Advertisement

فيض الخاطر الجزء الثالث


فيض الخاطر (الجزء الثالث)




فيض الخاطر (الجزء الثالث)

تأليف
أحمد أمين




فيض الخاطر (الجزء الثالث)

أحمد أمين

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: سيل?يا فوزي.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2012 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



موسم الرجاء


حدثني صديقي قال: كانت الساعة السابعة صباحًا بالتوقيت الجديد، أي ما يساوي السادسة بالتوقيت القديم، وانتبهت من نومي فإذا الجرس يدق، فظننته اللَّبان قد تقدم موعده، أو بائع الخبز قد أعجله أمر.
ولكن الخادم قد جاء يخبرني أن زائرًا بالباب لم يشأ أن يذكر اسمه.
– ليتفضل. فلا بد أن يكون قريبًا أتى بأمر مفاجئ أو بنبأ خطير، وجال في ذهني كل الاحتمالات لهذا الضيف — لعل فلانًا قريبنا المريض قد مات، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولكن بالأمس كانوا يقولون: إن صحته تحسنت. ومع ذلك فمن يدري؟ فالموت لا ضابط له، قد يموت الصحيح ويصح السقيم، وربما كان تحسنه صحوة الموت، وإذا كان كذلك فماذا يصنع أهله وولده؟ أمري وأمرهم إلى الله.
ولكن لا، ربما كان الزائر فلانًا قريبنا الآخر، وربما جاء يقص عليَّ نزاعًا جديدًا بينه وبين أسرته، فما أكثر ما يتنازعون، وما أكثر ما يتحاكمون! ولكن لا بد أن ما دعاه إلى الحضور في هذا الصباح المبكر معركة حامية، أخشى أن تكون قد انتهت بالفراق، أو بحادث فظيع، مسكينة هذه الأسرة! الزوج طيب، والزوجة طيبة، ولكن الخطأ وقع في المزج لا في العناصر، كالسكر الطيب يراد منه أن يذوب في الليمون الطيب، أو ككتاب الفقه أعطي لأديب، أو ككتاب في حساب المثلثات أعطي لفقيه.
وربما، وربما، وجال في ذهني كل الفروض الممكنة لهذه الزيارة المبكرة، وفُتح الباب، فإذا الزائر ليس شيئًا من هذا كله، وإذا هو إنسان لو ظللت طول النهار أحدس فيمن هو لم يقع حدسي عليه.
– أهلًا وسهلًا. بكم.
– لا مؤاخذة، فربما أزعجتك.
– لا إزعاج، فقد اعتدت البكور.
– إنما أردت أن أستوثق من وجودكم في البيت قبل خروجكم، وقد أعيتني مقابلتكم أمس، فقد حضرت في الساعة التاسعة مساءً والعاشرة والحادية عشرة، فلم يكن لي شرف مقابلتكم.
– أنا آسف على تعبكم.
– إن شاء الله تكون صحة الأنجال جميعًا بخير.
– الحمد لله.
– أين صيَّفتم هذا العام؟
– في رأس البر.
– رأس البر جميلة، ولي فيها ذكريات طيبة … وهي تفضل الإسكندرية بجفاف هوائها ورخص أسعارها.
– نعم.
– وإن شاء الله يكون ابنك فلان قد نجح هذا العام.
– الحمد لله.
– لقد درست له، وكان شيطانًا، وكم حدثت له حوادث معي … ولكنه ذكي جدًّا، وأخلاقه قوية، ولا عجب، فالشيء من معدنه لا يستغرب.
– أشكرك.
– وبهذه المناسبة أهنئك على مقالك الأخير في «مجلة …»، فقد كان مقالًا ممتعًا حقًّا، وقد سمعت الثناء عليه من كل من قابلته، وأصدقك أني حريص كل الحرص على تتبع كل ما تكتب وما تذيع، وأشتري هذه المجلة فلا أقرأ فيها إلا مقالك، وأحيانًا أقرأ مقال «فلان» أيضًا.
– أشكرك، تفضل القهوة.
– أخشى أن أكون قد أقلقت راحتك وأضعت عليك زمنك، ووقتك ثمين وأعمالك كثيرة وكل دقيقة من وقتك فيها نفع للناس.
– أشكرك.
– الأمر وما فيه أن لي مسألة بسيطة يكفي فيها كلمة منك لتتم على خير وجه، لقد مضى عليَّ في الدرجة عشر سنوات، والآن قد خلت الدرجة التي فوقها، وأنا أحق الناس بها لجدي في عملي وشهادة رؤسائي بحسن كفايتي.
– سأدرس المسألة — إن شاء الله — فمتى وجدت أحقيتك ساعدتك.
– ثق كل الثقة بما أقول.
– وأنت ثق كل الثقة بما أقول.
– هل أعتبر المسألة منتهية؟
– منتهية عند الحد الذي ذكرت.
– أنا متأكد من عطفك عليَّ ومساعدتك لي، وإن شاء الله تتم على يديك — السلام عليكم.
– عليكم السلام — شرفتم.
وعدت أقارن بين ما حدستُ وما وجدتُ، فبسمت وعجبت!
وبعد أن انتهى التبسم والعجب دق جرس التليفون.
– فلان؟
– نعم.
– وأنا فلان.
– أهلًا وسهلًا.
– لي ولد نبيه جدًّا، ولكن خانه الامتحان فتأخر في الترتيب، ولم يأخذ النصاب الذي يستحق به المجانية، وأريده مجانًا.
وتليفون ثان وثالث ورابع وخامس، حتى وضعت حدًّا للتليفون.
ثم ذهبت إلى محل عملي.
فهذا فلان يود أن يوظَّف، وهذا يود أن ينتقل، وهذا يود أن يتخطى ابنه القوانين الموضوعة في السن أو المجانية أو في نصاب الدرجات. فأما العمل وكيف يرقى وكيف يحسَّن فلم ينله من الزمن إلا قليل.
وعدت مصدوعًا واسترحت قليلًا، ونزلت لعمل آخر، فإذا هو من جنس العمل الأول.
وزرت يومًا صديقًا فإذا حاله أسوأ من حالي: غرفة تملأ وتفرغ، ثم تملأ ثم تفرغ، وكلهم في المطالب متشابه.
•••

هذا موسم الرجاء «في المعارف»، ولكل وزارة وكل مصلحة موسم، فوزارة العدل لها موسم كهذا في كل حركة قضائية، ووزارة الأشغال في معرض الأعمال، وهكذا.
رحماك اللهم، أين نجد مع هذا كله أنفسنا؟ وأين يجد الموظفون أنفسهم؟ وأين يجدون أوقاتهم لأعمالهم؟
ما معنى هذا كله؟
معناه أن الناس يفهمون أن ليس في البلد قانون محترم، ولا قواعد مرعية، ولا عدل، ولا حق، ولا جد في تنفيذ عمل، ولا همة في تسيير الأمور، وأن العصا السحرية التي تفعل كل ذلك هي الرجاء والرجاء وحده، فهو الذي يستطيع أن يعطي مَن لا يستحق ويحرم المستحق، وهو الذي يؤخر مَن حقه التقديم ويقدم من حقه التأخير، وهو الذي ينهي العمل في لحظة، وبغيره ينام سنين.
معناه ضياع زمن المرجوِّ في مقابلات وزيارات وتحيات، وضياع زمن الراجي في «اللف» على أصحاب الأعمال ومن بيدهم زمام الأمور، وإهمال ما عُهد إليه من عمل.
معناه أن مقاييس العدالة والحق مقاييس ضائعة، ومقاييس الخلق لا قيمة لها، وأن المقاييس الصحيحة النفاذة هي مقاييس الجاه والرجاء والنفوذ والسلطان؛ فهي التي تجعل غير الكفء كفؤًا، وغير الصالح صالحًا. ونتيجة هذا — لا محالة — إهمال الكفء وحرمان الصالح.
شيء من شيئين: إما أن يكون هذا صحيحًا فالراجون معذورون، واللوم كله يقع على من بيدهم الأمور؛ فقد أضاعوا المقاييس الصحيحة، وأحلوا محلها المقاييس الزائفة، وأهملوا العدل والحق، وأحلوا محلهما الجاه والرجاء، فعرف الناس الطريق الذي يؤدي للغرض فسلكوه، والمقدمات التي توصل للنتيجة فاتبعوها، ولا لوم عليهم في ذلك، فمن السخف أن تكلفهم السير في طريق غير مؤد إلى غرض.
وفي هذه الحالة كان يجب مصارحة الناس بالحقائق، وتسمية الأشياء بأسمائها، وعدم الخداع بوضع قوانين ولوائح وتعليمات وقيود وشروط، والجهر بأن ليس هناك سبيل للتنفيذ إلا سبيل الرجاء.
وإما ألا يكون الأمر كذلك، وأنه يجري حسب العدل والحق، فيجب أن يفهم الناس ذلك بالقول والعمل، وألا يسمع منهم رجاء، إلا شكوى من عدم تحقيق العدل وتنفيذ الحق.
لقد عرفنا من الناس المهارة في هذا الباب، والحس الدقيق في شئونه، فهم يكثرون الرجاء حيث تسمع الآذان رجاءهم، وحيث تتأثر بتوسلاتهم، ويقلونه حيث تصم الآذان وتغلق الأبواب وتجهم الوجوه عند طلبهم ما ليس بحق وما لا ينطبق على قانون أو عدل.
أؤكد أن أكثر من نصف أوقات رؤساء المصالح وسائر الموظفين ضائع في مثل هذه التوافه من الأمور، ولو سد هذا الباب لاستفدنا فائدة مزدوجة: تفرغ الموظف لعمله الأساسي حتى يجيده ويتقنه، وشعور الناس والموظفين باحترام العدالة، وأن الرجاء لا يقدم المسألة ولا يؤخرها، واطمئنان ذي الجاه وعديم الجاه إلى أن حقه واصل إليه لا محالة.
وذلك لا يكون إلا بدروس قاسية من الموظفين، يحترمون فيها العدل مهما كانت نتائجه، ويلبون فيها صوت الضمير مهما أغضب، ويشمئزون ممن يحاول أن يميلهم عن الحق مهما كان ذا جاه وسلطان.
لا شك أن العدل مر، والحق صبر، ولكنه أحلى عند الرجل النبيل من القول المعسول والتصرف المزيف.
إن ذيوع الترجي في الأمة علامة الخراب في أخلاقها، فالرجاء يُشيع في الراجي ذل السؤال، ويشيع في المرجو صلف المتصدق، وكبرياء المحسن لغير وجه الله، وهو يبث في الراجي والمرجو معًا الاستهزاء بالعدل والسخرية بالحق، ويقلب المسألة من حق وواجب إلى علاقة شخصية، هي علاقة المستجدَى منه، أو علاقة المدل بجاهه على من لا جاه له.
لا بد أن يفهم الناس أن كل رئيس مصلحة، وكل من بيده أمر من أمور الناس قاض، له حرمة القضاء، وله الحق أن يطلب من الناس أن يؤمنوا بنزاهته، فكما لا يصح أن يرجى القاضي في قضية معروضة عليه، لا يصح أن يرجى أولو الأمر فيما بين أيديهم من أعمال.
وواجب أن نوجه الطلبين في وقت واحد، فنطلب من أصحاب الحاجات أن يكفوا عن رجائهم، ونطلب من الموظف أن يعمل ما يفهم الناس أن الرجاء لا يجدي، وأن الحق بطبيعته نافذ والعدل محترم، والعمل سائر إلى نهايته.
كان الناس ولا يزالون يَعدُّون من المثل العليا للرجل الطيب أن يمضي أكثر أوقاته في قضاء الحاجات، فهو يتلقى في صباحه ومسائه الوافدين والمترددين، هذا يطلب وظيفة، وهذا يطلب نقله إلى مصر، وهذا يطلب إلحاق ابنه بمدرسة، إلخ، ثم يستقل عربته ويدور على المصالح، وينتقل من وزارة العدل إلى وزارة المعارف إلى وزارة الأشغال وهلم جرًّا، فإذا جاء إلى بيته استراح قليلًا، ثم استقبل في بيته في المساء من قابلوه في الصباح ليخبرهم بنتيجة مساعيه، وليستقبل غيرهم بمساعيهم الجديدة، وكانوا يسمون مثل هذا «كعبة القصاد» و«محط الآمال» إلى غير ذلك من الأوصاف.
وكان الناس يقيسون النائب في البرلمان بمقدار قضائه هذه الأعمال، فمن كان أكثر تقبلًا للرجاء، وأكثر مسعًى في تحقيقه، وأعظم جاهًا عند من يرجوهم، فهو خير نائب وإلا فلا.
ولكن الأمة إذا رقيت ينبغي أن تغير وجهة نظرها في هذا وذاك، يجب ألا تعد رجلًا طيبًا من يقبل كل رجاء، ويعين على كل مطلب، إنما هو رجل طيب إذا اقتصر في قبول الرجاء على أحد أمرين: إما رجاء في ماله الخاص، وإما رجاء قد بني على درس، وتحقق من مظلمة يرى من الواجب رفعها وإحلال العدل محلها، وأما غير هذين فتخريب للقانون، وإهدار للأخلاق، وتحطيم للعدالة، ومما يؤسف له أن أكثر الرجاء من هذا النوع الأخير! حتى لقد يبلغ ببعضهم أن يرجو في إنجاح ساقط في الامتحان، أو عفو عن مجرم، أو تعيين آخر شخص في الامتحان وترك الأول، أو إعطاء صدقة لغني وتفضيله على فقير، أو نحو ذلك من ضروب الإجرام، وليس هذا يصح أن يسمى «كعبة القصاد»، ولكنه «عون المجرمين».
والمثل الأعلى للنائب ليس الذي يحقق مطالب الناخبين مهما ساءت، ويسعى على أبواب المصالح للرجاء في كل ما هب ودب، إنما هو من خصص أكبر مجهوده لدراسة المصالح العامة للأمة، والمصالح العامة لدائرته، فإن بقي في زمنه فضل أو في مجهوده بقية، فالرجاء في رفع الظلم عمن ظُلم، والإعانة على إيصال العدل لمن لم يصل إليه العدل.
وبودي لو بطل الرجاء كله واقتصر الأمر على مطالبة الناس بحقوقهم، ولو كان الأمر بيدي لأمرت أن يوضع على باب حجرة كل موظف لوحة كتب فيها «ممنوع الرجاء» كتلك التي يكتب فيها «ممنوع البصق» لو تنفع اللوحات!

نداء الباعة


امتازت مصر — فيما امتازت به — بنداء الباعة، فقد زرت مدنًا شرقية ومدنًا غربية، فلم أرها تحفل بالنداء على المبيع كما حفلت القاهرة، إذ جعلته فنًّا، وأدخلت فيه من أنواع المحسنات ما لم يتهيأ لغيرها.
من ذلك أنها أدخلت فيه فن البلاغة، فملأته بالاستعارات والكنايات والتشبيهات، حتى أصبحت هذه في كثير من الأحوال تحل محل الاسم الحقيقي للأشياء، فمثلًا «بيض اليمام» هو العنب، و«قلل الشربات» هي الكمثرى، و«بير العسل» زنبيل البلح، والبصل كالرمان، والفجل كاللوبيا، وكيزان العسل نوع من التين، وهكذا.
وأحيانًا يذكرون منافعه ويغنيهم هذا عن ذكر اسمه، «فالنافع الله» كناية عن الحلبة المنبتة، و«الشفا من الله» للموز إلى آخره.
وأحيانًا ينسبونه إلى ولي من أولياء الله، كترمس الأنبابي، وحمص السيد، وخس المليجي و«مال الغريب» وهو ولي بالسويس يطلقونه على جوز الهند … إلخ.
وأحيانًا ينسبونه إلى البلد الذي يجود فيه كالملوخية الحبشي، والقلل القناوي، والحرير المحلاوي.
وهكذا جعلوا النداء فنًّا في حين أن ما رأيت في البلاد الأخرى يكتفي باعتها بذكر اسم الشيء مجردًا أو مقرونًا بوصف يدل على الجودة، فأما كثرة التشبيهات والكنايات على النحو الذي أشرت إليه فلم أجدها لغيرها.
ثم هم يدخلون في النداء فنًّا آخر، وهو فن الموسيقى والغناء، فهم يوقعون النداء توقيعًا فنيًّا؛ ومن رزق الصوت الحسن منهم غنى على ما يبيع فأطرب، وتفنن فأجاد، وكم في شوارع القاهرة — ولا سيما في الأحياء الوطنية — من باعة يصففون سلعهم، ويجودون عرضها، ثم يتأنقون في النداء عليها، ويتفننون في الغناء لها، حتى كأنك تسمع مغنيًا بارعًا، وفنانًا مجيدًا، وهذا بائع العرقسوس كثيرًا ما يستعمل الطاسات التي يمسكها، فيوقع عليها توقيعًا موسيقيًّا جميلًا في مهارة وإتقان.
ولا أنسى جماعة كانوا يشتركون في بيع «حب العزيز» في حارتنا، فكانوا يخترعون الأغنيات الكثيرة له، ويحمل أحدهم مزمارًا والآخر دفًّا، ويوقعون الغناء مصحوبًا بالمزمار والدف، فيؤلفون بذلك جوقة موسيقية، أو «تختًا» غنائيًّا بديعًا، فإذا بدءوا هرع إليهم أطفال الحارة وتحلقوا بهم، وأصغوا إلى موسيقاهم وغنائهم، وحملهم الإعجاب بهم على الشراء منهم.
والمصريون مولعون جدًّا بالغناء، تغنوا بالنداء على المبيع كما تغنوا بالقرآن وبالأذان، وفي الأفراح والمآتم، وفي حفلات الزار، وفي مجتمع الذكر.
ومن عجيب الأمر أن هذه الطوابع للأشياء تقليدية متوارثة، وكذا توقيعها الموسيقي، يتلقنها جيل عن جيل، رواها المحدَثون عن الأقدمين، فأما المنتجات الحديثة فلا طابع لها، بل يذكر اسمها مجردًا، كالمانجو فتذكر مجردة أو مع اسم صنفها أو مضافة إلى مستنبتها من غير تشبيه ولا كناية ولا موسيقى، وكالمثلجات وما إلى ذلك من أشياء حديثة، فليس لها طابع قديم، كقلل الشربات، وكيزان العسل، كأن الأقدمين كانوا أكثر فنًّا، وأقدر على الإبداع في التسمية، ولو كان للقدماء صحف كالأهرام والمقطم والبلاغ لصاغوا لها قوالب في النداء عليها، ووضعوا لها توقيعًا يتناسب وقوالبها.
•••

لقد رأيت كثيرًا من المدن الأخرى — شرقية وغربية — تنادي على الأشياء نداءً خاليًا من الفن البلاغي والفن الموسيقي، فينادون على الزهر باسم الزهر، والفحم باسم الفحم، والملح باسم الملح، فإن زادوا شيئًا فوصف بسيط، كأن يقولوا تفاح جميل أو خوخ جيد من غير نغم موسيقي، فما تعليل هذه الظاهرة في مصر، وخاصة القاهرة؟
الواقع أنها ظاهرة بسيطة، ولكن تعليلها معقد محير.
هل سببه توالي البؤس على مصر عصورًا طويلة جعلت الطبيعة له متنفسًا بكثرة الغناء وكثرة الموسيقى؟ ولذلك كانت الطبقة البائسة في الأمة أكثر ميلًا للموسيقى والغناء، يغنون وهم يصنعون، ويغنون وهم يسيرون، ويتنادرون وهم يسمرون، بأكثر من الطبقة الوسطى والراقية.
قد يكون هذا تعليلًا، ولكنه لا يثبت على الامتحان، فهل مصر أبأس من غيرها من بلاد الشرق؟ وهل القاهرة أبأس من غيرها من القرى؟
وقد تكون العلة مزيجًا من أشياء مجتمعة، منها ميل المصريين إلى المبالغة والاحتفال، فمبالغتهم في وصف الأشياء عند البيع واحتفالهم بهذا يشبه مبالغتهم واحتفالهم في الاستقبال والوداع والمآتم والأفراح والولائم وتحية الزائر وما إلى ذلك، فهذه كلها لا تؤدى في بساطة وسهولة ويسر، بل في تعقيد وتركيب ومبالغة، فكان من هذا الباب ميلهم إلى المبالغة في وصف السلع، هذا مع ميلهم إلى المرح وطرق الإغراء ولفت النظر، فدعاهم هذا كله إلى الغناء في النداء وإلى الموسيقى.
وفن ثالث يضاف إلى فن البلاغة وفن الغناء والموسيقى في البيع والشراء، وهو فن العرض، فترى بائع العرقسوس قد وضع في قدره لوحًا طويلًا من الثلج ليبرهن لك على برودته، وبائع اللب قد وضعه على شكل مخروط أو هرم، وبائع الترمس قد زينه بالورد والأزهار، والفاكهي صفف فاكهته في شكل يستحث على الشراء وهكذا، وهو فن كفن الغناء والموسيقى، يدعو إلى لفت النظر، ويغري بالشراء.
•••

ولكن إن كانوا يُحمدون على إدخالهم هذه الفنون الجميلة في البيع، فمن العدل أن يؤاخذوا على إدخال فنون غير جميلة فيه أيضًا.
فمن ذلك كثرة النداء كثرة مزعجة، فالموسيقى إنما تعجب وتطرب بقدر، فإذا زادت عن حدها انقلبت من مُطربة إلى مُصدعة، وهكذا كان الشأن في النداء، فقد زاد حتى صدع، فمن طلوع الشمس إلى منتصف الليل والنداء لا ينقطع، ولا أعلم بلدًا من بلاد الله كثر فيها الباعة المتجولون كثرتهم في القاهرة، ولا أعلم أشد منهم جلبة ومقدرة على الإزعاج، وكلما حاولت الحكومات ضبطهم وتنظيمهم فشلت وأعلنت عجزها، والبطالة عندنا اتخذت من مظاهرها بيع التجول، وما أكثر العاطلين فما أكثر المتجولين، إن فتح الدكان يتطلب تأثيثًا وأجرة وإضاءة وما إلى ذلك، فأما التجول فلا يكلف شيئًا إلا حمل السلع والسير بها، ويكفي أن يكون مع الرجل خمسة قروش أو أقل أو أكثر ليشتري بها كيزان ذرة أو قليلًا من اللب أو حزمًا من الفجل، ليقطع بها الشوارع رافعًا صوته مكررًا نداءه مغنيًا مالئًا الدنيا صياحًا.
وهم يلاحقون الناس حيث كانوا: في البيوت، في المقاهي، في السينما، حتى لتجلس في مقهى فلا تمر لحظة حتى يمر عليك الباعة يتجولون في الداخل والخارج: مواسي حلاقة، ومانجو، وفوط وبشاكير، وخيار مخلل، وكل ما خطر على بالك وكل ما لم يخطر، فكأنك في معرض معكوس، يمر عليك كل شيء بدل أن تمر على كل شيء، فإن أنت طلبت الهدوء والحديث الحلو والسمر الممتع فمحال أن يكون ذلك من غير أن تنقطع كل كلمة من الحديث بنداء بائع.
فإذا أوقعك سوء الحظ بنظرة تدل على رغبتك، أو بإظهار ميلك إلى الشراء، فقد دخلت في قضية طويلة فيها مرافعة من الجانبين، وفيها إقامة الحجج والبراهين على الغلاء والرخص، وفيها الأيمان وفيها المماكسة والممارسة، وأخيرًا فيها عرض الصلح أو رفض الدعوى.
وأظنك تسلم معي أن هذه كلها ليست فنونًا جميلة.
ومنشأ هذه الفنون غير الجميلة شدة فقر البائع وشدة حرص المشتري على أن يشتري الشيء بأبخس ثمن، ففقر البائع حمله على التجول في الشارع لا استئجار دكان، ورضاه بأتفه ربح، والإلحاح في العرض، وبذل الخلق في سبيل قرش يقتات به، وتحمل مشاق السير الطويل الشاق، والعرض المضني، والتحايل والمكر والخداع، وما إلى ذلك، وقاتل الله الفقر.
وحِرص المشتري حمله على الإعراض عن الدكان إلى بائع متجول يستغل فقره وعوزه، فيمارسه ويماكسه حتى يبيعه بالقليل التافه من الربح، أو يشتط في الإلحاح عليه حتى يضطره إلى البيع من غير ربح، وقاتل الله الحرص.
ومن مواضع النقد فن العرض الذي ذكرت، فهو فن بدائي، من جنس عرض الماشية في بعض القرى وفي بعض أحياء القاهرة قبل أن تذبح، وعرض العريس قبل أن يزف، فكان أولى في العرض من لوح الثلج في قدر العرقسوس، وشكل الهرم في بيع اللب، ووضع الأزهار على الترمس، أن يكون أساس العرض الترغيب بالنظافة، فهي أهم شرط من شروط العرض الجيد، فلأن يُعرض الشيء بسيطًا في نظافة خير ألف مرة من أن يعرض عرضًا مركبًا قذرًا، وهذا هو ما ينقص العرض المصري، فإذا روعي أنه بلد يكثر فيه الغبار والذباب، كان هذا العرض القذر من أسوأ الأخطار، ولم تتنبه مصلحة الصحة إلى هذا إلا أخيرًا، وهي اليوم في بدء برنامج طويل عسير.
ويضاف إلى شرط النظافة شرط الجمال، والجمال في العرض خاضع لسنة النشوء والارتقاء ككل شيء؛ فكما تعرض المرأة في الأمة الساذجة جمالها بكثرة حليها، والمبالغة في أصباغها، واختيار أزهى الألوان في ملابسها، ثم يرتقي ذوقها وذوق الناس إلى التجمل بالحلي البسيطة، واختيار الألوان الباهتة، فكذلك الشأن في جمال العرض، يبدأ ساذجًا بالترغيب بكبر الكمية ورخص السعر وبالصوت القوي ونحو ذلك، وينتهي بحسن العرض في وجه الدكاكين، وبالذوق الجميل في الترغيب بالجودة والجمال والإتقان، والفرق بين العرضين كالفرق بين سائل يستثير رحمتك بثيابه المهلهلة وجسمه المشوه، ومبالغته في عرض العجز والعوز، وسائل آخر يعرض فقره بتوقيع قطعة موسيقية، أو رسم صور كاريكاتورية أو ألعاب بهلوانية، فالأول يسترحم بفن القبح، والآخر يسترحم بفن الجمال.
وأخيرًا كل شيء عندنا يحتاج إلى مجهود جبار في إصلاحه، حتى نداء الباعة، وعرض البضاعة.

صور قضائية


أستسمح «القاضي الفاضل» الذي يكتب في «الثقافة» تحت هذا العنوان أن أختلس عنوانه مرة، ولكني أسارع فأطمئنه، فلست أريد أن أعتدي على اختصاصه، وإنما سأتكلم في قضايا من غير جنس قضاياه، ومحاكم غير محاكمه، وقضاة غير قضاته.
وحسبي فخرًا أن محاكمي أكثر من محاكمه، فهي بعدد رءوس البشر في هذا العالم، وهي في مصر وحدها نحو سبعة عشر مليونًا، على حين أن محاكمه لا تتجاوز المائتين، ومحاكمي تحررت من قيود المكان والزمان، فهي تعقد في كل مكان وكل زمان، وتحررت من قيود القضاء، ومتاعب «الكادر»، وشروط تعيينهم وانتقالهم وإحالتهم على المعاش ونحو ذلك، فقضاة محاكمي لا يعرفون شيئًا من ذلك كله، بل ويهزءون بذلك كله، ومحاكمي تثيب المحسن وتعاقب المسيء، أما محاكمه فلا تثيب محسنًا ولكن تعاقب مسيئًا، ومحاكمي تعمل في هدوء وفي صمت، ومحاكمه تعمل في ضوضاء وجلبة، ومحاكمي لا تعترف بشرطة ولا بحجَّاب، ولا بأوسمة ولا بمظاهر، بينما محاكمه أُثْقِلَتْ بكل ذلك، إلى آخر ما هنالك.
تسألني بعد ذلك ما محاكمك؟ فأقول إنها «محاكم النفس» ففي باطن كل إنسان محكمة فيها قضايا لا عداد لها، وفيها قضايا مألوفة وقضايا غير مألوفة، وفيها مرافعة يتبارى فيها الخصوم، وفيها أحكام، وكما أن صاحبنا القاضي الفاضل يعنى بتدوين القضايا الطريفة التي تلفت النظر وتستخرج العِبر، فلدينا في محاكمنا أشكال وأشكال من هذه الطرائف، فلنعرض أولًا لوصف المحكمة، ولعلنا بعدُ نعرض لطرائف القضايا.
ماذا يحدث في ساحة هذه المحكمة؟
يظهر في أُفق النفس شأن من شئون الحياة، من مأكل أو ملبس، أو مال أو جاه، أو تحصيل لذة من اللذائذ، فتتحرك الشهوة أو الرغبة، أو ما شئت فسمِّها، وتبدأ تترافع طالبة تحقيق هذا العمل وحصوله، وهذا بدء المرافعة، وصوتها له دوي وقوة، وإذا كانت هي المعبرة عن الجسم، ولسانه، فإن البدن ينفعل لها ويشرئب ويتلمظ، وتظهر عليه أعراض تختلف قوة وضعفًا، فيجري ريقه إذا كان المطلوب مأكلًا، ويجري الدم في عروقه، ويتحفز للوثوب كما يتحفز القط لقطعة لحم يراها أو لفأر يشم رائحته، وعلى كل حال فالجسم ينفعل ويتخذ أوضاعًا مختلفة، ومظاهر مختلفة باختلاف المشتهى، وفي كل ذلك يوكِّل الجسم الشهوة في المرافعة عن مطلبه والإلحاح في تحقيقه والمطالبة بتنفيذه.
وكثيرًا ما تتحرك الروح فتمانع، وتنيب عنها «محاميًا» اسمه في عرف محاكمنا «الضمير»، فيتكلم ويتكلم، ويفند حجج الشهوة، ويعارض في تنفيذ المطالب، ويتكلم بلسان آخر، وبوجهة نظر أخرى، فبينا تبني الشهوة مطالبها على أساس «إني أرغب» و«إني أحتاج» و«إني أشتهي»، إذ يتكلم الضمير على أساس ما ينبغي وما لا ينبغي، وبينا لا تنظر الشهوة إلا إلى أفق ضيق هو حاجة الجسم في حالته الحاضرة، إذا بالضمير يوسع نظره إلى أبعد من ذلك، فيرى الحاضر والمستقبل، والعواقب القريبة والبعيدة، ونتائج العمل لجسمه وغير جسمه، ويشتد النزاع، ويستحر القتال، وقد يطول وقد يقصر، ولكن مما لا شك فيه أن كلا المتنازعين مخلص في تعبيره، هذا يعبر أصدق تعبير عن مطالب روحه، وذاك عن مطالب جسمه، من غير مواربة ولا تحايل ولا مماراة، وهذان المترافعان يختلفان قوة وضعفًا عند الأفراد، فهذا وكيله الجسمي قوي كل القوة، بليغ كل البلاغة، يغطي بدويِّ صوته على صوت الضمير حتى لا يُسمع، شأنه في ذلك شأن الحيوان الأعجم، وهذا وكيله الروحي بلغ الغاية في القوة حتى ضعف أمامه «المحامي» الجسمي كل الضعف، وحتى بلغ من قوته أن صاحبه يزعم أنه يسمع صوته كما زعم سقراط قديمًا وچان دارك حديثًا.
•••

ثم لا نلبث في هذا النزاع أن نرى شيئًا دخل خصمًا ثالثًا في الدعوى، وهو العقل، وهو — من غير شك — أمهر الخصوم الثلاثة وأمكرها وأقدرها على الصلاح والفساد معًا. إن كانت الشهوة والضمير صادقين دائمًا، فالعقل ليس — دائمًا — صادقًا، فهو محام قابل للرشوة ترشوه الشهوة أحيانًا فيخترع العلل والأسباب والبراهين يؤيد بها وجهة نظرها، وبلغ من المهارة حدًّا كبيرًا حتى لا تتبين مواضع ضعفه، ومن مهارته أنه استعمل علمًا سماه «المنطق» يضلل به الناس فيزعم أنه مقياس التفكير الصحيح، ووضع فيه شروطًا للقضايا وشروطًا للقياس، وقال: إننا إذا سرنا عليها أمنَّا الخطأ، ومن مهارته أنه عني بأشكال القضايا أكثر مما عني بالقضايا نفسها، فاستطاع بذلك أن يبرهن برهانًا صحيحًا — في الشكل — على الشيء ونقيضه، فإذا استخدمته في التدليل على أن هذا أسود أتى لك بما ينتج ذلك، أو أبيض فكذلك، وهو لهذا أفسد المجالس النيابية، وأفسد المحاكم النفسية والمحاكم الخارجية، وأظلم الحق وأضاع الزمن، هو أطول الثلاثة لسانًا، وأقواها بيانًا، وأشدها إلحافًا، وأقدرها طغيانًا، هو كوليده العلم، يخدم الحق والباطل، والسلم والحرب، والموت والحياة، إن استخدمته في الرفاهية أتى لك بالعجب العجاب، من راديو وتليفون وضوء وموسيقى وما شئت من ألوان النعيم، وإن استخدمته في الإفناء فما شئت من غواصات وطيارات ومدمرات وغازات.
على كل حال يدخل العقل في القضية، فقد يكون مرتشيًا، وقد يكون نزيهًا، قد ترشوه الشهوة فينضم إليها ويترافع في صفها على غير اعتقاد منه، وقد يرشوه الضمير فينصره بحججه وقضاياه وأقيسته على غير اعتقاد منه أيضًا، وقد ينزه فيخلص للحق ويقول فيه كلمته، ويتخذ لذلك كله وسائله الخاصة من عرض المعاذير والاستشهاد بالنظائر وتهدئة الخواطر الثائرة أو إثارة الشئون الهادئة.
•••

ثم قد تتعقد القضايا وتشتبك المرافعة، فنرى ضروبًا من المترافعين المساعدين بجانب المترافعين الأصليين.
هذا هو «الخوف» يظهر وسط المرافعة بلونه الأسود المرعب يلوح لهذا وذاك، يحمل في يده لوحة كتب عليها بوضوح: «الآلام المنتظرة من العمل» قد يخوف بها الجسم إذا استمر في خضوعه لشهوته، وقد يخوف بها الروح في إمعانها في الجري وراء مثلها الأعلى، وله في ذلك وسائل مختلفة، ومستندات قوية، يتخذ أسلحته من الرأي العام يحتقره، ومن بيئته تزدريه، ومن الفقر يلحق به، ومن الموت يدركه، ومن المرض يضنيه، ومن العار يلحقه، وهو ماهر في كل ذلك، يستعمل لكل موقف ما يناسبه من وسائلَ.
وهناك شبح آخر يقف بجانب الخوف غريب الأطوار حقًّا، يلبس لباسًا خاصًّا غير ما يلبسه الوكلاء، يتخذ بعض أشكال الخوف وبعض أشكال الرجاء، فيه مسحة من الملائكة، ومسحة من الشياطين، يبعث منظره الغريب اليأس من جانب، والأمل من جانب، واللذة من ناحية، والألم من ناحية، لا يشبه شيئًا من عالم الواقع ولا عالم الحقيقة، ذلك هو الخيال، يلعب في القضية ألعابًا سيمائية، يرسم أحيانًا صورًا جميلة جدًّا يقوي بها الشهوة ويشد أزرها، ويرسم أحيانًا صورًا مخيفة يسلمها للخوف الذي بجانبه يحذر بها من الإقدام على تحقيق الشهوة فيجعلها تنضمر أمام الضمير.
وهذا محام آخر أخذ موقفه بجانب الشهوة، وتزيى بزي الفتاة اللعوب، تبرجت وازَّينت، اصطلح الناس على تسميتها العواطف، اعتادت أن تتشكل أشكالًا مختلفة، أحيانًا تقف موقف حب فتلهب الرغبة وتحمسها، وتطعن الضمير والعقل طعنات مميتة، وأحيانًا تقف موقف بطولة، فتحيي الضمير وتلهبه وتمده بروح منها، وهكذا دواليك، تلعب في المحكمة ألعابًا مدهشة، قد تستفيد منها الشهوة، وقد يستفيد منها الضمير، وقد يستفيد منها العقل.
•••

أمام كل هذه المناظر جلستْ على منصة القضاء «الإرادة» تُصغي إلى هؤلاء جميعًا، وتمعن في النظر إلى هؤلاء جميعًا، وتفهم كل المترافعين حسب لغاتهم ووسائل إغرائهم، ويعرض لها ما يعرض للقضاة، فتكون القضية مكيفة تكييفًا قانونيًّا واضحًا، فتصدر حكمها في سهولة ويسر وسرعة، وأحيانًا تتعقد القضية وتتشعب، وتقوى أدلة الخصوم وتتعادل، فتؤجلها لتقديم المذكرات أحيانًا وللنطق بالحكم أحيانًا، ثم تمعن النظر وتصدر الحكم وأحيانًا لا تصدره أبدًا، ثم شأنها شأن القضاة، تخطئ وتصيب، ومنها نوع يكثر خطؤه، ونوع يكثر صوابه، وهناك قضايا جزئية ليس فيها استئناف ولا نقض ولا إبرام، وهناك قضايا تستأنف، وقضايا تنقض ثم تبرم، وهكذا.
ألست معي — أيها القاضي الفاضل — أن محاكمنا أصل محاكمكم، وأنكم قد قلدتمونا، فأخطأتم التقليد أحيانًا، وأصبتم أحيانًا؟ ولا أظنك تستطيع أن تدعي أن محاكمنا هي التي قلدتكم، فمحاكمنا قديمة قدم الإنسانية، ومحاكمكم حادثة حدوث المدنية.

سيرة الرسول في كلمة


من نسل إسماعيل، في بيت عرف بالدين وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ يلي آباؤه أمور مكة، ويحجبون بيتها، ويطعمون حجيجها، ويبني جده قُصَيّ «دار الندوة»، فيجعل بابها إلى الكعبة، ويجعل إليها أمور قريش كلها، فلا يقضى زواج إلا بها، ولا يعقد لواء حرب إلا فيها، ولا ترحل رحلة إلا منها، وهو سيد قومه يتبعون أمره، ويعرفون فضله، ويتيمنون برأيه، وابتدع أشياء لقريش تحمسوا بها في دينهم، وتشددوا بها على أنفسهم، فسموا من أجل ذلك «بالحُمْس» — وأورث بنيه مجده وشرفه ودينه وعصبيته للبيت وإشرافه على شئون الحج، وجده هاشم صاحب إيلاف قريش إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ سن لهم رحلة اليمن والحبشة في الصيف، ورحلة الشام في الشتاء، ودعا قومه أن يجعلوا الحاج في ضيافتهم، يطعمونهم من مالهم، ويسقونهم من مائهم، ويقول: «إنهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه».
ويرى الناظر في وجوه أهل هذا البيت علائم الدين والسيادة عن طريق الدين، هذا عراف اليمن يتفرس في أنف عبد المطلب فيقول: «والله إني أرى نبوة وأرى ملكًا»، وهذه قُتَيْلة الخثعمية ترى في جبهة عبد الله بن عبد المطلب غرة مثل غرة الفرس.
من هذا البيت ولد محمد بن عبد الله، يرث الدين ويرث المجد والشرف عن طريق الدين، ونشأ يتيمًا لا ترأمه أم ولا يحميه أب، ونشأ فقيرًا لم يترك له أبوه إلا خمسة أجمال وقطعة غنم، فعرف طعم اليتم، وعرف طعم الفقر، وتولد في نفسه الرحيمة العطف على الفقراء، واليتامى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، لقد «خدمه «أنس» عشر سنين، فما قال له أف. ولا لم صنعت. ولا ألا صنعت»، ولقد قالت له خديجة عند بدء الوحي: «والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
ورعى الغنم — وهو غلام — مع أخيه من الرضاعة في بني سعد، ثم رعاها في مكة، فعرف من رعايته الغنم كيف يرعى الأمم، والنفوس المرهفة تتعلم من الأمر الصغير ما لا يتعلمه أوساط الناس من الكبير.
وخرج إلى الشام مرتين: مرة — وهو ناشئ — مع عمه أبي طالب، ومرة وهو ابن خمس وعشرين في تجارة، فرأى الشام تحت حكم الرومانيين، ورأى الحضارة كما رأى من قبل البداوة، ورأى ما لم يعجبه من الترف والنعيم، وفساد الخلق، وسقوط النفس، واطلع على صفحة من المعاملات المالية سوداء، فيها التهالك على المال، وفيها الخداع والاستغلال، وفيها أخلاق الناس كأخلاق السمك يأكل بعضه بعضًا، وفيها يُعبد المال من دون الله، فكره عبادة المال في الحضارة، وعبادة الوثن في البداوة، واجتمع له الوقوف على أخلاق هؤلاء وهؤلاء، فما أعجبته هذه ولا أرضته تلك.
وإنما كان يرضيه مواقف يُدْعَى فيها للحق والعدل، ويتحالف عندها على رفع الظلم، كالذي حدث في حِلْف الفضول، إذ تداعت قبائل من قريش واجتمع ممثلوها في دار عبد الله بن جُدْعَان، وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغير أهلها ممن دخلها إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.
لقد شهد محمد ? هذا الموقف، وحضر هذا الاجتماع، وكان في نحو العشرين من عمره، وأعجب به، إذ وافق نفسه الطامحة إلى العدالة المتأهبة لخير الإنسانية، وظل يذكره بالخير قبل بعثته وبعد بعثته ويقول: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت»، ويرضيه أن يتعاون الناس على الخير ولا يثور بينهم الشر، فلما اختلفت قبائل قريش في وضع الحجر الأسود في بناء الكعبة وأرادت كل قبيلة أن تنال فخر وضعه، واختصموا واستعدوا للقتال وتعاقدوا على الدم، أشار محمد ? بمد ثوب وضع فيه الحجر وأخذت كل قبيلة منه بطرف، ثم رفعه بيده ووضعه مكانه، وحجز الشر بينهم، وكان ذلك إرهاصًا لما كان منه بعد من تأليف قلوبهم وتوحيد كلمتهم، وهكذا هو في تاريخه يرحب بالخير ويعين عليه ويكره الشر ويقف دونه.
ويتجلى فيه النبل والإخلاص في كل مواقفه، فإذا هوجم قومه من قريش في حرب الفجار وقف بجانبهم يدافع عنهم، ويتحدث عن ذلك بعد فيقول: «قد حضرت الفجار مع عمومتي ورميت فيه بِأَسْهُمٍ وما أحب أني لم أكن فعلت» ويتزوج خديجة فيكون مثل الإنسان المخلص لزواجه، المخلص لحبه، المخلص لولده.
•••

لقد بلغ الأربعين، فالثمرة أشرفت على النضج، والزهرة تهيأت للتفتح.
كل شيء حوله يدعو إلى الطمأنينة، فهو محبب في قومه، سعيد في أهله، في يسر في ماله، ولكن متى كان للنفوس العظيمة أن تقنع بأعراض الدنيا أو تركن إلى مظاهر الحياة؟
لقد أصبح قلق النفس حائر اللب، ما عليه الناس هو الباطل فأين الحق، والبدو والحضر في ضلال فأين الهدى؟ واللات والعزى أوثان لا تنفع ولا تضر، فأين من ينفع ويضر؟ إلى غير ذلك من مشاعر نعجز عن وصفها.
إذ ذاك حببت إليه العزلة فكان يأنس بنفسه، ويفر من بني جنسه، ويمكث في ذلك الساعات أولًا، ثم الأيام، ثم الشهر وهو سابح في تأمله، غارق في تفكيره، تتكشف له الحقيقة رويدًا رويدًا، حتى جاءه الوحي، فلمعت نفسه وأضاء العالم حوله.
كان أول كلمة أوحيت إليه «اقرأ» ولكن ماذا يقرأ؟ وكيف يكلف القراءة وما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخط بيمين؟
كلا، إنه لم يكلف قراءة الحروف والكلمات، فهي تقيد البصر وتحد الفكر، إنما كلف قراءة أسمى من هذا وأرقى، إنها قراءة الكون دالًّا على خالقه، ووحدة العالم دالة على وحدة صانعه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقرأ: والشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، اقرأ: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، اقرأ اللهَ في السماء ونجومها، والأرض وجبالها ووهادها، والطير في الهواء، والسمك في الماء، اقرأه في اختلاف الليل والنهار، واختلاف الألسنة والألوان، اقرأه في نبضات القلب وحركات الحس وخلجات النفس، اقرأه في كل شيء تجده في كل شيء.
نظرة غيرت كل شيء، وسر أوحي إليه فتكشف له كل شيء، وبدأ يقرأ العالم من جديد، فإذا كل شيء جديد، لقد كان هذا العالم قبل هذه النظرة جامدًا فدبت فيه الحياة، وكان لا دلالة له على شيء فدل على خالق الحياة.
هذا ما نعلم فكيف بما لم نعلم؟
لقد كانت لحظة رائعة كل الروعة، جليلة كل الجلال، رهيبة كل الرهبة، فرأى ما لم يكن قبلُ رأى، وسمع ما لا عهد له أن يسمع، وتجلى له الحق في كل شيء، لقد كانت لحظة فارقة بين محمد بشرًا ومحمد بشرًا ورسولًا، لحظة غابت فيها نفسه عن عالم الحس، واستغرقت في عالم الروح، فبردت أطرافه ورجف جسمه وعاد وهو يقول: «زملوني، زملوني؟» حتى ذهب عنه الروع.
لو كان الأمر أمر حق ينكشف، ونفس تهتدي، لكان في ذلك لذة لا تقدر، ومتعة لا تفنى؟ ولكن تلا الوحيَ الأولَ الوحيُ الثاني: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ فكانت تَبِعَة عظمى وعبئًا ثقيلًا، لقد كلف أن يرد الناس عن ضلالهم، وينتزعهم من دين آبائهم، ويدعوهم أن يحكموا في دينهم عقولهم وقلوبهم، وما أشقها تبعة! فالناس مذ خلقوا عبيد ما ألفوا، أعداء ما جهلوا، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، ففريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون، هذا تاريخ كل نبي، وكل مصلح، وكل داع إلى الخير، أدرك ذلك ورقة بن نوفل، وقد قص عليه النبي ? فلخصه تلخيصًا بديعًا، إذ قال له: «والله لتكذَّبَنَّه، ولتؤذَيَنَّه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي»، وأدرك النبي ذلك كله فوجم، وأدرك تأييد الله فسكن.
ومن ذلك الحين يبدأ حياته في الجهاد، جهاد في الدعوة وتصويرها وتبليغها كما أوحيت إليه، والسعي في إيصالها إلى كل سمع، والسير بها خطوة خطوة ورويدًا رويدًا، كما أمر الله حتى تبلغ غايتها ويتم كمالها، وجهاد في حماية الدعوة بالرفق إن أغنى، وبالسيف إن عجز الرفق.
أس الدعوة إله أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، تعالى عن الصورة وتنزه عن المادة، خالق كل شيء، بيده ملكوت السموات والأرض، وهو على كل شيء قدير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
فما أحقر الأصنام، وما أحقر عبادتها! إنها سقوط الإنسانية وفساد الفطرة، إنها داعية الفرقة وموجبة الخلاف، فلكل قبيلة صنم ولكل قوم وثن، ولو أدركوا وحدة إلههم لتوحدت عبادتهم وتألفت قلوبهم.
ثم بجانب دعوته إلى العقيدة دعوة إلى نوع من الشعائر تعظيمًا لله، وإقرارًا بربوبيته.
دعا دعوته سرًّا فآمن به أقرب الناس إليه وأعرفهم به: زوجه خديجة، ومولاه زيد، ومربَّبُه علي، وصديقه أبو بكر، وظل على ذلك نحو ثلاث سنين استجاب له فيها أرسال من رجال ونساء، وصناديد قريش لا يهمهم أمره، ولا يعنيهم شأنه، ثم دعا جهرًا فبسط دعوته من غير أن يهاجم عقائدهم، فسكتوا عنه ولم يردوا عليه، ولكن بناء الجديد لا يكون إلا بعد هدم القديم، فلتهاجم الأصنام في غير رحمة، وليشهر بالشرك في غير هوادة، ولتسفه أحلامهم ليعودوا إلى الصواب، وليلعن ضلالهم ليتبين لهم الهدى، فكان ذلك بدء الخصومة وفاتحة العداوة، وأجمعوا خلافه، وأظهروا عداوته، ثم رغبوه وأرهبوه، فما أبه لترغيبهم ولا ريع لإرهابهم، وصبر على إيذائهم يمعن في دعوته، ويبشر المؤمنين وينذر المشركين، ويؤمن أن العاقبة للمتقين، وازدادوا في إيذائه ومن معه، فأوعز إليهم بالهجرة، فهاجر كثير إلى الحبشة، فكان فيها بعض السعة، وعلم أن القوة إنما تدفع بالقوة، والسيف يقارع بالسيف، والله الذي أنزل الكتاب أنزل معه الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، ويئس من قريش فرنا إلى القبائل الأخرى، وظل نحو سبع سنين بعد يتحين المواسم كل عام في الحج، ويتعرف القبائل ومنازلها، ويدعوهم إلى أن يحموه حتى يبلغ رسالات ربه، فلا ينصره أحد ولا يجيبه أحد، ويردون عليه أقبح رد، ويقولون له: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك ويؤمنوا بك. حتى ساقه الله لنفر من الأوس والخزرج فدعاهم دعوته فأجابوا، وأسرعوا فآمنوا، وعادوا إلى قومهم في المدينة ففشا الإسلام في دورها، ثم هاجر رسول الله إلى المدينة ليكون بين أنصاره وحماة دعوته.
صبغت المدينة صبغة إسلامية قوية فتآخى المهاجرون والأنصار، وبنيت فيها المساجد وجلجل فيها الأذان يتردد صداه، وأقيمت شعائر الدين في طمأنينة وأمن، وجاء الإسلام ينظم الحياة الاجتماعية كما نظم الحياة الروحية، وألف في المدينة الجيش يحمي الدعوة ممن يهاجمها أو يقف في سبيل نشرها، كجيش مكة الذي يعلن الوثنية ويحميها، وينتشر الخبر في الجزيرة فينضم إلى هذا اللواء قوم، وإلى ذاك آخرون، وجاءت غزوة بدر فخرج المسلمون في قلة من عددهم وقوة في إيمانهم، والمشركون بصناديدهم وأفلاذ أكبادهم، فكان النصر للمؤمنين، وكانت الحادثة فتحًا عظيمًا ملأت قلوب المسلمين بالأمل، والمشركين بالهلع، وتتابعت الغزوات، فكانت — في غالبها — فتحًا بعد فتح ونصرًا يعقبه نصر، والإسلام ينمو وينتشر، والشرك ينهزم ويندحر، حتى غزا المشركين في عُقْرِ دارهم — في مكة — ورأى أبو سفيان الجموع الحاشدة فقال: من هؤلاء يا عباس؟ قال: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة، والله لقد أصبح مُلك ابن أخيك الغداة عظيمًا! فقال العباس: كلا، إنها النبوة. وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فما مسه زهو الفاتح ولا فخر الغالب، و«لقد رئي إذ ذاك على راحلة، معتجرًا بشقة بُرْد، وإنه ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عُثْنونه ليكاد يمس واسطة رحله»، وحج حجة الوداع في مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا يريهم مناسك الحج ويرد تحريفات الشرك.
انتهى الآن شأن الجزيرة فتوجه إلى ما حوله من فارس والروم، فكتب إلى ملوكهما يدعوهم دعوته، ويبين حجته، ويحملهم وزر قومهم، وضلال شعوبهم، وأخذ يعد لغزو الروم في الشام عدته ويخبر قوته.
ثم أدركه المرض واشتدت به العلة، وكان بين يديه إناء فيه ماء، فكان يدخل فيه يده فيمسح بها وجهه، ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات»، ثم جعل يقول: «اللهم الرفيق الأعلى» حتى قبض.
وخلَّف العبء لرجال اهتدوا هديه واستنوا سنته، وأدوا الأمانة التي حملوها، ونهضوا بعظائم الأمور التي كلفوها، فما وهنوا في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فإذا فارس مسلمة، وإذا الروم مستسلمة، وإذا الأرض تتجاوب أنحاؤها بلا إله إلا الله محمد رسول الله.
•••

فاللهم يا من أعززت المسلمين بعد عناء، وقويتهم بعد ضعف، ووحدت كلمتهم بعد فرقة، وألفت بين قلوبهم بعد شتات، أدرك آخرهم بما أدركت به أولهم، وأعزهم بما أعززت به سلفهم، وبصرهم بوجوه ضعفهم حتى يتخذوا العدة لنهوضهم، وأنِرْ لهم سبيل القوة حتى يعودوا سيرتهم، واجعل العام الجديد فاتحة عهد جديد، يصلحون فيه أخطاءهم، وينعمون بقوتهم، ويعتزون بجاههم، ويباهون العالم بأعمالهم.

في المدنية الحديثة


لعل أهم مظهر من مظاهر المدنية الحديثة أنها جعلت الحياة مؤسسة على العلم.
حاولت أن تغزو كل مرفق من مرافق الحياة وتؤسسه على العلم؛ فالفلاحة مؤسسة على العلم في ري الأراضي وآلات الزرع والحصاد، والزراعة مؤسسة على العلم، في شأن النبات ووقايته، وآفاته وما إلى ذلك، وهكذا في كل شأن من شئون الحياة: تربية الأولاد مؤسسة على العلم، والحياة الاقتصادية مؤسسة على العلم، والحرب مؤسسة على العلم، ولا شيء يحدث اعتباطًا، وإنما هناك درس علمي واستنتاج علمي وبناء العمل على ما وصل إليه العلم.
ولعلك إذا قارنت الشرق بالغرب فأول ما يفجؤك من وجوه الفروق أن الشرق — في كثير من شئونه — لا يسير على مقتضى العلم، والغرب يسير في كل شئونه على العلم.
الفلاح في الشرق يفلح لا على مقتضى العلم، ولكن على مقتضى التقاليد، والعلم يتقدم ويبحث ويخترع، ولا تزال آلات الزراعة عندنا على ما كانت عليه في عهد قدماء المصريين إلا في القليل النادر، وحياة الفلاحين كما كانت في عهد قدماء المصريين كذلك، وقد أحدث العلم ثورة في تربية الأولاد، وسير الغريبون تربيتهم وفق العلم، وحافظنا على تربية أولادنا وفق التقاليد، والتجارة صارت علمًا يدرس، وله نظريات ثابتة بنوا عليها تجارتهم، ونظموا بها دخلهم وخرجهم، وتجارتنا مؤسسة على البركة، إلى آخره.
وهذا الفرق بين المدنية الغربية والمدنية الشرقية هو الذي مكن الغرب من استعمار الشرق، فقد أسس الغرب سفنه على علم الملاحة، وأعد أدوات قتاله حسب علم الميكانيكا والطبيعة والكيمياء، ودرس الجغرافيا، وعرف الأرض وما حوت، وحيي حياته كلها وفق العلم، ودرس الشرق فرآه لا يطبق حياته على العلم، فغزاه بالعلم، واستعمره بالعلم، وتمكن منه بالعلم.
وقد استغلت المدنية الحديثة العلم إلى أقصى حد ممكن، فطبقته على كل مرفق من المرافق، استعملته في الترف والنعيم بما اخترعت من قطارات وسيارات وتلغراف ولاسلكي وكهرباء، واستعملته في شئون الاقتصاد والتجارة، وفي تأسيس البنايات الضخمة والآلات الفخمة، واستخدمته أيام الحرب في الغازات الخانقة والكمامات وأدوات القتال على اختلاف ألوانها وأنواعها.
وكلما كان العلم أمس بالحياة كانت المدنية أكثر به عناية، ولهذا كانت العلوم الطبيعية أكثر العلوم أهمية في نظر المدنية، وقد بلغت هذه العلوم من الرقي حدًّا كبيرًا نفذت به المدنية إلى مناحي الحياة المتشعبة في المنزل وفي الشارع وفي المدينة وفي السلم والحرب.
وكان من نتيجة هذا أن ضعفت العناية بما لم يترتب عليه في الحياة عمل، حتى الفلسفة غلبت عليها الناحية العملية، وعني فيها بالنفس والاجتماع والمنطق أكثر مما عني فيها بما وراء الطبيعة والإلهيات.
ودرات آلة العلم في المدنية الحديثة دورًا عنيفًا وسريعًا، وأحل العلماء في المجتمع محلًّا رفيعًا، وامتلأت أوربا بقاعات البحث، وتخصص العلماء للدرس والاستكشاف، وكلما وصلوا إلى نتيجة علمية أخذها التجار فحولوها إلى صناعة تملأ البيوت وتغزو الأسواق وتنفذ إلى صميم الحياة العملية.
أصبح هذا هو طابع المدنية الحديثة الذي يتجلى في كل مظهر من مظاهرها، كما أصبح هو مقياس رقي الأمم، فالأمة أرقى من أمة؛ لأنها أكثر تقدمًا في العلم وأكثر استخدامًا له في حياتها اليومية، والغرب أسبق من الشرق؛ لأن محصول الغرب العلمي أكبر ولأن سيره على مقتضى العلم أتم.
وهذا هو أيضًا ما يحدد خطة السير التي يجب أن يسيرها الشرق إذا أراد أن يصل إلى ما وصل إليه الغرب، وهذه الخطة تتلخص في أن يجدَّ في العلم ويسير في حياته وفق العلم، وهذا يتطلب تعديلًا في قائمة العلوم كما فعل الغربيون، فيوضع في أولها العلوم الطبيعية من طبيعة وكيمياء وميكانيكا وهندسة وما إلى ذلك، والعلوم الاقتصادية والاجتماعية وما إليها، ثم ثورة على الحياة المؤسسة على التقاليد، وابتداء صفحة من التاريخ مؤسسة على العلم، في الفلاحة والزراعة والتجارة والتربية والتعليم والسياسة وكل شأن من شئون الحياة، فإذا وجه الحياة يتغير، وإذا الشرق سائر سير الغرب، وإذا الركود يتحول إلى حركة، وإذا أخطاء حياتنا تظهر في أشنع صورها، وإذا الخلف يعجب كيف كان يسير السلف.
«العلم وتأسيس الحياة على العلم» هو المبدأ الذي يجب أن يكون شعار الأمم التي تريد النهوض، وهو المفتاح الذي نفتح به أبواب الحياة، وهو المصباح الذي نبصر في ضوئه كل عيوب الحاضر.
الفرق بين مدنية العصور الوسطى والمدنية الحديثة كالفرق بين «الأجزاخانة» ودكان العطار، وكالفرق بين الطب الحديث وطب الرُّكَّة، قد ينفع دكان العطار وقد ينفع طب الركة، ولكن نفعهما مبني على المصادفة والبخت، على حين أن نفع النوع الأول مبني على الدرس ومعرفة السبب والمسبب والعلة والمعلول، إذا نفع النوع الثاني فنفعه تقليد وعقيدة، وإذا نفع الأول فعلم ومنطق.
والفرق بينهما أيضًا كالفرق بين عربات النقل والسيارة، أولاهما كانت تساير الزمن البطيء والحياة البطيئة التي كان الناس يحيونها، والثانية تساير الزمن السريع والحياة السريعة التي يحياها الناس الآن.
ومحال إذا أردت مجاراة الزمان ومواجهة الواقع أن تحارب الأجزاخانة بالعطار والقطار بالعربة، إلا إذا عشت في أتم عزلة عما حولك من العالم، ومحال أن يكون ذلك، فالعلم أيضًا كسر الحدود، وصير العالم وحدة لا وحدات.
لقد آمنت المدنية الحديثة كل الإيمان بقانون السببية، فكل ظاهرة في الوجود إذا حدثت فهناك سبب لحدوثها، وإذا أريد علاجها فلا بد من علم بها ووضع العلاج على أساس العلم بها، تستوي في ذلك الظواهر الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية، على هذا الأساس نظموا حياتهم في الصحة والمرض، في شئون المال، في شئون التربية، في الإقدام على المشروعات، في علاج المشكلات، الدرس أولًا ومعرفة العلل والأسباب والنتائج.
ثم بناء العمل على هذا الدرس، لا شيء يعمل سَبَهْللًا، ولا شيء يعمل اعتباطًا، في المدرسة يبنون حياتهم المدرسية على دراسة النفس وعلم التربية، وفي البيت يبنون حياتهم المالية على قوانين الاقتصاد، وفي حياتهم السياسية على قوانين علم الاجتماع، وفي حياتهم الحربية على علوم الحرب وفنونها وإحصاءاتها وتجاربها الميكانيكية والنفسية، حتى لهوهم ولعبهم مبني على قوانين النفس وقوانين الرياضة.
وبقدر ما توسع القدماء في دائرة القضاء والقدر ضيقت المدنية الحديثة من هذه الدائرة، فالغنى والفقر والصحة والمرض والفساد والصلاح والنصر والهزيمة والنجاح والفشل كانت كلها عند الأقدمين داخلة في دائرة القضاء والقدر، وأكبر جزء منها في المدنية الحديثة داخل في دائرة قانون السببية، وهكذا.
قد صيرت المدنية الحديثة العالم جامعة كبيرة وطبقت عليه نظام الجامعة، جمع للظواهر ودراسة دقيقة لها وإجراء التجارب عليها، وعمل ما يستلزمها من إحصاءات وما إليها، وإبعاد ما ليس للظاهرة المعروضة علاقة بها، واستنتاج الحل لهذه الظواهر بعد الدرس.
والفرق بين جامعة العالم والجامعة الخاصة أنهم في جامعتهم الواسعة يريدون أن يطبقوا ما وصلوا إليه من نتائجَ على الحياة العملية، ويعدون البحوث المجردة بحوثًا ميتة لا حياة فيها ولا روح، ويرون أن العلم ليس للعلم، وإنما هو ليستخدم في الحياة وليُسعد الحياة، وليس العلم اللذة العقلية فقط، ولكنه لتشكيل مرافق الحياة حسب قوانينه، فالطبيعة والكيمياء والميكانيكا والرياضة ليست للزخرف العقلي، ولكنها لبناء الجسور وشق الترع واختراع الآلات لخدمة البشر وكل ضروب المدنية، وما لم ينبنِ عليه عمل فهراء باطل وشعوذة ممقوتة.
•••

هذا أهم فرق — في نظري — بين المدنية الحديثة والقديمة، وبين الأمم المتحضرة وغير المتحضرة، وبين الأمم الحاكمة والأمم المحكومة.
وهذا أيضًا هو الجانب الحسن في المدنية الحديثة وجانب القوة فيها، ولكن هناك من ناحية أخرى وجهًا ضعيفًا، وجهًا ينقص المدنية الحديثة لتكمل، ذلك أن للإنسان، بجانب قوته العاقلة التي نتاجها العلم والتي يرمز إليها عادة بالرأس، قوة أخرى روحية يرمز إليها بالقلب، ومن مظاهرها الدين والمثل العليا للخير والسلوك وما إلى ذلك، ولا بد لخير الإنسانية وسموها من تعادل القوتين ونمائهما معًا.
وقد رأينا المدنية الحديثة تُعلي شأن العقل والعلم علوًّا كبيرًا، ولا تعلي شأن القلب كذلك، حتى لرأيناها تحكم العقل في القلب، والعلم في الدين، والمنطق الجاف في السلوك.
لقد أدى إعلاء شأن العقل والعلم وحده إلى هذه الحروب الطاحنة الدامية، ولو تدخل القلب فأعلى شأن الإنسانية لوقف العلم عند خدمة الحياة، ولم يتعدها إلى إعدام الحياة، كما أدى إعلاء شأن العلم إلى أن وجهوه إلى الدين يشرِّحه كما يشرح الطبيب الجسم، ويحلله كما يحلل الكيمياوي الأشياء، ففقد روحه وفقد قيمته، وفقد الناس احترامه، وأنى للعلم أن يحكَّم فيما ليس من اختصاصه؟ إذ كيف تخضع الحب للمنطق، والشعور للعقل، والعاطفة للبرهان؟ إن تحكيم العلم في هذا كتحكيم العين في المسموع والأذن في المرئي والأنف في الملموس، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، فلما حلل العلم الدين حوله من عاطفة إنسانية وطموح إلى المثل العليا إلى خدمة اجتماعية، لقد أنشأ الدين مملكة سماوية تشرئب إليها النفوس، وتسمو إليها الأرواح، فجاء العلم يحطم هذه المملكة ويرد الدين إلى حظيرة الواقع ودنيا الجماد.
لقد جاء الدين فدعا إلى إحياء القلب وإحياء البصيرة، وجاء العلم ينكر كل شيء إلا العقل وإلا المنطق، ولا أمل لسعادة الإنسان إلا بحياة عقله وقلبه معًا، واعتراف كل بحدود دائرته من غير أن يتعدى اختصاصه، لقد حول العلم الدين إلى رياضة، وجعل البرهنة عليه من جنس البرهنة على نظرية هندسية، وجهل الفرق بين شيء خارجي يبرهن عليه، وشيء في النفس ينكشف بالشعور، إن الدين شعور وإلهام مركزهما القلب، والعلم يشرح ويوضح ويبرهن ويستمد ذلك من الرأس، إن العلم ليعجز عن إدراك جمال الدين كما يعجز عن الشعور بجمال ازدهار الزهرة وابتسامة الطفل، لقد ملأ العلم الحياة مالًا واختراعًا، ولكن كان شأن الإنسان معه شأن الرجل كثر ماله فأنفق عمره فيه يديره ويدبره حتى لم يجد وقتًا ما يفكر فيه لنفسه، كذلك كان شأن الناس في المدنية الحديثة، تنوعت حياتهم وكثرت تكاليفهم، وازدحمت أوقاتهم، وامتلأت جيوبهم، ولكن فرغت قلوبهم، وعاشوا عيشة صاخبة لا يجدون فيها أنفسهم حتى كأنهم في حلم ثقيل.
كانت نتيجة هذه الحياة التي يعنى فيها بالعلم وحده، ويستخدم العلم فيها للحياة المادية وحدها أن أصبح مقياس الحياة القوة وحدها، القوة في المال وفي الجسم، ثم توجت هذه القوة بالتسلح، وكلما كانت الأمة أمضى سلاحًا وأشد فتكًا وأمعن في التنكيل كان ذلك دليل عظمتها وأدعى إلى احترامها، وهذا بعينه هو المقياس الوحشي القديم الذي كانت تقاس به الأمم أيام بداوتها، وكانت تقاس به الأفراد أيام سذاجتهم، ثم تغير هذا المقياس في حق الأفراد ولم يتغير في حق الأمم، أصبح الفرد يقوَّم بسلوكه وحبه للعدل والحق ونحو ذلك، ولكن لا يزال تقويم الأمم كما كان في نشأتها الأولى، بالقوة.
إن طغيان العلم على الروح والعقل على القلب هو وجه الضعف في المدنية الحديثة، ولا أمل في صلاحها إلا بتعديل عناصرها وحياة قلبها، إذ ذاك تنظر إلى الإنسانية لا إلى القومية، وإلى العدل والحق لا إلى الجنس، وإلى خير العالم كله لا إلى خير جزء منه، وهذا اللون هو لون المدنية المنتظر.
ولعل هذه الحرب بويلاتها تسلم إلى هذه النتيجة، فيعدل الأساس، ويعرف العلم حدوده والقلب حدوده، ويحيا الدين كما حيى العلم، وتزدهر الروح كما ازدهر العقل، ويتسلم زمام الأمم أقواها قلبًا وأحياها ضميرًا، لا أشدها دعابة وأكثرها تهويشًا.

هل يكون معلمًا؟


سألني أبٌ: هل أُدخل ابني كلية الآداب ليكون معلمًا، أو كلية الحقوق ليكون محاميًا أو قاضيًا؟ وأضاف إلى ذلك: إن ابني يرغب أن يكون معلمًا وأنا أكره له ذلك؛ لأن التدريس عمل مضن لا يدر مالًا ولا يفيد جاهًا.
نعم — أيها الأب — إذا أردت وأراد ابنك المال والجاه فإياه وإيا التعليم وإيا الأدب والفن وما إلى ذلك، فإنها ليست طريق المال ولا الجاه، ومن قصدها للمال والجاه خاب ظنه وضل سعيه.
إنما يصلح للتعليم قوم قنعوا من دنياهم بأن يعيشوا على ضروريات الحياة، وفي حدود ضيقة من الرزق.
ليس يصلح للتعليم من طلب بتعليمه الغنى والجاه، وليس يصلح كذلك من سدت في وجوهه طرق الكسب الأخرى، ثم رأى أن باب التعليم وحده هو المفتوح أمامه فدخله مرغمًا، إنما يصلح للتعليم من كان يرى — بحكم طبيعته ومزاجه — أن لذة التعليم تفوق كل لذة، وأنه سعيد باحترافه التعليم، وأن ما يجده من لذة في حرفته يعوض ما يجده من ضيق في رزقه وضآلة في جاهه، وإلا كانت حرفة التعليم عذابًا، وكل درس يؤديه ألمًا يمتد بامتداد الدرس، وكل فترة من الزمن بين درسين أنينًا من الدرس الماضي وإشفاقًا من الدرس القادم، وكل ساعات فراغه شكوى من الزمان أن رماه بحرفة التعليم، وسبًّا للقدر أن بلاه بهذا البلاء المبين.
إن الحرفة الحقة الناجحة — أيها الأب — هي التي خلق لها صاحبها، لا التي أكره عليها صاحبها، ففي الأولى هي لذة وشوق، ونمو شخصية، وتفتح ملكات، والنجاح في الحرفة وبلوغ الذروة فيها هو القصد الأول، والمال والجاه إذا أتيا أتيا عرضًا لا قصدًا، وإذا لم يأتيا فلا بأس، فقد سعد في أثناء عمله وسعد في نجاحه ببلوغ غايته أو القرب منها، وفي الثانية ألم، وهي سخط، وهي فشل، وهي طلب للمال والجاه من غير وسائله الطبيعية وطرقه المشروعة، فسائل ابنك قبل أن تسائلني، واختبره قبل أن تختبرني: هل يجد لذة في تفتح الزهرة وإثمار الشجرة أكثر مما يجد من حفنة من المال في يده يعددها ويقلبها ويلعب بها؟
إن كانت الأولى فشجع ابنك على أن يكون معلمًا، وإن كانت الأخرى فوجهه إلى أي عمل غير التعليم، ولا تقع فيما يقع فيه الناس، إذ يستفتون شهوتهم في المنصب والجاه، ولا يستفتون ملكات أبنائهم وطبيعتهم واستعدادهم، ويختارون لأبنائهم من العمل ما يتفق والمنصب والجاه، ولا يتفق والطبائع والاستعداد، فيبوءون بالفشل الذي يبوء به من حاول أن يجعل من النحاس ذهبًا، ومن الحديد نحاسًا، فلا المنصب نالوه، ولا ما هم أهل له أدركوه، ووقفوا وسط السلم، لا فوق ولا تحت، أو علقوا في الهواء، لا في السماء ولا في الأرض.
•••

كل ذي صناعة منتج أو مبدع أو خالق، فالنجار والحداد والمَثَّال ونحوهم يبدعون من المواد الخام صورًا لم تكن، وقد يبلغون في الإنتاج حدًّا يستخرج الإعجاب والعجب، ولكنهم مهما بلغوا لا يصلوا إلى إبداع المعلم، وسمو صناعته، وسحر فنه.
ماذا يصنع المعلم؟
إنه يجلو أفكار الناشئين والشباب، ويوقظ مشاعرهم، ويحيي عقولهم، ويرقي إدراكهم، إنه يسلحهم بالحق أمام الباطل، وبالفضيلة ليقتلوا الرذيلة، وبالعلم ليفتكوا بالجهل، إنه يملأ النفوس الخامدة حياة، والعقول النائمة يقظة، والمشاعر الضعيفة قوة، إنه يشعل المصباح المنطفئ، ويضيء الطريق المظلم، وينبت الأرض الموات، ويثمر الشجر العقيم، إن المعلمين عدة الأمة في سرائها وضرائها، وشدتها ورخائها، لا تنتصر في حرب إلا بقوتهم، ولا تنهزم إلا لضعفهم، ولا يزهر العلم فيها إلا بهم، ولا ترقى مصانعها ومتاجرها إلا برقيهم، هم منشئو الجيل، وباعثو الحياة، ودعاة الانتباه، وقادة الزمن، هم عنوان الأمة، ومظهر ضعفها أو قوتها، في عقلها وقلبها وخلقها؛ لأنهم يصنعون القوالب التي تصب فيها أبناؤها وبناتها، ويشكلونها بالأشكال التي يتصورونها ويضعونها.
المعلم يملك نفوسًا وعقولًا ومشاعرَ بعدد من يعلمهم، ومن يصل نفعه إليهم، وغيره يملك مالًا وضياعًا وعقارًا، فإن كان ابنك — أيها الأب — ممن يفضل ملك النفوس والعقول على ملك المال والعقار فاجعله معلمًا، وإلا فليكن تاجرًا أو محاميًا أو مهندسًا أو ما شئت، غير أن يكون معلمًا، المعلم يتاجر، ولكنه يتاجر في الأرواح والعقول والمشاعر، ويكسب ويخسر، ولكنه يكسب نفوسًا تتعلق به وقلوبًا تتجمع حوله، أو يخسر عقولًا أتلفها ونفوسًا أفسدها، فإن كان ابنك ممن له غرام بالنفوس والقلوب يكسبها فليكن معلمًا، وإلا فخير له أن يتاجر في الذهب والفضة أو ما يدر الذهب والفضة، أما إن هو تاجر بالنفوس وأراد الذهب فبشره بالخسارة التي يمنى بها رجل الدين إذا أراد الدنيا، ورجل العلم إذا خدم بعلمه السياسة.
التعليم — أيها الأب — نوع من الرهبنة، انقطع صاحبه لخدمة العلم كما انقطع الراهب لخدمه الدين، أو إن شئت فقل: إن الراهب يعبد ربه من طريق تبتله واعتكافه، والمعلم يعبده من طريق علمه وتعليمه، كلاهما زهد في الدنيا إلا بقدر، وانقطع عن الناس إلا ما يمس عمله، وكلاهما ركز لذته وسعادته فيما نصب له نفسه، فإن رأيت راهبًا ينحرف ببصره إلى زخرف الدنيا وزينتها فهو راهب فسد، وإن رأيت معلمًا يجعل غرضه الأول المال والجاه وعرض الدنيا فهو — كذلك — معلم فسد.
•••

كم في الدنيا من أناس أشقياء أكبر شقائهم ناشئ من أنهم يعملون فيما لم يخلقوا له، هذا مهارته في يده يعمل بعقله، وهذا مهارته في عقله يعمل بيده، وهذا مهارته في قلبه يعمل بيده أو عقله، وهذا ماليٌّ يعمل عالمًا، وهذا عالم يعمل ماليًّا وهكذا، ومن هذا القبيل صنف من المعلمين لم يخلقوا للتعليم وإنما خلقوا للمال، فأجسامهم في التعليم، وطموحهم للمال، فلما لم يصلوا إلى المال — وذلك طبيعي — عذبوا عذابًا شديدًا، وضاقت نفوسهم، واضطربت عقولهم، وفشلوا في التعليم والمال معًا، نسوا أن التعليم عمل روحي لا يصلح له إلا من تجرد للروح وشئونها، وقلبوه إلى عمل آلي فحرموا لذة الروح، ولم ينجحوا في العمل الآلي، وكانت حجرة التعليم سجنًا، وعلاقتهم بالمتعلمين علاقة السجان بالمسجونين، فلم ينجحوا في التعليم الذي قيدوا أنفسهم به، ولا في المال الذي طمحوا إليه، وكان من الخير أن يريحوا أنفسهم من التعليم، ويريحوا التعليم من أنفسهم، لقد فهموا كما يفهم الماليون أن مقياس النجاح في الحياة سعة الرزق، وعظم المرتب، وتدفق المال، فلما لم يجدوا شيئًا في أيديهم عدوا أنفسهم خاسرين، فنقموا على أنفسهم وعلى الزمان، وعلى حرفة التعليم، وعلى القدر الذي ألجأهم إليها، وفاتهم أنهم غلطوا في مقياس النجاح، فوزنوا بالمتر، وقاسوا الطول بالقنطار، فمقياس النجاح في الحياة العلمية غيره في الحياة المالية والمناصب الحكومية.
•••

ومع هذا فلهم بعض العذر في الشكوى من الضيق والضنك، فنظم الحياة يسرت العيش للراهب ولم تيسره للمعلم، جعلت الراهب يعيش لنفسه وربه، وقطعت صلته بالأسرة فتخفف من أعبائها، ولكنها أباحت للمعلم أن يتزوج وأن يكون رب أسرة، ثم طالبته أن يترهب، فإن ترهب هو لم تترهب زوجه وولده، فهو يحلِّقُ بنفسه وعمله في السماء، وأسرته تجذبه في عنف إلى الأرض، يرضى بكسب القلوب، ويسر بفتح الزهور، ويعد نفسه غنيًّا بملك النفوس، ولكن ذلك كله لا يغني فتيلًا عند أسرته، فهي تريد المال الصامت، ولا يرضيها ملك النفوس الناطقة، فهو بائس مسكين، مضطرب بين مثله السماوي ومثل أسرته الأرضي، وغناه النفسي وفقرهم المادي، وقناعته بلذته الروحية وإلحافهم في طلب لذائذهم المادية، وقد كان يكون مثل المعلم صحيحًا وسليمًا لو عاش وحده وطمح وحده وتغنى وحده كما هو شأن الراهب، أما وهو معلم في معهده ومثقل بالأسرة في بيته، فتلك مشكلة المشكلات في العالم كله.
•••

لو عقل الناس لأغنوا المعلم وأمكنوه من التفرغ لعلمه ولإنتاجه ولخلقه، ولو قاسوا الأشياء بفوائدها لقوموا المعلم أكبر قيمة، ولكن أنَّى هذا وتقويم الأشياء في الدنيا من أول عهدها إلى اليوم تقويم أخرق، بني على نظر أحمق، هذا كل مهارته أن يثير الضحك بمنظره أو بمنطقه أو بحركاته فينهال عليه المال انهيالًا، وهذا يثير الشهوة بألفاظه وخدعه فيتدفق عليه المال بالهيل والهيلمان، وهذا شاب سخيف غر كل ميزته أنه ابن غني مات والده فانتقلت إليه ثروته التي لا تحصى ولا خير للمجتمع منه، وهذا وذاك من الأمثلة الوافرة، وبجانب هؤلاء جميعًا نابغة لا يجد قوته ومعلم لا يجد الكفاف، كل ما في الدنيا من أمثلة يدل على فساد التقويم، كتاب مليء حكمة بدرهم، وحبة من لؤلؤ — ليست لها قيمة ذاتية — بآلاف، ومجهود الآلاف من الناس يحرثون ويزرعون لا يساوي خاتمًا من ماس تتزين به المرأة ساعة في العمر، ولاعب تقوَّم لعبته بالمئات، ومكتشف لا يقوم اكتشافه بشيء، وعلى الجملة فقد عجز العقل أن يدرك «أساس التقويم» عند الناس، فلا هو مقدار ما في الشيء من منفعة، ولا ما فيه من عدم منفعة، ولا هو الجمال ولا القبح، ولا الخداع ولا الصراحة ولا الصدق ولا الكذب، ولا الحق ولا الباطل، لا شيء من ذلك كله، ولا شيء غير ذلك كله، صالح لأن يفسر أساس التقويم عند الناس.
•••

ومن مصائب المعلمين أنهم كثيرون، وأنهم يجب لصالح الدولة أن يكونوا كثيرين، فلا بد لكل طفل وطفلة أن يكون له معلم، فكان لا بد من معلمين يتناسبون في الكثرة مع المتعلمين؛ ومن مقتضيات كثرتهم أن مدى زمن التعلم يبلغ عند كثير من أفراد الأمة ثلث عمرهم أو أطول، وكثرة العدد في مهنة من المهن حليف الفقر، فلو قوَّمتهم الدولة قيمتهم الذاتية التي يستحقونها لم تكفهم خزائنها، ولم تسد مطلبهم ميزانيتها، فكان الفقر من مقتضيات الحال وصروف الزمان.
وعلى كل حال فلا منفذ لهم من ضيق اليد إلا سعة النفس، ومن الفقر في المادة إلا غنى الروح، ومن الحياة اللاصقة بالأرض إلا السمو إلى السماء، ومن الشكوى من سوء تقويم الناس للأشياء إلا إنشاؤهم مملكة روحية في أنفسهم تقوم فيها الأشياء تقويمًا صحيحًا عادلًا.
•••

قُصَّ — أيها الأب — هذه القصة على ابنك، واشرح له ما غمض، وفصِّل له ما أجمل، ثم اسأله بعد: هل هو راض عن التضحية كما يضحي الجندي؟ وهل هو قابل أن يحد من لذته كما يحد الراهب؟ وهل هو مستعد أن يتعزى بالمعنويات عن الماديات، وأن يخلق في نفسه عالمًا فيه كل ضروب القناعة، وتحل فيه اللذائذ العقلية والروحية محل اللذائذ الجسمية؟
إن كان كذلك فدعه يكون معلمًا، وإلا فجنبه الشقاء.

