك» فيرثيه بقصيدته:
لا يُحْزِن الله الأمير فإننيلآخذ من حالاته بنصيب وتموت أخت سيف الدولة فيرثيها بقصيدته:
إن يكن صبر ذي الرزيئة فضلًاتكن الأفضل الأعز الأجلا ويمرض سيف الدولة فيقول المتنبي:
إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرضومن فوقها والبأس والكرم المحض ويخرج لسيف الدولة دُمَّل فيقول المتنبي:
أيدري ما أرابك من يُريبوهل ترقى إلى الفلك الخطوب ويشفى سيف الدولة فيقول المتنبي:
المجد عوفي؛ إذ عُوفيتَ والكرموزال عنك إلى أعدائك الألم ويأتي عيد الفطر فيهنئه، وعيد الأضحى فيهنئه.
وبذلك أصبح شعر المتنبي في هذه الفترة سجلًّا لكل أعمال سيف الدولة وأحداثه كبيرها وصغيرها، سلمها وحربها، أحزانها وأفراحها، جدها وهزلها.
والمتتبع للديوان يرى أن شعر المتنبي في وصف حروب سيف الدولة، وشعره في الحزن؛ أرقى من شعره في المديح وشعر السرور، وسبب ذلك — على ما يظهر – أن نوع الشعر الذي يشتد اتصاله بنفس المتنبي، يجود ويغزر، وقد كان المتنبي فارسًا تعجبه الفروسية والبطولة، فإذا قال في ذلك يستخرجه من أعماق قلبه، وكانت نفسه حزينة؛ لأنه لم ينل المجد الذي يصبو إليه، فيحزن حزنًا عميقًا على الميت، وهو في حقيقة الأمر يحزن على ليلاه، أما السرور وأما المديح في غير البطولة فصياغته لا تلمس إلا السطح الظاهري من قلبه.
وكما سجل المتنبي أحداث سيف الدولة، سجل نفسه في مشاعرها المختلفة، وانقباضها وانبساطها، وأمنها واضطرابها، وكان المتنبي حاد الذكاء، حاد المزاج، صريحًا، لا يستطيع أن يخفي ما في نفسه، وقد توالت عليه أوقات شدة ورخاء، وتتابعت عليه ساعات أمنٍ وساعات قلق، وكان مضطربًا بين الرضا والغضب، والبؤس والنعيم، ومما زاد الأمر صعوبة أن سيف الدولة من جنسه، سريع الرضا، سريع الغضب، سمح إلى آخر حدود السماحة، منتقم إلى آخر حدود الانتقام، ينفعل أحيانًا لقصيدة واحدة للمتنبي انفعالات متعاكسة، فيعجبه البيت في مدحه فيُطرب له أشد الطرب، ويفخر المتنبي عليه بنفسه فيهيج أشد الهياج؛ وطبعان على نمط واحد بهذا الشكل لا يمكن أن يسودهما الصفاء التام ولا الجفاء التام، فإذا ساد الصفاء فسرعان ما يعتكر، وإذا اعتكر فسرعان ما يصفو، وهكذا كان حالهما دائمًا، فنرى سيف الدولة يُعطي المتنبي الألوف في لحظة، ويرضى عن قتله في لحظة، ونرى المتنبي له عينان، عين في المجد وعين في المال، يأخذ المال فيرضى، وينظر للمجد فيثور، والمجد في نظره أن يسود هو، ولا يكون مسودًا لأحد، حتى ولو كان سيف الدولة.
وبجانب ذلك كان بلاط سيف الدولة مسرحًا تُمثَّل فيه دسائس كثيرة للمتنبي؛ فقد كان فيه شعراء كثيرون، كانوا شعراء سيف الدولة قبل المتنبي وأيامه، وكانوا ذوي حظوة كبرى عند سيف الدولة، فكسفهم المتنبي، وعلاهم بنفسه وبشعره؛ فكان من الطبيعي أن يحقدوا عليه ويدسوا له، وغير الشعراء من الأدباء والعلماء كذلك، يرون المتنبي يأخذ أكثر مما يأخذون، وينال القرب من سيف الدولة أكثر مما ينالون، فكيف لا يغضبون؟
وربما كان من أشد هؤلاء عداوة له أبو العباس النامي الشاعر وأبو فراس وابن خالويه النحوي اللغوي.
كان سيف الدولة يميل إلى النامي قبل المتنبي، فلما جاء المتنبي مال عنه، فغاظ ذلك النامي، وخلا يومًا بسيف الدولة وعاتبه وقال له: لِمَ تفضل عليَّ ابن عبدان السقا؟ (يعني المتنبي) فأمسك سيف الدولة عن الجواب، فلما ألح قال سيف الدولة: لأنك لا تحسن أن تقول كقوله:
يعود من كل فتحٍ غير مفتخروقد أَغَذَّ إليه غير محتفلِ فنهض مغضبًا، واعتزم ألا يمدحه أبدًا!
وأبو فراس يقول لسيف الدولة: «إن هذا المتشدق كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار على ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرًا يأتون بما هو خير من شعره.».
ويأخذ دائمًا المسالك على المتنبي، فإذا قال بيتًا جميلًا، قال أبو فراس: إنك سرقته من قول بشار، أو من قول دعبل.
ويتجادل المتنبي وابن خالويه في مسألة لغوية، فيغضب ابن خالويه (وهو أستاذ سيف الدولة) فيخرج من كمه مفتاحًا حديدًا ليلكم به المتنبي.
وهكذا كان بلاط سيف الدولة حربًا علنية وخفية على المتنبي، ولم يخلص للمتنبي من حول سيف الدولة من الشعراء إلا أبو الفرج الببغاء، فقد كان المتنبي يأنس به ويبثه شكواه من سيف الدولة وممن حوله، ويأتمنه على سره؛ وقد ساعدت طباع أبي الطيب على نجاح هذه الدسائس، فهو يتعاظم فيغضب الشعراء، بل ويتعاظم فيغضب الأمير، وهو دائم الإعلان عن نفسه والفخر بها؛ ويجفو سيف الدولة فيجفو المتنبي، ويتكلم سيف الدولة فيجيبه المتنبي، وتأتي المناسبات ليقول الشعراء وينتظر سيف الدولة من المتنبي أن يقول فلا يقول، والمتنبي حائر النفس بين المجد والمال، يجفو مجدًا، فلا يمعن في الجفاء مالًا، ويصد لأنفته، ويخضع لطمعه، وهي حال تربك النفس وتعقد الحياة.
هذا كله قد سجله المتنبي أيضًا في شعره في سيف الدولة، فمن السنة الثانية لاتصاله بسيف الدولة يذكر الحسد ويذم الناس ويقول:
فأبلغ حاسدي عليك أنيكبا برق يحاول بي لحاقاوهل تغني الرسائل في عدوٍّإذا ما لم يكن ظبي رقاقاإذا ما الناس جربهم لبيبفإني قد أكلتهم وذاقافلم أر ودهم إلا خداعًاولم أر دينهم إلا نفاقا ويتمنى لو تعطِي الملوك على أقدار الناس، فلم يكن ينال الخسيس شيئًا:
ليت الملوك على الأقدار معطيةفلم يكن لدنيء عندها طمعُ ولعل أوضح ما يدل على هذه الحال قصيدته التي مطلعها:
وا حر قلباه ممن قلبه شبمومن بجسمي وحالي عنده سقم فهي تصور هياج نفسه أشد هياج، فهو لا يعبأ بسيف الدولة إلا مداراة، ولا يعبأ بمن حوله من الناس ومن الشعراء، ويمدح سيف الدولة ليمدح نفسه، ويعرض بأبي فراس وغيره من الشعراء:
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكمأعيذها نظراتٍ منك صادقةأن تحسب الشحم فيمن شحمه ورموما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظلمسيعلم الجمع ممن ضم مجلسنابأنني خير من تسعى به قدمأنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم •••

الخيل والليل والبيداء تعرفنيوالسيف والرمح والقرطاس والقلم •••

ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍلو أن أمركم من أمرنا أمم •••

كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكمويكره الله ما تأتون والكرمما أبعد العيب والنقصان من شرفيأنا الثريا وذان الشيب والهرم ثم يهدد بالرحيل:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدرواألا تفارقهم فالراحلون همشر البلاد مكان لا صديق بهوشر ما يكسب الإنسان ما يَصم ثم يطعن الشعراء حوله فيقول:
بأي لفظ تقول الشعر زعنفةتجوز عندك لا عرب ولا عجمهذا عتابك إلا أنه مِقةقد ضمن الدر إلا أنه كلم قصيدة — من غير شك — من أقوى شعر المتنبي، سكب فيها نفسه، ولم يعبأ بمقام أحد، وكانت كافية؛ لأن يطرده سيف الدولة شر طردة، ولكن — كما قد قلت قبلُ — إن سيف الدولة من جنس المتنبي، فلئن كانت القصيدة أغضبته أشد الغضب فقد جاء فيها:
إن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرحٍ إذا أرضاكم ألمُ وهذا أطرب سيف الدولة أيما طرب.
وانتهت المعركة بأن أعطى سيف الدولة المتنبي ألفًا وألفًا، فقال المتنبي:
جاءت دنانيرك مختومةعاجلة ألفًا على ألفأشبهها فعلك في فيلققلبته صفًّا على صف ولكن إن انتهت هذه الحادثة فلا بد أن يعقبها حوادث مثلها ما دام سيف الدولة والمتنبي على ما هما والبلاط على ما هو.
وظل المتنبي يتعاظم في شعره، ويعرِّض بغيره من الشعراء، ويقول لسيف الدولة:
إن هذا الشعر في الشعر ملكسار فهو الشمس والدنيا فلكعدل الرحمن فيه بيننافقضى باللفظ لي والحمد لكفإذا صار بأذني حاسدصار ممن كان حيا فهلك وشاء القدر أن يكون آخر شعر في سيف الدولة من هذا القبيل وعلى هذه النغمة وهو:
لا تطلبن كريمًا بعد رؤيتهإن الكرام بأسخاهم يدًا ختمواولا تبال بشعر بعد شاعرهقد أُفسد القول حتى أُحمدَ الصَّمَمُ وظلت السعايات تعمل، فابن خالويه وغيره يلح في الإيقاع بالمتنبي، والمتنبي يمعن في تعاليه حتى فاض الإناء، فمل سيف الدولة كثرة القول في المتنبي، ومل المتنبي كثرة الغضب والعتاب، فتلاقت رغبة المتنبي في الخروج من حلب برغبة سيف الدولة في الراحة مما ينظر ويسمع، فرحل المتنبي إلى مصر، وأُسدل الستار عن فصل من رواية المتنبي، وإن كانت الرواية لم تتم فصولا.
وفي الحق أن الزمان أخطأ فوضع المتنبي في غير موضعه؛ أعطاه نفس ملك ولسان شاعر، ووقفه بدف على أبواب الأمراء يمدحهم، وهو إذ يمدحهم يرى منزلته — حقًّا أو باطلًا — فوق منزلتهم؛ فكان شأنه شأن كثير من الناس لا تتلاءم نفسيتهم ومنصبهم، نفس رئيس ومنصب مرءوس، أو نفس حرب ونضال ومنصب ذلة وهوان؛ وهذان العنصران إذا اجتمعا سببا شقاء صاحبهما؛ لذلك كانت نفس المتنبي ثائرة دائمًا، ومن يدري؟ لعل ما منحنا من شعر جزل جميل كان نتيجة هذا العناء، ولو تلاءم منصبه ونفسه لأخلد إلى الراحة؛ فكم كان الشقاء والبؤس والفقر والاضطهاد والعذاب نعمة على الإنسانية بما أخرجت من شعور نبيل وفن جميل.
وبعدُ؛ فمع هذا كله لم يجد المتنبي عوضًا عن سيف الدولة في علو شأنه وكرمه وعربيته وذوقه وفروسيته؛ وخرج ينشد الملك في مصر وغير مصر فلم ينل ملكًا ولم يجد ممدوحًا ينطقه بالمعاني كما أنطقه سيف الدولة، وعرَّض في أول أمره بمصر بسيف الدولة، ولكنه أدرك الحقيقة المرة بعدُ، فتاب وأناب وندم على ما كان، وحن إلى سيف الدولة وحن سيف الدولة إليه، فيقول من قصيدة في غير ديوانه:
عثرت بسيري نحو مصرٍ فلالعًابها ولعًا بالسير عنها ولا عثراوفارقت خير الناس قاصد شرهموأكرمهم طُرًّا لألأمهم طرافعاقبني المخصي بالغدر جازيًالأن رحيلي كان عن حلب غدرًاوما كنت إلا قائل الرأي لم أُعَنْبحزم ولا استصحبت في وجهتي حجرا لقد كان المتنبي حين فارق سيف الدولة يعتقد أنه غدر به فيقول:
حببتك قلبي قبل حبك من نأىوقد كان غدارًا فكن أنت وافيا ولكن مرور الزمان، وتكشف الحوادث وخيبة الأمل في غيره جعلته يرى غير رأيه الأول، وأن المتنبي لا سيف الدول كان هو الغادر؛ إذ يقول: «لأن رحيلي كان عن حلب غدرًا».
وحن سيف الدولة إلى المتنبي، فبعث إليه ابنه من حلب إلى الكوفة، بعد أن خرج من مصر، وبعث إليه مع ابنه هدية، فكتب إليه المتنبي قصيدته التي يقول فيها:
ليس إلَّاكَ يا عليُّ همامٌسيفه دون عرضه مسلول •••

أنت طول الحياة للروم غازٍفمتى الوعد أن يكون القفول •••

ما الذي عنده تدار المناياكالذي عنده تدار الشمول •••

من عبيدي إن عشت لي ألفُ كافورٍ ولي من نداك ريفٌ ونيلما أبالي إذا اتقتك اللياليمن دهته حبولها والخبول ثم بعث إليه سيف الدولة كتابًا بخطه يسأله المسير إليه فاعتذر بالوشايات،
وما عاقني غير خوف الوشاةوإن الوشايات طرق الكذب كان ذلك في سنة ???، ولم تطل مدة المتنبي بعدُ، فقد قُتِلَ في السنة التي تليها، وهي سنة ???، كلاهما يحمل نفسًا حبيبًا إلى صاحبه.

الفصل الخامس عشر
فلسفة القوة في شعر المتنبي


يخطئ من يظن أن أبا الطيب عمد إلى ما أثر من الحكم عن أفلاطون وأرسطو وأبيقور وأمثالهم من فلاسفة اليونان فأخذها ونظمها، ولم يكن له في ذلك إلا أن حول النثر شعرًا، كما رأى ذلك من تتبعوا سرقات المتنبي وأفرطوا في اتهامه، فأخذوا يبحثون في كل حكمة نطق بها ويردونها إلى قائلها من هؤلاء الفلاسفة، فلسنا نرى هذا الرأي، فإن كان قد وصل إلى أبي الطيب قليل من حكم اليونان فإن أكثر حكمه منبعها نفسه وتجاربه وإلهامه، لا الفلسفة اليونانية وحكمها؛ ذلك لأن الحكم ليست وقفًا على الفلاسفة ولا على من تبحروا في العلوم والمعارف، إنما هي قدر مشاع بين الناس يستطيعها العامة كما يستطيعها الخاصة، ونحن نرى فيما بيننا أن بعض العامة ومن لم يأخذوا بحظ من علم قد يستطيعون من ضرب الأمثال والنطق بالحكم الصائبة ما لا يستطيعه الفيلسوف والعالم المتبحر، وهذا الذي بين أيدينا من أمثال إنما هو من نتاج عامة الشعب أكثر مما هو من نتاج الفلاسفة، وكلنا رأى بعض عجائز النساء ممن لم تقرأ في كتاب أو تخط بيمينها حرفًا تنطق بالحكمة تلو الحكمة، فيقف أمامها الفيلسوف حائرًا دهشًا يعجز عن مثلها ويحار في تفسيرها، ومرجع ذلك إلى ينبوعين وهما التجربة والإلهام، فإذا اجتمعا في امرئ تفجرت منه الحكمة ولو لم يتعلم ويتفلسف، فكيف إذا اجتمعا لامرئ كأبي الطيب ملئ قلبه شعورًا وملئت حياته تجارب، وكان أمير البيان وملك الفصاحة؟ فنحن إذا التمسنا له مثالًا في حكمه فلسنا نجده في أفلاطون وأرسطو وأبيقور، وإنما نجده في زهير بن أبي سُلمى وقد نطق في الجاهلية بالحكم الرائعة مما دلته عليه تجاربه وأوحى إليها إلهامه، كما نجده في شعر أبي العتاهية وقد ملأ عالمه حكمًا وأمثالًا خالدة على الدهر، وكل ما بين أبي الطيب وهؤلاء الحكماء من فروق يرجع إلى أشياء: المحيط الذي يحيط بكل شاعر، وقدرة نفس الشاعر على تشرب محيطه، والقدرة البيانية على أداء مشاعره، لقد ألِمَ زهير من الحرب ورأى ويلاتها فشعر فيها ونطق بالحكم الرائعة يصف شرورها ومصائبها، وفشل أبو العتاهية في الحياة فزهد وملك الزهد عليه نفسه فملأ به ديوانه، وكان لأبى الطيب موقف غير هذين فاختلفت حكمه عنهما وإن نبعت من منبعهما.
ودليلنا على ذلك أن أبا الطيب — فيما نعلم — لم يثقف ثقافة فلسفية إنما تثقف ثقافة عربية خالصة، قرأ بعض دواوين الشعراء ولقي كثيرًا من علماء الأدب واللغة كالزجاج وابن السراج والأخفش وابن دريد، وكل هؤلاء لا شأن لهم بالفلسفة ومناحيها.
وما لنا ولهذا كله، فإننا لو رجعنا إلى حكمه لوجدناها منطبقة تمام الانطباق على محيطه ونفسه، ليس فيها أثر من تقليد ولا شية من تصنع، فهو ينظم ما يجول في نفسه وما دلته عليه تجاربه لا ما نقل إليه من حكم غيره إلا في القليل النادر.
ونحن إذا أردنا أن نجمل نفسه ومحيطه قلنا: إنه بدأ حياته حياة فتوة وفروسية، تعرفه الخيل والليل والبيداء، ويُحب الحرب والنزال، ويشتهي الطعن والقتال، قيل له وهو في المكتب: ما أحسن وفرتك؟ فقال:
لا تحسن الوفرة حتى تُرَىمنشورة الضفرين يوم القتالعلى فتى معتقل صعدةيعلها من كل وافي السبال? كما نشأ طموحًا إلى أقصى حد في الطموح، يعتد بنفسه كل الاعتداد، ولا يرى له في الوجود ندًّا ولا مثيلًا، قال في صباه:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنهفما أحد فوقي ولا أحد مثلي يقول: إن قومه من خير العرب بيتًا، ومع هذا يجب أن يعتز قومه به لا أن يعتز هو بقومه وبيته:
لا بقومي شُرفت بل شُرفوا بيوبنفسي فخرت لا بجدوديوبهم فخر كل من نطق الضاد وعوذ الجاني وغوث الطريد إلى جانب هذا الاعتزاز بالنفس استصغار للناس ونفوسهم وشئونهم:
ودهر ناسه ناس صغاروإن كانت لهم جثث ضخاموما أنا منهم بالعيش فيهمولكن معدن الذهب الرغام امتلأت نفسه بهذه العقيدة حتى في صباه، فوضع لنفسه هذا المنطق الساذج البسيط: «إذا كنت خير الناس فلم لا أكون نبيهم أو على الأقل ملكهم» فبدأ ينفذ برنامجه في سهولة ويسر ظانًّا — وهو فتى غرير — أن الدنيا تحكم بمثل هذا المنطق البسيط، ولم يعلم بعدُ أن منطق الدنيا أعقد من منطقه، نعم إنه سيلاقي في هذا شدادًا وصعابًا، ولكن لا بأس فهو مسلح بكل ما يحتاج إليه ذلك من سلاح:
أي محلٍ أرتقي؟أي عظيم أتقي؟وكل ما خلق اللهوما لم يخلقمحتقر في همتيكشعرةٍ في مفرقي ولكن حوادث الدهر علمته شيئًا فشيئًا أن الزمان أكبر من همته، وأنه لا يكفي أن يكون خير الناس في زعمه ليكون نبي الناس أو ملك الناس، ومن أجل هذا تدرجت مطامحه وأخذت في النقصان؛ فقد بدأ يطلب النبوة، فلما فشل فيها بدأ يطلب الملك، فلما فشل فيه بدأ يطلب ولاية أو إقليمًا في مصر ففشل في ذلك أيضًا، فأخذ يعتب على الزمان ويذمه ويلعنه.
بدأ النبوة فقال:
ما مقامي بأرض نخلة إلاكمقام «المسيح» بين اليهودأنا ترب الندى ورب القوافيوسمام العدى وغيظ الحسودأنا في أمة تداركها اللهغريب «كصالح» في ثمود ثم صدمه الزمان بالأسر والحبس فعدل عن النبوة إلى طلب الملك، فأخذ في شعره يحقر ملوك زمانه ويقيسهم بنفسه فلا يرى لهم فضلًا عليه، وله عليهم كل الفضل، ويضع خطة أن العرب يجب أن يحكمها العرب لا العجم فيقول:
وإنما الناس بالملوك وماتفلح عرب ملوكها عجم ويقول:
سادات كل أناس من نفوسهموسادة المسلمين الأعبد القزم إذن يجب أن يكون الملوك من العرب، وإذن فليكن هو ملكًا، وقد طوف بالبلاد يتلمس السبيل لتحقيق مأربه ونيل مطلبه، ويقول في ذلك تلميحًا لا تصريحًا:
يقولون لي ما أنت في كل بلدةوما تبتغي؟ ما أبتغى جل أن يُسْمَىإذا قل عزمي عن مدى خوف بعدهفأبعد شيءٍ ممكن لم يجد عزماوإني لمن قوم كأن نفوسهمبها أنف أن تسكن اللحم والعظما وقد حلم أن سيكون له جيش كبير يقوده بنفسه فيجوب البلاد ويفتح الأمصار ويخلع الملوك ويستولي على عروشهم فيقول:
سيصحب النصل مني مثل مضربهوينجلي خبري من صمة الصمم?لقد تصبرت حتى لات مصطبرٍفالآن أقحم حتى لات مقتحملأتركن وجوه الخيل ساهمةًوالحرب أقوم من ساق على قدموالطعن يحرقها والزجر يقلقهحتى كأن بها ضربًا من اللمم? •••

ردي حياض الردى يا نفس واتركيحياض خوض الردى للشاء والنعمإن لم أذرك على الأرماح سائلةًفلا دعيت ابن أم المجد والكرمأيملك الملك — والأسياف ظامئةوالطير جائعة — لحم على وضم؟من لو رآني ماء مات من ظمأولو عرضت له في النوم لم ينمميعاد كل رقيق الشفرتين غدًاومن عصى من ملوك العرب والعجم?فإن أجابوا فما قصدي بها لهموإن تولوا فما أرضى لها بِهِمِ? ثم رأى أن الزمان لا يسعفه إلى ما طلب ولا يعينه على ما أمل، فرحل إلى مصر وطلب من كافور أن ينيله ولاية فأغدق عليه ذهبًا فقال:
وما رغبتي في عسجدٍ أستفيدهولكنها في مفخر أستجده وقال:
فارم بي ما أردت مني فإنيأسد القلب آدمي الرواءوفؤادي من الملوك وإن كان لساني يرى من الشعراء ثم صرح بعد الكناية فقال:
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولايةفجودك يكسوني وشغلك يسلب حتى ولا هذه استطاع أن ينالها، وصدمته الحقيقة فاعترف بأنه «يود من الأيام ما لا توده»، وقد كان في صباه يقول:
ولو برز الزمان إليَّ شخصًالخضب شعر مفرقه حساميوما بلغت مشيئتها اللياليولا سارت وفي يدها زماميإذا امتلأت عيون الخيل منيفويل في التيقظ والمنام عذبته الدنيا فجعلت نفسه نفس ملك، وهمته همة ملك، وشعره ملك الشعر أو على الأقل فيما يعتقد هو، ثم جعلته فقيرًا لا يملك من الدنيا شيئًا، ولا يرث من آبائه مالًا ولا ملكًا ولا جاهًا، وكان يأمل في صباه أن تتحقق نبوته، فالنبوة لا تحتاج إلى مال، فلما يئس طلب الملك، والملك يحتاج إلى مال، فطلبه بشعره ولكن لم تذل نفسه كما ذلت الشعراء، فكان يرى أنه يُعطي لممدوحيه أكثر مما يأخذ منهم، فهو يمنحهم شعرًا خالدًا وهم يمنحونه عرضًا زائلًا، وكان يتجلى ذلك في عتابه أو هجائه يوم يعتب على ممدوحه أو يهجوه.
فتبًا لهذا الزمان الذي وضعه هذا الوضع، منحه طموح الملوك ولم يجعله ملكًا، وحرمه المال ولم يحرمه النفس، فلم يوائم بين نفسه وحاله يرى أن الناس لو عقلوا لثاروا ولم يرضوا على ما هم فيه من بؤس وشقاء ولملكوا عليهم خيارهم — ولعله يعني نفسه — ولكنهم خاضعون مستسلمون يقيمون على الذل ولا يأنفون من عار.
أما في هذه الدنيا كريمتزول به عن القلب الهمومأما في هذه الدنيا مكانيسر بأهله الجار المقيمتشابهت البهائم والعِبِدَّىعلينا، والموالي والصميموما أدرى أذا داءٌ حديثأصاب الناس، أم داء قديم؟ اعتداد بالنفس لا حد له، وطموح ليس بعده طوح، ونقمة على الزمان؛ لأنه لم يسعفه، ونقمة على الناس؛ لأنهم لم يحققوا أمله — هذا كله روح فلسفة المتنبي — وكل ما قاله من حكم وكل ما شرحه من حالة نفسية فهو صدى لهذا الوضع، وترجمة لهذه الأحداث، وتعبير عن شعوره بها.
أوضح ما تنتجه هذه الحال في نفس كنفس المتنبي «فلسفة القوة» وكذلك كان، فالمتنبي قوي في الحملة على الناس وعلى الزمان، تتجلى القوة في كل أقواله وفي جميع حالاته، وهذه القوة أكثر ما تكون في سنيه الأولى أيام كان يتنقل في البلاد ويدبر خطته ليحقق أمله، وقد ظل على هذه الحال إلى أن بلغ الرابعة والثلاثين؛ ثم ضعفت بعض الشيء يوم اتصل بسيف الدولة يتبعه حيثما كان ويمدحه في الحل والترحال، وأثر في نفسه فشله عنده فرحل إلى مصر وبها كافور، وشتان بين سيف الدولة في عربيته وفروسيته وكافور في عجمته وعبوديته، ولكنه الزمان الغادر رماه بأقسى ما لديه حتى جعله مادحًا كافورًا، فهو في مدحه يغالب نفسه ويلعب في كثير من المواقف بالألفاظ ليصوغ مدحًا يشبه الذم، فإذا تحرر من ذلك وأخذ في هجائه عادت إليه قوته وكأنه استرد حريته، فهو قوي في نفسه لا يهاب الدهر ولا يكترث لأحداثه:
إن ترمني نكبات الدهر عن كثبٍترم امرءًا غير رعديدٍ ولا نكسِ وهو قوي في احتقاره اللذات الوضيعة وطموحه إلى أعلى غايات المجد:
وإذا كانت النفوس كبارًاتعبت في مرادها الأجسام يأبى أن يُضعف نفسه بالغزل والخمر فإنهما يحولان دون المجد:
تمرست بالآفات حتى تركتهاتقول: أمات الموت أم ذُعِرَ الذعر؟ذر النفس تأخذ وسعها قبل بَيْنهافمفترق جاران دارهما العمرولا تحسبن المجد زِقًّا وقينةًفما المجد إلا السيف والفتكة البكروتركك في الدنيا دويًّا كأنماتداول سمع المرء أنمله العشر وهو قوي في هجائه، فهو إذا رمى أصمى، وإذا مس أدمى، يطوِّق من يناله الذم، ويقلده الخزي ويُلزمه عارًا لا تمحوه الأيام.
وهو قوي في دعوته للناس أن يثوروا ويؤسسوا مملكتهم على حد السيف:
أعلى الممالك ما يُبنَى على الأسلوالطعن عند محبيهن كالقُبَلوما تقر سيوف في ممالكهاحتى تقلقل دهرًا قبلُ في القُلَل? وهو قوي في احتقار الناس؛ إذ لم تعل همتهم كهمته، ولم يرتفعوا عن السفاسف رفعته:
إذا ما الناس جربهم لبيبفإني قد أكلتهم وذاقافلم أر ودهم إلا خداعًاولم أر دينهم إلا نفاقا كل شيء في سبيل المجد لذيذ محبب إليه؛ فالقتل والموت والعذاب وقطع الفيافي عذب المذاق:
فموتي في الوغى عيش؛ لأنيرأيت العيش في أرب النفوس •••

سبحان خالق نفسي كيف لذتهافيما النفوس تراه غاية الألم •••

وهان فما أبالي بالرزايالأني ما انتفعت بأن أبالي وأخيرًا ترى القوة تشيع في جوانب أساليبه وقوافيه، فإذا اشترك المتنبي وغيره من الشعراء في معنى من المعاني رأيت أبيات المتنبي غالبًا أرصن أسلوبًا وأجزل لفظًا وأقوى قافية وأمتن تركيبًا؛ لأنه يسبغ عليها من قوته ويزيد في شدتها من شدته وحدته؛ حتى لقد يقول المألوف والفكر الشائع الذي توارد عليه الشعراء في كل العصور فيخلع عليه بعض نفسه، ولونًا من حسه، فكأنما هو جديد وكأنه لم يُسبق إليه.
لعل موضع الضعف عنده أنه أنفق حياته في مدح الولاة والأمراء والملوك يصوغ الثناء لهم، وينظم عقود المدح فيهم، ويجهد عقله وخياله في اختراع معاني الكرم والبأس ونسبتها إليهم، ويرحل من بلد إلى بلد طلبًا لعطاياهم، ويقف على أبوابهم انتظارًا لمنحهم، ويتربص الفرص للقول فيهم، فإذا أقبل العيد هنأهم، وإذا مرضوا عوذهم، وإذا انتصروا في حرب شاد بفعالهم، وإذا انهزموا لطف من هزيمتهم، وإذا مات لهم ميت عزاهم، وإذا ولد لهم مولود بادر بتهنئتهم، وذلك ما لا يتفق كثيرًا ونفسه الكبيرة وهمته العالية التي يتحدث عنها؛ لو أنه ترفع عن هذا كله وقنع بأن يتغنى بشعره في وصف شعوره لواءم بين نفسه وشعره، ولكنه — على ما يظهر — لم يشأ عيشة الزهد، وإنما شاء عيشة الرفعة والشهرة بالملك أو بالولاية فرأى أن أن يتصل بالملوك للاستفادة منهم، والاستعانة على تحقيق غرضه بهم وبمنحهم وبإيجاد الصلة بينه وبينهم، ولكنه من حين لآخر يشعر بلذعة في أعماق نفسه من هذا الموقف فيفلسف التهنئة ويقول:
إنما التهنئات للأكفاءولمن يدني من البعداءوأنا منك، لا يُهنِّئ عضوبالمسرات سائر الأعضاء ثم هو لا يتنزل إلى مدح غير العظماء، وإذا أنشد شعره أنشده في علو وكبرياء، فإذا لم يتحقق غرضه أو أحس بتيه ممدوحه عليه ثار ثورة من جرحت عزته ونيل من كبريائه، وكأنما تجلت له الحقيقة وهي صعوبة الجمع بين نفس تمتلئ عزة وشاعر يقف شعره على المديح؛ وهكذا كلما جذبته شئون الحياة إلى الضعة والضعف أبت عليه نفسه، وحولته من ضعف إلى قوة ومن ضعة إلى رفعة:
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنيسيء بي فيه عبدٌ وهو محمود •••

ويلمها خطة ويلم قابلهالمثلها خُلِقَ المهرية القودوعندها لذ طعم الموت شاربهإن المنية عند الذل قِنْدِيد? وبذلك فلسف الحياة كلها فلسفة قوة كما فلسف أبو العتاهية الحياة فلسفة زهد، فويل للضعيف، وويل للجبان، وويل لمن يخاف الحوادث، وويل لمن يهاب الموت:
ولا قضى حاجته طالبفؤاده يخفق من رعبه? الوفرة الشعر المجتمع على الرأس، وكان من عادة العرب نشر ضفائرهم يوم الحرب تهويلًا لها، والصعدة الرمح القصير، واعتقل الرمح حمله، ويعلها يسقيها مرة بعد مرة، والسبال الشوارب أو ما استرسل من مقدم اللحية.? صمة الصمم: أشجع الشجعان.? اللمم: الجنون.? رقيق الشفرتين: السيف حاد الجانين.? أي إن أجابوا دعوتي ونزلوا على حكمي فلست أقصدهم بسيوفي، وإنما أقصد من عصاني، وإن أعرضوا عن طاعتي فلست أقنع بقتلهم وحدهم، بل أقتل كل من رأى رأيهم.? تتقلقل: تتحرك، والقلل: الرءوس مأخوذ من قلة الجبل رأسه.? القنديد: عسل قصب السكر والخمر.
الفصل السادس عشر
تحية العيد


إلى صديقي …
وأحب إليَّ أن أناديك بصديقي من أن أناديك «بأخي» أو «حبيبي»، أو أي لفظ آخر في هذا الباب؛ فالأخ لا وزن له ما لم يكن أخًا صديقًا، والنفس بالصديق آنس منها بالعشيق، وقد أنصف العرب؛ إذ اشتقوه من الصدق، فأي شيء أجمل من الصدق في «الصداقة»؟
كنت أستكثر ما يُروى من أن عبد الحميد الكاتب طُلب ليُقتل — في الثورة العباسية — وكان صديقًا لابن المقفع، ففاجأهما الطلب وهما في بيت واحد، فسأل: أيكما عبد الحميد؟ فقال كل منهما: «أنا» خوفًا من أن ينال صديقه مكروه؛ وخاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى «ابن المقفع»، فقال: إن لي علامات أُعْرَفُ بها ويعرفها مَن بعثكم في طلبي؛ وما زال يقيم الحجج ليدفع الأذى عن صديقه حتى أُخِذَ وقُتل. وكنت أستبعد ما يُروى أن هذيلًا أصابت دمًا في بعض العرب، فأسر أصحاب الدم رجلين من هذيل متصادقين، فقالوا لهما: أيكما أشرف فنقتله بصاحبنا؟ فقال كل واحد منهما: أنا ابن فلان الحسيب النسيب، فاقتلوني دون صاحبي؛ فكلٌّ بذل نفسه للقتل دون صاحبه، فلما عيوا بأمرهما صفحوا عنهما، وقالوا: «هذا التصافي لا تصافي المِحْلب.»?. فلما صادفتك صدقت القصتين، وآمنت أن فقد النفس أهون من فقد الصديق.
إن الحياة فراغ لولا أن تملأها صداقتك، وهي ظلمة حالكة لولا أن تنيرها مودتك.
لسنا صديقين لمنفعة أرجوها منك أو ترجوها مني، وإنما أصادقك؛ لأنك أنت أنت، وما دمت أنت فأنا صديقك.
إن الصداقة ميزتك عن غيرك من كل ما في العالم، فكلما كنت نفسك كنت أقرب إليك وكنت أقرب إلى قلبي.
لقد بحثت نفسي في النفوس حولها، فلما وجدتك عرفتك وعرفت أنك مرآة لها، صورتك صورتها، ومزاجك مزاجها، وطبيعتك طبيعتها؛ فكأني وإياك روح في جسمين، أو حقيقة في شكلين.
صادقتك فاستصغرت متاعي، وهزئت بهمومي، وظهر خير ما في نفسي، ودبت القوة في إرادتي، وشعرت بالحرارة في همتي؛ فماذا كنت أكون لو لم تكن؟
إن حزب أمر فذكرك يحله، أو ضعف العزم فصورتك تقويه، أو أظلم الجو فصداقتك تنيره، أو خيم البؤس فاستحضارك يكشفه.
قد ساء ظني بالناس، وأنكرت المروءة والإخلاص والوفاء، وظننت أنها ألفاظ وضعت لأوهام، واللغة لم تتحرر من أن تضع أسماء للموجود والمعدوم، والجائز والمستحيل، والشيء واللا شيء؛ فلما عرفتك آمنت بك وبالناس وبالألفاظ ودلالتها على معانيها.
ثم كنت غريبًا بين أهلي وولدي، فإذا أنا بك حاضر في غربتي، مؤتنس في وحشتي؛ لأنك في قلبي، وقلبي معي، ما أظن أنه يفارقني ولا بالموت.
لم أصادقك إلا بعد أن عرفتك كما عرفت نفسي؛ فمن عابك سقط من عيني، ومن انتقصك فإنما ينتقص نفسه؛ فأذني صماء إلا عن مديحك، وقلبي لا يتفتح إلا عند الثناء عليك، وصداقتنا كآنية الذهب ليس يمكن كسرها.
تصادق الناس للمنفعة، فلما زالت المنفعة زالت الصداقة، وتصادق الناس لعواطفهم، فكانت الصداقة تشب وتخمد، وتتعرض للهجر والعتاب، والقطيعة والوصال؛ ولكنا تصادقنا بعد أن رفعنا المنفعة فيما بيننا، وتصادقنا بقلبنا وعقلنا، فسمونا عن التقلب وعن العتاب، ولم أشعر بحاجتي في صداقتك إلى تكلف أو مراء أو تقاليد ومواضعات، فكلها إقرار بالضعف، ومحاذرة من الانفصام، وطعن في الوحدة.
قد كنت أنزل قبلك في مسبعة ضَرِيَتْ وحوشها واحتدت أنيابها، فاليوم نزلت بك في جنة نعيم، آمنتني صداقتك من خوف، وطمأنتني من روع، وفتحت لي أبوابًا من اللذة والسعادة يعجز عنها اللفظ، ولا يحدها وصف، حسبي أن أذكرك فأشعر بشفاء للصدر، وبرد من حرقة، وطرد للهم، وأنس من وحشة، ومبعث للرجاء، وتفتح للأمل.
لقد كرهت الرق في كل شيء، كرهت رق الحيوان وحبسه، وكرهت رق الإنسان للإنسان، والرجل للمرأة، والمرأة للرجل؛ وكرهت رق الأمم للأمم، وكرهت استرقاق أصحاب رءوس الأموال للعمال، والملاك للمزارعين، واستعباد المال للإنسان، واستعباد الشهوات للناس؛ فلما وصلت إلى صداقتك رضيت برقي لك عن رضا واختيار؛ لأن في رقي لك رقك لي، وما أجزله من مغنم.
كم شهدت قبلك صداقات، وفي كل صداقة كنت أشعر بلذة ممزوجة بألم، وأمن مشوب بخوف؛ كنت أخاف تحولي أو تحول الصديق، وأخاف أن تتدخل المادة في الصداقة فتفسدها، وأخاف من الصديق يرى منفعته في العداوة فيفتح صدره لها، أو تحمله الغيرة على بيع الصداقة فيبيعها؛ ويزداد شعوري بالخوف والألم كلما رأيت صداقات ما كان يمكن أن تنهار فتنهار، وإخاء كنت أظنه يدوم فلا يدوم؛ ثم صادقتك فلم أشعر بهذا الألم وهذا الخوف، بل شعرت بلذة خالصة وأمن صافٍ؛ لأني وجدت فيك نفسي، فإن لم أشك في نفسي لم أشك فيك، وإن وثقت بقلبي وعقلي وثقت بقلبك وعقلك، ويوم يعرض لصداقتنا عارض بسيط أقضي عليه في لمحة بقلبي أو عقلي، أو تقضي عليه سريعًا بقلبك أو عقلك؛ ثم كيف يعرض العارض ولم نتصادق لمنفعة، ولم نتحاب لشهوة؟ وإنما كنا روحين تعارفا فتآلفا فتوحدا، وصدق أرسطو؛ إذ سئل عن الصديق فقال: «هو أنتَ إلا أنه بالشخص غيرُك».
لم أُصادقك للأخذ والعطاء، فذاك الكرم لا الصداقة، ولم أُصادقك لجلب خير أو دفع ضر، فتلك النجدة لا الألفة، إنما صادقتك لتسكن نفسي إلى نفسك وتأنس نفسي بنفسك؛ فتلك هي الصداقة لا أي شيء آخر، بل لم أصادقك لتسكن إليك نفسي، وإنما سكنت نفسي لصداقتك، وما دامت نفسك نفسك ونفسي نفسي فقد تمت كل عناصر الصداقة بيني وبينك، مهما اختلفت الأعراض والأغراض. لقد أعجبني ما قرأت مرة من أن رجلًا سُئل: من تحب أن يكون صديقك؟ قال: من يُطعمني إذا جُعت، ويكسوني إذا عَرِيت، ويحملني إذا كللت، ويغفر لي إذا زللت. فقيل له: يرحمك الله؛ إنما تمنَّيتَ وكيلًا لا صديقًا! أذكرك فتحل روحك في روحي، وتدب الحياة في نفسي، فأُروَى من ظمأ، وأهتدي من ضلال، وأجد بك ما لا أجد في الغنى بعد الفقر، والعافية بعد المرض، والأمل بعد اليأس.
لقد أعجبني منك أنك لا تُشِيد بذكر الصداقة، فاسمح لي أن أُشيد بذكرها، وأعجبني منك أن من رآنا لا يشعر بما بيننا، وأعجبني منك أنك على عكس الناس يُقبلون مع النعمة ويدبرون مع النقمة؛ وأعجبني منك أنك لم تجعل الصداقة في ميزان تزنها كل يوم بما يزيدها أو ينقصها، ولكنك وزنتها مرة واحدة بميزان الذهب، فلما اطمأننت لميزانك وثقت كل الثقة، فلم تعرضها للوزن مرة أخرى؛ وأعجبني منك أن عينك لا لسانك دليل ما في قلبك؛ وأعجبني منك أنك ترى الواجب عليك ولا ترى الحق لك، وأنك تعتقد أنك غابن دائمًا ولا تعتقد أنك مغبون يومًا، وأعجب ما أرى فيك أنك تنطق بما أتمنى أن أنطق به، وتُريد ما اعتزمت أن أُريده، ويجول في نفسك ما يجول في نفسي، حتى ليُخيل إليَّ أنك تحلم بما أحلم.
ومن أطرف ما فيك كرهك الدعاية لنفسك ولغيرك، فلم يعرف فضلك في خلقك وعلمك إلا خاصتك، تعمل كثيرًا ولا تتكلم عما تعمل أبدًا، وتقدر الدعاية تقديرًا عكسيًّا، فكلما دُعِيَ لشخص أو دعا لنفسه حسبت ذلك في ميزانه «بالناقص»؛ وكثيرًا ما سمعتك تتمثل بقول الله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، وقلت لي مرة: «إن أرفع المتجادلين صوتًا أضعفهم حجة، وأشد الناس تبجحًا بالشجاعة أشدهم خوفًا، وأكثر المدرسين تهديدًا لطلبته أقلهم كفاية، وأقل الناس شعورًا بكفايته ونزاهته أكثرهم دعاية؛ كل أولئك ليكملوا «مركب النقص» في نفوسهم، ويستروا ضعف باطنهم بقوة ظاهرهم». أخي بل صديقي:

من أجل هذا ترددت كثيرًا في أن أبعث إليك كتابي هذا؛ لأن أكره ما تكره المديح، ولكني أصدقك أني كتبته لنفسي لا لك، فقد كانت كتابته فرحة العيد عندي، وشعرت بعد كتابته بفرح الحريص لعقد شراء ضيعة كبيرة لم يكن سُجل؛ فإن آلمك مديحي فلتسعدك غبطتي.
حفظك الله لي، فأنت غذاء روحي، وسراج حياتي، وأعاد عليك العيد باليمن والسعادة.
(حاشية) هل تسمح لي أن أنشر هذا الكتاب بعد حفظ اسمك؟? صار هذا مثلًا معناه هذه هي الصداقة لا صداقة المنادمة على الشراب.
الفصل السابع عشر
رد الصديق


أرسل إليَّ صديقي … ردًّا على «تحية العيد» فقال: صديقي:

سرني خطابك، وكان فرحة العيد عندي كما كان فرحة العيد عندك، لم أُسر لمدحي، فأنا أعلم من عيوب نفسي ما لم تعلم؛ ولكنها الصداقة ترى كل شيء من الصديق حسنًا، إنما سرني أن كتابك يشع منه الحب، وأنت تعلم أني لا أُقدر شيئًا في الوجود تقديري للحب.
لشد ما يخطئ الناس فيقصرون الحب على حب الجنس، ويفوتهم أن وراء هذا أنواعًا من الحب يخطئها العد.
هناك حب العامل عمله وفناؤه فيه، وهو سر نجاحه، وفقدانه سر فشله.
وهناك حب العالِم علمه، وقد رأيت ورأيت علماء لا يلذهم شيء في الحياة إلا بحثهم وكتبهم، يفضلون ذلك على كل متعة من متع الحياة من ملك ومال وجاه، ويوم يظفر بنتيجة لبحثه فذلك يعدل عنده الدنيا وما فيها؛ وقد قرأت وقرأت أمثلة لذلك عديدة من علماء الشرق والغرب.
وهناك حب الفضيلة وكره الرذيلة، وكلما ازداد هذا عند إنسان كان أقرب إلى الخير وأبعد عن الشر.
وهناك حب المواطن لوطنه وأمته، فيبذل في ذلك ماله وحياته.
وهناك حب الصوفية لله فيفنون فيه، ويشع حبهم له على كل شيء من خلقه حتى يروا الله في الخلق والخلق في الله.
كل شيء في الحياة بارد ما لم يحرَّه الحب، وكل شيء مظلم ما لم يضئه الحب، وكل شيء تافه لا لذة فيه ما لم يشع فيه الحب؛ وصدق من قال: «الحياة الحب، والحب الحياة».
ومقياس حياة الإنسان مقدار حبه، فيوم ينتهي حبه تنتهي حياته.
وما الفرق بين الإنسان والآلة إلا الحب.
كل الناس يحب، ولكن هناك حب أرستقراطي وحب شعبي؛ الأرستقراطية تسمو بالحب، فلا تُحب إلا الرفيع من المعاني والسامي من المُثُل؛ إنها بطبعها تستصفي ما حولها وما يحدث لها وما تلد من أفكارها وما تعتنق من مبادئها فتتعشقه، ثم تحب من يشاكلها في حبها؛ وليست أرستقراطية الحب مَولدًا ولا مالًا ولا جاهًا؛ ولكنها نزعة يهبها الله لمن يشاء من خلقه، تضيء فتتلقى الوحي من الطبيعة فتحبها، وتخاطبها الطهارة فتجيها، وتنظر إلى كل شيء ولو كان وضيعًا، فتولِّد منه معاني سامية نبيلة تأنس بها، وتقرأ الحقيقة في كل شيء فتجلها.
إن أردت السمو بأحد فخذ بيده ليصل إلى الحب الأرستقراطي، وإن أردت الرقي بأمة فبث هذا الحب فيما بينها وأكثرْ منه ما استطعت، وهيئ له من الأسباب ما قدرت، حتى يشمه السائح في جوها، كما يرى خصائص الأمة في مناظرها.
أخشى أن أكون قد قاربت الصوفية في نزعتها وشطحها فمعذرة، وكل ما أُريد أن أقول: إني أحببت كتابك لحبك في كتابك.
•••

أراني هذه الأيام محبًّا للعزلة، بعد أن كنت — كما تعلم — محبًّا للاجتماع، ولا أدري السبب، فأنا غارق — في ريفي — في زرقة السماء وخضرة النبات، شاعر بسعادتي في مغازلة الطبيعة وإلاهها، وعداني بستاني فشعرت أن نفسي زهرة من زهرات الله، إنما تتفتح وتنفح إذا أطلقت لها الحرية التامة لتنال حظها من الشمس والهواء؛ وعداني الأفق اللا محدود فأحببت حبًّا غير محدود، رأيتني أكره الحزب وأحب الأمة، وأكره الوطنية وأحب الإنسانية، وأحب خلق الله لله؛ وعجبت لنفسي وهي في حدود الحضر كيف كانت تجسم الظل ثم تشقى به، وتخلق الهم من العدم وتألم له، فإن شئت السلامة فتحرر من الحدود والقيود؛ ورأيت سبب همي في الحضر التهاب الشعور وطغيان الحياة الشعورية، فأطيل التفكير في نفسي وفيما حولي؛ أما هنا – في الريف – فأنا أسعد حالًا، لتبخر كمية كبيرة من شعوري وحلول الحياة اللا شعورية محلها، ولعل ذلك من عدوى ما حولي من بذور ونبات وحيوان وطبيعة، فكأن طفلًا يسكن في مرحه وأمله وانسجامه مع جوه، وغروره بقدرته ولا شعوره، ولهذا لا صبر لي على قراءة إلا قراءة الطبيعة، ولا كلام في السياسة إلا سياسة الكون في سره، فإن كان ولا بد فشِعر يُمازج شعوري، أو آية من القرآن تُغذي قلبي؛ ولست أقرأ كما يقرأ الناس، ولكن أكتفي ببيتين أو ثلاثة، وآية أو آيتين فيمتلئ جوي بها، وتتفتح نفسي لها، فلا أزال أرددها الفينة بعد الفينة طول اليوم، وفي كل مرة أشعر لها بطعم جديد ومعنى جديد، وبالأمس كانت آية: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ملء نفسي وقلبي وترداد لساني؛ واليوم كانت آية: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} محياي وغذائي، وأحيانًا — ولا أدري — تدمع عيني من قراءة الآية أو الشعر فأذكر قول ذي الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفي شجي البلابل وأخشى أن تُعد هذا مني مظهر ضعف أو آية ألم، ولكني أصدقك أني أقوى بها ما لم أقو بغيرها، وأن الدمعة تغسل عيني فأنظر بها ما لم ينظر الناس، وأشعر أني حي بين موتى، وصاحٍ بين سكارى.
لقد أحسست بعدها أن المدينة بحدودها وقيودها وضغطها كونت عقلي تكوينًا فاسدًا، وشغلتني بحساب درهم يأتي ودرهم يُصرف، ونظرية تقرر ونظرية تهدم، وحكومة تتولَّى وحكومة تولِّي، ونظام يوضع ونظام يُلغى؛ حتى لقد هزلت نفسي من هذه السفاسف، ومات قلبي من هذه القيود؛ فالآن أُريد أن أميت نفسي المقيدة وأخلق نفسي الحرة، وأحطم أبواب سجني وأطير إلى السماء، وأكنس أفكاري القديمة وأتحرر من موضوعاتها، وأضع أسسًا جديدة للتفكير فيما يحقق نفسي، وأكسر أصنام الناس لأعبد ما ليس بصنم ولا وثن.
لقد كنت بغير جناح إذا لم يكن جو، فلما كان الجو كان الجناح.
ولا تحسبني بذلك أُريد أن أحيا حياة شعرية لا عمل وراءها، أو أن أعيش في حلم خاليٍ لذيذ؛ بل أراني على العكس من ذلك، أُريد أن أعمل وفق حبي، لقد أحببت الفكرة لا الشخص، وأحببت المعنى لا المبنى، فشعرت أن كل أرض بلدي، وكل إنسان أخي، وكل باطل عدوي، وكل حق صديقي، وآمنت أن نفسي ليست لي، إنما هي قوة في العالم لها رسالة، ورسالتها إزهاق الباطل، ونصرة الحق، ومحاربة البؤس، والأخذ بيد المظلوم، وكسر الحدود التي تمنع أن يصل ذو الحق إلى حقه؛ فحبي الشائع دفعني إلى العمل الشائع، تجردي من الشخصية حملني على أن أؤيد المعنى أو أن أحارب المعنى، وشعرت بالكل فوهبت حياتي للكل؛ وإذ ذاك أحسست أن قلبي كمجرى الماء الغزير لا يقوى أمامه العود ولا يعوقه القذى، وأحسست أني لا أُقوِّم الأشخاص بعلمهم أو مالهم، ولكني أُقوِّمهم بروحهم، فالمثل الأعلى عندي ليس أرسطو ولا قارون ولكنه النبي؛ وأحسست أني أرى في المعاني كالعدل والرحمة والصدق جمالًا يجذبني أكثر من جمال الصورة والزهرة، وللظلم والقسوة والرياء قبحًا ينفرني أكثر من القردة والمرأة الشوهاء.
قد كنت — وأنا في المدينة — مغيظًا من مفاسد الأمة، محنقًا من جنون العالم؛ واليوم — وأنا في الريف — قد تحول غيظي رحمة، وحنقي شفقة، فأشفق على الأمة لمصائبها، وعلى الإنسانية لرزاياها؛ وأكثر ما يحملني على الرحمة لها أنها في شقاء وتظنها في سعادة، وفي محنة وتحسبها في نعمة، ورحمتي لم تسلبني رغبتي في العمل كما لم يسلبني الغيظ، ولكن عملي مع الرحمة إنقاذ، ومع الغيظ تأديب.
ما أظلم علماء التربية، يهتمون بتربية العقل والجسم والخلق، ولا يعيرون التفاتًا للروح، كأن الإنسان آلة صماء، والخُلُق الذي يهتمون به هو الخُلُق التجاري من صدق ونظام واقتصاد، وتربية الروح وراء ذلك؛ فالروح هي الوزن في الشعر، والتناغم في الغناء، والانسجام بين آلات الموسيقى، والعلاقة بين أصابع الفنان وأزرار البيان؛ وشقاء الإنسان في شخصه وفي أمته وفي عالمه من ضعف روحه، واختلال التوازن بين روحه ومادته، وعدم الانسجام بين أجزاء العالم، وعدم وحدتها، وليس يوحدها إلا توحد روحها.
إن ضعف الروح جعل من يحب نفسه يكره غيره، ومن يحب أمته يحارب غيرها، ومن يحب جنسه يحتقر غير جنسه، ولو قويت الروح لعممت حبها ولأحبت المبدأ والمثل، فكان ثم وفاق لا خلاف، وسلم لا حرب.
•••

بعد غدٍ عيد ميلادي الحادي والخمسون، وهو أول عيد أقضيه في الريف، ولكني أُريد أن أعده عيدي الأول، فقد تشابهت نفسي في الأعوام الماضية، فليست متكررة إلا في حساب العدد، أما نفسي الجديدة فلم تتكرر بعدُ، شتان بين نفس مقيدة ونفسٍ طليق، بين نفس مستعبدة ونفس مستقلة، بين نفس مقلدة ونفس مجتهدة، ليُخيل إليَّ بعد الرياضة النفسية التي أرتضيها أن لا صلة بين نفسي القديمة ونفسي الجديدة؛ ولذلك سأصر على أن أعد عيدي الآتي هو العيد الأول.
قد كنت في الأعياد الماضية أستقبل الناس، وفي هذا العيد سأستقبل نفسي؛ وقد كنت أضاحك إخواني وأسامر صحبي وأتقبل هداياهم وتهانيهم، وفي هذا العيد سأتناغم مع الأزهار، وسأفتح نفسي ليمتزج بدمي ضوء الشمس، وأحتفل بافتتاح عقلي لتلقي الحقيقة مجردة من خيالات الناس وأوهامهم، وسأشرب نخب الطبيعة وجمالها والحرية ومتعتها، وسأغني للشمس وطلوعها، والشمس وغروبها، والنجوم ولمعانها، والمياه وصفائها، والفراشة وطيرانها، والزهرة وتفتحها، والثمرة ونضجها، حتى أملأ الجو مرحًا وغناء، وسأدعو آخر الأمر للإنسانية أن يفك الله أغلالها، ويجنبها شقاءها، ويبعث الحب في قلوبها فيكون هذا أول عيدٍ لي من نوعه. أخي بل صديقي:

لعلك تعجب أني لم أرد على كلامك في الصداقة برأيي في الصداقة؛ ولكني أعتذر لك، فرأي غير رأيك.
رأيي أن الكلام المباشر في الصداقة لا يقويها، إنما يقويها العمل على مناهجها الحقة من غير حديث فيها.
ورأيي أن خير لذة يستمتع بها الإنسان من شيء أن يتناسى لذته منه ويفنى فيه؛ ألا ترى الشطرنج لو ذكرت دائمًا أنك تلعبه، وأنك تلذ لعبه لضاعت لذته، وإنما تصل من لذته إلى الغاية إذا أنت نسيت الشطرنج، ونسيت نفسك ونسيت لعبك، وفنيت فيه! وكذلك الأمر في الكتاب تقرؤه، والموضوع تبحثه، والسينما تشهده، والتمثيل تراه.
وعلى هذا القياس أنا أفنى في صداقتي ولا أذكرها، وأرتشفها ولا أتحدث عنها، ولهذا كتبت لك حول الصداقة، لا في الصداقة.
ومع هذا أشكرك على خطابك، فربما دعا إليه داع لم أتبينه، وهو — في رأيي — خطأ خير من صواب، والسلام.
(حاشية) أحلك من نشر كتابك ونشر كتابي إن شئت، مع حفظ اسمي كما وعدت.
الفصل الثامن عشر
فارس كنانة (?)