صورة قضائية تاريخية (?)


هذا قصر عبد الرحمن الناصر بقرطبة، يعمل في بنائه آلاف العمال، ويستجلب له من كل مدينة أحسن ما فيها، فالرخام الأبيض من المَرِية، والرخام المجزع من رَية، والوردي والأخضر من تونس، والحوض المنقوش المذهب من القسطنطينية، وهذه نقوش تنقش، وتماثيل وصور على صور الإنسان تنصب في أماكنها، وهذه هي الأبواب تصنع من العاج والآبنوس المرصع بالذهب، وهذه هي الأعمدة تقام من الرخام الملون والبلور الصافي، وهذا هو مجلس الخليفة يحلى بقرامد الذهب والفضة ملونة ألوانًا بديعة، وينشأ في وسطه حوض عظيم يملأ بالزئبق، فإذا دخلت الشمس سطعت على تلك الأبواب وهذا الحوض وهذه الأعمدة، فيكون من ذلك أشعة تخطف الأبصار وتأخذ القلوب، وهذه الحدائق تنسق، ويؤتى لها بأغرب الأشجار وأجمل الأزهار، وهذه القناة الغريبة الصنعة يُجْرَى فيها الماء من جبل قرطبة إلى القصر فيلعب فيه لعبه البديعة، فهذه بركة عظيمة عليها أسد عظيم الصورة بديع الصنعة شديد الروعة مطلي بالذهب، وعيناه جوهرتان براقتان، يجوز الماء في مؤخرته فيمجه في البركة من فيه، ثم تسقى من مجاجه جنان هذا القصر، وما فضل عنه صب في النهر.
وامتلأ القصر بالطيور تغرد، والأزهار تتفتح، والفتيات تمرح، وصبيان الصقالبة يروحون ويجيئون، وتم فيه كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
ويأتي أمير المؤمنين الناصر فيزور القصر ويعجب به، ويمتلئ فرحًا وسرورًا، ويلهج لسانه بالشكر لله على ما أولى وأنعم، ويصعد إلى السطح الممرد فيشرف منه على الرياض الزاهية والمياه المتدفقة، والمجالس وقبابها المذهبة، وعجيب ما تضمنته من إتقان الصنعة وحسن المنظر، بين مرمر مسنون، وذهب مصفى، وعمد كأنها أفرغت في القوالب، ونقوش كالرياض، وبرك عظيمة، وحياض وتماثيل عجيبة، ويعجب من قدرة الإنسان الضعيف على إبداعها واختراعها من أجزاء الأرض المنحلة، ومادتها المهلهلة، وهو أشد عجبًا من صنع الله للمادة، وصنع الله للإنسان.
ولكن (ودائمًا تأتي «لكن»، فهي نذير الشؤم والنقص، ولم يخلُ شيء في الدنيا من نقص فلم يخل شيء من «لكن»).
ولكن أبعد «الناصر» النظر فرأى على مداه مستشفى للمرضى يزدحم فيه أصحاب العاهات: هذا قد عصبت عينه، وهذا قد ربطت ذراعه، وهذا قد كسرت رجله، وهذه محفة تحمل طريحًا، وهذا طبيب يداوى والعليل يتلوى، إلى آخر هذا المنظر.
أَلِمَ «الناصر» من هذا القبح وسط هذا الجمال، ومن مظهر الضعف بجانب مظهر القوة، وعد هذا نشازًا في الأغنية الجميلة، وبيتًا مرذولًا في القصيدة الرائعة، وشجرة يابسة في الحديقة الناضرة، وعمودًا مرضوضًا في البناء الفخم، وعودًا ذابلًا في طاقة من الزهور.
لا، لا، لا يكون ذلك، إني أحب الانسجام في كل شيء، والمواءمة في كل نغمة، والانسجام في جلائل الأمور وصغائرها، إن هذا المنظر يذكرني بالضعف وأنا أحب القوة، ويشعرني بالفناء وأنا أحب البقاء، ويصور الحياة في أبشع صورها وأنا أحبها في أزهى صورها.
ولكن المرضى عضو من أعضائنا يجب العناية بهم، والحنو عليهم والإحسان إليهم، والتوفيق ممكن بين ما أطلبه من الانسجام في النظر والمواءمة في النغم، وبين ما أشعر به من واجب للمرضى وحسن رعايتهم، فلينقلوا إلى مكان آخر بعيد عن قصرنا، حيث يجدون فيه راحتهم، وحيث نجد في بعدهم راحتنا.
يبدو الأمر بسيطًا سهلًا، ولكن (تظهر «لكن» مرة ثانية).
فهذا المستشفى وقف، ولا بد أن يؤخذ في استبدال الأوقاف رأي رجال الشرع.
وكانت الأندلس قد شعرت بنقص نظام القضاء في الشرق، إذ لم يكن هناك قانون رسمي يعمل على وفقه القضاة، ويعرفه المتخاصمون والقضاة قبل الحكم، بل كان القاضي يقضي حسب اجتهاده في حدود مذهبه، وقد أدى هذا إلى إصدار أحكام مختلفة في قضايا متشابهة، فتداركًا لهذا ألفوا جماعة سموها «جماعة الشورى»، يعين أعضاؤها بمرسوم من أمير المؤمنين، ومن اختصاصها النظر في مشكلات المسائل، ومسائل الأوقاف، والإشراف على أعمال القضاة وتوليتهم وعزلهم، والإشراف على أعمال رجال الدولة فيما يتصل بالشئون الدينية.
إذًا، كان لا بد في أمر المستشفى أن يعرض على جماعة الشورى، فبعث الناصر بأحد وزرائه إلى رئيسها، وهو قاضي قرطبة «ابن بقي» وشكا إليه أمر المستشفى، وأنه يؤذي أمير المؤمنين الناصر، لرؤية المرضى إذا أطل من علالي القصر، وأنه على أتم استعداد أن يعوضهم عنه ما يساوي أضعاف ثمنه أرضًا فسيحة غالية من أملاكه في ضاحية قرطبة هي «مُنْيَة عَجَب».
قال «ابن بقي»: الرأي عندي أن هذا لا يجوز، وأن ليس لي فيه حيلة، فالوقف يجب أن تكون له حرمته، وأولى من يحترمه السلطان.
الوزير: يحسن إذًا أن تعقد مجلس الشورى وتعرض عليهم الأمر ورغبة السلطان، فلعلهم أن يجدوا في ذلك رخصة.
هذا المجلس مجتمع، وها هم العلماء يقلبون الأمر على وجوهه، فلا يرون في فقه الإمام مالك الذي يتقلدونه مخرجًا، فيقررون رفض الطلب، وها هو ابن بقي يعرض على القصر رأي المجلس بالرفض.
يغضب السلطان أشد غضب وأعنفه، ويأمر بإحضار مجلس الشورى في القصر، ومواجهة الوزراء لهم بالتعنيف والزجر، فينطلق أحد الوزراء معنفًا قائلًا: إنكم تستحلون أموال الناس، وتأخذون الرشا، وتلتمسون الروايات الضعيفة تبعًا لشهواتكم، وقد أمرني أمير المؤمنين أن أطلعكم على عيوبكم، وأُسفه أحلامكم في موقفكم، فهو مطلع على شروركم وخيانتكم، قد احتاج إليكم مرة في دهره في أمر من أموره، فلم يتسع نظركم لإجابته، فليكشفن ستركم، وليناصحن الإسلام فيكم. وأطال في مثل هذا.
قال أحد الأعضاء: عفوًا عفوًا — أيها الوزير — لقد أخطأنا في رأينا، وتبنا عما جنينا، فانبرى له شيخ شديد المنة قوي العارضة، يسمى «ابن حيونه»، وقال: عَمَّ تتوب يا شيخ السوء؟ نحن برآء إلى الله من مقامك، والتفت إلى الوزير وقال: بئس ما بلغت، وليس فينا وصف مما ذكرت، إنا أعلام الهدى وسرج الظلام، وبنا تقام الفرائض، وتثبت الحقوق، وتنفذ الأحكام، فإن كان من يتصف بما وصفت فأنتم، إن كان قد نطق أمير المؤمنين حقًّا بما نطقت فكان أولى أن تنصحه في قوله وألا تفشي سره، فإن كنت ولا بد مبلغًا فجاملنا، ولا تقابلنا بما استقبلتنا، نحن على يقين أن أمير المؤمنين سيراجع بصيرته ويعاود رأيه، ولو كان الأمر ما قال فينا لبطل كل ما صنعه، فهو لم يثبت له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس (وقف) ولا هبة ولا عتق إلا بنا وبشهادتنا، هذا ما عندنا والسلام.
ووقف وتبعه الأعضاء، وخرجوا جميعًا من القصر غاضبين، وشاع الخبر في الناس، فغضبوا لهم وأسفوا لإهانتهم، وأصبحت الحادثة حديث الناس ومجال التعليق.
وعاود الناصر فكره، ورأى فيما حدث خطورته، فاعتذر إليهم وترضاهم وأكرمهم، واعتذر عما فعل الوزير معهم.
ولكن بقي «المستشفى» غصة له، وزاد الأمر سوءًا أن لم تصبح المسألة مسألة مستشفى فحسب، بل أكبر من ذلك هزيمته وعلم الناس بها، وهو المحارب الذي لم يعتد الهزيمة في الحروب.
ظهر في الميدان «أبو لبابة» رجل واسع العلم واسع الذمة، قوي العقل ضعيف الخلق، ماهر في التأليف، ماهر في التأويل، يؤلف كتاب «المنتخبة» في الفقه فيقول المالكية: إنه قل أن يكون له نظير، وهو مع هذا شره في المال، ضعيف الإيمان بالعدل، ولي قضاء «ألبيرة» فأساء السيرة حتى ضج الناس منه فعزل، وكان عضوًا في مجلس الشورى فأخذ عليه أنه يفتي للمال، ويتأول للطمع، فعزله الناصر منه وألزمه بيته، ومنعه أن يفتي أحدًا.
وجد «أبو لبابة» الفرصة سانحة، فكتب إلى الناصر يذكر له أنه محق في وجهة نظره، وأن مجلس الشورى متزمت، متعنت، ولو كان عضوًا من أعضائه لاستطاع إقناعهم واستخراج الرأي الموافق منهم.
أعاده «الناصر» لمجلس الشورى، وجمع المجلس ثانية منه ومنهم، فأما الأعضاء فأصروا، وأما هو فعارضهم، وكان مما قال: إني أعلم أن قول مالك كما تقولون، ولكن ما الذي يمنعنا أن نأخذ في هذا الأمر بقول أبي حنيفة، وهو يرى عدم لزوم الوقف، وحاجة أمير المؤمنين إلى ذلك ماسة؟ ناشدتكم الله: ألم تنزل بأحدكم ملمة تركتم فيها قول مالك وأخذتم بقول غيره؟ فلم تترخصون لأنفسكم ولا تترخصون لأمير المؤمنين، ولا ضرر في هذا، إذ يعرض مكانًا أنفع وأرضًا أعلى؟ فسكتوا.
ثم طلب من رئيس المجلس أن يرفع الأمر إلى أمير المؤمنين، ويذكر له رأيه ورأيهم، وحجته وحجتهم، فجاء الأمر بالأخذ برأي أبي لبابة، وأزيل المستشفى وكان بعد قليل في «منية عجب» وكان أبو لبابة موضع الحظوة إلى أن مات.
ثم ذهب القصر بزينته وزخرفة ونعيمه، وذهب المستشفى ومرضاه، وبقي حديث أبي لبابة في أفواه العلماء: هذا يصب عليه سخطه؛ لأنه قضى بالغرض، ورأى رأيه لشخصه، وهذا يرى أنه واسع الأفق مرن الرأي، وهذا يؤرخ بحادثته القضاء، وكيف كان، وإلى أين صار.

الشيخ الدسوقي ومستر «لين»


?


إبراهيم الدسوقي الشهير بعبد الغفار من نسل سيدي موسى الدسوقي، أخي سيدي إبراهيم الدسوقي، صاحب المقام بدسوق، من أسرة تنتمي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، ولذلك كان يعد هو وأسرته من الأشراف، ولد ببلدته دسوق سنة ?????/????م.
ونشأ يتيمًا، فقد مات أبوه وهو صغير، فأُرسل إلى الكُتَّابِ وحفظ القرآن، وكان بدسوق معهد صغير، هو صورة مصغرة جدًّا للأزهر، تلقى فيه مبادئ العلوم الأزهرية، ثم أرسل إلى الأزهر مع طائفة من قومه.
وكان بالأزهر علماء كبار أصلهم من دسوق، أمثال الشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ مصطفى البولاقي، كما كان فيه — ولا يزال — عصبية بلدية وعصبية منطقية، وساعد على هذه العصبيات وجود الأروقة، فرواق الصعايدة، ورواق الفشنية، ورواق البحاروة، وهكذا كانت العصبية، فعصبية أهل كل بلدة بعضهم لبعض، وعصبية لأهل المنطقة جميعًا.
وكثيرًا ما أدت هذه العصبية — حتى في أيامنا بالأزهر — إلى منازعات، فإذا كانت بين صعيدي وبحيري انتظم معسكران: معسكر للصعايدة ومعسكر للبحاروة، ودار الضرب بجميع الأسلحة الممكنة، إلا الحديد والنار، والحق يقال إن الصعايدة كانوا أشد بأسًا وأكثر انتصارًا، فكانوا أعز جانبًا وأعظم هيبة، وكثيرًا ما يُتقى قتالهم بإجابة مطالبهم.
على كل حال اتصل إبراهيم الدسوقي بعلماء بلده وغيرهم من علماء عصره، كالشيخ محمد عليش شيخ المالكية، والشيخ محمد الشبيني، والشيخ عبد الرحمن الدمياطي.
وحضر — على حد تعبيرهم — علوم المعقول والمنقول، فنحو وصرف، وبلاغة وتفسير، وحديث وفقه، ومنطق وتوحيد، كما يحضر كل طلبة الأزهر، ولكن يظهر أنه تأثر تأثرًا خاصًّا برجلين من شيوخه كانت لهما نزعتان خاصتان نادرتان في علوم الأزهر في ذلك العصر.
أولهما شيخه وقريبه وبلديه الشيخ مصطفى البولاقي، فقد كان هذا الشيخ مع تبحره في العلوم الأزهرية ميالًا إلى العلوم الرياضية، كالحساب والهندسة والفلك، وأداه شغفه بهذه العلوم إلى مصادقة مشهوري الرياضيين، مثل محمود باشا الفلكي، وأساتذة مدرسة المهندسخانة، ومَهَر في هذه العلوم حتى ألف رسائل كثيرة في الجبر والمقابلة وحساب المثلثات.
والثاني الشيخ أحمد المرصفي — والد الشيخ حسين المرصفي صاحب الوسيلة الأدبية — فقد كانت له نزعة أدبية إلى نزعته الفقهية، واسع الاطلاع، وكان سميرًا لطيفًا، ومحدثًا ممتعًا، صحب أحد مماليك محمد علي باشا وسافر معه إلى الصعيد، وأقام معه سنتين، فكان خبيرًا بالدنيا وشئونها، وكان مهيبًا في درسه، إذا عرض لطالب سعالٌ ابتعد حتى لا يؤذي الشيخ بصوته.
اقتبس شيخنا الدسوقي قبسة رياضية من شيخه الأول، وقبسة أدبية من شيخه الثاني، أفادتاه في عملِه بعدُ، كما اقتبس العلوم الشرعية واللسانية والنحو والصرف والبلاغة من شيوخه الآخرين.
•••

عاش الدسوقي في الأزهر مجاورًا فقيرًا، يأتيه الزاد من بلده من حين إلى حين، خبز جاف وقليل من السمن وشيء من الفريك، ونحو ذلك مما يرسله الأهل الفقراء إلى أبنائهم في الأزهر، وسكن مع رفقة من أهل بلده في حجرة قريبة من الأزهر، إذا دخلتها رأيت حصيرًا باليًا، ومساميرَ كبيرة سمرت في الحائط يعلق فيها الطلبة ملابسهم، وفي الركن صندوق يحتفظ فيه الشيخ بكتبه وملابسه وفرشة يفرشها إذا نام ويطويها إذا قام، وهذا كل ما في الغرفة — أستغفر الله — ففي الغرفة أيضًا «حَلة» وصحن، قد يشتهي هو صحبه اللحم فيشتركون في شراء رطل، ويتعاونون جميعًا على شرائه وطبخه، وتقوم في الغرفة حركات عنيفة، ونداآت وأوامر ونواهٍ، وتمتلئ الغرفة بالدخان، وقد يعوزهم الخشب فيتممون الطبخ بالورق، ثم يتحلقون لأكله في لذة ونهم، وتكون هذه الأكلة الفخمة حديث الأسبوع أو حديث الشهر.
وتنفرج الأزمة بعض الشيء بالجراية ترتب له، ثلاثة أرغفة كل يوم، فيكون فيها سداد من عوز، ويدخر منها أحيانًا، ويبيع ما يدخره ليشتري بثمنه إدامًا لبعضه الباقي.
ويجاهد في الحياة، وينسى البؤس بلذة العلم والتحصيل، حتى يتم دراسته في الأزهر ويبدأ في التدريس، وليس للمدرس مرتب يتقاضاه، فهو في فقره مدرسًا — كما كان في فقره طالبًا.
ثم يسعده الحظ، فيعين «مساعد مصحح» للكتب الطبية في مدرسة أبي زعبل سنة ?????/????م فكان أطباء هذه المدرسة يؤلفون ويترجمون ويطبعون، ويساعد هو في تصحيح اللغة وتصحيح الطبع.
ثم ينقل إلى مدرسة المهندسخانة ويترقى إلى وظيفة مصحح، وكان يدرس بهذه المدرسة علوم شتى، فميكانيكا وديناميكا، وتركيب الآلات، والجبر، وحساب التفاضل، والطبوغرافيا، والكيمياء، والطبيعة، والمعادن، والچيولوچيا، والهندسة الوصفية، وقطع الأحجار والأخشاب، والظل والنظر، ولم تكن هناك كتب في هذه المواد، فكان التلاميذ يكتبون عن المدرسين ما يسمعون في كراريسهم، ويفوتهم منها أشياء كثيرة، ثم تقدمت المدرسة فأنشأت مطبعة حجر يطبع عليها الأساتذة بعض كتبهم بأشكالها ورسومها، ثم أنشئت في المدرسة مطبعة حروف بجانب مطبعة الحجر، وتعين الشيخ الدسوقي لتصحيح هذه الكتب.
وانتقلت هذه المدرسة بعدُ إلى بولاق، فعهد إليه أمران: أن يعلم فرقتين من طلبة المهندسخانة اللغة العربية ليحسنوا الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وأن يصحح ما تطبعه هذه المدرسة من كتب الرياضة.
وظل الشيخ يسكن في حي الأزهر، ولكنه اشترى حمارًا يذهب به كل يوم إلى المدرسة ببولاق.
ثم أغلقت مدرسة المهندسخانة في عهد سعيد باشا، فحول الشيخ الدسوقي إلى المطبعة الأميرية ببولاق أيضًا ليصحح فيها الكتب ويشارك في تحرير الوقائع المصرية.
خرجت كتب كثيرة من المطبعة الأميرية تحمل اسمه، فهو في آخر كل كتاب يصححه يضع له خاتمة بأسلوبه المسجوع حسب مألوف عصره، ولما كان لقبه «الدسوقي» — وهي كلمة صعبة في المزاوجة — كان يجهد نفسه في البحث عن سجعة تناسب هذا اللقب، وأحيانًا يفر منها إلى سجعة أسهل منها تناسب عبد الغفار، فيقول — مثلًا — في آخر تاريخ ابن الأثير: «يقول المتوسل إلى مولاه بالنبي المختار، إبراهيم الدسوقي الملقب بعبد الغفار، خادم تصحيح كتب العلوم والفنون، بدار الطباعة ذات الطبع السليم المصون».
وفي آخر كتاب «تزيين الأسواق»: «يقول المتوسل إلى مولاه بالقطب الحقيقي، إبراهيم عبد الغفار الدسوقي».
وفي آخر كتاب «الإنسان الكامل»: «يقول المتوسل إلى الله بالجاه الصديقي، إبراهيم عبد الغفار الدسوقي»، وفي آخر شرح العكبري: «يقول المتوسل إلى الله بالجاه الفاروقي، إبراهيم عبد الغفار الدسوقي».
وفي كل ذلك يدعو للخديو إسماعيل وأنجاله الكرام، كما يدعو لذوي المهارة والفطانة، مدير المطبعة والكاغدخانة، وملاحظ المطبعة ذي القدر الممجد، أبي العينين أفندي أحمد.
وقد خرجت كتب كثيرة مختتمة بكلمته الدالة على تصحيحه غير ما ذكرنا ككتاب «منار الهدى في الوقف والابتدا»، وصحيح مسلم، وصحيح الترمذي، وقانون ابن سينا في الطب، والتنوير على سقط الزند، إلى غير ذلك.
وقد وضع خاتمة لكتاب الكشاف المطبوع في بولاق ذكر فيها ترجمة الزمخشري وقيمة تفسيره.
ثم رقي في عهد الخديو إسماعيل إلى وظيفة باشمصحح المطبعة، ولم أعرف مرتبه بالضبط إلا أن أمثاله في ذلك الوقت كانوا يتقاضون خمسمائة قرش، وقد ظل فيها إلى أن أحيل إلى المعاش، ثم توفي سنة ?????/????م عن نيف وسبعين سنة.
والحق أن طائفة من العلماء غبنوا حقهم، ولم يؤرخوا التاريخ الواجب لهم، وهم المصححون، فقد كانوا يمتازون في عصرهم بثقافة أوسع من أمثالهم، واقتضاهم عملهم أن يطلعوا على كثير من الكتب في التاريخ والأدب واللغة والفلسفة وغير ذلك، فاتسعت مداركهم وآفاقهم، واضطرهم عملهم أن يكتبوا خاتمة الكتب، أو شرحًا لغامض، أو أن ينشئوا تقريظًا لكتاب، أو تعليقًا عليه، أو قصيدة في مثل هذه الأغراض، فجرت أقلامهم، ومرنوا على الإنشاء والكتابة في زمن عز فيه الأديب، وندر فيه الكاتب، وإن كان إنشاؤهم وكتابتهم مقيدة بنمط العصر من التزام السجع المتكلف، والاستعارة المشدودة، وما إلى ذلك.
اشتهر من هذه الطبقة الشيخ نصر الهوريني، ثم الشيخ محمد قطة العدوي، ثم الشيخ إبراهيم الدسوقي، ويظهر أنهم كانوا في درجة علمهم وأدبهم كما كانوا حسب ترتيب زمانهم.
نشروا كثيرًا من الكتب القيمة، ولقوا في تصحيحها العناء، وأذهبوا في مسوداتها سواد عيونهم، وهم وإن لم تبلغ كتبهم منتهى الجودة من حيث الإخراج والضبط، فقد بذلوا غاية جهدهم، وجعلوها صالحة للاستفادة منها، واستخرجوها من أصول سقيمة، وخطوط عليلة.
•••

حدث للشيخ الدسوقي حادث كان له في حياته أثر، وفي قصصه متعة: ففي سنة ?????/????م، كتب المستشرق «لين» “Lane” من لندن إلى صديق له فرنسي مستشرق أيضًا في القاهرة يسمى «فرسنل» “Fresnel” (كان يتملح باسمه أمام العلماء ويقول: إن اسمي فرسنل على وزن فرزدق) يخبره بعزمه على المجيء لعمل هام، ويطلب إليه أن يبحث له عن شيخ مصري له ذوق في الأدب ومعرفة به، وأن يكون لطيف الحديث حسن العشرة دمث الأخلاق، فاختار له «فرسنل» جملة أشخاص وصفهم له، منهم الدسوقي، وكان «فرسنل» يعرفه ويتصل به، ويعمل معه في شرح شواهد كتاب «الصحاح» في اللغة، وكتب إلى «لين» بوصفهم، فوقع اختياره على الدسوقي وبعث يطلب إلى «فرسنل» أن يبلغه سلامه ويخبره بمقدمه. ففي يوم من تلك السنة اعتزم الشيخ الدسوقي الذهاب صباحًا إلى حمام السوق، وكانت عادة أوساط الناس وفقرائهم أن يترددوا على الحمام، إذ لم تكن بيوتهم صالحة للاستحمام فيها، فكان لكل حي حمامه، كما أن لكل حي مسجده ومرافقه، وكان الشيخ الدسوقي إذا أراد الحمام يخرج من بيته فيخترق خان الخليلي ثم ينحرف إلى حمامه.
مر كعادته بخان الخليلي حتى وصل إلى دكان يتاجر في العاديات القديمة والسبح وما إلى ذلك، كان صاحبه صالح أفندي كامل صديقًا له، فوجد الشيخ في الدكان جمعًا سلم عليهم، وسمع صاحب الدكان يقول: هذا هو الشيخ الدسوقي كفانا مؤنة البحث عنه، فسلم الشيخ عليهم، وسلم على رجل غريب معهم يلبس زي الأتراك، ويتكلم العربية الفصحى كأهلها.
عجب الشيخ من حسن استقبال هذا التركي، واستغرب، إذ يقبل عليه بالسلام كأنه يعرفه، والشيخ لا يعرفه، ثم عرفه بنفسه وأنه «لين» الإنجليزي، فذهبت حيرته، وجلسا جنبًا إلى جنب، وتعارفا وتآلفا، ودعاه «لين» إلى زيارته في بيته في هذا المساء، فلبى دعوته، وكانت عشرة لطيفة عجيبة دامت سبع سنوات.
?


أما صاحبنا إدوَرد وليم «لين» فكان أكبر من صديقه الدسوقي بنحو عشر سنوات، إذ ولد في «هير فورد» بإنجلترا سنة ????، وكانت أمه متينة الخلق لطيفة الطبع، فورث منها — كما كان يقول — كثيرًا من حسن استعداده واستقامة تفكيره، تعلم في مدرسة بلده، ثم أريد أن يكون رجل دين، فأبى ذلك وتخصص للاستشراق، فجد في التعلم والبحث حتى ساءت صحته، فنُصح أن يذهب إلى مصر، فجاءها لأول مرة شابًّا سنة ????، وجعل همه أن يدرس اللغة العربية في أماكنها، وأن يدرس حالة الشعب المصري وأخلاقه وعاداته وثقافته وكل ما يتصل به، فمكث في ذلك ثلاث سنين، متزييًا بزي الأتراك، متسميًا «منصور أفندي زاده»، ساكنًا في الأحياء الوطنية، متنقلًا بين القاهرة والنوبة، فكتب في ذلك ما شاء من التعليقات واليوميات والملاحظات وعرضها على جمعية في إنجلترا بعد عودته، فاستحسنتها وأشارت بطبعها، ولكنه رأى أنها ناقصة تحتاج إلى إكمال، فعاد ثانية إلى مصر سنة ???? ومكث فيها نحو سنتين قضى أكثرها في القاهرة وأقلها في الصعيد، باحثًا منقبًا عن العادات والأخلاق، مصححًا ما دَوَّنَ من قبل.
وضع للوصول إلى هذا الغرض برنامجًا دقيقًا، فقد تعلم العربية حتى استطاع أن يتفاهم مع الشعب ويفهم منه، والتزم أن يعيش كما يعيش المسلمون، ويتعود عاداتهم، وحتى لا يثير شكوكهم، كان يصوب آراءهم ويمدح عاداتهم ما طاوعته نفسه، ويتجنب مخالفتهم وما يستوجب كراهيتهم، ويمتنع عن أكل ما لا يأكلون أو شرب ما يحرِّمون، فلا يأكل خنزيرًا ولا يشرب نبيذًا، بل تجنب حتى ما لا يعتادون ولو أباحه الدين، فلا يستعمل في أكله أمامهم شوكة ولا سكينًا، ومكنه ملبسه وكلامه وعاداته ومظهره بمظهر الإسلام أن يدخل المساجد، ويشهد الموالد، ويرى الشعائر ويشترك في شهود الأعياد والمحافل، وكان يشعر بتحفظ المصريين عن الكلام في الجن وكرامات الأولياء والسحر وما إلى ذلك أمام من لا يعتقدها، فكان يتسقط من بعضهم كلامهم في هذا الموضوع، ويتظاهر بالاعتقاد فيه والإيمان به، ويحدث مستمعيه ببعض ما سمع، زائدًا عليها من خياله، حتى يأمن محدثه جانبه فيفيض عليه من أحاديث الجن والكرامات، والسحر والمغيبات، ما يملأ رغبته ويحقق مطلبه، ويقفه على ما يدور برءوس عامة المصريين من هذا الباب، فكان يحدث عن أحداث رأى فيها الجن، وكان يقول: إنه يعتقد في الشيخ «أحمد الليثي» الذي كان يمشي حافيًا في ركاب «الشيخ العروسي» أنه من أهل الكرامات، لأنه يحدث بأخبار لندرة في مواعيدها قبل أن يأتيه البريد بها، يستجلب بذلك كله أحاديث الناس في مثل هذه الموضوعات وتوسعهم فيها، كما كان يحدث خاصته من المسلمين بأنه يعتقد في عيسى — عليه السلام — أنه رسول لا إله، وفي محمد رسول الله سيد ولد عندنان، واختار شيخين مسلمين يأجرهما ليزيدا في تعليمه العربية، وليستقصي منهما الأخبار والآراء، وليستفسر منهما عما يتوقف فيه، وليعرض عليهما ما وصل إليه ليصححا خطأه إن كان، وصادق بعض الكبراء والعظماء والأغنياء، وكثيرًا ما كان يتردد على الشيخ العروسي والشيخ العطار، ويفتح بيته للزائرين والمترددين، ويغدق عليهم من كرمه، ويقدم لهم القهوة والدخان، ويدعوهم للغداء والعشاء، وتتردد أخته على قصور الأمراء فتتعرف عاداتها ودخائلها، وهكذا عمل كل ما يستطيع للوقوف على كل شيء في مصر.
وقد كان ماهرًا في فن التصوير، فصور بيده كل ما يعنيه من الصور: الرجل في صلاته، والمرأة في بيتها، والسقاء بقربته، وحفلات الذكر، وأدوات الزينة، وآلات الغناء، وأنواع الحلي، إلى أن أتم ??? صورة أودعها كلها في كتابه الذي نشره سنة ????.
كما عكف على ترجمة «ألف ليلة وليلة»، ولعل ذلك لأنها تتم حلقة عمله في العادات والأخلاق، فألف ليلة تمثل الحياة الاجتماعية الإسلامية في القرون الوسطى، وكتابه الذي أسلفنا يمثل الحياة الاجتماعية في مصر الحديثة، نشره سنة ????–????.
هذا هو «لين» قبل أن يتعرف بصديقه «الدسوقي»، ثم عمل «لين» تصميمًا لعمل خطير، هو أن يضع معجمًا للغة العربية باللغة الإنجليزية، أساسه ترجمة القاموس مع شرحه تاج العروس، وهذا يتطلب أن يفهم القاموس المحيط فهمًا جيدًا، وهو صعب الفهم حتى على أهل العربية، وهو أيضًا يقتضي نسخة صحيحة ما أمكن من القاموس، ثم تراجع على سائر النسخ ليتثبت من صحتها، ثم إذا وصل إلى نبات أو حيوان — وما أكثرها في القاموس — وجب أن يعرف مقابلها بالإنجليزية، وإذا اعترضته عبارة غامضة حل غموضها وهكذا، عمل شاق لا يستطيعه إلا رجل جبار، وليس يمكن ذلك إلا في مصر بلد العلم العربي، وهي — أيضًا — حارة الجو جافته تناسب المصدورين أمثال «لين».
وضع خطته للسفر وبعث إلى صديقه «فرسنل» ليتخير له معينًا، فكان هو الشيخ الدسوقي — كما أسلفنا.
حضر إلى مصر لثالث مرة سنة ????، وكان عمره إذ ذاك ?? سنة، ولكن الشيخ الدسوقي قال: «وفد علينا في عقد الخمسين من البلاد الشاسعة، ذات المعارف الواسعة، والصنائع البارعة، والتحف الرائعة … إنسان قد وخطه الشيب، وليس في لسانه لكنة ولا عيب، طويل القامة، كبير الهامة، تلوح عليه الأمارة، فصيح العبارة، كأنه عدناني أو قحطاني، إلا أنه ذو زي عثماني، لا يتكلم إلا بفصيح الكلام، وله بفنون الأدب إلمام».
اعتاد «لين» أن يسكن في الأحياء «البلدية» فكان يسكن في «حارة السقايين ثم في حارة قواديس» ودعا الشيخ الدسوقي أن يزوره في بيته، وعند أول لقاء عرَّفه بغرضه، وعرض عليه منهج العمل في القاموس، وطلب إليه أن يحضر إليه كل يوم عصرًا، ورتب له كل شهر مبلغًا من المال فوق ما كان يؤمل الشيخ الدسوقي، وشرعًا — على بركة الله — في العمل.
أعدَّ «لين» مكتبة يستعين بها على عمله، فعنده نسختان خطيتان من القاموس، ونسختان من الصحاح، ونسخة من تاج العروس شرح القاموس، وبعض نسخ أخرى، ونسخة من لسان العرب، يظن الدسوقي أنها بخط المؤلف، وأجزاء من المُحْكَم لابن سِيدَه، وكثير من دواوين الشعراء، والمزهر للسيوطي.
واقترح «لين» أن يبدأ بمطالعة المزهر حتى يتذوق اللغة وحدودها، ثم يقرأ كل يوم نصف كراسة من تاج العروس شرح القاموس يفهمها ويستفسر عما صعب منها ويراجعها على ما عنده من كتب اللغة حتى يستوثق من صحتها، وعلى هذا تم الاتفاق.
في حجرة في بيت «لين» في القاهرة كان يجتمع شيخان تباينا في المنشأ والتربية والعقلية، والنظر إلى الحياة: هذا إنجليزي تربى على آخر طراز، وعرف الدنيا وشئونها ودقائقها، وجاب البلاد شرقها وغربها، وبرها وبحرها، وخالط ساستها وعلماءها، ووصل من ذلك كله إلى غاية ما يستطيع مثقف أوربي في القرن التاسع عشر أن يصل إليه، وهذا شيخ مصري قضت طبيعة تعلمه ومنشئه وظروفه أن يعيش في دنيا محدودة الأفق، وكان الشعب المصري لا يزال محتفظًا في عيشته وتقاليده وعاداته بما ورثه من القرون الوسطى، لم تغزه المدنية الغربية كما غزته بعدُ، ولم تتكسر الحدود والفواصل بينه وبين الغرب كما تكسرت بعد، وكانت مصر تتخذ قبلتها بغداد الرشيد، وقاهرة المعز، قبل أن تتحول فتتخذ قبلتها باريس أو لندن، فكان الشرقي يدهشه الغربي بتصرفاته وأفانينه، وكان الغربي يعجبه منظر الشرقي كما تعجبه العاديات القديمة، وكما يعجبه متحف الآثار.
على هذا التقى «الدسوقي» و«لين»، ولكن ألف بينهما الغرض العلمي واللسان العربي، ورغبة «لين» أن يتعرف كل ما عند الدسوقي من أفكارٍ وعاداتٍ وعقائدَ، ليدرسها لا ليحياها، وليشرِّحها لا ليعتقدها، وأن يعرف ما عنده من علم ليستعين به على أداء غرضه والوصول إلى غايته، ومهما كان من فوارق فالماء الحار والبارد إذا تلامسا وامتزجا تعادلا ونزل الحار عن شيء من حرارته، والبارد عن شيء من برودته، فهذا «لين» يعتاد أن يقول «باسم الله» في مبدأ عمله، ويلتزم ذلك في حياته حتى بعد عودته إلى إنجلترا، وهذا الدسوقي يدخن «البيبة» في شكل «شُبُك».
كان يذهب الدسوقي عصر كل يوم إلى بيت «لين» فإذا جلس قليلًا حضرت صينية الشاي عليها أربعة فناجين كبار مملوءة شايًا وقهوة محلاة بالسكر، لكل منهما اثنان وملعقتان لكل منهما معلقة، ورغيفان مستطيلان لكل منهما رغيف، فيشربان ويأكلان ويتحدثان، فإذا تم ذلك أُحضر شُبُكان مكسوان بالحرير المقصَّب لكل منهما شبك، فيدخنان ويقرآن، فإذا بدآ القراءة فلكل منهما نسخة من الكتاب، وضعت على سطح مائل، يقرآن ويراجعان ويتفهمان، إلى أن يتم نصف الكراسة فينصرف الشيخ، ثم يأخذ «لين» في ترجمة ما فهم إلى الإنجليزية، فتسير الترجمة مع القراءة، ويستمران على هذا سبعة أعوام لا يكلان ولا يملان، والشيخ «لين» جاد في عمله، قد يمكث في بيته الشهر أو الشهرين أو الثلاثة لا يخرج فيها مرة، يعمل في الصباح بعد الفطور إلى نحو نصف الليل، لا يستريح فيها إلا أوقات الأكل، ونحو نصف ساعة يتروض فيه بين مشي وصعود الدرج وهبوطه، حتى أتم تسعة أعشار الكتاب.
ولندع الآن حديث ما بينهما من عمل علمي رسمي، لنتحدث حديث ما بينهما من عواطف، لقد تأكدت بينهما الصداقة وتوثق بينهما التآلف.
هذا الشيخ الدسوقي يظل طول عمره كادًّا يحصِّل قوته وقوت عياله، ويدخر القليل حتى يبلغ ما يدخره أربعة عشر كيسًا،? فيعتزم أن يشتري بها بُيَيْتًا يؤويه وذريته، وهو يحتفظ بها في صندوق البيت، ويوصي السمسار أن يبحث له عن منزل مناسب، فيريه هذا فيراه قديمًا، وهذا فيراه كبيرًا، وسرعان ما يشيع الحديث أن الشيخ اغتنى، وأنه يبحث عن بيت يشتريه، وتصعد الرائحة إلى أنف اللص، فيتربص خروج الشيخ وغفلة أهل البيت، ويتسلل إلى الصندوق ويختلس المال، فيعود الشيخ وقد ضاع المال، فيضرب كفًّا على كف، ثم ينفعه إيمانه فيردد: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ويذهب إلى صديقه، فيراه «لين» مرتبكًا فيقص عليه قصته، فتدمع عين «لين» ويبكي رحمة بالشيخ، ويحلف أن لو كان له مال لعوضه عما فقده في الحال. كذلك يصاب الشيخ «لين» بمثل هذه المصيبة، فيكون له مال مودع في بنك في إنجلترا يسحب منه كل شهر ما يلزمه، فيفلس البنك ويقع «لين» في الضنك، وكان أخشى ما يخشاه أن يصد عنه الدسوقي، ويتخلى عنه إذا لم يأجره، فما كان من صديقه الدسوقي — وقد علم بهذا الأمر — إلا أن يصرف عنه هذا الخاطر — وأن يعاهده أن يستمر في تدريسه بل يزيد في اجتهاده، قال الشيخ: «وما زلت أوافيه على العادة، التي كانت بيننا معتادة، بل زدت على ما كان، فشكرني على هذا الإحسان، حتى قيض الله له ناسًا من أهل لوندرة، ذوي ثروة معتبرة، فوضعوا له في البنك ما يَرِدُ منه ما يكفيه، فأجرى إليَّ ثانيًا ما كان يجريه»، وهكذا كان الشيخان يتبادلان العطف والوفاء طوال السبعة الأعوام.
كان الشيخ «لين» يعيش في أسرته وهي مكونة من زوجة له رومية وأخته وابني أخته، وكانت زوجته وأخته تلبسان لباس المصريات، فلا تخرجان إلا مؤتزرتين مبرقعتين، فلم ير الشيخ الدسوقي لهما وجهًا مع كثرة تردده وتودده، ومع هذا كان إذا مرضت زوجه أو أحد أولاده، ذهبت أخت «لين» إلى بيت الدسوقي فعالجت ومرَّضت، وأعطت من الدواء ما عرفت حتى يتم الشفاء، ويشكره الشيخ.
ويعجب الدسوقي من هذه الأسرة، فبيتها مدرسة عجيبة: هذا الشيخ عاكف على ترجمة القاموس، وهذان الابنان تعلمهما أمهما اللغتين التليانية والفرنسية، ويقرأ لهما خالهما النبيل، شرح ألفية النحو لابن عقيل، وأصغرهما وسنه ?? سنة يجيد معرفة الهيروغليفية.
ويعجبني قول الشيخ: «فانظر يا ذا الكسل، الذي هو أحلى مذاقًا من العسل، إلى هذا الاستعداد العجيب، والجد الغريب».
وانطلت الحيلة على الشيخ الدسوقي، فكان يعتقد أن «لين» يؤمن بالجن وكرامة الأولياء، ونبوة محمد، ونبوة عيسى، ويعجب أنه بعد ذلك كله لا يسلم، ولم يدر بخلده أن ذلك منه كان سياسة وقتية.
فإن أردت أن تعرف رأي أحدهما في الآخر، فرأي الدسوقي في «لين» أنه «لبيب ماهر»، «ذو غيرة إنسانية»، «كريم مواس»، «رقيق القلب، خالص الود»، «لا يؤثر في حسن معاملته للناس اختلاف الدين».
ورأي «لين» في الدسوقي أنه يُرضى كل الرضا من ناحيته العلمية في العمل الذي يعمله معه، ولكنه يأخذ عليه من الناحية الخلقية أنه «حاد المزاج، ضيق الصدر، طماع بخيل».
وهو رأي قاس ونقد لاذع، ولا شك أنه عبَّر عن عقيدته فيه، ولكن أخشى أنه لم يرحمه في الحكم عليه، فلم يقدر ظروفه وأحواله، ونشأته الفقيرة وأسرته الكبيرة، وموارده الصغيرة.
•••

بعد مضي سبع سنين تدخل الزمن الذي لم يُبْقِ شيئًا على حال، فدعت الدواعي الملحة أن يعود «لين» إلى بلاده ولما يتم العمل، قال الشيخ: «وقضينا معًا حقبة من الدهر ناضرة، في عيشة زاهية زاهرة».
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام وقبل الرحيل أهدى «لين» الشيخ الدسوقي سجادة عظيمة ونسخة من القاموس وساعة جيب، وقاس نظره وبعث فأحضر له من لندن «نظارة» لائقة بعينيه، وأهداه ابنا أخته «خرجًا عجميًّا شغل الإبرة».
وكلفه أن يتمم العشر الباقي من تاج العروس، يقابله على النسخ الأخرى، ويصحح خطأه، ويفسر غامضه فكان يفعل ذلك ويسلمه إلى مستر ليدر،? ليرسله إليه في إنجلترا حتى تم الكتاب. عاد «لين» إلى إنجلترا سنة ???? فعكف على العمل بمثل الجد الذي كان منه في مصر، حتى أنفق فيه عشرين عامًا أخرى، ثم بدأ في طبعه سنة ????، وظل يعمل في تصحيح التجارب إلى أن وصل إلى نصف الجزء السادس سنة ????.
يعمل ليل نهار في حياة راتبة بين ملزمة تحضَّر، وملزمة تصحح، وجزء يتم ثم ينشر، لا ينقطع عن عمله إلا يوم الأحد، إذ يصرفه في الدين، فيصلي مع المصلين، ثم يعكف على قراءة الكتاب المقدس لا ناقدًا علميًّا، ولا ناقدًا لغويًّا، ولكن مستخرجًا معنى خلقيًّا، أو مبدأً روحيًّا، لقد كان يصلي في مصر في المسجد مع المسلمين، وكان يصلي في إنجلترا في الكنائس مع المسيحيين، والدين كله لله.
وفي يوم من أيام أغسطس سنة ???? أصيب ببرد لم يعبأ به، ثم اشتد شدة لم تكن تتوقع، ثم انطفأت شعلته على غير انتظار.
مات عن خمسة وسبعين عامًا قبل أن يموت صديقه الدسوقي بستة أعوام.
ولعل هذه العلاقة بين الدسوقي الأزهري و«لين» الإنجليزي كانت السبب في أن يضع «علي باشا مبارك» بمعونة صديقه «عبد الله باشا فكري» قصة طويلة ممتعة نسيها الأدباء — من غير حق — في تأريخهم القصة المصرية الحديثة، أتحدث عنها بعدُ.
?  الكيس خمسة جنيهات.?  ليدر كان قسيسًا إنجليزيًّا في مصر وصديقًا للين.
قصة عَلَم الدين


يظهر لي أن علاقة الشيخ الدسوقي بالأستاذ «لين» أوحت إلى علي باشا مبارك أن يضع قصة طويلة ممتعة ظلمها مؤرخو الأدب العربي عند تاريخ القصة، فأهملوها أو جهلوها، مع أني أعتقد أنها أول قصة مصرية قيمِّة أُلِّفت في العهد الحديث، قصة قيمة من حيث موضوعها ومن حيث لغتها، وهي طويلة تقع في نحو ألف وخمسمائة صفحة في أربعة أجزاء، ولم تتم.
كان علي باشا مبارك وقت تأليفها «ناظر المعارف»، أو على حد تعبيرنا اليوم «وزير المعارف» فحشد جمعًا كبيرًا من المدرسين ورجال العلم في مصر ليعمل في هذه القصة، ووضع لها خطة محكمة، هي أن يحصروا أهم مظاهر المدنية الحديثة، كالسكك الحديدية والبريد والملاحة والتياترو والبورصة والبنوك وأوراق المعاملات ووسائل الإضاءة إلى غير ذلك، ثم أن يحصروا أهم المعلومات التي يجب أن يعلمها الإنسان المثقف، وآخر ما وصل إليه العلم فيها كالبحر وعجائبه والبراكين، وعجائب الحيوان، كدود الخشب ودود القز وكلب البحر، والذهب والأحجار الكريمة، والفلاحة والزراعة، وطبقات الأرض، وأشهر النباتات وما يستخرج منها كالقطن واللبن والعنب والأشربة والكؤول، والموضوعات الاجتماعية كعادات الأوربيين في مأكلهم وملبسهم ومجتمعاتهم، وعادات المصريين في ذلك، ثم موضوعات أدبية كالسلف والخلف في الإسلام، والميسر والأنصاب والأزلام، ومعنى المعلقات، وتاريخ القهوة والحشيش، والموالد والأعياد والمواسم، إلى غير ذلك، وكلف كل إخصائي في موضوع أن يكتب له فيه.
ووضع فكرة القصة، وأدخل فيها هذه الموضوعات كلها، وعهد إلى عبد الله باشا فكري، وكيله في المعارف، أن يشرف على لغتها، «ويهذب معانيها ويشذب مبانيها»، ففعل ذلك في أكثر الكتاب، «فجاء كتابًا جامعًا، اشتمل على جمل شتى من غرر الفوائد المتفرقة في كثير من الكتب العربية والفرنجية، في العلوم الشرعية، والفنون الصناعية، وأسرار الخليقة، وغرائب المخلوقات، وعجائب البر والبحر، وما تقلب نوع الإنسان فيه من الأطوار والأدوار في الزمن الغابر، وما هو عليه في الوقت الحاضر، وما طرأ عليه من تقدم وتقهقر، وصفاء وتكدر، وراحة وهناء، وبؤس وعناء … مع الاستكثار من المقابلة والمقارنة بين أحواله وعاداته في الأوقات المتفاوتة، والأنحاء المتباينة».
رأى أن مصر واقفة في مدنيتها عند ما ورثت من القرون الوسطى إلا قليلًا، وأن أوربا سبقتها بمراحلَ في جميع مرافقِ الحياة، وأن الخير لمصر أن يقف أهلها على كل ما وصلت إليه المدنية في أوربا؛ ليتخيروا منها ما يصلح لهم، ويدخلوا منها على نظامهم ما يرقي شئونهم.
ورأى أن النقد في مصر لا يستساغ ولا يباح، والناقد معرض لأنواع من الاضطهاد والعذاب.
ورأى أن التعليم بالقصص ألذ وأمتع، وأدعى إلى النشاط، وأبعد من الملال، وأن الناقد للشئون الاجتماعية في القصة أوسع حرية من الناقد الصريح، فالنقد فيها مألوف يجري على لسان غيره ولا يتعرض صاحبه لما يتعرض له الناقد الصريح، لهذا كله وضع هذه القصة.
بطل القصة شيخ من الأزهر اسمه الشيخ علم الدين، كان أبوه معلم كتاب في قرية من قرى الريف، علم ابنه ما يعلم في الكتاب، من حفظ للقرآن ومبادئ القراءة والكتابة، ثم رأى فيه من النجابة ما جعله يستخير الله ويرسله إلى الأزهر الشريف، فيزوده بالنصائح وبالزاد، ويسافر علم الدين في مركب مع قوم من أهل بلده يقضون فيه الأيام حتى يصلوا إلى القاهرة، ويذهب بخطاب من والده إلى صديق له في مصر يوصيه فيه بابنه، ويطلب منه أن يعرفه بمشايخ الأزهر ليعنوا بأمره، ويجد في طلب العلم، ويعيش على الجراية وعلى السهر في الختمات عيشة ضنكًا، ولكنه يرضى بما قسم الله، ويخطر له الخاطر في الاعتراض على توزيع الغنى والفقر، وكيف يغتني الجهلاء ويفتقر العلماء، فيطرد هذا الخاطر سريعًا، لأنها مشيئة الله الذي لا يسأل عما يفعل، والذي يُجري الأمور بحكمة قد تدق عن الأفهام.
ويتم الشيخ علم الدين دراسته، ويجلس للتدريس، ويريد أن يتزوج، فيستخير الله في أن يتزوج غنية أو فقيرة، فتخرج الاستخارة على الفقيرة، ولو طلب الغنية ما أجابت، فيتزوج فتاة عاقلة دينة فقيرة جاهلة، فيعلمها ويجد في تعليمها حتى تصل قريبًا من درجته في علمه، ويرزق منها بأولاد، ويلح الفقر عليهم فيألم الزوج وتألم الزوجة، ولكن كليهما يكتم ألمه، ثم يدخل الشيخ فيجد زوجته تبكي، فيسألها عن سبب بكائها فتداري، فيلح عليها، فتفصح أنه الفقر وسوء الحال، ويتدرج الحديث في سبب الفقر، فيذهب هو إلى أنه القضاء والقدر، وتذهب هي إلى أنه القانون الطبيعي، وأنه لم يسلك السبل الطبيعية لتحصيل المال ليكون غنيًّا، فلا بد أن يعمل عملًا ما يكسبه مالًا، ولو أدى إلى أن يذهب إلى بلده ليحل محل أبيه في تعليم أولاد القرية، أو نحو ذلك من الأعمال.
ويخرج الشيخ من بيته ضيق الصدر من هذا الجدال مفكرًا في السفر إلى الريف كما نصحت زوجته، ثم تنفرج الأزمة، إذ يحضر رجل إنجليزي إلى القاهرة من المشتغلين باللغة العربية، ويلقى شيخ الجامع الأزهر ومعه رسائل من الأمراء والكبراء يوصون فيها شيخ الجامع بالرعاية له والعناية به، ويقص الإنجليزي على الشيخ أن عنده نسخة من لسان العرب لابن منظور يريد نشرها وطبعها، لعظم فائدة الكتاب، وأنه حضر إلى مصر لتصحيحها، وأنه يريد أن يدله الشيخ على أستاذ من أفاضل العلماء المتبحرين في تصحيح الكتب، ليعينه على عمله، وليقرأ عليه بعض العلوم العربية، وأنه مستعد أن يعطيه في نظير ذلك مرتبًا يرضيه، وإذا اقتضى الحال أن يسافر معه إلى بلاد الإنجليزي استصحبه معه، وضاعف له مرتبه، فسمى له شيخ الجامع جماعة من العلماء، فاجتمع بهم وحادثهم، وعرف ما عندهم، وعرض عليهم أمره، فمنهم من اعتذر لكبر سنه، ومنهم من رأى أن ذلك لا يجوز في الدين، ولكن الذي قبل وأعجبته الفكرة وأعجب به الإنجليزي كان هو الشيخ علم الدين، وعاد إلى بيته وشاور امرأته فشجعته على القبول وطلبت إليه أن يصحب معه أكبر أولاده «برهان الدين» وتم الاتفاق وتأهب الشيخ للسفر.
صورت القصة الشيخ علم الدين صورة طريفة، فهو شيخ طيب مسلم متمسك بدينه، مؤمن أتم الإيمان بالقضاء والقدر، لا يصدر عن عمل إلا بحكم الدين، وهو واسع العلم بما في الكتب، ولكن دنياه هي كتبه وبيته، والطريق بين الأزهر وبيته، ولا شيء غير ذلك، لم يركب القطار مرة واحدة في حياته، وعلى بيته لوحة تحدد رقمه في الحارة لم يعن مرة بأن يلتفت إليها ويعرفها، ولكن إن سألته عن الحكم في حادثة أفاض في الآيات والأحاديث التي تدل على حكمها، وإن سألته عن معنى بيت من الشعر تدفق في شرح مفرداته ومعناه وما يتصل به، والأقوال التي قيلت فيه، ومع هذا فللشيخ مزية كبيرة، هو أنه ذكي وأنه محب للاستفادة، وأنه سئول لما يجهل، مدرك لما يُشْرَحُ.
هذا الشيخ على هذا الوضع سيسافر إلى إنجلترا مع إنجليزي خبير بالدنيا وشئونها كل الخبرة، واسع الاطلاع إلى أقصى حد، عرف الشرق والغرب، ودرس شئونهما والفوارق بينهما، وهو لطيف العشرة ميال إلى الإفادة والاستفادة، يرى دينًا عليه أن يريح الشيخ ويفيده، ويوسع مداركه إلى أبعد غاية تستطاع.
هذا الشيخ علم الدين يسافر هو وابنه برهان الدين والإنجليزي، ويدق جرس القطار فيسأل الشيخ: ما هذا؟ ويتحرك القطار فيتحرك قلب الشيخ خوفًا، ثم يرى الناس هادئين فيهدأ ويسلم أمره لله، ثم يعجب كيف تطوى الأرض طي السجل للكتب، وتسير العربات وما عليها كما قال الله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، ويسأل الشيخ الإنجليزي عن القطار وكيف يسير، فيشرحه له شرحًا مفصلًا من ضغط وحرارة وبخار، وتاريخ السكك الحديدية، وكيف أنشئت، وكيف تمت، وماذا أنفق عليها، ومتوسط عدد المسافرين فيها، والأرباح التي تأتي بها، وكيف أثرت في الزراعة والتجارة، فيعجب الشيخ من هذا الشرح، ويعجب مما كان يقوله بعض العامة في مصر أنها إنما تسير بقوة جماعة من الجن والشياطين مسخرين لها بواسطة العزائم والسحر والطلاسم.
وما أتم الإنجليزي كلامه حتى كان القطار قد وصل طنطا، فسأل الإنجليزي الشيخ عن السيد أحمد البدوي وتاريخه، فأفاض الشيخ في ذلك وفي مولده، فقال الإنجليزي: إن هذه الموالد ترجع إلى قدماء المصريين، وقد تكلم في ذلك هيرودت في تاريخه، ويؤخذ من وصفها أنها كانت مواسم دينية وسياسية، وكان يحضر فيها الملك أو من ينوب عنه من عائلته، وأنها كانت أشبه بالأسواق الرومانية أخذها الرومان عن اليونان، واليونان عن المصريين، وجميع هذه المواسم كانت مرتبطة بأوقات الزراعة، فلعل هذه الموالد التي عندكم أثر من تلك.
ويعود الحديث إلى السكك الحديدية، فيذكر تاريخها في مصر من أول عهدها إلى يوم الحديث، وينتهي الحديث بأن الإنجليزي يسأل الشيخ عن كلمات وردت في أثناء كلامه عن السكك الحديدية، كالدست والقدر والعربة، هل هي عربية، فيفيض الشيخ في الإيضاح، ويأتي بالشواهد من كلام العرب، ويستطرد ما شاء له الاستطراد، ويتجادلان في أن القِدْر مذكرة أو مؤنثة.
ووصلوا إلى الإسكندرية في أربع ساعات ونصف ساعة، فعجب الشيخ من هذه السرعة، فقد كانت هذه المسافة تقطع في أكثر من أربعة أيام، وفيما كان الشيخ يبدي هذا العجب سلم ساع ورقة إلى الإنجليزي، ففتحها وضحك، وقال: أتدري لِمَ أضحك؟ إن هذه الورقة تلغراف من والدي بلندن، وبيننا وبينها ثلاثة آلاف ميل، وقد أرسله والدي منذ ساعتين — فأنسته سرعة التلغراف سرعة الوابور.
توجهوا إلى «اللوكاندة» فظنها الشيخ أنها بيت كبير للإنجليزي أو أحد أحبابه، لأنه لم ير مثل هذا قط، وعجب من نظافته وكثرة فرشه وسرره، وقال ابنه: لا بد أن يكون صاحبنا ذا مال كبير وثروة عظيمة، حتى يكون له منزل بهذه الحال، وعجب الشيخ من كل ما رأى: خيط نازل من سقف الغرفة يضغط عليه فيرن فيحضر رجل يسأله عما يريد! وقوم خارجون وداخلون! فلم يفهم سر ذلك كله حتى أفهمه الإنجليزي ما معنى «اللوكاندة» ففهم الشيخ أنها صورة مكبرة لما كان يعرفه عن الخان أو «الوكالة»، والإنكليزي يصف «اللوكاندات» وما وصلت إليه، والشيخ يصف «الوكالة» وترابها وقذارتها، وبقها وبراغيثها، وما قيل فيها من أشعار.
ويجلس الشيخ وابنه والإنكليزي على مائدة الطعام، وحولهم النساء والفتيات، وبجانب الشيخ شابة طليانية بديعة الجمال نادرة المثال تعرف اللغة العربية، وبعد الفراغ يدور الحديث بين الإنجليزي والشيخ عن المرأة الغربية والمرأة الشرقية والعادات والتقاليد وأيها أحسن، فيصر الشيخ على استحسان عادات الشرق، وينشد قول الشاعر:
لا تأمنن على النساء ولو أخًاما في الرجال على النساء أمينإن الأمين ولو تحفظ جهده لا بد أنَّ بنظرة سيخون ويصر الإنكليزي على استحسان عادات الغرب، وأن الحجاب لم يمنع المرأة في الشرق من العبث إن شاءت، ويدور بينهما حوار لطيف يمثل العقليتين المختلفتين، كالذي كان بين قاسم أمين وخصومه بعد.
ويحن الشيخ إلى زوجته فيطلب إليه الإنكليزي أن يكتب لها خطابًا يرسل بالبريد، فيدور الحديث حول البريد قديمًا وحديثًا، ويصف الإنكليزي ما وصل إليه الآن، ويصف الشيخ ما كان يفعله، إذ ينتظر يومًا أو يومين ليجد من يسافر إلى بلده في المركب فيرسل معه الخطاب، وربما توجه إلى ساحل البحر (النيل) ليعثر على من يسافر فلا يجد فيرجع بخطابه، وإذا سهل المولى ووصل الخطاب فلا يأتي رده إلا بعد شهر، إن أتى ويفتتح الشيخ خطابه اللطيف لزوجته بقوله: «إلى السيدة المصونة والدرة المكنونة، ومن لا أصرح باسمها، ولا يغرب عن خيالي لطف طبعها ورسمها، قرة العينين، وزوجتنا إن شاء الله في الدارين».
ويركبون البحر فيصف الإنكليزي للشيخ البحر وعجائبه، وأنواع مخلوقاته، وفعل الهواء بالماء، ويمرون بالقرب من جزيرة صقلية، فيجدون الركاب وهم يلغطون وينظرون بالنظارات، فيسأل الشيخ، فيجيب الإنكليزي إنه البركان، ويصف له البراكين وأسبابها وأفعالها.
وعلى المركب يتعلم الشيخ علم الدين وابنه برهان الدين اللغة الإنكليزية، ويجدَّان، والصغير يسبق أباه الكبير في التعلم، لكثرة حركته ومخالطته للركاب والجهد في أن يكلمهم بما تعلم.
•••

ها هم ينزلون في مارسيليا ويستريحون، ويعرض الإنكليزي على الشيخ أن يذهبوا الليلة إلى التياترو، فيعتذر الشيخ ويسمح لابنه أن يذهب، ولكنه يسأل: ما هو التياترو؟ فيشرحه له الإنكليزي شرحًا وافيًا من تاريخه وغرضه وأنواعه، فيقول الشيخ: إن هذا إلا نوع راق مما يسمى في بلادنا «أولاد رابية» فهم يقلدون أحوالًا حاضرة أو أمورًا ماضية، فهم يقبحون حادثة سيئة حصلت في الزمن الحاضر أو الغابر، فيبرزونها في قوالب الهزل والسخرية، وكثيرًا ما يخرجون في ذلك إلى السخف والعيب والألفاظ البذيئة التي يأباها الذوق، فيقارن الإنكليزي بين «أولاد رابية» والتياترو، وأن الأول من خلق العوام الجهلاء، أما التياترو فمن نتاج الأدباء ورجال الفن.
واحتفظ الشيخ وابنه بزيهما الشرقي، فبرهان الدين يذهب إلى التياترو بعمامته وجبته وقفطانه، وكان جميلًا فيسترعي الأنظار، ويعطيه الإنكليزي نظارة ينظر بها ويوجهها إلى من يستجمل، ويقع في حب لم يلبث طويلًا بفضل نصائح والده.
واستعرضوا مرسيليا: مناظرها وقهواتها النظيفة الواسعة وكل شيء فيها، وحدث أن كان على المركب رجل إنجليزي اسمه يعقوب اتصل به برهان الدين وأحبه وأحب حديثه، وكان يعقوب هذا ممن غامر في حياته، وركب البحار وجاب الأقطار، ورأى من عجائب الدنيا الشيء الكثير، فاستهوى برهان الدين بأحاديثه وسأل أباه أن يرجو الإنكليزي، ليتخذه خادمًا له حتى يكون على مقربة منه يشبع حبه للاستطلاع، فتم ذلك وأصبح يعقوب أحد أفراد الأسرة، يمتعهم بحديثه عن كلب البحر والنوء والغرق والذهب واستخراجه والسباع والنمور والقردة، إلخ.
وهكذا دخل يعقوب في القصة ليؤدي مهمة التحدث بعجائب العالم وغرائبه وما شاهده في رحلاته.
ولقي الشيخ في مرسيليا رجلًا هرمًا يتكلم العربية، فاستخبره حاله، فعرف أنه مصري وأنه كان من المصريين الذين التحقوا بجيش نابليون في مصر، وكان كثير منهم من القبط ونصارى الشام وبعض المماليك، فلما خرج الفرنسيون من مصر خرج بعض المصريين معهم، لأن أهل مصر كانوا يتوعدون كل من دخل في زمرة الفرنسيين بالقتل، فلما وصلوا إلى مرسيليا بقي بعضهم وذهب بعضهم يحارب في جيش نابليون، قال: وكنت ممن بقي في مرسيليا أزاول الأعمال، ولكن لما انقضت حكومة نابليون الأخيرة المعروفة بحكومة مائة يوم قام أهل مرسيليا على المصريين من مماليك وغيرهم — وكانوا نحو أربعمائة — فقتلوهم في وسط حارات مرسيليا وشوارعها قتلًا شنيعًا، ولولا أني كنت غائبًا في ذلك الوقت لقتلت فيمن قتل، ولما عدت وجدت عيالي جميعًا قتلوا مع والدتهم.
وقد دعا هذا الشيخ المصري شيخنا علم الدين إلى منزله وأكرمه، وفسر له هذه الأحداث وأسبابها تفصيلًا.
•••

بعد أيام قضوها في مرسيليا ركبوا إلى باريس، وها هو الإنجليزي يحدثه حديثًا طويلًا ممتعًا عن باريس وتاريخها وتطورها وموقعها، وما أدخله عليها ملوكها على التوالي من تحسين إلى غير ذلك.
ويذهب برهان الدين مع يعقوب إلى «البالو»، ويعود إلى والده فيخبره بما رأى من الرقص، وكيف يرقص الرجال مع النساء أنواعًا من الرقص كالبولكا والكانكان والولس، فيحوقل الشيخ ويغضب على ابنه ويقول له: أما علمت أن «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه؟» أما سمعت قوله ?: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؟» فيعتذر إليه، ويعتذر يعقوب بأنه إنما أراد أن يعرفه كل شيء في البلد.
وكان الشيخ يمشي في شوارع باريس، فيلاحظ نظافة الأطفال وسلامة أبدانهم، وحسن صورهم وامتثالهم لأمهاتهم، فيتحسر على أطفال القاهرة وأحوالهم الوخيمة وطباعهم الذميمة، ودناسة ملابسهم، وكثرة بكائهم وعنادهم، ويزور متاحف باريس وحدائقها، ويقف على أهم ما فيها، وعند كل حسن في باريس يذكر نظيره في مصر، ويتمنى أن لو رقيت القاهرة رقي باريس، وينصحه الإنكليزي أن يبني رأيه في الإصلاح على الإحصاء والتعداد، ويضرب له في استخدام هذا الأصل مثلًا بالفلاحة والزراعة في مصر وفرنسا وإنجلترا مستشهدًا بالأرقام، ويهيئ الإنكليزي للشيخ جماعة يصورون نزعات مختلفة من الفرنسيين، من ملحد يعرض إلحاده على الشيخ في شناعة، فيستعيذ الشيخ بالله من سماع مثل هذه الأقوال، ومن مستشرق يعرف الكثير من اللغة العربية وآدابها، فيهش له الشيخ ويبش، إلى أمثال ذلك.
ويحضر برهان الدين حفلة لطيفة من رجال وسيدات، ويقضون سهرة ممتعة في أنواع من الفكاهات العقلية والأحاجي والمعميات، والمهارة في استخراج المجهول من أوراق «الكتشينة» إلى غير ذلك، ويحدث والده بكل ذلك، فيقول الشيخ: لا بأس بذلك، إنها إعانة على توسيع العقل والمدارك، وعندنا في مصر بعض الشيء كالفوازير والأحاجي، ونحو ذلك.
ويعلم الدارسون للغة العربية في باريس بحضور الشيخ فيدعونه لإلقاء محاضرة في جمعية الدراسات الشرقية، فيلقي محاضرة في ديوان امرئ القيس، ويذكر من شعره بعض أبيات يفيض في شرح مفرداتها، ويستطرد عند كل مفرد فيما ورد فيه من معان واستعمالات، ويتحلق السامعون بعد المحاضرة حوله، هذا يسأله عن المعلقات، وهذا يسأله عن لهجات العرب وهكذا.
وأخيرًا دعي الشيخ إلى تياترو، فلبى الدعوة، ورأى الشيخ الرواية، وكان الإنجليزي يشرح له ما يدور من ألعاب ومغزاها وموضوع الرواية، وما إلى ذلك.
وذهب يومًا إلى المكتبة الأهلية وأعجب بما فيها من الكتب، ويومًا إلى «البورصة» وشرح له كيفية المعاملات فيها، والبنوك والأوراق المالية والفوائد وتاريخ الأمم في هذا الباب، كما شرحت له أصول المعاملات المالية، فعجب الشيخ من ذلك أشد العجب، وقارن بين هذا وما يحدث في حارة اليهود بمصر، إذ يكثر الصيارفة والمرابون، ويتوارد عليهم الناس من الأرياف فينتهزون فرصة الاحتياج، فيثقلون الربا، ولا يقرضون إلا برهن أو ضمانة، فيئول أمر الناس غالبًا إلى بيع ما رهنوه وتلحقهم الفاقة، والحكومة لا تتدخل في الأمر ولا تجعل للفوائد حدًّا، ويعجب الشيخ وابنه من كثرة ما سمعا في البورصة من الآلاف المؤلفة من الجنيهات، كأن أوربا قد فتحت لها خزائن قارون وخزائن كسرى.
ويقضي الشيخ أيامًا في باريس يتعرف فيها مظاهرها وحدائقها ومتاحفها وأهم ما فيها، فيمتلئ عقله خبرة وتجربة، ويصبح شيخًا عصريًّا في نظراته إلى الأشياء مع الاحتفاظ بدينه وقوميته، وإذا الشيخ الذي كان يسكن في كفر الزغاري أو كفر الطماعين، يخطر في حدائق لكسمبرج وفي فرساي، وقد عرف الدنيا، وخبر أحوال الناس، وجمع إلى علمه الأثري تجارب واسعة، وعلمًا بالعالم صادقًا.
وهنا — مع الأسف — تنقطع القصة فجأة وتقف الأحداث عند باريس، فلا يتممون رحلتهم إلى إنجلترا، ولا يعودون إلى مصر، مما يدل على أن القصة لم تتم، وقد كنت سمعت أن المرحوم إسماعيل بك رأفت هم مرة أن يتم هذه المرحلة، ويرجع بالشيخ علم الدين وابنه برهان الدين إلى مصر من طريق آخر، ولكنه لم ينفذ ذلك فبقي الشيخ وابنه ينتظران العودة إلى الآن.
هذا وصف موجز جدًّا لقصة علم الدين، وقد ألفت حول سنة ???? هجرية، وطبعت في مطبعة جريدة المحروسة سنة ?????/????م فيكون لها الآن نحو أربعة وستين عامًا.
وفيها نظرات صائبة إلى الحياة الاجتماعية المصرية، ونقد خفي لاذع لأولي الأمر في مصر، وإهمالهم شئون الرعية، وفيها ضوء قوي يُلقى على المدنية الغربية وأصولها وأهم مظاهرها، وفيها دعوة غير مباشرة للاقتباس منها، وفيها بث معلومات كثيرة عن العالم في جماده ونباته وحيوانه وإنسانه، في أسلوب شائق وفكاهة حلوة.
ولولا أنه أكثر من المعلومات وكدس فيها من العلوم والمعارف ما قلل من روابط القصة، وتكلف أحيانًا خلق الحوادث ليدلي بعلمه، ولينقل بحثًا كاملًا في الموضوع يقلل من لذة القارئ في تتبعه للقصص، ولولا أنه لم يحبك شخصياته حبكًا محكمًا، كأن ينسى شخصية الشيخ علم الدين، ويصوره لا يعرف شيئًا من شئون الدنيا إلا في حدود منزله ومسجده، ثم ينسى ذلك وهو في فرنسا فينسب إليه معرفته بابن رابية وخلاعته ومجونه، ومعرفته بحارة اليهود ومعاملتها المالية بالتفصيل ونحو ذلك من هنات — لولا ذلك لعدت خير القصص المصري موضوعًا وفنًّا، ومع هذا فهي لا تزال حافظة لقيمتها الكبيرة ناطقة بما بذل فيها من مجهود ضخم.
ألست معي — أيها القارئ الكريم بعد ما رأيت — أن الباعث على تأليف هذه القصة هي قصة الدسوقي و«لين» وأن مؤرخي الأدب لم يكونوا على حق في إهمالها وعدم التنويه بها؟

غاية العالم


هل للعالم غاية يجد للوصول إليها؟ وهل له خطة مرسومة يسعى إلى نهايتها، ويتجه نحوها دائمًا مهما عاقته العوائق؟
أسئلة دارت، وتدور في ذهن المفكرين قديمًا وحديثًا.
أما ابن الشبل البغدادي فحار في الأمر، ولم يستطع الجواب، وقال في حيرته قصيدته الرائعة:
بربك أيها الفلك المُدارأقصدٌ ذا المسير أم اضطرارمدارُك قل لنا في أي شيء؟ففي أفهامنا منك انبهار إلى آخر هذه القصيدة المفعمة حيرة وارتباكًا، وشكًّا وامتعاضًا.
وحار حيرته كذلك أبو العلاء المعري، فقال:
نفارق العيش لم نظفر بمعرفة أي المعاني بأهل الأرض مقصود؟لم تعطنا العلمَ أخبارٌ يجيء بها نقل ولا كوكب في الأرض مرصود وقال:
أما اليقين فلا يقين وإنماأقصى اجتهادي أن أَظُنَّ وأحْدِسَا إلى آخر ما قال في الحيرة، وما أكثر ما قال!
ولندع الشعراء المتفلسفين ولننظر في آراء الفلاسفة المتعمقين، فنرى أنهم تساءلوا من قديم هذه الأسئلة، وأجابوا عنها إجابات متناقصة، فأما أرسطو فآمن بأن العالم يسير إلى غاية، وأن الغاية هي تحقيق العقل، هذا العقل ظهر ضعيفًا أو كالعدم في النبات، وظهر أرقى من ذلك في الحيوان، وظهر أرقى من الحيوان في الإنسان، وهذا العقل لم يكن شأنه كبيرًا في الإنسان البدائي، ثم نما شيئًا فشيئًا، وكلما تقدم الزمان ظهر سلطان العقل، واحتكم الإنسان إلى العقل، وسيظل يرقى ويرقى متجهًا إلى العقل الكامل، ولن يبلغ هذه الغاية، ولكنه سيسير دائمًا إليها، ويتجه دائمًا نحوها، وإنما عد الإنسان أرقى من الحيوان، لأنه أعقل، وعدت أمة أرقى من أمة، لأنها أعقل، والعالم يسير دائمًا إلى تحقيق العقل رغم ما يعوقه من عوائقَ.
وكفر آخرون برأي أرسطو، فرأوا أن العالم ليس إلا مخلوقًا أخرق، وأنه يسير تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف، وتارة إلى اليمين، وتارة إلى اليسار، وليس له هدف يرمي إليه، بل هو يسير كما شاءت المصادفة، وكما شاء له الهوى، وهو مجنون لا تعلل أعماله، انظر إلى الإنسان سيد العالم — كما يزعمون — في حروبه، وانظره في ملاجئ عجزته، وانظره في فقر فقرائه، وبؤس بؤسائه، ومستشفى مرضاه، وسجون مجرميه، وانظر ما يحدث في العالم كل لحظة من الكوارث، وفظائعِ الحوادثِ، وحتى السعادة التي فيه قد ربطت بالجهل، وهربت بالعقل، وحياة الناس مهازل تنتهي بالموت كما تنتهي الرواية بإسدال الستار، فليس صحيحًا أن «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، وإنما الصحيح أن ليس في الإمكان أسوأ مما كان، ولو أطلقت ثورًا في مستودع خزف، أو مجنونًا يحمل مشعلًا في مخزن نسيج، ما صنعا ما يصنع العالم.
صحب الناس قبلنا ذا الزماناوعناهم من أمره ما عناناوتولوا بغصة كلهم منــه وإن سر بعضهم أحيانا وليست مظاهر التقدم إلا خداعًا، وليس الفرق بين ما نسميه أمة متمدنة وغير متمدنة إلا كالفرق بين المرأة في طبيعتها والمرأة في زينتها، وسيترك كل جيل من الناس الدنيا كما دخلوها بشرورها وبؤسها وشقائها، وليست الحضارة والبداوة إلا طلاءً ظاهرًا لغرائز متشابهة.
ولكن هؤلاء المتشائمين قد أصيبوا بعمى اللون، فلم يروا في العالم إلا لونًا واحدًا هو لون السواد، ولم يروا مادة لأدبهم إلا نعيق البوم، وسواد الغراب، وحلكة الظلام، ولم يقوموا في الحياة إلا المآسي، ولم يسمعوا من النغمات إلا المحزن، ولم ينظروا في الحياة إلا إلى سطحها، لا إلى عمقها، وشغفوا بالأحداث الجزئية، لا النظريات الكلية.
إن نظرة شاملة لحركات العالم واتجاهاته تدل على أنه سائر لغاية، وأن له روحًا وإرادة وعقلًا لا يقاس بها ما للفرد، وأنه يعمل في دأب وجد واستمرار لبلوغ غايته، وأنه كالفرد له أعمال لا شعورية يدعو إليها العقل الباطن، وأعمال شعورية يدعو إليها الفكر، وله أعمال تدعو إليها الفطرة والغريزة، وأعمال تأملية، وله أعمال ظاهرة وأعمال خفية، وكلها تقرب إلى الغرض، والعالم يسير إلى الإمام في ثبات واستمرار، قد تتخلف بعض أجزائه، وقد تتعطل بعض خلاياه، ولكنه في جملته يسير قُدُمًا، لا يعبأ بما تخلف من جزئياته، كالجيش الظافر لا يعوقه موت بعض جنوده، ولا عطل في بعض آلاته، ولا تخلف من يصيبه الإعياء، بل هو بالغ غايته على الرغم من كل ذلك، هكذا كان تاريخ الإنسانية، فقد ترقى أمة ثم تتخلف ثم تموت، ولكن لا تموت حتى يتسلم منها مجدها قوم آخرون يخطون بالعالم خطوة جديدة، ويحققون روح العالم العامة التي تدفع إلى الأمام ولا تريد إلا الأمام، والتي تُعد الوسائل لذلك دائمًا من أخلاق قوية، وأبطال أقوياء، ونوابغ أفذاذ، وتاريخ الإنسانية من مبدئها إلى الآن ليس إلا مراحل للتقدم إلى الأمام في نواحي الحياة المختلفة من شعور وحرية وتفكير، ولا يمنع الناس من إدراك هذا إلا قصر نظرهم على جزئيات العالم كأمة بعينها أو قطر بعينه، أما إن نظروا إلى العالم من حيث هو وحدة، فهناك تتجلى علائم التقدم بأجلى مظاهرها، فالعالم بناء شامخ شيدت طبقاته في أجيال، أو قصيدة واحدة نظمت أبياتها على تعاقب الأزمان، أو رواية محكمة يؤلف كل جيل منها فصلًا، ثم لم تتم فصولها، ولم توضع خاتمتها، هو سائر إلى الأمام في كل مظهر من مظاهره، في فنه الدال على شعوره، وفي دينه الدال على روحه، وفي علمه الدال على عقله.
بُنِي العالم على ثلاث قواعد: حفظ الذات، وحفظ النوع، وتحسين النوع، هذه هي الأوراق الثلاث التي يلعب بها العالم لعباته المختلفة في كل تصرفاته التي لا نهاية لها، وكل شيء في العالم من الحشرة الدنيئة إلى أرقى أنواع الإنسان يسعى إلى تحقيق وجوده الذاتي ووجوده النوعي، والعالم كله في جملته يتسامى لتحقيق غايته، وقد اتخذت الطبيعة لتحقيق ذلك كل الوسائل الممكنة من تحريك الغرائز المختلفة، والانفعالات المتباينة، والعواطف المتناقضة، ونحن لو بحثناها على شدة ما بينها من اختلاف لوجدناها كلها ترجع إلى هذه العناصر الثلاثة: تلعب الغرائز والانفعالات والعواطف كل ألاعيبها في النبات والحيوان والإنسان لحفظ الذات وحفظ النوع، وتلعب في الإنسان ألاعيبها كذلك للسمو به، فسعي النبات وراء قوته وتجهيزه بالآلات العجيبة للحصول على غذائه، وتكثير بذوره، وسلوك الحيوان في شهواته وعواطفه، والإنسان في كل تصرفاته وعواطف حبه وغزله، وعواطف أبوته وأمومته وأفانينه — كل ذلك يفسر في النهاية حفظ الذات وحفظ النوع، فقانون الطبيعة في ذلك قانون ثابت لا يتخلف، ولا يمكن أن يصدر ذلك إذا لم يكن للعالم غاية.
ولا تتورع الطبيعة أن تخدع المخلوقات بكل صور الخداع لتعمل وفق ما ترسم، فهذا الإنسان — وهو أرقى أنواع المخلوقات — يخدع بكل أنواع الخداع لتحقيق غرض الطبيعة. إن شئت مثلًا واحدًا فطالع فصول غرامه وغزله وهيامه، وكل فصول حياته الزوجية، وكل أدب وفن نسائي، لترى كيف تلعب الطبيعة بالإنسان لحفظ النوع، وكل ما وضع من مبادئ أخلاقية، وقواعد قانونية، إنما دفعت إليه الطبيعة لخدمة هذه العناصر الثلاثة وللمحافظة عليها.
وشأن العالم شأن شجرة الورد، فكما أن آلاف الأعمال تعملها بذرة الورد من تغذ ونمو واستنشاق وتعرض للضوء ونحو ذلك لغرض واحد هو إنتاج زهرة الورد، فكذلك العالم يعمل كله — كوحدة — ملايين الأعمال من محافظة على الأفراد والنوع للوصول إلى غاية، وهي السمو وتحسين النوع.
والطبيعة لا تعبأ بالتضحيات الكثيرة للوصول إلى هذا الغرض، فكم من بذور النبات يهلك ليحيا أحسنه، وكم من ملايين الحيوان والإنسان تصادفه العقبات في سبيل حياته وبقائه، ولا يبقى إلا أصلحه، وهذه الأحياء كلها تتمخض عن عدد قليل من النوابغ الأفذاذ، هم قادة العالم في مرافقه المختلفة يقودونه إلى الأمام دائمًا.
قد يحدث في العالم كوارث في منتهى الفظاعة، كما تثور البراكين، وكما تزلزل الأرض، وكما تقوم الحروب الهائلة بين بني الإنسان، فيفنى في ذلك العدد الكثير، ولكن سرعان ما يسترد العالم كيانه، ويبدأ سيره وتقدمه، ويتجلى له أن هذه الكوارث ليست إلا إرهاصًا ببناء جديد على أنقاض قديم، وأن هذه الكوارث الإنسانية ليست إلا نتيجة لتعفن النظم الحاضرة، وبناء نظم أرقى لإنتاج إنسان أسمى، وما العلم والنظم والحكومات إلا أدوات لرقي الإنسان ومظاهر لحالته الاجتماعية، يرقى فيرقيها، وترقى فترقيه، ومذهب الطبيعة أن لا بأس بهلاك الكثير لتحسين القليل، شأنها في ذلك شأنها في تدفق ماء الرجل يحمل ملايين من الأحياء لا يعيش إلا واحد منها هو أصلحها للبقاء، وكل يوم يكتشف الإنسان وسائل للسمو به، ولكن قد يجربها فتفني العدد العديد منه، حتى يضبط نفعها، ويستطيع التغلب على ضررها، كما يحدث في تاريخ الإنسانية عوائق تعوق سيره، يحدث كذلك ما يعوضها من وثبات وقفزات يطفر بها إلى الأمام، كم ألوف من الناس قد ذهبوا ضحية العلم والمخترعات الحديثة، ولكن ما كسبته الإنسانية — ككل — وما أفاده العالم — كوحدة — أعظم جدًّا مما خسره، قد يتخلف الجنود الضعفاء في سير الجيش، وقد يموت كثير من أفراد الجيش الزاحف، وقد يموت بعض الوحدات القوية الصالحة، ولكن إذا فتح الجيش المدينة المنشودة فلا بأس بمن فقد، كم فقد العالم من مستكشفين! وكم فقد العالم من رواد البر والبحر! وكم فقد من طائرين وطيارات! وكم فقد من المجربين في الكهرباء، ولكن ما كانت نتيجة ذلك كله؟ كانت نتيجته أن العالم تقارب نوعًا ما، وأصبح وحدة ما، وسيسير في سبيله للتغلب على العقبات غير عابئ بالضحايا حتى يقرب من الغرض، بل هو كذلك يضحي بالعدد الكثير من عامة الأفراد، ليصل إلى إنتاج العدد القليل من النوابغ الأفذاذ.
ربما صعب على المفكر أن يرى تقدم العالم إذا نظر إلى أمة واحدة، أو قارن بين العالم اليوم والعالم منذ سنة أو سنتين أو عشر، ولكن ليطُل الزمن قليلًا، ولينظر إليه نظرة شاملة، وليقارن بين العالم في قرن والعالم في قرن قبله والعالم في قرون سابقة، يرَ أنه يسير إلى الأمام دائمًا وأنه على حد تعبير أرسطو يسير نحو تحقيق العقل، فللعلم الآن مكانته العظمى، وسيطرته القوية، والعلم هو مظهر العقل، وأعني بالعلم معناه الواسع، وهو العلم بقوانين العالم والإيمان بها، والسير على مقتضاها، ونحن إذا نظرنا إلى الماضي البعيد السحيق في البعد اغتبطنا لتقدم العالم هذا التقدم، ولكن إذا نظرنا إلى المستقبل البعيد السحيق في البعد أدركنا أن العالم لا يزال في طفولته، ولكنه سائر حتمًا إلى شبابه.
إن العالم له قلب ينبض، وله عقل مفكر، وله شعور بذاتيته، وله شعور بوحدته، وليست أجزاؤه إلا خلايا كخلايا الشجرة الضخمة، ولخلاياه وظائف متنوعة تعمل لغاية هي الثمرة، وكل ضروب أفعاله منسجمة متعاونة متوائمة، كان كذلك في القديم، وهو كذلك في الحديث، وسيكون كذلك في المستقبل، لم يسر يومًا وفقًا لغرائز حفظ الذات وحفظ النوع ويومًا على عكس ذلك، ولم يتقهقر الإنسان يومًا فيرجع إلى حالته الأولى بعد ما خطا خطواتٍ في تقدمه، ولم يكن في أمسه أعقل منه في غده.
أفبعد هذا ينكر منكر أن له غاية، ويدعي مدع أنه يخبط خبط عشواء؟
قد علمنا التاريخ أن العالم حين يقدم على خطوة جديدة، وحين يتمخض لولادة جديدة، تقوم زوابع كثيرة تقلب الأوضاع وتكسر ما يعترضها، ثم ينزل الغيث وتهدأ الزوابع ويلطف الجو، وأظن أن الحرب الحاضرة شأنها شأن الزوابع الماضية، ليست إلا علامة على أن العالم يتمخض للولادة، وأنه يريد أن يتخلص من بعض شرور الماضي؛ ليضع أسسًا جديدة لمستقبل أسمى، ومما يؤسف له أن العالم في الحاضر والماضي ليس لديه إلا هذه الوسيلة للإصلاح، لا يستطيع أن يبني بناءً جديدًا إلا بعد هدم القديم، وإلا كان العمل ترميمًا لا تجديدًا.