كنانة هذه قبيلة قحطانية كثيرة العدد، كانت تسكن عند مجيء الإسلام أرضًا فسيحة حول مكة، تمتد من تهامة في الجنوب الغربي من مكة، حيث يجاورون قبيلة هذيل، إلى الشمال الشرقي منها حيث يجاورون قبيلة أسد.
وقد دخلوا الإسلام كما دخل غيرهم، ونبغ منهم نوابغ كثيرون في الحروب وفي الشعر وفي العلم وسائر مناحي الحياة، فمنهم الشُّداخ بن عوف الذي كان على مُجَنِّبَة أبي عبيدة بن الجراح يوم «اليرموك»، ومنهم نصر بن سيار أمير خراسان في آخر العهد الأموي، ثم رافع بن الليث بن نصر بن سيار الخارج على الرشيد والقائد الكبير للمأمون، ومنهم أبو الأسود الدؤلي الذي يُنسب إليه وضع النحو، ومنهم أبو ذر الغفاري الاشتراكي الصادق الثائر على معاوية وعلى الأغنياء، ومنهم ربيعة بن مُكَدَّم الملقب فارس العرب، ومنهم قيس بن ذريح أحد عشاق العرب المشهورين وصاحبته لبنى، ومنهم عزة صاحبة كثير التي قال فيها غزله الرائع المشهور، ومنهم ابن داب الراوية المؤرخ، ومنهم كثير من المحدثين يضيق المقام عن ذكرهم.
وعلى الجملة فقد خلفوا لأعقابهم مفاخر يتداولونها، ومناقب يروونها، من بطولة وفروسية وإمارة وعلم وأدب.
تفرقت كنانة في البلدان بعد الإسلام كما فعلت كل القبائل، فجاء قوم مصر في أواخر العهد الفاطمي، ونزل بعضهم أخميم وما حولها، ونزل بعضهم دمياط وما حولها، ورحل قوم إلى فلسطين، ونزل قوم الشام.
•••

في شمالي «حماة» وعلى بعد خمسة عشر ميلًا منها حصن يقال له: حصن «شَيْزر» دخله التحريف على توالي الأيام فصار يسمى الآن «سيجر»، يقع على نهر العاصي، وهو حصن كبير بُني على أكمة مرتفعة تتحكم فيما حولها، حفروا حوله الخنادق ليزيدوا في مناعته وحمايته، وأنشئوا مدينة على النهر تتبع الحصن، وسمي كل ذلك «شيزرا»?. كان هذا الحصن مشهورًا بمناعته وبخطورة موقعه، كما كان من قديم مركزًا لأعمال البطولة في الدفاع عنه والاستيلاء عليه، فالذين يسكنونه لا يعرفون الراحة إلا فترات قصيرة من الزمان، ينتبهون من نومهم على غارة أو صليل سيوف أو رمي بالمنجنيق، ألفوا ذلك كما يألفه الساكنون بجوار بركان ثائر، أو في منطقة زلزال متتابع.
•••

في سنة ???هـ كان قوم من كنانة يسكنون بجوار حصن «شيزر»، وكان الحصن بيد الروم «البيزنطية»، استولوا عليه فيما استولوا من بلاد المسلمين، وتحكموا به في المواقع التي حوله، وكان رأس هؤلاء القوم من كنانة رجلًا شجاعًا مقدامًا قوي النفس كريمًا، أحبه قومه وأَمَّروه عليهم إمارة ملك محبوب مطاع، هو أبو الحسن علي بن مقلد بن نصير بن منقذ الكناني، فأعد عدته في هدوء، وسلح قومه، وأحكم خططه، وانتهز الفرصة، حتى إذا أمكنته أخذ الروم على غرة، وطوق القلعة؛ ورأى الروم أن لا طاقة لهم به وبقومه، فطلبوا الأمان وسلموه الحصن، وسكنه هو وقومه، وزادوا في تحصينه حتى صار أمنع من عقاب الجو أيام أن لم تكن طائرات.
تلقب أبو الحسن «بسديد الملك»، وعاش عيشة أشبه ما تكون بعيشة «سيف الدولة الحمداني»، شجاع يلذه القتال، وحوله قومه يربون تربية حربية، وفي كل حين قتال، وبين الوقعة والوقعة عيشة بدوية مترفة وحب للشعر وتلذذ لسماعه، يقصده الشعراء أمثال ابن الخياط وابن سنان الخفاجي فيغمرهم بما في يده من مال؛ وتحدث له الحوادث الخفيفة فيقول فيها الأشعار الطريفة على نحو ما كان يفعل سيف الدولة، كان يحب مملوكًا له فغشب عليه مرة وضربه ثم قال:
أسطو عليه وقلبي لو تمكن منكفى غلهما غيظًا إلى عنقيوأستعير إذا عاقبته حنقًاوأين ذل الهوى من عزة الحنق •••

كانت قلعة «شيزر» مطمح المحاربين وما أكثرهم؛ فالعرب من بني كلاب في حلب يريدون الاستيلاء عليها، والإسماعيلية يودون أن يتخذوها مركزًا لهم ولدعايتهم، والروم يطمعون في استردادها، والصليبيون يرون أنها باب الشام يريدون أن يمروا منها إليه، كل ذلك والقلعة بحصونها وخنادقها وفيها بنو منقذ بقلوبهم وشجاعتهم وفنونهم الحربية، استطاعت أن نصد كل مهاجم وتخيب كل أمل.
•••

كان لا بد للقلعة وحولها كل هؤلاء الأعداء أن يكون برنامج أهلها كله حربيًّا، وسكانها كلهم جنودًا، فالطفل جندي صغير، والشيخ جندي كبير، والبيت مدرسة حربية، والأم إحدى المعلمات والزوجة محرضة الزوج، والفتاة خاطبة الشجاع، ومواقع السيوف في جسوم الرجال شارة المجد، وويل للجسم السليم، لا تقبله فتاة ولا تعتز به زوجة، والحياة رخيصة، يخرج الرجل من بيته وأغلب الظن ألا يعود، ويسير السائر في الطريق وفي أكثر الأحيان يخرج عليه صليبي يُقاتله، أو إسماعيلي يُنازله، أو كلابي يُباغته، وفي ضواحي الحصن كانت أجمات مليئة بالأسود ما أشد ما تفترس، وما أكثر ما تنهش، وفي كل لحظة خبر بقتيل، ونبأ بغزو، وإنذار بغارة، وغارة بلا إنذار، وحديث القوم في سمرهم رواية أعمال الأبطال، كيف قتل رجل من الحصن عشرة، وكيف تغلب رجل على أسدين، وكيف استطاع فلان الصبي أن يُنازل صليبيين ويغلبهما ويقتلهما ويأخذ سلبهما، وكيف أن فلانًا الشيخ الهرم تقدمت به السن فنصحوه أن يلزم مسجده وينقطع لعبادته، فلبث في ذلك يومين ثم أنفت نفسه هذه الحياة الوادعة فأخذ سيفه وقوسه، ثم خرج يكمن للصليبيين، حتى إذا وقع في يده ثلة منهم خرج عليهم يُقاتلهم فيقتل ويأسر، ويعود مباهيًا بعمله، معتزًا بقوته على كبر سنه، عاتبًا على من نصحه بالتزام مسجده؛ وهذه فلانة كانت تخرج للقتال وتضرب بالسيف، وفلانة الأخرى لما هاجم العدو الحصن ألبست فتاتها لباس العرس، وأجلستها على حافة الهضبة من تحتها الوادي العميق، وقالت: إن انتصر الأعداء رميت بابنتي فدق عنقها ولا تقع سبية في أيدي الأعداء؛ و«سبيكة» ألم تسمعوا عنه؟ كان مخنثًا بشيزر يحضر الأعراس ويُغني ويرقص، ولكن كان إذا وقع القتال يلبس درعًا ويأخذ سيفه وترسه ويقول: «بطل التخنث.» ويخرج يضرب بسيفه كما يضرب الناس.
هذا برنامج الحصن وهذا سمره وهذه أحداثه، فلم يكن حصنًا، بل مدرسة تمرين على الحروب، وتكوين نفوس على القتال الشديد، وحقلًا لأنتاج جيل لا يخشى الموت ويعشق الشهادة، يألف الشجاعة بالممارسة، ويتعلم القتال بالأسوة، ويحذق فنون الحرب في ميادين القتال.
أستغفر الله، فقد نسيت في برنامج هذا الحصن مادة هامة وهي درس الأدب، ولكن كانوا يدرسونه على نمط غريب أيضًا، كانوا يقولون لأبنائهم: إن جدكم ربيعة بن مكدم كان بطلًا كبيرًا، وكان شاعرًا كبيرًا، ثم يروون أحداثه وشعره، ويلزمونهم حفظه، ثم يذكرون لهم من اشتهر بالفتك في الجاهلية كثابت بن جابر، والبراض وتأبط شرا، ثم من اشتهر في الإسلام كمالك بن الريب، وعبد الله بن سبرة، وعبد الله بن حازم، ويروون لهم فعالهم ويحفظونهم أقوالهم، ويعمدون إلى أقوى الشعر وأبعثه على القتال فيلزمونهم حفظه كقول عامر بن الطفيل:
إني وإن كنت ابن سيد عامرٍوفارسها المشهور في كل موكبلما سودتني عامر عن كلالةأبى الله أن أسمو بأم ولا أبولكنني أحمي حماها وأتقيأذاها وأرمي من رماها بمنكبي وقول خالد بن الوليد: «ما ليلة أقر لعيني من ليلة تزف إليَّ فيها عرس إلا ليلة أغدو فيها لقتال عدو.».
إلى كثير من أمثال هذا الأدب الحماسي القوي الذي ينسجم وحياتهم، ويخدم أغراضهم.
•••

في هذا الحصن العجيب، وهذا الوسط الجني الغريب، ولد بطلنا «فارس كنانة» أسامة بن منقذ حفيد فاتح الحصن سديد الملك أبو الحسن.
رباه أبوه وأمه من صغره تربية الفروسية، يحبانه ولكن يحبانه شجاعًا، ويرعيانه ولكن يشفقان عليه من الإشفاق، يدفعانه للمخاطر دفعًا، ويحرضانه على مواجهة الصعاب واجتهاده في تذليلها، مهما تكن العاقبة.
أسمعه — أيها القارئ — يقص علينا قصة صباه فيقول: ما رأيت والدي — رحمه الله — نهاني عن قتال ولا ركوب خطر مع حبه لي، ولقد حضرت يومًا وكان أبي وعمي قد خرجا لقتال الأعداء فلحقتهما، فلما رآني أبي قال: أتبعهم بمن معك وارموا أنفسكم عليهم، فخرجت ورميت نفسي واستخلصت ما استخلصت من عدوي.
ومرة كنت معه وهو واقف في قاعة داره وإذا بحية عظيمة قد أخرجت رأسها من الرواق فوقف يبصرها، فحملت سلمًا كان في جانب الدار وصعدت إليها وهو يراني فلا ينهاني، وأخرجت سكينًا صغيرًا من وسطي ووضعتها على رقبة الحية وهي نائمة، وجعلت أحزها، فخرجت الحية والتفت على يدي (فما جزع ولا فزع ولا تكلم) إلى أن قطعت رأسها وألقيتها في الدار.
ولم تكن أمه أقل من أبيه في تربيته وتدريبه، فلديها السلاح تعطيه للمقاتلة، ولا تبخل على ابنها باستعماله.
? انظر كتاب «الاعتبار» ومقدمته القيمة التي وضعها الأستاذ «فيليب حتى» المطبوع في «برنستون» بالولايات المتحدة.
الفصل التاسع عشر
فارس كنانة (?)


هذا أسامة صبيًّا، قد وُضِعَ لتربيته منهجان: منهج للفروسية، ومنهج للعلم والدين.
فأما منهج الفروسية فيتلخص في تعليمه صيد الوحوش ليتعلم منه صيد الأعداء، وكان الصيد ملهى الأسر الأرستقراطية في ذلك العصر، في مصر والشام والعراق، وكان لأسرة أسامة احتفال عظيم له، وعناية كبرى به، وإنفاق للأموال الكثيرة في سبيله، وكان أبوه «مرشد بن علي» وعمه «سلطان» من أشد الناس ولعًا بالصيد، وغرامًا به، وتفننا فيه.
وكان في ضواحي شيزر متصيدان: أحدهما في الجبل جنوبي الحصن يصيدون فيه الحجل والأرانب، والثاني أجمة في الغرب على النهر يصيدون فيها طير الماء والدراج والأرانب والغزلان، ودعاهم ذلك إلى اقتناء حيوانات الصيد وجوارحه من كلاب وبزاة وصقور وفهود، رتبت لها أماكنها وخدمها الذين يعنون بها، ويقومون بتغذيتها وتدريبها وإصلاحها، فكان أبوه يبعث — حتى إلى القسطنطينية — من يشتري له منها بزاة، وإذا سمع شهرة عن جارحة من الجوارح، جدَّ في الحصول عليها أو على نسلها.
كان يخرج صباحًا إلى الصيد من حين إلى حين مع أولاده الأربعة، ومنهم «أسامة»، ومعهم مماليكهم وسلاحهم، ومعهم أربعون فارسًا من أخبر الناس بالصيد، فإذا وصلوا إلى المتصيد أمرهم والد أسامة بالتفرق كل مع جوارحه وحيوانه وغلمانه، ثم يرسلون الطيور أو الكلاب، ولا يزالون يومهم في جري وقفز وصيد يرتبون أمورهم كترتيب الحرب، ثم يعودون في المساء بصيدهم، وكان لذلك الصيد أثر حميد في أسامة، فقد عَرَّفَه طبائع الحيوان والطيور، وأكسبه علمًا واسعًا بحيلها وقتالها وشجاعتها وجبنها وطرق معايشها.
حتى إذا مرن «أسامة» نازل الأسود والضباع، وكان بالشام؛ إذ ذاك أجمات كثيرة ترتع فيها الأسود، فكان هو وصحبه إذا سمعوا بأجمة منها طاروا إليها، ويقول في حديثه: إن رجلًا جاءه يخبره عن أجمة في تل فيها ثلاث سباع، فخرج إليها هو وأخوه بهاء الدولة وقوم من صحبه، فوجدوا لبؤة خلفها أسدان، فخرجت اللبؤة، فحمل عليها أخوه فطعنها طعنة قتلها، وتكسر رمحه فيها، ثم خرج أحد الأسدين، فتكاثروا عليه بالرماح حتى قُتِلَ، ثم خرج الثاني، وكان أشد وأقسى، وأعظم خلقة، فحملوا عليه، وكلما أصابته طعنة هدر ولوح بذنبه حتى مات.
لقد عرف طبائع الأسود من كثرة منازلتها قال: «فوجدت منها الجبان ومنها الشجاع، وعرفت أنه إذا خرج من موضع فلا بد له من الرجوع إليه، ولقد رأيت رأس الأسد يحمل إلى بعض دورنا، فنرى السنانير تهرب من تلك الدار، وترمي نفسها من السطح، وكنا نسلخ الأسد ونرميه من الحصن فلا يقربه الكلاب ولا شيء من الطير، وما أشبه هيبة الأسد على الحيوان بهيبة العُقَاب على الطير! فإن العقاب يبصره الفروج الذي ما رأى العقاب قط فيصيح وينهزم، هيبة ألقاها الله في قلوب الحيوان لهذين الحيوانين.» ثم يقول: «وقد قاتلت السباع في عدة مواقف لا أُحصيها، وقتلت عدة منها ما شاركني في قتلها أحد سوى ما شاركني فيه غيري، حتى خبرت منها وعرفت من قتالها ما لم يعرفه غيري؛ فمن ذلك أن الأسد مثل سواه من البهائم يخاف ابن آدم ويهرب منه وفيه غفلة وبله، ما لم يُجْرح فحينئذ هو الأسد وإذ ذاك يُخاف منه.».
ثم خرج من هذا الصيد وقد جُرح مرارًا وكُسرت أضلاعه مرارًا، ولكنه خرج أيضًا فارسًا عظيمًا، وشجاعًا نبيلًا.
وكما تعلم أسامة القتال في الصيد تعلمه في الإنسان، كانت غلطةً منه ولكن داعيها شريف نبيل، هذا أسامة الصبي واقفًا على باب داره، فرأى غلامًا لوالده يلطم صبيًّا من خدم الدار، فجرى الصبي وتعلق بثياب أسامة يحتمي به، وكان يكفي ذلك أن يكف الغلام احترامًا للجوار على عادة العرب، ولكن الغلام الكبير ما أبه لهذه التقاليد، ولا احترم قوانين النجدة، فضرب الصبي وهو محتمٍ بثياب أسامة، فأخرج أسامة من وسطه سكينًا ضربه بها ضربة كانت القاضية.
•••

وأما المنهج العلمي فوالده يُحفظه القرآن، ويأمره بتلاوته حتى في الطريق وهم خارجون للصيد، وعلماء كبار يُعلمونه الحديث والنحو والأدب، فأبو الحسن السَّنْبَسي يُعلمه الحديث، وابن المنيرة يعلمه الأدب، وأبو عبد الله الطليطلي يُعلمه النحو؛ فحفظ القرآن وسمع الحديث، وتعلم النحو، وحفظ آلاف الأبيات من الشعر الجاهلي، وأخذ هو يكمل نفسه بما يقرأ من كتب وبما يسمع من العلماء والشعراء رواد مجلس أسرته.
فكان فارسًا أديبًا وجنديًّا عالمًا، واستطاع أن ينتفع بخير المنهجين، كان منهج الفروسية قاسيًا رققه العلم والأدب والشعر والدين، وكان بعض شيوخه العلماء فيهم جبن وخوف، فأخذ علمهم وترك جبنهم، هذا أستاذه ابن المنيرة يطلب منه أن يتقلد رمحًا وترسًا ويقف في موضع من طريق الإفرنج حتى يروه فلا يجتازوه، فيأبى ويقول: والله لو وقفت لاجتازوه كلهم، فيقال له: إنهم يهابونك؛ لأنهم لا يعرفونك، يقول: أنا أعرف نفسي، ثم يُقرر مبدأ خطيرًا؛ إذ يقول: «ما يقاتل عاقل.» فيغضب أسامة من سماعه هذا المبدأ الجبان ويقول: «إنه كان بالعلم أخبر منه بالحرب، فإن العقل هو الذي يحمل على الإقدام على السيوف والرماح أنفة من موقف الجبان.».
ولابن المنيرة فصول أخرى من الجبن قصها أسامة وسخر منها، فكان ينتفع بعلمه ويهزأ بجبنه.
ولعل برنامج العلماء من هذا التاريخ كان ينقصه أن يُطعَّم بشيء من الفروسية.
•••

اليوم يوم الجمعة خامس جمادى الأولى سنة ???هـ، كان أسامة في الخامسة والعشرين من عمره، واليوم كان أول قتال قاتله، خرج فيه مع عمه ورجال من قومه، فخرج عليهم جماعة كبيرة من الصليبيين، وكان قتال تشيب منه الأطفال، وأخذ الموت يحصد رجال أسامة، وقد هان عليه الموت، فهو يُقاتل وتحته فرس مثل الطير، يطعن هذا فيأتي عليه، ويدور على آخر فيطعنه من ورائه طعنة تنفذ من قدامه، ويحمى ما استطاع من أصحابه، فاذا أعيت فرسه ركب أخرى أعدها مملوكه، حتى انتهت الموقعة ورجع أسامة إلى شيزر مع من بقي سالمًا.
وفي سكون الليل بعث عم أسامة إليه يطلبه، فإذا عنده فارس من الصليبيين، فقال له عمه: «هذا فارس أعجبه اليوم قتالك فجاء يهنئك بموقفك، ويُبدي إعجابه من طعناتك وشجاعتك.» وهذه عادة الفرسان، يعجب البطل بفعال البطولة ولو صدرت من خصومه، وكان هذا هو الوسام الأول لحياته الحريبة الطويلة، ومن ذلك اليوم شعر بثقته بنفسه واعتماده على ربه وأنشأ يقول:
سل بي كماة الوغى في كل معتركٍيضيق بالنفس فيه صدر ذي الباسينبئوك بأني في مضايقهاثبت إذا الخوف شق الشاهق الراسيأخوضها كشهاب القذف يصحبنيعضب كضوء سرى أو ضوء مقباسإذا ضربت به قرنا أنازلهأَوْجَاه? عن عائدٍ يغشاه أو آس وهكذا كانت حياته بعدُ، كل يوم غارة منه يغيرها، وغارة عل قومه يَرُدُّها، ويخرج يومًا يُقاتل العرب ويومًا يُنازل الفرنج، ويومًا يُقاتل فيقتل، ويومًا ينهزم ويُجرح، هذا يوم يخرج هو وصديقه «جمعة النميري» يهزمان ثمانية من فرسان الصليبيين، وهذا يوم يخرجان أيضًا فيهزمهما — على حد تعبيره — رُوَيْجل صغير الجسم معه قوسه ونشابة، فيعجبان كيف هزما ثمانية وهزمهما رُوَيْجل! حياة كلها مغامرات وكلها فروسية، ثم يترجم ما يجيش في صدره ويدور بخاطره إلى شعر قوي جميل:
سأنفق مالي في اكتساب مكارمٍأعيش بها بعد الممات مخلداوأسعى إلى الهيجاء، لا أرهب الردىولا أتخشى عاملا ومهندافإن نلت ما أرجو فللمجد ثم ليوإن مت خلفت الثناء المؤبدا •••

تجهل في الإقدام رأيي معاشرأراهم إذا فروا من الموت أجهلاأيرجو الفتى عند انقضاء حياته— وإن فر — عن وِرْدِ النية مزحلاإذا أنا هبت الموت في حومة الوغىفلا وجدت نفسي من الموت موئلاوإني إذا نازلت كبش كتيبةٍفلست أُبالي أيُّنا مات أولا •••

لأرمين بنفسي كل مهلكةٍمخوفةٍ يتحاماها ذوو الباسحتى أصادف حتفي فهو أجمل بيمن الخمول وأستغنى عن الناس هذا أسامة عمره ثلاثون … أربعون … أربع وأربعون، ومعيشته في حصن «شيزر» على نمط واحد: غزو وقتال وصيد، وتحمل أعباء يتخللها لمحات من الراحة.
لقد أجاد في حياته حرب الخصوم، وشهد في شبابه أيضًا حرب العواطف، فأحب وتيَّمه الحب، ونعم بالوصال، وألم للفراق، وغنى بشعره لحبه، كما غنى به لحربه:
شكا ألم الفراق الناس قبليورُوِّع بالنوَى حي وميتوأما مثل ما ضمت ضلوعيفإني ما سمعت ولا رأيت •••

أحبابنا! كيف اللقاء ودونكمخوض المهامه والفيافي الفِيحُأبكيتم عيني دمًا لفراقكمفكأنما إنسانها مجروحوكأن قلبي حين يخطر ذكركملهب الضرام تعاورته الريح فلما بلغ الأربعين وعلا رأسه المشيب صبا عن الحب وفرغ للمجد وقال:
قالوا نهته الأربعون عن الصباوأخو المشيب يحور ثمت يهتديكم حار في ليل الشباب فدلهصبح المشيب على الطريق الأقصدوإذا عددت سني ثم نقصتهازمن الهموم فتلك ساعة مولدي? أَوْجَاه: دفعه ونحاه.
الفصل العشرون
فارس كنانة (?)


اشتهر الأمير أسامة ودوى اسمه في الشام ومصر والعراق، عرفه أهل الحصن بالنجدة والشجاعة والكرم، وعرفه الصليبيون فارسًا نبيلًا يسير على أدق تقاليد الفروسية، وعرفه العالم الإسلامي بطلًا يُدافع عن الإسلام ويفتك بالصليبيين، ولكن …
كان أمير الحصن عمه «سلطان» أيضًا بطلًا فارسًا، حنا على أسامة وعلمه البطولة والفروسية، وكانت تعجبه مخايله، وكلما أتى عملًا أو فعلًا نبيلًا اهتز له فرحًا، وفي نفسه أن أسامة ولي عهده، وحامي الحصن من بعده، وكل قومه يرشحونه لذلك؛ كان هذا كله يوم كان عمه عقيمًا لم يُولد له، فأما وقد رُزق ابنه محمد، وشب ولُقِبَ بناصر الدين، فقد تحول هذا الحب إلى غيرة، وأصبح كالمرأة تغار من ضرتها، فأعمال أسامة النبيلة تزعجه، وفعالة تقض مضجعه، ويأتي أسامة يومًا برأس أسد قتله، ويظن أن هذا يبهج عمه، ويقول في سذاجة: «إني أخاطر نفسي لأتقرب إلى قلب عمي.» فتقول له جدته الخبيرة المجربة: «لا والله، ما يقربك هذا منه، ولكنه يزيده منك بعدًا ووحشة.».
ويتقرب قرناء السوء فيعلون من شأن محمد، ويُصغرون من شأن أسامة، ويختلقون ما لم يكن، ويشعلون نيران العداوة، فيوسوسون لأسامة بما يزيد غيظه، ويوسوسون «لسلطان» بما يحرج صدره، وتفسر الأقوال والأفعال تفسيرًا مزعجًا يزيد النار اشتعالًا، ويتحزب قوم «لسلطان» جهرًا، ويتحزب آخرون لأسامة سرًّا، وتُصبح معيشة أسامة في الحصن لا تُطاق، فيفكر في الرحيل، ويقول:
نافقت دهري فوجهي ضاحك جذلطلق وقلبي منه مكمدٌ باكِوراحة القلب في الشكوى، ولذتها— لو أمكنت — لا تساوي ذلة الشاكيِ •••

لئن غص دهري من جماحي أو ثنىعناني أو زلت بأخمصي النعلتظاهر قوم بالشمات جهالةوكم إحْنَةٍ في الصدر أبرزها الجهلوهل أنا إلا السيف فلل حدهقراع الأعادي ثم أرهفه الصقل •••

وما أشكو تلون أهل وديولو أجدت شكايتهم شكوتمللت مقالهم ويئست منهمفما أرجوهم فيمن رجوتإذا أدمت قوارضهم فؤاديكظمت على أذاهم وانطويتورحت عليهم طلق المحياكأني ما سمعت ولا رأيتتجنوا لي ذنوبًا ما جَنَتْهايداي ولا أمرت ولا نهيتولا والله ما أضمرت غدرًاكما قد أظهروه ولا نويتويوم الحشر موعدنا وتبدوصحيفة ما جنوه، وما جنيت إلى أين؟
إلى دمشق، فأميرها يطلبه ويلح عليه في المجيء.
•••

كانت الشام والجزيرة في ذلك العهد مبعثرة، لا تؤلف وحدة، فكل بلد كبير عليه أمير مستقل يجبي أمواله، ويُدافع عنه برجاله؛ ففي دمشق أمير، وفي حلب أمير، وفي حمص وحماة أمير، وهكذا، وكانت العلاقة بين هؤلاء الأمراء علاقة عداء غالبًا، يتخاصمون ويتقاتلون، والصليبيون يجمعون أمرهم، وينسون الإحن بينهم، وتقوم الكنيسة بفض النزاع وتدعو إلى الوئام، وتطلب من أمم الغرب من فرنسيين وألمان وإنجليز أن يتحدوا ويتعاونوا لأنقاذ بيت المقدس من يد المسلمين، وتبذل الجهد للتوفيق بين روما والقسطنطينية، على شدة ما كان بينهما من نزاع وخصام؛ فتنجح الدعوة ويتصادق الخصمان، وتتجمع الجموع هاجمة على الشرق تنتزع من المسلمين بلدة بعد بلدة، والمسلمون يُقاتلون بلدانًا متفرقة لا كتلة واحدة؛ وقد يثور النزاع بين أمير مسلم وأمير مسلم، فيستنجد هذا بالصليبيين، ويستنجد هذا بهم أيضًا، فينصرون هذا وذاك؛ لأن في إضعاف كلٍ على أي حال تحقيقًا لغرضهم، ونيلًا لمقصدهم؛ فكانت البلاد الإسلامية تنتظر زعيمًا غيورًا قويًّا يضم الإمارات تحت سلطانه، ويُؤلف منها وحدة متماسكة، وقد وجدته أولًا في عماد الدين زنكي، ثم في ابنه نور الدين محمود بن زنكي، ثم في تلميذ نور الدين؛ صلاح الدين الأيوبي.
•••

كان أمير دمشق وقت أن دخلها أسامة شهاب الدين محمود بن بوري بن طغدكين ووزيره معين الدين أنر، وكلاهما يحب أسامة — وخاصة الوزير — ويفرح بإقامته بينهم لفروسيته ونجدته وغنائه في الحروب؛ فكان بطل دمشق كما كان بطل شيزر، يخرج للصيد مع الأمير، ويُقاتل أعداءه؛ ويرى الناس فيه أنه خير محارب في جند دمشق، وألمع درة في تاج الأمير؛ وتتوثق الصلة بينه وبين الوزير معين الدين، ويعيش على هذه الحال سبع سنوات؛ ثم ينقلب الناس على معين الدين، وتسوء حاله، ويذهب عزه، ويتأثر مركز أسامة بمركز صديقه، فتُنهب داره ويُسرق سلاحه، ويقر الوزير بالعجز عن مساعدته، وينصحه بمغادرة دمشق.
فإذًا إلى مصر، فهي تعرفه كما تعرفه دمشق.
•••

هذه مصر في أواخر العهد الفاطمي، وقد تعفنت فيها أداة الحكم؛ فالخليفة مسلوب الأمر، له الاسم ولوزيره الحكم، والأمراء يتقاتلون على الوزارة، فمن غلب نالها وألبسه الخليفة خلعتها، فإذا غُلِبَ عُزل وخلع الخليفة خلعته على الغالب؛ والجنود سودانيون منقسمون أحزابًا، وعرب متفرقون شيعًا، وأتراك ومغاربة تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، والخلفاء — وقد سُلبوا الحكم — فرغوا للذات وتدبير المؤامرات، فإذا كرهوا وزيرًا دبروا المؤامرات لقتله أو خلعه، والأمراء إذا طمعوا في الوزارة وأعيتهم جنودهم انتصروا بغيرهم؟ فهذا يُكاتب الفرنج يستنصرهم، وهذا يُكاتب أمراء الشام يستصرخهم، والخليفة يقتل ابنه؛ لأنه استوزر فاستبد بأبيه، وابن الوزير يحرَّض على قتل أبيه ويُمنَّى بالوزارة من بعده، والأمر فوضى والناس في كرب.
مالأسامة وهذه الفتن وهذه الدسائس وهذا الجو السام، وقد خُلق لا يستنشق إلا الهواء النقي على ظهر فرسه في صيد أو غزو، وقد تخلق بأخلاق الفروسية من شهامة ونبل؟ ولكنها الأقدار تحكم على الوردة أن تُرمى في مستودع الأقذار؛ على أنه لم يكن بعيدًا عن الدسائس كل البعد؛ فقد شاهدها في بلاط عمه «سلطان»، وشاهدها في بلاط أمير دمشق ووزيره، ولكنها كلها صورة مصغرة لما سيلقاه في مصر، في البلاط الفاطمي.
•••

دخل «أسامة» مصر سنة ???هـ وقد نيف على الخمسين، في خلافة الحافظ لدين الله الفاطمي، ولم يكن أسامة بالمغمور ولا بالمجهول، فاستقبله الخليفة وأنزله منزلًا كريمًا، وأغدق عليه من نعمه المتواصلة، وقد بهرت أسامة فخفخة القصور وزينتها، وذهبها وفنها وصورها وتماثيلها، وحراسها ورسومها، مما لم ير مثيله في دنياه، ولا حلم به في منامه؛ ولكن تبين له بعدُ أنها صورة جميلة ولا روح، ومظهر أنيق ولا حياة، ومتحف آثار يدل على مجد قديم ورثه نسل ذليل، ونضح على أسامة شيء من ذلك الزخرف، فعاش في دار من دور الأفضل ابن أمير الجيوش، وهي دار — كما يقول — في غاية الحسن، وفيها بسطها وفرشها وآلاتها من النحاس، ورفل في الحرير، وتبحبح في النعيم.
لقد أراد «الحافظ» أن يتخذ منه فارسًا بطلًا، يستعين به في أزماته، ويستخدمه في مهماته، ويغدق عليه من خيراته، ويشركه في لذاته، ولكن هل أخلدت نفس أسامة إلى النعيم، ووجدت راحتها في الراحة؟ لا، لا، ولقد مثل نفس الدور الذي مثلته من قبل ميسون بنت بحدل الكلبية البدوية لما تزوجها معاوية ونقلها من بادية كلب إلى قصور دمشق، وقد أفزعها النعيم فصرخت:
لبيتٌ تخفق الأرواح فيهأحب إلي من قصر منيفولبسُ عباءةٍ وتقر عينيأحبُّ إليَّ من لبس الشفوف •••

وأصوات الرياح بكل فجأحبُّ إليَّ من نقر الدفوف •••

خشونة عيشتي في البدو أشهىإلى نفسي من العيش الطريف كذلك صرخ أسامة فقال:
انظر إلى صرف دهري كيف عودنيبعد المشيب سوى عاداتي الأُوَلقد كنت مسعر حرب كلما خمدتأذكيتها باقتداح البيض في القللهمي منازلة الأقران أحسبهمفرائسي، فهم مني على وجلأمضي على الهول من ليل، وأهجم منسيل، وأقدم في الهيجاء من أجلفصرت كالغادة المكال مضجعهاعلى الحشايا، وراء السجف والكللقد كدت أعفن من طول الثواء كمايُصْدِي المهند طول اللبث في الخللأروح بعد دروع الحرب في حُلَلٍمن الدبيقي، فبؤسًا لي وللحُلَلِوما الرفاهة من رامي ولا أربيولا التنعم من شاني ولا شغليولست أرضى بلوغ المجد في رفهولا العلى دون حطم البيض والأسل ولكنه أقام على مضض، يشقى في النعيم؛ إذ كان من طبعه أن ينعم في الجحيم.
فها هو مقرب إلى الخليفة الحافظ، تُفتح له أبواب القصر إذا حضر، ويُتفقد إذا غاب، ويركب الفرس بسرج من ذهب، وما كان لأحد أن يركب أيام الحافظ بسرج من ذهب غيره.
ومع هذا فلا ينسى فروسيته، فقد كان للحافظ جوارح كثيرة من البُزاة والصقور والشواهين البحرية، وكان عليها رجال يخرجون بها للصيد في كل أسبوع مرتين، فكان أسامة يخرج معهم، فيصيدون طيور الماء وطيور البر ونوعًا من البقر وحشيًّا كان يُسمى بقر بني إسرائيل — أصغر من البقر وأشد منه عدوًا — وفرس البحر، وكان في النيل كثيرًا (ويحدثنا أنها مثل البقرة الصغيرة، وعيناها صغيرتان، لها أنياب طوال في فكها الأسفل، صياحها مثل صياح الخنازير).
مات الحافظ وخلفه ابنه الظافر وعمره سبع عشرة سنة، فزاد الأمر سوءًا، وتنازع الأمراء على الوزارة، وكثرت الدسائس، واضطر أسامة أن يدخل في المعترك ويغمس يده في المفاسد.

الفصل الحادي والعشرون
فارس كنانة (?)


هذا الخليفة الفاطمي «الحافظ» يموت وله ابنان كبيران، يعدل عنهما، ويعهد بالخلافة لأصغر أولاده سنًّا، وهو في السابعة عشرة من عمره، ويُوصي بالوزارة لأمير مغربي اسمه ابن مَصَال، ويلقب الخليفة الجديد الصغير بالظافر.
وهذا الظافر فتى رُبِّي تربية ناعمة، لا يعرف غير اللهو واللعب، والسكنى إلى الجواري وسماع الأغاني، فأما تدبير الأمور فللوزير ابن مصال.
والخليفة يُحب ابن مصال، ويُحب بقاءه، وولاة الأقاليم كلهم طامع في الوزارة، فيأبى ابن السلار الكردي الأصل ووالي الإسكندرية والبحيرة، فيجمع جنده وسلاحه، ويهجم على القاهرة، ويقتل ابن مصال، ويتربع في دست الوزارة، والخليفة مضطر إلى إقراره وهو له كاره.
وفي جند ابن السلار ابن زوجته عباس، رجل مغربي عربي الأصل من تميم، وله ولد جميل اسمه نصر، من خلان الخليفة الظافر وندمائه، فيوعز الخليفة إلى نصر وعباس بقتل ابن السلار ليكون عباس في الوزارة مكانه، ويتم ذلك ويقتل ابن السلار ويستوزر عباس، ثم بعد مدة يسأم الخليفة وزيره الجديد عباسًا، فيوعز إلى ابنه نصر أن يقتل أباه ليحل محله، ويتردد نصر ثم يُطلع أباه على ذلك، فيتآمران على قتل الخليفة فيقتله نصر، ويدخل عباس القصر، فيتهم أخوي الخليفة بقتله، ويقتلهما ويولي طفلًا صغيرًا هو ابن الظافر ويلقبه بالفائز، وسنه خمس سنين، وتهيج مصر على عباس وابنه، ويكاتب نساء القصر طلائع ابن رُزيك الأرمني الأصل ووالي المنية، ليحضر فينتقم من قاتلي الخليفة، فيحضر وينتصر، ويهرب عباس وابنه إلى الشام، فيُقتل عباس في الطريق، ويُقبض عل ابنه نصر، فيُرسل إلى القصر، فيُمَثَّل به ويُعلَّق على باب زويلة.
•••

هذه صورة سينمائية للأحداث التي حدثت في مصر أثناء إقامة «أسامة» بها، ما موقفه؟ كيف تصرف؟ كيف يستخدم فروسيته والفروسية لا تعرف العمل في الخفاء؟ الحق أنه موقف مربك للرجل الصريح.
لقد أصبح «أسامة» وله جنود ومماليك وأعوان، يجلس في مجلس الأمراء للتشاور فيما يعمل، ويقربه الولاة إليهم، ويتمناه كلٌّ في صفه لنجدته وغنائه.
لقد كان من أنصار القصر يوم كان الحافظ يتولى الخلافة؛ لأنه رب نعمته، ولأنه رجل؛ ولكنه انحرف عن القصر لما رأى من لهو الظافر ولعبه وتهتكه، وناصر ابن السلار، يُحارب في صفه ويُقاتل بجانبه، فكرهه القصر؛ لأنه يُناصر عدوه؛ وكان ابن السلار رجلًا مقدامًا شجاعًا يُحب رجال العلم، ولكنه قاسٍ لا يرحم، يُعاقب أكبر عقوبة على أصغر جريمة، فأحبه أسامة لشجاعته، وأغضى عن قسوته، وأمن ابن السلار إليه وأنس به، وبعثه بمهمة حربية إلى نور الدين محمود بن زنكي ليتفق معه على تكوين جيش لمحاربة الصليبيين في الشام ليُخفف ضغطهم على مصر، وقام أسامة بمهمته وحارب الصليبيين في عسقلان وبيت جبريل، وظل يُقاتل حتى أحس ابن السلار بحرج مركزه في مصر، فاستدعاه ليكون بجانبه ففعل.
فلما قُتِلَ ابن السلار واستوزر عباس وجدنا أسامة بجانبه وبجانب ابنه نصر يستشيرانه في أدق الأمور حتى فيما أوعز به الخليفة إلى نصر أن يقتل أباه، فينهاه عن ذلك، ويُحذره غضب الله ووخز الضمير؛ ولا بد أن يكونا قد أطلعاه على قتل الخليفة، مقابلة للمؤامرة بمؤامرة، ومن هنا اتهمه كثير من المؤرخين باشتراكه في المؤامرة، وليس ذلك ببعيد عليه؛ وعذره أن الخليفة الغِر هو البادئ بتحريض الابن على أبيه، فالجزاء من جنس العمل، ولكن عباسًا أسرف فقتل الأبرياء من إخوة الظافر، وهو عمل لا يبرره شيء، فكان على أسامة أن ينفض يده منه ويقطع صداقته، ولكنه لم يفعل.
لقد دخل طلائع بن رزيك مصر وكان لأسامة صديقًا أيضًا، وكان أسامة يُحبه، وعرض عليه طلائع أن يكون بجانبه وله المشاركة في عزه وجاهه، والدنيا مقبلة عليه؛ ولكن عباسًا في أشد أوقاته حرجًا يلجأ إليه ويطلب منه أن يصحبه في الخروج من مصر حتى لا يغتاله مغتال؛ ويحار أسامة بين صديق تُقبل عليه الدنيا وصديق تُدبر عنه، والذي تُقبل عليه لم يُلوث يده بالقتل، وإنما ينصر المظلوم، والذي تُدبر عنه قد سفك الدماء البريئة، ولكنه في شدة وقد استنجد ليحفظ حياته؛ وأخيرًا بعد تردد طويل وشقاء ضمير اعتذر لطلائع الفائز وخرج من مصر مع عباس البائس.
•••

عشر سنين في مصر هي أسوأ حياته، لقد خُلق لقتال الصليبيين فقضاها في مصر في قتال بعض المصريين لبعض المصريين، وخُلق للعيشة القاسية، فعاش في مصر عيشة ناعمة، وخُلق للصراحة فعاش في المؤامرات، وخُلق لا يأبه للمال فأتاه المال في مصر من حيث لا يحتسب؛ ولكن الله عاقبه على أنه لم يعش كما خُلق، فكان خروجه سلسلة كوارث؛ يصحب عباسًا في الطريق، ويترك أسرته في حماية طلائع بن رزيك، فيكاتب القصر وبعض أهل مصر الفرنج والعربان أن يكمنوا لعباس ومن معه في الطريق، فيخرجون عليهم، ويُقتل عباس ويُؤسر نصر ويُرد إلى مصر مخفورًا، وينجو أسامة بأعجوبة بعد أن يُصاب في رأسه بضربتين بالسيف يفقد بهما وعيه، وأخيرًا جدًّا يصل إلى دمشق في أسوأ حالٍ.
ثم يُصاب في أسرته وماله.
لقد استراح قليلًا واسترد قوته وقد نيف على الستين، ولا يزال جنديًّا محاربًا له قوة الشباب، فالتحق بجيش نور الدين محمود بن زنكي، وبذلك عاد إلى موقفه الطبيعي، وكاتبه طلائع يطلب منه أن يعود إلى مصر، وإذ كان جنديًّا يُحب القتال في الثغور فقد عرض عليه طلائع أن يُوليه أسوان، ويفتح بجنده الحبشة، وبذلك لا يناله سوء من استيحاش القصر منه، فاستشار في ذلك نور الدين، فقال له: «أما كفاك ما لقيت من مصر وفتنها؟».
فاعتذر لطلائع وسأله أن يُرسل إليه أسرته بحرًا، ولكن طريق البحر أيضًا في يد الصليبيين، فحل نور الدين الإشكال، بأن يكتب إلى «بلدوين الثالث» ملك أورشليم ليمنحه أمانًا لأسرة أسامة، فمنحه الأمان كتابة.
•••

هذه أسرة أسامة في خمسين نسمة بين رجال ونساء، ومعهم أموالهم وحليهم وجواهرهم وذهبهم وفضتهم، وسيوف أسامة وسلاحه، وقيمتها كلها ثلاثون ألف دينار، ومعهم أيضًا مكتبة أسامة التي اقتناها من خير مخطوطات مصر، وفيها أربعة آلاف مجلد، كل ذلك ينزل في مركب في دمياط ومعهم أمان بلدوين، حتى إذا وصلوا إلى عكا أرسل «بلدوين» رجال بالفئوس يكسرون المركب ويأخذون ما فيها، ويحتج بعض رجال أسامة بالأمان، فلا يُلتفت إليهم، ويأخذ كل ما معهم، ويترك لهم خمس مئة دينار تُوصلهم إلى بلدهم؛ ويحمد أسامة الله كثيرًا على سلامة أهله وولده، ويحز في نفسه قليلًا ضياع المال وكثيرًا ضياع الكتب؛ وبذلك يُختم فصل من الرواية عنوانه «أسامة في مصر».
•••

ها هو في الرابعة والستين وقد عاد فارسًا من فرسان المسلمين، يُقاتل في جيش نور الدين؛ والأزمان التي عركته في مصر عركت أهله في حصن شيرز، فقد مات عمه سلطان، وولي الحصن ابن عمه الذي كان يُنافس أسامة.
والسنة سنة ??? هجرية، وقد ازين الحصن لحفل ختان ابن الأمير، واجتمع في الدور الفسيحة آل ابن منقذ كلهم، والراقص يرقص والزامر يُزمر والطبال يُطبل، والقوم في هرج ومرج، والسرور بالغ بهم غايته، وإذا بالأرض تزلزل زلزالًا عنيفًا، فيتسابقون إلى باب الدار، فترمح فرس الأمير أولهم فيقع، وينسد الباب وتقع الدار على من فيها ويهلك كل أهل أسامة، ويأتيه الخبر فتنهد قواه ثم يستردها بإيمانه ويقول:
لم يترك الدهر لي من بعد فقدهمقلبًا أجشمه صبرًا وسلوانافلو رأوني لقالوا مات أسعدناوعاش للهم والأحزان أشقانالم يترك الموت منهم من يخبرنيعنهم فيوضح ما قالوه تبيانابادوا جميعًا وما شادوا، فواعجبًاللخطب أهلك عمارًا وعمراناهذي قصورهم أمست قبورهمكذاك كانوا لها من قبل سكانا وكذلك خربت أكثر بلاد الشام، فحماة والمعرة وحمص وكفر طاب؛ وأخطر ما في الأمر أن الزلزال هدم أسوار البلاد والقلاع، وانكشفت البلاد للصليبيين، فقام نور الدين يُعيد الأسوار ويُقيم القلاع، ووضع يده على حصن شيزر وعمر أسوارها ودورها وأعادها جديدة.
•••

سبعون … خمس وسبعون … ثمانون … هو في حصن كيفا، وقد دب إليه الضعف، وارتعشت منه اليد:
مع الثمانين عاث الدهر في جلديوساءني ضعف رجلي واضطراب يديإذا كتبت فخطي جِدُّ مضطربكخط مرتعش الكفين مرتعدفأعجب لضعف يدي عن حملها قلمًامن بَعدِ حطم القنا في لبة الأسدوإن مشيت وفي كفي العصا ثقلترجلي كأني أخوض الوحل في الجلدفقل لمن يتمنى طول مدتههذي عواقب طول العمر والمُدَد •••

ألومُ الردى، كم خضته متعرضًاله وهو عني مُعْرِض متجَنِّبوكم أخذت مني السيوف مآخذ الــحِمام، ولكن القضاء مُغَيَّبإلى أن تجاوزت الثمانين وانقضتبُلَهْنية العيش الذي فيه يُرغَبفمكروه ما تخشى النفوس من الردىألذ وأحلى من حياتي وأطيب هذا صلاح الدين بطل المسلمين يأتي بالأعاجيب من فعال البطولة، ويستنزل من الإفرنج الحصن بعد الحصن … آه … لو كنت شابًّا.
•••

علَّمت الأحداث «أسامة» أن يُؤمن الإيمان كله بالقدر، وأي شيء يدعو إلى الإيمان بالقدر كالحرب والصيد؟ هذا حي تدل كل المظاهر على أنه سيحيا فيموت، وهذا حي تدل كل الدلائل على أنه يموت فيحيا؛ وهو نفسه يقف مواقف يرى فيها الموت محققًا ثم ينجو، ويستهين بمواقف لا يرى فيها شيئًا من الخطورة فيُصاب.
وكان له حس دقيق بهذه الأمور، فهو يراها ويلتفت لها ويعجب منها، ويحمله ذلك كل على الإيمان بالقدر خيره وشره.
رمى مرة — وهو صبي — عصفورًا بسهم فلم يصب المرمَى، ثم ارتد السهم فأصاب عصفورًا آخر كان يطل برأسه من عشه — ولم يكن أسامة رآه — فقتله.
وهو وصاحبه مرة يهزمان ثمانية فرسان، ثم يهزمهما «رُوَيْجل».
ورجل يقتل أسدًا، ثم تقتله عقرب.
و«نَدَى القُشَيري» الفارس يطعنه فارس صليبي فيقطع شريانًا في صدره، ويخرج الرمح من جانبه الآخر، وكل الظن ألا يصل إلى بيته حيًّا، فيسلم ويصح، وتلتئم جراحه، ويبقى سنة إذا نام على ظهره لا يقدر على الجلوس إلا إذا أسنده اثنان، ثم يزول ما يشكو منه، ويعود مقاتلًا كما كان.
و«عَتَّاب» البطل المغوار، الضخم الجسم، الفخم الصوت، الذي يفعل الأفاعيل بالأعداء ويدور اسمه على كل لسان لشجاعته وفروسيته، يدخل بيته فيجلس على أريكة عليها غطاء، ويعتمد في جلوسه على يده، فتدخل فيها إبرة، فوالله لقد كان يئن أنينًا يسمعه من بالحصن لعظم خلقته وجهارة صوته، ثم يموت، و«ندى» لا يموت.
ومعلم مكتب في قرية يعرض له أمر يحمله على الخروج من المكتب، وبعد مفارقته بقليل تزلزل الأرض ويقع البناء على الأطفال، فيموتون كلهم وينجو المعلم.
وكان «أسامة» يُقاتل الإسماعيلية مرة، حتى إذا انتهى القتال سمع رجلًا يصيح: «الرجال، الرجال»، فبادر هو وصحبه وسألوه عن صياحه، فأشار إلى إصطبل قديم مظلم، وقال: أسمع هنا صوت رجال، فدخلوا فوجدوا رجلين من الإسماعيلية فقتلوهما، ووجدوا إسماعيليًّا ورجلًا آخر من رجالهم يتقاتلان، فقتلوا، الإسماعيلي وحملوا صاحبهم إلى المسجد وبه جراحات عظيمة وهو لا يتحرك ولا يتنفس، ويظن كل من رآه أن قد مات، ثم أخذ نفسه يتردد، فخاطوا جراحه في رقبته وجسمه، ثم عاد إلى صحته كما كان.
وأصبح «أسامة» يومًا وهو واقف قرب الحصن، فرأى ثلاثة شخوص مقبلة، أما اثنان فكالناس، وأما الثالث بينهما فلم يتبينه، حتى إذا قرب رأي رجلًا قد ضربه إفرنجي بسيفه في وسط أنفه، فقطع وجهه إلى أذنيه وقد استرخى نصف وجهه حتى تدلى إلى صدره، وبين النصفين من وجهه قريب من شبر، فدخل البلد وخاط الجَرَّاح وجهه وداواه، والتحم الجرح وشُفِيَ، وسموه ابن غازي «المشطور» من أجل ذلك.
وهو بنفسه عبرة العبر في ذلك، فكم قاتل أسودًا ثم كادت تقتله ضبع، وكم أخطأ التقدير فخرج عليه الكمين وهو يظنه في مأمن، وهو يُقاتل على فرس يظهر بعدُ أنه من أردأ الأفراس، ولا يظن نفسه تنجو ثم ينجو، ويخرج عليه العرب والفرنج في وادي موسى فيقتلون عباسًا ومن معه ويسلم هو، إلى كثير من أمثال ذلك.
كل هذه المناظر وأمثالها أسلمته إلى الإيمان بالقدر إيمانًا كإيمان العجائز، والإيمان بالقدر سلاح ذو حدين، فأحيانًا يدعو إلى التواكل والخمول وترك الأمور تجري كما تشاء، وعدم الإيمان بالربط بين الأسباب والمسببات، وهذا أقبح وجهيه، وأثلم حديه، وهو الذي تلجأ إليه النفوس إذا ضعفت والقلوب إذا ماتت، وأحيانًا يدعو إلى الشجاعة وركوب الأخطار في غير خوف، والإقدام في غير فزع، فالأعمار مقدرة، والإقدام لا يقصرها، والإحجام لا يمدها؛ وهذا التفسير الأخير هو الذي كان يعتنقه المسلمون في الصدر الأول من حياتهم، والذي كان يعتنقه أبطال المسلمين في كل عصر.
اسمع «أسامة» يقول: «إن ركوب أخطار الحروب لا ينقص مدة الأجل المكتوب.» «ولا يظن ظانٌّ أن الموت يُقدمه ركوب الخطر، ولا يُؤخره شدة الحذر، ففي بقائي أوضح معتبر، فكم لقيت من الأهوال، وتقحمت المخاوف والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقتلت الأسود، وضُربت بالسيوف، وطُعنت بالرماح، وجُرحت بالسهام؛ وأنا من الأجل في حصن حصين.».
انظر إلى الأيام كيف تسوقناقسرًا إلى الإقرار بالأقدارما أوقد ابن طليْبَ قط بدارهنارًا، وكان خرابها بالنار? •••

إن كان «أسامة» في الثمانين لا يصلح لحمل السيف، فيده تستطيع أن تحمل القلم، وإن كان درس الصيد في صباه علمه الفروسية، فدرس الأدب في صباه وفي فترات راحته طول عمره علمه التأليف في الأدب، فهو يعكف من قبيل الثمانين إلى ما بعد التسعين على المطالعة والدرس والتأليف.
يُؤلف في الأدب «لباب الآداب» يُقسمه إلى أبواب، ويذكر في كل باب ما ورد فيه من القرآن، ثم الحديث ثم الآثار نثرًا ونظمًا، منها ما ورد في كتب الأدب الأخرى ومنها ما لم يرد، ومنها أحداث حدثت له، وأمور حدثت في زمنه?، ويُؤلف في نقد الشعر، وفي الشيب والشباب، وفي تاريخ القلاع والحصون، وفي أخبار النساء، وفيمن شهد بدرًا من الفريقين … إلخ. ويُؤلف كتابًا هامًّا أشبه بالمذكرات يكتبها العظماء في أحداثهم، وإن لم تكن مرتبة ولا مبوبة ويسميه «الاعتبار»?. وهو — فيما وصلنا من تأليفه — واسع الاطلاع، حسن الالتفات، صحيح التقدير، ظريف الروح، ظريف الاستخدام لما يحيط به من ظروف.
•••

قد صور لنا في كتابه الاعتبار، وقليل في لباب الآداب صورة دقيقة لنظرة المسلمين إلى الصليبيين في عصره، وأوضح لنا كثيرًا من قوانين الفروسية عند المسلمين والإفرنج، وهو لا يستحل ذكرهم من غير أن يعقب عليه بخذلهم الله أو لعنهم الله، ومع هذا لا بأس من أن يتخذ من بعضهم أصدقاء، فهو يكره منهم فكرة الصليبية، ويُصادق بعضهم لصفاتهم الشخصية.
يعجب لشجاعتهم ويقول: ليس لهم من فضائل الناس سوى الشجاعة، كما يعجب بنظرهم إلى الفروسية وتقدير أهلها «فليس عندهم منزلة عالية إلا للفرسان، ولا عندهم ناس إلا الفرسان، فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكم.» حكى أنه مرة تعدى قوم منهم على قطعان غنم للمسلمين، وكان بينهم وبينهم صلح، فشكا «أسامة» من ذلك لملكهم فلك الخامس Fulk V ملك أورشليم «فاختار الملك ستة من فرسانهم ليحكموا في هذه القضية، فخرجوا من مجلسه واعتزلوا وتشاوروا حتى اتفق رأيهم كلهم على شيء واحد، وعادوا إلى مجلسه الملك فقالوا: قد حكمنا بغرامة ما أتلف من غنمهم، وهذا الحكم بعد أن تعقده الفرسان ما يقدر أحد — ولو كان من مقدمي الفرنج — أن يغيره ولا ينقضه، فالفارس أمر عظيم عندهم.». وينقد تنكرد Tancred نقدًا مرًّا لإخلاله بأمان تعهد به، وبلدوين الثالث لمهاجمته أسرته وسلبها أموالها بعد أن أعطى أمانًا كتابيًّا بألا يتعرض لهم. ويقص قصصًا كثيرة من أعمال فرسان من الفرنج وفرسان من المسلمين، كانوا يأتون بالعجائب في حروبهم وبطولتهم وفروسيتهم؛ ويحكي أن فارسًا من الفرنج هزم أربعة من فرسان المسلمين فوبخهم أهل الحصن وعابوهم وفضحوهم وازدروهم، «فكأن تلك الهزيمة منحتهم قلوبًا غير قلوبهم وشجاعة ما كانوا يطمعون فيها، فانتخوا وقاتلوا واشتهروا في الحرب، وصاروا من الفرسان المعدودين بعد تلك الهزيمة.» إلى كثير من قصص المغامرات التي تستخرج الإعجاب بالفرسان من الجانبين.
وينظر إلى الصليبيين نظرة بدوية عربية، فينقدهم في عدم الغيرة على نسائهم، فيقول: «وليس عندهم شيء من الغيرة، يكون الرجل يمشي هو وامرأته فيلقاه رجل آخر، فيأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها، والزوج واقف ناحية ينتظر فراغهما من الحديث، فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدث وتركها ومضى.» ويروي نوادر أخرى من هذا القبيل.
ويذكر أنهم شديدو العصبية لجنسهم ودينهم، فقد أُسرت فتاة جميلة، وأُدخلت إلى دار والد أسامة، فأهداها إلى الأمير شهاب الدين صاحب قلعة «جعبر» فأعجبته، وولدت له ولدًا سماه «بدران» وجعله أبوه ولي عهده، ومات الوالد، وتولى بدران البلد، فغافلت أمه الناس وخرجت إلى «سروج» وهي في يد الفرنج، وتزوجت بأسكاف من بني جنسها؛ فكانت هي زوجة الأسكاف وابنها أمير قلعة «جعبر».
ومنهم من يُظهر الإسلام ويُصلي ويصوم، ويتزوج مسلمة، ثم إذا أمكنته الفرصة فر هو وأولاده وتنصروا بعد الإسلام والعبادة.
ويصف فرحهم بأعيادهم، ومرحهم في سباقهم.
ويقارن بين الطب عندهم والطب عند المسلمين، فيقول: إن طب الفرنج منه ما هو سخيف، فقد رأى فارسًا من فرسانهم طلع له دُمَّل في رجله، فأحضر له طبيب مسلم وطبيب منهم، فأما الطبيب المسلم فوصف له ما كاد يشفيه، وأما طبيبهم فقال له: أيهما أحب إليك، أن تعيش برجل واحدة، أو تموت برجلين؟ فقال: بل أحيا برجل، فأحضر فارسًا وفأسًا، وأمره أن يضرب رجله بالفأس ضربة واحدة يقطعها، فضربه فسال مخ الساق، ومات من ساعته، ومنه ما هو خرافي، كامرأة أصابها الصداع في رأسها فقال طبيبهم: «إنها امرأة في رأسها شيطان قد عشقها.» فأخذ موسى وحلق شعرها، وشق رأسها صليبًا، وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكه بالملح، فماتت في وقتها، ومع هذا فلهم أطباء مهرة حاذقون؛ فقد شاهد ملكًا من ملوكهم رمحه حصان في ساقه فتلفت رجله، وفتحت في أربعة عشر موضعًا وكلما ختم موضع فُتح موضع، ولا تنفع فيه المراهم، فجاء طبيب إفرنجي فأزال تلك المراهم، وجعل يغسلها بالخل الحاذق حتى بَرِئت؛ كما شاهد طبيبًا آخر يُعالج «عقد الخنازير» في مهارة، ولكن أطباء العرب كانوا أمهر؛ ومن أجل هذا كان كثيرًا ما يبعث الفرنج في طلب أطباء من العرب.
وعلى الجملة فلم يعجبه الفرنج من الناحية الأخلاقية والاجتماعية إلا من ناحية شجاعتهم؛ وقد أجمل ملاحظاته في قوله: «وكل من هو قريب العهد بالبلاد الإفرنجية أجفى أخلاقًا من الذين تبلدوا — يعني توطنوا — وعاشرو المسلمين.».
فيالله للمسلمين! أين كانوا من الفرنج وأين أصبحوا منهم؟ فشد ما يُخطئ من يعد الأمر أمر طبيعة ودم وجنس! إنما الأمر أمر «تربية».
وناحية أخرى يستطيعها «أسامة» في مثل سنه، وهي أن يُعين المسلمين برأيه ويُفيدهم بتجاربه، وهذا لا يقل شأنًا عن شجاعته وكفاحه.
فالرأي قبل شجاعة الشجعانهو أول وهي المحل الثاني ومع هذا فله ابن هو عضد الدولة أبو الفوارس يشترك في الحرب مع صلاح الدين ويحيا أسامة حياته الحربية فيه، فهو قطعة منه وقبس من ناره، وليمد هو بالرأي صلاح الدين، فيُحدثنا بعض المؤرخين أن صلاح الدين استدعى أسامة من حصن كيفا «وأنزله أرحب منزل، وأورده أعذب منهل، وملكه ضيعة من أعمال المعرة، وذاكره في الأدب ودارسه، وكان ذا رأي وتجربة، وحنكة مهذبة، فهو يستشيره في نوائبه، ويستنير برأيه في غياهبه، وإذا غاب عنه في غزواته، كاتبه وأعلمه بواقعاته ووقعاته، واستخرج رأيه في كشف مهماته وحل مشكلاته».
•••

خمس وثمانون … تسعون
«لما توقلت ذروة التسعين، وأبلاني مر الأيام والسنين، صرت كجواد العلاف، لا الجواد المتلاف، ولصقت من الضعف بالأرض، ودخل من الكبر بعضي في بعض، حتى أنكرت نفسي، وتحسرت على أمسي، وقلت في وصف حالي:
لما بلغت من الحياة إلى مدىقد كنت أهواه تمنيت الردىلم يُبق طول العمر مني منةًألقى بها صرف الزمان إذا اعتدىضعفت قواي، وخانني الثقتان، منبصري وسمعي، حين شارفت المدىفإذا نهضت حسبت أني حاملجبلًا وأمشي إن مشيت مقيداوأدب في كفي العصا وعهدتهافي الحرب تحمل أسمرا ومهنداوأبيت في لين المهاد مُسَهَّداقلقًا كأنني افترشت الجلمداوالمرء ينكس في الحياة وبينمابلغ الكمال وتم عاد كما بدا •••

في الحادية والتسعين يُؤلف لباب الآداب، ويُؤلف ويُؤلف، ويقول: «ما للعلم غاية يدركها الراغب، ولا نهاية يقف عندها الطالب، هو أكثر من أن يُحصر وأوسع، من أن يُجمع، ولولا أن النفس إذا غولبت غَلَبت، وإذا زُجرت لَجَّت وأبت، لكان اشتغال من بلغ من السنين، إحدى وتسعين، بأعمال البر والثواب، أجدى عليه من الاشتغال بتأليف كتاب، بعدما بالغ الزمان في وعظه، بتأثيره في قواه وسمعه وبصره لا بلفظه، وأنذره تغير حاله، بدنو ارتحاله، فهو مقيم على وفاز، ميت في الحقيقة حي بالمجاز.».
… خمس وتسعون — ست وتسعون.
عجز عن حمل القلم، كما عجز قبلُ عن حمل السيف.
•••

وفي ليلة من ليالي رمضان سنة ???هـ في دمشق، والجو خريف والسكون رهيب، أسلم «أسامة» روحه لخالقه، وهو يدعو لصلاح الدين بتمام النصر، ويسأل الله لنفسه الغفران.
? ابن طليب مصري عُرف بالبخل حتى رُمِيَ بأنه لا يُوقد نارًا في بيته بخلًا منه ثم احترقت داره بالنار.? نشرت هذا الكتاب مكتبة سركيس بمصر، وعُنِيَ بنشره وتحقيقه عناية فائقة الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد محمد شاكر، وقد استفدت منه كثيرًا.? نشر هذا الكتاب الأستاذ «درنبورغ» بليدن سنة ???? ثم نشره الأستاذ فيليب حتى بمطبعة جامعة «برنستون» بأمريكا نشرة أصح وأدق وأوفى.
الفصل الثاني والعشرون
ألعصا أم القضا؟


رأيت وأنا أدرس حياة «أسامة بن منقذ»، أن الأستاذ «فيليب حتى» لما نشر كتاب «الاعتبار» عدد كتبه وقال: إن منها كتابًا اسمه «العصا»، وإن الأستاذ أحمد شاكر عند نشره كتاب «لباب الآداب» عدد أيضًا كتب أسامة، وقال: إن منها كتاب «القضا»، وقال: إن الأستاذ فيليب حتى سماه كتاب «العصا» خطأ، وصوابه «القضا».
وحرت إذ ذاك بين الرأيين، هل اسم الكتاب «العصا» أو «القضا»؟ ورجحت أن يكون «العصا»؛ لأنها أنسب لحياة الفارس، وهو بعيد عن حياة القضاء، فبعيد أن يُؤلف فيه؟ وقلت: لعل الأستاذ شاكرًا؛ إذ كان قاضيًا وله اتصال وثيق بالقضاء وتعود نظره قراءة كلمة القضاء أكثر من تعوده العصا رجح الرأي الأخير، وخطأ الأول، أو لعل له حجة لم يدل بها.
ومرت الأيام، ومررت على وراقي في الأسبوع الماضي أبحث فيما عنده من الكتب، وشريت منه ما شريت، وكان عنده كمية من الورق (الدشت) — ولا أدري ماذا يُسمى ذلك في اللغة الفصحى — فطلبتها، فأعطانيها.
واليوم أخذت أقلب فيها فوجدت أوراقًا شتى من كتب لم أدر ما هي، ورسائل صغيرة بعضها قيم جدًّا، لعلي أُحدث القراء حديثًا آخر عنها، ورأيت كراسة صغيرة كُتب عليها «كتاب العصا لأسامة بن منقذ»؛ ومع الأسف استطعمها الفيران فأكلت أطراف بعض ورقها؛ وهي تقع في ثلاثين صفحة، لعل من الطريف أن أصفها للقراء.
لقد وضع الجاحظ في كتابه «البيان والتبين» بابًا طويلًا سماه «كتاب العصا»، وهو يدور على الشعوبية الذين عابوا على العرب اعتمادهم في خطاباتهم على القناة والعصا، وقالوا: «ليس بين الكلام والعصا سبب، ولا بينه وبين القوس نسب، وهما إلى أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر ويعترضا الذهن أشبه … وحمل العصا بأخلاق الأكرة والرعاة أشبه، وهو بجفاة الأعراب وعنجهية أهل البدو أشكل.» … إلخ، فرد عليهم الجاحظ في كلام كثير واستطراد طويل قولهم، مبينًا مزايا العصا ومحاسنها، ومستشهدًا بعصا موسى، وعصا سليمان، موضحًا مزاياها، وفيم تُستخدم، ومم تُؤخذ خيارها؛ وأن العصا للخطيب تأهب للخطبة، وتهيؤ للإطناب، فكأنهم قد وصلوا بأيديهم أيديًا أخرى، وهي أوقع في نفوس السامعين، وعون للخطيب على الإفاضة، كالرايات في الحروب والأعلام، والقلانس للقضاة، والقناع للرؤساء والعظماء، وآلات الموسيقى للمغني، وكإشارات المتكلم برأسه ويده، وتقطيعه ضروب الحركات على ضروب الألفاظ وضروب المعاني، إلى مثل هذا.
أما رسالة «العصا» لصاحبنا أسامة، فقد بدأها بسبب تسميتها عصا، قال: إنما سُميت العصا عصا لصلابتها، مأخوذ من قولهم: عَصَّ الشيء صَلُبَ، وعَصِي الشيء وعَسِي إذا صلب؛ والعصا: الجماعة، يقال: شق فلان عصا المسلمين؛ أي جماعتهم؛ وفي الحديث: «إياك وقتل العصا»، يُريد المفارق للجماعة فيُقتل … إلخ.
وأول من خطب على العصا وعلى الراحلة قس بن ساعدة الأيادي.
والعرب تقول: فلان ممن قُرِعَت له العصا، إذا كان يرجع إلى الصواب، وينقاد إلى الحق، ويستقيم عن زيغه إذا نُبِّهَ.
وتقول: فلان صلب العصا، إذا كان ذا نجدة وحزامة.
وتقول إذا تفرقت الخلطاء، واختلفت آراء العشيرة ومرج الأمر: انشقت العصا.
وتقول للمسافر إذا آب واستقرت به داره: ألقى عصا التَّسيار.
ثم أخذ يروي مختارات من الشعر والنثر، مما جاء فيها العصا؛ فالحجاج قال: والله لأعصبنكم عصب السلمة، ولاُلْحوَنَّكم لحو العصا، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل.
والمتلمس يقول:
لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصاوما علم الإنسان إلا ليعلما وقيس بن ذَريح يقول:
إلى الله أشكو نية شقت العصاهي اليوم شتى وهي أمس جميعمضى زمن والناس يستشفعون بيفهل لي إلى لُبْنَى الغداة شفيع والعرب تقول: فلان شق العصا إذا كان لا يدخل تحت حكم ولا طاعة.
ومهيار يقول:
يا، قصرت يد الزمان شد ماتطول في ثلمي وفي نقض المِرَرعصًا شظايا ومشيبٌ عنتومنزلٌ نابٍ وأصحابٌ غدروصاحب كالداء إن أبديتهعور وهو قاتل إذا أُسِر ثم يذكر فصلًا في أحداث حدثت تدور حول العصا، كالذي روي أن قتيبة بن مسلم (الفاتح العظيم) لما تسنم منبر خراسان سقط القضيب من يده، فتطير الصديق، وتفاءل العدو، فقال قتيبة: ليس الأمر كما سر العدو وساء الصديق، بل كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوىكما قر عينًا بالإياب المسافر وقص قصصًا نجته فيها العصا من الموت، وهو في قلعة شيزر، إلى نحو ذلك، ولعل أظرف فصل في الرسالة هو الفصل الأخير، وهو أطولها وموضوعه «عصا الكبر» وقد ظهرت على المؤلف عاطفة الحزن والأسف على ما اعتراه في كبر سنه من ضعف بعد قوة، وحمل العصا بعد حمل السيف، وقد ألَّف هذه الرسالة وهو كبير السن، فأكثر من إيراد الشعر في هذا المعنى إنشاء وإنشادًا؛ فمن ذلك ما رواه قال: أنشدني العميد أبو الحسن بالموصل سنة ???:
ما زلت أركب شاكلات الربربحتى مشيت على العصى كالأحدبأأزيد ثالثة وأنقص عن مدىمشي اثنتين؟ لقد أتيت بمعجبوالليث لو بلغت سنوه مدتيأو قاربت، أمسى فريسة ثعلب وأنشدني القاضي الرشيد أحمد بن الزبير بمصر سنة ???:
تقوس — بعد طول العمر — ظهريوداستني الليالي أيَّ دوسفأمشي والعصا تمشي أماميكأن قوامها وترٌ لقوسي ويقول هو نفسه:
حناني الدهر وأفــنتني الليالي والغِيَرفصرت كالقوس ومنعصاي للقوس وترأهدجُ في مشيي، وفيخطوي فتور وقصركأنني مقيدوإنما القيد الكبروالعمر مثل الماء فيآخره يأتي الكدر وقال:
أصبح كفي مالكًا للعصامن بعد حمل الأسمر الذابلأمشي بضعف وانحناء علىعصاي مشي الصائد الخاتلكأنني لم أمش يوم الوغىإلى نزال البطل الباسلولم أشق الجيش لا أختشيمن الردى كالقدر النازلفانظر إلى ما فعل العمر بيمن طوله لم أحظ بالطائليا حسرتا إني غدًا ميتعلى فراشي ميتة الخاملهلَّا أتاني الموت يوم الوغىبين القنا والأسل الناهل وقال:
حملت ثقلي في السهل العصاونبت في حين حاولت الحُزُوناوإذا رجلي خانتني فلالوم عندي للعصا في أن تخونا قال: وأنشدني الأمير السيد شهاب الدين العلوي الحسيني بالموصل سنة ??? لبعض المغاربة:
ولي عصًا في طريق السير أحمدهابها أقدم في تأخيرها قدميكأنها وهي في كفي أهش بهاعلى ثمانين عامًا لا على غنميكأنني قوس رامٍ وهي لي وترٌأرمي عليها رماء الشيب والهرم ولعل في هذا القدر كفاية في إثبات أن الكتاب في «العصا»، لا في «القضا»؛ ولعله يدعو إلى التفكير في إصلاح الكتابة التي تخلط بين العصا والقضا.

الفصل الثالث والعشرون
العلم والدين?


مما نلاحظ في تاريخ الإنسان أنه تسوده موجات متعاقبة في عصوره المختلفة وأممه المتعددة؛ فأحيانًا تسوده موجة الشعر كالذي كان عند العرب في عصر الجاهلية، واليونان في عصر هوميروس، وأحيانًا تسوده موجة الفلسفة كالذي كان عند اليونان في عصر سقراط وأرسطو وأفلاطون؛ وأحيانًا موجة الدين كالذي كان في العالم الإسلامي والعالم الأوروبي في القرون الوسطى.
وكان من خصائص القرن التاسع عشر سيادة موجة العلم حتى طغت على كل ما عداها.
وقد كانت هذه الموجات في العصور الماضية موجات محلية لا موجات عالمية، فكنت ترى أمة يسودها الشعر، وأخرى تسودها الفلسفة؛ أما وقد ارتبط العالم الآن برباط محكم، وانكسرت الحدود، وكادت تنعدم المسافات فقد أصبحت الموجات عالمية، لذلك لما علت موجة العلم في القرن الماضي في أوروبا وضعفت فيها موجة الدين تأثر العالم كله بهذه الظاهرة، وطغت موجة العلم على الشرق والغرب، وضعف الدين في الشرق والغرب؛ وربما كان ضعفه في الغرب اجتهادًا وضعفه في الشرق تقليدًا؛ لأن المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب كما يقول ابن خلدون.
وقد ساد العلم وضعف الدين في أوروبا إثر حركات عنيفة قام بها العلماء من القرن السابع عشر، فوضعوا لأنفسهم منهجًا علميًّا أساسه ملاحظة الظواهر وتحليلها تحليلًا عقليًّا، وربط هذه الظواهر بعضها ببعض، ووضع الفروض في حلها وامتحانها وتجربتها، وإبعاد ما تدل التجربة على خطئه، وإثبات ما تدل التجربة على صحته، حتى إذا تم الاقتناع به أُضيف إلى دائرة المعلومات واُتخذ أساسًا لبناء غيره عليه وهكذا؛ وتحرروا في منهجهم هذا من كل شيء إلا الملاحظة والتجربة والبرهان، فلم يعبئوا بأقوال القدماء كجالينوس وأرسطو، ولا بما ورد في الكتب الدينية، ولا بما قررته الكنيسة، ولم يسلموا بشيء إلا ما جُرِب في «المعمل»، فأداهم هذا المنهج إلى استكشاف آلاف من المسائل استخدموها في الحياة اليومية وبناء الحضارة الأوروبية، وعرفوا ما لا يُحصى من قوانين الطبيعة، ولما كان كل مظاهر الحياة اليومية متأثرًا بهذه المستكشفات العلمية زاد الناس احترامًا للعلم وتقديرًا له وإعجابًا به، وكان من أثر ذلك شغف الناس بالأرض دون السماء، وبالعالم المادي لا الروحي، وبهذه الحياة لا بما بعدها.
وكان أن هاجم العلماء في بحثهم العلمي مسائل تتصل بالدين من قريب أو من بعيد؛ فآمن الناس بأقوالهم فيها كما آمنوا بأبحاثهم العلمية الأخرى، فكان لذلك أثره في ضعف موجة الدين في أوروبا، ولنقص عليك طرفًا منها.
فمن أهم ما زلزل الناس تعاليم كوبرنيكس في النظام الشمسي، فقد قلب قيمة الأشياء رأسًا على عقب، كان الناس يعتقدون أن الأرض مركز العالم، وأن الشمس والكواكب تدور حولها، وأن النجوم خُلقت للأرض، والأرض خُلقت للإنسان، فكل العالم وسيلة ومتعة للإنسان، فجاءت تعاليم كوبرنيكس فبرهنت على أن الأرض وما عليها ليست إلا هنة حقيرة في العالم، وأنها تدور حول الشمس لا أن الشمس تدور حولها؛ فحطم ذلك من أنانية الإنسان وحطم من عظمته، وقام رجال الدين ينكرون عليه تعاليمه لمعارضتها للنصوص الدينية.
وتلاه «دارون»، فأكمل القضاء على شعور الإنسان بعظمته، فدعا إلى تسلسل المخلوقات بعضها من بعض، وأن ليس الإنسان نوعًا مخلوقًا بذاته، وأن العالم من جماد ونبات وحيوان وإنسان وحدة مرتبط بعضها ببعض، ومترقية بعضها من بعض؛ فتغيرت بذلك النظرة إلى العالم، والنظرة إلى الإنسان، وخلعت على العالم نظرة ميكانيكية يرقى بها الحقير إلى ما فوقه بحكم البيئة وتنازع البقاء وبقاء الأصلح، حتى كأن العالم يصنع نفسه، وكان لهذه التعاليم أثرها في اصطدامها بظواهر آيات الكتب المقدسة.
وجاء علماء الجيولوجيا بعد علماء الفلك، وبعد نظرية دارون، فأخذوا يبحثون في بناء الأرض على قاعدة انفصالها من الشمس، وعلى قاعدة تسلسل الأنواع وما يستلزم ذلك من ملايين السنين في تكوينها وصلاحيتها للحياة، وتدرج الأنواع، وجاء بعدهم علماء الحياة، فجدوا في البحث عن الحياة وتطورها، وهكذا، فكان لهذا كله أثر في الدين، وعلى الأقل في ظواهر آياته.
•••

وكما تقدم البحث في العلوم الطبيعية على هذا النحو تقدم البحث في التاريخ، فاستكشفت الآثار القديمة، وعُرفت أهم لغاتها، وقُرئت نصوصها، ووضع للتاريخ منهج على نمط منهج العلم؛ وتوجه بعد ذلك علماء التاريخ ينقدون الوثائق القديمة، فوصلوا مثلًا إلى أن شعر هوميروس ليس شعرًا لرجل واحد ولا لعصر واحد، وإنما هي أشعار لعصور متعاقبة لشعراء متعاقبة، وبحثوا تاريخ اليونان والرومان والأمم القديمة، فوصلوا إلى أن بعض ما دون عنها أساطير لم تصح، وبعضها حقائق تصح.
وبنفس هذه الوسائل، وبنفس هذا المنهج توجهوا إلى «الكتاب المقدس» من توراة وإنجيل يبحثونه وينقدونه، فبحثوا سفر التكوين وبقية الأسفار، كيف كُتبت؟ ومتى كُتبت؛ ونشروا على الناس نتائج أبحاثهم، ينكرون بعضًا ويؤمنون ببعض، وينقدون الأسلوب والأحداث، ويستنتجون عصورها إلى آخر ما قاموا به؛ فكان لذلك رجة عنيفة أيضًا في نفوس الناس، وخاصة المثقفين.
وزاد الأمر إشكالًا والناس انحيازًا إلى العلم موقف رجال الكنيسة، فقد تمسكوا بنصوص الكتب والشروح والآثار في باطنها وظاهرها، وجملتها وتفصيلها، وأنكروا على العلماء نظرياتهم، واضطهدوهم أيام كانت السلطة في أيديهم، وحَكَّم الناس العقل في موقف رجال العلم ورجال الكنيسة، فرجحوا جانب العلم، فطغت موجة العلم على موجة الدين، ووقف الكثيرون من الدين موقف الإنكار أو عدم الاكتراث أو أداء بعض شعائره كما تُؤدى المواضعات الاجتماعية من غير روح ومن غير اعتقاد، فكان هذا طابع القرن التاسع عشر في أوروبا، ومنها سارت الموجة إلى الشرق وأنحاء العالم، ظنًّا منهم أن أوروبا تقدمت في الحضارة بتقديس العلم مكان تقديس الدين، فجاروهم في ذلك.
•••

ولكن: كان لرجال العلم خطؤهم كما كان لرجال الدين خطؤهم.
فهم قد أفرطوا في الإيمان بقوانين العلم مع أن هذه القوانين في تغير مستمر وإن كان بطيئًا؛ إن القوانين العلمية مبنية على جملة من القضايا تعد حقائق، ولكن بعض هذه القضايا عرضة لظهور خطئها، فيخطئ بخطئها القانون المبني عليها، فاستكشاف قضايا جديدة أو حقائق جديدة قد يلغي قانونًا كان مسلمًا به أو يُعدِّله أو يُرقيه، فالعلم في حركة مستمرة وتغير مستمر، ويجب أن يكون العالم واسع النظر، واسع الصدر لكل ما يستكشف من جديد، مستعدًا لقبول ما تثبت صحته، مستعدًا لتغيير وجهة نظره وتعديل إيمانه بالحقائق، وأحيانًا يستكشف ما هو أساسي في العلم، فيكون ثورة على كثير من النظريات والقضايا، وأحيانًا تستكشف حقائق جزئية يترتب عليها تغييرات جزئية؛ هذا هو تاريخ العلم، فالإفراط في الإيمان بقضاياه على أنها حقائق أبدية، غلطة كغلطة رجال الدين في تحجير النصوص.
وأمعن من ذلك في الخطأ أن كثيرًا من العلماء اعتقدوا أن المنهج العلمي من ملاحظة وتجربة وبرهان هو المنهج الوحيد لكل شيء، ولا شيء غيره، وأن كل شيء في العالم يحل بالعلم وبمنهج العلم، وفاتهم أنهم بمنهجهم العلمي قد اتجهوا اتجاهًا صحيحًا نحو عجلة العالم، يفحصونها ويجربونها ويمتحنونها، ولكنهم لم يتجهوا نحو محرك العجلة، وقد لا يستطيع العلم بمنهجه أن يبحث المحرك؛ والدقيق النظر الواسع الفكر لا يقف في بحثه عند العجلة ودورانها، بل يبحث ما وراءها، لا يقف عند المادة، ولكن يبحث ما وراء المادة.
إن العلم منهج صحيح للمادة، ولكن ليس الصحيح لغير المادة، هو منهج صحيح من جملة مناهج، ولكنه ليس المنهج الوحيد الصحيح، إن جمع المشاهدات وإجراء التجارب عليها والاستقراء والحكم به أحد طرق العقل للوصول إلى الحقيقة، ولكن وراءه طرق أخرى للوصول إلى الحقيقة أيضًا.
إن شئت فانظر إلى الفنانين من شعراء وموسيقيين ومصورين، كيف يدركون من العالم ما لا يدرك العقليون، ثم ينقلون إلينا ذلك الشعور بشعرهم وموسيقاهم وتصويرهم فتهتز عقولنا هزة عميقة لا يبلغها قول علمي، ولا بحث فلسفي، بل أدرك هؤلاء الفنانون من حقائق العالم ما لم يُدركه الفلاسفة والعلماء إلا بعد ذلك بأزمان، وقديمًا قالوا: «إن الفن إرهاص للفلسفة.».
هذه حقائق واقعة في العالم لا يمكن إنكارها، وليس منهجها هو المنهج العلمي المعروف، فمن الخطأ الإيمان بالمنهج العلمي وحده، إن منهج هذه الفنون الاعتماد على الإلهام وصفاء النفس وتفتح القلب، وهو منهج صحيح أيضًا كالمنهج العلمي، له دائرته وله سبحاته التي لا تُنكر، والاقتصار على المنهج العلمي في فهم العالم كذي رجلين يتعارج.
على هذا المنهج أيضًا جرى الذين ملأ قلوبهم الشعور الديني من أنبياء ومتصوفة صادقين؛ فهؤلاء قد أدركوا — بما لهم من إلهام — من حقائق العالم وخالقه ومحركه ما لا يقل شأنًا عما أدركه العلماء بمنهجهم، وأثروا في تاريخ الإنسان ما لا يقل عما أثره العلم، وإن هذا الإلهام وسيلة صحيحة من وسائل الوصول إلى الحق كما أن التجربة والملاحظة وسيلتان كذلك، ولكلٍ دائرته ولكل اختصاصه، نعم قد يكون الإلهام في بعض النفوس خداعًا وكذبًا، وقد تصعب التفرقة بين ما هو إلهام وما هو مجرد خيال؛ ولكن كل وسيلة من الوسائل حتى الوسائل الحسية قد تفسد فلا توصل إلى الغرض، وهذا لم يقدح في الوسائل السليمة، فكما أن هناك شاعرًا مزيفًا، وموسيقيًّا ملهمًا وموسيقيًّا مصطنعًا، كذلك هناك نبي ومتنبئ، ومتصوف ومجنون.
إنا إذا أردنا أن نصل إلى حقائق العالم، إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من حقائق العالم، وجب أن نستخدم كل ما نستطيع من ملكاتنا، وليست ملكات الإنسان مقصورة على القوة العقلية، فلديه الشعور ولديه الإرادة، فلِمَ يستخدم القوة العقلية وحدها وهي آلة العلم ولا يستخدم الشعور أيضًا وهو وسيلة أخرى من وسائل المعرفة؟ وقد أنصف المتصوفة فسموا نتيجة استخدام المنطق «علمًا» وسموا نتيجة استخدام الشعور والذوق والكشف «معرفة»، وسموا الأول عالمًا والثاني عارفًا، وقد دلت التجارب على أن الإنسان في هذه الحياة — مهما قوي عقله، ومهما آمن بعلمه — لا يسيره عقله أو علمه فقط، وإنما يسيره كذلك شعوره، وهو يحكم على كل مظاهر الحياة وعلى الأعمال، ويرسم خطته في الحياة ويحكم على غيره في تصرفاتهم بمقتضى عقله وشعوره لا بعقله وحده، وهو في ذلك ليس مخطئًا، وإنما هو مسير في ذلك بحكم طبيعته وفطرته، ومعنى هذا أن الإنسان يُدرك حقائق العالم بعقله وشعوره معًا، ويستعمل لهذا منهجه وذلك منهجه ولا محيد له عن ذلك، وأدرك هذا المعنى قوم من صفوة العلماء فسمحوا لعقلهم أن يجول في دائرة العلم إلى أقصى حد ممكن، وسمحوا لمشاعرهم ودينهم كذلك أن تجول في دائرتهما، واستفادوا من قوة عقلهم وعلمهم، فكبحوا من مشاعرهم الجامحة، ولم يسمحوا لدينهم أن يُقيد مجال علمهم، كما استفادوا من قوة مشاعرهم فوسعوا ضيق نظر العلم، وكسروا من حدة غروره.
ومهما قال علماء النفس في وحدة القوة النفسية في الشخص، فهناك من شئون الحياة ما يتطلب إعمال الإرادة، ومنها ما يتطلب الشعور، ومنها ما يتطلب العقل، ثم هذه الملكات موزعة على الناس توزيعًا عجيبًا، فمنهم قوي الإرادة ضعيف العقل، ومنهم قوي العقل ضعيف الشعور، ومنهم ضعيف العقل قوي الشعور؛ وقديمًا رمزوا للعقل بالرأس وللشعور بالقلب، فمن قوى رأسه كان أقرب في الحياة للمنهج العلمي، ومن قوى قلبه كان أقرب للمنهج الشعوري والديني، والفني؛ وإذ كان في العالم ما يواجه كل ملكة من هذه الملكات الثلاث فليس من العقل أن نتطلب حقائق العالم بقوة العقل وحده ونشل سائر الملكات، وإنما العقل أن نستعمل كل ملكاتنا في إدراك حقائقه، كل في اختصاصه، كما تدرك مظاهره بحواسنا، كل حاسة في اختصاصها.
فرجال العلم لهم أن يستكشفوا ما شاءوا من عجلة العالم، ويُلاحظوا ويُجربوا ويُبرهنوا ما شاءوا؛ ولهم تمام الحرية فيما يبحثون، والفنانون لهم أن يستكشفوا من جمال العالم، ويستلهموه ما شاءوا، وينقلوا من صفاته وجماله وإلهامه ما لا يقل شأنًا عن مستكشفات العلماء، والأنبياء والمرسلون والمتصوفة، يبلغون من إدراك محرك العالم وقيم معنوياته ما يفوق مستكشفات العلم وإلهامات الفن.
•••

ولست أرى سببًا جوهريًّا يحمل على هذا العراك العنيف بين العلم والدين إلا تعصب رجال العلم في دعواهم أن علمهم يختص بكل شيء، يقدر على حل كل عقدة، وأن ليس وراء العلم مطلب، ولا غير دائرته دائرة، وإلا تعصب رجال الدين في عدم إيمان بعضهم بالعلم في دائرته، وعدم تفرقة بعضهم بين ما هو أساس في الدين وما هو على هامشه، وجمود بعضهم على أقوال الأقدمين كأنها وحي منزل.
فإن زال كل هذا من الطريق لم يكن صراع، وإنما كان تعاون، فالعلم يُكمل الدين والدين يُكمل العلم، وكلاهما يكشف عن قسم من حقائق هذا العالم، وكلاهما غذاء صالح لملكات الإنسان المختلفة المتنوعة، حتى تتعادل ملكاته كلها وتتوازن وتسير إلى غايتها؛ فالعلم الحق والدين الحق كلاهما غايته حب الحقيقة، وإن اختلف منهجاهما ووسائلهما، وكلاهما يصل بالإنسان إلى كماله، وإلى فهم ما يحيط به، هذا في ماديته، وهذا في روحانيته.
? كتبت هذه المقالات الأربع الآتية في رمضان سنة ???? في كل أسبوع حديثًا، وكنت عنونتها «حديث رمضان».
الفصل الرابع والعشرون
الإيمان بالله


يُحكَى أن رجلًا ما زال يمعن في الشك حتى وصل به إلى الإلحاد، فحدث يومًا صديقه بما ساوره من شكوك وما كان من نتيجتها من إلحاد.
فقال له صديقه: ما أظنك ملحدًا؛ لأني أرى فيك ملامح إيمان:
فأكد له الرجل إلحاده.
وما زال الصديق يُنكر، والرجل يُؤكد حتى استفز الملحد الغضب، فصرخ قائلًا: «والله العظيم إني ملحد».
هذه القصة تمثل ما ركز في طبيعة الإنسان من إيمان بإله، مهما انحرف العقل وطغى المنطق، ولهذا نرى كثيرًا من العلماء قد كفرت عقولهم وآمنت قلوبهم، قد تختلف صور الإله باختلاف عقلية الأمم واختلافها في البداوة والحضارة، والعلم والجهل؛ ولكنها كلها تشترك في النزوع الفطري إلى إله له القوة والسلطان، وبيده الأمر.
لقد جاءت الثورة الفرنسية فرأت ما فعله رجال الكنيسة من اضطهاد العقل، وغلول الفكر، والتدخل فيما ليس من شأنهم، وإظلام الحياة حولهم، فثار رجال الثورة عليهم وعلى دينهم، وأعلنوا أنهم يُريدون إلغاء الله، ولكن ماذا كان؟ هدأت الثورة، وخمدت النار، ورجع الناس إلى ربهم، ولم يُلغ الله؛ ولكن ألغيت تعاليم الثورة في هذا الشأن؛ لأنها ضد طبيعة الإنسان.
وحاول بعض رجال الثورة في تركيا إلغاء الدين وإلغاء عبادة الله، ثم ذهبت دعوتهم مع الريح، وذهبوا هم وبقي الدين، وبقي الناس مع الدين.
وجاءت الثورة الروسية أول أمرها داعية إلى إلغاء الله، وإلغاء الحرية، وإلغاء فكرة الخلود؛ ثم ما لبث الدين أن عاد، تغير شكله وبقي جوهره، وذهب تركبه وبقيت بساطته، وعلى كل حال فهو الدين، وهو الله.
•••

ولكن ما الذي لفت الإنسان إلى الله؟
لفته أولًا شعوره، والشعور جزء هام من تكوينه، ومصدر صحيح من مصادر معارفه، وعليه يعتمد في كثير من شئون حياته، فما الصداقة، وما الأبوة والأمومة، وما الحب والكره، وما الإحسان والإنسانية لولا الشعور، ولو انعدم الشعور لكانت حياتنا جافة لا طعم لها، بل لم تكن حياة أصلًا؛ فالشعور بالله جزء مكون لحياتنا كسائر ما نُدرك بالشعور.
ثم اهتدى إليه العقل بعد ما اهتدى إليه الشعور.
لقد كان من أهم ما استكشفه الإنسان إدراكه أن العالم وحدة، وأنه يتبع نظامًا في منتهى الدقة يُدركه الإنسان لأول وهلة في تعاقب الليل والنهار، والصيف والشتاء، وحركات الشمس والقمر، ثم كلما زاد تعمقه في دراسة الطبيعة ازداد إيمانًا بهذا النظام ودقته؛ فإذا تبين في شيء ما فوضى أدرك فيما بعد أن ذلك يعود إلى جهله بقوانينه لا حاجته إلى النظام؛ وأكثر الناس إيمانًا بالنظام في فرع من فروع العلم علماء ذلك الفرع، فالفلكيون أشد الناس إيمانًا بنظام الكواكب، وعلماء الحيوان في الحيوان، وعلماء النبات في النبات، وعلماء وظائف الأعضاء في وظائف الأعضاء، وأطباء العيون في العيون، وهكذا، كلٌّ يدرك أتم نظام وأدقه في فرعه؛ والفيلسوف يدرك ذلك في العالم كوحدة، بل يدرك أنه لولا نظام ناحية من نواحي العالم ما كان لها علم، فالعلم معناه جملة من القوانين المنظمة بجانب من جوانب الحياة، كالنبات والحيوان والفلك، حتى الجسم في مقاومته المرض يفعل الأعاجيب في نظامه، ولولا ذلك ما كان طب؛ ثم كل جزء من أجزاء العالم مرتبط بأجزائه الأخرى، يخضع هو وهي لنظام عام كعلاقة الخلية في الجسم بالجسم كله؛ فالعالم حروف هجاء ترتبط ألفه ببائه ارتباطًا قريبًا، وألفه بيائه ارتباطًا بعيدًا، وكلها تكوِّن نظامًا واحدًا، وتخضع لقوانين واحدة، حتى إن العالم الدقيق النظر لو تعمق في دراسة جزء من أجزاء العالم أعانه ذلك على فهم سائر أجزائه لشبه القوانين ووحدة النظام، وبلغ من دقة نظامه أنه لولا نظامه ما وُجد.
وبعدُ فإذا رأينا آلة تسير جزمنا أن وراءها محركًا حركها، وعقلًا دبرها؛ وإذا رأينا إنسانًا يعمل ويتحرك ويتصرف جزمنا أن فيه عقلًا يدبره ويصرفه، فإذا فارقه العقل فارقه العمل والتحرك والتصرف، فكيف يسير هذا العالم وفق هذا النظام الذي رأينا ولا يكون له عقل يصرفه وروح ينظمه.
إن الله عقل العالم وروحه، وهو للعالم كعقلنا فينا، وقد صدق الأثر: «إن الله خلق آدم على صورته».
•••

أعجب ما في العالم عقل الإنسان، ولعل أعجب ما فيه أنه استطاع أن يدرك عجائب العالم، واستطاع أن يتجاوب مع عقل العالم الذي هو وليده وظله.
نحن بين اثنتين: إما أن نكون — كجزء من العالم — خلوًّا من العقل والروح والغرض، والعالم كذلك مادة جامدة لا روح لها ولا مدبر لها، ولا غرض لها، أو أن تكون لنا روح وعقل وغرض، وللعالم روح وعقل وغرض، تتجاوب روحنا مع روحه، وتتحدد أغراضنا بأغراضه، والأول الكفر، والثاني الإيمان؛ فإن حكمت بعقلك فقد آمنت بعقلك، وآمنت تبعًا لذلك بعقل العالم؛ وهو الإيمان.
وكما أحكم «عقل العالم» تدبير العالم ونظامه، كذلك أشع عليه من جماله، فالعالم مغمور بالجمال في صغيره وكبيره ودقيقه وجليله، في السماء والأرض، في النجوم بضيائها ولمعانها، في السحاب المسخر بين السماء والأرض، في عظمة البحار، في جلال الجبال، في شروق الشمس وغروبها، في الطير يطير في السماء، في السمك يغوص في الماء، في الحركة والسكون، في الأشكال والألوان.
الطبيعة جميلة في كل جزء من أجزائها، وأجمل من أجزائها جمال كلها، فليس الكل يُساوي الأجزاء، فجمال أجزاء الطائرة مفرقة ليس كجمال الطائرة كلها طائرة، ولا جمال أجزاء الإنسان كجمال الإنسان كلًّا، إن الطبيعة في جمالها ككل تسحر العين، وتأخذ باللب، وتملأ القلب روعة، حتى ليشعر في وقت صفائه أن هذا فوق أن يُوصف، والألفاظ أعجز من أن تُعبر عنه.
وكما كان أكبر قيمة للإنسان عقله الذي استطاع به أن يُدرك عقل العالم وتدبيره ونظامه، كذلك من أكبر قيمته شعوره الجميل الذي استطاع به أن يُدرك جمال العالم، ويتجاوب معه، ويأنس به؛ قد يكون في بعض اجزاء العالم قبح، ولكنه قبح لطيف لولاه ما استطعنا أن ندرك جمال الجميل.
إن كان تدبير العالم وإحكام نظامه لا بد أن يصدر عن عقل للعالم منظم، فجماله الذي يشع فيه في دقة لا بد كذلك أن يصدر عن خالق منسق.
لقد زعم بعض أصحاب مذهب النشوء والارتقاء أن الجمال نشأ عن قانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، وأن الجمال في الجنس منحة الطبيعة لإغراء الجنس، كالأنثى تتبرج للرجل حفظًا للنوع، فإن كان هذا صحيحًا فما تفسير جمال الجماد وجمال المناظر الطبيعية؟
•••

هذا هو الجانب الإيجابي في الاعتراف بالله، وهناك الجانب السلبي، وهو لا يقل عنه قوة وإقناعًا.
لقد تقدم العلم وتقدم، واعتز بنفسه وملأه الغرور، ومع هذا كله لم يستطع أن يُفسر إلا السطح وإلا المظاهر، ما العلة الأولى للخلق؟ من الذي بعث الحياة في الخلية الأولى للعالم؟ كيف تفسر ملايين الحقائق في عجائب الطبيعة وفي عجائب أنفسنا؟
إن أقصى ما يصبو إليه العلم أن يعرف نصف الحقائق، وهو الظاهر والإجابة عن «كيف»، أما النصف الآخر — وهو أقوم النصفين — وهو باطن الحقائق، والإجابة عن «ما هي» لا كيف هي، فعاجز كل العجز عنه لا يستطيع أن ينبس فيه بحرف.
إن من يؤمن بالعلم وحده وينكر ما وراءه، ومن يؤمن بالقوانين العلمية وينكر ما عداها لا يؤبه بقوله حتى يقول: إني أستطيع أن أفسر العالم من ألفه إلى يائه، فأما أن يفسر الآلة ولا يفسر محركها، ويفسر تطور الحياة وتدرجها ولا يفسر كيف وجدت لأول عهدها بالوجود فضرب من السخف، أو هو على أحسن تفسير كقول الطفل لا أعلم؛ لأنه يُريد أن يتعلم.
إنكار العلة الأولى للعالم وعقل العالم الذي يدبره يلقي على عاتقنا عبئًا لا نستطيع حمله.
إن العلم في حقيقة أمره يزيد عجائبنا ولا يحلها، هذا الفلكي بعلمه ودقته وحسابه ورصده وآلاته ماذا صنع؟ أبان بأن ملايين النجوم في السماء بالقوة المركزية بقيت في أماكنها أو أتمت دورتها، كما أن قوة الجاذبية في العالم حفظت توازنها ومنعت تصادمها؛ ثم استطاعوا أن يزنوا الشمس والنجوم ويبينوا حجمها وسرعتها وبعدها عن الأرض، فزادوا عجبًا، ولكن ما الجاذبية وكيف وجدت وما القوة المركزية وكيف نشأت؟ وهذا النظام الدقيق العجيب كيف وجد؟ أسئلة تخلى عنها الفلكي لما عجز عن حلها؛ وأبان الجيولوجي لنا من قراءة الصخور كم من ملايين السنين قضتها الأرض حتى بردت، وكم آلاف من السنين مرت عليها في عصرها الجليدي، وكيف غُمرت بالماء، وكيف ظهر السطح، وأسباب البراكين والزلازل، وكذلك فعل علماء الحياة في حياة الحيوان، وعلماء النفس في نفس الإنسان؛ ولكن هل شرحوا إلا الظاهر، وهل زادونا إلا عجبًا؟ سلهم كلهم بعد السؤال العميق الذي يتطلبه العقل دائمًا وهو: من مؤلف هذا الكتاب المملوء بالعجائب التي شرحتم بعضها وعجزتم عن أكثرها؟ أتأليف ولا مؤلف، ونظام ولا منظم، وإبداع ولا مبدع؟ من أنشأ في هذا العالم الحياة وجعلها تدب فيه؟ من عقله الذي يُدبره.
إن النشوء والارتقاء لا يصلح تفسيرًا للمبدع، وإنما يصلح تفسيرًا لوحدة العالم ووحدة المصدر، وكلما تكشفت أسرار العالم وتكشفت وحدته ووحدة تدرجه ووحدة نظامه وتدبيره كان الإنسان أشد عجبًا، وأشد إمعانًا في السؤال، وليس يقنعه بعد كشف العالم عن أسرار العالم، وعجزه عن شرحها وتعليلها، إلا أن يهتف من أعماق نفسه: «إنه الله رب العالمين».

الفصل الخامس والعشرون
الحياة الأخرى


في الناس قديمًا وحديثًا، فيما قبل التاريخ وما بعد التاريخ، في البدو والحضر، في الأصقاع المختلفة حيث لم تكن هناك صلة بين الناس، ولا تبادل في الأفكار والمشاعر، في الإنسان الساذج الجاهل، وفي الإنسان المعقد العالم؛ في كل أولئك شعور خفي يشبه الإلهام بأن وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى تتحقق فيها العدالة وقد فقدت في الدنيا، وينال فيها الإنسان جزاء أعماله ونياته، من غير أن تفسد الحكم رشوة قاض، أو بلاغة محام، أو تحيز لطبقات، أو لشتى الاعتبارات؛ هو نوع من الإلهام يشبه إلهام النبات في امتصاصه ما ينفعه وتجنب ما يضره، وإلهام الطير في رحلاته في الوقت المناسب، وعودته إلى وطنه في الزمن الملائم، وإلهام الطفل حين خروجه إلى هذا العالم أن يلتقم ثدي أمه، وأن يبكي إذا عراه ألم، وأن يبتسم بعدُ إذا سر، وأن ينفعل بالرضا والغضب، ونحو ذلك من شتى العواطف والغرائز.
حتى أكثر الذين ينكرونه بألسنتهم وبمنطقهم يشعرون أن الإلهام باليوم الآخر متغلغل في أعماق نفوسهم، كامن في خفايا غرائزهم، لا يلبث أن يظهر إذا اشتدت الشدائد وتحرجت الأمور ووقعت الكوارث، فتراهم ينكرون عقولهم ويُؤمنون بغرائزهم، ويحسنون أعمالهم، ويكفرون عن كفرهم، ويألمون لأنكارهم غرائزهم.
بهذه العقيدة في الحياة الآخرة أصبح عمر الإنسان طويلًا لا حد لطوله، وبهذه العقيدة أضاف إلى حياته المادية المحدودة حياة روحانية غير محدودة، وبهذه العقيدة شعر أنه أرقى من كل الكائنات المادية، ومن كل النباتات والحيوانات القصيرة المدى، وبهذه العقيدة شعر أن نفسه الخالدة أرقى من جسمه الفاني، وبهذه العقيدة تشكل سلوك الإنسان وعليها أسس حضاراته؛ فحضارة قدماء المصريين والآشوريين والبابليين ما كانت تكون لولا العقيدة في الآخرة، وعلى هذه الحضارات بُنيت الحضارات المتتابعة على اختلاف أشكالها وألوانها.
أفمع هذا كله يمكن أن يكون هذا الإلهام كاذبًا أو خادعًا؟
لقد جاهر بهذا قوم من كل صنف وكل ملة، فقديمًا قال الشاعر:
حياة ثم موت ثم نشرحديث خرافة يا أم عمرو وحكى الله في القرآن عن قوم قالوا: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ.
وجاء بعض العلماء في العصر الحديث فشايعوهم في أفكارهم، ونادوا بأن لا شيء إلا المادة، ولا حياة إلا هذه الحياة، وأن الفكر والشعور والعواطف نتيجة المادة وحدها وإفرازها، كما تفرز الكبد الصفراء، وكما تفرز الكلية البول؛ والأفكار والإرادة والعواطف من إفراز المخ، ويتوقف مقدارها ونوعها على مقدار المخ وعمله وتركيبه؛ وكل شيء في الحياة مادة أو مظهر من مظاهرها، ولا شيء يُسمى النفس، فلا معنى لخلودها، وإنما هو من نسج الخيال، وجاراهم في ذلك بعض علماء النفس، فأخذوا يُحللون الشعور بالحياة الأخرى، ويرجعونه إلى عناصره الأولية؛ ورأوا — على طريقتهم — أن هذا يرجع في الإنسان إلى «مركب النقص»، فلما رأى ضعفه بالنسبة لقوة الطبيعة حوله اخترع ما يُكمل نقصه، فادعى بأنه الخالد وهي فانية، الحي أبدًا وهي مائتة، وأُوحي إليه بهذا الخيال — على رأي بعضهم — ما رأى من طير يطير بأجنحته إلى السماء ويغيب عن الأنظار ثم يعود إلى عشه كما بدا، قالوا: وإن هذا العالم مملوء بالشرور والكوارث والظلم، ناقص من كل وجه، والإنسان طموح بطبعه، حاول أن يُصلح العالم حسب آماله وطموحه، فأدرك القليل وعجز عن الكثير؛ فلما أعياه إصلاح الواقع لجأ إلى الخيال، فتخيل الفلاسفة مدنًا مثالية كالمدينة الفاضلة وما سموه «يوتوبيا»، وتخيل الجمهور عالمًا آخر مثاليًّا هو الجنة، وهكذا استمروا في قولهم وتعليلهم.
•••

أما أن العالم مادة فقط فقول لا يستسيغه العقل؛ فكيف تكون الأفكار والإرادة والعواطف نتيجة للمادة الكثيفة الجامدة! وكيف يكون الفكر الذي يشعر بشخصيته نتيجة لمادة لا تشعر بشخصيتها؟ وكيف تكون المادة التي ينصب عليها الفكر والشعور هي بعينها المفكرة الشاعرة؟ وكيف تكون المادة والعقل والفكر شيئًا واحدًا وصفاتها مختلفة تمام الاختلاف؟ بل كيف تكون المادة المادية علة للفكر والعقل غير الماديين؟ إن القول بأن المادة كل شيء يعجز عجزًا تامًّا عن تفسير ظواهر العالم، فكيف تنشأ الحركة عن المادة؟ وكيف ينشأ الحس عن الحركة؟ وإن وجود علاقة بين شيء وشيء كالعلاقة بين المخ والتفكير لا يستلزم العلية، وإن المخ هو مكان الفكر لا علته.
إن كان ذلك كذلك فلا بد أن يكون هناك شيء وراء المادة، ووراء الجسم، وهو الروح.
•••

ثم إن العلم الحديث أثبت أن المادة لا تنعدم، فكل ذرة في هذا العالم لا تفنى، ولكن تتحول من حبة الرمل وقطرة الماء إلى أعظم مخلوق؛ فالشمعة تحترق وتبدد الظلام وتتبدد هي أيضًا، ولكن الكيمياوي يستطيع أن يُثبت أن عناصرها لم تفن وإنما تفرقت في الجو، وهي موجودة في الهواء، ولكن في وضع آخر، تغير شكلها ولكن لم يتغير جوهرها، وليست مادة الشمع وحدها لا تفنى، بل طاقتها وقدرتها على الاحتراق والإضاءة لم تفن كذلك، بل تغير وضعها وشكلها.
هكذا قرر العلم الحديث، وهكذا أثبتت التجارب؛ وعلى ذلك فموت الأجسام ليس إلا تغيرًا لحالات الجسم، وسيبقى الجسم في هذا العالم في أشكال أخرى؛ فقد تكون ذرات جسم قيصر — كما قال شكسبير — طينًا تسد به ثلمة، أو كما قال عمر الخيام: وعاء تعتق فيه الخمر أو نحو ذلك، ولكن لا فناء.
•••

إن كان العالم ليس مادة فقط، وإن كان العالم مادة وروحًا، وإن كان العلماء يقررون أن المادة لا تفنى، وأن الطاقة لا تفنى، فكيف تفنى الروح وهي أصلح من المادة للبقاء، وتكوينها وصفاتها أنسب للدوام، وهي أرقى ما تمخض عنه العالم؟
إن الروح هي التي تمس المادة فتدب فيها الحياة، إنها تحل في الجسم فيعقل ويفكر ويتذكر ويشعر وتلعب عواطفه، وتفارقه فيكون مادة جامدة كسائر المواد؛ فإذا جاء الموت تحلل الجسم وذهب يلعب في العالم دوره، فيكون بعضه غذاءً لشجرة، وسمادًا لزرع، وهواءً يُستنشق، وطينًا تُسد به ثلمة، وجرة لخمر، وركنًا في بناء، وترابًا يوطأ بالأقدام، ومزهرًا يعجب الناظرين، وزهرة يتغزل فيها الأديب، وطعامًا لدود أو حوت، وفسفورًا تشعل به اللفافة، وما شئت من صنوف الخلق مما يجمل ويقبح، ويبعث الإعجاب والاشمئزاز، والحب والكره، ويدور مع العالم دورته ويكون جزءًا في ساقيه «جحا» التي تملأ من البحر وتصب في البحر؛ وتبقى الروح حية خالدة، تبقى فيما قدمت من عمل، وتحيا فيما خلفت من أثر، وتلقى ربها حامدة لخيرها، نادمة على شرها.
ما أتفه الحياة إن لم يكن خلود! وما أضيق الأمل إن لم يكن غير هذه الحياة! وما أضيع العدالة إن فُقدت في الدنيا ولم تكن آخرة.
لا، لا، ليس إلهام الإنسان بالحياة الأخرى أكذوبة، ولا شعوره بها خدعة، إنما هو وحي صادق من طبيعته، وشعور حق يتغلغل في غريزته.

الفصل السادس والعشرون
مستقبل الدين


ما أثر هذه الحرب العالمية في الدين؟ ما نوع الموجة التي ستسود العالم بعد الحرب؟ أموجة دين أم موجة إلحاد؟ وهذه المصائب العظمى — التي لم يمر على عالمنا مثلها — ما أثرها في الشعور الإنساني، أتقربه من الله أم تبعده عنه؟
هذه الأسئلة وأمثالها شغلت بعض كبار العقول في أوروبا، من رجال دين ورجال اجتماع وعلماء نفس، وأجابوا عنها إجابات مختلفة، وتنبئوا بالمستقبل تنبؤات متناقضة، فذهب فريق إلى أن العالم ستدينه أهوال الحرب؛ لأن أوروبا — قائدة العالم — عبدت العلم فأضلها، وقدسته فكانت الويلات نهايتها، قد لا تكون هذه الكوارث آفة العلم؛ لأن العلم آلة ذات حدين تُستعمل في الخير والشر على السواء، ولكن كان ينفع العلم لو أن الإنسان نمى شعوره كما نمى علمه؛ وأحيا قلبه كما أحيا رأسه، أما أن يُعنَى الإنسان بعلمه ويترك قلبه، ويستكشف مجاهل العلم ولا يستكشف مجاهل القلب، ويبني حياته اليومية ويؤسس سياسته العامة على العلم وحده دون القلب، ويتقدم في العلم خطوات واسعة حتى ليكون الفرق بين علم اليوم وعلم الأمس شاسعًا، ثم لا يتقدم في قلبه قيد شعرة بل قد يتأخر، فاختلال في التوازن نشأت عنه هذه الكوارث؛ كمن يمرن إحدى عينيه ويهمل الأخرى فتعمى، فقد خُلق الإنسان ولا ينتظم حاله إلا بالتوازن، فإذا اختل توازنه شقي.
قالوا: سيدرك الإنسان هذه النتائج كلها وأكثر منها بمحنته في هذه الحروب، وستتكشف له عللها وأسبابها، وسيرى أن الدواء في التوازن، فيُنمِّي قلبه وشعوره كما نمَّى رأسه وعلمه، وإذ ذاك يلجأ إلى الدين، فهو غذاء القلب، وسيرى أن عبادة العلم والمادة تكشف عن مآسٍ مرعبة، وأن عبادة اللذة أفقدت اللذة، فلا ملجأ إلا إلى الدين، إلى الله، إلى رحمته، إلى عفوه، إلى أن يسكب الدمع ليغفر له غفلته، ثم يفتح صفحة جديدة لحياة جديدة.
قال بعضهم: ولكن سوف لا تعود أوروبا إلى الدين القديم بكل جملته وتفصيله، فستُدخل الحرب التعديل على تفاصيل الدين، كما ستدخله على كل النظم الاجتماعية، مسترشدة بأخطاء الماضي، سيكون الدين منبعًا لعواطف الوطنية، سينزع الغرائز الوحشية الظامئة إلى الدم من قلب الإنسان ليحل محلها السلام العام، والأخوة العامة: سوف ينكر الدين الجديد الشهوة في ملك الجار الضعيف، واغتصاب الأمم غير المسلحة والشعوب الراغبة في السلام، إن الدين في شكله الحاضر قد فشل؛ لأنه قوى روح الشر، وأعان الظالمين على ظلمهم، وعلى أقل تقدير أفقد رجال الدين قدرتهم على قمع أتباعهم، حتى أصبحت أوروبا كلها مجزرة بشرية، ثم سرت منها العدوى إلى العالم كله بباعث الكره والبغض وحب الدم وحب الانتقام، ثم تُقام الصلوات من كل جانب لنصرة جانبه لا لنصرة الإنسانية وفكاكها من أسر الوحشية، إن العالم كله أصبح الآن بركانًا هائجًا، والإنسان يحصد حصدًا بالملايين، وكلٌّ يشعل النار، وكلٌّ يحول ما وصلت إليه رمادًا، وكلٌّ يقلب الجمال قبحًا، وتعاليم الدين الحاضرة عاجزة عن أن تقف عبثهم، وتصد كيدهم.
إن مستقبل الدين لا لهذا التعاليم، ولكن لتعاليم أخرى تتفق وروح الدين الأساسية، تعاليم مؤسسة على الحق، على أخوة الإنسان للإنسان، وإن اختلف في الجنس والدم واللغة والوطن والدين، على انسجام الناس بعضهم وبعض، وتبادل المنافع ودفع المضار، على عدم التحزب لأي جانب مادي، على عدم إضاعة الزمن في بذر الحقود بين الشعوب لما بينهم من خلاف في الأقاليم، أو في العقيدة، أو في اللغة.
هذا هو الدين سيسود الناس، وهو الدين الذي ينسجم مع إرادة الله وفعله، فهو خالق الناس جميعًا، وهو واهبهم نعمه على اختلاف جنسهم ومللهم وألسنتهم وألوانهم، مُجري الهواء يستنشق منه الناس جميعًا، ومُخرج النبات في كل أرض يأكل منه الناس جميعًا، ومُحرك الشمس والقمر والنجوم تبعث ضياءها وحرارتها على الناس جميعًا، وواهب العقول والشعور والإرادة للناس جميعًا، فما بال دين الله لا يتبع سنة الله، فينشر بين الناس جميعًا الأخوة والمحبة والعدل والتعاون والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؟
•••

وتوقع متنبئون آخرون من الكُتَّاب عكس ذلك تمامًا.
قالوا: إن هذا التخريب في العالم الذي لا حد له، والضحايا بالملايين، والويلات تصب على المحاربين وغير المحاربين، والأيتام الذين فرق الموت بينهم وبين آبائهم، والمصائب التي لا يحصيها عد، ولا تقف عند شكل دون شكل، كل هذه ستثير الشكوك في نفوس الناس فيصرخون من أعماق نفوسهم: «أين رحمة الله؟» وأين حبه لخلقه؟ وأين الحكم العادل الذي يحكم به عباده؟
ستهز هذه الأمثلة وأمثالها نفوس الناس فينكرون عقلًا مدبرًا، وتقدمًا مستمرًا، وحاكمًا يُوجه العالم لغاية، وستبعث في النفوس الشك الذي يُسلم إلى الإلحاد، وسيزيدون إمعانًا في المادية، وسينصرف الجيل الجديد من الشبان — وقد رأوا هذه المناظر وسمعوا هذه الأقوال — عن أن يلتفتوا إلى بيوت العبادة أو إلى شعائر الدين، وسيكون شعارهم: «دعنا نأكل ونشرب، ونلهو ونلعب، فغدًا يطوينا الموت، ويلفنا الفناء» وفي مثل ذلك يقول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغىوأن أشهدت اللذات، هل أنت مخلدي؟فإن كنت لا تستطيع دفع منيتيفدعني أبادرها بما ملكت يدي سيقولون: إن كان الله يُحب خلقه فأين الحب والوالدان الشيخان العاجزان يفقدان أولادهم في هذه الحرب؛ والفتاة الناضرة التي تستقبل الحياة تفقد زوجها، والأم تفقد عائلها وحولها طفلها الرضيع وأولادها البائسون، والأسرات لم تشترك في القتال تنزل عليها المدمرات فتأتي عليها، فأين الرحمة؟
وإن كان الله قادرًا فلِمَ لم يحبس الأرواح الشريرة في قماقم؟ ولِمَ لا يحصد أرواح باذري الشر والفساد، ومثيري الفتن والحروب؛ ويترك من عداهم فتستريح الدنيا ويسعد الناس؟
من أجل هذا يتنبئون بكفر صارخ، وإلحاد شامل.
•••

ولكن ما أظن هذه النبوءة صحيحة، فالإنسان من قديم يرى هذه الكوارث، وتثور فيه هذه الشكوك، وهو بعدُ لم يفقد إيمانه.
كل ما في الأمر أن الإنسان مع ما ناله من رقي في العقل والتفكير والشعور، سيعدل نظره إلى الله، وبدل أن يفقد إيمانه لهذه الاعتراضات يصحح تصوره لله، ويتجلى له خطؤه في تصوره القديم.
إن منشأ الغلط في تصورالله على هذا النحو هو تشخيصه، وإسباغ صفات عليه تشبه صفاتنا، ونسبة عواطف إليه تشبه عواطفنا: من حب وكره وفرح وحزن ورحمة وانتقام، نعم قد وردت هذه الألفاظ في كتب الأديان، ولكن ألجأها إلى ذلك قصور لغة الإنسان وعجزها عجزًا تامًّا عن أن تصف ما لا يشبه الإنسان ومن ليس كمثله شيء، فالله ليس مشخصًا ولا هو إنسان، ولا له عواطف الإنسان، ولا يُحب ويكره بالمعاني التي يشعر بها الإنسان، فإذا قلنا: إنه يسمع ويرى فلسنا نعني أن له حواس كحواسنا؛ وإذا قلنا: يُحب ويكره، ويرحم وينقم، فلسنا نُريد أنه يعتريه انفعال كانفعالنا، ولكن هي اللغة العاجزة، واللغة المحدودة بحدود الإنسان.
إن الله يحكم العالم ويدبره بقوانين عامة واسعة، لا بأحكام جزئية ضيقة؛ خلق الخلق وسيره على قوانين عامة، فمن اعترضها اكتسحته؛ وضع هذه القوانين وهو عالم بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وعالم بدنيانا ودنيا غيرنا، وعالم بكوكبنا والكواكب الأخرى حولنا، فمن ضيق النظر أن نُطالب الله أن ينظر إلى جزئيتنا في بيتنا، وإن تعارضت مع القانون الكلي، إن البستاني يقلم أشجاره ويقص حشائشه؛ لأنه ينظر إلى البستان كلًّا، ولا اعتراض عليه؛ إذ يُضحي بالجزئي للكلي؛ والأرض مرتبطة بالشمس، ونمو الشاة متوقف على نمو النبات، وحياة الإنسان مرتبطة بحياة النبات والحيوان، وكل هذه مرتبطة بقوانين عامة، وهذا ما أدركناه اليوم، وما لم ندرك أكثر مما أدركنا؛ أفليس يعد من السخف أن نعترض على حادثة جزئية؛ إذ كانت خاضعة لقانون عام يُقرر المصلحة العامة؟ أفليس من السخف أن نعترض على امتداد حديدة معينة بالحرارة، وهذا قانون عام يقضي بتمدد الأجسام كلها بالحرارة، وهذا القانون العام مرتبط بقوانين أخرى عامة مثله أو أعم منه؟ فمن ينظر إلى موت ابنه وحده أو قتل أسرة بعينها أو موت ملايين من الناس في حرب من الحروب كمن يعترض على تمدد حديدة بالحرارة، نظر جزئي ضيق يعترض على نظر كلي شامل، فما جيل بالنسبة لملايين الناس؟ وما الأرض كلها لسائر العوالم؟ إن الناظر من سطح الأرض غير الناظر من قمة جبل، غير الناظر من طيارة، إن النبتة تشكو الدودة وهي تمتصها، والدودة تشكو العصفور وهو يلتقمها، والعصفور يشكو الصقر وهو يبتلعه، والصقر يشكو الإنسان وهو يصيده، والإنسان يشكو الموت يُصيبه، والله من ورائهم محيط؛ لأنه أعلم بقوانينه الواسعة الشاملة.
إن الله ليس من صفاته الرحمة فقط، بل هو أيضًا عادل حكيم منتقم، له كل هذه الصفات وأكثر منها، ولكل صفة مظهرها وتصرفاتها، فمن الخطأ أن تُقاس كل المظاهر بالحب وحده، أو الرحمة وحدها.
إن للعالم غاية دبرها عقله: فلا بأس بالضحايا مهما كثرت للوصول إلى غايته نزولًا على القوانين العامة التي تحكم العالم.
ولعل من قوانينه العامة منح الإنسان حريته في الإرادة، والجزاء الطبيعي الذي تنتجه أعماله، ومسئولية الإنسان عن أخيه الإنسان، كما تسأل خلية الجسم عن سائر الخلايا — إذن فلا حق من الشكوى ما دام هذا هو القانون العام الذي يتعادل مع قوانين العالم العامة.
•••

وبعدُ؛ فلماذا لا تكون النبوءة أن هذه الحرب بويلاتها تعمم في الإنسان هذه الآراء، فيعدل من نفسه حسب القوانين العامة التي بثها الله في العالم حتى يلائم بينه وبينها، وينسجم معها، ويشعر بالعقوبة الطبيعية فيتجنب إحداث الجرائم، ويُغير ما بنفسه من غرور بالقوة، واعتماد على المادة بعد أن تبين الفشل في الاعتماد عليها؛ ويُصحح تصوره لله حسبما أشرنا، فيرى أن الموت إن كان يبعث الحياة فهو خير، وأن العقوبة إذا أصلحت الجاني فهي رحمة وهي حب.
نحن إلى هذا أميل، والله بالمستقبل عليم.
•••

وإلى هنا تنتهي أحاديثنا في رمضان، وكل عام والقراء بخير.