أوقات الفراغ


حُدثت أن جنديًّا أجنبيًّا ظريفًا رأى في مقهى بحلوان رجلين يلعبان النرد، وكانت الساعة السابعة مساءً، فتقدم إليهما بكل أدب واحترام، وحياهما ثم سألهما: من أي وقت بدأتما اللعب؟
– من الساعة الرابعة.
– وإلى متى؟
– إلى الثامنة أو التاسعة.
– وما عملكما؟
– مدرسان.
فانهال عليهما ضربًا ولكمًا، وقال: أما لكما عمل تعملانه، أو رياضة تقومان بها، أو خدمة اجتماعية تؤديانها؟
•••

ليت لنا مشرفين من هذا القبيل يعزِّرون من أضاع وقته على هذا النمط، إذًا ما نجا من الضرب واللكم إلا القليل!
فالمقاهي والأندية مزدحمة بالناس في الصباح والمساء، والوقت فيها ضائع بين لاعب نرد، ولاعب شطرنج، وشارب «شيشة»، ومتحدث حديثًا فارغًا.
في مصر آلاف الموظفين يفرغون من عملهم في الساعة الثانية بعد ظهر ويعودون في الثامنة صباحًا، فسائلهم كيف قضوا ثماني عشرة ساعة في كل يوم؟ وهل استفادوا من زمنهم في عقلهم أو جسمهم، أو عملوا عملًا نافعًا لأنفسهم أو أمتهم؟
وفي البيوت نصف عدد الأمة من النساء، فكيف يقضين أوقات فراغهن؟
وفي المنازل آلاف الآلاف من طلبة المدارس، يقضون أربعة أشهر أو خمسة إجازة صيفية، فهل تساءل الآباء كيف يُقضَى هذا الوقت الطويل فيما يعود بالنفع على جسمهم وعقلهم؟
إذا كان الزمن هو المادة «الخامة» لاستغلال المال وتحصيل العلم وكسب الصحة، فكم أضعنا من كل ذلك؟ وكم أعمار تضيع في عبث، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.
من نتيجة ضياع الزمن ضياع كثير من منابع الثروة، كان يمكن أن تستغل لولا إهمال الزمان وجهل باستعماله؛ فكم من الأراضي البور كان يمكن أن تصلح، ومن الشركات يمكن أن تؤسس، ومن المؤسسات المختلفة يمكن أن تنشأ وتدار بجزء من الزمان الفارغ.
ومن نتيجة ضياع الزمن كساد الكتب والمجلات الجدية في مصر والشرق، فهي لا تطبع إلا نسبة غريبة لعدد المتعلمين، وما يطبع لا ينفق إلا أقله، هذا على قلة ما تصدره المطابع من الكتب والمجلات؛ إذ ليس هناك عقل يطلب الغذاء ولكن معدات تضج بالتخمة، وليس هناك نفوس تألم من الجهل، ولكن أجسام تخلد إلى الراحة، إن شئت أن تندهش حقًّا فاجمع ما يطبع من المجلات الجدية في مصر، وهي أربع أو خمس، وانسبها لعدد المتعلمين، واستبعد منها ما يرسل إلى العالم العربي، تدرك مقدار الخمول الذهني، والفقر العقلي، والجمود النفسي.
والشأن في عالم المال كالشأن في عالم الكتب، فهناك القناعة بالقليل والرضا بما قسم الله والنوم على الوظيفة، والعمل الراتب الذي لا يدعو إلى جهد، ولا يبعث على تفكير؛ ثم هناك الفكر المضني، وإفساح الطريق للأجنبي النشيط الذي يعرف كيف يستغل زمنه.
•••

لست أريد من المحافظة على الزمن أن يملأ كله بالعمل وأن تكون الحياة كلها جدًّا لا هزل فيها، وأن تكون عابسة لا ضحك فيها، فقد كان هذا هو المثل الأعلى في القرون الوسطى، وكان خير الناس من جد ولم يهزل، وعبس ولم يضحك، وواصل العمل وواصل العبادة، واستحضر الموت في كل لحظة، فلم يدخل السرور قلبه، ورؤي مهمومًا دائمًا كأنما هو راجع من جنازة، ثم كان من خير ما اتجه إليه دعاة العصر الحديث أن السرور والضحك واللعب في جزء معقول من الزمن ينفع الخق أكثر من الجد الدائم والوقار المتصل.
واستكشف علماء النفس أن مثل هؤلاء المتزمتين المدمنين على الجد، كانوا أقرب إلى القسوة على الناس، وأقلهم بهم رحمة، وأبعدهم عن التسامح، وعلى يد أمثال هؤلاء قامت محاكم التفتيش في أوربا، وعذب الناس على يد زياد والحجاج وأبي مسلم الخراساني وأمثالهم من المسرفين في الجد، وعلى العكس من ذلك كان الإحسان والتسامح والعفو والرحمة ممن كانوا يجدون ويلعبون، ويعملون ويمرحون.
إنما أريد ألا تكون أوقات الفراغ طاغية على أوقات العمل، وألا تكون أوقات الفراغ هي صميم الحياة، وأوقات العمل على هامشها، بل أريد — أكثر من ذلك — أن تكون أوقات الفراغ خاضعة لحكم العقل كأوقات العمل، فإننا في العمل نعمل لغاية، فيجب أن نصرف أوقات الفراغ لغاية كذلك، إما لفائدة صحية كالألعاب الرياضية، وإما للذة نفسية كالمطالعات العلمية أو الأدبية.
أما أن تكون الغاية هي قتل الوقت، فليست غاية مشروعة، لأن الوقت هو الحياة، فقتل الوقت قتل الحياة؛ فالذين يصرفون أوقاتهم الطويلة في نرد أو شطرنج لا يعملون لغاية يرتضيها العقل، وكذلك الذين يتسكعون في المقاهي والأندية والطرقات لا يطلبون إلا قتل الوقت كأن الوقت عدو من أعدائهم.
مفتاح العلاج لهذه المشكلة الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يغير موضوعات حبه وكرهه كما يشاء، ويستطيع أن يغير ذوقه كما يشاء، فيستطيع أن يمرن ذوقه على أشياء لم يكن يتذوقها من قبل، وعلى كراهية أشياء كان يحبها من قبل، ففي استطاعة أغلب الناس — إذا قويت إرادتهم — أن يقسموا أوقات فراغهم إلى ما ينفعهم صحيًّا، وإلى ما ينفعهم عقليًّا.
ومن الأسف أن عامة الناس يعتقدون أن قراءة القصص الخفيفة والمجلات الرخيصة كافية لغذاء عقولهم، فهم يلتهمونها التهامًا، ويكتفون بها في لذتهم العقلية، وهي ليست إلا مخدرًا للعقل، أو منبهًا للغرائز الجنسية، وقليل من الصبر وقوة الإرادة يجعل المتعلم صالحًا للدراسة الجدية والقراءة المفيدة، وكل مثقف يستطيع أن يخلق في نفسه هوى لشيء جدي في نوع من أنواع المعارف يدرسه ويتوسع فيه ويتعمقه، سواء كان أدبًا أو حيوانًا أو أزهارًا أو ميكانيكا أو تاريخ عصر من العصور أو أي ضرب من ضروب المعارف الإنسانية، ثم يثير رغبته فيه، ثم يخصص جزءًا من يومه لدراسته والاهتمام به، فإذا هو إنسان آخر له ناحية من نواحي القوة، وله شخصيته المحترمة، وإذا الأمة غنية بأبنائها في شتى فروع العلم والمعارف والفنون، تعتمد على كلٍّ فيما تخصص فيه من نواحي الحياة، وإذا الناس في مجالسهم يرقى حديثهم، ويستفيد كل من كل في نوع معارفه وضروب تخصصه، وإذا الثقافة ارتقت والعقول اتسعت والحياة سمت.
إذ ذاك يشعر الناس أن عليهم واجبًا أن يغذوا عقولهم كما يغذون معداتهم، وأن لا حياة لهم بدون غذاء، وإذ ذاك تنشط حركة التأليف والترجمة والنشر، بل وإذ ذاك يرتقي اللهو في دور السينما والغناء، لأن العقول المثقفة لا يلذها إلا عرض مثقف يلائم الذوق المثقف.
اجعل شعارك دائمًا أن تسائل نفسك: «ماذا عملت في وقت فراغك؟» هل كسبت صحة أو مالًا أو علمًا؟ وهل خضع وقت فراغك لحكم عقلك، فكان لك غاية محدودة صرفت فيها زمنك؟ إن كان كذلك فقد نجحت، وإلا فحاول حتى تنجح، فقليل من الزمن يخصص كل يوم لشيء معين قد يغير مجرى الحياة ويجعلها أقوم مما تتصور وأرقى مما تتخيل.
إن الأمة الآن تعيش عُشر ما ينبغي أن تعيش، أو أقل من ذلك، سواء في إنتاجها المالي، أو ثقافتها العقلية، أو حالتها الصحية، وباقي حياتها هدر، في كسل أو خمول، أو بين نرد وشطرنج، أو في لا شيء، ولا ينقصها لتعيش كما ينبغي إلا أن تكتشف طريقة ملء الزمن وخضوعه لحكم العقل.

التخريف?


كنت أقرأ في كتاب «لين» (مصر الحديثة — عاداتها وتقاليدها)، فراعني منه قوله: «إن العرب شعب مليء ذهنه بالخرافات، وليس في أمم العرب من يباري المصريين في هذا الباب».
ثم عَدَّدَ مناحي تخريفهم، فالعفاريت تحتل جزءًا كبيرًا من تفكيرهم، وهي تسكن الأنهار والمنازل والكهوف والآبار والمقابر، وللموتى عفاريت، وللقتلى عفاريت، وفي كل جُحْر عفريت.
والعقيدة في المغفلين والمجانين الهادئين أنهم أولياء مقربون فاشية بينهم، حتى ليتبركون بهم، ويتقربون إلى الله بالإحسان إليهم، وطلب الدعاء منهم.
ومشايخ الطرق وكراماتهم، والصوفية وأعاجيبهم، والأقطاب وسلطانهم، وقصص الأولياء وغرائبهم، ولعبهم بقوانين الطبيعة وتفننهم، كل أولئك تملأ حياتهم، وتستولي على عقولهم، وتلون سلوكهم.
والأضرحة وزياراتها، والتوسل بها وبساكنيها، والتذلل في طلب قضاء حوائجهم منها، والموالد وما يجري فيها.
والبكرية والعنانية والسادات ونقابة الأشراف ومشايخ السجادة، وما إلى ذلك من طرقٍ وشعائرَ ومراسمَ وأعمالٍ وأذكارٍ.
وثم ضروب أخر من هذا الباب، كالأحجبة وأنواعها، والأحراز لدفع العين على اختلاف أشكالها، والتعاويذ لشفاء الأمراض وجلب الأزواج وبث العداء واسترضاء النافر وتحنين القلوب، ثم طب الركة وأفانينه وأعاجيبه، والاعتقاد في ساعات النحس وساعات الوفق، ثم السحر والطوالع والتنجيم.
لقد وصف «لين» هذا الوصف منذ مائة عام، ومن غير شك قد قل التخريف في زماننا عما كان عليه في أيام «لين» بفضل انتشار الثقافة ورقي العقل، فالاعتقاد في العفاريت لم يبقَ إلا في أوساط العوام وأشباههم، وكذلك الشأن في كثير مما ذكر من ضروب التخريف، ومع هذا فلا يزال التخريف أكثر مما يلزم، ولا يزال وصف «لين» حافظًا لشيء من جدته، نعم لم تخلُ الشعوب الممدنة كلها من ضروب من التخريف، ولكنه في مصر كثير كثرة تستحق بذل الجهد في محاربته والقضاء عليه.
من الكثير على أمة أن تتحمل هذه الأنواع كلها بأعبائها وتكاليفها، ولكل نوع ضحاياه وآثامه، فكم نفوس ضاعت بطب الركة! وكم بيوت خربت بالعفاريت التي ليست إلا في أذهاننا! وكم أموال ذهبت هدرًا، فخرجت من مستحقيها إلى غير مستحقيها بصندوق النذور، ودجل مدعي الصوفية، وحيل فاتحي الكنوز والمتظاهرين بالورع! وكم أسر تهدمت بقارئي الكف وفاتحي البخت وشيخات الزار وصانعي التعاويذ! وفوق هذا كله خراب العقل بهذه العقائد.
أساس التخريف «الخوف من القوى الغيبية ورجاء النفع منها» والاعتقاد بأنها قادرة على النفع والضرر، فهو يتملقها بالتوسل والقرابين والعزائم، ويدفع شرها بالنذور والتعاويذ، ويستجلب خيرها بالزيارة وتقبيل الأيدي والأحجار والخضوع التام وطلب البركة وما إلى ذلك، وعجيب أن يفشو هذا كله في قوم أساس دينهم «لا إله إلا الله» وأن الله وحده القادر، وأنه النافع الضار، وأن لا واسطة بين العبد وربه، وأن الخير والشر كله بيد الله، وأنه خلق الكون ووضع له قوانين لا تتخلف، فلا مبدل لكلمات الله، ونحو ذلك من المبادئ!
كيف يلتئم مع هذه العقائد عفاريت تتصرف، ومشايخ طرق تتحكم، وأولياء تنفع وتضر على هواها، يرضيها الملق ويغضبها الهجران، ونجوم تسعد وتشقى، ومغفلون ومجانين بيدهم الخير والشر، ومعتوهون تنازل الله تعالى لهم عن سلطانه، وكون لا نظام له ولا قانون، فالولي يلعب به كما يشاء، ويجعل الماء جمدًا، والهواء ماء، والزجاج غذاء، وبركة الشيخ تقتل دودة القطن في الحقل إذا رضي، وتحييها إذا غضب.
ليس من الممكن أن تجتمع عقائد الدين الصحيح وهذه العقائد الخرافية، فإذا دخل أحدهما من باب خرج الآخر من باب، والحق أن الإسلام يوم كان يعتقد اعتقادًا صحيحًا لم نكن نرى شيئًا من هذا، وحين رأينا هذا لم نرَ الدين الصحيح.
التخريف يشل العقل ويجعله غير صالح لمواجهة الحياة الواقعية، ويجعل حياة من يستولي عليه خيالًا مضطربًا كخيال الحشاشين، ليس له ضابط ولا يخضع لقانون، وكخيال السكير يحسب الديك حمارًا، والقرد غزالًا، وإذا كان «متعاطي» الحشيش ومدمن الخمر يصلح للحياة صلح لها المخرف.
التخريف يلازم الجهل، ويلازم ضعف العقل، فالعقل القوي يرفض أي تخريف، والعلم بالكون وأسبابه ومسبباته وقوانينه ومسلكه يبدد التخريف كما يبدد النور الظلام.
اعتبر ذلك في الطفل والرجل، فالطفل لضعف عقله قابل للتصديق بالخرافات، يعتقد حكايات العفاريت صحيحة، ويعتقد قصص الحيوانات صادقة، فإذا نما شيئًا فشيئًا زال هذا الاعتقاد شيئًا فشيئًا، وحل محله إدراك الواقع، وفرق بين القصص الخيالية والسير التاريخية، فكذلك الشأن في الأمم، إذا كان عقلها عقل طفل آمنت بكل ما عددنا، وكانت حياتها مستغرقة بالمشايخ والأولياء والعفاريت والنذور والنجوم وما إليها، فإذا رقيت تبخر كل ذلك وحل محله الإيمان بالكون المعقول يدبره إله معقول.
لقد كانت أمم أوربا منذ أقل من ثلاثة قرون غارقة في مثل هذا التخريف، وكانت تعتقد في السحر والسحرة إلى حد بعيد، وكم سبب هذا من مصائبَ وضحايا ومظالمَ لا عدادَ لها، ثم أخذ يقل شيئًا فشيئًا بانتشار التعليم وترقية العقل، حتى قلت دائرته وجعل زمام الحياة لسلطان العقل، وانكمش سلطان التخريف.
أخطر ما في التخريف أنه يزلزل الإيمان بقوانين الطبيعة وقوانين السببية! فتكفي دعوة شيخ لقلب كل قوانين الاقتصاد وقوانين النبات، وتكفي تعزيمة رجل لتزيل أسباب الفقر الطبيعية، ويكفي وجود الأضرحة لتتقى بها الأعداء في الحروب، ويكفي عقد الزواج في ساعة من ساعات السعد، لتصبح الحياة الزوجية سعيدة رغم كل عوامل الشقاء الطبيعية، وهكذا.
ولا تشقى أمة شقاءها بهذا التخريف، ولا يضعفها في حياتها ما تضعفها هذه المعتقدات.
لقد قطع العالم هذا الشوط، وتحرر مما سببه هذا التخريف من تعاسة وشقاء، وأحل المصلحين المعقولين محل الأولياء والقديسين، وأحل قوانين الصحة والمرض محل طب الركة، وأحل علم الزارعة مكان الزراعة بالبركة، وأحل قوانين الاجتماع محل الاعتماد على القدر وحده، وليس في كل هذا ما يمنع من إيمان صحيح يعتقد فيه بأن للعالم إلهًا قادرًا عادلًا لم يتنازل عن سلطانه لمخلوق يعبث به، قد خلق خلقه، وحاطه بقوانين لم يسمح لأحد أن يتلاعب بها، ويستخدمها في أغراضه مهما كانت هذه الأغراض.
نعود إلى صدر الإسلام، فنرى عمر بن الخطاب يرى ناسًا يأتون الشجرة التي بايع رسول الله ? تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فيأمر بقطعها حتى تكون العبادة لله وحده.
وننظر اليوم فنرى باب زويلة — وهو ليس إلا بابًا من أبواب سور القاهرة القديمة — قد اتخذ معبدًا يزعمون أنه مسكن لقطب من الأقطاب الأربعة؛ ومن أجل هذا سمي «باب المتولي» والناس يتمسحون به، ويربطون في مساميره قصة من شعورهم أو خيطًا من ملابسهم، ويشتفون به من وجع أسنانهم أو صداع رءوسهم.
ونعود إلى صدر الإسلام فنرى في سيرة عمر أنه خرج في حجة فمر بمسجد فبادره الناس بالصلاة فيه، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له صلاة فليمض. ثم نرى الناس اليوم وقد تهافتوا على أمكنة وقف عندها ولي مزعوم، أو لمستها يد صالحة مباركة كما يقولون، أو رأى مدله رؤيا شاهد فيها قديسًا من القديسين.
ونعود إلى صدر الإسلام فنرى عمر ينظر إلى شاب قد نكس رأسه فيقول له: «يا هذا ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه فإنما أظهر للناس نفاقًا على نفاق»، ونرى اليوم تصنعًا في التدين والصلاح، بعمة حمراء وعمة خضراء وسبحة طويلة، وانكسار وتقشف، وغيبوبة عقل، فيخدع الناس بمظاهرهم، وينسبون الولاية إليهم، ويستمدون البركة منهم.
ونعود إلى صدر الإسلام فنرى علي بن أبي طالب يعين عاملًا من عماله ويقول له: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، ألا أدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا إلا سويته».
ونرى اليوم الأضرحة والمزارات منتشرة في كل مكان للصالحين وأشباه الصالحين، بل لمن لو رجعت إلى تاريخه لوجدت أن لا منقبة له إلا مظالم ارتكبها، وظن أن بناء المسجد والضريح يكفر عنها.
لا لا أيها الناس، ليس في الإسلام وثنية، وليس في الإسلام الصحيح تخريف، ولكن دخل فيه أقوام وفي رءوسهم خرافات الوثنيات الأولى! فوثنية العرب الجاهليين، ووثنية مصر القديمة، ووثنية المجوس، ووثنية الرومان، كل هذه اندست بين المسلمين، واصطبغت بصبغة الإسلام، والإسلام بريء منها، وذهب الماء الصافي ولم يبق إلا عكره، وامتلأ الإناء بالدُّرْدي.
?  التخريف مصدر خرف، أي اعتقد بالخرافات، والشخص مخرف أي مملوء ذهنه بها. وهو تعبير محدث آثرنا استعماله وإن لم يرد في اللغة هذا التصريف، لأنا لم نجد خيرًا منه.
المثقفون والسعادة


قرأت قول المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشقاوة ينعم وقرأت قول الآخر:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبهوجاهل جاهل تلقاه مرزوقاهذا الذي ترك الأفهام حائرةوصير العالم النحرير زنديقا وقول ابن المعتز:
وحلاوة الدنيا لجاهلهاومرارة الدنيا لمن عقلا وقول ابن نباتة:
من لي بعيش الأغبياء فإنهلا عيش إلا عيش من لم يعلم وقرأت كثيرًا مثل هذا في الشعر العربي يدور حول لعنة العالَم، لأنه يعذِّب العالِم ويسعد الجاهل.
فتساءلت: هل هذا صحيح؟ هل العلماء في جملتهم أشقى من الجهلاء؟ وهل العلم يسبب الشقاء والجهل يسبب السعادة؟
إن كان هذا صحيحًا، وكان العالَم إنما يسعى وراء السعادة، فالنتيجة المنطقية لهذا أنه يجب علينا محاربة العلم ونشر الجهل، وإغلاق المدارس، وعد تأليف الكتب جريمة وطبعها جريمة والجامعة جريمة، وكل حركة علمية جريمة، لأنها تبعد من السعادة التي هي غاية الإنسان بطبعه، أو على الأقل يجب أن تكون غايته.
إذا فلا بد أن يكون أحد الرأيين خطأ، أما والناس يكادون يجمعون على فضل العلم وأنه وسيلة من وسائل السعادة، فوجب أن يكون الرأي الأول باطلًا، ولكن أين وجه البطلان؟
وجه البطلان من نواح عدة: أولها — سوء تصور الناس للسعادة، فالرأي السائد فيها أنها حياة كسل لا يكدرها عمل، وحياة حقوق لا واجب فيها، وحياة لذة مشتعلة لا خمود لها، وأكل شهي من غير عناء، وتنوع ملاذ من غير انقطاع، وارتواء باللذات من غير جهد، وبعد للآلام من غير أن يتعب في إبعادها، وحضور لكل ما يخطر بباله من مسرة من غير نصَب في جلبها، ونحو ذلك.
وهو تصور فاش بين الناس حتى عقلائهم، ومن لم يقله جهارًا اعتنقه سرًّا، ومن لم ينله طمع فيه، وتحرق شوقًا إليه، ومن حُرِمَه في الدنيا أمله في الجنة، وجعل عبادته وسيلة لإدراكه.
وهو تصور لمعنى السعادة باطل، وفهم خاطئ، وإني لأتخيل حياة من هذا النوع أشبعت فيها كل الرغبات من غير جهد، وأتصور رجلًا أجري عليه كل أنواع النعيم: من قصور فخمة وحور وولدان وكل ما تشتهي الأعين وتلذ الأنفس، فأجده بعد قليل قد صرخ من السعادة واشتاق إلى الشقاء، وإن شئت فقل: إنه يبحث عن سعادته في شقائه، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويطلب الفوم والعدس والبصل بدلًا من المن والسلوى، ويفضل المرأة الشوهاء على المرأة الحسناء، ويشتهي جلسة على التراب بدل الأرائك والحرائر، ويتمنى ساعة عذاب يتقي بها شر هذا النعيم المقيم.
هذا هو الإنسان، وهذه طبيعته، ليست سعادته في هدوء متطامن، ولا في ركود مستمر، وإنما هي كما قال القائل:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربواوتسكب عيناي الدموع لتجمدا والسعادة إنما هي في السعي للغرض أكثر منها في الغرض، والطريق إلى الغاية هو السعادة لا الغاية، وإنما يسعد الإنسان باستخدام قواه وملكاته لبلوغ غايته، فإذا بلغها تفتحت له غايات جديدة، وبذل فيها جهودًا جديدة، وظهر في أثناء الطريق صعوبات استخرجت أقصى الجهد في التغلب عليها، فشعر بلذة الجهد ولذة الغلبة ولذة اعتداده بشخصيته واستخدامه ملكاته واستكماله نفسه أكثر من لذته بالغاية نفسها.
فلما تصور الناس السعادة بمعناها الخامل الذي ذكرنا، نظروا فوجدوا كثيرًا من العقلاء والعلماء محرومين منها، فأفاض المحرومون في الشكوى، وصبوا على العالم سخطهم، ولو حسبوا حساب لذاتهم في السعي، ولذاتهم العقلية في فهم الكون، ولذاتهم في الكد في الطريق، وإن لم يبلغوا الغاية، ولو وزنوا بالميزان الحقيقي سعادة الجهلاء، ولم يبالغوا في تقديرها، لو فعلوا كل ذلك لصححوا حكمهم، وأدركوا خطأهم، ولقللوا من سخطهم على الزمان، ولعنتهم للدهر، وعتبهم على القدر.
وهب أن العلماء أشقى من الجهلاء، وأن العالِمَ لم يسعد بعلمه، بل ساءت معيشته بعلمه، وأن علمه كان نقمة عليه، وأن العلم وسع نظره فأدرك واجباته وتبعاته، وأرهف حسه فجعله يألم مما لا يألم منه الجاهل، وأبعد طموحه فصار لا يرضى بما يرضى به العامي، ووسع حوض لذته (كما يعبر الفرنج) فأصبح لا يملؤه إلا الكثير، وقد كان — وهو جاهل — كالطفل، حوض لذته ضيق يملؤه القليل، وكبرت نفسه وبعدت غايته، فأصبح يدرك أن ما ناله من اللذائذ ناقص مهما كان.
هب كل ذلك كذلك، فهناك الخطأ الثاني الخطير، وهو مقياس الأشياء بمقياس الفردية، فعلى مر آلاف السنين وصل العقلاء والعلماء والنوابغ إلى نتيجة باهرة تلو نتيجة باهرة، وإلى مخترع لنفع الإنسانية تلو مخترع، حتى وصل العالم بفضل هذه المجهودات والمخترعات إلى حضارته الحاضرة ومدنيته الحديثة، وكان سعي العلماء في طريقهم شاقًّا عسيرًا، وقامت في وجوههم صعوبات يعجز القلم عن وصفها، وذهب كثير منهم ضحايا في سبيل غايتهم، ولم يكونوا يتحملون هذه المشقات والتضحيات في سبيل فرديتهم وذاتيتهم، إنما يتحملونها في سبيل الجمعية القومية أو الإنسانية، وكانوا يتلذذون من تضحيتهم أكثر من تلذذ المادي بشهواته.
فهب أن العلماء شقوا أكثر مما شقي الجهلاء، وسعدوا أقل مما سعد الجهلاء، فماذا يضيرنا ما دام العالم كان أسعد وكان أرقى وكان في جملته أصلح؟
فلا يصح للعلماء أن يبكوا لشقائهم أفرادًا ما دامت الجمعية الإنسانية تستفيد من جدهم وشقائهم، كما لا يصح أن نسمع لشكوى فرد نزعت ملكيته لفتح شارع عام، أو جنود قتلوا في سبيل انتصار أمتهم، أو أطباء ماتوا في سبيل مكافحة وباء، بل لا يصح أن يتقدم أحد من هؤلاء بالشكوى، لأن العالم علمنا بطريق سيره أن العبرة بتقدم المجموع ولو فني الأفراد في أثناء سيره، والفرق بين أمة منحطة وأمة راقية نظرة الأولى إلى صالح بعض الأفراد أو بعض الأحزاب، ونظرة الثانية إلى الصالح العام.
فغلطُ العلماء والعقلاء والمخترعين الذين يشكون نشأ من أنهم نظروا إلى أنفسهم كأنهم آلات مستقلة، ولم ينظروا إليها كأنهم تروس في الآلة الضخمة، آلة الأمة أو آلة الإنسانية، وخطؤهم أيضًا نشأ من اعتقادهم أن علمهم وثقافتهم وقوة عقلهم — إنما ركبت فيهم لنفع أفرادهم، وأن غايتهم استفادتهم منها لنفع أشخاصهم، وليس ذلك بصحيح، فكل الملكات الممتازة في الأفراد، وكل قدرة على الاختراع والتثقيف وبث المبادئ، إنما منحت للأفراد لخدمة الجماعة وترقيتها، فمتى أدت هذا الغرض فلا يهمنا بعدُ عاش أفرادها في بؤس أو رخاء، في نعيم أو شقاء.
•••

ولكن … من طبيعة الثقافة أنها ترقي العقل وترقي المشاعر، ومتى رقي العقل والمشاعر كان صاحبهما أقدر على اللذة، كما يكون أكثر تعرضًا للألم، فمتى وجد في ظروف مناسبة كان أسعد من الجاهل، ومتى وجد في ظروف غير مناسبة كان أشقى من الجاهل، والمثقف بعقله الراقي كثير التساؤل: ما الحياة؟ وما الغرض منها؟ وما قيمتي فيها؟ ثم هو واسع الطموح كثير التطلع لحالة خير من حالته، وكلما أدرك حالة تطلع لما هو خير منها، ثم هو جيد التقدير، يقدر نفسه ويقدر من حوله، فيرى من حقه ومن حق ثقافته ومن حق سعة عقله، أن ينعم في الحياة المادية بأكثر مما ينعم الجاهل، ويرى واجبًا على المجتمع الذي يعيش فيه أن يكرمه نظير علمه الذي يخدمهم به، فتوفر له وسائل العيش ووسائل السعادة حسب نظره، فلماذا تطلب منه التضحية فقط، ولا يطلب من الأمة أن تضحي بجزء من مادتها ليضحي هو بأغلى من ذلك، بعقله وصحته ونفسه أحيانا؟
هذه هي وجهة نظره، وهذا هو سبب شقائه، وهي وإن كانت وجهة نظر صحيحة معقولة، إلا أنها معقدة، وتعقيدها آت من قلة الثقافة في العالم، لا من كثرة الثقافة، فغير المثقفين — وهم السواد الأعظم — لا يقدرون عظم ما يبذله المثقف، وهم يقدرون الأشياء على مقدار عقلهم القاصر، وهم الذين في يدهم السلطة والمال، فهم معذورون إذا لم يوفروا للعالم والنابغة وسائل العيش حسب نظره وتقديره هو، ومن أجل هذا كلما انتشرت الثقافة في أمة وتولى زمامها مثقفوها، كان علماؤها ونوابغها أسعد حالًا؛ وكذلك من أسباب شقائهم عدم تنظيم قُوَى المجتمع على قواعدَ معقولةٍ، والفوضى في تقويم الأشياء والمعاني، وتمسك من بيدهم السلطة بالتسعيرة القديمة، ولكن العالم يسير إلى تنظيم كيانه، وإلى إصلاح عيوبه، وإلى ضبط فوضاه، وإذ ذاك — ونرجو أن يكون قريبًا — تكون ثقافة العالم، ونبوغ النابغ، وأدب الأديب، وعقل العاقل موضع التقدير.
ولكن إلى أن يتم هذا لا بد أن ننظر لصالح المجتمع أكثر من صالح الأفراد، وأن ندعو إلى انتشار الثقافة لا انكماشها، وكثرة العلماء لا قلتهم، وألا نعبأ بمن يشقى من العلماء إذا كان في شقائهم سعادة المجموع، وأن نطالبهم أن يصوغوا أنفسهم حتى يجدوا سعادتهم في علمهم وشعورهم برقيهم، وكما قالوا: «لأن تكون سقراط ساخطًا خير من أن تكون أبله راضيًا».

الزعماء الثلاثة


أغسطس سنة ????
في هذا الشهر من هذا العام مات زعيمان جليلان: زعيم هندي روحاني هو تاغور، وزعيم مصري مالي هو طلعت حرب، وفي هذا الشهر منذ أربعة عشر عامًا مات زعيم مصري سياسي هو سعد زغلول، فكان لأغسطس حق الفخر في احتوائه هؤلاء العظماء إن حق لشهر أن يفخر باعتدائه واحتوائه، أو له حق الخجل عن عمله، إذ حرم أممهم وعالمهم الفخر بقيادتهم والانتفاع بمواهبهم، أو هو لا يفخر ولا يخجل، لأن الدهر له مقاييس غير مقاييسنا، ونظرات غير نظراتنا، وله عذره في أن الموت لا يعدو أشخاص الزعماء وأجسادهم، أما أفكارهم ومبادئهم فحية أبدًا، خالدة أبدًا، إن عدا الدهر عليهم يومًا فلا يضن يومًا آخر أن يبعث من يأخذ رايتهم، ويسير قدمًا إلى غايتهم، وينقل التقدم من ميدان إلى ميدان، فإن أساء فقد كفَّر، وإن أمات فقد أحيا.
كان كل زعيم من هؤلاء عظيمًا وكان كل ينظر إلى الحياة من زاوية آمن بها، وضحى لها، وفني فيها، ووصل إلى أعماقها، فاستخرج مكنونها، وأضاء ظلامها، وشوَّق إليها، واستحث أتباعه أن يؤمنوا إيمانه، وينظروا نظرته، ويسيروا سيرته، وقد أوتوا جميعًا من حرارة العقيدة وجميل البيان وصفاء الإيمان ما أنجح دعوتهم، ونصر مبادئهم، فماتوا وقد لوَّنوا عالمهم بلونهم، ورفعوا أتباعهم إلى قريب من منزلتهم، ونشروا الإيمان بالفكرة والكفر بالعقبات، وبثوا الاعتزاز بالمبدأ والاستهزاء بالصعوبات، فكان لهم بعض ما أرادوا، والزمن كفيل أن يحقق كل ما أرادوا.
•••

فأما «تاغور» فرجل روحاني، هو خلاصة أفكار الهند، وعصارة نزعاتها الروحية والحلولية، عبر عنها بأساليب العصر الحديث ولغته وروحه، لا فرق عنده بين الحق والخلق ولا بين الله والعالم، فالعالم مظهر الله، والطبيعة شعاره، وهو — تعالى — حالٌّ في كل ذرة من ذرات العالم، تراه في رمال الصحراء، وفي صفاء الماء، وفي أوراق الأشجار، وفي تفتح الأزهار، وفي البعوضة فما فوقها، وفي النجوم فما دونها، يتجلى في كل شيء حسب استعداده، ولا شيء سوى الله، والكائنات أجزاء منه وأبعاض له، وكلها كله، فهي وهو كأمواج البحر في البحر:
فما البحر إلا الموج لا شيء غيرهوإن فرَّقَتْه كثرةُ المتعدَّد فمن مزامير تاغور: «هو الله في كل شيء: في الماء وفي النار، وفي العشب والشجر، هذا إلهنا، الذي تعنو له وجوهنا».
أداه هذا النظر إلى أن يألف الطبيعة ويهيم بها ويتذوقها بحواسه كلها وبروحه كلها، وينفق الساعات ذوات العدد في الاستمتاع بجمالها والإصغاء إليها وعبادة الله فيها.
كما أداه ذلك إلى أن يكره من المدنية الحديثة عنفها في محاربة الطبيعة، ومحاولتها إخضاعها وإذلالها، كأن نزعة الحرب فيها عمت كل شيء، فالإنسان يحارب الطبيعة، والإنسان يحارب الإنسان، والطبقات تحارب الطبقات، وروحانية تاغور تدعو إلى الحب لا الحرب، فحب الطبيعة، وحب الإنسان، وحب العالم، لأنه يحب الله فيحب مظهره، ويرى الله في كل شيء فيحبه فيه.
وهو روحاني، يرى أن المادة ليست كل شيء، وأن لنا روحًا غير مادتنا، وأن ليست علاقة فكرنا بمخنا علاقة معلول بعلة، وأن لنا صلة بالأرض وصلة بالسماء، ومن أجل هذا نعى على المدنية الغربية أنها تعنى بالمادة ولا تعنى بالروح، فهي تعبد المادة وتفكر في المادة، وينقصها التأمل الشرقي، كما ينقص الشرقي العمل الغربي وقوة الإرادة الغربية حتى تتعادل الكفتان، ويكمل العنصران.
كانت هذه عناصر دينه، ثم هو منح قوة فنية رائعة، وثقافة عصرية واسعة، واطلاعًا على العالم برحلاته العديدة إلى أوربا وأمريكا واليابان، ونظرًا نافذًا إلى بواطن الأمور، وملكًا لناصية اللغة الإنجليزية كملكه لناصية لغته الأصلية، فصب فيهما آراءه وفنونه، ونشر تعاليمه بشعره ونثره وقصصه وموسيقاه، فسمعها العالم، ووجد فيها نوعًا من الغذاء الصالح الجديد يخالف في عناصره عناصر الغذاء الغربي القديم، لقد جلجل صوته بكل النغمات: في جمال الطبيعة، وحب الأطفال، وحب البساطة، وحب الله، وترك من كل ذلك ثروة للعالم سوف تنقضي السنون ولمَّا يهضموها.
وكان ينظر إلى السياسة كما ينظر إلى الفلسفة، إنما يهمه من النظم السياسية آثارها في الحياة الاجتماعية، ويقوِّم أنواع الاستقلال بقدر ما تستتبع من إصلاح.
•••

ولئن كان تاغور رجلًا «مثاليًّا» يغوص تارة إلى أعماق الماء، ويجوز مرة أجواز الفضاء، ويرى في كل شيء من نبات وحيوان وجماد شيئًا وراء ظاهره، وروحًا وراء مادته، وإلهًا وراء شكله — «فسعدٌ» رجل واقعي يفهم الحياة كما تبدو للعين، وكما يدل عليها الحس والعقل، لا الشعر ولا الخيال.
فإن كان كل إنسان كما يقولون إما أفلاطونيًّا أو أرسططاليسيًّا، فتاغور أفلاطوني، وسعد أرسططاليسي.
نشأ محاميًا يرى دنيا الوقائع، ويدرس قانون الحوادث، ويوكل عن الخصم فيدرس قضيته، ويكيف موقفه، فما زال يكبر في حرفته بتقدمه في سنه ونضجه في عقله، حتى صار وكيل الأمة، يدرس قضيتها، ويكيف موقفها، ولكن قضية الفرد مهما عظمت سهلٌ أمرها يسير حلها، وخصمه مهما عظم في مثل منزلته أو قريب منها، أما قضية الأمة فمعقدة أشد تعقيد، والخصم فيها قوي عنيد، يلجأ في المحاربة إلى كل الوسائل: إلى الإغراء والتهديد، وإلى المال والحديد، وما ظنك بخصم في يده كل قوى الاستعمار، من علم ومال، وقوة ودهاء، وحيلٍ وأفانينَ، وجنة ونار، وإغداق من نعيم، وإلقاء في جحيم، وموكله أعزل، قريب عهد بحيل الاستعمار ودهائه، وألاعيب السياسة وتلونها؟ لا بد لمن يقف للدفاع في مثل هذه القضية من مواهب نادرة، وقدرة قادرة، فهو — من ناحية — عليه أن يقدم السلاح لقومه، ومن ناحية — عليه أن يجرد السلاح من خصمه، وعليه أن يكون فيهم رأيًا عامًّا يعقل ويشعر، ويتحمس ويطيع، ويضحي ويصبر، وعليه أن يكون من الأمة كتلة متجمعة ترهب المنافقين فلا تسمع لهم ركزًا، وتحير المستعمرين فلا يجد دعاؤهم منفذًا، وعليه أن يتقدم الصفوف فيحدد السير يمينًا ويسارًا وهجومًا وانتظارًا، ثم هو — إذ يحمل اللواء — يتعرض لكثرة السهام، فلا يزيده ذلك إلا قوة، وينفى ويحبس ويشرد، فيكسبه ذلك صفاء في نفسه وقوة في يقينه، ويزيد الأمة إيمانًا به والتفافًا حوله، فتضحي من تضحيته، وتقتبس من شعلته، وتلتهب من حرارته، وتأخذها حالة أشبه بنوبة عصبية، أو غيبوبة صوفية: تؤمن به إيمان العجائز، وتطيعه طاعة المريد للشيخ، وتصم أذنها عن دسيسة الدساسين ومؤامرات المنافقين، ولا يزالون هو وهم في جهادهم حتى يصلوا إلى الغاية أو يقربوا منها.
كذلك كان سعيه، وكذلك كانت أمته، بصر من قومه فعرف مواضع ضعفهم وقوتهم، وعرف كيف يعالج الضعف ويزيد القوة، وبصر بأساليبِ الاستعمارِ فعرف كيف يصابرها ويجابهها، وأوتي من فن الخطابة معجزته، ومن اللَّسَن سحره، فما خطب إلا ألهب ولا جادل إلا غلب، ولو كانت قضية الاستقلال يقضى فيها بالمنطق والحق لكسبها في يومه، ولكن الاستعمار لا يسمع للمنطق، وإنما يسمع للقوة، فلتكن قوة الأمة في وحدتها وفي إجماعها وفي حماستها، وفي شل حركة خصمها، وفي التشهير به، وفي الاحتجاج عليه، وفي تغذية هذه الحركات في كل حين، وفي كل مناسبة، وفي خلق المناسبة، فكان كذلك، يغذي الصحف بآرائه، ويغذي الأسماع بخطبه، ويلهب النفوس ببيانه، وينقض تدبير الخصم بإحكام تدبيره، ويطلع كل حين بجديد، ولولا منافذ ضيقة خفية دخل منها الخصم فأفسد بعض الحركة، وشوه منظر الإجماع، لكان له في حياته ما أراد لقومه، ولو استعرضت حال الأمة حين تسلمها وحين سلمها لرأيت كيف كان عظيمًا في نفسه، عظيمًا في أثره.
لقد غنى تاغور وغنى سعد، فكان لكلٍّ صوته، ولكل نغمته، فأما صوت تاغور فهادئ وديع، يسمعه الرحيم فيذرف من العين دمعة، ويسمعه العاشق فيقبِّل الطفل في مهده، ويتبسم للبستان لزهره، ويقبل الجمال حيث كان، ويسمعه المتدين فيسجد للطبيعة وبهائها وسحرها وفتنتها، ويسمعه الظلمة فيسخرون، والقساة فيستهزئون، وأما صوت سعد، فيدوي كالرعد، يسمعه المظلوم فيثور، والظالم فيغضب، ويهيج وينقم، فإذا صراع عنيف بين المظلوم والظالم، ومعركة حامية بين المسلوب والسالب، صوت تاغور يؤثر ولكن كالماء في الصخر، وصوت سعد يؤثر ولكن كالريح العاتية في الأشجار الخاوية، ولكلٍّ فضل.
•••

وأما طلعت حرب فغض نظره عن السماء ونجومها، والبحار وأمواجها، والأزهار وجمالها، كما لوى وجهه عن السياسة ونارها، وحدَّق في الذهب والفضة والأوراق المالية، وسال لعابه لها حتى كاد يلتهمها، ولكن لم ينظر إليها لنفسه كما فعل غيره، وإلا ما كان عظيمًا ولا زعيمًا، إنما أدرك قيمتها لقومه، فسعى لها سعيه، وأنفق في ذلك عمره، رأى المال عصب الحياة، فأيقن أنه إذا قويت الأعصاب قويت الحياة.
قد كان سعد يرى الاستقلال كل شيء، فإذا كان كانت الحرية وكان العلم وكان الخلق وكان المال، وكان «طلعت» يرى المال كل شيء، فإذا كان كانت الحرية وكان العلم وكان الخلق وكان الاستقلال، فكان لكل سيرته، ولكل وجهة هو موليها، رأى «طلعت» أن كل مرض اجتماعي علاجه المال، فعلاج الفقر المال، وعلاج الجريمة المال، وعلاج البطالة المال، وعلاج الجهل المال، وعلاج الاستعباد المال، فكأن المال هو السحر الحال، ما يمس من مرض إلا كان فيه الشفاء، إن الفلاح بائس لفقره ومريض لفقره وجاهل لفقره ومجرم لفقره، والعاطل عاطل لفقره أو فقر بلده، فلا مشروعات ولا جمعيات ولا نقابات ولا شركات، ومن كان في يده المال ولم يعرف كيف يستخدمه كان ماله والفقر سواء، والأجانب يحتلوننا بالمال والعمل أكثر مما يحتلوننا بالسيف والسياسة، وأمة واحدة تحتلنا سياسيًّا، وكل الأمم تحتلنا ماليًّا، ولا ينفع استقلال من غير مال، كما لا ينفع السيف ولا قَتَّال، فلتستقلّ مصر أول كل شيء بمالها، بإنشاء بنكها، وليعمل المصريون في كل أنواع النتاج المصرية حتى السمك والأصداف، ولتمتد اليد المصرية حتى تقلب الأرض وتستخرج خيرها من بطونها، ولتنقب في الصحراء حتى تستخرج كنوزها من أحضانها، فإذا كان ذلك فلا عاطل ولا فقير، بل إن كان كذلك فلا استعمار، فإنما أساس الاستعمار الاستغلال، ثم لنعبر ماءنا بسفننا، وهواءنا بطياراتنا، ونلهو في مسارحنا، ونلبس من مزارعنا، ولا بأس أن نستجلب اليوم بعض الشيء من الخارج فسيكون لنا كل شيء غدًا من الداخل، ولنتوسع في كل جهة، ولنمتد في كل اتجاه، وليكن ذلك كله عرضة للخطأ، ولا بأس، فالإقدام مع احتمال الخطأ خير من الإحجام مع الصواب، وسنتعلم من خطئنا أكثر مما نتعلم من صوابنا.
هكذا فكر وقدر، ثم فكر وقدر، ثم أراد وعمل، فكان له بعض ما أراد، ولولا أنه سمح لمخلوقة أن تدخل باب أعماله اسمها «المجاملة»، ولولا أنه لم يُحكم التجريد بين نفسه وعمله، ولولا أن بعضهم استباح لنفسه من الأموال المصرية ما لم يستبحه من الأموال الأجنبية، لكان له أكثر ما أراد — ومع هذا فأي عظيم لم تكن له هنات؟!
لقد ترك مصر ولها مؤسسات مصرية تعتز بها، ولها آمال اقتصادية مرسومة محدودة تسعى لاستكمالها، وترك الشرق العربي كله له أمل كأمل مصر، وسعي في سبيل الاستقلال الاقتصادي كسعي مصر، وخلق عند هؤلاء وهؤلاء شعورًا حساسًا بالوطنية المالية، وفكرًا مفتوحًا للحالة الاقتصادية، وإدراكًا صحيحًا للأهمية التجارية والصناعية.
•••

رحمهم الله جميعًا، فقد كان كلٌّ عظيمًا في ناحيته، نافذ النظر إلى زاويته، وأكثر الله من أمثالهم، فالزمان شحيح في السماح بهم، وصدق الشاعر:
بغاث الطير أكثرها فراخًاوأم الصقر مقلات نزور
العدالة


ينقص الشرق الآن في «العدالة» شيئان: الأول عقلي، وهو الفهم الصحيح لمعناها، والثاني شعوري وهو إجلالها وتقديسها.
ولست أقصد هنا العدل الفردي، كأن يكون عليك دين فالعدل يقضي أن تؤديه والظلم أن تنكره، ونحو ذلك؛ فهذا شيء ساذج وصل الناس إلى فهمه من قديم، وقدسوه من الأزل، وإن غمض منه شيء فتقدم القانون حل أكثر غموضه، وأوضح أكثر تعقيده.
وإنما أريد العدل الاجتماعي والتصرفات التي لها أثر مباشر في حياتنا الاجتماعية، وأهم خطأ نرتكبه في هذا الباب أننا لا ننظر إلى أثر العمل في الأمة، حيث يجب أن ننظر إليها، وننظر إلى الأفراد حيث يجب أن لا ننظر إليهم، ولأضرب لذلك أمثلة قليلة بما يحدث كل يوم: (?) هذا شخص يعين في عمله؛ لأنه قريب لعظيم، ويترك من هو أكفأ منه لأنه لا قريب له، أو لأنه من حزب الحكومة والأكفأ من الحزب المعارض.
(?) وهذا شخص يُستبقَى في عمله مع عدم صلاحيته لمرضه، ولا يستغنى عنه ويحل محله الصالح للعمل؛ لأن هذا المريض خدم المصلحة مدة طويلة، أو لأن له أسرة كبيرة ولا عائل لها غيره.
والأمثلة في هذا الباب كثيرة، والخطأ فيها ناشئ من النظر للأفراد، والواجب أن ينظر للأمة، فهذا الذي عين لقرابته أو لحزبيته أساء إلى الأمة أكثر مما أفادها، فقد حرمها عمل من هو أكفأ منه من جهة، ومن جهة أخرى كان في تعيينه إفساد لمعنى العدالة في عقول الناس، وإشعار للأكفاء بأن كفاياتهم ونبوغهم وتفوقهم كل هذا لا يساوي شيئًا بجانب القرابة أو النسب أو الحزبية، وضرر هذا على الأمة كبير، إذ يجعلها تقوِّم ما لا يستحق التقويم، وتهدر ما يستحق الإعزاز، تهدر الكفاية وتعزز المحسوبية، وفي ذلك قلب للعدالة وإفساد لصحة التقويم، وحمل الأكفاء على العدول عن إثبات كفايتهم بعملهم — وهو الطريق المشروع — إلى البحث عن وجيه أو قريب أو حزب، يتقربون إليه من طريق الملق لا من طريق العمل، وحسبك هذا من إفساد للخلق.
وهذا الذي استبقي مع مرضه لخدمته السابقة أو لأسرته الكبيرة، لو نظر فيه إلى الأمة لم يستبقَ، إذ كيف يعهد إليه بالتدريس — مثلًا — وهو مريض، أو بالقضاء بين الناس وهو غير قادر، أو نحو ذلك من الأعمال؟ وكيف ينظر إلى شخصه أو أسرته، ولا ينظر إلى من يتعدى إليهم عمله من التلاميذ أو المتقاضين، وكيف يخلط بين أجر يتقاضاه في مقابل عمل، وبين صدقة يراد أن تجرى عليه في معهد عمل لا في مكان إحسان؟!
إن الأمة إذا عقلت أنشأت معاهد الإحسان بجانب معاهد العمل ولم تخلط بينهما، فلم تبق في العمل إلا من صلح للعمل، فإذا لم يصلح فمكانه معاهد الإحسان، وبذلك نوفق بين مصالح الناس ومصالح المرضى والمستضعفين، فإذا لم نستطع فلنضحِّ الأفراد لمصلحة المجموع.
فالتفرقة يجب أن تكون تامة بين إحسان يعطى لنوع من أنواع الضعف كالفقر والمرض، وبين أجرة تعطى في مقابل نوع من أنواع القوة كعمل أو تفكير أو إدارة. أما الخلط بينهما في السلوك فخلط في التفكير.
•••

وخطأ آخر غريب في فهم معنى العدالة يكثر الوقوع فيه، وله أمثلة أخرى: (?) تكون رئيس مصلحة أو مشرفًا على عمل، فيقدم إليك أحد الموظفين في «مصلحتك» خدمة شخصية لك في إصلاح أرضك أو الإشراف على بناء بيتك أو نحو ذلك، فتكون مكافأته منك الترقية في «المصلحة» قبل أقرانه، أو علاوة استثنائية قبل أوانها.
(?) لك صلة شخصية برجل يجالسك ويلاعبك أو يضحكك أو يتولى لك بعض شئونك، أو يهاديك أو يقرظك ويشيد بذكرك، فتبذل جاهك في تعيينه أو ترقيته من غير نظر إلى كفايته أو أحقيته.
هذا الخطأ في فهم العدالة منشؤه الخلط بين النظر الشخصي والنظر للأمة، وملك الشخص وملك الأمة.
معروف يسدى إلى شخصك فتبخل أن تكافئه مما تملك، ثم تكافئه بما تملك الأمة، فيكون الغُنم لك والغرم على الأمة، هو ضرب مستور من الرشوة، إذ لا فرق بين هذا وبين قاض يأخذ الرشوة ويحكم حكمًا ظالمًا على حساب الأمة، فينتفع هو ويتضرر الناس، بل هذا في نظري أخطر من رشوة القاضي؛ لأن الرأي العام في الشرق تكوَّن على احتقار القاضي المرتشي، وعد الرشوة جريمة منكرة — ولما يتكون بعد لاحتقار الرشوة من هذا الضرب الذي ذكرت، وكل يوم يرى منه صنوفًا وألوانًا من غير أن يظهر استياؤه ظهورًا كافيًا.
إذًا — نحن في حاجة قصوى إلى التفرقة أيضًا تفرقة تامة بين ما يعمل لشخصك وما يعمل للأمة، فما يعمل لشخصك يجب أن تكون المكافأة عليه من مالك، وما يعمل للأمة يكافأ عليه من الأمة من غير خلط ولا اشتباك.
وهذا الضرب يحتاج من ذي الضمير الحي إلى عناية شديدة ومراقبة للنفس دقيقة، فإنه يلبس فيه على النفس، ويدخل فيه الوهم، فيخيل للشخص أن فلانًا أكفأ وأحق وذو صفات ممتازة، ولو حاسب نفسه حسابًا شديدًا لرأى أن حكمه هذا راجع إلى منفعة شخصية كسبها منه أو ملق تملقه به، أو نحو ذلك من مسارب النفس الخفية التي لا ينجو من شباكها إلا الراسخون في العلم، وقليل ما هم.
قرأت مرة أن وزير مالية في دولة أوربية عرف بالنزاهة التامة وتحري العدالة، عرض عليه أمر يتصل بشركة ولها من ورائه ربح، فتردد في إمضائه، إذ لم يتبين فيه النفع لأمته، ولكنه كان مغرمًا بلعب الورق فدست إليه الشركة من يلاعبه، فلاعبه وخسر له مبلغًا كبيرًا، ثم بعثت إليه الشركة هذا اللاعب الخاسر يوضح له مسألة الشركة ويبين له فيها وجه النفع للأمة، فدعا بالورق وأمضاه وهو يكذب نفسه ويظن أنه اقتنع بعدالة المطلب، وإنما الذي أقنعه في الحقيقة مكسبه في اللعب.
•••

وخطأ ثالث يتجلى أكثر ما يكون في وظائف الحكومة وأمثالها، وهو إهدار الكفاية وحسن الإنتاج، لمراعاة الأقدمية أو نحوها.
ويتجلى هذا الخطأ إذا راعيت أن الآلة الحكومية ليست إلا صورة مكبرة لمصنع أو شركة، فواضح أن المصنع أو الشركة إنما تضع أجور عمالها أو موظفيها على حسب مقدرة كل على الإنتاج وقيمة العمل الذي يقوم به للمصنع أو الشركة، وبعبارة أخرى غرم الشركة أو المصنع يتناسب تمام المناسبة مع غنمها من العامل، فمن لم يعمل لا يأكل، ومن عمل أكل بمقدار ما عمل، سواء كان هذا الموظف جديدًا أو قديمًا، وشابًّا أو مسنًّا، فلا بأس أن يكون الجديد والشاب رئيس القديم المسن، لأن الأجرة غير الصدقة، قد يراعى في الصدقة السن والقدم وكبر الأسرة والعجز ونحو ذلك، أما الأجرة فهي نظير عمل ونظير كفاية، مثلها مثل أجرة البيت وأجرة كل شيء، تتناسب مع الشيء المؤجر في جودته أو رداءته، وصلاحيته وعدم صلاحيته، وجماله وقبحه، ثم لا يراعى بعد ذلك أي اعتبار آخر خارج عن الانتفاع بالشيء المؤجر.
فأي نظام لحكومة أو بنك أو شركة يراعى فيه أي اعتبار غير الكفاية والمقدرة وخدمة المصلحة المكلف بها نظام فاسد، ونظام ظالم، ونظام خلط فيه بين الرحمة والعدل، وبين الصدقة والأجر، وبين معهد الإنتاج ومأوى المساكين.
وهذا النظام الذي أدعو إليه وحده هو الذي يفسح الطريق أمام القادرين على العمل، ويخلق التنافس في الإجادة، ويبعث على التسابق إلى المجد، أما نظام الأقدمية وأشباهها فمدعاة للكسل، وانتظار الزمن في جمود لإثبات الأحقية بالأقدمية، وانتشار الخمول الذي نشاهده ونشعر به ونلمسه في كل تصرف، ثم قتل الكفايات، والقضاء على الزهرة الجميلة قبل أن تتفتح، والمكافأة على الضعف وعدم الاكثراث، بحكم الأقدمية.
هناك نظام عادل ونظام ظالم في كلمة، أما النظام العادل فالمكافأة بمقدار الصلاحية والإنتاج، وأما النظام الظالم فالمكافأة بالأقدمية أو المحسوبية أو القرابة أو الحزبية، أما النظام العادل فتقدير الشيء من حيث هو ومن غير خلط بين الرحمة والاستحقاق، وأما النظام الظالم فتقدير الشيء لاعتبارات لا ترجع إلى العمل، والخلط الفاسد بين الرحمة والاستحقاق.
أما النظام العادل فكتربية الأولاد على أساس المصلحة فقط، وأما النظام الظالم فكإضاعة المصلحة لداعي الشفقة.
وجه الحق في هذا الكلام واضح جلي، ولكن تنفيذه في منتهى الصعوبة، وكثير من الناس يؤمن بهذا المبدأ، ولكن يحمله على العدول عنه فساد الميزان في يد أولي الأمر وعدم قدرتهم على الحكم الصحيح، فإذا قرر مبدأ المكافأة للكفاية وحدها فكم يرتكب من الجرائم للمحسوبية والحزبية تحت ستار اسم الكفاية.
فهذا الميزان الذي أدعو إليه إنما يصلح في يد القدير الحازم النزيه، وإلا انقلب إلى ضده وساد الفساد وعمت الفوضى، فهيئ الرجال القادرين على استعمال الميزان الصحيح، ثم ضعه في أيديهم، وإلا كان أسوأ من الميزان الفاسد.
•••

هذه هي بعض النواحي العقلية في فهم «العدالة»، أما الناحية الشعورية فهي تعليم الشعب إرهاف الشعور نحوها، والغيرة عليها غيرة البدو على أعراضهم، والصرخة تخرج من أعماق القلب لظلم يحدث وعدالة تنتهك، والثورة على الظالمين حتى لا يعودوا إلى مثل ظلمهم، وتكوُّن رأي عام يحمي العدالة ويقدسها تقديس عبادة في كل مكان: في القرية، فلا يستطيع عمدة أن يظلم؛ لأن الرأي العام للفلاحين يحتقره لظلمه ويهينه لجوره، ويصرخ في وجهه لانحرافه عن العدالة، وفي المركز، فلا يستطيع مأمور أن يظلم؛ لأنه لا يستطيع بعد ظلمه أن يبقى في مركزه لقوة الرأي العام في دائرته، وفي الأمة كلها، فالحكومة تحسب ألف حساب للرأي العام، فيسقطها إذا ظلمت، ويؤيدها إذا عدلت، ويقوّم الأحزاب فيها بمقدار حبهم للعدالة.
إذ ذاك — وإذ ذاك فقط — تسير الآلة الحكومية في إدارتها وفي قضاتها وفي كل مرفق من مرافقها نحو العدل، والعدل دائمًا، لخوفها من الرأي العام، وشعورها التام بأن كل عضو من أعضائها وأنها في جملتها مرتكزة في بقائها على «العدالة»، والعدالة وحدها.

مصدر تاريخي مهمل


هناك مصدر هام من مصادر التاريخ الإسلامي لم أرَ إلى الآن من اتجه إليه واستفاد منه مع ما فيه من غنى وثروة، وتظهر أهميته إذا عرفنا أنه يلقي ضوءًا قويًّا على الحياة الاجتماعية في العصر الذي يعرض له، وهذا هو الجانب الضعيف في كتب التاريخ عندنا، فأهم نقطة ترتكز عليها هذه الكتب هي الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء، أما الشعب نفسه فلسنا نعرف حالته إلا من ثنايا الكلام ومما يذكر عرضًا لا قصدًا، فإذا كان هذا المصدر الذي أشير إليه يعنى بشرح الحالة الاجتماعية للعصر، فلا شك أنه يكون مصدرًا لا يصح إغفاله، وتجب العناية به.
تلك هي «كتب الفتاوى في الفقه»، وما أكثرها، ووجه أهميتها أن مؤلفها — عادة — يكون من أكبر رجال عصره علمًا وفقهًا ومركزًا، حتى تتجه إليه الأنظار بحكم مركزه العلمي أو منصبه الرسمي، فإذا حدثت أحداث تنازع فيها الناس — وخاصة الأحداث العظام — هرع الناس إليه يستفتونه، وليسوا يقتصرون في مسائل الاستفتاء على المسائل الفقهية بأضيق معانيها، بل على المسائل الاجتماعية بأوسع معانيها، فيكون لنا من هذه الأحداث وشرحها وبيان أسبابها ورأي العلماء فيها صورة بديعة لعقلية الناس في ذلك العصر، ولأسق لذلك مثلًا يوضح الفكرة:
فمثلًا بين يدي الآن «الفتاوى الحديثية» لابن حجر الهيتمي، وهو إمام مشهور مصري الأصل والمنشأ، وعاش بعض زمنه الأخير في مكة، وكان في القرن العاشر الهجري، فقد ولد في محلة أبي الهيتم من أعمال الغربية سنة ????، ودرس في الأزهر، ورجع الناس إليه في الفتوى، ومنذ سنة ??? استقر في مكة وأقام بها إلى أن توفي سنة ???، واشتهر اسمه في العالم الإسلامي، واستفتي من جميع الأقطار.
تقرأ هذه الفتاوى فتجد فيها صورًا مختلفة تتبين منها جانبًا من الحياة العقلية للمسلمين في هذا القرن.
فهذه صورة ترينا أن العالم الإسلامي إذ ذاك كان مضطربًا بين حركتين متناقضتين في شأن التصوف وما إليه: إحداهما الحركة التي قام بها ابن تيمية المتوفى سنة ??? يطعن فيها على ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والغزالي وغيرهم من المتصوفة، ويدعو إلى الرجوع للكتاب والسنة، وترك البدع كالتوسل بالأولياء وزيارة القبور وغير ذلك. والأخرى حركة تؤمن بالصوفية وكراماتهم وشطحاتهم إلى أقصى حد.
وقد كانت هاتان الحركتان عنيفتين في عهد ابن تيمية، وكان من جرائهما اضطهاده وسجنه إلى أن مات، فالتف حوله علماء يؤيدونه وعلماء يكفرونه ويناهضونه؛ وانتقلت هاتان الحركتان إلى القرن العاشر الذي تصوره هذه الفتاوى.
وإذ كان ابن حجر هذا فقيهًا شافعيًّا محدثًا متصوفًا، فقد أيد الصوفية وآمن بكل شيء يدعون إليه، وهاجم ابن تيمية في عنف، وادعى أنه لا يقام لكلامه وزن، وأنه مبتدع ضال مضل جاهل غال، وأفاض في مدح الصوفية الذين هاجمهم ابن تيمية، كابن عربي وابن الفارض والغزالي.
وليس يدل هذا القول على رأي ابن حجر وحده، بل يدل على اتجاه العقلية نحو الحركة التي تؤيد الصوفية وخفوت صوت المعارضين؛ لأن كثيرًا من أهل هذا العصر ناصر ابن حجر كما حكى هو، وانضموا إلى الشعب في الانتصار للصوفية بجميع مظاهرها، وقد قص علينا ابن حجر نفسه في هذه الفتاوى أن العالِم — في زمنه — إذا اعتقد في التصوف والمتصوفة أقبل الناس عليه وعلى كتبه وتبركوا به، كالشيخ زكريا الأنصاري، أما إن أنكر على الصوفية شيئًا من أقوالهم صد الناس عنه ولم ينتفعوا بعلمه، كالشيخ البقاعي، فقد كان عالمًا جليلًا، وكان نابغة في حسن العبارة وقوة الذكاء وسعة العلم، وخاصة التفسير والحديث، وألف في تفسير القرآن وفي مناسباته كتبًا — قال ابن حجر عنها: إنها لو كانت للشيخ زكريا لكتبت بماء الذهب، ولكن البقاعي كان يعترض على ابن عربي ويفند بعض أقواله، ويؤلف الكتب في نقده، ويرى في ابن الفارض أنه شاعر جيد، ولكنه متصوف غير جيد، وأنكر على الغزالي قوله: «ليس في الإمكان أبدع مما كان» فهاج عليه العامة، ثم حكم بتكفيره وإهدار دمه، وكاد يتم ذلك لولا تدخل بعض الأمراء في أمره فاستتيب وجدد إسلامه، ودخل عليه بعض أهل العلم فوجده وحده، فما زال يضربه بنعله على رأسه حتى أشرف على التلف، وقام العلماء يؤلفون الكتب في الرد عليه والذب عن الغزالي، وأصيب بضيق التنفس فاعتقدوا أن هذا سر ابن الفارض.
ويرسم الكتاب صورة الاندفاع وراء الاعتقاد بالمغيبات والكرامات والشطحات والجن، وهي صورة تبعث على الشفقة والأسى على ما وصلت إليه العقلية في هذا العصر.
•••

ويصور لنا ابن حجر الجدال حول تعليم البنت الكتابة والقراءة، فيستفتى في ذلك، فيفتي بأنها تعلم العلم، ولكن لا تعلم الكتابة، ويروي حديثًا أن لقمان مر على جارية تعلَّم فقال: «لمن يُصقَل هذا السيف؟» أي أنها تعلم الكتابة لتذبح بها، ويقول: إن المرأة إذا تعلمتها توصلت بها إلى أغراض فاسدة؛ لأنها تبلغ بها في أغراضها ما لم تبلغه برسولها؛ فلأجل ذلك صارت المرأة بعد الكتابة كالسيف الصقيل الذي لا يمر على شيء إلا قطعه، ثم قال: واعلم أن النهي عن تعليم النساء الكتابة لا ينافي طلب تعليمهن القرآن والعلوم والآداب؛ لأن في هذه مصالح عامة من غير خشية مفاسد تتولد منها، بخلاف الكتابة.
ويستفتى في كلمة «الأشراف»: من هم؟ وما تاريخ عمامتهم الخضراء؟ فيذكر أن اسم الشريف كان يطلق في الصدر الأول على من كان من أهل البيت ولو كان عباسيًّا أو عقيليًّا،? ومنه قول المؤرخين: الشريف العباسي والشريف الزينبي،? فلما ولي الفاطميون مصر قصروا الشرف على ذرية الحسن والحسين فقط، واستمر هذا إلى الآن، وأما العمامة الخضراء فلا أصل لها، وإنما حدثت سنة ??? هجرية بأمر الملك شعبان بن حسن، وفي ذلك يقول ابن جابر: نور النبوة في وسيم وجوههميغني الشريف عن الطراز الأخضر فإذا كانت هذه العمامة الخضراء حادثة، فلا يؤمر بها الشريف ولا ينهى عنها غيره.
•••

والفتاوى تدل على انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الشعب وكثرتها كثرة مفرطة، وتناولها أدق الأشياء في المأكل والملبس والزواج والطب وما إلى ذلك، وسيطرتها على عقول الناس وسلوكهم، والخاصة يهرعون إلى المفتين يستفتونهم في شأنها، فبدلًا من أن ينكروها ويبددوها، يجتهدون في الكثير منها أن يجدوا له مخرجًا، فيقولون: رواها فلان في كتابه وفلان في مسنده، ولا يقرون بضعف الضعيف ووضع الموضوع إلا في القليل النادر، ويتركونها تأكل عقول الناس وتشعوذ سلوكهم.
•••

ثم من غريب أمر هؤلاء المفتين من الفقهاء والمحدثين في ذلك العصر أنهم لا يؤمنون بأن هناك علومًا وراء علومهم، ولا تخصصًا وراء تخصصهم، ويؤمنون بأن الفقه والحديث كافيان وحدهما للإجابة عن كل سؤال، سواء اتصل بالتاريخ القديم أو بالطب أو بالفلك أو طبقات الأرض أو ما شئت من العلوم، فإذا سئل المفتي عن شيء من ذلك فما عليه إلا أن يقلب كتبه ليعثر على حديث ضعيف أو قول شيخ قديم، فيكون هو الجواب، وهو الصواب، وهو كل الحق، فالشيخ ابن حجر يُسأل عن السواد الذي في القمر، فيجيب بأن عليًّا — كرم الله وجهه — سئل عن ذلك فقال: هو أثر مسح جناح جبريل؛ لأن الله خلق نور القمر سبعين جزءًا كنور الشمس، فمسحه جبريل بجناحه فمحا منه تسعة وستين جزءًا حولها إلى الشمس، فأذهب منه الضوء وأبقى فيه النور، فذلك قوله تعالى: فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً.
ويفتي بأن القمر يقطع الفلك في شهر والشمس لا تقطعه إلا في اثني عشر شهرًا.
ويفتي في المطعومات وما يناسب منها وما لا يناسب، ويفتي في مقدار المدة بين الأنبياء، وفي عدد زوجات سليمان وسرياته إلخ، مما يدل على أن هؤلاء المفتين لا يحترمون للعلم اختصاصه.
•••

ثم كان الناس فارغين يبحثون في أوهام ويتساءلون عما لا يمكن العلم أن يصل إليه، ويتجادلون في فروض، ويضيعون أوقاتهم فيما لا ينبني عليه في الحياة عمل، وهم يتساءلون: هل يجوز زواج الجن؟ وهل يروى عنهم الحديث؟ وهل خلقت الملائكة دفعة واحدة أو على دفعات؟ وهل الجن تتشكل كالملائكة؟ وهل الجن يموتون؟ وهل كان إبليس عارفًا بالله ثم سلب منه ذلك؟ وهل يدخل مؤمنو الجن الجنة؟ وهل الأفضل المشرق أو المغرب؟ وهل تصح الصلاة خلف الجن؟ وهل أذن للأنبياء أن يخرجوا من قبورهم ويتصرفوا في الملكوت؟ إلخ.
تلك تصورات فاشية بين المسلمين في القرن العاشر، لم يجدوا في الحياة جدًّا فهزلوا، ولم يجدوا من ينير عقولهم فسخفوا، وما زلنا إلى الآن نرث تركتهم المثقلة بالديون، ويعاني المصلحون أشد العناء في محو هذه الأوزار وإزالة هذه الآثار.
•••

هذه بعض صور لما عثرت عليه في هذه الفتاوى، وقبل ذلك قرأت في «فتاوى ابن تيمية» فوجدت فيها من الفوائد التاريخية ما لم أجده في كتب التاريخ نفسها.
أفلست ترى — بعد ذلك — أن هذه الفتاوى مصدر تاريخي هام لتأريخ الحياة الاجتماعية في العصور المختلفة في العصور المختلفة، وأن المؤرخين لم ينصفوا في إهمالها؟
?  نسبة إلى عقيل بن أبي طالب.?  نسبة إلى زينب بنت فاطمة، وقد تزوجت بابن عمها عبد الله بن جعفر، ولها منه أولاد كثيرون.
الديمقراطية الأرستقراطية


أليس عجيبًا هذا الوصف؟
إنه كما تصف الحلو بالمر، والأبيض بالأسود، والطويل بالقصير، والكبير بالصغير — وإن هذا لا يجوز إلا في عرف المجانين.
ولكن دنيا الواقع غير دنيا النظريات، فمثل هذا يحدث تحت سمعنا وبصرنا وذوقنا كل يوم.
أفليس الليل الواحد طويلًا قصيرًا؟ طويلًا في الهجر، قصيرًا في الوصل، طويلًا في الشقاء، قصيرًا في الرخاء؟
أوليس ألف دينار عند الغني الواسع الثراء شيئًا تافهًا حقيرًا صغيرًا، وفي نظر الفقير البائس شيئًا عظيمًا كبيرًا.
أولم يقل الله — تعالى —: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا؟
أولم يقل الشاعر:
منعت تحيتها فقلت لصاحبيما كان أكثرها لنا وأقلها إن أمثال ذلك كثير، فلا عجب — إذًا — أن نرى أرستقراطية ديمقراطية، وديمقراطية أرستقراطية.
فأما الأولى فتشاهدها كل يوم، في الفتاة من «بنات الذوات»، تُصوَّر في زي فلاحة؟ تلبس لباسها، وتحمل ماعونها، وتتحلى بحليها، وتتظاهر بوشمها.
وتراها في السيارة الفخمة الضخمة تعطب في الطريق فيجرها إلى «مقرها» حمار هزيل، وتراها في السيد العظيم والغني الكبير يتواضع فيؤاكل الفلاحين جبنهم وبصلهم وعدسهم، وتراها في الأسر العريقة في المجد، أو ورثة بيت الخلافة والملك، يعدو عليهم الزمن الغادر فيضيع ملكهم، ويبدد مالهم وثروتهم، فيعيشون في بيت صغير وبإحسان قليل، ويحتفظون بحسن مظاهرهم ولامع طلائهم، وتراها وتراها، في كثير من أمثال ذلك.
وأما النوع الثاني، وهو «موضوع العنوان» فمثله قوم يتغنون بالديمقراطية ومزاياها وخيراتها، فيقول الناس: آمنا. فإذا جاء دور التطبيق رأيت الساسة الجامدين يفزعون إلى أن مبادئ الديمقراطية إنما تطبق على أمم خاصة وأجناس خاصة، وليست هي لكل شعب ولا كل جنس، فأما في أوربا وأمريكا فديمقراطية حقة، وأما في غيرهم من الشعوب فشيء يصعب وصفه ويدق بيانه، ولعل أصدق وصف له أنه ديمقراطية أرستقراطية؛ لأنها ذات لونين متباينين في مظهرها ومخبرها، واسمها ومسماها.
أذكَرني ذلك قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، فهو يحدثنا أن من أهل الكتاب من إن تأمنه على عظيم من المال يؤده إليك ولا يخنك فيه، ولا يفرق بين من له المال من أي جنس ومن أي دين؛ لأن الأمانة واجبة لأي كان، والفضيلة واجبة في أي زمان ومكان، ومع أي إنسان، فليس أكل مال الغير حرامًا إن كان من دينه وجنسه، وحلالًا إن كان من غير دينه وجنسه، ويحدثنا عن قوم آخرين نزعوا غير هذا المنزع الحق، فكان «من اليهود من قالوا: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ولا إثم لأنهم على غير الحق وإنهم مشركون»،? ولقد نزع قوم من المسلمين أن يعاملوا أهل الكتاب هذه المعاملة، فقال رسول الله: «ما من شيء كان في الجاهلية إلا هو تحت قدمي، إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البَر والفاجر»، وجاء رجل إلى ابن عباس، فقال له: إنا نصيب في العذق من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة. فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، لا تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم.
إن المعاملة على أساس الديمقراطية كالصدق والعدل، والوفاء بالعهد، حق لكل إنسان على كل إنسان، وواجب على كل إنسان لكل إنسان، وليست كالعملة، إنما تروج في بلدها، ولا كالعرف والمواضعات، لكل أمة عرفها ومواضعاتها.
ما معنى الديمقراطية؟ إنها حكم الشعب بالشعب لخير الشعب، إنها القضاء على تحكم طبقة ممتازة — في الشعب بأجمعه، إنها نشر التعليم ونشر المساواة والحرية والإخاء بين أفراد الشعب، إنها هدم العوائق في سبيل رقي الشعب، إنها حد للغنى الواسع وقضاء على الفقر المدقع، إنها حرب على الامتيازات السياسية والاقتصادية، إنها إفساح للفرد أن ينمي ملكاته وقواه حسب استعداده، إنها تربية للرأي العام وتعويده الرقابة على الحكومة وعلى توجيه الحكام للخير العام، إنها روح عامة تسيطر على الشعب فتوجهه لخير الجميع، إنها قضاء على رق الأفراد ورق الأمم، وما يستعبد الأفراد من جهل وشهوات، وما يستعبد الأمم من استغلال واستعمار، إنها ثورة على استعباد الأقليات للأكثريات، والأفراد للأمم، والأمم للأمم.
إن كانت كذلك وهي خير للغرب، فهي خير للشرق، فأي معنى من هذه المعاني محلي لا يصلح إلا في مكان خاص وزمان خاص؟ هي نظام يمتحن كما يمتحن الذهب، فإن كان ذهبًا حقًّا فهو ذهب في مصر والشام وأمريكا واليابان والسند والهند وفرنسا وإنجلترا، وإن كان ذهبًا مزيفًا لم يصلح في أي مكان، ولم تكن له قيمة في أي قطر، قد تختلف أعراضه في الأقاليم بحسب اختلاف بيئتها، ولكن الجوهر في كل البيئات واحد.
إن كان هذا معنى الديمقراطية فهو يتنافى مع الانتداب والاحتلال ومع سائر هذه المترادفات، ولماذا يظهر ظهورًا بينًا أن الديمقراطية لا توافق أن تحكم فرنسا إنجلترا أو إنجلترا فرنسا، ولا يكون مثل هذا الظهور في حكم الغرب للشرق؟ إن الديمقراطية عدو للاستبداد في كل شكل من أشكاله، وتحت أي اسم من أسمائه.
لقد وصلت الديمقراطية في الأيام الأخيرة من الأجيال المتعاقبة إلى مبادئَ قويمةٍ ظهرت على لساني زعيميها روزفلت وتشرشل، فقررا مبدأ احترام رغبة الشعوب في اختيار نظام حكومتها وحكمها كما تشاء، ومبدأ حرية الحصول على المواد الأولية اللازمة لها وتصريف محصولها كما تشاء، ومبدأ التعاون الاقتصادي بين جميع الأمم، ومبدأ حرية البحار وحرية التجارة، وهي مبادئ في غاية الأهمية لخير الإنسانية.
ولكن هل يحق للشرقيين أن يفهموا أن هذه المبادئ تنطبق على الشرق كما تنطبق على الغرب، وأن سيكون لبلاد المغرب وفلسطين وسوريا والعراق ومصر والسودان رأيها في حكومتها ونظام حكمها وحرياتها السياسية والاقتصادية؟
إني ألمح شبه تناقض بين هذه المبادئ السامية وبين الخطابات المتبادلة بين القائدين «ليتلتون» و«ديجول» في امتيازات الدول الأوربية وحقوق الدول الأوربية في سوريا، كما ألمح شبه تناقض بين هذه المبادئ السامية والاعتراف القريب في البرلمان البريطاني بأن موقف الحكومة البريطانية نحو اليهود في فلسطين لم يتغير.
وإني آمل ويأمل الشرق معي أن تكون هناك التزامات صريحة من قادة الديمقرطية أمثال روزفلت وتشرشل بأن هذه المبادئ إنسانية عامة لا محلية خاصة، وأنها وضعت لخير الشرق كما وضعت لخير الغرب.
إن الديمقراطية في نظام الحكم كالعلم في نظام العقل، كلاهما صالح كل الصلاحية، بل واجب كل الوجوب، للإنسان من حيث هو إنسان، ولا فرق بين بدوي وحضري، وشرقي وغربي، وليس هناك قواعد من العلم صحيحة بالنسبة للحضري غير صحيحة بالنسبة للبدوي، وصحيحة بالنسبة للشرقي غير صحيحة بالنسبة للغربي، فقاعدة العلم إما أن تكون صحيحة للشرق والغرب أو فاسدة للشرق والغرب، قد يحدث الاختلاف في مناهج التعليم، وفي طرق البيداجوجيا بين أمة وأمة، أما العلم ذاته فلا خلاف فيه، كذلك الشأن في الديمقراطية، أن تحكم أمة نفسها بنفسها، وأن تكون الأمة مصدر حكمها، بمنزلة قواعد العلم، فإن كان خلاف بين أمة وأمة ففي الشكل دون الجوهر.
بل إن الشرق عرف الديمقراطية قبل أن تعرفها أوربا، وحاربت دياناته الشرقية الاستبدادَ، ودعت إلى أن الناس سواسية لا تفاضل بينهم إلا بالأعمال، وحاربت الجهل ودعت للعلم، وألزمت الخضوع للقانون العادل، وطالبت بالثورة على الظالم، قبل أن تدعو إلى ذلك الثورة الفرنسية، نعم إنها لم تسم ذلك كله ديمقراطية، بل سمته أسماء مختلفة، ولكن ما قيمة الألفاظ بجانب المعاني؟ ولولا عوادٍ عدت على الشرق فأفسدت عليه سيره، وحرمته نظمه العادلة، لكان هو القائد، وهو المشرع، وهو رافع لواء الحضارة، فمن الظلم أن يقال له: إنك لا تصلح للديمقراطية، وإن تاريخك سلسلة استعباد.
إني أربأ بدعاة الديمقراطية أن يكونوا يدعون باسمها ومعناها ومبادئها السامية في الغرب وباسمها فقط في الشرق، كما أربأ بالشرق أن يتلهى بالألفاظ ويتعلل بالمظاهر، فمن الحق أن الديمقراطية خير للشرق كما هي خير للغرب، ولكنها الديمقراطية التي في ذهن الإنجليزي أو الأمريكي لبلاده، وعلى أساس وحدة المعنى ووحدة التطبيق، وإلا كانت ديمقراطية أرستقراطية.
كما أرجو أن تسفر هذه الحرب عن انتصار الديمقراطية الصادقة، ويكون من نتائجها أن يتعمق الشرقي في معناها، وأن يوسع الغربي مداها، وأن يطبق الجميع ما تدعو إليه من إخاء.
بل أن يتخذ كلٌّ من اليوم عدته، ويرسم للغد خطته، وأن نتصارح، فالصراحة خير للجميع.
?  هذه العبارة للطبري.
دُمْيَة في دِمْنَة?