الفصل السابع والعشرون
ابن الشبل البغدادي وأبو العلاء المعري


الشهرة حظ كحظ المال، غني جاهل، وفقير عاقل، وما ينهال انهيالًا على من لا يستحق، وقد لا نعرف السبب، ومحروم بائس ولديه كل أسباب الغنى؛ كذلك الشهرة، مشهور لا نعرف لشهرته علة، ومغمور يستحق كل شهرة.
وهذا ينطبق على ابن الشبل البغدادي: أديب كبير، وفيلسوف حكيم، ضن عليه المترجمون فلم يرووا لنا أخباره، وضاع بين الأدب والفلسفة، فلم يشتهر شهرة الأدباء ولا شهرة الفلاسفة، لم أعثر له على ترجمة تشرح حياته إلا نحو خمسة أسطر في «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، ومثلها في «طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة؛ فهما يقصان علينا أنه كان حكيمًا فيلسوفًا، وأديبًا بارعًا، وشاعرًا مجيدًا، وأنه ولد ونشأ ببغداد، وتُوفي بها سنة ???، ثم رويا شيئًا من شعره، وهذا كل ما قالاه وكل ما عثرت عليه بعد البحث، حتى لم يكف الناس أن يظلموه بتعفية آثاره فعمدوا إلى خير قصائده وأشهرها، التي مطلعها «بربك أيها الفلك المدار» فسلبوها منه ونسبوها إلى ابن سينا؛ وكذلك الدنيا «إذا أقبلت على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت سلبته محاسن نفسه».
كل ما عثرت عليه من شعره نحو مئة وخمسين بيتًا؛ ولكن ليس الشعر بالعدد، ولا التقويم بالكمية، فقد يُروى لشاعر بيت واحد يُساوي دواوين، ولو أنصف الناس لعدوه شاعرًا كبيرًا، وقد يكون لشاعر ديوان في أجزاء وهي كلها لا تُساوي بيتًا، ولو أنصف الناس لأهملوه وأهملوا ديوانه.
ابن الشبل البغدادي — كما تدل عليه هذه الأبيات — شاعر ممتاز من جنس الشعراء القليلين الذين جمعوا بين الشعر والفلسفة، أمثال دانتي وملتن في الشعر الغربي، وأبى العلاء وعمر الخيام في الشعر العربي؛ ولكن الأخيرين رُزقا الحظوة في شعرهما فسار ذكرهما في الناس، وعرفهما الشرق والغرب، وخمل ابن الشبل فجهل في الشرق والغرب.
كان ابن الشبل شاعرًا حائرًا حيرة أبي العلاء، كلاهما يبحث عن الحق بعقله فتضطرب الدلائل وتختلف الأعلام، فيصرخ بالشعر من حيرته، وكانا متعاصرين تقريبًا، تأخرت وفاة ابن الشبل عن وفاة أبي العلاء بخمسة وعشرين عامًا، فهذا شاعر حائر في بغداد، وهذا شاعر حائر في معرة النعمان: هل العالم خير أو شر؟ إن في العالم لذائذ ومسرات، فهل نستمتع بها أو نرفضها؛ ما الدين وما تعاليمه؟ ما القدر وكيف يتفق والثواب والعقاب؟ هذه الأسئلة ونحوها أثارها كلٌّ منهما، لا إثارة فيلسوف فحسب ولا شاعر فحسب، بل إثارة شاعر فيلسوف معًا، ينظر كلاهما النظرة الفلسفية العميقة، ثم لا يخضع لنظم الفلسفة وعباراتها وترتيب مقدماتها ونتائجها وفصولها وأبوابها، ويوقع كلاهما أفكاره على النغمة الموسيقية الشعرية، مازجًا عاطفته بفكرته وخياله بمنطقه، بل عندي أن ابن الشبل أصح شاعرية وأرق موسيقية، وأجزل أسلوبًا من صاحبه أبي العلاء في اللزوميات، لقد أتعب أبو العلاء نفسه بالتزام ما لا يُلزم، وبتظاهره بمعرفته الواسعة بمادة اللغة، أما ابن الشبل فسهل جار مع الطبع، لا يتكلف ولا يلتزم ما لا يُلزم ولا يُحب الغريب.
•••

حار كلاهما في السماء ونجومها، والأفلاك ودورانها، هل تعقل أو لا تعقل؟
وهل هي مخيرة أم مسيرة؟ وهل تسير لغاية أو تخبط خبط عشواء؟ فأما ابن الشبل فقال:
بربك أيها الفلك المدارأقصدٌ ذا المسير أم اضطرار؟مدارك قل لنا في أي شيءففي أفهامنا منك انبهار؟وفيك نرى الفضاء وهل فضاءسوى هذا الفضاء به تُدار؟وعندك تُرفع الأرواح أم هلمع الأجساد يُدركها البوار؟ وأما أبو العلاء فقال:
استحي من شمس النهار ومنقمر الدجى ونجومه الزهريجرين في الفلك المدار بإذن الله لا يخشين من بُهْر?ولهن بالتعظيم في خلديأولى وأجدر من بني فهرسبحان خالقهن لست أقول الشهب كابية مع الدهرلا بل أفكر هل رزقن حِجًىنجسًا يمزن به من الطهر وقال:
العالم العالي برأي معاشركالعالم الهاوي يحس ويعلمزعمت رجال أن سياراتهتسق العقول وأنها تتكلمفهل الكواكب مثلنا في دينهالا يتفقن فهائد أو مسلم؟ وكلاهما ناقم على العالم لِمَ وجد؟ وما الغرض منه وما فائدته وقد امتلأ بالشرور وأُفعم بالرزايا؟ فأما ابن الشبل فيقول:
ودهر ينثر الأعمار نثرًاكما للغصن بالورد انتثارودنيا كلما وضعت جنينًاغذاه من نوائبها ظُؤَار?هي العشواء ما خبطت هشيمهي العجماء ما جرحت جُبَار? ويقول:
إنما نحن بين ظفرٍ ونابمن خطوبٍ أسودهن ضِرَاءُ?نتمنى وفي المنى قصر العمــر فنغدو بما نسر نساءصحة المرء للسقام طريقٌوطريق الفناء هذا البقاءبالذي نغتذى نموت ونحياأقتل الداء للنفوس الدواءما لقينا من غدر دنيا؟ فلا كانت ولا كان أخذها والعطاءراجع جودها عليها فمهمايهب الصبح يسترد المساءليت شعري حلما تمر بنا الأيــام أم ليس تعقل الأشياء ويقول أبو العلاء:
وكأنما دنياك رؤيا نائمبالعكس في عقبى الزمان تُعبِّرسر الفتى من جهله بزمانهوهو الأسير ليوم قتل يصبر ويقول:
أصاح هي الدنيا تشابه ميتةونحن حواليها الكلاب النوابحفمن ظل منها آكلًا فهو خاسرومن عاد منها ساغبًا فهو رابحومن لم تُبيته الخطوب فإنهسيصحبه من حادث الدهر صابح وكلاهما يعتب على آدم فعلته، ويحمله تبعة شقائنا في هذا الكون، فأما ابن الشبل فيقول:
فإن يك آدم أشقى بنيهبذنب ما له منه اعتذارولم ينفعه بالأسماء علمٌوما نفع السجود ولا الجوارلقد بلغ العدو بنا مناهوحل بآدم وبنا الصغارفيالك أكلة ما زال منهاعلينا نقمة وعليه عار ويقول أبو العلاء:
خير لآدم والخلق الذي خرجوامن ظهره أن يكونوا قبلُ ما خُلقوافهل أحس وبالي جسمه رِمَمٌبما رآه بنوه من أذى ولقوا؟ وكلاهما يحار في علة الوجود وفي التكليف مع الجبر، فيقول ابن الشبل:
فماذا الامتنان على وجودلغير الموجدين به الخياروكانت أنعمًا لو أن كونًانُخَيَّر قبله أو نستشار ويقول:
قبح الله لذةً لأذانانالها الأمهات والآباءنحن لولا الوجود لم نألم الفقــد فإيجادنا علينا بلاء ويقول أبو العلاء:
جئنا على كرهٍ ونرحل رغمًاولعلنا ما بين ذلك نُجْبَرُ ويقول:
ما باختياري ميلادي ولا هرميولا حياتي فهل لي بعدُ تخيير وكلاهما يحار في «البعث والنشور» فيقول ابن الشبل:
وقليلًا ما تصحب المهجة الجســم ففيم الأسى وفيم العناء؟ولقد أيد الإله عقولًاحجة العود عندها الإبداءغير دعوى قومٍ على الميت شيئًاأنكرته الجلود والأعضاءوإذا كان في العيان خلافكيف بالغيب يستبين الخفاء؟ ويقول أبو العلاء:
أرواحنا معنا وليس لنا بهاعلم فكيف إذا حوتها الأقبر؟ ويقول:
دفناهم في الأرض دفن تيقنولا علم بالأرواح غير ظنون ويقول:
وقد زعموا هذي النفوس بواقيًاتشكل في أجسامها وتهذبوتُنْقَل منها فالسعيد مكرمبما هو لاق والشقي مشذبولو كان يبقى الحس في شخص ميتلآليت أن الموت في الفم أعذب هذا إلى كثير من وجوه الشبه بينهما في الحيرة والنظرة الفلسفية للحياة، وتصوير ذلك كله تصويرًا شعريًّا؛ ولكن شيئًا واحدًا جوهريًّا يخالف بينهما تمام المخالفة، ويجعل نظرتهما للحياة متغايرة؛ فأبو العلاء بطبيعة مزاجه وعاهته وفشله قال: إن الحياة باطلة فلأزهد فيها، وابن الشبل بحكم ظروفه التي لم تُروَ لنا قال: إن الحياة باطلة فلأنعم ما استطعت بها، مقدمتان متساويتان لنتيجتين متضادتين، كالكهرباء الواحدة تستعمل في التبريد وفي التدفئة، تارة تكون مروحة وثلاجة، وتارة تكون مدفأة ونارًا.
فأما أبو العلاء فغنى على أوتار حزينة، يلعن الدنيا ويلعن الناس ويلعن نفسه، ويفر من الدنيا فراره من الجرب، ويزهد في كل ملذاتها من نساء وخمر وأكل شهي، ويفرض على نفسه فروضًا قاسية من عزلة ورهبانية وصيام حتى عن الطيبات من الرزق، فلا يأكل السمك؛ لأنه أُخرج من البحر ظلمًا، ولا اللحم؛ لأنه عُذب حيوانه ذبحًا، ولا يفجع الطير في نفسها وأولادها، ولا عسل النحل الذي جمعه بجده من الأزهار فيقول:
فلا تأخذن ما أخرج الماء ظالمًاولا تبغ قوتًا من عريض الذبائحولا تَفْجَعَنَّ الطير وهي غوافلبما وَضَعَتْ فالظلم شر القبائحودع ضرب النحل الذي بكرت لهكواسب من أزهار نبتٍ فوائحفما أحرزته كي يكون لغيرهاولا جمعته للندى والمنائحمسحت يدي من كل هذا فليتنيأبهتُ لشأني قبل شيب المسائح ويقول:
وأرحت أولادي فهم في نعمة الــعدم التي فضلت نعيم العاجلولو أنهم ظهروا لعانوا شدةترميهم في متلفات هواجل? ويقول:
وزهدني في هضبة المجد خبرتيبأن قرارات الرجال وُهودكأن كهول القوم أطفال أشهرتناغت وأكوار القلاص مهودإذا حُدثوا لم يفهموا، وإذا دعواأجابوا وفيهم رقدة وسهود ويقول:
أأخرج من تحت هذا السماءفكيف الإباق وأين المفروما جُعِلت لأسود العرينأظافير إلا ابتغاء الظفرلحا الله قومًا إذا جئتهمبصدق الأحاديث قالوا: كفر وأما ابن الشبل، فيرى بطلان الحياة فيضحك منها ولها، ويتغزل غزلًا ظريفًا، ويدعو إلى انتهاب اللذات قبل فوات الأوان، فيقول في غزله:
إن تكن تجزع من دمــعي إذا فاض فصنهأو تكن أبصرت يومًاسيدًا يعفو فكنهأنا لا أصبر عمنلا يحل الصبر عنهكل ذنب في الهوى يُغــفر لي ما لم أخنه ويقول:
قالوا وقد مات محبوب فجعت بهوبالصبا وأرادوا عنه سلوانيثانيه في الحسن موجود، فقلت لهمن أين لي في الهوا الثاني صبًا ثاني؟ وله اللفتات النفسية اللطيفة كقوله:
لا تُظْهِرَنَّ لعاذل أو عاذرحاليك في السراء والضراءفلرحمة المتوجعين مرارةفي القلب مثل شماتة الأعداء والتشبيهات المبتكرة كقوله:
يُفنى البخيل بجمع المال مدتهوللحوادث والوراث ما يَدَعكدودة القز ما تبنيه يخنقهاوغيرها بالذي تبنيه ينتفع ويقول في انتهاب اللذات:
ما أمكنت دولة الأفراح مقبلةًفانعم ولذ فإن العيش تاراتقبل ارتجاع الليالي وهي عاريةوإنما لذة الدنيا إعاراتلعله إن دعا داعي الحمام بنانقضي وأنفسنا منا رَوِيَّات •••

قد وقَّع الدهر سطرًا في صحيفته«لا فارقت شارب الخمر المسرات»خذ ما تعجل واترك ما وعدت بهفعل اللبيب فللتأخير آفاتوللسعادة أوقات ميسرةتُعطِي السرور وللأحزان أوقات وهكذا كانا لطيفين في موافقاتهما، لطيفين في مفارقاتهما — رحمهما الله.
? البهر: تتابع النفس وانقطاعه من الجري.? جمع ظؤر وهي المرضعة.? جبار أي هدر لا مؤاخذة عليه.? الضراء الضارية المفترسة.? الهواجل جمع هوجل وهي المنارة لا أعلام بها.
الفصل الثامن والعشرون
نزعة صوفية ومزاج رمزي (?)


كان لي صديق — رحمة الله عليه — له نزعة صوفية ومزاج رمزي، كان لا يرى الأشياء كا نرى، بل يرى كل شيء رمزًا لمعنى، وكان لا يسمع كما نسمع، بل كانت كل كلمة يسمعها تُوحي إليه بمعان تنسجم مع نزعته ومزاجه.
كنت أسايره مرة في شارع من شوارع الإسكندرية، فطلع علينا فجأة بائع جرائد يقول: «البصير، البصير»، فقال صاحبي: «سبحانه وتعالى».
وأسمعته يومًا أبياتًا لأبي تمام، حتى إذا وصلت إلى قوله:
وأنجدتم من بعد إتهام داركمفيا دمع أنجدني على ساكني نجد استعادني البيت، ثم رأيته يكرره حتى دمعت عيناه، وقص عليَّ في اليوم التالي أن البيت ظل عالقًا بذهنه حتى شطره وخمَّسه وسبَّعه، ولم يذكر لي أي المعاني رمز إليها هذا البيت حتى بعثته على ذلك كله.
وله في ذلك طُرف كثيرة لا أُطيل بذكرها.
وسميت ذلك مزاجًا؛ لأن هذا النموذج من الناس أقرب إلى أن يكون خلقة من أن يكون اكتسابًا، وإلى أن يكون استعدادًا فطريًّا من أن يكون تعليمًا ومرانًا، هذا المزاج لا بد من قدر منه للشاعر والموسيقي والفنان والصوفي، وإن اختلف حظهم منه واختلفت نواحي تلقيهم وأدائهم.
هؤلاء كلهم يرون أن الدنيا كلها جمال مُقَنَّع، فلا بد أن نكشف القناع لنرى الجمال، وأن حقائق العالم مستورة، وأن مظاهره ليست إلا أعلامًا يُستدل بها على خفاياه، وأن قيمة العالم في باطنه، وليس ظاهره إلا رمزًا له، وأن الجمال المكشوف ليس جمالًا، والحقيقة العارية لا تلذ النفوس الكبيرة، وأن البحث عن الحقيقة ألذ من الحقيقة نفسها، وأن جمال الجميل في بعده، تنظر إليه وكأنك لا تنظر، وتقرب منه كأنك لا تقرب، ومعالجته ينبغي أن تكون من جنس طبيعته، تدل عليه وكأنك لا تدل، بالرمز وبالإيماء، وباللمحة تجعلك تسبح في خيالك، وبالإشارة تستدل بها على الطريق بجهدك؛ ومن أجل هذا كان الفرق بين تعبير العلم وتعبير الشعر والموسيقى والتصوف؛ فتعبير العلم واضح محدود، يفهمه الناس بوضوح، ويفهمونه عل السواء متى تحقق شرط الذكاء، أما الشعر والموسيقى والتصوف فتعبير في غير استقصاء، ورمز في غير جلاء، كلُّ يرمز بما يهوى، وكلٌّ يفهم كما يشاء، حسب مزاجه وظروفه ونفسيته، ومن أجل هذا أيضًا كانت اللغة أداة طيعة للعلم وأداة مسكينة للفن والتصوف.
يقول في ذلك ابن الفارض في تاثيته الكبرى:
وثَمَّ أمور تم لي كشف سرهابصحو مفيق عن سواي تغطتوعَنِّي بالتلويح يفهم ذائقٌغنيٌّ عن التصريح للمتعنتبها لم يَبُح من لم يُبح دمه وفي الـإشارة معنى ما العبارة حَدَّتٍ وهو معنى جميل في أسلوب غير جميل.
لقد مالت بعض الأديان القديمة إلى هذه النزعة الرمزية، كما ترى في ديانة قدماء المصريين بصورهم ورموزهم، وفي ديانة قدماء اليونان بأساطيرهم، وعند قدماء الهنود في قصصهم وعبادتهم.
ولكن يظهر أن الإسلام لم يمل إلى هذه النزعة، وخاصة في أيامه الأولى، كما لم يمل إليها دعاة الإصلاح الديني في النهضة الأوروبية؛ ومع هذا لم يخل أهل دين من الأديان منها حسب مزاج معتنقيه؛ فكان في النصرانية رمزيون ومتصوفون؛ وكان في الإسلام هذا النزاع الحاد بين الفقهاء والصوفية، وبين أهل الشريعة وأهل الحقيقة، وأهل الظاهر وأهل الباطن، وأهل العقل وأهل الذوق؛ وكلها ألفاظ تُعبر عن شيء واحد، وهو أن مزاجًا يميل إلى العقل والاقتصار على التصريح، وأن لا شيء وراء ظاهر القرآن وظاهر الدين، وأن هناك مزاجًا رمزيًّا لا يرى الاقتصار على الظاهر، وأن وراء كل ظاهر باطنًا، وأهم من العقل الذوق، ووراء المشهورات خفيات، ووراء التفسير التأويل.
هؤلاء الرمزيون يعتمدون على قلوبهم أكثر مما يعتمدون على عقولهم، وعلى أذواقهم أكثر من منطقهم، وعلى خيالهم وإلهامهم أكثر من تفكيرهم، وعلى عواطفهم أكثر من مقدماتهم ونتائجهم، وعلى حبهم أكثر من بحوثهم.
قلت لصاحبي هذا يومًا: إن الحب يفسد الحكم ويعمي ويصم.
قال: إنك لا تُدرك الحق إلا بالحب، ألا ترى أن الأم أعرف الناس بأبنائها؛ لأنها تعرفهم بعاطفتها وذوقها وحبها، على حين أن غيرها يعرفهم بعقله وإن شئت فقل يجهلهم بعقله؟ أولا ترى أن الشاعر يتخير بذوقه بحوره وكلماته وقافيته وصوره، فإذا حكم فيها العقل وحده، يدرك جمالها ولم يتذوق حسنها؟ إن ذوقنا الذي نعتمد عليه في إدراك موسيقى الشعر ونغماته وجماله هو الذي يجب أن نعتمد عليه في إدراك موسيقى العالم ونبضاته وجماله، ألا ترى الأحلام اللذيذة كيف تنبعث في ظلام الليل الحالك فتلعب ألعابًا سارة وتتقدم بصور جميلة ترمز بها إلى حقيقة تاريخ الإنسان وما جرى له من أحداث وما تعلق به قلبه من أماني ومخاوف؟ كذلك الإنسان الصاحي إذا وهب المقدرة على فهم الرمز يرى الحياة صورًا رمزية جميلة متعاقبة متلونة ترمز إلى حقيقة العالم ومراميه.
قلت له: إن الفهم عن طريق الرمز مسألة شخصية ذوقية لا يمكن ضبطها ولا الاشتراك فيها؛ فكلٌّ يفهم من الشيء رمزًا لمعنى قد لا يوافقه فيه الآخر، فقد يفهم أحدهم البحر رمزًا للعظمة والسلطان، وقد يفهمه آخر على أنه رمز للغيظ وثوران الغضب، وقد يفهمه ثالث على أنه رمز للخطر المحدق، ذلك أن للشيء صفات متعددة، وكل صفة ترمز لمعنى، فأي المعاني يُراد؟ ثم هذا أمر وليد الخيال والخيال لا حد له، فقد يمعن حتى يأتي بالأوهام ويكون شأنه شأن المتشائم الموسوس، كالذي يُحكي عن ابن الرومي أنه خرج من داره فرأى حانوت خياط قد صنعت درفتاها كهيئة لام ألف ورأى تحتها نوى تمر، فقال: إن هذا يرمز إلى أن «لا تمر»، وكان بعض العابثين به يقرع عليه الباب فيقول مَن؟ فيقول: «مرة بن حنظلة» فيتشاءم من ذلك يومه ولا يخرج من بيته؛ وكالخيالات التي تبعثها الخمر أو الحشيش أو الأفيون، فيخلقون دنيا غير دنيا الناس، ويتخيلون فيها ما يُضحك وما يُبكي، ويعتمدون في كل ذلك على خيالهم الخادع ووهمهم الكاذب؛ فلو أقررنا هذه الرمزية أفسدنا التفاهم، ألا ترى أن من يعتمدون على اللغة وعلى منطق العقل يسهل تفاهمهم؛ لأن لألفاظ اللغة معاني محدودة لا يتسرب إليها الخطأ إلا من طريق الجهل؛ والعقل له منطق محدود وشروط معينة يعرف بها وجه الخطأ والصواب؛ أما طريقتكم الرمزية والذوقية فلا ضابط لها، ومن أجل هذا صعب فهم كلام الصوفية؛ لأن صاحبه يعبر عن ذوقه هو ومواجيده هو، فلا يفهمه إلا من مُنح ذوقًا كذوقه ومواجيد كمواجيده، ولا يشاركه في فهم رموزه إلا من كان في حالة مزاجية تشبه حالته، فالمعقول — إذا أنتم أردتم التفاهم — أن تستعملوا القدر المشترك بين الناس من اللغة والمنطق، وإلا فلا تستعملوا اللغة، إنكم باستعمالكم اللغة أفسدتموها برموزكم، فأخذتم كلمات الخمر والحب والغزل المعروفة المتفاهمة، ووضعتموها لأشياء صوفية رمزية لا ضابط لها فكانت غامضة الدلالة، ومن تصدى لشرحها وقع في نفس الغموض الذي وقع فيه أصلها؛ ذلك لأنكم استعملتم اللغة في غير ما وضعت له، وأطلقتم لخيالكم العنان فحمَّلتم الألفاظ والأساليب ما لا تطيق، فلا أنتم عبرتم عن أنفسكم تعبيرًا صحيحًا، ولا أنتم تركتم اللغة من غير إفساد.
تبسم ضاحكًا من هذا القول وصمت قليلًا ثم قال: إن كلًّا من الذوق والعاطفة والخيال له حالة يكون فيها صحيحًا سليمًا، وحالة يكون فيها مريضًا؛ فالعقل قد يمرض فيكون جنونًا، والذوق قد يمرض فيجد الحلو مرًّا، والعاطفة قد تمرض فتغلي أو تبرد، والخيال قد يمرض فيكون وهمًا، فاعتمادنا على الذوق كاعتمادكم على العقل، كلانا يعتمد على صاحبه في حال صحته، والذوق إذا صح أرشد إلى خير مما يُرشد إليه العقل، وأين التفاهم والاتفاق في عقولكم؟ ها أنتم تخضعون للعقل فانظروا مصيركم، هل يتفاهم عقلاؤكم؟ وهل تتفقون في مجالسكم وأحاديثكم وتصرفاتكم؟ إن لكل إنسان عقله كما أن لكل إنسان ذوقه، وهل تظن أن العقل أداة صالحة لفهم الحقيقة؟ وما هذا العقل الذي تمجده؟ إنه خادم الغرائز والشهوات، إنه ليس منظمًا لحياتنا اليومية، إنه ليس قائدًا لسلوكنا، إنما هو تابع لأغراضنا، إنه يخدم الحق والباطل؛ والمحاميان في قضية واحدة يجدان منطقًا يخدم مطالبهما المتناقضة، لولا الذوق والعاطفة يُلطفان من حدة العقل في هذه الحياة ما صلحت، ما الوطنية وما القومية وما حب الآباء لأبنائهم؟ إنها سخافات في نظر العقل المجرد، ولكنها تحكم الدنيا وتُسيِّر العالم، الفرق بيننا — نحن الصوفية — وبينكم أنتم العلماء أننا نعتمد على نفوسنا وتعتمدون على حواسكم، نطهر أنفسنا ونصفيها فيلمع فيها نور الحق، وتدورون أنتم حول العالم الخارجي تودون معرفة الحق عن طريق حواسكم، وهيهات أن تصل الحواس وما يتبعها من عقل ومنطق إلا إلى الظواهر الخارجية، إذا أردت أن تعرف شيئًا فإما أن تلف حواليه وإما أن تتغلغل في باطنه، فالأولى هي طريقتكم والمعرفة بها معتمدة على حواسكم، وتقويمها راجع إلى مشتهياتكم، ومحدود بزمانكم ومكانكم وظروفكم، أما طريقتنا نحن فتجلية مرآة نفوسنا حتى تنطبع فيها الحقيقة مجردة عن الزمان والمكان والظروف والتشهي، إنا نعتمد على البصيرة وتعتمدون على البصر، إنكم بحواسكم عددتم الأشياء حسب مظاهرها، ونحن وحدنا الأشياء حسب حقيقتها، فالخلاف بينها في العرض لا في الجوهر، فالحقيقة واحدة والأشكال متعددة، وربما صدكم التعدد عن رؤية الواحد؛ وليست الشرور والرذائل إلا مظاهر عارضة للحقيقة الواحدة، وليس هناك في الحقيقة تقسيم لخير وشر …
وإلى هنا اندفع في قوله، وشطح في تفكيره، فكاد يغيب عن وعيه، ولم أفهم ما يقول، وأبعد في رمزه فلم أتابعه في سيره، وانتهزت أول فرصة أرده فيها عما لم أفهم إلى ما أفهم.

الفصل التاسع والعشرون
نزعة صوفية ومزاج رمزي (?)


أهم ما امتاز به هذا الصديق — رحمة الله عليه — شيوع الحب في نفسه، والسعة العظيمة في قلبه، كان يُحب الصديق ويفهم العدو فيحبه، ويحب المؤمن ويرحم الكافر فيحبه، ويحب الحيوان والأطفال، ويحب الأمة غير أمته والعبادة غير عبادته، وكثيرًا ما ينشد قول ابن العربي:
لقد صار قلبي قابلًا كل صورةٍفمرعى لغزلان ودير لرهبانوبيت لأوثان وكعبة طائفوألواح توراة ومصحف قرآنأدين بدين الحب أنَّى توجهتركائبه فالحب ديني وإيماني وقول ابن المعتز:
قلبي وثاب إلى ذا وذاليس يرى شيئًا فيأباهيهيم بالحسن كما ينبغيويرحم القبح فيهواه واسع الصدر لكل رأي، واسع النفس لكل عاطفة، راحم حتى لمن أساء إليه، كان يرى الناس إذا غاض حبهم وضاق قلبهم عاشوا في كوخ مظلم، وهو بسعة نفسه وسعة قلبه يعيش في قصر منير، إنهم يلتصقون بالأرض وهو يحلق في السماء، إنهم يشقون بالكراهة وهو يسعد بالحب، إنهم يضجرون لضيق الأفق وهو يرتاح للا نهاية.
•••

يرى كل شيء من الله، فهو يحب الله ويحب ما صدر عنه، ويرى كل كراهية منشؤها الجهل، فمن عرف عفا، ومن عرف أحب.
له عين ترى محاسن الأشياء ولا ترى عيوبها، كالمسيح مر هو وأصحابه على جيفة، فقالوا: ما أنتن رائحتها! فقال: ما أجمل بياض أسنانها!
•••

انعدمت في نظره الفروق، فاجتمعت المتفرقات، وأتلفت المتباينات، فالدنيا كلها صفات الله تختلف بالاسم وتتحد في المسمى، وكان يقول: «إذا رأيته لم تر غيره، وإذا رأيت غيره لم تره.».
•••

كان يُحب أن يكون من عامة الناس لا من خاصتهم، فهو لا يحب أن يتميز أمام الناس بعلم أو بجهل، ولا بغنى ولا فقر، ولا بفصاحة ولا عي، ولا اجتماع ولا عزلة، لذلك كان يختار من اللباس ما لا يمتاز بشيء، ولا يحب أن ينتمي إلى هيئة ولا جمعية، ولو كانت جمعية صوفية، ولا أن يظهر منه ما يدل على تصوفه، يعرفه الناس تاجرًا كسائر التجار، لا يمتاز عنهم إلا بتحري الصدق في القول والسماحة في المعاملة، أما جانبه الصوفي فلا يعرفه إلا اثنان أو ثلاثة من خاصة أصدقائه.
كان يرى الطبيعة كتاب الله المفتوح، فأشجاره صفحة، وإنسانه صفحة، وبحاره صفحة، وكل شيء فيه صفحة؛ ولكن إذا كانت الكتب لا تُفهم إلا بواسطة اللغة، فكتاب الطبيعة المفتوح لا يُفهم إلا بالقلب المفتوح، فإذا انبهم القلب انبهمت الطبيعة؛ فكان إذا رأى القمر يشع من خلال أوراق الشجر قال: هنا موضع سجدة، وإذا جلس على شاطئ البحر فرأى تلاعب الرياح بالأمواج فزع إلى الصلاة، وكان يقول: إن قلبه يخفق في الريف أكثر مما يخفق في المدن، وينبض عند الطبيعة العارية أكثر مما ينبض في المدن الكاسية، وكان يعجبه من الكتب المقدسة أنها كتب تدل على كتاب الطبيعة.
•••

كنت ألاحظ دائمًا أن تقويمه للناس والأشياء يُخالف تقويمنا، وميزانه يُخالف موازيننا، أرى الناس يُقوِّمون الناس بقوتهم وبجاههم وبمالهم وبمقدار النفع الذي يتلقونه من أيديهم، والضرر الذي يتقونه منهم؛ ثم أراه شاذًّا في ذلك شذوذًا غريبًا، فيصطفي من لا يصطفى، ولا يحتفل بكثير ممن يُحتفل به، وله في ذلك فراسة نادرة، فهو يستفتي قلبه ولا يستفتي عقله، ويُحكِّم روحانيته ولا يُحكِّم ماديته، حدثته في ذلك فقال: إني لم أصل إلى ذلك إلا برياضة نفسية شاقة علمتني اليقين بأن النفع والضر بيد الله وحده، والإيمان بأن خير الناس أنفعهم للناس، وألا أُدخل في موازيني المظاهر من حسب أو نسب، وغنى أو جاه، وقوة بالمنصب وعظمة بما يفنى، اقرأ إن شئت: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى? * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى? * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى? * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى? * وَهُوَ يَخْشَى? * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى?، وهو مع اختلافه عن الناس في التقدير، لا يمعن في التحقير، فهو يعجب بالأعلى ويرحم الأدنى، ويكبر العظيم ويحنو على الوضيع، فالله يتجلى على كل شيء بما ينسجم وطبيعته، فهو الرافع الخافض، وهو المعز المذل.
•••

أحب حتى غمره الحب، ولم يتركز حبه في إنسان ولا في أسرة ولا في مال، بل شع على كل شيء، وشع من كل شيء على قلبه؛ فكنت تقرأ الحب في عينيه وفي بسمته وفي نظرته للبائس والمجرم، وفي دمعته تنحدر للكارثة تحدث لمن يعرف ومن لا يعرف، وفي المال يخرج من جيبه للسائل والمحروم.
وكان يحب السماع حبًّا عجبًا حتى كأنه غذاؤه الذي يعيش عليه، وأكثر ما يعجبه من النعمات الحزين الباكي، وهو يحب السماع على اختلاف أنواعه من قرآن يُتلى بصوت جميل، أو غناء لمذكر أو مؤنث أو موسيقى أو نشيد ذِكْر وله في ذلك طرف، فقد سمع مرة بائعًا جوالًا يُنادي على سلعة بصوت أعجبه، فتبعه، إذا وقف وقف وإذا سار سار، حتى نسي غرضه وفوت مقصده، وكان السماع يُوحي إليه بالمعاني الغزيرة، فنراه وهو يسمع وقد كاد يغيب عن وعيه لكثرة ما يُفكر فيما أوحى إليه سماعه.
أعجب ما كان يعجبني منه موقفه أمام الكوارث والمصائب، فقد يُصاب في ماله وقد يُصاب في ولده؛ فإذا هو مطمئن ثابت كأنه فيلسوف يرى فقدان الولد كما يرى القانون الطبيعي في ذبول الوردة وسقوط أوراق الشجر، قد يحزن ولكن لا يلتاع، وقد تدمع عينه ولكن لا ينماع، بل كان أكبر من الفيلسوف، فقد رأى الدنيا على حقيقتها فلم تخدعه، وتمثلت له كما تتمثل الرواية عل الشاشة البيضاء، ففهم ما سيكون، واطمأن إلى ما يحدث، فلم يفجأه الحادث فيفزع، ولا الموت فيجزع، فهو مطمئن عند الأخذ والعطاء، والصحة والمرض، والموت والحياة.
كان يرى أن الدين روح، وإذا كان روحًا فهو خالد خلود الروح، وأن خير أيام الأديان أيامها الأولى؛ لأنها تكون حية حياة الروح، ثم تفقد روحانيتها شيئًا فشيئًا، وتتجسد بأشكالها، فتكون تافهة تفاهة الجسد، ميتة ميتة الجسد، ومن حين إلى حين يبعث الله من يفهم روح الدين ويحيا بها ويدعو لها، وقليل ما هم.
كان يسمع القرآن فيُولِّد منه معاني بعيدة، حسب مزاجه الرمزي، لا يزعم أنها تفسير، ولكن يقول: إنها إلهام الآية كما تلهم المناظر الجميلة قلب الفنان والشاعر.

الفصل الثلاثون
نزعة صوفية ومزاج رمزي (?)


لست أنسى رمضانًا من الرمضانات منذ عشرين عامًا كنا نجتمع فيه في بيت صديق لنا تخرج من مدرسة الطب حديثًا، وكان من بيت كبير أنعم الله على أبيه بالثراء وبنعمة الإيمان وبمحافظته على تقاليد البيوت القديمة، فكان رمضان في بيته منظرًا جميلًا من مناظر المسلمين قبل أن تغزوهم المدنية الحديثة، ترى على باب البيت عند الإفطار طائفة كبيرة من الفقراء يُوزع عليهم الطعام قبيل الغروب، وتسمع أذان المغرب والعشاء من داخل البيت، ويفطر على المائدة كل يوم أشكال وألوان من أصدقاء رب البيت ومعارفه، وتُقام صلاة المغرب والعشاء والتراويح في حجرة هُيئت على شكل مسجد، ويتعاقب ثلاثة من أحسن القراء صوتًا بتلاوة قراءة القرآن إلى السحور.
فكنا نجلس كل ليلة نثير الموضوعات المختلفة حيثما اتفق، دينية أحيانًا وسياسية أحيانًا وأدبية أحيانًا؛ ويشترك في الجدل كل الحاضرين على اختلاف نزعاتهم.
لست أنسى ليلة لا أدري لماذا علقت أحاديثها بذهني أكثر من غيرها كان سمارها هذا الطبيب وصديقنا الصوفي وشيخًا أزهريًّا ومدرسًا في دار العلوم وكاتب هذه السطور.
كان بدء الحديث أن سمعنا المقرئ يقرأ قصة آدم وخلقته من طين ثم أكله من الشجرة وخروجه من الجنة.
فقال الطبيب:
هذا ما يحيرني؛ لقد علموني في المدارس أن الأرض التي نعيش عليها كانت كرة ملتهبة يلفها دخان كثيف ثم أخذت تبرد شيئًا فشيئًا على ملايين السنين، واستقرت قشترتها طبقة صخرية ليس عليها حي ولا تصلح لحي؛ ثم أخذ المطر الغزير يتساقط عليها من هذا الدخان الذي يلفها حتى أثر في هذا الصخر الجرانيتي وفتت قشرته، وجرفه الماء طميًا للوديان المنخفضة، وجرى الماء فكون هذه البحار.
ثم استطاعت الشمس أن تنفذ أشعتها من هذا الضباب وهذا الدخان فطلعت على بر لم يجف وبحر يتدفق.
وبعد هذا كله حصلت معجزة لم يستطع العلم حلها وتفسيرها إلى الآن، وهي وجود الخلية الأولى تدب فيها الحياة طافية على وجه الماء، وتناسلت هذه الخلية وتكاثرت وحملها التيار إلى أمكنة مختلفة وفي بيئات مختلفة فتأقلم كلٌّ حسب بيئته، وكان مما حمله التيار بعض خلايا دفعها إلى البر فتكونت حسب بيئتها فكانت نباتًا، وبعضها ظل في البحر فتأقلم فكان زواحف، ثم تنوع النبات وتنوعت الزواحف ومرت ملايين السنين على هذه المخلوقات تُجاهد في الحياة وتُعدِّل نفسها وفق محيطها، ويعمل فيها قانون الانتخاب وبقاء الأصلح حتى ارتقت الخلية النباتية فكانت شجرة، وتطورت بعض الحيوانات المائية إلى حيوانات برية بحرية، ثم إلى حيوانات برية صرفة، وتكونت أعضاء تنفسها وفقًا لتطورها حتى وصلت في رقيها إلى الحيوانات الثديية.
وكان بعض هذه الحيوانات الثديية أرقى من غيره فاستطاع بمحاولات كثيرة ومران طويل على الصيد ونحوه أن يتركز على رجليه بعد أن كان يتركز على أربع، وأن يحفظ توازنه، وأن يخلص يديه للعمل فنجح أخيرًا في ذلك ووقف على قدميه وخلصت له اليدان وما زال يرقى حتى كان إنسانًا بدائيًّا ثم إنسانًا بدويًّا ثم إنسانًا حضريًّا.
وما الإنسان الأول إلا آدم تدرج في خلقته من سلم منظم الدرجات تبتدئ من الخلية الساذجة وتنتهي بالإنسان، فكيف يتفق هذا الذي تعلمناه وأقاموا لنا البراهين على صحته مع ما أسمعه الآن من قصة آدم، وأنه خُلق من طين، وأنه خرج من الجنة إلى الأرض … إلخ.
الحق أننا تهيبنا لهذا القول ومرت برهة من الزمن نتذوق كلامه ونُفكر في الرد عليه.
فانبرى له صديقنا الأزهري وقال: إن هذا القول يشبه ما سمعته عن مذهب «دارون» وقد قرأت كتابًا قيمًا في الرد عليه للسيد جمال الدين الأفغاني اسمه «الرد على الدهريين»، وقد فند فيه هذا القول، وبين فساد من زعم تسلسل الأنواع وتدرجها في الخلقة تبعًا لظروفها وأقاليمها، وأذكر من وجوه الرد عليه ما قاله من أن هناك في غابات الهند أشجارًا مختلفة، ونباتات متعددة، كلها تنبت في بيئة واحدة وتُسقى من ماء واحد، ومع ذلك تختلف اختلافًا كبيرًا في أنواعها وأشكالها وزهرها وطعمها ورائحتها، فما الذي أوجب هذا الاختلاف إن كان الأمر أمر البيئة، وأذكر أنه حكى عن دارون أن قومًا كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما استمروا على عملهم قرونًا ولدت كلابهم من غير أذناب، فرد عليه السيد جمال الدين بعادة الختان عند اليهود والمسلمين قرونًا طويلة ومع ذلك لا يُولد الآن مولود مختتن إلا قليلًا، وأيضًا لو صح هذا المذهب لكان بين أيدينا الآن صور لا تُحصى من اختلاط الأنواع، مع أنَّا نرى الأنواع مستقلة تمامًا غير مختلط بعضها ببعض، وحتى لنرى أنه إذا ازدوج نوعان مختلفان أُصيبا بالعقم؛ ومع هذا إذا كانت هذه الأقوال والآراء فروضًا كلها وجب أن نرفضها إذا تعارضت مع النص الذي يذكر أن الإنسان خُلق وهو جنس وحده، وقد خُلق من طين وسكن الجنة قبل أن ينزل إلى هذه الأرض.
وتحدث صاحبنا من «دار العلوم» فقال: إني لا أرى تضاربًا بين ما حكاه الدكتور وبين آيات القرآن الكريم؛ فقد سمعت الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده يحكي أن ابن عباس وأناسًا معه كانوا يرون أن الأرض كانت عامرة قبل آدم، وأن الأرض كانت مسكونة بخلق قبله، ثم خلفهم آدم وقال: إن الأرض كانت معمورة بأقوام ثم انقرضوا وخلفهم آدم، كما تنقرض أمة وتخلفها أمة، يهلك الله صنفًا وينشيء آخر، والنوع واحد، ولا يزال الهالك يترك أثرًا للباقي يحدث فيه فكرة ويثير في نفسه عبرة، ويكون ذلك سلمًا له إلى رقي مستمر.
وقد قال أبو العلاء المعري:
وما آدم في مذهب العقل واحدولكنه عند القياس أوادم فلا مانع أن تكون الأوادم التي قبل آدمنا هي سلسلة التطور التي حدثت حتى كان آخرها في الرقي آدمنا زوج حواء.
أما الجنة فإن كان جمهور المفسرين على أنها في السماء فقد قرأت في تفسير النيسابوري أن أبا القاسم البلخي وأبا مسلم الأصفهاني ذكرا أنها كانت في الأرض، وفسرا الهبوط منها بالانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْرًا؛ لأن الجنة التي هي دار الثواب لا يدخلها إبليس ولا هي محل معصية، وهي جنة الخلد، لا يخرج منها من دخل فيها، وخلقته من الطين مفهومة؛ لأن الطين مادة الحياة وعليه اعتماده فيما يأكل من نبات وحيوان؛ فهذا كله يتفق وما حكى لنا الدكتور، ولا أرى تنافيًا بين الدين والعلم.
قال صاحبنا — ذو النزعة الصوفية والمزاج الرمزي — أما أنا فكما تعهدون، لا أرى في هذه القصص إلا رمزًا، إن خلق آدم وجعله في الأرض خليفة وقول الملائكة: إنه سيفسد فيها ويسفك الدماء ليس إلا رمزًا إلى أن عالم الحياة في الأرض قد سار سيرته كما شاء له الله، ثم حان الزمن لخلق نوع من المخلوقات جديد هو الإنسان الذي من طبيعته الإفساد والإصلاح وسفك الدماء وصيانتها وتقلبه في شئون الحياة حسب عواطفه وعقله وقلبه، وإذ كان أرقى أنواع المخلوقات في الأرض فهو المسيطر عليها وخليفة الله فيها «وعلمه الأسماء كلها» جعل من طبيعته الاستعداد لمعرفة الأشياء خيرها وشرها، ومنافعها ومضارها.
وحواء رمز للنصف الثاني من الجنس البشري وهو الأنوثة، كما أن آدم رمز الذكورة في طبيعته الإنسانية، وقد خُلقت من ضلع من أضلاعه؛ أي: أنها جزء منه تحمل طبيعته.
والأكل من الشجرة وانقلاب عيشهما الرغد إلى عيش الشقاء ملازم لطبيعة الإنسان، لقد كانت المخلوقات قبلهما لا تعرف خيرًا ولا شرًّا، وليس لها ضمير يحثها على الخير ويُؤنبها على الشر، فلما ارتقت حتى وصلت إلى الطبيعة البشرية أدركت خيرًا وشرًّا، وتحرك فيها الضمير يحاسب ويثيب ويعاقب، واستلزم هذا الشقاء والخروج من جنة النعيم كما قال المتنبي — ما أسعد العيش لو أن الفتى حجر — لم يكن قبل الإنسان ذنب ولا خطيئة، ثم كانا لما كان العقل وكان الضمير وكان آدم وكان الإنسان، فلما استعدا لارتكاب الذنوب وعرفا الخير والشر خرجا من جنة عدن؛ حيث السعادة الفطرية والحياة من غير تكليف؛ إلى الأرض التي فيها الفساد وسفك الدماء وإعمال العقل وانتباه الشعور.
رحب صديقنا الدكتور بهذا التأويل؛ لأنه يتفق وعلمه ودراسته، ولكنا أمطرناه وابلًا من الأسئلة عن إبليس والملائكة والجنة وشجرة التين وما إلى ذلك، فكان يجيب عنها في لباقة تدل على خصب الخيال ومهارة ملكة الرمز عنده وغرابة أطواره ونفسيته، إلى أن قال: إن هذا القصص في الكتب الدينية من توراة وإنجيل وقرآن مملوء بضروب من البيان، من استعارة وكناية ومجاز لم يفهمها إلا الراسخون في العلم، أما من عداهم فوقفوا عند ظواهرها ولم يفطنوا إلى إشاراتها.
– ثم قال: لعلي أستطيع أن أُقرِّب إلى أذهانكم هذه الصور بحديث الإسراء والمعراج، وما ورد فيه من براق وما إليه، فإني أفهمها على أنها سياحة روحانية، والبراق ونحوه مما ورد في القصة ليست إلا رموزًا لحالات نفسية وحركات روحية، وأفاض في ذلك بما لم أذكره الآن.
سألوني رأيي فحرت في أمري، وتولاني الإعجاب بهم جميعًا، من منهج علمي عند الطبيب، وإيمان صادق عند الأزهري، ونزعة لطيفة للتوفيق بين العلم والدين عند المدرس، وخيال بديع عند الصوفي، ووعدتهم أن أُفكر فيما قالوا إلى الغد ثم أُدلي برأيي.
وختم المقئون قراءتهم وانصرفنا بعد حديث ممتع وسمر لذيذ وجدل هادئ.

الفصل الحادي والثلاثون
ست النساء?