الشيخ يوسف الشربيني أديب مغمور، لم أرَ من ترجم له، احتقارًا لشأنه، وازدراءً بتآليفه؛ لأنها تآليف شعبية، وليست تآليف أرستقراطية — وقديمًا غَبن الأدباء الأدب الشعبي — ولأنه كذلك ماجن إلى أقصى حدود المجانة، لا يتحرج من استعمال كلمات الفحش عارية صريحة في غير كناية ولا إيماء، ولا يخضع لمواضعات الناس في الوقار والاحتشام، وإذا تزاحم في فكره كلمتان إحداهما مؤدبة والأخرى داعرة، اختار الثانية وهجر الأولى عن قصد وتعمد، فالقارئ المهذب يشمئز من قراءتها ويكره عري كلماتها وفحش تعبيراتها، ولكنها مع ذلك تحوي صورًا جميلة، وترسم أشكالًا بديعة قد تعجز الكتب الأرستقراطية عن رسمها وتصويرها.
بين أيدينا من كتبه كتاب اسمه «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف»، وقد ذكر في أثناء الكتاب أنه ألف كتبًا أخرى، ولكني لم أرها.
ويدل هذا الكتاب على أن المؤلف من بلدة «شربين» وأنه طلب العلم بالأزهر، وحضر على أستاذه الشيخ القليوبي الذي كان عالمًا جليلًا كثير التأليف، ومات سنة ?????، وأنه ألف هذا الكتاب بإشارة من الشيخ السندوبي، وكان من أكابر علماء الأزهر وأدبائه ومؤلفيه، ومات سنة ?????.
فصاحبنا إذًا عاش في القرن الحادي عشر الهجري، وقد حدثنا أنه حج سنة ????? ولم يتحرج من أن يذكر عن نفسه أنه كان متهتكًا يحب الغلمان ويتتبعهم، ولست أدري أكان ذلك حقيقة يذكرها أم مزاحًا يمزحه.
أما الصورة الحسناء التي يستطيع القارئ أن يخرج بها من هذه الدمن، فهي وصف الفلاحين وبؤسهم في القرن الحادي عشر.
قصيدة أبي شادوف هذه قصيدة عامية، لست أدري من نظمها، ولعله هو ناظمها، وموضوعها فقر الفلاح وتعاسته، فجاء الشربيني هذا وشرحها في جزء كبير يقع في نحو ??? صفحة كبيرة شرحًا هزليًّا استطراديًّا، فلا تأتي كلمة حتى يتلاعب بها ويهزئ نحوها وصرفها واشتقاقها، وفي أثناء ذلك يذكر معلومات تاريخية طريفة تصور في جملتها الصورة التي أشرنا إليها.
يصف الفلاح وبؤسه، وطول معاشرته للبهائم، وحمله للطين والسماد، وملازمته للمحراث والجرافة، ودورانه حول الزرع والجرن، وجهله إلا بما يتصل بزراعته، كالساقية والليف والحزام والنبوت، وقد نشأ عن هذا كله غلظ في ذوقه، فأفراحه وأعراسه ليست إلا صراخًا وصياحًا، وورده عند الأسحار ليس إلا التفكير في الغنم والأبقار، و«حط العلف وهات الكلف»، وأسماؤهم دالة على ذوقهم، فجنيجل وجليجل، وزعيط ومعيط، وأسماء نسائهم شباره وشراره، وعليوه وحليوه، وخطيطه وعويطه، وأولادهم مكشوفو الرأس، غارقون في الأدناس، وفقهاؤهم جهل مركب وخلط في الدين، وقلة عقل، وأدبهم وأشعارهم وقصصهم من نوع سخيف، ونظم خسيس، وتشابيه باردة، وخرافات باطلة.
وقد أطال في كل باب من هذه الأبواب، وذكر الشواهد والقصص والأمثال بإسهاب.
والكتاب خصب جدًّا من الناحية الاجتماعية في هذا العصر، فهو يصور لنا الفلاحين السذج، وكيف يستغفلون إذا دخلوا القاهرة، وكيف ينظرون إلى مشاهدها ومرافقها نظرة بلهاء، وكيف يفسرونها تفسيرًا مضحكًا، ويقارن بين حياة المدن وحياة الريف، وعلم المدن وجهل الريف، وذوق المدن وذوق الريف، في المأكل والمشرب والملبس وما إلى ذلك.
ويصور لنا تصويرًا رائعًا بؤس الفلاح عند تحصيل الأموال الأميرية، فهذه مشكلة المشاكل ومصيبة المصائب، فيقول: إنه — دائمًا — معرض للهلاك من ضرب وحبس وفقدان لذة الأكل والشراب، وهو دائم التفكير في المال الذي عليه آناء الليل وأطراف النهار، والمؤلف يحمد الله على أنه ليس له أرض، ولا يشتغل بالفلاحة، ويتمثل بقول البهلول:
إذا ركب الملوك على الجيادوقد شدوا البنود على القِصادركبت قصيْبَتي ولبست مِسْحيوسرت كسَيْرِهم في كل واديفلا الأجناد تطلبني بمالولا الديوان يغلط في عدادي ويقص علينا أن النصراني (وهو الصراف) إذا حضر القرية أو الكفر لأخذ المال، كثر الخوف والحبس والضرب لمن لم يقدر على الدفع، فمن الفلاحين من يقترض الدراهم بالربا، أو يبيع زرعه أوان طلوعه بما ينقص عن بيعه في ذلك الزمن، أو يبيع بهيمته التي يحلبها لعياله، أو يرهن مصاغ زوجته أو يبيعه كرهًا، وإن لم يجد شيئًا أعطى ابنه رهينة حتى يدفع، وقد يحبس ويعذب حتى يدفع، وقد يهرب ليلًا فلا يعود إلى بلده قط، ويترك أهله ووطنه وعياله من همِّ المال وضيق المعيشة، وروى لنا في ذلك أمثالًا مشهورة عندهم نحو: «مال السلطان يخرج من بين الظفر واللحم» و«يوم السداد عيد» إلخ، ويصف لنا «السُّخرة والعونة» وصفًا دقيقًا، فالملتزم يأخذ القرية أو الكفر يزرعه على حسابه ويسمي هذا «زرع الوسية»، فإذا احتاج الأمر لتطهير الترع، أو حفر القنوات، أو نقل الطين، أو ضم الزرع، نادى الغفير: «يا فلاحين العونة يا بطالين» فيخرجون في صبيحة اليوم جميعهم ويعملون ما يؤمرون به من غير أجر، وثم نظام آخر: وهو أن يفرض على كل بيت عدد معين للعمل في العونة، فيقولون: يخرج من بيت فلان شخص، وبيت فلان شخصان، وهكذا، وفي كلتا الحالتين من تأخر أو تكاسل أخذه «المشد» وعاقبه وضربه وغرمه دراهم معلومة، ومن الناس من يختبئ في الفرن إذا نودي على العونة أو نحو ذلك.
وإذا نزل النصراني والمشد والملتزم بلدة فأكلهم وشربهم على الفلاحين يقسمونه عليهم، ويسمى «وجبة»، كل على حسب أرضه وقراريطه وأفدنته، وربما رهنت المرأة شيئًا من «مصاغها» أو ملبوسها على دراهم، واشترت بها الدجاج لطعامهم، وربما حرمت أولادها الدجاج والسمن والدقيق وقدمته إلى هؤلاء، و«النصراني إذا نزل قرية لقبض مالها يحضر إليه الفلاحون، ويكرمونه ويرسلون له الوجبة، ويتذللون بين يديه، ويطيعون أمره ونهيه، بل يكون غالبهم في خدمته، وبعض الملتزمين يولي النصراني أمر القرية فيحكم فيها بالضرب والحبس وغير ذلك، فلا يأتيه الفلاح إلا وهو يرتعد من شدة الخوف».
وأما «الكاشف» فهو رئيس الإقليم، وإذا أقبل على بلدة يقرع له الطبل، فيخاف منه أهل البدع وأرباب المفاسد، ويأتي إليه مشايخها، ويقفون بين يديه في أشد ما يكون من الرعب والخوف، ويستخبرهم عن أحوالهم ثم بعد ذلك يسرعون له في الأكل والشرب والتقاديم على ما جرت به العادة، وإذا وقع في قرية فتنة أو خرج أهلها عن طاعة «أستاذهم» أو «قائم مقام القرية» هجم الكاشف عليهم بعساكره وأخرب القرية وقتل منهم من قتل، وقد يحصل منه ومن أتباعه نهب القرية، وتكليفهم في المأكل والمشرب فوق طاقتهم، وفي ذلك يقول أبو شادوف من قصيدته:
«ومِنْ نَزلة الكشاف شابت عوارضيوصار لقلبي لوعةٌ ورجيف» ويصور لنا أن أهل إقليمه ينقسمون قسمين: منهم من يتعصب لقبيلة سعد، ومنهم من يتعصب لقبيلة حَرَام،? فإذا ثار الشر تنادى قوم: «يا لسعد» وآخرون: «يا لحرام» فتهجم سعد وحرام على البلد، ويقع بينهم الحرب والعناد، وتخرب بسببهم البلاد، وتقطع الطريق على العدو والصديق، وفي ذلك يقول المؤلف في أرجوزته التي لخص فيها كتابه. فذا يصيح يا لسعد أسعدواوآخر يا لحرام أنجدوافذانك اللفظان دون لبسعندهم أمر بقتل النفسفيخربون الأرض بالغاراتويرصدون القتل في الطرقاتوإن أتتهم للقتال عسكرفروا إلى جبالهم واستتروا وفي الكتاب صورة لنظر الفلاحين والمصريين للمماليك والأمراء الأتراك وأتباعهم، فهي نظرة تعظيم وتبجيل وإعظام يبلغ حد التقديس، فهم يتطلعون إلى معيشتهم، وقصارى أملهم أن يقلدوهم في شيء من تصرفاتهم، فهذا فلاح ذهب يؤدي المال إلى الملتزم التركي، فرأى كيف يعيش وكيف يعامل زوجته، فلما عاد إلى بلده أراد أن يسلك مع زوجته «أم معيكة» سلوك الأمير مع زوجته الأميرة، فانتهت بكارثة، وهؤلاء ثلاثة من الفلاحين يريدون أن يزوروا مصر فقالوا: «إن مدينة مصر كلها جنادي وعسكر يقطعون الرءوس، ونحن فلاحون إن لم نعمل عملهم ونرطن معهم بالتركي وإلا قطعوا رءوسنا» وتعاقدوا فيما تعاقدوا عليه أن يتعلموا بعض الألفاظ التركية، ثم يدخلون الحمام، فإذا طالبهم صاحبه بالأجر صاحوا في وجهه بالكلمات التركية فأخلى سبيلهم، وإذا رجعوا إلى بلدهم رطنوا بالتركي فخافهم مشايخ الكَفْر وأجلوهم وأعظموهم — إلى كثير من أمثال ذلك من الصور البديعة.
والكتاب بعد ذلك معجم غير مرتب في بيان مصطلحات الفلاحين في ملبسهم وأنواع مأكولاتهم، ومرافقتهم ومواويلهم، وكل ما يتصل بهم.
•••

إن أخذ عليه شيء فهو هذا الفحش المنتشر فيه، والبذاءة في كل نواحيه، وأنه عرض لأمر الفلاح وبؤسه عرض الزاري الناقم، لا عرض العاطف الراحم، وكان أولى — وقد رأى هذا البؤس الذي هو فيه، والظلم الواقع عليه — أن يصرخ في وجه من ظلمه وأن يستغيث لإنقاذه مما هو فيه، وألا يزيد تعاسته بالزراية به، وألا يعيبه على ما وصل إليه اضطرارًا، بل يعيب من أنزله هذه المنزلة الوضيعة اختيارًا، فإن لم يستطع أن يصل ذلك لقسوة الزمان وظلم الحكام، فلا أقل من أن يلون صوره بالعطف الجميل على حاله، والرثاء الباكي لبؤسه وشقائه.
وأخشى أن تكون الخطوط التي رسمها «الشربيني» ليبين الفواصل بين حياة المدن في نعيمها ورخائها، وحياة الريف في بؤسه وشقائه، لا تزال حافظة لنسبتها إلى اليوم، وقد مضى منذ تصويرها ثلاثة قرون، بل أخشى أن تكون الفروق قد زادت، والفواصل قد تباعدت، فالمدنية الحديثة غزت المدن كثيرًا ولم تغز الريف إلا قليلًا، هذه الكهرباء تفتن أفانينها في المدن، والريف لما ينعم بماء نظيف؟ وهذه القصور الشامخة في المدن والحدائق الغناء، والشوارع النظيفة، والنساء السافرات، والكاسيات العاريات، ودور التعليم المختلفة الألوان، ودور الملاهي المتعددة الأشكال، إلى ما لا يحصى من ضروب الترف والنعيم، والفلاح في مأكله ومشربه ومسكنه ونظام حياته ونوع أحاديثه ومجال علمه وعلاقته بأرضه وأدوات زرعه، لم تختلف كثيرًا عما كانت أيام الشربيني، بل أيام عمرو بن العاص، بل أيام رمسيس، بل أيام منا أومنيس، والأجيال المتعاقبة، وميزانيات الدول المتعاقبة، والحكومات المتعاقبة، أعجبتها المدن فزادت في الإنفاق عليها، ولم يعجبها الريف فضيقت عليه، وعيب «الشربيني» أنه رأى بؤس الفلاح تقع تبعته عليه، ولم يدرك أن بؤسه نتيجة عوامل اجتماعية كثيرة ليس هو مسئولًا عن أكثرها، لقد رأى المصب ولم يرَ المنبع، ورأى النار تشتعل في البيت ولم ير من أشعلها، ورأى النتيجة ولم ير مقدماتها.
فأما ناحيته الفنية فالشربيني إذا جد فهو أديب واسع الاطلاع في الأدب، حافظ للشعر الكثير مستحضر له في مناسباته المختلفة، قارئ للكثير من الكتب الأدبية والتاريخية المجهولة، كانت في زمانه، عارف بكتب المحاضرات والمسامرات، مقتبس منها، محكم لوضعها في مواضعها، دارس لحالة الناس في عصره دراسة تفصيلية، ولا يستحيي أن يضرب مثلًا بنفسه وبما حدث له، كما لا يستحيي أن يروي عن أمه لغزًا في البرغوث، ولا عن الحشاشين أحاديثهم في مجالسهم، على الطريقة التي سلكها الجاحظ في كتبه؛ وإذا هزل ففنه في الهزل غريب حقًّا، قيم حقًّا، لولا فحشه وعريه، له خيال واسع في المجون، وقد هزأ النحو والصرف والاشتقاق بأسلوب جديد، ولأسق لك مثلًا في هذا عند تصريفه لكلمة «أبو» فهو يقول: إنه «مشتق من آب إذا رجع، قال ابن زريق:
ما آب من سفر إلا وأزعجهرأي إلى سفر بالرغم يجمعه وكذلك الأب؛ لأنه كل ساعة يرجع إلى ولده ويفتقده وينظر إليه … وقيل: إن «أبو» فعل ماض ناقص، وأصله «أبوس» ويدل على ذلك قول الشاعر:
قالوا حبيبُك وارى ثغره صَلَفًاماذا تحاول إن أبداه قلت: أبو أي أبوس، وإنما حذفت السين لقصد حصول اللبس على السامع، إذ هو اللائق بهذا عند الأدباء، والأقرب إلى السلامة من الواشين والرقباء، وقيل: لأن السين في الجمل بستين والستون في البوس إسراف عند البعض إلخ.
ويقول في «مَتْرَد»: وهو إناء من فخار أحمر، وهو غالب أواني الريف، وأصله مركب من فعلين مات ورد؛ لأنه لما عمل أولًا وكسر عملوا بدله فقالوا: مات ثم رد، ثم حذفوا الألف وجعلوها علمًا، وقيل: إنه في الأصل عمل بمدينة تسمى ما تريد التي ينسب إليها الشيخ الماتريدي نفعنا الله به، وهكذا.
فهو في هزله، ولعبه بالنحو والاشتقاق، واستطراده الغريب وخياله الماجن البعيد، من أوائل الكتاب الهزليين في الأدب المصري الحديث، ثم تُفْقَدُ بعض الحلقات، ويظهر بعدُ «أبو نضارة» في صحيفته، والشيخ حسن الآلاتي في كتابه «ترويح النفوس ومضحك العبوس» ثم عبد الله النديم في صحيفة «الأستاذ» ثم «حمارة منيتي»، ثم الكشكول، ثم آخر ساعة، فهي مدرسة كلها واحدة فكاهية متتابعة، خليقة بالدرس اللطيف، والبحث الطريف.
?  الدمنة: مستودع الأقذار في البيت. وفي الحديث: «إياكم وخضراء الدمن، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء».?  من هؤلاء استعملت كلمة حرامي بمعنى لص.
الإنسانية والقومية


فكرة القومية أو الوطنية كانت أثرًا من آثار الثورة الفرنسية، فقبلها لم تكن الدول معروفة على النحو الذي نعرفه الآن، ثم ثار العالم هذه الثورة، وكان من نتائج ثورته انقسامه إلى ممالك على النمط الحالي، وبثت في كل مملكة تعاليم الوطنية تدعو إلى الاحتفاظ بالوطن والتعلق به، وتوجيه كل النظم الاجتماعية والاقتصادية ونظم التربية لخدمته.
حتى أصبح من مميزات القرن التاسع عشر انتشار روح القومية واشتدادها وتجمعها حول المملكة، وتوجيه كل نظم الدولة نحو خدمة هذه النزعة الوطنية، وحل التعصب الوطني محل التعصب الديني الذي كان سائدًا في القرن السابع عشر، فبعد أن كان أكبر الحماسة وأكثر مظاهر التعصب دينيًّا، وأشد النزاع دينيًّا، بين نصارى ومسلمين ويهود، وبين الفرق المختلفة من كل دين بعضها وبعض، أصبح أشد النزاع بين الأمم المختلفة ولو اتحدت دينًا، كما هو المشاهد اليوم، فأكبر النزاع بين أمم متحدة دينًا تقريبًا، وأصبح النزاع بين الوطنية الإنجليزية والوطنية الألمانية، والوطنية الإيطالية والوطنية اليونانية إلخ.
وكان من أثر هذا أن أسست الأخلاق على نفس الأساس السياسي، فكما أن سياسة كل دولة ينبغي أن تخدم مصالح دولتها — أولًا — كذلك أسست الأخلاق على مبدأ القومية، ينظر ساسة كل أمة إلى مصالح أفرادها، وفي مصالح مجموع الأفراد الذين يعيشون داخل حدود الدولة الجغرافية فقط، وكذلك الأخلاق لونت هذا اللون أيضًا، فكانت أخلاقًا قومية دعا إليها مكيافيلي وهوبز وأتباعهما، فعد السلوك فضيلة إذا أطاع الرجل فيه دولته وخدم أمته، بقطع النظر عن أثر هذا السلوك للأمم الأخرى.
والأخلاق القومية تساير السياسة القومية في جميع مراحلها، كلتاهما لا تنظر إلا إلى مصالح قومها، فقد تتنافى السياسة القومية مع العدل العام، فتدعو السياسة إلى اتباع السياسة القومية، وكذلك تدعو الأخلاق القومية، يتجلى هذا في معاملة الأمم بعضها لبعض، وفي معاملة الأمم المستعمرة للأمم المستعمرة، وعلى هذا الأساس وضعت النظم الاقتصادية لكل أمة، من حماية متاجرها ومصنوعاتها، وفرض الضرائب «الجمركية» وهكذا، وعلى هذا الأساس وضعت سياسة الإغارة من دولة على دولة إذا شعرت بقوتها وشعرت بمصالحها الخاصة، من غير نظر إلى شعور الآخرين ومصالحهم، وكذلك أخلاق الأفراد في كل أمة لونت هذا اللون، فالعمل خير إذا مكن أمته من مصلحة عاجلة أو آجلة، وشر إذا أضاع على أمته مصلحة عاجلة أو آجلة.
وقد توجهت هذه النزعة القومية بالحرب العظمى الماضية، وبالحرب الأشد عظمة الحاضرة، فقد تجلت النزعة القومية على أتمها في السياسة والخلق على السواء، فسياسة كل أمة محاربة موجهة إلى مصلحتها وإضعاف عدوها بكل الأساليب الممكنة، وسلوك الأفراد موجه طوعًا أو كرهًا لخدمة السياسة القومية.
•••

وهناك نزعة أخرى مخالفة لهذه كل المخالفة، وهي النزعة الإنسانية لا القومية في السياسة وفي الخلق.
تدعو هذه النزعة إلى النظر إلى الأشياء نظرة واسعة، لا محدودة بحدود الأمة، ولكن بحدود العالم، فالعمل خير إذا زاد خيره عن شره للعالم، وشر إذ زاد شره عن خيره للعالم.
وجدت هذه النزعة قديمًا فقالوا: «الإنسان أخو الإنسان» إلخ، وأيدها بعض الفلاسفة أمثال «كانت» القائل: «لا تعامل إنسانًا ما على أنه وسيلة، ولكن عامل كل إنسان على أنه غاية»، وبنتام القائل: «قدم أكبر خير لأكبر عدد».
يتطلب هذا المبدأ عدم اعتبار أي جنسية أو لون أو أي قومية في حسبان العمل خيرًا أو شرًّا، فالظلم ظلم من غير نظر إلى من وقع منه أو من وقع عليه، والعدل عدل سواء صدر من أسود أو أبيض، وعومل به أسود أو أبيض، ويتطلب هذا النظر كسر الحدود الجغرافية والسياسية والاقتصادية، وتقويم المسائل بالنظر الواسع.
وكانت النصرانية والإسلام أقرب إلى النظر الثاني، فقد أهدرا الجنسية واللونية والقومية واللسان والدم، واعتبر الأساس وحدة العقيدة، فلا فرق أمامها بين أسود وأصفر وأبيض و«لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»، وكسرا الحدود الجغرافية، فالمسلم — مثلًا — يعد المملكة الإسلامية كلها وطنه، لا فرق بين حجازي وخراساني ومغربي وهندي إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، والإسلام كسر الحدود بين الرجل والمرأة، وبين المولى وسيده؛ وفي الحروب الصليبية وقفت الكتلة المسلمة أمام الكتلة النصرانية مهدرتين الجنسية إلا ما كان من اعتبارات شخصية أو تنازع على الرياسة.
وكان اليونان والرومان أميل إلى النظر الأول، فاليوناني سيد، وغيره — مهما كان — عبد، حتى فلاسفتهم كأفلاطون وأرسطو نظروا هذا النظر، ورأوا أن الدم اليوناني سيد الدماء، والرومان رأوا جنسهم فوق الأجناس، فلما فتحوا فتوحهم نظروا إلى الشعوب المفتوحة نظرة ازدراء، فلم يدم ملكهم، وكان من أسباب انهياره اصطدام نظرة النصرانية الواسعة بنظرة الرومان الضيقة، ولكن أثرت نظرة اليونان والرومان القديمة أثرًا كبيرًا في نظرة أوربا الحديثة؛ لأنها وارثتهما، فحييت القومية، وتغلبت النزعة الوطنية، وبعثت نظرة اليونان والرومان أكثر مما بعثت النظرة المسيحية، وقلد الشرق الغرب من اليابان والصين إلى العالم الإسلامي، فأصبحت قومية عراقية وأخرى مصرية وثالثة شامية، وهكذا، طبقًا لفرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا.
•••

ولكن النزعة الإنسانية لم تمت، فظلت تعيش في عقول الفلاسفة وفي رءوس بعض الدعاة، وتتحرك في بعض الضمائر الحية، وتصطدم بالنزعة القومية، فيكون لهذا الاصطدام مظاهر، كالاختلاف في أمريكا: هل تنغمس في سياسة العالم وتصلح منه ما تستطيع وفقًا للنظرة العالمية، أو تنفض يدها من سياسة العالم إلا بما يمس مصالحها الخاصة وفقًا للنظرة القومية؟ وكالخلاف الناشب في أمريكا أيضًا بين أنصار السود الذين يرون إهدار اللون وتحقيق العدل المطلق وفقًا لمبدأ الإنسانية، وأنصار البيض الذين يرون القضاء على السود وفقًا لمبدأ الجنسية، وكالخلاف بين كبار الساسة ممن يعطفون على الأمم المستعمرة ويرون حقها في البقاء وحقها في الاستقلال، وخصومهم الذين يرون عكس ذلك، وهكذا.
ولم تعدم كلتا النظرتين فلاسفة يتحمسون لها ويبدون محاسنها وعيوب الأخرى، فلم تعدم النظرة القومية من يقول: إن القومية هي التي أحيت الشعور وأظهرت التنافس بين الشعوب على أتم وجه، فكان من أثره التقدم العلمي والفني، والحب إذا تشعع وشمل العالم لم يكن له من القوة كما إذا تركز، كما لم تعدم النظرة الإنسانية من يؤيدها بما يحدث من الويلات الحاضرة التي جرتها القومية.
•••

لقد كسر العلم الحدود بين الأمم، وألغى المسافات بين أجزاء العالم، وتبين كل جزء من العالم حاجته إلى كل أجزاء العالم، وأصبح من المستحيل أن تعيش أمة بنفسها ولنفسها، فوسائل النقل هي وسائل العالم، والراديو صوت للعالم، وخيرات العالم للعالم، وشرور العالم مصيبة العالم، المخترعات ملك العالم ونعمته أو شقاؤه، ومحصول الشرق لا يستغني عنه الغرب، وصناعة الغرب لا يستغني عنها الشرق، أفَيُمْكن مع هذا كله أن تكون السياسة قومية فقط والأخلاق قومية فقط، أو يكون شأننا إذًا شأن من يلبس ثوب طفل لرجل أو يقطع المسافة البعيدة بجمل، أو ينير القصر البديع بزيت، أو يواجه المدفع الرشاش بقوس؟
إن مهمة السياسة والأخلاق إنما هي تحديد العلاقات، فإذا تعقدت العلاقات فلحلها نظم، وإذا سذجت فلحلها نظم، وهذه النظم ليست جسمًا صلبًا ولا حجرًا صلدًا، وإنما هي تابعة لنمو الإنسان وتطوره، فسياسة الطفل غير سياسة الرجل، وسياسة البدوي غير سياسة الحضري، وقانون سكان الوبر غير قانون سكان الحضر، فمحال أن تتصور نمو العالم ونمو العلاقة بين أجزائه، ثم تريد أن تحتفظ بنوع السياسة أو نوع الأخلاق الذي يحدد هذه العلاقة.
لست أفهم هذه الحرب إلا أنها ثورة عنيفة على النظم التي تحدد هذه العلاقة، وإعلان دموي بعدم صلاحيتها ومطالبة صاخبة بتغييرها وفق تقدم الإنسانية وتقدم فهمه وعلمه وعلاقاته، ودعوة صريحة بأن علاقات العالم الواسعة تتطلب حتمًا سياسة واسعة وخلقًا واسعًا، وإلا عدت جنونًا.
وأدهش كل الدهش من دعوة إلى جنسية لتحل محل القومية والوطنية! فهذا أيضًا نظر قاصر، ولا فرق في الضيق بين نظرة جنسية ونظرة قومية، والانتقال من هذه إلى تلك ليس إلا انتقالًا من مرض إلى مرض وانتقالًا من فن من الجنون إلى فن آخر.
•••

ليس من الممكن ولا من المصلحة القضاء على الوطنية والقومية، فحب الوطن طبيعي في الإنسان بل والحيوان، والعمل على إسعاده طبيعي أيضًا فيهما، فالطير يحمي وكره، والأسد يحمي عرينه، والبدوي يموت دون قبيلته، والحضري لا يحيا إلا بأمته، ثم هذه الوطنية قد أثرت في الأفراد تأثيرًا سحريًّا، فاستخرجت منهم أقصى ما يمكن من المجهود العقلي والفني والنشاط الفكري والجسمي، ودفعت المدنية خطوات واسعة إلى الإمام، وعرضت مناظر من التضحية هي غاية في الروعة والجمال، وما كان يكون ذلك كله لو طلب من الأفراد أن يعملوا للإنسانية كلها لا لأمتهم، فالقنطار من السكر يحلي حوضًا، ولكن لا يحلي نهرًا، والمصباح الكهربائي قد يضيء غرفة وقد يضيء دارًا، ولكن لا يضيء سماء، فخير لنا أن ننتفع بالسكر على قدر إحلائه والمصباح على قدر إضاءته.
ولكن لم لا تكون علاقة الوطنية بالإنسانية كعلاقة الفرد بأسرته وعلاقة الأسرة بأمتها؟
لقد كان الإنسان قديمًا لا يستطيع التوفيق بين شخصه وأسرته ولا بين أسرته وأمته، وكان يضطرب سلوكه إذا تعارضت هذه المصالح، ولا يزال الإنسان المنحط لا ينظر إلا إلى نفسه أو لا ينظر إلا إلى أسرته، ويفضل أن يتخم هو ولو كان كل من حوله جائعين، وتؤمَّن أسرته ولو كان كل الأسر حوله خائفين، ويسعد هو وأسرته في وسط الشقاء، ولا يرى بأسًا من بؤس عام إذا كان هو وبيته في رخاء — ثم تطور الإنسان ورقى وأصبح ينشد مع أبي العلاء قوله:
فلا هطلت علي ولا بأرضيسحائب ليس تنتظم البلادا ومع البارودي قوله:
أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأأحق بالري لكني أخو كرم لقد رقى شعوره ورقى عقله حتى وفق بين مصلحته الشخصية ومصلحة أسرته، ثم رقى شعوره ورقى عقله حتى وفق بين مصلحة أسرته ومصلحة أمته، ورأى أن ليس من الخير في شيء أن يعيش لنفسه دون أسرته أو لأسرته دون أمته، وبلغ من رقي بعض الأفراد أن يدرك أن خير أسرته وخير أمته يتحدان، فقبل تجنيد أبنائه عن طيب خاطر، ورأى أن مصلحة أسرته ومصلحة أمته في ذلك شيء واحد، ودفع الضرائب راضيًا كذلك، والتزم كل ما توجبه القوانين ولو ضحى ذلك بجزء من ماليته وجزء من حريته، لسمو نظره فوق الاعتبارات الشخصية والاعتبارات العائلية، كل هذا تم مع الاحتفاظ بالأسرة والاحتفاظ بالأمة معًا، فلماذا لا يخطو العالم الإنساني خطوة أخرى في الرقي، فيوحد بين خير الأمة وخير الإنسانية، ويرى خير الأمة من خلال خير الإنسانية، ولا يرى الخير لأمته إذا تعارض مع خير الإنسانية!
لقد حدث هذا فعلًا في بعض المسائل الجزئية كاتحاد البريد بين الأمم، فاحتفظت كل أمة بشخصيتها في نظام البريد وطوابعه واستغلاله، ومع ذلك تقيدت بما هو خير عام للنظام العالمي للبريد، فلو خطونا خطوة أخرى سياسية من هذا القبيل لتحقق هذا الأمل.
لقد لمع هذا الرجاء على أثر الحرب الماضية بتعاليم الرئيس ولسن ووضعه أسسًا لعصبة الأمم، ولكن فشل هذا النظام لأنه كان كالرقعة الجديدة في الثوب البالي، ولم يغير نظام الدول بما يتفق ونظام العصبة، ولا يمكن تحقيق هذا النظام إلا إذا تغير «الطقم» كله من نظام سياسي واقتصادي واجتماعي، وتوج بالعصبة التي تنسجم وهذا النظام.
ومما لا شك فيه أن العالم مستعد الآن جدًّا لهذه الخطوة، وأن المصائب المرة التي يشهدها، والفجيعة الفظيعة التي يئن منها في الأنفس والأموال والثمرات، ستقربه جدًّا من هذه الغاية، وسيتم هذا الأمل لو وفق قادة السياسة فنظروا إلى العالم من علٍ، ومزجوا نظرتهم المادية بنظرة روحية، وشعورهم القومي بالشعور الإنساني، وفكرتهم العلمية بفكرة أرقى فلسفية.
وهذا ما لا بد — عاجلًا أو آجلًا — أن سيكون.

الأغاني المصرية


بالأمس وقع في يدي كتاب من طريق المصادفة البحتة عنوانه «مجموعة الأغاني الشرقية» وهي الأغاني التي سجلت على «الأسطوانات» من شركة «بيضافون» و«جرامفون» و«أوديون» و«بوليفون»، وكنت في ذلك اليوم ضيق الصدر، لا تتفتح نفسي لتفكير، ولا قراءة ولا كتابة، فحمدت الأقدار التي رمت بهذا الكتاب إليَّ، أو التي رمتني على هذا الكتاب، فلديَّ ساعات فراغ لا أعرف كيف أقضيها، فلا أنا صالح لجد ولا لعب.
أخذت أقلب فيه، وأقرأ وأقرأ، ثم قلت: اجتهد أن تسلط عليه البحث الجامعي، أوَليست الدراسة الجامعية تجعل من الحبة قبة، ومن الهزل جدًّا، وإن شاءت فمن الجد هزلًا؟ وقد وصفتها مرة بأنها تميت الحي وتحيي الميت، فهي تحيي اللاتينية واليونانية والحبشية والأكادية وقد ماتت، وتنبش الأحجار وقد دفنت، وتبعث ما في القبور وقد طويت، وهي تميت الحي، فتدرس اللغات الحية دراسة تميتها وتفقدها روحها، وتبعد عن تذوقها، ولذلك قَلَّ أن تخرج الجامعة أديبًا شاعرًا أو كاتبًا، وإنما تخرج أديبًا ناقدًا أو أديبًا عالمًا، ومن كان أديبًا من رجال الجامعة فمن طبعه ومن نفسه، لا من الدراسات الجامعية، وإن شئت فقل: إنه أديب على الرغم من الدراسات الجامعية، لا أديب بفضل الدراسات الجامعية!
ما لنا ولهذا؟ فقد أنفقت أمس في كتاب «الأغاني» هذا، فقلت — أولًا — أحصر عدد ما فيه من أغانٍ، وأعرف موضوعاتها، فرأيت أن الكتاب ينقسم إلى قسمين: قسم خاص بالأدوار والمواويل والمذاهب والتواشيح والطقاطيق، والقسم الثاني «للقصائد»، ووجدت أن في الكتاب بقسميه ???? أغنية، بين دور وموال وتوشيح وطقطوقة وقصيدة، ووجدت أنها كلها في الحب، ما عدا خمس عشرة أغنية في موضوعات غير الحب، أي إن نسبة ما قيل في غير الحب للحب كنسبة واحد إلى مائة تقريبًا.
ثم موضوعات غير الحب بعضها أيضًا يتعلق بالحب، فامرأة تشكو من أن زوجها تزوج عليها أربعًا في أغنية «جوزي اتجوز علي أربعه»، وامرأة تشكو حماتها في أغنية «حماتي عليّ قوية وأنا ما اقدرش على العيشة ديه»، ورجل يشكو العزوبة في أغنية «العزوبيه طالت عليّ، قومي اخطبي لي حلوه وغنيه» ثم ماذا؟
استعجبوا يا أفنديهلتر الجاز بروبيه وطقطوقة في شكوى الحشاشين من عدم الإنصاف، إذ تصادر الحكومة الحشيش وتترك الخمر، مطلعها:
انصفنا يابا — دحنا غلابهحنشد فين ونحشش فيندي بقت بميتين الوقيه
ورجل يتحسر على حرمانه من «الجنيه»، فيقول:
غاب الجنيه قلبي عليهجرى له إيه هو في سفررمز الحياه باب النجاهيشفي العليل يجلي النظر وشكوى من دودة القطن، مطلعها:
يا شيخ العرب يا شنودةوالقطنه كلتها الدودةوالبنات عاوزة تجوزوالجدعان نفسها مصدوده وطقطوقة في زيادة النيل:
البحر أهو زاد — عوف الليهغرق البلاد — عوف الليه ثم بعض قصائد وطنية، كمارش البرلمان:
وطني أنا بالروح أفديهحب الوطن دا من الإيمانتعيش مصر حره
ويلاحظ أن الأغاني الوطنية في لغتها ونغمتها وعباراتها جارية على نمط الحب:
مصر الجميله ما أحلاكيا بخت اللي يكون في حماكواللي يعيش تحت سماكويملا قلبه بهواك يبقى سعيد
يا بلادي يا بلادييا ضيا البلدانلك حب في فؤاديموقد نيران وأغنيتان دينيتان تدعوان إلى التوكل على الله وترك الأمور تجري في مجاريها:
سلم الأمور للربلا تخف ولا ترهبالزم باب ربكواترك كل دون ثم لنرجع بعد إلى الأغلبية الساحقة وهي أغاني الحب، فنجد أنها تتنوع أنواعًا مختلفة: شكوى الغرام وما سببه الحب من سقام، فالهجر طال، والدمع سال، والجسم ذاب، والعقل راح، ونحو ذلك مما تمثله هذه الأغنية:
ياما شفت مرار وقضيت أياموأنا ليل ونهار إزاي أناموالعشق ده نار وعذاب وهياموضنى وغيره وبكا وحيره ثم شكوى العذال والدعاء عليهم وعدم الاكثراث بهم:
روح يا عذولي — ما لك وما ليلو ذبت وجدا — ما أفوت غزالي ثم التفنن من الرجل في وصف من يحب، ومن المرأة في وصف من تحب.
فقوامه غصن البان، وورد خده على الزهور سلطان، والخد أسيل والجفن دابل، وحبيبه فريد عصره وأمير زمانه، كحيل العين خفيف الذات، جالس على عرش الجمال، إلى نحو ذلك من معان طال الزمان عليها وهي كأوراق اللعب وحجارة النرد أو الشطرنج، يلعب الأدباء بها فيختلف تصفيفها ويتحد عددها وجوهرها.
رأيتها مجموعة مختلفة العصر من عهد «عبده الحمولي» و«محمد عثمان» إلى الآن، ورأيت إنشاءها مختلف القوة، مما يدل على أن مؤلفيها بعضهم من أرقى الأدباء نزلوا إلى الميدان فألفوا بالعامية وسلموها للمغنين يلحنونها ويغنونها مثل دور:
أدك أمير الأغصانمن غير مكابروورد خدك سلطانعلى الأزاهروالحب كله أشجانيا قلبي حاذردا الصد ويا الهجرانجزا المحاطر ودور:
الله يصون دولة حسنكعلى الدوام من غير زوال إلخ.
وبعضها مهلهل من وضع العوام وأبناء الشوارع وبنات الحارات كطقطوقة «دندرمه يا دندرمه»، وطقطوقة «اسم النبي حارسك» إلخ.
ثم منه حب عفيف مؤدب، وحب غير مؤدب وهو الأغلب، ومنه ما لا يمكن أن يقال إلا في حانة أو بيت دعارة، وبعضها استخدمت فيه مخترعات العصر وأساليب المدنية في الخلاعة والحرية، مثل طقطوقة «التاكسي على الباب مستني»، وطقطوقة «قل لي على نمرة تلفونك»، وطقطوقة «بنجور يا هانم»، وطقطوقة «قابلني حبي وأنا رايحه الموسكي وسقاني كونياك على وسكي» إلخ.
ثم هذه الأغاني على كثرتها لا ترى فيها ظلًّا — إلا قليلًا جدًّا — لوصف المرأة المحبوبة بنبل الخلق وحسن المعاني وجمال الفكر وسمو النفس، إنما هي كلها حول خدها الوردي وعيونها العسلية، وأن نهودها رمان، وقدها غصن البان — والمرأة لا تتطلب من الرجل رجولته وحسن صفاته، إنما تطلب أن يكون جميلًا و«جدع قيافه» و«صغير في العمر» و«دمه خفيف» و«عاوج طربوشه».
ثم ما هذا الحزن الشائع في الأغاني؟ فالحب عذاب، والهجر عذاب، والعذال عذاب، والقلب مجروح و«دمي بدمعي امتزج» و«ما حيلتي غير دموع العين»، و«ما حد زيي على خِله انضنى حاله»، و«ناعس جفونك حرمني النوم»، و«يا كنز نوحك على الأحباب»، و«آسيت كتير لما حبيت»، و«يا ما بآسي وبشكي» إلخ إلخ، وكثيرًا ما تبدأ الأغنية بالسرور والفرح، ولكن سرعان ما تنقلب إلى غم وكمد، ثم التذلل المفرط والاسترحام المفجع، والاستغاثة بالناس، وبالأحباب وبالأعداء، وبالمسلمين وبالنصارى، حتى يتدخلوا في الحب ويتوسطوا في الوصل.
•••

أما بعد فهذه صورة مصغرة لما قرأت، ثم تساءلت: ما وظيفة الغناء في الشعب؟ وهل تؤدي هذه الصورة التي عرضتها تلك الوظيفة؟
إن الغناء فن من الفنون الجميلة كالتصوير والموسيقى والأدب، وهذه كلها وظيفتها نقل عواطفنا إلى غيرنا في ثوب جميل، وهي تقابل في ذلك الكلام غير الفني في نقله أفكارنا إلى غيرنا، فالفنون الجميلة لغة العواطف، والكلام لغة العقل، وإذا كانت اللغة قاصرة كل القصور في التعبير عن العواطف استعنا على تكميل نقصها بمحسنات من إشارة وتمثيل في الخطابة، واستعارات وكنايات وتشبيهات ومحسنات بديعية وخيال في الأدب، وألوان مختلفة في التصوير، وصوت جميل في الغناء، وآلات مختلفة في الموسيقى، والغناء غني بهذه المحسنات، فهو يعبر عن هذه العواطف، مستعينًا بالأدب وجماله، والصوت وجماله، وكثيرًا ما يقرن بالموسيقى وجمالها، فهو في هذا كله احتفال جمال ليس له نظير في هذا الباب.
إن الفنون كلها تنبع من عواطف، وتؤدَّى بشكل جميل إلى العواطف، فتثيرها وتخلق المشاركة فيها، إنها — على اختلاف أنواعها — غذاء العواطف، كما أن العلم — على اختلاف أنواعه — غذاء العقل، وظلت المدارس جاهلة أن الإنسان عقل وعواطف، سائرة على أنه عقل فقط، فملأت برامجها بالعلم لغذاء العقل، وأهملت العواطف، حتى آمنت أخيرًا بأنه عقل وعواطف، فعدلت برامجها وأدخلت فيها الموسيقى والرسم والتصوير والغناء، فآمنت — بعد كفر طويل — أن الفنون تربية يستكمل بها الإنسان بعض نواحي النقص فيه.
إن كان كذلك، أفليس عجيبًا أن يكون موضوع الحب في أغانينا يستغرق منها تسعة وتسعين في المائة؟ كأن ليس لنا عاطفة إلا عاطفة الحب! ثم أي حب؟ إنه الحب المادي الوضيع، والحب المائع، والحب الذائب.
إن مثلنا — إذ ذاك — مثل أمة كل شعرها ونثرها الفني غزل، وكل تصويرها امرأة عارية، وكل أكلها نوع من الغذاء واحد، وكل حياتها لون واحد.
أين غذاء العواطف الأخرى في الغناء؟ أين غذاء عواطفنا في مشاهد الطبيعة الجميلة؟ وأين عواطفنا في الإعجاب بالبطولة المجيدة؟ وأين عواطفنا في مواقفنا التاريخية الجليلة؟ وأين عواطفنا في كرهنا للنذل والجبان؟ وأين إعجابنا بالمرأة تنتج النتاج القوي الباهر؟ والرجل يضحي لأسرته، والرجل يضحي لقومه، إلى ما لا يحصى من عواطفَ! أعدمنا كل هذا ولم يبق إلا الحب؟
ألجأنا إلى هذا كله أننا نظرنا إلى الغناء على أنه مسلاة فقط، ولما يصل رقينا إلى أن نشعر أنه تربية للأمة.
إننا من أكثر الأمم حبًّا في الغناء، وحسنًا في الصوت، وقدرة على تكييفه، فالغناء في الإذاعة، وفي القرآن، وفي الأذان، وفي النداء على المبيعات، وفي الذكر، وفي الزار، وفي الأفراح، وفي المآتم، وفي كل مظهر، ولكن كل هذا ضائع، لأننا لم نعرف استغلاله، ويحمل وزرَ هذا الأدباءُ والمغنون: فالأدباء تأخذهم عزة الأرستقراطية فلا ينزلون إلى ميادين الشعب يضعون له غناءه، وإذا نزلوا لا يحسنون، لأنهم لا يدركون روحه، والمغنون مائعون، تضع في حناجرهم أناشيد الحماسة والقوة فسرعان ما يقلبونها إلى تخنث وضعة وتذلل وبكاء.
ومما يؤسف له ظاهرة شائعة، وهي تأنث المغنين وترجل المغنيات، كما كان من دواعي الأسف أننا ننحدر من سيئ إلى أسوأ، فقد استعرضت أغاني عبده الحمولي ومحمد عثمان، فرأيتها أقوى وأسمى وأعف من كل ما وصلنا إليه في أغانينا الحديثة في الكثير الأغلب، والأمة لاهية، تترك السم يفعل في عقولها وعواطفها، ولا تبحث عن دواء.
لا أحب أن تنعدم أغاني الحب، فما دامت عاطفة الحب موجودة، وهي — بحق — يجب أن تكون موجودة، فلا بد لها من غذاء، ولكني أحب لها غذاءً قويًّا نقيًّا، وأحب أن يكون بجانب أغانيه أغان تعادله من حب للبطولة والنجدة والشجاعة والرحمة ولغيرها من العواطف.
إن العود لم يخلق عبثًا له أوتار متعددة، والحنجرة لم تخلق عبثًا لها قوى متعددة، والغرب أدرك هذا كله، فعدد مناحي موسيقاه، وعدد مناحي غنائه: فهل نحن فاعلون؟
ثم تساءلت عن السبب الاجتماعي الذي أدى إلى هذا التدهور! ثم إذا طبق ما يقولون من أن الفنون عامة — والأغاني خاصة — أدل على حالة المجتمع، فماذا يمكن أن نستنتج من هذه الأغاني المصرية؟ فرأيت أن المقال يطول، فلنعد له في مقال تال إن شاء الله.

التقليم والتطعيم في الأدب


جرني التفكير في «الأغاني المصرية» إلى توسيع النظر في الفنون والآداب المصرية والعربية، فوجدتها كلها تحتاج إلى عمليتين هامتين خطيرتين: أولاهما عملية التقليم، والثانية عملية التطعيم، ولأقتصر في حديثي اليوم على التمثيل بالأدب العربي، فهو أخطر الفنون وأكثرها أثرًا في حياة الشعوب.
•••

واضح أن آداب الأمم تختلف باختلاف شخصياتها ومميزاتها وميولها، كما تختلف باختلاف أمزجة أدبائها، وكما تختلف باختلاف بيئتها، سواء كانت بيئة طبيعية من جو ووضع جغرافي، أو بيئة اجتماعية من سياسةٍ ودينٍ وأوضاعٍ وتقاليدَ ونحو ذلك.
والأدب عامة يتطور بتطور الأمة، ويتفاعل معها، فيوثر فيها ويتأثر بها، وإنك لتستطيع — بالنظر العميق — إذا درست أدب أي أمة في أي عصر أن تستنتج منه حالة الأمة الاجتماعية، وظروفها السياسية، ونظم حكمها، وحالة شعبها.
إن كان كذلك فمن المحال أن تعيش أمة على الأدب القديم وحده، أو على أدب العصور الوسطى فقط، وإلا كانت كالتاجر يعيش على تصفح دفاتره القديمة فحسب، وهذا علامة الإفلاس.
إن أدب كل أمة يرسم المثل الأعلى لها، والمثل الأعلى ليس صورة ثابتة متحجرة، بل هو مرن، ويجب أن يكون مرنًا، ويختلف بتقدم الإنسان وتغير ظروفه وملابساته، ويتقدم كلما خطا الإنسان خطوة إلى الأمام.
وهذا هو الشأن في الأدب العربي، فهو ليس أدب أمة واحدة، بل هو أدب أمم مختلفة في عناصرها، ونوع ثقافتها، ودرجة عقليتها، وموقع إقليمها، كما هو أدب أمم مختلفة العصور والأزمنة، والوضع السياسي، والحالة الاقتصادية، والمعيشة الاجتماعية — وهو في عصوره المختلفة قد صور المثل الأعلى أشكالًا وألوانًا، فالمثل الأعلى الجاهلي غيره في العصر الأموي، وهما غيره في العصر العباسي، وهو في العراق غيره في مصر.
وأمم الشرق في العصر الحاضر من حيث موقفها من المدنية الغربية، ومن حيث آمالها السياسية، ومن حيث عواطفها القومية، ومن حيث نظمها الاجتماعية، لا بد لها من مثل عليا جديدة تحض الجيل الجديد على الطموح إليه والسعي وراءه وإلهاب العواطف لنيله، وهذه وظيفة الأدب في كل أمة، ومنها الأدب العربي.
في الأدب العربي القديم لا نجد كل غذائنا، وفي الأغاني القديمة لا نجد ما يغذي كل عواطفنا، وفي كل فنوننا القديمة لا نجد ما يرسم كل مثلنا الأعلى الذي ننشده.
لقد قامت مناظره مرة في أن الأدب العربي القديم يصلح غذاء للجيل الحاضر أو لا يصلح، فاخترت الشق الثاني، ولست أعني أنه قليل القيمة أو عديم المنفعة، ولكن أعني أنه وحده لا يكفي في الغذاء، وأنه ينقصه كثير من أنواع «الفيتامين»، ليصلح به العقل وترقى به العواطف.
وللوصول إلى هذا الغرض لا بد من العمليتين اللتين أشرت إليهما، وهما التقليم والتطعيم.
أما «التقليم» فأعني به أن الأدب العربي مثله مثل تل كبير من قمح، بعضه طين اختلط بالقمح فيجب أن ينقى منه، وبعضه حب مسوس يجب أن يستبعد، وبعضه صالح يجب أن يفرز وحده لنستعين به على الغذاء الصالح، لقد كان كله صالحًا، أو على الأقل نتاجًا طبيعيًّا لعصره، ولكن ما كان صالحًا لعصر قد لا يصلح لعصر آخر.
إن الأوضاع السياسية للأمم — مثلًا — غيرت نظرة العصور الماضية إلى الحكام، فيجب أن نغربل الأدب القديم، فلا نقر منه ما يضع من شأن الأمة كأمة ويقدس الحاكم كحاكم، والعلم بالأحوال الاقتصادية غيَّر من نظرنا إلى الفقر، فلم يجعله قضاءً وقدرًا فقط، بل جعله نتيجة طبيعية لحالة الأمة ووجوه دخلها وخرجها، ونظام ميزانيتها ومواردها ومصادرها، فالأدب العربي الذي يبعث على الرضا بالفقر كنتيجة محتومة لا دخل للأمة ونظامها فيه يجب أن يستبعد، وأحوال الأمم كلها الآن تستدعي نفوسًا قوية في إيمانها، قوية في عقيدتها، قوية في عواطفها، فلنقس الأدب العربي بهذا المقياس، فما كان منه يبعث على الميوعة، وعلى الانهماك في الشهوات، وعلى الخذلان وضعف الثقة بالنفس والثقة بالأمة والثقة بالله يجب أن يعدم.
إن الأمم الآن تتطلب التضحية، تتطلب مثلًا أعلى أساسه خير المجتمع لا خير الفرد وحده، وتتطلب إعداد الفرد للكفاح، فما كان من الأدب العربي يدعو الفرد أن يبحث عن لذته مهما كانت نتائجها على المجتمع يجب أن يُنحى، والأدب الذي عماده أن فلانًا أعطاه من مال الأمة لقصيدة أشاد فيها بذكره فجعله ملكًا فوق البشر، ليس صالحًا لجيلنا بحال من الأحوال، بل إن مدح الملوك والأمراء والحكام يجب أن يكون أساسه العدل وخدمة الرعية، وأداء ما عهد إليهم بذمة وصدق، سواء أعطوا مالهم الخاص أو منعوا، كرموا أو بخلوا، وأن الأدب الذي يخيف من الموت، ويجعل الحياة كلها توقعًا للموت، وخوفًا من الموت، يجب أن يموت، ويحل محله تقديس الحياة والعمل للحياة، حياة الأمة وحياة الفرد، ولا بأس بالموت إذا الموت نزل!
•••

امتحنْتُ هذه النظرية فقرأت كتابًا من كتب الأدب العربية، فوجدتني في كل صفحة من صفحات الكتاب قد علقت — في ذهني — على بعض الجمل بأنها غير صالحة، لأنها تبعث الضعف، وبعضها غير صالح، لأن العلم الحديث أثبت كذبه، وبعضها غير صالح، لأنه كان مثلًا أعلى قديمًا وليس مثلًا أعلى حديثًا، وبعضها صالح كل الصلاحية، لأنه يناسب زمننا كما كان مناسبًا لزمنه، فهو مستحق للبقاء.
قرأت مثلًا قول المغيرة بن شعبة: «أحب الإمارة لثلاث، وأكرهها لثلاث: أحبها لرفع الأولياء، ووضع الأعداء، واسترخاص الأشياء، وأكرهها لروعة البريد، وفوت العزل، وشماتة العدو»، فقلت: إن هذا نظر غير صائب، وشعور غير نبيل، إنما تحب الإمارة للعدالة، وإيصال الحقوق لأصحابها، وتحقيق ما أمكن من إصلاح، أما حبها لنفع الصديق وضر العدو ونحو ذلك فنظر سطحي سخيف، لا يصح أن يعرض على النشء.
وقرأت قول القائل: «كان الناس ورقًا لا شوك فيه، فصاروا شوكًا لا ورق فيه».
فقلت: هذا غير صحيح وإن حسن لفظه؛ لأنه في كل أمة، وفي كل عصر، وفي كل جماعة، ورق وشوك، فلا يخدعنك حسن التعبير عن فساد المعنى.
وقرأت خطبة لسعيد بن سويد: «لا يزال الإسلام منيعًا ما اشتد السلطان، وليست شدة السلطان قتلًا بالسيف، ولا ضربًا بالسوط، ولكن قضاء بالحق، وأخذ بالعدل».
فقلت: هذا قول حق، يصلح لكل زمان ومكان، ويصح أن يعلم لكل ناشئ، ويردده كل متأدب.
وقرأت قول الشاعر:
أشرقْتَ حتى تركْتَ الشمس ساجيةكأنما أُلبست دكنًا من الحللوراح نقعك في أجفانها كحلًاوما عهدنا بجفن الشمس من كحل لقد حقنت دم العليا بجود يدمخضوبة بدماء المحل والبخلأظما إلى رشفها يومًا فيصدفنيعنها تعرض سيل العارض الهطل فقلت: إن هذا الضرب لا يعجبني، رجل أعطى الشاعر قبضة من مال، فجعله أكثر إشراقًا من الشمس، وجعل يده مخضوبة بالدم من قتل البخل إلخ، وهي معان مبتذلة، وموقف استجداء وضيع، وعاطفة شخصية جزئية حقيرة، فهذا الضرب لا أشجع عليه، ولا أقدمه مثالًا يحتذى، وخير منه قول المتنبي في المديح:
إذا الدولة استكفت به في ملمةكفاها، فكان السيف والكف والقلبا إلخ.
وقرأت من الأمثال قولهم: «الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك»، فقلت: قول مبهرج، ولا معنى له، فليس بصحيح أن السيف إن لم تقطعه قطعك.
وقرأت قول الشاعر:
تطامن للزمان يجزك عفوًاوإن قالوا ذليل قل ذليل فقلت هذا شعر يجب أن يضرب به وجه ناظمه الحقير.
وقرأت نصيحة عمرو بن عتبة لمعلم ولده: «روهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه»، فقلت: قول شريف صحيح. ثم قرأت قوله: «ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم» فقلت: هذا غير صحيح فيما أثبت علم التربية الحديث.
وبجانب ذلك قرأت أدبًا جيدًا كل الجودة، حقًّا كل الحق، نافعًا لأن يكون جزءًا من مثلنا الذي ننشده، لا أطيل بذكره لكثرته.
وهكذا وجدت فيما استعرضت خيرًا كثيرًا، وشرًّا كثيرًا، فلا بد من التقليم والتطهير واستبقاء الأصلح.
خرجت من فكرة «التقليم» هذه بأنَّ أُولي الرأي في الأمة يجب أن يكون لهم غرض واضح معين في تربية النشء، ووضع أسس ثابتة في التربية، ورسم مثل أعلى واضح جلي، فإذا تم ذلك وجب على كل طائفة أن تسعى لتحقيق هذا الغرض، والأدباء والفنانون في طليعة هذه الطوائف، يجب أن يعيدوا النظر في الأدب والفن، فلا يضعوا في يد النشء من الأدب العربي والغناء والأناشيد والتصوير، إلا ما ينسجم مع هذا المثل، وإلا كنا كطائفة تغزل غزلًا، وتأتي طائفة أخرى فتنقض غزلها.
إن عملية التقليم هذه تكسبنا عينًا ناقدة نفرز بها الجيد من الرديء، ونميز بها الصالح من الطالح، في الشعر والخطب والأمثال والحكم والقصص والأغاني والروايات، وكل ضرب من ضروب الأدب، وكل نوع من أنواع الفن.
إن الأدب العربي في جملته نوعان: نوع غير صالح لحياتنا الواقعية التي نحياها الآن، ولا يتفق مع مثلنا الأعلى الذي ننشده في هذا الزمان، وهذا يجب أن يوضع في متحف، كالآثار القديمة، يعنى به الخاصة وحدهم ومؤرخو الأدب فقط، ونوع صالح لزماننا ومثلنا، وهذا وحده هو الذي نسلمه لنشئنا، ونصوغ منه أمانينا، ويستشهد به أبناؤنا، ويحفظ منه جيلنا.
إنَّا بعرضنا كل الأدب العربي على الناشئين بغثه وسمينه وصحيحه وفاسده — من غير «تقليم» — نضع في أذهانهم صورًا مختلفة متناقضة لمثل مختلفة يضرب بعضها وجه بعض، ولا نكون لهم مثلًا أعلى منسجمًا، فتكون النتيجة بلبلة الأفكار، وحيرة الأذهان واضطراب الناشئ يمينًا ويسارًا، وأمامًا وخلفًا، وفي هذا ضرر بَيِّنٌ على عقله وعواطفه.
ما بالنا في فروع العلم المختلفة نعلمه ما أثبت العلم صحته في الطبيعة والكيمياء والرياضة والجغرافية وعلم الأحياء، ولا نعلمه بجانبه ما أثبت العلم فساده من سطحية الأرض، ودوران الشمس حولها، وخلق الحي من غير الحي ونحوها، ثم لا نفعل ذلك في الأدب، فنعلمه ما صح وما فسد، وما يبعث عواطف مريضة بجانب ما يبعث عواطف صحيحة؟!
لا بد أن يكون لنا منهج واحد وأسلوب واحد في هذا وذاك، وإلا كنا نزن بميزانين ونكيل بكيلين.
•••

هذه العملية الأولى، وأما العملية الثانية وهي «التطعيم» فأعني بها أننا ندرس وجوه النقص في أدبنا وفننا، فيعكف أدباؤنا على ملاقاته، وندرس مثلنا الأعلى فنرى ما يدعمه ويقويه مما ليس في أدبنا فنخلقه، ونجعل هذا النوع وما استصفيناه من الأدب القديم غذاءنا.
لشد ما نحتاج في أدبنا إلى الإكثار من تحليل الشخصيات العظيمة لتخلق فينا عظماءَ جددًا، ولشد ما نحتاج إلى الكتب الجذابة لنشئنا لتغذيتهم بالمبادئ القويمة، ولشد ما نحتاج إلى شعر في الطبيعة وجمالها، وإلى شعر جاد قوي أخلاقي روحي نابع من خيال رفيع، ولشد ما نحتاج إلى القصص تشرح العيوب الاجتماعية وتستغفل القارئ فتضع له الدواء القوي المر أثناء تلذذه بحادثة أو منظر! إلى نحو ذلك.
عملية «التقليم والتطعيم» هي قانون الحياة، نشذب الشجر لينبت العود الصالح، ونقطع العضو الفاسد في الجسم حتى لا يسري فساده إلى السليم، ونطعم الشجرة لتنتج خير الثمار وأحسن الأزهار، ونضحي في كل شيء بالقليل لنغنم الكثير وندفن الميت لنستقبل الحي. فما لنا لا نفعل ذلك في الأدب والفن؟!
لقد مر على العالم الإسلامي عصور حية زاهرة أنتجت أدبًا حيًّا زاهرًا، ومر عليه عصور ميتة جامدة أنبتت أدبًا ميتًا جامدًا، ولا بد لنا من التنقية والاختيار.
وعلى الجملة لا يمكن أن يصلح أدبنا وفننا إلا بعمليتي التقليم والتطعيم، ولو كره الكافرون.

التقليم والتطعيم في اللغة


ما قلناه من إجراء العمليتين في الأدب يصدق تمام الصدق على اللغة، فمادة اللغة العربية تحتاج إلى تقليم وتطعيم.
ذلك أن اللغة عَرَض من أعراض الأمة تتقدم بتقدمها وتنحط بانحطاطها، فلغة العرب في الجاهلية كانت تكفي لحاجاتهم القليلة ومنازع نفوسهم المحدودة وشئونهم الاجتماعية الأولية، فلما جاء الإسلام لم يرَ اللغة الجاهلية كافية له، فنماها من ناحيتين: من ناحية استعمال الكلمات الجاهلية في معان جديدة لم تكن تستعمل فيها من قبل، ومن ناحية تعريب كلمات من لغات أخرى، وهكذا كان الشأن في العصر الأموي والعصر العباسي، ولو أحصينا مفردات اللغة في هذه العصور المختلفة لوجدناها قليلة نسبيًّا في الجاهلية، كثيرة في صدر الإسلام، كثيرة جدًّا في العصر العباسي، وليس الأمر في ذلك مقصورًا على مفردات اللغة وعدد كلماتها، بل نجد كلمات ماتت بموت مدلولها في الجاهلية وكلمات ظلت حية في العصور المختلفة لحاجة الأمة إليها.
كانت إذًا عملية التقليم والتطعيم مستمرة في هذه العصور، تحكم بالإعدام على الألفاظ التي لا تحتاج إليها أو التي تستثقلها، وتقتبس من العبرانية والسريانية والهيروغليفية والحبشية والفارسية واليونانية واللاتينية وغيرها ألفاظًا جديدة حسبما تدعو إليه الحياة اليومية الواقعية.
متى تعد اللغة راقية وافية؟
عندي أن مقياس ذلك شيئان أساسيان: (?) أن تكون في طبيعة اللغة مرونة من اشتقاق وارتجال ووضع ومجاز ونقل عن لغة أخرى، وهكذا يمكن أصحابها أن يقلبوا الكلمات ويصوغوها حسب تعدد المعاني وتغيراتها الدقيقة.
(?) أن تسد حاجة المتكلمين بها، وتوفر ما وصلت إليه أمتها من علوم وفنون، وتعبر عما يشعرون به ويفكرون فيه في شمول ودقة وإحكام، ولكن بشرط أن تكون الأمة بلغت مبلغًا كبيرًا في الحضارة، أما إذا كانت الأمة أولية ولغتها مثلها أولية فلا يكفي لعدها راقية أن تسد حاجتها.
ويخيَّل إلي أن الشرط الأول يجعل اللغة راقية، والشرط الثاني يجعلها وافية، وهما معًا يجعلانها راقية وافية.
واللغة العربية — في ضوء هذا الذي ذكرنا — راقية بمرونتها التامة، غير وافية الآن؛ لأنها لا تطابُقَ بينها وبين حاجاتنا، ولا تسد كل ما وصل إليه العلم والفن والفكر من إنتاج، فالعلماء والفنانون لا يجدون فيها كفايتهم، والصناع والعمال لا يعبرون بها عما في أيديهم، والمفكرون يتعثرون في التعبير بها عن بعض أفكارهم.
وإذا كانت اللغة العربية بطبيعتها راقية كان العيب ليس عيبًا ذاتيًّا فيها، وإنما عيبها عيب القائمين عليها المصرفين لزمامها المالكين لقيادتها.
ولا بد — لمعالجتها — من هاتين العمليتين: «التقليم والتطعيم».
فأما التقليم فإن معاجمنا مملوءة بكلمات لا حاجة لنا بها ومترادفات كثيرة للشيء الواحد يكفينا بعضها، والزمن قد فعل فعله المعقول فأهمل كلماتٍ كثيرةً لم يستعملها الكتاب ولا الشعراء ولا المؤلفون ولا المتحدثون فيما ينتجون، ولم يشعروا يومًا ما بحاجتهم إليها لِغناء غيرها عنها، أو لانعدام مدلولها في حياتهم اليومية.
والسبب في هذه الكثرة البالغة المتجاوزة الحد في متن اللغة أن اللغة العربية كانت لغة قبائل متعددة، لكل قبيلة ألفاظها وتراكيبها في حدودها المعقولة وحاجاتها المتداولة، فجاء العلماء في آخر العصر الأموي وصدر العصر العباسي، فجمعوا ما وصلوا إليه من كل هذه اللغات من غير تفريق ولا تمييز، ومن غير أن يفردوا كل قبيلة بألفاظها، فكان لنا من ذلك كله ثروة كبيرة لا حاجة لنا بها إلا في شرح ما ورد عن هذه القبائل من أدب، أما حياتنا اليومية وتفكيرنا وأدواتنا فليست تحتاج إلى شيء كثير من هذا المترادف.
ومما يؤسف له أن هؤلاء العلماء عنوا في عملهم بالجمع، ولم يعنوا بجانب ذلك بالاختيار، مع أن الاختيار عمل لا يقل شأنًا عن عملية الجمع.
وأكثر من هذا داعيًا للأسف أنهم قصروا جمعهم على اللغات الممعنة في جزيرة العرب البعيدة عن الحضارة، كتميم وقيس وأسد وهُذَيْل، ولم يرضوا أن يأخذوا شيئًا من المتاخمين لأهل الحضر لفساد لغتهم في زعمهم، مع أنهم لو أخذوا عنهم لأمدونا بألفاظ كثيرة نحن أحوج إليها في حضارتنا؛ فقالوا: لا نأخذ من لخم وجذام لمجاورتهم أهل مصر، ولا من قضاعة وغسان لمجاورتهم أهل الشام، ولا من تغلب لمجاورتهم سكان الجزيرة، ولا من اليمن لمخالطتهم الهند والحبشة، وتفرغوا فقط لجمع لغة العرب الصرفة المنزهة عن الاختلاط، وهي وجهة نظر قد تكون صحيحة لو أنهم لم يقتصروا عليها، وجمعوا معها اللغات المتاخمة؛ لأنها أغنى وأوفر وأقرب لسد حاجة المدنية والحضارة.
أرادوا — لقصر نظرهم — أن يقتصر الناس على استعمال الألفاظ العربية الصحيحة المستعملة في جزيرة العرب، وفاتهم أن هذا مستحيل، وأن الناس بعد مدنيتهم لا تكفيهم لغة بداوتهم، كما لا يكفي ثوب الطفل لجسم الرجل.
ولذلك اضطر المؤلفون والأدباء والكتاب والمتحدثون ألا يخضعوا لحكمهم وأن يستعملوا الكلمات غير العربية، سدًّا لحاجتهم، وطبقًا لمقتضيات أحوالهم، واضطر أصحاب المعاجم أن يدخلوا في معاجمهم الكلمات الأعجمية المعربة والمصطلحات العلمية المستحدثة، كما فعل صاحب القاموس المحيط، فقد تضخم معجمه بهذا كله، وكما فعل أكثر منه صاحب تاج العروس في شرح القاموس.
•••

عملية التقليم هذه تتطلب أن نستبعد الألفاظ التي لسنا في حاجة إليها، وأن نخلي مكانها لما نحتاج إليه، فليس فخر اللغة أن يكون فيها ثمانون اسمًا للعسل، وخمسون للأسد، وأربعمائة للداهية إلخ. بل يكفي من كل ذلك أربعة ألفاظ أو خمسة، ثم نفسح المجال لأسماء المخترعات الحديثة والمصطلحات الجديدة، نعم يجب أن تكون هناك معاجم تحوي كل ما أثر عن العرب، ولكنها تكون معاجم تاريخية يرجع إليها الخاصة، أما المعاجم التعليمية التي تكون بأيدي جمهور الناس فيقتصر فيها على الكلمات الحية.
لقد قالوا: إن كتاب الصحاح اشتمل على أربعين ألف مادة، والقاموس على ستين ألفًا، ولسان العرب على ثمانين ألفًا، فما أحوجنا إلى إماتة نصف هذا العدد على الأقل، لنحيي مكانه ما نحن في حاجة إلى إحيائه.
ثم هذه المعاجم اللغوية محتاجة أيضًا إلى تقليم من نوع آخر، وهو كثرة ما ورد فيها من تخريف يفسد العقل، ففيها — مثلًا — أن: «القاف جبل محيط بالأرض أو من زمرد، وما من بلد إلا وفيه عرق منه»، وفيها: «أن الهرمين بناءان أزليان بمصر بناهما إدريس — عليه السلام — أو بناهما سنان بن المشلشل، أو بناهما الأوائل لما علموا بالطوفان من جهة النجوم، وفيهما كل طب وسحر وطلسم» وفيها: «أن أبا عروة رجل كان يصيح بالأسد فيموت فيشق بطنه فيوجد قلبه قد زال عن موضعه»، إلى كثير من أمثال هذا الهذيان.
كل هذا يجب أن يقلم، ويقلم أيضًا التفسير الذي كان جاريًا على ما كان معروفًا أيام المعاجم القديمة ثم تغير بتقدم العلوم، فتفسير الكسوف والخسوف والظواهر الطبيعية والنبات والحيوان وما إلى ذلك كله يجب أن يكون حسبما وصل إليه العلم الحديث، لا حسب ما كان معروفًا في العهد القديم.
لسنا في حاجة إلى أن يكون للأسد خمسون اسمًا وللعسل ثمانون وللسيف أكثر من ذلك، إنما نحن في أشد الحاجة إلى أن يكون لكل شيء تقع عليه حواسنا وكل معنى تصل إليه عقولنا اسم نصطلح عليه ونتبادل به التعبير عنه، ولا يكون ذلك إلا بإغفال كثير مما ورد في المعاجم مما لا نحسه ولا نحتاج إليه، ولا يمس شيئًا من حياتنا الواقعية.
فإذا أعدمنا هذا الذي لا نحتاج إليه فتلك عملية التقليم، ثم تأتي بعد ذلك عملية التطعيم بأن نملأ المكان الذي فرغ من إزالة الألفاظ الميتة باستعمال كلمات للدلالة على كل شيء نحسه أو نشعر به أو نفكر فيه، إما بالتعريب والوضع أو توسيع معاني الكلمات القديمة.
وهذا ما فعلته الأمم الحية كلها، وفعله العرب أنفسهم والمستعربون الأولون، لقد كانوا يأكلون الثريد والمضيرة، ثم صاروا يأكلون الفالوذج والسكباج والكباب، فلما أكلوها عربوا أسماءها وأدخلوها في لغتهم، وكانوا يسمعون الصنج والمزمار، فصاروا يسمعون الناي والقانون والبربط، فلما سمعوها عربوها، وكانوا يسكنون في الخيام، فصاروا يسكنون الدور مزينة بالفسيفساء والقاشاني، فلما استعملوها عربوها، وما كانوا يعرفون علمًا، ثم عرفوه، فواجهوا مصطلحات العلوم من جبر وهندسة ومنطق وطب وفلسفة، فمرنوا لها وتغلبوا على صعوبتها، وجعلوا لكل شيء لفظًا منقولًا أو مرتجلًا أو مشتقًّا، فكانت لغتهم تطابق معيشتهم.
أفليس غريبًا بعد ذلك أن نجمد على ما وصلوا إليه مع أن المدنية والحضارة والعلم والصناعة ووسائل المعيشة لم تقف حيث وقفوا، ونمت أضعاف ما كانت؟
أخطر خطأ في هذا الباب اعتقادنا أن اللغة مقدسة، فنعبدها ونجلها، ولا ندخل عليها تغييرًا ولا تعديلًا، مع أن اللغة خادمتنا وليست سيدتنا ولا إلهنا، هي التي تخضع لنا، لا نحن الذين نخضع لها، هي عرض من أعراض حياتنا كالثوب نلبسه والمتاع نستخدمه والبيت نسكنه، وكل شيء من ذلك يجب أن يخضع لظروفنا ومقتضيات أحوالنا، يغير الثوب حسب تغير الجسم، ويبدل بناء البيت حسبما تتطلبه راحتنا، ويصلح المتاع حسب موقفه منا: وهكذا اللغة هي آلة خادمة ذليلة للتعبير عما في نفوسنا، نملكها ولا تملكنا، وتقدسنا ولا نقدسها، ويجب أن تموت أجزاؤها وتحيى أجزاؤها وتخلق أجزاؤها حسب حاجتنا، وأن تتشكل لنا لا أن نتشكل لها، وإلا كانت لغة أثرية لا لغة حية.
إن كانت اللغة غير مقدسة فمعاجمها غير مقدسة، يجب أن تخضع لكل تقدم علمي نصل إليه، فتعريف الألفاظ يجب أن يكون حسبما أقره العلم الحديث، واللفظ إذا استعمله جيلنا ولم يكن في المعاجم وجاريًا على النمط العربي يجب أن يدون فيها، ولا يحتج بأنه غير موجود في المعاجم القديمة، ولا نصغي إلى هؤلاء المتزمتين الذين يصرخون دائمًا في وجهنا: «إن هذا ليس في القاموس» كأن القاموس كتاب منزَّل يتعبد به — إن هذا النمط من القول شل للفكر وعقدة في اللسان وتعويق للأقلام، وحرام ما نحن فيه من ضياع أوقات المدرسين والمفتشين في الجدال في أن هذه الكلمة في المعجم أو ليست فيه، وفي سبيل ذلك تضيع قيمة المعاني والأفكار والأساليب.
كم أعمارٍ ضاعت في هذا الباب على غير جدوى، وكم صحائف سودت في هذا الموضوع من غير طائل، وكل هذا مبني على هذا الخطأ في تقديس اللغة.
ما يضرنا أن نستعمل تعبير «من جديد» إذا استسغناه ولو لم يرد في المعاجم؟ وما يضرنا استعمال كلمة «هناء» إذا أقرها أدباؤنا ولو لم توجد في المعاجم؟ ولماذا نفحم في الإجابة إذا قال قائل: إنها وردت في كتاب «العمدة» أو في مقدمة ابن خلدون، ولا يكون لنا الحق الذي كان لابن رشيق وابن خلدون؟!
لقد ظنوا أن «القاموس» نص على كل لفظ عربي، فما لم يوجد فيه فليس بعربي، وهذا غير صحيح مطلقًا، فهو لم يذكر «الرحمن الرحيم» في رحم، وقال: «الشنار أقبح العيب والعار» ولم يذكر العار في مادته، وقال في أول كتابه: «الحمد لله منطق البلغاء باللغى في البوادي»، ولم يذكر في مادة لغة أنها تجمع على لُغَى، وقال في الخطبة أيضا: «فصرفت صَوْبَ هذا القصد عناني» ولم يذكر في مادة صوب أن من معانيها الجهة، إلى كثير من أمثال ذلك.
وهَبْ أن العرب لم ينطقوا بها، فلماذا لا ننطق بها نحن إذا جرت على أساليب العرب وأوزانها وأصولها؟!
كل ما في الأمر أن المسألة لا يصح أن تكون فوضى ينطق كل من شاء بما شاء، وإلا انقلبت الحرية إلى عكس المراد منها، فاللغة مواضعات ووسيلة للتفاهم في حدود معقولة، إنما الواجب أن يكون في الأمة متخصصون مرنون أحرار عالمون بالعربية وأسرارها مطلعون على حاجة الأمة ومطالبها اللغوية، يوسعون على الناس في كلامهم وفق أسس اللغة ويضعون لها ما هي في حاجة إليه.
وهذا هو عمل المجامع اللغوية لو أنها قامت بواجبها.

لغة الأزهار والثمار


مما التفتت إليه الحضارة الإسلامية وتفننت فيه لغة الأزهار والثمار والتخاطب بها، وخاصة في مجال الحب والغرام.
لقد عنوا بالأزهار والثمار، فجلبوا أنواع الأشجار من أطراف الدنيا، وتفننوا في المغارس وطعموها، وولدوا منها أنواعًا جديدة، وبحثوا وجربوا وألفوا، ووضعوا التقاويم لما يعمل في كل شهر من شهور السنة لأنواع النبات المختلفة، ثم أنشأوا البساتين حول البيوت وعلى شواطئ الأنهار وفي ضواحي المدن، وبلغت بغداد في ذلك مبلغًا عظيمًا، فخصصوا بعض البساتين لبعض الأزهار أو الثمار، فنرى — فيما يرد من الأخبار — «بستان النارنج» و«بستان التفاح» و«حديقة النرجس» و«حديقة الورد» و«حديقة البنفسج»، وقال ابن وحشية: «إنهم لشدة غرامهم بالنرجس أكثروا من زرعه، وأقاموا له حدائقَ بذاتها».
وقال المقدسي: «إنهم اعتنوا شدة الاعتناء بالبنفسج، فكان من أحسن ما يمكن، جيد الرائحة، لا يشبهه بنفسج، وغرسوه في حدائق خاصة»، وأحاطوا البساتين بشجر السرو، قال أحمد بن سليمان بن وهب:
حُفَّتْ بسرو كالقيان تلحفتخضر الحرير على قوام معتدلفكأنها والريح حين تميلهاتبغي التعانق ثم يمنعها الخجل كما أحاطوها بشجر الخِطْمِيّ؛ لأنه يتشابك ويعلو نحو القامة وله شوك، ومن أجل ذلك صلح سياجًا، وحرسوها بالكلاب الكبيرة القوية الجارحة، جاء في الأغاني أنه قيل لعثمان بن دراج الطفيلي (وكان في أيام المأمون): أتعرف بستان فلان؟ قال: إي والله، إنه للجنة الحاضرة في الدنيا. قيل: فلم لا تدخل إليه فتأكل من ثماره، وتجلس تحت أشجاره، وتسبح في أنهاره؟ قال: «لأن فيه كلبًا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال».
وتردد عليها الناس ينعمون بمناظرها وهوائها، ويأكلون من ثمارها، ويشربون تحت ظلالها، وكانت نعمة على الأدب بما أوحت وما ألهمت، ومصداق ذلك شعر أبي نواس وغيره من الشعراء.
وأكثروا من زراعة الأزهار، وأبدعوا في تلوينها وتوليدها، فهذا الخِيري (المنثور) كانوا يعرفون منه سبعة ألوان، قالوا: «وقد يركب بعضه على بعض، فيقبل التركيب، ويخرج زهره مركبًا في اللون والطبع والريح، ولكن في تركيبه صعوبة، لأنه يحتاج إلى لطافة في العمل وصبر وحذق».
وهذا البنفسج يحتفلون به كل الاحتفال، وباكورته لا تهدى إلا لخليفة أو وزير أو أمير، وتجعل منه طاقات تدور بها فتيات جميلات في الشوارع والأسواق، فيأخذ المشتري من الفتاة زهرة، ويمنحها ما شاء من دراهم، وعنوا به عناية فائقة في غرسه وسقيه واختبار منبته، لرقة طبعه ولطف مزاجه.
وهذا الورد أصنافه لا تعد ولا تحصى: منها الأبيض الخالص البياض، والأبيض المنقط بصفرة، والأصفر الذهبي، والأحمر القاني، والأحمر الفاتح، والأحمر القريب من السواد، والورد الألفي سمي بذلك لكثرة ورقه، حتى ظنوا أنها تبلغ الألف مبالغة، ومنه نوع نصفه أحمر ونصفه أبيض، أو نصفه أحمر ونصفه أصفر، وورد خارجه أحمر وداخله أصفر، وسموه الورد الموجه، وفيه يقول بعضهم:
ووردة جمعت لونين خلتهماخدَّي حبيب وخدي هائم عشقاتعانقا فبدا واش فراعهمافاحمر ذا خجلًا واصفر ذا فرقا وكان بعض باعة الورد يدخنون الورد الأحمر بالكبريت على أشكال مهندسة فيبيضُّ مكان دخان الكبريت، ويكون له نقش عجيب، ويدَّعون أن ذلك طبيعي، فيبيعونه للمغرمين بالورد بأثمان عالية.
وهذا النرجس أحبوه وفتنوا به، وحسنوا نوعه، وقالوا: إن خير أنواعه النرجس المضاعف والنرجس الدمشقي.
وتأمل فيما ذكره المسعودي في وصف «بستان النارنج» قال: «وكان للخليفة القاهر بستان من ريحان وغَرْس من نارنج قد حمل إليه من البصرة وعمان مما حمل من أرض الهند، قد اشتبكت أشجاره ولاحت ثماره، من أحمر وأصفر وأزرق وغيرها، وبين ذلك أنواع الغروس والرياحين والزهر، وقد جعل مع ذلك في الصحن أنواع الأطيار من القماري والشحارير والببغاء، مما قد جلب إليه من الممالك والأمصار، وكان «القاهر» أكثر جلوسه فيه، وكل شربه عليه».
•••

ثم بلغ من ولوعهم بالأزهار والثمار أن كان لها بين الظرفاء والمحبين والمتيمين لغة متعارفة تدل على الهجر والوصل، والدعوة والتحذير، والتفاؤل والتشاؤم، وما إلى ذلك.
فأحيانًا يتخذون هذه المعاني مما يرمز إليه اسم الزهرة أو الثمرة، فكرهوا التهادي بالسفرجل لأن أوله سفر، قال الشاعر:
أهدت إليه سفرجلًا فتطيرامنه وظل متيمًا مستعبراخاف الفراق لأن أول اسمهسفر فحق له بأن يتطيرا وكرهوا كذلك التهادي بشقائق النعمان؛ لأن أوله شقاء، وفي ذلك يقول الشاعر:
لا يحب الشقائقاكل من كان عاشقاإن نصف اسمه شقاء إذا فهت ناطقا ويكرهون التهادي بالذهب حتى لا يعتري العشق ذهاب، ومن ذلك كراهتهم للتهادي بالسوسن؛ لأن أول اسمه سوء، والياسمين لأن أوله يأس، والخلاف لدلالته على الخلاف، والبان لدلالته على البين وهكذا، وقد وردت في ذلك أشعار كثيرة.
وكثيرًا ما كانت تخرج الجارية ومعها حارس فتصطحب طاقة من أزهار ورياحين، ثم تشير لصديقها خلسة بما تريد مما يدل عليه نوع هذا الزهر أو هذا الريحان، فتشير — مثلًا — بالنمَّام إلى أن حارسها نمام، وهكذا.
ويتفاءلون بالتهادي بالعود؛ لأن في اسمه معنى العودة، وبالنبق لإيمائه إلى البقاء كما قال الشاعر:
أيا أحسننا خلقاومن فات الورى سبقاتفاءلت بأن نبقىفأهديت لنا النبقافأبقاك إله الناس ما سرَّك أن تبقى وأحيانًا يرمزون بالزهر أو الثمر، لا من حيث ما يدل عليه لفظه، ولكن من حيث ما يدل عليه معناه أو ترمز إليه صفاته، فكرهوا التهادي بالأترج؛ لأن ظاهره غير باطنه، فهو حسن الظاهر حامض الباطن، طيب الرائحة مختلف الطعم، قال الشاعر:
أهدى له أحبابه أترجةفبكى وأشفق من عيافة زاجرخاف التلون إذ أتته لأنهالونان باطنها خلاف الظاهر ورمزوا بالبنفسج للوفاء والمحافظة على العهد، قال الشاعر:
أهدت إليه بنفسجًا يسليهتنبيه أن بنفسها تفديه وإلى قريب من هذا المعنى يرمز بعض الإفرنج، ففي إهدائه معنى اذكرني ولا تنسني، ولا أدري من أي صفات البنفسج اشتقوا هذا المعنى إلا أن يكون مجرد مواضعة.
وأما الورد فاستعملوه كثيرًا أداة للتحية، قال الشاعر:
عشية حياني بورد كأنهخدود أضيفت بعضهن إلى بعض وتطير منه بعضهم؛ لأنه قليل اللبث، سريع الفناء، وفي ذلك يقول القائل:
أنت ورد وبقاء الــورد شهر لا شهوريذهب الورد ويفنىوإلى الآس نصير ورمزوا بالورد الموجه للتهتك والحب للمال، فيشير به المحب للقينة المغنية بأنها لا تفي بحب، إنما تحب المال.
ويرمزون بالطرفاء إلى أن صاحبها عشق فذبل فاصفر، فهو يحملها استعطافًا، يشكو الألم ويستجدي الرحمة.
•••

ومما يتصل بهذا الباب ما شاع عندهم من صنع تماثيل من العنبر يمثلون فيها أشخاصًا أو طيورًا أو أزهارًا أو حيوانات، ويكسون بعضها بالذهب، ويضعون فيها فصوص الأحجار الكريمة، يبتاعها الناس للتهادي، ويرمزون بها لغرض يرمون إليه.
وقريب من هذا — وإن لم يكن رمزًا — ما حكى بعضهم أنه رأى بين يدي بعض الكتَّاب طبق ورد أحمر قد كتب فيه بورد أبيض، وما حكى آخر أنه رأى طبق ريحان كتب فيه بياسمين ونسرين.
أما التفاح فقد تفننوا فيه أكبر تفنن، وحملوه أنواع الرسائل، وجعلوه يمثل أعظم دور في الحب والغرام، وساعدت حمرته وصفرته أن يتلاعبوا به، حتى بلغ من حب بعض الظرفاء له أن حرم على نفسه أكله؛ لأنه تمثل فيه حبه، وحتى بلغ من تفنن الهواة أن كان بعضهم يبتدر التفاح وهو على شجره، فيشير فيه إشارة، أو يكتب عليه شعرًا، حتى إذا نضجت التفاحة كانت صفراء والإشارة أو الكتابة عليها حمراء أو العكس، فيتهادون بها أو يبيعها البستاني بالثمن الكبير، وقد قال الشاعر في تفاحة صفراء كتب عليها بالأحمر:
تفاحة صيغت كذا بدعةصفراء في لون المحبينازينها ذو كمد مدنفبدمعه إذ ظل محزونا وتصوف فيها بعض العشاق، فقرأ فيها رمز الجمال، واتخذها أنيسًا في خلوته، جليسًا في وحدته، نديمًا على الشراب إذا عدم الندمان، وأهداها المحب رسول الغرام، وشفيع الهوى، وأهدتها الحبيبة دليل الرضا وانتهاء الجفا:
لما نأى عن مجلسي وجههودارت الكأس بمجراهاصيرته تفاحة بينناإذا ذكرناه شممناهاواهًا لها تفاحة أشبهتخديه في بهجته واهاذكرتك بالتفاح لما شممتهوبالراح لما قابلت أوجه الشربتذكرت بالتفاح منك سوالفًاوبالراح طعمًا من مقبَّلك العذب هذا قليل من كثير مما ورد في الأدب العربي في هذا الباب.

حديث الخميس (?)


كانت جلسة طريفة، جلسة الخميس الماضي في «لجنة التأليف» ضمت طائفة من خير رجالنا، ومن بعض إخواننا السوريين، وتشقق الحديث وتنوع وذهب فنونًا، إلى أن انتهى المطاف بنا إلى الشرق وشئونه.
قال أحدنا: إن أشد ما يؤسفني من حالة الشرق الآن أن أمامه فرصًا نادرة، ثم هو لا يعرف كيف ينتهزها، كل أمم الأرض تدرس موقفها واحتمالات نتائج الحرب الحاضرة وترسم خطتها لمستقبلها، وتُكَلِّف علماءها وقادتها أن يدرسوا شئونها، وما كشفته الحرب الحاضرة من عيوب نظامها، وما تقترح في المستقبل من معالجتها هذه العيوب، وما تؤمل من نظم جديدة لإصلاح هذه الأمراض، فهم يجمعون الإحصاءات، ويتقصون المشكلات، ثم يضعون الخطط، ويرسمون طرق التنفيذ، أما الشرق فلم يعبأ بكل ذلك، وترك الأمور للقدر يسيرها كيف شاء، كأن الحرب لا تعنيهم، وكأنها لا تقرر مصيرهم، وكأن الأمم لا تتقاتل عليهم، فلو سألت قادتهم: ما خطتكم المستقبلة، وماذا تؤملون، وماذا تفعلون، لتبلغوا ما تريدون؟ لم يحيروا جوابًا، كأن السؤال لم يخطر لهم بال.
– هل هناك حاجة لمثل هذه الأسئلة؟ إن الغاية واضحة وهي الاستقلال، كفى به مطلبًا.
– الاستقلال — يا أخي — كلمة عامة لا يصح أن يكتفى بطلبها، والمناداة بها من غير بحث وتفصيل، هي كخطيب الجمعة يقول: اتقوا الله واعملوا صالحًا، من غير بيان لما هو العمل الصالح المحدود المبين الذي يدعو إليه، خذ لذلك — مثلًا — استقلال سوريا، فهم حين بدءوا يخرجونه إلى حيز العمل ظهرت مشاكل عدة: ما هي حدود سوريا؟ وكيف تحكم؟ وما موقف أجزائها المختلفة؟ ونحو ذلك، فإذا فصلت الأمور ظهرت عيوبها ومشاكلها، وتطلبت هذه المشاكل وهذه العيوب حلولًا.
– وماذا تطلب من الشرقيين أن يفعلوا؟
– أطلب أن يتناسى قادة كل أمة الخلافات الشخصية بينهم، ويجتمعوا ويتشاوروا في مستقبلهم، ويضعوا الخطط التي يكسبون بها من ظروفهم الحاضرة، فليس يكفي تدبير الغذاء وضبط الأسعار، إنما لا بد من حصر ما نشكو منه وما أبانت الحرب الحاضرة من سوء موقفنا، ثم الإجابة عن هذه الأسئلة: كيف نتقيها؟ وكيف نسلك السبيل لملاقاتها وما واجبنا الآن نحوها؟ وما واجبنا بعد أن تضع الحرب أوزارها؟ فإذا فرغ قادة كل أمة من ذلك التقوا بقادة الأمم الأخرى الشرقية، فتفاهم الجميع على الخطط المشتركة الممكنة، ورسموا مدى التعاون فيما بينهم، وأعلنوا ما يصح إعلانه في ذلك لأممهم، فإن في كل أمة شبانًا ملئوا وطنية وحماسة وإخلاصًا، ولكنها حماسة غامضة، حماسة حائرة لا تعرف أين تتجه، وهم يتطلعون يمينًا ويسارًا إلى قادتهم فلا يجدون منهم مرشدًا.
– إني أفهم قولك فيما يتعلق بكل أمة، ولكن أصارحك القول أني لم أفهم هذا الكلام فيما يتصل بالأمم الشرقية أو العربية، فلكل أمة مشاكلها الخاصة، هذه فلسطين مشكلتها اليهود، وهذه سوريا مشاكلها طريقة اتحادها، وكيف يكون موقفها من لبنان، وموقفها إزاء فرنسا الحرة وغير الحرة، ومشكلة العراق الخلافات بينه وبين إيران، وتنوع عناصره بين عرب وكرد، وسنية وشيعة، وبدو وحضر إلخ، فكيف تربط هذه الأمم برباط واحد، وتحملها كل هذه المشاكل؟ إنك إن فعلت هذا كنت كمن يكلف عشرة رجال من أرباب الأسر ألا يعنى كل بأسرته، بل يعنى العشرة بالأسر العشر على السواء؛ وفي هذا من الضرر ما لا يخفى، ومن ضياع المصالح ما هو واضح جلي، لهذا لم أفهم الحلف العربي على الصورة التي شرحها الكتاب، خير لكل أمة أن تعنى بشئون نفسها وتجاهد في سبيل نيلها حقوقها، وتتخذ الوسائل التي تراها لترقية أحوالها.
– إن اختلاف المشاكل لا يحيل التعاون، فهذه الأمم الأوربية والأمريكية مع اختلاف مواقفها ومشاكلها لم يمنع كل دولة أن تتحالف مع من ترى المصلحة في محالفتها.
ولست أقصد أن مشاكل كل أمة تحلها الأمم جميعًا بواسطة ممثليها، فهناك مشاكل داخلية تستقل بحلها كل أمة كما يتراءى لها، وهناك مشاكل خارجية يمكن التعاون بين الأمم الشرقية في حلها، وقادة الرأي في الأمم المختلفة مجتمعين أقدر على حلها متفرقين، وصوتهم أشد قبولًا وأدعى استماعًا، وهب أن التعاون السياسي والحربي عسير، فما قولك في التعاون الثقافي والاقتصادي؟ أليس إذا بدأنا هذه الخطوة وثبت نجاحها كان ذلك أدعى إلى التعاون السياسي، وعلى الأقل التشاور السياسي؟
– إني أسلم بالتعاون الثقافي والاقتصادي، ولكني أستصعب التعاون السياسي، وهب أنه جائز نظريًّا، فهل ترى أن الدول الأوربية تمكِّن الشرق من ذلك؟
– أعتقد كل الاعتقاد أن نظرة الغرب إلى الشرق ستتبدل بعد هذه الحرب، لقد كانت النظرة السائدة عند الغرب إلى أيام الحرب الحاضرة أن الشرق يجب أن يكون ضعيفًا حتى يسهل استغلاله، وجاهلًا حتى لا يعرف حقوقه، ومنهمكًا في شهواته حتى لا يفيق إلى نفسه، ولكني أعتقد أنه وجد في الساسة الغربيين من أصبح يرى من مصلحته أن يكون الشرق قويًّا مسلحًا عاقلًا متيقظًا، ثم يصادقه مصادقة القوي للقوي، ويوجهه لخير الإنسانية ولبناء العالم؟ وأظن أن هذه النظرة البعيدة العميقة هي التي ستسود بعد الحرب، وهب أنها لم تسد أفَيَحِقُّ للغرب أن يتعاون على عدم تمكيننا من التعاون، ثم لا نجد في تذليل الصعوبات التي تحول بيننا وبين التعاون؟
– يظهر — يا أخي — أن الفرق بيني وبينك هو الفرق بين مزاجين: مزاجك المتفائل، ومزاجي المتشائم، فقد بلوت من تفكك الشرقيين ونومهم وخصوماتهم وبحثهم عن لذاتهم الشخصية ما جعلني أيأس كل اليأس، وأقلب الأمور على وجوهها المختلفة واحتمالاتها المتعددة، فأنتهي في كل احتمال إلى اليأس اللاذع.
– إنك مخطئ في يأسك، محتاج إلى منعش لمزاجك، وعليك أن تنظر إلى الماضي لتمتلئ أملًا في المستقبل، فانظر إلى الشرق منذ عشرين عامًا أو خمسين عامًا وانظره اليوم.
ألا تراه يخطو نحو النجاح بخطى واسعة، وإن لم تنظر إليه وحده فانظر إلى أساليب الاستعمار في الأمم المختلفة كيف تحسنت وتقدمت، وكيف اتجهت نحو اكتساب قلوب الأمم المحكومة بعد أن كانت تحكمها بالعنف، وسيؤدي هذا السير حتمًا إلى إلغاء الاستعمار فعلًا كما ألغي — تقريبًا — اسمًا، وكلا الأمرين يبشر بمستقبل للشرق زاهر، سواء من ناحية تنبه شعوبه، أو من ناحية تنبه الغرب وإدراكه التام للحقائق وبعد النظر.
•••

ودعيت للحديث في التليفون، فغبت عن المجلس دقائق، فلما عدت وجدت مجرى الكلام تغير، فلم أدرِ كيف تسلسل الحديث حتى وصل إلى الكلام في الاقتصاد.
سمعت قائلًا يقول: لا أمل لنهوض الشرق إلا بعنايته بمسائله الاقتصادية، سيظل الفلاح بائسًا والعامل بائسًا وأوساط الناس تعساء ما لم تصلح الحالة المالية، فهي عصب الحياة، وقد خبرت حالة سوريا والعراق ومصر فوجدتها كلها في سوء الحال سواء.
– كيف يمكن أن تصلح الحال الاقتصادية ومال البلاد في يد الشركات الأجنبية، وخير المال وزبدته لغير أهله، وليس لأهله إلا الفضلات؟ إن جمهور الأغنياء من المصريين لا يعرفون لاستغلال المال وسيلة إلا شراء الأراضي، ولا يؤمنون بشركات ولا مشروعات، وإذا آمنوا بها نظريًّا فضعف ثقة الناس بعضهم ببعض يحول بينهم وبين الإقدام على التعاون وتأسيس الشركات المالية.
– وحتى إذا أسسوا لم يعرفوا كيف يزاحمون الأجانب فيها، وقد أعجبني ما روي أن كبيرًا زار مؤسسة وطنية، فلما درس حالتها قال: «لا بأس بها لولا أنه ينقصها يهودي»، وهو بالطبع لا يعني اليهودي بمعنى الكلمة، ولكنه يعني الخلق اليهودي في معرفته وجوه تدبير المال.
– إن مشاكل الشرق المالية لا تقل خطرًا عن مشاكله السياسية، فأمامه شركات وهيئات أجنبية قد وضعت يدها على موارد الثروة الهامة، وهي مسلحة بجميع أنواع الأسلحة القوية، فهي مسلحة برأس المال الكبير، وبالإدارة الناجحة، وبالأخلاق التجارية الرابحة، وبغير ذلك من أنواع السلاح الظاهرة والخفية، فكيف يستطيع الشرق أن يتخلص من هذا كله؟ وماذا في يد المواطنين إلا الصنائع التافهة، والزراعة التي لا تدر القوت الضروري، وأعمال الخدم الحقيرة، والتجارة التي ترشح من خرم إبرة؟
– ومن الغريب أننا إلى الآن لم نكتشف كيف نعد أبناءنا للخلق التجاري والصناعي، ولا يزال التعليم كما كان منذ قرن أكثر غايته إعداد الموظف الحكومي.
– مصداقًا لقولك أعرف آباء كانت لهم تجارة رابحة، أو زراعة ناجحة، فرزقوا أبناء علموهم ليحلوا محلهم، فعلموهم التجارة الحديثة والزراعة الحديثة، ومع هذا لم ينجحوا نجاح آبائهم الجهلاء، بل في حالات كثيرة أضاعوا ثروة آبائهم، ولم ينفعهم علمهم الحديث بشيء.
– وما تظن سبب ذلك؟
– سببه نقص الخلق التجاري أو الزراعي العملي الواقعي الذي يسترشد بالحياة لا بالكتب وحدها، ويدعو إلى ضبط النفس لا الجري وراء الشهوات، وإلى معرفة الرجل دخله وخرجه، وما يسمح له دخله بإنفاقه وما لا يسمح.
•••

واستحر الحديث، حميت الرءوس، وتحفز الكثيرون للكلام في الموضوع وتأييده والرد عليه، وما نشعر إلا والنور قد انطفأ، وأتى من يخبرنا أن الأسلاك تماست ولا أمل في إصلاحها الآن، وكثيرًا ما حدث مثل هذا، فمشكلة النور في «اللجنة» مشكلة مزمنة، وكل يوم تفسد الأسلاك وتصلح، وحتى هي الأخرى محتاجة إلى خبير أجنبي يصلحها صلاحًا لا فساد معه.
فإلى اللقاء!

عذاب المصلحين


قرأت قوله تعالى: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى? أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ.
وقرأت حديث ورقة بن نوفل مع رسول الله، إذ حدثه الرسول بما نزل عليه من وحي، فقال له ورقة: «ليتني أكون حيًّا، إذ يخرجك قومك»، قال رسول الله: «أَوَمُخْرِجِيَّ هم؟!»، قال: «نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي».
وقرأت كثيرًا من سير المصلحين المجددين، فرأيت أكثرهم — في اضطهاد الناس لهم — سواء، ورأيت تاريخهم يكاد يتشابه، دعوة حارة إلى الإصلاح، يتبعها تألب العامة عليهم، واضطهاد الرأي العام لهم، والتنكيل بالمصلح، ثم انتصار الأفكار الجديدة التي أتى بها هذا المصلح، بعد أن يكون قد انهدت قواه، أو انتقل إلى رحمة الله.
لماذا كل هذا؟ ولماذا يتشابه التاريخ حتى كأنه قانون طبيعي؟ ولماذا يتكرر هذا المنظر في الشرق والغرب وكل مكان حل به الإنسان؟
السبب في هذا أن الفكرة الجديدة تأتي وقد التأمت أفكار الناس على نمط خاص، وتجمعت وشد بعضها بعضًا وتماسكت حلقاتها.
تأتي الفكرة الجديدة غريبة عن هذه الأفكار المألوفة فلا تجد لها مكانًا بينها، ولا تجد نفسها منسجمة مع الأفكار الموجودة، ويشعر الناس أن هذه الفكرة نابية عن أفكارهم، غير منسجمة مع النظام العقلي الذي استقر في أذهانهم، فيكرهونها، ويقفون في سبيلها، وكلما كانت الفكرة الجديدة أبعد عن المألوف كانوا لها أكثر كراهية ومقتًا، وأشد تحمسًا لمناهضتها وطردها أو القضاء عليها.
إن أفكار كل إنسان تبنى بنيانًا بطيئًا مما رآه وسمعه وقرأه وصادفه في حياته، وهي مع تكونها في أزمان مختلفة تكون وحدة منسجمة، ولا تقبل أن يزيد عليها إلا ما لاءمها وانسجم معها، فإذا رأت فكرة جديدة لا تلتئم مع هذا النظام المحبوك، ولا تستطيع أن تكون حلقة في الشبكة العقلية المنسوجة طوردت وأقصيت، ثم إن هذا النسيج من الأفكار يشعر أنه إذا أتت الفكرة الجديدة الغريبة عنه ودخلت فيه أفسدت نظامه وأقلقت راحته، فهو يصدها ويقف في سبيلها ولا يسمح لها بالدخول، كطائفة من الدجاج مؤتلفة منسجمة نشأت في بيت واحد ثم دخلت عليه دجاجة جديدة لم تنشأ في بيئتها ولم تعتدْ عاداتها، فهي تطارد وتبعد عن الحَبِّ وتنقر وتعذب.
ثم إن المخ يشعر أنه إن قبل هذه الفكرة اقتضته تعديلًا في نظامه، وتجديدًا في أوضاعه، وتغييرًا في نسيجه، ومجهودًا كبيرًا في إعادة ترتيب القديم والمألوف، وهذه عملية شاقة لا يرتضيها العقل في سهولة ويسر، ولا سيما أنه يشعر أن الفكرة الجديدة ستكلفه إعادة تقويم الأشياء ووزنها وزنًا جديدًا، وهو قد استنام إلى ما حدث وألف ما كان.
ومخ الإنسان — وهو مركز عقله — أحدث الأعضاء وجودًا في الإنسان، ومادته التي يتكون منها رخوة هينة لينة، لم تتصلب تصلب الأعضاء القديمة في أسلافنا من الحيوان كاليد والرجل ونحوهما، ومن أجل هذا كان المخ أشد الأعضاء حساسية بالتعب وكراهية لمداومة العمل، وليس من الناس إلا القليل القادر على إعمال العقل وتحريك المخ زمنًا طويلًا، والفكرة الجديدة تكلف المخ عناءً شديدًا في قبولها، لما يترتب عليها من أعمال كثيرة، ولذلك هو يرفض كل هذا العناء فيرفض الفكرة ويستريح، ولذلك كان أكثر الناس يخافون التفكير؛ لأنه مؤلم لهم، فما يبدأ فيه حتى يشعر بانقباض في صدره، وصداع في رأسه، وما أقل من يجد في التفكير لذته.
من أجل هذا كان دعاة التجديد والإصلاح في كل أمة وفي كل عصر نادرين جدًّا، وندرتهم لم تأتِ من ندرة الذكاء، وإنما أتت — في الأغلب — من ندرة احتمال العقل الصبر على البحث وراء الحق، وندرة الشجاعة في اعتقاد الحق والجهر به، فالناس — إلا في القليل النادر — يألفون الحياة كما هي لا كما ينبغي أن تكون، وهم بين من لا يجد زمنًا إلا لتحصيل قوته، ومن يجد الفراغ ولكن لا يستطيع عقله الصبر على البحث الحر، أو يجد كل ذلك ويستطيعه، ولكن لا يستطيع الجهر به لما يتوقع من متاعبَ وآلامٍ: من مساس بسمعته، وقدح في ذمته، وتهكم على عقله، وتجريح لخلقه، ونيل من دينه.
والتاريخ يجري على نمط واحد منذ تكونت الجمعية البشرية إلى اليوم، يلمع فيها أفرادٌ قلائلُ في كل عصر، يخرجون على إلف الناس وما اعتادوه في أفكارهم وعقائدهم وعواطفهم، فيتألب عليهم جمهور الناس، لكسلهم العقلي، ولأن الدعوة الجديدة تقلق راحتهم وتدعوهم إلى قلب نظامهم العقلي والعاطفي، كالذي يدعو كسلانَ أن يغير نظام بيته أو نظام معيشته، وبدلًا من أن يوجه غضبه إلى نفسه، لكسلها أو جمودها، يحول غضبه على من سبب له هذا القلق، ثم لا يقتصر على محاربته بالأساليب الشريفة، بل يحاربه بكل سلاح، ولا يتورع عن أن يختلق عليه ويتهمه بما يستطيع من تهم، ويرى أن كل وسيلة تفضي إلى قتل هذه الفكرة الجديدة جائزة ومشروعة، فإذا وصل إلى هذا الغرض بإعدام الفكرة أو إعدام قائلها، اطمأن واستراح؛ لأنها تتفق مع طبيعته في الكسل، واستنامته إلى ما ألف.
وقد اعتدنا أن نجد مسألتين تتصلان بهذه الظاهرة التاريخية: الأولى: أن أكثر من يناصر الفكرة الجديدة يكونون عادة من الشباب، أو من ينتفع بها من الطبقات والأفراد؛ وتعليل ذلك واضح، فالشباب لم تتجمد بعدُ شبكة أفكارهم، ولا يزال فيها مرونة تصلح لأن تتقبل شيئًا جديدًا، كما تصلح للتشكيل الجديد، ولأن عواطفهم الحارة ترحب بالشيء الجديد الذي يتطلب منهم عملًا وقوة ونزالًا، وأما من ينتفعون بالفكرة فأمرهم واضح، فقد ارتبطت الفكرة بمصالحهم، فهم يؤيدونها لما وراءها من مغنم.
والثانية: أننا نرى — في الغالب — تأييد السلطات للفكرة القديمة ومناهضتهم للفكرة الجديدة، سواء كانت الفكرة الجديدة تمسهم مباشرة أو لا تمسهم؛ وسبب ذلك أن السلطات في الغالب تتطلب السلامة أكثر مما تتطلب التقدم، والرأي العام والسواد الأعظم من الناس يناصر الأفكار القديمة لما أسلفنا، فالسلطات يهمها — محافظة على السلامة والطمأنينة والهدوء — أن تغضب على من يغضب الرأي العام ويقلق راحته؛ لأن في راحة الجمهور راحة السلطات، ولأن السلطات كالأفراد أحب شيء إليها راحتها من التفكير ومن وجع الدماغ، الفكرة الجديدة تحمل في ثناياها حربًا وحركة واضطرابًا وانقسامًا إلى معسكرات، وذلك يتطلب مجهودًا من السلطات كانت في غنًى عنه، فهي أيضًا تغضب على من سبب لها هذا القلق والاضطراب ودعاها إلى التفكير ورسم الخطط.
لهذا كانت عظمة المصلحين في تحملهم هذه الصعاب كلها أكثر من عظمتهم في العثور على الحق؛ لأن عثورهم على الحق تم في هدوء بينهم وبين أنفسهم، أما تحقيق هذا الحق فلا يتم إلا بكل هذه المصاعب التي ألممنا بها.
ومع هذا فإنا نرى أن الأفكار الجديدة الصالحة تبقى على الرغم مما لاقت من صعاب، وعلى الرغم من موت دعاتها، بل إن موت دعاتها يخفف من غضب المعاندين للفكرة؛ لأن السواد الأعظم من الناس لا يستطيع الغضب على المعاني ما لم تجسم في شخص، فإذا مات هذا الشخص الحسي فترت قوة المعارضة للمعاني، ويأتي جيل الشباب الذي اعتنق الفكرة الجديدة، فيكتسح الجيل القديم المعارض، ويتبوأ مراكزه في الحكم وفي العمل، فتسود أفكاره، حتى تبلى أفكاره هو أيضًا، ويمثل الدور من جديد.
هذا هو قانون الطبيعة منذ خلق الإنسان، يجري الناس شوطًا، فَيُلْهم القادة فكرة أو أفكارًا يستلزمها الرقي، فيعارضها أعداء الرقي، ثم يموت الدعاة والمدعوون ويموت النزاع وتسود الفكرة، ثم يتجدد تمثيل الرواية.
ولو وقف الأمر عند هذا الحد لكان طبيعيًّا، ولكن الناس بجهلهم يخلقون معسكرات غير طبيعية تدعو إلى النزاع غير الطبيعي، فيفتحون مدارسَ تعلم على أنماط مختلفة، فتخلق عقليات مختلفة، ويعددون النظم التي تخلق مطامع مختلفة، ويشرعون نظمًا اقتصادية تكون طبقات متعادية، إلى أمثال ذلك، فيكثر العداء بين الأفكار ويضيع جهد المصلحين في التقريب بين العقليات، مع أن عوامل التبعيد الأساسية لا تزال تعمل عملها.
والأمة العاقلة التي يدرك قادتها هذه الحقائق تقضي على عوامل هذه الاختلافات، ولا يبقى لديها حرب في الآراء إلا ما تقضي به الطبيعة مما يتفق وتقدم الزمان.

رحلة! …


– إلى أين — يا قائد الرحلات — رحلتك هذا العيد؟
– إلى الطور.
– فليكن.
«وشددنا رحالنا»، ولكن هذا تعبير لا يعجبني، فقد كان تعبيرًا صحيحًا أيام الجمال والرحال، أما الآن فلم نركب جمالًا ولم نشد رحالًا، وإنما أعددنا السيارات، واختبرنا الآلات، وزودناها بما يكفي من ماء وبنزين، فلنعبر عن ذلك كله تعبيرًا واقعيًّا لا تقليديًّا.
وسرنا على بركة الله نضرب في الصحراء، ونقطع في عشر ساعات ما كانت تقطعه الإبل في عشرة أيام، ولكن ما أعجب العرب! كانوا يركبون الإبل فبلغوا الغاية في التعبير عنها، وعرفوا أجزاءها، وسموا أعضاءها، ووصفوا كل شيء فيها، وأنشأوا حولها أدبًا استوفوا فيه كل معنى رائع وقول جميل، حتى لم يتركوا من بعدهم فيها قولًا لقائل، وأتينا بعدهم فلم نستطع — مع حضارتنا وتقدمنا وزعمنا إرث العرب — أن نضع أسماء عربية لأجزاء السيارة، ولا أن ننشئ حولها أدبًا، لا رائعًا ولا غير رائع، واكتفى خبراؤنا أن ينقلوا أسماءها الإفرنجية، كما نقلوا مسماها الإفرنجي، وأخذنا نصوغ عبارات الإبل للدلالة على سير السيارات، وهكذا نحن عالة على الأوربيين في المسمى، وعالة على قدامى العرب في التعبير عنها، فمتى نشعر بالاستقلال؟
ما لنا ولهذا؟ فقد قطعنا الطريق البديع يجمع بين السهول الفسيحة، والوديان تكتنفها الجبال الجليلة ذات الألوان البديعة، نقرب من البحر فنؤخذ بزرقته وتموجه وحركته، ونبعد عنه فنؤخذ بألوان الأرض المختلفة وجمال وشيها وسكونها، وينظر جميعنا إلى ذلك كله نظرات متفاوتة حسب تفاوتنا في ثقافتنا، هذا عالم جيولوجي يقرأ في كل لون دلالة على نوع من المعدن، وفي كل طبقة دلالة على الأعمار، وهذا أديب لا يعنيه من كل ذلك إلا جمال المنظر وجلاله، وروعته وبهاؤه، وموسيقاه ونغماته، وهذا اقتصادي يقرأ في كل صفحة تطالعه منجمًا مجهولًا وثروة ضائعة، يعلم ويندم، ويدرك ويتحسر، وكلنا يلقي خطرات من فيض علمه أو فيض أدبه، وكلنا يأنس بالطبيعة ويستوحيها ويستوعبها، ومن حين إلى حين ندع الطبيعة وحقائقها وجمالها، ونستمع إلى حديث يسرنا بأفانينه، ويؤلمنا بإعادتنا إلى ما هربنا منه.
وكان جميلًا منظر الغروب في الصحراء والماء، وحنت علينا الشمس فأخذت تلعب أمامنا ألعابًا مدهشة! وآخر ما فعلت أن رسمت لنا في السماء لوحة عجيبة في ألوانها ورسومها وتخطيطها، فلم تدع لونًا إلا عرضته في دقة وإحكام، وجمال وانسجام، ورسمت لنا أشكالًا فوق الهندسية، تسحر النفس، وتأخذ باللب، ثم أشفقت علينا أن نجن بإبداعها فأسرعت في الاحتجاب، وأرسلت إلينا ابنها البار القمر، فلم يلعب بالألوان لعبها، ولم يتفنن في الأشكال أفانينها، ولكن لونه الفضي الواحد جميل في الماء، جميل في الصحراء، وادعٌ في غير عنف، هادئ هدوء الليل، ملهم إلهام الحب.
•••

هذه هي «الطور» أرخى عليها الليل سدوله، وكساها من غموضه فلا ترى إلا أشباحًا: شبح أحجار، وشبح أبنية، وشبح شجر، فلندعها في غموضها وسدولها حتى تأتي إلينا الشمس القوية ثانية فتمزق حجبها، وتكشف أستارها، ولنَنَمِ الآن نحلم بجمال ما رأينا، ونذوق ما ادخرنا.
وأصبحنا فارتدنا البلد، أبنية حديثة جميلة نظيفة متفرقة، بنيت كلها على أساس فكرة «المحجر الصحي» حيث يعود الحجاج يقيمون فيه أيامًا للتحقق من صحتهم، فهذه حجر الحجاج، وهذه بيوت الأطباء، وهذه المباخر للتعقيم، وهذه أبنية الموظفين لخدمة هذه الفكرة، ودعانا الشوق إلى ارتياد مكان نزلنا فيه حين عدنا من الحج منذ ثلاث سنين، فاستعدنا ذكريات الحج ومن صحبنا وما لقينا، وكيف كنا في سجن لطيف لا نقدر على ما نقدر عليه اليوم من الطواف في البلد ورؤيته.
وعلى مدى الطرف رأينا مكانًا يعج بالناس، عليه حراس أقوياء، شاكو السلاح.
– ما هذا أيها الدليل؟
– إنه مجمع المجرمين الخطرين، خيف منهم أثناء الحرب، فتُحُري عنهم في أنحاء القطر بشهادة العمد والمشايخ وأمثالهم، وجمعوا جموعًا وأرسلوا إلى هذا المحجر تباعًا، ألف وراء ألف يقدمهم ألف حتى زادوا على ثلاثة آلاف، وهم متخصصون في نواح من الإجرام مختلفة: منهم المتخصص في القتل، ومنهم في تسميم المواشي، ومنهم في المكيفات، ومنهم في السرقة، إلى ما شئت من أنواع الإجرام، قد بلغ من مهارتهم أنهم يجرمون ويختفون ولا تثبت عليهم التهمة فيعاقبوا، فلم يكونوا في السجون، أو حكم عليهم بمدد انتهوا منها، ويُخشى أن يعودوا إلى ما ارتكبوا، وليست الحكومة فارغة لهم حتى تفكر في شئونهم مع تحملها أعباء الحرب بل خشية الحرب، فحشدتهم إلى الطور حتى تأمن شرهم وتوفر على الناس ويلهم.
– ولكن لماذا اختاروا لهم هذه البقعة؟
– اختاروها لبعدها وانقطاعها، حتى يسهل مراقبتهم، ويصعب فرارهم، ولعلهم اختاروها لأنهم سيكونون على بعد أمتار من الحجاج، فيكون في البقعة أطهر قوم وأخبث قوم، فلعل بركة الحجاج تنضح على خبث المجرمين فتزيل إجرامهم وتمحو الشر من نفوسهم، كما يذهب الماء الطهور بالخبث.
وأحسست بما يجذبني نحوهم، فقربت من سورهم بقدر ما يسمح النظام بالقرب منهم، ومشى أمامى «تابور» منهم عند عودتهم من عمل كلفوه، فتفرست في وجوههم وقرأت في سحنهم، ورثيت لحالهم، ووددت لو سمحت الظروف بأن أعاشرهم، وأدرس نفسيتهم، وأقف على خواطرهم، وكيف يأكلون ويشربون، وكيف يتحدثون — إذًا لكان كل هذا مادة خصبة للأديب والنفسي والاجتماعي، يشرفون منها على مجال فسيح في الأدب والنفس والاجتماع.
ورأيت بعض شبابيكهم عريت منها أخشابها، فسألت عن سبب ذلك، فعلمت أنهم أحيانًا يعوزهم الدفء فيقلعون أخشاب الشبابيك يستدفئون بنارها، وأحيانًا يعوزهم التدخين على نمط خاص فيأخذون عوامات السيفونات يتخذون منها «جوزة» للتدخين، إلى كثير من أمثال ذلك، ولولا أصحابي لوقفت بجانبهم طويلًا أعيش في لذة الدرس لأحوالهم ومعيشتهم وبؤسهم والبؤس منهم.
أيتها النفس، لقد جئنا للرياضة وخلفنا الدرس في القاهرة، فارأفي بنفسك وتروضي ولا تدرسي.
وهذا دير كبير من سلسلة أديار في الصحراء، يدل حسن موقعها على دقة ذوق منشئيها، فقد عرفوا خير الأمكنة ينعمون فيها بالهدوء، ويقربون فيها من الله، أُرهف حسهم فلم يحتملوا أباطيل الدنيا، وفشلوا في الدنيا فأدركوا أنهم خلقوا للآخرة، وخافوا أن تغويهم زخارف الحياة فهربوا إلى حيث تنقطع عنهم أسباب الغواية، وقاسوا أبعاد الدنيا وأبعاد الآخرة، ووزنوا لذائذ الدنيا ولذائذ الآخرة، وحاولوا أن يجمعوا بين الأبعاد المختلفة واللذائذ المختلفة، فرأوا من اختلاف طبائعها ما يحيل الجمع بينها، ففضلوا ما يطول على ما يقصر، وما يبقى على ما يفنى، وصدمتهم الدنيا صدمة عنيفة ففروا منها حتى لا تتكرر، ولفظوا الحياة أو لفظتهم الحياة فعاشوا على هامشها، وثاروا على الطبيعة الإنسانية فهربوا من العمار إلى الخراب، ولكن سرعان ما خضعوا للطبيعة، فأخذوا يعمرون الخراب، وينشئون من الصحراء جنانًا تزهر بالنخيل والأعناب.
ومشينا ومشينا، ووصلنا إلى عين ماء بني عليها حوض يخرج الماء من جانب عذبًا دافئًا، ويخرج من جانب آخر فيسيل في الوادي، فتنبت منه الأعشاب والأشجار والنخيل، وتزين الصحراء بجمال الخضرة.
ونتسلق الجبال فنحس بما خلفته الحضارة في نفوسنا من أثقال وأوبئة، حتى نعيا من السير اليسير وتنقطع أنفاسنا من الصعود القليل، ونفقد مزايا العيشة البسيطة الطبيعية الملائمة للصحة، ولكننا نكدّ ونجدّ حتى نبلغ القمة، وقد بلغ منا الإعياء مبلغه، وإذا بمنظر رائع تنسينا لذاته ما نالنا من الضنى، ننظر يمنة فهذا واد فسيح، وصحراء جرداء نثرت فيها أشجار تكافح للحياة، وننظر يسرة فهذا بحر يعج بالموج وبالحياة، وأمامك جبال متسلسلة تبعث فيك الروعة والجلال، وتتناغم كل هذه المناظر فتؤلف موسيقى يعجز عن وصفها البيان.
ونعود إلى مأوانا فنسمر سمرًا لذيذًا فيه الفكاهة الحلوة، والقصص الممتع، والحديث يجري عذبًا في غير كلفة ولا تصنع ولا منطق، ويملأ وقتنا شاعر يطربنا من إنشائه ومن إنشاده، وتضيق بنا الحجرة فنخرج إلى الجو الطلق والسماء الصافية، والبحر يلاعبه القمر.
ثم إذا خلوت إلى نفسي لا يبرح خيالي حال المعتقلين من المجرمين، أمن الحق أن يحشر المجرمون المتنوعون في مكان واحد، فيكون كل مجرم أستاذًا في نوع إجرامه يلقنه تلاميذه، فإذا هم جميعًا مجرمون في كل أنواع الإجرام؟ أمن الحق أن نضعهم في هذا المحجر الصحي الذي صرف في أبنيته نحو مليون من الجنيهات، فنعيده إلى مكان غير صحي بفضل ما تسببه معيشة هؤلاء المعتقلين من الأوبئة والأمراض؟ أمن الحق أن نقيد هؤلاء في حريتهم ثم نضيق عليهم في معيشتهم من حيث الأكل والدفء ووسائل الحياة، فيفشو فيهم المرض وتكثر الوفيات؟ قد يصح أن نذهب إلى هذا ونقول: إنهم مجرمون خطرون، فليتهم يموتون فتستريح الأمة منهم، ويستريحوا هم من أنفسهم، ولكنهم لم يحاكموا، ولم يحكم عليهم بالإعدام، فإلى أن يصلح القانون إن كان فيه نقص يجب أن يتمتعوا ولو بأقل ما يتمتع به الإنسان من ضرورة الحياة.
ولكني أعود فأكرر على مسامعي أني أتيت للرياضة ولم آت للدرس، فويح نفسي من نفسي، ولا سبيل للرياضة الحقة إلا إذا خلعت نفسي إن عزمت على الرياضة، وحبذا هذا لو كان في الإمكان.
•••

وقضينا في الطور ثلاثة أيام كثلاثة الحجر الصحي، ننعم فيها بالعيشة البسيطة، ونهرب من تكاليف الحياة، ونمعن مرة في الصحراء، ونمشي مرة على هامش البحر، ونرقى جبلًا ونهبط واديًا، حتى مرت كأنها حلم لذيذ.
واعتزمنا العودة فأخذنا على أنفسنا أن ننعم بمنظر لم نره في المجيء.
قمنا قبل الفجر والطبيعة كلها نائمة والقمر قد أضناه السير فَعَلَا وجهه الشحوب، وأدى رسالته فاعتزم الراحة، وعلم بقدوم أمه الشمس فأخلى لها الطريق، وسارت سيارتنا تقلق السكون بأزيزها، وبدت تباشير الصباح، ومحت آية النهار آية الليل، وطلعت الشمس فأضفت على الكون من شعاعها الذهبي الجميل، وعادت مناظر الصحراء والماء تعرض علينا من جديد، من غير أن تفقد شيئًا من روعتها الأولى وجمالها، وكانت فصول الرواية طويلة غير مملولة، وصحبنا الشمس في كل حالاتها، واستقبلنا القمر في طلعته كما ودعناه في غيبته.
وتزودنا من محاسن الطبيعة ما تزودنا، وقربنا من خالقها ما استطعنا.
ثم ها هي أضواء القاهرة وضوضاؤها تردنا إلى حياتها المعقدة وتكاليفها الشاقة، وها هم باعة الجرائد يتصايحون يذكروننا بما نسينا من شئون الحرب وويلاتها، وها هي أماكننا المحدودة وأبنيتنا المتلاصقة تحجبنا عن الطبيعة وجمالها، وها هي حياتنا الأولى تعود سيرتها وتتكرر نغمتها، حتى تسنح لنا الفرصة فنفر منها في رحلة أخرى إن شاء الله.

صورة قضائية تاريخية (?)


حادثة ارتجت لها مصر أشهرًا، وتأثر بها القضاء أثرًا بالغًا، واضطرب لها الرأي العام اضطرابًا هائلًا، وارتبكت فيها السلطات الثلاث ارتباكًا بينًا، ودلت وقائعها على الفرق البعيد بين حياة الناس في ذلك الزمان وحياتهم الآن.
أما مكانها فالقاهرة، وأما زمانها فليلة السبت ثاني عشر شوال سنة ??? هجرية، والعهد عهد السلطان قانصوه الغوري، وأما بطلتها فامرأة جميلة لعوب متزوجة بنائب قاض اسمه غرس الدين، وقد عشقها نائب آخر اسمه نور الدين، وتوثقت الصلة بينهما، وتحدث بذلك الجيران وجيران الجيران، وبلغ مسامعهم كلهم ما كان يجري إلا الزوج الكريم.
فيوم السبت هذا دُعي غرس الدين ليقضي ليلة عند صديق له في حي الإمام الليث، فانتهزت زوجته الفرصة وراسلت صديقها نور الدين ليبيت عندها هذه الليلة، فقد خلا الجو لهما، فأجاب الدعوة، وأرسل ما لذ وطاب، وذهب في أثره ممنيًا نفسه بليلة سعيدة حتى الصباح، ولكن مصيبة المحبين دائمًا في العذال، فهذا عذول اسمه شمس الدين، كان أحد النواب أيضًا وكان يسكن بجوار غرس الدين، وقد حنق على الزوجة أن هويها ولم تهوه، وهام بها ولم تلتفت إليه.
فعلم بما كان هذه الليلة، وعلم بحضور العشيق في البيت، فركب من فوره إلى الإمام الليث، وأخبر الزوج بما كان وعادا معًا إلى القاهرة، وأوصله إلى بيته وانصرف.
وجد الزوج الباب مغلقًا، والدنيا كلها ساكنة هادئة، وليس من شيء يدل على قول العذول، وكان للباب مفتاحان، مفتاح عند الزوجة ومفتاح عند الزوج، فلما وصل الزوج إلى الباب فتحه في هدوء وسكون، وتسلل إلى حجرة النوم، فوجد الكَلَّة مرخاة، فتقدم ورفعها في رفق، فرأى الجريمة — ووقف الثلاثة موقفًا دونه الموت رهبة، فرهبة الموت رهبة جلال، ورهبة هذا الموقف رهبة خزي وعار.
فأما العشيق فبكى واستعطف وهوى على رجل الزوج يقبلها، ويقول: اغفر لي ذنبي أكتب لك صكًّا الآن بألف دينار ولا تفضحني، وأما الزوجة فتلطم وجهها وصدرها، وتقول: أنا المذنبة، خذ جميع ما في البيت من أمتعة واستر علي فالستر مطلوب، والزوج يسب ويلعن ويثور ويهدر، ويأبى إلا أن يبلغ الأمر إلى الحكومة، ثم تقدم في حزم وأغلق عليهما باب الغرفة وباب البيت، وخرج إلى «حاجب الحجاب» وهو إذ ذاك يقوم مقام «الحاكمدار» وقص عليه القصة.
أما العشيقان فكانا كالفأر في المصيدة يدور ويدور ولا يجد مخرجًا، فالباب محكم، حاولا فتحه فلم يستطيعا، والشباك مرتفع، إن سقطا منه دك عنقاهما، والانتحار لم يدر بخاطرهما، إذ لم يكن بِدْع ذلك العصر، فاستسلما للقضاء، وظل الرجل يحوقل ويلعن النفس الأمارة بالسوء، ثم انقلب يعنفها على ما جنت، فهي التي راسلته وهي التي دعته لقضاء هذه الليلة المشئومة، وهي تذكر الفضيحة والعار، وتضرب نفسها، وتبكي وتنتحب، وتود لو أن الأرض انشقت وبلعتها.
وفيما هما كذلك فتح الباب ودخل الحجاب، وقادوهما إلى حاجب الحجاب، فسألهما وداورهما، فاعترفا بكل ما كان، وأحضر حاجب الحجاب — طبقًا للإجراءات المتبعة — أحد النواب، وكان هو العذول رسول الشر، ليحدث الإقرار أمامه، وكتب المحضر ووقع عليه الجميع، وحبسا إلى الصباح.
حتى إذا طلع النهار عُرِّي الجاني من ثيابه أمام حاجب الحجاب، وتوالى عليه الضرب حتى كاد يهلك، ثم حملت المرأة على أكتاف «المشاعلية»? وضربت كذلك، ثم أصدر حاجب الحجاب أمره بأن يشهَّرا في القاهرة. ألبس نور الدين عمامته وأركب حمارًا، وجعل وجهه لذيل الحمار، وأركبت المرأة حمارًا آخر على هذا الوضع، وطافوا بهما في الصليبة والقاهرة وقنطرة السباع، والناس والأطفال يجرون وراءهما، يتصايحون بهما، ويتنادرون عليهما، وتحدث بهما كل السكان، وانتقل الخبر من القاهرة إلى كل مكان، فكان يومًا قليل النظير، ثم رجعوا بهما إلى بيت حاجب الحجاب، حيث انتهى بهما هذا الطواف الشنيع.
لم يكتفِ بذلك حاجب الحجاب، فطلب من الزوجة مائة دينار نظير أتعاب، ولست أدري لم قررها على المرأة دون الرجل، فسرُّ ذلك عنده!
امتنعت المرأة من الدفع وقالت: أعار وخراب ديار!؟ إن زوجي وضع يده على جميع مالي، فأصبحت لا أملك من الدنيا شيئًا.
قال حاجب الحجاب: إذًا فليدفعها زوجها.
وقال الزوج: وكيف أدفع وقد خسرت الزوجة، وخسرت الشرف، فهل كذلك أخسر المال؟
فلما توقف عن الدفع حجزوا عليه.
كان لهذا الزوج ابن يتصل بالمقرئين المقربين من السلطان الغوري، فتمكن بهم من الوصول إلى السلطان فوقف بين يديه، وقص عليه القصة من أولها إلى آخر الحجز على أبيه.
طلب السلطان محضر القضية، واستحضر النائب شمس الدين — الذي ثبت أمامه الإقرار — والقضاة الأربعة، وانتهز شمس الدين الفرصة وزاد النار اشتعالًا، وحبب إلى السلطان أن يعيد إلى الشريعة الإسلامية سيرتها الأولى، فيعلي شأن الإسلام ويعمل بسيرة سيد المرسلين، فيرجم الزاني والزانية، وقال: إن في هذا مجد الإسلام، وتخليد ذكر السلطان.
قال له السلطان: فافعل ذلك. قال: لا أستطيع حتى يأمر بذلك قاضي الشافعية، فقال القاضي: قد أمرت. وانفض المجلس على هذا — أمر من القاضي الشافعي بالرجم وموافقة السلطان، ولم يبق إلا حفر الحفرة وإحضارهما ليرجما.
ولكن صادف ذلك موسم الحج والاحتفال بالمحمل وخروج الحجاج، فشغل السلطان ورجال الدولة بذلك، وأجل تنفيذ الرجم.
•••

حدث في هذه الأيام أمر لم يكن في الحسبان، إذ ظهر في الميدان نائب شافعي اسمه «الزنكلوني» كان ماهرًا ماكرًا، وكان له ضِلَع مع المتهم، أوعز إليه أن ينكر جريمة الزنا فأنكر — ثم كتب فتوى ودار بها على كثير من العلماء وهي: «ما قولكم دام فضلكم في رجل أقر بالزنا ثم رجع عن إقراره، هل يسقط عنه الحد أم لا؟!» فأجابوا عنها بالحكم الفقهي، وهو أنه إذا رجع عن الإقرار يسقط الحد — ومن مهارته أنه مر بها على أكبر عدد ممكن من العلماء، فوقعوا عليها هذا التوقيع.
بلغ ذلك السلطان فجن جنونه واشتد غضبه، وقال: هذا غير معقول، هذا عجيب! رجل يدخل بيت رجل وينام مع زوجته ويقبض عليه تحت اللحاف معها ويعترف بالزنا ويكتب خطه بيده بما وقع منه، ثم يقولون بعد ذلك: له الرجوع! وإذا رجع فلا حد عليه؟! هذا ما لا يكون.
وكانت أزمة شديدة جدًّا بين السلطان والقضاة، كلاهما يرى أن وجهة نظره بديهية صحيحة لا تحتمل الجدل.
أما السلطان فيحتكم إلى الفطرة وإلى المنطق الساذج وإلى البديهة الطبيعية: رجل دلت كل الدلائل على جريمته، فهو في بيت غير بيته، نائم مع امرأة غير زوجته، يضبطهما الزوج، ويعترف المجرم بالجريمة أمام هيئة رسمية، فماذا يطلب من الدلائل بعد ذلك؟ وكيف يسمع ممن يدحض هذه الأدلة؟ إن هذا منتهى ما يصل إليه الإثبات، فإذا شككنا في مثله فما الذي يصح بعدُ أن يكون سندًا للحكم، ووراء ذلك كانت تدور في نفسه فكرة أنه بتنفيذ الرجم في هذه القضية سيكون بطل الإسلام، ومحقق العدالة التي كانت في عهد الرسول، وهؤلاء العلماء يريدون أن يفوتوا عليه هذا الموقف والفخر.
وأما العلماء فكانوا يستندون إلى نصوص الفقه وأقوال الأئمة، قد رجعوا إلى كتب الفقه وأطالوا النظر فيها حتى بليت منها صفحات هذا الموضوع من كثرة البحث والتنقيب.
هؤلاء جمهور الأئمة — إلا ابن ليلى وعثمان البتي — يرون أن من رجع بعد الإقرار في الزنا قُبِلَ رجوعه ولم يحد، وحد الرجم حد شنيع جدًّا درأه الإسلام بأى شبهة، فهذا «ماعز» الذي أمر رسول الله برجمه، لم يأمر برجمه إلا بعد أن غمره بالأسئلة لعله يرجع، وحتى روى بعضهم أنه قرره على ذلك أربع مرات، وحتى رووا أنه لما رجم ومسته الحجارة هرب فاتبعوه فقال لهم: ردوني إلى رسول الله، فقتلوه رجمًا وذكروا ذلك للنبي ? فقال لهم: «هلا تركتموه» ولأن الله يحب الستر على عباده، فلا يلجأ إلى الرجم إلا عند الضرورة القصوى بانعدام أي شبهة وبإصرار المجرم — فكيف يجرؤ القضاة بعد ذلك أن يخالفوا هذه النصوص؟
تعقدت المسألة وتمسك كلٌّ بوجهة نظره، فما الحل؟
خطر للسلطان أن يجمع مؤتمرًا يشهده كل القضاة وكل مشهوري العلماء، ثم يسمع منهم ويسمعون منه، لعلهم يصلون إلى حل، وأرسلت الدعوة وحدد لذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من شوال بالقلعة، وانعقد المجلس: هذا هو السلطان يتصدر المجلس، وهؤلاء القضاة الأربعة عن يمينه، وهؤلاء كبار العلماء عن يساره، يرأسهم شيخ الإسلام زكريا، وكان مجلسًا رهيبًا حقًّا، خطيرًا حقًّا.
أغضى السلطان النظر عن القضاة والتفت إلى شيخ الإسلام زكريا وقال: كيف يحدث ما حدث، ويضبط الرجل مع زوجة آخر ويقر، ثم تقولون: له الرجوع؟!
رد أحد الحاضرين: هذا هو الشرع، وأخرج كتابًا من كمه وأراه النص.
فقال السلطان: إني لا ألتفت إلى النقول في ذلك، ألستُ ولي الأمر؟ أوليس لي الحق في الحكم؟ أوليس لي أن أصدر أمري كما يتبين لي؟
أحد العلماء: نعم، ولكن بشرط أن يكون على مقتضى الشرع، فإذا أنت قتلتهما مخالفًا النص تلزمك ديتهما. فغضب السلطان أشد الغضب من هذا الجواب، وكاد يبطش به، ثم التفت إلى الشيخ زكريا وقال: ما تقول أنت في هذه المسألة؟
– أقول: إن الرجوع بعد الاعتراف يسقط الحد.
السلطان: هل هذا ما ترتضيه ذمتك؟الشيخ زكريا: هذا ما ارتضته ذمة الإمام الشافعي صاحب المذهب.السلطان: أنت شيخ قد كبرت وضعف عقلك، أما أنتم أيها القضاة فلا تُرُوني وجوهكم بعد الآن. وقام وانفض المجلس على أسوأ حال.
وبدأ السلطان ينتقم؛ فهذا الزنكلوني الذي صنع الفتوى ضرب هو وأولاده بالعصا حتى كادوا يتلفون، ثم أمر بنفيه إلى الواحات.
وهؤلاء القضاة عزلوا، وظلت مصر بلا قضاء خمسة أيام مما لم يسبق له نظير، ثم عين غيرهم، وهذان المتهمان — الرجل والمرأة — نصبت لهم المشنقة على باب «حارة أولاد الجيعان» ثم أحضرا، وجعل وجه كلٍّ إلى وجه الآخر، وشنقا بحبل واحد.
وظلا يعرضان يومين، والناس يأتون من كل فج لمشاهدتهما كما يشاهدون المعارض في هذه الأيام، وظل حديثهما على كل لسان، ثم نسج عليهما ثوب النسيان كما هو شأن الزمان.
?  المشاعلية هي الطائفة التي تتولى الشنق والتعذيب.
التوازن


يظهر أن الأرض التي نعيش عليها لما كانت مدينة في بقائها للتوازن — فهي سابحة في الفضاء بقوة التجاذب المتعادل — كان كل شيء فيها إنما ينتظم شأنه وتنسجم أموره بالتوازن أيضًا، فإذا اختل توازنه ساءت حاله، وأدركه الفناء، ولعل مقياس رقي كل شيء توازنه، ومقياس انحطاطه عدم توازنه.
سواء في ذلك الأفراد والأمم، وسواء في ذلك الماديات والمعنويات.
هذا الجسم إنما صحته توازنه، ومرضه عدم توازنه، فليست الصحة إلا أن كل عضو متوازن مع الأعضاء الأخرى في إنتاجه واستهلاكه، ومقدار هذا الإنتاج وهذا الاستهلاك، فإذا ضعفت المعدة ولم تحسن الهضم اختل التوازن، فأصبحت لا تستهلك كما تستهلك الأعضاء الأخرى، ولا تفرز كما تفرز الأعضاء الأخرى، فكان المرض، كما لا يكون الجسم صحيحًا إلا بتوازنه مع غذائه، فإذا قل الغذاء كانت المخمصة، وإذا كثر كانت التخمة، وكلاهما شر نشأ من عدم التوازن، ولا يزال الجسم بخير ما توازن، بين طعامه وقدرته على الاستهلاك، وبين طبيعته والبيئة التي حوله، وبين كل عضو فيه وسائر الأعضاء.
وهذه العين لا تبصر إلا بالتوازن من حيث المسافة بينها وبين المرئي، ومن حيث مقدار الضوء الذي يشع على الشيء، فإذا زادت المسافة أو قصرت، أو زاد الضوء أو قل، اختل التوازن فاختل الإبصار، وكذلك الشأن في كل حاسة.
والبناء على الأرض إنما يقوم بالتوازن، وينهدم بعدم التوازن بين المواد التي يتكون منها البناء، والتوازن بين أجزاء البناء بعضها وبعض من حيث الثقل ونحوه.
إن رقيت بعض الشيء ونظرت إلى الحياة المالية — مثلًا — وجدت الشأن فيها هو الشأن في الأجسام، فانتظام مالية الفرد والأسرة إنما هو بالتوازن بين الدخل والخرج، والتعادل بين الكسب والإنفاق، وإلا فالخلل والاضطراب، فإن زاد الدخل كثيرًا عن الإنفاق فثم الشح والتضييق على النفس والأهل والناس، وانقلاب الرجل إلى خازن ليس له من المال إلا ما للحارس، وإن زاد الإنفاق فهناك متاعب الدَّين، وهمّ الحاجة، وفوضى المعيشة.
وكذلك الشأن في مالية الأمة، إنما تسعد بالتوازن بين دخلها وخرجها، وإيرادها ومصروفها، وليس هذا فقط، بل بالتوازن بين وجوه الدخل، وأيها يجب أن يكون، أيها يجب ألا يكون، والتوازن بين وجوه الصرف، ما الذي ينبغي وما الذي لا ينبغي.
وكلما ترقيت في شئون الحياة، وأمعنت في المعنويات، وجدت مبدأ «التوازن» صحيحًا وإن كان إدراكه عسيرًا.
هذه النفس الإنسانية مثلها مثل الجسم الإنساني، كلاهما ينتظم بالتوازن، ولكن مناحي النفس أكثر تعددًا وأشد تعقدًا، وإدراك التوازن فيها أدق وأغمض — فالجسم محدود، والنفس لا حدود لها، وأعضاء الجسم معدودة، ومناحي النفس لا عد لها، فحفظ التوازن فيها لا يتم إلا في القليل النادر وبتوفيق من الله عجيب.
هذه الغرائز الموروثة تختلف وتتباين، وهذه العواطف المنبعثة منها تتكاثر وتتنوع، وهذا هو العقل الذى لونته العلوم والمعارف والمدنية ألوانًا لا تحصى — كل هذه في نفس الإنسان الواحد، حتى كأنها جبل تنوعت كهوفه ومغاراته، أو بحر كثرت موجاته وتعددت مخلوقاته، فكأن بين جنبي الإنسان آلاف النفوس لا نفسًا واحدة، ومن أجل هذا كان لكل إنسان آلاف المظاهر لا مظهر واحد، فهو في ساعة صاف كأنه المرآة المصقولة، وهو في أخرى مغبر كاليوم العاصف، شجاع جبان، كريم يخيل، عادل ظالم، وهو بين ذلك في أوضاع لا عداد لها، وفي ألوان لا يضبطها ضابط، وليست هذه المظاهر المختلفة إلا نتائج لآلاف العوامل عملت في الخفاء، وكان لها تاريخ طويل أطول من عمر الإنسان.
وليست تصح النفس إلا إذا توازنت كل هذه القوى، وقلما تتوازن، فليست تخلو نفس إنسان من مرض بل أمراض، ومن غريب الإنسان أنه عني أشد العناية بأمراض جسمه، وحاول أن يرد له توازنه إذا اختل، ولم يعن مثل هذه العناية بأمراض نفسه واختلال توازنها، ولعله استصعب الداء فيئس من العلاج.
ما المجرم؟
في المجرم كل الغرائز والعواطف والإدراكات التي في سائر الناس، ولكن قد اختل توازنها، فغلبه الطمع وضعف عنده ضبط النفس فكان سارقًا، أو غلبه حب الانتقام وضعف عنده تقدير إزهاق النفس فكان قاتلًا، أو غلبته الشهوة وضعفت عنده الإرادة فكان سكيرًا أو عربيدًا، وليس يفقد المجرمُ صفاتٍ يتحلى بها الفاضل إلا عدم الاتزان.
ولقد أدرك أرسطو هذا التوازن في الأخلاق فقال بنظرية الأوساط، بمعنى أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، أي في نقطة التعادل، فالشجاعة بين الجبن والتهور، والعفة بين الزهد والتهتك، والكرم بين البخل والإسراف، والأثر المشهور «أحب لأخيك ما تحب لنفسك» إنما يطالب بالتعادل بين حب النفس وحب الغير، والتوازن بين الأثرة والإيثار، وقديمًا قالوا:
حب التناهي غلطخير الأمور الوسط والتوازن ذو حظ عظيم في باب الجمال، وقد سموه «السيسترية»، فإن نظرت إلى جسم الإنسان — مثلًا — رأيت التوازن ملحوظًا فيه على أتم وجه، فالأعضاء الثنائية متناسقة على أبعاد متساوية، فالعينان والأذنان متوازنان وبينهما العضو المفرد كالأنف والفم والذقن، وإنما يتم جمالها إذا كانت الأبعاد بينها متساوية، فإذا انحرف الأنف، أو انحرفت الشفتان، أو ضاقت عين واتسعت عين اختل التوازن فكان القبح، وهذا هو بعينه ما لوحظ في هندسة المباني، فالباب يقابله باب، والشباك شباك، والباب القصير يقابله باب قصير، والشباك الكبير يقابله شباك كبير، وهو بعينه أيضًا ما لوحظ فيه هندسة الحدائق، فشجرة في زاوية يقابلها شجرة مثلها في زاوية أخرى، وحوض مستطيل يقابله في الناحية المقابلة حوض مثله، وهكذا، حتى كأن الجمال هو التوازن.
وشاع التوازن في البلاغة، إذ كانت فنًّا من الفنون الجميلة، وسموه بأسماء مختلفة، فالسجع توازن، والطباق توازن، والمساواة في «باب المعاني» توازن، وأساس البلاغة كلها حسب قولهم «مطابقة المقال لمقتضى الحال»، وهذا ليس إلا توازنًا بين معاني القول وصياغته وبين حال السامع أو القارئ، وهكذا الشأن في كل فن من الفنون الجميلة، لأن الجمال، كما أسلفنا، يعتمد — إلى حد كبير — على التوازن.
فإذا نحن وصلنا إلى المجتمع فمجال القول في التوازن ذو سعة، ففي المجتمع قوى كثيرة تتعاون وتتعاند، ولا يرقى مجتمع ولا يسعد إلا بتوازنها، وإذا حل الشقاء بمجتمع فذلك لاختلال توازنه، وإذا قامت فيه الثورات فلاختلال توازنه، وإذا انحط أو فني فلاختلال توازنه أيضًا.
فأول كل شيء لا بد أن يوازن المجتمع بينه وبين بيئته الطبيعية، فمنذ خلق الإنسان وهو في حرب مع الطبيعة، كان يحارب الحيوانات المستوحشة، وكان يحارب شدة الحر وشدة البرد، وكان يحارب طغيان الماء وصلابة الأرض، وكان ضعيفًا فقهرته الطبيعة، ثم رقي فاستخدم عقله لمحاربة الطبيعة، واستخدم قوانين الطبيعة لمحاربة بعضها بعضًا، حتى توازنت قوته وقوة الطبيعة فسعد، لقد اختلف الفلاسفة في أن الطبيعة قاسية بخيلة فظيعة، أو أنها سخية كريمة تمد الإنسان بما يحتاجه، والحق أنها لا هذا ولا ذاك في حد ذاتها، إنما هي في كفة، وقوة الناس واستعدادهم في كفة، وسعادة الإنسان في توازن قواه وقوى عقله وقوى تسخيره مع قوى الطبيعة وأفاعيلها، وكل حياة الإنسان مهاجمة من الطبيعة ودفاع منه، فإذا توازنت قوة الدفاع والهجوم فالخير والسعادة للإنسان وإلا فالفناء.
كان الإنسان الأول مستعبدًا للطبيعة يعيش على هامشها، ثم انغمس فيها وأدرك قوانينها فتحرر، كانت الحرارة والبرودة تؤذيه فاستخدمها، وقوة الماء تهلكه فضبطها، والكهرباء يجهلها فعرفها واستخدمها، ثم كان أن قسم الطبيعة على نفسها فضرب بعضها ببعض، وعادل بين قواها، وتسلح ببعضها ليحارب بعضها الآخر، فلما تم التوازن أو كاد كانت المدنية، ولا يزال المجال أمامه فسيحًا.
وأخلاق كل أمة وفلسفتها وأساطيرها وعقليتها وأدبها تتعادل مع بيئتها الطبيعية، فكما أن أبا الهول والأهرام لا يمكن أن تكون إلا في مصر، وما كان يمكن أن تعيش هذه العصور في فرنسا أو إنجلترا أو سويسرا، وإنما تعيش في طبيعة مصر، فكذلك أخلاق كل أمة وعاداتها تتعادل مع طبيعتها.
وكذلك الشأن في قوى المجتمع الإنساني نفسه، لا بد فيها من التوازن وإلا ضعف وانحل، انظر مثلًا إلى القوة الاقتصادية في الأمة، فإذا كان فيها جماعة المنتجين فلا بد أن يوازنهم جماعة المستهلكين، وإذا كان عرض فلا بد أن يوازنه طلب، وإلا ساءت الحالة الاقتصادية باختلال التوازن، وكثيرًا ما كانت الثورات في الأمم من سوء الحالة الاقتصادية، كالإفراط في الغنى بجانب الإفراط في الفقر، أو كثرة المعروض ولا طلب، أو كثرة المطلوب ولا عرض، وهكذا.
ثم يجب التوازن بين الحياة الاقتصادية في الأمة وطرق التربية، فالتعليم في كل أمة يجب أن يشكل حسب حالة الأمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويتوازن معها، وإلا فالخراب، فإن أنت علمت للوظائف الحكومية التي لا تتسع لجميع المتعلمين، واجهت مشكلة المتعلمين العاطلين، وكلما زدت في ذلك زاد الخطر، وإذا علمت لغير وظائف الحكومة وجب أن تفتح في أبواب الحياة الاقتصادية بقدر ما تعلم، وإلا واجهت نفس المشكلة.
وهكذا، في كل مجتمع قوى متعددة مشتبكة، كالآلة الضخمة ذات القطع المتنوعة المعقدة، لا يمكن أن تسير إلا بتوازن الأجزاء، هذه قوة الأسرة وقوة الدين وقوة الحكومة بما لها من سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية، وقوة اللغة والعلم والأدب وغير ذلك من القوى، لا بد أن تكون كلها في حالة توازن.
ولما اتسعت القوى وتعددت في المجتمع كان لا بد لها من ضابط أو ضوابط تعادل بين القوى إذا طغت إحداها على الأخرى، فقام بهذه المهمة الرأيُ العام أحيانًا، يثور ويطالب بالإصلاح وينادي بالتعادل، والقانونُ أحيانًا باستناده إلى العدل ورد الحق إلى ذي الحق، وتفصيل الحقوق والواجبات حتى يتم التعادل.
وعلى الجملة فالتوازن هو حجر الفلاسفة، وهو كيمياء السعادة، يدخل الجسم فيصح، ويفارقه فيختل ويمرض وينفى، ويحل في الشيء فيكون جميلًا، وفي الكلام فيكون بليغًا، وبقدر ما يكون منه في الأمة يكون رقيها وصحتها، وعلى قدر خلوها منه يكون فشلها وانحطاطها.
صدق الله العظيم الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ.