كان على قطر من أقطار الهند ملك عظيم الشأن، له الجنود والبنود، والقوة والسلطان، والعز والجاه.
وكان عادلًا في رعيته، يُحسن سياستهم، وتدبير أمورهم؛ ويحب العدل، ويمقت الظلم، ويعرف مداخل الأمور ومخارجها، ولكنه مظلم الروح، مادي النزعة، فاسد العقيدة، يعبد الأصنام، ويُقدم لها القربان، ولا يؤمن بثواب ولا عقاب، ولا بخلود روح، ولا بمملكة نفس، وإنما الدنيا الحاضر، واللذة المال والجاه، والنعيم صنوف الترف.
وكان له وزير روحي، يهزأ بالأصنام ويحتقرها، ويؤمن بالروح ومبادئها، ويقر بالجزاء الأوفى، ويعتقد أن السعادة في رضا الضمير، والعمل الصالح، وسمو النفس عن السفاسف، وأن للروح مملكة فيها النعيم والشقاء، وأن نعيمها خير أنواع النعيم، وشقاءها شر أنواع الشقاء.
ولكنه لا يجرؤ على مكاشفة الملك بذلك لشدته وجبروته، ولأن قلبه مغلق لا ينفتح لمثل هذه المعاني؛ وكان يرثى لحاله كلما رآه يسجد للصنم، ويُسرف في الترف، ويظن أن المجد في النفوذ والجاه، والتغلب على ما جاوره من أقطار؛ ويتحين الفرصة لنصحه وتفتيح قلبه، ودعوته إلى روحانيته، ولكن هذه الفرصة لا تسنح، والملك يتمادى في تفاخره، وخيلائه وزهوه، وعزته وأنفته، ورياسته واستطالته؛ ويمعن في الخطة التي رسمها له آباؤه، ويخضع لعرف زمانه وإلفه.
وأخيرًا حدثت المعجزة: طلب الملك من الوزير في ليلة أن يخرجا متنكرين لتفقد أمور الرعية، كيف يعيشون، ويشقون أو يسعدون؛ فطافا ما طافا، ورأيا ما سرهما أحيانًا وساءهما أحيانًا، حتى وصلا إلى ظاهر المدينة، فرأيا — على بعدٍ — بصيصًا من نور، فقصداه فرأيا عجبًا.
لقد تخفيا فلم يشعر بهما أحد، وتخيرا مكانًا يريان منه كل شيء، ولا يراهما أحد.
رأيا دِمنة قذرة الرائحة، بجانبها مأوى كأنه مغارة، فرشت فيه ثياب مهلهلة، تنبعث منه أبخرة متعفنة، يضيئه سراج من خرقة بالية غمست في زيت كأنه دُردي، وفيه جرة لا يعرف لونها من قذرها، وسلة من خوص فيها كسر جافة، وعيدان من فحل وكراث؛ وفي داخله رجل وامرأة، أما الرجل فمشوه الخِلقة، يلبس ثوبًا مرقعًا ويجلس على ثوب مثله، وعلى رأسه شملة ممزقة، وعلى فخذه قصبة شد عليها عود، وهو ينقر عليها نقرًا غير متزن ولا منسجم، ويُغني بشيء يشبه الشعر وليس بشعر، يتغزل فيه بصاحبته وجمالها، وفتنتها وسحر عيونها، وورد خدودها، ولطف قوامها، وأنها أجمل من رأت عينه، وأنها فتنة الدنيا ونعيم الحياة.
وأما المرأة فشوهاء مقوسة، لا تُرى عينها من قذاها، ولا تعرف لون ثيابها من ألوان رقعها، قد أمسكت بيدها غربالًا باليًا، وشدت عليه جلدًا غير مدبوغ، واتخذت من ذلك دفًّا تتابع به نغمات صاحبها، وتناغم عليه نقرات عوده، فإذا انتشيا قاما ورقصا، فإذا أتما دورهما حياها بطاقة من فجل، وردت تحيته بطاقة من كراث، وهي في كل ذلك تدعوه بسيد الرجال، وهو يدعوها بست النساء:
هو: والله ما رأيت مثل جمالك.هي: ولا والله ما رأيت مثل حسنك.هما: ما أجزلها نعمة، أدامها الله علينا! وقف الملك والوزير مبهوتين من هذا المنظر، متعجبين مما فيه هذان الصعلوكان من فرح وسرور، ولذة وحبور.
الملك: في حياتي ما رأيت مثل هذا، وما أظنني في عز سلطاني — ونعيم ملكي، وأيام شبابي، ومجالس لهوي مع وفرة أسبابي، وتمكني من الوصول إلى كل ما أشتهي — قد بلغ مني السرور مبلغ هذين الحقيرين، وأظن أنهما على تلك الحال كل ليلة، فما الذي يمنعهما؟ هل يمنعهما ثائر في أطراف المملكة، أو شغب الجند وطلبهم الأرزاق وضيق الدخل، أو النظر في المظالم، أو مشاكل الخاصة ومشاكل العامة، أو النظر في شكاوى الناس وتدبيرها، أو ما يجد كل يوم من مسائل معقدة، داخلية وخارجية، أو بريد يرد أو بريد يصدر؟ لا شيء من ذلك، فقد قطعا عنهما أسباب الهم، فانقطع عنهما الهم.
لقد غاظني — أيها الوزير — منهما غرورهما، كيف يعدان بؤسهما نعيمًا وشقاءهما سعادة، ونقمتهما نعمة، وقبحهما جمالًا، وغربالهما دفًّا، وخشبتهما عودًا، وفجلهما وكراثهما زهرًا، ثم يسألان من الله أن يُديم عليهما نعمته!
لأنتقمن منهما انتقامًا يسلبهما نعمتهما، ويُنغص عليهما عيشهما.الوزير: وماذا تنوي أن تعمل يا مولاي العظيم؟الملك: أريد أن أشقيهما بالنعيم، وأعاقبهما بالترف، وأبعث فيهما السخط بالرضا، أذيقهما ألم الفقدان بلذة الوجدان؛ إنهما لم يريا الجمال فسَعِدَا بالقبح، ولم يسمعا الموسيقى فطربا من الغربال، ولم يأكلا المرقق فاستطعما الكسرة.
سأعذبهما عذابًا لم يعذبه أحد، وسأستخرج منهما غرورهما بالخيال فأشهدهما الحقيقة، وسأنزع منهما الأوهام فأريهما الواقع، وسأقص جناحها الذي يطيران به إلى السماء ليلتصقا بالأرض.
سآخذ هذين المغرورين فأدخلهما قصري، وألبسهما من ثيابي، وأطعمهما من أكلي، وأشهدهما مجالسي، وأبسط لهما من سطوتي، وأسبغ عليهما جاهًا من جاهي؛ وسأشعرهما بلذة حياة كحياتي، وسأُري المرأة كيف يكون جمال الرجال، وأُري الرجل كيف يكون جمال النساء؛ وسأقيمهما في ذلك كله أيامًا حتى يتعوداه ويألفاه ويتطبعاه، ثم أردهما إلى حالهما، فما يهنآن بعيش، ولا يشعران بنعيم.الوزير: أخشى –— يا ملكي العظيم — أن نكون في لذاتنا وسرورنا واغتباطنا بجاهنا، واستمتاعنا بصنوف شهواتنا، وفرحنا بما حولنا، مغرورين غرور هذين المسكينين! وأن يكون فيمن حولنا من رأوا لذتنا فاحتقروها، وضحكوا من غرورنا كما ضحكنا من غرورهما، واستصغروا الموائد الفخمة تُمَد والجواري الجميلات تَخْطِر، والملابس المترفة تعرض، والموسيقى الراقية تصدح، والجنود والبنود والأعلام تحمل شارتنا، وتأتمر بأمرنا، والذهب والجواهر تسيل سيلًا، والتحف والخيرات تنهال انهيالًا؛ وتنظر إلى ذلك كله نظرنا لمأوى الصعلوكين ونعيم المسكينين.الملك شامخًا غاضبًا مستكبرًا: وهل تعلم على وجه الأرض مملكة أعز من مملكتنا، أو سلطانًا أوسع من سلطاننا، أو بلدًا أكثر نعمًا من بلادنا، أو نعيمًا وترفًا أبهى من نعيمنا وترفنا؟الوزير: لا يا ملكي العظيم، ولكن هناك قوم ليس لهم مملكة في الأرض، إنما لهم مملكة في السماء، ليسوا في مكان واحد، ولكنهم أفذاذ متفرقون في العالم كله؛ عشقوا الحق فاحتقروا الباطل، واعتقدوا وراء هذا العالم الظاهر كمالًا مطلقًا تتشوق الروح إليه وتسعى للاتحاد به، ودلهم النظر على أن كل إنسان يطلب بطبعه سعادته، ولكنهم رأوا اللذائذ الحسية عرضة للزوال، وهي تفقد قيمتها بتكرارها، وتحمل في طياتها منغصاتها، والإفراط فيها يضعفها، وهي — مهما عظمت — تصعد وتهبط، وتجيء وتذهب؛ وهي تعتمد على الإحساس والإحساس قلب، وما دامت تعتمد على الحس فهي تعتمد على الخارج، والخارج مهما كان في يدنا فليس ملكنا، وإنما هو كالريش في مهب الريح؛ من أجل هذا بحث هؤلاء الحكماء عن سعادتهم في داخل أنفسهم، ورأوا أن الجاه والعز والسلطان لا تساوي شيئًا في جانب أن يجد الإنسان نفسه؛ وأن الأكل الشهي، والملبس الأنيق، وصنوف اللهو والترف، تسقط قيمتها إذا وُزِنت برضا النفس، وراحة الضمير، وسمو الفكر، ومعرفة الحق؛ تلك فانية وهذه خالدة، وتلك تجري عليها أحكام السلع من بيع وشراء، وسرقة واغتصاب؛ أما هذه فجلت عن أن تمتهن في مبادلة، أو أن تنالها يد بسوء، أو يعتريها الفناء ولا بالموت.
تعشقوا الفضيلة وهاموا بها، وكانت لذتهم الأولى، اغتنوا أو افتقروا، نُعِّموا أو عُذِّبوا؛ فهم في فقرهم يسعدون وفي عذابهم ينعمون!
أهم ما يشغلهم أن يعرفوا نفوسهم، وقد تطلبت منهم تلك المعرفة أن يعرفوا أبدانهم وعقولهم وروحهم، وعلاقة نفسهم ببدنهم، وعلاقة العالم بنفسهم، وفي ضوء هذا حددوا مطالبهم في الحياة، ووسائل طلبهم، وما يأتون وما يذرون، ووقفهم ذلك المنظر على عالم من المعارف لا تنتهي، ولذائذ روحية لا تحد.
وكان نهاية بحثهم وتفكيرهم الإيمان بإله فوق المادة هو خالق هذا العالم، وقد استدلوا بوحدة العالم — مهما اختلفت مظاهره السطحية — على وحدة خالقه، واتصلت نفوسهم به، فاتخذهم أمناء وحيه، وسفراء بينه وبين خلقه.
فلما وصلوا إلى ذلك احتقروا الأصنام، ورأوا أن عبادتها — يا ملكي العظيم — لا تليق إلا بالسذج ومن لا عقل لهم، فأعرضوا عنها، وعبدوا إلههم الذي دلتهم عليه نفوسهم، ووجدوا لذتهم الحقة في تفكيرهم في إلههم وفي أنفسهم، وفي العمل وفق ما اعتقدوا من حق، وما آمنوا من مبادئ.
وهؤلاء القوم إزاء اللذات الحسية وأعراض الحياة الدنيا — من عز وجاه وسلطان — صنفان مختلفان تبعًا لاختلاف مزاجهم؛ فأما قوم فأعرضوا عن هذه اللذائذ جملة، فلا الأكل يستغويهم، ولا النساء تستهويهم، ولا أي شيء من متع الحياة يغريهم، ولا يهمهم إلا أن يعيشوا في أنفسهم لأنفسهم، وليس هؤلاء خير الطائفتين؛ وأما الآخرون فرأوا أن لا بأس من لذائذ الحياة بقدر، ولا بأس من عز وجاه وسلطان يُستخدم في تحقيق العدل وحمل الناس على الخير، وهؤلاء نظرهم أصح، والخير على أيديهم أتم, وهو أصلح للحياة, وأصلح للقيادة, وهو أسعد من الأولين؛ إذ يستمتعون بجمال العالم, وبالخير يجري على يدهم, وبشعورهم أنهم قوة في توجيه العالم وإسعاده.
أولئك — يا ملكى العظيم — ينظرون إلى اقتصارنا على اللذائذ الحسية نظرنا إلى لذائذ هذين المسكينين، ويرثون لحالنا رثاءنا لحالهما، ويجدون الفرق بيننا وبينهم أبعد من الفرق بيننا وبينهما، ولا يودون يومًا أن ينزلوا إلى درجتنا، وأن يكون حظهم حظنا، ويحمدون الله على ما أوتوا، ويسألونه السمو إلى الدرجات العلا.الملك: متى عرفت هذا المذهب واعتقدت هذا الرأي؟الوزير: من زمن طويل.الملك: فما الذي منعك أن تذاكرني به في حينه مع طول صحبتك، ومظاهر إخلاصك؟الوزير: والله ما تركت الحديث عنه ضنًّا بك، ولا سوء ظن بمقدرتك وقوة ذهنك، ولكني علمت أن الحديث في هذا الشأن لا يتأتى إلا عند مواتاة الفرصة وانشراح الصدر، وأيقنت أن الأمر خطير، فالنفس مولعة بما ألفت، حريصة على ما ورثت، ولا تعدل عنه إلا بعزم قوي، ونية خالصة، وجهاد طويل، وهمة عالية في تعرف الحق واعتناقه؛ فلما سنحت الفرصة، ورأيت كل شيء حولنا صالحًا لمحادثتك، ونفسك مستعدة لمذاكرتك، أفضيت بالأمر إليك راجيًا الله توفيقك.الملك: ما أعجب كلامك، ولست أذكر أن قد ورد على سمعي مثله، إنه ليفتح آفاقًا للفكر، ومجالًا للنظر، لقد آمنت بمبادئك في جملتها، وكفرت بعبادة الأصنام فلا صنم منذ اليوم، ولكن تفاصيل ذلك تحتاج إلى منهج يُرسم وخطط تُعد، ندرسها من غير أن نتأثر بإلف، ونبحثها من غير تقيد بتقليد، حتى نصل إلى النهاية، ونبلغ الغاية.? أصل هذه القصة في كتاب «إخوان الصفاء» وليس لي فيها إلا صياغتها بأسلوب العصر.
الفصل الثاني والثلاثون
الخوف


الخوف من الأمراض التي تنغص الحياة وتذهب بالسعادة.
هو مرض خطير قل أن يسلم منه إنسان، وهو أشكال وألوان، يشكل أعمال الإنسان ويوجهها طوع إشاراته، وحسب إيحائه، وفي كثير من الأحيان يصده عن العمل، ويُسبب له اليأس، ويفقده الأمل.
فمن أول أنواعه الخوف من الفقر؛ وهو من أخطر أنواعه؛ لأنه يشل قوة التفكير، ويقتل الثقة بالنفس، ويُولِّد الشك، ويُضعف اليقين، ويُفقد الأمل والطموح.
وقد زاد هذا الخوف في عصرنا عن كل العصور السابقة، للتزاحم المالي الشديد والتقاتل عليه، مما لم يُعرف له من قبل مثيل، فقد أعلت المدينة الحديثة شأن المال جدًّا، وتسابق الناس في مقاتلة بعضهم بعضًا لكسبه، نعم إنه داء قديم في الإنسان ولكنه لم يبلغ الخطر الذي بلغه الآن، فالفقير ليست له قيمة سياسية ولا اجتماعية ولا قانونية، ومالك المال — مهما كانت الوسائل التي اتخذها في جمعه — هو الذي يُسيطر وهو الذي ينتخب فيشارك في السياسة، وهو الذي تخضع له الرقاب.
من أجل هذا كان تصور الفقر مرعبًا وكان الخوف منه شديدًا، ومما زاده سوءًا أن حاجتنا في الحياة أصبحت معقدة مركبة، وما كان يكفي الرجل وأسرته قديمًا لا تكفي أضعافه الآن، وكان رب الأسرة يحتمل العيشة الخشنة والرضا بالكفاف؛ ولكنه الآن يرى أن ضرورات العيش لا عداد لها؛ فهو يخشى الفقر؛ لأنه هو وأسرته لا يستطيعون أن يصبروا على القليل، وهو إن افتقر كان أتعس ممن قبله عندما افتقروا.
ومما يزيد الإنسان خوفًا من الفقر شعوره الشديد أنه يوم يفقد ماله، ويوم لا يستطيع أن يسد حاجاته وحاجات أسرته يفقد عزته، ويشعر بالمذلة ويرى نفسه أحقر من إخوانه الذين يملكون المال ولو كان أشرف منهم نفسًا وأحسن منهم خُلُقًا، كل ذلك يملأ قلبه رعبًا من تصور الفقر وتوقعه.
ونوع آخر من الخوف، الخوف من النقد ومن كلام الناس، وهذا الخوف يُسيطر على أعمالنا لدرجة كبيرة.
وهو يتخذ أشكالًا لا عداد لها، فالناس يلبسون «الطربوش» في الصيف لا للحاجة إليه ولكن خوفًا من كلام الناس، ويعملون كثيرًا مما يعملون ويتجنبون كثيرًا مما يتجنبون خوفًا من كلامهم.
واختراع «البدع» (الموضة) كل عام وإقبال الناس عليه مبني على هذه النظرية، فالمصانع تُخرج كل سنة بدع الملابس فتلبسه طائفة ممن عُرف بالأناقة؛ فتهرع السيدات والآنسات للبسه خشية من كلام الناس؛ وهكذا مصانع السيارات ونحوها.
وكثير من العقلاء والمفكرين يجارون الناس في آرائهم وأعمالهم وإن اعتقدوا سخافتها خوفًا من كلام الناس.
ولو لاحظ الإنسان كل تصرفاته اليومية من أيام صغره إلى أيام كبره لرأى أن أكثرها صادر عن الخوف من نقد الناس.
وما مرض الفخفخة وحب الظهور، ولا مرض الخجل والمبالغة في الحياء، ولا مرض حب التقليد وعدم الابتكار إلا أعراض من أعراض الخوف من كلام الناس.
ثم الخوف من المرض: وهذا النوع من الخوف متصل بنوعين آخرين هما الخوف من الهرم والخوف من الموت، والإنسان يخاف من المرض؛ لأنه يستحضر في ذهنه احتمال الموت منه، كما قد يستحضر صورة العجز عن كسب العيش.
وقد استغل هذا الخوف من المرض تجار الأدوية فصنعوا منها ما أغرق الأسواق، وكثير منها ليس علاجًا حقيقيًّا، وإنما هو علاج وهمي لأمراض وهمية ناشئة من مرض الخوف من المرض.
وهذا الخوف قد ينتهي عند بعض الناس إلى مرض حقيقي؛ لأن الإيعاز المستمر بالمرض قد يُسبب المرض، وكثيرًا ما تحدث صاحبك بسوء صحته أو تغير لونه، فيشعر عقب ذلك مباشرة بالضعف والتخاذل والمرض.
ويكاد هذا المرض يكون عامًّا عند الناس، وكثيرًا ما يبعث عليه الفشل في الحياة، أو الفشل في الحب، أو اليأس من شيء مرجو، أو التعب الجسمي، فسرعان ما تظهر؛ إذ ذاك أعراضه.
ومن أعراضه كثرة الكلام في المرض، واستفسار الأطباء عن المرض، وقراءة الإعلان عن الأدوية، وكثرة وزن الجسم في الموازين العامة في الطرق، وتوهم المريض عندما يسمع وصف مرض أنه مصاب به، وكثرة استعمال المسكنات، وهكذا.
وهناك الخوف من فقد حب من يُحب، وهو خوف يلازم الحب غالبًا، فيخاف المحب أن ينصرف عنه محبوبه إلى غيره، وهذا — غالبًا — هو علة الألم من الصد والهجران.
وهذا الخوف كان مظهره في الزمن القديم الاستيلاء على المرأة بالقوة وحبسها ومراقبتها مراقبة شديدة ونحو ذلك، ثم حولته المدنية إلى محاولة كسب قلبها من طريق الإغراء بالتحبب إليها والتظاهر بمظاهر العظمة والجاه ونحو ذلك.
وهذا النوع من الخوف يحدث للمرأة كما يحدث للرجل، بل هو عند المرأة أشد؛ لأن المرأة أقل ثقة بالرجل من الرجل بالمرأة، وخاصة عندما تسمح شرائع البلاد بالطلاق أو تعدد الزوجات:
ومن أعراضه شدة الغيرة؛ غيرة الرجل على المرأة والمرأة على الرجل حتى يصل بالإنسان إلى درجة الهوس، فيكون الاتهام من غير أن تكون له أسباب معقولة.
كما أن من أعراضه كثرة مؤاخذة المحب حبيبه حتى على الأمور التافهة والأمور الوهمية، وكثرة العتاب، وما إلى ذلك.
ثم الخوف من الهرم أو الشيخوخة، ويرجع سبب هذا الخوف إلى عاملين: الأول: الخوف من أن الشيخوخة قد تُعجز المرء عن الكسب فيكون عالة على غيره، وأكثر ما يكون هذا عند العمال والصناع ومن يعيشون على كسبهم اليومي فهم يعيشون على حساب صحتهم؛ فإذا عجزوا عن العمل حُرِموا وسائل العيش.
والسبب الثاني: هو أن الشيخوخة نذير الموت، والموت بغيض مخيف.
وقد يكون من أسبابه أيضًا شعور المرء أنه إذا شاخ وهرم فقد جانبًا كبيرًا من استمتاعه بنعيم الحياة؛ إذ لا يعود يستطيع أن يجذب المرأة إليه، ولا المرأة أن تُؤثر في الرجل، وربما كان هذا السبب الأخير عند المرأة أقوى منه عند الرجل؛ لأن جمال المرأة رأس مالها في الحياة، فهي تخشى الشيخوخة التي تُضيع لها رأس مالها.
وأعراض هذا المرض تختلف اختلافًا متناقضًا، فأحيانًا يظهر في شكل كثرة حديث المسنين عن الشيخوخة، وانتهاز كل مناسبة للتحدث عن شيخوختهم، وأنهم انتهوا من دور الشباب، واعتذارهم من حين لآخر عن كسلهم أو يأسهم أو فشلهم بشيخوختهم، وأحيانًا يكون من أعراضه التظاهر بمظهر الشباب كصبغ الشعر، والتأنق في الملبس، ومحاربة تجاعيد الوجه، وتكلف اعتدال القامة، والكذب في السن الحقيقة.
وقل أن يعزيه عن شيخوخته كبر عقله، ونضوج تفكيره، وهو في أغلب الأحيان يألم عند الاحتفال بعيد ميلاده أكثر مما يحمد الله على بلوغه هذه السن.
وأخيرًا — ويجب أن يكون أخيرًا — الخوف من الموت، وهو عند أكثر الناس أشد أنواع الخوف، وسببه — في الأغلب — يرجع إلى أمرين: الخوف مما بعد الموت؛ لأنهم يرون أنهم في حياتهم لم يرضوا الله بكثير من أعمالهم، والله حاكم عادل يثيب المحسن، ويُعاقب المسيء، فهم يستحضرون في أذهانهم إساءتهم، ويستحضرون ما للإساءة من عقوبة، فهم لذلك يخشون الموت كما يخشى المجرم المحكمة؛ والسبب الثاني ما يشعرون به من لذعة إذا تصوروا فراق الأهل والخلان.
وهذا النوع من الخوف عند الشيوخ أكثر منه عند الشباب، وعند الفارغين من العمل أكثر منه عند العاملين، وعند ضعاف الأعصاب أكثر منه عند أقوياء الأعصاب.
وقد يُبالغ فيه بعض الناس، فيظهر ذلك بمظاهر مختلفة؛ فمنهم من يزهد في الحياة وينقطع للعبادة، ومنهم من ينغص عليه الحياة فيصبح مهوش الفكر مضطرب العقل، لا يصلح لعمل دنيا، ولا عمل آخرة، إلى غير ذلك.
هذه الأنواع من الخوف تملأ الحياة، وتلونها وتصبغها أصباغًا مختلفة؛ حتى لو قلنا: إن أكثر أعمال الإنسان هي نتيجة الخوف؛ لم نبعد، بل هو كذلك أهم سبب للاتجاهات التي يتجهها الإنسان في حياته من فعل وترك، وفعل هذا دون فعل ذاك، والسير في هذه السبيل دون تلك.
والآن وقد فرغنا من وصف المرض وأعراضه ومضاعفاته يحق لنا أن نتساءل: إذا كان هذا هو المرض فما علاجه؟
لقد أَبَنَّا أن الخوف حالة نفسية تستولي على الفكر فتشله، فإذا نحن آمنا بأن للإنسان قوة على تفكيره كما أراد، كان هذا مفتاح العلاج.
احم نفسك من مؤثرات الخوف سواء في ذلك ما تثيره نفسك، وما يثيره من حولك، وكن شديد الإيمان بأن لإرادتك قوة تستطيع بها أن تزيل هذه المخاوف، وأن تبني حاجزًا يحول بين نفسك وبين مؤثرات الخوف.
اقرأْ ما يبعث فيك القوة والشجاعة، ويملؤك أملًا وطموحًا، ويُقوي إرادتك على نفسك.
آمن بأن توقع الشر شر من الشر نفسه، فلا معنى أن يجمع الإنسان على نفسه شر الشر وشر توقعه.
حلل نفسك وتبين سبب مخاوفها: هل أنت تكره عملك الذي تعمله، ولماذا؟ هل أنت خاضع لمؤثرات تستوجب خوفك، فكيف الخلاص منها؟ هل فقدت الثقة بنفسك؛ ولماذا؟ هل أنت فارغ من العمل فتستسلم من أجل ذلك للمخاوف؛ إذن فكيف تملأ وقتك بالعمل؟ هل أنت تُضعف أعصابك بالمسكرات أو كثرة التدخين، فتقع تحت تأثير الخوف من أجل ذلك؛ إذن فكيف تتغلب على ذلك؟ أي أنواع الخوف الستة أكثر تأثيرًا فيك؛ ولماذا؟ هل لديك الوسائل الروحية والعقلية التي تستطيع أن تتغلب بها على الخوف، فإذا لم تكن؛ فكيف تحصل عليها؟ هل أنت واقع تحت تأثير أصحاب يسببون لك الخوف، فكيف تتخلص منهم؟ هل تُصادق من هم أضعف منك عقلًا وروحًا؟ إذن فكيف تُغيرهم بمن هم خير منهم!
ما أهم سبب لمتاعبك؟ كيف تعالجه؟ كيف تقسم زمنك، كم منه للنوم؟ وكم للعمل العقلي أو القراءة؟ وكم لعملك المعتاد؟ وكم للعبك وراحتك؟
فهذه الأسئلة ونحوها إذا أنت أجبت عنها في أمانة وإخلاص تعرفت نفسك وتعرفت مخاوفك، وتعرفت كيف تُسلط إرادتك على أسباب الخوف فتمحوها.
وأخيرًا ردد على نفسك «لا تخف» وردد قوله تعالى: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا.

الفصل الثالث والثلاثون
الأدب الاجتماعي


أعني به الأدب الذي يجب أن يتأدب به الفرد من حيث هو عضو في مجتمع، وعضو في أمة، فكل إنسان له شخصيتان: شخصية فردية، وعليه إزاءها واجبات فردية، وشخصية اجتماعية، وعليه إزاءها واجبات اجتماعية.
والإنسان تتوزعه عاطفتان: عاطفة حب ذاته، وعاطفة حب أمته، والشخص البدائي هو الذي ينظر إلى كل الأمور مراعيًا شخصه فقط، والشخص الراقي هو الذي ينظر إلى ذاته وإلى أمته، ويُعطي هذه حقوقها وهذه حقوقها؛ بل هو إذا ارتقى جدًّا رأى خيره في خير أمته، وخير أمته في خيره، وتوحد الأمران.
هذا الشعور بالواجبات الاجتماعية لا يُخلق مع الإنسان يوم أن يُولد، ولكن المجتمع الذي يعيش فيه هو الذي يكوِّنه ويربي عنده شعوره بالأمة بجانب شعوره بذاته، وذلك بواسطة التربية في الأسرة وفي المدرسة وفي الحياة الخارجية في المجتمعات، هنالك روح للمجتمع هي التي تُسيطر على الفرد فتعلمه أن يحد من أنانيته وألا يقيس الأمور كلها بشخصه، وهي التي تُعلمه النظام والترتيب، وهي التي تمده بالقوة ليكبح جماح حبه الشديد لنفسه، وهي التي تمده بالمعاني السامية ليشعر بأمته ويغار عليها ويعمل لخيرها.
فإذا كانت روح الأمة قوية استطاعت أن تطبع الأفراد بطابع قوي لخدمتها والتفكير فيها والعمل لخيرها، وإذا كانت روح الأمة ضعيفة قويت روح الأنانية في الأفراد ولم يفكروا إلا في أشخاصهم.
والحق أننا ينقصنا كثير من قوة الروح الاجتماعية من حيث أننا إمة، وهذا من أهم الفروق بين أمم الشرق وأمم الغرب، فلكل من الشرق والغرب مزاياه وعيوبه، ومن أظهر عيوبنا ضعف الشعور الاجتماعي، ضعف الشعور «بنحن» وقوة الشعور «بأنا».
من مظاهر ذلك عدم نجاحنا في الأعمال الاجتماعية — غالبًا — كاللجان والنوادي والجمعيات والأحزاب والنقابات ونحو ذلك؛ وسببه أن هذه مجتمعات لا يمكن أن تنجح إلا إذا توارى إلى حد كبير الشعور بأنا، وظهر إلى حد كبير الشعور بنحن.
وأساس فشل هذه الجمعيات عدم تربيتنا تربية اجتماعية يتناسى فيها الفرد ذاته وأنانيته، ولهذا إذا نجح عمل اجتماعي عندنا فلأنه تحول من عمل اجتماعي وعمل مجتمع إلى عمل فرد قوي الشخصية قوي الإرادة تجمعت فيه كل الشخصيات، أو فرد نشيط كفء يعمل كل العمل والأفراد الآخرون يتكلون عليه، وبذلك يخرج عن كونه عمل جمعية في الحقيقة إلى عمل فرد مظهره مظهر جمعية.
فنحن إلى الآن لم نتعلم عمل الجمعيات، حيث تُوزع الواجبات على أفراد الجمعية وتُنظم الأعمال، ويعرف كل عضو ما له وما عليه ويقوم به، وتلتقي هذه الأعمال كلها في شكل متضامن منظم.
لا علاج لهذا إلا التربية التي تشعر الفرد بمسئوليته نحو مجتمعه.
يدل على هذا المعنى قصة سمعتها عن المرحوم الشيخ محمد عبده، فقد سافر مرة إلى أوروبا، ومع صديق له، صعد هذا الصديق مرة إلى ظهر السفينة فوجد الشيخ محمد عبده يبكي فعجب من ذلك وسأله عما يبكيه؟ فأخفى عنه السبب أولًا، فلما ألح عليه قال: وجدت بنتًا صغيرة تجري وتلعب، ثم وقفت عند شجرة من الأشجار الصغيرة الموضوعة في الأصص فقطفت منها زهرة، فجاءت مربيتها الإفرنجية وأنَّبتها على عملها، وأبانت لها أن هذه الشجرة وزهرتها ليست ملكها، بل هي لإمتاع من في السفينة جميعًا، وأن كل إنسان في السفينة له الحق في المتعة بها، وأنت بقطفك هذه الزهرة قد تعديت على حقوق كل من في السفينة ومن يركبها بعدُ، وحرمتهم لذتهم، ثم أخذت تلقي عليها درسًا في الملكية الخاصة والملكية العامة، قال الشيخ محمد عبده: تذكرت؛ إذ ذاك علماءنا ورجالنا ونساءنا في مصر، وعجزهم عن فهم هذه المعاني وتفهيمها لأبنائهم وبناتهم فدمعت عيني.
هذا ضرب من أهم ضروب الأدب الاجتماعي وهو الشعور بحق الغير، ومنفعة الغير، ومراعاة شعور الغير، وهو معنى نحن في أشد الحاجة إليه اليوم.
لو نما هذا الشعور لوجدت لدينا آلاف الجمعيات الناجحة للخدمة العامة، هذه تمد البائس الفقير، وهذه تُربي الأطفال المشردين، وهذه تُساعد المرضى، وهذه تُثقف عقول الجاهلين، وهذه تُعين الطلبة العاجزين عن المصروفات الدراسية، وهذه لإسعاف المنكوبين، ولو نما هذا الشعور لرأيت كل فرد قادر يزكي عن قدرته العلمية أو المالية أو الخلقية بشيء من مقدرته لخدمة الهيئة الاجتماعية، إجابة لشعوره بواجبه لأمته.
ومن مظاهر ضعف هذا الأدب الاجتماعي فوضى المجتمعات عندنا، سواء كان الاجتماع لمحاضرة علمية أو أدبية، أو حفلة غنائية أو موسيقية، أو مشاهدة سينما أو رواية تمثيلية؛ يفهم كل فرد أن المحاضرة له وحده، أو السينما أو التمثيل له وحده، ولا يفهم مطلقًا أن هذه المحاضرة أو هذه الحفلة له وللناس، فتراه يتكلم مع جاره بصوت عالٍ ولو تأذى الجمهور، ويضحك ويهوش ولو تضايق من حوله، ولو كان عنده شعور اجتماعي بأن له ما للآخرين وعليه ما عليهم ما أتى بشيء من هذا، ولراعى شعورهم كما يحب أن يُراعى شعوره، ولفهم أن الحرية التي يتشدق بها ليست أن يفعل ما يشاء بغير قيد ولا شرط، بل الحرية الممنوحة له مقيدة بقيود أولها ألا يُؤذي غيره، وأن يكون له منها مثل ما لغيره.
مظاهر هذه الفوضى نراها في كل شيء: في هذه المجتمعات التي ذكرناها، وفي الشوارع، فكل سائر يعتقد أن الشارع ملكه وحده، يرمي فيه بالأوراق التي يستغني عنها كما يشاء، ويسير في أي جانب كما شاء، وتراه عند شباك «التذاكر»، فكل يعتقد أن له الحق وحده أن يأخذ أول تذكرة ولو جاء آخر رجل، وأن الأمر أمر مزاحمة وقوة جسم، ولباقة حركة، ولا عبرة بالسبق، ولا بأي اعتبار آخر.
إن الحرب الحاضرة كشفت لنا عن نقص شنيع في هذا النوع من الأدب الاجتماعي، فمشكلة الدقيق، ومشكلة السكر، ومشكلة الأرز، وغيرها من مشاكل التموين ناتجة عن نقص الأدب الاجتماعي أكثر منها نتيجة لنقص المواد الغذائية، فكم من الناس لا ينظرون إلا إلى أنفسهم فيخزنون ما قدروا عليه من غير مراعاة لغيرهم من المحتاجين، وكم من التجار الجشعين الذين ينتهزون الفرصة ليربحوا ربحًا غير معقول ولو هلك الجمهور؛ ولو كان في الأمة أدب اجتماعي راقٍ لخفف كل هذه المصائب، ولا يمكن لأية حكومة ولا أية سلطة أن تنجح في حل هذه المشاكل نجاحًا تامًّا ما لم يسعفها الأدب الاجتماعي، وما لم يشعر الفرد بنحن بجانب شعوره بأنا، وما لم يفهم أن له حظًّا من الخير بجانب حظوظ الناس، وأنه يجب أن يتحمل شيئًا من المتاعب كما يتحمل الناس.
حتى الأمور التافهة الصغيرة التي تصل بالأدب الاجتماعي لا تُؤدى كما ينبغي فهذا يُرسل إليك خطابًا فلا ترد عليه، وهذا يُهدي إليك كتابًا فتتهاون في شكره، وهذا يُسدي إليك معروفًا فلا ينال منك كلمة ثناء عليه وتقدير لعمله كأن كل الناس مسخرون لخدمتك وحدك، كما يُسخَّر العبيد للسيد من غير حاجة إلى كلمة شكر.
وقد مرت الأمم الأخرى بمثل حالتنا التي نحن عليها الآن، ولكن عالجتها بأمور كثيرة — فأولًا — عالجتها بنظام الجندية، فكل فرد لا بد أن يمر بالجندية زمنًا ما، وفي هذا الزمن يتعود الرجولة والنظام، ويتعلم درسًا هامًّا في الأدب الاجتماعي، وهو أنه لا يعيش وحده، وأنه جزء صغير من جيش كبير، وأن عليه عبئًا يجب أن يحمله هو ولا يحمله سواه، وأن شخصه جزء من فرقته، خيرها خيره وشرها شره، وأنه يتحرك بحركتها ويسكن بسكونها، وأن عليه واجبات وله حقوقًا؛ وهكذا يتعلم الروح الاجتماعية التي تلازمه إذا خرج من الجندية، وقد شاهدت هذا المعنى في طلبة من الجامعة جُندوا فتغيرت روحهم وأصبحوا أطوع للنظام وأكثر تقديرًا للحقوق والواجبات، وأشد شعورًا بمسئوليتهم نحو أمتهم.
ثم إلى جانب الجندية وجهوا التربية في الأسر وفي المدارس نحو تفهيم هذا الأدب الاجتماعي، حتى أشعروا كل فرد أنه جزء من كل، ففي الأسرة علموا الأبناء أن يعيشوا في البيت عيشة اجتماعية، كل فرد يشعر أن خير الأسرة كلها خيره وشرها شره، وأن ميزانية البيت ليست لأحد وإنما هي لكل أحد، لا يتمتع بها واحد أكثر من غيره، وأن الفرد الناجح في الأسرة يصيب نجاحه الأسرة كلها، وفشل فرد منها يصيب الأسرة كلها؛ وفي المدرسة رسموا الخطط المتعددة لتعويد الأطفال أن يعملوا في شكل جمعيات، هذه جمعية للعب، وهذه للأشغال، وهذه للكشافة، وهذه للفنون، وهذه للعلوم، وهكذا، ونظموا هذه الجمعيات تنظيمًا دقيقًا، وقووا الروح التي تُسيطر على كل فرد حتى يندمج في جمعية يشعر بشعورها، ويعتز بعزتها، ويهون بهوانها.
فلما خرجوا من البيت على هذا النظام، ومن المدرسة على هذا النظام، ومن الجندية على هذا النظام، خرجوا إلى الحياة العامة وهم متشبعون بهذا الروح؛ فنجحت نقاباتهم، وأنديته، وأحزابهم، وجمعياتهم؛ لأنهم نشئوا عليها من صغرهم، ورُبوا تربية اجتماعية من طفولتهم، وأصبحت «نحن» بجانب «أنا» تمامًا لا تُفارقها ولا تتخلف عنها.
ثم إن معيشتهم في وسط الآلات والمصانع علمتهم أن كل فرد كجزء من الآلة إذا تعطل ترس تعطلت الآلة كلها، ولا يمكن لآلة أن تنجح إلا إذا أدى كل جزء ما عليه، متعاونًا مع باقي الأجزاء، فأوحى هذا كله إلى نفوسهم العمل الإجماعي والأدب الاجتماعي.
أما بعدُ؛ فإن أخلاقنا الفردية لها مزاياها وعيوبها ككل أمة أخرى، إنما الآداب الاجتماعية هي أهم ما ينقصنا، وهي وحدها — مع الأسف — عنوان الأمة ومظهرها أمام من يحكم لها أو عليها؛ فهم لا يحكمون علينا بأخلاقنا الشخصية، بمقدار ما يحكمون علينا بمظهرنا في الشارع وفي المجتمعات، إنهم يرون البائس الفقير جدًّا بجانب الغني جدًّا، فيعلمون أن الغني قد فقد الخلق الاجتماعي، وهم يرون نوادينا وجمعياتنا فيحكمون منها على مقدار رقينا، إن الأمر في نظري لا يحتاج إلا إلى تكوين جيل واحد يبذل فيه الزعماء والقادرون كل قوتهم لتكوين هذا الأدب الاجتماعي والخلق الاجتماعي في نفوس الناشئين، وأخذهم بالحزم والقوة حتى يتعودوه، وأنا ضامن أن الأجيال المقبلة تسير بعدُ على هذا النظام من نفسها.

الفصل الرابع والثلاثون
جمال الدين الأفغاني


يعجبني أحيانًا طريقة القدماء في ترجمة العظماء، فيختفي المترجِم ويَظهر المترجَم، ويكتفي بذكر الأحداث التي حدثت للعظيم وتصرفه فيها، والكلمات التي فاه بها، ونحو ذلك؛ ويترك القارئ يفهم منها ما شاء، ويستنتج منها ما شاء، ويُقوِّم ما شاء؛ لا يملي شرحه وتفسيره، ولا يفرض على القارئ فهمه ولا يتحكم هو في رسم الصورة التي يراها؛ وذلك ما فعل الأصفهاني في الأغاني، وياقوت في معجم الأدباء، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وغيرهم من مؤرخي العرب.
وقد قرأت في هذه الأيام ترجمة للسيد جمال الدين من هذا القبيل، اكتفى فيها المترجِم — غالبًا — بنقل آراء الأستاذ وأقواله وأحداثه؛ وجعل ذلك كله يصوره كما يشاء القارئ?؛ وقد استوقف نظري بعض أحداث وأقوال أرويها كذلك من غير تعليق: (?) قال له «المخزومي» يومًا: إن بعض الأصدقاء يرغبون في الحصول على ترجمة الأستاذ، فقال له: «قل لهم: إن العيان لا يحتاج إلى ترجمان، قل لهم ما قال فلان عني (وفلان هذا عدو من أعدائه) إنه متشرد أو أفَّاق، وأي نفع لمن يذكر أنني ولدت سنة ???? وعمرت أكثر من نصف قرن، واضطررت لترك بلادي، وأُكرهت على مبارحة الهند، وأُجبرت على الابتعاد عن مصر؟».
(?) ولما جمع المخزومي هذه الوقائع استشار الأستاذ في اسمها، فقال: سمها «خاطرات»؛ فقال المخزومي: إن بعض الأصدقاء نبهني إلى أن هذه اللفظة غير صحيحة في اللغة، والأقرب للصواب أن نسميها «خطرات» أو «خواطر»، فقال: قل «خاطرات» ولا تُبال بمن فسد لسانهم ولا يصلحون إلا للأجوف والمهموز، ولا يحسنون جملة تنقر حبة القلب أو تطرب السمع.وكتب يومًا كلمة بعنوان «سياسة بَقَروتية في مملكة فرعونية»، فاعتُرض عليه في كلمة بقروتية، فقال: كيف صح لهم أن يقولوا «ملكوت» و«جبروت» ولا يصح لي أن أقول «بقروت»؟ ونظير هذا قوله: لا يصح للسماعي والقياسي أن يمنع أحدهما الآخر، فإذا جاز بالسماعي «أن ينحرف» جاز بالقياسي «أن ينعوج».
(?) ولما جاء مصر أعجبه برنامج الماسونية من دعوة إلى «الحرية والإخاء والمساواة» فانضم إليها، وعرض عليهم في المحفل يومًا إعانة لأحد الإخوان، فسأل «الأستاذ»: هل الأخ مريض؟ قالوا: لا، قال: هل هو صحيح البنية؟ قالوا: نعم، فقال: «صحة البدن وذل السؤال لا يصح أن يجتمعا لإنسان.».وحضر مرة اجتماعًا فيها، فقال أحد الخطباء: «إن الماسونية لا دخل لها في السياسة.»؛ فعجب جمال الدين كل العجب من أن الجمعية التي برنامجها «الحرية والإخاء والمساواة» لا ترفع صوتها لرد الحرية إلى مسلوبها، وانفصل من الجمعية وكون محفلًا وحده.
(?) ولما أُخرج من مصر ذهب بعض محبيه إلى السويس يحملون له مقدارًا من المال، عرضوه عليه وسألوه أن يقبله قرضًا، فقال لهم: «أنتم إلى هذا المال أحوج، والليث لا يعدم فريسته حيثما ذهب.».
(?) ولما استدعاه السلطان عبد الحميد إلى الآستانة سنة ???? ووصل إليها، كان في انتظاره الياور السلطاني، فسأله: أين صناديقك يا حضرة السيد؟ فقال: ليس معي غير صناديق الثياب وصناديق الكتب، قال الياور: حسنًا! دلني عليها، فقال السيد: صناديق الكتب هنا (وأشار إلى صدره)، وصناديق الثياب هنا (وأشار إلى جبته).وقد قال: «كنت أول عهدي أستصحب جبة ثانية وسراويل، ولكن لما توالى النفي صرت أستثقل الجبة الثانية، فأترك التي علي إلى أن تخلق فأستبدلها بغيرها.».
(?) وكان يُجالس السلطان عبد الحميد كثيرًا، فسئل عن رأيه فيه، فقال: «إن السلطان عبد الحميد لو وُزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم: ذكاءً ودهاءً وسياسة، خصوصًا في تسخير جليسه … ولا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام لملكه من الصعاب من دول الغرب، ويخرج المناوئ له من حضرته راضيًا عنه وعن سيره وسيرته، مقتنعًا بحجته، سواء في ذلك الملك والأمير والوزير والسفير؛ ولكن يا للأسف عيب الكبير كبير، والجبن من أكبر عيوبه.».
(?) وعرض عليه السلطان عبد الحميد منصب مشيخة الإسلام، فأبى إلا أن يعمل عمل أساسي يتغير به النظام الحاضر، وقال: «إن وظيفة العالم ليست بمنصب ذي راتب، بل بصحيح الإرشاد والتعليم، ورتبته ما يحسن من العلوم مع حسن العمل بالعلم.».
(?) وعاش جمال الدين عزبًا لم يقترن في حياته بامرأة، وكان كلما شكا له أحد كثرة العيال وقلة ذات اليد يُعينه على قدر استطاعته، فعرض عليه السلطان يومًا أن يُزوجه جارية حسناء من قصر يلدز، فامتنع السيد من ذلك، فسئل: هل تؤيد رأي أبي العلاء:هذا جناه أبي علــيَّ وما جنيت على أحدقال: «كلا، كيف يصح لعاقل أن يعتبر الزواج جناية وبه بقاء النوع واستكمال حكمة العمران؟ أما أنا فمعرفتي بما تتطلبه الحكمة الزوجية من معاني العدل، وعجزي عن القيام بأمره دفعني أن أتقي عدم العدل ببقائي عزبًا.».فقال له طبيب يهودي كان من خاصته: فهل تفاديًا من الخوف من عدم العدل يجوز أن يُخالف الإنسان طبيعته؟ فتبسم السيد وقال له: «إن الطبيعة أحكم منك، فهي تدبر نفسها، ومن ترك شيئًا عاش بدونه.».قيل له: إنك تقبل من السلطان عطاءه من المال، فلِمَ لا تقبل عطاءه من الجواري الحسان؟قال: أما المال الذي يعطينيه فإني أجد له — على قدر اجتهادي — أكفاءً يقومون بأداء الواجب نحوه، وأما الزواج بالجارية الحسناء فما أنا بالكفء لها، ولست بوليها لأتحرى لها كفؤها.
(?) وكان السيد جمال الدين كثير الإعجاب بذكاء الشيخ محمد عبده وفضله، وكان كلما ذكره يقول: «صديقي الشيخ»، وكان السيد عبد الله نديم في آخر أيامه يكثر من التردد على منزل جمال الدين، فقال له يومًا قد أكثرت من الثناء على الشيخ محمد عبده كأنه لم يكن لك صديق غيره، وتنعت غيره بقولك: صاحبنا، أو «فلان من معارفنا»، فتبسم السيد جمال الدين وقال: «وأنت يا عبد الله صديقي؛ ولكن الفرق بينك وبين الشيخ أنه كان صديقي على الضراء، وأنت صديقي على السراء.» فسكت النديم.
(??) وكان جمال الدين يهزأ بمبدأ «دارون» الذي يُعنون «بتنازع البقاء»، ويقول: إن المبدأ هو «تنازع الفناء»، ويقول: إن البقاء الذي ينبغي أن يُطلب ولا يعتريه فناء ليس فيه تنازع ولا نزاع، والتنازع القائم الآن إنما هو على أشياء تفنى، والمنتزع والمنازع والمنزوع منه سواء في المصير إلى الفناء، فكان الأولى أن يقال: «تنازع الفناء».
قيل له: وهل يُجمع العالم المتمدن كله على مثل هذا الخطأ؟
فقال: وما العالم المتمدن؟ هل رأينا غير مدن كبيرة وأبنية شامخة وقصور مزخرفة ينسج فيها القطن والحرير بأصباغ كيمياوية مختلفة ألوانها، ومعادن ومناجم، واحتكار تجارات أتت لهم بثروات، ثم هل غير التفنن في اختراع المدافع المريعة والمدمرات والقذائف وباقي المخربات القاتلات للإنسان، تتبارى فيها تلك الأمم الراقية المتمدنة اليوم؟
لو جمعنا كل تلك المكتسبات العلمية، وما في مدنيات تلك الأمم من خير، وضاعفناه أضعافًا مضاعفة ووضعناه في كفة ميزان، ووضعنا في الأخرى الحروب وويلاتها، لكانت كفة العلوم والمدنية والتمدن هي التي تنحط وتغور، فالرقي والعلم والتمدن على ذلك النحو إن هو إلا جهل محض، وهمجية صرفة، وغاية التوحش، فالإنسان في ذلك أحط من الحيوان.
هل سمعت أن ثلاث مئة ألف أفعى وقفت تجاهها مثلها وتقلبت بينها الأنياب وقاتل بعضها بعضًا؟ أو هل وقفت الأسود صفوفًا وتناهشت لحوم بعضها وسالت دماؤها؟ فليس ثمة مدنية ولا علم، ولكن جهل وتوحش.
•••

ثم روى للسيد جمال الدين كلمات كان يقولها في مناسباتها.
كان إذا أقسم قال: «وعزة الحق وسر العدل» — الحقائق لا تزول بالأوهام — من سفه الرأي أن يعتقد الرجل أفضليته على الغير بالعمر والمشيب فقط — الفخر بالقول المجرد يبطله المجد بالفعل — لا يُؤمن بربوبية القوة إلا شبح الضعف — الأكفاء في العصر لا يكونون على الغالب أصدقاء — تطويل المقدمات دليل على سقم النتائج — من رهب الملوك لغير جريرة فهو الصعلوك — صاحب الحاجة إذا لم ينطق بحاجته أولى بالخرس — ألف قول لا يُساوي في الميزان عملًا واحدًا — إسراف الإنسان بصحته أضر من إسرافه بثروته — بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة — القبة الجوفاء لا ترجع إلا الصدى — شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل ويسكت العاقل — الأديب في الشرق يموت حيًّا ويحيا ميتًا — قيد الأغلال أهون من قيد العقول بالأوهام — القوي من الشجر لا يعجل بالثمر — (اللغة) العربية وسعها البدو في البراري والقفار، وضيقها الحضر في المدن والأمصار — العلم قد يكون في الأحداث ولكن التجارب لا تكون إلا في الشيوخ.
? والكتاب هو (خاطرات جمال الدين) لمحمد باشا المخزومي الذي عاشر الشيخ ولازمه مدة إقامته في إستنبول.
الفصل الخامس والثلاثون
حب الهجرة


من أخلاق الأمم القوية «حب الهجرة» فالأمة التي تعتز بقوتها وتشعر بعظمتها، يُحب أفرادها أن يسيحوا في الأرض، إما لنشر دينهم وعقيدتهم، وإما لإعلاء شأن وطنهم، وإما لطلب الرزق إذا ضاق في بلدهم، وإما ليزدادوا علمًا بأحوال البلاد الأخرى، فيفيدوا العالم ببحوثهم واستكشافهم، وإما ليستزيدوا من مناظر الطبيعة وجمالها فيغذوا بذلك ملكاتهم الفنية من شعر وقصص وتصوير وما إلى ذلك من أغراض.
أما الأمم الضعيفة المغلوبة على أمرها فتألف مكانها، ولا تُحب أن تُفارق عشها مهما برح بها الفقر، ومهما ساءت معيشتها، فأهلها يفضلون أن يموتوا في بلادهم أذلة فقراء، على أن يموتوا خارجها أعزة أغنياء.
أمامي الآن صفحة رائعة من صفحات المسلمين أيام نهضتهم كيف رحلوا وكيف تنقلوا في البلاد المختلفة ينشرون دينًا أو يطلبون علمًا أو يُكافحون في التجارة، ويلقون في ذلك الصعاب من غير ملل ولا ضجر.
وكانت الحكومات الإسلامية تتعاون على تنظيم هذه الرحلات فتُنشئ الرِّباطات في كثير من المراحل، وفي مختلف الطرق، وفيها يجد المسافر ما يحتاج إليه، والرباط في أصل وضعه نقطة «عسكرية» كبيرة لحفظ الحدود أن يتسرب إليها جند الأعداء أو جواسيسهم، فأضافوا له غرضًا آخر، وهو معونة المسافرين والراحلين، وتزويدهم بما يحتاجون إليه، ولما اشتدت الرغبة في الرحيل قام قوم من علماء الرحالين يُؤلفون كتب الدليل، وفيها كل ما يحتاج إليه المسافر من تبيين المسافات بين البلاد وأخلاق أهلها وعاداتهم واعتقاداتهم وخير ما عندهم من أنواع السلع، والمتاجر والمصنوعات، والحاصلات الزراعية، والمكاييل والمقاييس والأوزان، وما فيها من ثغور بحرية ونهرية، وأسماء المشهورين من الناس في كل قطر، وبين أيدينا الآن كتب كثيرة من هذا القبيل ككتاب «أحسن التقاسيم في معرفة أحوال الأقاليم» للبَشَّاري الشهير بالمقدسي؛ ويقول: إنه سافر كثيرًا في البحار فقطع ألفي فرسخ، وإنه سافر إلى الصين وسرنديب وركب بحر الأندلس، غير ما جابه من البلدان الإسلامية برًّا، وكذلك «كتاب المسالك والممالك» للإصطخري، و«المسالك والممالك» للبكري، و«المسالك والممالك» لابن خرداذبه، و«كتاب البلدان» لابن الفقيه، وغيرها وغيرها، وكلها أدلة للمسافرين.
وقد أسس المسلمون في أيام عزهم مراكز تجارية هامة يحضر إليها التجار بسلعهم وأموالهم من مختلف الأقطار، وبها المخازن والفنادق والسماسرة والوكلاء يبيعون ويشترون ويصدرون إلى مختلف الأقطار، وكان هناك صيارفة المال ولهم وكلاء يصرفون الصكوك ويحررون الحوالات لوكلائهم في الأقطار الأخرى، وكان من أهم تلك المراكز «جاوه» وكانت مركزًا هامًّا للبضائع الصينية، و«عدن» و«كازرون» و«العريش».
وقد ذهبوا إلى بلاد روسيا فبلغوا «كوتابه»، وذهبوا إلى أقصى السودان فوصلوا «كوكوا»، وذهبوا إلى التتر لجلب السمور، ووصلوا إلى «خانقوا» وهي التي تُسمى الآن «كانتون».
وفي كل هذه البلاد كانوا حيثما نزلوا يتعلمون لغة أهلها وعاداتهم وينشرون فيها لغتهم ودينهم، ويمتزجون بأهلها بالمزاوجة، فلا يمر جيل أو جيلان إلا ويندمجون في الشعوب التي يرحلون إليها.
وقد حكى لنا المسعودي في تاريخه قصصًا كثيرة عن هؤلاء الرحالة كابن وهبان الذي كان غنيًّا كبيرًا وتاجرًا عظيمًا، وكان من أهل البصرة، فرحل إلى سيراف، ثم رحل منها إلى الهند بتجارته، إلى أن انتهى إلى بلاد الصين، ورحل إلى بلد الملك وأعمل الحيلة حتى قابله، وأعظمه ملك الصين، وأمر أن تُعد له دار من دياره ينزل فيها، وأن تُقضى له حوائجه، ثم عاد بعدُ إلى البصرة بعد أن نجح في تجارته وحدث أهلها بما رأى وما عرف، وحث قومه على الرحلات وتنظيم التجارات.
وكانت رحلاتهم البحرية لا تقل روعة عن رحلاتهم البرية، فأنشئوا المراكب الكبيرة للملاحة في البحر الأبيض والأحمر والمحيط الهندي، حتى وصف بعضهم سفينة كانت تحمل بضعة آلاف راكب وفيها حوانيت للبيع، مع أنها كانت مراكب شراعية، وكانوا أحيانًا يستحضرون خشب السفن من البندقية وفيها غواصون لسد الثقوب إن حدثت، وبعض السفن كان يحمل حمام الزاجل ترسل معه الأخبار إلى البلاد، وكانت مراكب المسلمين تقطع البحر الأبيض عرضًا في ستة وثلاثين يومًا.
وقال المسعودي: «وقد ركبت عدة من البحار كبحر الصين والروم والقلزم واليمن، وأصابني فيها من الأهوال ما لا أحصيه كثرة، فلم أجد أهول من بحر الزنج.»، وكانت أقصى ما تصل إليه المراكب في هذا البحر موزنبيق.
أقام المسلمون بهذه الرحلات والمراكبُ شراعية تعتمد على الريح، وليس لهم آلات دقيقة لتحديد الجهات، وكانوا يقطعون المسافة من البصرة إلى الصين في شهور طويلة مع احتمال العطب، ومع ذلك لا ينقطعون عن السفر، ولا تعوقهم الشدائد طلبًا للرزق أو المجد.
وهناك أمثلة أخرى للهجرة للعلم كالذي ذكره الإدريسي «أنه في القرن الرابع الهجري خرج جماعة من مدينة لشبونة كلهم أبناء عم، وأنشئوا مركبًا وتزودوا فيه، ثم ركبوا بحر الظلمات واقتحموه ليعرفوا ما فيه من الأخبار والعجائب، وليعرفوا إلى أين انتهاؤه، وهم يسمون المغرَّرين.».
ومثل العالم الكبير أبي الريحان البيروني، أصله من خوارزم، ولكن أهل بلده كانوا يُسمونه الغريب لطول غربته وكثرة أسفاره، كان ذا عقل علمي جبار في الرياضيات والفلك، رحل إلى الهند بعد أن مهر فيما خلفه اليونان من رياضة وهندسة وهيئة، فأكب على ما عند الهند من ذلك ووعاه ونقده، وقارن بين ما للهند وما لليونان، وأبان عيوب هؤلاء وهؤلاء، كما درس حالة الهند الاجتماعية وألف في ذلك الكتب الكثيرة، فألف في الجواهر كتابًا اسمه «الجماهر في الجواهر»، وألف كتاب «تاريخ الهند»، وكتاب «ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة»، وألف في الفلك كتاب «التفهيم في صناعة التنجيم».
وهؤلاء المحدِّثون، طافوا الممالك الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها يتقصون ما ورد من الأحاديث، ويجمعون ما تفرق في البلاد، ويأخذون عن شيوخ الأقاليم، ويتفهمون معاني الأحاديث وفقهها، ويفخر المفتخر منهم بأنه رحل من مصر إلى الشام إلى الحجاز إلى العراق إلى خراسان في طلب العلم.
هذه أمثلة قليلة جدًّا من رحلات المسلمين في أيامهم الأولى، أيام عزهم ومجدهم وقوتهم، سافروا للدين، وسافروا للدنيا، وسافروا للعلم.
وفي عصورنا الحديثة من الأمثلة الرائعة حقًّا ما فعله السوريون؛ إذ هاجروا إلى الولايات المتحدة فنجحوا في الأعمال الاقتصادية؛ بل وكونوا لهم أدبًا عربيًّا ممتازًا.
أفبعد هذا يصح أن نرى هذه الظاهرة العجيبة في كثير من الأمم الشرقية، ظاهرة الخمول والالتصاق بالأرض، وعدم الرغبة في الرحلات والأسفار بعد أن سهلت وسائلها، ومهدت طرقها، وبعد أن ضاق العيش على كثير من أممها في أرضها؟ أليس من العجيب حقًّا أن يكون كل «موظف» خارج القاهرة يملأ الجو بكاء وعويلًا ليُنقل إلى القاهرة، ويحتال بكل الوسائل، ويسعى كل السعي، ويستعمل كل أنواع الرجاء ليسكن في القاهرة، كأن الأقاليم الأخرى ليس لها حظ من الموظفين، وليس لها حق في أن تُدار شئونها؟ وهؤلاء الفلاحون مكدسون في بقعة من الأرض راضون بإقامتهم مع البؤس والفقر، فإذا عرضت عليهم أن يرحلوا إلى غيرها — حيث الأرض واسعة، وميدان العمل متسع، والأمل منفتح — وجدت إعراضًا وتفضيلًا للإقامة مع الفقر على الرحيل مع احتمال الغنى، وترى الشباب المتعلم يتخرج اليوم من مدرسة أو جامعة، وهو يتطلب وظيفة ويتطلب معها أن يكون في القاهرة وإلا رفض الوظيفة، وتجد الأم تبكي، والأب يبكي، إذا أُرسل ابنه إلى بعثة أو عُين في وظيفة بعيدًا عنهما بساعات، وتسوء حالة الآباء والأبناء من لوعة الفراق، وتعرض وظيفة في الشام أو العراق بضعف المرتب فيرفضها الكثيرون ويرضاها الأقلون؟ إن الأمم التي تطلب عزها، وتسعى لرفعة شأنها لا بد أن يتحمل أفرادها الجلد والصبر والشجاعة وركوب الأخطار في الأسفار، ولا أخطار اليوم ولا صعاب كأمس يوم كان آباؤنا ينتقلون على الحمير والبغال والجمال، ويقطعون المسافة القصيرة في الأزمنة الطويلة والطرق غير مأمونة والسبل غير ممهدة.

الفصل السادس والثلاثون
بساطة العيش


تعجبني الحياة البسيطة لا تعقيد فيها ولا تركيب، وأكره ما أكره التكلف والتصنع وتعقيد الحياة وتركيبها.
ويظهر أن المدنية والحضارة تميل دائمًا إلى تعقيد الحياة وتركيبها، وكلما قرأت في الحضارات المخلتفة — رومانية أو إسلامية أو أوروبية حديثة — وجدتها جميعًا تتشابه في الميل إلى التعقيد والتركيب، والإسراف في البذخ والترف والرفاهية، ففي الحضارة الإسلامية — مثلًا — قرأت أن الوزير ابن الفرات تناهى في الترف حتى ما كان يأكل إلا بملاعق البلور، وما كان يأكل بالملعقة إلا لقمة واحدة، فكان يُوضع له على المائدة أكثر من ثلاثين ملعقة، وذكروا عن المأمون أن مائدته كانت تبلغ في بعض الأحيان ثلاث مئة لون، وكان راتب أبي طاهر وزير عز الدولة من الثلج في كل يوم ألف رطل، ومن الشمع في كل شهر ألف مَنّ، وغضب المأمون على جارية له، فأرسلت إليه تفاحة من العنبر مكتوبًا عليها بالذهب «يا سيدي تبت»، وكانت أم الخليفة المقتدر تعمل نعالها من ثياب تُسمى الثياب الديبقية، تقطع على قدر النعال، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب مسك وعنبر مجمدان، وكان لا يمكث النعل في رجلها إلا أيامًا ثم ترميه للخدم، وكان النساء المترفات يشترين جلود الثعالب تحضره التجار من سيبريا، يبطن به ثيابهن في الشتاء، وقد ذكر المسعودي أن إبراهيم بن المهدي استزار الرشيد يومًا، فقدم له على المائدة — فيما قدمه له — طبقًا فيه قطع من سمك، فقال له الرشيد: لِمَ صغر طباخك قطع السمك، قال له: يا أمير المؤمنين هذه ألسنة سمك، فاستحلفه الرشيد أن يُخبره عن ثمن هذه الألسنة، فقال له أكثر من ألف درهم، فرفع الرشيد يده، وأبى أن يأكل منها.
ويشبه هذا ما قرأته مرة أن أحد اللوردات من كبار الأغنياء عمل وليمة لبعض الكبراء، فقدم فيها طبقًا فيه ألسنة بعض الطيور النادرة.
وقرأت مرة أن أمريكا في سنة ????، كانت اعتزمت أن تُقيم في معرض باريس عمودًا من الذهب يُساوي ما فيه مائتي ألف جنيه إشارة إلى أنها مملكة الذهب.
ومثل ذلك ما جاء في تاريخ الوزراء للصابي أن المعتضد اجتمع في خزائنه تسعة ملايين من الدنانير فأمل أن يتمها عشرة، ويسبكها سبيكة واحدة، ويضعها في مكان بمرأى من الناس ليسير في الآفاق أن للمعتضد عشرة ملايين دينارًا ذهبًا هو في غنى عنها، فاخترمته المنية قبل أن يُحقق غرضه.
وأمثلة ذلك في الحضارات القديمة والحديثة، وهي في الحديثة آنق وأترف وأعقد، وقد شمل التعقيد والتصنع والتكلف كل مناحي الحياة، وشمل كثيرًا من الأوساط بعد أن كان في الحضارات القديمة مقصورًا على بعض الملوك والأمراء.
هذا حفل عرس يُقام في بيت الأغنياء حتى والأوساط، فتقوم دنياهم وتقعد وترتبك حياتهم وترتبك، ويمر الشهر والشهران والأسرة لا تعرف الراحة، من خطوبة وجهاز، وإعداد حفلة وتنظيمها ونحو ذلك من مشاكل لا عداد لها، ولا ينتهي الزواج حتى تكون الأسرة كلها قد تهدمت أعصابها وماليتها من كثرة ما لاقت من العناء، وما تحملت من أعباء، وما سبب ذلك إلا ما اندفع فيه الناس من تعقيد وتكلف وتصنع.
وهذه مظاهر الحياة كلها معقدة، فالمرأة تقضي نصف عمرها أمام المرآة متصنعة متجملة، وهذه مائدة الأكل يُقضى الوقت الطويل في إعدادها وتصفيفها، وهذا الأكل يُقضى فيه كل مرة ساعة أو أكثر في وضع صنف، ورفع صنف، وما إلى ذلك.
وهذه الملذات ووسائلها كلها تعقدت وتركبت، فالذهاب إلى التمثيل يُكلف كثيرًا من العناء في المظهر والملبس والمركب، ويُحب كل ذاهب إليه أن يكون هو في نفسه رواية ينظر إليه الناظرون، في ملبسه، ومشيته، ونظراته وما إلى ذلك، وكل ملذة من ملذات الحياة — مشروعة أو غير مشروعة — لا تنال على بساطته وسذاجتها، وإنما تنال على ضروب من التعقيد والتكلف لا نهاية لها.
ومن الغريب أن المتلذذ بهذه الضروب من التكلف لا يلبث أن يعتادها ويألفها على أنها بسيطة ساذجة، فيبحث عن وسائل أخرى لزيادة تعقيدها.
ولو كان تعقيد الملذات يزيد السرور بها لهان الأمر، ولكن الواقع أن تعقيدها يضيع بهجتها، ويُقلل الاستمتاع بها، فالعامل البسيط يتلذذ من منظر رواية بسيطة أكثر مما يتلذذ الغني المترف من رواية معقدة، والمرأة الفقيرة تفرح بجلبابها الجديد البسيط أكثر مما تفرح امرأة غنية بفستانها الأنيق الموشى.
هذا فضلًا عما يستوجبه هذا التكلف والتعقد من أسباب التعاسة، فكم بيت شقي بسبب امرأة في البيت تتكلف أكثر مما تحتمل ميزانيتها في الملابس وأدوات الزينة، وكم أسرة شقيت؛ لأن رجلًا يحتفل بسكره أو قماره أكثر مما يحتفل بضرورات بيته، وكثير من البيوت بائسة؛ لأن حاجة المعيشة تعقدت وتركبت فأصبحت ميزانياتها لا تكفي لضروراتها، وكثيرًا ما تضطر تكاليف الحياة وتعقدها أن يسلك الناس سبلًا غير شريفة في الحصول على المال الذي تتطلبه تعقدات الحياة، ومن استطاع أن يحتفظ بشرفه عاش في قلق وهم من المطالب الكثيرة التي تُحيط به، والتي يستطيع أن يحتملها في نفسه ولكنه لا يحتملها في أهله وولده.
وضروب المعاملة والسلوك يسودها التصنع والتكلف ومظاهر الرياء، في الوظيفة، وفي المصالح الحكومية، وفي المحال التجارية، وفي الحفلات والولائم والأفراح والمآتم، ولا شيء من البساطة ولا شيء من الرجوع للفطرة.
وحتى الآداب والفنون دخلتها الحضارة فعقدتها، وملأتها زينة وصناعة ومحسنات لفظية ومحسنات معنوية، واستعارة ومجازًا، وتكلفًا في التعبير لا يجري مع الطبيعة، والروائي لا يكون روائيًّا حقًّا حتى يغرب، والممثل لا يكون ممثلًا حقًّا حتى يتصنع ويتكلف البكاء والضحك، والصياح وإلواء اللسان والتشدق في الأداء.
والناس في مخاطبتهم لا يسلكون أقرب طريق للفهم والأفهام ولا أصدق عبارة وأبسطها للتعبير عما في النفس، حتى ليصعب علينا في كثير من الأحيان معرفة الحق في الموضوع، لما تمتزج به الحقيقة من شكوك وغموض وإيهام وتصنع وتزويق، مع أن البساطة في التعبير هي خير وسيلة للإقناع والإفهام، ورب كلمة صريحة صادقة بسيطة فعلت ما لا تفعل الخطب المزوقة، والأحاديث المنمقة، وخير الأدب ما مال إلى البساطة، وخير التمثيل ما جرى على الطبع، وخير الفن ما عبر عن النفس في بساطة ويسر.
من كل هذا نرى أن الحضارة صحبها في كل نواحيها تعقيد وتكلف ورياء وتصنع وبُعد عن البساطة؛ وأن هذا التكلف والتصنع قد جر من الشرور على العالم ما لا يحصى، ولكن هل هذا عرض ملازم للحضارة لا يمكن أن تنفك عنه، أو هو — كما يقول المناطقة — عرض مفارق يمكن أن يكون، ويمكن ألا يكون.
إن الحضارة درجة في الرقي طبيعية فلا يمكن ولا من الخير أن يتبدى الناس بعد أن تحضروا، ولكن ألا يمكن أن نتحضر وأن نتبسط معًا؟
لست أرى أن الحضارة من لوازمها التعقيد، بل إني أتصور حضارة سامية تُعنَى ببساطة العيش مع انتفاعها بما وصل إليه العلم.
وقد قرأنا أخبارًا عن قوم نبلاء عاشوا عيشة البساطة وسط الحضارة كما فعل تولوستوي في حياته الأخيرة، وقد قرأت قصة لطيفة في كتاب «أدب النديم»؛ إذ حكى أن عبد الله بن طاهر دعاه غني إلى وليمة، ثم أخَّر الأكل لإعداده إعدادًا يتناسب ومقام ابن طاهر، فطال غيابه ثم أحضر من الألوان والتصنع والتكلف ما لا حد له، فلما هم ابن طاهر بالانصراف سأله الداعي: أيأمر الأمير بشيء؟ قال: أن تذهب إلى فلان وتتعلم منه الفتوة؛ فذهب إليه وكان الوقت وقت غداء، فأمر الخادم أن يحضر ما عنده من غير أن يزيد شيئًا، فحضر طعام نظيف بسيط لساعته، ثم قال له: هذه هي الفتوة التي أراد طاهر أن أعلمكها.
على أنا نجد اليوم نزعة ظاهرة في المدنية الحديثة، وهي كراهية التكلف والسآمة من التعقيد في المعيشة، والإمعان في الملذات، والتصنع في الفن والأدب والتشدق في الكلام، وهي نزعة ظهرت في نواحٍ كثيرة نرجو أن تعم وتتسع.
أُريد من البساطة الصراحة في القول، والطهارة في التفكير، وعدم الإمعان في المظهر، والتصرف في بساطة ويسر، ونظافة الفكر من كراهية الناس، والتعالي عليهم، والسير في الحياة كما هي من غير كلفة ولا رياء ولا تظاهر ولا تعقيد، فقد تكون مائدة نظيفة بسيطة أشهى عند العاقل من مائدة معقدة مركبة، وقد يكون جمال الفتاة في بساطة حليها، وبساطة ملبسها خيرًا من حلي مكدسة وثياب مزركشة.
في بساطة العيش راحة النفس، وحفظ الصحة، وحسن التفاهم، والتخفف من الأعباء المالية، وشعور بأن الحياة المادية ليست كل شيء في الحياة حتى يضيع كل الزمن في تعقيداتها وتركيباتها، فهناك حياة روحية سامية جميلة تستحق أن يُوفر لها جزء من الزمان، ويُخصص لها وقت من التفكير.

الفصل السابع والثلاثون
في المدرسة


كل شيء في العالم يتقدَّم ويتغيَّر حسب تطور الأمم ونظمها الاجتماعية وحاجاتها وأغراضها في الحياة، فكما تغيرت مصانع النسيج من مغازل يدوية إلى مصانع ميكانيكية تبعًا لتقدم الأمة في الصناعة، كذلك يجب أن تتغير مصانع الأجسام والعقول والأخلاق تبعًا لتقدم الزمن وحاجات الأمم، وكذلك كان، فالمدرسة القديمة تطورت تطورات مختلفة، وخدمت أغراضًا متنوعة حسب آمال الأمة وظروفها، فالأمة يجب أن تحدد أغراضها التي ترمي إليها، ثم تصوغ مدارسها على وفقها.
لقد كانت التربية في عهد اليونان الأقدمين ترمي إلى خلق جسم قوي معد للحروب وللدفاع عن البلاد وللفتوح، فكانت مدارسهم مصنعًا لتأدية هذا الغرض، وتحول غرض التربية في أثينا إلى إيجاد طبقة عقلية تُعنَى بالفلسفة وفهم الطبيعة وما وراء الطبيعة، فأنشئت المدارس يعلم فيها أفلاطون وأرسطو على هذا النمط لتحقيق هذا الغرض، وجاء عهد الرومان فكان أهم غرض رئيسي لهم التعليم الحربي في فنونه ونظمه وترتيباته، والتعليم البلاغي في تحرير الخطب وفصاحة اللسان، فكانت مدارسهم تُعد لهذين الغرضين، وفي العصور الوسطى غمرت الناس الموجة الدينية فصبغت المدرسة هذه الصبغة، وكان كل شيء يُعلَّم لغرض الدين، حتى العلوم اللسانية والعلوم العقلية.
ومن نحو أربعة قرون غمر الناس — وخاصة أوروبا — موجة عقلية، فانطلق العقل يبحث ويُفكر، واصطبغت المدرسة هذه الصبغة العقلية تبحث وتُفكر وتُجرب التجارب في المعامل، وتأبى أن تأخذ شيئًا من العلم قضية مسلمة حتى يقوم البرهان على صحتها.
وفي هذا القرن وأواخر القرن السابق أخذ علماء التربية يُفكرون في أن يضموا إلى تربية العقل تربية اليد، فأخذت المدارس تُعنَى بهذه الناحية من رسم وتصوير وأشغال يدوية وما إلى ذلك، وأخيرًا جدًّا تنبهوا إلى وجوب إضافة تربية القلب إلى تربية العقل واليد، بوضع برامج يكون الغرض منها تحسين العلاقة بين أفراد الأمة الواحدة وبين الأمة والأمم الأخرى، لما رأوا من أن شرور العالم ومصائبه ناشئة من سوء العلاقات، إما بين أفراد الأمة الواحدة بعضهم وبعض، وإما من سوء علاقات الأمم بعضها ببعض، وأن الكوارث الطبيعية من فيضان وزلزال وبركان لا تُساوي شيئًا بجانب ما يحدث من الإنسان للإنسان من ظلم وإجرام وإفقار، فلما شعروا بذلك بدءوا يُدخلون في المدرسة مبدأ تربية القلب، ولكن — مع الأسف — عُنوا بتربية حسن العلاقة بين أفراد الأمة الواحدة بما أدخلوا من دراسة التربية الوطنية، ولما يعنوا العناية الكافية بتربية القلب من ناحية الإنسانية، وربما كان من أكبر أسباب ما يُصيب العالم الآن من ويلات عدم توازن عناصر التربية، فقد تقدم جدًّا العنصر العقلي وما تبعه من مخترعات، فالقوات المحركة والكهرباء والراديو والطائرات وآلاف المخترعات هي كلها نتيجة العلم، أو بعبارة أخرى نتيجة عنصر العقل، وكذلك هي كلها نتيجة لعنصر اليد، ولكن تخلف جدًّا عنصر القلب؛ إذ لم يدخل في برامج التربية إلا حديثًا، وما دخل منه دخل ضيفًا محدودًا بحدود الوطنية.
قصة قرأتها اليوم، وهي أن عالمًا كان يفخر أمام فيلسوف هندي بما تقدمَه العالم وما اخترعه من مخترعات؛ فقال ذلك الحكيم: نعم أيها العالم، إنكم استطعتم أن تجولوا في السماء كالطير، وأن تسبحوا تحت الماء كالسمك، ولكنكم لم تستطيعوا أن تسيروا على وجه الأرض في أمن وطمأنينة كالحيوان.
فلو قلل من شوط العقل في برامج المدرسة وأخذ شيء من نشاطه الكثير في تربية القلب لكان العالم أسعد، وهذا ما نُشاهده كل يوم، فمتعلم لا قلب له شر على الأمة ألف مرة من جاهل له قلب.
ما وظيفة المدرسة؟ لقد كثرت الإجابات على هذا السؤال، وخيرها في نظري هو إعداد الأطفال والشباب لينسجموا مع المدنية التي وُلدوا فيها.
إن الطفل يُولد عاجزًا كل العجز عن أداء أي واجب من واجبات الحياة، ضعيف الجسم، ضعيف العقل، غير مسلح بأي سلاح، مملوءًا بالغرائز الضارة غير المهذبة، ليس فيه من مزية إلا أنه يتكون من مادة خامة صالحة للتربية، فتأتي التريبة وتصوغ هذه المادة وتجعل منها — إن صلحت — إنسانًا عاقلًا نافعًا صحيحًا مهذبًا منسجمًا مع مدنيته، لهذا كان لا بد لكل أمة من غرض محدود ومثل أعلى تنشده، مشتقًا هذا الغرض وهذا المثل من ظروفها وأحوالها ومدنيتها، ثم تصوغ الأطفال في المدارس صياغة تُحقق هذه الغرض، وتجعل منهم أعضاء نافعين لجمعيتهم، وتحيطهم بجو من العلم ومن النظام ومن الشعائر والتقاليد يُساعد على بلوغ الغاية المنشودة، لهذا يجب على المدرسة إعداد الناشئين من نواحيهم المختلفة وقواهم المتعددة.
ثم من وظائف المدرسة الإعداد للحياة، فكل أمة لها مركزها الخاص، ولها مرافق متعددة تختلف كثرة وقلة حسب موقفها الاجتماعي من مرافق صناعية وزراعية وتجارية وما إلى ذلك.
فكل أمة عليها أن تدرس حاجاتها ومرافقها المختلفة وتُحدد ما يتطلبه كل مرفق من النسبة العددية، وما يتطلبه كل مرفق من الثقافة والإعداد، ثم تعد الناشئين في مدارسها لمواجهة الحياة العملية في مرافقها المختلفة.
يجب أن يكون التعليم في المدارس نافعًا، ومعنى نفعه إعداد الشاب للحياة المستقبلة التي سيواجهها في حياته العملية، ويجب أن يوجه التعليم النظري إلى هذا الغرض النفعي العملي.
قد كان تعليم المهنة قديمًا في المدرسة العملية، فكان ابن النجار يتعلم النجارة من دكان أبيه، وابن الحداد والفلاح والتاجر كذلك، فكان التعليم متجهًا إلى غرض مرسوم، ولكن ضاع هذا، وما كان يمكن أن يستمر في مدنيتنا، وكان ينقصه الثقافة العقلية والخلقية من حيث إن المتعلم إنسان، وحلت محل ذلك كله المدارس، ولكنها تغالت في الناحية النظرية، وأهملت الشيء الأساسي، وهو الإعداد للمهنة وللحياة العملية.
إن المدرسة الحقة والتربية الصحيحة هي التي تنظر إلى شيئين لا بد منهما؛ أولهما: حاجات الأمة إلى أنواع المهن والحرف ونسبها العددية، وما تحتاجه كل مهنة وحرفة من ثقافة خاصة؛ وثانيهما: نوع استعداد الناشيئن، هذا نبوغه في يده، وهذا نبوغه في إدارته، وهذا نبوغه في الأعمال المالية، وهذا نبوغه في عقله؛ ثم يتجه التعليم على هذين الأساسين: أساس الغرض وأساس الاستعداد، ويتجه التوزيع كذلك، ويوجه الناشئون كذلك، فإذا كل يعمل حسب ما خُلق له، وإذا كل يعمل حسب حاجات الأمة، وإذا الناشئ يتضح له مستقبله ويعلم إلى أي طريق هو مسوق.
وهي مهمة عسيرة جدًّا شعر بصعوبتها أكثر رجال التربية، وبذلوا الجهد في حلها، وأدركت الأمم الحية هذه الغاية السامية فبدأت توجه المدرسة وجهتها الصحيحة.
إن كان هذا النظر صحيحًا فما أغرب ما نسير عليه الآن وقبل الآن، إننا نعلم التعليم الأولي ورياض الأطفال ليسلم كل ذلك إلى التعليم الابتدائي، والتعليم الابتدائي كله بألوفه المؤلفه يسلم للتعليم الثانوي إلا القليل النادر، والتعليم الثانوي بألوفه المؤلفة كذلك يسلم إلى التعليم الجامعي، إلا في القليل النادر، كأن التعليم كله يقصد به الجامعة، فأين الزراعة العملية، والصناعة العملية، والتجارة العملية، ومرافق الحياة كلها العملية؟
إن التعليم الجامعي في الأمم ليس إلا للخلاصة من الأمة، للقادة، للباحثين، للنظريين، فكيف يتجه التعليم كله إليه ويُحضر له، ويصبغ الناشئون كلهم أو أغلبهم بصبغته؟
هذا قلب للوضع وخطأ في التفكير، إن الذين يتعلمون في الجامعة لا يصلون إلا إلى نحو ??? من مجموع المتعلمين، فكيف نُضحي تسعين لأجل عشرة؟
لا بد — إذن — أن يقصر الإعداد للتعليم الجامعي على عدد خاص يُقاس بحاجة الأمة، ويُقاس باستعداد الناشئ، وفيما عدا ذلك يجب أن يُنظر إلى كل نوع من أنواع التعليم على أنه غرض لا وسيلة، ومعد للحياة لا معد للجامعة، ونتيجة هذا تنويع التعليم وتنويع البرامج وتنويع الغرض وتنويع الإعداد حسب مطالب الحياة المصرية.
لقد وضعتنا الظروف وضعًا شاذًّا فكان التعليم كله للوظائف الحكومية، ثم تحول تحولًا آخر بعض الشيء فأصبح التعليم للجامعة، وكلاهما خطأ، فيجب أن يكون لا للوظيفة الحكومية ولا للجامعة، ولكن لمرافق الحياة ومطالب الأمة واستعداد الناشئ.
كل ناشئ يجب أن يُسلح لنوع مما تحتاجه الأمة على اختلاف حاجاتها لا أن يكون غرض الجميع «شهادة»، يجب أن يكون غرض كثير من الطوائف أن يكونوا صناعًا مهرة أو تجارًا مهرة أو زراعًا مهرة، أو ما شئت من مختلف المهن والحرف، ثم يجب أن تتعدد المدارس وتتنوع حسب هذه الأغراض.
من توابع هذا الخطأ تقاليدنا في توزيع الشرف، وشعورنا أن أكبر شرف يمنحه الجمهور لموظف الحكومة أو لخريج الجامعة، فيجب أن تُهدم هذه القيم ويُوزع الشرف توزيعًا جديدًا، ويوجد شعور عام بأن شرف المهنة الحرة كشرف الوظيفة الحكومية أو أكبر منه.
يجب أن نفعل في التعليم ما نفعل في المستشفى، كل مريض له علاجه الخاص ودواؤه الخاص، وليس هناك مجنون يُعالج المرضى المختلفين علاجًا واحدًا، فما بالنا نصب الناشئين في قالب واحد مع التباين في استعدادهم وملكاتهم ومع حاجات الأمة المختلفة ومطالبها المتعددة؟
إن التعليم في المدارس يجب أن يكون تفتيحًا للحياة وإعدادًا للعمل، لا تضحية للناشئين لشرف موهوم وغرض مجهول، ويجب أن تُوزع الجداول في المزرعة حسب حاجة الأرض إلى الماء لا حسبما اتفق.

الفصل الثامن والثلاثون
في الهواء الطلق (?)


كانت رحلتنا هذه المرة رحلة شتاء، في الصحراء، وللصحراء، جمالها الساحر، سكون عميق يُهدِّئ الأعصاب، وصفاء جو يُنعش النفس، وأنس بالطبيعة كما خُلقت، فليس يقع النظر فيها على عمل من أعمال الإنسان، فلا زرع ولا بناء، ولا جند ولا حكومة، كل شيء فيها من عمل الله وحده من غير تدخل أحد؛ جو فسيح طليق تتجاوب فيه الرياح، فلا يحبسها بناء، وشمس تسطع فلا يُقيدها قيد، وللهواء والشمس طعم ولون ورائحة غير ما لهما في الحاضر، يشعر الإنسان فيها بقربه من الطبيعة وقربه من ربه، ويشعر بلذعة من عيشته الحضرية في جو مصطنع كل ما فيه وليد التكلف والرياء والنفاق.
وأمعنَّا في طريق السويس حتى وصلنا إلى منتصف الطريق، فعرجنا يسرة، وبعدنا عن مسير الناس في غدوهم ورواحهم، ثم تخيرنا مكانًا نستطيع فيه أن نستدفئ بالشمس إذا شئنا، وننعم بالظل إن أردنا.
وكنت في رفقة من العقليين المتفلسفين، يحلو لهم التفلسف في كل شيء، فهم قادرون على أن يخلقوا من الحبة قبة، ويُؤلفوا من الهنة كتابًا؛ وهم بطبيعتهم وثقافتهم يُفلسفون كل ما يقع تحت سمعهم وبصرهم، ويستخرجون منه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولذلك أعددت نفسي لرؤية منظر «جامعة في الصحراء»، أو إعادة ذكرى مذهب المشائين؛ ولكني ما استطعت أن أحزر وجهة الحديث ولا موضوعه، وإن كنت توقعت أن يكون بطلا الحديث رجلين، أحدهما تفلسف في مصر، ثم أتم فلسفته في فرنسا، وقرأ كثيرًا حتى كاد يلتهم الكتب، ولا يأتي حديث عن كتاب إلا وصفه لك في إفاضة، وشرح نوع فلسفته وقول نقدته، وهو — كما يقول العرب فيه — علمه أكبر من عقله، ولنُسمِّه على عادة النحويين بزيد؛ والآخر متفلسف في مصر فقط، لم يقرأ كما قرأ الأول، ولكنه فكر طويلًا في قراءته القليلة، فكان عقله أكبر من علمه، ولنُسمِّه بعمرو، وهما في حديثهما دائمًا كالضرتين، لا يقول أحدهما رأيًا إلا نقضه الآخر، ولا يذهب أحدهما ناحية إلا يذهب الآخر الأخرى؛ يدل زيد بعلمه الواسع، ويدل عمرو بنقده اللاذع، ويفخر الأول بغذائه الشامل، ويفخر الآخر بهضمه الكامل، ولكن رجوت أن صحو الجو والقصد إلى الراحة يجعلان من خلافهما وفاقًا، ومن فلسفتهما شعرًا، ولكن خاب ظني، فما بالطبع لا يتخلف، ويموت الزامر وإصبعه تلعب.
•••

بدأت الحديث بالتغزل في الصحراء وجمالها، والجو وصفائه، ونسيت فعمقت، فقارنت بين جمال الريف وجمال الصحراء، وجمال الزرع وجمال الرمل وجمال البساطة وجمال التركب، وجمال الخِلقة وجمال الصنعة، ففتحت من حيث لا أدري بابًا من الجدل لا ينتهي، وكان هذا كل نصيبي من الحديث، ثم استطار الشر بينهما.
زيد: أتظن — يا أستاذ — أن هناك في الخارج شيئًا اسمه جمال؟ إننا نحن بأنفسنا نخلق الجمال، إن الأمر في الجمال ليس كالأمر في «الترمومتر» الحائطي يريك درجة حرارة الحجرة من غير أن يكون لنا دخل فيها، بل هو «كالترمومتر» نقيس به حرارتنا، فهو لا يُبين شيئًا ما لم نضعه تحت لساننا، إنه ليس كحاصل الجمع وحاصل الضرب، هما كذلك في الخارج أخطأنا أم أصبنا، بل هو كالشيء تذوقه فتستحليه، ويذوقه الآخر فيستمره، والأكل تستطعمه أنت ويستقبحه غيرك، وكلا الحكمين صحيح، إن الصورة الفنية المعروضة لا قيمة لها في ذاتها، وإنما ذوقنا هو الذي ينشئ جمالها، ولذلك إذا لم يكن ذوق يستجملها لم تكن جميلة، والجمال مقصور على من له ذوق يذوق جمال الصورة، وإن شعر امرئ القيس وأبي نواس والمتنبي وشوقي ليس له قيمة ذاتية، إنما جماله لمن مرن ذوقه على نحو خاص حتى صار يتذوق جماله، فإذا لم يكن الذوق لم يكن الجمال؛ فليس جمال الشيء صفة خارجية كوزنه مثلًا، وإنما هو ذوق فينا، ولذلك لا يختلف الناس في زنة الشيء، ولكنهم يختلفون جد الاختلاف في جماله.
إن العلم الآن لا يؤمن إلا بالمنظور والمسموع، لا كما كان العهد في القرون الوسطى يُؤمن بالمتخيل والموهوم، وعلم النفس الحديث أبان أن الحكم على الأشياء — ومنها الحكم بالجمال والقبح — ناتج من عوامل كثيرة لا شعورية؛ فالذوق قد يستهجن قطعة موسيقية ويكره — دائمًا — أن يسمعها، فإذا حللت ذلك تحليلًا دقيقًا رأيت أنها لا ترجع إلى القطعة نفسها، ولكنها سُمعت لأول مرة في ظروف سيئة للشخص أوحت إلى عقله الباطن كراهيتها، فظل يكرهها دائمًا، والقطعة الموسيقية نفسها لا دخل لها في ذلك، وكذلك ترى من الناس من يكره اللون الأصفر أو الأزرق لأسباب خاصة حدثت له، وقد ينساها ويبقى أثرها في نفسه؛ أما اللون نفسه فلا شأن له بالكراهية أو الاستحسان.
كل هذا وأكثر منه كشفه العلم، فأصبح من يقول بالقيمة الذاتية للجمال طرازًا قديمًا.
•••

هنا احمر وجه صاحبنا «عمرو» من لفحة الهواء والشمس أولًا، ومن كلام زيد ثانيًا؛ وقال: هذا قول هراء يحملكم عليه إيمانكم دائمًا بما في الكتب، وهيامكم دائمًا بالجديد وإن لم يُبْن على أساس صحيح.
لو صح قولكم لم يكن لصورة فضل على صورة، ولا لشعر فضل على شعر، ولا لجمال امرأة فضل على أخرى، وكان كل ذلك يرجع إلى الذوق الشخصي فقط، ولكان شعر أبي نواس والمتنبي وشوقي كشعر أحقر شاعر، كل ما هنالك من فرق أن هذا يستحسنه ذوق، وذاك يستحسنه آخر؛ ولما كان هناك معنى لقولنا: شعر عظيم وشعر حقير، وصورة رائعة وصورة قبيحة، إلا أن يكون تعبيرًا فقط عن شعور القائل؛ ولو كان هذا كافيًا لحكمنا على الصورة الجميلة أو الشعر الجميل بعدد الأصوات، بقطع النظر عن ذوق راقٍ وذوق غير راقٍ، وذوق الفنيين وغير الفنيين، وهذا ما لا يُسلم به عاقل، أما على رأيي فالأمر واضح، وهو أن هناك ذوقًا راقيًا وذوقًا غير راقٍ، ومعنى الذوق الراقي أن صاحبه يُدرك في الشيء المرئي أو المسموع صفات ذاتية فيه لا يُدركها الذوق غير الراقي على أننا لم نقل إن جمال الشيء وقبحه — كوزن الشيء — محل وفاق، ولكنه محل خلاف، وسبب الخلاف بين الناس الاختلاف في الذوق، ومعنى الاختلاف في الذوق أن بعض الأذواق قادر على إدراك صفات الجمال والقبح في الشيء وبعضها غير قادر، وإني أومن بأن الذوق يختلف باختلاف زمان الشخص ومكانه، وبمقدار المدنية التي يعيش فيها وبمقدار ثقافته، وبمقدار مزاجه وسنه، وبنوع وراثته، ولكن ليس معنى هذا أن حكمي بالجمال والقبح يقتصر على حالتي النفسية والعقلية، وأن ليس هناك صفات خارجية في الشيء المحكوم عليه.
ما الذي دعاك — يا أخي — إلى أن تخرج معنا إلى الصحراء تتحسس جمالها إن لم يكن هناك إلا الذوق؟ لقد كان يكفيك ذوقك في بيتك، وفي أي منظر يقع عليه حسك، ولماذا قصر ذوقنا على إدراك الجمال في أشياء خاصة كالموسيقى والشعر والتصوير والطبيعة، ولم يتعدها إلى غيرها؟ أليس ذلك؛ لأن فيها صفات خاصة إذا توفرت في الشيء كان جميلًا، وإن لم تتوفر كان قبيحًا؟
•••

ومدت مائدة الصحراء ففرشت صحف الجرائد، وأثقلت بالصحاف، من دجاج ولحم وبطاطس، ثم موز وبرتقال.
وأخذ صاحبنا «عمرو» يلذع صاحبنا «زيدًا» بنوادره، فيقول: «ما أشهى اللحم»، ولكنه يا أخي ليس شهيًّا في ذاته، فإذا حورت ذوقك وجدت الفول النابت أشهى، والجبن بالفجل ألذ، وليس في حمرة البرتقالة واستدارتها جمال، إنما هو ذوقك، ولو أن ذوقك استجمل حجرًا مدورًا وفضله على البرتقالة في جمالها لم يكن ثمة محل للجدل؛ ويتبع كل لذعة منه بضحكة تستخرج ضحكنا.
وانتهينا من الأكل، ورجوت أن ينتهي الحديث، وحاولت ذلك فعلًا، ولكني فشلت؛ فصاحبنا عمرو عنيد، يلج في الخصومة حتى يُريد أن يدخل مناظره في جحر، فأثار مسألة أعقد وأدق؛ إذ سأل: هل رأيك في الأخلاق والحق كرأيك في الجمال، شيء نسبي ليس إلا، أو لهما وجود ذاتي خارجي؟ وهل العلم الذي لا يُؤمن إلا بالمنظور والمسموع يؤمن بشيء خارجي اسمه العدل والظلم، أو الحق والباطل؟ وما رأيك في أقوال القرون الوسطى في ذلك؟
زيد: اهزأْ بي ما شئت، وهرج ما أردت، فليس يزيدني ذلك إلا تمسكًا برأيي، والشأن في الفضيلة والرذيلة والحق والباطل عندي كالشأن في الجمال والقبح، إن الإنسان أول ما واجه الأعمال الصادرة من أمثاله، رأى أن بعض الأعمال — التي تصدر عن الناس — تسره وتدخل عليه اللذة فرضيها وسماها فضيلة أو ما يُرادف ذلك، ورأى بعض الأعمال تُؤلمه فسماها رذيلة أو ما يُرادفها، ثم أتت الأجيال بعد ذلك فنظرت إليها كأنها أشياء خارجية لها قيم ذاتية، فقدستها أو احتقرتها.
فكل فضيلة أو رذيلة ترجع إلى إحساسنا باللذة والألم، فالصدق والكذب والعدل والظلم، والشجاعة والجبن، كل هذه رضيناها؛ لأنها سببت لنا لذة أو ألمًا، ثم نظرنا إليها كأنها أشياء مجردة تُطلب لذاتها، أو تتجنب لذاتها، كشأن البخيل طلب المال أولًا؛ لأنه وجده محققًا لأغراضه، موفيًا للذاته، ثم بمرور الزمن والاعتياد والإلف طلب المال لذاته، ولما ارتقى الإنسان واتسع أفقه أصبح يقيس اللذة والألم بمقياس الأمة والمجموع، لا بمقياس شخصه، إنما هي على كل حال ترجع إلى شعورنا وشعور الناس باللذة والألم، وهذا الشعور فينا وليس خارجًا عنا، وعواطفنا ومنافعنا هي التي تملي علينا الحكم بالخير والشر، فالسعادة هي الغاية الأخيرة لا الفضيلة، وإنما الفضيلة وسيلة للسعادة، وحكمنا على الناس كذلك، فنحن نحكم على الإنسان أنه طيب؛ لأنه يسعدنا ويسعد مجتمعنا، والعكس، وهذا أيضًا هو ما تتجه إليه النظريات الحديثة في الأخلاق وعلم النفس والاجتماع، وهذا هو العلة في تغير تقويم الأخلاق باختلاف العصور والأوضاع وتغير ترتيبها في الأهمية، وذلك باختلاف الناس لا باختلاف الأشياء؛ والعمل الواحد قد يكون خيرًا في موقف، وهو نفسه قد يكون شرًّا في موقف آخر، تبعًا لأثره في نفوس الناس ومشاعرهم باللذة والألم، ولو كان هناك شيء خارجي اسمه الحق أو الفضيلة لم يتغير الحكم عليه!عمرو: كلامي معك في الحق والخلق ككلامي معك في الجمال، وردي عليك ردي عليك، إن الحق والباطل والخير والشر معان مجردة لها وجود ذاتي، بقطع النظر عن نتائجها، ويجب أن يُطلب الحق لذاته بقطع النظر عما ينتج من لذة، ويتجنب الباطل لذاته لا لألمه؛ شأن الخير شأن الحق، شأن الصدق، شأن حكاية الواقع، فإذا قلت: إن قنبلة سقطت في مكان كذا ولم تنفجر، فهذه حقيقة حدثت في الوجود بقطع النظر عن نتائجها، علم الناس بها أو لم يعلموا، شعروا بها أو لم يشعروا؛ وشعرونا وعدم شعورنا لا دخل له في الموضوع، وهذا إن وافق الواقع فهو صدق، وإذا أخبرت به ففضيلة كائنًا ما كان أثر الخبر في نفوسنا، قد يُؤلم بعض الناس الصدق وقد يلذ بعض الناس، ولكن هذه أعراض لا شأن لها بالموضوع في حد ذاته؛ ومثلك إذا تلذذت أو ألمت كمثل «الترمومتر» الحائطي الذي ذكرته، قد يدل على درجة حرارة عشرين، ولكن قد تكون قد شربت معرِّقًا أو جريت شوطًا فتشعر أن درجة الحرارة في الحجرة لا تقل عن أربعين، وقد تأخذك رعدة فترى أن درجة الحرارة يجب أن تكون صفرًا، وشعورك هذا أو ذاك لا يُغير الواقع وهو أن درجة الحرارة عشرون.
ولو كان الأمر يرجع إلى الشعور بأثر العمل فقط، ولم يكن هناك حق في ذاته ما احتقر الباطل ولا فضل الفاضل، ولكان الأمر في الحق والخير أمر الذي يذوق الشيء فيستطعمه أو يستهجنه، وفي ذلك خراب العالم، وضياع الإنسانية، بل على رأيك لم يكن فرق بين محق ومبطل، وفاضل وسافل، فكلٌّ يحكم على الشيء حسب شعوره ومقياسه، وهل هذا هو ما يقوله علم نفسكم؟
الحق — يا أخي — أن هذا ضرب من السفسطة في أسلوب حديث، ويجب أن يُحارب هذا الاتجاه كما حرب سقراط وأفلاطون وأرسطو السوفسطائية القديمة.
إن نظركم هذا جعل الحق والفضيلة سلعة تجارية يحسب ثمنها باللذة والألم فتشرى أو تباع حسب السوق، ولعل هذا أكبر نقطة سوداء في مدنيتكم الحديثة، ولإصلاحها يجب أن تكون هناك مُثُل عليا من حقائق وفضائل لها قيم ذاتية.
إن مثل رأيي ورأيك كمثل العالِم في معمله، والتاجر في تجارته، إن العالم الحق يبحث عن الحقيقة في ذاتها كائنة ما كانت، وسواء عنده الشيء الصغير والشيء الكبير، وسواء عنده في بحثه الذهب والرصاص، فيأتي التاجر بعُد فيستغل نتيجة بحث العالم لاستعمال الآلات والسلع وفق ما وصل إليه العلم، ويقلبه إلى تجارة فيها كل الأخلاق التجارية.
فكذلك نحن وأنتم، نحن نبحث عن الحق حيث كان، وفي أي حال كان، ثم تفسدون علينا حقنا باتخاذه متجرًا بالبهلوانات السياسية، والشعوذة الأخلاقية، وحساب الخلق باللذة والألم كما يحسب التاجر بضاعته بالدينار والدرهم، إن الحق لا يتعدد ولا يتغير بالاعتبارات الشخصية كالمادة أمام العالم، إنما تتغير السلع في الأسواق في نظر التاجر.
في نظري أن الصحراء هذه لها قيمة ذاتية، وجمالها له قيمة ذاتية، سواء كان مزاجك مما يلذه هذا الجمال أو لا يلذه، ويقومه أو لا يقومه، فإن قوَّمه فمزاجك صحيح وجمال الصحراء حق، وإن لم يقومه فمزاجك غير صحيح وجمال الصحراء حق، أليس هذا هو الحق يا أيها السيد «زيد»؟! •••

وآذنت الشمس بالغروب، وبدأ الجو يبرد، وحرارة الشمس تضعف، وأخذنا نستعد للعودة، ورأسي يكاد يتصدع، وأضاع عليَّ الصديقان لذة الصحراء وجمالها، فآليت من يومئذ ألا أخرج إلى الصحراء، مع فلاسفة بل شعراء، وإلى اللقاء.

الفصل التاسع والثلاثون
أدب الابتهال


هذا نوع من الأدب راقٍ جدًّا في الأدب العربي، ولكن لم يلتفت إليه مؤرخو الأدب، أحببت عرض نماذج منه لنتبين قوته وروحانيته وبلاغته.
والابتهال في اللغة التضرع، والاجتهاد في الدعاء، والإخلاص لله فيه؛ ومن ثم استمد روحانيته وقوته من موقف المبتهل حيث يتحرر من شئون الحياة الدنيا وأعراضها ومشاكلها ومشاغلها، ويتفرغ إلى ربه، ويناجيه، ويسمو عن المادة وحقارتها؛ فكان بذلك أدب روح لا أدب مادة.
وقد صدر هذا الأدب في العصور المختلفة من عصر النبي (?) إلى اليوم، كلما شعر الإنسان بعجزه لجأ إلى ربه؛ وهو موضع دراسات طريفة في تطوره ونواحيه.
فمن ابتهالات النبي (?): اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
ومنها: اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت.
ومنها:اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي? وتزكِّي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء. ومنها: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهون به علينا مصائب الدنيا.
ومنها: اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع.
ومن ابتهالات علي بن طالب:اللهم إنك آنسُ الآنسين لأوليائك، وأحضرهم بالكفاية للمتوكلين عليك?، تشاهدهم في سرائرهم، وتطلع عليهم في ضمائرهم، وتعلم مبلغ بصائرهم، فأسرارهم لك مكشوفة، وقلوبهم إليك ملهوفة، إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك، وإن صبت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك، علمًا بأن أزمَّة الأمور بيدك، ومصادرها عن قضائك، اللهم إن فَهِهْتُ عن مسألتي أو عَمِهْتُ عن طلبتي فدلني على مصالحي وخذ بقلبي إلى مراشدي، فليس ذلك بُنكرٍ من هداياتك، ولا بدعٍ من كفاياتك، اللهم احملني على عفوك، ولا تحملني على عدلك. ووقفت لأبي حيان التوحيدي على جملة ابتهالات في الغاية من الجودة والحسن والقوة أقتطف منها ما يمثلها.
فمنها: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بلائك، وأسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمتك شعاري ودثاري، والنظر إلى ملكوتك دأبي وديدني؛ والانقياد لك شأني، وشُغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري.
ومنها:اللهم إليك أرفع عُجَرِي وبُجَرِي?، وبك أستعين في عسري ويسري، وإياك أدعو رغبًا ورهبًا، فإنك العالم بتسويل النفس، وفتنة الشيطان، وزينة الهوى، وصرف الدهر، وتلون الصديق، وبائقة الثقة، وقنوط القلب، وضعف المنة، وسوء الجزع، فقني اللهم ذلك كله، واجمعْ من أمري شمله، وانظمْ من شأني شتيته، واحرسني عند الغنى من البطر، وعند الفقر من الضجر، وعند الكفاية من الغفلة، وعند الحاجة من الحسرة، وعند الراحة من الفُسُولة?، وعند الطلب من الخيبة، وعند المنازلة من الطغيان، وأسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي خدم طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا راحة إلا في الرضا بقسمك، ولا عيش إلا في جوار المقربين عندك. ومنها: اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا، وغل صدورنا، وفتنة أنفسنا، وطموح أبصارنا، ورفث ألسنتنا، وسخف أحلامنا، وسوء أعمالنا، وفحش لجاجنا، وقبح دعوانا، وتلزُّق ظاهرنا، وتمزق باطننا؛ اللهم فارحمنا وارأف بنا، واقبل الميسور منا، فإننا أهل عقوبة وأنت أهل مغفرة، وأنت بما وصفت به نفسك أحق منا بما وسمنا به أنفسنا، ومن قبل ذلك وبعده؛ فأطب عيشنا بنعمتك، وأرح أرواحنا من كد الأمل في خلقك، وخذ بازمتنا إلى بابك، وأذقنا حلاوة قربك، واكشف عن سرائرنا سواتر حجبك، ووكل بنا الحفظة، وارزقنا اليقظة، حتى لا نقترف سيئة، ولا نُفارق حسنة، إنك قائم على كل نفس بما كسبت، وأنت بما نخفي وما نُعلن خبير بصير.
ومنها: اللهم أنت الظاهر الذي لا يجحدك جاحد إلا زايلته الطمأنينة، وأسلمه اليأس، وأوحشه القنوط، وتردد بين رجاء قد نأى عنه التوفيق، وأمل قد حفت به الخيبة، وسرٍ قد أطاف به الشقاء، وعلانيةٍ قد أناف عليها البلاء؛ عقله عقل طائر، ولبه لب حائر، وحكمه حكم جائر، لا يروم قرارًا إلا أزعج عنه، ولا يستفتح بابًا إلا أرتج دونه، ولا يقتبس ضرمًا إلا أُجِّج عليه؛ عثرته موصولة بالعثرة، وحسرته مقرونة إلى حسرة؛ إن سمع زيف، وإن قال حرف، وإن قضى جزف، وإن احتج زخرف، ولو فاء إلى الحق لوجده ظلًّا ظليلا، وأصاب تحته مثوى ومقيلا … وأنت الذي فعلك يدل عليك الأسماع والأبصار، وحكمتك تُعجِّب منك الألباب والأسرار، لك السلطان والمملكة، وبيدك النجاة والهلكة، فإليك المفر ومعك المقر، ومنك صنوف الإحسان والبر؛ أسألك بأصح سر، وأكرم لفظ، وأفصح لغة، وأتم إخلاص، وأشرف همة، وأفضل نية، وأطهر عقيدة، وأثبت يقين، أن تصد عني كل ما يصد عنك، وتصلني بكل ما يصل بك، وتحبب إليَّ كل ما يُحبب إليك، فإنك الأول والثاني، والمشار إليه في جميع المعاني، لا إله إلا أنت.
ومنها: اللهم إني أسألك جِدًّا مقرونًا بالتوفيق، وعلمًا بريئًا من الجهل، وعملًا عريًّا من الرياء، وقولًا موشحًا بالصواب، وحالًا دائرة مع الحق، وفطنة عقل مضروبة في سلامة صدر، وراحة جسم راجعة إلى روح بال، وسكون نفس موصولًا بثبات يقين، وصحة حجة بعيدةً من مرض شبهة؛ حتى تكون غايتي في هذه الدنيا موصلةً بالأمثل فالأمثل، وعاقبتي عندك محمودةً بالأفضل فالأفضل، حياة طيبة أنت الواعد بها، ونعيم دائم أنت المبلغ إليه، اللهم لا تخيِّب رجاء هو منوط بك، ولا تُصْفِرْ كفًّا هي ممدودة إليك، ولا تُعذب عينًا فتحتها بنعمتك، ولا تذل نفسًا هي عزيزة بمعرفتك، ولا تسلب عقلًا هو مستضيء بنور هدايتك، ولا تُخرس لسانًا عودته الثناء عليك؛ فكما كنت أولًا بالتفضل فكن آخرًا بالإحسان، الناصية بيدك، والوجه عانٍ لك، والخير متوقع منك، والمصير على كل حال إليك، ألبسني في هذه الحياة البائدة ثوب العصمة وحلني في تلك الدار الباقية بزينة الأمن، إنك على ذلك قدير.
ومنها:اللهم أعذنا من جشع الفقر، وريبة المنافق، وتجليح? المعاند، وطيشة التحول، وفترة الكسلان، وحيلة المستبد، وفتور العقل، وحيرة المخرج، وحسرة المحوج، وفلتة الذهول، وحُرْقة الثكول، ورِقْبة الخائف وطمأنينة المغرور، وغفلة الغرور، واكفنا مؤنة أخٍ يَرْصُد مسكونًا إليه، ويمكر موثوقًا به ويَخِيس? معتمدًا عليه؛ وغلِّبْ إيماننا بالغيب على يقيننا بالعيان، واحرسنا من أنفسنا فإنها ينابيع الشهوة ومفاتيح البلوى، وأرنا من قدرتك ما يحفظ علينا هيبتك، وأوضح لنا من حكمتك ما يقبلنا في ملكوتك، وأشع في صدورنا من نورك ما يتجلى به حقائق توحيدك، وألف بيننا وبين الحق، وقربنا من معادن الصدق، واعصمنا من بواثق الخلق، اللهم إنك بدأت الصنع وأنت أهله، فعد بالتوفيق فإنك أهله. ومنها:اللهم إياك أسأل لسانًا سمحًا بالصدق، وصدرًا قد ملئ من الحق، اللهم أشكو إليك تلهفي على ما يفوتني من الدنيا وأنني في طاعة الهوى جاهلًا بحقك، ساهيًا عن واجبك، اللهم إليك المفر من دار منهومها لا يشبع، وحائمها لا ينقع? وطالبها لا يربع?، وواجدها لا يقنع؛ اللهم انقلنا عن مواطن العجز، مرتقيًا بنا إلى شرفات العز، فقد استحوذ الشيطان، وخبثت النفس وساءت العادة، وكثر الصادفون عنك، وقل الداعون إليك، وكلَّ المراعون لأمرك، وفُقد الواقفون عند حدودك، وخلت ديار الحق من سكانها، وبيع دينك بيع الخَلق? واستهزئ بناشر مجدك، وأُقصى المتوسل بك؛ اللهم فأعد نضارة دينك، واقض بين خلقلك بركات إحسانك، واقمع ذوي الاعتراض عليك، واهتك أستار الهاتكين لستر دينك؛ اللهم إني أسألك أن تخصني بإلهامٍ أقتبس الحق منه، وتوفيق يصحبني وأصحبه، ولطف لا يغيب عني ولا أغيب عنه، حتى أقول لوجهك، وأسكت — إذا سكت — بإذنك، وأبين إذا أبنت بحجتك، وأعبد إذا عبدت مخلصًا لك، وإذا مت أموت منتقلًا إليك؛ اللهم فلا تكلني إلى غيرك، ولا تُؤيسني من فضلك. ومنها: اللهم قيض لنا فرجًا من عندك، وأتح لنا مخلصًا إليك، فإنا قد تعبنا بخلقك، وعجزنا عن تقويمهم لك، ونحن إلى مقاربتهم في مخالفتك أقرب منا إلى منابذتهم في موافقتك؛ لأنه لا طاقة لنا بدهمائهم، ولا حيلة لنا في شفائهم.
اللهم تولنا فيما وليتنا حتى لا نتولى عنك، وآمنا مما خوفتنا حتى نقر معك، وأوسعنا رحمتك حتى نطمئن إلى ما وعدتنا، وفرق بيننا وبين الغل حتى لا نعامل به خلقك، وأغثنا بك حتى لا نفتقر إلى عبادك، فإنك إذا يسرت أمرًا، تيسر، ومهما بلوتنا فلا تبلنا بهجرك، ولا تجر عنا مرارة سخطك، قد اعترفنا بربوبيتك عبوديةً لك فعرفنا حقيقتها بالعفو عنا؛ والإقبال علينا، والرفق بنا يا رحيم.
هذا قليل من كثير مما في الأدب العربي من هذا الباب، وهي كما ترى تتدفق قوة وتفيض روحانية وتسمو معنى، إلى رصانة بلاغية، وموسيقى دينية، فلو عُنِيَ بها مؤرخو الأدب كما عُنوا بالأدب المادي من الغزل، والمديح، والفخر، والهجاء، لظهر الأدب العربي بصورته الكاملة من مادة وعقل، وشهوة وروح! ولعلي أعود بعدُ إلى هذا الموضوع.
? تلم بها شعثي: تجمع بها متفرق أمري.? أي أشد النصراء حضورًا بما يكفي المعتمدين عليه.? العجر والبجر: العيوب والأحزان وما أُبدي وما أُخفي.? الفسولة: ضعف المروءة.? التجليح: المكابرة.? يخيس: يكذب.? حائمها لا ينقع: شاربها لا يُروَى.? لا يقف ولا ينتظر.? الثوب البالي.
الفصل الأربعون
محمد رب بيت


فكرة باطلة سادت أفكار بعض الناس في معنى «الرسالة»، فخلع بعضهم عليها أحيانًا بعض أوصاف الألوهية، وأحيانًا بعض أوصاف الرهبانية، من مبدأ البعثة إلى اليوم، وكان النبي (?) يُحارب هذه الفكرة كما يحارب الألحاد ويُعلن ويُكرر في كل مناسبة أنه «بشر رسول» لا «ملك رسول».
من مبدأ البعثة اجتمعت صناديد قريش بمكة فقالوا لمحمد: «لقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا ولا أقل مالًا ولا أشد عيشًا منا، فسل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسيِّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا، وليُفجر فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن لم تفعل فسل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، ولتسأله فيجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويُغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولًا، فإن لم تفعل فاتخذ إلى السماء سُلَّمًا ترقي فيه وتأتي معك بنسخة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول.».
فقال محمد: «سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولا.».
لقد أخطئوا؛ إذ نسوا أنه بشر لا يقدر على الإتيان بهذه الأشياء ولا يستطيع اقتراحها لما فيها من التعنت والتحكم، وليس للرسول أن يتحكم على الله فيطلب منه خرق قوانينه التي أدار عليها ملكه.
وخطأ آخر مثله وقع فيه بعض المسلمين؛ إذ خلعوا عليه بعض أوصاف الرهبانية، فقد روي في الحديث أن بعضهم كان يسأل عائشة ماذا كان يفعل رسول الله في بيته ظانين تبتله، فكانت تجيبهم أنه يفعل في بيته ما يفعله الرجل الكريم بأهله «وسألها رجل ما كان رسول الله يصنع في أهله، قالت كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة».
وجاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج النبي فقال أحدهم إني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال ثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
لقد كان محمد إنسانًا يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق ويتاجر ويتزوج، وكان رسولًا عرف الله ودعا إليه، اختارته العناية الإلهية ليكون سفيرًا بين الله وخلقه، فله جانبه الإنساني فهو يضرب في الأرض يسعى ويكد، وتتوارد عليه العواطف الإنسانية، وله جانب روحاني يتصل فيه بربه، ويتلقى رسالته ويبلغها خلقه، يحيا كما يحيا الناس ويجري عليه حكم الموت كما يجري على الناس، ويتصل بالله كما يتصل الرسل، ويُؤدي رسالته كما يُؤدي الرسل، فمن زعم أنه فوق قوانين البشر فقد أخطأ، ومن جحد رسالته فقد أخطأ.
وهو في أداء رسالته أمين معصوم، وهو في إنسانيته يفعل ما يفعل الرجل الكامل، يتطلب معالي الأمور ويترفع عن سفاسفها، وينشد المثل الأعلى، ويتجمل بالمروءة، ويشعر بعظم التبعة، وتطهر نفسه فلا يتصنع، ويفعل في السر ما يفعله في العلانية، ويملؤه الشعور بأن الله خالقه وأن الله يراه، وأن الله يأمره وينهاه، فيأتي ما يأتي من الخير، ويذر ما يذر من الشر لا رغبة ولا رهبة، ولكن حبًّا في الله، ومن أحب أطاع؛ فكان المثل الأعلى للناس في جانبه الإنساني، وجانبه الروحاني، في معاملته وفي بيته وفي دعوته، وفي عبادته، وفي تضحيته، وفي إخلاصه.
•••

لقد كان لمحمد (?) بيت في مكة قبل الهجرة، وبيت في المدينة بعد الهجرة، والبيتان مختلفان في مظاهرهما.
ففي مكة ظل من غير زواج إلى الخامسة والعشرين، وهي سن متأخرة بالنسبة لحالة العرب الاجتماعية إذ ذاك، ولكن دعا إلى هذا التأخير فقره، وما الفقر بعيب، فلما أُتيح له الزواج تزوج، وكان الزواج مؤسسًا على أساس صحيح، من معرفة الزوج للزوجة في خُلُقها وخَلْقها ونسبها، وكانت الزوجة تعرف زوجها كذلك، فأحر أن يكون هذا الزواج موفقًا، لقد عرفت خديجة محمدًا في تجارتها، وكانت تبعث بالرجال يُتاجرون لها بالمال في الشام كما يفعل أغنياء قريش، فبعثت محمدًا في ذلك فعرفها وعرفته بعد أن سمعت به وسمع بها، وخبر كل حال الآخر عن قرب، ثم كان أن عرضت عليه أن يتزوجها بعد أن خطبها كثير من رجال قريش فأبت عليهم، ولعلها قرأت فيهم الطمع في مالها ورأت فيه التعفف عن مالها، كما كانت من أولئك النساء القلائل اللائي يقرأن المعاني في الرجل أكثر مما يقرأن المادة والمظاهر، «فأرسلت إليه نفيسة بنت أمية» دسيسًا إليه، فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما في يدي شيء، قالت: فإن كُفِيتَ ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: فمَن؟ قالت: خديجة، فأجاب.
كانت خديجة امرأة مكتملة، في الأربعين من عمرها من قريش أمًّا وأبًا، تزوجت في شبابها رجلًا من خيار بني تميم اسمه أبو هالة فولدت منه ابنين هما هند وهالة، ثم مات عنها فتزوجها قرشي اسمه عتيق بن عابد فولدت له بنتًا اسمها هند ثم مات عنها كذلك، وقد عاش الثلاثة، ولعل مالها جاءها من قبل زوجيها، فكانت ذات مال وذات تجارة في حياة أبيها.
ثم تزوجت محمدًا في الخامسة والعشرين من عمره.
•••

في بيت، في حي التجار بمكة، كانت تسكن هذه الأسرة خديجة وأولادها الثلاثة ومحمد، وصبي صغير كانت اشتدت الأزمة بأبيه، فرجاه أهله أن يأخذوا عنه بعض أولاده يعينونه في تربيتهم فأخذ محمد أحدهم، وكان هذا الصبي علي بن أبي طالب، كما كان يسكنه مولى لهم هو زيد بن حارثة، فتعادل البيت بصبيانها وصبيه، وتعادل الكسب بمالها وعمله، وظل هذا البيت سعيدًا خمسة وعشرين عامًا، يتبادل فيه الزوجان الحب والألفة والتعاون، فلم نسمع مرة بخلاف ولا مشادة ولا غضب، رُزقت منه بأولاد لم يعش منهم إلا بنات أربع، ربين في هذا الوسط الوادع السعيد، وقد اعتاد العرب في هذا الزمن أن يعددوا زوجاتهم، وخاصة في سني شبابهم، ولم يعدوه عيبًا، ولا تعده النساء كذلك، ولكن محمدًا لم يفعل هذا حبًّا في خديجة وحرصًا على رضاها، ولأنه يشعر أنه مهيأ لأمر عظيم يتطلب التقلل من مشاغل الدنيا.
كان يشغله التفكير في أمر قومه، وضلالهم في عبادتهم، وفساد نظامهم، وكان مقتنعًا كل الاقتناع بأن ما عليه قومه ضلال لا شك فيه، وما يعبدونه باطل لا محالة، ولكن ما هو الحق؟
وكانت تبدو عليه نزعة دينية حائرة تتلمس الحق وتصبو إليه، وكان يبث خديجة كل ذلك فتفهمه وتُشجعه وتُعينه، ولقد شوهدا ومعهما علي في الكعبة يعبدون الله على نحو خاص غير ما تفعله قريش، كان هذا يملك عليه نفسه، فكانت خديجة له أكبر عون، فلما حُببت إليه العزلة، ورأى أن يمضي في عزلته الليالي في غار حراء كانت هي التي تعد له زاده، وتفهم نفسه وتُعينه على غرضه، ولما جاءه الوحي لأول مرة ورجع إلى خديجة يرجف فؤاده، كانت هي التي دثرته وأذهبت روعه وأخذته على ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان رجلًا متنصرًا عالمًا بالأديان فطمأنه أنه الوحي، فكانت أول إنسان آمن برسالته وصدقه في قوله؛ لأنها رأت منه ما لم يره أحد، رأته في بيته على فطرته وسجيته فلم تقع منه على كذبة، ولم تقف منه على رياء، ولا يعرف أحد أحدا كما يعرفه أهل بيته، فهناك المظهر الحقيقي والإنسان على سجيته، ورأت مقدمات الوحي خطوة خطوة فسهل إيمانها بالنتيجة؛ ولا تسل عن عظمة هذا الموقف يوم يتجلى للعظيم الحق فيجد في الوجود إنسانًا بجانبه يُؤيده ويُثبته.
ثم لما أعلن الدعوة لقومه ولقي منهم شر أنواع العنت كانت هي التي تُخفف بحديثها وأسلوبها كربه وتُؤنس وحشته، قال ابن إسحاق: «كان (?) لا يسمع شيئًا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بخديجة، إذا رجع تُثبته وتُخفف عنه وتُصدقه وتُهون عليه أمر الناس.»، وكان من فضل الله أن كانت بجانبه العشر السنين الأولى من الدعوة وهي أشق السنوات عناء وجهادًا وكفاحًا.
لذلك لم يكن محمد (?) من الحب والوفاء والتقدير والإعظام لأحد ما أكنه لزوجته خديجة، فلما قالت له عائشة قد رزقك الله خيرًا منها، قال: لا والله ما رزقني الله خيرًا منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس.
ولما توفيت في الخامسة والستين من عمرها في العام الذي تُوفِّي فيه عمه أبو طالب سُمِّي العام «عام الحزن»، وكان شديد الحنين إليها والذكرى لها فكان من حين إلى حين يبعث بعض الهدايا إلى صديقاتها، إحياء لذكرها، ودخلت عليه مرة — وهو بالمدينة — أختها هالة، وكان رسول الله نائمًا فلما سمع صوتها انتبه من نومه لفوره وقال: هالة هالة هالة! ترحيبًا بها، وهيامًا بذكر أختها، وإعظامًا لأحب الناس إليه.
•••