قصة


زعموا أن رجلًا عرف بصحة الرأي وصدق النظر، فكان مقصد أمته في الأزمات ورجاءها في حل المشكلات، يقول الرأي فكأنما ينطق بلسان الغيب، ويظن الظن فكأنما يرى ويسمع، يتنبأ فكأنما يتلوا المستقبل من كتاب.
كان أعجوبة الأعاجيب في أمته، وأحدوثة قومه في زمنه، وما لبث أن طارت شهرته فعمت العالم، وطبقت الآفاق، وشاء القدر أن يرحل عن بلده إلى بلد سحيق، فسبقته شهرته، وعرف بمقدمه أهله، فاحتفوا به وأنزلوه منزلًا كريمًا، وأزمع أكابر رجاله أن يستفتوه في مشاكلهم، ويستنصحوه فيما صعب من أمورهم.
فأوفدت وزارة الشئون الاجتماعية وفدًا من رجالها يسأله: ماذا تعمل لتقضي على الفقر، وتمحو الإجرام، وتضع حدًّا لكل الشرور، وتنهض بالفلاح فيرقى عقله، وترقى معيشته؟ وكيف تتغلب على مشكلة البطالة، وكيف تحل مشكلة الزواج والطلاق، وتبرج النساء، واستهتار الرجال، إلى غير ذلك من مشكلات تدخل في اختصاصها.
وأوفدت الوزارات كلها تسأله عن حل لمشكلاتها، فوفد وزارة المال يشكون من قلة الدخل وكثرة المطلوب، وإسراف المصالح الحكومية، وأن كل وزارة تطلب، كأن مال الدولة قد أرصد لها وحدها، ويشكون من الموظفين وكثرتهم ومطالبهم وإلحاحهم، ومن الجمهور ونظره إلى مال الدولة كأنه غنيمة يحل نهبها، والوزارات كلها تشكو من وزارة المالية، إذ تسيطر عليها، وتقدر كل المسائل بالأوراق المالية، ولا تقدر المسائل الأدبية ولا المنافع العلمية ولا الاعتبارات المعنوية، وأنها تعامل المصالح على أساس تجاري لا على أساس مصلحي، والكل يشكو من سوء ظن بعضه ببعض، ومن عدم التعاون، ووزارة العدل تشكو من ضياع العدل في الأمة، فالمحسوبية، والوساطة، والرجاء، كل هذا وأمثاله أضاع معنى العدل، وأن هناك وسائل تعمل في الخفاء فتخنق العدالة، فلا يزال هناك نظام الطبقات يفسد العدل، فالفقير لا يصل إلى حقه من الغني؛ وإذا اتهم غني بالرشوة فليس كما يتهم الفقير، وإذا ضرب أحد «الذوات» جنديًّا أو نحوه حفظت القضية؛ أما إذا ضربه أحد السوقة، فالعدل يجري مجراه، وشكت وزارة العدل — أكثر من ذلك — من حال العدل الاجتماعي، فليس مال الدولة يوزع بالعدل، ولا مناصب الدولة توزع بالعدل، ولا معاملة الحكومة للناس توزع بالعدل.
وهكذا لم تبق وزارة من وزارات الدولة إلا رفعت صوتها بالشكوى، وأسرفت في وصف سوء الحال، وطلبت رأيه في العلاج.
وليت الأمر اقتصر على الوزارات، فكل طائفة شكت: فلاحون يشكون الفقر والبؤس، ويشكون الحكومة وملاك الأراضي، ويسألون السبيل إلى الإنصاف، وموظفون يشكون الكادر الجديد، وتجار يشكون مزاحمة الأجنبي، وكل حزب يتهم الأحزاب الأخرى بالتقصير، والكل يتهمون الحكومة، والحكومة تشكو الأحزاب وتشكو الأمة، لأنها تلقي كل أعبائها عليها.
وجاء رجل فقال: لست أمثل وزارة ولا أمثل حزبًا، ولا أمثل نقابة ولا أي جماعة، ولكني أشكو من شكوى الناس، فكلما جلست إلى قوم في أي مجلس، في فرح أو حزن، في طبقة المتعلمين أو الجاهلين، ملأوا مجلسهم بالشكوى من فساد الأخلاق وسوء الأحوال، ثم لم يزد الأمر بعد على أن ينفض المجلس، والمتكلم معجب بفصاحته وبلاغته في حسن الوصف، والسامعون مسرورون بقضاء الوقت في حديث لطيف، وكلهم يختم الجلسة بغسل يده من الموضوع والاكتفاء بالدعاء إلى الله أن يصلح الحال.
وهكذا تتابعت الوفود على هذا الرجل تعج بالشكوى حتى خيل إليه أن ليس في هذه الأمة إلا شاكون، وأن ليس لهم وظيفة إلا الشكوى.
ومع هذا طيَّب خاطرهم، ووعد أن يجد حلًّا لهذه المشكلات كلها في أسبوع، وحدد لهم موعدًا في مثل هذا الوقت من الأسبوع الآتي، ثم أتبع ذلك بقوله: ولكن لا بأس أن يزورني مصلحوكم فيُدلوا إليَّ بآرائهم حتى أستعين بها على إبداء رأيي، فتتابعت عليه طوائف المصلحين والزعماء كل ينظر إلى المسألة بعينه.
فجاء رجال الدين يقولون: إن سبب الفساد كله عدم التمسك بالدين، فلو نصحت بأن يتبع الناس الدين لذهب كل ما سمعت من شكوى، ولاستقامت الأمور، وصلحت الأحوال، ففساد الحال لا سبب له إلا غضب الله على الناس من عصيان أوامره، وارتكاب نواهيه.
وقال رجال المال: إن العلة كلها في المال، فلو أصلحت موارد البلاد، واستثمرت منابع الثروة خير استثمار، ووزعت الغلة خير توزيع لكان في هذا العلاجُ من كل داء، لو تم هذا لانعدم الفقر، وانعدمت الجرائم، وقَلَّ الطمع، وارتقت الأخلاق، فأكثر فساد الأخلاق منشؤه الفقر، فالفقر داعٍ إلى الإجرام، وداعٍ إلى الجهل، وداعٍ إلى الذل والعبودية، فإذا زال زالت معه شروره، وليس من فرق بين أسرة مهذبة راقية سعيدة، وأسرة بائسة شقية إلا المال، فالمال يعلِّم، والمال يهذب الذوق، والمال يبصر بطرق المعيشة، والمال يسعد.
وقال رجال السياسة: ادعُ إلى إصلاح سياسة البلد يصلح فيه كل شيء، فصلاح السياسة معناه صلاح الحكم، فإذا عدلت الحكومة في رعيتها، وساست الناس كما يقود القائد المحنك جنده، لا كما يصيد الصائد صيده، ونشرت العدل بين الناس، فهناك الطمأنينة، والرخاء والأمن، والسعادة والتقدم، وإلا فلا إصلاح.
وهكذا ظل طول الأسبوع يسمع من القادة آراءهم في الإصلاح، ولم يَفُتْهُ أن يسمع من رجال الأحزاب، ولا من رجال الصحف، ولا من الديمقراطيين والدكتاتوريين، ولا من الفلاسفة والشعراء، والنساء والفنانين، فقد قضى الأسبوع في معرض متنوع بديع.
وحان وقت إبدائه الرأي، وحضرت الوفود ممثلة لكل الطوائف، واشرأبت الأعناق، وأرهفت الأسماع، فقام بينهم خطيبًا وقال:سيداتي! سادتي!

لقد سمعت كل وجوه الإصلاح التي اقترحها قادتكم، ورأيت أن في كل منها خيرًا كثيرًا، ولكن فيها عيبًا كبيرًا.
إن كل ضروب الإصلاح التي سمعتها موجهة إلى الجيل الحاضر، وليس فيه كبير أمل، إنه جيل فسد، قد أفسدته السياسة بألاعيبها، وأفسده الجو الذي عاش فيه، والخلاف الذي دب فيه، والعقلية التي حلَّت فيه، والمثل التي قدمت له، كل خطأ الآراء التي سمعتها أنها علقت الأمل على شيء مهدم، وعلى قصبة مرضوضة، وعلى بناء متداعٍ.
لقد فقد كل منكم الثقة بأخيه، ولا حياة إلا بالثقة، ولا عودة للثقة إذا زالت، لقد شممت من اقتراح كل منكم أنانية بغيضة، وتعصبًا للرأي ذميمًا، واحتقار لرأي الغير معيبًا، فتفرقت بكم السبل، وزال بينكم الحب، وساد فيكم ضيق النظر، وهذا عنوان الانحلال.
سيداتي وسادتي:
نصيحتي لكم ألا ألتفت إليكم، وألا تلتفتوا إلى أنفسكم، ولا أعلق الرجاء عليكم، ولا تعلقوا الرجاء على أشخاصكم، وأن تساعدوني على إهمالكم أنفسكم، وأن تلتفتوا معي إلى صغاركم، ولا شأن لي بكم إلا شأن الوزير الذي عين فدخل مكتبه فوجد الدفاتر مكدسة، والملفات مبعثرة، والأوراق مغبرة، وحاول أن يدرس مسألة فلم يفهم، وأن يتبع تاريخ أثر فلم يستطع، فأمر بإحراقها جميعًا، وأنشأ دفاتر جديدة على نمط جديد.
ثم ماذا تعملون لصغاركم؟
أنشئوا لهم المدارس التي تتسع لهم جميعًا، واحملوا الحكومة أن تخصص أكبر ما تستطيع من ميزانية لهذه المدارس، اجعلوا لغنى الغني حدًّا إذا تجاوزه ذهب إلى هذه المدارس.
ثم لا أمل في هذه المدارس أيضًا إذا علمتم تلاميذها ليكونوا مثلكم في عقلكم وأخلاقكم.
فعلموهم أول ما تعلمونهم فن الحياة الذي فشلتم فيه واستطعموا مرارة الفشل، ليحلو لكم أن تعلموهم وسائل النجاح، وحددوا غرض الأمة الذي تنشده ووجهوا التعليم والتهذيب نحوه، وارسموا في وضوح حاجات الأمة ومرافقها المختلفة، وشكلوا التعليم كمية وكيفية حسب هذه المرافق، علموا أطفالكم جميعًا الأمانة والرجولة، ونظافة اليد، ونظافة الخلق، وقيمة الحق، والشجاعة في قول الحق، والحياة للحق.
ولا تقولوا: إن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن هذا قول سخيف من آثار القرون البالية، فإنا نرى كل يوم المصائب تعلِّم اتقاءها، والرذيلة تعلم الفضيلة، وسخافة السخيف توحي حكمة الحكيم، علموهم ضد ما تعلمتم في السياسة، علموهم من صغرهم أن يحكموا أنفسهم ليصلحوا إذا أسند الحكم إليهم، وعلموهم الحرية التي لم تعرفوا أنتم أن تنتفعوا بها ليعرفوا هم كيف ينتفعون بها، وعلموهم الإيثار والتضحية في ضوء ما أَلِمْتُم من الأثرة والأنانية.
وجهوا كل همكم إلى الصغار، إلى الجيل القادم، إلى قادة المستقبل، واجتهدوا أن تحموهم من تقليد جيلكم، فضعوا أمامهم أمثلة نبيلة غير أمثلتكم، واخفوا عن أعينهم شروركم، فإنكم إن تعبتم في إنشاء جيل واحد على هذا النمط ضمنتم الخير لأجيال متعاقبة.
أما أنتم فيغفر الله لكم.
•••

قال الراوي: فهاج السامعون وماجوا، وسخط عليه قوم لسماجته وقلة حيائه، ووقاحته وسبابه، وازدراه آخرون لسخفه وسوء منطقه، إذ لم يحل مشكلًا، ولم يصلح فاسدًا، واحتقر الكبير، واستعظم الصغير، وهزأ بالرجال، وعني بالأطفال، ولأن مآل نصحه ترك الفساد ينخر في عظامهم حتى يأتي على آخرهم، فأتمر به هؤلاء وهؤلاء، وأجمعوا رأيهم على أن يودعوه مستشفى المجاذيب …

القانون الطبيعي


كل ما عرفنا من قوانين الطبيعة والكيمياء وقوانين الفلك، وما اكتشفنا من قوانين العلوم على اختلاف أنواعها قوانين طبيعية، أو هي سنة الله في خلقه لا تقبل تبديلًا ولا تحويلًا.
لقد تمت الطبيعة وتمت قوانينها، فكل ما في الطبيعة خاضع لقوانينها لا يستطيع الخروج عنها مهما حاول.
وليست قوانين الطبيعة كقوانيننا الوضعية تعذر بالجهل ولا تعاقب إلا بعد إعلانها، بل هي توقع عقوبتها علم الناس أو جلهوا، قصدوا أو لم يقصدوا، فمن تعاطى سمًّا على أنه سكر عوقب بالموت، ولو جهل، ولو حسنت نيته.
والطبيعة قاسية كل القسوة في تطبيق قوانينها، لا ترحم من خالفها، ولا تغفر — مرة — ذنب من يتجرأ على نظامها، سواء عندها الصغير والكبير، والطفل الرضيع، والشيخ الهرم، لا ترحم طفلًا؛ لأنه وحيد أمه، ولا كبيرًا؛ لأنه عائل أسرته، من تعرض للنار احترق مهما كان شأنه، ومن سقط من أعلى خضع لقانون الجاذبية من غير نظر إلى أي ظرف من ظروف السقوط.
وهي في قسوتها ديمقراطية كل الديمقراطية، سواء عندها الغني والفقير، والملك والسوقة، وصاحب الحول والطول، ومن لا حول له ولا طول، كلهم يخضع لقوانينها كما يخضع الجماد، وتجري عليه أحكامها كما تجري على الريشة في الهواء.
وقوانينها أشكال وألوان: منها ما ينفذ سريعًا كسرعة البرق، حاسمًا كحد السيف، ومنها ما ينفذ بطيئًا بطء السلحفاة، هذا يكسر قوانين الطبيعة بسقوطه من نافذة، أو احتراقه بنار، أو اصطدامه بقطار، فينفذ عليه القضاء العاجل، وهذا يكسر قوانين الطبيعة بالإتخام أو بكثرة التدخين أو بإدمان السكر أو بتعاطي المخدرات، فتنفذ فيه الطبيعة قوانينها بهدوء حتى لا يشعر بها، وتهدمه في بطء كأنها لا تهدمه، هي تغضب حينًا فتضرب الضربة القاضية في سرعة وعجلة، وتهدأ حينًا فتطحن طحنًا بطيئًا ولكن ناعمًا، وهي في الحالين بالمرصاد لا تنسى ولا ترحم، ولا تصدر حكمًا مع وقف التنفيذ، إنما تجعل بعض أحكامها مشمولًا بالنفاذ العاجل، وبعض أحكامها مشمولًا بصيغة التنفيذ الهادئ، ولكنه تنفيذ على كل حال، وتنفيذ من غير إخلال.
وهذه القوانين الطبيعية تختلف وضوحًا وخفاءً، وبساطة وتعقدًا، فقد تبلغ من الوضوح والبساطة ما يدركه كل الناس كقوانين الطبيعة والكيمياء وظواهر الطبيعة، وقد تغمض وتتعقد حتى لا يدركها إلا الخاصة، وحتى لا يدركها الخاصة، وتاريخ الإنسان ليس إلا سلسلة لمحاولة فهم القوانين الطبيعية، وتضييق دائرة المجهول منها وتوسيع دائرة المعلوم، ولا يزال المدى أمامه فسيحًا لمعرفة ما جهل وتوضيح ما غمض، وسواء من قوانينها ما عرفنا وما لم نعرف، فهي تجري علينا حكمها وتنفذ فينا إرادتها.
وكلما كان المخلوق ساذجًا منحطًّا كانت قوانينه الطبيعية سهلة يسيرة واضحة، وكلما رقي تعقدت قوانينه وكثرت واشتبكت، ومن سوء حظ الإنسان، أو حسن حظه، كما تشاء، أنه أرقى المخلوقات الأرضية، فقوانينه الطبيعية أعقد القوانين وأغمضها، وأكثرها تركبًا واشتباكًا.
هذا جسمه يخضع لقوانين طبيعية كالتي يخضع لها الجماد والنبات والحيوان، وهذه نفسه تخضع لقوانين أشد غموضًا وتعقدًا لم يبلغ اكتشافها مبلغ اكتشاف قوانين الجماد، وهذه علاقته بالبيئة الجغرافية جعلته خاضعًا لقوانينها، فشكلت شكلًا خاصًّا جسمه وعقله، وحددت نشاطه، وحكمت حكمها في طبيعة عمله ومنهجه في العمل، ورسمت خطاه في مدنيته، وهذه أخلاقه خاضعة في تكوينها لقوانين الوراثة وقوانين الكسب، فما كان وراثيًّا منها فله قوانينه، وكان من أثر هذه القوانين للوراثة والاكتساب اختلافُ الأفراد فيما بينهم قوة وضعفًا، وذكاءً وغباءً، وصلاحًا وفسادًا.
فإذا نحن نظرنا إلى مجموعة من الناس — كأمة — وجدنا هذه الجمعية خاضعة لقوانين طبيعية من حيث شئونها الاقتصادية ونظمها الاجتماعية والسياسية، وهي خاضعة في كل خطوة من خطوات تقدمها أو تدهورها إلى هذه القوانين الطبيعية، ومن أجل الاختلاف في هذه القوانين الطبيعية اختلفت الأمم كما اختلف الأفراد قوة وضعفًا وتماسكًا وانحلالًا، وصلاحية للبقاء وعدم صلاحية.
وشأن قوانين الجماعات كشأن قوانين الأفراد في قوتها ومضائها وعدم تخلفها، وإن اختلفت عنها في أن الأولى أصعب إدراكًا وأشد اشتباكًا.
أما بعد، فما السعادة والشقاء، و ما النجاح والفشل؟ ليست هذه الألفاظ إلا تعبيرًا آخر مرادفًا للسير على قوانين الطبيعة أو الخروج عليها.
إن للطبيعة إرادة لا تقهر، فمعاكسة قوانينها سبب الشقاء وسبب الفشل، وإطاعتها سبب السعادة وسبب النجاح.
قد يغتر ضيق النظر فيرى أمثلة من مخالفة قوانين الطبيعة ومعها سعادة، قد يرى قوانين الصحة تخالف ومع ذلك يبقى الجسم صحيحًا، ويرى قوانين الأخلاق — وهي فرع من فروع القوانين الطبيعية — تخالف ثم يصحبها نجاح، وقوانين الاقتصاد تخالف ومع هذا يكون الغنى، ثم تطاع ويكون مع الطاعة الفقر، وهكذا، قد يكون هذا منظرًا شائعًا في الحياة اليومية، ولكن استتبع كل مثال تجد في الحكم نتيجة قصر في النظر وخطأ في التقدير.
هذا الذي استغفل قوانين الصحة فأفرط في الأكل أو في السكر أو نحو ذلك ينفذ فيه القانون الطبيعي أمره ولكن في هوادة على النحو الذي وصفت، حتى ينتهي أمره بالتنفيذ التام، فإذا هو صريع المخالفة، وهذا الخائن أو الكاذب قد ينجح، ولكن نجاحه إلى حين، وحتى لو نجح طويلًا فقد عاقبته الطبيعة بأن استلبت منه احترامه لنفسه وضميره وحبه للحقيقة، ومنحته شعوره بالضعة وبالدناءة، فكانت النتيجة أن ذبحه نجاحه، إن الطبيعة لا تهتم كثيرًا أن يغتني الخائن أو الكاذب أو يفتقر، ولكنها تهتم كثيرًا أن تنزل العقوبة بنفسه وأن تسلبها أحسن صفاتها، ولا تقصر في ذلك أبدًا.
•••

أهم ما تفضل به أمةٌ أمةً إيمانُها بالقوانين الطبيعية، وإيمانها بأنها لا تتخلف، وجدّها في أن تعرفها وتكتشفها وأن تبني حياتها على وفقها، فالفرق بين أمة راقية وأمة منحطة أن الأولى تسير في كل شأن من شئونها على الكثير مما عرفته من قوانين الطبيعة، فهي تربي أطفالها حسب قوانين الطبيعة، وتزرع أرضها حسب قوانين الزراعة، تنظم ماليتها حسبما وصل إليه علم المال، وتقيم حكومتها حسب قوانين العدالة، وهكذا هي في حياتها، مقدمات ونتائح، وقياس أحد أركانه دائمًا قوانين الطبيعة، وأما الثانية فتسير حيثما اتفق، تزرع حسب التقاليد، والتقاليد ليست قانونًا طبيعيًّا، وإنما القانون الطبيعي علم الزراعة، وتربي أطفالها كما اتفق، وتنفق ميزانيتها حسب الشهوة، وتمشي يمنة أو يسرة اعتباطًا، فتكون النتيجة دائمًا فشلًا؛ لأن السير الغامض غير المؤسس على علم عرضة دائمًا لمعارضة القوانين الطبيعية.
الأمة المنحطة تتسع عندها جدًّا دائرة الأوهام، وتضيق فيها جدًّا دائرة الإيمان بالعلم والقوانين الطبيعية، فالزرع ينمو أو يهلك لغير سبب، والطفل يصح أو يمرض للجن، والتاجر ينجح أو يفشل للحظ، والزوجان يسعدان أو يشقيان للقسمة، والسماء تمطر أو لا تمطر للغضب، والعُمل يعمل أو لا يعمل بالاستخارة، والإنسان يرزق أو لا يرزق بمجرد التوكل، ونتيجة هذا من غير شك أن الأمة التي تسير على هذا المنهج تنهار أمام الأمة تسير حسب قوانين الطبيعة، وأن الأمتين إذا تزاحمتا كان الفوز لمن يسير على قوانين الطبيعة.
إن مزرعة تزرع بالعلم خير لا محالة من مزرعة تزرع بالتقاليد، وإلا كان علم الزراعة غير صحيح، وإن تاجرًا يسير على قوانين الاقتصاد ينجح لا محالة أكثر من تاجر يسير بالبركة، وإلا كان علم الاقتصاد خطأ، وهذا هو وحده السر في نجاح الأجنبي حيث يفشل المواطن، إنه يسير في تجارته ومعيشته وجده ولهوه حسب قوانين الطبيعة فينجح، ويسير المواطن حيثما اتفق فيفشل، لو تكشف قوانين الطبيعة لإنسان لقرأ المستقبل قراءة لا تخطئ؛ لأن خالق العالم خلقه على قاعدة السبب والمسبب والمقدمات والنتائح، فلو أدركنا كل المقدمات والأسباب لجزمنا جزمًا قاطعًا بالنتائح والمسببات.
وأهم عمل المصلحين — في كل أمة — على اختلاف أنواعهم ليس إلا اكتشاف قوانين الطبيعة وحمل الناس على السير على وفقها، فالعالم ليس إلا مكتشفًا لهذه القوانين مسجلًا لها راصدًا لنتائجها، والمصلح الاجتماعي ليس إلا رجلًا عرف بعض هذه القوانين، ورأى أمته تسير على عكسها فدعاها للسير على وفقها، وماذا يفعل المصلح الديني؟ إنه يرى أن قومه غلبت عليهم الأوهام، وأضلتهم عقائدُ فاسدةٌ أعمت أبصارهم وأصمت آذانهم، فأخذ يفتحها لتدرك الكون وقوانينه، خير ما يعمله رجال الدين لأمتهم أن يؤسسوا حياة الناس على قوانين الطبيعة، ويدعوا الناس للسير على قوانينها المعقولة، وفي الحق أن قوانين الطبيعة هي في لغة الدين سنن الله، وإرادة الطبيعة هي إرادة الله، وأن السير على وفقها تقديس لأوامر الله.
ولقد بلغ من تقديس الدين لها أن عد خرقها معجزة الأنبياء، أما وقد ختم الأنبياء، فقد ختمت المعجزات، واطردت قوانين الطبيعة فلا تتخلف، وقد قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ومن كلماته تعالى قوانينه التي بثها في كونه، ويعجبني ما روي عن عمر بن الخطاب أنه ذكر عنده الغيلان وأنها تتحول من خلق إلى خلق فقال عمر: «ليس أحد يتحول عن خلقه الذي خلق له».
وعمل السحر ونحوه ليس قلبًا للقوانين الطبيعية وكسرًا لها، وإنما هو تخييل كما عبر الله عن ذلك أصدق تعبير، إذ قال: فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى?.
ومما يؤسف له أن مرت على الناس عصور مظلمة دعا فيها بعض عامة المتدينين إلى زلزلة العقائد في هذه القوانين الطبيعية، فالماء يسار عليه، والأرض تطوى للمشي عليها من أقصاها إلى أقصاها في لحظة، والفاكهة تحضر بتحريك يد في الهواء، ونحو ذلك — مع أن خاصة الصوفية كانوا يتبرءون من ذلك وينهون عنه، فكان «سهل التستري» يقول: «أكبر الكرامات أن تبدل خلقًا مذمومًا من أخلاقك» وجاء رجل فقال له: إن الناس يقولون: إنك تمشي على الماء! فقال: سل مؤذن المحلة فإنه رجل صالح لا يكذب. قال: فسألته، فقال المؤذن: «لا أدري هذا، ولكني أعلم أنه نزل الحوض في بعض الأيام فوقع فيه فلو لم أخرجه لبقي فيه أبدًا».
فلما اعتقد العامة في تخلف القوانين الطبيعية بنوا حياتهم اليومية حيثما اتفق، فليزرع الزارع كما شاء، فقد تنقلب القوانين الطبيعية فينجح المهمل ويفشل المدقق، وليسرف التاجر كما يهوى وليسر سبهللًا، فقد يرزق الأخرق ويحرم الحذِر، ومثل ذلك الصانع في صناعته والعامل في عمله، والموظف في وظيفته، والأم في تربية الولد، والأب في الإنفاق على الأسرة، ليست هناك غاية محددة يسعى إليها بخطوات محددة، إذ ليس هناك إيمان بقانون السببية ولا بالقوانين الطبيعية.
وهكذا أصبح هذا الشأن مرضًا من أمراض المجتمع الخطيرة، لا بد أن يتكاتف رجال الدين والمصلحون الاجتماعيون على القضاء عليه، حتى يؤمن الناس أن لا تبديل لكلمات الله، ولا تبديل لقانون الطبيعة، ولا نجاح لأمة أو فرد إلا بإطاعة هذه القوانين وتعديل الحياة على وفقها.
يجب أن يفهم الناس أن الموت والحياة قانون طبيعي، وأن الغنى والفقر قانون طبيعي، وأن الصحة والمرض قانون طبيعي، وأن صلاح الناشئين وفسادهم بالوراثة والتربية قانون طبيعي، وأن الهزيمة والنصر قانون طبيعي، وأن موقف الأمم في سلم العالم قانون طبيعي، وأن من أراد من الأمم أن يرقى لا بد أن يعمل مقدمات الرقي الطبيعية ليصل إلى النتيجة الطبيعية، وأن الله ربط الأسباب بالمسببات ربطًا محكمًا، وجعل بين المقدمات والنتائج عروة وثقى لا انفصام لها، وأن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وأن من زرع الحنظل جنى الحنظل.

الإسلام والإصلاح الاجتماعي


بعض الأديان اقتصرت على تنظيم العلاقات بين العبد وربه، فشرعت شعائر العبادة واكتفت بذلك، ولم تمس شئون الدنيا في قليل ولا كثير، بل منها ما دعا إلى الابتعاد عنها والتجرد منها.
ولم يكن الإسلام من هذا الطراز، بل نحا منحًى آخرَ، فقد نظم العلاقة بين العبد وربه بما شرع من أنواع العبادات، ومن ناحية أخرى واجه الحياة الدنيوية، ووقف منها موقف المصلح الاجتماعي والشارع القانوي، فقد نظم الأسرة، ووضع نظامًا للزواج والطلاق والميراث وما إلى ذلك، ونظم المعاملات المالية بما وضع من أحكام للبيع والشراء والإجارة وتحريم الربا، ووضع أسس القوانين الجنائية من بيان للجرائم والعقوبات، وبين العلاقات في السلم والحرب، وقرر أصول نظام الحكم من وظائف الخلافة ونظام الشورى وما إلى ذلك، وعلى الجملة واجه كل مرافق الحياة الدنيوية أيضًا، وتعرض لأسسها، وأصلح ما كان عليه الناس في جاهليتهم، ووضع القواعد التي تنير للناس السبيل في الحياة.
ولكن كل دين يسير على هذا النهج من تنظيم لشئون المجتمع، يجب لنجاحه أن يشتمل على عنصر هام من عناصر الحياة، وهو (عنصر المرونة)، وإلا تخلف وأصبح في عداد التاريخ، ولم يصلح لكل زمان ومكان، إنما يصلح لقوم معينين في زمان معين.
ذلك أن الشئون الاجتماعية في تغير دائم ورقي مستمر، تتغير بتغير المدنية وبرقي العقل، وبما يستكشف من مخترعات، وبأحداث الزمان التي تغير الأوضاع تغييرًا كبيرًا.
اعتبر في ذلك بما حدث في العصور الحديثة في قرن واحد، فالمخترعات الحديثة غيرت أوضاع الحياة وقلبتها رأسًا على عقب، والثورة الصناعية غيرت نظام العالم الاقتصادي والاجتماعي، وأخلاق الناس ومعاملاتهم بعد الحرب الكبرى تغيرت كل التغير عما كانت قبلها، وستغير هذه الحرب أخلاق الناس ومعاملاتهم ونظم الحكم ونظم الاقتصاد إلى حد كبير، فإن حدث هذا في قرن واحد، فما بالكم بقرون عديدة، وما بالكم بعمر العالم؟
من أجل هذا كله كان لا بد لكل دين يواجه الشئون الاجتماعية أن يحمل في ثناياه روح المرونة يواجه بها هذه التغيرات، وأن يفصل فصلًا تامًّا بين قواعدَ أساسيةٍ لا تتغير بتغير الزمان، كقواعدِ العدالةِ، ولا ضرر ولا ضرار، ولكم في القصاص حياة، وأن تعدلوا أقرب للتقوى، وإن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وبين مسائلَ جزئيةٍ تفصيليةٍ هي وليدة البيئة والظروف، إذا تغيرت تغيرت.
والإسلام جاء ليكون دينًا عامًّا، لا لأمة خاصة، ولا لزمن خاص، فلا بد له أن يقرر عنصر المرونة، وكذلك فعل، وعنصر المرونة فيه هو «الاجتهاد»، وأصل هذا ما جاء في الحديث المشهور أن رسول الله بعث معاذ بن جبل ليقضي بين الناس في اليمن، فسأله: بِمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي.
هذا الأصل — وهو الاجتهاد — يتضمن أن يكون المجتهد عالمًا بمقاصد الشريعة وأغراضها ومراميها، دقيق النظر في معرفة أسرارها وأصولها، ثم يواجه المسائل الجديدة والأحداث العارضة، فيقضي فيها برأيه مستندًا إلى كليات الشريعة وأغراضها، مقدرًا ظروف الأحداث وما يترتب عليها من منافعَ ومضارَّ.
هذا الأصل المرن يمكن الشريعة من أن تساير الزمان والمكان، فلكل ظرف تقديره، ولكل حادثة حكمها.
وكان من نعم الله على الإسلام أن حدثت الفتوح الأولى في أيام عمر بن الخطاب وهو من أكثر الناس مرونة، وأشدهم اجتهادًا في حدود مقاصد الشريعة الكلية.
لقد واجه المسلمون في الفتوح الأولى آلاف المسائل التي لم تكن معروفة في جزيرة العرب، فهذه نظم الري في مصر والعراق المعقدة المشتبكة، وهذه ضروب المعاملات المختلفة التي لم تكن معروفة من قبل، وهذه نظم الحرب الجديدة، وقواعد الحرب والسلم، ونظام الأراضي والمحاربين، وهذه أشكال المدنية الفارسية والرومانية المتعددة الألوان، وهذه الجرائم التي تخلقها المدنيات ولم تكن معروفة للعرب، ونحو ذلك من مسائلَ لا عداد لها، كل هذه أمور واجهت الدولة الإسلامية وعلى رأسها عمر بن الخطاب، فبمَ حلها هو وصحبه؟
بالاجتهاد، بمرونة الاجتهاد، بعينين تفتح إحداهما على مقاصد الشريعة وأغراضها ومراميها وتفتح الثانية على الظروف الجديدة، والعوامل الجديدة، ويستخرج من بين هذين النظرين أحكام اجتهادية عدت نبراسًا لمن جاء بعدُ من الفقهاء والشارعين، ولو لم يحصل هذا الظرف السعيد لوقف المسلمون حيارى أمام الحوادث الغريبة والتصرفات العجيبة، ولكن الإسلام رباهم هذه التربية المرنة، فسلحهم بالأصول وأسلس لهم في تطبيقها على الفروع، فحلوا المشكلات، واتقوا الأزمات، وضربوا بأعمالهم خير مثال يحتذى.
ومثل هذا ما حدث فعلًا طوال العصر الأموي، والعصر العباسي الأول، نقرأ التاريخ فتأخذنا الروعة من كثرة المجتهدين ومرونة الشارعين، حتى أربوا على خمسمائة، يواجهون الأحداث، ويضعون لها الأحكام، كل حسب اجتهاده، وحسبما فهم من كليات الدين وأصول القواعد، فلم تحدث حادثة إلا لها حكمها، بل أحكامها، مقدرين الظروف، والمنافع والمضار، دارسين عادات البلاد وعرفها وتقاليدها، عالمين الحدود التي يتسامحون فيها؛ لأنها لا تتعارض مع كليات الدين، وعارفين الحدود التي لا يتسامحون فيها لمعارضتها لهذه الكليات.
ولم يَشْكُ الناس قط في تلك الأزمنة من عدم الاجتهاد وقلته، ومواجهة الأحداث الجديدة؛ فلئن كانت شكوى فقد كانت من كثرة الاجتهاد وكثرة الأحكام، حتى اضطرت الممالك الإسلامية أن تعالج هذه الحرية في الاجتهاد بأشكال مختلفة، ففي المشرق حاولوا معالجتها باختيار مجموعة للأحكام يعرفها الناس قبل التقاضي، كما رُوي من حديث أبي جفعر المنصور مع مالك في شأن الموطأ، وفي الأندلس ألفت رسميًّا جماعة تسمى جماعة الشورى، جعلت هي المرجع في الاجتهاد.
ثم كان — مع الأسف الشديد — أن جهل الناس هذا العنصر الأساسي في الإسلام، وهو الاجتهاد، فأغلقوا بابه فأغلقوا عليهم باب الرحمة، وإذا عدم الناس الاجتهاد أصابهم الركود، وتصلب العود، والزمان لا يقف أبدًا، والحوادث تتجدد دائمًا، فإذا لم تواجه بالاجتهاد المرن، ولم ينتفع بتجددها، تخلف الناس عن زمانهم، وجمدت عقولهم، وسكنت حركتهم، وأصيبوا بالفقر العقلي، وهذا ما حدث للمسلمين فعلًا.
وقد تدرج هذا التصلب من اجتهاد مطلق إلى اجتهاد في المذهب، إلى اجتهاد في الفتيا، إلى لا شيء.
وكان لهذا الركود أسباب تاريخية عدة، لا مجال لتفصيلها، أهمها القضاء على حرية الفكر التي كان يقوم بها المعتزلة، وغلبة بعض المحدثين في عهد المتوكل، ثم غلبة نوع من التصوف ينشر القول بالجبر، لا بالمعنى الفلسفي الذي هو ربط الأسباب بالمسببات، ولكن بمعنى التسليم المطلق لحوادثِ الدهرِ، من غير تدخل في شئونها، مطالبين أن يكون العبد كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، لا يكون له حركة ولا تدبير.
وقد أحس بعض كبار المسلمين بهذا الخطر الناشئ من ضياع الاجتهاد، فحاولوا محاولاتٍ عنيفةً في هذا الباب، كما فعل عبد المؤمن بن علي في المغرب حول سنة ????، إذ وجد العلماء انهمكوا في الفروع، ورضوا بالتقليد، فأحرق كتب الفروع، وألزم العلماء بالاجتهاد وترك التقليد.
وكما فعل ابن تيمية عقب سقوط بغداد، إذ نادى بالاجتهاد ودعا إليه، ولقي في ذلك من العناء ما لا يوصف، ولكن مع الأسف ذهبت دعوتهم هباء.
إن وقوف الاجتهاد معناه الركود، معناه الحكم بالإعدام على العقل، معناه وقوف الناس حيث هم، وكذلك كان تاريخ المسلمين منذ القرن الخامس، حياتهم متكررة، ولا جديد ولا قائد ولا مجتهد يبعث على حركة، أو يحول الحركة إلى جهة صالحة.
ولم يكن إغلاق باب الاجتهاد مؤثرًا على التشريع وحده، ولا على الإصلاح الاجتماعي وحده، بل شمل كل مرافق الحياة، فاللغة واقفة حيث وقف المتقدمون، والمعاجم كما كتب الأولون، والصناعات كما صنع السابقون، وهكذا، وظللنا كذلك حتى صفعتنا المدنية الحديثة فانتبهنا مذعورين.
كانت المدنية الحديثة مشكلة كبرى أمامنا، كيف نحدد موقفنا إزاءها؟ وقد عرضت هذه المشكلة لكل أمة مسلمة، في الهند، في الشام، في فارس، في العراق، في تركيا، في مصر، وقد رأينا أنه في كل قطر تقريبًا، وُجِدَ مذهبان مختلفان لحل هذه المشكلة، وطريقة الإصلاح التي يدخلونها على الأمة، فأما طائفة فرأت حصر الدين في دائرة ضيقة جدًّا؛ لأنه فقد مرونته، وفقد أهله مرونتهم، ولتكن هذه الدائرة دائرة العبادات والأحوال الشخصية، وأما ما عدا ذلك من نظم الحكم وقوانين البلاد وما إلى ذلك من مرافقِ الحياةِ، فيجب أن يتجه فيها إلى أوربا ونظمها وقوانينها، فهذه باب الاجتهاد فيها مفتوح والمرونة فيها على أتمها، فلندرس ما وصلت إليه أوربا في السياسة، وفي الإصلاح الاجتماعي، ولنجتهد فيه ولنأخذ منه ما يصلح للأمم الشرقية، وليبقَ بابُ الاجتهاد مفتوحًا على مصراعيه، كلما جد في أوربا جديد اقتبسنا منه، وكلما تغير الزمن عندنا غيرنا ما يتفق والعقل والمصلحة، قالوا: لقد فصلت أوربا بين الدين والدولة فلنفصل نحن أيضًا، ولنجعل حدود الدين في العبادات وما يتصل بها، ولنجعل حدود الدولة واسعة كل السعة، وليكن شارعونا في الدولة ممن عُلِّموا على النمط الغربي، وممن يحكِّمون العقل المطلق ويجتهدون الاجتهاد المطلق، وبدل أن كان يشترط في المجتهد المطلق العلم بكليات الشريعة ومقاصدها ومراميها نشترط نحن أن يكون عالمًا بمقاصد المدنية الغربية وكلياتها ومراميها، ذلك لأنا أمام مدنية تشبه التي واجهتها جزيرة العرب أيام عمر بن الخطاب، بل هي أشد تعقدًا وتركبًا: معاملات جديدة أشكال وألوان، ومخترعات جديدة، ونظم سياسية جديدة، وكل شيء جديد، فما لم نواجهها باجتهاد مطلق قوي واسع المدارك وقفنا مشلولين، ولا أمل في مرونة كالمرونة الأولى أيام عمر — في العصور الحاضرة على الأقل — فوجب أن نجتهد اجتهادًا آخر، أساسه العقل المطلق، وقياس المنفعة والمضرة من غير قيد، ولنؤسس القومية والوطنية كما أسستها أوربا؟ ولينظر كل وطن وكل قوم في مصالحهم حسبما ترشدهم إلى ذلك عقول مجتهديهم.
وبجانب هؤلاء دعاة آخرون يرون أن الإسلام في أساسه عنصر صالح كل الصلاحية، يحمل في ثناياه المرونة الكافية — كما أسلفنا — وجمود أهله عارض، وقشرة ظاهرية إذا أزلناها بقي على صلاحيته، والأمم الإسلامية قد تأقلمت بالإسلام أجيالًا طوالًا حتى صار في لحمها ودمها، فإذا جئتها بمبادئَ جديدةٍ بعيدةٍ عنها اضطربت أمزجتها وحياتها بين الموروث والمكتسب، وهذه المدنية الغربية إنما تنفع بحذافيرها في البيئة الغربية، وأساس تعاليم الإسلام عدم التفرقة بين شئون الدين وشئون الدنيا، فالعمل شيء واحد له وجهان دائما: وجه دنيوي ظاهري، ووجه ديني يتعلق بالنية، والمدنية الغربية قد فصلت بين الدين والدولة؛ لأن الدين المسيحي لم يتعرض لشئون الدنيا، فأمكن وضع الدين في دائرته، وتأسيس دائرة أخرى للدولة وشئونها؛ وقال هؤلاء للطائفة الأولى: ربما كان يكون قولكم صحيحًا وحجتكم قوية لو أن المدنية الغربية برهنت على صلاحيتها للحياة، أما وكل يوم دليل جديد على فسادها، من حرب تهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من شرور، فأولى ألا نندمج هذا الاندماج، وألا ندعو إلى وطنيات وقوميات، وإنما إلى عالم إسلامي يطمح أن تعم مبادئه الإنسانية كلها، ثم أن نؤسس إصلاحاتنا الاجتماعية على أساس نظريات الإسلام، فذلك أقرب إلى قلب الأمة وأدعى إلى الإصغاء للدعوة وتلبيتها، نعم إن ذلك لا يكون إلا بإزالة القشرة الظاهرية التي غلفت الإسلام، والرجوع إلى عناصره الأولى، ومنها الاجتهاد المطلق، والمرونة الكافية، وهذا مطلب عسير، ولكنه ممكن.
إذًا فكل فرقة من الفرقتين تدعو إلى الاجتهاد المطلق، وإن اختلف منبع كل.
والعالم الإسلامي الآن حائر بين النزعتين والدعوتين، ويخيل إلي أن الدعوة الأولى غالبة والعمل يجري عليها والاتجاه إليها أقوى في صمت وسكون، والأمم الإسلامية تختلف في مدى تطبيقها والعمل بها، وربما عدت تركيا في طليعة الآخذين بها.
وعلى قادة العالم الإسلامي واجب قوي الآن، وهو إنقاذه من هذه الحيرة، ورسم الخطة المحكمة الحازمة التي يحب السير عليها، وتنظيم الإصلاح الاجتماعي حسب الفصل في هذا الأساس، ويحب ألا يكون هذا الإصلاح ارتجالًا، فليست تقبل إحدى هاتين الطائفتين هذا الإصلاح المرتجل؛ لأن الارتجال سير على غير هدى، وبناء من غير تصميم، وحبذا لو أمكن السير على الرأي الثاني، ولكنه — كما أسلفت — لا يمكن حتى يثبت أهله صلاحيتهم للمرونة، وللاجتهاد المطلق، والله الموفق.

حديث الخميس (?)


وعدت القراء أن أوافيهم من حين إلى حين بما يدور مساء الخميس في «لجنة التأليف».
لقد كان حديث الليلة حديثًا طريفًا، فبعد أن التأم الجمع بدأ أحدنا يقص علينا عملًا عمله في يومه، وأعقبه بقوله: «لقد كانت قِرْفَته ثقيلة».
وهنا تعلق أحد الحاضرين بهذه الكلمة وسأل: من أين جاء هذا التعبير، فيقولون للعمل إذا سار في يسر وسهولة: «إن قرفته خفيفة» وإذا تعقد وارتبك: «إن قرفته ثقيلة»؟ وكلنا يعرف القرفة، وأنها نوع من الأفاويه يستعمله المصريون مشروبًا ساخنًا كالشاي، فكيف استعمل هذا الاستعمال الغريب؟
رد أحد الحاضرين بأن مصدر هذا الاستعمال حلقات الذكر، وقد جرت العادة أن يوزع فيها مشروب القرفة، ولكن توزيعها في هذه الحفلات فوضى في غير نظام ولا إتقان، فالقرفة تصنع على عجل وتوزع حيثما اتفق، فهذا يناله فنجان سكره خفيف، وهذا سكره كثير، وهذا قرفته خفيفة، وهذا قرفته ثقيلة — هذا أصل الاستعمال، ثم تطور المعنى، فصاروا يعبرون عن كل شيء خفيف الظل بأن قرفته خفيفة، وكل شيء ثقيل الظل بأن قرفته ثقيلة.
– ولكن هناك ما هو أصعب من السؤال عن اللفظ وأعقد: ما معنى أن الشيء قرفته خفيفة أو ثقيلة؟ هل هو أمر يعود إلى أسباب طبيعية يمكن تفسيرها وشرحها، أو أن وراء هذه الأشياء الطبيعية التي نعلمها أشياء روحية نجهلها؟
تبلبل الحاضرون واختلفت الآراء.
– أما أنا فإني أرى أن الأمر يمكن تفسيره بالقوانين الطبيعية، فالإنسان إذا كان معتدل المزاج، قوي النشاط، معدته صحيحة، ودورته الدموية نشيطة، وكبده في حالة جيدة، والعمل يناسبه، كانت قرفته خفيفة، وأما إذا ساء مزاجه، أو اضطربت معدته، أو ساءت حالة كبده، أو كان العمل ليس في مقدوره، كانت قرفته ثقيلة، وكل ذلك طبيعي ولا شيء غير الطبيعة.
– وأما أنا فإني أرى أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأنه أعقد من أن يحل بهذه السرعة، لقد أكون معتدل المزاج، متوفر فيَّ كل الشروط التي ذكرتها، وأحيانًا أعرض لعمل فيسهل، وأعرض لمثله أحيانًا فيصعب.
لقد سكنت بيتًا وكانت كل الدلائل تدل على حسنه، مبناه جميل، وهندسته جميلة، وحائز لكل الشروط الصحية، ومع ذلك كانت قرفته ثقيلة، بليت فيه بالمرض، وابتلي أولادي بالمرض، وأصبت فيه بالنكد، وكانت حياتي فيه سلسلة مصائب، حتى إذا انتقلت منه إلى بيت آخر زالت كل هذه الشرور.
– وتصديقًا لقولك، هذا رجل يتزوج زوجة قد لا تكون حسناء، ومع ذلك فهو سعيد موفق في تجارته، يأتيه الرزق من كل مكان، وتنهال عليه الخيرات وينعم بضروب السعادة، ثم تموت هذه الزوجة، ويتزوج غيرها قد تكون أجمل منها، ومع هذا يبتدئ يضيق رزقه ويقل مورده، وتكثر متاعبه، ولا يزال يتدهور حتى يصل إلى الحضيض، فكيف تفسر ذلك تفسيرًا طبيعيًّا؟
– وهذا رجل يلعب نردًا أو شطرنجًا أو ورقًا، فهو في أسبوع حسن الحظ جدًّا، يلعب فيكسب، ثم يلعب فيكسب، ويلي الأسبوع أسبوع آخر يلعب فيه فيخسر، ثم يلعب فيخسر، واللاعبون معه هم هم، وهو هو فكيف تفسير ذلك طبيعيًّا؟
– وهذا يوم اصطبحت فيه بشخص، فكان يومًا أسودَ: ركبت سيارتي فتعطلت في الطريق، فاستأجرت أخرى فاصطدمت، وذهبت إلى عملي فكان غير موفق، واشتريت شيئًا فكان سيئًا، وعدت إلى بيتي فوجدت ابني قد رجع من المدرسة مكسور الذراع، ودعوت الطبيب فلم أجده، واصطبحت بشخص آخر يومًا آخر، فكان كله توفيقًا، فكيف نفسر ذلك تفسيرًا طبيعيًّا؟ ولِمَ تَجَمَّعَ كل الخذلان في يوم؟ ولِمَ تَجَمَّعَ كل هذا التوفيق في يوم؟ إذ ذاك انقسم الحاضرون إلى معسكرين: معسكر يرى أنه لا شيء في هذا كله مما يصعب تفسيره تفسيرًا طبيعيًّا، فلا شأن للبيت المشئوم في شؤمه، ولو كان من حدثت له هذه الأحداث في أي بيت لجرى له ما جرى، إلا أن يكون في البيت نفسه شيء غير طبيعي يخل بالصحة، ودليل ذلك أن البيت الواحد قد يسعد فيه قوم ويشقى آخرون، ولو كانت المسألة مسألة البيت لاتحدت نتائجه من سعادة أو شقاء دائمًا، بل إن البيت الواحد للأسرة الواحدة قد يكون مكان سعادة لها حينًا وشقاء حينًا لأسباب خارجة عن البيت نفسه.
وكذلك الشأن في حديث الزوجة، ليس لها دخل في فقر الزوج وشقائه بعد غناه وسعادته، إلا أن يكون لها من الأخلاق ما يسبب ذلك، كإسرافها أو تبديدها أو إهمالها، فإذا لم يكن شيء من ذلك فلا بد أن تكون هناك عوامل اقتصادية أخرى غير المرأة سببت تدهور تجارته، لو حدثت أيام الزوجة الأولى لحدث الفقر نفسه، ولسنا ننكر المصادفات، وأن حوادث الشر قد تتجمع في يوم، وحوادث الخير تتجمع في يوم، ولكن كل مصادفة ترجع إلى قانون السببية.
ووقف المعسكر الآخر يحمل على هذا التفسير، ويرى أنه لا يحل الإشكال، وأنه لو كان الأمر دائمًا يرجع إلى علل معقولة فما بالنا نرى من تجمعت فيه كل شروط النجاح ثم فشل، ومن تجمعت فيه كل أسباب الفشل فنجح؟ وما بالنا نرى الشخص يضع يده في التراب فيكون ذهبًا، ونرى الآخر يضع يده في الذهب فيصير ترابًا، ولو حاولنا أن نبين لذلك أسبابًا معقولة لعجزنا كل العجز.
ثم تشعب الجدل وطال، ورأينا أنفسنا قد انتقلنا في خفة ورشاقة إلى شيء يتصل بذلك أتم الاتصال، قد كان مدار الحديث حول «القرفة الخفيفة والقرفة الثقيلة»، فإذا بنا نتحدث عن الدم الخفيف والروح الخفيف، والدم الثقيل والروح الثقيل.
– ما هذا أيضًا؟ إنا لنرى من استوفى كل شروط الجمال في لونه وتقاطيعه، ولو طبقت عليه كل القواعد التي وصل إليها علماء الجمال لانطبقت عليه، ومع هذا نقول: إن دمه ثقيل. وآخر قد اجتمعت عليه كل ضروب القبح في لونه وكبر أنفه وجحوظ عينيه وانحناء متنه، وهو مع ذلك خفيف الروح تأنس النفس به وتنجذب إليه، هذا من جنس ذاك، فما تفسيره؟ أهو أيضًا خاضع لقوانين طبيعية أو تدخل فيه قوانين روحانية؟
– تفسير ذلك أن الجمال أنواع: فمنه جمال الأعضاء والتقاطيع والألوان، ومنه جمال الحركة، وجمال الحديث، وجمال العقل والتفكير وجمال الروح، وخفة الدم ترجع إلى جمال الروح، وليس هذا فقط، بل إن الجمال سواء كان حسيًّا أو معنويًّا لا بد فيه من الانسجام بين الرائي والمرئي والشاعر والمشعور به، ومن هذا ترى الإنسان جميلًا في عين إنسان وليس جميلًا في عين آخر، وخفيف الروح في عين وثقيلها في عين، ثم قد يكون الشخص جميلًا جمالًا حسيًّا، وليس جميلًا جمالًا معنويًّا، فإذا رأيته أعجبك شكله، فإذا تكلم أو عرض عقله تبينت ثقله؛ لأن قبح عقله غطى على جمال شكله، فالمسألة كلها ترجع إلى قوانين طبيعية سواء في ذلك جمال الحس وجمال المعنى.
– أما أنا فالأمر عندي أدق من ذلك، فأعتقد أن هناك إشعاعًا روحيًّا أدق وألطف من إشعاع الضوء، وأن كل إنسان له نوع إشعاع، فإذا توافق إشعاع الناظر والمنظور على نوع من أنواع الاتفاق أحس بالجمال وعبر بخفة الروح، وإذا لم يتوافق الشعاعان عبر عن ذلك بثقل الروح، و«الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، وكيف ننكر هذا الإشعاع وقد قربنا من إدراكه اكتشاف اللاسلكي، وأمواج الروح أدق من أمواج السلكي واللاسلكي.
– ولكن إذا كان هذا صحيحًا فلم نستثقل شخصًا ثم نستلطفه أو نستلطفه ثم نستثقله؟ ولو كان الأمر أمر إشعاع وتوافق لاستمر ذلك أبدًا ولم يحدث فيه هذا التغير؟
– الأمر يمكن تفسيره بأن هناك طاقات ينفذ منها الإشعاع، تفتح فيخرج إشعاعها وتغلق فينعدم، فهذه طاقة إشعاع تنفتح عند الحديث، وأخرى عند الخطابة، وثالثة عند تلاقي العيون، ورابعة عند الحركات، وهكذا، وقد تكون أشعة طاقة من الطاقات لطيفة جميلة، وإشعاعات طاقة أخرى ليست لطيفة ولا جميلة، وقد تكون جميلة بامتزاجها مع إشعاعات شخص، وليست جميلة إذا امتزجت مع إشعاعات آخر، ومن أجل ذلك ننظر إلى شكل إنسان فنستجمله فإذا تحدث نستقبحه، وإشعاعات الأفراد تختلف كمية وكيفية، فتختلف كمية كقوة مصابيح الكهرباء، وتختلف كيفية كالأمواج القصيرة والطويلة والمتوسطة، ولهذا يختلف الأفراد في قوة التأثير حسب قوة الإشعاع وضعفه وكثرته وقلته.
– هذا كلام شعري لا كلام علمي، هو كلام يستسيغه الأديب الذي يروعه التشبيه والاستعارة وسائر ضروب الخيال، ولكن لا يأبه له العالم الذي يحلل ويعلل ولا يقنع إلا بالسبب والمسبب.
– وما ضرر هذا وليست حقائق الدنيا كلها علمًا، بل فيها العلم والأدب؟ وطبيعة العالم فيها الصنفان جميعًا، هذا النهر يتكون من عناصر الماء العلمية ومن جمال مناظره الأدبية، من أوكسيجينه وهيدروجينه، ومن بريقه وخريره، وهذه الأشجار تتكون من عناصرها الأولية ومن زهرتها الجميلة وحفيف أوراقها الجميل ولعب النسيم بأغصانها الجميلة، فلماذا تريدنا على العلم الجاف، ولا تريدنا على الأدب الجميل، إذا كانت حقائق الدنيا فيها النوعان معًا؟ ثم ما هذا الغرور العلمي الذي يريد ألا يؤمن إلا بما يقع تحت حسه ولا يقر إلا بما يحلله في معمله؟ فكم في الدنيا من عوالمَ: عالم يخضع لقوانين السببية وعالم لا يخضع، عالم اكتشف وعالم سيكتشف، وعالم لا كشف ولا سيكتشف، وكل يوم يطلع على العلم بقوانين جديدة، وكل يوم تتسع فيه دائرة المعلوم وتضيق دائرة المجهول.
– أما إن وصلنا إلى هذا فالأمر يسير، فأنا — كعالم — أقف عند حدود العلم، ولا أومن بالفروض حتى تدخل في باب الحقائق، ومع هذا لا أدعي أن العلم وصل إلى كل شيء، وحل كل شيء، وإنما الذي أنكره عليك أن تعرض جمال الروح وقضايا الإشعاع على أنها علم لا فرض، أما إن عرضتها كفرض فلنبحثها بحث الفروض.
ودقت الساعة مؤذنة بالانصراف فتفرقنا، وكانت جلسة روحها خفيفة، وقرفتها خفيفة، أليس كذلك؟

أبو ذر الغِفَارِيّ


لم يكن أبو ذر بطلًا من أبطال الحروب تؤثر عنه المغامرات الحربية وتؤثر عنه الانتصارات والفتوح، ولكنه بطل من نوع آخر، هو الإصرار على الحق والمجاهرة به والتضحية في سبيل قوله والدعوة إليه بنفسه وماله، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا تفزعه سطوة حاكم.
هو من قبيلة تسمى غفار، قبيلة مضرية كانت تسكن الحجاز على الطريق بين مكة والمدينة، ولم يكن عظيمًا في قومه، يستند — كعادة الجاهلية — في عظمته على الحسب والنسب، والمال والثروة، وإنما كان عظيمًا في عقله، يحكِّمه في دينه وفي عقيدته، ويستطيع إدراك ما هو خير وما هو شر، لذلك يؤثر عنه أنه قبل الإسلام أدرك سخافة عبادة الأصنام وتحرر منها، ومال إلى عبادة الله وحده، على نحو غامض لم ينكشف له تمام الانكشاف إلا بالإسلام.
وأدرك قومه الجدب فرحل مع بعض أهل بيته إلى بعض أقاربه في أعلى نجد، ولكنه لم يسترح هناك فهاجر إلى مكة، وصادف عند هجرته أول دعوة محمد ? إلى الإسلام، وسمع الناس في مكة يتحدثون بمحمد هل هو نبي أو ساحر أو شاعر أو مجنون، فأحب أن يخبر الخبر بنفسه ويعرف كنه دعوته، ويحكم في ذلك عقله هو لا كلام الناس، وساعده على ذلك أنه نفسه كان ثائرًا على الأصنام، فلما سمع بثائر آخر أحب أن يعرف دعوته، فتلمس لقاء محمد حتى وجده، وأصغى إليه، وإلى أساس تعاليمه، فعرف فيها الخير، فسرعان ما آمن قبل أن يؤمن الناس، وكان خامس مؤمن.
ولكنه لما آمن تحرك طبعه من حب مجاهرته للحق، فلم يشأ أن يسكت وقد نُصح بالسكوت، فتعرض لصناديد قريش وجهر فيهم بالإسلام، فأوذي وضرب ضربًا شديدًا حتى كاد يقضى عليه لولا أن تدخل العباس وقال لقريش: يا معشر قريش أنتم تجار، وطريقكم على غفار، أتريدون أن يقطع الطريق عليكم، فكفوا عنه، وعاود ذلك فعادوا، فأدرك النبي ? أنه لن يسكت، وأنه معرض للقتل، فأمره أن يلحق بقومه حتى إذا ظهرت الدعوة فليأته، فرجع إلى بلده يدعو بعقيدته، ثم ظهر بعد أن هاجر النبي ? إلى المدينة وبعد غزوة بدر وأحد، فإن أبا ذر لم يشهدهما.
وكان أبو ذر من أهل الصفة، والصفة موضع مظلل في مسجد المدينة كان يأوي إليه فقراء الصحابة ممن لم يكن له منزل يسكنه، كانوا فقراء فكان يمدهم الأغنياء بمالهم، ويقدمون إليهم طعامهم ويستضيفونهم في منازلهم، وإذا أتى النبيَّ صدقةٌ بعثها إليهم، يلبسون رقيق الثياب ويأكلون تافه الطعام، وكانوا يختلفون في العدد من حين إلى الآخر، فكانوا أحيانًا سبعين وأحيانًا دون ذلك أو أكثر من ذلك، وكان النبي يزورهم في مكانهم الفينة بعد الفينة ويحدثهم ويصغي إليهم، ولأنه كان يقوم الأشياء والناس غير التقويم الجاهلي من الاعتزاز بالمال والنسب، وإنما يقومهم بالأخلاق والعمل، كان يكرم هؤلاء ويقدرهم ولا يرى غضاضة في الجلوس إليهم، وكان صناديد العرب يأنفون من ذلك ويعدونهم عبيدًا أذلاء لا يصح أن يجالسوهم، فلما جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وأمثالهما إلى المسجد طلبوا من النبي أن يفردهم بالجلوس وقالوا: إنا نستحي أن ترانا العرب قعودًا مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فنزل قوله تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، وكان من أهل الصفة هؤلاء أمثال أبي ذر وسلمان الفارسي وبلال وأبي سعيد الخدري وغيرهم.
كانت ميزتهم المشتركة بينهم الفقر، وكثرة الاتصال برسول الله، ثم هم يختلفون بعد ذلك في مزاياهم الشخصية.
وكان لرسول الله ? نظر صائب في الأشخاص ومواضع قوتهم وضعفهم، وكان يوجه كُلًّا حسب استعداده وما يصلح له، ويلقي بالنصيحة لكل فتُذهب خبثه، وتصهر نفسه.
ولقد كانت نصيحته الكبرى لأبي ذر التي تتفق ونفسه، وما عرف عنه من قول الحق والدفاع عنه ما حدث به أبو ذر أنه قال: «أوصاني رسول الله أن أحب المساكين وأدنو منهم وأنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر لمن هو فوقي، وألا أسأل أحدًا شيئًا، وأن أصل الرحم، وأن أقول الحق وإن كان مرًّا، وألا أخاف في الله لومة لائم».
وقد نفذ أبو ذر هذه النصيحة في دقة، فلم يحد عنها.
جاءت الدنيا بخيرها ونعيمها، فعمت العرب، واغتنى بعض أهل الصفة، وظل أبو ذر متلذذًا من فقره، متخففًا من حاجاته، متعففًا عن الغنى حتى لقي ربه.
يعطَى العطاء فينفقه على الفقراء، ويتصدق به على المحتاجين، ولا يدخر لنفسه إلا القليل، يرى من النعم الكبرى عليه أن له ثوبين، ثوبًا لبيته وثوبًا للمسجد، وله أعنزًا يحلبها، وله أحمرة يحمل عليها الميرة، وعنده من يخدمه ويكفيه مهنة طعامه، ويقول فأي نعمة أفضل مما أنا فيه، ويحلب غنيماته فيبدأ بجيرانه وأضيافه، ويبقي القليل لنفسه، ويرفق بزوجته السحماء السوداء، ولا يقبل نصيحة أصحابه في أن يتزوج غيرها.
ميزة أبي ذر الكبرى هي ما نصحه به رسول الله أن يقول الحق ولو كان مرًّا، فقد تجلت فيه هذه الصفة على أتمها، حتى اعترف له بها كل الناس، وحتى روي عن علي أنه قال: «لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر، ولا نفسي، وأشار بيده إلى صدره»، وكان أبو ذر نفسه يقول: «ما زلت آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر حتى ما ترك الحق لي صديقًا».
تجلت فيه هذه الموهبة على أتمها — فيما تجلت — في آخر أيامه، وقد ذهب إلى دمشق، وواليها معاوية من قِبَلِ عثمان، والبلد تزخر بالنعيم، وتتدفق بالذهب والفضة، والناس ينعمون بأطايبِ العيش ومتع الحياة، وكان قد ذاق وذاق معه كثيرون ألم الفقر في الحجاز، وجرَّب بنفسه آلام البؤس، فحزَّ في نفسه ترف هؤلاء، وبؤس هؤلاء، وتلا قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فتملكته عقيدة أنه لا يصح الإفراط في الترف بجانب الإفراط في البؤس.
اصطدم أبو ذر بمعاويةَ، وطبيعي أن يصطدما، فمعاوية رجل سياسي، محاور مداور، فيه الاعتزاز بالأرستقراطية العربية، من اعتداد الحسب والنسب، فأبوه أبو سفيان سيد بني أمية، والخليفة عثمان من بيته، وأبو ذر رجل من سواد الناس لا يعتز إلا بدينه وخلقه، ومعاوية هو الوارث في إمارته بالشام ملك الرومان وزهوهم وفخامتهم وجبروتهم وأبهتهم، يسكن القصور الفخمة ويعيش العيشة المترفة الناعمة ويتلو قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وأبو ذر بدوي لا يملك إلا أعنزًا وثوبين وقليلًا من الميرة ويعيش حتى في دمشق في خيمة من الشعر، ويرى الذهب والفضة نارًا لا يصح أن تلمسها يده فتحترق، ويتلو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، ومعاوية سياسي ينظر للمال على أنه يخدم السياسة ويدعم الملك والإمارة، فهو يتألف به قلوب النافرين، ويقرب به نفوس الثائرين، ويهبه للشعراء يشيدون بذكره ويعلون من شأن بيته، ويمكنون له في سلطانه، ويهجون المنحرفين عنه، والناقمين عليه وما إلى ذلك من أفانين السياسة، وأبو ذر رجل صريح لا شأن له بالإمارة، وقد عرف فيه رسول الله ذلك، فقال له: «لا تأمَّرنَّ على اثنين»، فهو ينظر إلى الأمور نظرة صريحة مجردة من اعتبارات السياسة وملابساتها، ويرى أن المال إنما جعل وسيلة لإسعاد الناس، وسد حاجات البائسين، وإعانة المعوزين، لا لترف المترفين، ولا لإعطاء الشعراء والمادحين والثائرين، ولا لكنز الكانزين، وأن المال خلق لسد الضرورات أولًا، ولترف المترفين أخيرًا.
فلا عجب وهذا هو الشأن أن يصطدم أبو ذر بمعاوية اصطدامًا عنيفًا، وأبو ذر على بساطته وبداوته وفقره لم يكن رجلًا هينًا، يستطيع معاوية — على عظمته وسلطانه وسعة حيلته — أن يتغلب عليه في سهولة ويسر، فقد كان أبو ذر حارًّا في عقيدته، والعقيدة الحارة تزلزل الجبال، وكان لسنًا يجيد التعبير عما في نفسه، فيبلغ ببيانه من نفوس سامعيه مبلغًا كبيرًا يخيف معاوية، ولكن ماذا حدث؟ حدث أن معاوية في الشام كان إذا جاءه مال من ضرائبَ أو خراجٍ أو نحوِ ذلك احتجز بعضه للصرف على المصالح العامة التي منها مصارف السياسة التي أشرنا إليها، وكان معاوية يسمي هذا الجزء المحتجز «مال الله»، تمشيًا مع قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ ومعنى مال الله أن الإمام يصرفه حيث يشاء في المصالح العامة، فلم يُرْضِ أبا ذر هذا الرأي، ولا هذه التسمية، ورأى أن المال يجب أن يصرف أولًا في سد حاجة الفقراء، وأنه يجب أن يسمى مال المسلمين.
وذهب إلى معاوية، وقال له: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ قال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟! قال أبو ذر: فإني لا أقول: إنه ليس لله، ولكن سأقول: مال المسلمين. اختلفت نظرية أبي ذر ومن تبعه، ونظرية معاوية ومن على رأيه ومنهم الخليفة عثمان، فعثمان ومعاوية ومن على رأيهما يرون أن وسائل الكسب حرة مفتحة أمام الجميع، فمن استطاع أن يغتني من طرقها المشروعة فليغتنِ، فإذا اغتنى وجب عليه أن يؤدي الزكاة للفقراء على حسب الشريعة، ثم هو بعد ذلك حر في أن ينعم بالحياة أو يزهد فيها، فإذا هو شاء النعيم في حدود ما أحل الله، فلا حرج عليه في ذلك، وقد عبر عن ذلك كله عثمان بن عفان بقوله لأبي ذر: «يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد».
وأما نظرية أبي ذر فهي أن الناس مطالبون أن يعينوا بمالهم الفقراء، وأن الزكاة ليست هي كل ما يجب، وإنما هو الواجب القانوني، ووراء هذا الواجب القانوني واجب أخلاقي وديني، وهو معاونة البائسين والمحتاجين حتى يذهب بؤسهم واحتياجهم، وليس لأحد أن ينعمَ كلَّ النعيمِ وجاره بائس كل البؤس، وقد عبر عن ذلك بقوله لعثمان: «لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة ألا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات».
على كل حال اصطدمت النظريتان، وأحس معاوية بخطر أبي ذر في الشام، وأن دعوته خطرة من جهتين، من جهة خطرها على حرية الغنى، وحرية العمل، وحرية الكسب، وحرية الاستمتاع بالحياة، ومن جهة أخرى أن بعض رءوس الفساد يستغل هذه الدعوة، ويستغل طهارة أبي ذر فيشعل الفتنة في التأليب عليه وعلى دولته.
فكتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر ودعوته، فكتب إليه عثمان: «إن الفتنة قد أخرجت خُطمها وعَيْبَتَهَا، فلم يبق إلا أن تثبت، فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر، وابعث معه دليلًا وزوده وارفق به».
فبعث إليه أبا ذر فحاجه عثمان فلم يقنعه، وطلب إليه أن يسمح له بالخروج إلى بلدة بعيدة عن الناس، فسمح له فخرج إلى الربذة (وهي قرية على ثلاثة أميال من المدينة في طريق مكة)، وما زال بها حتى مات رحمه الله.
لقد كانت أكبر ميزة فيه حبه للحق، وصراحته فيه، وعمله وفق عقيدته، لقد اعتقد هذه العقيدة في المال فألزم نفسه اتباعها، ولقد كان — على فقره — يحلب غنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه، ويقدم لهم ما عنده من تمر، ثم يعتذر إليهم ويقول: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به، ويبيت أحيانًا على الطوى، وعرف منه رسول الله هذا الخلق، فقال: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر».
ولطيفة أخرى له، وهو أنه خالف معاوية واشتد في مخالفته، وخالف عثمان واشتد في مخالفته، ولكنه رأى أن الأمور لا تصلح إلا بطاعة من بيده الأمر بعد أن يبين له وجه الحق في صراحة، وأنه إذا عمل كل حسب رأيه من غير طاعة لرئيس أصبح الناس فوضى، فكان هذا من أجمل المواقف لأبي ذر، حدث المؤرخون: «أن أبا ذر وعثمان تناجيا حتى ارتفعت أصواتهما، ثم خرج أبو ذر مبتسمًا، فأتاه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا ذر، فعل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب لنا راية (؟) (يريدون راية الثورة)، قال: يا أهل الإسلام لا تعرضوا عليَّ ذاك، ولا تذلوا السلطان، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو سيرني ما بين المشرق والمغرب لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي». رحم الله أبا ذر، فقد كان محبًّا للحق، مخلصًا له جاهرًا به ملتزمًا له.

العلماء في حضرة تيمورلنك


كان تيمورلنك من هؤلاء الأفذاذ الذين يظهرون من آن لآخر في التاريخ، فيصبغون أديم الأرض بالدماء، أمثال الإسكندر وهولاكو ونابليون، ويتجلى عليهم الله باسم المنتقم الجبار، كما يتجلى على الأنبياء باسم الرحمن الرحيم أو الهادي الأمين.
تواتيهم الظروف وتسعفهم الأقدار، فيقطعون الأرض طولًا وعرضًا، وشرقًا وغربًا، كما يقطع اللاعب رقعة الشطرنج، فيخربون ويدمرون، وينكلون بمن يقف في سبيلهم، أو تحدثه نفسه بصدهم، قد جردوا من ضمير مؤنب، أو وجدان مشفق، تلذهم الدماء كما يلذ الأكل الشهي النهم الأكول، أو كما يلذ الماء الزلال الظامئ الصادي، كأن بينهم وبين الإنسانية ثأرًا، فلا يهدأون حتى يقضوا عليها، ويطووا صحيفتها، وهم مع هذا كله يعتقدون أن العناية الإلهية أرسلتهم ليدفعوا الظلم، وينشروا في الأرض راية العدل! وويل للإنسان من العقل، فهو قدير أن يسمي أقسى الظلم غاية العدل، وأن يسمي التخريب تعميرًا، وأن يسمي الوحشية إنسانية، وهو في كل ذلك يجد المنطق الذي يخدمه، والبرهان الذي يؤيده.
•••

كان لتيمورلنك قلب أقسى من الحديد، وأصلب من الجلمود، لا تأخذه رأفة، ولا تلجه رحمة، سلط على ممالك آسيا فدوخها، وصاد سلاطينها، وأباد البلاد، وأهلك الحرث والنسل، وأزهق النفوس، وبنى القلاع من الرءوس، وكان كما حدث عن نفسه: «في قدمه ثلاثة أشياء: الخراب والقحط والوباء».
ولكن كان له بجانب قسوته وغلظته جوانب غريبة، كان له فراسة في الأشخاص ولا فراسة إياس، تستخرج من أعماق الصدور ما لا يستخرجه القياس، وكان إلى هذا يألف الأولياء والعلماء، وتلذه مجالسهم ورؤيتهم، وأحاديثهم ومناقشتهم، يستمد البركة من الأولياء، ويزورهم ويطلب دعاءهم، وإذا فتح بلدة دعا علماءها للمجادلة معهم.
سمع — وهو بخراسان — عن ولي من أولياء الله ذي كرامات ظاهرة ومكاشفات صادقة، اسمه زين الدين أبو بكر الخوافي، فقصده تيمورلنك ونزل عن فرسه ودخل عليه، فقام الشيخ له، فانحنى تيمورلنك على رجله يقبلها، فوضع الشيخ يده على ظهره ثم رفعها، فقال تيمور: «لو لم يرفع الشيخ يده لقضى علي، فقد تصورت أن السماء تقع على الأرض وأنا بينهما»، ثم جلس في أدب بين يدي الشيخ وقال له: لم لا تأمرون ملوككم بالعدل بين الرعية؟ فقال له الشيخ: أمرناهم فلم يأتمروا فسلطناك عليهم، ففرح تيمور بهذا وقال: «ملكت الدنيا ورب الكعبة».
هذا موقفه من الأولياء يحترمهم ويطلب الدعاء منهم ويعتقد فيهم، ولكن موقفه من العلماء كان غير ذلك، يتفرس فيهم ومن زل منهم لا يرحمه، يلعب بهم كما يلعب الذئب بالحمل أو القط بالفأر، ويلذه فيهم أن يوجه إليهم الأسئلة المحرجة وينتظر كيف يجبيون وكيف يخرجون من المأزق الذي وضعهم فيه، ثم هو بعد ذلك حسب أحواله، فتارة يسر من الإجابة ويبسم، وأحيانًا يعبس، وأحيانًا يعفو، وأحيانًا يقتل.
وكان لتيمورلنك إمام يصلي به، وهو عالم جليل يتولى أمام تيمور مناقشة العلماء وجدالهم، وهو عبد الجبار المعتزلي الحنفي الخوارزمي، برع في فنون العلم ومهر في الفقه والأصول واللغة والبلاغة والأدب، وكان فصيحًا في اللغات الثلاث: العربية والفارسية والتركية، له جاه عند تيمور، يلطف من حدته وقسوته أحيانًا، وقد صحبه في فتح الشام وتولى أمامه مناقشة علمائه وإحراجهم بالأسئلة العويصة.
من ذلك أنه لما فتح «حلب» واستولى على قلعتها، دعا علماءها وقضاتها، فانتخبوا من بينهم من يجيب عنهم وهو ابن الشِّحنة أحد العلماء المشهورين، كان من أصل تركي وتولى القضاء بحلب، وله كتابه التاريخ المعروف، واشتغل بالحركات السياسية في مصر والشام.
انعقد المجلس وفيه تيمور وعبد الجبار والعلماء، فقال عبد الجبار: سلطاننا يقول: إنه بالأمس قتل منا، وقتل منكم، فمن الشهيد؟ قتيلنا أم قتيلكم؟ فوجم الجميع، وقال العلماء في أنفسهم: هذا والله ما بلغنا عنه من التعنت.
وأحرج ابن الشحنة حقًّا، أيقول قتيلكم فيكذب نفسه ويغضب ربه، أو يقول قتيلنا فسيف تيمور على رأسه؟
ولكنه كان داهية ملهمًا، فقال: هذا سؤال سئل عنه رسول الله ? وأجاب عنه.
فبهت الحاضرون وظنوا أن الشيخ أدركه الخبل، وغضب تيمور وقال: أيسخر من كلامي، كيف سئل رسول الله، وكيف أجاب؟! قال: جاء أعرابي إلى رسول الله وقال: يا رسول الله، إن الرجل يقاتل حَمِيَّةً، ويقاتل شجاعة، ويقاتل لِيُرَى مكانُه، فأينا في سبيل الله؟ فقال رسول الله: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد».
فسر تيمور لهذا الجواب، وأعجب بدهاء الشيخ ولطف بديهته، وأخذ يؤانس العلماء.
ثم أخذ يسألهم أسئلة أخرى، فلما شعروا بلطفه نقضوا توكيلهم للشيخ ابن الشحنة، وأخذوا يتسابقون للإجابة، ولم يكونوا في مهارته ولا خبرته.
كان تيمور شيعيًّا يفضل عليًّا على أبي بكر وعمرَ، وكان يكره من أهل الشام نصرتهم لمعاوية وقتالهم عليًّا، ولكن العلماء لا يدرون ذلك، إنما يدريه الشيخ ابن الشحنة الداهية المؤرخ.
سأل تيمورُ ابنَ الشحنة: ما تقول في علي ومعاوية ويزيد؟ فقبل أن يجيب ابن الشحنة أجاب القاضي علم الدين فقال: الكل مجتهدون، والكل على صواب، فغضب تيمور غضبًا شديدًا، وسب أهل حلب وقال: أنتم حلبيون وتابعون لأهل دمشق، وهم يزيديون، قتلوا الحسين وأعانوا يزيد.
فكانت ربكة، وكانت حيرة، وكان وجوم.
ولكن ابن الشحنة أنقذ الموقف أيضًا، فقال: إن الشيخ علم الدين أجاب بشيء وجده في كتاب لا يعرف معناه، فسرّي عن تيمور وعاد إليه بشره.
وانتقل بعد ذلك تيمور إلى دمشق وفتحها، ووقف من علمائها موقفه في حلب.
فذهب إليه جماعة من العلماء وعلى رأسهم الداهية المؤرخ الآخر ابن خلدون، وذهب إليه بلباسه المغربي، وزيه الأنيق الرقيق، وقد أنابه العلماء أيضًا في الكلام عنهم، ورضوا بأقواله لهم أو عليهم، فعرف تيمور من شكله وزيه أنه ليس من أهل هذه البلاد، ثم دعاهم تيمور إلى الطعام، ومد سماطًا كوم عليه اللحم تلالًا، فمنهم من أكل، ومنهم من جبن، وجعل تيمور يلحظهم ويتفرس فيهم، وابن خلدون يسترق النظر إليه، فإذا وقعت عينه على عين تيمور أطرق، وإذا ولى عنه رمق، ثم جاءت فرصة الكلام، فقال ابن خلدون كلام اللبق الحاذق الماكر، قال: رأيت الملوك، وشهدت مشارق الأرض ومغاربها، وخالطت ملوكها وأمراءها، ولكن الله منَّ علي بأن أحياني حتى رأيت الملك على الحقيقة، وطعام الملوك إن كان يؤكل لدفع التلف، فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك وللفخر والشرف، فسر تيمور بذلك، وسأله عما يعرف من أحوال البلاد وأخبارها.
واجتمع يومًا علماء دمشق بين يدي تيمور، فأثار ثانية مسألة علي ومعاوية، إذ هي أنسب المسائل التي يتذرع بها للتنكيل بأهل الشام، وذكر يزيد ومقتل الحسين، وقال: إن هذه الأعمال كانت بمظاهرة أهل الشام، فإن كانوا مستحليها فهم كفار، وإن كانوا غير مستحليها فهم عصاة أشرار، وقد هدأ من ثائرته أحد العلماء محمد بن عمر المعروف بأبي الطيب، فقال: إن نسبي يتصل بعمر وعثمان، وكان جدي الأعلى ممن حضر تلك الوقائع، وقد توصل إلى رأس الحسين ونظفه وغسله ودفنه، ولذلك سموه أبا الطيب، وتلك أيها الأمير أمة قد خلت، وفتن أزاحها الله عنا، ودماء طهر الله سيوفنا منها، فلا خير في إعادة الماضي ونبش ما دفن.
وقد أرضاه هذا الكلام على علاته، وصادف حالة الرضا من حالاته.
ولكن لعل ألطف ما حدث في هذا الباب مجلس مثل هذا، أثار فيه تيمور سؤالًا من أسئلته المحرجة، وهو: أيهما أعلى، درجة العلم أم درجة النسب؟
وموضع الإحراج فيه أن تيمور يعتز بنسبه لا بعلمه، والعلماء يعتزون بعلمهم لا بأنسابهم، ويقررون أن شرف العلم فوق شرف النسب.
سمع العلماء هذا السؤال فوجموا وأحجموا عن الجواب، ولكن أحدهم تردد بين أن يسكت سكوتهم أو يجهر برأيه، ولم يلبث إلا قليلًا حتى أخذته الحمية الدينية والعصبية للحق، كان هذا العالم هو شمس الدين النابلسي الحنبلي، اشتهر بالعلم الواسع، حتى لقب بالجنة؛ لأن لديه من العلم ما تشتهيه الأنفس.
لم تطاوعه نفسه أن يكون لبقًا كابن الشحنة وابن خلدون، ولا أن يواري ويداري كما فعل غيره، ولكنه أراد أن يكون صريحًا كلَّ الصراحةِ صادقًا كل الصدق، وأراد أن يقول الحقيقة كلها عارية، صرخ في وجه تيمور وقال: «العلم أعلى من النسب» ولم يكتفِ بذلك، بل استدل بأدلة في الصميم مما يكره تيمور، فقال: الدليل على ذلك أن الصحابة أجمعت على تقديم أبي بكر على علي، لأن أبا بكر أعلم، وإن كان نسب علي أشرف.
وما أتم هذا حتى أدرك نتيجة ما فعل، فلم يتراجع ولم يجمجم وصمم على أن يتم فصول الرواية فأتمها بفصل ظريف حقًّا.
نظر الحاضرون فرأوه يفك أزراره ويخلع إزاره، فدهشوا ودهش تيمور، وسأل: ماذا تصنع؟ فقال: إني قلت ما قلت وأنا أعلم بنتيجته، فأنا أستعد للسعادة، وأختم حياتي بالشهادة.
وعلا الجميع رهبة رهيبة، وشُدت أعينهم بلسان تيمور، ينظرون بماذا يأمر وبأي نوع من القتل يشير، وهم يعلمون أنه يقتل بالظنة، ويخسف بالناس الأرض للكلمة الخفيفة، وللقول يحتمل التأويل، فكيف بهذا وقد بلغ الغاية في الإساءة وتجاوز الحد في الصراحة؟ ولكن الله مقلب القلوب أجرى على لسان تيمور هذا القول ولم يزد عليه: «لا يدخلن عليَّ هذا بعد اليوم».