أما في المدينة فقد كان لبيت محمد (?) شأن آخر، لقد دعاه موقفه في الدعوة، وتأييدها بالمصاهرة والنسب، وطبيعة الحالة الاجتماعية في عصره، وظروف كثيرة — ليس هذا موضع ذكرها — إلى أن يعدد زوجاته، هذه عائشة بنت صاحبه أبي بكر، وهذه حفصة بنت صاحبه عمر، وهذه أم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم قريش، وهذه صفية بنت حيي بن أخطب سيدة قومها من يهود بني النضير، وهذه زينب بنت جحش مطلقة مولاه ومتبناه زيد بن حارثة؛ وعلى الجملة فكن خمس قرشيات وأربع عربيات من غير قريش، بين هلالية وخزامية وأسدية وواحدة من بني إسرائيل، فكان سبب الزواج أحيانًا تأليف قوم، أو توثيق رابطة، أو تشريعًا جديدًا يُخالف ما كان عليه العرب، أو عطفًا على أيم مات عنها زوجها في جهاد في الإسلام.
وكان النساء في المدينة غير النساء في مكة، فهن في مكة مضغوط عليهن، مستسلمات لأزواجهن، من العار أن يرددن لهم قولًا، بحكم بأس رجال قريش وشدتهم وسطوتهم، وعلى العكس من ذلك نساء المدينة، فلهن قسط وافر من الحرية، يُراجعن أزواجهن، ولهن رأي يُسمع، ومطالب تُجاب، واستتبع هذا شيئًا آخر وهو غلبة الجد الدائم على رجال قريش ونسائهم، وحب الفرح والمرح في نساء المدينة ورجالها، ففي الحديث أن عمر بن الخطاب قال: «كنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم.» وفيه: أن عائشة زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي: أما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو، وتعليل ذلك من الوجهة الاجتماعية يطول.
أفرد رسول الله لكل زوجة بيتًا، ومع هذا فالعواطف الطبيعية للنساء لا يمكن محوها، ولا من الخير زوالها، والإنسان إنسان مهما كان، كل منهن كان يحرص أن يكون له من رسول الله أكبر نصيب في حبه، كل تغار إن شعرت بعطف أكبر على ضراتها، وكل يُحاسب على النظرة والابتسامة، ولكلٍّ نوع من المزايا تُدل بها، وأخيرًا انقسمن إلى حزبين: حزب فيه عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وصفية وسودة، وحزب فيه أم سلمة وزينب وميمونة وأم حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية.
ثم مشكلة أخرى طبيعية، فعائشة أحب زوجة إلى رسول الله لمزاياها، وفاطمة بنته من خديجة، وطبيعي ما يكون بين البنت ماتت أمها وتزوج أبوها غيرها وبين زوجة أبيها، ويزيد ذلك في نفس الزوجة الجديدة أنها لم تلد، والبنت تزوجت وولدت، والرسول يُحب زوجه ويُحب بنته ويُحب أولاد بنته.
هذه كلها مشاكل مستعصية، ما كان يمكن التغلب عليها والمعيشة الهانئة معها لولا حكمة من الرسول فوق كل حكمة، وكان من نعم الله حدوث هذه المشاكل وظهورها، فقد استوجبت من التشريع الإسلامي قدرًا كبيرًا، وكان هؤلاء الزوجات — وخاصة عائشة — مدارس يتلقى فيها الصحابة والتابعون علمهم عنهن وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى? فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ فيروون الأحاديث في مختلف الموضوعات من علمهن، ويحكين لهم ما شاهدن وما سمعن، وما تصرف فيه الرسول من مشاكل وأحداث أمام أعينهن، وأدبه فيما بينهن، حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية مأخوذ عن عائشة، ورُوي لها في كتب الصحاح ألفان ومئتا حديث، قال لها عروة يومًا: يا أماه! لا أعجب من فقهك أقول زوج رسول الله، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول ابنة أبي بكر، وكان من أعلم الناس بذلك، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو وأين هو؟ قالت: أي عُرَيَّة! إن رسول الله كثرت أسقامه عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات فكنت أعالجها، فمن ثَمَّ.
عدل بينهن في المعاملة على أدق وجه، واعتذر من عدم العدل بينهن في الحب فإنه لا يملكه وقال: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»، وكان إذا صلى العصر زار نساءه جميعًا وتحدث لكل منهن ثم بات في بيت من لها الليلة، وأحيانًا يجتمعن في بيتها، وإذا خرج إلى سفر أقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها خرج بها.
إلى أسلوب في المعاملة ظريف ونمط في المعاشرة لطيف، يلعب الأحابيش فتُحب عائشة أن ترى لعبهم فتستند على منكب النبي فلا يسأم حتى تسأم، ويُسابقها فتسبقه حتى إذا سمنت سابقها فسبقها فقال: هذه بتلك، ويقول: «إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» وكان اليوم يوم عيد فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها جاريتين تضربان بالدف، فانتهرهما أبو بكر فقال رسول الله: دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد.
ويُحب الأطفال ويُقبلهم ويُلاعبهم ويجلسهم في حجره، ويأتي أعرابي بدوي فيقول: يا رسول الله أتُقبل الصبيان؟ والله ما نُقبلهم، فيقول رسول الله: ما أملك أن الله نزع من قلبك الرحمة.
•••

أزمة كانت تستيقظ من حين لآخر فوضع لها حدًّا حاسمًا، كان رسولًا وكان مثلًا للناس، وفهم رسالته حق الفهم، أتى ليبلغ عن الله رسالته ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير ويُحذر من الشر، وليست رسالته أن يجمع ثورة أو يؤسس لنفسه ملكًا، ولا يتأتى أن يُؤدي رسالته على أكمل وجه حتى يزهد في المال وعرض الحياة، ولو التفت إلى المال لم يُطع هذه الطاعة، ولا أُجيب هذه الإجابة، ولالتفت الأتباع إلى المال، ولم يأبهوا للدعوة، ولفات على الناس درس التضحية، ولذلت نفوس الفقراء واضطغنوها في أنفسهم، وما أكثرهم، ولعز الأغنياء في الدين بغناهم لا بتقواهم، إذن فليتخل عن كل مظاهر الدنيا والترف في العيش، وليعش عيشة أبسط رجل، وكذلك كان، فلم يمتلئ جوفه شبعًا، ويبيت بعض الليالي طاويًا، ويمر الشهر ما يستوقد أهله نارًا، يعيشون على التمر والماء، ولا يرون الرغيف المرقق ولا الشاة السميط، ويموت ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير، ويأتيه مال مرة من الغزو فيقسمه ألف بعير على أربعة أنفس، ويسوق مئة بدنة فينحرها ويطعمها المساكين ولم يدخر لأهله شيئًا، فكان فقره إيثارًا لا عوزًا.
لو كان الشأن شأن نفسه فقط لهان الأمر، عظيم يُضحي لربه ولدعوته فيجد من سعادة التضحية أضعاف ما يجد الشحيح بماله وترفه، ولكن ما شأن زوجاته ولم يبلغن في السمو سموه، ولا يفهمن المثل فهمه، ولا يشعرن بالتبعة شعوره؛ ها هن أولاء يطلبن شيئًا من السعة في العيش، وشيئًا من النعيم الذي ينعم به حتى صغار المسلمين، وهو يردهن ردًّا جميلًا، فلما كثر الطلب واشتد اللحاح كان الموقف الحاسم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ? وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا، فبدأ يُخير النساء بين الطلاق والعيشة التي تتفق ودعوته، وبدأ بعائشة فاختارت ربها ورسوله وكذلك فعل سائر نسائه، وحسم الأمر ووطن أنفسهن على الصبر، وكان لهن في رسول الله أسوة.
وتُوفي رسول الله وظل نساؤه أمهات المؤمنين يرجعون إليهم في المشاكل، ويستفتونهن فيما دق من مسائل، يأخذ عنهن مؤرخو السيرة تاريخهم، والمحدثون حديثهم، والفقهاء فقههم، هذه عائشة يروي عنها عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو هريرة وأبو موسى وابن عباس، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعلقمة بن قيس، وآخرون كثيرون، وقد عمرت حتى بلغت السادسة والستين، وتوفيت في عهد معاوية بعد أن كانت مرجع الناس في الفتيا، وخاصة في أدق المسائل الزوجية بما استفادت من رسول الله، وكذلك كانت حفصة بنت عمر رُويت عنها الأحاديث الكثيرة، وإن لم تبلغ مبلغ عائشة، وكان يروي عنها أهل بيتها كأخيها عبد الله وابنه حمزة وزوجته صفية، وعمرت إلى أن بلغت الستين، وماتت كذلك في خلافة معاوية، وعمرت أم سلمة إلى أن بلغت الرابعة والثمانين، وكانت آخر أمهات المؤمنين موتًا، وهكذا، فكان حول كل منهن تلاميذ من أهلها وأقاربها وغيرهم يروون عنهن، ويأخذون عنهن آراءهن فيما حدث من الفتن العظام بعد مقتل عثمان، ولم ينسين أبدًا درس الزهد وبساطة العيش وبذل المال كما علمهن رسول الله، فقد فُرض لهن الفرض العظيم بعد الفتوح فكن يتصدقن به ولا يدخرن منه، هذه عائشة أتاها مئة ألف درهم ففرقتها في يومها، وكانت صائمة ولم تتذكر أن تشتري لحمًا بدراهم تفطر عليه، وهذه زينب بنت جحش كانت مع ما يأتيها من عطائها صَنَاع اليدين تصنع بيدها وتخيط، وتتصدق بكل ذلك في سبيل الله، ووصفتها عائشة ضرتها فقالت: «لم تكن امرأة خيرًا منها في الدين، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تتصدق به ويقربها إلى الله.».
صلوات الله عليه وعليهن أجمعين.
? أمتعكن أعطكن متعة الطلاق.
الفصل الحادي والأربعون
ثلاث رسائل للمؤلف


(?) عكاظ والمربد.
(?) ثقافة الجاحظ.
(?) الفتوة في الإسلام.
(?) عكاظ والمربد

من أبعد الأماكن أثرًا في الحياة العربية عكاظ والمربد، وقد كان أثرهما كبيرًا من نواح متعددة؛ من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الاجتماعية ومن الناحية الأدبية، ودراستهما تضيء لنا أشياء كثيرة في تاريخ العرب.
ولكن يظهر لي أنه لم يُعن بهما العناية اللائقة، فلا نرى فيما بين أيدينا إلا كلمات قليلة منثورة في الكتب يصعب على الباحث أن يصور منها صورة تامة أو شبهها، ومع هذا فسنبدأ في هذه الكلمة بشيء من المحاولة في توضيح أثرهما وخاصة من الناحية الأدبية.
(?-?) عكاظ

في الجنوب الشرقي من مكة، وعلى بعد نحو عشرة أميال من الطائف، ونحو ثلاثين ميلًا من مكة؛ مكان منبسط في وادٍ فسيح به نخل وبه ماء وبه صخور، يُسمى هذا المكان«عكاظ»، وكانت تُقام به سوق سنوية تُسمى «سوق عكاظ»، وقد اختلف اللغويون في اشتقاق الكلمة، فقال بعضهم: اشتقت من «تعكَّظ القوم» إذا تحبسوا لينظروا في أمورهم، وقال غيرهم: سُميت عكاظًا؛ لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضًا بالمفاخرة؛ أي: يعركه ويقهره، كما اختلفت القبائل في صرفها وعدم صرفها؛ فالحجازيون يصرفونها وتميم لا تصرفها، وعلى اللغتين ورد الشعر:
قال دريد بن الصمة: «تغيبت عن يومي عكاظَ كليهما».
وقال أبو ذؤيب:
إذا بني القباب على عكاظٍوقام البيع واجتمع الألوف •••

وكان للعرب أسواق كثيرة محلية كسوق صنعاء، وسوق حضرموت، وسوق صحار، وسوق الشحر، لا يجتمع فيها — غالبًا — إلا أهلها وأقرب الناس إليها.
وبجانب هذه الأسواق الخاصة أسواق عامة لقبائل العرب جميعًا، أهمها: سوق عكاظ، وسبب عمومها وأهميتها على ما يظهر: (?) أن موعد انعقادها كان قُبيل الحج، وهي قريبة من مكة وبها الكعبة، فمن أراد الحج من جميع قبائل العرب سهل عليه أن يجمع بين الغرض التجاري والاجتماعي بغشيانه عكاظ قبل الحج، وبين الغرض الديني بالحج.
(?) أن موسم السوق كان في شهر من الأشهر الحرم؛ على قول أكثر المؤرخين? «والعرب كانت (في الشهر الحرام) لا تقرع الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظيمًا له، وتُسمِّي مضر الشهر الحرام الأصم لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه?» وفي انعقاد السوق في الشهر الحرام مزية واضحة، وهي أن يأمن التجار فيه على أرواحهم، وإن كانوا أحيانًا قد انتهكوا حرمة الشهر الحرام فاقتتلوا، كالذي رُوي في الأخبار عن حروب الفجار كما سيجيء، ولكن — على العموم — كان القتل في هذا الشهر مستهجنًا، قال ابن هشام: «أتى آتٍ قريشًا فقال: إن البَرَّاض قد قتل عروة وهم في الشهر الحرام بعكاظ … إلخ.»? وقد قال ذلك استعظامًا لقتله.
«فكان يأتي عكاظ قريش وهوازن وغطفان والأحابيش وطوائف من أفناء العرب.»? وكانت كل قبيلة تنزل في مكان خاص من السوق، ففي الخبر أن رسول الله ذهب مع عمه العباس إلى عكاظ ليريه العباس منازل الأحياء فيها?، ويُروى كذلك أن رسول الله جاء كندة في منازلهم بعكاظ?. بل كان يشترك في سوق عكاظ اليمنيون والحيريون، يقول المرزوقي «كان في عكاظ أشياء ليست في أسواق العرب؛ كان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسيف الجيد والحلة الحسنة والمركوب الفاره فيقف بها ويُنادي عليه ليأخذه أعز العرب، يراد بذلك معرفة الشريف والسيد فيأمره بالوفادة عليه ويحسن صلته وجائزته.?» ويروي ابن الأثير عن أبي عبيدة «أن النعمان بن المنذر لما ملَّكه كسرى أبرويز على الحِيرة كان النعمان يجهز كل عام لطيمة — وهي التجارة — لتُباع بعكاظ.». فترى من هذا أن بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها كانت تشترك في سوق عكاظ.
واختلفت الأقوال في موعد انعقادها، وأكثرها على أنه في ذي القعدة من أوله عشرين منه، أو من نصفه إلى آخره، قال الأزرقي في تاريخ مكة: «فإذا كان الحج … خرج الناس على مواسمهم فيصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة، فيقيمون به عشرين ليلة، تقوم فيها أسواقهم بعكاظ والناس على مداعيهم وراياتهم، منحازين في المنازل، تضبط كل قبيلة أشرافها وقادتها، ويدخل بعضهم في بعض للبيع والشراء، ويجتمعون في بطن السوق فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مَجَنَّة فأقاموا بها عشرًا، أسواقهم قائمة، فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز، ثم إلى عرفة وكانت قريش وغيرها من العرب تقول: «لا تحضروا سوق عكاظ والمَجَنَّة وذي المجاز إلا محرمين بالحج.»، وكانوا يعظمون أن يأتوا شيئًا من المحارم أو يعدوا بعضهم على بعض في الأشهر الحرم وفي الحرم.»?. •••

وظيفته: كان سوق عكاظ يقوم بوظائف شتى فهو — أول كل شيء — متجر تُعرض فيه السلع على اختلاف أنواعها، يعرض فيه الأدَم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العَصْب والوشي والمُسَيَّر والعَدَني? ويُباع به الرقيق??، ويُعرض فيه كل سلعة عزيزة وغير عزيزة، فما يهديه الملوك يُباع بسوق عكاظ??، ويتقاتل ابن الخِمْس مع الحارث بن ظالم فيقتله ابن الخمس ويأخذ سيف الحارث يعرضه للبيع في عكاظ??، وعبلة بنت عبيد بن خالد يبعثها زوجها بأنحاء سمن تبيعها له بعكاظ??. ونسبوا إلى عكاظ فقالوا: أديم عكاظي؛ أي: مما يُباع في عكاظ??. ولم تكن العروض التي تُعرض في سوق عكاظ قاصرة على منتجات جزيرة العرب، فالنعمان يبعث إلى سوق عكاظ بمتجر من حاصلات الحيرة وفارس لتُباع به ويشترى بثمنها حاصلات أخرى??، بل كان يُباع في عكاظ سلع من مصر والشام والعراق، فيروي المرزوقي أنه قبل المبعث بخمس سنين حضر السوق من نزار واليمن ما لم يروا أنه حضر مثله في سائر السنين، فباع الناس ما كان معهم من إبل وبقر ونقد وابتاعوا أمتعة مصر والشام والعراق??. وكان السوق يقوم بأعمال مختلفة اجتماعية إلى جانب أعماله التجارية، فمن كانت له خصومة عظيمة انتظر موسم عكاظ؛ كانوا إذا غدر الرجل أو جنى جناية عظيمة انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ، فيقوم رجل فيخطب بذلك الغدر فيقول: ألا إن فلان بن فلان غدر، فاعرفوا وجهه ولا تُصاهروه ولا تُجالسوه ولا تسمعوا منه قولًا، فإن أعتب وإلا جَعَل له مثل مثاله في رمح فنصب بعكاظ فلعن ورجم، وهو قول الشَّمَّاخ:
ذعرتُ به القطا ونفيتُ عنهمقام الذئب كالرجل اللعين ومن كان له دين على آخر أنظره إلى عكاظ??. ومن كان له حاجة استصرخ القبائل بعكاظ كالذي حكى الأصفهاني أن رجلًا من هوازن أُسر فاستغاث أخوه بقوم فلم يغيثوه، فركب إلى موسم عكاظ وأتى منازل مذحج يستصرخهم??. وكثيرًا ما يُتخذ السوق وسيلة للخطبة والزواج، فيروي الأغاني أنه اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بموسم عكاظ، وقدم أمية بن الأسكر الكناني وتبعته ابنة له من أجمل أهل زمانها، فخطبها يزيد وعامر، فتردد أبوها بينهما، ففخر كل منهما بقومه، وعدد فعالهم في قصائد ذكرها??، فزوجها أبوها ليزيد. ومن كان صعلوكًا فاجرًا خلعته قبيلته — إن شاءت — بسوق عكاظ وتبرأت منه ومن فعاله، كالذي فعلت خزاعة، خلعت قيس بن منقذ بسوق عكاظ، وأشهدت على نفسها بخلعها إياه، وأنها لا تحتمل له جريرة، ولا تُطالب بجريرة يجرها أحد عليه??. وقد يتفاخر الرجلان من قبيلتين فيفخر كلٌّ بقبيلته ومكارمها، فيتحاكمان إلى حكم عكاظ، كما فعل رجل من قضاعة نافر رجلًا من اليمن فتحاكما إلى حكم عكاظ??. ومن كان داعيًا إلى إصلاح اجتماعي أو ديني كان يرى أن خير فرصة له سوق عكاظ، والقبائل من أنحاء الجزيرة مجتمعة، فمن قبل الدعوة كان من السهل أن يكون داعيًا في قومه إذا عاد إليهم، فنرى قس بن ساعدة يقف بسوق عكاظ يدعو دعوته، ويخطب فيها خطبته المشهورة على جمل له أورق فيُرغِّب ويُرهِّب، ويُحذِّر ويُنذر.
ولما بُعث رسول الله ? اتجه إلى دعوة الناس بعكاظ؛ لأنها مجمع القبائل، روى الواقدي أن رسول الله أقام ثلاث سنين من نبوته مستخفيًا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين، يوافي الموسم، يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ والمجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يُبلغ رسالة ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدًا ينصره، حتى إنه يسأل عن القبائل ومنازلهم قبيلة قبيلة، حتى انتهى إلى بني عامر بن صعصعة فلم يلق من أحد من الأذى ما لقي منهم?? وفي خبر آخر أنه أتى كندة في منازلهم بعكاظ فلم يأت حيًّا من العرب كان ألين منهم??، وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ? كان يخرج من الموسم فيدعو القبائل فما أحد من الناس يستجيب له ويقبل منه دعاءه، فقد كان يأتي القبائل بمجنة وعكاظ ومنى حتى يستقبل القبائل، يعود إليهم سنة بعد سنة، حتى إن القبائل منهم من قال: «ما آن لك أن تيأس منا.»، من طول ما يعرض نفسه عليهم، حتى استجاب هذا الحي من الأنصار??. وروى اليعقوبي أن رسول الله ? قام بسوق عكاظ عليه جبة حمراء فقال: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتنجحوا، ويتبعه رجل يكذبه وهو أبو لهب بن عبد المطلب??. كذلك كان لعكاظ أثر كبير لغوي وأدبي فقد رأينا قبائل العرب على اختلافها من قحطانيين وعدنانيين تنزل بها، وملك الحيرة يبعث تجارته إليها ويأتي التجار من مصر والشام والعراق?? فكان ذلك وسيلة من وسائل تفاهم القبائل وتقارب اللهجات، واختيار القبائل بعضها من بعض ما ترى أنه أليق بها وأنسب لها، كما أن التجار من البلدان المتمدنة كالشام ومصر والعراق كانوا يطلعون العرب على شيء مما رأوا من أحوال تلك الأمم الاجتماعية، وفوق هذا كانت عكاظًا معرضًا للبلاغة ومدرسة بدوية يُلقى فيها الشعر والخطب وينقد ذلك كله ويهذب، قال أبو المنذر: كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته وفعاله وعد مآثره وأيام قومه، من عام إلى عام، فيما أخذت العرب أيامها وفخرها، وكانت المنابر قديمة، يقول فيها حسان: أولاء بنو ماء السماء توارثوادمشق بملك كابرا بعد كابريَؤُمون ملك الشام حتى تمكنواملوكا بأرض الشام فوق النابر?? فيقف أشراف العرب يفخرون بمناقبهم ومناقب قومهم … فبدر بن معشر الغِفَاري … كان رجلًا منيعًا مستطيلًا بمنعته على من ورد عكاظ، فاتخذ مجلسًا بسوق عكاظ وقعد فيه وجعل يبرح على الناس ويقول:
نحن بنو مدركة بن خندفمن يطعنوا في عينه لا يطرفومن يكونوا قومه يغطرفكأنهم لجة بحرٍ مسدف فيقوم رجل من هوزان فيقول:
أنا ابن همدان ذو التغطرفبحر بحورٍ زاخر لم ينزفنحن ضربنا ركبة المخندفإذ مدها في أشهر المعرف?? وعمرو بن كلثوم يقوم خطيبًا بسوق عكاظ وينشد قصيدته المشهورة:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا??.
والأعشى يوافي سوق عكاظ كل سنة، ويأتي مرة فإذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها فينشدهم الأعشى في مدح المحلَّق??، والنابغة الذبياني تُضرب له قبة أَدَم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء فيدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى والخنساء فينشدونه جميعًا ويُفاضل بينهم وينقد قول حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
فيقول لحسان قللت العدد ولو قلت: الجفان؛ لكان أكثر، وقلت: يلمعن بالضحى؛ ولو قلت: يبرقن بالدجى لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا??. ودريد بن الصِّمَّة يمدح عبد الله بن جدعان بعد أن لاحاه فيقول:
إليك ابن جدعان أعملتهامحففة للسُّرَى والنَّصَب?? إلخ وقس بن ساعدة يخطب الناس فيُذكرهم بالله والموت — خطبته المشهورة — ورسول الله يسمع له??، والخنساء تسَوِّم هودجها براية، وتشهد الموسم بعكاظ وتُعاظم العرب بمصيبتها في أبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، وتنشد في ذلك القصائد، فلما وقعت وقعة بدر وقُتل فيها عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة أقبلت هند بنت عتبة إلى عكاظ، وفعلت كما فعلت الخنساء، وقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء ففعلوا، فعاظمت هند الخنساء في مصيبتها وتناشدتا الأشعار، تقول إحداهما قصيدة في عظم مصيبتها وترد الأخرى عليها??، وعلى الجملة فكانوا في عكاظ يتبايعون ويتعاكظون ويتفاخرون ويتحاجون وتنشد الشعراء ما تجدد لهم وفي ذلك يقول حسان: سأنشر — ما حييت — لهم كلامًايُنشر في المجامع من عكاظ فمن هذا كله نرى كيف كانت عكاظ مركزًا لحركة أدبية ولغوية واسعة النطاق، كما كانت مركزًا لحركة اجتماعية واقتصادية.
نظام سوق عكاظ

كانت القبائل — كما أسلفنا — تنزل كل قبيلة منها في مكان خاص بها، ثم تتلاقى أفراد القبائل عند البيع والشراء أو في الحلقات المختلفة، كالذي حكينا أن الأعشى رأى الناس يجتمعون على سرحة، أو حول الخطيب يخطب على منبر، أو في قباب من أدم تُقام هنا وهناك، ويختلط الرجال بالنساء في المجامع، وقد يكون ذلك سببًا في خطبة أو زواج أو تنادر??، وكانت تحضر الأسواق — وخاصة سوق عكاظ — أشراف القبائل «وكان أشراف القبائل يتوافون بتلك الأسواق مع التجار، من أجل أن الملوك كانت ترضخ للأشراف، لكل شريف بسهم من الأرباح، فكان شريف كل بلد يحضر سوق بلده، إلا عكاظ فإنهم كانوا يتوافون بها من كل أوب.»??. والظاهر أن المراد بالملوك هم الأمراء ورؤساء القبائل الذين يرسلون بضائعهم لبيعها في أسواق العرب، كملك الحيرة والغساسنة وأمراء اليمن ونحوهم — وكانت القبائل تؤتي لرؤسائها إتاوة في نظير إقامتهم بالسوق، فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه أخبار أسواق كثيرة كان يُعشِّرها أشرافها — أي: يأخذون العشر??، وفي عكاظ كانت القبائل تدفع لأشرافها هذه الأتاوة «فهوازن كانت تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ، وهو يسومها الخسف وفي أنفسها منه غيظ وحقد.??» وكانت الإتاوة سمنًا وأقطًا وغنمًا??، «وكان عبد الله بن جعدة سيدًا مطاعًا وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها، ويأتي بها هذا الحي من الأزد وغيرهم، ومن هذه الإتاوة ثياب.»??. وكانت الأشراف تمشي في هذه الأسواق ملثمة، ولا يوافيها (عكاظ) شريف إلا وعلى وجهه برقع، مخافة أن يُؤسر يومًا فيكبر فداؤه، فكان أول من كشف طريف العنبري، لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح من وطن نفسه إلا على شرفه، وحسر عن وجهه وقال:
أَوَكلما وردت عكاظ قبيلةبعثوا إلي عريفهم يتوسمفتوسموني، إنني أنا ذلكمشاكي السلاح وفي الحوادث معلم?? وكان على سوق عكاظ كلها رئيس: إليه أمر الموسم وإليه القضاء بين المتخاصمين، قال أبو المنذر: «وتزعم مضر أن أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم.» وكان من اجتمع له ذلك منهم بعد عامر بن الظرب العداوني سعد بن زيد مناة من تميم، وقد فخر المخبل بذلك في شعره:
ليالي سعدٍ في عكاظ يسوقهاله كل شرقٍ من عكاظ ومغرب حتى جاء الإسلام فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع??. تاريخ عكاظ

من العسير جدًّا أن نُحدد بدء عكاظ، فلم نجد في ذلك خبرًا يصح التعويل عليه، يقول الألوسي في بلوغ الأرب «إنها اتخذت سوقًا بعد الفيل بخمس عشرة سنة.» ولكن إذا بحثنا في الأحداث التي رُويت في عكاظ وجدنا ذلك غير صحيح، فهم يروون — كما قدمنا — أن عمرو بن كلثوم أنشد قصيدته في عكاظ، وعمرو بن كلثوم كان على وجه التقريب حول سنة ???م.
كذلك إذا عدنا إلى ما رواه المرزوقي في الأزمنة والأمكنة عن رؤساء عكاظ وجدنا أنه عدهم قبل الإسلام عشرة أولهم عامر بن الظرب العدواني، وهذا — من غير شك — يجعل تاريخ عكاظ أبعد مما يحكي الألوسي بزمان طويل، كذلك يروي الأغاني أن عبلة زوجة عبد شمس بن عبد مناف باعت أنحاء سمن بعكاظ??. وظل سوق عكاظ يقوم كل سنة، وكانت فيه قبيل الإسلام حروب الفجار، وهي حروب أربع، وكان سبب الأولى على ما يُروى؛ المفاخرة في سوق عكاظ، وسبب الثانية تعرض فتية من قريش لامرأة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ، وسبب الثالثة مقاضاة دائن لمدينه مع إذلاله في سوق عكاظ، وسبب الأخيرة أن عروة الرحال ضمن أن تصل تجارة النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ آمنة، فقتله البَرَّاض في الطريق??. فكلها تدور حول سوق عكاظ؛ وهذه الحروب كانت قبل مبعث النبي ? بست وعشرين سنة، وشهدها النبي وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه، وقال: كنت يوم الفجار أنبل على عمومتي??. واستمرت هذه الحروب نحو أربع سنوات، وقد كانت هناك نزعتان عند أشراف العرب، نزعة قوم يقصدون إلى السلب والنهب وسفك الدماء لا يصدهم صاد، ولا يرعون حتى ولا الأشهر الحرم، ويتحرشون بالناس، فيمد أحدهم رجله في سوق عكاظ ويتحدى الأشراف مثله أن يضربوها فتثور من ذلك الثائرة??، وفريق يميل إلى السلم ودرء أسباب الحروب ونجاح التجارة والأسواق، بتأمين السالكين وعدم التعرض لهم بأذى، جاء في تاريخ اليعقوبي «أنه كان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسُمُوا «المحلين»، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيُسمون الذادة «المحرمين»؛ فأما المحلون فكانوا قبائل من أسد وطيئ وبني بكر بن عبد مناة وقوم من بني عامر بن صعصعة؛ وأما الذادة المحرمون فكانوا من بني عمرو بن تميم وبني حنظلة بن زيد مناة وقوم من هذيل وقوم من بني شيبان … فكان هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس.»??. وكان من أشهر الداعين للسلم عبد الله بن جدعان، فقد كان إذا اجتمعت العرب في سوق عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان، ثم يردها عليهم إذا ظعنوا وكان سيدًا حكيمًا مثريًا??. ويظهر أن أصحاب هذه النزعة الثانية وهم الذادة هم الذين سموا هذه الحروب حرب الفجار؛ لما ارتكب فيها من الفجور وسفك الدماء، وهم الذين تغلبوا فيما بعد ونجحوا في وقف هذه الحروب «ودعوا الناس أن يعدوا القتلى فيدوا من فضل، وأن يتعاقدوا على الصلح فلا يعرض بعضهم لبعض» وربما كان من أثر ذلك حلف الفضول، وقد عُقد في بيت عبد الله بن جدعان هذا.
واستمرت عكاظ في الإسلام، وكان يُعين فيها من يقضي بين الناس، فعُين محمد بن سفيان بن مجاشع قاضيًا لعكاظ، وكان أبوه يقضي بينهم في الجاهلية وصار ذلك ميراثًا لهم??. ولكن يظهر أن هذه الأسواق ضعف شأنها بعد الفتوح، فأصبحت البلاد المفتوحة أسواقًا للعرب خيرًا من سوق عكاظ، وصار العرب يغشون المدن الكبيرة لقضاء أغراضهم فضعفت أسواق العرب ومنها عكاظ، ومع ذلك ظلت قائمة وكان آخر العهد بها قبيل سقوط الدولة الأموية قال الكلبي: «وكانت هذه الأسواق بعكاظ ومَجَنَّة وذي المجاز قائمة في الإسلام حتى كان حديثًا من الدهر، فأما عكاظ فإنما تُركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الأباضي في سنة تسع وعشرين ومائة، خاف الناس أن ينهبوا وخافوا الفتنة فتُركت حتى الآن، ثم تركت مَجَنَّة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة … وآخر سوق خربت سوق حباشة خربت سنة ???هـ، أشار فقهاء أهل مكة على داود بن عيسى بتخريبها فخربها وتُركت إلى اليوم??. فعكاظ عاصرت العصر الجاهلي الذي كان فيه ما وصل إلينا من شعر وأدب، وجرت فيها أحداث تتصل بحياة النبي ? قبيل مبعثه، ومهدت السبيل قبيل الإسلام لتوحيد اللغة والأدب، وعملت على إزالة الفوارق بين عقليات القبائل، وقصدها النبي ? يبث فيها دعوته، وعاصرت الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموي، ولكن كانت حياتها في الإسلام أضعف من حياتها قبله، وبدأ ضعفها من وقت الهجرة لما كان من غزوات وحروب بين مكة والمدينة أو بين المؤمنين والمشركين، فلما فُتحت الفتوح رأى العرب في أسواق المدن المتحضرة في فارس والشام والعراق ومصر عوضًا عنها، ثم كانت ثورة أبي حمزة الخارجي بمكة، فلم يأمن الناس على أموالهم فخربت السوق، وختمت صحيفة لحياة حافلة ذات أثر سياسي واجتماعي وأدبي كبير.
(?-?) المِرْبَد

أما المربد فضاحية من ضواحي البصرة، في الجهة الغربية منها مما يلي البادية، بينه وبين البصرة نحو ثلاثة أميال، كان سوقًا للإبل قال الأصمعي:
«المربد كل شيء حُبست به الإبل والغنم … وبه سميت مربد البصرة، وإنما كان موضع سوق الإبل.??» وهو واقع على طريق من ورد البصرة من البادية ومن خرج من البصرة إليها، ويظهر أنه نشأ سوقًا للأبل، أنشأه العرب على طرف البادية، يقضون فيه شئونهم قبل أن يدخلوا الحضر أو يخرجوا منه. وقد كان العرب في بادية العراق قبل الفتح الإسلامي، ونزلت فيه قبائل من بكر وربيعة، وكونوا فيه إمارة المناذرة في الحيرة، فكان هذا الأقليم معروفًا لهم قبل الإسلام، وكانت الرحلات من البادية إلى العراق ومن العراق إلى البادية في حركة مستمرة — ومعلوم أن البصرة إنما خططت في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب ونزل بها العرب على منازلهم من يمنية ومضرية — ولكن يظهر أن المربد كان قبل أن تخطط البصرة، وكان قبل الإسلام، وربما فُهم ذلك من قول الطبري «بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان فقال له: انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم فأقيموا، فأقبلوا حتى إذا كان بالمربد وجدوا هذا الكذان?? قالوا: ما هذه البصرة.»??. وقال في اللسان — في مادة ب ص ر — وقال ابن شميل: «البصرة أرض كأنها جبل من جص وهي التي بنيت بالمربد، وإنما سميت البصرة بصرة بها.».
ولكن أخباره في الجاهلية منقطعة أو معدومة مما يدل على قلة أهميته؛ إذ ذاك، إنما كانت له الأهمية بعد أن فتح العرب العراق وسكنوه وخططوا البصرة، فقد أُنشئت فيه المساكن بعد أن كان مربدًا للإبل فقط، واتصلت العمارة بينه وبين البصرة?? حتى قالوا فيه «العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد.»??. وقد كان المربد في الإسلام صورة معدلة لعكاظ، كان سوقًا للتجارة، وكان سوقًا للدعوات السياسية، وكان سوقًا للأدب – جاء في كتاب «ما يعول عليه» المربد كل موضع حُبست فيه الإبل … ومنه سُمي مربد البصرة لاجتماع الناس وحبسهم النعم فيه، كان مجتمع العرب من الأقطار، يتناشدون فيه الأشعار، ويبيعون ويشترون وهو «كسوق عكاظ» وقال العيني: «مربد البصرة … محلة عظيمة فيها (في البصرة) عن جهة البرية كان يجتمع فيها العرب من الأقطار، ويتناشدون الأشعار، ويبيعون ويشترون»??. وليس يهمنا هنا أثره التجاري، وإنما يهمنا شئونه السياسية والأدبية وهما مرتبطان بعضهما ببعض أشد الإرتباط، فلا داعي للتفريق بينهما، فقد كانت الأحزاب السياسية تنتج أدبًا من خطب وشعر، وكانت الخطب والشعر تُقوي الأحزاب السياسية وتُساعد في تكوينها والحروب بينها.
المربد في عصر الخلفاء الراشدين

كانت أهم أخبار المربد في ذلك العصر ما كان بعد قتل عثمان بن عفان من سير عائشة أم المؤمنين إلى البصرة، فإنها نزلت بفناء البصرة ورأت أن تبقى خارجها حتى ترسل إلى أهلها تدعوهم بدعوتها، وهي المطالبة بدم عثمان، وبعبارة أخرى الخروج على علي، وكان معها طلحة والزبير ثم سارت إلى المربد معهما وخرج إليها مَن قَبِل دعوتها، وخرج إلى المربد كذلك عامل علي على البصرة، وهو عثمان بن حنيف ومن يُؤيده، وأصبح المربد وهو يموج بمَن أتى من الحجاز ومَن خرج مِن البصرة حتى ضاق المربد بمَن فيه، ورأينا المربد مجالًا للخطباء ممن يُؤيد عائشة ومن معها، ومن يُؤيد عليًّا وعامله، أصحاب عائشة في ميمنة المربد وأصحاب علي في ميسرته، ويخطب في المربد طلحة ويمدح عثمان بن عفان، ويُعظم الجناية عليه ويدعو إلى الطلب بدمه، ويخطب الزبير كذلك، وتخطب عائشة أم المؤمنين بصوتها الجهوري ويُؤيدهم من في ميمنة المربد، ويقولون: صدقوا وبروا وقالوا الحق وأمروا بالحق، ويُؤثر قول عائشة في أهل الميسرة فينحاز بعضهم إليها ويبقى الآخرون على رأيهم وعلى رأسهم عثمان بن حنيف، ويخطبون كذلك يبينون خطأ هذه الدعوة، وأن طلحة والزبير بايعا عليًّا فلا حق لهما في الخروج عليه ويُؤيدهم أبو الأسود الدؤلي وأمثاله??. وهكذا ينتقل المربد إلى مجمع حافل فيه الدعوات السياسية مؤيدة بالحجج والبراهين وفيه معرض البلاغة من خطب طويلة وجمل قصيرة متينة، وفيه الجدل والمناظرة وبحث أهم الأحداث في ذلك العصر، وهو مقتل عثمان بن عفان وتحديد المسئولية في قتله، ولم تفد هذه الحرب اللسانية فانتقلت إلى حرب بالسلاح وأصبح المربد ساحة للقتال.
المربد في عهد بني أمية

كان العصر الأموي أزهى عصور المربد؛ ذلك لأن العرب كانوا قد هدءوا من الفتح واستقرت الممالك في أيديهم، وأصبح العراق مقصد العرب يؤمه من أراد الغنى وخاصة البصرة جاء في الطبري «أن عمر بن الخطاب سأل أنس بن حجية وكان رسولًا إلى عمر من العراق، فقال له عمر: كيف رأيت المسلمين؟ فقال: انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس في البصرة فأتوها.» وكان المربد باب البصرة يمر به من أرادها من البادية، ويمر به من خرج من البصرة إلى البادية، ويقطنه قوم من العرب كرهوا معيشة المدن، ويقصده سكان البصرة يستنشقون منه هواء البادية، فكان ملتقى العرب، وكانوا يحيون فيه حياة تشبه حياة الجاهلية من مفاخرة بالأنساب وتعاظم بالكرم والشجاعة، وذكر لما كان بين القبائل من إحن، فالفرزدق يقف في المربد ينهب أمواله فعل كرماء الجاهلية، حكى في النقائض أن زياد بن أبي سفيان كان ينهى أن ينهب أحد مال نفسه، وأن الفرزدق أنهب أمواله بالمربد، وذلك أن أباه بعث معه إبلًا ليبيعها فباعها وأخذ ثمنها فعقد عليه مطرف خز كان عليه، فقال قائل: لشد ما عقدت على دراهمك هذه، أما والله لو كان غالب ما فعل هذا الفعل، فحلها ثم أنهبها، وقال: من أخذ شيئًا فهو له وبلغ ذلك زيادًا فبالغ في طلبه فهرب … فلم يزل في هربه يطوف في القبائل والبلاد حتى مات زياد??. وكان الأمويون على وجه العموم يعيشون عيشة عربية ويحتفظون بعربيتهم، إن أخذوا شيئًا من الحضارة صبغوه بصبغتهم وحولوه إلى ذوقهم وكذلك فعل عرب البصرة؛ أرادوا أن يكون لهم من مربد البصرة ما كان لهم من سوق عكاظ في الحجاز فبلغوا غايتهم، وأحيوا العصبية الجاهلية، وساعد الخلفاء الأمويون أنفسهم على إحيائها لما كانوا يستفيدون منها سياسيًّا، فرأينا ظل ذلك في الأدب والشعر، ورأينا المربد في العصر الأموي يزخر بالشعراء يتهاجون ويتفاخرون، ويعلي كل شاعر من شأن قبيلته ومذهبه السياسي، ويضع من شأن غيره من الشعراء ومذاهبهم السياسية.
ومن أجل هذا خلف لنا المربد أجل شعر أموي من هذا النوع، فكثير من نقائض جرير والفرزدق والأخطل كانت أثرًا من أثار المربد قيلت فيه وصدرت عما كان بينهم من منافرة وخصومة، يروي الأغاني أن جريرًا والفرزدق اجتمعا في المربد فتنافرا وتهاجيا وحضرهما العجاج والأخطل وكعب بن جعيل في خبر طويل??. كان كل من جرير والفرزدق يلبس لباسًا خاصًّا ويخرج إلى المربد ويقول قصائده في الفخر والهجاء، والرواة يحملون إلى كليهما ما قاله الآخر فيرد عليه، قال أبو عبيدة: وقف جرير بالمربد وقد لبس درعًا وسلاحًا تامًّا وركب فرسًا أعاره إياه أبو جهضم عباد بن حصين، فبلغ ذلك الفرزدق فلبس ثياب وشي وسوار وقام في مقبرة بني حصن ينشد بجرير، والناس يسعون فيما بينهما بأشعارهما فلما بلغ الفرزدق لباس جرير السلاح والدرع قال:
عجبت لراعي الضأن في حطميةٍوفي الدرع عبدٌ قد أصيبت مقاتله ولما بلغ جريرًا أن الفرزدق في ثياب وشي قال:
ليست سلاحي والفرزدق لعبةعليه وشاحا كرجٍ وجلاجله?? وما زالا كذلك يتهاجيان ويقولان القصائد الطويلة الكثيرة حتى ضج والي البصرة فهدم منازلهما بالمربد فقال جرير:
فما في كتاب الله تهديم دارنابتهديم ماخورٍ خبيثٍ مداخله?? وكان لكل شاعر من شعراء المربد حلقة ينشد فيها شعره وحوله الناس يسمعون منه، جاء في الأغاني «وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة.»??. وكان الناس يخرجون كل يوم إلى المربد، يعرف كل فريق مكانه فيجلس فيه فينتظر شاعره، فقد روى الأغاني أيضًا أن جريرًا بات يشرب باطية من نبيذ ويهمهم بالشعر في هجاء الفرزدق والراعي، فما زال كذلك حتى كان السحر وقد قالها ثمانين بيتًا في بني نمير فلما ختمها بقوله:
فغض الطرف إنك من نميرفلا كعبًا بلغت ولا كلابا كَبَّر، ثم أصبح حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق دعا فادهن ولف رأسه، ودعا غلامه فأسرج له حصانًا وقصد مجلسهم وأنشدها، فنكس الفرزدق وراعي الإبل??. ونرى بجانب هؤلاء الفحول أعني جريرًا والفرزدق والأخطل طائفة أخرى من كبار الرُّجَّاز يقصدون المربد وينشدون رجزهم، فالعجاج الراجز يخرج إلى المربد عليه جبة خز وعمامة خز على ناقة له قد أجاد رحلها، ويقف بالمربد على الناس مجتمعين، ويقول رجزه المشهور:
قد جبر الدين الإله فجبر
ويهجو ربيعة فيأتي رجل من بكر بن وائل إلى أبي النجم ويستحثه على الرد عليه، فيخرج أبو النجم إلى المربد ويقول رحزه.
تذكَّر القلب وجهلًا ما ذكر
ورؤية الرجاز ينشد رجزه:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
ويجتمع حوله فتيان من تميم فيرد عليه أبو النجم في رجزه.
إذا اصطبحت أربعًا عرفتني??
كذلك نرى ذا الرمة يقف بالمربد وعليه جماعة مجتمعة وهو قائم وعليه برد قيمته مئتا دينار، وينشد ودموعه تجري على لحيته:
ما بال عينك منها الماء ينسكب??
وينشد كذلك بعض قصائده فيقف خياط فينقد شعره نقدًا شديدًا ويُسخف بعض تشبيهاته، فيمتنع ذو الرمة عن الذهاب إلى المربد حتى يموت الخياط??. والأمراء والولاة قد يتدخلون فيسكتون بعض الشعراء، وقد يهيجون بعضهم على بعض خدمة لأغراض حزبية أو سياسية، فعبد الملك بن مروان يأمر أبا النجم بالمفاخرة مع الفرزدق، وعباد بن حصين — وكان على أحداث البصرة — يعين جريرًا على الفرزدق ويعير جريرًا الدرع والفرس والسلاح??. وهكذا كان المربد في العهد الأموي معهدًا كبيرًا أنتج أدبًا غزيرًا من جنس خاص، وكاد هذا الشعر يكون امتدادًا للشعر الجاهلي، لاتحاد الأسباب والبواعث، فأما الشعر الغزلي كشعر عمر بن أبي ربيعة وأمثاله فليس له كبير أثر في المربد؛ لأنه فوق النزال والمهاجاة والمفاخرة، فليس مجاله حياة المربد التي وصفناها.
المربد في العصر العباسي

بقي المربد في العصر العباسي، ولكنه كان يؤدي غرضًا آخر غير الذي كان يؤديه في العهد الأموي، ذلك أن العصبية القبلية ضعفت في العصر العباسي بمهاجمة الفرس للعرب، وأحس العرب ما هم فيه جميعًا من خطر من حيث هم أمة لا فرق بين عدنانيهم وقحطانيهم، فقوي نفوذ الفرس وغلبوا العرب على أمرهم، وبدأ الناس في المدن كالبصرة يحيون حياة اجتماعية هي أقرب إلى حياة الفرس من حياة العرب، وانصرف الخلفاء والأمراء عن مثل النزاع الذي كان يتنازعه جرير والفرزدق والأخطل، وظهرت العلوم تزاحم الأدب والشعر، وفشا اللحن بين الموالي الذين دخلوا في الإسلام، وأفسدوا حتى على العرب الخالصة لغتهم، فتحول المربد يُؤدي غرضًا يتفق وهذه الحياة الجديدة.
أصبح المربد غرضًا يقصده الشعراء لا ليتهاجوا، ولكن ليأخذوا عن أعراب المربد الملكة الشعرية، يحتذونهم ويسيرون على منوالهم، فيخرج إلى المربد بشار وأبو نواس وأمثالهما، ويخرج إلى المربد اللغويون يأخذون اللغة عن أهله ويدونون ما يسمعون، روى القالي في الأمالي عن الأصمعي قال: «جئت إلى أبي عمرو بن العلاء فقال لي: من أين أقبلت يا أصمعي؟ قال: جئت من المربد، قال: هات ما معك، فقرأت عليه ما كتبت في ألواحي، فمرت به ستة أحرف لم يعرفها، فخرج يعدو في الدرجة وقال: «شمرت في الغريب» أي غلبتني.»??. والنحويون يخرجون إلى المربد يسمعون من أهله ما يصحح قواعدهم ويُؤيد مذاهبهم، فقد اشتد الخلف بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النحو وتعصب كلٌّ لمذهبه، وكان أهم مدد لمدرسة البصرة هو المربد، وفي تراجم النحاة نجد كثيرًا منهم من كان يذهب إلى المربد يأخذ عن أهله، ويخرج الأدباء إلى المربد يأخذون الأدب، من جمل بليغة وشعر بليغ وأمثال وحكم، مما خلفه عرب البادية وتوارثوه عن آبائهم، كما فعل الجاحظ، يقول ياقوت: إن الجاحظ أخذ النحو عن الأخفش وأخذ الكلام عن النظام وتلقف الفصاحة من العرب شفاهًا بالمربد??. وبذلك كان المربد مدرسة من نوع آخر تغير برنامجها في العصر العباسي عن برنامجها في العهد الأموي، وأدت رسالة في هذا العصر تُخالف رسالتها في العصر السابق.
آخر الأخبار عن المربد

في ثورة الزنج التي ظهرت في فرات البصرة والتي بدأت سنة ???هـ حدث قتال بالمربد بين الزنج وجيش الخليفة، فاحترق المربد، روى الطبري قال: يقول ابن سمعان: فإني يومئذ لفي المسجد الجامع؛ إذ ارتفعت نيران ثلاث من ثلاثة أوجه: زهران والمربد وبني حمان في وقت واحد، كأن موقديها كانوا على ميعاد، وجل الخطب وأيقن أهل البصرة بالهلاك??. وتوالت فيه الحرائق وعُوتب شاعر البصرة أبو الحصين بن المثنى على أنه لم يقل شيئًا في حريق المربد، مع أن المربد من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، فقال ارتجالًا في آخر حريق لها:
أتتكم شهود الهوى تشهدفما تستطيعون أن تجحدوافيا مربديون ناشدتكمعلى أنني منكم مجهدجرى نفسي صاعدًا نحوكمفمن أجله احترق المربدوهاجت رياح حنيني لكموظلت به ناركم تُوقدولولا دموعي جرت لم يكنحريقكم أبدًا يخمد?? ويذكر ابن الأثير في حوادث سنة ??? أن سيف الدولة صدقة بن مزيد تقاتل مع إسماعيل، فنهبت البصرة وغنم من معه من عرب البر … ولم يسلم منهم إلا المحلة المجاورة لقبر طلحة والمربد، فإن العباسيين دخلوا المدرسة النظامية وامتنعوا بها وحموا المربد وعمت المصيبة بأهل البلد سوى من ذكرنا??. ويقول ياقوت «إن المربد كان سوقًا للإبل، ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس، وهو الآن — (عاش ياقوت حتى سنة ???هـ) — بائن عن البصرة، بينهما نحو ثلاثة أميال، وكان ما بين ذلك كله عامرًا، وهو الآن خراب، فصار المربد كالبلدة المفردة في وسط البرية.».
ثم عفا أثر المربد، ولم نعد نجد له ذكرًا ذا قيمة، وأخنى عليه الذي أخنى على عكاظ، ومات بموته معهدان أدبيان اتصلت حياة الثاني منهما بحياة الأول فقاما نحو سبعة قرون، يخرجان شعرًا وأدبًا ونقدًا كان من خير تراث العرب.
(?) ثقافة الجاحظ

لست أعلم أحدًا في عصر الجاحظ بلغ مبلغه في سعة ثقافته وعمقها، فلقد شملت كل معارف زمانه تقريبًا على اختلاف ألوانها وتعدد منابعها؛ حتى ليُخيل إليَّ أننا لو جمعنا كل كتبه ورسائله، ووزعنا ما فيها، ورتبناها على الحروف الأبجدية، لخرج لنا من ذلك دائرة معارف تمثل أصدق التمثيل معارف العصر العباسي الأول.
دائرة معارف تشمل الرجال، والأدب، والبلاغة، وعلوم الدين، والتاريخ، والطبيعة، والكيميا، والفلسفة، واللاهوت، والاجتماع، والاقتصاد، والصناعة، والتجارة، والحيوان، والنبات، والفن، والفكاهة، ولعله لا ينقصها إلا الرياضة: «الحساب، والجبر، والهندسة»؛ فيظهر لي أنه قصر فيها تقصير المعلم الأول (أرسطو).
وظل يُحصل هذه المعلومات المتنوعة المختلفة وينشرها قرنًا كاملًا تقريبًا، وقد منحه الله ذكاءً نافذًا وصبرًا غريبًا، وذهنًا لاقطًا، وحافظة أمينة، وزمنًا مباركًا، فتيسر له من ذلك كله ما لم يتيسر لأحد غيره في عصره.
ولكن كيف حصَّل هذه المعارف وما هي الوسائل التي انتهجها في تحصيلها؟
لقد بدأ يأخذ العلم عن شيوخ عصره: (?) فكان في فجر عهده بالتعليم ثلاثة نجوم لامعة في اللغة والأدب: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو زيد الأنصاري، وكان لكل منهم ظاهرة.فأما الأصمعي فكان عالمًا واسع العلم باللغة، وواسع العلم بالشعر العربي، يحفظ الكثير من قصائده وأراجيزه، له نغمة لطيفة في إنشاده، وكان فوق ذلك يعرف مُلَح العرب ونوادرهم وفكاهاتهم، يُنادم الخلفاء والأمراء بها فيُضحكهم وينال من عطائهم.وكان أبو عبيدة لا يصل إلى درجة الأصمعي في اللغة والشعر والنوادر، ولا كان خفيف الروح خفته، ولكن كان واسع العلم بأنساب العرب، يعرف القبائل وتسلسلها ومثالبها ومفاخرها؛ وكان واسع العلم بأيام العرب، وما كان بين قبائلها من حروب، ومن انتصر ومن انهزم؛ وكان يعرف أخبار الأمم وأحداثها التاريخية؛ وكان فوق ذلك رجلًا داهية ماكرًا أميل إلى النزعة الشعوبية.وأما أبو زيد الأنصاري فكان رجلًا طيب القلب أولع بغريب اللغة، وكان ثقة صادقًا، يتحرى في روايته وعلمه أكثر مما يتحرى الأصمعي وأبو عبيدة، ويُسميه سيبويه الثقة، فإذا قال: حدثني الثقة فإياه يعني، ويصفه الجاحظ في كتاب الحيوان بما يُفهم منه أنه ثقة وليس بناقد، فما يحكيه فهو صادق في حكايته، ولكنه حاطب ليل، يروي ما يسمع ولا يعرضه للامتحان.•••
هؤلاء الثلاثة هم مثقفو الجاحظ في ناحية من ثقافته، أعني ثقافته اللغوية والإخبارية، والأدبية، وقد تشرب منهم جميعًا، وأخذ ما عندهم وتأثر بأرواحهم، فلعل روح الأصمعي الفكهة المضحكة المسامرة شعت على تلميذه الجاحظ فكاهة ودعابة، وقد توسع فيها بما تمده طبيعته وطبيعة عصره، وأخذ من أبي عبيدة مكره ودهاءه مع سعة علمه؛ فكان واسع الحيلة واسع العلم يستطيع أن يكتسب رضاء الوزيرين المتعاديين على التعاقب، ابن الزيات وابن أبي دؤاد، ثم يظهر أنه لم يأخذ من أبي زيد إلا علمه بغريب اللغة، وقد أهمل غفلته فلم يتأثر بها ولم تُوائم نفسه.
(?) وأخذ الجاحظ النحو على أبي الحسن الأخفش، وكان الجاحظ تلميذه وصديقه، والأخفش — هذا — كان المرجع الأوحد في كتاب سيبويه، فعنه روى ومنه أخذ، وكل الطرق التي رُوي فيها كتاب سيبويه ترجع آخرًا إلى الأخفش، وكان الأخفش من أعلم الناس بطرق الكلام والجدل، يُناظر الكسائي فيفحمه، فيتقيه الكسائي بالمال يبذله له، فأفاد الجاحظ منه نحوه وطرقًا من جدله وأساليبه في الإفحام.
(?) وأتم الجاحظ ثقافته اللغوية والأدبية في «المربد»، وهو — كما رأينا — مجمع الشعراء ومصدر اللغة والأدب.فكان الجاحظ يرحل إليه و«يتلقف منه الفصاحة» كما يقول «ياقوت»، فتم له بذلك اللغة والأدب بالمشافهة وبالأخذ عن العلماء.
(?) وله ناحية أخرى دينية، من ذلك أنه تثقف في الحديث فأخذ عن بعض رجاله، وقد حكى في كتاب الحيوان أنه كان يخرج سحرًا في طلب الحديث، وحكى أنه وقعت له موقعة مع عدة كلاب ضخام نبحته في السحر.وكان من أهم شيوخ الجاحظ في الحديث «حجاج بن محمد المصيصي» وهو محدِّث كبير من أكبر تلاميذ ابن جريج ومن أكبر شيوخ أحمد بن حنبل، وكان حجاج شيخًا ثقة صدوقًا، مات سنة ???هـ ثم اختلط عقله في آخر عمره فكان يقول: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عيسى بن مريم عن خيثمة، فنُهي المحدثون عن الأخذ عنه، وقد روى الجاحظ عنه بعض الأحاديث، وقصد الجاحظ بعض المحدثين لأخذ الحديث عنه مثل ما روى: «حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال: دخلت على عمرو بن بحر الجاحظ، فقلت له حدثني بحديث فقال: «حدثنا حجاج بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ?: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، كما كان من شيوخ الجاحظ أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وقاضي الرشيد، فقد روى عنه الجاحظ بعض الحديث.
(?) ثم تثقف ثقافة الاعتزال، وكان أهم أستاذ له في ذلك «النظام»، وثقافة الاعتزال أوسع الثقافات برنامجًا، فقد كان الاعتزال يتطلب من رجاله مطالب عسيرة، يتطلب:(أ) علمًا واسعًا بالديانات الأخرى من يهودية ونصرانية ومجوسية ومانوية وغيرها؛ لأن المعتزلة نصبوا أنفسهم للدعوة إلى الإسلام، ورأوا أنه لا يتيسر لهم ذلك على الوجه الأكمل إلا بمعرفة دقيقة بدينهم وبدين غيرهم، والاستعداد التام للدخول في الجدل والمناظرة دفاعًا وهجومًا، فعرفوا الأديان الشائعة في عصرهم وعرفوا مواضع المهاجمة فيها، وتسلحوا بأسلحة خصومهم.(ب) واضطرهم ذلك إلى معرفة الفلسفة اليونانية؛ لأن خصومهم من اليهود والنصارى، كانوا قد اتخذوها أداة للدعوة إلى دينهم، والنصرة على خصومهم فتسلحوا بالمنطق والميتافيزيقا الأرسططاليسية.وكانت فلسفة أرسطو فيها دراسة للحيوان فدرسوه، وفيها طبيعة فدرسوها، وفيها سياسة فنظروا فيها؛ ولكنهم صبغوا ذلك كله بروحهم الديني، فإذا بحث أرسطو في الحيوان بحثًا مجردًا بحثها المعتزلة للدلالة على قدرة الله وعلى إبداعه، واتخذوا منها دليلًا على بطلان الإلحاد وفساد الشرك، فقائلهم بشر بن المعتمر يقول القصائد الطوال في الحيوان وعجائبه ويختم ذلك بقوله:سبحان رب الخلق والأمرومنشر الميت من القبرفاصبر على التفكير فيما ترىما أقرب الأجر من الوزروأرسطو نظر في الطبيعة نظرًا علميًّا بحتًا، ونظر فيها المعتزلة نظرًا علميًّا ودينيًّا معًا:لو فكر العاقل في نفسهمدة هذا الخلق في العمرلم ير إلا عجبًا شاملًاأو حجة تُنقش في الصخر(جـ) بل نظروا إلى الفرق الإسلامية الأخرى كما نظروا إلى غير المذاهب الإسلامية فجادلوهم وخاصموهم واحتجوا عليهم بالقرآن كما احتجوا على أرباب الأديان بالعقل.كل هذا دعاهم إلى أن يتثقفوا ثقافة في منتهى السعة، ثقافة في الإسلام نفسه، وثقافة في الأديان الأخرى، وثقافة فلسفية في المنطق واللاهوت والطبيعة والكيميا والحيوان والنبات وغير ذلك.قالوا بسلطة العقل وقال قائلهم:لله در العقل من رائدوصاحب في العسر واليسروحاكم يقضي على غائبقضية الشاهد للأمرفنازلهم رجال النقل فاستعدوا لهم:وقالوا بالإيمان والتوحيد، فنازلهم رجال الإلحاد والشرك فاستعدوا لهم، وهكذا كثرت خصومهم فكثر استعدادهم وكثرت أسلحتهم، فاتسعت ثقافتهم إلى أقصى حد.وكان الجاحظ من رجالات المعتزلة البارزين، فكان رأسًا في المعتزلة فكان لا بد أن يكون رأسًا في الثقافة.
(?) هذا كله نمط واحد من نمط ثقافة الجاحظ، وهو الأخذ عن المشايخ كل في فنه، فاللغة على رجالها، والحديث على رجاله، والاعتزال على أئمته، وكان له منبع آخر من الثقافة وهو اعتماده على الكتب يقرؤها بنفسه لنفسه، وكان العلماء؛ إذ ذاك يكرهون من يأخذ العلم عن الكتب ولا يثقون به ويسمونه الصحفي؛ أي: أنه يأخذ العلم عن الصحيفة لا عن الأستاذ، ولكنه لا عيب في ذلك بعد النضوج وأخذ الأصول عن المشايخ.وقد عكف الجاحظ على قراءة الكتب وصبر عليها واستفاد منها فوائد لا تُحصى، قال أبو هفان: «لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان؛ حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر.».غرام بالعلم غريب يحمله على أن يستأجر المكتبة من صاحبها ثم يسهر عليها لياليه ليستوعب ما فيها.
(?) ومنبع ثالث من منابع ثقافته يستخدمه الجاحظ أحسن استخدام وأدقه وأوسعه، ولا أعلم له في ذلك نظيرًا ممن قبله أو عاصره؛ ذلك أنه أنغمس في الحياة الواقعية واستفاد منها ما أمكنه، وجعل منها موضوعات لأدبه؛ فإن كان سقراط قد استنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، فالجاحظ قد استنزل الأدب من السماء إلى الأرض.كل شيء يقع تحت حسه موضع لدرسه وموضع لأدبه؛ فالحيوانات والنباتات، والصناع والصنائع والمجتمعات والفكاهات، والرحلات والكرماء والبخلاء والأغبياء والأذكياء؛ وعلى الجملة كل شيء وقعت عليه ملاحظته، فكأنه منح من الحواس، ما لم يمنحه الناس.دقت ملاحظته في طبائع الأشياء وفي نفوس الناس وفي طبيعة المجتمعات فاستخرج من كل ذلك أدبًا، على حين أننا نقرأ أدباء عصره كابن قتيبة وغيره فلا نكاد نجدهم يمسون حياتهم الواقعية في شيء.يُجرب بنفسه في كل حقير وجليل، ويُمعن في التجربة، ويصوغ ذلك كله أدبًا جميلًا.•••
ففي الأمور الطبيعية — مثلًا — يُراقب الديك هل إذا كان وحده في قرية يصيح أو لا يصيح، ليعلم هل يصيح الديك بالتجاوب أو بطبيعته، ويُراقب الدجاج هل تكثر أفراخها إذا كثر عددها أو تقل أفراخها، ويبحث في الخيرى (وهو النبات المعروف عندنا بالمنثور) لماذا ينضم ورقه بالليل وينتشر بالنهار.ويلاحظ قتالًا بين قط وفأر كان عنده في بيت الحطب، وانجلت المعركة عن هرب الفأر بعدما فقأ عين القط.ويُراقب بَرْنِيَّة زجاج فيها عشرون عقربًا وعشرون فأرًا، وما نتيجة لسع العقرب للفأر وكيف ورم، ويُريد أن يغرس الأراك في بيته على النمط الذي حكوه في زراعته ليُجرب قوله بنفسه.ويذهب إلى أهل الحرف المختلفة يسألهم عن معلوماتهم في اختصاصاتهم فيقول: «سألت بعض العطارين من أصحاب المعتزلة عن فأرة المسك فقال: ليس بالفأرة وهو بالخشف أشبه، ثم قص عليَّ شأن المسك وكيف يُصنع.» ويذهب إلى الحوائين ويسألهم عن معلوماتهم في الحيات، ويقرأ في كتاب الحيوان لأرسطو أن ريح السَّذَاب يشتد على الحيات فيذهب الجاحظ ويُحضر أفعى ويلقي عليها السذاب ثم يقول: «فما كان السذاب عندها إلا كسائر البقل.» إلى كثير من أمثال ذلك.ومن الناحية النفسية — مثلًا — يبحث في مناغاة الطفل للنار ويقول:«إن الطفل لا يُناغي شيئًا كما يُناغي المصباح، وتلك المناغاة نافعة له في تحريك النفس فتهيج الهمة وتبعث على الخواطر في فتق اللهاة وتشديد اللسان والسرور الذي له في النفس أكرم أثر.» ويصف شعوره الدقيق بالجمال فيقول: «إنه إذا رأى الديك والدجاجة أو الذئب أو الكلب تشرب الماء وكان عطشان يذهب عطشه من قبح شرب هذه الحيوانات، وإذا رأى شرب الحمام وكان ريان يشتهي أن يكون في ذلك الماء معه لجمال حسنه.» إلى كثير من أمثال ذلك أيضًا.ويبحث في الغَيرة عند الرجل هل هي طبيعية فيه أو هي شيء تصطنعه المدنية، وما الفرق بينها وبين الأنفة والحمية.وأما الناحية الاجتماعية فقد أبدع فيها كل إبداع؛ يصف نوادي القمار، والخاطبات بين النساء والرجال، وحياة الفتيان، وطمع النجار، وطائفة المعلمين والمغنين، والشرب والشراب، إلى ما لا يُمكن أن يُستقصى.وقد منحه الله عمرًا طويلًا ولسانًا كذلك طويلًا، فما أكثر ما جرب، وما أجود وصفه لتجاربه.
(?) وقد ساعده على هذه التجارب تنقله في أوساط اجتماعية مختلفة؛ فهو ناشئ فقير يبيع الخبز والسمك في الأسواق ليكسب قوته، ويكسب بجانب ذلك دراسته العملية للأسواق، وهو في حلقة الدروس بين رجال علم وأدب ورجال دين؛ ثم هو كاتب في ديوان الرسائل مختلط بأهل الديوان، يعرف أخبارهم ومناحيهم في الحياة، ثم هو نديم للوزير ابن الزيات يُسامره ويُؤاكله ويقع تحت نظره كل صنوف الحياة الأرستقراطية، ويتصل بالفتح بن خاقان أقرب المقربين إلى المتوكل: ويشهد العداء الحار بين الوزيرين ابن الزيات وابن أبي دؤاد ويكتوي بنار الخصومة بينهما، ويُقبض عليه ويُوضع في القيد، ثم يُطلق سراحه بدهائه، كل هذا أطلعه على جوانب الحياة من ألفها إلى يائها.ثم يرحل من البصرة إلى بغداد، ومن بغداد إلى دمشق وحمص، ويدرس البلد الذي يرحل إليه في عمق، حتى براغيث حمص والفرق بينها وبين براغيث العراق، وحتى لا يجد في حمص عقارب فيتساءل عن سبب ذلك، فيقولون له: إن بها طلسمًا يمنع من وجود العقارب بها، فلا يرضيه هذا التعليل، ويُعلله باحتمال وجود حيوانات بها تهرب منها العقارب، أو عدم صلاحية الجو لها أو نحو ذلك.كل هذا إذا كان أمام عقل جبار كعقل الجاحظ، وقلم متدفق كقلم الجاحظ أخرج لنا ثروة ضخمة هائلة كثروة الجاحظ.
(?) تثقف الثقافة العربية أدبية ودينية فشرب منها حتى الثمالة، وتثقف الثقافة الفارسية الأدبية منها والدينية؛ وعرف لغتها فنقل منها الكلمات والجمل بنصها في كتبه، وأخذ يُفسر معانيها، وتثقف اليوناينة ونقل منها فيما كتب في حيوان وفلسفة وطب وفراسة، وحتى حكى عنهم حكاية الممرورين منهم، ومزج ذلك كله مزجًا غريبًا لا كمزج الماء بالزيت ولكن كذوب السكر في الماء، وأخرج من ذلك شرابًا حلوًا سائغًا للشاربين.يعرض للموضوع فيحكي فيه قول العربي الجاهلي، ويتبعه بقول أرسطو الفيلسوف اليوناني، ثم قد يتبعه بقول المجوس الفارسي، وقد يقف بعد ذلك يقص تجاربه الشخصية، ويُحكِّم الواقع والتجارب في كل ما قالوا، وينتهي من ذلك كله إلى نتيجة يحسن السكوت عليها.في العلماء من استطاع أن يختزن ويملأ مخازنه بالسلع ثم لم يستطع بعد ذلك أن يعرض سلعه على جمهور الناس، فهو وخالي المخازن سواء، كلاهما لا يستفيد منه الجمهور شيئًا، أما الجاحظ فقد وفق في الحالين جميعًا، وفق في التحصيل حتى امتلأت مخازنه، ووفق في العرض حتى اجتذب الجماهير، فكان كالتاجر الماهر في الإعلان عن سلعه، الماهر في كيفية عرضها على الأنظار، ووُفق في القانون الذي وضعه هو؛ إذ قال: «وينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي اللسان عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يُكلم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة.» ولذلك رُزق الحظوة عند القراء وبلغت شهرته الآفاق، قال رجل لأبى هفان: لم لا تهجوا الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلي يُخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة.فثقافته التي ثقفها قد هضمها وأخرجها للناس خيرًا مما أخذها، أخذها متفرقة وأخرجها مجتمعه، أخذها من منابع مختلفة وعرضها في جدول واحد، أخذها مادة لا حياة فيها، وأخرجها مادة حية بنفسه، حية بآرائه وفكاهته، حية باختياره الموضوعات المناسبة للقول؛ فيثير عواطف السامعين ويزيد انتباههم.
لقد اتجهت تآليفه اتجاهات متعددة، ووسعت مواضيع شتى سعة من جنس سعة ثقافته.
فقد عد له ياقوت في معجم الأدباء نحوًا من ??? كتابًا لا أمل القارئ بتعداد أسمائها، ولكن أعرض في سرعة بعض موضوعاتها: فهو يؤلف في التاريخ ككتابه في الإمامة، وكتاب تصويب عليٍّ في تحكيم الحكمين … إلخ، بل يُؤلف في فلسفة التاريخ، فله كتاب اسمه «كتاب الأخبار وكيف تُجمع».
ويُؤلف في الرد على المخالفين وفي الفِرق، ككتابه في الرد على النصارى والرد على اليهود، وكتابه في الزيدية والرافضة.
ويُؤلف في الأخلاق، كرسالته في الحاسد والمحسود، ورسالته في كتمان السر، ورسالته في الكرم.
ويُؤلف في الحيوان، ككتابه المشهور، وفي النبات ككتابه المسمى كتاب الزرع والنخل.
ويُؤلف في نظرية المعرفة ككتابه المسمى «كتاب المعرفة»، وكتابه في الرد على أصحاب الإلهام.
ويُؤلف في البلاغة والأدب، كالبيان والتبيين، وكتاب صناعة الكلام.
ويُؤلف في الاجتماع بأوسع معانيه، ككتابه في المعلمين، وفي الفتيان، وفي اللصوص، وفي الجواري، والمحامين (الوكلاء والموكلين)، والصناعات، وغش الصناعات، وذوي العاهات، والنساء، والسود والبيض، والصرحاء، والهجناء، والعرجان والبرصان.
ويُؤلف في الاقتصاد، مثل كتابه تحصيل الأمول؛ وكتابه في الخراج.
ويُؤلف في الجغرافيا كتاب البلدان؛ ولا يفوته الطب، فيُؤلف كتابه في نقض الطب.
•••

هذه بعض نواحيه، وهي في منتهى السعة والتعدد.
نعم إنه غلب عليه في معالجة هذه الموضوعات الناحية الأدبية لا الناحية الفنية أو العلمية الصرفة، فهو يُؤدب كل شيء تكلم فيه حتى الزرع والنخل، والأسد والثعلب، ولكن شأنه في ذلك شأن علماء العصر الحاضر أرادوا أن يقطروا العلم للجمهور فأدبوه وجعلوه في شكل قصة، وفي أسلوب أدبي مشوق، فقد فعل الجاحظ قبل أحد عشر قرنًا ما نحاول عمله اليوم من مزج العلم بالأدب، وقد كان الأدب قبله في كثير من أنواعه ليس إلا شقشقة لفظية.
ثم نقل حدود الأدب إلى أبعد مدى، فبعد أن كان الأدب مقصورًا على الأقوال اللبقة الجميلة جعله شاملًا لكل موضوعات الحياة.
رحم الله الجاحظ، فقد تثقف فأجاد في ثقافته، وعرض معارف الناس لوقته فأجاد في عرضه.
(?) الفتوة في الإسلام

لكل كلمة تاريخ يُشبه تاريخ الرجال وتاريخ النظم السياسية، وتاريخ الكلمات قد يكون معقدًا ملتويًا غامضًا، كما يحدث في غيره من أنواع التاريخ، فيجتهد الباحث في استعراض النصوص الكثيرة في العصور المختلفة، ليستخلص مها تقلبات الكلمة في أوضاعها المختلفة؛ وهذا ما أُحاوله في كلمة الفتى والفتوة.
الفتوة؛ معناها في الأصل الشباب، قالوا: فَتِيَ يَفْتَى؛ أي: صار شابًّا، وقالوا: هو فَتِيُّ السن بَيِّن الفَتَاء، وقد ولد له في فتاء سنه أولاد؛ أي: في شبابه، وأصل كلمة فتًى مصدر فَتِىَ فتًى كمرح مرحًا، ثم جُعلت وصفًا فقيل: هو فتى؛ أي: شاب، وجمعوا الفتى على فتيان وفتو وفتية، والاسم من ذلك كله الفتوة??، ووصفوا بالفتوة الحيوان والإنسان فقالوا: إن الأفتاء من الدواب خلاف المَسَان، وقالوا للشاب فتى، وللشابة فتاة. ثم نراهم نقلوا الكلمة نقلة أخرى، فاستعملوها لا للدلالة على القوة، فقد يكون الشاب ضعيفًا فاتر القوى ويسمى بالوضع الأصلي شابًّا وفتى، فاستعملوها للدلالة على القوة؛ لأن الشباب عنوان القوة، قال ابن قتيبة: ليس الفتى بمعنى الشباب والحدث، إنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال، يدل على ذلك قول الشاعر:
إن الفتى حمال كل ملمةٍليس الفتى بمُنَعَّم الشبان ويقول آخر:
يا عز هل لك في شيخ فتى أبداوقد يكون شباب غير فتيان فالفتوة — على هذا — معناها القوة؛ لأن الشباب مصدرها عادة، ومن هذا المعنى — على ما يظهر — تسميتهم الليل والنهار باسم الفتيان، ومن أقوى من الليل والنهار في إذلال كل عزيز وإضعاف كل قوي؟ ومنه قول الشاعر:
ما لبث الفتيان أن عصفا بهمولكل قُفْلٍ يَسَّرَا مفتاحا ثم مَن أحق منهما بأن يسميا فتيين، وقد سُمِّيا قبل بالجديدين؟ ففتوة الناس مرحلة قصيرة المدى، وفتوة الليل والنهار متجددة أبدًا.
ثم رأيناهم نقلوا معنى الفتى نقلة ثالثة، من ذلك ما قال الجوهري: الفتى السخي الكريم، وقال الزمخشري في الأساس: الفتوة هي الحرية والكرم.
قال عبد الرحمن بن حسان:
إن الفتى لفتى المكارم والعلاليس الفتى بمُغَمْلَج الصبيان فكأنهم في هذا لاحظوا المعنى أكثر مما لاحظوا المادة، لاحظوا المعاني التي تُكسب صاحبها القوة المعنوية من حرية وكرم أكثر مما لاحظوا القوة الجسمية، وهذا — عادة — هو ما يحدث في الأوصاف، كالشجاعة، كانت لا تُطلق إلا على القوة البدنية، ثم لما أمعن الناس في الحضارة اخترعوا ما سموه الشجاعة الأدبية، يعنون بها الجهر بالحق مع التعرض للأخطار.
وفي هذه النقلة يظهر أن الكلمة أصبحت خاضعة للبيئات المختلفة، تُلبسها كل بيئة ما تنشده المثل الأعلى للفتى، فطرفة يرسم لنا صورة للفتى كما يتصورها هو وبيئته فيقول:
إذا القوم قالوا من «فتى» خِلت أننيعُنيت فلم أكسل ولم أتبلدأحلتُ عليها بالقطيع فأجذمتوقد خبَّ آل الأمعز المتوقدفذالت كما ذالت وليدة مجلسترى ربها أذيال سحل ممددولست بحلال التلاع مخافةًولكن متى يسترفد القوم أرفدفإن تبغني في حلقة القوم تلقنيوإن تلتمسني في الحوانيت تصطدوإن يلتق الحي الجميع تُلاقنيإلى ذروة البيت الشريف المصمد فهو يقول: إذا ما سأل القوم عن «فتى» ينجدهم في الملمات لم يجدوا الفتوة متوافرة فيَّ أحد توافرها في، ثم علل استيفاءه للفتوة بأنه سرعان ما يهوي إلى ناقته يضربها بالسياط، لتسرع في السير للإنجاد، فتتبختر في مشيتها كما تتبختر سيدة ترقص بين يدى سيدها، هذه أولى الصفات.
وثانية، وهي أنه لا يلجأ إلى التلاع مخافة حلول الأضياف، فهو واسع الرحب في قرى الضيوف؛ كما هو سريع النجدة في قتال الأعداء، وهو — إلى ذلك — في حياته جاد هازل يدلي برأيه بين عظماء القوم عندما يجد الجد؛ لأنه شريف النسب عالي الحسب، فإذا فرغ الجد ودعا داعي اللهو فهو في الحانات يشرب، وندماؤه أحرار كرام تتلألأ ألوانهم وتشرق وجوههم وتغنيهم مغنية لابسة بردًا أو ثوبًا صُبغ بالزعفران، فالفتوة في نظره ونظر أمثاله شجاعة وكرم وإتلاف للمال في الجد والهزل وعدم الاعتداد بالحياة في سلم أو حرب، وقد شرح هذه الخصال بعدُ في قوله:
ولولا ثلاث هن من عيشةوجدِّك لم أحفل متى قام عوَّدي … إلخ.
أما زهير الحكيم الرزين الوقور فيرى رأيًا غير رأي طرفة الشاب الغر اللاهي، فهو يرى أن الفتى إنما هو من استكمل الفصاحة في لسانه، والقوة في حنانه، وأن الشيخ لا أمل فيه للإصلاح، وأن الفتى هو موضع الأمل في الصلاح:
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادهفلم يبق إلا صورة اللحم والدموأن سفاه الشيخ لا حلم بعدهوأن الفتى بعد السفاهة يَحْلُم وعلى كل حال فطرفة وزهير يتفقان في أن من صفات الفتى الشجاعة وقوة القلب، وأن الفتوة وصف من أوصاف الشباب، ويختلفان في أن طرفة يرى من الفتوة اللهو والاستمتاع بالحياة، وزهيرًا يرى الفتوة في الجد والعقل والفصاحة، ومصدر الخلاف أن طرفة كان فتى تتملكه العاطفة، وزهيرًا كان شيخًا رزينًا حكيمًا مجربًا، وربما ظل النظران في الإسلام كما كانا أيام طرفة وزهير كما سنرى.
وعلى كل حال فقد استعملت كلمة الفتى في الجاهلية مطلقة ومضافة، فإذا أُضيفت تعين مدلولها مدحًا وذمًّا، فقد يقولون: فتى صدق، وفتى سوء، قال مسكين الدارمي:
وفتيان صدقٍ لست مطلععلى سر بعضٍ غير أني جِمَاعُها وقال المرار بن منقذ:
وكائن من فتى سوء تراهيُعلك هجمة حُمْرًا وجُونَا?? وإذا أُطلق استعمل في المدح، وأكثر ما يدل على الشباب والشجاعة والكرم.
ولم يكن للفتوة نظام كالذي عُرف بعدُ في الإسلام، وكل ما نراه أنهم يستعملون — مثلًا — «فتيان القبيلة» يعنون بها شبانهم الأبطال، فيقولون: فتيان قريش، وفتيان تميم، قال المرار بن منقذ:
وأنا المذكور من فتيانهابفعال الخير إن فعل ذكرأعرف الحق فلا أنكرهوكلابي أنس غير عقرلا ترى كلبي إلا آنساإن أتى خابط ليل لم يهر وقال المُزَرِّد:
وقد علمت فتيان ذبيان أننيأنا الفارس الحامي الذِّمَار كذلك لا نعلم لباسًا خاصًّا للفتيان، ولكن رُوي لنا أن أبطال العرب في الحروب كانوا يتخذون لهم شعارًا، قال الحصين بن الحمام:
بآية أني قد فجعت بفارسٍإذا مَرَّدَ الأقوام أقدم معلما وفسروا «المعلم» بأنه الذي يجعل لنفسه علمًا في الحروب يُعرف به، يفعل ذلك ليُعرف فيثبت ولا ينهزم مع من انهزم، لخوف العار إذا انهزم بعد أن عُلم، وقد رووا أن حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم بدر أعلم نفسه بريش نعامة، فقال بعض المشركين: من المعلم بريش نعامة، فقيل: حمزة، فقال: «ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل.».
واستعمل القرآن «فتى» وصفًا لإبراهيم (?): قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، واستعمله وصفًا لأهل الكهف: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ؛ وقد فُسر في الموضعين بالشباب، وقد جاء الإسلام باستعمال خاص لكلمة فتى، ذلك أنه لم يرض أن يُسمى الرقيق المملوك عبد فلان وأمة فلان، وكره العبودية تضاف لغير الله، فاختار لهما اسمًا محبوبًا وهو الفتى والفتاة، جاء في الحديث: «لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل فتاي وفتاتي»، وعلى هذا المعنى ورد قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِفَتَاهُ، وقوله: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ، وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ.
وأُطلقت الكلمة على الرقيق حتى سئل أبو يوسف عمن قال: «أنا فتى فلان»، فقال: هو إقرار منه بالرق، وكأنه اختير خير الألفاظ الدالة على الحرية للدلالة على الرق طلبًا لحسن معاملة الرقيق، حتى فيما يطلق عليهم من لفظ.
ولكن ظلت كلمة الفتى تُستعمل في المعنى الأول، وهو الشجاعة والفروسية في الشباب، فقالوا: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي»، وكان علي كما جاء في الإصابة «قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام».
ولما مات مخلد بن يزيد بن المهلب، وهو ابن سبع وعشرين سنة، وكان شهمًا نبيلًا، صلى عليه عمر بن عبد العزيز، ثم قال: اليوم مات فتى العرب، وقال يزيد بن مفرغ:
فالهول يركبه الفتىحذر المخازي والسآمهوالعبد يُقرع بالعصاوالحر تكفيه الملامه ونجد في العهد الأموي أمرًا يستوقف النظر، فقد ذكر الأغاني في ترجمة حنين الحِيرى كلمات في الفتوة تستحق الإمعان، وكان حنين هذا مغنيًا نصرانيًّا من الحِيرة، وكان في أيام هشام بن عبد الملك، ومن شعره الذي كان يُغني به:
أنا حنين ومنزلي النجفوما نديمي إلا الفتى القصفأقرع بالكاس ثغر باطيةٍمترعةٍ تارةً وأغترفمن قهوةٍ باكر التجار بهابيت يهودٍ قرارها الخزفوالعيش غض ومنزلي خصبلم تغذني شقوة ولا عنف فقال فيه صاحب الأغاني: «كان حنين غلامًا يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان لطيفًا في عمل التحيات??، فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت «الفتيان» ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين إلى الحيرة، ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه، استحلوه وأقام عندهم، وخفَّ لهم، فكان يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه، ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه.». وقال في موضع آخر عن حنين فيما حكى عن نفسه: «خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها، وأرتاد من أستفيد منه شيئًا، فسألت عن «الفتيان» بها وأين يجتمعون، فقيل لي: عليك بالحمامات، فجئت إلى أحدها فدخلته فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت وأخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا وخرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم؛ فلما قعدنا أُتينا بالطعام فأكلنا، وأُتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: هل لكم في مغنٍّ يغنيكم؟ قالوا: ومن لنا بذلك.» … إلخ.
هذان النصان يُستفاد منهما: (?) أن هناك فئة تُسمى الفتيان كانوا في الحيرة وكانوا في حمص، ولا بد أنهم كانوا في غيرهما، ولكن لم تأت مناسبة تستدعي ذكر غيرهما.
(?) وأن هؤلاء الفتيان ليسوا كل شباب، وإنما نوع خاص منهم يظهر من عبارته أنهم من المياسير، وممن لهم حظ في السماع والشراب وما إليهما.
(?) وأنهم كان لهم مجتمعات خاصة يُعرفون فيها بالبلدة، يسأل عنها الغرباء أمثال حنين الفتى المغني فيقصدهم لقضاء أيام بينهم؛ فهؤلاء الفتيان يضيفون حنينًا وأمثاله، ويُقدمون إليهم ما يحتاجون له من مأكل ومشرب ومبيت، ويقضون أوقاتهم في حديث وسماع.
يُضاف إلى ذلك أن أنواعًا من الفروسية عُني بها الشباب في العهد الأموي كعنايتهم بالصيد وتربية الحيوانات المعلمة يطلقونها على الصيد، فقد روى الفخري: «أن يزيد بن معاوية كان أشد الناس كلفًا بالصيد لا يزال لاهيًا به، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبدًا يخدمه.»?? كما أخذوا عن الفرس اللعب بالبندق، وهو كرات صغيرة من طين أو حجر أو رصاص يُرمى بها عن قوس لصيد الطير أو نحوه، وسموه أيضًا الاسم الفارسي وهو الجلاهق، وليس ببعيد أن تتصل ألعاب الفروسية هذه بالفتوة، ولكن على كل حال لا تزال النصوص التي بين أيدينا عن مدلول الفتوة في هذا العصر قاصرة. إذا انتقلنا بعد ذلك إلى العصر العباسي وجدنا كلمة «الفتوة» استعملت في أربعة معانٍ: فأولًا: كانت تستعمل للدلالة على المروءة من نبل وكرم وما إليهما، من ذلك ما جاء في كتاب أدب النديم لكُشَاجِم: «أن رجلًا من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر دعاه للطعام عنده، دعوة احتفل لها، فلما حضر محمد طالبه بالطعام فمطله، ليتكامل ويتلاحق على ما أحبه من الكثرة والحفلة، حتى تصرم أكثر النهار؛ ومس محمدًا الجوع، فتنغص عليه يومه، وأراد محمد السفر فشيعه هذا الرجل حتى إذا دنا منه ليودعه قال له: «أيأمر الأمير بشيء؟»؛ قال: «نعم! تجعل طريقك في عودتك على محمد بن الحارث، فاسأله أن يعلمك الفتوة» فمضى حتى دخل إلى محمد فقال له: «بعثني إليك الأمير لتعلمني الفتوة»؛ فضحك وقال: «يا غلام! هات ما حضر»، فأتى بطبق كبير عليه ثلاثة أرغفة من أنظف الخبز وأنقاه، وسكرجات وخل وملح من أجود ما يُتخذ من هذه الأصناف، وابتدأ يأكل، فجاءته فضيلة باردة من مطبخه وتداركها الطباخ بطباهجة وأحدث له بعض فنجان جام حلوًا، فانتظم له أكل خفيف ظريف في زمان يسير وبغير احتشام وانتظار.».فهو يستعمل الفتوة في الكرم في سماحة من غير تكلف، ومن هذا القبيل ما قاله أبو البلهاء في يزيد بن مزيد الشيباني يرثيه:نعم الفتى فجعت به إخوانهيوم البقيع حوادث الأيامسهل الفناء إذا حللت ببابهطلق اليدين مؤدب الخداموإذا رأيت صديقه وشقيقهلم تدر أيهما ذوو الأرحام
وثانيًا: نرى الصوفية استحسنت كلمة «الفتوة» وما تدل عليه من معاني النُّبل والسماحة، فأدخلته في معجم كلماتها وعدته من فضائلها، وأول ما نجد ذلك في الرسالة القشيرية، فقد عقد القشيري بابًا سماه «باب الفتوة» بجانب باب الحياء والصدق والحرية، وقال في تعريفها: «أصل الفتوة أن يكون العبد ساعيًا أبدًا في أمر غيره.» ونقل عن الفضيل أنه قال: «الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان.» وقال بعضهم: «الفتوة ألا ترى لنفسك فضلًا على غيرك.» وجروا على عادتهم في الأدب الرمزي فقالوا: «إن إبراهيم سُمي في القرآن فتى؛ لأنه كسر الصنم، وصنم كل إنسان نفسه، فالفتى في الحقيقة من خالف هواه ونفسه.»، وهكذا أحيا الصوفية كلمة «الفتوة» ونقلوا عن كبارهم كلمات فيها، فالحارث المحاسبي يقول: «الفتوة أن تَنصف ولا تُنصف.»، وقال غيره: «الفتوة إظهار النعمة وإسرار المحنة.»، وسئل أحمد بن حنبل: ما الفتوة؟ قال: «ترك ما تهوي لما تخشى … إلخ.»، ولهم في ذلك الحكايات الظريفة في الفتوة كعادتهم، من ذلك أن صوفيًّا تزوج امرأة ثم ظهر عليها الجدري قبل الدخول بها، فتعامى الصوفي حتى لا يجرح شعورها، فلما ماتت فتح عينيه، فقيل له في ذلك؛ فقال: «لم أعم، ولكن تعاميت حذرًا من أن تحزن»؛ فقيل له: «سبقت الفتيان»، ومن ذلك ما حكوه أن إنسانًا يدَّعي «الفتوة» خرج من نيسابور إلى بلدة نسا بخراسان، فاستضافه رجل ومعه جماعة من الفتيان، فلما فرغوا من أكل الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم، فأبى الفتى النيسابوري وقال: «ليس من الفتوة أن تصب النساء الماء على أيدي الرجال».وحكوا أن جماعة من الفتيان زاروا فتى، فدعا غلامه ليقدم الأكل لهم، فأبطأ الغلام، فسأله الرجل: «لم أبطأت؟» فقال الغلام: «كان عليها نمل، فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل فيها، ولم يكن من الفتوة طرد النمل عن السفرة، فلبثت حتى دب النمل»؛ فقال له صاحب البيت: «قد دققت يا غلام في الفتوة».ولبث الصوفية بعد ذلك يتجادلون جدالًا ظريفًا في تفسير كلمة الشيخ، هل عاب على الغلام أو مدحه؟ وهل هذا العمل من الفتوة أو لا؟ وهل الخوف من إيذاء النمل بالطرد يجب أن يُراعى ولا يُراعى الخوف من إيذاء الضيوف بالانتظار؟ إلى غير ذلك.وعقد الشيخ محيي الدين بن العربي فصلًا طويلًا في كتابه الفتوحات الملكية عنوانه: «معرفة مقام الفتوة وأسراره»، قدمه كعادته بأبيات من الشعر فيها:إن الفتوة ما ينفك صاحبهامقدمًا عند رب الناس والناسإن الفتى من له الإيثار تحليةفحيث كان فمحمول على الراسما إن تزلزله الأهوا بقوتهالكونه ثابتًا كالراسخ الراسيلا حزن يحكمه لا خوف يشغلهعن المكارم حال الحرب والباسانظر إلى كسره الأصنام منفردًابلا معين فذاك اللين القاسيوقد بناه على قصة إبراهيم، وأنه جاد بنفسه للنار إيثارًا للحق.وعلى الجملة فقد أدخل الصوفية «الفتوة» في مذهبهم وصبغوها بصبغتهم، وجعلوها مقامًا من مقاماتهم، ومُلئت بها كتبهم، ونقلوها من المعنى الدنيوي إلى المعنى الديني، كالزهد والإيثار وضبط النفس وحملها على الحق، مهما استتبع ذلك من المكاره.
ثم وجدناهم — ثالثًا — يستعملون الكلمة في نوع من الناس هم الشبان الأشداء الذين يتباهون بقوتهم ثم يهددون الناس في أموالهم وأنفسهم، ومن هذا القبيل ما جاء في الرسالة القشيرية من أن شقيق بن إبراهيم البلخي كان «يتفتى ويعاشر الفتيان»، وكان علي بن عيسى بن ماهان أمير بلخ، وكان يُحب كلاب الصيد، ففقد كلبًا من كلابه، فسُعي برجل أنه عنده — وكان الرجل في جوار «شقيق» — فطلب الرجل فهرب، فدخل دار شقيق مستجيرًا، فمضى شقيق إلى الأمير، وقال: «خلوا سبيلي! فإن الكلب عندي أرده إليكم إلى ثلاثة أيام»؛ فخلوا سبيله، وانصرف شقيق مهتمًا لما صنع، فلما كان اليوم الثالث كان رجل من أصدقائه غائبًا من بلخ رجع إليها، فوجد في الطريق كلبًا عليه قلادة، وقال: أهديه إلى شقيق فإنه يشتغل بالتفتي؛ فحمله إليه، فنظر شقيق فإذا هو كلب الأمير، فسر به، وحمله إلى الأمير وتخلص من الضمان، فرزقه الله الانتباه وتاب مما كان فيه، وسلك طريق الزهد??، ومن ذلك ما جاء من أن أحمد بن خضرويه قال لامرأته: «أُريد أن أتخذ دعوة أدعو فيها عيَّارًا شاطرًا كان في بلدهم رأس الفتيان»؛ والعيارون الشطار هم فئة ينطبق عليهم ما ذكرنا من اعتزازهم بالقوة، واستخدامها في التهديد والسلب والنهب. ثم هناك نوع رابع تُستعمل فيه الكلمة، هو نوع من الفروسية المنظمة، فقد اشتهرت ألعاب الفروسية في العصر العباسي ونُظمت، وكثر اللعب بالبندق والخروج به لرمي الصيد، فقد ذكر الأغاني في سبب موت الشاعر «أبى العبر» أنه خرج إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة من أهلها في آجامهم، فسمعه بعضهم يقول قولًا سيئًا في علي فقتله??، كما عنوا بلعب الكرة والصولجان وبالصيد والقنص، وقال الفخري: «إن المعتصم كان ألهج الناس بالصيد، بنى في أرض دجيل حائطًا طوله فراسخ كثيرة، وكان إذا ضرب حلقة يضايقونها، ولا يزالون يحدون الصيد حتى يدخلونه وراء ذلك الحائط، فيصير بين الحائط وبين دجلة، فلا يكون للصيد مجال، فإذا انحضر في ذلك الموضع دخل هو وولده وأقاربه وخواص حاشيته، وتأنقوا في القتل وتفرجوا، فقتلوا ما قتلوا وأطلقوا الباقي، وكانوا يعدون هذه الأنواع من صيد ورمي ونحوهما من قبيل الفتوة.». •••

على كل حال في العصر العباسي وبعده تمت الفتوة في مناحيها المختلفة، وأهمها نوعان: فتوة يصح أن نُسميها فتوة مدنية أو دنيوية
وفتوة دينية أو صوفية
ويظهر أن النوعين كانا متميزين بعضهما عن بعض في نظمهما وتقاليدهما، وهذا ما سنحاول أن نُوضحه. الفتوة المدنية: وهي — على ما يظهر — وليدة الفروسية والشجاعة، ومن قديم عُرف العرب بالشجاعة والفروسية، وقالوا في ذلك الأشعار الكثيرة من أمثال معلقة عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، وخلفوا لنا أدبًا وافرًا في كل ما ينطق بالفروسية والشجاعة، وعُني المؤلفون بعدُ في جمعها وتصنيفها ككتاب «حلبة الفرسان وشعار الشجعان» لابن هذيل الأندلسي (وقد طبعه مارسيه سنة ???? بباريس) وقد ذكر فيه الخيل وصفاتها والمسابقة بها، والسيوف والرماح والقسي والنبل والدروع والترس وما إلى ذلك، وما قيل فيها من أشعار وآثار وغير هذا من الكتب كثير. ولما جاءت الدولة العباسية تسلط العنصر الفارسي أولًا والتركي ثانيًا، وكان لهم نظم في الفروسية غير النظم العربية البسيطة البدوية، فتسربت منهم إلى المسلمين، ورأينا المؤرخين يذكرون أن «الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان ورمى بالنشاب في البرجاس»؛ والكرة والصولجان من ألعاب الفرس كما يدل عليهما اسمهما، ورأيناهم يقولون في المعتصم: إنه «غلب عليه حب الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم»??، وأنه «قسم أصحابه للعب الكرة»??، ومعلوم أن المعتصم أول من استعان بالأتراك في أعماله وقربهم إليه وجعلهم جنده، واشتهر في عصره بالتفنن في الصيد والقنص، وعدوه مما يُدرب على الفروسية ويُمرن على احتمال الجوع والعطش، ويُقوي على شدة التعب??، واقتبسوا في ذلك من الفرس والأتراك، فعلموا الجوارح من الطير والكواسر من الفهود والكلاب، ووضعوا الكتب في جودتها وصفاتها وطرق تعليمها وأمراضها وما يصلح كل واحد منها، وسايرهم الشعراء والأدباء في ذلك، فأصبحنا نرى في كثير من دواوين الشعراء بابًا خاصًّا يُسمى «باب الطرد» وهو الصيد، وقالوا الأشعار الكثيرة في وصف الفهود والكلاب والباز والصقر ونحوها، ووُضعت الكتب في ذلك وسُمي الفن «فن البيزرة»، ورويت القصص الكثيرة في أحاديث الفروسية، وقارن الكتاب بين فروسية العرب والفرس والترك وغيرهم مما ليس هنا مجاله، ووضعوا القواعد لتعليم الفروسية فقالوا — مثلًا — إنه يجب أن يبتدئ الفارس بالخفة في الوثوب والنزول، ثم يتدرب على ركوب الفرس العربي العريان بلا عدة سوى الرَّسَن، قال المتنبي في وصف أمثالهم: فكأنها خُلقت قيامًا تحتهموكأنهم وُلدوا على صهواتها ثم يتعود ركوبها على اختلاف أنواع سيرها؛ ثم الصيد عليها وهكذا، وكذلك وضعوا التعاليم للقسي والنشاب والتروس وما إليها.
وكانت الوقائع بين المسلمين والروم في الثغور منشأ لظهور ضروب من الفروسية تستدعي الإعجاب، كما كانت الحروب الصليبية مصدرًا كبيرًا كذلك، وفي كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ الشيزري، و«الروضتين» لأبي شامة، و«سيرة صلاح الدين» لابن شداد أمثلة كثيرة من هذا الضرب تأخذ باللب.
كما اشتهر في هذه العصور قوم من الإسماعيلية بهذه الفروسية، جاء في كتاب «آثار الأول»، بعد أن ذكر قصة من فروسية بهرام: «ومثل هذا في المعنى رجال ببلاد الإسماعيلية، ويسمون برجال الدعوة معدون لمثل هذا، فإن الرجل منهم أو الرجلين يُغني عن حركات الجيوش الكثيرة؛ ويقال لهم في بلاد الإسماعيلية وفي بلاد الفرنج «الحشيشية»، وعند أهل الأقاليم «الفداوية»، وهم قوم على دين الإسلام، وقد كانت للملوك الإسلامية بهم عناية كبيرة، وفي زماننا عُني بهم الملك الظاهر وسيرهم في الأشغال الكبار فقضوها مع الفرنج والتتار … وفي قلاع الإسماعيلية في زماننا هذا ألف بهرام.»??. ويظهر أن هذه الفروسية بشعائرها كانت سببًا في نشأة «الفتوة» بهذا المعنى، وقد وُضعت لها نظم وتقاليد؛ يدل على ذلك عبارة قيمة وردت في تاريخ ابن الأثير في خلافة الناصر لدين الله العباسي الذي تولى من سنة ??? إلى سنة ???هـ، وهي: «وجعل (الناصر) جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة، فأبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من يلبس منه سراويل يدعى إليه، ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة، وكذلك أيضًا منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يُؤخذ من طيوره، ومنع الرمي بالبندق إلا من ينتمي إليه، فأجابه الناس بالعراق وغيره إلى ذلك، إلا إنسانًا واحدًا يُقال له: ابن السقت من بغداد، فإنه هرب من العراق ولحق بالشام، فأرسل إليه (الناصر) يُرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه وينسب في الرمي إليه فلم يفعل، فبلغني أن بعض أصدقائه أنكر عليه الامتناع من أخذ المال؛ فقال: يكفيني فخرًا أن ليس في الدنيا أحد إلا يرمي للخليفة إلا أنا، فكان غرام الخليفة بهذه الأشياء من أعجب الأمور.»??. ما سراويل الفتوة؟ وما شكلها؟ وما نظام الفتوة الذي وضعه؟ لا أعرف تفصيل ذلك.
وقد ذكر المقريزي في كتابه السلوك عبارة تُشبه هذه في خلافة الناصر، وزاد عليها بأنه كان من ضمن هذه الشعائر شرب كأس الفتوة.
وقد ذكروا أن كأس الفتوة هذه ليست نبيذًا ولا خمرًا، وإنما هي ماء وملح.
ومن هذا القبيل أعني الفتوة المدنية ما يُروى أن ابن حيوس الشاعر المشهور المتوفي سنة ???هـ — وكان متصلًا ببني مرداس بحلب وكان أميرًا — كان يُلقب بأمير الفتيان وإن لم أعثر على سبب لتلقيبه بهذا اللقب??. أما الفتوة الصوفية فقد تمت كذلك على توالي العصور، وخير المصادر التي بين أيدينا تشرح حالها ومظاهرها رحلة ابن بطوطة، الذي وُلد في طنجة سنة ???هـ وساح في مصر وفارس والشام وجزيرة العرب والصين والتتر والهند وأواسط إفريقيا وإسبانيا.
وقد أكثر ابن بطوطة من ذكر نظام الفتيان في سياحته في الأناضول، وشرح هذا النظام في أول كلامه عليه، فقد جاء في الرحلة عنوان «ذكر الأخية الفتيان» فقال: «واحد الأخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية (الأناضول) في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالًا بالغرباء من الناس، وأسرع إلى الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة، وقتل الشُّرَط ومن لحق بهم من أهل الشر، والأخي عندهم رجل يجتمع عليه أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأغراب والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوة أيضًا، ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات، ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم، ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون به الفواكه والطعام، إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية، فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم، وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف، وإن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا وانصرفوا إلى صناعاتهم بالغدو، وأتوا بعد العصر إلى مقدمهم بما اجتمع لهم ويُسمون بالفتيان، ولم أر في الدنيا أجمل أفعالًا منهم، ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وأصفهان، إلا أن هؤلاء أحب في الوارد والصادر، وأعظم إكرامًا له وشفقة عليه.»??. وقد ذكر ابن بطوطة أيضًا أن أحد شيوخ الفتيان الأخية — وهو من الخزازين — دعاه فاستضعفه، ثم تبين أنه «أخي» وأصحابه نحو مئتين من أهل الصناعات، وقدموه على أنفسهم وبنوا زاوية للضيافة، وقد ذهب معه ابن بطوطة هو وأصحابه، وقال في وصف ما شاهده: «فوجدنا الزاوية حسنة، مفروشة بالبسط الرومية الحسان، وبها الكثير من ثريات الزجاج العراقي … وقد اصطف في المجلس جماعة من الشبان، ولباسهم الأقبية وفي أرجلهم الخفاف وكل واحد متحزم على وسطه بسكين في طول ذراعين، وعلى رءوسهم قلانس بيض من الصوف، بأعلى كل قلنسوة قطعة موصولة بها في طول ذراع وعرض إصبعين، فإذا استقر بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوته ووضعها بين يديه، وتبقى على رأسه قلنسوة أخرى من الزردخاني وسواه حسنة المنظر، وفي وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين، ولما استقر بنا المجلس عندهم أتوا بالطعام الكثير والفاكهة والحلوى، ثم أخذوا في الغناء والرقص، فراقنا حالهم، وطال عجبنا من سماحهم وكرم أنفسهم؛ وانصرفنا عنهم آخر الليل وتركناهم بزاويتهم.» وهكذا ظل ابن بطوطة يذكر في سياحته في الأناضول أنه كان يسأل حين ينزل كل بلد عن الأخية والفتيان، وأن الفتيان كانوا يتنازعون على ضيافته، وأنهم يحتكمون أحيانًا إلى القرعة، وأنهم إذا أضافهم جماعة من الفتيان أدخلوهم الحمام، فإذا خرجوا منه أتوهم بطعام وحلوى وفاكهة، وبعد الفراغ من الأكل يقرءون القرآن، ثم يأخذون في السماع والرقص، وقد ذكر ذلك عدة مرات في رحلته??. وذكر ابن بطوطة الأخية في موضع آخر فقال: «لما دخلنا الزاوية وجدنا النار موقدة، فنزعت ثيابي ولبست ثيابًا سواها، وأتى الأخي بالطعام والفاكهة وأكثر من ذلك، فلله درهم من طائفة ما أكرم نفوسهم وأشد إيثارهم، وأعظم شفقتهم على الغريب، وألطفهم بالوارد وأحبهم فيه، وأجملهم احتفالًا بأمره؛ فليس قدوم الإنسان الغريب عليهم إلا كقدومه على أحب أهله إليه.»??. يُؤخذ من هذا كله أنه في بلاد الأناضول وما حولها كان في كل بلد جماعة من الفتيان، يعيشون عيشة اشتراكية، فكل ما جمعه أحدهم من عمله أو صناعته دفعه لرئيسهم وهو «الأخي»، وهو يُنفق عليهم، وهم يعيشون في زاوية عيشة دينية مرحة، فيها ذكر وفيها تلاوة قرآن وفيها غناء وفيها رقص، وأن هذا إنما يكون لمن ليس لهم أسرة، فهم عزاب أو نحوهم، وليسوا يعيشون فقط لأنفسهم، وإنما يعيشون كذلك للضيوف وللبائس والفقير.
وكانوا يلبسون كذلك لبسة خاصة شأن الصوفية، فشيوخهم يلبسون لبسة ينسبونها شيخًا عن شيخ حتى تصل إلى الإمام علي بن أبي طالب??. وكان من انتشارها أن كثر استعمالها وتحدث الناس بها، وتجادل العلماء في شأنها.
يدل على ذلك استفتاء رُفع إلى «ابن تيمية» المتوفى سنة ???هـ — يُلقي هذا السؤال ضوءًا على الفتوة ونظامها — فقد سئل عن «جماعة يجتمعون في مجلس، ويلبسون الشخص منهم (لباس الفتوة)، ويديرون بينهم في مجلسهم شربة فيها ملح وماء، ويشربونها ويزعمون أنها من الدين … ويقولون: إن رسول الله ألبس علي بن أبي طالب لباس الفتوة، ثم أمره أن يُلبسه من شاء، ويقولون: إن هذا اللباس أُنزل على النبي (?) في صندوق ويستدلون عليه بقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ، فهل هو كما زعموا، أو هو كذب واختلاق؟ … ومنهم من ينسب ذلك إلى الخليفة الناصر لدين الله عن عبد الجبار، ويزعم أن ذلك من الدين، فهل لذلك أصل أم لا؟ وهل الأسماء التي يُسمي بها بعضهم بعضًا من اسم الفتوة ورءوس الأحزاب والزعماء لها أصل أم لا؟ … ويقوم رئيس القوم إلى الشخص الذي يلبسونه، فينزع عنه اللباس الذي يلبسه ويُلبسه الذي يزعمون أنه لباس الفتوة، فهل هذا جائز أم لا؟ … وهل للفتوة أصل في الشريعة أم لا؟ … وهل أحل أحد من الصحابة أو من التابعين أو من بعدهم من أهل العلم هذه الفتوة المذكورة؟».
وقد أجاب «ابن تيمية» عن هذه الأسئلة فقال: إن لباس الفتوة وإسقاء الملح والماء باطل لا أصل له، ولم يفعل هذا رسول الله ولا أحد من أصحابه، ولا علي بن أبي طالب ولا غيره ولا من التابعين، والإسناد الذي يذكرونه من طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى ثمامة فهو إسناد لا تقوم به حجة وفيه من لا يُعرف … وما ذكر من نزول هذا اللباس في صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته، واللباس الذي يُواري السوءة هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف اللباس المباح، أنزل الله هذه الآية لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ويقولون: ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، والكذب في هذا أظهر من الكذب فيما ذكر من لباس الخرقة، وأن النبي (?) تواجد حتى سقطت البردة عن ردائه، وأنه فرق الخرق على أصحابه … إلخ.
وأما الشروط التي يشترطها شيوخ الفتوة، فما كان مما أمر الله به: كصدق الحديث وأداء الأمانة وأداء الفرائض واجتناب المحارم ونصر المظلوم وصلة الأرحام والوفاء بالعهد، أو كانت مستحبة: كالعفو عن الظالم واحتمال الأذى وبذل المعروف، وأن يجتمعوا على السنة، ويُفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك، فهذه يؤمن بها كل مسلم، سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشترطوها، وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله؛ مثل التحالف الذي يكون من أهل الجاهلية أن يصادق كل صديق الآخر في الحق والباطل، ويُعادي عدوه في الحق والباطل، وينصره على كل من يُعاديه، سواء كان الحق معه أو مع خصمه، فهذه شروط تُحلل الحرام وتُحرم الحلال، وهي شروط ليست في كتاب الله، فهو باطل.
ثم قال ابن تيمية: وأما لفظ «الفتى» فمعناه في اللغة «الحدث»، كقوله تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وقوله تعالى: قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، لكن لما كانت أخلاق الأحداث اللين، صار كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ الفتوة عن مكارم الأخلاق، كقول بعضهم: «الفتوة أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتحسن إلى من يسيء إليك، سماحة لا كظمًا، وموادة لا مسايرة.»، وقول بعضهم: الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى؛ وأمثال ذلك، فهذه أمور حسنة مطلوبة محبوبة سميت فتوة أم لم تسم.
وأما لفظ الزعيم فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ؛ فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال: هو زعيمهم فإن كان قد تكفل بخير كان محمودًا على ذلك، وإن كان شرًّا كان مذمومًا على ذلك، وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب؛ أي: تصير حزبًا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا: مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء أكان على الحق أو الباطل؛ فهذا من التصرف الذي ذمه الله تعالى ورسوله؛ فإن الله روسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن الفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.
هذه خلاصة الفتوى، وهي ترينا صورة من جماعة الفتوة وتقاليدهم وتعاليمهم وحركة رجال الدين المعارضين لهم??. •••

وهذان النوعان من الفتوة — أعني الفتوة الصوفية والفتوة المدنية — ظلا يعملان ويتطوران إلى عصرنا هذا: فالفتوة الصوفية تحولت في تركيا إلى قوة دينية، كالولاية النقشبندية تساير قوة السلاطين السياسية أحيانًا وتناهضها أحيانًا، حتى أبطلتها تركيا في ثورتها الحديثة، وتحولت في الشرق إلى خانقاه وتكايا، أصبحت فيما بعد مأوى للعجزة ومن يريد أن يعيش عيشة عزلة عن العالم، ففقدت بذلك معناها الأول، وتحولت من قوة إلى ضعف ومن نجدة إلى خمول.
والفتوة المدنية، وأعني بها الفروسية وما إليها، ظلت في العصور المختلفة — ولا سيما في مصر — طوال هذه العصور حتى عصر «الجبرتي» فيحدثنا أن الأمراء والعساكر في مصر كانوا ينقسمون بعد الفتح العثماني إلى فريقين: قوم ينتسبون إلى ذي الفقار ويسمون الفقارية، وآخرون إلى قاسم ويسمون القاسمية، وكان أكثر العثمانيين فقارية، وأكثر الشجعان المصريين قاسمية، كما انقسموا من قبل إلى سعد وحرام، واتخذوا لذلك شارات: فالفقارية اتخذت البياض شعارًا في الثياب والركاب حتى أواني المأكولات والمشروبات، والقاسمية اتخذت شعارها الحمرة في كل شيء من ذلك، وكان بين الفريقين من الفروسية والألعاب والقتال ما كثر ذكره في الجبرتي وغيره، ويقول الجبرتي أيضًا: إن القرن الثاني عشر استهل وأمراء مصر فقارية وقاسمية??، وإن كنت لم أعثر على تسمية هذه الأعمال بالفتوة. ولقد أدركنا لعهدنا في صبانا في كل خط وناحية من أخطاط القاهرة ونواحيها جماعة من الشباب يسمون «الفتوات»، وهم من أرباب الصنائع والمهن الحقيرة عادة، وممن يلبسون الجلاليب الزرقاء ويتعممون على «الطاقية»، قد عُرفوا بالقوة الجسمية والشجاعة والفتوة، وعلى رأسهم زعيمهم، وبينهم وبين «فتوات» الخط الآخر نزاع غالبًا، وقد يخرج «فتوات المنشية» لمحاربة «فتوات الحسينية» في جبل المقطم بالطوب والحجارة والعصى، وقد يقع بينهم جرحى وقتلى ويعد ذلك يومًا له ما بعده، ويكون بين فتوات الحيين «ثأر»، وقد ينتج من ذلك أن «فتوات» الحسينية — مثلًا — يعلمون «بزفة» لأحد فتوات المنشية، فيتربصون لهم حتى إذا خرجت «الزفة» تعرض لها الأعداء، وأعملوا فيها الضرب والتخريب.
وقد قضت الحكومات النظامية على هذه الأعمال.
وحبذا لو سُمِّي نظام الكشافة باسم «نظام الفتوة»، فكنا بذلك قد أعدنا ذكريات العهد القديم وأحيينا اسمًا تاريخيًّا حيا في الإسلام قرونًا طوالًا.
? الأشهر الحرم هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.? تفسير الطبري ?: ??? ولشدة تعظيمها له قيل له: رجب مضر، ولم يكن يستحله إلا حيان خثعم وطيئ – الأزمنة والأمكنة ?: ??.? سيرة ابن هشام طبع أوروبا ???.? الأزمنة والأمكنة طبع الهند للمرزوقي ?: ???.? دلائل النبوة لأبي نعيم طبع الهند ص ???.? دلائل النبوة ???، ???.? الأزمنة والأمكنة ?: ???.? أخبار مكة للأزرقي ص ???.? الأغاني ??: ??–??.?? تاريخ الطبري جزء ? ص ????.?? الأغاني ??: ?.?? الأغاني ?? ص ??.?? الأغاني ?: ??.?? ما يعول عليه في المضاف والمضاف إليه نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم ?? أدب.?? الأغاني ?? ص ??–??.?? الأزمنة والأمكنة ?: ???.?? الكامل لابن الأثير ?: ???.?? الأغاني ?? / ??? وما بعدها.?? انظر الحكاية بطولها في الأغاني ??/ ???.?? الأغاني ?? ص? وما بعدها.?? أمثال الضبي ص ??.?? دلائل النبوة ???، ???.?? ص ???.?? دلائل النبوة ص ???.?? اليعقوبي ? ص ?? و??.?? يروون أن عبد الله بن جدعان أتى مصر قباع ما معه وعاد إلى سوق عكاظ: انظر الأكليل للهمداني جزء ? ص ??? وما بعدها.?? الأزمنة والأمكنة ?: ???.?? الأغاني ?? ص ??.?? الأغاني ? ص ???.?? الأغاني ? ص ??، ??.?? أغاني ? ص ???، ???.?? الأغاني ? ص ??.?? أغاني ?? ص ?? و??.?? صفة جزيرة العرب ص ???.?? انظر الأغاني ج ?? ص ??? وما بعدها وج ??ص ??? وما بعدها.?? الأزمنة والأمكنة ? ص ???.?? اليعقوبي جزء ? ص ??? وما بعدها.?? الكامل لابن الأثير ? ص ???.?? أغاني ?? ص ??.?? أغاني ? ص ??? وما بعدها.?? الأزمنة والأمكنة ? ص ???.?? انظر تعداد من ولي عكاظ في الأزمنة والأمكنة ? ص ???.?? أغاني ? ص ??.?? انظر العقد الفريد ? ص ??? والأغاني.?? النهاية لابن الأثير مادة فجر.?? الأغاني ? ص ???.?? اليعقوبي ?: ??? وما بعدها.?? انظر الأغاني ?? ص ?? وما بعدها.?? الأزمنة والأمكنة ج ? ص ??? وما بعدها.?? اخبار مكة للأزرقي ص ??? و???.?? لسان العرب في رب د ومعجم ياقوت في مربد.?? الكذان حجارة رخوة.?? تاريخ الطبري ?: ????.?? معجم ياقوت في مادة مربد.?? عيون الأخبار ?: ???.?? عقد الجمان مخطوط بدار الكتب جزء ? / ??.?? انظر القصة بطولها في الطبري جزء ? ص ???? طبع أوروبا وفيه بعض ما قيل من الخطب في المربد في ذلك اليوم.?? النقائض ???، ???.?? الأغاني ? / ???.?? النقائض ???.?? النقائض ???.?? أغاني ? / ??.?? أغاني ? / ??.?? انظر الأغاني ? ص ?? وما بعدها.?? أغاني ?? / ???.?? أغاني ?? / ???.?? انظر الكامل للمبرد.?? الأمالي ? ص ???.?? معجم الأدباء ? ص ??.?? الطبري ? ص ??? وما بعدها طبعة أوروبا.?? معجم البلدان.?? الكامل لابن الأثير جزء / ?? ص ??? طبع بولاق.?? انظر في ذلك لسان العرب مادة ف ت ي.?? التعليك أن يشد يديه على ماله من بخله، فلا يقري منه ضيفًا ولا يعطي منه سائلًا، والهجمة مئة من الإبل.?? التحية ما يُقدم عند التحية من طاقات الرياحين ونحوها.?? ص ?? ط. مصر.?? الرسالة القشيرية، ص ??.?? الرسالة القشرية ??–??.?? السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص ???.?? هامش تاريخ الخلفاء، ص ???.?? آثار الأول، هامش تاريخ الخلفاء، ص ???.?? آثار الأول، ص ???، ???.?? تاريخ ابن الأثير، ج ??، ص ???.?? انظر يتيمة الدهر للثعالبي، ففيها شعر في وصف فتيان العصر، وانظر كذلك العتبي رئيس الفتيان بسمرقند، على هامش ابن الأثير، ج ??، ص ??.?? رحلة ابن بطوطة، ???.?? انظر رحلة ابن بطوطة ص ???–???، ???، ???.?? المرجع نفسه، ص ???.?? المرجع نفسه، ص ???.?? هذه هي فتوى ابن تيمية باختصار، وقد وردت في رسالة في الفتوة ضمن رسائل ابن تيمية طبعة المنار.?? انظر تاريخ الجبرتي، ج ?، ص ?? وما بعدها.