ضبط العواطف


تختلف الأمم في ضبط العواطف اختلافًا كبيرًا كاختلاف الأفراد، فبعضهم حاد المزاج سريع الانفعال، وبعضهم هادئ المزاج بطيء الانفعال، وكذلك الشأن في الأمم، فهي تختلف في حدة عواطفها وبرودتها ومقدار انفعالاتها أمام الحوادث، ودرجة حزنها وسرورها وخوفها وطمأنينتها إلى غير ذلك.
ولعلنا إذا قارنا الأمة المصرية بغيرها من الأمم الأوربية وجدناها من أكثر الأمم حدة عواطف وشدة انفعال، وذلك يظهر في مظاهر شتى.
من ذلك أنها تبالغ في مظاهر فرحها وحزنها، فالميت إذا مات فانفعالات شديدة جدًّا يتبعها مظاهر قوية من عويل وصراخ، ومغالاة في إقامة المآتم وما إلى ذلك، وكذلك الشأن في الأفراح، مظاهر زائطة وطبل وزمر عنيفان ومبالغة في الحفلات وما إلى ذلك.
نقارن بين ذلك وبين مثل هذه المظاهر في بعض الأمم الأخرى، فنجد الهدوء والاقتصاد في العواطف والاقتصاد في مظاهرها، وأسوق مثلًا من هذا القبيل، فقد كان لدينا في الجامعة المصرية أستاذ أجنبي في الثامنة والأربعين من عمره، عاد إلى بلاده في الصيف فخرج يتروض فتسلق جبلًا فزلت قدمه وما زال ينحدر ويتخبط في الصخور حتى فارق الحياة — بلغني أن الخبر وصل إلى زوجته وصادف أن أباها كان يزورها ويقضي ليلة عندها، فكتمت الخبر عنه وكتمت عواطفها وإذا احتاجت إلى البكاء انفردت في حجرتها وبكت، فإذا ظهرت أمام أبيها تجلدت، حتى أمضى أبوها ليلته هادئًا لم يعكر صفوه شيء ثم رحل في الصباح، ثم أعلنت هي وفاة زوجها العزيز عليها في هدوء.
ومن مظاهر حدة العواطف الخوف من الأمور الصغيرة، والفزع الشديد من الحوادث التي قد تكون تافهة، والغضب الشديد للكلمة النابية، والوصول إلى أقصى حد في الانفعال للحوادث اليومية، التي يكفي لمرورها غض الطرف عنها، إلى كثير من أمثال ذلك.
ومن مظاهرها عندنا الفنون، فالموسيقى لا تعجبنا إلا إذا كانت عالية جدًّا وزائطة جدًّا في السرور، ومائعة جدًّا وباكية جدًّا في الحزن، أما الهادئة المعتدلة في السرور والحزن فلا.
وكذلك الشأن في الأدب، لا بد من مبالغات قوية جدًّا واستعارات ومجازات ممعنة في الخيال حتى تعجب، فإذا كان يحب فلا بد أن يذوب، ولا بد أن يصيبه الهزال حتى لا يكاد يرى، ولا بد أن تسيل دموعه أنهارًا، ولا بد أن يبكي دمًا، وقلبه لا بد أن ينفطر، وكبده لا بد أن تتصدع، وهكذا، فأما حب في اعتدال وأدب في اعتدال فلا، وإذا فرح فلا بد أن تضحك الشمس لضحكه، وتترنح الأغصان لترنحه، وتبتسم الأزهار لتبسمه، وهكذا.
ويظهر ذلك أيضًا في النكت والنوادر، فهي لا تعجبه إلا إذا كانت ظاهرة مكشوفة تستخرج الضحك العالي لا التبسم الخفيف، وإذا كانت نكتة ناقدة فلا بد أن تكون لاذعة وأن تكون مميتة، فأما نكتة خفية مستورة تمس ولا تجرح أو تسر ولا تضحك فلا، وهذا هو الشأن في التمثيل، فالرواية الجيدة هي التي تهز العواطف هزًّا عنيفًا، إن أضحكت فلا بد أن يمسك قلبه من كثرة ضحكه، وإن أحزنت فلا بد أن يبل منديله من كثرة دموعه، والإخراج لا بد أن يكون فيه صراخ كثير وانفعال قوي، فأما أن يتكلم الممثل كما يتكلم الناس في مجالسهم العادية، وأما أن يقتصد في حركاته وإشاراته ونحو ذلك، فكل هذا يخرجه عن أن يكون ممثلًا قديرًا ومخرجًا نابغة.
فالذوق لتمشيه مع العاطفة لا يعجبه إلا ما فيه حدة، حتى المأكولات لا بد أن تكون دسمة أو حريفة أو زاعقة، والملبوسات لا بد أن تكون زاهية أو صارخة، والمشمومات لا بد أن تكون ذات رائحة نفاذة قوية وإلا لا يستسيغها الذوق.
هذه الحدة في العواطف، والمبالغة في الانفعال تتخذ في الأمة مظاهر واضحة، فجانب كبير من الجرائم سببه حدة العواطف، فكل يوم نرى في الجرائد أخبارًا عن قتل أو كسر أو جراح لأسباب تافهة يعجب العقل الهادئ كيف وصلت إلى هذه النتائح، فقتل لنزاع على ماء للري، وضرب أفضى إلى الموت لكلمة صدرت اعتبرها السامع سبًّا فاضحًا، وهكذا مما نطالعه كل يوم، حتى في الطبقة المثقفة يثور الجدل بينهم ويبدأ هادئًا، ولكن سرعان ما يحتد المزاج وتعلو نغمة الجدال فتنقلب إلى سباب، ولا يقتصر الأمر على حجة ولا برهان أمام برهان، بل يتعداه إلى سباب أمام سباب ونقد لاذع أمام نقد لاذع، وتنسى المسائل الأصلية وتبقى الحزازات النفسية، هذا هو المظهر العام في الشارع، وفي البيت وفي المحاكم وفي الصحف، كأن كل الناس يحمل مستودعًا من البنزين ينتظر أقل اشتباك أو احتكاك.
ومما يؤسف له أن هذه الحدة في العواطف، والحرارة في الانفعال تظهر في كل الأشياء التي ذكرنا وتكون فيها أكثر مما ينبغي، مع أنها تبرد أمام أشياء أخرى وتكون أقل مما ينبغي، فلا نرى حرارة في الانفعال أمام جمال الطبيعة ولا جمال المعاني ولا حسن النظام، ولا نرى غيرة شديدة على الحرية الفردية ولا الحرية الاجتماعية، وهذا الذي يغضب غضبًا شديدًا لكلمة جرحت إحساسه لا يغضب لمنظر أوذيت فيه العدالة، وهذا الذي ينفعل انفعالًا شديدًا على شيء من ماله لا ينفعل للتعدي على سمعة قومه أو حرية قومه، وهذا الذي يذوب حبًّا ويفنى عشقًا فيمن يحب لا يتحرك قلبه لجمال طبيعة أو جمال مبدأ سام، فأوتار أعصابه لا تنفعل هذا الانفعال العنيف إلا للنواحي الشخصية والأشياء المادية، ولو أنها انفعلت لهذا وذاك لاحتمل ذاك القبح في سبيل هذا الجمال.
حدة العواطف وشدة الانفعال في الأمة تسبب لها متاعبَ كثيرةً في الحياة، وتفقدها سعادتها، فالبيت جحيم من غضب الآباء والأبناء، فكلمة صغيرة من أب لابنه أو ابن لأبيه أو من أم لبنتها أو من بنت لأمها تشعل النار في البيت وتجعله جحيمًا زمنًا طويلًا، والعلاقات بين الأصدقاء عرضة للخطر لتوافه الأمور، والعلاقات بين العاملين في مصلحة أو جمعية معرضة للفساد ولأقل حادث، والعلاقات بين الأحزاب علاقة عداء حاد غالبًا، والمحاكم مكدسة بالقضايا من أثر النزاع الحاد، وهكذا، حتى بين الذين لا علاقة بينهم، كالناس في السينما وفي الترام وفي القطار، لا يخلو مجتمعهم من أحداث كثيرة بسبب الانفعال السريع، ولو تعودنا ضبط العواطف في كثير من الأحوال لمرت الحوادث بسلام، ولكن هل هذا العيب قابل للإصلاح، وهل هذه الانفعالات قابلة للانضباط؟
قد يرى قوم أنها حركات نفسية اضطرارية كنبض القلب وإفراز المعدة، وأنها نتيجة طبيعية لحرارة الجو وطبيعة الإقليم، ولكني لست أرى هذا الرأي، وأنها حركات نفسية إرادية يمكن إصلاحها وتهذيبها والتغلب عليها، بدليل أننا نعيش جميعًا في بيئة واحدة خاضعة لدرجة واحدة من الحرارة، ومع ذلك فينا من يضبط عواطفه ويحكم انفعالاته، ولو كان الأمر خاضعًا لفعل الطبيعة وحدها لم يشذ عن الخضوع لها أحد، وكما يقول الفلاسفة: «ما بالطبع لا يتخلف» والمثقفون — في جملتهم — أضبط لعواطفهم من غير المثقفين في جملتهم.
ونحن لو نظرنا إلى سلم الرقي من الحيوان إلى أرقى نوع من الإنسان وجدنا أن الحيوان تسيِّره غرائزه وانفعالاته الوقتية فقط، وكذلك الشأن في الإنسان البدائي، فإذا ارتقى وجدنا عاملًا جديدًا يظهر في تسيير تصرفاته وهو الفكر والعقل، ونراه محكومًا بهما معًا، وكلما رقى الإنسان كان الفكر أظهر في تصرفه، ووجدنا الحدود الفاصلة بين العواطف والفكر تتكسر، فعواطفه تلطفها الفكرة وتهدئها الحكمة، وعقله تحمسه العاطفة ويزيد حرارته الشعور والانفعالات، ووجدنا العلاقة بين عواطفه وفكره علاقة متينة، ذلك لأنه إن عاش بعواطفه وانفعالاته فقط لم يكن هناك تفاهم بينه وبين غيره إلا من شعر مثل شعوره؛ لأن أساس التفاهم هو العقل، فمن قال: إني أحب هذا الشيء أو أكرهه، ولم يزد على ذلك لم يكن هناك سبيل إلى مناقشته وإقناعه بخطئه، ولأن الخضوع للعواطف وحدها عرضة للاندفاع السريع ثم التراجع السريع، كما نشاهد في الحب الذي لم يؤسس على التفكير، ولا على النظر في العواقب، فهو انفعال مؤقت كثيرًا ما يعقبه فشل أليم، وعلى العكس من ذلك العواطف بعد التفكير، والاندفاع بعد العلم والتأمل، ولو تتبعت أكثر الناس الذين يسيرون وراء عواطفهم فقط لوجدت عاقبتهم الفشل دائمًا، فمن يغضب لأقل سبب ويحب لأول نظرة، ويندفع لداعي الغريزة لم يستطع السير في الحياة طويلًا، ولا بد للنجاح من عواطف يحكمها الفكر، وأفكار تحمسها العواطف.
يتطلب ضبط العواطف كظم الغيظ عند دواعي الغضب، والاعتدال في الانفعال عند بواعث السرور والحزن، والتؤدة والتفكير عند إصدار الحكم، والتفكير عند نزوات الهوى، فلا إفراط في السرور والحزن ولا الغضب، ولا نحو ذلك من أنواع الانفعال.
وهو فضيلة في الأمم كما هو فضيلة في الأفراد، فقد تكون حدة العواطف في الأمة سببًا في شقائها، فكثيرًا ما تعرض للأمة أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية فيمكنها أن تجتازها بضبط عواطفها، وتلطيف انفعالاتها، والحكمة في تصرفاتها، ووزن عواقبها، على حين أنها تعرض نفسها للخطر إذا انقادت لعواطفها من غير تفكير.
ضبط العواطف في الفرد يُكتسب بالمران والتعود، فلا يزال المرء يغضب فيكظم ثم يغضب فيكظم حتى يكون حليمًا، ولا يزال يقاوم نفسه فلا يندفع في سروره وحزنه حتى يكون حكيمًا، وكثيرًا ما تكون حدة العواطف نتيجة قصر النظر وضيق العقل، فإذا هو وسع أفقه وجرب الحياة ودرس الأشياء ونتائجها علم كيف يضبط نفسه.
أما تربية هذا الخلق في الأمة، فهو — أولًا — في يد الرأي العام، فإذا احتقر الناس الغضوب لغضبه، والجبان لخوفه، والمرح لاستهتاره، والحزين لجزعه، تصلب عود الأمة وانضبطت عواطفها واعتدلت في انفعالاتها.
وهو — ثانيًا — في يد قادتها، فالأمة تحتاج في طور تكونها إلى مثل عليا من قادتهم يقتدون بها، فإذا رأتهم قد ضبطوا عواطفهم إذا اختلفوا، وحفظوا ألسنتهم إذا غضبوا، وضحوا بشهواتهم إذا أُزموا، كانت كل هذه دروسًا للشعب يحتذي حذوهم ويسير على منهجهم، ثم قادة الفنون في الأمة يجب أن يتخلوا عن هذه الميوعة في العواطف، فالغناء يجب ألا يكون كله ذوبانًا في العشق وهيامًا في الغرام، والأدب لا بد أن يكون مما يبعث القوة في النفس، ويسبب الصحة في العاطفة، والتمثيل يجب أن يكون معتدلًا في العاطفة طبيعيًّا في الإخراج، ويعلم الناس أن ليست أحسن الروايات ما أسالت الدموع، ولا بعثت على القهقهة العالية، إنما أحسنها ما أثار عاطفة صحيحة لا مريضة، وبعث على التبسم اللطيف أو الحزن الهادئ.
هذه كلها تصبح دروسًا يتعلم منها الشعب فيعتدل مزاجه، وتصح عواطفه، ويحسن تصرفه.

كنوز في بيت جائع


كنت أعتقد — كما علمونا في المدارس — أن قيمة مصر في واديها الضيق الواقع بين جبلين، وأن هذا الوادي المزروع نفحة من نفحات النيل، فيه كل ما في مصر من خير، وأنها بلاد زراعية فحسب، غناها في زراعتها ولا شيء غير ذلك، وكانوا يلقنوننا أن «ما عدا الوادي براري وصحاري قليلة النبات والسكان»، فإذا زادوا شيئًا قالوا: «وفيها بعض المعادن كالرخام والنطرون والشب والملح والجير».
هكذا كانوا يعلموننا أيام التلمذة، فخرجنا من ذلك على أن مصر خط طويل منزرع، أودع فيه كل ثروتها وإنتاجها، وحوله صحراء جرداء «فيها كثير من الأرانب والغزلان وبعض الحيوانات المتوحشة»، ووقع من ذلك في نفوسنا أن هذه الصحراء ليس فيها من خير إلا أنها تلفحنا بسمومها وزمهريرها، وتحمينا بجدبها وفقرها وقلة مائها من إغارة عدونا علينا، وأحيانًا تجود شمسها في الشتاء، ويجود قمرها في الصيف، فيخرج إليها الهواة يستمتعون بدفئها ونسيمها، والغزليون والشعراء يستلهمونها في غزلهم وشعرهم.
حتى أتيحت لي قراءات خاطفة ورحلات متعاقبة، أيقنت معها أن الصحراء كنوز متفرقة وثروة ضخمة، لا تقل شأنًا عن النيل ومزارعه، والخصب ونتاجه، وأنها كفيلة أن تحول مصر إلى بلد صناعي كما حولها النيل إلى بلد زراعي، فتكون بلدًا زراعيًّا وصناعيًّا معًا، وينعم أهلها بالخصب الزراعي وبالنتاج الصناعي، ويتدفق المال عن أيمانهم وعن شمائلهم فإذا هم أغنياء ناعمون، وليس ينقصهم للوصول إلى ذلك إلا شيء اسمه العلم، وشيء اسمه الخُلق.
أدرك هذه الثروة في بلادنا الأجانب قبل أن ندركها، وعلموا من قيمتها ما لم نعلم، فجابوا الصحراء، وتسلقوا الجبال، وهبطوا الوديان، ودرسوا وامتحنوا واختبروا واكتشفوا، ورسموا الخرائط، ووضعوا الخطط للاستغلال، وألفوا الشركات، وما لم تواتهم الظروف لاستغلاله كتموه سرًّا دفينًا في نفوسهم حتى يجيء زمنه وتنضج ثمرته ويحين قطفه، وأبناء البلد لاهون غافلون، يتجرع أكثرهم الفقر ويتلوى من الجوع، ولا يرون في الصحراء إلا ترابًا متجمعًا أو صخرًا متجمدًا، والأجنبي يراها كتابًا مقروءًا وكنزًا مفتوحًا.
طف — إن شئت — بالصحراء ترَ الشركات على اختلاف أجناسها: هذه تستخرج زيوتًا، وهذه تستخرج معادنَ لا حصر لها، وما كل ذلك إلا قليل من كثير تضمه الصحراء بين جوانحها سرًّا مكتومًا، تبوح به لمن أوتي «عزائم الكنوز»، وهي العلم والخلق.
أما العلم فأغنى به طائفة تتخصص في معرفة المعادن والتعدين معرفة واسعة عميقة تصل فيها إلى ما وصل إليه علماء الغرب، من معرفة بطبائع الأرض وطبائع طبقاتها وطبائع معادنها وكيفية استخراجها وكيفية استغلالها، وما إلى ذلك.
وأما الخلق فمطلبه أعسر، إذ أعني به حرصًا شديدًا على مصالح الأمة، ورغبة قوية في العمل، وإرادة جبارة في التنفيذ، وتعاونًا وثيقًا بين الجهات المختصة وأرباب الأموال، وإهدار الحزبية للصالح العام، والشجاعة في التجارب أمام احتمال الفشل، وما إلى ذلك.
ألم تبلغك مأساة كهربة خزان أسوان وما جرَّ تأجيلها من كوارثَ وما أضاع على البلاد من فوائدَ كانت تجنيها منها، وبخاصة أيام هذه الحرب؟ لقد أضاعها تخلخل الإرادة، وضعف الإيمان، ودسائس الحزبية، والرغبة القوية في الجدل دون العمل.
•••

كل الناس في مصر يرغبون في استثمار أموالهم من طريق ملكية الأراضي وزراعتها، وكل الأمل معقود باستصلاح الأراضي «البور» واستغلالها، خلق موروث من القرون الأولى، وقفوا عنده وتمسكوا به ولم يتزحزحوا عنه، وكان ذلك طبيعيًّا لو لم يكن لهم موارد غير الأرض، وحتى هذا الاستغلال الزراعي لم يؤمنوا بمنهج له إلا مناهج قدماء المصريين في نوع زراعتهم وآلاتها وتصريفها، وفاتهم أن العلم في العصر الحديث تفنن في الوسائل الزراعية وأبدع فيها، كما فاتهم أن العلم قد اكتشف في مصر كنوزًا لا عد لها يمكن أن تستغل بخير مما تستغل به الأراضي الزراعية، وأن رءوس الأموال يوم تودع فيها تربح ما لا يربح القطن والغلال، ولكن عيبها أنها تحتاج إلى علم أوفى وخلق أرجح وإقدام أقوى وإرادة أنفذ وتعاون أوثق.
•••

وليس الاستغلال الصناعي يعود على الأمة بالخير من ناحيتها المادية فحسب، بل من ناحيتها الخلقية والاجتماعية أيضًا، فالأمة الصناعية أرقى — عادة — من الأمم الزراعية في عقلها وخلقها وإدراكها لحقوقها الاجتماعية وواجباتها القومية، فإذا أضفنا إلى طبقتنا الزراعية طبقة أخرى صناعية، كان لنا من ذلك طبقة أخرى جديدة أشد نشاطًا وأصلح حياة وأرقى إدراكًا، تكون مع الطبقة الزراعية مزاجًا منسجمًا، ومزيجًا متجانسًا.
•••

دعاني إلى الكتابة فيه هذا الموضوع رحلة في الصحراء مع صفوة من الأصدقاء في عطلة هذا العيد، فاخترقناها من أسيوط إلى الواحات الخارجة فالداخلة، وعهدي بالواحة الخارجة قديم، فقد عينت فيها أول ما عينت قاضيًا، وجُبْتُ بلادها، وزرت أكواخها؛ وعاشرت أهلها، وقضيت بين خصومها، فلما زرتها هذه المرة بعد أكثر من عشرين عامًا، حننت إليها حنيني إلى الشباب، ووقفت على دورها القديمة، وقلت: هنا كنت أسكن، وهنا كنت أقضي، ورأيت أكثر من عرفت قد اخترمتهم المنية، وعدا عليهم الزمن، ورأيت مظاهرها الخارجية قد حسنت، وأصبحت تعجب الناظرين، فقد تحولت من مركز يديره معاون إدارة إلى محافظة يسكنها محافظ، فشوارعها قد اتسعت، ومدخلها نسق بالأشجار، وهذا ناد للموظفين، وهذه استراحات للحكومة، ومع هذا فالشعب بائس كما تركته، فقير كما تركته، مريض كما تركته، وموارده النخيل كما تركتها، والأرض الخفيفة القليلة كعهدي بها، والحيوانات الهزيلة كما خلفتها.
ورحلنا إلى الواحات الداخلة، فوجدنا منجمًا جديدًا يكتشف، وكنوزًا وافرة يهتدى إليها.
وكانت هناك منذ القدم مياه على بعد قريب من الأرض يعثر عليها، فإذا مدت الأنابيب إليها خرج ماؤها يسيح على وجه الأرض يستقون منه، ويزرعون به أرضهم القليلة الضعيفة، ثم تقل المياه، وتطمر عين وتفتح عين، والماء محدود، العيون يؤثر بعضها في بعض، تتأثر العليا منها بالسفلى.
فمن عهد قريب أرادوا تجربة النزول بالأنابيب إلى عمق أبعد، واختراق طبقة أسفل، فما إن دقوا أنابيبهم ووصلوا إلى ثمانمائة قدم حتى تدفقت المياه على سطح الأرض في غزارة عجيبة، وإذا بالعين الواحدة تقذف خمسة عشر ألف طن في اليوم من غير آلات رافعة، ومن غير أي عناء، ثم تجرب التجربة نفسها في أربعة مواضع فتخرج عيون أربع كالتي وصفنا، ويدل البحث على أن هناك مساحات فسيحة في أعماق الأرض تدخر هذه المياه في وفرة عظيمة وغزارة عجيبة، فماذا كان؟
هل حللت هذه المياه لمعرفة عناصرها، وما تحتويه من مواد وما لا تحويه؟ وما هو نوع الزرع الذي يناسبها والذي لا يناسبها؟ هل اختبرت المياه وعرف ما تفيد من الأمراض وما لا تفيد؟ هل رسمت خطة منظمة للانتفاع بهذه المياه الدافقة؟ هل تعاونت وزارة الزراعة ووزارة الأشغال ووزارة الصحة في استغلال هذه المياه؟ فالأولى تنظم الزراعة، وتشير بطرقها وما يصلح لها، والثانية تنظم الري، وتستخرج كمية المياه المطلوبة، والثالثة تنتفع بها من الوجهة الصحية، وتمنع ما ينجم من ركودها من أضرار؟ لا شيء من ذلك كله، وكأن العيون قد نبعت في المريخ، وقد رأيت المستنقعات حولها تتكون، والأيدي العاملة لا تتناسب وغزارتها، وكأن العيون عز عليها سوء استقبالها، فتسربت إلى الرمال لتعود إلى أعماقها في خجل وخزي، وسمعت بعض أولي الأمر هناك يشيرون بسدها إلى أن يستيقظ النائم، ويجدّ الخامل.
رحماك اللهم! لو نبعت مثل هذه العيون في أمة يقظة، لحولت ما حولها جنانًا ناضرة، وبساتين مزهرة، وحدائق غُلبًا، وفاكهة وأبًّا، ولأزالت البؤس وأجرت النعيم، ولأفنت العطالة، والتهمت البطالة، ولرأيت المستشفيات تبنى حولها، والمشاتي تقام في نواحيها، والمواصلات تمد إليها؟ ولرأيت ثَمَّ نعيمًا وملكًا كبيرًا، ولكن وا أسفاه؟ عز العقل المدبر، وضعفت الهمة النافذة، فلننتظر حتى يأتي إليها من غير أهلها من يعرف كيف يستغلها.
ويا لله للشعب البائس! ويا لله ممن بيدهم تصريف الأمور! أليست هذه كنوزًا في يد مساكين!

يوسف الكيمياوي


العهد عهد السلطان الناصر محمد بن قلاون، الجالس على عرش مصر والشام، والمستبد الذي ترتجف منه قلوب الولاة والأمراء، والقوي بجيشه ومؤامراته، فتخطب وده الدول المجاورة، والقابض بيده على زمام الأمور كلها، فترفع إليه كل يوم التقارير عن العمال والولاة، والحركات والتدابير، والدخل والخرج، فلا يفوته منها شيء.
والسنة سنة ??? هجرية وقد أصبح المال معبود هذا السلطان؛ لأنه محتاج إليه في أبهته وعظمته، وبذخه وترفه، وجواسيسه وأتباعه، وزوجاته الكثيرات، وجواريه العديدات، وبيوته الكثيرة، ونفقاته الضخمة وعماراته، وشروره وخيراته، فإن لم يحصل على المال حلالًا فليحصل عليه حرامًا، وليتعرف أحوال رجاله ومقدار ثروتهم ومخبأ كنوزهم، وليتلمس لهم العثرات بالحق وبالباطل حتى يستبيح مصادرتهم واستحواذ أملاكهم، ووضع يده على ثرواتهم.
وهؤلاء الأمراء على دين ملوكهم يفعلون بالشعب ما يفعله السلطان الناصر بهم، فيغتنون من الفقراء، ويسرقون من البؤساء، ويجمعون ما يصل إلى أيديهم، ثم يصادر السلطان ما تعبوا في جمعه، وتحيلوا في الاستيلاء عليه، جزاءً وفاقًا.
هذا «سَلَّار» يتولى نيابة السلطنة إحدى عشرة سنة، ثم يموت، فيتعب الحسَّاب في إحصاء تركته، هذه صناديق مصفحة مملوءة بفصوص الياقوت والماس وعين الهر، وهذه صناديق تظهر في اليوم الأول فيها مائتا ألف دينار وأربعمائة ألف درهم، وهذه ضياع لا حصر لها، وهذه الخيول والجمال والمراكب والعبيد والجواري والأغنام والأبقار مما لا يحصيه عد، وكل يوم تظهر له مخابئ جديدة فيها كنوز جديدة، من أين أتى بهذا كله؟ من الشعب، من الظلم.
ويأتي السلطان فيسمع بثروته فيجري لها لعابه، ويقبض عليه ويسجنه ويجيعه حتى يأكل نعاله، ثم يموت جائعًا فيستولي السلطان على ثروته، وتنتهي الرواية، وهذه صور تتكرر كل يوم، ورواية تمثل في كل إقليم.
المال — المال — كلمة سحرية تصدر عنها الأعمال، وتتكيف بها السياسة، ويحلم بها كل وال وأمير وسلطان.
في هذا الجو يظهر «يوسف النصراني الشامي»، الفقير المسكين، فيضع خطته المحكمة في هدوء، إن الناس يعبدون المال فليستعبدهم هو بشبح المال، يظهره ويخفيه، ويطمعهم ويؤيسهم، ويلعب بعقولهم لعب المال بهم، إن لمعان الذهب يخلب لبهم فالعب بلمعانه، وإن أملهم في الغنى يفسد منطقهم وحكمتهم فالعب بأملهم.
ولكن قد تقف نصرانيتك حائلًا بينك وبينهم، فيرتابون في أمرك ولا يطمئنون إليك اطمئنانهم إلى أهل دينهم، فالعب بدينك لعبك بالذهب، وتظاهر بالإسلام وبالصلاح وبالتقوى، فالغاية تبرر الوسيلة.
تنقَّلَ في بلاد الشام متفرسًا في أمرائها، باحثًا عن فريسة يصيدها، حتى وصل إلى «صفد» وأميرها يومئذ الأمير «بهادر» فوجده الغنيمة.
قال: إني أرى السعد في طلعتك، والغنى مكتوبًا على جبينك، وقد جئت إليك لأملأ خزائنك ذهبًا وفضة، وقد أنفقت عمري في طلب الإكسير حتى وجدته، إن الفِلِزَّات واحدة في نوعها، والاختلاف الذي بينها ليس في ماهيتها وإنما في أعراضها، وكل شيئين تحت نوع واحد اختلفا بعرض فإنه يمكن انتقال كل واحد منهما إلى الآخر، فالذهب والفضة والحديد والرصاص متحدة النوع مختلفة العرض، فلو أخذنا حديدًا أو رصاصًا ونقصنا بعض عناصره وزدنا بعض عناصره تكون من ذلك الذهب لا محالة، وقد وصلت إلى الإكسير الذي يفعل ذلك بعد عناء، فإني أطبخ الرصاص أو النحاس بطريقة خاصة أرشدني إليها العلم والتجارب الطويلة، ثم أضيف إليه من هذا الإكسير الذي يمتاز به الذهب عن النحاس أو الرصاص، فإذا الذائب ذهب، وما يوجد بالطبيعة يوجد مثله بالصناعة، فالطبيعة تخرج الذهب من العناصر الأخرى بحرارتها ومزجها، وهذا هو ما أعمل بصناعتي:
وقد ظفرتُ بما لم يؤتَه ملكٌلا المنذران ولا كسرى بن ساسانولا ابن هند ولا النعمان صاحبهولا ابن ذي يزن في رأس غمدان وستكون إن شاء الله بهذا أغنى الأغنياء وأعظم العظماء، تقتني من المال ما أردت، وتسود على الأنام بما شئت وكيف شئت.
ومع هذا كله فإن لم تقتنع بالمنطق فاقتنع بالتجربة، فأتى له «بهارد» بقليل من الرصاص، وأفرد له غرفة يجري عليها تجاربه، فأشعل النار وطبخ ثم أشعل وطبخ، وأخرج حُقًّا فيه إكسير وأضافه، فإذا المزيج ذهب.
جن جنون الأمير «بهادر» وتمنى الأماني وسبح في الأحلام، وجمع ليوسف الكيمياوي كثيرًا من النحاس والرصاص، وأعطاه كثيرًا من الأموال لينفق منها على إحالة هذه المعادن ذهبًا خالصًا، ولكنه تعلل مرة بفساد الإكسير ومرة بخطأ التجارب، وأخيرًا غافل صاحبه وفر إلى دمشق، وأراد أن يمثل مع واليها الرواية التي مثلها أمام «بهادر»، ولكن ساء حظه فعلم بأمره فأراد قتله.
وهنا أدته حيلته أن يملأ دمشق ضوضاء وجلبة، وأنه يريد السلطان حتى يملأ خزائنه ذهبًا وفضة، وتحدث الناس به بين مصدق ومكذب، ولم يجرؤ نائب دمشق على قتله بعد أن ذكر اسم السلطان ورسالته إليه، وانتقل خبره من دمشق إلى مصر، وإذا بالبريد يأتي من السلطان إلى دمشق في طلب يوسف الكيمياوي.
دخل يوسف إلى مصر في السابع عشر من رمضان، فأنزله السلطان في بيت أمير، وأجرى عليه الرزق الوفير، ورتب له عدة من الخدم يتولون أمره حتى يختبر صدقه، فطلب يوسف أنواعًا من الآلات ورسمها وبالغ في تركيبها وتعقيدها، فصنعت له، وحُدِّدَ يوم للتجربة، فاحتفل به السلطان وشكل مجلسًا فخمًا لامتحانه، هذا ناظر الجيش، وهؤلاء عدة من الأمراء، وهذا نقيب الصاغة ومعه جمع من الصياغ، وأوقدت النار وأحضرت الآلات، وطلب يوسف نحاسًا وقصديرًا وفضة، فوضعها في بوتقة ووضعها على نار حامية حتى ذاب الجميع، فأخرج من جرابه إكسيرًا وضعه على الخليط المذاب، وصبر عليه برهة ثم أنزل البوتقة من على النار، فأفرغوا ما فيها فإذا سبيكة من ذهب كأجود ما يكون، زنتها ألف مثقال، وامتحنها شيوخ الصاغة، فأفتوا بأنها ذهب خالص لا شبهة فيه.
سر السلطان بذلك سرورًا عظيمًا ودهش الحاضرون، وأنعم السلطان عليه بهذه الألف من الذهب، وبالغ في إكرامه وأركبه فرسًا سلطانيًّا مسرجًا ملجمًا بحرير، ومنَّى نفسه أن هذا الكيمياوي سيجعل له كل حديد مصر ونحاسها وقصديرها ذهبًا.
وما هي إلا ساعة حتى انتشر الخبر في المدينة أن قد ظهر رجل عجيب يحيل كل شيء ذهبًا بإذن الله، فما هو إلا أن تقدم له قطعة من حديد، أو إناء من نحاس، أو كتلة من رصاص حتى يعزم عليها ويجعلها ذهبًا خالصًا، وها قد قتل الفقر وذهب البؤس، وسيسيل الذهب في مصر سيلًا ويتدفق أنهارًا، وسوف لا يكون بعد اليوم فقير ولا مسكين، وكان أحرص الناس — أول الأمر — على أن يغتنوا الحاشية، فقد قدموا المال الكثير ليوسف وقدموا له النحاس والحديد الكثير ليقلبه لهم ذهبًا، وهو يلعب بهم ويستخف عقولهم ويضحك على هذا بجزء من الذهب مما سلبه من ذاك، وهكذا.
وأراد السلطان أن يستوثق من الأمر مرة أخرى، فأجرى يوسف أمامه التجربة ثانية فأخرج له سبيكة ذهبية كالأخرى كاد يطير بها فرحًا.
وتدفق على يوسف المال من كل جانب، وعاش عيشة البذخ والترف، وأفرط في اللهو، ومرت عليه أيام سرور ومتعة لا ينعم بمثلها إلا القليل.
والسلطان يستحضره بالليل ويناجيه، ويعرض عليه المشروعات الضخمة التي ينوي القيام بها من وراء الذهب المصنوع، ويوسف يسايره ويحبك له خياله.
والناس يأتون إلى يوسف يعرضون عليه الأموال والحديد والقصدير، وهو يعدهم ويمنيهم، وأخيرًا قابل السلطان وقال له: إن الإكسير قد فرغ.
السلطان: إذًا فاصنع غيره.يوسف: إنه مركب من نبات وأعشاب لا تنبت في مصر، وإنما تنبت في الكرك. – سمها لي وصفها أبعث بالبريد من يحضرها.
– إنها سر أخذت على الله عهدًا ألا أذيعه، وإذا أذعته فسد الأمر علي وعليك، إذ يستطيع كل إنسان بعدُ أن يحصل على الإكسير فيحصل على الذهب، وهو أمر حرصت أن يكون لك وحدك، وسر اخترت أن أخصك به، فأنت ولي الأمر، وهو في يدك مصلحة، وفي يد غيرك مفسدة.
– فما العمل؟
– تأذن لي أن أسافر إلى الكرك وأستحضر منه قدرًا كبيرًا صالحًا لتنفيذ مشروعاتك الضخمة.
أذن له السلطان، إذ لم يرَ بدًّا من ذلك، وأركبه البريد وأوصى به خيرًا حيثما حل، وأمر الولاة أن يمدوه بالمال الذي يريد.
ها هو ذا يوسف يتنقل من بلد إلى بلد، والكرم يتدفق عليه، إذ هو ضيف السلطان ونجيه ومأمله، حتى إذا وصل إلى غزة وأقام بها أيامًا، غافل من معه وشمَّعَ الفَتْلة? واختفى، ثم يبحثون عنه ويبحثون، فلا يقفون له على أثر. وتتبخر الآمال وتنهار القصور التي شيدت في الخيال.
وفي يوم من أيام ذي الحجة من هذا العام يعثر عليه مختفيًا في إخميم، وإذا كل أعماله نصب واحتيال، وإذا الناس كبيرهم وصغيرهم يستكشفون أنهم مغفلون، وإذا السلطان يحكم عليه أن يُسَمَّرَ ثم يشهَّر على جمل.
وإذا الستار يسدل.
?  هذا تعبير عامي طريف ليس أدق منه في التعبير عن هذا المعنى في مثل هذا الموقف، لأن معناه «هرب في نصب واحتيال» وأصله — كما يروون — أن سلطانًا سمع بمهارة نصاب محتال، فاستدعاه وقال له: إني أجزل لك العطاء إن أمكنك أن تنصب علي، فقال له: أعطني ألفًا أشتري بها «عدة نصب» فأعطاه وأمر من يلازمه حتى لا يهرب، ثم حضر بعد مدة بعدته وأدواته، ونصب السلطان سرادقًا دعا إليه من يشاهد نصب النصاب, وكان مما أحضره النصاب بكرة خيط كبيرة، فتقدم إلى السلطان وقال له: أمسك هذا الطرف وأنا أشمع الفتلة لألعب بها لعبتي، فأمسك السلطان طرفها، وأخذ النصاب يشمع الفتلة ويتراجع رويدًا رويدًا حتى اختفى عن الأنظار، وبحثوا عنه فلم يجدوه، وبذلك تمت لعبته، ومن هنا اخترعوا هذا التعبير (شمع الفتلة).
الحِلْف العربي


كتب إلي صديق سوري يقول: «أليس عجيبًا أن يقف رجال الفكر في العالم العربي موقفًا سلبيًّا، فيكتفوا بقراءة الأخبار والأحداث من غير أن يكونوا لأنفسهم رأيًا في مستقبلهم؟ أوليس من العجيب أن يقرأ العالم العربي أن إنجلترا تؤلف هيئة رسمية لبحث تنظيم العالم بعد الحرب، ويخطب الخطباء من الإنجليز والأمريكيين في مستقبل العالم بعد الصلح، ولا نسمع أن أولي الرأي في العالم العربي فكروا أو اجتمعوا لبحث موقفهم وما يؤول إليه مصيرهم، كأنهم عبيد تركوا تدبير شئونهم لسادتهم؟! أوليس عجيبًا حقًّا أن تمتلئ أعمدة «الثقافة» بالكلام في اليابان وروسيا، والقانون الدولي، وما إلى ذلك، ثم لا يمتلئ عمود واحد فيها في موقف العرب، ومصير العرب، وآمال العرب، كأن الأمر لا يعنيكم، فكنتم في ذلك كالحاضنة بيض غيرها وهي تترك بيضها في العراء؟ ولست أظن أن السياسة تحول بينكم وبين ما تبدونه من آراء، لأن عرض هذه المسائل فيه مصلحة مزدوجة للأمم العربية، فتحدد مصيرها وتحرك أفكارها وتفتح آمالها، والأمم الصديقة فتعرفها ما يجول بخاطر العرب وما تتطلبه وما تأمله» إلى آخر ما قال.
وهو كتاب ممتع طويل، أجتزئ منه بهذا القدر؛ لأنه هو الذي يهمنا في موضوعنا اليوم، وكلام الصديق كلام حق، ولكني آسف أشد الأسف؛ لأن الموضوع شاق عسير متشعب النواحي، يحتاج الكاتب فيه أن يدرسه دراسة واسعة عميقة، وأن يطيل التفكير في كل رأي يبديه، وقد علمنا التعليم الجامعي ألا نكتب إلا بعد درس، ولا نخط كلمة إلا بعد تفكير، فإن قصدت — أيها الصديق — من كتابك أن أكتب في هذا الموضوع كتابة جدية مستوفاة، فإني أعتذر إليك؛ لأن الأسباب كلها لم تهيأ لي، أما إن أردت أن أقول بعض كلمات فطيرة لا يكون الغرض منها إلا توجيه النظر، وإثارة ذوي الرأي، وفتح الكلام في الموضوع، واستعراض بعض المسائل الهامة، فذلك في إمكاني.
في ذهني صورة لحلف عربي هي مجال للأخذ والرد، والتعديل والتبديل، وهي أن يتكون الحلف العربي الآن من دول أربع: مصر والسودان وحدة، والشام وفلسطين ولبنان وشرق الأردن وحدة، والعراق وحدة، وبلاد العرب وحدة، وأن تكون كل وحدة مستقلة في شئونها الداخلية، وأن تربطها مع سائر الوحدات روابط ثقافية واقتصادية وسياسية، فأما الروابط الثقافية فأن تكون لكل وحدة جامعة تكون منارة للحركة العقلية، تتكون حسب ظروف كل وحدة وبيئتها ومقدار ثقافتها، وأن تعنى كل جامعة العناية الكبرى بتاريخ أمتها وطبيعة إقليمها وتراثها القديم بجانب الثقافة العامة المشتركة، وأن يكون لكل جامعة مجلسها وإدارتها، وبجانب ذلك يكون مجلس أعلى تمثل فيه كل الجامعات، وهو الذي يقرب بين نظمها ويوحد — بقدر الإمكان — اتجاهها، ولا يتدخل إلا في المسائل العامة التعليمية، وأن تتبادل هذه الجامعات المنتجات العلمية، فتتبادل المؤلفات والمجلات، وتتبادل الأساتذة، وتتبادل رحلات الطلبة والأساتذة، وتسهل وسائل التحاق الطلبة في كل إقليم بأي جامعة حسب شهرة أساتذتها ونبوغ كل في فرع من فروع التعليم.
ثم يكون هناك مؤتمر يتكون من عدد محدود من رجال التعليم في كل أمة، يجتمع كل سنة في الأقطار المختلفة على التعاقب، وفي هذا المؤتمر يتلو ممثلو كل أمة تقريرًا عن حالة التعليم في أمتهم، ويعرضون المشاكل التعليمية التي اعترضتهم في عامهم، ويسمعون الآراء المختلفة في حلها، ويرسمون السياسة العامة للتعليم، والسياسة الخاصة لكل قطر حسب بيئته ودرجة ثقافته ومطالبه الاجتماعية.
وأما الروابط الاقتصادية فتنظيم الجمارك بين هذه الدول على أساس أفضليتها على غيرها من الدول الأخرى، وتنظيم إنتاج كل أمة حسب طبيعة إقليمها وشهرتها الصناعية وما إلى ذلك، على أساس التعاون المشترك كما يرسمه الإخصائيون الاقتصاديون.
وأما الروابط السياسية فهي أصعب الروابط وأعقدها، وهي نوعان: روابط بين هذه الوحدات الأربع، وروابط بينها وبين الأمة الأوربية الحليفة.
فأما الروابط بين هذه الوحدات الأربع فإني أتصورها كعصبة أمم عربية، يوضع لها نظام خاص تتقى فيه العيوب التي تكشفت في عصبة الأمم الغربية، فقد كان أهم عيوبها تسخيرها لمصلحة أمة أو أمتين، وعدم اشتراك أمريكا فيها، وعدم القوة الكافية التي تسندها حتى تستطيع أن تنفذ قراراتها، ونحو ذلك، فلنتق هذه العيوب في عصبة الأمم العربية، وليكن أساسها ما قال الله — تعالى —: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى? فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِيءَ إِلَى? أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
وهذا يتطلب أن يكون للعصبة قوة مشتركة أقوى من قوة كل أمة منفردة، وأن يكون لها جيش مشترك، وأن يكون ممثلوا العصبة من أحكم رجال الوحدات وأعقلهم وأصلبهم وأحبهم للخير، وأن يكون نظرهم أوسع من أن ينظروا إلى أمتهم وحدها، ومصلحتها الخاصة وحدها.
ثم هذه العصبة لا تتدخل في المسائل الداخلية البحتة، فلكل أمة حريتها في داخليتها، لا يحدها من ذلك إلا النظر في المصالح المشتركة.
وإذا نجحت هذه العصبة العربية كانت نواة في المستقبل لعصبة أمم شرقية، تضم تركيا وإيران وأفغانستان، وتونس والجزائر ومراكش.
وتكوين عصبة على هذا النحو أنفع للعالم وللإنسانية، فهي تخلق من الشرق قوة تعمل في خدمة العالم، وإلا فما مصلحته في أجزاء صغيرة مفرقة لا تتعاون ولا تتسامى؟ ليس في مصلحة أي جسم أن يكون بعض أعضائه مشلولًا، والنظر القصير فقط هو الذي يُؤْثر ضعف جزء منه ليستغله في مصلحة الجزء الآخر، يجب أن يكون كل عضو صحيحًا، وكل عضو قويًّا، وكل عضو منتجًا ومستهلكًا، وهذا ما لا بد أن يسود العالم اليوم أو غدًا.
في كل وحدة من هذا العالم العربي قوة كامنة وصلاحية للعمل والنهوض، وفي كل منها مزايا كأفراد الأسرة الصالحة، ولا ينقصها إلا أن تستكشف مزاياها ويفسح الطريق لها، فيعمل كل حسب ملكاته واستعداده ومزاياه، ويكمل نقص الآخرين، ويستكمل نقصه من مزايا الآخرين.
أما علاقة هذه العصبة أو هذه الوحدات بالأمة الأوربية الحليفة فقد عقدت معاهدات بين أكثر الأمم الشرقية وبين الدول الحليفة، فما الذي يمنع من النظر في هذه المعاهدات من جديد على ضوء الظروف الحاضرة، والدروس الماضية، والآمال المستقبلة، فتعقد معاهدة سمحة مع كل وحدة من هذه الوحدات تضمن فيها مصالح الطرفين، وفيما عدا ذلك تكون كل وحدة حرة طليقة، ثم يتكون الحلف العربي الجديد وعصبة الأمم العربية، وتكون العصبة مطلقة التصرف، لا يقيدها إلا المصلحة العامة والمعاهدات التي تعهدت بها كل أمة، وبذلك يفسح الطريق للنهوض الشرقي واستعادته قوته ليخدم بها العالم مع العاملين؟
هذه هي الصورة الصغيرة التي في ذهني، ليست وافية ولا كاملة، وكل خط من خطوطها يحتاج إلى وقفة طويلة وتفصيل واف، أعرضها ليتولاها من هو أقدر مني بالنقد والبحث والتفصيل.

بجوار شجرة الورد


أخذت قلمي وورقي، وجلست بجوار شجرة الورد في حديقتي الصغيرة المتواضعة، أستمليها ما أكتب، فأوحت إلي بهذه الخطرات.
هذه شجرة الورد تمتد وتشرئب وتتفرع وترتشف — في نهم — ما تقدمه لها الشمس من ضوء وحرارة، وتشرب كأس الحياة إلى الثملة.
فليت الناس يعملون عملها، فيفتحوا قلوبهم للضوء والحرارة، ويمدوا فروعهم ما استطاعوا ليمتصوا غذاءهم، وينموا قواهم وملكاتهم، ويشربوا كأس الحياة مترعة.
•••

وهذه شجرة الورد تمد جذورها، وتفرز ما يعرض لها، فتختار ما يصلحها وينفعها، وتتقي ما يضرها ويسمها.
فليت الناس يسيرون سيرها، ويعلمون أن حولهم غذاءً صالحًا يجب أن ينالوا منه ما وسعهم، وأن حولهم سمومًا يجب أن يتجنبوها ما أمكنهم، وأن أمامهم كئوسًا مختلفة الألوان، مختلفة الطعوم، مختلفة الصلاحية، بعضها شراب صالح وقد يكون مرًّا، وبعضها شراب سام وقد يكون حلوًا، غذاء شجرة الورد سهل يسير، فما عليها إلا أن تحول ما حولها إلى عناصرَ أوليةٍ، فتمتص ما ناسبها وترفض ما خالف طبعها، ولكن غذاء الإنسان في عواطفه وميوله وغرائزه ومشاعره مركب معقد، حتى قد يكون الغذاء داء ودواء معًا، هذا الطموح الحالم يبعث على الجد، وهذا التواضع النبيل يدعو إلى الخمول.
•••

ها أنتِ قد تقيدت بطينتك، ونزلت على حكم تربتك، فلا تستطيعين الخلاص منها والخروج عنها، جيدة كانت أو رديئة، صالحة أو فاسدة، فوطنت نفسك على الرضا بما كان والانتفاع بالكائن حسب الإمكان، ولم يمنعك ذلك أن تثوري على ما قُدِّرَ لك، وتحاولي التخلص منه والتحايل عليه، فخرجت من ظلام الأرض إلى نور السماء ومن مقبرة الباطن إلى مسرح الظاهر، ومن سكون الجذور إلى لعب الغصون، ومن عبوس المنبت إلى ضحك الثمرة — وهكذا كان أخوك الإنسان، خضع للقدر كما تخضعين، وثار كما تثورين، فاجتمع له جبر البيئة واختيار الإرادة، وعمل على أن يخرج من الظلمات إلى النور، وخلق من الطين، وتطلع إلى السماء، وبلغ من تطوره أن كاد يكون ملكًا كريمًا أو شيطانًا رجيمًا، وكلٌّ ميسَّر لما خُلق له.
•••

يعجبني منكِ أنك دُفنت فسكنت، وتكونت في الخفاء، ولم تجزعي من الظلام، ولم تظهري إلا بعد أن تم نضجك، واكتمل وجودك، واستطعت أن تغالبي الأحداث، وتقفي أمام العواصف — فليت أخاك الإنسان يعمل عملك فيدفن نفسه حتى تكتمل قواه، ولا يظهر إلا بعد أن تنضج ملكاته، ويحسن استعداده، ويقوى على مصارعة الزمان ومغالبة الصعاب، فمن ظهر قبل أن يتم نضجه لم يُرْجَ خيره، والقيمة الحقة ولو قليلة، خير من الشهرة الزائفة ولو واسعة.
•••

أعجب ما فيك صبرك وعملك المتواصل حتى تأتي بالمعجزة، ومعجزتك أنك رسمت خطتك في صمت وسكون، وما زلت تكدين وتجدين، وتختفين ثم تظهرين، وإذا بك قد استخرجت من الحمأ المسنون والطين اللازب ألوانًا زاهية تستخرج العجب، ورائحة عطرة تنعش النفس، وجمالًا فتانًا يأخذ باللب، فما أبعد مرماك! وما أقدرك على تحويل القبح إلى جمال، والظلمة إلى نور، وكراهة الرائحة إلى عطر! فمن استطاع من الناس أن يأتي بمثل ما أتيت به فيفيض على الناس جمالًا ونورًا وشذًى، كان — ولا شك — عظيمًا أي عظيم.
•••

يحدثني علماء النبات عنك أن أخطر الأوقات عليك وعلى أمثالك يوم يجري الماء في جذعك وعيدانك، فإذا صادفك إذ ذاك جو شاذ من سَموم أو صقيع كنت أشد تعرضًا للهلاك، كذلك عصر الشباب أشد العصور على الإنسان خطرًا، إذ يجري فيه ماء الحياة فيشعر بحرارة الشوق، وحرارة العواطف، وتتعرض حياته يومذاك إلى أشد الأخطار، ويستولي عليه نوع من القلق، خوفًا من أن تتثلج عواطفه أو تقوده إلى المهالك.
•••

هذه أنت زهرة وشوك كلاكما من بذرة واحدة تسقى بماء واحد، ثم يجري الماء في الجذوع والأغصان، فيكون مرة زهرة وادعة ضاحكة، وتارة شوكة حادة قاسية عابسة، فعلمتِنا أن الجمال محفوف دائمًا بالأشواك، وأن الخير دائمًا ممزوج بالشر، والذي أنزل الكتاب فيه هدى ورحمة أنزل الحديد فيه بأس شديد، ولا بد أن يقلم شوكك ليكثر زهرك، هكذا نفس الإنسان، زهرة جميلة محاطة بالأشواك، ويجب أن تقلم أشواكها ليتفتح زهرها، فإذا أهملت وتكاثر شوكها كانت كلها شوكًا لا زهر فيه، ما أكثر نفوس الناس التي يجدّ الإنسان في الهرب منها حتى لا يتعلق بأشواكها! أولئك كل مظاهرهم ومخبرهم شوك لا خير فيه، وشر لا نفع فيه، إن كل نفس تحيط بها أشواك من رغبات وشهوات وميول وإرادات وأعمال، وما التهذيب والتربية والديانات ونظم الحكومات الصالحة إلا عمليات تتحد في الغرض، وهو تقليم هذه الأشواك لتتفتح الزهرة جميلة نقية، تشع الخير والسرور والرحمة على من حولها، وبعض النفوس لم تقلم أو ساءت تربتها، أو ساء محيطها، فكثر شوكها، وقل أو انعدم زهرها، وبعض النفوس قلمت وصلحت تربتها فأنبتت الزهرة الجميلة يعجب لونها، وينفح عطرها، فهي جذابة لمن رآها أو سمعها أو قرب منها، وهي بلسم لجراحات الزمان، وطعنات السنان.
•••

ها أنت يمر عليك دور تتكونين فيه لنفسك، وتبحثين عن غذائك لنفسك، وتمدين جذورك لنفسك، وتتفرعين فروعًا لنفسك، وعلى الجملة تعيشين لنفسك، فإذا أزهرت فقد وصلت إلى الغاية، فتجاهلت نفسك لنفع غيرك، ووزعت خيرك وجمالك على من حولك، فملأت محيطك بعبيرك، وأشععت جمالك على كل من له عين تنظر وقلب ينبض، وهكذا أخوك الإنسان يبدأ حياته لنفسه، ولا تشغله من الحياة إلا نفسه، فهو أناني مستأثر، وقد يقطع حياته كلها في هذا الدور، فيكون مثلكِ إذا شَوَّكْتِ? ولم تزهري، أما إن هو قطع دور أنانيته وتوجه قلبه لخير الناس وحب الناس، وأخذ يفكر ويعمل لنفع الناس أولًا ونفسه ثانيًا، فقد بدأ يزهر، وقد يصل به الخير أن يرى سعادته في سعادة الناس، أو أن يدخل السرور على الله بإدخال السرور على الناس، فتكون وردته قد بلغت الغاية في نفح الطيب وإشعاع الجمال. •••

غمرتني الشمس وغمرتها، ورأيت من الذوق أن أتركها تنعم بحرارتها وضوئها فاستأذنت فأذنت، ورجوتها أن تسمح بنشر الحديث فسمحت، غير أنها أومأت إلي أن عندها أحاديثَ أخرى لا تسمح بها لكل الناس، وأن معانيها تنوء بالألفاظ مهما سلست ورقت، وإنما تنتقل باللاسلكي من زهرتها المتفتحة إلى القلوب المتفتحة.
?  شوكت الشجرة: أخرجت شوكها.
النظام الاجتماعي في تركيا


ترجم أخي الأستاذ «محمد بدران» مقالًا عن تركيا الجديدة من الوجهة السياسية، وأشار إشارة خفيفة إلى حركتها الاجتماعية، فأحببت أن أعرض لهذه الناحية بشيء من التفصيل، على أن أقف منها موقف العارض، لا المقرظ ولا الناقد.
إن احتكاك الشرق بالغرب فتح أعين العالم الإسلامي وجعله يتطلع إلى حياة خير من حياته، وعملت على ذلك عوامل كثيرة، أهمها: معرفة الشرق بأحوال الغرب، وكانت مجهولة لديه كل الجهل، وتدفق كثير من أبناء الشرق إلى أوربا يتعلمون فيها ويدرسون أحوالها ونظمها السياسية، ويعودون إلى بلادهم يبثون فيها ما شاهدوا وما تعلموا، فلما قامت الحرب العظمى اكتووا بنارها، وتسمعوا بشغف إلى أخبارها، وسمعوا الدعايات المختلفة، وكونوا رأيهم فيها، وجاءت تعاليم «ولسن» فزادت في آمالهم، وتشوقوا إلى معرفة مصيرهم، حتى إذا سكتت المدافع وتكلم القادة في الصلح، أرهفوا أسماعهم ليسمعوا ما تقوله أوربا فيهم، ولم يكفهم ذلك، بل ذهب كثير من أولي الرأي إلى باريس يتجادلون ويطالبون ويحتجون، ولم تكن باريس عاصمة فرنسا فقط، بل أصبحت مركز عظماء القارات الأربع، وكنت تسمع في شوارعها لغات العالم عالية، وأشكاله المختلفة ظاهرة، ومن بينهم ممثلو العالم الإسلامي على اختلاف أجناسهم وألسنتهم وألوانهم، وتحول المسلمون بشكل ظاهر من مطالبة بجامعة إسلامية إلى مطالبة باستقلال قومي؛ تقليدًا للنزعات الأوربية، وتمشيًا مع روح العصر، وساعد على ذلك انفصال جزء كبير من العالم الإسلامي عن تركيا — بعد أن خسرت الحرب — كالشام وفلسطين وجزيرة العرب والعراق.
فلما تم الصالح أحس العالم الإسلامي بخيبة أمل، إذ لم يحقق مطالبهم، ولم يُنلهم حقوقهم، فوضعت فرنسا يدها على سوريا، وبريطانيا على فلسطين والعراق، فاضطربت النفوس وثارت الثورات.
وكانت حالة تركيا أسوأ الحالات، إذ فقدت أرضها، وفقدت استقلالها، فكان من حروبها للدفاع عن كيانها ما عرفت تفصيله.
فلما انتصر مصطفى كمال سياسيًّا وحربيًّا، وحفظ لتركيا استقلالها اتجه إلى الإصلاح الاجتماعي، فكان من أول ما فكر فيه إلغاء الخلافة، وكان الباعث على إلغائها أمور، منها: خوفه هو وحزبه من أن الخليفة وأسرته لا يرضون عن نظام الحكم الجديد، فيدبرون المكائد، ويدسون الدسائس، لإعادة سلطانهم القديم؛ لأن الخليفة في النظام الجديد فقد سلطته الدنيوية والروحية جميعًا، وأصبح مظهرًا فقط، ولا عمل له إلا استقبال الزائرين، وصلاة الجمعة في ملأ من الناس، ومع هذا لم تطمئن أنقرة إلى هذا الوضع، وكان السلطان يسكن إستانبول والحكومة الجديدة تقيم في أنقرة، وتعتقد أن الخلافة دائمًا عش الدسائس الأجنبية، ومهما كان السلطان «عبد المجيد» مخلصًا وصادقًا ومحبًّا لرقي شعبه، فإنه قابل للانقلاب والتغير بنفسه أو بخلفه واستحضر حزب «مصطفى كمال» في أذهانهم كل سيئات الخلفاء العثمانيين في العصور المتأخرة، وما جروه على البلاد من وبال.
ثم هذه الميزانية الضخمة التي تصرف على الخليفة وبيته من غير مبرر ومن غير عمل، والبلاد أحوج ما تكون في نهضتها إلى المال.
وأخيرًا أنهم يريدون أن يكوّنوا دولة مدنية ينظمونها تنظيمًا أوربيًّا، ويقفوا بين حكومات العالم موقف المساواة، والخلافة تقف عثرة في سبيل هذا التنظيم.
كل هذا جعل القابضين على زمام الأمور يفضلون إلغاء الخلافة ففعلوا، نعم كان للمسألة وجه آخر، وهو أن الخلافة كانت تربطهم بالعالم الإسلامي، وتمكنهم من حق الزعامة الروحية على الممالك الإسلامية، وهذه الناحية العاطفية لها قيمتها، ولكن لم تأبه تركيا لهذه الاعتبارات، ورأت أن العالم يسير نحو تكوين القوميات، فأولى أن تعنى أكبر عناية بأمتها وحدودها وقوميتها.
لهذا كله قرر الزعماء الوطنيون أن يصلوا إلى هذه النتيجة على خطوات كان آخر خطوة فيها إلغاء الخلافة، في مارس سنة ????، وإخراج السلطان عبد المجيد وأسرته من تركيا.
كان في العالم الإسلامي نزعتان ظاهرتان، وإن شئت فقل ثلاث نزعات: نزعة محافظة ترى التمسك بالتراث الإسلامي من غير تغيير، ونزعة ترى الاحتفاظ بخير ما في التراث الإسلامي مما يتفق وروح العصر، ثم تطعِّمه بالمبادئ الجديدة مما اخترعته المدنية الحديثة، ولكن في تريث وحذر، ونزعة ترى التجديد المطلق، واحتذاء المدنية الحديثة في أكثر ما يمكن، وبأسرع ما يمكن.
وربما صح أن يمثل النزعة الأولى الحجاز، والثانية مصر، والثالثة تركيا.
وقد أدى إلغاء الخلافة في تركيا، وإحلال الجمهورية محلها، إلى تغيير كبير في النظام القديم الذي يجعل الخلافة مصدر السلطات، من قضاء وجيش وتشريع، فلما زالت الخلافة اضطرهم ذلك إلى التغيير في الأسس.
لم يهملوا الدين جانبًا كما يتصور البعض، ولكن — على وجه الإجمال — ضيقوا من دائرته، فأما التشريع العام ووضع نظم الحكومة وما إلى ذلك، فجعلوا أساسه ومنبعه المدنية الحديثة، وتحكيم العقل، والنظر إلى الشعب، فهم يدرسون المدنية الحديثة، ويقارنون في الشيء الواحد بين ما فعلته أمم أوربا المختلفة، ومن ناحية أخرى ينظرون إلى شعبهم وحالته الاجتماعية، وما يناسبه، وما لا يناسبه، ويختارون له بعقولهم من النظم الحديثة ما هو أليق بالشعب، وأما الدين فينظم العلاقة بين الإنسان وربه.
على هذا الأساس قامت كل إصلاحاتهم الاجتماعية، فمثلًا في سنة ???? قدم وزير العدل مشروعًا بقانون للدولة مكون من ???? مادة مقتبس في الأغلب من القانون السويسري، ووافق عليه البرمان في ? أكتوبر من هذه السنة، وهو في بعض مسائله ثائر على النظم المعمول بها في الممالك الإسلامية جميعًا، فقد كان تعدد الزوجات — مثلًا — جائزًا، فجاء هذا القانون وحرمه بتاتًا، وكذلك الشأن في المهر، فقد ألغي في القانون الجديد، ولم يفرض على الزوج، وطلب من الزوجة أن تبذل جزءًا من مالها في تأثيث المنزل إن كان لها مال، وسلب الزوج الحق في الطلاق، وجعل للمحكمة وحدها حق الفصل لسبب من أسباب ستة محصورة، وأكثر من هذا خطورة أن المرأة التركية أصبح لها الحق بهذا القانون أن تتزوج من تشاء من أي دين كان، فللتركية المسلمة أن تتزوج نصرانيًّا أو يهوديًّا أو بوذيًّا.
وعدلت قواعد الميراث تعديلًا كبيرًا، فسوت بين الذكر والأنثى، فللبنت كما للابن، وللأم كما للأب، وللزوجة كما للزوج، وألغت نظام الإرث بالتعصيب، والإرث بالقرابة البعيدة، في نظام طويل لا محل لتفصيله، وغيروا نظام الولاية والوصية على أساس الحرية.
ثم نظروا فرأوا جزءًا كبيرًا من أموال الدولة قد شله الوقف، فمنعت إرادة الواقفين أن يتصرف فيه الجيل الحاضر حسبما يرى من صالح عام، وكانت الأحكام التي وضعت له مقيدة لحرية الدولة في الإصلاح، والأوقاف الأهلية مزرعة رديئة للاستغلال، ومفسدة للمستحقين بترك العمل المنتج اعتمادًا عليها، ومفسدة لنظار الأوقاف بانتهابها، ومفسدة لكل هؤلاء يخصوماتهم ومنازعاتهم، وقضاياهم التي لا نهاية لها؛ فهي — في نظرهم — سيئة من سيئات الماضي، سواء من ناحيتها الاقتصادية أم الاجتماعية أم الأخلاقية.
لهذا عمدوا — بجرة قلم — إلى إلغائها وإلغاء وزارتها.
ثم إن الجمهورية التركية أعطت للمرأة التركية حريتها وأصغت إلى صوتها، وسمحت لها بأن توسع حركتها التي بدأتها من سنة ????، حين ظهر أول وجه سافر في الآستانة، فألفت نالدة هانم جمعية مؤلفة من نحو خمسمائة من الأعضاء المثقفات، وطالبن بضروب من الإصلاح: أهمها وضع حد لسن الزواج لا تتزوج من لم تبلغه، وإصلاح أوضاع الزواج، وتأسيس الطلاق على قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة وتحريم تعدد الزوجات.
وتسابقت البنات إلى الجامعات، وزاحمن الأبناء في الحصول على الدرجات.
وخرجن إلى دور السينما وإلى المساجد، وألغين نظام الحريم، وحجز أمكنة خاصة لهن في الترام أو القطار، وطالبن بحقهن في الانتخابات وعضوية البرلمان، وصحب الشبان أخواتهم في القيام بهذه الحركات إلى غير ذلك.
ثم جدت تركيا في نشر التعليم بين أفراد الشعب ذكورًا وإناثًا، وكانت أسرع من مصر في تنفيذ قانون التعليم الإجباري، فقد استصدرته مصر سنة ????، ثم عاق تنفيذه قلة المعلمين، وقلة المال، وقلة الهمة، إلى غير ذلك، ولكنه نفذ في تركيا بأسرع وأقوى، واعترض نشر التعليم في تركيا صعوبة الحروف العربية والشكل، فوقفت بين اختراع ما يسهلها وبين السير مع الأوربيين في استخدام الحروف اللاتينية، ففضلت الطريقة الثانية متأثرة بإغراقها في حب المدنية الحديثة، وقلبت كل أدبها وصحافتها وتعليمها إلى الحروف اللاتينية، حتى القرآن نفسه كتبته بهذه الحروف، وقد ساعد هذا في سرعة نشر التعليم، ولكنه من جهة أخرى قطع صلتها — إلى حد ما — بأدبها القديم وتراثها القديم.
وأسست التربية عندها على أسس وطنية، ووضعت كتبها ونظمها على هذا الأساس، واعترضها في هذه السبيل ما رأت من مدارسَ أجنبيةٍ، فتخوفت من صبغتها التي تصبغ بها تلاميذها، ورأت أن كثيرًا من مشاكلها السياسية القديمة كانت ترجع إلى هذه المدارس، وما تبثه من مبادئها التي تبعث الإعجاب بالدول الأوربية والاحتقار للأمم الشرقية، فوقفت تركيا إزاء هذه المدارس وقفة حازمة اضطرتها أن تُتَرّكها.
ودعتهم الحماسة الوطنية أن يسيروا بخطى واسعة نحو نشر الثقافة، والاطلاع على كل عناصر التقدم الأوربي، ليسيروا سيره، ويحتذوا حذوه، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية أو الحربية.
ثم حافظوا على المظهر محافظتهم على الجوهر، فالجوهر الائتمام بأوربا، والاقتباس من نظمها وقوانينها، والتحرر من سلطة رجال الدين، والمظهر لبس القبعة وسفور المرأة، فحموا الجمهورية من كل عبث بنظامها ومن كل ما يهدد كيانها، كما فرضوا لبس القبعة فرضًا، وجعلوها قانونًا، وحرموا لبس العمامة تحريمًا، ولم يجيزوها إلا لمن له عمل رسمي ديني، ونهوا عن الحجاب، وعاقبوا عليه، وهكذا ربطوا المظهر بالجوهر، وتمسكوا بالشعائر التي تدل على المعنى.
وكان بعض الناس يعتقد أن حياة هذا النظام مرتبطة بحياة «مصطفى كمال» فإذا مات مات، لأنه نما من خارج الأمة لا من داخلها، ولا من أعماق نفوسها، فمات مصطفى كمال، وبقي النظام سائرًا في طريقه، حتى قامت قيامة العالم بهذه الحرب الطاحنة، التي لا يعرف مداها وعقباها إلا علام الغيوب.

ضحية


حدثني صديقي قال: اعتدت يوم الجمعة في الشتاء أن أخرج من بيتي قبل طلوع الشمس إلى جبل المقطم، أنفض عن نفسي ضوضاء الأسبوع، وملل العمل الراتب، وسآمة الحديث المعاد، وأهرب من جو القاهرة المسمم، وأريح أعصابي من مطالب البيت وتكاليف المهنة، وأفر من الإنسان الموحش لأستأنس بالطبيعة الطاهرة، وأكرم نفسي بالعزلة عن الناس، وأهين جسمي بالحركة العنيفة؛ فقد خلق من طينة لا تصح إلا بالإهانة.
واعتدت أن أنوّع الطرق، وأخالف بين الجبال، فمرة أختار الجبال والوديان مما يلي حلوان، وأحيانا جبال المعادي ووديانها، وأحيانًا العباسية وما إليها.
ففي ذات يوم اخترت العباسية وتغلغلت في جبالها ووهادها، أعلوا أكمة وأهبط واديًا، وأتخذ مسيري صوب الأزهر، حتى حان الظهر، ونال مني التعب، فبحثت عن مكان أتفيأ ظلاله، وأنعم بنسيمه، وأطل منه على الدنيا الفانية وما فيها حتى وجدته.
واستمتعت بيوم دافئ جميل، وعزلة مريحة، فلم أصادف منذ خرجت من القاهرة إنسانًا، وخلعت قبعتي وحططت مخلاتي وألقيت عصاي وجلست، وكان الجوع قد بلغ مني مبلغه، فأخذت أخرج ما حملت: هذه «زمزمية» ماء، وهذه شطائر بعضها باللحم وبعضها بالجبن، وهذا عدد من الليمون الحلو لا بأس به، وهذه عُقَل صغيرة من القصب، وهذا كل ما معي، فصففتها أمامي وتغزلت فيها، وجرى لها لعابي، وأعددت نفسي لأكلة شهية بعد سير طويل.
فلم أشعر إلا وشبح يبدو من بعيد، لم أتبينه أول الأمر، ثم ظهر أنه إنسان، ثم ظهر أنه يقصدني، وأخذت مظاهره وملامحه تبدو شيئًا فشيئًا.
جف اللعاب من فمي، ونسيت منظر الأكل لمنظره، وحل الخوف محل لذة النهم، وذكرت قول القائل:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوىوصوَّت إنسانٌ فكدتُ أطير ويلاه من الإنسان! هو كالموت لا بد منه، وكظلام الليل لا بد أن يلفك، ولا مهرب منه إلا إليه.
لكنه إنسان عجيب حقًّا، ليس ككل الناس الذين رأيتهم، أبيض البشرة بياض الأجنبي، ويلبس جلبابًا أزرق كلبس البلدي، ملامح وجهه وزرقة عينيه وشكل رأسه واصفرار شعره دلالة على أنه أوربي صميم، وطاقية رأسه المشبكة وحفاء قدمه المتيبسة دلالة على أنه مصري بائس فقير.
هذا لغز معقد! وقد كنت تركت عقلي الذي يحاول حل الألغاز في القاهرة، وأتيت هنا بشعوري وعواطفي، وروحانيتي الفطرية، فلأسرع الآن في استرداد عقلي القاهري لأحاول به حل هذا الإشكال.
– سلام عليكم.
– عليكم السلام ورحمة الله، هل تتفضل وتأكل معي؟
– لا بأس.
وأخذ يلتهم الأكل بنهم أشد من نهمي، فأسفت لقلة زادي، ونزلت له عن أكثر ما معي.
واعتذر عن نهمه في أكله بأنه قضى يومًا كاملًا لم يذق فيه طعامًا.
– لماذا؟
– لأني لم أجد عملًا، ولم أجد مالًا.
– ماذا كنت تعمل قبل اليوم؟
– خادمًا في قهوة بلدية، وما عملك أنت؟
– مدرس في مدرسة عالية.
– إذًا اتفقنا.
– كيف اتفقنا؟!
– هي كلمة خرجت من فمي ولا معنى لها.
– ما بلدك؟
– خرجت اليوم من القاهرة لأستريح من عناء التفكير.
– هل أنت مصري؟
– أقمت في القاهرة زمنًا طويلًا.
– وما وطنك الأصلي، ولم قدمت؟
وبدأ يتكلم، ولكن أصابته حبسة: أنا. أنا. أنا أتيت اليوم من القاهرة وكفي.
وعلت وجهَه الأبيض — المشرب بحمرة، في الأصل والمشرب بصفرة الآن من الجوع — حمرةُ الخجل، وظهر لي أنه يحمل بين جنبيه سرًّا دفينًا يجرح عزته، فحبست نفسي عن الاستقصاء، وكلمته في الجو والجبل والمسافة بيننا وبين القاهرة، وأتى موعد الرحيل فسلمت، وأخذتني الشفقة عليه فتركت له عنواني إذا احتاجني، ومشيت.
لم يفارقني التفكير في هذا المنظر الغريب، ولا هذا اللغز العجيب الذي لازمني من وقت أن وقع بصري عليه، وكل ما حدث بعدُ لم يكشف سرًّا ولم يلهمني حلًّا، بل زاد اللغز تعقيدًا، فهو يمسك الشطيرة كالأوربي المثقف في ظرف ولباقة، ويأكلها أكل المصري البائس الفقير في نهم وشراهة، عقليته عقلية مثقف، ومنظره منظر جاهل، وهو يتكلم كمصري، وإذا سألته: أمصري هو؟ عرَّض ولم يصرِّح، وجمجم ولم يبن، واكتفى بأنه أتى من القاهرة، لو كان جاسوسًا فَلِمَ يجوع ولم يخجل، ولو كان غير جاسوس وكان أوربيًّا فلم يجمجم؟
لعن الله الإنسان ومناظره، لقد أردت الهرب منه فلحقني، وأردت البعد عن مشاكله فوقعت فيها، وأرادت الأنس بالطبيعة على طهارتها فأُصبت بالطبيعة مدنسة.
جال هذا وأكثر منه في نفسي حتى وصلت إلى بيتي، وشغلتني دنياي عن التفكير في هذا المخلوق العجيب، فأنا بين مطالب أسرة وتحضير درس وإلقائه وغير ذلك من الشئون.
•••

وفيما أنا عصر يوم في بيتي، منصرف لبعض أمري، وإذا بالجرس يدق، فتحت الباب فإذا هو صاحبنا.
– السلام عليكم.
– وعليكم السلام.
وفرحت بمجيئه، ولكن لنفسي لا له، فقد خطر لي أني سأكشف السر الذي حيرني، وأقف على حقيقة نفسه وجلية أمره.
ولم آنف أن أجلسه على كرسي مُجنَّح في غرفة استقبالي، ولو كان حافيًا وفي جلباب أزرق، وقد تعلمت من حديثه السابق ألا أجرحه بسؤاله المباشر عن موضع سره، فحدثته في كل شيء يخطر ببالي إلا ما يتصل به، وأمرت أثناء الحديث أن يهيأ له أكل شهي دسم، لا من جنس الشطائر الجافة التي التقمناها في الجبل، فأكل بنفس النهم الذي أعهده واستزدته حتى لم يبق عنده مكان للمزيد، وأهل بيتي وأولادي وخدمي يعجبون من هذا المنظر الغريب، ومن تفاهة ملبس الضيف وشدة عنايتي به، وبعد الفراغ من القهوة استأذن لينصرف فأذنت له ومنحته ما استطعت، وقبل أن ينصرف وضع يده في جيبه، وأخرج كراسة طلب مني أن أقرأها وأدبر علاجًا لما فيها.
ولا أكتمك أني فرحت بها فرح الطفل بفتح صندوق البخت، أو فرح الفتاة بهدية مغلقة أتت إليها ممن تحب، فأخذتها وتسللت إلى غرفة مكتبي، وأغلقتها عليَّ، وأضأت المصباح، وجعلت ألتهم ما فيها التهام صاحبنا للأكل، وما زلت بها حتى أتممتها، فأخذني منها كل العجب، فماذا هي؟
هي يوميات لهذا الشاب منظمة مرتبة، ذكر فيها أهم ما استرعى نظره في دقة وإحكام.
إنه شاب هولاندي، تخرج من جامعة هولاندية، وتخصص لدراسة اللغات الشرقية والدراسات الإسلامية، ورأت جامعته نبوغه وجِدّه، فمنحته مكافأة دراسية، وإجازة طويلة يقضيها في بلد عربي إسلامي، ليتقن العربية والإسلاميات، فلم يجد لذلك خيرًا من القاهرة.
فحضر إليها، وسكن في حي مصري في المنشية، ولبس جبة وقفطانًا وعمامة ومركوبًا أحمر، ليتسنى له في يسر حضور دروس الأزهر، وجدَّ في الدراسة، واختلف إلى المشايخ يحضر دروسهم ويتفهم كتبهم، وانتهز كل فرصة يتقن فيها الكلام العربي الفصيح واللغة العامية الدارجة، فجلس مع العامة، وتحدث إلى الناس، وإلى الباعة، وغشي الأسواق.
وفي كل شهر كان يكتب تقريرًا مفصلًا بما حصَّله وما عمله وما أتقنه، والجامعة من جانبها تمده كل شهر بما ينفقه عن سعة.
ثم خطرت له فكرة نبيلة جميلة، هي أن يدرس الحالة الاجتماعية بمصر بجانب دراسته اللغوية والعلمية، فوضع لذلك برنامجه الدقيق، فغشي مجالس الذكر، وحضر الصلوات في المسجد، وشاهد أسواق البيع والشراء، وحضر الولائم والجنائز وما إلى ذلك.
وأخيرًا رأى أن يشاهد مجالس اللهو، ولكن هذه كان لا بد له فيها من مرشد خبير، وكان من بدء دراسته قد عرف «كُتْبِيًّا» يتاجر في الكتب القديمة، فيشتري منه الكتب بثمن رخيص، ويلتهمها قراءةً ودرسًا، فتوثقت الصلة بينهما، وكان هذا الكتبي داعرًا عربيدًا، عليمًا بأماكن اللهو، خبيرًا بمجالس الحظ فأفضى إليه بمكنونه، فهش له وبش.
وقال له: «على الخبير سقطت».
فما زال يتنقل به من ملهى إلى ملهى، حتى كان آخر المطاف «غرزة الحشيش» دخلها مع صاحبه الكتبي، وأداه حب استكشافه ألا يكتفي بمنظر الحشاشين و«جوزتهم» وطريقة تعاطيهم، بل أراد أن يجرب تجربتهم ويختبر فعل الحشيش في نفوسهم، فدخن معهم، وسمع لفكاهاتهم وتنادرهم، ولكنه شرق وسعل، ولم يجد في نفسه أثرًا بالغًا كما كان يسمع عن الحشيش، فشكا ذلك لصاحبه، فقال له — في خبث ودهاء — إن ذلك لا يتم إلا بالتعود والتكرار، فاستمع لنصيحته وعاد وكرر، فرأى — كما يقول — أن أعصابه تخدرت، وتتابعت الصور على ذهنه، وغاب عن الزمان والمكان، وأحيانًا كانت تتراءى له صور مرعبة مفزعة، كأن يرمَى من جبل، أو تتخلخل الأرض تحت قدميه، وأحيانًا صور مفرحة منعشة سارة كأنه في جنة النعيم، وبعد أن أفاق أحس بشهوة شديدة للطعام، فأكل كل ما قدم إليه في شراهة، ونام نومًا حالمًا لذيذًا.
ولزمته العادة، وخضع لحكم «الكيف»، فإذا هو حشاش لا يطيق صبرًا عن الحشيش، ولا يستطيع أن يعيش ليلة من غير أن يحشش.
قال: وقد شعرت بضعف حيويتي وسقوط نفسي، وميلي إلى الكسل والخمول، وفتور في قوى عقلي وسوء تقديري للأمور.
قال صاحبي: وإلى هنا انتهت يوميات صاحبنا، وبقي الفصل الأخير من الرواية لم أتبينه مما كتبه: كيف وصل إلى ما شاهدت من حالته، فتشوقت إلى أن أراه ليتم لي روايته.
فأتاني بعد أيام، فاستقبلته ونفسي مغمورة أسفًا وعطفًا وإشفاقًا، وسألته عما حدث له بعد فقال: لم أجد بعدُ لنفسي ميلًا إلى قراءة أو درس، ولا إلى أي عمل، ولم أكتب لجامعتي حرفًا، وانقطعت أخباري عنها، فقطعت ما كانت تمدني به من مال، وضاقت بي السبل، ولم أجد موردًا أقتات منه، ولم يرشدني صاحبي الكتبي إلى أي عمل أعمله، ولم أعد أعبأ بنظافة ملبس ولا حسن مظهر، وتخاذلت قواي وفقدت كرامتي، فعرضت نفسي على من يستخدمني، وأخيرًا لم أجد إلا عملًا في قهوة، وبعد مدة وجدتني لا أصلح حتى لهذا العمل، وخرجت هائمًا على وجهي في الجبل يوم قابلتك!
ثم بكى، وما أشد وقع بكاء الرجال على نفسي!
فكرت طويلًا فيما أستطيع أن أعمله لإنقاذ إنسانية ضالة معذبة، وزهرة كانت يانعة فذبلت وجفت وسقطت.
فهداني التفكير إلى أن أذهب به إلى من يعنى بأمر الهولنديين، وكان يستطيع أن يهتدي بنفسه إلى ذلك لولا أنه سلب قدرة التفكير وقوة الإرادة، فشرحت لهم حاله، وتفاهمت معهم أن يسفروه إلى بلده فرحبوا بالفكرة ونفذوها، ثم انقطعت عني أخباره، ولم أدرِ — بعدُ — من أمره شيئًا.

أول مجلة مصرية


كانت ساعات ممتعة تلك التي قضيتها وأمامي ثمانية مجلدات من أول مجلة عربية علمية أدبية مصرية،? أتصفحها وأقرأ بعض مقالاتها، وأقارن بين أعدادها، فمنذ إحدى وسبعين سنة، في عهد الخديو إسماعيل كان علي باشا مبارك «مدير ديوان عموم المدارس»، وهذا كان اللقب الذي حل محله فيما بعد ناظر المدارس فناظر المعارف فوزير المعارف. وكان «رفاعة بك الطهطاوي» «ناظر قلم الترجمة بديوان المدارس»، وقبل ذلك بسنوات كانت قد نشطت حركة المدارس والمكاتب وفتحها، وأقبل عليها المتعلمون، فرأى القائمون بالأمر أن تصدر إدارة المدارس «مجلة» تشد أزر هذه الحركة، وتعمل على نشر التعليم، فأنشأوا مجلة أسموها «روضة المدارس المصرية» وقد صدر أول عدد منها يوم السبت ?? محرم سنة ???? هجرية، الموافقة سنة ???? ميلادية، واختاروا لها رمزًا جملة كتب عليها دواة غمست فيها ريشة تستملي منها، وحولها قوسان من غصون الشجر، وطبع تحت الاسم هذان البيتان في كل عدد:
تعلم العلم واقرأتحُزْ فخار النبوهفالله قال ليحيىخذ الكتاب بقوه وتحتهما أنها «تحت نظارة رفاعة بك»، أي كما نعبر نحن اليوم «مدير المجلة»، وأن «مباشرة تحريرها» علي فهمي بك بن رفاعة بك، أي أنه رئيس تحريرها، وكان علي فهمي هذا مدرس الإنشاء بمدرسة الإدارة والألسن، وجعلوها تظهر كل أسبوعين، وكانت تخرج في ?? صفحة من حجم الكتاب المتوسط — وجعلوا اشتراكها ???? قرشًا، ولعلهم اختاروا هذا الرقم؛ لأنه يساوي «البنتو» وهي عملة مشهورة كانت في ذلك العصر، ولم يسموا هذا «اشتراكًا» كما نسميه نحن، بل قالوا «ثمن ترتيبها» كذا، وطبعوها بمطبعة «جرنال وادي النيل» بباب الشعرية.
وافتتحوها بمقال يبين الغرض منها، فقالوا: «إن جل مرغوب ديوان المدارس المصرية، اعتمادًا على مساعدة العناية الخديوية، تعميم العلوم وتتميم المعارف، وانتشار الفنون وإكثار اللطائف، ومداولتها بين جميع أبناء الوطن، وتسويتهم في الورود على مستعذب هذا المَشْرَع الحسن … بحيث تكون فيها الفوائد متنوعة، والمسائل المتأصلة والمتفرعة، أقرب تناولًا للمطلع المستفيد، وأسهل مأخذًا لمن يعانيها من قريب الفهم والبعيد، بقلم سهل العبارة، واضح الإشارة، وألفاظ فصيحة غير حوشية ولا متجشمة لصعب التراكيب، ومعان رجيحة تنخرط في سلك مستحسن الأساليب».
وقد ذكرت أنها لا تتعرض للسياسة ولا للإدارة، وأنه مما سيعينها على أداء غرضها ما أنشئ من دار الكتب بجانبها «تقتطف الأزاهر عن مكامنها، وتلتقط الجواهر من معادنها» — وأن سعادة مدير المدارس (وهو علي باشا مبارك) «جعلها ملحوظة بنظر نظارته، لا يندرج فيها شيء إلا بإشارته، ومنحها الرئاسة التشريفية والإدارة العملية».
ثم قدر القائمون عليها أن ستكون لها أبواب مختلفة، فجعلوا على كل باب مشرفًا يحرر فيه ويراقب ما يأتي منه.
فعلي باشا مبارك عليه وصف البحار العمومية، وذكر متعلقاتها وأحوالها الكلية والجزئية.
وعبد الله بك فكري العلوم العربية والفنون الأدبية، وذكر أساليب العرب في النظم والنثر.
ومسيو «بروكش» ناظر مدرسة اللسان المصري القديم، عليه مسائل التاريخ القديم والحديث.
وإسماعيل بك الفلكي الفلكيات.
ومحمد أفندي قدري (وهو الذي صار بعدُ محمد باشا قدري مؤلف كتب الفقه المشهورة) عليه الجغرافية والأخلاق والعوائد والمعاملات والاعتقادات.
ومحمد أفندي بدر علم الأبدان.
ومحمد أفندي ندا النبات.
والشيخ عثمان مُدُوخ (وكان سوري الأصل)، عليه غرائب النوادر والفكاهات والمضحكات والألغاز.
وعلي فهمي رفاعة رئيس التحرير عليه الكلام في تخطيط مصر القاهرة ومقارنة جديدها بقديمها.
وعلى خوجات المدارس جميعها المشاركة في تحرير باب العلوم الرياضية.
وخرج العدد الأول كنموذج، ففيه مقال لعلي باشا مبارك في إنشاء دار الكتب الخديوية، فخبر عن إيفاد بعثة من عشرة من نجباء التلامذة إلى إيطاليا «لتعلم الإدارة الملكية» وذكر أسمائهم، ثم فائدة جليلة عن سكان أقسام الدنيا، فقصيدتان في تهنئة الخديو إسماعيل بالعام الجديد، إحداهما لصالح مجدي بك، والأخرى للتلميذ اللبيب أحمد أفندي نظمي، ثم ملحتان إحداهما في السريرة الحسنة والسريرة السيئة، والأخرى في صاحب هرة، وبذلك انتهى العدد.
وصدرت تباعًا تجري فيها أقلام الكتاب والعلماء من مصريين، وأجانب تترجم مقالاتهم إلى اللغة العربية.
وفي العدد الثالث تنبهوا إلى ضرورة فهرس في أول العدد يبين المقالات وأصحابها، وابتكروا طريقة نشر كتب تنشر بالمجلة تباعًا، فيلحق بها ملزمة أو أكثر من كتاب أو أكثر، وكان من المساهمين في تحريرها بعض علماء الأزهر كالشيخ حسونة النواوي، والشيخ سليم القلعاوي، والشيخ حسين المرصفي، ومشهورو الأدباء كصالح بك مجدي وعبد الله بك فكري وبعض التلاميذ، وتنشر فيها الخطب التي تقال في حفلات الامتحانات العمومية، وتقارير إصلاح التعليم، ومقالات خوجات المدارس في العلوم الرياضية والطبيعية والكيمياوية إلخ.
ومن العدد الثالث زادت صفحاتها إلى ?? ثم ?? ثم ??.
وحدث في العام الثاني من حياة المجلة أن قررت وزارة المعارف إعطاء دروس للثقافة العامة تلقى من مشهوري العلماء في دار العلوم، يحضرها كل من أراد، وكانت دار العلوم إذ ذاك في درب الجماميز.
فالشيخ حسين المرصفي يلقي محاضرتين كل أسبوع في علوم الأدب، وإسماعيل بك الفلكي في علم الفلك، ومسيو ويدال فن السكك الحديدية باللغة الفرنسية، وفراتس بك فن الأبنية، ومسيو بروكش للتاريخ العام، إلخ.
فكان هذا المشروع الجليل مادة صالحة جليلة لتغدية المجلة، فكان ينشر فيها خلاصة بعض هذه الدروس.
وفي السنة الرابعة من المجلة يخرج العدد السابع في ?? ربيع الثاني سنة ???? لا يحمل اسم رفاعة بك، إذ كان قد توفاه الله، فنشرت المجلة ما رثته به الوقائع المصرية، ويكتفى بذكر «مباشر التحرير» علي فهمي رفاعة، ثم يتحول النص إلى أنها «تحت إدارة ناظر الروضة ومطبوعات المعارف علي بك فهمي نجل رفاعة بك» وتضعف بعض الشيء في عهد الابن، إذ لم يكن له من الشخصية العلمية ما للأب، فيقل ما يرد من الأقلام المشهورة، ولكن تستمر وتستمر إلى السنة الثامنة، فيخرج العدد السادس عشر في آخر شعبان سنة ???? وليس فيه إلا خطب افتتاحية وختامية قيلت في المدارس والمكاتب الأهلية، ولما بلغت من الضعف إلى هذا الحد أسلمت روحها لخالقها.
قد كانت هذه المجلدات الثمانية معرضًا جميلًا يمثل للناظر كيف كانت الأقلام تجري في هذا العصر، وبأي أسلوب تكتب، وبأي عقلية تفكر، وإلى أي حد بلغ مجهود القوم ونشاطهم العلمي والأدبي، وما الموضوعات التي كانوا يحبونها ويتذوقونها، وكيف كان عقلاء مصر أمثال علي مبارك وعبد الله فكري وصالح مجدي ومحمد قدري وأمثالهم، حركة دائبة لا تعرف الكلل في تنظيم المدارس والمكاتب وتغذيتها بالكتب تؤلف وتترجم، وبالحفلات تقام وبالمجدين النابغين يشجعون ويكافئون، وبالمحاضرات العامة تلقى على الجمهور، وبهذه المجلة يسجل النشاط ويبعث الشوق.
وهي في ناحية أخرى صورة لحالة النظم والنثر في ذلك العصر يبعث من مرقده، فيتعلم السير ويتعثر بالسجع وبالاستعارة المتكلفة، ثم يحاول أن يتحرر من قيوده، فيقطع في ذلك شوطًا لا بأس به.
والقوم يواجهون المصطلحات العلمية في العلوم على اختلافها، ويكلفون ترجمة الكتب الأجنبية والمحاضرات التي يلقيها الأساتذة الأوربيون، فيجدّون في وضع الكلمات العربية التي تقابلها، أو يستعملون الكلمات الأجنبية مصوغة صوغًا يستسيغه اللسان العربي.
ثم هي تقوم بنشر ما يهم المدارس من الأخبار، فتنشر أسماء النابغين، وتنشر التقارير الواردة عن طلبة البعثة، فتنشر أن «عثمان غالب» مثلًا من تلاميذ مونبليه «أخذ في أول السنة الأخيرة درجة المسرورية»، ومحمد علوي «تحصل في أول امتحان آخر السنة على درجة مسرورية جيدة زائدة وهو نبيه».
وتنشر أسماء من تفوقوا واستحقوا مكافآت ونوعها، وتقتبس من تقارير التعليم والمكتبات في الممالك الأجنبية، إلخ.
ثم نرى ألفاظًا كثيرة في طور التكوّن، كما رأينا في «درجة المسرورية»، و«ثمن ترتيبها» بدل «قيمة اشتراكها»، ومثل ذلك في مصطلحات العلوم، وبعض هذه الألفاظ أُقر وبعضها عُدل.
ونرى المجلة تكثر فيها الألغاز حسب ذوق العصر، حتى يضج المشرف على المجلة منها، ويطلب من الكتاب الإقلال من إرسالها.
ونرى فن «المقالة» لم يتكون بعد، وإنما هي محاولات في كتابة المقال.
ونرى الجمهور لم يعرف الكتب القديمة، ولم يطلع على ما فيها، فيستغفله بعض العلماء، وينقلون من هذه الكتب بعض فصول وقصائد يدَّعونها لأنفسهم، ويمضونها بإمضائهم.
وعلى الجملة فهذا وأكثر منه موضع لدراسات قيمة في نواح متعددة.
?  ظهر قبلها مجلات خاصة كاليعسوب في الطب.
التضحية


لعل من أهم الفروق بين أمة راقية وأمة غير راقية، أن أفراد الأولى يشيع بينهم العمل لأنفسهم ولغيرهم، وأن أفراد الثانية لا يعملون إلا لأنفسهم.
ها هو الجو حولنا مشبع بالأنانية إلى أقصى حد، هذا موظف كل همه أن يرضي رؤساءه في الحدود الضيقة لينال «درجة»، ولا يهمه بعد ذلك قضيت مصالح الناس أو لم تقضَ.
وهذا موظف آخر لم يمنح من المرتب ما يشتهي، فهو يضن بمقدرته وكفايته على الناس، وكل ما يعمل أن يؤدي الأعمال الآلية التي تنجيه من العقوبة ومن التبعية القانوينة، فهو يحضر في الميعاد وينصرف في الميعاد، ثم لا روح في عمله، ولا شعور بواجبه، وهذا غني لا ينظر في تصرفاته إلا إلى شخصه مهما شقي الناس من حوله، وهذا مزارع من كبار المزارعين لا ينظر في مشروع القطن والقمح إلا بمقدار ما يحتمل أن يدخل جيوبه من مال، مهما جاعت الأمة وعدمت القوت، وهذا ثري ذو جاه يستعمل جاهه ونفوذه في الهرب من ضريبة واجبة عليه، أو يتحايل في تخفيضها إلى أقصى حد ممكن، فتكون النتيجة أن يدفع الضريبة كاملة غير القادر، ويهرب منها أو ينقص منها القادر — وهذه هي الروح الشائعة التي نراها في البيت وفي الشارع وفي المصلحة، وفي البيع والشراء، والأخذ والعطاء: أنانية مسرفة، في حدود ضيقة، لا ينظر منها الإنسان إلا إلى نفسه، وإلى نفسه فقط، يدور في خلده أن ينهب من اللذائذ ما استطاع قبل فوات الوقت، ويهرب من الواجبات ما استطاع مع المحافظة على الشكل، حتى لا يقع في يد القانون، يردد قول أبي فراس: «إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر»، ويهزأ ببيت أبي العلاء:
فلا هطلت علي ولا بأرضيسحائب ليس تنتظم البلادا وبقول البارودي:
أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأأحق بالري لكني أخو كرم •••

ليس مظهر التضحية مقصورًا على الجنود في مواقف القتال، فليس هذا إلا مثلًا عاليًا من أمثلة التضحية، ولكن هناك أمثلتها العديدة في الحياة اليومية لكل فرد، فالذي يتنازل عن لذته الفردية الضيقة للمصلحة العامة الواسعة يكون مضحيًا على قدر ما بذل، والموظف ينال شيئًا من العناء لراحة الجمهور مضح، والمدرس يبذل أقصى جهده في إعداد درسه وإيصاله إلى طلبته مضح، والغني يتنازل عن بعض لذائذه لخير الناس مضح، والمزارع يرعى حال فلاحيه مضح، وهكذا، وعلى قدر انتشار هذه الروح في الأمة يكون مقدار رقيها ونجاحها — ولا تفلح أمة يبحث أفرادها عن لذائذهم الشخصية فقط، مهما حسن تشريعها وصلح قادتها، فشرّعْ ما شئت لتنظيم التموين فلن ينجح، ما دام كل فرد لا ينظر إلا إلى شخصه، وشرع ما شئت لتنظيم الضرائب فلن ينجح مع محاولة الأفراد الهرب منها، وشرع ما شئت لإصلاح الفلاحين فسيظلون كما هم، ما دام التشريع لا يلقى مجاوبة من نفوس القادرين.
•••

لقد أضاع علماء النفس المحدثون جمال التضحية بما أفرطوا من تحليل، وما أرجعوا من أعمال نبيلة إلى غرائزَ وضيعةٍ، وما وصلوا إليه من أن مظاهر إنكار الذات تعود في آخر أمرها إلى حب الذات، فقالوا — مثلًا —: إن السياسي الكبير الذي يدل مظهره على أنه يؤدي واجبه، ويخدم أمته، ويتحمل أشق الأعباء في سبيل مجدها ورقيها ونهوضها، لو حللت البواعث التي دفعته إلى عمله وسلوكه هذه السبيل، لوجدتها ترجع في النهاية إلى غريزة حب الذات، وشعوره الكمين بأهمية ذاته وعظم شخصه، والواعظ الذي يعظ الناس ويذكرهم بالدين، ويخلص في سبيله، ويتحمل أشد العذاب في سبيل تحقيق دعوته وانتشار عقيدته إنما نصل في النهاية عند تحليل نفسه إلى حبه إظهار شخصه، وتمجيد ذاته، والتفات الناس إليه، واتجاههم نحوه، والزاهد الذي فر من الحياة ولذاتها، واعتكف في الأديار أو التكايا أو نحوها، وتجرد من الدنيا وشئونها، لم يكن في الحقيقة عند التأمل العميق في بواعثه إلا ناظرًا لنفسه، هاربًا من تبعات الحياة وتكاليفها، والطبيب الذي يعنى بمرضاه ولا يعنى بنفسه، ويتعرض للأخطار أيام الوباء، إنقاذًا للناس، ولو كان في ذلك حتفه — قالوا — إنما يبحث وراء حسن سمعته وذيوع شهرته، والعالم الذي يقضي أوقاته في معمله أو في مكتبه باحثًا منقبًا وراء حقيقة يكتشفها، أو نظرية يعثر عليها، أو اكتشاف يخدم به الإنسانية دواءً لمرض أو إمتاعًا للناس في ناحية من نواحي حياتهم، ليس — في نظرهم — إلا مجيبًا لما ركب في طبيعته من حب الاستطلاع، والمصلح الذي يكدح ليله ونهاره في سبيل خدمة قومه وإصلاح عيوبهم، ومعالجة ما أصيبوا به من مرض اجتماعي، ليس يرجع ذلك — في رأيهم — إلا إلى حب الظهور، وإشباع رغبته في إعظام نفسه، والدوي حول شخصه، بل قالوا أكثر من ذلك وأعنف، قالوا: إن الممرضة التي تهب نفسها لخدمة المرضى، وتعمل جهدها في الرحمة بهم، وتلطيف عذابهم، وتضميد جراحهم، وتجد من نفسها السعادة في تفريج كربهم وتخفيف آلامهم، ليست في الحقيقة مدفوعة إلى ذلك إلا لداعي ما ركب في غريزتها من الاستطلاع الجنسي، قالوا: وإنما اختارت هذا الضرب من الإحسان؛ لأنه محفوف بما يغذي نفسها من مظاهر الإعجاب والمدح والثناء، والظهور بمظهر من يفني ذاته في نفع الناس، ويضحي بخيره لخير الناس.
وهكذا رجعوا كل البواعث النبيلة، ومظاهر التضحية الجميلة للغرائز الوضيعة المتأصلة في النفس، وللبواعث الذاتية المتأصلة في الإنسان منذ ظهوره على وجه الأرض.
وقالوا: وما ذنبنا أن وجدنا الإنسان هكذا خلق، وعلى هذا طبع، وهو هو من بدايته إلى نهايته؟!
ولكن أحقٌّ كل هذا؟ أيستطيعون أن يستمروا في تفسيرهم لكل أنواع التضحية من شخص لا يؤمن بدين، وهو — مع هذا — يرمي بنفسه في ميدان القتال دفاعًا عن أمته، وأم تضحي براحتها ولذتها لابنها من غير أن تنتظر مثوبة أو جزاء، ونحو ذلك من أمثلة لا تعد؟
وهب ذلك كله صحيحًا، فهل ذهب جمال التضحية، وقيمة التضحية؟
لتكن كل هذه الأعمال النبيلة ناشئة عن غرائزَ شخصيةٍ وبواعثَ ذاتيةٍ، فهذه الغرائز في الحقيقة والواقع قد تتجه إلى أعمال خسيسة فنكرهها ونشمئز منها، وهي هي قد تتجه إلى أعمال تنفع الناس فنعجب بها ونمجدها، إن حب الذات قد يدفع الشخص إلى أن يقتل، استيلاءً على مال القتيل، وقد يدفعه إلى أن يقتل، دفاعًا عن أمته، أو دفاعًا عن عرض فتاة، ومحب الظهور قد يغذي غريزته بتضليل الناس، وخلق المؤامرات، وتدبير الدسائس حتى يعترف له بالمقدرة، وقد يغذي غريزته بالإحسان الكثير والإصلاح الكبير، والمرأة قد تدفعها غريزتها الجنسية إلى الاستهتار، وقد تدفعها الغريزة نفسها إلى التمريض، فالغريزة في كل هذه الحالات واحدة، ثم قد يصدر عنها الخير، وقد يصدر عنها الشر، فالعبرة بالنتائج لا بالتحليل إلى العناصر الأولية، وخطأ علماء النفس هؤلاء — إن كان ما يقولونه صحيحًا — أنهم أفرطوا في التحليل، ولم ينظروا في التركيب، بالغوا في المقدمات وأعرضوا عن النتائج.
لتكن كل الأعمال ناتجة عن حب الذات، فلا تزال هناك أعمال نبيلة وأعمال خسيسة، ولا يزال هناك من الأعمال ما يصح أن يسمى «أثرة» وأنانية وما يصح أن يسمى إيثارًا وتضحية، وكل الفرق فرق في التعريف لا في المعرَّف، وفي العرض لا في الجوهر، فعلى قولهم تكون التضحية أن يجد المرء لذته الشخصية فيما يعود على الناس بالنفع، وعلى قول الآخرين هي أن يبعثه على عمله نفع الناس وخيرهم، ولا عبرة بالمقدمات إذا تساوت النتائج، وليس يهمنا أن يكون الباعث له على إتيان الخير لذته الشخصية أو رغبته في الصالح العام ما دام العمل ينتج هذا الخير.
ولا يزال الناس بعد هذا البحث السيكولوجي منقسمين إلى قسمين: قسم لا ينظر إلا إلى شخصه في حدوده الضيقة، وقسم ينظر إلى شخصه في حدوده الواسعة. قسم ينظر إلى ذاته كالحيوان، وقسم ينظر إلى ذاته كفرد في أمة وعضو في جسم وفرع في شجرة، يوفق بين نفعه ونفع أمته ونفعه ونفع شجرته. قسم بلغ به ضيق النظر أن يجد لذته في حرمان الناس وسعادته في شقاء الناس، أو هو على الأقل لا يهتم بالناس. وقسم قد بلغ من سعة نظره أن يجد لذته في لذة الناس، وسعادته في سعادتهم، وخيره في خيرهم، وهذا غاية الرقي.
وخيرُ الناس من استطاع أن يوفق بين غرائزه وخيرِ الناس، فإذا كان محبًّا للظهور فليظهر بما ينفع أمته، وإذا كان محبًّا للاستطلاع فلا يستطلع أخبار الناس وعيوبهم وخفاياهم، وإنما يستطلع حقيقة مجهولة في العلم أو قانونًا مجهولًا في الطبيعة، ومن كان من طبعه الخوف فليخف من شر يلحق الناس، وأذى ينالهم، ولا يخفْ من أوهامٍ من خَلْقه، وعفاريتَ من خياله، وهكذا.
مهما قيل فالتضحية أنبل ما وصل إليه الإنسان، منظرها أجمل منظر وأروعه، ولا شيء يكسب الأمة قوة كما تكسبها التضحية، فالأمة المضحية تأكل غير المضحية في سهولة ويسر؛ لأن الأمة المضحية كتلة متماسكة ووحدة واحدة، والأمة غير المضحية أفراد متفككة، وشهوات متعددة، تتحارب أجزاؤها، ويأكل النزاع والشهوات والأنانية قواها، فالأسرة التي يعمل فيها كل فرد لشخصه أسرة ميتة، والمصنع الذي يعمل فيه كل فرد لمصلحته الخاصة لا يبقى شهرًا، والحزب الذي ينظر فيه كل عضو إلى نفسه فقط حزب مصطنع لا حول له ولا قوة، والأمة التي يحسب فيها كل فرد حساب لذته الخاصة هي أفراد لا أمة.
في الأمة التي تسودها التضحية كل أفرادها أقرباء، وفي الأمة التي تسودها الأنانية كل أفرادها غرباء.
التضحية عشق وهيام، ومحال أن يصدق عشق على أساس الأنانية، وإنما يصدق يوم يقول ويؤمن بما يقول: «إني أضحي أنانيتى وسعادتي وشخصي وكل ما يقف في سبيل الحب لحبي».
لا تكون التضحية حتى يتعود القلب لذة العطاء كما يتعود لذة الأخذ، ولذة أن الناس يَجِدُون ويسعدون، كما يتعود أن يتلذذ من أن يجد ويسعد.
التضحية إرادة القوي ليقوى، وإرادة الضعيف ليتخلى عن ضعفه — هي حجر المسن تُشْحذ عليه الإرادة لتقطع الصعاب وتجتاز العقاب، وهي النار المقدسة التي تطهر النفوس وتأكل الأعشاب الطفيلية.
التضحية أشرف الطرق تسير فيه الأمة لتحقيق ذاتيتها، وأنبل السبل تسير فيه الإنسانية لتبلغ غايتها، وبدونها يصبح الإنسان حجرًا لا روح فيه، أو بهيمًا يعيش ليأكل.
التضحية أفق واسع تنعم فيه النفس بجمال السعة وبعد المدى وجلال اللانهاية، والأنانية أفق ضيق تألم فيه النفس بضيق المكان، وتنقبض فيه من كثرة السدود والحدود.
في التضحية حرارة وإيمان يُسعد، وفي الأنانية جمود بارد وإلحاد مقبض.
في التضحية حياة كلية شاملة وفناء النفس فيما حولها ومن حولها، وفي الأنانية حياة جزئية محصورة، ودوران النفس حول ذاتها في خمود وركود.
في التضحية كرم وسماحة، وفي الأنانية شح وكزازة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

النار


كان الجو باردًا قارسًا، وكان الهواء عاصفًا قاصفًا، وكان الليل مظلمًا حالكًا، فأويت إلى بيتي وكأني لا أجد جسمي، وخلعت ملابس التكلف ولبست ملابس البساطة، وفرحت بالنار الموقدة في حجرتي، والجو الهادئ حولي، فكل شيء يحيط بي نائم، وأنا والنار وحدنا يَقِظان.
جلست بجوارها أتأمل صنيعها، وأستمليها معانيها.
•••

يعجبني فيك — أيتها النار — ميلك إلى السمو دائمًا، يلعب بك الهواء في نواحيك، فتقاومين وتعارضين، وقد يتغلب عليك الحين بعد الحين، ولكن لا تملين ولا تخضعين، حتى يمل هو فيسكن، وتستمرين في تساميك أبدًا، وفي تعاليك دائمًا، فتبًّا لمن يخضع لأول عاصفة ويطأطئ رأسه لأول صدمة.
قوية قوة لا نهاية لها، لا تلمسين شيئًا حتى تأكليه وتخضعيه لأمرك، وتحلليه إلى شيء واحد مهما اختلفت أنواعه — جمادًا كان أو حيوانًا أو نباتًا، عظيمًا أو حقيرًا، جميلًا أو قبيحًا — إلى رماد، إلى هباء، إلى فناء، تحللينه بحرارتك، وتهضمينه بقوتك، ثم تتركينه باردًا برود الموتى، أين منك مخالب الأسد؟ وأين منك أنياب الأفاعي السامة؟ وأين منك الريح العاتية ترمي ولا تفني، وتقتلع ولا تبتلع؟ لولا أن رأينا أفاعيلك قبل أن نعقل لجنَّ جنوننا لرؤيتك، وأخذنا العجب كل العجب لقدرتك.
•••

عجب المجوس لقدرتك فعبدوك وألَّهوكِ، واستدل الموحدون بعظمتك على عظمة خالقك وامتن الله بك على عباده، فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ.
•••

اشتق العرب أقوى فترة من العمر من صفاتك، فسمَّوا الشباب من شبوبك، ووصفوا التهاب الشعور من التهابك، وقالوا: ضرام الحب من ضرامك، واندلع لهيب الثورة من لهيبك، وكما استعاروا صفات القوة من قوتك، استعاروا صفات الضعف لغيابك، فقالوا: انطفأت شعلته إذا مات، تشبيهًا بانطفائك، وهمدت قوته وخمدت، من همودك وخمودك.
وكما عبدك المجوس جعلك العرب أعظم مفاخرهم وأشهر مآثرهم، فرفعوك للسَّفْر ولمن يلتمس القِرَى، وكلما كان موضعك أرفع كانوا بك أفخر، فقال شاعرهم:
له نار تُشَبُّ بكل ريعٍإذا الظلماء جَلَّلَتِ القِنَاعاوما إن كان أكثرهم سَوَاماولكن كان أرحبهم ذراعا ومثل ذلك كثير لا يحصيه عد.
•••

لقد أبت الشمس أن تنزل من سمائها، وتتنازل عن عليائها، فأنابتك في الأرض عنها، ومنحتك أعظم صفاتها، وهي الضوء والحرارة والقوة، فضوءك من ضوئها، وحرارتك من جنس حرارتها، وقوتك بعض قوتها، وكأنك تبرهنين على ولائك لها، فتميلين دائمًا للصعود إليها! تستطيعين أن تمزقي الظلام، فتكوني آية الليل كما كانت أمك آية النهار، وتستطيعين أن تقهري البرودة، وتبعثي الدفء إذا غابت أمك، وتستطيعين أن تبعثي الحياة بحرارتك. وهل الحياة إلا حرارة، وهل الموت إلا برودة؟
•••

ثم أنت بقوتك نفاعة إلى أشد حدود النفع، ضرارة إلى أشد حدود الضرر، فيك الحياة وفيك الموت، هأنذا أستدفئ بك وأحذر القرب منك، وهذا الأكل تنضجينه وتحرقينه، وهذا القطار تسيِّرينه وتمزقينه.
عد الإنسان اكتشافه لك أجلَّ شيء في حياته وأعظم حادثة في تاريخه، لا يستغني عنك بدوي في بداوته، ولا حضري في حضارته، عرفت المدنية الحديثة طرق استغلالك فقفزت في تقدمها، واتخدتك أكبر وسائلها في بنائها وهدمها، وبؤسها ونعيمها، ورفاهيتها وعذابها، وسلمها وحربها، وهل بنيت المدنية إلا على الحديد والنار؟ ومهما اختلفت الأسماء التي وضعوها لك من فحم وبنزين وغيرهما فأنت أنت التي صيغت من ضوء وحرارة.
•••

لقد كنا نحن وأرضنا وما حولنا جذوة منك، فلما بردت قشرتها دبت الحياة فيها وظل باطنها شعلة منك، تنبئ بأصلها وتدل على تاريخها، ومن أجل ذلك كان كل شيء حولنا إما نارًا ظاهرة، أو نارًا كامنة.
•••

لك فوق جلالك وقدرتك جمال عجيب —! وقلَّ أن يجتمع الجلال والجمال والقوة في شيء كما اجتمعت فيك، أدرك الرضيع جمالك فناغاك، وشُدت عيناه إلى مرآك، وارتبط جمال الليل بجمال ثرياك، واجتمع فيك سر جمال النور وجمال اللون وجمال الحركة وجمال القوة وجمال الوداعة، تهدئين فتكونين شمعة، وتثورين فتكونين بركانًا، وقد أنصف العرب، إذ سموك «النار» قريبًا من «النور»، لقرب حقيقتك من حقيقته، وجمالك من جماله.
•••

ثم ها هي النار من أكثر ما في الوجود إيحاءً وإلهامًا، فلأمر ما ارتبطت النار في حياة موسى بنور الوحي إِذْ رَأَى? نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى? * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ? إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، ولأمر ما كانت النار معجزة إبراهيم يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ، ولأمر ما عظمها اليهود وقالوا: إنها تأكل قربان المخلص ولا تأكل قربان النغِل، ثم هي والجنة عِدْلان تلعب عليهما عواطف الإنسان من خوف ورجاء ورغبة ورهبة، وبفضلها لم نجد تعبيرًا خيرًا من حرارة الإيمان وحرارة العواطف وحرارة القلب، ولو انعدمت حرارة الإيمان لكان إيمانًا جافًّا، ولو انعدمت حرارة العواطف لتجمدت وماتت، ولو انعدمت حرارة القلب لكان حجرًا، إنما يقوَّم الشاعر بحرارة شعره، والخطيب بحرارة قوله، والأمة بالتهاب وطنيتها، ولا فرق بين الموت والحياة إلا الحرارة، وإذا أظلمت النفس فما أحوجها إلى لمعة كلمعة البرق تضيء جوانبها، وإذا برد القلب فلا يحييه إلا قبس من نار يلهب شعوره، وإذا جمدت عواطف أمة فليس إلا النار والعذاب يحييان مشاعرها، ويبعثان وجدانها.
لم يجد العاشق — أيتها النار — تعبيرًا صادقًا عما يجد إلا النار ترعى فؤاده، والنار تحرق كبده، والنار تكوي قلبه.
ولم يجد الصوفي خيرًا منك ومن النور ولد منهما معانيَ عجبًا.
•••

وهنا أحسست أن جسمي أخذ حظه من الدفء، ورأسي كأنه شعلة نار من التفكير في النار، فأطفأت نارها وأطفأت رأسي، وقلت: إلى مخدعي.

العام الهجري الجديد


باسم الله نستقبل هذا العام الهجري الجديد، وباسم الله نرجو أن يكون خيرًا من أخيه الراحل، وأن يكون يمنًا وبركة وسعادة للإنسانية عامة، وللعالم الإسلامي خاصة، وأن ينظر فيه المسلمون إلى أنفسهم فيعرفوا مواضع الضعف فيها فيقووها، وإلى مواضع القوة فيزيدوها، وأن ينظر العالم الأوربي إليهم نظرة عادلة، فيعلم أن المسلمين قد شعروا بإنسانيتهم فلم يعد في الإمكان أن يُستعبدوا، وبصروا بأنفسهم فأصبح من العسير أن يستغلوا، وتجاوزوا طور الصبا فلا بد لكسبهم من إخائهم لا سيادتهم، ومن مساواتهم لا السيطرة عليهم، ومن معاملتهم معاملة الإنسان للإنسان، لا معاملة الإنسان للسلع، وفوق ذلك فتكاليف المدنية كثيرة، والقيام بأعبائها شاق عسير، وتسيير آلاتها يحتاج إلى أيد لا عداد لها، وعقول لا تحصى، فلماذا نضعف المدنية بتسليط قوة على قوة بدل أن تتعاون القوتان؟ ولماذا نضيع الوقت في إذلال نصف السكان لنصفهم الآخر، ولا نضع أيدينا بعضها في بعض للتعاون والتساند؟ ولماذا يخيل لقوم ألا ينجحوا إلا بهدم أممهم للأمم الأخرى، مع أنها صالحة كل الصلاحية لتبني كما بنوا، وتشيد كما شيدوا؟ والله قد قسم الخيرات على الناس، فكما جعل أرضًا صناعية وأرضًا زراعية، جعل لعقول الأمم مميزات ولنفوسهم مميزات، ولا شك أن للعالم الإسلامي مميزاتٍ تغل الخير الكثير لو استغلت، وتساعد في بناء المجتمع لو استخدمت.
•••

جرى العالم الأوربي — إلى عهد قريب — على تنحية المسلمين وإبعادهم عن أن يشتركوا في البناء، ورسم خطة محدودة نحوهم، هي خطة المالك للعمال في مزرعته، وخطة صاحب رأس المال للمنتجين في مصنعه، لا خطة تعاون أصحاب رءوس الأموال، ولا خطة الشركاء في الإنتاج.
لقد غزا العالم الأوربي في القرن الماضي العالم الإسلامي بكل قواه، وبعبارة أخرى غزت قارة أوربا الممالك الإسلامية في آسيا وأفريقيا واستعملت في إخضاعها كل أسلحتها، فالمبشرون ينظمون قواهم لنشر دعوتهم في البلاد الإسلامية، ويتخذون لذلك المستشفيات والمدارس والملاجئ ستارًا لنشر دعوتهم، والملحدون يدعون إلى الإلحاد، وينشرون آراءهم في لباقة ومهارة، عارية صريحة، أو تحت ستار من ألوان براقة خداعة، ويأملون أن يتحرر المسلمون من دينهم، فإن ظفروا بذلك فقد ظفروا بنصف المكسب، ورجال السياسة يضعون الخطط لإذلال المسلمين وتحكيم دولهم فيهم، وتسيير الآلات الحكومية في الدول المستعمرة لخدمة الاستعمار، حتى لا يخرجوا قيد شعرة عما رسموا، ولا يفكروا في غير ما خطوا، ورجال الحرب ينفذون ما تشير به السياسة، فمن حدثته نفسه أن يفتح فاه في غير مصلحة الحاكم المستعمر فالويل له، ورجال الاقتصاد من وراء رجال السياسة يدرسون الحالة الاقتصادية للمسلمين دراسة عميقة، ويضعون الوسائل لاستغلالها في مصلحة أممهم، لا مصلحة من يستعمرونهم، فإن عجزوا عن تنفيذها اقتصاديًّا نفذوها سياسيًّا أو حربيًّا، وهكذا.
كان هذا كله، وأكثر من هذا كله، والمسلمون — كانوا — في شغل عن أمورهم، ترضيهم لعب كلعب الأطفال، ويسر كبارهم أن يطعموا أرفه الطعام، ويلبسوا أنعم الثياب، ولا يعنيهم من أمتهم إلا أنفسهم وأولادهم، ثم كانوا — كذلك — كالأطفال في عدم استطاعتهم إدراك المعاني المجردة، فالطفل لا يدرك أبوة ولا أمومة، وإنما يدرك أبًا أو أمًّا.
فكذلك هؤلاء، كانوا لا يدركون المعاني وإنما يدركون الأشخاص، فالفكرة لا تقدر في ذاتها، وإنما تقدر بقائلها، ويكفيهم في هذا المجال التنازع على فتات السلطة التي خلفها لهم المستعمر من موائده، والتنازع على الجاه والتنازع على العرض، وكلمات الصالح العام، ومصلحة الأمة، وخير البلاد، ونحو ذلك، كلمات جوفاء تقال على أفواههم، ولم تسكن قلوبهم، وتقال للتنكيل بخصم سياسي أو للقفز بها إلى الحكم، فإذا حكموا كانوا كسابقيهم، جعجعة ولا طحن، وقول ولا عمل!
•••

مضى على هذه الحال أعوام وأعوام، حتى بدأ النائم يستيقظ، وعمل على هذه اليقظة عوامل، من أخطاء ارتكبها الساسة في الحكم، ومن تعاليمَ أتت مع المدنية الحديثة، ومع الفاتحين في نظم الدولة وحقوق الإنسان، فتسربت إلى القادة، وتقطرت منهم إلى العامة، ومن مبادئَ إنسانيةٍ عامَّةٍ أعلنها قادة السياسة في الحرب العظمى، تبين حقوق الإنسان، أو تستعطف الأمم للدخول في صفها، أو تدعو إلى السلم، إلى غير ذلك من أسباب لا أطيل بذكرها.
غير أني لا أنسى هنا أن أذكر بالفضل قومًا من المنصفين الأوربيين، وقفوا للدفاع عن الإسلام وعن المسلمين، واستطاعوا بأقوالهم وخطبهم وكتبهم أن يعدلوا كثيرًا من الرأي العام الأوربي، فلم يعد الإسلام في نظر كثير منهم — كما كان — ذلك الدين الذي ينفث العصبية والحقد، ولا ذلك الدين الذي لا يصلح للعالم الحاضر ويجب أن يسرع في القضاء عليه قبل أن يموت تدريجًا، ولا ذلك الدين الذي ليس له أسس أخلاقية شريفة، ولا ذلك الدين الذي ليس له تأثير في الضمير إلخ، بل تحول كثير من الرأي العام إلى الاعتراف بصلاحية الإسلام للحياة، وابتنائه على أسس أخلاقية قويمة، كما تحول كثير إلى الوقوف على الحياد، بعد أن كان موقفهم موقف عداء، ثم كان من موضع الإعجاب ما ظهر به المسلمون أنفسهم من مناعة نحو تمسكهم بدينهم وبقوميتهم، فلم يلق التبشير الديني ولا السياسي من النجاح ما كان ينتظر!
•••

تحرك المسلمون يطالبون بحقوقهم، وسببوا بحركاتهم مشاكل للدول التي تحكمهم، ورأى الساسة أن حكمهم لم يصبح من السهولة كما كان، ورأى الاقتصاديون أن الاستغلال في أراضي المملكة الإسلامية أصبح عسيرًا، وأن غفلة المسلمين التي كانت تمكنهم من الاستغلال على أحسن وجه وأيسره قد زالت أو زال أكثرها، فعسر عليهم الإنتاج.
كما صادف أن العالم الأوربي تمزق بالخصومات والعداء، ولم يعد الأوربيون كلهم على اتفاق فيما بينهم، حتى يستطيعوا أن يرسموا خطة واحدة نحو الممالك الإسلامية.
كان من نتيجة ذلك كله أن تحول موقف الدول نحو البلاد الإسلامية تحولًا ظاهرًا، ورأوا أن يصانعوا المسلمين ويحاسنوهم ولا يخاشنوهم، فكانت المعاهدات المختلفة، للأقطار الإسلامية المختلفة، وإلغاء الامتيازات في الدول التي بقيت فيها، إلى كثير من أمثال ذلك.
•••

هذا عرض سينمائي سريع لتاريخ المسلمين الحديث وموقفهم الحديث، ولكن هذا الموقف الجديد يتطلب واجبات جديدة، ويحملهم أعباء ثقالًا، فإحداث الثورة أيسر من استغلالها، إذ هدأت، وإشعال النار أسهل من استخدامها في تسيير القطارات وإدارة الآلات، وقد ظل العالم يشعل النار طوال عهوده، ولكنه لم يعرف أن يستخدم البخار إلا في عهده الحديث، وواجبات العبد أيسر من واجبات السيد، ومسئولية الرجل أعظم من مسئولية الطفل.
فالعالم الإسلامي الآن يقف — لأول مرة — بعد العصور المظلمة — على رجليه، ويحاول أن يدير حكومته بنفسه، ويتحمل غلطاته، ويفخر بحسناته، وقد أصبح لأول مرة في العصور الحديثة عقلًا يدبر بعد أن كان يدًا تدار، وأمسك بيده المصباح، فإما أن يضيء به منزله إذا أحسن استعماله، وإما أن يحرقه إذا أساء استعماله، ووقف الآن يحمل أوزاره وأوزار آبائه، وديونه الثقيلة وديون آبائه، فكان الأمر جدًّا لا لعب فيه، وميدان جهاد لا مسرح مهزلة.
وإن أبواب الجهاد عديدة ليس شيء منها أولى من شيء، وقد علَّمنا الإسلام في تعاليمه الأساسية الأولى أن نعد أنفسنا ما استطعنا من قوة، نتسلح بالعلم كما تسلح القوم بالعلم، ونتسلح بالأداة الصالحة للحكومة كما تسلحوا، ونتدرع بتنفيذ العدل الدقيق كما تدرعوا، وبوحدة الأحزاب عند الخطر كما توحدوا، وبالاستعداد للطوارئ كما استعدوا، وفوق ذلك نتقوى بالخلق كما تقووا.
فأما أن يترك العالم الإسلامي بيوته فوضى، ويتنازع على الرياسة أو على من يمثله في المجتمعات والمؤتمرات، وأما أن تتحارب أحزابه لا للمصلحة القومية، ولكن لتولي الحكم، وأما أن يبذر أمواله على أنواع الترف والكماليات، وهو في أشد الحاجة إلى الضروريات، وأما أن يسير في آلاته الحكومية على أساس المحسوبيات والشهوات لا على أساس العدل الدقيق، وأما، وأما … فضرب من العبث إن اغتفر في الماضى فهو أكبر أنواع الإجرام في الحاضر.
إن موقفنا اليوم موقف التاجر يمارس التجارة لأول عهده، وموقف الشاب أونس منه الرشد فرد إليه ماله وروقب كيف يتصرف، ولسنا في عزلة عن العالم نفعل كما نشاء، وإنما نقف على مسرحٍ نظَّارته كل العالم، وليس لدينا من القوة العلمية والأدبية والحربية ما يحمل العالم على أن يغفر لنا خطايانا ويغمض طرفه عن زللنا، ويقف العالم منا موقف الرقيب ماذا نصنع والراصد ماذا نعمل، وفي أعناقنا تبعاتنا وتبعات أبنائنا من بعدنا.
فلنجعل العالم يهابنا في إجلال، ويحترمنا كصديق، ويعاملنا كشريك، ولا يمس حقوقنا لقوتنا، ويفسح لنا في بناء المدنية لقدرتنا، ويؤمن — بأعمالنا لا بأقوالنا — بأن لنا مجدًا قديمًا أتبعناه بمجد حديث، ولنُسمع من لم يسمع أن المسلمين لم تمتهم الأحداث الثقال، وإنما أنامتهم ثم انتبهوا، وخدرتهم ثم انتعشوا، وأنهم منذ انتبهوا عملوا مع العاملين وجدُّوا مع الجادين.
هذا، أيها العام الجديد، رجاؤنا فيك وأملنا منك، فكن صفحة مجيدة يسجل فيها العالم الإسلامي نبل فعاله وخير أعماله، وكن لهم منارًا حتى يهتدوا بضوئك ويأنسوا بنورك ويبددوا ما يحيط بهم من ظلام، ويضطلعوا فيك بأعبائهم الجسام، حقق الله الآمال.

الخصومة في الأدب


كانت الخصومة بين الأدباء دائمًا نعمة على الأدب وإن كانت نقمة أحيانًا على الأدباء أنفسهم.
فالخصومة — أول الأمر — في كثير من الأحيان هي التي تنتج الأديب وتهيج مشاعره، وتطلق لسانه، وفي تاريخ الأدباء الشيء الكثير من ذلك، فقديمًا كان الشاعر العربي يهجو القبيلة ويعيرها ويجسم مثالبها ويقلب حسناتها سيئات، فتتلفت يمنة ويسرة تنظر من يدافع عنها، ويصد كيد عدوها، فتفعل هذه اللفتة في المستعد المتهيئ فعل السحر، فإذا للقبيلة من يروض نفسه على القول، ويعدها للنضال ويطلق لسانه بالقول، وإذا هو شاعر، ولولا هذا الهجاء وهذه الخصومة لكان إنسانًا كسائر الناس لا شاعرًا كسائر الشعراء، وحديثًا سمعنا أن «عبد الله نديم» أطلق لسانه بالقول رجل دعاه ليعلم أولاده ثم أكل عليه أجره، فأخذ يعمل لسانه في هجوه فإذا هو هجاء، وإذا هو أديب، وإذا هو كاتب وشاعر.
ثم الخصومة هي التي أورثتنا بابًا كبيرًا من أبواب الأدب هو باب الهجاء، فلولا الخصومة ما كانت لنا نقائض جرير والفرزدق ونقائض جرير والأخطل، ولا كانت أهاجي بشار وأبي نواس وابن الرومي وغيرهم من الهجائين، وكثير ما هم، ولحرمنا ما أبدعوا في هجائهم من صور فنية هي غاية في الروعة والإتقان، تثير في النفس الهزء والسخرية حينًا، والضحك حينًا، والإعجاب من مصورها حينًا، ولو فقدت هذه الصور لكانت كارثة على الأدب ولفقد ركنًا كبيرًا من مقوماته.
ثم هذه الروايات الكثيرة في الأدب الغربي التي وضعت لنقد كاتب والهزء به وبآرائه، والتي وضعت لنقد فكرة والسخرية بها وبواضعيها ومؤيديها — كل هذه ما كانت تكون لولا الخصومة الأدبية، وكلها ثروة كبيرة من ثروة الأدب لا غنى عنها، ولا حياة له بدونها.
وبعد هذا كله فما النقد؟ أليس هو خصومة، شريفة أحيانًا وغير شريفة أحيانًا؟ إن كان النقد في قليل من أوقاته مدحًا وتقريظًا فهو في كثير من أحيانه عيب وتجريح.
وليس يشك شاك في نعمة النقد على الأدب، فهو الذي بخصومته يهاجم الأدباء في شدة وعنف فيبين أغاليطهم، ويوضح ضعفهم، ويظهر عيوبهم، فإذا هم حذرون يجيدون، خوف النقد، ويحاولون أن يتبرءوا من العيوب، خوف النقد، وينشدون الكمال، خوف النقد، فإذا خرج نتاجهم كاملًا أو قريبًا من الكمال فالفضل في ذلك للنقد.
وفي كل عصر تنشأ خصومة حادة عنيفة بين رجال الأدب من أنصار القديم وأنصار الجديد يتجادلون ويتسابون، وجدالهم وسبابهم أدب، وينقسم الناس إلى معسكرين: أنصار المجددين وأنصار المحافظين، ويحمل كل فريق أقلامهم فيجيدون ويمتعون، فيكسب الأدب من هذه المعارك مكسبًا مزدوجًا، مكسبًا من ناحية ما يقال في هذه المعارك من هجاء وتعنيف وسب وخصام، ومكسبًا من ناحية ما يكسبه المجددون — غالبًا — من توجيه الأدب وجهة جديدة، وإدخال عناصر فيه جديدة، ولولا ذلك لظل هيكل الأدب كهيكل الأهرام تمر عليها الدهور والأعوام وهي هي في شكلها ومادتها، ولكان أدبنا اليوم هو الأدب الجاهلي، ولكان أدب الغرب اليوم هو أدب القرون الوسطى، فلولا ثورة المجددين والخصومة بين الأدباء لما تقدم الأدب خطوة، ولظل على حالته كما تركه الأولون … هذا في إجمال نعمة الخصومة على الأدب.
•••

ثم إن الخصومات بين الأدباء هي من جنس الخصومات بين ذوي المركز الواحد أو أهل الصنعة الواحدة.
هي من جنس الخصام بين الضرائر، فالضرة تخاصم الضرة؛ لأن كلتيهما تتنازع قلب الزوج، وتريد أن يكون لها السلطان عليه كاملًا، وهي من جنس الخصام بين الزوجة والحماة؛ لأن الحماة تدل بأمومتها وكبر سنها، والزوجة تدل بجمالها وشبابها وغير ذلك.
وهي من جنس الخصومة بين ذوي الصنعة الواحدة، فالنجار قل أن يحب النجار، والحداد قل أن يحب الحداد، والتاجر في نوع من السلع قل أن يحب التاجر في هذا النوع، وكلما قرب الشبه اشتد النزاع، فالنجار في حي من الأحياء أشد كراهية للنجار في حيه من النجار في غير حيه، وتاجر الغلال أشد كراهية لتاجر الغلال منه لتاجر القطن، والسبب في ذلك تسابقهم إلى اكتساب «الزبائن»، فكلٌّ يريد أن يستولي على السوق، وينفرد بالمكاسب، ويستبد بحسن السمعة والجاه، فإذا شعر بأن هناك من يزاحمه في هذا انتقصه وكرهه وعمل على إخماد أنفاسه، ولذلك كانت كراهية التاجر العظيم للتاجر العظيم أشد من كراهيته للتاجر الصغير؛ لأنه كالآمن من ناحيته، المطمئن إلى أنه لا يبلغ شأوه.
فالخصومة بين الأدباء من هذا الصنف، ولذلك قل أن تجد خصومة بين أديب وعالم أو أديب وموسيقي؛ لأن ميدان السباق بينهما مختلف، إنما يخاصم الأديبُ الأديبَ؛ لأنهما من واد واحد، ويريد كلٌّ أن يكون له السوق وحده، فإذا شعر من أحد أنه يزاحمه في ميدانه خاصمه وهجاه، وقلل من شأنه وشأن أدبه، وفعل الآخر مثله، فكانت النقائض والمهاجاة ونحو ذلك، وعلى قياس ما سبق كلما كانت درجة الأدباء متقاربة كانت الخصومة بينهم أشد، والمهاجاة أعنف، وقد يتصافى الأديبان ظاهرًا ويتخاصمان باطنًا، فتكون الخصومة دفينة تنتظر عود الثقاب ليشعلها، وقد يمر زمن طويل قبل أن يشتعل هذا العود، وكلما زاد أحد الأدباء حظوة عند القراء أو أخرج كتابًا أقبل عليه الناس، ازداد خصومه غيرة فراحوا يقللون من شأن نتاجه، ويتمحلون الأسباب في انتقاصه، وقد تتكون حول كلٍّ أنصارٌ وحول كلٍّ خصومٌ فيكون النزاع بين جماعات لا بين أفراد.
ولكن من الحق أن نقول: إن الغيرة ليست كل شيء في الموضوع، فقد تكون تربية الأدباء وثقافتهم سببًا في الخصومة بينهم، هذا أديب نشأ نشأة عربية خالصة، ولم يقرأ إلا لشعراء العرب، ولم يطلع إلا على الكتب العربية، فعنده أن الأدب الغربي تافه ثقيل الظل، وخير مثال يحتذى هو أسلوب الجاحظ أو أسلوب البديع أو شعر المتنبي أو أبي تمام، وهذا أديب أخذ حظه من أدب الغرب، ومزج بين الثقافتين وفضل الأدب الغربي على الأدب العربي، وصار المثل الأعلى له أن يحاكي شكسبير أو لامارتين أو جوته، فهو يريد أن يطعِّم الأدب العربي بخير ما في الغربي، ويريد أن يجدد في بحور الشعر وفي موضوعاته وفي ميادينه، فتنشأ الخصومة العنيفة، وهي في الواقع خصومة بين مدرستين ونزاع بين مذهبين؛ هذا يتعصب للقديم ولا يريد أن يتحول عنه أنملة، ويريد أن يتبع عمود الشعر كما كانوا يعبرون، وهذا ثائر لا يرضى عن القديم إلا أن يمزجه بجديد، وقد كانت هذه الخصومة في كل عصر تقريبًا، عاب الناس على أبي تمام تجديده ونصره قوم، وهاجم العقاد والمازني شوقيًّا وحافظًا لهذه النزعة بعينها ونصرهما آخرون، وسيصبح الحديث قديمًا ويعيبه جيل المستقبل ويريدون جديدًا، وهكذا سنة الله في كل شيء حتى في الأدب.
وسبب آخر في الخصومة كثيرًا ما يحدث، وهو الخصومة بين شيوخ الأدب وشباب الأدب، وهي خصومة — لا شك — واقعة، غاية الأمر أن المسألة ليست بالسن، فقد يكون شيخًا وهو من أدباء الشباب، وقد يكون شابًّا وهو من أدباء الشيوخ؛ لأن المسألة ليست تقدير عمر، إنما هي نزعة، والنزعة إلى التجديد قد يشترك فيها شيوخ وشبان، والنزعة إلى المحافظة قد يشترك فيها شيوخ وشبان.
والخصومة بين الشيوخ والشبان ترجع إلى عواملَ مختلفةٍ: منها: هذا الذي ذكرنا من اختلاف النزعات، ومنها: أن الشبان قد يكرهون من الشيوخ استيلاءهم على السوق وكثرة الزبائن فينفسون عليهم ذلك ويريدون أن يهدموهم ليحلوا محلهم، ويدافع الشيوخ عن مراكزهم فتكون المعركة مروعة تختلف فيها الأسلحة وآلات القتال، وقد يكون السبب أن الشاب إن كان ناشئًا في الأدب رأى من وسائل شهرته أن ينازل شيخًا، فإن ظفر به فقد فاز فوزًا عظيمًا؛ إذ غلب عظيمًا، وإن لم يظفر به فليست هزيمة منكرة، ويكفيه فخرًا أنه ناوشه، فهو كاسب على كل حال.
وبعد، فكل الناس يتخاصمون، تاجر يخاصم تاجرًا، وصانع يخاصم صانعًا، ورب أسرة يخاصم رب أسرة، وأمة تخاصم أمة وتقاتلها، ولكن الأدب هو الذي يظفر بتخليد خصومته، فقد ذهبت كل الخصومات في العهد الأموي وبقيت خصومة جرير والفرزدق، وذهبت خصومات الناس في العصر العباسي وبقيت خصومة الخوارزمي والبديع، وخصومة المتنبي وأعدائه، وهكذا.
وكم تَسَابَّ الناسُ وذهبَ سبابُهم، أما سباب الأدباء فباق خالد، وهو طُرفة، وهو إبداع، وهو يثير التبسم ويستخرج الضحك أو الإعجاب، وسبب ذلك أن الأديب طويل اللسان، وقلمه أطول من لسانه، وهو ماهر فنان يستطيع أن يصوغ سبابه في قالب فني يكسبه الخلود، أما سائر الناس فمساكين، إما قصار اللسان، وإما طواله، ولكن ليست لهم القدرة الفنية.

الرمز في الأدب الصوفي


تدور العقيدة الصوفية على فكرة «وحدة الوجود»، فليس العالم والله شيئين منفصلين، وليس الله في السماء وحدها ولا في الأرض وحدها، بل هو في كل شيء، بل هو كل شيء، وليس هناك محب ومحبوب، وعاشق ومعشوق، بل المحب والمحبوب واحد، يختلفان في المظاهر والأحوال، ويتحدان في الحقيقة؛ وكل شيء في العالم له مظهر فان متغير متقلب، وله مخبر دائم باق لا يتغير، ونفس الإنسان كذلك: نفس ناقصة فانية ظاهرة، ونفس كاملة باقية باطنة، والنفس الأولى تشق الطريق لتحقق نفسها الثانية، فتتحد بالحقيقة وتنشر بها وتفنى فيها، وسمى الصوفي هذا المسلك «طريقًا» أو «طريقة»، وسمى نفسه «سالكًا»، وسمى المسافات التي يقطعها فيقف عندها للاستجمام «مقامات»، وسمى الغرض الذي يقصده من سلوكه وهو اتحاد نفسه بالحقيقة، وبعبارة أخرى اتحاد ذاته بالله «الفناء في الحق»، وقد رسموا «خرطًا» لهذا الطريق، وتعددت «خرطهم» بتعدد أنظارهم، وسموا كل مرحلة وكل مقام باسم، فهي عند بعضهم مقام التوبة، ثم مقام الورع، ثم مقام الزهد، ثم مقام الفقر، ثم مقام الصبر، ثم مقام التوكل، ثم مقام الرضا، وفي كل مقام من هذه المقامات يقف السالك فيشعر بمشاعر نفسية خاصة سموها «الأحوال»، فحال الخوف، وحال الرجاء، وحال الشوق، وحال الأنس، وحال الطمأنينة، وحال المشاهدة، وحال اليقين، إلخ، ولا بد للسالك أن يستوعب كل مرحلة من هذه المراحل ويؤقلم نفسه بها ليستعد للمرحلة التي تليها، حتى يصل في النهاية إلى حالة اتحاد بالعالم وبالله، فيستحق بذلك أن يسمى «عارفًا» ولا بد للسالك أن يقوده «شيخ» في هذه الطريقة الوعرة حتى لا يضل المسلك.
وليس المقام مقام تفصيل لتعاليمهم وعقائدهم، وإنما نريد أن نقول: إنهم بتعمقهم في هذا المبدأ الذي ألممنا به إلمامًا بسيطًا قد أقاموا أنفسهم في عالم غير العالم المادي الذي يعيش فيه غيرهم، فلهم لغة خاصة بهم ومسميات لا يعرفها إلا هم، ولكنهم فعلوا في اللغة كما فعل كل العلماء في اللغة العربية، فأخذوا الألفاظ العربية وأطلقوها على مدلولات خاصة كما فعل النحاة بالفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر والجار والمجرور، ونحو ذلك من ألفاظ كان يستعملها العرب في مدلولات عامة فأخذها النحاة ووضعوها لمصطلحات خاصة، حتى إن العربي القح لم يكن يفهمها في معاني النحاة، وهكذا الشأن في البلاغة والعروض والفلسفة، غير أن هناك فرقًا كبيرًا بين المتصوفة وغيرهم، فالأوضاع النحوية والصرفية والبلاغية لها مدلولات ترجع إلى العقل في تفهمها، أما المصطلحات الصوفية فلا ترجع إلى العقل، وإنما ترجع إلى الذوق، ولهذا لا يفهمها أحد بعقله فهمًا صحيحًا، إنما يفهمها من تذوقها ووقف في المقام الذي يقف فيه المتصوف، والفرق بين العاقل والمتذوق كالفرق بين شخصين أحدهما لم يذق الكمثرى قط فوصفت له وصفًا لفظيًّا علميًّا، وشخص ذاقها وعرف الفروق الدقيقة بين مذاقها ومذاق الموز والتفاح، فاستعمل شعراء الصوفية ألفاظ الشعراء الغَزِلين من «ليلى» و«الخمر» والوصل والعناق والهجر والعذال، واتخذوها رموزًا لأحوالهم ومقاماتهم، وكان لهم من ذلك كله أدب رمزي بديع غريب، يمتاز عن غيره من الأدب بروحانيته وصفائه، كما يمتاز بغموضه وخفائه.
والسبب في الغموض والخفاء أن الشاعر المادي إذا وصف خمرًا أو لوعة حب أو هجرًا أو وصالًا، فإنما يصف عواطف يدركها الناس وهي في متناولهم، أو بعبارة أخرى هي قدر مشترك بينهم، فكل الناس أحب، وكل ذاق لذة الوصل وألم الهجر، أما الصوفي فيعبر عن مقام يقفه وحال غلبت عليه، فوصف مقامه وحاله بحيث لا يفهمه إلا من كان في موقفه وحاله، أو كان قد قطع هذه المرحلة إلى مرحلة أبعد منها مدى، ومن أجل هذا لا يفهم الصوفيَّ إلا الصوفيُّ، بل قد لا يفهم الصوفي الصوفي إذا سلك كل منهما مسلكًا خاصًّا أو كان الصوفي الشاعر في مقام بعيد عن مقام الأول، ومن أجل هذا شرح بعضهم قصائد بعض المتصوفة، فكان الشرح غامضًا كالأصل، وصاحب القصيدة معذور كل العذر؛ لأنه في حال لا يجد فيها ألفاظًا تعبر عما في نفسه في وضوح وجلاء، وهناك سبب آخر قد يدعو إلى الغموض، وهو أنه في حال لو أوضح ما في نفسه لرماه من يفهمه بالكفر والإلحاد.
على كل حال يمتاز الأدب الصوفي بأنه أدب رموز من ناحيتيه القابلة والفاعلة، فهو يفهم مظاهر العالم على أنها رمز، والعالم عنده لا يختلف عن أحلام النائم، فكما أن الحلم يعرض حوادثه عرضًا رمزيًّا فكذلك العالم كل ما فيه رمز، فكل ما يقع تحت عينه وما يسمع بأذنه، وما يتصل بجميع حواسه رموز يستنتج منها ما يغذي عواطفه ومشاعره، وبذلك انفتح أمامه عالم غريب الأطوار مملوء بالجمال، مفعم بالتخيلات، حتى كأن كل شيء — ولو كان صغيرًا — كتاب ملئ علمًا، أو لسان ينطق دائمًا بالحكمة، هو في العالم دائمًا يقرأ ولا مقروء، ويسمع ولا مسموع، ويستخرج من الحبة قبة، ومن القطرة بحرًا خضمًّا، يقرأ في كل حادثة نفسه وعالمه وربه، ويفسرها تفسيرًا يتفق ومزاجه وحاله.
وهذا الأدب الرمزي والدين الرمزي والحكمة الرمزية نزعة كانت في الإنسان منذ القدم، فالديانة المصرية القديمة مملوءة بالرموز الدينية، وكذلك ديانة الهنود والفرس الأقدمين، ترمز إلى الحقيقة في بعد وخفاء، والمثيولوجيا اليونانية ليست إلا رموزًا لما كانوا يرون من حقائق، وكثير من شعائر الأديان إنما وضعها فلاسفة متصوفون رمزوا بها إلى بعض الحقائق، فأتى العامة الجهلة، وظنوا الرموز حقائق، فما الأصنام ولا النجوم ولا نقوش المصريين في عباداتهم ولا كثير غيرها إلا رموز أتى عليها الزمن فنسي أصلها وعبدت ذواتها، وجرى كثير من الفلاسفة على هذا النحو، فيحكى عن فيثاغورس اليوناني أنه كان يكثر من الكلام الرمزي، ليدل به على الحقيقة، وكذلك كان من بعده أفلوطن.
ولهذا الأدب الرمزي جماله، فهو يمتاز بأنه جمال مقنع تدركه ولا تلمسه، وتتخيله ولا يسمح لك أن تحدق فيه، فهو جمال تنظره وكأنك لا تنظره، وتسمعه وكأنك لا تسمعه، وتعرفه وكأنك لا تعرفه، قد خلع عليه الخفاء جلالًا فكان جميلًا جليلًا معًا، تسمعه فتلتذ له وتترنم به، فإذا أردت أن تقبض عليه قبضت على هواء، ليس لكلماته مدلول محدود، ولا لمعانيه حدود، وإنما هو إمعان في اللانهاية، وسبح ولا غاية.
يرى الصوفي أن لكل ظاهر باطنًا، وفي كل شيء إشارة، وفوق السطح عمقًا، ووراء القناع جمالًا فاتنًا، ويتيه عجبًا على الناس، إذ فهم ولم يفهموا، وغنَّى لهم ولم يطربوا، ويرى أن العقل حجاب يحجب النفس عن إدارك الجمال، وأن كشف هذا القناع إنما هو بالذوق والإلهام، لا بالمنطق والقضايا والأحكام.
وبهذا النظر نظر الصوفي إلى العالم، فسمى الحقيقة ليلى وسعدى، وأعجب بالخمر وتغنى بها، ورأى في الخمر معانيَ ليست في غيرها، فهي رمز إلى رقي النفس وتساميها، فالنفس ترقى بالفناء في الحقيقة كما تنشأ الخمر بفناء العنب، فيكون شيء من شيء، ويختلف الشيئان والأصل واحد، وإذا خرجت الخمر من العنب بقيت إلى الأبد وصلحت بمرور الزمان، على حين أن العنب نفسه لا يصلح للبقاء، فكذلك النفس إذا تجردت من مادتها الفاسدة ونزعت إلى الكمال صلحت للبقاء، ولم يعتورها فناء، وكلما مرت عليها السنون والأعوام زادت نقاءً، ورقت صفاء.
وهكذا ولَّد الصوفية من كل شيء أشياء، ورأوا في كل مادة رمزًا لمعان لا عداد لها، وبنى آخرهم على ما أتى به أولهم.
ونظروا إلى الدين نظرهم إلى كل ما في العالم، فكل آية في القرآن رمز، وكل حديث له تأويل، فليسوا يفهمون من الآيات ما يفهم الناس، ولا من الأحاديث ما يفهم الناس.
إن شئت مثلًا لذلك فخذ ما فهموا من حادثة شق صدر النبي ? فعلماء السيرة يرون أنه ? شُقَّ قلبه وهو مع رابّته ومرضعته في بني سعد، وأنه جيء بطست من ذهب فيه ثلج فغسل به قلبه، إلى آخر ما رووا، والصوفية لا يفهمون هذا إلا على أنه رمز؛ فقلب الإنسان قد ران عليه الخوف والشهوة والطمع وغير ذلك من السيئات، فأراد الله أن يذهب عنه الرجس ويطهره تطهيرًا، فأبعد عنه ما غشي قلوب الناس، وفتح قلبه ونقاه من كل سوء حتى يستعد للنبوة، فرويت هذه القصة وفهمها العامة حقيقة، وفهمها الخاصة رمزًا.
وهكذا كان شأنهم فيما عرض عليهم من العالم ومن الدين ومن الأدب، وهكذا كان شأنهم فيما أنتجوا من دين وأدب — عاشوا في حلم لذيذ من حب وتضحية، ونعموا بما قرءوا في العالم من رموز، وأخذوا أدب الأدباء وشعر الشعراء فنقلوه إلى أحوالهم ومقاماتهم، فطربوا لشعر مجنون ليلى وأبي نواس وفسروه بليلاهم وخمرهم، فلما شعروا هم أسبغوا على شعرهم من معانيهم ورموزهم، فكان لنا من ذلك كله نوع من الأدب طريف، أرجو أن أعرض لتفصيله فيما بعد.

خداع النفس


هل علمت أن العين تخدع فتريك الشمس في حجم الرغيف، والقمر في مقدار الكرة، والنجم كجذوة نار، وتريك المتساويين غير متساويين، وغير المتساويين متساويين، وهكذا الشأن في الحواس كلها، يخيل إليك أنك تسمع ما ليس له وجود، ولا تسمع ما له وجود، وتغمس إحدى يديك في ماء بارد والأخرى في ماء حار، ثم تغمسهما في ماء دافئ، فتريك الأولى أن الماء حار، وتريك الأخرى أنه بارد، وهكذا من أمثلة لا تعد ولا تحصى؟
وهل علمت أن الناس يخدعون الناس، فيحتال محتال ويهرج مهرج، ويظهر الرجل بمظهر السياسي الكبير، وليس في حقيقته سياسيًّا ولا كبيرًا، ويظهر الآخر بمظهر العالم المحقق، وليس عالمًا ولا محققًا، وتمر أمام أعيننا مناظرُ من الخداع لا عد لها، تشبه الحاوي في لعبه، والممثل في روايته؛ غني يتصعلك، وفقير يتغنى، وعيي يتفاصح، وماجن يتواقر، وفاسق يتصالح؟
ليس هذا ولا ذاك شيئًا بجانب خداع النفس للنفس، وكذب النفس على النفس. هذا كل إنسان تقريبًا يستصحب نفسه منذ صباه وشبابه، فلا يقر بشيخوخته وهرمه، فيرى نفسه شابًّا مهما تجعدت أساريرُ وجهِه، ومهما دب الضعف في جسمه.
وهذه المرأة — دائمًا — تخدع نفسها بالجمال وبالصغر، مهما حسبت عمرها، ومهما رأت كبر أبنائها وبناتها، ومهما نظرت في مرآتها، فترى آية القبح آية جمال، وتقرأ علامات الكبر علامات الصغر، وتغالط نفسها في عمرها، لا خداعًا للناس فحسب، بل خداعًا لنفسها أيضًا، حتى لتؤمن بما كذبت، وتصدق بما ادعت، وتجعلها حقيقة ما توهمت.
وهؤلاء المؤلفون والمصورون والموسيقيون والأدباء والشعراء، يرون أجمل ما في الوجود ما ألفوا، وخاصة آخر ما أبدعوا، والفنانون بما منحوا من خيال واسع وتصور عريض يستعملون خيالهم في نتاجهم، فيتخيلون أنه بعيد المنال، قد بلغ حد الكمال، إن نقص أسلوبه فهو بديع المعاني، وإن أعوزته الحقيقة فهو بديع الخيال، وعلى كل حال فهو وليد النبوغ، تتجلى فيه العبقرية ويمتاز بالسمو، إن عابه الناس فالعيب في ذوقهم، وإن نقدوه فالفساد في ميزانهم، يأكل قلوبهم الحقد، وتفسد حكمهم الغيرة.
سبحان الله! حتى مشتري السلعة — ومثلها عند البائع كثير — لا خير مما اشترى ولا أجود مما اقتنى: سجائره أحسن السجائر ولو رخصت، وثيابه خير الثياب ولو عيبت، والتاجر إنما اصطفاه بها؛ لأنه صديقه، وأكرمه في ثمنها؛ لأنه يحرص عليه، وفستانها خير الفساتين؛ لأنه اختير بذوقها، وخيط بإرشادها، إن عيب الشيء بنسجه اطمأن الشاري لحسن منظره ورخص سعره، وإن عيب بمنظره اعتذر بحسن نسجه وقوة متانته، كالمرأة لم يعجب منظرها فتعزت بخفة دمها، وطعن في خفة دمها فاحتكمت إلى منظرها.
ما أظلم النفس تنقد الصغير في غيرها ولا تنقد الكبير في نفسها، وتزن بميزانين، فتبالغ في تحري العيوب إذا وزنت لغيرها، وتبالغ في تحري المحاسن إذا نظرت إلى ذاتها! ? وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ.
•••

في السنين الأولى من حياة الطفل — وخاصة الثالثة والرابعة — يبدأ يشعر بذاته، وتبتدئ في الظهور شخصيته، ويأخذ رويدًا رويدًا يحدد موقفه من العالم، وتظهر عليه الأعراض الأولى منبئة بما سيصير إليه شأنه مع الدنيا، من تشاؤم وتفاؤل، وأمن أو خوف، وأنس أو وحشة، وأهم من ذلك التفاته إلى نفسه وشعوره بها، وإعظامه لها، واهتمامه بشأنها، وهذه النظرات الأولى لنفسه ولعالمه تكاد تلازمه طول حياته، وتحدد نوع أخلاقه مع ما يدخل عليها من تعديل بعوامل التأثير.
بهذه النفس — المتكونة تحت ظروف خاصة من وراثة وبيئة — ينظر الإنسان إلى العالم، فليس ينظره كما هو، بل ينظره من خلال نفسه، كمن يضع على عينيه منظارًا أسودَ أو أصفرَ أو أزرقَ، فهو ينظر الدنيا من خلاله بلون نفسه، ويفسر الأحداث تبعًا لمنظاره، ويقوِّم الأشياء بميزان شخصيته، وينظر إلى الأعيان لا حسبما هي في الخارج، ولكن حسبما لونتها نفسه، كالثوب تغمسه في لون من الصبغ فيظهر بلون ما صبغته، وكزجاجة المصباح تظهر نوره أحمر أو أزرق، حسب لونها لا حسب لونه، والفيلسوف والأبله تقع عيناهما على شيء واحد، فيرى الفيلسوف فيه معاني جمة، ولا يرى فيه الأبله شيئًا، وليس عيبه في عينه ولكن في نفسه، والعالِم وكلبه ينظران إلى صفحة في كتاب، هذا ينظر فيفهم، وهذا ينظر ولا يفهم.
من أجل هذا اختلف الناس في حكمهم على الأشياء وفي تذوقهم لها، وفي سلوكهم نحوها، ومن أجل هذا آمن المؤمن وكفر الكافر، ومن أجل هذا نبل النبيل، وسخف السخيف، وصلح الصالح، وفسد الفاسد.
فالمنظور واحد ولكن الناظر متعدد، والحق واحد والآراء مختلفة.
قد يبالغ الإنسان في تقويم نفسه — وهو الأغلب — فيمنحها من الأهمية في العالم ما ليس لها في الحقيقة، ويرى كأن الدنيا لا تنتظم إلا به، ولا تسير إلا بنفَسه، وإنه — في حقيقة أمره — ليس إلا ملكًا متخفيًا، ويبالغ الصوفي في احتقار نفسه، فهي ليست شيئًا، ولا قيمة لها في حياتها أو مماتها، ثم ينظر كل من هذا وذاك إلى العالم على أساس هذا الاعتقاد، ويختلفان اختلافًا تامًّا في تقويم الأشياء، وقل من يعرف نفسه على حقيقتها، ويقومها حق قيمتها.
ثم خداع النفس هذا قد يكون عامًّا، وقد يكون خاصًّا كالجنون، بعضه كلي وبعضه فرعي، فيحدثنا الأطباء أن من المجانين من هو مجنون في كل شيء، ومنهم من هو مجنون في شيء خاص، فهو عاقل في كل شيء، ولكنه يعتقد أن له إصبعًا من زجاج، أو هو إنسان مألوف في كل شيء إلا في عقيدته أنه ملك سلب ملكه ونحو ذلك، وهذا هو الشأن في النفوس، قد تخدع النفس نفسها في كل شيء، في العلم والمال والخلق، وقد تكون عاقلة حكيمة، إلا فيما يتصل بعظمتها، فهي لم تتبوأ مركزها في الوجود، ولم يقدر الناس ما لها من قيمة، وقد يكونُ خداعُ النفسِ منصبًّا على الشئون المالية وحدَها، فهو حريص كل الحرص، يخدع نفسه بالخوف من الفقر، والخوف من الاغتصاب، وهكذا الخداع فنون، كما أن الجنون فنون، وكلُّ الناسِ خادعٌ لنفسه، ومخدوع بنفسه، إلا من رحم ربك، وقليل ما هم.